Advertisement

تفسير أبيات المعاني من شعر أبي الطيب المتنبي



الكتاب: تفسير أبيات المعاني من شعر أبي الطيب المتنبي
المؤلف: أبو المرشد سليمان بن علي المعري (المتوفى: بعد 492هـ)
[الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع] بسم الله الرحمن الرحيم
وبه الإعانة
مقدمة المؤلف
الحمد لله حمداً يقضي عنا شكر آلائه، ويسنى الحظ من رحمته وجزيل عطائه، وصلى الله على محمد خاتم أنبيائه، وخيرة أصفيائه، وعلى آله الأطهار من ذريته، والأبرار من عترته، وسلم وكرم.
أما بعد فإنه حضر عندي جماعة من أهل الأدب، بين ريان منه صادر عن مورده، وطالب موف على مقصوده، ومجتهد سمت همته إلى جمع فنونه، وافتراع أبكاره وعونه. جعلوا مبدأ مذكراتهم، ومنشأ مشاجرتهم معاني شعر أبي الطيب أحمد بن الحسين المتنبي، وقصروا همهم على كشف ما التبس من معانيه، والحث عن غوامضه وخوافيه فكأنه عناهم بقوله:
أنام ملء جفوني عن شواردها ... ويسهرُ الخلق جراها ويختصمُ
وسألني منهم أوجب حقه، وأوثر موافقته، جمع ما انتهى إلى علمه من أقوال مفسري ديوان المذكور، على سبيل الإيجاز والاختصار، والاقتصاد، فانتهت إلى مراده، وسارعت إلى جمع مقترحه وإيراده، وتتبعت جميع قصائده تتبع الناشد مظان نشائده، أقتضب منها الألفاظ الشريفة والمعاني اللطيفة مظهراً خبياتها، جالياً لها في أحسن هيآتها، وأفردت لها مختصراً لطيفا مجمله، كافيا لمن يتأمله. لم أتسمح في إغفال نكتة لغوية ولا إهمال مشكلة نحوية. إن كان شيخنا أبو العلاء أحمد بن عبد الله بن سلمان رحمه الله ورضي عنه، قد أورد في كتابه المعروف: ب) اللامع العزيزي (مالا فائدة فيما عداه، ولا حاجة معه إلى ما سواه، إلا أنه رحمة الله قلد ظرف الكلام فضل عنانه، وأرسل سابقا يفتن في ميدانه، فلم يدع فضلة علم إلا رفع منارها، ولا دفينة معنى إلى كشفها وآثارها. فطال الكتاب بما استودع من صنوف الآداب.
وأما الشيخ أبو الفتح عثمان بن جني، رحمه الله، فإنه بسط عبارة كتابه، وجعل النحو معظم ما أتى به، حتى صار طالب البيت الواحد يفني عدة صفحات في اختلاف مذاهب النجاة، قبل إدراك طلبه، وبلوغ أربه ز ولم يخلص تصنيف الأستاذ أبي علي ابن فروجة رحمه الله فيما نقمه على الشيخ أبي الفتح ابن جني من ألفاظ غير مفيدة، ومقاصد في الرد عليه ليست بالرشيدة.
فاستخرجت في ذلك كله ما لابد منه، ولا غنى للناضر عنه تقريبا على الطالب المستفيد، وتذكرة للراغب المستزيد معولا في تيسير ما قصدته، وتجنب الزلل فيما أوردته، على معونة الله وحسن توقيفه، وهو حسبي ونعم الوكيل.
حرف الهمزة
قال أبو الطيب أحمد بن الحسين المتنبي من أهل الكوفة ومولده منها بكندة سنة ثلاث وثلاثمائة، وتوفي سنة أربع وخمسين:
عذْلُ العواذلِ حولَ قلبِ التَّائِهِ ... وهوى الأحِبَّةَ مِنْهُ في سَوْدائِهِ
قال الشيخ أبو العلاء: عَذْل وعَذَل، والتحريك في هذا الموضع أحسن، لأنه أقوى في السمع والغريزة، ويقال: عذلت فلانا فاعتدل، أي: لام نفسه.) معتذلات سهيل (: أيام شديدات الحر تجيء قبل طلوعه أو بعده، وبعض الناس يرويها) معتدلات (بالدال، أي: أنهن قد استوين في شدة الحر، وأما بالكف عنه.
وقوله:) التائه (جاء بالهاء الأصلية مع تاء الإضمار في القوافي، وربما فعلت الشعراء ذلك وهو قليل ومنه قول الأنصاري:
أبلغ أبا عمرو أحي ... حة والخطوب لها تشابه
أني أنا الليث الذي ... تخشى مخالبه ونابه
وسوداء القلب وسويداؤه، وأسوده، وسواده واحد، وهي علقة من دم أسود تكون فيه.
يشكو الملام إلى اللوائم حره ... ويصد حين يلمن عن برحائه
قال الشيخ أبو العلاء رحمه الله: المعنى أن اللام يشكو إلى اللوائم اللاتي يلمن هذا المحب، لأنه إذا وقع في سمعه، صار إلى قلبه، فوجد حرارة شيديدة، وهو من دعوى الشعر المستحيلة.
الشمس من حساده والنصر من ... قرنائه والسيف من أسمائهِ
قال الشيخ أبو العلاء: السيف من أسمائه يعني اللفظة دون جوهر السيف لأن الحديد جوهر ولا يكون أحد الجنسين في الآخر.
ومن أبيات لها:
القلب أعلم يا عذول بدائهِ ... وأحق منك بجفنه وبمائهِ
قال أبو الفتح ابن جني: أي هو يصرف الدمع حيث يريد لأنه مالكه والهاء في مائه تعود على الجفن ويجوز أن تعود على القلب وفيه بُعد.
ما الخل إلا من أود بقلبهِ ... وأرى بطرف لا يرى بسوائهِ
(1/1)

قال ابن جني: معنى البيت ليس خليل إلا نفسك فلا تلتف إلى قول أحد: إني خليل لك. ويجوز أن يكون المعنى، ما الخل إلا من فرق بيني وبينه، فإذا وددت فكأني بقلبه أود وإذا رأيت فكأني بطرفة أرى. إنما يستحق أن يسمى خلا من كان منك بهذه المثابة
إن المعين على الصبابة بالأسى ... أولى برحمة ربها وإخائهِ
قال ابن جني: كأنه قال: إن المعين على الصب بالأسى وهو الحزن أولى بأن يرحمه ويكون أخاه إما لأنه هو الذي جنى عليه ما جنى وإما لأنه أعرف الناس بدوائه وأطبهم بدائه. ويجوز أن يكون قوله:) على الصبابة (. أي: مع ما أنا فيه من الصبابة يكون المعنى في هذا أي: لا معونة إلا إيراده علي الأسى والحزن. فيجري مجرى قولك: عتابك السيف. وحديثك الصمم أي لا عتاب عندك إلا السيف.
وقال الشيخ أبو العلاء: يقول الذي يعين على الصبابة بالأسى أي الحزن أولى برحمة ربها: أي كان ينبغي أن لا يفعل ذلك. كأنه جعل عذله إياه زيادة في حزنه ويجوز أن يعني أنك يا عذول كان ينبغي أن تحزن بحزني كما يقال للرجل إذا منع صديقه شياً: إن الذي يعين خليله بالمال وقضاء الحاجة هو الذي يستحق أن يسمى خليلاً ومؤاخياً.
وقد روت) الأسى (بضم الهمزة. من أسيت الحزين أي عزته. والمعنى إن الذي يقول لك أسوة بفلان وفلان أولى بأن يكون خليلاً ناصحاً.
عجبَ الوشاةُ منَ اللحاق وقولهم ... دع ما نراك ضعفتَ عن إخفائهِ
قال ابن جني: المعنى إنه ليس حوله إلا واش أو لاحٍ. فعجب الوشاة من تكليف اللحاق له بما لا يستطيعه لأنه إذا ضعف عن إخفائه فهو عن تركه أضعف. والواشي: لذي ينمق الكذب. واللاحي: الذي يزجر ويغلظ القول
مهلا فإن العذل من أسقامه ... وترفقاً فالسمع من أعضائهِ
قال أبو العلاء: هذا مجاز واتساع، لان السمع ليس من الأعضاء، ولكنه يحمل على أنه أراد موضوع السمع من أعضاءه؛ أي الأذن.
ومن التي أولها:
أتنكر يا ابن إسحاق إخائي
أأنطق فيك هجراً بعد علمي ... بأنك خير من تحت السماءِ
قال الشيخ رحمه الله: الهجر: مالا ينبغي من القول. يقال: أهجر الرجل إذا جاء بالهجر قال الشماخ:
كما جدة الأعراقِ قال ابن ضرةٍ ... عليها كلاماً جار فيه وهَجَّرا
وهجر الرجل بمعنى هذى ومنه قوله تعالى:) سامرا تهجرون (أي: تهذون وقيل: من الهجر الذي هو القطيعة أي تهجرون سامراً لا تحضرونه.
وتنكر موتهم وأنا سهيلٌ ... طلعتُ بموتِ أولادِ الزناءِ
قال الشيخ رحمه الله: إثبات الألف في أنا عند بعض الناس ضرورة لأن هذه الألف لا تثبت إلا في الموقف. وكان محمد بن يزيد يتشدد في ذلك ولا يجيزه. وقد جاء في مواضع كثيرة من ذلك قول الأعشى:
فكيف أنا وانتحالي القواف ... ي بعد المشيبِ كفى ذاك عارا
وقول حميد بن بحدل:
أنا زين العشيرة فاعرفوني ... حميداً قد تذريت السناما
والزنا تمد وتقصر. وجاء في كتاب الله عز وجل مقصوراً. وكأنه إذا مد مصدر زاني يزني قال الشاعر:
أبا حاضرٍ من يزن يعرف زناؤه ... ومن يشرب الخرطوم يصبح مسكراً
ومن التي أولها:
أمن ازدياد في الدجى الرقباءُ ... إذ حيث كنت من الظلام ضياءُ
قال ابن جني: أي لا يقدر أحد على زيارتك ولا تقدرين على زيارة أحد ليلاً لأن ضوء وجهك ينم عليك.
قلق المليحة وهي مسك هتكها ... ومسيرها في الليل وهي ذكاءُ
قال أبو علي ابن فورجة: قلقها: يعني حركتها في مشيها. وهتكها مصدر هتك فلان الستر هتكاً وهو مصدر فعل متعدٍ. ولو أتى بمصدر لازم كان أقرب إلى الفهم. كأنه لو قال: انهتاكاً كان لعلم المخاطب به، كأنه يقول: ومسيرها في الليل هتك لها من قبل الطيب الذي استعمله بل جعلها نفسها مسكاً. وكأنه ألم بقول امرئ القيس:
ألم ترياني كلما جئت طارقاً ... وجدت بها طيبا وإن لم تطيبِ
وبقول آخر:
درة كيفما أديرت أضاءت ... ومشم من حيثما شم فاحا
وأما المعنى المتداول أن الطيب يهتك من استعمله فمنه قول بشارٍ:
رب قول من سعاد لنا ... قد حفظناه فما رفعا
أملي لا تأت في قمرٍ ... لحديثٍ واتقِ الدرعا
وتوق الطيب ليلتنا ... إنه واش إذا سطعا
وأجود منه آخر محدث تقدم أبا الطيب:
(1/2)

ثلاثة منعتها من زيارتنا ... وقد دجا الليل خوف الكاشحِ الحنقِ
ضوء الجبين ووسواس الحلي وما ... يفوح من عرقٍ كالعنبر العبقِ
هب الجبن بفضل الكم تستره ... والحلي تنزعه ما الشأن في العرق
وقوله:) مسيرها في الليل وهي ذكاء (يشبه قوله أيضا:
رأت وجه من أهوى بليل عواذلي ... فقلن ترى شمسا وما طلع الفجر
والأصل في هذا قول القائل:
عجبت لمسراها وأني تخلصت ... إلى وباب السجن دوني مغلقُ
عجبت لمسراها وسرب سرت به ... تكاد به الأرض البسيطة تشرقُ
مثلت عينك في حشاي جراحة ... فتشابها كلتاهما نجلاء
قال ابن جني: أي لما نظرت إليك جرحت قلبي جراحة أشبهت لسعتها عينك. وقوله: كلتاهما نجلاء، في موضع نصب على الحال، كأنه قال فتشابها نجلاوين. وإن شئت لم يكن لها موضع من الإعراب كقوله تعالى) سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهمُ (ورابعهم كلبهم، جملة لا موضع لها من الإعراب.
وقال ابن فورجة: هذا البيت ظاهر المعنى شاهدت كثيرا من الفضلاء يغلطون في معنى قوله: مثلت عينك في حشاي جراحةً ويظنون أن معناه خيلتها إلي، وصورتها عندي جراحة، ويقولون هذا كما يقول:) فلان غصة في صدري، وشجى في حلقي (. وإن لم يكن كذلك حقيقة. ويراد به وهو يحل محل الغصة من الصدر، والشجى في الحلق، وكذلك هذه العين، تحل محل الغصة من الصدر، والشجى، وكذلك هذه العين تحل محل الجراحة في حشاي وهذا كقوله في شعره أيضا:
ممثلة حتى كأن لم تفارقي ... وحتى كأن اليأس من وصلك الوعدُ
وقوله أيضا:
كانت من الحساء سؤالي إنما ... أجلي تمثل في فؤادي سولا
أي تخيل، وهذا خطأ فاحش، إذ كان آخر البيت هذا القول بقوله: فتشابها، إذ هي عين واحدة، وتشابها فعل اثنين ومعنى البيت مثلت أي أحدثت لعينك مثالا في حشاي، أي جرحته جراحة واسعة مثل عينك. وهذا كما يقول: مثلث أي جعلت له مثالا للحروف يكتب مثلها.
نفذت علي السابري وربما ... تندق فيه الصعدة السمراء
قال ابن جني: معنى البيت أن عينك نفذت ثوبي إلي، فتمثلت في حشاي جراحة، فإن قيل: كيف تندق الصعدة في الثوب الرقيق قيل: معناه إنه إذا طعن بقناة اندقت القناة دون أن تعمل فيه، فكأن ثوبه درع عليه لمكان جسمه من تحته يؤكد هذا قوله:
طوال الردينات يقصفها دمي ... وبيض السريجات يقطعها لحمي
كأنه نظر إلى قول قيس بن الخطيم:
ترى قصد المران تهوى كأنها ... تذرع خرصان بأيدي الشواطب
وقريب منه قول أبي تمام:
أناس إذا ما استلحم الروع صدعوا ... صدور العوالي في صدور الكتائب
إلا أن المتنبي جعل نفسه مؤثرة في السلاح ولم يجعل للسلاح فيها أثراً يفخر بذلك. ألا ترى أن بعد هذا) أنا صخرة الوادي (ويجوز أن يكون عنى بالسابري: الدرع كقول دريد:
فقلت لهم ظنوا بألفي مدججٍ ... سراتهم في السابري المسردِ
فيكون على هذا نفذت نظرتك الدرع إلى قلبي فنفذت حينئذ من قوله:
وقى الأمير هوى العيون فإنه ... ما لا يزول ببأسه وسخائهِ
وكلا القولين مذهب.
أنا صخرة الوادي إذا ما زوحمت ... فإذا نطقت فإنني الجوزاء
قال ابن فورجة: صخرة الوادي هي أتان الضحل وهي صخرة تكون في الوادي قد بل الماء أسفلها فازدادت رسوخاً في الأرض. الضحل الماء القليل يترقرق على وجه الأرض، وجمعه ضحول وأضحال وأتان الضحل أراد امرؤ القيس بقوله: حجارة غيل وارساتٌ بطحلبِ والغل الماء بين الشجر. ومثله:
عيرانة كأتان الضحل ناجية ... إذا ترقص بالقور العساقيل
(1/3)

وإنما سميت أتان لان هذه الصخرة تلامس بالطحلب فشبهت بالأتان التي املاست فأكثر لحمها. والأتان أيضا مكان على حافة البئر سمي بذلك لاملاسه، ونراكب الطحلب عليه. وإنما يعني أني إذا زوحمت لم يقدر إزالتي عن موضعي كما أن هذه الصخرة لا تزال عن موضعها يريد لا أزال عن شر في وفضلي عند المساماة والمفاخرة. أو يعني أني إذا حاربت لم انهزم. وقوله) فإذا نطقت فإنني الجوزاء (فإن المنجمين يزعمون أن الجوزاء من البروج التي تختص بالكتاب. فهو وصاحبه عطارد يدلان على المنطق والبراعة فيقول: أنا الجوزاء، أي: مني تستفاد البراعة، ومني يقتبس الفضل كما أن الجوزاء تعطي من يولد به البراعة والنطق وإلى هذا أشار بقوله:
ومني استفاد الناس كل غريبةٍ ... فجازوا بتركِ الذم إن لم يكن حمد
شيم الليالي أن تشكك ناقتي ... صدري بها أفضى أم البيداء
قال الشيخ رحمه الله: يقول ناقتي هذه تشككها الليالي، فلا تدري أصدري أفضى أم البيداء التي هي سائرة فيها وأراد ألف الاستفهام فحذفها وذلك كثير موجود، وقد حملوا على ذلك قول الأخطل:
كذبتك عينك أم رأيت بواسطٍ ... غلس الظلام من الرباب خيالا
كأنه قال: أكذبتك عينك وقوله) أفضى (يحمل أن يكون اسماً وفعلا. فإذا كان اسما فهو على معنى التفضيل كأنه قال: أصدري أشد سعة أم البيداء، وإذا كان فعلا فهو من أفضى إلى الشيء يفضي كأنه قال صدري يفضي بهذه الناقة. أي يصيرها في الفضاء أم البيداء.
فتبينت تسئد مسئداً في نيها ... إسادها في المهمهِ الإنضاء
قال ابن جني: الاساد إغذاذ السير، والني الشحم، يقال نوت الناقة تنوي نوايةً. والمهمه: الأرض الواسعة. والأنضاء مصدر أنضاه إذا هزله وأذابه والمعنى. فتبيت هذه الناقة تسرع السير في شحمها. أي يهزلها الانضاء لشدة السير. كما تسرع هي في قطع الأرض. أي كما قطعت الأرض قطعت الأرض شحمها، على احتذاء مثال هذا. هكذا حصلته عنه وقت قراءتي عليه شعره.
ونصب) مسئداً (على الحال منها، والإنضاء مرفوع بمسئد والعائد عليها من هذه الحال الهاء في نيها. وإسآدها منصوب على المصدر، والناصب له) مسئداً (لا يسئد وتقديره، فتبيت هذه الناقة تسئد مسئداً الإنضاء في نيها إسآداً مثل إسآدها هي في المهمه. ونظير هذا: بيت هند: تصلي مصلياً عمرو في دارها صلاتها في المسجد أي تبيت تصلي على هذه الحال. فتسئد فعل الإنضاء، وجرى حالاً على الناقة لما تعلق به من ضميرها الذي في نيها كما تقول:) مررت بهند واقفاً عندها عمرو (.
بَيني وَبَينَ أبي عليٍّ مِثْلُهُ ... شُمُّ الجبالِ وَمِلْئُهُنَّ رَجاءُ
قال ابن جني: نصب مثلهن لأنه كان في الأصل في وصف النكرة التي هي رجاء أراد ورجاء مثلهن. ونعت النكرة المرفوعة إذا قدم عليها نصب على الحال كما تقول فيها قائماً رجل ومثله: لِعَزَّةَ موحِشاً طَلَلُ ومعنى البيت: بيني وبين الممدوح جبال مثله في العظم، وهو في نظائر اللفظ تعظيم للممدوح لأنه شبهه بالجبال، يريد حلمه ورزانته كقول مسلم:
كَبيرُهُم لا تَقومُ الرَّاسِياتُ لَهُ ... حِلْماً وَطِفْلُهُمْ في هَدي مُكْتَهِلُ
أي: بيننا هذه الجبال، ورجاء مني له مثلها تعظيماً لرجائه وتأكيداً له. وقال الأحسائي: شم الجبال مثله في الحلم والرفعة والشدة.
ورفع مثله على الابتداء والخبر " بيني وبين أبي علي " وشم الجبال بدل من مثله، ولا يجوز نصب مثلهن ولا مثله على الحال، لأن مثله ليس صفة لشم الجبال فينصب إذا تقدم. لأن الجماعة لا توصف بالواحد، ومثلهن عطف على الجملة، والتقدير ورجاء مثلهن، فقدم حرف العطف وهو الرجاء، ونيته تقديم رجاء وتأخير مثلهن. ومثله قولهم) إن في الدار لزيداً (وحكم اللازم أن تكون في الخبر مؤخرة، وليس للاسم فيها حظ، فلما قدم الخبر بقيت اللام في موضعها في التأخير، ووقع الاسم بعدها، والنية تقديمه، فاللازم في الحقيقة للخبر لا للاسم. وكذلك واو العطف في البيت لما كانت للرجاء وتقدمت الصفة والواو قبلها، لم يعتد بتقديمها، وأجريت في الاتباع مجراها متأخرة لوقوع الواو، مقتضية لتقديم الموصوف، لأن حرف العطف لا يكون في الصفة، إنما هو للموصوف، والصفة تابعة ولولا الواو لنصبت الصفة المتقدمة على النكرة، كقوله: لعزة موحشاً طلله.
(1/4)

وَكَذا الكريمُ إذا أقامَ بِبَلدَةٍ ... سالَ النُّضارُ بها وَقامَ الماءُ
قال ابن جني: معنى البيت أن الكريم إذا أقام ببلدة، أعطى المال وفرقه في وجوه الكرم، فكأنه ماء سائل، وقام الماء أي جمد، لما رأى من كرمه وسخائه فوقف متحيراً، فلم يسل. ويشهد لصحة هذا التفسير قوله بعده:
جَمَدَ القِطارُ ولو رَأتْهُ كما رأى ... بُهِتَتْ فلمْ تَتَبَجَّسِ الأنواءُ
يقول: جمد القطار لما رآه، تحيراً من كرمه، فلولا أن الأنواء رأته كما رآه القطار لبهتت فلم تتبجس بالماء، استعظاماً لما يأتيه. وهذا تفسير للذي قبله. قال الشيخ أبو العلاء أحمد رحمه الله: الصواب أن تكون الأنواء مرفوعة برأته، لأنه أولى الأفعال بها، إذ كانت الرؤية هي التي يؤديها إلى البهت، فكأنه قال: لو رأته الأنواء، بهتت فلم تتبجس.
وقال ابن فورجة: أراد بالكريم الممدوح نفسه، لا كل كريم، إذ كان شارعاً في ذكره، وهذا كما قال الشاعر: أبى القَلْبُ إلاَّ أُمَّ عمروٍ وذكرَها وكقول نُصيب: وقُلْ إن تَمِلّينا فما مَلَّكِ القَلْبُ
مَن يَهْتَدي في الْفِعْلِ ما لا يهتدي ... في القَوْلِ حتّى يَفْعَلَ الشُّعَراءُ
قال الشيخ: فعل الشعراء: هو قوله يهتدي. والمعنى أن هذا الممدوح يهتدي في الفعل ما لا يهتدي إليه الشعراء، وهم موصوفون بالفطنة، وادعاء الأشياء المتعذرة، فهذا الممدوح يفعل الأشياء التي لا تهتدي الشعراء إليها حتى يفعلها فتعرفها حينئذ.
مَنْ يَظْلِمُ اللُّؤِماءَ في تَكْليفهم ... أنْ يُصْبِحوا وَهُمْ لَهُ أكْفاءُ
قال ابن جني: يقول تكليفه اللؤماء أن يصبحوا مثله في الكرام، ظلم لهم منه، لأنهم لا يقدرون على ذلك.
وقال أبو العلاء: " مَنْ " في البيت استفهام، والمراد أن أحداً من الناس لا يظلم اللؤماء، بأن يكلفهم أن يفعلوا كفعل هذا الممدوح، كما يقال للشيء إذا بَعُد: من يقدر على هذا؟ أي: لا يقدر عليه أحد.
اِحْمِدْ عُفاتَكَ لا فُجِعْتَ بِفَقْدِهِمْ ... فَلَتركُ ما لم يأخُذوا إعْطاءُ
قال ابن جني: يقول: " لا فجعت بفقدهم " حشو في غاية الملاحة والظرف، وهو يحتمل أمرين، أقربهما إلى ظاهر البيت، إنه دعا بأن لا يعدم القصاد والطلاب، إذ كانوا لا يقصدون إلا ذا مال وثروة.
لا تكْثُرُ الأمواتُ كثرة قِلَّةٍ ... إلا إذا شَقِيَتْ بِكَ الأحياءُ
قال ابن جني: إنما تكثر الأموات إذا قل الأحياء، وكثرتهم كأنها في الحقيقة قلة، وقوله شقيت بك أي: شقيت بفقدك، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، وإنما تشقى به الأحياء، لمفارقته إياهم وقال الشيخ: معناه أن الأموات، إذا حارب هذا الممدوح أعداءه، كثروا لأنه يقتلهم، وكثرة هذه الأموات مؤدية إلى القلة، لأنها فناء.
وقال ابن فورجة: قوله: كثرة قلة، لأن الأموات تدفن أو تبلى، فتذروها الرياح، أو تأكلها الوحوش والطير، فهي تقل وإن كثرت، وكأن هذا البيت ينظر به إلى قول القائل:
لِكُلِّ أُناسٍ مَقْبَرٌ بِفَنائِهِمْ ... فَهُمْ يَنْقُصونَ وَالْقُبورُ تَزيدُ
وهذه الطريقة سلك أيضاً بقوله:
متى ما ازْدَدْتُ مِنْ بَعْدِ التَّناهي ... فَقَدْ وَقَعَ انْتِقاصي في ازدِيادي
جعل زيادته بعد تناهيه نقصاناً زائداً، كما جعل في هذا البيت، كثرة الأموات قلة. وقوله: " شقيت بك الأحياء " ليس يريد به الشقاء بعينه، وإنما هو من قولهم: شقيت بفلان، إذا كان يبغضك، كقول الطرماح.
وَنِّي شَقِيٌّ باللئامِ ولن ترى ... شَقِيَّاً بِهِمْ إلا كريمَ الشَّمائِلِ
أي: اللئام يبغضونني، ولا ترى أحداً يبغضونه إلا كريماً. وقال أبو الطيب:
لولا ظِباءُ عَديٍّ لما شَقِيتُ بِهِمْ ... ولاَ بِرَبْرَبِهِمْ لولا جآذِرُهُ
يريد: لولا ظباء عدي، لما أغضبتني عدي، ولا أضمرت لي الأحقاد، والمعنى أنك إذا كرهت حياة قوم وأبغضتهم، قتلتهم فكثرت بهم الأموات، كثرة تؤدي إلى قلة.
(1/5)

وقال الأحسائي: الأموات في قول جمهور الناس بعدد الأحياء، وأنه لا يموت واحد إلا ولد بازائه مولود، وهذا قول تشهد الحكمة بصحته، وتسكن العقول إلى وجوبه، يقول: فإذا صرت في الأموات كثروا على الأحياء كثرة قلة كما أن الأحياء بكونك فيهم، أكثر من الأموات كثرة نباهة وشرف، لا كثرة عدد وكذلك تكثر الأموات بموتك كثرة قلة لا كثرة عدد، وكشف معنى قوله: كثرة قلة أن شخصك حينئذ يصير إلى الأموات فقط، والذكر والشرف والمجد والفخر في إحياء لم يدفن معك ولا مات فتصير للأموات فيها حظ. وإنما كثروا بالشخص الذي عدمته الأحياء، وكثرة الأموات على الحقيقة قلة.
لم تسم يا هارون إلا بعدما ... اقترعت ونازعت اسمك الأسماء
قال ابن جني: يقول لم تسم يا هارون بهذا الاسم إلا بعد أن تقارعت عليك الأسماء، فكل أراد أن تسمى به فخراً بك وقال الشيخ: أجود ما يتأول في هذا أن يكون الاسم هاهنا في معنى الصيت كما يقال: فلان قد ظهر اسمه أي قد ذهب صيته في الناس، فهذا يحتمله ادعاء الشعراء وهو مستحيل في الحقيقة لان العالم لا يخلو أن يكون فيه هارون فهذا يحتمل ادعاء الشعراء هو مستحيل في الحقيقة لأن العالم لا يخلو أن يكون فيه جماعة يعرفون بهارون ويجوز أن يكون الأسماء في آخر البيت جمع اسم أي صيت وتحتمل أن تكون جمع اسم يعني به اسم الرجل الذي هو معروف به مثل زيد وعمرو وما جرى مجراه.
فبأيما قدم سعيت إلى العلا ... أدم الهلال لأخمصيك حذاء
قال ابن جني: تعجب من القدم التي تسعى بها إلى العلا ثم دعا له فقال) أدم الهلال لأخمصيك حذاء (كأنه دعا للقدم المعنى: لا تزال عالياً وهو كقوله: أتتركني وعين الشمس نعلي قال الشيخ: ذكر أن قوله أدم الهلال دعا للممدوح وليس في ذلك فائدة وإنما الشاعر مخبر للممدوح يقول فبأيما قدم سعيت أي في حال طلبت المعالي فأنت رفيع القدر كأن أدم الهلال حذاء لأخمصيك ولم يرد والله معنى الاستفهام في أول البيت وإنما أراد في أي حال طلبت المعالي، فأنت رفيع القدر، كأن أدم الهلال حذاء لأخمصيك، ولم يرد والله معنى الاستفهام في أول البيت، وإنما أراد في أي حال طلبت المكارم، فأنت في غاية لا يبلغها غيرك، وكأنه جعل سعيه إلى المعالي مختلفاً فلذلك حسن أن يقول " فبأيما قدم سعيت ". كأنه جعل سعيه إلى الحرب قدماً، وإعطاءه النوال قدماً أخرى، وعفوه عن الجاني ثالثة.
لو لم تكُنْ من ذا الوَرى اللَّذ منكَ هوْ ... عَقِمَتْ بمولدِ نَسْلِها حَوَّاءُ
قال ابن جني: قوله: اللذ، بسكون الذال وكسرها، لغة، يقول لو لم تكن من هذا الورى كأنه منك، لأنك جماله وشرفه وأنفس أهله، ولكانت حواء في حكم العقيم التي لم تلد، ولكن بك صار لها ولد.
وقال الأحسائي: إن الله تعالى إنما خلق آدم وحواء، لتكون منهما ولولا ذلك لما أنسلا، وحذف الياء من الذي وسكون الذال كقوله:
كنت من الأمرِ اللذي قد كيدا ... كاللذْ تَزَيَّى زُبْيَةً فاصطيدا
ومن التي أولها:
ألا كُلُّ ماشيةِ الخيزلى ... فِدا كُلِّ ماشيةِ الهيدبى
قال الشيخ: الخيزلى مشية فيها تفكك من مشي النساء يقال: مشت الخيزلي والخيزلى والخيرزي والخورزي بمعنى واحد. والهيذبي ضرب من مشي الخيل. ويقال: الهيدبي بالدال والذال. ومعنى البيت ألا كل امرأة فدا كل فرس.
وَكُلِّ نَجاةٍ بُجاوِيَّةٍ ... حَنوفٍ وَمَا بِيَ حُسْنُ المِشى
قال ابن جني: بجاوية منسوبة إلى البجاوة، وهي قبيلة من البربر، يطاردون عليها في الحرب. قال يرمي الرجل بالحربة فإن وقعت في الرمية، جاء الجمل إليها حتى يتناولها صاحبها. وإن وقعت في الأرض أسرع الجمل إليها حتى يضرب بجرانه الأرض فيأخذها صاحبها. هذا لفظ المتنبي.
قال الشيخ: ناقة نجاة في معنى ناجية، وهي السريعة التي تنجي صاحبها. وهو اسم وضع للإناث دون الذكور، لأنهم قالوا للناقة نجاة، ولم يقولوا للبعير نجي. وبجاوية منسوب إلى البجاة، ويقال أنه اسم جيل من الناس، وقيل: بل البجاة البلد، ولهم نجب موصوفة، ويجب أن يكون قوله: بجاوية منسوبة على غير قياس، لأنه لو حمل على لفظ البجاة لقيل بجوي. والخنوف: التي نقلت خفها الوحشي والاسم الخناف، والمشي جمع مشية كما يقال الفِرى جمع فرية.
(1/6)

وَأَمْسَتْ تُخَبِّرُنا بالنِّقَا ... بِ وادي المياهِ ووادي القُرى
قال ابن جني: النقاب موضع يتشعب منه طريقان إلى وادي المياه ووادي القرى، أي صرنا إلى النقاب عليها، وقدرنا سلوك إحدى الطريقين عليها، صارت كأنها مخيرة لنا إحدى الطريقتين، وإن كانت في الحقيقة غير مخيرة.
وقال الشيخ: قوله النقاب، ليس هو اسم موضع بعينه، وإنما هو من قولهم ورد الماء نقاباً إذا لم يعلم حتى يرده، فكأنه ادعى للإبل أنها من خبرتها تخبرهم بالمياه. ووادي المياه ووادي القرى بدل من النقاب بدل تبيين.
ولاحَ لها صَوَرٌ والصَّباحَ ... وَلاحَ الشُّغورُ لها والضُّحى
قال الشيخ: ذُكر عن أبي الفتح ابن جني أنه قال: صور لا يعرف في هذه المواضع وإنما أخذه أبو الفتح من الكتب الموضوعة في المقصور والمحدود. وإنما أراد أبو الطيب صوراً فألقى حركة الهمزة على الواو وحذفها، وقد ذكر الفرزدق هذا الموضع في شعره فقال:
فما جَبَرَتْ إلاَّ على عَتَبٍ بها ... عَرَاقيبُها مُذْ عُقِرَتْ يومَ صَوارِ
وفي هذا المعنى كانت المعاقرة بين غالب أبي الفرزدق وسحيم بن وثيل الرياحي. والمعنى أن هذا الموضع لاح للإبل مع الصباح، ولاح الشغور لها مع الضحى، ويجوز في الصباح الرفع على العطف، والنصب على أنه مفعول معه. وكذلك يجوز في الضحى، والشغور يجوز أن يكون اشتقاقه من قولهم بلاد شاغرة، إذا لم يكن لها من يحميها.
وَرَدْنا الرُّهَيْمَةَ في جَوْزِهِ ... وَباقِيهِ أكثرُ مِمَّا مَضَى
قال الشيخ: الجوز الوسط، وبعض ما لا علم له بالعربية، يسأل عن هذا البيت، ويظن أنه مستحيل، لأنه يحسب أنه لما ذكر الجوز وجب أن تكون القسمة عادلة في النصفين، فيذهب إلى أن قوله " وباقية أكثر مما مضى " للكلام المتقدم وليس الأمر كذلك، ولكنه جعل ثلث الليل الثاني كالوسط وهو الجوز. ثم قال " وباقية أكثر مما مضى " كأنه ورد والثلث الثاني قد مضى منه ربعه وبقي ثلاثة أرباعه، وأكثر هذا بيّن واضح. وقد ذكر ابن فورجة في كتابه الموسوم) بالفتح على أبي الفتح (أن القاضي أبا الحسن علي بن عبد العزيز، نقم على أبي الطيب في قوله: وَرَدْنا الرُّهَيْمَةَ في جَوْزِهِ ونسب إليه الغلط في ذلك، فقال: كيف يكون باقيه أكثر مما مضى، وقد قال في جوزه، والجوز الوسط؟ قال ابن فورجة: وعندي أن المخطئ هو القاضي، فإنه لم يفهم البيت فتجنى، ثم اعتذر بما وضعه الله عنه، وقد تقدم قوله:
فيا لك ليلاً على أعكُشٍ ... أحَمَّ البِلادِ خَفِيَّ الصُّوى
فظن القاضي أن جوزه الهاء لليل وأنه كقول عمر بن أبي ربيعة:
وَرَدْتُ وَما أدري بَعْدَ مَورِدي ... مِنَ اللَّيْلِ أمْ ما قَدْ مَضَى مِنْهُ أكْثَرُ
ولعمري أنه لو كان كما ظن، لكان كلامه محالاً، وإنما الهاء في جوزه لأعكش، وأعكش مكان واسع، والرهيمة ماء مكانه وسط أعكش، فهذا كلام صحيح ثم قال وباقيه، أي باقي الليل، فقد بان أن المعنى لم يفهمه الذي رده.
فَلَمَّا أَنَخْنا رَكَزْنا الرِّمَا ... حَ فَوْقَ مَكارِمِنا والعُلا
قال الأحسائي: في هذا البيت وجوه من المعاني، أحدها: أن مكارمهم طبقت الأرض، ووصلت إلى كل موضع منها، ووسمت الأرض بآثارها، فأين ما نزلوا وطئوا مكارمهم، وأناخوا على آثارها، وركزوا الرماح عليها، وهذا وجه والثاني: أن عادة العرب إذا عادوا من سفر أو وقعة، فوصلوا إلى المنزل الذي يستريحون فيه، حطوا أثقالهم في الأرض، وعددوا مفاخرهم ومناقبهم، ثم ركزوا عليها الرماح.
ووجه ثالث: وهو أنهم ركزوا الرماح بالرهيمة في أرض كانت فيها وقائع لأهل الكوفة، ظفروا بأعدائهم فيها من أهل الشام وغيرهم في قديم الزمان، فذكر أنها مكارم لهم، وفعال سلفت لقومه هناك.
ووجه رابع: وهو أن فوق تستعمل كثيراً بمعنى دون، فأراد أنهم ركزوا الرماح وإن كانت طوالاً دون مكارمهم وعلاهم، والشاهد لكون فوق بمعنى دون، قوله تعالى) إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلاً ما بعوضة فما فوقها (أي فما دونها. وقول أبي الطيب:
وَمِنْ جَسَدي لمْ يَتْرُكِ السَّقْمُ شَعْرَةً ... فما فَوْقَها إلاَّ وَفيها لَهُ فِعْلُ
أي دونها.
ومن التي أولها: إِنَّما التَّهْنِئاتِ لِلأَكِفَّاءِ
(1/7)

وَبَساتينُكَ الجِيادُ وَما تَحْمِلُ مِنْ سَمْهَريَّةٍ سَمْراءُ قال ابن جني: يقول إنما بساتينك الخيل والقنا، وهما نزهتك وجعل القناة على الفرس كالحمل في الشجرة.
وقال الشيخ: قوله " تحمل من سمهرية " يحتمل وجهين. أحدهما: أن يكون تحمل للجياد. والآخر: أن يكون للممدوح، وهو أبلغ في المدح، ومن المبالغة في البيت أن تكون القناة بمنزلة الغصن المثمر، وتكون ثمرته ما تحمل على السنان من رؤوس الأعداء.
فَتَراها بَنُوا الحُروبِ بأعيا ... نٍ تَراهُ بِها غَداةَ اللِّقاءِ
قال ابن جني: أعيان جمع عين، وأعين أكثر من الكلام، وتراها عائدة على الملوك والهاء في تراه عائد إلى كافور.
وَما سَلَّمْتُ فَوْقَكَ للثُّرَيَّا ... وَلاَ سَلَّمْتُ فَوْقَكَ للسَّماءِ
قال الشيخ: فوق لم تجر عادتها أن تستعمل مفعولاً ولا فاعلاً، وإنما تجيء ظرفاً منصوباً، أو غاية مثل قولهم: من فوق، ومن تحت، وقد جاء شعر نُسب إلى سُحيم عبد بني الحساس وهو شاذ قليل وهو:
أتيت النساءَ الحارثياتِ غدوةً ... بوجهٍ بَراهُ اللهُ غيرَ جميلِ
فشَبَهتَني كلباً ولست بفوقه ... وَلا دونَه إن كان غَير جميلِ
حرف الباء
أحْسَنُ ما يُخْضَبُ الحديدُ به ... وخاضبِيهِ النَّجِيعُ والغَضَبُ
قال ابن جني: خاضبيه في موضع جر، معطوف على ما، وجمعه التصحيح لأنه أراد من يعقل وما لا يعقل. وهذا كقوله تعالى:) والله خلق كل دابة فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من يمشي على أربع (لما خلط الجميع بقوله كل دابة، استعمل من يمشي على بطنه، وعلى أربع والمعنى: أحسن ما يخضب الحديد به الدم، وأحسن خاضبيه الغضب، فجمع اللفظ وهو ينوي التفضيل. وذكر الغضب هاهنا مجازا، وإنما يريد صاحب الغضب.
وقال الشيخ: إن جعل خاضبيه منصوبا، على أنه مفعول معه، فلا يمتنع. وقال ابن فورجة: الذي ذكره الشيخ أبو الفتح غير ممتنع إلا أن فيه من التعسف ما ترى. والذي عندي أن قوله وخاضبيه. قسم قد حصل المعنى الذي أراد، وزال ذاك التكليف، وجعل الغضب خضابا للحديد، لأنه لخضبه بالدم على سبيل التوسع في الكلام، وحسن أيضا ذلك لأن الغضب يحمر منه لون الإنسان وتحمر عيناه، كما قال الشاعر:
هَلاَ سَألتِ غَداةَ الرَّدعِ ما حِسبي ... عندَ الطَّعانِ إذا ما احمرَّتِ الحَدَقُ
وكما قال الشيخ أبو العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان المعري يصف سهيلا:
وسُهيلٌ كوجنَةِ الحِبِّ في اللّوِنِ ... وقلبِ المُحبّ في الخَفَقانِ
يُسرِعُ اللّمحَ في إحِرارِ كما تُسرِعُ ... في اللّمحِ مُقلةُ الغَضبانِ
وقد رويت عن جماعة ممن أثق بهم، رووه عن المتنبي) وخاضبيه (الباء بالفتح، كأنه يريد أحسن خاضبيه تثنيه خاضب، كأن النجيع خاضب، والذهب خاضب فقال أحسنها الدم، ويكون الغضب حينئذ تاكيدا للنجيع أتى به للقافية، ولأن النجيع يخضب عند الغضب، فكأنه جعل النجيع والغضب شيئا واحدا.
ومن التي أولها:
أيَدرِي ما أرابَكَ مَنْ يُرِيبُ ... وهل تَرقَى إلى الفَلَكِ الخُطُوبُ
قال ابن فورجة: قد سمعت جماعة من متكلفي الأدباء يفسرون هذا البيت، فيقولون من يريب: يريد به الله تعالى وهذا كلام إلحاد وإقدام على إثم عظيم، يريد هل يدري الذي أرابك بهذا الدمل. ما الذي أرابك حقارة، وصغر قدر، وهذا خطأ فاحش، ودعوى على هذا الفاضل قد برأه الله منها، والذي أراده أبو الطيب، أيدري ما أرابك وهو الدمل.) ما (لما لا يعقل. وهي فاعلة أيدري. ومن يريب يريد من يريبه من الناس، ولم يأت بالهاء لأن المعنى مفهوم، ويريد بهذا الكلام هل يعلم هذا الدمل بمن حل ومن الذي راب ثم قال:) وهل ترقى إلى الفلك الخطوب (أي أنت كالفلك بعدا عن الآفات وعلوا في الأشكال.
إذا دَاءٌ هَفا بُقراطُ عَنْهُ ... فَلَمْ يوجد لصَاحِبِهِ ضَرِيبُ
(1/8)

قال الشيخ: الناس يختلفون في إنشاد هذا البيت. وأصح ما يقال إذا داء. أي هذا داء. ويكون الألف للتقرير أو للاستفهام الخالص، كأنه لما ذكروا سيف الدولة وأنه حب الحرب وشوقه إليها. قال هذا الداء لم يعرفه بقراط، فأما من يروي: إذا داء فلا وجه له، على أنه يؤدي انفراد سيف الدولة بهذا الداء. إذا جعلت الفاء جوابا لإذا. والذين رووا:) أذى داء (أقرب إلى الإصابة؛ لأنه يحمل على أنه أراد أذى داء، ويجوز يقول أصحاب هذه الرواية: أن الهمزة للنداء، والمعنى يا ذا داء أي: أنت سيف الدولة صاحب هذا الداء.
وقال ابن فورجة: وغلط الشيخ أبو الفتح في تفسير هذا البيت. وزعم أنه سمعه من أبي الطيب قال رحمه الله: جواب إذا) فلم يوجد (أي: فليس يوجد لصاحبه شبيه. كذا قال لي وقت القراءة عليه. واستعمال لم في موضع ليس لمضارعتها إياها، ثم تكلم في قوله داء بالرفع. وأنه بالنصب أجود لأن) إذا (تطلب الفعل، وهذا كقولك) إذا زيدا مررت به فأكرمه (فكان يكون تقديره، إذا أهمل وأغفل بقراط داء. وقد رفع فكأنه قال إذا أعضل داء. وأفنى في هذا الكلام عدة صفحات من كتابه، وهب أنا سلمنا له هذا التعسف. وقلنا أن) لم (بمعنى) ليس (فهل يحسن أن يجعل سيف الدولة صاحب الداء، يريد به صاحب دوائه والعالم بطبه، وهل يقول زيد صاحب الاستسقاء، أي صاحب مداواته، بل يفهم هنا أن زيدا به استسقاء، إلا أن يتقدم كلام يفهم هذا.
والذي أراد أبو الطيب أن بعيد ما طلبت قريب، إذا هفا بقراط عن داء. فلم يوجد عليل به، تلك العلة ففي تلك الحال بعيد ما تطلبه قريب، ويعني بالداء أدواء الزمان، والحروب والأعداء.
ومن التي أولها:
بغيرك راعياً عَبَث الذِّئابُ ... وَغَيرَكَ صَارِماً ثَلَمَ الضِّرَابُ
قال الشيخ: يجوز نصب راع وصارم على التمييز وعلى الحال.
ولَو غَيرُ الأميرِ غَزَا كِلاباً ... ثَناه عن شُمُوسِهِمُ ضَبابُ
قال الشيخ: لما كانت المرأة تشبه بالشمس، جعل نساء القوم شموسا وجعل دونها من حمايتهم ضبابا، وأصل ذلك أن المرأة يقال لها كأنها الشمس ثم يحذف حرف التشبيه قال قيس بن الخطيم:
فرَأيتُ مثلَ الشَّمسِ عندَ ذُروِّهَا ... في الحُسنِ أو كَدُنُوِّها لِغُرُوبِ
وقال آخر فحذف حرف التشبيه:
من الشمسين شمس بني عقيل ... إذا حضرت وشمس بني هلال
ولاَقى دُون ثأيِهِمُ طِعاناً ... يُلاقِي عندَهُ الذَئْبَ الغُرَابُ
قال الشيخ: الثأي جمع ثأية، وهو مراح الإبل، إذا كانت عازبة. ويقال: أنه يتخذ من الشجر، وقوله:) يلاقي عنده الذئب الغراب (أي: يجتمعان على أكل القتلى، وبعض الناس يذهب إلى أن الذئب لا يأكل إلا ما يفترسه، وأنه لا يجري مجرى الضباع والكلاب. وعلى ذلك فسروا قول الشاعر:
ولكُلِّ سَيَدِ مَعشَرٍ من قَومِهِ ... دَعَرٌ بِدنِّس مجده ويعيبُ
لولا سِوَاهُ لجردت أوصَالَهُ ... عُرجُ الضّبِاعِ وَصَدَّ عنهُ الذِّيبُ
ومن التي أولها: يا أُختَ خَير أخٍ يا بنتَ خَيرِ أبِ
جَزَاكَ رَبُّكَ بالأحزَانِ مَغفِرَةً ... فحُزنُ كلِّ أخي حُزنٍ أخو الغَضَبِ
قال ابن فورجة: يقول: جزاك الله مغفرة بهذا الحزن الذي أصابك، فقد أثمت به، قال الله تعالى) لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم (والحزن أخو الغضب، لأسباب كثيرة. فمنها أن الحزن غضب في الحقيقة، لأنه يغضب لما نال منه الدهر فيحزن، ومنها أن الرجل يأثم بالحزن ويأثم بالغضب، قال الله تعالى:) والكاظمين (. ومنها أن الحزن ينال من الإنسان، ويخلط عليه، كما أن الغضب ينال منه ويخلط عليه أمره، وقد دل على ذلك بقوله في عضد الدولة:
آخِرُ ما المَلكُ مُعَزّىً بِه ... هَذَا الَّذي أثَّرَ في قَلبِهِ
لا جَزَعاً بَلْ أنَفاً شابَهُ ... أن يَقدِرَ الدَّهرُ على غَصبِهِ
ألا تراه قرن بينهما، وجعل تأثيره في قلبه، لا الجزع والحزن، ولكن للغضب والأنف والحمية، وقد فسر بذلك بقوله بعده:
وأنتُمُ مَعشَرٌ تَسخُو نُفُوسُكُم ... بِمَا يَهَبنَ ولا يَسخُون بالسِّلَبِ
ومن التي أولها: فَهِمتُ الكِتابَ أبَرَّ الكُتُبْ
وَقَد كانَ يَنصُرُهُمْ سَمعُهُ ... ويَنصُرُني قَلبُهُ والحَسَبْ
(1/9)

قال ابن جني: أي يسمع منهم، إلا أن قلبه كان على كل حال معي، أي يميل إليهم بسمعه، ويميل إلي بقلبه.
ومَا قُلتُ للبَدرِ أنتَ اللُّجَينُ ... ولاَ قُلتُ للشَّمسِ أنتِ الذَّهَبْ
قال الشيخ: يقول أني تناهيت في مدحك، فلم أقل: وأنت البدر فضة، ولم أقل أنك أنت الشمس ذهب، لأن الذهب والفضة يستهلكان والشمس والقمر ليسا كذلك.
وقد زَعَمُوا أنَّهُ إن يَعُدْ ... يُعَدْ مَعَهُ المَلِكُ المُعتَصِبْ
قال الشيخ: المعتصب يحتمل وجهين: أحدهما وهو الأجود: أن يكون من الاعتصاب بالتاج، والآخر: أن يكون مفتعلا من العصبية.
ومن التي أولها:
فَديناكَ أهدى النَّاس سَهماً إلى قلبي ... واقتلُهُم للَّدارعينَ بِلا حَربِ
قال الشيخ: قوله) أهدى الناس سهما (يحتمل وجهين: أحدهما ان يكون مأخوذا من قولهم هدى الوحش إذا تقدم، فيكون سهم منصوبا على التمييز، ويكون أفعل مبنيا من فعل له فاعل، ويكون الفعل للقسم. والآخر: أن يكون الفعل للمخاطب من قولهم هديته الطريق. فإذا حمل على ذلك، فسهم ينتصب بفعل مضمر يدل عليه قوله أهدى، لأن فعل التعجب لا يجوز أن ينصب مفعولا، وكذلك أفعل الذي للتفضيل، وعلى ذلك حملوا قول الشاعر:
فَلَم أرَ مِثلَ الحَيّ حَيّاً مُصبِحّاً ... ولا مِثلَنا لما التَقَينَا فَوارسَا
أكَرَّ وأحمى للحَقِيقَةِ مِنهُمُ ... وأضرَبَ مِنَّا في اللقاءِ القَوانِسا
نصب القوانس بفعل مضمر، كأنه قال وأضرب منا في اللقاء فتم الكلام، وأضمر بضرب القوانس، والدارع، الذي عليه الدرع. الذي عليه الدرع.
وَمَنْ خُلِقَتْ عَيناكَ بينَ جُفُونهِ ... أصابَ الحَدُورَ السَّهلَ في المُرتقى الصَّعبِ
قال الشيخ: الحدور كل مكان ينحدر فيه. وهو أسهل من الصعود. ولذلك يصعدني الأمر إذا شق علي، ومنه قوله تعالى) سأرهقه صعودا (.
وقال الهذلي:
وإنَّ سيادةَ الأقوامِ فأعلم ... لها صَعداءُ مَطلَعُها طويلُ
وكلام أبي الطيب مؤيد هذا المعنى، كأنه قال اصاب الحدور السهل في الصعود. والصعود والحدور يستعملان على التأنيث، وذكر الحدور هاهنا لأنه جعله كالنعت للمكان.
ومن التي أولها: دَمعٌ جَرَى فَقضَى في الرَّبعِ ما وَجَبَا
دَارُ المُلِمَ لها طَيفٌ تَهَدَدَني ... لَيلاً فَما صَدَقتْ عَيني وَلا كَذَبا
قال ابن فورجة: الألف واللام في الملم بمعنى التي. يريد دار التي ألم لها ليلا طيف يهددني. ويهدني الطيف على عادة المحبوب في كثرة الدلال والصلف والابتعاد بالهجران والتجنب، فقال ما صدقت عيني لأنها أرتني ما لم تكن حقيقة، وما كذب الطيف في التهدد، فأنه قال لأهجرنك وقد هجر، ولأبعدن عنك، وقد بعد عني، ولأعذبنك وقد فعل.
كأنَّها الشَّمسُ يُعِيي كَفَّ قَابِضِها ... شُعاعُها وَيَراهُ الطَّرفُ مقتَربا
قال ابن جني: هذا مثل قول الشاعر:
فأصبحتُ مَما كانَ بَيني وبينها ... سوى ذِكرها كالقَابضِ الماءَ باليدِ
وقال الشيخ: حسن تقديم ضمير الشعاع قبل ذكره، لأنه اتصل بمخفوض قد أضيف إليه مفعول، كما يقال) خذ ثوب غلامه الأمير (فيحسن تقديم الهاء التي هي عائدة على الأمير لأجل ما ذكرناه، فإذا اتصل الضمير الفاعل قبح تقديمه على المفعول، فلا يحسن أن يقال: خان غلامه الأمير إلا في الضرورة كما قال الشاعر:
جَزَى رَبُّه عَنّي عَدِيَّ بنَ حاتمٍ ... جزاءَ الكِلاَبِ العَاوياتِ وقد فعلْ
وهذا المعنى مأخوذ من قول الأول:
فقلتُ لأصحَابي هي الشَّمسُ ضَوؤُها ... قريبٌ ولَكِنْ في تَناوُلَها بُعدُ
مُبَرقِعي خَيلِهمْ بالبيضِ مُتَّخِذِي ... هامِ الكُماةِ على أرماحِهم عَذَبَا
قال ابن جني: أي جعلوا براقع خيلهم حديدا على وجوهها ليقيها الحديد أن يصل إليها. وجعل شعر هام الكماة، وهم الأبطال، عذبا لرماحه، وقد جمعوا) كميا (على) أكماء (.وقال الشيخ: يريد أنهم يمدون أيديهم بالسيوف للضرب، فتصير أمام الخيل، فكأنها لها براقع، ويمكن أن يريد أنهم قد ستروها بالبراقع، وقوله متخذي هام الكماة يريد ذوائب هام الكماة، وقد يجوز أن يجعل الهامة كالذؤابة، وعذبة الرمح ما تشد في طرفه، والكماة جمع كمي وهو الذي كمى نفسه بالسلاح أي سترها، وقيل هو الذي يستر شجاعته.
(1/10)

مَحَامِدٌ نَزَفَتْ شِعرِي لِيَملأها ... قالَ ما امتَلأتْ مِنهُ وَلا نَضَبا
قال الشيخ: كان ابو الفتح ابن 0جني (يتأول هذا البيت على معنى إذا اعتقده وجب أن يروي) وما نضبا (ويفسر الغرض بأن الشاعر أراد بقوله:) ما امتلأت منه (الذي امتلأت. وصف شعره بأنه لم ينضب. وفي هذا طعن على الممدوح، لأنه وصف المحامد بالامتلاء من الشعر.
وإذا روى) ولا نضبا (فالمعنى أن محامده لم تمتلئ، وأن شعره لم ينضب، فهو مدح للمحامد وللشعر، وإذا رويت) وما نضبا (فهو يؤدي المعنى الذي تؤديه لا، ولكنه أشبه بها من ما.
وقال الأحسائي: يقول أن الشعر على غزارته وجمومه لم يملأها وقصر عنها على أنه لم ينفد.
ومن التي أولها:
بأبِي الشُّموسُ الجانِحاتُ غَوَارِبَا ... اللاَّبِساتُ من الحريرِ جَلاَبِبَا
قال الشيخ: رفع الشموس وما جرى مجراها يحتمل وجهين: أحدهما أن تكون مبتدأ، كأنه قال الشموس بابي مفديات. والآخر: أن يكون الخبر قوله الشموس، ويجوز وجه ثالث: وهو أن تكون الشموس مرفوعة لأنها اسم ما لم يسم فاعله، كأنه قال تفدى الشموس. ويجوز أن تنصب على معنى قوله أفدي بأبي الشموس، ومثل هذا قولهم بنفسي فلان، إذا أرادوا معنى الفداء. والجانحات المائلات، يقال جنحت الشمس للغروب، وجنحت النجوم إذا مالت للمغيب.
المُنهباتُ عُيونَنا وقُلُوبَنا ... وَجَناتِهنَّ النَّاهِبَاتِ النَّاهبا
قال ابن جني: يقول أنهبتنا وجناتهن. فلما نظرنا إليهن نهبن قلوبنا وعقولنا.
وحُبِيتُ مِن خُوصِ الرَكابِ بأسوَدٍ ... مِن دارِشٍ فغَدَوتُ أمشي رَاكِبا
قال الشيخ: الدارش كلة معربة، وهو الأديم المحبب، وإنما خفا أو شمشكا وخوص الركاب التي غارت عيونها، والركاب الإبل خاصة وقد كرر هذا المعنى في الفعل كما قال:
لا ناقَتِي تَقَبلُ الرَّدِيفَ ولا ... بالسَّوْطِ يَومَ الرّهانِ أجهدُها
وقد سبق إلى هذا المعنى القائل: إلَيكَ امتَطَينا الأرحبي المُلَسَّنا
فَلَقَدْ دَهِشتُ لما رأيتُ ودُونَهُ ... ما يُدهِشُ المَلَكَ الحَفيظَ الكاتِبا
قال: أصل الملك وملاك. ويدل على ذلك قولهم الملائكة، ووزنه مفعل فإذا حذفت الهمزة فقد ذهبت العين مفل. وعندهم أنه مأخوذ من الألوكة. وهي الرسالة وكأنه مقلوب، لأنه كان ينبغي أن يقال: مألك فأخرت الهمزة، وربما جاء في أشعار المحدثين الأملاك يريدون به جمع ملك وذلك غلط، وإنما جمع الملك ملائك وملائكة.
ومن التي أولها:
ضُرُوب النَّاسِ عُشَّاقُ ضُرُوبَا ... فأعذَرُهُمُ أشَفُّهُمُ حَبيبَا
قال الشيخ: ضروبا منصوب بوقوع الفعل عليها، وهو العشق فهذا الوجه الذي لا ينبغي أن يعدل عنه، وقد يمكن أن يقال هي منصوبة على الحال، كأنه قال الناس عشاق مختلفين في عشقهم. وقوله أعذرهم لا يجب أن يكون مأخوذا من قولك عذرت الرجل فهو معذور، لأنه حمل على ذلك كان أفعل التفضيل قد بني من فعل ما لم يسم فاعله وذلك ممتنع. ولكنه مأخوذ من قولهم عذر الرجل وأعذر إذا أتى بعذر. وفعل فعلا يعذر به من أساء إليه، يقال عذر من نفسه وأعذر إذا بين عذره. وأشفهم أي أفضلهم مأخوذ من الشف وهو الفضل والربح.
كأنَّ نُجومَهُ حَليٌ عَلَيهِ ... وقَدْ حُذِيَتْ قَوَائِمُهُ الجَبُوبا
قال ابن فورجة: شبه النجوم بالحلي على الليل، وأراد أن يصفه بالشيوع فقال وقد حذيت قوائمه الجبوبا، والجبوب الرض يعني كأن الليل جعلت الأرض له حذاء فهو متصل من السماء بالأرض. ويجوز أن يعني بذلك طول الليل.
وقال الأحسائي: شبه الليل بفرس أدهم محلى بالنجوم. والجبوب وهي الأرض قوائمه، وقيل لبعض العرض وسئل عن فرسه أتسبح في الجبوب؟ فقال: نعم وتتوغل في الشنخوب.
ومن التي أولها:
أعِيدوا صَباحِي فَهوَ عندَ الكَواعِبِ ... وَرُدُّوا رُقادِي فَهوَ لَحظُ الحَبائِبِ
قال ابن جني معناه ردوا الكواعب والحبائب ليرجع صباي وأبصر أمري إذا أبصرت إليهم وأبصرت إلى: ابن فورجة: يريد الكواعب حتى يعود صباحي، أيد هري ليل كله ولا صباح إلا في وجوههن، وحقق ذلك بقوله بعده:
فإنَّ نَهارِي لَيلَةً مُدلَهِمَّةٌ ... على مُقلَةٍ مِن فَقدِكم في غَياهِب
(1/11)

أتاني وَعِيدُ الأدعياءِ وأنَّهم ... أعَدُّوا لِيَ السُّودانَ في كَفرِ عاقِبِ
قال الشيخ: الدعياء جمع دعي، وهو الذي يدعيه أبوه، أو يدعي هو إلى أب ولا يكون نسبه ثابتا، والسودان هاهنا مراد بهم عبيد وسودان أعدوا له في كفر عاقب ليقتلوه. وكفر عاقب في الشام الأعلى. وكل قرية كفر، وبعض من فسر شعر أبي الطيب يذهب إلى أنه أراد بالسودان الحيات جمع أسود. ويذهب إلى أن السودان كناية عن الشرور ولا يمتنع ما قال.
وقال ابن فورجة: السودان: جمع أسود سالخ؛ يجمع على الأساود وعلى السودان ولا يجمع سالخ كما قالوا) أبارص في سام أبرص (.
قال الراجز:
واللهِ لو كُنتُ لهذا خَالِصا ... لكُنتُ عَبداً يأكلُ الأبارِصَا
قالوا وقد جمعت سام أبرص على البرصة، فجمعوا الاسم الثاني وقد يقال سوام أبرص بجمع الاسم الأول، وقالوا ليس في كلام العرب جمع أفعل على فعلة إلا هذه الكلمة، يريد أعدوا لي دواهي ومكروا بي.
ثم قال:
ولَو صَدقُوا في جَدَهِم لَحذِرتُهمْ ... فهلْ فيَّ وحَدي قَوُلُهمْ غيرُ كَاذِبِ
فبين في هذا البيت أنهم أعدوا له وشايات وكلاما. وأدعى أنهم أدعياء في جدهم. ليسوا متحققين في انتسابهم بل هم كاذبون، فقال لو كانوا صادقين في انتسابهم لحق لي حذرهم والتوقي منهم. فأما الآن وقد شاع كذبهم فكل ما وشوا به علي كذب.
وقال الحسائي: هؤلاء قوم من العلوية كان بينه وبينهم عداوة. فبلغه أنهم هموا بقتله وأقاموا له رجالا ليغتالوه في طريقه وهو قاصد أبا محمد الحسن بن عبيد الله بن طغج بالرملة.
أُناسٌ إذا لاقَوا عشدىً فكأنَّما ... سِلاحُ الذي لاقَوا غبارُ السَّلاَهِبِ
قال ابن جني: يقول سلاح أعدائهم عندهم كغبار الخيل لا يعبأون به، ولا يلتفتون إليه. وخص السلاهب لأنها أسرع فغبارها ألطف. إذا لاقوهم قابلوهم بالفرار. فسلاحهم أن يركضوا جيادهم فيثور غبارها في الهزيمة. ويجوز أن يذهب إلى أن الممدوحين لا يحلفون بسلاح الأعداء ولا يضرهم، فكأنه غبار الخيل يدخلون فيه بلا اكتراث. ويقوي هذا القول في صفة الخيل دوامي الهوادي. والسلاح يذكر ويؤنث.
يقُولونَ تأثِيرُ الكَواكِب في الوَرَى ... فما بالُهُ تأثِيرُهُ في الكَواكِبِ
قال أبو علي ابن فورجة: تأثيره في الكواكب إثارته الغبار حتى لا يظهر ليلا. وحتى يزول ضوء الشمس، وحتى تطلع الكواكب بالنهار. قال الشيخ أبو الفتح: وذلك أنه يبلغ من الأمور ما أراد. فكأن الكواكب تبع له وليس تبعا لها. وهذا وجه في تفسير هذا البيت غير ظاهر. ولقائل أن يقول هذه دعوى من نفسك. ولا يظهر لأحد تأثير في الكواكب، إذا بلغ هو ما أراد مخالفا لما أرادت الكواكب، بل يظن أن بلوغه ما أراد كان مما أرادت الكواكب، وما ذكرناه أظهر وأبعد من العنت.
تُخَوّفُنِي دُونَ الذي أمَرَتْ بِهِ ... ولم تَدْرِ أنَّ العارَ شَرُّ العَواقِبِ
قال ابن جني: تخوفني الهلاك وهو دون العار الذي أمرتني بارتكابه.
فقد غَيَّبَ الشُّهُّادَ عن كل مَوطنٍ ... وَرَدَّ إلى أوطَانِهِ كُلَّ غائبِ
قال الشيخ أبو الفتح: يقول قد غيب من كان شاهدا في وطنه ومن كان عادته ترك السفر لما سمع به من سخائه، ورد غائب إلى أوطانه. لأنه أعطاه وأغناه عن السفر إلى سواه.
يَرَى أنَّ مَا بانَ مِنكَ لضَارِبٍ ... بأقَتلَ مَّما بانَ مِنكَ لِعائِبِ
قال الشيخ أبو العلاء: في أن ضمير وهو الهاء كأنه قال يرى أنه ما الذي بان منك لضارب. فما الأولى نافية والثانية في معنى الذي.
ومن التي أولها: مَنِ الجَاذِرُ في زِيّ الأعارِيب
إنْ كُنتَ تَسألُ شَكَّاً في مَعارِفِها ... فَمَنْ بَلاكَ بِتَسهيدٍ وتَعذِيبِ
قال الشيخ أبو العلاء: هذا البيت فيه ضرب من الاكذاب. لأنه يسأل عن الجاذر وكأنه لا يعرفها. ثم قال هذه المقالة الثانية فدل أنه خبير بهن والمعارف تستعملها العرب في معنى الوجوه. واحدها معرف سمي بذلك لأن الوجه يعرف به الإنسان.
(1/12)

وروي عن الأصمعي أنه قال في واحد المعارف: فأما القياس فيوجب أن يكون الواحد معرفا بكسر الجر لأنه موضع المعرفة. فهو كالمجلس موضع الجلوس. والمهبط موضع الهبوط، ويجوز أن تكون المعارف جمع معرفة، كأنه أراد إن كنت تسأل شكا في معرفتها. ثم جمع فقامة الوزن.
لا تَجزِنِي بَضَنيً بِي بَعدَها بَقَرٌ ... تَجزِي دُمُوعيَ مَسكوباً بِمَسكوبِ
قال الشيخ أبو العلاء: قوله) لا تجزني (مجزوم بالدعاء، لأنه ينجزم كانجزام النهي والمعنى أنه بكى عند الفرقة وبكين. فجزين دمعه بدمع، فدعا لهن أن لا يجزينه بضناه ضنى مثله، كما جزينه بالدمع، أي لا أريدهن يضنين بعدي.
قالُوا هجَرتَ إليه الغَيثَ قُلتُ لهم ... إلى غُيُوثِ يَدَيهِ والشَّابِيبِ
قال ابن جني: يقول تركت القليل من ندى غيره، إلى الكثير من نداه.
قال الشيخ أبو العلاء: المعنى أنه قيل له هجرت الغيث إلى هذا الممدوح لأن مصر لا تمطر. فأجابهم بهذا الجواب، وأنكر أبو علي ابن فورجة على أبي الفتح ابن جني ما ذكره. من أن الشاعر أراد أنه ترك القليل من ندى غيره إلى الكثير من نداه. وقال: ليس في قوله هجرت الغيث ما يدل على أنه هجر القليل من ندى الناس، بل يدل على أنه هجر الكثير إلى الكثير.
بَلى يَرُوعُ بِذي جَيشٍ يُجدّلُهُ ... ذا مِثلِهِ في أحَمِّ النقعِ غِربِيبِ
قال الشيخ أبو العلاء: بذي جيش أي بملك صاحب جيش، وذا مثله، أي ملكا صاحب جيش مثل هذا الجيش، وذا: في معنى صاحب، يقال ذو مال وذو جاه، ولا يضاف ذو إلا إلى أسم ظاهر ولا يحسن أن يقال الماء أنت ذوه.
ومن التي أولها: أُغالِبُ فيكَ الشَّوقَ والشَّوقُ أغلبُ
وكمْ لِظَلامِ اللَّيلِ عِندَكَ مِن يَدٍ ... تُخَبّرُ أنَّ المَانَوِيَّةَ تَكذِبُ
قال الشيخ أبو العلاء: المانوية منسوبة إلى ماني. وهو رجل يعظمه أهل مذهبه ويقال أن طائفة من الترك عظيمة يرون مذهبه، وأن أهل الصين على مذهبه وأن لأصحابه كتبا ومناظرات، ويزعمون باثنين: رب يفعل الخير لا غير وهو في بعض الألسنة الذي يسمى يزدان، وضده يفعل الشر ويسمونه أهرمن، ويذكر عنهم أنهم يقولون أن الخير من النهار والشر من الليل.
وللهِ سيرِي ما أقَلَّ تَئِيَّةً ... عَشِيَّةَ شَرقيَ الحَداليَ وغُرَّبُ
قال الشيخ أبو العلاء: الحدالي في موضع رفع بالإبتداء، وموضع شرقي نصب على الظرف، وحذف ياء الإضافة من شرقي لالتقاء الساكنين، ويجوز أن يكون الحدالي خبرا، وشرقي مبتدأ، لأن شرقي يجوز أن يكون ظرفا وغير ظرف، قال جرير:
هبَّتْ جنوباً فَذِكرى ما ذكرتكُم ... عندَ الصَّفاة التي شرقيَّ حَورَانَا
فالوجه النصب في شرقي حوران، والرفع على أن يكون التقدير عدن الصفاة التي هي حوران، والحدالي وغرب جبلان.
عَشِيَّةَ أحفَى النَّاسِ بِي مَنْ جفَوتُهُ ... وأهدَى الطَّريقَين الذي أتَجَنَّبُ
قال ابن جني: يقول أصفى الناس بي سيف الدولة، وأهدى الطريقين التي أتجنب، لأنه كان يترك القصد ويتعسف ليخفي أثره خوفا على نفسه وقال أبو علي ابن فورجة:) من جفوته (يعني به سيف الدولة. وأحفاهم أشدهم اهتماما في البر بي، وأهدى الطريقين الذي أتجنب، يريد الأولى بي أن أعود إلى سيف الدولة، إلا أني هجرته لدرب مصر، يتوصل بذلك إلى عتاب كافور، وإظهار الندم على زيارته.
وعَيني إلى أُذنَي أغَرَّ كأنَّهُ ... مِنَ اللَّيلِ باقٍ بينَ عَينَيهِ كَوكبُ
قال ابن فورجة: إنما يجعل عينه إلى أذنه، لأن الفرس أسمع الحيوان، ومن أمثال العرب) أسمَعُ من فَرَسٍ بِبَهماء في غَلَسٍ (وقوله كأنه من الليل. أي كأنه قطعة من الليل، وقد تم الكلام به، أعني أنه غير متعلق بقوله) باق بين عينيه كوكب (فيسقط حينئذ تشبيهه إياه بالليل. وهذه اللفظة ومعناها أخذهما من أبي داود حيث يقول: ولَها فرجةٌ تَلألأُ كالشِّعرَي أضاءتْ وغُمّ منها النُّجومُ
وأظلمُ أهل الظُّلم مَن باتَ حاسِداً ... لِمَن باتَ في نَعمائه يَتَقَلَّبُ
قال ابن فورجة: قرأت كتابا منسوبا إلى) أبي علي محمد بن الحسن الحاتمي (يذكر فيه ما نقله أبو الطيب من ارسطاطاليس إلى شعره، يذكر فيه أن هذا البيت من قول أرسطاطاليس) أقبح الظلم حسدك لعبدك الذي تنعم عليه (.
(1/13)

ويجوز أن يكون توهم الهاء في قوله) في نعمائه (عائدة إلى ما بات، ولو كانت عائدة إليه كان المعنى مأخوذا من قول أرسطاطاليس كما ذكر. وإنما الهاء عائدة إلى الممدوح، ومعنى البيت أن إنعامه فائض على كل أحد فاظلم الناس من يحسد من نال من خيره. إذ كان خيره مبذولا لكل أحد، فلم يبق للحسد وجه. وإنما هذا مثل قوله: كسَائِلِه مَن يسأل الغَيثَ قطرَةً وخارج من مخرجه.
وَدُونَ الذي يبغُونَ ما لَو تخلَّصُوا ... إلى الشَّيبِ منهُ عشت والطِّفلُ أشيَبُ
قال ابن جني: أتى دون ما يريدون من السوء الموت، والذي لو تخلصوا منه إلى الشيب لشاب، ولكنهم لا يخلصون من الموت إلى الشيب بل يقتلهم قبل ذلك.
ويُغنِيكَ عَمَّا يَنسُبُ النَّاسُ أنَّهُ ... إلَيكَ تَناهَى المُكرماتُ وتُنسَبُ
قال أبو علي: قوله عما ينسب الناس. يبعد قليلا هذا البيت عن الفهم، وهو مع ذلك ظاهر، يقول يغنيك عن النسب أن المكارم كلها تنسب إليك. وظاهره مأخوذة من قول ابن أبي طاهر:
خَلائقُهُ للمَكرُمات منَاسبٌ ... تَناهَى إليها كلُّ مَجدٍ مُوثَّلِ
وللبيت باطن خبيث، وهو سخرية يردي أنه لا نسب لك لأنك عبد، ثم زاد دلالة على السخرية فيما يليه:
وأيُّ قَبِيلٍ يَستَحِقُك قَدرُهُ ... مَعَدُّ بنُ عَدنانٍ فِداكَ وَيَعرُبُ
أفتراه أجل من النبي صلى الله عليه وسلم وهو من معد بن عدنان!.
ومن التي أولها:
لا يُحزِنِ اللهُ الأميرَ فإنَّني ... لآخُذُ مِن حالاتِهِ بِنَصِيبِ
قال الشيخ أبو العلاء: في هذا البيت خزم، ولم يخزم أبو الطيب إلا في موضعين أحدهما هذا والآخر: إنْ تَكُ طَّيءٌ كانَتْ لِئاما وقال أبو علي ابن فورجة: هذا البيت ظاهر اللفظ والمعنى، وإنما حملني على إيراده أني قرأت أوراقا قد وسمت بمساوئ المتنبي. أنشأها الصاحب كافي الكفاءة أبو القاسم، قد ارتكب فيها شيئا من المزج عجيبا، ليس من طريقة العلم، ولا مما أفاد غير خيلاء الوزارة وبذخ الولاية. ولعمري لو لم يرو عنه هذا الكتاب لكان أجمل بمثله، إذ كان لم يتعد فيه التهزؤ الفارغ والكلام اللغو. حتى أنه ما يكاد ينتقص بيتا من الأبيات التي نقمها على أبي الطيب بما يفيد معرفة، مخطئا فيه أو مصيبا، إلا مواضع يسيرة كأنها عثار منه بالجد لا عمد، وهذه رسالة عملها في صباه والنزق حداه على إظهارها وما أجدر مريد الخير بكتمانها عليه، فمن الأبيات التي ردها عليه هذه الأبيات يقول: ولا ندري لم لا يحزن الله سيف الدولة إذا أخذ أبو الطيب بنصيب من القلق، أترى هذه التسلية أحسن عند أمته أم قول أوس:
أيَّتُها النَّفسُ أجمِليِ جَزَعَا ... إنَّ الذي تذَريَن قد وَقَعَا
قد أخطأ في موضعين، أحدهما أنه ظن أنه يقول كلما أحزن سيف الدولة حزنت فقط، وظن أن يحزن الله لأنه إخبار ولو ظنه ذلك لما استفهم، فقال لم لا يحزن الله سيف الدولة إذا أخذ أبو الطيب بنصيب من القلق وهذا خطأ ويحزن جزم والنون ساكنة وحركت لالتقاء الساكنين، وهو دعاء كما تقول: لا يمت زيد، ولا تشلل يدك، فيقول لا أصابك الله بحزن فأني أحزن إذا حزنت، كأنه يقول لا أحزنني الله ولا نالني بحزن والغلط الثاني أنه قال: أترى هذه التسلية أحسن أم قول أوس؟ فأن هذا البيت ليس بتسلية وإنما هو دعاء للممدوح، وليحسب أنه على ما أظنه قائل هذا القول، فكيف يكون تسلية، إخباره أن الله لا يحزن سيف الدولة لأن المتنبي شريكه، فهذا ظاهر وترك الدلالة على هذه الزلة غير سائغ.
ولا فَضلَ فيها للشَّجاعَةِ والنَّدَى ... وَصَبرِ الفَتى لَولا لِقاءُ شَعُوبِ
قال ابن جني: يقول لو أمن الناس الموت لما كان للصابر والشجاع فضل، لأنه قد أيقن بالخلود ولا خوف عليه.
(1/14)

قال أبو العلاء: إدعاء أبي الطيب أن الدنيا لا فضل فيها للشجاعة والندى وبذل اللهى، لولا الموت غير صحيح، لأن الناس لو كانوا مخلدين لم تنقص فضيلة الجود وغيره من الأشياء المحمودة. ومثال ذلك الشجاع لو علم أنه مخلد لجاز أن يعرض له شيء يخاف من كونه، وإقدامه عليه فضيلة، وكذلك الجود لا يمنع التخليد أن يحمد جوادا إلا أنه قد يجوز أن ينحل بأشياء كثيرة. لا يؤثر أن يكون لغيره من الأحياء. وقال محمد العجلي: الناس على الحقيقة العقلية إنما يرغبون في جمع المال لتقوى به نفوسهم على المكاره التي تلحقهم في الحياة، ولا يحتاجون إليه بعد الموت، أو ربما افتقر الإنسان فأصابه من الشدائد ما يتمنى الموت معه، وربما حمل الفقير نفسه أنفة من الفقر والحاجة على الأمور التي يطلب فيها، وربما مات الإنسان هزلا، فإذا كان الأمر كذلك فأن بذل الإنسان لماله يعدل بذل نفسه في الحرب، ولولا الموت لما حمد الكرم أيضا، وكان الإنسان لو بقي حولا لا يأكل الطعام لما فكر في ذلك إذا أمن الموت.
ولولا أيادي الدَّهرِ في الجمع بَينَنا ... غَفَلنا فَلَمْ نَشعُرْ لَهُ بِذُنُوبِ
قال ابن جني: يقول لولا إحسان الدهر في الجمع بيننا لما شعرنا بذنوبه، تارة يحسن الدهر وتارة يسيء، وما أحسن ما اعتذر للدهر ونفح عنه.
قال ابن فورجة: وقد فسر هذا المعنى بالبيت الذي يليه، إلا أنه عاد مستقبحا لفعل الدهر وذاما له بعد نفح عنه، وبعد ما ذكر أن له عندنا، فقال:
ولَلتَّركُ لِلإحسانِ خَيرٌ لُمحسنٍ ... إذا جَعَلَ الإحسانَ غَيرَ رَبيبِ
وفي الأوراق المنسوبة إلى الصاحب بن عباد، يهزأ بهذا البيت مستظرفا قال: ومن تعقيده الذي لا يشق غباره ولا تدرك آثاره قوله:
ولَلتَّركُ للإحسانِ خَيرٌ لُمحسنٍ ... إذا جَعَلَ الإحسانَ غيرَ ربيبِ
ولا أشك أن هذا البيت أوقع عند حملة عرشه من قول حبيب:
فَقلتُ للحادِثَاتِ استَنبِطي نَفَقاً ... فقد أظَلَّكَ إحسَانُ ابن حَسَانِ
فما أدري أمن قوله تعقيده الذي لا يشق غباره تعجب، أم من تشبيهه هذا بيت أبي تمام، وكلا الأمرين عجيب، أما زعمه أنه قد عقد فوجه التعقيد ما لا نعلمه، فأنه لم يقدم لفظة ولا آخر أخرى عن موضعها، ولا أغرب في اللفظ ولا في المعنى، وإنما قال ترك الإحسان خير للمحسن إذا لم يرب إحسانه، ألا تراه حين فككنا النظم، وجعلناه نثرا، أتينا بمثل لفظه سواء من غير زيادة، ولا نقصان، ولا تقديم، ولا تأخير، فليت شعري أين التعقيد؟ وما قوله ما أشك أن هذا البيت أوقع عندهم من قول حبيب. ولا أعلم ما التجاور بينهما والتشارك، ولعله رأى اشتراكهما في لفظة الإحسان تشابها، والسلامة من هذا القول أسلم لكل لبيب.
إذا استَقبلَتْ نفسُ الكريم مُصَابَهَا ... بِخُبثٍ ثَنَتْ فاستَدبَرته بِطيبِ
قال ابن فورجة: أراد بالخبث الجزع، وبالطيب الصبر، أي إذا جزع الكريم لمصيبته في أولها، راجع أمره فعاد إلى الصبر والتسليم لله. ولفظ البيت مستهجن، إذا أقام الخبث مقام الجزع، ولم يتقدمه ما يوجبه وهو معنى قول أبي تمام:
أتَصبِرُ للبَلوىَ عَزَاءً وحِسبَةً ... فَتُؤجَرَ أم تَسلُو سُلُوَّ البهائم
وكم لكَ جَدّاً لم تَرَ العَينُ وَجهَهُ ... فلم تَجرِ في آثارِهِ بِغُروُبِ
قال الشيخ أبو العلاء: الغروب جمع غرب، وأصل الغرب حدة الشيء، وأصحاب النقل سيتجوزون في العبارة، فيقولون الغروب الدمع، وقيل ألا ترقا الدمعة قال الراجز:
مالَكَ لا تذكر أمَّ عَمرو ... إلاّ لِعينيكَ غُروبٌ تَجري
والمعنى أن الإنسان إنما يحزن لمن يعرف ويشاهد، فأما جدوده الذاهبون فلا يدركه عليهم البكاء، وهو أبي خراش:
ولكنَّها تعفو الكلومُ وإنَّما ... نُوكَّل بالأدنى وإن جَلَّ ما يمضي
ومن التي أولها: فَديناك مِن رَبعٍ وإن زِدتَنا كَرَبا
ذَكرْتُ به وَصلاً كأن لم أُفز به ... وعَيشاً كأني كنتُ أقطَعُهُ وَثبا
قال ابن فورجة: أراد بالمصراعين جميعا قصر زمان الوصل، فأما المصراع الأول فأنه يقول كأنه لم يكن لقصره، كما قال عبد الصمد بن المعذل:
شَبابٌ كأن لم يكُنْ ... وشَيبٌ كأن لم يَزَلْ
(1/15)

وأما المصراع الثاني فيقول كأن قصر أوقات كل نعمة فيه، قصر وقت الوثب، وكأن كل زيادة من الحبيب وثبة، وكل ساعة من اللقاء وثبة، وكل يوم من الاجتماع وثبة، ولعمري لئن كان القائل:
وَيَومٍ كإبَهامِ القَطاةِ مُزّيَّنٍ ... إليَّ صِباهُ غالِبٍ ليَ باطِلُهْ
أجاد، والقائل:
ظَلِلنا عِندَ دَارِ أبي نُعيمٍ ... بيومٍ سالِفَةِ الذُّبابِ
بالغ، فالوثب في هذا المعنى الذي قصده أبلغ واحسن، وقد وقع في هذا البيت سهو على القاضي أبي الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني، فأنه ذكره في كتابه الموسوم) بالوساطة (فأدعى أنه أخذه من الهذلي حيث يقول:
عَجِبتُ لسَعي الدَّهرِ بيني وبينَها ... فلمَّا انقضَى ما بيننا سَكَن الدَّهرُ
قال أخذه منه، فجعل أبو الطيب السعي وثبا، وقد ملح في اللفظ، وهذا قول القاضي وهذا عجب منه مع علمه بالشعر وغوصه على المعاني الدقيقة. وكونه في النقد في الذروة العليا، فإذا زل الشيخ أبو الفتح في معنى بيت عذرناه، لكونه عن صناعة الشعر بمعزل، فأما القاضي أبو الحسن فلا عذر له، وإنما هو من جناية العجلة، وحاشا لله أن أدعي الفضل على أحد تلامذتهما، فكيف عليهما! ولعل السهو يتفق علي في كثير مما أظنني أحرزت أطرافه من هذا الكتاب، فضلا عما سواه، إلا أن الدلالة على السهو واجبة بوقف البغي على من به اقتديت، مما أعوذ بالله منه، وبحوله وقوته أعتصم، وهو حسبي ونعم الوكيل. وأقول أن الهذلي لم يرد بالسعي المشي الصريح. فيجعله أبو الطيب وثبا وإنما أراد من قولهم سعيت بفلان إلى الأمير سعيا وسعاية، ولعمري أن السعاية في مصادر هذا الفعل أشهر، إلا أن السعي القياس الذي لا محيص عنه، ويضطرنا إلى ذلك أن معنى البيت لا يتم، وغرض قائله لا يحصل، إلا بما ذكرناه.
يقول لم يزل الدهر يسعى بي إليها، ويسعى بالمكروه بيننا، فلما انقضى ما بيننا بالفراق سكن الدهر من تلك السعاية، ألا ترى أنه أراد السعي الذي هو المشي، لم يكن له معنى، وليكن ما ظنه القاضي أبو الحسن سائغا، فما يصنع بقوله) فلما انقضى ما بيننا سكن الدهر (أترى الزمان لما وقع الفراق سكن عن المضي. ومل الفلك من الدوران. والزمان إنما هو استمرار دورانه، فلا مجاورة بين بيت الهذلي وبيت أبي الطيب في شيء مما ذكره.
فيا شَوقُ ما أبقَى ويَا لي من النَّوى ... ويا دَمعُ ما أجَرى ويا قلبُ ما أصْبَى
قال أبو العلاء: حذف الياءات التي للإضافة، وهي اللغة الجيدة وقوله) يالي (يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون أراد اللام المفتوحة التي للاستغاثة، كما يقال يا لفلان ويا لبكر والآخر: أن يكون أراد اللام المكسورة التي تكون في المستغاث من أجله كأنه قال يا قوم أعجبوا لي من النوى، وقوله) ما أبقى وما أجرى وما أصبى (كله على إرادة الكاف.
لَقَدْ لَعِبَ البَينُ المُشِتُّ بِها وبِي ... وزَوَّدَنِي في السَّيرِ ما زَوَّدَ الضَّبَّا
قال ابن جني: أراد لم يزودني البين شيئا أستعين به على السير ضربه مثلا يردي شدة البين.
قال أبو العلاء: يجب أن يكون خص البين لفرق بينه وبين غيره، وإلا فلا فائدة لذكره وقد زعموا أن الضب لا يشرب الماء، فيحتمل أنه أراد فزودني صبرا عن الماء، كأني أصبر به ضبا: وقيل أن الضب إذا خرج من بيت فبعد لم يهتد للرجوع إليه، وضربوا به المثل في الحيرة، فيجوز أن يكون قصد هذا المعنى.
فحُبُّ الجَبانِ النَّفسَ أورَدَهُ التُّقَى ... وحُبُّ الشَّجاعِ النَّفسَ أورَدَهُ الحَرْبا
قال ابن جني: أي لم يرد الشجاع الحرب إلا ليبلي بلاء، يتشرف ذكره به في حياته، أو يقتل فيذكر بالصبر والأنفة بعد موته وأحسن ما جاء في هذا قول الحصين بن الحمام المري:
تأخّرتُ أستَبقِي الحَياة فلم أجِدْ ... لنَفسِي حَياةً مثلَ أن أتَقَدَّما
ومن التي أولها: ألا ما لِسَيفِ الدَّولَة اليَومَ عاتِبَا
وقدْ كانَ يُدنِي مَجلِسي من سَمائِهِ ... أحادِثُ فيها بَدرَها والكَواكِبا
قال ابن جني: شبه مجلسه، فجعله كالبدر وجعل خصاله سماء، وأفعاله كالكواكب حوله وهو قوله:
أٌقَلِّبُ فِيكَ طَرفي في خِصالٍ ... وإن طَلَعتْ كَواكِبُها خِصَالا
قال أبو العلاء: عني بالكواكب جلساء سيف الدولة وغلمانه وأقاربه.
(1/16)

أهَذا جَزاءُ الصَدقِ إن كنتُ صَادِقاً ... أهَذا جَزاءُ الكِذبِ إن كنتُ كاذِبَا
قال الشيخ أبو العلاء: هذا عتب شديد على سيف الدولة، يقول هذا الفعل الذي فعلت بي من الإبعاد والإخافة جزاء مدحي لك، فأن كنت صادقا فما يجب أن تجازيني على صدقي بقبيح، وأن كنت كاذبا فإكرامي أكثر مما يحب على الصدق لأني تقولت لك من المكارم ما ليس فيك.
ومن التي أولها: مُنىً كُنَّ لي أنَّ البَياضَ خِضابُ
فكيفَ أذُمُّ اليومَ ما كنتُ أشتَهِي ... وأدعُو بما أشكُوُه حِينَ أُجابُ
قال ابن جني: يقول كيف أذم الشيب وقد كنت أشتهيه، وكيف أدعو بما إذا أجبت إليه شكوته، هذا مستحيل أي كيف أدعو بالشيب وأنا اكرهه.
وَعَن ذَملان العِيسِ إن سامَحَتْ بهِ ... وإلاَّ ففي أكوارِهِنَّ عُقابُ
قال أبو العلاء: الكلام يستغني عند قوله:) وعن ذملان العيس (. كأنه قال عني وعن الأوطان وعن ذملان العيس. ثم ابتدأ كلاما فقال أن سامحت العيس بذملانها ركبتها وإلا تسامح به ففي أكوارهن عقاب. أي أنا أقدر من السير والتصرف في الأسفار على ما يقدر عليه العقاب.
وغَيرُ فُؤادِي للغَواني رَمِيَّةٌ ... وغَيرُ بَنانِي للزُّجاجِ رِكابُ
قال الأحسائي: الرواية الصحيحة للزجاج يعني أوعية الخمر. مثل الكأس والجام والقنينة وما أشبه ذلك وهي تجعل على البنان كما قال أبو تمام:
رَاحَ إذا مَا الرَّاحُ كُنَّ مَطِيَّها ... كانَتْ مطايَا الشَّوقِ في الأحشَاءِ
فالحشا والركاب واحد.
وأكثَرُ ما تَلقَى أبا المِسكِ بِذلةً ... إذا لمْ تَصُنْ إلاَّ الحَديدَ ثِيابُ
قال أبو علي: هذا البيت قد ذكرناه في كتاب) التجني على ابن جني (، وقد سها أبو الفتح فيه سهوا بينا قال في تفسيره: يقول إذا تكفرت الأبطال فلبست الثياب فوق الحديد خشية واستظهارا. فذلك الوقت أشد ما تكون تبذلا للضرب والطعن، وهذا أيضا من جناية العجلة، ولو تثبت لم يضرب عنه هذا القدر، وما الحاجة بنا إلى هذا التعسف، بل ما الحاجة بالأبطال أن تلبس الثياب فوق دروعها، وإنما يفعل ذلك من يحتال لحرب من يخشى حربه، إذا كان يكاتمه أو هم بغيلة وهو يخشى ظهور أمرها، فسيظهر لحرب من يدفع أن يدفع، ونما معنى البيت ما أقول: وهو أنه إذا لم يصن البدن إلا الحديد ثياب، فحذف البدن لعلم المخاطب به، يعني في الحال التي لا يصون الإنسان ثيابه عن وخز الرماح وضرب السيوف، بل يحتاج بها إلى الحديد فالحديد على هذا نصب لأنه استثناء مقدم، وظن الشيخ أبو الفتح أنه يقول إذا لم يصن الثياب إلا الحديد، فهلا خصم نفسه وقال قد تصون الثياب بدن لابسها أيضا، في الحال التي تظاهر بها على درعه، ولعمري أن اللفظ مزلة، والإنصاف بنا وبه أولى وترك اللجاج أحسن.
ومن التي أولها:
آخِرُ ما المَلكُ مُعَزٍّى بِهِ ... هذَا الذّي أثَّر في قَلبِهِ
وأنَّ جَدَّ المَرءِ أوطانُهُ ... مَن لَيسَ منها ليسَ مِن صُلبِه
قال أبو الفتح ابن جني: أي لعل الأيام تحسب أن عمتك لما لم تكن قاطنة عندك في وطنك. الذي عادتك وعادة أجدادك أن يكونوا فيه، لأنه بلدكم ومستقركم، أنه لا نسب بينك وبينها فلذلك أقدمت عليها.
وروى الأحسائي: أو لعل الأيام تعتقد أن جد الإنسان وطنه، فمن لا يكون في وطنه فليس من صلب جده، ولا بينه وبينه نسب.
وكانَ مَنْ حَدَّدَ إحسانَهُ ... كأنَّهُ أسرَفَ في سَبِّهِ
قال ابن جني: أي كان يكره أن تحصى تناسيا للمعروف.
وقال أبو العلاء: كلام أبي الفتح على أن المرثاة كانت تكره أن توصف مكارمها وإحسانها، وأحسن من هذا الوجه أن تكون المذكورة غير موصوفة بالكراهة ويكون معنى البيت أن هذا الشخص من حدد إحسانه أو عدده فكأنه ساب له، لن فعله الأجمل كثير لا يدخل تحت الحدود ولا العدد، ويجوز أن يكون المعنى أن المذكور كان يكره أن يحمد لاحتقاره ما يسدي من الأيادي وأصل السب القطع، وإنما يقال سبب الرجل إذا شتمته لأن السب قطع ما بينكما من المودة. ومن ذلك قول الشاعر:
فما كان ذَنبُ بني دَارمٍ ... بأن سُبَّ منهم غُلامٌ فَسَبْ
بأبيضَ ذِي شُطَبٍ بَاتَرٍ ... يَقُدُّ العِظامَ ويَفري العَصَبْ
(1/17)

قوله) بأن سب منهم غلام (أي شتم وسب في القافية، بمعنى القطع كذلك ذكر ابن دريد، ودق يجوز أن يكون سب في القافية في معنى الشتم، كأنه لما سب جعل جزاء سبه أن عقر إبله، فأعلمهم أنهم لا يقدرون على مثل ما فعل، فكأنه شتمهم ويروي حدد وعدد.
يا عَضُدَ الدَّولَةِ مَنْ رَكنُها ... أبوهُ والقَلبُ أبُو لُبِّهِ
قال ابن جني: اللب العقل، والعقل زين القلب، فكذلك أنت زين أبيك كأنه فضله على أبيه.
وَمَنْ بَنُوهُ زَينُ آبائِهِ ... كأنَّها النَّورُ على قُضبِهِ
قال أبو الفتح: أي أبناؤك زين آبائك، لأنهم يدنون بكرمهم عليهم، ولم يجعل أولاده زينا له كما جعله هو زين أبيه، لما ذكرت قبل من أنه فضله عليه ولأجل هذه اللطائف التي تأتي في شعره قال:
لا تَجسُرُ الفُصَحاءُ تُشِيدُ هَاهنا ... بَيتَاً ولكِنّي الهِزَبرُ الباسِلُ
ومن التي أولها: لَحَا اللهُ وَردَاناً وأمّاً أتَت بِهِ
أهَذَ اللَّذّيَّا بنتُ وَردَانَ بِنتُهُ ... هُمَا الطَّالِبانِ الرَزقَ مِن شرِّ مَطلَبِ
قال ابن جني: اللذيا تصغير الذي، يستفهم فيقول أهذا الذي ينسب إليه الحشرة الدنية، يقول فهي وهو يطلبان الرزق من شر مطلب، لأنها تطلبه من المخازي، وهو يطلبه من هن عرسه، يظهر تجاهلا بالأمر وهزءا به.
قال أبو العلاء: معنى هذا البيت أنه أراد تشبيه بيت الرجل الذي هو وردان بالدويبة التي يقال بنت وردان، وهي تكون في مواضع الوسخ المكروه وهذا أشبه من المعنى الأول.
حرف التاء
سِربٌ مَحَاسِنُه حُرِمتُ ذَوَاتِهَا ... دَانِي الصِّفاتِ بَعيدُ مَوصُوفاتِها
قال أبو الفتح كنى بالسرب عن النساء يقول: هواي سرب حرمت ذوات محاسنها أي صواحب محاسنه، وذوات محاسن السرب هذا السرب فكأنه قال هواي سرب حرمته، أي حيل بيني وبينه، وداني الصفات لأن الوصف قول وهو قادر عليه متى أراده، إلا أن الموصوف بهذه الصفة وهو السرب بعيد مني.
وفي هذا البيت شيء من الإعراب لطيف المذهب منع سيبويه منه البتة وهو إضافة) ذو وأخواتها (إلى المضمر لأنه لا يجيز) هذا رجل ضرب ذاه (.
قال أبو العلاء: أما قول سيبويه في أن) ذو (لا تضاف إلى الضمير، فعلى ذلك ورد مسموع كلامهم، وإنما امتنع في الإضافة لأن) ذو (كناية عن شيء والهاء كناية، فكره الجمع بين كنايتين، وقوى ذلك أن) ذو (كلمة ناقصة لا قوة لها فتحتمل أن تضاف إلى الضمير، فإذا دخلها الجمع والتثنية قويت بذلك لأن حروفها تزيد، فقوله ذواتها يزيد في القوة على قولهم) هذا ذوه (. وقد أضاف كعب بن زهير فيما روي ذوي إلى الهاء وهي أضعف من ذوات لأنها أقل حروفا منها وذلك قوله:
صحبنا الخَزرَجِيَّةَ مُرهَفاتٍ ... أبَادَ ذَوِي أُرومِيَتها ذَوُوها
وقال أبو علي كأنه لاحظ قول القائل:
فَقلتْ لأصحَابِي هي الشَّمسُ ضَوءُها ... قَرِيبٌ ولكنْ في تَناوُلَها بُعدُ
وقد ألم هذا المعنى إلا أنه غيره إلى باب آخر الشيخ أبو العلاء أحمد بن عبد الله ابن سليمان المعري، أنشد فيه لنفسه:
قَد يَبعُدُ الشَّيءُ من شَيءٍ يُشَابِهُهُ ... إنَّ السماءَ نَظيرُ المَاءِ في الزَّرقِ
وَمقانِنٍ بمقَانِبٍ غادَرتُهُا ... أقوَاتَ وَحشٍ كُنَّ مِنْ أقَوَاتِها
قال أبو العلاء: يعني أنه قتلهم فأكلتهم الوحوش كالأسد، والنمور، والذئاب والضياع، وكان هؤلاء القوم يصيدون هذه الوحوش فيأكلونها، كأنه يصفهم بالنجدة والشدة وأنهم كانوا يأكلون هذه الأجناس التي لم تجر العداة بأكلها.
أقبَلتُها غُرَرَ الجِيادِ كأنَّما ... أيدِي بَنِي عِمرَانَ في جَبَهاتِها
قال ابن جني: أقبلتها أي حملتها عليها وكلفتها لقاءها وما أحسن ما خلط الخروج بالتشبيه.
وقال ابن فورجة: أقبلتها الخيل أي أقبلت بها إليها، وسيرتها مستقبلة لها كما قال الشاعر:
يمشينَ مشيَ الهجان الأُدمِ أقبلها ... خلّ الكوود هدان غير مهتاجِ
وعنى بالأيدي هنا النعم، من قولهم لفلان عندي يد بيضاء، وقد جرت العادة في جمع يد النعمة بالأيادي وهي جمع الجمع، وفي يد الأعضاء بالأيدي، وقد إستعمل أبو الطيب هذه في مكان تلك فقال: فُتلِ الأيادِي رَبِذاتِ الأرجُلِ وقد جاء ذلك عن العرب في كثير من أشعارها فمنها قول عدي:
(1/18)

نُحسِنُ الهِناءَ إذا استهنأتَنا ... ودفَاعاً عَنكَ بالأيدي الكِبارِ
يعني بالنعم الضخام وبياض يد النعمة مجاز لا حقيقة.
الثَّابِتينَ فُرُوسَةً كَجُلُودِها ... في ظَهرِها والطَّعنُ في لَبَّاتِها
قال أبو العلاء: قوله في ظهرها كقول الآخر:
كُلُو في نِصفِ بطنِكُمُ تَعِيشُوا ... فإنَّ زمانكُم زَمَنٌ خَمِيصُ
وقول علقمة:
بها جيفُ الحسري فأما عظامُها ... فبيضٌ وأمّا جلدُها فَصليبُ
والمعنى أنه وصفهم بالثبات على ظهور الخيل وهي الطعن في لباتها.
العارِفينَ بِهَا كَما عَرَفتْهُمُ ... والرَّاكبينَ جُدُودُهُم أُمَّاتِها
قال أبو العلاء: لو كان الكلام منثورا لكان الواجب أن يقال والراكب جدودهم على التوحيد لأن أسم الفاعل إذا تقدم جرى مجرى الفعل فيقال) مررت بالراكب الخيل جدوده وجدودهم (لأن الألف واللام تنوب عن الذي واللذين والذين فإذا جمعت أو ثنيت فهو على قول من قال) قمن النساء. وأكلوني البراغيث (وقال أبو علي: هذا البيت يحتمل معنيين، أحدهما وهو الظاهر أن هذه الخيل تعرفهم وهم يعرفونها لأنها من نتاجهم. والثاني: أنها تناسلت عندهم. فجدود هؤلاء الممدوحين كانت تركب أمات هذه الخيل، وهم اليوم يركبون بناتها، ولو ساعده الوزن لقال والراكبين آباؤهم ليكون أصح في التقابل وهذا المعنى سواء وقوله:
بَنُو قَتلَى أبيكَ بأرضِ نَجدٍ ... وَمَن أبقَى وأبقَتهُ الحِرَابُ
وقوله في أخرى:
لَعلَّ بَينَهمُ لِبَنيكَ جُندٌ ... فَأوَّلُ قُرَّحِ الخَيلِ المِهارُ
وأنشدني أبو العلاء لنفسه في هذا المعنى:
بَناتِ الخَيلِ تَعرفُها دَلُوكٌ ... وَصارِخةٌ وآلسُ واللُّقَانُ
هذه كلها من بنات الروم، يقول أبوك.... بأماتها في هذه الديار فهي تعرفها. وهذا المعنى على ظهوره وإظهار أبي الفتح إياه في كتاب الفسر ليس بذلك السائغ عندي. لما أذكره وهو أن توالي الأبيات تدل على غير ما حكى.
يقول:
ومَقانبٍ بمقَانبٍ غادَرتُها ... أقوَاتَ وَحشٍ كُنَّ من أقَواتِها
أقبَلتُها غُررَ الجِيادِ كأنَّما ... أيدِي بَني عِمرانَ في جَبَهاتِها
الثَّابتينَ فُرُوسةً كجُلُودِها ... في ظَهرِها والطَّعن في لَبَّاتِها
العارِفينَ بها كما عَرَفتهُم ... والرَّاكبِينَ جُدُودُهمْ أُمَّاتِها
فهذا يصف خيل نفسه التي قاتل عليها عدوه، وليس يصف خيل الممدوحين اللهم إلا أن يدعي مدع أنه قاتل على خيل الممدوحين، وفي هذا) نبو (أو يعني أنه قادها إليه. والمعنى جيد لأنه يريد أن يقود الخيل إلى الشعراء من نتائجه، والمعنى عندي هو الذي أورده، وهو أنه يصف معرفتهم بالخيل ولا يعرفها إلا من طال مراسه لها، والخيل أيضا تعرفهم لأنهم فرسان، وقد قال أبو الطيب في بيت آخر: فالخَيلُ واللّيلُ والبَيداءُ تَعرِفُني وهذا ظاهر من أمثال العرب:) الخيلُ تُعرفُ من فُرسانها البُهُم (وقوله) والراكبين جدودهم أماتها (يريد بذلك أن جدودهم أيضا كانوا من ركاب الخيل، أي أنهم عريقون في الفروسية، ويوضح معنى ذلك ما أنشده أبو العلاء نفسه:
يا ابن الأُلى غيرَ زَجر الخَيلِ ما عَرَفوا ... إذ تعرفُ العُربُ زَجر الشاءِ والعَكرِ
فهذا هو الأشبه والمعنى الأول غير ممتنع.
سُقِيَتْ مَنابِتُها الَّتِي سَقَتِ الوَرَى ... بِيَدي أبِي أُيوبَ خَيرِ نَباتِها
قال ابن جني: جعل النفوس منيات لما أراد أن يدعو لها بالسقي، إذا كانت المنابت محتاجة إلى السقي اتساعا فيقول سقى منابت هذه النفوس بيدي أبي أيوب هذا الممدوح الذي هو خير نباتها، أي نفسه أشرف هذه النفوس المذكورة، أي لا زال ظله وعرفه على أهله وذويه، لأنه إذا أفاض عرفه فقد أفاضه على كافة الورى، لأنهم معاط مساميح هذا مع ما يتولاه هو من إعطائه كافة الناس، والهاء في نباتها تعود على المنابت، فجعل النبات هو الذي يسقي المنبت قلبا لعادة وإغرابا في القول وتغلغلا في الصنعة.
قال ابن فورجة: الهاء في قوله منابتها، عائدة على النفوس في البيت الذي تقدمه وهو:
تِلكَ النُّفوسُ الغالِباتُ على العُلا ... والمجدُ يَغلِبُها على شَهَواتِها
(1/19)

يدعو لهذه النفوس ومنابتها بالسقايا، ويقول أن منابتها لم تزل تسقي الورى، يعني أن أبا الممدوح وقومه كانوا كلهم مفضلين على الناس، فسيقت منابت هذه النفوس، كما لم يزالوا يسقون الناس، وجعل النفوس منابت لما أراد أن يدعو لها بالسقي، ثم قال سقيت بيد أبي أيوب، يريد بذلك أن سقيا يديه أعظم السقيا، وهو أفضل قومه وخير من نبت فيهم، وليس الغرض أن يدعو لقوم أبي أيوب بإفضال أبي أيوب عليهم، ولكن الغرض تعظيم شأن إعطائه، كأنه لو دعا بأن يسقيهم الغيث لكان دون سقيا أبي أيوب، وهذا ظاهر ولقد أحسن في هذا النحو القائل:
سقى الجِيرَةَ الغَادِينَ وَسمِيُّ عَارِضٍ ... هزيمَ الحَيا سبط الرِوَاقين مُمرِعِ
بسُحبٍ كأجفَانِي وَبرقٍ كَحُرقَتِي ... ورَعدٍ كإعَوالي وغَيثٍ كأدمُعِي
يريد بذلك تعظيم شان ركابه، وقد قال الشيخ أبو الفتح غير ما قلناه، ولم يعد الصواب لكنا قلنا برأينا
تكبُو وَرَاءَكَ يا بنَ أحمَدَ قُرَّحٌ ... ليسَتْ قَوَائِمُهُنَّ مِن آلاتِهَا
قال أبو العلاء: الهاء في آلاتها راجعة على وراء، لأنها مؤنثة، وكذلك قدام وأمام، وهذا ما لا يحتمل البيت غيره، وقد روي هذا التفسير عن قائل البيت وإنما أشكل على السامع لأن) وراء (لفظها لفظ المذكر، ولم يعد تأنيث وراء وقدام إلا بالتصغير لأنهم قالوا) قديدمة وورية (قال القطامي:
قُدَيدمِة التَّجرِيبِ والحِلمِ أنّني ... أرى غَفَلاتِ العَيش قَبلَ التَّجارِبِ
وقال آخر:
قد طَرقتْ وُريَّةَ الشَبابِ ... فمَرحباً بطَيفِها المُنتَابِ
وقال الأحسائي: يقول ليست قوائم المتبعين لك من آلات مجازاتك، فإذا تبعوك وقصروا عن إتباعك.
غَلِتَ الَّذي حَسَبَ العُشُورَ بآيَةٍ ... تَرتِيلُكَ السَّورَاتِ من آياتِها
قال أبو العلاء: ذهب إلى أن الغلت في الحساب خاصة والغلط واحد كأن أحد الحرفين مبدل من الآخر، وذهب أبو عبيدة إلى أن الغلت في الحساب خاصة والغلط في غير ذلك. والعشور جمع عشر، والمعنى أن الذي حسب العشور غلط في العدد، لأن ترتيل هذا الممدوح إذا قرأ السور يجب أن يحسب آية فتكون الآيات العشر بترتيله إحدى عشرة آية، وهذا من الغلو الذي يقصده الشعراء، وهو كذب صراح.
وقال الأحسائي: يقول أن الذي قاس مناقبك غيرك، وقدر أنك تزيد عليهم حتى يحسب كل آية لهم بعشر آيات من مناقبك لا عشر آيات بآية.
فإذا نَوَتْ سَفَراً إلَيكَ سَبقتَها ... فأضَفتَ قَبلَ مُضَافِها حالاتِها
قال أبو الفتح: يقول ليس ينبغي أن نعذل المرض الذي بك، وكان قد اعتل لأنك تشوق أمراضها معها فقد شقت المرض حتى زارك، كما شقت صاحبه فإذا أرادت الرجال إليك السفر سبقتها بإضافتك أحوالها قبل إضافتك إياها.
قال ابن فورجة: هكذا رواه الشيخ أبو الفتح، وكذا رويته أيضا عن دعة مشايخ إلا أن الصواب عندي أن يروي) سبقتها (بالنون لما أنا اذكره وهذا البيت بعد قوله:
لا نَعزُلُ المرضَ الذي بكَ، شائِقٌ ... أنتَ الرّجالَ وشَائِقٌ عِلاَّتِها
والهاء في سبقتها عائدة إلى الرجال، يقول أنت تشوق الرجال وتشوق علاتها، لأنك فرد عجيب في جميع محاسنك، وإنما يريد بذلك إقامة العذر للحمى، وتحسين أمرها كما يفعل الشعراء بالأحوال الذميمة للممدوحين، فيقول إذا نوت الرجال السفر إليك سبقت العلات الرجال فجاءتك قبلها، إلا أنها أعراض وأولئك جسوم، والأعراض أخف فأضفتها قبل أن تضيف الرجال، فلهذا، قلت الصواب) سبقنها (والمضاف مصدر أضفت كما أن المقام مصدر أقمت، والمصاب مصدر أصبت.
حرف الحاء
ومن حرف الحاء قوله من القصيدة التي اولها:
جَلَلاً كَما بِي فَليَكُ التَّبريجُ ... أغِذَاءُ الرَّشَأِ الأغَنِّ الشِّيحُ
قال ابن جني: معنى البيت إذا كان أحد في شدة فليكن كما أنا عليه، تعظيما لما هو فيه من الشدة فتم الكلام. ثم استأنف قولا آخر في النصف الثاني فقال متعجبا من حسن المشبب به: أغذاء ذا الرشا الأغن الشيح أي كأنه ظبي في الحقيقة من حسنه ورشاقته، وهو كقول ذي الرمة:
أيا ظَبيةَ الوَعساءِ بينَ جُلاجلٍ ... وبينَ النَّقا آأنتِ أم أمُّ سالمِ
(1/20)

وأراد فليكن ولكنه حذف النون لسكونها وسكون الياء الأولى من التبريح وكان الوجه أن يكسرها لالتقائهما لأنها حرف صحيح، قال أبو العلاء: وقد جاءت أشياء من حذفها في موضع التحريك أنشد أبو زيد:
لم يَكُ الحَقُّ على أن هَاجَه ... رَسمُ دَارٍ قد تعفّتْ بالسَّرَرْ
فلو ظهرت النون هاهنا لقيل لم يكن الحق، وفي بعض الرجز القديم: ومَن يَكُ الدَّهرُ له بمرصدِ وهذه النون إذا حذفوها شبهوها بالتنوين، وهي أشد قوة منه لأنها من نفس الكلمة. والتنوين زائد، وقد أنشد سيبويه بيتا حذفت منه النون لكن في الموضع الذي يجب فيه حركتها وهو قول النجاشي:
فَلَستُ بآتِيه ولا أستَطِيعُه ... ولاكِ اسقني إن كانَ ماؤُكَ ذا فضل
قال ابن فورجة: كثير من العلماء قد تكلموا في هذا البيت ووفوه حقه من قرائحهم. ومضى أكثر الكلام في تجويز حذف النون في قوله فليك، وتمحلوا له معاذير، وإنما أتيت به لنكتة عرضت في معناه، قال القاضي أبو الحسن علي بن العزيز الجرجاني: خالف أبو الطيب بين معنيي المصراعين، ومثل هذا كثير، فقد جاء عنهم ما ناقض المصراع الثاني به المصراع الأول، مثل قول زهير:
قِفْ بالطّلولِ التي لم يَعفُها القِدَمُ ... بلَى وغَيّرَها الأرواحُ والدّيَمُ
قال القاضي: وبين المصراعين اتصال لطيف، وهو أنه لما خبر عن عظم تبريحه، وشدة أسفه، بين أن الذي أورثه التبريح والأسف هو الرشأ الأغن الذي شككه غلبة الغزلان عليه في غذائه. قلت: ويحتمل معنى ألطف من هذا وهو أنه يريد ما غذاء هذا الرشأ الأغن إلا القلوب والأبدان والعشاق يهز لها ويمرضها ويبرح بها كما صرح به في بيت آخر، إلا أنه نحا به منحى غير الغزل، وهو قوله:
وَتَرتَعُ دُونَ نَبتِ الأرضِ فينا ... فَمَا فارَقتُها إلاَّ جَديِبا
وقد صرح بعض المحدثين بهذا المعنى فقال: يَرعَى القُلُوبَ وَتَرتَعي الغِزلانُ بَروَقَةً وشيحه
وَفَشَتْ سَرائِرُنَا إلَيكَ وَشَفَّنا ... تَعرِيضُنا فَبَدَا لكَ التصرِيحُ
قال أبو الفتح ابن جني: يقول لما عرضنا لك بهواك، قام مقام التصريح منا لك. ويجوز أن يكون عرضنا بمودتك فصرحت بالهجر والبين، ويجوز أن يكون المعنى لما أجهدنا التعريض استرحنا إلى التصريح فأنتهك الستر وهذا أقوى الوجوه عندي وقد جاء في الشعر مجيئا واسعا.
لَّما تَقَطَّعَتِ الحُمُولُ تَقَطَّعَتْ ... نَفسِي أسَى وكأنَّهُنَّ طُلُوحُ
قال أبو العلاء: الحمول هاهنا القوم المتحملون، وقوله تقطعت الحمول أي سبق بعضها بعضا. والشعراء المتقدمون يشبهون الحمول السائر بالنخيل وادلوم، والطلوح هاهنا جمع طلح من الشجر ولو ادعى أن الطلوح هاهنا جمع طلح طليح وهو المعنى لم يتعد ذلك، ويكون المعنى أن النساء المحمولات على الإبل قد أثقلتها لعظم أجسامهن. وكان أبو الطيب مولعا بمثل هذه الصفة من ذلك قوله:
تَشكُو رَوادِفَكِ المطَيَّةُ فَوقَها ... شَكوَى التي وَجَدتْ هَواكِ دَخيلا
والقول الأول أشبه.
نازَعتُهُ قُلُصَ الرّكابِ وَرَكبُها ... خَوفَ الهَلاكِ حُدَاهُمُ التَّسبِيحُ
قال ابن جني: نازعته، أي أخذت منه بقطعي إياه بما نال من الركاب وأعطيته.
قال الأعشى:
نازعتُهم قُضُبَ الرَّيحانِ مُتَّكئاً ... وَقَهوَةً مُزَّةً رَواقُها خَضِلُ
أي أخذت منهم وأعطيتهم. قال أبو العلاء: قال لي ابن سعد إن المتنبي قال: ما قصرت المحدود إلا في قولي: حداهم التسبيح.
شِمنَا وما حَجَبَ السَّماءُ بُروُقَهُ ... وحَرى يَجودُ ومَا مَرَتهُ الرّيحُ
قال ابن جني: أي شمنا بروقه، ولم يحجب السماء لأنه ليس غما فيسترها، ولأنه ليس هناك غيم في الحقيقة وإنما أراد مخايل عطائه ومرته استدرته أي هو أن يجود ولم ثمره الريح. بفضله على السحاب، لأن السحاب يستر وجه السماء ولا يدر إذا استدرته الريح.
قال أبو العلاء: هو حري بذاك أي جدير به، والمعنى: وحري أن يجود فحذف أن للضرورة ويقال) حرى وحري (فإذا شددت الياء ثني وجمع لأنه ليس بمصدر، وإذا قيل) حرى (لم يثن ولم يجمع وأستعمل للمذكر والمؤنث على جهة واحدة قال الشاعر:
وهنَّ حَرَّى أنْ لا يُثِبنَكَ نَقرةً ... وأنتَ حَرَّى بالنَّارِ حينَ تُثِيبُ
حرف الدال
(1/21)

ومن التي أولها:
عَواذِلُ ذَاتِ الخالِ فِيَّ حَوَاسِدُ
يَرُدُّ يَداً عَنْ ثَوبِها وَهو قادِرٌ ... وَيَعصِي الهَوَى في طَيفِها وَهو راقدُ
قال أبو الفتح: لو أمكنه في موضع قادر يقظان لكان حسنا، فلما لم يجد إليه سبيلا شحا على الوزن جاء بلفظ كأنه مقلوب راقد، وهو قادر، ليصرف اللفظان من التجانس على أن في البيت شيئا وهو أن الراقد قادرا أيضا، لأنه لا يتحرك في نومه ويصيح، ولكن لما كان ذلك عن غير قصد وإرادة صار كأنه غير قادر ومعنى البيت لأنه يعصي الهوى في منازعته إياها راقدا ويقظان يصف نفسه بالنزاهة.
متى يَشتَفي من لاعِجِ الشَّوقِ في الحَشَى ... مُحِبٌ لَها في قُربِهِ مُتباعِدُ
قال ابن جني: يقول تشتفي مما بك، وأنت كلما قدرت عليها امتنعت منها، ولاعج الشوق أشد حرقة.
تَثَنَّى على قَدرِ الطّعِانِ كأنَّما ... مفَاثِلُها تحتَ الرّماحِ مَرَاوِدُ
قال أبو العلاء: يريد أنها كالتي تعلم ما يراد منها، فهي تتقي الطعن كما يتقيه الفارس، وهذه من الدعوى المستحيلة، ويجوز أن يريد أنها تطيعه إذا ثناها بجهة من خوف الطعن، وشبه مفاصل الفرس بالمراود لأن المرود من شأنه أن ديور ويتصرف وهو من راد يريد إذا ذهب وجاء.
قال ابن فورجة: ما غرض الشيخ أبو الفتح لنفسه هذا البيت، وقد ذكر القاضي أبو الحسن أنه من الشعر الذي لا عيب فيه وزعم أنه مقلوب. وإنما يصح المعنى لو قال كأنما الرماح تحت مفاصلها مراود. وشبه هذا بقولهم: طلع الجوزاء وأنتصب العود على الحرباء. وقول الشاعر: كأنَّنا رعنُ قفٍ يَرفع الآلا وعنده أن المراود جمع مرود ميل المكحلة. وعندي أن المراود في هذا البيت هو المسمار الذي فيه حلقة يدور فيه. لفظة أظنها مولدة، وقد استعملها بعض المحدثين ممن تأخر عن أبي الطيب إلا أنه جود ما شاء هو.
ألِميّ بعَرافِ النَقا وتَيمَّنِي ... مَهبَ النَعامَى واجعَليِ الليل مروَدَا
ألا ترى أنه لا يصح معنى هذا البيت، إلا أن يكون المرود تدور حلقته كيف ما أديرت، يريد لين انعطافه في الميدان وعند الطراد، وليس يريد كون الرمح في مفاصلها إذا طعنت، ولو كان أراد ذلك لما قال تحت الرماح لأن المفاصل إذا طعنت حصل الرمح فيها وحصل بعض المفاصل وبعضها تحتها فلا معنى إذا لقوله تحت الرماح. والمعنى الذي ذهب إليه القاضي أبو الحسن غير حسن ولا غريب، يريد كأن الرماح في مفاصله أميال الكحل، يفعل الميل فيها فعل الميل في العين. وهذا رديء ممتنع بشيء آخر، وهو أنه خص المفاصل وليس كل الطعن في المفاصل وليست هي أيضا بمقاتل فلا معنى لتخصيصها، وكان الأولى لو أراد ذلك أن يقول: فرائصها تحت الرماح أو جواشنها، أما الفرائص فأنها مقاتل وأما الجواشن فلأنها مستقبلة العدو، ويمتنع أيضا ما ذهب إليه لقوله) تثنى على قدر الطعان (فإذا كانت الرماح في مفاصلها كالأميال في الجفون فما حاجته إلى تثنيها، وما الحاجة إلى قوله على قدر الطعان وإنما يقول تثني في الطعان أن كان على بعد منها أو على قرب، فأن التثني مع قرب الطعنة ممتنع جدا، وليس كل الخيل تفعل ذلك ألا ترى إلى قول القائل يصف فرسا:
تُنَكَسهُمْ والسَّابِقاتُ جِبالُهُمْ ... وَتَطعُنُ فِيهم والرّماحُ المَكايِدُ
قال ابن جني: جعل الجبال كالخيل، وتنكسه إياهم عنها إنزالهم من الجبال للقتل والأسر، وتقيم مكايده إياهم مقام الرماح التي تطعنهم.
وَمِنْ شَرَفِ الإقدامِ أنَّكَ فِيهُمُ ... على القَتلِ مَومُوقٌ كَأنَّكَ شاكِدُ
قال أبو العلاء: الشاكد المعطي من غير مسألة. وقيل هو الذي يعطي ولا يريد عوضا. وادعى لسيف الدولة أن الروم تمقته مع ما يفعل بهم من القتل والأسر وذلك من الدعوى الباطلة.
وقال الأحسائي: يقول أن من فضل الإقدام وشرفه أن الشجاع محمود عند أعدائه، وأنه إذا قتل كبيرا منهم لم يكن هجنة على قومه بل يفتخرون فيقولون ما قتله إلا شجاع، ولولا شجاعته ما بارزه ووافقه وأن المنهزم منك المروع يكثر مدحك وغرضه إقامته العذر في هزيمته منك.
وأنت أبو الهَيجا بنُ حَمدانَ يا أبنَهُ ... تشابَهَ مَولُودٌ كَريمٌ وَوالِدُ
وحَمدانُ حُمدونُ حارِثٌ ... وحارِثُ لُقمانُ وَلُقمانُ رَاشِدُ
(1/22)

قال أبو العلاء: اتفق له في هذين البيتين ما لم يتفق لغيره من تشبيه الممدوح بأبيه، وتشبيه أبيه بجده، ثم كذلك حتى استوفى سبعة في النسب وعشرة في المقابلة، وحمدون اسم لم يتسم به العرب في القديم، وقل ما بنوا اسما على فعلون، وقد ذهب قوم إلى أن زيتون فعلون وقد ذكر فيما أغفله سيبويه من الأبنية وكان الزجاج يذهب إلى أنه جمع سلامة لزيت ومثل هذا يبعد.
قال أبو علي ابن فورجة: هذا المعنى من أحسن معاني أبيات هذه القصيدة، والبيتان من جياد أبياتها، وما لأحد من الشعراء قصيدة على هذا الوزن إلا وهذه أجود منها، وقد تهزأ منه الصاحب أبو القاسم فقال ولم ننفك مستحسنين لجميع الأسامي في الشعر كقول الشاعر:
إن يقتُلوكَ فقد ثَلَلتَ عُرُوشَهُمْ ... بعُتَيبَةَ بنِ الحارِثِ بنِ شِهابِ
وقوله الآخر: عِياذَ بن أسماء بن زيدِ بنِ قَاربِ واحتذى هذا الفاضل على طرقهم، فقال وأنت أبو الهيجاء البيتين وهذه من الحكمة التي ذكرها أرسطاطاليس وأفلاطون لهذا الخلف الصالح، وليس على حسن الاستنباط قياس هذا كلامه. فليت شعري مم العجب؟ من استقباحه ما هو أحسن شعره؟ أم من تهزئه الذي لا يليق بما نحن بصدده؟ أم من ظنه أنه إذا تهزأ توهم الناس فيه أنه يعلم ما ليس يعلمونه، ولقد جود أبو الطيب حيث يقول:
وكمْ مِنْ عائِبٍ قَولاً صَحيحاً ... وَأفَتُهُ منَ الفَهمِ السَّقيمِ
ويقول:
وَمَنْ يَكُ ذا فَمٍ مُرٍ مَريضٍ ... يَجِدْ مُرّاً بِه الماءَ الزُّلالا
أما سبك البيت فأحسن سبك، يريد أنك تشبه أباك، وأبوك كان يشبه أباه، وأبوه كان يشبه أباه، فأنت أبوك إذ كان فيك أخلاقه، وأبوك أبوه إلى آخر الآباء فليت شعري ما الذي استقبحه؟ وقد جاراني بعض أهل العلم في هذا البيت فقال استقبح قوله) حمدان حمدون وحمدون حارث (وليس في حمدان ما يستقبح من حيث اللفظ ولا المعنى، ولنسلم له أن حمدان وحمدونا لفظتان مستهجنتان، فكيف يصنع والرجل أسمه هذا وهل يستعير له أبا غير أبيه أم هل يسميه بلفظة حسنة يخترعها؟ ولقد كان الذنب في ذلك للآباء لا للمتنبي. وقد قال أبو بكر محمد بن دريد الأزدري في بعض قصائده:
وَقيسُ بن عَمرو بنِ العُبيد بن ضَاطرٍ ... أناخ على ساسٍ مَسيراً فَجعجعَا
وقال في أخرى:
وقيسُ بنُ مَسعودٍ بن قَيس بن خالدٍ ... وعمرو بنُ كلثومٍ شهاب الأراقمِ
فما الذي غض من قوله ضاطر، واسم الرجل ضاطر وهل أقبح منه؟.
وأما قوله هذه من الحكمة التي ذكرها أرسطاطاليس وأفلاطون، فلا يقاس به كلام. أترى من باب الفلسفة أن يقال فلان مثل أبيه في الشبه؟ أم هو من المعاني الغامضة التي لا يفهمها إلا الفلاسفة؟ سبحان من سخر له هذا الكلام وما كنا له مقرنين!.
ومن التي أولها: ما سَدِكَتْ عِلَّةُ بِمَورُودِ
تَحمِلُ أغمادُها الفِداءَ لَهُمْ ... فانتَقَدُوا الضَّربَ كالأخادِيدِ
قال أبو العلاء: يريد أنه وعدهم المال فأقام الخيل التي له ناصرة مقام الأموال. فانتقدوا ضربا كالأخاديد، أي جعلوا ذلك كنقد المال، وهذا على سبيل الهزء.
ومن التي أولها: لكُلِّ أمرِئٍ مِن دَهرِهِ ما تَعَوَّدَا
سَرَيتَ إلى جَيحانَ من أرضِ آمِدٍ ... ثَلاثاً لقَد أدناكَ رَكضٌ وأبعَدَا
(1/23)

قال ابن فورجة: لم يفسر الشيخ أبو الفتح هذا البيت تفسيرا شافيا، وهذا كلامه قال: جيحان نهر، أي أدناك سيرك من النهر وأبعدك من آمد، وهذا. أيدك الله كلام غير مفيد. إذ كان من سار من موضع إلى موضع آخر فقد أدناه ركضه من مقصده وأبعده من حيث انفصل عنه. ولو سار غلوة أو فرسخا، فما وجه المدح في هذا؟ إذا تأولناه على ما تأوله الشيخ أبو الفتح وما فائدة البيت؟ ووجه تأويله عندي ما أقول، وذلك أن جيحان من آمد على مسافة بعيدة قد علم ذلك بقوله:) سريت إلى جيحان من أرض آمد (وهذه مسافة لا يصل فيها أحد بمسرى ثلاث ليال، ولو أن قائلا قال سريت إلى الكوفة من بغداد. لفهم عنه أنه وصل إلى الكوفة إذ سرى إليها من بغداد، ويجوز أن يفهم عنه أنه سرى إلى الكوفة ولم يصل إليها، ولكن الكلام يدل بعضه على بعض، ولا سيما ومن عادة العرب الاختصار والاقتصار، فنحن نفهم من قول أبي الطيب) سريت إلى جيحان من أرض آمد (أنك وصلت إلى هذا النهر من آمد في ثلاث ليال، ليصح معنى تعجبه) لقد أدناك ركض وأبعد (وقوله ثلاثا يريد في ثلاث فلما حذف حرف الجر نصب وأعمل فيه سريت.
هَنيئاً لكَ العيدُ الذي عيدُه ... وعيدٌ لمنَ سمي وضَحَّى وَعَيَّدَا
قال أبو العلاء: ينتصب) هنيئا (عند قوم على مذهب قولهم: ثبت لك هنيئا، وقيل بل هو اسم موضع المصدر، كأنه قال: هناك هنيئا، لأنهم ربما وضعوا أسم الفاعل في هذا الموضع، كما قلت بعض نساء العرب وهي ترقص أبنها:
قُمْ قائِماً قُم قائماً ... لَقيتَ عَبداً نائماً
تريد: قياما.
والعيد مأخوذ من عاد يعود، وقالوا فيه معه أعياد، كراهة أن يقولوا أعواد بجمع العود، وقولهم عيد الأضحى يريدون جمع أضحاة، كما يقال أرطاة وأرطى وفيه أربع لغات أضحية وأضحية وضحية وأضحاة، ويقال في جمع ضحية ضحايا، وفي جمع أضحية وإضحية أضاحي، وإنما قيل أضحية لأنها تذبح إذا أضحى النهار.
وقال أبو علي: تكلم على العيد الشيخ أبو الفتح بكلام من باب التصريف، وأعرض عن معنى البيت. وقوله: أنت عيده يريد تحل له أنت محل العيد في القلوب إذ كان العيد مما يفرح له الناس وكذلك العيد يفرح بوصوله إليك. كما قال في مكان آخر:
جاءَ نَورُوزُنا وأنتَ مُرادُهْ ... وَوَرَتْ بالَذِي أرَادَ زِنادُهْ
وقوله لمن سمى يريد ذكر أسم الله على أضحيته سبحانه) وأنعام لا يذكرون أسم الله عليها (وقوله تعالى:) فاذكروا اسم الله عليها صواف فإذا وجبت جنوبها فكلوا منه (وذكر اسم الله واجب على المسلمين، فيريد أنت عيد لكل مسلم.
فَواعَجَبا مِنْ دَائِلٍ أنتَ سَيفُهُ ... أما يَتَوقَّى شَفرتَيْ ما تَقَلَّدَا
قال ابن جني: الدائل أسم الفاعل من دال يدول، يريد هنا الدولة فتعجب من عظم همة الدولة إذا تقلدته، ومعناه في الحقيقة الخليفة، ويجوز أن يكون أخرج الدائل مخرج التامر واللابن. أي ذو تمر ولبن ودولة.
وَمَنْ يجعَلِ الضِّرغامَ للصَيدِ بَازَه ... يُصَيَرُهُ الضّرغامُ فيما تَصيَّدَا
قال أبو الفتح: قلت له وقت القراءة: لم جعلت من شرطا صريحا وهلا جعلتها بمنزلة الذي وضمنت الصلة معنى الشرط حتى لا ترتكب الضرورة؟ كقوله تعالى:) الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية فلهم أجرهم (. فقال هذا يرجع إلى معنى الشرط والجزاء، وإنما جئت بلفظ الشرط صريحا لأنه أبلغ وأكد، وأردت الفاء في) يصيره (وحذفتها، والذي قال له جائز والوجه ما سمته إياه، ومذهب سيبويه في مثل هذا التقديم والتأخير، كأنه قال: يصير الضرغام بازا من يجعله فيما تصيده، واكتفى بهذا القول من جواب الشرط.
وقال أبو العلاء: رواية أهل هذه جزم) يجعل (ورفع) يصيره (وذلك ضعيف جدا، لأنه يحوج إلى أن تضمر الفاء فيجري مجرى قول زهير:
وإن أتاهُ خَليلٌ يومَ مَسألةٍ ... يَقُولُ لا غائِبٌ مالي ولا حَرِمُ
كأنه أراد فيقول أي فأنه يقول، وليست هاهنا ضرورة داعية إلى رفع) يصيره (وجزم) يجعل (لأنه إذا رفع) يجعل (وحمل الكلام على المبتدأ والخبر صرفه عن الشرط والجزاء، كفى هذه المئونة ويكون) من (في معنى الذي. كأنه قال والذي يجعل الضرغام للصيد بازه يصيره فيكون) يصيره (في موضع خبر المبتدأ.
وقوله:
(1/24)

فارَقُتُكم فإذَا ما كان عِندَكُمُ ... قَبل الفِراقِ أذىً بعدَ الفِراقِ يَدُ
إذَا تَذَكَّرتُ ما بَيني وَبَينَكُمُ ... أعانَ قَلبي على الوَجدِ الذي أجِدُ
قال أبو علي: أي كانت منكم أحوال أكرهها، فكانت قبل الفراق عندي أذى فقد صارت بعد الفراق يدا عندي، لني أتسلى إذا ذكرتها عنكم، وتزهدني فيكم، فهي في الحقيقة يد إذ كانت سببا للسلو عنكم، وفسر ذلك بقوله بعده:
إذَا تَذَكرتُ ما بينِي وبينكُمُ ... أعانَ قَلبي على الوَجدِ الَذي أجِدُ
وقال العجلي: يحتمل ذلك معنيين أحدهما: المدح، والآخر: الذم. أما المدح فأنه يقول أن الذي كنت أتأذى به عندكم وأشكوه لما فارقتكم وبليت بغيركم لقيت منه من الأذى ما صار الذي شكوته منكم إلى جنبه نعمة، ثم قال في البيت الثاني وما يمنعني من العود إليكم على شدة الشوق إلا ما أذكره من تلك الأذاة فهي التي تعينني على الشوق، وأما وجه الذم فهو ما أورده ابن فورجة ولا حاجة إلى إعادته.
ومن التي أولها:
أهلاً بِدَارٍ سَباكَ أغيَدُها
لا ناقَتِي تَقبلُ الرَّديفَ وَلا ... بالسَّوطِ يومَ الرّهانِ أُجهدُها
قال ابن جني: يريد بناقته نعله قال الشاعر:
رَوَاحلُنا سِتٌ ونحنُ ثَلاثَةٌ ... نُجَنِّبُهُنَّ المَاءَ في كُلِّ مَنزِلِ
يا ليتَ بي ضَربَةً أُتِيحَ لها ... كمَا أُتِيحَتْ لَهُ مُحمَّدُها
قال أبو العلاء: هذا البيت يحتمل وجهين. أحدهما: أن يريد أن هذه الضربة حسنت وجه الممدوح وشرفته ودلت على شجاعته. والآخر: أن يكون أراد يا ليت بي هذه الضربة، أي ليتني فديته منها فهو في الوجه الأول متمن خيرا، وفي الثاني جاعل نفسه فداء للممدوح، وأتيح لها أي قدر.
ومن التي أولها:
اليَوم عَهدُكُمُ فأينَ المُوعِدُ ... هَيهاتَ ليَوم عَهدِكُمُ غَدُ
قال ابن فورجة، قال الشيخ أبو الفتح: يقول أني أموت يوم فراقكم فلا أعيش إلى غد ذلك اليوم، فليس لذلك اليوم عندي غد، هذا على ما قاله رحمه الله، إلا أن البيت ليس ينكشف معنى سائره بهذا القدر من القول، وإنما معناه اليوم عهدكم، أي اليوم آخر يوم اجتمعنا فيه، فعرفوني متى الوعد باللقاء إذا افترقنا، ثم تدارك بقوله:) هيهات ليس ليوم عهدكم غد (. قوله:) أين الموعد (كأنه نعى على نفسه ما أتاه، وقال: ما سؤالك عن موعد اللقاء وأنت لا تحيين بعد فراقهم؟ وقوله: اليوم عهدكم هو من قول الشاعر:
وآخرُ يومٍ منه يومَ لَقِيتُهُ ... بأسفلِ وادي الدَّوم والثَّوبُ يُغسَلُ
ليس هذا من العهد الذي هو العقد مثل قول بن حلزة: واذُكُروا حِلفَ ذِي المَجَازِ وما قُدَمَ فيهِ العُهُودُ والكُفَلاَءُ
فَرأيتُ قَرنَ الشَّمسِ في قَمَرِ الدُّجَى ... مُتأوَداً غُصنٌ بِهِ يَتَأوَّدُ
قال أبو العلاء: يحتمل البيت معنيين، أحدهما: أن يعني رأيت نورا كنور قرن الشمس في وجه مثل قمر الدجى، والآخر: أن يعني بقمر الدجى القمر الذي يطلع بالليل، كأنه رآها في ليل فقال ذلك، والمتأود المتعطف المائل.
قال الأحسائي: نصب متأودا حالا لقرن الشمس، والتقدير رأيت الشمس متأودا، يتأود به غصن، فالغصن هو فاعل يتأود وليس له تعلق بمتأود.
أبَرحْتَ يا مَرضَ الجفون بِمُمرَضٍ ... مَرِضَ الطَّبيبُ له وَعِيدَ العُوَّدُ
قال ابن جني: يعني بالممرض جفنها،) ومرض الطبيب له وعيد العود (مثل ولا طبيب ولا عود، ولكنه لما ذكر الجفون وذكر مرضا ذكر له طبيبا وعودا، وإنما يريد نظرها إليه ومرض الطبيب معناه: أنه إذا نظر الإنسان إلى عينيها مرض من عشقها. أي: تجاوزت يا مرض الجفون الحد حتى أحوجته إلى طبيب وعود، فبالغ في شدة مرض جفونها، ويقال: مرض فهو مريض ومارض.
وقال أبو العلاء: الأشبه أن يكون الممرض أراد به الشاعر نفسه، وقال للمحبوب يا مرض الجفون، لأن كل من نظر إليه مرضت جفونه، لأنه يحملها على البكاء والسهر وبعض الناس ينشده يا مرض بكسر الراء وهو قليل في الاستعمال، إنما يقولون فلان مريض، والقياس لا يمنع أن يقال مرض، كما يقال سقم فهو سقيم وسقم، قال الأعشى:
يقضِي بها المَرءُ حاجاتِه ... ويُشفَى عَلَيها الفُؤادُ السَّقيمْ
وأبرحت أي صرت إلى البرح، وهو الأمر الشديد الشاق.
(1/25)

قَطَّعتَهُمْ حَسداً أرَاهُمْ ما بِهِمْ ... فَتَقَطَّعُوا حَسَداً لِمَن لا يحسُدُ
قال ابن جني: أي تقطعوا حسدا، لأنك لا تحسد أحدا، لأنك فوق كل أحد، وقوله:) أراهم ما بهم (أي كشف عن أحوالهم في التقصير عنك، والتقصير دونك.
صِحْ يا لَجُلهُمَةٍ تَذَرْكَ وإنَّما ... أشفارُ عَينكَ ذَابِلٌ ومُهَنَّدُ
قال أبو العلاء: جلهمة هو أسم طي، والجلهمة مثل الجلهمة وهو ما استقبلك من الوادي، وقوله) أشفار عينيك ذابل ومهند (أي أنصارك قريب منك، فكأنهم في ذلك أشفار عينيك، ويجوز أن يكون المعنى أنهم إذا اجتمعوا إليك هابك الناس، فإذا نظرت إلى بعض أعدائك قام نظرك مقام الذابل، والمهند، ونسب ذلك إلى الأشفار لأنها مجاورة لناظر العين، فعلم الغرض في الكلام.
قال ابن فورجة: فسر ابن جني هذا البيت تفسيرا مضطربا، فقال أي تحدق بك الرماح والسيوف، فتغطي عينيك كما تغطيها الأشفار، وهذا كأنه من قول الآخر:
وإذا دُعوا لِنزالِ يَومِ كَريهةٍ ... ستروا شُعاعَ الشَّمسِ بالفُرسَانِ
هذا تفسير. وعندي أن الأمر بخلاف ذلك، وما بال الرماح والسيوف تغطي بها عينه دون سائر أعضائه. بل أي موضع في هذا البيت يدل على التغطية؟ وإنما قوله) تذرك وإنما أشفار عينك ذابل ومهند (كقولك: تركت عينه سماء هاطلة، وتركته وإنما جنبه دم سائل، إذ أثخنته ضربا، يريد إذا صحت يا لجلهمة اجتمعت إليك فها بك كل أحد، كأنك إذا نظرت إلى رجل بعينك أشرعت إليه رماحا وصلت عليه بسيوف، كأنه قال صح لهم لنجدتك تتركك، وهذه حالة من الهيبة في القلوب.
حَيٌّ يُشارَ إليكَ ذَا مَولاهُمُ ... وَهُمُ المَوَالي والخَلِيقَةُ أعبُدُ
قال ابن فورجة: قوله حي يريد به جلهمة، أي جلهمة حي يشار إليك أيها الممدوح أنك مولى لهم أي سيد، وهم أيضا الموالي أي السادات يريد أنك لم تسدهم لكونهم عبيدا، بل أنت سيدهم وهم سادات الناس، وكثير من النسخ المعتمدة وجدنا فيها) حتى يشار إليك (ولم نر نوره إلا أن هذه الرواية سائغة لطيفة، يعني أنهم يجتمعون حولك لا يتخلف عنك منهم أحد، إذا صحت يا لجلهمة، فعل المسودين المذعنين لك بالفضل والرئاسة والسؤدد.
أنَّى يكُونُ أبا البَرِيَّةٍ آدَمٌ ... وأبُوكَ والثَّقَلانِ أنتَ محَمَّدُ
قال ابن جني: في إعراب هذا البيت تعسف وتقديره كيف يكون آدم أبا البرية وأبوك محمد وأنت الثقلان، ففصل بين المبتدأ الذي) هو أبوك (وبين الخبر الذي هو) محمد (بالجملة التي هي قوله) والثقلان أنت (وهي أجنبية، أي أنت جميع الأنس والجن. وآدم واحد من الأنس، وأبوك محمد، فكيف يكون آدم أبا البرية؟ ومعنى) والثقلان أنت (أي أنك تقوم مقام الأنس والجن بغناك وفضلك.
ومن التي أولها:
أحُلماً نرى أم زَماناً جَديدَا ... أم الخَلقُ في شَخصِ حَيّ أُعِيدَا
قال ابن فورجة: يريد بحي رجلا واحدا، دعته الضرورة إلى ذلك وإنما هذا معنى قول أبي نواس:
وليسَ لِلهِ بِمُستَنكَرٍ ... أن يَجمَعَ العالَمَ في وَاحِدِ
إلا أنه أراد الزيادة في هذا المعنى، فمعنى أن الخلق الهالكين أيضا أعيدوا في شخص حي فحسن حي بهذا التقدير، وهو كقوله أيضا:
وَلَقِيتُ كُلَّ الفاضِلينَ كأنَّما ... رَدَّ الإلَهُ نُفُوسَهُمْ والأعصُرَا
رأينا بِبَدرٍ وآبائِهِ ... لِبَدرٍ وَلُوداً وبَدَراً وَلِيدَا
قال أبو العلاء: لما شبه الممدوح بالبدر: إذ كان أسمه بدرا ادعى أنه قد رأى للبدر ولودا أي أبا، وللبدر وليدا أي مولودا، وهذه من الدعاوى الباطلة لأنه لا يعني إلا بدر السماء، وقوله لبدر نكرة، ولا يحتمل أن يكون معرفة لأنه لو كان ذلك لم يكن فيه مدح.
بَهِجرِ سُيُوفِكَ أغمادَها ... تَمَّنَّى الطُّلَى أن تكونَ الغُمُودَا
إلى الَهامِ تَصدُرُ عَن مِثلِهِ ... تَرَى صَدَراً عَن وُرُودٍ وُرُودَا
قال ابن جني: يقول سيوفك لا ترجع إلى أغمادها، لأنك أبدا تضرب بها أعناق أعدائك، وهي تمنى أن تكون أغمادا لسيوفك، فلا تجتمع معها أبدا. وقوله إلى الهام البيت. أي أبدا سيوفك تصدر عن الهام إلى هام أخرى. فصدرها أبدا ورود.
(1/26)

قال أبو العلاء: البيت الأول قد كمل معناه، وهو غير محتاج إلى ما بعده، وقوله إلى الهام يفتقر إلى فعل مضمر يكون راجعا إلى السيوف، كأنه لما جرى في البيت الأول ذكر الهجر أضمر) بهجر (في البيت الثاني، يريد تهجر سيوفك أغمادها إلى الهام، كما قال: هجرت إليه الغيث أي تركت الغيث ليتصل به، وكذلك سيوفه تهجر الأغماد لتقع في الهام.
ومن التي أولها: ما الشَّوقُ مُقتَنعاً مِني بذَا الكَمَدِ
ولا الدّيارُ التي كانَ الحَبيبُ بِها ... تشكُو إليَّ ولا أشكُو إلى أحَدِ
قال أبو علي: قال الشيخ أبو الفتح: أي لم يبق في فضل للشكوى ولا في الدار أيضا فضل لها لأن الزمان أبلاها. هذا على ما قاله أبو الفتح. وغير هذا التفسير أولى لما أنا ذاكره، وهو أن هذا التفسير يوجب أن يكون المراد لا أنا أشكو إلى أحد، ولا الديار تشكو إلي لجفاها ودروسها، فكأنه قدم آخر الكلام قبل أوله، فصار مضطربا من المحتمل السائغ لا من الظاهر البارز، والأجود أن يكون قوله ولا الديار عطفا على قوله) ما الشوق مقتنعا مني بذا الكمد (كأنه يقول ولا الديار تقنع مني به، ثم فسر لأي حال لا تقنع به منه، فقال تشك إلي أي شكواها سائغ، وهي مما لا يعقل، كأنها تشكو إلي بدروسها وزوال جمالها، وأنا لا تحسن بي الشكوى إلى أحد، لأنني ممن يعقل جمالها، وأنا لا يحسن بي إظهار الحب وإفشاء السر. فيكون عطف نفيا على نفي تقدمه، لا عطف جملة على جملة لم تأت بعدن ومما يزيد المعنى الذي ذكره ترذيلا قوله لا تشكو إلي الديار لأنه لم يبق فيها فضل للشكوى، فإذا لم يبق فيها فضل فكيف عرفها، وإذا بلغ الحال إلى هذا في دروسها فلا سبيل إلى معرفتها.
ومن التي أولها:
أحادٌ أم سُداسٌ في أُحادِ ... لُيَيلَتُنا المَنُوطَةُ بالتَّنادِ
قال ابو العلاء: يجب أن يكون هذا الكلام على تقدير ألف الاستفهام، ويدل على ذلك مجيء) أم (في أوله، كأنه قال: أواحدة أم ست هذه الليلة؟.
وحكي عن ابن جني أنه كان يحتج لتخصيص أبي الطيب سداس عن غيره بما هو أكثر. بأن الله خلق السموات والأرض في ستة أيام، يردي أن هذه الليلة طويلة كأنها الأيام الستة التي خلقت فيها السموات والأرض. إذ كل يوم من أيام الله سبحانه كألف سنة مما يعده بنو آدم، بدليل قوله:) وأن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون (وهو قول حسن، ومما يجوز أن يقال في هذا المعنى أن الحديث جاء فيه أنه إذا جاءت القيامة وقضى الله أن تطلع الشمس من مغربها تأخر طلوعها ثلاثة أيام. فينكر الناس ذلك ويفزعون إلى المساجد، ثم تطلع بعد ثلاث سوداء، والثلاثة الأيام التي لم تطلع فيها الشمس صارت كثلاث ليال فهي حينئذ ست. ويوقي هذا القول قوله) لييلتنا المنوطة بالتناد (لأن طلوع الشمس من مغربها يتصل بالقيامة، وصغر الليلة على معنى التعظيم، كما قال لبيد:
وكلُّ أُناسٍ سَوفَ تَدخُلُ بَينَهُم ... دُوَيهِيَةٌ تَصفَرُّ منها الأنامِلُ
والبصريون المتقدمون لا يرون تصغير الشيء على معنى التعظيم، ويرون أن قول لبيد) دويهية (وهو يريد الموت فصغرها، إذ كان الموت لا يرى، فكأنه خفي إذ كان العيان لايدركه.
وقال الأحسائي: ليالي الزمان سبع ليال، يقال هذه الليلة الطويلة واحدة وهي ست ليال في ليلة، فكأنه ضرب واحدة من السبع في البقية وهي الست.
متى لَحَظَتْ بَياضَ الشَّيبِ عَينٌ ... فقَد وَجَدَتْهُ مِنها في السَّوَادِ
قال أبو العلاء: أي أني إذا لحظت بياض الشيب فكأني لحظت به بياضا في سواد عيني. ولا يمكنه أن يلحظ سواد عينه إلا في المرآة، ولولا أنه بين سواد العين في هذا البيت لجاز أن يحمل على سواد القلب، فيكون نحوا من قول الطائي:
شَابَ رَأسِي ومَا عَهدتُ مَشِيبَ الرأسِ ... إلا من فَضلِ شَيبِ الفُؤادِ
إلا أن الطائي جعل مشيب فؤاده متقدما شيب رأسه، وأبو الطيب جعل البياض في سواد عينه من أجل حزنه لبياض الشيب.
(1/27)

قال ابن فورجة: قال ابن جني أي كان ما في وجهي من الشيب نابت في سواد عيني تكرها له. هذا كما قال الشيخ أبو الفتح، وعبارة أحسن من هذه أولى، وذلك أن العين لا ينبت فيها الشعر الأبيض ولا الأسود، ولو كانت العين من العضاء التي ينبت فيها الشعر لما ضرها بياض الشعر النابت فيها، ولو ضرها ذلك لما بلغ التكره له حيث يضرب به المثل. والأولى أن يقال إذا نظرت عيني إلى الشيب فكأنها عاينت فيها بياضا ينزل في سوادها من البياض المكره الذي ينزل فيه من العلة. وتأويل بياض الشيب في العين زائد في معناه وحسن، وذلك أنه يزيد بياضا مستهجنا مستقبحا كبياض الشيب كما قال البحتري:
ودَدتُ بياضَ السَّيفِ يوم لَقينَني ... مكانَ بَياضِ الشَّيب حَلَّ بمَفرقي
وبياض السيف لا يحل بالمفرق، وإنما السيف يحل به فأراد التسوية بين البياضين.
مَتى ما ازدَدتُ مِن بَعدِ التَّناهي ... فَقد وَقَعَ انتِقاصِي في ازديادِي
قال ابن فورجة: المعنى أن الازدياد بعد التناهي نقصان، كأنه يريد أن التناهي هو بلوغ الأشد واستيفاء أربعين سنة، فإذا ازددت بعدها نقصت القوى، وعدت أنتقص، بعدما كنت أزداد، وكأنه من المعنى الذي له:
فَبعَثنا بأربعينَ مِهاراً ... كُلُّ مُهرٍ مَيدانُهُ إنشادُهُ
عَدَدٌ عِشتَهُ يَرَى الجِسمُ فِيهِ ... أرَبا لا يَرَاهُ فِيما يُزَادُهْ
وقوله: فقد وقع انتقاصي في ازديادي يريد فقد ابتدأ نقصاني يزيد وهذا المعنى من قوله:
وَلُجدْتَ حتى كِدتَ تَبخَلُ حائِلاً ... للمُنتَهَى وَمِن السُّرُورِ بُكاءُمأخوذ من قول القائل:
وأُسَرُّ في الدُّنيَا بكُلّ زِيادةٍ ... وزِيادَتي فيها هو النَّقصُ
والأول فيهما جميعا قول حميد: وحَسبُكَ دَاءً أَنّ تَصِحَّ وتَسلَمَا
وأبعَدَ بُعدَنا بُعدَ التَّدَانِي ... وَقَرَّبَ قُربَنا قُربَ البِعادِ
قال أبو العلاء: في أبعد وقرب ضمير عائد على المسير، والمعنى أنه دعا للمسير بأن يجزي خيرا، لأنه قرب الأمد الذي كان بينه وبين الممدوح، فيصير مقداره كعرض النجاد، وهو ما يقع على الكتف من حمائل السيف. يقول كان تدانينا بعيدا، فابعد المسير بعدنا فصبره في النأي بمنزلة ما كان عليه التداني من قبل، وجعل قربنا قريبا منا كما كان البعاد في الدهر الأول مقاربا لنا. ومن التي أولها:
أقَلُّ فَعالي بَلهَ أكثَرَهُ مَجدُ ... وَذَا الجِدُّ فيهِ نِلتُ أم لم أنَلْ جَدُّ
قال ابن جني: أكثره بالنصب والجر، والنصب أجود، لأنه بله أسم مسمى به الفعل مثل) رويد وحيهل (وبله في معنى دع أكثره، وهي اسم دع، كما أن صه اسم أسكت. والجر في أكثره على أنه جعل بله مصدرا وأضافه إلى أكثره كقوله تعالى) فضرب الرقاب (والنصب بع دبله أقوى، لأنه لو كان بله مصدرا لوجد فعله، ولا نعرف له تصرفا، فينبغي أن يكون غير مشتق منه بمنزلة صه. ومه وإنما جوزنا الجر على أن يكون بله مصدرا، لأنا قد وجدنا مصادر لا أفعال لها) نحو ويل وويح وويس (وقالوا) الابن: الإعياء (ولا فعل له) والإد للعجب (والمراد الفعل يقول: وذا الجد الذي أنا عليه في أمري فيه حظ، نلت ما أطلبه أو لم أنله، فلو لم يكن عندي غير هذا الجد في أمري وترك التواني لقد كان لي جدا، وهذا قريب من قول البصري:
فأن لَم تَنَلْ مَطلباً رُمَتهُ ... فليسَ عليكَ عدا الاجتهادِ
سأطلُبُ حَقِّي بالقَنا وَمَشايخٍ ... كأنَّهُمُ من طُولِ ما التَثَموا مُردُ
قال أبو العلاء: المشايخ جمع مشيخة، وهي جماعة الشيوخ وكأن المشيخة في الأصل مصدر، كأن المراد قوم ذو مشيخة أي شيخوخة، أو يكونون جعلوا كالموضع لتلك الحال، وكان ابن دريد يذهب إلى أن المشيخة كلمة ليست بفصيحة، وجاء في كلام الفراء: سمعنا المشيخة وحدثتنا المشيخة. والفراء أقرب إلى زمان الفصاحة من ابن دريد، ولا يجوز همز مشايخ لأن الياء أصلية وهي متحركة في الواحد، وبعض الناس يذهب إلى أن المعنى أن هؤلاء المشايخ كأنهم من طول تلثمهم مرد لا لحى لهم لأن لحاهم مستورة باللثم، فهذا قول حسن، ويجوز أن يذهب ذاهب إلى أن طول التلثم قد حص شعر لحاهم، كما قال أبو قيس بن الأسلت:
قد حَصَّتِ البَيضَةُ رَأسي فَما ... أطعَمُ نَومَاً غيرَ تَهجَاعِ
(1/28)

ويَمنَعُنِي مَّمنْ سِوَى ابن مُحَمَّدٍ ... أيادٍ لَهُ عِندي يَضِيقُ بها عِندُ
قال أبو العلاء: عند يحكي فيها) عند وعند وعند (حكى ذلك يونس. وهي من قولهم:) عند ذا مال (وإذا قال القائل كذا وكذا عند فلان، فالمعنى أنه في الموضع الذي يميل إليه، وكانت) لعند (سعة وليست لغيرها من الظروف وذلك أن الجهات ست: أمام ووراء، وتحت، وفوق، ويمين، وشمال، وكل واحدة من هذه الجهات مختصة بناحية و) عند (تقع على جميعها فلذلك حسن قول القائل) يضيق بها عند (.
يكادُ يًصِيبُ الشّيءَ مِن قبل رَمِبِهِ ... ويُمكِنُهُ في سَهمِهِ المُرسَلِ الرَّدُّ
وقال ابن جني: يمكنه معطوف على يصيب لا على يكاد.
وقال أبو العلاء: قوله يمكنه معطوف على يصيب، قول فيه تخليص للشاعر من المبالغة في الكذب، لأنه قال يكاد يصيب الشيء فهو لم يصبه، فإذا عطف يمكن على يصيب فالمعنى ويكاد يمكنه في سهمه، وإذا جعل يمكنه معطوفا على يكاد فقد حكم بأنه يمكنه أن يرد سهمه المرسل، وهذا أشد في المبالغة واحسن في نقد الشعر.
بنَفسِي الذي لا يُزدَهَي بِخَديعَةٍ ... وَأن كَثُرتْ فيه الذَّرائِعُ والقَصدُ
قال ابن جني: كأنه قال بنفسي غيرك أيها الممدوح، لأني أنا أزدهيك بالخديعة وأسخر منك بهذا القول، لأن هذا مما لا يجوز مثله، وإنما هو سخر مني بك وهذا مذهبه وهو كقوله:
فأن نِلتُ ما أمَّلتُ منك فَرُبمَّا ... شَرِبتُ بِماءٍ يُعجِزُ الطَّيرَ وِردُهُ
قال أبو العلاء: المعنى الذي قصده الشاعر أنه قال بنفسي الذي لا يخدع ولا يغر ولا يجوز عليه تمويه القائلين، والمعنى بنفسي أفديه، والمعنى الذي ذكره أبو الفتح رحمه الله بعيد لا يليق بالممدوح.
مَضى وَبَنُوهُ وانفَرَدْتَ بِفَصلِهِم ... وألفٌ إذا ما جُمَّعَتْ وَاحِدٌ فَردُ
قال أبو العلاء: الألف مذكر وقال جمعت فأنث، لأنه ذهب مذهب الجماعة، لأنه آحاد كثيرة، وإذا جعل الألف أجزاء على مائة أو دون ذلك فهو جماعة، فلذلك أنث في هذا الموضع، وبعض العرب يقول في الألف:) عشر مائة (وقالوا في جمع ألف آلاف، وعلى ذلك أكثر الاستعمال مثل زند وأزناد. وفرخ وأفراخ قال الأعشى:
وُجِدتَ إذَا اصطَبَحُوا خَيرَهُمْ ... وَزَندُكَ أثقَبُ أزنَادِهَا
وقال الحطيئة:
ماذا تَقولُ لأفرَاخٍ بِذي مَرَخٍ ... حُمرِ الحَوَاصِلِ لا مَاءٌ ولا شَجَرُ
وقالوا آلف وهي قليلة والجمع الكثير ألوف.
وأردِيةٌ خُضرٌ وَمُلكٌ مُطاعَةٌ ... وَمَركوزَةً سُمرٌ وَمُقرَبَةٌ جُردُ
قال ابن جني: أردية خضر يقول هم ملوك وأنت الملك لأنه ذهب إلى السلطان وهو مؤنث.
قال أبو العلاء: المعنى أنه أراد بالأردية السيوف، ومعروف عند العرب أنهم يسمون السيف الرداء، ومن ذلك قول عمرو بن شأس:
كأنَّ رِدَاءَيُهِ إذا قَامَ عُلِّقَا ... على جِذعِ نَخلٍ لا سَحُوقٍ ولا بَالِ
يعني رداءه وسيفه، وقد جاء هذا المعنى مشروحا في بعض الشعر كقوله:
يُنازِعُني رِدَائِي عَبُد شَمسٍ ... رَويدَكَ يا أخَا سَعدِ بنِ بَكرِ
لي الشَطرُ الذي مَلكتْ يَميني ... ودونَكَ فاعتَجِر منه بشطرِ
وملك جمع ملك مثل تمر وتمر، وبيت ابن أحمر يحمل على وجهين:
مدَتْ عليه المُلكُ أقطارَهَا ... كأسٌ زَنَوناةٌ وطِرفٌ طِمِرْ
قيل ملك جمع ملك وقيل بل أراد المملكة فأنث.
ومَا عِشتُ ما ماتُوا وَلا أبَواهُمُ ... تَمِيمُ بنُ مُرٍّ وابن طابِخَةٍ أُدُّ
قال أبو العلاء: يقول بنو سيار بن مكرم لم يموتوا ما دمت أيها الممدوح في الحياة. وكذلك لم يمت أبواهم، جعل الجدين القديمين أبوين، وكذلك موضوع اللغة لأن الرجل يقول: أبي آدم وبينهما ما شاء الله، وتميم بن مر بن أد بن طابخة وأد يقول بعض الناس هو من الود قلبت الواو همزة لوقوعها مضمومة في أول الاسم ويجوز أن يكون اشتقاق أد من كل لفظ يشتق منه أدد.
ومن التي أولها: لَقَدْ حازَني وَجدٌ بِمَن حازَهُ بُعدُ
أسَرُّ بتَجدِيدِ الهَوَى ذِكرَ ما مَضَى ... وإنْ كانَ لا يَبقَى لَهُ الحَجَرُ الصَّلدُ
قال ابن جني: يقول أسر بتذكر ما خلا من اللذة، وإن كان ذلك لا يبقي عليه الحجر الصلد تأسفا وحنينا إليه.
(1/29)

قال أبو العلاء:) ذكر ما مضى (ينتصب على أحد وجهين، أجودهما أن يكون مفعولا لتجديد الهوى إياه، والآخر: أن يكون مفعولا له، كأنه قال أسر بتجديد الهوى لذكر ما مضى، أي لذكري إياه.
وَسَيفي لأنتَ السَّيفُ لا ما تَسلُّهُ ... لضَربٍ ومَّما السَّيفُ منهُ لكَ الغِمدُ
قال أبو العلاء: وسيفي أراد به معنى القسم، كأنه آلى بسيفه. أن هذا الممدوح هو السيف الذي يسله للضرب) ومما السيف منه لك الغمد (أي عليك درع أو جوشن. وهما يتخذان من الحديد، كما أن السيف منه يطبع.
وقد ذهب قوم إلى أن قوله وسيفي يريد به ويا سيفي، لأنت السيف، فحذف حرف النداء، وهذا لا يمتنع ولكن الأول أحسن، والقول في قوله) ورمحي (مثل القول في قوله) وسيفي (.
مِنَ القاسِمِينَ الشُّكرَ بَيني وبَينَهُمْ ... لأنَّهُمُ يُسدَى إليهِمْ بأنْ يُسدُوا
وقال ابن فورجة: يريد أنهم لكونهم يعتقدون منه فضلا عليهم لمن قصدهم واستماحهم، فهم يشكرونه على ذلك، فأنا أشكرهم على ما أولوني من الجميل، فهم يشكرونني على أخذي نوالهم. وفي بعض لفظ هذا البيت ما يدل على الغض من الممدوحين، إذ جعلهم يسدى إليهم بان يقبض نوالهم، وهذا هجو، إذ جعلهم بقبض نوالهم بمنزلة من لا يجد من يفضل عليه، وهل هو إلا من قوله:
وَقَبضُ نَوَالِهِ شَرَفٌ وَعِزٌّ ... وَقَبضُ نَوَالِ بَعضِ القَومِ ذَامُ
على أنه وأن خذله الوزن، ومنعه استيفاء غرضه، فقد علم أن ما يريده شدة فرحه بالعطاء، حتى كأن من يسأله يمن عليه، فما أكثر ما جاء نظير هذا في شعره وشعر غيره، وأجوده قول القائل:
وأنَّكَ لا تَدرِي إذا جاءَ سَائِلٌ ... أأنتَ بما تُعطِيهِ أم هُوَ أسعَد
ثم أتبع هذا البيت معنى يشبه أن يكون مبتكرا، وما حمله على الرضا بهذا اللفظ الموجه إلا ما نواه في البيت الثاني، وهو قوله:
فَشكري لهم شُكرانِ: شُكرٌ على النَّدَى ... وشُكرٌ على الشُّكرِ الذي وَهَبُوا بَعدُ
فهذا المعنى مع تعسفه فيه أغرب مما مضى، يقول فإذا شكروني على أخذ نوالهم شكرتهم على شكرهم إياي، وشكرتهم على ما أعطوني، فصار شكري لهم شاكرين. وقوله الذي) وهبوا بعد (جعل الشكر الذي أتوه هبة ثانية منهم له، وصار لفظ الهبة مستحسنا وزيادة في المعنى والصنعة.
ومن التي أولها:
وشَامِخٍ مِنَ الجِبالِ أقوَدِ
زُرناهُ للأمر الذي لمْ يُعهَدِ
للِصَّيدِ والنُّزهَةِ والتَّمرُّدِ
قال ابن فورجة: قال الشيخ أبو الفتح: إنما قال:) لم يعهد (أي لأن الأمير مشغول بالجد والتشمير عن اللهو واللعب. والتفسير على ما حكاه أن كانت الرواية لم) يعهد (بضم الياء لا محيص عنه، والأجود عندي وهو ما أرويه) لم يعهد (بفتح الياء. ويكون ضميره للشامخ يعني أنه لم يعهد الصيد فيه لعلوه وإرتفاعه، ولم يقدر على وحشه إلا هذا الأمير، لعظم شأنه ألا تراه يقول: فَردٍ كَيافُوخِ البَعيرِ الأصيَدِ يُسارُ من مَضيقِهِ وَالجَلمدِ في مثلِ مَتنِ المَسَدِ المُعَقَّدِ فوصفه بالارتفاع والوعورة وضيق الطريق، فهذا أراد بقوله) لم يعهد (، ألا تراهم يتمدحون بالصيد ومطاردة الوحش، حتى أن عامة) شعر (امرئ القيس وكثير من الشعراء بعده، افتخار بالطرد، وقد مدح أبو الطيب كثيرا به، ولم يستنكف لأحد من الممدوحين به كقوله:
وَذي لَجَبٍ لا ذُو الجَناحِ أمامَهُ ... بنَاجٍ ولا الوحوشُ المُثارُ بسالِمِ
وقوله:
لهُ مِنَ الوَحشِ ما اختارَتْ أسنَّتُهُ ... عَيرٌ وَهَيقٌ وخنساءٌ وَذَيَّالُ
وقوله لعضد الدولة:
لَمْ يَبقَ إلاَّ طَرَدُ السَّعالِي ... في الظُّلَمِ الغائِبَةِ الهِلالِ
على ظُهورِ الإبلِ الأُبَّالِ ومن التي أولها: أَوَدُّ مِنَ الأَيامِ ما لا تَوَدُّهُ
يُباعِدْنَ حِبَّاً يَجتَمِعنَ وَوَصلُهُ ... فكيفَ بحبٍّ يَجتَمِعنَ وَصدُّهُ
قال أبو العلاء: زعم أن الأيام يباعدن الحب المواصل، فكيف بحب موصوف بالصدود، أي هذا الحب المذكور صاد عنا، فذلك أجدر لمعونته الأيام على الفراق، وعطف) وصله وصده (على الضمير المرفوع في يجتمعن، والأحسن أن يؤكد الضمير المرفوع إذا عطف عليه، مثل أن يقول: يجتمعن هن ووصله.
(1/30)

رَعَى اللهُ عِيساً فارقَتنا وَفَوقَها ... مَها كُلُّها يُولي بِجفَنَيهِ خَدُّهُ
قال الأحسائي: رد الضمير في) جفنيه وخده (إلى لفظ كل لا إلى المها، ومعنى يولي أي قد بكت للوداع ثم بكت للفراق والدمع الثاني هو الولي والأول الوسمي.
بِوَادٍ بِهِ ما بالقُلُوبِ كأنَّهُ ... وقَدْ رَحَلُوا جِيدٌ تَناثَر عِقدُهُ
قال أبو العلاء: أدعى أن الوادي إذا ساروا عنه يجد لفراقهم كما يجد الآدميون فيه من الأسف كما في قلوب الإنس، وكأنه لما رحلوا جيد انتشر عقده، فقد بقي عاطلا، وهذا المعنى الواضح. وقد يجوز أن يعني بقوله) بواد به ما بالقلوب (أنهن في الوادي ممثلات كما أنهن في قلوبنا كذلك.
قال ابن فورجة: قال أبو الفتح: قوله) به ما بالقلوب (أي قد قتله الوجد لفقدهم، فيجري هذا مجرى قوله أيضا:
لا تَحسَبُوا رَبعَكُم ولا طَلَلَهْ ... أوَّلَ حَيّ فِراقُكُمْ قَتَلَهْ
ومعنى هذا البيت: لأن هذا الوادي به من الوحشة لرحيل هؤلاء الأظعان عنه ما بقلوبنا، فأما قول أبي الفتح أي قتله الوجد لفقدهم فليس في البيت ما يدل على القتل، ولا القتل مما يتوجه على القلب دون غيره من الأعضاء، ولا أدري من أين أتى بهذه اللفظة الأجنبية في تفسير هذا البيت الظاهر!.
أنا اليَوم مِنْ غِلمانِهِ في عَشِيرَةٍ ... لَنا وَالِدٌ مِنهُ يُفدِّيه وُلدُهُ
قال ابن فورجة: قد كان يجب أن يقول في عشيرة لهم والد منه، إلا أن له عادة في قطع الكلام الأول قبل استيفاء الفائدة وإتمام الخبر، وهو كثير في كلامهم ولو لم يأت إلا قول الله تعالى:) الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا (. وقوله تعالى:) والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة إنا لا نضيع أجر المصلحين (لكفى وأقنع، إذ ليس في الخبر ما يرجع إلى الأول) والذين (من الأسماء النواقص، فإذا جاء ذلك في أسماء محتاجة إلى صلاتها فهي في غيرها أولى، ومثل هذا من الشعر القديم قول الراجز:
يا أبجَرَ بنَ أبجَرٍ يا أنتَا ... أنتَ الذي طلّقتَ عامَ جُعتَا
قَدْ أحسَنَ اللهُ وقدْ أسأتَا ومثله:
وأنتِ التي حَبَّبتِ شَغباً إلى بَدَا ... إليَّ وأوطَانِي بِلاَدٌ سِوَاهُما
قال الشيخ أبو الفتح: كلمته غير مرة في هذا فأعتصم بأنه إذا أعاد الذكر على لفظ الخطاب كان أبلغ وأمدح من أن يرده على لفظ الغيبة، ولعمري أنه لكما ذكر ولكن الحمل على المعنى عندنا لا يسوغ في كل موضع ولا يحسن، هذا كلام ابن جني. وقال أيضا: ولولا أنا سمعنا مثله في الشعر للعرب لرددناه، فقوله) لنا والد منه يفديه ولده (يريد أن الجاري في العادة أن يفدي الوالد ولده لفظا أن تقول فديته، فيقول أبو الطيب: كافور لنا بمنزلة الوالد، إلا أنا نحن نفديه ولا يفدينا هو. كأنه يردي بلفظ الوالد التعريض له بأنه مخصي وأنه ربي ولد ابن طفج تربية الوالد، وكرر ذلك فقال:
إنَّما أنتَ وَالدٌ والأبُ القَا ... طِعُ أحنَى من قَاطِعِ الأولاَدِ
وقال:
وأنتَ الذي رَبَّيتَ ذَا المُلكِ مُرضَعا ... وليسَ لَهُ أُمُّ سِوَاكَ ولا أبُ
سَبائِكُ كافُورٍ وعِقيانُهُ الّذِي ... بِصُمّ القَنَا لا بالأصَابِعِ نَقدُهُ
قال ابن جني: يقول فيها سبائك كافور وذهبه، أي لا ذهب هناك ولا سبائك، وإنما هناك غلمان مختارون وأصحاب مصطفون اختارهم بعد أن أمتحنهم بالطعان بين يديه، وجربهم فأقامهم مقام ماله وذخائره، لأنه بهم يصل إلى مطالبه كما يصل بالمال، ولم يرد المال في الحقيقة.
فيا أيُّها المَنصُورُ بالجَدّ سَعيُهُ ... ويا أيُّها المَنصُورُ بالسَّعي جَدُّهُ
قال أبو العلاء: أراد أن الممدوح قد جمع بين الجد الذي هو الحظ، وبين الجد الذي هو السعي في طلب المكارم، فكل واحدة من الخلتين تنصر الأخرى، لأن المجدود إذا اتكل على جده ولم يسع في طلب المكارم كان ذلك يقضي عليه، وإذا سعى وهو غير مجدود لم يصل إلى خير، لأن المثل السائر) غثني بجدك لا بكدك (.
وألقى الفَمَ الضِّحَّاكَ أعلمُ أنَّهُ ... قَرِيبٌ بذي الكَفِّ المُفَدَّاةِ عَهدُهُ
(1/31)

قال الأحسائي: يقول قد ثبت عندي أن من والاك لا يزال بطاعتك مسرورا، ومن عاداك لا ينفك خائفا مغموما، فأستدل بما أراه من مرح من اختار به وسروره على طاعتك، وأنه قريب العهد برضاك عنه وتقبيله يدك، لأن من وصل إليها فقد فاز بالحظ الجسيم، وأستدل على عدوك بانقباضه وغمه.
وَوَعدُك فِعلٌ قَبلَ وَعدٍ لأنَّهُ ... نَظيرُ فَعالِ الصَّادِقِ القَولِ وَعدُهُ
قال ابن فورجة: قال أبو الفتح: يقول الصادق إذا وعد وفى، فكان وعده بصحة وقوع موعوده وفعله، هذا كما قال إلا أنا نزيد اللفظ بيانا، يقول كل من وافيا بمواعيده فوعده نظير فعله، أي كان إذا وعد شيئا فقد فعله لركون النفس إليه وشدة الاعتماد عليه، وتقيض هذا قوله:
أصبَحْتُ أروَحَ مُثرٍ خازناً وَبَداً ... أنا الغَنِيُّ وأموالي المَوَاعِيدُ
وهذا هزء ويقول أنا مثر لا تعب على خازني ولا على يدي، إذ كان أبرأني من المواعيد وكذلك قوله:
جُودُ الرّجال مِن الأيدي وَجُودُهُمُ ... مِنَ اللّسانِ فَلا كانُوا وَلا الجُودُ
ومن التي أولها: حَسَمَ الصُّلحُ ما اشتَهَتهُ الأعادِي
وَكلامُ الوُشاةِ لَيسَ عَلَى ... الأحْباب سُلطانُهُ عَلى الأضدَادِ
قال الشيخ أبو العلاء: هذا البيت يحتمل وجهين: أقواهما: أن يكون سلطانه مرفوعا بليس، وقوله على متعلق بسلطانه أي ليس سلطان كلام الوشاة الذي يتسلط على الأضداد واقعا على الأحباب، والآخر: أن يكون الكلام قد تم عند قوله) على الأحباب (ثم ابتدأ مخبرا فقال: سلطانه. أي سلطان الكلام على الأضداد، كما تقول: ليس شرك على صديقك إنما هو على عدوك.
ومن التي أولها:
عِيدُ بأيَّةِ حَالٍ عُدْتَ يا عِيدُ ... بِمَا مَضَى أمْ لأمْرٍ فيكَ تَجدِيدُ
قال ابن جني: كأنه قال هذا عيد، ثم انتقل يخاطب العيد، فقال بأية حال عدت يا أيها العيد أي: هل عدت بما عهد من الحال أم تجدد فيك أمر.
قال أبو العلاء: عيد مرفوع، لأنه خبر ابتداء محذوف، كأنه جاء فأنكر مجيئه، فقال له أنت عيد كما تقول للرجل إذا لقيته: فلان أي أنت فلان. ويدل على أنه أنكر لقاه قوله) بأية حال عدت (. وقوله) بما مضى (يجب أن تكون الباء متعلقة بقوله عدت، ودخلت) أم (هاهنا لأن في أول الكلام استفهاما، ويحتمل أن يكون أراد ألف الاستفهام بقوله بما مضى، كأنه قال أبما مضى عدت. أم لأمر لا نعلمه جددت. وقد رويت اللام مكان الباء في قوله بما مضى. ومنهم من يروي لأية حال باللام أيضا، واللام فيما أراه أحسن من الباء.
لَولا العُلى لم تُجبْ بي ما أجُوبُ بِها ... وَجناءُ حَرفٌ ولا جَرداءُ قَيدُودُ
قال ابن جني: الوجناء العظيمة الوجنات من النوق، ويقال بل هي الغليظة الخلق أخذت من الوجين وهو الغليظ من الأرض، قال الشاعر:
أنختُ بها الوجَناءَ مِن غَير سَامةٍ ... لثنتَين بينَ أثنين جَاءٍ وذَاهِب
لثنتين يعني ركعتي العصر، بين أثنين يريد الليل والنهار، وأراد سامة فحذف الألف. ومثله للكميت: لا يَتَداوىَ بنزلَةٍ منهم المُدنَفُ من هَيضَة الكَرى الوَصبُ إلاَّ بخَمسٍ هي المُنيِخَةُ للأركُبِ في حيثُ تُنْكَأُ الحَلبُ يعني بالخمس الصلوات، وبالحلب مواضع السجود، أي لولا ما أطلبه من العلا لم تقطع بي الفلاة والمهالك ناقة هذه حالها، ولا فرس هذه صفتها.
قال أبو العلاء: الأشبه أن يكون الحلب التي في ظهور العيس، لأن الحلب في الحياة لا يستعمل.
ما يُقبِضُ المَوتُ نَفساً مُنْ نفوسِهِم ... إلاَّ وفي يَدِهِ من نَتنها عُودُ
(1/32)

قال ابن فورجة: هذا البيت ظاهر المعنى، وقد تكلف له القاضي أبو الحسن ما كان غنيا عنه، وذكر أنه عيب بهذا، وقيل أن العود يعني الطيب ليس بذي رائحة فيفي عند الشم أو يفزع إليه من نتن ثم قال: وقد قال المحتج عنه إنما يعني أنه لا يباشر الموت قبض روحه بيده تقززا وإستقذارا، فيحمل عودا من الأعواد التي هي قضبان أو قطعة خشب من أي شجر كانت ليقبضها به، ولعمري أن المتوهم على أبي الطيب أنه يعني عود الطيب لعاجز، وأن الاحتجاج عنه والنفخ دونه من الكلف التي كفاها الله، وهذا الشيخ أبو الفتح فسر هذا البيت فقال: أي لا يباشر الموت أنفسهم وقت قبضه إياها ضربه مثلا، هذا كلامه ألا تراه أورد غرض الرجل بدءا من غير تعريج على محال أو توهم لغير الواجب، وما أغوى القاضي إلا ذكره للنتن، فحسب ألا بد من طيب يقابل النتن، وقد علم أن أبا الطيب جد عالم أن العرب لم تسم العود المتبخر به عودا، إلا أنه بعض العيدان وجنس منها، وأنهم لا يوردونه هذا المورد إلا إذا كان في الكلام ما يدل على الغرض ولم نسمع أحدا من الشعراء ولا في نثر من نثر الفصحاء: أخذت بيدي عودا من الأعواد، وناولني فلان عودا على معنى لفظ التنكير، واملراد هذا الطيب وإنما يقولون: أخذت مندلا وألوة، أو مجمرا أو العود معرفا في الأسماء التي تختص به، والعود الذي عليه الأوتار هذه سبيله لا يقال أخذت عودا فيعلم أنك عنيت البربط إلا في الكلام ما يدل عليه كقول بشار:
إذا قَلّدَتْ أطرافُها العُودَ زَلزَلَتْ ... قُلوباً دَعَاها للصَبَابةِ دَاعِ
العَبدُ لَيسَ لُحرٍّ صَالِحٍ بأخٍ ... لَو أنَّهُ في ثِيابِ الحُرِّ مَولُودُ
قال أبو العلاء: لو أن هذا الكلام منثور لكان الأحسن أن يقول ولو أنه بالواو كما يقال: لا تركن إلى عبد، ولو أنك قد وليت تربيته، وحذف الواو للضرورة وإقامة الوزن. وقال ابن فورجة: هذا يعرض بابن طغج، يقول كان لا يجب أن تركن إليه ولا تتخذه أخا وصاحبا لو أنه حر وولد في ثياب حر، والهاء في قوله لو أنه عائدة إلى ابن طغج، كأنه يقول لو كان حرا لما اتخذ العبد أخا، يريد هو ولد زنى ولولا ذاك لما رضي بهذه الهضيمة، يغريه به ويذمه على تسليطه.
إنَّ أمراً أمَةٌ حُبْلَى تُدَبِّرُهُ ... لُمستَضَامٌ سَخِينُ العَينِ مَفئُودُ
قال ابن جني: يعرض بالإخشيد ويريد بالأمة الحبلى كافورا، ومفئود بلا عقل كأنه قد أصيب فؤاده.
وَعندَها لَذَّ طَعمَ المَوتِ شارِبُهُ ... إنَّ المَنيَّةَ عِندَ الذُّلِّ قِندِيدُ
قال أبو العلاء: القنديد شراب من عنب يطبخ وتطرح فيه أفاويه، فأما القند فمعروف أنه ضرب من السكر، يقال: قندت السويق فهو مقنود وقندته. قال الشاعر:
أهَاجَتكَ أظَعَانٌ تَحَملنَ غدوةً ... بكرمانَ يُصبَحنَ السَّويقَ المقَنَّدا
واشتقاق القنديد من القند فيما يوجبه القياس.
ومن التي أولها:
جاءَ نَورزُنا وأنتَ مُرَادُهْ
كُلّما استُلَّ ضَاحَكَتْهُ إياةٌ ... تَزعُمُ الشَّمسُ أنَّها أرادُهْ
قال أبو العلاء: إياة الشمس ضوءها، وقال قوم الإياة عين الشمس، قال طرفة:
سَقَتْهُ إياةُ الشَّمسِ إلا لِثِاتِهِ ... أُسِفّ وَلم تكدِمْ عليهِ بإثِمدِ
يريد أن نور الشمس إذا قابل فرند هذا السيف حدث بينهما أنوار، تزعم الشمس أنها أرآده هذا الحسام وإنما ذلك زعم لا حقيقة له، واكثر ما يستعمل الزعم فيما لا يثبت، كما قال الله سبحانه:) زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا (أي ليس الأكر كذلك. وقال الضبي:
زَعَمتُ تُماضِرُ أنَّني إمَّا أمُتْ ... يَسدُدْ بُنَيُّوها الأصاغِرُ خَلتي
أي أنها تدعي ذلك وليس هو على ما تزعم.
وقال ابن فورجة: الشمس مؤنثة ولا ذكر ههنا ترجع إليه الهاء في أرآدة السيف. وإياة نكرة يحتاج بها إلى ضمير يرجع إليها في باقي الكلام، أو صفة، وأن كانت الهاء في) أنها (راجعة. فالهاء في أرآدة أما للشمس وأما للسيف، وأن كانت الهاء في أنها للشمس فالهاء في) أرآدة (لا تصلح أن ترجع إلى إياة لأنها مؤنثة فيها علامة تأنيث، وأرآد جمع والشمس وإيادة معا موحدان، والذي عندي في هذا البيت أنه ذكر الشمس إذ ليس تأنيثها حقيقيا، واضطرته القافية إلى تذكيره وقد فعلت العرب مثل ذلك كثيرا. يقول القائل:
(1/33)

فلا مُزنَةٌ ودَقَتْ وَدقَها ... ولا أرضْ أبقَل إيقَالَها
وقول الأعشى:
أرَى رَجُلاُ منهم أسيفاً كأنَّما ... يَضُمُّ إلى كَشحَيهِ كَفَّاً مُخَضبا
فأما وجه جمعه الأرآد والإياة موحدة، فأنه حملها على المعنى في قوله) كلما أستل (فكأنه عنى سلات كثيرة، فكل سلة راد للشمس، وفي البيت نظر آخر: وهو أن الرئد الترب، وإنما يقال فلانة أي هي في سنها، ولا فائدة في كون ضوء السيف رئدا للشمس في السن، بل الفائدة في أن يكون ضوءه مثل ضوئها، والقول في ذلك عندي أنه أقام الرئد مقام النظير والشبيه اتساعا في الكلام.
مَثَّلُوهُ في جَفنِهِ خَشيَةَ الفَقدِ فَفي مِثل أُثِرِهِ أغمادُهْ قال أبو العلاء: المعنى أنه أراد أن أصحاب هذا السيف كانوا معجبين به، يؤثرون أن لا يغيب عنهم في حال، فمثلوه في غمده من الفضة، بشبه أثره، ليكونوا وهو مغمد كأنهم ينظرون إليه وهو مسلول، لأنهم يختارون أن لا يغيب عنهم، ولا يمتنع أن يكونوا صاغوا له غمدا من الفضة، والسيف يوصف بالبياض والفضة بيضاء فكأنه مغمد في فرنده.
وقال ابن فورجة: هذا البيت يحتاج إلى إشباع في التفسير. وقد قال أبو الفتح ابن جني: أن جفن هذا السيف كان مغشى بفضة منسوجة عليه، فكأنهم بنقاء الفضة التي على جفنه صونا له من الفقد لئلا يأكل جفنه. هذا كلامه. وفيه زلل في مواضع سابينها فأحد ما زال فيه قوله حكوه بنقاء الفضة التي على جفنه، مع قوله كان مغشى بفضة منسوجة، فأن كان المعنى ما حكاه فكان يجب أن يغشى بفضة مطروقة مصفاة ليكون نقاؤها مثل نقائه، وهيئتها كهيئة، فأما المنسوجة فلا نقاء لها، وقد زعم أنها كانت منسوجة، فقد نقض آخر كلامه أوله، والآخر قوله صونا له من الفقد فقد ظن أبو الفتح أنه يعني لو لم يغش بالفضة لفقد، وليت شعري كيف يفقد هذا السيف من بين السيوف وكلها غير مغشاة بفضة فما تفقد! والآخر قوله لئلا يأكل جفنه وقد علم أن السيف قد يأكل جفنه ولا يفقد، والذي عنى أبو الطيب غير ما حكى وإنما شبه أثره بنسج الفضة على جفنه، فهو إذا كان من الفرند المسمى المزرد أشبه شيء بنسج حتى أن في السيوف المجلوبة من بعض بلاد الترك سيوفا حدودها فولاذ ومتونها حديد من المذيل، وهو المسمى بالفارسية) الترماهن (يهز أحدها ثم يعطف طرفه فيلتقي مع قائمه للينه ثم يخلى فيعود إلى استوائه، وعلى متونها كأحسن ما يكون من النسج، فيزعمون أنها تتخذ من حديد يمطل الفضة، فإذا صار في دقة الوتر نسج منه على هيئة التكة، فإذا فرغ من نسجه نفخ عليه، حتى إذا صار نارا طرق فأنحلت تلك القوى وتلازمت فإذا برد كشف عنه بالمداوس، وألبس حدا من) الشابرقان (الجيد، فلا ترى فرندا أحسن من فرندها، وهي تقد الفارس، وتهتك الدرع بلينها ومضائها، فأدعى أبو الطيب، لحذقه بصنعة الشعر، أن ما نسج على جفنه من الفضة تصوير لما على متنه من الفرند، فعل به ذلك إرادة أن لا تفقده العين بكونه في غمده، بل تكون كأنها ناظرة إليه، ولم يرد بقوله) خشية الفقد (خشية ضياعه وذهابه، بل أراد أنه لحسنه لا يشتهي مالكه أن يفقده منظره بإغماده.
وَتَقَلَّدْتُ شامَةً في نَدَاهُ ... جِلدُها مُنفِساتُهُ وَعَتَادُهْ
قال أبو العلاء: لما كانت الشامة تكون في الجلد، استعاره أبو الطيب في هذا البيت، فجعل السيف شامة في يدي الممدوح، والجلد الذي هي فيه المنفسات والعتاد وهي قليلة فيه لأن الشامة إنما تشغل ما قل من جلد الإنسان.
فَرَّسَتنا سَوَابِقٌ كُنَّ فِيهِ ... فارَقَتْ لِبدَهُ وفيها طِرادُهْ
قال أبو العلاء: الهاء في) فيه (راجعة على الندى، وقوله) فرستنا (أي جعلتنا حاذقين بالفروسية، لأن كل من ركب الفرس سمي فارسا، إلا أنه وأن ركب جائزا ألا يكون صاحب فروسة على ظهور الخيل، والهاء في) لبده (راجعة إلى الممدوح، واللبد هاهنا واحد في معنى الجمع، والهاء في) طراده (يرجع إلى الممدوح أيضا، أي أنه فارس على الخيل، فهذه السوابق قد فارقت ركابه إلا أنها متعودة ما عدوها من الطراد، فنحن نجده فيها إذا أردناه.
وَرَجَتْ رَاحَةً بنا لا نَرَاها ... وَبِلادٌ تَسِيرُ فِيها بِلادُهْ
(1/34)

قال ابن جني: أي لما انتقلت خيله إلي رجت أن تستريح من طول كده إياها وليست ترى ذلك من جهتي مادمت أسير في بلاده، والعمل الذي يتولاه لسعة وامتداد الناحية التي تحت يده.
وقال أبو العلاء: يقول هذه سوابق رجت أن تستريح إذا صارت إلينا، لأنها كانت متعبة عنده بالطراد، ودعا عليها بألا تنال ذلك أي: إنا نتعبها لأنا نتبع سيرته، ونفعل كما يفعل من طراد الأعداء، وهذا معنى مستطرف لأنه كان ينبغي لهذه الخيل أن تستريح مادامت في بلاد الممدوح، إذ كانت آمنة من الأعداء، فإذا خرجت منها جاز أن يحتاج أربابها إلى القتال.
ومن أبيات له قوله:
ذَمّ الزَّمانُ إلَيهِ منْ أحبَتِهِ ... ما ذَمَّ مِنْ بَدرِهِ في حَمدِ أحمَدِهِ
قال ابن فورجة ما قال ابن جني: الهاء في) أحبته (عائد على العاشق، والهاء في) بدره وأحمده (جميعا عائدة على الزمان، والفاعل المضمر في) ذم (الثانية عائد على العاشق أيضا. والبدر هو المعشوق، وأحمد هو المتنبي جعل نفسه أحمد الزمان، أي ليس في الزمان أحمد آخر مثله.
وقال أيضا: فالزمان يذم معه هجر أحبته إياه ويحمده.
أي: يحمد أحمد لفضله ونجابته، وهذا البيت على ما فسره. إلا أنا نزيد وضوحا وبيانا. ونقول فيه غير ما قاله، غذ كان البيت مما يستصعب كثيرا على أفهام قوم) قوله ذم الزمان إليه (. هو من قولهم: أحمد إليك الله تعالى وأذم إليك زيدا كما قال أيضا: أَذُمُّ إلى هَذا الزَّمانِ أُهَيلَهُ وقوله) من أحبته (جائز أن تكون الهاء للعاشق على ما ذكره، والأولى عندي أن تكون عائدة على الزمان، يريد أحبة الناس فيه، أضافهم إلى الزمان لأنهم فيه، كأنه قال: الزمان له كل الأحبة في مذموم، كما قد ذممت بدرك، ثم قال في) حمد أحمده (يريد ذمهم الزمان مع حمده إياي ففي بمعنى مع كما تقول مر وهو يقرأ في سيره، أي مع سيره، ومثله قول الشاعر:
رأَيتُ اللَّيالي يَنتَهِبنَ شَبِيبَتي ... فأوضَعْتُ باللَّذاتِ في ذلك النَّهب
ومن التي أولها: نَسِيتُ ومَا أنسَ عِتاباً عَلى الصًّدِّ
وَمَنْ لي بيومٍ يَومٍ كَرِهتُهُ ... قَرُبتُ به عندَ الوَداعِ مِنَ البُعدِ
قال ابن جني: أي من لي بيوم مثل يوم الوداع، لأن المودع على كل حال يحظى بالنظر والتسليم، وهي الآن قد بعدت عني فلا نظر ولا عيان، وهو كقول الشاعر:
رُبَّ يَومٍ بكيتُ مِنهُ فَلَمَّا ... صِرتُ في غَيرهِ بكيتُ عَليهِ
وأنْ لا يَخُصَّ الفَقدُ شَيئاً فأنَّني ... فَقدْتُ فلم أفقِدْ دُموعِي ولا وَجدي
قال ابن جني: أي ومن لي بأن لا يخص الفقد شيئا، دون شيء، وإنما قلت هذا القول لأني فقدت محبوبتي ولم أفقد دموعي عليه ولا وجدي به.
وَمَن يَصحَبِ أسمَ ابن العَميدِ مُحَمَّدٍ ... يَسِرْ بينَ أنيابِ الأساوِدِ والأُسْدِ
قال ابن جني: يجوز محمد ومحمدا، والذي قاله بالجر وهو أمدح من أن ينصب، لأنه إذا نصب أبدله من اسم، وإذا جر أبدله من ابن العميد، أي هذه اللفظة أعني أن يقول ابن العميد يصير سببا للنجاة له ليركبها، وامتناع الأعداء من الإقدام على من يجري ذكره، وإنما صار أمدح لأن ابن العميد لا يشاركه فيه غيره، ومحمد اسم مشترك.
إذا ما استَحَينَ المَاءَ يَعرضُ نَفسَهُ ... كَرَعْنَ بِسبتٍ في إناءٍ من الوَردِ
قال أبو العلاء: استحين في معنى استحيين، يقول هذه الإبل غنية عن الورد وهن يعبرن بالمياه كثيرا، فالماء كالذي يعرض نفسه عليها فتستحي منه ألا تشرب فتكرع فيه، وأصل الكروع في الماشية التي تدخل في الماء حتى تغيب فيه أكرعها، ثم كثر ذلك حتى قيل كرع الشارب في القدح بمعنى شرب، يقول كرعت هذه الإبل بسبت لأن مشافرها تشبه بالسبت وهو نعال تدبغ بالقرظ، وقوله في إناء من الورد يريد أن الماء قد اجتمع في موضع منخفض وقد نبت الزهر حوله، وكل زهر يسمى وردا على الإستعارة، فكأن ذلك الموضع إناء من الورد، لأن الماء قد غطى ما ليس فيه ورد منه، فدق صار كالماء في القدح، وما حوله من زهر كفضلة الإناء التي ليس فيها ماء.
لَنا مَذهَبُ العُبَّادِ في تَركِ غَيرِهِ ... وإتبانِهِ نَبغِي الرَّغائِب بالزُّهدِ
(1/35)

قال أبو العلاء: العباد يتركون ما في الدنيا من اللذات رغبة فيما هو أعظم منه، وذلك ما يرجون من ثواب الآخرة، فنحن في قصد هذا الممدوح لنا مذهب العباد، لأنا قد زهدنا في غيره من الملوك. وإنما زهدنا فيهم كثرة ما نرجوه من الرغائب التي لا نجدها لديهم، وهذا من اللفظ الذي ظاهره عموم ومعناه خصوص.
فَتىً فاتَتِ العَدوَى من النَّاسِ عَينُهُ ... فما أرمَدَتْ أَجفانهُ كَثرةُ الرُّمْدِ
قال الشيخ: يزعمون أن الجرب والرمد والثوباء من المعديات، وقالوا في المثل: هو أعدى من الثوباء، وإنما ضرب الرمد هاهنا مثلا لما في الناس من العيوب، أي أن فيهم البخلاء والجبناء ومن هو قليل اللب فما أعدوه بما فيهم من الأشياء المذمومة.
يُغَيَرُ ألوَانَ اللَّيالي على العِدَا ... بِمَنشورَةِ الرّاياتِ مَنصُوَرةِ الجُندِ
قال ابن جني: يقول من عادة الليل أن يكون أسود، فإذا سار بعساكره فيه وأبلق بريق الحديد عليه بما يسايره من النيران، أما للاستضاءة وإما لإحراق أعدائه انجابت الظلمة فتغير لون الليلة ببريق الحديد، وهذا قريب من قول أبي تمام:
قَومٌ إذا اسوَدَّ الزَّمانُ تَوضَّحُوا ... فيه فغُودِرَ وَهوَ مِنهم أبلَقُ
وقال الأحسائي: يعني أنه يضيء الليالي السود بلمعان السيوف والمشاعل، وسود الليالي المقمرة بالعجاج ودخان القرى وما جرى مجراه، ويطول الليالي القصار بالخوف والذعر، ويقتصر الليالي الطوال بالسرور واللذات، فهو مغير ألوان الليالي وأحوالها.
يَغِضْنَ إذا ما عدْنَ في مُتفاقِدٍ ... من الكُثرِ غَانٍ بالعَبيدِ عَن الحَشدِ
قال ابن جني: يغضن أي تدخل الكتائب التي أنفذها للفارة، إذا عادت إلى معظم جيشه، في عسكر متفاقد من الكثرة، فتختفي فيه، كما يغيض الماء في الأرض، ومعنى متفاقد أن الشيء يطلب فيه فلا يوجد من كثرته، أي يخفي بعضه بعضا لاضطرابه وتموجه، وقوله) غان بالعبيد عن الحشد (أي قد استغنى الجيش العظيم بعبيد صاحبه وبرئيسه عن الحشد للرجال الغرباء، والحشد الجمع، أي جميع رجال هذا العسكر العظيم عبيد الممدوح.
حَثَتُ كلُّ أرضٍ تُربَةً في غُبارِهِ ... فَهُنَّ عَليهِ كالطَّريقِ في البُردِ
قال ابن جني: أي إذا مر هذا العسكر بأرض سوداء علاه غبار أسود، وإذا مر بأرض حمراء علاه تراب أحمر، وإذا مر بأرض غبراء علاه غبار أغبر، فقد صارت عليه هذه الألوان كطرائق وألوان في برد بصفة تبعد السرية لأنه يمر بأرضين وترب مختلفة، ويقال حثوت التراب وحشيته حثوا وحثيا قالت امرأة لبنتها:
الحُصْنُ أدنَى لو تأيَّيتِهِ ... من حَثيِكِ التُّرْبَ على الرَّاكبِ
قال الشيخ أبو العلاء: قالت جارية لأمها:
يا أمّتَا أبصَرني راكِبٌ ... في بلدٍ مُسحَنفرٍ لاَغِبِ
فَظَلْتُ أحثُوا التُّربَ في وجهِهِ ... خَوفاً وأحمِي حَوزَة الغَائِبِ
فأجابتها أمها بالبيت المتقدم.
وكلُّ شريكٍ في السُّرورِ بِمُصحِبي ... أرَى بعدَهُ من لا يَرَى مثلَهُ بَعدِي
قال ابن جني: قوله) كل شريك (أي من يشاركني في السرور بمصحبي عنده إذا عدت إليه من أهل وغيرهم، فرأى ما قد افدتنيه وحظيت به منك، أرى أنا بعده منك يا ابن العميد إنسانا لا يرى هو مثله بعد مفارقتي إياه، إذ لا نظير لك في الدنيا جميعا.
وقال أبو العلاء: الهاء في قوله) أرى بعده (عائدة على المصحب، وقد يجوز أن تكون عائدة على شريك، والهاء في) مثله (عائدة على الشريك.
وقال الأحسائي: وروى بمصحبي، أي ويصيرني كل شريك في السرور بمصبحي في أهلي، أرى بعده أي بعد فراقي له من لا يرى مثله بعدي، أي أنا أرى ابن العميد بعد فراقي هذا الشريك، وهو لا يرى مثل ابن العميد بعد فراقي، وإذا رأيت من لا يراه فقد خنته في المسرة لأنه شريكي فيها.
ومن التي أولها: أزَائِرٌ يا خَيالُ أم عائِدْ قال أبو العلاء: وهي مما لم يذكره الخليل من الأوزان لأن العرب عنده لم تستعمله وقد ذكره غيره، وخروجه من ثاني المنسرح، وقوله أزائر خبر مقدم محذوف المبتدأ، كأنه قال أزائر أنت يا خيال؟.
وَجُدْتُ فيه بِمَا يَشِحُّ بهِ ... مِنَ الشَّتِيتِ المُؤَشَّرِ البارِدْ
(1/36)

قال الشيخ رحمه الله: يقال شح ويشح وحكى يشح بفتح الشين، وقالوا شحيح وشحاح قال ابن هرمة:
وإنّي وَتَركي نَدَى الأكرمِينَ ... وقَدْ حي بكَفِّي زَنداً شَحاحا
كتارِكةٍ بَيضها بالعَراء ... ومُلبِسَةٍ بَيضَ أُخرى جَناحا
والمؤشر الذي به الأشر وهو تخزيز في أطراف الأسنان، يدل على حداثة السن، يقال أشور وأشر فإذا قالوا مؤشر جاز أن يجعل الهمزة واوا خالصة لأنها مفتوحة قبلها ضمة.
حَكَيْتَ يا لَيْلُ فَرْعَها الوَارِدْ ... فاحْكِ نَوَاها لَجفنِي السَّاهِدْ
قال الشيخ رحمه الله: الفرع الشعر، والوارد يحتمل وجهين أحدهما أنه قد طال حتى قد ورد إلى الكفل، والآخر أنه يعمل بالأدهان الطيبة فكأنه يرد الماء لكثرة ما يسقاها وقوله) حكيت يا ليل فرعها (أي أنك طويل شديد السواد. وقوله) فاحك نواها لجفني الساهد (أي أبعد عني كما بعدت هي، فأنك ثقيل علي.
أوْ مُوضِعاً في فِتان ناجِيَةٍ ... تَحمِلُ في التَّاجِ هامَةَ العَاقِدْ
قال ابن جني: الموضع هو المسرع في سيره، والفتان غشاء من أدم يكون للرجل، الناحية الناقة السريعة، أي يرد عليه كل ساعة مبشر بهلاك عدو وأخذ رأسه في تاجه الذي عقده عليه فيجيئه به.
وَمُتَّقٍ والسّهامُ مُرسَلَةٌ ... يحيصُ عَنْ حابضٍ إلى صَارِدْ
قال ابن جني: حبض السهم إذا وقع بين يدي الرامي لضعفه، وقد أحبضه صاحبه، وصرد السهم إذا نفذ من الرمية، ومعنى البيت أي رب إنسان يعدل عن أمر ليس بالعظيم إلى ما فيه هلاكه، وهو كقول الآخر:
المسّتَغيثُ بعَمروٍ عندَ كُربتهِ ... كالمُستَجِير من الرّمضاء بالنَّارِ
ويحيص: يعدل.
ومن التي أولها: كم قَتيلٍ كَما قُتِلْتُ شَهيدِ
عَمرَكَ اللهَ هَلْ رأيتَ بُدُوراً ... طَلَعَتْ في بَرَاقِعٍ وَعُقُودِ
قال الشيخ رحمه الله: عمرك كلمة تستعمل في القسم، فإذا دخلت عليها لام الابتداء كانت مرفوعة، وكان الخبر محذوفا، وإذا فقدت اللام فهي منصوبة وانتصابها بفعل مضمر، كأنه قال أذكرك عمرك الله أو نحو ذلك من الأفعال، والعمر يجب أن يكون مصدر عمر يعمر وهو هنا موضوع موضع الخدمة كأنه قال أذكرك خدمتك الله. أخذ من قولهم عمرت البيت الحرام إذا زرته، ومنه اشتقاق الاعتمار والعمرة، وقال غالب بن الحر الجعفي أنشده ابن الأعرابي في صفة النخل:
يَطوفُ بها الزُوارُ كُلٌّ.... ... كما طافَتْ العُمَّارُ حول المناسِكِ
فلما كانت الزيارة فيها تواضع للمزور جعلت الخدمة عمرا، وقال قوم ومعنى قولهم: عمرك الله أي حلفك بعمرة إذا قال لعمر، والعمر البقاء وقالوا عمرتك الله أي جعلتك تحلف بعمرة، قال الشاعر:
عَمّرتُكِ الله إلاَّ ما ذَكرتِ لنا ... هل كُنتِ جارتَنا أيامَ ذِي سَلَمِ
ويحتمل أن يكون قولهم: عمرك الله مأخوذ من عمرت الدنيا من العمارة، أي يعمرك المنازل المشرفة بذكر الله وعبادته، ويكون هذا الكلام مجانسا لقوله تعالى:) هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله (أي: أمر الله فحذف المضاف.
حرف الراء
من التي أولها:
طِوَالُ قَناً تُطاعِنُها قِصَارُ ... وَقَطرُكَ في وَغىً ونَدىً بِحارُ
قال أبو العلاء: يقول للممدوح طوال قنا تطاعن فرسانها قصار، وليس هذا وصفا لها بالقصر، ولكنها يريد أنها وأن كانت طوالا فهي قصيرة عند رماحه، ولولا مجيء النصف الثاني وتبيينه المراد بالنصف الأول. لأحتمل أن يكون طوال قنا خبر مبتدأ محذوف، كأنه قال هذه طوال قنا، وذلك كثير جدا، ومنه قول القطامي:
أُمورٌ لو تَدَبّرَها حَليمٌ ... إذن لَنَهى وَهَيَّبَ ما استَطاعَا
أي هذه أمور وتلك أمور، وقطرك جمع قطرة، ولا يحسن أن يجعل القطر هاهنا مصدر قطر بقطر قطرا، لأنه بحار فأخبر بالجمع عن الجمع.
وكانَتْ بالتَّوَقُّفِ عَنْ رَدَاها ... نُفُوساً في رَدَاها تُستَشارُ
قال ابن جني: أي كأن سيف الدولة بتوقفه عن قصدهم وإهلاكهم كأنه يستشيرهم في قتله إياهم، وكانوا هم بتابعهم في غيهم وعتوهم وإقامتهم على عصيانهم كأنهم يشيرون عليه بأن يقتلهم.
وكُنتَ السَّيفَ قائمُهُ إلَيهِمْ ... وفي الأعداءِ حَدُّكَ والغِرَارُ
فَأمسَتْ بالبَدِيَّةِ شَفرَتاه ... وأمسَى خَلفَ قائِمهِ الحِيارُ
(1/37)

قال الشيخ رحمه الله: يقول: كنت السيف تقاتل عن هؤلاء القوم لما كانوا في طاعتك، ومن شأن من معه سيف أن يكون قائمه إليه وفي كفه، وهو نحو من قول الأول:
نُقاسِمُهُم أسيَافَنَا شَرَّ قِسَمةٍ ... فَفينَا غَوَاشِيهَا وفيهِمْ صُدُورُها
يقول لما خالف هؤلاء القوم زالت هيئة السيف عما كانت عليه، وإنما يريد) بالبداية وأمسى خلف قائمه الحيار (كأنه جعل سيف الدولة في هذا الموضع الذي خلفه الحيار.
ومن التي أولها:
اختَرتَ دَهماءَتَينِ يا مَطَرُ ... وَمَن لَهُ في الفَضَائِلِ الخِيَرُ
قال الشيخ رحمه الله: قوله) ومن له في الفضائل الخير (وضع) من (نصب، لأنها تكون معرفة ونكرة، وهي هاهنا واقعة موقع النكرة، لأنها موصوفة بقوله) له في الفضائل الخير (، والنكرة الموصوفة بابها النصب في النداء، كأنه قال يا ملكا له في الفضائل، وقال في تنكير من:
يا رُبَّ مَنْ يُبغِضُ أذوادَنا ... رُحْنَ على بَغضائِه واغتَدَينْ
والخير جمع خيرة، وقد قالوا خبر فإذا جعلت جمع المتحركة الباء وهي مثل عنبه وعنب، وأن جعلت جمع التي ياؤها ساكنة، فهي مثل سيرة وسير وإذا إخترت دهماء هاتين الفرسين. ومن التي أولها:
حاشَ الرَّقيبَ فخانَتْهُ ضَمائِرُهُ
منْ كُلّ أحوَرَ في أنيابِهِ شَنَبٌ ... خَمرٌ مخامِرُها مِسكٌ تخامِرُهُ
قال ابن جني: خمر بدل من شنب، كأنه قال في أنيابه خمر، ومخامرها مخالطها، تقول العرب: مررت برجل مخامره داء، أي: مخالطه، يقول الخمر قد خالطت المسك، والمسك قد خامرها.
وقال الشيخ رحمه الله: صل الحور البياض، ومنه اشتق الحواري، ويقال: الحور نقاء بياض العين وشدة سوادها، ومسك يجوز أن يكون رفع بفعله وهو مخامرته إياها، ويجوز أن يكون) مخامرها (إبتداء) ومسك (خبره.
وقال ابن فورجة: الهاء في) مخامرها (عائدة على) الخمر (وهو رفع بالابتداء) ومخامرها (ابتداء ثان) ومسك (خبر) ومخابره مع مسك (جملة من مبتدأ وخبر محلها الرفع، لأنها خبر) خمر (والهاء في) تخامره (ضمير الشنب، يعني أن خمرا قد خامرها المسك تخامر ذلك الشنب.
ومن التي أولها:
عَذِيرِي مِنْ عَذَارَى من أُمُورِ ... سَكَنَّ جَوَانِحي بَدَلَ الخُدورِ
قال ابن جني: معنى) عذيري (أي يعذرني في طلبي لهذه الأمور الصعبة، قال ذو الإصبع: عَذِيري الحَيّ مِن عَدْوَانَ كانُوا حَيّةَ الوَادِي) وعذيري (في موضع نصب على المصدر، كأنه قال لا عذر عذرا، والعذير في غير هذا الحال قال) حاتم (:
وخَيلٍ تَعادَى قد شَهدتُ مُغِيرةً ... ولَو لم أُكنْ فيها لساءَ عَذيرُها
أي لساءت حالها، والعذارى جمع عذراء، وهي البكر من النساء، فأراد هاهنا أمورا عظاما لم تسم إليها نفس أحد قبله، ولما ذكر العذارى ذكر الخدور للصنعة.
وقال الشيخ رحمه الله:) عذيري (في معنى عاذري، أي أريد عذيري أو طلبه، ونحو ذلك من الأفعال المضمرة، وأكثر ما يستعملون عذيري، وعذيرك في موضع نصب، وعلى ذلك ينشدون قول الشاعر:
أُريدُ حَياتَهُ ويُريدُ قَتلِي ... عَذيرَك مِن خَليلكَ مِن مُرادِ
ورفع عذير لا يمتنع، على أن يضمر له مبتدأ، ويجعل خيرا أو يضمر الخبر، ويجعل مبتدأ ونصب بدل الخدور، لأن معنى قوله) سكن جوانحي (جعلنها مسكونة، فكأنه عدى الفعل إلى مفعولين، أي جعلن جوانحي جعلنها مسكونة: فكأنه بدل الخدور، ولا يمتنع أن يعتقد في هذا المضاف الانفصال، ويكون التقدير بدلا من الخدور فينصب على الحال، ويجوز أن يجعل بدل الخدور نعتا لجوانحي.
وقال الأحسائي: معنى قوله) عذيري (أي أعذرني، وهو مصدر منصوب على معنى الأمر، ويجوز أن يكون فعيلا بمعنى فاعل كعليم، ويكون مرفوعا على تقدير أنت عذيري، أو يكون منصوبا على النداء، يريد يا عذيري، وقوله) من عذاري من أمور (أي نوب عذارى، يريد أنها أبكارا ولم يمارسها غيري.
ومن التي أولها:
اَريقُكِ أم ماءُ الغَمامَةِ أمْ خَمرُ ... بِفيَّ بَرُودٌ وَهوَ في كَبدي جَمرُ
إليكَ ابن يحيَى بنِ الوَليدِ تَجاوَزَتْ ... بي البيدَ عَنسٌ لَحمُها الدَّمُ والشَّعرُ
(1/38)

قال الشيخ رحمه الله: هذا يحتمل وجهين أحدهما: أن يعني بالعنس الناقة الصلبة المسنة، ويكون محمولا على المبالغة، كما أنك إذا وصفت شاعرا قلت: داره شعر وفرسه قريض ونحو ذلك، والآخر: أن يريد بالعنس القصيدة وهذا أحسن.
وقال ابن فورجة: يحتمل هذا البيت من المعاني وجوها كثيرة، كلها جيد فأجودها وهو الذي أتى به ابن جني: إنما كنت أحييها بمدحكم وأحدوها به فأصون بذلك لحمها ودمها، هذا لفظه، ومعنى ثان: وهو أنه يعني نعله وأنه لا قوة له ولا مال ولا وسيلة إلا الشعر، ويكون كقوله:
لا ناقَتِي تَقَبلُ الرَّديفَ وَلا ... بالسَّوطِ يَومَ الرّهانِ أُجهدُها
وهو يريد نعلها. ومعنى ثالث: وهو أن يعني ناقة لم يبق لها من هزالها دم ولا لحم وإنما بقي لها الشعر فقط، يريد أن جميع ما تحمله هو الشعر، حتى أن لحمها ودمها أيضا شعر، ومعنى رابع: وهو أجودها كلها، وهو أن يعني أنها كأنها شعر تجسم ناقة، فكلها شعر، ولو قدر لقال: لحمها ودمها وعصبها وعظمها وما أشبه ذلك. ولا يريد أن ثم هزالا ولا جهدا بل يريد به غلبة الشعر على راكبها، ويكون كقوله في هذه القصيدة بعينها:
هُمُ النَّاسُ إلاَّ أنَّهمْ مِنْ مكارِمٍ ... يُغَنّي بِهِمْ ويَحدو بِهِمْ سَفرُ
ومن التي أولها: أُطاعِنُ خَيلاً مِن فَوارِسِها الدَّهرُ
وَتَركُكَ في الدُّنيا دَوِيَاً كَأنَّما ... تَدَاوَل سَمعَ المَردِ أنمُلُهُ العَشرُ
قال أبو العلاء: هذا المعنى مبني على أن الإنسان إذا جعل إصبعيه في أذنيه سمع دويا، وهو الذي جاء في الحديث المرفوع وذلك قوله:) من يشأ أن يسمع خرير الكوثر فليجعل إصبعيه في أذنيه (، وتداول بالرفع على حذف التاء في قولك تتداول، والمحذوف عند سيبويه التاء الثانية، لأن الأولى علامة المضارعة فلا يحسن حذفها. وقال غيره المحذوف التاء الأولى، وقال بعض الكوفيين: يجوز أن تكون المحذوفة الأولى والآخرة، وقد ذكروا أن التاء تحذف مع الياء وروي أن بعض القراء قرأ) كأنها كوكبُ دُريُّ توقد من شجرة (أي تتوقد، وهذا مستنكر، وقد رووا بيت أبي خراش الهذلي:
وكادَ أخو الوجعاء لولا خُويلدُ ... يفَزَعُني بسيفهِ غير قاصِدِ
أي يتفرعني، ولو روي تداول بفتح اللام على أنه ماش، لكان ذلك حسناً.
إذا الفَضْلُ لم يَرْفَعْكَ عن شُكْرِ نَاقِصٍ ... على هَيبةٍ فالفَضْلُ فِيمَنْ لَهُ الشُّكْرُ
قال ابن جني: إذا اضطرتك الحال وشدة الزمان إلى شكر أصاغر الناس على ما يبلغ به إلى إمكان الفرصة فالفضل فيك. ولك لا للممدوح المشكور.
وقال الشيخ: هذا البيت كأنه خطاب لغير الشاعر، وقد يجوز أن يعني به نفسه، لأن هذه صفة حاله. يقول إذا كان الإنسان فاضلاً ولم يرفعه فضله عن أن يشكر أخا النقص على هبته فالفضل هو للمشكور وقد ذهب فضل الفاضل.
وَخَرْقٍ مَكانُ العِيسِ مِنْه مَكانُنا ... مِنَ العيسِ فيهَ واسِطُ الكُورِ والظَّهرُ
قال الشيخ: الخرق الأرض الواسعة، قبل لها ذلك لأن الريح يتخرق فيها، ولأنها تتخرق إلى أرض غيرها، وقوله) مكان العيس منه مكاننا (أي للعيس في وسطه ونحن في أوساط العيس، ثم فسر مكانه ومكان أصحابه بقوله واسط الكور والظهر، والكور الرحل بأداته وهو هاهنا شائع في الجنس وكذلك الظهر لأنه لو لم يكن كذلك لكان القائل كالذي زعم وأصحابه على واسط كور واحد مطية واحدة.
وقال ابن فورجة: قال ابن جني: معنى البيت أن الإبل كأنها واقفة في هذا الخرق ليست تذهب ولا تجيء وذلك لسعته فكأنها ليست تبرح منه كما قال الآخر: يُمسِي به القَوْمُ بحيث أصبحوا أي فكما نحن في ظهور هذه الإبل لا نبرح منها في واسط أكوارها فكذلك هي، كأن لها من ظهر الخرق كوراً وظهراً، فقد أقامت به لا تبرحه ألا تراه يقول:
يَخِدْنَ بنا في جَوْزِهِ وكأنَّنا ... عَلى كُرَةٍ أو أرْضُهُ مَعَنا سَفْرُ
وأخذ هذا المعنى السري الكندي فقال:
وخَرْقٍ طالَ فيه السَّيرُ حتى ... حَسِبْناهُ يسيرُ مع الرّكابِ
(1/39)

وقد جود ابن حني في هذا التفسير، على أنه لا يمتنع أن يقال: عني أن العيس منه في وسطه سائرة، كما أنا من الكور على واسطتين، ولم يتعرض لوقوفها ولإبراحها ومما يؤكد هذا قوله:) يخدن بنا في جوزه (فلو أراد أنها كالواقعة لما قال) يخدن (وإنما أراد أن سيرها لا يغني من قطعه كثير شيء.
وَغَيْثٍ ظَنَنَّا تَحَتَهُ أنْ عامِراً ... عَلاَ لم يُمَتْ أوْ فِي السَّحابِ له قَبْرُ
قال ابن جني: عامر هذا هو جد الممدوح يقول كأنه في السحاب قد ارتفع إليه ولم يمت فهو يصب علينا المطر صباً. أو قبره في السحاب فهو ينهل لجوده يريد كثرة المطر.
قِرَانُ تَلاقي الصَّلْتُ فيه وَعامِرُ كَما يَتَلاقى الهُنْدُوانيُّ والنَّصْرُ قال ابن جني: يريد جدته من قبل أبيه وأمه، ورفع قراناً بفعل مضمر كأنه قال: أنجب به قران هذه حال وصفته، وشبه اجتماعهما بقران الكوكب تشريفاً لهما.
وقال الشيخ: يحتمل أن يكون القران من مقارنة الآدميين ومن مقارنة الكواكب، أي ولد هذا الممدوح في قران أوجب له سعداً.
إلَيْكَ طَعَنَّا في مَدى كلِّ صَفْصَفٍ ... بكُلْ وَآةٍ ما لَقِيتْ نَخْرُ
قال الشيخ رحمه الله: استعار الطعن من الرماح للنوق وجعل المدى كالمطعون، والصفصف أرض واسعة صلبة وربما كان فيها رمل رقيق والوآة أثنى الوأي وأكثر ما يستعمل الوأي في الخيل وحمير الوحش، وربما قيل الوأي الطويل هو الصلب الشديد، وقيل المفيد الحلق، والذي بدل عليه الاشتقاق أنه من قولهم وأيت إذا وعدت، وقيل: الوأي ضمان العدي. فكأن الوأي يعد من يراه أنه إذا افتقر حربه وجده مرضياً، ولما استعار الطعن في أول البيت وجعل الوآة كالقناة، صير كلما لقيت نحراً لأن الطعنة إذا وقعت في ذلك الموقع كانت أقبل منها في غيره أي أنها تنفذ في هذا المدى كما ينفذ السنان في المطعون.
وَجَنّبَني قُرْبَ السَّلاطين مَقْتُها ... وما يَقْتَضيني مِنْ جَماجِمِها النَّسْرُ
قال ابن فورجة: قال أبو الفتح بن جني: المقت البغض أي كأن الطير ينتظر قتل السلاطين ليأكل من لحومها، هذا شرح مغن ولقيت بعض الذين يزعمون أنهم لقوا أبا الطيب وقرءوا عليه شعره يزعم أنه حبس على هذا البيت.
وقال له علي بن أحمد الانطاكي: ما هذه الجرأة ومواجهتك إياي بهذا القتال في السلاطين وأنا منهم؟ فاعتذر بأن قال عنيت مقتهم إياي لا مقتي لهم وعنيت بالنسر الأخذ والاختطاف يقال نسرت أنسر نسراً أي خطفت وعنيت بالجماجم الأكابر والسادات فقلت له ما صنع بقوله؟:
وَلاَ تَحْسّبَنَّ المَجْدَ زِقَاً وَقَيْنَةً ... فَما المجْدُ إلاَّ بالسَّيفُ والفَتكةُ البكرُ
وَتَضْرِيبُ أعناقِ المُلوكِ وأنْ تُرَى ... لَكَ الهَبَواتُ السُّودُ والعسكرُ المجرُ
وإنما للرجل في ذاك عادة وهو يعده جرأة منه وقدرة وقلة احتفال ألا تراه يقول:
مَدَحْتُ قَوْماً وإنْ نَظمتُ لهم ... قَصَائداً من إناثِ الخَيل والحُصُن
تَحْتَ العَجاجِ قَوَافِيها مُضَمَّرةً ... إذَا تُنَوشِدْنَ لم يَدْخُلْنَ في أُذُنِ
وقوله:
مِيعادُ كُلْ رَقيقِ الشَّفْرتينِ غَداً ... وَمَنْ عصَى من مُلوكِ العربِ والعَجمِ
وسألني هذا المتعمق كيف ينشد قوله:
يَتَفّيأونَ ظِلاَلَ كُلِّ مُطّهَّمٍ ... أجَلِ الظَّلٍم وَرِبْقَةِ السَّرْحانِ
فأنشدته على ما رويت، فقال: أنا أروي عنه: حل الظليم وربقة السرحان، يريد أن هذا الفرس في عدوه كحلك الظليم من عقال، فقلت: فما باله يجعله كربقة السرحان. أفترى السرحان مربوقاً فيه ما يشبه به الفرس؟ فقال: بل عنى أن طرده لم يفته فكأنه مربوق كقول امرئ القيس: فقَيْدِ الأوابِد هَيْكَلِ فقلت: الربقة تحبس بالقيد وكذلك الأجل يحبس بالموت. هذا ازدواج وتشابه فما الذي يسوء منا هذا التنافر في المعنيين.
لِسانِي وَعِيْنِي والفُؤَادُ وهمَتِي ... أوُدُ اللَّوَاتِي ذا اسمُها ومِنْكَ والشَّطْرُ
(1/40)

قال الشيخ: رحمه الله: الأود يحتمل أن يكون واحدها ود، ود، ود لأنهم يقولون ودي، وودي، وودي كأنهم وصفوه بالمصدر، يقال: لساني مواد لسانك وكذا فؤادي مواد فؤادك. والعين والهمة كذلك، وقال ذا اسمها، ولولا الوزن لوجب أن يقول هذه أسماؤها، ولكنه محمول على قوله: اللواتي ذا لفظها، والشطر النصف أي أن هذه المذكورات مني كأنها مشاطرة المسميات بها من خُلُقِكَ وخَلْقِكَ.
ومن التي أولها:
بادٍ هَوَاكَ صَبْرتَ أمْ لَمْ تَصْبرا ... وبُكاكَ إنْ ل يَجْرِ دَمْعُكَ أو جَرَى
قال الشيخ أبو العلا رحمه الله: قوله لم تصبرا من الضرورات لأن النون لم تجر عادتها أن تدخل في هذا الموضع إلا عن ضرورة قال الراجز:
يَحسَبُهُ الجَاهلُ ما لم يَعْلَما ... شَيخاً على كُرسيهِ معَمَّمَا
وقد أدخلوا هذه النون في أشياء هي من الضرورات، وحذفوها في مواضع وحذفها قبيح فمن ذلك البيت المنسوب إلى طرفة:
أضرب عنك الهُموم طارِقَها ... ضَرْبَك بالسَّوطِ قَوْنَسَ الفَرَس
أراد أضربن. وقال الراجز:
مِنْ أي يَوْميَّ مِنَ الدَّهرِ أفِرْ ... أيَوْمَ لم يُقْدَرَ أم يومَ قُدْرِ
أراد لم يقدرون فحذف النون وبقيت الحركة وهذا البيت ذكره المفجع في حد الإعراب وهو قول الشاعر:
إنَّ ابن أحَوَص مَغرُورُ فَبلَّغَهُ ... في سَاعِديه إذا رَامَ العُلَى قِصَرُ
أراد فبلغته، ومنهم من يقول: فبلغه بضم الغين، وهذا أقبح من الفتح لأن الغين إنما تضم لأجل ضمة الهاء والذي يذهب إلى هذا الوجه يحتج بقول الراجز:
عَجِبْتُ والدَّهرُ كَثيرُ عَجَبُه ... من عَنَزِيًّ سَبَّني لم أضرِبُهْ
ألقى حركة الهاء على الباء ومثله قول طرفة:
حاسبي رَبْعُ وَقَفْتُ به ... لو أُطِيعُ النّفْسَ لم أرِمُهْ
لما كان يقول في الوصل لم أرمه ألقى حركة الهاء على الميم، وهذا يشبه قولهم في الوقت: هذا بكر ومررت ببكر ومنه الرجز المنسوب إلى جرير بن عبد الله البجلي:
أنَا جَريرُ كُنْيَتي أبو عِمِرُ ... أجُبُناً وَغَيْرَةً تحت السَّتِر
قد نَصَرَ اللهُ وَسعدُ في القَصْرِ والبيت الذي أنشده المفجع قد ضمت العين فيه على غير وقف، إلا أنهم يقولون: أجري الوصل مجرى الوقف، ويجب أن تفتح الراء في جرى.
وقال ابن فورجة: حكي عن أبي الطيب أنه قيل له: خالفت بين سبك المصراعين فوضعت في المصراع الأول إيجاباً بعد نفي، تريد صبرت أو لم تصبرا ووضعت في المصراع الثاني نفياً بعد أيجال وهذا مخالف لما يستحسن من صنعة الشعر فقال في الجواب: لئن كنت خالفت بينهما من حيث الفظ فقد وافقت بينهما من حيث المعنى، وذلك أنه من صبر لم يجر دمعه، ومن لم يصبر جرى دمعه فهذا جواب جيد، وحكاية مليحة، الله أعلم بصحتها. وفي البيت فحص آخر. وهو قوله) وبكاك إن يجر دمعك أو جرى (فلقائل أن يقول كيف يبدو البكاء إن لم يجر دمعه؟ فهن هذا السؤال جوابان أحدهما: أنه يعني ما في صوته إذا تكلم من نغمة الحزين وشجو الباكي والزفير والتهيؤ. والجواب الثاني: أن يكون بكاك عطفاً على الضمير في صبرت كأنه يقول صبرت وصبر بكاك فلم يجر دمعك أو لم تصبر فجرى دمعك وهذا أجود الجوابين.
تَعِسَ المَهارِي غَيْرَ مَهْرِيَ غَدَا ... بِمُصَوَّرِ لَبِسَ الحَريرَ مُصَوَّرَا
نافَسْتُ فيهِ صُورَةً في سِتْرِهِ ... لو كُنْتُها لَخَفِيتُ حتى يَظْهَرا
قال الشيخ رحمه الله: تعس كلمة تستعمل في الدعاء وهي دعوة بأن يلقي المدعو عليه عنتاً وشراً. والمهاري جمع مهري، وهي بعير منسوب إلى مهرة بن حيدان بن عمران بن الحاف بن قضاعة.
وقوله) بمصور (أي بشخص مصور، صوره الله سبحانه، ونافست) فاعلت (من قولهم نفست عليه بالشيء إذا بخلت والهاء في قوله فيه راجعة على المصور الذي هو الشخص ولا يمتنع أن يريد بمصور أنه مصور في قلبه ممثل فيه وهذا البيت فيه مبالغة عظيمة يراد بها شدة النحول والمعنى أني نفست على هذه الصورة بأن تقرب من ذلك المصور ولو كنت تلك الصورة لخفيت من نحولي حتى يظهر من قد وارته. ويحتمل أن يكون المراد متصوراً على صفة بالنحول، ويجوز أن يضاف إليه. أراد به أن يظهر هذا المستور فتراه لأنه قد حجب عنه بالستر.
(1/41)

وقال ابن فورجة: قد اعترض عليه من لا علم له بطريقة الشعر فقال: وحقيقة هذا المعنى غير متصور، إذ لو كان المتنبي تلك الصورة فخفي ليظهر لكان ظهوره للناس مالا يفيد أبا الطيب، وإنما ظهوره للناس يفيد وهو فيهم ليراه. وقائل هذا لا معرفة له بطرق المعاني إذ كان للشاعر أن يتمنى المحالات، على أن أبا الطيب لم يتمن محالاً، وإنما رأى ستراً يحول بينه وبين حبيبه فقال: لو كنت مكان ذاك الستر لخفيت حتى يظهر ذلك المحبوب ولم يرد أن يظهر له ولغيره، بل تمنى ظهوره فقط، والفائدة نزهة الأبصار في رؤيته.
لا تَتْربِ الأيْدي المُقِيمَةُ فَوْقَهُ ... كِسْري مَقامَ الحاجِبَيْنِ وَقَيْصَرَا
قال الشيخ: لا تترب يدك إذا دعا له بأن لا يفتقر، ودعا للأيدي التي صورت كسرى وقيصر، وجعلتها كالحاجبين لهذا الشخص المستور، أي أنه أهل أن يكون هذان المكان له حاجبين، وكأن هذا المعنى ينظر إلى قول الحكمي:
بَنْيَنا على كسرى سماءَ مُدَامةٍ ... مُكلَّلَة حافاتُها بنجُومِ
يريد أن صورة كسرى كانت في الكأس وهو نحو قوله في الأخرى:
قَرارَتُها كِسْرَى وفي جَنَباتها ... مَهاً تَدَّربها بالقِسيّ الفَوارِسُ
يَقيانِ في أحَدٍ الهَوَادِجِ مُقْلَةً ... رَحَلَتْ فَكانَ لها فُؤادِي مَحْجِرَا
قال ابن جني: أي كانت ضياء قلبي، بمنزلة عين القلب زالت عني عمي قلبي، والتبس أمري علي، وفقدت ذهني، وبقي كمقلة ذهبت وبقي المحجر.
وقال الشيخ رحمه الله: الغرض أنه أن هذه المرأة كانت كالعين، وفؤاده كالمحجر، فهو مشتمل عليها بالذكر، كاشتمال المحجر على العين، ولم يرد أنها قد فارقته، لأنه لو زعم ذلك لكان قلبه قد خلا من ذكرها، وإذا روي تقيان عني بهما الصورتين الممثل بها كسرى وقيصر. وإذا رويت بالياء فهو أشد مبالغة في وصف الشخص المحجوب، لأنه جعل الملكين كأنهما توليا الحجابة لا صورتاهما اللتان لا تحسان.
وقال الأحسائي: تقيان يعني الصورتين، أي يستران مقلته عن أن ينظر إلى أحد، أو ينظر إليها أحد) فكان لها فؤادي محجرا (أي أثرت في فؤادي أثراً مثلها. أي لذلك الأثر الذي أثرته فصار كالعين في الفؤاد.
وإذَا السَّحابُ أخُو غُرابِ فِراقِهمْ ... جَعَلَ الصَياحَ بِبَيْنِهِمْ أنْ يُمْطِرَا
قال الشيخ: رحمه الله: من شأنهم أن يصفوا التفرق والظعن إذا أصابت السحب، لأنهم يتفرقون لانتجاع الكلأ، ولا يمكن أنْ يجتمعوا في مكان واحد بل يؤم كل قوم منهم ناحية فأدعى الشاعر أن السحاب كأنه أخو الغراب، وأمطاره جارية يرى صياحه بالبين.
فَإذا الحمائِلُ ما يَخِدْنَ بِنَفْنَفٍ ... إلاَّ شَقَقْنَ عَلَيهِ ثَوْباً أخْضَرَا
قال الشيخ: الحمائل جمع حمولة وهي الإبل الحاملة، وهذه الهاء تدخل في) فعولة (إذا كانت في معنى) فعولة (مثل قولهم لما يركب ركوبة. ولما يحلب حلوبة ولما يعلف علوفة، والتفتف الأرض الواسعة يقول هذه الحمائل تمر بالنفنف فتطؤه بأخفافها وترعاه، فكأنها تشق عليه وثوباً أخضر لأنها ترعى النبت فتبين التراب، وكان كأنه كاس بالنبات.
أرَجانَ أيَتُها الجِيادُ فإنَّهُ ... عَزْمي الذي يَذَرُ الوَشيجَ مَكَسَّرَا
قال ابن جني: نصب أرجان بفعل مضمر على التخصيص كأنه قال اقصدي أرحان وأصل هذا الاسم أرجان بتشديد الراء فاضطر إلى تخفيفه.
لوْ كنت أفعَلُ ما اشْتَهَيْتِ فَعالهُ ... ما شَقَّ كَوْكَبُكِ العَجاجَ الأكدَرَا
قال الشيخ: يخاطب الخيل لو كانت أفعل ما تؤثرين من الراحة والدعة لأقمت ولم أكابد السفر، ولم يشق كوكبك العجاج، واستعار الكوكب للخيل، ويقال المقدمة الكتيبة كوكب، ويجوز أن يعني بالكوكب نفسه لأنه يفتخر كثيراً بالحرب وإيثاره لقاء الأعداء.
أمَّي أبا الفَضْلِ المُبِرَّ التَّي ... لأُيَّممنَ أجَلَّ بَحْرٍ جَوْهَرَا
قال ابن جني: أي لما حلفت لأقصدن أجل البحار جوهراً برَت يميني.
وقال الشيخ: قوله) لأيممن أجل بحر جوهرا (يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون قال النصف الأول فتم الكلام، ثم ابتدأ اليمين، فلا يكون النصف الثاني تعلق بالنصف الأول قبل موعد الإعراب، والآخر: قوله لأيممن وما بعده مفسرا للآلية فيكون موضعه نصباً على البدل منها.
(1/42)

أفْتَى بِرُؤيَتِهِ الأنامُ وَحاشَ لي ... مِنْ أنْ أكونَ مُقَصّراً أو مُقْصِرا
قال ابن جني: أي كل من سألته عن يميني أفتاني بأن أرى ابن العميد) وحاش (محذوف من حاشى، وفيه معنى الاستثناء، يقول مثلاً إذا حلف فلم يجد من لقائه بدلاً، لأنه لا يستحق الوصف غيره، ويقال قصر عن الشيء إذا تركه عجزاً عنه. وأقصر عنه إذا تركه قادراً عليه.
صُغْتُ السَّوَارَ لأي كَفَّ بَشّرَتْ ... بابْنِ العَمِيد وأيّ عَبْدٍ كَبَّدٍ كَبَّرَا
قال الشيخ: أي كف بشرتني بلقاء ابن العميد وقربي منه فإني قد صغت لها سواراً جزاءً لها على ما فعلته. وقوله) وأي عبد كبرا (يريد عبداً من عبيد الله وجعل العبد مستحقاً للتسوير كأنه إذا كبر رفع يده.
خَنْثَي الفُحولِ مِن الكُماةِ بصَبْغهِ ... ما يَلْبِسُونَ مِن الحَديدِ مُعَصْفَرَا
قال الشيخ رحمه الله:) خنثى الفحول (أي جعلهم كالمخنثين أو جعل كل واحد منهم كالخنثى، وفعلى يزعم النحويون أنها لا تستعمل للذكر، وقولهم الخنثى لم يخلص للمذكر ولا للمؤنث، إلا أن الكلمة مشتركة بين الاثنين، أخذ المخنث والخنثى من الانخناث أي الانكسار والضعف، يقول: هذا الممدوح من الكماة جعلها كالمخنثين أو الخناثى لأنها تضعف وتنكسر، ولأنه يصيغ ما لبسته وغيرها بالدم، فهو كالعصفر، وقد جرت عادة من كان مخنثاً أن يرغب في لباس النساء.
وقال الأحسائي: خنثى الفحول يحتمل معنيين إما لجبنهم عن محاربته صاروا كذلك، وإما للبسهم الثياب المعصفرة، وهي من لبس الإناث والمشبهين بهن ألا ترى قول الشاعر:
إنْ أنْتُم لم تَطْلُبُوا بأخِيكُمُ ... فَذَرُوا السَّلاحَ وَوحَشُوا بالأَبْرَقِ
وخُذُوا المكاحِلَ والمجَاسِدَ والبَسُوا ... ثُقَبَ النَساءِ فبئسَ رَهطُ المرهَقِ
قَطفَ الرّجالُ القَوْلَ وَقْتَ نَباتِهِ ... وَقَطَفْتَ أنْتَ القَوْلَ لمَّا نَوَّرَا
قال ابن جنى: أي كلام الناس فج، وكلامك فصيح عذب.
قال الشيخ رحمه الله: المعنى أني مدحت الناس وأنا شاب مبتدئ في قول الشعر، ومدحتك بعد أن تكاملت الغريزة في إحكام القريض وانتهت قولي كالنبت الذي هو نزر فهو أحسن أوقات نباته، ولا يمتنع ما قال الشيخ أبو الفتح.
وقال الأحسائي: شبه الكلام بالنبات فقال تكلمت الفصحاء به أول ما نبت وظهر ولم يبلغ منتهاه، فجاء كلامهم غير متناسب الفصاحة ونطقت به أنت حين بلغ وانتهى فأتى كلامك رائق الألفاظ رقيق المعاني.
فَدَعاكَ حُسَّدُكَ الرَّئيسَ وأمسَكُوا ... ودعَاكَ خالِقُكَ الرَّئيس الأكْبَرَا
خَلَفَتْ صِفاتُكَ في العُيُونِ كَلامَهُ ... كالخَطَّ يَمْلأ مِسْمَعَيْ مَنْ أبصَرَا
قال الشيخ: يقول دعاك الناس الرئيس ولم يزد على هذا القدر، ودعاك خالقك بأعظم مما دعاك به الناس فجعلك الرئيس الأكبر، ثم قال: خلقت صفاتك في العيون كلامه، أي أنه لما خلقك على هذه الصفات المعجزة علم أن منزلتك عنده عظيمة لا يصل إليها غيرك، ثم مثل ما قدم في النصف الأول بقوله) كالخط يملأ مسمعي من أبصرا (أي أن الخط إذا رآه من يقرؤه فكأن مسمعيه قد امتلأتا بالكلام الذي قد رآه مكتوباً، وهذا المعنى مثل قوله في الأخرى: أغْنَتَهُ عَنْ مِسْمَعَيْهِ عَيناهُ
وَتَكَرَّمَتْ رُكَباتُها عَنْ مَبْرَكٍ ... تَقَعان فيهِ ولَيْسَ مِسْكاً أذْفَرَا
قال ابن جني: قوله ركباتها وإنما لها ركبتان، لأنه جمع الركبتين وما يليهما أو يكون سمى كل جزء منها ركبة، كما يقال شابت مفارقه، وطالت عثانينه، وإنما له مفرق واحد. ثم يقال تقعان فيه لأنه رجع إلى الركبتين في الحقيقة وترك المجاز، وهذا فيه عندنا في صناعة الإعراب أن يحمل على المعنى ثم يعود إلى اللفظ.
وقال الشيخ رحمه الله: تكرمت هذه الناقة أن تبرك إلا على المسك الأذفر، لأنها في محلة ملوك، يوقدون العنبر، والذي ادعى من بروكها على المسك الأذفر يوفي على ما ذكره من العنبر الموقد بدرجات، وكانت الملوك تستعمل مثل هذه الخليقة، ولا يجوز أن تبرك الناقة على مسك
وتَرى الفَضِيلَةَ لا تَرُدُّ فَضِيلَةً ... الشَّمْسَ تَشْرُقُ والسحابَ كَنهْوَرَا
(1/43)

قال الشيخ رحمه الله: الرواية الصحيحة) ترد (بضم الراء، في ترد ضمير عائد على الفضيلة الثانية منصوبة بوقوع الرد عليها وهذا من التصنيف المبين لأن قوله) الشمس تشرق والسحاب كنهورا (بيان لقوله) وترى الفضيلة ولا ترد فضيلة (وذلك لأن الشمس لا تشرق إذا تراكم السحاب، ولأن السحاب لا يمطر إذا أشرقا الشمس، فإحدى الفضيلتين رادة للأخرى لأن المنفعة بالشمس عظيمة وكذلك المنفعة بالسحاب.
وكان ابن جني) ترد (بفتح الراء وضم التاء. والكنهور السحاب المتكاثف وإنما أخذ منه الكهر وهو غلظ الوجه.
وقال ابن فورجه: شبه طلعته لنورها بالشمس. وجوده لكثرته بالسحاب ويقول من عادة السحاب إذا اجتمع مع الشمس سترها، وفيك هاتان الفضيلتان لا ترد إحداهما الأخرى، فهما كالمتضادين اجتمعا فيك لا تنفي إحداهما الأخرى قد كرر هذا المعنى في مكان آخر:
قَمراً نَرَى وسحَابَتَيْن بِموْضِعٍ ... مِنْ وَجْهِهِ ويَمِيِنه وَشِمالِه
وفي قصيدة أخرى:
شِمْنا ومَا حَجَبَ السَّماءُ بُرُوقَهُ ... وحَريً يَجُودُ وما مَرَتْهُ الرّيحُ
فهذا المعنى من الحسن والبيان على ما ترى.
وروى ابن جني: ترد بضم التاء وفتح الراء. وترى الفضيلة فيك مشرقة واضحة غير مشكوك فيها، كما ترى الشمس إنما أشرقت والسحاب إذا كان متكاثفاً، ونصب الشمس والسحاب بفعل مضمر كأنه قال: ترى برؤية فضائلك الشمس والسحاب، ويجوز أن ينصبها بدلاً من قبول غير مردودة فكأنه وترى فضائلك مثل الشمس والسحاب منيرة مشرقة ظاهرة بارزة، ونصب فضيلة على الحال أي نراها مستحقة لهذا الاسم ونشاهدها كذلك. ويجوز أن يكون التقدير ويرى الفضيلة فضيلة غير مردودة، ثم قدم وصف النكرة عليها، فأبدل النكرة منه، ونصبه على الحال منها ونصب كنهوراً على الحال وتشرق أيضاً في موضع الحال كأنه قال مشرقةً.
حرف الزاي
من التي أولها:
كَفِرِنْدي فِرِنْدُ سَيْفِي الجُرَازِ
قال الشيخ أبو العلاء رحمه الله: هذه الكلمات الست التي أولها أبجد وأخرها قريسيات بعضها موافق لكلام العرب وبعضها لا معنى له وقد ذكرت في الأشعار قال الراجز:
تَركتُهُم في مخْضِ وطْبٍ حازِر ... وفي أبي جادٍ وفي مُرَامِرِ
وقال آخر:
تَعلَّمتُ باجادٍ وآل مُرَامرِ ... وسَوَدتُ أثَوابي ولَسْتُ بِكاتِبِ
وقيل إنهم سموا أبا جلا آل مرامر من كتبها من العرب ثلاثة من أهل الأنبار يقال لأحدهم مرامر بن مردة وقال الراجز:
لمَا رأيتُ أمرَها في حُطَّي ... وَفَنكتْ في باطِلي ولَطَي
أخَذْتُ منها بُقرونٍ شُمْطِ ... حتى علا الرأسَ دَمُ يُغطِّي
وهواز موافقة لفظ مثل فوز فوز) وكلمون (قيل إنها أعجمية ولكنها موافقة لفظة أخذت من الكلم أو الكلام، وزيدت فيها الواو والنون. وأما) صعفص (فلا مذهب لها في كلام العرب وقد ذكرت في الشعر القديم أما) قريسات (فتوافق من كلام العرب فحل قراسية إذا كان مسناً قوياً فيقال في جمعه قراسيات فإذا صغر هذا الجمع قيل قريسيات فقال الشاعر:
أتَيْتُ مُهاجِرينَ فَغَلَّمُوني ... ثلاثةَ أحرفٍ مُتَوالياتِ
وحَطُّوا لي أبا جادٍ وقالوا ... تَعَلَّمْ صَعْفَصاً وَقُرَيْسياتِ
وقال ابن فورجة: هذه الكلمات ألقت لحفظ العدد تأليفاً حسناً تكتب بها الأعداد، فلا ينقطع عند وصل، ولا يتصل عند قطع، وقد زعموا أنها أسماء لله عزوجل، إلا أنها مشتركة للعرب والفرس والروم، وزعم السلامي الشاعر أنها أسماء الأيام الستة التي خلق الله فيها السموات والأرضين ذكر ذلك بإسناد له. وتشبيهه انعطافه الأسنة باستدارة هذه الحروف كتشبيه الحافر بالميم حيث يقول:
لَوْ مَرَّ يَرْكُضُ في سُطُورِ كتابَةٍ ... أحْصَى بِحافِرِ مُهْرِهِ مِيماتِهَا
وتشبيهه الحافر أيضاً بالعين في قوله:
أوَّلَ حَرْفٍ مِنِ اسمِهِ كَتَبَتْ ... سَنابِكُ الخَيْلِ في الجَلامِيدِ
إلا أن الجيد في تشبيه تعطف الرماح ما قاله الشيخ أبو العلاء أحمد بن عبد الله المعري حيث يقول:
وَتَعَطَّفَتْ لَعْبَ الصَّلالِ رِماحُهُمْ ... فالرُمّحُ عندَ اللَّهْذَمِ الرّعَّافِ
فلعب الحيات وتعطفها حسن في تشبيه استدارة الرمح إذا التوى وتعطف.
(1/44)

كُلَّ شِعْرٍ نَظِيرُ قائِلِهِ مِنْكَ ... وعَقْلُ المُجِيزِ مِثْلُ المُجازِ
قال ابن جني: الكاف في) منك (يخاطب بها الشاعر، يقول له إذا مدحت أحداً فقيلَ شعرك فهو نظيره وكفؤه. لقبوله إياه منك. وإذا أجازك فعقله مثل عقلك وتقديره وعقل المجيز مثل عقل المجاز فحذف المضاف.
قال الشيخ رحمه الله: يقول الشعر إذا كان رديئاً خسيساً جاز على الأخساء من القوم وإذا كان جيداً نفق على الرؤساء والسادة وقوله) وعقل المجيز مثل المجاز (المجاز هاهنا العطاء الذي يعطاه الشاعر. أي أن عقل المجيز إذا كان وافراً وفر العطية، وإذا ناقصاً كان ما يعطيه كذلك، ويحتمل أن يكون المجاز هاهنا الشعر. وذلك أشبه من المعنى الأول. ولا يحسن أن يراد بالمجاز هاهنا الشاعر لأنه إذا أراد ذلك احتاج أن يكون قد حذفا المضاف كأنه قال وعقل المجيز مثل عقل المجاز، وفي هذا المعنى انتقاض للممدوح لا يجعل عقل مثل عقل الشاعر.
حرف السين
ألا أذَّنْ فَمَا أذْكَرْتَ ناسِي ... وَلا لَيَّنْتَ قَلْباً وَهُوَ قاسِي
قال الشيخ رحمه الله: قوله) ناسي (في القافية ليس مثل أن يأتي به في حشو البيت، لأن ذلك عند البصريين من الضرورات وعند الفراء لفة للعرب وأنشد الكوفيون:
فكسوتُ عَاِريَ لَحمهِ فَتركتُه ... جَذلانَ جَادَ قَميصُه وردَاؤُه
وإنما فرق بين ذلك في القافية ومجيئه في غيرها، لأن القوافي اجتمعت الشعراء على أن تستعمل فيها أشياء لا تستعمل في حشو البيت، فمن ذلك حذف الإعراب في الشعر المفيد، وتخفيف المشدد ألا ترى أن قصيدة امرئ القيس التي على الراء قد جاءت فيها أشياء مشددة خفف فيها التشديد لقوله في القافية:) هر وصر وقر وأفر (وكذلك جميع ما، قيد من قصائد العرب، ولا تخلو من تخفيف المشدد ولا يستعملون مثل ذلك في غير القافية، وإذا ندر منه شيء لم يجمعوا فيه بين تخفيف المشدد وترك الإعراب، فإن تركة العرب لم يضيفوا إليها تخفيف المشدد، ومثل بيت أبي الطيب البيت المنسوب إلى بشر بن أبي خازم.
كَفَى بالبيْن مِنْ أسْماءَ كَافِ ... وليسَ لحُبها ما عِشتُ شَافِ
ومن التي أولها:
هَذِي بَرَزْتِ لَنا فَهِجْتِ رَسيسَا ... ثُمَّ انْصَرَفْتِ وَما شَفَيْتِ نَسِيسَا
قال الشيخ رحمه الله: قوله) هذي (أشبه ما يقال فيه: هذي البرزة برزت لنا أو هذي المرة ونحو ذلك ويكون موضع هذي نصباً على الظرف لأنها مشار بها إلى ما يحتمل أن ينصب كنصب الظروف.
قال ابن فورجة: قد نعي ابن جني على المتنبي حذفه حرف النداء من هذي، وهذي تصلح أن تصلح أن تكون وصفاً لأي فحذف) يا (مع أي إجحاف وذلك لا يجوز عند البصريين وقد فسر في قول الله سبحانه وتعالى) هؤلاء بناتي هُن أطهر لكم (قال: أراد هؤلاء وهذا عند البصريين غير جائز وسمعت الشيخ أبا العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان: هذي موضوعة موضع المصدر وإشارة إلى البرزة الواحدة كأنه يقول هذه البرزة برزت فهجت رسيسا. وهذا تأويل حسن لا حاجة معه إلى اعتذاره والرسيس بقايا السقم، والنسيس الرمق.
كَشَّفْتُ جَمْهَرَة العِبادِ فَلَمْ أجِد ... إلاَّ مِسُوداً جَنْبَهُ مَرْؤوسا
قال ابن فورجة: أي سبرت وجربت واختبرت جمهور الناس، وقوله جنبه أي بالإضافة إليه أي كل الناس بالإضافة إليه مرؤوس مسود، وقد حذف حرف الجر فنصبه كما قال تعالى) واختار موسى سبعين رجلاً (أي من قومه. وقوله تعالى) واقعدوا لهم كل مرصد (أي على كل مرصد.
حرف الشين
من التي أولها:
مَبيتي مِنْ دِمِشْقَ على فِراشِ
يُدَمَّي بَعْضُ أيْدي الَخْيلِ بَعْضاً ... ومَا بعُجَايَةٍ أثَرُ ارْتِهاشِ
قال الشيخ رحمه الله: العجاية العصب الذي في الوظيف، والارتهاش أن يصك الفرس بإحدى يديه الأخرى فيؤلم بذلك العجاية، وإنما يصف ان الخيل في ضنك فقد أدمى بعض أيديها بعضاً وليس بها ارتهاش وإنما هو من التزاحم وبعض يقع عند قوم على ما دون النصف، وقيل يقع على النصف فما دونه، وأنكر قوم وقوعها على النصف، وكرهوا: جاءني بعض الرجلين، وقالوا: إنما ينبغي أن يقال جاءني أحدهما.
كأنَّكَ ناظِرُ في قَلْبٍ ... فما يَخْفَى عَلَيْكَ مَحَلُّ غاشِ
(1/45)

قال الشيخ رحمه الله: بعض الناس يذهب إلى أنه أراد محل غاش من الغش وتلك ضرورة قبيحة، والمعنى غير مفتقر إلى ذلك، وإنما هو فاعل من غشي يغشى وهو مؤد معنى الغش، لأنه يغشى القلب، وكثيراً ما يقولون على قلبه غشاوة وفي الكتاب العزيز) والليل إذا يغشى (وكل شيء إذا حل في موضع فقد غشيه من الناس وغيرهم.
وقال ابن فورجة: هذا البيت فضح الصاحب رحمه الله نفسه به في رسالته التي ذم فيها أبا الطيب يقول فيها: ومن مجازاته التي خلقها خلقاً متفاوتاً تخفيفه الغاش وهذا ما لا أعلم سامعاً باسم الأدب يسوغه أو يفسح فيه ويجوزه وذلك قوله) كأنك ناظر.. البيت (فإن جاز أن يقال:) عباس بن عبد المطلب وشماخ بن ضرار (فلا تشدد الباء ولا الميمعلى أن الذي أورده أشفع من هذا الذي مثلناه به، إذ كان لفظ فاعل بني على لفظ فعل مشدد. هذا كلامه. وإذا لم تفهم الكلام اعترض عليه بما يفضح، وكأنه تصور أن يريد غاشاً من الغش ولم يرد أبو الطبيب شيئاً من ذلك، وإنما أراد محل من يغشاك من صنوف الناس يقال: غشيته أغشاه إذا قصدته من قوله: غشيتُ دِيَارَ الحيَّ بالبَكَرَاتِ قال الله تعالى:) ومن فوقهم غواش (. وقال ذو الرمة:
وذي شُعَبٍ شَتَى كِسْوتُ فُروجَه ... لغَاشيةٍ يَوماً مقطَّعةً حُمْرا
ومنه كنى عن الجماع بالغشيان. قال الله تعالى) فلما تغشاها حملت حملاً خفيفاً (ولو أراد الغش لما أتى بالمحل إلاّ أن ذا الغش يعرف غشه فقط وهذا كقوله:
وَيَمْتَحِنُ النَّاسَ الأميرُ برأيِهِ ... وَيُغْضِي على عِلْمٍ بكُلِّ مُمَخْزِقِ
أتَى خَبَرُ الأمِيرِ فَقِيلَ كُرُّوا ... فَقُلْتُ نَعَمْ وَلَوْ لَحِقُوا بِشَاشِ
قال ابن فورجة: روى أبو الفتح ابن جنى) كروا (بفتح الكاف وفسره فقال كان أبو العشائر استطرد للخيل بين أيديها، ثم خبره أنه كر عليهم راجعا أي فلو لحق راجعاً أي فلو لحق بشاش لوثقت بعودته هذا تفسير يتبع الرواية ولم يرو غير أبي الفتح) كروا (بفتح الكاف. ووقع إليّ نسخ غير واحدة شاميات كلها) كروا (وليس التفسير إلاَّ ما أقول ولا الرواية إلاّ بالضم، يقول أتى خبر الأمير بظفره بالعدو لنا: معشر المستميحين واللائذين به كروا، فقلت نعم ولو كان بشاش، الدليل على ذلك قوله فيما يليه.
وأُسْرِجَتِ الكُمَيْتُ فَناقَلَتْ بِي ... عَلى إعْقاقِها وعلى غِشاشِي
والإعقاق مصدر أعقت الأنثى فهي عقوق، إذا عظم بطنها لقرب النتاج والغشاش العجلة، يقال: سرت بها على عجلة مع كونها معقاً، فهذا دليل على أن الغرض ما ذكرنا. وأيضاً قوله فيما بعد:
إذا ذُكِرتْ مَوَاقِفُه لحافِ ... وَشِيكَ فما يُنَكَسُ لانْتِقاشِ
أي بعجلة سروره بها عجلته إلى زيارته عن إخراج الشوك من رجله، ومما يفسد ما ذكره أن قوله) فقيل كروا (يكون ضميره لأصحاب الممدوح) ولحقوا (ضميره لأصحاب العدو فكيف يفرق السامع بين ضميرين. وهل يرضى أبو الطيب لشعره بهذا المجاز من كون ضميرين في بيت واحد مختلفين ولفظهما متفق.
حرف الضاد
فَعَلَتْ بنا فِعْلَ السَّماءِ بأرْضِهِ ... خَلِعُ الأمِير وَحَقَّهُ ولم نَقْضِهِ
قال الشيخ أبو العلاء رحمه الله: ذكر السماء في هذا الموضع وقد جاء تذكيرها في القرآن في قوله) السماء منفطر به (، وحكي عن الخليل أن المعنى ذات انفطار، والغرض أن الاسم إذا تؤول فيه مثل هذا التأويل وهو لمؤنث حذفت منه الهاء، كما قالوا حائض وطامث أي ذات حيض وذات طمث، والسماء إذا أريد بها التي يتردد ذكرها في القرآن فالغالب عليها التأنيث، وإذا ذكرت جاز أن يذهب بها مذهب السقف وأن يجعل جمع سماوة وأن تذكر لأن تأنيثها غير حقيقي، وإذا أريد بالسماء المطر فهو مذكر، ويجوز أن يكون أبو الطيب إلى هذا الوجه ذهب) وحقه (يجوز فيه النصب فالنصب على إضمار فعل كأنه ولم نقض حقه أو نحو ذلك. ثم جاء الفعل الثاني مفسراً للأول المضمر، والرفع على أن يكون حقه مبتدأ والواو عاطفة جملة على جملة. وأول الجملة فعل وأول الثانية اسم ويجوز أن يكون الشاعر لم يرد عطف جملة على جملة، وإنما أخبر أن الممدوح فعل جميلاً) وحقه لم نقضه (أي نحن مقصرون فيما يجب له كما تقول جاءني فلان يطلب دينه ودراهمه لم أعدها ومن التي أولها:
(1/46)

مَضَى اللَّيْلُ والفَضْلُ الذي لَكَ لا يَمْضِي
عَلى أنَّنِي طُوِّقْتُ مِنْكَ بِنِعْمَةٍ ... شَهِيدُ بها بَعْضِي لغَيْري على بَعضِي
قال ابن جني: المعروف أن يقال رأيت بالعين رؤية، ورأيت في منامي رؤيا وقوله) شهيد بها بعضي لغيري على بعضي (فبعضه الشاهد لشأنه أي يقول لساني هذا نعمة سيف الدولة. وأثار إحسانه فيشهد على بقية بدنه.
حرف العين
ومن التي أولها:
غَيري بأكْثَر هَذَا القَوْلِ يَنْخَدِعُ
ومَا الحَياةُ وَنَفْسي بَعْدَ ما عَلِمَتْ ... أنَّ الحّياةَ كَما لا تَشْتَهِي طَبَعُ
قال ابن جني: الطبع الدنس، ونفسي في موضع رفع عطفاً على الحياة، ومعناه مع الحياة كما تقول ما أنت وزيداً أي ما زيد وأنشد سيبويه:
يا زِبْرِقانُ أخابَنِي خَلَفٍ ... ما أنت وَيْبَ أبيكَ والفَخْرُ
أي إذا كانت الحياة هكذا فما تصنع نفسي بالحياة.
للَّسَّبْي ما نَكَحُوا والقَتْلِ ما وَلَدُوا ... والنَّهْبِ ما جَمَعوا والنَّارِ مَا زَرَعُوا
قال ابن جني: عطف في هذا البيت على عاملين مختلفين، وذلك أنه عطف) القتل (على) السبي (وهو مجرور باللام، وعطف) ما (الثانية على) ما (الأولى، فقد عطف إذن على اللام وعلى الابتداء، ومن رفع ما نكحوا باللام في السبي فلا عطف في قوله على عاملين، لأن الذي جر السبي هو الذي رفع) ما (على هذا القول.
وقال ابن فورجة: أوقع) ما (على من يعقل في قوله) ما نكحوا وما ولدوا (على تأويلات ثلاثة أحدها: أن يكون غرضه أنهم أغنام غير ذوي عقول كالبهائم فاستعمل لهم) ما (لأنها لما لا يعقل. والثاني: أن يكون على لغة من يقول: سبحان ما سبح الرعد بحمده يريد من سبح حكاها أبو زيد عن أهل الحجاز والثالث: أن يكون أوقع ما على المصدر فكأنه قال للسبي نكاحهم وللقتل ولادتهم. وقيل في قول الله تعالى:) والسماء وما بناها. والأرض وما طحاها. ونفس وما سواها (، وقوله تعالى:) وما خلق الذكر والأنثى (، أن) ما (مقامة مقام المصدر كأنه يقول والسماء وبنائها والأرض وطحوها ونفس وتسويتها، وكذلك أقسم لخلق الذكر والأنثى وقيل أيضاً إن) ما (مقامة مقام من على لغة أهل الحجاز، حكى ذلك أبو إسحاق الزجاج، وقوله) للقتل ما ولدوا (قد يتعرض عليه فيقال: إنما يقتل الرجال ومن بلغ الحلم فأما من ولدوا فيعني بهم الصغار منهم وهم بالسبي أولى، فالجواب أن الرجال أيضاً ومن أتت السن عليه ليس خلوا أن يكونوا مولودين فلما تقدم في اللفظة الأولى السبي لم يجد بداً أن يقول ذلك، وقد استعمل من في موضع ما في قوله:
إنْ كانَ لا يَسْعَى لَجُودٍ ماجِدُ ... إلاَّ كَذَا فالغَيْثُ أبْخلَ مَنْ سَعَى
وهذا محمول على التأويل، لأنه أراد أبخل الساعين، وجعل الغيث ماجداً سعى بجود والعرب إذا وصفت الشيء بصفة غيره استعارت له ألفاظه، وأجرته مجراه في العبارة، كقوله تعالى) والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين (. وأنشد القاضي الجرجاني بيتاً زعم أنه سمعه من ثقة وهو:
متى نَوَّهْتَ في الهَيجاء باسِمي ... أتَاكَ السَّيفُ أوَّلَ مَنْ يَجيِبُ
مُخْلىً له المَرْجُ مَنْصُوباً بِصَارِخَةٍ ... لَهُ المَنَابِرُ مَشْهُوداً بها الجُمَعُ
قال ابني جني: نصب) مخلى ومنصوباً (على الحال من سيف الدولة) ومشهوداً بها الجمع (نصب على الحال من صارخة، وهي مدينة أو قلعة ببلد الروم، وكان الوجه أن يقول: شهوده ومنصوبة إلا أن التذكير جائز أيضاً على قولك نصب المنابر وشهد الجُمَع ومن أبيات الكتاب:
بَعيدُ الغَزَاةِ فما ابن يَزا ... لُ مُضْطَمِراً طُرَّتاه طَلِيحَا
ولم يقل مضطمرة وهو كثير.
قال ابن فورجة: الإعراب ما ذكره لا ريب فيه، والمعنى أن هذين الموضعين أعني المرج وصارخة متوغلتان في بلاد الروم، وأنهما إذا أخليتا لسيف الدولة ونصبت المنابر بهما وشهدت الجمع فلم يبق في النكاية في الكفر نهاية. ومثل هذا المغزى قول النسيج أبي العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان يصف خيل رجل مدحه:
بَناتِ الخَيلِ تَعْرِفُها دَلُوكُ ... وصَارِخةُ وآلُسُ والّلَّقانُ
(1/47)

ليس يريد أن أماتها برابع من هذه البلاد التي ذكرت لأن خيل الروم غير مختارة وإنما يعني أنه طالما أوغل بها هذه المواضع، وأوغل أبوه بأماتها فيها فهي تعرفها. والغرض بعد الإيغال في بلاد العدو.
فِيها الكُماةُ التي مَفْطُومُها رَجلُ ... على الجيادِ التي حَوْلَّيها جَذَعُ
قال الشيخ رحمه الله: كان بعض من رد على أبي الطيب قد أدعى أنه قال) فيها الكماة (الذي مفطومها رجل على الجياد الذي (فاستعمل) الذي (في موضعين، وذلك مكذوب لا محالة، ولو صحت الرواية لكان له وجه، وهو أن يجعل الذي مبتدأ ويضمر بعده هو فيكون التقدير فيها الكماة الذي مفطومها رجل، ومثل ما حكاه الخليل عن العرب من قولهم: ما أنا الذي قائل لك شيئاً. أي بالذي هو قائل لك، وقالوا: الذي يذهب عليه سنة من وقت النتاج حولي وكثير استعمال ذلك حتى قالوا حولي الحصى يعنون صغاره، كذلك زعم بعض الناس ويجوز أن يكون الذي قالوا: أقلب حولي الحصى إنما أرادوا شبه الحصى إلى ما حول الإنسان لا إلى حول السنة.
يَذْرِي اللُّقانُ غُباراً في مَناخِرِها ... وفي حَناجِرها من آلِسٍ جُرَعُ
قال ابن جني: أي لا تستقر فتشرب وتطمئن، إنما هي تختلس الماء اختلاساً لما هي فيه من مواصلة السير والمجاولة، ويجوز أن تكون شربت قليلاً لعلمها بما يعقب شربها من السير والركض، وهكذا تفعل كرام الخيل وبذلك فسر بيت طفيل الغنوي:
أنَخْنَا فَسُمْنَاها النِّطَافَ فَشارِبُ ... قليلاً وآبٍ صَدَّ عَنْ كُل مَشْرَبِ
قال الشيخ أبو العلاء: حكي عن علي بن عيسى الربعي، وكان يذكر أنه قرأ ديوان أبي الطيب عليه في شيراز، وأن عضد الدولة أمره بذلك، أنه كان يروي) آلس (بضم اللام، فأما رواية الشاميين فبالكسر، ومعنى البيت أنه يصف الخيل بالسرعة فقد وردت الماء بآلس، وسارت حتى جاءت اللقان فأذرى الغبار في مناخرها ومعها بقية من ورد آلس وهو في حناجرها وهذه مبالغة عظيمة في الصفة بالسرعة، لا يجوز أن يكون مثلها، ونحو منه قول الأول:
خَلطنَ بِبَاقِي ما تَحلُّه غدوةً ... وقد رُحْن عنه ما ببطنِ الأُّميلح
وإنَّ القَطا الكُدريَّ يطلح دونّه ... وإن كُنَّ قد وافينَه غيرَ طُلَّح
كأنَّما تَتَلَّقاهُمْ لِتَسْلُكَهُمْ ... فالطَّعنُ يَفْتَح في الأجْوَافِ ما تَسَعُ
قال ابن جني: أي كأن خليه تتلقى الروم فتدخل فيهم، فالطعن يفتح أجوافهم ما يسع الخيل يصف سعة الطعن وعظمه.
دُونَ السِّهامِ ودونَ الفَرِّ طافِحَةً ... على نفوسِهمِ المُقَوَّرَةُ المُزُعُ
قال ابن جني: سألته عن معنى هذا البيت فقال إن هذه الخيل أشرقت على نفوسهم، وطفحت عليها فقد صارت أقرب إلى نفوسهم من السهام ومن أن يفروا، يصف سرعة الخيل وأنها قد ركبتهم وتغشتهم.
وقال الشيخ رحمه الله: طافحة يجوز فيها الرفع والنصب فإذا نصبت فهي حال من الجياد التي تقدم ذكرها، وإذا حمل على هذا الوجه) فالمقورة (بدل من الضمير الذي في) طافحة (ويحتمل أن تكون) طافحة (حالاً من المقورة كما يقال في الدار قائماً أخوك. وهذا الوجه أحسن من الوجه المتقدم وترفع) المقورة (على أنها في تقدير المبتدأ كأنه قال دون الهام ودون الفر المقورة طافحة على نفوسهم وإذا رفعت) طافحة (جاز أن تكون) المقورة (في تقدير المبتدأ ويكون قوله) دون السهام ودون الفر (كالظرف الملغي إذا تقدم فقيل في الدار قائم أخوك، ومن: قال قائم أخوك وهو يجعل قائماً مبتدأ وأخوك قد سد مسد الخبر وهو فاعل جاز أن يرفع) المقورة (بأنها فاعلة طافحة وقد سدت مسد الخبر، وطافحة مبتدأ أن يجعل الكلام تاماً عند قوله طافحة على نفوسهم أي ذاهبة طفحت على النفوس ثم يجعل المقورة المزع بدلاً منها.
أجَلُّ مِنْ وَلدَ الفُقَّاسِ مُنكَتِفُ ... إذْ فاتَهُنَّ وأمْضَى مِنه مُنْصِرَعُ
(1/48)

قال الشيخ أبو العلاء: الفقاس لقب لرجل من الروم بعض ولده المعروف بنقور، وقد صار إليك ملك الروم وهو الذي قتلته أم بسيل وقسطنطين وكانت قد تزوجته وأبناها صغيران، فخشيت أم يخرجها عن المملكة، فدست عليه وهو نائم ليلاً قوماً منهم ابن شمسقيق الذي ذكره أبو الطيب فقتلوه، وكان والد نقفور دمستقا وهو وهو والد قسطنطين الذي أسره سيف الدولة في وقعة الأحيدب، وفي أيامه كانت الوقعة التي قيلت فيها هذه القصيدة، وبعض الناس يخير أن الفقاس كان من آل جفنة الذين دخلوا الروم في أيام عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وفي هذا البيت تسلية للممدوح عن انفلات الدمستق وهو ولد الفقاس يقول أجل منه قد أسر فكتف وأمضى منه قد قتل فهو منصرع.
وَما نَجا مِنْ شِفار البيضِ مُنْفَلِتُ ... نَجا وَمِنْهُنَّ في أحْشائِهِ فَزَعُ
قال الشيخ: ما في أول البيت نافية والمعنى لم ينج، ونجا الثانية في الموضع نعت لمنفلت، يقول: ما نجا من السيوف منفلت في أحشائه منهن فزع ووجه آخر: وهو لأن يكون قد تم الكلام عند قوله) منفلت (فأخبر أنه لم ينفلت منهم أحد ثم استأنف الكلام محتجاً لعدم المنفلت فقال) نجا ومنهن في أحشائه فزع (وفي نجا ضمير على المنفلت وهذا كما يقول الرجل ما نجوت من شر فلان، أي لم يكمل نجاؤك منه ثم يقول نجوت وأنت مرعوب منه فلم يكمل نجاؤك.
كَمْ مِن حُشَاشَةِ بِطْريقٍ تضَمَّنها ... للْباتِرَاتِ أمِينُ ما لَهُ وَرَعُ
قال الشيخ: الحشاشة بقية النفس وأصلها مأخوذ من حش الشيء إذا يبس، ومنه قولهم لما يبس من الكلأ حشيش، فإذا احتش الرجل لدابته حشيشاً، وبقي منه شيء قليل قيل له حشاشة، كما يقال لما فضل من الطعام فضاله، ولما أعذر من الشيء المأخوذ عذاره، فأريد أن الحشاشة بقية نفس قد أخذ معظمها) وأمين (هاهنا يعني القيد الذي يجعل في الأسير أي أنه إذا أودعه الإنسان فهو مأمون على الوديعة، لأن المقيد به لا يقدر على الهرب.
وَجَدْتَّموهم نِياماً في دِمائِكُمُ ... كأنَّ قَتْلاكُمُ إيَّاهُمُ فَجَعُوا
قال الشيخ رحمه الله: يذكر من يدعي علماً بغزوات سيف الدولة بن حمدان أن أصحابه في هذه الغزاة وهي التي كانت تسمى غزاة المصيبة، مروا في هزيمتهم بمقتلة من الروم، فظنوا أن أولئك القتلى لا تجاوزهم من العدو، فنزلوا في ذلك الموضع ليستريحوا، فجاءت خيل الروم ووجدتهم على تلك الحال، فنالوا منهم المراد من قتل وأسر، ومعنى البيت أنكم وجدتم هؤلاء القوم نياماً بين قتلاكم، كأنهم الذين فجعوا بهم وذلك من شأن الحزين ومن قتل له قتيل أن يكب عليه، ويحمله الجزع على أن يتلطخ بدمه كما أن المخزون يتمرغ على القبر ويقلبه لشدة الجزع.
وروى الأحسائي عن علي بن عيسى الربعي أن أبا الطيب قال غبرت في تلك الليلة فرأيت جماعة من المسلمين قد ناموا بين قتلى الروم، من شدة الحال التي أصابتهم، ورأيت قوماً منهم يحركون القتلى فمن وجدوا فيه رمقاً أماتوه فلذلك قال هذا.
إن السِّلاح جَميعُ النَّاسِ تَحْمِلُهُ ... ولَيْسَ كُلُّ ذّواتِ المِخْلَبِ السَّبُعُ
قال الشيخ: قد حكى سيبويه عن العرب ليس الطيب إلا المسك برفع الطيب والمسك وهذا يشبع قوله) وليس كل ذوات المخلب السبع (إذا أخذنا يقول من ذهب إلى أن ليس بمعنى ما في قولهم: ليس الطيب إلا المسك وللنحويين كلام في الضمير بعد ليس إذا كانت في مثل هذا الموضع ومثل بيت أبي الطيب قول هشام أخي ذي الرمة:
هي الشِّفاءُ لِداَئي إنْ ظَفِرْتُ بها ... وليسَ منها شفاءُ الدواء مَبْذول
وإن شئت أضمرت في ليس وهو رأي أكثر الناس والإضمار في كان وأخواتها كثير موجود قال حميد الأرقط:
فأصْبَحُوا والنَّوَى عالي مُعَرَّسِهِمْ ... وَلَيْسَ كَلَّ النَّوَى تُلْقِي المَساكِين
ومن التي أولها: حُشَاشَةَ نَفْسٍ وَدَّعَتْ يَومَ وَدَّعُوا
أشارُوا بتَسْلِيمٍ فَجُدْنا بأنْفُسٍ ... تَسِيلُ من الآماقِ والسَّمُ أدْمُعُ
قال ابن جني: السم يريد الاسم يقال اسم وسم وسيم وسمي مثل هذه حكاها أبو علي عن أحمد عن ابن الأعرابي وأنشد أبو علي عن أبي زيد:
فَدعْ عَنْكَ ذِكْرَ اللَّهْوِ واقصد بِمدْحَةٍ ... لَخيرِ يمانٍ كُلَها حيث ما انتَمى
(1/49)

لأوضَحِها وجهاً وأكرمها أباً ... وأسمحها كَفّاً وأعْلَنِها سُما
وقد حكي اسم بضم الهمزة وليست قوية في سماع ولا قياس، والمعنى أي كأن أرواحنا جرت من أعيننا في صورة الدموع، فسميت دموعاً وهي في الحقيقة أنفس.
وقال الشيخ: هذا المعنى يتردد في شعره كثيراً، وتدعى الشعراء أن الدمع هو نفس الإنسان وقد استعمل ذلك أبو الطيب في قوله:
أرْوَاحُنا انُهَمَلَتْ وَعِشْنا بعدها ... مِنْ بعْدِ ما قَطَرتْ على الأقدامِ
وَإنَّ الذَّي حابَى جَديلَةَ طَيٍ ... به اللهُ يُعْطِي مَنْ يَشاءُ ويَمْنَعُ
قال ابن فورجه: قال ابن جني: أي حاباها به من الحباء وهي العطية كأنه يريد وإن الذي حبا جديلة طي به الله. أي أعطاها إياه فبنى الفعل للاثنين كما تفعل بقولك: سافر وعافاك الله. ثم فسر باقي البيت فقال أي هذا الممدوح يعطي من يشاء ويمنع، وهذا الذي ذكره أبو الفتح تمحل وتوصل يتأتيان بتكلف. والذي أراده أبو الطيب أن) حابي (ضميره للممدوح وهو) الذي (وهو الفعل الذي لا يصح إلا بين أثنين، وجديلة طي كرام أسخياء، ومن حاباهم عالي المنزلة في السخاء، وخص جديلة طي لأن الممدوح منهم، يقول هو أسخاهم والله تعالى به يعطى من يشاء ويمنع لأنه أمير قد فوض إليه أمر الخلق فنفعهم وضرهم من جهته.
فَتىً ألْفُ جُزْءٍ رأيُهُ في زَمانِهِ ... أقَلُّ جُزَيءٍ بَعْضُهُ الرأيُ أجْمَعُ
قال ابن جني: ترتيب الكلام: فتى رأيه في زمانه ألف جزء، وأقل جزء من هذه الأجزاء بعضه أي بعض الأقل الرأي الذي في أيدي الناس كله، فألف جزء مرفوع لأنه خبرُ عن البعض وأجمع توكيد للرأي. والهاء من بعضه عائد على أقل من الجملة التي هي خبر عنه.
خَبَتُ نارُ حَرْبٍ لم تَهِجْها بَنانُهُ ... وأسْمَرُ عُرْيانُ من القِشْرِ أصْلَعُ
قال الشيخ: مصدر خبت الخبو وقالوا خبوت النار وقال الشاعر:
وتُوقَدُ باليَفاعِ الليلَ نَاري ... تَشبُّ إذا يُحسُّ لها جنوبُ
كأنه أبدل من الواو الآخرة تاء لقولهم وتكأة، ولا يمتنع أن يكون خبت اللهيب أصلاً في كلامهم، ويكون مأخوذاً من الخبت، وهو المطمئن من الأرض مع سهولة ومنه قالوا: أخبت الرجل، إذا تأله وتخشع، كأنه ذل حتى لصق بالخبت من الأرض، وقد قالوا خبت بمعنى أخبت، وقوله) خبت نار حرب (الأحسن أن يكون على معنى الدعاء كما يقال: لا كانت حرب لم يهجها فلان، والأسمر العريان من القشر القلم، وجعله أصلح لأنه لا نبات عليه.
ذُبابُ حُسامٍ مِنْهُ أنجَى ضرِيَبَةً ... وأعْصىَ لَوْلاهُ وَذَا مِنْهُ أطْوَعُ
قال ابن جني: يفضل القلم على السيف لأنه قد ينجى من حد السيف ولا ينجى من ضربة هذا القلم، والسيف يعصي صاحبه، القلم يطيعه ومثل قوله) وأعصى لمولاه (قول طرفة:
أخِي ثِقَةٍ لا يَنْثَني عن ضرَيبةٍ ... إذا قِيلَ مَهْلاً قالَ حاجِزُه قَدي
وليسَ كبَحْر يشْتَقُّ قَعْرَهُ ... إلى حيثُ يفْنَى الَماءَ حُوتُ وَضُفْدَعُ
قال الشيخ: يقول ليس هذا الممدوح كبحر الماء يمكن استقصاؤه، ويشتقه إلى منتهاه الحوت والضفدع، في الضفدع لغتان ضفدع وهي اللغة المعروفة وقد حكى ضفدع بفتح الدال. وحوت مرفوع يشتق.
وقال ابن فورجه: أخبرني بعض من كان لقي أبا الطيب أنه سمعه يقول الذي قلت) إلى حيث يفنى الماء (وأردت به حيث يكون في فناء الماء، كأن أصله فنيت الرجل أفنيه أي كنت في فنائه فيفنى فاعله حوت وضفدع، فإن كانت هذه اللفظة مسموعة فتوشك أن تكون الحكاية صحيحة.
ومن التي أولها: مُلِثَّ القَطْرِ أعْطِشْها رُبُوعَا قوله:
تُرَفِّعُ تَوْبَها الأرْدَافُ عَنها ... فيَبْقى مِنْ وشاحَيْها شَسُوعا
قال ابن جني: الشسوع البعد ومثل هذا المعنى صفة رجل لامرأة فقال: لا يصيب ثوبها منها إلا مشاشي منكبيها، ورانفتي إليتها، وحلمتي ثدييها.
وقال الشيخ: (فيبقى من وشاحيها شسوعاً (يعني الثوب وهذا المعنى مجانس لقول الآخر:
أبَتِ الرَّوادِفُ والثُّدِيُّ لِقمْصها ... مَسَّ البُطون وأنْ تَمسَّ ظُهورَا
إذَا مِاسَتْ رأيْتَ لها ارْتِجاجاً ... لَهُ لَوْلا سَوَاعِدُها نَزُوعا
(1/50)

قال ابن جني: الهاء في قوله له عائد على الثوب، يقول: لإفراط ارتجاج ثدييها يكاد ينزع عنها ثوبها، ونصب نزوعاً لأنه وصف لارتجاج كأنه قال رأيت لها ارتجاجاً نزوعاً لثوبها عنها لولا أن سواعدها تمنع ذلك.
ومن التي أولها: أرَكائِبَ الأحْبابِ إنَّ الأدْمُعا
وَمَتى يُؤدَي شَرْحَ حالِكَ ناطِقُ ... حَفِظَ القَليلَ النَّزْرَ مَّما ضَيَّعا
قال ابن جني: أي هو قليل بالإضافة إلى ما ضيع، ويسأل عن هذا فيقال: إن المحفوظ ليس المضيع فكيف جعله منه؟ فالجواب: أنه حفظ القليل من جنس ما ضيع إلا ترى أن الجميع أحوال له فكل واحدة مثل أختها في كونهما حالين له، ويجوز أن يكون معناه حفظ القليل النذر بدلاً مما ضيع، كقوله تعالى) لجعلنا منكم ملائكة في الأرض يخلفون (أي بدلاً منكم.
ومن التي أولها:
الحُزْنُ يُقْلِقُ والتَجمُّلُ يَرْدَعُ ... والدَّمْعُ بيَنهُما عَصِيُّ طَيِّعُ
قال ابن جني: أي يعصي التجمل ويطيع القلق، والعصي: العاصي.
المَجْدُ أخْسَرُ والمكارِمُ صَفْقَةً ... مِنْ أنْ يَعيشَ بها الكَرِيمُ الأروَعُ
قال ابن جني: معناه المجد والمكارم أخسر صفقة، وإن حملت الإعراب على هذا اختل لأنك تفصل بين أخسر وصفقة وهي منصوبة بالمكارم التي هي عطف على المجد، وهذا غير جائز لأن صفقة تحل من أخسر محل الصلة من الموصول، ألا ترى أنه يجوز) زيد أحسن وعمرو وجهاً (ولك أن تصرفه إلى وجه غير هذا فتجعل المكارم عطفاً على الضمير الذي في أخسر فإذا عطفته على الضمير لم يكن أجنبياً منه، فلا يعد فصلاً بينه وبين صفقة، فيصير نحو قولك) مررت برجل أكل وعمرو خبزاً (فيعطف عمراً على الضمير في أكل وينصب خبزاً يأكل.
حرف الفاء
ومن التي أولها:
لِجَّنَّيةٍ أمْ غادَةٍ رُفِعَ السَّجْفُ ... لِوَحْشِيَّةٍ لا ما لِوَحْشِيَّةٍ شَنْفُ
قال ابن جني: أراد الجنية فحذف استخفافاً قال الشاعر:
ثُمَّ قَالُوا تُحِبُّها قُلْتُ بَهْراً ... عَدَدَ الرَمَل والحْصَى والتُّرابِ
وقال الآخر:
رَفَوْني وَقَالُوا يا خُوَيِلدُ لا تُرَعْ ... فَقُلتُ وأنْكَرْتُ الوُجُوهَ هُمُ هُمُ
فحذف الهمزة، لأنه لما أنكرهم سأل عنهم وقد يجوز أن يكون الكلام خبراً لا استفهاماً. والغادة: الناعمة الخلق مثل الغيداء، والسجف جانب الستر.
وقال الشيخ رحمه الله: كأن الشاعر شك في هذه المذكورة فجعلها جنية، ثم توهم أنها غادة من الإنس، ثم انصرف عن ذلك الرأي، فظن أنها وحشية يشبهون المرأة بالظبية والبقرة من الوحش، ثم أنكر أن تكون؛ فالوحوش لا يكون عليها حلي. وقد يجوز أن تكون ألف الاستفهام غير مرادة في البيت كأنه قال لوحشية رفع السجف، وهو لا يشك في ذلك ثم جاء) بأم (لأنها تجيء في معنى بل، وليس قبله استفهام، ومن ذلك قوله تعالى) ألَم تنزيل الكتاب لا ريب من رب العالمين (ثم قال) أم يقولون افتراه (وهذا الوجه أحسن من الأول لأنه لا يخلو من الضرورة.
وُقُوفَيْنِ في وَقْفَين شُكْرٍ وَنائِلٍ ... فَنائِلُهُ وَقْفُ وشُكرُهُمُ وَقْفُ
قال ابن جني: نصب) وقوفين (على الحال منه ومن الناس، وينبغي أن تكون العامل في) وقوفين (يُفدّونهُ وهما في هذه الحال، وهذا نحو قولك:) رأيتك راكبين (أي أنا راكب وأنت راكب، ومثله قول الشاعر:
فَلَئِنْ لَقِيتُكَ خَالِيَينِ لَتَعْلَمَنْ ... أيَي وأيُّكَ فَارِسُ الأحْزَابِ
نصب خاليين على الحال ويجوز أن يكون نصب) وقوفين (بفعل مضمر كأنه قال أذكر) وقوفين (أو أصف وقوفين ومعنى الكلام: فَنائِلُهُ وقفُ عليهم وشُكرُهُمُ وَقْفُ عليه.
وَلمَّا فَقَدْنا مِثْلَهُ دَامَ كَشْفُنا ... عليهِ فدامَ الفَقْدُ وانكَشَفَ الكَشفُ
قال الشيخ: الهاء في) عليه (راجعة على مثله، ولولا أنه منظوم لكان الأشبه بهذا الموضع أن يقال) عنه (في موضع) عليه (يقول: لما فقدنا مثله طال كشفنا عن مثله نجده، فدام فقدنا مثله وانكشف كشفنا أي زال لأنا يئسنا من وجدان مثله، وهو من قولهمانكشف القوم إذا ولّوا
قصَدْتُكَ والرَّاجُون قَصْدِي إليهمُ ... كَثيرُ ولكنُ ليسَ كالذَّنَبِ الأنْفُ
قال ابن جني: أصل هذا من قول الحطيئة
(1/51)

قَوْمُ همُ الأنْفُ والأذْنابُ غَيرُهُمُ ... وَمَنْ يُسَوِّي بأنْفِ النَّاقَةِ الذَّنَبا
ويقال إن الحطيئة مدح بهذا قوماً كانوا ينبزون بأنف الناقة فيكرهونه فلما قال فيهم هذا فخروا بلقبهم وصار منقبة عندهم بعد ما كان مثلبة.
قال الشيخ: الفَرْقُ أولى بهذا البيت من الأنف، لأنه يساويه في أنهما شعر ويخالف بيت الحطيئة: إذا قال الفرق لأنه إذا قال الأنف كان قد أخذ لفظه ومعناه، وإذا قال الفرق فقد أخذ المعنى دون اللفظ.
أماتَ رِياحَ اللُّؤْمِ وَهِيَ عَواصِفُ ... ومَغْنَى العُليَ يُودي ورسْمُ النَّدى يَعْفُو
قال الشيخ: استعار للرياح كما استعاروا لها المرض، فقالوا ريح مريضة أي ضعيفة، وجعل لؤم رياحاً عاصفة لأن اللؤم مذموم، وكذلك الريح العاصفة ليس فيها فائدة، والواو في قوله) ومغنى (في معنى إذ، أي أمات رياح اللؤم وهي تعصف فتودي بمعنى العلى وتعفى رسم الندى.
وَلا الضّعْفَ حتى يتْبَعَ الضّعفَ ضِعفهُ ... ولا ضِعْفَ ضِعْفِ الضِّعفِ بل مثله ألفُ
قال ابن جني: الهاء في) مثله (تعود على) ضعف الضعف (ونصب مثله لأنه نعت نكرة مرفوعة قدم عليها على الحال منها والنكرة قوله) ألف (.
قال الشاعر: لَخولةَ مُوحِشاً طَلَلُ ومن أبيات أولها: ومَنْتَسِبٍ عِنْدي إلى مَنْ أوَدُّهُ
فإنْ يكُنِ الفعْلُ الذي سَاءَ واحِداً ... فأفْعالُهُ اللاَّتِي سَرَرْنَ ألُوفُ
قال ابن جني يقال في المؤنث اللاتي واللاء واللتي واللت واللت، وفي التثنيه اللتان واللتا واللتان، وجمع التي اللاتي واللواتي واللوا، كل ذلك من كلام العرب معروف وردت به أشعارهم.
حرف القاف
ومن التي أولها:
أيَدري الرَّبْعُ أيَّ دَمٍ أراقَا
قوله:
وَقدْ أخَذَ التَّمامَ البَدْرُ فيهم ... وأعْطانِي منَ السَّقَمِ المِحاقَا
قال ابن جني: أي كمل في حسنه فأسقمني.
وقال الشيخ: قوله) وقد أخذ التمام البدر فيهم (يحتمل وجهن: أحدهما أن يكون الذي عنى جماعة كل واحد منها كأنه بدر تمام، والآخر: أن يكون عنى واحداً بعينه.
أباحَ الوَحْشَ يا وَحْشُ الأعادِي ... فَلِمْ تَتَعَرَّضينَ له الرّفاقَا
قال ابن جني: كان ربما أنشده) أباحك أيها الوحش الأعادي (والمعنيان واحد وقوله) فلم تتعرضين له الرفاقا (أي لم تتعرضين الرفاق التي تقصده يعني نفسه وأصحابه ومن يجري مجراه.
وقال الشيخ أبو العلاء: الرفاق في هذا البيت يحتمل أن يكون مصدر رافقت ويجوز أن يكون جمع رفقة، والمصدر أولى به من الجمع، وإذا جعل جمع رفقة فالمعنى لم تتعرض الرفاق التي تصحبه وهي له كالملك.
ومن التي أولها:
لِعَيْنَيْكَ ما يَلْقَى الفُؤادُ وما لَقِي ... وللبَين ما لم يَبْقَ مِنّي وما بَقِي
قال الشيخ: قوله) ما يلقى الفؤاد (في موضع رفع بالابتداء والتقدير ما يلقى الفؤاد من أجل عينيك.
ومن التي أولها: تَذكَّرْتُ ما بين العُذّيْبِ وَبارِقِ
وجَائِزَةُ دَعْوى المَحَبَّةِ والهَوَى ... وإن كانَ لا يُخْفَى كَلامُ المُنافِقِ
وقال ابن جني: جائزة مرفوعة لأنها خبر دعوى المحبة، كأنه قال: دعوى المحبة جائزة، ثم عطف الجملة بالواو على ما قبلها، وهو تعريض بمشيخة بني كلاب إذ طرحوا أنفسهم على سيف الدولة لما قصدهم.
أتاهُمُ بها حَشْوَ العَجاجَةِ والقنا ... سَنابِكُها تَحْشو بُطَونَ الحَمالِقِ
قال ابن جني: الهاء في بها للخيل وإن لم يجر ذكر، الجيش دل على الخيل، وقوله) حشو العجاجة والقنا (أي أتاهم الخيل والعجاجة متكاثفة، والقنا متضاغط كأنها قد حشيت حشواً، فسنابك الخيل بطون الجفون بالعجاجة، ونصب حشو العجاجة على الحال كأنه قال محشوة.
أتَى الظُّعْنَ حتى ما تَطيرُ رَشاشَةُ ... مِنَ الخيل إلاَّ في نُحورِ العَوَاتِقِ
قال ابن جني: الظعن جمع ظعينة، وهي المرأة ما دامت في هودجها، أي لحقوا بنسائهم فكانوا إذا طعنوا تنضح الدم في نحور النساء، وإذا لحقوا بالعواتق فهو أعظم من لحاقهم بغيرهن.
ومن التي أولها: أَتُرَاها لِكَثْرَةِ العُشَّاقِ قوله: أنْتِ مِنَّا فَتَنْتِ نَفْسَكِ عُوفيتِ من ضَنىً واشِتياقِ
(1/52)

قال الشيخ: قوله) أنت له (أي أنت عاشقة نفسك ساويت في محبتك إلا أنك معافاة من ضنى المحبين وشوقهم إليك) وفتنت نفسك (أي أحللت بها فتنة، وأصل الفتن قلب الشيء عما هو عليه.
إنَّ لَحْظاً أدَمْتِهِ وأدَمْنا ... كان عَمْداً لنا وحَتْفَ اتَّفاق
قال ابن جني: أي كان النظر عن تعمد لنا، فاتفق لنا فيه الحتف من غير قصد.
لَوْعَدَا عَنْكَ غَير هَجْرِكِ بُعْدُ ... لأرَارَ الرَّسيمُ مُخَّ المَناقِي
وَلَسِرْنَا وَلَوْ وَصَلْنَا عَلَيْها ... مِثْلَ أنْفاسِنا على الأرْماقِ
قال ابن فورجة: أما البيت الأول فهو كقوله:
أبْعَدَ نَأي المَليحَةِ البخَلُ ... في البخل ما لا تُكَلَّفُ الإبلُ
أي إنما البعد بيننا هجرك ولو كان بعداً حقيقياً لأعملنا الإبل حتى نصل إليك والبيتان معاً من قول العباس بن الأحنف:
لو كُنتِ عاتبةُ لسكَّنَ رَوعَتي ... أمَلي رِضاكِ وزرتُ غيرَ مُراقِبِ
لكنْ مَلَلْتِ فلم تَكُنْ لي حِيلةُ ... صَدُ المَلُولِ خِلافُ صَدَّ العَاتِبِ
وقوله في البيت الثاني:) وصلنا عليها أنفاسنا على الأرماق (يعني نحافاً قد أذهب الضنى ثقلنا حتى نحن في الخفة كأنفاسنا وهو كقوله أيضاً:
براني السُّري بَريَ المُدى فرَددْنَنِي ... أخفَّ على المركوب من نفسي جِرمِي
والرمق بقية الحياة أي لم يبق منها إلا القليل يريد أن إبلنا أيضاً نحاف لا أثقال لها وهذا كقول القائل: أنْضَاءُ شَوْقٍ على أنْضَاءِ أسْفارِ
كاثّرَتُ نائِلَ الأميرِ من الما ... لِ بِمَا نَوَّلْتَ من الإيْرَاق
قال الشيخ: الإيراق هاهنا يحتمل وجهين أحدهما: أن يكون من قولهم أورق الصائد إذا لم يصد شيئاً، وأورق طالب الحاجة إذا لم يصل إليها، وأصل ذلك أن الصائد إذا خاب جمع ورق شجر في مخلاته، فيكون المعنى أن هذه المذكورة كاثرت نائل الأمير بضده لأنه جواد وهي بخيلة وعطاؤه نعم وعطاؤها لا يوصل إليه، والآخر: أن يكون من قولهم أرق الرجل وأرقه غيره إذا أسهره فيكون المعنى أن إيراقها للناس أي منعها إياهم من النوم كثير يكاثر به نائل الأمير وكلا الوجهين حسن.
فوْق شَقَّاءَ لِلأشَقّ مَجَالُ ... بَينَ أرْساغِها وَبَيْنَ الصَّفاقِ
قال الشيخ: الأشقّ فرس متباعد ما بين القوائم، وهم يحمدون ذلك في الخيل وروى أصحاب الأخبار أن جيشاً من العرب غزا فهزم، فجاء شيخ من الفل فاجتمع إليه جواري الحي يسألنه عن أخبار آبائهن، فقال: أخبرنني عن آبائكن أخبركن عنهم. فقالت إحداهن: كان أبي على شقاء مقاء، طويلة الأنقاء، تمطق أنثياها بالعرق، تمطق الشيخ بالمرق. فقال: سلم أبوك وقالت أخرى: كان أبي على قصير ظهرها، رحيب صدرها، هاديها شطرها، فقال: نجا أبوك. وقالت الأخرى: كان أبي على ضئيلة اللوح، يكفيها لبن لقوح. فقال: قتل أبوك. فلما قدم الفل كان الأمر على ما ذكر الشيخ. وقد أسرف أبو الطيب في هذا البيت، لأنه جعل الأشق في الخيل له ما بين أرساغ هذه الفرس وبين صفاتها، والصفاق جلد تحت الجلد الأعلى، أو لحم دقيق، وإنما جاء به للقافية.
كُلُ ذِمْرِ في المَوْتِ حُسْناً ... كُبدُورٍ تَمامُها في المُحاقِ
قال ابن جني: الذمر الشجاع، وجمعه أذمار. والمحاق والمحاق جميعا نقصان القمر في الثلاث الأواخر من الشهر، وقوله) تمامها في المحاق (. كلام متناقض الظاهر لأن المحاق غاية النقصان فهو ضد الكمال ولكنه سوغ له ذلك قوله) يزيد في الموت حسناً (أي هو من قوم أحسن أحوالهم عندهم أن يقتلوا في طلب المجد والشرف كما قال أبو تمام.
يَسْتَعْذُبونَ مَنَايَاهمْ كأّنُهمُ ... لا ييأسُونَ مِنَ الدُّنْيا إذَا قُتِلُوا
فقوله يستعذبون مناياهم مثل قوله يزيد في الموت، فلما كانوا كذلك شبههم ببدور تمامها في محاقها، فجاز له هذا اللفظ على سبيل الاستظراف له، والعجب منه، فشبه ما يجوز أن يكون بما لا يجوز أن يكون اتساعا وتصرفا، ألا ترى قول الشاعر:
إذا شابَ الغُرابُ أَتيتُ أَهلي ... وصارَ القَارُ كاللَبنِ الحَليبِ
فعلق ما يجوز وقوعه بما لم يشاهد على حال من الأحوال.
(1/53)

وقال الشيخ أبو العلاء: ادعى أن هؤلاء القوم يحسنون في الموت فكأنهم بدور تمامها في ليالي المحاق، والمعنى يحتمل وجهين، أحدهما: أن يكونوا في الوقت الذي يحذر فيه الموت أحسن ما يكونون في أيام الحياة، لأن وجوههم تحسن وتشرق إذا اصفرت وجوه الشجعان، والآخر: أنهم إذا لقوا الموت في الحرب حسن ذكرهم بين الناس، وحمدوهم على الصبر ولقاء الحمام.
قال ابن فورجة: يريد أن البدر وإن كان تمامه في كونه مستديراً مجتمع النور فهو سائر إلى المحاق وآخر أمره إليه يصير، فما أراد بالتمام تمام البدر الذي يقال فيه تمه وتمامه بفتح التاء وكسرها. بل أراد تمام الأمر المفتوح بالتاء تقول تمام أمرها وآخر أحوالها إلى المحاق.
جاعِلٍ دِرْعَهُ مَنِيَّتَهُ إنْ ... لم يكُنُ دُونَها مِنَ العَارِ وَاقي
قال الشيخ: هذا معنى لطيف، والغرض فيه إن هذا الذمر لا يلبس درعاً، لأن العرب تفضل الذي يشهد الحرب حاسراً على الذي يشهدها دارعاً، قال الشاعر:
فلم أرَ يَوماً كانَ أكثَر سالِباً ... ومُسْتَلَباً سِرْباَله لا يُناكِرُ
وأكَثر مِنّا ناشِئاً يَطلبُ العُلي ... يُجالدُ قِرناً دارِعاً وهو حاسُرٍ
ويقال إن كثيراً لما أنشد عبد الملك قوله فيه:
علي ابن أبي العاصي دِلاصُ حَصِينةُ ... أجادَ المُسَدَّي سَرْدَها وأَذَالَها
قال له عبد الملك: ما قال الأعشى أحسن مما قلت. يعني قوله:
وإذا تَجِيءُ كَتِيبَةُ ملمُوَمةُ ... شَهباءُ يَغشَى الدَارِعُونَ نَكالَها
كُنتَ المُقدَّمَ غيرَ لابسَ جُنَّةٍ ... بالسَّيْفِ تَضْربُ مُعْلماً أْبطَالها
والذي أراد أبو الطيب أن هذا الفارس قد جعل منيته مثل الدرع يتقي بها ليسَ قًوْلي في شَمْسِ فِعْلِكَ كالشَّمْ - سِ وِلكنْ في الشَّمسِ كالإشرْاقِ قال الشيخ: جعل لفعل الممدوح شمساً، وفضل نورها على نور ما يقول، أي أن شمس فعلك لا يحسنها قولي وهي تحسنه، كما أن الإشراق يحسن الشمس.
وقال ابن فورجة: جعل لفعله شمساً استعارة لإضاءة أفعاله، ثم قال: ليس قولي نظير فعلك، ولكنه لما كان دليلاً عليه وإذاعة له تٍسييراً إياه في البلاد صار كمنزلة الإشراق للشمس، إذ كانت لولاه لما كانت ذات عموم وشمول، و) في (هاهنا موضوعة موضع) إلى (يقول ليس قولي بالقياس إلى شمس فعلك كالشمس هذا أبين، وإن شئت كانت في موضع نفسها يريد الوعائية، ومثل قولك ليس فضلي إلا كالقطرة في البحر، ومثل هذا سواء قوله:
وَذَاكَ النَّشْرُ عِرْضُكَ كانَ مِسْكاً ... وَذَاكَ الشَّعْرُ فِهْري والمَدَاكا
يعني أن شعري إذاعة لمجدك وتسيير له كما أن الفهر يسحق المسك فينشر ريحه.
وقال الأحسائي: يقول لست أشبه فعلك بالشمس لأنه أشرف من الشمس، لأن الشمس تحرق ولا تبرد، ولا تصنع الشيء وضده، وأنت تفعل الأشياء وأضدادها ففعلك أشرف من الشمس، ولكنني أشبه فعلك في الانتشار والإشراق والإضاءة بإشراق الشمس.
ومن التي أولها: هُوَ البيْنُ حتى ما تَأنَّى الحَزائِقُ قوله:
شَدَوا بابنِ إسَحاق الحُسينِ فصَافَحَتْ ... ذَفارِيَها كِيرانُها والنَّمارقُ
قال الشيخ رحمه الله: شدوا أي رفعوا أصواتهم بمدحه، والذفاري جمع ذفري وهو الناتئ خلف أذن البعير، وهي من الفرس معقد العذار، والمراد أن هؤلاء الركبان شدوا بابن إسحاق الحسين، فلما سمعت للإبل ثنت رؤوسها إلى الركب، لتسمع ثناءهم عليه، فقدمت ذفاريها من الكيران والنمارق التي القوم وفي هذا البيت أصناف من الدعاوى التي تستحسن وقد بدأ الحكمي بوصف الناقة إلا أنه لم يستكمل هذه الصفة قوله:
وكأنَّها مُصْغٍ لُتسْمِعَهُ ... بعضَ الحديثِ بأُذْنِهِ وَقْرُ
ومن التي أولها: أرَقُ على أرَقٍ وَمِثْليَ يَأْرَقُ وقوله:
وَعَذَلتُ أهلَ العِشْقِ حتى ذُقْتُهُ ... فعَجْبتُ كيفَ يُموتُ مَنْ لا يعشَقُ
(1/54)

قال ابن فورجة: وقد كثر كلام الناس في هذا البيت وادعي عليه قلب الكلام واحتجوا باحتجاجات، وزعموا أنه أراد كيف لا يموت من يعشق، وليس الأمر عندي على ما زعموا ولو قال ذلك أو أرده لكان معنى رذلا متداولاً خلقاً والذي أراده أبو الطيب معنى حسن صحيح اللفظ والمعنى، أحسن مما ذهبوا إليه، وإنما يقول عجبت كيف يكون الموت من غير هذا هو أعظم الأدواء، والخطب الذي هو أشد الخطوب لأنه لاستعظامه العشق يتعجب كيف يكون موت من غيره.
حرف الكاف
ومن التي أولها:
رُبَّ نَجيعٍ بَسْيفِ الدَّوْلَة انْسَفَكا ... وَرُبَّ قَافَيةٍ غاظَتْ به مَلِكا
قال الشيخ: لم يزاحف أبو الطيب زحافا تنكره الغزيرة إلا في هذا البيت، ولا ريب أنه قاله على البديهة، ولو أن لي حكماً في البيت لجعلت أوله) كم من نجيع بسيف الدولة انسفكا (لأن) رب (تدل على القلة، وإنما يجب أن يصف كثرة سفكه دماء الأعداء، ويحسن ذلك أن رب جاءت في النصف الثاني وهي ضد) كم (.
ومن التي أولها: بكَيْتُ يا رَبْعُ حتى) كِدْتُ (أبْكِيكا قوله:
ولو نَقَصْتُ كما قد زِدتَ مِن كَرَم ... على الوَرَى لرأوْني مِثلَ قَالِيكا
قال الشيخ: وضع هذا البيت على أنه يحب الممدوح محبة مفرطة، كما أن كرمه مفرط، فلو نقص حبه إياه لزيادة في كرمه لرآه الناس مثل من يبغضه، وإن كانت محبته في غاية الزيادة.
ومن التي أولها:
لم تَرَ مَنْ نادَمْتُ إلاَّكا ... لا لِسِوَي وُدّكَ لي ذَاكا
قال ابن جني: الوجه أن تكون) من (ههنا نكرة بمنزلة أحد أو رجلٍ ويكون) نادمت (صفة لا صلة فكأنه قال لم تر إنساناً نادمته غيرك كما أنشد سيبويه.
يا رُبَّ مَنْ يُبْغِضُ أذْوادَنا ... رُحْنَ على بَغْضائِهِ واغْتَدينْ
وقوله) إلاّكا (قبيح لا يجوز إلا في ضرورة الشعر، والوجه إلا إياكا؛ لأن) إلا (ليس لها قوة الفعل، ولا هي عاملة عمل كان ونحوها، وقد أنشدوا بيتاً وصلت فيه إلا بالكاف وهو:
فما نُبالي إذَا ما كُنُتِ جارَتَنا ... ألاَّ يُجاوِرَنا إلاَّكِ دَيَّارُ
وهذا شاذُّ لا يُقاس عليه، ومعنى البيت أنه يعتد عليه بمنادمته إياه، فيقول: لم تر أحداً نادمته سواك، وليس ذاك لسوى ودك لي ومحبتك إياي.
ومن التي أولها:
فَدىً لَكَ مَنْ يُقَصَّرُ عَنْ مَدَاكا ... فَلا مَلِكُ إذَنْ إلاَّ فَدَاكا
قال ابن جني: أي لو أجبيت هذه الدعوة فداك جميع الملوك لأنهم كلهم يقصرون عن مداك.
وقال الشيخ: المراد أن الخلق كلهم فدى للممدوح لأنهم يقصرون عن مداه.
ولو قُلْنا فدىً لَكَ مَنْ يُساوي ... دَعَوْنا بالبَقاء لَمنْ قَلاكا
قال الشيخ: يقول لو قلنا فدى لك من يساويك لكان ذلك دعاء لأعدائك بطول البقاء إذ ليس لك مساو في الخلق.
قال ابن فورجة: هذا الكلام كأنه محمول على دليل الخطاب، وكأنه إذا قال فداك من يساويك فقد قال لا فداك من يساويك، وهذا مجازلا حقيقة وقد تناول هذا المعنى أبو إسحاق الصابي الكاتب، فوقع دون أبي الطيب فقال:
أيُهذا الوَزير لا زَال يَفِديكَ ... منَ النَّاسِ كلُّ مَن هو دونكَْ
وإذا كانَ ذَاك أوَجب قولي ... أنْ يكونواُ بأسْرهِمْ يَفدُونَك
وبين الفقهاء في دليل الخطاب خلاف، فمنهم مثبت ناف، يعني أن من قلاك ناقص غنك، فإنما يقليك لنقصانه عنك، وهذا أيضا مجاز، فكان من الواجب أن يقول جميع الناس ناقصون بالقياس إليك ولكن لما كان من يقليه أيضاً أحد الناقصين حسن أن يقول ذلك.
وآمنَّا فِدَاءَكَ كُلَّ نَفْسٍ ... وإنْ كانَتْ لَمملَكةٍ مِلاكا
قال ابن جني: ملاك الشيء قوامه، أي هذه النفوس وإن كانت قواما لمهالك فهي مع هذه مقصرة عن شأوك، فقد أمنت أن تفديك إن أجيبت هذه الدعوة.
وقال الشيخ: هذا البيت معطوف على ما قبله أي لو قلنا فدي لك من يساويك لآمنا كل نفس أن تفديك وإن كانت نفس ملك.
وَمَنْ يَلَغَ التُّرَابَ بهِ كَرَاهُ ... وَقَدْ بَلَغَتْ بِهِ الحالُ السُّكاكا
قال الشيخ: السكاك الهواء بين السماء والأرض، يقول: لو قلنا فدي لك من يساوي لأمنت هذه الجماعة أن تفديك وفيهم من كأنه في كرى من غفلته، قد خفض ذلك منزلته، وإن كانت حالته قد رفعته في الهواء.
(1/55)

لا تتركُني وعينُ الشَّمسِ نَعْلي ... فَتَقْطَعَ مِشَيتي فيها الشِراكاَ
قال الشيخ: هذا استفهام ليس عن جهل إنما هو تقرير وإعلام أن ما يفعله خطأ، ولكنه مضطر إلى فعله، كما يقول الرجل أتكرمني هذه الكرامة وأفارقك، أي أن ذلك لا يجب ولا يحسن. لأنك رفعتني حتى جعلت عين الشمس تعلي، فأمشي فيها مشياً يقطع الشراك، أي لا ينبغي أن أفعل ذلك، ويجوز نصب) يقطع (ورفعها فالرفع عطف على) تتركني (، والنصب على إضمار) أن (لأنه جواب استفهام بالفاء.
إذَا التَّودْيعُ أعْرضَ قَالَ قَلْبيِ ... عَليك الصَّمْتَ لا صَاحَبْتَ فَاَكا
قال ابن جني: أي قال قلبي لا تمدح أحدا بعده.
وقال الشيخ: يقول إذا همت بالتوديع أمرني قلبي بالصمت ودعا علي فقال) لا صاحبت فاك (أي ليتك لا فم لك ينطق به فيودع
وَلَوْلاَ أنَّ أكَتَر ما تَمنَى ... مُعَاَوَدةً وَلاَ مُناكَا
قال الشيخ:) مناك (في موضع نصب لأنها كالمعطوف على قوله قال لا صاحبت فمك ولا أمانيك، وإنما يريد مناه التي تخطر بقلبه، لا الأماني التي تبلغ، لأنه نحل عليه بأن يتمنى شيئاً بم يكن بعد.
وقال الأحسائي: يقولا لولا أن قلبي أكثر مناه المعاودة إليك لقلت له لما قال لي: لا صاحبت فاكا، لا صاحبت أنت يا قلبي مناكا.
قَد اسْتَشْفَيْتَ من داء بِداءَِ ... وأقْتَلُ ما أعَلَّكَ ما شَفَاكَا
قال ابن جني: أي أضمرت يا قلب شوقا إلى أهلك فكان ذلك داء لك فاستشفيت منه بأن فارقت أبا شجاع، ومفارقته أيضا داء لك أعظم من داء شوقك إلى أهلك، فكأنك تداويت من فراقه بما هو أقتل لك من مكابدتك للشوق إلى أهلك، وهذا أيضا يشبه قول النبي صلى الله عليه وسلم) كفى بالسلامة داء (. وقول حميد بن ثور:
أرَى بَصرِيِ قَدْ رَابَني بَعْدَ صِحَّةٍ ... وَحَسْبُكَ دَاءٍ أنْ تَصِحَّ وَتَسْلماَ
وقال الشيخ: يقول قلبه قد استشفيت من داء وهو فراقك هذه الحضرة بداء وهو الوداع، وأقتل ما أعلك الذي يشفيك فيما تظن وهو وداعك.
وقال ابن فورجة: هذا قول قلبه له. يقول: قال قلبي: قد استشفيت يا أبا الطيب من فراق وطنك والشوق الذي تجده إليهم بفراق عضد الدولة، وأقتل ما أسقمك ما استشفيت به، يعني فراق وطنك أعلك، وفراق عضد الدولة شفاك، وهو أقتل من ذلك.
فلا تَحْمَدْهما وَاحْمدْ هُمَاماً ... إذَا لَمْ يُسْمِ حلمِدُهُ عَناكا
قال ابن فورجة: لا تحمد فهري ومداكي فلست بمعزك شهادة، واحمدهما، أي احمد نفسك يريد أن المادح إذا لم يسم ممدوحه فإنما يعنيك كما قال أبو نواس:
وإنْ جَرَتِ الأَلْفاظُ مِنَّا بمِدْحَةٍ ... اغَيْرِكَ إنْساناً فأنتَ الَّذي نَعْنِي
وحامده يعني به نفسه لأنه شاعر عضد الدولة.
أذَمَّتْ مَكْرُماتُ أبي شُجاعٍ ... لِعَيْني مِنْ نَوايَ على أُولاكا
قال ابن جني: أي منعت مكرماته عيني أن يجري منها دموع أو أختار البعد عنه والمقام دونه، لأنني لا أعطي عنه الصبر لما فعله بي.
وقال الشيخ:) نواي (بعدي، وأذمت من الذمام أي أنه أعطاني ذماماً على) الأولى (يعني أهله فزال بعدي عنهم، والمعنى أنه أذن في السير إليهم، فكأنه قد أذم لعيني من بعدهم والذي قاله الشيخ أبو الفتح لا يمتنع.
وقال الأحسائي: أي مكرماته تدنيني من بعد أحبابي وتزيل بعدي عنهم.
فَلَو سِرْنا وفي تَشْرينَ خَمْسُ ... رَأوْنِي قَبَلَ أنْ يَرَوُا السَّماكا
قال ابن جني: قد بالغ في ذكر السرعة وذلك أن السماك يطلع لخمس يخلون من تشرين الأول أي كنت أسبق بالطلوع على أهل الكوفة.
وقال الشيخ: السماك يطلع في أول تشرين، وفي كتاب أبي حنيفة الدينوري الموضوع في الأنواء أنه يطلع لتسع يمضين من تشرين الأول، وقال غيره يطلع لأربع يمضين من تشرين، وبيت أبي الطيب يصح إذا حمل على حكاية الدينوري ويستحيل في القول الآخر، لأنه ذكر أنه إذا سار بعد خمس رأوه قبل أن يروا السماك وهو يطلع لأربع فهذا يتناقض.
وما أنا غَيْرُ سَهْمٍ في هَوَاءٍ ... يَعُودُ وَلمْ يَجِدْ فيه امْتِساكا
(1/56)

قال ابن جني: لم يقل في سرعة الأوبة، وتقليل اللبث شيء كهذا في المبالغة، اختلفت أهل النظر في هذا الموضع؛ فقال قوم إن السهم والحجر ونحوهما إذا رمي بهما صعداً فبتناهي صعودهما كانت لهما في آخر ذلك لبثه ما، ثم يتصوب منحدرا، وقال آخرون: لا لبثة له هناك، وإنما أول وقت انحداره في عقيب وقت صعوده وهذا القول أشبه بأن يقال.
وقال ابن فورجة: هذا البيت مدخول لأن قوله) في هواء (ليس يوجب فوقاً ولا يمينياً ولا شمالاً، إذ في كل الجهات غير تحت الهواء، وكل سهم رمى به فإن ممره في هواء سواء عاليت به في السماء أو خفضته إلى رمية على الأرض، إلا أنه لم يجد لفظة بقيمها هذا المقام يقيمها هذا المقام ونؤدي المعنى إلا السكاك وقد تقدمت، وهو لا يرى تكرير اللفظ في قصيدة وقد غلط به أيضا شاعر محدث فقال في غزل:
أرامٍيهنَّ باللحَظَاتِ خَلساً ... فَترجِع نحو مقَلَتي سِهاَمِي
وذاك لأنّهن لِفَرطِ لُطفٍ ... هَواءُ ليس يَمسك سهمَ رامي
ألا ترى أن لقائل أن يقول: كل هواء لا يمسك السهم إلا أنه إذا لم يمسكه فليس يعود إلى الرامي، اللهم إلا أن يكون الهواء الذي فوقه وإنما هذا معنى قول الأول: ومن جول الطوى رماني لأنّ من رمى وهو في بئر عادت إليه رميته
حَييَّ مِنْ إلَهيِ أنْ يَرَاني ... وقد فارقَتْ دَارَك وَاصْطِفاكا
قال ابن جني: الاصطفاء ممدود فقصره، وأنشد أحمد بن يحيى:
فلو أنَّ الأطَّبا كانَ حَوْلي ... وكانَ معَ الأطّباءِ الأساةُ
وعنه أيضا:
وأنْتَ لو باكَرْتَ مَشْمولةً ... صَفْرا كلَوْنِ الفَرسِ الأشْقَرٍ
وقال الشيخ: الأحسن في هذا البيت أن يكون اصطفاك في القافية فعلاً ماضياً، ويكون معطوفاً على قوله) فارقت (، كأنه قال قد فارقت دارك وقد اصطفاك الله، وهذا أبلغ في خطاب الممدوح؛ لأنه يحكم له بأن الله اصطفاه. والوجه الآخر: إنما يصف فيه نفسه أنه فارقه، وفارق اصطفاءه، وليس في هذا تشريف الممدوح.
وقال ابن فورجة: ما قال الرجال إلا اصطفاكا بفتح الطاء، وكيف يجوز أن يقول اصطفاك ولا معنى لحياء المتنبي من الله سبحانه إذا فارق دار عضد الدولة فاصطفاه، بل يجب أن يتقرب إلى الله عز وجل بتلك المفارقة والزهد في داره، وإنما كان يجب أن يقول حيي من أصدقائي وأقراني لذلك، إذا كانوا هم الذين يلومنه ويعيرونه بمفارقته له، وزهده في جنبته، ولا جنبة أعلى منها، فأما الله تعالى فرضاه في زهده في جنبته، وتركه إياها، إذ كان ملكاً ظالماً، وإنما يقول: أنا حيي من إلهي أن أفارقك وقد اصطفاك الله عز وجل، وجعل إليك الأرزاق، ووكل إليك العباد، ألا تراه كيف بين وجه حيائه من الله تعالى إذ ذكر اصطفاءه له ولو لم يذكره لا مخلص من هذا السؤال.
حرف اللام
من التي أولها:
رُوَيَدَكَ أيُّها المَلِكُ الجَلِيلُ
قوله:
لأُكِيتَ حاسِداً وأَرى عَدُواً ... كأَّنُهما وَدَاعُكَ والرَّحِيلُ
قال ابن جني: سألته وقت القراءة عليه عن معنى هذا البيت فقال) أرى (من الورى. وهو داء في الجوف، قال: وشبهت الحاسد بالوداع، والعدو بالرحيل لقبحها عندي، وإتي أبغضها كما أبغض الوداع والرحيل.
ومَا أخْشَى نُبوَّكَ عن طَرِيقٍ ... وسَيفُ الدَّولةِ المَاضي الصَّقيلُ
قال الشيخ: لما أخبر عن السحاب بالهاء فقال) فها أنا بالسماح له عذول (رجع إلى خطاب سيف الدولة: لأنه ابتدأ في أول الأبيات بخطابه، ولو أمكنه أن يقول: وأنت سيف الدولة، لكان ذلك أبين، ولكنه لم يمكنه الوزن من المراد وهذا كقولك لرجل اسمه علي أو غيره:) قد فعلت جميلاً وعلي أهل لذاك (فاستغنى بعلم المخاطب بالمراد عن القول وأنت من أمرك.
وقال ابن فورجة: ليس قوله:) وسيف الدولة (ضرورة عاد بها من لفظ الخطاب إلى لفظ الإخبار؛ إذ قد قال) نبوك (بل يعني أني لا أخشى نبوك عن هذا الطريق وسيف الدولة لا يكون إلا الماضي الصقيل، وأنت سيفها فلا تكون إلا ماضياً صقيلاً وسيف الدولة في هذا البيت يعني به سيف الحديد لا الممدوح على أنه لا يمتنع أن يقال عناه ورجع من لفظ الخطاب إلى لفظ الإخبار.
وُكلُّ شَوَاةِ غِطْريفٍ تَمنىَّ ... لِسَيْرك أنَّ مَفْرقها السَّبِيلُ
(1/57)

قال الأحسائي: هذا البيت يحتمل كثيراً من الوجوه فمنها أن كل غطريف، وهو السيد من أولئك، يود لموضع الشفقة عليك والمحبة أن تسير على مفرقه، محمولاً على قوله) ليت أنا إذا ارتحلت لك الخيل (ومنها أنهم يحسدون الطريق التي تسلكها على القرب منك، فيودون أن مفارقتهم طرق لك، لتأمن من سطوتك كما تأمن الطرق إذا سرت فيها، ومنها أنهم لشدة ما يقاسون من خوفك يتمنون أنهم لم يخلقوا، وأنهم تراب بعد في الأرض يوطأ عليه، لأن أصل الخلق من الطين، ومنها أن الطريق يقال له: مفرق، والمفرق من الرأس متفرق الشعر، فيقول: إن مفرق الرأس لما وافق الطريق في اللفظ قالوا ليته وافقه في المعنى على الوجوه التي ذكرناها.
ومن التي أولها: إلامَ طَماعِيةُ العاذِلِ قوله:
فَلماَّ نَشِفْنَ لَقِينَ السَّياطَ ... بمثلِ صَفا البَلَدِ الماَحِلِ
قال الشيخ: يقول إن عرق الخيل أبيض، فلما يبس على جلودها لقيت السياط بمثل صفا البلد الماحل، أي أنها مبيضة بالعرق، وكأن السياط تقع منها بأرض بيضاء لم يصبها مطر.
شَّفَنَّ لَخْمسٍ إلى مَنْ طَلَبْنَ قَبلَ الشُّفُونِ إلى نازِلِ قال ابن جني: شفن أي نظرن في اعتراض، وسئل عن معنى هذا البيت فقال: أردت أن الخيل نظرت إلى من طلبته بعد مسيرة خمس قبل أن ينظر إلى نازل عنها من أصحابها، أي طرد المسير عليها خمساً حتى أدركوا.
فَدَانَتْ مَرَافِقُهُنَّ البَرَي ... على ثِقَةٍ بالدَّمِ الغاسِلِ
قال الشيخ: دانت أي قاربت، ومرافقهن مرافق الخيل، والبري: التراب، يريد أنهن مددن أيديهن في الجري، حتى دنت مرافقهن من التراب، وادعى أنهن فعلن ذلك لعلمهن أن الدم يغسله عنهن.
وَمَا بينَ كاذَتي المُسْتَغيرِ ... كَما بينَ كاذَتي البائِلِ
قال ابني جني: الكاذة لحم في أصل الفخذ من الفرس، والجمع كئاذ، والمستغير الذي يطلب الغارة، أي قد اتسعت فروجهن لشدة الجري والبائل الذي قد انفرج ليبول فتباعدت فخذاه.
وقال الشيخ: شبه العرق ونزوله بنزول البول، وقد ذهب بعض من فسر هذا البيت إلى أن الفرس إذا أعيا باعد ما بين فخذيه، فكأنه قد فرجهما ليبول، والأول أشبه.
فَلُقَّينَ كُلّ رُدَْينيَّةٍ ... وَمَصْبًوحةٍ لَبَنَ الشَّائلِ
قال ابن جني: سألته عن هذا فقلت: إن الشائل لا لبن لها وإنما التي بها بقية من لبنها هي التي يقال لها الشائلة بالهاء، فقال أردت الهاء وحذفتها ومثل هذا يجوز للشاعر كما قال كثير:
خَلِيليَّ إنْ أُمُّ الحَكيم تَبَدلتْ ... وأخْلَتْ لَخيماتِ العُذَيب ظِلالها
قيل أراد العذيبة فحذف الهاء، وسألته عن غرضه فقال إن الناقة إذا شال لبنها خف ومرؤ ونجع في شاربه، فلم يسقوه إلا كرائم خيلهم، والأمر على ما ذكره وبذلك وردت أشعارهم.
قال الشيخ: أراد بالشائل القليلة اللبن، وأكثر ما يقولون ناقة شائلة، إذا قل لبنها والجمع شول، والمراد أن هذه الخيل لكرمها على أصحابها تؤثر باللبن، وتشرك العيال، والعرب تفتخر بذلك قال الأخطل:
إذا مَا الخَيلُِ ضَيَعها أُناسُ ... رَبطْناها فَشاركَت العِيالا
نَهينُ لها الطَعامَ إذا شَتَونَا ... ونَكسُوهَا البَراقعَ والجِلالاَ
بضَرْبٍ يَعُمُّهُمُ جائِرٍ ... لَهُ فِيهمُ قِسْمَةُ العادِلِ
قال ابن جني: أي هذا الضرب وإن كان لإفراطه جوراً فإنه في الحقيقة عدل، لأن قتل مثلهم عدل وقربة من الله سبحانه وهذا كقول أبي تمام:
أنْ لَستَ نِعم الجارُ للسُّنَنِ الأُلَى ... إلاَّ إذَا ما كُنْتَ بئسَ الجارُ
ويجوز أن يكون أراد أن هذا الضرب لما عمهم وجار على جميعهم، ثم كان أكثره ومعظمه في الأبطال وذوي النجدة منهم، ظهرت فيه صورة العدل والأول أظهر.
وقال الشيخ: وصف الضرب بالجور، أي انه يسرف فيكون كأنه كمن يجوز، وقوله) له فيهم قسمة العادل (أي يقد الرجل فيجعله كالذي قسم جسمه، وهذا كالذي يروى عن علي رضي الله عنه أنه كان اعتلى قد وإذا اعترض قط.
وَطَعْنٍ يُجَمَّعُ شُذَّاَنَهُمْ ... كَما اجْتمْعَت دِرَّةُ الحافِلِ
(1/58)

قال الشيخ: الشذان ما شد من الشيء، والهاء والميم في شذانهم عائدة إلى أصحاب الخارجي، أي يجمع ما شذ منهم إلى معظمهم، كما اجتمعت درة الحافل، أي هذا الطعن يجمعهم ليستأصل أخرهم، كما أن الحالب يوفر اللبن ليحتلبه أجمع، إنما يعني أن الطعن يجمع ليصيبهم القتل عن أخرهم وهذا نحو من قول الأول.
مَنْ للجَعافِرِ يا قَوْمِي فَقَد صرِيَتَ ... وقد تُنَاخُ لذاتِ الصَّرَيَةِ الَحلَبُ
يقال صري اللبن إذا كان في الضرع.
ومن التي أولها: أعلى المَمالكِ مايُبْني على الأسَلِ
الفاعِلُ الفِعلَ لم يُفْعَلْ لشِدَّتِهِ ... والقائل القَوْلَ لم يُتركْ ولم يُقل
قال الشيخ: يقول أفعال سيف الدولة تتركها، الناس، لأنها مستصعبة، وقوله) والقائل القول لم يترك ولم يقل (أي أنه ينطق بالحكمة التي لم يصل إليها سواه، وقوله) لم يترك (أي لم يترك القائلون طلبه، ولما لم يصلوا إليه كان كأنه لم يقل.
وقال الأحسائي: يقول إنه قد فعل أفعالاً قد عرفها الناس قبل فعله وتركوها عجزاً عنها، ويقول القول في البلاغة لم يسبق إليه ولا عرفه الناس قبله فتركوه عن عجز.
يا مَن يسيرُ وحُكمُ النَّاظِرينَ لَهُ ... فيما يَراهُ وحُكمُ القَلبِ في الجَذلِ
قال الشيخ: يعني بالناظرين ناظري الممدوح، أي له فيما يراه حكم ناظريه وقوله) وحكم القلب في الجذل (أي الفرح فإذا تمنى قلبه شيئاً وصل إليه، ومن روى الناظرين في معنى المنجمين فله معنى، ولا ينبغي أن يعدل عن الوجه الأولى لأن قوله) حكم القلب في الجذل (يشهد بأن الناظرين عينا الممدوح.
ومن التي أولها: بنا مَنك فوقَ الرَّملِ ما بكَ في الرَّملِ قوله:
تركْتَ خُدُودَ الغاِنياتِ وَفَوْقَها ... دموعُ تُذيبُ الحُسنَ في الأعينِ النُّجلِ
تَبُلُّ الثَرى سُوداً من المْسْك وَحْدهُ ... وقد قَطَرتْ حُمراً على الشَّعَر الجَثلِ
قال ابن جني: معنى هذا البيت حسن جداً، وذلك أنه يقول إن الدموع تقطر من أعين الغواني اللواتي يبكين عليك حمراً، لأنهن يبكين دماً، لإفراط حزنهن، فإذا وقع الدمع وهو أحمر على شعورهن وذوائبهن، وهي مضخمة بالمسك، وله في قوله) وحده (نكت حسن لطيف لأنه يريد أن السواد الذي يحصل في الدمع ليس هو إلا للمسك وحده وليس سواده لأن الكحل خالطه فاسود به، وكان غرضه في ذلك أنهن ليس يكتحلن في أعينهن ألا تراه يقول في موضع آخر: ليسَ التكحُّل في العَينين كالكَحَلِ فإن قيل إن مساقط الدموع إنما هي الخدان ونحوهما لا على الذوائب، قيل إنهن لما نشرن شعورهن وقعن على وجوههن فمر الدمع بهما فاسود منها.
وقال ابن فورجة: إنما وجه إذابة الدمع الحسن لأنه مما يفسد العين ويزيل حسنها كقول القائل:
أليسَ يَضيرُ العينَ أن تُكِثرَ البُكا ... ويُمَنعَ عنها نَوْمُها وسُروُرُها
وهذا ظاهر، وإنما دقة صنعته بقوله) يذيب الحسن (ولم يقل يزيد الحسن أو ما أشبهه، لأن الدمع لما كان يذيب الحسن أولاً فأولاً كان استعارة الإذابة بفعله أولى، كما قيل في الحب إذا هزل البدن أذابة، لأنه أخذ منه قليلاً قليلا وأيضا لما كان الذوب في معنى السيلان والدمع سائل فكأنه سال معه الحسن.
هل الوَلَدُ المَحُبوبُ إلا تَعِلَّةُ ... وهل خَلْوَةُ الحسْناءِ إلا أذَى البعْلِ
(1/59)

قال ابن فورجة: قال الشيخ ابن جني: إذا خلت الحسناء مع محبها أدى ذلك إلى تأذيه بها، إما لشغل قلبه عما سواها، أو لغير ذلك من المضار التي تلحق مواصل الغواني، وهذا كلام لم ينضجه التأمل، وكأنه ظن أن الحسناء لا يخلو بها إلا بعلها ولا أذى للبعل في الخلوة بها، كل قرة عينه فيها، وليس وصاله لها داعية إلى مضرة على الإطلاق ولو لم يكن في النساء غير المضرة لما خلقهن الله تعالى، فضلا عن إباحتهن والأمر بالاستعفاف بهن، وما ورد في الآثار من الوصاة بهن ولا يكون صد المرأة الحسناء بعلها عن غيرها من الأمور أذى، ولا يقول ذلك ذو منطق بليغ إلا متأولاً، والذي أراده أبو الطيب أن المرأة ذات البعل ليس ينال منها من خلا بها غير بعلها إلا أذاه، يريد أن اللذة منها قاصرة عن أن تكون لذة في الحقيقة، وإنما الحاصل منها أذى البعل فقط، يزهد بذلك في الولد، وفي طلب اللذة بأعراض الدنيا كلها، أي إذا كانت هاتان اللتان لا حقيقة لهما فما سواهما أولى بالترك والزهد فيه، هذا عندي الأليق لمذهبه، والذي قاله أبو الفتح متحمل.
ومن التي أولها: لا الحُلْمُ جادَ بِهِ ولا بِمثالهِ قوله:
إنَّ المُعِيدَ لنا المَنامُ خَيالَهُ ... كانَتْ إعادَتُهُ خَيالَ خَيالِهِ
قال ابن جني: يقول إنما رأينا الآن في النوم شيئا كنا رأيناه في النوم قبل، فصار ما رؤي ثانيا خيال ما رؤي أولاً، والذي رؤي أولاً هو خياله، فصار الثاني خيال خياله يصف بعده عنه وتعذر طيفه عليه) وخيال (منصوب لأنه خبر كان، وليس) إعادته (وأقام المصدر مقام المفعول، لأنه يريد بالإعادة الشيء المعاد، كما يقع الخلق وهو مصدر موضع المخلوق وهو المفعول.
قال ابن فورجة: هذا الذي ذكره المعنى الجيد الذي يسبق إليه كل خاطر ووهم، وقد يحتمل معنى آخر لطيفاً، وهو أن يعني أن ذلك الوصال واللقاء لهذا الحبيب كان أيضاً خيالاً على معنى قوله:
نَصِيبُكَ في حَيَاتِكَ من حَبيبٍ ... نَصِيُبكَ في مَنامكَ من خَيالِ
فيقول إن وصاله أيضا كان خيالا تراءى لي في منام، تقليلاً له وتقصيراً لزمانه، فلما زار الخيال كان خيال ويحتمل أيضا معنى آخر أدق من هذا وهو أن لا تكون) إعادته (مصدراً لمعنى المفعول، بل يريد أن الإعادة نفسها كانت لخياله إذ كان أيضا معاداً، يريد بذلك كثرة رؤيته إياه في منامه، فكل رؤيا يراه فيها إعادة لخيال رآه معاداً من قبل فافهمه فهو أحسن.
نجْنِي الكَواكبَ مِن قَلائدِ جيدةِ ... ونَنالُ عَينَ الشَّمسِ من خَلْخالِه
قال ابن جني: شبه ما في قلائده من الدر بالكواكب، وخلخاله بعين الشمس.
قال الشيخ رحمه الله: استقدت استفعلت من القود، وأصل ذلك أن الرجل يقتل الآخر فيقاد قاتله إلى أهله، يقول إن كان الهوى قد لحقتني منه بلابل فقد استقدت منه، وأذقته من عفتي ما هو جزاء له، والهوى في البيت يحتمل وجهين أحدهما: أن يريد به الهوى الذي هو عرض، فيكون هذا من مبالغة الشعر التي ليس لها حقيقة، لأن القود لا يصح من شيء يخطر في القلب، والآخر أن يريد بالهوى المرأة التي شبب بها، لأنهم يقولون فلانة هواي التي أهواها، وهذا على حذف المضاف كأنهم يريدون ذات هواي.
وكأنّما جدواه من إكثاره ... حَسدُ لسائِلهِ على إقْلاِلِه
قال ابن جني: جاذبته معنى هذا البيت فقال: أردت إفراطه في الجود، حتى كأنه يطلب أن يكون مقلا كسائله، فهو مفرط في إعطائه طلباً للإقلال، قال: وإذا تمكن الحاسد من المحسود فحسبك به وهذا معنى لفظه.
إنَّ الرَياحَ إذَا عَمَدنَ لناظِرٍ ... أغْناهُ مُقْبلُها عَنِ اسْتعجالهِ
قال الشيخ: يقول الرياح إذا عمدن للناظر لم يحتج إلى أن يستعجلها، وإنما ضرب هذا مثلا لأن الممدوح ينيل قبل أن يسأل.
وَهَب الذي ورثَ الجُدودَ وما رأى ... أفْعالَهمْ لابنٍ بلا أفْعالِهِ
قال الشيخ رحمه الله: هذا مأخوذ من قول الليثي:
إنّا وإنْ أحسابُنَا كَرُمَتْ ... لَسْنا على الأحسْابِ نَتَّكِلُ
نَبني كما كانتَ أوئِلُنا ... تبني ونفعلُ مِثلَ ما فَعلوا
والهاء في) أفعاله (راجعة إلى) الابن (و) لا (في معنى غير) ورأى (هاهنا تؤدي معنى رضي واختار، كما يقال فلان يرى أن تكون كذا أي يشير به ويرضاه.
(1/60)

وقال ابن فورجة: يعني أنه وهب ما ورث جدوده من المال ومن المعالي والشرف أما المال فللعفاة، وأما المجد فلسائر أسرته، واستجدت مجداً وشرفاً بمساعيه ولم يرد ما ورثهم من المال فقط الدليل على ذلك قوله) وما رأى أفعالهم لابن بلا أفعاله (فدل بقوله الأفعال أنه يريد المعالي والشرف وكأنه أراد قول القائل:
وإذا افتخرْتَ بأعْظُمٍ مقْبُوَرةٍ ... فالنَّاسُ بينَ مُكَذّبٍ وَمُصَدّقِ
فأقمْ لنفسِكَ في انتِسابكَ شَاهِداً ... بحَديثِ مَجْدٍ للقَدِيمِ مُحققِ
وقد أجاد الشريف أبو الحسن الموسوي في قوله:
فَخَرْتُ بَنفسي لا بَقوْمي مُوَقَّراً ... على ناقصِي قَوْمي مآثِرَ أُسْرَتي
فقد زاد المعنى وضوحاً.
قال أبو الفتح ابن جني ورأى أن أفعال آبائه ليست نافعة ولا رافعة منه حتى يفعل هو مثلها، ولو كان أراد ما قال أبو الفتح لقال: وما رأى أفعالهم لابن بلا أفعاله بل الهاء في) أفعاله (لسيف الدولة، يقول ما رأى أفعال الجدود نافعة لابن ليست له مثل أفعال سيف الدولة، فإن قال قائل فقد قال في البيت الذي يليه:
حتى إذَا فَنِيَ التُّراثُ سِوىَ العُلا ... قَصَدَ العُداةَ مِنَ القَنا بِطَوالهِ
وقد زعمت أنه عنى أنه وهب ما ورث من المعالي والمجد، فالجواب أن هذا البيت مؤكد لما قلناه، ويعني أنه وهب ما ورث فأما المال ففني وأما الشرف فلا يفنى وإن وهبه، لأن الهبة في مجد الآباء مجازلا حقيقة، وإنما يتأتى بتوفيره إياه على سائر أسرته واستحداثه مجداً آخر كما صّرح به الشريف الموسوي.
كُلُ يُريدُ رجَالهُ لحياتَهِ ... يا مَنْ يُريُد حياتَهُ لرجالهِ
قال الشيخ: هذا البيت مبني على حكاية تذكر عن سيف الدولة مع الإخشيد، وذلك أنه أراد أن يغلب على هذه البلاد، وجاء في جيش عظيم، وطرد سيف الدولة، ثم انصرف، فيقال إن سيف الدولة وجه إليه بكلام مراده فيه ابرز إلي ولا تقتل الناس بيني وبينك، فأينا غلب ملك، فوجه إليه الإخشيد: اعجب منك إنها جمعت هذا الجيش العظيم لاقي به نفسي، أفتريد أن أبارزك. وهذا جهل.
ومن التي أولها: أيَنْفَعُ في الخَيْمَةِ العُذّلُ قوله:
فَلِمْ لا تَلُومُ الذي لامَها ... ومَا فَصُّ خاتمِه يَذُبلُ
قال ابن جني: سألته عن معنى هذا البيت فقال) ما (في معنى ليس، وقال أردت إن جاز أن تلام هذه الخيمة على عجزها عن علوها على سيف الدولة، مع أن ذلك غير ممكن، بل هو متعذر، لأنه أعلى من أن تشتمل عليه خيمة، فلم لا تلوم هذه الخيمة من لامها على أن فص خاتمه ليس يذبل، فكما أن لوم الإنسان على أن لا يكون فص خاتمه يذبل مستحيل، لأن هذا ليس في الطاقة، فكذلك لوم هذه الخيمة من لامها ليس فص خاتمه يذبل، وهو مبالغة عظيمة لأنه جعل الذي يجترئ على لوم هذه الخيمة، يجب أن يكون فص خاتمه يذبل، وهو الجبل المستعظم، وكيف تلومها وهو حقير إنما شخصه كشخص غيره من الناس.
يُفاجئ جَيْشاً بها حَيْنُهُ ... وَيُنذر جَيشاً بها القَسْطَلُ
قال ابن جني: أي تارة يسري ليلاً فيباكرها فيهلكه لأنه لم يشعر بها وتارة نهاراً نحوه فينشر قسطلاً فينذره فيهرب، ويجوز أن يكون أراد تارة تحزن فلا تنشر غباراً وتارة تسهل فتنشره.
جَعَلتُك بالقَلْب لي عُدَّةً ... لأنكَ باليَدِ لا تُجعلُ
قال الشيخ رحمه الله: يقول جعلتك في قلب الجيش لي عدة لأنك لا تجعل في شمال الجيش ولا يمناه؛ إذ كان عميد الجيش إنما يكون في القلب، فهذا وجه ووجه آخر وهو أجود، وهو أن يريد الشاعر قلب نفسه أي جعلتك عدتي بقلبي، لأنك أجل من أن تجعل باليد لأنها إنما تتصرف فيما صغر من الأشياء، والقلب يتسع في الضمير حتى أنه يضمر ما لا يدرك.
فإنْ طِبُعَتْ قبلَكَ المرُهَفاتُ ... فإنك من قَبلها المِقْصَلُ
قال ابن فورجة: قال الشيخ أبو الفتح بن جني: معناه أنك لإفراط قطعك وظهوره على قطع جميع السيوف، كأنك أنت أول ما قطع، إذ لم ير قبلك مثلك، وهذا كما قال، ويحتمل وجهاً أجود مما ذهب إليه، وهو يريد غناؤك قبل غنائه ولولا قطعك لما قطع كما قال الآخر:
وما السَيّفُ إلاّ بَزُّ غَادٍ لزِينةٍ ... إذا لم يكن أمضَى من السيف حامِلُه
وكما قال:
(1/61)

وَلكنْ إذا لَمْ يَحْملِ القلبُ كَفَّهُ ... على حالَةٍ لم يَحْملِ الكَّف ساعدُ
وكقوله:
إذَا الهنْدُ سوَّتْ بينَ سَيفي كَريهةٍ ... فسَيفُكَ في كَفُّ تزيلُ التَّساويا
ومن التي أولها: أجابَ دَمعي وَما الدَّاعي سوَى طلَلِ قوله:
أشْكُو النَّوَى ولهم مِن عَبرَتي عَجبُ ... كذاكَ كانتْ وما أشكو سوى الكِللِ
قال الشيخ: أشكو النوى وأصحابي يعجبون من عبرتي، وليس ينبغي أن يعجبوا لذلك. لأنها كانت على ما شاهدوه الآن والذين أحب قريب ليس بيني وبينهم سوى الكلل جمع كله وهو الستر، فكيف بي إذا اجتمعت الكلل مع البعد.
وقد أرَني الشَّبابُ الرُّوح في بَدنِي ... وقد أرَانيِ المَشيبُ الرُّوحَ في بَدَلي
قال ابن جني: أي في غيري يقول كأن نفسه مفارقته في المشيب.
قال الشيخ رحمه الله: معنى هذا البيت أني كنت في حال شبيبتي على حال فغيرها تقادم الدهر، لأني شبت. وكان شعري حالكاً، وقل ماء وجهي وكان كثيراً وضعفت أعضائي بعد قوة، وكأن جسمي قد بدل، وهذا معنى يتردد في الشعر كثيراً ومنه قول النمر بن تولب:
لَعَمْري لقد أنكَرْتُ نَفْسِي ورَابَني ... مع الشَّيب أبْدَالي التي أتَبدّلُ
فُضُول أرَاها في أديميَ بعدَما ... يكون كِفافُ اللَحمِ أو هو أجَملُ
كأنّض مَحطاً في يَديْ حَارثيةٍ ... صَناعٍ عَلَتْ مني به الجلدَ من عَلُ
وقال الآخر:
وقد زَعَمتْ أنَّي تَغيرّتُ بعدها ... ومَنْ ذَا الذي يا عَزَّ لا يَتَغيرُ
وقال الآخر وهو كثير:
الدَّهرُ لأبِلاَني ومَا أَبلْيتُه ... والدَّهرُ غَيّرني ومَا يَتَغيرُ
والدَّهرُ قَيَّدني بحَبلٍ مُبرمٍ ... فَمشيتُ فيه فكلُّ يَومٍ يَقصُرُ
وقد ذهب قوم إلى أن معنى بيت أبي الطيب أنه كان شابا فلما ذهب الشباب عنه رآه في غيره من الناس والقول الأول أجود.
وقال ابن فورجة: البدل في هذا البيت أحسن ما يحمل عليه أن يعني به ولده لأنه كأنه بدل الإنسان إذ كان يشيب أوان شيخوخته ثم يرثه فيكون كأنه بدله في ماله وبدنه والروح يعني به روح نفسه لا الجنس كما قال الشاعر:
أَبي الَقْلبُ إلاَّ أمَّ عَمْروٍ وحبَّها ... عَجُوزاً وَمن يُحبب عَجوزاً يُفند
يريد قلب نفسه وهذا باب معروف كثير.
والمَدْحُ لاْبنِ أبي الهَيْجاءِ تُنْجِدُهُ ... بالجاهِليةٍ عَيْنُ الغَيَّ والخَطَلِ
قال ابن جني: سألته عن هذا البيت فقال كان بعض الشعراء قد مدح سيف الدولة وذكر أجداده وأسلافه يعني النامي وتنجده تعينه وقد فسره بقوله وبعده.
ليتَ المَدائحَ تَسْتَوفي مَناقِبهُ ... فما كُلْيبُ وأهلُ الأعْصُرِ الأولِ
تُمسي الأمانيُّ صَرْعى دونَ مَبْلَغها ... فما يَقُولُ لشَيء ليتَ ذَلَك لي
قال ابن جني: أي دون أن تبلغ إلى قلب فتستمليه، أو لسانه فتجري عليه.
وقال ابن فورجة: يريد أنه مسلط على الأيام ما لك الرقاب والأموال، فما يتمنى شيئاً لأنه كلما رأى نفيساً كان له أو ما هو خير منه، وكان في قوله هذا نظر إلى قول عنترة:
ألا قَاتلَ اللهُ الطُّلولَ البَواليا ... وقَاتلَ ذِكراكَ السنين الخَواليا
وقِيلَك للشَّيء الذي لا تَنالُه ... إذا مَا حَلا في العَينِ يا ليتَ ذالِيا
ومثل هذا قوله أيضا:
يا مَن يسيرُ وحُكمُ النَّاظِرينَ لَهُ ... فيما يَراهُ وحُكمُ القَلْبِ في الجَذلِ
وتمني الشيء عجز وقصور، والملك لا ينبغي له أن يتمنى.
فالعُرْبُ مِنْهُ معَ الكُدْري طائرةُ ... والرُّومُ طائِرةُ مِنْهُ معَ الحَجَلِ
ومَا الفِرارُ إلى الأجْبالِ مِنْ أسَدٍ ... تَمشي النَّعامُ به مَعْقِلِ الوَعِلِ
قال ابن فورجة: فسر أبو الفتح هذا البيت بكلام طويل ولم يأت بفائدة تخصيصه العرب بالقطا والروم بالحجل، وهذا مما يسأل عنه، وإنما فعل ذلك لأن القطا يكون في بلاد العرب، يقول: العرب والروم لا تقاوم سيف الدولة، فالعرب هاربة منه مع القطاني البراري، والروم هابة منه في الجبال مع الحجل، لأن بلادهم جبال وهذا المعنى مثل قوله:
يَسألُ أهْلَ القِلاعِ عَنْ مَلِكٍ ... قد مَسَخَتْهُ نَعَامَةُ شارِدْ
(1/62)

وذلك أن) وهسوذان (هرب من عضد الدولة في البراري. والنعامة لا تأوي الجبال، فضرب شرود النعام مثل الهرب في القفار، والمعنى في البيت الذي يليه أن النعام لا تصعد الجبال، وإنما تصعدها الوعول، وعنى بالنعام خيله على التشبيه لها بها في سرعة العدو وطول الساق، يعني أن خيله تتسنم الجبال في طلب الروم، كما قال في البيت الآخر:
تَظُنُّ فِراخُ الفُتخِ أنَّكَ زُرْتها ... بأمَّاتها وَهْي العِتاقُ الصَّلادِمُ
ومن التي أولها:
شَديدُ البُعْدِ مِن شُرْبِ الشَّمولِ ... تُرُنْجُ الهِنْدِ أو طَلْعُ النَّخيلِ
قال ابن جني: رفع) شديد البعد (لأنه خبر مبتدأ محذوف كأنه قال: أنت شديد البعد ورفع) ترنج الهند (بالابتداء كأنه قال: بين يديك أو في مجلسك ترنج الهند، إلا أنه حذف من الأول المبتدأ، ومن الثاني الخبر، لأنه مشاهد، ودلت الحال على ما أضمره كما تقول إذا رأيت رجلاً قد سدد سهماً ثم سمعت صوتاً:) القرطاس. والله (. أي أصاب القرطاس. وكما تقول للقادم من سفرة:) خير مقدم (فتنصبه لأنك تريد: قدمت خير مقدم ويجوز أن يرفع فتقول: خير مقدم. أي مقدمك خير مقدم، فيجوز إضمار هذا كله، لأن في الحال دليلاً عليه.
وقال الشيخ رحمه الله رداً على من عاب قوله) ترنج الهند (: قد حكى ترنج غير واحد من أهل العلم، وليس الشعر مبنياً على أن تذكر فيه الكلمة الفصحى دون غيرها، مما هو قريب منها، ألا ترى أنه يوجد في أشعار العرب الكلمة المنقولة من لسان غيرهم كقول ابن أحمر.
حنَّت قَلُوصي إلى بابوسِها طَرباً ... فما حَنينُكِ أم أَنتِ والذّكر
والبابوس ليس من كلام العرب وإنما هو منقول من لسان الروم. والأترنج قليل التردد في الشعر الفصيح على أن علقمة بن عبدة قال:
ردَّ القَيانُ جِمالَ الحَيَّ فاحتَملُوا ... فكلها بالتَزيدّياتِ مَعكُومُ
يَحْمِلْنَ أُتْرُجَّةٍ نَضْحُ العَبيرِ بها ... كأنّ تطيابها في الأنفِ مَشْمُومُ
ويجوز أترنج، وترنج وأترنج قال الراجز:
يا رُبَّ خَوْدٍ من بناتِ الزَّنجِ ... تحمل تَّنوراً شديدَ الوَهجِ
نكهَتُها كَعبقِ الأُترنجِ واشتقاق الأترنج لم يذكر في الكتب المتقدمة، ويجوز أن يكون معرباً، ويجوز أن يكون عربياً في الأصل إلا أنه أميت ثلاثية، وقد قالوا) ترج (وهو اسم موضع كثير الأسد، ووزن الأترج) أفعل (يا هذا، ولو سمينا به رجلاً لم نصرفه وقد وجدناهم حذفوا الهمزة من أشياء ليس حذفها في أترج وأترنج بأبعد منها، فمن ذلك قولهم) أرز (في اللغة الفصيحة) ورز (في اللغة الأخرى. ويقال جئناهم في) أفرة الغيظ (وحكى بعضهم) فرة الغيظ (ومن التي أولها:
لَيالي بعدَ الظَّاعِنينَ شُكُولُ ... طِوالُ وَلْيلُ العاشِقينَ طَوِيلُ
قال الشيخ رحمه الله: قوله شكول أي ضروب مختلفة.
وقال ابن فورجة: شكول أي متشابهة، فيجوز أن يعني أن ليالي الناس تقصر وتطول بحسب الزمان، فإن كان صيفاً قصرت وإن كان شتاء طالت، غير أن ليالي طوال أبداً لبعد الحبيب عني، وامتناع نومي كقول القائل: ما أطولَ الليلَ على مَنْ يَنمْ ويجوز أن يكون الغرض في مشاكله بعضها بعضا أنها ليست مما ينام في بعضها، أو يجد فيها روحا، إذ كانت المدة الطويلة مما يسلي كقول القائل:
إذا ما شئتَ أنْ تسْلا حبيباً ... فأكثْر دونَهُ عَدَدَ اللَيالي
ويكون غرض أبي الطيب كغرض القائل:
فما أحَدثَ النَّايُ المُفَرَّقُ بيننا ... سُلُواً ولا طُولُ اجتماعٍ تَقاليا
يقول فليالي وإن كثرت فما يتغير حالي فيها، ولا ينقص غرامي ووجدي بالحبيب مع تكاثرها بل قد دامت في الطول على حالة واحدة.
إذا كانَ شَمُّ الرَّوْحِ أدنى إليكمُ ... فَلا بِرَحَتْني رَوْضَةُ وَقَبُولُ
قال ابن جني: معناه إذا كنتم تؤثرون شم الروح في الدنيا وملاقاة نسيمها فلا زلت روضة وقبولاً انجذاباً إلى هواكم، ومصيركم إلى ما تؤثرونه، ويكون سبب الدنو منكم، ثم جعل الاسم نكرة والخبر معرفة لأجل القافية.
(1/63)

قال الشيخ رحمه الله: لم يكشف معنى هذا البيت إلا رجل يعرف) بالمخزومي (له تصنيف في شعر أبي الطيب، وذلك أن الشاعر قال: إن رحيلا واحداً حال بيننا، وهو الرحيل في الدنيا، وبعده رحيل ثان وهو الموت. فإن يكن بيننا رحيل واحد أقرب من أن يكون بيننا رحيلان، فدعى لنفسه بالحياة، لأنه ما دام يشم الروح فهو أقرب إليهم منه إذا صار تحت الأرض.
وقال ابن فورجة: الأولى عندي أن يعني: إذا بعدتم عني، وحيل بيني وبينكم فلم أصل إلى شيء منكم إلا إلى شم الروح، وتشبيهي النسيم الهاب من الرياض بنسيمكم، فلا فارقتني روضة وقبول يهيج ذلك النسيم لي لأشمه، وهذا المذهب متعارف عندهم في الرضي بقليل الراحة من الشوق إذا لم يصلوا إلى الحبيب كقول الهذلي:
ويُقرُّ عَيْني وهي نازحَةُ ... ما لا يُقرُّ بَعْينِ ذي الحِلمِ
أنّي أرَى وأظنُّ أنْ سَتَرى ... وَضَحَ النَّهارِ وعَاليَ النَّجمِ
وقول القائل:
إذا هَبَّ عُلْويُّ الرّياحِ وَجَدتُني ... كأنَّي لعُلوِيّ الرّياحِ نَسيبُ
وإنما يرتاح لعلوي الرياح لأنها من قبل أرضها، وفي هذا البيت معنى قول الله تعالى:) ولما فَصَلت العِيُر قال أبوهُم إنّي لأجِدُ ريحَ يُوسُفِ لولا أن تُفَنَّدُونِ (. ومعنى البيت من معنى بيت البحتري:
يُذِكُّرنا رَيَّا الأَحِبَّةِ كُلَّما ... تَنَفَّسَ في جُنْحٍ من اللَّيلِ بارِدُ
وقال الاحسائي: إذا كان شم الروح، يعني الحياة أدنى إليكم من الموت، فلا زلت حياً ولا برحتني روضة وقبول، فذلك مما يعين على الحياة.
وَما شَرَقي بالمَاءِ إلاّ تّذَكراً ... لَماءٍ بهِ أهْلُ الحَبيبِ نُزُولُ
قال الشيخ رحمه الله: الرواية بنصب) تذكر (مصدر تذكرت لأنه مفعول له، أو مفعول من أجله ولو رفع) تذكر (لم يبعد.
وقال الأحسائي: كنى بالماء عن الحبيب، يريد أنه من وجهه في رقة الماء، وأنه ينقع الغلة، كما ينقعها الماء، ولذلك قال) يحرمة لمع الأسنة حوله (فدل على ما قلناه، ولو أراد نفس الماء لكان مستبعداً أن يمنع الماء المشروب بالأسنة في غالب الأمر.
لَقِيتُ بدَرْبِ القُلَّةِ الفَجْرَ لُقْيةً ... شَفَتْ كمَدي واللَّيلُ فيه قَتِيلُ
قال ابن جني: سألته وقت القراءة عن معنى هذا البيت فقال: وافينا القلة وقت السحر فكأني لقيت بها الفجر ثم سرنا صبيحة ذلك اليوم إلى العصر، وشننا الغارات وغنمنا، وقوله:) شفت كمدي (لانحسار الليل عني) والليل فيه قتيل (أي في ذلك الموضع وكأن الموضع وكأن النهار أشرق ضوؤه على الليل فقتله وظفر به.
وقال الشيخ رحمه الله: ويحسن ذلك أن الفجر يشبه بالسيف، فكأنه قتل الليل وزعم قوم أن سيف الدولة أوقد نيرانا عظيمة بدرب القلة، فكأنه أزال بها الليل، وقد تجوز مثل هذه الحكاية.
وَيوما كأنَّ الحُسْنَ فيه عَلاَمةُ ... بَعَثْتِ بها والشَّمسُ مِنْكَ رَسولُ
قال ابن جني: في هذا البيت رائحة من قول الشاعر:
إذا طَلَعَتْ شَمْسُ النَّهارِ فإنَّها ... أمارَةُ تَسْلٍمي عَلَيكِ فَسلَّمي
وقال الشيخ رحمه الله: عطف) يوماً (على قوله) لقيت العجز (وهذا معنى لطيف أراد أنه يوم حرب، فالحسن فيه خفي لا يعلم به إلا الشجاع، كما أن العلامة التي توجه بها حبيبة مكتومة،) والشمس منك رسول (أي تستتر بالغبار كما يستتر رسولك.
قال ابن فورجة: جعل الحسن في هذا اليوم كأنه علامة من حبيبته، والشمس وكأنها رسول منها، لسروره عند مطلع الشمس، وارتياحه بها، وكمال سروره في هذا اليوم، وهو مع هذا يريد أن يجعل هذه القصة تخلصاً من الغزل إلى مدح سيف الدولة، عاشق وقد أثارت وطلبت ذحلي عند الظلام فقتلته يريد تلك الحمرة التي تظهر من الشفق. ولقد أجاد الشيخ أبو العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان إذ نقل هذا المعنى فجعله في مدح أهل البيت عليهم السلام فقال:
وعلى الدَّهرِ مِنْ دِمَاءِ الشَّه ... يدَينَ عَليّ ونَجَلهِ شَاهِدانِ
فَهما في أواخِرِ اللَّيلِ ... فَجرانِ وفي أُولَياته شَفَقَانِ
ثَبَتَا في قَميصِهِ لِجيءَ ... الحَشْرَ مُسْتعدِياً إلى الرَّحمنِ
وأما قوله:
وما قَبلَ سيفِ الدَّولةِ أثَّارَ عاشِقُ ... ولا طُلِبتْ عند الظلام ذُحُولُ
(1/64)

فيقال أن سيف الدولة أحرق كثيراً من ديار الروم، وأعاد الليل صبحاً بالنيران فكأنه قتل الليل، ونال ثأر العشاق منه، ولو قال قائل إنه عنى بالفجر في البيت الذي مضى النار شبهها بالفجر، كان ذلك صواباً ليتفق التفسيران، والتفسير الأول فائدتي من الشيخ أبي العلاء.
على طُرُقٍ فيها على الطُّرْقِ رِفْعَةُ ... وفي ذِكْرها عندَ الأنيسِ خُمُولُ
قال الشيخ رحمه الله: يريد أنها طرق في جبال فهي مرتفعة إلا أنها مع رفعتها خاملة عند الأنيس أي أنهم لا يسلكونها.
وأضْعَفْنَ ما كُلَّفْنَهُ مِن قُباقِبٍ ... فأضْحَى كأنَّ المَاءَ فيهِ عَليلُ
قال ابن جني: سألته عن معنى هذا البيت فقال: إن الخيل لما عبرت قباقباً، وهو نهر جار كادت تسكر ماءه لكثرة قوائمها، فأضعفت جريه أي جعلته ضعيفاً.
وقال الشيخ رحمه الله:) أضعفن (يحتمل وجهين أحدهما: أن يكون من الضعف. ويكون المعنى أن هذه الخيل أضعفت هذا الماء وكدرته، فكأنه عليل أي به علة.
والآخر: أن يكون من ضعف الشيء إذا قلت أضعفت له العطية إذا زدتها ضعفها، فيكون عليل هنا فعيلا في معنى مفعول، من قولك عللت الشرب إذا كررته أي جاءت هذه الخيل فعبرت هذا الماء وكأنها سيل من كثريها سرعتها فصار النهر مثله ويقوي ذلك قوله:
وَرُعْنَ بِنا قَلْبَ الفُراتِ كأنَّما ... تَخِرُّ عَلَيهِ بالرّجالِ سُيُولُ
إذَا لم تكُنْ لَّليْثِ إلاَّ فَرِيسَةً ... غَذَاهُ ولم يَنْفَعْكَ أَّنَّكَ فِيلُ
قال الشيخ رحمه الله:) غذاه (أي له، والهاء عائدة إلى الليث) وأنك فيل (فاعل غذاه، في البيت تقديم وتأخير كأنه قال: غذاه أنك فيل ولم ينفعك عظم خلقك.
ومن التي أولها: دُرُوعُ لمَلْكِ الرُّومِ هَذي الرَّشائيُ
وأكَبرَ مِنْهُ هِمَّهً بَعَثَتْ به ... إليكَ العِدَى واستَنظَرتْهُ الجحافِلُ
قال الشيخ رحمه الله: الواو في قوله) وأكبر (في معنى رب، ورقع) أكبر (على الأخبار أحسن ويكون مبتدأ، قوله) بعثت به وما بعده (خبر عنه) واستنظرته (في معنى انتظرته. وقال ابن فورجة: سألني عن هذا البيت بعض أهل الأدب فقلت له، وكأن هاجساً هجس لي في الحال:) أكبر (هنا من باب أفعل من كذا، وليس بفعل رباعي والهاء في) منه (راجعة إلى نفسه كأنه لو تمكن لقال: وأكبر من جثته أو جسمه همة، فاستغرب هذا فأخذ يمانع، فقلت: ألست تقول: زيد قاعداً أحسن منه قائماً (والضمير في منه راجع إلى نفسه. فقال: نعم. فقلت: ما يمنعك من أن يكون) وأكبر منه همة (الهاء في منه راجعة إلى نفسه، يريد ورب رجل أعظم من جسمه همة ففزع إلى كتاب الفسر.
وقد ذكر أبو الفتح: أن أكبر فعل فقال: أي أكبر العدى همته التي بعثت به إليك أي استعظموها، وسألته الجحافل أن ينظرها بشغله سيف الدولة عنهم وكلا التفسيرين محتمل جيد، ويحتمل معنى ثالثاً: وهو أن تكون الهاء في) منه (ضمير الرسول وقد تقدمه:
وأنَّى اهْتدىَ هَذا الرَّسُول بأرْضه ... وما سَكنتْ مُذْ سِرتُ فيها القَساطِلُ
يريد ورب أكبر من هذا الرسول همة بعثت به إليك الروم فأقبل من أصحابه وهو مرسل، وعاد إلى أصحابه وهو عاذل يقول: رب رسول أجل من هذا الرسول قدراً جاءك فاستعظم شأنك فعاد إليهم، وهو يعزلهم في عدوانهم لك، ويجل قدرك في عيونهم أن تعادى، وهذا المعنى أحب إلي من الوجهين المتقدمين، لأن المعنى الذي أورده أبو الفتح كالمنقطع، ألا تراه قال: استعظم العدى همته التي بعثت به، فكان يجب أن يتبع هذا الكلام ما يشبهه، فيقول: واستعظمته الجحافل، فلما قال) استنظرته (كان منقطعاً عن أكبر، وكان كلاماً مستأنفاً، ومعنى مبتدأ اللهم إلا أن يقول: هو متعلق بقوله: بعثت به، يريد به واستنظرته، فحينئذ يكون مستغنياً عن قوله الجحافل، ألا تراه لو سكت عن الجحافل لكفى وأغنى وأدى المعنى الذي أراد، على أنه إن قال: أتى به للقافية سلمنا له وليس المطرد كالمتمحل.
ومَا لَوْنُهُ مَّما تُحَصَلُ مُقْلةُ ... ولا حَدُّهُ مِمَّا تَجُسُّ الأنامِلُ
قال الشيخ رحمه الله: يريد أن لون هذا السيف ليس كلون السيف، لأن السيوف تعرف ألوانها، ولون هذا الممدوح لا يحصل، لأنه من هيبته لا يستطاع أن ينظر إليه كما قال في الأخرى.
(1/65)

كأنَّ شُعاعَ عَينِ الشَّمسِ فِيهِ ... ففي أبصَارِنا عَنْهُ انْكِسارُ
) ولا حده مما تجسُّ الأناملُ (أي هذا المسمى بالسيف لا يمكن أن تجسه الأنامل، لأنه إذا كان النظر لا يصل إليه، فبعد الأنامل أشد، والسيف المضروب يمكن أن يجس حده باليد، فقد تحير هذا الرسول في سيف ربيعة أصله يعني الممدوح وطابعه الرحمن أي خالقه، وهذا كقوله في الأخرى:
سَرَى السَّيْفُ مما تَطْبَعُ الهِنْدُ صَاحبي ... إلى السَّيفِ مَّما يَطْبَعُ الله لا الهندُ
كَرِيمُ متى اسْتُوهِبتَ ما أنْتَ رَاكبُ ... وقد لَقِحَتْ حَرْبُ فإنَّكَ باذِلُ
قال الشيخ رحمه الله: رفع كريماً على تقدير قوله: أنت كريم ووصفه بأنه لو سئل ما هو راكب على ظهره في الحرب لوهبه للسائل و) لقحت الحرب (إذا كان أمر يهيجا، وإنما شبهت بالناقة اللاقح، وكانت العرب تضن في الحروب بأن يردف الرجل على الفرس، خوفاً أن يقصر عن حمل رجلين ومن ذلك قول الفرار السلمي:
عدمت أُناساً بالحُلَيْلِ كأنَّما ... رئيسهمُ لَيثُ ببيشة أَفدعُ
كأنَّ ابنَةَ الشَقراءِ لما ابتذْلُتها ... بذي الرَّمث ظَبيُ في تُبالة أَخْضَعُ
غداةَ يقول القينُ هل أنتَ مُرْدِفي ... وما بينَ ظهرِ القينِ والرُّمحِ إصْبَعُ
فَقُلتُ له يا ابن الخَبيثَةِ إنّها ... بِربٍ خَفيفٍ وَاحدٍ هي أسرعُ
فإنْ يَكُ عَاراً يومً ذاكَ أتَيُته ... فِراري فذاكِ الجيش قد فَّر أجمعُ
ومن التي أولها: إن يكُنْ صَبُر ذِي الرَّزَّيةِ فَضلا قوله:
أنتَ يا فَوْقَ تُعَزَّي عَنِ ... الأحْبابِ فوْقَ الذي يُعَزيّكَ عَقْلا
قال الشيخ رحمه الله: قوله) يا فوق (يحتمل وجهين أحدهما: أن يكون قد حذف النادي، لعلم السامع بما يريد، كأنه قال: أنت يا سيف الدولة أو يا ملك أو أمير ونحو ذلك، وحذف المنادى يكثر في شعر العرب كما قال الشاعر:
ألا يا اسلميَ ثم اسلَمي ثُمَّتَ اسلَمي ... ثلاث تحيّاتٍ وإنْ لم تَكَلَّمِي
والأخر: أن يكون جعل فوق نعتاً لسيف الدولة، فكأنه أخرجه من باب الظروف إلى باب الأسماء، وهذا القول أحسن في نقد الشعر، لأن) فوق (الأولى والثانية في الوجه الأول ظرفان، وفي الوجه الآخر الأول منهما اسم، والثاني ظرف ولو كان) فوق (في موضع رفع على هذا الوجه لرفع، فقيل أنت فوق أن تعزى وقد أدخلوا الباء على) فوق (، وأنشدوا بيتاً ينسبونه إلى سحيم عبد بني الحسحاس، وليس في ديوانه:
لقيتُ النساءَ الحارِثيات غُدوة ... بوجهٍ براهُ اللهُ غيرَ جَميلِ
فشبهنني كلباً ولستُ بفوقه ... ولا دونه إن كانَ غيرَ بَخيلِ
قاسَمْتكَ المنَونُ شَخْصَينِ جَوْراً ... جَعَلَ القَسْمَ نفسَهُ فيهِ عَدْلا
قال ابن فورجة: كانت أخته الصغرى مضت لسبيلها فرثاها بهذه القصيدة وبقيت الكبيرة، ثم ماتت فقال:
قدْ كانَ قاسمَكَ الشَّخْصَينِ دَهْرَهما ... وعاشَ دُرُّهُما المَفْديُّ بالذَّهَبِ
وَعادَ في طَلَبِ المَتْرُوكِ تارِكُهُ ... إنَّا لنَغْفُلُ والأَّيامُ في الطَّلَبِ
فنقول قاسمتك المنون هاتين الأختين، ظلماً في هذه المقاسمة وجوراً، إلا أن القسمة جعلت نفسها في ذلك الجور من المنون عدلا؛ لأنها أخذت الصغير وتركت الكبيرة) وفيه (الهاء راجعة إلى الجور.
وزعم الشيخ أبو الفتح ابن جني أنه يجوز) فيك (بالكاف، وقال: يعني أنه جار في فعله إلا أنه إذا كنت أنت البقية فجوره عدل، وعندي أن هذه الرواية مضطربة لأنه لو أراد أن البقية أنت لما قال قاسمتك، وكان لا يقول شخصين، بل كان يقول: ثلاثة شخوص أحدهما سيف الدولة والآخر أختاه.
وَهُوَ الضَّاربُ الكَتِيبةِ والطَّعْنَةُ ... تَغْلُو والضَّربُ أغْلَى وأغْلى
قال الشيخ رحمه الله: يقول: الطعن وإن كان صعباً على الطاعن فهو أيسر من الضرب؛ لأن بعد الطاعن من عدوه أكثر من بعد الضارب منه، كما أن الرامي أبعد من الطاعن، وقد رتب هذا الغرض زهير في قوله:
يطْعُنُهمْ ما ارْتَمَوْا حتى إذَا اطَّعَنُوا ... ضَاربَ حتى إذا ما ضارَبُوا اعَتَقاَ
ولو لم يكن للمتنبي غير هذه القصيدة في سيف الدولة لكان كثيراً، وأين منها قصيدة البحتري التي أولها:
(1/66)

إنَّ سَيرَ الخَليطِ لماّ استقلا ومن التي أولها:
ذي المعَالي فَلْعْلُونْ مَنْ تَعَالى ... هكذا هكَذا وإلاَّ فَلا لاَ
قال الشيخ رحمه الله:) ذي المعالي (في موضع نصب، والأجود أن تكون منصوبة بفعل مضمر يفسره قوله) فليعلون (، وذهب قوم إلى أنك إذا قلت) فلانا فاضرب (فالعامل في المفعول الفعل الذي بعد افاء، والقول الأول أشبه وقوله) هكذا هكذا (أي ليعل الناس مثل هذا العلو وحسن ترديده) لا لا (رد هكذا.
كُلَّما أعْجَلُوا النَّذِيرَ مَسيراً ... أعْجَلَتْهمْ جِيادُهُ الإعْجالا
قال ابن جني: يقول كلما عاد إليهم نذيرهم سبقوه بالهرب قبل وصوله إليهم، ثم تلتهم جياد سيف الدولة، فسبقت سبقهم النذير، أي لحقتهم وجازتهم.
قال ابن فورجة: قد علم الشيخ أبو الفتح أنه يقال: أعجلته بمعنى استعجلته، وأما سبقته فيقال فيه عجلته بلا ألف، قال الله تعالى) هم أولاء على أثري وعجلت إليك رب لترضى (ومعاذ الله أن نروم شأو الشيخ أبي الفتح في اللغة والإعراب، ولا أعلم كيف اتفق عليه هذا الزلل، يقول أبو الطيب كلما استعجلوا النذير بالمسير إليهم، وإخبارهم بقدوم جيش سيف الدولة، أعجلتهم خيله أن يعجلوا النذير، أي أطلت عليهم قبل ورود النذير، ولم يغن بثهم الطلائع، وإعدادهم الرمايا، وإنفاذهم الجواسيس، لسرعة هذه الخيل، وسلوكها الطرق الخفية إليهم، ويقود مكائد سيف الدولة فيهم، فأما قوله) لحقتهم وجازتهم (فلا أعلم من أي ألفاظ البيت استنبطه غفر الله له.
ما مَضوا لم يُقاتِلُوك ولِكنَّ القَتالَ الذي كفَاكَ القتالا قال ابن فورجة:) ما (هنا نفي،) ولم يقاتلوك (حال، يريد لم يمضوا غير مقاتلين لك، يريد ما انهزموا من غير قتال، بل ثبتوا وقاتلوا، ولكن لم يقاتلوا فانهزموا وقوله) ولكن القتال الذي كفاك القتالا (، معناه أن ما عرف من صبرك على القتال، وطول ثباتك هو الذي أياس العدو من انهزامك، وزهدهم في مصابرتك ويبين معنى هذا المصراع قوله فيما يليه:
والَّثباتُ الِذي أجَادُوا قَديماً ... عَلَّمَ الَّثابِتينَ ذَا الإجْفالا
أبَصرَوا الطَّعنَ في القُلوبِ دِراكاً ... قَبل أنْ يُبْصِرُوا الرّماحَ خَيالا
قال ابن جني: لما شاهدوه من أحوال المقتولين عرفوا الأمر قبل وقوعه بهم.
وقال الشيخ: يقول اعتبر المتأخرون منهم بالمتقدمين، فكأنهم أبصروا الطعن دِراكا بقلوبهم وبينهم وبين من يطلبهم مسافة بعيدة ففروا قبل أن ينظروا إلى خيال الرماح.
وقال ابن فورجة: أخر قوله) خيالاً (عن موضعه لعلم المخاطب وتقدير البيت: أبصروا الطعن في القلوب دراكا خيالاً قبل أن يبصروا الرماح يريد بالخيال ما يراه الانسان في منامه، أو يتخايل له في خاطره من ذكر ما مضى يقول: لشدة خوفهم منك، وتصورهم ما صنعت بهم في قديم الحروب، رأوا الطعن دراكا في قلوبهم رؤية الخيال، قبل أن يروه حقيقة، وما تقدم هذا البيت يدل على هذا وهو قوله:
تركُوا في مَصَارعٍ عَرَفُوها ... يَنْدُبُونَ الأعْمامَ والأخْوَالا
تَحْملِ الرّيحُ بينهم شَعَرَ الهْامِ ... وَتُذْرِي عليهم الأوْصالا
تُنْذِرُ الجِسْمَ أنْ يُقيمَ لَدَيها ... وَتُريِهِ لِكُلِ عُضْوٍ مِضالا
فهذا يدل على ما قلناه.
أقْسَموا لا رأَوْكَ إلاَّ بقَلْبٍ ... طاَلَما غَرتِ العُيُونُ الرّجالا
أيُّ عَيْنٍ تأمَّلْتكَ فَلاقَتْكَ ... وَطرْفٍ رَنا إلَيْكَ فَاّلا
قال الشيخ رحمه الله: أي حلفوا أنهم لا رأوك إلا بقلوبهم، وقد علموا الآن الغلبة لك فهم لا يثبتون فينظرون إليك بعيونهم، لأن العين طالما غرت الناظر فيتوهم ما لاح له شيئاً غيره.
وقال ابن جني: قد تكرر هذا المعنى في شعره كقوله:
كأنَّ شُعاعَ عينِ الشَّمْس فيه ... فَفي أبصَارِنا عَنْهُ انكسارُ
(1/67)

وقال ابن فورجة: قوله) لا رأوك إلا بقلب (يقول حلفوا ليحضرن عقولهم وليعلن أذهانهم وأفكارهم فيك وفي قتالك، إذ كان ما يرونه بعيونهم قد لفهم عنك كثيراً، وأوهمهم أنهم يقاومونك، فلما جربوا خابوا، ورؤية القلب هو العلم، ثم أتى بمعنى يجوز أن يكون شرحاً لهذا المعنى الذي قدمه ويجوز أن يكون معنى آخر مستأنفا، فقال: أي عين تأملتك فلاقتك، يريد أن العيون إذا نظرت إليك تحيرت فلم تعقل ما ترى كقوله:
فإذا رَأيُتكَ حارَ دُونَكَ ناظرِي ... وإذا مَدَحتكَ حارَ فيكَ لِساني
وقوله: وَطَرْفٍ رَنا إلَيكَ فَالاَ آل بمعنى رجع يريد أن العيون إذا نظرت نحوك تحيرت وبهتت، فلم تؤل أي لم ترجع، وبقيت شاخصة إليك كما قال أيضا:
تَمضِي الكَواكُب والأبصار شاخصة ... مِنْها إلى المَلِكِ الميمُونِ طِائرةُ
وفي هذا المكان سؤال آخر وهو أن يقال كيف قال:
أقْسَمُوا لا رأَوْكَ إلاَّ بقَلْبٍ ... طاَلَما غَرَّتْ العُيُونُ الرّجالا
وهو قد قال قبله:
والعِيانُ الجَلِيُّ يُحْدِثُ للظَّنَّ ... زَوَالا وللمُرادِ انتِقالا
وإذا ما خلا الجَبانُ بأرضِ ... طَلَبِ الطَّعْنَ وَحدهُ والنَّزَالا
ثم أتى بهذا البيت فناقض ما قدم، لأنه زعم أن العيان يزيل الظن، ويأتي بالقين، ثم قال فيما يليه) أقسموا لا رأوك إلا بقلب (ورؤية القلب هي من الظن، وذم العيان، فقال) طالما غرت العيون الرجالا (فالجواب عن هذا أن علم القلب وإن كان أجل من البصر، فإن العلم لا يحصل إلا بعد النظر بالعين في الغالب، وإذا ظن الروم أنهم يقاومون سيف الدولة ثم علموا عظم شأنه وشدة بأسه، وقصورهم عنه، حصل لهم العلم بأنهم لا يقاومونه بعد العيان والتجربة، وإذا رأوه بالعين دون القلب، رأوا عسكراً مثل عسكرهم شكلاً ومنظراً، أو دونه عدداً وكثرة، فأوهمهم ذلك أنهم يقاومونه، فلم يكن هذا تناقصاً وكان كل معنى مستقلاً بنفسه منفرداً عن صاحبه.
ما لَمِنْ يَنْصِيبُ الحَبائِلَ في الأرْضِ ... وَمَرْجاهُ أنْ يَصيدَ الهِلالا
قال ابن جني: هذا مثل ضربه أي سيوفه معودة للضرب، فكأنها تعرف بالدربة الحرام من الحلال.
وقال ابن فورجة: يعني أن سيف الدولة غاز للروم، فما يقتل إلا كافراً فكأن سيوفه تعرفالحلال من الحرام.
ومن التي أولها:
ما لَنا كُلُّنا جَوٍ يا رَسُوُلُ ... أنا أهْوى وَقَلبُكَ المَتْبُولُ
قال ابن جني: معنى البيت أنه اتهم رسوله بمشاركته إياه في حبيبه.
وقال الشيخ رحمه الله: الأجود أن يرفع) كلنا (على الابتداء ويكون) جو (خبره وكان بعض الناس يخفض كلنا، ويجعله توكيداً للضمير في) لنا (وهذا رديْ لأنه يوجب نصب) جو (على الحال، فيقال ما لنا كلنا جويا وإن لم يفعل ذلك فهو ضرورة.
أفْسَدَتْ بينَناَ الأماناتِ عَيْناها ... وخَانَتْ قُلُوبُهنَّ العُقُولُ
قال الشيخ رحمه الله: زعم أنه أرسل رسولاً ينوبه فلما نظر إلى عينها تغير عن حال الأمانة،) والهاء (في قلوبهن يحتمل وجهين، أحدهما: أن تكون راجعة إلى الأمانات، ويكون قد استعار للأمانات قلوباً، وإنما يعني قلوب المؤتمنين والآخر: أن تكون الهاء والنون راجعتين إلى العقول كما يقدم الضمير الذي في المفعول، يقال: لبس ثوبه فلان والمعنى متقارب، والعقول في هذا القول فاعله، وكذلك في القول الأول إلا أن الضمير هاهنا للعقول.
وقال ابن فورجة: الهاء والنون ضمير قبل الذكر، والتاء في) خانت (للعقول يريد خانت العقول قلولها، لأنهم إذا نظروا عينها غلبهم هواها على الأمانة ولم تكمل العقول التصوير القبيح بصورة القبيح وأوهمت أنه جميل ومثل هذا قوله:
ومَا هِيّ إلاَّ نَظرةُ بعدَ نَظرةٍ ... إذا نَزَلتْ في قَلْبهِ رَحلَ العَقْلُ
وإنما يعني أني بعثت رسولاً عشقها، فخانني فيما يؤدي من الرسالة.
تَشْتَكي ما اشْتَكْيتُ مِنْ طَرَبِ الشَّوْقِ ... إليَها والشَّوقُ حَيثُ النُّحُولُ
قال ابن جني: ما أحسن ما كنى عن تكذيبها، ولم يصرح به أي أنا مشتاق فنحولي يدل على ذلك، وهي غير ناحلة فليست مشتاقة.
(1/68)

وقال الشيخ أبو العلاء رحمه الله: تشتكي يحتمل وجهين، أحدهما: أن يكون خطاباً للرسول الذي ناداه في أول القصيدة أي تشتكي ما اشتكيت وأنت كاذب، لأنك لست ناحلاً، وإنما الشوق حيث النحول، ومثل هذه القصيدة التي ذكرناها أبو الطيب جرى لأبي ذؤيب الهذلي مع خالد بن زهير فقال أبو ذؤيب:
مَا حُمّلَ البُخْتِيُّ يَوْمَ غِياره ... عَلَيه الوُسُوقُ برُّها وشَعِيرهاُ
بأَثْقَل مَّما كُنْتُ حَملَّتُ خَالدِا ... وَبَعضُ أمانَاتِ الرّجالِ غَرُرُهاَ
وكان أبو ذؤيب قد أفسد هذه المرأة على سواه، فقال له خالد بن زهير أبياتاً منها:
فَلاَ تَجْزَعَنْ مِن خُطَّةٍ أنْتَ سرِتْها ... فأوَّلُ رَاضي خُطةٍ مَنْ يَسيرها
وكان خالد إذا عاد إلى أبي ذؤيب يشم عطفه، ويمس ثوبه لينظر أعلق به منها طيب، وخالد الذي يقول:
يا قوم مَالي وأَبا ذُؤيبِ ... كُنتُ إذا أتيتُه عن غَيبِ
يَشمُّ عِطْفِي ويمَسُّ ثَوْبي ... كأنّما أربتُه بريبِ
وقال أبو ذؤيب:
تُريدينَ كيمَا تَجْمعِيني وخَالِداً ... وهل يُجمعُ السَّفَيانِ ويحَكِ في غِمدِ
فآليتُ لا أنْفَكُّ أحْذُو قَصِيدَةً ... تَكُونُ وإيَّاها بها مَثلاً بَعدي
والوجه الثاني: أن يكون قوله) يشتكي (إخباراً عن المرأة، والأول أشبه.
صَحِبتْني على الفَلاةِ فَتاةُ ... عادَةُ اللَّونِ عِنْدها التَّبدْيلُ
قال ابن جني: يعني الشمس: وجعلها فتاة لأن الزمان لا يؤثر فيها، كما يقال للدهر الأزلم الجذع، أي هو طري قوي لا يستحيل عن ذلك.
قال الشيخ رحمه الله: ويجوز أن يجعلها فتاة، لأنها تطلع كل يوم فكأنها شيء محدث وقوله) عادة اللون عندها التبديل (أي تغييره.
نحنُ أدْرى وقد سألْنا بنَجْدٍ ... أَطَويلُ طَرِيُقنا أمْ يَطُولُ
قال ابن جني: أي هو طويل في الحقيقة أم يطوله الشوق إلى المقصود.
وقال الشيخ رحمه الله: معناه أنه يدري ولكنه يقوله على سبيل التبالة ألا تراه يقول بعده:
وَكثِيرُ مِنَ السُّؤَالِ اشِتياقُ ... وَكثيرُ من رَدّهِ تَعْلِيلُ
فهذه طريقة للشعراء مألوفة، يظهرون التجاهل بالشيء، وإن كانوا يعرفونه كقول أبي تمام:
وَمَكارِماً عُتُقَ النِجّارِ تَلَيدةً ... إنْ كانَ هَضْبُ عَمايتَيْنِ تَليدَا
ألا تراه أدخل في الكلام شكا لأن أحداً لا يجهل أن هضب عمايتين تليد غير معروف الأول، ومن خاض كلام العرب ونظر إلى تصرفها ومذاهبها وإشارتها، أجاز ما يمنع غيره، ومنع ما يجيزه، أولا ترى إلى قول بشر:
أُسائِلُ صَاحِبي ولَقَدْ لأرَاني ... بَصِيراً بالظَّعائنِ حَيْثُ صَارُوا
وقال ابن فورجة: قول ابن جني أن الشوق يطول الطريق محال لأن الشوق يقصر طول الطريق، ألا ترى إلى قول القائل:
أرى الطَريقَ قَريباً حينَ أسلكُه ... إلى الحَبيبِ بَعيداً حينَ أَنصَرفُ
وقول الآخر: مَنْ عَاَلج الشَّوْقَ لمَ يستبِعد الدَّارَا وإنما يريد بقوله) يطول (أنه يعرض له من يصده، أو حالة تلفته وتعوقه من رغبة الملوك فيه وفي مدحه ومقامه عنجهم، أو سوى ذلك من علة أو ما أشبهه، ويريد بهذا القول تشوقه إلى سرعة الوصول وإشفافه أن يطول طريقة عارض بصده، واستثنى الأخبار، ثم أخبر أنه إنما يسأل هذا السؤال لشدة الشوق، وهو عالم بقدر طول الطريق وآمده، ولا حاجة به إلى سؤال أحد. ومثله.
وأسْتَخْبِرُ الأخبارَ مِن نَحْوِ أْرضِها ... واسْألُ عنها الرَّكْبَ عَهْدُهُمُ عَهْدي
لا أقَمنا على مَكانٍ وإنْ طا ... ب ولا يُمكنُ المَكانَ الرَّحيلُ
قال ابن جني: لم يقم كقول الله تعالى) فلا صَدّقَ ولا صلى (يريد لم يصدق ولم يصل، وقال الشاعر: وَأيُّ أمْرٍ سيئٍ لأَفَعَلهْ أي لم يفعله، وقوله: ولا يمكن المكان الرحيل، أي لو أمكنه الرحيل لرحل معنا إلى سيف الدولة شوقاً إليه.
وقال الشيخ رحمه الله:) ولا أقمنا (في معنى لم تقم، ومنه قول الشاعر:
وأيَّةُ لَيلةٍ لا كُنْتُ فيها ... كجَاري النَّجمِ يُحرقُ ما يُلاَقي
أي لم يكن فيها، ويجوز أن يكون قوله:) لا أقمنا (على معنى القسم، كأنه قال والله لا أقمنا، والمكان لا يمكنه أن يرحل معنا، وقد أبان هذا المعنى فيما بعده فقال:
(1/69)

كُلَّما رَحَّبَتْ بنا الرَّوْضُ قُلْنا ... حَلَبُ قَصْدُنا وأنْتِ السَّبِيلُ
وكأنهم يعتذرون إلى الأماكن والروض إذا رحب بهم، لأنه مسرور بنزولهم وهم لا يقدرون على الإقامة، وهو لا يمكنه الرحيل.
وقال ابن فورجة: لو أنعم الشيخ أبو الفتح النظر لعلم أن هذه ليست تلك التي عناها، وإنما هي التي تكون جواب القسم، كقولك: والله لا أقمت، ووالله لا ضربت، وقد يحذف القسم والكلام يقتضيه ويدل عليه، ألا ترى إلى قول الرسول صلى الله عليه وسلم فيمن فعل كذا وكذا: لا تمس النار الا تحلة القسم يريد قول الله تعالى:) وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا (ألا ترى أنه لا قسم ظاهر في هذه الآية. ولكن تأكيد الإيجاب دال على القسم ونائب منابه) ولا (في بيت أبي الطيب لها وجه آخر غير ما ذكرنا وهو أن يكون) لا (التي في الدعاء المنفي كقولك: لا يفضض الله فاك وكقوله:) فلا هَجَمْتَ بها إلاَّ على ظَفَر (فمحتمل أن يريد: والله لا أقمنا على مكان هذه صفته، وقوله) لا يمكن المكان الرحيل (له معنى لطيف قدسها عنه ابن جني وهو أنه يريد: لا نقيم على مكان أبداً حتى نلقاه، أي لا أقمنا على مكان إلا ويمكن المكان الرحيل معنا وهذا ما لايكون، فكذلك نحن لا نقيم كقول القائل:
إذَا زَالَ عَنكم أسودُ العَينِ كُنتم ... كِراماً وأنتم ما أقامَ ألائِمُ
و) أسود العين (جبل لا يزول فكذلك المخاطبون لا يكونون كراماً.
لو تَحرَّفْتَ عَن طرِيق الأعادي ... رَبَطَ السَّدرُ خَيلَهُم والنَّخِيلُ
قال الشيخ رحمه الله: يقول: لو ملت عن طريق الأعداء لساروا حتى يربطوا خيلهم في السدر والنخيل، وكأنه قلب المعنى فجعل السدر والنخيل يربط خيول الأعداء، كما تقول: ساءني أمر كذا، أي وقع السوء فيه، وهذا وجه، وفيه معنى آخر، وهو أن يكون يصف الممدوح بالسعادة، فلو تحرف عن طريق من معاديه لكان السدر والنخيل يربط خيولهم أن تتفسح في البلاد، وهذا نحو قول الآخر:
تَرَكُوا جارَهُمُ يأُكُلهُ ... ضَبُعُ الوَادي وَيَرْميهِ الشَّجَرْ
وقال ابن فورجة: هذا البيت يشبه قوله:
فكُلَّما حَلَمتْ عَذْرَاءُ عِندهُم ... فإنَّما حَلَمتْ بالسَّبي والجَمَلِ
وذاك أن الروم ليس في ديارهم سدر ولا نخيل، كما ليس في ديارهم الجمال، فقوله) ربط السدر خيلهم والنخيل (يريد لولا دفاعك عن عضد الدولة ومعز الدولة لسارت الروم إليها وأوغلوا في ديارهما، حتى ربطوا خيلهم في السدر والنخيل، يريد بذلك الغض ممن بالعراق، ورفع شأن سيف الدولة، وقد صرح بذلك فقال بعده:
ما الّذِي عِنْدَهُ تُدَارُ المَنايا ... كالَّذي عِنْدَهُ تُدارُ الشَّمُولُ
وقوله) ربط السدر (إنما يريد ربطت إلى السدر، والروم ربطوها، ولكن لما كان السدر والنخيل يمسك خيله، جعل الفعل لها توسعاً في الكلام.
ومن التي أولها:
مُحِبّي قِيامي ما لِذَالِكُمُ النَّصْلِ ... بَرّياً مِن الجْرحَى سَليماً مِن القَتْلِ
قال ابن جني: نصب) بريا (على الحال من النصل، ومعناه يا من يحب مقامي وتركي الأسفار والمطالب، كيف أقيم ولم أجرح بنصل أعدائي وأقتلهم به.
قال الشيخ رحمه الله:) محبي (نصب على النداء أي يا محبي، ويعني بقيامه نهوضه والتماس ما يريد، يقال: قام الملك في أمر كذا، ومن ذلك: كان كذا من قبل أن يقوم النبي صلى الله عليه وسلم، أي من قبل أن تظهر الدعوة إلى الإسلام.
وقال الشاعر:
نبغَ ابن كُوزٍ في سِوَانا فإنّه ... غَذَا النَّاسُ مُذْ قَامَ النَبُّي الجوارِيَا
وقال الآخر:
إذا ماتَ مِنّا سَيّدُ قامَ سيّدُ ... قؤُولُ لما قال الكِرامُ فَعُولُ
ويعني بالنصل سيفه كأنه يسألهم ماله) برياً من الجرحى سليماً من القتل (يقول لمحبي قيامه: ما لكم لا تجتمعون إلي وتنصروني، فأخرج وأقتل ويختضب سيفي.
أمِطْ عَنكَ تَشْبِيهِي بما وكأنَّهُ ... فَما أحَدُ فَوْقي ولا أحَدُ مِثْلي
(1/70)

قال ابن فورجة: قد أكثر الكلام في هذا البيت، وقوله: تشبيهي بما، وقالوا ليس) ما (من حروف التشبيه، ولم يؤت في الجواب بطائل، فأما ابن جني فقال: الذي كان يجيب به إذا سئل عن هذا أن يقول: تفسيره كأن قائلاً قال ما يشبه؟ فيقول الآخر كأنه الأسد، أو كأنه الأرقم، ونحو ذلك فقال هو معرضا عن هذا القول) أمط عنك تشبيهي بما وكأنه (، فجاء بحرف التشبيه، وهو كأن، وبلفظ) ما (التي كانت سؤالاً، وقد تكلم في هذا البيت القاضي أبو الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني فقال هذا مما سئل عنه أبو الطيب فذكر أن) ما (تأتي لتحقيق التشبيه، تقول عبد الله الأسد، وما عبد الله إلا الأسد، وإلا كالأسد، كما قال الشاعر:
ومَا هنْدُ إلاّ مُهْرَةُ عَرَبّيةُ ... سَليلَةُ أفْراسٍ تَجَلَّلَهاَ بَغلُ
وقال لبيد:
ومَا المَرْءُ إلاّ كالشِهابِ وضوئهِ ... يحَوُرُ رَماداً بعد إذْ هو سَاطِعُ
ثم قال: وأقول: إن التشبيه بما محال، وإنما وقع التشبيه في هذه المواضع التي ذكرها بحروفه، وإذا قال) وما المرء إلاّ كالشهاب (فإنما المفيد للتشبيه الكاف، وإنما) ما (للنفي نفت أن يكون المرء إلا كالشهاب، وإذا قال) وما هند إلا مهرة عربية (فإن) ما (دخلت على ابتداء وخبر، وكان الأصل هند مهرة عربية، وهو في تحقيق المعنى عائد إلى تقريب الشبه، وإن كان اللفظ مبانياً للفظ، ثم نفى أن يكون إلا كذلك، فليس بمنكر أن ينسب التشبيه إلى ما إذا كان له هذا الأثر، وباب الشعراء أوسع من أن يضيق عن مثله، والذي عندي ما أقوله، وهو فائدتي من الشيخ أبي العلاء، سقاه الله وحياه، وليس هو مما استنبطته، وهو أن يكون يعني) ما (التي تصحب كأن إذا قلت: كأنما زيد الأسد، ألا ترى أنها كثرت حتى تكلم النحويون فيها إذا حالت بينها وبين الاسم، وقصروا عليها فصولاً كثيرة من كتب النحو، وقد صارت في نعت قوم لازمة لكأن حتى ما تفارقها وما عندي أن أبا الطيب أراد غيرها والله أعلم بالغيب.
وقال الأحسائي:) ما (تكون نكرة بمعنى شيء، وتكون معرفة بمعنى الذي، فيقول أمط عنك تشبيهي بشيء من الأشياء ولا بكأنه شيء.
ومن التي أولها:
أحْيا وأيْسَرُ ما قاسَيْتُ ما قَتَلا ... والبينُ جارَ على ضَعْفِي ومَا عَدَلا
قال الشيخ أبو العلاء رحمه الله) أحيا (يحتمل وجهين أحدهما: أن يكون الشاعر أخبر عن نفسه فقال أحيا أي أعيش، وأيسر ما قاسيت ما قتل.
والآخر: أن يكون) أحيا (في معنى أفعل الذي يراد به التفضيل، أي أشد ما يكون في إحياء الإنسان وأيسر ما قاسيت شيء قاتل، وكان الكلام على التقديم والتأخير، كأنه قال: ما قتل أي الشيء الذي يقتل أحيا وأيسر ما ألقاه وإذا حمل على هذا الوجه فقد حذف المضاف إليه في قوله أحيا، لأنه أراد أحيا ما لاقيت وإنما يستعمل ذلك في الشعر ولو قلت في الكلام المنثور أكرم وأفضل الناس زيد، تريد أكرم الناس زيد وأفضلهم لقبح ذلك، وفيه شبه من قول الفرزدق:
يا مَنْ رأَى عَارِضاً أرقتُ له ... بينَ ذراعيْ وجَبْهةِ الأسَدِ
أراد بين ذراعي الأسد وجبهته.
قَيْلُ بمَنْبِجَ مَثْواهُ ونَائِلُهُ ... في الأُفْقِ يَسألُ عمنَّ غَيرهُ سألا
قال الشيخ رحمه الله: منبج إن كان اسماً عربياً فهو مأخوذ من قولهم نبج إذا رفع صوته، ويوم النباج يوم من أيام العرب، ويقال إن النباج مواضع مرتفعة والقيل ملك دون الملك الأعظم، وقوله) يسأل عمن غيره سألا (كأنه يسأل عنه ليغنيه أو ليعاتبه إذا لم يسأل هذا الممدوح.
ومن التي أولها:
قِفا تَرَيا وَدْقِي فَهاتا المَخايِلُ ... ولا تَخْشَيا خُلْفاً لما أنا قائِلُ
قال الشيخ رحمه الله) الودق (هاهنا المطر، وقيل هو خروج القطر من الغيم بكثرة، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن الودق مثل الدخان يخرج مع القطر من الغيم، والمخايل جمع مخيلة وهي السحابة التي يخال فيها المطر، والمعنى قفا تريا ما أفعل فقد رأيتما دلائله.
وآخَرُ قُطْنُ مِن يَدَيْهِ الجنادلُ قال الشيخ: أي لا أحفل به ولا يقدر لي على مضرة، فكأن الجنادل إذا رماني بها قطن من لينها، فأقول فاسد.
شاَقتْكَ ظُعْنُ الحَيّ يومَ تَحَملّوُا ... فَتَكَّنسوا قُطْناً تصِرُّ خِيامُها
(1/71)

فيقال أراد يكنسوا قطناً، أي جعلوا ثياباً من قطن لهم مثل الكنس جمع كناس وهو حيث تكون الظبية والبقرة الوحشية، وقيل القطن جمع قطين وهم أهل الدار، وقيل القطن جمع قطان وهو جانب الهودج.
ومن التي أولها:
عَزِيُز أسىً مَنْ داؤُهُ الحَدَقُ النُّجلُ ... عَياءُ بِهِ المُحِبُّونَ مِنْ قَبْلُ
قال الشيخ رحمه الله:) عزيز (خبر مقدم إذا جعلت) من (معرفة، فإن جعلتها نكرة جاز أن يكون) عزيز (المبتدأ، وذهب بعض النحويين إلى أن المبتدأ والخبر إذا كانا نكرتين فالمبتدأ هو الأول لا غير، وقد يكون المبتدأ والخبر نكرتين وأحدهما أخص من الآخر كقولك:) ذهب خاتم في إصبعك (فخاتم هاهنا أخص من ذهب، وهو بأن مبتدأ أولى من ذهب،) وعياء (أي معيي لا يعرف دواؤه، ويجوز أن يكون) عياء (بدلاً من) الحدق النجل (ولا يمتنع أن يكون على إضمار هو) والأسى (من قولك أسوت الجرح إذا أصلحته وداويته ويقال أسى الجرح أسواً وأسى.
قال الأعشى:
عِنْدهُ البِرُّ والتُّقَى وأسا ... الصَّدع وحَمْلُ لُمضْلِعِ الأَثْقالِ
وأشبه الوجوه عزيز أسىً من داؤه، بتنوين عزيز وإضافة أسى إلى من ويجوز عزيز أسىً من داؤه، بتنوين عزيز وإضافة أسى إلى من ويجوز عزيز أسىً بإضافة عزيز إلى أسى وتنوين أسى، ويجوز تنوينهما.
كَفى ثُعَلاً فَخْراً بأنَّكَ منْهُمُ ... ودَهَراً لأنْ أصْبحتَ مِنْ أهْلهِ أهْلُ
قال ابن جني: ورواه) دهر (بالرفع، أي وهو أهل لأن أصبحت من أهله أهل للفخر، فارتفع) أهل (لأنه وصف لدهر، وارتفع دهر بفعل مضمر دل عليه أول الكلام، فكأنه قال: وليفخر دهر أهل لأن أمسيت من أهله، لا يتجه رفعه إلا على هذا، لأنه ليس قبله مرفوع يجوز عطفه عليه، ولا وجه لرفعه بالابتداء إلا على حذف الخبر، وليس في قوة إضمار الفعل هاهنا.
وقال الشيخ أبو العلاء رحمه الله ورواه) دهراً (بالنصب، قوله) بأنك منهم (الباء زائدة، وقوله: أنك منهم وكفى دهراً فخراً أنه أهل لأنك من أهله، وكان رفع) أهلاً (في آخر البيت على تقدير) ودهراً (هو لأن أمسيت من أهله أهل.
وقال ابن فورجة ورواه) دهراً (بالنصب: هكذا رويت بنصب دهر، وهو معطوف على قوله) ثعلا (أي وكفى دهراً، ورفع أهل بخبر مبتدأ محذوف كأنه قال: وكفى دهراً لأن أمسيت من أهله أهل فخراً، وهو كقوله أيضا:
ليتَ لي مثل جَدّ ذا الدَّهْرِ في الأدْ ... هُرِ أوْ رِزْقهِ مِنَ الأرْزَاق
أنتَ فيه وكانَ كُلُّ زَمانٍ ... يَشْتَهي بَعْضَ ذَا عَلى الخَلاَّقِ
ومن التي أولها:
صِلَةُ الهَجْرِ لي وَهَجْرُ الوِصَالِ ... نَكَسانِي في السُّقْمِ نُكْسَ الهِلالِ
قال الشيخ رحمه الله: يقول مواصلة الهجر وهجر المواصلة نكساني في السقم نكس الهلال. أي كنت صحيح الجسم كامل الخلق، فنكسني هذان الشيئان نكس الهلال، وذلك أني زدت كما يزيد في أول الشهر، ثم نقصت كما ينقص إلى أن لحقه السرار، وقد شببت الشعراء بالقمر وزيادته ونقصه وينشد لبعضهم:
ومَهْمَا يكُنْ رَيْبُ الزَّمانِ فإنَّني ... أرَى قَمَرَ اللَّيلِ المُعذَبَ كالفَتَى
يكُونُ هِلاَلاً ثم يَزدَادُ نُورُهُ ... وبهَجَتُه حَتَّى إذَا تمَّ واسْتَوَى
تَقَاربَ يَخْبُو ضَوْؤهُ وبَهاؤُهُ ... وينقصُ حتَّى يَسْتَسِرَّ فلا يُرَى
كذلِكَ زَيْدُ المَرْء ثمَّ انْتِقَاصُهُ ... عَوْدَتُهُ في عُمرِهِ بعدَمَا مَضى
بُطُلُولٍ كأَّنُهنَّ نُجَومُ ... في عِراصٍ كأَّنُهنَّ ليالي
قال ابن جني:) الأطلال (ما شخص من آثار الدار، أي تلوح الطلول من العراص كما تلوح النجوم في الليالي.
قال الشيخ رحمه الله: شبه الطلول بالنجوم، لأنها عنده مستحسنة لأجل من كان يحلها ممن يحب، والعراص وهي جمع عرصة وهي الموضع من الدار، وجعل العراص كالليالي لأن المرتحلين عنها كانوا فيها كضياء النهار، فلما فارقوها ذهب نورها، فكأن كل عرصة منها ليلة في الإظلام.
والجِرَاحاتُ عِنْدَهُ نَغَمَاتُ ... سَبَقتْ قَبْلَ سَيْبِهِ بِسُؤَالِ
قال الشيخ: زعم أن الجراحات عند الممدوح نغمات تسبق من السؤال سيبه أي يشق عليه أن لا يكون سبق إلى المعروف قبل أن يطلب منه.
ومن التي أولها:
(1/72)

أبْعَدُ نَأْي المَلِيحَةِ البَخَلُ ... في البُعْدِ ما لا تُكَلَّفُ الإبلُ
قال الشيخ رحمه الله: يقول: أبعدنا في المليحة بخلها إذا بخلت وهي الدانية، فكأنها بعيدة الدار، وقد بين ذلك بقوله:) في البعد ما لا تكلف الإبل (أي أن البعد قد يكون بالهجر كما يكون بالفراق.
مَلُولَةُ ما يَدُومُ لَيْسَ لَها ... مِنْ مَلَلٍ دَائمٍ بها مَلَلُ
قال ابن جني: يقال رجل ملول وامرأة، أدخلت الهاء للمبالغة، و) يدوم (في موضع نصب أي تمل كل شيء يدوم إلا مللها، فإنها لا تمله فتتركه، وإن كان أيضا دائماً.
أنتَ نَقيضُ اسمهِ إذا اخْتَلَفتْ ... قَوَاضِبُ الهِنْدِ والقَنا الذُبلُ
أنتَ لَعَمرِي البَدْرُ المُنيرُ ... ولكِنَّكَ في حَوْمَةِ الوَغَى زُحَلُ
قال ابن جني: أي اسمك بدر وأنت في هذا الوقت زحل، لأنك حينئذ تهلك أعدائك وبدر هو القمر، والقمر سعد، وزحل نحس، فلذلك نقيض اسمه.
وقال الشيخ رحمه الله: البدر من شأنه أن يصف بالنور، ويهتدي به الناس في الأسفار. فزعم أن هذا الرجل في الحرب يصير نقيض اسمه، لأنه يقتل الناس ويثير الغبار بالخيل فيظلم عليهم الأرض، ويكون فعله في الحرب فعل البدر في الظلم، ثم ذكر في البيت الثاني أنه البدر المنير، ولكنه زحل في موقف الحرب، لأن زحل يزعم المنجمون أنه في صورة الأسود، وهو بطيء السير فكأن هذا الرجل هو كالبدر المنير في الحرب زحل. لأنه لا يسير سيرا سريعا، إذ كان القمر يوصف بسرعة السير وهو كوكب نحس يكثر الهلكة، وبعض الناس يذهب إلى أن زحل ملك الموت.
ومن التي أولها: بقائي شاءَ لَيْسَ ارْتحِالا قوله:
فَما حاوَلْتُ في أرْضِ مُقاما ... ولا أزْمَعْتُ عَنْ أرْضٍ زَوَالا
قال ابن جني: يقول إذا كان ظهره كالوطن لي، فأنا وإنْ جئت البلاد كالقاطن في داره، ولأني أقطع الأماكن فلست مقيما في الحقيقة.
وقال ابن فورجة: كأن أبا الطيب أراد بهذا البيت الإلغاز، وإنما يريد أني إذا جعلت أرضي فتودي، وألفت الترحل فكأني ما أقمت بأرض ولا ارتحلت عن أرض وقد تقدمه قوله:
الفِتُ تَرَحُّلِي وجعلْتُ أرْضِي ... قُتُودِي والغُذَيْرِيّ الجُلالا
لأنه إذا كانت أرضه القتود، فهو لا يزول عن أرضه أبدا، وإذا كان يترحل أبدا فهو لا يريد مقاما في أرض، ويحتمل معنى آخر يخرجه عن حد الألغاز، وذاك أنه يريد إذا كان مسافرا أبدا لا يقيم في بلد ولا مكان، فكيف يكون مزمعا زوالا عن أرض، إنما كان إزماعه حين ارتحل منها، وهو معنى لطيف فافهمه.
سِنانٌ في قَناةِ بَني مَعَدّ ... بَنِي أسَدٍ إذا دَعَوُا النّزَالا
قال ابن جني: بني أسد منصوب لأنه منادى مضاف، ومعناه أن قول بني معد إذا نازلوا الأعداء يا بني أسد، ليقوم في الغناء والدفع عنهم مقام سنان مركب في قناتهم، لأنهم إذا دعوهم أرهبوا الأعداء، وأغنوا عنهم ومنعوا منهم، ويجوز أن يكون) بني أسد (بدلا من) قناة بني معد (كأنه قال: سنان في بني أسد الذين هم قناة في بني معد، يريد بضربهم إياهم، وهذا أقوى من القول الأول.
وقال الشيخ رحمه الله، يقول بدر سنان في قناة بني معد نسبة إلى معد بن عدنان، وقوله بني أسد يجوز أن يكون بدلا من بني معد، وهو بدل تبعيض؛ لأن بني أسد يرجعون في النسب إلى معد، وهذا كما يقول فلان من بني العباس بن علي بن عبد الله، ويجوز أن يكون نصب بني أسد بإضمار فعل كأنك قلت أعني أو أريد أو نحو ذلك.
يَكُونُ أحَقُّ إثْناءٍ عَليهِ ... عَلى الدّنْيا وأهْلٍيها محُالا
قال الشيخ: يقول كل ما يوصف به المكارم والأفعال الجميلة يكون حقا وإذا وصف به أهل الدنيا كان محالا، فإذا قيل هو كريم فالقائل صادق محق، وإن قيل إن غيره كريم فالقائل كاذب محيل، وكذلك إن أثنى عليه بالشجاعة والحلم وغيرهما مما يحمد.
جَوَابُ مُسائٍلي ألَهُ نَطِيرٌ ... وَلا لَكَ في سؤالِكَ لا، ألا، لا
(1/73)

قال الشيخ رحمه الله: يقول للسائل عن الممدوح أله نظير؟ لا، أي لا نظير له ويقول للسائل: ولا لك نظير أيضا جلها في ظنك أن له نظيرا، وقد كرر أبو الطيب) لا (في قوله هكذا هكذا وإلا فلا لا، والكلام قد تم عند قوله) في سؤالك (فجاء) بلا (ثانية توكيدا ثم لم يرض بذلك حتى قال: ألا سائل لا، فإن كان أراد هذا الغرض فليس بالحسن، وأسهل منه أن يصرف إلى معنى آخر وذلك أنهم يقولون ما بفلان من الإضلال وتلإلال، فيجعلون الإلال كالإتباع وتابع الشيء في معناه أو قريبا منه، فكأنه على هذا الوجه قال ولا لك في سؤالك، فتم الكلام أي لا ضلال، فأما أن يكون أراد لا يضل أيها السائل ضلالا، أو يكون نفى الضلال عن الناس أن يظنوا بمن مدح هذا الظن.
يفارِقُ سَهْمُكَ الرَّجُلَ المُلاقِي ... فِراقَ القَوْسِ ما لاقَى الرّجالا
قال الشيخ: يقول إذا لقي سهمك رجلا نفذ فيه سريعا لفراقه القوس، أي أنه لا يثبت في الرجل، ولكنه يعبر الرجال شيئا فشيئا ما لقي رجلا.
ومن التي أولها:
في الخّدّ أنْ عَزَمَ الخَليِطُ رَحيلا ... مَطرٌ يَزيدُ بهِ الخُدُودُ بهِ الخُدُودُ مُحُولا
قال الشيخ: يقول إذا عزم الخليط رحيلا بكة المحب بكاء مثل المطر، إلا أنه لا ينبت العشب كغيره من الأمطار، والخدود يزيد محلها به، وقال بعض الشعراء ويقال إنه ليموت بن المزرع:
لَو يَنبتُ العُشبُ مِنْ دُموعٍ ... لكانَ في خَدَّيَ الرًّبيعُ
يا قمراً غابَ عَن عَيانِي ... الله قُلْ لي متى الرُجوع
كمْ زَفَراتٍ وكمْ دمُوعٍ ... يا عَينُ هّذا هو الفَطِيعُ
أعْدَى الزَّمانَ سَخَاؤهُ فَسَخا بِهِ ... ولقدْ يكُونُ بهِ الزَّمانُ بَخيلا
قال ابن جني: أي تعلم الزمان من سخائه فأخرجه من العدم إلى الوجود، ولولا سخاؤه الذي أفاد منه لبخل على أهل الدنيا، فلم يظهره واستبقاه لنفسه، وفي هذا شيء يسأل عنه فيقال أنه في حال عدمه لم يكن له سخاء لأن السخاء لا يصح إلا في موجود، فكيف وصفه بالسخاء وهو معدوم؟ فالقول في هذا إن الزمان كأنه علم ما يكون فيه من السخاء إذا وجد، فكأنه استفاد منه ما تصور كونه فيه بعد وجوده، ولولا ما تخيله فيه لبقي أبدا بخيلا به والشيء إذا تحقق كونه لا محالة أجري عليه في حال عدمه كثير من الأوصاف التي يستحقها بعد وجوده، ألا ترى إلى قوله تعالى) إني أراني أعصر خمرا (.
وقال ابن فورجة: قد جود الشيخ أبو الفتح رحمه الله فيما أتى به، غير أنه قد يمكن تفسيره على وجه أقرب من هذا يخرجه من هذا التبعيد، وهو أن يقال: مراده فسخا به علي، يريد اتصاله به وانضمامه إلى جنبته، يقول قد كان الزمان بذلك بخيلا علي فأعداه سخاء الممدوح فسخا به فوصلني إليه وهذا معنى واضح.
وتَظَنهُ مما يُزمجِرُ نَفْسهُ ... عنها لشِدَّةِ غَيْظِهِ مَشْغُولا
قال ابن جني: أي تظنه نفسه مشغولا عنها وقال الشيخ رحمه الله: الأجود أن يرفع نفسه لأنها فاعلة تظن أي الأسد تظنه نفسه مشغولا عنها باتصال الزمجرة لم تجر عادتها أن تتعدى إلى مفعول.
قال ابن فورجه:) نفسه (رفع على تأويلين أحدهما: أن تكون فاعلة يزمجر: والثاني: أن تكون فاعلة تظنه، يريد تظنه نفسه مشغولا عنها ما يزمجر، وهذا هو الجيد، وعليه المعول، والأول يكون المراد وتظنه أنت مشغولا عن نفسه بشدة غيظه مما تزمجر نفسه، على أنا قرأناه يزمجر بالياء، وإذا كانت نفسه فاعلة يزمجر روي بالتاء ولم نروه.
سَمِعَ ابنُ عَمَّتِهِ به وبحالهِ ... فَنَجا يُهرْوِلُ مِنْكَ أمْسِ مهولا
قال الشيخ أبو العلاء رحمه الله: إنما قال الشاعر ابن عمته لأن سمع قول أبي زبيد في صفة الأسد.
أفرَّ عنه بني العَمَاتِ جُرأتُه ... فكُلّها خَاشِعٌ من ذَاكَ مُكَتنعُ
وليس لابن العمة هاهنا فضل على ابن الخالة.
وقال الاحسائي: قال ابن عمته ليدل على أنه أسد وأمه لبؤة، لأن السباع يلقح بعضها بعضا إلا اللبوة لا تلقح إلا من الأسد، والأسد الذكر يلقح الإناث من غير جنسه، فإذا كان الأسد ابن عمته صح أنه ابن عمه لما ذكرناه، ويجوز أن يكون ابن عمه وأمه من غير الأسد مثل الضبع والببر والنمر والدب وغير ذلك فهذه كلها يلقحها الأسد.
ومن التي أولها: أرَى حُلَلاً مُطَوَّاةً حِساناً قوله:
(1/74)

لَقَدْ ظَلَّتْ أوَاخِرُها الأَعالِي ... مَعَ الأُولى بِجِسْمِكَ في قِتالِ
قال ابن جني: الأولى بجسمك أي الأدنى إليه وهذا كقوله أيضا: وتَحْسُدُ الخَيْلُ مِنْها أيَّها رَكبا وقال ابن فورجه: قوله) أواخرها الأعالي (مما يجب أن يوضح غرضه فيه، وذاك أنه يريد أن ثيابه الأعالي هي أواخرها، يلبس إذا أوائلها يلي جسده وهذا من قول الفلاسفة: أول الفكرة آخر العمل، وآخر العمل أول الفكرة، وإن تأولها متأول بأنها الأعالي، لأنها أعلى محلا في عيون الناس وأبهى وهكذا يلبس اللابس أبهاها وأرفعها مظاهرا كان جيدا.
وقال الشيخ أبو عبد الله النمري في كتاب الحماسة
لَئِن كان يُهْدَى بَرْد أنيابها العُلَى ... لأفْقَرَ مِنّي إنَني إنَني لَفقرُ
إنه خص الأنياب العُلىَ لأنّها هي التي يظهر منها إذا ابتسمت أو تكلمت، وهذا كقول الآخر:
إذا ضحِكَتْ شَبَهتُ أنيابَها العُلىَ ... خَنافِسَ سُوداً في صُراةِ قَليبِ
وقال رجل يعرف بأبي مسلم الولادي إنه إنما قال العلى، لأن العرب تذكر بعض الشيء تريد به كله، فمعنى أنيابها العلى أنيابها كلها، وقال غيرهما من مسرى هذا البيت: إنه قال العلى لأنه أراد الرفع من شأنها، كقولك زيد العلى مضافا وغلام عمرو العلى.
ومن التي أولها: لَكِ يا مَنازِلُ في القُلُوبِ مَنازِلُ
يَعْلَمْنَ ذاكِ ومَا عَلِمْتِ وإنما ... أوْلاكما يُبكَى عَلَيْهِ العاقِلُ
قال الشيخ رحمه الله: يعلمن ذاك أي منازلك التي في الفؤاد يعلمن بحالك وحالهن فهن أواهل بذكرك وأنت مقفرة من ذكر أهلك، ولست تذكرين منازلك التي في الفؤاد وأولاكما بأن يبكي عليه العاقل، يعني المنازل التي في الفؤاد.
وقال ابن فورجة: قوله ذاك يريد هذا الأمر الذي حكاه، يعني إقفارك أيتها المنازل وخلوك من الأحباب وأنت لا تعلمين ذاك، لأنك لا عقل لك، والهاء في " عليه " تحتمل معنيين كلاهما حسن، فأحدهما: يعود إلى ذاك يعني أولاكما بالبكاء على هذه الحال التي ذكرت العاقل منكما وهو الفؤاد.
والثاني: أن تعود الهاء إلى أولى يريد أولاكما يبكي على نفسه، وقد مر لهذا نظائر، ومثل هذا المعنى إلا أن فيه زيادة قوله أيضا:
لو كُنتَ تنطِقُ قلتَ مُعْتَذِراً ... بِي غَيْرُنا بكَ أيُّها الرَّجُلُ
أبكاكَ أنَّكَ بعْضُ من شَغَفُوا ... لمْ أبْكِ أنّي يَعْضُ مَنْ قَتَلوا
تخُلوا الدّيارُ من الظّباءَ وعِنْدَهُ ... منْ كُل تابِعَةٍ خَيالٌ خاذِلُ
قال الشيخ رحمه الله: الهاء في) عنده (عائدة على الذي، والذي وصلته مراد بها الشاعر يقول تخلو الديار من الظباء، وعندي من كل ظبية تابعة من ظفر خيال خاذل من قولهم: ظبية خاذلة، إذا تخلفت عن صواحبها لأجل ولدها.
دُون التَّعانُقِ ناحِلينِ كَشَكْلَتيْ ... نَصْبٍ أدَقَّهُما وَضَمَّ الشَّاكل
قال الشيخ: نصب) ناحلين (على الحال من النون والألف في قوله) بنا (لأنه يعني نفسه، والتي ذكرها في النسيب) وضم (هاهنا لا يريد به الضم الذي هو شكل وإنما أراد ضم شكله بالنصب إلى مثلها، يريد أنه والمذكور قد دنا أحدهما من الآخر إلا أنهما دون التعانق لم يصلا إليه
الطيبُ أنْتُ أنْتَ إذَا أصابَكَ طِيبُهُ ... والمَاءَ أنْتَ إذا اغْتَسَلْتَ الغاسِلُ
قال ابن جني: نصب) الماء (لأنه معناه وأنت إذا اغتسلت الغاسل الماء إلا أن انتصابه الآن ليس على الغاسل، لأن الصلة لا تعمل فيما قبل الموصول ألا ترى أنه لا يجوز زيدا أنت الضارب، ولكنه منصوب بفعل مضمر يدل عليه الغاسل فكأنه قال وتغسل الماء إذا اغتسلت.
وقال الشيخ رحمه الله: الطيب مبتدأ وأنت مبتدأ والغاسل خبر أنت وهو على تقدير الهاء كأنه قال والماء أنت الغاسلة إذا اغتسلت.
ومن التي أولها: لا تحْسَبُوا رَبْعكُم ولا طَلَلَهْ قوله:
أُحِبُّهُ والهَوَى وأَدْؤُرَهُ ... وكُلُّ حُبّ صبَابَةٌ وَوَلَهْ
وقال ابن جني: يجوز أن يكون الهوى في موضع نصب، أي أحب هواه أيضا فيكون قريبا من قوله:
وإني لأَعْشَقُ مِنْ عِشْقِكُمْ ... نُحُولي وُكلَّ امْرِئ ناحِلِ
ويجوز أن يكون الهوى مجرورا، لأنه أقسم به، فكأنه قال والهوى إني لأحبه، كما قال البحتري:
(1/75)

أمَا وهَوَاكِ حلفَةَ ذي اجتِهَادِ
أنا ابنُ مَنْ بَعْضُهُ يَفُوقُ أبا ال ... باحِثِ والنَّجْلُ بْعضُ مَن نَجَلَه
قال ابن فورجة: بمثل هذا فليتغلب الخصوم عند الجدال. فلقد احتج لقصور أبويه فما قصر، يقول أنا بعض والدي، لأني منه وجدت، وأنا فوقك أيها الباحث عن أبوتي فضلا وكرما وبأسا، فإذا والدي فوق أبيك كثيرا لأنه قد فضله بعضه، وقد استوعب المعنى بقوله) أنا أبن من بعضه يفوق أبا الباحث (وباقي البيت فضل وتبيين، وزاد هذه الحجة قوة على خصمه بقوله بعده:
وإنَّما يَذْكُرُ الجُدُود لَهُمْ ... مَنْ نَفَرُوهُ وأنْفَذُوا حِيَلَهْ
يقول أنا لا أفاخركم إلا بنفسي، وإنما يفتقر إلى المفاخرة بالآباء من لا فخر في نفسه.
أأخْفَتِ العَينُ عِنْدَهُ خَبَراً ... أمْ بَلَغَ الكَيْذَبَانُ ما أمَلَهْ
قال ابن جني: يعني بالعين الرقيب قال الشاعر:
قَالُوا تَوقَّ دِيارَ الحَيّ إنَّ لهم ... عَيناً عليك إذا ما نمتَ لم تنمِ
فقلتُ إنَّ دَمي أقصى مُرادِهم ... وما غَلتْ نَظرةُ منها بسَفكِ دَمي
وأنثها لأنه شبه الرقيب بالعين، ويجوز أن يكون أراد العين نفسها فيكون معناه هل يتبين في وجهي ما رابه.
وقال الشيخ رحمه الله: هذا الاستفهام الذي يقلب الكلام حتى يجعله كالنفي فكأن الشاعر قال: ما لي لا أمدح الحسين، ولم تخف العين عنده خبرا، ولم يبلغ الكيذبان ما أمله لديه، أي أني إذا نظرت إلى الممدوح علمت أنه راض عني، فتبينت عيني ما هو عليه، ويجوز أن تكون العين عين الممدوح وكلا المعنيين قد جاء في الشعر قال الشاعر:
تُبينُ لي عَيْنَاكِ ما القَلْبُ كاِتمٌ ... ولا جَنَّ بالبَغْضاءِ والنَّظرِ الشَّزْرِ
والكيذبان في معنى الكذاب يقال بفتح الذال وضمها.
فأَكبَرُوا فِعْلَهُ وأصْغَرَهُ ... أكبَرُ مِنْ فِعْلِه الَّذِي فَعَلَهْ
قال ابن جني: أي استكبروا فعله وأصغره هو، فتم الكلام هاهنا، ثم استأنف فقال: أكبر من فعله الإنسان الذي فعله، إنما هو أكبر من فعله، ويقال أكبر الشيء إذا استكبرته.
وقال الشيخ: النصف الأول يحتمل وجهين، الأول: أن يكون في أصغر ضمير عائد إلى الممدوح، فيكون الكلام قد تم ويكون تكبر خبر مبتدأ مقدم، كأنه لما تم الكلام في النصف الأول الذي فعله أكبر من فعله.
والوجه الآخر: أن يكون " أكبر " فاعلا، وتقديره احتقر الفعل رجل أكبر من فعله ويكون قوله: " الذي فعله " نعتا لفعله.
ومن التي أولها: كَدعْوَاكِ كلُّ يَدَّعي صِحَّةَ العَقْلِ قوله:
قَوَلَّتْ تُرِيغُ الغَيْثَ والغَيْثَ خَلَّفَتْ ... وتطلُبُ ما قَدْ في اليدِ بالرّجْلِ
قال ابن فورجة: هؤلاء بنو كلاب أظهروا العصان بعد الطاعة فقصدهم دلير بن لشكروز فأجفلوا من بين يديه عائدين إلى البدو فقال أبو الطيب:
أرَادَتْ كِلابُ أنْ تَقُومَ بَدَوْلَةٍ ... لمنْ تَرَكَتْ رَعْي الشُّوَيْهاتِ والإبْلِ
أبَى رَبُّها أنْ يترُكَ الوَحْشَ وَحْدَها ... وأنْ يُرمِنَ الذَّبَّ الخَبيثَ من الأكُلِ
يقول كانت طاعة السلطان غيثا فتركته وعصته ومضت تطلب مواقع الغيث في البدو، وطلبها له سائرة إليه طلب بالرجل وقوله: ما كان في اليد، أي ما كان حاصلا، كقولك: هذا الشيء في يدي أي حاصل عندي
فَلا عَدِمَتْ أرْضُ العِرَاقَينِ فِتْنَةً ... دَعَتْكَ إليها كاشِفَ الخَوْفِ والمَحْلِ
قال الشيخ رحمه الله: العراقان يراد بهما الكوفة والبصرة، وهما مصران وقالوا للجزيرة والموصل الموصلان، وهو من جنس قولهم العمران وكاشف الخوف والمحل يحتمل أن يكون منصوبا على النداء أو الحال.
ومن التي أولها: لا خَيْلَ عِنْدَكَ تُهِديها ولاَ مَالُ قوله:
غَيْثٌ بُبَيَنُ للنُّظَّارِ مَوْقِعَهُ ... إنَّ الغُيُوثَ بما تأتيهِ جُهَّالُ
قال ابن جني: أي الغيث يمطر المكان الطيب والسبخ جميعا، فهو كالجهل منه، وفاتك يعطي من هو أهل العطاء، وهذا ضد قوله في معاتبة سيف الدولة:
وَشَرُّما قَنَصَتْهُ راحَتِي قَنَصٌ ... شُهْبُ البزَاةِ سَوَاءٌ فيه والرَّخَمُ
أنالَهُ الشرَّفَ الأعْلى تَقَدُّمُهُ ... فَما الذي بِتَوّقي ما أتى نَالُوا
(1/76)

قال ابن جني: يقول أفضى به تقدمه وجرأته إلى نيل الشرف، فما الذي نال أعداؤه لما توقوا ما أتاه، وأشفقوا على أنفسهم منه، أي فقد غنم بما فعل وخابوا لما خالفوه.
ومن التي أولها: أثْلِثْ فَإنّا أيُّها الطَّلَلُ نَبكِي وَتْرْزِمُ تَحْتَنا الإبلُ قال الاحسائي: أي كن لنا ثالثا يقال: ثلث القوم أثلثهم إذا صرت لهم الثا، وخمستهم أخمسهم، وسدستهم أسدسهم إلى العشرة، تكسر الثالث في المستقبل، إلا في ثلاثة مواضع فإنه يفتح، وهي أربعهم وأسبعهم وأتسعهم وثلثت القوم أثلثهم إذا أخذت ثلث أموالهم، بضم ثالثة في المستقبل من الثلاثة إلى العشرة، فإن أخذت نصف أموالهم قلت نصفتهم أنصفهم، وكذلك الخدمة ومن الإنصاف نصفهم وأنصفتهم أنصفهم.
تمشي عَلَى أيْدي مَوَهِبِهِ ... هِيَ أوْ بَقَيَّتُها أو البَدَلُ
قال ابن جني: أي تلي مواهبه أمر خيله وإبله، فلان على يدي عدل، أي قد ملك أمره عليه، وصار أحق به منه، وقوله) هي (يعني الخيل والإبل وما تبقى منها بعدما وهبه لقوم آخرين، أو البدل منها عينا وورقا أو غير ذلك.
وقال الشيخ رحمه الله: يقول الذي تأخذه الوفود من خيله وإبله على ثلاثة أصناف، فإما أن تكون موفورة، فهي تسلم إليهم، وإما أن تكون قد بقيت منها بقية منهم المحكمون فيها، أو قد وهبها كلها واستبدل غيرها منهم يأخذون البدل.
فإذا الخميسُ أَبى السُّجُودَ لَهُ ... سَجَدَتْ لَهُ فيهِ القَنَا الُّبُلُ
قال ابن جني: أي إذا عصاه جيش خفض الأسنة لطعنه وقوله) فيه (أي سجدت قنا أبي شجاع في جيش مخالفه.
ومن التي أولها:
ما أجْدَرَ الأيّامَ والليالي ... بأنْ تَقُولَ ما لَهُ ومَالِي
لا أنْ يكُونَ هكذا مَقالِي قال ابن فورجة: يقول الأيام تتظلم مني: وأنا لا أتظلم منها، والهاء في) ماله (يكون لأبي الطيب، والياء في) مالي (للأيام، ثم قال لا أن أقول أنا ما لها ومالي، لأني أبالي بها ولا أتظلم منها ألا تراه يقول:
وكيفَ لا وإنّما إدْلالِي ... بفارسِ المجْروُحِ والشَمالِ
وهما كانا لعضد الدولة، يقول: فإذا كنت مدلا بعضد الدولة ثم أتظلم من الزمان ولم يقدر على هضمي وقوله) مالي (قول المتظلم، ألا ترى إلى سحيم يقول:
ألاَ نَادِ في آثارِهنَ الغَوانِيا ... سُقِينَ سِماماً ما لَهُنً ومالِيا
وإلى قول الآخر يقول:
يا قوم مالي وأبا ذُؤيبِ ... كنتُ إذا أتيتُه عن غَيبِ
يَشُمُّ عِطْفِي وَيَمسُّ ثَوْبِي ... كأنّما أرَبتُه بريبِ
والبحتري يقول:
مَالِي وللأيَامِ صَرّفَ صَرفُها ... حَالِي وأكثرَ في البلادِ تَقَلُّبي
وقد ترك من اللفظ شيئا يدل عليه الكلام، وذاك أنه يريد أن يكون هكذا مقالي لها، لأنك لا تقول ما أجدر زيدا أن يمر عمرو حتى يقول به، فتكون الجملة الثانية عائدة إلى الجملة الأولى.
حرف الميم
ومن التي أولها:
وَفاؤُكُما كالرَّبْع أشْجاهُ طاسِمُهْ ... بأنْ تُسْعدا وَالدَّمْعُ أشْفاهُ ساجمه
قال ابن جني: كلمته وقت القراءة في إعراب هذا البيت، فقلت له الباء في) بأن (بأي شيء تتعلق؟ فقال: بالمصدر الذي هو) وفاؤكما (فقلت له: فيم رفعت) وفاؤكما (؟ فقال: بالابتداء. فقلت: فأين خبره؟ فقال) كالربع (فقلت: له هل يصح أن يخبر عن اسم قبل تمامه وقد بقيت منه وهي الباء؟ فقال: هذا لا أدري ما هو إلا أنه قد جاء في الشعر له نظائر. وأنشدني بيتا أنشده أبو الحسن الأخفش، وهو:
لَيستْ كَمَنْ حَلَّتْ إيادٍ دارها ... تكريتَ تَرقبُ حَبّه أنْ يحُصَدَا
(1/77)

فأبدل إيادا من) مَنْ (في قوله) من حلت (ومعناه لسنا كمن حلت دارها إياد، أي كأياد التي حلت دارها، فدارها الآن ليست منصوبة) بحلتْ (هذه. وإنْ كان المعنى يقتضي ذلك، لأنه لا يبدل من الاسم إلا من تمامه، وإنما هي منصوبة بفعل مضمر يدل عليه) حلتْ (هذه الظاهرة، كأنه قال فيما بعد حلت دارها، وكذلك العطف والتوكيد وجمع ما يؤذن بتمام الاسم وانقضائه، ألا ترى أنهم لا يجيزون مررت بالضارب أخيك زيدا على أن تبدل الأخ من الضارب، وقد بقيت منه بقية وهي زيد لأنه منصوب بالضارب، ولا يجيزون مررت بالضارب وزيد عمرا، لأنك لا تعطف عليه وقد بقيت منه بقية، وكذلك لا يجيزون أن تعلق الباء في) بأن تسعدا (بالوفاء، وقد أخبرت عنه بقولك كالربع، فإذا لم يجز ذلك كانت الباء) بأن (متعلقة بفعل محذوف يدل عليه قوله) وفاؤكما (فكأنه لما قال) وفاؤكما كالربع (قال) وفيتما بأن تسعدا (وإن لم يقدره هذا التقدير فسد الإعراب وكذلك قوله تعالى) إنه على رجعه لقادر. يوم تبلى السرائر (معناه والله أعلم إنه على رجعه يوم تبلى السرائر لقادر، إلا أنه لا يجوز أن يكون إعرابه الآن على هذا، لأن الظرف الذي هو يوم تبلى السرائر على هذا التقدير يكون متعلقا بالرجوع وقد فصل بينهما بقوله) لقادر (، وهو خبر إن وهو أجنبي من المصدر، ولا يجوز على الفصل بين الصلة والموصول بالأجنبي) وأشجاه (أي اشده شجةا، كما تقول أحزنه وآسفه، ومعنى البيت كنت أبكي الربع وحده فصرت أبكي وفاء كمامعه، أي كلما ازددت بالربع وبوفائكما وقوله أشجاه طاسمه أي كلما تقادم عهده أحزن كما قال زهير:
وَقَفْتُ بها مِنْ بَعد عِشْرِينَ حِجَّةً ... فَلاياً عَرَفْتُ الدَّارَ بعدَ تَوَهُّمِ
فكأنه كلما خفيت الآثار، واضمحلت الرسوم، زاد شجوه وبكاؤه، وهذه طريق معروفة، وقد تصف العرب الرسم ببقائه، لأنه حينئذ أدل على ساكنه وأقرب إلى تذكره، كما قال أبو صخر الهذلي:
كأنهما مِلآن لَمْ يَتَغِيرا ... وقد مَرَّ للدَّارَيْنِ من بَعْدِنَا عَصْرُ
وما منهما إلا له نظائر كثيرة.
وقال الشيخ أبو العلاء رحمه الله: قوله) بأن تسعدا (متعلق بقوله) وفاؤكما (إلا أنه فصل بينه وبين الكلام الأول بقوله) كالربع أشجاه طاسمه (وينبغي أن يكون أضمر قوله) وفاؤكما (بعد تمام النصف الأول، ليكون الموصول متعلقا بالصفة، والشعراء وغيرهم يقولون: إن البكاء يجلو بعض الهم عن المحزون والمكروب قال الفرزدق:
ألمْ تَرَ أنّي يَومَ جَوّ سُوَبْقَةٍ ... بَكَيْتُ فنَادتِني هُنيدَةُ مَاليا
فَقُلْتُ لها إنَّ البكاءَ لراحَةٌ ... به يَشْتفي مَنْ ظَنَّ أنْ لا تَلاقِيا
وقال ذو الرمة:
لعلَّ انحِدَارَ الدَّمعِ يُعْقِبُ رَاحَةً ... مِن الوَجْدِ أو يَشفي نَجِيَّ البَلابَلِ
وشبه وفاء صاحبيه بالربع أشجى ما يكون إذا درس، وكأنه لا مهما على أنهما لم يسعداه، وبعض الناس يذهب إلى أنه أراد مخاطبة عينيه، وكلامه يدل على غير ذلك، والمراد أنه بكى ولم يبك صاحباه، ولو بكيا معه لكان ذلك زائدا في بكائه) وأشجاه (هاهنا اسم فيه معنى التفصيل.
وما أنا إلاَّ عاشِقٌ كُلُّ عاشِقٍ ... أعَقُّ خليلَهِ الصفِيَّينِ لائِمُهْ
قال ابن جني: انقطع الكلام على قوله) وما أنا إلا عاشق (، ثم استأنف فقال: كل عاشق من حاله ومن أمره كأنه ينهى صاحبه عن لومه، وفي قوله) أعق خليليه الصفين لائمة (شبهه يسأل عنها فيقال: لا يقال أعق الرجلين زيد حتى يشتركا في صفة العقوق، ثم يزيد زيد على صاحبه، فإذا حكم لهما بأنهما صفتان فأي عقوق هناك؟ والجواب أنه يريد أنه إذا كان له خليلان صفيان، ثم لامه أحدهما، فقد زال عنه وصف الصفاء، وحصل له وصف العقوق بلومه إياه، كما قال الله تعالى) أصحاب الجنة خير مستقرا وأحسن مقيلا (. ومعلوم أن أصحاب النار هم أصحاب الشر ولا خير في مستقرهم البتة، فقد علمت بهذا أنهما لم يشتركا في الخيرية فهذا نظير ذاك.
وقال الشيخ أبو العلاء: قوله) أعق خليليه (دليل على أنه أراد الصاحبين لا العينين.
وَقَدْ يَتَزَيَّا بالَهوىَ غَيْرُ أهلِهِ ... وَيَسْتَْحِب الإنسانُ منْ لا يُلائمه
(1/78)

قال ابن جني: كلمته في) يتزيا (فقلت له هل تعرفه في شعر أو كتاب من كتب اللغة؟ فقال: لا، فقلت له: كيف أقدمت عليه؟ فقال: لأنه قد جرت به عادة الاستعمال، فقلت: افترضي بشيء تورده باستعمال العامة، ومن لا حجة في قوله؟ فقال: ما عندك فيه شيء؟ فقلت: قياسه يتزيى. فقال: من أين ذلك؟ فقلت: لأنه من الزي والزي ينبغي أن تكون عينه واوا، وأصله زوي، فانقلبت الواو ياء لسكونها وانكساره ما قبلها، ولأنها أيضا ساكنة قبل الياء، ويدل أيضا على أن عين الزاي واو أنه لا يقال لفلان زي، إذا كان له شيء واحد مستحسن حتى يجمع له أشياء كثيرة حسنة، فحينئذ يقال له زي. فقال: فكأنك تقول إنه من قوله صلى الله عليه وسلم " زويت لي الأرض "، ومن قول الأعشى: زَوَى بَينَ عَيْنَيْهِ عَلَّى المحَاجمُ أي جمعت وجمع. فقلت له: إلى هذا ذهبت، فأصغى نحوها ثم قال: لم ترد في الاستعمال إلا يتزيا.
بَكيتُ على الأطلال إنْ لمْ أقِفْ بهَا ... وقَوفَ شَحيحٍ في التُرْبِ خَاتُمه
قال ابن جني: طعن بعضهم في عجز هذا البيت فقال: ليس لفظه في جزالة لفظ صدره، ولا في وقوف الشحيح على طلب خاتمه مبالغة يضرب بها المثل، فأما اللفظ فليس ببدع، بل تقدم بنظيره فحول الشعراء فأولهم امرؤ القيس في قوله:
ولَيْلٍ كَمَوْجِ البَحْرِ أرْخَى سُدُولَه ... عليَّ بأنْواعِ الهُمُومِ ليَبْتَلِي
فليت شعري أين لفظ أول هذا البيت من لفظ آخره ومثله كثير، وأما ذهابهم إلى نقصان المعنى، وأن وقوف الشحيح على طلب خاتمه مما يتباهى في ضرب المثل به فساقط أيضا، لأن الله سبحانه وتعالى لا يقاس به شيء يقول في محكم كتابه) الله نور السموات والأرض مثل نوره كمشكاه فيها مصباح (فليت شعري هل يبلغ من ضوء الكوة التي فيها مصباح أن يفي بنور الله تعالى، ولكن العرب كما تبالغ في وصف الشيء وتتجاوز الحد، فقد تقصد أيضا فيه، وتستعمل المقاربة، وقد جاء مثل ذلك في الشعر الفصيح. قال الراجز: فَهُنَّ حَيرَى كَمُضِلاَّتِ الخَدمْ جمع خدمة وهي الخلخال.
وقال الشيخ رحمه الله: لا يجوز إلا كسر التاء في قوله) خاتمه (إذا كان في القافية لأنه إن فتح التاء صار في القصيدة عيب وهو السناد وكان أبو الطيب يختار فتح التاء في قوله) وأنكر خاتماي الخنصرا (.
قال ابن فورجه: وقد سمعت بعض أهل الأدب يحكي أنه صحف هذا المصراع، فخرج من هذا الاسترذال فقال) وقوف شجيج ضاع في الترب خاتمه (والشجج من صفات الوتد، يريد وقوف الوتد المتروك في الدار) وصاع (بمعنى تفرق، بمعنى صارت له عروق في التراب، وعلق فأورق وبيت الشيخ أبي العلاء رحمه الله في هذا المعنى في السماء جودة وهو: غصْنُ الشَبابِ عصَى السَحابَ فلم يَعُدْ ذَا خُضْرةٍ إذ كلُّ غُصْنٍ أَخْضَرُ
قد لأوْرَقَتْ عُمدُ الخيامِ وأعشَبَتْ ... شُعُبُ الرّحالِ ولوْنُ رأسي أغبَرُ
ولقد سَلَوْتُ عن الشَباب كما سَلا ... غَيري ولكنْ للحَزين تَذكر
وخاتمه بمعنى ثابته وقد فعل ذلك في قوله:
وأَكَبرُ آيات التهاميّ آيةً ... أبُوكَ وأحدَى ما لَكمْ منَاقِبِ
من التصحيف فخرج من أن يكون كفرا، وأكبر آيات التهامي آية أبوك، يعني به علي ابن أبي طالب رضي الله عنه، ولا ينكر أنه آية من آيات رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعجزانه.
قفي تَغْرَمِ الأولى مِنَ اللَّحْظِ مُهجَتي ... بثانِيةٍ والمُتْلِفُ الشيءَ غارِمُه
قال ابن جني: سألته وقت القراءة فقلت: الأولى هي الفاعلة فقال: نعم، يريد أنه نظر إليها نظرة فأتلفت النظرة مهجته، فأراد أن يلحظها لحظة أخرى، لترجع إليه نفسه، فجعل الأولى كأنها في الحقيقة هي الغارمة، لأنها كانت سبب التلف، ومثله في استعادة النظر قول جرير:
ولقد نَظرتُ فرَدَّ نَظَرَتِي الهَوى ... بحزِيزِ رامَةَ والمَطي سَوامِ
أي حملني على أن أعدت النظر كذا فسروه.
وقال الشيخ أبو العلاء: " الولي " رفع بفعلها، ومهجتي نصب، لأن الغرامة وقعت عليها، والمراد قفي يا محبوبة ليغرم اللحظة الأولى التي لحظتك مهجتي، أي يغرمها بلحظة ثانية، وذلك لأنه أراد أن اللحظة الأولى أتلفت مهجته، ووجبت عليها الغرم، فإن لحظ ثانية عاش حتى قال ابن فورجة: هذا المعنى مثل قول القائل ولا اعلم أقبل أبي الطيب أم بعده.
(1/79)

يا مُسْقِماً جِسْمِي بأوَّلِ نَظْرَةٍ ... في النَّظْرَةِ الأُخْرىَ إليْكَ شَفائِي
إلا أن هذا البيت لا مجاز فيه، وبيت أبي الطيب فيه مجاز
فلا يَتَّهِمْنِي الكاشِحُونَ فإنَّنِي ... رَعَيتُ الرَّدَى حتى حَلتْ لي علاقِمُهْ
قال ابن جني: سألته وقت القراءة فقلت له: ما وجه التهمة في هذا الموضع فقال: أن يظنوا بي جزعا، ونحو هذا قول أوس بن حجر:
لا تُحْزِنينِي بالفرَاقِ فإنّني ... لا تَسْتهِلُّ مِنَ الفِرَاقِ شُئُونِي
أي قد مرنت عليه، ومر بي أشياء كثيرة منه.
وقال الشيخ رحمه الله: لا تظنوني قد سلوت، وإنما أنا صاحب صبر قد جربت الأشياء، ودريت بالمرارة حتى حلا العلقم بفمي، ومعنى البيت أنه يصف نفسه بالوفاء، وأنه لم يسل عن أحبابه، ولكنه حسن الصبر.
وتكْمِلَةُ العَيْشِ الصِبّا وَعَقيبُه ... وغَائِبُ لَوْنِ العارِضَيْنِ وقَادِمُهْ
قال الشيخ أبو العلاء: جعل العيش أربعة أقسام: الصبا وما يعقبه من الزمان الذي هو قريب منه، وغائب لون العارضين يجوز أن يعني سوادهما مرة وبياضهما أخرى، وكذلك القادم من لونهما يحتمل وجهين: أن الغائب والقادم كلاهما غاب، وكلاهما قدم، الآ ترى أن لون الشعر ينبت في وجه الأمرد يكون غائبا عنه دهرا، ثم يقدم بعد ذلك، والبياض جار مجرى السواد لأن الشيب يقدم بعد غيبة.
وقال ابن فورجة، قال ابن جني: إن أبا الطيب قال عنيت بعقيبه الشيب والهرم، لأنه يتلوه، والأولى عندي أن يعني الشباب، ألا ترى أنه قال بعده) وغائب لون العارضين وقادمه (. يعني كمال العيش بالصبا، ثم الشباب وسواد الشعر فيه، ثم الشيب، وهذا المعنى من قول ابن الرومي وهو أجود منه:
سُلِبْتُ سَوادَ العارِضَينْ وقبْلَهُ ... بَياضَهما المحْمودَ إذْ أنا أمْرَدُ
وأجود منهما قول الشيخ أبي العلاء وإن كان قد غير المعنى بعض التغيير:
وعيشَتي الشّبَابُ وليس منها ... صِبايّ ولا ذَوَائِبيَ الهِجانُ
وكالنَّارِ الحَيَاةُ فمِن رَمَادٍ ... أواخِرُها وأوَلُها دُخَانُ
عَلى عاتِق المُلْكِ الأَغر نجادُهُ ... وفي يَدِ جَبَّارِ السمَواتِ قَائِمُهْ
قال الشيخ: من رواها الملك بضم الميم جعل الملك متقلدا لسيف الدولة يعني ملك بني العباس، وإن فتحت الميم فالمراد الخليفة.
ومن التي أولها: أيْنَ أرْمَعْتَ أيهُّذَا الهُمامُ قوله:
نَحْنُ مَن ضايقَ الزَّمانُ له في ... كَ وخانَتْهُ قُرْبَكَ الأيَّامُ
قال ابن جني: قال لي أردت) ضايقه (فزدت اللام، ولهذا الذي قال نظائر منها قوله عز اسمه: " إن كنتم للرؤيا تعبرون " معناه والله اعلم إن كنتم تعبرون الرؤيا.
وقال الآخر:
أَلاِيدُ لأنْسَى ذِكَرَها فكأنما ... تُمثلُ لي لَيلى بِكُلِ سبيل
أي أريد أن أنسى.
وقال الشيخ أبو العلاء: قوله تعالى " للرؤيا تعبرون " حسن في تقديم اللام لأنها تقدمت على المفعول، وإذا قلت لزيد ضربت، فهو أحسن من قولك ضربت لزيد، أنك إذا قلت ضربت، فقد ذكرت الفعل وهو متعد، فكان دخول اللام مكروها، وإذا قدمتها فهي دليل على أن الفعل متصل بها، لأنه لم يعمل شيئا ولا استحق العمل، إذ لم يذكر، وإذا بدئ به فقد استحق العمل ونصب) قربك (لأنه مفعول ثان، ولا يجوز نصبه على الظرف، لأنه يصير دما للممدوح، وٌقرارا بأن الزمان خانهم في حال اقترابهم منه، وإنما) خان (هاهنا مثلها في قول الأعشى:
ومَا إنْ أرَى الدَّهَر في صَرْفِهِ ... يُغَادِرُ مِن شَارخٍ أو يفَنْ
أزَالَ أُذَيْنَةَ عَنْ مُلْكِهِ ... وأخْرَجَ مَنْ حصْنِهِ ذَا يَزَنْ
وخَانَ النَّعِيمُ أبَا مَالِكٍ ... وأيُّ اِمرئ صَالحٍ لم يُخَنْ
كُلُّ عَيْشٍ ما لم تُطِبْهُ حمِامٌ ... كُلُّ شَمْسٍ ما لم تكُنها ظَلامُ
قال الشيخ: يقيمون الهاء مقام خبر كان، وهو بإياها أشبه، وقد قال أبو الأسود الدؤلي:
دَعِ الخَمْرَ يَشْرَبْها الغُوَاةُ فإنَّنِي ... رأيْتُ أخَاها مُغْنياً بمكانِها
فَإلاَّ يَكُنْها أوْ تكُنْهُ فإنَّهُ ... أخُوها غَذَتهُ أمُّهُ بِلبِانَها
وقالوا تكونها في معنى يكون فيها قال الشاعر:
(1/80)

ولَّما رأى بَرقاً يُضيءُ ومَيضُهُ ... مَنازِلَ من أسماءَ كانت تكُونها
أي تكون فيها.
ومن التي أولها: إذا كانَ مَدْحٌ فالنَّسِيبُ المُقَدَّمُ
فَجازَ لَهُ حتى على الشَّمْسِ حُكمُه ... وَبانَ لَهُ حتى عَلى البَدْرِ مَيْسَمُ
قال ابن جني: الميسم الحسن أي فاق البدر في الحسن.
وقال الشيخ أبو العلاء: على في البيت حرف خفض، ومن جعله فعلا ماضيا فقد خالف غرض الشاعر، لأن المعنى فجاز له حكمه حتى حكم على الشمس وبان له ميسم حتى على البدر، أي أنه قد وسم البدر، لأجل ما يرى فيه من التغير فكأنه أثر وسم.
وقال الأحسائي: حكمه الذي جاز على الشمس أنه سار بجيشه ستر نورها، ولم يصب حرها أصحابه، وإذا سار ليلا أضاء الأرض وجهه ولمعان سلاحه، فلم يضر مغيبها في الليل، والميسم الحسن من قولهم وجه وسيم وله وسامة، وقال وسامة، وقال بعضهم: إن الميسم من الوسم وهو ما يرى في القمر من الكلفة فكأنه وسم بذلك.
ضَلالاً لَهذِي الرّيحِ ماذا تُرِيدُهُ ... وَهَدْياً لهذا السَّيْل ماذا يُؤَمَّمُ
قال ابن جني: كانت الريح عارضتهم في الطريق فقال للريح ضلالا كما قال في موضع آخر: لَيْتَ الرّياحَ صُنَّعُ ما تَصْنَعُ وقال للمطر هديا لأنه شبهه بسيف الدولة في سحه ألا تراه يقول بعده:
تَلاكَ وَبَعْضُ الغَيْثِ يَتْبَعُ بعضَه ... مِنَ الشَّامِ يَتْلو الحَادِقَ المُتَعَلَّمُ
أي أنت حاذق بالصب والسكب وهو متعلم فجاء تاليا لك.
وقال الشيخ أبو العلاء: نصب) ضلالاً (على المصدر، كأنه قال أضلت الريح ضلالا، أي شيء تريده؟ وبنى هذا المعنى على قول الناس هو يباري الريح جودا، إذا وصفوه بالكرم، أي أنها إن هبت تباريك فقد ضلت، كأنه دعا عليها بالضلال، وقال هديا لهذا السيل، كأنه دعا له بالاهتداء أي هداه الله هديا ماذا يؤمم أي ماذا يقصد.
كأجْناسِها راياتُها وشِعارُها ... ومَا لَبسَتْهُ والسلاحُ المُشَمَّمُ
قال ابن جني: يقول جميع ما في عسكره عربي خيله وسلاحه وشعاره وملبسه قال الشيخ: يريد أن في الجيش رايات مختلفات الشكول، وكذلك الشعار الذي هو مختلف، لأنه ادعى أن فيه قبائل بعضهم يقول يال عقيل، ومنهم من يقول يال تميم، وغيرها من القبائل وهذا يشابه قوله: تَناكَرُ تَحْتَهُ لَوْلا الشَّعارُ والمشمم يجوز أن يكون من الشم ويجوز أن يكون من شممت الشيء إذا أصلحته.
عَلى كُلَّ طَاوٍ تحتَ طَاوٍ كأنَّهُ ... مِنَ الدَّمِ يُسقى أوْ مِنَ اللَّحمِ يُطعمُ
قال الشيخ: على كل طاو من قولهم طوى الرجل إذا لم يأكل شيئا) على كل طاو (أي على كل فرس لم ترع، ولا علق عليق، يقال هو طاو بين الطوى وحكاه سيبويه وأجراه مجرى السمن والشبع والمراد أن هذه الخيل وفرسانها كأنها تستقي من دماء الأعداء، وتطعم من لحومهم، وذهب قوم إلى أن المراد أنها كالتي تأكل من لحوم أنفسها، وتشرب من دمائها، ولا يجعل هذا القول غرض الشاعر لأن صفتها بأنها كالآكلة لحوم الأعداء والشاربة من دمائهم، أبلغ في المديح.
أما القوم الآخر فيحسن إذا كان في صفة إبل مسافرة لا يقصد بها الحرب كما قال الراجز:
وَبَلدَةٍ باتتْ على خزومِها ... شاكية الأكوارِ مِن لزُومِها
كأنها تَلاتعُ في لحومِها ومن التي أولها: وَاحَرَّ قلباهُ مِمَّنْ قَلبُهُ شَبِمُ
فَوْتُ العَدُوّ الذي يَمْمَتَه ظَفرٌ ... في طَيّهِ أَسَفٌ في طَيَّهِ نِعَمُ
قال الشيخ:) في طيه أسف (الهاء في طيه عائدة إلى الظفر، أي أن فوته إياك إنما وقع به لخوفه منك، لأنه هاب لقاك فهرب، وإنما يعني أن سيف الدولة أسف لذلك وقوله) في طيه نعم (الهاء في الطي الثاني ترجع إلى الأسف وقد شرح ذلك في البيت الذي يليه بقوله:
قَد نابَ عَنكَ شَديدُ الخَوْفِ واصْطَنَعتْ ... لَكَ المَهابَةُ مالاَ تَصْنَعُ البُهَمُ
وقال الأحسائي: العدو إذا فاتك فذلك الفوت ظفر له، وفي طي ذلك الظفر أسف على من قتل من أصحابه، وما نهب من أمواله، وفي طي ذلك الأسف نعم لك ولأوليائك. ويشبه قوله: مَصَائِبُ قَوْمٍ عِنْدَ قَوْمٍ فَوَائدُ
رِجلاهُ في الرْكضِ رِجلٌ واليدان يَدٌ ... وفِعْلَهُ ما تريد الكَفُّ والقَدَمُ
(1/81)

قال ابني جني: يصف استواء وقع قوائمه، وصحة جريه، كقول جرير:
مِنْ كُلَّ مُشْتَرفٍ وإنْ بَعُدَ المدَى ... ضرم الرّقاقِ مُناقِل الأجْرالِ
أي يتقي في جريه وطء الصخور، وقوله) وفعله ما تريد الكف والقدم (أي جريه يغنيك عن تحريك السوط والقدم.
وقال الشيخ:) وفعله (يعني الجواد، ما تريد كف راكبه وقدمه، أي هو جواد مدرب فإذا قصر عناه قصر في الجري، وإذا أرخي له في العنان بذل ما يريده الراكب من الجري، وكذلك إذا حرك قدمه ليمتري خصره فإنه يسمح بما يرضيه، ونحو من هذا المعنى قول ساعدة بن جؤية الهذلي:
يُوشُونَهنَّ إذَا مَا آنسُوا فَزَعاً ... تَخْتَ السَّنَوَّرِ بالأقدَامِ والجِذَمِ
يعني بالجذم السياط، ويوشنهن يستخرجون ما عندهن في الجري.
وقال ابن فورجة: وإذا توقى وطء الصخور، على ما حكاه أبو الفتح لحذقه، فأي شبه بينه وبين كونه صحيح الجري غير متفاوته، متلائم وضع اليدين والرجلين، وما أراه إلا أعجب ببيت حرير ثم سمع هذا البيت فأعجبه، فجعله مثله من حيث الاستحسان لا من حيث الاشتباه، وهذا المصراع ببيت رؤبة أشبه وهو قوله: يهَوْين شَتَّى ويقعنَ وَفْقَا وقوله) وفعله ما تريد الكف والقدم (من قول امرئ القيس:
فللزّجرِ أَلهوبٌ وللسَاقِ دِرَّةٌ ... وللسَّوْطِ أخرى غَربُها يَتَدَفَقُ
ويحتمل معنى آخر، وهو أن يريد أنه مؤدب، يتصرف من غير تحريك العنان، ولا القدم وإلى هذا ذهب قوله:
وأدَّبها طَولُ القِتالِ فَطَرْفُهُ ... يُشِيرُ إليها مِنْ بَعيدٍ فَتَفْهَمُ
ومُرْهَفٍ سِرتُ بين الموجَتينِ به ... حتى ضرَبتُ وَموجُ المْوتِ يلتَطِمُ
قال الشيخ: المرهف السيف الرقيق، وجعل نفسه سائرا بين الموجتين أي بين فريقين يخاف منهما الموت، واستعار للموت موجا وإنما هو للبحر وما جرى مجراه من المياه الكثيرة كالفرات وغيره من الأنهار قال أبو ذؤيب:
فَجَاءَ بها ما شِئْتَ من لَطَمِيَّةٍ ... يَدومُ الفُراتُ فَوْقَها ويمُوجُ
وخطى أبو ذويب في هذا البيت، وقيل الدرة لا تكون في الفرات، وقيل أراد باللطمية الدرة التي تحمل في اللطيمة، وهي العير التي تحمل المسك.
وقال قوم: أبو ذؤيب في جبال هذيل ولم يكن ليخفى عليه أن الدر لا يكون في الفرات، وقيل أراد أن حول الصدفة التي فيها الدرة ماء كثيرا كأنه الفرات إذا هاج. وقال قوم الصدفة إذا شقت عن الدرة خرج ماء فذلك الذي أراد الهذلي. وقيل إنما أراد ماء الدرة نفسها في حسنها، وشبه ماء الدرة بماء الفرات.
لَيتَ الغَمامَ الذي عِندي صَوَاعِقهُ ... يُزيلُهنَّ إلى من عِنْدَهُ الدّيمُ
قال الشيخ: يعني سيف الدولة، وبصواعقه ما يلحقه منه من الأذية شبهها بالصواعق، الصاعقة هي الراعدة التي يسمع لها صوت عظيم، وربما كان معها برق يحرق يقال صاعقة وصاعقة قال الراجز:
يحَكُونَ بالهْندِيةِ اللوامِع ... تَبَوُّج لبَرْقِ عن الصَوَاقِعِ
والديم جمع ديمة وهي مطر ليس بالشديد يدوم أياما، وأقل ما يكون يوم وليلة وهو من ذوات الواو لأنه من دام يدوم وأنسوا بالياء فقالوا ديم المطر، ولم يردوها إلى الواو قال الراجز:
هو الجَوادُ ابنُ الجَوادِ ابنُ سَبَلْ ... إن دَيمّوا جادَ جَادُوا وَبَلْ
وقالوا كثيب مديم إذا سقته الديم.
بأيَ لفظٍ تَقُولُ الشَّعْرَ زِعْنِفةٌ ... تجَوزُ عِندك لا غُرْبٌ ولا عَجَمْ
قال ابن جني: الزعانف سقط الناس وسفلتهم، وقوله) لا عرب ولا عجم (أي ليست في قصاحة العرب، ولا تسليم العجم، الفصاحة للعرب، فليسوا شيئا.
وقال الشيخ: الزعنفة طرف الشيء والقطعة منه التي لا حاجة به إليها وزعانف أطرافه، وكذلك ما تدلى من أطراف الثوب، ويقال لما قشر عن السمك زعانف، والزعانف الذين يكونون في أطرافهم، وليسوا من صميمهم فإذا وقعت الحرب انضموا إلى معظم الناس قال الشاعر:
فَأّدنِ رباطَ الجَوْنِ مِنّي فإنَّهُ ... دنَا الشرُّ واحتلّ الجميعُ الزعانِف
وقال ابن فورجة: سمعت من ينشد) يخور عندك (وإن صحف فالمعنى جيد لأنه، شبه كلامهم لجهلهم بالخوار، ألا ترى إلى البحتري كيف قال يعني المستعين رحمه الله:
(1/82)

بكى المِنْيرُ الشَرقِيُّ إذْ خَار فَوقَهُ ... على النَّاسِ ثَورٌ قد تدلَّتْ غَباغِبُه
وهذا يشبه تصحيف بعضهم قوله أيضا:
والصَّدْقُ مِنْ الكِرامِ فَبيناً ... أمِنَ الشَّرَابِ تَنوبُ أمْ مِنْ تَرْكه
صحف) فبينا (المكتوبة بألف التنوين فقال) فنبنا (يريد نبئنا من النبأ وهو الخبر مخفف الهمزة وهو جائز وهذا من سعادة هذا الرجل:
هَذَا عِتابُكَ إلا أنَّهُ مِقَةٌ ... قَدْ ضُمنَ الدُرَّ إلا أنَّهُ كَلِمُ
قال الشيخ: المقة أصلها الومقة فحذفت الواو التي فاء الفعل. فقيل مقة، ووزن علة، وهذا الحذف مطرد في هذا الباب، يقولون وزنت الشيء زنة، ووعدت الرجل عدة، فإذا جاء حرف الحلق فتحوا في بعض المواضع وكسروا، يقولون في فلان ضعه وضعة، وفي وجهه قحة وقحة.
ومن أبيات أولها:
قَدْ سَمِعنا مَا قُلْتَ في الأحلامِ ... وَأنَلْنَاكَ بَدْرَةً في المَنامِ
قال الشيخ أبو العلاء رحمه الله: كان بعض الناس قد وجه إلى سيف الدولة أبياتا ذكر أنه رآها في النوم، وفيها شكية للفقر، فقال أبو الطيب هذه الأبيات والبدرة اصطلح الناس على أنها عشرة آلاف درهم، وقيل سميت بدرة لأنها مقدار ما يملأ البدرة، وهو جلد الفطيم، وجمعها بدر على غير قياس.
كُلُّ آخائِهِ كِرَامُ نَبِي ... الدُّنْيا ولكِنَّهُ كَرِيمُ الكِرَامِ
قال الشيخ رحمه الله: آخاه جمع أخ. كما يقال أب وآباء، وقلما يجمعونه هذا الجمع، لأنهم استغنوا بقولهم اخوة وإخوان، وأكثر ما يقولون في واحد الآخاء أخ، وقد حكوا أخا في وزن عصا، وينشدون بيتا قد كثر على ألسن الناس وهو:
إنَّ أخَاها وأخَا أخَاهَا ... قَدْ بَلَغَا في المَجدِ غايتَاها
وحكى الفراء) أخو (بسكون الخاء وأنشد:
لأَخْوَيْنِ كانا خيرَ أخْوَيْنِ شيمةً ... وأسرَعَه في حَاجةٍ أُريدُها
وذكر ابن دريد أن أبن الكلبي حكى أخ بالتشديد، وجاء في شعر زهير بيت وهو قوله:
وكَفّي عن أذى الجيرانِ نَفسي ... وحِفظي الودَّ للأخَّ المُدانِي
وقد روي هذا البيت لكعب بن زهير، فإن خففت الخاء فقد زعم أهل العلم بالشعر أنه زحاف لم يأت مثله عن العرب، وإن شددت الخاء على حكاية ابن الكلبي، ففيه زحاف ليس بمنكر، وقل ما يخلو بيت في الوزن في هذا الوزن منه.
ومن التي أولها: عَلى قَدْرِ أهل العَزمِ تأتي العَزائِمُ
يُفدّي أتمُّ الطّيرِ عُمْراً سلاحَهُ ... نُسُورُ المَلا أحْدَاثُها والقَشاعِمُ
قال الشيخ رحمه الله: يعني بأتم الطير عمرا النسور، وبعض الناس يدعي أنه يعمر خمسمائة سنة، وبعضهم يقول عمره ثمانون سنة، وهو أشبه ونسور الملا بدل من أتم الطير، والملا المتسع من الأرض واستعمل الأحداث للنسور استعارة من الإنس، والقشاعم المسان وأكثر ما يستعمل في النسور، وأدعى للنسور أنها تفدي سلاحه، لأنها كفتها أمر المطاعم، لكثرة قتل الممدوح الأعداء فتقع عليهم النسور، والنسر لا يقتض وإنما يسقط على الجيف وقد بين الغرض في البيت الثاني بقوله:
ومَا ضَرَّها خَلْقٌ بغيرِ مخَالبٍ ... وقد خُلِقتْ أسْيافُهُ والقَوَائِمُ
وقال ابن فورجة: قوله) وما ضرها خلق بغير مخالب (مما يسأل عنه؛ إذا كانت النسور لا تخلو من المخالب، فعن ذاك جوابان، أحدهما: أنه يعني الفرخ الحدث الذي لا يمكنه الانتفاع بمخالبه لضعفه، والمسن الذي عجز عن طلب القوت، ألا تراهم يقولون في المثل) أبر من النسر (ويفسرون ذلك بأن النسر إذا أسن آوى إلى الوكر، وجعل فرخه يزقه كما يزقه كما يزقه في حداثته ويوضحه قوله) أحداثها والقشاعم (يريد فرخها الذي لم ينهض، ومنها الذي عجز عن النهوض.
والجواب الثاني: أنه يريد ما ضرها لو خلقت بغير مخالب كما تقول ما ضر النهار ظلمته مع حضورك، وليس النهار بمظلم، ولكنك تريد لو خلق مظلما.
وكانَ بها مثلَ الجنُونِ فأصْبَحَتْ ... ومِنْ جُثَُِ القَتْلى عليها تَمائمُ
قال الشيخ: ادعى أن الحدث كان بها مثل الجنون، ويجوز أن يكون اراد أهلها والجثث جمع جثة، وأصل ذلك ما رؤي من جسم الانسان، وقيل اجتث الشيء إذا أخذ كله أي استؤصلت جثته، والجث شيء مرتفع من الأرض وليس بالعظيم قال الشاعر:
(1/83)

فأوْفَى على جُث وللَيْلِ طُرَّةٌ ... على الأرض لم يكَفِفْ جوانبها الفَجْرُ
والتمائم تعلن على من يخاف عليه عين، أو يظن به سفعة من الجنون.
تُفِيتُ اللَّيالي كُلَّ شَيْ أخَذْنَهُ ... وهُنَّ لما يأخُذْنَ مِنكَ غَوَارِمُ
قال الشيخ رحمه الله: يقول الليالي إذا أخذن شيئا أفاتته، ولم يرجع إلى صاحبه، وهي إذا أخذت منك شيئا غرمته، وبعض الناس يروي) أخذته (وهو أشد مبالغة من الرواية الأولى، لأنه جعل الممدوح إذا أخذ منها شيئا لم يقدر على استرجاعه منه، وإذا أخذت منه شيئا غرمته.
إذا كانَ ما تَنْوِيهِ فِعْلاً مُضارِعا ... مَضَى قَبْلَ أنْ تُلْقى عَلَيه الجوازِمُ
قال الشيخ رحمه الله: الجوازم الحروف التي تجزم، وأصل الجزم القطع، وسمى النحويون هذا الفن جزما، لأنه يقطع الإعراب من الأسم، ومنه قولهم حلف علي يمين جزم أي قطعها، ومعنى البيت أن الممدوح إذا كان ما يقول فعلا مضارعا، وهو يصلح للأمرين للحال والاستقبال، أمضاها هذا المذكور من قبل أن تقع عليه الجوازم، كأنه إذا جرى في نفسه أن يقتل عدوا قتله قبل أن يقول قائل لم يقتله.
تَجَمَّعَ فيهِ كُلُّ لِسْنٍ وأُمَّةٍ ... فما تُفْهِمُ الحُدَّاثَ إلا التَّراجِمُ
قال ابن جني: اللسن اللسان، وقرئ) وما أرسلنا من رسول إلا بلسن قومه (والحداث جمع حادث بمعنى متحدث، قال علي بن سليمان في قول عقيبة الأسدي يهجو بلال بن أبي بردة:
وما أنَال حُداثِ أمَّكِ بالضحى ... ولا بالمُزَكّيها بظَهْرِ مغيبِ
له معنى ظريف وذلك أن أمه كانت مراقة، فيقول: لست ممن يقف عليها ليشتري منها، ولا بالمزكيا بظهر الغيب، أي لست ممن يقول لها: لحمك جيد وطبيخك طيب.
وقال الشيخ: يقال لبني فلان لسن أي لغة، في هذا الخميس أصناف العالم فكل منهم يحتاج إلى ترجمان يفسر له ما يسمع، والحداث الذين يتحدثون قال الشاعر،
أتيتْ معَ الحُداثِ ليلىَ فلم أُبِنْ ... وأَخْلَيْتُ فَاستَعْجمْتُ عِندَ خَلائي
ولفظ الحداث يدل على أنه جمع حادث، ولم يقولوا رجل حادث من الحديث استغنوا عنه بقولهم حدث حدث وجاء حداث على تقدير حادث.
بِضرْبٍ أتى الهَاماتِ والنَّصْرُ غَائِبٌ ... وصَارَ إلى اللَّبَّاتِ والنصرُ قادِمُ
قال ابن جني: يقول: إذا ضربت عدوا، فحصل سيفك في رأسه، لم يعتد ذلك نصرا ولا ظفرا، وإذا فلق سيفك رأسه، وصار إلى لبته، فحينئذ يكون ذلك عندك نصرا ولا يرضيك ما دونه.
وقال الأحسائي: يعني أن الروم كانوا مستظهرين في أول يومهم، حتى حمل عليهم سيف الدولة في غلمانه وخواص فرسانه فهزمهم، يقول: إن الضرب أتى الهامات، وعليها البيض، فلما قطع البيض وصار إلى اللبات انهزموا، فكأن النصر كان غائبا فقدم.
حقَرْتُ الرُّدينَّيات حتى طَرحْتَها ... وحتى كأنَّ السَّيفَ للرُّمْحِ شَاتِمُ
قال الشيخ: الناس في الشام والعراق يروون هذا البيت شاتم، وله وجه أي كأن السيف لم يرض فعل الرمح فهو يشتمه، ولو رويت للسيف شائم لكان للبيت معنى ألطف في نقد الشعر لأنهم يقولون شام السيف إذا أغمده فكأنه يقول لما جاء السيف كان كأنه قد شام الرمح، وليس من عادة الرمح أن يشام ولكنه لما عطل السيف الرمح كأنه شامه.
تَظُنُّ فِراخُ الفُتْحِ أنَّكَ زُرْتها ... بأُمَّاتِها وَهْيَ العِتاقُ الصَّلادِمُ
قال الشيخ: فراخ الفتخ العقبان، أي أنك زرتها بأماتها، أي بالعقبان، والأمات تستعمل لغير الإنسان، والأمهات بالهاء تستعمل في بني آدم، وقد جاءت الأمهات في البهائم قال الشاعر:
قَوَالُ مَعْروف مفَعضالُه ... عَقَارُ مَثْنى أمَّهات الربَاع
ووزن أمات فلات، ووزن أمهات فعلهات، وقد أظهروا الهاء في الواحد وأنشدوا رجزا نسبوه إلى قصي بن كلاب جد النبي صلى الله عليه وسلم وهو:
إني لدَى الحَربِ رَخِيُّ اللَببِ ... مُعتَزمُ الصَوْلةِ عَالي النَسَبِ
عندَ تَنادِيهم بهَالِ وهَب ... أُمَّهتي خِنْدِفُ واليَأسُ أبي
(1/84)

والعتاق الخيل الكرام، يقال عتقت الفرس إذا تقدمت وسبقت، والصلادم الصلاب، وإذا قيل إن الميم زائدة في شدقم؛ لأنه من سعة الشدق لم يمتنع أن تكون الميم في صلدم زائدة لأنه من الصلد وهو الصلب، ووزن صلادم على هذا فعالم، وإذا كانت أصلية فوزنه فعالل.
ومن التي أولها: أرَاعَ كَذَا كُلَّ الأَنَامِ هُمامُ
حِذاراً لمُعْرَوْرِي الجيادِ فُجاءَةً ... إلى الطَّعْنِ قُبْلاً ما لهنَّ لجِامُ
قال الشيخ: وصفه بأنه معروري الجياد، أي يركبها أعراء، وقد بالغ في مدحه مبالغة وجب ن ينزهه معها عن إعراء الجياد، إذ كان ذلك لا مفخر فيه لمثله وقال: " ما لهن لجام " فوحد في موضع الجمع، وقد وصفت العرب إعجال الحروب إياها عن لجام الخيل، قال الشاعر:
غَدَاةَ مَرَرْتَ بآلِ الرَّبا ... بِ تُعْجَلُ بالرَّكْضِ أَنْ تُلْجِمَا
وبعضهم يفتخر بإلجام الفرس قبل إسراجه، لأنه إذا وضع اللجام في رأسه أمكنه أن يعروريه بغير سرج، وقال بعض الشعراء:
إذَا قِيلَ أيُّ فَتى تَعَلمُونَ ... لصَعلُوكِ فِهْرٍ ومحُتَاجِها
ومَن يُعجِلُ الخَيلَ يَومَ الوَغى ... بإجَامِها قَبلَ إسرَاجِها
أشارَتْ نِساءُ بَنِي غالِبٍ ... إليكَ بِه قَبلَ أزوَجِها
تَغُرُّ حَلاَوَاتُ النُّفُوسِ قُلُوبَها ... فَتَخْتارُ بَعضَ العَيشِ وَهو حمِامُ
قال ابن جني: قلوبها: قلوب النفوس، فتختار الهرب خوف القتل، وهو كالقتل.
ومن التي أولها: ذِكَرُ الصَّبا وَمَراتِعُ الآرامِ
لَوْ كُنَّ حَرَيْنَ كُنَّ كَصبَرِنا ... عِنْدَ الرَحيلِ لَكْنَّ غيرَ سِجامِ
قال الشيخ رحمه الله: يقول دموعنا غزيرة كثيرة، فلو كن كصبرنا يوم الرحيل لكن قلائل لا يجرين.
أنْتِ الغَرِيبَةُ في زَمانِ أهْلُهُ ... وُلدَتْ مكارِمُهُمْ لغَيرِ تمِامِ
قال ابن جني: أنت الغريبة، لأنه أراد الحال أو الخصلة كما تقول للرجل: إنك لأعجوبة، وإنك لداهية وعضلة.
قال الشيخ أبو العلاء: الأشبه أنه أراد أنت الدرة، ثم يحتمل أن يوقعها على كل خصلة محمودة.
مَهْلاَ ألا لله ما صَنَعَ القَنا ... في عمْرِو حَابِ وَضَبَّةَ الأَغْتامِ
قال ابن جني: أراد عمرو حابس، فرخم المضاف إليه، وهذا لا يجوز عندنا، لأن الترخيم هو حذف يلحق أواخر الأسماء المضمونة في النداء تخفيفا، والمضاف إليه معرب في النداء مجرور بإضافة الأول إليه، فلا يجوز حذفه. فأما ما رواه الكوفيون من قول الشاعر:
أبَا عُرو لا تبْعَدْ فكُلُّ ابْنِ حُرَةٍ ... سَيَدْعُوهُ دَاعِي يَوْمِهِ فيجُيب
فلا يعرفه أصحابنا على هذه الرواية وإنما، روايتنا) أيا عرو (كما تقول يا طلح.
وذِرَاعُ كُلَّ أبي فُلانٍ كُنْيَةً ... حالَتْ فَصاحِبُها أبُو الأيْتامِ
قال ابن جني: كأنه قال ثم أحجار ناس وثم ذراع كل أبي فلان، أي ذراع مقطوعة من رجل كان يكنى أبا فلان زيدا أو عمرا أو غيره، فحالت كنيته فصار صاحبها يقال له أبو الأيتام، بعدما كان يقال له أبو فلان، وذلك لأنه هلك فيتم ولده ونصب كنيته على الحال من أبي فلان، أي كنيته وليست نسبا، ويسأل عن هذا فيقال إن الاسم الذي يقع بعد كل أداة واحد في معنى جماعة، ولا يكون إلا نكرة نحو قولك: " كل رجل في الدار " فلست تعني رجلا واحدا، ولا يجوز أن تقول " ضربت كل عبد الله " وأنت تريد ما تريد برجل، فكيف جاز له أن يقول كل أبي فلان؟ وهو يعني جماعة هذه أحوالهم، وفلان معرفة فينبغي أن يكون) أبي (معرفة لإضافته إليه، فالجواب أنه اضطر إلى تقدير الفصل، وبينه فكأنه قال كل أب لفلان أبي كل إنسان، يقال له أبو فلان، كما يقول: " رب أمه لقيته " و " رب عبد بطنه ضربته " أي رب واحد لأمه ورب عبد لبطنه.
قال الشيخ أبو العلاء رحمه الله: هذا تأويل لا يحتاج إليه، لأن كل علم من المعارف مثل عمرو وزيد لا يمتنع من تنكير فلان، وفلان في بيت المتنبي نكرة لأنه أخرجه مخرج قولك: " جاءني كل أبي علي في المصر " ففلان معرفة وقد صار نكرة، وأبو نكرة مثله، وليس يحتاج في هذا الموضع إلى تأويل فصل الإضافة لأن ذلك يؤدي إلى أن يكون فلان معرفة ولا يجوز تنكيرها، وذلك مستحيل لأن الاسم المعروف إذا جاز تنكيره فالتنكير إلى ما يكنى عنه به أسرع.
(1/85)

صَغرْتَ كُلَّ كَبيرةٍ وكبرت عَنْ ... لكأنَّهُ وَعَدْتَ سِنَّ غُلامِ
قال الشيخ رحمه الله: يقول إنه صغر كل كبيرة، لأن الناس إذا نظروا إلى أفعاله استصغروا بفعله غيره، وكبرت عن لكأنه يشبه قوله:
أمِطْ عَنْكَ تَشْبِيهِي بِما وكأنَّهُ ... فما أحَدٌ فَوْقِي ولا أحَدٌ مِثْلي
أراد أنه يكبر عن التشبيه، وأن يقول القائل كأنه الأسد، وكأنه السحاب، ونحو ذلك، فأدخل لام الابتداء على كأن، وذلك قليل جدا، والقياس يمنع منه لأن الكاف أول كلام، وقولهم: " كأن زيدا عمرو " مؤد معنى قولك كزيد، فجاز دخول اللام على الكاف، كما جاز دخولها في قولك: " لفلان أفضل من فلان " ثم ختم البيت بقوله:) سن الغلام (أي أنك شاب مع فعلك هذه الأفعال العظام.
ومن التي أولها:
عُقْبى اليمينِ عَلى عُقْبى الوَغى نَدَمُ ... ماذَا يَزيدُكَ في إقْدامِكَ القَسَمُ
قال ابن جني: هي آخر قصيدة قالها بحضرة سيف الدولة، وقلت لأبي الطيب وقت قراءة هذه القصيدة عليه: أنه ليس في جميع شعرك أعلى كلاما من هذه القصيدة، فاعترف بذلك وقال كانت وداعأ.
وقال الشيخ: المثل القديم) اليمين حنث أو مندمة (وكأن مراد الشاعر إن عقبى يمين الحالف على عقبى الوغى، أي ما تعقبه الحرب ندم، لأنه لا يدري ما يكون فكأنه يشير بترك الحلف.
الرَّاجعُ الخَيْلَ نُحْفاةً مُقَوَّدَةً ... مِن كُلَّ وبارِ أهْلُها إرَمُ
قال الشيخ: الراجع الخيل يعني الممدوح، قد أحفاها السير فهي تقود ليزول عنها ذلك، و) وبار (موضع كان مسكونا ثم خلا من أهله، والعرب تضرب به المثل في البعد، وإرم هو أبو عاد ابن إرم بن سام بن نوح، والمثل يضرب في الفناء قال الراجز: مَنْ يَلْقَني يُودِ أوْدَتْ إرَمْ أي خيل هذا الممدوح ترجع عن البلد الذي غزاه وهو خال مثل وبار، وأهله هالكون مثل إرم.
وقال ابن فورجة: أي أحفاها كثرة السير، فهي تقاد ولا تركب رفقا بها. ولا تكون محفاة ملقية نعالها الحديد؛ لأنها خيل عراب لا تحتاج إلى النعال، ألا تراه يقول:
وكُلَّ جَوَادٍ تَلْطِمُ الأرْضَ كَفُّهُ ... بأغْنَى عَنِ الحَديد منَ النَّعْلِ
وقوله أيضا:
تَمَاشَى بأيدٍ كُلَّما وَافَتِ الصَّفا ... تَفَشْنَ بِهِ صَدْرَ البُزَاةِ حَوَافيا
بل أحفاها سلوكها الجبال في طلب الروم، وهي لم تتعود إلا البر، ولو أراد إلقاءها نعالها الحديد لقيل فهلا أنعلها إذ ألقت النعال، وهو ملك لا يعوزه النعال حيث سار، ويجوز أيضا أن يكون من الإحفاء الذي هو التقصي، كالخبر أنه صلى الله عليه وسلم أمر بإحفاء الشوارب وإعفاء اللحى.
جَيْشٌ كأنَّكَ في أرْضِ تُطاوِلُه ... فالأرْضُ لا أمَمٌ والجَيْشُ لا أمَمُ
قال الشيخ: يقول كأنك في أرض تطاوله وهي واسعة، وعدد الجيش كثير فكرهما غير أمم، والأمم الشيء بين الشيئين يقال: دار بني فلان أمم أي بين القريب والبعيد. قال الشاعر:
طَرقَتْهُ أسمَاءُ أمْ حَلَمَا ... أمْ لمْ تكُن من رِحَالِنَا أمَمَا
إذا مَضَى عَلَمٌ بَدَا عَلَمٌ ... وإنْ مَضَى عَلَمٌ مِنْهُ بَدَا عَلَمُ
قال الشيخ: العلم من الأرض مثل الجبل، وعلم الجيش معروف، وكلاهما من العلامة، لأنه مؤد إلى العلم بالشيء، [ولو قال] وإن بدا عالم منه بدا علم، لكن أحسن في حكم الشعراء، ولعل أبا الطيب كذلك قال، لأن تكرير العلم في البيت كثير، وقوله في صفة الجيش بدا عالم يقلل تردد العلم ويدل على كثرة الجيش.
فَمَا تَرَكْنَ بها خُلْدا لَهُ بَصَرٌ ... تَحْتَ الترابِ ولا بَازاً لَهُ قَدَمُ
قال الشيخ أبو العلاء: يقول ما تركن في هذه الناحية خلدا، أي رجلا قد دخل في مغارة كما يدخل الخلد في الأرض، إلا أن هذا الخلد يبصر وهو يشابه الخلد في اختفائه، ويخالفه في نظره، ولا بازا له قدم، يعني رجلا مثل الباز يكون في أعالي الجبال إلا أنه له قدم.
تَلْقى بهمْ زَبَدَ التَّيَّارِ مُقْرَبةٌ ... عَلَى جَحافِلِها مِنْ نَضْحِهِ رَثَمُ
دُهْمٌ فَوَارِسُها رُكّابُ أبْطُنِها ... مَكْدُودَةٌ وَبِقَوْمٍ لا بها الأَلَمُ
(1/86)

قال الشيخ: التيار الموج، والمقربة الخيل التي جرت عادتها بأن تقرب عند البيوت، والرثم بياض جحفلة الفرس العليا، وإذا كان البياض في السفلى قيل فلاس المظ، وابتدأ الشاعر بصفة الخيل المعروفة، ولم يزل مستمرا على ذلك إلى قوله) دهم (ثم دل ذلك أنه يريد السفن يعني أنها مطلية بالقار وجعل فوارسها ركاب أبطنها، فدل ذلك على أنه يريد السن لا غير.
وقال ابن فورجة: أرسناس نهر عظيم يقول ظنوا أنهم إذا جاوزوه حال بينك وبينهم، وكيف بعصمهم وهو نفسه ليس يعصم منك، لأنك تقطعه وتركبه بالخيل والسفن وهي المقربة التي ذكرها، والرثم بياض في الشفة العليا من الدابة شبه الزبد على مقدمها بالرثم.
والأَعوجِيَّةُ مِلَْ الطَّرْقِ خَلفهُمُ ... وَالمشرَفِيَّةُ مِلءَ اليومِ فَوْقَهُمُ
قال الشيخ: نصب) ملء الطرق (بإضمار فعل كأنه قال: والأعوجية تردى أو تركض في حال ملئها للطرق، والإضافة على نية الانفصال كأنه قال: ملأ للطرق أي مالئه، ونصب) ملء اليوم (على نحو من هذا النصب.
وقال ابن فورجة: لما كانت الخيل مما يبسط في الأرض، جعل الطرق منها ممتلئة، ولما كانت السيوف مما يعلو في الجو ويهبط عند الضرب، جعلها ملء النهار لأن النهار ما بين السماء والأرض.
ومن التي أولها:
أنا لائمي إنْ كُنْتُ وَقْتُ اللَّوائِمِ ... عَلِمتُ بما بي بَينَ تِلْكَ المَعالِمِ
قال ابن جني: هذا كقولك أنا مثلك إن كان كذا وكذا، ونظيره قوله:
عُيُونُ روَاحِلي إنْ حَرْتُ عَيْني ... وكُلُّ بُغامِ رَزِحةٍ بُغامِي
أي أنا مثل الإبل إن حارت عيني، والمعالم جمع معلم، وهي الآثار والأمارات قال ذو الرمة:
أو دمْنَةُ هَيَّجتْ شَوقاً مَعالِمُها ... كأنها بالهِدَمْلاتِ الرَّواسِيم
وقال الشيخ: في البيت معنى القسم، لأن الإنسان يقول: أنا كافر إن كان كذا وإثبات الألف في أنا عند بعض النحويين ضرورة، وعلى ذلك يحملون قول حميد بن بحدل الكلابي:
أنا زَينُ العَشيرةِ فاعْرِفُونِي ... حُمَيْدٌ قد تَذَرَّيْتُ السَّنَامَا
والمعنى على هذا القول: أنا لائمي إن كان كذا، لأن اللائم عنده قبيح الشيمة مذموم الأفعال، ولو حمل قوله) أنى (على أنه فعل ماض من أنى الشيء يأني إذا حان وبلغ ميقاته، من قوله الله تعالى:) ألم يأن للذين آمنوا (لكان ذلك وجها حسنا، وسلم من إثبات الألف في غير موضع الإثبات، ويكون المعنى بلغ لائمي ما يريد إن كان ما ذكرت.
دِيارُ اللواتي دارُهُنَّ عَزِيزَةٌ ... بطُولِ القَنَا يُحْفَظْنَ لا بالتمَائِمِ
قال أبو علي ابن فورجة: هذا البيت ظاهر المعنى واللفظ، وإنما أتيت بذكره لنكتة وهي أنني قرأت على أبي العلاء، فقلت له: أنشد بطول القنا، أو بطولي القنا على وزن كبرى وصغرى، فقال: ما رويت إلا بكسر للام، فقلت: التمائم في آخر البيت جمع وطول واحد، فهلا أنشد بطولى يراد بها طوال القنا، ليكون جمعا مع جمع، هذا أجود في صنعة الشعر. فقال: ما اخترت إلا مختارا غير أن الرواية ما ذكرت.
فَمالِي وللدُّنيا طِلابي تُجُومُها ... ومَسعَايَ منها في شُدوقِ الأرَاقِمِ
قال الشيخ رحمه الله: طلابي مبتدأ، ونجومها خبره، والمعنى الذي أطلب نجومها فأقام المصدر مقام المفعول، فكأنه قال مطلوبي نجومها، ولو نصب نجومها لجاز، كما يقول: " ضربي فلانا " وهذا مثل قولهم: رأي عيني فلانا يفعل كذا، قال الراجز:
وَرأُيُ عَيْني الفَتَى أَخَاكا ... بُعْطي الجَزِيلَ فَعَلَيكَ ذَاكَا
يقول مالي وللدنيا أطلب فيها معالي الأمور، ومسعاي في شدوق الأراقم، أي في موضع الهلكة، التي لا تؤدي إلى فائدة.
وفَارَقتُ شرَّ الأرضِ أهلاً وتُرْبَةً ... بها عَلَويٌّ جَدَّهُ غَيرُ هَاشِمِ
قال الشيخ: الأجود أن تكون الهاء في بها راجعة إلى تربة، وتكون الجملة في موضع نعت لها، وقوله) بها علوي (إقرار بالعلوية، ثم نفاه عن هاشم، أي أن هذا الممدوح ينسب إلى علي بدعواه، وليس هو من ولده واسم هاشم عمرو بن مناف.
كأنكَ ما جاوَدْتَ مَنْ بَانَ جُودُهُ ... عَليكَ ولا قَاتلتَ مَنْ لم تُقاوِم
قال ابن جني: يقال جاودني فجدته، أي كنت أجود منه، من الجود والجودة معا.
(1/87)

قال الشيخ: يقول: إذا هم الإنسان بأمر ولم يفعله فكأنه لم يهم به، وإذا اجتهد في طلب شيء ولم يدركه، فكأنه ما طلبه، وهذا البيت مخاطبة لغير الممدوح، يقول: كأنك يا إنسان إذا جاودت غيرك فغلبك في الجود لم تجاوده وإذا قابلت من لم تقاومه فكأنك لم تقاومه.
ومن التي أولها:
كُفي أرَاني زَيْكِ لَوْمَكِ ألوَما ... هَمٌّ أقامَ على فُؤادٍ أنْجَما
قال الشيخ أبو العلاء: النصف الأول يحتمل وجين: أحدهما: أن يكون مستغنيا بنفسه، يقول كفى لومك فإني أراني ألوم منك، أي ألومك أكثر من لومك إياي، وويك كلمة لم يصرف منها فعل، وأصحاب اللغة يزعمون أمن معناها التنبيه على الشيء، كأنهم يريدون ألم تروا في الكتاب العزيز:) ويكأنه لا يفلح الكافرون (فذهب الخليل فيما يرون إلى أنه قال: " وي " على معنى التعجب، ثم قال كأنه لا يفلح الكافرون، وهذا مذهب من يقول: " ويك " بلا أن وقد جاءت مع أن الخفيفة في قول الشاعر:
وَيْ كأنْ مَنْ يكُنْ لَهُ نَشَبٌ يُحْ ... بَبَ وَمَنْ يَفْتَقِرْ يَعِشْ عَيْشَ ضُرَّ
فإذا جعلت " وي " كلمة والكاف للخطاب، وجب أن تفتح إذا خوطب بها المذكر وأن تكسر إذا أريد بها التأنيث.
والوجه الآخر من الوجهين الجائزين في النصف الأول: أن يكون متعلقا بالنصف الثاني، ويكون هم مرفوعا بقوله أراني، كأنه قال أراني لومك ألومك هم أقام على فؤاد أنجم، في أنجم ضمير يعود على الفؤاد، أي ذهب به كما يذهب السحاب المنجم، فيكون قوله) ألوما (أي أحق باللائمة مني حمل على القول الأول فهم مرفوع بابتداء مضمر، أو فعل أو خبر مقدم كأنه قال: هذا هم أو أصابني هم أو بي هم.
لمْ تَجْمَعِ الأضْدادَ في مُتَشابِهِ ... إلاّ لتَجْعَلَنِي لِغُرْمِي مَغْنَما
كصِفاتِ أوْ حَدِنا أبي الفَضْلِ التي ... بَهَرَتْ فأنْطَقَ واصِفيهِ وَأفْحَما
قال الشيخ رحمه الله: يقول: بهرت صفات هذا الممدوح فأنطلق الواصفين فوصفوه حتى فحموا، أي انقطع ملامهم، ويقال بكى الصبي حتى فحم، أي عجز عن البكاء، وقالوا أفحم الشاعر إذا تعذر عليه قول الشعر، ويجب أن يكون أخذ هذا اللفظ من الفحم المعروف، لأنهم يريدون أن الخاطر كان كالنار الموقدة فأنقطع إلى أن صار كالفحم، قال الهذلي.
أصَخْر بنَ عَبد اللهِ كُنْتَ شاعِراً ... فإنك لا تُهْدِي القَوافي لُمفْحَمِ
قال ابن فورجة: الأضداد هي الليل والشمس في قوله) شمس النهار تقل ليلا مظلما (ونحافة الغصن وكثافة النقا، في قوله: غُصنٌ على تَقَوَىْ فلاةٍ نابِتٌ والمتشابه يريد تشابه حسنها وتمثاله، وهذا كقول الأول:
إني غَرِضْتُ إلى تَناصُفِ وجْهِها ... غَرَضَ المُحبّ إلى الحَبيبِ الغائِبِ
تناصف وجهها أي كونه غير متنافر الحسن، ثم شبه اجتماع تلك الأضداد في الحسن المتشابه بصفات هذا الممدوح، إذ أنطقت الواصفين بحسنها وبهائها، ثم أفحمتهم بعجزهم عن إدراك كنهها، فهذان ضدان قد اجتمعا في صفاته المتشابهة، وجعل الفعل في أنطق وأفحم للممدوح لا للصفات.
يا أيها المَلِكُ المُصَفَّى جَوْهَراً ... من ذاتِ ذي المَلكوتِ أسمىَ مَن سما
قال ابن جني: أي من ذات الله، وبالغ عز الله وعلا، وأسمى هاهنا اسم مضاف إلى من، وموضعه نصب لأنه منادى، فكأنه قال: يا أعلى من علا، وأرفع من ارتفع ويجوز أن يكون موضعه رفعا كأنه قال أنت أعلى من علا.
وقال الشيخ: جعل الممدوح خاصا من جوهر من عز عن الجواهر والأعراض، وخلقها بالإرادة، والقائل لها مذموم وإن رضي الممدوح بذلك، فقد أقدم على أمر يستعظم والملكوت فعلوت، والتاء في ذات أصلها هاء، ولكنها استعملت مضافة " وأسمى من سما " في موضع خفض نعت لله سبحانه.
نُورٌ تَظاهَرَ فيكَ لا هُوتِيَّةً ... فَتَكادُ تَعَلمُ عِلْمُ مَا لَنْ يُعْلَما
(1/88)

قال ابن جني: لاهوتية كقولك إلاهية، ولست أعرف هذه اللفظة في كلام العرب، على أن العامة قد أولعت بها، ونصب) رهوتية (على المصدر، ويجوز أن يكون حالا من الضمير الذي في) تظاهر (. ولو كان اللاهوت من كلام العرب لكان اشتقاقه من) إله (الذي أدخل عليه الألف واللام، وصار علما لله تعالى، وذلك في أحد قولي سيبويه، ويكون كوزن الطاغوت، إلا أن الطاغوت مقلوب، واللاهوت لو كان عربيا لكان غير مقلوب فيكون على هذا فعلوتا بمنزلة الرهبوت والرحموت.
وقال الشيخ رحمه الله: نصب) لاهوتية (على التمييز، ولا يمتنع أن يكون نصبها على الحال، وإن كان النور مذكرا لأنه لا يمكن أن يقول تصور فلان رحمة، ويجوز أن تنصب) لاهوتية (لأنها مفعولة له أو من أجله، وبعض الناس يروي) لاهوتيه (بالإضافة إلى الهاء الراجعة على النور،
وَيهُمُّ فِيكَ إذَا نَطَقْتَ فَصاحةً ... من كلَّ عضْوٍ مِنكَ أن يَتَكلَّما
قال الشيخ: في) يهم (ضمير يعود على النور، ويجوز أن تكون) فصاحة (منصوبة على التمييز، وأن تكون مفعولا له، يقول يهم هذا النور أن يتكلم من كل عضو فيك، ولا يقتصر على اللسان دون الأعضاء.
وقال ابن فورجة: ويجوز أن تكون) من (مقحمة ويكون فاعل) يهم (كل عضو، وهذا كقولك: ويهم من كل رجل أن يخاصمني، تريد ويهم كل رجل، ويكون ضمير) يتكلم (أيضا للعضو، وعلى التأويل الأول للنور.
ومن التي أولها: ضَيْفٌ ألمَّ برأسِي غَيرَ مُحْتَشِمِ
أبعَدْ بَعِدتَ بَياضاً لا بياضَ لَهُ ... أنْتَ أسْوَدُ في عَيْنِي مِنَ الظُلَمِ
قال الشيخ:) أسود (في هذا البيت لا يراد به أشد سوادا، لأن النحويين يزعمون أن الألوان لا تستعمل في هذا الموضوع، ولا في النفي إلا بأشد ونحوها ويقولون: هذا أشد حمرة من الشقيق، ولا يقولون هذا أحمر من الشقيق وكذلك في التعجب ما أشد سواده، لا يقولون ما أسوده، ولم يجعله أشد سوادا من الظلم وإنما أراد أنه بعضها كما تقول فلان مسود من الليل، أي كأنه منه، ويحمل البيت المتقدم على أنه أراد لأنت أسود من جملتها، وقد أنشدوا بيتا شاذا وهو قول الراجز:
جارِيَةٌ في دِرْعِها الفَضْفاضِ ... أبْيَضُ مِنْ أختِ يَنِي إباض
وقد يتوجه لهذا البيت أن يكون على غير ما ذهبوا إليه، ويكون قوله) في درعها الفضفاض أبيض (أي في درعها جسد أبيض من أخت بني إباض، فيكون أبيض وصفا بالبياض، ويكون من هاهنا كما تقول للرجل من فلان صديق، وكذلك البيت المنسوب إلى طرفة:
إذا الرَّجالُ شَتَوْا وَاشْتَدَّ أكْلُهُمُ ... فأنْتَ أبْيَضُهُم سِربَالَ طَبَّاخِ
يريد أنت مبيضهم، أي ثوبك أبيض، ولا يريد أن ثوبه أشد بياضا من ثيابهم وإنما هو كما تقول هذا كريم من بني فلان، أي أنت كريم وأنت منهم، ونحو هذه الأبيات في أن) أفعل (لا يراد به التفضيل قول القائل:
وأَعنَقُ من أولاَدِ ذروة لم أجِئ ... بإعطائِهِ عَاراً ولا أنا نادِمُ
لم يرد أنه أطول عنقا من أولاد ذروة، وإنما أراد أنه طويل العنق فإنه من أولادها.
بحُبَّ قاتِلَتِي والشَّيْبِ تَغْذيَتِي ... هَوَايَ طِفلا وشَيْيبِي بالغَ الحُلمِ
قال الشيخ: تم الكلام عند قوله) تغذيتي (ثم فسر النصف الأول بالنصف الثاني فقال) هو أي طفلا (جعل هواي دالا على الفعل، كأنه قال هويت طفلا ونصب) طفلا (على الحال، وقوله) وشيبي بالغ الحلم (أي شبت حين بلغت الحلم، والنصب في بالغ الحلم كالنصب في قوله هويت طفلا على الحال.
قَبَّلْتُها ودُمُوعي مَزْجُ أدْمُعِها ... وقَبَّلَتْنِي على خَوفٍ فَماً لِفَمِ
قال ابن جني: نصب) فما (على الحال كما تقول، كلمته فاه إلى في، وتفسيره مشافها إلا أن المسموع فاه إلى في، فقاس هو هذا عليه، كما قال أيضا:
فَلا يُبَلْ قاتِلٌ أعادِيَهُ ... أقائِماً نالَ ذَاكَ أمْ قاعِدْ
فقياس) لا يبل (على) لم يبل (وهو المسموع.
وقال الشيخ رحمه الله: نصب) فما (بفعل مضمر، أو أسم فاعل يقوم مقام الفعل كأنه قال: جعلت فمها إلى فمي، أو جاعلة فمها إلى فمي، وقوله) فما (موضوع موضع الحال، وكذلك قولهم: كلمته فاه إلى في، أي جاعلا فاه إلى في، وأما قول الشاعر:
تحَسَّبَ هَوَّاسٌ وأيقَنَ أنَّني ... بِهَا مُفْتَدٍ من صَاحبٍ لا أُساوِرهُ
(1/89)

فقلتُ له فاها لفيك فإنها ... قَلوصُ امرئ قارِيكَ ما أنتَ حاذِرْه
فقوله) فاها لفيك (منصوب بفعل مضمر، كأنه قال تلقي فاها إلى فيك، يعني الداهية أو ضربة أو طعنة استعارها فما، وهواس يعني أسدا يطلب شيئا بالليل وتحسب أي تظنن من حسبت الشيء.
قد كلَّمتها العَوالي فهيَ مالحِةٌ ... كأنّما الصَّابُ مَعْصُوبٌ على اللَّجمِ
قال ابن جني: كلمتها من الكلوم وهي الجراح، وقالوا في قوله تعالى) أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم (أي تخرجهم بركلها إياهم، وقال حسان: لو يَدِبُّ الحَوْليُّ مِنْ ولدِ الذرَّ عليها لأندَيتَها الكُلُومُ وقال ثعلب: ليس معنى الحولي الذي أتى عليه الحول، لأن ولد الذر لا يعيش حولا، وإنما يريد بالحولي الذي تحول من حال إلى حال.
قال الشيخ أبو العلاء: قول حسان: لو دبت الحولي، وهو ما صغر نت الذر على سبيل المبالغة، لأن العادة جرت بأن الحولي من البهائم يكون أصغر من غيره، فأجرى حسان الذر مجرى سواه، والدليل على صحة هذا القول البيت الذي اجتمعت الرواة عليه لامرئ القيس:
مِنَ القاصِراتِ الطَّرْفِ لو دَبَّ مُحْوِلٌ ... من الذَّرَّ فوقَ الاتْبِ منها لأَثرَا
فقوله) محول (مثل حسان) حولي (أي قد أتى عليه حول، وإنما اتبع حسان أمرأ القيس.
وكُلَّما نُطِحَتْ تَحْتَ العَجاجِ بِهِ ... أُسدُ الكَتائِبِ رَامَتْهُ ولم يَرمِ
قال ابن جني: أي زالت عنه ولم يزل هو، وأراد رامت عنه، فحذف حرف الجر وأوصل الفعل بنفسه، قال الأعشى:
أبَانَا فلا رِمْتَ من عِنْدِنا ... فإنَّا بخيرٍ إذا لم تَرْمْ
أي لا برحت، وقد استعمله أبو نواس بغير حرف جر قال:
فما رمتُهُ حتى أتَى دونَ ما حَوتْ ... يِمينِي حتى رِيطَتِي وردَائِي
أي تمله الأبطال ولا يملها، وليس النطح مما يليق بذكر الأسد، وكان الأولى عندي أن يقول وكلما صدمت أو رميت أو نحو ذلك.
قال الشيخ: قوله إن) رامته (في معنى زالت عنه فيه نظرة، وقد يجوز هذا المعنى ويحتمل أن يكون رامته من رام يروم، فيكون الغرض رامت أن تصل إليه وهو على ذلك لم يرم من مكانه، وهذا أشبه من أن يكون رامته في معنى رامت عنه ويقوي هذا القول أن) رمت (إذا كان في معنى برحت لم يستعمل إلا في النفي، وقوله) رامته (قد استعمله في الإيجاب ألا ترى أنك تقول ما رمت من موضع كذا حتى فعلت، ولا يحسن أن تقول رمت من موضع كذا بغير جحد وعلى الوجه الذي استعمله أبو نواس لأنه قال) فما رمته (فجاء به في النفي.
ومن التي أولها: مَلامُ النَّوَى في ظُلمِها غايةُ الظُّلمِ
لألْقى ابنَ إسحاقَ الَّذِي دقَّ فهمهُ ... فأبْدَع حتى جَلَّ عنْ دِقَّةِ الفَهمِ
قال الشيخ: " اسحق " كلمة أعجمية لم تصرف للتعريف والعجمة، وقد وافقت من العربية مصدر قولهم أسحقه إسحاقا، وقوله) فأبدع حتى جل عن دقة الفهم (من قول الأول:
حَدَثٌ ما نَابَنا مُصمئلٌّ ... جَلَّ حتَّى دَقَّ فيه الأجلُّ
إذا بَيَّتَ الأعْدَاءَ كانَ استمِاعهُم ... صِيرَ العَوالي قَبْلَ قَعْقَعةِ اللُّجْمِ
قال الشيخ: أي طرقهم بياتا وهم نائمون، وصرير العوالي صوتها، وكأن أصوات اللجم مقعقعة، وأكثرها ما يستعمل في الحديد الصلصلة، وإذا كانوا قد وصفوا الحلي بالقعقعة فالحديد أولى به قال النابغة:
يُسَهَّدُ من نَومِ العَشِي سَلِيمُها ... لحلْيِ النّساءِ في يَديهِ قَعاقِعُ
مُذِلُّ الأعِزَّاء المُعِزُّ وإنْ يَئِنْ ... بِهِ يُتْمُهُمْ فالمُوتِمُ الجابِرُ اليُتمِ
قال ابن جني: يئن يحضر، أي هو مذل الأعزاء، أو معز الأذلاء، كأنه يضع قوما ويرفع آخرين. قال الأصمعي: لا مصدر لآن وقال أبو زيد: أنى أنيا أي حان وقوله به أي على يديه.
وقال الشيخ: هو من قولهم آن الشيء يئين إذا حان، وهو مثل قولهم أنى. وإحدى الكلمتين مقلوبة من ألخرى، واليتم أصله الانفراد، قال الشاعر:
كوماء يَسمُو فوقَها ... مثلُ اليتيمِ مِن الأرانب
يعني بالأرانب جمع أرنب، وهو الموضع المرتفع من الأرض، واليتيم المنفرد وإنما يصف ناقة بعظم السنام.
أطعْناك طَوعَ الدَّهرِ يَا ابنَ يوسُفٍ ... لِشَهْوتِنا والحَاسِدُو لَكَ بالرَّغمِ
(1/90)

قال الشيخ أبو العلاء: حذف النون من قوله الحاسدون لما استقبلها اللام، لأنهم يتوهمون الإضافة في هذا الموضع، كأنه قال والحاسدوك وكذلك قالوا) لا خفي لك (لأنهم توهموا سقوط اللام وقد حذفوا نون الجمع، وإن لم يكن ثم لام الإضافة، ويروى بيت ينسب إلى عبيد الأسدي وهو قوله: ولقَدْ يَغْنى بها جيرانُكِ المُمسِكُو مِنْكِ بأسْبابِ الوِصالْ
دُعِيتُ بِتقرِيظِيكَ في كُل مَجْلِسٍ ... وَظنَّ الذي يَدعُو ثَنائِي عليكَ اسمي
قال ابن جني: أراد وظن الذي يدعوني فحذف المفعول.
قال الشيخ:) دعيت (في معنى سميت، لأنهم يقولون جاءني رجل يدعى فلانا أي يسمى، وأراد دعيت بتقريظي إياك، فأقام المتصل مقام المضمر وأراد أنه قد عرف بمدحه، فكأنه قد صار اسما له، وإن الذي تسميه وتخاطبه قد ظن ثناءه على الممدوح اسما للمادح، وهذا إفراط في المبالغة.
فكمْ قائِلٍ لو كانَ الشَّخص نَفسه ... لكانَ قَراهُ مكْمَن العَسكرِ الدَّهْمِ
قال الشيخ: يقول كم قائل: لو كان هذا الشخص، يعني شخص الممدوح عظيما كنفسه، لكان قراه ظهره مكمنا للعسكر الدهم أي العظيم.
ومن التي أولها:
أحَقُّ عافٍ بِدَمْعِكَ الهِمَمُ ... أحْدَثُ شَيء عَهْداً بها القِدَمُ
قال ابن جني:) العافي هنا الطالب والقاصد (. وسألته عن معنى هذا البيت فقال: أحق ما صرفت إليه بكاءك هم الناس، لأنها قد ذهبت ودرست فصار أحدثها عهدا قديما.
قال الشيخ: معنى البيت يدل على أن العافي في هذا الموضع الدارس، ومن قولهم عفا الربع إذا درس، والدليل على ذلك قوله) بدمعك (لأن الطالب والسائل لا يستحق الدمع، وإنما يبكي على المنازل الدارسة) وأحق عاف (معناه أحق دارس بأن يبكي عليه همم الناس، وقوله) أحدث شيء (.. إلى آخر البيت جملة تحتمل وجهين: أحدهما: أن تكون لا موضع لها، لأنها كالمبتدأ، والآخر: أن تكون في موضع الحال من الهمم، ولا تعلق لها في الوجه الأول بالنصف الذي قبلها، وهي في الوجه الثاني متعلقة به وجعل القدم أحدث الأشياء عهدا بالهمم أي أن دروسها قديم ولا همم في الأرض، وقد شرح ذلك فيما بعده بقوله:
وإنَّما النَّاسُ بالمُلُوكِ ومَا ... تُفْلحُ عُريبٌ مُلُوُكها عَجَمُ
بَنُو العَفَرْنى مَحَطَّةَ الأسَدِ ال ... أُسد ولَكنْ رِماحُها الأَجَمُ
قال ابن جني:) العفرني (اسم من أسماء الأسد، ومحطة اسم جد هذا الممدوح ويقال إن المنصور قتله على الإسلام، وبنو العفرني مرفوع بالابتداء وخبره الأسد، ومحطة بدل من العفرني، والأسد وصف لمحطة.
كأنها في نهَارِها قَمَرُ ... حَفَّ بِهِ مِنْ جِنانِهَا ظُلَمُ
ناعِمَةُ الجِسّمِ لا عِظامَ لَها ... لَها بنَاتٌ وَمَا لَها رَحِمُ
قال الشيخ: شبه البحيرة بالقمر لبياض الماء، والجنان جمع جنة وهي الأرض التي سترها الشجر والنبات لشدة خضرتها، ومن ذلك قوله تعالى) مدهامتان (والغز عن البحيرة، وزعم أنها ناعمة الجسم، ولما جعل لها جسما زعم أنها لا عظام لها، يلغز بذلك لأن الجسم لا بد له من العظام، وذكر أن لها بنات يعني السمك، ونفى أن يكون لها رحم.
ومن التي أولها: فُؤادٌ ما تُسَليهِ المُدَامُ
أرَانِبُ غَيْرَ أنَّهُمُ مُلُوكٌ ... مُفَتَّحَةٌ عُيُونُهمُ نِيامُ
قال ابن جني: المعهود في هذا أن يقال: هم ملوك إلا أنهم في صور الأرانب فتزايد وعكس الكلام مبالغة، فقال أرانب غير أنهم ملوك فجعل الأرانب حقيقة لهم، والملوك مستعارا فيهم، وهذه عادة له يفارق بها أكثر الشعراء.
وقال الشيخ: الأرنب تنام وعيناها مفتحتان، وشبه الناس بالأرنب لأن عيونهم مفتحة، وكأنهم مع ذلك نيام، ولم يرد النوم الذي هو ضد اليقظة، وإنما أراد أنهم بله لا يفطنون لما هم فيه والعرب تمدح بقلة النوم، وتذم إذا ألف الرجل ذلك، قال الطرماح:
وليس أخو الحَاجات مَنْ باتَ نَائماً ... ولكنْ أَخُوها مَنْ يَبيتُ على وَجل
وَلَوْ لَمْ يَرْعَ إلا مُستَحِقٌ ... لِرُتبتِهِ أسامَهُمُ المُسامُ
(1/91)

قال الشيخ: يقول لو لم يل أمور الناس إلا مستحق لذلك، لوجب أن يكون بعض الرعاة مرعيا، يريد أن الرجل منهم يلي الجماعة الكثيرة، وفيهم من هو أحق منه بالولاية، ولو كانوا مرتبين على ما توجبه العقول، لكان سوامهم أعقل منهم وهذه مبالغة في ذم الناس.
إذا كانَ الشَّبابُ السُّكْرَ والشَّيْ ... بُ هَماً فالحَياةُ هِيَ الحِمامُ
قال الشيخ: يقول إذا كان الشباب كالسكر، لا يصح به معقول الإنسان، وكان الشباب إذا جرب وعقل جاءه الشيب، فاهتم لذلك، فالحياة هي الحمام أي الموت خير منها، وقد قال القائل:
إذا احتاجَ الكَريم إلى لَئيمٍ ... ففي موتِ الكَريمِ له حَياةُ
فَقَدْ خَفِيَ الزَّمانُ بِهِ عَلَيْنا ... كَسِلْكِ الدُّرَّ يخُفِيهِ النَّظَامُ
قال ابن جني: يقول: قد اشتمل على الزمان فخفي بالإضافة إليه، وشبهه بالدر إذا اكتنف السلك لنفاسته وشرفه، وهذا كقوله في سيف الدولة: فأتَيْتَ مِنْ فَوْقِ الزَّمانِ وتَحْتِهِ قال الشيخ، ورواه بها: الهاء راجعة إلى عطاياه، وأدعى أنها قد انتظمت الزمان فغطته كتغطية الدر ما نظم فيه من السلك.
ومن التي أولها: نَرَى عِظَماً بالصَّدَّ والبينُ أعظمُ
وَلا يُبْرَمُ الأمْرُ الَّذِي هو حالِكٌ ... ولا يُحْلَلُ الأمْرُ الَّذِي هوَ مُبْرمُ
قال الشيخ: يقال أبرمت الشيء إذا أحكمته، وأصل ذلك من فتل الحبل وبعض الناس من يعيب عليه) حلل (لأنه أظهر التضعيف، وتلك ضرورة، ولو وضع مكانها ناقصا لسلم من الضرورة، ويجوز أن يكون الشاعر فعل ذلك ليعلم أنه عالم بالضرورات، فأما قول ابن أم صاحب:
مَهْلاً أعاذِلَ قد جَرَّبْتِ من خُلُقِي ... أني أجُودُ لأقْوَامٍ وإنْ ضَنِنِوا
فإنه احتاج إلى إظهار التضعيف، لأنه أراد أن يقابل الجود بالضن، ومنها قول زهير:
لمْ يَلْقَها إلاَّ بِشِكَّةِ باسِلٍ ... يخْشَى الحَوادِثَ حازِمٍ مُستَعْدِدِ
أجِدّكَ ما تَنْفَكُّ عَانٍ تَفُكُّهُ ... عُمَ بنَ سُليَمانٍ ومَالا تُقسمُ
قال الشيخ رحمه الله:) أجدك (بمعنى أجد منك، وهو استفهام كالمعلوم عند المستفهم، ونصب) أجدك (على المصدر أو فعل مضمر، وينبغي أن يكون) عان (مرفوعا بالابتداء، ولولا وزن البيت لكان نصب) عان (أوجه، والتقدير ما تنفك تفك عانيا، ويقوي نصبه أنه نصب) مالا (وقوله) عم بن سليمان (أراد عمر فرخم على رأي أهل الكوفة، والبصريون لا يرون ترخيم الثلاثي الذي أوسطه متحرك.
وقال الاحسائي: رخم عمر وهو على ثلاثة أحرف، لأن أصله عامر فدخل عليه العدل للمبالغة فقامت المبالغة فيه مقام الألف المحذوفة منه، فلما رخمه اعتد بالمعنى الذي هو المبالغة اعتداده بالحرف الرابع منه، فلذلك أجاز فيه الترخيم، ولو كان مثل زيد وعمر ولما جاز ترخيمه البتة، وهذا دقيق في تعليل الإعراب.
ومن التي أولها: لا افْتِخارٌ إلاَّ لَمنْ لا يُضَامُ
حَسَنٌ في عُيُونِ أعْدَائِهِ أقْ ... بَحَ من ضَيْفِهِ رَأتْهُ السَّوَامُ
قال ابن جني: هذا مما يسأل عنه فيقال: كيف يكون حسنا في عيون أعدائه وهل هذا هجاء؟ فالجواب أنه أراد أنه في الحقيقة حسن، إلا أنه مع هذا أقبح في عيون أعدائه من ضيفه إذا رأته السوام، وهو المال الراعي لأنه ينحر الإبل للأضياف فهي تكرههم، وقوله في) عيون أعدائه (ظرف للقبح لا للحسن، وقدمه عليه كما تقول: زيد في الدار أحسن منك، على هذا استقر الكلام بيني وبينه وقت القراءة عليه.
إنما مُرَّةُ بْنُ عَوْفِ بِنْ سَعْدٍ ... جَمَرَاتٌ لا تَشتهِيها النَّعامُ
قال الشيخ: قد شاع بين العوام أو النعام تلتقم الجمر، فحمل أبو الطيب كلامه على ذلك، وقال مرة بن عوف بن سعد جمرات لا تشتهيها النعام، أي هي جمرات عظيمة، وهي في العرب قبائل تعرف بالجمرات، وإنما سميت بذلك لشدة بأسها، وهي أربع: الحرث بن كعب، وعبس، وبغيض وضبة بن أد، ونمير بن عامر.
وَعَوَارٍ لَوَامِعٌ دِينُها الحلُّ ... ولكنَّ زِيَّها الإحْرامُ
قال الشيخ: وصف السيوف بأن دينها الحل لأنها لا تقتل إلا من يجب قتله، وبالإحرام لأنها لا تقر في الغمود فهي عارية.
كُتِبَتْ في صَحَائِف المجْدِ بسْمٌ ... ثُمَّ قَيْسُ وَبَعْدَ قَيْسِ السَلامُ
(1/92)

قال السيخ: جعل الباء هاهنا مع اسم بمنزلة الكلمة الواحدة الثلاثية نحو رجل وجذع، ولعل هذه الكلمة ما استعملت على هذه السجية إلا في هذا البيت، لأنه جعلها بمنزلة كلمة واحدة. وأدخل عليها التنوين. ولو أنها بسم الله لحسن أن تحكى على ما هي عليه، فيقال: كتبت في صحائف المجد بسم الله، فأما قول القائل:) إن لوا وإن ليتا عناء (. فليس هو هذا الجنس، لأنه أخرج) لو (من بابها، وجعلها كلمة معربة، ولا من نحو قولهم: مررت ببرق نحره، لأن الجمل إذا سمي بها فهي محكية في النصب والرفع والخفض.
ومن التي أولها:
ألا لا أُرِي الأَحْدَاثَ حَمْداً ولا ذَمَّا ... فَما بَطْشُها جَهْلاً ولا كَفُّها حِلمَا
قال ابن جني: يقول لا ذنب للمصائب فأذمها، ولا إحسان فأحمدها، لأنها غير ناطقة في الحقيقة، وإنما تنسب إليها الأفعال استعارة ومجازا وقال الشيخ أبو العلاء:) أري (في البيت بمعنى أعلم، وهي تستعمل كثيرا على هذا الوجه، وأصل الرؤية في العين، ثم استعملت في العلم والاعتقاد والمشورة ونحو ذلك، تقول: المسلم يرى أن الصلاة فرض، أي يعتقد وفلان يرى أن تفعل كذا، أي يشير عليك.
إلى مِثْلِ ما كانَ الفَتى مرْجعُ الفتى ... يَعُودُ كما أبدَى ويُكْري كما أرمْى
قال الشيخ: يقال بدأ الشيء بالهمز وهي اللغة الجيدة، ويقال أبدى في معنى بدا، وهي قليلة، ويقال أكرى الشيء إذا نقص، وأكرى إذا زاد، وهي من الأضداد، وكرى الزاد إذا نقص، وأكرى الرجل إذا نقص زاده، قال الشاعر:
كذِي زادٍ مَتى ما يُكْرِمَنهُ ... فليس وَرَاءَهُ ثِقَةٌ بِزّادِ
وأرمى على الشيء إذا زاد عليه، والاسم منه الرما، وفي الحديث " إني أخاف عليكم الرماء " أي الربا، والمعنى أن الفتى كان معدوما، وإلى مثل ذلك يعود.
بَكَيْتُ عليها خِيفَةً في حياتِها ... وذَاقَ كِلانا ثُكْلَ صاحِبِهِ قِدْما
قال الشيخ: يقول كنت أعلم أنني لا بدلي من فراقك، فكنت أبكي عليها والفراق لم يكن، وكانت هي من لإشفاقها علي كأنها ثكلة وهذا نحو قوله: مَنْ رآها بِعَيْنه شاقَهُ القُطَّان فيها كَما تَشُوقُ الحُمُولُ
منَافِعُها ما ضَرَّ في نَفْعِ غَيرها ... تَغَذَّى وتَرْوَى أنْ تجوَع وأَنْ تَظما
قال الشيخ: يقول هذه المرأة كانت ترى أنها تنتفع بنفع غيرها، وإن كان نفعها إياه يضرها، والمراد أنها تطعم المساكين، وتجوع وتطمأ وظمؤها في نفسها ري وكأن هذا مأخوذ من قوله تعالى) ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة (.
ومن قول الهذلي:
أقسّمُ جِيمي في جسُومٍ كثيرَةٍ ... وَأوثِرُ غَيري مِنِ عِيالِكِ بالطُّعمِ
وقال ابن فورجة: هذا أحد الأبيات التي زل فيها الشيخ أبو الفتح بن جني فقال أي منافع الأحداث أن تجوع وأن تظمأ، وهذا ضار لغيرها، ومعنى جوعها وظمئها أن تهلك الناس، فتخلى منهم الدنيا وهذه كقوله أيضا: كالمَوْتِ لَيْسَ لَهُ رِيٌّ ولا شبعُ فرحم الله أبا الفتح أليس قد قال) في نفع غيرها (فأي نفع للناس في أن يهلكوا، وإنما الهاء في) منافعها (راجعة إلى الجدة المرثية، يريد أن منافع هذه المرأة لصلاحها وتقواها، وإيثارها على نفسها، وكثرة صيامها وعبادتها، ما جرت العادة به أن يضر، وذاك أنها تؤثر الجوع والظمأ على الري والشبع، فإذا جاعت وظمئت كأنها تغدت ورويت، وقوله) في نفع غيرها (موضعه الرفع لأنه خبر ثان لمنافعها، والخبر الأول) ما ضر (ويجوز أن يكون في بمعنى مع، يريد ما ضرها مع نفع غيرها، كما تقول أردت شتمك في إكرام زيد، أي مع إكرام زيد.
إذا فَلَّ عَزْمِي عَم مدىً خوْفَ بُعْدِهِ ... فأبْعَدُ شَيْ ممكِنٌ لم يجَدْ عَزْما
قال ابن جني: يقول: وجود الممكن مع عدم العزم، أبعد عن الوقوع من وجود عزم مع بعد لمطلب أي إذا لم يكن عزم لم يوصل إلى شيء البتة.
وَإني لَمنْ قَوْمٍ كأنَّ نُفُوسَنا ... بها أنَفٌ أنْ تَسكُنَ اللَّحْمَ والعَظْما
قال الشيخ: كان أبو الطيب له مذهب في أن يحمل الضمير على المعنى كقوله في هذا البيت) كأن نفوسنا (، ولو قال كأن نفوسهم لرجع الضمير إلى) قوم (وكان أقرب إلى فهم السامع، وكأنه أراد بهذا القول: إنا نؤثر القتل لأن نفوسنا تأنف من سكناها اللحم والعظم.
ومن التي أولها:
(1/93)

لَهِوَى القُلُوبِ سرِيرةُ لا تُعْلَمُ ... عَرَضا نَظَرْتُ خِلْتُ أني أسْلمُ
قال السيخ:) عرضا (يحتمل نصبه وجهين أحدهما: أن يكون المراد نظرت نظرة عرضا، والآخر أن يكون عرض مفعولا، أي نظرت عرضا من أعراض الدنيا.
يا أُختَ مُعتنِق الفَوارِسِ في الوَغى ... لأخُوِكِ ثَمَّ أرَقُّ مِنْكِ وأرْحَمُ
قال ابن جني: يرميه بأخته وبالابنة، وقوله ثم إشارة إلى المكان الذي يخلو فيه للحال المكروهة.
وقال الشيخ: ظن بعض الناس أنه يريد بهذا البيت ابن كيغلغ، وليس الأمر كذلك، إنما هو تشبيب عرض له ونظر فيه إلى الطائي:
بِأبِي مَنْ إذا رآها أبُوهَا ... قال بالغَيبِ ليتَ أنَّا مَجُوسُ
ويدل على أنه لم يعن به الهجو أن الأبيات التي بعده ليس فيها دليل على غير التشبيب، وقوله) يا أخت معتنق الفوارس (يصف أخاها بالشجاعة، لأن الاعتناق للفرسان تفتخر به الشجعان، ويمدح به السادة قال الشاعر:
أُعانِقُ في الحَربِ الكِرامَ وأبتغي ... قيودَ المِئينِ في الصِباحِ وفي الدُهمِ
يقال فلان قيد مائة، أي إذا أسر فدى بمائة من الإبل، ومنه قول الراعي:
وكان لَها في سَالفِ الدَّهرِ فَارسُ ... إذا مَا رَأى قَيَدَ المئينِ يُعانِقُه
ووصف المرأة بأنها فظة القلب، وبالغ في ذلك، فجعل أخاها الذي يعتنق الفوارس أرق منها قلبا) وثم (إشارة إلى الموضع الذي تعتنق فيه الفرسان.
يُؤذِي القَليلَ مِنَ اللِئامِ بِطَبعِهِ ... مَنْ لا يَقِلُّ كَما يقِلذُ وَيَلْؤُمُ
قال الشيخ: يقول) يؤذي القليل من اللئام بطبعه (اللئيم من ليس هو قليلا كقلة المؤذي، ولؤم المضارع من لؤم، وهو معطوف على قوله) يقل (ويقال لئيم الأصل، ووزنه فعيل، كما يقال كرم فهو كريم، وقالوا رجل ليم قال عبيد الله بن قيس الرقيات:
وإذا حَبوتَ اللَّيْمَ منكَ صنيعة ... كتم الصنيعة لؤمُه فَلواكَها
يريد لواك إياها من لي الدين أي مطله والذين قالوا الليم هم الذين قالوا روس جمع رأس، قال الشاعر:
إنما هِندٌ كَشَمْسٍ بَدَرَتْ ... يَوْمَ عِيدٍ فَوْقَ روسِ الجِبالْ
وَمَنَ البَلِيّة عَذلُ مَنْ لا يَرْعوِي ... عن جَهلِهِ وَخِطَابُ مَنْ لا يَفْهمُ
قال الشيخ: الارعواء الرجوع إلى الشيء، يقال قد ارعوى فلان إلى الدين أي قد رجع إليه، وحكي عن أبي بكر الخياط النحوي، وكان فيما قيل يعرف مذهب البصريين والكوفيين، أنه قال أقمت عشر سنين اسأل عن وزن ارعوى فلم أجد من يعرفه، وأصله عند النحويين ارعو في وزن أحمر وأصل أحمر احمرر، فكأنهم لما لم يأت في كلامهم واوان مجتمعان، فروا إلى أن يجعلوا الواو الثانية في ارعو الفا، فيقولوا ارعوى، ولو قيل ابنوا من الغزو مثل أفعل لوجب لأن يقال اغزوى، والأصل أغزو كما تقدم في ارعو وكذلك لو قيل ابنوا من قضيت مثل أفعل لوجب أن يقول اقضيا، فتقلب الياء الآخرة ألفا ولا يجوز أن تحمله على قولك قدحي فلان بالمكان أي حيي به، وقد عي بالمكان أي عيي به، قال عبيد بن الأبرص:
عَيّوا بأمرهِمُ كَما ... عَيَتْ بِبيْضَتِها الحمامَهُ
جَعَلتْ لها عُودَينِ من ... نشَمٍ وآخر من ثمامَهْ
وإنما جاء في هذا الباب هاتان اللفظتان وكلاهما على فهل بكسر العين ولم يأت شيء على فعل فيشبه به أق وارعو، قال يزيد بن الحكم:
جَمَعتَ وفُحشْاً غِيبةً ونَميمةً ... ثَلاثَ خِلالٍ لستَ عنها بمرعوِ
وقد جاء في هذه القصيدة اسمان يجريان مجرى مرعو، وهما محجو في معنى منقبض مجتمع، ومدحو مأخوذ من الدحو وهو البسط في قولهم دحا الله الأرض أي بسطهان وفيها موضع ثالث وهو مجدو من الجدوى.
ومن التي أولها: مَلُومكمُا يجلُّ عَنِ المَلامِ
عُيُونُ رَوَاحِلي إنْ حِرْتُ عَيْني ... وكُلُّ بُغامِ رَازِحَةٍ بُغامِي
قال ابن جني: سألته عن معنى هذا البيت فقال: معناه إن حارت عيني فعيون رواحلي عيني: وبغامهن بغامي أي إن حرت فأنا بهيمة مثلهن.
(1/94)

قال الشيخ: الناس يروون حرت بالتاء، والنون أشبه، لأنه وصف نفسه فيما تقدم أنه لا يحتاج إلى دليل، فوجب أن يقول إن حارت رواحلي فعيني نائبة عن عيونها، لأنها تهديها السبيل،) وكل بغام رازحة بغامي (البغام اكثر ما يستعمل في الظباء، وربما استعمل في النوق، يقول عيني تنوب عن عيون رواحلي، وشكيتي الدهر ينوب عن بغامها في الهواجر، لأن بغامها في الهواجر إنما يكون عن التعب والأين، ومن روى حرت بالتاء فله معنى صحيح إلا أنه ينافي قوله: ذَراني والفلاة بلا دليل ويكون المعنى معنى الدعاء والقسم، كما يقول الرجل للآخر أنا عبدك إن فعلت كذا وكذا، فينوب ذلك عن قوله أقسم لا كان ما ذكرت، أو جعلني الله عبدك إن كان كذا وكذا، فكأنه أقام ذلك مقام اليمين، أو مقام الدعاء على نفسه.
قال ابن فورجة: إن قيل فما يضر أن يحير، وأجل منه ركب المفاوز فتاه، وليس الجهل بالدلالة مما يذم به، فالجواب أنه يريد أني بدوي ومع ذلك فإني عارف بدلالات النجوم بالليل، والعلم بالأنواء من أبواب الأدب، فلذلك افتخر به، ويدلك على ذلك قوله) وكل بغام رازحة بغامي (يريد أني فصيح شاعر عارف بالمنطق، وهكذا يقول الفصيح إذا أقسم أنا أعجمي إن لم أعليك بالحجة وأنا أخرس إن لم أخصمك بالجدل، فيقول أبو الطيب: إن تحيرت في المفازة فعيني البصيرة العالمة عين راحلتي، ومنطقي الفصيح البليغ بغام.
فقَدْ أرِدُ المِياهَ بغَيرِ هَادٍ ... سَوى عَدّي لها بَرْقَ الغَمَامِ
قال ابن جني: قال يعقوب: العرب إذا عدت للسحاب مائة برقة، لم تشك في أنها ماطرة قد سقت، فتتبعها على الثقة.
وقال السيخ: ذكر ابن الأعرابي في النوادر أن العرب إذا لاح البرق عدوا سبعين برقة، فإذا كملت وثقوا بأنه ماطر، فرحلوا إلى موقع الغيث.
ولا أَمْسِي لأهْلِ البُخْلِ ضَيْفاً ... وَلَيْسَ قِرى سِوى مُخّ النَّعامِ
قال الشيخ: يقال إن النعام لا مخ له، فكأنه قال وليس قرى إلا قرى معدوما وينشدون في أن النعام لا مخ له قول الهذلي.
كأنَّ مُلاءَتَيَّ على هِزَفِّ ... يَعُنُّ مَعَ العَشِيّةِ للرّئِالِ
عَلَى حَتَّ البُرَايَةُ زَمْخَري السَّواعِد ظَلَّ في شَرْي طَوالِ حث البراية أي سريع عندما يبريه من السفر، والزمخري الأجوف، والسواعد مجاري المخ.
وقال الأحسائي: مخ النعام قليل جدا، يعني أنه قرأهم متعذر، لا يكاد يوجد، ولا يوصل إليه، أي ليس لهم قرى يعرف، ويجوز أن يريد لا أمسي لأهل البخل ضيفا ولو قروني مخ النعام على عزته، وشدة الكلفة في طلبه، كما يقال لو سقاني فلان ماء الحياة لما شربته من يده.
ومن التي أولها: حتَّامَ نَحْنُ نُسارِي النَّجمَ في الظُّلَمِ
تَبْري لَهُنَّ نَعامُ الدَّوَّ مُسْرَجَةً ... تُعارضُ الجُدُل المُرْخاةَ باللُّجُم
قال ابن جني: يعني بنعام الدر هنا الخيل، شبهها بالنعام لسرعتها، فيقول هذه الخيل لعلو أعناقها وإشرافها تباري أعناق الإبل، فيكون اللحم في أعناقها كالجدل، وهي الأزمة في أعناق الإبل.
قال الشيخ: تبري لهن أي تعارضهن، والهاء والنون راجعة على العيس، وذكر أن الخيل تعارض الإبل، وإنما جرت عادة العرب أن يصفوا ركوب الإبل وأنهم يجنبون الخيل وراءها، وقد ذكره أبو الطيب بقوله:
وَلا اتَّبَعَتْ آثارنا عَيْنُ قَائِفِ ... فَلَمْ تَرَ إلاَّ حافِراً فَوْقَ مَنْسِمِ
في غِلْمَةٍ أخطَرُوا أرواحهمُ ورَضُوا ... بما لَقينَ رِضأ الأيْسارِ بالزَّلِمِ
قال ابن جني: أي خاطروا بأنفسهم في المسير معه، ورضوا بذلك كما يرضى الأيسار، وهم الذين ينحرون الجزر، ويتقارعون عليها بالقداح.
وقال الشيخ: قوله) أخطروا أرواحهم (أي جعلوها كالخطر، والخطر هاهنا الشيء الذي يضعه المراهنون بينهم، ليأخذه الغالب منهم، يقول أخطروا أرواحهم راضين بذلك. والأيسار جمع يسر، وهم الذين يدخلون في الميسر، والزلم بفتح الزاي وضمها اسم للقدح الذي يتقامر به، أخائبا كان أم فائزا، والفعل يسر الرجل يسرا وهو ياسر.
(1/95)

وقال الأحسائي: الأزلام سبعة الفذ وله نصيب واحد، والتزأم وله نصيبان، والرقيب وله ثلاثة أنصباء والمصفح وله أربعة أنصباء، والنافس وله خمسة أنصباء، والفائز وله ستة أنصباء، والمعلى وله سبعة أنصباء، فإذا خرج لأحدهم المعلى، ولرسيله الفذ أخذ صاحب الفذ من الجزور سهما، وغرم من الثمن سبعة أسهم، وعلى هذا القياس في جميعها.
في الجَاهليةِ إلاَّ أنَّ أنْفُسَهُمْ ... مِن طِيبِهن بِهِ في الأشْهرِ الحُرُمِ
قال الشيخ: يقول هؤلاء الغلمة كأنهم في الجاهلية، إلا أن أنفسهم من طيبهن بالقنا كأنهن في الأشهر الحرم، لأنها آمنة بالرماح، والهاء في) به (راجعة إلى القنا والتذكير أشبه من التأنيث، والوجهان جائزان، وكانت العرب في الجاهلية تعظم الأشهر الحرم، ولا تسفك فيها الدم، وهي ثلاثة سرد، وواحد فرد، فالسرد: ذو القعدة، ذو الحجة، والمحرم، والفرد: رجب.
ما زِلتُ أُضْحِكُ إبلي كُلَّما نظَرَتْ ... إلى مَنِ اخْتَضَبَتْ أَخفَافُها بَدَمٍ
قال ابن جني: تعريض ينقص أهل مدينة السلام.
قال الشيخ: هذا البيت ذم لمن سار إليه غير فاتك، يقول ما زلت أضحك الإبل تعجبا من أني وإياها سرنا إلى من لا يحب أن نسير إليه، ويشهد بذلك ما بعد البيت من الأبيات، وكأن ضحك الإبل هزؤ بالمقصود، ولو كان البيت في صفة فاتك لكان في نهاية المدح، يقول ما زلت أضحك إبلي من الفرح إذا علمت أنها اختضبت أخفاقها بالدم إلى هذا المفقود المثل.
مَن اقْتضَى بِسوَى الهِنديّ حاجَتَه ... جابَ كلَّ سُؤَالٍ عَنْ هَلٍ بلمٍ
قال ابن جني: إذا قيل له هل أدركت حاجتك، قال لم أدركها، وجعل هل ولم اسمين فجرهما كما تقول هل حرف استفهام، ولم حرف نفي، وإن حكيت فحسن مستقيم.
صُنَّا قَوَائمَها عَنْهُمْ فما وَقَعتْ ... مَواقَعَ اللُّؤْمِ في الأيدي ولا الكَزَمِ
قال الشيخ رحمه الله: الكزم قصر اليد، يقول صنا قوائم السيوف عن أيدي هؤلاء القوم، لأنها لئيمة، فوصفها بالكزم مع اللؤم، وهذا المعنى قريب من قول جعفر بن علبة الحارثي:
نُقَاسِمُهُم أسيَافَنَا شرَّ قِسمَةٍ ... قَفِينَا غَوَاشِيهَا وفيهمْ صُدورُهَا
وقال الحارثي:
لَهْمُ صَدْرُ سَيِفِي يَوَمَ بَطحاءِ سَحبَلٍ ... ولي مِنهُ ما ضُمّت عليه الأناملُ
هَوّنْ على بَصَرٍ ما شَقَّ مَنظَرَهَ ... فإنما يَقَظاتُ العَيْنِ كالحُلمِ
قال الشيخ: هذا أمر بتهوين الدنيا على النفس، وألا يحفل بها الإنسان، لأن يقظاتها كالحلم، وقوله) ما شق منظره (أي ما كان النظر إليه يشق على الإنسان، وقد ذكر ذلك في قوله:
كَلامُ أكْثَرِ مَن تَلْقَى ومَنظَرُهُ ... مَّمِا يَشُقُّ على الأسَماعِ والحَدَقِ
حرف النون
من التي أولها:
نَزُورُ دَياراً ما نُحبُّ لها مَغْنى ... وَنَسْألُ فيها غيرَ سُكَّانهِا الإذْنَا
قال ابن جني: يقول: نسأل سيف الدولة أن يأذن لنا في التسرع إليها بالغارات، وتحصيل العلوفة وغير ذلك.
وَإنَّا إذا مَا المَوْتُ صَرَّحَ في الوَغَى ... لَبِسْنا إلى حَاجَاتِنا الضَّرْبَ والطَّعْنا
قَصَدْنا له قَصْدَ الحَبيبِ لِقاؤهُ ... ألَيْنا، وَقُلْنا للسُّيُوفِ هَلُمّنَّا
قال الشيخ: صرح أي صار صريحا خالصا، وقوله) لبسنا إلى حاجاتنا الضرب والطعنا (أي نلبس الضرب والطعن، أي نتقي بهما الأعداء كما يتقيها غيرنا بالدروع، الهاء في) الحبيب لقاؤه (عائدة على الموت، وقول) هلمنا (تستعمل) هلم (على وجهين، فمنهم من يقول للاثنين هلما، وللجميع هلموا، وللنسوة هلمن، وكان الشاعر أدخل النون الشديدة على قوله هلموا، كما تقول للجماعة اضربن ياقوم، وليس ذلك جائزا؛ لأنه جعل السيوف كأنها تعقل.
وقال الأحسائي: يريد قصدنا له قصد الشيء المحبوب إلينا لقاؤه، فلقاؤه مرفوع بالحبيب، وهو اسم المفعول، وحبيب بمعنى محبوب، وقوله) للسيوف هلمنا (بضم الميم على تذكير جماعة السيوف، هكذا كان ينشد والقياس كسر الميم للتأنيث، وحجته في ذلك أنه عظم السيوف، فأخرجها مخرج ما يعقل للمبالغة في تفخيمها، كما جمعت الأرض تعظيمها جمع مذكر ما يعقل، فقيل أرضون، وهذا مذهب العرب في التفخيم والمبالغة أن يذكروا المؤنث ويؤنثوا المذكر، كقولهم نسابة وعلامة.
(1/96)

ومن التي أولها: الرَّأيُ قَبْلَ شَجاعَةٍ الشُّجْعانِ
لولا العُقُولُ لكانَ أدْنى ضَيْغَمٍ ... أدْنَى إلى شَرَفٍ مِنَ الإنسانِ
قال الشيخ، أدنى في هذا البيت على معنيين: أما الكلمة الأولى فهي مأخوذة من الدناءة، وهي ضد الشرف، وأصله الهمز، وأما الكلمة الثانية فهي من الدنو الذي هو ضد البعد، يقول: لولا العقول لكان أقل الأسد بأسا أقرب إلى الشرف من الإنسان، لأنه أجرأ منه.
في جَحْفَلٍ سَتَر العُيُونَ غُبارُهُ ... فكأنما يُبْصِرْنَ بالآذانِ
قال الشيخ: معنى هذا البيت مفهوم، يريد أن الغبار منع عيونها من أن تبصر، فهي تسمع الأصوات بآذانها، وتفعل ما يقتضيه الصوت، فكأنها تبصر بهن. وذهب بعض المتكلمين في شعر أبي الطيب إلى أن الغبار وقع على عيون الخيل فنقلت أجفانها، حتى صارت كالآذان، وهذا ليس بشيء.
يَقمُصْنَ في مثْل المُدَى منْ بَارِدٍ ... بَذَرُ الفُحُولَ وهُنَّ كالخِصيْانِ
قال الشيخ:) يقمص (يعني الخيل، والقمص أن يرفع الفرس رجليه، ويداه غير مرفوعتين، والماء البارد إذا سبح فيه السابح من بني آدم تقلص صفنه، وهو الجلد الذي يجمع البيضتين، وإن كان فرسا تقلص قنبه.
والماءُ بَينَ عَجاجَتَنِ مُخَلَّصٌ ... تَتَفَرَّقانِ بِهِ وَتَلْتَقِيانِ
قال ابن جني: أي عجاجة المسلمين، وعجاجة الروم، يقول ربما حجز الماء بين العجاجتين، وربما جازتاه فالتقتا، والعجاجة قل ما تثور في الشتاء، فسألته وقت القراءة عن هذا، فذكر أنه شاهد الأمر كذلك وقال كان الوقت من الزمان حزيران.
مُتَصَعْلِكينَ على كَثَافَةِ مُلكِهم ... مُتَواضِعِينَ على عَظيمِ الشَّانِ
قال الشيخ: يقول: هؤلاء القوم ملوك وهم في الحرب يتشبهون بالصعاليك لأنهم يباشرونها بأنفسهم، والصعلكة تستعمل في قلة المال وقلة اللحم قال أبو داود في صفة الخيل: قد تَصَعْلكْنَ في الرَّبيعِ وقد قَلَّصَ لَحَم الفَرائِضِ الأقدَامُ وذكر الشاعر أنهم يتواضعون على عظم شأنهم، والتواضع يحمد من محله مرتفع.
يَتَقَّيلونَ ظِلالَ مُلَّ مُطَهَّمٍ ... أجَلِ الظَّليمِ وَرِيْقَةِ السّرْحانِ
قال ابن جني:) يتقيلون (أي يتبعون آباء يتبعون آباء لهم سباقين إلى المجد والشرف كالفرس المطهم الذي إذا رأى الظليم فقد هلك، وإذا رأى الذئب كان كأنه مشدود بحبل في عنقه، والعرب إذا مدحت رجلا شبهته بالفرس السابق، كما قال النابغة:
إلاّ لمِثْلِكَ أو مَن أنتَ سَابِقهُ ... سَبْقَ الجَوادِ إذا استَولىَ على الأمِدِ
وإنما استعار هاهنا لفظ الظلال، لأن ظل شيء موازيه وعلى سمته فيريد بذلك احتذائهم طرق آبائهم، ويحتمل أيضا أن يكون معناه أنهم بأفياء خيلهم لشدة الحر، يصفهم بالتغرب والتبدي.
وقال الشيخ: لما وصفهم بالتصعلك، عرض بأن الملوك يتقيلون عند الهاجرة في القصور والمنازل البارة، وأن هؤلاء القوم يتقيلون، أي يكونون وقت الهاجرة في ظلال الخيل.
وقال ابن فورجة: ما قال أبو الطيب إلا يتفيأون، يريد يجلسون في أفياء خيلهم للزومهم البادية في صميم الحر ولا ظلال لهم غيرها.
خَضَعَتْ لَمنْصُلِكَ المناصِلُ عنوةَ ... وَأذَلَّ دِينُكَ سَائِرَ الأدْيانِ
قال الشيخ: يقول خضعت سيوف الملوك لسيفك، وأذل دينك أديان الأمم، والدين يستعمل في مواضع؛ فيكون الملك، وتكون الطاعة، والعادة، والفعل، ومن أمثالهم) كما تدين تدان (أي كما تفعل يفعل بك، وفي هذا الكلام على اختصاره مأدبة عظيمة، وأمر للإنسان أن لا يفعل شرا البتة وكان بعض ملوك العرب إذا سمع بامرأة جميلة أخذها غصبا، فأخذ ابنة يزيد بن الصعق الكلابي، ويزيد غائب، تقدم على الملك وهو كتبد في الصحراء، فقال بحيث يسمعه:
يا أيها المَلِكُ المُقِيتُ أمَا تَرَى ... لَيلاً وصُبْحَاً كيفَ يختَلِفَانَ
هل تَستَطيع الشَمسَ أنْ تَأتِي بها ... لَيلاً وهل لكَ بالنَهَارِ يَدَانِ
فأعلَمْ يَقيناً أنَّ مُلكَكَ زَائِلُ ... واعْلَمْ بأَنَّ كما تَدينُ تُدَانُ
فروي أن الملك أجابه فقال:
إنَّ التي تَبِلَتْ فُؤادَكَ خُطَّةٌ ... مَفرُوضَةٌ في النَّاسِ يا ابنَ كِلابِ
(1/97)

فاَذهَبْ لَحِاجَتِكَ التي طَالَبتَها ... والحَقْ بأَهلِكَ في جَنُوبِ أرَابِ
ويقال إن هذه الأبيات ما أنشدها ملك قط إلا اتعظ.
وعلى الدُّرُوبِ وفي الرُّجوعِ غضَاضَةٌ ... وَالسَّيرُ مْمتَنعٌ مِنَ الإمكانِ
والطُّرْقُ ضَيَّقَةُ المَسالِكِ بالقَنا ... والكفْرُ مُجْتَمِعٌ عَلى الإيكانِ
نَظَرُوا إلى زُبَرِ الحَدِيدِ كأنَّما ... يَصْعَدْنَ بَينَ مَناكِبِ العِقْبانِ
قال ابن جني: سألته عن هذا فقال: معناه وكان الذي ذكرته على الدروب أيضا.
وقال الشيخ:) وعلى الدروب (ابتداء كلام لم يتم إلا بقوله: نظروا إلى آخر البيت وليس في شعر أبي الطيب من هذا الجنس شيء، لأنه علق أول كلمة في البيت بآخر كلمة في البيت الثالث، وزبر الحديد قطعه، شبه الدارعين بزبر الحديد، وشبه خيلهم بالعقبان، فكأنها تحمل الزبر على المناكب.
وقال ابن فورجة: إنما يريد في مقامنا على الدروب غضاضة، وفي رجوعنا غضاضة، والخطاب يدل السامع على أنه يريد في مقامنا على الدروب غضاضة وهذا كما تقول للجالس على التراب: جلوسك على التراب قبيح أو غير جميل.
حُرِمُوا الَّذِي أمَلُوا وأدْرَكَ منهُم ... آمالَهُ مَنْ عَاذَ بالحِرْمانِ
قال ابن جني: أي حرموا الظفر بك، وأدرك آماله منهم من سلم منك، لأنه حينئذ أمل النجاة، فرجع بما أمله منها، وإن كان قد حرم ما كان أمله قديما من الظفر بك.
ومن بيتين:
كَتَمْتُ حُبَّكِ حتى مِنْكِ تَكْرِمَةً ... ثم اسْتَوَى فِيكِ إسْرارِي وإعْلانِي
كَأنَّهُ زادَ حتى فَاضَ مِنْ حَسَدِي ... فَصَارَ سُقْمِي بِهِ في جِسمِ كِتمَاني
قال ابن جني:) كأنه (أي كأن الكتمان، فأضمره وإن لم يجر ذكره، لأنه إذا قال كتمت دل على الكتمان، وما علمت أحدا ذكر استتار سقمه، وأن الكتمان أخفاه غير هذا الرجل.
وقال الشيخ: يقول إنه كتم حبه حتى عن محبوبه، ثم غلبه الأمر فاستوى إسراره وإعلانه، والهاء في كأنه عائدة على الحب، فصار السقم الذي كان بي في جسم كتماني، أي أن كتماني ذاب وضعف حتى صار يشبهني في السقم، فأنا أخفى عن الناظر.
وقال ابن فورجة: يعني أني تكرمت بكتمان حبك، حتى كتكته منك أيضا ثم استوى سري وعلني في الكتمان لا في العلن، يدل على ذلك معنى البيت الثاني، وليس المصراع الثاني يناقض الأول، فقد يظن ظان أنه يعني أني كتمت ثم أعلنت، وليس كذلك يدلك عليه قوله) كأنه زاد حتى فاض من جسدي (يريد الكتمان، فإذا زاد الكتمان فكيف يكون معناه أني أظهرت فإن قيل إنما ضمير) زاد (للحب، قلنا فما نصنع بقوله) فصار سقمي به في جسم كتماني (يريد فصار سقمي مكتتما، كأنه في وعاء من كتمان، وكأنه يقول كأن كتماني في جسمي، فصار جسمي في كتماني فافهمه.
ومن التي أولها:
الحُبُّ ما مَنَعَ الكَلاَم الألسُنا ... وَألَذُّ شَكَوى عاشِقٍ ما أعْلَنا
قال الشيخ: الألسن جمع لسان إذا كان مؤنثا، فإذا كان مذكرا فجمعه ألسنة، أثبت في المصراع الأول أن الحب هو الذي يمنع الألسن من الكلام، ومنعه إياها يحتمل وجهين، أحدهما: أن يكون يبلغ المحب إلى حال لا يستطيع معها الكلام، والآخر: أن المحب يجب عليه كتمان ما هو فيه، لأن ذلك أجمل بمن يحب وهذا الوجه أشبه من الأول، لأن بقية البيت دال عليه، وهو قوله:) وألذ شكوى عاشق ما أعلنا (فهو ضد لما يجب عليه أن يفعله، وهو الكتمان.
وقال ابن فورجة: سمعت قوما ينشدون) الألسنا (بفتح السين، وليس ذلك بممتنع) وما (بمعنى الذي، يقول الحب الصادق ما يمنع الكلام الألسن تحيرا وتبلدا، كما يقول: البغض ما يمنعك النظر إلى صاحبك البغض الصادق والشديد وإن قال قائل) ما (بمعنى النفي، ويكون معناه الحب لم يمنعك الشكوى، لم يكن ذلك ممتنعا، والمعنى أن شكوى الحب مما يستلذ، فإذا بلغ من شدة الحب إلا ينطق فهو من النهاية، وهذا معنى قول القائل:
ومَا هُوَ إلاَّ أنْ أرَاها فُجاءَةً ... فأبهَتَ حتى لا أكادُ أُبِينُ
فمن روى الألسن كان ذلك من المبالغة، ومعنى المصراع الثاني ما قاله ابن الجهم: وقَلَّما يَطِيبُ الهَوى إلا لُمنْهَتِكِ السَّتْرِ أو قول أبي نواس: ولا خَيرَ في اللَّذَاتِ مِنْ دِونِها سِتْرُ
(1/98)

وَتَوَقدتْ أنْفَاسُنا حتى لَقَدْ ... أشْفَقْتُ تحْترِقُ العَوَاذِلُ بَيْنَنا
قال ابن جني: وجه الإشفاق على العواذل، لئلا يرباهن، أو لئلا ينم احتؤاقهن على ما كان فيه من حرارة أنفاسهما، واحتدام موقفهما.
وقال الشيخ: أراد أشفقت أن تحترق، وحذف أن وأن وما بعدها في موضع نصب، فإن جعل الكلام تاما عند قوله،) أشفقت (جاز أن ينصب قوله أن تحترق على معنى المفعول من أجله، وأن جعل الكلام غير تام بقوله) أشفقت (فالمعنى معنى من، كأنه قال أشفقت من أن تحترق فلما حذف من وصل الفعل، كما عمل بعد حذف الخافض في قوله أمرتك الخير أي بالخير.
لا يَسْتَكِنُّ الرُّعْبُ بينَ ضُلُوعِهِ ... يَوْماً ولا الإحْسانُ أنْ لا يُحْسِنا
قال ابن جني: الإحسان هذا مصدر أحسنت الشيء إذا حذقته، وليس من الإحسان الذي هو الإنعام، وضده الإساءة، وإن كان معنياهما متقاربين يقول: فهو لا يحسن إلا بفعل الجميل.
وقال الشيخ:) يستكن (يستتر، وكل ما خفي فقد استكن قال زهير:
وكانَ طَوَى كَشْحاً على مُسْتكِنّةٍ ... فلا هو أبدَاها ولم يَتَقدَّمِ
فقيل: المستكنة الحاجة التي عزم عليها، وهو الوجه الصحيح، وقيل المستكنة قرحة تنبت في الجنب، فيجوز أن يكون شبه الحقد الذي معه بالقرحة التي تؤدي إلى الهلاك، يقول لا يدخل الرعب جسد هذا المذكور، وكذلك الإحسان لا يستكن في نيته؛ لأنه يظهره فيغيبه عن الإخفاء.
وقال ابن فورجة: ما أراد أبو الطيب إلا الإحسان الذي ضد الإساءة يقول: لا يستكن الإحسان حتى يحسن، أي لا يمكث حتى يفعله، فأقام يستكن مقام يمكث لتقارب معنييهما، هذا أسبق إلى الفهم والذي أتى به الشيخ أبو الفتح في غاية الجود.
وقال الأحسائي: يقال أحسنت كذا، أي فعلت مجود الفعلة، وفلان لا يحسن كذا، أي لا يجيده، فيقول: هو لا يحسن أن يترك الإحسان، كما لا يستقر الرعب في قلبه.
سَلَكَتْ تماثِيلَ لبقِبابِ الجنُّ مِنْ ... شَوْقٍ بها فأَدَرْنَ فِيكَ الأعْيُنا
قال ابن جني: ما أعلم أنه وصفت صحة صورة بأنها تكاد تنطق أحسن من هذا.
وقال الشيخ: يقول سلكت الجن تماثيل القباب إليك، وإنما فعلت ذلك لأن عادتها جرت بأنها لا تظهر للإنسان.
فَعَجِبْتُ حتى ما عَجِبْتُ من الظُّبى ... وَرَأيتُ حتى ما رَأيتُ مِنَ السَّنى
قال ابن جني: يقول فعجبت من كثرة السيوف، حتى زال عجبي وتجاوز ما عاينت فأخلدت إليه، ورأيت من الضوء وتألق الحديد ولمعانه ما خطف بصري، فلم أر نعه غيره.
وقال الشيخ: عجبت حتى لم يبق لي عجب إلا رأيته، ورأيت السنى حتى منعني نوره من الإبصار فلم أره.
فَطَنَ الفؤادُ لما أتَيتُ على النَّوَى ... وَلما تَركتُ مخَافَةً أنْ تَفْطُنا
قال ابن جني: أي قد عرفت ما كان مني من شكوك، والثناء عليك في حال غيبتك، ولم أتعرض لضد ذلك، لئلا ينمي إليك، أي فلو لم لأتركه إلا لهذا لتركته، وكان وشي إليه به، وكأنه مع هذا قد اعترف بتقصير كان منه، ألا تراه يقول بعد.
أضْحَى فِراقُكَ لي عَلَيْهِ عُقوبةً ... ليسَ الذّي قاسَيْتُ مِنْهُ هَينا
وقال الشيخ أبو العلاء: وصفه بالفطنة، وأنه يفطن لما يفعله، مخافة أن يعلم به، يقول: إن كنت أتيت شيئا وأنت غائب، فأنت عالم به، كأنه يقول: لم أزل أثني عليك في غيبتك وحضورك، وأنت عالم بذلك، وقوله) لما تركت مخافة أن تفطنا (وأراد ذم قوم فترك ذمهم، لأنه خشي أن يفطن لذلك الممدوح فيكرهه، وزعم أنه يفطن لما يفعله الشاعر، ولما لم يفعله مخافة أن يعلم به.
وقال الأحسائي: كان أبو الطيب قد تخلف عن بدر لما سار من طبرية إلى صور، وكان بدر مؤثرا لصحبته، فقال إنك فطن الفؤاد لما أتيته وأنت غائب ولما تركته أيضا، ولا يخفى عليك شيء من أمري، فيحتاج أحد أن يتشوف عندك بالوقيعة، ثم قال يكفيني عقوبة على تخلفي عنك فراقك، فليس الذي قاسيت منه هينا، فلا تزدني عقوبة بعتابك.
وَانْهَ المُشِيرَ عَلَيْكَ في بِضَلَّةٍ ... فالحُرُّ بأوْلادِ الزِنَا
قال ابن جني: كان الأعور بن كروس قد وشى به إلى بدر لما سار وتأخر عنه المتنبي، وجعل قبوله منه ضلة أي أن أطعته ضللت. يهدده بالهجاء.
(1/99)

وقال الشيخ: الضلة في هذا البيت مقصود بها المشير، أي هو ضال في مشورته وهذا أحسن من أن تجعل الضلة للممدوح، لأنه يجب أن يجل عن ذلك، والذي ذهب إليه الشيخ أبو الفتح يحتمله المعنى.
وإذا الفَتى طَرَحَ الكَلامَ مُعرَّضاً ... في مَجْلِسٍ أخَذَ الكلامَ اللَّذْعنَا
قال ابن جني: أراد اللذ في قول الشاعر:
اللَّذْ بأسفِلهِ صَحراءُ وَاسِعَةٌ ... واللَّذْ بأعلاه سَيْلٌ مَدَّهُ الجرُفُ
وقال الشيخ: يقال إن (اللذ عني (الكلام البين الذي ليس فيه مواراة، وهذه الكلمة في كتاب العين، ولم تأت في شعر قديم إلا إن تكون شاذة، قالوا أراد باللذ عني الذي عنى فسكن ذال الذي وحذف الياء.
ومن التي لأولها: سأفَاضِلُ النَّاسِ أغْرَاضٌ لِذَا الزَّمَنِ
حَوْلي بكُلّ مَكانٍ منهُمُ خِلَقٌ ... تُخْطِي إذا جِئتَ في اسْتفهَامِها بَمنِ
قال الشيخ: خفف همزة) تخطي (والمعنى يحتمل وجهين أحدهما أن يكون تخطي فيه ضمير عائد على الخلق، يريد أنهم إذا قيل للرجل منهم من أنت؟ لم يهتد للبيان في الجواب، وهذه مبالغة في الصفة بالجهل، والآخر أن يكون المعنى تخطي أيها الرجل إذا قلت لبعضهم من أنت، لأن من إنما تكون لمن يعقل، وهذه الخلق ليس لها عقول.
خُرَّابِ بَادِيةٍ غَرْثى بُطُونُهمُ ... مَكْنُ الذَّبابِ لُهم زَادٌ بلا ثَمَنِ
قال الشيخ: الخراب جمع خارب، وأصله الذي يسرق الإبل خاصة، ثم قيل لكل لص خارب قال الشيخ:
والخَارِبُ اللّصُّ يُحبُّ الخَارِبَا ... وتلكَ قُرْبَى مثلَ أَنْ تُناسِبَا
أنْ تُشْبِهَ الضَّرَائِبُ الضَّرَائِبا
غَضَّ الشَّبابِ بَعيدٌ فَجْرُ لَيلَتِه ... مُجَانِبُ العَينِ للفَحْشاءِ والوَسَنِ
قال الشيخ: يريد أنه شاب، وأنه مع ذلك ناسك، بعيد فجر ليلته، لأنه يتهجد ويقوم للصلاة، فيطول عليه الراقد لا يحس بطول الليل.
قَدْ صَيَّرَتْ أوَّلَ الدُّنيا أواخِرها ... آباؤهُ مِنْ مُغارِ العِلْمِ في قَرَنِ
قال ابن جني: هذا مثل ضربه أي قد ضبطوا العلم وقيدوا به الأحكام والشرائع.
ومن التي أولها:
قَدْ عَلَّمَ البَينُ مِنَّا البَيْنَ تجفَانا ... تدْمَى وألفَ في ذا القَلْبِ احَزانا
قال الشيخ: أراد أن تدمى فحذف، وقد فعل هذا في مواضع كثيرة، وإذا أضمرت فهي والفعل في موضع مفعول ثان لقوله منا البين، يقول لما بان أحبابنا علم نأيهم أجفاننا أن تتباين فلا تلتقي للرقاد.
وَلَوْ بَدَتْ لأتاهَتْهُمْ فَحَجَّبها ... صَوْنٌ عُقُولُهم مِنْ لَحْظِها صَانَا
قال الشيخ: يقول لو بدت هذه المرأة لاتاهت من ينظر إليها، أي حيرته، وزعم أن الصون حجبها عن عيونهم، فصان عقولهم من أن تذهب.
وقال ابن فورجة:) صون (فاعل) حجبها (وصان في القافية ضميره راجع إلى الصون يريد صون صان عقولهم من حظها، والمعنى أنها بدت لأتاهتهم بجمالها، فقام تيههم عنها وذهولهم عن تأملها مقام صيانتها، فكانت كأنها لم تبد ثم قال هذا الصون على هذه الصفة هو صون صان عقولهم عن لحظها، ولولا تيههم عنها وذهولهم برؤيتها، لأسلمت عقولهم للحظها، ولو تيههم عنها وذهولهم برؤيتها، لأسلمت عقولهم للحظها، وذهب بها، يريد عشقوها غرضا للحظها، وبعد فالبيت مدخول والمعنى معقد مرذول.
ذَاكَ المعُدُّ الذي تَقْنُو يَداه لنَا ... فَلَوْ أُصيبَ بِشَيء مِنْهُ عَزَّانا
قال الشيخ:) المعد (الذي يجعل الأشياء عدة للعافين، فهو يقنو المال ليعطيه من يسأله، فلو أصيب بشيء منه لعزى العافين به، لأنه لم يذهب منه وإنما ذهب من أيديهم.
ومن التي أولها: بِمَ التَّعَلُّلُ لا أهْلٌ ولا وَطَنُ
أُرِيدُ مِنْ زَمَنِي ذَا أنْ يُبَلغَنِي ... ما لَيْسَ يَبْلُغُهُ في نَفْسِهِ الزَّمنُ
قال الشيخ: جرى في هذا البيت على عادته في المبالغة، وجعل الزمان كأنه عاقل يريد لنفسه الخير.
وذهب أبو الفتح ابن جني إلى معنى حسن، وهو أن الزمان يختار أن يكون كله ربيعا لأنه زمان طيب، يظهر فيه من الزهر والرياض والريا الأريجة ما ليس يظهر في غيره من الأزمنة.
قال ابن فورجة: ويمكن أن يكون أراد أن يكون خصبا لا قحط فيه، ويكون كله البرد بين الغداة والعشي لا هاجرة فيه، أو صحوا لا غيم فيه.
(1/100)

تَحَملَّوا حَمَلَتْكُم كُلُّ تاجِيَةٍ ... فكُلُ بَينٍ عَلَيٍ اليَوْمَ مُؤتَمنُ
قال الشيخ: كأنه دعا لنفسه بأن يتحملوا عنه، وأن تحملهم النواجي من الإبل وهي السراع، وهذا ضد قوله:
لَيتَ الذي خَلقَ النَّوَى جَعلَ الحَصَى ... لَخِفافِهِنَّ مَفاصِلي وَعظَامِي
وذكر أن البين مؤتمن عليه، لأنه سال لا يلحقه من البين ضرر، ثم شرح ذلك بقوله:
ما في هَوادِجكُم مِن مُهَجَتِي غوضٌ ... إنْ مُتُّ شَوْقاً ولا فيها لَها ُضمَنُ
فَغادَرَ الهَجْرُ ما بَيْنِي وَبَينكُم ... يهَماءَ اكْذِبُ فيها العَينُ والأذُنُ
قال الشيخ:) اليهماء (الأرض التي لا يهتدى لها، كأنه يخبر الذين يخاطبهم أنه قد بعد عن بلادهم، فصار بينه وبينهم يهماء تكذب فيها العين والأذن، لأنها بعيدة الأرجاء فالعين لا يتبين فيها الشخص على حقيقته، كذلك الأذن ليس سمعها في هذه القفرة بالصحيح.
تَحْبُو الرَّواسِمُ مِنْ يعْدِ الرَّسِيم بها ... وتسأل الأرضَ عن أخْفَافِها الثفَنُ
قال الشيخ: يقال حبا البعير حبوا إذا عجز عن القيام فحبا وهو بارك، والرواسم نوق تسير الرسيم وهو ضرب من السير، والثفن جمع ثفنة وهو ما يصيب الأرض من البعير إذا برك، يقول قد ذهبت أخفاف هذه الإبل لطول السفر، فثناتها تقول للآرض ما فعلت أخفافي، أي أ، ثفاتها باشرت الأرض لأنها تحبو لضعفها.
ومن التي أولها: عَدُوُّكَ مَذْمُومٌ بِكُلَّ لِسانِ
برَغمِ شَبيبٍ فارَقَ السَّيفِ كَفُّهُ ... وكانَا على العِلاَّتِ يَصطَحِبانِ
قال الشيخ: شبيب العقيلي كان من قوم يعرفون بالمستأمنة، استأمنوه إلى سيف الدولة، وكانوا قبله مع القرامطة، وولي شبيب معرة النعمان دهرا طويلا، ثم سار إلى مصر وخرج على كافور، واجتمعت إليه طائفة، وهاجم بها دمشق ومعه عسكر، واختلف الناس في حديثه فقيل: إن امرأة ألقت عليه رحى يد فصرعته، فلما صرع انهزم العسكر، وقال قوم: إنه كان حدث به صرع من شرب النبيذ، وأنه عرض له في تلك الساعة، وكان كافور قد أعد عسكرا ليجهزه إليه فكفي بالإقبال مئونته.
كأنَّ رِقابَ النَاسِ قَالَتْ لسَيْفِهِ ... رَفيقُكَ قَيْسِيَ وأنْتَ يِمَانِي
قال الشيخ: في هذا البيت معنى حسن لطيف، وذلك أن الشاعر قال) كأن رقاب الناس قالت لسيفه: رفيقك من قيس عيلان (، وأنت منسوب إلى اليمن، فأفسدت بين شبيب وبين السيف، لأن عادة من ينسب إلى قيس عيلان أن يتعصب على اليمن.
ومَا كانَ إلاَّ النَّارَ في كُلَّ مَوْضِعٍ ... يُثيرُ غُباراً في مَكَانٍ دُخانِ
قال ابن جني: أخذه من قول الآخر:
ماوِيَّ يا رُبتَّما غارَةٍ ... شَعْوَاءَ ما للّذْعَةِ بالميسمِ
الميسم الحديدة التي يوسم بها، فإذا وقعت على وبر الإبل دخنت، فأشبه الغبار إلا أن المتنبي فسره ولخصه وأظهره، وقد جمعوا دخانا على دخان، قال الضميري القستري:
وَجَرداءَ مِنْ نَاءِ الجيادِ كأنّها ... عِقَابٌ زَهَتْها الريحُ يومَ دُخانِ
قال الشيخ: المعروف أن أصحاب النقل يقولون: جمع دخان دواخن، وهذه العبارة فيها تسامح، لأن فواعل ليس جمعا لفعال، وإنما حقيقة فواعل أنه جمع داخن أو داخنة.
قال الشاعر:
كأنَّ غُبارَها في كُلَّ شُهبٍ ... دَواخِنُ تَنضَبٍ صَادفنَ ريحا
وقوله إن جمع دخان دخان غير معروف، لأن فعال لا يجمع على فعال، وليس بالشاعر ضرورة أن يجمع دخانا في البيت الذي استشهد به، لأنه إذا ضم الدال لم يتغير الوزن والدخان يقع على القليل والكثير، فلذلك لم يحتج إلى جمعه، وينبغي أن يكون أقل العدد أدخنة، وقد جمع الأخطل الأدخنة فقال:
صُفْرُ اللّجِى مِن وَقُودِ الأَدْخِنَاتِ إذا ... رَدَّ الحِلاَبَ وَكَفَّ الحَالِبَ القِروُ
(1/101)

ولو جمع دخانا جمعا كثيرا لقيل دخن، كما قالوا غراب وغرب، وقوله الأول كاللذعة بالميسم يشبه بيت أبي الطيب بعيد في القياس، لأن الذي شبه الغارة بلذعة الميسم إنما أراد أنها تحرق الموسوم، فيجد لها ألما، وكذلك الذين يغار عليهم إذا أخذت أموالهم لذعوا بالنار، ولا يحسن أن يكون الشاعر أراد أن الميسم يقع على الوبر فيكون له دخان، فكيف يشبه غبار الحرب وهو المنشر في آفاق الأرض بدخان يحرقه ميسم في وبر بعير أو ناقة، ولما جعل أبو الطيب شبيبا مقل النار جعل غبار الحرب التي يثيرها شبيب مثل الدخان الذي يحدث عن النار.
أتُمسِكُ مَا أوْلَيْتَهُ يَدُ عَاقِلٍ ... وَتُمْسِكُ في كُفْرَانِهِ بِعِنانِ
قال ابن جني: يقول: إذا كفر نعمتك من تحسن إليه، لم يقبض يده على عنانه تخاذلا وحيرة.
قال الشيخ: هذا استفهام على معنى الإنكار والتقرير، يقول: أحسنت إليه إحسانا أمسكته يده، وكان لا ينبغي أن يمسك في كفران ما صنع معه بعنان، يقال أمسك الشيء وأمسك به، وقد تبين الغرض في قوله:
ثَنى يَدهُ الإحْسانُ حَتَّى كأنَّها ... وَقَدْ قُبِضَتْ كانتْ بغَيرِ بنانِ
يقول ملأت يده بالإحسان حتى ثناها إلى ورائها، فكأنها لما قبضت ما وهبت لم يكن لها بنان تطبقه على الموهوب فأرسلته.
وقد قَتَل الأقْرانَ حتى قَتَلْتَهُ ... بأضْعَفِ قِرْنٍ أذلَّ مَكان
قال الشيخ: حكى الشريف أبو إبراهيم محمد بن أحمد العلوي نضر الله وجهه أنه كان بحضرة كافور وأبو الطيب ينشده هذه القصيدة، فقال: بأضعف قرن في أذل مكان، فقال كافور وهو يتكلم كلام الخدم: لا والله إلا بأشد قرن في أعز مكان، فروى الناس بأضعف قرن في أعز مكان.
ومن التي أولها:
مَغانِي الشِّعْبِ طِيباً في المَغَاني ... بمنَزِلَةِ الرَّبِيعِ مِنَ الزَّمانِ
قال الشيخ: المغاني جمع مغنى وهو المنزل، والرواية التي في أيدي الشاميين ينصبون فيها طيبا، ويجب أن يكون نصبه بإضمار فعل، كأنه قال تطيب طيبا، كما تقول فلان بسير سيرا، ويجوز أن يكون نصبه على التفسير، إلا أن التفسير إذا كان العامل فيه غير فعل لم يجز تقديمه، والبغداديون يروون) طيبا (بالرفع، ويزعمون أن النصب غير جائز وإنما فروا من أن ينصبوه على التمييز، وليس ثم فعل يحمل عليه، وإذا كان العامل في التمييز فعلا أجاز بعض النحويين تقدمه، كقول الشاعر:
أَتَهْجُرُ لَيْلَى بالفِراقِ حَبِيَبهَا ... وما كَانَ نَفْساً بالفِراقِ تَطِيبُ
ووجه رفع الطيب أنه يجعل المغاني مبتدأ و) طيبا (خبرها فيكون المعنى مغاني الشعب طيب في المغاني كلها، كما أن الربيع طيب في الزمان، والشعب الطريق في الجبل.
مَلاعِبُ جَنَّةٍ لَوْ سَارَ فيها ... سُلَيمانٌ لَسارَ بِترجمانِ
قال الشيخ: أراد أن أهلها كأنهم جن، ولم يرد أن الجن تلعب فيها، لأن المكان يوصف بذلك إذا كان خاليا، وقد وصف الشاعر هذا الموضع وصف آهل، وهذا معنى لم ينظمه فيما نعلم أحد قبل أبي الطيب، لأن سليمان قال " علمنا منطق الطير " فإذا احتاج إلى ترجمان، فقد عجز عن فهم لسان هؤلاء القوم، وهذه مبالغة مفرطة.
وَلكِنَّ الفَتى العَرَبي فيها ... غَرِيبُ الوَجْهِ وَاليَدِ واللَّسانِ
قال ابن جني: غريب الوجه واللسان معروف، ومعنى غريب اليد أي أن سلاحه السيف والرمح، وسلاح من بالشعب الحربة والنيزك، ويجوز أن يريد به الخط والأول أقوى.
قال الشيخ: ذهب قوم إلى أن اليد في هذا البيت النعمة، وإنما أراد أن العرب تخالف العجم في خلقها ولفظها، لأن وجوههم بينة من وجوههم، ولحاهم شقر وصهب وكان مروره بالكرد، وأيديهم لا تشبه أيدي العرب لأنها غلاط جعدة.
وقال الأحسائي: يريد أنها بلاد الفرس فالعربي فيها غريب الوجه، إما لأنه إذا رؤي وجهه استغرب، وإما لأن لون العربي الأدمة، والغالب على العجم الشقرة والبياض، وأما غريب اليد فيجوز أن يريد السلاح، وذلك أن العرب تحمل الرماح والعجم سلاحها النشاب والخشوت. ويجوز أن يريد أفعال اليد أو لأن العرب توصف أيديها بالبساطة، وأيدي العجم توصف بالتجعد والتقبض.
وَلَوْ كانَتْ دِمَشْقّ ثَنى عِنَانِي ... لَبيقُ الثُّرْدِ صِينيُّ الجِفانِ
(1/102)

قال ابن جني: يقول لو كانت هذه المغاني دمشق في الطيب، لثنى عناني عنها واجتذبني إليها هذا الممدوح، الذي ثرده ملبق، وجفانه غضار صيني، لأنه ملك وليس من أهل البادية.
يَلْجوُجِيُّ ما رُفِعَتْ لِضَيْفٍ ... بِهِ النِيرانُ نَدَّيُّ الدُّخَانِ
قال ابن جني: اليلنجوج العود، يقول: وقوده الذي ترفع به النيران للأضياف عود، ودخان بيته دخان الند، فكأنه قال: عودي الحطب ندي الدخان.
دَعَتْهُ بَمَفْزَعِ الأعْضَاءِ مِنها ... ليَوْمِ الحَرْبِ بِكْرِ أو عَوَانِ
قال ابن فورجة: حرفه ابن جني فرواه) بموضع الأعضاء منها (، ثم قال: أي دعته السيوف بمقابضها، والرماح بأعقابها، لأنها موضع الأعضاء منها، حيث يمسك الضارب والطاعن، ويحتمل أن يكون أراد دعته الدولة بمواضع الأعضاء من السيوف والرماح، ومعنى دعته اجتذبته واستمالته، هذا كلامه، وما نعلم أحدا من رواة هذا الديوان روى هذا البيت إلا بمفزع الأعضاء، وإنما يريد بقوله:
بِعَضْدِ الدَّوْلَةِ امْتَنَعَتْ وَعَزَّتْ ... وَلَيْسَ لِغَير ذِي عَضُدٍ يَدانِ
وَلا قَبْضٌ عَلى البِيضِ المَواضِي ... ولا حظٌّ مِنَ السُّمْرِ اللَّدَانِ
فجعل العضد مفزع الأعضاء، لما بينه في البيتين قبله فإن قال قد قلت: إن معنى دعته اجتذبته واستمالته، فإن دولة بني هاشم ما استمالت عضد الدولة بالسيوف ولا الرماح، وإنما استمالته بالملك الذي ملكته، وقد قال) والرماح بأعقابها (وما سمعنا أحدا سمى سافلة الرمح عقبه.
إذا طَلَبتْ وَدَائِعهمُ ثِقاتٍ ... دُفِعْنَ إلى المحَانِي وَالرّعَانِ
قال الشيخ:) المحاني (جمع محنية، وهي منعطف الوادي، و) والرعان (جمع رعن، وهو أنف يتقدم من الجبل، يقول: التجر يطرحون أمتعتهم في محاني الأودية ورؤوس الجبال، لأنهم لا يخشون عليها لصا، فهي ثقات تؤدى إليهم ما استودعوه، وهذا معنى غريب يجوز أن يكون لم يسبق إليه.
وكانَ ابْنا عَدُوّ كاثَرَاه ... لَهُ ياءَي حُرُوفِ أُنَيْسيانِ
قال الشيخ: لما قدم الدعاء لابني الممدوح، أتبعه بالدعاء على أبني عدوه، وعلى أبيهما، وابتهل إلى الله سبحانه أن يكون ابنا العدو وإن زادا في عدده ناقصين من شرفه، وشبههما بياءي أنيسيان، إذا زادا في عدد الكلمة كانتا نقصا للمعنى، لأنهما زيدتا للتصغير، وله أي للعدو.
حرف الهاء
قوله:
ذا الذي أنْتَ جَدُّهُ وأبُوهُ ... دِنْيَةً دُونَ جَدّهِ وَأبيهِ
قال أبو علي ابن فورجة:) ذا (محله الرفع، لأنه خبر مبتدأ محذوف، كأنه يقول هو ذا الذي أنت جده وقد تقدمه:
أغْلَبُ الحيزَيْنِ ما كُنتَ فِيهِ ... وَوَلِيُّ النَّماءِ مَنْ تَنْمِيهِ
وقد كان ذكر سيف الدولة جد أبي العشائر وأباه، فذا إشارة إلى أبي العشائر، وليس بمبتدأ يكون) دون جده (خبره، لأنه ليس يعني أن أبا العشائر دونك، ولا فائدة له في ذلك ولا يحس أن يغض منه، وسيف الدولة يمدحه، وليس) دون (بمعنى أوضع وأدنى محلا ومنزلة، بل) دون (من قولك لمن يقرب منك أنا أخوك دون أخيك وأبوك دون أبيك، فيقول: أغلب الحيزين حيز أنت فيه) وولي النماء من تنميه (وهو أبو العشائر الذي أنت أبوه وجده، دون أبيه وجده، وقد أهمل أبو الفتح شرح هذا البيت وهو مما يسأل عنه.
ومن قصيدته التي أولها: النَّاسُ ما لمْ يَرَوْكَ أشبَاهُ
أعلى قَناةٍ الحُسَيْنِ أوْسَطُها ... فيهِ وأعْلى الكَمِيّ رِجْلاهُ
قال ابن جني: فيه أي في هذا المأزق، وسألته عن معنى هذا البيت فقال هو قول الآخر:
ولربَّما أطَرَ القَناةَ بِفارِسٍ ... وثّنى فَقوَّمها بآخر منهم
قال الشيخ أبو العلاء: أراد أنه يطعن الكمي، فتنفذ فيه القناة ويتحطم صدرها، وقد نفذ إلى الجانب الآخر، فقد صار أوسط القناة كأنه أعلاها، لأن بعضها قد ذهب وقد ارتفعت رجلا الكمي لأنه لما طعنه انقلب.
ومن التي أولها:
أوْهِ بَدِيلٌ مِنْ قَوْلَتِي وَاها ... لَمِنْ نَأتْ والبَدِيلُ ذِكْراها
قال ابن جني: التألم لما ألاقيه من بعدها أولى من التعجب لما أتذكر من أمرها.
وقال الشيخ:) أوه (كلمة تقال عند التأوه، قال الشاعر:
فأوه مِنَ البُعْدِ دونَ أهلِها ... ومِنْ خرقِ أَرضٍ دَائِمِ العَسَلاَنِ
(1/103)

) وواها (كلمة تقال عند التعجب من الشيء، قال الراجز: وَاهاً لسَلمَى ثمَّ وَاهاً وَاها ولو أن لي في هذا البيت حكما لجعلت بدلا من) قولتي (قولنا، لأنه أقوى من التأنيث يقول نأت هذه الموصوفة، وصار ذكراها بدلا منها.
أوْهِ مِنَ أنْ لا أرى مَحَاسِنها ... وَأصْلُ وَاهاً وَأوْهِ مرْآها
قال ابن جني: أي أتوجع لأنني لا أرى محاسنها، وأصل توجعي وتعجبي كليهما أنني رأيتها فهويتها.
قال الشيخ: أضاف) أصل (إلى قوله) واها (وتركه منصوبا على الحكاية
فَقَبَّلَتْ نَاطِري تُغالِطني ... وَإنَّما قَبَّلَتْ بهِ فَاهَا
قال الشيخ أبو العلاء: لما ذكر أنها تبصر وجهها في ناظره، زعم أنها قبلت فاها المتصور لها في ناظره، وهذا بيت يشبه قول الصنوبري.
لولا الحَياءُ بظَلَّ يَلثُمُ ثَغره ... إذ كان يُبصِرُ وجهَه في الكَاسِ
تَبُلُّ خَدّي كُلَّما ابْتَسَمتْ ... مِنْ مَطَرٍ بَرْقُهُ ثَنايَاهَا
قال ابن جني: دل في هذه الأبيات على أنها كانت مكبة عليه، وعلى غاية القرب منه وهو قريب من قوله:
وأشْنَبَ مَعْسُولِ الثَّنيَّاتِ وَاضِحٍ ... سَتْرتُ فَمي عَنْهُ فَقَبَّلَ مَفْرِقي
وقال الشيخ: ذهب أبو الفتح في قوله) تبل خدي (إلى أنها تقبل خديه فتبلهما من ريقها، وقد يجوز هذا المعنى، ولا يمتنع أن يحمل على أنها إذا ابتسمت بكى هو من خبفة فراقها.
تَجَمَّعَتْ في فُؤادِهِ هِمَمٌ هِمَمٌ ... مِلٌْ فُؤادِ الزَّمانِ إحْداها
فَإنْ أتَى حَظُّها بأزْمِنَةٍ ... أوْسَعَ مِنْ ذَا الزَّمانِ أبْدَاها
وَثَارتِ الفَيْلقَانِ وَاحِدةً ... تَعْثُرُ أحْياؤها بمَوْتاها
قال ابن جني:) حظها (أي حظ الهمم.
وقال الشيخ أبو العلاء: يقول هذا الممدوح عظيم الهمم، فأصغر هممه ملء قلب الزمان وهذا لإفراط في المبالغة، وحظها يعني الدنيا، يقول إن كان للدنيا حظ يأتيها بزمان أوسع من زمانها الذي هي فيه، أبدى هذا الممدوح هممه، والفيلق الكتيبة وإنما أخذت من الفلق وهي الداهية، وقوله) صارت الفيلقان (أراد بإحداها الجماعة التي في طاعة هذا الملك بالأخرى الجماعة التي ليست في طاعته فإن كان الذي ذكره الشاعر من حظ الدنيا، فإن المخالفين لهذا الممدوح يصيرون من عبيده وأصحابه.
وقال ابن فورجة:) حظها (الهاء للهم،) وأبداها (أيضا هاؤها للهمم، يقول إن أتى حظ هممه وجدها بأزمنة أوسع من ذا الزمان أظهر تلك الهمم، فأما الآن فما يسمع هذا الزمان تلك الهمم فهو لا يبديها، ويعني بالفيلقين أهل هذا الزمان وأهل تلك الأزمنة، وجعلها) تعثر أحياؤها بموتاها (للزحمة إذ قد كثرت الأزمنة وأهلها والدنيا واحدة، وهذا من قوله أيضا:
بُعثنَا إلى الدُّنيا فلو عَاشَ أهْلُها ... مُنِعْنا بها مِنْ جَيْئَةٍ وَذُهْوبِ
الفارِسُ المُتَّقى السَّلاحُ بهِ ... المُثْني عَلَيْهِ الوَغَى وَخَيْلاها
قال ابن جني: أي هو الفارس الذي تبقى به السلاح، فلا يعمل معه شيئا.
وقال الشيخ:) المتقى السلاح به (معناه أنه يتقدم إلى الحرب دون أصحابه، فكأنهم يتقون به سلاح الأعداء، وهو نحو قوله في سيف الدولة:
كُلّ يُرِيدُ رِجالَهُ لحَياتِهِ ... يا مَنْ يُرِيدُ حَياتَهُ لِرِجالهِ
والعرب تصف أنفسها بأن أصحابهم يتقون بهم الأسنة والسيوف، كقول عنترة:
إذْ يَتَّقونَ بِيَ الأسِنَّةَ لم أخِمْ ... عَنْهَا ولكِنَّي تَضَايَقَ مُقَدِمي
ويجوز أن يكون الشاعر لإيثار المبالغة أراد أن أصحاب هذا الممدوح لعلمهم بسعادته، وأن السلاح لا يصل إليه، يتقون به في الحرب، فيكون أمامهم، لأنهم واثقون بأن الشر ر يصل إليه.
وقال الأحسائي: يريد أنه يدفع المكاره عن السلاح بفروسيته، كما يدفع السلاح عن غيره، وهو قريب من قوله:
بالجَيْشِ تمْتَنِعُ السَّاداتُ كُلُّهُمُ ... والجَيْشُ بابْنِ أبي الهَيْجَاءِ يمتَنع
لَوْ أنكَرَتْ من حَيائِها يَدُهُ ... في الحَرْبِ آثارَها عَرَفْنَاها
وكَيْفَ تَخْفى التِي زِيادَتُها ... ونَاقعْ المَوْتِ بَعْضُ سِماهَا
قال ابن جني: الزيادة هنا السوط، قال المرار الفقعسي:
(1/104)

ولم يُلْقُوا وسَائِدَ غَيْرَ أَيْدٍ ... زِيادَتُهُنَّ سَوْطٌ أو جَدِيلُ
وقال الشيخ: قوله) زيادتها (المراد به السيف، ويدل على ذلك) ناقع الموت (أي أن سيفه في يده كما يكون السوط في يد غيره.
حرف الياء
قوله:
وعَزْمٍ يَسِيرُ الجِسْمُ في السَرْجِ رَاكباً ... بهِ ويَسيرُ القَلبُ في الجسْمِ ماشِيا
قال ابن جني: أي لقوة العزم يكاد القلب يتحرك في موضعه، ولو تحرك في الحقيقة لمات صاحبه، وقد أتى بنحو هذا أبو تمام في قوله:
مَشَتْ قُلوبُ أنَاسِ صُدُورِهم ... لما تَراءَوْكَ تَمشي نَحَوهُمْ قُدُمَا
وطريق أبي تمام أسلم، لأنه ذكر تحرك القلب في موضع الشدة والخوف من الهلكة ألا تراهم يقولون: قد انخلع قلبه فمات، أي فارق موضعه، فلهذا كانت أسلم.
وقال الشيخ: الغرض في هذا البيت أنه جعل الجسم أروح من القلب؛ لأنه جعله يسير راكبا، وجعل القلب كالماشي في الجسم، ولا ريب أن الماشي أولى بالتعب من الراكب، وليس هذا المعنى معنى أبي تمام، لأن غرض قائل هذا البيت صفة قلبه بالتعب، وقصد أبي تمام أن يكون أعداء هذا الممدوح يلحقها الاضطراب والفزع إذا رأوه ماشيا نحوهم.
رأيتُ المَرَوْرَى والشَّناخِيبَ دُونَهُ ... وَجُبْتُ هَجِيراً يَتركُ المَاءَ صَادِيا
قال الشيخ:) المروري (جمع مروراة، وهي الأرض التي لا شيء فيها، ووزن مروراى فعوعلة، وظاهر أمرها أن يكون أشتقاقها من المرو، وهيحجارة صغار يقدح منها النار،) والشناخيب (جمع شنخوب وشنخاب، وهو أعلى الجبل) والهجير (جمع هاجرة وهي الحر الشديد وإنما يستعمل ذلك في نصف النهار وما قاربه، يقال: هجر القوم إذا ساروا في الهجير، وهجر النهار إذا جاء بالهاجرة قال امرؤ القيس:
فدعْهَا وَسلَّ الهمَّ عنها بِجَسْرةٍ ... ذَمُولٍ إذا صَامَ النَّهارُ وَهجَّراً
وأما قول ذي الرمة:
ولم يَبَقَ بالخَلصَاءِ مما عَنتْ بِه ... من البَقلِ إلاّ يبسُها وهَجيرُهَا
فيقال إن الهجير ضرب من الحمض، ويجوز أن يعتني بالهجير الهاجرة، ويحتمل أن يكون اشتقاق الهاجرة من قولهم: هجرت البعير، إذا شددت حبلا في حقوه إلى وظيفة، أي هذه الهاجرة كأنها تقيد الإنسان وغيره من شدة الحر، فلا يقدر على التصرف، ولا يمتنع أن يكون قوله الهاجرة أي الوقت الذي يهجر الإنسان فيه عادته، لأنه يطلب الظلال والقائلة وكذلك أناف الحيوان، فكأنها هجرت ما كانت تعتاده وقوله) يترك الماء صاديا (مبالغة مفرطة، لأنه زعم أن الماء يتركه الهجير صاديا، وقد جرت عادته أن يشفي من الصدى.
عِدَاكَ تَرَاها في البِلادِ مَساعِياً ... وأنتَ تَرَاها في السَّماءِ مَرَلقِيا
قال ابن جني: أي تعتقد في المعالي أضعاف اعتقاد الناس فيها، وبحسب ذلك ما يكون طلبك لها وشحك عليها.
وقال الشيخ: الهاء في) تراها (عائدة على الأيام، يقول: عداك يحسبون أنك ساع في الأرض، وإنما مساعيك مراق في السماء.
آخر ما كتب في الأصل
نجز المختصر في تفسير أبيات المعاني من شعر أبي الطيب أحمد بن الحسين المتنبي. والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
بتاريخ يوم الثلاثاء حادي عشر شهر محرم الحرام سنة أربع وستين وألف من الهجرة النبوية وصلى الله على سينا محمد وآله وصحبه وسلم.
(1/105)