Advertisement

توشيع التوشيح



الكتاب: توشيع التوشيح
المؤلف: صلاح الدين خليل بن أيبك بن عبد الله الصفدي (المتوفى: 764هـ)
[الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع] بسم الله الرحمن الرحيم وبه التوفيق
أما بعد حمد الله تعالى على نعم وشع برودها، ووشح بالجواهر قدودها، ووشى رياضها لما طبع نقوشها ونقودها، وصلاته على سيدنا محمد الصادق وعده، السامق مجده، السابق إلى حوض يسر المؤمن ورده، وعلى آله وأصحابه أولي المفاخر، والجود الذي اخجل البحار الزواخر، والسادة الذين بذوا الأوائل والأواخر، وسلامه إلى يوم الدين. فاني نظرت يوما فيما اتفق لي نظمه من الموشحات، ونسجته من برودها الموشعات، فوجدتها جملة جميلة، وعدة تضاهي زواهر السماء، وتباهي أزهار الخميلة، إلا أنها في التذكرة ضائعة، ونفحاتها في أماكن متفرقة ضائعة. فآثرت جمعها في ديوان يضم شملها التشتيت، وسلك يفيد الملتقط جوهرها ولا يفيت. مع علمي أنها ليست مما يجمع، ولا من النظم الذي يسمع. ولكن كل حيوان يعجبه طنين رأسه، ويقع في هوة الإعجاب بنفسه على أم رأسه، محتبلاً بأمراسه. وبالله الإعانة لا إله إلا هو سبحانه.

فصل لا بأس بإيراده
الموشح فن تفرد به أهل المغرب، وامتازوا به على أهل المشرق، وتوسعوا في فنونه، وأكثروا من أنواعه وضروبه. وقيل: انه أول من نظم الموشحات بالمغرب الإمام أحمد بن عبد ربه صاحب كتاب العقد. وقال ابن بسام أول من صنع أوزان هذه الموشحات بأفقنا، واخترع طريقها -فيما بلغني- محمد بن محمود القبري الضرير. وقيل: ابن عبد ربه. ثم نشأ يوسف بن هارون الرمادي وأكثر منها. قال الأستاذ الأديب أبو الحسن علي بن سعد الخير. رحمه الله تعالى، من جملة كلام: ووجدنا بعض المتأخرين كمهيار الديلمي، وأبي محمد القاسم الحريري، وغيرهما، قد استنبطوا من تلك الأعاريض أقساماً مؤلفة على فقر مختلفة وقواف مؤتلفة. قلت: يعني بذلك أشعار العرب في أبحر العروض. قال: وسموها ملاعب. واستنبط منها أيضا أهل الأندلس ضربا قسموه على أوزان مؤتلفة، وألحان مختلفة، وسموه موشحا، وجعلوا ترصيع الكلام وتنميق الأقسام توشيحاً، وكانوا أول من سن هذه الطريق ونهجه، وأوضح رسمه ومنهجه، انتهى.
قلت: ورسم الموشح هو: كلام منظوم، على قدر مخصوص، بقواف مختلفة.
قال القاضي السعيد ابن سناء الملك رحمه الله تعالى: وهو ما يأتلف في الأكثر من ستة أقفال وخمسة أبيات ويقال له التام، وفي الأقل من خمسة أقفال وخمسة أبيات ويقال له الأقرع. فالتام ما ابتدئ فيه بالأقفال، والأقرع ما ابتدئ فيه بالأبيات.
قال: والأقفال هي أجزاء مؤلفة يلزم أن يكون كل قفل منها متفقا مع بقيتها في وزنها وقوافيها وعدد أجزائها. قلت: ينبغي أن تزاد هذه العبارة قوله يُبتدأ الموشح بالقفل ويختم. قال: والأبيات هي أجزاء مؤلفة مفردة أو مركبة يلزم في كل بيت منها أن يكون متفقا مع بقية أبيات الموشح، في وزنها وعدد أجزائها إلا في قوافيها، بل يحسن أن تكون قوافي كل بيت منها مخالفة لقوافي البيت الآخر. قال: وأقل ما يتركب القفل من جزأين فصاعدا إلى ثمانية أجزاء، وعشرة أجزاء. والجزء من القفل لا يكون إلا مفردا، والجزء من البيت قد يكون مفردا، وقد يكون مركباً، والمركب لا يتركب إلا من فقرتين أو ثلاث فقر، وقد يتركب في الأقل من أربع فقر.
القفل المركب من جزأين، مثاله:
شمسٌ قارنت بدرا ... كأسٌ ونديم
القفل المركب من ثلاثة أجزاء، مثاله:
حلَّت يد الأمطار ... أزرَّة النوار
فيا خدني
المركب من أربعة أجزاء، مثاله:
1 ... أدر لنا أكواب
2
ينسى بها الوجد
3 ... واستحضر الجلاس
4
كما اقتضى الود
المركب من خمسة أجزاء، مثاله:
1 ... يا من أجود ويبخل 2
على شحي وافتقاري 3
أهواك 4
وعندي زيادة 5
منها شوقي وادكاري
المركب من ستة أجزاء، مثاله:
1 ... ميتات الدمن 2
أحيين كربي 3
وهل يتمكن 4
عزاء لقلبي 5
مت يا عزاه 6
شاه
المركب من سبعة أجزاء، مثاله:
1 ... من شاني 2
عن شاني 3
به جفني 4
قد استعبر 5
وقد عبر 6
عن المضمر 7
بما عندي
المركب من ثمانية أجزاء، مثاله:
(1/1)

1 ... على عيون العين 2
رعي الدراري 3
من شغف 4
بالحب 5
واستعذب العذاب 6
والتذ حاليه 7
من أسف 8
وكرب
وقد ينتهي في التركيب إلى اثني عشر جزءاً. والأبيات منها ما تكون أجزاؤه مفردة.
فمنها ما هو على ثلاثة أجزاء، مثاله:
أرى لك مهند ... أحاط به الاثمد
فجَّرد ما جرَّد
ومنها ما هو على أربعة أجزاء، مثاله:
قد باح دمعي بما اكتمه ... وحن قلبي لمن يظلمه
رشا تمرَّن في لا فمه ... كم بالمنى أبداً الثمه
ومنها ما هو مركب. فمنها ما يتركب من فقرتين وثلاثة أجزاء، مثاله:
أقم عذري ... فقد آن أن أعكف
على خمر ... يطوف بها أوطف
كما تدري ... هضيم الحشا مخطف
ومنها ما يتركب من فقرتين وثلاثة أجزاء ونصف، مثاله:
من أودع الأجفان ... صوارم الهند
وأنبت الريحان ... في صفحة الخد
قضى على الهيمان ... بالدمع والسهد
[أنى وللكتمان]
ومنها ما يتركب من فقرتين وأربعة أجزاء، مثاله:
ما حوى محاسن الدهر ... إلا غزال
معرق الجدين من فهر ... عم وخال
نسبه للنائل الغمر ... وللنزال
فأنا أهواه للفخر ... وللجمال
ومنها ما يتركب من فقرتين وخمسة أجزاء، مثاله:
هن الظباء الشمس ... قنيصهن الضيغم
ما أن لها من كنس ... إلا القلوب الهيم
القرب منها عرس ... والبعد عنها مأتم
تلك الشفاه اللعس ... يبرا بهن المغرم
لها لحاظ نعس ... ترنو إلى من تسقم
ومنها ما تركب من ثلاث فقر وثلاثة أجزاء، مثاله:
من لي به يرنو ... بمقلتي ساحر
إلى العباد
ينأى به الحسن ... فينثني نافر
صعب القياد
وتارة يدنو ... كما احتسى الطائر
ماء الثماد
ومنها ما تركب من أربع فقر وثلاثة أجزاء، مثاله:
بأبي ظبي حمى ... يكنفه
أسد غيل
مذهبي رشف لمى ... قرقفه
سلسبيل
يستبي قلبي بما ... يعطفه
إذ يميل
قال ابن سناء الملك: والخرجة عبارة عن القفل الأخير من الموشح. والشرط فيها أن تكون حجاجية من قبل السخف، قزمانية من قبل اللحن، حارة محرقة، حادة منضجة، من ألفاظ العامة ولغات الداصة.
قال: والمشروع بل المفروض في الخرجة أن تجعل الخروج إليها وثبا واستطرادا، وقولا مستعارا على بعض الألسنة الناطقة أو الصامتة. وأكثر ما تجعل على السنة الصبيان والنسوان والسكرى والسكران. ولابد في البيت الذي قبل الخرجة من: قال أو قلت أو قالت أو غنيت أو غنى أو غنت.
قال: وقد تكون الخرجة أعجمية اللفظ بشرط أن يكون لفظها في الأعجمية سفسافاً نفطياً، رمادياً زطياً.
قال: والخرجة هي أبراز الموشح، وملحه وسكره، ومسكه وعنبره، وهي العاقبة وينبغي أن تكون حميدة، والخاتمة بل السابقة وان كانت الأخيرة.
قال: وفي المتأخرين من يعجز عن الخرجة، فيستعير خرجة غيره، وهو أصوب رأيا ممن لا يوفق في خرجته بان يعربها ويتعاقل، ولا يلحن فيتخافف بل يتثاقل.
قلت: هذه الشروط التي شرطها في الخرجة قل من يلتزمها لتعذرها عليه، فهو إما أن يتركها وإما أن يأتي بها خارجة عن هذه الشروط، وقد رأيت السراج المحار، وأحمد بن حسن الموصلي، والشيخ صدر الدين بن الوكيل، والشهاب العزازي، وابن دانيال، وغيرهم من المعاصرين والمتأخرين قبلهم، لم يأت احد منهم بخرجة، وإن أتى بها كانت غير داخلة.
وستقف في هذه الموشحات التي أوردها من كلامي، وفي بعضها خرجات إن أنت أنصفتها عرفت أين تقع من شروط ابن سناء الملك، رحمه الله تعالى. وأنا فقد ارتكبت فيها مزلتين، وسلكت فيها زلقين، لأنني غالب ما نظمته على وزن من تقدمني، وأتيت فيه بخرجة غير خرجته. وهذا فهو من أصعب ما يكون، لأن الوشاحين يحصلون الخرجة أولا ثم إنهم ينظمون الموشح على وزنها وقافيتها. وأنا فأحتاج إلى أن التزم بذلك الوزن الذي تقدمني وبقوافيه، وأجيء مع ذلك بالخرجة الداخلة. وهذان أمران مشقان، إلا على من أيده الله بمعونته.

فصل
ممن سبق إلى التوشيح، وسبق إلى الغاية من أهل المغرب، جماعة، وهم:
(1/2)

عبادة بن ماء السماء، وأبو بكر محمد بن عبادة القزاز، وعبادة بن محمد بن عبادة الأقرع. ويليهم في الإجادة أبو العباس التطيلي، وأبو بكر بن بقي، وأبو بكر الأبيض الشاعر، وابن عبد ربه صاحب كتاب العقد، وأبو بكر بن اللبانة، وأبو عبد الله محمد بن رافع رأسه، وأبو الحسن علي بن عبد الغني الحصري، وأبو عبد الله محمد بن الحسن البطليوسي الكميت، وأبو عبد الله محمد بن شرف، وأبو القاسم المنيشي، والوزير أبو بكر يحيى بن الصيرفي، وأبو الوليد يونس بن أبي عيسى المرسي الشاعر الخباز، وأبو بكر السرقسطي الجزار، وابن الفرس، والوزير أبو عيسى بن لبون، والوزير المشرف أبو بكر بن رحيم، والوزير أبو عامر بن ينق، والوزير أبو بكر محمد بن زهر الحفيد، والوزير الكاتب أحمد بن مالك السرقسطي، وابن حمديس، وأبو بكر بن ملوك القرطبي، وابن جاخ الصباغ، وأبو الحسن علي بن الحسن بن علي بن معبد القرشي المعروف بتلل الغد، وابن هاني الأصغر، وذو الوزارتين ابن عمار، وابن أبي الرجال، وابن الزقاق، وأبو الحكم مالك بن عبد الرحمن المرحل، وإبراهيم بن سهل الإسرائيلي.
ومن أهل الديار المصرية: القاضي السعيد هبة الله بن سناء الملك وهو حامل راية هذه الصناعة والناس عليه فيها عيال، ونصر الله بن قلاقس الإسكندري، والأسعد بن مماتي، وابن وزير، وابن منجم، والسراج الوراق، وابن سعيد بن المغربي، والنصير الحمامي، ومظفر الأعمى، والشهاب أحمد بن عبد الملك العزازي، وقد أكثر من هذا الفن. ومن شعراء الشام: السراج عمر بن مسعود الكناني الحلبي المعروف بالمحار، والشيخ صدر الدين محمد بن الوكيل، وأحمد بن حسن الموصلي وهو من المكثرين.

-1-
فمن ذلك قول الشيخ سراج الدين عمر بن مسعود المحار الحلبي رحمه الله:
ما ناحت الورق في الغصون ... إلا
هاجت على
تغريدها لوعة الحزين
هل ما مضى لي مع الحبايب ... آيب
بعد الصدود
أم هل لأيامنا الذواهب ... راهب
بان تعود
بكل مصقولة الترايب ... كاعب
هيفاء رود
تفتر عن جوهرٍ ثمين ... جلا
أن يُجتلى
يُحمى بقضبٍ من الجفون
أحببته ناعم الشمايل ... مايل
في برده
في أنفس العاشقين عامل ... عامل
من قده
يرنو بطرف إلى المقاتل ... قاتل
في غمده
أسطا من الأسد في العرين ... فعلا
وأقتلا
لعاشقيه من المنون
علقته كامل المعاني ... عاني
قلبي به
مبلبل البال إذ جفاني ... فاني
في حبه
كم بت من حيث لا يراني ... راني
لقربه
وبات من صدغه يريني ... نملا
يسعى إلى
رضا به العاطر المصون
قاسوه بالبدر وهو أحلى ... شكلا
من القمر
فراش هدب الجفون نبلا ... أبلى
به البشر
وقال لي وهو قد تجلى ... جلا
باري الصور
ينتصف البدر من جنبي ... أصلا
فقلت لا
قال ولا السحر من عيوني
بتنا وما نال ما تمنى ... منا
طيب الوسن
نفض من فرحة لدنا ... دنا
ينفي الحزن
وكلما ماس اوتثنى ... غنى
صوتا حسن
لا تستمع في هوى المجون ... عذلا
واسع إلى
راح تقي سورة الشجون
-2-
كلفني بعض الأصحاب الأعزة إن أعارضه، فقلت: هذا موشح رزق صاحبه فيه السعادة، واشتهر وما ينبغي للعاقل أن يعارض ما كان بهذه المثابة، فصمم علي وقال: لابد من ذلك، فاستعنت بالله تعالى، فقلت:
ما تنقضي لوعة الحزين ... أصلا ولو سلا
إلا لضرب من الجنون
فمت ولا تحظ بالوصال ... صالي
نار الجوى
معذب البال في خبال ... بالي
من الهوى
ولا توافق على انتقال ... قالي
يوم النوى
وكن على مذهبي وديني ... ذلا إذ تبتلى
واصبر على ذلة وهون
معذبي نازح المزار ... زاري
على القمر
خلى فؤادي من الإسار ... ساري
على خطر
يقول والقلب في استعار ... عاري
من مصطبر
(1/3)

من أرسل السحر من جفوني ... نبلا تقضي على
حشا المحبين بالمنون
في ريقه لذة السلاف ... لا في
كاس المدام
رأيت لي منه في ارتشاف ... شافي
من السقام
أقول والصمت في اعتكاف ... كافي
عند الملام
يأتي تسليه عن يقين ... قل لا تغري البلا
علي فالوجد في الكمين
جبينه الصبح في انبلاج ... لاجي
لشعره
وقلب مضناه في ابتهاج ... هاجي
لهجره
يرقب منه يوم انفراج ... راجي
لصبره
ظبي به الليث في العرين ... ولى لو اجتلى
عيونه بات في غبون
وغادة في الهوى عداني ... داني
وصالها
لو أن دهري لها انتقاني ... قاني
جمالها
ما كان في الوجد قد شجاني ... جاني
دلالها
ولا جرت بالدما عيوني ... وبلا قد أخجلا
سواكب العارض الهتون
مقلتها صيرت رشادي ... شادي
بذكرها
وسحرها صار في العباد ... بادي
بنصرها
وسار في الغور والوهاد ... هادي
لأسرها
فانظر تجدها دون العيون ... كحلا لا يُصطلى
لها بنار السحر المبين
تبدو بوجه مثل المرايا ... رأيي
فيه الهلال
إلا ابن يحيى خير البرايا ... رأيا
إذا استحال
طبع زمان وللرعايا ... عايى
صرفُ الليال
يرد خطب الردى الحرون ... سهلا قد انجلى
وانبلجت سدفة الدجون
يا سعد ملك به استجلا ... جلا
عنه العنا
لأنه عندما تولى ... ولى
منه الخنا
فمي بذكراه مذ تحلى ... حلا
فيه الثنا
وجاء بالجوهر الثمين ... جزلا حتى اعتلى
على عقود المدح الرصين
فطرسه جامع الفرايد ... رايد
إلى الصواب
ولفظه زينة القصايد ... صايد
فصل الخطاب
وكله نخبة العقايد ... قايد
إلى العجاب
وذكره صار في القرون ... يتلى حتى على
منابر الأيك والغصون
أقول للغيث في سحابه ... حابه
في وبله
فجوده للورى وشى به ... شابه
في طلبه
ولم يقم قط في منابه ... نابه
من شكله
أفاض من فضله المعين ... سجلا
ملا الملا ... وسار في بحره سفيني
نظمي على رتبة الأفاضل ... فاضل
ديباجه
لأنه فيك بالأصائل ... صائل
فواجه
فانظر لمن صار في المحافل ... آفل
سراجه
ومن على ذروة الفنون ... حلا واستفلا
سواه في حمأةٍ وطين
موشحي واضح الطرائق ... رائق
في فنه
ما مثله قط في الخلائق ... لائق
في وزنه
إن عد يوماً من النوافق ... نافق
لحسنه
فأنت فرد بلا قرين ... أعلى سرج العلى
حتى انجلت ظلمة الظنون
-3-
ومن ذلك قول الأديب الوشاح أحمد بن حسن الموصلي:
باسم عن لآل ... ناسم عن عطر
نافر كالغزال
سافرٌ كالبدر
أي ظبيٍ ربيب ... لي فيه ارب
ذو رضاب ضريب ... للطلا والضرب
يا له من حبيب ... ضاحكٍ عن حبب
باخل بالوصال ... سامح بالهجر
لي أبقى الخبال
حين أفنى صبري
أغيدٌ إن رنا ... سل بيض الصفاح
وإذا ما انثنى ... هز سمر الرماح
لقتالي دنا ... ذا أمير الملاح
ضارب بالنصال ... طاعنٌ بالسمر
راشقٌ بالنبال
نافثٌ بالسحر
فالنضيد النظيم ... للتشتيت الشنيب
والأسيل الوسيم ... للخصيب الخضيب
والقوام القويم ... للقضيب الرطيب
غصنٌ ذو اعتدال ... مورقٌ بالشعر
مزهرٌ بالجمال
مثمرٌ بالبدر
من لدحية شقيق ... خده كالشقيق
أو كنار الحريق ... والحيا والرحيق
والعذار الأنيق ... لازوردٌ سحيق
فوق خديه سال ... وهو في زنجفر
شبه نملٍ يخال
واقفا لا يسري
(1/4)

لو رآه إبليس ... بالسجود اشتهر
أو رأته بلقيس ... حار منها النظر
خده مغنطيس ... لحديد البصر
فرعه كالليال ... فرقه كالفجر
حرت بين الضلال
والهدى من أمري
-4-
اقترح علي القاضي شهاب الدين أحمد بن فضل الله، رحمه الله تعالى، وعلى جمال الدين يوسف الصوفي الخطيب، رحمه الله تعالى، يوما أنا نعارضه. فكان الذي نظمه جمال الدين المذكور:
زايرٌ بالخيال ... زايل عن قربي
باهر بالجمال
ماهر بالعجب
أي غصن نضير ... نزهة للنظر
لحظ عيني خفير ... منه ورد الخفر
يا له من غرير ... في هواه غرر
ساحر بالدلال ... ساخر بالصب
فائق في الكمال
لائق بالحب
بشذا المسك فاح ... ثغر هذا الغزال
باسمٌ عن أقاح ... كفريد اللآل
رد نور الصباح ... كظلام الليال
ريقه حين جال ... في لماه العذب
صرت بين الزلال
والهوى في كرب
ذي قوام رطيب ... منه تجنى الحرق
رام ظلم القضيب ... فاشتكى بالورق
فتثنى الحبيب ... ورنا بالحدق
مثل بيض النصال ... من سواد الهدب
والعوالي أمال
بالقوام الرطب
لو رأته القسوس ... حسبته المسيح
وهو يحيي النفوس ... عند هذا المليح
ما تبين الشموس ... بالكلام الفصيح
خل عنك الغزال ... يرتعي في الكثب
ثم قل للهلال
يحتجب في الغرب
ثغره في بريق ... إذ جلاه بريق
كل حر رقيق ... للماه الرقيق
خده والشقيق ... ذا لهذا شقيق
قد بدا فيه خال ... كسواد القلب
إذ غدا في اشتعال
فوق نار الحب
ما لصب صبا ... في هواه نصيب
منه قبل الصبا ... قد علاني المشيب
يا نسيم الصبا ... جز بأرض الحبيب
واجتهد أن تنال ... منه طيب القرب
ثم عد بالنوال ... من هدايا حبي
جائرٌ قد ظهر ... عدله في القوام
في الوجود اشتهر ... مثل بدر التمام
فيه يحلو السهر ... ويمر المنام
صد تيها وقال ... وهو يبغي حربي
لحظ عيني نبال
قلت آه واقلبي
-5-
وكان الذي قلته أنا ولم أغير من القوافي شيئا:
جامحٌ في الدلال ... جانحٌ للهجر
خاطرٌ في الجمال
عاطرٌ في النشر
غصن بان رطيب ... قد زها بالطرب
ينثني في كثيب ... بالصبا عن كثب
ما لقلبي نصيب ... منه غير النصب
قمرٌ في كمال ... فوق غصنٍ نضر
طالعاً لا يزال
في دياجي الشعر
كم جلا بالسنا ... فرقه لي صباح
وحلا في الجنى ... مبسم كالأقاح
إن رنا وانثنى ... أو تبدى ولاح
يا حياء الغزال ... وافتضاح السمر
واختفاء الهلال
وكسوف البدر
للعذار الرقيم ... خاله كالرقيب
حول روض وسيم ... وسط نار تذيب
في النعيم المقيم ... يتشكى اللهيب
ذاق برد الظلال ... في لهيب الجمر
واهتدى في الضلال
ببروق الثغر
شق خد الشقيق ... منه خد أنيق
والقوام الرشيق ... فيه معنى دقيق
كم سقاني الرحيق ... من فم كالعقيق
بعد ذاك الزلال ... ما حلالي صبري
والقوام الممال
قام فيه عذري
غصن بان يميس ... في رياض الزهر
ريقه الخندريس ... في زلالا ظهر
فيه درٌّ نفيس ... في عقيق بهر
جفنه حين صال ... في خبايا صدري
لو كفاني النبال
لاكتفى بالسحر
-6-
ومن ذلك موشحةٌ للقاضي السعيد ابن سناء الملك، رحمه الله تعالى، وهي:
بستان ... في غصن
يحمى
باليزن
يمنع ... من يسترق
فاسمع ... قلبي فرق
يجزع ... لما عشق
ريان ... أعطشني
نجما
أضلني
جفني ... جفا الكرى
خدني ... لا يشترى
إني ... كما ترى
(1/5)

هيمان ... ذو شجن
مصمى
بالفتن
لي حوم ... على ملول
كم يوم ... أضحى يقول
يا قوم ... هذا العذول
شيطان ... عذبني
أعمى
لم يرني
لله ... ماذا لقيت
ضَلَّه ... بها شقيت
زلَّه ... لما هويت
سلطان ... عني غني
ظلما
أفقرني
معنى ... لم يفهم
مضنى ... لم يرحم
غنى ... بالعجمي
يا جان ... بكشني
لما
هجرتني؟
-7-
أردت سلوك هذه الطريق المخوفة، وقطع فجاج هذه التنوفة، ولا زاد لي من ذوق، ولا شوق إلى غير المحبة والشوق، فقلت، وبالله الإعانة:
فتان ... أعدمني
ظلما
عيشي الهني
نافر ... مثل الغزال
سافر ... يحكي الهلال
وافر ... قسم الجمال
وسنان ... أسهرني
لما
تيمني
إياه ... يحكي القمر
تياه ... على البشر
رياه ... مثل الزهر
ريحان ... صدغ سني
ضما
ورداً جني
يسطو ... بأوطف
يعطو ... بمخطف
يخطو ... بمعطف
ريان ... أنهلني
سقما
وعلني
بلوى ... رب الأنام
أهوى ... بدر التمام
أحوى ... فيه احتشام
خوان ... ألفتني
رغما
للفتن
حبي ... أين الوفا
مل بي ... إلى الصفا
حسي ... هذا الجفا
ما آن ... يا غصني
رحمى
من قد فني
تُركي ... صعب الخلق
يحكي ... بدر الأفق
هلكي ... إن قال يق
يا إنسان ... طرخان سني
يغما
سكم سني
-8-
ومن ذلك موشحة السراج المحار، رحمه الله تعالى، وهي:
أرقت لبرق لاح من دون حاجر ... فأجرى دموعي من شئون محاجري
وهيج لي التذكار ... فأضرمت الأفكار
نيران الوجيب
في قلبي الكئيب ... أو كادت تذيب
حشاشة الأشواق
كتمت الهوى جهدي: ... وهل أنا كاتم
وقد جد بي وجدي: ... وشوقي لازم
ونمت بما عندي: ... دموع سواجم
فما حيلتي والدمع يبدي سرائري ... ويظهر ما جنت عليه ضمائري
ولم يبق لي أنصار ... سوى جلدي إن صار
لقلبي جلد
وإلا فقد ... براه الكمد
وضاقت به الآفاق
أعرت حمام البان: ... بعض توجعي
فناحت على أفنان: ... وجدي ولم تعي
ولو تشرب الأغصان: ... سائل أدمعي
لأورق منها كل ذاو وناضر ... بما رويت من ماء جفني وناظري
ولو كانت الأطيار ... إذا نحت في الأسحار
قبيل الصباح
مثلي في النواح ... ما راشت جناح
ولا لبست أطواق
فؤادي الذي أصماه: ... سهم من النوى
وكابد ما يلقاه: ... من ألم الجوى
وبي رشا لولاه: ... لم أدر ما الهوى
ولا حل في قلبي هواه وخاطري ... فأنفس جدي في هواه وخاطري
ولا ترهبي الأخطار ... عسى تدركي الأوطار
فكم من هوى
في نار الجوى ... وحكم الهوى
تذل له الأعناق
دعاني إلى حبيه: ... خدٌّ مورد
عليه لمن يجنيه: ... صدغٌ مزرد
ومن جفنيه يحميه: ... سيفٌ مجرد
فويلاه من تلك الجفون الفواتر ... تصول على عشاقها ببواتر
نضتها يد الأقدار ... لمن يجتني الأزهار
فيا من نظر
سيوف الحور ... بأيدي القدر
تسل من الأحداق
أسلت من البلوى: ... سيول مدامعي
تنم بما تطوى: ... عليه أضالعي
ولي كبد تكوى: ... بنار مطامعي
فكن ناصري يا دمع إن قل ناصري ... عسى عاذلي في الحب يصبح عاذري
ومن يعشق الأقمار ... ولم يكتم الأسرار
يقاس الولوع
وفيض الدموع ... ونار الضلوع
كذا صفة العشاق
-9-
(1/6)

أردت أن أسري خلفه، وأمتري خلفه، وإن لم أكن خلفه، فنظمت على ما زعمت، ودخلت في هذه الحلبة بسكيتي وزحمت، وبالله المستعان:
تغيبت يا بدري فطالت دياجري ... ولم أرج أنصاري وأنت مهاجري
وما تنفع الأنصار ... إذا زاغت الأبصار
وبان الغمام
يبكي المستهام ... وانجر الحمام
إلى نوح بالأطواق
خلائقك الحسنى: ... فتنت بها الورى
ومقلتك الوسنى: ... سبت عيني الكرى
ومبسمك الأسنى: ... تنضد جوهرا
وجفنك يحمي الريق منك بباتر ... فيا باردا قد راح يحمى بفاتر
ولو كانت الأزهار ... وقد رقت الأسحار
تروي عن سناك
وتحكي شذاك ... لكانت هناك
حدائقها الأحداق
حبيبي قد أضحى: ... هواك منيتي
ولي كبد قرحى: ... لعظم بليتي
وجاء الذي يلحى: ... تمام مصيبتي
فان قلت إني في الهوى غير جائر ... فما ضر لو أصبحت بالوصل جابري
وإلا فكم من جار ... على ذي غرام جار
وما يقتصر
ولا يختصر ... حتى ينتصر
على الصب بالأشواق
يقرر في هجري: ... دليل دلاله
ويمنع مع فقري: ... جميل جماله
وينكر مع ضري: ... وصول وصاله
ويقدم في سفك الدما غير قاصر ... بقسوة فتاك اللواحظ قاسر
وقد أصبح الخطار ... إذا ماس في أخطار
يشكو ما دهي
إلى ملده ... ومن قده
يشكو الغصن بالأوراق
له مبسم ألمى: ... حلا وهو بارد
به اتسقت نظما: ... لآل فرائد
إلى رشفه نظما: ... وما ثم وارد
وقد دار في خد من الورد ناضر ... له عارض قد راق في كل ناظر
له خبر قد طار ... وقد ملا الأقطار
فما ينكر
لما يشكر ... ولا يذكر
إلا فاق في الآفاق
تجنى وما أبقى: ... وسر معاندي
ورق لما ألقى: ... من السقم عائدي
وجفناه قد شقا: ... حبالة صائد
وهل يلتقي صب نوافث ساحر ... بقلب سليب فاقد الصبر خاسر
ومن ذا الذي قد ثار ... وحاول أخذ الثار
من سهم مرق
بطرف رمق ... وسحر الحدق
لوا نصره خفاق
-10-
ومن ذلك موشحة لابن زهر، رحمه الله تعالى:
بأبي من رابها نظري ... فبدا في وجهها الخجل
أمهاةٌ تلك أم بشر
للورى في حسنها عبر
غصن بان فوقه قمر
ورحيق جال في درر ... أين منه
ويحك القبل
بدر تم غاب في الكلل
فنأى عني ولم يزل
وحياة الأعين النجل
ما يطيق البين من ضرر ... فوق ما ناءت به الكلل
يا غزالاً راعه شرك
هل لقلبي عنك مترك
أو على عينيك لي درك
في سنان الغنج والحور ... ما جناه الكحل والكحل
بت بين الدمع والسهد
واضعا كفي على كبدي
ويدي الأخرى تشد يدي
وتراءى الموت في صور ... غير أن لم يبلغ الأجل
أين مني الصبر والجلد
ضقت ذرعا بالذي أجد
الهوى والبث والكمد
من أراد أن يدري ايش خبري ... عشق هو أي قلب يحتملو
-11-
أردت أن أقفو خطاه قفوا، وأجيء بما جاء به عفوا، واجعل منهله من الرقة صفوا، وان كان باعي عنه قاصرا، وداعي إتباعه لا يجد له ناصر، فقلت، وبالله الإعانة:
بت من وجدي على خطر ... بي جراح ليس تندمل
كان لي صبر به أثق
وبه في الوجد أرتفق
فثنته عني الحدق
وإذا ما خان مصطبري ... فعلى من بعد أتكل
يا عذولا قد بليت به
ضل قلبي في تقلبه
فهو راض عن معذبه
يبتلى بالحزن والفكر ... وبنار الشوق يشتعل
لي حبيب ظل عاشقه
في عذاب لا يفارقه
بمحيا جل خالقه
أشبه الأشياء بالقمر ... في سماه الحسن ينتقل
كجني الورد وجنته
وجلي البدر طلعته
وشهي الراح ريقته
طرفه يزدان بالحور ... وبميل السحر يكتحل
ليس قصدي غير رؤيته
وعذابي في محبته
وثباتي عند جفوته
(1/7)

أشتهي يمشي على بصري ... ويجلد الخد ينتعل
من بني الأتراك مذ نظرت
مقلتيه غادة سحرت
هي قالت إذ به افتخرت
يا أمي هذا جارنا التتري ... فتح الله بو وقد قفلو
-12-
وراق لي هذا المشرع، وشاقني هذا المنزع، فعكست هذا الترتيب في القافية، ووردت مناهل وزنه الصافية، فقلت، وبالله التوفيق:
كان لي فيما مضى مقل ... فنيت بالدمع والسهر
كل من يهوى الملاح كذا
ينتهي فيهم لكل أذى
أضرموا في القلب منه جذى
فهو بالأشواق يشتعل ... إن خبت هاجت من الفكر
بدر تم غاب واحتجبا
بعد وصل خيفة الرقبا
وحسودي نال ما طلبا
تعبت ما بيننا الرسل ... وانقضى في هجرة عمري
ريم رمل زانه الحور
روضة دمعي لها مطر
خده يزهى به الزهر
فهو غصن ناعم خضل ... قلبه أقسى من الحجر
ثغره المفتر عن حبب
أقحوان رائق الشنب
واللمى ضرب من الضرب
ودياجي الشعر تنسدل ... من محياه على قمر
ومهاة تشبه القمرا
ألفت ظبيا لها أسرا
هي قالت عندما ذكرا
يا أمي يحلا لي إذا عملو ... تحسبيه سكر وزند طري
-13-
ومن ذلك موشحة للسراج المحار، رحمه الله تعالى، وهي:
ترى دهر مضى بكم يئوب ... منيبا
ويضحي روض آمالي الجديب ... خصيبا
عسى صب تملكه هواه ... يعاود جفن مقلته كراه
ويبلغ من وصالكم مناه ... ويرجع دهرنا عما جناه
ويجمع شملنا حسن وطيب ... قريبا
ويصبح حين أدعوه الحبيب ... مجيبا
أرى أمد الصدود بكم تمادى ... وكم لمت الفؤاد فما أفادا
وتأبى عبرتي إلا اطرادا ... ونار صبابتي إلا اتقادا
فخدي رده الدمع السكوب ... خضيبا
وقلبي كاد أشواقا يذوب ... لهيبا
وبي رشأ بناظره يصول ... حسام من ضرائبه العقول
على وجناته لدمي دليل ... ولكن ما إلى قود سبيل
حبته من ضمائرها القلوب ... نصيبا
فكان لها وإن كره الرقيب ... حبيبا
غزال وهو في المعنى هلال ... قريب وصله ما لا ينال
وغصن راح يعطفه الدلال ... كذا الأغصان تثنيها الشمال
إذا مالت بعطفيه الجنوب ... هبوبا
تثنى في غلائله القضيب ... رطيبا
كلفت بحبه حلو المعاني ... أعاني في هواه ما أعاني
أراه إن تباعد عن عياني ... كبدر التم قاص وهو دان
يرينا حين تطلعه الجنوب ... عجبا
جمالا لا يكلفه الغروب ... مغيبا
-14-
رأيت هذا العصب اليماني، وصقال هذا العضب الهندواني، فأردت أن أنظم في هذا الوزن، وأبرز دراً طال منه الكتم والخزن، وأنبت زهراً بعد به عهد الروض في الحزن، فقلت، وبالله التوفيق:
ترى بالوصل يسمح لي الحبيب ... مثيبا
ويقضي نحبه منا الرقيب ... قريبا
حبيب دق معناه فجلا ... ترنحه الصبا تيها ودلا
يفرق نوره صبح تجلى ... عليه ليل شعر قد أطلا
ترنح من معاطفه القضيب ... رطيبا
ومن رد فيه قد ماج الكثيب ... رحيبا
له خد شقائقه تشوق ... يرق نعيمه لما يروق
خليق حين صب به الخلوق ... كان رحيقه فيه حريق
على جمراته سلت الكروب ... قلوبا
ويمنع نمل صدغيه اللهيب ... دبيبا
أيا بدر السماء تنح عنا ... فلست كمن لقلب الصب عنى
ولا لك مقلة بالسحر وسنى ... ووجه معذبي في الحسن أسنى
فبدر كل يوم يستجيب ... مغيبا
تراه عند بدر لا يغيب ... معيبا
سباني صاحب بالنون يدعى ... ونبت عذاره كاللام وضعا
وذلك نبل رام راح قطعا ... وشك حشا المحب وليس بدعا
جروفٌ ما أراه أم حروب ... عجيبا
تأنق كاتب فيها نسيب ... نسي با
أسال الدمع سيلا يوم بيني ... وأوقع بين لذاتي وبيني
وقرَّح بالبكا أجفان عيني ... وصير كل عين مثل عين
دموع كم تزين وما تريب ... تريبا
ومنها قد غدا خدي الجديب ... خصيبا
-15-
(1/8)

ومن ذلك موشحة أخرى للسراج المحار، وهي:
من دون رملة عالج ... لربة الخال دار
حلت عليها السحائب ... منا الدموع الغزار
همت عليها دموع ... لها السحاب شئون
فاخضل منها البقيع ... ومسن فيها الغصون
حدث فتلك الربوع ... حديثهن شجون
ففي القلوب لواعج ... من ذكرها وأوار
ونار فقد الحبايب ... زنادها الإدكار
لم أنس يوم تولى ... حادي المطي وسارا
خلى المحبين قتلى ... كما ترى وأسارى
ودون رامة خلى ... منا العقول حيارى
لأن بين الهوادج ... أقمار تم تحار
منها بدور الغياهب ... لم يخفهن سرار
حكوا البروق ابتساما ... والسمهريات لينا
أغصان بان إذا ما ... مالت تغير الغصونا
كم خلفت مستهاما ... ملقى لديها طعينا
مذ أينعت في الدمالج ... لها البدور ثمار
أوراقهن الذوائب ... حق الغصون تغار
سفرن بين الستور ... هيف دقاق الخصور
عن أوجه كالبدور ... في جنح ليل الشعور
تقلدوا في النحور ... بمثل ما في الثغور
يحكين غزلان ضارج ... شعارهن النفار
فليس يدنو لطالب ... من طيفهن مزار
هل للحياة سبيل ... وقد دهتنا العيون
وسل منها نصول ... لها الجفون جفون
قضبٌ علينا تصول ... شفارهن المنون
فكيف للهم فارج ... أو للمحب اصطبار
وفي الجفون قواضب ... لها المنون شفار
-16-
استخفني هذا السحر فهز أعطافي، واستخرج بقايا تحفي وألطافي، فآثرت أن أعارضه، وأردت أن أفاوضه، على ما فيه من المشقة وبعد الشقة، فقلت، وبالله الإعانة:
عوجوا على حي ضارج ... إذا استبان النهار
فبدر تلك المضارب ... منه الشموس تغار
عوجوا ففي الحي غيد ... لروضة الحسن زهر
بكل قد يميد ... غصنا وأعلاه بدر
وفي الثغور عقيد ... من ريقهن وقطر
وفي الصدور أبالج ... نهودهن الصغار
فكل حلوى الرغائب ... من وصفهن تعار
أحبب بهن أوانس ... ألحاظهن الأسنه
مثل الدمى في الكنائس ... برزن للناس فتنه
لحليهن وساوس ... إذا خطرن ورنه
نوافح عن نوافج ... لهن دارين دار
ونبت تلك الملاعب ... بان ورند وغار
أحببت منهن غادة ... لاحت كبدر التمام
أرى هواها عبادة ... مقبولة في الغرام
إن مت فيها شهادة ... فذلك أقصى مرامي
لي في الغرام مناهج ... وشرعة وشعار
وفي اختلاف المذاهب ... للعاشقين اختيار
حوراء تطبق فاها ... على نفيس اللآلي
وريقها العذب ضاهى ... بل فاق برد الزلال
وقدها قد كفاها ... مثقفات العوالي
كم بت منها أعالج ... جرحا وذاك جبار
وفي الجفون قواضب ... بكسرها الانتصار
لم ألق قط كوجدي ... فيمن مضى من متيم
قد خدد الدمع خدي ... ودام فيه وديم
كما نفى النوم سهدي ... وبين جفني خيم
وفي فؤادي لواعج ... كم هاجها الإدكار
وحين تدجو الغياهب ... تشب في القلب نار
محبوبتي ساعدتني ... ونحو قربي مالت
مذ أقبلت قبلتني ... وفي رضاي تغالت
لم أنس إذ واصلتني ... واستضحكت ثم قالت
زوجي على غيظو خارج ... دع يحترق فيك بنارو
خليه يجي ويضارب ... حلفت ما اسمع فشارو
-17-
ومن ذلك موشح رأيته لبعض المغاربة، وهو:
رميت قلبي بنبله ... لما ترحلت قبله
يا صاحب الخد الأحمر ... قتلتني أي قتله
يا لائمي في غزال ... قد حاز كل المعاني
يسل زرق النصال ... من مقلتيه الحسان
كأنه في الجمال ... بدر على خوط بان
قوموا انظروا ما أجله ... فهل يرى الناس مثله
باليمن والسعد أثمر ... سبحان رب أهله
ما عذل مثلي صواب ... لأن حبي مليح
ذلت لديه الرقاب ... وكل قلب قريح
فأين منه الذهاب ... أو كيف لي أستريح
(1/9)

عواذلي مستحله ... والحب للمرء ذله
لي فيه أسوة عنتر ... لما أذلته عبلة
جسمي براه السقام ... ولم أجد لي طبيبا
ودمع عيني انسجام ... وقد ألفت النحيبا
وليس قتلي حرام ... إذ لا أرى لي حبيبا
انى لمن نال قبله ... تبري جوادا وغله
ان كان من مات يعذر ... فالعذر للصب قتله
أمسيت في الناس فردا ... مالي صديق ودود
أفنى اشتياقا ووجدا ... ثم اشتياقي يزيد
أروم للحب قصدا ... وذاك مني بعيد
لابد من وشك رحله ... تطفي من القلب شعله
لعل من لا تصور ... يرد للقلب وصله
حبي ويا نور عيني ... وغايتي ومرادي
إليك أشكو أنيني ... وما تقول الأعادي
ويلاه قد عايروني ... بوحدتي وانفرادي
كساني البين حله ... ألا يني منه أله
ثوبا من السقم اصفر ... لبست والحمد لله
-18-
استخفني طربا، وجدد لي في هذا الفن أربا، وجعل بيني وبين الدخول في هذه الزمرة نسبا، فآثرت معارضته بشرط التزام اللام المشددة والجناس، فقلت:
هويته بدر كله ... تملك الحسن كله
وثقف القد أسمر ... وصارم الجفن سله
أفديه من بدر تم ... له القلوب منازل
يغزو الفؤاد بسهم ... من طرفه إذ يغازل
جد السقام بجسمي ... في حبه وهو عازل
لو سد صبري خله ... حمدتها منه خله
لكن وجدي تكثر ... وفي التصبر قله
جبينه للصباح ... وشعره للظلام
وقده للرماح ... وطرفه للسهام
وثغره للأقاحي ... وريقه للمدام
يا ليت لي منه عله ... تشفي من القلب عله
فطعمه مثل سكر ... علي حرم حله
يا حسنه حين يبدو ... ممنطقا بالعيون
بدر ثرياه عقد ... من در ثغر مصون
عذاره لازورد ... قد سال في سيلقون
تفيأ الورد ظله ... وخاله تحت ظله
كأنه نقط عنبر ... من فوق جمر أقله
ويا قاتلي بالتجني ... غثني بطيب الوصال
وفاتني بالتثني ... مل لي وخل ملالي
سلبت عقلي مني ... فانظر إلى ضعف حالي
يا من رماني بغله ... وشد قلبي وغله
حشاي فيك تسعر ... وأدمعي مستهله
رددت صبحي ظلاما ... مذ زدت جورا وظلما
ولو أطقت كلاما ... ملأت قلبي كلما
متى يرد السلاما ... ويجعل الحرب سلما
من حب خلا ومله ... يذم في كل مله
هذا الذي قد تسطر ... مما اقتضته الجبله
ان ملت صدا وهجرا ... وزدت بعدا ونأيا
ولم تدع لي صبرا ... فذا علي بن يحيى
أمات للظلم قسرا ... وميت العدل أحيا
وعقد ضري حله ... لما ارتدى الفضل حله
وذنب دهري تكفر ... وعز من بعد ذله
أقلامه في الطروس ... سحائب للبيان
كم أنبتت من غروس ... ثمارهن المعاني
فيها حياة النفوس ... ورزق أهل الأماني
لو أرشف البيد طله ... والضرع ما فيه طله
رأيتها تتفجر ... قفارها المضمحلة
ساس البرايا فسادا ... بهمة ما تسامى
وقد أزال الفسادا ... حتى أنام الأناما
وعاد من كان عادى ... في بابه يترامى
ما شاد عرشا فثله ... من الأكابر ثُلَّة
وكل أبطال عسكر ... من رأيه مستملة
سبحان من خص هذا ... جماله بالتمام
ومن بعلياه حاذى ... بدر الدجى في الظلام
ومن بمغناه لاذا ... أعطاه كل المرام
من خير قوم أجله ... حازوا من المجد جله
جوادهم لو تقطر ... سما سمو الأهِلَّه
يا سيدا لا يبارى ... في كل فن وعلم
وماجدا لا يجارى ... في كل فضل وحلم
ما للنجوم حيارى ... قد فاقها بدر تم
فالق السماك وقل له ... ما في مكانك قله
إلا وفيها تبختر ... خطاي من غير زلة
أنت العزيز المفدى ... بكل قلب وعين
ومن يرى لك ضدا ... يرمى بذل وشين
قدمت لي منك وعدا ... وجئت أطلب ديني
فأنجز الوعد كله ... فما أرى فيك كله
(1/10)

وأنت أجدى وأجدر ... أعيذ مجدك بالله
-19-
ومن ذلك قول الأديب الوشاح شهاب الدين أحمد بن عبد الملك العزازي، رحمه الله تعالى:
ما على ... من هام وجدا بذوات الحلى
مبتلى ... بالحدق السود وبيض الطلى
باللوى ... ملي حسن لديوني لوى
كم نوى ... قتلي وكم عذبني بالنوى
قد هوى ... في حبه قلبي بحكم الهوى
واصطلى ... نار تجنيه ونار القلى
كيف لا ... يذوق من هام بريم الفلا
هل ترى ... يجمعنا الدهر ولو في الكرى
أم ترى ... عيني محيا من لجسمي برى
بالسرى ... يا حاديا ركب بليل سرى
عللا ... قلبي بتذكار اللقا عللا
وانزلا ... دون الحمى حي الحمى منزلا
بي رشا ... دمعي بسري في هواه وشى
لو يشا ... برد مني جمرات الحشا
ما مشى ... الا انثنى من سكره وانتشى
عطلا ... من الحميا يا مديرا الطلا
ما حلا ... إذا أدار الناظر الأكحلا
هل يلام ... من غلب الحب عليه فهام
مستهام ... بفاتر اللحظ رشيق القوام
ذي ابتسام ... أحسن نظما من حباب المدام
لو ملا ... من ريقه كأسا لأحيا الملا
أو جلا ... وجها رأيت القمر المجتلى
لو عفا ... قلبك عمن زل أو من هفا
أو صفا ... ما كان كالجلمد أو كالصفا
بالوفا ... سل عن فتى عذبته بالجفا
هل خلا ... فؤاده من خطرات الولا
أو سلا ... وخان ذاك الموثق الأولا
-20-
رقص أعطافي بألحانه، وشعشع في كئوسه بنت حانه، وجلى على عقود دره وجمانه، فأحببت أن أنظم في هذه المادة موشحا، والتزم ما التزمه في الحشوة الأولى، فقلت:
لي إلى ... ظبي الحمى شوق وقد أنحلا
إن حلا ... فانه جر عني الحنظلا
بي قمر ... سبى الحشا مني وعقلي قمر
لو خطر ... أمسى به أهل الهوى في خطر
مذ سحر ... بطرفه اعتل نسيم السحر
واصطلى ... محبه تذكار عصر خلا
وابتلى ... بالوجد حتى أتعب العذلا
كم ألم ... من طيفه لما بجفني ألم
في الظلم ... أنصف لكن حين ولى ظلم
لو نسم ... مبسمه أحيا جميع النسم
أو جلا ... طلعته في دامس أليلا
لاعتلى ... على بدور التم بين الملا
إن قضى ... بقتلي طرف غزالي انقضى
إذ مضى ... في كبدي جفناه فيما مضى
أو أضا ... برق الرضى لي عند ذات الأضا
لانجلى ... عني العنا أو قل منه القلا
وانسلى ... قلب عدو قال عني سلا
إن صفا ... لي قلبه من هجره أنصفا
إن تفا ... ءلت لقلبي برضاه انتفى
أو طفا ... دمعي على جفن له أوطفا
أخجلا ... قطر غوادٍ قد غدت حفلا
كيف لا ... وهو حيا دمعي وقد أسبلا
بئس ما ... عاملني الحب الذي به سما
عندما ... أجرى دموعي بالجفا عندما
أجر ما ... غفرت للواشي الذي أجرما
فاختلى ... به وخلى البال رهن البلا
أم لا ... دون نعم في كل ما أملا
-21-
ومن ذلك قول الأديب سراج الدين عمر بن مسعود المحار الحلبي:
مذ شمت سنا البروق من نعمان ... باتت حدقي
تذكي بمسيل دمعها الهتان ... نار الحرق
ما أومض بارق الحمى أو خفقا
إلا وأجد لي الأسى والحرقا
هذا سبب لمحنتي قد خلقا
أمسي لوميضه بقلب عان ... بادي القلق
لا أعلم في الظلام ما يغشاني ... غير الأرق
أضنى جسدي فراق إلف نزحا
أفنى جلدي ودمع عيني نزحا
كم صحت وزند لوعتي قد قدحا
لم تبق يد السقام من جثماني ... غير الرمق
ما أصنع والسلو مني فاني ... والوجد بقي
أهوى قمرا حلو مذاق القبل
لم يكحل طرفه بغير الكحل
تركي اللحظ بابلي المقل
زاهي الوجنات زائد الإحسان ... حلو الخلق
عذب الرشفات ساحر الأجفان ... ساجي الحدق
ما حط لثامه وأرخى شعره
(1/11)

أو هز معاطفاً رشاقاً نضره
إلا ويقول كل راء نظره
هذا قمرٌ بدا بلا نقصان ... تحت الغسق
أو شمس ضحى في غصن فينان ... غض الورق
ما أبدع لاح في صورته
إيناع عذاره على وجنته
لما سقي الحياة من ريقته
فاعجب لنبات خده الريحان ... من حيث سقي
يضحي ويبيت وهو في النيران ... لم يحترق
-22-
كلفني بعض الأصحاب الأعزة، رحمهم الله، أن أنظم في مادته شيئا، فقلت، وزدت الحشوات توشيحاً:
ما هز قضيب قده الريان ... للمعتنق
إلا استترت معاطف الأغصان ... تحت الورق
أفدي قمرا لم يبق عندي رمقا ... لما رمقا
قد زاد صبابتي به والحرقا ... شوقا وشقا
لو فوق سهم جفنه أو رشقا ... في يوم لقا
أبطال وغى تميس في غدران ... نسج الحلق
أبصرتهم في معرك الفرسان ... صرعى الحدق
بدر منعته قسوة الأتراك ... رحمى الشاكي
من ناظره حبائل الأشراك ... والإشراك
كم ضل بها قبلي من النساك ... والفتاك
قاني الوجنات ينتمي للقان ... صعب الخلق
إن قلت أموت في الهوى ناداني ... هذا يسقي
كم جاء جبينه الدجى واقترضا ... صبحا فأضا
كم جرد جفنه حساما ونضا ... والصب قضى
كم أودع ريقه فؤادا مرضا ... من جمر غضا
فاعجب لرضا به شفا الظمآن ... يذكي حرقي
والخد به الخال على النيران ... لم يحترق
يا خجلة خد الورد في جنته ... من وجنته
يا كسرة غصن البان في حضرته ... من خطرته
يا حيرة بدر التم من غرته ... في طرته
لا تعتقدوا الأقمار بالبهتان ... وسط الأفق
أن تشبهه فليس في الإمكان ... ما لم تطق
ما أسعد من أصابه بالحور ... سهم النظر
ما أنعم من تصليه نار الفكر ... طول العمر
أو قيده الحب بقيد الشعر ... عند السحر
أو طوقه بذلك الثعبان ... فوق العنق
أو بات بقفل صدغه الريحاني ... تحت الغلق
-23-
ومن ذلك قول شمس الدين محمد بن علي الدهان، رحمه الله تعالى:
يا بأبي غصن بانة حملا ... بدر دجى بالجمال قد كملا
أهيف
فريد حسن ما ماس أو سفرا
إلا أغار القضيب والقمرا
بيدي لنا بابتسامه دررا
في شهد لذ طعمه وحلا ... كأن أنفاسه نسيم طلا
قرقف
مورد الخد فاتر المقل
يفوق ظبي الكناس بالكحل
وينثني كالقضيب في الميل
من حمل ردف مثل الكثيب علا ... نيط بخصر كأضلعي نحلا
مخطف
ظبي من الترك يقنص الأسدا
مقرطق قد أذابني كمدا
حاز بديع الجمال فانفردا
واهاً له لو أجار أو عدلا ... لمستهام بهجره نحلا
مدنف
غزال سرب جماله شرك
سر اصطباري عليه منتهك
لكل قلب هواه منتهك
علم قلبي الولوع والغزلا ... طرف له بالفتور قد كحلا
أوطف
لله يوم به الزمان وفى
إذ من بالوصل بعد طول جفا
حتى إذا ما اطمأن وانعطفا
أسفر عنه اللثام ثم جلا ... وردا بغير اللحاظ منه فلا
يقطف
فظلت من فرط شدة القرح
إذ زارني والرقيب لم يلح
ألثم أقدامه من الفرح
وقلت إذ عن صدوده عدلا ... أهلا بمن بعد جفوة وقلا
أسعف
-24-
راقني هذا الوزن، وسلب لبي برؤية أزهاره التي أينعت في رياض الحزن، فأحببت تجربة القريحة، فقلت:
لا تحسب القلب عن هواك سلا ... وإنما حاسدي الذي نقلا
حرف
أسلو ولا صبر لي ولا جلد
ونار شوقي وسط الحشا تقد
وكل وجد دون الذي أجد
ما وصل القلب في هواك إلى ... هذا ولو شئت أن ترى بدلا
سوف
في بدر تم للعقل قد قمرا
وفاق شمس النهار والقمرا
وطرفه للأنام قد سحرا
والريق خمر قد حل لي وحلا ... لأنه بالمنى إذا بخلا
يرشف
وجفنه صح سكره وصحا
كم باب حتف لصبه فتحا
وعذر ذاك العذار قد وضحا
(1/12)

سعى إلى فيه يطلب القبلا ... والنمل مازال إن رأى العسلا
يزحف
يا شادنا سل سيف مقلته
وهز قد القنا بخطرته
وأخجل البدر حسن طلعته
وجهك يزداد بالجمال علا ... والبدر في تمه إذا كملا
يخسف
تبدو فترمى الغصون بالخجل
فلم يمس عطفها من الكسل
وأنت مغرى الأعطاف بالميل
وقدك اللدن كلما اعتدلا ... أخشى عليه إن مال وانفتلا
يقصف
شعرك ليل ووجهك القمر
والريق شهد في ضمنه درر
والقد غصن ووجهك الزهر
خد زها الورد فيه واشتعلا ... وعقرب الصدغ فيه قد نزلا
والتف
-25-
ومن ذلك قول ابن زهر المغربي، وهو:
قلبي من الحب غير صاح ... صاح
وإن لحاني على الملاح ... لاح
وإنما بغية اقتراحي ... راحي
وإن درى قصتي وشاني ... شان
وبي من الحب قد تسلسل ... سل سل
في صورة الدمع بعدما انهل ... منهل
والعود عندي لمن تأول ... أول
والحسن فيه على المثاني ... ثاني
يا أم سعد باسم السعود ... عودي
وبعد حين من الهجود ... جودي
على مليك تحت البنود ... نودي
فقال إني بمن دعاني ... عاني
وناظري ناضر المحيا ... حيا
أراك من قوله إليا ... ليا
فأنشدته لمن تهيا ... هيا
واحد هو يا أمي من جيراني ... راني
وناطق بالذي كفاها ... فاها
وبعدما راغبا أتاها ... تاها
وبالجمال الذي سباها ... باهى
قالت على الحسن من سباني ... باني
-26-

هكذا رأيته وهو غير مرتبط المعاني، ولا ملتئم الألفاظ، ولكن أعجبني هذا المقصد، وما فيه من الجناس، فآثرت أن انظم على هذا الأسلوب، فقلت:
يا فاضح البدر في الكمال ... مالي
أراك لما ترى انتحالي ... حالي
وأنت إن ملت لانتقال ... قال
تجد حمام الحمى رثاني ... ثاني
كم مغرم في هوى العقائل ... قائل
والدمع من أكبر الوسائل ... سائل
يا حسنه أهيف الشمائل ... مائل
ساق من الترك ما سقاني ... قان
طرفي إذا طاف بالمدام ... دامي
وطرفه بالغ المرام ... رامي
وهو على مضرب الحسام ... سامي
إني وإن صد أو جفاني ... فاني
ليس لصب قد ارتجاه ... جاه
ولا درى من جنى لماه ... ما هو
لو لاح للناس مقلتاه ... تاهوا
كيف أرى عنه في أوان ... واني
وغادة شفني هواها ... واها
كم قال قلبي لما رآها ... آها
تقول لما رأت فتاها ... تاها
لو كان عويقل في مهرجاني ... جاني
-27-
ووقف عليه بعض الأصحاب الأعزة، فقال: لو زدته توشيحة أخرى، فزدته في الوقت الحاضر ارتجالا، وقلت:
يا فاضح البدر في الكمال ... مالي
بلا منام
أراك لما ترى انتحالي ... حالي
بالابتسام
وأنت إن ملت لانتقال ... قال
خوف التئام
تجد حمام الحمى رثاني ... ثاني
بعد الأنام
كم مغرم في هوى العقائل ... قائل
من الجوى
والدمع من أكبر الوسائل ... سائل
يوم النوى
يا حسنه أهيف الشمائل ... مائل
مع الهوى
ساق من الترك ما سقاني ... قان
لدن القوام
طرفي إذا طاف بالمدام ... دامي
لما أبى
وطرفه بالغ المرام ... رامي
تغلبا
وهو على مضرب الحسام ... سامي
فلا نبا
إني وإن صد أو جفاني ... قاني
من السقام
ليس لصب قد ارتجاه ... جاه
يوم اللقا
ولا درى من جنى لماه ... ما هو
إن حققا
لو لاح للناس مقلتاه ... تاهوا
من الشقا
كيف أرى عنه في أوان ... واني
من الغرام
وغادة شفني هواها ... واها
من فتنتي
كم قال قلبي لما رآها ... آها
من محنتي
(1/13)

تقول لما رأت فتاها ... تاها
يا دادتي
لو كان عويقل جاني ... في مهرجاني
بلا احتشام
-28-
ومن ذلك موشح آخر لابن زهر أيضا، وهو:
حي الوجوه الملاحا ... وحي سود العيون
هل في الهوى من جناح
وفي نديم وراح
رام النصوح صلاحي
وكيف أرجو صلاحا ... بين الهوى والمجون
يا غائبا لا يغيب
أنت البعيد القريب
كم تشتكيك القلوب
أثخنتهن جراحا ... واسأل سهام الجفون
أبكى العيون البواكي
تذكار أخت السماك
حتى حمام الأراك
بكى بشجو وناحا ... على فروع الغصون
ألقى إليها زمامه
صب يداوي غرامه
ولا يطيق الملامة
غدا بشوق وراحا ... ما بين سبي الظنون
يا راحلا لم يودع
رحلت بالأنس أجمع
والعجز يعطي ويمنع
مروا وأخفوا الرواحا ... عني وما ودعوني
-29-
أعجبني ما فيه من الانسجام، والرقة التي لا توجد في بنت الجام، والعذوبة التي لذت طعما، وأرت محاسنها من كان أعمى. فأردت معارضته، فقلت، وبالله التوفيق:
سقى المحبين راحا ... طافت بكأس الجفون
بدر به القلب مغرى
كأن في فيه درا
وريقه راح خمرا
لو كان ذاك مباحا ... طابت كئوس المنون
الشعر منه ظلامي
فيه عدمت منامي
حمدت مسرى غرامي
لما أراني الصباحا ... من نور ذاك الجبين
في حسن هذا العذار
قد طاب خلع العذار
في خده الجلناري
لما استبان استباحا ... دم الكئيب الحزين
يا من لصب تعنى
وباللقا ما تهنا
ولم ينل ما تمنى
ملا النواحي نواحا ... ومل فرط الأنين
لو كنت أملك أمري
أنفت من ذل هجري
وكنت في طول عمري
أرى المزاح مزاحا ... كما يقيني يقيني
وغادة قد سباها
من حسنه البدر ضاهى
تقول لما جفاها
يا ابني على إيش ذي الوقاحا ... مالك كذا ما تجيني
-30-
ومن ذلك موشح للأعمى التطيلي، رحمه الله تعالى، وهو:
دمع سفوح وضلوع حرار ... ماء ونار
ما اجتمعا إلا لأمر كبار
بئس لعمري ما أراد العذول
عمر قصير وعناء طويل
يا زفرات نطقت عن عليل
ويا دموعا قد أصابت مسيل
امتنع النوم وشط المزار ... ولا قرار
طرت ولكن لم أصادف مطار
يا كعبة حجت إليها القلوب
بين هوى داع وشوق مجيب
دعوة أواه إليها منيب
لبيك لا آلو لقول الرقيب
جد لي بحج عندها واعتمار ... ولا اعتذار
قلبي هدي ودموعي جمار
أهلا وإن عرض بي للمنون
بمايس الأعطاف ساجي الجفون
يا قسوة يحسبها الصب لين
علمتني كيف تساء الظنون
مذ بان عن تلك الليالي القصار ... دمعي غزار
كأنما بين جفوني غرار
حكمت مولى جار في حكمه
أهذي به لا مفصحا باسمه
واعجب لإنصافي على ظلمه
واسأله عن وصلي وعن صرمه
ألوى بحظي عن هوى واختيار ... طوع النفار
وكل أنس بعده بالخيار
لابد لي منه على كل حال
مولى تجنى وجفا واستطال
غادرني رهن أسى واعتلال
ثم شدا بين الهوى والدلال:
مر الحبيب انفرم دموار ... كان دشتار
ننفس اميت كساد مواتار
وعارضه شهاب الدين العزازي، رحمه الله تعالى، فقال:
يا ليلة الوصل وكأس العقار ... دون استتار
علمتماني كيف خلع العذار
-31-
أعجبني هذا الوزن الذي خف على القلوب، وطابت به نسمة الصبا وتأرجت الجنوب، فقلت، وبالله التوفيق والإعانة:
سال على الخدين منه العذار ... وما استدار
ما أحسن الريحان في الجلنار
يا حسنه لما رنا وانثنى
فأخجل البيض وسمر القنا
ذو وجنة تجني على من جنى
من روضها وردا إذا أمكنا
وردفه أطنب حتى أثار ... كثبا كبار
وخصره بالغ في الاختصار
يقول لي: وجهي بدر التمام
ومفرقي صبح، وشعري ظلام
(1/14)

ووجنتي الحمراء كأس المدام
والخال كالمسك عليها ختام
محاسني ليس عليها غبار ... ولا عيار
سبحان من كونها باقتدار
إن مال من سكر صباه وماد
فانه يزري بسمر الصعاد
وفي الجفون السود بيض حداد
أودعها الله منايا العباد
لها على عشاقها الانتصار ... بلا اقتصار
مع أنها في غاية الانكسار
يا أهيفا أزرى بغصن النقا
فراح عريان وما أورقا
وكلما قابلته أطرقا
وعوذته ورقه بالرقى
والظبي حسن الجيد منك استعار ... والاحورار
لا تستعر، بالله، منه النفار
يا عاذلا شق على مسمعي
وخاض في طلي وفي أدمعي
نصحتني لو كان قلبي معي
وهو معي لكنه لا يعي
دعني فاني قد عدمت القرار ... حتى الفرار
إلى سلو مانع واصطبار
وغادة تسبي بشاماتها
وزوجها يدري إشاراتها
أنكر يوما بعض حالاتها
قامت تنادي بين جاراتها
تعا أبصروا ما صابني ذا النهار ... قال هو يغار
وطول عمرو مثل تيس مستعار
-32-
ومن ذلك قول عبادة بن عبد الله بن ماء السماء الأندلسي:
من ولي ... في أمة أمرا ولم يعدل يعزل
إلا لحاظ الرشأ الأكحل
جزت في ... حكمك في قتلي يا مسرف
فانصف ... فواجب أن ينصف المنصف
وارأف ... فان هذا الشوق لا يرأف
علل ... قلبي بذلك البارد السلسل ينجل
ما بفؤادي من جوى مشعل
إنما يبرز كي يوقد نار الفتن
صنما ... مصورا من كل شيء حسن
إن رمى ... لم يخط من دون القلوب الجنن
كيف لي ... تخلص من سهمك المرسل فصل
واستبقني حيا ولا تقتل
يا سنا ... الشمس ويا أبهى من الكوكب
يا منى ... النفس ويا سؤلي ويا مطلبي
ها أنا ... حل بأعدائك ما حل بي
عذلي ... من ألم الهجران في معزل والخلي
في الحب لا يسال عمن بلي
أنت قد ... صيرت بالحسن من الرشد غي
لم أجد ... في طرفي حبك دينا علي
فاتئد ... وإن تشأ قتلي شيئا فشي
أجمل ... ووالني منك يد المفضل فهي لي
من حسنات الزمن المقبل
ما اغتذى ... طرفي إلا بسنا ناظريك
وكذا ... في الحب ما بي ليس يخفى عليك
ولذا ... أنشد والقلب رهين لديك
يا علي ... سلطت جفنيك على مقتلي فابق لي
قلبي وجد بالفضل يا موئلي
-33-
رأيت ذكره الذي قد طار طائره، وصبحه الذي ضوأ الآفاق سافره، وبديعه الذي غلت على من يسومها جواهره، فأردت أن أنظم في هذا الوزن شيئا، واعتمدت فيه لزوما لم يلتزمه عبادة المذكور في موشحه، على انه هو تكرر معه بعض القوافي، فقلت، وبالله التوفيق:
تنبلي ... حشاشتي وجدا فلا تنس لي ما بلي
قلبي به من طرفك البابلي
كم إلى ... هذا التجني والجفا والقيلا
والبلا ... فان دمعي قد جرى جدولا
منه، لا ... من غيره، صيرت لي منهلا
فافصل ... هذا الجفا عني بوصل جلي ينجل
صدا فؤاد بالجوى ممتلي
سلني ... بوعد زوز فالضنا سلني
ملني ... بالقرب، إن السقم قد ملني
حلني ... بدر وصل فالجفا حلني
واعدل ... وعن طريق الوصل لا تعدل واقبل
قولي ونحوي بالرضى أقبل
السدم ... نادمني بعد الهنا والندم
والألم ... بسائر الأعضاء مني ألم
والسقم ... حظي، فسبحان الذي قد قسم
فاهطلي ... يا سحب أجفاني ولا تمطلي تعطلي
فان نار الشوق لم تبطل
يا غزال ... هزلك هذا جد بي في الهزال
لا يزال ... طرفك يدعو القلب مني نزال
في اختزال ... ومالكي مال إلى الاعتزال
كم يلي ... وسمي دمعي في الدجى من ولي والولي
عاد من الأعداء في الأول
أنتما ... يا عاذلي وجدي الذي خنتما
قلت: ما ... يدخل في أذني الذي قلتما
سلما ... حالي إلى أمر الهوى واسلما
(1/15)

فالخلي ... عما يقاسي الصب في معزل والملي
بالوجد ما يصغي إلى العذل
-34-
وقلت أيضاً في هذا الوزن وغيرت القافية الأولى:
قدري ... أن رقيبي باللقا قد دري أوعري
هل ينتهي عن خلقه الأوعر
قد حشد ... فيك سقامي وأذاب الجسد
والحسد ... من عاذلي امتد إلى غير حد
واقتصد ... بأنه يشمت بي وقت صد
فاخبري ... حال المعنى في الضنى واحبري وابصري
إن كان قد خان فلا تصبري
أنت في ... قلبي وفي فكري فلا أنتفي
فاعطفي ... علي واستأني ولا تعسفي
واسعفي ... يعقوب هذا حسنك اليوسفي
واعذري ... من مسه الضر ولا تغدري وانصري
قلبي على عاذله المفتري
جل من ... أبدى لنا هذا المحيا الحسن
وارتهن ... أهل هواه بالشجا والشجن
وامتحن ... عشاقه دون الورى بالحزن
تنبري ... سهام جفنيك لقتل البري إن بري
فانه يحيا ولم يقبر
بالدعج ... من جفنها سفك دماء المهج
وازدوج ... نور ثناياها ونور البلج
وامتزج ... في خدها ماء الحيا بالضرج
فانظر ... لياسمين فوق ورد طري أحمر
مدبج من خالها الأخضر
من قضى ... على المعنى فيك حتى قضى
واقتضى ... أن شب في قلبي جمر الغضا
وانتضى ... من جفنك الأسود لي أبيضا
فاقدري ... صبري على ذا قدك الأسمر واقصري
يا جؤذرا صال على قسور
يا خلي ... من حب من قلبي بها قد بلي
خل لي ... ما قاله في شانها عذلي
وارسل ... طرفك في هذا المحيا الجلي
تبصر ... نور ثنايا ثغرها الجوهري إذ يري
يروي السنا عن خدها الأزهر
-35-
ومن ذلك موشحة للأعمى التطيلي، وهي:
يا نازح الدار سل خيالك ... ينبيك أن صرت كالخيال
أحبب به زائراً ألما
أباح وردا ما كان يحمى
من مبسم ذي غروب المى
أكرع في برده وأظما
أعجب به مورداً أنالك ... زيادة الظمء بالزلال
شكوت للطيف حسن عهدي
وإن يكن ذاك ليس يجدي
فكم شفى غلتي ووجدي
وأنت مغرى بطول صد
وكلما أرتجي نوالك ... ضنت بإسعافي الليالي
يا منظرا قيد العيونا
فمن ترى ما سواه دونا
أذلت عهد الهوى المصونا
هجرك ما خلت أن يكونا
من ذا الذي ظالما أحالك ... يا ليته ذاق بعض حالي
فرق بين الكرى وبيني
يوم صدود ويوم بين
فكيف يقضى ملي ديني
إن كان شيئا تقر عيني
بعدك لا أجتلي جمالك ... وأنت مني خلي بال
لما اجتليت الزمان قربه
ضمن بعض الحديث عتبه
إذ ظن أني سلوت حبه
عنيته أستميل قلبه
علي حبيبي خطر ببالك ... إني بغيرك شغلت بالي
-36-
رنحت معاطفي وهزتها، وجرت قريحتي إلى النسج على منوالها وجزتها، فأردت أن أنظم في هذا الوزن شيئا مع لزوم ما يلتزم به الأعمى، فقلت، وبالله التوفيق:
يا قامة الغصن من أمالك ... ما لي في الذل من أمالي
داعي النوى فل جيش صبري
وقد غزا بالهموم صدري
وبالتجزي لا بالتجري
أوقف حالي والدمع يجري
يا قلب يوم الفراق غالك ... وأرخص الدمع وهو غال
هام فؤادي في كل واد
وزاد سيرا بغير زاد
وسوق شوقي هاد وحاد
وجاء نادي الحمى ينادي
يا للحمى ما ترى غزالك ... بسيف جفنيه قد غزا لي
وجهك كالبدر يا حبيبي
يطلع في دارة القلوب
في ليل شعر على قضيب
يهزه الردف في كثيب
ومذ رأت مقلتاي خالك ... أمسيت عمن سواك خالي
عذارك الأخضر المسني
سل ثياب السلو عني
وزدت في التيه والتجني
كما تفردت بالتثني
لو أن ذكري يحل بالك ... ما راح جسمي بالسقم بالي
أرضى لخدي يكون أرضا
فارض فاني أراه فرضا
وامش على وجنتي لأرضى
واسمح بوصل يكون برضا
فمر هجري الذي حلا لك ... حرامه في الهوى حلالي
(1/16)

أقول زر من قد ذاب صبرا
طوعا وإلا تزور قسرا
فكم أقاسي جفا وهجرا
فقال والغيظ قد أسرا
هذا أنت حنيت اليوم والك ... قط المحبة كانت بوالي
-37-
ومن ذلك موشحة للحفيد بن زهر، رحمه الله تعالى، وهي:
أيها الساقي إليك المشتكى ... قد دعوناك وإن لم تسمع
ونديم همت في غرته
وبشرب الراح من راحته
كلما استيقظ من سكرته
جذب الزق إليه واتكا ... وسقاني أربعا في أربع
ما لعيني عشيت بالنظر
أنكرت بعدك ضوء القمر
وإذا ما شئت فاسمع خبري
عشيت عيني من طول البكا ... وبكى بعضي على بعضي معي
غصن بان مال من حيث استوى
بات من يهواه في فرط الجوى
خفق الأحشاء موهون القوى
كلما أفكر في البين بكى ... ويحه يبكي لما لم يقع
ليس لي صبر ولا لي جلد
يا لقومي عذلوا واجتهدوا
أنكروا شكواي مما أجد
مثل حالي حقها أن تشتكي ... كمد اليأس وذل الطمع
كبدي حرى ودمعي يكف
تعرف الذنب ولا تعترف
أيها المعرض عما أصف
قد نما حبي بقلبي وزكا ... لا تخل في الحب أني مدعي
-38-
ونظم الأندلسيون وراءه كثيرا في هذه الطريقة الأنيقة، فأحببت أن يكون لي في روضها شقيقة، فقلت، وبالله الاستعانة:
هلك الصب المعنى هل لكا ... في تلافيه بوعد مطمع
أيها البدر الذي لما بدا
غاب عن عشاقه فيه الهدى
أنت في قلبي مقيم أبدا
فلك الأحشاء أمست فلكا ... فاستقم في الأوج منها واطلع
يا عذولي أنت لم تدر الهوى
فلذا أنكرت ما بي من جوى
خل قلبي ما له منك دوا
كلما تعذله أنت انتكى ... فاسترح من عذل من لم يسمع
صاح ما أصنع قد خاب الرجا
وجنى قلبي ولكن ما نجا
بعد دمعي وأنيني في الدجى
قل لصوب الغيث دع عنك البكا ... ولورقاء الحمى لا تسجعي
كنت في هجعة طرف قد رقد
لست أخشى من لظى هجر وقد
ثم لم أشعر به إلا وقد
نصبت مقلته لي شركا ... أي قلب عندها لم يقع
قمر مهما رنا أو رمقا
لم يدع للصب منه رمقا
آه وا طول عنائي والشقا
هو لا يسمع مني مشتكى ... وأنا للنصح فيه لا أعي
رب خود علق القلب بها
فهمت عني توالي حبها
لست أنسى قولها في صحبها:
كل ما قالو علمتو بالذكا ... الحديث لك وأنت يا جار اسمعي
-39-
ومن ذلك موشحة لابن اللبانة، وهي:
شاهدي في الحب من حرقي ... أدمع كالجمر تنذرف
تعجز الأوصاف عن قمري
خده يدمى من النظر
بشر يسمو على البشر
قد براه الله من علق ... ما عسى في حسنه أصف
كيف للصب الكئيب بقا
والكرى عن جفنه أبقا
هل يطيق الصبر من عشقا
شادنا يرمي من الحدق ... أسهما قلبي لها هدف
يا أولي التفنيد ويحكم
أنا لا أصغي لنصحكم
في ثلاث قد عصيتكم
غسق داج على فلق ... في قضيب زانه الهيف
بأبي من فاق شمس ضحى
وكسا بدر الدجى لمحا
فدليلي فيه قد وضحا
لوجود الشمس في الأفق ... عدم والبدر ينكسف
رب راض بعدما غضبا
زارني في غفلة الرقبا
عندها غنيت واطربا
يا حبيبا بات معتنقي ... ها أنا بالوصل معترف
-40-
راق لي هذا الوزن الرائق، واللفظ الفائق، فأحببت مساجلته، ومباراته ومعالجته، فقلت، وبالله التوفيق:
بات بدري وهو معتنقي ... أحتسي فاه وأرتشف
وبه أمسيت متحدا
بعد ما قد كنت منفردا
وغدا بدر السما كمدا
وهو مرمي على الطرق ... وبفضل الترب ملتحف
ضمه المضنى وقبله
فاعتراه عندها وله
قال: أخشى الإثم، قلت له:
خل هذا الإثم في عنقي ... فأنا قد زاد بي التلف
شبهوا المحبوب بالقمر
وبروض يانع الزهر
وبغصن ناعم نضر
وبظبي ساحر الحدق ... وهو عندي فوق ما وصفوا
قمر لم يبق لي رمقا
بقوام جل من خلقا
(1/17)

فاق أغصان النقا ورقا
ما قضيب لف في ورق ... كقضيب زانه الهيف
كم محب نال ما طلبا
وفضى من وصله الأربا
وأنا حظي غدا عجبا
ما سعيد في الهوى كشقي ... وحظوظ الناس تختلف
ومهاة تشبه القمرا
جفنها للناس قد سحرا
لست أنسى قولها سحرا
قد نشب خلخالي في حلقي ... ولباسي جارنا خطفو
-41-
ومن ذلك موشحة لابن زهر، وهي:
سلم الأمر للقضا ... فهو للنفس انفع
واغتنم حين أقبلا
وجه بدر تهللا
لا تقل بالهموم لا
كل ما فات وانقضى ... ليس بالحزن يرجع
فاصطبح بابنة الكروم
من يدي شادن رخيم
حين يفتر عن نظيم
ضوء برق قد أومضا ... أو رحيق مشعشع
أنا أفديه من رشا
أهيف القد والحشا
سقي الحسن فانتشى
مذ تولى وأعرضا ... ففؤادي يقطع
من لصب غدا مشوق
ظل في دمعه غريق
حين أموا حمى العقيق
واستقلوا بذي الغضا ... أسفي يوم ودعوا
ما ترى حين أظعنا
وسعى الركب موهنا
واكتسى الليل بالسنا
نورهم ذا الذي أضا ... أم مع الركب يوشع؟
-42-
راق لي هذا الوشي المحبوك، وأعجبني هذا الذهب المسبوك، فأردت ان أقفو أثره، وأقطف زهره، وأجني ثمره، فقلت، وبالله التوفيق:
كل من عاند القضا ... بئس ما بات يصنع
فتجلد على الجوى
وتصبر على النوى
واحتمل ذلة الهوى
فالسرور الذي انقضى ... عنك لابد يرجع
زاد في اللوم عاذلي
جائرا غير عادل
ولو الصبر عاد لي
لم أكن عنه معرضا ... وإذا قال أسمع
زمن لم يواتني
فاتني فيه فاتني
لحياتي مماتني
وفؤادي قد ارتضى ... بالذي فيه يودع
انجلت ظلمة الدجى
بعد ما كان قد سجا
قلت لما تبلجا
أومض البرق أو مضى ... ثغره وهو يلمع
مخطف الخصر أهيف
فوقه الورق تهتف
بين جفنيه مرهف
إن قضى بالردى قضى ... ليس للقلب مدفع
ومهاةٍ بدا لها
عاذلي فاستمالها
كيف أنسى مقالها
جر سيدي ولا تضا ... رب فللسقف بارفعو
-43-
وراق لي هذا الوزن العذب، ورونقه الذي يفوق صقال العضب، فآثرت الازدياد من كيله، والسير في نهاره وليله، فقلت، مستعينا بالله:
نزلوا في طويلع ... حين ساروا وودعوا
عرب أنكروا الوفا
وثناهم عن الصفا
كدر الصدر والجفا
زاد فيهم تولعي ... والعدى لي توجعوا
لي حبيب حكى الرشا
أخذ القلب في الوشا
وحشا النار في الحشا
جمرها بين أضلعي ... وبخديه تسطع
حرت في وصف كنهه
وطلابي لشبهه
وعلى حسن وجهه
للجمال المنوع ... سكة البدر تطبع
سالف سال في لهب
فهو من أعجب العجب
كيف ما شئته انقلب
عقرب تحت برقع ... في حشا الصب تلسع
غادة أصل فتنتي
راعها شيب لمتي
ثم قالت لمحنتي
لي صغير وما يعي ... قم معي تاتفزعو
-44-
ومن ذلك موشحة لبعض المغاربة، وهي:
همت الأزهار بالضحك ... فرحا بأدمع الديم
هاتها نارا تروق وما
ألبست ثوب الدجى علما
وكأن الجو قد نظما
حولها من أنجم الفلك ... شبها من ثغر مبتسم
أيما تبر وصهباء
جمعا من كف عذراء
ضمنا من نسج صنعاء
غصن يهتز في فنك ... مثمر بالنور والظلم
إنما روض المنى الزاهر
حيث يمضي المرهف الباتر
من سطا الملك أبي الطاهر
دره الله من ملك ... جامع للسيف والقلم
أسد تحميه أسد شرى
زحفت أجناده زمرا
وكأن الأنجم الزهرا
نزلت للأرض في سكك ... ومشى بهرام بالعلم
الصبا روح وقد نفحا
هب في أحشائه البرحا
فشدا كل به فرحا
هكذا يجلى دجى الحلك ... بهلال منك في اللثم
-45-
(1/18)

هزت عطفي هذه العروض، وبزت لطفي مما لها عندي من القروض، فأحببت أن أعتلق بأذيالها، وأغتبق بجريالها، فقلت، وبالله التوفيق:
وقع المحبوب في شركي ... وتبرا الهم من هممي
زار يخفي خوف لومه
والدجى في حلي أنجمه
لا تخف يا عقد مبسمه
درك المكنون في دركي ... واللمى لا يخش من ألم
زورة قد بلغت أملي
لم ترد حولي ولا حيلي
خلصتني من يدي أجلي
كنت منها وسط معترك ... من سرايا الشوق والسقم
هو أحياني بزورته
وشفى سقمي بقبلته
أرج الأرجا بنكهته
نفس مثل العبير ذكي ... من فم كالدر منتظم
من كمحبوبي الذي بهرا
لطفه مثل النسيم سرى
] . . . . . . . . . . . . [
وجهه في شعره الحلك ... قمر قد لاح في الظلم
يا غزالا ساحر الحدق
وهلالا سافر الأفق
ته على كل الورى وفق
فلك الأقمار في الفلك ... قد غدت من جملة الخدم
وفتاة قد صبت لفتى
ما رآها قط فالتفتا
فلذا قالت وقد عنتا:
إن وقع ذا الشب في شركي ... فحرمي إن دخل حرمي
-46-

ومن ذلك موشحة لابن الزقاق الأندلسي، وهي:
خذ حديث الشوق عن نفسي ... وعن الدمع الذي همعا
ما ترى شوقي قد اتقدا
وهمى بالدمع واطردا
واغتدى قلبي عليك سدى
آه من ماء ومن قبس ... بين طرفي والحشا جمعا
بأبي ريم إذا سفرا
أطلعت أزراره قمرا
فاحذروه كلما نظرا
فبألحاظ الجفون قسي ... أنا منها بعض من صرعا
أرتضيه جار أو عدلا
قد خلعت العذر والعذلا
إنما شوقي إليه فلا
كم وكم أشكو إلى اللعس ... ظمأي، لو أنه نفعا
ضل عبد الله بالحور
وبطرف فاتر النظر
حكمه في أنفس البشر
مثل حكم الصبح في الغلس ... إن تجلى نوره صدعا
شبهته بالرشا الأمم
فلعمري إنهم ظلموا
فتغنى من به السقم
أين ظبي القفر والكنس ... من غزال في الحشا رتعا
-47-

استخفني هذا بالطرب، وأرشفني رضاب الضرب، فاغتبقت من كاسه، وارتفقت بين ورده وآسه، وتفوقت خلفه، ونظمت خلفه، وقلت:
يا صبا مسكية النفس ... أنت قد جددت لي الولعا
كانت الأحشاء قد خمدت
وسيول الدمع قد جمدت
وأيادي الصبر قد حمدت
ثم لما سرت في الغلس ... بان صبري والسلو معا
كيف أحبابي، هل ادكروا
من به قد أودت الفكر
وشكوا بلواه أو شكروا
وهل العهد القديم نسي ... فالوفا والبعد ما اجتمعا
لي حبيبٌ لانَ ثم قسا
واحتمى بالصد واحترسا
فأراه كلما عبسا
مثل ليث الغاب مفترسي ... وهو ظبي في الحشا رتعا
بدر تم شعره غسق
وله من فرقه فلق
وكذا في خده شفق
نبل عينيه بغير قسي ... قد أصاب الصب فانصرعا
لست أنسى يوم زورته
حين حياني بطلعته
وسقاني راح ريقته
عسلا أجنيه من لعس ... بين ذاك الدر قد نبعا
ومهاة في الجمال رقت
ألفت تربا به علقت
طالما قالت وقد قلقت:
يا زويجي قد كثر هوسي ... في العشيق روح اطلبو وتعا
-48-
ومن ذلك موشحة لأبي الحسن علي بن عبد الغني الحصري، وهي:
من علق القرطا ... في أذن الشعرى
وألحف المرطا ... ألغصن النضرا
ألحسن مرجوم ... عندي ومأثوم
والطرف ظلوم ... والقلب مظلوم
وبأبي ريم ... يعشقه الريم
لم يأكل الخمطا ... ولا رعى السدرا
ولا درى الأرطى ... مذ سكن القصرا
يا قوم بي تياه ... لماه معسول
الهجر هجيراه ... والذنب محمول
يدري الذي يهواه ... أنه مقتول
أماتني عبطا ... وما اتقى الوزرا
لم أعرف الشرطا ... فكنت مغترا
قد همت في وسنان ... أسد الشرى يسبي
بلحظه الفتان ... في معرك الحرب
على الظبى سلطان ... بقدرة الرب
سبحان من أعطى ... جفونك السحرا
(1/19)

والقبض والبسطا ... والنهي والأمرا
علي ما أعدى ... سيوف عينيكا
كم أنب الأعدا ... بعذلهم فيكا
والحسن قد أبدى ... عذري بخدّيكا
بأحرف خطا ... لم تعرف الحبرا
أودعها نقطا ... بالمسك كي تقرا
ضن بإسعادي ... والشمس تحكيه
من بعد ميعاد ... أبدى الرضى فيه
وكان إنشادي ... خوف تجنيه
حبيبي قد أبطا ... من أمسك البدرا
عني قد أخطا ... واشغل السرا
-49-
شاقني هذا العمل، وساقني إلى أن أبلغ منه الأمل، فاقتعدت غارب الغربة، وسرت منه في أقفر تربة، وقلت، وبالله التوفيق:
حبي الذي أعطى ... جماله البدرا
وحسنه غطى ... عليه فاستذرى
سين من الدر ... في ميم مرجان
رضابها خمري ... حياة جثماني
أقول من فكري ... في ما سبى العاني
من جعل السمطا ... في حقه خمرا
والريق اسفنطا ... أفنى بها سكرا
ذو منظر أبهج ... من قمر تم
بحاجب أبلج ... كالقوس إذ يصمي
وناظر أدعج ... كم فيه من سهم
رمى فما أخطا ... مقاتلي جهرا
وما أرى أسطى ... منه ولا أضرى
في وجهه تغدو ... للوجد أسباب
وعنده تبدو ... للصب أوصاب
وذلك الخد ... للحسن محراب
والمسك قد خطا ... في جنبه سطرا
وصير النقطا ... شاماته الخضرا
لم أنس إذ أهدى ... بقربه النعمى
وجدد الودا ... وأبعد الهما
وأكمد الضدا ... وزارني لما
شق الدجى مرطا ... وأطلع الفجرا
كاللمة الشمطا ... أو لبة العذرا
شموس أكوابي ... في راحة البدر
وخيل إطرابي=إلى المدى تجري
فقل لأترابي ... في غفلة الدهر
من يقبل الشرطا ... لا يأمن الدهرا
فربما أخطا ... وأخمد الجمرا
وغادة كحلا ... تهيم في أغيد
وحسنه أحلى ... بقده الأملد
قالت وقد ولى ... وعيشها نكد
يا ابني ايش هي ذي السخطا ... دعنا نذوق مرا
عد إنها غلطا ... قد زرت في كرا
-50-
ومن ذلك موشحة لابن سهل الإسرائيلي، وهي:
يا لحظات للفتن ... في كرها أوفى نصيب
ترمي وكلي مقتل ... وكلها سهم مصيب
العذل للاحي مباح ... أما قبوله فلا
علقته وجه صباح ... ريق طلا عيني طلا
كالظبي ثغره أقاح ... مما ارتعاه في الفلا
يا ظبي خذ قلبي وطن ... فأنت في الأنس غريب
وارتع فدمعي سلسل ... ومهجتي مرعى خصيب
بين اللمى والحور ... منه الحياة والأجل
سقت رياض الخفر ... في خده ورد الخجل
غرسته بالنظر ... وأجتنيه بالأمل
في لحظه الساجي وسن ... أسهر أجفان الكئيب
والردف فيه ثقل ... خف له عقل اللبيب
أهدى لنا حر العتاب ... برد اللمى فالوجد قد
فلو لثمته لذاب ... من زفرتي ذاك البرد
ثم لوى جيد كعاب ... ما حليه إلا الغيد
في نزعة الظبي الأغن ... وهزة الغصن الرطيب
يجري لدمعي جدول ... فينثني منها قضيب
أأنت حورا أرسلك ... رضوان صدقا للخبر
قطعت القلوب لك ... وقيل: ما هذا بشر
قلبي جوى مضنى هلك ... بين التنائي والكدر
حبي تزكيه المحن ... أمر الهوى أمر عجيب
كأن عشقي مندل ... زاد بنار الهجر طيب
أغربت في الحسن البديع ... فصار دمعي مغربا
شمل الهوى عندي جميع ... وأدمعي أيدي سبا
فاصغ إلى عبد مطيع ... غنى لتعس الرقبا
هذا الرقيب ما اسواه بظن ... ايش لو أن كان الإنسان مريب
يا سيدي قم نعملو ... ذاك الذي ظن الرقيب
-51-
رنحت عطفي بأطرابها، وفعلت بي فعل أترابها، فأحببت أن أجري وراءها، وأجر في التوشيح رداءها، فقلت، وبالله التوفيق:
يا لفتة قد افتتن ... من أجلها الظبي الربيب
وقامة يعتقل ... منها القناة والقضيب
فجيده فات الظبا ... فأصبحت من جنده
(1/20)

كذاك أغصان الربى ... قد قدها بقده
والطرف مذ فاق الظبى ... وقفن عند حده
فلفتة الظبي الأغن ... وفتكة الغصن الرطيب
بطل عنها البطل ... وما نجا منها نجيب
ما فاتني في فتنتي ... ما ينتفي عن الهوى
فالدمع خد وجنتي ... والوجد قلبي قد كوى
جمعت لي يا محنتي ... بين الصدود والنوى
يا سيدي لا فرق إن ... أعرضت عني أو تغيب
المقت لي والمقتل ... هما قريب من قريب
قلت له: يا سالبي ... قتل المحب مأثمه
جد بالوفا لراغب ... يطلب منك مرحمه
فقال: لا، بحاجب ... أراه نون العظمه
وسن تحريم الوهن ... لضبه المضنى الكئيب
فالدمع منك يهمل ... والقلب يصلى باللهيب
لام عذولي ولحا ... قلب المعنى الواله
أخجلني وما استحى ... وزاد في تعذاله
فقلت: قلبي ما صحا ... بل هو في ضلاله
وما أنا كمن كمن ... بل محضري مثل المغيب
فليعذروا أو يعذلوا ... أنا من السلوى سليب
يهزا بأعطاف القنا ... إن مال أو تأودا
وحده البادي السنا ... لألاؤه توقدا
العفو منه إن رنا ... فكم حسام جردا
بمقلة قد اقترن ... بنصلها نصر عجيب
فإنها ما ترسل ... سهامها إلا تصيب
وغادة مثل المها ... رأت فتى مثل القمر
قد اشتهت لو ضمها ... فصد عنها ونفر
قالت وقد تيمها ... إذ لم تجد من مصطبر
يامي أبصري ذا إلي سكن ... بجنبنا حسنو غريب
ويلاه على من قبلو ... أو كان لها منو نصيب
-52-
ومما نظمته ولم أقصد به معارضة احد:
علي أضحى نوح الحمام ... إذا هتف
وفي أمسى بكا الغمام ... إذا ذرف
برح بي الوجد بل براني ... من السقام
وواصل السهد إذ جفاني ... طيب المنام
وراع قلبي من لا رعاني ... دون الأنام
هذا غريم من الغرام ... إذا رأف
قاد فؤادي بلا زمام ... إلى التلف
يا مانعي لذة الوصال ... لما احتجب
ومانحي ذلة الدلال ... بلا سبب
ميلك عني إلى الملال ... هو العجب
أما كفى لوعة الملام ... ممن جنف
وكلفة الوجد والهيام ... بعد الكلف
قال حبيبي، وذاك يكفي ... أهل العنا:
من أين للغصن مثل عطفي ... إذا انثنى
من أين للبدر مثل طرفي ... إذا رنا
يا خجلة الغصن من قوامي ... إذا انعطف
وحيرة البدر في التمام ... من الكلف
ومبسمي لؤلؤ ترقى ... في وصفه
منقح دره منقى ... في رصفه
ومذ حلا ريقه ورقا ... في رشفه
دب عذاري إلى التثامي ... فما رشف
وراعه الخد بالضرام ... حتى وقف
وغادة صبها تمالى ... في لمها
لما شفت داءه العضالا ... بضمها
أتى أبوها لها وقالا ... مثل أمها
والك قحيبه حتى تنامي ... مع ذا الطرف
لعب بعقلك هذا الحرامي ... شقف لقف
-53-
ومن ذلك ما قلته أيضا:
أبصرت غزلان رامه ... فكان جيدك أعجب
وذقت كاس المدامه ... فكان ريقك أعذب
وأبصر البدر طرفي ... فكان وجهك أحسن
وباشر الخز كفي ... فكان لمسك ألين
ونظم العقد رصفي ... فكان ثغرك أتقن
وقد سمعت الحمامه ... فكنت أشجى وأطرب
وقد شممت الكمامه ... فكان عرفك أطيب
يا ساخرا بالبرايا ... وساحرا بالجفون
وباسما عن ثنايا ... كعقد در مصون
وباعثا لي بلايا ... لقيتها بعيوني
غادرت طرفي غمامه ... بعبرتي يتصبب
والقلب زدت غرامه ... من أجل ذا يتلهب
قوامك اللدن يخطو ... فيعتري الغصن خجله
ولحظك العضب يسطو ... فيكتسي الليث ذله
وفوق خدك نقط ... خال له الجور خله
فكيف أرجو سلامه ... وجيش حسنك أوكب
والشعر مد ظلامه ... وفيه رشدي تغب
قد لذ فيك جناسي ... بين النوى والنواح
(1/21)

ونبت صدغيك آسي ... وليس تبرا جراحي
لأن ثغرك كاسي ... وراح ريقك راحي
سقى لجسمي سقامه ... ومد فيه وطنب
ولي نديم الندامه ... أغرى الجوى بي فأغرب
هواك دين ودنيا ... فكيف بالوصل تبخل
هذا علي بن يحيى ... بدر لمن قد تأمل
وحاز فضلا وعليا ... ومجده قد تكمل
وما اعترته سآمه ... في ماله حين ينهب
وفاق كعب بن مامه ... ] . . . . . . . . . . [
كم قد تجاوز ذنبا ... وكم عفا عن جرائم
وما تعاظم عجبا ... عن ستر رب العظائم
ورد من نم كذبا ... وقال ما لا يلائم
ولم تفده اللآمه ... شيئا وراح مخيب
وكم أزاح ظلامه ... ظلامها يتشعب
يشد للملك أزرا ... من غير مين وزور
وصدره ضم سرا ... فيه نظام الأمور
ورأيه إن تحرى ... كالصبح بادي السفور
ولو أعار كلامه ... للدر لما تثقب
لكان زاد نظامه ... محاسنا ليس تذهب
أقلامه في المهارق ... كم أبدعت من فنون
فتغتدي كالحدائق ... غب السحاب الهتون
ونثره العذب رائق ... سلافة الزرجون
ولو أماط لثامه ... لم يبق في الأفق غيهب
والبدر نال تمامه ... بل من سناه تحجب
وغادة تيمتني ... والهجر منها نصيبي
رأيتها في التثني ... كالغصن فوق الكثيب
قالت وقد آلمتني ... وأشمتت بي رقيبي
عاشق يريد لو كرامه ... لو كان جمالي مسيب
ما صار لو منو قلامه ... على ايش يكون مثل أشعب
-54-
ومن ذلك:
يا طلعة البدر في التمام ... ولفتة الشادن الربيب
قدك سمر الرماح فاضح
وهو بسكر الشباب طافح
وإنما الجفن منك جارح
لولاه كانت ورق الحمام ... غنت على غصنه الرطيب
برق ثناياك لي لموع
وريقه مسكر سريع
نكهته مسكها يضوع
ثلاثة رقن في نظام ... شمعي ومشمولتي وطيبي
ذو ناظر جفنه كحيل
صح على أنه عليل
وهو إذا ما رنا رسول
أرسله الحسن بالغرام ... وبالمنايا إلى القلوب
يقول لي سيد الملاح
صدغي وخدي والثغر ضاحي
كالآس والورد والأقاحي
ماس بها الغصن من قوامي ... وهزه الردف في كثيب
قد وفر السقم منه قسمي
فذاب جسمي وغاب رسمي
وسحب دمعي في الخد تهمي
فهي دوام على الدوام ... يقذفها القلب من قليب
وغادة تخجل البدورا
لكنها أسرفت فجورا
قالت وما راقبت غيورا
يا أمي تعالي أبصري مقامي ... كم فيه حريف لي تاتفرحي بي
-55-
ومن ذلك:
أجل إن طرف حبيبي أجل ... وإعراضه عن لقائي أجل
حبيب يحاكي بدور التمام
تغنى على القد منه الحمام
سقته دموعي صوب الغمام
إذا ما انثنى قده لم أسل ... غصون نقا خطرت أم أسل
غزال غزاني بسيف الجفا
وسيف الجفون الذي أرهفا
وعن حبه لم أجد مصرفا
ومنذ تعشقته لم أخل ... فؤادي بالود يوما أخل
غدا خده بالسنا مونقا
ومنه الرياض اكتست رونقا
وما قده غير غصن النقا
ولا ذلك الردف إلا جبل ... ومن صخره قلبه قد جبل
مليح ملي بسل القوى
وسلب النفوس بحكم الهوى
وإتلافها بالجوى والنوى
رأى القلب بالوجد فيه استقل ... ولو كان في الموت منه استقل
وهيفاء قد عشقت أهيفا
وكان لها في الهوى منصفا
تقول لمن لام أو عنفا
أنا حسني من موضعو ما ارتحل ... وشي ما خرج قط بل شي دخل
-56-
ومن ذلك ما جعلت خرجته خرجةً استعملها جماعة من الوشاحين بالأندلس وغيرهم، وهو:
جوى دخيل ... لا يستبين
فلو رآه الناس
قالوا خئون
حبيب قلبي ... إلف التجني
قد مل قربي ... ومال عني
يصبي ويسبي ... ] . . . . . . . . [
لما يميل ... تذوي الغصون
بقده الماس
أنا طعين
بي بدر ظلما ... لمن يشاهد
(1/22)

قد صد ظلما ... عما أراود
وصان طلما ... في الثغر بارد
والسلسبيل ... ريق مصون
حباب ذاك الكاس
در ثمين
حلو الشمايل ... بديع حسن
كالغصن مايل ... في روض حزن
يصمي المقاتل ... منه بجفن
سيف صقيل ... تلك العيون
تزيد عند الناس
منها الغبون
عطا كخشف ... وسنان ألمى
خطا بعطف ... ما فيه رحمى
سطا بطرف ... لم يخش إثما
خد أسيل ... والياسمين
مد عليه الآس
صدغ يزين
وجدي بتياه ... القد مايل
يطيب رياه ... في المحافل
أبدى محياه ... البدر كامل
شعر طويل ... دجى يقين
وإنما النبراس
ذلك الجبين
وذات حسن ... هامت بأغيد
زاد التجني ... منه على الحد
شدت بلحن ... إذ زاد في الصد
ليل طويل ... ولا معين
يا قلب بعض الناس
أما تلين
ومن ذلك قد نظم الشعراء من المتقدمين وأهل العصر، ومن الوشاحين وغيرهم في عروض:
أما ترى الشمس حلت الحملا ... وطاب وزن الزمان واعتدلا
فاشرب
-57-
وأكثر الناس في ذلك وغيروا توشيحه، فقلت أنا، وبالله الإعانة:
يا من أطال الملام والعذلا ... ما يرجع الصب عن هواه فلا
تتعب
قد كنت أقلعت عن محبته
ولم أخض فيه نار جفوته
حتى إذا سل سيف مقلته
رأيت قلبي لما دعاه إلى ... حسام أجفانه وقد قتلا
أقرب
أفدي حبيبا كالبدر طلعته
والصبح إن لاح فهو غرته
والمسك إن فاح فهو نكهته
وكم محياه قد محا وجلا ... عن صبه حين زاده وجلا
غيهب
ظبي تسل الجفون منه ظُبى
سما على الروض حسنه وربا
ألقد غصن والردف منه ربى
فاعجب لقد منه إذا اعتدلا ... من وجهه فوق بانة حملا
كوكب
الشعر منه حنادس الظلم
والفرق منه بوارق الديم
وخاله مسكة على ضرم
وحسنه بالعذار قد كملا ... لأنه فوق ورده نزلا
عقرب
له فم ما دنا إليه فم
وراح والريق راحه شم
وعن نجوم السماء يبتسم
في ثغره الأقحوان ما ذبلا ... كيف ومن رائق صفا وحلا
يشرب
-58-
ومن ذلك:
ريحان صدغك أخضر
وورد خدك أحمر
وريقك العذب كوثر
وما رأى الناس سكر ... نباته أقحوان
وما لحسنك حد
ولا لخالك ند
قد ضمه منك خد
كعنبر وسط مجمر ... له العذار دخان
والثغر قد فاح طيبا
والردف ماج كثيبا
والخصر مال قضيبا
والقد إن كان أسمر ... فالطرف منك سنان
شققت ثوب الشقيق
بلون خد شريق
كما حريق الرحيق
من برد ريق معطر ... في فيك أضحى يصان
وغادة قد تناهى
عذولها إذ لحاها
أضحت تنادي فتاها
خل القويويد يفشر ... وقم خدو في حرانو
-59-
ومن ذلك:
رشاقة القد ... وعطفه المياد
يروي عن الملد ... ما صح بالإسناد
يا غرة النجم ... وخطرة الغصن
وصاحب الحكم ... في دولة الحسن
ما آن للسقم ... أن يشتفي مني
أصبحت من وجدي ... شماتة الحساد
وصولة الصد ... ضلت لها الآساد
في ظلمة الشعر ... أضا صباح الفرق
وأنجم الثغر ... تبسمت كالبرق
ووجهه البدري ... أخفى شموس الشرق
من عرفه الندي ... إذا خطا أو ماد
طابت صبا نجد ... وضاع نشر الواد
خطا كغصن الآس ... يطوف بالكاس
وحليه إن ماس ... يحكيه وسواسي
كم أفرغت أكياس ... فيه لأكياس
وعقدة البند ... حلت تقى الزهاد
والخال في الخد ... قد فتن العباد
من لين عطفيه ... ألغصن في ذل
وسيف جفنيه ... للترك في الأصل
من ضيق عينيه ... يبخل بالوصل
بلحظه الهندي ... وصدغه الزراد
مقدر السرد ... يفتك في الأكباد
-60-
(1/23)

ومن ذلك:
أبدى الحبيب عذارا ... خلعت فيه عذاري
صدغاه كالنمل عاجا ... منه على خد عاج
والفرق كالصبح داجى ... والشعر كالليل داج
وصح عني وناجى ... بأنني غير ناج
كم لي أغطي أوارا ... من حرقتي وأواري
إذا تخطر بانا ... بأنه غصن بان
والطرف منه أبانا ... في الوصف عجز أبان
ولو أنال الأمانا ... في نيل بعض الأماني
ما كان صد وجارا ... وغادر الدمع جاري
عن المودة حالا ... وما تغير حالي
يرى عذابي حلالا ... وذاك عندي حلالي
بسيف جفنيه صالا ... وصرت للحرب صالي
كأنه الليث ثارا ... يسعى إلى أخذ ثار
في حبه القلب شاما ... والدمع في الخد هامي
كما على السهد داما ... طرفي وجفني دامي
لو أنه فيك ناما ... ما أصبح الشوق نامي
ولا رأى الصبر عارا ... والصب من ذاك عار
لو ثغره لك لاحا ... يا من غدا وهو لاح
وريقه العذب راحا ... ألذ من طعم راح
لكان قلبك صاحا ... بأنه غير صاح
وكان عقلك طارا ... ولم يعد وهو طاري
-61-
ومن ذلك في هذا الوزن لا القافية:
الحين لي فيك حانا ... وليس لي منك حاني
أفنيت بالهجر ناسا ... وأنت للوصل ناسي
ولاح صدغك آسا ... عساه للسقم آسي
وراح ثغرك كاسا ... والخد بالزهر كاسي
ماذا الذي قد دهانا ... من وردة كالدهان
صدغ تزرد لاما ... كأنها عطف لام
نال الذي كان راما ... بناظر منه رام
على هلاكي حاما ... وليس للصب حام
إلى الردى قد دعانا ... يا عاذلي دعاني
أذل عزي وراعا ... قلبي ولم يك راعي
ولو تلافى وراعى ... ما راعني وهو راعي
ولو أراد الخداعا ... لباه مني داعي
وكنت أصلح شانا ... من أمر دمعي وشاني
مضى اصطباري وبادا ... وضر حالي باد
وحال عني وحادا ... وسوق شوقي حاد
فهام قلبي ونادى ... في كل ربع وناد
لو كان للوجد عانى ... حنا على كل عان
أتى العذول وقالا ... إني لحبي قالي
رأى عذاريه سالا ... فظن أني سالي
إن كان عاد وحالا ... دعني فحالي حالي
عسى أنال الأمانا ... في حبه والأماني
(1/24)