Advertisement

حماسة الظرفاء



الكتاب: حماسة الظرفاء، من أشعار المحدثين والقدماء
المؤلف: عبد الله بن محمد بن يوسف العبدلكاني الزوزني (المتوفى: 431هـ)
[الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع] باب
الكبر والشَّيْب
قال أبو المِسْور الباهلي:
إذا ما الفَتَى بَلَغ الأربعينَ ... وجاوزَهَا عَدُّ حسابِهِ
ولم ينهَهُ الشَّيْبُ عن جهلِهِ ... وقد شابَ أكثرُ أترابِهِ
فلا تَرْجُ أنْ يرعَوِي بعدَها ... ولكنْ سيَجرِي على دابِهِ
كفَى بالمشيبِ له واعِظاً ... دليلاً على ما سيُمنَى بِهِ
وقال حاتم طيء:
عَرِيتُ عن الشَّبابِ وكنتُ غَضّاً ... كما يعرَى عن الورَقِ القضيبُ
ونُحْتُ على الشَّبابِ بدمعِ عيني ... فما نفَعَ البكاءُ ولا النَّحيبُ
ألا ليتَ الشَّبابَ يعودُ يوماً ... فأُخبِرَهُ بما فعَلَ المشيبُ
وقال عَتَّاب بن وَرقاء:
يا ذا الَّذي شابَ وما تابَ انْزجِرْ ... وارْدَعْ فُؤاداً قد أصرَّ وعتَا
حتَّى مَتَى لا تَرْعَوِي حتَّى مَتَى ... حسبُكَ بالشَّيْبِ نَذيراً وكَفَى
والشَّيْبُ والشّبَّانُ للموتِ ولا ... حيلةَ للموتِ إذا الموتُ أتَى
وقال بعض المعمرين:
الموتُ خيرٌ للفَتَى ... فليهلكَنْ وبِهِ بَقيَّهْ
من أنْ يُرَى الشَّيخَ البَجَا ... لَ وقد تهادَى بالعشيَّهْ
وَلَكُلّ ما نالَ الفَتَى ... قدْ نلتُهُ إلاَّ التَّحيَّهْ
وقال آخر:
إذا مَا المرءُ جرَّبَ ثمَّ مرَّتْ ... عليهِ الأربعونَ مع الرِّجالِ
فلمْ يلحقْ بصالِحهم فَدُعْه ... فليسَ بمفلحٍ أُخرى اللَّيالِي
وقال محمود الوَرَّاق:
لمَّا طوتْكَ الأربعونَ ... وآنَ للعُمْرِ انْقِراضُ
جادَ السَّواد بنفسه ... وبَدَا بعارضك البياضُ
ومَتَى أطفت بلذَّة ... فلعارض فيها اعتراضُ
أنشدني أبو نصر الوزير:
إذا بلَغَ السَّبعينَ عمرُكَ لم يكنْ ... لدائِك إلاَّ أنْ تَموتَ طبيبُ
وإنَّ امرءاً قد سارَ سبعينَ حجَّةً ... إلى منهلٍ من وردِهِ لَقريبُ
وقال منصور الفقيه رحمه الله:
قبيحٌ بمَنْ جَاوزَ الأربعينَ ... وشابَتْ ذَوائبهُ أنْ يَقولا
ألا شمسُ دَجْنٍ تجيدُ الغناءَ ... وبَدرٌ يُديرُ علينا الشَّمُولا
وقال ابن المعتزّ:
أَفِقْ عنكَ حانَتْ كبرةٌ ومَشيبُ ... أما للتُّقَى والحقِّ فيكَ نَصيبُ
وما الدَّهرُ إلاَّ مِثلُ يومٍ وليلةٍ ... وما الموتُ إلاَّ نازلٌ وقَريبُ
أيَا مَنْ لهُ في باطِنِ الأمرِ مَنزلٌ ... أتفرَحُ بالدُّنيا غريبُ
وقال ابن الرُّومي:
تُعيِّرني شَيبي بِبَيْضاءَ نابتَهْ ... لها لَوْعةٌ في مُضمرِ القلبِ ثابتَهْ
ومن عَجَبٍ أنِّي إذا رُمْتُ نَتْفَهَا ... نَتَفْتُ سِواها وهي تَضحكُ شَامتَهْ
وقال أيضاً:
لم أقلْ للشَّبابِ في كنَفِ الل ... هـ وفي سِتْره غَداةَ تَوَلى
زَائرٌ زارَنَا أقامَ قليلاً ... مَلأَ الصُّحْفَ بالذُّنوبِ وَوَلَّى
وقال أبو بكر القوهي:
الشَّيْبُ سرُّ المَوْتِ يَتْ ... لُوه لأخذِكَ جَهْرُهْ
سَهْمُ المنيَّةِ نافِذٌ ... فيمَنْ تَقَوَّسَ ظَهْرُهْ
وقال آخر:
أهْلاً وسهْلاً بضيفٍ نَزَلْ ... وأَسْتودِعُ اللهَ إلْفاً رَحَلْ
سَقَى اللهُ ذاكَ وهَذا معاً ... فنِعمَ المُولِّي ونعمَ البَدَلْ
فأمَّا المشيبُ فصُبحٌ بَدَا ... وأمَّا الشَّبابُ فَلَيْلٌ أَفَلْ
فولَّى الشَّبابُ كأَنْ لم يكنْ ... وحَلَّ المَشيبُ كأَنْ لمْ يَزَلْ
وقال أبو حنيفة الإمام رضي الله عنه:
لمَّا رأيتُ الشَّيْبَ قد نَزَلا ... وبانَ منِّي الشَّبابُ فارْتَحَلا
أحسَسْتُ بالموتِ فانكسرتُ لهُ ... وكلُّ حيٍّ يوافِقُ الأَجَلا
كمْ صاحبٍ لِي كانَ يُؤنسني ... أصبَحَ تحتَ التُّرابِ منجدلا
لا يسمعُ الصَّوتَ إن هتفتَ بِهِ ... ولا يَردُّ الجوابَ إن سُئِلا
لو خلد الله، فاعلموا، رجلاً ... لخلد الأنبياء والرسلا
وقال دويد النهدي، وكان من المعمرين:
اليومَ يُبْنَى لدُوَيْدٍ بيتُه
لو كانَ للدَّهرِ بِلًى أبليتُه
أو كانَ قِرْنِي واحداً كَفَيْتُه
يا رُبَّ نهبٍ صالحٍ حَويتُه
ورُبَّ خصمٍ صالحٍ أشجيتُه
(1/1)

ومِعْصَمٍ مخضّبٍ ثنيتُه
آخر:
أنتَ في الأربعينَ مِثلُكَ في العش ... رين قُلْ لي مَتَى يكونُ الفَلاحُ
وقال آخر:
يا خاضِبَ الشَّيْبِ بالحِنَّاءِ يستُرُه ... سَلِ الإلهَ سِتْراً من النَّارِ
لنْ يرحلَ الشَّيْبُ عن دارٍ يَحلُّ بها ... حتَّى يُرحّلَ صاحبَ الدَّارِ
وقال آخر:
قالتْ وقدْ راعها مَشيبي ... كنتَ ابنَ عَمٍّ فصِرْتَ عَمَّا
فقلتُ لا تَعْجَبِي لِهذا ... قد كنتِ بنتاً فصرتِ أُمَّا
أنشدني قاضي هراة وهو أبو القاسم الداودي:
ولي صاحِبٌ ما كنتُ أرضاهُ صاحباً ... فلمَّا التَقَينا كانَ أكرمَ صاحبِ
نَفِسْتُ عليه أنْ يُفارقَ بعدَما ... تمنَّيتُ دهراً أنْ يكونَ مُجانِبِي
وقال آخر يمدح الشَّيْب ويخفّفه علَى قلبه:
والشَّيْبُ إنْ يَحلُلْ فإنَّ وَرَاءهُ ... عُمْراً يكونُ خِلالَهُ مُتَنَفَّسُ
لم ينقِصْ منِّي المَشيبُ قُلامَةً ... الآنَ حينَ بَدَا أَلَبُّ وأكيسُ
آخر:
من عاشَ أخلقتِ الأيَّامُ جِدَّته ... وخانَهُ ثِقَتاهُ السَّمعُ والبَصَرُ
آخر:
وأرَى اللَّيالي مَا طوَتْ من قُوَّتي ... رَدَّتْه في عِظَتي وفي إفْهامِي
آخر:
ولَعمرُ الشَّبابِ ما كانَ عنِّي ... أوَّلَ الرَّاحلينَ مِن أصحابي
وقال أبو العتاهية:
نعى لك شرخ الشباب المشيب ... وناداك باسم سواك الخطوب
فكُنْ مستعدّاً لداعي الفَنَاء ... فإنَّ الَّذي هو آتٍ قريبُ
وقبلَكَ داوَى الطَّبيبُ المريضَ ... فعاشَ المريضُ وماتَ الطَّبيبُ
وقال أعرابيّ:
وخَريدةٍ مَسَحتْ عِذاري ... مَسَحتْ مَشيبي بالخِمارِ
قالتْ غُبار قدْ عَلا ... كَ فقلتُ مَاذا بالغبارِ
هَذا الَّذي نقَلَ الملو ... كَ إلى القبورِ من الدِّيارِ
وقال آخر، وكان الزهري يتمثَّل به:
ذَهَبَ الشَّبابُ فلا شَبابَ جُمانا ... وكأنَّ شَيئاً بَانَ لم يَكُ كَانَا
وطَويتُ كفِّي يا جُمَانَ علَى العَصَا ... وكَفَى جُمَانا بطَيِّها حَدَثانا
يا مَنْ لِشيخٍ قد تَخَدَّدَ لحمُهُ ... أفنَى ثَلاثَ عمائمٍ ألوانَا
وقال آخر:
أبنيَّ إنِّي قدْ كَبِرتُ ... وقدْ حنا قوسي الكِبرْ
وابْيَضَّ بعْدَ سَوادِهِ ... وجُثُوله منِّي الشَّعرْ
وتَقَاربَ الخطوُ البعيدُ ... وكَلَّ سَمْعِي والبَصَرْ
فعليكُمُ بالغَزْو في ... أعيانِ قومكمُ الغُرَرْ
والقَوْدِ للخيلِ العِتَاقِ ... إلى الثُّغُورِ بلا بَطَرْ
كَيْما تعيشوا مُوسِري ... ن من المُوَبَّلَة العَكَرْ
إنَّ الكريم بلا غنًى ... كالقَوسِ ليسَ لها وَتَرْ
أنشدني أبو الحسن بن محمد بن الحسن بن جعفر بن أبي روح الزوزني:
كَفَى الشَّيْبُ عاراً أنَّ صاحبَهُ إذا ... أردتَ له وَصْفاً به قلتَ أشيَبُ
وكانَ قياسُ الأصلِ أن قستَ شائِباً ... ولكنَّه من جُملةِ العَيْبِ يُحسَبُ
وقال عبد الله بن طاهر:
اشتَعَلَ الرَّأسُ فأخفيتُهُ ... وَكَلَّ مِقْراضِي فأَعْفَيْتُهُ
وكلَّما حاولتُ قَصّاً له ... وقلتُ في نفسي أفنيتُهُ
عاوَدَني مِن غدِهِ طالِعاً ... كأنَّني بالأمسِ ربَّيتُهُ
أَرومُ ما ليستْ له حِيلةٌ ... أعيانِيَ الشَّيْبُ فخلَّيتُهُ
وقال آخر:
نَذيرٌ ولكنَّه صامِتٌ ... وضيفٌ ولكنَّه شامِتُ
وإشْخاص موتٍ ولكنَّه ... إلى أنْ يُشَيِّعني ثابِتُ
وقال الخليل السجزي:
الشَّيْبُ أبهَى من الشَّبابِ ... فلا تُهَجّنْه بالخِضابِ
هَذا غرابٌ وذاكَ بَازٍ ... والبازُ أبهَى من الغُرابِ
قيل لعبَّاس بن مرداس بعدما شاخ: لو شربت النَّبيذ لزاد في قوَّتك، فقال: لا أُصبح رئيسَ قومي ثمَّ أُمسي وأنا سفيهُهم وأنشأ يقول:
رأيتُ النَّبيذَ يُذِلُّ العزيزَ ... ويَزدادُ فيه الوَضِيعُ انْفِساخَا
ويُوقِعُ في سَوْأةٍ شاربيهِ ... ويَكسُو التَّقيَّ النَّقيَّ اتّساخَا
فإنْ كانَ ذا جائزاً في الشَّبابِ ... فما العُذرُ فيه إذا المرءُ شاخَا
(1/2)

وقال يموت بن المزرع:
مَنْ شَابَ قد ماتَ وهو حيٌّ ... يَمشي علَى الأرضِ مشيَ هالِكْ
لو كانَ عمر الفَتَى حِساباً ... لكانَ في شيبهِ فَذَلِكْ
وقال آخر:
تعجبتْ دُرُّ من شَيبي فقلتُ لها ... لا تَعجبي قد يَلوحُ الفجرُ في السدَفِ
وزادَهَا عَجَباً أنْ رُحتُ في سَمَلٍ ... وما دَرَتْ دُرُّ أن الدّرَّ في الصَّدفِ
وقال آخر:
صدَّتْ نَوَارُ وأبدتْ زُهدَها فينا ... وصارَمَتْ بعدَما كانتْ تُصافينَا
واستنكرتْ لمَّتي بعدَ المشيبِ فما ... تَرعَى الوِصالَ وقد كانتْ تُراعينَا
فقلتُ لمَّا رأيتُ الهجرَ عزمتهَا ... ماذا دهاكِ وقد كنَّا مُحبِّينَا
وما أتيتُ بذنبٍ أَستحِقُّ بِهِ ... منكِ الجفاءَ فكمْ عنَّا تَصُدِّينا
قالتْ بلَى لكَ ذنبٌ لستُ أغفِرُهُ ... ولو تشفَّعْتَ فينا بالنَّبيِّينا
أليسَ قد لاحَ فيكَ الشَّيْبُ من كبرٍ ... وبانَ منكَ شبابٌ كانَ يُصبينَا
فما لنا فيكَ بعدَ الشَّيْبِ مِنْ أَرَبٍ ... فاقنَ الحياءَ وشمّر في المخِفينا
فقلتُ ويحكِ إنَّ الشَّيْبَ مكرمةٌ ... فيه الوَقارُ فما منهُ تَعيبينا
أنبِلْ بذي الشَّيْبِ في الإسلامِ صارَ بِهِ ... مُبَجَّلاً في عيونِ النَّاسِ مأمونَا
قالتْ وراءَكَ لا تكثر تَمَلُّقَنَا ... قَصِّر عنانَكَ كم بالقولِ تُؤذينَا
الشَّيْبُ أعظمُ ذنباً عندَ غانيةٍ ... من ابنِ ملجمَ عندَ الفاطميِّينَا
أنشدني محمد بن حامد بن أسد الخارجي:
تعجَّبتْ أنْ رأَتْ شيبي فقلتُ لها ... لا تَعجَبي مَنْ يَطُلْ عمرٌ بِهِ يَشِبُ
شيبُ الرِّجالِ لهمْ عِزٌّ ومكرمةٌ ... وشيبكُنَّ لكُنَّ الويلُ فانتحِبِي
لأن فينا وإن شيبٌ بَدَا أَرَبٌ ... وليس فيكُنَّ بعدَ الشَّيْبِ من أَرَبِ
وقال إسماعيل بن عبد الله العجلي:
لَهَفي علَى عُمُرٍ ضيَّعتُ أوَّلَه ... وغالَ آخرَه الأسقامُ والهرمُ
كمْ أقرَعُ السِّنَّ بعدَ الفَوْتِ من نَدَمٍ ... وأينَ يبلغُ قرعُ السِّنّ والنَّدَمُ
إلا تناهيتُ حينَ العمرُ مقتَبلٌ ... والنَّفسُ في جذوةٍ والعزّ محتدمُ
وقال آخر:
أعينيَّ هلاَّ تبكيانِ علَى عُمري ... تناثَر عُمْري من يدَيَّ ولا أدري
إذا كنتُ قد جاوزتُ ستينَ حجةً ... ولم أتأهَّبْ للمعادِ فما عُذْري
وقال محمد بن مناذر:
ماذا أُرجي وقد خلتْ ليَ ستونَ ... وستٌ سلبنَني مَجْلودي
حُلْنَ عنّي وقد تَعرّقْنَ لحمي ... وبريْنَ العظامَ بَريَ العودِ
وقال عوف بن محلّم:
قل للذي دانَ له المَشْرقانْ ... وألبسَ الأمْنَ به المغرِبانْ
إنَّ الثمانينَ وبلّغتَها ... قد أحوجتْ سَمعي إلى تَرْجُمانْ
وبدلتني بالشطاطِ الحَنا ... وكنتُ كالصَّعْدةِ تحتَ السِنانْ
وقاربَتْ منِّي خُطى لم تكنْ ... مُقارباتٍ وثَنتْ من عِنان
وأنشأتْ بيني وبينَ الورَى ... عَنانةً ليستْ بجنس العَنان
وبدّلتْني بَزَماعِ الفَتَى ... وعزمه عَزمَ الجَثوم الهِدان
وما بقي منِّي لمُستمتعٍ ... إلاَّ لساني وبحَسبي لسان
أدعو به الله وأثْني به ... علَى الأميرِ المُصْعَبيّ الهِجان
فهمْتُ بالأوطانِ شَوْقاً بها ... لا بالغواني أينَ منِّي الغَوان
فَقرّباني بأبي أنتُما ... من وطني قبلَ اصفرارِ البَنان
وقبلَ منعايَ إلى نسْوة ... أوطانُها حَرّانُ والرَّقَّتان
سقى قصورَ الشَّاذياخِ الحيا ... بعدَ وَداعي وقصورَ الميان
فكمْ وكمْ من دَعوةٍ لي بها ... أنْ تَتخطَّاها صُروفُ الزَّمان
وقال آخر في نصر بن دُهْمان المعمّر:
ونصرُ بنُ دُهْمانَ الهنيدةَ عاشَها ... وتسعينَ حولاً ثمَّ قُوم فانصاتا
وعادَ سوادُ الرأسِ بعدَ بياضه ... وراجَعه شرخُ الشَّبابِ الَّذي فاتا
فعاشَ بخيرٍ في نعيمٍ وغِبْطةٍ ... ولكنّه من بعدِ ذا كلِه ماتا
وقال رجل من قريش:
بانَ شَبابي لو تَعزّيْتُ ... واستُقبِلَ العيشُ وولّيْتُ
(1/3)

وقد أراني مُسْبلاً ذيلَه ... كم جِدّةٍ للعيشِ أبليْتُ
ثمَّ انقضَى عنّي بلَيّاتِه ... لمّا علَى الستينَ أربيْتُ
أُفٍ لدنيا عيشُها زائلٌ ... والحيُّ فيها واسمه الميْتُ
وقال آخر:
ما مَنْ أتَتْ من دونِ مولدِه ... خمسونَ بالمعذورِ في الجَهْلِ
وإذا انقضتْ خمسونَ عن رجلٍ ... هَجر الصِّبَى ومشى علَى رِسْلِ
ولو أنَّ أسرابَ الدموعِ ثَنتْ ... شرخَ الشَّبابِ علَى امرئٍ قبلي
لَهرقتُ من عينيَّ أربعةً ... وسَفحتُها سَجْلاً علَى سَجْلِ
وقال ابن الرومي:
فكّرتُ في خمسين عاماً مضتْ ... كانتْ أمامي ثمَّ خَلّفتُها
لو أنَّ عُمْري مائةٌ هَدّني ... تَذكُري أنِّي تَنصّفتُها
وقال ابن حازم:
لا حينَ صَبرٍ فخَلِ الدمعَ يَنهمِلُ ... فقدُ الشَّبابِ بيومِ المرءِ مُتَّصِلُ
سَقْياً ورعياً لأيام الشَّبابِ وإنْ ... لم يبقَ منكَ له رسْمٌ ولا طَلَلُ
بانَ الشَّبابُ ووَلَّى عنكَ باطلُه ... فليسَ يَحْسنُ منكَ اللهو والغَزلُ
لا تَكذبنَّ فما الدُّنيا بأجمعها ... من الشَّبابِ بيومٍ واحدٍ بَدَلُ
وقال آخر:
أليسَ عَجيباً بأنَّ الفَتَى ... يُصابُ ببعضِ الَّذي في يَديْهِ
فمِنْ بين باكٍ له موجعٍ ... ومن بينِ غادٍ مُعَزٍ إليهِ
ويَسْلُبه الشَّيْبُ شرخَ الشَّبابِ ... فليسَ يُعَزّيه خَلْقٌ عليهِ
أنشدني حمزة بن أسد العامري رحمه الله:
علَى كُلِّ حالٍ يأكلُ المرءُ زادَه ... علَى البُؤسِ والنَّعْماءِ والحَدثانِ
وكلُّ جديدٍ يا أُمَيْمَ إلى بِلًى ... وكلُّ امرئٍ يوماً يَصير إلى كانِ
وقال الهيثم بن عريان النخعيّ:
ألا أُنبّيكَ ... بآياتِ الكِبَرْ
تَقاربُ الخَطْوِ ... ونَقْصٌ في البَصرْ
وقِلّةُ الطَّعْم ... إذا الزَّادُ حَضرْ
وتركيَ الحسناءَ ... في وقت السَحَرْ
والنّاسُ يَبْلَونَ ... كما يَبْلى الشَجَرْ
وقال آخر:
جَنبي تَجافَى عن الوِسادِ ... خوفاً من الموتِ والمَعادِ
من خافَ من سَكرة المَنايا ... لم يَدْرِ ما لَذّةُ الرُّقادِ
قد بلغَ الزرعُ مُنْتهاهُ ... لا بُدَ للزرعِ من حَصادِ
أنشدني عبد الرحمن بن أبي شريح الأنصاري:
إذا رأيتَ صَلَعاً في الهامَهْ
وحَدَباً بعدَ اعتدالِ القامَهْ
وصار شعْرُ الرأسِ كالثَّغامَهْ
فايْأسْ عن الصّحة والسَّلامَهْ
وعُدْ إلى التَّوبةِ والنَّدامَهْ
فقدْ عليك قامَتْ القِيامَهْ
أنشدني عبد الملك بن محمد اليمامي:
أقولُ ونُوّار المَشيبِ بعارضي ... قد افْترَّ لي عن نابِ أسودَ سالخِ
أشَيْباً وحاجاتُ الفؤادِ كأنّما ... يَجيشُ بها في الصّدر مِرجلُ طابخِ
وما بيَ ريعانُ الشَّبابِ وإنْ هوَى ... به الشَّيْبُ عن طَودٍ من العِزّ باذخِ
ولكنّه قد قيل شَيخٌ وليس لي ... علَى حَدثانِ الدَّهْرِ صَبرُ المشايخِ
وقال آخر:
أصبحتُ لا يحمِل بعضي بعضا
كأنّما كان شبابي قرضا
فَأُدِّيَ القَرضُ وكان فَرضا
وصارَ غُصني ذاويا مُنْفَضّا
وقال آخر:
اللّيلُ شيّب والنَّهارُ كلاهُما ... رأسي بكثرة ما تدورُ رَحاهما
فأنا النذيرُ لذي الشبيبة منهما ... لا يأمننَّهما فإنّهما هُما
والشَّيْبُ إحدى الميتتين تَقدمَتْ ... أُولاهُما وتأخَّرتْ أُخراهُما
وقال آخر:
إذا الرجالُ ولَدتْ أولادُها
وضعُفت من كِبَر أجسادُها
وأصبحت أسقامُها تعتادُها
فهي زُروع قدْ دَنا حصادُها
وقال عبيد الله بن عبد الله بن طاهر:
ثِنتانِ لو بكَتِ الدماءُ عليهما ... عَينايَ حتَّى تُؤذِنا بذَهابِ
لم تبلُغا المِعْشارَ من حَقيهما ... فقْدُ الشَّبابِ وفرقةُ الأحبابِ
وقال آخر:
بكيتُ علَى شبابٍ قد تولَّى ... فيا ليتَ الشَّبابَ لنا يعودُ
فلو كانَ الشَّباب يُباعُ بَيْعاً ... لأعطيتُ المُبايعَ ما يُريدُ
(1/4)

ولكنَّ الشَّبابَ إذا تولَّى ... علَى شَرفٍ فمطلبُه شَديدُ
وقال الحارث بن حبيب الأزدي:
ألا هلْ شَبابٌ يُشترَى برغيبِ ... يدُلُّ عليه الحارثَ بنَ حبيبِ
فَمن لِسوادٌ الرَّأسِ بعد بياضِهِ ... ومن لاعتدالِ الظَّهرِ بعدَ دَبيبِ
وقال أبو علي المهراني:
أبعدَ ستِّينَ من عُمري أُؤملُ أن ... أنالَ ما لمْ أنلهُ في ثَلاثينا
مَنْ أخطَأتْهُ الأخاطِي في شَبيبته ... ورَامَهَا لم يَنَلْها في المُسنِّينا
وقال بعض العلماء:
ألا فامهدْ لنفسكَ قبلَ موتٍ ... فإنَّ الشَّيْبَ تَمهيدُ الحِمامِ
وقدْ جدَّ الرَّحيلُ فكنْ مُجِدّاً ... لحطِّ الرَّحلِ في دار المقامِ
وكان هشام بن عبد الملك يتمثَّل:
قد كنتُ أبكي من البيضاءِ أُبصِرُها ... في شعرِ رأسِي فقد أقررتُ بالبَلَقِ
فاليومَ حينَ عَلاني الشَّيْبُ وَدَّعني ... ما كنتُ ألتَذُّ من عيشٍ ومن خُلُقِ
وقال آخر:
قد شابَ رأسُكَ وانْطَوَى ثوبُ الصِّبى ... وأراكَ غِرّاً في البَطالةِ تلعَبُ
قال الشَّبابُ لعلَّنا في شَيبنَا ... نَدَعُ الذّنوبَ فما يقولُ الأشيبُ
أنشدني قاضي سجستان:
غَدَا بُنَيَّ وراحَ قبلي ... يلبسُ ما قدْ خلعتُ عنِّي
فسرَّني ما رأيتُ منهُ ... وسَاءَني ما رأيتُ منِّي
وقال رؤبة:
قالت سُلَيْمَى ... والكبيرُ يصلَعُ
ما رأسُ ذا ... إلاَّ جَبينٌ أجمَعُ
وقال آخر:
في الشَّيْبِ عافيةٌ ما لم يكُنْ صَلَعُ ... فإنَّ ذاكَ وذَا بلوَى إذا اجتمَعَا
لونُ المشيبِ إذا ما شئتَ يستُرُهُ ... لونُ الخِضابِ فماذا يستُرُ الصَّلَعَا
وقال الحسن بن أحمد المهراني الإمام:
تنْعَى إليَّ بُنَيَّتي نَفسِي ... ودَّعْتُ يومَ وِلادِها أُنْسِي
أيقنتُ أنِّي بعدَما بلغتْ ... مُترحِّلٌ عنها إلى رَمْسِي
أنا أمْسُها وبُنيَّتي يَومِي ... فمتى يعودُ ليومِها أمسِي
أنشدني والدي رحمه الله:
اعلمْ هَداكَ اللهُ يا ابنَ الحارثَهْ
أنَّ العَصَا للشَّيخ رِجلٌ ثالثَهْ
وقال حميد بن ثور:
أرَى بَصَرِي قد رابَني بعدَ صِحَّةٍ ... وحسبُكَ داءً أنْ تَصِحَّ وتسلَمَا
ولن يلبثَ العصرانِ يومٌ وليلةٌ ... إذا قَصَدا أن يُدركا ما تيمَّمَا
وقال آخر:
كانتْ قَنَاتي لا تَلينُ لغامزٍ ... فَالأَنها الإصباحُ والإمساءُ
ودعوتُ ربِّي بالسَّلامةِ جاهِداً ... لِيُصحني فإذا السَّلامةُ داءُ
وفي نحوه لآخر:
يُريدُ الفَتَى طولَ السَّلامةِ جاهداً ... فكيفَ يُرَى طولَ السَّلامةِ يفعَلُ
وقال ابن المعتزّ:
صدَّتْ شَريرُ وأزمعتْ هَجْرِي ... وصَفَتْ ضَمائرها إلى الغدرِ
قالتْ كَبِرْتَ وشِبتَ قلتُ لها ... هذا غُبارُ وقائعِ الدَّهرِ
لابن الرُّومي:
يا ابنَ عشرينَ لا تغَرَّنَ بالدَّهرِ ... فقد تُكسَرُ الغصونُ الرِّطابُ
يا مَن استكملَ الثَّلاثينَ ما أسْ ... رعَ ما يُستردُّ منكَ الشَّبابُ
يا أخا الأربعينَ فقد نزَلَ الشَّيْ ... بُ وما بعدَ ذاكَ إلاَّ الذَّهابُ
يا ابنَ خمسينَ عَزِّ نفسكَ بالصَّبْ ... رِ فلا يُرجعُ الشَّبابَ الخضابُ
يا ابنَ ستِّينَ قد توفيتَ عُمْ ... رينِ وما إنْ أقلعتَ عمَّا يُعابُ
يا ابنَ سبعينَ توَّبَتْكَ اللَّيالي ... أفلا تُبْتَ حينَ فيك مَتَابُ
يا مَن استنفَدَ الثَّمانينَ عُمِّرْ ... تَ وماتَ الإخوانُ والأصحابُ
فزيد فيه:
يا ابنَ تسعينَ قد أعلَّكَ جسمٌ ... واهِنٌ أيْره وعقلٌ مُصابُ
ولقلَّ الَّذي يعيشُ فَيحصِي ... عشرَ إلفٍ من عُمْرِهِ الحُسَّابُ
وقال آخر:
ألن تَرَ أنَّ الدَّهرَ يومٌ وليلةٌ ... يَحُولانِ من سبْتٍ عليك إلى سَبْتِ
فقُلْ لجديدِ العُمْرِ لا بدَّ من بِلًى ... وقلْ لاجتماعِ الشَّملِ لا بدَّ من شَتِّ
وقال آخر:
بانَ الشَّبابُ فودِّعاهُ حَميدا ... هل ما تَرَى خَلَقاً يَعودُ جَديدَا
وقال آخر:
(1/5)

أَقْصِرْ فإنَّ المنايا ... لها ببابكَ نَوْبَه
إنْ لمْ تَتُبْ بعدَ شيبٍ ... فليسَ في القبرِ تَوْبَه
وقال آخر:
ما لكَ في الجهلِ من عَذيرِ ... وقد توسَّمْتَ بالقَتِيرِ
خلت ثلاثونَ بعد عَشْر ... وتَابعاتٌ من الشُّهورِ
أحدثْنَ بعدَ الضَّلالِ رُشْداً ... وما عَمي القلب كالبصيرِ
أنشدني أبو الشريف البسطامي لنفسه:
شيبُ الفَتَى آخر عُمْر الفَتَى ... وإنْ تَمادَى بالفَتَى عُمْرُهُ
شَبابُهُ أخِرُه شَيبُه ... وشَيبُه أخرُه قبرُهُ
وقال أبو الحسن المدني:
فهلْ تَرَى بعدَ المشيبِ والصَّلَعْ
لابنِ ثلاثينَ وعشرٍ من طَمَعْ
يرقَعُ والدَّهرُ يُفَرِّي ما رَقَعْ
فَهَلْ تَرَى يُغني الحِذارُ والجَزَعْ
إذا الفَتَى عايَنَ شيئاً قدْ طَلَعْ
كأنَّما عايَنَ هَوْلُ المُطَّلَعْ
وقال أبو الحسن العبدلكاني:
أناخَ جيشُ المشيبِ مقتدِرَا ... علَى شبابي فمرَّ منكسِرَا
ليلٌ حبيبٌ إليَّ رؤيتُه ... مَضَى وصبحٌ كرِهْتُه ظَهَرا
كأنَّه واخِزٌ بطلعته ... في القلبِ منِّي بكفِّه إبَرَا
نذيرُ موتٍ أتَى ليُنذرني ... بقربهِ لوْ ظَلِلْتُ مُعتَبِرا
أستغفرُ الله ما حييتُ فقدْ ... جاءَ رسولُ الحِمام مبتَكِرا
آخر:
يا صلعةً لأبي حفصٍ مُمَرَّدةً ... كأنَّ ساحَتَها مِرآةُ فولاذِ
أنشدني رئيس الكتبة بالحضرة أبو نصر منصور بن مشكان:
قالَ السّلاميُّ وَهَتْ قوَّتي ... فصِرتُ مثلَ الفرخِ إذْ يلقُطُ
فأسودٌ يَبْيَضُّ في عارِضي ... وأبيضٌ في الفم لي يسقُطُ
وقال آخر:
أحالَ الشَّبابُ عليه المشيبا ... ودَبَّ الزَّمَانُ إليه دَبيبا
وأنكره البيضُ بعدَ البياضِ ... فأصبحَ بين الغواني غريبا
وقال علي بن الجهم:
وعظته الكأسُ إذ ارتعَهَا ... وأرتْهُ الشَّيْبَ فيها والصَّلَعْ
زَجرتْهُ فانتَهَى عنها ولو ... غيرُها يردَعُ عنها ما ارتَدَعْ
وقال علقمة بن عبدة الفحل:
فإنْ تسألوني بالنِّساءِ فإنَّني ... عليمٌ بأدواءِ النِّساءِ طبيبُ
يُرِدْنَ ثراءَ المالِ حيثُ علمنَهُ ... وشرخُ الشَّبابِ عندهُنَّ عجيبُ
إذا شابَ رأسُ المرءِ أو قلَّ مالهُ ... فليسَ له في وُدِّهنَّ نصيبُ
وقال آخر:
ألستَ تَرَى شَيباً برأسيَ شاملاً ... وَنَتْ حيلتِي عنه وضاقَ به ذَرعِي
كأنَّ المقاريضَ الَّتي يَعتورْنَه ... مناقيرُ طيرٍ تَنتقي سنبل الزَّرْعِ
آخر:
فأنتَ تَقرضها والله يُنْبِتُها ... وهلْ يقومُ لأمر الله مِقْراضُ
آخر:
وأرَى الغَواني لا يُواصلنَ امرءاً ... فَقَدَ الشَّبابَ وقد يصلْنَ الأمْرَدَا
آخر:
أحلَى الرِّجالِ من النِّساءِ مَواقعاً ... مَنْ كانَ أشبههُم بهنَّ خُدُودَا
وقال البحتري:
كواكبُ شيبٍ علقْنَ الصِّبَا ... فقلَّلْنَ من حُسنهِ ما كَثُرْ
وإنِّي وجدتُ فلا تكذبَنْ ... سوادَ الهَوَى في بياض الشَّعَرْ
ولا بدَّ من تركِ إحدَى ... اثْنَتَيْن إمَّا الشَّباب وإمَّا العُمُرْ
وقال أبو تمام:
أرَى الشَّيْبَ مُختَطّاً بفَوْدَيَّ خِطَّة ... طريقُ الرَّدَى منها إلى النَّفس مَهْيَعُ
هو الزَّوْرُ يُجْفَى والمعاشرُ يُجْتَوَى ... وذو الإلفِ يُقْلَى والجديدُ يُرقَّعُ
ونحن نُزجِّيه علَى الكُرة والرِّضَا ... وأنفُ الفَتَى من وجهِهِ وهو أجدَعُ
وقال لبيد:
ولقدْ سئمتُ من الحياةِ وطولِها ... وسؤالِ هذا النَّاسِ كيفَ لبيدُ
وبَقيت سبتاً قبل مجرى داحِس ... لو كانَ للنَّفسِ اللَّجوجِ خلودُ
وقال زهير:
سئمتُ تكاليفَ الحياةِ ومن يعِشْ ... ثمانينَ حولاً لا أبا لَكَ يَسْأَمِ
رأيتُ المنايا خبطَ عشواءٍ من تُصبْ ... تُمتْهُ ومن تُخطِئ يُعمّر فيهرَمِ
ومن لا يذُدْ عن حوضِهِ بسلاحِهِ ... يُهَدَّمِ ومن لا يَظلم النَّاسَ يُظلَمِ
ومهما تكنْ عند امرئٍ من خَليقَة ... ولو خالَهَا تَخفى علَى النَّاس تُعْلمِ
(1/6)

ومن لا يُصانع في أُمورٍ كثيرةٍ ... يُضرسْ بأنيابٍ ويُوطَأ بمنسِمِ
ومن يَغتربْ يحسِبْ عدوّاً صديقَهُ ... ومن لا يُكرّم نفسه لا يكرَّمِ
ومن يجعلِ المعروفَ من دونِ عِرضه ... يَفِرْه ومن لا يتَّقي الشّتم يُشتَمِ
لسانُ الفَتَى نصفٌ ونصفٌ فؤاده ... فلم يبقَ إلاَّ صورةُ اللَّحمِ والدَّمِ
وكائنْ تَرَى من صامت لكَ معجب ... زيادتهُ أو نقصُهُ في التَّكلُّمِ
وأعلمُ ما في اليومِ والأمسِ قبلَهُ ... ولكنَّني عن علمِ ما في غدٍ عَمِي
ومن يَكُ ذا فضلٍ فَيَبخلْ بفضلِهِ ... علَى قومِهِ يُسْتغنَ عنهُ ويُذمَمِ
ومَن لمْ يزلْ يستحملُ النَّاسَ نفسَهُ ... ولا يُغْنِها يوماً من الدَّهر يُسْأمِ
ومنْ هابَ أسبابَ المنايا ينلنَهُ ... ولو رامَ أسبابَ السَّماءِ بسلّمِ
آخر:
والشَّيْبُ يبرُقُ في الشَّبابِ كأنَّه ... ليلٌ يَصيحُ بجانبيهِ نَهَارُ
آخر:
وَدِدْتُ بياضَ السَّيف يوم لقينني ... مكانَ بيضَ الشَّيْبِ لاحَ بمَفْرِقِي
أخبرني أبو بكر الإصلاحي، قال: أنشدنا أبو بكر العلاف لنفسه في تمنِّي الشَّيْب وكان مُخلَداً:
إلامَ وفيمَ يَظلمُنِي شَبابِي ... ويُلبِسُ لمَّتي حَلَكَ الغُرابِ
فيا ابنَ المعتلينَ علَى البَرَايا ... بعلياءِ النُّبوَّةِ والكتابِ
أبِنْ هل من دواءٍ مُسْتجادٍ ... لديكم أو دعاءٍ مستجابِ
لأبدِلَ من سوادِ اللَّيلِ صُبْحاً ... يُضيءُ وادْهِماماً باشْهِبابِ
فكافورُ المشيبِ لديَّ أحلَى ... وفي العينينِ من مِسْكِ الشَّبابِ
وقال آخر:
كأنَّ الشَّيْبَ والحَدَثانَ جَرْياً ... إلى نفسِ الفَتَى فرسَا سباقِ
كأنَّ بني أميَّة لم يكونُوا ... ملوكاً بالحجازِ ولا العراقِ
فما الدُّنيا بباقيةٍ لحيٍّ ... وما حيٌّ إلى الدُّنيا بباقِ
وقال الأسود بن يعفر:
ومن العجائبِ لا أبا لَكَ أنَّني ... ضُربتْ عليَّ الأرضُ بالأسدادِ
لا أهتَدِي فيها لمَدفعِ تَلْعَةٍ ... بينَ العراقِ وبينَ أرضِ مُرادِ
وقال علي بن القاسم الخوافي صاحب المختصر من العين:
شاعَ في عارِضَيَّ هذا المشيبُ ... فهوَ الموتُ والفراقُ قريبُ
كلّ يومٍ للموتِ منِّي نصيبٌ ... وسهامٌ أرمِي بها وتُصيبُ
وتفانَى أحبَّتِي ولِدَاتِي ... والبَلايا مع الرَّزايا تَنوبُ
كلّ يومٍ يُنْعَى إليَّ رفيقٌ ... أو قريبٌ أُحبُّهُ أو حبيبُ
وكأنَّ الفَناءَ صُبَّ عليهم ... فهُمُ في التُّرابِ مُرْدٌ وشِيبُ
وقال آخر:
أصبحتُ لا أحمِلُ السِّلاحَ ولا ... أملِكُ رأسَ البعيرِ إنْ نَفَرَا
والذِّئبُ أخشاهُ إنْ خلوتُ بِهِ ... وحدِي وأخشَى الرِّياحَ والمَطَرا
من بعدِ ما قوَّةٍ أُسَرُّ بها ... أصبحتُ شيخاً أُعالجُ الكِبَرَا
وقال الحسن بن هانئ:
قالوا كبِرْتَ فقلتُ لم تكبرْ يدِي ... من أنْ تخِفَّ إلى فمِي بالكاسِ
وإذا عددتُ سِنِّي كم هيَ لم أجدْ ... للشَّيبِ عُذراً في الحلولِ براسِي
فإذا نزعتَ عن الغوايةِ فليكُنْ ... لله ذاكَ النَّزْعُ لا للنَّاسِ
آخر:
قالوا: أنينُكَ طولَ ليلِي يُسْهِرُنا ... فما الَّذي تشتَكِي قلتُ الثَّمانينا
أنشدني إبراهيم بن علي الطيفوري:
وقالوا ما أشابَكَ قبلَ وقتٍ ... فقلتُ هوًى وهجرٌ واكتِئابُ
ولو أنَّ الغرابَ اهتمَّ همِّي ... وفكَّرَ فكرِتي شابَ الغُرابُ
وقال آخر:
كَرِهْتُ شيبي وكرهٌ أنْ يُفارِقَني ... أعْجِبْ بشيءٍ علَى البغضاءِ مَوْدُودُ
أمَّا الشَّبابُ فمفقودٌ لهُ بَدَلٌ ... والشَّيْبُ يذهبُ مفقوداً بمفقودِ
وقال آخر:
عَجَباً للشَّبابِ كيفَ تولَّى ... ولثوبِ المشيبِ أيّ لِباسِ
ليسَ جُودُ الجوادِ فَضْل مالٍ ... إنَّما الجودُ للمقِلِّ المُواسِي
وقال بشر بن الحارث:
شَيبٌ يلوحُ كأنَّما نَفَضَتْ ... زَغَباً عليهِ حمائمٌ بُلْقُ
ما كنتُ أفسُقُ والشَّبابُ أخي ... أفحينَ شِبْتُ يجوزُ لي فُسْقُ
(1/7)

وقال أبو نخيلة:
رأتْ قَميصِي قد تَفَرَّى عن يَدِي
وعنْ ذِراعيَّ وعنْ مُقَلَّدِي
تَفرِي الجَفْن عن المُهَنَّدِ
وقدْ عَلَتْنِي ذُرْأةٌ بادِي بَدِي
وَرَثْيَةٌ تَنهضُ في تَشَدُّدِ
وصارَ للفحلِ لِسانِي ويَدِي
وقال منصور الفقيه:
فكُنْ إذا الشَّيْبُ أتَى ... منِ الرَّدَى علَى وَجَلْ
أنشدني محمد بن عبد الكريم الكاتب لإسحاق بن إبراهيم الموصلي:
سلامٌ علَى سَيْرِ القِلاصِ ما الرَّكبِ ... وَوَصْلِ الغَواني والمُدامَةِ والشُّربِ
سلامُ امرئٍ لم يبقَ منهُ بقيَّةٌ ... سوَى نظرِ العينينِ أو شهوةِ القلبِ
لعمرِي لقدْ حُلِّئْتُ عن منهلِ الصِّبا ... لقد كنتُ وَرَّاداً لمشْرَعِهِ العذبِ
لياليَ أمشي بينَ بُردَيَّ لاهيَا ... أمِيسُ كغصنِ البانَةِ الناعِمِ الرَّطْبِ
وقال آخر:
رحَلَ الشَّبابُ مُوَلّياً ... مَا إنْ أقامَ ولا وَقَفْ
كانَ الشَّبابُ كمُرْسَلٍ ... أدَّى الرِّسالَةَ وانصرَفْ
أنشدني أبو القاسم النعماني للخوارزمي:
ذَهَبَ الشَّبيبةُ والحَبيبةُ فانْبَرَى ... دَمْعانِ في الخدَّينِ يزدَحِمانِ
مَا أنصفَتْني الحادثاتُ رَمَيْنَنِي ... بمُودِّعَيْنِ وليسَ لي قلبانِ
وقال أعشى قيس:
فإنْ يُمْسِ عِندي الشَّيْبُ والهمُّ ... والعَشَى فقدْ بِنَّ منِّي والسِّلامُ تُفَلَّقُ
بأشجَعَ أخَّاذٍ علَى الدَّهرِ حكمُهُ ... فمنْ أيّ مَا تَجني الحوادثُ أفرَقُ
وقال آخر:
قدْ ينفَعُ الأدبُ الأحداثَ في مَهَلٍ ... وليسَ ينفعُ بعدَ الكَبْرَةِ الأدبُ
إنَّ الغُضونَ إذا قَوَّمتها اعتدَلَتْ ... ولا تَلينُ إذا قَوَّمتها الخَشَبُ
وقال آخر:
وإنَّ سَفَاه الشَّيخِ لا حِلْمَ بعده ... ويُبدِي الفَتَى بعد السَّفاهِ تَحلُّما
لِذِي الحِلْم قبلَ اليومِ مَا تُقرعُ ... العَصَا وما عُلِّمَ الإنسانُ إلاَّ ليَعلما
وقال صالح بن عبد القدوس:
والشَّيخُ لا يترُكُ أخلاقَهُ ... حتَّى يُوارَى في ثَرَى رمسِهِ
إذا ارعَوَى عادَ إلى جهلِهِ ... كذِي الضّنَى عادَ إلى نكسِهِ
وإنَّ مَنْ أدَّبتَهُ في الصِّبا ... كالعُودِ يُسقَى الماءَ في غرسِهِ
حتَّى تَراهُ مُورِقاً ناضراً ... بعدَ الَّذي أبصرتَ من يبسِهِ
وقال لبيد:
بَلِينا وما تبلَى النُّجومُ الطَّوالعُ ... وتبقَى الجبالُ بعدنا والمصانِعُ
وما المرءُ إلاَّ كالشِّهابِ وضوئِهِ ... يحُورُ رَماداً بعد إذ هو ساطعُ
وما النَّاسُ إلاَّ كالدِّيارِ وأهلِها ... بها يومَ حَلُّوها وغَدواً بلاقعُ
وما المالُ والأهلونَ إلاَّ وديعةٌ ... ولا بدَّ يوماً أنْ تُردَّ الودائعُ
وما النَّاسُ إلاَّ عاملانِ فعاملٌ ... يُتبّرُ ما يبنِي وآخرُ رافعُ
فمنهم سعيدٌ آخذٌ لنصيبِهِ ... ومنهم شقيٌّ بالمعيشةِ قانعُ
أليسَ ورائي إنْ تراختْ منِّيَّتِي ... ركوبُ العَصَا تحْنَى عليها الأصابعُ
أخبّر أخبارَ القرونِ الَّتي مَضَتْ ... أَدبّ كأنّي كلّما قمتُ راكِعُ
وقال أبو يعلى حمزة بن أحمد الفقيه من مقصورته:
ذُو الشَّيْبِ عمَّا يَشتهيهِ عاجزٌ ... لا مُقصِرٌ فأيّ خيرٍ يُرتَجَى
مَنْ كفَّ عن آثامِهِ ضَرورةً ... فلا صَحَا ولا انتَهَى ولا ارْعَوَى
الدّينُ رأسُ المالِ فاستمسِكْ بِهِ ... فمن نَجَا بدِينهِ فقدْ نَجَا
وقال آخر:
تاركَكَ الذَّنبُ فتاركتَهُ ... بالجسمِ والشَّهوةُ في القلبِ
تركتَهُ إذْ لمْ تجدْ حِيلةً ... وقلتَ قد تُبْتُ إلى الرّبِّ
فالحمدُ للذّنبِ علَى تركِهِ ... لا لَكَ في ترككَ للذّنْبِ
دخل أرطأة بن سهيّة علَى عبد الملك بن مروان وقد كبر، فقال: أنشدني، فأنشده قوله:
رأيتُ المرءَ تأكلُهُ اللَّيالي ... كأكلِ الأرض ساقِطةَ الحديدِ
وما تبقي المنيَّةُ حينَ تأتِي ... علَى نفسِ ابنِ آدمَ من مَزيدِ
وأعلمُ أنَّها ستعودُ حتَّى ... تُوفِّي نَذْرَهَا بأبي الوليدِ
(1/8)

فارتعد عبد الملك، فقال: يا أمير المؤمنين، لا تُرَعْ فإنِّي أكنى بأبي الوليد، فقال: كلانا للمنيَّة بمرصد.
وقال سليمان بن يزيد العدوي:
حلَّ المشيبُ حلولَ غيرِ مزايل ... ومَضَى الشَّبابُ مولِّياً لا يرجِعُ
وخلعتَ عنكَ إلى المشيبِ رداءهُ ... والشَّيْبُ عنك رداءه لا يخلَعُ
عمَّا قليلٍ ما تدِبُّ علَى العَصَا ... إنْ لمْ يعاجِلْكَ الأجلُّ الأقطَعُ
حتَّى كأنَّكَ في النُّهوضِ تَحامُلاً ... بعدَ اعتدالٍ من قناتكَ تركَعُ
أحلامُ نوْمٍ أوْ كظِلٍّ زائلٍ ... إنَّ اللَّبيبَ بمثلها لا يُخدَعُ
وقال آخر:
بكيتُ لقربِ الأجلْ ... وبعدَ فواتِ الأمَلْ
ووافدِ شيبٍ طَرَا ... بعَقْبِ شبابٍ رَحَلْ
شبابٌ كأنْ لم يكُنْ ... وشيبٌ كأنْ لم يَزَلْ
وقال محمود الوراق:
يَهوَى البقاءَ وإنْ مُدَّ البقاءُ لهُ ... وأدركتْ نفسُهُ فيها أمانيها
أبقَى البقاءُ لها في نفسِهِ شُغُلاً ... لمَا يَرَى من تصاريفِ البلَى فيها
وقال أيضاً:
يحبُّ الفَتَى طولَ البقاءِ وإنَّه ... علَى ثقةٍ أنَّ البقاءَ فَنَاءُ
زيادتُهُ في العمرِ نَقْصُ حياتِهِ ... وليسَ علَى طولِ البقاءِ نَمَاءُ
وله:
يا خاضبَ الشَّيْبِ الَّذي ... في كلِّ ثالثةٍ يَعودُ
إنَّ النُّصُولُ إذا بَدَا ... فكأنَّه شيبٌ جديدُ
وله:
قائدُ الغفلةِ الأمَلْ ... والهَوَى قائدُ الزَّلَلْ
قتلَ الجهلُ أهلَهُ ... ونَجَا كلُّ مَنْ عَقَلْ
أيُّها المبتَنِي الحُصُو ... نَ وقد شابَ واكتَهَلْ
أخبَرَ الشَّيْبُ عنكَ أ ... نَّكَ في أخِرِ الأجَلْ
آخر:
يا ميِّتاً في كلِّ يومٍ بعضُهُ ... سَدِّدْ فتوشِكُ أن تموتَ جميعَا
آخر:
يشيبُ لِئامُ النَّاسِ في نقرة القَنَا ... وشيبُ كرامِ النَّاسِ يعلُو المفارِقا
أنشدني الحسن بن محمد الخريمي:
أراني في انْتِقاصٍ كلَّ يومٍ ... ولا يبقَى علَى النُّقصانِ شيءُ
طوَى الفتيان ما نَشَراهُ منِّي ... فأخلَقَ جَدَّتِي نَشْرٌ وطَيُّ
وقال أبو الطيّب:
وما ماضِي الشَّبابِ بمسترَدٍ ... ولا يومٌ يمرُّ بمُسْتَعَادِ
مَتَى لَحَظتْ بياضَ الشَّيْبِ عينِي ... فقد وجدتْهُ منها في السَّوادِ
مَتَى ما ازْدَدْتُ من بعدِ التَّناهِي ... فَقَدْ وقعَ انْتِقاصِي في ازْدِيادِ
وقال آخر:
المرءُ يأملُ أنْ يَعي ... شَ وطولُ عيشٍ ما يضرُّهْ
تفنَى بشاشتهُ ويب ... قَى بعدَ حلوِ العيشِ مُرُّهْ
وتَسوؤُهُ الأيَّامُ حتَّى ... مل يَرَى شيئاً يسُرُّهْ
والمرءُ للدُّنيا تَبُو ... عٌ وهي دائبَة تغرُّهْ
من لمْ يكتِّمْ سِرَّه ... عن مؤنسيهِ باحَ سرُّهْ
كم شامِتٍ بي إنْ هلك ... تُ وقائلٍ لله دَرُّهْ
وقال بعضهم:
والمرءُ يعجبُهُ الحياةُ وإنْ ... ملأَ الصَّحيفةَ طولَها وِزْرا
والقوتُ يُسخِطُهُ وفيه غنًى ... ويُحِبُّ وفراً يجلُبُ الفقْرَا
أنشدني كامل بن أحمد الفراهيدي:
رأيْنَ الغَوانِي الشَّيْبَ لاحَ بعارِضِي ... فأعرضْنَ عنِّي بالخدودِ النَّواضِرِ
وكنَّ إذا أبصرْنَنِي أوْ سمِعْنَ بِي ... سعينَ فرقَعْنَ الكُوى بالمحاجرِ
آخر:
قالوا كساكَ الشَّيْبُ ثوبَ جلالةٍ ... لا تَغلطوا ثوبَ الفناءِ كسانِي
لا تَغْبِطوني بالجديدِ لبسْتُهُ ... ليتَ الجديدَ لكمْ ولِي خُلْقَانِي
وقال آخر:
وحبَّبَ أوطانَ الرِّجالِ إليهم ... مآربُ قضَّاها الشَّبابُ هنالِكَا
إذا ذكَروا أوطانَهُم ذكَّرَتْهُمُ ... عهودَ الصِّبى فيها فحنّوا لذلكَا
آخر:
إذا ما ماتَ بعضُكَ فابْكِ بعضاً ... فبعضُ الشَّيء من بعضٍ قريبُ
وقال آخر:
أُرانيَ أنسَى ما تعلَّمتُ في الكِبَرْ ... ولستُ بناسٍ ما تعلَّمتُ في الصِّغرْ
ولو فُتِشَ القلبُ المعلَّمُ في الصِّبى ... لأُلفيَ فيهِ العلمُ كالنَّقشِ في الحَجَرْ
وقال أمية بن أبي الصلت:
(1/9)

ما رغبةُ النَّفسِ في الحياةِ وإنْ ... عاشتْ طويلاً فالموتُ لاحقُها
يُوشكُ مَنْ فرَّ من منِّيَّتهِ ... في بعضِ غِرَّاته يُوافقُها
منْ لمْ يمتْ عَبْطَةً يمُتْ هَرَماً ... للموتِ كأسٌ والمرءُ ذائقُها
وقال أبو زهير بن أبي قابوس السجزي:
نَظَرتْ إلى رأسِي فقالت مالَهُ ... قد ضَمَّ فَوْدَيْه قناعٌ أدكنُ
يا هذه لولا النُّجومُ وحسنُها ... لم تألفُ اللَّيلَ البهيمَ الأعيُنُ
فتضاحكتْ عَجَباً وقالت يا فتَى ... تقصيرُ رأيكَ في قياسكَ بيّنُ
اللَّيلُ يَحسُنُ بالنُّجومِ وإنَّما ... ليلُ الشَّبابِ بلا نجومٍ أحسَنُ
وقال آخر:
الدَّهرُ أبْلانِي وما أبليتُهُ ... والدَّهرُ غيَّرني ولا يتغيَّرُ
إنَّ امرءاً أمسَى أبوه وأُمُّه ... تحتَ التُّرابِ فحقُّهُ يَتَفكَّرُ
وأنشدني عمر بن فهلوية:
لمَّا رأَى الشَّيْبَ إبراهيمُ لاحَ بي ... فقال ماذا إلهي قال ذا نُورُ
فقال زدني إلهِي ما يُنَوِّرني ... فإنَّني بلباسِ النُّورِ مسرورُ
وقال أبو الشيص عبد الله بن رزين الخزاعي:
أبقَى الزَّمانُ بِهِ ندوبَ عضاضِ ... ورمَى سوادَ قرونهِ ببياضِ
نَفَرتْ به كأسُ النَّديمِ وأغمَضَتْ ... عنهُ الكواعبُ أيّما إغماضِ
شَيئانِ لا تَصبو النِّساءُ إليهما ... حُلَلُ المشيبِ وخَلَّةُ الإنفاضِ
وقال أبو دلف العجلي:
في كلِّ يومٍ أَرَى بيضاءَ قد طلَعَتْ ... كأنَّما طلعتْ في ناظرِ البصرِ
لئنْ قصصتكِ بالمِقراضِ عن بصرِي ... فلنْ أقصَّكِ عن قلبِي وعن فِكَرِي
وإنْ كسوتكِ بالحِنَّاءِ أرديةً ... أوْ بالخضابِ ولو واريتِ بالخُمُرِ
لما تلبَّثتِ أنْ قهقهتِ ضاحكةً ... تحتَ الثِّيابِ كفعلِ الشَّامتِ الأشِرِ
وقال آخر:
وكم حَسَدَ الغرابُ سوادَ شَعرِي ... فها أنا ذا حَسودٌ للغُرابِ
وقال آخر:
لَهفي علَى الشُّربِ والنَّدامَى ... وقُبْلةٍ نلتُها حَرامَا
أقبِحْ بذِي الشَّيْبِ أنْ تَراهُ ... يخلَعُ عن رأسِهِ اللّجَامَا
وقال آخر:
شَيبٌ نُعلِّله كيما نغيّرهُ ... كهيئةِ الثَّوبِ مَطويّاً علَى خِرَقِ
قدْ كنتُ كالغصنِ تَرتاحُ الرِّياحُ لهُ ... فصِرْتُ عوداً بلا ماءٍ ولا وَرَقِ
آخر:
وما أحوالُنا إلاَّ ثلاثٌ ... شَبابٌ ثمَّ شَيبٌ ثمَّ مَوْتُ
وقال آخر:
من يعشْ يكبرْ ومنْ يكبرْ يمُتْ ... والمنايا لا تُبالِي مَنْ أَتَتْ
كَمْ وكَمْ قد أدرجَتْ مِن قبلِنا ... من قُرونٍ وقُرونٍ قدْ خَلَتْ
وقال دكين الراجز:
إليكَ أشكُو وَجَعاً بركبتي
وهَدَجَاناً لم يكنْ من خطوتي
كَهَدَجَانِ الرّأْلِ تحتَ الهَيْقَةِ
وقال أبو منصور الثعالبي:
أبا منصورٍ المغرور أقْصِرْ ... وأبْصرْ طُرْقَ أصحابِ الرّشادِ
ألستَ ترَى نجومَ الشَّيْبِ لاحتْ ... وشَيْبُ المرءِ عُنوانُ النفادِ
وقال أيضاً:
هذا عِذاركَ بالمشيبِ مُطرَّزٌ ... فقَبُولُ عذركَ في التَّصابِي مُعْوِزُ
ولقد علِمت ما علِمت توهُّماً ... أنَّ المشيبَ بهدمِ عمرِكَ يَرْمُزُ
وله:
أبلَى جَديديَّ هذانِ الجديدانِ ... والشَّأنُ في أنَّ هذا الشَّيْب ينعاني
كأنَّما اعتَمَّ رأسِي منه بالجَبَلِ الرَّا ... سِي فأوهَنَني تقْلاً وأوهانِي
وقال الأخطل:
النَّاسُ همُّهم الحياةُ ولا أرَى ... طولَ الحياةِ يَزيدُ غيرَ خَبَالِ
وإذا افتقرتَ إلى الذَّخائرِ لم تجدْ ... ذُخراً يكونُ كصالِحِ الأعمالِ
وقال آخر:
لَعمرُ الغواني ما أتينَ ملامةً ... ولا غيرَ مكروهٍ كرهْنَ فَتَحْرَدَا
كَرِهْنَ من الشَّيْبِ الَّذي لو رأيتَهُ ... بهِنَّ لكانَ الطَّرفُ عنهنَّ أحيَدَا
وقال آخر:
أرَى الشَّيْبَ مذ جاوزتُ عشرينَ حجَّة ... يَدِبُّ دبيبَ النَّملِ في غَسَقِ الظُّلَمْ
هو السُّقْم إلاَّ أنَّه غيرُ مُؤلمٍ ... ولم أَرَ قبلَ الشَّيْبِ سُقماً بلا ألَمْ
وقال أبو محمد العبدلكاني:
(1/10)

عَزَلَ الأخبَاتُ سلطانَ الهَوَى ... وحَدَا اللَّيلَ تباشيرُ الفَلَقْ
غاضَ ماءَ اللَّهوِ شيبٌ مُغْدِقٌ ... ولقدْ تكرع والماء غدقْ
وجَلا عنك الصِّبى زَوْراً أتَى ... والجَلاَ في مقلةِ اللَّهوِ زَرَقْ
حدَّثني أحمد بن ممشاذ بن أبي الرِّجال، حدَّثنا ابن يعقوب الأصم، حدَّثنا بكر بن سهيل الدهاطي، حدَّثنا عبد الله بن محمد بن رمح، حدَّثنا ابن وهب عن حفص بن ميسرة عن زيد بن أسلم عن أنس عن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: " ما من معمّر يعمر في الإسلام أربعين سنة إلاَّ صرف الله عنه ثلاثة أنواع من البلاء: الجنون والجذام والبرص، وإذا بلغ الخمسين ليّن الله عليه حسابه، فإذا بلغ الستين رزقه الله الإنابة إليه لما يحب ويرضى، فإذا بلغ السبعين أحبّه الله وأحبّه أهل السَّماء، وإذا بلغ الثمانين قبل الله حسناته وتجاوز عن سيّئاته، فإذا بلغ التسعين غفر له ما تقدّم من ذنبه وسمّي أسير الله في أرضه وشفّع في أهل بيته ".
وحدَّثني أبو عبد الله الحسين بن علي العباسي ببست بإسناده عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: " إنَّ لله ملكاً في السَّماء ينادي في كلِّ يوم وليلة: أبناء الأربعين زرعٌ قد دنا حصاده، أبناء الستين هلمُّوا إلى الحساب، ماذا قدّمتم وماذا أخّرتم، أبناء السبعين لا عذر لكم ".
وأنشدني لرجل من أهل نيسابور:
لَكلبٌ عَقورٌ أسود الذَّيلِ رابضٌ ... علَى صدرِ بيضاءِ التَّرائبِ كاعبِ
أحبُّ إليها من مُضاجِعها الَّذي ... له لحيةٌ بيضاءُ فوقَ التَّرائبِ
آخر:
وإذا دعونَكَ عمَّهُنَّ فإنَّهُ ... نَسَبٌ يزيدُكَ عندهنَّ خَبَالا
وقال آخر:
ألا إنَّ المشيبَ عليَّ ممَّا ... فقدتُ من الشَّبابِ أعزُّ فوتَا
تملَّيتُ الشَّبابَ فصارَ شيباً ... وأفنيتُ المشيبَ فصارَ موتَا
وقال جميل بن معمر:
بُثينةُ قالتْ وقد راعَهَا ... تَفاريقُ من شيبيَ المُسْفِرِ
جميلُ كبرتَ وجاءَ المشيبُ ... فقلتُ بٌثينَ ألا أقصِرِي
أتنسينَ أيَّامَنا باللِّوَى ... وأيَّامَنا بذُرَى معمرِ
وإذْ لِمَّتي كجناحِ الغُدَافِ ... تُضَمَّخُ بالمسكِ والعنبرِ
وأنتِ كلؤلؤةِ المرزبانِ ... بماءِ شبابكِ لمْ تُعْصرِي
صغيرينِ مرتعُنا واحدٌ ... فأنِّي كبرتُ ولم تكبرِي
وقال آخر:
تُجِدُّ الليالي بالفتى وهو يلعبُ ... وتَصدقُه الأيامُ والنَّفسُ تكذِبُ
وفي كلِّ يومٍ يفقدُ المرءُ بعضَه ... ولا بُدَّ أن الكلَّ منه سيذهبُ
وقال عبد الملك البستي الطبيب:
شبابُ الفَتَى ظُلمَةٌ لا تَبينُ ... وشيبتُه صبحُه المستبينْ
وقد يُعذَرُ المرءُ في ظُلمةٍ ... ولا عذر في الصبحِ صُبحِ اليقينْ
آخر:
حركات الشيوخِ في كلّ وقتٍ ... حركاتٌ ما إنْ لها بَركاتُ
أنشدني قاضي القضاة لأبي القاسم المهراني الزوزني:
الدَّهرُ ساومني عُمري فقلتُ له ... لا بعتُ عُمري بالدُّنيا وما فيها
فابتاعَ عمري تفاريقاً بلا ثمنٍ ... تبَّتْ يدا صفقةٍ قد خابَ شاريها
آخر:
فإنَّ امرءاً قد عاش تسعينَ حِجةً ... ولم يسأمِ الدُّنيا الذميمةَ جاهلُ
قال النَّبي عليه السلام: " إنَّ السعادة كلّ السعادة طول العمر في طاعة الله ".
وقال عليه السلام: " ألا أنبئكم بخياركم؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: أطولكم أعماراً وأحسنكم أخلاقا ".
وعن عبد الله بن بشير، قال: جاء أعرابيان إلى النّبي صلى الله عليه وسلّم، فقال أحدهما: أي النَّاس خير؟ فقال: " من طال عمره وحسن عمله "، وقال الآخر: يا رسول الله، أي الأعمال أفضل؟ قال: " أن لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله ".
وقال محمد بن واسع: اغتنم طول العمر فكأنّك قد صرت إلى دار ليس فيها معتمل.
وعن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس في قوله عز. ذكره: " أو لم نعمّركم ما يتذكر فيه من تذكر "، قال: هو العمر الَّذي أعذر الله فيه إلى ابن آدم ستون سنة.
وعن أبي أمامة، عن النبي صلى الله عليه وسلّم، قال: " من شاب شيبة في سبيل الله كانت له نوراً يوم القيامة ".
(1/11)

وعن أبي العوّام، عن قتادة في قوله عزّ وجلّ:) وجاءكم النذير (، قال: الشَّيْب.
ورؤي يحيى بن أكثم في النوم، فقيل له: ما صنع الله بك؟ قال: قدّمني بين يديه وقال لي: بئس الشَّيخ أنت، وأمر بي إلى النار. قال: فمكثت أكثر الالتفات، فقال لي: يا يحيى مالك تلتفت؟ فقلت: يا ربّ، حدثني يزيد بن هارون، عن هشيم، عن حميد الطويل، عن أنس عن نبيّك صلى الله عليه وسلّم أنّك قلت: " إنّي لأستحيي عبدي يشيب في الإسلام أن أعذّبه "، فقال عز ذكره: صدق يزيد، صدق هشيم، صدق أنس، صدق نبيي، ردّوه إلى الجنة.
قال عبد الملك بن عمير: إذا أسنّ الرَّجُل استحكم وذهب حدّه وحسن خلقه. وإذا أسنّت المرأة عقم رحمها وحدّ لسانها وساء خلقها.
وقال النّبي صلى الله عليه وسلّم: " لا يتمنّين أحدكم الموت، فإنّ المؤمن يزداد بطول عمره خيراً ".
وعن الصّنابحيّ، عن معاذ بن جبل، عن النبي صلى الله عليه وسلّم، قال: " لا تزول قدم العبد يوم القيامة حتَّى يسأل عن أربعة: عمره فيما أفناه، وشبابه فيما أبلاه، وعن علمه ماذا عمل فيه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه ".
وقال بعض الصالحين في دعائه: اللهم إنّ المخلوقين إذا شاخ عبد في خدمتهم أعتقوه، وقد شخنا في خدمتك فأعتقنا من النار.
وقال النّبي عليه السلام: " أكثر فناء أمّتي ما بين الستين والسبعين " ويقال: إذا ابيضّ فوداك فلا يسودّن فؤادك.
ومن كلام بعضهم: ما أنقذ سهم المنيّة فيمن حنا قوسه الكبر.
من قيّده الهرم لم يطلقه إلاَّ الموت.
جاء شيخ إلى الطبيب، فقال: إنّي أشتكي فترة أعضائي وقلّة استمرائي ووهناً في مفاصلي ونحو ذلك ممّا يعتري المشايخ فماذا أعمل؟ فقال: إنّ هذه العلّة الَّتي اعترتك تسمى كابوريا، قال: فما علاجها؟ قال: قابوريا، فقال: فسّر لي، فقال: هي الكبر وعلاجها القبر.
وفي الزبور مكتوب: من بلغ السبعين اشتكى من غير علّة.
قال: أشرف المعتضد علَى قصر له فرأى امرأة في الطريق تمشي بدلال وتثن، فأعجبه مشيها وتثنيها. فقال: عليّ بها، فمروا فأخذوها وجاءوا بها، فقال لها: أحرّة أنت أم مملوكة؟ فقالت: مملوكة، فقال لها: أسفري، فإذا وجه من أملح ما يكون. وكان في لحية المعتضد شعرات بيض، فقال المعتضد: مروا إلى مولاها فاشتروها بما يحكم به، فقالت: يا أمير المؤمنين ليس لي عيب إلاَّ شيء واحد أحبّ أن تقف عليه قبل شرائي، فقال: وما هو: في رأسي شعرات بيض، فقال المعتضد: مرّي فلا حاجة لنا فيك. فولّت ثمَّ: رجعت وقالت: ليس في رأسي بياض ولكني كرهت منك ما كرهت منّي، فخلاّها المعتضد.
باب
النسيب والملاهي
قال بشار بن برد:
يا قُرّةَ العينِ إنّي لا أُسمّيكِ ... أُسْمي سواكِ أُفدّيها وأعنيكِ
يا أطيبَ النَّاسِ ريقاً غيرَ مُخْتبرٍ ... إلاَّ شهادةَ أطرافِ المساويكِ
قد زُرْتنا زورةً في الدَّهْرِ واحدةً ... ثَنِّي ولا تجعليها بيضةَ الديكِ
وقال آخر:
تَطوي المنازلَ عن حبيبكَ دائماً ... وتَظلُّ تبكيه بدمعٍ ساجِمِ
هلاّ أقمتَ ولو علَى جمرِ الغَضا ... قُلِّبتَ أو حدِّ الحُسامِ الصارمِ
كَذبتْك نفسُك لستَ من أهلِ الهَوَى ... تشكو الفراقَ وأنتَ عينُ الظالمِ
وقال عدي بن زيد:
يا سُلَيْمَى أوقدي ناراً ... إنّ منْ تهويْنَ قد حارا
رُبَّ نارٍ بِتُّ أرمُقُها ... تقضم الهِنْديّ والغارا
عِنْدُها ظبيٌ يُورّثُها ... عاقِدٌ في الجيد تِقْصارا
رشأٌ في طرفهِ حَورٌ ... وتَخالُ الخدَّ دِينارا
وقال قيس بن ذريح:
فواكَبِدا وعاودني رُداعي ... وكانَ فراقُ لُبْنى كالخِداعِ
أطافَ بيَ الوُشاةُ فأزعجوني ... فيا لله للواشي المُطاعِ
فأصبحتُ الغَداة ألومُ نفسي ... علَى أمرٍ وليسَ بمُسْتطاعِ
كَمغبونٍ يَعضُّ علَى يديه ... تَبيَّنَ غَبْنه بعد البِياعِ
وقال عروة بن حزام:
لقد تركتْ عَفْراءُ قلبي كأنّه ... جَناحا غُرابٍ دائما الخفقانِ
ألا لعنَ اللهُ الوُشاةَ وقيلهم ... فُلانةُ أمسَتْ خُلَّةً لِفُلانِ
ضَمنْتُ لعَرّافِ اليمامةِ حكمه ... وعرّافِ مصرٍ إنْ هما شَفيانِ
(1/12)

ويسألُني عمّي ثمانينَ ناقةً ... وما ليَ يا عفراء غيرُ ثمانِ
فيا وارثي مالي ويا طالبي دمي ... خُذا بدمي منْ لو يَشاءُ شَفاني
خُذا بدمي من قدْ رَماني بسهمه ... فأقصدَني بالسَّهْمِ حينَ رَماني
هوى ناقتي خَلفي وقُدّامي الهَوَى ... فإنّي وإيَّاها لمخْتَلفانِ
وقال كعب بن زهير:
فلا يَغرَّنْكَ ما منَّتْ وما وَعَدتْ ... إنّ الأمانيّ والأحلامَ تَضْليلُ
فما تدومُ علَى حالٍ تكونُ بها ... كما تَلوّنُ في أثوابها الغُولُ
ولا تمسّكُ بالعهدِ الَّذي عهدَتْ ... إلاَّ كما يُمسكُ الماءَ الغَرابيلُ
كانتْ مواعيدُ عُرْقوبٍ لها مثلاً ... وما مواعيدُها إلاَّ الأباطيلُ
وقال آخر:
بيضُ أوانسُ ما هَمَمْنَ بريبةٍ ... كظِباءِ مكّةَ صَيْدُهنَّ حرامُ
يُحْسَبْنَ من لينِ الكلامِ زَوانياً ... ويَصُدّهنّ عن الخنا الأسلامُ
وقال آخر:
يا مُنتهى الوصفِ في جمالِكْ ... ألا تحرَّجْتَ من فَعالكْ
زعمْتَ أنّي رَخِيّ بالٍ ... يا ليتَ حالي غَدتْ كحالِكْ
لا سلمَتْ من هواك روحي ... ولا تمتَّعتْ من نَوالكْ
إنْ كنتُ أبكي علَى رُقادي ... إلاَّ لِشوقي إلى خيالكْ
وقال آخر:
لقد بخِلَتْ عليَّ بكلِّ شيءٍ ... من المعروف حتَّى بالسّلامِ
فقلت لها بخلتِ عليَّ يَقْظى ... فجودي بالخيال لمستهامِ
فقالت لي وأنتَ تنام أيضاً ... فتطمعُ أنْ تراني في المنامِ
أنشدني ناصر بن منصور:
ولستُ بواصفٍ أبداً حبيباً ... أُعَرِّضهُ لأهواءِ الرجالِ
كأنّي أطلبُ الشُّركاءَ فيه ... وآمَنُ فيه أحداث الليالي
وما بالي أُشوّق عينَ غيري ... إليه ودونه سِتْرُ الحِجالِ
وقال ابن المعتز:
وزائرةٍ يقتادُها الشّوقُ طارِقَهْ ... أتَتْنا من الفِردوس لا شكّ آبِقَهْ
إذا ما تثنّتْ قالَ للريحِ قَدُّها ... كذا حركي الأغصانَ إن كنتِ حاذِقَهْ
وقال آخر:
يا نسيمَ الرَّوْضِ في السَّحَرِ ... وشبيهَ الشَّمسِ والقمرِ
إنّ من أسهرتَ ناظرَه ... لَقريرُ العينِ بالسَّهَرِ
وقال آخر:
أتتني تُؤنبني بالبُكا ... فأهلاً بها وبتأنيبها
تقولُ وفي قولها حِشْمةٌ ... أتبكي بعينٍ تراني بها
فقلتُ إذا استحسنَتْ غيركمْ ... أمرتُ الدموعَ بتأديبها
آخر:
مساكينُ أهلُ الحبِّ حتَّى قبورُهمْ ... عليها تُرابُ الذُلِّ بينَ المقابرِ
آخر:
مساكينُ أهلُ الحبِّ لستُ بمُشْترٍ ... حياةَ جميعِ العاشقينَ بِدانقِ
آخر:
مساكينُ أهلُ الحبِّ كم من بليَّةٍ ... يُقاسونَها في قُربِ دارٍ وفي بُعْدِ
يُروى للرشيد:
وتَنالُ منك بحدِّ مقلتها ... ما لا ينال بحدّهِ النَّصْلُ
وإذا نظرتَ إلى محاسنها ... فبكلِّ موضعِ نظرةٍ قَتْلُ
ولِوَجْهها من وجهِها قمرٌ ... ولِعَيْنها من عينها كُحْلُ
وقال إبراهيم النظّام:
دقّتْ محاسِنُه فجلَّ بها ... عن أن يَحيطَ بوصفه لَفْظُ
نطقَ الجمال بعُذرِ عاشقِه ... في العالمينَ فأُخْرسَ الوعظُ
وله:
ولو أنَّ جلدي غَشّني في وِصالها ... وعَيّرني فيها خرجتُ من الجِلْدِ
ولو لَبسَتْ ثوباً من الورد خالياً ... لَخدّشَ منها جلدَها ورقُ الوردِ
يُخدِّشها مسُّ الحريرِ لِلينها ... وتشكو إلى داياتها ثِقَلَ العقْدِ
وقال آخر:
وإذا الدُرُّ زانَ حُسنَ وُجوهٍ ... كان للدرِّ حُسْنُ وجهك زَيْنا
وتزيدينَ طَيِّبَ الطيبِ طيباً ... إذْ تَمسّيه أينَ مثلُكِ أينا
أنشدني أحمد بن حاتم المنقري:
قمرٌ قامر قلبي فَقمرْ ... صيّرَ العينَ من الضَّعْفِ أثَرْ
قمر مذْ حلَّ قلبي حبُّه ... لم يدعْ منِّي سوى قلبِ القمرْ
وقال مجنون بني عامر، وهو قيس بن الملوّح:
يقولونَ لو عزّيتَ قلبَك لارْعوَى ... فقلتُ وهل للعاشقينَ قُلوبُ
ولو أنَّ ما بي بالحصى فلقَ الحصى ... وبالريحِ لم يُسْمَع لهنَّ هُبوبُ
(1/13)

ولو أنَّ أنفاسي أصابتْ بحرّها ... حديداً إذاً كانَ الحديدُ يذوبُ
ولو أنَّني أستغفرُ اللهَ كلّما ... ذكرتُكِ لم تُكتبْ عليّ ذُنوبُ
ولو أنَّ ليلَى تطلُعُ الشَّمْسُ دونها ... وكنتُ وراءَ الشَّمس حينَ تَغيبُ
لحدَّثْتُ نفسي أنْ تَريع بها النَّوى ... وقلتُ لنفسي أنَّها لقَريبُ
دعاني الهَوَى والشوقُ لمّا ترنّمتْ ... هَتوفُ الضُّحى بينَ الغصونِ طَروبُ
تُذكّرني ليلَى وقد شطَّ دارُها ... وعادَتْ عَوادٍ بيننا وخُطوبُ
وله أيضاً:
تطلَّعُ من نفسٍ إليكَ نوازعٌ ... عوارفُ أنَّ اليأسَ منكَ نصيبُها
وزالت زوالَ النَّفسِ عن مستقرِّها ... فَمنْ مُخْبري في أيِّ أرضٍ غروبُها
حلالٌ لِليلى أن تَروعَ فؤادَهُ ... بهجرٍ ومغفورٌ لليلى ذنوبُها
وقال الأحوص بن محمد الأنصاري:
إذا أنتَ لم تعشقْ ولم تدرِ ما الهَوَى ... فكنْ حجراً من يابس الصَّخرِ جَلْمَدا
وما العيشُ إلاَّ ما تلَذُّ وتَشْتهي ... وإنْ لامَ ذو الشنْآنِ فيه وفَنّدا
وله:
كمْ منْ دنيّ لها قد صِرْتُ أتبعُه ... ولو صحا القلبُ عنها كان لي تَبعا
وزادَني شغفاً بالحبِّ أنْ مُنِعَتْ ... وحبّ شيءٍ إلى الإنسانِ ما مُنِعا
أنشدني تاجر بن أبي مطيع:
كم قد ظفرْتُ بمنْ أهوى فيمنعُني ... منه الحياءُ وخوفُ الله والحذَرُ
وكم خلوتُ بمن أهوى فيُقنعني ... منه الفُكاهَةُ والتقبيلُ والنظَرُ
أهوى المِلاحَ وأهوى أن أجالسهُمْ ... وليسَ لي منهمُ في ريبة وطَرُ
كذلك الحبّ لا آتيه فاحشة ... لا خيرَ في لَذّةٍ من بعدها سقَرُ
وقال جميل بن معمر العذري:
لا والَّذي تسجُد الجباهُ له ... ما لي بما تحتَ دِرْعها خبَرُ
ولا بفيها ولا هَمَمْتُ به ... إنْ كانَ إلاَّ الحديثُ والنظَرُ
وقال أبو حاتم سهل بن محمد السجستاني الأديب:
أنا عفُّ الضمير غيرُ مُريبٍ ... غيرَ أنّي مُتيّمٌ بالحِسانِ
لا تظُنَّنَّ بي فُسوقاً فما ... يزكو فسوقٌ بحاملِ القُرآنِ
أنشدني خطيب هراة لأعرابي:
وحديثُها كالقَطْر يسمَعُه ... راعي سنينَ تتابعتْ جَدْبا
فأصاخَ يرجو أن يكونَ حيّاً ... ويقولُ من فَرجٍ هيا ربّا
أنشدني أبو الحسن الكرخي لابن الرومي:
وحديثُها السِّحْرُ الحلالُ لو انَّهُ ... لم يجنِ قتْلَ العاقلِ المتحرزِ
إنْ طالَ لم يملل وإنْ هيَ أوجزَتْ ... ودَّ المحدِّثُ أنَّها لم توجزِ
شرَكُ العقولِ ونزْوةٌ ما مِثلها ... للمطمئنِّ وعُقلةُ المُستوفزِ
وقال آخر:
وكُنَّا كمثلِ الفَرقديْنِ تألّقاً ... نرى أنَّ حبْلَ الوصلِ لم يتقطَّعا
فلمَّا رمانا الدَّهرُ فيمَنْ نُحبُّه ... تَشتتَ من أمرِ الهَوَى ما تجمَّعا
لقد كنتُ أبكي خيفةً من فراقِه ... فكيفَ وقد سارَ الغَداةَ فودَّعا
إذا سارَ من تهوى وأسلمَكَ العَزا ... فكبّرْ علَى اللَّذاتِ واللَّهوِ أربَعا
وقال أبو فراس الحمداني:
وزيارة من غيرِ وعْدِ ... في ليلةٍ طرقَتْ بسَعْدِ
بات الصّباحُ إلى الصَّبا ... حِ مُضاجعي خدّاً لخَدِّ
ما زالَ مَولايَ الأجلَّ ... فصيّرتْهُ الراحُ عبدي
ليستْ بأوّلِ نِعمةٍ ... مَشكورةٍ للرّاحِ عِندي
وقال أيضاً:
فليتَكَ تَحْلو والحياةُ مَريرةٌ ... وليتَكَ تَرضى والأنامُ غِضابُ
وليتَ الَّذي بيني وبينكَ عامرٌ ... وبيني وبينَ العالمينَ خَرابُ
وقال آخر:
بكرَتْ عليَّ وهيّجتْ وجْدا ... حَسْرى الرّياحِ وذكّرتْ نجدا
أتَحنّ من جزع إذا ذَكرتْ ... نجدٌ وأنتَ تركتَها عَمْدا
وقال آخر:
أحبّ من حبّكم مَنْ كانَ يشبِهكم ... حتَّى لقد صرت أهوى الشَّمسَ والقمرا
أمرّ بالحجر القاسي فألثُمه ... لأن قلبك قاسٍ يُشبه الحجرا
وقال جرير:
إنَّ العيونَ الَّتي في طرفها مَرضٌ ... قتلننا ثمَّ لم يُحْيينَ قتلانا
يصرَعْنَ ذا اللُّبِّ حتَّى لا حراك به ... وهُنَّ أضعفُ خلقِ الله إنسانا
(1/14)

يا أمَّ عمرو جزاكِ الله مغفرةً ... رُدِّي عليَّ فؤادي كالذي كانا
يا حبّذا جبل الريّانِ من جبلٍ ... وحبّذا ساكنُ الريّانِ من كانا
وقال الأخيطل المخزومي:
بيضاءُ ألبستِ الأديمَ أديمَ ال ... حسنِ فهو لجلدها جِلْدُ
فالوجهُ مثل الصّبحِ مُبْيضّ ... والفرعُ مثل اللَّيل مُسْودُّ
ضِدّان لما استُجْمعا حَسُنا ... والضِدّ يُظهر فضلَه الضِدُّ
ولها بنان لو أردتَ لها ... عقداً بكفّك أمكنَ العقْدُ
وكأنها وسْنى إذا نظرت ... أوْ مُدنف لمّا يُفِقْ بعْدُ
بفُتور عين ما بها رمَد ... وبها تُداوى الأعينُ الرُّمْدُ
فقعودُها مَثْنى إذا قعدت ... عن وَنْيةٍ وقيامُها فَرْدُ
هلْ عندَكم لمُتيّمٍ فَرجٌ ... أوْ لم يكنْ فليَحْسُن الردُّ
إن لم يكنْ وصلٌ لديكَ لنا ... يشفي الصبابةَ فليكنْ وعْدُ
قد كانَ أورقَ وصلكُمْ زمناً ... فَذوى الوصالُ وأينعَ الصَّدُّ
لله أشواقي إذا نزحَتْ ... دارٌ بنا ونأى بكَ البُعْدُ
إن تُتْهِمي فَتِهامةٌ وطني ... أوْ تُنْجدي يكنِ الهَوَى نَجْدُ
وقال آخر:
ليتَ الديارَ الَّتي تبقى لتَحزُننا ... كانت تَبين إذا ما أهلُها بانوا
يَنأونَ عنّا ولا تنأى محبَّتُهم ... فالقلبُ فيهم رهينٌ حيثُ ما كانوا
أنشدني أبو الحسن الإيلاقي:
وحوراء المدامعِ من أبان ... كأنَّ حديثَها ثمرُ الجنانِ
إذا قامَتْ لسبحتها تثنّتْ ... كأنّ عِظامَها من خيزُران
من السُّمْر اللِّدان إذا اسبكرَّت ... وموتُ النَّفس في السمر اللدان
شبيهات الرِّماحِ قنا متونٍ ... ووَخْزاً في القلوب بلا سِنانِ
وأنشدني أبو الحسن القوّال:
وبِتْنا علَى رغم الحَسود وبيننا ... حديثٌ كماءِ المُزْنِ شيبَتْ به الخَمْرُ
حديثٌ لَوَ انَّ الميتَ نودي ببعضه ... لأصبحَ حيّاً بعدَ ما ضمّه القبرُ
فوسَّدتُه كفّي وبِتُّ ضجيعَه ... وقلت لليلي طُلْ فقد رقد البدرُ
فلمّا أضاء الصّبحُ فرّق بيننا ... وأيُّ نعيمٍ لا يكدّره الدَّهرُ
وقال آخر:
شبيهُكَ بدرٌ في السّماءِ محلُّهُ ... فكنتُ إذا ما غبتَ آنسُ بالبدْرِ
فغطّتْ علَى بدرِ السَّماءِ غمامةٌ ... فصارَ عليَّ الغيمُ أيضاً مع الدَّهر
وقال آخر:
شكوتُ إلى بدرٍ هوايَ فقال لي ... ألستَ ترى بدرَ السّماءِ الَّذي يَسْري
فقلتُ بلى قال التمسهُ فإنّه ... نظيري وشكلي في علايَ وفي قدري
فإن نِلْتَه فاعلمْ بأنّكَ نائلي ... وإن لم تنلْه فابغِ أمراً سوى أمري
فكانَ كلا البدرين صعباً مرامُه ... ليَ الويلُ من بدرِ السّماءِ ومن بدري
قرأت في كتاب وقْصِ الموتى، لرجل من بني عذرة:
يا ليتها أصبحتْ خمراً وكنتُ لها ... ماءً نميراً ونحنُ الدَّهرَ في كاسِ
أوْ ليتنا طائرا جوٍّ بمهمهةٍ ... نخلو جميعاً ولا نأوي إلى النَّاسِ
لو حُزَّ بالسيفِ رأسي في مودّتها ... لمالَ يهوي سريعاً نحوها راسي
أنشدني الوكيعي علي بن محمد لابن كيغلغ:
أنزلني منزلَ العبيدِ ... من قلبه صيغَ من حديدِ
ونَمَّ دمعي بما أُلاقي ... من أسَفٍ دائمِ المزيدِ
وكيفَ يخْفي الهَوَى مُحبٌّ ... ودمعُه صاحبُ البريدِ
وقال آخر:
يا نازِحَ الدارِ عن بلادي ... سَقْياً لأيامِكَ المَواضي
إذْ أنا للجارِ غيرُ قالٍ ... وعن صُروفِ الزّمانِ راضي
كأنَّ آثارَها علينا ... مَواقعُ الماءِ في الرياضِ
وقال نصر بن أحمد العتكي الخبزارزي:
كلُّ الهَوَى صعْبٌ ولكنّني ... بُليتُ بالأصعبِ من أصعبهْ
أذابني الحبّ فلو زُجّ بي ... في ناظر النَّائم لم ينتبِهْ
وكان لي قبل الهَوَى خاتَمٌ ... فالآنَ لو شئتُ تمنطقتُ به
وزارني طيفُك حتَّى إذا ... أرادَ أنْ يمضي تعلقتُ به
يا منْ إذا أقبلَ قال الوَرَى ... هذا أميرُ الحُسْنِ في موكبه
عبدُك لا تسألُ عن حاله ... حَلّ بأعْدائك ما حلَّ بهْ
وقال آخر:
(1/15)

يا صاحِ ما طلعَتْ شمسٌ ولا غربَتْ ... إلاَّ وأنتَ مُنى قلبي ووَسْواسي
ولا تنفستُ محزوناً ولا فَرِحاً ... إلاَّ وذكركَ مقرونٌ بأنفاسي
ولا هممتُ بشربِ الماءِ من عطش ... إلاَّ رأيتُ خيالاً منك في الكاسِ
ولا جلستُ إلى قومٍ أُحدّثهُم ... إلاَّ وأنتَ حديثي بين جُلاّسي
وقال العبَّاس بن الأحنف:
قالت مرضْتُ فعدتُها فتبرمَتْ ... وهي الصحيحةُ والمريضُ العائدُ
والله لو أنَّ القلوبَ كقلبِها ... ما رقَّ للولدِ الضعيفِ الوالِدُ
وقال آخر:
مرضَ الحبيبُ فعُدْته ... فمرضْتُ من حذَري عليه
فَبرا الحبيبُ فعادَني ... فبرأتُ من نظري إليه
آخر:
ألا تلكَ عَزّةُ قد أعرضَتْ ... تُقلِّبُ دونك طرفاً غَضيضا
تقول مرضْتُ فلا عُدْتَني ... وكيف يعودُ مريض مَريضا
وقال الأعشى:
كأنَّ مِشْيَتها من بيتِ جارتها ... مَرُّ السحابةِ لا رَيثٌ ولا عَجلُ
ما روضةٌ من رياض الحزنِ مُعْشبةٌ ... خضراءُ جاد عليها مسبِلٌ هَطِلُ
يُضاحك الشَّمْس منها كوكبٌ شرقٌ ... مُؤزّرٌ بعَميم النبتِ مكتهِلُ
يوماً بأطيبَ منها نشر رائحةٍ ... ولا بأحسنَ منها إذْ دَنا الأصُلُ
عُلقتها عَرضاً وعُلقَتْ رجلاً ... غيري وعُلِّقَ أخرى غيرَها الرجلُ
وقال أيضاً:
لو أسندَتْ مَيْتاً إلى نحرها ... عاشَ ولم يُنْقَلْ إلى قابر
حتَّى يقولَ النَّاسُ ممّا رأوا ... يا عجباً للميّتِ الناشر
وقال أيضاً:
وتبردُ بردَ رِداء العَرو ... سِ بالصيف رقرقتَ فيه العَبيرا
وتَسخُن ليلةَ لا يستطيعُ ... نُباحاً بها الكلبُ إلاَّ هَريرا
وقال آخر:
تَجنَّى علينا آلُ مكتومةَ الذَّنْبا ... وكانوا لنا سِلماً فصاروا لنا حرْبا
وأفشوا لنا في الحيِّ أقبحَ قِصّة ... وما أنكروا إلاَّ الرسائلَ والكُتْبا
ولو أنَّها للمشركينَ تعرّضت ... إذنْ لا دعوها دونَ أصنامهم رَبّا
ولو غمسَتْ في البحر والماء مالحٌ ... لأصبحَ ماءُ البحرِ من جلدها عَذْبا
وقال ديك الجن:
قامَتْ مذكرةً وقامَ مؤنّثاً ... فَتناهَبا الأرواحَ باللحظينِ
أُصبُبْ علينا الراحَ إنّ هلالَنا ... قد صبَّ نقمتَه علَى الثقلين
وقال آخر:
ولمّا رأينا البينَ قد جدّ جِدّه ... ولم يكُ من أهلِ الصّفاء رُكودُ
وقفنا فأمطرنا دموعاً سماؤُنا ... جُفونُ عيونٍ والبِقاعُ خُدودُ
وقالت أم حِمارٍ الهمدانية:
طافَ الهَوَى بعبادِ الله كُلِّهم ... حتَّى إذا مرَّ بي من بينهم وقَفا
إنِّي لأعجَبُ من قلبٍ يُحبّكم ... ولا يرى منكمُ بِرّاً ولا لَطَفا
وقال ذيّالٌ اليهودي من أهل تيماء:
نِعْمَ ضجيعُ الفَتَى إذا بردَ ال ... ليلُ سُحَيْراً وقَفْقفَ الصَّرَدُ
زيّنَها الله في القلوبِ كما ... زُيّنَ في عينِ والدٍ ولَدُ
وقال أبو السّنور:
وليس يَطيبُ الراحُ حتَّى يُديرها ... غزالٌ كحيلُ الناظرين مُحبَّبُ
مَليحٌ علَى حُسنِ القَوام مُقَرْطقٌ ... فإن شئتَ ندمانٌ وإن شئتَ مركبُ
لأبي بكر بن داود الأصفهاني:
هممتَ بفرقةٍ والموتُ فيها ... كأنك حَتْفَ نفسك تَسْتثيرُ
فلا تَجْسُرْ علَى أمرٍ قَويّ ... عليك فربّما هلكَ الجَسورُ
وقال الحسين بن أسد العامري:
يا مُمرضي بجفونِ عينكَ داوِني ... بعقيقتينِ علَى سِماطِ ثُغورِ
إن لم تَزُرْني اليومَ مُتّ بغُصّتي ... فاحضُرْ غداً لجنازة المقبورِ
وقال آخر:
أضعتَ وُدّي وخنتَ عهدي ... صنعتَ بي أقبحَ الصنيعِ
يا منْ تأسّى ببخلِ نومي ... تعلم الجودَ من دُموعي
وقال آخر في الوداع:
إنّي لأُكثِرُ من أهلِ الهَوَى عجباً ... أنَّى يُطيقونَ للتوديع مدَّ يَدِ
لم لا يكونونَ مثلي يومَ بينهمُ ... يدٌ علَى القلب والأُخرى علَى الكبدِ
وقال آخر:
صَدّني عن حلاوة التَّشْييعِ ... اجتنابي مرارةَ التوديعِ
لم يَقُمْ أنس ذا بوحشةِ هذا ... فرأيتُ الصّوابَ تركَ الجميعِ
(1/16)

أنشدني الفقيه أبو عبد الرحمن النيلي لنفسه:
إذا رأيتَ الوداعَ فاص ... بِرْ ولا يهُمّنّك البِعادُ
وانتظرِ العَوْدَ عن قريبٍ ... فإنَّ قلبَ الوداعِ عادوا
وله:
أشفقتُ لمّا حلَّ أصداغُه ... ساحةَ خَدٍّ جَمْرهُ مُحرقُ
فانقلبتْ أصداغُه كلّها ... سالمةً واحترقَ المُشفقُ
وقال كثيّر بن عبد الرحمن:
يُكلِّفُها الخنزيرُ شتمي وما بها ... هواني ولكنْ للمليكِ استذلَّتِ
هنيئاً مريئاً غيرَ داءٍ مُخامر ... لعَزّةَ من أعراضنا ما استحلّتِ
فوالله ما قاربتُ إلاَّ تباعدتْ ... بصرْمٍ ولا أكثرتُ إلاَّ أقلّتِ
وإنّي وتَهْيامي بعزّةَ بعدَ ما ... تخلّيتُ ممّا بيننا وتخلّتِ
لكالمرتجي ظلَّ الغمامة كلّما ... تَبوّأ منها للمقيل اضْمَحلّتِ
وقال عمر بن أبي ربيعة المخزومي:
ألا ليتَ أنّي يومَ تُدعى جِنازتي ... أشمُّ الَّذي ما بين عينيكِ والفَمِ
وليتَ طَهوري كان ريقَكِ كلَّه ... وليتَ حَنوطي من مُشاشك والدمِ
وليتَك من بعدِ المماتِ ضَجيعتي ... هُنا وهُنا في جنّةٍ أوْ جَهنّمِ
وقال مجنون بني عامر:
ولقدْ هممَتُ بقتلِها من أجلها ... كيْما تكونَ خصيمتي في المحْشَرِ
حتَّى يطولَ علَى الصراط وقوفُنا ... فتلَذّ منها مُقْلتايَ بمنظَرِ
ثمَّ ارتجعتُ فقلتُ روحي روحُها ... لمّا همَمْتُ بقتلِها لم أقْدرِ
وقال عبد الرحمن بن حسان:
قد كنتُ أعذلُ في السفاهةِ أهلَها ... فاعجَبْ لما تأتي به الأيّامُ
فاليوم أعذرُهم وأعلَمُ إنَّما ... سُبلُ الغواية والهُدى أقسامُ
وقال آخر:
يا موقدَ النّار يُذكيها ويُخمدها ... قُرُّ الشّتاء بأرواحٍ وأمطارِ
قُمْ فاصطَلِ النَّارَ من كبدي مُضرّمةً ... للشوق تَغْنَ بها يا موقِدَ النَّارِ
ويا أخا الذَّوْد قد طال الظماء به ... لم يدرِ ما الرِّيّ من جَدْب وإقتارِ
ردّ العطاش علَى عيني ومحجرها ... ترو العطاش بدمع واكف جارِ
يا مدمعَ العينِ إنْ جدّ الرحيلُ فلا ... كانَ الرحيلُ فإني غيرُ صبّارِ
وقال آخر:
استر هواكَ من الَّذي تهوى ... لا تُفْضينّ إليه بالشكوى
فلرُبَّ مُمْتنعٍ علَى طلب ... خلّيتُه فانقادَ لي عفَوا
جُبِلوا علَى إكرام مبغِضهم ... وعلى التهاوُنِ بالذي يَهْوى
آخر:
غلامٌ كان مطروحاً لدينا ... كطرحة ف.... حين.... جي
فلما قيل معشوقٌ تعالى ... علوَّ النجمِ في فَلك البُروجِ
ولو جملُ السقاية لَقّبوه ... بمعشوق لحذّف باذروجي
أنشدني أبو العبَّاس بن اللحام، قال: أنشدني والدي علي بن الحسين لنفسه:
بكرَ الربيعُ وذو الهَوَى لا يُعْذَر ... ما لم يكنْ للَّهوِ فيه مبكرُ
فاطوِ الظلامَ بضوءِ كأسكَ واسْقني ... عذراءَ قَصّر عن سِنيها قيصَرُ
خلتِ السنون بروحها حتَّى صفَتْ ... فكأنها في الكأسِ شمسٌ تَزْهرُ
كم موردٍ للحُسْنِ فيه ومنهلٍ ... إن عبَّ لهوك فيه عزّ المصدَرُ
يُلهيك عن ورد الخدودِ بوَرْده ... وكأنَّ نرجِسَه عيونٌ تنظرُ
من كلّ شاخصةِ الجفونِ كأنها ... والشَّمْسُ طالعة ظباءٌ تُذْعَرُ
وكأن نَوْرَ الأُقحوانِ تبسُّماً ... فيه ثُغورُ خرائدٍ ما تُثْغرُ
ومُداهن من نار آذريونَها ... يذكو قرارتهنّ مسكٌ أذفَرُ
وكأنما زهرُ البنفسج فوقَها ... المرجانُ والمنثورُ دُرّ يُنْثَرُ
وقال أبو أحمد منصور بن أبي منصور قاضي هَراة:
الله جارُ عصابةٍ رَحلوا ... ساروا وقلبُ الصبِّ عندهمُ
ما الشأنُ عندي في رحيلهمُ ... الشَّأنُ كيفَ بقيتُ بعدهُمُ
وقال آخر:
لا تُظهِرَنَّ محبَّةً لحبيبِ ... فترَى بعينكَ منه كلَّ عجيبِ
أظهرتُ يوماً للحبيبِ مودَّتي ... فأخذتُ من هجرانِهِ بنَصيبِ
وقال آخر:
تَفانيتُ حتَّى كِدتُ أخفَى من القَضَا ... ويَعمَى مَجَسِّي عن عيونِ حِمَامي
ولو أنَّ أحداثَ الزَّمانِ طلبْنَنِي ... بخير وشرّ ما عَرفنَ مقامِي
آخر:
(1/17)

ضَنِيتُ فلو أُدخِلتُ في حلقِ بقَّةٍ ... خَريفيَّةٍ من دِقاًتي لم تَغَصَّ بِي
للمتنبي:
ولو قَلَم أُدخلتُ في شَقّ رأسِهِ ... من السُّقمِ ما غَيّرت من خطِّ كاتِبِ
وقال آخر:
ومُنَعَّمٍ كالغصنِ ذي مَيَل ... جَمّشتُهُ فاحمرَّ من خَجَل
لمَّا شممت الخمرَ من فمِه ... وفَّيتُهُ حَدّاً من القُبَل
وقال وضَّاح اليمن:
قالتْ ألا تَلِجَنْ دارَنَا ... إنَّ أبانَا رجلٌ غائرُ
أما رأيتَ القصرَ مِن دوننا ... فقلتُ إنِّي فوقَهُ ظاهرُ
قالتْ فإنَّ اللَّيثَ غادٍ به ... فقلتُ سيفي صارمٌ باترُ
قالتْ فإنَّ البحرَ قدَّامَنَا ... قلتُ فإنِّي سابحٌ ماهرُ
قالتْ أليسَ الله من فوقنا ... قلتُ بلَى وهو لَنَا غافرُ
قالتْ فأمَّا حينَ أعييتنا ... فأْتِ إذا ما هجَعَ السَّامرُ
فاسقُطْ علينا كسُقوطِ النَّدَى ... ليلةَ لا ناهٍ ولا آمرُ
وقال آخر:
فأسبَلَتْ لُؤلؤاً من نرجسٍ وسَقَتْ ... ورداً وعضَّتْ علَى العُنَّابِ بالبَرَدِ
آخر:
خَريدَةٌ لو رأتْها الشَّمْسُ ما طلعَتْ ... من بعدِ رؤيتِها يوماً علَى أَحَدِ
وقال آخر:
بَيني وبينَ الدَّهْرِ فيكَ عِتابُ ... سيطُولُ إنْ لمْ يَمْحُهُ الإعتابُ
يا غائباً بوِصالِهِ ومَزَارِهِ ... هلْ يُرتَجَى من غيبتيكَ إيَابُ
لولا التَّعلُّلُ بالمُنَى لتَقَطَّعتْ ... نفسٌ عليكَ شِعارُهَا الأوصابُ
لا يأسَ من روحِ الإلهِ فربَّما ... يصِلُ القطوعُ ويَقدم الغيَّابُ
وقال أبو القاسم المهراني الزوزني:
بَلائِي منكَ يَا مَوْلا ... يَ في خَطَّينِ من مسْكِ
كليلٍ تحتَهُ صُبْحٌ ... تَلاشَى فيهما نُسْكي
وقال آخر:
لِي إلى الريح حاجةٌ لو قَضَتْها ... كنتُ للرِّيحِ ما حَيِيتُ غُلامَا
حَجَبوها عنِ الرِّياحِ لأنِّي ... قلتُ للرِّيحِ بلِّغيها سَلامَا
لو رَضُوا بالحِجابِ هانَ ولكنْ ... مَنَعُوها يومَ الرِّياحِ الكلامَا
فَتَثَنَّيتُ ثمَّ قلتُ لِطَيْفِي ... ويكَ لو زُرْتَ طيفَهَا إلمامَا
خصّها بالسَّلام سرّاً وإلاَّ ... مَنَعوها لشقوَتي أنْ تَنَامَا
ولأبي القاسم الزوزني:
أعطِنِي تَذكرةً خاتَماً ... اسمُكَ مكتُوبٌ علَى فَصِّهِ
مَا روَّعَتْني زَفَراتُ الهَوَى ... إلاَّ تَرَوَّحتُ إلى مَصِّهِ
وقال أبو علي الطلقي، وقد كتب بها إلى أبي القاسم الزوزني هذا مع غلام أهداه له:
قدْ وَهَبْنا غزالَنَا المَوْموقا ... لكَ إذْ كنتَ للغزالِ حَقِيقَا
وأَفَقْنا عن الصَّبابةِ واللَّهْ ... وِ وما كانَ عزمُنَا أنْ نُفِيقَا
هاكَ خذه إليكَ بَدراً مُنيراً ... وغزالاً أحوَى وغُصناً أَنيقَا
أبداً يَستفيدُ من وجهِهِ النَّا ... ظرُ معنًى من الجمالِ دَقيقَا
وقال آخر:
مَن عاشَ في الدُّنيا بغير حَبيب ... فحياتُهُ فيها حياةُ غَريبِ
أوَ مَا تَرَى الطَّيرينِ كيفَ تَزَاوَجَا ... من غيرِ خاطبةٍ وغيرِ خطيبِ
وأنشدني لطف الله بن أحمد الهاشمي لنفسه:
قالتْ سَلاَ وُدُّنا وحالَ ولمْ ... أسْلُ فَتَجْزِي به ولمْ أحُلِ
عندكِ قلبِي فقلِّبيهِ فإنْ ... وجدتِ فيه سواكِ فانتَقِلِي
وقال أبو بكر الخوارزمي:
يَفُلُّ غداً جيشُ النَّوَى عسكرَ البَقَا ... فرأيُكَ في سَحّ الدُّموعِ مُوَفَّقَا
وخُذْ حجَّتِي في تركِ جيبِي سالماً ... وقلبِي ومِن حَقَّيهما أنْ يُشَققَا
يَدي ضَعُفَتْ عنْ أنْ تمزقَ جَيْبَهَا ... ولم يكُ قَلبي حاضراً فَيُمزَّقا
وقال غيره في الغيرة:
إنِّي لأحسُدُ ناظريَّ عليكَا ... حتَّى أغُضَّ إذا نظرتُ إليكَا
وأراكَ تخطُرُ في شَمائلكَ الَّتي ... هي حَسرتِي فأغارُ منكَ عليكَا
ولوِ استطعتُ جرحتُ لفظَك عامداً ... إنِّي أراهُ مُقبِّلاً شَفتيكا
خلَصَ الهَوَى لكَ واصطفتْكَ مودَّتي ... وغدوت من حبَّيك طوع يديكا
من فرطِ إشفاقِي ورقَّة غيرتي ... إنِّي أغارُ عليكَ مِنْ مَلَكَيْكا
(1/18)

وقال أبو سهل النيلي:
قُولا لمُنَى قلبيَ إسماعيلا ... أنعِمْ بِنَعَمْ أطلتَ إسماعيلا
شعَّلتَ حَشَايَ بالهَوَى تَشْعيلا ... أدرِكْ رَمَقي فإنَّ صبرِي عِيلا
وقال المؤمّل بن أميل:
لسْنا بسَالينَ إن سَلَوا أبداً ... عنهمْ ولا هاجرينَ إنْ هَجَروا
نحنُ إذاً في الجَفَاءِ مثلهُمُ ... إذا غدرْنا بهم كَما غَدَروا
إنْ يهجرُونا فطالَمَا وَصَلوا ... وإنْ يَغيبُوا فطالَمَا حَضَروا
وقال آخر:
أنت كدَّرتَ يا حياتي حياتي ... أنت أقررت بي عيونَ العداةِ
يا قضيباً يهتزُّ بين رياض ... وغزالاً يجولُ في الفلواتِ
أنت أحلَى من الأمانِ لجان ... ومن النَّوم وقت كلّ صلاةِ
ليسَ بِي أن أموت وجداً ولكنْ ... حذراً من شماتِ أهل الشّماتِ
ويروى للمهدي أمير المؤمنين:
أمَا يكفيكِ أنَّكِ تملكيني ... وأنَّ النَّاس كلّهم عَبيدي
وأنَّك لو قطعت يدي ورجلي ... لقلت من الرّضا أحسنت زيدي
أرَى ماء وبي عطش شديد ... ولكن لا سبيلَ إلى الورودِ
ورودي حوض مائك فاعلميه ... أحبُّ إليَّ من نيلِ الخلودِ
غداً ينأَى الأحبَّةُ غير شكّ ... فأبد مقالة الرَّجل الجليدِ
ستضحي بعدَ بينهم وحيداً ... غداً والله جارك من وحيدِ
وقال سحيم الحبشي عبد بني الحسحاس:
فما بيضةٌ باتَ الظَّليمُ يحفُّها ... ويرفعُ عنها جؤجؤاً مُتجافِيا
ويُلبسُها من الصَّقيع جناحَهُ ... ويبدي لها وَحْفاً من الزِّفِّ وافِيا
بأحسنَ منها يومَ قالتْ أرائحٌ ... مع الرَّكبِ أمْ ثاوٍ لَدَينا ليالِيا
ألا نادِ في آثارهنَّ الغَوانيا ... تساقينَ سمّاً ما لهنَّ وما لِيا
وراهُنَّ ربِّي مثلَ ما قد وَرَيْنني ... وأحمَى على أكبادهنَّ المكاوِيا
تعاوَرْنَ مِسواكِي وأبقينَ مُذْهَبَا ... من الحليِ في صُغْرَى بنانِ شمالِيَا
فلو كنتُ ورداً لونُه لعَشِقْنَني ... ولكنَّ ربِّي شانَني بسوادِيا
رأتْ قَتَباً رثّاً وأخلاقَ شَمْلَةٍ ... وأشعثَ ممَّا يملكُ النَّاسُ عارِيا
وقال آخر:
يا قمراً غابَ عن عِيانِي ... قلْ لِي حبيبي مَتَى الطُّلوعُ
غِبْتَ وما غبتَ عن فُؤادي ... يا ليتَ شِعري مَتَى الرُّجوعُ
لو أنبَتَ العشبَ دمعُ عينٍ ... لكانَ في خَدّي الرَّبيعُ
آخر:
إنْ أنتَ لم تقدِرْ علَى نقدِ الجُمَلْ ... فليسَ للحُبِّ معَ الفقرِ عَمَلْ
وقال القاضي التنوخي:
أعشَقُ لا عشقتُ أخا نُحولٍ ... فَغيري صاحبُ الخلْقِ الظَّريفِ
إذا لمَسَتْهُ كَفِّي لم تلامسْ ... سِوَى جِلدٍ علَى بَدَنٍ نحيفِ
آخر:
قالُوا عشقتَ عظيمَ الجِسمِ قلتُ لهم ... الشَّمسُ أعظَمُ جسمٍ حازَهُ الفلَكُ
وقال آخر في ضدّه:
شرْطِي البياضُ فلا أبغِي بِهِ بدلاً ... ممَّن أَرَى قدَّه كالغصنِ مجْدولا
لا أعشَقُ الأسمرَ المقبوحَ من سِمَن ... لكنَّني أعشَقُ البِيضَ المَهازِيلا
وقال آخر:
بَدَتْ فبَدَا لنا قمرٌ ... بَها واللَّيلُ مُعتَكِرُ
فقالتْ ما دَهَاكَ أبِنْ ... فقلتُ دَهَانيَ النَّظرُ
سَلِي أجْفانَكِ المرضَى ... وعندَ جُهَينَةَ الخبرُ
وقال آخر:
أصبُو إلى فِئة نادمتُهم زَمَناً ... مثلَ الشَّياطينِ في زِيِّ الشَّياطينِ
مَشَوا إلى الرَّاحِ مشيَ الرُّخِّ وانصرفُوا ... والرَّاحُ تمشي بهم مشيَ الفَرازينِ
وقال الحسن بن هانئ في أدب الشّرب:
ولستُ بقائلٍ لنديمِ صدقٍ ... وقد أخَذَ الشَّرابُ بوجنتَيْهِ
تَنَاولْها وإلاَّ لمْ أذُقْها ... ليشربَهَا وإنْ ثقُلتْ عليهِ
ولكنِّي أصدُّ الكأسَ عنهُ ... وأصرِفُها بغمزَةِ حاجبيهِ
وإنْ ثنَّى الوِسادَ لنومِ سُكْرٍ ... دَفعتُ وِسادَتي أيضاً إليهِ
وقال آخر في نحوه:
قلْ للأميرِ أدامَ اللهُ مدَّتهُ ... والحقُّ أفضلُ من تنحُوهُ من نَحْوِ
إنَّ الشَّرابَ له رسمٌ سمعتَ بِهِ ... أنْ لا يُعادَ حديثُ السُّكْرِ في الصَّحْوِ
وقال آخر:
(1/19)

مشرقُ الوجهِ أضاءَ الغَلَسا ... كادَ لا يُبقي لنفسِي نَفَسَا
لبسَ الصّوفَ لكيْ أنكِرهُ ... وبَدَا لي شاحباً قدْ عَبَسا
قلتُ أهلاً وقد عَرفناكَ وَذَا ... جُلُّ سُوءٍ لا يَشين الفَرَسا
كلُّ ثوبٍ أنتَ فيه حَسَنٌ ... لا يُبالي حَسَنٌ ما لبِسَا
آخر:
لا تَعجَبُوا من بِلَى غِلالتِهِ ... إذْ زُرَّ كَتَّانهُ علَى القَمَرِ
وقال مروان بن أبي حفصة:
إنَّ الغَوانِي طالَمَا قَتَّلنَنَا ... بعُيُونهنَّ وما وَديْنَ قَتيلا
أردينَ عروةَ والمرقّشَ قبلَهُ ... وكثيِّراً قتلنَهُ وجَميلا
إنْ لم أكُنْ ممَّن قتلنَ فإنَّني ... ممَّن تركنَ فؤادَهُ مَتْبولا
وقال أبو أحمد اليمامي:
ما ذاقَ مُرَّ الموتِ قبل مَذاقِهِ ... إلاَّ محبٌّ غابَ عنهُ حبيبُ
النَّارُ في أحشائِهِ مَشْبوبَةٌ ... والدَّمعُ في أجفانِهِ مسكوبُ
ضِدَّانِ مختلِفانِ يَعْتَوِرانه ... ليَتِمَّ في الدُّنيا له التَّعذيبُ
وقال ابن المعتزّ:
أقولُ لصحبٍ ضمَّتِ الكأسُ شملهمْ ... وداعِي صَباباتِ الهَوَى يترنَّمُ
خُذوا بنصيبٍ من نعيمٍ ولذَّةٍ ... فكلٌّ وإنْ طالَ المَدَى يتصرَّمُ
ألا إنَّ أهنا العيشِ ما سامحتْ بِهِ ... صُروفُ اللَّيالي والحوادثُ نُوَّمُ
آخر:
أقولُ للقلبِ وعاتَبْتُهُ ... علَى التَّصابي مِئَتَيْ مرَّهْ
يا قلبِ دعْ عنكَ طِلابَ الهَوَى ... ما كلُّ يومٍ تسلَمُ الجرَّهْ
وقال نصيب:
إنْ تسألُوا عن قِصَّتِي فأنا الَّذي ... لعِبَ السّقامُ بمُهْجَتي فأعَلَّها
قالُوا يسرُّكَ أنْ تزُورَكَ في الكَرَى ... وتَبِينُ نفسُك عنكَ قلتُ ومَنْ لها
أنشدني سليمان بن رحمة بن غانم الأسدي:
ولمَّا تلاقَيْنا جرتْ من عيونِنَا ... دُموعٌ كَفَفْنا غربَهَا بالأصابِعِ
ونِلْنا سِقاطاً من حديثٍ كأنَّها ... جَنَى النَّحلِ ممزوجاً بماءِ الوقائِعِ
أنشدني قاضي سجستان:
ملكتَ روحِي فأنتَ تُتْلِفها ... حكمُك في قبضِ مُهجَتِي ماضِ
والخصمُ لا تُرتَجَى النَّجاةُ لهُ ... يوماً إذا كانَ خصمُهُ القاضِي
وقال أبو العبَّاس الأشعث الزوزني:
يا مَن حَمَى عيني الكَرَى وينامُ ... قَتْلِي بلا جرمٍ عليكَ حرامُ
شيَّبتَ رأسِي قبل حينِ مَشيبِهِ ... ومِن العجائبِ أن يَشيبَ غلامُ
وقال آخر:
يا هلالاً يدورُ في فلكِ النَّا ... وَرْدِ رفقاً بأعيُنِ النَّظَّارَهْ
قِف لنا في الطَّريقِ إنْ لم تزُرْنا ... وقفةٌ في الطَّريقِ نصفُ زِيارَهْ
وقال أبو الفضل بن العميد:
قدْ سَبَاني ابنُ مجوس ... يٍّ بطرفٍ واحْوِرارِهْ
وجهُهُ قبلَةُ وَجهي ... وفُؤادِي بيتُ نارِهْ
آخر:
مُتَهَوِّدٌ صبَغَ الهَوَى لَوني لَهُ ... وأذابَ قلبي في الهَوَى تَذكارُهُ
فكأنَّني من صُفرتِي عَسَليُّهُ ... وكأنَّني من دقَّتي زِنَّارُهُ
فإذا جَحَدْتُ هواهُ أوْ أنكرتُهُ ... شَهدتْ عليَّ من الهَوَى آثارُهُ
وقال بعض القضاة في نصرانيّ:
لولا الحياءُ وأنَّني مَستورُ ... والعيبُ يلحقُ بالكبيرِ كَبيرُ
لَحَلَلْتُ بالبيتِ الَّذي أنتُم بِهِ ... ولَكانَ منزلُنَا هو المَهجورُ
في خيَّاط:
وأعذبُ من شَمِّ ريحِ الحنا ... نِ خيوطٌ تَرَوَّينَ من ريقِهِ
في بائع السُّكّر:
يَصيحُ والسّكّرُ قُدَّامهُ ... مَنْ يَشتري الحلوَ من الحلوِ
وقال أبو علي الفَلْجَرْدي في كاتب مختطّ:
وقد غَرَّهُ خطَّانِ خَطُّ بَنَانِهِ ... وخَطُّ عِذارٍ كالمدادِ يلوحُ
وليسَ يُبالي بالزَّمانِ وأهلِهِ ... ولا بغرابٍ بالفراقِ يَنوحُ
أنشدني الحسن بن أبي قابوس:
عَلَّقوا اللَّحمَ للبُزا ... ةِ علَى ذِرْوَتَيْ عَدَنْ
ثمَّ لامُوا البُزاةَ أنْ ... خَلَعتْ عندَهَا الرَّسَنْ
قلْ لمنْ لامَ في الهَوَى ... نَقِّبُوا وجهَهُ الحَسَنْ
وقال آخر:
يا قمراً جَمّشتُهُ فَتَغَضَّبا ... وأظهَرَ إعْراضاً لنا وتَجنُّبا
(1/20)

فإنْ كنتَ للتَّجميشِ واللَّحظِ كارهاً ... فلا تدخُلَنَّ السُّوقَ إلاَّ منقّبا
ولا تظهرنَّ الخَدَّ للنَّاسِ فِتنةٌ ... ومن تحتِ صحنِ الخدِّ صُدْغاً معَقْربا
فتهتِكَ مَستوراً وتَفتِنَ ناسكاً ... وتقتلَ قاضِي المسلمينَ مُعذّبا
وقال مجنون بني عامر:
إذا طنَّتِ الأذْنانِ قلتُ ذَكرتِني ... أو اختلجتْ عيني رَجَوتُ التَّلاقيَا
أُصلِّي فما أدري إذا ما ذكرتُها ... أثنتينِ صلَّيتُ الضُّحَى أمْ ثمانِيا
خليليَّ إن بانُوا بليلَى فَقَربَا ... ليَ النَّعشَ والأكفانَ واستغفرا لِيَا
خليليَّ إلاَّ تبكِيَا ليَ أستعِنْ ... خليلاً إذا أفنيتُ دمعي بكَى لِيَا
فلو أنَّني أشكو الَّذي قدْ أصابَني ... إلى مَيتٍ في قبرِهِ لبكَى لِيَا
ولو أنَّني أشكو الَّذي قد أصابَني ... إلى جَبَلٍ صعبِ الذُّرَى لانْحَنَى لِيَا
ولو أنَّني أشكو الَّذي قد أصابَني ... إلى مُقعَدٍ في بيتِهِ لعَدَا لِيَا
وإنِّي لأسْتَغْشي وما بي نَعسَةٌ ... لعلَّ خَيَالاً منكِ يَلقَى خَيالِيَا
تَجَرَّمَ أهلُوها الذّنوبَ كأنَّني ... قَتَلْتُ لِليلَى إخوةً ومَوَالِيَا
حَلَفتُ لئنْ لاقيتُ ليلَى بخَلْوةٍ ... أن ازْدَار بيتَ اللهِ رَجْلانَ حَافِيَا
تَكَنَّفني الواشونَ من كلِّ جانبٍ ... ولو كانَ واشٍ واحدٌ لكَفانِيَا
ولو أنَّ واشٍ باليمامةِ دارُهُ ... ودَاري بأعلى حَضْرموتَ اهتَدَى لِيَا
وماذا لهمْ لا أحسَنَ الله حفظهُمْ ... من الخطِّ في تصريمِ ليلَى حِبالِيَا
إذا ما قَعدْنا موضِعاً نستلذُّهُ ... أطافوا بِنا حتَّى أمَلَّ مكانِيَا
وقال آخر:
أيا طلعةَ القمرِ الزَّاهِرِ ... ويا قامَةَ الغُصنِ النَّاضِرِ
ويا غائباً حاضراً في الفؤادِ ... سَلامٌ علَى الغائِبِ الحاضِرِ
وقال آخر:
يا قمرَ القصرِ مَتَى تطلُعُ ... أشقَى وغَيري بكَ يستمتِعُ
إن كانَ ربِّي قد قَضَى كلَّ ذا ... منكَ علَى رأسي فما أصنَعُ
وقال آخر:
وأَحببتُ القيامَةَ لا لشيءٍ ... ولكنْ كيْ أراكِ علَى الصِّراطِ
ومِنْ دونِ الَّذي أمَّلتُ منكمْ ... دُخُولَ الفيلِ في سمّ الخياطِ
وقال آخر:
يا مَنْ بلا سَبَبٍ أطالَ عَذابي ... لا يتْلَفَنَّ علَى يَدَيكَ شَبابِي
قد كنتُ أنظرُ في النُّجومِ محاسِباً ... ما كانَ حبُّكَ في دقيقِ حسابِي
الصَّابرونَ علَى الهَوَى وعذابِهِ ... يُجْزَونَ أجرهُمُ بغيرِ حسابِ
وقال الحسن بن أبي العبَّاس الزوزني:
قلْ للَّذي طُرَّتُهُ كالدُّجَى ... وَوَجْهُهُ تحتَ الدُّجَى كالضُّحَى
قَتَلتَني عمْداً وجرَّحْتَني ... قلْ لأبي الفضلِ حليفِ النَّدَى
وقال آخر:
عَلَى بُعدِكَ لا يصبرُ ... مَنْ عادَتُهُ القُرْبُ
وفي هجرِكَ لا يصبِرُ ... مَنْ تيَّمَهُ الحُبُّ
لئنْ غِبْتَ عن العينِ ... لَقَدْ أبصرَكَ القلبُ
وقال كشاجم:
لوْ لمْ يكنْ مِن بَرَدٍ ساقُها ... لاحترَقَتْ من نارِ خَلْخالِها
تستدْفِعُ الأعينَ عن حسنِهَا ... بِعُوذةٍ من قُبْحِ أفعالِها
وقال أبو طالب المأمونيّ:
أبَى طارقُ الطَّيفِ إلاَّ غُرورَا ... فَسُومي خيالَكِ أنْ لا يَزُورا
وما أكرَهُ الطَّيفَ بغضاً لَهُ ... ولكنَّني أكرَهُ الوَصْلَ زُورَا
وقال ابن سكّرة الهاشميّ:
ومُشتملٍ بالحُسنِ لم يبقِ حُبُّه ... فُؤاداً صَحيحاً للعبادِ ولمْ يَذَرْ
إذا اشتَقْتُهُ يوماً فبالشَّمسِ سَلوتِي ... أوْ اشتقتُهُ ليلاً تعلَّلتُ بالقَمَرْ
لَهُ عارضٌ كالمسكِ قد لاحَ في نَقَا ... صحيفةِ دُرٍّ لا يُقاسُ إلى الدُّرَرْ
تيقَّنْتُ مُذْ لاحتْ صَوالج صُدغِهِ ... علَى خدِّهِ أنَّ القلوبَ لها أُكَرْ
وقال أبو الحسن بن ناصر العلويّ صاحب طبرستان:
قُمْ عَصَافير بطرفِ الطّرفينِ ... واسقِنِي العِقْيانَ في كأسِ لجيْنِ
اسمُ ساقِينَا بها نَعْتٌ لها ... فاسْقِنِي الرَّاحَ وشُدَّ الوَتَرَيْنِ
(1/21)

أنشدني أبو إسحاق بن بندهزار الزوزني:
تحتَ ثِيابِي بَدَنٌ ناحلٌ ... وفي فؤادِي شُغُلٌ شاغِلُ
يا ربِّ لا صبرَ علَى كلّ ذَا ... مَوْتٌ وإلاَّ فَرَجٌ عاجِلُ
وقال القاضي التنوخي:
فديتُ عينيكَ وإنْ كانَتَا ... لم تُبقِيَا من جَسَدِي شَيَّا
إلاَّ خَيالاً لو تأمَّلتَهُ ... في الشَّمسِ لم تُبصرْ له فَيَّا
وقال آخر:
مَنْ كانَ يَزعمُ أنْ سيكتُم حُبَّه ... حتَّى يُشَكَّكَ فيه فهو كَذوبُ
الحُبُّ أغلبُ للرِّجالِ بقهره ... من أنْ يُرَى للسِّرِّ فيهِ نَصيبُ
إنِّي لأَبْغَضُ عاشقاً متحفِّظاً ... لم تتَّهِمْهُ أعيُنٌ وقلوبُ
وقال آخر:
زَمُّوا المَطايا غَداةَ البَيْنِ وارْتَحَلوا ... وخَلَّفوني علَى الأطلالِ أبْكِيها
تَبِعْتُهم فاستَرابُوني فقلتُ لهم ... إنِّي بُعثتُ مع الأجمالِ أحدوهَا
قالوا فنفسُكَ تعلو هكذا صُعُداً ... ودمعُ عينكَ لا تَرقى مآقيهَا
قلتُ التَّنفُّسُ من إدمانِ سيركمُ ... ودمعُ عينيَ جارٍ من قَذًى فيها
نفسِي تُساقُ إذا سِيقَتْ رِكابكمُ ... فإنْ عزمتُم على قتلِي فَسُوقُوها
وقالت امرأة:
أماطتْ كِساءَ الخَزِّ عن حُرِّ وجهِهَا ... وأرخَتْ علَى الخدَّينِ بُرْداً مُهلَّهَلا
منَ الَّلاءِ لمْ يَحْجُجْنَ يَبغينَ حِسْبَةً ... ولكنْ ليقتُلْنَ البَريءَ المُغفَّلا
أنشدني أبو علي الحبوبي الزوزني:
أُسكُنْ إلى سَكَنٍ تَقَرُّ بِهِ ... ذهبَ الزَّمانُ وأنتَ مُنفردُ
تَرجُو غَداً وغَدٌ كوالدةٍ ... في النَّاسِ لا يَدرُونَ ما تلِدُ
وقال عبد الصّمد بن المعذّل:
أقولُ وجنحُ اللَّيلِ مُلْبِدُ ... وللَّيلِ في كلِّ فجٍّ يَدُ
وقد ضمَّ أجسادَنَا مَجْسَدٌ ... ولله ما ضمَّنَ المجْسَدُ
أيا ليلةَ الوصلِ لا تَنْفَدِي ... كَمَا ليلةُ الهجرِ لا تنفَدُ
ويا غَدُ إنْ كنتَ بي مُحسناً ... فلا تدنُ من ليلتي يا غَدُ
وقال آخر:
أيا جَبَلَيْ نُعمانَ باللهِ خَلّيَا ... طريقَ الصّبَا يخلُصْ إليَّ نسيمُها
فإنَّ الصَّبَا ريحٌ إذا ما تَنَسَّمتْ ... علَى نفسِ مَهمومٍ تجلَّت هُمومُها
وقال آخر:
قِفْ بالمطِيّ فَنادِ في صحرائهم ... فعَسَى يُجيب الحيُّ من أبنائهمْ
أما الخِيام فإنَّها كخيامهم ... وأَرَى نساءَ الحيِّ غيرَ نسائهمْ
لا والَّذي حجَّتْ قريشٌ بيتَهُ ... يَستقبلونَ الرّكنَ من بطحائهمْ
ما أبصَرَتْ عيني خيامَ قبيلةٍ ... إلاَّ ذكرتُ أحِبَّتي بفنائهمْ
آخر:
لأصمتُ إنْ لمْ أَصُمْ عن كلِّ جاريةٍ ... حتَّى يكونَ بِريقٍ منكَ إفْطارِي
آخر:
كأنَّما الكأسُ إلى ثغرِهِ ... مَوصولةٌ بالأنمُلِ الخمسِ
ياقوتةٌ حَمراءُ قد صُيِّرتْ ... واسطةٌ للبدرِ والشَّمسِ
أنشدنا القاضي المؤمل بن الخليل خطيب غزنة:
قدْ برَّحَ الحُبُّ بمشتاقِكْ ... فأَوْلِهِ أحسَنَ أخلاقِكْ
لا تَجْفُهُ وارْعَ له حقَّهُ ... فإنَّهُ آخرُ عُشَّاقِكْ
وقال آخر:
مِن حبّهَا أتمنَّى أنْ يُلاقِني ... مِن نحوِ بلدَتِها ناعٍ فينعَاهَا
كَيْما أقولُ فراقٌ لا وِصالَ لَهُ ... ويضمِرُ القلبُ يأساً ثمَّ أسْلاها
حدَّثني عبد الله بن يوسف الأصفهاني بنيسابور، قال: حدَّثنا أحمد بن علي بن حسنويه، قال: حدَّثنا سليمان بن سيف، قال: حدَّثنا أبو عاصم النِّيلي عن أميَّة بن عبد الله بن أبي عثمان عن محمد بن قيس بن مخرمة أنَّ النَّبيّ صلى الله عليه وسلّم رأى رجلاً معه سوط لا علاقة له، فقال له: " أحسِن علاقة سوطك، فإنَّ الله جميل يحبُّ الجمال ".
وروي عن ابن عبَّاس أنَّه قال: من عشق وكتم فمات مات شهيداً.
(1/22)

وروي عن علي بن أبي طالب كرَّم الله وجهه، كانت له جارية تسعى في حوائجه مليحة، وكان له مؤذّن شيخ كلّما رأى الجارية قال: إنِّي أحبّك، فشكت ذلك إلى أمير المؤمنين، فقال لها: إذا قال لك أنا أحبّك فقولي له: وأنا أيضاً أُحبّك، فماذا؟ فقالت له ذلك، فقال: أصبر وتصبرين حتَّى يحكم الله وهو خير الحاكمين. فذكرت ذلك لأمير المؤمنين فدعا بالمؤذّن، فأعتق الجارية وزوّجها منه وقال: قد حكم الله وهو خير الحاكمين.
وروي أن محمد بن هارون الأمين كلن يوسف زمانه جمالاً وكان الكسائيّ يؤدّبه وإخوته. فرجع محمد إلى الرَّشيد ذات ليلة فقال له: إنَّ الكسائيّ يحدّد النَّظر إليّ من بين إخوتي، فقال الرشيد: إنَّ الكسائيّ عفيف، ولكن بكّر إليه قبل الصّبيان فقل له وهو وحده: إنَّك لتحدّد النّظر إليَّ، فإن كانت لك إليَّ حاجة فاعرضها عليّ فإنَّها مقضيّة، ثمَّ خبّرني بما يردّ إليك. فبكّر إليه محمد، فلمَّا خلا به قال له ذلك، فقال الكسائيّ: يا بنيّ، أما علمت أنَّ النَّظر إلى الوجه الحسن يورث الغير نوراً والقلب سروراً؟ فأمَّا الحاجة إليك فلا والحمد لله، لا تعد لمثل هذا الحديث. فرجع إلى الرَّشيد فأخبره، فقال: لم تخطئ فراستي في الكسائيّ، وزاده بعد ذلك إكراماً.
وحدَّثني الحسن بن محمد الوليدي الفقيه عن مشايخه أنَّ أبا يوسف القاضي كان عند الرشيد ذات يوم وبين يدي الرشيد غلام مختطّ حسن الوجه من أبناء عمّه قائم علَى رسم الخدمة، وكان الرشيد يحدّث أبا يوسف وأبو يوسف يحدّد النَّظر إلى الغلام، فقال له الرشيد: هو ذا أحدّثك وأنت مقبل ببصرك علَى هذا القائم، فقال أبو يوسف: نعم يا أمير المؤمنين، حدَّثني ابن أبي ذئب عن الزهري عن أنس عن النَّبيّ صلى الله عليه وسلّم أنَّه قال: " ثلاثة تجلو البصر: الاكتحال بالإثمد، والنَّظر إلى الماء الجاري، والنَّظر إلى الوجه الحسن "، وأنا شيخ ضعيف البصر أحببت أن أجلو بصري، فتبسَّم الرشيد وأومأ بيده فقامت جارية من وراء الخدر ونقرت العود نقراً أعجب السَّامعين جودة فصبر أبو يوسف حتَّى فرغت، ثمَّ قال: أحسنت، فقال الرشيد: لم تقتصر علَى حسن السماع حتَّى قلت أحسنتِ، فقال: إنَّما قلتُ أحسنتِ حين أمسكت، فقال الرشيد: لله درّكم يا أصحاب أبي حنيفة، من ذا يقاومكم.
راود عبد الملك بن مروان نصيباً علَى الشرب، فقال: يا أمير المؤمنين، إنَّما قرَّبني منك عقلي فهبه لي.
ويقال: اتَّقوا عشق العفيف، وضربة الجبان، ومنطق السَّاكوت، أيّ هذه الأشياء إذا وقعت كانت بليغة.
ويقال: الحبّ ثلاثة أنواع: نوع حجازيّ، وصاحبه يقتصر علَى الوقوف بالأطلال وسؤال الرسوم والنظر من بعيد، كما قال بعض أصحابه:
ليسَ في العاشقينَ أقنَعُ منِّي ... أنا أرضَى بنظرةٍ من بعيدِ
وقال الآخر:
أقلِّبُ طرفِي في النُّجومِ لعلَّهُ ... يُوافقُ طرفِي طرفَهَا حينَ أنظُرُ
وقال آخر:
أليسَ اللَّيلُ يجمعُنَا جميعاً ... أليسَ شرابُنَا من ماءِ وادِي
وحبّ عراقي: وصاحبه يتعاطى التَّقبيل والملامسة ولا يتعدَّاهما إلى غيرهما، ويقول أحد أصحابه:
ما الحُبُّ إلاَّ قُبَلٌ ... وغمزُ كفٍّ وعَضُدْ
فلا تَعَاطَ غيرَهَا ... مَن نكَحَ الحُبّ فسَدْ
تمَّ باب النسيب.
باب
الهجاء
قال النجاشي الحارثي:
إذا سقَى اللهُ أرضاً صوبَ غاديةٍ ... فلا سَقَى اللهُ أهل الكوفة المطَرَا
السَّارقينَ إذا ما جنَّ ليلهمُ ... والدَّارسينَ إذا ما أصبحوا السُّوَرَا
والتَّاركينَ علَى طُهْرٍ نساءهمُ ... والنَّاكحينَ بشطَّيْ دجلةَ البقَرَا
وقال آخر:
نهَى التَّيْميُّ عُتبةُ والمعلَّى ... وقالا سوفَ يبهرُكَ الصُّعودُ
أتطمعُ أنْ تنالَ منالَ قومٍ ... هُمُ سَبَقوا أباكَ وهمْ قُعودُ
ويُقضَى الأمرُ حينَ تَغيبُ تيْمٌ ... ولا يُستَأذَنون وهم شُهُودُ
وإنَّكَ لو رأيتَ عبيدَ تيْمٍ ... وتَيْماً قلتَ أيُّهمُ العبيدُ
وقال دعبل بن علي بن رزين الخزاعيّ:
أبا جعفرٍ وأصولُ الفَتَى ... تدلُّ عليه بأغصانِه
أفي الحقِّ أنَّ صديقاً أتاكَ ... لتكفِيَهُ بعضَ أشجانِه
فتأمرُ أنتَ بإعطائِهِ ... ويأمُرُ سعدٌ بحرمانِه
(1/23)

ولستُ أُحبُّ الشَّريفَ الظَّري ... فَ يكونُ غلاماً لغلمانِه
وقال آخر:
مُتَنَاومٌ إن زارَهَا إخوانُها ... متغافلٌ إن زارَهَا أخواتُها
امرأتهُ ملكتْ عليه أمورَهُ ... حتَّى ظننَّا أنَّه امرأتُهَا
أنشدني والدي:
قالوا طُهيَّةُ تهجوني فقلتُ لهم ... ما كنتُ أحسِبهم كانوا ولا خُلِقوا
قومٌ من الحَسَبِ العالي بمنزلةٍ ... كالفَقْع بالقاعِ لا أصلٌ ولا وَرَقُ
لو جاوَروا اليَمَّ ما تَنْدَى أنامِلُهم ... ولو يَبُولُ عليهم ثعلبٌ غَرِقوا
جَفوا من اللومِ حتَّى لو بَدَا لهم ... ضَوءُ السُّها في سوادِ اللَّيل لاحتَرَقُوا
وقال الطرمَّاح بن حكيم الطَّائي:
تَميمٌ بطُرْقِ اللؤمِ أهدَى من القَطَا ... ولو سلكتْ سُبْلَ المكارمِ ضلَّتِ
ولو أنَّ حُرقُوصاً علَى ظهرِ قملةٍ ... يكُرُّ علَى صَفَّيْ تَميمٍ لولَّتِ
أجَخْفاً إذا ما كنتَ في الحيِّ آمناً ... وجُبْناً إذا ما المشرفيَّةُ سُلَّتِ
وقال آخر:
وجَاءوا بمجنونٍ يَسيلُ لُعابَهُ ... وما صَاحبي إلاَّ الصَّحيحُ المُسلّمُ
أقولُ له والقولُ كالصَّمتِ عندَهُ ... وهلْ يسمَعُ الصَّخرُ الأصمُّ المُلْمْلَمُ
وإنَّ عَنَاءً أنْ تُعلِّمَ جاهلاً ... ويحسَبُ جهلاً أنَّه منكَ أعلَمُ
وهل يبلغُ البنيانُ يوماً تمامَهُ ... إذا كنتَ تبنِيهِ وغيرُكَ يهدِمُ
وقال الحُطيئة، أبو مليكة جَرْول:
والزِبْرِقانُ ذُناباهُمْ وشرُّهُمُ ... ليسَ الذُنابَى أبا العبَّاس كالرَّاسِ
دعِ المكارمَ لا ترحلْ لبُغيَتِها ... واقعدْ فإنَّك أنتَ الطَّاعمُ الكاسي
من يفعلِ الخيرَ لا يعدمْ جَوازيَهُ ... لا يذهبُ العرفُ بينَ اللهِ والنَّاسِ
وقال يهجو أُمّه:
جَزاكِ اللهُ شرّاً من عجوزٍ ... ولَقَّاكِ العُقوقَ من البَنينَا
تنحَّيْ فاقعُدِي عنِّي بعيداً ... أراحَ اللهُ منكِ العالمينَا
أغِربالاً إذا استُودِعتِ سرّاً ... وكانُوناً علَى المتحدِّثينا
وقال يهجو قومه:
لَعَمْري لقدْ جرَّبتكمْ فوجدتُكُمْ ... قِباحَ الوجوهِ سَيِّئي العذاراتِ
لكمْ نَفَرٌ مثلُ التُّيوسِ ونسوةٌ ... مَمَاجينُ مثل الأُتْنِ النَّعِراتِ
ونظر الحُطيئة في جبّ ماء فرأَى صورة وجهه فقال:
أري ليَ وجهاً شوَّهَ اللهُ خلقَهُ ... فَقُبِّحَ من وجهٍ وقُبِّحَ حامِلُهْ
وقال عمَّار بن أحمد الكاتب الزوزني في بعض ذويه:
يقبُحُ في خُفِّه وصندلِهِ ... والدُّبُّ مولاه حين ينتعِلُ
يقترحُ اللَّونَ إنْ أُضيفَ وإنْ ... لم يكُ ضيفاً فلونُهُ بَصَلُ
يا حسنَهُ مَيتاً تَشُولُ بِهِ ... أعناقُنا والبكاءُ مُفتعلُ
وقولُنا بعدَ دفنِهِ انْصَرِفوا ... لا مأتمٌ عندَنا ولا زَجَلُ
وقال أبو دلامة يهجو نفسه:
ألا أبلغْ لديكَ أبا دُلامَهْ ... فلستَ من الكرامِ ولا كَرَامَهْ
جَمعتَ دَمَامةً وجمعتَ لُؤماً ... كذاكَ اللّؤمُ تتبعُهُ المَلامَهْ
وقال ابن بسَّام في أبيه:
هَبْكَ عُمِّرتَ تسعينَ نَسْراً ... أتُرجِّي بأنْ أموتَ وتبقَى
فلئنْ عِشتُ بعدِ موتِكَ يوماً ... لأشُقَّنَّ جيبَ مالِكَ شَقَّا
وقال في أخيه:
يا مَنْ نعتْهُ إلى الإخوانِ لحيتُه ... أدْبرتَ والنَّاسُ إقبالٌ وإدبارُ
قدْ كنتَ ممَّن يَهُشّ النَّاظرونَ لهُ ... فغُضَّ دونَك أسماعٌ وأبصارُ
حانتْ منِّيَّتُهُ فاسودَّ عارِضُه ... كما يُسوّدُ بعدَ الميّتِ الدَّارُ
سقياً لدهرٍ مَضَى ما كانَ أحسنَهُ ... إذْ أنتَ مُتَّبع والشَّرطُ دينارُ
أيَّامَ وجهكَ مصقولٌ عوارضُهُ ... وللرَّبيعِ علَى خدَّيكَ أنوارُ
وقال في امرأة أبيه:
إذا عَرَكتْ قادتْ وإنْ طَهُرَتْ زَنَتْ ... فهيَ أبداً يُزْنَى بها ويَقودُ
وقال في عمَّه:
القَلايَا قد جِئْنَ من منزل الع ... مِّ قَلايَا قومٍ ذَوي إمساكِ
قلَّ أوداكُهَا فلمْ أستَطِبْها ... والقَلايا تَطيبُ بالأوداكِ
(1/24)

وحدَّثني بديع الزَّمان، قال: أنشدني كاتب بكر في مجلس قوله:
رقَّ الهَوَا وأصبحت السَّماء
وفي المجلس رجل من أصحاب اللغة، فقال له: لحنت، إذا قصرت الهواء وهو ممدد، فقال ارتجالاً:
لَحَنْت وقصَّرتَ حرفاً يُمَدُّ ... واللَّحنُ يقبُحُ في المجْمَعَهْ
فلا تعجَبَنْ فإنَّ اللّغا ... تِ كصدْعِ عَجوزكَ فيها سَعَهْ
وأعجَبُ من كلِّ قصرٍ يمدُّ ... عجوزٌ تُقامُ علَى أربَعَهْ
وأنشدني عدي الجرجاني لكاتب بكر:
لعَزَّةَ خُفٌّ مذْ ثلاثونَ حِجَّةً ... علَى الدَّهرِ لا يبلَى ولا يَتَخرَّقُ
وكيفَ بِلَى خُفّ هو الدَّهرُ كلُّه ... علَى قدميها في السَّماءِ مُغلَّقُ
وأنشدنا أبو طاهر البخاري:
مُحتَجِبٌ دونَ من ألمَّ بِهِ ... وليسَ للخَارجاتِ حُجَّابُ
لأنَّ للخارجاتِ منفَعَةً ... تأتيهِ والدَّاخلونَ طُلاَّبُ
وقال أبو أحمد بن أبي أُسامة:
أتيتُ ابنَ داودَ في حاجةٍ ... فطالَ الوقوفُ علَى بابِهِ
فلحيةُ بوَّابهِ في اسْتِهِ ... ولحيتُه في اسْتِ بوَّابِهِ
وقال آخر:
أتيتُكَ مُشتاقاً إليكَ مُسلِّماً ... عليكَ وإنِّي باحتجابِكَ عالمُ
فقالَ ليَ البوَّابُ إنَّكَ نائمٌ ... وأنتَ إذا استيقظتَ أيضاً فنائمُ
وقال آخر:
اغسِلْ يديكَ بأشنانٍ ونقِّهما ... غَسْلَ الجَنابةِ من معروفِ عُثمانِ
واسلَحْ علَى كلِّ عُثمانٍ مررتَ بهِ ... إلاَّ الخليفةُ عثمانُ بنُ عفَّانِ
قدْ يَبتغي المدحَ أقوامٌ بمالِهم ... لكنَّ عُثمانَ يَبْغيهِ بمجَّانِ
والنَّاسُ أكيسُ من أن يَمدحوا رجُلاً ... حتَّى يروا عندَهُ آثارَ إحسانِ
يا أُختَ كندةَ ليسَ الرّزقُ في يدهِ ... الرِّزقُ في يدِ مَنْ لو شاءَ أعطاني
وقال ابن المعتزّ:
صَلاتُك بينَ المَلا نَقرةٌ ... كما استلبَ الجُرعَةَ الوالِغُ
وتسجُدُ من بعدها سَجدةً ... كما خُتِمَ المِزْوَدُ الفارغُ
آخر:
وصاحبٍ سبقتْ منهُ إليَّ يَدٌ ... راثت عليهِ وكافانِي فَعَادانِي
لمَّا تيقَّنَ أنَّ الدَّهرَ حَاربني ... أبدَى النَّدامَةَ فيما كانَ أولانِي
أفسدتَ بالمنِّ ما أسديتَ مِنْ نِعَمٍ ... ليسَ الكريمُ إذا أسْدَى بمنَّانِ
وقال آخر في المبرّد:
ويومٍ كحَرِّ الشَّوقِ في القلبِ حُرُّهُ ... علَى أنَّه منهُ أحرُّ وأَوْمَدُ
ظَلِلتُ بهِ عندَ المُبرِّد قاعداً ... فما زلتُ من ألفاظِهِ أتبرّدُ
وقال الطَّائي:
لولا الإلهُ وأنَّني مُتحرِّجٌ ... مُتورِّعٌ لَلَعَنْتُ قبرَ خليلِ
أنشَا مسائلَ في العرُوضِ يبينها ... من فاعِل وَمَفَاعِل وفَعُولِ
ما كانت الشُّعراءُ تعرفُ قبلَها ... من فَاعِل أبداً ولا مَفعولِ
آخر:
لو يُمسَخُ الخِنزيرُ مَسْخاً ثانياً ... ما كانَ إلاَّ دونَ قُبحِ الجاحِظِ
آخر:
وجهٌ قبيحٌ في التَّبسُّمِ ... كيفَ يَحسُنُ في القُطُوبِ
وقال آخر:
ماذا لَقِينا من المستعربينَ ومِنْ ... بلاءِ إعرابِهم هذا الَّذي ابتَدَعُوا
لقدْ ضَرَّبُوا بين عبد الله ويحهُمُ ... وبين عمرٍو فطالَ الضربُ والوَجَعُ
كم بينَ قومٍ قد احْتَالوا لِمنطقِهم ... وبينَ قومٍ علَى إعرابِهِ طُبْعُوا
أنشدني أبو جعفر البحّاث:
ظلَّ يُغنِّي فَظِلْتُ أبكِي ... أنْتَشِفُ الدَّمعَ بالعِمامَهْ
قالَ تعشَّقتَ قلتُ كلاَّ ... لستُ من الحُبِّ في قُلامَهْ
صوتُكَ هذا الَّذي سَمِعْنا ... ذكَّرَنا صيحَةَ القيامَهْ
أنشدنا عيسى بن عبد الله الأديب:
ولِي صاحبٌ لا قدَّسَ اللهُ روحَهُ ... بغيضٌ إلى الأخوانِ غيرُ رحيبِ
أكلتُ عَصِيباً عندَهُ في مَضِيرة ... فيا لك من يومٍ عليَّ عَصِيبِ
وقال آخر في معربد:
لا بُدَّ يومَ شَرابِهِ ... لنديمه عندَ النَّدامَهْ
مِن جَوْشَنٍ تحتَ الثِّيابِ ... وخوذةٍ تحتَ العِمامَهَ
وقال آخر في القربان:
يا بخيلاً ليسَ يَدري ما الكَرَمْ ... حرَّمَ اللّؤمُ علَى فيهِ نَعَمْ
(1/25)

حَدَّثوني عنهُ في العيدِ بما ... سرَّنِي من لفظِهِ فيما حَكَمْ
قالَ لا قرّبتُ إلاَّ بدمِي ... ذاكَ خيرٌ من أضَاحِيّ النّعَمْ
فاستَخَارَ الله في عَزْمَتِه ... ثمَّ ضحَّى بقَفَاهُ فاحتَجَمْ
أنشدني الوليد بن بكر الأندلسيّ:
لو أنَّ قصرَكَ يا ابنَ أغلبَ مُمتَلٍ ... إبَراً علَى سَعَةِ الفَضَا والمنزِلِ
وأتاكَ يوسفُ يستعيرُكَ إبْرةً ... ليخيطَ قَدَّ قَميصه لم تفعلِ
وقال ابن دريد:
أُناسٌ أمِنَّاهُمْ فَنَمُّوا حديثَنَا ... فلمَّا كَتَمْنا السِّرَّ عنهمْ تَقَوَّلوا
فلا همْ رَعَوا حقَّ المودَّةِ بينَنَا ... ولا حينَ همّوا بالقطيعةِ أجملوا:
وقال الأصمعي، عبد الملك بن قريب الباهليّ:
إذا ذُكرَ الشِّركُ في مجلسٍ ... أنارَتْ وُجُوهُ بني برمَكِ
وإنْ تُليتْ عندهُم أيةٌ ... أَتَوا بالأحاديثِ عن مَزْدِكِ
وقال ابن الرُّومي:
انصرَفَ النَّاسُ من خِتَان ... يَرْعَونَ من جُوعهمْ خُزامَى
فقلتُ لا تَعجبُوا لهذا ... فَهَكذا يُختَنُ اليَتَامَى
وقال آخر:
ولقد نظرتُ إلى زيادٍ مرَّةً ... فحسبتُهُ شَيئاً يَضُرّ وينفَعُ
فإذا زيادٌ في الدِّيارِ كأنَّه ... مُشْطٌ يُقلِّبه خَصِيٌّ أقرَعُ
وقال جرير يهجو الفرزدق:
إنِّي انْصَمَيْتُ من السَّماءِ عليكم ... حتَّى اختطفتُكَ يا فَرزدقُ من عَلِ
لمَّا وضعتُ علَى الفرزدقِ مَيْسَمِي ... وضغا البَعيثُ جَدَعْتُ أنفَ الأخطلِ
وقال الأخطل:
..... فينا رِبَاطُ الخيلِ مُقْربةً ... وفي كُليبٍ رِباطُ اللّؤمِ والعارِ
قومٌ إذا استنْبَحَ الأضيافُ كلبهُمُ ... قالُوا لأُمّهم بُولي علَى النَّارِ
وقال آخر:
ما كنتُ أحسِبُ أنَّ الخبزَ فاكهةٌ ... حتَّى نزلتُ بعبَّادِ بنِ منصورِ
الحابٍس الرَّوثَ في أعفاجِ بغلتِهِ ... خوفاً علَى الرَّوثِ من نقرِ العصافيرِ
وقال آخر في الكتَّاب يهجوهم:
تعِسَ الزَّمانُ أتَى بعُجابِ ... ومَحَا طريقَ الظّرفِ والآدابِ
وأتَى بكُتَّابٍ لو انبسطتْ ... يَدي فيهُمُ رَدُدْتُهم إلى الكُتَّابِ
صورٌ تروقُكَ ثمَّ إنْ فتَّشتَها ... كانتْ مجامعُها كلَمْعِ سَرَابِ
وقال أبو الحسن الرازي في البليد:
قيلَ كمْ خَمسٌ وخمسٌ لارتأَى ... يوماً وليلتَهُ يعُدُّ ويحسُبُ
ويقولُ مُعجزةٌ عظيمٌ أمرُها ... ولئنْ أصبتُ فإنَّ حِذقي أعجَبُ
حتَّى إذا خَدرتْ أصابعُ كفَّه ... عدّاً وكادتْ عينُهُ تتصوَّبُ
أوفَى علَى نَشْز فقال ألا اسمَعُوا ... ويكادُ من فَرَحٍ يُجَنّ ويعطَبُ
خمسٌ وخمسٌ سِتَّةٌ أوْ سبعةٌ ... قولانِ قالهُما الخليلُ وثعلَبُ
وقال ابن طباطبا العلويّ:
أيَّامكمْ يا بني الجرَّاحِ قد جَرَحَتْ ... كلَّ القلوبِ ففيها منكُمُ نارُ
تُمحَى محاسنُ آثارِ الكرامِ بكمْ ... وتُسْتَجدُّ لكم في اللّؤمِ آثارُ
لا متَّعَ اللهُ بالإقبالِ دولتكمْ ... فإنَّ إقبالكمْ للنَّاسِ إدبارُ
أنشدني الحسن بن إسماعيل خطيب بغداد:
رأَى القومُ لي فضلاً فعاداهُ نقصُهمْ ... فمالوا إلى ذِي النَّقصِ والشَّكلُ أقربُ
خَفافيشُ أعماهَا نهارٌ بضوئِهِ ... ولاءَمَها قِطعٌ من اللَّيلِ غيهَبُ
بهائمُ لا تُصغِي إلى شدوِ مَعْبَدٍ ... ولكنْ علَى جَافي الحُداةِ تَطَرَّبُ
وقال عبد الرحمن بن عيسى في أخيه علي بن عيسى:
عُمرُ الوزارةِ أقصرُ الأعمارِ ... والظُّلمُ داعيةٌ لدارِ بَوَارِ
كمْ بالعراقِ منازلاً مهجورةً ... كانتْ لكلِّ معظّمٍ جبَّارِ
دَرَستْ وغُيِّرَ رسمُها وتبدَّلتْ ... وكذا تكونُ منازلُ الفُجَّارِ
وقال عبدان الأصفهانيّ:
أضحَى الملومُ أبو العلاءِ يَسُبُّني ... وأنا أبوهُ يَسبّني ويُعادِي
والمُنتمونَ إليه من أولادِهِ ... اللهُ يعلمُ أنَّهمْ أوْلادِي
وقال أبو إسحاق الكادوشي يعرّض بابن طباطبا:
تعرضْتَ للهجوِ لمَّا رأيتَ ... أديمَكَ صَحَّ ومَن سَبَّ سُبْ
(1/26)

إذا لم نجدْ فيكَ من مَغْمَز ... سَلَكنا إليكَ طريقَ الكذبْ
فلولا الإلهُ ولولا النَّبيُّ ... ولولا الوصيُّ رأيتَ العَجَبْ
وقال أعرابيّ في ابن عمّ له كان قد اعتزل النَّاس:
أحبُّ شيءٍ أنْ يكونَ لَهُ ... حُلقُومُ وادٍ لهُ في جوفِهِ غارُ
لا تعرفُ الريحُ ممْساهُ ومَصْبَحَهُ ... ولا تُشَبُّ إذا أمسَى لهُ نارُ
لا يحلبُ الضَّرعَ يوماً في الإناءِ ولا ... تُرَى له في نواحِي الصَّحنِ آثارُ
وقال آخر:
رغيفُ سعيدٍ عندَهُ عِدْلُ نفسِهِ ... يُرقِّصُهُ طوراً وطوراً يُلاعبُهْ
ويَحمله في حِضْنه ويشُمُّه ... وينصبُهُ قُدَّامَهُ ويُخاطبُهْ
ويبكِي عليهِ إنْ شَكَا الجوعَ أهلُهُ ... وإن كَسَروهُ قامَ بالويلِ نادِبُهْ
وإنْ مرَّ مسكينٌ علَى بابِ دارِهِ ... فقدْ ثكِلَتْهُ أُمَّهُ وأقاربُهْ
يُصَبُّ عليهِ البولُ من كلِّ جانبٍ ... ويُخْضَدُ ساقاه ويُنتَفُ شاربُهْ
رأَى الصَّيفَ مكتوباً فظنَّ بأنَّهُ ... لتَصْحيفِهِ ضيفٌ فقامَ يُواثبُهْ
وقال نهار بن توسعة يهجو قتيبة بن مسلم:
كانتْ خُراسانُ داراً إذْ يَزيدُ بها ... وكلُّ بابٍ من الخيراتِ مفتوحُ
فبُدِّلتْ قَتَباً جَعْداً أناملُهُ ... كأنَّما وجهُهُ بالخَلِّ منضُوحُ
وقال آخر:
إنَّ أبا أيُّوبَ في فعلِهِ ... مُؤيَّدٌ بالحُجَجِ البالغَهْ
ليسَ لهُ عيبٌ سوَى أنَّه ... يدهَنُ من قارورةٍ فارغَهْ
وقال شهيد بن الحسين البلخي:
يا مَنْ رأَى حَرَجاً عليهِ رِعايتِي ... لمَّا استَبَانَ لهُ عظيمُ كفايتِي
أيقنتُ أنِّي في مديحكَ كاذبٌ ... فلذاكَ لم يُعجبكَ حُسنُ روايتِي
سَخَّى بنفسِي أنَّني لا ألتَقِي ... إلاَّ بمنْ يَشكوكَ مثلَ شِكايتِي
وقال آخر:
كأنِّي إذْ أتيتُكَ مُستميحاً ... بمرأى من النَّاسِ في رمضانَ أزْنِي
فإنْ أكُ أبتُ منكَ بلا نوالٍ ... فلا تفرحْ فذلكَ كانَ ظنِّي
وقال آخر:
سقياً لأبهر، لولا من يحل بها ... من روضة غنيت فيها الأزاهيرُ
غناء ما شءت من ماءٍ ومن شجرٍ ... لكنها جنةٌ فيها خنازيرُ
وقال محمد بن محمد بن عروس:
خَنازيرُ نامُوا عن المكرُماتِ ... فأنبههُمْ قَدَرٌ لمْ يَنَمْ
فيَا قبحَهُمْ في الَّذي خُوِّلوا ... ويا حُسنَهمْ في زوالِ النّعَمْ
أيضاً له:
يَتكاتَبونَ فمُخْطِئ بادِي العَمَى ... ومقصِّرٌ عن كلِّ لفظٍ نادِرِ
وكأنَّما أقلامُهُمْ بأكفّهمْ ... أعوادُ مِنْدَفَةٍ لعُودِ النَّاقِرِ
وقال آخر:
أطارَ المكثُ في بغدادَ نومِي ... وقد يشقَى المسافرُ أوْ يَفوزُ
غدوتُ بها علَى كرهِي مقيماً ... كعِنِّينٍ تُضاجعهُ عَجوزُ
أنشدني أبو الحسن الواصلي الكاتب:
عذبَ الله جَرْجَرايَا بنارٍ ... ورَماهَا بالطّعنِ والطَّاعونِ
فبها بِعْتُ قُبَّةَ الخيشِ في الصَّي ... فِ وبعتُ الكانُونَ في كانونِ
وأنشدني العلاء بن الحسن الخزرجي:
سمعتُ ورائِي بالمحَصَّبِ من منًى ... كلاماً رقيقاً خلفَ سِترٍ إلى جَنبِي
فلمَّا بَدَتْ كبَّرتُ من قُبْحِ وجهِها ... وقلتُ لها السَّاجُورُ خيرٌ من الكلبِ
وقال منصور بن أبي منصور
يا مَنْ أنافَ بلحيةٍ تَيسيَّةٍ ... بدَّلتَنَا بالوردِ شوكَ العَوْسجِ
قدْ كنتَ تُؤْنِسُنا بطلعةِ كوكبٍ ... فالآنَ تُوحشُنا بلحيةِ مَوْسَجِ
وقال البحتريّ:
وأسْلَمَني الزَّمانُ إلى أُناسٍ ... وجوهُهُمُ وأيديهم حديدُ
لهمْ حُلَلٌ حَسُنَّ فهنَّ بِيضٌ ... وأفعالٌ سَمُجْنَ فهنَّ سُودُ
وأخلاقُ البِغالِ فكلّ يومٍ ... يعِنُّ لبعضِهم خُلُقٌ جديدُ
وممَّن تخلّص إلى الهجاء حسَّان بن ثابت:
إنْ كنتِ كاذبتِي الَّتي حَدَّثتِني ... ونجوتِ منجَى الحارِثِ بنِ هشامِ
تَرَكَ الأحبَّةَ أن يُقاتِلَ فيهمُ ... ونَجَا برأسِ طِمِرَّةٍ ولِجامِ
وفي نحوه لبشَّار:
خليليَّ من سعدٍ أعينَا أخاكُما ... علَى بثَّهِ إنَّ الكريمَ مُعينُ
(1/27)

ولا تبخُلا بُخلَ ابنِ قزعةَ إنَّه ... مَخافَةَ أن يُرجَى نَدَاهُ حَزينُ
إذا جئتَهُ للعُرفِ أغلقَ بابَهُ ... فلم تلقَهُ إلاَّ وأنتَ كمينُ
فقلْ لابنِ يحيى مَتَى تدرك العُلا ... وفي كلِّ معروف عليك يمينُ
وقال أبو النَّدَى الأعرابيّ:
وحيَّرتني أُمورٌ قد رآهَا ... بنيسابورَ ليسَ لها نِظامُ
رأيتُ أميرَهَا في جوفِ قصرٍ ... علَى أبوابِهِ حَرَسٌ قيامُ
بأيديهمْ مَقَامِعُ من حديدٍ ... أعدُّوها إذا حَضَرَ الطَّعامُ
لئنْ أُخرجتُ من جرجانَ إنِّي ... لأحسُدُ من لَهُ فيها مَقَامُ
أنشدني بديع الزَّمان:
لا تنزِلنَّ بنيسابورَ مُغترباً ... إلاَّ وحبلكَ موصُولٌ بسُلطانِ
أولاً فلا أدبٌ يُجدِي ولا حَسَبٌ ... يُغنِي ولا أحدٌ يرعَى لإنسانِ
لآخر:
وإنَّ فتًى لهُ أَلفَا صَديقٍ ... بنيسابورَ ليسَ لهُ رَفيقُ
تَوَلاَّها وليسَ لهُ عدوّ ... وفارَقَها ولبسَ لهُ صَديقُ
أنشدني أحمد بن إسحاق الكاتب:
كانَ دخولِي علَى أبي كرَبِ ... من غيرِ ما حاجةٍ ولا أَرَبِ
من حُمُقَاتي فإنَّني رجلٌ ... مُضطربُ العقلِ سَيّئ الأَدَبِ
وقال أبو الفرج بن الببغا:
ما كلُّ مَنْ طوَّلَ عُثْنُونَهُ ... يزدادُ فضلاً يا أبا الفضلِ
طوَّلتَ عُثْنونَكَ تبغي العُلا ... أيّ علا في ذَنَبِ البغلِ
ولستُ أحصي كم رأيتُ امرأ ... الحيّ ولكنْ كوسج العقلِ
قد ملأتْ لحيتُهُ صدرَهُ ... ورأسُهُ أفرغُ مِنْ طَبْلِ
وقال آخر:
وأشدُّ أهلِ الأرضِ إلاَّ أنَّه ... خَضَبَ الأسِنَّةَ في اللِّقاءِ بلا دَمِ
ويقولُ حينَ يَرَى الرِّماحَ تهُزّهُ ... ليسَ الكريمُ علَى القَنَا بمحرّمِ
وقال الكُميت بن زيد الأسديّ:
ألا أبلِغْ أُميَّةَ حيثُ حلَّتْ ... وإنْ خِفْتَ المُهَنَّدةَ الصَّنيعَا
أجاعَ اللهُ مَنْ أشبعتُموه ... واشبعَ مَنْ بجوركمُ أُجيعَا
أنشدني أبو الحسن الفارسي الوزير:
لَشَتَّانَ ما بينَ اليزيدَينِ في النَّدَى ... يزيدِ كُليبٍ والأغرِّ بنِ حاتِمِ
وقال زيد بن الحسين العامريّ:
اللهُ أغنانِي بعزِّ جلالِهِ ... عنْ جَعفرٍ والمُبْتَغَى من مالِهِ
لا يُعجبنَّكَ قَدّه وجَمالُهُ ... فعساكرُ الأدْبارِ تحتَ جَمَالِهِ
لا تنظرنَّ إلى أبيهِ وجَدِّهِ ... وانظُرْ إلى المَذمومِ من أفعالِهِ
وانظُرْ إلى جُلسائِهِ وقرينهِ ... لتَرَى خساستَهُ وفرطَ سفالِهِ
يا لائِمي في بغضِهِ وهجائِهِ ... أقْصِر فلم تعرِفْ حقيقةَ حالِهِ
ومن أجود ما قيل في البخر لأبي إسحاق الصابي:
مَضَغ الأزديُّ للهرَّ ... ةِ خُبْزاً فرماهَا
فدنتْ منهُ فَشَمَّتْ ... هُ فظنَّتهُ خَراهَا
فحَثَتْ تُرباً عليه ... ثمَّ ولَّتْهُ قَفَاها
أنشدني علي بن يوسف الهمداني:
رأيتُ في رأسِ عبَّاسٍ قُلُنسوةً ... عساكرُ القملِ تَمشي في نَواحيها
إنَّ المعلمَ لا تخفَى حماقتُهُ ... ولو تَقَلَّسَ بالدُّنيا وما فِيها
وأنشدني عبد الرحيم بن عبد الله:
أينسَى كليْبٌ زَمانَ الهُزالِ ... وتعليمَهُ سُورةَ الكوثرِ
رغيفٌ لهُ فلكَةٌ لا تُرَى ... وآخَرُ كالقمرِ الزَّاهِرِ
آخر:
إذا أنشَدَ حمَّادٌ ... فَقَدْ جَوَّدَ بشَّارُ
في هجاء الأعمى:
ما للضَّريرِ وما للكِبْرِ والتِّيهِ ... أليسَ يكفيهِ أن يشقَى بما فِيهِ
أليسَ يكفيهِ أنْ لا يهتَدِي أبداً ... إلاَّ بعكَّازَةٍ أوْ مَن يُهَدِّيهِ
آخر:
كيفَ يرجُو الحياءَ منهُ صديقٌ ... ومحلُّ الحياءِ منهُ خَرابُ
وقال آخر:
مَنْ يشترِي منِّي أبا وائلٍ ... بكرَ بنَ نطاحٍ بفلسَيْنِ
كأنَّما الآكلُ من خُبزِهِ ... يأكُلُ منهُ شَحمَةَ العينِ
يحلفُ من بغضِ بني هاشمٍ ... بعدَ يمينٍ بيمينَيْنِ
لو كانت الجنَّةُ في كفَّهِ ... ما طارَ فيها ذُو الجَناحيْنِ
وقال آخر في أعور:
طاهرٌ قلَّلَ كسْبي ... لَعَنَ الرَّحمنُ طاهِرْ
(1/28)

وجهُهُ نصْفٌ خرابٌ ... وسوَى ذاكَ فعامِرْ
لو تراهُ قلتَ هذا ... مِن شياطينِ المقابِرْ
وقال أبو علي السلمي يهجو وزيره:
لا تَرَى ردَّ كلامِ النَّا ... سِ إلاَّ بالإشارَهْ
أنا أهواكَ فقلْ لِي ... أينَ آلاتُ الوَزَارَهْ
لا بيانٌ لا بَنانٌ ... لا رُواءٌ لا عبَارَهْ
وقال آخر:
لقدْ ضاعَ قومٌ قلَّدوهُ أُمورَهم ... بدابِقَ إذْ قيلَ اللُّصوصُ قريبُ
رأوا رجلاً ضخماً فقالُوا مقاتلٌ ... ولم يعلموا أنَّ الفؤادَ نَخيبُ
وقال آخر:
كلّ يومٍ لأبي الفَتْ ... حِ علَى الأنسابِ غارَهْ
فهو يوماً من قريشٍ ... وهو يوماً من فَزارَهْ
خَزَمَتْ مخزومُ فاه ... فادَّعاها بالإشارَهْ
وَتَراهُ مع هذا ... يَشتهِي مثلَ المَنارَهْ
وقال آخر:
أبكِي وأندُبُ شَجوةَ الإسلامِ ... إذْ صرتَ تقعُدُ مَقعَدَ الحُكَّامِ
إنَّ الحوادثَ في الزمَّانِ كثيرةٌ ... وأراكَ بعضَ حوادثِ الأيَّامِ
آخر:
ومِنَ المظالمِ أن تكُو ... نَ علَى المظالمِ يا فَزَارَهْ
آخر:
ومنَ النَّوادِرِ أنَّه ... يُملِي علَى النَّاسِ النَّوادِرْ
آخر:
مَتَى تُتْصفُ المظلومَ مِنْ أخذِ حقِّهِ ... إذا أنتَ ولَّيتَ المظالمَ ظالمَا
وقال ابن أبي عُيينة:
خالدٌ لولا أبُوهُ ... كانَ والكلبُ سواءَ
لو كما يَنْقُص يَزدا ... د إذاً نالَ السَّماءَ
وقال أبو الحسن الأشعبي الزوزني:
ينسَى إذا سرَّجَ باللَّيالي ... تسعَةَ أوراقٍ ولا يُبالِي
آخر:
وإنَّ أبا عبد الإلهِ فَدَيْتُهُ ... مُقيمٌ علَى عشرينَ من سُورةِ الكهفِ
آخر:
لو كما تجهَلُ تَدرِي ... كنتَ لله رِسُولا
آخر:
وإذا رَأَى إبليسُ يومَّ وجهَهُ ... حيَّا وقال فَديتُ من لا يُفلِحُ
آخر:
ومُدبرٌ ضُمَّ إلى مُدبرٍ ... فاجتمعتْ كفُّ مَدابيرِ
آخر:
لهُ كلُّ شيءٍ ولكنَّهُ ... إذا فُتِشَ العقلُ فالعقلُ لَيْس
وقال أبو القاسم عبد الله بن يحيى بن عبد الخالق
وشادِنٍ بالحُسْنِ تيَّاهُ ... حلَّ بهِ الشَّعْرُ فأَخزاهُ
بينَا تَراهُ ملكاً قادراً ... يُطاعُ فيما هوَ يَهواهُ
إذْ خَرجتْ لحيتُهُ فجأةً ... أماتَهُ اللهُ وأخزاهُ
يَوَدُّ إذْ تخرجُ لو أنَّه ... مكانَهَا تَخرجُ عينَاهُ
وقال ابن الرُّومي:
عجبَ النَّاسُ من أبي الصَّقرِ إذْ قُ ... لِّدَ بعدَ الإجارةِ الدِّيوانا
ولَعمرِي ما ذاكَ أعجَبُ مِن أنْ ... كانَ عِلْجاً فصارَ من شَيْبانا
إنَّ للجَدِّ كيمياءً إذا مَا ... نالَ كلباً أصابَهُ إنسانَا
يخلُقُ اللهُ ما يشاءُ كمَا شَا ... ءَ إذا شاءَ كائناً ما كانَا
وقال أيضاً فيه:
مهلاً أبا الصَّقرِ فكمْ طائرٍ ... خرَّ صريعاً بعدَ تحليقِ
زُوِّجتَ نُعمَى لم تكنْ كفؤها ... أعقَبَها اللهُ بتَطليقِ
لا بَقِيَتْ نُعمَى تسربلتَها ... كم حُجَّةٍ فيها لزِنْديقِ
وقال ابن عبَّاس رضي الله عنه:
نَظَروا إليكَ بأعينٍ مَشْزُورة ... نظَرَ التُّيوسِ إلى شِفارِ الجَاذرِ
خُزْر العيونِ نَواكِساً أذقانُها ... نظرَ الذَّليلِ إلى العزيزِ القادرِ
أحياؤُهم عارٌ علَى أمواتهم ... والميّتونَ مَسَبَّةٌ للغابرِ
وقال عمران بن حطَّان:
أَسَدٌ عليَّ وفي الهياجِ نَعامَةٌ ... فَتْخَاءُ تَنفر من صفيرِ الصَّافِرِ
هلاَّ برزتَ إلى غزالةَ في الوَغَى ... بلْ كانَ قلبُكَ في جَناحَي طائِرِ
وقال عبد الله بن همام السلولي:
لقد رَابَني من أهلِ يثربَ أنَّهُمْ ... يَهُمّهم تقويمُنَا وبهم عُصْلُ
إذا ركِبُوا الأعوادَ قالوا فأحسنُوا ... ولكنَّ حسْنَ القولِ خالفَهُ الفِعْلُ
وذَمّوا لنا الدُّنيا وهم يرضعونَهَا ... أفاويقَ حتَّى ما يَدِرُّ لها ثَعْلُ
وقال آخر:
ليَ أصحابٌ ثِقالٌ كلُّهم ... فإذا خَفّوا فهم مثلُ الرَّصاص
(1/29)

قيلَ لي قدْ غَضِبوا قلتُ لهم ... غَضَبَ الخيلِ علَى اللّجْمِ الدِّلاص
أنشدنا أبو المسجح البغدادي الضَّرير لنفسه:
بَغيضٌ بَراُ اللهُ أثقَلَ مَن مشَى ... ففي كلِّ قلب بَغْضَةٌ منه كامِنَهْ
خَطَا فدعتْ منْ ثقلِه الأرضُ ربَّها ... وقالتْ إلهي زدتَ في الأرضِ ثامِنَهْ
وقال آخر:
سنصبِرُ إنْ جفوتَ كما صبرنا ... لغيركَ من أميرٍ أو وزيرِ
رجوناهُمْ فلمَّا آيسُونا ... أدالَتْ منهمْ غيرُ الدُّهورِ
ولمَّا لم نجدْ منهم سُروراً ... رأينا فيهمُ كُلَّ السُّرورِ
فَفزنا بالسَّلامةِ وهي غُنْمٌ ... وباتُوا في المحابِسِ والقُبورِ
وأنشدنا بكر بن أبي بكر:
ثقيلٌ يُطالعُنا مِن أَمَمْ ... إذا سَرَّه رَغْمُ أنفِي رَغِمْ
لطلعتِهِ وَخزةٌ في الحَشَا ... كوقعِ المشَارِطِ في المحتَجَمْ
أقولُ لهُ إذْ أتَى مقبلاً ... ولا نقلتْهُ إليَّ قَدَمْ
فقدتُ خيالَكَ لا من عَمًى ... وجرَس كلامك لا من صَمَمْ
وقال بشَّار المرعّث:
كيفَ لا تحمِلُ الأمانَةَ أرضٌ ... حمَلَتْ فوقَهَا أبا سُفيانِ
آخر:
خَلَقَ اللهُ جِبالاً وتَّدَ الأرضَ بها ... ولوَ انْشَاكَ بَدِيّاً كنتَ عنها بَدَلا
وقال آخر:
ألهَى بني تَغلبٍ عن كلِّ مكرُمَة ... قصيدةٌ قالَهَا عمرُو بن كلثُومِ
يَمْشِي السَّليطيُّ والأبطالُ قد كُلِمُوا ... وسْطَ الرِّجالِ بَطيئاً غيرَ مكلومِ
وقال آخر:
أبا حاتمٍ قد كُنتَ سَبَّاحَ غَمرةٍ ... صَغيراً فلمَّا شِخْتَ خيَّمتَ بالشَّاطِي
كسِنَّوْرِ عبدِ الله بِيعَ بدرهَمٍ ... صغيراً فلمَّا شبَّ بِيعَ بقيراطِ
وقال آخر:
دَعِيٌّ في الكتابَةِ يدَّعيها ... كدعوَةِ آل حربٍ في زِيادِ
فَدَعْ عنكَ الكتابَةَ لستَ منها ... ولو أنْقَعْتَ ثوبَكَ في المدادِ
فديوانُ الخَراجِ بطرْحِ جِيمٍ ... وديوانُ الضِّياعِ بفتْحِ ضادِ
وقال أبو الفتح كشاجم:
وزعمتَ أنَّكَ في الكتابَةِ مُدركٌ ... شأوِي وقلتَ سلاحُنا الأقلامُ
وقال آخر في الوزراء:
عصائِبٌ أصبحُوا بالملكِ لاهيةً ... صارُوا وجُوهاً وكانُوا قبلُ أستاهَا
منهم سعيدٌ وسَعدانٌ وسَاعدةٌ ... سُبحانَ من فَضَحَ الدُّنيا وأخزاهَا
وقال آخر:
يا دولةً ليسَ فيها ... لعاقلٍ كسبُ حَبَّهْ
مُرّي إلى لعنةِ الل ... هِ أُمّ أهلكِ قَحْبَهْ
وقال أمير المؤمنين عليّ كرَّم الله وجهه:
رأيتُك تَبنِي مَسْجداً من خيانةٍ ... فأنتَ وبيتِ الله غيرُ موفَّقِ
كمطعمةِ الرمَّان من كسبِ فَرجِها ... لكِ الويلُ لا تَزني ولا تَتَصدَّقي
آخر:
زعمتَ أنَّكَ عَمي ... كذبتَ بلْ أنتَ غَمي
لأنَّ فيكَ خِصالاً ... أذمُّها كلَّ ذمِّ
وقال اليمامي:
إذا ما هممتَ بقتلِ امرئٍ ... فهيِّ الحَنوط له والكَفَنْ
ولا تُشهِرنْ عليه السلا ... حَ ودعْهُ وزوّجْه أمَّ الحَسنْ
وقال ابن بسّام:
لو نَزلَ الوحيُ علَى نَفْطويه ... لكانَ ذاكَ الوحيُ خزياً عليه
أحرقَه الله بنصفِ اسمِه ... وصيَّرَ النصفَ صُراخاً عليه
وقال آخر:
ولو أنَّ الذُبابَ رآه يوماً ... يُدوِّمُ حولَ صَحْفتِه يَحومُ
لَنادى في العشيرة أدْرِكوني ... ألا أينَ القَماقمةُ القُرومُ
فيا ويلَ الذبابِ إنِ ادرَكوه ... وفي الهيجا عدوُّهمُ سليمُ
ومن غريب الهجاء قول العبدلكاني:
أبا نَصْرٍ وأنتَ علَى الحواشي ... كثيرُ القَدْرِ تَعدِلُ بالسلامِ
إمامُك مُنْظرٌ وأبوك ماضٍ ... من الإيواءِ ممتنعُ المرامِ
وقال أبو السّريّ:
ما للعُدولِ أراني الله جمعَهُمُ ... في مُطْبقٍ من جحيم النّارِ مَسْعورِ
قومٌ إذا حاربوا كانت أسنّتُهم ... بَثَّ الشَّهادةِ بينَ النَّاسِ بالزورِ
ترى قلانسَهم كالرمحِ طعنتُها ... لكن جَراحتُها في جنب مغدورِ
همُ الصعاليكُ إلاَّ أنَّ بأسَهم ... علَى المزارعِ والأطلالِ والدورِ
(1/30)

وأكلةٍ قدّمَتْ للهُلكِ صاحبَها ... كحبّةِ الفَخِّ دقَّتْ عُنْقَ عُصفورِ
للقمةٌ بجَريشِ الملحِ تأكلها ... ألذُّ من تمرةٍ تُحْشى بزُنْبورِ
وقال عبد الله بن المبارك:
يا عُدولَ البلادِ أنتم ذِئابٌ ... سَترتكم عن العيونِ الثّيابُ
غيرَ أنَّ الذئابَ تصطادُ وحشاً ... ومباآتُها القِفارُ اليَبابُ
ويَصيدُ العدولُ مالَ اليتامى ... باقتناصٍ كما يصيدُ العُقابُ
عَمّروا موضِعَ التصنعِ منهم ... ومحلُّ الإخلاصِ منهم خرابُ
أنشدني قاضي سجستان لابن الرومي:
ومعشرٌ قلتُ إذْ حسِبتهُمُ ... بحملهم للرِّكاءِ مُبْتَهلهْ
مَنْ معشرُ القومِ قالَ قائلُهم ... أصحابُنا الزاهدونَ والحَملَهْ
فلم أزلْ مولَعاً بصحبتهم ... حتَّى تيقّنتُ أنهم أكلَهْ
وقال أبو القاسم بن أسد العامري:
شاعرُ خوارزْمَ جاءَ مُعترضا ... وأقبلَ العامريُّ فاقْترضا
فنتفَ العامريُّ لحيتَه ... ودسَّها في حِرامِّه ومضَى
وقال آخر في الفضل بن مروان:
إلى النّارِ فليرحلْ ومَنْ كانَ مثله ... علَى أيِّ أمرٍ فاتنا منه نأسَفُ
لَعمرُكَ ما يبكي بعينٍ سَخينةٍ ... علَى الفضل إلاَّ ماجِنٌ أوْ مُكلَّفُ
وقال أبو الفتح:
علَى بابِ سُلطاننا عُصْبةٌ ... يُقِرّونَ أعينَ أعدائهمْ
كُفاةٌ ولكنّهم يَسرقو ... نَ ثلاثةَ أرباعِ أسمائهمْ
وقال ابن بسّام:
قالوا خليفتُنا قد ماتَ قلتُ لهم ... في الكلبِ منه وفي أمثالِه خَلَفُ
حتَّى إذا قامَ شرٌّ منه قلتُ لهم ... الآنَ طابَ عليه الهمُّ والأسَفُ
وقال الحمدوني:
يا ابنَ حربٍ كسَوتَني طيلساناً ... ضَجّ من صُحبةِ الزَّمانِ وصَدَّا
طالَ تَرْداده إلى الرّفاءِ حتَّى ... لو بَعثناهُ وحدَه لتَهدَّى
أنشدني الحصين بن محمد مولى أمير المؤمنين:
قلْ للّذي لم يعُدْ سَقامي ... فالقلبُ منه علَى حَزازَهْ
من لم يَعُدْنا إذا مَرِضْنا ... إنْ ماتَ لم نشهدِ الجنازَهْ
وقال آخر:
مَرضتُ ولم يعُدْني في شَكاتي ... من الإخوانِ ذو كرمٍ وخيْرِ
فإنْ مَرِضوا وللأيَّام حُكمٌ ... سينفُذ في الصغير وفي الكبيرِ
عكفتُ علَى المُدامةِ والمَلاهي ... وإن ماتوا خَريتُ علَى القُبورِ
وقال منصور الفقيه:
وقال الطانِزونَ له فقيهٌ ... فصعَّدَ حاجبيهِ به وتاها
وأطرَقَ للمسائل أي بأنّي ... ولا يدري لعمرُكَ ما طحاها
وقال آخر:
طلعتُه في المريض صُبْحاً ... يزدادُ في علّةِ النفوسِ
ما زارَ في الأربعاءِ عليلاً ... إلاَّ دفنّاهُ في الخميسِ
وقال آخر في نعمان الطبيب:
أقولُ لنُعمانٍ وقد ساقَ طبُّه ... نُفوساً نفيساتٍ إلى باطنِ الأرضِ
أبا مُنذرٍ أفنيتَ فاستبقِ بعضَنا ... حَنانيكَ بعضُ الشرِّ أهونُ من بعضِ
وقال مضراب البوشنجي:
قد كنتُ أعرفُ عبدَ العزيزِ ... وترياقَه النافذَ النافعا
أقامَ ثمانيةً عندَه ... وأدرجَه يومَه التاسِعا
آخر:
لم أرَ في الحكّامِ كالمُسَيّحي ... يطمعُ في السَّلْحِ الَّذي لم يُسْلحِ
وقال محمد بن حازم الباهلي:
إذا استقلّتْ بكَ الركابُ ... فحيثُ لا درَّت السَّحابُ
وحيثُ لا يُرتجى إيابُ ... وحيثُ لا يوصَل الكتابُ
فدونَ موعدِكَ البلايا ... ودون تنويلِكَ العذابُ
وخيرُ أخلاقِك اللواتي ... تَعافُ أمثالَها الكلابُ
آخر:
هبْكَ من آلِ مَخْلَدٍ ولئنْ كن ... تَ فمنْ مخلدٍ إذا كنتَ منه
وقال آخر:
فأنتَ باللّيلِ ذئبٌ لا حريمَ له ... وبالنَّهارِ علَى سَمْتِ ابنِ سيرينِ
آخر:
ترى رجلاً ضخْماً طويلاً وإنَّما ... عصا خروَعٍ بينَ العِمامة والنّعْلِ
آخر:
مُذْ تزوَّجتُ صفيَّهْ ... أنا منها في بليَّهْ
هيَ في السنِّ عجوزٌ ... وهي في العقلِ صبيَّهْ
لا صلاةٌ لا صيامٌ ... لا ولا في الخيرِ نيّهْ
فإذا صلَّتْ رياءً ... فعلى غيرِ تحيَّهْ
(1/31)

قَبِلتْ دهراً وقادَتْ ... فهيَ من شرّ البَريّه
لعنةُ الله عليها ... في غَداةٍ وعَشيّهْ
أنشدنا أبو جعفر الطائي:
زبيبةٌ من فوقها زبيبة ... قدرٌ وقدرٌ فوقها مكبوبة
يخالها من جهله خرعوبة ... وليس يدري أنها عقوبة
وقال أبو سعيد الأسود الزوزني:
يا أيُّها السائلُ عن زَوْزَنٍ ... أمسَتْ خراباً شأنُها أعوَجُ
رئيسُها شيخٌ له لحيةٌ ... شَوهاءُ لكنْ عقلُه كوسَجُ
النّارُ والعرْفَجُ في وسْطِها ... هل تُفلحُ النيرانُ والعرفجُ
وقال دعبل الخزاعي في المعتصم:
ملوكُ بني العبّاسِ في الكتْبِ سبعةٌ ... ولم يأتنا في ثامنٍ منهم كتْبُ
كذلك أهلُ الكهْفِ في الكتْبِ سبعةٌ ... خيارٌ إذا عُدّوا وثامنهُم كلبُ
وقال الطائي:
غَلَبنا للحطيئةِ ألفَ بيتٍ ... كذاك الحيُّ يغلبُ ألفَ ميْتِ
وهذا دعبلٌ يرجو سَفاهاً ... وجهلاً أن ينال مدَى الكُميْتِ
إذا ما الحيُّ هاجَى حشوَ قبْرٍ ... فذلكمُ ابنُ زانيةٍ بزيْتِ
وقال ابن قبّان المحاربي:
قد قلتُ لمّا جئتُ مجلسَهم ... قبح الإلهُ عمائم الخَزِّ
عجباً لهذا الخَزّ يلبَسُه ... منْ كانَ مٌشتاقاً إلى الخُبْزِ
وقال آخر:
شاتمَني عبدُ بني مسمَعٍ ... فصُنْتُ عنه النفسَ والعرضا
ولم أُجِبْه لاحتقاري له ... ومن يعَضُّ الكلبَ إن عضّا
وأنشدني سعيد بن محمد الحمداني لغيره:
إنْ يغدِروا أو يبخَلوا ... أو يفجُروا لا تحفِلوا
وغدَوا عليك مُرَجلي ... نَ كأنَّهم لم يفعَلوا
كأبي براقِشَ كلّ لو ... ن لونُه يتخيّلُ
وقال آخر:
لجحظةَ المطربِ عندي يدٌ ... أشكُرها عنه إلى المحشرِ
لمّا رآني صَدَّ بِرْذَونه ... وصانني عن وجهه المنكرِ
وقال آخر:
لا تمدَحنَّ ابنَ عبّادٍ وإنْ مَطرتْ ... كفّاه جوداً ولا تذمُمهْ إنْ زَرِما
كلاهُما خطراتٌ من وساوِسه ... يُعطي ويمنعُ لا بخلاً ولا كَرما
وقال آخر:
يا صورةً صاغَها النجّارُ من خشبٍ ... وسْطَ الكنيسةِ في تمثالِ قِدّيسِ
شهّاً عليكَ فما تُرْجى لنائبةٍ ... يا هِنْدباً بلسانِ الفرسِ كسنيسِ
وقال ابن بسّام:
عمرو العلَى بَذَّ الوَرَى ... في البذْلِ والخلُقِ الحميدِ
هشمَ الثريدَ لقومه ... والنَّاسُ في مَحْلٍ شديدِ
وهَشمتَ أنتَ أنوفَ هـ ... ذا الخلقِ في طلبِ الثَّريدِ
حتَّى ارتجعتَ ثريدَه ... وسعيتَ في طلبِ المزيدِ
وقال آخر:
بني حاتمٍ جيئوا بأفعالِ حاتمٍ ... ولا تنجلونا بالدَّواهي العظائمِ
أرى ألْفَ بانٍ لا يقومُ لهادِمٍ ... فكيف ببانٍ خلفَه ألفُ هادمِ
وقال آخر:
شيخُهمُ وغْدٌ ومولودُهم ... تلعَنُه من بغضِه القابلَهْ
وإنَّ من غايةِ حرصِ الفَتَى ... أنْ يطلُبَ المعروفَ من باهله
وقال خالد بن صفوان:
أبوكَ أبٌ حُرٌّ وأمُّكَ حُرّةٌ ... وهل يلِدُ الحُرّانِ غيرَ نجيبِ
فلا تعجبنَّ النَّاسُ منكَ ومنهما ... فما خبَثٌ من فضة بعجيبِ
وقال أبو عبد الله الشبلي:
تعلمتُ بالنونِ أكلَ الأقطْ ... وغزلَ العُهونِ ونسجَ البُسُطْ
وما كنتُ فيما مضى هكذا ... ولكنْ من الدَّهرِ جاءَ الغَلَطْ
وقال أسد بن أحمد العامري:
عذيري من حائكٍ لَجْلَجِ ... إذا عيجَ للحقِّ لم يَنعجِ
يَلوكُ لساناً له ألكناً ... كلبْلَبةِ التيسِ في رَجْرجِ
تمنَّى لقائي فلاقيتُه ... فعادَ الغبارُ علَى المُرْهِجِ
وقال آخر:
أيا شَرَّ منْ مرَّ تحتَ الفلكْ ... وأخبث حيٍّ طريقاً سَلَكْ
خُذ اسمَ المُيسّرِ بالفارسيّ ... فمقلوبُ أولِ حرفيْهِ لَكْ
وباقيهِ لي لأرُدَّ الَّذي ... تعيْهِ فعالجْ به أسفلَكْ
وقال آخر:
عجبْتُ لي ولابنِ عمّي مَسْعَدهْ
يُريدُ أنْ يسيء بي وأحمدَهْ
ألا ترى ما بيننا ما أبعدَهْ وقال آخر:
قومي كِرامٌ غيرَ ما أنَّهُمْ ... صولتُهم منهم علَى جارِهمْ
(1/32)

ليسَ لهم مجدٌ سوى مسجِدٍ ... به تَعدّوا فوقَ أطوارهمْ
لو هُدِمَ المسجدُ لم يُعْرَفوا ... يوماً ولم يُسمعْ بأخبارهم
آخر:
بنو فلانٍ مجدُهم دارهُم ... وكلُّ قومٍ لهمُ مجدُ
وقال الأعشى:
هم الكَشوثُ فلا أصْلٌ ولا ورَقٌ ... ولا عَمودٌ ولا ظِلٌّ ولا ثمرُ
وقال أعرابيّ في أخيه:
لئيمٌ أتاهُ اللؤمُ من عند نفسِه ... ولم يأتِه من إرثِ أُمٍّ ولا أبِ
آخر:
فما ذنبُنا إنْ جاشَ بحرٌ برغمِكُمْ ... وبحرُكَ مَحْلٌ لا يُواري الدَّعامِصا
فلو كنتُم نمْراً لكنتم جَزامةً ... ولو كنتُم نَبْلاً لكنتُمْ مَشاقِصا
قال الله تعالى ذكره) والشعراء يتّبعهم الغاوون. ألم تر أنّهم في كلّ وادٍ يهيمون. وأنّهم يقولون مالا يفعلون. إلاَّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيراً وانتصروا من بعد ما ظلموا، وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلب ينقلبون (، استثنى الذين ينتصرون بالهجاء ممَّن ظلمهم، ثمَّ لم يقتصر عزّ وجلّ حتَّى أوعد من ظلم الشعراء ولم يعرف قدرهم، فقال: وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلب ينقلبون.
وقال عزّ اسمه) لا يحبّ الله الجهر بالسوء من القول إلاَّ من ظلم (، قيل في التفسير: منع الضيافة.
وقال النبيّ عليه السلام لما هجته قريش لحسّان: أجبهم، ثمَّ قال النبيّ صلى الله عليه وسلّم: قل وجبريل معك، وقال: اللهم أيده بروح القدس، فقال حسان:
هجوتَ محمداً فأجبتُ عنه ... وعندَ الله في ذاكَ الجزاءُ
هجوتَ محمداً برّاً حَنيفاً ... رسولَ الله شيمتُه الوفاءُ
أتهجوهُ ولستَ له بكُفْءٍ ... فشرُّكما لخيركما الفِداءُ
فإنَّ أبي ووالدَه وعِرضي ... لعرضِ محمدٍ منكم وِقاءُ
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه للحطيئة: بئس الرَّجُل أنت، تمنع إبلك وتهجو قومك. ولما قال الحطيئة للزبرقان بن البدر:
دَعِ المكارمَ لا ترحلْ لبغيَتِها ... واقعدْ فإنَّكَ أنتَ الطاعمُ الكاسِي
استعدى عليه عمر، فقال: قد أحسن إليك، جعلك تطعم وتكسو، فقال: يا أمير المؤمنين، فأين طلب المعالي وما يليق بأمثالي؟ فقال عمر: سلوا عنه لبيد وحسَّان، فسألوهما، فأمَّا لبيد فقال: ما يسرّني أنَّه نالني من هذا البيت ما نال الزبرقان وأنَّ لي حمر النّعم. وأمَّا حسان فقال: ما هجاه ولكن ذرق عليه. فحبس عمر الحطيئة.
ويقال: إنَّ أزنى الزناء شتم الأعراض، وأشدّ الشَّتم الهجاء والرواية أحد الشاتمين.
وجاء بنو العجلان إلى عمر رضي الله عنه فاستعدوه علَى النجاشي، وقالوا: قد هجانا، فقال: وماذا قال؟ فقالوا: قال:
إذا اللهُ عادَى أهل لؤم وقلَّة ... فعادَى بني العجلان رهط ابن مقبل
فقال عمر: هذه دعوة، وإن كان مظلوماً رجوت أن يستجاب له، قالوا: فأين قوله:
قبيلته لا يغدرون بذمّة ... ولا يظلمون النَّاس حبّة خردل
فقال عمر: ليت آل الخطّاب كذلك، قالوا: فأين قوله:
ولا يردون الماء إلاَّ عشيّة ... إذا صدر الورّاد عن كلّ منهل
فقال عمر: ذاك أروى للإبل وأقلّ للزحمة. قالوا: فأين قوله:
تعاف الكلاب الضاريات لحومهم ... ويأكلن من عوف وكلب ونهشل
فقال عمر: ذلك لأنهم لا يستعملون السنّة في دفن موتاهم وقتلاهم، قالوا فأين قوله:
وما سمّي العجلان إلاَّ لقولهم ... خذ القعب واحلب أيها العبد واعجل
فقال عمر: سيّد القوم خادمهم، وكلّنا عبيد الله. ولم يكن هذا لسوء معرفة بانتقاد الشعر ولكن استعمل قول النبيّ عليه السلام " ادرؤا الحدود بالشبهات، وادرؤا الحدود ما استطعتم ".
ونبغ في بني حزام شاعر، فهجا الفرزدق فأخذوه وكتّفوه وجاءوا به إلى الفرزدق فقالوا: إنَّ هذا قد هجاك فخذ منه حكمك ولا تطلق فينا لسانك فقد مكّناك منه، فأطلقه الفرزدق وخلاَّه، ثمَّ أنشأ يقول:
فمن يكن خائفاً لبنات شعري ... فقد أمن الهجاء بنو حزام
هم قادوا سفيههم وخافوا ... قلائد مثل أطواق الحمام
(1/33)

حدثنا أبو محمد حاتم بن محمد بن يعقوب بهراة، فقال: حدثنا محمد بن إسحاق القرشيّ، فقال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا سليمان بن حرب، قال: حدثنا شعبة عن عديّ بن ثابت عن البراء بن عازب: أن النبيّ صلى الله عليه وسلّم قال لحسّان: اهجهم، أوْ قال: هاجهم وجبريل معك.
وحدثنا حاتم بن محمد بن يعقوب، قال: أخبرنا محمد بن إسحاق القرشي، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: قرأت علَى أبي اليمان: أن شعيب بن أبي حمزة أخبره عن الزهريّ، قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن أنَّه سمع حسان بن ثابت يستشهد أبا هريرة: أنشدك الله هل سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلّم يقول: يا حسّان أجب عن رسول الله، اللهم أيّده بروح القدس، قال أبو هريرة: نعم.
تمّ باب الهجاء
بابُ
المديح
قال كعب بن زهير بن أبي سلمى يمدح النبي صلى الله عليه وسلّم:
إنَّ الرسولَ لَنورٌ يُسْتضاءُ به ... مُهنّدٌ من سُيوفِ الله مسلولُ
في عُصبةٍ من قريشٍ قالَ قائلُهم ... ببطنِ مكّةَ لمّا أسلموا زُولوا
زالوا فما زالَ أنكاسٌ ولا عزُلٌ ... عند اللقاءِ ولا ميلٌ معازيلُ
نُبِّئتُ أنَّ رسولَ الله أوعدَني ... والعفوُ عندَ رسولِ الله مأمولُ
مهلاً رسولَ الَّذي أعطاكَ نافلةً ال ... قُرآنِ فيه مواعيظ وتفصيلُ
لا تأخذنِّي بأقوالِ الوُشاةِ ولم ... أذنب ولو كُثرت فيَّ الأقاويلُ
وقال العبَّاس بن عبد المطلب للنبي عليه السلام: يا رسول الله إنِّي أريد أن أمدحك، فقال: قل لا يفضض الله فاك، فقال:
من قبلِها طبتَ في الظلالِ وفي ... مستودَعٍ حينَ يُخْصَفُ الورَقُ
ثمَّ هبطتَ البلادَ لا بشَرٌ ... أنت ولا مُضْغَةٌ ولا عَلَقُ
بل نطفةٌ تركبُ السفينَ وقد ... ألجمَ نسْراً وأهله الغَرَقُ
تُنقلُ من صالبٍ إلى رَحِمٍ ... إذا مضى عالمٌ بدا طبَقُ
حتَّى احتوَى بيتكَ المهيمنُ من ... خِنْدفَ علياء تحتَها النُّطقُ
وأنتَ لمّا طلعتَ أشرقتِ الأ ... رضُ وضاءتْ بنورِكَ الأفقُ
فنحن في ذلك الضياءِ وفي النو ... رِ وسُبْلِ الرشادِ نخترِقُ
وقال آخر:
أتانا بنو الأملاكِ من آلِ برمك ... فيا حُسْنَ أخلاقٍ ويا حُسْنَ منظَرِ
لهم رِحلةٌ في كلِّ عام إلى العدَى ... وأخرى إلى البيتِ العتيقِ المُشهّرِ
وما خُلقتْ إلاَّ لجودٍ أكفُّهم ... وأقدامهُم إلاَّ لأعوادِ مِنْبرِ
إذا ورَدوا بطحاءَ مكّةَ أشرقتْ ... بيحيَى وبالفضلِ بن يحيَى وجعفرِ
إذا رامَ يحيى الأمرَ ذلّ صِعابُه ... وناهيكَ من راعٍ له ومُدبِّرُ
وقال ابن وهيب في المعتصم أبي إسحاق محمد بن هارون الرشيد:
ثلاثةٌ تُشرقُ الدُّنيا ببهجتهم ... شمسُ الضحى وأبو إسحاق والقَمرُ
يحكي أفاعيلَه في كلِّ نائبةٍ ... الليثُ والغيثُ والصمصامةُ الذكَرُ
وقال منصور بن الزبرقان النمري:
خليفةَ الله إنّ الجودَ مَكرمةٌ ... أحلّكَ الله منها حيثُ تجتمِعُ
من لم يكنْ بأمينِ الله مُعتصماً ... فليسَ بالصلواتِ الخمسِ ينْتَفِعُ
إنْ أخلفَ القطرُ لم تخلفْ مخائلُه ... أوْ ضاقَ أمر ذكرناه فيتّسعُ
وقال الأشجع السلمي:
يُثني علَى أيامِكَ الأيامُ ... والشاهدان الحِلُّ والأحرامُ
وعلى عدوّكَ يا ابن عمّ محمدٍ ... رَصدانِ ضوءُ الصّبحِ والأظلامُ
فإذا تنبه رُعْتَه وإذا هَدا ... سَلتْ عليه سيوفك الأحلامُ
أنشدني علي بن محمود النسفي:
يا مَنْ تُقبّل كفَّ كُلِّ مُمَخْرِقٍ ... هذا ابنُ أحمدَ غيرُ ذي مخراقِ
قبّلْ أناملَه فلسْنَ أناملاً ... لكنّهنَّ مفاتحُ الأرزاقِ
عشِقَ المكارمَ فاسترقَّ رقابَها ... والمكرماتُ قليلةُ العُشّاقِ
وأقامَ سوقاً للثَّناءِ ولم تكنْ ... سوقُ الثناءِ تعدُّ في الأسواقِ
وقال سليمان بن رحمة بن غانم الأسدي ثمَّ أحد بني قعين:
عدنانُ إنّا قاصِدوكَ بمدحةٍ ... يا ليتَ أنَّ جُلودَنا قِرطاسُها
تُبرى أناملنا لها أقلامُها ... وكذا سوادُ عيوننا أنقاسُها
وقال بشّار:
(1/34)

إذا ما عَدِمتَ فأحيي السُّرى ... إلى ابنِ العلاء طبيبِ العَدَمْ
دعاني إلى عُمرٍ جودُه ... وقولُ العشيرة بحرٌ خِضَمْ
ولولا الَّذي وَصفوا لم يكنْ ... لأحمدَ رَيْحانة قبلَ شَمّ
وقال عمر بن أبي عمر النوقاني:
خدمتُ لك الملوكَ ورُضْتُ نفسي ... لآمنَ تحتَ خدمتِكَ العِثارا
ولو أن النجومَ عصتْكَ أمراً ... لجاءتْكَ السَّماءُ بها أسارى
ولو جُعلتْ لنا الدُّنيا جَعلها ... لكَ الدُّنيا وما فيها نِثارا
وقال عدي بن عبد الله الجرجاني:
أنا حُمْرةُ الأيّامِ في وَجَناتِها ... وسوايَ في لَونِ الزَّمانِ شُحوبُ
ملأتْ شَوارديَ البلادَ كأنّها ... نَوْرٌ تفتَّح والبلادُ قَضيبُ
وقالت خنساء بنت عمرو:
وإنَّ صخْراً لمولانا وسيّدُنا ... وإنَّ صخراً إذا يَشتو لنَحَّارُ
وإنَّ صخراً لتأتَمُّ الهداةُ به ... كأنه علَمٌ في رأسه نارُ
وقال القطامي التغلبي:
يا ناق خُبِّي خَبباً زِوَرّا
وقَلّبي منسِمَك المُغْبَرّا
وقاتلي اللَّيلَ إذا ما اخضَرّا
سوفَ تُلاقينَ جوداً حُرّا
أبلجَ كالبدرِ وحُلواً مُرّا
سَيّدَ قيسٍ زُفَرَ الأغرّا
ذاكَ الَّذي بايعَ ثمَّ بَرّا
ونَقضَ الأقوامُ واستَمرّا
وكانَ في الحربِ شِهاباً مرّا
ونفعَ الله به وضَرّا
وقال آخر:
أنا ابنُ المضرحيِّ أبي سُلَيْكٍ ... وهل يخفى علَى النَّاسِ النَّهارُ
علينا نَجْرُه ولكلِّ فحْلٍ ... علَى أولادِه منه نِجارُ
وقال كثير:
أبَني أميَّةَ إنْ أخذتُ كثيرَكم ... دونَ الأنامِ فما أخذتُمْ أكثَرُ
أبني أميَّةَ لي مدائحُ فيكم ... تُنْسَونَ إنْ طالَ الزَّمانُ وتُذْكَرُ
وقال ابن قيس الرقيّات:
إنَّما مُصْعبٌ شِهابٌ من ا ... لله تجلَّتْ عن وجههِ الظلماءُ
مُلكه مُلكُ رحمةٍ ليسَ فيه ... جَبروتٌ منه ولا كبرياءُ
يتّقي الله في الأمور وقد أف ... لحَ من كانَ شأنَه الاتّقاءُ
كيف نومي علَى الفراش ولمّا ... تَشمل الشامَ غارةٌ شعواءُ
أنشدني أبو بكر اليوسفي لعمرو بن معد يكرب:
ألا أبلغْ لديكَ أبا عليٍّ ... ثناءً من أخي ثِقَةٍ يَماني
ثناءً تُشرقُ الأعراضُ منه ... وشكراً ما بدا قُرْطا أبانِ
وقال آخر:
همُ القومُ إنْ نالهُم نكبةٌ ... من الدَّهر في حادثٍ يَصْبروا
وإنْ نعمةٌ مسّهُمْ بردُها ... مشوا قاصدينَ ولم يَنظُروا
مساميحُ فَقْرُهم كالغِنى ... وهم كالربيعِ إذا أيسَروا
سَعتْ للمكارمِ آباؤُهم ... وكانوا بنيهم فما قصَّروا
أنشدني أبو الفوارس الكاتب:
وأصبحتَ لا يُرضيكَ في الله أن ترَى ... أذلَّ له بالرقِّ منكَ وأعبَدا
لذلك إنّ الله لم يرضَ أن يرى ... من النَّاسِ أعلى منكَ كعباً وأمجَدا
وقال أبو سنان الحرمازي:
يا منذر بنَ الحكمِ بنِ الجارودْ
أنتَ الجوادُ ابنُ الجوادِ المحمودْ
سُرادقُ المجدِ عليكم ممدودْ
نَبَتّ في المجدِ وفي بيتِ الجودْ
والعود قد يَنبُتُ في أصلِ العودْ
وقال آخر:
إذا صمتوا رأيتَ لهم جَلالاً ... وإن نَطقوا رأيتَ لهم عُقولا
أولاكَ القومُ لا تلقى أخاهم ... ولا مولاهم أبداً ذليلا
وقال علي بن جبلة:
دَعْ جَدا قحطانَ أوْ مُضَرٍ ... في يَمانيهِ وفي مضرِه
وامتدِحْ من وائلٍ رجُلاً ... عَصَرُ الآفاقِ من عصرِه
المنايا في مَقانبِه ... والعطيا في ذَرا حُجَرِه
إنَّما الدُّنيا أبو دُلَفٍ ... بينَ مَبْداه ومُحتَضره
فإذا ولَّى أبو دلفٍ ... ولَّتِ الدُّنيا علَى أثرِه
وقال عيسى بن خالد:
قَلِقٌ بكثرةِ مالِه وجيادِه ... حتَّى يُفَرّقها علَى الأبطالِ
يبني الرجالَ وغيرُه يبني القُرى ... شَتّانَ بينَ مزارعٍ ورجالِ
وقال أبو جعفر البحاث الزوزني:
لستُ أبكي طَللاً غيرَ نَسا ... مَعْدِنِ الخير ودارِ الظُّرَفا
وكأنَّ الله إذْ زيّنَها ... قال كوني لبلادي شَرفا
(1/35)

ولأيدي نِعَمي أسْوِرَةً ... ولآذانِ المعالي شُنُفا
وقال محمد بن عبد الله الزوزني قاضي مرو:
تلاقت بيوت المجد من كل جانبٍ ... عليه فأمسى وهو واسطةُ العقدِ
وقد علمت أمُّ المكارم أنهُ ... أبر بنيها حين ناغته في المهدِ
وقال أبو مطرح العبدلكاني:
يا سماءَ العُفاةِ ها أنا أرضٌ ... نشَّ مائي ومنبتي مَنكودُ
أيّها البحرُ جد لنا بسجال ... إنَّما البحرُ بالسّجالِ يجودُ
دخل أبو الوازع محمد بن عبد الخالق بن أبي روح السلمي الزوزني على محمد بن عبد الله بن طاهر، وكان مؤدبه، ومحمد لابس سواداً فلما رآه ألقى السواد ولبس البياض هيبة له، فأنشأ أبو الوازع يقول:
رأيتك في السوادِ فقلت: بدرٌ ... بدا في ظلمة الليل البهيمِ
فألقيتَ السواد فقلت: شمسٌ ... محت بشعاعها ضوء النجومِ
وقال بعض الأعراب:
إذا سألتَ الوَرَى عن كلِّ مكرُمةٍ ... لم تُلْفِ نسبتَها إلاَّ إلى الهَوْلِ
فتًى جواداً أعارَ النِّيلَ نائلَه ... فالنِّيلُ يشكرُ منه كثرَةَ النَّيْلِ
إن قابل الخيل في جأْواءَ باسلةً ... خلَّى المكافِحَ في خوفٍ وفي وَيْلِ
أو عارضَ الشَّمْسَ ألقى الشَّمْسَ مظلمةً ... أوْ زاحمَ الصُمَّ ألجاها إلى المَيْلِ
أمضى من النجمِ إن نابتْهُ نائبةٌ ... وعندَ أعدائه أجرى من السيْلِ
يُقصّرُ المالُ عنه في مكارمه ... كما يقصِّرُ عن أفعاله قَوْلي
لا يستريحُ إلى الدُّنيا ولذّتها ... ولا تراه إليها ساحبَ الذيْلِ
وقال زهير بن أبي سلمى:
إنَّ البخيلَ مَلومٌ حيث كانَ ول ... كنَّ الجوادَ علَى عِلاّته هَرِمُ
هو الجوادُ الَّذي يُعطيكَ نائلَه ... عفْواً ويُظلمُ أحياناً فَيظَّلِمُ
آخر:
نفْسُ عِصامٍ سوَّدَتْ عِصاما
وعَلّمتْه الكرَّ والإقْداما
فتركتْهُ مَلِكاً هُماما
وقال آخر:
ليهنِكَ إنّي لا أرى لكَ عائباً ... سوى حاسدٍ والحاسِدونَ كثيرُ
وإنّكَ مثلُ الغيْثِ أمّا وُقوعه ... فخِصْبٌ وأمّا ماؤُه فطَهورُ
وقال آخر:
لا ماتَ أعداؤُكَ بل خُلِّدوا ... حتَّى يروا منكَ الَّذي يُكْمِدُ
ولا خلوْتَ الدَّهرَ من حاسدٍ ... وإنَّما الفضلَ لمن يُحْسَدُ
وقال آخر:
مُحَسّدون علَى ما كانَ من نِعَمٍ ... لا ينزعُ الله عنهم مالهُ حُسِدوا
وقال أبو القاسم طاهر بن القاسم الخبزري في أبي علي الصغاني:
تبَدَّ بحمدِ خالِقنا العليِّ ... وصلِّ علَى النبيِّ الأبطحِيِّ
لقد خلقَ المهيمنُ ألفَ بحرٍ ... وألفي ألف ليثٍ هِبْرَريِّ
وطودَ مفاخرٍ وعلوَّ نجمٍ ... وحدّةَ كلِّ عضْبٍ مَشْرفيِّ
فجسّمها الإلهُ معاً جميعاً ... فسمّاها الأميرَ أبا عليِّ
وقال أبو الطيّب المتنبي:
إذا ما العالَمونَ أتوكَ قالوا ... أفِدْنا أيُّها الحبرُ الهُمامُ
إذا ما المُعْلِمون رأوْكَ قالوا ... بهذا يُعْلَم الجيشُ اللُّهامُ
لقد حسُنتْ بكَ الأوقاتُ حتَّى ... كأنَّكَ في فمِ الزمنِ ابتسامُ
تَلَذُّ له المروّةُ وهي تُؤذِي ... ومن يَعشقْ يَلَذُّ له الغَرَامُ
تعلَّقَها هوَى قيسٍ لليلَى ... وواصلَهَا فليسَ بهِ سَقَامُ
وقال نابغة بني جعدة:
أتينَا رسولَ الله إذْ جاءَ بالهُدَى ... ويتلُو كتاباً كالمجرَّةِ نَيِّرا
بلغنَا السَّماءَ مجدَنَا وفعالَنَا ... وإنَّا لنرجو فوقَ ذلكَ مظهَرَا
وقال البحتري:
وإذا أبو الفضلِ استعارَ رغيبةً ... في المكرُماتِ فمن أبي يَعقوبِ
شَرَفٌ تتابَعَ كابراً عن كابرٍ ... كالرُّمحِ أُنبوباً علَى أُنبوبِ
وكذا النّجابَةُ لا يكونُ تمامُها ... لنجيبِ قومٍ ليسَ بابنِ نجيبِ
وقال أبو الفتح الكاتب البستي:
أبوكَ كريمٌ غير أنَّكَ سابقٌ ... مَداهُ بلا جَوْرٍ عليهِ ولا ذَيْمِ
فلا يعجبنَّ النَّاسُ ممَّا أقولُه ... وأقضِي بهِ فالغيثُ أندَى من الغَيْمِ
آخر:
ما لقِينا من جودِ فضلِ بنِ يحيَى ... تركَ النَّاسَ كلَّهم شُعَراءا
(1/36)

وقال إسماعيل بن عبَّاد، الصَّاحب:
قالوا ربيعُكَ قد قَدِمْ ... فلكَ البِشارَةُ بالنِّعَمْ
قلتُ الرَّبيعُ أخو الشِّتا ... ءِ أم الرَّبيعُ أخو الكَرَمْ
قالوا الَّذي بنَوَالِهِ ... أمِنَ الفقيرُ أذَى العَدَمْ
قلتُ الرَّئيسُ ابنُ العَمِي ... دِ إذاً فقالوا لي نَعَمْ
وقال المتنبّي:
خليليَّ إنِّي لا أرَى غيرَ شاعرٍ ... فمنه ليَ الدَّعوَى ومني القَصَائدُ
فلا تعجَبَا إنَّ السُّيوفَ كثيرةٌ ... ولكنَّ سيفَ الدَّولةِ اليومَ واحدُ
وقال العطوي:
إنَّ البرامكةَ الكرامَ تَعَوَّدُوا ... فعلَ الحميدِ فَعَوَّدوهُ النَّاسَ
وإذا همُ صنعوا الصّنائعَ في الوَرَى ... جَعَلوا لها طولَ البقاءِ لِباسَا
وقال آخر:
ذهبَ الذينَ يُعاشُ في أكنافِهِم ... وزمانُنا هذا زمانٌ فاسدُ
وبقِي علَى ظهرِ البَسيطةِ واحدٌ ... يُعطِي الجزيلَ وأنتَ ذاكَ الواحدُ
وقال آخر:
إنَّ المطايا تَشتكيكَ لأنَّها ... قَطَعتْ إليكَ سَبَاسِباً ورِمالا
وإذا وردْنَ بنا وردْنَ خفائفاً ... وإذا صدرْنَ صدرْنَ عنكَ ثِقالا
وقال أبو منصور المديحيّ:
يَرَى العارَ أنْ يُعطي إذا سُئلَ النَّدَى ... وأنْ يتلقَّى المعتَفي بمواعِدِ
ولكنَّ للعافِي بُدوراً مُعَدَّةً ... لديهِ ومُلقاةً مكانَ الوسائِدِ
وقال القاضي التنوخي:
يَفديهِ من نُوَبِ الزَّمان مَعَاشرٌ ... أحرارُهُم لا يلحقونَ بهبدِهِ
أبدتْ مقابحَهم محاسنُ فعلِهِ ... والضِدُّ يُعرفُ فضلُهُ في ضدّهِ
ما كنتُ أعرفُ قدرَ ما خُوِّلتُهُ ... من قُربه حتَّى رُميتُ ببعدِهِ
وقال أبو نواس الحسن بن هانئ:
رُفِعَ الحجابُ لنا فلاحَ لناظرٍ ... قمرٌ تَقطَّعُ دونَهُ الأوهامُ
ملكٌ أغرُّ إذا شرِبْتَ بوجهِهِ ... لم يُروِكَ التَّبجيلُ والإعظامُ
داوَى به اللهُ القلوبَ من الجَوَى ... حتَّى تُركنَ وما بهنَّ سَقَامُ
سَبْطُ البَنَانِ إذا احتبَى بنجادِهِ ... غمرَ الجماجمَ والسِّماطُ قِيامُ
وقال آخر في طبيب:
إذا سَقَامٌ أتاكَ نازلهُ ... فادْعُ أبا جعفرٍ لنازلهِ
يعرفُ ما يَشتكيه صاحبُه ... كأنَّما جالَ في مفاصلهِ
أنشدني محمد بن خالد العَبْقَسيّ:
وكنتُ جليسَ قعقاعِ بن شَوْرٍ ... ولا يَشقى بقعقاعٍ جَليسُ
ضحوكُ السّنِّ إن نطقوا بخير ... عند الشّرِّ مِطراقٌ عَبوسُ
وقال بكر بن النطَّاح:
أقولُ للدَّهرِ وقد عضَّني ... منه بأنيابٍ وأضراسِ
يا دهرُ إنْ أبقيتَ لي مالكاً ... فاذْهبْ بما شئتَ من النَّاسِ
ما النَّاسُ إلاَّ مالكٌ وحدَهُ ... غيرُ خُشاراتٍ ونَسْناسِ
وقال آخر:
بَهجاتُ الثِّيابِ يُخلِقُها الدَّهْ ... رُ وثوبُ الثَّناءِ غضٌّ جديدُ
فاكْسِنِي ما يَبيدُ أصلحكَ اللهُ ... فإنِّي أكسوكَ ما لا يَبيدُ
وقال آخر:
يا أيُّها الملكُ النَّائي برؤيتِهِ ... ونيلُهُ من مُرجّى نيلِهِ كثَبُ
ليسَ الحجابُ بمقصٍ عنكَ لي أملاً ... إنَّ السَّمَاءَ تُرجَّى حينَ تحتجِبُ
وقال أعرابيّ لأمير وعنه فصّاد يريد فصده:
يا فاصداً عن يدٍ جلَّتْ أياديهَا ... ونالَ منها الَّذي يَبغيهِ راجيهَا
يد النَّدَى هيَ فارفقْ لا تُرِقْ دَمَها ... فإنَّ أرزاقَ طلاّبِ النَّدَى فيها
أنشد أبو عمرو بن العلاء عمرو بن عبيد:
ولا يرهبُ ابنُ العمِّ ما عِشْتُ صَولتي ... ولا يتَّقِي من صولةِ المُتَهدِّدِ
وإنِّي إذا أوعدتُهُ أوْ وعَدتُهُ ... لمخلفُ إيعادي ومنجزُ مَوعِدِي
وقال آخر:
وإذا أتيتُكَ زائراً متشوِّقاً ... قَصُرَ الطَّرِيقُ وطالَ عندَ رجُوعِي
فأظلُّ مسروراً بقربكَ ساعةً ... ويَبيتُ همِّي بعدَ ذاكَ ضَجيعِي
وقال قائل:
قد قصدناكَ مِراراً ومِراراً ومِرارا ... فوجدناكَ كمثلِ البدرِ لا يبدُو نَهَارا
آخر:
أرَى الطَّرِيقَ قريباً حينَ أسلكُهُ ... إلى الحبيبِ بعيداً حينَ أنصرفُ
آخر:
(1/37)

تَسَعُ البلادُ إذا أتيتُكَ زائراً ... وإذا هجرتُكَ ضاقَ عنِّي المَقعَدُ
آخر:
ولو سرنا إليه في طريقٍ ... من النّيرانِ لم نَخَفِ احتراقَا
آخر:
وإنَّ محبّاً يَصرفُ البحرُ وجهَهُ ... أوْ النَّارُ عن أحبابِهِ لَمُلِيمُ
آخر:
إذا جئتُ مُشتاقاً إليكَ مسلِّماً ... أرَى الأرضَ تُطوَى لي ويدنُو بعيدُها
وقال آخر:
لو قلتَ للسَّيلِ دعْ طريقكَ والمو ... جُ عليهِ كالهضبِ يَعتلجُ
لساخَ في التُّربِ لو لكانَ لهُ ... في سائِرِ الأرضِ عنكَ مُنعرجُ
وقال ابن قيس الرقيّات:
أمسلمٌ أنتَ البحرُ إنْ جاءَ طالبٌ ... وليثٌ إذا ما الحربُ طارَ عُقابُها
وأنتَ كمثلِ الهُنْدوانيّ إنْ عَرَتْ ... نوائبُ دهرٍ أوْ تَعَلَّى ضبابُها
فما خُلقتْ أكرومةٌ في ابنِ حرَّةٍ ... ولا خلَّةٌ إلاَّ إليكَ مآبُها
كأنَّكَ ديَّانٌ عليها مُوكَّلٌ ... بها وعلى كفَّيكَ يَجري حسابُها
وقال أبو زهير مسعود بن أبي قابوس قاضي زرنج:
سأرسِلُ في الآفاقِ بيتاً محَبّراً ... إذا وَقَف الأشعارُ سارَ وما وَقَفْ
أقامَ النَّدَى والبأسُ والعلمُ والحِجَى ... بكلِّ مكانٍ قد أقامَ بهِ خَلَفْ
وقال أبو عيينة:
أقبيصَ لستَ وإنْ جهدتَ بمُدرِكٍ ... سعيَ ابنِ عمِّكَ في النَّدَى داودِ
داودُ محمودٌ وأنتَ مُذَمّمٌ ... عجباً لذاكَ وأنتُما من عُودِ
فلرُبَّ عودٍ قدْ يُشَقُّ لمسجدٍ ... نصفاً وسائرُهُ لحَشّ يَهودِ
فالحَشُّ أنتَ وذاكَ شُقَّ لمسجدٍ ... كم بينَ موضعِ سَلْحَةٍ وسُجودِ
وقال آخر:
أبوكَ أبي والأُمُّ لا شكَّ واحدةٌ ... ولكنَّنا غُصنانِ آسٌ وخروَعُ
وقال آخر:
لو قيلَ للعبَّاسِ يا ابنَ محمَّدٍ ... قلْ وأنتَ مُخلّدٌ ما قالَهَا
ما إنْ تُعدُّ من المكارمِ خصلةٌ ... إلاَّ وجدتُكَ عمَّها أوْ خالَهَا
وإذا الملوكُ تجمَّعوا في مجلسٍ ... كانوا كوكبَها وكنتَ هلالَهَا
إنَّ السَّماحةَ لم تزلْ معقولةً ... حتَّى حللتَ براحتيكَ عقالَهَا
وقال ابن الرُّومي:
قالوا أبو الصَّقرِ من شَيبانَ قلتُ لهمْ ... كلاَّ لَعمرِي ولكنْ منهُ شَيبانُ
وكمْ أبٍ قد عَلا بابنِ ذُرَى شرفٍ ... كما عَلا برسولِ الله عدنانُ
وقال أيضاً:
وإنَّ عُبيدَ الله للنَّاسِ عِصمةٌ ... بأيديهمُ منها عُرًى لا تُفصَّمُ
وما كانَ لاستصغارِهِ صُغِّر اسمُهُ ... أبَى ذاك من معناهُ فَخْمٌ مُفخّمُ
ولكنَّ أسماءَ الأحبَّةِ لم تَزَلْ ... تُصغّرُ في أهليهمُ وتُرخّمُ
وقال آخر:
قايَسْتُ شطرَ فَعالِها بجمالهَا ... فإذا الأمانةُ بالخيانةِ لا تَفِي
والله لا لاحظتُها ولوَ انَّها ... كالبدرِ أوْ كالشَّمسِ أوْ كالمكتَفِي
وقال الحطيئة:
قومٌ إذا عَقدُوا عَقْداً لجارهمُ ... شدُّوا العِناجَ وشدُّوا فوقَهَا الكَرَبا
قومٌ همُ الأنفُ والأذنابُ غيرهمُ ... ومَنْ يُسوِّي بأنفِ النَّاقةِ الذَنَبا
وله أيضاً:
ماذا تقولُ لأفراخٍ بذِي مَرَخٍ ... حُمْرِ الحواصِلِ لا ماءٌ ولا شَجَرُ
ألقيتَ كاسبَهم في جوفِ مظلمةٍ ... فاغفرْ عليكَ سلامُ اللهِ يا عمَرُ
أنتَ الإمامُ الَّذي من بعدِ صاحبه ... ألقَى إليه مقاليدَ النُّهَى البَشَرُ
ما آثروكَ بها إذْ قدَّموك لها ... لكنْ لأنفُسِهم كانتْ بكَ الخِيَرُ
وقال حمزة بن أحمد الزوزني:
أنلنِي يا حليفَ المجدِ سُؤْلِي ... ولا تنظُرْ إلى ثقْلِ الرَّسولِ
فإنَّ ضرورةَ الأيَّامِ تُلجِي ... أحاييناً إلى الرَّجلِ الثَّقيلِ
وله:
إنْ لمْ تُغيِّرْ رسمَ حكمٍ جائرٍ ... ممَّن عزلتَ فأينَ فضلُ العازِلِ
وله:
لمْ أزلْ قائلاً بفضلكَ في السَّ ... رَّاءِ فانظرْ إليَّ في الضَّرَّاءِ
وله:
فإذا حُبستُ وفَكُّ حبسِي ممكنٌ ... ففعلتَ عنِّي كنتَ أنتَ الحابسَا
وقال آخر:
سجدتْ لطيبِ زمانكَ الأزمانُ ... وتضاءلتْ في وزنِكَ الأوزانُ
(1/38)

الخلقُ كلّهم صَحيفةُ كاتبٍ ... طُويتْ وأنتَ الصَّدرُ والعنوانُ
للهِ كفُّكَ من سَحابِ مكارمٍ ... واهِي الكُلَى أمطارُهُ العِقيانُ
عَجَباً لأرضٍ جاورتْهُ لمْ تَفُحْ ... مسكاً بها الآكامُ والغِيطانُ
عَجَباً لأقوامٍ رأوه لم تُصِرْ ... بُصَراء منها العورُ والعميانُ
عَجَباً لوادٍ فيه يشرَعُ كيفَ لم ... يغلبْ علَى حَصْبائه المرجانُ
لِمَ لَمْ يصرْ سلساً له راحاً ولمَ ... لَمْ يكتهلْ بشُطوطِهِ الرّيحانُ
آخر:
تنافسَ النَّاسُ في أيَّامِ دولتِهِ ... فما يَبيعونَ ساعاتٍ بأعْوامِ
وقال أبو نصر الزوزني:
ولمَّا رَأَى الدَّهْرُ المُقصِّرُ عجزَهُ ... دعاكَ فلبَّيتَ العُلَى والفَضَائلا
ولو كَفَتِ الخَطِيَّ طولاً كعوبُهُ ... لما استنجدتْ أيدي الرِّجالِ الأطاوِلا
وقال أبو الفتح البستي:
أغِثْ أيُّها الشَّيخُ الوزيرُ فإنَّني ... دُفعتُ إلى ما كنتُ قبلُ أخافُ
عُزلتُ ولم أعجزْ ولم أكُ خائناً ... وهذا لإنصافِ الوزيرِ خِلافُ
أُزلتُ وغيري مُثْبَتٌ في مكانِهِ ... كأنِّي نونُ الجمعِ حينَ تُضافُ
وقال آخر:
لا تهجوَنَّ امرأً في أنْ تكونَ لهُ ... أُمٌّ منَ الرُّومِ أوْ سوداءُ دَعجاءُ
فإنَّما أُمّهاتُ النَّاسِ أوعيَةٌ ... مُستودعاتٌ وللأحسابِ آباءُ
فرُبَّ واضحةٍ ليستْ بمنجبةٍ ... وربَّما أنجبتْ للفحلِ سَوداءُ
وقال آخر:
بدولةِ جعفرٍ حسُنَ الزَّمانُ ... لنا بك كلَّ يومٍ مِهرجانُ
ليومِ المِهرجانِ بكَ اخْتيالٌ ... وإشراقٌ ونُورٌ يُستبانُ
جعلتُ هديَّتي لد فيهِ وَشْياً ... وخيرُ الوشْيِ ما نسَجَ اللّسانُ
آخر:
احتفلَ النَّاسُ لنيروزهم ... فأظهَروا الألطافَ والبرَّا
ولمْ يكنْ في منزلِي تُحفةٌ ... تُهدَى فأهديتُ لكَ الشُّكرا
وقال آخر:
هَدايا النَّاسِ في سَذَقٍ دَجَاجٌ ... وفاكهةٌ وحِملانٌ سِمانُ
وإنَّ هديَّتي تَفديكَ نفسِي ... إلى أمثالكَ المِدَحُ الحِسانُ
وقال آخر:
من عادةِ النَّاسِ أنْ يَهدوا لسادتِهم ... وآثَرُ الأمرِ عندَ النَّاسِ ما اعْتادُوا
ونحنُ نُهدي ثناءً للأميرِ كمَا ... أهدَى لهُ المجدَ آباءٌ وأجدادُ
فاسلمْ أبا جعفرٍ عن كلِّ نائبةٍ ... فكلُّ أيَّامنا ما عشتَ أعيادُ
وقال آخر:
أُهنِّي بكَ العيدَ الَّذي أنتَ عيدهُ ... وعيدٌ لمنْ صلَّى وضحَّى وعيّدا
آخر:
صُبحكَ هذا صبحُ بَهْمَنْجَنَه ... فخَلِّ عن ناظرتيكَ السِّنَهْ
واسقِ نداماكَ مُداماً يدُمْ ... بأطيبِ العيشِ جميعَ السَّنَهْ
وجهُكَ والرَّاحُ ومصباحُنا ... ثلاثةٌ واللهِ مُستحسَنَهْ
وقال آخر:
تأنَّقَ في الهديَّةِ كلُّ قومٍ ... إليكَ غَداةَ شُربكَ للدَّواءِ
وكانَ كثيرُ ما أُهدِي قليلاً ... لمثلكَ فاقتصرتُ علَى الدُّعاءِ
وقال سعيد بن حميد الكاتب:
إنْ أُهدِ نفسِي فهوَ مالكُهَا ... ولها أصونُ كرائمَ الذخْرِ
أوْ أُهدِ مالاً فهو واهبهُ ... وأنا الحقيقُ عليهِ بالشُّكرِ
أوْ أُهدِ شكرِي فهو مرتهَنٌ ... بحميدِ فعلكَ آخرَ الدَّهْرِ
والشَّمْسُ تَستغنِي بطلعتِها ... أنْ تستضيء لسُنّة البدرِ
الاستعطاف والاعتذار
قال الشاعر:
تدعُو الضَّروراتُ في الأمورِ إلى ... ركوبِ مَا لا يليقُ بالأدبِ
ما حاملٌ نفسَهُ علَى سببٍ ... إلاَّ لأمرٍ يكونُ في السَّببِ
وحَيرةُ المرءِ عندَ محنتِه ... تدعُو إلى أنْ يُلِحَّ في الطَّلَبْ
فاعذرْ علَى ما تراهُ من خُلقي ... فالذَّنْبُ ذنبُ الزَّمَانِ والنُّوَبِ
وقال أبو الفتح البستي الكاتب:
يا مَن أعادَ رَميمَ الملكِ مَنشورا ... وضمَّ بالرَّأيِ أمراً كانَ مَنشورا
لا زالَ قاليكَ للزوَّارِ منشورا ... وصدرُ قاليكَ بالمنشارِ منشورا
أنتَ الوزيرُ وإنْ لم تُؤتَ منشورا ... والملكُ بعدَكَ إنْ لم يُؤتمن شُورَى
وقال أبو منصور الثعالبي الكاتب:
(1/39)

لا تنكِرَنَّ إذا أرسلتُ نحوَكَ مِن ... علومكَ الغُرِّ أوْ آدابكَ الظُّرفَا
فقَيِّمُ الباغِ قد يهدِي لمالكِهِ ... برسْمِ خِدمتِهِ من باغِه التُّحَفَا
وقال أيضاً:
جَمالُ معيشةِ المثْرِي ... جمالٌ تُدمنُ الحَرَكَهْ
إذا برَكَتْ علَى نابٍ ... أناخَتْ لحولَهَا البَرَكَهْ
وقال آخر:
إذا شئتَ أنْ تَقتاسَ أمرَ قبيلةٍ ... وأحلامَهَا فانظُرْ إلى مَنْ يسودُها
تراهَا إذا كانتْ عزائمُ أمرِهَا ... إلى خيرِها صلْباً علَى البَرْي عودُها
وقال آخر:
عرفْنَا الجودَ منكَ وما عَرضْنَا ... لسخلٍ بعدُ منكَ ولا ذَنُوبِ
ولكنْ دارةُ القَمَرِ استدارتْ ... فدلَّتْنا علَى مَطَرٍ قَريبِ
آخر لأبي جعفر البحَّاث:
ومُلكُ بني سَامان كفٌّ قويَّةٌ ... ورأْيُ بني جَيْهانَ فيها الأصابعُ
وقال الشمَّاخ بن ضرار:
رأيتُ عَرابَةَ الأوسِيَّ يَجرِي ... إلى الخيراتِ مُنقطعَ القرينِ
إذا ما رايةٌ رُفعتْ لمجدٍ ... تلقَّاها عَرابَةَ باليمينِ
آخر:
لا تَحجُبُ السّتْرُ مُحَيَّاهُ وقدْ ... تحجبُهُ هيبتُه إذا بَدَا
وقال عتَّاب بن ورقاء:
لا يُصطلَى بنارِهم عندَ الوغَى ... بل يُصطلَى بنارِهم عندَ القِرَى
مَعَاذُ كلِّ راغبٍ وراهبٍ ... إذا أتَى نادِيَهمْ ألقَى العَصَا
لا تُنطَقُ العَوراءُ في نادِيهم ... ولا يَحُلُّونَ إلى الجهلِ الحِبَى
هُمُ الجبالُ امتنعتْ أنْ تُرتَقَى ... هُمُ البحورُ ليسَ يَعْلوها القَذَى
هُمُ النُّجومُ طالعٌ وآفلٌ ... يعلُو لهم غرْسٌ إذا غرْسٌ خَوَى
آخر:
نجومُ سماءٍ كلَّما غابَ كوكبٌ ... بَدَا كوكبٌ تأوِي إليه كواكبُهْ
آخر:
للخيرِ مهتبِلٌ للشَّرِّ معتزِلٌ ... للمالِ مبتذِلٌ بالبذلِ مُجتذِلُ
أنشدني الفقيه أبو بكر الحصيري:
أنتَ عليٌّ وهذه حَلَبُ ... قد نَفِدَ الزَّادُ وانتَهَى الطَّلبُ
وعبدُكَ الدَّهْرُ قد أضرَّ بنا ... إليكَ من ظلمِ عبدِكَ الهَرَبُ
وقال عنترة العبسيّ:
إنِّي امرؤٌ من خيرِ عبسٍ منصباً ... شَطْرِي وأَحمِي سَائِرِي بالمنصلِ
إنَّ المنيَّةَ لو تُمَثَّلُ مُثِّلتْ ... مثلِي إذا نَزلوا بضنْكِ المنزِلِ
ولقد أبِيتُ علَى الطوَى وأظَلّه ... حتَّى أنالَ بهِ كريمَ المأكَلِ
آخر:
تقولُ سُلَيْمَى لو أقمتَ بأرضِنا ... ولم تدرِ أنِّي للمَقَامِ أطُوفُ
آخر:
وأختارُ بُعْدَ الدَّارِ منكم لتقربُوا ... وتسكبُ عينايَ الدّموعَ لتجمَدَا
وقال سحيم عبد بني الحسحاس:
أشعارُ عبدِ بني الحَسْحاسِ قمنَ لَهُ ... عندَ الفَخَارِ مَقامَ الأصلِ والوَرَقِ
إنْ كنتُ عبداً فنفسِي حُرَّةٌ أبداً ... أو أسودَ الخَلْقِ إنِّي أبيضُ الخُلُقِ
وقال الحسن بن هانئ:
ذَرينِي أُكثِّرْ حاسديك برحلةٍ ... إلى بلدٍ فيها الخصيبُ أميرُ
إذا لمْ تَزُرْ أرضَ الخصيبِ ركابُنَا ... فأيُّ فتًى بعدَ الخصيبِ تَزورُ
فتًى يَشترِي حُسنَ الثَّناءِ بمالِهِ ... ويعلَمُ أنَّ الدَّائراتِ تَدورُ
فما جازَهُ جُودٌ ولا حلَّ دونَهُ ... ولكنْ يَصيرُ الجُودُ حيثُ يصيرُ
وقال أيضاً فيه:
منحتكُم يا أهلَ مصرَ نصيحتِي ... ألا فخُذُوا من ناصحٍ بنصيبِ
رماكُم أميرُ المؤمنينَ بحيَّةٍ ... أكولٍ لحيَّاتِ البلادِ شَروبِ
فلا تَثِبُوا وثْبَ السّفاهِ فتركبوا ... علَى ظهرِ صعبِ الرَّأسِ غير رَكوبِ
فإنْ يكُ باقِي إفكِ فرعونَ فيكُم ... فإنَّ عَصَا موسَى بكفِّ خَصيبِ
وقال أيضاً:
تتَنَحَّى حوادثُ الدَّهْرِ عمَّن ... كانَ في جانِبِ الخصيبِ مُقيمَا
فاسألنهُ إذا سألتَ عظيماً ... إنَّما يُسألُ العظيمُ عظيمَا
وقال آخر:
بأيِّ الخصْلتينِ عليكَ أُثنِي ... فإنِّي عنكَ مُنْصَرفِي مَسُولُ
أبا الحُسْنَى فليسَ لها ضياءُ ... عليَّ فمنْ يُصدّق ما أقولُ
أم الأُخرَى فلستَ لها بأهلٍ ... وأنتَ لكلِّ مكرمةٍ فَعولُ
(1/40)

فإنْ تمنحْ تُصادفني شكوراً ... فإنْ تمنعْ فلي رَبٌّ وَصولُ
وقال آخر:
ماذا أقولُ لأعدائِي إذا سَأَلُوا ... ماذا حَبَاكَ أميرُ الجيشِ يَعقوبُ
إنْ قلتُ لم يُعْطِني قرَّتْ عيونُهُمُ ... أوْ قلتُ أكرمني قالوا لمكذوبُ
فأينَ آثارُ نُعْماهُ عليكَ أبِنْ ... كذبتَ إنَّكَ محرومٌ ومَحْروبُ
فاسمُلْ أبا يوسُفٍ بالجودِ أعينَهم ... أشكرْكَ مجتهِداً ما حنَّتِ النيْبُ
وقال أبو العتاهية:
أُثنِي عليكَ ولي حالٌ تكذِّبُني ... فيما أقولُ وأستحيِي منَ النَّاسِ
وقلتُ إنَّ أبا حفصٍ لأكرَمُ مَنْ ... يَمشي فكذّبني في ذاكَ إفلاسِي
وقال آخر لعبد الله بن طاهر:
ماذا أقولُ إذا سئلتُ وقيلَ لي ... ماذا أصبتَ من الجوادِ المُفضِلِ
إنْ قلتُ أعطاني كذبتُ وإنْ أقُلْ ... بخلَ الجوادُ بمالِهِ لم يجمُلِ
فأبِنْ فديتُكَ ما أقولُ فإنَّني ... لا بدَّ مخبرُهم وإنْ لم أُسألِ
فبعث إليه شيئاً حضره، وكتب إليه:
أعجلتَنَا فأتاكَ عاجلُ برّنا ... قُلاًّ وإنْ أمهلتَنَا لم يَقْلِلِ
فخذِ القليلَ وكنْ كأنّكَ لم تَسَلْ ... ونكونُ نحنُ كأنَّنا لم نَفْعَلِ
وقال بعض الرجّاز في المأمون:
مأمونُ يا ذا المِنَنِ الشَّريفَهْ
وقائدَ الكتيبةِ الكثيفَهْ
وصاحبَ المرتبةِ المنيفَهْ
هلْ لكَ في أُرجوزةٍ لطيفَهْ
أظرف من فِقْهِ أبي حنيفَهْ
لا والَّذي أنتَ له خليفَهْ
ما ظُلِمتْ في أرضنا ضعيفَهْ
أميرُنا مُؤْنَتُه خفيفَهْ
وليسَ يُجْبينا سِوى الوَطيفَهْ
اللُّص والتاجرُ في قَطيفَهْ
والذئبُ والنعجةُ في سقيفَهْ
وقال آخر:
ومن العجائبِ أنَّ بيضَ سيوفهِ ... تَلدُ المنايا السودَ وهيَ ذكورُ
آخر:
أضحى غريباً في مكارمهِ الَّتي ... يُضْحي الغريبُ بهنَّ في الأوطانِ
أبت في الناس مثل شهرك في الأش ... هر أو مثل ليلة القدر فيه
وقال أبو الحسن العبدلكاني:
أرَى كلَّ ملتمسٍ ذروةٍ ... سَموتَ إلى فَرعها الأطولِ
كملتمسٍ نَقْلَ ماءِ الفرا ... تِ إلى أبعدِ الأرضِ بالمُنْخُلِ
وقال أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله:
يا صاحبي قِفْ بالمحصَّبِ من منًى ... واهتِفْ بقاعدِ خَيْفِها والنَّاهضِ
إن كان رفْضاً حُبُّ آل محمدٍ ... فليشهَدِ الثقلانِ أنّي رافضي
وقال مسلم بن الوليد الأنصاري صريع الغواني:
ثلاثةٌ تُشرقُ البلادُ بهم ... فضلُ بنُ يحيَى والشَّمسُ والقَمَرُ
لكنّ فضلاً يفيدُ نائلُه ... وفضلُ فضلٍ يُرجى وينظَرُ
والعودُ يخضَرُّ حينَ يَمْسَسهُ ... وحيثما مرَّ ينبتُ الخُضَرُ
لولا يدٌ منه بالندى بُسِطتْ ... ما وردَ النَّاسُ لا ولا صَدروا
آخر:
أنتَ في النَّاس مثلُ شهرِكَ في الأش ... هرِ أوْ مثلُ ليلةِ القدْرِ فيهِ
وقال ابن اللحام:
في كلّ يومٍ للأميرِ فُتوحُ ... تَغدو التهاني بينَها وتَروحُ
لا تَستفيقُ له بكلِّ صبيحةٍ ... أرواحُ أعداءٍ بهنَّ تَطيحُ
واللهُ يُسْعدُ عبدَه مَنْ قلبُه ... أبداً بمضمونِ الوفاءِ صحيحُ
واللهُ يُهلكُ منْ عصى نوحاً كما ... في الدَّهْرِ أهلكَ منْ شكا نوحُ
فليعتَبِرْ بسعوده منْ كان ذا ... لُبٍّ فإنّي للجميعِ نَصيحُ
وقال آخر:
تناسى سيدي ذِكري وعهدي ... وعندي ذكرهُ أبداً جَديدُ
ولا عجَبٌ تناسي ذكر عبدٍ ... من المَوْلى إذا كثُر العبيدُ
وأنشدني الداعي بن محمد العلوي أبو البركات:
دامَ لكَ العزُّ والبقاءُ ... ما اختلفَ الصبحُ والمساءُ
أعيادُنا فيكَ ما تقَضّى ... وكلُّ عبدٍ له انقضاءُ
النَّاسُ أرضٌ بكلِّ أرضٍ ... وأنتَ من فوقِهم سَماءُ
آخر:
زادكَ اللهُ سُرورا ... وتولاّكَ دُهورا
أنا أفديكَ إذا زُرْ ... تَ وأفديكَ مَزورا
حيثما كنتَ من الأر ... ض كسوتَ الأرضَ نورا
وقال آخر:
ما علَى اليومِ الَّذي أقبلَ في الحسنِ مَزيدُ
(1/41)

قادَه الإقبالُ واليمْنُ ويحدوه السعودُ
ولنا في كلِّ يومٍ من سَنا وجهِكَ عيدُ
نحنُ أحرارٌ ولكنّا لنُعْماكَ عبيدُ
آخر:
فإن يكُ سيّارُ بنُ مكرَمٍ انقضَى ... فإنّكَ ماءُ الوردِ إنْ ذهبَ الورْدُ
آخر:
وهل يستقيمُ النَّاسُ إلاَّ بسيّدٍ ... يرى لهم الرَّأْيَ السديدَ فتتبَع
وقال السيد بن محمد بن يزيد بن مفرغ الحميري:
يا نَفْسِ لا تَمحضنّ النصحَ منك ولا ... صفوَ المودّةِ إلاَّ آل ياسينا
إرْضَيْ بهم وتولّيْ من يُحبُّهم ... في الله إنَّهم فينا مَوالينا
يا ربّ لا تسلبَنِّي حبّهُم أبداً ... ويرحَمُ الله عبداً قال آمينا
آخر:
لنا إمامٌ ظريفٌ ... خفيفُ روحِ الصلاةِ
كراكبٍ فوقَ طِرْفٍ ... مُستعجلٍ بمُشاةِ
وقال عبيد الله بن عبد الله بن طاهر:
أبى دهرُنا إعتابَنا في عدوِّنا ... وأعتبنا في من نُحبُّ ونُكرِمُ
فقلتُ له عُتْباكَ فيهم أتمّهَا ... ودعْ ما سِواها فالأهمُّ المقدَّمُ
آخر:
وما زادَ عينَ الشَّمس نوراً وبهجةً ... إطالةُ ذي وصفٍ وإفراطُ مادحِ
آخر:
أولئك جادوا والزَّمانُ مُساعدٌ ... وقد جادَ هذا والزَّمانُ مخالِفُ
وقال أبو الحسن بن المؤمن الغزنوي:
فهُم من الجَدِّ في حضيضٍ ... وهُمْ من المجدِ في الرَّوابي
وهُمْ إذا فُتِّشوا أُصيبوا ... أعزَّ من رجعةِ الشَّبابِ
آخر:
وفتًى خَلا من مالِهِ ... ومن المروءة غيرُ خالِ
أعطاكَ قبلَ سؤالِهِ ... فكفاكَ مكروهَ السُّؤالِ
وقال آخر:
وتركتُ مدحِي للوصيّ تعمُّداً ... إذْ كانَ نوراً مستطيلاً شامِلا
وإذا استطالَ الشّيء قامَ بذاتِهِ ... وكذا صفاتُ الشَّمْسِ تذهبُ باطِلا
وقال آخر:
لِفضلِ بنِ سهْلٍ يَدٌ ... تَقَاصرَ عنها المَثَلْ
فباطنُها للنَّدَى ... وظاهرُها للقُبَلْ
وبَسْطتُها للنَّدَى ... وسطوتُها للأَجَلْ
وقال دريد بن الصمة الجشمي:
ما إن رأيت ولا سمعت به ... كاليوم هاني أنيقٍ صُهبِ
مُتبذلاً تبدو محاسنه ... تضعُ الهناء مواضعَ النُّقبِ
وقال آخر:
يُهنِّيكَ فتحٌ أصبحتْ بَهَجاتُهُ ... في مِعصمِ الأيَّامِ وهيَ سِوارُ
ويدٌ يطولُ نوالُها وقتالُها ... وهُمَا علَى خدِّ الزَّمَانِ عِذارُ
أنتَ الَّذي بحديثِهِ ولقائِهِ ... تَتَنَعَّمُ الأسماعُ والأبصارُ
لو عاقَ أنوارَ الكواكِبِ عائقٌ ... عمَّ الوَرَى من وجهكَ الأنوارُ
أوْ كانتِ الأقدارُ تُعطَى لهجةً ... نصَّتْ علَى تفضيلكَ الأقدارُ
أوْ كانتِ الأمصارُ تُحسنُ نُقلة ... وفدتْ إليكَ بأهلِها الأمصارُ
لتلوذَ منكَ بظلِّ أمنٍ تحتَهُ ... يقوَى الضَّعيفُ ويَضعف الجبَّارُ
تحبُو الملوكُ ملابساً ومراكباً ... وحِباؤُكَ الأرزاقُ والأعمارُ
والله جاركَ أينَ كنتَ مسالِماً ... ومحارباً والله نِعمَ الجارُ
وقال آخر:
تَمتَّعْ من سفيهٍ أوْ فقيه ... ففي هذا وفي هَذَاكَ حُسْنُ
فإنْ سالمتَ فالفقهاءُ حُسنٌ ... وإنْ حاربتَ فالسّفهاءُ حِصنُ
وما استوفَى شروطَ المجدِ إلاَّ ... فتًى في خُلقِهِ سهلٌ وحَزْنُ
وقال محمد بن وهيب:
ما زالَ يُلثِمني مَراشِفَه ... ويَعُلنِي الإبريقُ والقَدَحُ
حتَّى استردَّ اللَّيلُ خِلْعَتَه ... وبَدَا خلالَ سَوادِهِ وَضَحُ
وأتَى الصَّباحُ كأنَّ غُرَّتَه ... وجهُ الخليفةِ حينَ يُمْتَدَحُ
لبستْ به الدُّنيا محاسنَها ... وتزيَّنتْ بصفاتِهِ المِدَحُ
وقال أحمد بن أبي فنن:
أقبلَ كالمُغضبِ في تِيهه ... يُديرُ عينَيْ غيرِ غَضْبانِ
كأنَّما أمستْ لهُ مِنَّةٌ ... كمِنَّةِ الفتحِ بنِ خَاقانِ
فتًى إذا ما جئتَهُ شاكراً ... إحسانَهُ زادَ بإحسانِ
وقال آخر:
إنْ كنتُ في تركِ العيادةِ تاركاً ... حظِّي فإنِّي في الدُّعاءِ لجاهِدُ
فلربَّما ترَكَ العيادَةَ مُشفقٌ ... وأَتَى علَى غشِّ الضَّميرِ الحاسدُ
وقال آخر:
(1/42)

إذا اعتاصَ القريضُ عليكَ فامدَحْ ... أميرَ المؤمنينَ تجِدْ مَقَالا
كريمٌ ما تزال به رِكابٌ ... وضَعْنَ قصائداً وحملنَ مَالا
أنشدني إبراهيم بن محمد البكري لمحمد بن جراح البكري:
إنَّا لَنبنِي علَى أسَّسَتْهُ لنَا ... آباؤنا الغرُّ من مجدٍ ومن كَرَمِ
إنِّي وإنْ كانَ قَومي في الوَرَى علماً ... فإنَّني عَلَمٌ في ذلكَ العَلَمِ
لا يرفَعُ الضَّيفُ رأساً في منازِلِنا ... إلاَّ إلى ضاحكٍ ومبتسِمِ
وقال إبراهيم بن هلال الصابي في اصطرلاب أهداها إلى الأمير أبي جعفر صاحب سجستان:
أهدَى إليكَ بنو الآمالِ واحتَفَلُوا ... في مهرجانٍ جديدٍ أنتَ مُبْليهِ
لكنَّ عبدكَ إبراهيمَ حينَ رَأَى ... علوَّ قدرِكَ عن شيءٍ يُدانيهِ
لم يرضَ بالأرضِ مُهداةً إليكَ فقدْ ... أهدَى لكَ الفلَكَ الأعلى بما فيهِ
وقال أبو علي الزوزني في ابن العتبي:
عيدُ المكارِمِ والعُلى بكَ عَادا ... يا سيِّداً سُنَنَ الكرامِ أعادَا
بالعيدِ لا يُعْتَدُّ بل بكَ مَنْ غَدَا ... أيَّامُهُ بكَ كلّها أعيادَا
وقال ابن مطران الشَّاشي:
إذا أبو قاسمٍ جادتْ لنَا يدُهُ ... لم يحمَدِ الأغزَرانِ البحرُ والمَطَرُ
وإنْ أضاءَ لنَا نورٌ بغُرَّتِهِ ... تضاءَلَ النَّيِّرانِ الشَّمْسُ والقمرُ
وإنْ بَدَا رأيهُ أو حَدُّ عزمتهِ ... تأخَّرَ الماضيانِ السَّيفُ والقدرُ
مَن لمْ يكنْ حَذِراً من حدِّ صولتهِ ... لم يدرِ ما المُزْعِجانِ الخوفُ والحَذَرُ
وقال بكر بن النطَّاح في أبي دلف القاسم بن عيسى:
يا طالباً للكِيمياءِ ونفعِهِ ... مدحُ ابنِ عيسَى الكيمياءُ الأعظمُ
لو لمْ يكنْ في الأرضِ إلاَّ درهمٌ ... ومدحتَهُ لأتاكَ ذاكَ الدِّرهَمُ
وقال مروان بن أبي حفصة:
تَشابَه يوماهُ علينَا فأَشْكَلا ... فما نحنُ ندرِي أيُّ يوميهِ أفضَلُ
أيومُ نَداهُ الغَمْرِ أمْ يومُ بأسِهِ ... وما منهما إلاَّ أغرُّ مُحجّلُ
أنشدني أبو سهل بن الأعرابيّ بغَزْنة:
قومٌ إذا حلَّ الغريبُ بدارِهم ... تركوهُ ربَّ صَواهِلٍ وغَوانِ
وإذا دعوتَهم ليومِ كريهةٍ ... سَدّوا شُعاعَ الشَّمْسِ بالفرسانِ
لا ينكتُونَ الأرضَ عندَ سؤالِهم ... لتطلُّبِ العلاَّتِ بالعِيدانِ
حضر النَّبيّ صلى الله عليه وسلّم الزبرقان بن بدر وعمرو بن الأهتم التَّميميَّان، فقال عليه السَّلام لعمرو بن الأهتم: " كيف الزبرقان فيكم "؟ فقال: مطاع في أدانيه، شديد العارضة، مانع لما وراء ظهره. فقال الزبرقان: يا رسول الله إنَّه علم منِّي أكثر من هذا ولكنَّه حسدني. فقال عمرو بن الأهتم: أما أنَّه لزمر المروءة، أحمق الوالد، لئيم الخال، قعدد النسب، ولقد صدقت في الأولى وما كذبت في الأخرى، ولكنِّي رضيت فقلت أحسن ما علمت، وسخطت فقلت أسوأ ما علمت، فقال صلى الله عليه وسلّم: " إنَّ من البيان لسحرا ".
وقال عليَّ رضوان الله عليه: إنَّ ابن عبَّاس ينظر إلى الغيب من وراء ستر رقيق.
وصف أعرابيّ قوماً فقال: كانوا والله غيوث جدب، وليوث حرب، إن أعطوا أغنوا، وإن حاربوا أفنوا، فقدَّم لهم الدَّهر ما أخَّر لغيرهم، فواهاً لهم.
وفي الحديث: " إذا رأيتم المدَّاحين فاحثوا في وجوههم التُّراب ".
دخل يحيى بن معاذ الرازي ببلخ علَى حمزة بن حمزة سيّد العلويين بها، فقال: ما تقول فينا أهل بيت المصطفى؟ فقال: ما أقول في طينة عجنت بماء الرسالة، وسقيت بماء الوحي، هل يفوح منها إلاَّ مسك الهدى، وعنبر التُّقى وبان اليقين. فلمَّا كان من الغد ركب إليه حمزة. فقال له يحيى: إن زرتنا فبفضلك، وإن زرناك فلفضلك، فلك الفضل زائراً ومزورا.
وقال عليّ بن محمد الفيَّاض للمبرّد: يا أبا العبَّاس، ما أنت إلاَّ بستان، فقال: وأنت يا سيّدي شربه.
دخل بعض العلماء علَى بعض الأمراء فتكلّم في أنواع العلوم فأكثر وأحسن، ثمَّ قال: لقد صدّعت، فقال صاحب المنزل: بل صدعت بالحقّ، فقال: قد ثقّلت، فقال: نعم قد تقّلت المنَّة، فقال: لعلَّك تقول: أبرمت فقم، فقال، لا بل أكرمت فدم.
وفي الحديث: " إذا مدح الظَّالم اهتزَّ العرش ".
(1/43)

ويقال: إذا رأيت الرَّجُل يقول فيك من الخير ما ليس فيك فلا تأمن أن يقول فيك من الشّرّ ما ليس فيك.
ورد علَى إسماعيل بن أحمد السَّاماني صاحب خراسان شاعر، فامتدحه وكتبه في طومار وأنفذه إليه، فردّ إليه الطومار وقد كتب علَى ظهره:
يا أيُّها الرَّجُل المهدي لَنَا فَنَدا ... أضللتَ ويحكَ فيما قلتَهُ الرّشدا
لا أقبل المدح إنَّ المدح مسخرة ... ولا أثيب عليهِ شاعراً أبَدَا
أُعطِي المساكينَ من مالِي فأجبرُهم ... أُرضِي بذلك عنِّي الواحد الصّمدا
ورد حاجب بن زرارة باب كسرى فاستأذن، فقال له الحاجب: من أنت؟ فقال: أنا رجل من العرب جئت في مهمّ. فأذن له. فقال له كسرى: من أنت؟ فقال: أنا سيّد العرب، فقال له: ويحك ألم تقل للحاجب أنَّك رجل من العرب؟ فقال: إنِّي وقفت بالباب وأنا رجل من العرب فلمَّا أذنت ولقيتك صرت سيّدهم. فقال كسرى: زه، فاستوجب أربعة آلاف درهم.
مرَّ المهدي الخليفة بعجوز في طريق له فقال: من العجوز؟ قالت: من طيئ، فقال المهدي: ما منع طيّئاً أن يلدوا آخر مثل حاتم؟ فقالت: وما منع العرب كلّها أن يكون فيها آخر مثلك، فاستحسن كلامها وأمر لها بجائزة.
تمَّ باب المديح.
(1/44)