Advertisement

طوق الحمامة للسيوطي



الكتاب: طوق الحمامة
المؤلف: عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي (المتوفى: 911هـ)
[الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع] المقدمة
في لفظ الحمام لغة وما يطلق عليه والفرق بينه وبين اليمام وذكر طباعه في سفاده وبيضه
قال الجوهري الحمام عند العرب ذوات الأطواق نحو الفواخت، والقمارى، وساق حر، والقطا، والوراشين. وأشباه ذلك. يقع على الذكر والأنثى؛ لأن الهاء إنما دخلته على أنه واحد من جنس، لا للتأنيث.
وعند العامة: أنها الدواجن فقط. الواحدة: حمامة.

قال حميد بن ثور في قمرية

وما هاج هذا الشوق إلا حمامة ... دعت ساق حر برهة فترنما
وقال النابغة في القطا فيما ذكره الأصمعي

وأحكم كحكم فتاة الحي إذ نظرت ... إلى حمام سراع وارد الثمد
فقالت:
ألا ليتما هذا الحمام لنا ... إلى حمامتنا أو نصفه فقد
وقال الأموي
الدواجن التي تستفرخ في البيوت تسمى: حماماً أيضاً.
وجمع الحمام: حمائم، وحمامات.
وربما قالوا: حمام للمغرد.
قال:
وذكرني الصبا بعد التنائي ... حمامة أيكة تدعو حماما
وقال الأصمعي
الحمام هو: البري. واليمام: هو الذي يألف البيوت.

ونقل الأزهري عن الشافعي
أن الحمام: كل ما عب، وهدر، وإن تفرقت أسماؤه.
والعب: شدة جرع الماء من غير تنفس.
والهدير: ترجيع الصوت، ومواصلته من غير تقطيع له.

قال الرافعي
والأشبه: أن ما عب هدر، فلو اقتصروا في تفسير الحمام على العب كفى لهم.
يدل عليه: أن الشافعي قال في "عيون المسائل": وما عب من الماء عبا فهو حمام. وما شرب قطرة قطرة كالدجاج، فليس بحمام.

قال الكمال الدميري
الحمام الذي يألف البيوت قسمان: بري: وهو الذي يلازم البروج.
وأهلي: وهو أنواع مختلفة، وأشكال متباينة: الرواعب: والمراعيش، والعداد، والشداد، والمضرب، والقلاب.
والمنسوب: وهو بالنسبة إلى ما تقدم كالعتاق من الخيل. وتلك كالبراذين.

قال الجاحظ
النصع من الحمام كالصقالبة من الناس وهو الأبيض.
وفي "التبيان": الحمام: أهلي ووحشي، وسوقي، وطرامرلي، وهو حلال بجميع أنواعه.
وكل طائر يعرف بالزواج، وبحسن الصوت، والهديل والدعاء، والترجيع فهو حمام وإن خالف بعضه بعضا في الصورة واللون، وفي بعض الهديل والنوع. كذا عرفه الجاحظ.

وقال أبو حاتم في كتاب "الطير "
العرب لا تعرف حمام الأمصار، إنما يسمونه: الحصر. وإنما الحمام عند العرب: القطا، والقماري، والدباسي، والوراشين، والفواخت، وساق جر. ونحوهن ضروب كثيرة وحشية.
وذكر ابن قتيبة وغيره: أن المعروف عند العرب أن الحمام: ذوات الأطواق وما أشبهها من الفواخت، والقمارى، والقطا.
وأما الدواجن في البيوت فهي وما أشبهها من طير الصحراء اليمام.

وقال أبو حاتم
الفرق بين الحمام واليمام: أن أسفل ذنب الحمام مما يلي ظهرها بياض، وأسفل ذنب اليمام لا بياض فيه.
والمراد بالطوق: الخضرة، أو الحمرة، المحيطة بعنق الحمام.

وفيه يقول الفرزدق

لمن يك خائفاً لأداة شعري ... فقد أمن الهجاء بنو حرام
هم رأوا سفيههم وخافوا ... فلم ير إلا مثل أطواق الحمام
وفي المثل: "تقلدها طوق الحمامة".
لأنه لا يزايلها، ولا يفارقها.
وقال:
اذهب بها اذهب بها ... طوقتها طوق الحمامة
قال ابن العماد
وقد انتظم من كلام الشافعي وأهل اللغة أن الحمام: يقع على الذي يألف البيوت، ويستفرخ فيها، وعلى اليمام والقمري، وساق حر، وهو ذكر القمري، والفاختة، والدبس والقطا، والورشان، واليعقوب، والقبج، والحجل، والدراج، والشعس، والراعي، والورداني، والطورانسي، وقد ذهب المراوزة: إلى أن الجميع في الربا جنس واحد.
وقال العراقيون: كل نوع منه جنس، الحمام جنس، والفواخت جنس، والقمارى جنس.
وفي المثل: "آلف من حمام الحرم".
"وآمن، وأحرق من حمامة، وأحمق ".
لأنها لا تحكم عشها، فإذا هبت الريح كان ما تكسر أكثر مما سلم.

قال عبيد بن الأبرص

غيوا بأمرهم كما ... كما عيت ببيضتها الحمامة
جعلت لها عودين من ... بشم وآخر من ثمامة
(1/1)

روى أحمد في "الزاهد" عن يزيد بن ميسرة أن المسيح-عليه السلام-كان يقول لأصحابه: "إن استطعتم أن تكونوا بلهاء في مثل الحمام فافعلوا". قال: وكان يقال: ليس شيء أبله من الحمام. . إنك تأخذ فرخيه من تحته فتذبحهما، ثم يعود إلى مكانه ذلك، فيفرخ فيه!! وأخرج ابن عدي، وابن عساكر: من طريق محمد بن إسحاق العكاشي، عن الأوازعي، عن مكحول والقاسم- أنهما سمعا أبا أمامة يقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن أخي عيسى ابن مريم قال الحواريين يوما: يا معشر الحواريين، كونوا في الشر بلهاء كالحمام. وكونوا في الاجتهاد والحذر كالوحش إذا طلبها القناص".

وأخرج ابن عساكر وقال
قرأت في الإنجيل: أن المسيح قال للحواريين: "كونوا حكماء كالحيات، وبلهاء كالحمام". وأخرج ابن المنذر, وابن أبي حاتم: عن ابن عباس قال: استقرت السفينة على الجودي فبعث نوح الغراب ليأتيه بالخبر, فذهب, فوقع على الجيف فأبطأ عليه. فبعث الحمامة فأتته بورق الزيتون, ولطخت رجليها بالطين؛ فعرف نوح أن الماء نضب.

وقال أمية بن أبي الصلت

فأرسلت الحمامة بعد سبع ... تزل على المهالك لا تهاب
تلمس هل ترى في الأرض عيناً ... وعاينه من الماء العباب
فجاءت بعدما ركضت بقطف ... عليه الشطء والطين الكباب
فلما فرسوا الآيات صاغوا ... لها طوقا كما عقد السحاب
إذا ماتت تورثه بنيها ... وإن تقتل فليس لها استلاب
وروى أبو داود, والنسائي عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يكون في آخر الزمان قوم يخضبون بالسواد كحواصل الحمام لا يريحون رائحة الجنة ".
وروى ابن عدي عن جابر: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "شكت الكعبة إلى الله قلة الزوار لها ,فأوحى الله إليها: لأبعثن أقواماً يحنون إليك كما تحن الحمامة إلى فرخها".

قال الدميري
في طبع الحمام أنه يطلب وكره, ولو أرسل من ألف فرسخ.
ويحمل الأخبار ويأتي بها من المسافات البعيدة في المدة القريبة. وفيه ما يقطع ثلاثة آلاف فرسخ في يوم واحد.
وربما اصطبر وغاب عن وطنه عشر حجج, وهو على ثبات عقله, وقوة حفظه, ونزوعه إلى وطنه, حتى يجد فرصة فيصير إليه.
وسباع الطير تطلبه أشد الطلب, وخوفه من الشاهين أشد من خوفه من غيره, وهو أطير منه ومن سائر الطير كله, لكنه يذعر منه, ويعتريه ما يعتري الحمار إذا رأى الهر.
وفي "عيون الأخبار" لابن قتيبة: عن المثنى بن زهير قال: لم أرى شيئاً من رجل وإمرة إلا وقد رأيته في الحمام: رأيت حمامة لا تريد إلا ذكرها, وذكراً لا يريد إلا أنثاه, إلى أن يهلك أحدهما ويفقدها! ورأيت حمامة: تتزين للذكر ساعة يريدها! ورأيت حمامة: لها زوج وهي بمسكن آخر ما تعدوه! ورأيت حمامة: تقمط حمامة, ويقال: إنها تبيض عن ذلك.
ولكن لا يكون لذلك البيض فراخ.
ورأيت ذكرا: يقمط ذكراً! ورأيت ذكراً يقمط كل من لقي ولا يزاوج! ورأيت أنثى: يقمطها كل من يراها من الذكور, ولا تتزاوج.
وليس من الحيوان من يستعمل التقبيل عند السفاد سواه! وهو عفيف في السفاد يجر ذنبه على أثره؛ ليعفوا أثر الأنثى كأنه قد علم ما فعلت, ويجهد في إخفائه! وهو يسفد لتمام ستة أشهر.
والأنثى تحمل أربعة عشر يوماً, وتبيض بيضتين: يخرج من الأولى ذكر, والثانية أنثى! وبين الأولى والثانية يوم وليلة.
والذكر يجلس على البيض ويسخنه جزعاً من النهار, والأنثى بقية النهار, وكذلك في الليل.
وإذا باضت الأنثى, وأبت الدخول على بيضها لأمر ما ضربها الذكر, واضطرها للدخول.
وإذا أراد الذكر أن يسفد الأنثى أخرج فراخه من الوكر, وإذا خرج الفرخ من البيض مضغ أبوه تراباً مالحاً وأطعمه إياه؛ ليسهل به سبيل الطعم.
وزعم أرسطو: أن الحمام يعيش ثمان سنين.
ومن الحمام: "الراعبية "منسوبة إلى أرض يقال لها: راعب.
ومن الحمام: "الوزي "وهو ضرب من الحمام يضرب إلى حمرة وصفرة. وفي "الزنبيل"؛لابن خالويه: كنيه الحمام: "أبو مهنى".
والمعرقل: الذكر من الحمام.

المقصد
وفيه مسائل
الأولى في الحديث الذي جاء السؤال عنه, وطرقه, وشواهده
قال الطبراني في "الكبير"
(1/2)

حدثنا الحسين بن إسحق القيسري, حدثنا الربيع الزهراني, حدثنا الصلت بن الحجاج, أنبأنا ثور بن يزيد عن خالد بن معدان, عن عبادة بن الصامت قال: شكا رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الوحشة, فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اتخذ زوجا من حمام".
وقال ابن السني في "عمل اليوم والليلة ": حدثنا علي بن إسحق بن رجا أنبأنا محمد بن يزيد المستحلى حدثنا الحسين بن علوان عن ثور بن يزيد عن خالد بن معدان، عن معاذ بن جبل: "أن عليا شكا إلى النبي صلى الله عليه وسلم الوحشة فأمره أن يتخذ زوج حمام ويذكر الله عند هديره".
وقال ابن وكيع في الفرد: حدثنا الحسين بن أبي زيد الدباغ، حدثنا يحي بن ميمون بن عطاء أبو أيوب، حدثنا أبو ميمون بن عطاء، عن أبي إسحق، عن الحارث، عن علي بن أبي طالب: أنه شكا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الوحشة، فقال: "ألا اتخذت زوجاً من حمام فآنسك وأكلت".
وقال الخطيب في "تاريخه": أخبرني الحسين بن علي الطناجيري، أنبأنا عمر بن أحمد الواعظ، حدثنا أحمد بن هاشم بن محمد العبدي، حدثنا محمد بن زياد اليشكري، عن ميمون بن مهران، عن ابن عباس قال: شكا رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الوحشة فقال: "اتخذ زوج حمام يؤنسك بالليل".
ومن شواهد ذلك: ما أخرجه ابن عدي بسند فيه مضعفاً عن جابر قال: قال رسول الله صلى عليه وسلم: "إذا كان أحدكم في بيته وحده خالياً فليتخذ فيه زوج حمام" وما أخرجه ابن عدي، والشيرازي في "الألقاب"، والخطيب بسند ضعيف، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عيه وسلم: "اتخذوا الحمام المقاصيص في بيوتكم؛ فإنها تلهي الجن عن صبيانكم".
وما أخرجه الطبراني، وابن قانع، وابن السني، وأبو نعيم، كلاهما في "الطب النبوي" بسند ضعيف، عن حبيب بن عبد الله بن أبي كبشة، عن أبيه، عن جده: "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعجبه النظر إلى الأترج، ويعجبه النظر إلى الحمام الأحمر".
وأخرج الحاكم في "التاريخ"، وأبو نعيم في "الطب"بسند ضعيف، عن عائشة قالت: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب النظر إلى الخضرة وإلى الأترج وإلى الحمام الأحمر".
وأخرج ابن حيان في "الضعفاء"، وابن إسحق، وأبو نعيم معا في "الطب"عن علي بن أبي طالب قال: "كان رسول الله عليه وسلم يعجبه قال النظر إلى الحمام الأحمر والأترج".
قال هلال بن المعلى: الحمام الأحمر: التفاح.
قال الحافظ أبو موسى المديني: هذا التفسير لم أراه لغيره.
وقال الديلمي في "مسند الفردوس": أنبأنا يحيى بن عبد الوهاب الحافظ, أنبأنا أبو عمرو رجاء بن علي بن عبد الصمد ,حدثنا عمر بن أحمد بن عمر الشافعي ,حدثنا أحمد بن الحسن بن أيوب النقاش ,حدثنا إبراهيم بن مهدي , حدثنا عبد الرحمن , حدثنا سعيد بن محمد بن سعيد بن زياد, حدثنا عبد الله بن الزبير, وعبد الله بن معاوية قالا: حدثنا هشام بن عروة, عن أبيه, عن عائشة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن لله من كل شيء صفوة, وإن صفوته من الطير الحمام فلا تحبسوها.

المسألة الثانية في حبسه في الأقفاص
قال الدميري: يجوز اتخاذ الحمام للبيض والفراخ والأنس بها وتحمل الكتب بلا كراهة.
قال: ويجوز اتخاذ حبس الطير في القفص. نص عليه أصحابنا أبو العباس بن القاص في شرح حديث: يا أبا عمير, ما فعل النغير".
وسئل القفال عنه فقال: إذا كفاها المئونة جاز.
ومنع ابن عقيل الحنبلي من ذلك وجعله سفها وتعذيبا؛ لقول أبي الدرداء: "تجيء العصافير يوم القيامة تتعلق بالعبد الذي يحبسها في القفص عن طلب أرزاقها, تقول: يا رب, هذا عذبني في الدنيا".
والجواب: أن هذا فيمن منعها المأكول، والشراب.
قلت: قد عقد البخاري لذلك باباً قي كتاب "الأدب المفرد" فقال: "باب الطير في القفص".
حدثنا حازم, حدثنا حماد بن زيد عن هشام بن عروة قال: كان أبي الزبير بمكة, وأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يحملون الطير في الأقفاص.
وأورد أيضاً حديث "يا أبا عمير ما فعل النغير".
وفي "الخادم" للزركشي: في "باب البيع" عند قول الرافعي: ومنه ما ينتفع بلونه, كالطاووس, أو صوته كالزرزور, ما نصه: علم منه جواز حبس الطيور لقصد ذلك.
(1/3)

وبه صرح القفل في فتاويه وبه قال؛ لأن في ذلك تعهده, ولا تمييز له, فهو كالحمار يربط.
وذكره ابن القاص في كلامه على حديث "يا أبا عمير ما فعل النغير"؟ ? ويشهد ما في كتاب ابن السني "أن عليا شكا إلى النبي صلى الله عليه وسلم الوحشة, فأمره أن يتخذ زوج حمام, ويشكر الله عند هديرها".
وكذلك قصة الشافعي مع مالك في الرجل الذي اشترى القمري ووجده لا يصيح كثيراً.
نعم, هذا ظاهر في الطيور المأكولة, أما غير المأكولة ففيه توقف؛ فقد ذكر العبادي في "الطبقات", أن النهي عن قتل الهدهد والصرد, والخطاف لكرامتها.
وإذا كان كذلك فمن كرامته ألا يتعرض له البتة بحبس، ولا غيره، لأن الحبس عقوبة، ولأنه يحرم قتله، فيحرم حبسه قياسا على الصيد في حق المحرم.
لكن قوله صلى الله عليه وسلم في صاحبة الهرة التي رآها في النار: "حبستها فلا أطعمتها ولاهي تركتها تأكل من خشاش الأرض" دليل على أن: من حبس الهرة وما في معناها، وأطعمها، لا يعاقب على ذلك.

المسألة الثالثة في اللعب به
قيل: يجوز لأنه يحتاج إليها في الحرب لنقل الأخبار. والأصح: كراهته لما رواه أبو داود، وابن ماجة، وابن حبان، والطبراني، والبيهقي، عن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يتبع حمامة، فقال "شيطان يتبع شيطانة".
قال البيهقي: حمله بعض أهل العلم على إدمان صاحب الحمام لإطارته، والاشتغال به، والارتقاء بسببه إلى الأسطحة التي يشرف منها على بيوت الجيران، وحرمهم.
وقال ابن حبان: إنما قال له: شيطان، لأن اللاعب بالحمام لا يكاد يخلو من لهو وعصيان والعاصي يقال له: شيطان.
قال تعالى: (شياطين الإنس والجن) وأطلق على الحمامة شيطانة للمجاورة.
وروى ابن أبي الدنيا في "ذم الملاهي "والبيهقي عن سفيان الثوري قال: سمعنا أن اللعب بالحمام من عمل قوم لوط.
وعن النخعي قال: من لعب بالحمام الطيارة، لم يمت حتى يذوق ألم الفقر.
وعن أيوب قال: كان ملاعب آل فرعون الحمام.
وعن أسامة بن زيد قال: شهدت عمر بن عبد العزيز يأمر بالحمام الطيارة فتذبحن، ويترك المقصصات.
وروى في تاريخه عن زهير أن المهدي كان يحب الحمام فروى له غياث بن إبراهيم حديث "لا سبق إلا في خف أو حافر أو نصل" فزاد فيه: "أو جناح" فلما قام قال المهدي: أشهد أن قفاه قفا كذاب، وأنا استجلبت ذلك، وأمر بالحمام فذبحت. وروى الخطيب عن زكريا الساجي قال: أن أبا البختري دخل على الرشيد وهو قاض، وهارون إذ ذاك يطير الحمام، فقال: هل تحفظ في هذا شيئا؟ فقال: حدثني هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يطير الحمام".
فقال هارون: أخرج عني، ثم قال: لولا أنه من قريش لعزلته.

المسألة الرابعة في حمامتي الغار, ومعاني تسبيح بعض الطير
روى ابن سعد في "الطبقات" وأبو نعيم, والبيهقي في "الدلائل" عن أبي مصعب المكي قال: أدركت أنس بن مالك, وزيد بن أرقم, والمغيرة بن شعبة يتحدثون: أن النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الغار أمر الله بشجرة, فنبتت في وجه النبي صلى الله عليه وسلم, وأمر الله العنكبوت فنسجت في وجه النبي صلى الله عليه وسلم فسرته, وأمر حمامتين وحشيتين, فوقفتا بفم الغار, وأقبل فتيان قريش من كل بطن بعصيهم, وهراواتهم, وسيوفهم, حتى إذا كانوا من النبي صلى الله عليه وسلم بقدر أربعين ذراعا, جعل رجل منهم ينظر في الغار, فرأى حمامتين بفم الغار, فرجع إلى أصحابه فقال: رأيت حمامتين بفم الغار, فعلمت أنه ليس فيه أحد, فسمع النبي صلى الله عليه وسلم ما قال: فعرف أن الله قد درأ بهما عنه, فدعاهن النبي صلى الله عليه وسلم, وشمت عليهن, وفرض جزأهن, وانحدرن في الحرم, فأفرج ذلك الزوج كل شيء في الحرم.
وإلى ذلك أشار صاحب البردة بقوله:
ظنوا الحمام وظنوا العنكبوت على ... خير البرية لم تنسج ولم تحم
وروى ابن وهب: أن حمام مكة أظلت النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتحها فدعا لها بالبركة وذكر الثعلبي عن وهب بن منبه في قوله تعالى: (وربك يخلق ما يشاء ويختار) .
قال: اختار من النعم: الضأن, ومن الطير: الحمام.
وفي "تفسير الثعلبي" وغيره عن سليمان بن داود عليهما السلام: أن الحمام يقول: "سبحان ربي الأعلى".
(1/4)

والفاختة تقول: " ليت هذا الخلق ما خلقوا".
والصرد يقول: "استغفروا الله يا مذنبون".
وطيطوى تقول: "كل حي ميت, وكل جديد بال".
والخطافة تقول: " قدموا الخير تجدوه".
والسرطان يقول: "سبحان ربي المذكور بكل لسان".
والدراج يقول: " الرحمن على العرش استوى".
وإذا صاحت العقاب قالت: "البعد من الناس راحة" وإذا صاح الخطاف: "قرأ الفاتحة إلى آخرها" ويمد صوته بقوله: و (لا الضالين) كما يمدها القارئ! وأخرج أبو الشيخ بن حيان في كتاب "العظمة" عن عمرو بن قيس الملائي قال: مر سليمان بن داود عليهما السلام على حمام يهدر على أنثاه, فقال لأصحابه: تدرون ما يقول هذا الحمام لأنثاه؟ قالوا: لا, يا نبي الله.
قال: يقول لأنثاه: تابعيني على ما أريد منك؛ فو الله لمتابعتك أحب إلي من ملك سليمان!
الخاتمة
قال عبد الواحد بن فتوح الفروات في وصف الحمام

يجتاب أردية السحاب بخافق ... كالبرق أومض في السحاب فأبرقا
لو سابق الريح الجنوب لغاية ... يوما لجاء بمثلها أو أسبقا
يستقرب الأرض البسيطة ذاهبا ... والأفق ذا السقف الرفيع مرتقى
ويظل مسترق السماع يخافه ... في الجو تحسبه الشهاب المحرقا
قسه بأعتق كل حامل ريشة ... مما يطير تجده منه أعتقا
يبدو فيعجب من يراه لحسنه ... وتكاد آية عتقه أن تنطقا
مترقرقا من حيث درت كأنما ... لبس الزجاجة أو تجلبب ريقا
وقال عبد الواحد بن خلف القطاس

ألا لا تهيجن الحمام فندبها ... قديما بأكباد المحبين سادك
توسدن مطوي الجناح كأنما ... لهن حشايا فوقه وودائك
وملن على خضر الغصون كأنما ... لهن على قضب الأراك أرائك
ولا شذى إلا تضوع شجونا ... ولا شجو إلا دموعي سافك
قال مسعود بن عبد الله التيتاري
رأى المسترشد في النوم, في الأسبوع الذي استشهد فيه, كأن على يده حمامة مطوقة, فأتاه آت وقال: خلاصك في هذا.
فلما أصبح حكى لابن سكينة الإمام ما رآه فقال: ما أولته يا أمير المؤمنين؟ قال: أولته ببيت أبي تميم:
هن الحمام فإن كسرت عيافة ... من حائهن فإنهن حمام
وخلاصي في حمامي فقتل بعد أيام.

وقال حسين التونسي الملقب عنترة, يصف الحمام

وأصغر من بنات بني الحسام ... أقل فعاله فوق الكلام
له حلل من الذهب المصفى ... وعين كالعقيق من المدام
ويعجز عن مداه الريح سبقا ... ويكبو خلفه برق الغمام
أورد القاضي أبو الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني: في كتاب "الوساطة" قول الفرزدق:
هم فادوا سفيههم وخافوا ... قلائد مثل أطواق الحمام
وقال ابن هرمة

عقدت من ملتقى أوداج لبته ... طوق الحمامة لا تبلى على القدم
وقال بعضهم:
وهن إذا رسمت بهن قوماً ... كأطواق الحمامة في الرقاب
وقول أبي الطيب

أقامت في الرقاب أياد ... هي الأطواق والناس الحمام
ثم قال: وهذا من التبذل الذي لا يعد سرقة، وزيادة أبي الطيب فيه حسنة بديعة!
وقال ابن عبد الظاهر

نسب الناس للحمامة حزنا ... وأراها في الحزن ليست هنالك
خضبت كفها وطوقت الجيد ... وغنمت, وما الحزين كذلك
وقال ابن صاحب تكريت:
تحملت يا برق اشتياقي إلى الحمى ... فأنت كقلبي من غرامي يخفق
وما أنت يا ورقاء مثلي حزينة ... ولو كنت ما كان الجناح يصفق
وقال أبو حاتم في كتاب" كتاب الطير": ومما جاء في حمام الوحش من أشعار الفصحاء:
قال شقيق بن بعلبك الأسدي

لقد هيجت مني حمامة أيكة ... من الوجد وجدا كنت أكتمه جهدي
فقلت تعالي نبك من ذكر ما خلا ... ونذكر منه ما نسر وما نبدي
تسعديني تدر عبرتنا معا ... وإلا فإني سوف أسفحها وحدي
وقال الوقاف ورد بن الجعد

أحقا يا حمامة بطن واد ... بأنك في بكائك تصدقينا
غلبتك في البكاء بأن ليلي ... أواصله وأنك تهجعينا
وأني إن بكيت بكيت حقا ... وأنك في بكائك تكذبينا
وقال حكم الخضري
(1/5)

فقل لحمامة الخرجاء سقيا ... لصوتك حين أعجبك المقيل
بكت أحزانها فبكيت شجوي ... ولم ننطق فأفهم ما تقول
وقال الرجل من بني نهشل

ألام على فيض الدموع وإنني ... بفيض الدموع الجاريات جدير
أيبكي حمام الأيك من فقد إلفه ... وأصبر عنها؟! إنني لصبور؟
وقال علي بن عميرة الجرمي

هتوف الضحى معروفة اللحن لم تزل ... تقود الهوى مهدى لها ويقودها
جزوع, جمود العين, دائمة البكا ... وكيف بكا ذي مقلة وجمودها
مطوقة لم يضرب الحزن فضة ... عليها ولم يعطل من الطوق جيدها
وقال إدريس بن اليمان العبدري

ورقا مطوقة السوالف سندسا ... لم تحك صنعتها حياكة حاك
وكأن أرجلها القواني ألبست ... نعلا من المرجان دون شراك
تشدو على خضر الغصون بألسن ... صبغت ملاثمها بلا مسواك
وكأنما كحلت بنار جوانحي ... فترى بأعينها لهيب حشاك
وقال صاحب "كشف الأسرار في إشارة الحمام"
فبينا أنا مستغرق في لذة كلامه, معتبر بحكمه وأحكامه, إذ رأيت أمامه حمامة, قد جعل طوق العبودية في عنقها علامة, فقلت لها: حدثيني عن شوقك وذوقك، وأظهري لي حكمة تطويق طوقك.
فقالت: أنا المطوقة بطوق الأمانة, المتقلدة تقليد الصيانة, فأنا لحمل الأمانة ندبت, وإذا رأيت أهل الخيانة ندمت.
أحمل الرسائل, وأبلغ الوسائل, وأجيب عن المسائل لكني أخبرك عن خبري لتعلم صحة مخبري! أعلمك بالقصة الصحيحة؛ فإن الدين النصيحة, فما كل طائر أمين, ولا كل حالف يصدق في اليمين.
أما المخصوص بحفظ الأمانة من جنسي, وما أبرئ نفسي! فيحمل الأمانة منا من كان أبلق وأخضر, لأنه أحسن في الشكل والمنظر, وأعدل في الخبر والمخبر؛ فإن الطائر إذا كان أسود دل على تجاوز حد النصح, فتكون الطبيعة قد جاوزت حدها.
فإذا كان أبيض دل على قصور الطبيعة على حد النصح, فيدل على انحراف المزاج عن حد الاعتدال, ولا تكون الهمة العالية إلا في الروح الزكية, ولا شرف العزيمة إلا في النفس النفيسة المستقيمة.
فإذا اعتدل لون الطائر، دل على اعتدال تركيبه فصلح حينئذ لتقريبه وتأديبه, فأشترى بالتخريج, ثم أعرف الطريق بالتدريج, ثم يحملوني كتب الأسرار, ولطائف الأخبار, فأطير, وأقطع الهواء المستطير, خائفا من خارج جارح, حاذرا من سائح سانح, جازعاً من رائح زايح.
أكابد الظمأ في الهوى والهواجر, وأطوي على الطوى في المحاجر, فلو رأيت حبة قمح مع شدة جوعي عدلت عنها, وذكرت ما جرى على آدم منها, فأرتفع خشية من كمين مدفون, أو شرك يعيقني فأنقلب بصفقة مغبون, فإذا وصلت إلى مأمني, وحللت في موطني, أديت ما حملت, وأخبرت بما عملت, فهنالك طوقت, وبالبشارة خلقت, وأشكر الله على ما وفقت.
وقال ابن الوردي في إشارة الحمامة: فبينما الباز سكران بما له من البان, وإذا حمامة قد وقفت أمامه, وقالت: كم تفتخر وأنت عظم نخر. أنت من آلة اللعب والصيد, وأن من آلة الجد والكيد.
أنا مع الطوق والخضاب من حملة الكتاب. ومع حذري من شرك الشرك, وخوفي من فخ الإفك حملت الأمانة التي أبت الحبال عن حملها, وامتثلت مرسوم (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها) .
فلما أوصلت الحقوق، أمنت العقوق, وقبلت بالبشائر والخلوق. ومما أعجب العالمين أني مخضوب البنان ولي يمين أقول للملك: "دع الاهتمام لا تلعب بي فأنا الحمام, فمهما حدث على البعد من أخصامك, أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك.

كتمت عن الناس سري, وأبهمت بين الغنا والنوح أمري
رأوا خضابي وطوقي ... فاستنكفوا من بكائي
ثم ادعوا أن ربي ... مناسب لغنائي
فقلت: كفوا فهو ربي ... باد بغير جفاء
فالخضب من فيض دمعي=والطوق عقد ولائي
قال الحافظ عماد الدين بن كثير في "تاريخه"
في سنة سبع وستين وخمسمائة اتخذ السلطان نور الدين الشهيد الحمام الهوادي؛ وذلك لامتداد مملكته واتساعها؛ فإنها في حد النوبة إلى همذان. فلذلك اتخذ في كل قلعة وحصن الحمام التي ترسل الرسائل إلى الآفاق, في أسرع مدة, وأيسر عدة.
وما أحسن ما قال فيهن القاضي الفاضل: "الحمام هو ملائكة الملوك"
(1/6)

وقد أطنب في ذلك عماد الكاتب, وأطرب, وأعجب, وأغرب! وفي سنة إحدى وتسعين وخمسمائة, اعتنى الخليفة الناصر لدين الله بحمام البطاقة, اعتناء زائدا, حتى صار يكتب بأنساب الطير المحاضر: إنه من ولد الطير الفلاني.
وقيل: إنه بيع بألف دينار.
وقد ألف القاضي محيي بن عبد الظاهر في أمور هذه الحمام كتابا سماه: "تمائم الحمام".
وذكر فيه فصلا فيما ينبغي أن يفعله "المطبق" وما جرت به العادة في ذلك فقال: إن الجاري به العادة أنها لا تحمل البطاقة إلا في جناحيها لأمور: منها حفظها من المطر, ولقوة الجناح.
والواجب أنه إذا بطق من مصر, لا يطلق إلا من أمكنة معلومة: فإذا سرح إلى الإسكندرية, فلا تسرح إلا من منية عقبة بالجيزة.
وإلى الشرقية: فمن مسجد التين ظاهر القرافة.
والى دمياط: فمن بسوس.
والذي استقرت عليه قواعد الملك أن طائر البطاقة لا يلهو الملك عنه, ولا يغفل, ولا يمهل لحظة واحدة فيفوت مهمات لا تستدرك, إما من واصل, وإما من هالب, وإما من متجدد في الثغور.
ولا يقطع البطاقة من الحمام إلا السلطان بيده من غير واسطة أحد, فإن كان يأكل لا يمهل حتى يفرغ, أو نائما لا يمهل حتى يستيقظ بل ينبه.
قال: وينبغي أن يكتب "البطاق" البطاقة في ورق الطير. المعروف بذلك.
قال: ورأيت الأوائل يكتبون في أولها: البسملة, وأنا ما كتبها إلا ببسملة ويؤرخ بالساعة, واليوم, لا بالسنة.
ومن فصل في وصفها لتاج الدين أحمد بن سعيد بن الأثير: طالما جازت الرياح, فأصبحت باخعة وراءها تبكي عليها السحب وصدق من سماها "أنبياء الطير" لأنها مرسلة بالكتب.
وفيها يقول أبو محمد بن علوي بن أبي عقبال القيرواني:
خضر تفوق الريح في طيرانها ... يابعد بين غدوها ورواحها
تأتي بأخبار الغدو عشية ... لمسير شهر تحت ريش جناحها
وكأنما الروح الأمين بوحيه ... نفث الهداية منه في أرواحها
وقال غيره:
فحبذا الطائر الميمون يطرقنا ... في الأمر بالطائر الميمون تنبيها
فاقت على الهدد المذكور إذ ... حملت كتب الملوك وصانتها أعاليها
تأتي بكل كتاب نحو صاحبه ... تصون نظرته صونا وتحفيها
فما تمكن غير الشمس تنظره ... ولا تجوز أن تلقيه من فيها
منسوبة لرسالات الملوك ... فيا لمنسوبة تسمو ويدعوها مسميها
أكرم بجيش سعيد يا سعادته ... مما يشكل فيها ذكر حاكيها
حمامتا الغار يوم الغار حرمته ... فيا لها وقفة عزت مساعيها
وقوفه عند ذاك الباب شرفه ... وللسعادة أوقات تواتيها
ويوم فتح رسول الله مكة عن ... د الدخول إليها من بواديها
صنعت تظلل من شمس كتيبة ... الخضراء مظهرة فيه تواليها
تظللت فما كانت تود هوى ... لو قابلتها بأشواق فتنعيها
فعندما حظيت بالقرب آمنها ... فشرفت بعطايا جل مهديها
فما يحل لذي حيلة تناولها ... ولا ينال المنى بالنار مصليها
ولا تطير بأوراق الفريخ ولا ... تسير عنها بما فيه أساميها
سمت بملك المعالي غر ذي دنس ... لا ترضينهم ولو جزت نواصيها
وانظر لها كيف تأتي للخلائف من ... آل الرسول لحب كامل فيها
من المقام إلى دار السلام ولم ... يمض النهار لغرم في دواعيها
وربما ضل نحو الهند ملتقطا ... حبات فلفلة وارتد مبطيها
فجاء في يومه في إثر سابقة ... حفظا لحق يد طابت أياديها
مناقب لرسول الله أيسرها ... لنا نبوته الغراء يكفيها
ومن إنشاء القاضي الفاضل في وصفها: سرحت لا تزال أجنحتها تحمل من البطائق أجنحة, وتجهز جيوش المقاصد والأقلام أسلحة, وتحمل من الأخبار ما تحمله الضمائر, وتطوى الأرض إذا نشرت الجناح الطائر، وتزوي لها الأرض حتى ترى ما سيبلغه ملك هذه الأمة, وتقرب منها السماء حتى ترى ما لا يبلغه وهم ولا همة.
وتكون مراكب الأغراض والأجنحة قلوعا, وتركب الجو بحرا تصطفق فيه هبوب الرياح موجا مرفوعا, وتعلق الحاجات على أعجازها, ولا تصرف الإرادات عن إنجازها.
ومن بلاغات البطائق استفادت ما هي مشهورة من السجع, ومن رياض كتبها ألفت الرياض, فهي إليها دائمة الرجع.
(1/7)

وقد سكنت النجوم فهي أنجم, وأعدت في كنانتها فهي للحاجات كالأسهم, وكادت تكون ملائكة؛ لأنها رسل. وإذا نيطت بها الرقاع صارت أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع, وقد باعد الله بين أسفارها, وقربها, وجعلها طيف خيال اليقظة الذي صدق العين وما كذبها.
وقد أخذت عهود أداء الأمانة في رقابها أطواقاً, وأدتها من أذنابها أوراقاً. وصارت خوافي من وراء الخوافي, وعقلت سرها المودع بكتمان وسحبت عليه ذيول ريشها الصوافي, ترغم أنف النوى بتقريب العهود, وتكاد العيون بملاحظتها تلاحظ أنجم السعود.
وهي للطير أنبياء ما تأتي من الأنباء, وله خطباء لأنها تقوم على منابر الأغصان مقام الخطباء.
وقال في وصفها ذو البلاغتين: السيد أبو القاسم شيخ القاضي الفاضل: وأما "الحمام الرسائلي"، فهي من آيات الله المستنطقة الألسن بالتسبيح، العاجز عن وصفها إعجاز البليغ الفصيح, فيما تحمله من البطائق وترد به مسرعة من الأخبار الواضحة الحقائق, وتعاليه في الجو محلقا عند مطاره, وتهديه على الطريقة التي علمها ليأمن من إدراك فوت الإدراك وأخطاره, ونظره إلى المقصد الذي يسرح إليه من علي, ووصوله في أقرب الساعات بما يصل به البريد في أبعد الأيام من الخبر الجلي.
ومجيئه معادلا كرؤوس السفار لعله مسامتاً وإيثاره بالمتجددات فكأنه ناطق وإن كان صامتاً. وكونه يمضي محمولا على ظهر المركوب, ويرجع حاملا على ظهره المكتوب.
ولا يعرج على تذكار الهديل, ولا تكرار الهدير, ولا يسام من الدواب في الخدمة زائداً على التقدير. وفي تقدمه بالبشائر, يكون المعنى بقولهم: " أيمن طائر"، ولا غرو أن فارق رسل أهل الأرض وفاقهم وهو مرسل والعنان عنانه, والجو ميدانه, والجناح مركبه, والرياح موكبه, وابتداء الغاية شوطه, والشوق إلى أهله سوطه, مع أمنه ما يحدث متاعب السفار ومخبآت القفار, من مخاوف الطوارق, وطوارق المخاوف ومتألف الغوائل, وغوائل المتألف, إلا ما يشذ من اعتراض خراج جارح, وانقضاض كاسب كاسر, فتكفيه سعادة الدولة تأمينه, وتصد عنه تصميمه, لأنه أحد جيشيها من الطير اللذين يحدثان في أعدائها: هذا بالإنذار العاجل كيدهم في تضليل, وذاك بما ترى رايتها المنصورة عليهم من تضليل.

وقال القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر
وأما الحمام الرسائلي: فكم أغنت المرء عن وجوب القفار, وكم قدت جنونها على أسرى أسرار! وكم أصارت السهام أجنحة فأحسنت بتلك العارية المطار.
وكم قال جناحها لطالب النجاح لا جناح, وكم سرت فحمدت المسار إذا حمد غيرها من السارين الصباح.
وكم ساء وقت الصباح والجنائب, ففارقتها ولم تحوج سلامة المشتاقين إلى متكأ كاهل الرياح.
كم مسبب ملك كلا منها ملك, وكم قال مسرحها لمجيئه بها قرة عين لي ولك.
كم أجملت في الهواء تقلباً, وإذا تغنت الحمائم على الغصون صمتت عن الهديل والهدير تأدباً.
كم دفعت شكا بيقينها, ورفعت شكوى بتبيينها, وكم أدت أمانة ولم تعلم أجنحتها ما في شمالها, ولا شمالها ما في يمينها.
وكم التقت منها الساق بالساق, فأحسنت لربها المساق, وكم أخذت عهود الأمانة فبدت أطواقا في الأعناق, ويقال: "ما تضمنته من البطائق بعض ما تعلق بها في الرياض من الأوراق". تسبق اللمح, وكم استفتح بها البشير إذا جاء بالفتح الطرف السابق, والطرف الرامس الرامق. وما تليت "سورة البروج" إلا وتلت " سورة الطارق" كم أنسى مطارها عدو السلكة والسليك, وكم غنيت في خدمة سلطانها عن الغناء, وقال كل منهم لرفيقه إليك عن الأيك, وقال كل منهما لرفيقه: ما أحوج تصديقهما في رسالتهما إلى الإعزاز بثالث, وكم قيل في كل منهما لمن قام: هذا طائر في خدمة أبناء يافث.
كم سرح مسرحا بإحسان, وكم طار في أفق فاستحق أن يقال لهما: " فارسا سحاب" إذا قيل لغيرهما: "فارسا رهان"، حاملة علم من هواء علم به منها.
تغني السفار والسفارة فلا تحوجهم إلى الاستغناء عنها, تغدو وتروح, وبالسر لا تبوح, فكم غنيت باجتماعها بإلفها عن أنها تنوح.
كم سارت بأمر سلطانها أحسن السير, وكم أفهمت أن ملك سليمان إذا سخر له منها في مهماته الطير, أسرع من السهام المفوقة, وكم من البطائق مخلقة وغير مخلقة.
كم ظللت من كيد, وكم بدت في مقصورة تصبح في السناء والسنا دونها "مقصورة ابن دريد".
(1/8)

يسرح كما يسرح القبول إلا دون رسالته المقبولة, وطلب السبق فلم يرض بعرف البرق مبرحا, ولا استطلاء صفحته المصقولة.
وهم جواد النسيم فقصر, وأمسيت أذياله بغرق السحب مبلولة.
وأرسله, فأقر الناس برسالته وكتابه المصدق وانقطع كوكب الصبح خلفه, فقال عند التقصير كنت نحابا وعلى يدي مخلق.
يؤدي ما جاء على يديه من الترسل, فهيج الأسواق, وما برحت الحمائم تحسن الأداء في الأوراق.
وصحبناه على الهوى فقال: (ما ضل صاحبكم وما غوى) ومن روى عنه حديث الفعل المسند فعن عكرمة قد روى.
يطير مع الهوى لفرط صلاحه, ولم يبق على السر المصون جناح إلا دخل تحت جناحه.
إذا برز من مقفصه لم يبق للصرح الممرد قيمة بل ينعزل بتدبيج أطواقه, وتعلق عليه من العين التميمة.
ما سجن إلا حمد على السجن, وضيقته الأطواق؛ ولهذا حمدت عاقبته على الإطلاق.
ولا غنى على عود إلا سالت دموع الهندي من حدائق الرياض, ولا أطلق من كبد الجو إلا كان سهماً مريشاً بلغ به الأغراض.
كم علا؛ فصار بريش القوادم كالأهداب لعين الشمس, وأمسى عند الهبوط لعيون الهلاك النعلية كالطمس.
فهو الطائر الميمون, والغاية السباقة، والأمين الذي إذا أودع أسرار الملوك حمينا بطاقة.
فهو من الطيور التي خلا لها الجو فنقرت ما شاءت من حبات النجوم, والعجماء التي من أخذ عنها "شرح المعلقات" فقد أعرب عن دقائق الفهوم.
والمقدمة والنتيجة لكتاب الحجلي في منطق الطير, وهي من جملة الكتاب الذي إذا وصل القارئ منه إلى الفتح يتهلل لحبه الخير.
إن تصدر البازي بغير علم فكم جمعت بين طرفي كتاب وإن سأله العقيان عن بديع السجع أحجمت عن رد الجواب. نعم رعت النسور بقوة جيف, ورعى الذباب الشهد وهو ضعيف.
ما قدمت إلا وأرتنا شمائلها اللطيفة نعم القادمة, وأظهرت لنا من خوافيها ما كانت له خير خاتمة.
كم أهدت من مخلفتها وهي غادية رائحة, وكم حنت إليها الجوارح وهي- أدام الله إطلاقها -خير جارحة.
وكم أدارت من كؤوس السجع ما أرق من قهوة الإنشاء, وأتيح على زهر المنثور من صبح الأعشاء.
وكم عامت بحور الفضا ولم تحفل بموج الجبال, وكم جاءت ببشارة, وخضبت الكف, ورمت من تلك الأنملة قلامة الهلال.
وكم زاحمت النجم بالمناكب حتى ظفرت بكف الخضيب وانحدرت كأنها دمعة سقطت على خد الشفيق لأمر مريب.
وكم لمع في أصيل الشمس خضاب كفها الوضاح, فصارت بسموها وفرط المهجة كمشكاة فيها المصباح.
والله يديم بأفنان أبوابه العالية ألحان السواجع, ولا برح تغريدها مطربا من المبادئ والمراجع.

وقال أبو العلاء المعري يخاطب الحمامة
يا حاملة طوق من الليل, وبرد من الربيع مكفوف الذيل أوفت على الأشياء.
فقالت للكثيب: ما شاء, مسمعه, غير مفهوم, لا بالرمل ولا بالمذموم. إن كان سجعها قريض, فقد ماد بشخصها العود, وفقيدها لا يعود, تندب شوقاً هديلاً فات, وأتيح له بعض الآفات, وليس الأشواق لذوات الأطواق, ولا عند المساجعة عبرة مراجعة. إنما رأت الشرطين قبل البطين, والرشا قبل العشا, فحكت صوت الماء في الخرير, وأذنت برأي دائمة التكرير؛ فقال جاهل: فقدت حميماً, وثكلت ولداً قديماً.
وهيهات يا باكية, أصحت فصدحت, وأمسيت فتناسيت, ولا هام لا هام.
ما رأيت أعجب من هاتف الحمام. . سلم فناح وصمت وهو مكسور الجناج.

وقال الشريف الموسوي في الحمام المرسل

ومبلغ الأخبار في أوقاتها ... للنازحين وأذانا بالكتاب
يسبى الغزالة والغزال بعطفه ... لمعان برق, وانقضاض شهاب
تطوي المسافات البعيدة مثلما=تحصي الألوف أنامل الحساب
وقال في الأحمر المسرول

وأحمر في برج الحمام كأنه ... من الأطلس الروحي سربالا
رأى الشفق الشرقي خفة نعته ... فألبسه منه قميصا وسروالا
وقال في الأصفر

وأصفر في الحمام تحسبه ... كأس عقار صفرا تلهب
من عجب يشبو الرياح إذا ... ما طار فيها وريشه ذهب
وقال في الأبيض

يحكى وقد فتن الحمام أبيض ... خلع الصباح عليه خير شعار
نجما تشبه بالحسام فطار في ... دهم وفي غير.. كشعلة نار
وقال في الأبلق

وأبلق في الطير لا ... ينكره ذوو الحجى
(1/9)

قميصه مقسم ... بين الصباح والدجى
وقال أبو عبد الله بن قاضي ميله

ورقاء تأرق مقلتي لبكائها ... ليلا إذا ما هومت سماره
إيه بعشك ياحمامة خبري ... كيف الكثيب وذاك غراره
وله:
ورقاء صافية الجناح تسترت ... عنا بغصني: بانة وأراك
غنت فأذكرت المشوق ببثها ... وتمايلت فعل السقيم الشاكي
وعجبت من ضدين في أوصافها ... خلق الخليع ولبسة النساك
وقال خلف بن المازني يصف حمامة

مطوقة كساها الله ... طوقا لم يكن ذهبا
جمود العين مبكاها ... يزيد أخا الهوى نصبا
مفجعة بكت شجوا ... فبت لشجوها وصبا
ترف عليه إما ... مال من شوق أو انتصبا
وما فغرت فما وبكت ... بلا دمع لها انسكبا
خاتمة الناسخ
آخر "طوق الحمامة" للحافظ جلال الدين السيوطي رحمه الله آمين
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم إلى يوم الدين نقلت هذه النسخة بقلم الفقير إلى ربه ذي العطية محمد أبي العنين عطية على نفقة صاحب السعادة أحمد تيمور باشا أكثر الله من أمثاله ونفع به وبمكتبته عباده آمين.

وصول الأماني بأصول التهاني للإمام جلال الدين عبد الرحمن السيوطي دراسة وتحقيق مصطفى عبد القادر عطا
التهنئة بالفضائل العلية والمناقب الدينية
1- أخرج الشيخان: عن أنس قال: أنزلت على النبي صلى الله عليه وسلم (ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر) مرجعه من الحديبيية فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لقد نزلت علي آية أحب إلي مما على وجه الأرض".
ثم قرأها عليهم فقالوا: هنيئا لك يا رسول الله- الحديث.
2- وأخرج الحاكم في "المستدرك" عن أسامة قال: تبعت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيت حمزة فلم نجده, فقالت له امرأته: جئت يا رسول الله وأنا أريد أن آتيك وأهنئك أخبرني أبو عمارة - يعني: حمزة- أنك أعطيت نهرا في الجنة يدعى الكوثر.
3- وأخرج أحمد: عن البراء بن عازب, وزيد بن أرقم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من كنت مولاه فعلي مولاه".
فقال عمر بن الخطاب: هنيئا لك يا علي أمسيت مولى كل مؤمن ومؤمنة.
4- وأخرج أحمد, وابن ماجة: عن البراء بن عازب قال: كنا مع رسول الله في سفر فنزلنا بغدير خم، فنودي فينا: الصلاة جامعة, فصلى الظهر, وأخذ بيد علي فقال: "ألم تعلموا أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم"؟ قالوا: بلى فأخذ بيد علي فقال: "اللهم من كنت مولاه فعلي مولاه, اللهم وال من والاه وعاد من عاداه".
قال: فلقيه عمر بعد ذلك فقال له: هنيئا لك يا ابن أبي طالب, أصبحت وأمسيت مولى كل مؤمن ومؤمنة.
5- وأخرج ابن عسكر: عن عبد الله بن جعفر.
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يا عبد الله, هنيئا لك مريئاً خلقت من طينتي وأبوك يطير مع الملائكة في السماء".
6-وأخرج أحمد, ومسلم: عن أبي بن كعب: أن النبي صلى الله عليه وسلم سأله: أي آية في كتاب الله أعظم؟ قال: آية الكرسي.
قال: "ليهنك العلم أبا المنذر".

التهنئة بالتوبة
7- أخرج الشيخان: عن كعب بن مالك في قصة توبته قال: وانطلقت أتأمل رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلقاني الناس فوجا يهنئوني بتوبتي ويقولون: ليهنك توبة الله عليك, حتى دخلت المسجد فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم حوله الناس فقام طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني فكان كعب لا ينساها لطلحة قال كعب: فلما سلمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو يبرق وجهه من السرور: "أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك".

التهنئة بالعافية من المرض
8- أخرج الحاكم: عن خوات بن جبير قال: مرضت, فعادني النبي صلى الله عليه وسلم, فلما برأت قال: "صح جسمك يا خوات".
9- وأخرج عبد الله بن أحمد في "زوائد الزهد": عن مسلم بن يسار قال: كانوا يقولون للرجل إذا برأ من مرضه: ليهنك الطهر.

التهنئة بتمام الحج
10- أخرج البزار: عن عروة بن مضرس قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم بمنى فقال: "أفرخ روعك يا عروة".
(1/10)

قال في"الصحاح": أفرخ الروع: أي ذهب الفزع يقال ليفرخ روعك أي ليخرج عنك فزعك كما يخرج الفرخ عن البيضة, وأفرخ روعك يا فلان, أي سكن جأشك.
قال الميداني: وهو في هذا متعد وفي الأول لازم.
11- وأخرج الشافعي في "الأم" عن محمد بن كعب القرظي قال: حج آدم عليه السلام فتلقته الملائكة فقالوا: برنسكك يا آدم.

التهنئة بالقدوم من الحج
12- أخرج ابن السني, والطبرانس: عن ابن عمرو قال: جاء غلام إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني أحج, فمشى معه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "يا غلام, زودك الله التقوى, ووجهك الخير, وكفاك الهم".
فلما رجع الغلام سلم على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "يا غلام، قبل الله حجك, وغفر ذنبك, وأخلف نفقتك".
13- وأخرج سعيد بن منصور في "سننه" عن ابن عمر: أنه كان يقول للحاج إذا قدم: "تقبل الله نسكك وأعظم أجرك وأخلف نفقتك".

التهنئة بالقدوم من الغزو
14- أخرج الحاكم في "المستدرك"عن عروة قال: لما أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه من بدر استقبلهم المسلمون بالروحاء يهنئونهم, مرسل صحيح الإسناد.
15- وأخرج ابن السني: عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة فلما دخل استقبلته فأخذت بيده فقلت: " الحمد الله الذي نصرك وأعزك وأكرمك" 16- وأخرج ابن سعد: عن عبد الله بن أبي سفيان أبي أحمد قال: لقي أسيد بن الحضير رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أقبل من بدر فقال: " الحمد لله الذي أظفرك وأقر عينك".

التهنئة بالنكاح
17-أخرج أبو داود, والترمذي, وابن ماجة: عن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رقا الإنسان إذا تزوج قال: "بارك الله لك, وبارك عليك, وجمع بينكما في خير" 18-وأخرج ابن ماجه, وأبو يعلى: عن عقيل بن أبي طالب: "أنه تزوج فقيل له: بالرفاء والبنين ,فقال: لا تقولوا كذا ولكن قولوا كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "على الخير والبركة, بارك الله لك, وبارك عليك" 19- وأخرج الطبراني: عن هبار: أن النبي صلى الله عليه وسلم شهد نكاح رجل فقال: "على الخير والبركة والألفة والطائر الميمون والسعة في الرزق بارك الله لكم"
التهنئة بالمولود
20-أخرج ابن عسكر: عن كلثوم بن حوشب قال: جاء رجل عند الحسن - وقد ولد له مولود - فقيل له: "يهنيك الفارس" فقال الحسن: وما يديك أفارس هو؟ قالوا كيف نقول يا أبا سعيد؟ قال تقول: "بورك لك في الموهوب, وشكرت الواهب, ورزقت بره, وبلغ أشده" 21-وأخرج الطبراني في "الدعاء" من طريق السري بن يحيى قال: ولد لرجل ولد, فهنأه رجل فقال: ليهنك الفارس.
فقال الحسن البصري: وما يدريك؟ قل: اجعله الله مباركا عليك وعلى أمة محمد.
22- ومن طريق حماد بن زيد قال: كان أيوب إذا هنأ رجلا بمولود قال: "جعله الله مباركا عليك وعلى أمة محمد".

التهنئة بدخول الحمام
قال الغزال في "الإحياء" في أدب الحمام: لا بأس بقوله لغيره "عافاك الله" نقله في شرح المهذب.
23- وفي "الفردوس": من حديث ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر وعمر- وقد خرجا من الحمام: "طاب حمامكما".
لكن بيَّض له ولده في مسنده فلم يذكر له إسناداً.

التهنئة بشهر رمضان
24-أخرج الأصبهاني في "الترغيب": عن سلمان الفارسي قال: خطب رسول اله صلى الله عليه وسلم في آخر يوم من شعبان فقال: "أيها الناس إنه قد أظلمكم شهر عظيم مبارك فيه ليلة خير من ألف شهر" الحديث.
قال ابن رجب: هذا الحديث أصل التهنئة بشهر رمضان.

التهنئة بالعيد
25- أخرج الطبراني في "الكبير" وزاهر بن طاهر في "تحفة عيد الأضحى": عن حبيب بن عمر الأنصاري قال: حدثني أبي قال: لقيت واثلة رضي الله عنه يوم فقلت "تقبل الله منا ومنك".
فقال: "تقبل الله منا ومنك".
26- وأخرج الأصبهاني في "الترغيب": عن صفوان بن عمرو السكسكي قال: سمعت عبد الله بن بشر, وعبد الرحمن بن عائز, وجبير بن نفير, وخالد بن معدان يقال لهم في أيام الأعياد "تقبل الله منا ومنكم" ويقولون ذلك لغيرهم.
(1/11)

27- وأخرج الطبراني في "الدعاء" والبيهقي: عن راشد بن سعد: أن أبا أمامة, وواثلة لقياه في يوم عيد فقالا: "تقبل الله منا ومنك".
28-وأخرج زاهر بن طاهر في كتاب"تحفة عيد الفطر"وأبو أحمد الفرضي في مشيخته بسند حسن, عن جبير بن نفير قال: كان أصحاب رسول اله صلى الله عليه وسلم إذا التقوا يوم العيد يقول بعضهم لبعض: تقبل الله منا ومنكم".
29- وأخرج زاهر أيضا بسند حسن: عن محمد بن زياد الإلهاني قال: رأيت أبا أمامة الباهلي يقول في العيد: "لأصحابه تقبل الله منا ومنك".
30- وأخرج البيهقي: من طريق أدهم مولى عمر بن عبد العزيز قال: كنا نقول لعمر بن عبد العزيز في العيد: "تقبل الله منا ومنك يا أمير المؤمنين" فيرد علينا ولا ينكر ذلك.
31-وأخرج الطبراني في "الدعاء" عن شعبة بن الحجاج قال: لقيت يونس بن عبيد فقلت تقبل الله منا ومنك فقال لي مثله.
32- وأخرج الطبراني في "الدعاء" من طريق حوشب بن عقيل قال: لقيت الحسن البصري في يوم عيد فقلت: "تقبل الله منا ومنك" فقال ما زال الأمر عندنا كذلك.
33- وأخرج ابن حبان في "الثقاب" عن علي بن ثابت قال: سألت مالكا عن قول الناس في العيد "تقبل الله منا ومنك" فقال: مازال الأمر عندنا كذلك.
34- لكن أخرج ابن عساكر: من حديث عبادة بن الصامت قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قول الناس في العيدين: " تقبل الله منا ومنكم" فقال: "كذلك فعل أهل الكتابين وكرهه " وفي إسناده عبد الخالق بن خالد بن زيد بن واقد الدمشقي قال فيه البخاري: منكر الحديث, وقال أبو حاتم: ضعيف, وقال النسائي: ليس بثقة وقال الدارقطني: متروك, وقال أبو نعيم: لاشيء.

التهنئة بالثوب الجديد
35-أخرج البخاري: عن أم خالد بنت خالد: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كساها خمصية فألبسها بيده وقال: "أبلى وأخلقي" مرتين.
36-وأخرج ابن ماجه: عن ابن عمر: أن رسول الله صلى اله عليه وسلم رأى على عمر قميصا أبيض فقال: "ألبس جديدا وعش حميدا ومت شهيدا" 37- وقال سعيد بن منصور في"سننه"حدثنا عبد الله بن المبارك, عن سعيد بن إياس الجريري, عن أبي نضرة قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا لبس أحدهم ثوبا جديدا قيل له: "تبلي ويخلف الله عز وجل"
التهنئة بالصباح والمساء
38-أخرج الطبراني بسند حسن عن ابن عمرو وقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجا"كيف أصبحت يا فلان" قال: أحمد الله إليك يا رسول اله.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم"ذلك الذي أردت منك" 39- وأخرج بسند جيد عن ميسرة بن حبس قال: لقيت واثلة بن الأسقع فسلمت عليه, فقلت: كيف أنت يا أبا شداد أصلحك الله؟ قال: بخير يا ابن أخي.
40- وقال سعيد بن منصور في "سننه": حدثنا أبو شهاب, عن الحسن بن عمر, عن أبي معشر, عن الحسن قال: إنما كانوا يقولون: السلام عليكم سلمت والله القلوب, فأما اليوم فكيف أصبحت: عافاك الله وكيف أمسيت: أصلحك الله فإن أخذنا نقول لهم كانت بدعة وإلا غضبوا علينا.
41- روى الطبراني في " مسند الشاميين" , والخرائطي في " مكارم الأخلاق": عن مرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أتدرون ما حق الجار؟ إن استعان بك أعنته وإن استقرضك أقرضته وإن أصابه خير هنأته وإن أصابته مصيبة عزيته"- الحديث.
وله شاهد من حديث معاذ بن جبل: أخرجه أبو الشيخ في " الثواب" ومن حديث معاوية بن حيدة أخرجه الطبراني في " الكبير".

فائدة
قال القمولي في " الجواهر" لم أر لأصحابنا كلاماً في التهنئة بالعيدين, والأعوام والأشهر كما يفعله الناس ورأيت فيما نقل من فوائد الشيخ زكي الدين عبد العظيم المنذري: أن الحافظ أبا الحسن المقدسي سئل عن التهنئة في أوائل الشهور والسنين أهو بدعة أم لا؟ فأجاب: بأن الناس لم يزالوا مختلفين في ذلك.
قال: والذي أراه أنه مباح ليس بسنة ولا بدعة انتهى.
ونقله الشرف الغزي في " شرح المنهاج" ولم يزد عليه.
(1/12)