Advertisement

نخبة عقد الأجياد في الصافنات الجياد



الكتاب: نخبة عقد الأجياد في الصافنات الجياد
المؤلف: محمد (باشا) ابن الأمير عبد القادر ابن محيي الدين الحسني الجزائري (المتوفى: 1331هـ)
[الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع] المقدمة في نشأة الخيل وأول من ركبها من العرب
روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: أول من خلق الله من الخيل خلق فرساً كميتاً، وقال عز وجل: خلقتك عربياً وفضلتك، على سائر ما خلقت من البهائم بسعة الرزق والغنائم، تقاد على ظهرك والخير معقود بناصيتك، ثم أرسله فصهل: فقال جل وعلا: يا كميت! بصيلك أرهب المشركين، وأملأ مسامعهم، وأزلزل أقدامهم، ثم وسمة بغرة وتحجيل.
والسبب في خلق أول فرس كميتاً محاكاة لآدم عليه السلام، لأنه سمي آدم من الأدمة، وهي السمرة، والكميتة في الخيل تحاكي السمرة في الآدميين، فكان أول مخلوق من البشر أسمر وكذا أول فرس؛ وهذا دليل على شرفه ويمنه. فلما خلق الله آدم قال: "يا آدم! اختر أي الدابتين، يعني الفرس أو البراق فقال: يا جبريل اخترت أحسنهما وجهاً، وهو الفرس فقال تعالى: يا آدم! اخترت عزك وعز ولدك باقياً ما بقوا وخالداً ما خلدوا".
وسئل صفي الدين السبكي أكان خلقها قبل آدم أم بعده؟ فقال: "قبله بدليل قوله تعالى: (خلق لكم ما في الأرض جميعاً) فالأرض وما فيها خلقها الله تعالى إكراماً لآدم وأولاده، والعظيم يهيأ له ما يحتاج إليه قبل قدومه"، وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لما سمعت الملائكة صفة الفرس وعاينوا خلقها، قالت: رب نحن ملائكتك نسبحك، ونحمدك، فماذا لنا؟ فخلق لها خيلاً بلقاً، أعناقها كأعناق البخت يمد بها من يشاء من أنبيائه ورسله".
وأول من ركبها بعد آدم من العرب من أولاد عدنان إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام ومن بني قحطان يعرب.
روى الزبير بن بكار من حديث داود بن الحسين عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "كانت الخيل وحوشاً لا تركب، فأول من ركبها إسماعيل فلذلك سميت العراب".
وروى الواقدي عن عبد الله بن يزيد الهلالي، عن مسلم، عن جندب، أن: "أول من ركب الخيل، إسماعيل بن إبراهيم عليه السلام وإنما كانت وحشاً لا تطاق حتى سخرت له".
وروى أحمد بن سليمان النجار، بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما: "كانت الخيل وحشاً كسائر الوحوش، فلما أذن الله عز وجل لإبراهيم وإسماعيل برفع القواعد من البيت، قال عز وجل: إني معطيكما كنزاً ادخرته لكما، ثم أوحى الله إلى إسماعيل أن اخرج وادع بذلك الكنز فخرج إسماعيل وما يدري ما الدعاء ولا الكنز، حتى أتى (أجياد) ، فألهمه الله عز وجل الدعاء، فنادى يا خيل الله أجيبي، فلم يبق فرس بأرض العرب إلا أجابته ومكنته من نواصيها، وذللت له ثم قال: فاركبوها واعتقدوها فإنها ميامين وإنها ميراث أبيكم إسماعيل عليه السلام؛ وأجياد اسم جبل بمكة.
وأول من سخرها وركبها من ملوك الفرس طهمورث، وأول من اتخذ السروج من ملوك الفرس، أفريدون بن أسفنان. وأول من اتخذ اللجم وأنعل الخيل بالحديد من العرب، أرحب الهمداني وفي ذلك يقول مالك بن بلالة بن أرحب:
أمرت بإيتاء اللجام فأبدعت ... وأنعلت خيلي في المسير حديدا
وأرحب جدي كان أحدث قبلنا ... ولو نطقت كانت بذاك شهودا
وقد كانت العرب تركبها بالرحالة وتتخذ من جلود الغنم بأصوافها، وتخشى صوفاً، أو ليفاً لتكون أخف بالطلب، وهي المعروفة في القطر الشامي بالمكدعة. والبراق: دابة دون البغل وفوق الحمار، أبيض، مضطرب الأذنين، كالفرس وجهاً وعرفاً، وكالبعير قوائم، والبقر ذنباً، وأظلافاً يضع حافره عند منتهى طرفه، إذا أخذ في هبوط طالت يداه وإذا أخذ في صعود طالت رجلاه، أعده الله تعالى لركوب الرسل الكرام، عليهم من الله تعالى أفضل التحية وأكمل السلام.

الباب الأول فيما جاء في فضلها وتكريمها وكراهة التشاؤم منها والنهي عن أكل لحومها وإخصائها وفيه أربعة فصول
الفصل الأول فيما يدل على فضلها من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية
(1/1)

اعلم أن الخيل أشرف الحيوانات ذوات الأربع، ولذا أقسم الله بها في كتابه العزيز بقوله: (والعاديات ضبحاً) فالعاديات جمع عادية، وهي سريعة الجري، والضبح صوت نفسها عند العدو، ليس بصهيل ولا حمحمة. (بالموريات قدحاً) الإيراء: إخراج النار، والقدح الضرب، أي الضاربة بحوافرها الحجارة، فتخرج النار منها (بالمغيرات صبحاً) وهو الوقت المعتاد للغارة، (فأثرن به نقعاً) أي هيجن به غباراً. ومدحها بقوله: (والخيل المسوَّمة) أي المعلمة بالوضح والغرة؛ والخيل جمع لا واحد له من لفظه، وسميت بذلك لاختيالها في المشي.
وذكرها في معرض الامتنان، وقدمها في الذكر بقوله (والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة) وسماها خيراً بقوله: (ووهبنا لداود سليمان نعم العبد إنه أواب إذ عرض عليه بالعشي الصافنات الجياد فقال إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي حتى توارت بالحجاب ردوها علي فطفق مسحاً بالسوق والأعناق) الصافنات: جمع صافن، وهو أن يقوم على ثلاث ويثني سنبك اليد الرابعة، والجياد: جمع جواد: أي، بين الجودة بضم الجيم. وقد وصفت هنا بأكمل الأوصاف، حالتي الوقوف والحركة، وفالصفون حالة الوقوف والجودة حالة الحركة، وعنى بالخير الخيل، والعرب تسميها خيراً. ثم قال (عن ذكر ربي) أي لا عن شهوة وهوى.
روي أن سليمان عليه السلام، أراد الغزو فجلس على كرسيه، وأمر بإحضار الخيل وإجرائها، وقال: إني لا أجريها لحظ النفس بل لأمر الله تعالى، ولم تزل تسير وتجري حتى توارت بالحجاب، أي غابت عن بصره، فأمر الروّاض بردها، فلما ردت، طفق يسمح سوقها وأعناقها، إعلاناً بشرفها وعزها، وأنها أعظم ما يدخر لقهر الأعداء والنصر، وإعلاماً بأن خدمة الأمراء لها ومعالجة أمراضها، لا تخل بشرفهم ومراتبهم، وإظهاراً للفرح بنعمة الله عليه بها، ليبالغ في شكرها، وهذا التفسير أليق بشأن النبوة ومقام الرسالة.
وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم، في فضلها عموماً وفي فضل خيل الجهاد خصوصاً، أحاديث كثيرة، اقتصرت منها على إيراد بعض ما ورد في عمومها، فمن ذلك ما روي عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: "لم يكن شيء أحب إلى رسول الله بعد النساء من الخيل".
وعن عائد بن نصيب قال: "رأيت النبي صلى الله عليه وسلم أتي بفرس شقراء في سوق المدينة مع إعرابي، فلوى ناصيتها بين إصبعيه وقال: الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة".
وعن عبد الله بن دينار قال: "مسح رسول الله وجه فرسه بيده وقال: إن جبريل بات الليلة يعاتبني في إذالة الخيل".
وعن نعيم بن أبي هند، أن النبي صلى الله عليه وسلم "أتي بفرس فقام إليه يمسح عينيه، ومنخريه، بكم قميصه فقيل: يا رسول الله؛ تمسح بكم قميصك؟ فقال: إن جبريل عاتبني في الخيل".
وعن جرير بن عبد الله قال: "رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يلوي ناصية فرسه ويقول: الخير معقود في نواصي الخيل إلى يوم القيامة". وقال صلى الله عليه وسلم: "الخيل مبدأة الورد - أي: يبدأ بها في السقي قبل الإبل والغنم -، وإذا مرت بنهر عجاج فشربت منه، كتبت له حسنات" وعن مجاهد قال: "أبصر النبي صلى الله عليه وسلم إنساناً ضرب فرسه ولعنه، فقال: هذه مع تلك لتمسنك النار إلا أن تقاتل عليه في سبيل الله؛ فجعل الرجل يقاتل عليه إلى أن كبر وضعف وجعل يقول: اشهدوا اشهدوا". وعن زيد بن ثابت، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم "قضى في عين الفرس ربع ثمنه". وعن عروة البارقي قال: "كانت لي أفراس فيها فحل شراؤه عشرون ألف درهم، ففقأ عينه دهقان فأتيت عمر رضي الله عنه، فكتب إلى سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، أن خير الدهقان بين أن يعطيه عشرين ألفاً ويأخذ الفرس، وبين أن يغرم بربع الثمن".
(1/2)

وعن عبادة بن الصامت قال: "عرضت على معاوية خيل فقال لرجل من الأنصار: يا ابن الحنظلية! ماذا سمعت رسول الله في الخيل؟ قال: سمعته صلى الله عليه وسلم يقول: الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة، وصاحبها يعان عليها، والمنفق عليها، كالباسط يده بالصدقة لا يقبضها، وأبوالها وأرواثها عند الله يوم القيامة كذكي المسك". وفي رواية: "كف من مسك الجنة". وفي أخرى: "فامسحوا بنواصيها وادعوا الله لها بالبركة، وقلدوها ولا تقلدوها الأوتار"، لأن العرب كانت تقلد الخيل أوتار القسي لئلا تصيبها العين، فنهاهم عن ذلك، وأعلمهم أن الأوتار لا ترد شيئاً من قضاء الله تعالى. ورخص بتقليدها الخرز لأجل الزينة. قيل لأعرابي ما تقول في نساء بني فلان؟ قال: هن قلائد الخيل، أي كرام لأنه لا يقلد من الخيل إلا الكريم السابق.
وعن سواد بن الربيع الجرمي قال: "أتيت النبي صلى الله عليه وسلم، فأمر لي بذود وقال لي: عليك بالخيل فإن في نواصيها الخير إلى يوم القيامة" وفي رواية: "والأجر والمغنم".
وعن سواد أيضاً قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اربطوا الخيل فإن الخيل في نواصيها الخير" وفي رواية "الغنم بركة الإبل عز لأهلها والخير في نواصي الخيل إلى يوم القيامة. وعبدك أخوك فأحسن إليه، وإن وجدته مغلوباً فأعنه". وقال صلى الله عليه وسلم: "الفخر في أهل الخيل، والجفاء في أهل الإبل، والسكينة في أهل الغنم".
وعن سلمان الفارسي قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ما من رجل مسلم إلا حق عليه أن يربط فرساً إذا أطاق ذلك" وفي الخبر "العز في نواصي الخيل والذل في أذناب البقر" وقال صلى الله عليه وسلم - لما رأى السكة ببعض دور الأنصار -: "ما دخلت هذه دار قوم إلا دخله الذل" وذلك لما يتبعها من المغرم المفضي إلى التحكم.
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: "لما استقرت أمور الحجاج الثقفي خرجنا حتى قدمنا بلدة واسط وذكر اجتماعه بالحجاج وعرض خيله عليه، فقال أنس: الخيل ثلاثة أفراس: فرس يتخذه صاحبه يريد أن يجاهد عليه، ففي قيامه عليه وعلفه وأدبه إياه - أحسبه قال -: وكسح مذوده، أي كنسه أجر في ميزانه يوم القيامة. وفرس يصيب أهلها من نسلها يريدون بذلك وجه الله فقيامهم وأدبهم إياها وعلفهم إياها وكسح روثها أجر في ميزانهم يوم القيامة، وأهلها معانون عليها. وفرس للشيطان فقيام أهله عليه وعلفهم إياه وغير ذلك وزر في ميزانهم يوم القيامة".
وعن عبد الله بن مسعود قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "الخيل ثلاثة: فرس للرحمن، وفرس للإنسان، وفرس للشيطان، فأما فرس الرحمن فالذي يرتبط في سبيل الله، وأما فرس الإنسان فالتي يرتبطها الإنسان يلتمس بطنها فهي ستر من فقر، وأما فرس الشيطان فالذي يقام ليراهن عليه". وعنه صلى الله عليه وسلم: "المنفق على الخيل كالمستكفي بالصدقة"، أي: الباسط يده ليعطيها، وفي رواية: "لم ينس حق الله في رقابها وظهورها"؛ أي: الإحسان إليها ومنع ظهورها من الحمل عليها. وعن علي بن حوشب سمعت مكحولاً يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أكرموا الخيل وجللوها" وعن الوضين بن عطاء عنه صلى الله عليه وسلم: "لا تقودوا الخيل بنواصيها فتذلوها". وقال الجعفي:
الخير ما طلعت شمس وما غربت ... معلق بنواصي الخيل معقود
وقال كعب بن مالك الأنصاري:
ونعد للأعداء كل مقلص ... ورد ومحجول القوائم أبلق
أمر الإله بربطها لعدوه ... في الخوف إن الله خير موفق
فتكون غيظاً للعدو وحافظاً ... للدار إذ دلفت خيول المرق
وقال علقمة بن عامر المازني:
ما كنت أجعل مالي فرغ شانئة ... في رأس جذع يصيب الماء في الطين
الخيل من عدتي أوصى الإله بها ... ولم يوصِّ بغرس في البساتين
الفصل الثاني في تكريم العرب لها وحبهم إياها وما ورد عنهم في ذلك
اعلم أن العرب تحب الخيل، وتبالغ في إكرامها، وترى أن العز والزينة بها، وقهر الأعداء على ظهورها، والغناء على بطونها، قال الشاعر:
قلائد نحن افتديناهنَّ ... نعم الحصون والعداد هنَّ
(1/3)

وبحض رسول الله صلى الله عليه وسلم، على اقتنائها، وتنويهه بفضلها، وتفخيم شأنها، اكتسبت حب الشرع وحب الطبع، فكانت عندهم كأفلاذ الأكباد، أعز عليهم من الأنفس والأولاد، وكان الرجل يبيت طاوياً، ويشبع فرسه، ويؤثره على نفسه وأهله وولده.
وقال دريد بن الصمة لأبي النضر: "قد رأيت منكم خصالاً لم أرها من غيركم، رأيت أبنيتكم متفرقة، ونتاج خيلكم قليلاً، وسرحكم يجيء معتماً، وصبيانكم يتضاوغون من غير جوع. قال أجل: أما تفرق أبنيتنا فمن غيرتنا على النساء، وأما قلة نتاج خيلنا فنتاج هوازن يكفينا، وأما بكاء صبياننا، فإنا نبدأ بالخيل قبل العيال، وأما تمسينا بالنعم فإن فينا الأرامل والغرائب، فتخرج المرأة إلى ما لها حيث لا تراها الرجال". وقال أكثم بن صيفي: "عليكم بالخيل، فأكرموها فإنها حصون العرب، ولا تضعوا رقاب الإبل في غير حقها، فإن فيها ثمن الكريمة ورقوء الدم وبألبانها يتحف الكبير، ويغذى الصغير". وقال ابن عباس رضي الله عنهما:
أحبوا الخيل واصطبروا عليها ... فإن العز فيها والجمالا
إذا ما الخيل ضيعها أناس ... ربطناها فأشركت العيالا
نقاسمها المعيشة كل يوم ... ونكسوها البراقع والجلالا
وقال خالد بن جعفر بن كلاب:
أديروني أداتكم فإني ... وحذفة كالشجى تحت الوريد
مقربة أسومها بخز ... وألحفها ردائي في الجليد
وأوصي الراغبين ليؤثروها ... لها لبن الخلية والصعود
تراها في الغزاة وهن شعث ... كقلب العاج في رسغ الجليد
يبيت رباطها بالليل كفي ... على عود الحشيش وعير غود
لعل الله يفردني عليها ... جهاداً من زهير أو أسيد
وقال مالك بن نويرة:
إذا ضيع الأنذال في المحل خيلهم ... فلم يركبوا حتى تهيج المضايف
كفاني دوائي ذو الخمار وصيفق ... على حين لا يقوى على الخيل عاتف
أعلل أهلي عن قليل متاعهم ... وأسقيه غص الشول والحي هاتف
وقال فارس جروة شداد بن معاوية العبسي:
فمن يك سائلاً عني فإني ... وجروة كالشجي تحت الوريد
أقوتها بقوتي إن شتونا ... وألحفها ردائي في الجليد
وقال:
ومن يك سائلاً عني فإني ... وجروة لا تباع ولا تعار
مقربة الشتاء ولا تراها ... أمام الحي يتبعها المهار
لها بالصيف جرجار وجل ... وست من كرائمها غزار
والمعنى: أنه اقتناها للحرب، فلا تباع ولا تعار، ولا يطلب نسلها، ولها من كرائم الإبل ست نوق تشرب من ألبانها.
وقال أيضاً:
ألا لا تطلبوا فرسي لبيع ... فجروة لا تباع ولا تعار
لنا من ظهرها حصن منيع ... وفي وثباتها نور ونار
فنفديها إذا جاءت إلينا ... مع الرعيان تتبعها المهار
وندخرها لأيام الرزايا ... فتنجينا إذا طلع الغبار
فجروة مهرة في الخيل تسمو ... كما يسمو على الليل النهار
تطير مع الرياح بغير ريش ... ولم يلحق لها أبداً غبار
وكان لعنترة بن شداد فرس اسمه الأبجر ابن نعامة وكان يسقيه الحليب قبل أن يسقي زوجته عبلة فعاتبته على ذلك فقال:
لا تحسدي مهري وما أسقيته ... ما أنت إلا في مقام أعظم
فإذا غضبت فلي إليك وسيلة ... إما بعقد أو بثوب معلم
وابن النعامة ما إليه وسيلة ... إلا بطيبة مشرب أو مطعم
إن كان حبك في الفؤاد محله ... في أعظمي يجري كما يجري دمي
فاروي صداه من الظما فلعله ... ينجيك من هول الغبار المظلم
إني أحاذر أن تقولي مرة ... هذا غبار ساطع فتقدم
فيخونني وقت الطعان فتصبحي ... مسبية بتحسر وتندم
وقال أيضاً:
ولا تذكري فرسي وما أطعمته ... فيكون جلدك مثل جلد الأجرب
إن الغبوق له، وأنت مسوءة ... فتأوهي ما شئت ثم تحوبي
كذب العتيق وماء شن بارد ... إن كنت سائلتي غبوقاً فاذهبي
إن الرجال لهم إليك وسيلة ... إن يأخذوك تكحلي وتخضبي
ويكون مركبك القعود وحدجه ... وابن النعامة عند ذلك مركبي
وأنا امرؤ إن يأخذوني عنوة ... أقرن إلى شر الركاب وأجنب
إني أحاذر أن تقول ظعيتني ... هذا غبار ساطع فتلبب
(1/4)

وكان لعبيدة بن الربيع التميمي فرس تسمى سكاب، فطلبها منه بعض الملوك فقال:
أبيت اللعب إن سكاب علق ... نفيس لا تعار ولا تباع
مفادة مكرمة علينا ... يجاع لها العيال ولا تجاع
سليلة سابقين تناجلاها ... إذا نسبا يضمهما الكراع
ففيها غرة من غير نفر ... يحيدها إذا حر القراع
فلا تطمع أبيت اللعن فيها ... ومنعكها بشيء يستطاع
وكفي تستقل بحمل سيفي ... وبي ممن يهضمني امتناع
وحولي من بني قحفان شيب ... وشبان إلى الهيجا سراع
إذا فزعوا فأمرهم جميع ... وإن لا قوا فأيديهم شعاع
وإذا أوجب الأمر إلى بيعها للضرورة لا يبيعونها نسبة إلى كرمها عليهم ويقولون: النقد عند الحافر. وقال أوس بن غلفاء الجهمي:
أعان على مراس الحرب زغف ... مضاعفة لها حلق توام
ومركضة صريحي أبوها ... يهان لها الغلامة والغلام
وقال حنظلة بن فاتك الأسدي:
أعددت حزمة وهي مقربة ... تقفى بقوت عيالنا وتصان
وقال:
جزتني أمس حزمة سعي صدق ... وما أقفيتها دون العيال
وقال حاجب بن حبيب الأسدي:
وباتت تلوم على تادقٍ ... ليشرى فقد جد عصيانها
ألا إن نجواك في تادق ... سواء علي وإعلانها
وقالت أعشنا به إنني ... أرى الخيل قد ثاب أثمانها
فقلت ألم تعلمي أنني ... كريم النكية ميدانها؟
وروي أن سبيع بن الخطيم التميمي خطب إلى عمه ابنته، فقال له عمه: أعطني مهرها فرسك نحلة، فقال: خذ بدلها إبلاً، فأبى إلا نحلة، فقال سبيع:
تقول نحلة أودعني فقلت لها: عول علي بأبكار هراجيب
لجت علي يمين لا أبدلها ... من ذات قرطين بين النحر واللوب
وحكي أن بعض الفرسان كان يحب ابنه عمه فخطبها من عمه ودفع له مئة ناقة براعيها، فقال: أنت أحق بها من غيرك، ولا أريد مهرها إلا جوادك فتوقف عن الجواب فنظرت إليه ابنة عمه وغمزته فتنهد وأنشد:
وقعقعة اللجام برأس مهري ... أحب إلي مما تغمزيني
وما هان الجواد علي حتى ... أجود به ورمحي في يميني
أخاف إذا وقعنا في مضيق ... وجد السير، أن لا تحمليني
جياد الخيل إن أركبها تنجي ... وإني إن صحبتك توقعيني
دعيني واذهبي يا بنت عمي ... أفي غمز الجفون تراوديني
فمهما كنت في نعم وعز ... متى جار الزمان فتزدريني
وأخشى إن وقعت على فراش ... وطالت علتي لا ترحميني
فلما سمعت كلامه اغرورقت عيناها بالدموع وأنشأت تقول:
أبى الرحمن أن تنظر هذا ... ولو قطعت شمالي عن يميني
متى عاشرتني وعرفت طبعي ... ستعلم أنني خير القرين
وتحمد صحبتي وتقول كانت ... لهذا البيت كالحصن الحصين
فظن الخير واترك سوء فكر ... وميز ذاك بالعقل الرزين
فتعلم لو تقابلني بدر ... لقل الدر للدر الثمين
ولو بجواهر قالوا تبعها ... بوزني بالجواهر تشتريني
فحاشا من فعال النقص مثلي ... وحاشاها الخيانة للأمين
فلم سمع أبوها منهما ذلك، علم أنه كفؤٌ لها فزوجه، وقال مالك بن نويرة.

جزاني دوائي ذو الخمار وصنعتي ... إذا بات أطوائي بني الأصاغر
أخادعهم عنه ليغبق دونهم ... وأعلم غير الظن أني مغادر
كأني وأبدان السلاح عشية ... تمر بنا في بطن فيحاء، طائر.
وقال:
أعلل أهلي عن قليل متاعهم ... وأسقيه محض الشول والحي ضائق
وقال خالد بن جعفر الكلابي:
أمرت الرعاء ليكرموها ... لها لبن الخليلة والصعود
وقال طفيل الغنوي:
وللخيل أيام فمن يصطبر لها ... ويعرف لها أيامها الخير يعقب
وقال:
إني وإن قل مالي، لا يفارقني ... مثل النعامة في أوصالها طول
أو ساهم الوجه لم تقطع أناجله ... يصان وهو ليوم الردع مبذول
ساهم الوجه عاليه وهي صفة ممدوحة في الحرب للخيل والناجل الكريم النسل.
وقال كعب بن مالك:
نصبحكم بكل أخي حروب ... وكل مطهم سلس القياد
خيول لا تضاع إذا أضيعت ... خيول الناس في السنة الجماد
وقال ضبية العبسي:
(1/5)

جزى الله الأغر جزاء صدق ... إذا ما أوقدت نار الحروب
يقيني باللبان ومنكبيه ... وأحميه بمطرد الكعوب
وأدفيه إذا هبت شمال ... بليل حرجف عند الغروب
أراه أهل ذلك حين يسعى ... رعاة الحي في جمع الحلوب
فيخفق مرة ويفيد أخرى ... ويفجع ذا الضغائن بالأريب
إذا شمنا أغر دنا لقاء ... يغص الشيخ باللبن الحليب
شديد مجامع الكتفين طرف ... به أثر الأسنة كالعلوب
وأكرهه على الأبطال حتى ... يرى كالأرجواني المجوب
وقال شاعر بني عامر:
بني عامر ماذا أرى الخيل أصبحت ... بطاناً وبعض الضر للخيل أمثل
بني عامر إن الخيول وقاية ... لأنفسكم والموت وقت مؤجل
أهينوا لها ما تكرمون وباشروا ... صيانتها والصون للخيل أجمل
متى تكرموها يكرم المرء نفسه ... وكل امرئ من قومع حيث ينزل
وقال الأعرج المعنى:
أرى أم سهلٍ ما تزال تفجع ... تلوم وما أدري علام توجع
تلوم على أن أمنح الورد لفحة ... وما تستوي والورد ساعة تفزع
إذا هي قامت حاسراً مشمعلة ... نخيب الفؤاد رأسها ما يقنع
وقمت إليه باللجام ميسراً ... هنالك يجزيني بما كنت أصنع
نخيب الفؤاد: أي طائر اللب، وقال عمر بن مالك:
وسابح كعقاب الجو أجعله ... دون العيال له الإيثار واللطف
وقال مالك بن زغبة الباهلي:
وذات مناسب جرداء بكر ... كأن سراتها كر مشيق
تنيف بصلهب للخيل عال ... كأن عموده جذع سحوق
تراها عند قبيتنا نصيراً ... ونبذلها إذا باقت بئوق
ذات المناسب: المنسوبة من قبل الأب والأم، وسراتها: أعلاها، والكر: الحبل، والمشيق: أثر برجلها، وتنيف: تشرف، والصلهب: طول العنق، والسحوق: الطول والقصير من الخبل المحبوس، والبئوق: الداهية، أي: تصان لكرامتها وتبذل إذا نزلت شدة وداهية. وقال أبو العلاء المعري:
كان ابن آشى وحده قيناً لها ... إذا قين كل مفاضة مأنوك
فمضى وخلفها تئل كأنما ... حبك السماء قتيرها المحبوك
تعدو بها الشقاء جنبها الصدى ... يوم الهجير يقينها المشكوك
لما التقى صرد اللجام ونابها ... ألكت فصاح لجامها المألوك
وتخالها عند الجريح إذا هوى ... أمّاً يقر بها ابنها المنهوك
وسقيتها المحض الصريح وطعمه ... حلو وكان لغيرها الصمكوك
الصمكوك: اللبن الخائر الحامض، والمحض الصريح: اللبن الخالص.
وقال قبيصة ابن النصراني الجرمي:
هاجرتي يا بنت آل سعد ... أئن حلبت لقحة للورد
جهلت من عنانه الممتد ... ونظري في عطفة الألد
إذا جياد الخيل جاءت تردى ... مملوءة من غضب وحرد
وقال آخر:
فإني له في الصيف ظل بارد ... ونصبي ناعجة ومحض منقع
حتى إذا نبح الظباء بداله ... عجل كأحمرة الصريمة أربع
النصي: اسم نبت، والناعجة: الأرض السهلة، أي: هو كريم أعد له أربعة أسقية مملوءة من الحليب كأنها الصخر الملمس من اكتنازها، وأراد بنبح الظباء: طلوع الفجر، لأن الظبي إذا أسن نبح عند طلوعه.
وكان لا يسقون الحليب ولا الحازر من اللبن إلا لجياد الخيل. قال الشاعر:
لا تسقه حزراً ولا حليبا ... إن لم تجده سابحاً يعبوبا
ذا ميعة يلتهم الجبوبا ... يترك صوان الصوى ركوبا
بزلقات قعبت تعقيبا ... يترك في آثاره لهوبا
يبادر الآثار أن تؤوبا ... وحاجب الجونة أن يغيبا
كالذئب يتلو أقمعاً قريبا ... على هراميت ترى العجيبا
إن تدع الشيخ فلن يجيبا
اليعبوب: كثير الجري، والميعة: النشاط والحدة، والالتهام: الابتلاع، والجبوب: وجه الأرض، والصوان: صم الحجارة، والصوى: الأعلام، والركوب: المذلل، والزلقات: الحوافر، والأبوب: الرجوع، والجونة: الشمس، أي: يباد آثار المطلوبين قبل مغيب الشمس، وشبه الفرس بالذئب الطامع في صيد قريب منه، وهو نهاية الطمع.
وقال ثعلبة بن عمرو العبدي:
وأهلك مهر أبيك الدواء ... وليس له من طعام نصيب
خلا إنهم كلما أورداو ... يصبح قعباً عليه ذنوب
(1/6)

أي: أن فرس أبيك يسقى قعباً من لبن عليه ذنوب من الماء ولا يخدم بالمعالجة فلذا هلك.
وقال الأخنس بن شهاب:
ترى رائدات الخيل حول بيوتنا ... كمعز الحجاز أعوزتها الزرائب
فيغبقن أحلاباً ويصبحن مثلها ... فهن من التعداء قب شواذب
وقال القطامي:
ونحن نرود الخيل وسط بيوتنا ... ويغبقن محضاً وهي محل مسانف
المسانف: القحط.
وقال الفجيجي صاحب السلوانية:
وخيلي حليب الشول صرفاً شرابها ... وصافي النصي رعيها لا المزارع
وتعلف مبيض الشعير وأنتقي ... لها من نبات الأرض ما هو نافع
الشول: الإبل، وشرب حليبها يقوي عصب الإنسان والخيل وينقص اللحم.
وقال سيدي الوالد قدس الله سره:
يا عاذراً لامرئٍ قد هام في الحضر ... وعاذلاً لمحب البدو والقفر
لا تذممن بيوتاً خف محملها ... وتمدحن بيوت الطين والحجر
لو كنت تعلم ما في البدو تعذرني ... لكن جهلت وكم في الجهل من ضرر
أو كنت أصبحت في الصحراء مرتقياً ... بساط رمل به الحصباء كالدرر
أو جلت في روضة قد راق منظرها ... بكل لون جميل شيق عطر
تستنشقن نسيماً طاب منتشقاً ... يزيد في الروح لم يمرر على قذر
أو كنت في صبح ليل هاج هاتنه ... علوت في مرقب أو جلت بالنظر
رأيت في كل وجه من بسائطها ... سرباً من الوحش يرعى أطيب الشجر
فيا لها وقفة لم تبق من حزن ... في قلب مضني ولا كد لذي ضجر
نباكر الصيد أحياناً فنبغته ... فالصيد منا مدى الأوقات في ذعر
فكم ظلمنا ظليماً مع نعامته ... وإن يكن طائراً في الجو كالصقر
يوم الرحيل إذا شدت هوادجنا ... شقائق عمها مزن من المطر
فيها العذارى وفيها قد جعلن كوى ... مرقعات بأحداق من الحور
تمشي الحداة لها من خلفها زجل ... أشهى من الناي والسنطير والوتر
ونحن فوق جياد الخيل نركضها ... شليلها زينة الأكفال والخصر
نطارد الوحش والغزلان نلحقها ... على البعاد وما تنجو من الضمر
نروح للحي ليلاً بعد ما نزلوا ... منازلا ما بها لطخ من الوضر
ترابها المسك بل أنقى وجاد بها ... صوب الغمائم بالآصال والبكر
نلقى الخيام وقد صفت بها فغدت ... مثل السماء زهت بالأنجم الزهر
قال الأُلى قد مضوا قولاً يصدقه ... نقل وعقل وما للحق من غير
الحسن يظهر في بيتين رونقه ... بيت من الشعر أو بيت من الشعر
أنعامنا إن أتت عند العشي تخل ... أصواتها كدوي الرعد بالسحر
سفائن البر بل أنجى لراكبها ... سفائن البحر كم فيها من الخطر
لنا المهارى وما للريم سرعتها ... بها وبالخيل نلنا كل مفتخر
فخيلنا دائماً للحرب مسرجةً ... من استغاث بنا بشره بالظفر
لا نحمل الضيم ممن جار نتركه ... وأرضه وجميع العز في السفر
وإن أساء علينا الجار عشرته ... نبين عنه بلا ضر ولا ضرر
تبيت نار القرى تبدو لطارقنا ... فيها المداواة من جوع ومن خصر
عدونا ماله ملجأ ولا وزر ... وعندنا عاديات السبق والظفر
شرابها من حليب لا يخالطه ... ماء وليس حليب النوق كالبقر
أموال أعدائنا في كل آونة ... نقضي بقسمتها بالعدل والقدر
ما في البداوة من عيب تذم به ... إلا المروءة والإحسان بالبدر
وصحة الجسم فيها غير خافية ... والعيب والداء مقصور على الحضر
من لم يمت عندنا بالطعن عاش مداً ... فنحن أطول خلق الله في العمر
وكان أشراف العرب يخدمون الخيل بأنفسهم لا يتكلون على أحد سواهم. قال الأعشى يمدح النعمان بن المنذر:
ويأمر لليحموم كل عشية ... بقت وتعليف فقد كان يسنق
أي: مع شرفه وعزة سلطانه، كان يفتقد فرسه، والسنق: التخمة، فإن لم يكن حاضراً يخدمنها عائلته.
وكتب سليمان بن هشام بن عبد الملك إلى والده، إن فرسي قد ضعف فإن رأى أمير المؤمنين أن يأمر لي بغيره. فكتب إليه والده إن أمير المؤمنين قد فهم ما ذكرت من ضعف فرسك، وظن أن ذلك من قلة تعهدك له فقم عليه بنفسك.
وقال حسان بن ثابت رضي الله عنه:
(1/7)

تظل جيادنا متمطرات ... يلطمهن بالخمر النساء
ينازعن الأعنة مصعدات ... على أكتادها أسد ضراء
وقال حميد بن ثور:
فلما كشفن عنه مسحنه ... بأطراف طفل زان غيلاً موشما
ومن الحكم: ثلاثة لا ينبغي لأحد أن يأنف منهن وإن كان شريفاً أو أميراً؛ قيامه عن مجلسه لأبيه، وخدمته لضيفه، وقيامه على فرسه.
وقال محمد بن يزيد المرواني:
ومن ورق صامت بدرة ... ينوء بها الأغلب الأعصم
ففضت لهن خواتمها ... وبدرتنا الدهر لا تختم
نوزعها بين خدامها ... ونحن لها منهم أخدم
وأنا لنرتبط المقربات ... في اللدنَّات فما ترزم
نعد لها المحض بعد الثلث ... كما يصلح الصبية المعظم
ونخلطها بضميم العيال ... بمن لم يخب وهو المحرم
مشاربها الصافيات العذب ... ومطعمهن هو المطعم
فهن بأكناف أبياتنا ... صوافن يصلهن أو حوَّم
وقال المقنع الكندي:
وإني لعبد الضيف مادام نازلاً ... وما شيمة لي غيرها تشبه العبدا
وقبله:
يعاتبني في الدين أهلي وإنما ... ديوني في أشياء تكسبهم حمدا
أسد بها ما قد أخلوا وضيعوا ... ثغور حقوق ما أطاقوا لها سدا
وفي جفنةٍ ما يغلق الباب دونها ... مكللة لحماً مدفقةٍ ثردا
وفي فرس فهد عتيق جعلته ... حجاباً لبيتي ثم أخدمته عبدا
وإن الذي بيني وبين أبي ... وبين بني عمي لمختلف جدا
إذا أكلوا لحمي وفرت لحومهم ... وإن هدموا مجدي بنيت لهم مجدا
وإن همُ هووا غيبي حفظت غيوبهم ... وإن ضيعوا رشدي أقمت لهم رشدا
وليسوا إلى نصري سراعاً وإن هم ... دعوني إلى نصر أتيتهم شدا
ولا أحمل الحقد القديم عليهم ... وليس رئيس القوم من يحمل الحقدا
لهم جل مالي إن تتابع لي غنى ... وإن قل مالي، لم أكلفهم رفدا
وإني لعبد الضيف ... البيت
الفصل الثالث فيما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم من كراهة التشاؤم بها
روي عن حكيم بن معاوية قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا شؤم وقد يكون اليمن في المرأة والدار والفرس".
وعن سفيان عن الزهري عن سالم عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "البركة في ثلاث في الفرس والمرأة والدار". قال الزهري: سألت سالم بن عبد الله عن معنى الحديث وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "الشؤم في ثلاثة في الفرس والمرأة والدار"، فقال: "قال صلى الله عليه وسلم: إذا كان الفرس ضروباً فهو مشؤوم، وإذا كانت المرأة قد عرفت زوجاً قبل زوجها فحنت إلى الزوج الأول فهي مشؤومة، وإذا كانت الدار بعيدة عن المسجد لا يسمع فيها الأذان فهي مشؤومة، وإذا كن بغير هذا الوصف فهن مباركات". وقال القاضي عياض: "معناه اعتقاد الناس هذا لا أنه خبر منه صلى الله عليه وسلم عن إثبات الشؤم لها".
وروي عن مكحول أنه قال لعائشة رضي الله عنها: "إن أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الشؤم في ثلاثة في الدار والمرأة والفرس. فقالت عائشة: لم يحفظ أبو هريرة لأنه دخل ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: قاتل الله اليهود يقولون الشؤم في ثلاثة في الدار، والمرأة، والفرس، فسمع آخر الحديث ولم يسمع أوله".
وروي عنه صلى الله عليه وسلم: "الخيل معقوص في نواصيها الخير إلى يوم القيامة" (العقصة: الضفيرة) . وعن أنس بن مالك عنه صلى الله عليه وسلم: "البركة في نواصي الخيل" الناصية الشعر المسترسل على الجبهة، وفي الحديث: "ثلاثة لا يسلم منها أحد: الطيرة والحسد، والظن، قيل فما نصنع؟ قال: إذا تطيرت فأمض، وإذا حسدت فلا تبغ، وإذا ظننت فلا تصحح".
(1/8)

وروي: "الطيرة شرك"، قال الترمذي: "هي سوء الظن بالله والهرب من قضائه، لأن العرب كانوا يعتقدون أن ما يتشاءمون به سبب مؤثر في حصول المكروه، ومن اعتقد أن غير الله تعالى يضر أو ينفع، فقد أشرك" زاد يحيى القطان عن شعبة: "وما منا إلاّ من يعتريه الوهم قهراً، ولكن الله يهديه بالتوكل". ومن لطيف ما حكي، أنه عرض على أبي مسلم الخراساني فرس لم ير مثله، فقال: "لماذا يصلح هذا الجواد؟ قالوا: للغزو في سبيل الله؛ فقال: لا. قالوا: يطلب عليه العدو، فقال: لا. قالوا: فلماذا يصلح أصلح الله الأمير؟ فقال: ليركبه الرجل ويفر من المرأة السوء والجار السوء". وقيل: من سعادة المرء: امرأة حسناء ودار قوراء، وفرس مربوطة بالفناء.

الفصل الرابع فيما ورد من النهي عن أكل لحومها وإخصائها وجز نواصيها وأذنابها
قال تعالى: "والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة". وعن خالد بن الوليد رضي الله عنه: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن أكل لحوم الخيل"، أي: وإن كان حلالاً لئلا يقل نسلها، فتفقد آلة في الجهاد، وقد خصها الله بسهمين من الغنيمة دون غيرها لفضلها. ونهى صلى الله عليه وسلم عن إخصائها. فقد ورد عن عمرو بن العاص قال: "أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فرساً من حدس "حي من اليمن" فأعطاه رجلاً من الأنصار وقال: إذا نزلت فانزل قريباً مني فإني أتسار إلى صهيله. ففقده ليلة، فسأل عنه، فقال: يا رسول الله خصيناه، فقال مثلت به - يقولها ثلاثاً -، والخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة أعرافها وأدفاؤها، وأذنابها مذابّها التمسوا نسلها وباهوا بصهيلها المشركين".
وعن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن إخصاء الخيل"، أي: إن لم تخف منه العض أو سوء الخلق، كما بينه الفقهاء. وعن مكحول: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن جز أذناب الخيل وأعرافها ونواصيها وقال: إنما أذنابها مذابها وأعرافها أدفاؤها وأما نواصيها ففيها الخيل". وعن أنس بن مالك عنه صلى الله عليه وسلم: "لا تهلبوا أذناب الخبل، ولا تجزوا أعرافها ونواصيها" وقال: "البركة في نواصيها، ودفاؤها في أعرافها، وأذنابها مذابها". وعن الشعبي قال: "قرأت كتاب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى عامله على الكوفة سعد بن أبي وقاص ينهى حذف أذناب الخيل وأعرافها وإخصائها ويأمر أن يجري من رأس المئتين، وهو أربعة فراسخ، والفرسخ ثلاثة أميال، والميل أربعة 'لاف ذراع، والبريد ثلاثة فراسخ، وأول من جز ناصية فرسه وذنبها الحارس بن عباد يوم تحلاق اللمم في أيام حرب البسوس، وذلك أنه لما سمع بقتل ولده بجير دعا بفرسه النعامة فجيء بها فجز ناصيتها وذنبها ونادى في قومه، وأنشد قصيدته التي مطلعها:
كل شيء مصيره للزوال ... غير ربي وصالح الأعمال
ومنها:
قربا مربط النعامة مني ... لقحت حرب وائل عن حيال
فاتخذت العرب ذلك سنة، إذا أرادوا إدراك الثأر، فعلوا ذلك بخيلهم. فلما بلغ المهلهل فعل الحارث، دعا بفرسه المشهر وفعل به ما فعله الحارث بالنعامة وقال قصيدته التي مطلعها: هل عرفت الغداة من أطلال ... رهن ريح وديمة مهطال
ومنها:
قربا مربط المشهر مني ... لكليب الذي أشاب قذالي

تتمة قي سقوط الزكاة عنها
عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله تجاوز لكم عن صدقة الخيل". وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأخذ من الخيل صدقة". وعن سلمان بن يسار "أن أهل الشام قالوا لأبي عبيدة: خذ من خيلنا صدقة فأبى، ثم كتب إلى عمر فأبى فكلموه أيضاً فكتب إلى عمر فكتب إليه: إن أحبوا فخذها منهم وارددها". أي: على فقرائهم لقوله تعالى: "والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة" فهي زينة الله التي أخرج لعباده، فالحيوان الذي له الكر والفر أنفع حيوان في الجهاد في سبيل الله فالأغلب أنه لله، وما كان لله فليس فيه حق الله، وأما إذا كانت سائمة ففيها الزكاة. روي عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "في الخيل السائمة في كل فرس دينار".

الباب الثاني في بيان أنواعها وفضل الذكر منها على الأنثى وفيه خمسة فصول
(/)

الفصل الأول في العربي
اعلم أن الخيل على أربعة أقسام: عربي وهجين ومقرف وبرذون، فالعربي هو الذي أبوه وأمه متساويان في الأصل، ويسمى: عتيقاً لعتقه من العيوب وسلامته من الطعن فيه، والغالب أن يكون متوسط الجسم متناسب الأعضاء يعجب كل من رآه. قال الأعشى:
تدر على غير أسمائها ... مطرفة بعد إتلادها
المطرف: كريم الآباء والأمهات، والتلاد: المال القديم المورث عن الآباء، وقال البحتري:
وافي الضلوع يشيد عقد حزامه ... يوم اللقاء على معم مخول
وقال أبو تمام:
وتهب لي بعجاج موكبك الصبا ... إن السماحة تحت ذاك القسطل
بالراقصات كأنها رسل القضا ... والمقربات بهن مثل الأفكل
من نجل كل تليدة أعراقه ... طرف معم في السوابق مخول
المقربات: ما تقرب من البيوت لكرمها، والأفكل: الرعدة.
وقال آخر:
فلما رأوا ما قد رأته شهوده ... تنادوا ألا هذا الجواد المؤمل
أبوه ابن زاد الركب وهو ابن أخته ... معم لعمري في الجياد ومخول
وقال ابن الخطيب الأندلسي:
أو من كميت لا نظير لحسنه ... سام معم في السوابق مخول
المعم: كريم الأعمام، والمخول: كريم الأخوال. ويقال: كرم الفرس، إذا رق جلده ولان شعره وطابت رائحته، ويكنى الفرس العربي بأبي شجاع وأبي مدرك وأبي المضمار وأبي المنجي.
روي عن عبد الله بن عريب الملكي عن أبيه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الجن لا تخبل أحداً في بيته عتيق من الخيل". وقال صلى الله عليه وسلم: "إن الشيطان لا يخبل أحداً في دار فيها فرس عتيق". وقال صلى الله عليه وسلم: "إن الشيطان لا يدخل داراً فيها فرس عتيق"، وروي أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني أرجم بالليل، فقال له صلى الله عليه وسلم: "اربط فرساً عتيقاً" فلم يرجم بعد ذلك. وروي "أن إبليس أتى عيسى بن مريم عليه السلام فقال له: عيسى إني سائلك عن شيءٍ فهل أنت صادق فيه؟ فقال: يا روح الله سلني عما بدا لك. فقال: أسألك بالحي القيوم الذي لا يموت ما الذي يسبل جسمك ويقطع ظهرك، قال: سهيل فرس في سبيل الله في قرية من القرى، أو حصن من الحصون، ولست أدخل داراً فيها فرس عتيق". وعن عمر بن عبد العزيز قال أثبت لي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من كان له فرس عربي فأكرمه أكرمه الله تعالى، وإن أهانه أهانه الله تعالى". وعن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من فرس عربي إلاّ يؤذن له عند كل سحر بدعوتين: اللهم خولتني من خولتني من بني آدم وجعلتني له فاجعلني أحب أهله وماله إليه". وعن عمر بن خديج أنه قال: "لما فتحت مصر كان لكل قوم مراغة يمرغون فيها خيولهم، فمر معاوية بأبي ذر وهو يمرغ فرساً له فسلم عليه ووقف فقال: يا أبا ذر! ما هذا الفرس لا أراه إلاّ مستجاباً؟ قال: وهل تدعو الخيل؟ قال: نعم ليس من ليلة إلاّ والفرس يدعو ربه فيها، فيقول: رب إنك سخرتني لابن آدم وجعلت رزقي في يده، اللهم فاجعلني أحب إليه من أهله وولده، فمنها المستجاب ومنها غير المستجاب، ولا أرى فرسك هذا إلا مستجاباً". وعن وهب بن منبه قال: "ما من تسبيحة ولا تكبيرة تكون من راكب فرس، إلا والفرس يسمعها ويجيبه بمثل قوله". وعن مكحول: "أن النبي صلى الله عليه وسلم هجن الهجين يوم خيبر وعرب العربي: للعربي سهمان وللهجين سهم". وعن أبي موسى أنه كتب إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "إنا وجدنا بالعراق خيلاً عراضاً دكاً فما ترى يا أمير المؤمنين في سهماتها فكتب له: تلك البراذين، فما قارب منها العتاق فاجعل له سهماً واحداً، والغُ ما سوى ذلك". وعن أبي الأنمر قال: "أغارت الخيل على الشام فأدركت العراب من يومها، وأدركت الكوادي ضحى الغد، ورئيس الخيل المنذر بن أبي خصمة الهمداني فقال: لا أجعل التي أدركت من يومها مثل التي لم تدرك. فكتب في ذلك إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: هبلت الوادعي أمه، لقد أذكرت به ولقد أذكرني أمراً كنت نسيته أمضوها على ما قال".
(1/10)

قوله: هبلت الهبل الهلاك، والعرب تطلق هذه الكلمة ونظائرها من الدعاء بالمكروه ولا تريد بها شراً، وقد تجريها مجرى المدح عند استعظام الشيء، كقولهم ما له قاتله الله، وقولهم: هبلته أمه، وقوله: لقد أذكرت به، أي: جاءت به ذكراً شهماً. وقد فرقوا بين الإنسان والخيل، فقالوا في الإنسان: عرب وأعراب، وفي الخيل والإبل: عراب، وهي خلاف البراذين والبخاتي. والمعرب من الخيل: الذي ليس في عرقه هجين، والأنثى: معربة، وأعرب الفرس: إذا عرف عتقه من صهيله، والإعراب: معرفة الناس العربي من الهجيم إذا صهل قال الجعدي:
ويصهل في مثل جوف الطوى ... صهيلاً تبين للمعرب
(أي ظهر أنه من العراب حين سمع صهيله)
الفصل الثاني في الهجين
وهو ما كان أبوه أشرف من أمه: مأخوذ من الهجنة، وهي العيب، وهو دون المقرف، قال الشاعر:
لا يدرك العربي الهجين يجله ... ولا حليه في سرجه ولجامه
أي: ولو تحلى الهجين بأنواع الزينة لا يدرك العربي، وقال ذهلة ابن شيبان:
وإذا تقابل مجريان لغاية ... عثر الهجين وأسلمته الأرجل
ويجي الصريح مع العتاق معوداً ... قرب الجياد فلم يجئه الأفكل
الفصل الثالث في المقرف
وهو ما كانت أمه أشرف من أبيه مأخوذ من القرف، وهو القرب، لقربه من الهجين، وإن كان أحط منه، قال الأعشى:
قافل جرشع تراه كتيس ال ... ريل لا مقرف ولا مخشوب
تلك خيلي منه وتلك ركابي ... هن صفر أولادها كالزبيب
القافل: الضامر، والجرشع: منتفخ الجنبين، والمخشوب: الذي لم يحسن تعليمه ورياضته، وقال محمد بن بسام في ابن المرزبان:
بخلت عني بمقرف عطب ... فلم تراني ما عشت أركبه
وإن تكن صنته فما خلق الل ... هـ مصوناً وأنت تركبه
ويقال للمقرف: مذرع، - بالذال المعجمة -. قال الفرزدق:
إذا باهلي عنده حنظلية ... له ولد منها فذاك المذرع
فالمذرع كالبغل، إذا سئل عن أبيه قال: أمي الفرس. قال ابن قيس العدوي:
إن المذرع لا تغني خؤولته ... كالبغل يعجز عن شوط المحاضير
وقال آخر:
قوم توارث بيت اللؤم أولهم ... كما توارث رقم المذرع الحمر
وسمي مذرعاً لشبهه بالبغل: لأن كلا منهما في ذراعيه رقمتان كرقمتي ذراع الحمار، والهجنة في الإنسان من قبل أمه. قالت حميدة بنت النعمان بن بشير في الفيض بت عقيل الثقفي:
وما أنا إلا مهرة عربية ... سليلة أفراس تحللها نغل
فإن نتجت مهراً فالله درها ... وإن يك أقرافاً فما أنجب الفحل
النغل: - بالنون - الخسيس من الدواب، وقد غلط من رواه تحللها بغل لأن البغل لا ينتج. وعن جبلة بن عبد الملك قال سابق عبد الملك بن مروان بين ولديه سليمان ومسلمة، فسبق سليمان، فقال عبد الملك:
ألم أنهكم أن تحملوا هجناءكم ... على خيلكم يوم الرهان فتدرك
وما يستوي المرآن هذا ابن حرة ... وهذا ابن أخرى ظهرها متشرك
فتضعف عضداه ويخفت صوته ... وتقصر رجلاه فلا يتحرك
وأدرك خالات له فنزعنه ... إلا أن عرق السوء لا بد مدرك
ثم أقبل على مصقلة بن هبيرة الشيباني فقال: أتدري من يقول هذا؟ قال: لا. فقال: هو قول أخيك، فقال مسلمة: يا أمير المؤمنين! ما هكذا قال حاتم الطائي، فقال عبد الملك: وماذا قال؟ فقال:
وما أنكحونا طائعين بناتهم ... ولكن خطبناها بأسيافنا قسرا
فما زادنا فيها السباء مذلة ... ولا كلفت خبزاً ولا طبخت قدرا
ولكن خلطناهم بحر نسائنا ... فجاءت بهم بيضاً وجوههم زهرا
فكائن ترى فينا من ابن سبية ... إذا لقي الأعداء يطعنها شذرا
ويأخذ رايات الطعان بكفه ... فيوردها بيضاً ويصدرها حمرا
أغر إذا اغبر اللئام كأنه ... إذا ما سرى ليل الدجى قمر بدرا
فقال عبد الملك كالمستحي:
وما شر الثلاثة أم عمرو ... بصاحبك الذي لا تصحبينا
الفصل الرابع في البرذون
(1/11)

بكسر أوله وفتح الذال المعجمة، وهو الذي استوى أبوه وأمه في الخسة، ويقال للأنثى برذونة، ورمكة بالتحريك، قال ابن حبيب: البرذون عظيم الأعضاء. بخلاف العربي، فإنه أضمر وأرق أعضاء، ويوصف بغلظ الرقبة، وكثرة الجلبة، إن أرسلته، قال: أمسكني، وإن أمسكته، قال: أرسلني، ويكنى بأبي الأخطل، لخطل أذنيه، أي استرهائهما. قال السراج الوراق:
لصاحب الأحباس برذونة ... بعيدة العهد عن القرط
إذا رأت خيلاً على مربط ... تقول سبحانك يا معطي
تمشي إلى خلف إذا ما مشت ... كأنما تكتب بالقبطي
وقال آخر:
نجى علاجاً وبشراً كل سلهبة ... واستلحم الموت أصحاب البراذين
وأول من أنتج البراذين، أحد ملوك الفرس، فإنه أنزى الخيل العربية على البقر لقوته أعضائها، وشدة صبرها فأنتجت البراذين. وأول من أنتج البغال أفريدون من ملوكهم أيضاً. وقال المسعودي: "إن أهالي صعيد مصر مما يلي الحبشة، كانوا يعلون الثيران على الأتن، والحمير على البقر وإن بلاد الزنج بقراً يقاتلون عليها، وتجري كالخيل بسروج ولجم".

الفصل الخامس في فضل الذكر على الأنثى
قال تعالى: "وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل" قال ابن عباس رضي الله عنهما: "القوة: الخيل الذكور، وقوله: من رباط الخيل، أي: الإناث. والذكر أشرف من الأنثى لأنه خلق قبلها فهو أشد حرارة منها، وإن كانا من جنس واحد من مزاج واحد". وقد تعلقت الإرادة الإلهية بتقويم أقواهما حرارة أولاً؛ ولذا خلق آدم عليه السلام قبل حواء، ويقال للذكر: حصان - بكسر المهملة - لأنه حصن ماءه فلم ينز إلا على كريمة. وروي عن أنس بن مالك رضي الله عنه: "كان السلف يحبون الفحول من الخيل ويقولون إنها أجرى وأقوى من الأنثى لأن المقصد من اقتناء الخيل القتال عليها". قال عمرو بن السليح:
لقيناهم بجمع من علاف ... وبالخيل الصلادمة الذكور
وقال الأعشى:
وأعددت للخيل أوزارها ... رماحاً طوالاً وخيلاً ذكورا
ومنه يعلم أن الذكر في القتال خير من الأنثى؛ لأنه أجرى وأجرأ يقاتل مع صاحبه. قال دكين بن رجا:
أشم خنديد منيف أشعبه ... يقتحم الفارس لولا قبقبه
الخنديد: العتيق، والمنيف: المشرف، والشعب: ما أشرف منه، والقبقب: اللجام، فهو بخلاف الأنثى، فإنها ربما تكون سبب قتل صاحبها، إذا كانت وديقاً، ورأت الفحل ولو من غير نوعها لشدة شبقها.
وعن أبي محيرز رضي الله عنه: "كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يفضلون ركوب الفحول في الصفوف وسائر أمور الحرب لإرهاب العدو، ويفضلون الخصيان في الكمين والطلائع لأنها أصبر وأقوى في الجهد، ويفضلون الإناث في الغارات والبيات لعدم صهيلها، ودفعها البول وهي تجري، بخلاف الفحل فإنه يحصر البول حتى يتفقأ".
وللإناث من الخيل فضل على كافة ما يقتنى من المال، ففي الحديث: "خير المال مهرة مأمورة وسكة مأبورة". المأمورة: كثيرة النتاج، والمأبورة: النخلة الملقحة. وفيه أيضاً: "عليكم بإناث الخيل فإن ظهورها عز وبطونها كنز" وقيل لبعض الحكماء: أي المال أشرف قال: فرس - تتبعها فرس وفي بطنها فرس، ويقال للأنثى: حجر - بلا هاء -، لعدم مشاركة الذكر لها فيه.

الباب الثالث في ألوانها وفيه خمسة فصول
الفصل الأول في الأشقر
وأنواعه ستة: مذهب وخلوقي ومدمي وأمغر وسلقد وورد، فالأشقر المذهب هو الذي تعلو شقرته صفرة، والخلوقي هو الذي اشتدت شقرته وعلتها صفرة كلون الزعفران، والمدمى هو الذي تعلو شقرته حمرة، لا كالكميت، وأصول شعره كأنها خضبت بالحناء، والأمغر هو الذي ليس بناصع الحمرة ولم تشب شقرته بصفرة. والسلقد هو الصافي الخالص ويسمى قرفي، والورد هو الذي تعلو الحمرة إلى الشقرة الخلوقية، وأصول شعره سود، فإذا كان في ذنب الأشقر بياض يسمونه أشعل، ويتشاءمون منه. قال زيد الخيل في فرسه الورد:
ما زلت أرميهم بشكة فارس ... وبالورد حتى أحرثوه وبلدا
وقال ابن نباتة:
وورد من العرب منسوب ولا قطعت ... أيدي الحوادث من أنسابه شجره
إذا امتطى ظهره، رامي السهام مضى ... والسهم حد، فلولا سبقه عقره
عجبت كيف يسمى سابحاً وله ... وثب لو البحر أرسى دونه ظفره
(1/12)

لما ترفع عن ند يسابقه ... أضحى يسابق في ميدانه نظره
والأشقر الورد، إذا اشتملت شقرته، على شهبته، يقال له أغبر. وقد ورد فيها أحاديث وآثار تدل على فضلها. روي عن ابن عباس رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: "يمن الخيل في شقرها". وعنه عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم: "خير الخيل الشقر" وعنه قال: "كان صلى الله عليه وسلم، بطريق تبوك، وقد قل الماء، فبعث الخيل في كل جهة يطلبون الماء، فكان أول من طلع بالماء صاحب فرس أشقر، والثاني صاحب فرس أشقر، وكذلك الثالث، فقال صلى الله عليه وسلم: اللهم بارك في الشقر" وعن محمد بن مهاجر قال: "سألت ابن وهب الجشمي لم فضل الأشقر؟ قال: لأن النبي صلى الله عليه وسلم بعث سرية فكان أول من جاء بالفتح صاحب فرس أشقر".
وعن زيد بن صفوان: "كان صلى الله عليه وسلم يحب من الخيل الشقر، وإلا فأدهم أغر محجل، ثلاث طليق اليمنى". وعن عمرو بن الحارث الأنصاري عن أشياخ أهل مصر، قالوا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لو أن خيل العرب جمعت في صعيد واحد، ما سبقها إلا أشقر". وحكى ابن النحاس، أن سليمان بن عبد الملك، "سأل يوماً بن نصير فاتح المغرب والأندلس، عن حروب الأمم التي حاربها، ما كنت تفزع إليه عند الحرب؟ قال: الدعاء والصبر، قال: فأي الخيل رأيت أصبر؟ قال: الشقر، قال: فأي الأمم أشد قتالاً؟ قال: هم أكثر من أن أصف، قال: فأخبرني عن الروم، قال: أسد في حصونهم، عقبان على خيولهم، نساء على مراكبهم، إن رأوا فرصة انتهزوها، وإن رأوا غلبة فأوعال تذهب في الجبال لا يرون الهزيمة عاراً، قال: فالبربر، قال: هم أشبه الأمم بالعرب لقاءً ونجدة وصبراً وفروسية، غير أنهم أغدر الناس، قال: فأهل الأندلس، قال: ملوك مترفون، وفرسان لا يجبنون، قال: فالإفرنج، قال: هناك العدد والجلد والشدة والبأس، قال: فكيف كانت الحرب بينك وبينهم؟ قال: أما هذا فوالله ما هزمت لي راية قط، ولا بدد لي جمع، ولا نكب المسلمون معي، منذ اقتحمت الأربعين إلى أن بلغت الثمانين". وقد أكثر الشعراء من مدح الأشقر فمن ذلك قول ابن خفاجة:
ومشى يتيه بها اختيالاً أجرد ... في شقرة لو سال سال نضارا
تسترقص الأعطاف من طرب به ... شية تدور على العيون عقارا
لو كنت شاهده وقد ملأ الفضا ... ركضاً وسد على الكميّ قفارا
لرأيت فيما قد رأيت وقد بدا ... ناراً تكون إذا جرى إعصارا
يستعطف الأسماع إطراءً له ... في صورة تستعطف الأبصارا
وقال المتنبي:
فأصبح يجتاب المسوح مخافة ... وقد كان يجتاب الدلاص المسردا
تمشي به العكاز في الدير تائباً ... وما كان يرضى مشي أشقر أجردا
وما تاب حتى غادر الكر وجهه ... جريحاً وخلى وجهه النقع أرمدا
وقال آخر:
تذكرت من يبكي عليّ فلم أجد ... سوى السيف والرمح الرديني باكيا
وأشقر خنذيذ يجر عنانه ... إلى الماء لم يترك له الموت ساقيا
وقال إسحاق بن خفاجة:
ومطهم شرق الأديم كأنما ... ألفت معاطفه النجيع خضابا
طرب إذا غنى الحسام ممزق ... ترب العجاجة جيئة وذهابا
قدحت يد الهيجاء منه بارقاً ... متلهباً يزجي القتام سحابا
ورمى الحفاظ به شياطين العدا ... فأنقض في ليل الغبار شهابا
بسام ثغر الحلي تحسب أنه ... كأس أثار بها المزاج حبابا
وقال يمدح القائد أبا الطاهر:
وحن إليه كل ورد محجل ... كأن لجيناً سال منه على تبر
يجول فتجري في عنان، به الصبا ... ويزخر في لبد به البحر في البر
وأشهب وضاح تحمل رقعة ... من الحسن لم تعبر به العين في بسر
تخط سطور الضرب في صدره الظبا ... ويعجمها وخز المثقفة السمر
ويدرج منه السلم ما تنشر الوغى ... فطوراً إلى طي وطوراً إلى نشر
وأدهم لولا أنه راق صورة ... لما عرفته العين من ليلة الهجر
طويل سبيب العرف والفتق والشوى ... قصير عسيب الذيل والظهر والنسر
له غرة تستصحب النصر طلعة ... كفاك بها في صورة الحشر من عشر
وقال الصلاح الصفدي:
يا حسنهُ من أشقر قصرت ... عنه بروق الجو في الركض
(1/13)

لا تستطيع الشمس من جريه ... ترسمه ظلاً على الأرض
الفصل الثاني في الأحمر وهو الكميت
ولفظه يقع على الذكر والأنثى ولا يستعمل إلا مصغراً ولونه بين الحمرة والشقرة، والفرق ما بينه وبين الأشقر بالعرف والذنب والقوائم فإن كانت سوداً فكميت وإلا فأشقر. وأنواع الكميت خمسة: أحوى وأحم، ومدمى وأحمر، ومحلف. فالكميت الأحوى يعلوه سواد، والفرق بينه وبين الأخضر الأحم احمرار مناخره واصفرار خاصرته، وأما الكميت الأحم والكميت الأحوى، فإنهما متشابهان في اللون، حتى أن البصريين بهما يشكان فيهما، فيحلف أحدهما أنه أحوى والآخر أحم. قال أبو منصوراليربوعي:
تسائلني بنو جشم بن بكر ... إغراء العرادة أم بهيم
كميت غير محلفة ولكن ... كلون الصرف عل به الأديم
وفي الحديث "خير الخيل الحو" وعن نافع بن جبير عنه صلى الله عليه وسلم: "اليمن في الخيل في كل أحوى". والكميت الأحم، ما شابه الأحوى، إلا أنه أقل سواداً منه. والمدمي ما اشتدت حمرته وسرته أشد حمرة من سائر جسده. والأحمر أشد حمرة من المدمى، وهو أحسن الكمت لأنه خالص الكمتة، ويقال له كميت مصامص، أي خالص والمصامص والمصمص، شديد تركيب العظام والمفاصل، قال أبو داؤد:
ولقد ذعرت بنات عس ... م المرشفات لها بصابص
بمجوف بلقاً واع ... ني لونه ورد مصامص
يمشي كمشي نعامتي ... ن تتابعان أشق شاخص
والمحلف ما قاربت حمرته إلى الشقرة، وعرفه وذنبه يميلان إلى السواد، روى الشعبي عنه صلى الله عليه وسلم "التمسوا الحوائج على الفرس الكميت، الأرثم المحجل الثلاث المطلق اليد اليمنى"، والرثم: بياض في الشفة العليا. وعن موسى بن علي بن رباح اللخمي عن أبيه قال: "جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني أريد أن أبتاع فرساً؛ وأفند فرساً، فقال: عليك به كميتاً أو أدهم أقرح أرثم محجل ثلاث طليق اليمين". وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أفضل الخيل فقال: "أحمرها وأسرعها وأشقرها وأظفرها أدهمها".
وقال ابن أمية: "سألت الأمير قيساً عن أفضل الخيل، فقال: أحمرها كيف ما كان، وأجودها الأدهم"، وسألت ابن ثعلبة عن أصبر الخيل، فقال: الكميت. وعن مسعود بن خراش قال: "سأل عمر بن الخطاب رضي الله عنه قيس بن زهير العبسي، أي الخيل وجدتموها أصبر في حربكم؟ قال الكميت". وحكى الأسوردي قال: "قالت بنو عبس ما صبر معنا في الحرب من النساء إلا بنات العم ومن الخيل إلا الكمت ومن الإبل إلا الحمر". وقال أبو داؤد الإيادي:
إن لم تلطني بهم حقاً أتيتكم ... حوّاً وكمتاً تعادي كالسراجين
من كل جرداء قد طارت عقيقتها ... وكل أجرد مسترخى الأباذين
وقال امرؤ القيس:
كميت يزل اللبد عن حال متنه ... كما زلت الصفواء بالمتنزل
وقال عمر بن أبي ربيعة المخزومي:
تشكى الكميت الجريَ لما جهدته ... وبين لو يسطع أن يتكلما
لذلك أدني دون خيلي مكانه ... وأوصي به ألا يهان ويكرما
فقلت له إن ألقَ للعين قرةً ... فهان عليَّ أن تكل وتسأما
عدمت إذن وفري وفارقت مهجتي ... لئن لم أقل قرناً إن الله سلما
ومن لطائف ابن نباتة قوله:
يا واصف الخيل بالكميت وبالنه ... د أرحني من طول وسواس
لا نهد إلا من صدر غانية ... ولا كميت إلا من الكاس
فأخذه فخر الدين بن مكانس فقال:
وإذا ذكرت الخيل في الميدان ... فاشرب كميتاً واعلُ فوق نهود
وقال آخر:
وأحمر كالديباج أما سماؤه ... فرياً وأما أرضه فمحول
وقال عبد السلام بن غياث المعروف بديك الجن:
أحمر كالخضاب في صفح هادي ... هـ من الهاديات مثل الخضاب
وكأني أرمي به الهضاب على حي ... ن وناه بقطعة من هضاب
وكأني رفعت بالبرق شمًلا=لي ولما أضأتها بعقاب وقال ابن تميم في مهرة حمراء:
أهديت لي يا مالكي مهرة ... جميلة الخلق بوجه جميل
مؤخرها والعنق قد أوقعا ... قلب الأعادي في العريض الطويل
قد لبست من شفق حلة ... تخبرنا أن أباها أصيل.
الفصل الثالث في الأدهم
(1/14)

وأنواعه خمسة: أدهم حالك وأحوى وأحم وأصدى وأخضر. فالأدهم الحالك أشد هذه الأنواع سواداً وأصفاها. والأحوى ما علا سواده حمرة. والأحم ما شابه الأحوى، إلا أنه أقل حمرة، والأصدى ما خالط سواده شقرة، والأخضر ما خالط سواده غبرة.
روي عن يزيد بن حبيب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الخير في الأدهم الأقرح الأرثم محجل الثلاث طلق اليمنى" (القرحة في وجه الفرس بياض دون الغرة) . وعن عتبة عنه صلى الله عليه وسلم: "إذا أردت أن تغزو فاشتر فرساً أدهم محجل الثلاث مطلق اليمنى، فإنك تغنم وتسلم، فإن لم يكن أدهم فكميتاً على هذه الشية" أي على هذه الصفة. وعن أبي قتادة الأنصاري عنه صلى الله عليه وسلم: "خير الخيل الأدهم الأقرح الأرثم ثم الأقرح المحجل طلق اليمين فإن لم يكن أدهم فكميتاً على هذه الشية" وعن أبي وهب الجشمي عنه صلى الله عليه وسلم "تسموا بأسماء الأنبياء، وأحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن وأصدقها حارث وهمام وأقبحها حرب ومرة، واربطوا الخيل، وامسحوا بنواصيها وأكفالها، وعليكم بكل كميت أغر محجل، أو أشقر أغر محجل، أو أدهم أغر محجل"، وذكر الخيل عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "خضرها أحبلها، وكمتها ديباجها وشقرها حيادها اللهم بارك في الأخضر اللهم بارك في الأشقر".
وحكى ابن بسام في الذخيرة: كان للمتوكل ابن الأفطس الأندلسي فرس أدهم محجل، على كفله ست نقط بيض، فندب الشعراء لوصفه فقال أبو الوليد البجلي ارتجالاً:
ركب البدر جواداً سابحاً ... تقف الريح لأدنى مهله
لبس الليل قميصاً سابغاً ... والثريا نقط في كفله
وغدير الصبح قد خيض به ... فبدا تحجيله من بلله
كل مطلوب وإن طالت به ... رجله من أجله في أجله
وقال ابن اللبانة فيه:
لله طرف جال يا ابن محمد ... فجنت به حوباؤه التأميلا
لما رأى أن الظلام أديمه ... أهدى لأربعه الهدى تحجيلا
وكأنما في الردف منه مباسم ... تبغي هناك لرجله تقبيلا
وقال ابن نباتة:
وأدهم اللون حندسي ... في جريه للورى عجائب
تقصر سعي الرياح عنه ... فكلها خلفه جنائب
وقال الصفي الحلي:
ولقد أروح إلى القنيص وأغتدي ... في متن أدهم كالظلام محجل
رام الصباح من الدجى استنقاذه ... حسداً فلم يظفر بغير الأرجل
فكأنه صبغ الشباب إهابه ... وخط المشيب فجاءه من أسفل
وقال الطاهر الجزولي:
وأدهم كالليل البهيم مطهم ... فقد عز من يعلو بساحة عرفه
يفوت هبوب الريح سبقاً إذا جرى ... تراهن رجليه مواقع طرفه
وقال غيره:
قد سابق الطرف بطرف سابق ... كأنه يريد إدراك القدر
دهمته تبدي سواداً حالكاً ... كأنها ليل إذا الليل اعتكر
صهيله يطرب من يسمعه ... كأنه رعد إذا الرعد زجر
أو سابق الريح جرى من قبلها ... والبرق لا يسبقه إذا ظهر
وقال ابن خفاجة:
وأدهم نم آل الوجيه ولاحق ... له الليل لون والصباح حجول
ترقرق ماء الحسن فوق أديمه ... فلولا التهاب الخصر ظل يسيل
كأن هلال الفطر لاح بوجهه ... فأعيننا شوقاً إليه تميل
كأن الرياح العاصفات تقله ... إذا ابتل منه مخرم وتليل
إذا عابد الرحمن في متنه علا ... بدا الزهو في العطفين منه يجول
فمن رام تشبيهاً له قال موجزاً ... وإن كان وصف الحسن منه يطول
هو الفلك الدوار في صهواته ... لبدر الدياجي مطلع وأفول
وامتدح ابن دنينير اللخمي القابوس الملك المنصور مستمنحاً منه فرساً بقوله:
ملك الورى دعوة مني على مضض ... من الزمان الذي أخنى بلا سبب
أودى تلادي وولى بعده تبعاً ... حتى طريفي وما جمعت من نشب
وكان قد غفلت عني حوادثه ... في بغلة كنت أقضي فوقها أربي
حتى ألم بها منه الردى فغدا ... قلبي قتيل الأسى والهم والنصب
ولم أجد سبباً يجني الزمان به ... على ذوي الفضل إلا حرفة الأدب
فاكبت عداي بأخرى مثلها فلقد ... قصرت عن كل ما أهوى من التعب
أولا فأدهم تفري الليل غرته ... نهد القصير شديد العظم والعصب
(1/15)

سامي التليل عريض المتن مرتفع ... عالي النواهق وافي الرسغ والذنب
صافي الأديم كأن البرق غرته ... رحب اللبان أشم الأنف والقصب
كاس من الليل بالظلماء ملتحف ... لكنما زانه التحجيل بالحبب
هقل إذا ما تولى مدبراً فإذا ... أتى فظبي كناس ريع من كثب
يكاد يسبق لحظ العين كيف جرى ... فما يدانيه مر الريح في الخبب
ولو يباريه زاد الركب عن عرض ... في حلبة لكبا منه على الركب
فذاك بغية مثلي من نداك وأن ... أعود من جودكم بالمنظر العجب
وقال أبو سعيد المغربي:
ولما اغتدى والليل قد سل صبحه ... بليل بجلباب الصباح تلثما
وأحسبه خال الثريا لجامه ... فصير هاديه إلى الأفق سلما
وقال جمال الدين يوسف بن الحسن:
وأدهم اللون فاق البرق وانتظره ... فغارت الريح حتى غيبت أثره
فواضع رجله حيث انتهت يده ... وواضع يده أنى رمى بصره
إذن تراه يحاكي السهم منطلقاً ... وما له غرض مستوقف خبره
يعفر الوحش في البيداء فارسه ... وينثني وادعاً إن يستتر غبره
وقال أبو سويد شهد أبو دلف وقعة وتحته فرس أدهم عليه نضخ الدم فاستوقفه بعض الشعراء وأنشد:
كم ذا تجرعه المنون ويسلم ... لو يستطيع شكا إليك الأدهم
في كل منبت شعرة من جلده ... خط ينمقه الحسام المخدم
وكأنما عقد النجوم بطرفه ... وكأنما هو بالمجرة ملجم
وكأنه بين البوارق لقوةٌ ... شفواء كاسرة طوت ما تطعم
لا تدرك الأرياح أدنى شأوه ... لا بل يفوت الريح فهو مقدم
رجعته أطراف الأسنة أشقراً ... واللون أدهم حين ضرجه الدم
فأمر له بعشرة آلاف درهم. وقال أبو إسحاق إبراهيم بن خفاجة الأندلسي:
تقبل المهر من أخي ثقة ... أرسل ريحاً به إلى المطر
مشتملاً بالظلام من شية ... لم يشتمل ليلها على سحر
منتسباً لونه وغرته ... إلى سواد الفؤاد والبصر
تحسبه من علاك مسترقاً ... بهجة مرأى وحسن مختبر
حن إلى راحة تفيض ندى ... فمال ظل به على نهر
ترى به والنشاط يلهبه ... ما شئت من فحمة ومن شرر
لو حمل الليل حسن دهمته ... أمتع طرف المحب بالسهر
أحمى من النجم يوم معركة ... ظهراً وأجرى به من القدر
اسود وابيض فعله كرماً ... فالتفت الحسن فيه عن حور
كأنه والنفوس تعشقه ... مركب من محاسن الصور
فازدد سنا بهجة بدهمته ... فالليل أذكى لغرة القمر
ومثل شكري على تقبله ... بجمع بين النسيم والزهر
وقال لما استرجعت بلنسية من يد العدو:
من عسكر رجفت أرض العدو به ... حتى كأن بها من وطئه وهلا
ما بين ريح طراد سميت فرساً ... جوراً وليث شرى يدعونه بطلا
من أدهم أخضر الجلباب تحسبه ... قد استعار رداء الليل واشتملا
وأشهب ناصع القرطاس مؤتلق ... كأنما خاض ماء الصبح فاغتسلا
ترى به ماء نصل السيف منسكباً ... يجري وجاحم نار البأس مشتعلا
فغادر الطعن أجفان الجراح به ... رمداً وصير أطراف القنا فتلا
وأشرق الدم في خد الثرى خجلا ... وأظلم النقع في جفن الوغى كحلا
وأقشع الكفر قسراً عن بلنسية ... فانجاب عنها حجاب كان منسدلا
وقال ابن هاني:
من كل يعبوب سبوح سلهب ... نقش سياط عنانه الطيار
سلط السنابك باللجين مخدم ... وأذيب منه على الأديم نضار
وكأن وفرته غدائر غادة ... لم يلق بؤس لا ولا إقتار
وأحم حلكوك وأصفر فاقع ... منها وأشهب أمهق زهار
ومنها:
مرت لغايتها فلا والله ما ... علقت بها في عدوها الأبصار
وجرت فقلت أسابح أم طائر ... هلا استثار لوقعهن غبار
من آل أعوج والصريح وداحس ... فيهن منها ميسر ونجار
الفصل الرابع في الأشهب
(1/16)

وأنواعه خمسة: قرطاسي صريح، وصنابي، ورمادي، وأبرش وأبلق، فالقرطاسي ما كان الغالب عليه البياض ويسمى أضحى. والصنابي ما كان الغالب عليه الحمرة. والرمادي ما كان الغالب عليه غبرة فيها كدرة. والأبرش ما كان فيه نكت بيض. فإذا عظمت سموه أبلق ومدنراً. والأبلق إن عم البياض جميع جسده وخلص رأسه وهاديه يقال له أدرع. وإن كان تلويع سواد وبياض يقال له ملوع، وإن كان مبيض الرأس والذنب يقال له مطرف.
روي أن مجد الدين أخا صلاح الدين الشهير رأى بعض مماليكه على فرس أشهب فقال:
أقبل من أعشقه راكباً ... من جانب الغرب على أشهب
فقلت سبحانك يا ذا العلا ... أشرقت الشمس من المغرب
وقال ابن خفاجة:
شددت على القوافي كف حر ... كريم لا يسوغها لئيما
فما أطرى إذا أطريت إلاّ ... حمياً أو حبيباً أو حميما
ومطرود أجرده صقيلا ... ويعبوبا أركبه كريما
إذا أقبلته سمر العوالي ... فلست أرده إلاّ كليما
وقد ألف العدو وكان ريحاً ... على شرف تلف به هشيما
يشيم به وراء النقع برقاً ... تألق شهبة وصفاً أديما
إذا أوطأته أعقاب ليل=طردت من الظلام به ظليما وقال يخاطب الوزير أبا محمد بن عامر:
ومقام بأس في الكريهة قمته ... فسبحت في بحر الحديد الأخضر
أضحكن ثغر النصر فيه من العدا ... ولربما أبكيت عين السمهري
ورميت هبوته بلبة أشهب ... فسفرت ليلاً عن صباح مسفر
يجري فتحسبه انصباباً كوكباً ... ينقض في غبش العجاج الأكبر
أوردته نطف الأسنة أشهباً ... ونزلت منه ظافراً عن أشقر
وقال في الأبلق:
ولم أرمِ آمالي بأزرق صائب ... وأبيض بسام وأسمر أصلعا
وأبلق خوار العنان مطهم ... طويل الشوى والساق أطول أتلعا
جرى وجرى البرق اليماني عشية ... فأبطأ عنه البرق عجزاً وأسرعا
كأن سحاباً أسحماً تحت لبده ... يضاحك عن برق سرى فتصدعا
وحسب الأعادي منه أن يزجروا به ... مغيراً غراباً صبح الحي أبقعا
كأن على عطفيه من خلع السرى ... قميص ظلام بالصباح تبرقعا
ركضت به بحراً تدفع مائحاً ... وأقبلت أم الرآل نكباء زعزعا
يؤلل من أذن فأذن تشوقاً ... إلى صرخة من هاتف أو تطلعا
كأن له من عامل الرمح هادياً ... منيفاً ومن زلق الأسنة مسمعا
فسكنت منه بالتغني على السرى ... أمسح من أعطافه فتسمعا
ولما انتحى ذكر الأمير استخفه ... فخفض من لحن الصهيل ورفعا
حنيناً إلى الملك الأغر مردداً ... وشجواً على المسرى القصي مرجعا
ففي حب إبراهيم أعرب صاهلاً ... وفي نصر إبراهيم كد تشيعا
وقال أبو تمام يمدح الحسن بن وهب من قصيدة:
ما مقربٌ يختال في أشطانه ... ملآن من صلف به وتلهوق
بحوافر حفر وصلب صلب ... وأشاعر شعر وخلق أخلق
وبشعلة تبدو كأن حلولها ... في صهوتيه بدء شيب المفرق
ذو أولقٍ تحت العجاج كأنما ... من صحة إفراط ذاك الأولق
تغرى العيون به ويفلق شاعر ... في نعته عفواً وليس بمفلق
بمصعد من حسنه ومصوب ... ومجمع في نعته ومفرق
صلتان يبسط إن ردى أو إن عدا ... في الأرض باعاً منه ليس بضيق
وتطرق الغلواء منه إذا عدا ... والكبرياء له بغير مطرق
أهدى كثار جده فيما مضى ... للمثل واستصفى أباه ليلبق
مسود شطر مثل ما اسود الدجى ... مبيض شطر كابيضاض المهرق
قد سالت الأوضاح سيل قرارة ... فيه بمفترق عليه وملتقي
فكأن فارسه يصرف إذ غدا ... في متنه ابناً للصباح الأبلق
صافي الأديم كأنما ألبسته ... من سندس برداً ومن إستبرق
إمليسة إمليده لو علقت ... في صهوتيه العين لم تتعلق
يرقى وما هو بالسليم ويغتدي ... دون السلاح سلاح أروع مملق
في مطلب أو مهرب أو رغبة ... أو رهبة أو موكب أو فيلق
(1/17)

وعن جابر بن عبد الله عنه صلى الله عليه وسلم: "أوتيت بمقاليد الدنيا على فرس أبلق عليه قطيفة من سندس". وروى السماك عن عكرمة قال: "لما كان شأن بني قريظة، جاء جبريل على فرس أبلق، قالت عائشة: فلكأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح الغبار عن وجه جبريل، فقلت: هذا دحية يا رسول الله؛ فقال: هذا جبريل. وكانت الملائكة يوم بدر على خيل بلق وقدم أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب مكة وجلس مع عمه أبي لهب والناس قيام عليه وهو يخبرهم عن وقعة بدر فكان من قوله وايم الله ما لمت الناس أي في فعلهم، لقينا رجالاً بيضاً على خيل بلق، بين السماء والأرض لا يقوم لها شيء".

الفصل الخامس في الأصفر
وأنواعه ستة: أصفر فاقع، وناصع، وأصدى، وأبيض، وأعفر، وأكلف، فالفاقع ما شاكلت صفرته الحمرة من شدة الاصفرار، وشعر عرفه وذنبه أسود حالك، ومن معرفته إلى ذنبه خط أسود، وأوظفته سود، وهذا أحسن ألوان الأصفر. والناصع ما كانت صفرته صافية وشعر عرفه وذنبه أسود حالكاً، والأصدى ما علت صفرته كدرة، والأبيض الذي تضرب صفرته إلى البياض، وشعر عرفه وذنبه أصهب، وهو أشر ألوان الصفر. والأعفر ما كانت صفرته كلون التراب. والأكلف ما كانت صفرته مشوبة بسواد ومن معرفته إلى ذنبه خط أسود، وأوظفته سود، قال ابن دنينير اللخمي يمدح الأمير أسد الدين:
كان لي من ندى أياديك طرف ... مستجاد وبغلة وغلام
خانني الدهر في الجميع فشأني ... عبرات حرى ودمع سجام
فاكبت الحاسدين منك بطرف ... بمطاه سرج وفيه لجام
يسبق البرق إن جرى يدرك الغا ... ية ليست تفوته الأوهام
أذناه مثل القناتين عالي ال ... متن رحب الإهاب فيه اضطرام
لونه كالنضار أو كمحبٍّ ... قد يراه الهوى وشف السقام
وبريء مما يشين فلا الأخ ... طاف فيه وليس فيه انهضام
شاهد لي فيما أحدق من نع ... ماك عدل إذ رآه الأنام
وإذا ما أكرمت فاكرم فتنى يز=كولديه الإحسان والإكرام وقال أبو سعيد المغربي:
وعسجدي اللون أعددته ... لساعة تظلم أنوارها
كأنه من رهج شمعة ... مصفرة كالتبر أنوارها
وقال علي بن موسى بن سعيد العنسي:
وأجرد تبري به أثرت الثرى ... والفجر في خصر الظلام وشاح
له لون ذي عشق وحسن معشق ... لذلك فيه ذلة ومراح
عجبت له وهو الأصيل بعرفه ... ظلام وبين الناظرين صباح
يقيد طير اللحظ والوحش عندما ... يطير به عند النجاح جناح
وقال ابن المعتز:
ولقد وطئت الخيل يحملني ... طرف كلون الصبح حين وفد
جماع أطراف الصوار فما ال ... أخرى عليه إذا جرى بأشد
يمشي فيعرض بالعنان كما ... صدف المعشق ذو الدلال وشد
فكأنه موجٌ يذوب إذا ... أطلقته فإذا حبست جمد
والعرب تكره من ألوان الخيل الأبلق بأنواعه والأبيض والأصفر والأشهب الذي تعلوه حمرة، وداخل حجافله ولهواته وخارج لحييه سواد، والأدهم الذي بداخل حجافله أو لهواته نقط بيض، وبداخل شدقيه نقط سود، وعلى خارج حجفلته نقط كحب السمسم، والصنابي المبقع، والرمادي اللون وما كان منها كلون الأسد والذئب، أو القرد أو الفيل.
فائدة: إذا نتف شعر الفرس أو سخن الماء شديداً بحيث يحلق شعره، وصب عليه، نبت له شعر آخر مخالف للونه الأصلي قال الشعر:
تبارى قرحة مثل ال ... وتيرة لم تكن مغدا
المغد: - بالغين المعجمة - غرة الفرس، أي: أن غرتها أصلية لم تحدث عن علاج. ومما يصير الأشهب أدهم، أن يؤخذ مردانج وعفص وزنجار ونورة وزاج الأساكفة وطين خودي بالسوية، ويدق الجميع ويعجن بماء حار، ثم يغسل به الفرس غسلاً جيداً، ويطلى به ويترك يوماً وليلة، ثم يغسل فيصير لونه أدهم، وإن طلي بعض جسده بذلك وترك بعضه يصير لونه أبلق. ومما يصير الأدهم أبرش، إذا طبخ الأشنان مع ورق الدفلى وصفي ماؤه ثم طبخ مع القلي وقلب جوز سائل، وغسل به، تغير لونه. ومما يصير الأشهب أدهماً، أن يؤخذ من قشر الجوز الرطب ويطبخ مع الآس، وصدأ الحديد، ويطلى به الفرس بعد الغسل الجيد.

تتمة في ذكر بعض ما قاله الأدباء في أوصافها من التشبيهات والاستعارات البديعة في رسائلهم
(1/18)

فمن ذلك قول الشيخ شهاب الدين محمود: ينهي وصول ما أنعم به من الخيل التي وجد الخير في نواصيها، واعتد صهواتها حصوناً يعتصم في الوغى بصياصيها، "فمن أشهب غطاه النهار بحلته، وأوطأه الليل على أهلته، يتموج أديمه ريا، ويتأرج ريا، ويقول من استقبله في حلي لجامه هذا الفجر قد طلع بالثريا، إن التقت المضايق انساب انسياب الأيم. وإن انفرجت المسالك مر مرور الغيم، كما أبصر فارسه يوماً أبيض بطلعته، وكم عاين السنان مقاتل العدا في ظلام النقع بنور أشعته لا يسير ذو حسن في مضماره، ولا تطمع الغبراء في شق غباره، ولا يظفر لاحق من لحاقه بسوى آثاره، تسابق يداه مرامي طرفه، ويدرك شوارد ثانياً من عطفه* ومن أدهم حالك الأديم، حالي الشكيم له مقلة غانية وسالفة ديم، قد ألبسه الليل برده، فأطلع بين عينيه سعده، يظن من نظر إلى سواد طرته، وبياض حجوله وغرته، أنه خال النهار نهراً فخاضه، فألقى بين عينيه نقطة من رشاش تلك المخاضة، لين الأعطاف، سريع الانعطاف، يقبل كالليل، ويمر كجلمود صخر حطه السيل، يكاد يسبق ظله، ومتى جارى السهم إلى غرضه بلغه قبله، ومن أشقر وشاه الغدو بلهبه، وغشاه الأصيل بذهبه، يتوجس لديه برقيقتين، وينفض وقرتيه على عقيقتين، وينزل عذار لجامه بين سالفتيه على شقيقتين، له من الراح لونها، ومن الريح لينها، إن أجري فبرق خفق، وإن أسرج فهلال على شفق، لو أدرك أوائل حرب بني وائل لم يكن للوجيه وجاهة، ولا للنعامة نباهة، ولكان ترك إعارة سكاب لؤماً وتحريم بيعها سفاهة، يركض ما وجد أرضاً، وإذا اعترض به راكبه بحراً وثبه عرضاً، ومن كميت نهد، كان راكبه مهد، عندمي الإهاب، شمالي الذهاب، يزل الغلام الخفيف عن صهواته، كأنه نغم القريض أو معبد في لهواته، فسيح الخطا، قصير المطا، إن ركب للصيد قيد الأوابد، وأعجل عن الوثوب الوحوش اللوابد، وإن جنب إلى حرب لم يزور من وقع القنا بلبانه، ولم يشك لو علم الكلام بلسانه، ولم ير دون بلوغ الغاية وهي غرض راكبه ثانياً من عنانه، وإن سار في سهل اختال براكبه كالثمل، وإن أصعد في جبل طار في عقابه كالعقاب وانحط في مجريه كالوعل، متى ما ترق العين فيه تسهل، ومتى أراد البرق مجاراته قال له الوقوف عند قدره ما أنت هناك فيهمل، ومن حبشي أصفر يروق العين ويشوق القلب لمشابهته العين، كأن الشمس ألقت عليه من أشعتها جلالاً، وكأن نفر من الدجى فاعتنق منه عرفاً واعتلق حجالاً، ذو كفل زين سرجه، وذيل يسد إذا استدبر فرجه، قد أطلعته الرياضة على مراد فارسه وأغنته نضارة لونه ونظارته عن ترصيع قلائده، وتوشيح ملابسه، له من البرق خفة وطئه وخطفه، ومن النسيم لين مروره ولطفه، ومن الريح هزيزها إذا ما جرى شأوين وابتل عطفه يطير باللمز، ويدرك بالرياضة مواقع الرمز، ويعدو كألف الوصل في استغناء مثلها عن الهمز، ومن أخضر حكى من الروض تفويفه، ومن الوشي تقسيمه وتأليفه، قد كساه النهار والليل حلتي وقار وسنا، واجتمع فيه من البياض والسواد ضدان لما اجتمعا حسناً، ومنحه الباري حلية وشية، ونحلته الرباح ونسماتها قوة ركضه وخفة مشيه، يعطيك أفانين الجري قبل سؤاله، ولما لم يسابقه شيء من الخيل أغراه حب الظفر بمسابقة خياله، كأنه تفاريق شيب في سواد عذار أو طوالع فجر خالط بياضه الدجى فما سجى، ومازج ظلامه النهار فما أنار يختال لمشاركة اسم الجري بينه وبين الماء في السير كالسيل، ويدل بسبقه على المعنى المشترك بين البروق اللوامع وبين البرقية من الخيل، ويكذب المانوية لتولد اليمن بين إضارة النهار وظلمة الليل، ومن أبلق ظهره حرم وجريه ضرم إن قصد غاية، فوجود الفضاء بينه وبينها عدم، وإن صرف في حرب فعمله ما يشاء البنان والعنان، وفعله ما يرد الكف والقدم قد طابق الحسن بين ضدي لونه، ودل على اجتماع النقيضين علة كونه، وأشبه زمن الربيع باعتدال الليل فيه والنهار، وأخذ وصف الدجى في حالتي الإبدار والسرار لا تكل مناكبه، ولا يضل في حجرات الجيوش راكبه، ولا يحتاج ليله المشرق بمجاورة نهاره إلى أن تسترشد فيه كواكبه، ولا يجاريه الخيال فضلاً عن الخيل ولا يمل السرى إذا كل مشبهاه النهار والليل، ولا تتمسك البروق اللوامع من لحاقه بسوى الأثر فإن جهدت، فبالذيل فهو الأبلق الفرد، والجواد الذي لمجاريه العكس، وله الطرد قد أغنته شهرة لونه في جنسه عن الأوصاف،
(1/19)

وعدل بالرياح عن مباراته سلوكها في الاعتراف له جادة الإنصاف، وترقى المملوك إلى رتب العز من ظهورها وأعدها مطية الجنان إذ الجهاد عليها من أنفس مهورها، وكلف بركوبها فكلما أكمله عاد، وكلما مله سره، فلو أنه زيد الخيل لما زاد، ورأى من آدابها ما دل على أنها من أكرم الأصائل وعلم أنها ليومي سلمه وحربه، جنة الصائد، وجنة الصائل، وقابل إحسان مهديها بثنائه ودعائه، وأعدها في الجهاد لمقارعة أعداء الله وأعدائه. والله تعالى نشكر بره الذي أفرده في الندى بمذاهبه وجعل الصافنات الجياد من بعض مواهبه".
وقال الشيخ جمال الدين محمد بن نباتة: "وأما الخيل المسيرة فقد وجد المملوك لذة أنسها، وأوجب على نفسه فروض خمسها، واستنهض لشكر محاسنها براعته فسعت ولكن على رأسها، واستنزلت الآمال من صياصها، وقبلها عوض أنامله الشريفة لأنها عددها، وما هي إلاّ زهرات أنبتها سحاب كفه الكريمة، وعقود طوق بها جيد العبد فسبح بمدامع نعمها العميمة، ومنابر قام عليها خطيباً بمحاسنه التي من كتمها فكأنما كتم من المسك لطيمه، فمن أشهب كأنه طلعة لجج أو قطعة صبح أو غرة يغرب بأشعته إبدار جنح قد تزينت منه الأوضاع، وانقطعت دون غايته الأطماع، واعتذرت له الريح فصوب أذنيه للسماع، وأصبح لصاحبه نعم العون في السبق، والفوت يوم القراع، وكاد أن يطير مع الطيور، فكم له من غبار السبق أجنحة مثنى وثلاث ورباع، ما حدث عن حسن إلاّ رآه، ولا امتطاه حازم إلاّ حمد عند صباح لونه سراه، يقرب الضرب سفرات عزائمه المسفرة، ويختال في الخيل كالنهار، فلا جرم أن آيته مبصرة، كم ثنى عنانه كبراً عن مسابقة الرياح وأعرض، وكم تعب عليه عازم حتى فاز منه بالعيش إلاّ أنه الأبيض، ومن أشقر كأنه غزالة شرق فسيح اللبان، رقيق مجرى العنان بروق الأبصار ويدني الأوطان والأوطار، وتسمع بوقع حوافره صم الأحجار، يضعف البصر عن اقتناء ماله من السنن، ويعجز عن بلوغ غايته السيل إذا هجم الغيث أو هتن، وتعجز عن شأوه الرياح، فعن عذر إذا حثت في وجهها التراب فكأنما أصعد لأشعته النجوم فكسبها، أو راهن البرق على حلته فسلبها ولبسها. قرنت حركاته بحسن الاتفاق وحكمته في تطلعها الشموس عند الإشراق، فامتدت كف الثريا تمسح عن وجهه غبار السباق.
ومن كميت يسر الناظر ويشوق الخاطر، كأنه جذوة نار أو كأس عقار أحلى من الضرب، له من نفسه طرب، كم خدمه من النصر أعوان، وأسكره اسمه، فاختال تحت راكبه كالنشوان، وزاد لونه حتى كأنما هو بهرام، وأجله أن أقول بهرام، سريع شوطه وأضيع ما في عدته سوطه، يجمع لراكبه ما بين الطرب والجلالة، وتحتجب الشمس إذا تصدى للصيد خوفاً من تسميتها بالغزالة، كم أرعد بصهيله وأبرق وكم لقي من الموت الأحمر العدو الأزرق، تقصر عن غاياته الهمم، واسود ذنبه فكأنما لذوب نار جسمه حمم، يوسع أهل الحي سيراً، ويقد بخنجر نعله أديم الأرض سيراً، ومن أصفر يسر النظار ويسمو على النضار، وربما شق سعيه على الأبصار، ويخفق البرق وراءه في المضمار، كم أوسع رمقه في ليل السرى من سهر، وكم نقش بنعله ظهر جبل، فجاء كما قيل نقش على حجر، يطلع بسماء الطلب أهلة هو عيدها، وإذا امتطاه عازم رأى الأرض تطوي له ويدنو بعيدها، كم حسن خبراً وخبراً وتأثيراً وأثراً، وكم غشي إلى نار سنابكه طارق فأجزل له من قصده القرى، كأنما خلع عليه الدهر حلة ذهب، ووهبته صفرة لونها الراح حين تجلى بالحبب، لو أمكن أول الفجر لما سما في زمنه بالسرحان، ولو كتب اسمه على مقدمة طليعة، قرنها باليمن والأمان.
ومن أدهم كأنما التحف أو دخل تحت ذيل الدجى تخضع عواصي الذرى لطرته وينشق الصباح غيظاً من تحجيله وغرته، كأنما لطمت يد الفجر في إحسائه، وورد عين المجرة فطارت لجبهته نقطة من مائه، فسيح المنتشق، متدرع ملابس القلوب والحدق، كم عنت شوامخ الجبال لجلاله، وقصرت عنه الخيل حتى لم يسابق إلاّ ظل إدباره وإقباله، وخاف سطوته الليل، فجاءه بمثل أنجمه وأنعله بمثل هلاله، ويأتي من صباح تحجيله وليل تكوينه بالعجائب، فكلها من خلفه جنائب". ولا برح سيدنا يجيد في القول ويجود في العمل ويتطول من حفي كرمه ومفيد كلمه، بما لا ترتقي إليه همة الأمل.
(1/20)

وقال المقر الفتحي ابن الشهيد: "وصل الجواد الأدهم من الخيل كأنما ألبسه الليل حلة سابغة الكم والذيل وفهم المملوك من نعته حالك السواد، أن الأمر العالي اقتضى أن المملوك يكتم هذا الإحسان في سواد الفؤاد ويستره عن الحساد، كما ستر الليل على الرقباء اجتماع أهل الوداد، فتسلمه المملوك كما تسلمت الجفون طيف الحبيب، وأسر السرور به، لما علم من صدقة السر التي أخفتها اليد الكريمة عن الرقيب. ولا يعزب عن الله تعالى مثقال ذرة فيها ولا يغيب، واتخذ المملوك ظهر الجواد حرزاً، لأنه من الهياكل، وتصيد بعنانه عزّاً، لأن الأعنة لصيد العز حبائل، وجعله ذخيرة وعزاً لأنه أدهم لا يندم صاحبه، إن نابت النوائب، أو غالت الغوائل وصل، والظهر قد أعوز والسفر قد أحفل، فجلت دهمته الغمة، وجاءت باليد البيضاء فكذبت القائلين: لا خير في الظلمة، فرأيت منها بياض العطايا في سواد المطالب، وركبت على سرجه المحلى بالذهب، فما حرت في ليل إهابه، إلاّ اهتديت من تلك الحلي بأنوار الكواكب وقرت به عيني كأنما حل من سوادي واستوطأت ظهره في السرى فنمت لما طرق كأنه يريد رقادي".
وقال المستنصر بالله الأندلسي: "انظر إليه سليم الأديم، كريم القديم، كأنما نشأ بين الغبراء والنجوم؛ نجم إذا بدا، ووهم إذا عدا، يستقبل بغزال، ويستدبر برئبال، ويتحلى بشيات تقسيمات الجمال"، وقال يصف سرجاً: "بزة جياد، وركب أجواد، جميل الظاهر، رحيب بين القادمة والآخر، كأنما قدود الخدود أديمه، واختص بإتقان الحبك تقويمه", وقال يصف لجاماً: "متناسب الأشلاء، صريح الانتماء إلى ثريا السماء، فكله نكال وسائره جمال". وقال ابن حبيب الحلبي: "وفد عليّ يوماً ذو الوك يدعوني إلى حضرة بعض الملوك فلبيت مناديه، ويممت في الحال ناديه، فرحب بي على عادته، وقرب مجلسي من وسادته، ثم قال لي: عرض لي أن أعرض العتاق وأتبعها بالنجائب من النياق، فأحببت حضورك، وقصدت نزهتك وسرورك، فشكرت فيض فضله، ودعوت بتوفير خيله ورجله، فما استتم المقال، إلاّ والجنائب تقاد بأيدي الرجال، فمن أشهب يقق إن طلب لخق، وإن طلب سبق، طرف يحار الطرف في حسنه، ويرى الناظر شخصه في مرآة متنه، بعيد المنار والمنال، طلعته الفجر وسرجه الهلال، لا يخطر معه الخطار ولا تعلق له الغبراء بغبار، يهتدي فارسه من حافره بسنا السنابك، ويغتدي عند امتطاء صهوته من الذين ينظرون على الأرائك، ومن أدهم غريب لا يعلم أجنوب هو أم جنيب يسبق السيل في السير، معقود بناصيته الخير، ينساب كالثعبان وينعطف انعطاف السرحان، زاد على زاد الراكب، وزاحم النكباء بالمناكب، يسلب العقول بحسن وسبعه وتليله، ويخطف الأبصار برق غرته وتحجيله، ومن أشقر خلوقي الجلباب، ألبسه الأصيل حلة تفتن الألباب، الراح تحكيه في لباسه، والرياح لا تقدم على مجاراته لباسه، متقلد بالذهب متقلب في اللهب، يشفق من مناظرته الشفق، ويسرق من لون شعره السرق، ينقص الزائد لديه، ويفوت أعوج ثم يعود متهكماً عليه، ومن كميت طاب عرفه واسود ذنبه وعرفه، أسيل الخدين بارز النهدين عندمي اللباس، يحول بين الظباء والكناس، إن وثب ألحق العنان بالعنان، وإن وقف عاينت في كل عضو وردة كالدهان، يجد السير في حزن الفلاة وسهلها ويرد الوديعة محمولة إلى أهلها، ومن أصفر لونه فاقع كم له في الحلبة من طائر خلفه واقع ينتمي إلى الحبشان، ويعير بلونه الزعفران، الدجى على عرفه قابض، وماء القار على ذيله فائض، يتجلى في الرياض الشمسية، ويسبح في الجداول الورسية، لا يمل من التقريب والإلهاب، ويأتي من عدوه بغرائب يشيب منها الغراب، ومن أخضر حسن وشياً وراق للعيون جرياً ومشياً، زرزوري الإهاب يجمع بين الشيب والشباب، زبرجدي الحافر، أين منه الغزال النافر، يظهر عجز مكتوم، وتخمد عنده جمرة اليحموم، يخجل بتفويفه الرياض، ويسابق أسهم راكبه إلى الأغراض، ومن أبلق عظمت فصوصه، واشتهر حسنه وشهر قميصه طويل الحزام والذيل، هامته وشامته من الليل، يمرح في جلاله ويولع إذا غابت الخيل بمسابقة خياله، ينحط الوجيه عن أوجه، ويغرق الفياض في موجه، يسبق النعامى والنعامة، وينظر بعيني زرقاء اليمامة:
جرد بهن لكل عين جنة ... فإذا جرين أتين بالنيران
يحكين في البيدا النعام رشاقة ... ويسرن في الأنهار كالحيتان
(1/21)

ثم إن الملك أمر، برد الجنائب، وأذن في عرض النجائب، فأقبلت تتهادى صحبة سواسها، وتتبختر في مصبغات أكوارها وأحلاسها. فمن حرة لونها أحمر، وليل مسراها واضح أقمر، عنكرة غيطموس، تميل إليها الخواطر والنفوس، موراة اليدين بعيدة وخد الرجلين، أنحلها التيار وهذبتها الأسفار، ومن سرداح لونها أرمك، يكاد خيال السماك بها يتمسك، ملئت بالذوح والإسئاد تخالط حمرتها السواد، جميلة الصفات، مرقال حسنة الشمائل، شملال رحبة الصقل والخطا، لا يعرف لها عدول عن الطريق ولا خطا.
ومن رقوب لونها أزرق، تطفو في بحر العراب كالزورق، ظهيرة دوسرة، منوفة بهزرة تطس الآكام وتثبت في أثواب ورق الحمام، موصوفة بالإعصاف معروفة بالأعناق والإيجاف، ومن أمون لونها جون، وكون مثلها في محاسن الكون، تميل أن شبهتها إلى الدجى، ولا تمل من السير ولو براها الوجا، لها فخذان لحمهما وافر، وذنب تكنفه جناحا طائر، تسابق الريح في خطراتها، وتطأ جمر القيظ بجمراتها، ومن وجناء لونها أصهب ورباطها الدمقسي مذهب، ترعى الحدائق وترعى الحادي والسائق، شكول عسبور، تسامي رأسها أعواد الكور غائرة الأحداق، سريعة الاندفاع والانطلاق.
ومن مصاح لونها أغمش، وكل من قوائمها أحمش، يخالط بياضها شقرة، يولد الاجتماع بها طريقاً إلى النصرة، هوجاء وفاق روعاء مزاق، ترض الحصا برصها وتستطلع الإخبار بنصها، ومن شمردلة لونها أحوى، مهارق البيض بغيرها لا تطوى، تجوب القفار وتجوس خلال الديار، مشفرها رقيق وسبيب وظيفتها وثيق، تختال في شنفها وزمامها، وتدهش الأبصار بسنا سنامها.

وحوص غدت سفن المهامه والفلا ... ألم ترها تطفو على بحر آلها
تخط حروفاً بالمناسم في الثرى ... يقصر عن تحريرها ابن هلالها
فلما تكامل العرض بعد الطول، وأفلت أقمار الإبل وغابت شموس الخيول، أخذ الحاضرون في تذكر أشكالها وأفاضوا في نعت محاسنها، وجمالها. ثم إن الملك أمر بإحضار الطعام، واشتغل الناس بالمائدة عن الأنعام". وامتدح البحتري سعيد بن حميد الكاتب طالباً منه فرساً بقوله:
جئناه إذ لا الترب في أفنائه ... يبس ولا باب العطاء بمرتج
والبيت لولا أن فيه فضيلة ... تعلو البيوت بفضلها لم يحجج
بطل يخوض الخيل وهي شوائل ... خلف الإسنة وهو غير مدجج
ومنها:
فأعن على غزو العدو بمنطوٍ ... أحشاؤه طي الرداء المدرج
إما بأشقر ساطع أغشى الوغى ... منه بمثل الكوكب المتأجج
متسربل شية طلت أعطافه ... بدم فما تلقاه غير مضرج
أو أدهمٍ صافي الأديم كأنه ... تحت الكمي مظهر بالنردج
ضرم يهيج السوط من شؤبوبه ... هيج الجنائب من حريق العرفج
خفت المراقع وطأه فلو أنه ... يجري برملة عالج لم يرهج
أو أشهب يققٍ يضي وراءه ... متن كمتن اللجة المترجرج
يخفي الحجول ولو بلغن لبانه ... في أبيضٍ متألقٍ كالدملج
أوفى بعرف أسودٍ متعرفٍ ... فيما يليه وحافرٍ فيروزج
أو أبلقٍ يلقى العيون إذا بدا ... من كل لون معجب بنموذج
جذلان تحسده الجياد إذا مشى ... عنقاً بأحسن حلة لم تنسج
أرمي به شوك القنا وأرده ... كالسمع أثر فيه شوك العوسج
وأقب نهدٍ للصواهل شطره ... يوم الفخار وشطره للشحج
خرق يتيه على أبيه ويدعي ... عصبية لني الضبيب وأعوج
مثل المزرع جاء بين عمومة ... في غافق وخؤولة في الخزرج
لاديزج يصف الرماد ولم أجد ... حالاً تحسن من رواء الديزج
وعريض أعلى المتن لو عليته ... بالزيبق المنهال لم يترجرج
خاضت قوائمه الوثيق بناؤها ... أمواج تجبيب بهن مدرج
ولأنت أبعد في السماحة همة ... من أن تضن بملجم أو مسرج
وقال علي بن موسى العنسي:
ولكم سرينا في متون ضوامر ... تثني أعنتها من الخيلاء
من أدهمٍ كالليل حجل بالضحى ... تنشق غرته عن ابن ذكاء
أو أشهبٍ يحكي غدائر أشيب ... خلعت عليه الشهب فضل رداء
أو أشقر قد نمقته بشعلةٍ ... كالمزج ثار بصفحة الصهباء
أو أصفر قد زينته غرة ... حتى بدا كالشمعة الصفراء
طيرٌ ولكن لا يهاض جناحه ... ريحٌ ولكن لم تكن برخاء
(1/22)

وقال دريد بن الصمة:
فآبت سكيباً من أناس تحبهم ... كئيباً ولولا طلعتي لم تطلق
بخيلٍ تنادي لا هوادة بينها ... شهدت بمزلال المعاقم محنق
عظيم طويل غير جاف نما به ... سليم الشظا في مكربات المطبق
معرض أطراف العظام مشرف ... شديد مشك الجنب نعم المنطق
من الكاتمات الربو ينزع مقدماً ... سبوق إلى الغايات غير مسبق
إذا ما استحمت أرضه من سمائه ... جرى وهو مودوع وواعد مصدق
وباض الشمال طعنه في عنانه ... وباع كبوع الخاضب المتطلق
دعته جواد لا يباع جنينها ... لمنسوبة أعرافها غير محمق
بصير بأطراف الحداب ترى له ... سراة تساوى بالطراف المروق
الباب الرابع في الغرة والتحجيل والدوائر وأسماء المفاصل والطبائع والصهيل وفيه ستة فصول
الفصل الأول في الغرة
وهي تسعة أنواع: لطمى وشادخة وسائلة وشمراخ ومنقطعة وسارحة وحنفا وشهبا ومتمصرة، فاللطمى ما أصاب بياضها عيني الفرس أو إحداهما أو خديه أو أحدهما. قال عبيد بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما: "إذا كان سيفي ذا الوشاح ومركبي اللطيم فلم يطلل دم أنا طالبه". والشادخة، ما فشت في الوجه ولم تصب العينين ودقت وسالت. والسائلة، ما عرضت في الجبهة واعتدلت على قصبة الأنف أو سالت على أرنبته حتى رثمتها. والشمراخ، ما دقت وسالت في الجبهة وعلى قصبة الأنف ولم تبلغ الجحلفة قال مالك بن عوف:
وقد أعددت للحدثان عضباً ... وذا الشمراخ ليس به اعتلال
وقال آخر:
ترى الجون والشمراخ والورد يبتغي ... ليالي عشر وسطنا فهو عائر
والمنقطعة ما بلغت محل المرسن وانقطعت أو كانت ما بين العينين والمنخر وهي أحسن الغرر. والسارحة ما ملأت الوجه ولم تبلغ العينين. والحنفاء ما كانت إحدى عينيها زرقاء والأخرى سوداء. والشهباء ما كان فيها شعر يخالف البياض. والمتمصرة ما كانت على الجبهة وعلى قصبة الأنف وبين العينين منقطعة.
والحاصل إن كل بياض فشا في وجه الفرس فوق الدرهم يسمى غرة على اختلاف أنواعها فإن كان قدر الدرهم فما دونه يسمى قرحة. فإن كانت بين العينين تسمى نجمة، وهي أحسن القرح، وإن كانت على الجحفلة السفلى، سميت لمظاً، أو على قصبة الأنف سميت عيسوباً.
ومما يجري في الخيل مجرى الفراسة في الإنسان، أن الغرة إذا استدارت وحكت حرف الهاء تدل على اليمن والبركة. والشعرات القليلة خير ونجاة. والسائلة إن غطت عيناً واحدة دلت على الشؤم وقتلها مع راكبها، وقال بعضهم مخصوص بالعين اليسرى، فإن غطت الاثنتين دليل غصبها وقهر صاحبها، فإن كانت مائلة إلى الجهة اليمنى دليل الشؤم أو إلى الجهة اليسرى دليل الغنم، فإن سالت إلى الأنف دليل النسل والبركة والنجاح، والمنقطعة دون الأنف بعكسها وإن عمت الحاجب فلا فيها.

الفصل الثاني في التحجيل
وهو بياض في قوائم الفرس، يبلغ نصف الوظيف، مأخوذ من الحجل وهو الخلخال، فإن كان في القوائم كلها فمحجل أربع، وإن كان في ثلاث فمحجل ثلاث، مطلق يد أو رجل يمنى أو يسرى، وإن كان في الرجلين فقط فمحجل الرجلين، وهو ممدوح، قال الشاعر:
محجل رجلين طلق اليدين ... له غرة مثل ضوء الإراث
الإراث ككتاب: النار. وإن كان في اليدين، فأعصم اليدين فإن كان في وجهه وضح يقال له محجل لا أعصم وإن كان في يده اليمنى ورجله اليسرى أو بالعكس أو كان في يد ورجل من شق واحد فمشكول، وهو مكروه شرعاً وعند العرب.
عن أبي هريرة رضي الله عنه: "كان صلى الله عليه وسلم يكره من الخيل الشكال". وقال ابن النحاس: "إن الفرس الذي قتل عليه الحسين عليه السلام كان أشكل"، فإذا كان مع ذلك أغر زالت الكراهة عنه لأن الغرة تثلثه. فإن كان في إحدى يديه بياض قل أو كثر فأعصم. فإن كان في اليمنى فأعصم اليمنى أو في اليسرى فأعصم اليسرى، ومنكوس اليسرى وهو مكروه. وإن كان البياض في إحدى رجليه فأرجل، وهو مكروه إلا إذا كان البياض في اليسرى قال الشاعر:
أسيل نبيل ليس فيه معابة ... كميت كلون الصرف أرجل أقرح
(1/23)

الصرف بالكسر صبغ أحمر. والتحجيل إن جاوز أرساغ الفرس سمي تخديماً، فإن بلغ الجبب فما فوق ولم يبلغ الركبتين والعرقوبين سمي تجبيباً، فإن بلغهما أو جاوز العضدين والفخذين سمي تسرولاً، فإن بلغ الساقين والذراعين سمي إخراجاً. وكل قائمة فيها بياض تسمى ممسكة، والخالية منه تسمى مطلقة، والبياض المستطيل في التحجيل يسمى مستريحاً، لأن الشرط في التحجيل الإدارة، فإن خلا الفرس من البياض سمي بهيماً، وإن كان في ناصيته أو ذنبه أو قذاله خصلة بيضاء سمي أشعل. وقد أكثر الشعراء من مدح الغرة والتحجيل فمن ذلك قول ابن دريد:
كأنما الجوزاء في أرساغه ... والنجم في جبهته إذا بدا
وقال حازم:
كأنما أشرف من تحجيله ... سوار عاج مستدير بالعجا
وقال قسام من بني جعدة:
أغر قتامى كميت محجل ... خلا يده اليمنى فتحجيلة حسنا
وقال سلامة بن الخرشب:
تعادي من قوائمها ثلاث ... بتحجيل، وواحدة بهيم
كأن مسحتي ورق عليها ... وتحت قرطها أذن خديم
أي كأنها لبست صحيفة فضة من حسن لونها وبريق جلدها.
وقال امرؤ القيس:
كأن نجوماً علقت في مصامه ... بأمراس كتان إلى صم جندل
شبّه التحجيل ببياض نجوم السماء وأعصاب الساقين بحبال الكتان وصلابة الحافر بالحجر، وقال أبو سهل:
أطرف فات طرفي أم شهاب ... هفا كالبرق أضرمه التهاب
أعار الصبح صفحته نقاباً ... فقربه وصح له النقاب
فمهما حث خال الصبح وافى ... ليطلب ما استعار فما يصاب
إذا ما انقض كل النجم عنه ... وصلت عن مسالكه السحاب
فيا عجباً له فضل الدراري ... فكيف أزال أربعه التراب
سل الرواح عن أقصى مداه ... فعند الريح قد يلفى الجواب
وقال الحافظ الحجاري:
ومستبق يحار الطرف فيه ... ويسلم في الكفاح من الجماح
كأن أديمه ليل بهيم ... تحجل باليسير من الصباح
إذا احتزم التسابق صار جرماً ... تقلب بين أجنحة الرياح
وقال الصفي الحلي:
أغر تبري الإهاب مورد ... سبط الأديم محجل ببياض
أخشى عليه أن يصاب بأسهمي ... مما يسابقها إلى الأغراض
وقال:
أخمدت بالإدلاج أنفاس الفلا ... وكحلت طرفي في الظلام بسهده
بأغر أدهم ذي حجول أربع ... مبيضه يزهو على مسوده
خلع الصباح عليه سائل غرةٍ ... منه وقمصه الظلام بجلده
فكأنه لما تسربل بالدجى ... وطيء الضحى فابيض فاضل برده
قلق المراح فإن تلاطم خطوه ... ظن المطارد أنه في مهده
أدمى الحصى من حافريه بمثله ... وأراع ضوء الصبح منه بضده
وقال:
وأدهم نيق التحجيل ذي مرح ... يميس من تحته كالشارب الثمل
مضمر مشرف الأذنين تحسبه ... موكلاً باستراق السمع عن زحل
ركبت منه مطاليل تسير به ... كواكب تلحق المحمول بالحمل
إذا رميت سهامي فوق صهوته ... مرت تهاديه وانحطت عن الكفل
وقال البحتري:
جذلان تلطمه جوانب غرة ... جاءت مجيء البدر عند تمامه
وقال:
هل مبلغ الدار التي أغدو لها ... بمقلص السربال أحمر مذهب
لو يوقد المصباح منه لسامحت ... بضيائه شية كوهي الكوكب
إما أغر يشق غرته الدجى ... أو إرثماً كالضاحك المستغرب
متقارب القطار يملأ حسنه ... لحظات عين الناظر المتعجب
وأجل سيبك أن تكون قناعتي ... منه بأشقر ساطع أو أشهب
وقال:
وأغر في الزمن البهيم محجل ... قد رحت منه على أغر محجل
كالهيكل المبني إلا أنه ... في الحسن جاء كصورة في هيكل
وفى الضلوع يشد عقد حزامه=يوم اللقاء على معم مخول
أخواله للرستمين بفارس ... وجدوده للتبعين بموكل
يهوي كما تهوي العقاب وقد رأت ... صيداً وينصب انصباب الأجدل
يتوهم الجوزاء في أرساغه ... والبدر فوق جبينه المتهلل
متوجس برقيقتين كأنما ... تريان من ورق عليه موصل
ذنب كما سحب الرداء يذب عن ... عرف وعرف كالقناع المسبل
جذلان ينفض عذرة في غرة ... نيق تسيل حجولها في جندل
(1/24)

كالرائح النشوان أكثر مشيه ... عرضاً على السنن البعيد الأطول
ذهب الأعالي حيث تذهب مثلة ... فيه بناظرها حديد الأسفل
صافي الأديم كأنما عنيت به ... لصفاء نقبته مداوس صيقل
وكأنما نفضت عليها صبغها ... صهباء للبردان أو قطربل
لبس القنو مزعفراً ومعصفراً ... يدمي فراح كأنه في خيعل
وكأنما كسي الخدود نواعماً ... مهما تواصلها بلحظ تخجل
وتراه يسطع في الغبار لهيبه ... لوناً وشدّاً كالحريق المشعل
وتظن ريعان الشباب يروعه ... من جنة أو نشوة أو أفكل
هزج الصهيل كأن في لهواته ... نغمات معبد في الثقيل الأول
ملك العيون فإن بدا أعطيته ... نظر المحب إلى الحبيب المقبل
وقال يمدح محمد بن طاهر:
أراجعتي يداك بأعوجي ... كقدح النبع في الريش اللوام
بأدهم كالظلام أغر يجلو ... بغرته دياجير الظلام
تقدم في العنان فمد منه ... وضبر فاستزاد من الحزام
ترى أحجاله يصعدن فيه ... صعود البرق في الغيم الجهام
وما حسن بأن تهديه فذاً ... سليب السرج منزوع اللجام
فأتمم ما مننت به وأنعم ... فما المعروف إلا بالتمام
وقال آخر:
أدهم مصقول سواد الحقم ... قد سمرت جبهته بالنجم
وقال ابن نباتة:
وأدهم يستمد الليل منه ... ويقطع بين عينيه الثريا
سرى خلف الصباح يطير زهواً ... ويطوي خلفه الأغلاس طيا
فلما خاف وشك الفوت منه ... تشبث بالقوائم والمحيا
وقال يمدح سيف الدولة ابن حمدان حيث أعطاه فرساً أدهم أغر محجلاً:
يا أيها الملك الذي أخلاقه ... من خلقه ورواؤه من رأيه
قد جاءنا الطرف الذي أهديته ... هاديه يعقد أرضه بسمائه
أولايةً أوليته فبعثته ... رمحاً سبيب العرف عقد لوائه
يختال منه على أغر محجل ... ماء الدياجي قطرة من مائه
فكأنما لطم الصباح جبينه ... فاقتص منه فخاض في أحشائه
متمهلاً والبرق من أسمائه ... متبرقعاً والحسن من أكفائه
ما كانت النيران يكمن حرها ... لو كان للنيران بعض ذكائه
لا تعلق الألحاظ في أعطافه ... إلا إذا كفكفت من غلوائه
لا يكمل الطرف المحاسن كلها ... حتى يكون الطرف من إسرائه
وقال أبو العلاء المعري:
وبعيدة الأطراف زعن بماجد ... يردين فوق أساود لم تطعم
ترعى خوافي الربد في حجرتها ... سغباً وتعثر بالغطاط النوم
يجمعن أنفسهن كي يبلغن ما ... يهوى، فمجفرهن مثل الأعظم
ضمرت وشزبها القياد فأصبحت ... والطرف يركض في مساب الأرقم
من كل معطية الأعنة سرجها ... ترقى فوارسها إليه بسلم
غراء سلهبة كأن لجامها ... نال السماء به بنان الملجم
ومقابل بين الوجيه ولاحق ... وأفاك بين مطهم ومطهم
صاغ النهار حجولة فكأنما ... قطعت له الظلماء ثوب الأدهم
قلق السماك لركضه ولربما ... نفض الغبار على جبين المرزم
مثل العرائس ما انثنت من غارة ... إلا مخضبة السنابك بالدم
سهرت وقد هجع الدليل بلابس ... برد الحباب مقيد فعل الضيغم
أدمت نواجذها الظبا فكأنما ... صبغت شكائمها بمثل العندم
وبنت حوافرها قتاماً ساطعاً ... لولا انقياد عداك لم يتهدم
باض النسور به وخيم مصعداً ... حتى ترعرع فيه فرخ القشعم
وسم إلى حوض الغمام فماؤه ... كدر بمنهاك الغبار الأقتم
جاءت بأمثال القداح مفيضة ... من كل أشعث بالسيوف موسم
فوجدن أمضى من سهام الترك إذ ... نفضت وأنفذ من حراب الديلم
حتى تركن الماء ليس بطاهر ... والترب ليس يحل للمتيم
المجفر: عظيم الجنبين، والأهضم: ضده، والتشزيب: معالجة الخيل حتى تضمر ويقل لحمها، ومعطية الأعنة: المنقادة لراكبها، والسلهبة: السريعة الطويلة، والمقابل: ما كان كريم الجدين، والوجيه واللاحق: فحلان معروفان ينسب إليهما كرائم الخيل، والمطهم: ما حسن منه كل شيء مقابل.
وقال:
وخيل لو جرت والريح شأواً ... ظننا الريح أوثقها إسار
(1/25)

غدت ولها حجول من لجين ... وراحت وهي من علق نضار
وأشبعت الوحوش فصاحبتها ... كأن الخامعات لها مهار
وكم أوردتها عدّاً قديماً ... يلوح عليه من خز خمار
تطاعن حوله الفرسان حتى ... كأن الماء من دمهم عقار
كذا الأقمار لا تشكو وناها ... وليس يعيبها أبداً سفار
وقال:
وقد أغتدي والليل تأسفاً ... على نجمه والنجم في الغرب مائل
بريح أعيرت حافراً من زبرجد ... لها الجسم تبر واللجين خلاخل
كأن الصبا ألقت إلي عنانها ... تخب بسرجي تارة وتناقل
إذا اشتاقت الخيل المناهل أعرضت ... عن الماء فاشتاقت إليها المناهل
وقال أبو تمام:
من قاده أشرٌ أو ساقه قدرٌ ... أو عمه عمرٌ فالحين مدلولُ
فالخيل مسرجةٌ والنبل ملحمةٌ ... والسمر مشرعةٌ والسيف مسلولُ
خيلٌ تصان ليومي حلبة ووغى ... يزينها غرر شدخ وتحجيلُ
وقال ابن الشهيد الأندلسي:
وأغر قد لبس الدجى ... برداً فراقك وهو فاحم
يحكي بغرته هلا ... ل الفطر لاح لعين صائم
وكأنما خاض الصبا ... ح فجاء مبيض القوائم
وقال ابن قلاقس:
وأدهم كالغراب سواد لونٍ ... يطير مع الرياح ولا جناح
كساه الليل شملته وولى ... فقبل بين عينيه الصباح
وقال ابن المعتز:
ولقد غدوت على طمر سابح ... عقدت سنابكه عجاجة قسطل
متلثم لجم الحديد يلوكها ... لوك الفتاة مساوكاً من إسحل
ومحجل غير اليمين كأنه ... متبخترٌ يمشي بكم مسبلِ
وقال أبو الوضاح المرسي:
ولقد غدوت مشرقاً حتى إذا ... ما لم أشم برقاً لأفق المغرب
بأغر أوجس للسماء بسمعه ... فرمته بين المقلتين بكوكب
وقال لسان الدين بن الخطيب:
صحبتهم غرر الجياد كأنما ... سد الثنية عارض متهلل
من كل منجردٍ أغر محجلٍ ... يرمى الجياد به أغر محجل
زجل الجناح إذا أطير لغايةٍ ... وإذا تغنى للصهيل فبلبل
جيد كما جيد الظليم وفوقه=أذن ممشقة وطرف أكحل
فكأنما هو صورة في هيكلٍ ... من لطفه وكأنما هو هيكل
ويشبهون قوائم الفرس المحجل إذا جرى بقوائم الكلب إذا ارتفعت إلى بطنه، فيصير تحجيلها كأنها أكلب تعدو، قال العماني:
كأن تحت البطن منه أكلباً ... بيضاً صغاراً تنتهشن المنقبا
وقال آخر:
كأن قطاً أو كلاباً أربعاً ... دون صفاقيْه إذا ما ضبعا
الفصل الثالث في الدوائر وتسمى في المشرق بالنياشين وفي المغرب بالنخلات
وهي قسمان ممدوحة ومذمومة، فالممدوحة دائرة العمود، وهي التي يكون في موضع القلادة قريبة من المعرفة، ودائرة السمامة، وهي التي تكون في وسط العنق، ودائرة الهقعة وهي التي تكون تحت الإبط وهو أبقى الخيل وأصبرها، والمذموم منها، ودائرة اللطاة إذا ثنيت وهما اللتان في وسط الجبهة، ودائرة اللاهز، وهي التي تكون في العظم الناتئ في اللحي تحت الأذن، ودائرة البينقة وهي التي في نحر الفرس، ودائرة القالع وهي التي تحت اللبد، ودائرة الناخس وهي التي تحت الفخذ، في محل ضرب الفرس بذنبه على فخذه وبقية الدوائر مسكوت عنها، وقد نظمها بعض المغاربة على اصطلاحهم بقوله:
فستة الأنخال للخير أتت ... وستة للشر، شرها ثبت
فإن أتت في الدير والحزام ... أو في العذار ثم في أمام
فرزقها يسهل ثم يقرب ... وفي التي خلف العذار يصعب
مقلوبة في الخلق طولاً لا ضرر ... وإن أتت بالعرض فالزم الحذر
وجوزة بأسفل العرقوب ... مقبولة عندي وذي مطلوبي
وعصرة الركاب أيضاً سادسه ... وما بقي خذه على المعاكسه
ما فوق حاجبٍ تسمى ناطحه ... ووسط الخد تسمى نائحه
ما فوق ركبةٍ تسمى سارقه ... أعني التي من خلف ليست لائقه
كذا التي تكون عند الحارك ... صاحبها يكون حقاً هالك
كما أتت في الفخذ من وراء ... معلومة بالشر والإيذاء
وعن يمين الذيل واليسار ... دوائر الأشرار، لا تمار
قد انتهت منظومة الأنخال ... مروية بالصدق عن بلال
(1/26)

ومما يتيمن به أهل الهند، إذا كان الفرس على حجفلته العليا دائرة أو في صدره أو على خاصرته أو على مذبحه أو في عنقه أو على أذنيه شعر نابت كزهر النبات كان ذلك مما يربط وتقضى عليه الحوائج ويتشاءمون مما كان في مقدم يده دائرة أو في ركبته أو في أصل أذنيه من الجانبين، أو على خده، أو على حجفلته السفلى، أو على ملتقى لحييه، أو على سرته أو على بطنه شعر منتشر، أو على خصيته شعر مخالف للونه، وقد اتفقوا مع العرب على شؤم الفرس، إذا كان في لسانه خطط سود، قال أبو داؤد:
عن لسان كجثة الورق الأح ... مر مج الندى عليه العرار
وقال حماد عجرد:
كأن لسانه ورق عليه ... بدار مضيئة مج العرار
أو داخل حجافله ولهواته وخارج لحييه سواد، أو داخل حجافله بياض، أو في لهواته، أو داخل منخريه نقط سود، أو خارج حجفلته نقط كحب السمسم، أو كانت شفته السفلى بياض.

الفصل الرابع في أسماء مفاصل الرأس ومنابت شعره وأسنانه وما يتعلق بذلك
سراة كل فرس أعلاه، والقونس أعلى الرأس وعظم ناتئ بين أذني الفرس، والناصية الشعر المسترسل على الجبهة، والعصفور أصل منبت الناصية، وعظم ناتئ في جنبيه، والقذال مجمع مؤخر الرأس وهو محل عقد العذار، والعرف ما ينبت من شعر العنق إلى عذرته، والعذرة الشعر الذي يقبض عليه الراكب حين ينهض على الفرس، ومحل منبت العرف يسمى معرفة. ويكنف العرف عرقان يسميان علباءين. والناهقان عظمان أسفل عينيه، والوقبتان نقرتان فوقهما، والبلدة ما بينهما، والعجاجتان عظمان طائفان بهما، والخدان صفحتا الوجه والمرسن مصاب الرسن من أنفه، ونخرة الأنف ما رق من فوقه ولان، والغرضان ما انحدر من جانبي قصبة الأنف، والحجفلتان شفتاه، والغيد الشعر الذي على الحجفلة. وفي فمه أربع ثنايا وأربع رباعيات وبعدهن أربع تسمى قوارح، وأربعة أنياب وثمانية أضراس في كل شق ثنتان، والصليفان عرضا العنق والجران الجلدة بين المذبح والمنخر، واللبان ما جرى عليه سير اللبب، ويقال له لبة، والكلكل الصدر وهو ما عرض عند ملتقى أعلى يديه مما يلي العنق، والفهدان اللحمتان الناتئتان في الزور، والحارك أعلى الكاهل ومنبت أدنى العرف، والصردان عرقان يستبطنان اللسان، والصهوة مقعد الفارس، والمعدان موضع دقتي السرج، والمحزم الذي يجري عليه سير الحزام والحصير ما ظهر من أعلى ضلوعه، والحجبتان ما أشرف على صفاق البطن من وركيه، والعكوة أصل الذنب وعظمه وجلده يسمى عسيباً، والشعر الذي عليه يسمى سبيباً وسيباً، والسبيب يطلق على الناصية أيضاً والجاعرتان مضرب ذنبه على فخذيه، والصلوان ما عن يمين الذنب وشماله، والغائلتان عرقان مستبطنان في الفخذين، والنسا عرق من الورك إلى الكعب ويثنى فيقال نسوان، والوابلتان رؤوس العضدين والفخذين، والذراعات العضوان من تحت ومن فوقهما العضدان، ومنتهى حدهما من اليدين الركبتان، وفي الركبتين عظمان مدوران يسميان ضاغطين، وما بين الركبتين والرسغين من اليدين وظيفتان، والعجابة عظم في قوائم الفرس فيه نصوص من عظم تكون عند الرسغ كالكعاب، والثنة شعر مسترسل فوق الرسغ في الوظيف، والرسغ المفصل الذي يكنفه الحافر والوظيف، والسنبك طرق مقدم الحافر ويمينه ويساره حاميتان، والصحن جوف الحافر ويقال له الحوشب أيضاً، والجبة ما يكون الحوشب داخلها، والنسر ما شابه النوى في باطنه، والشوى اليدان والرجلان، والأطراف وقحف الرأس ما إذا أصيب به الفرس لا يقتله، وفي الفرس أشياء تسمى بأسماء بعض الطيور ستأتي إن شاء الله تعالى.

نادرة
قال الأصمعي: "حضرت أنا وأبو عبيدة عند الرشيد، فقال لي: كما كتابك في الخيل؟ فقلت مجلد واحد، فسأل أبا عبيدة عن كتابه فقال خمسون مجلداً. فقال له الربيع: قم إلى هذا الفرس وأمسك عضواً عضواً منه وسمه فقال: لست ببيطار وإنما أخذت شيئاً عن العرب. فقال: قم يا أصمعي وافعل ذلك فقمت، وأمسكت ناصيته، وجعلت أذكر عضواً عضواً، وأضع يدي عليه وأنشد ما قالت العرب فيه إلى حافره، فقال خذه فأخذته، وكنت إذا أردت أن أغيظ أبا عبيدة ركبته وأتيته".

الفصل الخامس في طبائعها
(1/27)

اعلم أن الخيل أقرب ما يكون من الإنسان مزاجاً، لأن الغالب على مزاجها الحرارة والرطوبة، وعنصرها الهواء، ومن ثم خصت بمزيد الجري، ولذا سماها بعض الحكماء: بنات الريح، وقال سيّار إنها أصح الحيوان مزاجاً ولذا تؤثر فيهما الرياضة، ومن أخلاق جيادها الدالة على شرف نفسها أنها لا تبوك ولا تروث ما دامت مركوبة، ولا تمكن غير صاحبها من ركوبها، ولا تأكل بقية علف غيرها ولا تشرب إلا بالصفير.
حكي عن عائشة بنت طلحة لما زفت إلى مصعب بن الزبير سمعت امرأة منها شخيراً ونخيراً وغطيطاً عند الجماع، فكلمتها في ذلك، فقالت: إن الخيل لا تشرب إلا بالصفير، وتحيض كالنساء. قال الجاحظ والحيض يعرض للإناث منهن ولا يحيض من الحيوانات غير الخيل والناقة والأرنب والكلبة، وللأنثى من الخيل شبق شديد ولذلك تطيع الفحل ولو كان من غير جنسها. وقال الشيخ الأكبر قدس الله سره: إذا وطأت الخيل أثر الذئب ارتعدت وخرج الدخان من جسدها وقيل إن قوائمها يعتريها الخدر حتى تكاد لا تتحرك.

الفصل السادس في الصهيل
فإن كان الصوت من الفم سمي شخيراً، أو من المنخرين فنخيراً أو من الصدر فكريراً، وأنواع الصهيل ثلاثة: أجش وصلصال ومجلجل، فالأجش ما جهر صوته، والصلصال ما حد ودق جداً، والمجلجل ما صفا ولم يدق، وكانت فيه غنة أي يخرج أكثر صهيله من منخريه وهو أحسن الصهيل. قال ابن أم حكيم:
أجش هزيم جريه ذو علالة ... وذلك خير في العناجيج صالح
وقال لبيد:
بأجش الصوت يعبوب إذا ... طريق الحي من الغزو صهل
وقال الحارث النجاشي:
ونجى ابن حرب سابح ذو علالة ... أجش هزيم والرماح دواني
وقال الجعدي:
ويصهل في مثل جوف الطوى ... صهيلاً تبين للمعرب
وقال أبو بكر بن بقي:
ونوبة من صهيل الخيل يسمعها ... بالرمل أطيب ألحاناً من الرمل
وقال المتنبي:
كرم تبين في كلامك ماثلاً ... ويبين عتق الخيل في أصواتها
وقال:
مررت على دار الحبيب فحمحمت ... جوادي وهل تشجو الجياد المعاهد
وما تنكر الدهماء من رسم منزل ... سقتها ضريب الشول فيها الولائد
أهم بشيء والليالي كأنها ... تطاردني عن كونه وأطارد
وحيداً من الخلان في كل بلدة ... إذا عظم المطلوب قل المساعد
وتسعدني في غمرة بعد غمرة ... سبوحٍ لها منها عليها شواهد
تثنَّى على قدر الطعان كأنما ... مفاصلها تحت الرماح مراود
وأورد نفسي والمهند يدي ... موارد لا يصدرن من لا يجالد
ولكن إذا لم يحمل القلب كفه ... على حالة لم يحمل الكف ساعد
فتشبيه الرماح بالمفاصل كالميل في العين في قوله تثني إلخ ... فاسد لأنه خص الطعن بالمفاصل وليس كل طعن يكون فيها، وإذا كانت الرماح في المفاصل كالميل في العين فما الحاجة إلى تثنيها. وقال النابغة الجعدي:
غدا هزجاً طرباً قلبه ... لقين وأصبح لم يلغب
الهزج صوت مطرب فيه بحة. وقال لسان الدين بن الخطيب:
جزل الجناح إذا أطير لغاية ... وإذا تغنى للصهيل فبلبل
وقال حبيب الطائي يمدح مالك بن طوق:
قالت وعي النساء كالخرس ... وقد يصبن الفصوص في الخلس
هل يرجعن غير خائب فرساً ... ذو نسب في ربيعة الفرس
كأنني بي قد زنت ساختها ... بمسبح في قياده سلس
احمر منها كالسبيكة أو ... أحوى به كاللمى أو اللعس
أو أدهم زينته كمتة فحلاً ... كأنه قطعة جاءت من الغلس
امتن متنٍ وصهوتين إلى ... حوافرٍ صلبة له ملس
فهو لدى الروع والحلائب ذو ... أعلى مندى وأسفل يبس
يكبر أن يستحم في الحر وال ... قر حميماً يزيد في البخس
مخلق وجهه على السبق تخلي ... ق عروس الأنباء للعرس
حر له سورة لدى السوط والزج ... ر وعند العنان والمرس
فهو يسر الرواض بالنزق السا ... كن منه واللين والشرس
صهصلق في الصهيل تحسبه ... أشرج حلقومه على جرس
تقتل عشراً من النعام به ... بواحد الشد واحد النفس
الحمحمة: ترداد الفرس صوته كالحنين. قال عنترة العبسي:
لما سمعت نداء قومي قد علا ... وابنا ربيعة في الغبار الأقتم
(1/28)

أيقنت أن سيكون عند لقائهم ... طعن تخر له فروخ الحوم
وكأن غارة ناجز بنسيمه ... شبت عوارضها إليك من الفم
ودعوت فهداً للنزال فأقحموا ... عند الطعان بكل ليث ضيغم
تحت الأغر وفوق جلدي تبرة ... تحكي لقعقعة الغدير الملجم
فكشفت عنهم والسيوف كأنها ... برق الأوادع بالرماح الحطم
مازلت أرميهم بغرة وجهه ... وثباته حتى تسربل بالدم
فازور من وقع القنا فزجرته ... فشكى إلي بعبرة وتحمحم
لو كان يدري ما المحاورة اشتكى ... ولكان لو علم الكلام مكلمي
لما رآني لا أنفذ كربه ... عض الشفاه على اللجام وقمقم
والخيل عابسة الوجوه كأنما ... سقيت فوارسها نقيع العلقم
وقال:
وفرقت جيشاً كان في جنباته ... دمادم رعد تحت برق الصوارم
على مهرة منسوبة عربية ... تطير إذا اشتد الوغى بالقوائم
وتصهل خوفاً والرماح قواصد ... إليها وتنسل انسلال الأراقم
قحمت بها بحر المنايا فحمحمت ... وقد عرفت في موجه المتلاطم
وقال عبد عمر بن شريح:
طلقت إذا لم تسألي أي فارس ... حليلك إذ لاقى صداء وخثعما
أكر عليهم دعلجاً ولبانة ... إذا ما اشتكى وقع السلاح تحمحما
وقال سيدي الوالد قدس الله سره:
تسائلني أم البنين وإنها ... لأعلم من تحت السماء بأحوالي
ألم تعلمي يا ربة الخدر أنني ... أجلي هموم القوم في يوم تجوالي
وأغشى مضيق الموت لا متهيباً ... وأحمي نساء الحي في يوم تهوال
يثقن النسابي حيث ما كنت حاضراً ... ولا تثقن في زوجها ذات خلخال
أمير إذا ما كان جيشي مقبلاً ... وموقد نار الحرب إذ لم يكن صالي
إذا ما لقيت الخيل إني لأول ... وإن جال أصحابي فإني لها تالي
أدافع عنهم ما يخافون من ردى ... فيشكر كل الخلق من حسن أفعالي
وأورد رايات الطعام صحيحةً ... وأصدرها بالرمي تمثال غربال
ومن عادة السادات بالجيش تحتمي ... وبي يحتمي جيشي وتمنع أبطالي
وبي تثقن يوم الطعان فوارس ... تخالينهم في الحرب أمثال أشبال
إذا تشتكي خيلي الجراح تحمحماً ... أقول لها صبراً كصبري وإجمالي
وأبذل يوم الروع نفساً كريمة ... على أنها في السلم أغلى من الغالي
سلي الليل عني كم شققت أديمه ... على ضامر الجنبين معتدل عالي
سلي البيد عني والمفاوز والربى ... وسهلاً وحزناً كم طويت بترحالي
فما همتي إلا مقارعة العد ... وهزمي لأبطال شداد بأبطالي
فلا تهزئي بي واعلمي أنني الذي ... أهاب ولو أصبحت تحت الثرى بالي
تتمة: قد وضعت العرب لأصوات الحيوانات على اختلاف أجناسها أسماء، فيقولون صهل الفرس، وزأر الأسد، وثغت الشاة، ونهق الحمار، وشحج البغل، ورغا الجمل، وعوى الذين، ووعوع ابن آوى، ونبح الكلب، وضبح الثعلب، وقبع الخنزير، وضغا السنور، وبغم الظبي، وفحت الأفعى، ونقنقت الضفادع، وصأى الفرخ، ونعب الغراب، وصقع الديك، وهدر الحمام، وغرد، وهتفت الحمامة، وزقزق العصفور، ونقض العقاب، وهكذا يسمى صوت كل حيوان باسمه المختص به.

الباب الخامس في نعوت الخيل الممدوحة والمذمومة واختلافها باختلاف الأقاليم وفيه فصلان
الفصل الأول في تعوت الخيل الممدوحة
وقد التزمت أن أذكر لكل وصف شاهداً من كلام العرب إما نظماً أو نثراً، وأن استقصي أوصافها تفصيلاً أو إجمالاً
(1/29)

ذكر الأصمعي أن ثلاثة من العرب لا يقاربهم أحد في وصف الخيل: أبو دؤاد، والطفيل، والجعدي، فأما أبو دؤاد فكان على خيل النعمان بن المنذر، والطفيل كان يركبها وهو أعزل إلى أن كبر، والجعدي سمع أوصافها من أشعار أهلها فأخذها عنهم، وقال أبو عبيدة: إن أبا دؤاد أوصف الناس للفرس في الجاهلية والإسلام وبعده طفيل الغنوي والنابغة الجعدي، وقال عمر بن شيبة: كان أبو عبيدة عالماً بأوصاف الخيل وكان يقول: ما التقى فرسان في جاهلية ولا إسلام إلاّ عرفتهما وعرفت فارسيهما. وعن ابن الأعرابي قال: لم يصف أحد قط الخيل إلاّ احتاج إلى أبي دؤاد، والخمر إلاّ احتاج إلى أوس بن حجر، ولا النعامة إلاّ احتاج إلى علقمة بن عبدة، ولا الاعتذار في الشعر إلاّ احتاج إلى النابغة.
وروى المسعودي عن محمد بن عبد الله الدمشقي قال: "لما انحدرنا مع المتقي بالله من الرحبة وسرنا إلى مدينة غانه فدعا بالرقي وغلامه للمسامرة فاتصل بهما الحديث إلى ذكر الخيل فقال المتقي أيكم يحفظ خبر سلمان بن ربيعة الباهلي، قال الغلام: ذكر عمرو بن العلاء أن سلمان كان يهجن الخيل ويعديها في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فجاءه عمرو بن معدي كرب بفرس كميت فهجنه فاستعدى عليه عمرو وشكاه إليه فقال سلمان ادع بإناء رحراح قصير الجدر، فدعا به، فصب فيه ماء، ثم أتى بفرس عتيق فمد عنقه وشرب ثم أتي بفرس عمرو الذي هجن فمد عنقه كما فعل العتيق ثم ثنى أحد السنبكين قليلاً فشرب فلما رأى ذلك عمر رضي الله عنه قال أنت سلمان الخيل. أقول: ومن العلامات أيضاً أن العتيق يضع منخريه في الماء حين الشرب، وغيره يضع طرف منخره فيه - ثم قال المتقي: فما عندكم عن علماء العرب في صفاتها؟ قال الرقي: ذكر الرياشي عن الأصمعي قال: إذا كان الفرس طويل أوظفة اليدين قصير أوظفة الرجلين طويل الذراعين قصير الساقين طويل الفخذين والعضدين منفرج الكتفين، لم يكن يسبق وإذا سلم منه شيئان لم يضرع عيب، عنقه مغروز في كاهله، ومغروز عجزه في صلبه، وإذا جادت حوافره فهو هو". وأنشد المبرد:
ولقد شهدت الخيل تحمل شكتي ... عنه كسرحان القضيمة مهنب
فرس إذا استقبلته فكأنه ... في العين جذع من أوائل مشرب
وإذا اعترضت له استوت أقطاره ... فكأنه مستدبر المتصوب
وسأل معاوية بن أبي سفيان مطر بن دراج فقال له: "أخبرني أي الخيل أفضل وأوجز. فقال: الذي إذا استقبلته قلت نافر، وإذا استدبرته قلت زاخر، وإذا استعرضته قلت زافر، سوطه عنانه، وهواه أمامه". (الزاخر: المشرف العالي، والزافر: عظيم الجنبين) . وكان لعمرو بن معدي كرب فرس تسمى الكاملة من بنات البعيث، فعرضها على سلمان بن ربيعة فهجنها، فقال عمرو: أجل هجين يعرف الهجين وقال:
يهجن سلمان بنت البعي ... ث جهلاً لسلمان بالكامله
فإن كان أبصر مني بها ... فأمي لا أمه هابله
(1/30)

فبلغ ذلك عمر رضي الله عنه فكتب إليه: بلغني ما قلت لأميرك، وبلغني أن لك سيفاً تسميه الصمصامة، وعندي سيف اسمه مصمصم، وابم الله لئن وضعته على هامتك لا أقلعه حتى أبلغ رهايتك فإن سرك أن تعلم ما أقول فأعد (الرهاية: عظم في الصدر بشرف على البطن) . وحكى أبو عمرو بن العلاء قال: كان لرجل من مقاول حمير ولدان عمرو وربيعة، وقد برعا في العلم والأدب، فلما بلغ أبوهما أقصى عمره، وأشفى على الفنا، دعاهما ليبلو عقلهما ويعرف مبلغ علمهما، فلما حضرا لديه، سألهما عن أشياء، من جملتها عن الخيل قال: فأخبرني يا عمرو أي الخيل أحب إليك عند الشدائد إذا التقى الأقران للتجالد؟ قال: الجواد الأنيق، الحصان العتيق، الكفيت العريق، الشديد الوثيق، الذي يفوت إذا هرب ويلحق إذا طلب قال والله نعم الفرس نعت، فما تقول يا ربيعة؟ قال: غيره أحب إلي منه. قال: فما هو؟ قال: الحصان الجواد الثبت القياد الشهم الفؤاد، الصبور إذا سرى، السابق إذا جرى، قال: فأي الخيل أبغض إليك يا عمرو؟ قال: الجموح الطموح النكول الأنوح الصردل الضعيف، الملول العنيف الذي إذا جاريته سبقته. قال ما تقول يا ربيعة؟ قال: غيره أبغض إلي منه. قال وماهو؟ قال البطيء الثقيل، الذي إذا ضربته قمص، وإن دنوت منه شمص، يدركه الطالب، ويفوته الهارب، ويقطع بالصاحب، وغيره أبغض إلي منه قال: فما هو؟ قال الجموح الخبوط، الركوض الشموص الضروط، القطوف في الصعود والهبوط، الذي لا يسلم الصاحب ولا ينجو من الطالب.
وقيل لأعرابي صف لنا الجواد من الخيل فقال: إذا اشتد نفسه ورحل متنفسه، وطال عنقه واشتد حقوه، وأبهر شدقه، وعظمت فصوصه، وصلبت حوافره فهو من الجياد. وسئل غيره عنه فقال: إذا عدا اسعلب وإذا قيض اجلعب وإذا انتصب اتلأب أي إذا ركض كان كالسابح (وقوله اجلعب أي مضى وجد في سيره وقوله اتلأب أي استقام) قال أبي بن سلمى الضبي:
وخيل تلافيت ريعانها ... بعجلزة جمزى المدخر
جموم الجراء إذا عوقبت ... وإن نوزقت برزت بالحضر
سبوح إذا اعترضت في العنان ... مروح ململمة بالحجر
دفعن على نعم بالعرا ... ق من حيث أفضى به ذو شمر
فلو طار ذو حافر قبلها ... لطارت ولكنه لم يطر
وعرضت على ابن قيصر من بني أسد بن خزيمة خيل فأومأ إلى بعضها وقال تجيء هذه سابقة. فسئل ما الذي رأيت فيها؟ فقال: رأيتها مشت فكتفت، وخبت فرجفت، وعدت فنسفت، فجاءت كما قال سابقة. وسئلت ابنة الخس: أي الخيل أحب إليك؟ فقالت: ذو المائعة الصنيع، السليط التليع، الأيد الضليع، الملهب السريع، فقيل لها: أي الغيوث أحب إليك؟ قالت ذو الهيدب المنبعق، الأضخم المؤتلق، الصخب المنبثق. (قولها: المائعة: ناصية الفرس إذا طالت وسالت، والصنيع السمين والسليط الشديد، والتليع الرافع رأسه والأيد القوي والصليع شديد الأضلاع، والملهب مثير الغبار في عدوه، والسريع ما يكون في أوائل الخيل، والهيدب السحاب المتدلي، والمنبعق المنبعج بالمطر، والأضخم الثقيل، والمؤتلق البرق اللامع، والصخب شدة الصوت، والمنبثق المنفجر.
وقيل لها: ما مئة من المعز؟ قالت: مويل يشف الفقر من ورائه، مال الضعيف وحرفة العاجز، قيل لها فما مئة من الضأن؟ قالت: قرية لا حمى لها، قيل لها فما مئة من الإبل؟ قالت: بخٍ جمال ومال ومنى الرجال، قيل لها: فما مئة من الخيل؟ قالت طغى من كانت له ولا توجد، قيل لها فما مئة من الحمر؟ قالت: عارية الليل وخزي المجلس، لا لبن لها فيحلب، ولا صوف فيجز، إن ربط عيرها أدلى، وإن ترك ولى. واجتمع خمس جوار من العرب وقلن: هلمن ننعت خيل آبائنا، فقالت الأولى: فرس أبي وردة، وما وردة؟ ذات كفل مزحلق، ومتن أخلق، وجوف أخرق، ونفس مروح، وعين طروح، ورجل ضروح، ويد سبوح، بداهتها إهداب، وعقبها غلاب.
وقالت الثانية: فرس أبي اللعاب، وما اللعاب، غيبة سحاب، واضطرام غاب، مرقص الأوصال، أشم القذال، ملاحك المحال، فارسه مجيد، وصيده عتيد، إن أقبل فظبي معاج، وإن أدبر فظليم هداج، وإن أحضر فعلج هراج.
وقالت الثالثة: فرس أبي خدمة، وما خدمة؟ إن أقبلت فقناة مقومة، وإن أدبرت فأثفية ململمة، وإن أعرضت فذيبة معجرمة، أرساغها مترقصة، وفصوصها ممحصة، جريها انشرار، وتقريبها انكدار.
(1/31)

وقالت الرابعة: فرس أبي خيفق، وما خيفق؟ ذات ناهق معرق، وشدق أشدق، وأديم مملق، لها خلق أشرف، ودسيع منفنف وتليل مسيف، وثابة ولوج، خيفانة رهوج، تقريبها إهماج، وحضرها ارتعاج.
وقالت الخامسة: فرس أبي هذلول؟ طريده محبول، وطالبه مشكول، دقيق الملاغم، أمين المعاقم، عبل المحزم، مخد مرجم، منيف الحارك، أشر السنابك، مجدول الخصائل، سبط الغلائل، معوج التليل، صلصال الصهيل، أديمه صاف، وسبيبه ضاف، وعلوه كاف.
فوردة في كلام الأولى: اسم الفرس، والمزحلق: الأملس، والأخلق: ناعم الجلد، والأحرق: واسع البطن، والمروح: السهل، والطروخ: حديد البصر، والضروح: قوة الجري التي تمد يديها في الجري كما يمد السابح في الماء يديه، والإهداب: نوع من الركض، والغلاب: إدامة الجري بلا تعب، والسحاب في قول الثانية: المطر، أي هو كالمطر في شدة الجري، ومرقص الأوصال: أي محكم الأعضاء، والقذال: محل عقد العذار، أي: مرتفعه، وملاحك المحال: أي متقارب فقرات الظهر، والظبي المعاج: الغزال المسرع، أي أنه كالظبي إذا أقبل، وكالظليم إذا أدبر، وكحمار الوحش إذا أحضر. والأثفية الململمة في قول الثالثة: أي الحجرة المدورة والمعجرمة المسرعة. والناهق في قول الرابعة: العظم الشاخص في الخد، والمعرق: قليل اللحم وأديم مملق: أي ناعمة الجلد، والدسيع: مركب العنق في الحارك، وثابة ثلوج: أي سريعة الوثب، وخيفانة رهوج: أي كالجرادة في سرعة جريها، والإهماج: أسرع العدو. والملاغم في قول الخامسة: الحجافل، والمعاقم المفاصم ومخد مرجم: أي قوي على السير كأنه يشق الأرض بحوافره.
وقال ابن الأثير: وطالما امتطيت صهوة مطهم فغنيت عن نشوة الكميت من ذات نهد يسابق الريح فيغبر وجهها دون شق غباره، وإذا ظهر عليها رجعت حسرى في مضماره، نسب إلى الأعوج وهو مستقيم في الكر والفر وقد حنقت عليه عين الشمس إذ لا يمكنها أن ترسم ظله على الأرض إذا مر، ليلي الإهاب لطم جبينه الصباح ببهائه، فعدا عليه وخاض يقتص منه في أحشائه كما قال ابن نباتة السعدي:
وكأنما لطم الصباح جبينه ... فاقتص منه فخاض في أحشائه
وقد أغتدي عليه والطير في وكناتها فلايفوتني الأجدل
وإذا أطلقته لصيد الوحوش رأيتني على منجرد قيد الأوابد هيكل وقال في وصف فرس: له من العربية حسب ومن الكردية نسب فهو من بينهما مستنتج لا ينتسب إلى خبيب ولا إلى أعوج. ومن صفاته أنه رحب اللبان، عريض البطان، سلس العنان، ينثني على قدر الطعان، وعلى قدر الكرة والصولجان، قد استوت حالاته قادماً ومتأخراً، وإذا أقبل خلته مرتفعاً وإذا أدبر خلته منحدراً كأنه في حسنه دمية محراب، وفي خلقه ذروة هضاب، وهو في سباقه ولحاقه مخلق بخلق المضمار وبدم الصراب والصوار فهو منسوب إلى ذوات القوادم، وإن كان محسوباً في ذوات القوائم، كأنما ثنى لجامه على سالفة عقاب وشد حزامه على بارقة سحاب، فقوله لا يتنسب إلى خبيب ولا إلى أعوج فالأول فرس كريم للأكراد والثاني فرس مشهور من العراب) .
وكتب عبد الله بن طاهر إلى المأمون: قد بعثت إلى أمير المؤمنين بفرس يلحق الأرانب في الصعداء، ويجاوز الظباء في الاستواء، ويسبق في الحدور جري الماء كما قال تأبط شراً:
ويسبق وقد الريح من حيث تنتحي ... بمنخرق من شدة المتدارك
وقال محمد بن الحسن في وصف فرس: حسن القميص، جيد الفصوص، وثيق القصب، نقي العصب، يبصر بأذنيه، ويتبوع بيديه، ويداخل برجليه، كأنه موج في لجة، أو سيل في حدور، يناهب المشي قبل أن يبعث ويلحق الأرانب في الصعداء ويجاوز جواري الظباء في الاستواء ويسبق في الحدور جري الماء إن عطف جار وإن أرسل طار وإن كلف السير أمعن وسار وإن حبس صفن، وإن استوقف قطن، وإن رعي ابن.
وقال ابن المعتز: ساد فلان في جيوش عليهم أردية السيوف وأقمصة الحديد، وكأن رماحهم قرون الوعول، وكأن أدراعهم زبد السيول، على خيل تأكل الأرض بحوافرها، وتمد بالنقع سرادقها، قد نشرت في وجوهها غرر كأنها صحائف الورق، وأمسكها تحجيل كأنه إسورة اللجين، وقرطت عذاراً كأنها الشنف، تتلقف الأعداء أوائله ولم تنهض أواخره، قد صب عليهم وقار الصبر، وهبت معهم ريح النصر.
(1/32)

وسئل أعرابي عن سوابق الخيل فقال: إذا مشى ردى وإذا عدا دحا، وإذا استقبل أقعى وإذا استدبر حبا، وإذا اعترض استوى (دحا: انبسط على الأرض، وأقعى: تساند إلى وراء، والحبو: ارتفاع المنكبين إلى العنق) .
وروي أن رجلاً خرج في الشهر الحرام لحاجة، فدخل في الحل فطلب رجلاً يستجير به، فرأى أغلمة يلعبون فقال لهم: من سيد هذا الحي؟ فقال له غلام: هو أبي. قال: ومن أبوك؟ قال باغث بن عويص، قال: صف لي بيت أبيك. قال: بيت كأنه حرة سوداء أو غمامة جماء بفنائه ثلاثة أفراس: أما أحدهم فمفزع الأكتاف، متماحل الأكناف، متماثل الأطراف؛ وأما الآخر فذيال جوال صهال أمين الأوصال أشم القذال؛ وأما الثالث فمغار مدمج محبوك مجملج كالقهق الأدعج، فمضى الرجل حتى انتهى إلى الخباء وقال: يا باغث جار علقت علائقه، واستحكمت وثائقه، فخرج إليه وأجاره.
وروي أن شاباً ابتاع فرساً فجاء إلى أمه، وقد كف بصرها، وقال: يا أماه قد اشتريت فرساً فقالت: صفه لي. قال: إذا استقبل فظبي ناصب وإذا استدبر فهقل خاضب، وإذا استعرض فسيد قارب، مؤلل المسمعين، طامح النظرين، فقالت: أجدت إن كنت أعربت، قال: إنه مشرف التليل، سبط الخصيل، وهواه الصهيل، فقالت: أكرمت فارتبط. وحكى زهير بن حباب أن علقمة بن جندل الطعان أغار على عبد الله بن كنانة بن بكر وهم بعسفان، فقتل عبد الله بن هبل ومالك بن عبيدة وصريم بن قيس بن هبل، وأسر مالك بن عبد الله بن هبل وأفلت من أفلت، فأقبلت جارية من عبد الله بن كنانة فقالت لزهير: يا عماه! ما ترى ما فعل أبي؟ قال: وعلى أي فرس كان أبوك؟ قالت: على شفاء ثفاء طويلة الإنقاء تمطق الشيخ بالمرق. قال: نجا أبوك. ثم أتته أخرى وقالت: يا عماه ما ترى ما فعل أبي؟ قال: وعلى أي فرس كان؟ قالت: على طويل بطنها قصير ظهرها هاديها شطرها يكبها حضرها فقال: نجا أبوك. ثم أتتع بنت مالك بن عبيدة فقالت: يا عماه ما ترى ما فعل أبي؟ قال: وعلى أي فرس كان؟ قالت: على الكزة الأنوح، التي يكفيها لبن اللقوح، فقال: هلك أبوك. فقال رجل: ما أسوأ بكاها فقال: لا تعلم اليتيم البكا فأرسلها مثلاً.
وروى أبو الفرج الأصبهاني أن خالد بن كلاب أتى النعمان بن المنذر بفرس فوجد عنده الحارث بن ظالم والربيع بن زياد فقبله منه وأكرمه فقام الحارث وقد له فرسه وقال أبيت اللعن نعم صباحك وأهلي فداؤك، هذا فرس من خيل بني قرة فلن تؤتى بفرس يشق غباره، إن لم تنسبه انتسب، كنت ارتبطه لغزو بني عامر بن صعصعة، فلما أكرمت خالداً أهديته إليك، فقام الربيع بن زياد وقدم له فرسه ثم قال: أبيت اللعن نعم صباحك وأهلي فداؤك، هذا فرس من خيل بني عامر ارتبطت أباه عشرين سنة لم يخفق في غزوة، ولم يعتلك في سفر، وفضله على هذين الفرسين، كفضل بني عامر على غيرهم، فغضب النعمان عند ذلك وقال: يا معشر قيس أي خيلكم أشباهنا؟ أين اللواتي كان أذنابها شقاق أعلام ومناخرها وجار الضباع، وعيونها بغايا النساء، رقاق المستطعم، تعالك اللجم في أشداقها، تدور على مذاودها، كأنما يقضمن حصى. فقال خالد: زعم الحارث أبيت اللعن أن تلك خيله وخيل آبائه فغضب النعمان عند ذلك على الحارث. وروي أن الحجاج سأل ابن القرية عن صفة الجواد فقال: هو الطويل الثلاث القصير الثلاث الرحب الثلاث العريض الثلاث الصافي الثلاث الأسود الثلاث الغليظ الثلاث فقال صفهن وبين قال: أما الطويل الثلاث فالأذن والعنق والذراع، وأما القصير الثلاث فالعسيب والرسغ والظهر، وأما الرحب الثلاث فالجوف والمنخر واللبب، وأما العريض الثلاث فالجبهة والصدر والكفل، وأما الصافي الثلاث فالأديم والعين والحافر، وأما الأسود الثلاث فالحدقة والحجفلة والحافر، وأما الغليظ الثلاث فالفخذ والوظيف والرسغ وقد نظم الصفي الحلي بعضها بقوله:
وطرف تخيرته طرفة ... وأحببته من جميع التراث
إذا انقض كالصقر في حلبة ... ترى الخيل في إثره كالبغاث
حوى ببدائع أوصافه ... مضاء الذكور وصبر الإناث
طويل الثلاث قصير الثلاث ... عريض الثلاث فسيح الثلاث
وقال آخر:
وقد أغتدي قبل ضوء الصباح ... وورد القطا في القطاة الحثاث
بصافي الثلاث عريض الثلاث ... قصير الثلاث طويل الثلاث
(1/33)

قال البديع الهمذاني: حدثنا عيسى بن هشام قال: حضرنا مجلس سيف الدولة يوماً وقد عرض عليه فرس فقال لجلسائه أيكم أحسن صفته جعلته صلته. فكل جهد جهده وبذل ما عنده، فقال بعض غلمانه: أصلح الله الأمير، إني رأيت بالأمس رجلاً يطأ الفصاحة بنعليه، وتقف الأبصار عليه، يسلي الناس ويشفي الباس، فلو أمر الأمير بإحضاره لفضلهم بأحضاره، فقال سيف الدولة: علي به في هيئته فسار الغلمان في طلبه، ولما جاؤوا به، أدخلوه وهو في طمرين فسلم، ولما رآه سيف الدولة أمر له بالجلوس وأدنى مجلسه وقال: بلغنا عناك حاضرة فاعرضها بهذا الفرس ووصفه. فقال: أصلح الله الأمير، كيف أصفه قبل ركوبه وكشف محاسنه وعيوبه. فقال: اركبه فركبه وأجراه ولما نزل عنه قال: هو طويل الأذنين قليل لحم الاثنين، لين الثلاث غليظ الأكرع، غامض الأربع، شديد النفس، لطيف الخمس، ضيق القلت رقيق الست، حديد السمع، غليظ السبع رقيق اللسان، عريض الثمان، شديد الضلع، قصير التسع، واسع الشجر، بعيد العشر، يأخذ بالسانح، ويطلق بالرامح، ويطلع بلائح، ويضحك عن قارح، بخروجه الكديد بمذاق الحديد، يحضر كالبحر إذا ماج، والسيل إذا هاج، فقال: خذه مباركاً عليك، فقال له: لا زلت تأخذ الأنفاس وتمنح الأفراس. قال عيسى فلما انصرف تبعته وقلت له: لك علي ما يليق بك من الحلل لركوب هذا الفرس إن فسرت ما وصفت، فقال: سل عما أحببت، فقلت ما معنى قولك قليل لحم الاثنين؟ قال: لحم الوجه والمتنين. قلت: فما معنى لين الثلاث؟ قال: المردغتين والفرق والعناق، قلت: فما معنى غامض الأربع؟ قال: أعلى الكتفين والمرفقين والحجاجين والشظا، فقلت: أحسنت. فما معنى لطيف الخمس؟ قال: الزور والنسر والجبة والعجاية والركبة، فقلت: أجدت ما معنى رقيق الست؟ قال: الجفن والسالفة والحجفلة والأديم وأعلى الأذنين والفرضين، فقلت: لله أبوك، فما معنى غليظ السبع؟ قال: الذراع والمخرم والعكوة والشوى والرسغ والفخذين والحبال، فقلت: حياك الله فما معنى عريض الثمان؟ قال: الجبهة والصهوة والكتف والجنب والعصب والبلدة وصفحة العنق، فقلت: لله درك فما معنى قصير التسع؟ قال: الشعرة والأطرة والعسيب والقضيب والعضدين والرسغين والنسا والظهر والوظيف، فقلت: ما معنى بعيد العشر؟ قال: بعيد النظر والخطو وأعالي الجنبين وما بين الوقبين والجاعرتين وما بين القرابين والمنخرين وما بين الرجلين، وما بين النقبة والصفاق، والقامة في السباق، فقلت له: من أين أخذت هذا العلم؟ قال: من الثغور الأموية وبلاد الاسكندرية، فقلت له: أنت مع هذا الفضل تعرض وجهك لهذا البذل، فقال:
ساخف زمانك جدا ... فالدهر جد سخيف
دع الحمية نسياً ... وعش بخير وريف
وقل لعبدك هذا ... يجيء لنا برغيف
وقال ابن عائشة:
قصرت له تسع ةطالت أربع ... وزكت ثلاث منه للمتأمل
وكأنما سأل الظلام بمتنه ... وبد الصباح بوجهه المتهلل
وكأن راكبه على ظهر الصبا ... من سرعة أو فوق ظهر الشمأل
فقوله زكت: أي نمت وطالت.
ومن أوصافها الممدوحة أن يكون شق شدقيها واسعاً. قال الشاعر:
هريت قصير عذار اللجام ... أسيل طويل عذار الرسن
الهريت: واسع الفم، وقصير عذار اللجام: دليل أسل الخد، وطول عذار الرسن: دليل طول العنق. وقال آخر:
طويل متن العنق أشرف كاهلاً ... أشق رحيب الجوف معتدل الجرم
وقال أبو دؤاد:
فهي شوهاء كالجوالق فوهاً ... مستجاف يضل فيه الشكيم
الشوهاء: واسعة الأشداق، ولا يقال للذكر أشوه. وقال آخر:
إذا ما نتبشت طرحت اللجا ... م في شدق الجرد والسلهب
يبذ الجياد بتقريبه ... ويأوي إلى حضر ملهب
كميت كأن على متنه ... سبائك من قطع المذهب
كأن القرنفل والزنجبي ... ل يعلو على ريقه الأطيب
ومنها أن تكون رحبة المنخر، قال امرؤ القيس:
وقد اغتدي ومعي القانصان ... فكل بمربأةٍ مقتفر
فيدركنا فعم داجن ... سميع بصير طلوب نكر
ألص الضروس حبي الضلوع ... تبوع طلوب نشيط أشر
فأنشب أظفاره في النسا ... فقلت هبلت ألا تنتصر
فكر إليه بمبراته ... كما خل اللسان المجر
فظل يرنح في غيظل ... كما يستدير الحمار النعر
(1/34)

وأركب في الروع خيفانةً ... كسا وجهها سعفٌ منتشر
لها حافرٌ مثل قعب الولي ... د ركب فيه وظيف عجر
وساقان كعباهما أصمعا ... ن لحم حماتيهما منبتر
لها عجز كصفاة المسي ... ل أبرز عنها حجاف مضر
لها متنتان خطاتا كما ... أكب على ساعديه النمر
وسالفةٌ كسحوق اللبا ... ن أضرم فيها الغوي السعر
لها غدرٌ كقرون النسا ... ء ركبن في يوم ريح وصر
لها جبهة كسراة المج ... ن حذقه الصانع المقتدر
لها منخر كوجار السباع ... فمنه تريح إذا تنبهر
لها ثننٌ كخوافي العقا ... ب سودٌ يفئن إذا تزبئر
وعين لها حدرة بدرة ... فشقت مآقيهما من أخر
إذا أقبلت قلت دباءةٌ ... من الخضر مغموسة في الغدر
وإن أدبرت قلت أثفيةٌ ... ململمةٌ ليس فيها أثر
وإن أعرضت قلت سرعوفةٌ ... لها ذنب خلفها مسبطر
وللسوط فيها مجالٌ كما ... تنزل ذو بردٍ منهمر
وتعدو كعدو نجاة الظبا ... ء أخطأها الحاذف المقتدر
لها وثبات كصوب السحاب ... فؤادٍ خطاءٌ وواد مطر
الوِجار: جحر الضبع، وضيق المنخر: عيب في الخيل، مدح في الصقر.
وقال بشر:
كأن حقيف منخره إذا ما ... كتمن الربو كير مستعار
يقال ربا الفرس إذا انتفخ منخره من عدو أو فزع وقال عدي بن زيد:
له ذنب مثل ذيل العروس ... ومنخره مثل جحر اللجم
اللجم: دويبة أصغر من العضاية، ومنها أن تكون واسعة الجبهة.
قال الأخطل:
صلت الجبين كأن رجع صهيله ... زجر المحاول أو غنا متوالي
وقال النابغة:
بعار النواهق سلط الجبي ... ن يستن كالتيس ذي الحلب
وقال يزيد بن ضبة يصف السندي فرس الوليد بن عبد الملك لما خرج إلى الصيد ولحق عليه حماراً فصرعه، ثم قال الوليد ليزيد صفه فقال:
وأحوى سلس المرس ... ن مثل الصدع الشعب
سما فوق منيفاتٍ ... طوال كالقنا سلب
طويل الساق عنجوجٍ ... أشق أصمع الكعب
على لام أصم مض ... مر الأشعر كالقعب
ترى بين حواميه ... نسوراً كنوى القسب
معالي شنج الأنسا ... ء سام جرشع الجنب
طوى بين الشراسيف ... إلى المنقب فالقنب
يغوص الملحم القائم ... ذو حد وذو شغب
عتيد الشد والتقري ... ب والإحضار والعقب
صليب الأذن والكاه ... ل والموقف والعجب
عريض الجبهة والخد ... والبركة واللهب
إذا ما حثه حاث ... يباري الريح في غرب
وإن وجهه أسر ... ع كالخذروف في النقب
وقفاهن كالأجد ... ل لما انضم للضرب
ووالى الضرب يختار ... جواشن بدن قب
ترى كل مدل قا ... ئماً يلهث كالكلب
كأن الدم في النحر ... قذال علّ بالخضب
يزين الدار موقوفاً ... ويشفي قدم الركب
فقال له الوليد: أحسنت الوصف وأجدت. وقال امرؤ القيس:
لها جبهةٌ كسراة المج ... ن حذقه الصانع المقتدر
ومنها أن يكون في عينيها السمو والحدة والاتساع، قال امرؤ القيس:
وعين لها حدرةٌ بدرة ... فشقت مآقيهما من أخر
الحدرة العظيمة والبدرة التي تبدر بالنظر والمآقي طرف العين الذي يلي الأنف وتوصف بالقبل وهو ميل النظر إلى طرف الأنف من عزة النفس لا من أصل الخلقة. قالت ليلى الأخيلية في فائض بن أبي عقيل وكان فر عن ثوبة حين قتل:
ولما أن رأيت الخيل قبلاً ... تبارة بالخدود شبا العوالي
نسيت وصاله وصددت عنه ... كما صد الأذب عن الضلال
وقال أبو الفضل ابن شرف يمدح المعتصم بالله الأندلسي:
أشوس الطرف علته نخوة ... يتهادى كالغزال الخرق
وامتطى من طرفه ذا خبب ... يلثم الغبراء إن لم يعنق
لو تمطى بين أسراب المهى ... نازعته في الحشا والعنق
حسرت دهمته عن غرة ... كشفت ظلماؤها عن يقق
لبست أعطافه ثوب الدجى ... وتحلى خده باليقق
وانبرى تحسبه أجفل عن ... لسعةٍ أو جنةٍ أو أولق
مدركاً بالمهل ما لا ينتهي ... لاحقاً بالرفق ما لم يلحق
(1/35)

ذو رضا مستتر في غضب ... ذو وقار منطوٍ في خرق
وعلى خدٍ كعضبٍ أبيض ... أذن مثل سنان أزرق
كلما نصبها مستمعاً ... بدت الشهب إلى مسترق
حاذرت منه شبا خطيةٍ ... لا يجيد الخط ما لم يمشق
كلما شامت عذار خده ... خفقت حفق فؤادٍ أفرق
في ذرى ظمآن فيه هيف ... لم يدعه للقضيب المورق
يتلقاني بكف مصقعٍ ... يقتفي شأو عذارٍ مقلق
إن يدر دورة طرفٍ يلتمح ... أو يجل جول لسان ينطق
عصفت ريح على أنبوبه ... وجرت أكعبه في زنبق
كلما قلبه باعد عن ... متن ملساء كمثل البرق
جمع السرد قوى أزرارها ... فتآخذن بعهدٍ موثق
أوجبت في الحرب من وخز القنا ... فتوارت حلقاً في حلق
كلما دارت بها أبصارها ... صورت منها مثال الحدق
زل عنه متن مصقول القوى ... يرتمي في مائها بالحرق
لو نضى وهو عليه ثوبه ... لتعرى عن شواظٍ محرق
أكهب من هبوات أخضر ... من فرند أحمر من علق
وارتوت صفحاه حتى خلته=بحميا من لكفيك سقي
يا بني معن لقد ظلت بكم ... شجر لولاكم لم تورق
لو سقي حسان من إحسانكم ... ما بكى ندمانه في جلق
أو دنا الطائي من حيكم ... ما حدا البرق لربع الأبرق
وقال امرؤ القيس:
وعين كمرآة الصناع تديرها ... بمحجرها من النصيف المنقب
الصناع: الحاذقة، والمحجر من العين: ما دار بها، والنصيف: شعر الجبهة.
وقال المتنبي:
تنام لديك الرسل أمناً وغبطةً ... وأجفان رب الرسل ليس تنام
حذاراً لمعروري الجياد فجاءةً ... إلى الطعن قبلاً ما لهن لجام
تعطف فيه والأعنة شعرها ... وتضرب فيه والسياط كلام
وما تنفع الخيل الكرام ولا القنا ... إذا لم يكن فوق الكرام كرام
وقال ابن دريد:
شعثاً تعادى كسراحين الفضا ... قبل حماليق يبارين الشبا
الشعث: المغبرة، وتعادى: من العدو، والسراحين: الذئاب، والحماليق: بواطن الأجفان، والقبل: ميل النظر إلى الأنف في الخيل، وإذا كان في الإنسان سمي خزراً. قال المتنبي:
والقوم في أعينهم خزر ... والخيل في أعيانها قبل
وقال آخر:
إذا تخازرت وما بي من خزر ... ثم كسرت العين من غير عور
ألفيتني ألوي بعيد المستمر ... كالحية الصماء في أصل الشجر
وقال ابن الأطنابة:
إني من القوم الذين إذا انتدوا ... بدؤوا بحق الله ثم النائل
المانعين من الخنا جاراتهم ... والحاشدين على طعام النازل
والخالطين فقيرهم بغنيهم ... والباذلين عطاءهم للسائل
والضاربين الكبش يبرق بيضه ... ضرب المهجهج عن حياض الآبل
والقاتلين لدى الوغى أقرانهم ... إن المنية من وراء القاتل
والقائلين فلا يعاب كلامهم ... يوم المقامة بالقضاء الفاصل
خزر عيونهم إلى أعدائهم ... يمشون مشي الأسد تحت الوابل
ليسوا بأنكاسٍ ولا ميل إذا ... ما الحرب شبت أشعلوا بالشاعل
وقال عنترة العبسي:
ولرب مشعلة وزعت رعالها ... بمقلص نهد المراكل هيكل
سلس المعذر لاحق أترابه ... متقلب عبثاً بفأس المهجل
وكأن هاديه إذا استقبلته ... جذع أذل وكان غير مذلل
وكأن مخرج روحه في وجهه ... سربان كانا مولجين لجيال
وكأن متنيه إذا جردته ... ونزعت عنه الجل متنا أيل
وله حوافر موثق تركيبها ... صم الصخور كأنها من جندل
وله عسيب في سبيبٍ سابغ ... مثل الرداء على الفتى المتفضل
سلس العنان إلى القتال وعينه ... قبلاء شاخصةٌ كعين الأحول
وكأن مشيته إذا نهنهته ... بالنكل مشية شارب مستعجل
فعليه اقتحم الوقيعة خائضاً ... فيها وأنقض انقضاض الأجدل
وتوصف بحدة النظر قال المتنبي:
وينظرن من سود صوادق في الدجى ... يرين بعيدات الشخوص كما هيا
ومن ذلك قول العرب أبصر من فرس دهماء في ليلة ظلماء، ويقال أسمع من فرس بهماء. وقال عدي بن زيد:
له قصة فشغت حاجبيه ... والعين تبصر ما في الظلم
(1/36)

القصة: - بالضم - شعر الناصية، وفشغت: أي انتشرت. ومنها أن يكون شعر ناصيتها طويلاً. قال امرؤ القيس:
وأركب في الروع خيفانة ... كسا وجهها سعف منتشر
الخيفانة: الفرس الطويلة القوائم الضامرة، ولا يقال للذكر خيفان. وقد غلط من علماء هذا الفن من غلط امرأ القيس في تشبيه ناصيتها بالطول بسعف النخلة حيث زعم أن شعر الناصية إذا غطى العين سمي غمماً والحق مع امرئ القيس ويؤيده قول عدي بن زيد:
غدا بتليل كجذع الخضا ... ب حر القذال طويل الغسن
لأن الغسن شعر الناصية، والذؤابة شعر في أعلاها، والحر من الفرس سواد في ظاهر الأذنين، ومنها أن تكون أذناها محددتين رقيقتين منتصبتين كثيرة التحريك لهما وإذا أميلت أذنها بلغت طرف عينها مما يلي الصدغ، قال ابن دريد:
يدير إعليطين في ملمومة ... إلى لموجين بألحاظ اللئا
الإعليط: وعاء ثمر المرخ - بالخاء المعجمة - شبه به أذني الفرس في الانتصاب والحدة، والملمومة: الهامة المجتمعة، كالحجر الملموم، واللموخ: العين، واللئا: البقر. وقال عتبة:
وترى أذنها كإعليط مرخ ... حدة في لطافة وانتصاب
وقال النمر بن تولب:
لها أذن حشرة مشرة ... كإعليط مرخ إذا ما صقر
وقال ابن مقبل:
يرخي العذار وإن طالت قبائله ... عن حشرة مثل سنف المرخة الصقر
الحشرة: الأذن اللطيفة المحددة. وقال حازم:
كم قد هدى هوادي الخيل إلى ... من ضل عن سبل الرشاد أو غوى
من كل سامي الطرف ما في لحظه ... من خذء ولا بأذنيه خذا
هوادي الخيل: أعناقها، وسامي الطرف: عاليه، روي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إذا رأيتم خيل القوم رافعة رؤوسها، كثيراً صهيلها، فاعلموا أن الدائرة لهم. وإذا رأيتم خيل القوم ناكسة رؤوسها، قليلاً صهيلها، تحرك أذنابها، فاعلموا أن الدائرة عليهم"، ويكنى بسامي الطرف عن حدة نظر العين وطموحها، وهو مستحسن في الخيل.
قال أبو دؤاد:
حديد الطرف والمنكب ... والعرقوب والقلب
والخذا: استرخاء الأذن، وهو مكروه في الخيل، وهو غير مهموز. روي أن العماني دخل على الرشيد فأنشده في وصف فرس قوله:
كأن أذنيه إذا تشوّفا ... قادمةً أو قلماً محرفا
فلحن ولم يهتد منهم لإصلاحه إلاّ الرشيد، فإنه أبدل (كأن) ب (تخال) فقال:
تخال أذنيه إذا تشوفا ... قادمةً أو قلماً محرفا
وروي عن الأصمعي قال: سمعت أعرابياً يقول: خرجت علينا خيل مستطيرة النقع كأن هواديها أعلام وآذانها أطراف أقلام وفرسانها أسود آجام، فأخذ عدي هذا المعنى فقال:
يخرجن من مستطير النقع داميةً ... كأن آذانها أطراف أقلام
وقال عدي بن زيد:
له عنق مثل جذع السحوق ... وأذن مصنعة كالقلم
وقال ابن هاني:
وجاءت عتاق الخيل تردى كأنما ... تخط لها أقلام آذانها صحفا
والعرب تصف آذان الخيل بصدق السمع فتقول آذان الخيل أصدق من عينها، أي أنها إذا أحست بشيء تشوفت بآذانها وتوجست بهما فيتأهب فارسها لما عساه أن يحدث وأكثر البينات وإدلاج الليل قال الشاعر:
يصهلن للنظر البعيد كأنما ... إرنانها ببوائن الأشطان
أي أنها إذا رأت شخصاً بعيداً طمحت إليه وصهلت فكأن صهيلها في آبار بعيدة القعر لسعة جوفها. قال كثير عزة:
تشوف من صوت الصدى كلما ... تشوف جيداء المقلد مغيب
تشوف الفرس: أي نصب عنقه وجعل ينظر، وروي أن بعض العرب أمر ولده بشراء إلى شيء، وأعضاؤه حشيت شيئاً في شيء، فقال له ابنه: من ملك مثل هذا لا يبيعه. وقال أبو العلاء المعري:
كأن أذنيه أعطت قلبه خبراً ... عن السماء بما يلقى من الغير
وقال: وأثبت الناس قلباً في الظلام سرى=ولا ربيئة إلاّ مسمع الفرس الربيئة: الطليعة، أي أربط الناس جأشاً من يسري في الظلام ولا لاطليعة له ترقبه إلاّ آذان فرسه. وقال أيضاً:
وأبصرت الذوابل منه عدلاً ... فأصبح في عواملها اعتدالا
وجنح يملأ الفودين شيباً ... ولكن يجعل الصحراء خالا
أردنا أن نصيد به مهاة ... فقطعت الحبائل والحبالا
ونم بطيفها الساري جواد ... فجنبنا الزيارة والوصالا
وأيقظ بالصهيل الركب حتى ... ظننت صهيله قيلاً وقالا
(1/37)

ولولا غيرة من أعوجي ... لبات يرى الغزالة والغزالا
يحس إذا الخيال دنا إلينا ... فيمنع من تعهدنا الخيالا
وقال المتنبي:
قاد الجياد إلى الطعان ولم يقد ... إلاّ إلى العادات والأوطان
كل ابن سابقة يغير بحسنه ... في قلب صاحبه على الأحزان
إن خليت ربطت بآداب الوغى ... فدعاؤها يغني عن الأرسان
في جحفل ستر العيون غباره ... فكأنما يبصرن بالآذان
الجحفل: الجيش العظيم كثيف الغبار الذي يستر الأعين حتى لا يرى، والخيل مع صدق حاسة نظرها إذا أحست بشيء نصبت آذانها كأنها تبصر بها. وقال أيضاً:
وتنصب للجرس الخفي مسامعاً ... يخلن مناجاة الضمير تناديا
وقال:
ويوم كليل العاشقين كمنته ... أراقب فيه الشمس إبان تغرب
وعيني إلى أذني أغر كأنه ... من الليل باق بين عينيه كوكب
له فضلة عن جسمه في إهابه ... تجيء على صدر رحيب وتذهب
شققت به الظلماء أدني عنانه ... فيطغى وأرخيه مراراً فيلعب
وأصرع أي الوحش قفيته به ... وأنزل عنه مثله حين أركب
وما الخيل إلاّ الصديق قليلة ... وإن كثرت في عين من لا يجرب
إذا لم تشاهد غير حسن شياتها ... وأعضائها فالحسن عنك مغيب
والمعنى: أنك لا تغتر بحسن شياتها فإنه لا فائدة فيه، إذا لم تكن ذات عدوٍ وجري وأدب، ومعنى قوله: دعيني إلى أذني، أنه كان ينظر إلى آذان فرسه، لأنه الفرس إذا أحس بشخص من بعيد نصب أذنيه نحوه، فيعلم أنه أبصر شيئاً، ثم وصفه بأنه كقطعة من الليل بقي كوكب منه بين عينيه، وهذا المعنى أخذه من قول أبو دؤاد:
ولها جبهة تلألأ كالشع ... رى أضاءت وعم منها النجوم
وقال البحتري: ومقدم الأذنين تحسب أنه=بهما يرى الشيء الذي لا يأمنه وقال آخر:
وجبت له أذنان يرقب سمعها ... بصر كناصية الشجاع المرصد
وقال حازم:
توحي إلى من يمتطيه أذنه ... بكل ما يسمع من أخفى الوحى
يكاد لا يبصره ذو مقلة ... من خفة وسرعة إذا دأى
الوحى: الإشارة والكلام الخفي. وقال أبو القاسم بن هاني الأندلسي يمدح المعز لدين الله:
وصواهل لا الهضب يوم مغارها ... هضب ولا البيد الحزون حزون
جنب الحمام، وما لهن قوادم ... وعلى الربود وما وما لهم وكون
فلهن من ورق اللجين توجس ... ولهن من مقل الظباء شفون
فكأنها تحت النضار كواكب ... وكأنها تحت الحديد رجون
عرفت بساعة سبقها لا إنها ... علقت بها يوم الرهان عيون
وأجل علم البرق فيها أنها ... مرت بجانحتيه وهي ظنون
فأمر له بدست قيمته ستة آلاف دينار. فقال له: يا أمير المؤمنين? ما لي موضع يسع الدست إذا بسطت، فأمر له ببناء قصر فغرم عليه ستة آلاف دينار، وحمل له آلة تشاكل القصر والدست قيمتها ثلاثة آلاف دينار.
وقال ابن حمديس الصقلي:
ومنقطع بالسبق من كل حلبةٍ ... فتحسبه يجري إلى الرهن مفردا
كأن له في أذنه مقلةٌ يرى ... بها اليوم أشخاصاً تمر به غدا
أقيد بالسبق الأوابد حوله ... ولو مر في آثارهن مقيدا
وقال امرؤ القيس:
له أذنان تعرف العنق فيهما ... كسامعتي مذعورةٍ وسط ربرب
العتق: الأصل والجمال، والسامعة: الأذن، والمذعورة: البقرة إذا ذعرت نصبت آذانها، والربرب: قطيع بقر الوحش، وخص المذعورة؛ لأنها أشد توخياً تسمعاً، ومنها أن تكون أسيلة الخد، ونواهقها عارية من اللحم. النواهق: مجاري الدمع، ويقال لها: سموم، قال حمد بن نور:
طرف أسيل معقد للريم ... عار لطيف موضع السموم
وقال طفيل:
معرقة الألحي تلوح متونها ... تثير القطافي منهل بعد مقرب
وقال امرؤ القيس:
قد أشهد الغارة الشعواء تحملني ... جرداء معروقة اللحيين سرحوب
كأن صاحبها إذ قام يلجمها ... مغدٌ على بكرةٍ زوراء منصوب
إذا تبصرها الرؤوان مقبلةً ... لاحت لهم غرةٌ منها وتجبيب
وقافها ضرمٌ وجريها جذمٌ ... ولحمها زيَمٌ والبطن مقبوب
واليد سابحةٌ والرجل ضارحةٌ ... والعين قادحة والمتن ملحوب
(1/38)

والماء منهمرٌ والشد منحدرٌ ... والقصب مضطورٌ واللون غربيب
كأنها حين فاض الماء واحتفلت ... سقعاء لاح لها في المرقب الذيب
وقال أيضاً:
وخد أسيل كالمسن وبركة ... كجؤجؤ هيق دقه قد تمورا
وقال عقبة بن سابق:
عريض الخد والجبهة ... والصهوة والجنب
وقال أيضاً:
ولها بركة كجؤجؤ هيق ... ولبان مضرج بالخضاب
وقال زهير بن مسعود الضبي:
ضافي السبيب أسيل الخد مشرفه ... جافي الضلوع شديد أسره تئق
وقال آخر:
يمتمه بأسيل الخد منتصب ... خاظي البضيع كمثل الجذع مشنوق
وقال أبو صدقة العجلي:
عارٍ من اللحم صبي اللحى ... مؤلل الأذن أسيل الخد
وقال أبودؤاد:
أسيل سلجم المقب ... للا شختٌ ولا جافي
أي: رقيق ضمر لا غليظ الخلقة ولا هزيل، ومنها أن يكون شعر معرفتها طويلاً غزيراً. قال امرؤ القيس:
لها غدر كقرون النسا ... ء ركبن في يوم ريح وصر
الغدر الشعر المتدلي من أمام القربوس إلى آذانها، شبهه بذوائب النساء في الكثرة إذا نفشتها الريح، وقال حميد بن الأرقم:

قد أغتدي والصبح محمر الطرر ... والليل يحدوه تباشير السحر
وفي تواليه بخور كالشرر ... بسحق المبعة ميال الغدر
كأنه يوم الرهان محتضر ... وقد بدا أول شخص ينتظر
دون أنابي من الخيل زمر ... صار غداً ينفض صبيان المطر
وقال حازم:
ألقت توالي خيله أعراقها ... من فوق أطلاء الهوادي والعكا
تصاحب الخرصان حين تلتقي ... منه على جماجم مثل العلا
معروفة أعراقها ما عرفت ... أعرافها ولا نواصيها سفا
معتزة نفوسها مهتزةٌ ... أعطافها إلى الصريخ إن دعا
الأطلاء: الأصول، والهوادي: الأعناق، والعكوة: - بالضم - ذنب الدابة، حيث عري من الشعر من مفرزه، تقول: عكوت ذنب الدابة: إذا عقدته، والصخب: الصياح، والخرص: ما على الجبهة من السنان، ويطلق على الرمح، والجمجمة: عظم الرأس المشتمل على الدماغ، والعلاة: الزبرة التي يضرب عليها الحدادة الحديد أو الصخرة، والأعراق: أصول الأشياء، والسفا: خفة الشعر، وهو من عيوب الخيل وما ذكر من تنزيه أعرافها ونواصيها عن السفا ومعرفة أعراقها وأعرافها يدل على عتقها ونجابة أصلها واعتزاز نفوسها واهتزاز أعطافها لإجابة الصريخ، ويدل على كرمها ومبادرة فرسانها لنصرة المضطهد وإغاثة الملهوف.
روي أن عبد الملك بن مروان قال لجلسائه: أي المناديل أفخر؟ فقال بعضهم: مناديل مصر كأنها عرقي البيض، وقال البعض: مناديل اليمن كأنها زهر الربيع، فقال: ما صنعتم شيئاً، أفخر المناديل مناديل عبدة بن الطبيب حيث يقول:
لما نزلنا ضربنا ظل أجبيةٍ ... وفار للقوم باللحم المراجيل
وردٌ أشقر ما يونيه طابخه ... ما قارب النضج منها فهو مأكول
ثم انثنينا إلى جرد مسومةٍ ... أعرافهن لأيدينا مناديل
زيدت الياء بالمراجل للضرورة، والورد: القطيع من الطير، والأشقر: من الدم: ما صار علقاً. وقال الرمادي:
قامت قوائمه لنا بطعامنا ... غضاً وقام العرف بالمنديل
وقال امرؤ القيس:
وقلت لفتيان كرامٍ ألا انزلوا ... فعالوا علينا فضل بردٍ مطيب
ففئنا إلى بيتٍ مدرجٍ ... سماوته من أتحمي معصبٍ
وأوتاده عاديّة وعماده ... ردينيةٌ فيها أسنةُ قعضب
وأطنابه أشطان خوص نجائب ... وصهوته من أتحمي مشرعب
فلما دخلناه أضفنا ظهورنا ... إلى كل حاري حديد مشطب
فظل لنا يوم لذيذ بنعمةٍ ... فقل في مقيل نحسه متغيب
كأن عيون الوحش حول خبائنا ... وأرحلنا الجزع الذي لم يثقب
نمشُّ بأعرافِ الجياد أكفنا ... إذا نحن قمنا عن شواءٍ مضهب
ومنها أن تكون طويلة العنق، روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه دعا بفرسين عربي وهجين للشرب، فتطاول العتيق فشرب لطول عنقه، وتبازخ الهجين، أي: ثنى حافره؛ لقصر عنقه، والبزخ: تطامن الظهر، وإشراف القطاة والحارك، قال امرؤ القيس:
ومستفلك الذفرى كأن عنانه ... ومثناته في رأس جذعٍ مشذب
(1/39)

وهذا البت من قصيدة قالها حين تذكر الشعر مع علقمة بن عبدة وادعاه كل منهما فقال له علقمة: قل شعراً تمدح فيه فرسك والصيد، وأنا أقول مثل ذلك، والحكم بيني وبينك أم جندب فقال امرؤ القيس:
خليلي مرا بي على أم جندب ... لنقضي لبانات الفؤاد المعذبِ
إلى أن قال في وصف الفرس والصيد:
وقد أغتدي والطير وفي وكناتها ... وماء الندى يجري على كل مذنب
بمنجرد قيد الأوابد لاحهُ ... طرادُ الهوادي كل شأوٍ مغربِ
على الأين جياشٌ كأن سراته ... على الضمر والتعداء سرحة مرقب
يباري الخنوف المستقل زماعه ... ترى شخصه كأنه عود مشجب
له أيطلا ظبي وساقا نعامةٍ ... وصهوة عير قائمٍ فوق مرقب
ويخطو على صم صلابٍ كأنها ... حجارة غيل وارسات بطحلب
له كفل كالدعص لبده الندى ... إلى حاركٍ مثل الغبيط المذاب
وعين كمرآة الصناع تديرها ... بمحجرها من النصيف المنقب
له أذنان تعرف العتق فيهما ... كسامعتي مذعورةٍ وسط ربرب
ومستفلك الذفرى كأنه عنانه ... ومثناته في رأس جذع مشذب
وأسحم ريان العسيب كأنه ... عناكيل قنوٍ من سميحة مرطب
إذا ما جرى شأوين وابتل عطفه ... تقول هزيز الريح مرت بأثأب
يدير قطاة كالمحالة أشرفت ... إلى سندٍ مثل الغبيط المذاب
ويخضد في الآري حتى كأنه ... به عرةٌ من طائف غير معقب
فيوماً على سرب نقيٍّ جلوده ... ويوماً على بيدانةٍ أم تولب
فبينا نعاجٌ يرتعين خميلةً ... كمشي العذارى في الملاء المهدب
تراهن من تحت الغبار نواصلاً ... ويخرجن من جعدٍ ثراه منصب
فكان تنادينا وعقد عذاره ... وقال صحابي قد شأونك فاطلب
فلأياً بلأيٍ ما حملنا غلامنا ... على ظهر محبوك السراة محنب
فللساق ألهوب وللسوط درة ... وللزجر منه وقع أهوج منعب
فأدرك لم يجهد ولم يثن شأوه ... يمر كخذروف الوليد المثقب
ترى الغار في مستنقع القاع لاحباً ... على جدذ الصحراء من شد ملهب
خفاهن من أنفاقهن كأنما ... خفاهن ودق من عشي مجلب
فعادى عداء بين ثور ونعجة ... وبين شبوب كالقضيمة قرهب
وظل لقيران الصريم غماغمٌ ... يداعسها بالسمهري المعلب
فكاب على حر الجبين ومتقٍ ... بمدرية كأنها ذلق مشعب
وقلنا لفتيان كرامٍ ألا انزلوا ... فعالوا علينا فضل ثوبٍ مطنب
ففئنا إلى بيتٍ بعلياء مدرج ... سماوته من أتحمي معصب
وأوتاده مازيةٌ وعماده ... ردينيةٌ فيها أسنة قعضب
وأطنابه أشطان خوص نجائب ... وصهوته من أتحميِّ مشرعب
فلما دخلنا أضفنا ظهورنا ... إلى كل حاري جديد مشطب
كأن عيون الوحش حول خبائنا ... وأرحلنا الجزع الذي لم يثقب
نمش بأعراف الجياد أكفنا ... إذا نحن قمنا عن شواءٍ مضهب
ورحنا كأنا من جوائي عشية ... نعالي النعاج بين عدل ومحقب
وراح كتيس الربل ينفض رأسه ... أذاةً به من صائك متحلب
كأن دماء الهاديات بعرفه ... عصارة حناء بشيبٍ مخضب
وأنت إذا استدبرته سد فرجه ... بضاف فويق الأرض ليس بأصهب
وأنشد علقمة بن عبدة قصيدته التي مطلعها:
ذهبت من الهجران في غير مذهب ... ولم يك حقاً كل هذا التجنب
ثم وصف الفرس والصيد بقوله:
وقد أغتدي قبل الشروع بسابحٍ ... أقب كيعفور الفلاة مجلب
عظيم طويل مطمئن كأنه ... بأسفل ذي ماوان سرحة مرقب
كميت كلون الأرجوان نشرته ... لبيع الرداء في الصوان المكعب
ممر معقد الأندري يزينه ... مع العتق خلقٌ مفعم غير جانب
له حرتان تعرف العتق فيهما ... كسامعتي مذعورة وسط ربرب
وجوف هواء تحت متن كأنه ... من الهضبة زحلوق ملعب
قطاة ككردوس المحالة أشرفت ... إلى سند مثل الغبيط المذأب
وغلب كأعناق الضباع مضيغها ... سلام الشظى يغشى بها كل مركب
وسمر يفلقن الظراب كأنها ... حجارة غيل وارسات بطحلب
إذا ما اقتنصنا لم نخاتل بجنةٍ ... ولكن ننادي من بعيد ألا اركب
(1/40)

أخا ثقة لا يلعن الحي شخصه ... صبوراً على العلات غير مسبب
إذا أنفدوا زاداً فإن عنانه ... وأكرعه مستعملاً خير مكسب
رأينا شياهاً يرتعين خميلة ... كمشي العذارى في الملاء المهدب
فبينا تمارينا وعقد عذاره ... خرجن علينا كالجمان المثقب
وأقبل يهوي ثانياً من عنانه ... يمر كمر الرائح المتحلب
ترى الفأر عن مسترغب القدر لائحاً ... على جدد الصحراء من شد ملهب
خفا الفأر من أنفاقه فكأنما ... تجلله شؤبوب غيث منقب
فغادر صرعى من حمارٍ وخاضب ... وتيس وثورٍ كالهشيمة قرهب
فقلنا ألا قد كان صيد لقانصٍ ... فخبوا علينا فضل برد مطنب
فظل الأكف يختلفن بحانذٍ ... إلى جؤجؤ مثل المداك المخضب
وظل لنا يومٌ لذيذ بنعمةٍ ... فقل في مقيل نحسه متغيب
حبيب إلى الأصحاب غير ملعنٍ ... يفدونه بالأمهات وبالأب
فيوماً على بقعٍ دقاقٍ صدوره ... ويوماً على سفع المدامع ربرب
وراح يباري في الجناب قلوصنا ... عزيزاً علينا كالحباب المسيب
فلما فرغا من إنشادهما قالت أم جندب زوجة امرئ القيس لبعلها: علقمة أشعر منك لأنك قلت:
فللساق ألهوب وللسوط درةٌ ... وللزجر منه وقع أهوج منقب
فضربت فرسك بسوطك، وامتريته بساقيك، وزجرته بسوطك، وأما فرس علقمة فإنه أدرك ثانياً من عنانه، ولذا قال:
فأقبل يهوي ثانياً من عنانه ... يمر كمر الرائح المتحلب
فغضب امرؤ القيس من قولها وطلقها، فخلفه علقمة عليها ولذا سمي علقمة الفحل؛ لأن كل من عارض شاعراً وغلبه سمي فحلاً.
وقال امرؤ القيس أيضاً:
وسالفة كسحوق الليان ... أضرم فيه الغوي السعر
وقال أبو تمام يمدح الحسن بن وهب على فرس أهداه له:
نعم متاع الدنيا حباك به ... أروع لا جيدرٌ ولا جبسُ
أصفر منه كأنه محة البي ... ضة صافٍ كأنه عجس
هاديه جذعٌ من الأراك وما ... خلف الصلا منه صخرة جلس
يكاد يجري تلجادي من ماء عط ... فيه ويجنى من متنه الورس
هذب في جنسه ونال المدى ... بنفسه فهو وحده جنس
أحرز آباؤه الفضيلة مذ ... تفرست في عروقها الفرس
ليس بديعاً منه ولا عجباً ... أن يطرق الماء ورده خمس
يترك ما مر مذ قبيل به ... كأن أدنى عهد به الأمس
وهو إذا ما ناجاه فارسه ... يفهم عنه ما يفهم الإنسُ
وهو ولما تهبط ثنيته ... لا الربع في جريه ولا السدس
وهو إذا ما رنا بمقلته ... كانت سخاماً كأنها نقس
وهو إذا ما أعرت غرته ... عينيك لاحت كأنها برس
ضمخ من لونه فجاء كأن ... قد كسفت في أديمه الشمس
كل ثمين من الثناء له ... غير ثنائي فإنه بخس
هذب عمي به صقيل من ال ... فتيان أقطار عرضه ملس
سامي القذالين والجبين إذا ... نكس من لؤم فعله النكس
وقال أبو العلاء المعري:
أمامك الخيل مسحوباً أجلتها ... من فاخر الوشي أو من ناعم السرقِ
كأنما الآل يجري في مراكبها ... وسط النهار وإن أسرجن في الغسق
كأنها في نضار ذائب سبحت ... واستنقذت بعد أن أشفت على الغرق
ثقيلة النقض مما حليت ذهباً ... فليس تملك غير المشي والعنق
تسمو بما قلدته من أعنتها ... منيفة كصوادي يترب السحق
السرق: الحرير (فارسي معرب) ، والآل: السراب. والمراكب: كل آلة تكون على الفرس وقت ركوبها، ويترب: - بالتاء المثناة فوق - هي اليمامة، وقال عقبة بن مكدم:
في تليل كأنه جذع نخل ... مستهل مشذب الأكراب
وقال امرؤ القيس:
ومرقبةٍ كالزج أشرفتُ فوقها ... أقلب طرفي في فضاء عريض
فظلتُ وظل الجون عندي بلبده ... كأني أعدي عن جناح مهيض
فلما أجن الشمس عني غوارها ... نزلت إليه قائماً بالحضيض
يباري شباة الرمح خد مذلق ... كصفح السنان الصلبي النحيض
أخفضه بالنقر لما علوته ... ويرفع طرفاً غير جافٍ غضيض
وقد أغتدي والطير في وكناتها ... بمنجرد عبل اليدين قبيض
له قصريا عيرٍ وساقا نعامة ... كفحل الهجان ينتحى للغضيض
(1/41)

يجم على الساقين بعد كلاله ... جموم عيون الحسي بعد المخيض
ذعرت به سرباً نقياً جلودها ... كما ذعر السرحان جنب الربيض
ووالى ثلاثاً واثنتين وأربعاً ... وغادر أخرى في قناة رفيض
فآب إياباً غير نكدٍ مواكلٍ ... وأخلف ماء بعد ماءٍ فضيض
وسن كسنيق سناء وسنماً ... ذعرتُ بمدلاج الهجير نهوض
فالشاهد في قوله: (يباري شباة الرمح خد مذلق ... البيت) ، فإنه وصف خده بكون أملس، وبأنه يباري حد الرمح إذا مد فارسه رمحه، وذلك من طول عنقه، وقال الوزير أبو عامر بن أرقم:
فتى الخيل يقتادها ذبلا ... خفافاً تباري القنا الذابلا
ترى كل أجرد سامي التلي ... ل تحسبه غصناً مائلا
وجرداء إن أوجست صارخاً ... تذكرك الظبية الخاذلا
إذا شنهن بأرض العدا ... يصير عاليها سافلا
وقال المتنبي:
في سرج ظامئة الفصوص طمرة ... يأبى تفردها بها التمثيلا
نيّالةِ الطلبات لولا أنها ... تعطي مكان لجامها مانيلا
تندى سوالفها إذا استحضرتها ... وتظن عقد عنانها محلولا
فقوله: (نيّالة الطلبات) أي: تدرك كلما تطلبه إن أحضرت ولو لم تعط رأسها لوضع اللجام في فيها ما ناله أحد من طول عنقها. وقال طفيل:
طوال الهوادي والمتون صليبةٌ ... مغادير فيها للأمير معقب
وقال الأعشى:
والقارح العدى وكل طمرة ... لا تستطيع يد الطويل قذالها
وقال: غدا بتليلٍ كجذع الخضا_ب حر القذال طويل الغسن الغسن شعر المعرفة والناصية والذنب. وقال مالك بن زغبة:
وذات مناسب جرداء بكر ... كأن سراتها كر مشيق
تنيف بصلهب للخيل عالٍ ... كأن عموده جذعٌ سحوق
تراها عند قبتنا قصيراً ... ونبذلها إذا باقت بؤوق
أي: منسوبة الأب والأم، وسراتها: أعلاها، والصلهب: العنق، أي: إذا أشرفت ترى عنقها كأنه نخلة طويلة من شدة طوله.
وقال غيلان بن حريث:
يستوعب البوعين من جريره ... من لد لحييه إلى منحوره
أي من لحييه إلى نحره يستوعب باعين من الخيل. وقال آخر:
الحمد يعذلني على إمساكها ... ويقول قد أفنيت ما لا يحسب
فحلفت لا أنفك عنه شظية ... جرداً وسياط المسدة سلهب
لما رأيت قبيلة مسعودة ... بالخيل يسعفها الرهان فتحلب
صافيت مهتز اللدان كأنه ... نار تراوحه اليدان مدرب
أما إذا استقبلته فكأنه ... جذع سما فوق النخيل مسردب
وإذا تصفحه الفراش معرضاً ... فيقول سرحان القطا المتنصب
أما إذا استدبرته فيشوقه ... ساق تقمصها وظيف أجذب
منه وجاعره كأن حماتها ... لما كشطت الجد عنها أرنب
ومفرق الجنبين دكت فوقه ... حصد وسابقة تظل تقلب
وترى اللجام يصل في أشداقها ... متنفس رحب وجوف حوشب
وحزامه باعٌ إذا ما قسته ... يعيى له حيزومه والمثقب
وقال عدي بن زيد:
مشرف الهادي له غسن ... يعرق العلجين إحضارا
وقال ابن مقبل:
يرخي العذار وإن طالت قبائله ... في حزةٍ مثل سنف المرخة الصفر
القبائل: سيور اللجام، واحدتها: قبلة، وقال:
وحاوطني حتى ثنيت عنانه ... على مدبر العلباء ريان كاهله
أي: عنقه طويل وفي علبائه إدبار. وقال ابن زمرك وزير الغني بالله الأندلسي:
وكتيبة أردفتها بكتيبةٍ ... والخيل تمرح في الحديد وترفل
من كل منخفر كلمعة بارق ... بالبدر يسرج والأهلة ينعل
أوفى بهاد كالظليم وخلفه ... كفل كما ماج الكثيب الأهيل
حتى إذا ملك الكمي عنانه ... يهوي كما يهوي بجوٍ أجدل
وقال زهير:
وملجماً ما إن ينال قذاله ... ولا قدماه الأرض إلا أنامله
القذال: جماع مؤخر الرأس، ومعقد العذار من الفرس خلف الناصية.
وقال ابن دريد:
سامي التليل في دسيعٍ مفعمٍ ... رحب اللبان في أمنيات العجى
سامي التليل: مرتفع العنق، والدسيع: مفرز العنق في الكاهل، والمفعم: الممتلئ من اللحم، والأمينة: الصلبة، واللبان: ما يجري عليه اللبب، والعجى: كل عصبة في يد أو رجل. وقال سلامة بن جندل:
(1/42)

يرى في الدسيع إلى هادٍ له تلع ... في جؤجؤ كمداك الطيب مخضوب
وقال ابن هانئ:
وكأنما الجرد الجنائب خردٌ ... سفرت تشوق متيماً متبولا
تعنو لمن تعنو الملوك لعزه ... فيكون أكثر مشيها تبجيلا
ويجل عنها قدره حتى إذا ... راقته كانت نائلاً مبذولا
من كل يعبوبٍ يجيد فلا ترى ... إلا قذالاً سامياً وتليلا
وكأن بين عنانه ولبانه ... رشأ يزيغ إلا الكناس خذولا
لو تشرئب له عقيلة ربرب ... ظنته جؤذر رملها المكحولا
إن شيم أقبل عارضاً متهللاً ... أو ريع أدبر خاضعاً إجفيلا
تتبين اللحظات فيه مواقعاً ... فتظن فيه للقداح مجيلا
يتزيل الأروى على صهواته ... ويبيت في وكر العقاب نزيلا
يهوي بأم الخشف بين فروجه ... ويقيد الإدمانة العطبولا
صلتان يعنف بالبروق لوامعاً ... ولقد يكون لأمهن سليلا
يستغرق الشأو المغرب صافناً ... ويجيء سابق حلبة مشكولا
والمرغوب من أوصاف إناث الخيل هو المرغوب من أوصاف ذكورها إلا أنه ينبغي أن تكون قليلة لحم اللهزمة أي موضع القلادة ورقة الخيشوم والشفة وقرب ما بين الفخذين لأنه إذا اتسع استرخت ودخلها الريح وطول القيام على المعلف وقلة النوم وأن يكون حضرها وثباً لا تمغطاً. قال سنان العبدي:
أما إذا ما أقبلت فمطارة ... كالجذع شذبه نفي المنجل
أما إذا ما أعرضت فقليله ... ضخم مكان حزامها والمركل
أما إذا تشتد فهي نعامة ... تنفي سنابكها صلاب الجندل
وقال امرؤ القيس:
إذا أقبلت دباءةٌ ... من الخضر مغموسة في الغدر
وإن أدبرت قلت أثفية ... ململمة ليس فيها أثر
أو اعترضت قلت سرعوفة ... لها ذنبٌ خلفها مسبطر
شبهها بالدباءة: لرقة أولها وغلظ آخرها، والأثفية: الحجر التي تنصب عليها القدر، والململمة: المجتمعة، والأثر: - بالضم - أثر الجرح أي ليس بها خدش، والسرعوفة قليلة اللحم والمسبطر الطويل، أي: إن استقبلتها فكأنها مقعية لإشراف عنقها، وإن استدبرتها فكأنها تحبو من استواء عجزها، وإن استعرضتها فكأنها مستوية لإشراف أقطارها، وقال الشاعر:
أما إذا استقبلته فكأنه ... نار تكفكف أن يطير وقد جرى
أما إذا استدبرته فنزاله ... ساق قموص الدفع عاردة النسا
أما إذا استعرضته متمطراً ... فتقول هذا مثل سرحان الغضى
ولقد علمت على توقي الردى ... أن الحصون الخيل لا عدت العدا
إني وجدت الخيل عزاً ظاهراً ... تنجي من الغما ويكشفن الدجى
وتبين الثغر المخوف طلائعاً ... وتبين للصعلوك همة ذي الغنى
يخرجن من خلل الغبار عوابثاً ... كأصابع المقرور أقعى فاصطلا
وقال أبو دؤاد:
كالسيد ما استقبلته وإذا ... ولى تقول ململم ضرب
لام إذا استعرضته ومشى ... متتابعاً ما خانه عقب
يمشي كمشي نعامةٍ تبعت ... أخرى إذا هي راعها خطب
وقال الأعشى:
أما إذا استقبلته فكأنه ... جذع سما فوق النخيل مشذب
وإذا تصفحه الفوارس معرضاً ... فتقول سرحان الغضى المتصوب
أما إذا استدبرته فتسوقه ... ساق يقصمها وظيف أحدب
منه وجاعرة كأن حماتها ... لما كشفت الحبل عنها أرنب
وقال لبيد بن ربيعة العامري:
ولقد حميت الحي تحمل شكتي ... فرط وشاحي إذ غدوت لجامها
فعلوت مرتقباً على ذي هبوةٍ ... حرجٍ إلى أعلامهن قتامها
حتى إذا ألقت يداً في كافر ... وأجن عورات الثغور ظلامها
أسهلت وانتصبت كجذع منيفةٍ ... جرداء يحصر دونها جرامها
رفعتها طرد النعام وشله ... حتى إذا سخنت وخف عظامها
قلقت رحالتها وأسبل نحرها ... وابتل من زبد الحميم حزامها
ترقى وتطعن في العنان وتنتحي ... ورد الحمامة إذ أجد حمامها
(1/43)

الشكة: السلاح، والفرط: الفرس السريع، والشاهد في قوله: (أسهلت وانتصبت كجذع منيفة) أي: رفعت عنقها كجذع النخلة الطويلة العالية كونها جرداء يضيق صدر من أراد قطع ثمرها لعجزه عن ارتقائها، وقد أخطأ بمدحه فرسه بالعرق بقوله وابتل من زبد الحميم حزامها، حيث أن عرق الخيل مذموم، قال امرؤ القيس:
فصاد لنا عيراً وثوراً وخاضباً ... غداة ولم ينضح بماء فيغسل
وقال:
فأدرك لم يعرق مناط عذاره ... يمر كخذروف الوليد المثقب
فغادر صرعى من حمار وخاضبٍ ... وتيس وثور كالهشيمة قرهب
الخذروف: كعصفور، شيء يدوره الصبي بخيط في يديه فيسمع له دوي. قال ابن مقبل:
هاج الوليد بخيط مبرم خلق ... بين الرواجب في عود من العشر
وقال آخر:
فصاد ثلاثاً كجذع النظا ... م لم ينطلق ولم يغسل
ومما يستدل به على طول عنق الفرس أن يكال من ابتداء شعر المعرفة مما يلي الظهر إلى ما بين فتحتي المنخرين ثم يكال من منبت المعرفة أيضاً إلى نهاية العسيب فإن كان المقدم أطول دل على عتقه وإن كان التالي أطول دل على هجنته وإن تساويا كان متوسطاً.
ومنها أن تكون مرتفعة الرأس والأكتاف والكفل ملسة الظهر ضخمة الصدر ضامرة الكليتين مكتنزة اللحم، قال ابن دريد:
بذاك أم بالخيل تعدو المرطى ... ناشزة أكتادها قب الكلى
الخيل: اسم جمع لا واحد له من لفظه، وقال أبو عبيدة واحدة خائل، وسمي بذلك لأنه يختال في مشيه، وجمع الخيل: خيول، والفرس: أفراس، ويشترك في اسم الفرس الذكر والأنثى، وحكى ابن جني والضراء فرسة، ولا تصغر بخلاف الذكر فإنه يصغر على فريس، ولفظه مشتق من الافتراس، أي: افترس الأرض بسرعته، ويسمى راكبه: فارساً، ويجمع على: فوارس شذوذاً، ويقولون لركاب الخيل: فرسان، ويقولون لمن أحسن ركوبها: ركبة - بالكسر -، ويركبها العرب والعجم، وتقول لركاب النجب والهجن: ركبان، ولا يستعملها إلا العرب خاصة، وربما قاتلوا عليهما، قال العنبري:
فليت لي بهم قوماً إذا ركبوا ... شنوا الإغارة فرساناً وركبانا
وقال شبيب بن شيبة لقيت خالد بن صفوان على حمار فقلت له: أين أنت عن الخيل؟ قال: تلك للطلب والهرب ولست طالباً ولا هارباً، قلت: فأين أنت من البغال؟ قال: تلك للأثقال ولست ذا ثقل، قلت: فأين أنت عن البراذين؟ قال: تلك للمسرعين ولست مسرعاً، قلت: فماذا تصنع بحمارك؟ قال: أدب عليه دبيباً وأقرب عليه تقريباً وأزور إذا شئت عليه حبيباً. ثم لقيته بعد ذلك على فرس فقلت له يا أبا صفوان ما فعل الحمار؟ قال بئس الدابة، إن أرسلته ولّى، وإن استوقفته أدلى، قليل الغوث كثير الروث، بطيء عن الغارة، سريع إلى الغرارة، لا تنكح به النساء ولا تهرق به الدماء، وقال جرير بن عبد الحميد: لا تركب الحمار فإن كان حديداً أتعب بدنك وإن كان بليداً أتعب رجلك، والمرطى عدو دون التقريب.
قال طفيل الغنوي:
تقريبه المرطى والجون معتدل ... كأنه سبدٌ بالماء مغسول
وأنواع السير: العنق، ثم الخبب، وهو دون العنق لأنه خطو فسيح أو نقل الفرس أيامنه جميعاً وأياسره جميعاً، ثم التقريب، وهو أن: يوقع يديه في العدو معاً ويضمهما معاً، أو أن يضع يديه موضع رجليه، وهو دون الحضر، والإنضاء: الإفراط في السير، والناشزة: المرتفعة، والأكتاد: جمع كتد - بفتح التاء وكسرها - وهو ما بين الكاهل والوسط، والكاهل: أعلى الكتفين وما يليه من أصل العنق، والكلى: جمع كلية أو كلوة.
وقال الشاعر:
ترى العلافي عليها موفدا ... كأن برجاً فوقها مشيدا
الموفد الحارك المشرف، وقال عمرو بن العاص:
شبت الحرب فأعددت لها ... مشرف الحارك محبوك الثبج
يصل الشر بشر فإذا ... وثب الخيل من الشر معج
جرشع أعظمه خفرية ... فإذا ابتل من الماء حرج
الشرة: النشاط، والمعج: السريع، وقال ابن مقبل:
ذعرت به العير مستوزياً ... شكير حجافله قد كتن
المستوزي: المشرف المنتصب. قال أبو دؤاد:
نبيل النواهض والمنكبين ... حديد المحازم ناتي المعد
النبيل: الحسن، والناهض: لحم العضد، والمنكب: مجمع رأس الكتف، والمعد: الحارك، ويقال له: الصرد، قال الشاعر:
خفيف النعامة ذو ميعةٍ ... كثيف الفراسة ناتي الصرد
(1/44)

النعامة: الدماغ، والميعة: الناصية الطويلة السائلة، والصرد: الحارك، وأسفله يسمى المنسبح، وإشرافه لا يعتري إلا عتاقها؛ ولذا يجعل للسرج سناف ليثبت مكانه ولا يتأخر، والسناف: سير يجعل فوق اللبب.
وقال ابن دريد:
ومشرف الأقطار خاظ نحضه ... حابي القصير جرشع عرد النسا
قريب ما بين القطاة والمطا ... بعيد ما بين القذال والصلا
أقطار الفرس: ما أشرف منه؛ كالرأس والعجز والكانبة وهي منقطع العرف، والخاظي: المكتنز، والنحض: اللحم، والحابي: المرتفع، والقصير: آخر الأضلاع، والجرشع: ضخم الصدر منفتح الجنبين، والعرد: الشديد، والنسا: عرق في الفخذ، لحيم قوي ظاهر، يستبطن الفخذين حتى يصير إلى الحافر، فإذا هزلت الدابة خفي وإذا سمنت جرى بينهما وظهر؛ كأنه حية، فإن قصر كان أشد لزة لرجليها، وإن كان فيه توتير كان أسرع لقبضهما وبسطهما، إلا أنه لا يسرع المشي، ولذا كان شنجه ممدوحاً في العتاق، مذموماً في الهماليج؛ لأن العتاق للجري، والهماليج: للسير، والهملجة: مقاربة الخطا مع الإسراع، والارتجال: خلط العنق بشيء من الهملجة، والعنق: مباعدة الخطا والوسع في الجري، ولذا يوصف البرذون والبغل والحمار بالفره دون العتيق. وعيب على عدي بن زيد قوله:
بضافٍ يعري جله عن سراته ... يبذ الجياد فارهاً متتابعا
والقطاة: مقعد الردف، والمطا: الظهر، والقذال: جماع مؤخر الرأس، والصلا: ما عن يمين الذنب وشماله، وقال ابن الرقاع:
وترى لفر نساه غيباً غامضاً ... قلق الخصيلة من فويق المفصل
أي: انفلقت فخذاه لما سمن، فجرى النسا واستبان، وقال طفيل:
وعارضتها رهواً على متتابع ... شديد القصير خارجي محنب
الخارجي: كل من فاق جنسه ونظيره، وقال امرؤ القيس:
كميتٍ يزل اللبد عن حال متنه ... كما زلت الصفواء بالمتنزل
الحال: موضع اللبد من الفرس، والصفواء: الحجر اللينة الملساء، والمتنزل: الذي ينزل عليها، أي أنه أملس المتن يزل عنه اللبد كما تزل الصفواء بالمتنزل. فالمطلوب في متن الفرس قلة لحمه، ولذا خطّأ الأصمعي أمرأ القيس في وصفه المتن بكثرة اللحم بقوله:
لها متنتان خظاتا كما ... اكب على ساعديه النمر
أي: لها متنتان كساعدي النمر البارك في غلظها.
وقال ابن دريد:
مداخل الخلق رحيب شجرة ... مخلولق الصهوة ممسود وأي
مداخل الخلق: مجتمعه، والرحيب: الواسع، والشجر ما بين اللحيين، والمخلولق: الأملس، والصهوة: مقعد الفارس، والممسود: المفتول، ووأي: السريع الشديد، قال النابغة:
لقد لحقت بأولى الخيل تحملني ... كبداء لا شنج فيها ولا طنب
الطنب: طول الظهر، وقال الجعدي:
مثل هميان العذاري بطنه ... أبلق الحقوين مشطوب الكفل
وقال حميد بن ثور:
موشحة الأقراب أما سراتها ... فملس وأما جلدها فذهيب
وقال ابن الأحمر:
بمقلص درك الطريدة متنه ... كصفا الخليقة بالفضاء اللبد
الخليقة: الصخرة التي لا كسر فيها ولا وصم، وقال آخر:
أمرت عزيزاه ونيطت كرومه ... إلى كفل راب وصلب موثق
الكرمة: رأس الفخذ المستدير، كأنه جوزة، وقال أبو دؤاد:
مزح الدهر فأعددت له ... مشرف الحارك محبوك الكتد
وقال آخر:
على محبوك السراة كأنه ... عقاب هوت من من مرقب وتعلت
وقال امرؤ القيس:
لها كفل كصفاة المسي ... ل أبرز عنها جحاف مضر
الصفاة: الصخرة الملساء، أي: أن كفله كالصخرة الملساء التي جرى عليها السيل وأذهب ما كان عليها من الغبار، والجحاف: السيل الذي يجحف، أي: يحمل كل شيء مضر، فشبه كفله بالصفاة التي يجري عليها السيل حتى صفت وأملست، وهو المطلوب في الكفل، لأن الفرق عيب، وقال أيضاً:
له كفل كالدعص لبده الندى ... إلى حارك مثل الغبيط المذأب
الدعص: الكثيب الصغير من الرمل، والغبيط: قتب الهودج، والمذأب: الواسع، أي: أن كفله مملس مستوٍ وحاركه مشرف، فهو مع الحارك مثل الغبيط. وقال:
وقد أغتدي والطير في وكناتها ... بمنجرد قيد الأوابد هيكل
مكر مفر مقبل مدبر معاً ... كجلمود صخر حطه السيل من عل
كميت يزل اللبد عن حال متنه ... كما زلت الصفواء بالمتنزل
(1/45)

على العقب جياش كأن اهتزامه ... إذا جاش فيه حميه غلي مرجل
مسح إذا ما السابحات على الونى ... أثرن غباراً بالكديد المركل
يطير الغلام الخف عن صهواته ... ويلوي بأثواب العنيف المثقل
دريرٍ كخذروف الوليد أمره ... تقلب كفيه بخيطٍ موصل
له أيطلا ظبيٍ وساقا نعامةٍ ... وإرخاء سرحان وتقريب تتفل
كأن على الكتفين منه إذا انتحى ... مداك عروسٍ أو صلاية حنظل
كأن دماء الهاديات بعرفه ... عصارة حناء بشيب مرجل
فعن لنا سرب كأن نعاجه ... عذارى دوارٍ في ملاء مذيل
فأدبرن كالجزع المفصل بينه ... بجيد معم في العشيرة مخول
فألحقنا بالهاديات ودونه ... أواخرها في صرة لم تزيل
فعادى عداءً بين ثورٍ ونعجةٍ ... دراكاً ولم ينضح بماء فيغسل
وظل طهاة اللحم من بين منضجٍ ... صفيف شواءٍ أو قديرٍ معدل
ورحنا وراح الطرف ينفض رأسه ... متى ما ترق العين فيه تسهل
وبات عليه سرجه ولجامه ... وبات بعيني قائماً غير مرسل
وأنت إذا استدبرته سد فرجه ... بضاف فويق الأرض ليس بأعزل
المداك: الحجر الذي سحق عليه الطبيب، والصلاية: الحجر الأملس الذي يستخرج بدمه دهن الحنظل، والهاديات: المتقدمات، وعصارة الحناء: ما يبقى من أثرها، والمرجل: المشط، وشبه دماء الصيد على عرفه بما جف من الحناء على شعر الأشيب، وذلك لأنهم كانوا إذا ذبحوا الصيد يطلون عرف الفرس به، والسرب: القطيع، والدوار: اسم صنم كانوا يدورون حوله في الجاهلية، والملاء: جمع ملاءة وهي الملحفة، والجزع: خرزة فيه سواد وبياض، والجيد: العنق، والمعم: كريم الأعمام، والمخول: كريم الأخوال، والصرة: الصيحة، وعادى: والى بين صيدين، والطهاة: جمع طاه وهو الطابخ، والصفيف: من اللحم: الرقيق، والقدير: الذي طبخ في القدر، والطرف: كريم الطرفين، أي أنه ينفض رأسه من المرح والنشاط، ومتى نظرت العين أعلاه نظرت أسفله لكمال صورته، وبهاء حسنه، وقوله: (وبات بعيني ... إلخ) أي: بات قائماً بمرأى عيني حيث تراه يأكل علفه غير مرسل إلى المرعى.
ومنها أن تكون طويلة الذراعين والساقين غليظتهما منتصبن كساقي النعامة وأول من شبه فرسه بالظبي والنعامة والسرحان امرؤ القيس بقوله:
له أيطلا ظبي وساقا نعامة ... وإرخاء سرحان وتقريب تتفل
الأيطل: الخاصرة، وخص الظبي بذلك لأنه ضامر الأيطل، وخص النعامة لأنها طويلة الساقين صلبتهما، والإرخاء: سهولة الجري مأخوذ من الرخاء وهي الريح السهلة، والسرحان: الذئب، والتتفل: ولد الثعلب.
وقال طرفة بن العبد:
ولولا ثلاث هن من لذة الفتى ... وجدك لم أحفل متى قام عودي
فمنهن سبق العاذلات بشربة ... كميت إذا حلت بماء تزبد
وكري إذا نادى المضاف محنباً ... كسيد الغضافي الضحية المتورد
وتقصير يوم الدجن والدجن معجبٌ ... ببهكنةٍ تحت الخباء المعمد
وقد أخذ هذا المعنى ابن نهيك عبد الله الأنصاري فقال:
ولولا ثلاث هن من عيشة الفتى ... وجدك لم أحفل متى قام رامس
قمنهن سبق العاذلات بشربة ... كان أخاها مطلع الشمس ناعس
ومنهن تجريد الكواعب كالدمى ... إذا ابتز عن أكفالهن الملابس
ومنهن تقريط الجواد عنانه ... إذا استبق الشخص القوي الفوارس
التقريط: جعل العنان وراء الأذن عند طرح اللجام.
وقال امرؤ القيس:
فلأياً بلأيٍ ما حملنا وليدنا ... على ظهر محبوك السراة محنب
الحنب والتحنيب - بالحاء المهملة -: اعوجاج قليل في الساقين، هو محمود في الحيل إذا لم يفرط و - بالجيم -: توتير في الرجلين، قال الشاعر:
هل لك في أجود ما قاد العرب ... هل لك في الخاص غير المؤتسب
جذل رهان في ذراعيه حلب ... أذل إن قيد وإن قام نصب
وقال النابغة الجعدي:
في مرفقيه تقاربٌ وله ... بلدة نحر كجبأة الخزم
البلدة: منقطع الفهدتين من أسفلها إلى عضدها، والجبأة: خشبة الحذاء شبه بها صدر الفرس في الاستدارة، ويروى: (وبركة زور) .
وقال بشر بن أبي حازم:
تسوف للحزام بمرفقيها ... يسد خواء طبييها الغبار
(1/46)

أي: إذا استفرغت الجري نسفت حزامها بمرفقيها، وإذا ملأت فروجها عدواً سد الغبار ما بين طبييها، وقال أبو النجم:
وانسف الجالب من أندابه ... أغباطنا الميس على أصلابه
وقال امرؤ القيس:
وساقان كعباهما أصمعا ... ن لحم حمايتهما منبتر
الأصمع: اللطيف، والحماة: عضلة الساق، وقال الشاعر:
له ساقا ظليم خا ... ضبٍ فوجئ بالرعب
حديد الطوف والمنك ... ب والعرقوب والقلب
وقال ابن دريد:
ركبن في حواشبٍ مكتنةٍ ... إلى نسورٍ مثل ملفوظ النوى
ركبن: أي القوائم، والحوشب: موصل الوظيف في الرسغ، والمكتن: المستور، والنسر: لحمة في باطن الحافر، والملفوظ: المطروح، ويقال للحافر: السنبك، ولحرفيه: الحاميتان، ولمؤخره: الدابرة، وقال امرؤ القيس:
ولم أشهد الخيل المغيرة في الضحى ... على هيكل نهد الجزارة جوال.
سليم الشظى عبل الشوى شنج النسا ... له حجبان مشرفات على الفالي
الهيكل: الفرس الطويل، والنهد: الضخم المشرف، والجزارة: القوائم.
قال الأعشى:
ولا نقاتل بالعصا ... ولا نرامي بالحجاره
إلا علالة أو بدا ... هة قارح نهد الجزاره
والجوال النشيط السريع في الإدبار والإقبال،وعبل الشوى غليظ القوائم قوي العصب،قال عنترة العبسي:
تمسي وتصبح فوق ظهر حشية ... وابيت فوق سراة أدهم ملجم
وحشيتي سرج على عبل الشوى ... نهد مراكله، نبيل المحزم
المراكل: المواضع التي تصيب رجل الفارس من الجانبين إذا استوى على ظهر الفرس، والشظا: عظم لاصق بالذراع، والشوى: اليدان والرجلان والنسا عرق في الفخذ، وقال خفاف بن ندبة:
عبل الذراعين سليم الشظى ... كالسيد يوم نقرة الصادر
وقال ربيعة بن مقروم الضبي:
ولقد شهدت الخيل يوم طرادها ... بسليم أوظفة القوائم هيكل
متقاذفٍ شنج النسا عبل الشوى ... سباق أبدية الجياد عميثل
لو لم أكفكفه لكان إذا جرى ... منه الغريم يدق فاس المنجل
وإذا جرى منه الحميم رأيته ... يهوى بفارسه هوي الأجدل
وإذا تعلل بالسياط جيادها ... أعطاك نائبه ولم يتعلل
الوظيف: مستدق الذراع والساق، ولكل من ذوات الأربع ثلاثة مفاصل الفخذ والساق والوظيف، ثم الحافر أو الخف أو الظلف، وفي يديه ثلاثة مفاصل، العضد والذراع، والوظيف، ثم الحافر، أو الخف أو الظلف. وقصر الذراعين من عيوب الفرس، قال الأصمعي: لم يسبق أدن قط إلا أدن بني يربوع، والأدن قصير الذراعين.
ومنها أن يكون عسيبها قصيراً رقيقاً وبهذا يفرق العتيق وغيره، لأن الغير يصل عسيبه إلى خاصرتيه وسبيبها طويل. قال ابن دريد:
طويل ذيل وسبيب وطلا ... قصير ظهر وعسيب ونسا
السبيب: شعر الناصية والعرف والذنب، والطلا: - بالضم - العنق، وتحمد الناصية الطويلة كثيرة الشعر، وتذم القصيرة الخفيفة، قال ابن جندل:
من كل حت إذا ما ابتل ملبده ... صافي الأديم أسيل الخد يعبوب
وليس أسفى ولا أقنى ولا سفل ... يسقي دواء قفي السكن مربوب
الحت: السريع، واليعبوب: واسع الجري، والأسفى: خفيف الناصية، والأقنى: الذي في أنفه احد يداب، والسفل: سيء الخلق، والقفية: ما يؤثر به الضيف، والمربوب: المربى، والسفا: ممدوح في البغال والحمير، مذموم في الخيل، والعسيب عظم الذنب، والممدوح في الخيل قصره، والنسا: عرق يستبطن الفخذين من الورك إلى الحافر، قال امرؤ القيس:
ضليعٌ إذا استدبرته سد فرجه ... بضافٍ فويق الأرض ليس بأعزل
الضليع: القوي العظيم، والفرج: فضاء ما بين اليدين والرجلين، والضافي: السابغ، والأعزل: الذي يميل ذنبه إلى أحد شقيه، والمعنى: قوي يسد ما بين رجليه من الفضاء بذنب سابغ مرتفع عن الأرض غير مائل إلى أحد الشقين، وقد خطئ البحتري بقوله:
ذنب كما سحب الرداء يذب عن ... عرف وعرف كالقناع المسبل
لأن الذنب إذا مس الأرض كان عيباً، فكيف إذا سحبه وإنما الممدوح ما قرب من الأرض ولم يمسها، وقال أبو القاسم الحسن بن بشر في الموازنة بين أبي تمام والبحتري وقد عيب على امرئ القيس قوله:
لها ذنب مثل ذيل العروس ... تسد به فرجها من دبر
(1/47)

وما أرى العيب لحق امرأ القيس في هذا لأن العروس إذا كانت تسحب ذيلها فليس ينكر تشبيه الذنب به وإن لم يمس الأرض لأن الشيء يشبه بالشيء إذا قرب منه أو دنا من معناه فإن أشبهه في أكثر أحواله فقد صح التشبيه ولاق به وإن امرأ القيس لم يقصد أن يشبه طول الذنب بطول ذيل العروس وإنما أراد مشابهته له بالسبوغ والكثرة والكثافة. ألا تراه قال تسد به فرجها من دبر. وقد يكون الذنب طويلاً يكاد يمس الأرض ولا يكون كثيفاً، بل يكون رقيقاً، نزر الشعر خفيفاً لا يسد فرج الفرس، فلما قال تسد به فرجها علم أنه أراد الكثافة والسبوغ مع الطول، فتشبيه الذنب الطويل بذيل العروس من هذه الجهة تشبيه صحيح لا عيب فيه، ولا يحكم عليه بأنه قصد بذلك سحبه على الأرض، وإنما العيب في قول البحتري: ذنب كما سحب الرداء حيث صرح بأنه سحب ذنبه كما يسحب الرداء، ومثل قول امرئ القيس قول خداش بن زهير:
لها ذنب مثل ذيل الهدي ... إلى جؤجوءٍ أيد الزافر
الهدي: العروس التي تهدى إلى زوجها، والزافر: الصدر، لأنها تزفر منه، فقد أراد بذيل العروس طوله وسبوغه، وشبه الذنب السابغ به، وإن لم يمس الأرض بطوله، ومما يصحح ذلك قولهم: (فرس ذيال) إذا كان طويلاً طويل الذنب، فإذا كان قصيراً طويل الذنب، قالوا (ذائل) ، وإنما قالوا ذلك تشبيهاً للذنب بالذيل لا غير، قال النابغة:
بكل مدجج كالليث يسمو ... إلى أوصال ذيال رفن
المدجج: شاكي السلاح، والرفن والرفل: طول الذنب. وقد استقصيت الاحتجاج لبيت امرئ القيس فيما بينته من سهو أبي العباس عبد الله بن المعتز فيما ادعاه على امرئ القيس من الغلط، انتهى بتصرف.
أقول وقد غلط ابن حمديس الصقلي كما غلط البحتري فقال:
ومجرد في الأرض ذيل عسيبه ... حمل الزبرجد منه جسم عقيق
يجري كلمع البرق في آثاره ... من كثرة الكبوات غير مفيق
ويكاد يخرج سرعة من طله ... لو كان يرغب في فراق رفيق
وقد عيب على امرئ القيس أيضاً قوله:
وأسحم ريان العسيب كأنه ... عثاكل قنوٍ من سميحة مرطب
لأن ريان العسيب غليظه وهذا مما لا يمدح به إلا الإبل لا غير.
قال الشاعر:
وتلف حاذيها بذي خصل ... ريان مثل قوادم النسر
الحاذي: الذنب، والضمير راجع إلى الناقة، والحاذ: ما يقع عليه الذنب من جانبي الفخذين، وقال المتنبي:
أتاهم بأوسع من أرضهم ... طوال السبيب قصار العسب
وقال:
أغر أعداؤه إذا سلموا ... بالهرب استكثروا الذي فعلوا
يقبلهم وجه كل سابحةٍ ... أربعها قبل طرفها تصل
جرداء ملءِ الحزام مجفرةً ... يكون مثل عسيبها الخصل
إن أدبرت قلت لا تليل لها ... أو أقبلت قلت ما لها كفل
الجرداء: قصيرة الشعر، والمجفرة: واسعة الجنبين، والخصل: جمع خصلة، أي: كثيرة شعر الذنب، والتليل: العنق، والكفل: الردف، والممدوح فيهما الإشراف، والمعنى: إن تأملتها رأيتها مشرفة عند إقبالها بعنقها وعند إدبارها بعجزها، وقال علي بن جبلة:
تحسبه أقعد في استقباله ... حتى إذا استدبرته قلت أكب
ومنها أن تكون ممحصة القوائم، أي: قليلة لحمها، قوية خالصة من الرهل، أي: الاسترخاء، قال الشاعر:
محص فرافص أشرفت حجباته ... بنضو السوابق زاهق قرد
الممحص والفرافص: معناهما واحد، أي: قوية قوائمه خالصة من الرهل، والحجبات من الفرس: ما أشرفت من صفات البطن على وركيه.
وقال رؤبة:
شديد جلز الصلب ممحوص الشوى ... كالكر لا شخت ولا فيه لوى
الكر: الحبل، والشخت: الدقيق الضامر لا من هزال، واللوى: اعوجاج الذنب، يقال: (لوى ذنب الفرس) إذا اعوج، وهو عيب، ولو كان اعوجاجه خلقة.
ومنها أن تشيل أذنابها عند شدة العدو ويسمى عند أهل الشام التصنيع، قال علقمة بن شيبان بن عدي:
ولقد شهدت الخيل يوم طرادها ... فطعنت تحت كنانة المتمطر
ونطاعن الأبطال عن أبنائنا ... وعلى بصائرنا وإن لم نبصر
ولقد رأيت الخيل شلن عليكم ... شول المخاض أبت عن المتغبر
أي: رأيتكم والخيل تعدو عليكم رافعة أذنابها رفع النوق الحوامل إذا طلب أحد حلب غبرها، أي: بقية ما في ضرعها من اللبن، وقال قطبة بن أوس الملقب بالحادرة:
(1/48)

ونحن نمعنا من تميمٍ وقد طغت ... مراعي الملا حتى تضمنها نجد
كمعطفنا يوم الكفافة خيلنا ... لتتبع أخرى الجيش إذ بلغ الجد
على حين شالت واستخفت رجالهم ... حلائب أحيال يسيل بها الشد
إذا هي شك السمهري نحورها ... وحامت على الأبطال أتعبها القد
تكر سراعاً في المضيق عليهم ... وتثني بطاء ما تخب ولا تعدو
فأثنوا علينا لا أبا لأبيكم ... بإحساننا إن الثناء هو الخلد
وقال المفضل النكري:
تشق الأرض شائلة الذنابى ... وهاديها كأن جذع سحوق
وقال النمر:
جموم الشد شائلة الذنابى ... تخال بياض غرتها سراجا
وقال الحطيئة:
ولن تفعلوا حتى تشول عليهم ... بفرسانها شول المخاض اقمطرت
عوابس بالشعث الكماة إذا ابتغوا ... علالتها بالمحصدات أضرت
المحصدات: السياط المفتولة، والعلالة: الجري بعد الجري. وقال بشار:
والخيل شائلة تشق غبارها ... كعقارب قد رفعت أذنابها
فشبه الخيل الرابفعة أذنابها بالعقارب الرافعة لأذنابها. وقال المتنبي:
رمى الدرب بالجرد الجياد إلى العد ... وما علموا أن السهام خيول
شوائل تشوال العقارب بالقنا ... لها مرح من تحته وصهيل
فقد استحق المتنبي بصنيعه بيت بشار حيث أخذ معناه وزاد عليه لأنه جعل الخيل شائلة بالقنا كما تشول العقارب بأذنابها وإن لها من الطعن ما للعقارب من اللسع، وقال الصفي الحلي:
وكتيبة تذر الصهيل رواعدا ... والبيض برقاً والعجاج سحائبا
حتى إذا ريح الجلاد حدت لها ... مطرت فكان الوبل نبلاً صائبا
بذوائب ملد يخلن أراقماً=وشوائل جرد يخلن عقاربا
تطأ الصدور من الصدور كأنما ... تعتاض من وطء التراب ترائبا
وقال غني بن مالك:
دفعنا الخيل شائلة عليهم ... وقلنا بالضحى فيحي فياحي
وقال عدي بن خرشة الحظمي:
ويكشف نخوة المحتال عني ... جراز كا لعقيقة إن لقيت
واقدر مشرف الصهوات شاظ ... كميت لا احمق ولا شيت
الشاظي: الذي يرفع ذنبه في عدوه والأحمق الذي يضع حافر رجليه موضع يديه والشئيت: الذي يقصر موقع حافر رجليه عن موقع حافر يديه وهما عيب بخلاف الأقدر وهو الذي يفوت موقع حافر يديه وهو محمود والكرب الذي يضرب بيده باستقامة ولا يفلتها نحو بطنه وهو عيب خلقي وأما أهل المغرب فيكرهون شيل أذناب الخيل ويعدونه من عيوبها وأكره ما يكون عندهم شيل ذنب الأنثى وجميع أجناس خيل الشام تشيل أذنابها عند العدو إلا الجنس المسمى عندهم بالجافة فإن أفرادها لا تشيله.
فائدة: إذا شق من جلد أصل ذنب الفرس الذي يعزل ذنبه مقدار شبر وسلخ الجلد من الجانبين حتى يظهر العسيب، ثم يقطع اللحم الذي على جانبي العسيب، ويحشى الجرح بالزبل اليابس ليحبس الدم، ثم يلقى بعض جلده إلى بعض، ويربط ثلاثة أيام، ثم يطوى بالخل والعسل، ويدهن بالمرهم حتى يبرأ، فإنه لا يعزل بعد ذلك.
ومنها أن تكون ضامرة البطن. قال الصفي الحلي:
لمن الشوازب كالنعام الجفل ... كسيت جلالاً من غبار القسطل
يبرزن في حلل العجاج عوابساً ... يحملن كل مدرع ومسرنل
شبه العرائس تجتلى فكأنها ... في الخدر من ذيل العجاج المسبل
فعلت قوائمهن عند طرادها ... فعل الصوالج في كرات الجندل
فتظل ترقم في الصخور أهلة ... بسنا حوافرها وإن لم تنعل
يحملن من آل العريض فوارسا ... كالأسد في أجم الرماح الذبل
وقال أيضا:
وكتيبة ضرب العجاج رواقها ... من فوق أعمدة القنا المران
نسج الغبار على الجياد مدارعا ... موصولة بمدارع الفرسان
ودم بأذيال الدروع كأنه ... حول الغدير شقائق النعمان
حتى إذا استعر الوغى وتتبعت ... بيض الصفاح مكامن الأضغان
وبرزت تلفظك الصفوف إليهم ... لفظ الزناد سواطع النيران
بأقب يعصي الكف ثم يطيعه ... فتراه بين تسرع وتوان
قد أكسبته رياضة سواسه ... فتكاد تركضه بغير عنان
كالصقر في الطيران والطاووس في ال ... خطرات والخطاف في الروغان
يرنو إلى حبك السماء توهما ... إن المجرة حلبة الميدان
(1/49)

لو قيل عج نحو السماء مبادرا ... وطئت يداه دوابر الدبران
أو قيل جز فوق الصراط مسارعا ... لمشى عليه مشية السرطان
وقال أبو العلاء المعري:
وتحتي الكر إدماجا وفوقي ... نظير الكر في ديم وهتن
وقبله:
كأني لم أرد الخيل تردي ... إذا استقيتها علقا سقتني
ألاقي الدارعين بغير درع ... وأدعو باالمدجج لا تفتني
كأن جيادهم أسراب وحش ... أصرعهن من ربد وأتن
وما أعجلت عن زرد حذارا ... ولاكن المفاضة أثقلتني
أكلت منكبي سمر العوالي ... وحمل الساربري أكل متني
وقد أغدو بها قضاء زغفا ... وتكفيني المهابة ما كفتني
وتحتي الكر إدماجا وفوقي ... نظير الكر في ديم وهتن
أعاذل طالما أتلفت مالي ... ولكن الحوادث أتلفتني
الرديان: ضرب من العدو والعلق: الدم والمدجج: شاكي السلاح والسرب: قطيع البقر والظباء وغيرها والربد: النعام، والأتن: الإناث من الوحش، والزرد: الدرع، والمفاوضة: الدرع الواسعة، والزغف: الدرع اللينة الواسعة المحكمة، والكر الأول: الحبل، والإدمادج: إحكام الفتل، والكر الثاني: الغدير، والديم: المطر الدائم، وهتن المطر: هطل، وقال أبو تمام:
وحاذه بسيوف طالما شهرت ... فأخلفت مترفا ما كان فسك رجا
وشرب مضمرلت طالما خرقت ... من القتام كان الوغى نسجا
وقال أيضا:
ألم يجلب الخيل من بابل ... شوازب مثل قداح الساء؟
وقال ابن الصعق:
بمنجب مثل العقا ... ب تخاله للضمر قدحا
وقال آخر:
بالخيل عابسة زورا مناكبها ... تعدو شوازب بالشعث الصناديد
الشوازب: الضوامر، وقال عنترة:
نأتي الصريخ على جيادٍ ضمرٍ ... خمص البطون كأنهن ثعالي
من كل شهواء اليدين طمرة ... ومقلصٍ عبل الشوى ذيال
وقال المتنبي:
وشزبٌ أحمت الشعرى شكائمها ... ووسمتها على آنافها الحكم
حتى وردن بسمنين بحيرتها ... تنش بالماء في أشداقها اللجم
وأصبحت بقرى هنزيط جائلةً ... ترعى الظبى في خصيبٍ نبته اللمم
الشعرى: نجم يطلع في فصل الصيف، والشكيمة: رأس اللجام، والحكم: ما أحاط بحنكي الفرس من لجامه، والمعنى: حميت حدائد لجمها بحرارة الهواء حتى وسمت أنوف الخيل، ثم وردت بحيرة سمنين، فلما أصاب الماء سمع لها نشيش في أضداقها كأنها محماة على النار، وسقيها الماء باللجم لئلا يحصل لها ضرر، وقال امرؤ القيس:
وإن أمس مكروباً فيا رب غارةٍ ... شهدت على أقب رخو اللبان
على ربدٍ يزداد عفواً إذا جرى ... مسح حثيث الركض والزألان
ويخدى على صم صلابٍ ملاطس ... شديدات عقد لينات مثان
وغيثٍ من الوسمي حو نباته ... تبطنته بشيظم صلتان
مكر مفر مقبل مدبر معاً ... كتيس ظباء الحلب العدوان
إذا ما جنباه تأوَّد متنه ... كعرق الرخامى اهتز في الهطلان
القب: الضامر، والرخو: اللين، يقال فرس رخوة، أي: سهلة مسترسلة، واللبان: - بالفتح - الصدر، أي: أنه لين الأعطاف واسع الصدر، والربذ: الخفيف القوائم في المشي، والعفو: الجري بلا مشقة، والذئلان: المر الخفيف، ومنه تسمية الذئب ذؤالة، والمعنى كلما زاد جريه زاد نشاطه ويحذى: أي يسرع على حوافر صلاب، والملطاس: المعول والعقد: الرسغ، والمثاني: المفاصل التي تنثني، والوسمي: أول مطر يقع في الأرض، والحو: الخضر، والتلاع: ما ارتفع من الأرض، والشيظم: الطويل، والصلتان: - محركة - النشيط. وقوله: (مكر الخ ... ) أي: أنه قد ضمر للجري فنشاطه نشاط ذكر الظباء, والتأود: التثني: والمتن: الظهر, وتجنيب الفرس: ركوب فارسه ناقة وقوده بجانبها لوقت الحاجة: وقال عنترة:
وغداة صبحن الجفار عوابساً ... يهدي أوائلهن شعث مشزب
وقال المتنبي:
ورميك الليل بالجنود وقد ... رميت أجفانهم بتسهيد
فصبحتهم رعالها شزبا ... بين ثبات إلى عباديد
الضمير في رعاللها للخيل, وقال أبو إسحاق ابن الحاج النميري الأندلسي:
أقول لجرد الخيل قبا بطونها ... معقدة منها لحرب سباسب
طوالع من تحت العجاج كأنها ... نعام بكثبان الصريم خواضب
(1/50)

محجلة غرأ كأن رعالها ... بحار جرت فيها والجنائب
من الاعوجيات الصوافن ترتمي ... إذا رجعت يوم القراع مقانب
وقال الأشتر النخعي:
بقيت وفري وانحرفت عن العلا ... ولقيت أضيافي بوجه عبوس
إن لم أشن على ابن حرب غارة ... لم تخل يوماً من نهاب نفوس
خيلاً كأمثال الثعالي شزّباً ... تعدو ببيضٍ في الكريهة شوس
حمي الحديد عليهم فكأنه ... ومضان برقٍ أو شعاع شموس
الثعالي: الغيلان. وقال آخر:
وهل رد عنه باللقان وقوفه ... صدور المذاكي والمطهمة القبا
وقال المنخل بن الحارث اليشكري:
وعلى الجياد الضمرا ... ت فوارس مثل الصقور
يخرجن من خلل الغبا ... ر يجفن بالنعم الكثير
أقررت عيني من أؤل ... ئك والفواتح بالعبير
وقال زفر بن الحارث:
ولما لقينا عصبة تغلبية ... يقودون جردا للمنية ضمرا
سقيناهم كأساً سقونا بمثله ... ولكنهم كانوا على الموت أصبرا
وهي من الشهادة لأعدائه بالصبر والشجاعة.
وقال أبو القاسم بن هاني يمدح جعفر بن علي من قصيدة:
القائدي الخيل العتاق شوازباً ... خزراً إلى لحظ السنان الأخزر
شعت النواصي حشرة آذانها ... قب الأياطل داميات الأنسر
تنبو سنابكهن عن عفر الثرى ... فيطأن في جد العزيز الأصفر
وقال النابغة الذبياني:
تأتي الجياد من الجولان قائضة ... من بين منعلة ترجى ومجنوب
حتى استغاثت بأهل الملح ما طمعت ... في منزل طعم نوم غير تأويب
ينضحن نضح المزاد الوفر اتأفها ... شد الرواة بماء غير مشروب
قب الأياطل تردى في أعنتها ... كالخاضبات من الذعر الظنابيب
شعث عليها مساعير لحربهم ... شم العرانين من مرد ومن شيب
وقال:
وقد زحفوا لغسان بزحف ... رجيب السرب أرعن مر جحن
بكل مجرب كالليث يسمو ... على أوصال ذيال رفن
وضمر كالقداح مسومات ... عليها معشر أشباه جن
ومنها أن تكون بعيدة ما بين الكعبين حتى لا يضرب بعضها بعضاً، قال ابن دريد:
لا صكك يشينه ولا فجا ... ولا دخيس واهنٌ ولا شظى
لو اعتسفت الأرض فوق متنه ... تجوبها ما خفت أن يشكو الوجى
يجري فتكبو الريح في غاياته ... حسرى تلوذ بجراثيم السحا
تظنه وهو يرى محتجباً ... عن العيون إن دأى وإن ردى
الصكك: تقارب الكعبين وتدانيهما حتى يضرب بعضهما بعضاً، والصدف: خلافه، وهو تداني الفخذين وتباعد الحافرين في التواءٍ في الرسغين أو ميل في الحافر إلى الشق الوحشي، فإن مال إلى الأنثى فهو القفد، والكتف: الذي انضمت كتفاه على وسط كاهله، والذي فيه انفراج أعالي الكتفين من عراضيفها مما يلي الكاهل، وكل هذه عيوب، والشين: العيب، والفجا: الفجج، وهو تباعد ما بين الكعبين بإفراط، والدخيس: موصل الوظيف في الرسغ، والعظيم: الذي في جوف الحافر، والوهن: الضعف، والشظى: عظم لاصق بالذراع إذا تحرك قيل شظى الفرس، أو: انتثار العصب وانشقاقه، والاعتساف: السير على غير هداية، والمتن: الظهر، وجوب الأرض: قطعها، والوجى: بلوغ الوجع إلى باطن الرسغ، والكبو: السقوط، وحسرى: معيية، وتلوذ: تدور، والذأى والردى: ضرب من العدو، وهو التقريب. وقال النابغة الجعدي:
وقد أكون أمام القوم تحملني ... جرداء لا فجج فيها ولا صكك
وقال العجاج:
لا فجج يرى بها ولا فجا ... إذا حجاجا كل جلد محجا
وقال المتنبي:
خرجن من النقع في عارض ... ومن عرق الركض في وابل
فلما نشفن لقين السياط ... بمثل صفا البلد الماحل
شفن لخمس إلى ما طلبن ... قبيل الشفون إلى نازل
فدانت مرافقهن الثرى ... على ثقة بالدم الغاسل
وما بين كاذتي المستغير ... كما بين كاذتي البائل
فلقين كل ردينيةٍ ... ومصبوحة لبن الشائل
(1/51)

فدانت مرافقهن: أي ساخت قوائمها في التراب إلى مرافقها، ثقة بأن الدم الذي يجريه ركابها يغسله ذلك التراب، والكاذة: لحم الفخذ، والمستغير: طالب الغارة، وشبه تفجج الفرس من شدة عدوه بتفجج البائل؛ لئلا يصيبه رشاشه، والردينية: الرماح، والسائلة: الناقة التي جف لبنها، فلا يصبح به إلا الفرس الكريم.
ومنها: أن يكون جلد البطن قوياً شديداً، قال النابغة الجعدي:
كأن مقط شراسيفه ... إلى طرف القنب فالمنقب
لطمن بترسٍ شديد الصفا ... ق من خشب الجوز لم يثقب
الشرسوف: مقطع الضلع المشرف على البطن، والصفاق: جلد البطن، والقنب: وعاء القضيب، والمنقب: وقد أخذه ابن مقبل فقال:
كأنما بين جنبيه ومنقبه ... من جوزه ومناط الليث ملطوم
بترس أعجم لم تنخر مناقبه ... مما تحير في آطامها الروم
وقال مرة بن محكان:
كالسيد لم ينقب البيطار سرّته ... ولم يسمه ولم يلمس له عصبا
وقال آخر:
أقب لم يلمس البيطار سرته ... ولم يدجه ولم يغمز له عصبا
وذلك أن البيطار ينقب بطن الدابة في سرتها حتى يسيل منها ماء أصفر ومنها أن يكون الشعر الذي في الخاصرة قوياً صلباً قال الشاعر:
طويل الحدا سليم الشظى ... كريم المراح صليب الخرب
الحدا: سالفة الفرس، وهو ما تقدم من عنقه، والخرب: الشعر المقشعر في الخاصرة، وقال الجعدي:
شديد فلاة الموقفين كأنما ... به نفسٌ أو قد أراد ليزفرا
ومنها أن يكون الشعر المتدلي في مؤخر الرسغ طويلاً أسود ويسمونه الثنن، قال امرؤ القيس:
لها ثنن كخوافي العقا ... ب سود يفين إذا تزبئر
يفين: أي يكثرن، والازبئرار: الانتفاش.
ومنها أن تكون حوافرها مدورة صلبة ليس فيها تقشر، وأن تكون سوداء أو خضراء؛ لأن البياض إن لم يكن عن تحجيل لا يكون إلاّ عن رقة الحافر قال امرؤ القيس:
لها حافرٌ مثل قعب الولي ... دركب فيه وظيف عجر
القعب: القدح الصغير، والوليد: الصبي، أي: إن حافرها صغير كقدح الصبي، وذلك ممدوح لثباته، والوظيف: مستدق الذراع والساق، والعجر: الصلب. وقال ابن المعتز:
وقد أغتدي بقارحٍ ... مسوم يعبوب
ينفي الحصى بحافرٍ ... كالقدح المكبوب
قد ضحكت غرته ... في موضع التقطيب
ولقد أبدع الببغا عبد الواحد المخزومي بقوله:
وكأنما نقشت حوافر خيله ... للناظرين أهلة في الجلمد
وكأن طرف الشمس مطروف وقد ... جعل الغبار له مكان الإثمد
وقال حازم في مقصورته:
يلقى الصفا الصم بوقع سنبك ... لا يشتكي من وقع ولا حفا
تراه في الهيجاء مخضوب فمٍ ... من لوكه للجم، مخضوب الشوى
وقال كعب:
سمر العجايات يتركن الحصى زيماً ... لم يقهن رؤوس الأكم تنعيل
زيماً: أي متفرقة. وقال آخر:
وحافرٍ صلب العجى مدملقٍ ... وساق هيضواتها معرق
المدملق: الحجر المدور الأملس، وقال رؤبة:
بكل موقوع النسور أخلقا ... لئم يدق الحجر المدملقا
وقال حسان بن ثابت رضي الله عنه:
كأن حماتيها أرنبان ... تقبضتا خيفة الجندل
وقال خالد بن عبد الرحمن:
كأن حماتها كردوس فحل ... مقلصة على ساقي ظليم
وقال أبو دؤاد:
له بين حواميه ... نسور كنوى القسب
وقال ابن دريد:
يرضخ بالبيد الحصى فإن رقى ... إلى الربا أورى بها نار الحبا
وضمنه الصفي الحلي بقوله:
لأجعلن معقلي ... مطهماً صلب المطى
يرضخ بالبيد الحصى ... وإن رقى إلى الربى
يكابر السمع اللحا ... ظ إثره إذا جرى
إذا اجتهدت نظراً ... في إثره قلت سنى
جاد به ابن الملك ال ... منصور منصور اللوا
الرضخ: - بالخاء المعجمة وبالحاء المهملة - التكسير، والبيد: القفار، والرقي: الارتفاع، والربا: ما ارتفع من الأرض، وأراد بالحبا: الحباحب، وهي دويبة تبرق بالليل كالنار التي تخرج من حوافر الخيل، قال الشاعر:
إذا افترشت خمساً أثارت بمتنه ... عجاجاً وبالكدان نار الحباحب
وقال أبو العلاء المعري:
لقد جشمت طرفك مثقلاتٍ ... فجشمهن أربعة عجالا
(1/52)

أذال الجري منه زبرجدياً ... وما حق الزبرجد أن يذالا
وقد يلقى زبرجده عقيقاً ... إذا شهد الأمير به قتالا
أخف من الوجيه يداً ورجلاً ... وأكرم في الجياد أباً وخالا
وكل ذؤابةٍ في رأس خودٍ ... تمنى أن تكون له شكالا
يود التبر لو أمسى حديداً ... إذا حذي الحديد له نعالا
التجشيم: التكليف، والطرف: الفرس الكريم، ولا يوصف به إلاّ الذكر خاصة، والمعنى: تسوم فرسك ما يهمك، وهو يسوم قوائمه العجلة لتبلغ مرادك، وقال الصفي الحلي:
وعادية إلى الغارات ضجاً ... تريك لقدح حافرها التهابا
كأن الصبح ألبسها حجولاً ... وجنح الليل قمصها إهابا
جياد في الجبال تخال وعلاً ... وفي الفلوات تحسبها عقابا
إذا ما سابقتها الريح فرت ... وأبقت في يد الريح الترابا
وقال المتنبي:
وجرداً مددنا بين آذانها القنا ... فبتن خفافاً يتبعن العواليا
تماشى بأيد كلما وافت الصفا ... نقشن به صدر البزاة حوافيا
وقال امرؤ القيس:
ويخطو على صم صلابٍ كأنها ... حجارة غيل وراساتٌ بطحلب
الوارسات المصفرات والطحلب ما على الماء من الخضرة. وقال آخر:
لا رحح فيها ولا اصطرار ... ولم يقلب أرضها البيطار
الرحح: الحافر العريض والمصطر: المتقبض، وقال الأعشى:
وكل كميت كجذع الخضا ... ب يردى على سلطان اللثم
الخضاب: النخلة والسلطات: الحوافر واللثم: الصلب، وقال آخر:
يترك خوار الصفا ركوبا ... بمكربات قعبت تقعيبا
المكرب الصلب والقعب قدح من خشب يشبه به الحافر بالاستدارة. وقال آخر:
بكل وأب للحصى رضاخ ... ليس بمصطرٍ ولا فرشاخ
الوأب: الشديد القوي، والفرشاخ: المنبطح، وقال طرفة بن العبد:
من عناجيج ذكور وقح ... وهضبات إذا ابتل الغدر
الوقح: صلابة الحافر، والعناجيج: الجياد من الخيل، والهضب: العرق وقال أبو النجم:
لا تشتكي الحوافر الصموحا ... يلتحن وجهاً بالحصى الملتوحا
الصموح الشديد، وقال الأحمر الباهلي:
تمشي بأوظفة شداد أسرها ... صم السنابك لا تفي بالجدجد
الوظايف: مستدق الذراع والساق، والأسر: شدة الخلق، والجدجد: الأرض الصلبة، وقال علقمة:
وقد أقود أمام الحي سلهبة ... يهدى بها نسب بالحي معلوم
لا في شظاها ولا أرساغها عتب ... ولا السنابك أفناهن تقليم
سلاءة كعصي الهند غل لها ... ذو فيئة من نوى قران معجوم
تتبع جوناً إذا ما هيجت زحلت ... كأن دفاً على علياء مهزوم
وقال امرؤ القيس:
كأني لم أركب جواداً ولم أقل ... لخيلي كري كرةً بعد إجفال
ولم أشهد الخيل المغيرة بالضحى ... على هيكلٍ نهد الجزارة جوال
سليم الشظى عبل الشوى شنج النسا ... له حجبات مشرفات على الفال
وصمٌ صلابٌ ما يقين من الوجا ... كأن مكان الردف منه على رال
وقد أغتدي والطير في وكناتها ... كغيث من الوسمي رائده خال
تحاماه أطراف الرماح تحامياً ... وجاد عليه كل أسحم هطال
بعجلزةٍ قد أترز الجري لحمها ... كميت كأنها هراوة منوال
ذعرت بها سرباً نقياً جلوده ... وأكرعه وشي البرود من الخال
كأن الصوار إذ يجاهدن غدوة ... على جمدٍ خيل تجول بأجلال
فجال الصوار واتقين بقرهبٍ ... طويل القرى والروق أخنس ذيال
فعادى عداء بين ثور ونعجة ... وكان عداء الوحش مني على بال
كأني بفتخاء الجناحين لقوةٍ ... صيودٍ من العقبان طأطأت شملال
تخطف خزان الشرية بالضحى ... وقد حجرت منها ثعالب أورال
كأن قلوب الطير رطباً ويابساً ... لدى وكرها العناب والحشف البالي
العجلزة: القوية الشديدة، وهو من الأوصاف المختصة بالأنثى فقط كالسرحوبة، والقيدود: بمعنى الطويلة، وقوله: (يقين) أي: يتقين، والوجا: الحفا، أو: شق حافر الفرس من الصدع، والردف: مقعد المردوف، تسمى القطاة، والرأل: فرخ النعامة، حذفت همزته للضرورة، وقال أبو تمام غالب بن رياح الحجام الأندلسي:
وتحتي ريح تسبق الريح إن جرت ... وما خلت أن الريح ذات قوائم
(1/53)

لها في المدى سبق إلى كل غاية ... كأن لها سبقاً يفوق عزائمي
وهمة نفس نزهتها عن الوجى ... فيا عجباً حتى العلا في البهائم
فلقيه أبو حاتم الحجازي مع جماعة على فرس في غاية الضعف وشدة الوجى، فقال له: يا أبا تمام أنشدني قولك وتحتي ريح الأبيات ... ، فلما أنشدها، قال أبو حاتم لجماعته: ناشدتكم الله أيجوز لحجام على فرس رمكة هزيلة عرجاء رذيلة أن يمدحها بهذه الأبيات؟ فضحك الجماعة عليه وانطلق أبو تمام يسب أبا حاتم من شدة الغيظ، وقال محمد بن الأنباري سمعت البحتري يقول أنشدني أبو تمام نفسه:
وسابحٍ هطل التعداء هتانِ ... على الجراء أمين غير خوان
أظمى الفصوص ولم تظمأ قوائمه ... فخل عينيك في ظمآن ريان
فلو تراه مشيحاً والحصى قلق ... بين السنابك من مثنى ووحدان
ومنها أن يكون الرسغ قصيراً قال لبيد:
ولقد أغدو وما يعدمني ... صاحب غير طويل المحتبل
المحتبل: محل وضع الحبل، وهو الرسغ.
ومنها أن تكون اللحمة التي في باطن الحافر المسماة بالنسر صلبة يابسة، قال الشماخ:
مفج الحوامي عن نسور كأنها ... نوى القسب ترت عن جريم ملجلج
التر: السقوط، والجريم: المصروم، والملجلج: ما مضغ ثم قذف به لصلابته.
وقال ابن دريد:
ركبن في حواشب مكتنةٍ ... إلى نسورٍ مثل ملفوظ النوى
وقال سلمة بن الخوشب:
عدوت بها تدافعني سبوحٌ ... فراش نسورها عجم جريم
وقال العجاج: في رسغ لا يشتكي الحوشبا=مستبطناً من الصميم عصبا الحوشب: حشو الحافر، والذي يكون فيه يسمى الجبة، وما بين اللحم والعصب يسمى: دخيساً، وقال علقمة بن عبدة:
سلاءة كعصي الهند غل لها ... ذو فيئة من نوى قران معجوم
أي لها في بطون حوافرها نسور صلاب كأنها نوى قران.
ومنها أن يكون شعر بدنها رقيقاً قصيراً، قال طفيل بن عوف الغنوي:
وبيتٍ تهب الريح في حجراته ... بأرض عضاة بانه لم يحجب
سمادته أثمال برد مفوف ... وصهوته من اتحمي مصعب
وأطنابه أرسان جرد كأنها ... صدور القنا من باديء ومعقب
يكف على قومٍ تدور رماحهم ... عروق الأعادي من غرير وأشيب
وفينا ترى الطولى وكل سميدعٍ ... مدربٍ حربٍ وابن كل مدرب
طويل نجاد السيف لم يرض خطةً ... من الخسف خواض إلى الموت محرب
وفينا رباط الخيل كل مطهم ... وخيل كسرحان الغضا المتأوب
تباري تراخيها الزجاج كأنها ... ضراء أحست تبأة من مكلب
مغاور من آل الوجيه ولاحق ... عناجيج فيها لذة لمعقب
وكمت مدممة كأن متونها ... جرى فوقها واستشعرت لون مذهب
وآذانها وحف كأن ذيولها ... تجر أشاء من سميحة مطرب
وهضن الحصا حتى كأن رضاضه ... ذرى برد من وابل متحلب
الحجرات: جمع حجرة، بضم الحاء المهملة وسكون الجيم، والعضاهة: الشجرة العظيمة، والوجيه واللاحق: اسمان لفرسين مشهورين، والعناجيج: جياد الخيل، والمدممة: شدة الحمرة المشابهة للدم، والمتن: الظهر، وقال امرؤ القيس:
وقد أغتدي والطير في وكناتها ... بمنجردٍ قيد الأوابد هيكل
مكر مفر مقبل مدبر معاً ... كجلمود صخرٍ حطه السيل من عل
وقال أيضاً:
وقد أغتدي والطير في وكناتها ... بمنجرد عبل اليدين قبيض
وقال:
وقد أغتدي والطير في وكناتها ... وماء الندى يجري على كل مذنب
وقال الأسدي في مقصورته:
وقد أغتدي في سفور الصباح ... بأجرد كالسيل عبل الشوى
له كفل أيد مشرف ... وأعمدة لا تشكي الوجى
وأذن مؤللة حشرة ... وشدق رحاب وجوف هوا
ولحيان مدا إلى منخر ... رحيب وعوج طوال الخطا
له تسعة طلن من بعد أن ... قصرت له تسعة في الشوى
وسبع عرين وسبع كسين ... وخمس رداءٍ وخمس ظما
وسبع قربن وسبع بعد ... ن منه فما فيه عيب يرى
وسبع غلاظ وسبع رقاق ... وصهوة عير ومتن خطا
حديد الثماني عريض الثماني ... شديد الصفاق شديد الظما
وفيه من الطير خمس فمن ... رأى مثله فرساً يقتنى
غرابان فوق قطاة له ... ونسر ويعسوبه قد بدا
(1/54)

كأن بمنكبه إذ جرى ... جناحاً يقلبه في الهوا
وقد استقصى في هذه الأبيات وصف الفرس أتم استقصاء؛ فالسيد: الذئب، ويوصف بالجردة لقلة شعره، والعبل: الممتلئ، والشوى: الأطراف، والكفل: أعلى الوركين، والأيد: القوي، والمشرف: العالي، وأراد بالأعمدة: القوائم - على الاستعارة -، والوجى: وجع في حافر الفرس، إذا رق من المشي حافياً، والمؤللة: المحددة، والحشرة: اللطيفة الرقيقة، والمحمود في أذن الفرس: أن تكون رقيقة الطرف إلى الطول منتصبة، والشدق: الفم، والرحاب: - كالرحيب - الواسع والهواء والفرجة بين الشيئين وقصره للضرورة، قال أبو داؤد:
أجوف الجوف فهو منه هواه ... مثل ما جاف أبزن النجار
الأبزن: فارسي معرب، وهو شيء مجوف يتخذ من الخشب للماء، واللحيان: عظما اللهزمتين وهما اللتان تحت الأذن إلى طرف الفم، وأراد بالعوج رجليه، وبطوال الخطى سعتها لاستلزامها طول الرجل المستلزم لعلو الفرس. والتسعة الطويلة الممدوحة: هي الذراعان والفخذان والخدان والذيل ووالعرف والعنق. والتسعة القصيرة: هي الأرساغ الأربعة والساقان والظهر والعسيب وشعر البدن. والسبعة العارية من اللحم: القوائم الأربع والخدان وما بينهما. والسبعة المكسوة: الفخذان الوركان والجنبان والصدر. وقوله: (وسبع قربن) أي: وسبعة أعضاء قربن من سبعة: وهي رؤوس الأربعة أوظفة من الحوافر وركبتي الرجلين من الرسغين والحارك من القطاة ويلزمه قصر الظهر. والسبع التي بعدت عن مثلها: هي ركبتا اليدين من رسغيها وركبتا الرجلين من الوركين وما بين الأضلاع وبين الرأس والكتف وهو الحارك وبين الناصية والجحفلة. والسبعة الغلاظ: الركب الأربع والفخذان والعنق. والسبعة الرقاق: الأذنان والجحفلتان والأسنان واللسان والشعر، والصهوة: موضع السرج، والعير: حمار الوحش، أي: وفي ظهره قليل انحطاط. والثمانية المحددة، أي رقيقة الأطراف: وهي العرقوبان والأذنان وأطراف اللحيين وطرف العسيب والرأس. والثمانية العريضة: هي الفخذان والوركان والمنكبان واللحيان، وقوله: (شديد الصفاق) أي نواحي الجنبين، والمطا: الظهر، أي: قوي الظهر والجوانب. وقوله: (وفيه من الطير خمس) فسرها بقوله غرابان إلخ ... والغرابان: طرفا الوركين الأسفلين، والقطاة: مقعد الردف، والنسر: بطن الحافر، واليعسوب: الغرة على قصبة الأنف، وقال آخر:
كأن قوادي والقيان هوت به ... من الحقب جرداء اليدين وثيق
الأجرد: الذي رق شعره وقصر، وقال آخر:
وجردٍ طار باطلها تسيلاً ... وأحدث قمؤها شعراً قصارا
وقال عمرو بن كلثوم في معلقته:
وتحملنا غداة الروع جردٌ ... عرفن لنا نقائد وافتلينا
وردن دووارعاً وخرجن شعثاً ... كأمثال الرصائع قد بلينا
ورثناهن عن آباء صدقٍ ... ونورثها إذا متنا بنينا
أي: وتحملنا في الحروب خيل رقيقات الشعر قصيراته عرفن بأنهن لنا، وفطمن عندنا، ودروع الخيل: تجافيفها، أي: وردت وعليها التجافيف، وهي آلة يلبسونها للفرس في الحرب، وخرجت شعثاً قد بليت بعقد الأعنة لما نالها من الكلال والمشاق، وقد ورثناها من آباء كرام صادقين في القول والفعل وترثها منا أبناؤنا بعد موتنا، وقال المتنبي:
ومقانبٍ بمقانبٍ غادرتها ... أقوات وحشٍ كن من أقواتها
أقبلتها غرر الجياد كأنما ... أيدي بني عمران في جبهاتها
الثابتين فروسةً لجلودها ... في ظهرها والطعن في لباتها
العارفين بها كما عرفتهم ... والراكبين جدودهم أماتها
فكأنما نتجت قياماً تحتهم ... وكأنهم ولدوا على صهواتها
إن الكرام بلا كرامٍ منهم ... مثل القلوب بلا سويداواتها
المقنب: الجماعة من الثلاثين إلى الأربعين، والواو في قوله: (والطعن) للحال، أي: أن الطعن نزف الخيل، وهم يثبتون في تلك الحال، وإذا خفضت فمعناه يثبتون في ظهورها ثبات الطعن، وقوله: (والعارفين) أي: أن هذه الخيل تعرفهم كما يعرفونها لأنها تناسلت عندهم، وجدودهم كانوا يركبون أماتها - ويقال الأمات فيما لا يعقل، والأمهات تطلق على من يعقل، ويجوز العكس - ويشبهه قول الصفي الحلب في السيد النقيب مجد الدين:
إذا افتخر الأقوام يوماً بمجدهم ... فإنك من قوم بهم يفخر المجد
(1/55)

تعود متن الصافنات صغيرهم ... إلى أن تساوي عنده السرج والمهد
وقوله في السلطان الصالح شمس الدين:
من القوم في متن الجياد ولادهم ... كأن متون الصافنات مهود
غيوث لهم يوم الجياد من الظبا ... بروق ومن وطء الجياد رعود
وقول أبي العلاء المعري:
يا ابن الألى غير زجر الخيل ما عرفوا ... إذا تعرف العرب زجر الشاء والعكر
والقائديها مع الأضياف تتبعها ... ألافها وألوف اللأم والبدر
جمال ذا العصر كانوا في الحياة وهم ... بعد الممات جمال الكتب والسير
وافقتهم في اختلاف من زمانكم ... والبدر في الوهن مثل البدر في السحر
الموقدون بنجد نار باديةٍ ... لا يحضرون وفقد العز في الحضر
إذا همى القطر شبتها عبيدهم ... تحت الغمائم للسارين بالقطر
من كل أزهر لم تأشر ضمائرهم ... للثم خدٍ ولا تقبيل ذي أشر
لكن يقبل فوه سامعي فرسٍ ... مقابل الخلق بين الشمس والقمر
كأن أذنيه أعطت قلبه خبراً ... عن السماء بما يلقى من الغير
يحس وطء الرزايا وهي نازلةٌ ... فينهب الجري فعل الحارث المكر
من الجياد التي قد كان عودها ... بنو الفصيص لقاء الطعن بالثغر
تغني عن الورد أن سلوا صوارمهم ... أمامها لاشتباه البيض بالغدر
وكانوا يزجرون الخيل بلفظة: هلا أو اجذم أو هيا أو أرحب. قال الكميت:
نعلمها هيا وهلا وأرحبا ... واجذم في أبياتنا ولنا قدم
وقال عدي بن الرقاع:
هن عجم وقد علمن من القو ... ل هيا واقدمي رآء وقومي
روي أن رجلاً عرض بليلى الأخيلية بقوله:
ألا حييا ليلى وقولا لها هلا ... فقد ركبت طرفاً أغر محجلا
فأجابته:
تعيرني داءً بأمك مثله ... وأي جواد لا يقال له هلا
ومنها أن تكون كثيرة المنازعة للجام، قال ابن مقبل:
وأخلج نهاماً إذا الخيل أرعلت ... جرى بسلاح الكهل والكهل أجرد
الأخلج: الطويل الذي يخلج العنان، أي: يجذبه، وقال حسان بن ثابت رضي الله عنه:
تظل جيادنا متمطراتٍ ... يلطمهن بالخمر النساءُ
يناعن الأعنة مصعداتٍ ... على أكتادها أسدٌ ضراء
يلطمهن: أي ينفضن الغبار عنهن بخمرهن، وقال الأفوه الأزدي:
وخيل عالكات اللجم فينا ... كأن كماتها أسد الضريب
وقال طرفة بن العبد:
وفحول هيكلات وقح ... أعوجيات على الشأو أزم
وقنا جرد وخيل ضمر ... شذب من طول تعلاك اللجم
وقال كعب بن مالك:
ونزائعاً مثل الجبال نأى بها ... علف الشعير وجودة الأقصاب
فتحوط سالمة الذمار وتارة ... تردي العدا وتؤوب بالأسلاب
وقال آخر:
تغضب أحياناً على اللجام ... كغضب النار على الضرام
أي: تعض على اللجام من حرصها كالغضبانة. وقال آخر:
وترى الكميت أمامه ... وكأنه رجل مغاضب
وقال بشر:
إذا خرجت أوائلهن شعثاً ... محجلة نواصيها قتام
ينازعن الأعنة مصغيات ... كما يتفارط الثمد الحيام
وقال خفاف بن ندبة:
وخيل تهادى لا هوادة بيننا ... شهدت بمدلوك المعاقم محنق
المدلوك: المدكوك، والمعاقم: فقر بين الفريدة والعجب في مؤخر الصلب، والحنق: الغضب، وقال عنترة:
تقدم وهو مصطبر مصر ... بقارحة على فاس اللجام
وقال يزيد بن الحكم الثقفي:
واعلم بأن الحرب لا ... يسطيعها المرح السؤوم
والخيل أجودها المنا ... هب عند كبتها الأزوم
الأزوم: العضوض على اللجام، وقال أبو فراس الحمداني:
وسرنا بالخيول إلى نمير ... تجاذبنا أعنتها جذابا
وقال ابن عبد الصمد:
على سابح فرد يفوت بأربع ... له أربع منها الصبا والشمائل
من الصبح خوان العنان كأنه ... مع البرق سار أو مع الليل سائل
وقال النصيب في مدح الفضل بن الربيع:
قاد الجياد إلى العداة كأنها ... رجل الجراد تسوقهن جنوب
وقنا تبارى في الأعنة شزباً ... تدع الحزون كأنهن سهوب
من كل مضطرب العنان كأنه ... ذيب يبادره الفريسة ذيب
تهوى بكل مغاور عاداته ... صدق اللقاء فما له تكذيب
(1/56)

وقال المعقر بن أوس:
وكل طموح في العنان كأنها ... إذا اغتمست في الماء فتخاء كاسر
لها ناهض في المهد قد نهدت له ... كما نهدت للبعل حسناء عاقر
وقال النابغة الذبياني:
خيل صيام وخيل غير صائمة ... تحت العجاج وأخرى تعلك اللجما
يقال: صام الفرس إذا قام على غير اعتدال. وقال:
وأخرج من تحت العجاجة صدره ... وهز اللجام رأسه فتصلصلا
وأم هوانا لا ينادي وليده ... وشد ومر بالعنان ليرسلا
وقال أبو العلاء:
أليس الذي قاد الجياد مغذةً ... روافل في ثوبٍ من النقع ذائل
يكاد يذيب اللجم تأثير حقدها ... فيمنعها من ذاك برد المناهل
وما وردتها من صدى غير أنها ... تريد بورد الماء حفظ المساحل
وعادت كأن الرثم بعد ورودها ... أعرن احمرار الأفق فوق الجحافل
وقال:
كماة إذا الأعراف كانت أعنةً ... فمغنيهم حسن الثبات عن الحزم
يطيلون أرواق الجياد وطالما ... ثنوهن عضبا غير روق ولا جم
إذا ملأتهن القنا جبريه ... وغيظاً فأوقعن الحفيظة باللجم
ورفتن مجدول الشكيم كأنما ... أشرن إلى ذاوٍ من النبت بالأزم
فوارس حرب يصبح المسك مازجاً ... به الركض نقعاً في أنوفهم الشم
وقال فرة بن قيس بن عاصم:
فصبحهم بالجيش قيس بن عاصم ... فلم يجدوا إلا الأسنة مصدرا
على الجرد بعلكن الشكيم عوابساً ... إذا الماء من أعطافهن تحدرا
فلم يرها الراؤون إلا فجأة ... يثرن عجاجاً بالسنابك أكدرا
وقال المتنبي:
تجاذب فرسان الصباح أعنةً ... كأن على الأعناق منها أفاعيا
بعزمٍ يسير الجسم في السرج راكباً ... به ويسير القلب في الجسم ماشيا
قواصد كافورٍ توارك غيره ... ومن قصد البحر استقل السواقيا
ومنها: أن تصفن على أحد حوافر يديها يقال: (صفنت الفرس) إذا قامت على ثلاث وثنت يدها الرابعة، وأما ثني الرجل فعام في العراب وغيرها بخلاف اليد فلا يكاد يوجد إلا في العراب الخلص، قال تعالى: "إذ عرض عليه بالعشي الصافنات الجياد" ومدح ابن هاني أبا القاسم الشيباني بقوله:
وعرين من كل ليث هصورٍ ... كالحِ الناب أسجر الحملاق
فوقه خيطة اللجين تهادى ... بيدي كل بهمةٍ مصداق
من عداد البرهان موجودة ... للخلق فيها دلائل الخلاق
حسنت في العيون حتى حسبنا ... ها تردت محاسن الأخلاق
قد لبسن العجاج معتكر اللون ... ن ولكن الحديد مر المذاق
فإذا ما توجست منه فكراً ... نصبت من مؤللاتٍ دقاق
وتراها حمر السنابك لما ... وطئت في الجماجم الأفلاق
اللواتي مرقن من أضلع النص ... ر له أسهم على المراق
أنت أصفيتهن حب سليما ... ن قديماً للصافنات العتاق
لو رأى ما رأيت منها إلى أن ... تتوارى شمس بسجف العناق
لم يقل ردوها علي ولا يط ... فق مسحاً بالسوق والأعناق
وقال أيضاً:
لك الخير قلدها أعنة أمرها ... فهن الصفون الملجمات العوالك
وقال الكميت:
نعلمهم بها كما علمتنا ... أبوتنا جواري أو صفونا
وقال آخر:
وقام المها يقفلن كل مكبل ... كمارص إيقاً مذهب اللون صافن
وقال الصفي الحلي:
وطرف أدهم الجلباب صافٍ ... خفيف الجري يوم السلم صافن
شديد البأس ذو أمر مطاعٍ ... مضارب كل قرم أو مطاعن
أحب إلي من تغريد شادٍ ... وكأس مدامة في كف شادن
وقال الهجاج:
ألف الصفون فلا يزال كأنه ... مما يقوم على الثلاث كسيرا
وقال عمرو بن كلثوم:
وأيامٍ لنا غر طوالٍ ... عصينا الملك فيها أن ندينا
وسيد معشرٍ قد توجوه ... بتاج الملك يحمي المحجرينا
تركنا الخيل عاكفة عليه ... مقلدة أعنتها صفونا
(1/57)

ومنها: أن لا تثني سنبكها عند شرب الماء وقد مر ما اتفق لسليمان الباهلي مع عمرو بن معدي كرب، وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال لعمرو بن معدي كرب: كيف معرفتك بعراب الخيل؟ قال: معرفة الإنسان بنفسه وأهله وولده. فأمر بأفراس فعرضت عليه فقال: قدموا إليها الماء في التراس وهو وعاءٌ متسع قصير الجدر فمن شرب ولم يثن سنبكه فمن العراب ومن ثناه فليس منها.
ومنها: أن تكون كثيرة خفقان القلب ذكية حذرة. قال كعب بن مالك:
وكل طمرةٍ خفق حشاها ... تدف دفيف صفراء الجراد
الدف: الجري. وقال آخر:
ومكفت فضل سابغة دلاص ... على خيفانةٍ خفق حشاها
وقال آخر:
بشنجٍ موتر الأنساء ... جابي الضلوع طفق الأحشاء
وقال الأعشى:
كم فيهم من شطبة خفيقٍ ... وسابحٍ ذي ميعةٍ ضامر
الشطبة: الفرس الطويلة، ولا يوصف به الذكر.
وقال امرؤ القيس:
على الزيل جياش كأن اهتزامه ... إذا جاش فيه حميه غلي مرجل
وقال عنترة العبسي:
ولي فرس يحكي الرياح إذا جرى ... لأبعد شأواً من بعيد مرام
يجيب إشارات الضمير حساسة ... ويغنيك عن صوتٍ له ولجام
وقال المتنبي:
وأدبها طول القتال فطرفه ... يشير إليها من بعيد فتفهم
تجاوبه فعلاً وما يعرف الوحى ... ويسمعها لحظاً وما يتكلم
وكان للمتنبي في أنطاكية مهر يسمى الطخرور فتعذر عليه المرعى لكثرة الثلج فقال:
ما للمروج الخضر والحدائق ... يشكو خلاها كثرة العوائق
أقام فيها الثلج كالمرافق ... يعقد فوق السن ريق الباصق
ثم مضى لا عاد من مفارق ... بقائد من ذوبه وسائق
كأنما الطخرور باغة آبقٍ ... يأكل من نبت قصير لاصق
كقشرك الحبر عن المهارق ... أروده منه بكالشوذانق
بمطلق اليمنى طويل الفائق ... عبل الشوى مقارب المرافق
رحب اللبان نائه الطرائق ... ذي منخر رحب وإطل لاحق
محجل نهدٍ كميتٍ زاهق ... شادخة غرته كالشارق
كأنها من لونه في بارق ... باقٍ على البوغاء والشقائق
والأبردين والهجير الماحق ... للفارس الراكض منه الواثق
خوف الجبان في فؤاد العاشق ... كأنه في ريد طودٍ شاهق
يشأى إلى المسمع صوت الناطق ... لو سابق الشمس من المشارق
جاء إلى الغرب مجيء السابق ... يترك في حجارة الأبارق
آثار قلع الحلي في المناطق ... مشياً وإن يعد فكالخنادق
لو أوردت غب سحاب صادق ... لأحسبت خوامس الأيانق
إذا اللجام جاءه لطارقٍ ... شحا له شحو الغراب الناعق
كأنما الجلد لعري الناهق ... منحدر عن سيتي جلاهق
بز المذاكي وهو في العقائق ... وزاد في الساق على النقانق
وزاد في الوقع على الصواعق ... وزاد في الأذن على الخرانق
وزاد في الحذر على العقاعق ... يميز الهزل من الحقائق
وينذر الركب بكل سارقٍ ... يريك خرقاً وهو عين الحاذق
يحك أنى شاء حك الباشق ... قوبل من آفقةٍ وآفق
بين عتاق الخيل والعتائق ... فعنقه يربي على البواسق
وحلقه يمكن فتر الخانق ... أعده للطعن في الفيالق
والضرب في الأوجه والمفارق ... والسير في ظل اللواء الخافق
يحملني والنصل ذو السفاسق ... يقطر في كمي على البنايق
لا ألحظ الدنيا بعيني وامق ... ولا أبالي قلة الموافق
أي كبت كل حاسد منافق ... أنت لنا وكلنا للخالق
(1/58)

المروج: مرج، وهو الذي يرسل فيه الدواب، والخلاء: الكلاء الرطب، والعوائق: ما يعوق الشيء، والطخرور: اسم مهره، والمهرقة: الصحيفة، والشوذانق: الشاهين، والضمير في أورد للنبات، وأدخل الباء على الكاف لأنها بمعنى مثل، والفائق: مفصل الرأس، فإذا طال طال العنق، وعبيل الشوى: غليظ الأطراف، وإذا تدانت مرافقه كان أمدح له، واللبان: الصدر، والناته: العالي، والطرائق: الأخلاق، والأطل: الخاصرة، واللاحق: الضامر، والزهق: المتوسط في السمن والهزال، والغرة: الشادخة التي ملأت الوجه، والشارق: ضوء الشمس، والبارق: السحاب، والبوعاء: الترائب، والشقائق: جمع شقيقة، الأرض ذات الرمل والحصا، وقد شبه غرته بالبرق وجسده بالسحاب، وباق: أي صبور، والأبردين: الغداة والعشي، والهجير: شد الحر، وخوف مبتدأ خبره قوله للفارس فيما تقدم، وبز: سبق، والمذاكي: جمع مذاك، الفرس الكبير، والعقائق: جمع عقيقة، الشعر الذي يخرج مع المولود، والنقانق: جمع نقنق، ذكر النعامن والخرانق: جمع خرنق، ولد الأرنب، والعقائق: طيور بلق بسواد وبياض، والخرق: ضد الحذق، والآفق من الشيء: فاضله وشريفه، والبواسق: النخل العالي، والفيالق: الكتتائب من الجيوش، والسفاسق: النصل، والموامق: المحب، وأي: حرف نداء. ولما قتل المهرجين كبست أنطاكية قال:
إذا غامرت في شرف مرومٍ ... فلا تقنع بما دون النجوم
فطعم الموت في أمر حقير ... كطعم الموت في أمر عظيم
ستبكي شجوها فرسي ومهري ... صفائح دمعها ماء الجسوم
قربن النار ثم نشأن فيها ... كما نشأ العذارى في النعيم
وفارقن الصياقل مخلصاتٍ ... وأيديها كثيرات الكلوم
يرى الجبناء أن العجز عقلٌ ... وتلك خديعة الطبع اللئيم
وكل شجاعةٍ في المرء تغني ... ولا مثل الشجاعة في الحكيم
وكم من عائب قولاً صحيحاً ... وآفته من الفهم السقيم
ولكن تأخذ الآذان منه ... على قدر القرائح والعلوم
ومنها: أن تثبت في مشيها كمشي الكلاب في الهراس وهو شوك كأنه حسك. قال النابغة الجعدي:
وشعثٍ يطابقن بالدارعين ... طباق الكلاب يطأن الهراسا
وقال ابن قعين:
إنا إذا الخيل عدت أكداسا ... مثل الكلاب تتقي الهراسا
ومنها: أن تثب ما يعرض أمامها من حفرة وجدار عند الجري.
قال امرؤ القيس:
لها وثبات كوثب الظباء ... فوادٍ خطاءٌ ووادٍ مطر
وقال أيضاً:
وأعددت للحرب وثابة ... جواد المحثة والمرود
سبوحاً جموحاً وأحضارها ... كمعمعة السعف الموقد
وقال القتيبي:
لها وثبات كصوب السحاب ... فوادٍ خطيطٌ ووادٍ مطر
وقال آخر: يملأ عينيك بالفناء ويرضي_ك عقاباً إن شئت أو نزقا يقال: نزق الفرس إذا وثب. وقال المتنبي:
في سرج ظامئةٍ الفصوص طمرةٍ ... يأبى تفردها بها التمثيلا
الطمرة: شديدة الوثب.
ومنها: أن تختال في مشيها، روى الأصمعي أن رجلاً معتوهاً جاء إلى أبي عمرو بن العلاء فقال: يا أبا عمرو ولم سميت الخيل خيلاً؟ فقال: لا أدري بل علمنا نتعلم. فقال: لاختيالها في المشي. فقال أبو عمرو اكتبوا هذه الحكمة وارووها عن معتوه وأنشد الأصمعي:
قد أطرق الحي على سابح ... أسطع مثل الصدع الأجرد
لما أتيت الحي في ودقه ... كأن عرجوناً بمثنى يدي
أقبل يختال في شأوه ... يضرب في الأقرب والأبعد
كأنه سكران أو عابس ... وابن رب حرث المورد
وقال ابن المعتز:
وقد يحضر الهيجاء في شنج النسا ... تكامل في أسنانه فهو فارح
له عنقٌ يغتال طول عنانه ... وصدرٌ إذا أعطيته الجري سابح
إذا مال عن أعطافه قلت شارب ... عتاه بتصريف المدامة طافح
وقال:
ولقد وطئت الغيث يحملني ... طرفٌ كلون الصبح حين وقد
يمشي ويعرض في العنان كما ... صدق المعشق بالدلال وصد
طارت به رجل مرصعةٌ ... رجامة بحصى الطريق ويد
وقال المراد:
شندف أشدق ما روعته ... وإذا طوطئ طياً وطمر
الشندف: المختال في مشيه يميل من النشاط. وقال امرؤ القيس:
وإني زعيمٌ إن رجعت مملكاً ... بسيرٍ ترى منه الفرانق أزورا
(1/59)

على لاحبٍ لا يهتدي بمناره ... إذا ساقه العود النباطي جرجرا
إذا قلت روِّحنا أرن فرانقٌ ... على جلعدٍ واهي الأباجل أبترا
على مقصوص الذنابي معاودٍ ... بريد السر بالليل من خيلٍ بربرا
إذا زعته من جانبيه كليهما ... مشى الهيدبى في دفه ثم فرفرا
أقب كسرحان الغضى متمطرٍ ... ترى الماء من أعطافه قد تحدرا
أي: إذا عاطفته بالزجر من جانبيه كليهما تبختر واختال في مشيه ثم حرك باللجام عبثاً ونشاطاً، وقال:
ويخضد في الآري حتى كأنه ... به عرةٌ من طائف غير معقب
الخضد: شدة المضغ، والعرة: الجنون، والطائف: الشيطان، والمعقب: الملازم.

الفصل الثاني في بيان اختلاف أوصافها باختلاف أقاليمها
فالحجازية حسنة الأحداق رقيقة الحجافل طويلة الآذان صلبة الحوافر جيدة الأرساغ. والنجدية طويلة الأعناق قليلة لحم الخد مدورة الرأس عريضة الكفل رحبة البطن رقيقة القوائم غليظة الأفخاذ. واليمنية: مدورة الأبدان خشنة غليظة القوائم محدبة الكفل خفيفة الأجناب قصيرة الرقاب. والشامية: حسنة اللون لينة الحافر صلعة الجبهة كبيرة الأحداق واسعة الأشداق. والمصرية: طويلة الأعناق حديدة الآذان رقيقة القوائم طويلة الأرساغ قليلة الشعر رديئة الحوافر. والمغربية عظيمة الأعناق غليظة القوائم مدورة الأوظفة ضيقة المناخر عابسة الوجوه طويلة السبيب غزيرة شعره. والإفرنجية: غليظة الأبدان عظيمة الصدر والرقبة ضيقة الكفل؛ روي: أن أشرفها الحجازية، وأعينها النجدية، وأصبرها اليمانية، وأكثرها هملجة المصرية، وأنسلها المغربية، وأفشلها الإفرنجية، وألونها الشامية.
والمشهور من الخيل الشامية والعراقية الآن خمسة: الصقلاوية وأم عرقوب والشويما وكحيلة العجوز وعبية.
(1/60)

قيل: إن الخيل فرت لما وقع سيل العرم، ولحقت بالقفر مع الوحوش، ثم ظهر خمسة من كرائمها في بلاد نجد، فخرج في طلبها خمسة نفر فعثروا عليها، وترصدوا مواردها فإذا هي ترد عيناً في تلك الناحية فعمدوا إلى خشبة وأقاموها بإزاء العين فانحدرت الخيل لتشرب فلما رأت الخشبة نفرت ورجعت ولما أجهدها الظمأ اقتحمتها وشربت. ومن الغد جاؤوا بخشبة أخرى، وأقاموها بجنب الأولى وهكذا إلى أن تركوا فرجة لورودها وصدورها وهي تنفر وتقتحم إلى أن أنست بالأخشاب، فلما وردت سدوا الفرجة من ورائها وتركوها محبوسة إلى أن ضعف نشاطها وأنست بهم ركبوها وطلبوا منازلهم فنفدت أزوادهم وأجهدهم الجوع فتفاوضوا في ذبح واحدة ويجعلون لصاحبها حظاً في الأربعة الباقية ثم بدا لهم أن لا يفعلوا ذلك إلا بعد المسابقة، ويذبحون التي تتأخر فتسابقوا وأرادوا ذبح المتأخرة فأبى صاحبها إلا بعد إعادة المسابقة فتأخر غيرها، فأعادوا المسابقة حتى يرجع الأمر الأولى فلاح لهم قطيع غزلان فطردوه فظفر كل واحد بغزال. وسموا التي سبقت في الأدوار كلها صقلاوية لصقالة شعرها واسم صاحبها جدران فنسبت إليه. والثانية أم عرقوب لالتواء عرقوبها واسم صاحبها شويه فنسبت إليه. والثالثة الشويما لشامات كانت بها واسم صاحبها ساخ فنسبت إليه. والرابعة كحيلة لكحل في عينيها واسم صاحبها العجوز فنسبت إليه. والخامسة عبيه لأن عباءة صاحبها وقعت على ذيلها حين السباق فحملته به إلى آخر الميدان واسم صاحبها شراك فنسبت إليه. ثم تفرع من الصقلاوية الجدرانية الوبيرية ونجمة الصبح والمريعية والقميصية وتفرع من أم عرقوب أشيكي وعن شويمة السباح الكبيشا وعن كحيلة العجوز رأس الفداوي والثامري والجنوب والمعارف والمنديل والمصني والمشهود والنعام والشريف والأخرس والمخلدية وحمدان السامري والطويسية وودنا الخريس والمعنقية والجدرجية والجريبا وأم عامر ويتفرع من عبية الشرال أم جريص والخضر وهدبا البشير. ومن خيل الشام صنف يسمونه عدابه، وينقسم إلى خمسة أقسام: جلفي ومعنقية ودعجانية وجيثنية وقريجة، ويتفرع من هذه الخمسة، فروع، فيتفرع من الجلفي سعد الطوقان والغصيني والغطيمي والعجمي، ومن المعنقية معنقية السبيني. وكافة هذه الفروع ترجع إلى كحيلة العجوز وكرائم الكحيلات عند بني مدلج والتجاريات. وفحول هذه الأصناف جميعها منها ما يصلح للتقفيز وما لا يصلح، ويسمى مظلوم الأم لأنه مجهول الأب، ولا يعتبرون حسن خلقة الفحل وإنما يعتبرون صحة نسبة أبيه وقد اشتهر عندهم أن الأنثى كالصندوق المقفول، فأي فحل ادخر فيها استخرج منها؛ ولذا كانوا يقصدون الفخل من الأماكن البعيدة. قال الأصمعي في نسبة الحرون فرس مسلم بن عمر الباهلي أنه ابن الأثاثي بن الحرز بن ذي الصوفة بن أعوج الأكبر وليس للعرب فحل أشهر ولا أكثر نسلاً منه، وهو فرس غني بن أعصر بن سعد بن قيس بن غيلان وهو من نسل زاد الراكب الذي أعطاه سليمان عليه السلام لقوم من جرهم وفدوا عليه، فلما قضيت حوائجهم قالوا يا نبي الله إن أرضنا شاسعة فزودنا زاداً يبلغنا أهلنا فأعطاهم فرساً، وقال: إذا نزلتم منزلاً فاحملوا عليه غلاماً فإنكم لا تورون ناركم حتى يأتيكم بطعام. فكانوا لا ينزلون منزلاً إلا حملوا عليه لاماً ليقتنص فكان لا يغلبه شيءٌ تقع عينه عليه من ظبي أو بقر أو حمار إلى أن قدموا بلادهم ولذا سموه زاد الراكب. وأم أعوج سبلة فرس غني. وأما أعوج الأصفر فهو فرس هلال بن عامر بن صعصعة وسمي الأعوج، لأنه ركب صغيراً قبل أن تشتد عظامه فاعوجت قوائمه وإليه تنسب الخيل الأعوجية، قال لبيد يمدح نباته:
معاقلنا التي نأوي إليها ... نبات الأعوجية والسيوف
وقال جرير:
إن الجياد يبتن حول قبابنا ... من نسل أعوج أو ذوي العقال
وقال المتنبي:
وإذا المكارم والصوارم والقنا ... ونبات أعوج كل شيءٍ يجمع
وقال أبو تمام:
والأعوجيات الجياد كأنها ... تهوى وقد رنت الرياح سماسم
وقال:
ولو أغتدي أعوج يعدو به المرطى ... أو لاحق لتمنى أنه وتد
(1/61)

قال الأصمعي: سئل ابن الهلالية فارس أعوج عن أعوج فقال: ضللت في بعض مفاوز بني تميم فرأيت قطاة تطير فقلت: والله ما تريد إلا الماء فاتبعها. ولم أزل أغض من عنان أعوج حتى وردت. وهذا أغرب ما يكون، لأن القطا شديد الطيران، وإذا قصد الماء كان أشد، ولم يكفه، حتى قال أغض من عنانه ولولا ذلك لسبق القطا. وروي أن أمه نتجته ببعض بيوت الحي وكان عندهم أضياف فرأوه يضع طرف جحفلته على كازنها أي أصل الفخذ مما يلي الحياء، فقالوا: أدركوا ذاك الفرس لا ينزي على فرسكم وذلك لعظمه وطول قوائمه فقاموا إليه فإذا هو بالمهر.
ونسبوا الحنفا فرس حجر بن معاوية أنها أخت داحس لأبيه من ولد العقال والغبراء خالة داحس وأخته لأبيه وهما سبب الحرب بين بني عبس وذبيان فمما روي أن قيس بن زهير سيد بني عبس اشترى من مكة درعاً تسمى ذات الفضول وورد بها إلى قومه فرآها عمه الربيع بن زياد فأخذها منه فغضب قيس وانتقل بأهله ونزل على بني ذبيان وسيدهم حمل بن بدر وأخوه حذيفة فأكرموه وأحسنوا جواره. وكانت لقيس خيل كريمة من جملتها داحس وسمي بذلك، لأنه كان لقرواش اليربوعي فرس تمسى جلوى ولحوط اليربوعي فحل اسمه ذو العقال لا يطرقه، فتوجها في نجعة والفحل مع ابنتين له يقودانه، فمرت به جلوى وكانت وديقاً؛ فلما استنشاها ودى، فضحك شباب منهم، فاستحبت الفتاتان فأرسلتا مقوده فوثب على جلوى؛ ثم جاء حوط فرأى عين فرسه فقال: نازٍ والله، فأخبر بالخبر، فنادى بني يربوع فاجتمعوا وقالوا: والله ما أكرهناه. فقال: أريد ماء فرسي، فقالوا له: دونك. فأوثقها حوط، وجعل في يده تراباً وأدخلها في فرج الفرس، وسطا عليها فاشتمل الرحم على ما بقي فيها، فأنتجت مهراً فسماه داحساً لسطوة حوط عليه ودحسه إياه، وخرج داحس كأبيه، ثم إن قيساً أغار على بني يربوع فغنم وسبا ولم ينج منهم غير فتيين من بني أريم وقطعا الخيل وكان فيها داخس فلما رآه قيس أعجب به وأخذه فداء للسبي وصار لقيس، فتراهن رجلان من بني ذبيان عليه وعلى الغبرا فرس حذيفة ابن بدر على عشر قلائص، وأخبرا حذيفة بالرهان على فرسه وفرس قيس فرضي وأمضاه، ثم أخبرا قيساً بذلك فقال: راهنا من شئتما وجنباني بني بدر، فإنهم قوم يظلمون فقالا: قد أوجبنا الرهان مع حذيفة، فقال: والله ليشتعلن علينا شراً. ثم جاء قيس إلى حذيفة فقال: إنما جئتك لأواضعك الرهان عن صاحبي، فقال: لا والله حتى تأتي بالعشر قلائص، فغضب قيس وتزايدا حتى بلغا مئة قلوص ووضعا الرهان على يد رجل من بني ثعلبة، وجعلا الغاية مئة غلوة، والمضمار أربعين ليلة، ولما تمت المدة، جعل حمل بن بدر فتية في شعب هضب القليب على طريق الفرسين وأمرهم إن جاء داحس سابقاً أن يردوا وجهه عن الغاية. فلما أحضر أخرجت الأنثى عن الفحل فقال حمل: سبقتك يا قيس، فقال قيس: رويداً يعدوان الجدد إلى الوعث وترشح أعطاف الفحل، فلما أوغلا عن الجدد وخرجا إلى الوعث وترشح أعطاف الفحل، فلما أوغلا عن الجدد وخرجا إلى الوعث برز داحس عن الغبرا، فقال قيس: جري المذكيات غلاء، فذهبت مثلاً. وقد ضمن هذا المثل ابن هاني الشاعر في قصيدة يمدح المعز لدين الله:
والأعوجيات التي إن سوبقت ... سبقت وجري المذكيات غلاء
الطائرات السابحات السابقات ... الناجيات إذا استحث نجاء
والبائس في جمر الوغى لكماتها ... والكبرياء لهن والخيلاء
لا يصدرون نحورها يوم الوغى ... إلا كما صبغ الخدود حياء
والغلاء: جمع غلوة، وهو مدى الرمي، ويقال: جري المذكيات غلاب - بالباء الموحدة - أي: جري المسان من الخيل مغالبة، وذلك أن المذكية وهي التي تمت قوتها تحمل على الخشن من الأرض، للثقة بقوتها وصلابتها، وأنها ليست كالجذاع الصغار التي يطلب لها الرخاوة من الأرض لضعفها وصغرها. فإنها لا تثبت ثبات المذكيات، ولما أشرف داحس على الغاية ودنا من الفتية وثبوا في وجهه وردوه ففي ذلك يقول قيس:
وما لاقيت من حمل بن بدر ... وإخوته على ذات الأصاد
هم فخروا علي بغير فخر ... وردوا دون غايته جوادي
(1/62)

ثم قال قيس لحذيفة أعطني سبقي فأعطاه السبق، ثم إن جماعة من قوم حذيفة ندموه على ذلك، ونهاه آخرون وقالوا إن قيساً لم يسبق إلى مكرمة، وإنما سبقت دابة دابة فأبى، وبعث ندبة ابن حذيفة إلى قيس يطلب منه السبق فقال قيس: هذا سبقي فكيف أعطيكم إياه فتناول ابن حذيفة من عرض قيس، وأغلظ فطعنه قيس برمح فدق صلبه. فاجتمع الحيان وأدوا دية المقتول فأخذها حذيفة دفعاً للشر. ثم إن قومه ندموه، فعاد الشر بينهم فتحمل قيس بمن معه من قومه ورحل، وقامت الحروب بين الحيين إلى أن قتل مالك أخو قيس، وكان الربيع بن زياد معتزل الحرب، فلما بمقتل ابن أخيه شق ذلك عليه وقاتل بني ذبيان وأنشد:
من كان مسروراً بمقتل مالك ... فليأتِ نسوتنا بوجه نهار
يجد النساء حواسراً يندبنه ... يطلمن أوجههن باٍحار
قد كئن يخبئن الوجوه تستراً ... فالآن حين بدون للنظار
يضربن حر وجوههن على فتى ... عف الشمائل طيب الأخبار
أفبعد مقتل مالك بن زهير ... يرجو النساء عواقب الأطهار
ومن عادة العرب أنها لا تندب القتيل حتى يؤخذ بثأره، ثم توالت الحروب بينهم وكان أعظمها يوم الهباءة، وسئم قيس من القتال، فذهب إلى أخواله بعد أن مات الربيع وأكل بعض القوم بعضاً، فقام في الصلح الحارث بن عوف وهرم بن سنان المريان، وحملا لحملات واجتهدا في إصلاح ذات البين، وفي ذلك يقول زهير بن أبي سلمى:
تداركتما عبساً وذبيان بعدما ... تفانوا ودقوا بينهم عطر منشم
والعسجدي فرس لبني أسد من نتاج الديناري بن الهميسع بن زاد الراكب، وأما الآن، فإنهم ينسبون الفحل لأمه. ومن الخيل المشهورة، خيل مشايخ بني ظافر، قبيلة بين بغداد والبصرة، والعرب يضنون ببيعها، لأن عادة العرب في بيع إناث الخيل مختلفة. فمنهم نصف فرسه ويسقط حقه من الانتفاع بركوبها بتسليم رسنها إلى المشتري في مقابلة علفها، ويكون للبائع في أولادها النصف، فإذا أنتجت أنثى ورضعت مئة يوم كان المشتري مخيراً في ربط إحداهما وتفويض الأخرى على البائع. وإن أنتجت مهراً، يكون الربع منه لرابطه في مقابلة علفه وتربيته. هذا إذا لم يكن بينهما شرط، وإلا فالشرط هو المعتبر، ويسمون هذا البيع هجرياً ومنهم من يبيع فرسه بشرط أن يكون له الأولى مما تتنجه من الإناث، أو الثانية أو الأولى والثانية، فإذا ولدت أولاً أنثى أشهد المشتري عند نتاجها، بأن هذه المهرة للبائع، ثم يرضعها مئة يوم ويسلمها له، إن علم محله وإلا فيبقيها عنده، فإن حضر البائع قبل بلوغها سن الركوب يطلب منه ثمن علفها وأجرة تربيتها من حين تمام مدة رضاعها ويسلمها له. وإن جاء بعد ركوبها كان للمشتري منها الربع مقابلة علفها وتربيتها، وكذا يعامل في الثانية والثالثة. هذا إذا لم يكن بينهما شرط، وإلا فالشرط أملك. ويسمون البيع بيع المثاني، ومنهم من يبيع فرسه بيعاً باتاً، وهو نادر، ويسمون هذا البيع قلاطاً.
ومن الخيل المشهورة أيضاً خيل بجبل أوراس بين تونس وقسنطينة. وفي السقراطية أن الصحابة رضي الله عنهم، لما فتحوا إفريقيا فضلوا تلك الخيل على خيل الشام.

الباب السادس في تقفيزها وأطوارها وخدمتها والإنفاق عليها وتأديبها وكيفية تضميرها وعلاجها. وفيه ستة فصول
الفصل الأول في التقفيز
ينبغي أن يكون في فصل الربيع لتكون ولادة الفرس فيه، لأن المولود في الشتاء لا ينجح، ويختلف وقته باختلاف الأقاليم. ففي الإقليم الحار تقفز في شباط، وفي المتوسط في نيسان، وفي البارد في أيار، ليأكل الفلو القصيل، ويكون قوي البنية صحيح البدن.
وفي دمشق يقفزون الخيل مرتين في السنة، أولاهما في الربيع والثانية في الخريف عند قطف الزيتون، ولذا يسمونه الزيتوني، لإدراك نبات الفصة والبيقية عند نتاج الفلو فيتغذى منهما.
وينبغي أن تكون الفرس عند النزو في أرض منحدرة، ليتمكن منها الفحل، وأن يجعل قبل وجهها غزال ليأتي الفلو مشابهاً له في الخلقة، وأن يغسل ذكر الفحل وفرج الأنثى بعد النزو بماء بارد وتسير سيراً عنيفاً كيلا تلقي ماء الفحل من رحمها وتلتزم الراحة ولا تطعم الخضرة ولا تسمع صهيل فحل، إلى أحد وعشرين يوماً. فإن انكمش الفرج وسال منه شبه المني ونفرت من الفحل فقد علقت، وإلا أنزي عليها الفحل مرةً أخرى.
(1/63)

فإن نفضت مراراً وظهرت علامات الرطوبة كالسيلان مثلاً، يرغى الصابون على اليد ويغسل الرحم بلطف ثم يعاد النزو أو تؤخذ قطعة صغيرة من الرصاص وتجعل في شيء من صوف إبط الغنم ثم يدخل في فرج الفرس فإذا وجد فيها فتق يجمع طرفاه ويؤخذ من النمل الصغير واحدة وتضع فمها عليهما فإذا عضتهما قطع رأس النملة وترك متعلقاً بهما. ثم تؤخذ ثانية ويفعل بها كالأولى إلى أن يلتئم الفتق وينزى عليها الفحل.
وذكر داود أن الفرس إذا لم تحمل وسقيت من الراوند التركي مع دبس العنب وحملت صوفة من نشارة العاج ولبن الخيل تحمل وهو مجرب.
ومن علامات الحمل صغر طرف الفرج وانكماشه وحدة النظر. والفرس تطلب الفحل إذا بلغت ثلاث سنين. فإذا طلبته وحنت إليه، قيل لها مستأنفة، كما يقال للناقة متنافرة، وللبقرة منابتة، وللحمارة طالبة، ومدة الحمل أحد عشر شهراً. قال أرسطو: إن مدة الحمل في كل حيوان مضبوطة إلاّ في الإنسان فإن لم تضع قيل جرت، وكلما جرت كان فلوها أقوى، وأكثر زمن الجر خمسة عشرة يوماً، فإن درت الحلمة اليمنى قبل اليسرى أو كانت الحلمتان سوداوين أو مضغ شيء من حليبها على الظفر فسال كان الحمل ذكراً.
وينبغي بعد قطع السرة أن يملس حدا الفلو، حين وضعه، وفمه، ويفتح منخراه، ويلين عسيبه، بحيث يرفعه إلى أعلاه برفق، ويقطع لحمة حافره المسماة بالنسر، ثم يحمل بلطف ويلقم ثدي أمه كي يعتاد، وأن لا يفطم إلاّ بعد سبعة أشهر، وأن يسقى بعد الفطام حليباً شهراً، ثم شهرين بعده مضافاً بدقيق الشعير، فإن أديم على ذلك سنة اشتد قوة، وعظم نجاحاً. وحليب الإبل أصلح للفلو من غيره وفيه خاصية للجري، ويزيد في المخ والعصب، وينقص اللحم، قال ابن خلدون: والمتغذى بلبن الإبل يؤثر في خلقه الصبر والاحتمال، والقدرة على حمل الأثقال إذ هي من أخلاق الإبل وتكون إمعاؤه في الغلظ والصحة كإمعائها لا يطرقها وهن ولا ضعف. والمطلوب أن يكون الفحل نجيباً صحيح النسبة، خالياً من العيوب لأن الفلو يأتي مشابهاً لأبيه في جميع حالاته، فإن لم يجد الرجل لفرسه فحلاً من نسبها أو ما يقاربه، يتركها بلا تقفيز إلى حين وجوده، ويطلبه وإن بعدت المسافة. ومنهم من يجعل على فرج الأنثى قفلاً لئلا ينزو عليها مجهول النسب ويسمونه الكتبة، يقال كتب على فرسه أو ناقته أي خزم حياءها بحلقة من حديد أو صفر، تضم شفري حيائها لئلا ينزى عليها، قال الشاعر:
لا تأمنن فزارياً خلوت به ... على قلوصك واكتبها بأسيار
ومن نزى على فرسه غير جواد غسل رحمها بأدوية مفسدة لماء الفحل، ولهم في غسله مهارة تامة، والحاصل أنهم يغارون على محافظة أنساب خيلهم كما يغارون على محافظة أنسابهم ويحضرون عند النزو شهوداً. قال صاحب إنسان العيون: "إن عروة بن زيد الخيل وفد على عبد الملك بن مروان وقاد إليه خمساً وعشرين فرساً، ونسب كل واحدة منهن إلى آبائها وأمهاتها وحلف على كل فرس يميناً غير اليمين التي حلف بها على غيرها، فقال عبد الملك: عجبي من اختلاف أيمانه أشد من عجبي من معرفته بأنساب الخيل، وقد كانوا يعتنون بالمحافظة على أنساب جمالهم حيث أنهم كانوا يرسلون في الإبل فحلاً يسمونه سدوماً، ليهدر بينها، فإذا ضبعت أخرجوه عنها، لدناءة أصله، وأرسلوا فيها فحلاً كريماً فإذا كان هذا اعتناؤهم بجمالهم فما بالك بمحافظتهم على أنساب خيلهم بل ما بالك بالمحافظة على أنسابهم من الخلل والطعن".
واعلم بأن العيوب التي يستحب أن يكون الفحل سالماً منها، أن لا يكون أخذى: أي أصول أذنيه مسترخية، ولا أمغر، أي ذهب شعر ناصيته، ولا أدغم: أي غطت ناصيته عينيه، ولا أسعف: أي في ناصيته بياض، ولا أحول: أي أبيض مؤخر عينيه وغار السواد إلى مآقيه، ولا أقنى: أي في أنفه احديداب، ولا مغرباً: أي ابيضت أشفار عينيه مع زرقة العينين، ولا أدنى أي اطمأن عنقه من أصله، ولا أقصى: أي في عنقه قصر ويبس، ولا أكتف: أي في أعالي كتفيه انفراج، ولا أزور: أي يدخل إحدى فهدتيه ويخرج الأخرى، ولا مخطفاً: أي لحق ما خلف مخرمه من بطنه، ولا هضيماً: أي مستقيم الضلوع التي دخلت أعاليه. قال الأصمعي: "لا يسبق في الحلبة أهضم". وقال النابغة:
خيط على زفرة فتم ولم ... يرجع إلى دقة ولا هضم
(1/64)

ولا قليعاً: أي طويل الظهر، ولا أصقل: أي طويل الصقلة وهي الخاصرة، ولا أنجل: أي خرجت خاصرته من ورق صفاقه، ولا أفرق: أي أشرفت إحدى وركيه على الأخرى، ولا أرسح أي قليل لحم الصلا، ولا أعزل: أي معوج عسيب الذنب، ولا أشعل: أي في ذنبه بياض ولا ملوحاً: أي إذا ضربته حرك ذنبه، وفي المثل (عيب في الراس ولا عيب في الذنب) ، ولا أشرح: أي ببيضة واحدة ويسمى أفرق، ولا أفجح: أي تباعد كعباه، ولا أيداً: أي تباعدت ساقاه، ولا أصك: أي يصك كعبيه إذا مشى، ولا أفقد: أي منتصب الرسغ مقبلاً على الحافر، ويكون في الرجل خاصة، ولا أصدف: أي تدانى ذراعاه وتباعد حافراه، ولا أقسط: أي انتصبت رجلاه غير منحيتين، ولا أمدس: أي مصطك بواطن الرسغين، ولا أحنف: أي ملتوي الحافرين بحيث يقبل كل منهما على الآخر، ولا كرداً: أي يخبط الأرض بيده باستقامة لا يقلبها لجهة بطنه، ولا رموحاً: أي يضرب الأرض بيده حين المشي، ولا أجسر: أي مضطرب اليد والرجل، ولا مكواحاً: أي سريع العطش، ولا صلوداً: أي بطيء العرق، ولا أكوش: أي إذا جرى نكس كالحمار، ولا طموحاً: أي يسمو ببصره إلى السماء، ولا فاكساً: أي يطأطئ رأسه إذا جرى، ولا جموحاً: أي قوي الرأس، ولا قطوفاً: أي لا تصل رجله إلى مكان يده حين يرفعها، ولا حروناً: أي يقف إذا أريد منه الجري أو السير أولا لا يجري إلاّ بالضرب، ولا خفاشاً: أي يستتب حضراً ثم يرجع القهقرى، ولا رواغاً: أي يحيد في حضره يميناً وشمالاً، ولا شبوباً: أي يقوم على رجليه ويرفع يديه، ولا عاجناً: أي يعجن برجليه كقماص الحمار، ولا مفتلاً: أي يفرق بين قوائمه إذا رفعها كأنما ينزعها من وحل، ويخفق برأسه، ولا مجربداً: أي يقارب الخطوة بقرب سنابكه من الأرض، ولا يرفعها رفعاً شديداً، ولا مشاغراً: أي يطمح بقوائمه جميعاً، ولا مواكلاً: أي لا يسير إلاّ بسير غيره، ولا خروطاً: أي يخرط رسنه عن رأسه، ولا رموحاً: أي يضرب بإحدى رجليه، ولا ضروحاً: أي يضرب بهما، ولا عضوضاً.
وكثرة الضراب على الفحل تحدث فيه أمراضاً وتصير منيه دماً أحمر لاسيما إذا كان معداً للركوب، فغاية ما يسمح له في السنة من خمس مرات إلى ثمان، إلاّ إذا كانت الإناث قريبة عهد بالولادة نحو شهر مثلاً، زيد له في العدد السابق، لأن ضرابها يصلح الفحل، وأما إذا كان غير معد للركوب لعلة منعت منه، فلا حد لعدد ضرابه ويكون كفحل بيت المال، وذلك أن عادة الملوك أن تجعل عند رئيس كل مقاطعة فحلاً ينتفع بضرابه لا يمنع منه أحد وليس على صاحب الأنثى إلاّ إكرام القائم بخدمة الفحل.
والعرب تستقبح بيع عسيب الفحل، لأنه مناف للكرم، ولما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه اشتد استقباحاً. روي عن ابن عمر رضي الله عنهما: "أن رجلاً من بني كلاب سأل النبيّ صلى الله عليه وسلم عن عسيب الفحل فنهاه فقال: إنا نطرق الفحل فنكرم، فرخص له في الكرامة"، والعسيب ماء الفحل.
و"نهى صلى الله عليه وسلم، عن نزو الحمير على الخيل، روي عن دحية بن خليفة الكلبي قال: قلت يا رسول الله ألا أحمل لك حماراً على فرس فتنتج لك بغلة؛ فقال: إنما يفعل ذلك الذين لا يعقلون". وعن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه قال: "أهديت رسول الله صلى الله عليه وسلم، بغلة فقلنا: يا رسول الله! لو أنزينا الحمير على خيلنا لجاءت بمثل هذه فقال: إنما يفعل ذلك الذين لا يعلمون". قال ابن حبان: "أي الذين لا يعلمون النهي". وقال الخطابي: "إن الحمير إذا حملت على الخيل تعطلت منافع الخيل وقل عددها وانقطع نماؤها وهي محتاج إليها للغزو والركض والطلب، وعليها يجاهد العدو، وبها تحرز الغنائم، فأحب صلى الله عليه وسلم أن ينمو عدد الخيل، ويكثر نسلها لما فيها من النفع". وقال الكميت:
وما حملوا الحمير على عتاق ... مطهمةٍ فيلفوا متلفينا
الفصل الثاني في الأطور وعلاماتها
(1/65)

اعلم أن الفرس إذا ولدت فأول ما يسمى مهراً وفلواً بضم الفاء وفتحها وكسرها وجمعه أفلاء، والأنثى فلوة، فإن بلغ من العمر سنة ودخل في الثانية سمي حولياً، فإذا أتم الثانية ودخل في الثالثة سمي جذعاً وثنياً، فإذا أتم الثالثة ودخل في الرابعة سمي رباعاً، فإذا أتم الرابعة ودخل في الخامسة سمي قارحاً إلى بلوغه الثامنة، وهو نهاية القوى والشدة. ثم يأخذ في النقص إلى الرابعة عشرة فإن تجاوزها عجز عن الكر والفر، ولا يصلح حينئذ إلاّ للتقفيز.
ومن العلامات الدالة على على سن الفرس نبات أسنانه وسقوطها، وذلك أن الفو تنبت ثناياه لمضي سبعة أيام من ولادته، فإذا بلغ الشهر إلى الشهرين تنبت رباعيته، فإذا بلغ سبعة أشهر إلى الثمانية، تنبت سوادسه، فإذا بلغ تسعة أشهر إلى العاشر تنبت أضراسه، وفي السنة الثالثة تبدل ثناياه إذا كان أبواه هرمين فإذا كانا شابين يتأخر إلى الرابعة، وفي هذه السنة الرابعة، تسقط رباعيته وينبت بدلها، وفي السنة الخامسة تبدل أنيابه وهي المسماة بالقوارح، قال أبو دؤاد:
جاورته حين لا تمشى بعقوته ... إلاّ المقانيب والقب المقاريح
المقانيب من الخيل: القطع، والقب، الضمر، والمقاريح: المنتهية في السن إلى السنة الثامنة. وبعد ذلك ينظر في الثنيات الحادثة تحت جفن العين الأسفل، فإن كانت ثنية واحدة تضم عليها ما مضى وهو ثمانية فتكون سنة تسعة أو اثنتين فتكون سنة عشرة وهكذا.
وعلامة تبديل السن أن التي لم تبدل تكون بيضاء ملساء، والمبدلة تضرب إلى الصفرة، ويكون فيها شقوق، وأكبر من التي لم تبدل. ولا يبدل من أضراسه شيء إلاّ لعلة، وعدة الأسنان اثنتا عشرة ونابان وباقيها أضراس.
ونقل الشيخ الأكبر عن أبي حيان التوحيدي: أن أسنان البقر أربعة وعشرون، والشاة إحدى وعشرون، والمعز تسعة، ومن كان من الحيوان أسنانه قليلة فعمره قصير، ومن كانت أسنانه كثيرة فعمره طويل.
وعلامة كبر الخيل استرخاء حجفلتها وتربيلها واختفاء أنيابها واختفاء السواد الذي في وسط أسنانها من الفك الأسفل، وتسمى ماسحة، واغورار عينيها وتناثر شعر بدنها، وربما بلغت من العمر خمسين سنة، والذكر ينزو إلى الأربعين.
وإذا أردت أن تعرف مقدار ما تبلغه من الطول تكيل من الركبة إلى منتهى منبت شعر الحافر، ثم من الركبة إلى أعلاها فإن كان ما كلته أولاً ثلث الثاني فقد تناهى طولها، وإلا فبمقدار ما نقص عن الثلث يكون الطول. ومما يعرف به أيضاً أن تكيل من مفصل ركبته إلى منبت شعر حافره، فإن بلغ طوله 37 سنتيماً فيكون غاية ارتفاعه من 145 إلى 148 سنتيماً، ومنتهى طول الربع 43 سنتيماً فيكون غاية ارتفاعه من 157 إلى 160 سنتيماً وهو الأغلب، والنادر من ذلك لا حكم له.
وإذا أردت أن تعرف ما يؤول إليه لون شعر الفلو فانظر إلى أشفار عينه فإن شعره يكون مثله في كبره لا يتغير.
ومما يتشاءم منه إذا نزل الفلو من بطن أمه وله أسنان أو كانت خصيتاه ظاهرتين. واعلم أن البعير إذا طعن في السنة الخامسة سمي جذعاً، وفي السادسة ثنياً، وفي السابعة رباعاً والأنثى رباعية، وفي الثامنة سدساً وسديساً، وفي التاسعى بازلاً. وتجذع الشاة لسنة، وتثني لتمام سنتين ولتمام الثلاث رباعية، ولتمام الأربع سدس وصالغ لتمام خمس. وولد البقرة لأول سنة يسمى تبيعاً ثم جذعاً ثم ثنياً ثم رباعاً ثم سدساً ثم صالغاً وهو أقصى أسنانه.
ويقال، لولد البقرة: عجل، ولولد الناقة: حوار، ولولد الحمار: جحش، ولولد الضأن: حمل، والأنثى: رخلة، ولولد المعز: جدي، والأنثى: عناق، ولولد الظبي: خشف، ولولد الأرنب: الخرنق، ولولد الثعلب: النغل، ولولد الخنزير: الخنوص، ولولد القرد: النشة، ولولد الأسد: الشبل والحفص، ولولد الضبع: الفرغل، ولولد الذئب من الكلبة: العسبار والديسم، ولولد الضبع من الذئب: السمع، ولولد الفار: الدرس، ولولد الضب: الحسل، ولولد النعام: الرال، ولولد الحبارى: النهار.

الفصل الثالث في خدمتها والإنفاق عليها
(1/66)

قال ابن عباس رضي الله عنهما: إن قوله تعالى: "الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سراً وعلانية" نزل في علف الدواب. وعن شرخبيل بن سلمة: "أن روح بن زنباع زار تميماً الداري فوجده ينقي لفرسه شعيراً ثم يعلفه عليه، وحوله أهله، فقال له روح: أما كان من هؤلاء من يكفيك؟ قال: بلى ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما من امرئ مسلم ينقي لفرسه شعيراً ثم يعلفه عليه إلاّ كتب له بكل حبة حسنة". وعلف الخيل لم يرد في تقديره شيء عن العرب، وإنما هو بحسب العادة لاختلافها باختلاف البلاد، ولا يجوز زيادتها عما اعتادته أو نقصها عنه، وكانوا يمرنونها على أكل قديد اللحم، فإذا أجدبوا وقل الحليب أطعموها منه: قال النمر بن تولب حين وفد على النبيّ صلى الله عليه وسلم:
إنا أتيناك قد طال السفر ... نقود خيلاً ضمراً فيها عسر
نطعمها اللحم إذا عز الشجر ... والخيل في إطعامها الشحم ضرر
ويسقونها قبل العلف وبعده، قال الحطيئة:
وكل أجرد كالسرحان أترزه ... مسح الأكف وسقي بعد إطعام
أترزه: أس شدده وصلبه، ويسقونها كبريت الغنم المحلول بالماء في أيام الصيف والماء الحار أيام الشتاء، ولا يعدون على الذكر إلاّ إذا كان بين الممتلئ والطاوي لأنه إذا خلا بطنه ذهب نشاطه بخلاف الأنثى، وللشعير نفع كبير لكل ذي ظلف.
وينبغي تنقيته ونقعه في الماء حتى يلين ووضع قليل من الملح عليه، وأن تعلف صباحاً نصف ما تعلفه مساء. وأن لا تعلف حال التعب بل لا تسقى إلاّ أن تكون ملجمة، وأن يقلل لها من التبن، وتسقى وسط النهار مرة، فإن ذلك يوسع كفلها ويقوي لحمها ويرطب بدنها، وفي المثل: _لأضربنك غب الحمار وظاهرة الفرس) ، فغب الحمار أن يرعى يوماً ويشرب يوماً، وظاهرة الفرس أن يشرب كل يوم مرة نصف النهار، وأن يكون الإصطبل مفروشاً بالخشب أو الرمل الناعم، لأن الرطوبة تلين الحوافر فإن لم يكن مفروشاً ينشف تحتها بالروث الجاف كل يوم، وأن يحافظ عليه من دخول الدجاج لئلا يقع شيء من فضلاته فيمغلها، وأن يجعل فيه خنزيراً برياً لأن رائحته تزيدها صحة، وإذا كانت الخيل متعددة فيه، ينبغي أن تعطى علفها في آن واحد لأن التي يتأخر علفها عن الثانية ربما تحصل لها المغلة.
وأن يكون المعلف عالياً، وأسفله كهيئة الغربال، لأن الغبار إذا دخل في متأخرها أضرها، والأحسن غربلة التبن قبل وضعه في المعلف، وأن تمسح أبدانها صباحاً في كل يوم. ويضعون على وجهها سيوراً أيام الصيف حالة الركوب وعلى بطنها بطاناً لئلا يؤذيها البعوض والذباب، وإذا كانت في الإصطبل يضعون على وجهها براقع واسعة الأعين كيلا يدخل طرف البرقع في عينها، وينبغي أن تكون المراغة واسعة خالية من التراب والرطوبة، وأن لا تكثر اللعب فيها لئلا تنقلب أمعاؤها.
وأجود الربيع لها: البرسيم، لأنه يغسل بطونها، وهو ربيع خيل مصر. وفي الشام: القصيل والفصة والبيقية. وأجود القصيل: الطويل الذي لم يبد ثمره، لأن المثمر يخشن الحلق ويورثها السعال، وأقل ما يكون الربيع أسبوعين، وأكثره أربعون يوماً، فإن حصل لها إسهال يتحفظ من البرد، أو جفاف يخفف غطاؤها ويرش على الفصيل شيء من الحناء، وروث المسهلة يبريء الحكة والجرب طلاء. وينبغي أن لا تركب مدة أكلها الربيع وبعد انتهاء مدة الربيع تعلف الشعير المنقوع أسبوعاً.

الفصل الرابع في تأديبها وتدريبها
اعلم أن الخيل أصح الحيوانات مزاجاً، ولذا تؤثر فيها الرياضة، ويؤيده ما روي عن جابر بن زيد أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أرموا واركبوا الخيل، وإن ترموا أحب إلي من كل لهو لها به المؤمن، فهو باطل إلاّ ثلاث خلال: رميك عن قوسك وتأديبك فرسك وملاعبتك أهلك فإنهن من الحق". وعن أبي أمامة: "عاتبوا الخيل فإنها تعتب"، أي أدبوها، ف"، أي أدبوها، فإن فيها قوة تدرك بها العتاب فتفعل ما تؤمر به، وتنهى عما تنهى عنه قال زهير:
وخرجها صوارخ كل يوم ... فقد جعلت عرائكها تلين
أي: خرجها، كما يخرج المعلم تلميذه.
وقال الأفوه:
وأفراسٍ مذللة وبيض ... كأن متونها فيها الوهاج
أي مؤدبة ومتونها ملساء صافية.
(1/67)

سمعت سيدي الوالد يقول: أخبرني ثقة من أشراف وادي أشلف بالجزائر، أنه كان عنده فرس أنثى من الجياد، أراد الذهاب عليها إلى مكة المكرمة، فلما خرج من بيته ركبها والناس يشعيونه فعثرت، فضربها بسوط فتحركت وقفزت، ولما رجع تلقته الناس لاستقباله، وساروا إلى أن وصل إلى المكان الذي ضربها فيه فقفزت، فعجب الناس من ذلك. وعن عطاء بن رباح قال: "رأيت جابر بن عبد الله وصابر بن عمير الأنصاري يرميان فمل أحدهما فجلس فقال الآخر: كسلت؟ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: كل شيء ليس من ذكر الله فهو لغو وسهو، إلاّ أربع خصال: مشي الرجل بين الغرضين، وتأديبه فرسه، وملاعبته أهله وتعلم السباحة". وعن عقبة بن عامر أنه صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله ليدخل بالسهم الواحد ثلاثة الجنة: صانعه يحتسب في صنعته الخير، والرامي به والممد به"، وقال يزيد بن مسلمة بن عبد الملك:
عودته فيما أزور حبائبي ... إهماله وكذاك كل مخاطر
وإذا احتبى قربوسه بعنانه ... علك الشكيم إلى انصراف الزائر
أي: أدبته حتى إذا نزلت عنه وألقيت عنانه في قربوس سرجه وقف مكانه إلى أن أعود إليه. والقربوس: - بفتح الراء - أحد حنوي السرج، والعنان: - بكسر العين - سير اللجام، والشكيمة: الحديدة في فم الفرس وفيها الفاس.
وينبغي أن لا يؤدبها ويدربها إلاّ عارف بما يحتاج إليه، ذو رفق، حاضر الذهن، ثابت في السرج، يركب بفخذيه مائلاً إلى يساره، متوسطاً في قبض العنان، يحثها بالتدريج بدون ضرب ولا همز عنيف، ويعودها رؤية الشيء الهائل، ووثوب السواقي، والحفر والجدر القصيرة، والنزول حضرا من الجبال الخالية عن الصخر الأملس، وأن تحنى يديها على الأرض إذا غمزها في إبطها.
وأحسن ما يكون التعليم في الصباح والمساء، وأن لا يقف مع الناس وهو راكبها، كيلا تعتاد الوقوف إذا رأت أحداً، ولا يركضها أول ركوبها ولا يجذبها باللجام فإن يعلمها الطموح واللوص، أي خروج اللسان وعضه، فإن حصل ذلك معه، يعالج بتبديل اللجام ويوقفها تدريجاً إذا أراد وقوفها.
حكي عن بعض الفرسان: كان إذا ركب الفرس بالسرج العربي يضع في ركابه تحت رجليه درهمين ثم يعدو وعند نزوله عنها يأخذهما من حيث وضعهما. ومنهم من يأخذ الحجر من الأرض والفرس في شدة العدو ويضرب فيه غريمه، وإذا وقع منه شيء تناوله بنفسه وهو راكب. ويعلمون بالكرة والصولجان على ظهورها، والصولجان: فارسي معرب، وهو عصا طويلة تنتهي بكف المستدير يضرب بها الكرم، وأول خليفة لعب بها هارون الرشيد. وينبغي أن لا يبدل اللجام الذي وافقها ولا يركبها جاهل بالركوب لئلا يسيء أخلاقها. ومن الأمثال المغربية (احفظني من برد الصيف وركب أبي طريف، أحفظك يوم السيف) والمراد بأبي طريف: الولد الصغير الذي لا يحسن الركوب.

الفصل الخامس في كيفية التضمير
عن ابن عمر رضي الله عنهما: "أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يضمر الخيل ليسابق عليها". وذكر ابن بنين: "أنه صلى الله عليه وسلم كان يأمر بتضمير خيله بالحشيش اليابس شيئاً بعد شيء، وطياً بعد طيّ. ويقول: ارووها من الماء واسقوها غدوة وعشياً، والزموها الجلال فإنها تلقي الماء عرقاً تحت الجلال، فتصفو ألوانها وتتسع جلودها". و"كان صلى الله عليه وسلم يأمر بأن تقاد كل يوم مرتين، ويؤخذ منها بالجري الشوط والشوطين". ومدة التضمير أربعون يوماً ومنتهاه ستون. وشرطه أن تكون الخيل حائزة الأوصاف المحمودة، سالمة من العيوب رباعية أو خماسية غير مهزولة ولا قادمة من سفر، ولا قريبة العهد من الولادة. وزمانه فصل الربيع أو الخريف. وكيفيته أن تجعل في محل خال واسع مفروش بالرمل نظيف دائماً، مجللة بخمسة أو ستة لتعرق تحتها ويذهب شحمها، لئلا تتنفس تنفساً شديداً إذا جرت ويسمونها: (الحناذ) ، وإذا تم تعريقها وذهب شحمها، أجلتها كل يوم واحداً على التدريج، فإن لم تعرق تحتها يقال كبت، وتعلف في أول التضمير الشعير والتبن المغربل نحو أسبوع، ثم يزداد لها الشعير وينقص التبن قليلاً قليلاً، إلى أن يصير علفها الشعير لا غير، وتمنع من شرب الحليب والمديد أي دقيق الشعير الممزوج بالماء. قال النابغة:
فلما أبى أن ينقص الفود لحمه ... نزعنا المذيذ والمديد ليضمرا
(1/68)

المذيذ: الخبز الممروت، والمديد: دقيق الشعير الممزوج بالماء، وتمرغ بعد العلف على الرمل أو التراب الناعم، وتسير شوطاً أو شوطين بالغدو والعشي إلى أن تعرق آذانها، ويسمون عرق الخيل صراحاً، وهذا الاسم مخصوص بعرق الخيل. قال أبو النجم:
نطويه والطي الرفيق يجدله ... نظمئ الشحم ولسنا نهزله
أي: نعتصر ماء بدنه بالتعريق حتى يذهب رهله ويكتنز لحمه. قال عدي بن زيد:
فزلقته حتى ترفع لحمه ... أداويه مكنوباً وأركب وادعا
سئل بعض أرباب الخيل متى بتلغ الخيل الغاية من التضمير فقال: إذا ذبل فريدها، وتفلقت غرورها، وبدا حصيرها، واسترخت شاكلتها.
الفريد: موضع محسة أعراف الخيل، والغرور: الغضون في جلدها، وتفلقت: انفتحت، والحصير: العصبة التي على أضلاع الجنب مما يلي الصلب، والشاكلة: الطفطفة، فإذا تمت مدة التضمير وقرب وقت الرهان ترسل من غاية نظير الغاية التي وقع الرهان عليها، فإن قطعتها ولم يضطرب منخرها وخاصرتها فقد تم تضميرها، وإلا تزداد منه حتى تقطعها بدون اضطراب، فإذا تعب ونزل عنه يمسح وجهه ودخل منخريه وتحت عسيبه ومراق بطنه بخرقة مبلولة بماء، ثم يقاد برفق كثير، ويترك قدر ساعة، ويقاد ثانياً إلى أن يبول، وعلامة جودة جريه أن يسمو بعنقه ويثبت رأسه، فلا يستعين به في حضره، وأن يجمع قوائمه فلا يفرقها، ويبسط يديه جميعاً ويقبض برجليه، كأنه يرفع قائمة واحدة وحافراً واحداً، ويمتد في الجري ولا يختلط. وأن يكون حضر الإناث وثباً باجتماع القوائم، ويجب أن يكون السرج واللجام خفيفين، والركب قصيرة، والحزم غير مشدودة قوياً، والراكب خفيفاً مدرباً، لا يضطرب على ظهرها، ولا يضر بها ولا يلح عليها بالمهماز، ولا ينتصب بقامته، بل منحنياً على القربوس الأول قليلاً، لأن شد الحزام ينبغي أن يكون بحذاقة تامة، ولذا كانوا يخاطرون عليه.
وعن الأصمعي: أن مدى الغاية للجذعان أربعون غلوة، وللثنيان ستون وللربعان ثمانون، وللقرح مئة، وهي اثنا عشر ميلاً ولا يجري من أكثر من ذلك.

الفصل السادس في معالجة بعض أمراضها، وإن كانت مذكورة في كتب البيطرة
(الجرب) : ينفعه ساق الحمام والقلي والعفص وجوز السرو ودخان الفرن وبعر المعز مفردة ومجموعة كبوسات، وكذا الرماد مع الملح وورق الدفل.
(الجنون) : وتحريك الرأس وثقل الحركة.
(والمغلة) : ينفعها فصد الودجين: أو البارذنكين وهما عرقان من جانبي الدماغ مما يلي الأذن. وينفع المغلة - وسببها: أكل التراب مع البقل، أو: أكل فضلات الدجاج - احتمال فتائل من الحنتيت والحنظل، ونفخ شيء من الفلفل في إحليل الذكر وفرج الأنثى في ماسورة، وسقي ماء الحلبة، أو تكوى ثلاث لدغات بالميسم خلف السرة.
(اليرقان) : ينفع فيه فصد عرق الرأس إن اشتدت صفرة العين وإلا بعرف الذنب، وينفع فيه أيضاً: طبخ بزر الهندبا والراوند الصيني بالخمر شرباً أو سعوطاً.
(الكوكب) : ما يجتمع من البخار عند الكتف ويبرز، وعلاجه التليين بالسمن إن كان صلباً ثم البضع.
(الضفدع) : وهو تكون عروق خضر كصورة الضفدع تحت اللسان، وعلاجها الفصد فيها، وتكبس بالخبز المطبوخ بمرق الضفدع أو أكله.
(الخالد) : يفعل في جلد الفرس ما يفعل الحيون المعروف في الأرض، وأكثر ما يعتريها في اللبات والمراق من علبة السوداء والمشي في الحر، وعلاجه الشق واستخراجه، والكي بعد القطع؛ لئلا يعود، أو: التعفين بالسلق والسمن، أو: الفصد في الأذرعان، ويحشى بالأشق والسمن والجير، أو شرب الدبس ببزر الريحان والهندبا والقطونا أياماً.
(اللزز) : انضغاط تشنج مع الأضلاع يعسر معه النفس، وعلاجه: كي الخواصر والبطن برجل غراب والرأس واللية كيف اتفق.
(تثبت الفصوص) : وهو ارتخاء العظام التي تحت الرمانة من البرد أو المشي في الثلج، وعلاجه: لصق الزفت مع جوز السرو والفلفل.
(الحميات) : ينفع فيها فصد الودجين وشرب رماد قصب السكر والاحتقان بالزيت والكمون واللبن والسيرج والأبهل والخمر.
(ضعف الكلى) وعلامته حمرة البول وذبول الجلد والشعر، وينفعه: الكي مما يلي الذكر إلى ملتقى الأضلاع ستة من كل جانب بين كل اثنين نحو إصبعين. وشرب أصل السوس بالسكر وجعل الكسفرة بعد العلف.
(الخفقان ووجع القلب) : هما كالمغلة، وينفع منهما رماد قصب السكر بالزعفران.
(1/69)

(المفاصل والنقرس) : وهو ما يحصل في قائمة واحدة، وعلامته الورم أو ضعف الحركة، وعلاجه: فصد بطون القوائم وكي القناة، أي: قصبة الرجل، والضماد: بكل حار محلل، كالإكليل والبابونج والحلبة والخطمي.
(اللكون) : ويكون في المفاصل خصوصاً فوق الركبة من كثرة السير أو ثقل الحمل، وعلاجه: لصق كل ملين كالزبيب وعنب الذيب والزعفران والتين والطلب بالشونيز والعسل.
(الرقاق) : وهو أن تضلع الدابة من إحدى يديها، ويخشى من الصحيحة أن تحمل الضالعة ثقل المشي، وبذلك يصير الضلع كبيراً فيحز عضد اليد الصحيحة لتضعف، ويكون شدة وطئهما واحداً.
(عظم السبق) : خراج في الحافر، وعلاجه: لصق الصموغ، أو: الحنظل الرطب والمقل والثوم والعذرة الرطبة لصوقاً على الصوف والميعة بالزيت وقد يبضع.
(الطباق) : ورم فيما يلي السنبك، يصحبه تشقيق وخشونة من مادة رطبة، وعلاجه: التسف والكي، ثم يخرق بمسبر محمي حتى يخرج منه كبزر التين، أو: ماء أصفر، ويعالج بالمراهم والقطران وحشو الزرنيخ والجير والبول.
(الوقرة) : قرح خفي في الحافر من نحو قصف مسمار أو انصباب مادة آكلة، وعلاجها بكشفها وتنحية النعل، وتنظيف المادة وملازمة الذنب والقطران.
(الشقاق) : مرض علامته حركة الرأس وقلة الأكل وسيلان الأنف، ثم يظهر عرض مستطيل خلف الأذن، وعلاجه: بزر الكتان ودقيق بزر قطونة بالصابون طلاء، فإن انفجر عولج كالخراج.
(العنكبوتية) : ورم في الأنف يضيق النفس وينسج كالشبكة، وعلاجه: القطع إن أمكن، وإلا نفخ الزاج والزرنيخ في أنفه بلطف أو مرهم الزنجار.
(تحرك الأسنان) : علاجه الدلك بالزفت والحنتيت مطبوخاً بالزيت، والكبس بالشب والشونيز.
(السعال) : إن كان برودة فعلاجه مطبوخ الثوم والزبيب والكمون والناتحوة والأبهل، وينبغي أن يحلى في العسل، وإن كان عن حرارة فالبيض المقوع بالخل حتى يلين، والدبق بالزيت والماء الحار وفصد الودجان إن عظمت.
(القصر) : بالتحريك مرض يعتريها إذا عرقت، ورفع عنها السرج أو مسها البرد، وهو كالتشنج، والفرق بينهما أن هذا يكون في الظهر والعنق، والقصر في مطلق الأعصاب، وعلاجه: التدثير في مكان حار محفوظ من الهواء، والبخور بالشيح والكندر، والسعوط بالنطرون ودهن الورد، فإن لم يبرأ فالكي في مفصل العنق والرأس وأصل الذنب.
(الجرد) : ويكون في القوائم، يشبه داء الثعلب في الإنسان، وعلاجه: الشرط حتى يخرج الدم، ويذاب من دهن النعام والغار والشونيز وماء السلق مفردة أو مجموعة، ويطلى بها، وكذا بصل العنصل.
(الشانكاه) : خراج يبرز لاحتقان الريح ونحوه في كتف أو مرق، علاجه: بلزقات الكسر.
(الحمر) : وهو عرض سببه كثرة أكل الشعير، وعلامته نتن فيه، وثقل المشي والصدر، ويبس الأعضاء ونفاخ، وعلاجه: فصد اليدين من الحافر مما يلي الشعر، وسعوط الورد والكافور والبنفسج والبابونج.
(الخطل) : انحلال العصب بحيث يفارق المفصل مركزه، وسببه: شرب على تعب، وعلاجه: الكي في محله، والضماد بالقوابض، كالعفص يجعل عليه نسجاً من الصوف المبروم، ويكون كالشبكة، ويبقى عليه إلى أن يبرأ.
(ريح الجمال) : ورم من أصل الفخذ إلى آخر الفخذ إلى آخر الرجل من بخار أو ريح ينضغط بين الأعشية، وعلاجه: الكماد بالنخالة مع العذرة.
(القروح والدبرات) : الحاصلة من ميل السرج أو الراكب، علاجها: التنقية والذرورات القابضة كالعفص وقشر الرمان والشب والحناء وهو أنفعها، وأنفع من ذلك كله ما يستعمل الآن، وهو التنقية بالماء الحار والصابون ودهنه بزيت الغاز، وينفع أيضاً من الحكة والجرب، وأكحالها: ملح أندراني نطرون لؤلؤ سكر نبات زنجار حجر مسن محرق دار فلفل نوشادر زعفران كافور توتية، وينفع الاكتحال بها من المغلة والبياض والظفرة.
(طرفة العين) : سمن دهن ورد صفار البيض زعفران السموم.
(الدفلى) : علاجها: حليب بتمر وشعير، زبل الدجاج السعوط به وشرب سويق النبق والتفاح والكرنب وعصارة الكراث بخل والبستاني منه بنطرون.
(العنكبوت) : فصد الحلق وشرب الترياقات، وعلاج شرب حليب العشار يشرب لبن الحمير إلى نصف رطل بقليل من الفلفل الأبيض.
(1/70)

(لحفظ الصحة) : تطعم شحم الحنظل بالعجين في كل شهر مرة، والملح مع العلف يزيل ضرسها ويقوي معدتها وكذا الكسفرة؛ ومما يسمنها إذا كانت هزيلة أن تأخذ ورق الخطمي وتقطعه ناعماً، وتغمره بالماء ثم تنقع فيه الشعيرالمدشش وتعلقها به إلى أن تسمن، وبعد ذلك تعطى من الشعير الصحيح بعد رشه بماء الخطمي أو الحلبة، وإن وضعت في بيت مظلم أربعين يوماً بشرط أن لا تخرج منه، ولا تمسح ولا تتمرغ، وتعلف من الشعير المطحون ضعف ما كانت تأكله من الصحيح صباحاً ومساءً، وتشرب من الماء ضعف ما كانت تشربه أولاً، سمنت وتفقأت شحماً.

تتمة
روى الطبراني في (الأوسط) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه: "أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: من ساء خلقه من الرقيق والصبيان والدواب فاقرؤوا في أذنه: "أفغير الله تبغون. وله أسلم من في السموات والأرض طوعاً وكرهاً، وإليه ترجعون""، وورد أيضاً أنه يقرأ في أذنها سورة الفلق.
وروي: "أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال لعلي رضي الله عنه - من وصيته -: يا علي إذا ركبت دابة فقل: بسم الله، الحمد لله الذي أكرمنا وهدانا للإسلام، ومن علينا بمحمد عليه السلام، "الحمد لله الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون"".

خاتمة في المسابقة وما يتعلق بها وفيها خمسة مطالب
المطلب الأول فيما يدل على فضلها وحسن نتيجتها في الشرع والسياسة
روي عن أبي أيوب زيد بن خالد الأنصاري رضي الله عنه: "أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: لا تحضر الملائكة من اللهو شيئاً إلاّ ثلاثة: لهو الرجل مع امرأته، وإجراء الخيل، والنضال". وعنه صلى الله عليه وسلم: "أحب اللهو إلي إجراء الخيل". وعن مكحول عن وائلة بن الأسقع قال: "أجرى رسول الله صلى الله عليه وسلم فرسه الأدهم في خيول المسلمين في المحصب بمكة، فجاء فرسه سابقاً، فجثا رسول الله صلى الله عليه وسلم على ركبتيه حتى إذا مر قال: إنه لبحر، فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: كذب الحطيئة في قوله:
وإن جياد الخيل لا تستفزني ... ولا جاعلات العاج فوق المعاصم
فلو كان أحد صابراً عن الخيل، لكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى بذلك". وعن سهل بن سعد عن أبيه عن جده قال: "أجرى رسول الله صلى الله عليه وسلم الخيل فسبقت على فرس رسول الله (الظرب) فكساني برداً يمانياً، قال: وقد أدركت بعضه عندنا". وعن الزبير بن المنذر عن أبي سعد قال: "سابق أبو أسيد الساعدي على فرس رسول الله اللزاز فأعطاه حلة يمانية". وعن إبراهيم بن الفضل عن أبي العلاء عن مكحول قال: "طلعت الخيل وقد تقدمها فرس النبي صلى الله عليه وسلم، برك على ركبتيه وأطلع رأسه من الصف وقال: كأنه بحر". وعن مكحول "أنه صلى الله عليه وسلم أجرى الخيل يوماً فجاء فرس له أدهم سابقاً وأشرف على الناس، فقالوا الأدهم الأدهم، وجثا رسول الله صلى الله عليه وسلم على ركبتيه ومر به وقد انتشر ذنبه وكان معقوداً، فقال صلى الله عليه وسلم: إنه لبحر". وعن قتادة "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أجرى فرسه مع أبي أيوب رضي الله عنه فسبقه فرس المصطفى صلى الله عليه وسلم فقال صلى الله عليه وسلم: أنا ابن العواتك، إنه لهو الجواد البحر" يعني: فرسه.
وذكر ابن بنين (البحر) في خيله صلى الله عليه وسلم، وقال: "كان فرس اشتراه من تجر قدموا من اليمن فسابق عليه مرات، وجثا صلى الله عليه وسلم على ركبتيه ومسح وجهه، وقال: ما أنت إلا بحر". وقال ابن الأثير كان كميتاً، وإذا كان الفرس لا ينقطع جريه فهو بحر تشبيهاً له بالبحر الذي لا ينقطع ماؤه. وروي عن أنس بن مالك قال: "كان صلى الله عليه وسلم أجمل الناس وجهاً وأجود الناس كفاً وأشجع الناس قلباً. خرج وقد فزع أهل المدينة، فركب فرساً لأبي طلحة عرياً، - وكان فرساً بطيئاً - فرجع وهو يقول: لن تراعوا لن تراعوا. ثم قال: إني وجدته بحراً". فرسول الله صلى الله عليه وسلم أول من وصف الفرس بالبحر.

المطلب الثاني فيما اتفق الأئمة على جوازه من أنواعها وما اختلفوا فيه
(1/71)

ذكر الختلي في كتاب (الفروسية) من حديث عبد الله بن دينار عن ابن عمر رضي الله عنهما: "أن النبي صلى الله عليه وسلم سابق بين الخيل وجعل بينهما مجالاً، وقال: لا سبق إلا في خف أو حافر أو نصل" زاد أبو البخري - بالخاء المعجمة - قاضي المدينة المنورة في الحديث كلمة (أو جناح) كذباً. فلما بلغ هارون الرشيد ذلك أمر بذبح الحمام فقيل له: ما ذنبها؟ قال: زيادة (أو جناح) في الحديث كذباً على رسول الله صلى الله عليه وسلم. ذكر أيضاً حديث عبد الله بن نافع عن عمر رضي الله عنه "أن النبي صلى الله عليه وسلم سابق بين الخيل وراهن". وحديث واصل مولى أبي عيينة عن موسى بن عبيدة قال: "قلت لابن عمر: أكنتم تراهنون على عهد النبي صلى الله عليه وسلم؟ فقال: لقد راهن على فرس له". وعن أبي لبيد قال: "قلت لأنس بن مالك: أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يراهن على الخيل؟ قال أي: والله لقد راهن على فرس له يقال لها سبحة فسبقت فهش لذلك وأعجبه. وهي فرس شقراء ابتاعها من أعرابي من جهينة بعشر من الإبل؛ وسابق عليها يوم خميس ومد الجعل بيده ثم خلى عنها ومسح عليها، فأقبلت الشقراء حتى أخذ صاحبها العلم، وهي تفر في وجوه الخيل فسميت سبحة الرهان" الجعل: الذي يقع عليه السباق، ويقال لما يوضع في الرهان، والنضال: الخطر، والسبق: - بإسكان الباء - والذرب والقرع والوجب، قال الخطابي: والرواية الصحيحة - بفتح الباء - أي: أن الجعل والعطاء لا يستحق إلا في سباق الخف، أي: ذي الخف، وهي: الإبل أو الحافر، وهي الخيل، أو النصل أي: الرمي بالسهام. وقال أبو الفضل عياض: "لا تجوز المراهنة في غيرهم عند الأئمة الأربعة، وأما الرهان بغيرها فلا يجوزه الأكثر". والمسابقة على الأقدام جائزة؛ لمسابقة النبي صلى الله عليه وسلم عائشة، وقد تكون من باب المسابقة المرغب فيها لما فيها من التدريب والتجربة للحاجة إلى السابق على قدميه، كما يحتاج إلى السباق على الخيل، وروي عن عطاء: "السبق في كل شيء جائز" أي: بغير رهان، وإلا كان من باب الميسر المنهي عنه. وعن سعيد بن المسيب "ليس في رهان الخيل بأس، إذا أدخلوا فيها محللاً، ليس دونها إن سبق أخذ السبق، وإن سبق لم يكن عليه شيء". وعن أبي هريرة: "عن النبي صلى الله عليه وسلم: من أدخل فرساً بين فرسين وهو لا يؤمن أن يسبق فليس بقمار، ومن أدخل فرساً بين فرسين، وقد أمن أن يسبق فهو قمار"، فالمحلل: أي الفرس المدخل بين المتسابقين إن كان كفواً يخاف أن يسبقهما فيحرز السبق جاز، وإلا فلا، وكان إدخاله بينهما لغواً. وقال القاضي: "لا خلاف في جواز المراهنة في المسابقة إن أخرج الأمير سبقاً يكون للسابق، ولا فرس له بينهما، أو يخرج أسباقاً أحدها للسابق، والثاني للمصلي، والثالث للتالي وهكذا". ويأخذون السبق على ما اشترط، أو أخرج أحد الناس السبق تطوعاً ولا فرس له في الحلبة؛ لأن ذلك من باب التفضل على السابق وإكرامه به. والمتفق على عدم جوازه: أن يخرج كل من المتسابقين سبقاً ويضعاهما عند مؤتمن والسابق منهما يأخذهما فهذا قمار عند مالك والشافعي وسفيان، وأما إذا كان بينهما محلل إن سبق أحرز السبق وإلا فلا شيء عليه فقد أجازه ابن المسيب، وقال بجوازه مالك مرة، والمشهور عنه عدم جوازه وقال الشافعي: إن سبق المحلل أحرز السبق كله وإن سبق أحد المتسابقين أحرزه وإن تساويا في السبق كان لكل واحد منهما ما أخرجه، وإن سبق أحدهما المحلل، وتأخر الآخر أحرز السابق سبق المتأخر. واختلفوا فيمن أخرج سبقاً وله فرس في الحلبة، واشترط إن سبق حبس سبقه وإن سبق يكون للسابق. فأكثر العلماء أجازه، وهو أحد قولي مالك والشافعي وأبي حنيفة. وقالوا: الأسباق على ملك أربابها وهم فيها على شروطهم، ومنعه مالك في رواية أخرى، وقال: إنما يأخذه من حضر. إن سبق مخرجه، ويجوز السبق على المصارعة. وقد "صارع رسول الله صلى الله عليه وسلم ركانة بن عبيد بن زيد بن هاشم بن عبد المطلب بن عبد مناف حين لقيه ببطحاء مكة ومعه غنم له، فصرعه النبي صلى الله عليه وسلم على سبق، ثم سأله العود فصرعه ثانية فأسلم، فرد النبي صلى الله عليه وسلم عليه غنمه. وأول من حرم القمار في الجاهلية الأقرع بن حابس رضي الله عنه - وهو أحد حكام العرب في الجاهلية، وكان يحكم في كل موسم -. واشترط لوضع الرهان في المسابقة: أن
(1/72)

تكون الخيل متساوية في الجنس والعدو، فإن كان أحدهما محقق السبق كان الرهن قماراً. وإدخال المحلل لغو، وذلك كمسابقة العراب غيرها، والمضمرة منها غير المضمرة، وقد ميز النبي صلى الله عليه وسلم ما ضمر في السباق منفرداً عن ما لم يضمر، وتجوز المسابقة فيهما بغير رهان.
روي عن جعفر بن محمد قال: حدثني أبي: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سابق بين الخيل والإبل". وفي سنة ست من الهجرة: "سابق رسول الله صلى الله عليه وسلم، بين الرواحل فسبق قعود لأعرابي ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولم تكن تسبق قبلها، فشق ذلك على المسلمين. فقال صلى الله عليه وسلم: "حق على الله أن لا يرفع شيئاً من الدنيا إلا وضعه". وفي هذه السنة: "سابق بين الخيل فسبق فرس لأبي بكر رضي الله عنه". وهما أول مسابقة كانت في الإسلام. ذكره غير واحد من العلماء وروى أبو داود بإسناده: "أن النبي صلى الله عليه وسلم سابق بين الخيل، وفضل القرح في الغاية" ويشترط في السباق الأمد.
روي عن موسى بن عقبة عن نافع عن عمر رضي الله عنهما قال: "سابق رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الخيل التي ضمرت، فأرسلها من الحفيا، - وكان أمدها ثنية الوداع -؛ فقلت لموسى: وكم بين ذلك؟ قال: ستة أميال أو سبعة. - وسابق بين الخيل التي لم تضمر فأرسلها من ثنية الوداع، وكان أمدها مسجد بني زريق - قلت: فكم بين ذلك؟ قال: ميل أو نحوه -. وكان ابن عمر ممن سابق فيها، قال ابن عمر: فجئت سابقاً فطفف بي الفرس أي وثب جدار المسجد وكان جداره قصيراً". الحفيا: - بالمد والقصر - موضع بالمدينة، وثنية الوداع: كذلك، وسميت بذلك لأن الخارج منها يودع مشيعه، والميل: أربعة آلاف ذراع، والفرسخ: ثلاثة أميال، والبريد: ثلاثة فراسخ. ويشترط هذا في مسابقة الإبل أيضاً، ووضع الرهان في الرمي لمن سبق، أو أصاب الغرض جائز. ومسابقة الخيل كانت في الجاهلية وأقرها الإسلام، وهي من باب التدريب لا التعذيب، للاحتياج إليها في الكر والفر، واختلف في التدريب بين الندب والإباحة.

فائدة
روى عبد الله بن المبارك عن سفيان قال: "إذا سبق الفرس بأذنه فهو سابق" وهذا محمول على تساوي أعناقها في الطول والقصر، فإن اختلفت كان السبق بالكاهل.

المطلب الثالث في ترتيب خيل الحلبة وذكر أسمائها
الحلبة - بالتسكين - خيل تجمع للسباق من كل أوب، لا تخرج من موضع واحد، وتجمع على حلائب وحلبات. قال الشاعر:
نحن سبقنا الحلبات الأربعا ... الفحل والقرح في شوطٍ معا
وقال سويد بن شداد العبسي يخاطب فرسه:
أناصح أبرز للسباق فإنها ... غداة رهان جمعته الحلائب
فإنك مجلوب علي ضحى غد ... ومالك إن لم يجلب الله جالب
وقال عتاب بن الأصم:
يا حزم قد جد الرهان بالقدم ... ليس عليك اليوم في جري لوم
إن أنت جليت الوجوه ذي اليوم
وموضع المسابقة، يسمى: المبطان، أي: موضع الذي يوطن لترسل منه الخيل، ويسمى: المضمار، قال أبو عبيد الله بن الخطيب:
ما ضرني إن لم أكن متقدماً ... فالسبق يعرف آخر المضمار
ولأن غدا ربع البلاغة بلقعاً ... فلرب كنز في أساس جدار
والمبنى والمبدا: هي غاية مدى السبق المتفق عليه، ويقدرونه بالغلوات قال غيلان الربع:
أمسوا فغادرهن حول المطاء ... بمئتين بغلا الغلاء
والغلوة: منتهى غاية المريح، وهو سهم خفيف يوضع في القوس ويرمى به، بشرط أن يرفع راميه يديه بقدر ما أمكنه، ويضعون السبق على رؤوس قصب الرماح عند منتهى الغاية.
روي أن سعيد بن العاص سابق بين الخيل في الكوفة فجعلها مئة قصبة، وجعل لأخيرها قصبة ألف درهم. ومنه قولهم: (حاز فلان قصب السبق) أو: يبنون في منتهى الغاية بناء يشبه المنارة، ويضعون السبق عليه ويسمونه: (الطربال) ، قال دكين:
حتى إذا كان دوين الظربال ... رجعن منه بصهيل صلصال
مطهم الصورة كالتمثال
وينصبون قبل إرسال الخيل حبلاً يسمونه: (المقوس) يجعل في صدورها لتكون متساوية عند الإرسال، قال الشاعر:
إن البلاء لدى المقوس مخرج ... ما كان من عيب ورجم ظنون
وقال المتنبي:
وما الخيل إلا كالصديق قليلة ... وإن كثرت في عين من لا يجرب
(1/73)

إذا لم تشاهد غير حسن شياتها ... وأعضائها فالحسن عنك مغيب
أي: أن منزلة الخيل من الإنسان كمنزلة الصديق، فالجياد منهل قليلة وإن كثرت في العدد عند من لم يجربها، وعند الامتحان يكرم الشيء أو يهان. وفي الحديث: "الخيل تجري بأعراقها وعنقها، فإذا وضعت على المقوس جرت بجدود أربابها"، وفي الطلب: على إقبال فرسانها، وفي الهزيمة: على آجالهم، ومن الأمثال: (عند الرهان تعرف السوابق) . وقال الشاعر:
ولا يسبق المضمار في كل موطن ... من الخيل عند الجد إلا عرابها
وقد "نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الجلب والجنب في المسابقة"، والجلب: أن يتبع الرجل فرسه، فغن قرب من الغاية زجره وجلب عليه، وهذا مما يعين الفرس على الجري. والجنب: أن يجنب مع الفرس الذي سابق عليه فرساً آخر، فيرسل حتى إذا دنا تحول راكبه على الفرس المجنوب، فأحرز السبق. والأول: من نوع الخديعة وكانوا يرسلون خيل الحلبة عشرة عشرة ولكل واحد منها اسم، فالأول: المجلس ثم المصلي ثم المسلي ثم التالي ثم المرتاح ثم العاطف ثم المؤمل ثم الخطي ثم اللطيم ثم السكيت - بتشديد الكاف، وقد تخفف -.وقال الجاحظ: كانت العرب تعد السوابق ثمانية ولا تجعل لما وراءها حظاً. فأولها: السابق، ويسمى: متجرداً؛ لأنه انجرد من الحلبة وتقدمها، ثم المصلي، ثم المقفي، ثم التالي، ثم العاطف، ثم المزمر، ثم البارع، ثم اللطيم، وما جاء بعد ذلك لا يعتد به. وكانت العرب تلطم وجه التاسع وإن كان له حظ. وقال أبو عبيدة: لم نسمع في سوابق الخيل ممن يوثق بعلمه أسماء لشيءٍ منها، إلا المصلي للثاني، والسكيت للعاشر، وما سوى ذلك يقال له: الثالث والرابع وهكذا إلى التاسع، وحكى المسعودي قال: جاء غلام الرقي إلى المتقي بالله العباسي فتحادثا واتصل الحديث بأخبار الحلائب ومراتب الخيل فيها فقال الغلام: يا أمير المؤمنين أذكر لك قولاً جامعاً أخبرني به كلاب بن حمزة العقيلي قال: كانت العرب ترسل خيلها عشرة عشرة أو أسفل، والقصب تسعة، ولا يدخل الحجر المحجر إلا ثمانية، وهذه أسماؤها: الأول السابق: وهو المجلي؛ لأنه جلى عن صاحبه ما كان فيه من الكرب والشدة، والثاني: المصلي؛ لأنه وضع جحفلة على قطاة المجلي، وهي صلاته، والصلاة: عجب الذنب، والثالث: المسلي؛ لأنه سلى عن صاحبه بعض همه، والرابع: لأنه تلى المسلي، والخامس: المرتاح مأخوذ من راحة الكف؛ لأن فيها خمس أصابع والعربي إذا أومأ إلى خمسة من العدد فتح يده وفرق أصابعه، فالخامس: مثل خامسة الأصابع. والسادس: حظيّاً، فقد أعطى النبي صلى الله عليه وسلم السادس قصبة. ذكر ابن بنين: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سابق بين الخيل على حلل أتته من اليمن، فأعطى السابق ثلاث حلل، والمصلي حلتين، والثالث حلة، والرابع ديناراً، والخامس درهماً، والسادس قصبة. وقال: بارك الله فيك وفي كلكم وفي السابق". ويسمون السابع: العاطف؛ لأنه قد عطف بشيءٍ وإن قل ودخل المحجرة، أي: الحظيرة التي اتخذوها لدخول السابق منها، والثامن: المؤمل تفاؤلاً، كما يسمون الفلاة: مفازة، واللديع: سليماً، لأنه يؤمل سبقه حيث قرب من بعض ذوات الحظوظ، والتاسع: اللطيم؛ لأنه لو رام المحجرة للطم دونها. والعاشر: السكيت؛ لأن صاحبه يسكت حزناً وحياءً، وكانوا يجعلون في عنق السكيت حبلاً، ويجعلون عليه قرداً، ويعطون للقرد سوطاً، فيركضه تعييراً لصاحبه، قال الوليد بن حصين الكلبي:
إذا أنت لم تسبق وكنت مخلفاً ... سبقت إذا لم تدع بالقرد والحبل
وإن تك حقاً بالسكيت مخلفاً ... فتورث مولاك المذلة بالنبل
وأشر بقوله: (فتورث مولاك المذلة بالنبل) إلى ما يفعله البعض من رمي السكيت بالنبل حتى ينجعف، كما يفعل النعمان بن المنذر بفرسه النهب، وكانوا يمسحون وجه السابق. قال ابن عبد ربه:
وإذا جياد الخيل ما طلها المدا ... وتقطعت في شأوها المبهور
فالووا عناني في الحلائب وامسحوا ... مني بغرة أشقر مشهور
وقال جرير:
إذا شئتم أن تمسحوا وجه سابق ... جواد فمدوا في الرهان عنانيا
وقال كلاب بن حمزة: لم نعلم أحداً من العرب في الجاهلية والإسلام وصف خيل الحلبة العشرة بأسمائها وصفاتها ومراتبها غير محمد بن يزيد بن مسلمة بن عبد الملك بن مروان بقوله:
(1/74)

شهدنا الرهان غداة الرهان ... بجمعية ضمها الموسم
نقود إليها مقاد الجميع ... ونحن بصنعتها أقوم
غدونا بمقوورة كالقداح ... غدت بالسعود لها الأنجم
مقابلة نسبة في الصريح ... فها هي للأكرم الأكرم
فمنهن أحوى طمر أغر ... يفوت الخطوط إذا يلجم
تلألأ في وجهه قرحة ... كأن تلألؤها المرزم
ومنها كميت بهي الصفات ... وأشقر ذو غرة أرثم
وأدهم ليس له غرة ... لقد حاز من فضلها الأدهم
فقيدت لمدخور ما عندها ... لمنتظري أنها تنجم
عليهم سحم صغار الشخوص ... وكالأسد صوتاً إذا تنجم
كأنهم فوق أثباجها ... زرازير في نعف حوم
فصفت على الحبل في محضر ... يلي أمره ثقة مسلم
تراضوا به حكماً بينهم ... فبالحق بينهم يحكم
وربك بالسبق عن ساعة ... من الناس كلهم أعلم
فقلت ونحن على جدة ... من الأرض نيرها مظلم
لقد فرغ الله مما يكون ... ومهما يكن فهو لا يكتم
فأقبل في إثرنا نافر ... كما يقبل الوابل المنجم
وأتبع فوضي مرفضة ... كما أرفض من سلكه المنظم
أو السرب سرب القطا راعه ... من الجو شواذنق أظلم
فواصل من كل سقط له ... كأن عنابيبها العندم
وللمرء من قدح ما تستثير ... سنابكهن سنا يحذم
فجلى الأغر وصلّى الكميت ... وسلى فلم يذمم الأدهم
وأردفها رابع تاليا ... وأين من المنجد المتهم
وما ذم مرتاحها خامساً ... وقد جاء يقدم ما يقدم
وجاء الحظي لها سادساً ... فأسهم حصته المسهم
وسابعها العاطف المستحير ... يكاد لحيرته يحرم
وجاء المؤمل فيما نجيب ... وغنى له الطائر الأشيم
حذى سبعة وأتى ثامناً ... وثامنه الخيل لا تسهم
وجاء اللطيم لها تاسعاً ... فمن كل ناحية يلطم
يخيب السكيت على إثره ... حياؤه من خزيه أعظم
كأن جوانبه بين ذي ... جمانة نيط بها قمقم
على ساقة الخيل يعدو به ... مليماً وسائسه ألوم
إذا قيل من رب ذا لم يجب ... من الخزي بالصمت مستعصم
ومن لا يقد للحلاب الجياد ... وشيكاً لعمرك إن يندم
وما ذو اقتضاب لمحمولها ... كمن ينتميها ويستلزم
فرحنا بسبق شهرنا به ... ونيل به الفخر والمغنم
وأحرزنا عن قصبات الرهان ... رغائب أمثالها تقسم
بروداً من القصب موشية ... وأكيسة الخز والملحم
فراحت عليهن منشورة ... كأن حواشيهن الدم
ومن ورق صامت بدرة ... ينوء بها الأغلب الأعصم
ففضت لهن خواتيمها ... وبدرتنا الدهر لا تختم
نوزعها بين خدامها ... ونحن لها منهم أخدم
وإنا لنرتبط المعربا ... ت في اللدنات فلا ترزم
نعدلها المحض بعد الثليث ... كما يصلح الصبية المطعم
ونخلطها بصميم العيال ... بمن لم يخب وهو المحرم
مشاربها الصافيات العذاب ... ومطعمهن هو المطعم
فهن بأكناف أبياتنا ... صوافهن يصلهن أو حؤم
ونظمها الشيخ الأكبر سيدي محيي الدين بن عربي بقوله:
قالوا المجلي أول ثم المصلي بعده ... ثم المسلي ثالث والتالي طرف رابع
والخامس المرتاح ثم عاطف سادسهم ... ثم الحظي بعده وهو الجواد السابق
والثامن مؤمل ثم اللطيم تاسع ... سكيتهم عاشرهم أهلة طوالع
فكلهم آخرهم فلا يعد فيهم=إن المجلي أول وتسعة توابع ثم قال: المحفوظ عن العرب السابق ثم المصلي والسكيت الذي هو العاشر، والسابق هو الأول وهو المجلي والمبرز، وسائر ما ذكر من الأسماء؛ فإن بعض الحفاظ من أهل اللغة قال: أراها محدثة، والله أعلم.

المطلب الرابع فيما ورد فيها عن الملوك والأمراء
(1/75)

اعلم أن أكثر ما يتفاخرون باقتنائه ويتباهون بالاعتناء به، ارتباط كرائم الخيل يجلبونها من الآفاق، ويسبرون عتاقها بحسن السباق، ويتخذون طراد الحلبة ميدان مراحهم ومضمار انشراحهم، ويحتفلون ليومه، ويستدعون لشهوده الأعيان، ويستحضرون لمشاهدته ذوي الخبرة والفرسان. ولا ريب في أن الملوك بهذه الوسيلة يتوصلون إلى حماية ملكهم إذ لا يحامي عنه إلاّ كل شجاع جواد على متون الصافنات العتاق فبها يملؤون قلوب الأعداء رعباً، ويذيقونهم نكال الحرب طعناً وضرباً.
ذكر أبو الفرج الأصبهاني أن المهدي العباسي أجرى الخيل فسبقها فرسه الغضبان، فطلب الشعراء فلم يجد منهم أحداً غير أبي دلامة، فقال له: قلده يا يزيد، فقلده عمامته ليضحكه بذلك، فقال له المهدي: يا ابن الخنا أنا أكثر منك عمائم، إنما أردت أن تقلده شعراً، ثم قال: يا لهفي على العماني، فأحضروه فقال له: قلد فرسي هذا فقال:
قد غضب الغضبان إذ جد الغضب ... وجاء يحمي حسباً فوق الحسب
من إرث عباس بن عبد المطلب ... وجاءت الخيل به تشكو النصب
له عليها ما لكم على العرب
فقال المهدي: أحسنت والله! وأمر له بعشرة آلاف درهم. وقال ابن الأعرابي: أجرى هارون الرشيد خيله فجاء فرسه المشمر سابقاً، وكان معجباً به، فأمر الشعراء أن يصفوه فقال أبو العتاهية:
جاء المشمر والأفراس يقدمها ... هوناً على رسله منها وما انبهرا
وجاء الريح حسرى وهي جاهدة ... ومر يختطف الأبصار والنظرا
وذكر المسعودي: أن الرشيد أجرى الخيل، فلما أرسلت صار إلى مجلسه في صدر الميدان حيث توافى إليه الخيل، فكان في أوائلها سوابق من خيله، يقدمها فرسان في عنان واحد، لا يتقدم أحدهما على صاحبه فتأمل أحدهما فقال: فرسي والله، ثم تأمل الآخر فقال: فرس ابني المأمون. فكان فرسه السابق وفرس المأمون ثانية فسر بذلك. فلما انقضى المجلس وهم بالانصراف، قال الأصمعي: - وكان الفضل بن الربيع حاضراً - فقلت: يا أبا العباس! هذا يوم من الأيام، فأحب أن توصلني إلى أمير المؤمنين. فقام الفضل وقال: يا أمير المؤمنين هذا الأصمعي يذكر شيئاً من الفرسين يزيد الله بن أمير المؤمنين سروراً، فقال: هاته فلما دنا قال: ما عندك يا أصمعي؟ قال: يا أمير المؤمنين كنت وابنك اليوم والفرسين كما قالت الخنساء:
جارى أباه فأقبلا وهما ... يتعاوران ملاءة الحضر
حتى إذا بدت القلوب وقد ... لزت هناك القدر بالقدر
وهما كأنهما وقد برزا ... صقران قد حطا على وكر
برزت صحيفة وجه والده ... ومضى على غلوائه يجري
أولى فأولى أن يساويه ... لولا جلال السن والكبر
وذكر المقريزي: أن العزيز بالله سابق بين الطيور، فسبق طائر الوزير يعقوب طائر العزيز، فشق ذلك على العزيز، ووجد أعداء الوزير سبيلاً إلى الطعن فيه، فكتبوا إلى العزيز أنه قد اختار من كل صنف أعلاه، ولم يترك لأمير المؤمنين إلاّ أدناه حتى الحمام فبلغ ذلك الوزير فكتب إلى العزيز:
قل لأمير المؤمنين الذي ... له العلا والمثل الثاقب
طائرك السابق لكنه ... لم يأت إلاّ وله حاجب
فأعجب العزيز ذلك، ولم يلتفت للواشي. وقال ابن ظافر: ركب المعتمد على الله أبو القاسم بن عباد للنزهة بظاهر إشبيلية في جماعة من ندمائه وخواص شعرائه: فلما أبعد أخذ في المسابقة فجاء فرسه بين البساتين سابقاً فرأى شجرة تين قد أينعت وبرزت منها ثمرة قد بلغت وانتهت، فسدد إليها عصا كانت بيده فأصابها وثبتت على أعلاها، فأطربه ما رأى من حسنها وثباتها، ثم التفت إلى ابن جامع الصباغ فقال له أجز:
كأنها فوق العصا فقال ... هامة زنجي عصى
فزاد سروره بحسن ارتجاله وأجزل جائزته. وقال الوزير عبد الغفور الكاتب يصف فرساً أشهب للأمير يحيى بن سير جاء سابقاً:
يا ملكاً لم يزل قديماً ... بكل علياء جد وامق
وسابقاً في الندى أتتنا ... جياده في المدى سوابق
لله منها أسيل خدٍّ ... أهريت شدقيه كالجوالق
حديد قلب حديد طرف ... ذو منكب يشبه البواسق
ذو جشة في الصهيل دلت ... منه على أكرم الخلائق
أشهب كالرجع مستطير ... كأنه الشيب في المفارق
(1/76)

خب غداة الرهان حتى ... أجهد في إثره البوارق
ما أنس لا أنس إذ شالها ... مشربات مثل البواشق
وبدها شزباً عتاقاً ... لم ترض عن خصرها العواتق
فقمن يمسحن منه رشحاً ... مطيبات به المخانق
أفديه من شافع لبيض ... قد كن عن بغيتي عوائق
أنضع منه لرأي عيني ... سود عذار الفتى الغرانق
وحكي أن الحجاج كتب إلى قتيبة بن مسلم، أنه قد اجتمعت جياد خيل العرب بخراسان فاكتب إلى أهل الكور وأمرهم بإجراء الخيل وابعث إلي بسوابقها. فبعث إليه بفرسه الأشقر والرؤاسي وهما أبناء الحميراء، فجاءت بهما رسله، فعرض لهما لص يسمى أشكاب، فسرق الأشقر وجاؤوا بالرؤاسي إلى عبد الملك بن مروان فاستوهبه منه أخوه بشر فوهبه إياه. فكانت خيل بشر من بناء الرؤاسي، وهي سوابق الخيل في العراق. وحكي أن بشراً سابق بفرسه من بنات الرؤاسي خيل يوسف بن عمر فسبقها فشق عليه ذلك. وبعد مدة قيل ليوسف بن عمر ألا تجري الخيل؟ فقال: الآن ابعثني وابعث بالسبق إلى عبد الملك، لأن بشراً حمل بعض الرؤاسي على بعض، فرققن وضعفن، والزائدية أغلظ منها وأقوى، وسمي الرؤاسي لأن رجلاً من سليم يسمى عبد الملك رأس استوهب ما في بطن الحميراء من معقل بن عروة فوهبه إياه. فلما وضعته أعجب معقل، فقال لعبد الملك: دعه وأهب لك ما شئت، فأبى فقال معقل: إذن لا ألبؤه لك فقال: هاته. فأخذه واشترى له برزونة، حين وضعت فألبأه منها ثم خدمه حتى أجدع، فأرسله في الحلبة فلم يصنع شيئاً ثم أثنى فأرسله في الحلبة فلم يصنع شيئاً. فأعاره إلى رجل من دهاقين خراسان، فابتذله فانتسب أي رجع إلى نسبه ونزع إلى عرقه بعد ما أربع، فكان سابقاً لا يجارى، وكان معقل خبيراً بالخيل، فإذا أجريت استدبرها فأيها كان أدنى سنبكاً من الأرض سابق عليه، فالزائدية سوابق خيل الشام، والرؤاسية سوابق خيل العراق. وحكى المسعودي: أن الوليد بن يزيد بن عبد الملك كان مغرماً بالخيل وجمعها للحلبة؛ وكان فرسه السندي جواداً سابقاً إلاّ أنه يقصره في الحلبة عن فرس هشام المعروف بالزائد. وربما جاء معه مصلياً، فأجرى الوليد الخيل يوماً بالرصافة، وكانت الحلبة ألف قارح، فوقف بها ينتظر الزائد ومعه سعيد بن العاص، وكان جواده المصباح فيها فلما طلعت الخيل قال الوليد:
خيلي ورب الكعبة المحرمة ... سبقن أفراس الرجال اللومة
كما سبقناهم وحزنا المكرمه
فأقبل فرس يسمى الوضاح أمام الخيل فلما دنا صرع فارسه وأقبل المصباح فرس سعيد يتلوه وعليه فارسه فقال سعيد:
نحن سبقنا اليوم خيل اللومه ... وصرف الله إلينا المكرمه
كذاك كنا في الدهور المقدمه ... أهل العلا والرتب المعظمه
فضحك الوليد لما سمعه، وخشي أن يسبق فرس سعيد فركض فرسه حتى ساوى الوضاح، فقذف بنفسه عليه ودخل سابقاً. ثم عرضت على الوليد الخيل في الحلبة الثانية، فمر به فرس لسعيد فقال: لا نسابقك أبا عنيسه وأنت القائل: (نحن سبقنا اليوم خيل اللومة) فقال سعيد: ليس كذا يا أمير المؤمنين، وإنما قلت (نحن سبقنا اليوم خيلاً لومه) فضحك الوليد وضمه إلى نفسه وقال: لا عدمت قريش أخا مثلك. وقال الأصمعي: حدثني ابن قتب قال: قدم أعرابي من أهل نجد على الوليد بن عبد الملك وقد ضمر الخيل للمسابقة، فقال الأعرابي: يا أمير المؤمنين أريد أن أرسل خيلي مع خيلك، فقال: كيف تراها فقال: حجازية لو ضمها مضمارك ذهبت. فقال له الوليد: ما اسمك؟ قال: أسيلم بن الأحنف، فقال له: إنك لمنقوص الاسم أعوج اسم الأب. ثم أرسلت الخيل فسبق الأعرابي على فرسه حزمة. فقال له الوليد: أواهبها أنت لي؟ قال: إنها قديمة الصحبة ولها حق، ولكني أحملك على مهر لها قد سبق عاماً أول، وهو في بطنها له تسعة أشهر والمهر إذا أتت عليه عشرة أشهر في بطن أمه ربض، أي: تحرك. وقال أيضاً: كان ابن هشام بن عبد الملك يعتني بشأن الخيل حتى أن خيله لا تكاد تسبق فسبقت له فرس وصلت أختها ففرح بذلك، وقال: عليَّ بالشعراء، قال أبو النجم فدعينا له فقال: قولوا في هذه الفرس وأختها. فطلب الشعراء منه المهلة، وقلت مرتجلاً:
أشاع للغراء فينا ذكرها ... قوائم عوج أطعن أمرها
وما نسينا بالطريق مهرها ... حين نقيس قدره وقدرها
(1/77)

وصبره إذا عدا وصبرها ... والماء يعلو نحره ونحرها
مملومة شد المليك أسرها ... أسفلها وبطنها وظهرها
قد كان هاديها يكون شطرها
قال أبو النجم: فأمر لي بجائزة وانصرف القوم. وقال أيضاً:
ثم سمعنا برهان نأمله ... قيد له من كل أفق جحفله
فقلت للسائس قد أعجله ... عدواً ولعناً في الرهان نرسله
نعلو به الحزن ولا نسهله ... إذا علا الأخشب صاح جند له
ترنم النوح يبكي مثكله ... كان في الصوت الذي يفصله
زمار دف يتغنى جلجله ... حتى وردنا المصر يطوي قنبله
طي التجار العصب إذ تنخله ... وقد رأينا فعلهم فنفعله
وأبتع الأيدي منه أرجله ... قمنا على هول شديد وجله
نمد حبلاً فوق خط نعد له ... نقول قدم ذا وهذا أدخله
وقام مشقوق القميص يعقله ... فوق الخماسي قليلاً يفضله
أدرك عقلاً والرهان عمله ... حتى إذا أدرك خيلاً مرسله
ثار عجاج مستطير قسطله ... تنفش منه الخيل ما لا تغزله
مرا يغطيها ومرا تجعله ... مر القطا صب عليه أجدله
وهو رخي البال سام دهله ... قدامها ميلاً لمن يمثله
تطيره الحن وحيناً ترجله ... تسبح أخراه ويطفو أوله
ترى الغلام ساجياً ما تركله ... تعطيه ما شاء وليس يسأله
كأنه من زبد تسربله ... في كرسف النداف لولا بلله
تخال مسكاً عله معلله ... ثم تناولنا الكلام نشرله
عن مقرع الكتفين حلو عطله ... منتفخ الجوف عريض كلكله
فوافت الخيل ونحن فشكله ... والجن عكاف به نقبله
ومما أدرك عليه قوله: "تسبح أخراه ويطفو أوله" مع أنه كان وصافاً للخيل، لأن اضطراب مؤخره قبيح. قال الأصمعي: إذا كان الفرس كذلك، فحمار الكساح أسرع منه، وإنما الوجه فيه ما قيل في وصف فرس أبي الأعور السلمي:
مر كلمع البرق سام ناظره ... يسبح أولاه ويطفو آخره
فما يمس الأرض منه حافره
وقال المسعودي: إن هشاماً. كان يستجيد الخيل وأقام الحلبة مرة، فاجتمع فيها من خيله وخيل غيره أربعة آلاف فرس، ولم يسمع بمثل ذلك جاهلية ولا إسلاماً. ونقل الأصمعي: أن الرشيد ركب في سنة خمس وثمانين ومئة إلى الميدان لشهود الحلبة، فدخلت فيمن شهدها من خواص أمير المؤمنينوالحلبة يومئذ أفراس الرشيد ولولديه الأمين والمأمون وسليمان بن أبي جعفر المنصور، وعيسى بن جعفر، فجاء الأدهم فرس الرشيد سابقاً. فظهرت علامة السرور بوجهه، وقال عليَّ بالأصمعي. فأقبلت سريعاً حتى مثلت بين يديه فقال: خذ بناصية هذا الريد، ثم صفه من قونسه إلى سنبكه، فإنه يقال أن في الخيل عشرين اسماً من أسماء الطير، فقلت: نعم يا أمير المؤمنين، وأنشدك شعراً جامعاً من قول أبي حرزة قال: فأنشد لله أبوك، فأنشدته:
وأقب كالسرحان تم له ... ما بين هامته إلى النسر
رحبت نعامته ووقر فرخه ... وتمكن الصردان في النحر
وأناف في العصفور في سعف ... هام أشم موثق الجذر
وازدان بالديكين صلصله ... ونبت دجاجته عن الصدر
والناهضان أمر حلزهما ... فكأنما عثما على كسر
مسحنفر الجنبين ملتئم ... ما بين شيمته إلى الغر
وصفت سماناه وحافره ... وأديمه ومنابت الشعر
وسما الغراب لموقعيه معاً ... فأبين بينهما على قدر
وتقدمت عنه القطاة له ... فنأت بموقعها عن الحسر
واكتن دون قبيحه خطافه ... ونأت ثمامته عن الصقر
وسما على نقويه دون حداثه ... خربان بينهما مدى الشبر
يدع الرضيم إذا جرى قلقاً ... بقوائم كمواسم سمر
ركبن في محض الشوى سبط ... كفت الوقوب مشدد الأسر
(1/78)

الأقب: الضامر، والسرحان: الذئب، والهامة: أعلى الرأس، والنسر: لحمة في باطن الحافر، وهما اسما طائرين، والنعامة: جلدة الرأس، والفرخ: مقدم الدماغ، والصردان: عرقان ملتفان في باطن اللسان، وبياض يكون في الظهر من أثر الدبر، وهما من أسماء الطير، والعصفور: أصل منبت الناصية، وعظم ناتئ في الجبين، والغرة إذا سالت ورقت ولم تتجاوز العينين, وهو اسم طائر، والسعف: سيلان الناصية، وهام: انتشر، والأشم: المرتفع، والموثق: الجديد القوي، والجذر: الأصل من كل شيء، والديكان: عظمان ناتئان خلف الأذنين، والصلصل: بياض في طرف الناصية، والدجاجة: لحمة زوره، والناهض: لحم العضد من أعلاه، واسم لفرخ الطائر الذي وقر جناحه. وقوله (أمر حلزهما) : أي أحكم فتلهما، وعثما: أي جرى، والمسحنفر: المنتفخ، والملتئم: المعتدل، والشيمة: المنخر، والفر: عضلة الساق، وهي اسم الرخمة والسماني: الدائرة التي في صفحة العنق، وهو اسم طائر يشبه الخطاف، والغراب: رأس الورك، ويقال للصليان: غرابان، وهما مكتنفا عجب الذنب، والقطاة: مقعد الردف، وهي من أسماء الطير، والحر: سواد في ظاهر الأذنين، وهو اسم ذكر الحمام، والخطاف: ما أدرك عقب الفارس إذا حرك رجليه، ويقال له: المركن، وهو اسم طائر، والصقر: دائرة خلف موضع لبد الدابة، وهو اسم طير، والنقم: عظم الورك، واسم ذكر الحبارى، والحدأة: سالفة الفرس، وهي اسم طائر، والرخيم: الحجارة، والتوائم: الحوافر، والموسم: موسم الحديد شبهها به في الشدة، والشوى: القوائم.
ونظمها جلال الدين السيوطي فزادت على الثلاثين بقوله:
الفرخ والناهض والنعامه ... والصقر واليعسوب والحمامه
والنسر والعصفور ثم الهامه ... والديك والكرسوع والسمانه
والصر والفراش والغراب ... والخرب والفرة والذباب
والزرق والصلصل والسحاة ... والساق والخطاف والقطاة
والحر والأسقع والسعدانه ... والجراد والعقاب والسمانه
كذاك ثم حدأة وورشان ... ومثله رخمة إنسان
هذا تمام نظمي المهذب ... والحمد لله بنيل المطلب
وقال أبو سراج الضبي إن صرد بن شداد اليربوعي عم مالك بن نورة سابق أبا سراج على فرس له تسمى بذوة، وفرس صرد تسمى: القطيب فسبق أبو سراج وقال:
ألم تر أن بذوة إن جرينا ... وجد الجدو منا والقطيبا
كأن قطيبهم يتلو عقاباً ... على الصلعاء رازنة طلوبا
ثم سرى الشر بينهما إلى أن احتال أبو سراج على صرد وسقاه منيّ عبدٍ له في عس حلب عليه فشربه، فانتفخ فمات.
قال الأخطل فيهم:
يعب الخمر وهي شراب كسرى ... ويشرب قومك العجب العجيبا
منيُّ العبد عبد أبي سراج ... أحق من المدامة أن تعيبا
وقال العلامة أبو عبد الله محمد بن يوسف الثغري كاتب سلطان تلمسان من أعمال الجزائر، أبي حمو موسى بن يوسف الزياتي يصف حلبة جياده:
قم مبصراً زمن الربيع المقبل ... تر ما يسر المجتني والمجتلي
وانشق نسيم الروض مطلولاً وما ... أهداك من عرف وعرف فاقبلِ
وانظر إلى زهر الرياض كأنه ... در على لبات ربات الحلي
في دولة فاضت يداها بالندى ... وقضت بكل منى لكل مؤملِ
بسطت بأرجاء البسيطة عدلها ... وسطت بكل معاند لم يعدل
سلطانها المولى أبو حمو الرضا ... ذو المنصب السامي الرفيع المعتلي
تاهت تلمسان بدولته على ... كل البلاد بحسن منظرها الجلي
راقت محاسنها ورق نسيمها ... فحلا بها شعري وطاب تغزلي
عرج بمنعرجات باب جيادها ... وافتح بها باب الرجاء المقفل
ولتغدو للعباد منها غدوة ... تضحى هموم النفس عنك بمعزل
وضريح تاج العارفين شعيبها ... زره هناك فحبذا ذاك الولي
فمزاره للدين والدنيا معاً ... تمحى ذنوبك أو كروبك تنجلي
وبكهفها الضحاك قف متنزهاً ... تسرح نفوسك في الجمال الأجمل
وتمشَّ في جناتها ورياضها ... واجنح إلى ذاك الجناح المخضل
يسليك في دوحاتها وتلاعها ... نغم البلابل واطراط الجدول
وبربوة العشاق سلوة عاشق ... فتنت وألحاظ الغزال الأكحل
بنواسم وبواسم من زهرها ... تهديك أنفاساً كعرق المندل
(1/79)

فلو امرؤ القيس ابن حجر زارها ... قدماً تسلى عن معاهد ماسل
لو حام حول فنائها وظبائها ... ما كان مختفلاً بحومة حومل
فاذكر لها كلفي بسقط لوائها ... فهواي عنها الدهر ليس بمنسل
كم جاد فيها الزمان بمطلب ... جادته أخلاق الغمام المسبل
واعمد إلى الصفصيف يوماً ثانياً ... وبه تسل وعنه دوماً فاسأل
وإذا تراه من الأزاهر خالياً ... أحسن بعه عطلاً وغير معطل
ينساب كالإثم انسياباً دائماً ... أو كالحسام جلاه كف الصيقل
فزلاله في كل قلت قد حلا ... وجماله في كل عين قد حلي
واقصد بيوم ثالث فوارة ... وبعذب منهلها المبارك فانهل
تجري على در لجيناً سائلاً ... أحلى وأعذب من رحيق سلسل
وأشرف على الشرف الذي بإزائها ... لترى تلمسان العلية من عل
تاج عليه من المحاسن بهجة ... أحسن بتاج بالبهاء مكلل
وإذا علشية شمسها مالت فمل ... نحو المصلى ميلة المتمهل
وبملعب الخيل الفسيح مجاله ... أجل النواظر في العتاق الجفل
فلحلبة الأشراف كل عشية ... لعب بذلك الملعب المتسهل
فترى المجلي والمصلي خلفه ... وكلاهما في جريه لا يأتلي
هذا يكر وذا يفر فينثني ... عطفاً على الثاني عنان الأول
من كل طرف كل طرف يستبي ... قيد النواظر قتنة المتأمل
ورد كأن أديمه شفق الدجى ... أو أشهب كشهاب رجم مرسل
أو أحمر قاني الأديم كعسجد ... أو أشقر يزهو بعرف أشعل
أو من كميت لا نظير لحسنه ... سام معم في السوابق مخول
أو أدهم كالليل إلاّ غرة ... كالصبح بورك من أغر محجل
جمع المحاسن في بديع شياته ... مهما ترق العين فيه تسفل
عقبان خيل فوقها فرسانها ... كالأسد تنقض انقضاض الأجدل
فرسان عبد الواد آساد الوغى ... حامو الذمار أولو الفخار الأطول
فإذا دنت شمس الأصيل لغربها ... فإلى تلمسان الأصيلة فادخل
من باب ملعبها لباب حديدها ... متنزهاً في كل ناد أحفل
وتأن من بعد الدخول هنيهة ... واعدل إلى قصر الإمام الأعدل
فهو المؤمل والديار كناية ... والسر في السكان لا في المنزل
وقال الوزير أبو عبد الله بن زمرك الكاتب في وصف جياد السلطان الغني بالله:
لك الجياد إذا تجري سوابقها ... فللرياح جياد ما تجاريها
إذا انبرت يوم سبق في أعنتها ... ترى البروق طلاحاً لا تباريها
من أشهب قد بدا صبحاً تراع له ... شهب السماء فإن الصبح يفخيها
إلاّ التي في لجام منه قيدها ... فإنه سامها عزّاً وتنويها
أو أشقر مرعب شقر البروق وقد ... أبقى لها شفقاً في الجو تنبيها
أو أحمر جمرة في الحرب متقد ... يعلو لها شرر من بأس مذكيها
لون العقيق وقد سال العقيق دماً ... بعطفه من كماة كاد يدميها
أو أدهم ملء صدر الليل تنعله ... أهلة فوق وجه الأرض يبديها
إن حارت الشهب ليلاً في مقلده ... فصبح غرته بالنور يهديها
أو أصفر بالعشيات ارتدى مرحاً ... وعرفه بتمادي الليل ينبيها
مموه بنضار تاه من عجب ... فليس يدعم تنويهاً ولا تيها
وقال ابن الأحمر من قصيدة يمدح بها السلطان الغني بالله ويذكر جياد خيله:
والعاديات إذا تلت فرسانها ... آي القتال صفوفها تترتل
لله خيلك إنها لسوابح ... بحر القتام وموجه متهيل
من كل برق بالثريا ملجم ... بالبدر يسرج والأهلة ينعل
أوفى بهادٍ كالظليم وخلفه ... كفل كما لاح الكثيب الأهيل
هن البوارق غير أن جيادها ... عن سبق خيلك يا مؤبد تنكل
غداة غدت من أبلق ومجزع ... وورد ويحموم وأصدى وأشقرا
ومن أدرع قد قنع الليل حالكاً ... على أنه قد سربل الصبح مسفرا
وأشعل وردي وأصفر مذهب ... وأدهم وضاح وأشهب أقمرا
وذي كمتة قد نازع الخمر لونها ... فما تدعيه الخمر إلاّ تنمرا
محجلة غراً وزهراً نواصعاً ... كأن قباطياً عليها منسرا
وأدهماً إذا استقبلن كأنما ... عللن إلى الأرساغ مسكاً وعنبرا
(1/80)

يقر بعيني ما أرى من صفاتها ... ولا عجب أن يعجب العين ما ترى
أرى صوراً يستعبد النفس مثلها ... إذا وجدته أو رأته مصورا
أفكه منه الطرف في كل شاهد ... لأن دليل الله في كل ما ترى
وقال البحتري يصف حلبة المتوكل على الله العباسي:
يا حسن مبدى الخيل في بكورها ... تلوح كالأنجم في ديجورها
كأنما أبدع في تشهيرها ... وصور الحسن على تصويرها
تحمل غرباناً على ظهورها ... في السرق المنقوش من حريرها
إن حاذروا النبوة من نفورها ... أهدوا بأيديهم إلى نحورها
كأنها والحبل في صدورها ... أجادل ينهض في سيورها
مرت تباري الريح في مرورها ... والشمس قد غابت ضياء نورها
والرهج الواسع من تدويرها ... حتى إذا أصغت إلى مديرها
وانقلبت تهبط في حدورها ... تصوب الطير إلى وكورها
في حلبة تضحك عن بدورها ... صار الرجال شرفاً لسورها
أعطي فضل السبق من جمهورها ... من فضل الأمة في أمورها
المطلب الخامس في اسماء خيل النبيّ صلى الله عليه وسلم والمشهور من خيل العرب
اعلم أن العرب لمحتبهم بالخيل واعتنائهم بها، يضعون لها أسماء كما يضعونها لأولادهم، وقد وضع النبيّ صلى الله عليه وسلم أسماء لبعض خيله فمنها: السكب، روى ابن سعد عن الواقدي عن أبي خيثمة عن أبيه قال: "أول فرس ملكه النبيّ صلى الله عليه وسلم فرس ابتاعه في المدينة من رجل من بني فزارة بعشرة أواق وكان اسمه عند الأعرابي الضرس، فسماه صلى الله عليه وسلم السكب، فكان أول ما غزا عليه".
قال ابن حبيب البغدادي: كان كميتاً أغر محجلاً مطلق اليمين: وعن عطاء بن دينار عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "كان للنبي صلى الله عليه وسلم فرس أدهم يسمى السكب".
وقال أبو منصور الثعالبي: إذا كان الفرس خفيف الجري سريعه فهو فيض وسكب، أي: يشبه فيض الماء وانسكابه.
ومنها: المرواح، ذكر ابن سعد في وفادات العرب عن أسامة بن زيد قال: "قدم على النبيّ صلى الله عليه وسلم خمسة عشر رجلاً من الرهاويين - وهم حي من مذحج - وأهدوا إليه هدايا منها فرس يقال له المرواح، فأمر به فشور بين يديه"، والمرواح - بكسر الميم -، مشتق من الريح، ويمسى بذلك لسرعته في الجري، وقوله: (فشور) أي: عرض، والمشور: المكان الذي يعرض فيه الدواب.
ومنها: المرتجز ابن الملاءة.
(1/81)

روى ابن سعد عن الواقدي قال: سألت محمدة بن أبي خيثمة عن المرتجز، فقال: هو الفرس الذي اشتراه النبيّ صلى الله عليه وسلم من الأعرابي الذي شهد له فيه خزيمة بن ثابت وكان الأعرابي من بني مرة. قال الزهري: أخبرنا عمارة بن خزيمة الأنصاري أن عمه حدثه "أن النبيّ صلى الله عليه وسلم ابتاع فرساً من أعرابي، فأشبعه النبيّ صلى الله عليه وسلم لتقضيه عن فرسه، فأسرع النبيّ صلى الله عليه وسلم المشي وأبطأ الأعرابي، فطفق رجال يعترضون الأعرابي فيساومون الفرس، لا يشعرون أن النبيّ صلى الله عليه وسلم ابتاعه حتى زاد بعضهم للأعرابي في السوم على ثمن الفرس الذي ابتاعه به النبيّ صلى الله عليه وسلم، فنادى الأعرابي النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: إن كنت مبتاعاً هذا الفرس فابتعه، وإلا بعته، فقام النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: أليس قد ابتعته منك؟ قال: لا، فطفق الناس يلوذون بالنبي صلى الله عليه وسلم والأعرابي، وهما يتراجعان، فطفق الأعرابي يقول: هلم شهيداً يشهد أني بايعتك. فمن جاء من المسلمين قال للأعرابي: ويلك إن النبيّ صلى الله عليه وسلم لا يقول إلاّ حقاً، حتى جاء خزيمة فاستمع لمراجعة النبيّ صلى الله عليه وسلم ومراجعة الأعرابي فطفق يقول: هلم شهيداً يشهد أني قد بايعتك، فقال خزيمة: أنا أشهد أنك قد بايعته، فأقبل النبيّ صلى الله عليه وسلم على خزيمة فقال: بم تشهد؟ فقال: بتصديقك يا رسول الله. فجعل النبيّ صلى الله عليه وسلم شهادة خزيمة بشهادة رجلين" وفي رواية: "أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال لخزيمة: لم تشهد ولم تكن معنا. قال: يا رسول الله إن نصدقك بخبر السماء أفلا نصدقك بما تقول". وقيل: "اشتراه من الحارث بن ظالم"؛ قال ابن الأثير: وكان أبيض، وإنما سمي المرتجز لحسن صهيله، مأخوذ من الرجز، ضرب من الشعر، قال ابن قتيبة: وفي رواية: اسمه الطرف - بكسر الطاء - أي الكريم من الخيل، وقيل: اسمه النجيب. ومنها: البحر، قال ابن بنين: "اشتراه النبيّ صلى الله عليه وسلم من تُجُر قدموا من اليمن فسابق عليه مرات". وقال ابن الأثير: "كان كميتاً". وفي رواية: "أدهم". ومنها: سبحة، قال ابن بنين: "وهي فرس شقراء ابتاعها صلى الله عليه وسلم من أعرابي من جهينة بعشر من الإبل وسابق عليها ومد الجعل بيده الشريفة". ومنها: ذو اللمة، ذكره ابن حبيب في خيله صلى الله عليه وسلم. ومنها: ذو العقال - بضم العين وتشديد القاف وتخفف - والعقال: الضلع الذي يلي قوائم الدابة. ومنها: اللحيف، ففي البخاري عن ساعدة الساعدي عن أبيه عن جده قال: "كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم في حائطنا فرس، يقال له اللحيف" - بالحاء المهملة -، فعيل بمعنى فاعل؛ لأنه كان يلحف الأرض بذنبه، لطوله، وقيل: بضم اللام وفتح الحاء مصغر، وقيل: بالنون بدل اللام -.
ومنها: لزاز = بلام مكسورة وزايين - أي: لا يسابقه فرس إلاّ لاصقه ولاززه لسرعته. ومنها: الضرب. واحد الضراب، وهي الرابية الصغيرة، سمي بذلك لقوته وصلابة حوافره. قال ابن سعد: "كان مع النبيّ صلى الله عليه وسلم في غزوة المريسيع فرسان: لزاز والضرب".
وروي عن الواقدي عن أبي عباس بن سهل عن أبيه عن جده قال: "كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم عندي ثلاثة أفراس: لزاز والضرب واللحيف، فأما لزاز فأهداه له المقوقس عظيم القبط، وأما اللحيف فأهداه له ربيعة بن البراء فأثابه عليه قلائص من نعم بني كلاب، وأما الضرب فأهداه له فروة بن عمر الجذامي". ومنها: الورد، قال ابن سعد: "أهدى تميم الداري إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فرساً يسمى الورد فأ'طاه لعمر رضي الله عنه". وحكى ابن بنين عن ابن خالويه قال: "كان للنبي صلى الله عليه وسلم من الخيل سبحة واللحيف ولزاز والضرب والسكب وذو اللمة والسرحان والمرتجل والأدهم والمرتجز، - وذكر أيضاً - وملاوح والورد واليعسوب واليعبوب". وقال الحافظ الدمياطي وجماعة أن خيل النبيّ صلى الله عليه وسلم المتفق عليها سبعة والباقي مختلف فيها. ومن الخيل التي اشتهر اسمها: الحرون فرس مسلم بن عمرو الباهلي، وإنما سمي بذلك؛ لأنه كان يسبق الخيل ثم يحرن إلى أن تلحقه، فإذا لحقته سبقها، ثم يحرن وهكذا كان دأبه وفيه يقول:
إذا ما قريش خلا ملكها ... فإن الخلافة في باهله
(1/82)

لرب الحرون أبي صالح ... وما تلك بالنسبة العادله
ثم اشتراه مسلم من أعرابي بألف دينار فسبق عليه عشرين سنة وإليه تنسب الخيل الحرونية. ومن نسله: الغطيفي، فرس لبني غطيف قبيلة بالشام، وإليه تنسب الخيل الغطيفيات، ومنها: هراوة العزاب، وفرس الريان بن حوص العبدي وكان اسمها: سهوة، وإنما لقبت بهراوة العزاب؛ لأنه تصدق بها على عزاب قومه، فكان الأعزب منهم يغزو عليها، فإذا استفاد مالاً وأهلاً دفعها إلى غيره، وهكذا كانوا يتداولونها بينهم. قال عمرو المحاربي بن عبد القيس:
سقى جدث الريان كل عشية ... من المزن دكان العشي دلوح
أقام لفرسان العشيرة سهوة ... لهم منكح من حربها وصبوح
فيا من رأى مثل الهراوة منكحاً ... إذن بل أعطاف الجياد جروح
وذي إبل لولا الهراوة لم يثب ... له المال ما انشق الصباح يلوح
قال لبيد:
لا تسقني بيديك إن لم التمس ... نعم الضجوع بغارة أسراب
تهدى أوائلهن كل طمرة ... جرداء مثل هراوة العزاب
ومنها: ذو العقال، فرس سوط بن جابر اليربوعي، وأبوه (داحس) فرس قيس بن زهير العبسي. ومنها: الأعوج، فرس هلال بن عامر بن صعصعة، وسمي بذلك لأنه ركب صغيراً اعوجت قوائمه، وإليه تنسب الخيل الأعوجية، قال بشر بن أبي حازم:
وبكل أجرد سابح ذي ميعة ... متماحل في آل أعوج ينتمي
وقال طفيل بن عوف:
بنات الوجيه والعزاب ولاحق ... وأعوج تنمى نسبه المتنسب
وقال الأديب إبراهيم الساحلي:
ركبوا إلى الهيجاء كل طمرة ... من نسل أعوج أو بنات الأبجر
من كل مخضوب الشوى عبل التوى ... عاري النواهق مستدير المحجر
ألوي بقادمتي جناحي أفتح ... ولوى بسالفتي غزال أغفر
وإذا زحفنا أشوسياً مبصراً ... ظل الفوارس في الظلام المعكر
من أحمر كالورد أو من أصفر ... كالتبر أو من أشهب كالعنبر
وبكل صهوة أجرد متقضب ... إلاّ إذا ضحك السنان السمهري
وقال ابن خفاجة:
وقد جال دمع القطر في مقلة الدجى ... ولفت نواصي الخيل نكباء زعزع
له من صدور الأعوجية والقنا ... شفيع إلى نيل الأماني مشفع
وظفره في ملتقى الخيل ساعد ... ألف وقلب بين جنبيه أصمع
وأبيض يتلو سورة الفتح ينتضى ... ويستقبل الفرق الكريم فيركع
ومبخر ضخم الجرارة أوحد ... يطير به تحت العجاجة أربع
وحصداء تزري بالسنان حصينة ... ووجه وقاح بالحديد مقنع
وقال ابن خلوف الأندلسي:
وأشهب يعبوباً وطمراً مضمراً ... طموحاً مروعاً أعوجياً مطهما
جرى هازياً بالبرق والريح مسرعاً ... فدارك ما عن نيل أدناه أحجما
تضمخ بالكافور والمسك وارتدى ... وداء ظلام بالصباح تسهما
أشم لجين المتن أعين سابحاً ... أقب غليظ الساق أجرد صلدما
قصير المطا والرسغ أتلع صافناً ... طويل الشوى والذيل أعظم شيظما
تخيل سرحاناً وساير كوكباً ... ولا حظ يعفوراً ولاعب أرقما
فأسرج لما أن توقب جارحاً ... والجم لما أن تثاوب ضيغما
فلم أر بدراً مسرجاً ذا محاسن ... سواه وبرقاً بالثريا ملجما
وأروق ضخم الكف أعوج باذلاً ... بترك رحيب الباع أقود أيهما
ذلولاً لؤوباً شدقمياً مكلثماً ... أموتاً صموتاً أرجلياً حثمثما
إذا خب عاينت الحرون وداحساً ... وإن سار أنساك الجديل وشدقما
فريت به فود الفلاة ولم أزل ... أروح وأغدو طائراً ومحوما
وقد تقدم الكلام على الأعوج الأكبر والأصغر، وزاد الراكب والحنفا والغبرا والعسجدي (في آهر الفصل الثاني من الباب الخامس) ومنها: أطلال، فرس بكير بن شداد بن يعمر الشداخي، كانت تحته يوم القادسية، وقد أحجم الناس عن عبور نهرها، فصاح بها بني أطلال فوثبته، وكان عرض النهر ثلاثين ذراعاً. ومثل هذا قد وقع مع سيدي الوالد قدس سره، فإني سمعت منه أنه ركب يوم (أرهيو) من أيامه مع دولة فرنسا فرسه الكميت اسماً ولوناً، وقد ألجأه الأمر إلى وثوب نهره وكان عرضه ثلاثين ذراعاً فشد على الفرس فوثبه من الجانب إلى الجانب.

تتمة في ذكر ما وقع فيها من الفكاهات والمنادمة
(1/83)

قال أبو عبيدة: كان لعجل بن نجيم فرس جواد فقيل له: إن لكل جواد اسماً فما اسم فرسك؟ فقال: لم أسمه بعد، فقيل له: سمه. ففقأ إحدى عينيه وقال: سميته الأعور فقيل فيه:
رمتني بنو عجل بداء أبيهم ... وهل أحد في الناس أحمق من عجل
أليس أبوهم عار عين جواده ... فصارت به الأمثال تضرب بالجهل
عار عينه: أي فقأها.
وحكى أبو الفرج الأصبهاني أن النصيب الشاعر كان هجاءً فأهدى الربيع بن عبد الله الحارثي فرساً فقبله ثم ندم خوفاً من المكافأة، فجعل يعيبه ويذكر بطأه وعجزه، فبلغ ذلك النصيب فقال:
اعبت جوادنا ورغبت عنه ... وما فيه لعمرك من معاب
وما بحوادنا عجز ولكن ... أظنك قد عجزت عن الثواب
فأجابه الربيع بقوله:
رويدك لا تكن عجلاً إلينا ... أتاك بما يسوؤك من ثواب
وجدت جوادكم قدماً بطيئاً ... فما لكم لدينا من ثواب
فلما كان بعد أيام، رأى النصيب الفرس تحت الربيع فقال:
أجدت مشهراً في كل أرض ... فعجل يا ربيع مشهرات
يمانية تخيرها يماني ... منمنمة البيوت مقطعات
وجارية أضلت والديها ... مولدة وبيضاً وافيات
فعجلها وأنفذها إلينا ... ودعنا من بنيات الثرات
فأجابه الربيع بقوله:
بعثت بمقرفٍ حطم إلينا ... بطيء الحضر ثم تقول هات
فقال النصيب:
في سبيل الله أودى فرسي ... ثم عللت بأبيات هرج
كنت أرجو من ربيع فرجاً ... فإذا ما عنده لي من فرج
فأمر له بألف درهم. وحكي أنه مات لأبي الحسين الجزار حمار فكتب له بعض أصحابه:
مات حمار الأديب قلت لهم ... مضى وقد فات فيه ما فاتا
من مات في عزه استراح ومن ... خلف مثل الأديب ما ماتا
فأجابه بقوله:
وكم جهول رآني ... أمشي لأطلب رزقا
فقال لي صرت تمشي ... وكنت ماشي ملقى
فقلت مات حماري ... تعيش أنت وتبقى
وسأل بعض الأدباء من أمير جملاً، فأرسل إليه جملاً ضعيفاً هزيلاً، فكتب الأديب إليه: حضر الجمل فرأيته متقادم الميلاد. كأنه من نتاج قوم عاد. قد أفنته الدهور. وتعاقبته العصور. فظننته أحد الزوجين اللذين جعلهما الله تعالى لنوح في سفيتنخ. وحفظ بهما جنس الجمال لذريته. ناحلاً ضيئلاً. بالياً هزيلاً. يعجب العاقل من طول الحياة به. وتأتي الحركة فيه. لأنه عظم مجلد. وصوف ملبد. لو ألقي إلى السبع لأباه. أو طرح إلى الذيب لعافه وقلاه. قد طال لكلاء فقده. وبعد بالمرعى عهده. لم ير العلف إلاّ نائماً. ولا يعرف الشعير إلاّ حالماً. وقد خيرتني بين أن أقنيه فيكون فيه غنى الدهر. أو أذبحه فيكون فيه خصب الرحل. فملت إلى استبقائه لما تعلم من محبتي للتوفير. ورغبتي في التثمير. وجمعي للولد. وإدخاري للغد. فلم أجد فيه مدقعاً لغناه. ولا مستمتعاً لبقاه. لأنه ليس بأنثى فيحمل. ولا فتى فينسل. ولا صحيح فيرعى. ولا سليم فيبقى. فملت إلى الثاني من رأييك. وعملت على الآخر من قوليك. فقلت أذبحه فيكون وظيفة للعيال. وأقيمه رطباً مقام قديد الغزال. فأنشدني وقد أضرمت النار. وحددت الشفار وتشمر الجزار:
أعيذها نظرات منك صادقة ... أن تحسب الشحم فيمن شحمه ورم
وقال: فما الفائدة في ذبحي ولم يبق في الأنفس خافت. ومقلة إنسانها باهت. لست بذي لحم فأصلح للأكل. لأن الدهر قد أكل لحمي. ولا جلدي يصلح للدباغ لأن الأيام مزقت أدمي. ولا صوف يصلح للغزل لأن الحوادث قد جزت وبري. فإن أردتني للوقود فكف بعر أبقى من ناري. ولن تفي حرارة جمري بريحٍ قثاري، فوجدته صادقاً في مقالته. ناصحاً في مشورته. ولم أدر من أي أمر به أعجب. أمن مماطلته الدهر بالبقا. أم من صبره على الضر والبلا. أم قدرتك عليه مع إعواز مثله. أم تأهلك الصديق به مع خساسة قدره. فما هو إلاّ كقائم من القبور. أو ناشر عند نفخ الصور:
ما إن درى ذاك الذميم وقد شكى ... من نيل ممتدح ورمح جواد
هل يشتكي وجعاً به في سرة ... بالسين أم في صرة بالصاد
(1/84)

وروي أن ملكاً قال لصاحب خيله: قدم لي الفرس الأبيض، فقال له وزيره: أيها الملك، لا تقل الفرس الأبيض، فإنه عيب يخل بهيبة الملك، ولكن قل الفرس الأشهب، فلما حضر الطعام قال لصاحب السماط: قدم الصحن الأشهب، فقال له الوزير: قل ما شئت فما لي حيلة في تقويم لسانك. وحكي أن الاسكندر استعرض جنده فتقدم إليه رجل على فرس أعرج، فأمر بإسقاطه فضك الرجل، فاستعظم ضحكه في ذلك المقام، فقال له: ما أضحكك وقد أسقطتك، قال: أتعجب منك تحتك آلة الهرب وتحتي آلة الثبات ثم تسقطني، فأعجب بقوله وأثابه. وعرض عمرو بن الليث عسكره فمر به رجل على فرس أعجف فقال: لعن الله هؤلاء يأخذون المال ويسمنون به أكفال نسائهم فقال له: أيها الأمير لو نظرت إلى كفل امرأتي لرأيته أهزل من كفل دابتي فضحك وأمر له بمال، وقال: خذه وسمن به كفل امرأتك ودابتك.
وحكي أن المتوكل على الله سقط عن فرسه فقال أبو الإصبع عبد العزيز البطليوسي:
لا عتب للطرف إن ذلت قوائمه ... ولا يدسه من عائب دنس
حملت جوداً وبأساً فوقه ونهى ... وكيف يحمل هذا كله الفرس
وركب ذو الرياستين متصيداً في يوم غيم، نضح رذاذه وجه الثرى، فسقط به فرسه، فشمت به أحد أعدائه، فقال في الحال:
إني سقطت ولا جبن ولا خور ... وليس يدفع ما قد شاءه القدر
لا يشمتن حسودي إن سقطت فقد ... يكبو الجواد وينبو الصارم الذكر
وقال أبو حامد الحسين بن شعيب حين كبا به فرسه فحصل في أسر العدو:
وكنت أعد طرفي للرزايا ... يخلصني إذا جعلت تحوم
فأصبح للعدى عوناً لأني ... أطلت أعنانه فأنا الظلوم
وكم دامت مسراتي عليه ... وهل شيء على الدنيا يدوم
وزلت بغلة الأتابك صاحب الموصل تحته، فسقط فقال أبو السعادات المبارك:
إن زلت البغلة من تحته ... فإن في زلتها عذار
حملها من علمه شاهقاً ... ومن ندى راحته بحرا
(1/85)

وكتب الشيخ زين الدين الوهراني للأمير عز الدين موسك كتاباً على لسان بغلته يقول فيه: المملوكة ريحانة بغله الوهراني تقبل الأرض بين يدي المولى عز الدين ظهير أمين المؤمنين نجاه الله من حر السعير، وعطر ذكره قوافل العير، ورزقه من القرط والتبن والشعير، ما وسق مئة ألف بعير، واستجاب فيه أدعية الجم الغفير، من الخيل والبغال والحمير، وتنهي ما تقاسيه مواصلة الصيام وسوء القيام، والتعب بالليل والدواب نيام، وقد أشرفت المملوكة على التلف وصاحبها لا يحتمل الكلف، ولا يوقن بالخلف، ولا يقول بالعلف، لأنه في بيته مثل المسك والعبير، والطريف الكبير، أقل من الأمانة في الأقباط، ومن العقل في رأس قاضي سنباط، فشعيره أبعد من الشعرى العبور، لا وصول إليه ولا عبور، وقرطه أعز من قرط مارية، لا تخرجه صدقة ولا هبة ولا عارية، والتبن أحب إليه من الابن، والجلبان عنده أعز نم دهن البان، والقصيم أعز من الدر النظيم، والفصة أجمل من سنابك الفضة، وأما الفول فمن دونه ألف باب مقفول، وما يهون عليه أن يعلف الدواب، إلاّ بعيوب الآداب وفقه اللباب والسؤال والجواب، وما عند الله من الثواب، ومعلوم يا سيدي أن البهائم لا توصف بالحلوم، ولا تعيش بسماع العلوم، ولا تطرب بشعر أبي تمام، ولا تعرف الحارث بن همام، ولا سيما البغال، تشتغل في جميع الأشغال، سلة من القصيل، أحب إليها من كتاب البيان والتحصيل، وقفة من الدريس، أحب إليها من فقه محمد بن إدريس، لو أكل البغل كتاب المقامات مات، ولو لم يجد إلاّ كتاب الرضاع ضاع، ولو قيل له أنت هالك، إن لم تأكل موطأ مالك، ما قبل ذلك، وكذلك الجمل، لا يتغذى بشرح أبيات الجمل، وحزمة من الكلا، أحب إليه من شعر أبي العلا. وليس عنده بطيب، شعر أبي الطيب، وأما الخيل فلا تطرب إلا لسماع الكيل. ولو أكلت كتاب الذيل. ماتت بالنهار قبل الليل، والويل لها ثم الويل، ولا تسغني الأكاديش عن أكل الحشيش، بما في الحماسة من شعر أبي الجريش، وإذا أطعمت الحمار شعر ابن عمار حل به الدمار، وأصبح منفوخاً كالطبل على باب الإصطبل، وبعد هذا كله فقد راح صاحبها إلى العلاف، وعرض عليه مسائل الخلاف، وطلب من تبنه خمس قفاف، فقام إليه بالخلاف، فخاطبه بالتقعير، وفسر عليه آية البعير، وطلب منه ويبة شعير، فحمل على عياله ألف بعير، وأكثر له من الشخير والنخير، فانصرف الشيخ مكسور القلب، مغتاظاً من السلب، وهو أنحس من ابن بنت الكلب، فالتفت إلى المسكينة، وقد سلبه الله ثوب السكينة، وقال لها: إن شئت أن تكدي فكدي، لا ذقت شعيراً ما دمت عندي، فبقيت المملوكة حائرة، لا قائمة ولا سائرة، فقال لها العلاف لا تجرعي من خباله، ولا تلتفتي إلى أسباله. ولا تنظري إلى نفقته، ولا يكون عندك أحسن من عنفقته، هذا الأمير عز الدين سيف المجاهدين أندى يداً من الغمام، وأبهى من البدر ليلة التمام، يرثي للمحروب ويفرج عن المكروب، ولا يرد قائلاً، ولا يخيب سائلاً، فلما سمعت المملوكة هذا الكلام، جذبت الزمام، ورفست الغلام، وقطعت الحزام، وفتحت اللجام، حتى طرحت خدها على الأقدام، ورأيك أعلى، والسلام.
وكان لأبي دلامة بغلة جامعة لعيوب الدواب كلها، وكانت أشوه الدواب خلقاً في منظر العين وأسوأها خلقاً في مخبرها، وكان إذا ركبها تبعه الصبيان يتضاحكون به، وكان يقصد ركوبها في موكب الخلفاء والكبراء ليضحكهم بشماسها، ونظم فيها قوله:
أبعد الخيل أركبها كراماً ... وبعد الفره من خضر البغال
رزقت بغيلة فيها وكال ... وليته لم يكن غير الوكال
رأيت عيوبها كثرت وليست ... وإن كثرت ثم من المقال
ليحصي منطقي وكلام غيري ... عشير خصالها شر الخصال
فأهون عيبها أني إذا ما ... نزلت وقلت أمشي لا تبالي
تقوم فما تبت هناك شبراً ... وترمحني وتأخذ في قتالي
وإني إن ركبت أذيت نفسي ... بضرب باليمين وبالشمال
وبالرجلين أركبها جميعاً ... فيالك في الشقاء وفي الكلال
أتاني خائب يستام مني ... عريق في الخسارة والضلال
وقال تبيعها؟ قلت ارتبطها ... بحكمك إن بيعي غير غال
فأقبل ضاحكاً نحوي سروراً ... وقال أراك سهلاً ذا جمال
هلم إلي يخلو بي خداعاً ... وما يدري الشقي لمن يخالي
(1/86)

فقلت بأربعين فقال أحسن ... إلي فإن مثلك ذو سجال
فأترك خمسة منها لعلمي ... بما فيه بصير من الخبال
فلما ابتاعها مني وبت ... له في البيع غير المستعال
أخذت بثوبه أبرأت مما ... أعد عليه من سوء الخلال
برأت إليك من مشتى يديها ... ومن جرذ ومن بلل المخالي
ومن فتق بها في البطن ضخم ... ومن عقالها ومن انفتالي
ومن قطع اللسان ومن بياض ... بعينيها ومن قرض الحبال
وأفطى من فريخ الذر مشياً ... بها عرن وداء في سلال
وتكسر سرجها أبداً شماساً ... وتقمص للأكاف على اغتيال
ويدبر ظهرها من مس كف ... وتهرم في الجعام وفي الجلال
تظل لركبة منها وقيذاً ... يخاف عليك من روم الطحال
ومشغار تقدم كل سرج ... تصير دفتيه على القذال
وتخفى لو تسير على الحشايا ... ولو تمشي على دمث الرمال
وترمح أربعين إذا وقفنا ... على أهل المجالس للسؤال
فتقطع منطقي وتحول بيني ... وبين حديثهم فيما توالي
وتذعر للدجاجة إذ تراها ... وتنفر للصفير وللخيال
فأما الاعتلاف فأدن منها ... من الأتبان أمثال الجبال
وأما القت فات بألف وقر ... كأعظم حمل أحمال الجمال
فلست بعالف منه ثلاثاً ... وعندك منه عود للخلال
وإن عطشت فأوردها دجيلاً ... إذا أوردت أو نهري بلال
فذاك لريها سقيت حميماً ... وإن مد الفرات فللنهال
وكانت قارحاً أيام كسرى ... وتذكر تبعاً عند الفصال
وقد دبرت ونعمان صبي ... وقبل فصاله تلك الليالي
وتذكر إذ نشا بهرام جور ... وعامله على خرج الجوالي
وقد مرت بقرن بعد قرن ... وآخر عهدها لهلاك مالي
فأبدلني بها يا رب طرفاً ... يزين جمال مركبها جمالي
ثم إنه أنشدها للمهدي، فقال له: قد أقلت من بلاءٍ عظيم، فقال: والله يا أمير المؤمنين لقد مكثت شهراً أتوقع صاحبها أن يردها علي، فقال المهدي لصاحب دوابه: خيره بين مركبين في الإصطبل، فقال إن كان الاختيار إلي فقد وقعت في شر من البغلة، ولكن مره يختر لي ففعل.
(1/87)

واشترى رجل دابة من دميرة فوجد بها عيوباً كثيرة، فحضر إلى القاضي يشتكي حاله، وما أصابه من الغم وناله، فقال له القاضي: ما قصتك وشكواك، وما الذي من الهم والغم دهاك، فقال أيها القاضي، إني بحكمك راض، اشتريت من هذا الدميري دابة اشترط لي فيها الصحة والسلامة، فوجدت بها عيوباً أعقبتني ندامة، وقد سألت ردها فأبى، وقال عند رؤيته إياي لا أهلاً بك ولا مرحباً، فقال القاضي: أبن ما بها من العيوب، فقال له: كلها عيوب وذنوب، وهي أنحس مركوب، وأخس مصحوب، إن ركبتها رفصت، وإن نخستها شمصت، وإن همزتها قمصت، وإن لكزتها رقصت، وإن سقتها رقدت، وإن نزلت عنها شردت، تقطع في يديها، وتصك في رجليها، كردة جردة، قصيرة الذنب، محلولة العصب، مقطوعة العقب، حدباء جرباء، كباء لا تقوم حتى تحمل على الخشب، ولا تنام حتى تكبل بالسلب، إن قربت من الجرار كسرتها، وإن دنت من الصغار رفصتهم عفشة نكشة تكشر عن أسنانها، وتقرض في عنانها، وتمشي في سنة أقل من يوم، فالويل لراكبها إن وثب عليه القوم، إن قلت لها حاحا قالت ازاز، وإن قلت لها ترتر قال من حولها زر زر، إن رمت تقديمها تأخرت، وإن لكزتها سخرت ونخرت، من استنصر بها خذلته ومن ساقها رمته فقتلته، وتمام أحوالها أنها تبول وترش صاحبها ببولها، ومتى حملتها فلا تنهض، وتقرض في حبلها، وتجفل من ظلها، ولا تعرف منزل أهلها، كرامة هجامة، نوامة كأنها هامة، وهي في الدواب مشؤومة، حرونة ملعونة مجنونة، تقلع الوتد وتمرض الجسد، وتفتت الكبد، ولا تركن إلى أحد، تشمر وتغدر، وتعثر، واقفة الصدر، محلولة الظهر، بداءة الأذنين، عمشاءة العينين طويلة الإصبعين، قصيرة الرجلين، ضيقة الأنفاس، مقلعة الأضراس، صغيرة الرأس، كثيرة النعاس، مشيها قليل، وجشمها نحيل، وراكبها عليل، وهو بين الأعزاء ذليل، تجفل من الهوا، وتعثر بالنوى، وتخيل بشعره (أي يعتريها الجنون بأدنى سبب) وتتكبل ببعره، نهاقة شهاقة، غير مطراقة، لا تقفز معدية، ولا تشرب إلا في قصديةوبها وجع الكبد والرئة، لا تبول إلا في الطريق، وتحشر صاحبها في كل ضيق، وتهوس عليه في المكان المضيق، وتنقطع به في الطريق عن الصديق، وتعض ركبة الرفيق، وهي عديمة التوفيق على التحقيق، فإن ردها فأكرم جانبه، وإن لم يردها فانتف شاربه، وأصقع غاربه، وأفك مضاربه ولا تحوجني أن أضاربه والسلام.
واشترى رجل برزونا، وقال لبائعه: سألتك بالله هل فيه عيب، فقال له: لا إلا أن يكون فيه قليل مشش كأنه بطيخة، وقليل جرذ كأنه قتاية، وقليل وبر كأنه سفرجلة، فقال له المشتري: جئنا نشتري منك برذوناً أو بستاناً.
وبات صفي الدين الحلي في منزل رجل يسمى عيسى فلم يقره ولم يطعم فرسه، فلما أصبح خرج من عنده وهو يقول:
رأى فرسي إسطبل عيسى فقال لي: ... قفا نبك من ذكر حبيب ومنزل
به لم أذق طعم الشعير كأنني ... بسقط اللوى بين الدخول فحومل
تقعقع من برد الثناء أضالعي ... لما نسجتها من جنوب وشمأل
إذا سمع السواس صوت تحمحمي ... يقولون لا تهلك أسى وتجمل
أعول في وقت العليق عليهم ... وهل عند رسم دارس من معول
وقال أيضاً في ذم فرس له:
ولي فرس ليست شكوراً وإنما ... بها تضرب الأمثال في العض والرفس
إذا جفلت بي في ضياع دوارس ... فليس لها قبض سوى في جوى فرس
تعربد في وقت الصباح من الضيا ... وتجفل في الآصال من شفق الشمس
فيا ليتها عند العليق جفوله ... كما هي منكاد من الجر والحس
فلو شربت بالغلس من كف حاتم ... لأصبح ندماناً على تلف الغلس
ولو برزت في جحف تحت عنتر ... لجندل وانفلت حبوس بني عبس
وكان لمحمد بن عبد الملك برزوناً أشيهب لم ير مثله، فسعى به محمد بن خالد إلى المعتصم، ووصفه له فبعث المعتصم إليه وأخذه منه، فقال:
كيف العزاء وقد مضى لسبيله ... عنا فودعنا الأحم الأشهب
دب الوشاة فأبعدوك وربما ... بعد الفنا وهو الأحب الأقرب
لله يوم نأيت عنا ظاعناً ... وسلبت قربك أي علق أسلب
نفس مفرقة أقام فريقها ... ومضى لطيته فريق يجنب
فالآن إذ كملت أدانك كلها ... ودعا العيون إليك لون معجب
واختير من سر الحدائد خيرها ... لك خالصاً ومن الحلي الأغرب
(1/88)

وغدوت طنان اللجام كأنما ... في كل عضو منك صنج يضرب
وكان سرجك إذا علاك غمامة ... وكأنما تحت الغمامة كوكب
ورأى علي بك الصديق جلالة ... وغدا العدو وصدره يتلهب
أنساك لا زالت إذا منيته ... نفسي ولا زالت يميني تنكب
أضمرت منك اليأس حين رأيتني ... وقوى حبالي من قواك تقضب
ورجعت حين رجعت منك بحسرة ... لله ما فعل الأحم الأشهب
وقال موسى بن هارون الهاشمي حدثني أبي قال: كنت واقفاً بين يدي المعتصم، وهو جالس والخيل تعرض عليه، وهو يشرب وبين يديه علوية ومخارق يغنيان، فعرض عليه فرس كميت أحمر ما رأيت مثله قط، فتغامز علوية ومخارق وغناه علوية:
وإذا ما شربوا وأنشدوا ... وهبوا كل جواد وطمر
فتغافل عنه وغناه مخارق:
يهب البيض كالظباء وجرداً ... تحت أجلالها وعيس الركاب
فضحك ثم قال اسكتا يا ابني الزانيتين، فليس يملكه والله أحد منكما، ولما دار الدور غنى علوية:
وإذا ماشربوها وانتشوا ... وهبوا كل بغال وحمر
فضحك، وقال أما هذا فنعم وأمر لأحدهما ببغل وللآخر بحمار.
وحكي أن رجلاً كان له فرس يسمى: (الأبيلق) وكان يجريه فرداً ليس معه غيره، وكل ما مر به طائر أجراه معه، فأعجبه ما رأى من سرعة جريه، فنادي قومه وقال: إني أردت أن أراهن على فرسي هذا فأيكم يرسل معه فرسه، فقيل له إن الحلبة غداً فقال إني لا أرسله إلا في خطر. فراهنوه على ذلك. فلما كان الغد أرسله فسبق، فقال لكل مجرى نجلاء سابق.
وقال أبو عبيدة: أجريت الخيل للرهان فسبق منها فرس، فجعل رجل من الحاضرين يكر ويثب من الفرح، فقيل له: أكان الفرس لك قال: لا، ولكن اللجام لي.
وحكى الأسعد القرقرة من أهل هجر كان يضحك النعمان، وكان اليحموم فرس النعمان يردي من ركبه، فقال النعمان لسعد اركبه واطلب عليه الوحش، فامتنع سعد، فألزمه النعمان على ذلك، فلما ركبه نظر إلى بعض ولده وقال بأبي وجوه اليتامى، فضحك النعمان وأعفاه، فقال سعد:
نحن بفرس الوادي أعلمنا ... منا بجري الجياد في السلف
يا لهف أمي فكيف أطعنه ... متمسكاً واليدان في العرف
وقال محمد أبو شبيب غلام النظام دخلت إلى دار الأمير بالبصرة، وأرسلت فرسي فأخذه صبي ليلعب عليه، فقلت له دعه، فقال: إني أحفظه لك، فقلت له: إني لا أريد حفظه: فقال: إذن يضيع، قلت لا أبالي بضياعه، فقال: إن كنت لا تبالي بضياعه فهبه لي، فانقطعت من كلامه. وقيل لسيدنا علي كرم الله وجهه وهو على بغلة في بعض حروبه: لو اتخذت الخيل يا أمير المؤمنين. فقال: لا أفر ممن كر ولا أكر على من فر، فالبغلة تكفيني. ورقى سليك بن سلكة فرسه النحام وكان عزيزاً عليه بقوله:
كأن قوائم النحام لما ... تحمل صحبتي أصلاً محار
على قرماء عالية شواه ... كأن بياض غرته ضمار
وحكى المسعودي: أن أبا العباس المكي قال: كنت أنادم محمد بن طاهر بالري ليلة فقال: كأني أشتهي الطعام فما أكل؟ قلت: صدر دراج أو قطعة من جدي باردة. قال: يا غلام هات رغيفاً وخلاً وملحاً فأكل من ذلك، فلما كان في الليلة الثانية، قال: يا أبا العباس كأني جائع فقلت: ما أكلت البارحة قال: إنك لا تعرف فرق ما بين الكلامين قلت: البارحة: كأني أشتهي الطعام والليلة كأني جائع وبينهما فرق، فدعا بالطعام، ثم قال: صف لي الطعام والشراب والسماع والطيب والنساء والخيل، قلت: أيكون ذلك نثراً أم نظماً، قال: نثراً. قلت: أطيب الطعام ما لقي الجوع بطعم وافق شهوة. قال: فما أطيب الشراب؟ قلت: كاس مدام تبرد بها غليلك وتعاطي بها خليلك، قال: فأي السماع أفضل؟ قلت: أوتار أربعة وجارية متربعة، غنائها معجب وصوتها مطرب، قال: فأي الطيب أطيب؟ قلت: ريح حبيب تحبه وقرب ولد تربه، قال: فأي النساء أشهى؟ قلت من تخرج من عندها كارهاً وترجع إليه والهاً. قال: فما صفة العتيق من الخيل؟ قلت: الأشدق الذي إذا طلب سبق، وإذا طُلب لحق، قال: أحسنت. يا بشير أعطه مئة ديناء، قلت وأين يقع مني مئتا دينار، قال: أوقد زدت نفسك مئة دينار؟ يا غلام أعطه كما ذكرنا والمئة الأخرى لحسن ظنه بنا. فانصرفت بمئتي دينار. وقال البها زهير يصف فرسه بالهزال:
أياديك لا يفل يوماً حسامها ... بجود إذا ضن الغمام غمامها
(1/89)

وكم أوثر التخفيف عنكم فلم أجد ... سواك لأيامٍ قليل كرامها
ولي فرس أنت العليم بحالها ... وبالرغم مني ربطها ومقامها
ولم يبق منها الجهد إلا بقية ... فيغدو عليها أو يروح حمامها
شكتني بين الناس وهي بهيمة ... ولكن لها حال فصيح كلامها
إذا خرجت تحت الظلام فما ترى ... من الضعف إلا أن يصك لجامها
وليست تراها العين إلا عباءة ... يشد عليها سرجها ولجامها
لها تربة في كل يوم على الطوى ... ولو تركتها صح منها صيامها
وعهدي بها تبكي على التبن وحده ... فكيف على فقد الشعير مقامها
وشكى بعض أهل الأدب زمانه بقوله:
ولي فرس من نل أعوج سابق ... ولكن على فقد الشعير يحمحم
وأقسم ما قصرت فيما يزيدني ... علواً ولكن عند من أتقدم
وجاء غلام شرف الدين الحلاوي وأخبره بأن فرسه قد تشبك بالحمر فقال:
جاء غلامي وشكا ... أمر كميتي وبكى
وقال برذونك لا ... نشك قد تشبكا
قد سقته اليوم فما ... مشى ولا تحركا
فقلت من غيظ له ... مجاوباً لما حكى
ابن الحلاوي أنا ... فلا تكن معلكا
لو أنه مسير ... لما غدا مشبكا
وقال لسان الدين ابن الخطيب:
قال جوادي عندما ... همزن همزاً أعجزه
إلى متى تهمزني ... ويل لكل همزه
وقال ابن نباته يرثي فرسه:
لهفي على فرسي الذي ... أضحى قريح المقلتين
يكبو وأملك رقه ... فمعتر في الحالتين
وأهدى ثقيل إلى بعض الظرفاء جملاً، ثم نزل عليه حتى أبرمه فقال فيه:
يا مبرماً أهدى جمل ... خذ وانصرف ألفي جمل
قال وما أوقارها ... قلت زبيب وعسل
قال ومن يقودها ... قلت له ألفا رجل
قال ومن يسوقها ... قلت له ألفا بطل
قال وما لباسهم ... قلت حلي وحلل
قال وما سلاحهم ... قلت سيوف وأسل
قال عبيد لي إذن ... قلت: نعم ثم خول
قال بهذا فاكتبوا ... إذن عليكم لي سجل
قلت له الفي سجل ... فاضمن لنا أن ترتحل
قال ترى أضجرتكم؟ ... قلت أجل ثم أجل
قال وقد أبرمتكم؟ ... قلت له الأمر جلل
قال وقد أثقلتكم؟ ... قلت له فوق الثقل
قال إني راحل ... قلت العجل ثم العجل
يا كوكب الشؤم ومن ... أربى على نحس زحل
يا جبلاً من جبل ... في جبل فوق جبل
وحمل محمد بن عبيد الله بن خاقان أبا الغياء على فرس، زعم أنه غير فاره، فكتب إليه: أعلم الوزير أعزه الله أن أبا علي محمد أراد أن يبرني فعقني، وأن يركبني فأرجلني أمر لي بفرس تقف للنبرة، وتعثر بالبعرة، كالقضيب اليابس عجفاً، وكالعاشق المجهور زلفاً، وقد ذكرت الرواة عذرة العذري والمجنون العامري، مساعد أعلاه لأسفله، حباق مقرون بسعاله فلو أمسك لترجيت، ولو أفرد لتعزيت، ولكنه يجمعهما في الطريق المعمور والمجلس المشهور، كأنه خطيب مرشد، أو شاعر منشد، تضحك من فعله النسوان، وتتناغى من أجله الصبيان، فمن صائح يصيح داوه بالطباشير، ومن قائل يقول نوله الشعير، قد حفظ الأشعار وروى الأخبار ولحق العلماء في الأمصار، فلو أعين بنطق لروى بحق وصدق، عن جابر الجعفي وعامر الشعبي، وإنما أتيت من كاتبه الأعور الذي إذا اختار لنفسه أطاب وأكثر، وإن اختار لغيره أخبث وأنذر، فإن رأى الوزير أن يبدلني به ويريحني منه بمركوب يضحكني كما أضحك مني، يمحو بحسنه وفراهته، ما سطره العيب بقبحه ودمامته، ولست أذكر أمر سرجه ولجامه، فإن الوزير أكرم من أن يسلب ما يهديه أو ينقص ما يمضيه فوجه عبيد الله إليه برزوناً من برازينه بسرجه ولجامه.
ثم اجتمع مع محمد بن عبيد الله عند أبيه، فقال عبيد الله: شكوت دابة محمد وقد أخبرني الآن أنه يشتريه منك بمئة دينار وما هذا ثمنه، لا يشتكي، فقال: أعز الله الوزير لو لم أكذب مستزيداً لم أنصرف مستفيداً، وإني وإياه لكما قالت امرأة العزيز الآن حصحص الحق، أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين. فضحك عبيد الله وقال: حجتك الداحضة بملاحتك وظرفك أبلغ من حجة غيرك البالغة.
(1/90)

وحكي أن المتوكل على الله قال لأبي العنيس الشاعر: أخبرني عن حمارك، وما كان من شعره في الرؤيا التي رأيتها قال: نعم يا أمير المؤمنين! كان أعقل من القضاة، ولو لم تكن له جريمة ولا زلة، فاعتل على غفلة، فمات فرأيته فيما يرى النائم، فقلت يا حماري ويلك ما لك مت؟ ألم أبرد لك الماء؟ وأنقي لك الشعير؟ وأحسن إليك جهدي؟ فلم مت غفلةظ وما خبرك؟ قال: إنك ركبتني يوم كذا وكذا ووقفت على فلان الصيدلاني تكلمه فرأيت أتاناً عند بابه فعشقتها فمت. فقلت له: هل قلت فيها شهراً؟ قال: نعم وأنشدني:
سيدي خذ لي أمانا ... من أمان الأصبهاني
هام قلبي بأتانٍ ... عند باب الصيدلاني
تيمتني يوم رحنا ... بثناياها الحسان
وبغنج ودلال ... سل جسمي وبراني
ولها خد أسيل ... مثل خد الشنفراني
فيها مت ولو عش ... ت إذن طال هواني
فقلت له يا حماري وما الشنفراني؟ قال هو شيء يتحدث به الحمير، فإذا لقيت حمراً فاسأله عنه. فطرب المتوكل وأمر المغنين أن يغنوا ذلك اليوم بشعر الحمار وزاد في جائزتي. قيل للفضل الرقاشي: إنك لتؤثر الحمير على سائر الدواب. قال: لأنها أرفق وأرفق. قيل: ولم ذلك؟ قال: لا يستدل بالمكان على طول الزمان، ثم هي: أقل داء، وأيسر دواء، وأخفض مهوى، وأسلم صريعاً، واقل جماحاً وأشهر فارهاً، وأقل تطيراً، يزهى راكبه وقد تواضع بركوبه، ويعد مقتصداً وقد أسرف في ثمنه.
وحكي أن رجلاً كان له فرس يسمى: (الأبيلق) وكان يجريه فرداً ليس معه غيره، وكل ما مر به طائر أجراه معه، فأعجبه ما رأى من سرعته، فنادي قومه وقال: إني أردت أن أراهن على فرسي هذا، فأيكم يرسل معه، فقيل له إن الحلبة غداً. فقال: إني لا أرسله إلا في خطر. فراهنوه على ذلك. فلما كان الغد أرسله فسبق، فقال لكل مجرى نجلاء سابق.
وهنا وقف بنا جواد القلم، والصلاة والسلام على سيدنا محمد أشرف رسل الأمم، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه صلاة وسلاماً دائمين إلى يوم الدين، والحمد لله رب العالمين وقد وقع الفراغ من كتابته في اليوم الحادي عشر من شوال سنة ألف وثلاث مئة وثلاث وعشرين من هجرة من له كمال الفخر والشرف.
(1/91)