Advertisement

نسيم الصبا



الكتاب: نسيم الصبا
المؤلف: الحسن بن عمر بن الحسن بن حبيب، أبو محمد، بدر الدين الحلبي (المتوفى: 779هـ)
الناشر: مطبعة الجوائب، قسطنطينية
عام النشر: 1302 هـ
عدد الأجزاء: 1
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] بسم الله الرحمن الرحيم
أما بعد حمد الله الذي أعلى مقام أهل الأدب، واستخرج من بحار خواطرهم الخاطرة ما يقضي لهم بالعجب، وجمع بهم شتات الفوائد، وأمدهم بكلمات يقف عندها رائد العوائد، ونفى عن كامل فضلهم قول ليت ولكن، وحرك بما يبدونه من المطرب والمرقص كل ساكن، والصلاة والسلام على نبيه الفائض على أقواله صوب الصواب، وعلى آله وأصحابه الذين بأساليب آدابهم الحسنة تُسلب الألباب.
فهذه ثلاثون فصلاً، طالت فروعاً وطابت أصلاً، تشتمل على ألفاظ أرق من الشمول، ومعان بعيون عقائلها تفتن العقول، وأنشأتها بعد الإاقة من نشوة الصبا وسميتها حيث ملكت زمام اللطف نسيم الصبا وأودعتها
(1/2)

أبياتاً لغيري على وجه التضمين، محلياً جيد منثورها بالمنظوم من عقدها الثمين، منبهاً عليها بالحمرة، مظهراً ما لها على مأمور قولي من الإمرة، والله يهدي إلى سواء السبيل، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

الفصل الأول: في السماء وزينتها
أيقظتني ليلة دواعي الهموم، فنظرت نظرة في النجوم فإذا السماء كأنها روضة مزهرة، أو صرح كنَّسُ جواريه مسفرة، أو غدير تطفو عليه الفواقع، أو بنفسج نور أقاحه لامع، أو مسح ألقي عليه دررُ غواص، أو ستر به لعين كل نجم وصواص، أو جمر في خلال رماد، أو كما قال من أجاد:
بساط زمرد نثرت عليه ... دنانير تخالطها دراهم
ونهر المجرة يجري في سندسها، ويسري ليسقي ذابل نرجسها، وياله من نهر صفا ماؤه، وعقد على الأفق لواؤه، ينقلب القلب إليه، ويقف طِرف الطرف عليه، ويقبل نحوه الدبران، وينصب على شطه الميزان، ويحوم حوله النسران، ويعوم فيه الحوت والسرطان
والثريا كأكرة أو كجام ... أو بنان أو طائر أو وشاح
(1/3)

أو باقة من نرجس، أو كأس يدار في المجلس، أو شمع يتوقد، أو شمس من عسجد، أو شذر منضود، أو كرم أو عنقود، أو عقد لؤلؤ حسن الاتساق، أو أقراط خَود ترتعد فرقاً من الفراق:
وسهيل كوجنة الحب في اللو ... ن وقلب المحب في الخفقان
أو كمصباح تلعب به أيدي الرياح، أوظامئ يريد أن يرد، أو فارس في حمي الحمى مجتهد، أو مُشوق يتبع الآثار، أو غريب لا يزور ولا يزار، أو غريق يدعي قوة السباحة، أو ماجد أنف من الذل فألف السباحة، أو مغاضب يدعى فلا يجيب، أو محب يغض الطرف ويفتحه خوف الرقيب، والجوزاء النيرة كالشجرة المنورة:
كأنها منطقة من ذهب ... قد عقدت على قباء أزرق
والفرقدان الهاديان المرشدان:
كأنهما إلفان قال كلاهما ... لشخص أخيه: قل فإني سامع
والذراع يذرع شقة الأفق، والجبهة تسجد على مفارق الطرق، والعيوق يعوق عن السير إذا سار، والعوا أعينها نشاوى قد تغشاها خمار، والسماك معتقل رمحه، والنثرة منتظمة كالسُبحة، والنعائم تحدوها النعامى، وزهرة الزهرة تضيء بين الخزامى،
(1/4)

وبهرام يُخجل البهرمان، والإكليل ليس يكل من مسايرة الأظعان، والمقدم لا يتأخر عن الإعناق والإيجاف، والصرفة قد همت مع العسكر بالانصراف:
تمر بوادياً ليلاً وتطوى ... نهاراً مثل ما طوي الإزار
فكم بصقالها صدي البرايا ... وما يصدى لها أبداً غرار
فبينما أنا أسرح في درر الدراري نظري، وأروّض في رياضها جواد فكري. وأقدس من هي مسخرات بأمره، وأنزه من هدى خلقه بها في بره وبحره، إذ هب نسيم السحر يروي عن أهل نجد أطيب الخبر، فعطر الكون بعرفه، وملك الرق برقته ولطفه، وأهدى الروح إلى الأرواح، وأطرب السمع بأحاديثه الصحاح:
فهو حياة لكل حي ... كأن أنفاسه نفوس
فاستبشرت بوروده، وحصلت على الفائدة من وفوده، وسرّ بمناجاته سرّي، وقلت له والدموع تجري:
أعد ذكر من حل الغضا يا محدثي ... وإن أضرموه بالأضالع والصدر
ولا تنس سكان العقيق وإن هم ... على وجنتي أجرَوه في مدة الهجر
(1/5)

فلما أتمت الإنشاء، والانشاد وشرعت في طلب الإسعاف والإسعاد؛ تبسم الفجر ضاحكاً من شرقه، ونصب أعلامه على منازل أفقه، فانطوى نشر الليل، وكف من غمره الذيل، وارتفعت الحجب، وتأججت نار الشهب، واقتنص بازي الضوء غراب الظلام، وفضّ كافور النور عن الغسق مسك الختام:
وشردّ الصبح عنا الليل فاتضحت ... سطوره البيض في ألواحه السود
وفلت جيوش الدجا، وحرك النهار منه ما سجا، وجنح جنحه إلى الرحيل، وتلا لسان حال التحويل: {يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُوْلِي الْأَبْصَارِ}

الفصل الثاني: في الشمس والقمر
بكرت يوماً بعد أداء الفرض، أتفكر في خلق السموات والأرض، فلمحت المشرق بالنظر، وإذا قرن الغزالة قد ظهر، كأنه جذوة نار، أو قطعة من دينار، أو كأس سُتر بعضه بالحباب، أو حسناء غطت وجهها بنقاب، ثم كشفت أستارها، وألقت على الأفق أنوارها، وبرزت كأنها كرة في ميدان، أو مجَنّ دولاب ضمخ بالزعفران، أو مرآة لم
(1/6)

تصقل ولم تطرق، أو وجه المليحة في خمار أزرق، أو سبيكة زجاج منتفخة الجوانب، أو بُودقة يحرك فيها ذهب ذائب.
وكأنها عند انبساط شعاعها ... تبر يذوب على فروع المشرق
فقلت أهلاً بالجارية، التي في طلعتها ما يغني عن الجارية، والعين التي تغار منها العين، والجونة التي وضح منها الجبين، والسراج الوهاج التي تبرجت بها الأبراج، أنت المخصوصة بالشرف والرفعة، أنت واسطة عقد الكواكب السبعة، أنت للحكمة برهان، وللفلك معيار وميزان، أنت الناطقة في صمتها، التي قصر البليغ عن وصفها ونعتها، أنت ملك مقدم، أنت النير الأعظم، أنت يوح التي تغدو في مصالح العالم وتروح، أنت ذكاء التي ذكت نارها، أنت الضحى التي علا منارها، أنت الشمس، التي بها تعرف الأوقات الخمس، بك ينشر الظل ويطوى، ويشتد النبات بعد ضعفه ويقوى، ويستدل على طريق الصواب، ويعلم عدد السنين والحساب، لما سفرت رافلة في الحلل المعصفرة، حيت آية الليل وجعلت آية النهار مبصرة، وناهيك بها منزلة، وحسبك أن صفاتك في الكتاب منزلة، ثم تمشت على بساطها وخطرت
(1/7)

في وشيها ورياطها، وسبحت في فلكها مرشدة إلى الحقائق، مظهرة أسرار الساعات والدرج والدقائق.
تسمو إلى كبد السماء كأنها ... تبغي هناك دفاع أمر معضل
واستمرت سائرة يحدوها مر النسيم {وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ}.
فلم يزل فكري يصاحبها، وطرفي يرعاها ويراقبها:
حتى إذا بلغت إلى حيث انتهت ... وقفت كوقفة سائلٍ عن منزل
ثم انثنت تبغي الخدورَ كأنها ... طيرٌ هفا لمخافة من أجدل
فلما حجبت عن العيون شخصها، وخطف المغرب من يد المشرق قرصها، واكتحلت جفون الأفق بالنار، وطرد زنجي الليل رومي النهار، بزغ الهلال، بأمر ذي الجلال، كأنه قوس
موتور، أو زورق منحدر في بحر الدَيجور، أو شطرُ سِوار، أو منجلٌ معدّ لحصاد الأعمار، أو
خنجر مرهفُ النصلَين، أو نونٌ مرسومة الشأفة: الأصل من لُجين، شفة كأس مائلة، أو مخلب
عقاب صائلة، أو قطعة من قيد، أو فخ نصب للصيد، أو حرف جيم، أو عرجون قديم، أو حاجب شيخ أدركه الشمط،
(1/8)

أو نعل من حافر أدهم الدجا سقط، أو ذباب سيف خرج من جفنه، أو راكع يعبد من لا يحدث أمر إلا بإذنه. وفي معناه من قصيدة
وترى الهلال يلوح في أفق السما ... يبدو كقوس بالمنى يرميني
أو شبه فخ أو كدملج غادة ... وكجانب المراّة العرجون
وجبين حب بالعمامة قد زها ... وكوجه خود بالنقاب مصون
وكتاب فيل أو قلامة أنمل ... وكزورق وكحاجب مقرون
أو كالسوار أزيل منه البعض أو ... قربوس سرج مذهب أو نون
وكشأفة الكأس المخبأ بعضه ... ضمن الشفاه ومنجل مسنون
هو منجل الأعمار للحصد الذي ... يُفني أولي التزيين والتحسين
وإذا مضى سبع تراه كأنه ... نصف لتعويذ بدا لعيون
وإذا تكامل صار جاماً صافيا ... كأنه من لؤلؤ مكنون
(1/9)

أو غادة قد أسفرت عن وجهها ... غنيت عن التحسين والتزيين
هذا هو المشهور في تشبيهه ... قدماً وذلك جمعه يكفيني
فقلت: مرحباً بمن ثياب مناوئه رثاث قر عيناً ستعود قمراً بعد ثلاث. ثم تصير بدراً، إن في ذلك لذكرى:
وإذا رأيت من الهلال نموه ... أيقنت أن سيكون بدراً كاملاً
أنت الزمهرير الذي ليس له في نضارته نظير، أنت الزبرقان الذي له في كل شهر مهرجان. أيها القمر كم محب طاب له فيك السمر، أيها الواضح الباهر، ما أنت إلا مثل سائر، أيها البدر الكامل، الذي فضله للبرية شامل، لا تأس على ما فاتك من الدرج، ولا يكن في صدرك من الغزالة حرج:
فقد تخمد الشمس الصباح بضوئها ... تفاوتت الأنوار والكل رائق
منازلك معروفة، ومحاسنك موصوفة، وشرفك باذخ، وقدمك راسخ، وآياتك ظاهرة، وسفارتك سافرة، وكم أوضحت من طريق، وهديت الرفيق إلى الفريق، وذكرت محبوباً
(1/10)

لمحبوبه، وبلغت طالباً غاية مطلوبه، أحسن بضوء ذبالتك وحسبي مثالاً بهالتك، جعلك الباري في السموات نورا، وكان أمر الله قدرا مقدورا. فسبحان من جلا بمحياك حندس الغسق، وأقسم بك في قوله: {وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ}، قدرك أثيث أثيل، ومحبك نبيه نبيل، ووجهك يابثينة الحسن جميل:
على رسل فما لك من مجار ... إلى رتب العلاء ولا رسيل
فتبارك أسم من ألبسكما أحسن الحبر، وتعالى جد من جعلكما مصباحين لأهل النظر، ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر.
ثم لم يبرح يسري وأنا لا أبرح، وينجلي وأنا أشاهد وجهه الأصبح، إلى أن غاب واختفى، وحسبنا الله وكفى.

الفصل الثالث: في السحاب والمطر
إن الله تعالى حكم دائم النفوذ، وحكيم يهدي شفاء النجاة لمن به يلوذ. وله أسرار معناها دقيق، لا يفهمه إلا أرباب التحقيق. أمسك الغيث عن عباده في عام، فخاض كل منهم في بحر دمعه وعام. وساءت الظنون بضن السحاب، واشتاق النبات إلى سماع وقع الرباب. وظمئت الحياض، وعبست وجوه الرياض. واستدت العيون بالنقع المثار، وتعطلت
(1/11)

من حلى المزن أجياد الأزهار. وذهلت العقول لفقد الصوب عن الصواب، وقص جناح السرور وطارت الألباب. وطوي بساط الإنبساط ووقع القول في هياط ومياط. وطالت عهود العهاد، وتأهبت الأرض للبس أثواب الحداد:
وأصابت نبت الربا فاصل عين شمس ... أورثته مذلة واصفرارا
كلما جال طرفها ترك النا ... س سكارى وما هم بسكارى
فبينما هم يجرون أذيال الكآبة، ويرفعون الدعاء إلى مواطن الإجابة، تداركهم الله بالطف الخفي، وانثال عليهم المن الحفي، ونظر الله عليهم بعين حكمته، وحرك ساكن الرخاء لتجري بنعمته، وهو الذي يرسل الرياح بشرى بين يدي رحمته، فمدت أعناقها، وجدت إعناقها وركضت عادياتها، وجرت على أحسن عاداتها، وسدلت من أرديتها الأردان، وارخت العنان في طلب العنان:
ورياح تبشر الأرض بالقطر ... كذيل الغلالة المبلول
ووجوه البقاع تنتظر الغيث ... انتظار المحب رد الرسول
فأقلت سحاباً ثقالاً، يستهل كرماً ونوالاً، مشكي الإهاب، خصيب الجناب، فسيح الرحاب، صادق الوعود، متلاحق الوفود، كثير الأعوان والجنود، يؤذن بالموارد الطامية، وشفاء
(1/12)

الشفاه الظامية، وإثراء فقير الثرى، وإجراء دمعه أسفاً على ما جرى:
أكب على الآفاق إكباب مطرق ... يفكر، أو كالنادم الملتهف
ومد جناحيه إلى الأرض جانحاً ... وراح عليها كالغراب المرفرف
والرعد يزجره ويسوقه بين يديه، فإذا قصر صاح به وزمجر عليه، تارة يترنم كالحمام، وطوراً يزأر كالأسد الضرغام:
وكأن صوت الرعد خلف سحابة ... حاد إذا ونت النجائب صاحا
والبرق يلمع ويلمع، ويمنح ثم يمنع، كأنه ثغر أشنب، أو قبس يلتهب، أوحسام يمان، أو
فؤاد جبان، أو سلاسل من ذهب، أو أشهب مال جله حين وثب أو أنامل بعض الحساب، أو حية تتلوى، أو كف خضيب يمد ويقبض، أو خود تعرض بعد أن تتعرض:
ترى الأرض منه وقد فضضت ... ووجه السماء وقد ذهبا
وقوس الغمام للجو نطاق، لا بل تاج على مفارق الآفاق، يزهو بلجَينه وعسجده، ويفخر بياقوته وزبرجده:
(1/13)

كأذيال خود أقبلت في غلائل ... مصبغة والبعض أقصر من بعض
فلما تراكمت السحائب، واجتمعت حولها الكتائب، واتسع صدرها، واستحكم أمرها، وحلق بالجو ناهضها واعترض في الأفق عارضها، ونصبت راياتها، وانتهت غاياتها، وآن رحيلها وتفريق شملها، وحان وضعها وفصال حملها، أجرت مدامعها، وردت ودائعها، وحلت نطاقها، وفكت أزرار أطواقها، وحثت الركائب، وأسبلت الذوائب، وسمحت بطلها وطشها، وسكنت رهج الغبراء برشها، وأروت الحرة برذاذها وهطلها، وأذهبت الحرقة بديمها ووبلها، وآثرت بجودها وجودها، ونثرت على بساط الأرض جواهر عقودها. أبو هلال العسكري:
تخال بها مسكاً وبالقطر لؤلؤاً ... وبالروض ياقوتاً وبالوحل عنبراً
كم أبدت إحساناً وبراً، وبردت من كبد حرى، وأسدت معروفاً، وأغاثت ملهوفاً، وساقت إنعاماً، وسقت حرثاً وأنعاماً، وكفت هماً حين وكفت، وقرطت اّذان الأغصان وشنفت، وأنشرت أمواتاً، وأخرجت حباً ونباتاً، ونشرت مطرفاً بعد الطي {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ} وكم نقعت غليلاً، ونفعت عليلاً،
(1/14)

وملأت حياضاً، ونورت رياضاً، وأذلت دراً مصوناً، وشرحت صدوراً، وأقرت عيوناً، وألبست الحدائق بروداً عليها طلاوة، وأهدت للزهر قطراً ظاهر الحلاوة:
ترى فواقعه في الأرض لائحة ... مثل الدراهم تبدو ثم تستتر
فأمسى الناس في عيشة راضية، يرفلون في حلل الرفاهية، أمرعوا بعد الضنك والشظف، وأخصبوا بعد الجدب والطفف، وأصبح محل المحل دارساً، ووجه الأمل يضحك بعد أن كان عابساً، وأخذت الأرض زخرفها بعد أن كان زرعها يهيج، واهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج، فثغورها مبتسمة، وفرائد قلائدها منتظمة، ونمارقها مدبجة، ورؤوس
أشجارها متوجة، وغدرانها طافحة، ومخايل السعادة عليها لائحة، وألسنة أهلها مشتغلة بشكر علام الغيوب، وقلوبهم مطمئنة بذكره {أَلاَ بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ}.
يبدئ ويعيد، ويمتحن العبيد، ثم يفتح لهم أبواب جوده الوافر وفضله المديد. {وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ}.

الفصل الرابع: في الليل والنهار
أرقت ذات ليلة في مهادي، فسمعت طارقاً ينادي في النادي
(1/15)

عتاب بن ورقاء الشاعر:
إن الليالي للأنام مناهل ... تطوي وتنشر بينها الأعمار
فقصارهن مع الهموم طويلة ... وطوالهن مع السرور قصار
فقمت من مضجعي، وقد بل ردني مدمعي، متحيراً في أمري، متأسفاً على ما فات من عمري، وقلت: أيها الطارق في ظلمة الليل الغاسق، هل لك في المنادمة؟ فقال: كم نديم سفك المنى، دمه. ثم سلم وجلس، وما تنفس وما نبس. فقلت: يا من شنف السمع بدُره، اذكر لي شيئاً في طول الليل وقصره. فقال:
وليل كواكبه لا تسير ... ولا هو منها يطيق البراحا
كيوم القيامة في طوله ... على من يراقب فيه الصباحا
مقيم ليس يبرح، وعاجز لا يظعن ولا ينزح، برد نجومه لا يذوب وغائب ضوئه ليس يؤوب، لا يبلى جديد مسحه، ولا يجنح إلى الحركة ساكن جنحه، عليله ما يرجى صلاحه، وصباحه، لا يلوح مصباحه، قطع الطريق على السحر، وعذب أجفان المحبين بالسهر:
حدثوني عن النهار حديثاً ... أوصفوه، فقد نسيت النهارا
كأنه صريع راح، أو طائر مقصوص الجناح، أو أسير يخبط
(1/16)

في قيده، أو بحر منع الجزر عن مده، أوكسير ليس له على النهوض اقتدار، أو ضرير يئس طرفه من رؤية النهار:
أو هائم غمر بقطع الفلا ... قد حار لا يدري بمن يهتدي؟
أو جيش زنج بالثرى قد ثوى ... أو دارة حيث انتهت تبتدي
واعلم أيها البصير الناقد، أنه يطول على المهجور الفاقد، ويقصر على المسرور الراقد
أبو سام رحمه الله:
ليلي كما شاءت فإن لم تزر ... طال، وإن زارت فليلي قصير
فقلت: إيه أيها الإمام، أسمعني شيئاً في وصف الأيام. فقال ابن الرومي رحمه الله:
لله أيام تقضت لنا ... ما كان أحلاها وأهناها
مرت فلم يبق لنا بعدها ... شيء سوى أن نتمناها
حيث الوقت معين، دماء الشيبة معين، ونشر البشر فائح، ونور الهناء لائح، والحبيب مجيب، والرقيب غير قريب، وغصن الصبار طيب، ومطرف اللهو قشيب، والعيش غض
والدهر غضيض الطرف، وسعاد السعد ممنوعة من الصرف:
والشمل مجتمع، والجمع مشتمل ... على الجميل وحسن الخلق والخلق
(1/17)

أيا أخا الأدب، إلى كم ذا الحرص والدأب، الأيام نجمها غرار، ومدعي الوفاء منها غدار، كثيرة الملال، سريعة الزوال، تفرق الحبائب، وتسترجع المواهب، ذمامها ذميم ومسالمها سليم. تحل العقود، ولا تحفظ العهود، تكدر الصافي من الشراب، وتعد الظامئ بورود السراب، لقد سقط من تمسك بعراها، وتعب من قصد الراحة من ذراها. قال التهامي رحمه الله تعالى:
ومكلف الأيام ضد طباعها ... متطلب في الماء جذوة نار
ثم قال: مضت الجهمة والشفق، والفحمة والغسق والقطع والسدفة، والبهرة والزلفة وآن لنسمات السحر أن تتبختر، ولعيون الفجر أن تتفجر. وقام للوداع، فقلت زودني بأنعم المتاع.
فقال: دع إزار الأوزار، واتق من لا تدركه الأبصار، وسبحه بالعشي والإبكار {وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ}.

الفصل الخامس: في أقسام العام
حضر فصول العام مجلس الأدب في يوم بلغ منه الأريب نهاية الأدب، بمشهد من ذوي البلاغة، ومتقني صناعة
(1/18)

الصياغة. فقام كل منهم يعرب عن نفسه، ويفتخر على أبناء جنسه، فقال الربيع:
أنا شاب الزمان، وروح الحيوان، وإنسان عين الإنسان، أما حياة النفوس، وزينة عروس الغروس، ونزهة الأبصار، ومنطق الأطيار. عرف أوقاتي ناسم، وأيامي أعياد ومواسم، فيها يظهر النبات، وتنشر الأموات، وترد الودائع، وتتحرك الطبائع، ويمرح جَنيب الجنوب، وينزح وجيب القلوب، وتفيض عيون الأنهار، ويعتدل الليل والنهار. كم لي عقد منظوم، وطراز وشي مرقوم، وحلة فاخرة، وحلية ظاهرة، ونجم سعد يدني راعيه من الأمل، وشمس حسن تنشدنا بأبعد ما بين برج الجدي والحمل. عساكري منصورة، وأسلحتي مشهورة: فمن سيف غصن مجوهر، ودرع بنفسج مشهّر، ومغفر شقيق أحمر، وترس بهار يبهر، وسهم آس يرشق فينشق ورمح سوسن سنانه أزرق، تحرسها آيات، وتكنفها ألوية ورايات. بي تحمر من الورد خدوده، وتهتز من البان قدوده، ويخضر عذار الريحان، وينتبه من النرجس طرفه الوسنان، وتخرج الخبايا من الزوايا، ويفتر ثغر الأقحوان قائلاً: أنا ابن جلا وطلاع الثنايا:
(1/19)

إن هذا الربيع شيء عجيب ... تضحك الأرض من بكاء السماء
ذهب حيثما ذهبنا ودر ... حيث درنا وفضة في الفضاء
وقال الصيف: أنا الخل الموافق، والصديق الصادق، والطيب الحاذق. أجتهد في مصلحة الأصحاب وأرفع عنهم كلفة حمل الثياب، وأخفف أثقالهم، وأوفر أموالهم، وأكفيهم المؤونة وأجزل لهم المعونة، وأغنيهم عن شراء الفرا، وأحقق عندهم أن كل الصيد في جوف الفرا، نصرت بالصبا، وأوتيت الحكمة في زمن الصبا. بي تتضح الجادة، وتنضح من الفواكة المادة، ويزهو البسر والرطب، وينصلح مزاج العنب، ويقوى قلب النور، ويلين عطف التين والموز، وينعقد حب الرمان، فيقمع الصفراء ويسكن الخفقان، وتخضب وجنات التفاح ويذهب عرف السفرجل مع هبوب الرياح، وتسود عيون الزيتون، وتخلق تيجان النارنج والليمون، مواعدي منقودة، وموائدي ممدودة. الخير موجود في مقامي، والرزق مقسوم في أيامي. الفقير ينصاع بملء مده وصاعه، والغني يرتع في ربع ملكه وأقطاعه. والوحش
تأتي زرافات ووحدانا، والطير تغدو خماصاً وتروح بطانا.
(1/20)

ابن حبيب رحمه الله تعالى:
مصيف له ظل مديد على الورى ... ومن حلا طعماً وحلل أخلاطا
يعالج أنواع الفواكه مبدياً ... لصحتها حفظاً يعجز بقراطا
وقال الخريف: أنا سائق الغيوم، وكاسر جيش الغموم، وهازم أحزاب السموم، وحادي نجائب السحائب، وحاسر نقاب المناقب. انا أصد الصدى وأجود بالندى، وأظهر كل معنى جلي، وأسمو بالوسمي والولي، في أيامي تقطف الثمار وتصفو الأنهار من الأكدار، ويترقرق دمع العيون، ويتلون ورق الغصون، طوراً يحاكي البقم وتارة يشبه الأرقم، وحيناً يبدو في حلته الذهبية، فينجذب إلى خلته القلوب الأبية. وفيها يكفى الناس هم الهوام، ويتساوى في لذة الماء الخاص والعام، وتقدم الأطيار مطربة بنشيشها، رافلة في الملابس المجددة من ريشها، وتعصفر بنت العنقود، وتوثق في سجن الدن بالقيود، على أنها لم تجترح إثماً، ولم تعاقب إلا عدواناً وظلماً. بي تطيب الأوقات، وتحصل اللذات، وترق النسمات وترمى حصى الجمرات، وتسكن حرارة القلوب، وتكثر أنواع المطموم والمشروب. كم لي من شجرة
(1/21)

أكلها دائم، وحملها للنفع المتعدي لازم، وورقها على الدوام غير زائل، وقدود أغصانها تخجل كل رمح ذابل ابن حبيب رحمه الله.
إن فصل الخريف وافى إلينا ... يتهادى في حلة كالعروس
غيره كان للعيون ربيعاً ... وهو ما بيننا ربيع النفوس
وقال الشتاء: أنا شيخ الجماعة، ورب البضاعة، والمقابل بالسمع والطاعة. أجمع شمل الأصحاب وأسدل عليهم الحجاب، وأتحفهم بالطعام والشراب. ومن ليس له بي طاقة أغلق من دونه الباب. أميل إلى المطيع، القادر المستطيع، المعتضد بالبرود والفرا المستمسك من الدثار بأوثق العرا، المرتقب قدومي وموافاتي، المتأهب للسبعة المشهورة من كافاتي. ومن يعش عن ذكري ولم يمتثل أمري، أرجفته بصوت الرعد، وأنجزت له من سيف البرق صادق الوعد، وسرت إليه بعساكر السحاب، ولم أقنع من الغنيمة بالإياب. معروفي معروف، ونيل نيلي موصوف، وثمار إحساني دانية القطوف. كم لي من وابل طويل المدى وجود وافر الجدا، وقطر حلا مذاقه، وغيث قيد العفاة إطلاقه، وديمة تطرب السمع
بصوتها،
(1/22)

وحيا يحيي الأرض بعد موتها، أيامي وجيزة، وأوقاتي عزيزة، ومجالسي معمورة بذوي السيادة، مغمورة بالخير والمير والسعادة. نقلها يأتي من أنواعه بالعجب، ومناقلها تسمح بذهب اللهب، وراحتها تنعش الأرواح، وسقاتها بجفونهم السقيمة تفتن العقول الصحاح. إن ردتها وجدت مالاً ممدودا، وإن زرتها شاهدت لها بنين شهودا:
وإذا رميت بفضل كاسك في الهوى ... عادت عليك من الدقيق عقودا
يا صاحب العودين لا تهملهما ... حرك لنا عوداً وحرق عودا
فلما نظم كل منهم سلك مقاله، وفرغ من الكلام على شرح حاله، أخذ الجماعة من الطرف ما يأخذ السكر، وتجاذبوا أطرف مطارف الثناء والشكر، وظهرت أسرار السرور، وأنشرت صدور الصدور، وهبت قبول الإقبال، وأنشد لسان الحال:
وماذا يعيب المرء في مدح نفسه ... إذا لم يكن في قوله بكذوب؟
ثم انفض المجلس وحل النطاق، وتفرق شمل أهله وآخر الصحبة الفراق.
(1/23)

الفصل السادس: في البحر والنهر
هزتني رياح الأمل البسيط، إلى امتطاء ثبج البحر المحيط. فأتيت سفينة يطيب للسفر مثواها، وركبت فيها {بِسْمِ اللهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا}، موقناً بأن المقدور صائر، معرضاً عن قول الشاعر:
لا أركب البحر أخشى ... علي منه المعاطب
طين أنا وهو ماء ... والطين في الماء ذائب
يالها سفينة، على الأموال أمينة، ذات دسر وألواح، تجري مع الرياح، وتطير بغير جناح، وتعتاض عن الحادي بالملاح. تخوض وتلعب، وترد ولا تشرب. لها قلاع كالقلاع وشراع يحجب الشعاع، وسكينة وسكان ومكانة وإمكان، وجؤجؤ وفقار، وأضلاع محكمة بالقار وجسم عار من الفؤاد، وهو في عين الماء بمنزلة السواد، بعيدة ما بين السحر والنحر، من أحسن الجواري المنشآت في البحر. معقود بنواصيها الخير كالخيل لا تمل من سير النهار ولا من سرى الليل:
ما رأى الناس من قصور على الما ... ء سواها تسير سير القداح
(1/24)

كأنها وعل ينحط من شاهق، أو عرباض سابق يحثه سائق، أو عقرب شائلة، أو عقاب صائلة. أوغراب أعصم، أو تمساح أو أرقم، أو ظليم ثفر في الظلام، أو جواد فر مستنكفاً من صحبة الأنام. حاكمها عادل في حكمه، عارف بنقض أمرها وبرمه، يهتدي بالنجوم، ويبتدئ باسم الحي القيوم، يبرز من نواتيها في جنود، يشمل إحسانهم أهلها أيقاظاً وهم رقود. يتأنفون فيما يعمرون، ويفعلون ما يؤمرون:
يكثرون الصياح حتى كأن الس ... فن تجري من خوف ذاك الصياح
فبينما نحن من البحر في قاموسه، كتب الجو حروف الغيم في طروسه، وثارت ريح عاصف، يتبعها رعد قاصف. فمالت بنا الفلك واضطربت، ودنت شفتها من رشف الماء واقتربت، واستمرت ترفع وتخفض، وتقرب وترفض، وتعلو على الأوتاد، وتهيم في كل واد، وتحوم وتحول، وتجود وتجول، وتضرم في الكبود نار ناجر، إلى أن بلغت القلوب الحناجر:
ألا فارجه واخشه إنه ... هو البحر فيه الغنى والغرق
ثم نظر إلينا من لا تخفى عليه السرائر، وأمر الجارية بحمل العبيد إلى بعض الجزائر، فلم ندر إلا
(1/25)

ونحن تجاه جزيرة، تسر النفوس بمحاسنها الغزيرة، فانحدرت ماضياً إلى بينها، نائياً عن السفينة وساكنيها، فوجدتها مخضرة الأفنان، مخضلة الكثبان، بها من الياقوت ما يرجع خاسئاً مناويه، ومن الأشجار ما يحمل الفواكه والأفاويه. وبين رياضها نهر شديد الخصر، أرضه ذهب وحصباؤه درر، وأمواجه عكن وداراته سرر:
عذب إذا ما عب منه ناهل ... فكأنه من ريق خود ينهل
لين الأديم، مزاجه من تسنيم، يصقله الصبا ويفركه النسيم، فكأنه دروع موضونة، أو مبارد مسنونة، أو دمع يتسلسل، أو أفاع تتململ، أو ذوب فضة يسيل، أو صفحة سيف صقيل، أو لوح بلور مرقوم، أو رحيق بالمسك مختوم:
وكأن الطيور إذ وردته ... من صفاء به تزق فراخا
إن مالت إليه الغصون فالشخوص ترقص في الخيال، وإن كرعت منه الظباء فالغيد يرشفن من ثغور أترابهن الزلال. وإن أشرقت عليه النجوم خلت الفلك يدور في أرجائه، وإن تجلى له البدر حسبته قلباً خافقاً بين أحشائه. قال مؤيد الدين الطغرائي:
والشمس إن وافته رأد الضحى ... حسناء في مرآته ناظره
(1/26)

أنموذج الماء الذي جاءنا ال ... وعد بأن نسقاه في الآخره
فلبثت فيها مدة، مفكراً فيما رأيت من الفرج بعد الشدة، مؤمناً بالقدر خيره وشره، وحلوه ومره، واقفاً على شكر من تجري الفلك في البحر بأمره:
ربما تجزع النفوس لأمر ... ولها فرجة كحل العقال
ولم أزل بها في أحسن حال، وأرغد عيش وأنعم بال، إلى أن حرك الله مني ما كان ساكناً، وأدخلني مصر بمشيئته آمناً.

الفصل السابع: في المعقل والدار
عرض لي فكر أثار العزيمة، إلى مشاهدة الآثار القديمة، فأعددت الزاد، وسرت أجوب البلاد، وأصل العنق بالوخد والزميل وأكتحل من إثمد الفلاة بميل بعد ميل. فبينما أنا أترامى لنيل المرام، لاح لي بناء على أيهم خشام فتوجهت مسرعاً للوقوف عليه، واجتهدت إلى أن توصلت إليه، فرأيت معقلاً يسبي العقول، ويجر على السحاب فضل الذيول، رفيع الذرا رحيب الذرا رأسه فوق الثريا، وأسه تحت الثرى، صهوته عالية وثغوره حالية، ومهور عرائسه غالية، الجوزاء لخصره منطقة والزهرة في أذنه
(1/27)

كالشنف معلقة، يباهي الأفلاك ويسمو إلى السماك، ويعلو على الزواهر، ويخجل الشمس بنوره الباهر، ويعوق العيوق، وينادم القمر عند الصبوح والغبوق:
إذا ما سرى برق بدا من خلاله ... كما لاحت العذراء من خلل الحجب
سوره منعطف كالسوار، وأبراجه تدهش بتبريجها الأبصار، وشرفاته تلمع كالمشرفية، وخبايا صياصيه عن الأوهام خفية. ممنعة مصادره وموارده، متسعة معالمه ومعاهده، لايرى الوعل أعلى طوره، ولا يبلغ الطرف منتهاه لعجزه وقصوره، عروقه مؤتزرة بالتخوم، وفروعه متوجة بالنجوم، وبنيانه مرصوص، وخواتمه مرصعة بجواهر الفصوص، لايتصل الفناء بفنائه، وتظهر العزة على من يرجو تملك أرجائه. عقوده محكمة، وأحجاره مهندمة، وأركانه مشيدة، وملابسه مع القدم جديدة، وقواعده مرفوعة، وأقوال ديكته في السماء مسموعة.
له عقاب عُقاب الجو حائمة ... من فوقها فهي تخفى في خوافيها
وبوسطه دار دار بها فلك السعود، وأورق لطالب كنزها عود الوعود، وسحت عيون ساحتها ورفع في العقار فرش
(1/28)

عقرها وباحتها، وتوقفت الكواكب لمراقبة عجائبها وغرائبها، وسال لعاب الشمس من الحيرة في ملاعبها. أنيقة المباني، مأهولة بأهلة المعاني، تنشرح الصدور في قاعاتها وبقاعها، وتخبر محاسنها بصنائع أهلها وحذق صناعها:
إذا فتحت أبوابها خلت أنها ... تقول بترحيب لداخلها: أهلاً
رحبة الأكناف، بديعة الأوصاف، تدل على أنها كانت منزل الأشراف، ومقر قرى الأضياف، ومقعد الوفود، ومحل الكرم والجود. تحار الأعين في وشي أزاهيرها، وتقصر الألسن عن تقريظ مقاصيرها. مياه بركها غزيرة، وجدرانها بالتمكين جديرة، وأشجارها لم
تزل مورقة مثمرة، ولياليها لا تبرح بالسنا على مر السنين مقمرة:
تتقابل الأنوار في جنباتها ... فالليل فيها كالنهار المشمس
كم بها من صدر مجلس مشروح، وسقف مرفوع وباب مفتوح، وبهو بالبهاء تراه أثرى، وإيوان يكسر بسهام قوسه جيش إيوان كسرى، وحدائق لم تنبت بالتراب، ولا جادتها أيدي السحاب، وتصاوير تحرك العارف بسكونها، وتفتن الألباب بحمرة خدودها وسواد عيونها، وتبعث الخواطر بمعانيها ومغانيها، ويكاد ماء الذهب يقطر من أعاليها، قد جل عن الترخيم رخامها، وتوفرت من المحاسن أقسامها، وابيضت
(1/29)

وجوه مرمرها، وزادت بهجة جباهها وطررها، وتخلقت أثواب ساجها واجتمع شمل أبنوسها وعاجها، وعلت رتبة أرائكها، وغلت قيمة سبائكها، فلو ساجلها الروض لذهب مع الرياح عرفه ولو كحل بنورها الأعمى لارتد إليه طرفه:
ديار عليها من بشاشة أهلها ... بقايا تسر النفس أنساً ومنظرا
فلما أحاط علمي بغوره ونجده، وبلغ رائد فكري منه غاية قصده، أدخلته في زمرة عقائل المعاقل، ونظمته في سلك ما أتكلم عليه في المحافل، وسألته عن بانيه وساكنيه فلم يجب. ثم قال بلسان الحال: كل منهم بغمام الرغام قد حجب. فحققت أن الدهر يديل كل مصون، وتلوث: {كَمْ تَرَكُوا مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ} وخرجت منه معتبراً، وظلت في طريقي متذكراً:
قلت يوماً لدار قوم تناءوا ... أين سكانك الكرام لدينا؟
فأجابت هنا أقاموا قليلاً ... ثم ساروا، ولست أعلم أينا؟

الفصل الثامن: في الأشجار والثمار
لما صدئت مرآة الجنان، قصدت لجلائها الجنان، فطرقت الباب فقيل: من؟ فقلت: فتى لا يدري من له فتن؟ ففتح
(1/30)

الوصيد ودنا المراد من المريد، فدخلت إليها، وما كدت أن أقدم عليها. فإذا جنة عالية، قطوفها دانية، وطلحها منضود، وظلها ممدود، وأعلام أشجارها مرفوعة، وفاكهتها كثيرة لا مقطوعة ولا ممنوعة.
ربع الربيع بها فحالت كفه ... حللاً بها عقد الهموم يحلل
تجوس المياه خلال ديارها، وتشرق بآفاقها أنوار نوارها، وتحدق الحدق بفنون أفنانها، وتغني الوُرق على عيدانها، وتميد أدواحها على مذهب الأنماط، وتميس من الحلي في أحلى الشنوف والأقراط:
كأن غصونها سقيت رحيقاً ... فمالت مثل شُراب الرحيق
نزهة النواظر، وشرك الخواطر. كم لرقيق نسيمها من رقيق، قلبه مقيد ودمعه طليق، بها الأشجار لا تحصى، وثمار لا تعد ولا تستقصى، فمنها نخيل، مُتحفها غير بخيل، جُماره:
جسم لطيف اللمس لكنه ... قد لف في ثوب من الصوف
وطلعه:
كصدر فتاة ناهد شق قلبها ... سماع فشقت عنه ثوباً ممسكا
وبلحه:
مكاحل من زمرد خرطت ... مقمعات الرؤوس بالذهب
(1/31)

وبُسره:
كأنما خوصه عليه ... زبرجد مثمر عقيقا
ورطبه:
إهليلج من لجين ... مسمر بالنضار
وتمره:
يشف مثل كؤوس ... مملوءة من عُقار
وكروم كريمة، منافعها عميمة:
كأنما عنقودها ... زنج جنوا في سرقة
فأصبحت رؤوسهم ... على الذرا معلقة
أو الثريا عند الصباح، أو أوعية نور ملئت من الراح:
كم درة فيها وكم جزعة ... صحيحة التدوير لم تثقب
وتفاح سرى نشره وفاح، كأنه خمر جمد، أو جمر ما خمد، أو در جُمع معه ياقوت، أو وجنة من هي للقلوب في الدنيا قوت، نصفه من بهار، ونصفه من جلنار:
كأن الهوى قد ضم من بعد فرقة ... به خد معشوق إلى خد عاشق
وسفرجل جل قدراً، وأطلع من زهره زهراً:
يحكي نهود الغانيات وتحتها ... سرر لهن حشين مسكاً أذفرا
ينوب طعمه عن الراح، ويُهدي عطر الخود الرداح:
(1/32)

له ريح محبوب وقسوة قلبه ... ولون محب حلة السقم قد كسي
وموز من نضار، كأنه أنياب فيلة صغار، أو طفل قماطه معصفر، أولفات زبد عجنت بسكر:
أو مغرم أنحله وصفره ... بعد الذي بوصله ما ظفره
وتين ممزق الجلباب، كدر القشر صافي اللباب:
كأنه رب نعمة سلبت ... فعاد بعد الجديد في خلق
ورمان بديع النظام، يبسم عن مثل حب الغمام، كأنه نهود الحسان، أو حقاق صندل حشيت بالمرجان:
حقاق كأمثال الكرات تضمنت ... شذور عقيق في غشاء حرير
في شجره جلنار أشرق وأنار:
يحكي فصوص بلخش ... في قبة من زبرجد
وإجاص أسود العين، لا يعتريه شيب ولا شين، كأنه كرات من العنبر، أو طليعة من الزنج تنتظر العسكر:
وإذا ما قشرته ففصوص ... صبغتها بمائها الظلماء
وخوخ ذو لونين، في بياضه وحمرته جلاء للعين:
كوجنة غادة خافت رقيباً ... فغطتها بمحمر البنان
وكمثرى لطيف الذات، حسن الصفات، في غاية اللطف والرقة، يذوب من الراحة ولا
يحمل المشقة:
كأنه في شكله ولونه ... وطعمه قوالب من سكر
(1/33)

ومشمش تقمص بالشفق، وتدرع بالورق، ككرات من العقيان، أو بنادق ضمخت بالزعفران:
وكأنما الأفلاك من طرب به ... نثرت كواكبها على الأغصان
وتوت خمري اللون، ليس له صبر على الصون مزمل بدمائه، لم يبق فيه غير ذمائه:
يكاد بأن يفنى إذا ما لمسته ... فأرحمه من سائر الثمرات
وعُناب نقي الإهاب، كأنه قلوب الأطيار، أو خرز ركب من النضار:
أقراط ياقوت تحركها الصبا ... أو أنمل بالأرجوان مطرفة
وفستق شريق كأنه عند التحقيق والتحديق:
زبرجدة ملفوفة في حريرة ... مضمنة دراً مغشى بياقوت
أو مسرور تبسم، أو مأسور فتح فاه ليتكلم:
والقلب ما بين قشريه يلوح لنا ... كألسن الطير، من بين المناقير
ولوز قلوبه مؤتلفة، وأثوابه مختلفة، لطيف المعاني، له بها جنة من الجاني كأنه خز بزه رفيع، أو عذار جديد شرط الخليع:
أو سندس أخضر من تحته صدف ... أحسن به صدفاً في ضمنه درر
(1/34)

وجوز جسمه من العرعر، وقميصه من الزمرد الأخضر، صحيح التدوير، يسقط على الخبارلا على الخبير:
والجوز مقشور يروق كأنه ... لوناً وشكلاً مصطكى ممضوغ
وصنوبر يقري الضيف، لا يعرف رحلة الشتاء والصيف، كأنه طيور على ذرا القصب، أو كافور ضمخ بالمسك المنتخب:
عقد لآل مشرق لونه ... في جوف أدراع من العود
وأترج حسن ذرعاً وزرعاً، وطاب أصلاً وفرعاً، فيه روح وريحان، وهو للأغصان بمنزلة التيجان:
أباريق من الذهب المصفى ... وقد سقطت عراها بالعراء
ونارنج بهيج، طيب زهره أريج، كأنه مصابيح، تهزها أيدي الريح، أو عذراء صبغت بالورس إزارها، أو وجنه عاشق أضرم الوجد نارها:
أو جذوة حملتها كف قابسها ... لكنها جذوة معدومة اللهب
وليمون كأنه بنادق من لجين، أودعت غلفاً من العين مخافة العين:
يشبهه بيض الدجاج وقد ... لطخه العابث بالزعفران
وزيتون شجرته ميمونة، وأسرار أنواره مكنونة:
(1/35)

بدا لنا كأعين ... شهل وذات دعج
مخضره زبرجد ... مسوده من سبج
وخرنوب كقرن ظبي معطوف، أو هلال عاجله الخسوف:
وكأنه مذ لاح في أوراقه ... أصداف در ضمنها مرجان
ونبق جلبابه معصفر كأنه كهربا أصفر:
أو عدة من شنوف ... قد علقت بالغصون
وزعرور كالياقوت، مسك نكهته مفتوت:
جلاجل مخضوبة عندماً ... أو خرز أخرطت من عقيق
وبأرضها الباقلاء الذي فاح نشره، وصدق خَبر خُبره يبرز له من الكمائم، نور يحكي بلق الحمائم، كأنه لؤلؤ يقق، متلفع بمروط السرق أو خواتم من فضة، أو مخالب جوارح منقضة:
فصوص زمرد في غلف در ... بأقماع حكت تقلم ظفر
والخشخاش الذي تضيء بنوره الأغباش. أعلام تميل مع الرياح، أو أكاليل على رؤوس الرماح:
حبلى تضم أُطيفالاً إذا درجوا ... رأيت شملهم المنظوم منشورا
والكتان الذي رقت حواشي شققه وراقت محاسن
(1/36)

أخضره وأزرقه، وامتدت رياطه وحبره، وتبلبلت أصداغه وطُرره:
إذا درجت فيه الرياح تتابعت ... ذوائبه حتى يقال غدير
وفيها من النبات ما يطول إليه بناني، ويقصر عن حصر وصف بعضه لساني. يسقى بماء
واحد، ويبطل قول المعترض والجاحد، ولعمري لقد بلغتني ما أملته من جلاء قلبي المعمود، وأذكرتني ما لم أكن ناسياً من فنائها وبقاء جنة الخلود، فإنها - وإن طاب جناها، وأوقفت النفوس على حلي من سناها - مؤذنة بالتلاشي والرحيل، {قُلْ مَتَاعُ الدَّنْيَا قَلِيلٌ}.
فلما قضيت منها وطري ثنيت عنها عنان نظري، ومضيت ذاكراً محاسن صفتها وموصوفها، شاكراً سرو سرورها وعرف معروفها:
وعذراً فإني في الثناء مقصر ... وقولي بالتقصير يبسط لي عذرا

الفصل التاسع: في الروض والأزهار
جد بي الوجد في إبان الربيع، إلى رؤية الغيث بمنازل الربيع. فسرت أحدق في جوانب الحدائق، وصحبني من الشوق وسائق، يتلوهن حاد وسائق. فإذا أنا بروضة أريضة، عيون أزهارها مريضة، قد فاح أرجها،
(1/37)

وأضاءت سرجها، وبرز إبريزها، وحسن تطريزها، وأبدت من زينتها ما هو باللطف منعوت، ونثرت على الزمرد أصناف الدر والياقوت، وتحلت بما يروق إنسان كل إنسان وتجلت في رفرف خضر وعبقري حسان، أعلن السحاب أسرارها وهتك النسيم أستارها:
كأن تفتحها بالضحى ... عذارى تحلل أزرارها
حكت الخنساء لا في الحزن بل في الحسن والفخر. ولها عيون تجري على الديباج لا على الصخر، يضوع عرفها في الآفاق ولا يضيع، ويبهر الطرف من صنع صنائعها كل زهر رفيع. تنهار جداولها وأنهارها، ويضحك في وجه من أم بابها وأملها، ثغر نوارها:
وما غربت نجوم الليل لكن ... نقلن من السماء إلى الرياض
فمن ورد أحمر الإهاب، عندمي الخضاب:
كالشمس شكلاً ونشر المسك رائحة ... واللؤلؤ الرطب في تفريجه عرق
ملك جليل، مخصوص بالتبجيل، رفيع الجناب، خفيف الركاب. الرياحين جنده، والشوك سنانه وسلاحه، والعقبان والمرجان قلبه وجناحه:
مداهن من يواقيت مركبة ... على الزبرجد في أجوافها ذهب
(1/38)

ومنه الأبيض المذهب المفضض:
كأن وجوهه لما توافت ... بدور في مطالعها سعود
بياض في جوانبه احمرار ... كما احمرت من الخجل الخدود
ومن نرجس باسم، عرفه ناسم:
كأنما صفرته ... على بياض يقق
أعشار جزء ذهبت ... من ورق في ورق
له عيون هدبها من لجين، وحدقها من خالص العين، قامت من الزبرجد على ساق، فهامت بها قلوب العشاق:
وأحسن مافي الوجوه العيون ... وأشبه الشيء بها النرجس
ومن ياسمين يجلو البصر، كأنه أقراط من الدرر، يحفظ الذمام، ولا يمل من طول المقام. ثغوره ضاحكة، وحسنه آمن من المشاركة:
والطرق الحمر في جوانبه ... كخد عذراء مسه عض
ومن نسرين، جوهر عقده ثمين، درر على زبرجد، أو حقاق ورق فيها برادة عسجد:
ما إن رأينا قط من قبله ... زمرداً يثمر بلورا
ومن خلاف، ليس في طيب عرفه خلاف، حكي القدود باهتزازه، ويصل وعده بانجازه. كأنه ثمل من الراح وهو
(1/39)

يومئ برأسه نحوه، وكأن غصونه أحست برحلة الشتاء، فقلبت فروها:
والبان تحسبه سنانيراً رأت ... بعض الكلاب فنفشت أذنابها
ومن بنفسج حسن لباسه، وطابت انفاسه:
كأنه وضعاف القضب تحمله ... أوائل النار في أطراف كبريت
وفصوص فيروزج نضيدة، أو آثار قرص بخد خريدة، أو حروف لازوردية، أو بقايا نقش في راحة ندية:
أو أعين زرق كحلن بأثمد
ومن زعفران معطر الجيب والأردان:
كأنه ألسن الحيات قد شدخت ... رؤوسها فاكتست من حمرة العلق
أو بصيص رماد، أو ألفات كتبت بالذهب لا بالمداد:
يتفرى عن قانيات حسان ... مثل هدب معصفر من رداء
ومن لينوفر يألف المياه، طمعاً في دوام الحياه، صفره السقام وعذبه، وغربه الأمل وغربه:
كأنه ودروع الماء تشمله ... تحت الشماع أكاليل الطواويس
أو طرف باهت من الفراق يفرق، أو سابح ضعيف يعوم ويغرق. يخفى بالليل ويظهر بالنهار، ويتكلم في الماء بألسنة من النار:
(1/40)

يحب الشمس لا يبغي سواها ... ويلحظها بمقلة مستهام
إذا غابت تكنفها اشتياقاً ... فنام لكي يراها في المنام
ومن آس ما لجرح محبه آس. يرعى العهود، ولا يميل إلى الصدور. كأنه بقية خضاب في
كف رداح، أو نضال ساهم أعدت للكفاح:
حكى لونه أصداغ ريم معذر ... وصورته آذان خيل نوافر
ومن ريحان يقول: إن وقت الري حان. كأنه وشم يد مطرفة. أو حلة مخضرة مفوفة، أو أطواق الحمام، أو سلاسل سوالف الغلام:
له حسن العوارض حين تبدو ... وفيه لين أعطاف القوام
ومن منثور، منظوم جوهره منثور. عطافه مؤتلفة، وألوانه مختلفة. أبيضه وأحمره كثغر الجيب وخده، وأصفره كوجه من مني بإعراضه وصده، يبخل بشذاه نهاراً ويجود به ليلا، وإلام يتستر وهو متهتك في حب ليلى؟
كأنه عاشق يطوي صبابته ... صبحاً وينشرها في ظلمة الغسق
ومن سوسن، تعالى الله ما أحسن. قائم على سوقه، ينتظر إياب معشوقه. من أزرق بهي الملبوس، وأبيض تميل إلى ضوء صبحه النفوس:
كأنه ملاعق من ورق ... قد خط فيها نقط من عنبر
(1/41)

ومن خزامى، قدره لا يسامى. يسكن المنازل العلية، ويرفل في حلته اللازوردية. يا لها حلة فاخرة، وحلية باهية باهرة:
لو حواها الطاووس أصبح لاشك ... مهنا بملك طير الهواء
ومن أقحوان، جمع في مفرده القمران.
كشمسة من لجين في زبرجدة ... قد أشرقت حول مسمار من الذهب
ومن آذريون، أظهر القطر سره المكنون:
كأنه أغصانه فيروزج بهج ... من فوقه ذهب في وسطه سبج
أو مسك في جام من ذهب، أو فحم أحاط به اللهب:
تراه عيوناً بالنهار نواظراً ... وعند غروب الشمس أزرار ديباج
ومن بهار، يبهر بحسنه الأبصار:
كسواعد من سندس وأكفها ... من فضة حملت كؤوس عقار
ومن شقيق، أين منه المرجان والعقيق؟
كأنه وجنات أربع جمعت ... وكل واحدة في صحنها خال
ومن ومن ومن، إشارة فتى بالعجز عن الحصر قمن.
فلما تأملت محاسن هذه الروض الأنيق، ونظرت إلى ما فيها من النبات بعين الحقيقة، شكرت أيادي صانعها، ولجأت إليه وأثنيت على صائغها، وإن كنت لا أحصى ثناء عليه،
(1/42)

وقلت تعظيماً لأمره: {وَمَا قَدَرُواْ اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ}. وانشرح صدري بالوقوف على مغانيها، وجاد فكري حيث جال في معانيها، وامتلأ قلبي من نورها نوراً، وانقلبت إلى أهلي مسروراً.

الفصل العاشر: في وصف الغلام
بينما أنا جالس في بعض الحدائق، وحولي رفقة هذبتهم الحقائق، وحسنت منهم الأخلاق بين الخلائق، مر بنا غلام يخجل بدر التمام، من بني الأتراك، الناصبين مصائد الأشراك، بديع الجمال، أين منه الغزالة والغزال؟ لطيف الشمائل، يختال بين الخمائل، تمتد لرؤيته من الزهور الأعناق، وتستتر الغصون حياء منه بالأوراق. وهو ممتط صهوة جواد أشهب، لا يبلغ البليغ حصر وصفه ولو أسهب:
ساحر الطرف وافر الظرف أحوى ... خده الأبيض اللجين مذهب
لا تلمني على اعتقادي هواه ... مذهب الوجد فيه أحسن مذهب
فلما حاذى مثوانا، حيانا فأحيانا. فتلقيناه بالترحاب، ودعوناه فأجاب، فحصلنا من حضوره على المقصود، وتحققنا أن يومنا بمشاهدته مشهود. فأطلت في محاسنه نظري، وأجلت في ذاته وصفاته فكري، فإذا له ذؤابة تذيب المهج، وتدرج في
(1/43)

حبائلها من دب ودرج. ظلها وارف، وظلامها عاكف، تسلب العقول بالأثيث الأثيل، وتسهر العيون في ليلها الطويل. حندسية العذب، غزيرة الفضل والأدب:
إذا ما تثنى للسلام مليكها ... على أحد دارت وقبلت الأرضا
ووجه وسيم، تعرف فيه نضرة النعيم، يفوق سنا القمر، له خفير من الخفر، رقيق البشرة، تحار عند إسفاره السفرة، نزهة المشتاق، ومرآة لوجوه العشاق:
محيا به المقتول يحيا وكم له ... على وجنة العاني من الدمع جعفر
وجبين، منقطع القرين، واضح كالصباح، صلت تُصلت دونه بيض الصفاح:
وتعجب لطرة وجبين ... إن في الليل والنهار عجائب
وحواجب، دم عاشقها مباح وقتله واجب، كأنها قسي موتورة. أو نونات في صحف اللجين مسطورة:
قد وليت إمرة أمثالها ... وحاجب الشمس لها حاجب
وعيون يا لها من عيون، قد جمعت بين المنى والمنون، تقتل وهي لاهية، وتسكر وهي صاحية، وتصول وهي كانسة، وتسهر وهي ناعسة. نفاثات في العقد، لا يسلم من سحرها أحد:
لحظاتها كم أرهفت من أبيض ... والجفن منها مثل حظي أسود
(1/44)

وصدغ معقرب، لكنه لرقيه السليم باب مجرب. بعيد من القطف، كأنه واو العطف، أو جيم محكمة العوج، أو منجل صيغ من سبج:
صدغ أعاديه أبدوا ... من عيبه ما حلا لي
ذم العناقيد جهلاً ... من لم يصل للدوالي
ووجنات، حركت من الخواطر السكنات، تغير الجلنار والتفاح، وتؤلف بين الماء والراح. بها ورد ريحه للأرواح بُلغة {صِبْغَةَ اللهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً}.
ترى هل من طريق لاجتماع ... بحمرة ذلك الخد النقي؟
وخال خال من العيب، لا شك في حسنه ولا ريب. كأنه قيراط من عنبر، أو نقطة شقيق أحمر:
ورثته حبة القلب القتيل به ... وكان عهدي أن الخال لا يرث
وعذار، طاب فيه خلع العذار. أنيق يجل عن التشبيه، سائل كدمع محبيه. كأنه خمل ديباج، أو نمل دب في عاج، أو بنفسج أو سوسان أو حاشية كتبت بقلم الريحان:
إن نفسي تميل نحو اخضرار ... فيه، والنفس مثل ما قيل خضرا
ومرشف فائق، فيه ريق رائق، وثغر ماله من مثال، وألفاظ سحرها حلال، ونكهة نشرها معطر، وماء لسان أحلى من السكر:
(1/45)

يبسم عن در وعن جوهر ... وعن أقاح أو سنا البرق
وجيد جداية، فيه لمنهاج المحبة أي هداية، أحسن به من تليل، نحر نحره طويل:
لو جاد لي يوماً بتعنيقه ... قلدت ذاك الإثم في عنقي
وكف ندية، أرواحها ندية، رعبوبة بضة، سبائك أناملها من فضة:
يا حبذا من مالك الحسن يد ... لها على أهل الهوى أيادي
وقد قويم، ألطف من النسيم، مائل مائد، صائل صائد. تهيج عليه البلابل، وتطير إليه القلوب ولو كانت مقيدة بالسلاسل، إن حضر بان البان، وغار من غيرته في الكثبان:
أبى قصر الأغصان ثم رأى القنا ... طوالاً فأضحى بين ذاك قواما
وخصر رقيق الحاشية، معاقد بنده متلاشية، نحيف نحيل، صحيح عليل:
يستر وجدان القبا معدومه ... ما أحسن المعدوم في الموجود
وردف مائج، نافر خارج، كثيب كثيف، كم له من أسير أسيف. تصعب على الصب نبأته، وتثقل على الخصر وطأته:
يا ردفه ها خصره ... من فرط جورك مائج
(1/46)

أنحلته بثقالة ... ما أنت إلا خارج
وسوق تسوق المحبين إلى العطب، ويضرم ماؤها الجامد في القلوب ناراً ذات لهب:
إن فرج العين في بستان طلعته ... مشى ففرجها في جانب السوق
وأقدام مقدمة على أمثالها، مقبولة عند إدبارها وإقبالها، حسنها لا يضاهى ولا يشارك. وكعبها على الحقيقة كعب مبارك:
كل يذل له حتى ذوائبه ... أما تراها ترامت تلثم القدما؟
وعليه من الحلل الفاخرة، والملابس الملونة الباهرة، ما يخجل من حمرته وجه الشفق، ويحسد النهار بياضه اليقق، وتخضع لأسوده الظلماء، وتغار من أزرقه السماء، وتعنو الرياض لأخضره، وتغيب الشمس حياء من أصفره.
حمالة الحلي والديباج قامته ... تبت غصون الربا حمالة الحطب
وبخصره منطقة، لم تبرج له معتنقة، تعوقها العوائق، وتثقلها - كما يقال - العلائق. فمن سيف ماض كناظره، وسهم نافذ كأوامره، وقوس كحاجبه، ومدى لتقصير مدى عائبه، وهي تجول في أضيق مجال، وتنشد بلسان الحال:
(1/47)

بروحي أفدي من ضربت من آجله ... وقاسيت حر النار وهي تفور
رشاً ضاع ما بين الغلائل خصره ... ألم ترني شوقاً عليه أدور
فخاطبناه في وضع السلاح فوضعه، وسألناه في رفع الحجاب فرفعه. وأخذ ينادمنا بأفصح لسان، ويجلو لنا عقائل أخلاقه الحسان، وينثر علينا من جواهر لفظه النظيم، ولقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم. والزهور تضحك في الأكمام، والغصون ترقص على غناء الحمام، والنهر يصفق لتشبيب الريح في آفاقه، والدوح ينقطه بالدنانير من أوراقه، والعيون تجري بين أيدينا، والنسيم بطيب أنفاسه يحيينا، والروض يفرش لنا بساط سندسه، ويجلسنا حتى على أحداق نرجسه. ياله منظراً ما أنضره، وسروراً ما أوفاه وأوفره، ويوماً ما كان أطيبه وأقصره. ملكنا فيه زمام التهاني، وحصلنا على الأمان والأماني. ولم نزل نتمتع منه
بكل مطلوب، إلى أن آذنت الشمس بالغروب، فتأهب الغلام لمعاده، وعلا على ظهر جواده، ثم ودعنا وسار، وأودعنا الشوق والادكار وتركنا نتقلب على تلهب النار.

الفصل الحادي عشر: في وصف الجارية
تاقت نفسي إلى زيارة بعض الإخوان، فسرت إليه مشمراً
(1/48)

فضل الأردان، في ليلة سما قدرها، وتجلى على السماء بدرها.
فلما وصلت إليه، وانتظمت في سلك المجتمعين لديه، ظهر لي أنه متشوف إلى قادم، ومتشوق إلى حضور منادم: فكشفت الخبر وتقمصت الأثر، فقيل لي إنه واعد بعض الحسان، وهو منتظر إياب الإحسان. فما أتممت الكلام واتصلت من العلم إلى المرام، إلا وقد أقبلت من الباب، خود تختلس الألباب، غادة رؤود طفلة أملود. كاعب رداح، ترتاح لها الأرواح. عديمة المثال، نشأت في حجر الدلال. يسرح الطرف في روض جمالها وينتزه، وتمحو بكثير محاسنها البديعة ذكر عزة، في حليها وحللها تميد وتميل، وبالجملة فهي بثينة الحسن لأن وجهها جميل.
فوقفت واستأنست، ثم سلمت وجلست، فسر الجماعة بورودها، وتملوا من جنة وجنتيها بورودها. وأقبل يمن إقبالهم، وأنشد لسان حالهم:
أهلاً وسهلاً من غادة سمحت ... بالوصل ليلاً ولم تحذر من الحرس
لما تبدت أضا الداجي، ولا عجب ... فطرة الصبح تمحو آية الغلس
فلما كشفت القناع، وصدق النظر السماع، تأملت أوصافها، وسبرت شمائلها وأعطافها، فرأيت ما يشرف النظر ويشنف السمع، ويذيب القلوب على ناره ذوب الشمع.
(1/49)

فمن فرع نامي الأوراق،
مرسل لتعذيب العشاق، جثل أسحم يتلوى كالأرقم، غدائره مجمدة كالغدير، وضفائره مظفرة بقتل الأسير:
كأنها فيه نهار ساطع ... وكأنه ليل عليها مظلم
ووجه مشرق الأنوار، تحج إلى كعبته الأبصار. يزين اللآلئ والدرر، ويستمد من ضوئه الشمس والقمر، مرآته صقيلة، ومعاني حسنه جميلة. يترقرق فيه ماء الصبا، ويخفي من لمعه بروق الظبا:
عوذت بالسور المنيرة وجهها ... وهو الجدير بأن يكون معوذا
وجبين واضح، تحن إليه الجوارح، يتلألأ مصباحه، ويتبلج في ليل الطرة صباحه:
فتاة يسر القلب والطرف حسنها ... كأن الثريا علقت في جبينها
وحواجب تذيب المهج، وتجذب الأرواح من قسيها بقبضة البلج كأنها هلال محني القوام، أو فخ نصب لصيد أهل الغرام:
إذا شمت تحت الحاجبين جفونها ... ترى السحر منها قاب قوسين أو أدنى
وعيون بابلية، كم أوقعت لمن إليها صبا بلية، تسل السيوف، وترسل الحتوف، صحاح مراض، ليس لسهامها سوى القلوب أغراض:
(1/50)

لله أي لواحظ غلابة ... للأسد في وثباتها وثباتها
وخد كالجلنار، قد جمع بين الماء والنار، يشف الراح في زجاجه، ويهتدي الحائر بنور سراجه. يزهو بورده الأحمر الطري، وأظنه من دم المحبين غير بري:
تركية للقان ينسب خدها ... واشقوتي منها بخد قاني
وخال يختال في أحلى الحلل، له من الأقراط والشنوف خول. كأنه من الدائرة قطبها، ومن القلوب المتقلبة على نار حبها:
فتنت بخال فوق خدك صانه ... أبوك فويلي من أبيك وخالك
ومرشف عذب الأرياق، رضابه لسليم الهوى نعم الدرياق. فيه ماء مبرد، وثغر جوهري صحاحه منضد، ولعس يهيم به ذو الشوق، وشهد يشهد بحلاوته الذوق:
وبه شراب مسكر ما ذاقته ... لكنني أروي عن المسواك
وعنق كعنق ريم، در عقوده نظيم. يطوف الحلي بأركانه، ويملك الرق بورقه وعقيانه:
وجيد جداية لا عيب فيه ... سوى منع المحب من العناق
ونهود كالعاج، ملتحفة بمروط الديباج، رفيعة المنار، شغلت الحلي أن يعار. إن ثنيتها لم تجد عندها عطفاً لمرتاح، وإن لثمتها نشقت من الرمان عرف التفاح:
(1/51)

كحقين من لبّ كافورة ... برأسيهما نقطتا عنبر
وبنان رطيب، على مثله يدور الخطيب، مقبل بالأفواه، مصافح بالجباه، فضّيّ الإهاب، مرقوم بالخضاب:
فما أعذب السكب من أدمعي ... وأحلى المشبك من نقشها
وقوام يقيم الحروب، ويثير كرّ الكروب. كامل الحسن مهفهف، وافر الدالّ مثقف. الرماح تخضع لديه، والأغصان تسجد بين يديه:
وقد روت عن لينه واعتداله ... صحاح العوالي مسنداً بعد مسند
وخصر نحيل، يشكو من ردفها الثقيل. ليس فيه حظ للمجتني لو سألتها عنه لقالت فني:
عيون الناظرين به أحاطت ... فلم تحتج إلى عقد الوشاح
وأردافٍ كالأحقاف، وعدها موسوم بالإخلاف، خارجة عن العادة، لكن فيها للمحبين الحسنى وزيادة:
تمشي بأردافٍ أبين قعودها ... بين النساء كما أبين قيامها
وسوقٍ جمد ماؤها، وبهر الأعين ضياؤها. مشرقة النور، قصبها من بلور:
لو لم يكن من برد ساقها ... لاحترقت من نار خلخالها.
(1/52)

وأقدام لها على الفتك إقدام. تمشي كالقطا ولا تخطئ قياس الخطا:
كأن مشيتها من بيت جارتها ... مرّ السحابة، لا ريث ولا عجل
وعليها من الحلي والحلل، ما يفتن العقول ويدهش المقل. فمن در ثمين كثغرها، وبلور صافٍ كصدرها، وعقيق كشفتيها، وياقوت كوجنتيها. وسبج كأجفانها، وزمرذ كنقش بنانها، وقميص رقيق الحواشي، ومطرف يحار في وصفه الناشي:
إلى مثلها يرنو الحليم صبابةً ... إذا ما اسبكرّت بين درع ومجول
فلما أنست بالقوم، كفّت عنها لسان اللوم، وظهرت عن خلقٍ وسيم، وطباع ألطف من النسيم، ومنادمة تطرب الأسماع، ومداعبةٍ ما الصبر عنها بمستطاع، وملحٍ ألذ من الزلال، وحديث لو لم يجن قتل المحبّ لقيل هو السحر الحلال.
وحديثها السحر الحلال لو أنه ... لم يجن قتل المسلم المتحرز
إن طال لم يملل، وإن هي أوجزت ... ودّ المحدّث أنها لم توجز
والسعد يطلع نجمه، والشمع واقف في الخدمة. وعرف الطيب يفوح، وأعلام الهناء تلوح، وشمل الضد مفرق، والعود يحرك ويحرق. يا له ليلة محي ظلامها ونور الأفق ابتسامها، وحليت عروسها، وطلعت حارقةً للعادة شموسها. لم ير فيها ما يشين ويعيب،
(1/53)

سوى أنها أقصر من جلسة الخطيب.
ولم نزل في بشر وافر، وسرور متواتر، نجتلي وجوه الأفراح المتتابعة، ونجتني من الوصل ثماره اليانعة، إلى أن صاح العترفان، ولا في المشرق ذنب السرحان. فعزمت
الجارية على الذهاب، وأمرت بإحضار الإزار والنقاب. فقمنا إلى موقف الوداع، وتشتت الشمل بعد الاجتماع:
وكان الدمع لي ذخراً معداً ... فأنفقت الذخيرة حين ساروا

الفصل الثاني عشر: في الشمعة والنار
جلست مع بعض الأصحاب، في ليلة حالكة الجلباب، ماؤها جامد، وهواؤها بارد، وطلها متناثر، والماشي بها في ذيله عاثر. نجري ذكر أهل البراعة، ونعد مناقب فرسان أهل اليراعة، ونورد أخبار أرباب اللسن، ونروي عنهم كل حديث حسن:
قوم بهم شرف الزمان، كلامهم ... شرك النفوس وعقلة الأحداق
أشخاص صرفت، ولكن ذكرهم ... أبداً على مرّ الليالي باقي
فبينا نحن نجول في ميدان المحاضرة، ونحقق النظر في
(1/54)

وجوهها الناضرة، والليل قد روق، وشراب المنادمة مروق، لمحت في المجلس شمعة، وقفت في الخدمة وأجرت الدمعة، جسمها نحيل، ومحيّاها جميل، قامتها قويمة، ودرّة تاجها يتيمة. تحرقها أنفاسها، ويوبقها نبراسها. كاسية عارية، تخجل بضوئها الجارية:
مفتولة مجدولة ... تحكي لنا قد الأسل
كأنها عمر الفتى ... والنار فيها كالأجل
أو نبل نصله ذهب، أو حية لسانها لهب، أو وردة على قضيب، أو محب أسهره بعد الحبيب، أو لينوفرة، أو سبيكة معصفرة، أو غرة في وجه أدهم السدف، أو كوكب أرخى ذؤابته ثم وقف:
أو ضرة خلقت للشمس حاسدة ... فكلما حجبت قامت تحاكيها
يخوض في لجة الدمع طرفها القريح، وتلعب بلهب قلبها الجريح يد الريح، فتطلعه نجماً، وترسله سهماً، وتحركه لساناً، وتنشره طيلساناً، وتضربه ديناراً، وتصيره جلناراً، وتصوره سوسناً، وتصوغه إكليلاً تبره ذو سناً، وتعطفه كالهلال السافر، وتنصبه أذن جواد نافر، وترفعه كالسنان، وتقيمه أنملة في بنان، وتبسطه كالمنديل، وتميله سلسلة قنديل، وتخطه ألفاً مستقيماً، وترسمه نوناً أو جيماً.
(1/55)

واستمرت مولعة بشخصها، ساعيةً في نقضها ونقصها، حتى فني عمرها، وانفصل أمرها، وانحل عقدها، وعز على الجماعة فقدها:
وقد فارق الناس الأحبة قبلنا ... وأعيا دواء الموت كل طبيب
وكان في المجلس كانون، يلقي فيه العود بغير قانون، يضم ناراً ذات لهب، له شرر شذره من ذهب، همتها علية، ومرآتها جلية. تعلو على الرماح في المواكب، وتزاحم الكواكب بالمناكب. فاكهتها في الشتاء محبوبة، وأعلامها للاصطلاء منصوبة، وهي بقضيب
الأبنوس لا بجزل الغضا مشبوبة:
كلما رفرف النسيم عليها ... رقصت في غلالةٍ حمراء
كأنها سبجُ على مرجان، أو زنجية بكفها كرة عقيان، أو شمس محجوبة بالغمام، أو ورد تبسم من خلال الكمام:
أو أشقرُ مطهم ... يموج تحت العثير
أو غادة قد ضمخت ... وجنتها بالعنبر
يهتم بها أقوام، هم واسطة عقد الأنام، كريمةُ أحسابهم، مفتوحة للوفود أبوابهم، يمتطون ذروة كل محبوك القرا ويبسطون موائد الفوائد والقرى:
إذا ضل عنهم ضيفهم رفعوا له ... من النار في الظلماء ألويةً حمرا
(1/56)

فلم تزل تضطرم، وتستعر وتحتدم، إلى أن خمد لظى جمرها، وغاض ماء شررها وشرها، واضطجعت في مهادها، تحكي تحت غطاء رمادها:
دماً جرى من فواختٍ ذبحت ... عليه من ريشهن منشور
فراقني ما شاهدت من حالهما، وأمعنت النظر في منقلبهما ومآلهما، وقمت من شكر المنعم بأداء الفرض، وقلت بلسان التعظيم: {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}
ثم إن الصحب مالوا إلى الكرى، وطال عليهم - مع كونهم جلوساً - شقة السرى، فوثبنا لاقتفاء أثر ما تقر عين الهاجع، وسألنا الحي القيوم أن يجعلنا من الذين تتجافى جنوبهم عن المضاجع.

الفصل الثالث عشر: في مدح العشق وذمه
سألني بعض المائلين إلى الهوى، المصابين بسهام الصبابة والجوى - الساهرين في الليل الطويل الذوائب، الذين صرفوا على المحبة حبات قلوبهم الذوائب - عن مراتب العشق وضروبه، وقبائل الحب وشعوبه، وهزله وجده، وجزره ومده، وشواهد شهده وسمه، وما قيل في مدحه وذمه، فأجبته إلى سؤاله، وجمعت بينه وبين آماله:
يقولون لي صفها فأنت بوصفها ... خبير أجل عندي بأوصافها علم
(1/57)

يا هذا إن أول العشق استحسان من يلائم الطبع من الجواري والغلمان، تحدث منه إرادة القرب والمودة، ثم يقوى الود فيكون حباً لا يمكن القلب رده. فإذا استحكمت المحبة في القلوب، عادت هوى يهوي بصاحبه في اختيار المحبوب، ثم يصير عشقاً ثم تتيماً ثم يرجع ولهاً على العقول مخيماً، وهو طمع في القلوب يتولد، يعظم بالحرص على الطلب ويتأكد. يخفى عن الأبصار، ويهيج باللجاج والتذكار، كامن كالنار في الحجر، والزهر في الشجر. إن قدحته أورى، وإن سقيته أخرج نوراً:
العشق أول ما يكون مجانة ... فإذا تحكم صار شغلا شاغلا
فأما أوصافه الممدوحة فإنه جليس ممتع بمشاهدته، وأليف مؤنس بمنادمته، مسالكه لطيفة، وممالكه شريفة. برق لامع، ونور ساطع. تستضيء به نواظر العقول، ويفعل في الشمائل مالا تفعله الشمول، ويتصل بجواهر النفوس، فيزيل عنها لبوس البوس، فرح يجول في الروح، وارتياح يغدو في القلب ويروح، وسانح ينشر من البشر ما انطوى، وسرور ينساب في أجزاء القوى:
إذا أنت لم تطرب ولم تدر ما الهوى ... فكن حجراً من يابس الصخر جلمدا
يطلق اللسان، ويشجع الجبان، ويصفي الأذهان. يولد
(1/58)

الأخلاق الجميلة، ويرغب في اكتساب الفضيلة، ويفتح للبليد باب الحيلة، ويرفع لواء الهمم، ويبعث على الحزم والكرم. يلطف الطباع
ويشنف الأسماع، ويدعو إلى تحسين اللباس، ويستعمل بالرياضة أهل الشماس، لا يقع فيه إلا من قليب قلبه صافي، ولا يسلم منه إلا كل جلف جافي:
فإن شئت أن تحيا سعيداً فمت به ... شهيداً وإلا فالغرام له أهل
وأما أوصافه المذمومة: فإنه ملك قاهر، وحاكم جائر. هزله جد وراحته تعب، وأوله لعب
وآخره عطب. يعتري النفوس العاطلة والقلوب الفارغة، ويكسف من الآراء شموسها البازغة، ويسوق إلى وليه غمام الغم، ويهيم في وادي الهم. يذهب العقل، ويمرض الجسد، ويقوي الفكر ويضعف الجلد، ترتعد منه الفرائص، وتتقد به نار النقائص. يستعبد الأحرار، ويستأثر ذوي الأقدار، ويصفر الأبدان، ويوقع في الذل والهوان:
وكنت أظن الهوى هيناً ... فلاقيت منه عذاباً مهينا
يورث الأسف والحرق، ويجلب الوسواس والأرق، ويجدد ملابس الوجد والألم، ويمنع عن الاشتغال بالعلوم والحكم. يحالف أرباب الشبهات، ويستخدمهم في تدبير الشهوات، ويعطل عن المصالح، ويجرح بمديته الجوارح. من جنده الغرام
(1/59)

والكلف، ومن رفده الهيام والشغف، يعوق الطالب عن الاستفادة، ويشغل الإنسان عما خلق له من العبادة. جان يفضي إلى الجنون، ويدني أهل المنى من المنون:
وما عجب موت المحبين في الهوى ... ولكن بقاء العاشقين عجيب
واعلم، وقاك الله شر الشرر، أن أقوى أسباب العشق النظر. رياحه تنشئ سحائب الفكر، ومرآته تجلو على القلب محاسن الصور. فاتق النظرة، فإنها تزرع حَب حُب ينبت سنبل الحسرة. كم سلب النظر قلب عابد، وفتن عقل ناسك، وحل عقد زاهد، وأجرى آفة، وقرن ذلاً بمخافة، وأثار غبار معركة، وألقى شهماً إلى التهلكة، وأقام حرباً على ساق، وسفك الدماء وأراق، وأوقع في مصائد المصائب، وهشم العظام بأنياب النوائب:
فمن كان يؤتى من عدو وحاسد ... فإني من عيني أتيت، ومن قلبي
فاسلك سبيل السلامة، لتصل إلى دار الكرامة، واقطع أسباب المطامع، واشتغل عن المصنوع بالصانع. فأما من آثر اللذات فقد تورط في حبائل البلوى، وانتهى من حرم الحرمان إلى الغاية القصوى {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى، فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى}.

الفصل الرابع عشر: في الفراق
الفراق - جمع الله الشمل بمحياك، ورعى ودك على بعد المزار
(1/60)

وحياك - وقد اجترى واجترح، وأذهب المسرة والفرح، وضيق رحب الفضا، وقلب القلب على جمر الغضا، وأورث الكمد، وأذاب جليد الجلد، وجاب. وجال، ونثر عقود الاحتمال، وأوجد الوجد والهيام وأحوج الصب إلى العبث بالأقلام:
كتبت وعندي من فراقك لوعة ... تزيد بكائي أو تقل هجوعي
فلو أبصرت عيناك حالي كاتباً ... إذاً كنت ترثي في الهوى لخضوعي
أخط وداعي الشوق يملي، وكلما ... تعديت سطراً رملته دموعي
يا لها لوعة أسعرت وقد الضلوع، ومالت إلى الصبر فأذوت منه الأصول والفروع وصبابة صبت النفس إليها، ووقفت لامتثال الأمر طائعة بين يديها، وغراماً يلازم غريم الفؤاد، ويتكلم من الدموع بألسنة حداد، وشوقاً إلى تلك الليالي المستنيرة، والأيام التي تطول الشرح في وصف محاسنها وإن كانت قصيرة:
حيث اللقا والنوى حل ومرتحل ... والدهر يقضي لنا من وصلك الغرضا
لئن تعوضت عني غير مكترث ... فعنك، ما دمت حياً، لم أجد عوضاً
إلى الله أشكو جور أحباب، لا شك في ظلمهم ولا ارتياب:
(1/61)

ساروا وسر الوجد قلبي أودعوا ... يا ليتهم يوم النوى لو ودعوا
أفديهم غائبين أطالوا شقة البين، ونازحين سكنوا القلب حين غابوا عن العين:
رحلوا عن الأوطان لكن في الحشا ... نزلوا، وما راعوا ولكن روعوا
كيف العمل؟ عز الاحتيال، هل من طريق إلى منزلة الوصال؟
يا صاح إن ظباء جيران النقا ... جاروا علي فدلني ما أصنع؟
أحسن بهم ظباء غير أوانس، كم أسهرت العشاق عيونهم النواعس:
نفروا وما التفتوا وعادة مثلهم ... يتلفتون إذا نفاراً أوقعوا
أيها المغرم باللوم والتفنيد، لا تتعب نفسك فيما لا يجدي ولا يفيد:
قسماً بهم مالي غنىً عنهم ولو ... أمسيت كاسات الأسى أتجرع
كُف كف العذل والتأنيب، فلست أحول عنهم ولو براني النحيب.
وأنا المقيم على محبتهم وإن ... حفظوا عهودي في الهوى أو ضيعوا
نعم أقيم على الود والمحبة، وأرعى رب الخال ولو اشترى قلبه بحبة، وأحفظ زمام الذمام، وأصبر في هاجرة الهجر على
(1/62)

الأوام وأتعلل بلعل وعسى، وأحتمل مشقة آسي جرح الأسى، وأتعلق بأذيال ضيف الطيف، وأتشبت بأن أوقات الفراق سحابة صيف:
وأطوف في تلك الديار مسائلاً ... عن أهلها أبكي ما قد جرى
لله بعد البعد حمر مدامع ... بنُضارها المبدول قد أثرى الثرى
وقد علم الله أن يوم النوى، أضعف بناء جسدي بالهوى فهوى، وأحال صبغة حالي، وسقاني كأس بعد مذاقها غير حالي، فعدت ذا سكر دائم، وعناء تحل دونه عقد العزائم. القلب مأوى الهموم، والطرف موكل برعي النجوم، والكآبة في الخاطر خاطرة، والعين إلى نحو الطريق ناظرة، وأسياف الضنى تجرح الجوارح، وسهام الجوى تجنح إلى الجوانح. لا أعرف لذة الوسن، ولا أمل من السير في حزن الحزن. ولا أرد الماء النمير إلا ويلفحه من كبدي حر السعير. إن مر الفكر في خلدي شرحت له صدراً، وإن دعاني الذكر الجميل مرة لبيته عشراً. ولولا رجاء العود والإياب، لانفصمت من قوى حياة العليل عرا الأسباب، فتباً لأيام الصد والقطيعة، وسقياً لأوقات كانت على رغم العدا مطيعة، حيث الأوطان عامرة، ووجوه الأوطار ناضرة، وأغصان العيش مائدة، وصلة الأحباب عائدة:
وسعاد تسعدنا بروضات الرضا ... ويعمنا منها سنا وسناء
(1/63)

لهفي على ذاك الزمان وطيبه ... فلفقده أنا والخلال سواء
أمبشري برجوعه لك عن رضا ... روحي وما ملكت يداي فداء
والله المسؤول في بلوغ الأماني، وإباحة ممنوع التلاقي والتداني، واجتماع المشوق بأهل وداده، ونصرة المظلوم على أعدائه وحساده، فإنه {نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ}، {وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ}.

الفصل الخامس عشر: في الاستعطاف
أيها المعرض الهاجر، الذي سعى لصده دمع صبه على المحاجر، رفقاً بمن ملك الوجد قياده، وعطفأ على من أذاب الشوق فؤاده، متيم أقلقه فرط صدودك، ومغرم أغراه بحبك قول حسودك، وسقيم لا شفاء له دون مزارك، ومقيم على عهدك ولو طالت مدة نفارك. إلام هذا التنائي والنفور؟ وعلام ياذا القد العادل تجور؟ لقد تضاعف الأسف والأسى، وتطاول التعلل بعل وعسى، وفني حاصل الصبر ولم يبق إلا المقابلة بالجبر.
هبني تخطيت إلى ذلة ... ولم أكن أذنبت فيما مضى
أليس لي من بعدها حرمة ... توجب لي منك جميل الرضى؟
نعم لي حرمة وذمام، وسابق خدمة توجب رفع الملال والملام.
(1/64)

ولت ألوذ إلا بباب نعمك، ولا أعتمد في محو الإساءة إلا على حلمك وكرمك. وما جل ذنب يضاف إلى صفحك، ولاعظم جرم يطرد غراب ليله باز صبحك. ومثلك من يسد الخلل، ويغفر الخطأ والخطل، ويقيل العثرات، ويتجاوز عن الهفوات، ويمح بالعفو تفضلاً، ويزيل القبض عن بسط العذر متطولاً، فلا تخدش وجه رضاك بالغضب، ولا تجمع لمن أسره التفريق بين العتب والتعب، ورق على عبد رقك، وأره الدجا والضحى من فرعك وفرقك، وأذقه أري وصالك، كما جرعته شري انفصالك.
وكنت اظن أن جبال رضوى ... تزول وأن ودك لا يزول
ولكن القلوب لها انقلاب ... وحالات ابن آدم تستحيل
طالما آنستني بقربك، ودنوت مني مفارقاً ظباء سربك، واعتنيت بأمري، وأخمدت برضاب ثغرك جمري، وأنجزت وعودي، وأطلعت نجوم سعودي، وأطلت سروري وابتهاجي، وأصلحت بشراب وصلك مزاجي، وجلوت طرفي بمحاسن طلعتك، وأرويت ظمئي بالعذب الفرات من
شرعتك.
وكنت إذا ما جئت أدنيت مجلسي ... ووجهك من ماء البشاشة يقطر
فمن لي بالعين التي كنت مرة ... إلي بها في سالف الدهر تنظر
(1/65)

قيدت أملي عن سواك، وبهرت ناظري بنظرة سناك، وضاقت بعدك عليّ المسالك، وغدت مطالبي محفوفة بالمهالك، وكسرت جيش قراري، وتركتني لا أفرق بين ليلي ونهاري.
أجول حول الديار، وأعوم في بحر الأفكار، وأتمسك بعطف عطفك، وأتعلق بأذيال مكارمك ولطفك. أما علمت أن الكريم إذا قدر غفر؟ وإذا صدرت عن عبده زلة أسبل عليها رداء العفو وستر، وأن شفيع المذنب إقراره، ورفض خطيئته عند مولاه استغفاره. ومن أبدى باعترافه الحجة، فقد استوجب أن يُسلك في مساحته أوضح المحجة.
ومن كان ذا عذر لديك وحجة ... فعذري إقراري بأن ليس لي عذر
لهفي على عيش بسلاف حديثك سلف، وأوقات حلت ثم خلت وأورثت التلف، وزمان ولى مجانباً، وحبيب ذهب مغاضباً، واهاً لأيام بطيب أنسك مضت، وبروق ليال لولا قربك ما أومضت:
ما كنت أعرف في الهوى مقدارها ... رحلت وبالأسف المبرح عوضت
كيف السبيل إلى إعادة مثلها؟ ... وهي التي، بالبعد، قلبي أمرضت
إلى كم أموه وأغالط، وأجاهد في سبيل الصبر وأرابط،
(1/66)

وأكلف اللسان مكابدة حمل الكتمان، وأسر من الصبابة ما أعلنه دمع الأجفان. أتكتم رائحة الطلا؟ وهل يخفى على ذوي الأبصار ابن جلا؟ لقد برح الخفاء، وأطلت يا رقيق الحاشية شقة الجفاء، وأشمت الأعادي، ومددت ظل التمادي، وزدت في الهجر والبعاد، وكلمت القلب بألسنة الصعاد. فجد بالتداني، واسمح بنيل الأماني، وارحم والهاً وأبدت ظلمة الفراق فرقه، وتصدق على مدنف سائل دمعه يقبل الصدقة. وألن قلبك القاسي، وعد عن التنائي والتناسي، وارع الود القديم، وأبدل شقاء محبك بالنعيم، ولا تعدل عن منهاج المعدلة، وسلم فقد أخذت حقها المسألة. واغمد سيف حيف صيرته مسلولا، وأوف بالعهد {إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً}.

الفصل السادس عشر: في مجلس الشراب
كان لي صديق مغرى بشرب الرحيق. غزير الفضل والآداب، كثير اللهج بذكر مجالس الشراب، وكان يود حضوري عنده، وأنا لا أبلغه مما يود قصده. فأتاني حيناً من الأحيان، يدعوني إلى مجلس بعض الأعيان، وألزمني بأن أحالفه، مقيماً على ألا أخالفه، فأجبت إلى المحاضرة، مشترطاً عدم المعاقرة. فقال: أجل أيها الأجلّ، وسآتيك إذا هزم النهار واضمحل. فلما آنس قدوم الليل، آب يسحب سحائب الذيل، وهو يقول:
(1/67)

يا من به ينفى الكمد ... ويثبت العيش الرغد
جد بالوفا قد آن أن ... ينجز حر ما وعد
فمضيت صحبته إلى دار، جرى بها فلك السعد ودار، عالية الجناب، رفيعة القباب. فاخترقنا أستارها، واجتلينا أقمارها، حتى انتهينا إلى مجلس فسيح، قدح الفائز بأقداحه غير منيح.
لا تسمع الآذان في جنباته ... إلا ترنم ألسن العيدان
أو صوت تصفيق الجليس ونقره ... وبكاء راووق وضحك قناني
يشتمل على ندمان، لا يسمح بمثلهم الزمان. حاشيتهم أرق من النسيم، ومزاج كاساتهم من تسنيم. إن نظموا أودعوا أصداف المسامع دراً، وإن نثروا نفثوا في عقد العقول سحراً.
تنازعوا درة الصهباء بينهم ... وأوجبو لرضيع الكأس ما يجب
لا يحفظون على النشوان زلته ... ولا يريبك من أخلاقهم ريب
بينهم سقاة حسنت صفاتهم، وتكفلت بالإنصاف كفاتهم. كم فيهم ذو وجه جميل، وده صحيح وجفنه عليل. سمهري القوام، جوهري الكلام. تنعطف الأغصان سجداً لعطفه، ويسقي بطرفه أضعاف ما يسقي بكفه:
ساق غدا يحكيه من ... بان النقا وريقه
واظمئي وكالزلا ... ل خمره وريقه
(1/68)

أيديهم أقداح، تفتح أبواب الأفراح، وملاكها ملوك أكاسرة على الأسرة. النور ضمن إزارها، ومعدن الذهب في قرارها. تعدل وهي جائرة، وتنشد وهي دائرة:
صل الراح بالراحات واقدح مسرة ... بأقداحها واعكف على لذة الشرب
ولا تخش من ذنب فأوراق كرمها ... أكف غدت تستغفر الله للذنب
وأباريق تسجد لربها، وتقبل الأرض لدى صبها. كم أصلحت فساد مزاج، وأوضحت منهاج ابتهاج. تحكي إوزاً معوجة الرقاب، أو ظباءً أشرفن من ذرى الهضاب:
وكأنما الإبريق عند ركوعه ... والإثم يلثم ثغره المنعوتا
طير بمنقار له من لؤلؤ ... لما أسف تناول الياقوتا
وأكواب مصفرة الأثواب، تغني عن المصباح، وتهدي ريح التفاح. تبعث على الحماسة والسماحة، وتتعب سوق ساقيها القلب وهي في راحة:
لله أكواب همومي حرمت ... لما أباحت خمرها المسكوبا
نار ولم تحرق، وإن أنكرت ما ... أوردته يا صاح فالمس كوبا
وكؤوس تسر بحسنها النفوس. ثغورها باسمة، ومناهلها لمادة الأسى حاسمة. تحمد عند الصبوح والغبوق، وتشرح الصدور في حالتي الغروب والشروق.
(1/69)

ولرب ساق محسن في كفه ... كأس برؤيتها نفى عنا العنا
وعلى ذراها ليس يبرح ناصباً ... شبك اللآلي كي يصيد لنا الهنا
وينطوي على قيان، ينشدن البديع من سحر البيان. لهن أصوات، توقظ أعين اللذات. يشنفن الأسماع، ويتقن أجناس الإيقاع:
قيان حكين البدر حسناً وبهجة ... زمان الذي يحظى بهن وسيم
إذا هن ألقين الغناء بمجلس ... فمعبد والغريض هشيم
وبه شمع يدهش الأبصار، ويحيى ما مات من ضوء النهار. دبيقي الملابس، عقيقي القلانس. وافر الأدب والهمة، لا يبرح واقفاً في الخدمة:
من كل هيفاء تهوى الشمس رؤيتها ... بكت وأنت فلاح الماء واللهب
تجلى على السراب في ثوب لها يقق ... كحية من لجين رأسها ذهب
وفيه أنواع من الشراب، تلمع في أوانيها كلمع السراب. فمن خرطوم، تخفي بدر حبابها النجوم، وشمول تشمل القوم بالقبول. ومشعشة منازل كواكبها مرتفعة، وعاتق تقدم عصرها، وخف على النديم أمرها. وخابية حانية، قطوف كرومها دانية:
(1/70)

وطوس وقنديل عقار وقرقف ... مدام وإسفنط سلاف وجريال
طلاً وسباء والحميا وقهوة ... كميت، شموس، خندريس وسلسال
إلى غير ذلك من روح وريحان، ومحاسن وإحسان. ومسموع ومشموم، ومشروب ومطعوم. وعود يحرق ويحرك، ومسك في الصحاف يفتت ويفرك. وقريض ينشد، وعرف ضائع لا ينشد، وبم وزير، وجنة وحرير، وزهور ومزاهر، وملح ونوادر، وفاكهة مما يتخيرون، ولحم طير مما يشتهون:
أيا نديمي لو شاهدت وقفتنا ... في مجلس اللهو حيث الخصم مغلوب
والدف والدن مضروب ومنكسر ... والزق يذبح والراووق مصلوب
وبالجملة فإني عاينت من التفضيل، ما يغني عن التفصيل، وكاد ثقيل الطرب يستخفني لولا عناية الملك الجليل. ثم نظرت وإذا أمر القوم قد اضطرب، والعترفان يخبر عن ذنب السرحان بحسن المنقلب، فأشرت إلى صاحبي بالنقلة، وعرفته أن الليل قد عزم على الرحلة. فقام يهتز من السكر اهتزاز الأفنان. وانصرفنا، وأنا أمشي كالرخ وهو يمشي كالفرزان. فلما صرنا إلى البيت، خر صعقاً كالميت. فجلست معرضاً عن الكرى، متفكراً فيما قد جرى، لائماً نفسي على اتباع الهوى، ذاماً لها على معاشرة من ضل وغوى. ثم إني
(1/71)

ملت إلى الاستغفار، وسألت العفو من العزيز الغفار، ولذت - كما قال الحريري - بالمتاب، وآليت لا أحضر - ما دمت حياً - مجالس الشراب.

الفصل السابع عشر: في الشيب والخضاب
رأيت بعض مشايخ الأصحاب، وهو يتعاطى ما يتعاطاه الشباب. فقلت: يامن وعظه الشيب، جاءك النذير بلا ريب، فاصرف عين العيب، واق عالم الشهادة والغيب. نأت الغرابيب السود، ودنت البزاة واثبة كالأسود. وظهرت غرة القمر، وأومض البرق في ليل الشعر. ورمي فاحم الفود بضده، واشتعل المبيض في مسوده. قدم رائد الهداية، وزائد الغواية، وطليعة العفاف، وذريعة الإنصاف. ومظنه الوقار، ومشرق الأنوار. فخل الخلال الجانية عليك، وأحسن كما أحسن الله إليك:
إنما تحسن الرياض إذا ما ... ضحكت في خلالها الأزهار
من شباب عذاره لم تقبل أعذاره. من عذل شبابه ولي مصابه. من لمع ضوء فرعه، تفرق شمل جمعه. من كبر ذوى عوده، وغابت سعوده، وأفل نجمه، ووهن عظمه، وضعف بعد القوة جسمه، وخمدت منه الأنفاس، عنه ظباء الكناس:
لو كان عمر الفتى حساباً ... كان له شيبه فذالك
(1/72)

يامن أدركه المشيب، اترك الغزل والنسيب، إرجع إلى الله من قريب، ولذ بالمتاب واعدل عن الخضاب، واخش نصول الفضول، ودع من يزور ثم يزول. ولا تطمع بوصل الحسان، واكتب لهن تسريحاً بإحسان، واحذر منهن العدو الأزرق، واسبق إلى منعهن من قبل أن تسبق.
عذر الكواعب أنهن كواكب ... لا يجتمعن مع الصباح إذا بدا
فنظر إلي مليا، وقال: لقد جئت شيئاً فرياً. ياهذا أنت ناصح أمين، أم ذابح بغير سكين؟ نكست الأعلام وفتنت الأحلام، وفخمت الوعيد، وجلت في ميدان التهديد، وآثرت نيران التلف، ودثرت {عَفَا اللهُ عَمَّا سَلَف}، وأدنيت غمام الغم، ومدحت ما يستحق الذم:
ما رأينا المشيب إلا كثلج ... أبيض بارد قليل المقام
واهاً له من زائر يظهر العدل وهو جائر، يأتي من الشهب على كل ضامر، ويخرب من الأعمار كل عامر، ولا يرجى لسليبه عوض، ولا يقضي لصاحبه غرض. ناع ينغص لذة الرفاق، وساع يطوف بحرم الفراق. معلول لا يعتني بحفظ ميثاقه، ورسول معجزته الخوف من اجتماعه، والفرق من فراقه:
له منظر في العين أبيض ناصع ... ولكنه في القلب أسود أسفع
غرة مرة، ونور ليس معه مسرة. يبلي الجديد، ويصيد
(1/73)

الصنديد، ويعتدي على الشباب، ويفرق بين الأصحاب، ويسود بياضه اللون، وهو عنوان فساد الكون. رفعت عند نصحك مقداره، ونفيت قاره وأثبت وقاره:
وأي وقار لامرئ عري الصبا ... ومن خلفه شيب وقدامه شيب
ثم إنك رثيت وما رثيت، ومريض المشيب عن معالجة الخضاب نهيت، وأطلت التعنيف، وأكثرت الأراجيف. وسقت الشائب إلى رمسه، ومنعته من التصرف في نفسه، وبسطت شقة الشقاق. أما سمعت قول الوراق:
للضيف أن يقرى ويعرف حقه ... والشيب ضيفك فاقره بخضاب
فقلت له: إلام يختفي الزامر ويتستر؟ وحتام يكتم الكتم شيئاً بعد ثلاث يظهر؟ وهل يرد التمويه ما مضى؟ أو يخمد ماء الصبغ جمر الغضى؟
تستر بالخضاب، وأي شيء ... أدل على المشيب من الخضاب
فقال: قد أطلت الملام، وأثخنت القلب بكلام الكلام، ونشرت رداء الرد، وزاد سيف عدلك في الحد:
لمع المشيب، وبعد عندي صبوة ... يبلى القميص وفيه عرف المندل
يا هذا إني لأعلم أن الخرق يتسع على الراقع، وأن التمادي في التصابي سم ناقع. لكن الفطام صعب، وكل أحد لا
(1/74)

يمكنه رأب الشعب، وترك منصب الإمارة، شديد على النفس الأمارة. وهي إلى حضرة الخضرة تميل، وعلى الله قصد السبيل:
لعمرك ما خضبت بياض شيبي ... رجاء أن يعود لي الشباب
ولكني خشيت يراد مني ... عقول ذوي المشيب فلا تصاب
وأنا أستغفر الله من الزلل، واستعين به على سد الخلل، وأتوكل عليه إنه جواد كريم، وأتوب إليه إنه هو التواب الرحيم.

الفصل الثامن عشر: في الخيل والإبل
وفد علي يوماً ذو ألوك، يدعوني إلى حضرة بعض الملوك. فلبيت مناديه، ويممت في المال ناديه. فرحب بي على عادته، وقرب مجلسي من وسادته. ثم قال لي: عرض لي أن أعرض العتاق، وأتبعها بالنجائب من النياق، فأحببت حضورك، وقصدت نزهتك وسرورك.
فشكرت فيض فضله، ودعوت بتوفير خيله ورجله. فما استتم المقال إلا والنجائب تقاد بأيدي الرجال: فمن أشهب يقق، إن طلب لحق، وإن طُلب سبق. طِرف يحار الطرف في حسنه، ويرى الناظر شخصه في مرآة
(1/75)

متنه. بعيد المنار والمنال، طلعته الفجر وسرجه الهلال. لا يخطر معه الخطار ولا تعلق الغبراء له بغبار. يهدي فارسه من حافره بسنا السنابك، ويغتدي عند امتطاء صهوته من الذين ينظرون على الأرائك.
ومن أدهم غربيب، لا يعلم أجنوب هو أم جنيب. يسبق السيل في السير، معقود بناصيتها الخير، ينساب كالثعبان، وينعطف انعطاف السرحان. زاد على زاد الركب وزاحم النكباء بالمناكب، يسلب العقول بحسن دسيعه وتليله ويخطف الأبصار برق غرته وتحجيله.
ومن أشقر خلوقي الجلباب، ألبسه الأصيل حلة تفتن الألباب. الراح تحكيه في لباسه، والرياح لا تقدم على مجاراته لباسه، متقلد بالذهب، متقلب في اللهب، يشفق من مناظرته الشفق، ويسرق من لين شعره السرق، ينقص الزائد لديه، ويفوت أعوج ثم يعوج متهكماً عليه.
ومن كميت طاب عرفه، واسود ذنبه وعرفه. أسيل الخدين، بارز النهدين، عندمي اللباس، يحول بين الظباء والكناس، إن وثب ألحق العنان بالعنان، وإن وقف عاينت كل عضو منه وردة كالدهان. يجد السير في حزن الفلاة وسهلها، ويرد الوديعة محمولة إلى أهلها.
ومن أصفر لونه فاقع، كم له في الحلبة من طائر خلفه واقع، ينتمي إلى الحبشان، ويعبر بلونه الزعفران. الدجا على عرفه قابض، وماء القار على ذيله فائض. يتجلى
(1/76)

في الرياض الشمسية، ويسبح في الجداول الورسية. لا يمل من التقريب والإلهاب، ويأتي من عدوه بغرائب يشيب منها الغراب.
ومن أخضر حسن وشياً، وراق للعيون جرياً ومشياً. زرزوري الإهاب، يجمع بين الشيب والشباب. زبرجدي الحافر، أين منه الغزال النافر؟ يظهر عجز مكتوم وتخمد عنده جمرة
اليحموم يخجل بتفويفه الرياض، ويسابق أسهم راكبه إلى الأغراض.
ومن أبلق عظمت فصوصه، واشتهر حسنه وشهر قميصه. طويل الحزام والذيل، وهامته من الصباح وشامته من الليل. يمرح في جلالة جلاله، ويولع إذا غابت الخيل بمسابقة خياله. ينحط الوجيه عن أوجه، ويغرق الفياض في موجه، يسبق النعامى والنعامة وينظر بعيني زرقاء اليمامة:
جرد بهن لكل عين جنة ... فإذا جرين أتين بالنيران
يحكين في البيد النعام رشاقة ... ويسرن في الأنهار كالحيتان
ثم إن الملك أمر برد الجنائب، وأذن في عرض النجائب، فأقبلت تتهادى صحبة سواسها، وتتبختر في مصبغات أكوارها وأحلاسها: فمن جسرة لونها أحمر، وليل سراها واضح أقمر. عنكرة عيطموس، تميل إليها الخواطر والنفوس، موارة اليدين، بعيدة وخد الرجلين أنحلها التسيار، وهذبتها الأسفار.
ومن سرداح لونها أرمك،
(1/77)

يكاد خيال السماك بها يمسك، مليئة بالذوح والإساد، تخالط حمرتها السواد. جميلة الصفات مرقال، حسنة الشمائل شملال. رحبة السقل والخطا، لا يعرف لها عدول عن الطريق ولا خطا.
ومن رقوب لونها أزرق، تطفو في بحر السراب كالزورق. ظهيرة دوسرة، منوفة بهزرة تطس الآكام، وتثبت في أثواب وُرق الحمام. موصوفة بالإعصاف، معروفة بالإعناق والإيجاف. ومن أمون لونها جون، وكون مثلها من محاسن الكون. تميل إن شبهتها إلى الدجا، ولا تمل من السير ولو براها الوجى. لها فخذان لحمهما وافر، وذنب تكنفه جناحا طائر، تفوت الريح في خطراتها، وتطأ جمر القيظ بجمراتها.
ومن وجناء لونها أصهب، ورباطها الدمسقي مذهب، ترعى الحدائق وترعى الحادي والسائق. شكول عسبور، تسامي رأسها أعواد الكور، غائرة الأحداق، سريعة الاندفاع والانطلاق. ومن مصباح لونها أغبش، وكل من قوائمها أحمش، يخالط بياضها شقرة، يولد الاجتماع بها طريقاً إلى النصرة. هوجاء دفاق، روعاء مزاق، ترض الحصا برصها، وتستطلع الأخبار بنصها.
ومن شمردلة لونها أحوى، مهارق البيد بغيرها لا تطوى. تجوب القفار وتجوس خلال
الديار. مشفرها رقيق، وسبب وظيفها وثيق. تختال في شنفها وزمامها، وتدهش الأبصار بسنا سنامها:
(1/78)

وحوص غدت سفن المهامه والفلا ... ألم ترها تطفو على بحر آلها
تخط حروفاً بالمناسم في الثرى ... يقصر عن تحريرها ابن هلالها
فلما تكامل العرض بعد الطول، وأفلت أقمار الإبل وغابت شموس الخيول، أحذ الحاضرون في تذكر أشكالها، وأفاضوا في نعت محاسنها وجمالها. ثم إن الملك أمر باحضار الطعام، واشتغل الناس بالمائدة عن الأنعام. فقمت مبادراً إلى الذهاب، متفكراً في رزق الله لمن يشاء بغير حساب، قائلاً: فاز المخفون، وهلك المثقلون، تالياً: {وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ}.

الفصل التاسع عشر: في الوحش
هفا بي هيف الإسفار، وطوحني بين أنكر صحبة الأسفار، إلى خرق متسع الجوانب تطول على سالكه سبائب السباسب. فسرت أطوي خيفه وصمانه، وأرض جلاميده وصوانه، إلى أن دنت الشمس من الزوال، وآل أمر الظامئ إلى رؤية الآل. فبينما أنا أرود لأرد، لاح لعيني غدير مطرد. فأتيته مسروراً، ونهلت منه ماء مقروراً. ثم توضأت لأداء المكتوبة، وأبرد بالصلاة ما صلي من الجوارح المكروبة.
(1/79)

ونظرت فإذا تلعة من التلاع، مشرفة على اليفاع، من تلك البقاع، فاقتعدت ذروتها، وتلقيت للقيلولة هضبتها. فما استقر المجلس بي ولا بلغت من الراحة أربي، إلا والغبرة قد نشرت، والوحوش للورد قد حشرت:
فمن أسد ورد شديد الباس، عرد صعب المراس، بين جفنيه مقباس. شثن الكف، لا يرهب من أبطال الصف. ملك مهاب، تبري الإهاب، حديد الظفر والناب، يخلفه الشبل إن غاب عن الغاب:
متخضب بدم الفوارس لابس ... في غيله من لبدتيه غيلا
يطأ الثرى مترفقاً من تيهه ... فكأنه آس يجس عليلاً
ومن نمر شرس الأخلاق، دم الفريسة بين يديه يراق. الجلبة ضمن جلبابه، والنوائب كامنة في أنيابه، وثباته لاتنكر، وثباته أشهر من أن يذكر. يقطع الطريق، ويحب شرب الرحيق:
أحسن به من النمور أهرتا ... يحار في تدبيجه أهل الحجا
إذا بدا يريك من إهابه ... طرة صبح تحت أذيال الدجا
ومن فهد خصره رقيق، وعقد فقاره وثيق، واضح الجبين، أفطس العرنين. كم فرى من فرا، واجترح واجترا، وظفر فظفر، وتخفر به الصيد فما خفر.
فهد كحيل المقلتين مرقش ... جهم المحيا لا يمل من الحنق
(1/80)

والليل فيه والنهار تغايراً ... لله ثوب ألبساه من الحدق
ومن دب مختلف الطباع، يأكل مما تأكله الدواب والسباع. بعيد مقترب، مغرى باللهو واللعب. كثير الشهوة، قليل الغيرة والنخوة. يقبل التعليم والتأديب، ويأتي من بحر فطنته بكل عجيب:
وذي وبر قوي مصلخد ... تراه يدب ما بين الدباب
له ظفر إذاً ما عن صيد ... له ظفر وناب غير نابي
ومن ضبع حضاجر، كنيتها أم عامر. موصوفة بالعرج، تفترس من دب ودرج. تشتهي السفاد، وتميل إلى الفساد، وتخرج من الوجار، ولا ترعى حق الجار ولو أجار.
صنعنا جميلاً قابلونا بضده ... وهذا فعال الخائنات الفواجر
ومن يصنع المعروف في غير أهله ... يجازى كما جوزي مجير ام عامر
ومن ذئب أطلس، عمر وعسعس، يسطو بأنياب حداد ويألف الوحدة والانفراد. الغدر له شيمة، والغنم لديه غنيمة. صبور على السفر، شديد الخوف والحذر:
ينام بإحدى مقلتيه ويتقي ... بأخرى المنايا فهو يقظان هاجع
ومن ثعلب رائغ، زائل عن الطريق زائغ. وافر المكر والحيل، يضرب بخديعته المثل. حسن اللباس،
(1/81)

يرتدي بالسندس والقرطاس. يحب الدجاج والحمام، وربما أوقعه في شرك الحمام:
يطير قلب الطير في وكره ... مخافة من نابه النابل
لكنه يلقى الردى بعدها ... كم أكلة أجنت على الآكل
ومن هر يسبق الهرهور حاد الناب والأظفور. عيناه كالزجاج، ومرطه كالديباج، أخنس الأنف لطيف محل الشنف. يقعي إقعاء الأسد، ويلوي من ذنبه حبلاً من مسد:
وهر أهرت الشدقين ضار ... له حسن بديع غير خافي
بكعبة ربه كم طاف سبعاً ... ويغسل وجهه قبل الطواف
ومن نمس كميت اللون، ماللطير والثعبان منه صون. صائل صائد، ظهره عظم واحد. طويل الخطم قصير اليدين، ليس له سوى صماخين من الأذنين:
وظربان يألف الظرابا ... ويقنص الحسول والضبابا
جلدته كالقد في قوتها ... لا يقطع السيف له إهاباً
ومن سنجاب أبلق، بطنه أبيض وظهره أزرق. يأوي الأشجار العالية، ويسكن الأماكن الخالية، جميل الملابس، حسن اليلامق والقلانس:
لله سنجاب بر ... ذو ناظر كالشهاب
في الدوح يعدو ويبدو ... كقطعة من سحاب
(1/82)

ومن فيل، له خرطوم طويل، يشبه الصولجان، ويحكي في تلويه الأفعوان. وأذنان
كالترسين، تحتهما نابان كالرمحين. عقبة كؤود، شديد الغيرة حقود، يرتاح إلىالطرب، وينخرط في سلك العجب:
وهندي كطود مشمخر ... ذكي القلب يفهم ما يقول
لقاء العسكر الشاكي عليه ... يهون لأن منظره يهول
ومن كركدن كالجاموس، تنفر منه الخواطر والنفوس، قوته شديدة، وأسلحته عتيدة عديدة. له اختيال في مشيته، وقرن غليظ في جبهته، يظهر بأرض الهند والحبشان، فيخضع هيبة له سائر الحيوان:
وكركدن كدن ... في خلقه عجائب
له سلاح حاضر ... والعقل منه غائب
ومن زرافة، حازت أنواع اللطافة. بردها بالوشي ملمع، وقرنها بالسبج مقمع، طال جيدها جداً، وجاوز غضب عجبها حداً. عالية الصدر منحطة المآخر، جميلة الأوصاف والمفاخر:
نوبية المنشا تريك من الطلا ... روقاً ومن بزل المهارى مشفرا
جبلت على الإقعاء من إعجابها ... فنخالها للتيه تمشي القهقرى
ومن مها ثمر حسنها قد زها. عنقاء مبهر، خدها
(1/83)

مضمخ بالعنبر. تفتن العقول بأحداقها، ويعز على القلوب غداة فراقها:
عيون المها على ذي صبابة ... صبور على الهجران ليس يحول
يحن إلى سلع ونجد وحاجر ... منازل فيها صحبكن نزول
ومن أيل ضباضب، يحمي من قضب شجرتيه بالقواضب. يأكل الأفاعي، ويحسن في تحصيلها المساعي. يشتغل بالصفير والطرب، فيشتغل بنيران العطب:
متشعب القرنين يدعى أيلاً ... من دمعه بادزهر الحيوان
ومن فرا ليس في حسنه مرا. كل الصيد في جوفه، لا يستقر على الثرى من خوفه. يميس في برده القشيب، ويطول عمره ولا يشيب:
شغلته لواقح ملأته ... غيرة فهو خلفهن كمي
ومن وعل أرقب، لا يفارق النفق والمرقب، يحمي الأروية، ويحتجب في البر عن البرية. يسكن في الأماكن الوعرة، ويصبر على شدة القرة والوغرة:
إن شئت تلقى راهباً ذا رغبة ... في شامخ عالي الذرا فالق الوعل
سامي التليل بالضياء مرتد ... من تيهه وبالظلام منتعل
ومن ظبي غرير، متلفع بمطارف الحرير. كحيل الطرف
(1/84)

ذكي العرف. جميل الصفات حسن الالتفات. إن حضر أحيا الأرواح، وإن أحضر فات الرياح:
غزال قد غزا قلبي ... بأسياف من الطرف
له عطف به ميل ... ولكن لا إلى العطف
ومن أرنب يرتع بين الشيح والزرنب. بطنه يقق، ومتنه شفق. قصير اليدين، ينام وهو ساهر العين:
وأرنب ذي وثوب في سياحته ... أثوابه صبغت من ماء عقبان
إذا جرى في فلاة خوف مقتنص ... تخاله كرة تهفو بميدان
ومن قرد نسناس، في خلقه ما يشبه الناس. خفيف الروح، يغدو في الشواهق ويروح. نزيه يهفوف، بالفهم والذكاء معروف:
أحسن بقرد سريع الفهم ذي شبه ... بالآدمي وهذا القدر يكفيه
له لسان ولكن لا يوافقه ... يكاد ينطق لولا عجمة فيه
فلما عانيت من تلك الوحوش ما راقني، وشاهدت من أصنافها وأوصافها ما شاقني، واجتليت محاسن عرائسها، وتنزهت في رياض ملابسها، قمت من شكر بارئها بما يجب، وأعلنت بتوحيد رازقها من حيث لا تحتسب، وتلوث إذ أدهشني جمعها وخلقها: {وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللهِ رِزْقُهَا}. ثم إنها مالت من الورد إلى الصدر، وتفرقت بعد
(1/85)

الاجتماع شذر مذر، فنهضت عازماً على الإياب متوكلاً على الكريم الوهاب، عائجاً إلى حيث أتيت، مثبتاً في ديوان الغرائب ما رأيت.

الفصل العشرون: في الطيور
أخبرني بعض الإخوان، أنه رأى بلدة من البلدان، متسعة الفناء، محكمة البناء، تروق العيون، وتحرك السكون، بالقرب منها واد خصيب، يشتمل من الأطيار على كل غريب، مديد الأشجار، منسرح الأنهار، وافر الخير، يعرف بوكر الطير. فتقت إلى رؤية ذلك الوادي، وحدا بي من الشوق إليه حادي، فسرت أطوي البيد، وأصل التحليج بالتخويد، إلى أن أتيت إليه، وأنخت راحلتي عليه. فعاينت منه ما حقق مطالبي ووجدت به ما صاح بي كما قال صاحبي:
واد عليه للمحاسن رونق ... وبه طيور طاب عيش نديمها
أرجاؤه مشحونة بسباعها ... وكلابها وبغاثها وبهيمها
فمن صقر شريف النجار، رفيع المقدار. القمر منظره، والهلال منسره. له ثوب أرقط، بياضه بالسواد منقط، حسن السلوك، لا يصحب إلا الملوك.
ومن باز أشهب، جمر مقلتيه يتلهب. خفيف الجناح، سريع النجاح. يلمع في الجو
(1/86)

كالبارق، وينقض انقضاض الطارق. قوي الافتراس، يثب على الطريدة وثوب الهرماس.
وصقر أحمر الجلبات شهم ... طموح العين معقود اللواء
يطير إلى الفلاة يروم صيداً ... فيرجع بالأرانب والظباء
وشاهين رحيب الصدر جون ... يجيد السبح في بحر الفضاء
إذا الكركي لاح سما إليه ... وعاجله بمحتوم القضاء
ومن كوهية حالية الحلة، تجلى كالعرائس في الأكلة، ملابسها مدبجة، ومخالبها بدم القلوب مضرجة، ذات درع ظلها ضافي، منتظمة القوادم والخوافي. تمر مر السحاب، وتأتي بما لم يكن في الحساب.
ومن باشق فرعه مع صغر حجمه باسق، زعرور الأخلاق ذهبي الأحداق. شاكي السلاح، محمود الغدو والرواح. يمرق كالسهام، ويوقع الحمام في شرك الحمام:
وطاو أعار الروض لما ... مشى في اللازوردي المدثر
يلوح على المفارق منه تاج ... بديع تاج قيصر عنه قصر
وديك عرفه من أرجوان ... وجؤجؤه من الوشي المحبر
يرى سهر الدجا حتى إذا ما ... دنا الإصباح هلل ثم كبر
ومن ببغاء جميل الصفات، قوي على حكاية الأصوات. فهمه صحيح، ولسانه فصيح. هندي الأوطان، زبرجدي
(1/87)

الأردان. طرفه مركب من قار، وله من الياقوت منقار.
ومن هدهد وافر الهداية، نافر عن الضلالة والغواية. يرى الماء في باطن الفجاج، كما ينظره الإنسان في داخل الزجاج. مرقوم البرود، كثير الركوع والسجود. يميد في حلله الفاخرة ويميس، كأنما ألبسه سليمان تاج بلقيس:
ودراج تبدى في قميص ... نضير الزهر زهري أنيق
فصوص بنفسج في ياسمين ... وريحان تشقق عن شقيق
ومن حجل يعاقيب عليها ... مروط أشبهت لون الدبيق
لها طرف تركب من نضار ... ومنقار تكون من عقيق
ومن قطا، ياله من قطا، حسن المشي متقارب الخطا، جيده مطوق، ومبسمه بالزعفران مخلق. منقوش الإزار، كأنه عب من كأس عقار. جناحه مخضوب، وصدره بماء الذهب مكتوب. ومن يمام، يفي بالعهد والذمام، مشهور بالسجع، معروف بالذهاب والرجع. يألف الرياض ويرفل في ثوب فضفاض. يؤدي الأمانات إلى أهلها، ويتحرى في رواية الأحاديث ونقلها:
ومن هزار كامل المعاني ... حلو الحلى منطلق اللسان
تراه إن غنى على العيدان ... يطرب ما لا تطرب المثاني
وبلبل بلبل قلب العاني ... حلته من أسود الجنان
(1/88)

قام خطيباً في ذرا الأغصان ... يأمر بالعدل وبالإحسان
ومن ورشان، يودع المسامع أطيب الألحان. نوبي الدار، علي المنار. شهي التغريد، معبدي الأناشيد. يحسن الأنغام، ويغري الخلي بالوجد والغرام.
ومن قمري أخفى القمر، كم نهى على منبر الأيك وأمر. ساجع مطراب، إعجامه لذي المعارف إعراب. أشهل العيون، وفي جيده من خط القلم نون. يستديم شكر الدائم، ولا تأخذه في التسبيح لومة لائم:
وفواخت كدرية أطواقها ... مسكية والطرف منها أسود
طوراً تفوح على الغصون لفقد من ... تهوى، وطوراً للوصال تغرد
وغراب تغريب فصيح أعجم ... داجي الإهاب مقامه لا يحمد
يهوى نوى أصحابه فإذا نأوا ... أضحى مقيماً بالديار يعدد
فيالله من واد أنبت السرور، وحوى أصنافاً جمة من الطيور، لا أجمع بين أشخاصها وأسمائها، ولا أتحقق شيئاً من أحوالها وأنبائها. فسبحان المتكفل بأرزاقها، المباين بين طباعها وأخلاقها. فلما سبرت سر الوادي، تطلعت إلى طلعة شمس بلادي، فلويت زمام الراحلة، وودعت من الطير نجوماً غير آفلة، قائلاً: اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأوطان، تالياً: {أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ}.
(1/89)

الفصل الحادي والعشرون: في الكتابة
الكتابة ألهمك الله معرفة فضلها، ولا حرمك نفع صداقة أهلها، أشرف الوظائف والمناصب، وأرفع المنازل والمراتب، وأفلح صناعة، وأربح بضاعة. قطب دائرة الآداب، وصدر أسرار الألباب، ورسول صادق، ولسان بالحق ناطق، وسيف تحد بحده المعارف، وميزان يميز التالد من الطارف، تلحق خبر الحاضر بالغائب، وإليها تنتهي الآمال والرغائب. بها تتم النعمة، وتفصل شذور الحكمة. تبرز إبريز البلاغة، وتصوغ لجين الكلام أحسن صياغة. لطف حواشي رقاعها محقق، وجدولها المسلسل على الريحان يتدفق. قد تحلت بصحة الوضع والتركيب، وحلت بما حكت من أعضاء الحبيب:
فاللام والألف كعذاره وقده. والجيم كصدغه المعقرب على خده. والصاد والنون كعينه وحاجبه. والميم منه النائي عن رائد ورده بجانبه:
لا تعد عن فن الكتابة، إنها ... مغنى الغنى ومفاتح الأرزاق
واخش اليراعة وارجها فهي التي ... عرفت بنفث السم والدرياق
والكتاب عماد الملك وأركانه، وعيونه المبصرة وأعوانه، وبهاء الدول ونظامها، ورؤوس الرياسة وقوامها. ملابسهم فاخرة، وشمائلهم لطيفة،
(1/90)

ونفوسهم شريفة. مدار الحل والعقد عليهم، ومرجع التصرف والتدبير إليهم. بهم تحلى العواطل، وتبتسم ثغور المعاقل. مجالسهم بالفضائل معمورة، وبندائهم أندية القصاد مغمورة. يهدون إلى الأسماع أنواع البديع، وينزهون الأحداق في حدائق التوشيح والتوشيع. هم أهل البراعة واللسن، وشيمتهم لف القبيح ونشر الحسن. يميلون إلى القول بموجب المدح، ولا يملون من مراجعة الراغبين في المنح. دأبهم استخدام الناس بالمعروف، وعدم التورية عن العاني والملهوف. ويجلون الكبير ويبجلون الصغير، ولا يخلون بمراعاة النظير. لهم إلى الخير رجوع والتفات. وبالجملة فقد حازوا جميع جميا الصفات.
كتبت، فلولا أن هذا محلل ... وذاك حرام، قست خطك بالسحر
فإن كان زهراً فهو صنع سحابة ... وإن كان دراً فهو من لجة البحر
بأيديهم أقلام تختلس بلطفها الأحلام. صافية الجواهر، زاهية الأزاهر، لينة الأعطاف، ناعمة الأطراف. تبكي وهي مبتسمة، وتسكت وهي بما يطرب السمع متكلمة. قد اعتدلت قدودها، وأشرقت في سماء البراعة سعودها. أسنتها مرهفة، ومطارفها مفوقة. تجتهد في
خدمة الباري، وتبدي من دررها ما يفضح الدراري. تميس في وشي أبرادها، وتشرح الصدور بعذوبة إبرادها. نشأت على شطوط
(1/91)

الأنهار وتعلمت اللحن من إعراب الأطيار. طويلة الأنابيب، تسلب القلوب بحسن الأساليب. تدهش الناظر وتخجل العامل، ولا ترضى بامتطاء غير الأنامل. الشجاعة كامنة في مهجتها، والفصاحة جارية على لهجتها. تبهر بالنضارة نواظر النهار، وتطرز بالليل أردية النهار. إن قالت لم تترك مقالاً لقائل، وإن صالت رجعت السيوف مستترة بأذيال الحمائل. سجدت للطرس، فرفعت إلى أعلى الرتب، وحلت وشببت فلا غرو إذا سميت بالقصب.
قلم يفل الجيش وهو عرمرم ... والبيض ما سلت من الأغماد
وهبت له الآجام حين نشا بها ... كرم السيول وصولة الآساد
يكرع من دواة حالكة الحياض، مشرقة الأدواح والرياض، جنية الأثمار مطعمة الأشجار. ريقها رائق، ونيل نيلها دافق. تكشف غطاءها عن كل معنى أنيق، وتفتح فاها بكسر العدو وجبر الصديق. شرفها ليس فيه نزاع، وسقطها من أنفس المتاع. تحنو على أولادها طول المدى، ثم تقط رؤوسهن - ولا ذنب لهن - بحد المدى. سمت إلى المعالي بنفسها، وأعارت المسك السحيق بنقسها. ترشد بنور جمالها، وتنشد بلسان حالها:
إن السعادة، حيث كنت، مقيمة ... والبحر أخبار الندى عني روى
كم من عليل مقاصد أبرأته ... فأنا الدواة حقيقة وأنا الدوا
(1/92)

لله أطراسها التي أضاءت بمدادها، وأشبهت عيون العين ببياضها وسوادها، وانطوت المحاسن تحت رق منشورها، وصدحت حمائم البلاغة على أغصان سطورها. صحائف تنوب عن الصفائح، وقراطيس تزف إلى الأسماع عرائس القرائح. ألبسها الحبر أثواباً من الحير، ودبجها صواب الفكر لا صوب المطر. كم حازت من در منظوم، وعلم لفظ بوشي المعاني مرقوم. وفقر تفتقر إليها أجياد الحسان، وغرر كلم تذهب العقول بسحرها وإن من البيان:
كتاب في سرائره سرور ... مناجيه من الأحزان ناجي
كراح في زجاج بل كروح ... سرت في جسم معتدل المزاج
فاجتهد أعزك الله في طلابها، واحرص على الدخول في زمرة أربابها، وتمسك بأذيال
بنيها، تجد جواداً أو نبيلاً أو نبيهاً. وحسبهم شرفاً أن الله تعالى نوه بذكرهم في العالمين، ووصف الكتبة بالحفظ والكرم فقال: {وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ، كِرَاماً كَاتِبِينَ}.

الفصل الثاني والعشرون: في الحرب والسلاح
منع الجزية أهل الصليب، في عام عاموا منه في بحر عجيب، فأشار الأمير بالتأهب للنزال، وأمر بتحريض المؤمنين على القتال. فأخذوا في الاستعداد. وجدوا في تحصيل الجياد.
(1/93)

فأحببت الدخول في زمرة المجاهدين، ورفضت قاعدة الذين قالوا: {ذَرْنَا نَكُن مَّعَ الْقَاعِدِينَ}. فلما كملوا عدداً وعُدداً وتحروا في أهبتهم رشداً، ساروا إلى جهة العدو المخذول، وطيور السعد تحوم عليهم ولا تحول. ياله من جحفل تحفل بالشوس، وكتيبة تميل إلى خضرتها النفوس، وجيش عرمرم، وخميس لهب أسلحته يتضرم، وعسكر جرار، وفيلق يتلو: {قُل لَّن يَنفَعَكُمُ الْفِرَارُ}. يهول المنظر، مثار العثير. قوي القلب والجناحين، كم ليدها الطولى من جناحين. يدني بعيد الآجال، وينفر حتى الوعل والآجال. النصر من جملة آياته، والظفر معقود براياته:
محلى بالسيوف وبالعوالي ... وبالحلق الموانع والقسي
وفيه عيون درع ناظرات ... إلى الأعداء من طرف خفي
ببحر الحرب منه سابحات ... تملك حسنها قلب الكمي
ألا لا تخش فيه ليل نقع ... فكم قد حاز من وجه مضي
ينطوي على غضنفر كاسر، وعقاب يصول من النصال بمناسر، وذفر مشيع، وباسل عمر خصمه مضيع، وبطل ثبت الغدر، وأحمش لامنجى منه ولا وزر وشهم أيام عداه مدلهمة، وقدم صمة، وما أدراك ما الصمة؟
من كل مرهوب السطا رحب الخطا ... عرد المطا ليث تأبط ارقما
يبدو هلالاً في سماء عجاجه ... ويريك من زرق الأسنة أنجما
(1/94)

أكرم بهم شجعة برزوا للكفاح، واشتملوا على أنواع من السلاح:
فمن سيف يفري بحده، ويأنف من المقام في غمده. أمضى من أمس، واشرق من الشمس. ينتقل من القراب إلى الرقاب، ويدب النمل منه على الذباب. يروع ويروق، ويخفي بلمعه البروق، يتمايل كالخمائل، وينجلي في حلي الحمائل. يجتهد في إهلال النفوس، ويبتسم حيث الأجل عبوس:
ومنهد إن قابلته فريسة ... ينقض من جو القراب كأجدل
مصغ إلى حكم الردى، فإذا مضى ... لم يلتفت، وإذا قضى لم يعدل
الموت كامن في غربه، والحتف قريب من قربه. إن جرد عاينت عيون الجراد، ورأيته مطبوعاً على الجدال والجلاد. وإن سل حكم بقطع الأرزاق، وطفق مسحاً بالسوق والأعناق. يرتعد لا من الخوف، ويجل فعله الماضي عن السين وسوف. لم يبرح كارعاً من موارد الوريد، تالياً: {وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ}.
حسام، وبتار، جراز، وصارم ... رسوب، وقرضاب، صنيع، ومخذم
قشيب، وصمصام، وعضب، ومرهف ... قضيب ومأثور، ونصل مصمم
نهيل، وهزهاز، وأبيض، قاطع ... رسول المنايا في الدماء محكم
ومن رمح مثقف، أسمر اللون مهفهف. لدن القوام،
(1/95)

يبدل الكلام بالكلام له نصل مطعان، وسنان غير وسنان. صدق صادق مارق في المارق. يفرق الجموع ولا يفرق، ويصيب العدا بناظره الأزرق. يستوفي النفوس وهو عامل، ويضرب حاصل الكماة ولا يجامل. لهذمه ألمع من الشهاب، وكعبه أيمن من طلعة الكعاب، فعله حميد، وظله مديد. سلب اللطف من الأغصان، وتعلم الرعدة من جنان الجبان. خطار عظيم الخطر، خطي لا يخطئ في قص الأثر. طويل يقصر الأعمار، قناة تجري بدم الأذمار:
وأسمر من رشف كأس الدما ... يهتز بالشكر اهتزاز الطروب
يبسط في الإشراق بسط الردى ... ويقبض الأرواح عند الغروب
ومن قوس حنانة، سحائب سهامها هتانة، تطلع كالهلال في سماء الرهج، وتسبح في الهواء سبح النون في اللجج. ضروح تسكن الضريح، عطوف لكن لا على الجريح، تبهر بأبهرها العيون، وتبلغ المنى برسل المنون. لها يد تمنح جميل الأيادي، ورجل تسعى في قتل الأعادي. تضم شمل أولاد نوافر، يصلن بلا أنياب، ولا ظوافر. ذوو أجنحة تروع السباع، مثنى وثلاث ورباع.
عطوى مروح، تريح المنبضين لها ... هتانة لفراق السهم مرنان
(1/96)

أولادها تدرك الأغراض عن كثب ... وناظر السيف قد أخفته أجفان
ومن ترس عنتر، يفل به حد الأبتر. جنة واقية، ومنة باقية. جوب يجوب حرة الحرب، ولا يمل من ملاقاة الطعن والضرب. بريء من الختل والختر، معروف بالحماية والستر.
لله جَنة جُنة ... لا يجتليها من طغى
من حل تحت ظلالها ... أنجته من نار الوغى
ومن بيضة حسن ملبسها، وزاحم الفلك قونسها، وصفها بديع، وحرم حماها منيع. الرؤوس بها محفوظة، والنفوس بعيونها ملحوظة، تعلو على المفارق، وتطرق لهيبتها أجفان الطوارق.
يا رائد الحرب تقنع، واقتنع ... بمغفر أحسن به من مغفر
سامي الذرا عالي الجناب مانع ... ذمامه يوم الوغى لم يخفر
ومن درع ستور، روض وشيها منثور، مضاعفة دلاص، منجية يوم لات مناص، فضفاضة مسرودة، ألوية النصر بها معقودة. كأنها سراب بقيعة، أو حباب يطفو على شريعة، أو سلخ أفعوان، أو لهب نار لم يشب بدخان. تنظر بعيون الجنادب وتصبر على وخز العوالي والقواضب.
(1/97)

يا رُب سابغة حبتني نعمة ... كافاثها بالسوء غير مفند
أضحت تصون عن المنايا مهجتي ... وظللت أبذلها لكل مهند
ومن أشياء يطول ذكرها، ويعز على البليغ البارع حصرها.
ثم إنهم جدوا في الرحيل وتمسكوا بالنص واتبعوا الدليل. إلى أن وصلوا إلى بلد الأعداء سيس، وأرهبوا بجمعهم الراهب والقسيس. فسارعوا إلى النزول، وغصت بهم الوعور والسهول. وصابحوهم بما أشقى مساءهم. وناوحوهم بما دمرهم وساءهم. ونادوهم بألسنة الحمام، وناجوهم برسائل السهام، ونصبوا آلات الحصار لكسرهم، وأعدوا ما استطاعوا من القوة لقتلهم وأسرهم، وأحاطوا بأسوار المدينة، وصدموها بمن في آذانهم وقر عن الوقار والسكينة. فكم تكن إلا ساعة من نهار، حتى تحرك البناء وانهار، وسال السور بعد أن ماج، وهوت بكواكب المنجنيق منه الأبراج. فدخلوا البيوت من غير الأبواب، وجرعوا أعداء الدين مذاب العذاب، وحصل أهل الشرك في شرك القبضة، وعجزوا عند قص أجنحتهم عن النهضة، وتمشت في مفاصلهم حميا السيوف، وصفاح الرغام وجوههم على رغم الأنوف:
لله در فوارس كم أقبلوا ... نحو الحروب، ونافسوا في وصلها
قوم إذا دخلوا معالم قرية ... لعداتهم جعلوا أعزة أهلها
ثم عاجوا لاقتلاع قلعتها، ومالوا إلى محو أسطار بقعتها. فقدموا
(1/98)

إليها النقابة، وحسروا عن وجه الاجتهاد نقابه. وباتوا يطلقون فيها ألسنة المعاول، ويعرضون عن رأي من قال:
وأين الثريا من يد المتناول
فأصبحت على الخشب معلقة، ثم عادت بذات الوقود محرقة. فلم تمض عليها إلا لمحة غافل، حتى صارت الأعالي منها أسافل، وأحيط بطاغيتهم وفرسانه، وقبض على أعوانه وأعيانه. ونزعت التيجان، ونكست الصلبان. وبل غليل السيف، وارتفع الحتف والحيف، وهدمت البيع والكنائس، واستخرجت الذخائر والنفائس، وأسر النساء والأطفال، وبلغ الطالب من الأموال منتهى الآمال. وأعز الله جنده، وأنجز من التأييد وعده، ومن بعوائد ألطافه الخفية، وجعل هام الملحدين لحوداً للمشرفية. وما النصر إلا من عنده وهو المتصدق بجزيل رفده على عبده.
ثم إن العساكر عادوا إلى أوطانهم غانمين سالمين، وقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين.

الفصل الثالث والعشرون: في رمي البندق
برزت يوماً مع رفيق رقيق، يسر بمنادمته سر الصديق. لا يخرج عن الواجب. ولا يحجبه عن ذكر الجليل حاجب. رفيع المقام، صادق الكلام. ينطق بالحكمة وفصل الخطة، وهو لدائرة الفضل بمنزلة النقطة. يجتني من الرياض أزهار
(1/99)

الرياضة، ويعتني بما يشرح الصدر ويزيل انقباضه. ويحب معالي الأمور، ويتقدم إلى كل مقدمة تنتج السرور. ويتمسك بما كان داعياً إلى المروة، باعثاً على امتثال: {وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ}
قد ألف لخطبة الطير كل خطب مهول، واعتاد خوض المنايا فأيسر ما تمر به الوحول، إلى روضة أنيقة تهدي الأنق، وتضيء في جوانبها وجه الملق. والغيم ممدود الرواق، والطل دمعه يراق، والجو مسكي الإهاب، والشمس قد توارت بالحجاب.
والأرض وشي والنسيم معنبر ... والماء راح والطيور قيان
فنزلنا بفنائها، وشممنا الأرج من أرجائها، واجتلينا محاسن أزهارها، وطربنا لسماع نغمات أطيارها، وقبلنا هناتها وهباتها، ورعينا على كلا الحالين كلأها مع نباتها، ورأينا بها عصبة من الرماة، وفرقة تفرق منهم الأبطال والكماة فألمنا بحضرتهم، وانتظمنا في سلك زمرتهم، فلما أنست بذراهم، وآنست نار قراهم، شاهدت قوماً نفوسهم أبية، ومقاماتهم علية. في وجوهم سيما القبول، ومعهم وصول بالوصول، يرعون حق الذمام، ويقتفون آثار الكرام، ويرفلون في حلل العفاف، ويسلكون سبل الإنصاف، ويحفظون الحديث عن القديم، ويثبتون الصحيح وينفون السقيم، ويوقرون الكبير، ويرضون من العيش باليسير، ويعتمدون حسن الوفاق، مع
(1/100)

الرفاق، ويعرضون عن أهل العرض لعلمهم أن ما عندهم ينفد وما عند الله باق.
أهل الصبابة إن قالوا وإن سمعوا ... وللسماع - كما للقول - إعراب
كل يحاول ما يبغي الفلاح به ... فالمبتغى واحد، والناس أضراب
فلو رأيتهم وقد أتوا إلى الخطة والتفوا، وحملوا غير متحاملين واصطفوا، وخطروا في تلك المطارف، يؤمهم القديم إلى جهة المواقف، مسرعين إلى الأخذ بالثارات، متدرعين الغبار لشن الغارات:
لعاينت قوماً في مقامات عزهم ... وقوفاً، وكلاً منهم قد ترسما
جفوا في الظلام النوم كي يتقدموا ... ومن سهر الليل الطويل تقدما
جماعة طريق حرمهم للنزيل قبلة، وحسن شيمهم للعقول عقلة. كم فيهم نقي خد أخجل الدمى ورشيق قد جبل طرفه على سفك الدما:
شغل الطيور بحسن منظر وجهه ... فتوقفت فأصابها بالبندق
وكم لهم من دعرة وشطارة، يقولون ما أهون الحرب على النظارة، ونكتة غريبة يأتي بحرها بالعجب، ومصطحب شريف وما أدراك ما المصطحب؟ ما ألطف سجاياهم الطاهرة، وأطيب أوقات وجوههم الناضرة:
في غدوة ومصبح ورواجع ... ومصوغ وخوارج وعشاء
(1/101)

بأيديهم قسي قدودها رشيقة، وملابسها مدبجة أنيقة، من الطين اللازب نجمها، ومن الدمقس المفتل لحمها. أجاد خرمها الصناع، وهذبت كماة الرماة منها الطباع. كأنها حواجب مقرونة، أونونات معرقة موضونة، أو أهلة مشرقة النور، أو مناجل لحصاد أعمار الطيور.
حوامل إذا دنا نتاجها ... تقذف من أكبادها كواكبا
ومعهم للرمي بنادق، أسرع في الإصابة من الفيالق، كأنها كرات دورية، لا بل كواكب درية، تمر بهم عساكر الطيور المختلفة، وهي تختال في برودها المفوفة ولم تدر أن أيدي المنون إليها ممتدة، وأن سيوف الحتوف لها معدة. إن هبطت مسبقة أصابتها عيون أوتارها المبصرة، وإن نهضت محلقة فكرات قسيهم عنها غير مقصرة، فتسقط عليهم سقوط الندى، وتهوي إليهم مجيبة لداعي الردى:
تهوي إليهم وتأتي ... من كل فج عميق
يا حسن بدر منير ... يسعى لصب مشوق
فبينما هم في وجه عشاؤه أضاء بنور التهاني، ولمعت فيه بارقة بروق الأماني، والليل قد أرخى أستاره، وأبرز من النجوم درهمه وديناره، والأنهار سارية وسارحة، والأطيار في الملق سابحة وسائحة:
(1/102)

نزه الطرف يا أخا الظرف ليلاً ... في طيور أحسن بها من طيور
فوق وجه الماء تسعى وترعى ... كنقوش قد خيلت في ستور
عن لصاحبي إوزة فضية اللون، بينها وبين المرزم في الحسن بون. كأنما خاضت في اللهب، وكرعت من ماء الذهب، تسبق الريح في المطار، وترتفع إلى أن تغيب عن
الأبصار فرماها، في حال بعدها عن العيون، وصرعها عاجلاً أسرع ما يكون، فحسنت له الجفة وباركت فيه، وأظهر من سر الظفر ما كان يخفيه، وخرج فرحاً بتحصيلها مائداً وحملها من كان له شاهداً، ورمى لمن قبله وسبقه، وفي بحر الحمد والشكر غرقه. ثم تواتر الرمي من كل نبيه ونبيل، وتفرقوا من ذلك الوجه على وجه جميل:
كم طائر للأرض أمسى واقعاً ... بنجم قوس للسماء قد سما
من حيث لا يشعر يأتيه الردى ... فاعجب له من صامت تكلما
لم يدر من أين أصيب قلبه ... وإنما الترامي درى كيف رمى
فلما شاهدت من أحوالهم ما راقني، ومن نوالهم ما قيدني عن غيرهم وعاقني، أثنيت على من بهم عرفني، وبالطيب المسكي من أنفاسهم عرفني. وقمت ناشراً وصف المواقف والأطيار قائلاً على سبيل التشوق والتذكار:
ياصاح قم نسعى إلى الأملاق ... فنحوها قد ذبت من أشواقي
(1/103)

الله ما أحلى حلى أوقاتها ... وأملح الولدان في جناتها
والجو يجلى في ثياب دكن ... يستلب اللب بفرط الحسن
السحب قد تتابعت وفودها ... وانفرطت على الربا عقودها
وروضة الأنس يفوح طيبها ... وينثني في دوحها رطيبها
ونغمات الطير بالألحان ... تغني عن الجنوك والعيدان
أحسن بها يا سعد من أطيار ... تلوح كالأنجم للأبصار
تخالها إذا سجا جنح الغسق ... كأسطر خطت على وجه الملق
من وارد وصادر، وواضع ... وناهض، وطائر، وواقع
أبيض كالصبح إذ تبلجا ... وأسود محلولك يحكي الدجا
وأخضر مدبج اللباس ... وأزهر يزهو على النبراس
مختلفات في الحلى والشكل ... عن حصرها يعجز أهل الفضل
لكنها جليلها معروف ... وهو لدى أربابه موصوف
فهاكها بعد عشر أربع ... كعمر بدر التم حين يطلع
قد جمعت أوصاف كل طائر ... مبينات المجد والمآثر
فالتم يبدو في لباس يقق ... كأنه مركب من ورق
في الرأس منه نقطة تحكي السبج ... من الرماة نحوه تصبو المهج
والكي شيخ أبيض جلبابه ... معلق في عنقه جرابه
منقاره كحربة من أسل ... وظهره محدب كالجبل
وللإوز نغمة الأوتار ... إذا بدت تختال في المطار
فضية منقارها من عسجد ... يا سعد في حبي لها كن مسعدي
(1/104)

واللغلغ المسكي كالإوز ... في الحسن والوصف وفرط العز
لكن له مثل اللجين غره ... تدني لمن يصرعه المسره
وحبذا الأنيسة الملونة ... لباسها المنقوش ياما أحسنه
يبكي عليها الصب بالدموع ... لأنها عزيزة الوقوع
خذ يا أخا الرمي صفات الحبرج ... يحكي القطا في لونه المدبج
يألف أيام الربيع الزاهره ... فيجتبي ويجتلي أزاهره
والنسر راميه شديد الأسهم ... لأنه عال كنسر الأنجم
أقرع ذو مخالب حداد ... يذكر عصر تبع وعاد
وبعده وصف العقاب الكاسره ... تلك التي للوحوش تغدو آسره
مغبرة ظافرة، أظفارها ... بالصيد أدنى الردى منقارها
قم نجتلي الكركي تحت الشفق ... فقد بدا في ثوب خز أزرق
ومد جيداً ياله من جيد ... وأطرب الأسماع بالتغريد
إذا بدا الغرنوق في الفضاء ... شبه بالغمامة الدكناء
كأنه الكركي في لباسه ... سوى سواد عنقه وراسه
والضوع مبيض شبيه الفلق ... أطراقه مصبوغة بالعلق
يختال في الحمرة والبياض ... كخد من قد زاد في الإعراض
ومرزم يا حسنه من مرزم ... كأنه قد خاض في بحر الدم
أبيض وضاح طويل العنق ... راميه قد فاز بفضل السبق
وتلوه السبيطر المسموم ... أبيض ضخم وصفه معلوم
يسكن في الأماكن العليه ... وطعمه الحية والسحليه
(1/105)

وأقبل العناز بعد الجمع ... أسود ذا صدر كضوء الشمع
قد جمع الضدين صبحاً ودجا ... من يرمه يعد من أهل الحجا
وهذه تكملة الأطيار ... أعني طيور الواجب المختار
ترفل في محاسن الملابس ... وتنجلى في الطرس كالعرائس
كأنما تنظرها حقيقه ... سابحةً في غدرها الأنيقه
لا زلت ترمي الطير والأعادي ... بأسهم ذي ألسن حداد
ودمت تلقى السعد في مسيركا ... حتى تعد الكل من طيوركا
ما سهر الليل رماة البندق ... وقبل الطير خدود الملق

الفصل الرابع والعشرون: في الكرم والشجاعة
مررت ببعض أحياء العرب، في يوم طما بحر آله واضطراب، فلمحني شخص من بعيد، حوله جماعة من الخدم والعبيد. فأرسل واحداَ منهم في طلبي، فلما دنوت منه رحب بي وأحسن منقلبي، ورفع قدري ومنزلي، وأعذب موردي ومنهلي. وأعز جانبي، وأترع مشاربي. وأجزل نولي وعظم قومي وقولي. وأتحفني باللطائف، وأمدني بكل ساعٍ من البر وطائف. وأضرم نار القرى، وسقى بدماء البدن ظامئ الثرى. ومنحني من الجود بأنواع مختلفة، وأسدى إلي المعروف من غير معرفة، وعقر النعم، وغمر بالإنعام،
(1/106)

وتجاوز الحد في الكرم والإكرام. وعم بفضله البسيط وإحسانه الشامل، وآلى أن لا أرحل عن حيه مدة شهر كامل:
وحقق آمالي وقرب مجلسي ... وأرشفني كأس النوال مروقا
وقيدني بالمكرمات، أما ترى ... لساني له بالشكر أصبح مطلقا
ياله جواداً لا يلحق، وغيدقاً لا يطرق حين يطرق، وقلمساً بعيد المدى، وخضرماً تفيض أنديته بالندى، وصنديداً سخي البنان، وسميذعاً لا تبرح ربوعه ربيعاً للضيفان. وهماماً تهمي سحائب جوده، وأريحاً لم يزل مرتاحاً لملاقاة وفوده. يطوى حاتم الطائي عند نشره، ويفنى هرم بن سنان لبقاء شارح ذكره. ويطوف كعب بن مامة بكعبة حرمه، ويخلد به خالد القشري ليقتبس من كرمه وينقص لديه معن بن زائدة، ويلتقط يزيد بن الملهب في هلبة الزمان فرائده:
مفيد ومتلاف إذا ما سألته ... تهلل واهتز اهتزاز المهند
متى تأته تعشو إلى ضوء ناره ... تجد خير نارٍ عندها خير موقد
جزيل المروة شريف الأبوة. كريم النجار، جليل المقدار، علي الهمة، طليق الوجه عند الملمة، ويحرز المجد ويذهب الذهب، ويتبدئ بالإحسان إلى العفاة قبل الطلب. ظله ممدود، وجوده موجود، وفناؤه مقصود، وباب منزله عن الواردين غير مردود. يعطي من لا يرجوه، ويفصل قضية
(1/107)

المتقاضي وعده على أحسن الوجوه. كم أولى من أيادي، وأنجز إيعاد الأعادي، ومنح براً، وكف عن نزيله ضراً. وأجرى نيل النوال، وأماط عن المجتدي سوء السؤال:
علم المزن الندى حتى إذا ... ما حكا، علم البأس الأسد
فله الغيث مقر بالجدا ... وله الليث مقر بالجلد
ولقد شاهدت منه في مدة مقامي، يكبو دون منتهاه جواد كلامي، من كرم زهت كرومه، وشجاعة طال أسلها وزهت نجومه، ونعم تجل عن الحصر، ونجدة مؤذنة بالنصر، وسماحة وحماسة، وتدبير وسياسة، وثبات أقدام وصبر وإقدام، ولسان لذوي المسألة مجيب، وصدر لمن ورد وصدر رحيب. وهبات طاب هبوب نسيمها ومنح راقت جنات نعيمها، وسخاء بحره زائد، وصلة نفعها على من وصل إليه عائد، وأخلاق حسنة، ومناقب تقصر عن وصفها الألسنة:
وعدل أباح الشاء أتلعة الفلا ... تلس كلاها، والذئاب رعاء
وفضل حباه الله سبحانه به ... ولله وضع الفضل حيث يشاء
لله نسبه الذي علا على الفلك، وفتحت السعادة له الأبواب وقالت هيت لك، وبيته الذي رفع المجد قواعده، وأطلع الرفد في آفاق الإنفاق موائده، وقومه الذين زكت نفوسهم، وأينعت في حدائق العطايا غروسهم، وملكوا أعنة المعالي، ورفعوا خيام
(1/108)

خيمهم بأطراف العوالي، يسير الفخر تحت ألويتهم، وتتعطر المجالس بطيب أنديتهم. يقتحمون عتبة الوغى صابرين على الطعن والضرب، ويفضلون مقارعة كماة الحرب، على معاقرة كميت الشرب.
طالما كفوا أكف العدى، ووجد أبناء السرى على نارهم هدى، وشتتوا شمل الأبطال، وجروا على تاج المجرة فضل الأذيال:
إن ترد خبر حالهم عن يقين ... فأتهم يوم نائل أو نزال
تلق بيض الوجوه سود مثار الذ ... قع خضر الأكناف حمر النصال
وبعد فمحاسنه لا تحصى بعد، وأوصافه لا تدرك لأنها لا تنتهي إلى حد. والإسهاب يضع ممن زاد طولا، واختصار القول أجدر وأولى.
فلما انقضت مدة أليته وقرت عيني بما عاينت من لطف محبته، وآن للمقيم أن يرحل، وللضيف العائد بالفرائد أن يخير وإن لم يسأل، استأذنته في الظعن، وأعلمته باشتياقي إلى الوطن. فأذن لي مكرهاً وأنشدني متأوها:
تفضلت الأيام بالجمع بيننا ... فلما حمدنا لم تدمنا على الحمد
جعلت وداعي واحداً لثلاثة: ... جمالك، والعلم المبرح، والمجد
ثم إني سرت شاكراً بره المألوف، ناشراً ألوية معروفه المعروف، حامداً إنعامه الذي شمل القريب والبعيد، مادحاً
(1/109)

شخصه الذي لم يشك وحشة قط وهو في الدنيا وحيد، مجرياً ذكر ما حواه ثم عزم العزائم مثنياً على أياديه الجميلة ثناء الروض على الغمائم.

الفصل الخامس والعشرون: في العدل والاحسان
إن الله يأمر بالعدل والإحسان، فبادر إلى امتثال الأمر أيها الإنسان، وانشر أعلام الإنصاف، واتصف بمحاسن الأوصاف، وارفق بالرعية، وأكثر من البر إلى البرية، وابسط رداء المعدلة، وساو بين الخصوم في المنزلة، واسمح بجبرك وخيرك، ولا تظلم الناس لغيرك.
واعلم أن العدل حارس الملك، ومدبر فلك الفلك، وغيث البلاد، وغوث العباد، وخصب الزمان، ومظنة الأمان. وكبت الحاسد، وصلاح الفاسد، وملجأ الحائر ومرشد السائر، وناصر المظلوم ومجيب السائل والمحروم. به تطمئن القلوب، وتنجلي غياهب الكروب، ويرغم أنف الشيطان، وترتفع به قواعد السلطان. عليه مدار السياسة، وهو مغن عن النجدة والحماسة:
عن العدل لا تعدل وكن متيقظاً ... وحكمك بين الناس فليك بالقسط
وبالرفق عاملهم وأحسن إليهم ... ولا تبدلن وجه الرضا منك بالسخط
(1/110)

وحل بدر الحق جيد نظامهم ... وراقب إله الخلق في الحل والربط
وإياك والظلم فإنه ظلمة، وداع إلى تغيير النعمة وتعجيل النقمة. يقرب المحن ويسبب الإحن، ويخلي الديار، ويمحق الأعمار، ويعفي الآثار، ويوجب المثوى في النار، وينقص العدد، ويسرع يتم الولد، ويذهب المال، ويتعب البال، ويجلب العقاب، ويضرب الرقاب، ويقص الجناح، ويخص بالإثم والجناح، والمظلوم أنفاسه متعلقة بالسحاب، ودعوته ليس بينها وبين الله حجاب:
كن منصفاً واسلك سبيل التقى ... فالبغي ليل جنحه مظلم
واجتنب الظلم ولا تأته ... والله لا يفلح من يظلم
وأيقظ عيون حزمك وشيد مباني عزمك، واحتم بالاحتمال، فهو أنصر لك من الرجال. وزين مجلسك بألمعيتك، وسس نفسك قبل رعيتك وامزج الرغبة بالرهبة، وارع لأوليائك حقوق الصحبة، وادفع بالتي هي أحسن، وأت من المعروف بما أمكن:
واصنع جميلاً ما استطعت فإنه ... لا بد أن تتحدث السمار
وتجاوز عن الهفوات، وادرأ الحدود بالشبهات. وأنجز الوعد وأخلف الوعيد، وقيد لفظك فلديك رقيب عتيد، وتفكر في العواقب، والحظ الأخرى بعين المراقب:
(1/111)

من لم يفكر في العواقب ناظراً ... فيما يؤول إليه آخر أمره
خسرت تجارته وضل عن الهوى ... ورأى مساعيه بطرف أمره
وعليك بالحلم فإنه معدن السرور، وعقال الفتن والشرور. يبلغك من المجد قاصيته، وتملك به من الحمد ناصيته. مطية وطية وعطية يالها من عطية، وخصلة محمودة، وشيمة ألويتها بالسعد معقودة. يسهل الأمور، ويقي كل محذور. همة صاحبه علية، ومرآة متعاطية جلية. لا يظهر إلا عن صدر سليم:
قابلت بالإحسان من ساءني ... ميلاً لتحصيل الثناء المقيم
وقمت بالواجب من شكره ... إذ عرف الناس بأني حليم
واعف عمن ظلمك، وصل رحمك، وارحم حرمك، وأطف بالأناة جمر الغضب، واحذر من غاسق الغيظ إذا وقب، وصن عرضك عن الأدناس، وادخل في زمرة العافين عن الناس، فهم أهل الفضل يوم القيامة، والمتقلدون بكرم الكرامة، يرفلون في أثواب الثواب، ويدخلون الجنة بغير حساب. ولا تعج عن سنن السنن، وراقب الله في السر والعلن، واتبع في الإحسان طريق من أفلح به المؤمنون، والزم التقوى: {إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ}.

الفصل السادس والعشرون: في الشكر والثناء
شكر المنعم واجب، والثناء على المحسن ضربة لازب. فاشكر
(1/112)

من وضع الخير لديك، وكن مثنياً على من أحسن إليك، حيث أجاب سؤالك، وحقق آمالك، وصدق ظنك، وأضحك سنك، وأتحفك بكرائم كرمه، وأطلع في أفقك نعائم نعمه، ولبى دعوتك، وروض عدوتك، ورعى جانبك، وبلغك مآربك، وقوى معينيك وأيد معانيك، وأسكنك من العليا قباباً، وفتح لك إلى دار السعادة أبواباً:
وأولاك الجميل بغير مطل ... وعن وجه الندى رفع الحجابا
وبل ثراك بالجدوى فحق ... عليك تصير التقريظ دابا
إن قصر عن المكافأة بنانك، فيطل بنشر الشكر لسانك، فبه تدوم النعم، وهو داعية الجود والكرم. كثرته تبعث على بذل الألوف، وقلته تزهد في اصطناع المعروف. فاجتهد في إقامة شعاره، واحتفل برفع علمه وإعلاء مناره، وإياك والتقصير في حق من شملك بفضله الغزير، وقم بواجب من قلدك المنة، ولا تجعل الاعتذار بعجزك من غير حرص جنة.
أطلق لسانك بالثناء على الذي ... أولاك حسن غرائب ورغائب
واشكره شكر الروض حياه الحيا ... كيما تقوم له ببعض الواجب
أيها المتطول بأياديه، المتفضل بما غمر من غواديه، الجائد بأمواله، الزائد نيل نواله، المرتدي بأثواب الجلال،
(1/113)

المبتدئ بالعطاء قبل السؤال، لو استطعت تمثيل حمدك ومدحك، واعتدادي بإفضالك العميم ومنحك، لأبرزته في صورة تروق النواظر، وأفرغته في قالب يسر القلوب والخواطر. لقد أترعت مواردي ومناهلي، وحملتني من حقائب الجود ما أثقل كاهلي، وأرحت سري بهبات هباتك، وقطعت أملي إلا من موارد صلاتك:
كم من يد بيضاء قد أسديتها ... تثني إليك عنان كل وداد
شكر الإله صنانعاً أوليتها ... سلكت مع الأرواح في الأجساد
إلام تنشر علي ملابس العوارف؟ وحتام تهدي إلي نفائس اللطائف؟ وتلحظ بعيون العناية، وتمد ظل الرعاية، وتصل أسباب الصنائع، وتأتي من الإحسان بما عهده محفوظ، ونشره ضائع، من غير خدمة سابقة، ولا حرمة لهدى العواطف سائقة.
طالما غنيت بالغناء من خيرك، وألهمتني لهاك عن الاجتماع بغيرك، وقابلتني عطاياك بجبرك، ومنحتني سماحتك من كنزها الوافر بخالص تبرها:
فلأشكرنك ما حييت وإن أمت ... فلتشكرنك أعظمي في قبرها
صيرت لساني كليلاً بعد حدته، وأعدت قلمي جافاً بعد غزارة مدته. فها أنا لا أطيق أداء بعض حقك، ولا يخرجني فرط برك عن عهدة رقك. وكلما فرغت من شكر يد كثر
(1/114)

مددها، وصلتها بأياد جزيلة أعد منها ولا أعددها. فلا تحدث لي بعدها زيادة، وارفق بعبدك فقد ملك العجز قياده:
أنت الذي قلدتني نعماً ... أوهت قوى شكري فقد ضعفا
لا تسدين إلي عارفة ... حتى أقوم بشكر ما سلفا
وماذا عسى مادحك أن يقول، يامن فتن بحسن مناقبه العقول؟ المتكلم يقصر عن وصفك باعه، والبليغ يعجز عن حصر فضلك يراعه. والعالم يغرق في بحرك، والناظم يلقط جواهر نثرك، على أن كلاً منهم لو استعار الدهر لساناً، واتخذ الريح في نقل أخبارك ترجماناً، أدركه الملال ولم يصل إلى غايتك، وأعياه الكلال دون الوقوف عند نهايتك. فالله يتولى من مكافأتك ما هو أبلغ من شكر الناس، ويمتع الأولياء ببقاء ذاتك التي جلت عن النعت والقياس.

الفصل السابع والعشرون: في الهناء
صحبني شخص من الكتاب، له رفيق يدعي معرفة الآداب. فجاءني يوماً من ديوان النظر قائلاً: كان رفيقي غائباً ثم حضر، وقصدي إملاء شيء في هذا المعنى، ولست أعرف لروض الأدب سواك مزناً. فقلت له: اكتب:
ورد البشير بما أقر العيون، وسكن هواجس الظنون، وشرح
(1/115)

الصدور وأبهجها، وألجم خيل السرور وأسرجها، من إياب مولانا مصحوباً بالسلامة، مالكاً قياد الفضل وزمامه. فتلقاه العبد بمزيد القبول، واعترف بطيب عرفه الضائع قبل الوصول:
وتقاسم القوم المسرة بينهم ... قسماً فكان أجلهم حظاً أنا
ولم يزل مدة غيبته مستديماً لذكره، مشاهداً له وإن شط المزار بعين فكره، متشوقاً إلى أيامه التي راق نعيمها، مرتقباً نجوم لياليه التي رق كخلقه نسيمها:
ليالي لم نحذر حزون قطيعة ... ولم نمش إلا في سهول وصال
إلى أن جمع الله به شتات الأمور، وألف بمقدمه من الأنس كل نفور، وأعاد بدره إلى منازل سعوده، وفطر قلب حسوده بصعدة صعوده. فله الحمد على نعمه التي لا تعد، وكرمه الذي تجاوزت سيوفه غاية الحد. وهو المسؤول أن يعيذه من شر من حسد وطعن، ويكلأه بعينه التي لا تنام إن أقام أو ظعن.
ثم إنه وافاني بعد مدة، فحمل يراعه ومن النقس مده، وقال: إن رفيقي قد أبل من المرض، وما يخفى عن مثلك - أيدك الله - سر الغرض. فقلت له اكتب:
الحكمة أطال الله بقاءك، وأدام صحتك وشفاءك، تقتضي
(1/116)

المنح والمحن، وتوجب الفرح والحزن، ليتذكر أولو الألباب، وتتأكد أسباب الثواب. ولقد منعني لذيذ الرقاد ما حصل لمولاي من الافتقاد، وأسكرني بخمر التحير، ما حصل لمزاجه اللطيف من التغير. يالها غفلة من الدهر صدرت، وهفوة على غرة من الأمل ظهرت، حيث أزعج كريم جسده، وعلا على ذخر الملك وسنده، وارتقى من الرياسة إلى رأسها، وامتطى ذروة كاشف غمها ومزيل بأسها، وبالجملة فما اعتل إلا لأنه كالنسيم لطفاً، وما جاورته الحمى إلا أنه كالأسد وصفاً:
لا تخش من ألم ألم مودعاً ... يامن بسيط العمر منه طويل
إن التي يدعونها الحمى على ... أسد الشرى، وكذا النسيم عليل
وأنا أحمد الله على لبسه أثواب الصحة، ودخوله من العافية منزلاً مهد البرء صرحه. وأسأله أن يفيض عليه سحائب نواله الزائد، ولا يحوج شخصه المغرى بالصلة إلى عائد. ثم إنه جاءني بعد حين، وأساريره تخبر أنه من الفرحين. فقال: إن رفيقي ولي الوزارة، فهل من رسالة تسفر عن حسن السفارة؟ فقلت له اكتب:
أيد الله مولانا الوزير، وأفاض على الكافة فضله الغزير، وهنأه بهذه الرتبة التي أوضح وجه مذهبها، وبلغها بتحرير قلمه
(1/117)

المهذب نهاية مطلبها، وأنمى بتدبير أحوالها، وقرر على القواعد المرضية أحوالها:
فلم تكن تصلح إلا له ... ولم يكن يصلح إلا لها
هذا ما كانت تنتظره النواظر، وتشهد بوقوعه خطرات الخواطر، وأسند الأمر إلى أهله، وأجلب الخير بخيله ورجله، وأصاب الدهر فيما أمضاه من فعله، وانتهت القوس إلى باريها، وتمكنت الرعايا بعرا أمانيها، وزفت عروس الوزارة على كافلها وكافيها. ما أحق هذه البشرى بأن تبدي الرياض من ورودها لورودها نشراً، وتميد الأغصان وتميل، ويتخلق الكون بزعفران الأصيل، ويتقلد الأفق بعقود نجومه الزواهر، وتنطق بشكرها ألسن الأقلام من أفواه المحابر:
سرت بك الدنيا وسكانها ... وامتلأت بشراً صدور الصدور
وأجرت الأعداء سحب البكا ... للحزن وافترت ثغور الثغور
فالحمد لله ثم الحمد لله، والشكر له على ما أولاه، من إسباغ نعمه المألوفة، ومعروف أياديه المعروفة، وإليه الرغبة في إدامة سروره المتوالي، وإدارة فلك سعده على ممر الليالي.
ثم إنه قدم إلي بعد أيام، وقال: إن الوزير بشر بغلام، فأمل علي زادك الله رفعة، ما أشنف به من الهناء سمعه، فقلت له: أكتب:
(1/118)

أهلاً بطلوع نجم السعادة، ومرحباً بظهور هلال السيادة، غصن الشجرة الوارف ظلها، العالي في جنات الفضائل محلها. أكرم بها من شجرة أصلها ثابت، وفرعها النامي كل طرف إليه باهت. تؤتي أكلها كل حين، وتمنح برها الغادين والرائحين.
ياله مولوداً راقت نضرته، وتبسمت من خلال المكارم زهرته، واهتزت لقدومه قدود العوالي، وارتاحت لمورده نفوس المعالي، واستشرفت له صدور المحافل، وتهيأت لخطبته
عقائل المراتب والمنازل، فتهن به أيها الوزير، وتمل بمشاهدة صبحه المنير:
وابشر فقد وافاك يوم رزقته ... حظ بتخليد السرور زعيم
لا زالت التهاني بكعبة حرمك طائفة، ولا برحت المسرات على جنابك متضاعفة، ودمت راوياً حديث الجود عن أصلك بإسناده، جامعاً بين كرم طارف نجلك ويمن تلاده:
وبقيت حتى تستضيء برأيه ... وترى الكهول الشيب من أولاده
فلما فرغت من نقشها، وتأمل محاسن رقشها، نشر أعلام الثناء والشكر، وتمايل طرباً كالثمل من السكر، واعتذر من التثقيل، واستعفى من القال والقيل. ثم ودعني وبان، ولم اجتمع به إلى الآن.

الفصل الثامن والعشرون: في الرثاء
مات لمن يعز علي ولد، لم يبلغ من فصاله منتهى الأمد.
(1/119)

وكنت أستحليه واستجليه، إذا حصل الاجتماع بيني وبين أبيه، فأكثر - وهو معذور - من الوجد عليه، فكتبت على سبيل التعزية إليه:
برغمي أن أعنف فيك دهراً ... قليلاً فكره بمعنفيه
وأن أرعى النجوم ولست فيها ... وأن أطأ التراب وأنت فيه
الدنيا مد الله في عمرك وصبرك، ومحى آية الحزن من صحيفة صدرك، دار تمكر بسكانها، وتغدر بأهلها وجيرانها. كم أفنت قروناً، وأسخنت بالبكاء عيوناً، ونثرت عقداً، وأضرمت وقداً، وأخلقت جديداً، وأخذت من والد وليداً، وفرقت شمل الأحباب، وألبست الأتراب أردية التراب:
وكم قد روعت قلباً ... وساقت نحوه حزنا
وملت بعد أن مالت ... وأذوت بالردى غصنا
ولا كغصن دوحك الرطيب، وزهرة روضك الخصيب، الذي عز فقده، وهتك ستر المدامع بعده، وأحيا بموته الأسف، وشوى الأكباد على جمر التلف. ياله زائراً ما سلم حتى ودع، وهاجراً خشع القلب لصده وتصدع، وطفلاً ذهب مبرأ من الذنوب والأوزار، وعصفوراً طار إلى الجنة وتركنا نتقلب في تلهب النار، وديناراً أولعت بصرفه أيدي الزمان، ودرة نقلها الدهر إلى صدف الأكفان، وهلالاً عاجله الخسوف قبل الإبدار، ونجماً أخفاه إسفار صبح الأقدار:
(1/120)

يا كوكباً ما كان أقصر عمره ... وكذاك عمر كواكب الأسحار
وقد علم الله شوقي إليه، وشدة قلقي وحرقي عليه، وغمي لمغيبه بعد إشراقه، وفرط بثي وحزني لفراقه، وما سال من دموعي وساح، وأصاب جوارحي من الجراح:
موت الصغير مصيبة غاراتها ... ما تنقضي، وكميها لم يقهر
قسماً بمن يحيي رفات الخلق ما ... فقد الهشيم كفقد روض مزهر
ولقد أجرى ماء العيون معيناً، وكنا نرجوه معيناً. أعاد أيامنا سوداً وكانت به بيضاً ليالينا. لو أن الحتف يقبل الفدا، أو أن الحمية ترد الردى، لفديناه بالأموال والأرواح، وخضنا دونه بحار السيوف والرماح، ولكنه الكأس الذي يستوي في شربه الصغير والكبير، والسبيل
المحتوم سلوكه على المأمور والأمير. فإنا لله وإنا إليه راجعون، وبحكمه راضون، ولأمره طائعون، له ما أعطى وله ما أخذ، وهو الذي يرسل سهم المنية ولولاه ما نفذ.
وأنت أبقاك الله أولى من للقضاء سلم، وسكن منبسط النفس ولو بأنياب النوائب تكلم، وقابل القدر بوجه الرضا لا الغضب، والحمد لله على كل حال إن وهب أو سلب، فالجزع لا يجدي ولا يفيد، والماضي لا يعاد إلى يوم الوعيد، والأجر موقوف على الاحتساب، والله عنده حسن الثواب، فادخره للأخرى فالدنيا متاع الغرور {وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ}
(1/121)

يا راحلاً أذهب عنا السرور ... وكادت الأرض بنا أن تمور
ويا هلالاً بالخسوف احتفى ... من قبل أن يدرك شأو البدور
إن كنت قد فارقت أهلاً فكم ... حولك ولدان حسان وحور
جاورت من بعدك من ساءني ... ليهنك الجار الذي لا يجور
ويلاه من بدر رفيع مضى ... تجارة العاني به لن تبور
شق الجيوب القوم لما سرى ... لو أنصفوا شقوا عليه الصدور
ما كنت أدري قبل دفني له ... أن الدراري في الصحارى تغور
لهفي على طفل فؤادي له ... نعش ودمع العين غسل طهور
لهفي على زهرة روض زهت ... فعوجلت بالقطف دون الزهور
لهفي على غصن ذوى قبل أن ... يبدو لنا من نوره الغض نور
آهاً لذاك الوجه كيف انطوت ... آياته الحسنى ليوم النشور
آهاً لدر قد غدا ثاوياً ... في صدف اللحد جوار القبور
آهاً لمر الهجر حلو الحلى ... الوجد حق فيه والصبر زور
والله ما عجل يوم النوى ... إلا لنحظى في غد بالأجور
ما هذه الدنيا - وسحقاً لما ... تلهي به - إلا متاع الغرور
تمحو بكف الحتف رسم الورى ... لما اغتدوا في رقها كالسطور
ما تأتلي من غير خوف إلى ... دار البلى تنقل أهل القصور
كم من رحى للموت فيها، على ... ضائع أعمار البرايا تدور
أخنى علينا الدهر في أخذ من ... كنا نرجيه لسد الثغور
يا دهر بالإمرة كم تعتدي ... ألا إلى الله تصير الأمور
(1/122)

الفصل التاسع والعشرون: في الحكم
العلم نعم السمير، والعقل بشير بالخير يشير. اجتهد في طلب العلوم، تنفرد بما يرفعك إلى النجوم. المجد يبذل اللها، والفضل بالأدب والنهى. من صادق العلماء زها بدره، ومن رافق السفهاء وهي قدره. العلم ثمرته الإنصاف، والزهد نتيجته العفاف. التقوى أفضل حلة، والمروءة
أجل خلة. الحق سيف قاطع، والحلم درع مانع. الزم الحجا فهو ألطف سائس، ولا تعدل عن العدل فهو أحفظ حارس. العقل أحسن المواهب، والجهل أقبح المصائب.
العقل أحسن معقل فاهرع إلى ... أبوابه العليا تنل كل العلا
واعلم بأن الشيء يرخص كثرةً ... والعقل إن كثرت حواصله غلا
من رضي بالقدر، وقي شر الحذر، اليأس يعز الأصاغر، والطمع يذل الأكابر، حاسب نفسك تسلم، ولا تقتحم الأخطار تندم. من سره الفساد في الأرض ساءه طول التعب يوم العرض. لا تقل إلا ما يطيب عنك نشره، ولا تفعل إلا ما يسطر لك أجره. السعيد من اتعظ بماضي أمسه، والشقي من ضن بخبره على نفسه. لا تغرنك صحة بدنك اليسيرة، فمدة العمر - وإن طالت - قصيرة. من لم يعتبر بالمساء والصباح، لم يرتدع بقول اللوام والنصاح. من قنع برزقه استغنى، ومن صبر نال ما يتمنى.
(1/123)

إذا الرزق عنك نأى فاصطبر ... ومنه اقتنع بالذي قد حصل
ولا تتعب النفس في جلبه ... فإن كان ثم نصيب وصل
من أنس بالآخرة، فاز بالملابس الفاخرة. ومن رفع حاجته إلى الله نجحت، ومن تمسك بغيره خسرت تجارته وما ربحت. من لم تفسد شهوته دينه، وصل إلى الأماكن المكنية. أبصر الناس من نظر إلى عيوبه، ولجأ إلى ربه في التجاوز عن ذنوبه. أرفع الأعمال ما أوجب شكراً، وأنفع الأموال ما أعقب أجراً. الدنيا ظل زائل، والشيبة ضيف راحل. من غالب الحق غلب، ومن استهان بالدين سلب. لا تخل نفسك من فكرة، تدني من طرفك وقلبك قراراً وقرة. عد عن طاعة هواك، واحذر من مخالفة مولاك:
لا تتابع هواك ياذا المعاصي ... واجتنب ذلة الهوى والهوان
أحمق الناس من أطاع هواه ... وتمنى على الإله الأماني
من وثق بالله أغناه، ومن خرج عن حكمه عناه. من لزم شأنه دامت سلامته، ومن حفظ
لسانه قلت ندامته. الصمت يرفع لك المنار، ويخلع عليك ثوب الوقار. الزمان لا يبقي على حال، والدنيا طبعها الغدر والملال، تفتن بزهرتها الذاوية، وتخدع بزينتها المتلاشية. لا تفن عمرك في المعاصي، وخذ حذرك من مالك النواصي. إياك وكثرة
(1/124)

الكلام، فإنها تنفر عنك الكرام. ما سعد من شقي صاحبه، وما عزت من ذلت أقاربه. من لزم شكر الإحسان استدام عدم الحرمان. لا تودع سرك غير صدرك، ولا تتكلم بما يحوجك إلى إقامة عذرك:
تفرد بحفظ السر وحدك لا تثق ... إلى أحد فيه ولو كان من كانا
فإنك أن أودعت سرك عاقلاً ... يزل وإن أودعته جاهلاً خانا
من بسط يده بالجود، خرج من العدم إلى الوجود. من علا علم شيمته، غلا مقدار قيمته، استر براً يظهر من يديك، وانشر معروفاً يسدى إليك. من أحسن إلى جاره أطلع قمر الحمد في داره دارة، ومن جاد لطلب الجزاء فليس بكريم، ومن صفح لعدم القدرة فليس بحليم. أحسن الخلق ما حثك على المكارم، وأوضع الطرق ما كفك عن المحارم. عي تسلم بميلك إليه، خير من نطق تندم عليه. من قل عقله كثر قوله، ومن زكا أصله تواتر طوله. توق جناية اللسان، ولا تأمن من سطوات الزمان، واستعذ من شر أفعى أفعالك، وتحل بالصدق في جميع أحوالك.
الصدق يورث قائليه مهابة ... سر نحوه نعم الطريق طريقه
واحفظ به عهد الصحاب فإنه ... من قل منه الصدق قل صديقه
لا تعج عن سبيل الصواب، ولذ بجناب رب الأرباب، واسع
(1/125)

إلى باب من بيده الملك وهو على كل شيء قدير، واخش من يعلم السر وأخفى، {إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ}

الفصل الثلاثون: في المواعظ
أعلمني من أثق بنقله، ولا أشك في معرفته وفضله، بقدوم بليغ من الوعاظ، يبرز دقائق المعاني في جليل الألفاظ. وأشار بحضور مجلسه، والاهتداء بضوء قبسه، فقبلت الإشارة، وانتظمت في سلك السيارة. حتى أفضينا إلى ناد فسيح، لسان مناديه فصيح، قد جمع بين الغني والفقير، واشتمل على المأمور والأمير. وإذا بشيخ قائم في بهرة حلقته، يفتن بسحر الكلام قلوب فرقته. فسمعته يقول: أيها الناس، ما الموت بساه ولا ناس، فتأهبوا لحلوله، واستعدوا له قبل نزوله، وحصلوا الراحلة والزاد، وردوا العاصي إلى الطريق فقد زاد، ولا تعدلوا عن محجة الحجا، واتقوا دعوة المظلوم في ظلام الدجا، وامنوا بالقدر خيره وشره، وارضوا بالقضاء حلوه ومره، وأفرغوا ذنوب الذنوب وافزعوا إلى علام الغيوب، وامنعوا من الأمل ما كان جموحا، وتوبوا إلى الله توبة نصوحاً:
وتجنبوا سبق الخطا فلكم هوى ... رب الهوى من حصنه وعقابه
(1/126)

وتمسكوا بجناب تقوى ربكم ... كي تسلموا من خزيه وعقابه
وإياكم والدنيا فإنها تمكر بصاحبها، وتهدي إلى أقاربها سم عقاربها. عامرها خراب، وغامرها سراب. أمدها قصير، وإلى الفناء تصير. صفوها كدر وجرحها هدر، والخاطر بها على خطر. لأنها لا تبقي ولا تذر، بحرها العميق، كم له من غريق. فاركبوا فيها من التقى فلكا منيعة، واجعلوا شراعها التمسك بعرا الشريعة، لعلكم تبلغون الساحل، ويقدم بشير بشركم الراحل، وهي قنطرة فاعبروها ولا تعمروها، واخشوا عيون شركها المفتوحة لكسركم واحذروها:
مجاز حقيقتها فاعبروا ... ولا تعمروا، هونوها تهن
فما حسن بيت له زخرف ... تراه إذا زلزلت لم يكن؟
ابن آدم ما أكثر حرضك، وشرك ومرضك، وأجزل حرصك وأشرك، وأقوى على من دونك ظفرك، وأضعف بمن فوقك ظفرك، وأخجل من يؤنبك، وأتعب من يتعبك، ووثبك إلى صيد الحرام، وأشد شرهك على الحطام. أما علمت أن الشره، في عين الرجل مره؟ لا بالقليل تقنع، ولا من الكثير تشبع، ولا إلى المواعظ تصغي، ولا تبغي أنك لا تبغي. أنفاسك معدودة وأوقاتك محدودة، ومالك عارية مردودة، وذاتك الموجودة عن قريب مفقودة:
(1/127)

وما المال والأهلون إلا ودائع ... ولا بد يوما أن ترد الودائع
ويحك أتحسب أنك تترك سدى؟ أو أن الحقوق تبطل بطول المدى؟ كلا يا كليل الذهن، لتبعثن يوم تكون الجبال كالعهن، ولتحاسبن على الذرة والبرة إن الله لا يظلم مثقال ذرة:
تنبه أيها المغرور واسأل ... إلهك مرة من بعد مره
وقف بالباب معتذراً لتحظى ... من البر المهيمن بالمبره
ولا تركن إلى الدنيا ففيها ... من الأحزان ما يخفي المسره
ألا بعداً لها من دار قوم ... بها يرضون وهي لهم مضره
تعر من الذنوب، فعن قريب ... تحل من الممات بك المعره
وبالنزر إقتنع، فالحرص ذل ... وإياك الهوى وتوق شره
وحلو العيش لا تقربه واصبر ... وإن كانت حميا الصبر مره
يا أرباب الملابس الفاخرة، الدنيا خلقت لكم وأنتم خلقتم للآخرة. وما هذه الغفلة التي رانت على قلوبكم؟! ما هذا الطمع الذي ألحق بالعبيد أحراركم؟! آما آن لكم أن تنيبوا؟ وتصغوا إلى داعي الفلاح وتجيبوا؟ بلى والله آن، وظهر فجر الحق وبان، فاجنحوا إلى الطاعة، ولازموا أهل السنة والجماعة، واشتملوا على الخيرات قبل أن تمزقوا، {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ}، وأخلصوا في الأعمال، واقطعوا حبائل الآمال، وتزودوا
(1/128)

للرحيل عن الوطن، واجتنبوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وتحلوا بعقود المكارم، وتخلوا عن انتهاك المحارم، وجدوا كي تنالوا جد المجتهدين، {وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ}، واعقلوا بالشكر شوارد النعم، وصونوا أعراضكم ببذل النعم، واتخذوا الصبر على البلوى عدة وجنة، وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة:
أحسن بها من جنة عالية ... قطوفها للمجتني دانيه
آذان أهليها أولي العزم لا ... تسمع فيها أبداً لاغيه
وجوههم فيها - ويا حسنها - ... ناعمة مرضية راضيه
الحور والولدان من حولهم ... يسعون في روضاتها الزاهية
كم سرر للوفد مرفوعة ... فيها، وكم من أعين جاريه
مبثوثة فيها زرابيها ... موضوعة أكوابها الصافية
فاجتهدوا كي تدخلوها غداً ... يوم دخول الفرقة الناجية
إلام تهتمون في إدراك الغرض؟! وتذهبون جوهر نفوسكم في تحصيل العرض؟! وتستبدلون الضلالة بالهدى؟! وترتدون بما يوقعكم في الردى. وتسمحون بشركم وتبخلون بخيركم؟! وتسوفون بالعمل كأن منفعته لغيركم؟! ألا حسنوا الصفات، لتكريم الذات. وأكثروا من ذكر هاذم اللذات واستيقظوا من سنة الفترة واتقوا النار ولو بشق تمره، فأنى بكم
(1/129)

إذا أصبحتم أمواتاً؟! وعدتم بعد الرفاهية رفاتاً؟! ونقلتم إلى دار البلى، وأجيب السائل عن بقائكم بلا؟! وفجع بكم الأحباب، وغلقت دونكم الأبواب؟! وانقلبتم في قليب البرزخ، وأضحت عقودكم تحل وتفسخ؟! أم كيف بكم إذا بعثر ما في القبور وحصل ما في الصدور؟! ووقفتم للعرض على من بيده مقاليد الأمور؟! {فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ}.
ثم إنه بسط للدعاء يديه، وأجرى سوابق دمعه على خديه. فبكى القوم لبكائه، وأمنوا على صالح دعائه. فلما فرغ اقبل الناس إليه، وأكثروا من تعظيمه والثناء عليه. فمن لاثم راحته، وقاصد بالجود راحته، وملتمس بركة عنايته، وناطق بشكر نصحه وهدايته. وهو يروح أرواحهم المكروبة، ويسقي كل واحد منهم مشروبه. ثم ولى يتهادى بين صحابته، وانسحبت عنا أذيال سحابته.
فمضيت قرير الناظر، منشرح للصدر والخاطر، متعظاً بما استمعت من قول النصيح، مستنشقاً من عرف الشيخ عرف الشيح، حامداً صحبة المشير الذي لم يزل من المحسنين، مصلياً على من أنزل عليه: {وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ}.
هذا آخر ما نطق به لسان اليراع، وانتهى ما أورده نسيم الصبا من أحباره الطيبة على الأسماع. والله المسئول في غفر الذنوب
(1/130)

وستر العوار، ومسامحة ذي اللعب والخوض، بوروده الحوض، يوم الأوار. وله الحمد على سابغ نعمه، وما من به من فيض فضله ودوام ديمه. والصلاة والسلام، على صاحب المقال والمقام، سيدنا محمد المؤيد باللسن والبراعة صلاةً وسلاماً دائمين إلى يوم الساعة آمين.
(1/131)