Advertisement

نصرة الثائر على المثل السائر



الكتاب: نصرة الثائر على المثل السائر
المؤلف: صلاح الدين خليل بن أيبك الصفدي (المتوفى: 764هـ)
[الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع] بسم الله الرحمن الرحيم
عفوك اللهم
الحمد لله الذي فطر عقول البشر متغايرة، وجعل النفوس برأيها عل نقطة الرضى دائرة، وزين لها أعمالها حتى توهمت أنها في الأمثال السائرة.
أحمده على نعمه التي أوضحت ما أبهم وألبس، وأبدت نار الهدى التي لم تكن بسوى أنامل الذوق تقبس، وراضت جواد الانتقاد الذي إذا أم غاية لم يثن عنانه ولم يحبس. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة يسجع بها حمام اللسان من اليقين على أراكه، وتنجي قائلها من الوقوع في حبائل الشرك وأشراكه، وتكون له ذخيرة إذا عدم سكونه بعد حراكه. وأشهد أن محمدا سيدنا وعبده الذي عصمه الله من الخطأ في القول والعمل، وحرس به سرح الفصاحة ولولاه لاختلط المرعى بالهمل، وآتاه من جوامع الكلم ما لم تطمح إليه عين أمنية ولم تطمع فيه يد أمل، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين هابتهم الأساود وخافتهم الأسود، وتجانست أفعالهم فما منهم إلا من يجول ويجود، ويسوس ويسود، وتبرأت شيمهم من النقائص فلم يكن فيهم مختال ولا متكبر ولا حسود، صلاة تتبسم عن ثغرها شفة الفجر في لعس الظلام، ويتلثم بنورها وجه البدر في عرس التمام.
وبعد: فإن كتاب المثل السائر للصاحب ضياء الدين بن أثير الجزيرة، عامله الله بلطفه، وسامحه بما هزت به نسمات الخيلاء من غصن عطفه، من الكتب التي خفقت له في الاشتهار عذبات أوراقه، وسعى القلم في خدمته على رأسه إذا سعى الخادم على ساقه. واشتهر بين أهل الإنشاء اشتهار الليل بالكتمان والنهار بالإفشاء، لا بل اشتهار بني عذرة في الحب بتحرق الأحشاء، وأولع به أهل الأدب في الآفاق ولع الكريم بالإنفاق، لا بل ولع الرقباء بالعشاق.
إلا أن واضعه رحمه الله، وان جمع فيه العلم والعمل، وسجع فيه بين الثقيل والرمل، وتوهم أن بدر فضله قد تم وكمل، وتخيل أن جيد الإنشاء بعده قد عطل، وفنه قد خمل، قد أذهب حسناته النادرة، بتوالي سيئاته البادرة، وأضاع تلك الزهرات الفذة، في قفار الدعاوى التي لا يجد فيها السالك لذة، وطال على الناس بعد هلاله سواد ليله، ورفضوا مواقع طله لغثاء سيله. ونعم فإنه:
ما الجزع أهلٌ أن تردّد نظرةٌ ... فيه وتثنى نحوه الأعناق
لأنه أفنى ذلك البسط في الإعجاب بنفسه والإطراء، وأطال في الغض من أبناء جنسه والازدراء، وظن أن الله قد حرم الفصاحة على من يأتي من بعده، وأن الذين من قبله إما شيخ قد خرف في هرمه، وإما طفل يعبث في مهده. وجر رداء الكبر والخيلاء مخيطا بإبر الحمد، وبالغ في ذلك مبالغة أبي زبيد الطائي في وصف الأسد. ووصف نفسه ولا وصف امرىء القيس لأفراسه، ومدحها ولا مدح أبي نواس سلافة كاسه، وكرر ذلك فغثى النفوس بذلك الغث، وزاد حتى رثى القلق ثوب الصبر لمارث.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: احذروا ثلاثا: الحرص فإنه أخرج آدم من الجنة، والكبر فإنه حط إبليس عن مرتبته، والحسد فإنه دعا ابن آدم إلى قتل أخيه.
وقال صلى الله عليه وسلم: إن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب ويقال: إنه أول ذنب عصي الله به في السماء والأرض. وقال النبي صلى الله عليه وسلم حاكيا عن الله عز وجل: الكبرياء ردائي فمن نازعنيه أدختله النار. وقال جعفر بن محمد: علم الله أن الذنب للمؤمن خير من العجب، ولولا ذلك ما ابتلي مؤمن بذنب.
وقال بعض الحكماء: البلية التي لا يؤجر المرء عليها العجب، والنعمة التي لا يحسد عليها التواضع.
ومما قيل: لا شيء أكتم للمحاسن من التيه والعجب.
هذا إلى ما في الكتاب من فلتات عديدة، واختيارات غير موفقة ولا سديدة، ونصر باطل، وتحلية عاطل، وترجيح ما ضعف ووهى، وتوهين ما تحرر وانتهى.
مساوٍ لو قسمن على الغواني ... لما أمهرن إلا بالطّلاق
وكنت أقف على أطلالها عند المراجعة ناديا، وأعثر في أذيالها حين المطالعة غالبا، وأتأوه لانفراد تلك اللآلىء في سلوك السبج، وأستطيل سواد لياليه والصبح من محاسنه ما أسفر ولا انبلج.
وبلغني ما وضعه عز الدين بن أبي الحديد رحمه الله على الكتاب من المؤاخذة، وأنه استصرخت به تلك الظلامات عائذة. فلما وقفت على الفلك الدائر وجدته قد أغفل كثيراً، وأخذ قليلا وترك أثيرا. فأحببت بعد ذلك أن ألتقط ما غادره، وأتتبع شاذه ونادره.
(1/1)

وعليّ أن أقضي صلاتي بعدما ... فاتت إذا لم أقضها في وقتها
على أنني بعد ابن أبي الحديد كمن جاء بعد اجتحاف سيل، وأصبح بعد قاطف النهار حاطب ليل. فإن هذا الرجل له تصانيف تدل على تمكنه واطلاعه، وسداد مراميه عند مد باعه، وريه من الفنون وقيامه بها واضطلاعه. منها تعليقان على المحصل والمحصول للإمام فخر الدين وتعليقة ثالثة على الأربعين لفخر الدين، ونظم فصيح ثعلب نظما جيدا في يوم وليلة، وهذا الفلك الدائر علقه في ثلاثة عشر يوما مع أشغال ديوانه.
وكتب إليه أخوه موفق الدين ابن أبي الحديد لما وضع الفلك الدائر:
المثل السائر يا سيدي ... صنفت فيه الفلك الدائرا
لكنّ هذا فلكٌ دائرٌ ... أصبحت فيه المثل السائرا
ووضع على نهج البلاغة شرحا في ستة عشر مجلدا، وناهيك بمن يتصدى لنهج البلاغة ويشرحه، ويأتي على ما يتعلق به من كل علم: أصولا وفقها وعربية وتاريخا وأسماء رجال وغير ذلك. ومن وقف على هذا الشرح، علم أنه قل من يدخل معه ذلك الصرح، أو يسام معه في مثل هذا السرح، وحسبك بمن وأخذ الإمام فخر الدين وأورد عليه. ووجدت له أبياتا أولها:
وحقك لو أدخلتني النار قلت لل ... لذين بها قد كنت ممن يحبه
وأفنيت عمري في دقيق علومه ... وما بغيتي إلاّ رضاه وقربه
هبوني مسيئا أوتغ الحلم جهله ... وأوبقه دون البرية ذنبه
أما يقتضي شرع التكرم عفوه ... أيحسن أن ينسى هواه وحبه
أما ردّ زيغ ابن الخطيب وشكه ... وتمويهه في الدّين إذ جلّ خطبه
أما كان ينوي الحق فيما يقوله ... ألم تنصر التوحيد والعدل كتبه
فقلت أنا رادا عليه في وزنه ورويه:
علمنا بهذا القول أنك آخذ ... بقول اعتزالٍ جل في الدين خطبه
فتزعم أن الله في الحشر ما يرى ... وذاك اعتقاد سوف يرديك غبّه
وتنفي صفات الله وهي قديمةٌ ... وقد أثبتتها عن إلهك كتبه
وتعتقد القرآن خلقا ومحدثا ... وذلك داء عزّ في الناس طبه
وتثبت للعبد الضعيف مشيئةً ... يكون بها ما لم يقدره ربه
وأشياء من هذي الفضائح جمةً ... فأيكما داعي الضلال وحزبه؟
ومن ذا الذي أضحى قريبا من الهدى ... وحامى عن الدين الحنيفي ذبّه
وما ضر فخر الدين قولٌ نظمته ... وفيه شناع مفرط إذ تسبه
وقد كان ذا نورٍ يقود إلى الهدى ... إذا طلعت في حندس الشك شهبه
ولو كنت تعطي حق نفسك قدره ... لأخمدت جمرا بالمحال تشبّه
وما أنت من أقرانه يوم معرك ... ولا لك يوما بالامام تشبّه
ونقلت من خط الحافظ اليغموري قال: أنشدني الإمام ركن الدين أبو القاسم لنفسه في عز الدين بن أبي الحديد وقد صنف الفلك الدائر على المثل السائر:
لقد أتى باردا ثقيلا ... ولم يرث ذاك من بعيد
فهو كما قد علمت شيء ... أشهر ما كان في الحديد
وصنف كتابا يرد فيه على ابن أبي الحديد وسماه: نشر المثل السائر وطي الفلك الدائر قلت: هذا ركن الدين أبو القاسم، هو محمود بن الحسين ابن الإمام أرشد الدين الأصبهاني الأصل السنجاري المولد. كان حنفيا يعرف المذهب والأصولين والخلاف والأدب، قرأ على السيف الآمدي وعلى ضياء الدين ابن الأثير، وبطل خرقة الفقهاء وتزيي بزي الأجناد، وتوفي بدمشق في سادس شهر رمضان سنة خمسين وستمائة، ودفن بسفح قاسيون. ومولده في سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة. وقال في انتقاله إلى الجندية أبياتا منها:
فانظر أخا العقل إلى حرفةٍ ... منها هربنا للوغى الجحفل
لو لم تكن أنحس ما في الورى ... لم ترض عنها بالردى الاعجل
وكنت أنا في وقت قد كتبت على المحصل للإمام فخر الدين الرازي أبياتا يحسن هنا ذكرها وهي:
علم الأصول بفخر الدين منتصرٌ ... به نصول بإعجاب وإعجاز
(1/2)

أضحت به السنة الغراء واضحةً ... قد استقامت لمختار ومجتاز
له مباحث كم قد أحرقت شبها ... بشهبها فمن الزاري على الرازي!
وأنشدني من لفظه شيخنا الإمام الحافظ أثير الدين أبو حيان محمد بن يوسف بالديار المصرية سنة ثمان وعشرين وسبعمائة قال: أنشدنا شيخنا النسابة حافظ المشرق والمغرب شرف الدين أبو محمد عبد المؤمن بن خلف بن أبي الحسن الدمياطي يوم الاربعاء الخامس عشر من جمادى الآخرة سنة ثمانين وستمائة بالقاهرة بقراءتي عليه قال: أنشدنا الشيخ العالم الصاحب عز الدين أبو حامد عبد الحميد بن هبة الله بن محمد بن محمد بن حسين بن أبي الحديد المعتزلي ببغداد، ومولده بالمدائن مستهل ذي الحجة سنة ست وثمانين وخمسمائة لنفسه:
لولا ثلاثٌ لم أخف صرعتي ... ليست كما قال فتى العبد
أن أنصر التوحيد والعدل في ... كل مكان باذلا جهدي
وأن أناجي الله مستمتعا ... بخلوةٍ أحلى من الشّهد
وأن أتيه الدهر كبرا على ... كل لئيمٍ أصعر الخد
لذاك أهوى لا فتاةٍ ولا ... خمرٍ ولا ذي ميعة نهد
قول ابن أبي الحديد هنا: لولا ثلاث.. البيت، إشارة إلى قول طرفة بن العبد:
فلولا ثلاثٌ هنّ من لذّة الفتى ... وجدك لم أحفل متى قام عوّدي
فمنهن سبقي العاذلات بشربة ... كميت متى ما تعل بالماء تزيد
وكري، إذا نادى المضاف، مجنبا ... كسيد الغضا، نبهته، المتورد
وتقصير يوم الدجن والدجن معجب ... ببهكنة تحت الخباء المعمّد
ومن شعر ابن أبي الحديد قصيدة بائية من جملة مدائحه في علي بن أبي طالب رضي الله عنه:
ألا إن نهج المجد أبيض محلوب ... على أنه جم المسالك مرهوب
هو العسل الماذيّ يشتاره امرؤ ... بغاه وأطراف الرماح اليعاسيب
ذق الموت إن شئت العلا واطعم الردى ... فنيل الأماني بالمنيّة مكسوب
خض الحتف تأمن خطة الخسف إنما ... يبوح ضرام الخطب والخطب مشبوب
ألم تخبر الأخبار عن فتح خيبر ... ففيها لذي اللب الملب أعاجيب
وفوز عليٍ بالعلا فوزها به ... فكلٌ إلى كلٍ مضافٌ ومنسوب
حصونٌ حصان الفرج حيث تبرجت ... وما كل ممتط الجزارة مركوب
تناط عليها للنجوم قلائد ... وتسفل عنها للغمام أهاضيب
منها:
وأرعن موار العنان يمورها ... فلم يغن عنها جرّ مجرٍ وتلبيب
فللخطب عنها والصروف صوارفٌ ... كما كان عنها للنوائب تنكيب
منها
نهار سيوفٍ في دجى ليل عثيرٍ ... فأبيض وضاحٌ وأسود غربيب
ينوح عليها نوح قارون يوشعٌ ... ويذري عليها دمع يوسف يعقوب
بها من زماجير الرجال صواعق ... ومن صوب آذيّ الدماء شآبيب
منها
يمج منونا سيفه وسنانه ... ويلهب نارا غمده والأنابيب
ومن مدائحه في علي بن أبي طالب رضي الله عنه، قصيدة أولها:
عن ريقها يتحدّث المسواك ... أرجا فهل شجر الأراك أراك
ولطرفها خنث الجبان فإن رنت ... باللحظ فهي الضيغم الفتاك
شرك القلوب ولم أخل من قبلها ... أن القلوب تصيدها الأشراك
منها
يا وجهها المصقول ماء شبابه ... ما الحتف لولا طرفك الفتاك
أم هل أتاك حديث وقفتها ضحى ... وقلوبنا بشبا الفراق تشاك
لا شيء أقطع من نوى الأحباب أو ... سيف الوصيّ كلاهما سفاك
(1/3)

وهاتان القصيدتان طويلتان، اختصرت منهما ما اختصرت، واقتصرت على ما اقتصرت، طلبا للدلالة على فضله، ومضاء سنانه ونصله. ولكن أدته مواده الغزيرة إلى أن اعتزل وتشيع، وأهمل جانب السنة وضيع. وله نثر أجاد فيه بعض جوده، ولم يكن كنظمه الذي رفع هضبه ووطد طوده. وقد ساق شيئاً منه في الفلك الدائر، ونثر ابن الأثير أقعد منه عند أولى البصائر، ولو حذفه كان خيرا من إثباته، وأمنع له من عجم سهمه وغمز قناته.
فأي قوادم ينهض بها من جاء بعد هذا المتكلم، وأي سيف يفري فريه وهو متثلم، والمعتزلة فرسان المباحث، وممن توفرت لهم الهمم على الجدل وطاوعتها الدواعي والبواعث. ولكن:
قد يدرك المجد الفتى ولباسه ... خلق وجيب قميصه مرقوع
وقد ترك الأول للآخر أكثر مما جاء به، وتفاوتت الأذهان في انتقاد مها الحسن وكواعبه، وأعقب العقل سحابه لما انجلت بصوب سحائبه.
وما عقمت أم الندى بعد حاتمٍ ... لها كلّ يوم في البرية مولود
وقد جمعت ما عثرت عليه من هفوات ابن الأثير في هذه الأوراق، وضربت عليها هذا الفسطاط ومددت هذه الأرواق، وسردتها على الترتيب، وسقتها على ذلك التبويب. وسميت ذلك نصرة الثائر على المثل السائر واخترت هذه التسمية له شارة وإشارة، لأن الثائر لغة هو الذي لا يبقي على شيء حتى يدرك ثاره. وإذا ناقشته في بحث أورده، ونافسته في صالح أفسده، لا أكاد أخلي ذلك الموطن من محاسن أرباب هذا الفن الذين عابهم، وتردد إلى مواقف ذمهم وانتابهم. خصوصا القاضي الفاضل رحمه الله تعالى. فإنه قد عارضه في بعض ما أنشاه، وعاب عليه ما دبجه ووشاه.
وقال السها للشمس أنت خفيةٌ ... وقال الدّجى يا صبح لونك حائل
والسيف مشهور بغير حمائل، والصبح مشهود بغير دلائل. وأين مقاصد الفاضل وبعد مرماه، واختلاسه المعاني بلطف مغزاه وخفي مسراه. هيهات، فإن بينهما من الفرق، ما بين ذل القدم وعز الفرق. ولطف ذلك لا يخفى على ذوق الكاتب الماهر، وحسن معانيه في الباطن أضعاف كلامه في الظاهر.
ولله در ابن سناء الملك إذ يقول على أن غالب ديوانه فيه:
شهد الكاملون بالفضل للفا ... ضل أو كاد يشهد المولود
وعد الدهر أن يجود على الخل ... ق ولكن بمثله لا يجود
وابن قلاقس إذ يقول أيضاً فيه من جملة أبيات:
وأسكرنا بيانا دام حتى ... عجبنا كيف حذّرنا المداما
معان يقعد الفصحاء عنها ... وتسمعها خواطرهم قياما
يتيماتٌ تصدّق في علاه ... مقالة من دعاه أبا اليتامى
وأما ابن الساعاتي فأكثر فيه المدح. من ذلك:
ما من يقيس إليه خلقا مثله ... إلا كمن قاس الوهاد إلى الذّرى
فإذا تقدم في العلاء مفاخرا ... عرف السماك محله فتأخرا
وقد تصدى الناس لابن الأثير كونه ناقض الفاضل، ورمي من ألسنتهم وأقلامهم بمشق سيوف المناظر، ورشق سهام المناضل.
فلا تجزعن من سنّة أنت سرتها ... فأول راضي سنّةٍ من يسيرها
وليس هذا موطن الثناء على القاضي الفاضل، وسوف تقف عليه، وتدلك نفحات طيبه إذا انتهيت إليه.
ومن هنا أجرد عن ساعد المؤاخذة، وأبرى السهام التي أظنها في الغرض نافذة. وعلى الله قصد السبيل، هو حسبي ونعم الوكيل.
الابتداء بالحمدلة
قال ابن الأثير سامحه الله تعالى: نسأل الله أن يبلغ بنا من الحمد ما هو أهله، وأن يعلمنا من البيان ما تقصر عنه مزية النطق وفضله، وحكمة الخطاب وفصله.
(1/4)

أقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كل كلام لايبدأ فيه بحمد الله فهو أجذم فلو قال: الحمد لله لكان أفضل. وربما عيب ذلك على الزمخشري في أول المفصل كونه قال: الله أحمد. وعلى الحريري كونه قال: اللهم إنا نحمدك. لأنهما ما افتتحا كلامهما بالحمد. والأولى الأخذ بما جاء عن الله تعالى، فإنه لا مقام للعبد أشرف من الصلاة لأنها عبادة. حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أقرب ما يكون من العبد من ربه وهو ساجد. والفاتحة التي هي أم الكتاب والعمدة في الصلاة، إنما افتتحت ببسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين. وقد قال سهل بن هارون: حق على كل ذي مقالة أن يبدأ فيها بحمد الله قبل استفتاحها، كما بدىء بالنعمة قبل استحقاقها. واستعمل ابن الأثير رحمه الله تعالى ذلك في توقيع كتبه فقال: كل كلام لا يبدا فيه بحمد الله فهو أجذم. وقد أورد ابن أبي الحديد على ابن الأثير فيما سأله في هذه السجعة ما فيه مقنع، فليؤخذ ذلك من الفلك الدائر.
وأما السجعة الثانية، فما أدري معنى قوله تقصر عنه مزية النطق، فأي شيء يعلمه حتى تقصر عنه مزية النطق؟ إن أراد بذلك لطف المعاني التي هي أرواح الألفاظ فمتى قصر النطق عن معنى لم تبرزه النفس كاملاً؟ وإن أراد بذلك الأشياء التي تكون على تراكيب الألفاظ من الطلاوة والرونق ذلك غير البيان لأن البيان إيضاح المعاني وإبداؤها وإظهارها، وذلك الذي أردته من الحسن واللطف اللذين يكونان في بعض الكلام، فذلك غير البيان. وهو كالملاحة التي لا يعقل لها معنى ولا يعبر عنه. كما قيل:
شيء به فتن الورى غير الذي ... يدعى الجمال ولست أدري ما هو
ويقال: مع المحبوب شيء آخر غير حسنه هو الذي يشفع له إلى القلوب. ألا ترى أن بعض الصور مفردات أعضائها نهاية في الحسن، وليس لها ذلك المعنى الذي لغيرها. وكذا قيل في الترياق، إنه بعد التركيب يفيض الله عليه خاصة لم تكن في قوة أجزائه حالة الإفراد. والهيئة الاجتماعية لها معنى غير الحالة التي تكون لأفرادها ولا شك أن لكلام الفصحاء في حالة التركيب خواص لا يمكن التعبير عن ذلك الحسن الموجود فيها. ولهذا أفتى الفقهاء فيمن بدل ترتيب الفاتحة، وقلب بعض الآيات إلى موضع بعض أنه لا تصح صلاته، لأنه يبطل إعجاز القرآن العظيم، وهو سياقته على هذا النمط الغريب، وتأليفه على هذا النظم العجيب. وهنا بحث بين الأشعري والمعتزلي، أضربت عنه طلباً للاختصار. فإن كان ابن الأثير سأل هذه الخاصة، فهذه الخاصة لا يطلق عليها لفظ البيان. وإذا كان الأمر كذا، فقد ثبت أن معنى هذه السجعة غير مفهوم. وقد ناقشه ابن أبي الحديد في قوله النطق وما الذي أراد به فليؤخذ من كتابه.
قال: وعلى آله وصحبه، الذين منهم من سبق وبدر، ومنهم من صابر وصبر، ومنهم من آوى ونصر. وأقول: لو قال: ومنهم من هاجر ونصر لكان أحسن من وجهين: أحدهما أنه يحصل له الموازنة والترصيع بين هاجر وصابر، وثانيهما أنه يتناول المهاجرين والأنصار من الصحابة رضوان الله عليهم، فإنهم مقدمون على الأنصار، وعلى قوله لا ذكر للمهاجرين، فإن من الأنصار من سبق غيره إلى الإيمان.
فإن قيل: قوله صابر وصبر المعنى واحد، قلت: اتبع لفظ القرآن في قوله تعالى: اصبروا وصابروا. فإن الصبر غير المصابرة، لأن المصابرة مفاعلة، وهي مقابلة الفعل من الآخر بمثله. وكأن ذلك زيادة على الصبر الذي يطيقه الإنسان.
عجز الحريري عن إنشاء ما طلب منه
في الديوان
قال وقد ذكر الحريري المقامات رحمه الله تعالى، وأنه صدر عنه مثل هذا الكتاب، ولما استكتب في الديوان أفحم. وساق الحكاية المشهورة. ثم قال: وهذا مما يعجب منه، وسئلت عن هذا فقلت: لا عجب، لأن المقامات مدارها جميعها على حكاية تخرج إلى مخلص، وأما المكاتبات فإنها بحر لا ساحل له، لأن المعاني فيها تتجدد بتجدد حوادث الأيام، وهي متجددة على عدد الأنفاس، ألا ترى أنه إذا كتب الكاتب المفلق عن دولة من الدول الواسعة التي يكون لسلطانها سيف مشهور وسعي مذكور، ومكث على ذلك برهة يسيرة لا تبلغ عشر سنين، فإنه يدون عنه من المكاتبات ما يزيد على عشرة أجزاء، كل جزء منها أكبر من المقامات حجماً، ثم إذا غربلت خلص منها النصف.
(1/5)

أقول: أما عجب الناس من واقعة الحريري فهي موضع العجب في بادىء الرأي. لأن من يصدر عنه مثل هذا الكتاب الذي لا نظير له في بابه، وهو في الآداب:
شمس ضحاها هلال ليلتها ... درّ تقاصيرها زبر جدها
ثم يتوقف في كتاب يطلب منه فإن ذلك غريب. وأما إذا فكر الإنسان، وعلم أن الإنشاء من باب الفتوح على الإنسان، لم يكن ذلك بعجيب. لأن الله تعالى قد يفتح بذلك في وقت دون وقت. وقد عد الشيخ محيي الدين بن عربي النظم وحسن الكتابة من الفتوح، وما يزال الناس كذلك تارة يفتح عليهم وتارة لم يفتح. والحريري في ذلك الوقت لم يفتح عليه.
على أن الحريري في وقت عمل المقامات كان في بيته مخلى ونفسه، يصوغ ويكسر ويهدم ويبني فإذا نبا به مقام تحول إلى غيره، وإذا تقاعس عليه معنى تركه وجذب ما هو أسلس قياداً منه. وقد ذكر أن مسودات المقامات كانت حمل جمل. وذلك أمر غير جلوسه في الديوان وأول قدومه، وهو بين جماعة من أرباب الفن، ويقترح عليه معنى لا محيد له عنه، ولا فسحة له في مضيقه، ولا نجاة له من زلله، ولم يكن قد استعد له، لا جرم أنه أفحم وتوقف ونتف عثنونه.
وليس يعاب المرء في جبن يومه ... إذا عرفت منه الشجاعة بالأمس
ولعل ابن الأثير سامحه فيما أورده من كلامه في المثل والوشي المرقوم والمعاني المبتدعة وغير ذلك من نسبة المقامات. فإنه حكى عن نفسه في المثل السائر أنه كان يتلو القرآن العظيم، فإذا مرت به الآية الكريمة ولمح فيها معنى يناسب أن يكون في كذا، بنى عليه كتاباً أو فصلاً وأثبته. أو كما قال. وغالب ما أثبته إنما هو معارضات عارض بها كتب القاضي الفاضل وأبا إسحاق الصابي وهذا من باب عمل المقامات وهو في بيته يطالع على ما يعمله ويتروى ويمحو ويثبت.
وتوهموا اللعب الوغى، والطعن في ال ... هيجاء غير الطعن في الميدان
وأما قوله: إن الكاتب يظهر عنه في المدة التي ذكرها عشرة أجزاء كل جزء أكبر حجماً من المقامات وإذا غربلت ونقحت كانت خمسا، فهذا تعصب ودعوى لا يقوم عليها برهان، أو جهل بلغ الغاية. وأي ترسل لكاتب تقدم عصره وإلى الآن يجمع له من ترسله مجلدة واحدة تكون كالمقامات يتداولها الناس، ويتعاطون كؤوسها، ويتمثلون بأبياتها وأسجاعها، ويكررون عليها من أولها إلى آخرها، ويبحثون عن عوراتها، وينقبون عن مساوئها، فلا يجدون فيها مغمزاً، ولا يقعون فيها على مطعن. بل تصفوا على السبك، وتجود على الاستعمال.
ويزيدها مرّ الليالي جدةً ... وتقادم الأيام حسن شباب
على أن ابن الخشاب رد عليه أليفاظاً يسيرة وأجابه المسعودي عنها وابن الخشاب أصاب في القليل من القليل، وتعنت في كثير القليل. وكذلك ابن بري وضع عليها نكتا يسيرة.
وناهيك بكتاب اشتهر، وضرب به المثل، وأصبح إحدى الأثافي في علم الأدب، وأصبحت ألفاظه ومعانيه حجة، ونقلت بها النسخ عدد حروفها.
وسار مسير الشمس في كل موضعٍ ... وهبّ هبوب الريح في البر والبحر
وما رأيت ولا سمعت بمن أخذ جزءاً من ترسل، وقرأه على شيخ وحفظه وطلب به الرواية وعلق عليه حواشي لغة وإعراب ومعان. وقد وضع الناس الشروح المبسوطة على المقامات مثل المسعودي فإن له عليها شرحين، والمطرز وابن الأنباري وأبي البقاء وغيرهم ولقد رأيت بعضهم يزعم أنها رموز في الكيمياء، ويحكى أن الفرنج يقرؤونها على ملوكهم بلسانهم ويصورونها ويتنادمون بحكاياتها.
وما ذاك إلا أن هذا الكتاب أحد مظاهره تلك الحكايات المضحكة، والوقائع التي إذا شرع الإنسان في الوقوف عليها، تطلعت نفسه إلى ما تنتهي إليه، وتشوقت نفسه إلى الوقوف على آخر تلك القصة. هذا إلى ما فيها من الحكم والأمثال التي تشاكل كتاب كليلة ودمنة وإلى ما فيها من أنواع الأدب وفنونه المختلفة وأساليبه المتنوعة.
حكى لي الشيخ فتح الدين محمد بن سيد الناس عن والده أبي عمرو عن أبيه أبي بكر قال: قلنا لابن عميرة كاتب الأندلس: لأي شيء ما تصنع مثل المقامات؟ فقال: أما الألفاظ فما أغلب عنها، وأما تلك الأكاذيب التي تكذبها فما أحسن أن أضع مثلها.
(1/6)

وسمعت القاضي شهاب الدين محمودا رحمه الله تعالى حين قراءة هذا الكتاب عليه يحكي أن القاضي الفاضل رحمه الله تعالى أراد معارضتها، وصنع ثلاث عشرة مقامة عارض كل فصل بمثله حتى جاء إلى قول الحريري في المقامة الرابعة عشرة: اعلموا يا مآل الآمل وثمال الأرامل، أنني من سروات القبائل، وسريات العقائل. لم يزل أهلي وبعلي يحلون الصدر، ويسيرون القلب، ويمطون الظهر، ويولون اليد. فلما أردى الدهر الأعضاد، وفجع بالجوارح الأجساد، وانقلب ظهر البطن، نبا الناظر، وجفا الحاجب وذهبت العين وفقدت الراحة، وصلد الزند، ووهت اليمين، وبانت المرافق، ولم يبق لنا ثنية ولا ناب. فمذ اغبر العيش الأخضر، وازور المحبوب الأصفر، اسود يومي الأبيض، وابيض فودي الأسود، حتى رثى لي العدو الأزرق، فحبذا الموت الأحمر.
فقال الفاضل: من أين تأتي الإنسان بفصل يعارض هذا؟ ثم إنه قطع ما كان عمله من المقامات ولم يظهر. أو كما قال. وناهيك بمن يقول مثل القاضي الفاضل في حقه مثل هذا، ويعترف له بالعجز.
وأما أنا فكلما قرأت هذا الفصل وذكرته، أجد له نشوة كنشوة الراح، وبهجة ولا بهجة الساري بطلعة الصباح. وفي أي ترسل تجد نظير هذا الفصل الذي له هذه الخفة والطلاوة، ولم تروجه الأسجاع؟.
وقد ظلم المقامات من جعلها من باب الترسل، والترسل جزء منها. بل هي كتاب علم في بابه، وبلاغة الرجل تعلم من ذكره لشيء في غالب مقاماته بالمدح والذم. وهذا هو البلاغة، أن تصف الشيء ثم تذمه، أو بذم ثم تمدحه، كما فعل في مقامة الدينار، والتي فاضل فيها بين كتابة الإنشاء والحساب، والتي ذكر فيها البكر والثيب والزواج والعزبة وغير ذلك.
وفصاحته تعلم من أخذه الأمثال السائرة وضمها إلى سجعة أحسن منها. كقوله: أعطيت القوس باريها وأنزلت الدار بانيها وقوله: تخلصت قابية من قوب وبرىء براءة الذئب من دم ابن يعقوب. وقوله: وهل ضاعت عدتنا عدة عرقوب أو بقيت حاجة في نفس يعقوب وقوله: فلما دل شعاعه على شمسه، ونم عنوانه بسر طرسه وقوله: فبقيت أحير من ضب وأذهل من صب وقوله: أنحل من قلم وأقحل من جلم وقوله: لو كان في عصاي سير ولغيمي مطير وقوله: طويته على غره، وصنت شغاه عن قره وقوله: إنكما فرقدا سماء وكزندين في وعاء وقوله ليعلم أن ريحه لاقت إعصاراً وجدوله صادف تياراً وقوله مأرب لا حفاوة ومشرب لم يبق له عندي طلاوة وقوله: المكنة زورة طيف، والفرصة مزنة صيف وقوله: أبعد من رد أمس الدابر، والميت الغابر وقوله: ما أطول طيلك وأهول حيلك وقوله: وكان يوما أطول من ظل القناة، وأحر من دمع المقلاة وقوله: فأخذ يلدغ ويصي، ويتقح ولا يستحيي وقوله: أين مدب صباك، ومن أين مهب صباك وقوله: قد وجدت فاغتبط واستكرمت فارتبط وقوله: ما ذهب من مالك ما وعظك، ولا أجرم إليك من أيقظك وقوله إنك حمت على ركية بكية، وتعرضت لخلية خلية وقوله ما كل سوداء، تمرة، ولا كل صهباء خمرة وقوله: كمن يبغي بيض الأنوق، ويطلب الطيران من النوق وقوله: أتعلم أمك البضاع وظئرك الإرضاع وقوله: فلما رأينا نارهم الحباحب، وخبرهم كسراب السباسب وقوله: إني لأطوع من حذائك، وأوفق من غذائك وفيها من هذا النوع كثير أضربت عنه خوف الإطالة.
وما تناهيت في بثي محاسنه ... إلا وأكثر مما قلت ما أدع
ثقافة الكاتب
قال: فإذا ركب الله في الإنسان طبعا قابلا لهذا، فيفتقر إلى ثمانية أنواع من الآلات ثم سردها.
(1/7)

أقول: أما الكاتب فيحتاج إلى حفظ الكتاب العزيز وإدمان تلاوته، ليكون دائراً على لسانه، جارياً على فكرته، ممثلا بين عيني ذاكرته لينفق من سعته، وإلى معرفة اللغة والنحو وإدمان الإعراب ليلا ونهارا، حتى يصير له ذلك ملكة جيدة، والتصريف والمعاني والبيان والبديع والعروض والقافية والأحكام السلطانية كما ذكر في كتابه وشيء من التفسير، وشيء من الأحاديث مثل كتاب الشهاب أو كتاب النجم للأقليشي، والآثار المنقولة عن الصحابة رضوان الله عليهم وما دار بين الخلفاء الراشدين وعمالهم، وما دار بين علي ومعاوية رضي الله عنهما من المحاورات، وتواقيع الخلفاء والوزراء والكتاب، وأمثال العرب، وحفظ جانب جيد من شعر العرب والمخضرمين والمحدثين وفحول المتأخرين، وحفظ جيد الحماسة ومختار المفضليات، وبعض قصائد منتهى الطلب جمع ابن ميمون، وما أمكن من التاريخ وأسماء الرجال والحساب، ومراجعات أمهات كتب الأدب، مثل الأغاني والعقد والبيان والتبيين والذخيرة وزهر الآداب وأمالي القالي والكامل للمبرد وتذكرة ابن حمدون وحفظ جانب جيد من المقامات والخطب النباتية، وبعض شعر المتنبي وأبي تمام والبحتري وسقط الزند وغير ذلك. وقد اخترت أنا من شعر هؤلاء الشعراء الأربعة في مجلدة لطيفة، والوقوف على ترسل الكتاب ومراعاة ما قصدوه في كل فن: من التهاني والتعازي والفتوحات ووصايا تقاليدهم وتواقيعهم وأوامرهم ونواهيهم فيها، وافتتاحات أدعيتهم في كل ما يتشعب من طرق الكتابة وكيفية البداءات والمراجعات في الهدايا والشفاعات والأوصاف وكتب الإخوان وما يجري هذا المجرى. وهذا باب لا يغلق له مصراع ولا ينعقد على حصره إجماع.
وعلى الجملة، فالكاتب يحتاج إلى كل شيء، ولولا أنه لا يلزمه تحقيق كل فن لقلت إنه الذي يعرف الوجود على ما هو عليه. وهيهات.
نعم الناس متفاوتون في ذلك وهم على طبقات: فمنهم من تسنم الدرجات، ومنهم من لا نهض من الدركات، وما بين ذلك. ولا بد من المشاركة مهما أمكن، ولو أنه معرفة لمصطلح لكل صاحب فن، وإذا كمل مواده أو قارب الإكمال، فمعرفة مصطلح الديوان في المكاتبات من معرفة الألقاب والنعوت وما يجري هذا المجرى. فإن هذا معرفته مع المباشرة في أقل من جمعة يتصوره ويدريه، وهو مما لم يتقرر قاعدته، لأنه يختلف باختلاف كل زمان وأهله. وهذا لا عبرة به، فإنه أسهل ما يعرفه.
هل تضر مخالفة النحو في معنى
قال وقد ذكر النحو: إذا نظرنا إلى ضروبه وأقسامه، وجدنا أكثرها غير محتاج إليه في إفهام المعاني. ألا ترى أنك لو أمرت رجلا بالقيام فقلت: قوم بإثبات الواو ولم تجزم لما اختل من فهم ذلك شيء. وكذلك الشرط والفضلات كلها تجري هذا المجرى من الحال والتمييز والاستثناء وساق أشياء من هذه الأنواع.
أقول: ما يورد مثل هذا إلا عوام الناس ومن لم يتلبس بالمعرفة، ومن لم يرح رائحة العلم. ألم يعلم أنه إذا صدر عن مترسل كتاب لم يجزم أفعال أمره ولا شروطه وجوابها، ولم يرفع فاعله وينصب فضلاته، ولا راعي شيئاً من قواعد إعرابه التي هي ظاهرة، ولا حافظ على شيء من الإعراب ألبتة، كان ذلك ضحكة للمغفلين فضلا عن العقلاء. وحينئذ فقد استوى العلماء والجهال.
وقد كتب عمر رضي الله عنه إلى أبي موسى الأشعري: أما بعد فتفقهوا في السنة وتعلموا العربية وكان عبد الله بن عمر رضي الله عنهما يضرب ولده على اللحن.
وقال عبد الملك: اللحن في الكلام أقبح من آثار الجدري في الوجه. ورأى أبو الأسود الدوءلي أعدالا للتجار مكتوب عليها لأبو فلان. فقال: سبحان الله يلحنون ويربحون. ويقال: من أحب أن يجد الكبر في نفسه فليتعلم العربية.
ألم يعلم أن بعضهم استدل على أن النحو فرض كفاية إن لم يقل إنه فرض عين، وذهب بعضهم إلى أن الله تعالى لا يقبل الدعاء إذا لم يكن معربا. وقال الشيخ تقي الدين ابن الصلاح: أخشى على من تعاطى الحديث ولم يدر النحو، أن يدخل في قوله صلى الله عليه وسلم: من كذب علي متعمدا، فليتبوا مقعده من النار.
ثم إنه استثنى أشياء من ذلك لا تعرف إلا بالإعراب. فأقول: إنه لا يتوصل إلى معرفة الغامض إلا بعد معرفة الواضح، ومن لم يعرف البين لم يعرف العويص، لينتقل في التفهم من الأدنى إلى الأعلى.
(1/8)

قال الخليل بن أحمد رحمه الله: لا يصل أحد من النحو إلى ما يحتاج إليه إلا بتعلم ما لا يحتاج إليه، فقال أبو عمر: إن كان لا يوصل إلى ما يحتاج إليه إلا بما لا يحتاج إليه، فقد صار ما لا يحتاج إليه محتاجا إليه. وكل علم بهذه المثابة فيه الجلي والغامض في الفقه، فإن مسائله الغامضة في الحيض والتيمم وللفرائض، وما في الجبر والمقابلة، ومسائل الدور في الطلاق وغير ذلك. وكما في المنطق فإن غوامضه في الأقيسة والمختلطات والمغالط وغير ذلك. وكما في علم الكلام من إثبات الجوهر الفرد، وأن العرض لا يبقى زمانين، وأن المعدوم ليس بشيء. وما يتوصل الإنسان إلى معرفة هذه المسائل العويصة إلا بعد مقدمات يفهمها من المسائل الواضحة، وما رأيت من يورد مثل هذا غير العوام، أو من يجهل هذا الفن.
هل يقدح اللحن في حسن الكلام
قال بعد أن ساق شيئاً من نظم أبي نواس وأبي تمام وأبي الطيب ولحنهم: إن اللحن لم يكن قادحاً في حسن الكلام.
أقول: ما بقي بعد هذا إلا أن يقول: إن مراعاة الإعراب علة موجبة لقبح الكلام أتراه ما سمع بقولهم: النحو في الكلام كالملح في الطعام. وقد ذهب بعضهم إلى أن الإعراب إنما سمي إعرابا لأن العرب في قوله تعالى: " عرباً أتراباً " هن المتحببات إلى أزواجهن، فكأن من أعرب كلامه تحبب إلى مخاطبه. أقول: معنى تحببه كونه ذكر أمارات تدل على معانيه. فإنه إذا أراد التعجب قال: ما أحسن زيداً، ولو ترك الإعراب وقال: ما أحسن زيد بسكون النون والدال، لالتبس الفهم على المخاطب وبقي في حيرة: هل هو مستفهم أو متعجب أو مخبر. فلما نصب النون والدال علم أنه يتعجب. وإذا قال: ما أحسن زيد برفع النون وكسر الدال علم أنه يستفهم. واذا قال ما أحسن زيد بنصب النون ورفع الدال علم أنه مخبر بنفي الإحسان عنه. واذا أراح المتكلم من يخاطبه من الفكرة والحيرة بالإعراب، فقد تحبب إليه.
وقد قال..... لا قدر للحان ولو بلغ يافوخه عنان السماء وأنا فما أنكر أن لطف التركيب وسهولة الكلام أمر آخر وراء النحو. هذا معلوم ولكن المشاحة في تعسفه وتعنته.
حول لون البقرة في الآية صفراء فاقع لونها
قال: وكان فاوضني بعض الفقهاء في قوله تعالى في سورة البقرة: " صفراء فاقع لونها "، إن لون البقر كان أسود. وأخذ في الشناع على ذلك والاستدلال على أن اللون أصفر.
أقول: من المعلوم أن الأرجح هو أن اللون كان أصفر، لكونه مؤكداً بفاقع. كما يؤكد أسود بحالك وحانك، وأبيض بيقق ولهق، وأحمر بقان وذريحي وأخضر بناضر ومدهام، وأصفر بناصع وفاقع ووارس، وأزرق بخطباني، وأرمك برذاني. ولكن إذا ورد التفسير وثبت النقل بشيء، فما يمكن غير قبوله والعمل به في موضعه من غير أن يتعدى به ذلك الموضع. هذا إذا خالف قاعدة، وإن أمكن ترجيحه رجح، كما رجح هذا بعضهم بقوله تعالى: " إنها ترمي بشرر كالقصر كأنه جمالات صفر ". أي جمال سود تضرب إلى الصفرة. قالوا: والنار سوداء مظلمة.
التأدب في الحديث عن العظماء
قال عند ذكر وقائع العرب: ومن ذلك أنه ورد عن عمر بن الخطاب أنه استدعى أبا موسى الأشعري ومن يليه من العمال، وكان منهم الربيع بن زياد الحارثي، فمضى إلى يرفأ، مولى عمر، وسأله عما يروج عنده وينفق عليه، فأشار إلى خشونة العيش. فمضى ولبس جبة صوف وعمامة دكناء وخفا مطابقا وحضر بين يديه في جملة العمال. فصوب عمر نظره وصعده فلم يقع إلا عليه، فأدناه وسأله عن حاله ثم أوصى أبا موسى الأشعري به.
ثم قال ابن الأثير: وقد استعملت أنا هذا في تقليد لبعض الملوك من ديوان الخلافة، فقلت: واذا استعنت على عملك بأحد، فاضرب عليه بالأرصاد، ولا ترض بما عرفته من مبدا حاله، فإن الأحوال تتنقل تنقل الأجساد، وإياك أن تخدع بصلاح الظاهر كما خدع عمر بن الخطاب بالربيع بن زياد.
(1/9)

أقول: قوله كما خدع عمر، في هذا القول إساءة أدب على عمر رضي الله عنه من نسبته إلى أنه خدع، وفي هذا شبهة لصاحب التقليد، فإنه يقول في نفسه: وإذا كان مثل عمر خدع، فما ظني بنفسي، فيقع منه الإهمال. والآدب في مثل هذا أحسن، ودفع الانخداع عنه أليق. ألا ترى إلى قوله تعالى حاكياً عن يوسف عليه السلام: " من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي "، فنسب ما وقع بينهم إلى الشيطان تأدباً مع إخوته عليهم السلام. وإذا خدع مثل عمر بن الخطاب رضي الله عنه مع تحرزه وشدته في الدين، فما يظن بغيره.
وقال المغيرة بن شعبة: ما رأيت أحدا أحزم من عمر. كان والله له فضل يمنعه أن يجزع، وعقل يمنعه أن يخدع.
قال أبو بكر الخرائطي: رحم الله عمر ما كان أنظره بنور الله في ذات الله وأفرسه. كان والله كما قال الشاعر:
بصيرٌ بأعقاب الأمور برأيه ... كأنّ له في اليوم عينا إلى غد
وقد نقل عن أبي العباس أحمد بن عبد الله بن الحطيئه أنه كان يقول: أدرجت سعادة الإسلام في أكفان عمر بن الخطاب.
وما أحسن قول الشاعر:
حججي عليك إذا خلوت كثيرةٌ ... وإذا حضرت فإنني مخصوم
لا أستطيع أقول أنت ظلمتني ... الله يعلم أنّني مظلوم
فانظر إلى أدب هذا الشاعر وتلطفه مع محبوبه وإجلاله له.
وكان الأحسن أن لو قال: وإذا استعنت على عملك بأحد، فلا تثق منه بلمع السراب، واكشف بيد إرصادك عن وجه سيرته حجاب النقاب، وتيقظ لأموره فلا ترض بالظاهر العامر وتنسى الباطن الخراب، وتخيل من مكره ما تحيل به الربيع بن زياد على عمر بن الخطاب. فإن نسبة الحيلة إلى الربيع أحسن في الأدب من نسبة الخدع إلى عمر رضي الله عنه.
إنكار التلقب بالناصر على السلطان صلاح الدين
قال: وجدت لابن زيادة البغدادي كتاباً كتبه إلى الملك الناصر صلاح الدين يشتمل على أمور أنكرت عليه من ديوان الخلافة. من ذلك أنه تلقب بالناصر وذلك لقب أمير المؤمنين.
ثم إن ابن الأثير استصلح الكتاب وقال: لم أجد فيه مغمزاً إلا في هذا الفصل الذي يتضمن حديث اللقب، فإنه لم يأت فيه بكلام يناسب باقي الفصول المذكورة، بل أتى بكلام فيه غثاثة كقوله: ما يستصلحه المولى على العبد حرام وشيء من هذا النسق.
ثم إن ابن الأثير رحمه الله ذكر ما أنشأه في هذا المعنى لنفسه قال: قد علم أن للأنبياء والخلفاء خصائص يختصون بها على حكم الانفراد، وليس لأحد من الناس أن يشاركهم فيها مشاركة الأنداد. وقد أجرى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك في أشياء نص عليها بحكمه، من جملتها أنه نهى غيره أن يجمع بين كنتيه واسمه، وهذا مسوغ لأمير المؤمنين أن يختص بأمر يكون به مشهوراً وعلى غيره محظوراً.
وساق باقي السجع وليس فيه زبدة فأثبته. أقول: قبل الخوض معه أقدم الفرق بين الاسم والكنية واللقب.
وذلك أن العلم الدال على شخص معين إن كان مصدرا بأب كأبي بكر وأبي حفص، أو بأم كأم كلثوم وأم البنين وأم المؤمنين فهو الكنية. وإن أشعر برفع المسمى كماء السماء وذي رعين وذي النورين وذات النطاقين وذي الجناحين، ويدخل في هذا ألقاب الخلفاء بني أمية وبني العباس، كالهادي والمهدي والرشيد والأمين والمأمون، ويدخل فيه مصطلح الناس، من شمس الدين وبدر الدين ونجم الدين وغير ذلك من ألقاب أهل الكتاب كشمس الدولة وتاج الملك. أو يشعر بضعة المسمى كففة وبطة والأقيشر والأحوص فهذا هو اللقب. وإن كان للدلالة على ذات المسمى وتعيينه، كزيد وعمرو وبكر وخالد فهذا هو الاسم.
وإذا تقرر هذا، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا تجمعوا بين اسمي وكنيتي " مراده لا يقال لأحد من أمته محمد أبو القاسم. أما الناصر والعاضد والقادر والمستنصر وما أشبه ذلك فليس ذلك بكنية ولا اسم على ما تقرر.
على أن الفقهاء اختلفوا في التكني بأبي القاسم على ثلاثة مذاهب: فذهب الشافعي رحمه الله ومن وافقه إلى أن لا يحل لأحد أن يكتني به سواء كان اسمه محمدا أو غيره.
وذهب مالك رحمه الله إلى أنه يجوز التكني به لمن اسمه محمد ولغيره. وذهب بعضهم إلى أنه يجوز لمن لم يكن اسمه محمداً ولا يجوز لمن اسمه محمد.
قال الرافعي: يشبه هذا الثالث أن يكون أصح، لأن الناس ما زالوا يكتنون به في جميع الأعصار ولا إنكار.
(1/10)

قال الشيخ محي الدين النووي رحمه الله: وهذا الذي قاله صاحب هذا المذهب، فيه مخالفة لظاهر الحديث. وأما إطباق الناس على فعله مع أن في المكتنين به من الأئمة الأعلام وأهل الحل والعقد والذين يقتدى بهم في الدين، ففيه تقوية لمذهب مالك رحمه الله في جوازه مطلقاً. ويكونون قد فهموا النهي مختصا بحياته صلى الله عليه وسلم، لما هو مشهور من سبب النهي في اكتناء اليهود بأبي القاسم ومناداتهم يا أبا القاسم طلبا للايذاء. وهذا المعنى قد زال انتهى.
قلت: وممن تكنى بأبي القاسم محمد بن الحنفية. يقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " لعلي رضي الله عنه سيولد لك بعدي غلام وقد نحلته اسمي وكنيتي ولا يحل لأحد بعده ".
ومحمد بن أبي بكر، ومحمد بن طلحة، ومحمد بن سعد بن أبي وقاص، ومحمد بن عبد الرحمن بن عوف ومحمد بن جعفر بن أبي طالب، ومحمد بن حاطب بن أبي بلتعة، ومحمد بن الأشعث بن قيس.
وسمعت بخواص الأنبياء: أما النبي صلى الله عليه وسلم فخواصه معلومة شرعاً. منها: وجوب الضحى والضحية والوتر والتهجد والسواك وتخيير الزوجة في الإقامة معه أو الفراق، وتحريم الخط والشعر وإمساك الكارهة من الزوجات، والفرار من العدو في الحرب، وأن لا يغمد السلاح بعد إشهاره حتى ينال به من العدو، وإباحة الوصال، والخمس وصفي المغنم، ودخول مكة حلالاً، وجعل تركته صدقة غير موروثة، والنكاح بلفظ الهبة من الزوجة بلا مهر وبلا ولي ولا شهود، وفي الإحرام والتزوج بأكثر من أربع، ومن آثرها حرم على الزوج نكاحها ولزمه طلاقها، وحرمة زوجاته بعد وفاته على الأمة فلا يحل نكاحهن لأحد. وأما من عداهم من سائر أمتهم فما لأحد منهم خاصة يمتاز بها من حيث الشرع.
فانظر إلى ابن الأثير رحمه الله، لم يطابق بين الإنكار والاستشهاد، ولو أجاب الملك الناصر عن ذلك وقال: إن الخادم ما جمع بين كنية أمير المؤمنين وبين اسمه ولا انفردت بواحدة منهما، فما وجه الإنكار علي، لكان له أن يقول ذلك.
على أن الملك الناصر رحمه الله تعالى ما تسمى بهذا اللقب والناصر في بني العباس خليفة، وإنما العاضد من خلفاء الفاطميين بمصر لما استوزره في سنة أربع وستين وخمسمائة لقبه بهذا اللقب وكان الخليفة ببغداد إذ ذاك المستضيء بالله.
رسالة ابن زيادة البغدادي
وأما قول ابن زيادة: وكل ما يستصلحه المولى على العبد حرام، فإنه مناسب، ولعله أتى به في صورة أحسن من هذه، وجاء في أثناء كلامه مطبوعاً، ولم يذكر ابن الأثير ما أتى به ليعلم حسنه من قبحه، ولم يحضرني عند تعليق هذا الفصل كلام ابن زيادة، ولعلي أظفر به فيما بعد فأثبته في الحاشية.
وقفت على كلام ابن زيادة فيما بعد، فكان ما ختم به فصل الإنكار على اللقب: ومن العجب أن أمير المؤمنين يخاطبه من سمة الملك بما لم يكن له، ويزاحم هو فيما هو لغيره. ومن الحكم الرائقة في وجيز الكلام، والذي يصلح للمولى على العبد حرام انتهى.
قلت: وهذه السجعة بيت شعر من أبيات كتبها عمرو بن مسعدة إلى المأمون مع فرس أهداه إليه وهو أدهم بغرة:
يا إماماً لا يداني ... هـ إذا عد إمام
قد بعثنا بجوادٍ ... مثله ليس يرام
وجهه صبحٌ ولكن ... سائر الجسم ظلام
والذي يصلح ... البيت
وقد أجاب القاضي الفاضل رحمه الله عن كتاب ابن زيادة جوابا مطولا، ولكنه حاسن فيه وما خاشن وكاثر وما كاشر. ثم إن القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر رحمه الله تعالى، أملى جوابا على الكتاب المذكور على لسان صلاح الدين طول فيه إلى الغاية، مع أنه نافس فيه وناقش، وقاسر فيه وقاشر.
وللقاضي الفاضل رحمه الله عذر ظاهر في ذلك الوقت عن المداهنة، لعظم منصب الخلافة ذلك الزمان. ولعمري إن هذا الكتاب، فت في عضد الملك الناصر وغض منه، وامتنع الناس الأعيان الذين لهم سورة في غير بلاده أن يقولوا إلا السلطان صلاح الدين دون الملك الناصر، لإنكار الخليفة ذلك. ولعل هذا الأمر باق إلى هذا الزمان، فإنه لا يقال إلا السلطان صلاح الدين في الغالب.
وهذان الجوابان قد أثبتهما في الجزء الثالث عشر من التكرة التي جمعتها
البلاغة والفصاحة
(1/11)

قال في الفصل الثامن في الفصاحة والبلاغة عند ذكر البلاغة، بعد أن قرر أن البلاغة للمعاني والفصاحة للألفاظ: البلاغة شاملة للألفاظ والمعاني، وهي أخص من الفصاحة، كالإنسان من الحيوان. فكل إنسان حيوان وليس كل حيوان إنساناً. وكذلك يقال: كل كلام بليغ فصيح، وليس كل كلام فصيح بليغا ويفرق بينها وبين الفصاحة من كل وجه آخر غير الخاص والعام، وهو أنها لا تكون إلا في اللفظ والمعنى بشرط التركيب، فإن اللفظة الواحدة لا يطلق عليها اسم البلاغة، ويطلق عليها اسم الفصاحة، إذ يوجد فيها الوصف المختص بالفصاحة وهو الحسن. وأما البلاغة فلا يوجد فيها لخلوها من المعنى المفيد الذي ينتظم كلاماً.
أقول: قد ادعى أن هذا الفارق الثاني غير الأول، وهو هو بعينه ومينه. فإنه أراد أولا، كل كلام فصيح يطلق عليه أنه بليغ ولا ينعكس. ومعنى هذا، إذا قلنا: قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل فإن هذا الكلام بليغ باعتبار أن معناه بلغ في صوغ تركيبه إلى حد له توفية بتمام المراد. وفصيح باعتبار بيان مفرداته وحسنها وعذوبتها في السمع. وإذا فككنا هذا التركيب وأخذنا كل فرد من ألفاظه، كان كل فرد فصيحا، ولا يكون بليغا لعدم التركيب في المعنى. فكانت الفصاحة أعم من البلاغة لأنها وجدت في الإفراد والتركيب. وكانت البلاغة أخص لكونها لا تتناول إلا المركب فقط. فحيث وجدت البلاغة مع عذوبة الألفاظ وجدت الفصاحة ولا ينعكس. فصح أن البلاغة كالإنسانية في خصوصها، والفصاحة كالحيوانية في عمومها. وهذا المعنى موجود بعينه في الفارق الثاني الذي أبداه. فإنه قال: إن البلاغة لا تكون إلا في اللفظ والمعنى بشرط التركيب.. إلى آخره فتأمل كلامه يظهر لك ما قلته.
تحديد معنى البلاغة والفصاحة
والذي أقوله أنا: هو أن بين البلاغة والفصاحة، عموما من وجه وخصوصا من وجه. بيان ذلك: أما عموم البلاغة، فلأنها تتناول الكلام الفصيح أعني الحسن المبين، وغير الفصيح أعني الغريب الوحشي. وعموم الفصاحة، فلأنها تتناول الألفاظ المركبة فقط، وخصوص الفصاحة، فلأنها لا تتناول إلا الألفاظ العذبة المستعملة فقط. فثبت أن بين البلاغة والفصاحة عموما من وجه، وخصوصا من وجه. ومثل هذا لا يتنبه له ابن الأثير.
أقسام علم البيان
قال في هذا الفصل: وأما أقسام علم البيان من الفصاحة والبلاغة، فليست كذلك لأنها استنبطت بالنظر وقضية العقل من غير واضع اللغة، ولم يفتقر فيها إلى التوقيف، بل أخذت ألفاظ ومعان على هيئة مخصوصة وحكم لها العقل بمزية الحسن لا يشاركها فيها غيرها. فإن كل عارف بأسرار الكلام من أي لغة كانت من اللغات، يعلم أن إخراج المعاني في ألفاظ حسنة رائقة يلذها السمع ولا ينبو عنها الطبع، خير من إخراجها في ألفاظ قبيحة مستكرهة ينبو عنها السمع. ولو أراد واضع اللغة خلاف ذلك ما قلدناه.
أقول: قد ادعى أن ذلك عقل صرف. فإن أراد بالبيان الذي اصطلح عليه أرباب البلاغة، وهو أحد أقسام علم البلاغة الذي يطلق على معرفة الحقيقة والمجاز والتشبيه والاستعارة والكناية، فإن من المجاز ما هو لغوي كالصلاة، استعملها الشارع في هذه الهيئة المخصوصة المشتملة على القيام والقراءة والركوع والسجود والذكر والسلام والدعاء. وهي في أصل اللغة إنما تطلق على الدعاء الذي هو جزء هذه الهيئة فسماها باسم جزئها، فقد توقفت معرفة هذا المجاز على حقيقته، وتلك الحقيقة لا تعرف إلا بالنقل لا بالعقل، والمتوقف على المتوقف على معرفة الشي متوقف على ذلك الشيء.
الاستعارة والكناية
وأما الاستعارة، فاختلف علماء البيان، هل هي مجاز لغوي أو عقلي. فذهب الأكثرون إلى أنها مجاز لغوي خلافا لصاحب المفتاح فإنه ذهب إلى أنها عقلية. ودليل الأكثرين أنك إذا قلت: عندي أسد شاكي السلاح، وأنت تريد الرجل الشجاع، كان لفظ الأسد عند التحقيق مستعملاً في غير ما وضع له، لأنك تفهم أنه عنده رجل شبهه بالأسد. وإنما حذف أداة التشبيه مبالغة، والألف والسين والدال فهم معناها متوقف على النقل.
وأما الكتابة فمن أقسامها قسم يتوقف على النقل. كقول الشاعر:
أخو لخم أعارك منه ثوباً ... هنيئاً بالقميص المستجد
أراد أبوك أمك حين زفت ... فلم يوجد لأمك بنت سعد
(1/12)

وقد ألقى كساء أبي عبيد ... عليك فصرت أكسى أهل نجد
أراني الله عينك في الجعبى ... وعينك عين بشار بن برد
فإن الشاعر أراد بأخي لخم جذاما، وببنت سعد عذرة، وبأبي عبيد الأبرص، وبعين بشار العمى.
وقول محمد بن عبدون في خمر عادت خلا:
ألا في سبيل اللهو كأس مدامةٍ ... أتتنا بطعم عهده غير ثابت
حكت بنت بسطام بن قيسٍ صبيحةً ... وراحت كجسم الشّنفري بعد ثابت
أراد ببنت بسطام صهباء، وبجسم الشنفري قوله:
فاسقنيها يا سواد بن عمرو ... إن جسمي بعد خلي لخلّ
وقول الآخر:
ويدعي الشرب في كأس وفي قدح ... وأم عنترة العبسي تكفيه
أي تكفيه زبيبة لأنها اسم أم عنترة العبسي.
ولولا النقل لما علم من هذه الكنايات شيء، وليس للعقل هنا مجال. فقد اتضح أن بعض البيان نقلي.
وإن أراد بالبين علم المعاني الذي هو ما يعرف به تتبع خواص تراكيب الكلم، من أحوال الإسناد الخبري، وأحوال المسند إليه، وأحوال المسند، والفصل والوصل، والإيجاز والإطناب وأحوال الطلب، فأكثر ذلك تتوقف معرفته على النقل، إذ المسند والمسند إليه هما المبتدا والخبر، وأحوال كل منهما متنوعة، من تقديم وتأخير لكل منهما وتعريفهما وتنكيرهما، وحذف هذا تارة وذلك أخرى، ومجيء المسند إليه تارة اسماً وتارة فعلاً إما ماضياً وإما مضارعاً. ولولا خوف الإطالة لضربت أمثلة ذلك، ولكنها معلومة من النحو. وجميع ذلك الأصل فيه ما ورد به النقل.
وهذا هو جل علم المعاني. فقد ثبت أن البيان ليس بعقلي كما ادعاه ابن الأثير، بل بعضه عقلي وبعضه نقلي. على أنه قد أورد الناس على علم المعاني فقالوا: إن كان بديهيا لم يحتج إلى تعلمه وتدوينه، وذكره مستغنى عنه، وإن كان كسبيا افتقر إلى علم آخر، ودار أو تسلسل. وما أفضى إلى ذلك فهو باطل.
وأجيب بأنه ليس الكل بديهياً فيلزم ذلك. بل البعض بديهي يدرك بالذوق السليم والذهن المستقيم، والبعض كسبي يؤخذ بالنقل.
ولما كان الناس على ثلاث طبقات: الأولى أصحاب الطبع السليم وهم العرب الخلص الذين يوردون الكلام بسجيتهم موارده، فهؤلاء مستغنون عن تعلمه لأنه لهم جبلة وفطرة. والطبقة الثانية الجفاة أصحاب الفظاظة والطباع النافرة الذين لا شعور لهم بمعاني الكلام، ولا استعداد لهم لتحصيل ذلك، فهؤلاء أيضاً مستغنون عن تعمله، فإنه لا فائدة لهم فيه. والطبقة الثالثة هم المتوسطون، بين هؤلاء وبين هؤلاء، قد يصيبون تارة في أفكارهم وقد يخطئون. فهؤلاء هم الذين وضعت لهم هذه الآلة. فإذا راعوا قوانينها المدونة، وحدودها المقررة، كانوا أبعد عن الخطأ. وحينئذ لا تستغني هذه الطبقة عن تعلم هذه الآلة.
تعليلات النحاة
قال في هذا الفصل أيضاً: والذي تكلفه النحاة من التعليلات واه لا يثبت على محك النظر.
أقول: قد أجابه ابن أبي الحديد في الفلك الدائر عن ذلك. ولكن ما أنضج القول معه، ويحتاج إلى بقية تذنيب. وهو أن يقال له: ما كأنك نظرت في هذا العلم حق النظر ورأيت ما ذكره ابن السراج والرماني وأبو علي والسيرافي ومن بعدهم مثل: ابن جني وما أتى به في كتاب الخصائص وسر الصناعة وابن الأنباري في أسرار العربية وغير ذلك من حسن التعليل لأحكام النحو، والمناسبات التي أبدوها وإن كان في البعض تسامح لما أنهم التزموا بتعليل كل ما ورد عن العرب. وكما التزم أبو علي في الحجة بتعليل القراءات السبع، وابن جني في المحتسب في تعليل القراءات الشاذة وليس كل ذلك ما يطابق قواعد النحو في الظاهر أكثر من قراءة أبي عمرو رحمه الله تعالى، لأنه كان أقعدهم بالنحو، ولهذا شنع النحاة على ابن عامر رحمه الله في قراءته المشهورة قوله تعالى " وكذلك زُين لكثير من المشركين قتلُ أولادَهم شركائهم ". بتغيير زين لما لم يسم فاعله، ورفع قتل مفعول له، ونصب الدال من أولادهم على أنه مفعول المصدر الذي هو قتل، وجر شركائهم لأنه فاعل المصدر وجره على الإضافة، ولا يضاف المصدر إلا إلى فاعله.
(1/13)

فقد فصل ابن عامر بين المصدر وفاعله المضاف إليه، وهو غير ما قرره النحاة. وأفرطوا في الشناع عليه، وهو جائز. وقد جاء عن العرب كثيراً في شعورهم، واستشهد له الشيخ جمال الدين بن مالك رحمه الله في شرح الكافية بشواهد عديدة ومنع الخصم بأن هذا الباب جائز في ضرورة الشعر، وليس في القرآن ضرورة. وانتصر الكواشي لابن عامر في تفسيره وأيد هذه القراءة.
وهذا شأن الفقهاء، أكثر تعليلاتهم لما ورد في أحكام الشرع الشريف في غاية الحسن والقوة، وفي بعض ذلك تسامح. كمن أراد تعليل بعض مناسك الحج فإنه ليس بقوي قوة غيره. والغزالي في الإحياء تكلم في هذا كلاما حسنا، وكذلك شأن المتكلمين، فإن بعض أدلتهم لا تبلغ القوة فيما أتوا به. من حدوث العالم والنفس وإثبات الوحدانية وعدم الجهة. فقد تجىء معهم مسائل قليلة أدلتها عليلة لا تبلغ في القطع والجزم وإلزام الخصم مبلغ تلك. ولولا ذلك لما وقع في النحو خلاف بين البصريين والكوفيين، ولا بين أصحاب المذاهب في الفروع، كالأئمة الأربعة ومن عداهم من الفقهاء التابعين وأصحاب الظاهر رضي الله عنهم أجمعين، ولا بين المتكلمين في أصول الدين من الأشاعرة والمعتزلة والإمامية والخوارج والحشوية. وكأنه نظر إلى قول ابن فارس صاحب المجمل:
مرت بنا هيفاء مجدولة ... تركية تعزى لتركي
ترنو بطرف فاتن فاتر ... أضعف من حجة نحوي
ألم يعلم أن الشعر والخطابة يروج فيهما أدنى شبهة، وتضيء فيهما أقل لمعة. وقول الشاعر هنا إنما هو بالنسبة إلى الأمور الضرورية، كتنافي الضدين، وأن الواحد نصف الاثنين، وأن الجسم الواحد لا يشغل الحيزين معا في وقت واحد وما أشبه ذلك، على أن من الناس من أنكر هذه البديهيات وطعن في صحتها واعترف بالحسيات. ومن الناس من أنكر الحسيات وطعن فيها وجزم بالبديهيات. ومن الناس من طعن فيهما وأنكر الحسيات والبديهيات وهم السوفسطائية.
حكي أن صالح بن عبد القدوس مات له ولد فمضى إليه أبو الهذيل ومعه النظام وهو غلام حدث، فرأى من جزعه فقال له: لا أعلم لجزعك وجها إذ كان الناس عندك كالزرع! فقال صالح: يا أبا الهذيل، إنما أجزع عليه لأنه لم يقرا كتاب الشكوك فقال وما هو؟ قال: كتاب وضعته، من قرأه شك فيما كان حتى يتوهم أنه لم يكن، وفيما لم يكن حتى يظن أنه قد كان. فقال له النظام: فشك أنت في ابنك أنه لم يمت وإن كان مات واعمل على أنه عاش إلى أن قرا الكتاب وإن كان ما عاش إلى أن قرأه. فبهت صالح وحصر.
وإذا كان الأمر وصل في المكابرة إلى هذا الحد، فما ظنك بمن يعلل رفع الفاعل ونصب المفعول وعمل لم الجزم وإن جزم الشرط والجزاء وغير ذلك. وباب الجدل مفتوح لكل من أراد أن يمنع شيئا. ولهذا يقال: إذا ناظرت المعتزلي في مسألة الرؤية الزم جانب المنع، ومن أراد أن ينكر شيئاً أنكره وأتعب خصمه، فلا يستطيع أن يقهره.
وليس يصحّ في الأفهام شيءٌ ... إذا احتاج النهار إلى دليل
نعم إذا لزم خصمك الحق وقصده ظفرت منه بالمراد، وجذبته بعد العناد إلى الصواب سلس القياد وإذا كان متعنتا أو جاهلا أو جاحدا، فإنما تضرب في حديد بارد وقد ضيعت نفخك في الرماد.
وما يقوم لأهل الحب بينةٌ ... على بياض صباحٍ أو سواد دجا
ويابن الأثير: إن كانت تعليلات النحاة واهية لم تثبت على محك النظر، فماذا الذي يثبت على محك النظر من تعليلات أصحاب المعاني وهي ما هي؟ أكثر ما يستندون إليه شبه خطابية لا يقطع بها. ولو عورضوا فيها وقفوا في الكثير منها.
وكان الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد رحمه الله تعالى يقول: علم المعاني والبيان إلى الآن بعد ما أنضجته الطبيعة. حكى لي ذلك عنه الشيخ فتح الدين ابن سيد الناس بالديار المصرية في سنة ثمان وعشرين وسبعمائة، فإنه تلميذه الخاص به.
وما أشك أن الكثير من الحجج أقوى وأقطع وأقرب إلى الجزم من الكثير من حجج أرباب المعاني، بل ما بينهما صيغة أفعل. فأت في ذلك بحجة قاطعة:
أو فدع الأشياء مستورةً ... وادخل بنا في النسب الواسع
ما يشترك فيه الكاتب والشاعر
قال في الفصل التاسع في أركان الكتابة: إن الكاتب من أجاد المطلع والمقطع، أو يكون مبنياً على مقصد الكتاب. ثم قال: وهذا يشترك فيه الكاتب والشاعر.
(1/14)

أقول: هذا فيه تسامح، فإن الشاعر في كل وقت ما يفتتح قصيدته بما يدل على مقصوده. فإن من مدح يطلب الإرفاد والإعانة بمال أو مركوب أو شفاعة أو طلب ولاية، ثم صدر تلك القصيدة بغزل يصف فيه محبوبه، أو وصف هوى أو غربة أو شوق أو مسير، كيف يتأتى له ذلك؟. نعم إذا كان مدحا مجردا بلا غزل لاق به ذلك، وأكثر ما يكون المدح مجردا من الغزل إذا كان في واقعة تجددت للمدوح فيهنئه الشاعر إما بولاية منصب أو بظفره بعدو أو بمولود أو بسلامة من حادثة أصابته أو هناء بعافية أو بتشيف أو غير ذلك من مجددات الوقائع. ولولا خوف الإطالة ذكرت الشواهد على ذلك.
وأما الكاتب فإنه إن كتب إلى من هو دونه أو مساويه أو أرفع منه، بحيث أنه تمكن مخاطبته بالدعاء، فيحتاج إلى أن يكون الدعاء مناسبا لما يتضمنه الكتاب من شوق أو وحشة أو هدية أو استهداء أو شفاعة أو سؤال أمر أو شكر أو هناء أو عزاء أو ما هو بحسب الحال. وهذا النوع إنما حافظ عليه المتأخرون من الكتاب خصوصا في التقاليد والتواقيع فإنهم راعوا ذلك. ولولا خوف الإطالة لأوردت من ذلك جملة كافية.
على أن هذا لا يحتاج أهل هذا العصر إلى التنبيه عليه، لأنه هذا الأمر قد اشتهر بين كتابه.. وقد بقي هو الغاية المطلوبة من الكاتب. حتى إنه ليقال: افتتح تقليده أو توقيعه أو كتابه بكيت وكيت. ويذكر اسم صاحب التقليد في أول السجعة، أو ينبه على معنى ما اشتمل عليه الكتاب. فمنهم السابق ومنهم المقصر. وقد يتفق في غالب الأوقات اسم المكتوب له والوظيفة، فينبه الكاتب على المعنى. ألا ترى ما أحسن قول.... وقد كتب تقليدا بولاية العهد للسلطان الملك الأشرف صلاح الدين فقال: الحمد لله الذي جعل الملك الأشرف صلاح الدين. فما استعار له شيئاً. واتفق لي مثل هذا في توقيع كتبته لقاضي القضاة الحنفية عماد الدين علي بتدريس المدرسة القايمازية فقلت: الحمد لله الذي جعل عماد الدين عليا فما استعرت له شيئاً. وهذا كثير الاتفاق.
وقول القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر وقد كتب تقليدا بولاية العهد للسلطان الملك الصالح علاء الدين علي عن والده السلطان الملك المنصور فقال: الحمد لله الذي شرف سرير الملك بعليه، وحاطه منه بوصيه، وعضد منصوره بولاية عهد مهدية وقول القاضي علاء الدين بن عبد الظاهر رحمه الله تعالى في تقليد كتبه لركن الدين بيبرس المظفر، عندما تملك عن مولانا أمير المؤمنين أبي الربيع سليمان أدام الله أيامه فافتتحه بأن قال: إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم.
وكتب فخر الدين بن لقمان عن الملك السعيد بن الملك الظاهر رحمهما الله تعالى تقليدا بوزارة برهان الدين السنجاري، افتتحه بقوله تعالى: " يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم ". وفي هذه اللمعة كفاية. ولكن قد ظهر أولا أن الشاعر لا يلزمه الكاتب من مراعاة المطالع.
كيف يستفيد الكاتب المنشىء
من التراث الأدبي
وقال في الفصل العاشر في الطريق إلى تعلم الكتابة: الثاني أن يمزج كتابة المتقدمين بما يستجده لنفسه من زيادة حسنة: إما في تحسين ألفاظ أو تحسين معان ثم قال: إلا أن هذه الطريق مستوعرة جدا، ولا يستطيعها إلا من رزقه الله لسانا هجاما وخاطرا رقاما، وقد سهلت لي صعابها وذللت فجاجها، وكنت أشح بإظهار ذلك لما عانيت في نيله من العناء.
أقول: وقد سلك هو طريقا والقاضي الفاضل طريقاً:
عاجوا إلى تلفي وعجت إلى الرضى ... شتان بين طريقهم وطريقي
فإن القاضي رحمه الله، أذهل لما أسهل، وابن الأثير سامحه الله أحزن لما أحزن، على أن ابن الأثير أكثر ما جاء به في طريقه: حل المنظوم، وتضمين الأمثال. وليس هو بأبي هذه العذرة، ولا ناظم تلك الشذرة. وأين كلامه من كلام الوزير أبي الوليد ابن زيدون: ومن وقف على ترسله، على حسن توصله إلى هذا الفن ولطف توسله. لا سيما رسالته التي كتبها على لسان ولادة بنت المستكفي إلى الوزير أبي عامر ابن عبدوس، والرسالة التي كتبها إلى ابن جهور يستعطفه بها. فإنه أتى في هاتين الرسالتين بالغرائب والعجائب، وضمنهما من الأمثال والوقائع وحل الأبيات ما زاد، وضوع نده في كل ناد، لأنه حشر فيهما فنادى، ونظم لآلىء ذلك توأما وفرادى فجاءت كل رسالة.
يحرك أعطاف المعالي سماعها ... وتبعث أطراب النهى وتهيّج
(1/15)

وهناك يعلم قدر هذا الرجل في إطلاعه، وبسط ظله وغاية ارتفاعه. حتى قيل: إن نثره أشبه منه بالمنظوم.
وقد نثر ابن خلف الحماسة وزاد عليها في مجلدة وسمها بالمنثور البهائي وادعى فيه أنه هو الذي ابتدع حل المنظوم، كما أن الخليل بن أحمد اخترع العروض.
وأما ابن الأثير، فإنه أكثر من الحل، وأتى فيه بما حرم وما حل، وزاد من رقمه في بروده، وبالغ من نظمه في عقوده.
والخد بهجته بخالٍ واحد ... وتقلّ فيه بكثرة الخيلان
وأتى فيه بالسمين والغث، وما جاء فيه بجديد إلا وقرنه بالرث. وحل المنظوم إنما هو نوع واحد، وقسم لو فقد ما كان عليه واجد، وما لم تمكن فيه خفة تروجه، وحلاوة تقرنه بالسمع وتزوجه، لم يعلق بالسمع قرطه، ولم يجاز بالقبول شرطه. وما أمثله إلا بعقد نثرت حباته، وروض صوحت زهراته. فأي حسن لقريض خانه وزنه، وأي نضارة لروض جفاه مزنه. اللهم إلا أن يكون المنشىء سليم الفطرة، قويم الفكرة، يستدرك على الناظم ما فاته، ويرهف صارمه ويثقف قناته، إما باحتراز ما لم يحد عنه، أو الإتيان بملائم لم يتمكن لضيق الوزن منه، أو باختصار ما يقوم المعنى بدونه، أو بزيادة زهر غصونه، أو بجودة سبكه، أو بإتقان حبكه. وهنا تظهر القدرة المتمكنة، وتكون أدلة الفصاحة بينه.
فليس لوصل من يدعى فيأتي ... عذوبة وصل من يدعى فيأبى
وأما القاضي الفاضل رحمه الله، فإنه سلك طريقا غريبة، وأظهر فنونا عجيبة، زعم بعضهم أنه كان جل اعتماده على حفظ كلام ابن أبي الشخباء، وأنه كان يستحضر أكثر كلامه، وبعضهم زعم أنه اعتمد على كلام ابن أبي الخصال، وبعضهم زعم أنه اعتمد على كلام البديع وهيهات، ليس في كلام واحد منهم تلك النشوة، ولا لمتكلم غيره تلك الخطوة في نيل الحظوة، ولا لمترسل حسنه الذي شق قلوب الرجال إن لم يقطع أيدي النسوة. بينما هو يخاطبك بالكلام، إذا به قد عاطاك كؤوس المدام، وبينا هو يناوح مهبك، إذا به قد سحر لبك، وبينا هو يتكلم مثل الناس على العادة، إذا به قد سرد الكواكب الوقادة، وبينا هو قد ألفتك ظهره، إذا به قد أدار لك المحيا، وبينا هو يسايرك في الثرى، إذا به قد تبختر عند الثريا.
فإن كان من درٍ فما الدرّ هكذا ... وإن كان سحرا إن ذا لعجيب
وها أنا أورد هنا من كلامه نبذة تكون لباقيه عنوانا، وفلذة تكون بينه وبين غيره ميزانا، من ذلك كتاب كتبه في وصف كتاب كتبه موفق الدين خالد بن مهذب الدين القيسراني بذهب وهو: وقف الخادم على ما دبجته أنامل الحضرة التي إذا صاب سحابها روض لساعته، وإذا عدمت حقيقة السحر فهي التي نفثها بيانه في روع يراعته، فانتقل من الاستحسان إلى التسبيح لأن حروفه شذور السبح، وخلص التفضيل من الترجيح بأول ما صافح الطرف من الطرف واللمح من الملح. فتناول منها جنة قد زخرفت بنار، وليلة قد وشحت بنهار، وروضة قد سقيت بأنها عقار، وغصون أقلام قد فتحت بنوار نضار، وعارض ذهب قد أذيب يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار. فتعالى من ألان لداود عليه السلام الحديد ولها الذهب، وأيقظ به جد هذه الصناعة بعد أن نام بين الأنام فهب، وأعلم الناس أن القلم في يد ابن البواب للضرب لا للطرب، وأن قيمة لك منها ومنه ما به في هذه الصناعة كتب، وحلاها بتمام البدور وأعطاه ما أعطى أباه هلالاً من المحاق، وأخر زمانها وقدم زمانه ورزقها السبق وحرمه اللحاق.
(1/16)

فمن ألفات ألفت الهمزات غصونها حمائم، ومن لام ألفات بعدها يحسدها المحب على عناق قدودها النواعم، ومن صادات نقعت غلل العيون الصوادي والقلوب الحوائم، ومن واوات ذكرت بما في جنة الأصداغ من العطفات، ومن ميمات دنت الأفواه من ثغورها لتنال جنى الرشفات، ومن سينات كأنها التأشير في تلك الثغور، ومن دالات دالات على الطاعة لكاتبها بانحناء الظهور، ومن جيمات كالمناسر تصيد القلوب التي تخفق لروعات الاستحسان كالطيور، وفها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين، وخالد فيها خالد، وتحيته فيها المحامد، ويده تضرب في ذهب ذائب والخلق تضرب في حديد بارد. فهي اليد التي تنظم تيجان الملوك بدرها، وتظهر آية الكرم على قراطيسها بما تظهره من تبرها. وما كنت قبل يدها أحسب أن سحابا تمطر نضارا، ولا أن ماء يستمد نارا، ولا أن أقلامها سيوف قد سفكت دم المال فأجرته أنهارا، ولا قبل لحظها أن الشفق لا يشفق من طلوع الفجر، ولا أن لون الوصل ينفض على لون الهجر، ولا أن الليل يتشبث بعطف البرق فلا يريم، ولا أن ذهب الأصيل يجري به سواد الليل البهيم، ولا أن يدا كريمة تدعي من آيات قلمها ومعجزات كرمها أن الجلمود بها يفارق الجمود، وأن البراعة تسير فرقدها على الظما فيشافه منهل النضارة المورود، وما كانت خطوط الفضلاء إلا تجربة بين يدي تحريرها الآن، ولا أقلامها إلا حطبا أوقدته على الذهب فذاب لها ولان، ولا يحسب الخط إلا يحسب بيدها فغيرت له أثواب الحداد وجلت عرائس حروفه مضمخة الأجساد بالجساد، وأطلعت إنسان عين الإحسان بدليل كونه لم يلمح إلا في سواد، وسجد له والسجود فرضه لأنه دون التيجان، وقبله والتقبيل حقه لأن الجنان يحاور منه حور الجنان، وكيف لا يفضل جوهرها بأن يفصل، وتقابل حروفها بأن تقبل، وقد كتب الناس باليد وكتب بالعين، وحصل الناس من هذه الصناعة بعد حرب حنين على خفي حنين، وفازت بما أظهرت من نروتها للنظار من النضار، وصحت لها الكيمياء، لأنه كتب بشطر دينار سطرا بألف دينار، وأن له في نهارها بل في أنهارها سبحا طويلا، وأنها على خفة وزنها وقلة أسطرها لتكلف من الشكر عبئا ثقيلا، وكيف لا يخف ميزان الثناء على أنهار حجته بذائب ذهب، وكيف يضل وفد الشكر وقد هدته بذوائب لهب، وقد نشره وطواه حتى كاد أن يخلفه، وأسام فيه ناظر لا يسأمه، فكان آخر ما تأمله أول ما رمقه، ومأسى لافتنائه يعبد مذهبه على حرف أو على ورقه، وورده إذ يقسى ورده فازداد عطشاً على كثرة العل والنهل، وأعشاه إذ أغشاه وكثرة النور تعشى ناظر المقل.
ومن ذلك ما وصف به الخيام من جملة كتاب وهو: أما الخيام فقد بليت وصارت أمشاجا، ورقت فخالطت كأس الغمام مزاجا، ولقيت معنا الشدة وكانت شدتنا أن رأينا بها انفراجا. ففيها من السماء رقاع، وكأنما أخذها في شق الثياب سماع، وإذا هبت الرياح فهي بتقدمها وتأخرها في نزع حثيث، ونزغ من الشيطان خبيث، طلقتنا وهي بعد في حبالنا، وطعنت وهي بعد في عقالنا، إن أرسلت الريح آية ظلت أعناقها لها خاضعة، وإن قعدنا فيها فعلى قارعة الطريق وهي قاعدة على طريق القارعة، وإن وقعت ليلا فما لوقعتها الخافضة رافعة. بها للدهر جراح الإبر لا تقطبها، ومنها على الدهر أطلال تصدقها العين تارة وتكذبها، وقد فرجت سماؤها وانشقت، وأذنت لربها وحقت. لم يبق في أديمها بشرة تعاتب، ولا في صبرها مسكة تجاذب. كأنها وأخواتها إذا هبت الرياح المجرمون رأوا العذاب، وتقطعت بهم الأسباب، بحيث ترى حماها نافضا، والعارض قد دخل عليها على الحقيقة عارضاً، فعمدها الأغصان هزها البارح، وشرائطها الشرار أطاره القادح، وأما إذا نشأت السحائب فسلت سيوف برقها، وسلسلت سيول ودقها، فإنها أمام تلك السيوف جرحى، ووراء تلك السيول طرحى. تود ما ود ابن نوح يوم لا عاصم، وتراها كبط الماء ونحن بين غريق وعائم. نضربها في كل يوم فوق الحد، ونأخذها في المصيف بحرب حر في الشتاء ببرد برد.
(1/17)

ومن ذلك كتاب أصدره من بعرين، وهو: المستقر ببعرين، حيث أخرجت السماء أثقالها وفتحت من عزاليها أقفالها، وركضت خيل الرعود لابسة من الغيم جلالها، وثوب الليل بماء الغمام غسيل، وشبح الظلام بسيف البرق قتيل، وغراب الأفق في الجو باز، إلا أنه في قوس قزح ناز، وكأن عقارب الظلماء بالثلج أفاع، فليكن ليل قرينتها ليل السليم، وكأن مواقع الرعد قعاقع حلي الغواني فهو لا ينام ولا ينيم، وكأن الصباح قد ذاب في الليل قطرا، وكأن البرق لما ساوى الغمام بين صدفي الليل والنهار قد قال آتوني أفرغ عليه قطرا، وقد ابتل جناح الليل المغدف فما يطير، وأبطا حمام الصبح خلاف ما نحاه في رسالة نوح فما يسير، والرياح وقد أعصفت فقصفت عيدان نجد ورتمها، وخيولها قد ركضها السحاب فكان البرق تحجيلها ورثمها.
فأما الخيام التي قد نضجت جلودها بإيقاد الشمس واسودت، ثم نضحت بدموع الغمام فتراخت أجفانها بعدما اشتدت. فما هي إلا أعين سال منها بالدموع كحلها، وخيول دهم حل عنها بالرياح من الأطناب شكلها، ولا يزال الخصام بينها وبين الأهوية إلى أن تشق الثياب من حربها كما شقها السحاب من طربها، ونحن ندأب في عقد ظنبها، لندخل في عقد حسبها. وهيهات سلبت في البيكار أشباحها، وخرجت بالرياح أرواحها. فالشمس إن طلعت ألقى الشرق جامات تقر على العيان، لا دنانير أبي الطيب التي تفر من البنان. وما لاذت بجانبها الرياح، وأبت على الأطناب من إرسالها في عنان الجماح، إلا أشبهت قطاة غرها شرك وقد علق الجناح، وقذاة هزها درك وقد أبت البراح.
وقد زادت السيول إلى أن صارت هذه الخيام عليها فواقع، وهمهم الرعد قاريا فاستقلت قيامها بين ساجد وراكع. وأنا فيها كعثمان في داره، والخطب قد أخذ في حصاره. فلا يزال نبل الوبل مغرقا، ولا أزال على نفسي من السيل مخندقا. وقد رجعنا إلى النشأة الأولى فعدنا في هذا الماء علقا. ولا كفران لله فإني ملقى على طرق الطوارق، ملقا ما شاب العيش من فراق يشوب بالشيب المفارق. وما كنت أخشى أن ينقلني الدهر من درجة مجانيه المقتطفة، إلى مدرجة مجاريه المجتحفه، ولن يرى أعجب مني ممحلا وأنا أشكو الغدران الغادرة، ومجدبا أتظلم من ظلمات الليالي الماطرة. وقبح الله بعرين، وإن استجن أسد الإسلام منها بعرين، وأنا بريء منها بعدد رمل يبرين.
ومن ذلك: وتلك الجهة وإن كانت غريبة، فإن الغرب مستودع الأنوار، وكنز دينار الشمس ومصب أنهار النهار.
ومن ذلك: وبالجملة، إن كانت البلاغة دينا فقد ألحد من لا يوحده وإن كانت سيفا فقد تعرض للحد من لا يقلده، وإن كانت فراشا فقد نفي عن ظهر البلاغة مالا يلده.
ومن ذلك: فلو ملكتم الدهر لامتطيتم لياليه أداهم، وتقلدتم أيامه صوارم، ووهبتم شموسه وبدوره دنانير ودراهم، وأيامكم أعراس وكأنه ما تم على الأموال فيها مآتم، والجود في أيديكم خاتم ونفس حاتم في نقش ذلك الخاتم.
ومن ذلك: فروح الله تلك الروح، وفتح لها أبواب الجنة فهي آخر ما كانت ترجوه من الفتوح.
ومن ذلك في شرك صنيعه: والله إن صنيعته كالشمس وضوحا لا أجحدها، ولو جاز أن تعبد الشمس في دين الله لكنت أعبدها، فإنها شمس ما ألقت يدا في كافر، ولا وضعت يدا إلا في شاكر.
ومن ذلك: ولو بلغ القول مني إلى السمع لما بلغ إلى القلب، ولو رأيت سيفه خضيبا من مقره في صدري لما استشعرت الحرب، ولو صمم على الضرب لحركته حتى يصير من الضرب لا من الضرب.
ومن ذلك: والقلوب طيبة، والغيوث صيبة، وقد صار على عطف كل زرع منها جبيرة تتبرج وعلى أذن كل قرط منها لؤلؤة تترجرج.
ومن ذلك: فلا عدمت تلك الأنفاس من النفائس، وتلك العقائل العرائس، وتلك الجواهر التي تسرني أن تفضح عرضي، وتلك السهام التي هي والله غرضي.
ومن ذلك: ووثقنا بنجح الطلب، وأمسكنا بقرون حماة فحصلنا على حلب حلب.
ومن ذلك في ذكر النيل يتدافع تياره دافعا في صدر الجدب بيد الخصب، وترضع أمهات خلجه حتى أبناؤها بالعصف والأب.
ومن ذلك: والمهامه قد نشرت ما ملأها من ملاء السراب وزخر فيها ما ولد لغير رشده على فراش السحاب.
ومن ذلك: وإن يصفح عنه الصفح الجميل المألوف من هذا البيت، فبصفحهم أمضى الله حدهم، وبعفوهم أنجح الله جهدهم، وباتباعهم لأبيهم رحمه الله عليه أعلى الله سبحانه جدهم.
(1/18)

ومن ذلك: والله بيننا وبين البين، فما أكثر فضوله ودخوله بين المحبين.
ومن ذلك: وقد وصل كتابه الكريم جواباً بل ثواباً عن كتابي العافي، وأسفر بشر صفحة بره المخفي وكل بشر لا إخفاء معه فهو بشر الحافي.
ومن ذلك: والقصائد أنا مترقب وصولها بأي خط اتفق، فعربيتها لا تغولها عجمة الناقل، ونور حقها يعرف من ظلمة الباطل، وما يضر محاسن سحبان أن تجري على لسان باقل.
ومن ذلك: سعدا لا يصوح منه مربعه الأخضر، أمنا لا يحزنه الفزع الأكبر، مطاعا بنفاذ تصريفه الأبيض والأسمر، محبوب القلم حتى لو عاداه السيف لقيل له إن شانئك هو الأبتر.
ومن ذلك: ولا أعدمني تفضله الذي تفض له صحائف الود، وتفاظ عليه طرائق الحمد، وعهده الذي جمع إلى بقاء الآس نضارة الورد، وإلى رواء الروض ري الورد.
ومن ذلك: وإلى أن تنجلي عنا هذه الغمره، وإلى أن تجف مناديل العيون فإنها كانت بالدموع عصره.
ومن ذلك: وفداه بأوليائه وإخوانه، ولا كرامة لأعدائه ولا نعمة لحسده، وأبقى على الدهر سؤدده الذي أجار بنيه من سوء دده.
ومن ذلك: ورد من سيدنا كتابان شرحا الصدر وسرا السر وسريا الهم، ولقياني بالفتح ولقيتهما بالضم.
ومن ذلك: ورد المثال الشريف من الديوان العزيز، فأبى له الضلال نوره، وأناله الهدى والهدو إسفاره وسفوره، وجلا وجله ملا أمله حبوره وحبيره، وما عدت أن غدت جنته وجريره جنته وحريره، وراض طرف طرفه في روض أنف أنف أن يعبر عنه إلا عبيره، وحلا عنه الآثام وأحله الدرجات العلا فهو سواره وسوره وسريره.
ومن ذلك: قسم فعدل، وأجزل فأفضل، وبلغ فلم يكن في بلاغ بلاغ، وفتح زهرا ما كان مثله ما يطول إليه باع باغ، فلله هو من كتاب ولله قلمه، فهذا أورد ما ساغ، وهذا قلد ما صاغ.
ومن ذلك: فأما الكتاب إلى غريم الجمال فالله يجمع المال على الجمال ويريحه من اتفاق هاتين السجعتين حتى يكون الجمال الجم المال.
ومن ذلك: والفضل بيد الله يؤتيه أهله، وقد زاده منه فلا عدم فضله، فما يجاريه مجار إلا حمق وكان في طريق السيل بقله.
ومن ذلك كل لفظة موصولة بأنة، وفي كل قلب من حزنه نار وفي كل دار من فضله جنة.
ومن ذلك: فما وصلت إلى مكان العافية منه، إلا وقد امتقعت واقتطعت وقلت بقية السلف الوضاح، وسحاب الفضل حوشي أن يضف حتى يكاد يرفعه من قام بالراح.
ومن ذلك: وأغناه بحراسة لفظه عن احتراسه، وأغنى الملك عن إعمال سهمه بقرطاسه.
ومن ذلك: وأدام سيادته على أهله، وأعاذه بخصب رحله من محل محله، ولا عدمنا من لفظه ما يشهد أنه الشهد حقا لا نحلة نحله ولا نحيلة نخله.
ومن ذلك: وأهلك كل عدو له وأذله، وجعل الحياة قذى وأذى له، ووقفت منهما على البلاغة المسرودة الموضونة، والجواهر الثمينة المكنونة، والثمرات التي اجتناها من شجرة البلاغة الطيبة، ومن الناس من يجتني من الشجرة الملعونة.
ومن ذلك: هو ذلك الفرع الذي سقاه حتى التف في ورقه، وخطر في سندسه وإستبرقه، وشافه منه بياض الفجر بعدما كان لا يظفر بأزرقه.
ومن ذلك: وبات الناس بالحصن مطيفين والنيران بهم مطيفة وعليهم مشتملة، وعذبات ألسنتها على وجهه مسدلة ومن خلفه مسبلة، ولفحاتها جهنمية وقودها الناس والحجارة، والبلاء ينادي طبرية وإياك أعني واسمعي يا جارة.
ومن ذلك: ولا زالت الملوك ببابه وقوفا، والأقدار له سيوفا. والخلق له في دار الدنيا ضيوفا، ودين دين الحق يعلم الناس إذا جرد لتقاضيه سيوفا أن سيوفى.
أقول: كيف رأيت هذه الدرر المتسقة والمحاسن المتفقة؟ هل أتى غيره بهذا النمط، أو ظفرت بهذه النكت في ذخائر الكتاب قط:
هذا كلامٌ عن الأملاك محتجبٌ ... فلا تذله بإكثارٍ على السّوق
وسوف يرد له في أثناء هذا الكتاب ما تدور عليه كؤوسه، وتشرق شموسه.
الصفدي ينتقد ابن الأثير في بعض من إنشائه
وأما قول ابن الأثير رحمه الله في هذا الفصل الذي قدمته: إلا من ملكه لسانا هجاما وخاطرا رقاما.
فأقول: ما أدري ما أقوله في هذا، أي مناسبة بين هجام ورقام: ثم إن استعارة الرقم للخاطر بعيدة، وإنما الرقم لليد حقيقة وللقلم مجاز. وما معنى اللسان الهجام، ولو قال لسانا قوالا، وخاطرا جوالا، أو لسانا حاد الغرب، وجنانا لا يهاب الحرب، أو لسانا نظاما، وبنانا رقاما، أو ما أشبه ذلك لكان أحسن.
(1/19)

قال في هذا الفصل: ومن وقف على ما ذكرته علم أني لم آت شيئاً فريا، وأن الله قد جعل تحت خاطري من بنات الأفكار سريا.
أقول إنه هنا في مقام تعظيم لما أتى به في فن الكتابة من حل المنظوم والآيات الكريمة، فقوله، شيئاً فريا ينافي هذا المقام، لأن الفري العظيم أو الشيء المختلق المصنوع، فإذا قال: ما أتيت شيئاً عظيما، أو شيئاً مختلقا مصنوعا، لم يكن ذلك مناسبا.
وأما السري فإنه النهر الصغير، ومن ذهب إلى أنه عيسى عليه السلام، بمعنى أنه واحد من سراة الناس، فإنه غلط منه.
قال لبيد يصف حمر الوحش:
فتوسّطا عرض السّريّ وصدّعا ... مسجورةً متجاوراً قلاّمها
فالسري: النهر الصغير. والمسجورة: صفة للعين المملوءة.
وما أحسن قول أبي المقدام الخزاعي من جملة قصيدته المشهورة في اللغز:
وسريّا رأيته وسط قوم ... ماكثا ما يريد عنهم زوالا
تشرب الخمر دونه وسقوه ... حين دارت رحاهم أبوالا
السري: هو النهر الصغير وعليه سياق الكلام. وسياق الآية الكريمة يدل على بطلان قول من قال هو كناية عن عيسى عليه السلام لأنه تعالى قال: " وكلي واشْرَبي " أي كلي من الرطب الجني، واشربي من النهر، وإذا ثبت هذا فما أدري ما معنى قوله تحت خواطري من بنات الأفكار سريا فإن أراد الذي ذهب إليه من زعم السري هو عيسى عليه السلام، فكان ينبغي له أن يقول سريات لأنه صفة لبنات، وإن كان المراد النهر فلا معنى له.
ولو قال: علم أني امتلأت من ذلك ريا، وأن الله قد جعل تحت فكري من هذا النوع سرياً.
قال أيضاً بعد ذلك: والذي يعلمها منهم يرضى بالحواشي والأطراف، ويقنع من لآلئها بمعرفة ما في الأصداف.
أقول: ما أدري معنى هذه القرينة الثانية ما هو؟ فإنه ما في الأصداف إلا اللؤلؤ ولو قال: ويترك اللآلىء ويضم الأصداف، لكان أحسن.
قال: ولو استخرج منها ما استخرجت، واستنتج منها استنتجت لهام بها في كل واد، وتزود إلى سلوك طريقها كل زاد.
أقول: هذه السجعة الأخيرة محلولة باردة لا معنى تحتها. ولو قال: لهام بها في كل واد، وارتفع لها في مظهر الربا وانخفض في مضمر الوهاد، لكان أحسن.
ادعاء ابن الأثير الإبداع في رسالة له
في ذم الشيب
قال في هذا الفصل: ومن ذلك ما ذكرته في فصل من كتاب يتضمن ذم الشيب فقلت: والعيش كل العيش في سن الحداثة، وما يأتي بعدها فلا يدعى إلا بسن الغثاثة، وليس بعد الأربعين من مصيف للذة ولا مربع، وهي نهاية القوة الصالحة من الطبائع الأربع فإذا تجاوزها المرء أشفت ثمار عمره على خرصها، وصارت زيادته كزيادة التصغير تدل على نقصها، ويصبح بعد ذلك وهو يدعى أبا بعد أن كان يدعى ابنا، ويتقمص من المشيب ثوباً لا يجتر ذيله خيلاء ولا يزهى به حسنا. وإن قيل إن أحسن الثياب شعاراً البياض قيل: إلا هذا الثوب فإنه مستثنى، ويكفيه من الفظاعة أنه ينظر الأحباب إليه نظر القال، ولولا أن الخمود بعده لما استعير له لفظ الاشتعال. ومن الناس من يدلس لونه بصبغة الخضاب، وليس ذلك إلا حدادا على فقد الشباب، وهو في فعله هذا كاذب ولا يخفى أنس الصدق من وحشة الكذاب. وخداع النفس أن تسلو عن بسره المعطلة وقصره المشيد، ويحسن لها الخروج في ثوب مرقع وهي تراه بعين الثوب الجديد ثم قال وبعض هذا مأخوذ من شعر ابن الرومي. وهو قوله:
رأيت خضاب المرء بعد مشيبه ... حدادا على شرخ الشبيبة يلبس
غير أن في هذا الفصل معاني كثيرة لا توجد في كلام آخر.
أقول: قد ادعى أنه ابتكر ما فيه هذا الفصل من المعاني، وأنا أذكر أبياتا تدل على أخذ كلامه منها.
قال أبو الطيب:
آلة العيش صحةٌ وشباب ... فإذا وليّا عن المرء ولّى
وقال التهامي أيضاً:
وطري من الدّنيا الشباب وروقه ... فإذا انقضى فقد انقضت أوطاري
وقال ابن أبي حصينة:
كأنّ الفتى يرقى من العيش سلّما ... إلى أن يجوز الأربعين وينحطّ
وقال سبط التعاويذي:
وعلو السن قد كس ... ر بالشيب نشاطي
كيف سموه عوا ... وهو أخذٌ في انحطاط
وقال أبو الطيب في معنى أن زيادة التصغير نقص:
وكان ابنا عدو كاثراه ... له يائي حروف أنيسيان
(1/20)

وما أحسن قول ابن قلاقس:
في أمر توقيعي وأمري سيرةٌ ... أعيت على الفطن الفصيح الألسن
حكمت زيادته عليه بنقصه ... كالضيف لما ازداد نون الضّيفن
وقال أبو الطيب:
متى لحظت بياض الشّيب عيني ... فقد رأت انتقاصي في ازديادي
وقال ابن صردر:
لم أبك أن حلّ المشيب وإنما ... أبكي لأن يتقارب الميعاد
شعر الفتى أوراقه فإذا ذوى ... جفّت على آثاره الأعواد
وقال ابن عبد ربه:
وإذا دعونك عمّهنّ فإنه ... نسبٌ يزيدك عندهن خبالا
وقال أبو الطيب:
أبعد بعدت بياضا لا بياض له ... لأنت أسود في عيني من الظلم
وقال الغزي:
أوهنت زهرة الحياة وأذوت ... زهرة العيش زهرةٌ في القذال
كاد يخفى عليّ قبل اشتعال ال ... رأس أن الخمود في الاشتعال
قال: ومن هذا المعنى قولي أيضاً: وهو أخذ المكارم من سمائها وأرضها، وقام بنقلها في الناس وفرضها، وتحلى بأسماء الشهور حتى أصبح بعضها حاسدا لبعضها. فالمحرم للعائذ بحرمه، وصفر للطامع في مسعاة قدمه، وربيع لرائد نواله، ورجب لأقوال عذاله. وهذا مأخوذ من قول الفرزدق.
يداك يدٌ ربيع الناس فيها ... وفي الأخرى الشهور من الحرام
وقد قال الشعراء في ذلك كثيرا، ولكني أنا تصرفت تصرفا لم يتصرفه أحد غيري.
أقول: أي تصرف، وما نكر شيئاً إلا وتعرف. وقد استعمل الناس أسماء الشهور فجاؤوا بها عذبة حلوة متمكنة. كقول القائل في بخيل:
تحلّى بأسماء الشهور فكفّه ... جمادى وما ضمت عليه المحرم
وقال الآخر فأحسن كل الإحسان.
وشادن مبتسم عن حبب ... مورّد الخد مليح الشنب
يلومني العاذل في حبه ... وما درى شعبان أني رجب
كانت العرب تسمى شعبان العاذل، قبل الإسلام، ورجب الأصم.
وما أحسن قول القاضي الفاضل رحمه الله: تولى الله تحقيق مقصده، وترويق مورده، وتشييد مباني أسعده، وتخليد مغاني سؤدده، حتى تنتظم مواهب الله لديه مثنى وفرادى، ويلبس أمن رجب في شعبان وخصب ربيع في جمادى.
وقوله أيضاً: فهو الماء إلا أنه الزلال، والسحر إلا أنه الحلال، والورد النضر إلا أنه بعيد العهد من الملال، وأيام الوقوف عليه أيام أعياد بين طهارة رمضان وخصب شوال. وقوله أيضاً ويعود إلى ذكر كتابه: فسجد لمحرابه وسلم، وحسب سطوره مباسم تتبسم، ووقف عليه وقوف المحب على الطلل يكلمه ولا يتكلم، وهطل جفنه وقد كان جمادى بدمعه وقد كان على خده المحرم.
وقول ابن سناء الملك:
نشيطة حسن القد والخد والحلى ... فلم زعموا أن المليحة مكسال
أطلّ على نسكي بها جهل صبوتي ... فيا رمضان قد أظلّك شوال
وأما استعمال أسماء الشهور موراة، فمن أحسنها قول القاضي محيي الدين عبد الله بن عبد الظاهر:
إياكم أن تنكروا جعفرا ... ذاك الخياليّ وأصحابه
فنيل مصرٍ كم له جعفرٌ ... مخيّل يخرج في بابه
ما أصنع هذين البيتين وألطف هذا التخيل.
وقول ابن قزل:
قد ضجرنا من ماء تل العجول ... وكرهنا سماع قالٍ وقيل
ومن المحنة التي نحن فيها ... حر تموز آب في أيلول
وقول أسعد بن مماتي:
قد نفث السحر السحر ... وأشبه الزهر الزهر
وبلّ كافور الندى ... ثياب أوراق الشجر
والعندليب مذ رأى ... محرّم الروض صفر
وقول السراج الوراق من أبيات:
وأراد اطفاء السرا ... ج بها فضاعفت التهابه
وحوى بها طوبى فصا ... ر حديثنا في الناس بابه
وقول ابن الساعاتي:
ليوسف يوسفٌ إن أزمةٌ عرضت ... يخشى فيرجى وفي أحكامه عمر
كل الشهور ربيعٌ من فواضله ... حيث الخزائن من أمواله صفر
مناقشة مثال لابن الأثير
قال: ومن ذلك ما ذكرته في استصلاح مودة وساق الفصل وفي آخره: والصبر خير ما استعمل في جفاء الإخوان، والماء إذا جرى في مكان ثم انحرف عنه فلا بد وأن يعود إلى ذلك المكان.
(1/21)

أقول: ما أدري ما معنى هذا. فإن الماء إذا انحرف عن مكان، إنما ينحرف باستفال الموضع الذي انحرف إليه عن الموضع الذي انحرف عنه. إما بأخدود يحفر، أو بتهدم من نفس الأرض. وحينئذ يرجع الماء القهقرى وينعطف عن المرتفع، وينحدر إلى المنخفض. هذا الذي يفهم من لفظة انحرف الماء. ومتى كان الأمر كذلك فلا يعود الماء إليه، اللهم إلا أن يدعي أن مدد الماء يقوى دفعه فيزيد إلى أن يعلو المنخفض، ولم يجد له حيزا يشغله غير ذلك الذي انحرف عنه. وهذا غير مفهوم من مجرد كلامه.
ولو قال: فإن الغيث إن أقلع صوبه عن مكان، فلا بد وأن يعود في وقت إلى ذلك المكان. أو فإن الماء إذا جفا موضع جريته في وقت، فلا بد أن ينعطف على ذلك المكان. أو إذا قطعت سقياه عن مكان أو ما ناسب ذلك، غير لفظة انحرف.
وما أحلى قول القاضي الفاضل: وقد يعود الماء إلى مشرعه، والكوكب إلى مطلعه.
وما أحسن قول القائل في معنى قول ابن الأثير:
سأصبر صبر الحر من غير قدرةٍ ... على الصبر لكن من طريق التجمّل
لعلك يوماً أن تردّك رحمةٌ ... عليّ فتلقاني بوجه التفضل
مناقشة مثال آخر لابن الأثير
قال: ومن ذلك ما ذكرته في وصف الخمر وهو: الخمر لا تفي لذة إسكارها بتنعيص خمارها، فهي خرقاء البنان، بذيئة اللسان، وتأنيثها يدلك أنها من ناقصات العقول والأديان. وقد عرف منها سنة الجور في أحكامها، ولولا ذلك لما استأثرت من الرؤوس بجناية أقدامها. وهذا أحسن من قول الشاعر وأغرب وألطف، لأنه قال:
ذكرت حقائدها القديمة إذ غدت ... زمنا تداس بأرجل العصّار
لانت لهم حتى انتشوا وتمكنت ... منهم فصاحت فيهم بالثار
أقول: أما إضافة البنان واللسان والعقل والدين إلى الخمر، فإنه من الغريب وأغرب من ذلك أن جعل للرؤوس أقداما، وأغرب من هذين كونه يدعي أن كلامه ألطف وأحسن وأغرب من قول الشاعر، والفرق مثل الصباح ظاهر. وكأنه أراد أن يد معاقرها خرقاء، ولسانه بذيء، وعقله ودينه ناقصان ولو نسب ذلك إلى الندمان في ذم الخمر لكان قادحا فيها. وإنما إضافة الجوارح والعقل والدين إليها فغير جائز إلا بتأويل بعيد إلى الغاية.
وما أحسن قول أبي تمام:
خرقاء يلعب بالعقول حبابها ... كتلاعب الأفعال بالأسماء
وقول القائل:
وصف المدامة شاربوها أنها ... تحوي السرور وتطرد الهمّا
صدقوا هفت بعقولهم وبدينهم ... أرأيت عادم دين مغتما
وقول ابن سناء الملك:
عروسكم يا أيها الشرب طالقٌ ... وإن فتنت من حسنها كلّ مجتلي
دفعت لها مالي وعقلي معجّلا ... فقالت وجنات النعيم مؤجلي
قيل: إن سليمان بن عبد الملك ناول نصيبا قدحا. فقال. يا أمير المؤمنين، إنما وصلت إليك بعقلي فإن رأيت أن لا تفرق بين عقلي وبيني فعلت وقول السراج الوراق.
شؤم أم الخبائث الخمر شومٌ ... جاوز الحد فاستمع ما يعدّ
فلها في الدنان حبسٌ وللرا ... ووق صلبٌ وللمعاقر جلد
وأما قوله: فاستثأرت من الرؤوس بجناية أقدامها. الضمير لا يخلو: إما أن يعود إليها أو إلى الرؤوس وكلاهما غير جائز.
وما أحسن قول ابن زهر إلا شبيلي:
وموسّدين على الأكف خدودهم ... قد غالهم في السّكر ما قد غالني
ما زلت أسقيهم وأشرب فضلهم ... حتى سكرت ونالهم ما نالني
والكأس تعلم كيف تأخذ ثارها ... إني أملت إناءها فأمالني
وقال أبو تمام من قصيدة:
إذا اليد نالتها بوترٍ توقّرت ... على ضغنها حتى استقادت من الرجل
وتصرع ساقيها بإنصاف شربها ... وصرعهم بالجور في صورة العدل
وأما قوله: وتأنيثها يدلك أنها من ناقصات العقول والأديان. ما أحسن ما استعمل المتنبي هذا في وصف الدنيا فقال:
شيم الغانيات فيها فما أد ... ري لذا أنث اسمها الناس أم لا
(1/22)

قال: ومن ذلك ما ذكرته في الحث على الاغتراب وهو: لولا التغرب ما ارتقت بنات الأصداف إلى شرف الأعناق، ولا ارتقى تراب الأحجار إلى نور الأحداق ثم قال: وكذلك قولي في هذا المعنى وهو: في الانتقال تنويه لخامل الأقدار ولولا ذلك لم يكنس الهلال حلة الإبدار، والمندل الرطب حطب في أوطانه، والمسك دم في سرر غزلانه، ولولا فراق السهم وتره لم يحظ بفضل الإصابة، ولولا فراق الوشيج منبته لم يتحل بعز البنان ولا شرف الذؤابة.
وهذا الفصل فصل من القول في معناه، ومما لم يتسن للخواطر ابتناء مبناه. فمنه ما هو مأخوذ من الشعر، ومنه ما سنح به الخاطر على غير مثال وهو يشهد لنفسه.
أقول: قوله ارتقت أولا، وارتقى ثانيا فيه عي لتكراره. ولو قال في أحدهما ما اتصل أو ما سما أو غير ذلك لكان أحسن. وكذا ابتناء مبناه، ومثل هذا يعاب في الكلام. وقد عيب على الصاحب بن عباد قوله:
أشبّب لكن بالمعالي أشبب ... وأنسب لكن بالمفاخر أنسب
وبي صبوةٌ لكن إلى حضرة العلا ... وبي ظما لكن من العز أشرب
وسميت القصيدة اللاكنية لكثرة ترداد لكن فيها.
وكل هذه المعاني تداولها الشعراء وأكثروا منها. من ذلك قول ابن صردر:
قلقل ركابك في الفلا ... ودع الغواني للقصور
لولا التغرب ما ارتقى ... درّ البحور إلى النحور
وقول سبط التعاويذي:
قالوا انتزح وتغرب تكتسب شرفا ... فالدر ما عزّ حتى فارق الصدفا
وقول ابن قلاقس:
سافر إذا حاولت قدرا ... سار الهلال فصار بدرا
والماء يكسب ما جرى ... طيبا ويخبث ما استقرا
وبنقلة الدرر النفي ... سة بدّلت بالبحر نحرا
وابن قلاقس وابن الأثير رحمهما الله تعالى من أهل عصر واحد. فإن ابن قلاقس توفي سنة سبع وستين وخمسمائة. وابن الأثير توفي سنة سبع وثلاثين وستمائة ومولد ابن قلاقس سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة، ومولد ابن الأثير سنة ثمان وخمسين وخمسمائة. فعمر ابن الأثير أكثر.
وقول ابن الساعاتي وهو من أهل عصره:
وكن غانيا عن كل أرض بأختها ... وإن حلّ مغناها كواعب عين
فلولا فراق الدّر أصداف بحره ... لأنكره نحرٌ وصدّ جبين
وقول القائل:
الأسد لولا فراق الغاب ما افترست ... والسهم لولا فراق القوس لم يصب
والتّبر كالتّرب ملقى في مواطنه ... والعود في أرضه نوعٌ من الحطب
وقول أبي العلاء المعري:
والسمهرية ليس يشرف قدرها ... حتى يسافر لدنها عن غابه
وقلت أنا من هذه المادة:
سافر تنل عزا فما مسك الورى ... إلا دما في سرة الغزلان
والرمح لما فارق الوطن اغتدى ... بذؤابة خفقت وتاج سنان
وقلت أيضاً:
سافر تنل رتب المفاخر والعلا ... كالدر سار فصار في التيجان
وكذا هلال الأفق لو ترك السرى ... ما فارقته معرة النقصان
قال: ومن ذلك ما ذكرته في ذم الدنيا وهو: أنكاد الدنيا مشوبة بالأشياء التي جبلت النفوس على حبها، وكل ما تستلذه الأبدان من مآكلها فإنه يضرها من جهة طبها، ولهذا تذمم من منفعة الهليلج ومضرة اللوزينج. وأعجب من ذلك أنه لا ينتفع الإنسان بشيء من لذتها إلا ضرته من جهة ثوابه، فهو كالذي ينتفع باصطلاء النار وهي محرقة لأثوابه. وقد ضرب لذلك مثل من الأمثال، وقيل إن كل ما ينفع الكبد مضر بالطحال.
أقول: انظر إلى هذه الركة والعامية، ألا تراه أشبه بشيء بكلام العجائز قوابل النساء إذا أخذن يعظن ويضربن الأمثال، أكذا توصف الدنيا في حالة الذم: أتراه ما سمع بشيء من كلام علي بن أبي طالب رضي الله عنه إذا قال له رجل: صف لنا الدنيا فقال: ما أصف من دار أولها عناء، وآخرها فناء، حلالها حساب وحرامها عذاب، من استغنى فيها فتن ومن افتقر حزن ولا بشيء من بعض أقوال الحكماء فيها كقول بعضهم: الدنيا أمل بين يديك، وأجل مطل عليك، وشيطان فتان، وأماني جرارة العنان، تدعوك فتستجيب، وترجوها فتخيب.
أما سمع بزهديات أبي نواس التي منها:
وما الناس إلا هالك وابن هالكٍ ... وذو نسبٍ في الهالكين عريق
(1/23)

إذا امتحن الدنيا لبيبٌ تكشفت ... له عن عدوٍ في ثياب صديق
حتى إن الرشيد أو المأمون قال: لو وصفت الدنيا نفسها، ما وصفت بأكثر من قول أبي نواس. أما سمع بشيء من أقوال أبي العتاهية، وصالح ابن عبد القدوس ومحمود الوراق، ومن تعرض لذمها من الشعراء كالمتنبي وأبي تمام وغيرهما.. أما سمع بقول الزمخشري تحلين لهم ثم تمرين، وتحلين لهم ثم تمرين. الأول من الحلاوة والمرارة، والثاني من الحلول والمرور. أما وقف على رسائل المعري في ذم الدنيا. أليس يقول في بعض رسائله: فلو كانت الدنيا عروسا لطلقت ولكنها أم أملقت، يحبها ولدها على العقوق، وتصدهم عن إدراك الحقوق، مالنا ومالك أم دفر أما أما يقنعك هلاك الوفر: أعييتني بأشر، فكيف بدردر. سؤتني غانية، فكيف بك عجوزا فانية، وهيهات ما أصابك الهرم ولا البرم، وإنما ذلك لأبنائك الذين شربوا من إنائك ... وهي طويلة أتى فيها على ذكر من درج من أعيان الأمم. وهي من الرسائل الطنانات.
ويقول ابن الشبل البغدادي.
إنما نحن بين ظفر ونابٍ ... من خطوب أسودهن ضراء
نتمنى وفي المنى قصر العم ... ر فنغدو كما نسر نساء
صحة المرء للسّقام طريقٌ ... وطريق الفناء هذا البقاء
بالذي نغتذي نموت ونحيا ... أقتل الدّاء للنفوس الدواء
ما لقينا من غدر دنيا فلا كا ... نت ولا كان أخذها والعطاء
صلفٌ تحت راعد وسراب ... كرعت منه مومسٌ خرقاء
راجعٌ جودها عليها فمهما ... يهب الصبح يستردّ المساء
وقليلا ما تصحب المهجة الجس ... م ففيم الشقاء وفيم العناء
قبح الله لذةً لشقانا ... نالها الأمهات والآباء
نحن لولا الوجود لم نألم الفق ... د فإيجادنا علينا بلاء
دع كل ذا. أما وقف على الخطب النباتية ورأى كلامه فيها ويحذو حذوه ويتلو تلوه حتى يقول: الهليلج واللوزينج والكبد والطحال. والناس يذكرون مثل هذا، ولكن يدرجونه في عبارة تكون مفحلة لها وقع في النفس.
قال: ومن ذلك ما ذكرته في الزهد وهو: الناس في الدنيا للساعة الراهنة، كما أن النفوس ليست فيها بقاطنة.
أقول: ما أدري معنى التشبيه هنا ما هو.. ووجه العلاقة في ذلك. فإن قوله: كما، الكاف للتشبيه ولا نسبة بين: أنهم أبناء الساعة الراهنة، وبين أنهم يزولون. ولو حذف لفظة كما لاستقام المعنى، لأنه يعود: والنفوس فيها ليست بقاطنة.
ألا ترى أن بعض الناس عاب على أبي الطيب قوله:
لبس الثلوج بها عليّ مسالكي ... فكأنها ببياضها سوداء
وكذا الكريم إذا أقام ببلدةٍ ... سال النّضار بها وقام الماء
وقال: بأي شيء شبه إقامة الكريم وما تقدمه ما يناسب ذلك: والجواب عن ذلك: إنه لما قال إن الثلوج سدت المسالك عليه فرجعت ببياضها سوداء. شبه ذلك بالحالة التي تكون للكريم أنه يسيل به جامد النضار ويجمد مائع الماء. فهذا الاتضاد كذاك. وهذا الموطن مما يسأل عنه من شعر المتنبي.
قال في آخر هذا الفصل: وغاية مطلوب الإنسان أن يمد له في عمره، ويملى له في امتداد أثره. أما تعميره فيعترضه المشيب الذي هو عدم في وجود، وهو أخو الموت في كل شيء إلا في سكنى اللحود، والجوارح التي يدرك بها الشهوات ترى وكل منها قد تحول، وأصبح كالطلل الدارس الذي ليس عنده من معول. فلا ليلى بليلي ولا النوار، ولا الأسماع الأسماع ولا الأبصار الأبصار.
أقول: وهذا من ذلك النمط في الركة والسماجة، خصوصا هذا الأخير: لا يخفى على من كان عنده أدنى نباهة ويسير ذوق انحلال هذه الألفاظ وسقوطها. وكأنه أراد أن يحذو حذو أبي تمام حيث قال:
لا أنت أنت ولا الدّيار ديار ... جفّ الهوى وتقضّت الأوطار
ولكن أين الثرى من الثريا، ويا بعد ما بين القفا والمحيا. ومن النصف الثاني تعلم فائدة التكرار في النصف الأول.
ومن العجيب أنه قال في النوع الرابع في توكيد الضميرين، وقد أورد قول أبي الطيب:
قبيلٌ أنت أنت وأنت منهم ... وجدك بشرٌ الملك الهمام
(1/24)

لم أورده اختيارا له، وإنما مثلت به ليعلم توكيد المنفصل بالمنفصل. وإلا فالبيت ليس بالمرضي لأن سبكه سبك عار من الحسن.
أقول: فليت شعري أي طلاوة على قوله هو: أما أبو تمام فإنه خاطب نفسه كالمنكر ما كان منه في شغفه بتلك الديار التي وقف عليها بعد سلوه وتقضي أوطاره. وحق له أن يقول: لا أنت ذاك الذي كنت أولا، ولا هذه الديار تلك التي كانت أولا. يعني كأن نفسه أصبحت غير تلك والديار بدلت بصفة أخرى.
وما أحسن قول الحظيري الوراق:
تركتك فامض إلى من تحبّ ... ففعلك برّد نار الجوى
وقبّحك الغدر في ناظريّ ... وغودر عود الهوى قد ذوى
وصرت أراك بعين السلوّ ... وكنت أراك بعين الهوى
ومن المعلوم أن العين ما تغيرت في ذاتها، ولا كانت ثم عين وبدلت غيرها. إنما السلو أوجب أن يريه بعين القبح، والحب أوجب أن يريه بعين الحسن.
ومن هذا قول....
وعين الرضى عن كل عيبٍ كليلةٌ ... كما أن عين السّخط تبدي المساويا
وهذا دائر على ألسنة الناس. يقولون في من يتغير عليهم منه صفة من الصفات: كأنه راح وجاء غيره. وهذا من أبي تمام في غاية الحسن في بابه.
وأما قول أبي الطيب، فتحته من المعنى ما يكسوه حسنا فائقا، لأن هذا من أمدح ما يكون للقبيلة التي ذكرها، لأنه قال: قبيلة أنت منهم، وأنت أنت، معناه: فيا لها من قبيلة لأنها أنت منهم وأنت ذاك العظيم. فأخر المعطوف عليه عن المعطوف كقوله:
... ... ... ... عليك ورحمة الله السلام.
وقدرة الشيخ تاج الدين الكندي تقديرا آخر، وهذا أحسن مع الضرورة التي فيه وكأن ابن الأثير رحمه الله، لمح معنى الأبيات التي وردت لبعض شعراء الذخيرة لابن بسام وهي:
أصبحت رمةً تزايل عنها ... فصلها الجوهريّ والعرضيّ
وتلاشى كيانها الحيواني ... وأودى بيانها المنطقيّ
وقوى عقله الثلاث تلاشت ... إن ذا كله لأمرٌ خفيّ
والحواس الخمس التي كنّ فيه ... ولإدراكهنّ فعلٌ وحيّ
ذهبت تلكم الصفات جميعاً ... ومحالٌ أن يذهب الأزلي
فأراد أن يأتي بهذا المعنى فأفسده، وهدم ما جاء به هذا الشاعر وشيده. وبعض الناس يدعي أن هذه الأبيات للرئيس أبي علي بن سينا، وابن بسام أثبتها في الذخيرة لبعض المغاربة. ولكن قصيدة الرئيس في النفس التي أولها:
هبطت إليك من المحل الأرفع ... ورقاء ذات تّعزّزٍ وتمنع
في غاية الحسن، وما لأحد مثلها في بابها، وشهرتها تمنع من سردها. وقد اعتنى بها الفضلاء وخمسوها وشرحوها.
وما أحسن قوله وقد ذكرها عند الموت:
وكأنها برقٌ تألّق بالحمى ... ثم انطوى فكأنه لم يلمع
نماذج من إنشاء ابن الأثير والنقاش حولها
قال: ومن ذلك ما ذكرته في وصف كلام بالفصاحة، وهو فصل من كتاب فقلت: وله البيان الذي يفض من نسق الفريد ولا تخلق نضرة لباسه الجديد، وهو فوق الكلام المجيد، ودون القرآن المجيد.
أقول: ما رأينا من مدح كلاما ولا قرظه بمثل هذا. وفي أفانين المديح وضروب الثناء عن ذلك مندوحة، ألا ترى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سيد ولد آدم. ومع هذا فما سمعت أحدا مدح آخر فقال له: أنت دون النبي عليه السلام. لأن لفظة دون وأقل وتحت ما تستعمل في جانب الممدوح. وكلام الله تعالى قد تقرر وثبت أنه ليس في قدرة البشر أن يأتوا بسورة منه، فكل كلام دونه.
فقوله: كلام دون القرآن المجيد لا معنى تحته لأنه من باب تحصيل الحاصل. ومثل هذا عند الشيخ جمال الدين بن مالك ومن تابعه، لا يطلق عليه كلاما لأنه ما أفاد فائدة تامة لم تكن عند المخاطب كقولك: السماء فوق الأرض لأنه معلوم عند كل أحد. فإن قلت: أراد بذلك الأدب. قلت ما ضاق المجال عليه، ولا حصره ضيق المقام إلى هذا حتى يحتاج أن يأتي بما يحترز فيه. وما أوقعه في ذلك إلا لفظة المجيد والمجيد وطلب الجناس.
قال: وإذا اختصروا صفة قال: إنه يستميل سمع الطروب، ويستخف وقار القلوب ويتمثل آيات بيضا من غير ضم إلى الجيوب، ويرى في الأرض غير لاغب إذا مس غيره فتنة اللغوب.
(1/25)

أقول: إذا كان يستميل سمع الطروب، فما في هذا كبير مدح، وذلك أن صيغة فعول مبالغة فيمن يطرب. ولا يقال طروب إلا لمن يميل لأدنى لذة، ويتحرك لأقل نعمة. مثل: أكول وشروب لكثير الأكل والشرب لما يمر به. وإذا كان الذي يميل إلى الطرب ويتكرر ذلك منه، يطرب لهذا الكلام فما في هذا مزية توجب مدحه، ولهذا قيل: المستعد للشيء يكفيه أدنى سبب، وإنما المدح أن يقال: يستميل من لا يرتاح للطرب. كما قال في الثانية: ويستخف وقار القلوب. فإن هذا هو المعهود في المدح. فإن قلت: هذا يرد على البحتري في قوله:
مستميلٌ سمع الطروب المعنّى ... عن أغانيّ معبدٍ وعقيد
قلت: هذا مما يؤيد ما قلته، لأنه قال: يستميل سمع الطروب المعنى عن سماع معبد وعقيد اللذين هما أصل الغناء. وإذا كان يلفت من هو بهذه الصفة عن لذته إلى سماعه، كان ذلك مدحا فهو من باب يستخف الحليم ويصبي الناسك. وما خلص هذا للبحتري إلا بقوله: عن أغاني معبد. ولو قال ابن الأثير: يستميل الطروب عن أغانيه بفصاحته، لما أوردت عليه هذا الإيراد. وهذا الذي قلته هو المعهود في المدح.
ألا ترى قول النابغة الذبياني:
لو أنها عرضت لأشمط راهبٍ ... عبد الإله صرورة متعبد
لرنا لبهجتها وحسن حديثها ... ولخاله رشدا وإن لم يرشد
وقول امرىء القيس:
إلى مثلها يرنو الحليم صبابةً ... إذا ما اسبكرّت بين درع ومجول
وما أحسن قول كشاجم في عوادة، من أبيات:
دارت ملاويه فيه فاختلفت ... مثل اختلاف اليدين شبّكتا
لو حرّكته وراء منهزمٍ ... على بريدٍ لعاج والتفتا
وقلت أنا:
جسّت مثاني عودها بأناملٍ ... عبثت بلبّ الخاشع المتورع
وشدت فلو شاءت عذوبة لفظها ... عطفت عنان البارق المتسرع
وعجبت من ريح الصّبا إذ لم تقف ... طربا ولكن ما لها أذن تعي
وأما قوله: ويرى في الأرض غير لاغب، ما سمعت بمن مدح الكلام الفصيح بمثل هذا، والكلام لا يوصف بإعياء ولا لغوب. ولكن هذا من باب إضافة العقل والدين والجوارح للخمر في الفصل الذي تقدم. أتراه ما علم أن اللغوب من صفات الأجسام ولواحقها عند الحركة وإدمانها، فإن الكلام لا يتعب وإنما التعب لجارحة من تكلم به، والكتاب لا يتعب وإنما الكاتب الذي خطه.
وما أحسن قول القائل:
إذا أخذ القرطاس أودع طرسه ... خميلة زهر أو قلادة جوهر
حمى كلّ فكرٍ عن عراك رويّه ... وحطّ عن الأقلام ثقل التفكر
فإن كان ابن الأثير أراد الكاتب الذي صدر عنه هذا الكتاب الذي وصفه، فليس في سياق الكلام ما يدل عليه.
وقد عاب الوحيد على أبي الطيب قوله:
كلّ السيوف إذا طال الضراب بها ... يمسّها غير سيف الدولة السأم
وقال: السأم لا يلحق السيوف إلا أن يكون جاء به استعارة في موضع كلال الحد قال: ولما وقفت عليه قلت: سبحان من أعطى سيدنا فلم يبخل، وخصه بنبوة البيان إلا أنه لم يرسل، ولولا أن الوحي قد سد بابه لقيل هذا كتاب منزل، ولقد خار الله لأولي الفصاحة إذ لم يحيوا إلى عصره، ولم يبلوا بداء الحسد الذي يصليهم بتوقد جمره، ولئن سلموا من ذلك فما سلمت أقوالهم من أقواله التي محتها محو المداد، وقد كانت باقية من بعده فلما أتى صارت كما صاروا إلى الألحاد.
أقول: في هذا من اساءة الأدب ما فيه، وللإنسان عن مثل هذا المدح مندوحة تخرجه من هذه المضائق.
وقوله: وخصه بنبوة البيان إلا أنه لم يرسل مأخوذ من قول أبي العلاء المعري:
لولا انقطاع الوحي بعد محمدٍ ... قلنا محمد من أبيه بديل
هو مثله في الفضل إلا أنه ... لم يأته برسالةٍ جبريل
وقد كفر قائل مثل هذا.
قال: وإن لكلمه طعما يعرف مذاقه من بين الكلام، وخفة الأرواح معلومة من بين ثقل الأجسام، فلو لم يعرف بطعمه عرف بوسمه، والصبح لا يتمارى في إسفاره، ولا يفتقر إلى دليل على أنواره. وقد علم أن العرق يعرف بغصنه، وأن القول يعرف بلحنه.
أقول: قوله: وإن لكلمه طعما يعرف مذاقه من بين الكلام، ما أحسن ما أجاب به ابن عميرة ابن الأبار عن كتاب بعثه إليه، فجاء من جملة الجواب:
(1/26)

فمهلا أيها الموفي على علمه النافث بسحر قلمه، أتظن منزلتك في البلاغة تخفى ومهيعها لا حب. ومنزعها بالعقول لاعب. أتسفل وقد ترفعت، أو تخفى وقد تلفعت. عرفناك يا سوده، وشهرت حلة عطارد بالملاحة والجوده.
وقوله: والصبح لا يتمارى في إسفاره، السجعتين. مأخوذ من قول أبي الطيب:
وليس يصح في الأفهام شيءٌ ... إذا احتاج النهار إلى دليل
ومن قول الغزي:
فلا تبغ برهانا على مكرماته ... طلابك برهانا على الصبح بارد
وقوله: وقد علم أن العرق يعرف بغصنه مأخوذ من قول أبي الطيب:
أفعاله نسب لو لم يقل معها ... جدّي الخصيب عرفنا العرق بالغصن
على أن المتنبي أخذه من البحتري حيث يقول:
لست أعتدّ للفتى نسبا ... ما لم يكن في فعاله نسبه
ومن قول ابن الرومي:
كدأب عليٍ في المواطن جده ... أبي حسنٍ والغصن من حيث يخرج
وقد نقلت أنا هذا المعنى إلى الغزل، فقلت في مليح رأيته في طاقة:
رأيت في طاقةٍ كالبدر فتى ... فقلت من تحت هذا البانة النضره
قالوا حكمت وما أبصرت قامته ... فقلت: إني عرفت الغصن بالثمره
قال: ونفائس هذه العقود لا تبرزها إلا أنفاسه، فدررها لفظه، وسلوكها قرطاسه ثم قال ومن هذا الباب قولي أيضاً وهو ألفاظ كخفق البنود وزأر الأسود، ومعان تدل بإرهافها أنها هي السيوف وأن قلوبا نمتها هي الغمود، فيخالها المتأمل حومة طعان أو حلبة رهان.
أقول: ما طبق في هذا المفصل على المفصل، فإنه شبهها بخفق البنود وزأر الأسود. فأي مدخل في هذين لحلبة الرهان فيما بعد ولم يتقدم للخيل ذكر. والتناسب أن يقول: حومة طعان، وغيل ليوث، وجلاد فرسان. ومثل هذه الأوصاف لا تكون في شيء من الكلام، إلا أن يوصف بذلك كلام فيه تهديد وتقريع أو إرهاب عدو أو ما جرى مجراه.
ألا ترى ما أحسن قول البحتري:
عتابٌ بأطراف القوافي كأنه ... عتابٌ بأطراف القنا المتكسر
ولا بأس بإيراد شيء من كلام القاضي الفاضل رحمه الله في وصف المراسلات الواردة، لتعلم أيها الواقف على هذه الأوراق كيف يكون التقريظ.
فمن ذلك قوله: وصلني كتابه فوصلني منه ما وصلني، وعرفت من بلاغته ما جهلني، وشربت من بحر كلامه ما شربني وأكلني، وعلوت به قدرا على أنه عن صهوة الكلام استنزلني. فإنها بدائع، ما سر البلاغة قبلها بذائع، ووقائع خاطر صفت صفاتها فهي التي رقته وروقته الوقائع، وغرائب سهلت وجزلت فتارة أقول جرأة نبع وتارة أقول جرية نابع. قد ضمن الدر إلا أنه كما قال أبو الطيب كلم، وأحيى حي الشوق إلا أنه كما قال أبو تمام لو مات من شغله بالبين ما علم. ففديت يدها وقد مدت ظلا من الخط كاد يقصر ظلا من الحظ، ولله قلمها الذي طال وأناف فما كأنه تحيفه القط قط.
وقوله: وما أحسب الأقلام جعلت ساجدة إلا لأن طرسه محراب، ولا أنها سميت خرسا إلا قبل أن ينفث سيدنا في روعها رائع هذا الصواب، ولا أنها اضطجعت في دويها إلا ليبعثها ما ينفخ فيها من روحه في مرقدها، ولاسودت رؤوسها إلا لأنها أعلام عباسية تناولتها الحضرة بيدها، لا جرم أنها تحمي الحمى، وتسفك دما وتحقن دما وتتشح بهايده عنانا، ويرسلها فيعلم الفرسان أن في الكتاب فرسانا، ويقوم الخطباء بما كتبت فتعلم الألسنة أن في الأيدي كما في الأفواه لسانا، ولقد عجبت من هذه الأقلام تحز ألسنتها قطعا فتنطق فصيحه، وتجدع أنوفها بريا فتخرج صحيحة، وتجلى مليحه، وما هي إلا آية في يد سيدنا البيضاء موسويه، وما مادتها في الفصاحة إلا علوية ولولا الغلو لقال علويه.
وقوله: ولو ادعى سحر البيان أنه يقضي أيسر حقوقه، ويثمر ما يجب من شكر فروعه وعروقه، لكنت أفضح باطل سحره، وأذيقه وبال أمره، وأصلب الخواطر السحارة على جذوع الأقلام، وأعقد ألسنتها كما تعقد السحرة الألسن عن الكلام.
(1/27)

وقوله: كتاب كريمي من حيث نسبته إليه، كليمي من حيث نسبته إلى اليد لبيضاء من يديه، مسيحي من حيث أن أحيى موات الأنس، محمدي من حيث كاد يكون بما نفثه في روعي روح القدس، فلا عدمت مخاطبته التي تخلع على الأيام يوم العيد، وعلى الليالي ليلة العرس. فأبقاه الله للسان العربي فلولاه كان مزويا لا مرويا، مدحورا لا مدخورا، ولولاه لحالت أحرفه عن حالاتها، وأبت الفصاحة أن تكون قوائم الأحرف من آلاتها. فكانت تقعد ألفه القائمة، وتموت باؤه النائمة، ويزيد حني ظهر داله حتى يلحق بالرغام خدها ويغض، وحتى تدرد أسنان سنه فلا يبقى لها ناجذ عليه تعض.
وقوله: وقف عليه والشكر عن المنعم به غير واقف بل وقف، واستمطر منه صوب الغمام فما انقطع له ولا كف وكف، ورأى بنيان تبيان لو رأته المجارون لأتي بنيانهم من القواعد فخر عليهم السقف، فلله هو من بليغ إن قال فالقول عنده أكثر يوم البين من ماء الطرف، وإن رام القول غيره فهو أقل عنده يوم الحسين من ماء الطف.
وقوله في جواب كتاب للشيخ تاج الدين الكندي: وظننته وحقق الله فيه الظن وقد ارتقى الأسباب وأخذ اللفظ من القطر والقرطاس من السحاب، وآمنت بصحة رقيه، وتبينت التقاطه للنجوم حين أوردها في بارع اللفظ ونقيه، وقلت للجماعة: كلام التاج تاج الكلام، والملك في كندة وكانت أقلامها سيوفا وسيوفها الآن أقلام.
وقوله: فوقفت منه على ظرف الظرف، وتحفة الطرف، وكدت أعبده منه على حرف، وكل حرف ذلك الحرف. ولولا إشفاقي أن يفطن الدهر لمكانه من قلبي، وخوفي أن أعرفه بحسنته منه فأغريه منها برفع أوزار حربي، لقلت قولا يغض الأولين والآخرين من هذه الصناعة، وأنفذت فيهم سهاما لا تحمي شاعرا منها صخرة وجه ولا كاتبا درع دراعة. وما هي إلا آيات كل واحدة أكبر من أختها، وفكر مرزوقة في أيام الجمعة كلها إذا أتت الفكر أرزاقها يوم سبتها.
وقوله: كتب كريمة كادت ألفاظها تتبسم، ومعانيها تتكلم، وكادت حروفها تكون أناسي لعين المسار، وكادت سطورها تجلي عرائس وعليها من الشكل حلي ومن النقط نثار.
وقوله: كتاب سني المعاني سيني القوافي، وحق سينه أن يخلص لها الإقبال، والسين تصحب الفعل فتخلصه للاستقبال، وهذا أفق لامطار فيه إلا للعقاب وابنه، وبحر لا سبح فيه إلا لمن يخرج الدر من فيه ويدخل البحر في ردنه، وما عنيت ها هنا بالبحر إلا يده الكريمة فأما البحر فلم أعنه.
وقوله: كتب المجلس روح الله قلبه، وأتاح قربه، ولا برحت أقلامه سلاح أوليائه على الزمن إذا خافوا حربه، تؤنس راجيها، وتؤيس مجاريها، ويخصب بها السمع، ويتظاهر بها النفع، لولا أنها تغير علينا شيمنا فتخلق فيها الحسد، وتشد أيدينا إذا تعاطينا المجاراة بحبل من مسد.
وقوله: وسيدنا ما بعد بيانه بيان، وبين فكيه سيف وبين فكي كل إنسان لسان، فقولي يا أقلامه فقد خرست في الغمود المناصل، وتبختري يا تغلب ابنة وائل فقد أعطي من البلغاء التقدمة وهم صارغون، وأفلح المعترف بفضله وقد علم أنه لا يفلح الكافرون.
وقوله: ووقف على الميمية فأطاف به منها الطوفان، وحياة منها الروح والريحان، وهي مما أملاه ملك إن كان يملي الأشعار شيطان، وعجبت لاطراد تلك القوافي، ورأيت الشعراء أتت بما ألفت في ضيق الأودية وخاطره وقلمه أتيا بما ألقيا في الفيافي، وكل بيت منها بديوان، كما أن قائلها إنسان يفدى بألف إنسان، كما أن قلمه قصير فما جدع أنفه إلا ليأخذ ثأر القلم من السنان.
قلت: وعلى ذكر الفيافي في قول القاضي الفاضل، وما ركبه في هذه السجعة من الجناس المليح، فكنت كتبت إلى شيخنا الحافظ فتح الدين محمد بن سيد الناس أبياتا، وأجابني عنها بنظم ونثر. من جملة النثر: بل ذلك السحر الحلال الشافي، بل تلك القوى في القوافي، بل تلك المقاصد التي أقصدت المنى في المنافي.
فكتبت الجواب إليه ومنه: وعكف منه على كعبة البلاغة، فيا حسن ما نشر في استلامي وطوى في طوافي، وأراد طائر القلب أن ينهض بالجواب فذهبت القوى من القوادم، وظهر الخوى في الخوافي. رجع إلى كلام الفاضل.
(1/28)

وقوله: ولكن اعتزل الناس السسماك الأعزل، وارتفع أهل الدرج العليا وانخفض أهل الدرك الأسفل، وضيع الناس السهام وأصبت أنت بواحدها المقتل، فأنت الرامي وغيرك الرائم، وأنت الحامي وغيرك الحائم، وحروفك الأزهار وكتبك الكمائم، وقلمك الساقي وخواطرك الغمائم، وبقولك يضن ويغالى، وإذا قلت يا خيل الأقلام اركبي ملأت الأرض تصهالا وصيالا، ونفرت إليك المعاني خفافاً وثقالاً، وأذنت فيها بالحج ضمائر على كل ضامر ورجالاً، وأنت الحاضر والغيب الحضور، وأنت الحاضر والغيب الحضور، وأنت السيد وغيرك الحصور، والأسماع إلى ما تقول في دمشق صور، ولو قدحت الماء لاستطار شراراً، ولو أجرت ورد الخد لكنت له من بنفسج العذار جاراً.
وقوله: فلله هو من كتاب كأنه سورة، وكل آية فيه، سجدة، وقابله بالخشوع كأنما قلم الكتاب القضيب وطرسه البردة.
وقوله: وما هذه الكتب إلا كتائب، وما هذه الأحرف إلا قواضب، ولا الأسطر بها إلا مراكب، ولا النفس منها إلا عجاج يسفر عن الصباح إسفار الغياهب.
وقوله: وكأنما ذخر قلمها للمملكة يحوك وشيها، وصائغا يخلق حليها، وكأنما هو أمير والكلام رعيته فهو يصرف أمرها ونهيها، وكأنما أودع الله سبحانه خاطرها سحابا وكتابها روضا جعل القلم دولابها والدواة نهيها.
وقوله: وارتحت لما امتحت على بعد أرضي من غمامه، واويت القب الدوي من آلامه بلمامه، وأعاد علي زمن رامة كما هو بآرامه، وطلع علي مطالع الأهلة؟ هل هي إلا قلامة أقلامه.
وليكن هنا آخر ما أورده للقاضي الفاضل من هذا النوع، وإن كان ذلك قطرة من حوض، وزهرة من روض.
مناسبة اللفظ للمعنى
قال في فصل بعدما تقدم: وقد نيط بسيدنا قلما الخط اللذان ينسب أحدهما إلى المداد، وينسب الآخر إلى الصعاد.
أقول: أما نسبة القلم إلى المداد فجائز، وأما نسبة الآخر إلى الصعاد فما أدري ما هو. فإن الصعاد هي الرماح التي تنبت مستقيمة فلا تحتاج إلى تثقيف.
فنسبة الرماح إلى الصعاد، أو الصعاد إلى الرماح من باب نسبة الشيء إلى نفسه، وهو غير جائز. وما تنسب الرماح إلا إلى الأعلام أو الأسنة أو الطعن، كما تنسب الأقلام إلى المداد والكتابة.
قال: ومن ذلك ما ذكرته في وصف القلم فقلت: وقد أوحى الله إلى قلمه ما أوحى إلى النحل، غير أنها تأوي إلى المكان الوعر وهو يأوي إلى المكان السهل، ومن شأنه أن يجتني من ثمرات ذات أرواح لا ذات أكمام، ويخرج من نفثاته شراب مختلف طعمه فيه شفاء للأفهام.
أقول: قوله ثمرات ذات أرواح لا ذات أكمام غير مناسب، إذ المناسبة تقتضي أن يقول: ذات أرواح لا ذات أجسام، أو ذات طيالس لا ذات أكمام، ليناسب بين الروح والجسم والطيلسان والكم. ثم نسبة الروح إلى الثمرة أمر خارج عن العادة، ولم يسمع بثمر له روح وثمر ما له روح. وإذا قصدت المبالغة في وصف الثمرة قيل إنها ماء تجمد أو هواء تجسد.
وما أحسن قول أبي الطيب.
لها ثمرٌ يشير إليك منه ... بأشربةٍ وقفن بلا أواني
اللفظ والتركيب
قال في القسم الأول من المقالة الأولى: وكذلك ورد قوله تعالى: " إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة، ولي نعجة واحدة ". فلفظة لي مثل لفظة تؤذي وقد جاءت في الآية مندرجة متعلقة بما بعدها، وإذا جاءت منقطعة لا تجيء لائقة، كقول أبي الطيب:
تمسي الأمانيّ صرعى دون مطلبه ... فما يقول لشيءٍ ليت ذلك لي
أقول: أي شيء أنكره من هذه اللفظة: وليس الذي ذكره غير دعوى مجردة، وهذه لفظة لي قد وقعت متمكنة، والقافية إذا جاءت متمكنة فإنها من حسن التركيب وعذوبة الانسجام. وأما لفظة تؤذي في قوله: تلذ له المرؤة وهي تؤدي فإنها جاءت ركيكة بخلاف لي في البيت المذكور. ولا تعاب هذه في هذا البيت، إلا أن تعاب لفظة بي في قوله:
أزورهم وسواد الليل يشفع لي ... وأنثني وبياض الصبح يغري بي
وما رأيت من عاب هذا البيت ولا هذه القافية، وإنما هو معدود في المحاسن التي انفرد بها أبو الطيب، لما فيه من مقابلة خمسة بخمسة. ولم يتفق هذا العدد لغيره.
وكذا لفظة تؤذي التي عابها، لو وقعت قافية متمكنة لم تعب.
وما أحسن قول الشيخ مجد الدين بن الظهير الإربلي:
قلبي وطرفي ذا يسيل دما وذا ... دون الورى أنت العليم بقرحه
(1/29)

وهما بحبك شاهدان وإنما ... تعديل كلٍ منهما في جرحه
والقلب منزلك القديم فإن تجد ... فيه سواك من الأنام فنحّه
انظر إلى هذه القافية الثالثة ما أحلاها وأمكنها لا يقوم غيرها مقامها، ولو وقعت في غير القافية لما كان لها هذه الحلاوة والتمكن. وكذا لفظة لي في قول أبي الطيب.
ومن هذا التمكن في القافية، قول ابن أبي هلال القيرواني من أبيات:
يهدي إلى العليا فما من سالكٍ ... طرق العلا إلا وكان دليله
فضل الورى في الفضل حتى إنّه ... لو قيل من فذّ الأنام؟ لقيل: هو
وما أحسن ما استعمل القاضي الفاضل رحمه الله تعالى لفظة لي في القافية حيث قال:
ومدحت أهل البيت منكم بالذي ... شهد الرجال بأن ذاك البيت لي
هل سورة النجم مسجوعة على حرف الياء؟
قال في هذا القسم وقد استطرد الكلام إلى قوله تعالى: " تلك إِذن قِسمةٌ ضِيزي " إن سورة النجم مسجوعة على حرف الياء.
أقول: ليس الاعتبار في رؤوس القرائن والقوافي بصورة الخط، إنما العبرة باللفظ. والسورة مسجوعة على حرف الألف المقصورة. ولكنه غره رسم رؤوس الآي بالياء نظرا إلى أصل الكلمة. ولا قائل بأن صغرى وكبرى وضيزى ومأوى ومنتهى، وما أشبه ذلك، إذا وقع في رؤوس الآي، أو في قافية البيت على حرف الياء، بل كل ذلك من باب الألف المقصورة في مثل حبلى ودنيا، وإنما كتب ذلك بالياء نظرا إلى أصل الكلمة لكونها من ذوات الياء. فإنك تقول: المأوى من أويت، والمنتهى من انتهيت، وهوى من هويت، وغوى من غويت.
وإذا كان الأصل في الكلمة الواو كتب ذلك بالألف. مثل دنيا لأنه من دنوت، ورجا من رجوت في أحد القولين. وزعم بعضهم أن ذلك لكراهية الجمع بين المثلين. وما أظن بابن الأثير رحمه الله أنه جهل هذا، ولكنها غفلة ليس إلا
مناسبة اللفظ للمعنى
ونماذج من خطب ابن نباته
قال أيضاً في هذا القسم وقد أورد قول الفرزدق:
ولولا حياءٌ زدت راسك شجةً ... إذا سبرت ظلت جوانبها تغلي
شرنبثةٌ شمطاء من ير ما بها ... تشبه ولو بين الخماسي والطفل
إن شرنبثة من الألفاظ التي يسوغ استعمالها في الشعر، وهي ها هنا غير مستكرهة، إلا أنها لو وردت في كلام منثور من كتاب أو خطبة، لعيب ذلك على مستعمله.
أقول: قبل هذا بأسطر قليلة أورد قول تأبط شرا:
يظلّ بموماةٍ ويمسي بغيرها ... جحيشا ويعروري ظهور المسالك
وقال: لفظة جحيش من الألفاظ المنكرة القبيحة.
فيقال له: سبحان الله ما بالعهد من قدم، تناقض قولك في صفحة واحدة، وأنا أرى أن جحيشا أخف على السمع من شرنبثة ولو وردت هذه شرنبثة في النيل كدرته، وأحالت فراته العذب إلى الملح الأجاج وغيرته، ولو كانت خالا في وجنة الشمس هجنتها، وألغت محاسنها التي أنارت الأيام وزينتها.
قال: وقد ورد في خطب الشيخ الخطيب ابن نباتة، كقوله في خطبة يذكر فيها أهوال القيامة فقال: اقمطر وبالها واشمخر نكالها، فما طابت ولا ساغت.
أقول: إن الخطيب رحمه الله من البلغاء الفصحاء الذين يوردون الكلام موارده، ويعطون كل مقام ما يستحقه، لأن ذكر النار والقيامة أمر مهول ويحتاج إلى ألفاظ مفخمة تهول السمع وتسيل الدمع وتقشعر لها الجلود وتنفطر لها الكبود. ولا يليق بأوصاف النار غير هذه الألفاظ مثل: اقمطر واشمخر واسبطر وازبأر واكفهر واقشعر وابذعر واطلخم وادلهم، واقتحم واحتدم.
الموضوعات والألفاظ
كما أن أوصاف الجنة لها ألفاظ تخصها عذبة سهلة لذيذة إلى السمع. مثل: لان نسيمها، ودام نعميها، ورف ظرها، وراق زلالها، وعذب تسنيمها.
ألا ترى أن المديح له ألفاظ تخصه، والهجاء له ألفاظ تخصه. فيذكر الرأس والفرق في المديح، والدماغ والقذال في الهجاء.
ووصف أبو زبيد الطائي للأسد بحضرة الصحابة بمجلس عثمان رضي الله عنه مما يؤيد هذا الكلام. من جملة ذلك أنه قال:
(1/30)

لبلاغمه غطيط، ولصدره نحيط، ولطرفه وميض، ولأرساغه نقيض، كأنما يخبط هشيما أو يطا صريما، وإذا هامة كالمجن وخد كالمسن، وعينان سجراوان كأنهما سراجان يقدان، وقصرة ربله ولزمة رهلة، وكتد مغبط وزور مرط، وعضد مفتول وساعد مجدول وكف شثنه البراثن إلى مخالب كالمحاجن. فضرب بيده فأرهج وكشر فأفرج عن أنياب كالمعاول مصقولة غير مفلولة، وفم أشدق كالغار الأخرق، ثم تمطى فأشرع بيديه، ثم حفز وركيه برجليه، حتى صار طوله مثليه ثم أقعى فاقشعر، ثم مثل فاكفهر، ثم تجهم فازبأر. فلا وذو بيته في السماء ما اتقيناه إلا بأول أخ لنا من فزارة، ضخم الجزارة، فوقصه ثم أقعصه، ثم نفضه نفضة فقضقض متنه وبقر بطنه وجعل يلغ في دمه. فذمرت أصحابي فبعد لأي ما استقدموا فهجهجنا به فكر مقشعرا بزبرة كأنها شيهم حولي، فاختلج من دوننا رجلا أعجر ذا حوايا، فنفضه نفضة تزايلت لها مفاصله، ثم نهم فقرقر، ثم زفر فبربر، ثم زأر فجرجر، ثم لحظ. فوالله لخلت البرق يتطاير من تحت جفونه عن شماله ويمينه. فأرعشت الأيدي، واصطكت الأرجل، وأطت الأضلاع، وارتجت الأسماع، ولحقت المتون، وشخصت العيون وساءت الظنون، واخزألت المتون. ثم تبهنس وحلق، ثم حدق وحملق، فإذا له عينان سجراوان مثل وهج الشرر، كأنما نقرا بالمناقير عن عرض حجر. لونه ورد، وزئيره رعد، وجبهته عظيمة، وهامته شتيمة. إن استقبلته قلت أدرع، وإن استدبرته قلت أقدع. وإذا الليل اعرنكس تبغى وتحسس. هوله شديد وشره عنيد وخيره بعيد، متى قاسم ظلم، ومتى بارز حطم، ومتى نال غشم. ثم أنشد:
عبوسٌ شموسٌ مطرخمٌ مكابرٌ ... جريءٌ على الأعداء للقرن قاهر
براثنه شثنٌ وعيناه في الدّجى ... كجمر غضا في وجهه الشر طائر
يدلّ بأنيابٍ حدادٍ كأنها ... إذا قلّص الأشداق عنها خناجر
قال الراوي: فحبق أحد الحاضرين، فقال له عثمان رضي الله عنه: مه رض الله فاك فلقد رعبت المسلمين.
فانظر إلى هذه الألفاظ ومواقعها في النفس، كأنها أسود تلتهم أو أساود تلتقم، هل يحسن شيء منها أن يكون في وصف ظبي أو طاووس؟ كلا. وقد عجبت منه كونه خفي مثل هذا عليه.
مناسبة اللفظ للسجع
قال في النوع الأول في السجع: ومن ذلك ما كتبته في جواب كتاب يتضمن إباق غلام. فقلت: وأما الإشارة الكريمة في أمر الغلام الآبق عن الخدمة، فقد يفر المهر من عليقه، ويطير الفراش إلى حريقه.
أقول: أما الفراش فما يحسن أن يقال فيه: قد يطير إلى حريقه. فإن قد هنا للتقليل. مثل قد يكبو الجواد. وكما قال: وقد يفر المهر من عليقه. أما الفراش فما رأى النار إلا وألقى نفسه فيها. هذا هو الغالب، ولا كذلك المهر، فإن الغالب في أمره أنه إذا رأى العليق أقبل إليه، وفي النادر يفر منه. وقال أبو العلاء المعري في وصف أسد:
بدا فدعا الفراش بناظريه ... كما تدعوه موقدتا ظلام
مناقشة حول معنى أخطا فيه ابن الأثير
في إنشائه
وأما عطف الإثبات على النفي فلا يجوز في مثل هذا. والأحسن أن يقول: قد يفر المهر من عليقه، وينأى المرء عن شقيقه.
قال عند ذكر التقليد الذي أورده في معارضة الصابي في نقابة الأشراف: أما بعد، فإن كل كلام لا يبدا فيه بحمد الله فهو أجذم، وكل كتاب لا يرقم باسمه فليس بمعلم، وعلى هذا فإن حمده ينزل من الكلام منزلة الأعضاء من الجسم واسمه يتنزل من الكتاب منزلة الرقوم من الثياب. وقد جمعنا في كتابنا هذا بين التسمية والتحميد، وجعلنا أحدهما مفتاحا للتيمن والآخر سببا للمزيد، ثم ردفناهما بالصلاة على سيدنا محمد الذي أيده الله بالقرآن المجيد، وجعل شهادته قبل كل شهيد وعلى آله وصحبه الذين هدوا إلى الطيب من القول، وهدوا إلى صراط حميد.
عودة إلى الإبتداء بالحمد
(1/31)

أقول: ادعى أنه حمد الله تعالى وذكر اسمه، وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم وصلى على آله، ولم يصدر منه تحميد ولا ذكر اسم الله تعالى، إلا إن كان في أول التقليد بسم الله الرحمن الرحيم، ولا صلاة، لأنك إذا قلت حمد الله واجب، وذكر اسمه مستحب، والصلاة على رسوله وعلى آله وصحبه متعين، لم تكن أتيت بحمد ولا بذكر اسم ولا بصلاة. وإنما أخبرت عن الحمد بالوجوب، وعن الذكر بالاستحباب، وعن الصلاة بالتعيين. ومثل هذا إذا قلت: سبحان الله عدد ريش الأطيار، والحمد لله عدد موج البحار، لم تكن أتيت بتسبيح وتحميد يوازي ذينك العددين ويساويهما. وكان معنى هذا من قولك: إن الله يستحق من المحامد والتسبيح عدد ذلك.
ومثل هذه الأشياء يتعين أن يتحفظ منها، وإلا كان للطعن فيه مجال.
أقسام التصريع
قال وقد ذكر التصريع وقسمه إلى سبعة أقسام: جعل الأول ما كان كل مصراع مستقلا بنفسه، ومثله بقول امرىء القيس:
أفاطم مهلا بعض هذا التدلل البيت.
وجعل المرتبة الثانية أن يكون المصراع الأول مستقلا بنفسه غير محتاج إلى الذي يليه. فإذا جاء الذي يليه كان مرتبطا به، ومثله بقول امرىء القيس:
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل البيت.
وجعل المرتبة الثالثة أن يكون الشاعر مخيرا في وضع كل مصراع موضع أخيه. ومثله بقول ابن حجاج البغدادي.
من شروط الصّبوح في المهرجان ... خفة الشّرب مع خلو المكان
فإن هذا البيت يجعل مصراعه الأول ثانيا، ومصراعه الثاني أولا. وهذه كالمرتبة الثانية في الجودة.
أقول: هذه المرتبة الثالثة أحق بأن تكون أولى من الأولى التي ذكرها هو، لأن مثل هذا النوع أعز من الأول، وفيه دلالة على تمكن الناظم وجودة طبعه.
وقد جاء منه للغزي:
لولا تذكر ما تقادم عهده ... ما راجع القلب المدلّه وجده
وكذا قوله أيضاً:
ذهب الصبا فتنقبي أو فاسفري ... لا حظّ فيك لذي قذالٍ مسفر
ولابن قلاقس الاسكندري:
الحيا من غيوثك البارقات ... والجنا من أصولك الباسقات
وكذا قوله أيضاً:
عدد ودع ذكر التصابي عدّد ... يا غافلا عمّا يراه في الغد
ولابن الساعاتي:
ما كنت بالباكي ولا المتباكي ... لولا وقائع طرفك الفتاك
وكذا قوله أيضاً:
بالله يا رسل الرياح ... كيف السبيل إلى جناح
ألا ترى أن كل بيت من هذه الأبيات فيه ما في الذي جعله أولا وزيادة، فهو أولى بالتقديم، ويشترط فيه أن يكون كل مصراع منه مستقلا بنفسه، غير محتاج إلى غيره مع إمكان جعل الصدر عجزا والعجز صدرا.
وقد واخذه ابن أبي الحديد في تقسيم التصريع في كتابه ولم يتنبه لهذا.
كلامه على التجنيس
قال في التجنيس: القسم الثاني من المشبه بالتجنيس أن تكون الألفاظ متساوية في الوزن، مختلفة في التركيب بحرف واحد لا غير.
ثم مثله بقوله تعالى: " وجوهٌ يومئذٍ ناضرة إلى ربها ناظرة ". ومثل بقوله تعالى " وهم ينهَوْن عنْهُ وينأوْن عنه " ثم قال: وعلى نحو من هذا ورد قوله صلى الله عليه وسلم: الخيل معقود بنواصيها الخير وقول أبي تمام:
يمدون من أيدٍ عواصٍ عواصم ... تصول بأسيافٍ قواضٍ قواضب
وقول البحتري:
من كل ساجي الطّرف أغيد أجيدٍ ... ومهفهف الكشحين أحوى أحور
ثم قال: وكذلك قوله:
شواجر أرماحٍ تقطع بينها ... شواجر أرحامٍ ملومٍ قطوعها
أقول: قد صدر التقسيم بأن تكون الألفاظ متساوية الوزن مختلفة التركيب بحرف واحد، وما صدق معه من الأمثلة التي ذكرها إلا قوله تعالى: " وهم ينهَوْن عنْهُ " الآية وقوله تعالى: " وجوه يومئذ ناضرة " الآية والحديث الذي ذكره. وأما عواص وعواصم، وقواض وقواضب، فإن إحدى اللفظتين زادت على الأخرى بحرف ولم تخالف، وكذا أرحام وأرماح، إحدى اللفظتين خالفت الأخرى بحرفين في الترتيب. ففات ما شرطه، ولا دخول لهذا فيما ذكره.
وقد أورد عليه ابن أبي الحديد في التجنيس أشياء وما تنبه لهذا. وقد خبط ابن الأثير في التجنيس تخبيطا كثيراً وما أحسن في ترتيبه.
(1/32)

وقد وضعت أنا في لك كتابا وسميته جنان الجناس قسمت فيه الجناس إلى ما أمكن تقسيمه، فجاء ما يقارب الستين قسما. فمن أراد تحرير التجنيس في أقسامه فليقف عليه هناك.
التجنيس المعكوس
قال: القسم الرابع من المشبه بالتجنيس ويسمى المعكوس ثم أورد عادات السادات سادات العادات، وشيم الأحرار أحرار الشيم وما شابه ذلك وساق أشياء كثيرة له ولغيره.
أقول: ما لهذا النوع دخول في باب التجنيس، وإنما هو من باب رد الأعجاز على الصدور، وهو باب مستقل بذاته. ومن أحسن ما جاء فيه قوله صلى الله عليه وسلم جار الدار أحق بدار الجار.
وقول الأرجاني.
شبت أنا والتحى حبيبي ... حتى برغمي سلوت عنه
ابيضّ ذاك السواد مني ... واسودّ ذاك البياض منه
وقول عفيف الدين التلمساني وفيه زيادة صنعة:
يا بأبي معاطف وأعين ... يصول منها رامح ونابل
فهذه ذوابل نواضر ... وهذه نواظر ذوابل
ألا ترى أن الذوابل والنواضر في الأول، غير الذوابل والنواظر في الثاني. ولو عد ابن الأثير مثل هذا في باب التجنيس لكان ذلك قولا صحيحا. فإن الألفاظ اتفقت والمعاني اختلفت.
ومما قلته أنا في ذلك:
أضاع نسكي عذار مسك ... فكيف تركي لحاظ تركي
تنكى سهام الجفون منه ... ومقلتي لا تزال تبكي
قضى على أدمعي بسفحٍ ... يقضي بها في دمي بسفك
وشكّ قلبي برمح قدٍّ ... قدّ فؤادي بغير شك
فالشك والقد في الأول، غير الشك والقد في الثاني.
ومما نظمته في غير هذا النمط:
قد فاق غصن النقا حبيبي ... وأخجل البدر في التمام
ذاك قوامٌ بلا محيا ... وذا محيّا بلا قوام
يقال: إنه رفعت إلى القاضي الفاضل قصة باسم مؤذنين يستخدمان، أحدهما اسمه مرتضى والآخر زيادة، فكتب عليها: أما زيادة فمرتضى، وأما مرتضى فزيادة. فاستخدم زيادة، وصرف مرتضى. وهذا في غاية الحسن.
التجنيس المجنب
قال في القسم الخامس المشبه بالتجنيس ويسمى المجنب. ثم إنه أخذ في الاستشهاد على ذلك بقول القائل.
أبا العباس لا تحسب بأني ... لشيبي من حلى الأشعار عار
فلي طبعٌ كسلسالٍ معينٍ ... زلالٍ من ذرى الأحجار جار
إذا ما أكبت الأدوار زندا ... فلي زندٌ على الأدوار وار
ثم قال: وهذا القسم فيه عندي نظر، لأنه بلزوم ما لا يلزم أولى منه بالتجنيس. وأخذ يعلل ذلك بأشياء تعسف فيها.
أقول: الصحيح أن هذا من أقسام التجنيس. وهو النوع الذي يسمونه بالمزدوج. ولزوم ما لا يلزم باب معقود بذاته لا مدخل له في هذا، ولا لهذا فيه مدخل. فإن اللزوم عبارة عن أن يأتي الشاعر أو الكاتب في القافية قبل الروي بحرف أو أكثر، يلتزم بورود ذلك في كل قافية. كما ورد في قول المعري:
لا تطلبنّ بآلةٍ لك رتبةً ... قلم البليغ بغير حظٍ مغزل
سكن السماكان السماء كلاهما ... هذا له رمحٌ وهذا أعزل
فإن المعري التزم بالزاي قبل الروي وهو اللام. ولو قال مع ذلك: معول وأول وأفضل لصحت القافية ولكن ورود الزاي لزوم ما لا يلزم، وكما تقول: الحمام والغمام والتمام والكمام. أو: البدور والصدور أو الشذور والنذور.
فإن الميم والدال والذال لزوم ما لا يلزم. ويجوز أن تقول مع الحمام، السلام ومع البدور القبور ومع الشذور، الحرور.
وعلى هذا الشرط بنى المعري لزومياته من أولها إلى آخرها. وأما الذي أورده ابن الأثير، فلم يكن كذلك، لأنه قبل الألف الأولى عين، والثانية جيم، والثالثة واو. ففات اللزوم.
ومما اتفق لي من نمط أبي الفتح البستي:
تذكرت عيشا مرّ حلوا بكم فهل ... لأيامنا تلك الذواهب واهب
وما انصرفت آمال نفسي لغيركم ... ولا أنا هذي الرغائب غائب
سأصبر كرها في الهوى غير طائعٍ ... لعلّ زماني بالحبائب آيب
وقلت أيضاً:
بنفسي من إذا ادّكر اكتئابي ... وأني لا أرى الأوزار زارا
يبيت وللتّقى حرس عليه ... ولي فإذا رأى الأسحار حارا
(1/33)

ولي قلبٌ إذا اذّكر الزمان ال ... لذي نلنا به الأوطارا طارا
وقلت أيضاً:
إن أنت أصبحت ربّ أمرٍ ... فلا تعره لباس باس
وإن تمادت بك الأماني ... لا تعرها من قياس ياس
لزوم ما لا يلزم
قال في النوع الرابع في لزوم ما لا يلزم ومن ذلك ما ذكرته في جملة كتاب يتضمن ذم جبان فقلت: إذا نزل به خطب ملكه الفرق، وإذا ضل في أمر لم يؤمن إلا إذا أدركه الغرق.
أقول: في السجعة الثانية عدم مطابقة، وما يقابل الضلال إلا بالهدى، ولا الإيمان إلا بالكفر. فيقال في ذلك: فإذا كفر نعمة لم يؤمن، وإذا ضل في أمر لم يهتد. وهذا من العيوب المعدودة.
وقد عيب على أبي الطيب قوله:
نظرت إلى الذين أرى ملوكا ... كأنك مستقيمٌ في محال
وكان ذلك بحضرة سيف الدولة. فقيل له: إنما يقابل المستقيم بالمعوج، والصناعة تقتضي أن تقول: كأنك مستقيم في اعوجاج. فقال له سيف الدولة: لو أن القافية جيمية كيف كنت تصنع في البيت الثاني؟ فقال أبو الطيب من غير روية: كنت أقول:
فإن تفق الأنام وأنت منهم ... فإنّ البيض بعض دم الدجاج
فاستحسن ذلك من سرعة بديهته.
على أن المتنبي وقع له هذا كثيراً في شعره. من ذلك قوله:
ولكل عين قرةٌ في قربه ... حتى كأنّ مغيبه الأقذاء
القرة إنما ضدها الإسخان، والقذى ضده الجلاء. وقوله:
ولم يعظم لنقصٍ كان فيه ... ولم يزل الأمير ولن يزالا
العظم ضده الحقارة، والنقص ضده التمام أو الكمال وقوله:
وإنه المشير عليك في بضلّةٍ ... فالحرّ ممتحنٌ بأولاد الزنا
الحر ضده اللئيم.
وإن أمكن التأويل لأبي الطيب في هذه وأمثالها، لكن الأحسن أن تكون كما ذكرته. وهذا النوع كثير في شعره.
مناقشة حول معنى أخطأ ابن الأثير فيه
في إنشائه
وأما كون ابن الأثير رحمه الله تعالى يأتي بسجعتين لزومهما من أخف ما يكون ويعدهما من اللزوم ويستشهد بهما في كتابه من كلامه فإن هذا من العجيب. ولو كان الكاتب كله من أوله إلى آخره بلزوم الراء قبل القاف، لما كان كبير أمر.
ألم ير كتاب اللزوميات لأبي العلاء، وهو مجلد كبير نظم على حروف المعجم. ألم ير المقامات التميمية وهي خمسون مقامة أنشأها السرقسطي ملزومة من أولها إلى آخرها وقد جمع الشيخ شرف الدين عبد العزيز شيخ الشيوخ من شعره جزءا جيدا من باب اللزوم، أتى فيه بأبحر العروض وضروبها، والشعر في غاية الحسن ولطف التركيب وجودة المعاني ورقة الألفاظ.
من ذلك قوله:
متيمٌ ودّ في عينيه لو خبأك ... ماذا يضيرك لو عرّفته نبأك
إن أثّرت مقلتي في وجنتيك فقد ... نكأت قلبي بها أضعاف ما نكأك
أدميت خديك إذ أدميت لي كبدي ... أنصف وقل لي ترى بالشر من بدأك
منها.
قد قلت للسجف لما أن حجبت به ... يا سيف ليتك قد أخفيت لي رشأك
ويا منمنم خطي عارضيه لقد ... قراك مهجته العاني وما قرأك
وأنت يا من يساميني إلى شرفي ... لقد وسعت إذا أضعاف ما ملأك
هذا وسرحك يرعى في حمى كلأي ... فلا رعى سرحك الباري ولا كلأك
قل ما بدا لك من لؤمٍ لذي كرمٍ ... فلو نبحت طوال الدهر ما خسأك
انظر إلى لطف هذا النظم وانسجامه، وإلى هذه القوافي وتمكنها في أماكنها وما أحلاها في مواطنها، وإذا أفردتها من تركيبها لم يكن لها هذا الحسن. وما أقوى تركيبها في بنائها نفسها، وليست على إفرادها بعذبة في السمع. وهنا يبين قدر الناظم. وما أحلى قوله: فلا رعى سرحك الباري ولا كلأك.
ثم إن ابن الأثير رحمه الله ساق بعد تينك السجعتين شيئاً آخر من كلامه سجعتين سجعتين أيضاً مثل: بابه واغبابه، وعرضا وأرضا، وأنزلته وحولته، واطرافها واطرافها، وسكناه ويمناه، وليس ذلك من النادر الحسن. كما جاء في كلام القاضي الفاضل رحمه الله تعالى في قوله: والإنعام الذي هو الحقيقة وما سواه مجاز، والفضل الفصل اللذين وردا بالإسهاب والإيجاز، والجميل المخلد الذكر فإنه تنجيز وعد الخلود وإن جاز فيه إنجاز.
(1/34)

وفي قوله: وعرفت الإنعام بالخلع، ومن تكفل في مواقف المناظرة بطي لسانها تكفلت له المملكة بأن يزهى بطيلسانها، وأحلته من سواد الخلع في خلعة إنسانها.
وفي قوله في وصف ليل: في ليل كموج البحر، له أنجم كحبب النهر، وقد حشر الهموم وحشدها وهدى ضوالها وأنشدها. فأقول لما تمطى بصلبه: قطع الله صلبك، ومتى أرى عمود الصبح وقد عجل الله عليه صلبك.
وفي قوله: واطلعت شرف الأربعين وما تركت شرف العشرين، وقلت للنفس: أنساني نيسان ما تشرين لتشرين.
وفي قوله: وأوحشني قوله: إني بعثت بالكتاب مرتادا ومستأذنا، وكيف ترى في معشر طلبته بالحقوق لأستاذنا، ووجدت ريح كتبه وروح قربه فرجعنا إلى العادة وعادت أيامنا، وصرنا إلى الحسنى ورق كلامنا، وعاودنا المنى وما كانت تخطر وإن خطرت فإنها كلا منى.
كذا يكون اللزوم حسنا، وكذا تكون الفصحاء لسنا، لا ما أورده ابن الأثير من الحشف، وساقه من الغث الذي مجه السمع وما ارتشف.
وقد اتفق لي في اللزوم أبيات ثنى، لا بأس بإثبات شيء منها هنا.
قلت:
أدعوك يا موجد الأشياء من عدم ... وصانع العالم العلوي والأرضي
إن كنت تعرض يوم الحشر لي عملا ... فلا تقدّر له طولا على عرضي
وقلت أيضاً:
يا ساحبا ذي الصبا في الهوى ... أبليته في الغي وهو القشيب
فاغسل بدمع العين ثوب التقى ... ونقّه من قبل عصر المشيب
وقلت أيضاً:
وجدت في عشرة صحبي أذى ... لما لزمت البيت في الوقت زال
يا عجبا من أشعريّ غدا ... يحمد رأي الناس في الاعتزال
وقلت أيضاً:
إن اللطافة لم تزل ... عند الأكابر فاشيه
أرأيت عمرك في الورى ... طرفا رقيق الحاشيه
وقلت أيضاً:
لا ترع للملاّق عهدا ولا ... تصغ لما نمّقه واختلق
فأنت تدري ما جنته يد الر ... امي على الطير برعي الملق
وقلت أيضاً:
أتاني وقد أودى السهاد بناظري ... يمزق جنح الليل بارق فيه
فقلت له: يا طيّب الأصل هكذا ... أخذت الكرى مني وعيني فيه
وقلت أيضاً:
إن عيني مذ غاب شخصك عنها ... يأمر السهد في كراها وينهى
بدموعٍ كأنهنّ الغوادي ... لا تسل ما جرى على الخد منها
وقلت أيضاً:
فدّيت حبيبا ضرّج الحسن وجهه ... فصبّ على خديه ذوب عقيق
إذا عاين الروض المدبّج خدّه ... يقول لنا هذا أخي وشقيقي
وقلت أيضاً:
أنفقت كنز مدائحي في ثغره ... وجمعت فيه لكل معنى شارد
وطلبت منه جزاء ذلك قبلةً ... فأبى وراح تغزلي في البارد
وقلت أيضاً:
وقف القضيب لقده لما مشى ... وجرت دموع العين في تحصيله
رشا كساه الحسن منه حلةً ... جاءت بجملتها على تفصيله
وقلت أيضاً:
قالوا وقد مادت بغصن النّفا ... أسرفت في الحب بلا فائده
فقلت منهوم الهوى لم يكن ... يشبع إن لذت له المائده
وقلت أيضاً:
لما تناءيت عنكم ... ما زال عنّي عنائي
ولو قفلت إليكم ... فتحت باب الهناء
وقلت أيضاً:
كن كيف شئت فإن قد ... رك قد غلا عندي وعزّا
مات السلوّ تعيش أن ... ت أما رأيت الصبر عزّى
وقلت أيضاً:
له في خده آيات حسنٍ ... وليس لعقدها في الحب فسخ
وريحان العذار له حواشٍ ... على نار لهما بالروح تسخو
وقلت أيضاً:
يا عجبا من معشر سكرهم ... أثبتهم في عالم المحو
وكل كأس شمسه أشرقت ... ويومهم عارٍ من الصحو
وقلت أيضاً:
رشأٌ سار بقلبي ... وأنا أشكر سيره
فسبى صبري لمّا ... لم يجد القلب غيره
أقول: إنني ما أثبت هذه الأبيات لما فيها من اللزوم ولا بد فإن ذلك إنما جاء فيها ضمنا وتبعا، وإنما أثبتها لما فيها من التورية. وذلك ظاهر لمن تأمل مواضعها.
(1/35)

وكتبت بقدوم ركاب مولانا السلطان خلد الله ملكه من الحجاز الشريف سنة ثلاث وثلاثين وسبعمائة لمولانا ملك الأمراء بالشام المحروس أعز الله أنصاره: ضاعف الله نعمة الجناب العالي وسره بما عطر الوجود من أنباء سلطانه، وأبهجه بعود مليكه بعد بلوغ أوطاره إلى أوطانه، وملأ سمعه بما ملأ قلب الإسلام فرحا حتى فاض قليبه مسرة بغير أشطانه.
صدرت هذه المكاتبة إلى الجناب العالي تطوى على سلام يتعوذ البدر بكماله من نقصانه، وتنشر عن ثناء رقص الحمام بأسجاعه أعطاف أغصانه، وتوضح لعلمه الكريم أنه سطرناها بعد ورود ركابنا الشريف إلى مستقر ملكه بقلعة الجبل التي حللنا مغناها، وضوأنا بنير وجهنا الشريف أفقها وقد كانت كالألفاظ المبهمة فلما حللناها ظهر معناها، ووردناها وهي أشد شوقا إلينا من الرياض الذاوية إلى الغمام، وأعظم كلفا من المشوق بنسمات الحمى وسجعات الحمام، وأكثر تطلا من الساري في الظلام إلى طلعة البدر التمام، فزينا سماءها، وجلينا ظلماءها وبللنا غلة أشواقها، وفككنا يد الوحشة التي أخذت بأطواقها. هذا والظفر نزيل جناب جنائبنا، والنصر خادم ركاب ركائبنا، والسعود سائرة بين أيدينا، والوجود، بالتأييد من سائر الجهات ينادينا، والبروق قد بعثت في الآفاق ملطفات البشائر مخلقة، والأولياء قد حفت بركابنا فما قصرت عنها سوابق نعمنا لما رأيناها محلفة.
وقد قضينا بحمد الله ومنه مناسك الحج، ورفعنا صوتنا بالنداء وأكفنا بالندى فرأى الناس كيف يكون العج، والغيث كيف يكون الثج، ونفحنا من سرانا بنار البرق وفحمة الدجى في ضرم، وعطفنا من مكة شرفها الله إلى المدينة أعزها الله فما سرنا من حرم إلا إلى حرم. فنلنا بفضل الله تعالى ما أميناه وأملناه، وأدينا الأمانة للشوق في التملي بالحجرة الشريفة كما حملناه، وشافهنا ذلك المقام الشريف بالسلام عند الوصول إلى السول، وخلونا به فما كان بيننا وبين الرسول رسول، فالجناب العالي يأخذ حظه من هذه البشرى التي ابتهج بها الإسلام، وترنحت لها أعطاف المنابر وعددت هباتها أنامل الأعلام، ونطقت بمحامدها حتى أفواه المحابر بألسنه الأقلام. ولا يكلف الرعايا في هذه البشرى شيئاً لتكون القربة بريئة من الشوائب، خلية من المعائب، فإن الصواعق تكدر جود السحائب، والملل ينغص وصل الحبائب.
والله يبقى الجناب لهناء نسمعه نغماته المطربة، وثناء تترنح له أعطاف الطروس وتترنم له ألسنة الأقلام في أيدي الكتبة المعربة بمنه وكرمه.
وغالب ما أنشئه أنا إنما آتي به ملزوما، وخطبة هذا الكتاب ملزومة.
قال في اللزوم أيضاً: وقد ورد للعرب شيء من ذلك، فمما جاء منه قول بعضهم في أبيات الحماسة:
إن التي زعمت فؤادك ملّها ... خلقت هواك كما خلقت هوىً لها
وساق الأبيات المشهورة.
أقول: ليس من اللزوم هذا في شيء، وإنما القافية اللام والهاء صلة. ألا ترى أنه لو قال في بعض قوافيها: أقرها أو أصمها لما جاز ذلك. وهذا النوع كثير في شعر العرب وليس هو من اللزوم كقول كثير عزة:
خليليّ هذا ربع عزة فاعقلا ... قلوصيكما ثم انزلا حيث حلّت
وهي قصيدة طويلة، القافية فيها اللام، وأبيات الحماسة التي لعمرو بن معد يكرب:
ولما رأيت الخيل زورا كأنّها ... جدال زرعٍ أرسلت فاسبطرّت
الأبيات.
القافية فيها الراء. على أن ابن الأثير جعلها من باب اللزوم، وهذا أقرب إلى اللزوم من الأول. ولو أورد هذه وادعى أنها من اللزوم لكان له بعض شبهة. فإن أبا تمام وغيره يرون أن القافية هنا التاء. ونظم أبو تمام قصيدة تائية على هذا. وهي:
نسائلها أيّ المواطن حلّت ... وأيّ ديارٍ أوطنتها وأيّت
وكذلك تائية شرف الدين بن الفارض نظم السلوك، والأخرى القصيرة، والمحققون لا يجيزون ذلك ويعيبونه. وأبيات سلمى بن ربيعة شاعر الحماسة:
حلّت تماضر غربةً فاحتلّت ... فلجا وأهلك باللّوى فالحلّت
أبيات طويلة لم يجعل رويها غير اللام.
وكذلك قول سليمان بن قتبة العدوي من شعراء الحماسة:
مررت على أبيات آل محمدٍ ... فلم أرها كعهدها يوم حلّت
وفي الحماسة من هذا النوع كثير. أما أبيات الحماسة:
وحربٍ يضجّ القوم من نفيانها ... ضجيج الجمال الجلّة الدّبرات
(1/36)

فإنها من باب اللزوم، أما التي أوردها ابن الأثير فلا.
قال: وقد ذكر بعضهم في هذا النوع ما ورد في أبيات الحماسة. وهو:
وفيشةٍ ليست كهذي الفيش.
ثم ساق الأبيات وقال: وليس هذا من باب اللزوم. وأخذ يستدل على صحة دعواه، إما بما مغلط فيه، وإما بما خفي الصواب فيه عليه. وأقول: إن هذه الأبيات من باب اللزوم، بدليل أنه لو قال فيها حوش لجاز. وأما استدلاله بعرش وطيش فلا يسلم له. والواو والياء تقعان ردفا قبل الروي كما تقول: قصور وقصير، وكسور وكسير. وهو أشهر وأظهر من أن يستشهد له بشيء.
قال في اللزوم أيضاً: واعلم أنه إذا صغرت الكلمة الأخيرة من الشعر، أو من فواصل الكلام المنثور، فإن ذلك ملحق باللزوم ثم أورد قول الشاعر:
عزّ على ليلى بذي سدير ... سوء مبيتي ليلة الغمير
وساقها إلى آخرها.
أقول: ليس ذلك من اللزوم، فإن طمرا وظهرا وصدرا، وسحرا ومطرا وقمرا، إذا كان جميع ألفاظها مبكرا فلا لزوم فيها. نعم لو كانت القوافي التي ذكرها، قميرا وغميرا وعميرا وجميرا وسميرا ونميرا، لعد ذلك من اللزوم لوجود الميم. فإن الناظم لا يتكلف لمثل ما أورده ولا يلزم نفسه شيئاً، بل كل قافية رائية أو غير بائية يجوز تصغيرها. ومن عجائب هذا الرجل رحمه الله أنه يعد مثل هذا لزوما ثم إنه يقول بعد سطرين: وربما وقع بعض الجهال في هذا الموضع فأدخل فيه ما ليس منه. كقوله تعالى: " إن المتقين في جنّات ونعيم. فاكهين بما آتاهم ربهم ووقاهم ربهم عذاب الجحيم ". وهذا لا يدخل في باب اللزوم، لأن الأصل فيه، نعم وجحيم. والياء هي من حروف المد واللين.
أقول: من المطبوع قول القائل:
لو أراد الله خيرا ... وصلاحا لمحبّه
نقلت رقة خدي ... هـ إلى قسوة قلبه
وكذا هذا الرجل، لو وفقه الله في هذا المقام، كان كلامه هنا قد نقله إلى ما ذكره من التصغير، وقال: إن الياء هنا للتصغير فلا عبرة بها لأن الأصل: سدر وغمر في سدير وغمير. على أنني أضعت هذين البيتين اللذين أوردتهما هنا متمثلا، فإنهما أشرف من كذا. وما يقال هنا إلا: فديتك لا تزني ولا تتصدقي.
وأما الآيات الكريمة التي أوردها فإنها من باب اللزوم. فإنه يجوز في السجع أن يقال: سموم وحميم فيجمع بين الواو والياء كما تقدم. وأما جحيم ونعيم وحميم فإنه من باب اللزوم وقد خبط في هذا الباب كما خبط في التجنيس. على أن لزوم ما لا يلزم والتجنيس من واضح البديع ومن اشتغل بذلك تنبه لهما في المبادىء لوضوحهما.
وعجبت لابن أبي الحديد كونه ما تنبه لهذه الأشياء.
لفظة خود متى تكون حسنة أو قبيحة
قال في النوع السادس في اختلاف صيغ الألفاظ واتفاقها، بعدما ذكر لفظ خود وأنها: في الاسم الذي هو خود حسنة رائقة، وإذا جاءت على صيغة الفعل لم تكن رائقة.
ثم أورد قول أبي تمام.
وإلى بني عبد الكريم تواهقت ... رتك النعام رأى الطريق فخوّدا
وبيت الحماسة:
أقول لنفسي حين خوّد رألها ... رويدك لمّا تشفقي حين مشفق
ثم إنه حكم للأولى بالثقل والسماجة، وللثانية بالخفة والحسن. واحتج لهذه بأنها وردت هنا على حكم المجاز، وهناك على حكم الحقيقة.
أقول: ما أكثر تحكم هذا الرجل ودعاويه بلا مستند. وإن كان، فهو أوهن من بيت أسس على شفا جرف هار. وذلك أنه من أول الكتاب إلى آخره، يستدل على أن عذوبة اللفظة وحسنها أمر يرجع إلى تركيب أحرفها ولذة موقعها في السمع، وأن ذلك أمر يشهد له الحس.
فيقال له: إذا كان الأمر كذلك، فلا اعتبار هنا بالمعنى، ولو أن المعنى يؤثر في اللفظ عذوبة لكانت هركولة للمرأة المرتجة الأطراف والأرداف عذبةً، ولو أثر المعنى في اللفظ ركة، لكانت لفظة سعير وحيف ثقيلة في السمع. ولما لم تكن العذوبة والثقالة يتعلقان بالمعنى علمنا أنا لمعنى لا عبرة به في الفصاحة. فحينئذ قوله: إن خود في الأول ثقيل لكون حقيقة وفي الثاني حسن لكونه مجازا، دعوى مجردة، لأن الخاء والواو المشددة والدال لم يتغير لها صيغة ولا بناء في الموضعين. والمجاز والحقيقة أمران معنويان لا علاقة لهما باللفظ.
(1/37)

ويقال له: أنت قلت: إن الذي تكلفه النحاة من التعديلات واه لا يثبت على محك النظر، أفهذا التعليل الذي أوردته قوي ثابت على محك النظر، ليس فيه مغمز ولا قدح.
أهذا طعن من يشفي غليلا ... وإقدام امرىءٍ عاب الرجالا!
هل كلمة الإمة بالكسر فصيحة
قال أيضاً في هذا الفصل، وقد ذكر الإمة بكسر الهمزة: ورأيت صاحب كتاب الفصيح وقد ذكرها فيما اختاره من الألفاظ الفصيحة. ويا ليت شعري ما الذي رآه من فصاحتها.
ثم زاد في الحط عليه وأكثر من ذلك.
أقول: إن أبا العباس ثعلبا رحمه الله ما ذكر ذلك إلا التزاما بورودها لأجل الباب الذي عقده لذلك. فقال: باب المكسور أوله، والمضموم باختلاف المعنى فاضطر لذكرها وذكر أمثالها في هذا الباب: من الخطبة والصفر والرحلة والعشر. التزاما بورود ما جاء في ذلك. وقد يكون المكسور أعذب، وقد يكون المضموم أعذب وأئمة اللغة إذا قالوا فصيح ما يريدون به العذوبة والحسن ولا بد، وإنما يريدون به كثرة الاستعمال، والعذوبة قد تجيء بعد ذلك ضمنا وتبعا.
ولهذا تسمعهم يقولون اللغة الصحى في زئبق، وزئبر الثوب الهمز دون التسهيل، وإن كان التسهيل أخف وأعذب من الهمز فالأفصح الهمز.
وكذا قولهم السمع بتحريك الميم أفصح من السكون، والحس يشهد بأن التسكين أخف وأحسن. فكل عذب فصيح ولا ينعكس.
قال في ذلك أيضاً: وكذلك فعل بفتح الفاء وضم العين فليس له إلا اسم واحد أيضاً وهو فعيل، ولا يقع فيه اختلاف إلا ما شذ. لكن فعل بفتح الفاء وكسر العين يقع في اسم فاعله الاختلاف استحسانا واستقباحا لأن له ثلاثة أوزان نحو فاعل وفعل وفعلان، تقول منه: حمد فهو حامد وحمدان.
أقول: إن فعلا بضم العين، ليس فاعله مقصورا على فعيل بل قد يأتي على فعال. نحو جبن فهو جبان، وحصنت المرأة فهي حصان.
وقد يأتي على فعل بتحريك العين، نحو بطل فهو بطل وحسن فهو حسن. وقد يجيء على فعال بضم الفاء نحو فرت الماء فهو فرات، وضخم الشيء فهو ضخام، وشجع فهو شجاع. وقد يجيء على فعول نحو حصرت الناقة فيه حصور، وعزت فهي عزوز. وقد يجيء على فاعل نحو حمض اللبن فهو حامض. وقد يجيء على فعل نحو غمر الرجل إذا لم يجرب الأمور فهو غمر، وصلب الشيء فهو صلب. وقد يجيء على فعل نحو ندس الرجل فهو ندس ويقظ فهو يقظ. وقد يجىء على فعل بسكون العين كقولك: ضخم فهو ضخم، وسهل فهو سهل، وصعب فهو صعب، وشهم فهو شهم.
أما إذا كان من أفعال السجايا كظرف وشرف وعظم وكبر، فإن اسم فاعله على وزن فعيل تقول في ذلك: ظريف وشريف وعظيم وكبير.
وأما فعل بكسر العين، فإنه أطلق العبارة وادعى أن فاعله يجيء على ثلاثة أوزان فاعل وفعل وفعلان والقاعدة في ذلك أن الفعل لا يخلو من ثلاث صيغ: فعل بفتح العين كضرب وفعل بكسر العين كعلم وفعل بضم العين كظرف. أما الأول، فاسم فاعله مطرد القياس على فاعل كضرب فهو ضارب، وذهب فهو ذاهب، وغلب فهو غالب، ونقص فهو ناقص، وكمل فهو كامل.
وأما الثاني وهو فعل بكسر العين فاسم فاعله على فاعل مسموع، لا يتعدى بذلك النقل، وليس للقياس في ذلك مدخل. كقولك: أمن فهو آمن، وسلم فهو سالم، وسخط فهو ساخط ورضي فهو راض.
فأما اطراد اسم فاعل فعل على فعل، فهو إذا كان لازما غير متعد، وهو فعل العرض الذي هو غير مستقر، كقولك: فرح فهو فرح، وغرث فهو غرث، وبطن فهو بطن، وأشر فهو أشر، فهذا مطرد.
وإذا كان متعديا كما ذكره ابن الأثير في حمد فلا يطرد فاعله على فعل أما حمد فما سمعته قط. وأظن ابن خالويه في كتاب ليس قال: ليس في الأسماء ما بني على ثلاثة أسماء مثل: رحم فهو راحم ورحيم ورحمان، إلا سلم فهو سالم وسليم وسلمان، وندم فهو نادم ونديم وندمان. وقيل: إنه ادعى مثل هذا في مجلس سيف الدولة بن حمدان، وذكرت هذه القاعدة وابن خالويه حاضر. فقال: قد بقيت واحدة من نسب الأمير وهي حمد فهو حامد وحميد وحمدان، وهذه من محاسن ابن خالويه. ولو كان في فاعلها حمد لذكر في ذلك الوقت.
فإن كان فعل من أفعال الألوان والخلق، فاسم فاعله على أفعل نحو عور فهو أعور وحول فهو أحول، وجهر فهو أجهر، وكدر فهو أكدر. وكذا خضر وسود وصفر، كلما كان من الألوان فاسم فاعله أفعل.
(1/38)

وأما إذا كان فعل للامتداء وحرارة البطن فهو فعلان بسكون العين مثل: شبع فهو شبعان، وعطش فهو عطشان، وصدي فهو صديان، وروي فهو ريان وسكر فهو سكران. وأما الثالث فهو فعل بضم العين. فقد تقدم الكلام على اسم فاعله.
فهذه القاعدة في أبنية أسماء الفاعلين من الصيغ الثلاثة، لا ما ادعاه وأطلقه.
حول المعاظلة اللفظية
قال في المعاظلة اللفظية: ومن ذلك بعضهم:
وفبر حربٍ في مكانٍ قفر ... وليس قرب قبر حربٍ قبر
فهذه القافات والراءات كأنها سلسلة في تتابعها، ولا خفاء بما في ذلك من الثقل.
وهكذا ورد قول الحريري في مقاماته فقال:
وازورّ من كان له زائرا ... وعاف عافي العرف عرفانه
أقول: أما البيت الذي ذكره أولا فهو معذور فيه، وكل أرباب المعاني والبيان ذكروه ونصوا عليه ولم يقرنوه بقول الحريري. وهذا من تعسفه وتعنته. فإن البيت الذي للحريري ما فيه غير كثرة الجناس، وهذه صناعة فكيف يعدها عيبا. وإن كان كذلك فكل جناس تردد في بيت أو فقرة يكون معاظلة على رأيه وليس كذلك. ولو لمح السر في ثقل ذلك البيت، لما قرنه بقول الحريري. وسبب الثقل في ذلك البيت، ما هو تكرار الحروف ولا بد فإن ذلك جزء علة، وإنما هو تقديم الحروف بعضا على بعض، مع التكرار في قوله: قرب قبر. حتى إن هذا البيت اشتهر بأن الأذكياء يمتحنون بإنشاده ثلاث مرات متواليات على نفس واحد، فما يكاد يسلم أحد من التخبيط فيه.
والسبب في ذلك تقديم بعض الحروف على بعض وتأخيرها. وليس هذا مخصوصا بهذا البيت، بل بكل ما ترددت حروفه متقدمة ومتأخرة.
وهذا ابن سناء الملك من أرق المتأخرين شعرا وألطفهم قد جاء له مثل هذا في قوله:
وصفتك واللاّحي يعاند بالعذل ... فكنت أبا ذرٍ وكان أبا جهل
له شاهدا زورٍ من النهي والنّهى ... عليك ومن عينيك لي شاهدا عدل
حبيبة هذا القلب من قبل خلقه ... يحبك قلبي قبل خلقك بل قبلي
انظر البيتين المتقدمين ما أرفهما وما أثقل هذا الثالث، وما سببه غير تقديم الحروف تارة، وتأخيرها تارة في قبلي وقلبي، وقلب وقبل. وأما بيت الحريري فما فيه غير تردد حروف جناسه، والتقديم والتأخير معدومان فيه. ألا ترى أن العين قبل الفاء في المرتين والعين قبل الراء والراء قبل الفاء في المرتين وهذا ظاهر.
وهذا شرف الدين ابن الفارض رحمه الله في تائيته يأتي بالجناس في البيت كثيراً مرددا كقوله:
أيا زاجرا حمر الأوراك تارك ال ... موارك من أكوارها كالأريكة
وليس فيه من التعاظل والثقل على اللسان ما في قوله:
ولا حلم لي في حمل ما فيك نالني ... يؤدي لحمدي أو لمدح مودّتي
وعاد دعاوي القيل والقال وانج من ... عوادي دعاوي صدقها قصد سمعة
وكلّفتها لا بل كفلت قيامها ... بتكليفها حتى كفلت بكلفتي
وما السبب في ذلك غير تقديم الحروف في هذا تارة، وتأخيرها تارة، وسردها على الترتيب في الأول من غير تقديم وتأخير فاعرف ذلك.
وأنا ما أنكر أن كثرة التجنيس المتردد في البيت أو الفقرة لا يخلو من ثقل ما، وإنما شاححته في كونه جعل قول الحريري من باب البيت الذي كأنه رقى العقرب، أو بعض العزائم الروحانية، وقد أكثر الناس من الاستشهاد به وصار في قلق الألفاظ مثلا. وتقعير الألفاظ معلوم وقد ذكره الناس. من ذلك أن عيسى بن عمر النحوي أو أبا علقمة النحوي سقط عن حماره وأغمي عليه، فلما أفاق ورأى اجتماع الناس عليه، قال: ما لكم تكأكأتم عليّ تكأكؤ على ذي جنة، افرنقعوا عني يرحمكم الله فقال بعضهم: دعوه فإن عفريته يتكلم بالهندية.
ومن ذلك خبر أم الهيثم مع المرأة التي شكت إليها ألما في ظهرها، فسألتها عن السبب فقالت: كنت وحمى بدكة، فحضرت مأدبةً، فأكلت حيزبة من فراص هلعة فاعترتني زلخة. فقالت لها أم الهيثم: إنك لذات خزعبلات وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أبغضكم إلي الثرثارون المتفيهقون المتشدقون.
هذه الألفاظ كلها يراد بها المتنطعون في الكلام. فالثرثار من قولهم عين ثرثارة إذا كثر ماؤها، والمتفيهق من تفيهق الغدير إذا امتلأ، والمتشدق الذي يفتح شدقيه.
من أنواع المعاظلة
(1/39)

قال في المعاظلة: القسم الخامس من المعاظلة أن ترد صفات متعددة على نحو واحد.
كقول أبي تمام وأنشد له أبياتا منها:
تامكه نهده مداخله ... ملمومه محزئلّه أجده
ثم قال: وهذا البيت من المعاظلة التي قلع الأضراس دونها.
أقول: ليس ثقل البيت من تعدد الصفات، وإنما هو من قوله تامكه ومحزئله، وليس في تعدد الصفات نفسها ثقل ولا معاظلة إذا وردت بألفاظ عذبة، كما تقول إذا وصفت قواما: قويمه، أهيفه، ناعمه، لدنه، ريانه. فإن حذفت الهاء زاد حسنا. ومثل ذلك قول القاضي شمس الدين أحمد بن خلكان.
قسما بوجهك وهو بدرٌ طالعٌ ... وبليل طرتك التي كالغيهب
وبقامةٍ لك كالقضيب ركبت في ... أخاطرها في الحب أصعد مركب
ويطيب مبسمك الشهي البارد ال ... عذب النمير اللؤلؤي الأشنب
ومما قلته في هذا النوع:
قسما بناضر قدك اللدن القوي ... م الأهيف المتعطف الرّيان
وبجفني الدامي القريح الهامع ال ... هامي الملث الهاطل الهتّان
مالي على ذل الجفا صبرٌ ولا ... جلدٌ يساعدني على الهجران
والحس يحكم بيننا وبين من يدعي أن هذا من باب المعاظلة اللفظية. وأما بيت أبي تمام فإنه من قصيدة جاء فيها مثله بيتان وهما:
مارنه لدنه مثقّفه ... عرّاصه في الأكفّ مسحسحه مطّرده
ثم قال:
مسفّه ثرّه مسححه ... وابله مستهلّه برده
قال وقد أورد قول أبي الطيب:
فلا يبّرم الأمر الذي هو حالل ... ولا يحلل الأمر الذي هو يبرم
رد التعصب
وبلغني عن أبي العلاء أنه كان يتعصب لأبي الطيب، حتى إنه كان يسميه الشاعر ويسمي غيره من الشعراء باسمه.
وزاد ابن الأثير في ذم المعري وقال: إن الله قد جمع له بين العمى في البصر والبصيرة.
أقول: إن المعري معذور في تفضيل المتنبي على غيره، وليس هو ببدع في ترجيحه على غيره من الشعراء فأكثر الناس على هذا المذهب. وما المعري ولا غيره ممن رجحه يعتقد أنه معصوم لا يقع في الخطأ. وإنما الرجل إذا أجاد لم يلحقه أحد، وما له عندي نظير غير القاضي الفاضل رحمه الله تعالى، فإن الفاضل هكذا ينحط في بعض الأوقات إلى الحضيض، ثم يثب وثبة تكون الثريا لها ثرى، ويدع من اتبع أثره وقفا خطاه وقد رجع القهقرى. كقوله: وخواطري كليلة، وتصرفاتي قليلة، وحميتي كما يعرفها، والخلطة تخليط، فإن سمع سيدنا بابن شفة عني فهو لقيط.
وكذلك أبو الطيب، بينا تراه على عادة الشعراء من متوسط وردي، حتى يأتي بجيد ترك الناس ينفضون غبار سبقه من هواديهم، وجلس على أسرة الأفق مطمئنا والشعراء يهيمون في واديهم. كما قال:
فذي الدار أخدع من مومسٍ ... وأمكر من كفة الحابل
ثم أردفه بقوله:
تفانى الرجال على حبها ... وما يحصلون على طائل
وكما قال يرثي والدة سيف الدولة:
أتتهنّ المصيبة غافلات ... ودمع الحزن في دمع الدلال
ثم قال:
وما التأنيث لاسم الشمس عيبٌ ... ولا التذكير فخر للهلال
وكما قال منها:
رأيتك في الذين أرى مملوكا ... كأنك مستقيمٌ في محال
ثم أردفه بقوله:
فإن تفق الأنام وأنت منهم ... فإن المسك بعض دم الغزال
وكما قال في رثاء ابن سيف الدولة:
بنا منك فوق الرمل ما بك في الرمل ... فهذا الذي يضني كذاك الذي يبلي
ثم أردفه:
كأنك أبصرت الذي بي وخفته ... إذا متّ فاخترت الحمام على الثكل
وكما قال:
ليت المدائح تستوفي مناقبه ... فما كليبٌ وأهل الأعصر الأول
ثم أردفه بقوله:
خذ ما تراه ودع شيئاً سمعت به ... في طلعة الشمس ما يغنيك عن زجل
وكما قال:
نلومك يا عليّ لغير ذنبٍ ... لأنك قد زريت على العباد
ثم يقول بعد ذا:
كأنّ الهام في الهيجا عيونٌ ... وقد طبعت سيوفك من رقاد
وقد صنعت الأسنّة من همومٍ ... فما يخطرن إلا في فؤاد
وهذان البيتان وإن عدت سرقاتهما فما فيها ما له هذه الديباجة ولا فيه هذه الطلاوة.
وكما قال:
(1/40)

وشبه الشيء منجذبٌ إليه ... وأشبهنا بدنيانا الطّغام
ثم يردفه بقوله:
ولو لم يعل إلا ذو محلٍّ ... تعالى الجيش وانحطّ القتام
وكما قال:
أذمّ إلى هذا الزمان أهيله ... فأعلمهم فدمٌ وأحزمهم وغد
ثم يردفهما بقوله:
ومن نكد الدنيا على الحرّ أن يرى ... عدوّا له ما من صداقته بدّ
قيل إنه لما ادعى النبوة قيل له: ما معجزك؟ فقال: قولي ومن نكد الدنيا.. البيت وكما قال:
ستبكي شجوها فرسي ومهري ... صفائح دمعها ماء الجسوم
ثم يقول بعد هذا:
وكم من عائبٍ قولا صحيحا ... وآفته من الفهم السّقيم
وكما قال:
صحب الناس قبلنا ذا الزمانا ... وعناهم من شأنه ما عنانا
ثم يقول:
وإذا لم يكن من الموت بدٌ ... فمن العجز أن تكون جبانا
وكما قال:
نتاج رأيك في وقتٍ على عجلٍ ... كلفظ حرفٍ وعاه سامعٌ فهم
ثم يقول:
صدمتهم بخميس أنت غرته ... وسمهريّته في وجهه غمم
فكان أثبت ما فيه جسومهم ... يسقطن حولك والأرواح تنهزم
وكما قال:
وإنما يبلغ الإنسان طاقته ... ما كلّ ماشيةٍ بالرجل شملال
ثم يقول:
ذكر الفتى عمره الثاني وحاجته ... ما قاته، وفضول العيش أشغال
وهذا البيت فيه ثلاثة أمثال.
وكما قال:
عجبت لمن له قدٌ وحدٌ ... وينبو نبوة القصم الكهام
ثم يقول:
ولم أر في عيوب الناس شيئاً ... كنقص القادرين على التمام
وكما قال:
ذريني أنل ما لا ينال من العلا ... فصعب العلا في الصعب والسهل في السهل
ثم يقول:
تريدين لقيان المعالي رخيصةً ... ولا بدّ دون الشّهد من إبر النحل
وكما قال:
أبا شجاعٍ بفارسٍ عضد الد ... ولة فنّاخسرو شهنشاها
أساميا لم تزده معرفةً ... وإنما لذةً ذكرناها
فهذا يسير من كثير، وقليل من غزير. ولكن هذا القدر كاف في الدلالة على ماله من الجيد، فانظر إلى انحطاطه وارتفاعه. ولكن أين ارتفاعه. وهذان الرجلان قد سار ذكرهما وثبت أمرهما وأسكرت الألباب خمرهما.
وفي تعبٍ من يحسد الشمس ضوءها ... ويزعم أن يأتي لها بضريب
فالقاضي الفاضل رحمه الله انفرد بالترسل، وانفرد المتنبي بالشعر مع مالهما من الانحطاط، ولكن انحطاط المتنبي أوضع وأشنع.
ولو أن الناس إذا رأوا جوادا بخل في وقت، أو شجاعا فر في وقت، أو صانعا ماهرا قصر في وقت، يرمونهم بالعيب ويطعنون عليهم ولا يعدون لهم إحسانا، لما كان في الوجود جواد ولا شجاع ولا صانع ماهر ولا خطيب بليغ ولا شاعر مجيد. وإنما العبرة بالأغلب والأكثر، والقليل معفو عنه، لأن العصمة لا تشترط إلا للمرسلين صلوات الله عليهم وسلامه.
وللمعري بيتان يفضل فيهما أبا الطيب على أبي تمام وهما:
ما حبيبٌ إلا أديبٌ ولكن ... ما أراه يقارب المتنبي
ذا المعاني الغرائب اللائي أسهرن ... جفوني دهرا وتيّمن قلبي
ولما فرغ أبو العلاء من تصنيف كتاب اللامع العزيزي في شرح ديوان أبي الطيب وقرىء عليه، أخذ الجماعة في وصفه. فقال: كأنما نظر المتنبي إلي بلحظ الغيب إذ يقول:
أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي ... وأسمعت كلماتي من به صمم
وقيل: إن المعري كان إذا خلا ممن لا يثق إليه قال: ناولوني معجز أحمد، يعني ديوان أبي الطيب وإذا كان في غير الخلوة يقول: الشاعر.
وهذا شبيه بما يحكى عن أفلاطون من أنه كان إذا جلس للناس، واستدعي منه الكلام قال: اصبروا حتى يحضر الناس، أو ربما قال: حتى يحضر العقل. يريد أرسطو. وكان يسمي ديوان أبي تمام ذكرى حبيب ويسمي ديوان البحتري عبث الوليد. وهذا يحتمل المدح والذم. أما المدح فلأن عبث الوليد حلو على القلوب. وأما الذم فلأن العبث من حيث هو مذموم عند العقلاء.
ويسمي ديوان ابن هانىء المغربي رحى تطحن قرونا ولعمري إن أبا العلاء المعري ما أنصف ابن هانىء في هذه التسمية. أليس هو الذي يقول في القصيدة الرائية:
(1/41)

وجنيتم ثمر الوقائع يانعا ... بالنصر من ورق الحديد الأخضر
ومنها
لا يأكل السرحان شلو طعينهم ... مما عليه من القنا المتكسر
وبعض الناس يمغلط في هذا البيت ويقول: هو بالذم أشبه منه بالمدح، لأنه وصفهم بأنهم لكثرة ما يجتمعون على الواحد من أعدائهم، يكسرون القنا في الطعان عليه حتى يقتلوه، فيجتمع عليه من الرماح المكسرة ما يمنع السرحان من أكله وليس الأمر كذلك، لأن الطعين المراد به أنه من الممدوحين أنفسهم، والمعنى: أنه إذا مات منهم طعين لا يموت إلا بعد أن يجتمع عليه من الأعداء خلق كثير. فالطعين من الممدوحين لا من عدوهم وهذا في غاية المدح.
أليس له تلك القصيدة الفائية، وما فيها من تشبيه الكواكب حتى انتهى إلى ذكر السهى فقال:
كأنّ سهاها عاشقٌ بين عوّدٍ ... فآونةً يبدو وآونة يخفى
وهي مشهورة وكلها جيد.
أليس له القصيدة الدالية التي أولها:
إمسحوا عن ناظري كحل السّهاد ... وانفضوا عن مضجعي شوك القتاد
أو خذوا مني ما أبقيتم ... لا أحب الجسم مسلوب الفؤاد
ومنها في وصف الدروع:
كل رقراق الحواشي فوقه ... كعيونٍ من أفاعٍ أو جراد
فعلى الأجساد وقدٌ من سنا ... وعلى الماذيّ صبغٌ من جساد
أليس له الفائية الأخرى التي يقول فيها:
ولقد هززت غصونها بثمارها ... وهصرتهنّ مهفهفا فمهفهفا
فرددتها من راحتيه مرّةً ... وشربتها من مقلتيه قرقفا
ما كان أفتكني لو اخترطت يدي ... من ناظريك على رقيبك مرهفا
أليس له القصيدة الكافية التي أولها:
فتكات طرفك أم سيوف أبيك ... وكؤوس خمرك أم مراشف فيك
أجلاد مرهفةٍ وفتك محاجرٍ ... لا أنت راحمةٌ ولا أهلوك
منها:
منعوك من سنة الكرى وسروا فلو ... عثروا بطيفٍ طارقٍ ظنّوك
ودعوك نشوى ما سقوك مدامةً ... لما تمايل عطفك اتّهموك
وله أشياء مليحة.
وأما تخلصاته فمن أحسن ما يكون ولكن المعري تحامل عليه. وأما أبو الطيب فمن سعادته أنه شرح ديوانه ما يقارب الأربعين فاضلا. منهم الواحدي وحسبك ومنهم الإمام فخر الدين، وللشيخ تاج الدين الكندي رحمه الله حواش على ديوانه أحسن من حواشي الأصداغ في هوامش الوجنات، تشتمل على فوائد جمة وقواعد مهمة، من غريب لغة واعراب ومعنى ليس لها نظير. وقد سردت من شرح ديوانه في ترجمته في كتاب الوافي بالوفيات.
وقال الوزير المغربي في كتاب أدب الخواص وقد قال: المتنبي، وإخواننا المغاربة يقولون المتنبه.
قلت أنا: وهذا تحريف حسن من المغاربة، وما يليق أن يطلق عليه المتنبي. وكان الشيخ تاج الدين يروي لأبي الطيب بيتين يتصل سندهما به وليسا في ديوانه وهما:
أبعين مفتقرٍ إليك نظرتني ... فأهنتني وقذفتني من حالق
لست الملوم أنا الملوم لأنني ... أنزلت آمالي بغير الخالق
وعلى الجملة فقد رزق أبو الطيب من السعادة في شعره ما لم يرزقه غيره. وممن عابه وحط عليه الصاحب بن عباد في كراريس لطيفة، ومنهم ابن وكيع في المنصف وقال ابن شرف القيرواني في أبكار الأفكار وهو أجور من سدوم. والوحيد المغربي حط عليه وعلى ابن جني حطا بالغا ومنهم الحاتمي في رسيلة لطيفة، ورسالة أخرى أملاها الحاتمي في معايبه، وهي مجلدة لطيفة، وله الموازنة بينه وبين أبي تمام وللجرجاني رحمه الله كتاب الوساطة بين المتنبي وخصومه، ما خلا فيها من التمالي عليه، ومنهم الناصح ابن الدهان في رسالة سماها الرسالة السعيدية في المآخذ الكندية.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو كان الإنسان كالقدح، لقال الناس ولولا. وما لمن يعيب جيده جواب إلا ما قاله هو في وصف قصديته:
بذي الغباوة من انشادها صمم ... كما تضر رياح الورد بالجعل
حول وصل همزة القطع وقطع همزة الوصل
قال في المعاظلة اللفظية أيضاً: ومن هذا القسم وصل همزة القطع وهو محسوب من جائزات الشعر التي لا تجوز في الكلام المنثور، وكذلك قطع همزة الوصل.
ثم أورد قول أبي تمام:
(1/42)

فأصبح يلقاني الزمان من آجله ... بإعظلام مولود ورأفة والد
أقول: أما قطع همزة الوصل فإنه معذور فيها إذا عدها عيبا، وهي عندي كمد المقصور في القبح. ووصل همزة القطع أراها كمد المقصور وهي أحسن. وذلك أنك تنقل الأثقل إلى الأخف فيهما بخلاف ذينك فإنك تنقل الأخف إلى الأثقل.
وأما جعله قول أبي تمام من أجله مما لا يجوز إلا في الشعر فقط، فليس الأمر كذلك، وهذا من باب النقل، وقراء التجويد يعرفون ذلك ولا يسمونه وصل الهمز، بل نقل الحركة من المتحرك إلى الساكن كقوله تعالى " ولوَ انهم صبروا " فإن واو لو ساكنه، فإذا أرادوا النقل نقلوا حركة الهمزة التي تليها إليها. قالوا: " ولوَ انهم " وهذا مشهور ظاهر لا ينكر.
وقرأوا قوله تعالى: " منَ اجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل " بنقل حركة الهمزة إلى النون في من وهذا مثل قول أبي تمام.
وإذا كان هذه القاعدة مطردة في القرآن جميعه من أوله إلى آخره، كيف يمنعه ويجعله من ضرورات الشعر والمعاظلة في الألفاظ.
نعم يقبح في مثل قول المتنبي:
يوسّطه المافوز كلّ يومٍ ... طلاب الطالبين لا الإنتظار
وقوله أيضاً: وشدة الظن لا الاستدلال فإنه وإن كان على القاعدة فإنه مستثقل كما تراه.
؟ الصناعة المعنوية قال في المقالة الثانية في الصناعة المعنوية وقد ذكر حكم اليونان وعلومهم إن أبا نواس ومسلم بن الوليد وأبا تمام والبحتري وأبا الطيب وغيرهم كعبد الحميد وابن العميد والصابي لم يتعلموا من كتب اليونان شيئاً وجاؤوا بما جاؤوا به ثم إنه مثل بنفسه وإنه لم يراع ذلك وجاء بما جاء به، وادعى هنا ما ادعاه لنفسه.
أقول: إنني ما المشاحة هنا إلا في حكمه أن هؤلاء ما اشتغلوا بشيء من ذلك. فأقول له: من أين عملت هذا حتى تحكم به؟ أما دعواك لنفسك فما أعارضك فيها، لأن الناس أخبر بنفوسهم، وأما أبو نواس فقد قيل: إنه كان يشتغل بالفقه حتى قيل فيه: أبو نواس فقيه غلب عليه الشعر، والشافعي شاعر غلب عليه الفقه. ومع ذلك فلم يظهر عنه فقه، كما لم يظهر عنه اشتغال بعلوم اليونان. وعدم الدليل لا يدل على عدم المدلول.
على أنه كان في زمن الرشيد والأمين والمأمون، وهذه العلوم اشتهرت في أيامهم، خصوصا في زمن المأمون، فإنه رتب الذهب لمن يحل كتب اليونان من اليونانية إلى العربية مثل حنين بن إسحق، وابن بختيشوع وغيرهما.
ألا ترى أبا نواس قال:
فقل لمن يدّعي في العلم فلسفةً ... حفظت شيئاً وغابت عنك أشياء
فإن قلت: هذا مما يدل على رفضه لهذه العلوم وتركه إياها، قلت إنما قال هذا في سياق أبيات يغري فيها بالسكر ودفع الخمار بالخمر والإدمان لذلك، والانهماك في اللذات ومواصلة الشراب ومجالس الأنس، حتى انتهى إلى قومه هذا البيت ردا على القائلين بالحكمة، وأن الأخذ من الشراب كثيراً محرم عقلا، وأن الاكثار من ذلك مضر من حيث الطب. فأخذ يسفه الحكيم في رأيه ويقول: حفظت شيئاً من الحكمة، وغابت عنك أشياء في إدمان الشراب من اللذاذات والابتهاج على عادة الشعراء في الإغراء.
ثم إنه قال فيها:
لا تحظر العفو ان كنت امرءا حرجا ... فإنّ حظركه بالدين ازراء
وهذا على عادة الشعراء في مجونهم، وإنما أبو نواس أكثر من الشعر فدون عنه، ولم يضع هو تلك العلوم شيئاً، لا جرم أنه لم يظهر عنه شيء.
وقول أبي نواس:
أباح العراقي النبيذ وشربه ... وقال: حرامان المدامة والسكر
وقال الحجازي: الشرابان واحدٌ ... فحلّت لنا من بين قوليهما الخمر
سآخذ من قوليهما طرفيهما ... وأشربها لا فارق الوازر الوزر
فمن أنعم النظر في هذه الأبيات، علم أن أبا نواس كان منطقيا، فإن استنتاجه حل الخمر في مقدمتي كلام الفقيه العراقي والحجازي يدل على ذلك. وهذا على عادة مجاز الشعر وإلا فالصحيح حرمة الخمر.
هل صح اطلاع بعض الشعراء والكتاب
على حكم اليونان وعلومهم
وأما أبو الطيب فقد قال: أنا وأبو تمام حكيمان وإنما الشاعر البحتري، وكلام هذين الشاعرين يدل على أنهما ما عريا عن شيء من علوم الفلسفة. خصوصا المتنبي والحاتمية تدل على أنه كان ينظر في كلاما قوم. ألا ترى قوله يمدح ابن العميد:
(1/43)

من مبلغ الأعراب أني بعدها ... جالست رسطاليس والإسكندرا
وسمعت بطليموس دارس كتبه ... متبديا متملكا متحضرا
وهذا بعيد أن يصدر ممن لم ينظر في كتب القوم.
وقال المعري وقد أورد لأبي الطيب قوله:
إلف هذا الهواء أوقع في الأن ... فس أن الحمام مر المذاق
والأسى قبل فرقة الروح عجزٌ ... والأسى لا يكون بعد الفراق
هذان البيتان يفضلان كتابا من كتب اليونان، لتناهيهما في الصدق وحسن النظر، ولو لم يكن له سواهما، لكفاه ذلك شرفا.
وأما ابن العميد فقد قال ابن خلكان رحمه الله تعالى في ترجمته: وكان متوسعا في علوم الفلسفة والنجوم.
قلت: والبيتان الرائيان المذكوران لأبي الطيب في مدحه يؤيدان ما قاله ابن خلكان.
وأقول: أليس هو بصاحب الصاحب بن عباد، وقد كان من رجالات المعتزلة، وله في أصولهم مصنف. ومن المستحيل أن معتزليا لا ينظر في كتب الفلسفة.
وأما ابن أبي الحديد، فقد أجابه عن دعواه أن الإنسان لا يحتاج إلى المنطق ولا إلى هذه العلوم، في الفلك الدائر. والصحيح أنه من جهل شيئاً عاداه.
شاهد الحال ودوره في استخراج المعاني
قال في هذا: ومما يعين على استخراج المعاني شاهد الحال.
أقول: ما أنكر أن مشاهدة الحال في الخارج تعين على تصور المعاني، إلا أن استنباط المعاني لا يفتقر فيه إلى المشاهدة، وقد جاء في الوجود جماعة من العميان الذين لم يشاهدوا الصور في الخارج، وأتوا بالتشبيهات البديعة، مثل بشار بن برد حيث قال.
كأن مثار النّفع فوق رؤوسنا ... وأسيافنا ليلٌ تهاوى كواكبه
ومثل أبي العلاء المعري حيث يقول:
ولاح هلالٌ مثل نونٍ أجادها ... بذوب النّضار الكاتب ابن هلال
وحيث يقول:
ليلتي هذه عروسٌ من الزّن ... ج عليها قلائدٌ من جمان
وسهيلٌ كوجنة الحبّ في اللو ... ن وقلب المحب في الخفقان
ثم شاب الدّجى وخاف من الهج ... ر فغطى المشيب بالزعفران
وله أشياء كثيرة من التشبيه الغريب.
ومثل أبي البقاء العكبري حيث يقول:
وغديرٍ رقت حواشيه حتى ... بان في قعره الذي كان ساخا
وكأن الطيور إذ وردته ... من صفا مائه تزق فراخا
وما أحلى قول أبي طاهر حيدر في مثل هذا:
وضاحيةٍ وردت بها غديرا ... يقدّر من صفاء الماء أرضا
كأنّ الوحش حيث تغب فيه ... يقبل بعضها للشوق بعضا
ومثل جماعة تقدموا من الأضراء كأبي العيناء وابن سيده صاحب المحكم، والشاطبي رحمه الله، وغير هؤلاء ممن أتى بالغرائب، ولم يستعينوا بحاسة البصر.
فإن قلت: إن هؤلاء إن كانوا ما رأوا ولا شاهدوا، فقد سمعوا ما قاله غيرهم، وشبهوا كما شبه غيرهم. قلت: ما نازعتك في ذلك، وإنما أردت أن التشبيه لا يفتقر إلى الصورة الخارجة. فإن الناظم قد يتصور المعنى في ذهنه من عير أن يشاهده في الخارج، ويولد المعنى من معنى آخر. كقول ابن المعتز.
وأرى الثريّا في السماء كأنها ... قدمٌ تبدّت من ثياب حداد
فإنه ولد هذا المعنى من قول الآخر:
كأن كؤوس الشّرب والليل مظلمٌ ... وجوه عذارى في ملاحف سود
وكما قال ابن الذروي وقد ذكر أهل النوبة في مدح صلاح الدين:
سودٌ وتحمرّ الظبى حولها ... كأعين الرّمد بدت للأساه
أو لا فسمرٌ تنتحيها القنا ... مثل دنانٍ بزلت للسّقاه
فإنه ولد هذا المعنى الأول من قول الأرجاني:
وكأنّ كلّ شقيقةٍ محمرةٍ ... كحلت محاجرها بأحمر قان
عينٌ لإنسان وقد رمدت فما ... يبدو لرامقها سوى الإنسان
وولد المعنى الثاني من قول أبي العلاء المعري في تشبيه البرق:
إذا ما اهتاج أحمر مستطيرا ... حسبت الليل زنجيا جريحا
ولعمري لقد تصرف في هذا التشبيه الثاني تصرفا حسنا.
وكما ولدت أنا من قول الحصري:
الناس كالأرض ومنها هم ... من خشن اللمس ومن ليّن
مروٌ تشكّى الرجل منه الأذى ... وإثمدٌ يجعل في الأعين
فنقلته إلى معنى المتنبي المشهور وقلت:
(1/44)

مولى تفرع من كرامٍ وجههم ... وبنانهم للمجتلي والمجتني
سادوا الأنام علا وهم من جنسهم ... ومن الحجارة إثمدٌ في الأعين
وولدت أيضاً من قول بعض العرب:
كأنّ هلاله مرآة قينٍ ... لها شطرٌ يلوح من الغلاف
فقلت في العذار:
قلت إذ قيل لي تسلّ فهذا ... صدغه قد دجا وكان ينير
هي مرآة خده غاب منها ... في غلاف العذار شيءٌ يسير
أو يعكس المعنى إلى ضده وهو في التشبيه كثير، لأن التشبيه واقع بين طرفين، شبيه ومشبه به. فإذا شبهت النجوم بالشرار جاز أن تشبه الشرار بالنجوم، وإذا شبهت البرق بالسيف، جاز أن تشبه السيف بالبرق، وإذا شبهت الهلال بالقلامة، جاز أن تشبه القلامة بالهلال.
قال ابن المعتز:
ولاح ضوء هلالٍ كاد يفضحنا ... مثل القلامة إذ قدّت من الظفر
وعكس ذلك سعد الدين ابن عربي فقال في مليح قلم أظافره:
أبعدت ظفرك وهو بعضك فالذي ... يهواك أجدر بالبعاد الأطول
فأجابني: أتظنني قلمتها ... عن حاجةٍ، لا بل لمعنىً عنّ لي
لأريك يا من بالهلال يقيسني ... أنّ الهلال قلامةٌ من أنملي
وما أحسن قول الحسن بن إبراهيم النطري في المقص والأنامل والقلامات والأظفار:
ما عاملٌ يحكي إذا استعملته ... وأعانه خمسٌ بهنّ يدور
صقرا يصيد أهلّةً يلمعن من ... أعلى بدورٍ تحتهنّ بحور
وعكست أنا قول بعضهم في الورد:
كأنّ احمرار الورد والطلّ فوقه ... خدودٌ توالى فوقها الدمع بالوكف
فقلت من أبيات:
أقسمت ما سجعت ورق الحمائم في ... روضٍ على مثل عطفيها ولا صدحت
وكلما اعتدلت بالميل قامتها ... رأيتها فوق حسن الغصن قد رجحت
وما اكتسى خدّها من لؤلؤٍ عرقا ... لكنها وردةٌ بالطل قدر رشحت
وعكست أيضاً التشبيه الوارد في قوله تعالى " وهي تجري بهم في موج كالجبال " فقلت:
قد ركبّنا على البريد لمصرٍ ... بحر رملٍ عجاجه عجّاج
فعكسنا التشبيه لما جرينا ... في جبالٍ كأنها أمواج
ومثل هذا يسمى غلبة الفرع على الأصل، كما إذا شبهت العرجون بالهلال، والغصن بالقد، والنرجس بالعيون، والليل بالشعر والصبح بالثغر. وهو مشهور.
فضل المتنبي في لاميته في خيمة سيف الدولة
قال بعدما أورد أبيات المتنبي في الخيمة التي أولها:
أينفع في الخيمة العذّل
وقد ساق منها خمسة عشر بيتا: وهذه الأبيات قد اشتملت على معان عديدة، وكفى بالمتنبي فضلا أن يأتي بمثلها.
أقول: أين هذا الكلام في حق المتنبي من الكلام عند إيراد قوله:
فلا تبرم الأقدار ما هو حالل ... البيت
والإزراء والطعن على المعري لتفضيله إياه.
هل أبدع أبو نواس في أبياته
تدار علينا الراح في عسجدية قال بعدما أورد أبيات أبي نواس:
تجار علينا الراح في عسجديةٍ ... الأبيات الثلاثة.
وقد أكثر العلماء من وصف هذه الأبيات وهذا المعنى، وقولهم فيه إنه معنى مبتدع. ويحكى عن الجاحظ أنه قال: ما زال الشعراء يتناقلون المعاني قديما وحديثا إلا هذا المعنى، فإن أبا نواس انفرد بإبداعه.
وما أعلم أنا ما أقول لهؤلاء سوى أن أقول: قد تجاوزتم حد الإكثار، ومن الأمثال السائرة: بدون هذا يباع الحمار. وفصاحة هذا الشعر عندي هي الموصوفة لا هذا المعنى. فإنه كبير كلفة فيه. لأن أبا نواس رأى كأسا من الذهب ذات تصاوير فحكاها في شعره.
والذي عندي في هذا، أنه من المعاني المشاهدة، فإن هذه الخمر لم تحمل إلا ماء يسيرا، وكانت تستغرق صور هذا الكأس إلى مكان جيوبها، وكان الماء فيها قليلا بقدر القلانس التي على رؤوسها وهذا حكاية حال مشاهدة بالبصر.
(1/45)

أقول: كفى بهذا الرجل رحمه الله أن يقول مثل هذا، وما أعرف كتابا من أمهات كتب الأدب مثل الروضة للمبرد والذخيرة لابن بسام وزهر الآداب للحصري إلا وقد تضمن ذكر هذه الأبيات والثناء عليها. وحسبك بكلام يثني عليه أبو عثمان عمرو الجاحظ، وهو من أحذق أئمة الأدب، وأعرفهم بما يقول، وأبصرهم بمدارك العقول، وقوله في مثل هذا حجة، وما قرره في الأبيات هو المحجة.
وما أحسن قول القاضي الفاضل: وأما الجاحظ رحمه الله فما منا معاشر الكتاب إلا من دخل من كتبه الحارة، وشن الغارة، وخرج وعلى الكتف منها كاره.
وقد أولع الفاضل رحمه الله بذكره في ترسله، وذكر تصانيفه، ولو لم يكن له في كتب الأدب إلا كتاب البيان والتبيين لكفاه ذلك فخرا. ويقال: مما فضل الله به أمة محمد صلى الله عليه وسلم على غيرها من الأمم، عمر بن الخطاب رضي الله عنه بسياسته، والحسن البصري بعلمه، والجاحظ ببيانه.
ويحكى عنه أنه قال: دخلت ديوان المكاتبات ببغداد، فرأيت قوما قد صقلوا ثيابهم، وصفوا عمائمهم، ووشوا طرزهم. ثم اختبرتهم، فوجدتهم كما قال الله تعالى: " فأما الزَّبد فيذهبُ جُفاء " ظواهر نظيفة، وبواطن سخيفة " فويل لهم مما كتبت أيديهم، وويل لهم مما يكسبون " ومن أجوبته ما يحكى عنه أنه اجتمع بالجماز في مجلس بالبصرة. فقال له الجماز: كم نارا في اللغة؟ فقال: نار الحرب، ونار الشجر، ونار الحباحب، ونار المعدة، والنار المعروفة. فقال له: تركت أبلغ النيران. قال: وما هي. قال: نار حر أمك التي كلما ألقي فيها فوج سألتها خزنتها. فقال الجاحظ: أما نار أمي فقد قضيت أن لها خزانا، الشأن في حر أمك التي يقال لها: هل امتلأت؟ وتقول: هل من مزيد. والجاحظ أشهر من أن يذكر بمحاسن وأنا أحكي ما قاله الجاحظ. فإن ابن الأثير رحمه الله روج المقال. والذي نقله أئمة الأدب عنه أنه قال: وجدنا المعاني تقلب، ويؤخذ بعضها من بعض، إلا قول عنترة في الذباب:
وخلا الذباب بها فليس ببارحٍ ... غردا كفعل الشارب المترنم
هزجا يحكّ ذراعه بذراعه ... قدح المنكبّ على الزّناد الأجذم
وقول أبي نواس في تصاوير الكأس:
تدار علينا الراح في عسجدية ... وأنشد الأبيات انتهى.
قال ابن بسام في الذخيرة وقد ذكر أن أبا نواس ولد هذا المعنى من قول امرىء القيس:
فلما استطابوا صبّ في الصحن نصفه ... وشجّت بماءٍ غير طرقٍ ولا كدر
فجعل الشراب والماء نصفين لقوة الشراب، فتسلق عليه أبو نواس وأخفاه بما شغل به الكلام من ذكره الصور المنقوشة، إلا أنها سرقة مليحة.
وكرر أبو نواس هذا المعنى عجبا به في مواضع. كقوله:
بنينا على كسرى سماء مدامةٍ ... مكلّلةً حافاتها بنجوم
فلو ردّ في كسرى بن ساسان روحه ... إذن لاصطفانا دون كل نديم
وأخذه الناشىء فولد معنى زائدا عليه فقال:
في كأسها صورٌ تظنّ لحسنها ... عربا برزن من الحجال وغيدا
وإذا المزاج أثارها فتنمنمت ... ذهبا ودرا توأما وفريدا
فكأنهنّ لبسن ذاك مجاسدا ... وجعلن ذا لنحورهنّ عقودا
وقال ابن المعتز:
وكأسٍ من زجاج فيه أسدٌ ... فرائسهنّ ألباب الرجال
وألم بهذا ابن بطال البطليوسي فقال:
وغابٍ من الأكواس فيها ضراغمٌ ... من الرّاح، ألباب الرجال فريسها
قرعت بها سنّ الهموم فأقلعت ... وقد كاد يسطو بالفؤاد رسيسها
وقال أبو تمام ابن رباح:
وكاسٍ بدا كسرى بها في قرارةٍ ... غريقا، ولكن في خليجٍ من الخمر
وما صوّرته فارسٌ عبثا به ... ولكنّهم جاؤوا بأخفى من السحر
أشاروا بما دانوا له في حياته ... فنومي إليه بالسجود ولا ندري
هذا ما أورده ابن بسام في معنى الكأس المنقوشة.
ولا بأس بإيراد ما جاء في ذلك للشعراء المتأخرين، من ذلك قول ابن سناء الملك.
ما الدرّ إلا ذا الحبا ... ب وإنني بالدر أدرى
شعري وشعرى في السما ... ء وفي كؤوسك ألف شعرى
منّت عليك ولا كما ... منّت على أشلاء كسرى
(1/46)

الخلق لما عاش قد ... سجدوا له طوعا وقسرا
والكل لما مات قد ... سجدوا له في الكأس سكرا
ولا يخفى على ذي اللب أن هذا مأخوذ من قول أبي تمام بن رباح وقد تقدم وهو أحسن من هذا.
وقوله أيضاً:
ألا إنّ شرّاب المدام هم الناس ... وغيرهم فيهم جنونٌ ووسواس
فيا ليت أني مثل كسرى مصورٌ ... فليس يزال الدّهر في كفه كاس
وهذا مأخوذ من قول أبي فراس. وسيأتي فيما بعد.
وقوله أيضاً وهو في غاية الحسن:
شربنا على هذا وذاك مدامةً ... بدت كالعقيق الرطب والذهب الرّخص
أعيد لنا في كأسها شخص قيصرٍ ... وكسرى، فكادت تبعث الروح في الشخص
قياصرةٌ في قصر كسرى وربما ... مجنّا فقلنا بل مساكين في خص
وقول ابن قلاقس الإسكندري:
لو لم يصبها الماء حين توقدت ... بيد المدير لخفت أن يتسعّرا
وبنيتها قصرا سقيت براحتي ... كسرى أنوشروان فيه وقيصرا
وقوله أيضاً
أنهكت جسمها السنين فلولا ... عرفها لم يكن بها ذا اعتراف
فاحني في الكأس جسم كسرى براحٍ ... تبعث الروح منه في الأعطاف
وقول ابن سناء الملك الذي تقدم أكمل في الحسن.
وقوله أيضاً:
بزجاجةٍ دارت وفي جنباتها ... كسرى أنوشروان في إيوانه
خلعت على عطفيه خلعة قهوةٍ ... وسلبتها فغدوت في سلطانه
يعني أنه لبسها بشربه لها فغدا في سلطانه، لما يجده السكران من العزة. كما قال المنخل شاعر الحماسة:
وإذا سكرت فإنني ... ربّ الخورنق والسدير
وإذا صحوت فإنني ... ربّ الشّويهة والبعير
وقول ابن الذروي:
ومصوّرٍ نازعت في ... هـ على المدامة قيصرا
وسلبت منه متوّجا ... حتى رجعت مسوّرا
ومضيت من عقيانه ... ولجينه أغنى الورى
وقول ابن قلاقس أيضاً:
وزجاجةٍ حيّاك منها قيصرٌ ... وكأنما هو في جوانب قصره
ما ألبسته الراح ثوبا مذهبا ... إلا وقلده الحباب بدرّه
وهذا مأخوذ من قول الناشىء، وقد تقدم.
وما أحسن قول أبي فراس.
أغمام ما يدريك كيف قتالنا ... والخيل تحت النقع كالأشباح
نطفو ونرسب في الدماء كأننا ... صور الفوارس في كؤوس الراح
ومما اتفق لي وفيه تورية:
كؤوس المدام تحب الصفا ... فكن لتصاويرها مبطلا
ودعها سواذج من نقشها ... فأحسن ما ذهّبت بالطّلا
وقلت أيضاً مضمنا البيت المشهور، واهتدمت منه ما اهتدمت ليطابق المعنى الذي تخيلته:
ومشمولةٍ قد هام كسرى بكأسها ... فأضحى ينادي وهو فيها مصوّر
وقفت لشوقي من وراء زجاجةٍ ... إلى الراح من فرط الصابة أنظر
وأما قول عنترة في الذباب، فقد زعم مشايخ الأدب أنه من التشبيهات العقم. وقد أخذه ابن الرومي فقال:
وأذكى نسيم الروض ريعان ظله ... وغنّى مغنّي الطير فيه فرجّعا
وغرد ربعيّ الذباب خلاله ... كما حثحثت النّدمان صنجا مشرّعا
فكانت أرانين الذباب هناكم ... على شدوات الطير ضربا موقّعا
وقال ابن عبدون:
ساروا ومسك الدياجي غير منهوب ... وطرّرة الشرق غفلٌ دون تذهيب
على ربى لم يزل شادي الذباب بها ... يلقي بآنق ملفوظٍ ومضروب
وقد أخذه من قول المثقب العبدي يذكر الناقة:
وتستمع الذباب إذا تغنّى ... كتغريد الحمام على الغصون
وقول الأقيشر:
وقد تقوم على رأسي منعّمةٌ ... لها إذا طربت من صوتها غنج
فترفع الصوت أحيانا وتخفضه ... كما يطنّ ذباب الروضة الهزج
وقد أخذ ابن عبدون قوله من قول الأخطل في وصف ثور وحشي. وهو:
فردا يغنيّه ذبان الرياض ... كما غنّى الغواة بصنجٍ عند أسوار
وقال أبو بكر بن سعد البطليوسي:
كأنّ أهازيج الذباب أساقفٌ ... لها من أزاهير الرياض محاريب
(1/47)

ولم يجسر أحد على هذا المعنى قبل عنترة. غير أن ذا الرّمة نقل معنى الصفة إلى الجندب فقال:
كأن رجليه رجلا مقطفٍ عجلٍ ... إذا تجاذب من برديه ترنيم
وقال السلامي في زنبور وأحسن:
ولابس لونٍ واحدٍ وهو طائرٌ ... ملونة أبراده وهو واقع
أغرّ محشّى الطيلسان مديجٍ ... وسود المنايا في حشاه ودائع
إذا حك أعلى رأسه فكأنما ... بسالفتيه من يديه جوامع
بدا فارسي الزيّ يعقد خصره ... ومئزره التبري أصفر فاقع
يرجّع ألحان الغريض ومعبدٍ ... ويسقي كؤوسا ملؤها السمّ ناقع
قوله: إذا حك أعلى رأسه.. البيت، من قول مسلم بن الوليد:
فغطّت بأيديها ثمار نحورها ... كأيدي الأساري أثقلتها الجوامع
نقل السلامي هذا المعنى إلى الزنبور لما ولده من هنا، وشارك عنترة في الصفة مشاركة خفية. وكذا يكون التخيل الشعري الصحيح.
وما أحلى قول بعض الشعراء:
فعل الأديب إذا خلا بهمومه ... فعل الذباب يرنّ عند فراغه
فتراه يفرك راحتيه ندامةً ... منه ويتبعها بلطم دماغه
لم أورد هذه المقاطيع في الكأس المصورة والذباب وأكثرت منها إلا لأن هذا الموضع من محزات الأدب وغريب المعاني. ولعل هذا القدر ما اجتمع لأحد فيهما.
وأما قوله بدون هذا يباع الحمار، أصل هذا المثل أن رجلا أراد أن يشتري حمارا من آخر يدعى أبا يسار، فجعل يصفه ويبالغ فيه إلى أن قال: تصيد به النعام معقولا فقال له: شاكه أبا يسار، بدون ذا ينفق الحمار. وشاكه معناه قارب أي لا تغل.
قال: وكذلك ورد قوله.
يا شقيق النفس من حكم ... نمت عن ليلي ولم أنم
فاسقني البكر التي اعتجرت ... بخمار الشيب في الرّحم
وهذا معنى مخترع لم يسبق إليه، وهو دقيق يكاد لدقته أن يلتحق بالمعاني التي تستخرج من غير شاهد حال مصورة. وساق حكاية جرت في حضرة الرشيد في استخراج معناه، وهي مشهورة.
أقول: وأبو نواس ممن له المعاني التي ظاهرها سهل وباطنها مشكل في غاية الدقة، كقوله:
أما ترى الشمس حلّت الحملا ... وطاب وزن الزمان واعتدلا
وغنت الطير بعد عجمتها ... واستوفت الراح حولها كملا
محل الإشكال فيه واستوفت الراح حولها.
قالوا: من حين عصير الراح، إلى أن تحل الشمس الحمل ما يكون غير ستة أشهر أو ما حولها، فكونه يدعي أن الراح استوفت الحول كاملا غير صحيح، والحول اثنا عشر شهرا. الجواب من وجوه: أحدها وهو أقواها، أن الضمير في حولها لا يعود على الراح، وإنما يعود على الشمس. كأنه قال: واستوفت الراح حول الشمس كاملا.
وثانيهما، أن المراد بالحول هنا إنما هو الغاية والتمام، والمعنى: استوفت الراح بلوغها وصلاحها لأن تستعمل وترشف. وفي هذه المدة ينتهي صلاح الخمرة، وكل شيء بلغ غاية تطلب منه، فقد استوفى حوله. كأنه من: حال عن هيئته إلى هيئة أخرى. وهذا الذي يفهم من كلامه.
وكذا قوله:
ظلت حميّا الكأس تبسطنا ... حتى تهتّك بيننا الستر
في مجلسٍ ضحك السرور به ... عن ناجذيه، وحلّت الخمر
ذكروا في هذا أربعة أوجه: أحدها أن طيب المكان وكمال السرور، أباح حرمتها على عادة الشعراء في مبالغاتهم ثانيها أن يكون آلى على نفسه أن لا يتناول الخمر إلا بعد اجتماعه بمحبوبه، فكان الاجتماع مخرجا من يمينه. كقول امرىء القيس:
حلّت لي الخمر وكنت امرءا ... عن شربها في شغلٍ شاغل
ثالثها يريد بحلت نزلت، من الحلول في المكان.
رابعها: يريد أنهم استحلوها بدخولهم في السكر وذهول عقلهم وكنت وقفت بالديار المصرية على جزء فيه كلام لأبي عبد الله محمد بن عبد الله الخطيب على قول الشاعر.
بيضٌ مفارقنا تغلي مراجلنا ... نأسو بأموالنا آثار أيدينا
وقد ذكر في قوله: بيض مفارقنا مئتي وجه وثلاثة أوجه، في احتمال معنى هاتين اللفظتين.
وقد وجدت لأبي الحسن الطوسي الفقيه بيتين، يسأل عن معنى الثاني منهما: وهما:
منّينني حينا فلما ... أن مللت من التمني
عرّضن لي بالوصل حتى ... قلت قد، أعرضن عني
(1/48)

الإشكال فيه أنه كيف يعرضن له بالوصل، وهو يدعي أنهن أعرضن عنه. والمعرض لا يعرض بالوصل.
والجواب: أن قد هنا بمعنى حسب، وذلك أحد مواردها. كقول أبي تمام:
قدك اتّئب أربيت في الغلواء.
أي: حسبك. والمعنى: منينني زمانا إلى أن مللت، ثم عرضن لي بالوصال حتى إذا قلت هذا حسبي، أعرضن عني.
واتفق لي فيما قلت بيتان، ثانيهما مشكل، وهما:
قال وقد أبصر دمعي دما ... هذا وما رعتك بالبين
فقلت: لما فنيت أدمعي ... بكيت بالدمع بلا عين
الإشكال في ذلك أنه: كيف يعترف بأن دموعه فنيت ونفدت، ثم يقول بعد ذلك: بكيت بالدمع بلا عين. وكيف يتفق البكاء بلا عين.؟ والجواب: أنه قال أولا إنه أبصره وقد بكى دما فأنكر عليه ذلك، فقال لما نفدت الدموع ولم يبق لي دمع، بكيت بالدم.
والعين هنا إنما يراد بها أحد حروف الهجاء أخت العين المعجمة، لا العين التي هي الجارحة من الإنسان حاسة البصر، فإن الدمع إذا حذفت منه العين كان دما.
هل يمكن إبداع معنى من معنى غير مبتدع
قال: واعلم أنه قد يستخرج من المعنى الذي ليس بمبتدع معنى مبتدع فمن ذلك قول الشاعر المعروف بابن السراج في الفهد:
تنافس الليل فيه والنهار معا ... فمقمّصاه بجلبابٍ من المقل
وليس هذا من المعاني الغريبة، ولكنه تشبيه حسن واقع في موقعه، وقد جاء بعده شاعر من أهل الموصل يقال له ابن مسنهر، فاستخرج من هذا البيت معنى غريبا فقال:
ونقّطته حباءً كي يسالمها ... من المنايا نعاج الرمل بالحدق
أقول: أول أبيات ابن السراج:
شثن البراثن في فيه وفي يده ... ما للقواضب والعسّالة الذبل
والشمس مذ لقبوا بالغزالة لم ... تطلع لخيفته إلا على وجل
وما أدري معنى قوله: استخرج منه معنى غريبا: أي غريب أتى به الثاني؟ والمعنى الغريب هو أن بياض الفهد وسواده يشبه العيون. هذا هو روح هذا المعنى، وأما أن الليل والنهار تنافسا فيه، وأن النعاج سالمته ونقطته، ليس بكثير أمر.
أما انتزاع معنى غريب من معنى آخر، فكقول مسلم بن الوليد:
تظلّم المال والأعداء من يده ... لا زال للمال والأعداء ظلاّما
انتزعه من قول أبي نواس:
بحّ صوت المال مما ... منك يدعو ويصيح
فقول مسلم أفصح ومعناه أبلغ.
وقد اتفقت لي انتزاعات معان من معان هي دونها غريبة.
من ذلك قول بيليك القبجاقي المعري في الأترج.
وأترجّةٍ جاءت إليك هديةً ... فشبهت منها الريح ريح حبيب
إذا نظرت عيني إليها تمثلت ... بكف مريضٍ مدها لحبيب
انتزعت منه معنى آخر فقلت:
أيا حسن أترجٍ يلوح لناظري ... عليه من الأوراق خضر الغلائل
حكى مستهاما غيّر البين حاله ... وقد عدّ أيام الجفا بالأنامل
ومن ذلك قول شهاب الدين التلعفري:
جريت بحمراء الكميت إلى الشقرا ... مفر الهوى طيبا وأعرضت عن مقرا
انتزعت منه معنى آخر فقلت:
وحمراء لمّا ترشفتها ... جنيت المسرّة فيما جنيت
ونلت المسرات دون الورى ... لأني سبقتهم بالكميت
ومن ذلك قول مهيار الديلمي:
هل السابق العجلان يملك أمره ... فما كل سير اليعملات وخيد
رويدا بأخفاف المطايا فإنما ... تداس جباهٌ في الثرى وخدود
انتزعت منه معنى آخر فقلت:
أضحى نسيم دمشق حياها الحيا ... يمشي الهوينا في ظلال حماها
وكأنه من مائها وهضابها ... ما داس إلا أعينا وجباها
ومن ذلك قول ابن التلمساني:
ساقٍ يريني قلبه قسوةً ... وكلّ ساقٍ قلبه قاس
انتزعت منه معنى آخر فقلت:
قلب الدنّ من أحبّ فأضحت ... نفحة الندّ من حميّاه تهدى
قال لي اعجب فقلت غير عجيبٍ ... كلّ دنٍ قلبته كان ندّا
ومن أحسن ما وقفت عليه في الفهد قول القائل:
ومتصفٍ بالفتك عند اكتسابه ... على ظفره شبه الدماء ونابه
كأنّ مهاة الفلك لما انتهى به ... مداه إلى سرب المها وانتهابه
(1/49)

رمته بشهب الجو خوف انتقامه ... فأطفأها في عسجدٍ من إهابه
مناقشة نموذج من إنشاء ابن الأثير
قال: ومما ذكرته في فصل من كتاب منازلة بلد، فذكرت القتال بالمنجنيق فقلت: فنزلنا بمرأى منه ومسمع، واستدرنا به استدارة الخاتم بالإصبع، ونصبت المنجنيقات فأنشأت سحبا صعبة القياد، مختصة بالربا دون الوهاد. فلم تزل تقذف جلامد السور بوبل من جلمودها، وتفجؤه برعودها قبل بروقها وبروق السحب قبل رعودها، حتى غادرت الحزن منه سهلا، والعامر بلقعا محلا.
وفي هذا معنيان غريبان: أحدهما أن هذه السحب تخص الربا دون الوهاد، والآخر أن رعودها قبل بروقها.
أقول: ما أدري معنى قوله في تشبيه الغبار بأنه سحب صعبة القياد ما هو؟ وكونه ادعى أن تخصيص السحب بالربا دون الوهاد أمر غريب. في هذا تعسف، وبعض السحب تسقي الوهاد دون الربا، وبعضها بالعكس، هذا أمر محسوس. فهي إذا سقت الربا وجفت الوهاد، كانت بالربا مخصوصة وبالعكس.
وما أحسن قول أبي العلاء المعري:
ولو أن السحاب همى بعقل ... لما أروى مع النخل القتادا
ولو أعطى على قدر المعالي ... سقى الهضبات واجتنب الوهادا
وكذا دعواه في أن البروق في السحب قبل الرعود أمر غير لازم، فإن البروق قد ترى بعد الرعود وإن كانت في الغالب تكون قبل.
ولا بأس بإيراد شيء من كلام القاضي الفاضل رحمه الله تعالى هنا في ذكر المنجنيق. فمن ذلك: وكتب الخادم والمنجنيقات قد سكنت سبابتها المسلمة، وكان عدم التسليم لموادعة البلد المستسلمة.
ومنه: والحصار مستمر على صفد وقد نصب عليها من المنجنيقات غلاظا شدادا جامعة لأوصاف الزبانية، ونحن في الليل والنهار لا نسمع إلا الواحدة والثانية، والله ينجح الثالثة في عبدة الثلاثة، والبلدة عقدة وسعادة السلطان نفاثات في العقد، ما أصغى إلى الآن للمنجنيق عطفها، ولا رغم من البروج أنفها.
ومن ذلك: فما خطفوا الخطفة حتى اتبعهم شهاب ثاقب، ولا قذفوا أنفسهم في الخندق حتى قذفتهم السيوف من كل جانب، ولا أقدموا على سماء المنجنيقات لأنها قد زينت من المقاتلة بزينة الكواكب.
ومن ذلك: بعد نصب منجنيقات ترمي بأحجار متناوبة النوائب، وإذا اتبعتها الحبال مودعة خيلت أنها كواكب ذوات نوائب، وبعد أن حذرهم خطاب الخطوب من اللجاج، وبعد أن هزت النقوب أعطاف الجدران وتساقط ثمر الأبراج.
ومن ذلك: وأنا نازل على عين يصم السمع هديرها، فوق جبال يقمر العين صبيرها، تحت سماء قد رابني منها الغداة سفورها، أمامي قتال يدير كأس المنون فيها مديرها، وورائي حجار المنجنيقات التي إذا رأت نقطها حروف البروج محيت سطورها.
ومن ذلك: وجثا المنجنيق يحاكمها، ولسان حبله يخاصمها، والخادم تحت المنجنيق الإسلامي يعرض الوجه لمنجنيق الفرنج، وينقل قطع الستائر نقل قطع الشطرنج، حيث التراس بياذق والجفاتي رخاخ، وحيث القلاع صيد والحجارة حب والمنجنيقات فخاخ.
ومن ذلك: وضايقوا عكا بأبراج خشبية ضربت مع الأبراج الحجرية المصاف، وتقدموا بمنجنيقات محاربة لله ورسوله فقطعت أيديها وأرجلها من خلاف.
ومن ذلك: وفي الثغرب مجانيق لا يعطل راتبها، ولا يرصد ضاربها، أكبرها ما قتل المقاتل شدخا، وأيسرها ما جعل بيذق الهام رخا.
ومن ذلك: وقد كنا نزلنا على هذه المدينة فأردنا توقير ثغرها، وتوفيرها عن نقبها وثغرها، فلم كان ثاني يوم الأضحى وقد بلغ منا الصبر إلى غاية من لا لوم عليه في التقرب بنحرها، وقضى بأن يتل تلها للجبين، وأن لا يأخذها بالأمان بل يأخذها باليمين، فأضجعتها المجانيق وذبحتها النقوب، وجرت منها دماء في الحال أوجبت من أبرجتها الجنوب.
ومن إنشاء شيخنا القاضي شهاب الدين محمود رحمه الله من قصيدة نظمها في فتح المرقب:
وأمطرتها المجانيق التي نشأت ... ولم يكن قبلها يهمي به المطر
وكان للكسر منها كلما صنعوا ... من جنسها ولأيدي الهدم ما عمروا
كأنها ومجانيق الفرنج لها ... فرائس الأسد إذ أظفارها الظفر
وكم شكى الحصن ما يلقى فما اكترثت ... يا قلبها أحديدٌ أنت أم حجر
ومن كتاب كتبه القاضي تاج الدين أحمد بن الأثير في هذا الفتح أيضاً:
(1/50)

والمنجنيقات تفوق إليهم سهام قسيها، ويخيل إليهم ساعية إليهم بحبالها وعصيها، وهي في الحصون من ألد الخصوم، وإذا أمت حصنا حكم بأنه ليس بإمام معصوم، ومتى امترى خلق في آلات الفتوح لم يكن فيها أحد من الممترين، وإذا نزلت بساحة قوم فساء صباح المنذرين، تدعى إلى الوغى فتكلم، وما أقيمت صلاة حرب عند حصن إلا كان ذلك الحصن ممن يسجد ويسلم.
قال ابن الساعاتي:
ومتى يحاول بلدةً لم يثنه ... حشد الجيوش بها ولا بعد المدى
هتمت مجانقه ثنايا سورها ... فرأيت ذاك الثغر ثغرا أدردا
نماذج من إنشاء ابن الأثير يدعي فيها التقدم
قال: ومن ذلك ما وصفت فيه نزول العدو على حصار بلد من بلاد المكتوب عنه وكان ذلك في زمن الشتاء، فسقط على العدو ثلج كثير صار به محصورا. فقلت: وقد عاجلته قتال البروق قبل البيارق، وأحاط به الثلج فصار خنادق تحول بينه وبين الخنادق.
والشتاء قد لقي عسكره من البرد بعسكره، والسماء قد قابلته بأغبر وجهها لا بأخضره، والأرض كأنها قرصة النفي وعسى أن تكون أرض محشره ثم أخذ في ذكر اختراع المعنى من الحديث النبوي وهو إنكم تحشرون على أرض بيضاء كفرصة النقي يريد: الخبزة البيضاء. ودندن لذلك وطنطن.
أقول: العجب منه كونه يدون هذه الأشياء ويجمعها ويوردها، ويخطب عقيب كل واحدة منها خطبة لنفسه، يدعي فيها أن البلاغة في غيره مجاز وفي كلامه حقيقة، وأنه جاء بعقود الدرر وجاء غيره بجزعة ولا يرضى أن يقول بعقيقة. وقد أوردت كتابا للقاضي الفاضل فيما تقدم أصدره من بعرين، ذكر فيه الأمطار والثلوج والخيام وأتي فيه بمحاسن ما لابن الأثير بها يدان، ولا يدور على قطبها لكاتب فرقدان.
ومن كلام القاضي الفاضل: فأما الثلوج التي وصلها ذلك البيان فأججها، بل أهداها إلى الصدور التي هي بيوت نار الشوق فأثلجها. فقد تمثلت البلاد وكأنما نشر المولى عليها عرضه، وسرني أن سر ذلك الفضاء فضه، وأراني النجوم في هذه السنة وقد ناصحت في خصبها فنزلت بأنفسها، وبرزت ظاهرة في النهار بجواريها وخنسها، وأجدر بها أن تكون سنةً تغسل وضر الكفر بصابون ثلجها، وتبشر العزمة الناصرية من هذه الرغوة بما تحتها من صريح فلجها.
ومن ذلك: وإن يكشف الله قناع الشك، تكن أحق منزلة بالترك، فلن ترى إلا محشر الحشرات بل محسر الحسرات، يومها بالهم والثلج أبلق، والمنفق فيها يقلب كفيه على ما أنفق.
ومن رسالة كتبها القاضي محيي الدين بن قرناص إلى القاضي تاج الدين ابن الأثير: وعندما سطرها متهجما، كان وجه الأفق بالغيم متجهما، وثغر حماة بالثلج متبسما، وقد ظهر عليها السكون، حيث شابت منها القرون، وكان المملوك مشرفا على مكان أحيط بثمر، والدوح يقلب كفيه على ما أنفق من عمره، وقد تزهد فتجرد من حرير أوراقه ولبس قطن زهره، فلا ترى إلا أشجارا قائمة على أصولها وكروما خاوية العروش، وسقيط ثلج كالفراش المبثوث وجبال غيوم كالعهن المنفوش.
ومن جواب القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر عن هذه الرسالة: وكان توجهنا إذ ذاك حين اكتست الجبال بالثلوج، وأحاطت بنا الأنواء من كل جانب إحاطة ما لها من فروج، بفصل فتحت فيه السماء أبوابها بما ليس لجمله عن تلك المواطن فصول، ولا لخضاب الجليد الدابغ أديم الثرى المتجلد من نصول. فعدنا إلى جهة حمص وإن لم يعجبنا العام، وقلنا كل ذلك مغتفر في جنب ما أشارته مصلحة الإسلام، الشاملة منهم للخاص والعام، واستقبلنا تلك النواحي المتناوحة، والمنازل المتنائية على المراحل المتنازحة، برقة جلود تتجالد على الجليد، وأوجه تواجه من تلك الظهور ما ورود حياض المنون به إليها أقرب من حبل الوريد، كم التفت الشمس بقارا من قرها بفروة سنجاب من الغمام، وكم غمضت عينها عمن لم تطعم جفونه بتهويم ولا تطمع بمنام، وكم سبك الزمهرير فضة ثلوجها فصحت عند السبك، وكم خبر من امرىء القيس أنشد عند النبك قفا نبك. هذا والزميتا قد مدت على البلاد والعباد ملاءتها الرحيضة، وأضحت بها الأنفس قتيلة لا مريضة، كأنها وخط المشيب على المفارق، أو رمل أبيض قد ذر على سطور تلك المهارق.
وللقاضي محيي الدين بن عبد الظاهر رحمه الله تعالى في القطيفة عدة مفاطيع يصف بردها. منها قوله:
هذي القطيّفة الّتي ... لا تشتهى عقلا ونقلا
(1/51)

خشيت ببردٍ يابسٍ ... فلأجل ذاك الحشو تقلى
وقوله أيضاً:
على ذم القطيّفة اجتمعنا ... وإن حشيت ببردٍ قد تكرر
وقد أضحى عليها للزميتا ... بياضٌ مثلما قد ذرّ سكّر
ولم يكن المكفّن غير شخصٍ ... يكون إلى نواحيها مسيّر
وأبيات شهاب الدين الشاغوري مشهورة في الثلج. وهي:
قد أخمد الجمر في كانون حين قدح ... وأجمد الخمر في كانون كل قدح
يا جبة الزبداني أنت مسفرةٌ ... عن حسن وجهٍ إذا وجه الزمان كلح
فالثلج قطنٌ عليك السحب تندفه ... والجو يحلجه والقوس قوس قزح
ومن هذا قول أبي الفضل الكاتب:
وأطربنا غيمٌ يمازح شمسه ... فتستر طورا بالسحاب وتكسف
ترى قزحا في الجو يفتح قوسه ... مكبا على قطنٍ من الثلج يندف
قيل إن الثلج وقع مرة في بغداد، فقال بعض شعراء ذلك العصر:
يا صدور العراق لم نر ثلجا ... قبلها حلّ في نواحي العراق
إنما عمّ ظلمكم سائر النا ... س فشابت ذوائب الآفاق
ومما اتفق لي في ذلك:
تبا لها من بلدةٍ لا أرى ... فيها مقامي واضح النهج
لأنّها في وجه سكانها ... وأهلها تبصق بالثلج
الحسن في أبيات ابن بقي
بأبي غزال غازلته مقلتي قال وقد أورد في محاسن المعاني قول القائل:
بأبي غزالٌ غازلته مقلتي ... بين العذيب وبين شطّي بارقٍ
... الأبيات.
وهذا من الحسن والملاحة بالمكان الأقصى، ولقد خفت معانيه على القلوب حتى كادت ترقص رقصا، والبيت الأخير هو الموصوف بالإبداع، وبه وبأمثاله أقرت الأبصار بفضل الأسماع....
أقول: هذه الأبيات لابن بقي، وأوردها ابن الأبار في تحفة القادم ثم قال: وقد نسب بعض أهل عصرنا ابن بقي إلى الجفاء في قوله:
أبعدته عن مهجة تشتاقه ...
ولو قال: أبعدت عنه أضالعا تشتاقه، لكان أحسن.
ثم أورد بعد ذلك لأبي الحكم جعفر بن يحيى بن عتال الداني:
حبّك لذّ بكل معنى ... إلى كرى ملت أو سهاد
إن كان لا بد من رقادٍ ... فأضلعي هاك عن وساد
ونم على خفقها هدوّا ... كالطفل في نهنه المهاد
ولما وقفت أنا على ما ذكره ابن الأبار من الإيراد على ابن بقي، وأبيات ابن العتال خطر لي أن يكون ذلك نظما. فنظمت ذلك على روي ابن بقي ووزنه:
أبعدته من بعد ما زحزحته ... ما أنت عند ذوي الغرام بعاشق
هذا يدل الناس منك على الجفا ... إذ ليس هذا فعل صبٍ وامق
إن شئت قل أبعدت عنه أضالعي ... ليكون فعل المستهام الصادق
أو قل فبات على اضطراب جوانحي ... كالطفل مضطجعا بمهد خافق
فانظر إلى ما استحسنه ومدحه وفضله كيف أورد الناس عليه وعابوه، ولعمري إنه نقد حسن ومأخذ دقيق وإيراد متوجه.
وأما خفق الفؤاد واضطرابه من المحب، فللمتأخرين فيه مقاصد لطيفة المغزى. من ذلك قول الحظيري الوراق:
يقول لي حين وافى ... قد نلت ما ترتجيه
فما لقلبك قد جا ... ء خفقه يعتريه
فقلت وصلك عرسٌ ... والقلب يرقص فيه
وقول....
لا تنكروا خفقان قلبٍ ... جاء الحبيب إليه زائر
ما تلك إلا داره ... دقت له فيها بشائر
وقول ابن سناء الملك:
أما والله لولا خوف سخطك ... لهان عليّ ما ألقى برهطك
ملكت الخافقين فتهت عجبا ... وليس هما سوى قلبي وقرطك
وقول أبي الوليد بن الجنان الشاطبي:
وأبيك لم يخفق جناني إنما ... طربا بأيام العقيق يصفّق
لا يدّعي فيه الفؤاد خفوقه ... فوشاح من أهوى لعمري أخفق
وقول الآخر:
ملك القرط والفؤاد فحقا ... إن تسمّى بمالك الخافقين
واحد الحسن في الورى ثاني الغص ... ن إذا ماس ثالث القمرين
وقول البدر يوسف بن لولو الذهبي:
وأحوى فاتر الأجفان ألمى ... رشيقٍ قده رخص البنان
(1/52)

تملّك قرطه والقلب مني ... فصار له بذاك الخافقان
وقول ابن سناء الملك من مرثية:
أوسعت فيك الدهر عتبا مؤلما ... فأجابني بالبهت والبهتان
قلبي يحاسبه على إجرامه ... ويعدها بأنامل الخفقان
وما أحسن قول القاضي الفاضل أيضا:
وقد خفقت راياته فكأنها ... أنامل في عمر العدو تحاسبه
وقول معين الدين بن تولوا:
لم أنسه إذ قال أين تحلّني ... حذرا عليّ من الخيال الطارق
فأجبته: قلبي فقال تعجبا: ... أرأيت عمرك ساكنا في خافق
وهو مأخوذ من قول:
وسكنت قلبا خافقا ... يا ساكنا في غير ساكن
وما أحسن قول السراج الوراق:
يا ساكنا قلبي ذكرتك قبله ... أرأيت قبلي من بدا بالساكن
وجعلته وقفا عليك وقد غدا ... متحركا بخلاف قلب الآمن
وقول شمس الدين محمد بن التلمساني:
يا ساكنا قلبي المعنّى ... وليس فيه سواه ثان
لأي معنى كسرت قلبي ... وما التقى فيه ساكنان
هذا المعنى، رأيت جماعة من أهل العصر قد لهجوا به واستحسنوه، وهو فاسد، وذلك أن القلب وعاء للساكنين، والظرف غير المظروف، والقاعدة ان الساكنين إذا التقيا كسر الثاني منهما، وإذا كسر قلبه فليس بعجيب لأنه غير الساكنين وليس واحدا منهما، فما لإنكاره عليه معنى، فتأمل ذلك يظهر فساده.
ومن معنى قول معين الدين بن تولوا قول ابن سناء الملك، ولكنه سلك به مسكا آخر حيث قال:
من كل محتكم الأجفان يخرجنا ... من أرض سلوتنا في الحب ساحره
يأوي إلى خافق القلب الشجيّ به ... فاعجب لمن وكره في الحب طائره
وقوله:
يا طائر الحسن الذي وكره ... قد حلّ من قلبي في طائر
وقوله أيضا:
وطائر حسنٍ طار قلبي بحسنه ... فيا عجبا من طائرٍ وكر طائر
ومن هذا قول ابن قلاقس وقد وصف المركب:
ونحن في منزلٍ يسري بساكنه ... فاسمع حديث مقيمٍ بيته غاد
ومما قلته في خفقان القلب:
لما رقدت أتى خيالك بغتةً ... فغدا فؤادي خافقا يتموّج
لو أنّ صحبي شاهدوني في الكرى ... والقلب يرقص في الخيال تفرجوا
ومن قولي أيضا:
حسبي الذي ألقاه فيك من الجفا ... وعلى الصحيح فبعض ذاك كفاني
فانظر إلى قلبي إذا قابلته ... يا غصن كيف يطير بالخفقان
أحسن ما قيل في الخمر وكأسها
قال: وكذلك جاء قول بعض المغاربة في الخمر وكأسها، وهو:
ثقلت زجاجاتٌ أتتنا فرّغا ... حتى إذا ملئت بصرف الراح
خفّت فكادت أن تطير بما حوت ... وكذا الجسوم تخفّ بالأرواح
وهذا معنى مبتدع، أشهد أنه يفعل بالعقول فعل الخمر سكرا، ويرق كما رقت لطفا ويفوح كما فاحت نشرا.
أقول: هما لأبي علي إدريس اليماني، وأصل المعنى لابن المعتز حيث قال:
وزنّا الكأس فارغةً وملأى ... فكان الوزن بينهما سواء
ولكنه زاده مبالغة، وهي أن الكؤوس استفادت بالخمر خفة، ثم إنه أراد لذلك مثالا في الخارج فلم يجده إلا في الروح والجسم.
ومثل هذا قول الخوارزمي:
رأيتك إن أيسرت خيمت عندنا ... لزاما وإن أعسرت زرت لماما
فما أنت إلا البدر إن قلّ ضوءه ... أغبّ وإن زاد الضياء أقاما
أخذ المعنى في الأصل من قول إبراهيم بن العباس الصولي في ابن الزيات:
يعرف الأبعد إن أثرى ولا ... يعرف الأدنى إذا ما افتقرا
ولما أراد أن يضرب لذلك مثالاُ في الخارج، لم يجده إلا في القمر وضوئه. وهكذا حال إدريس اليماني مع ابن المعتز.
ولابن حميدس هذا المعنى بعينه، فإنه قال:
وكاس نشوان فيها الشمس بازغةٌ ... باتت تديم إلى الإصباح لثم فمه
تخفّ ملأى وتعطي الثقل فارغةً ... كالجسم عند وجود الروح أو عدمه
وقال أيضاً:
جسامٌ تجمّع شربه لذاتنا ... وعقولنا بالسكر منه تبدّد
ويخف ملآنا ويثقل فارغا ... كالجسم يعدم روحه أو يوجد
(1/53)

على أن ابن حمديس أتى بالمعنى كاملا في بيت واحد، وإدريس اليماني إنما أتى به في بيتين. ولكن نظم إدريس أعلق بالقلب، وأوقع في النفس، وأعذب في السمع.
وقريب من هذا المعنى قول أبي العلاء المعري في اللزوميات:
لم يكن الدنّ غير نكرٍ ... سلافة الراح عرّفته
كآدمٍ صيغ من ترابٍ ... ونفخة الروح شرفته
وكلاهما تسلق على هذا المعنى، ونقله إلى الثقل والخفة، وإلا فهو هو.
وعلى ذكر الخفة في الخمر والطيران، فما أحلى قول أبي الحسين الفكيك:
بكرٌ خطابٌ إذا ما الماء خالطها ... أبدت لنا زبدا في سورة الغضب
كادت تطير نفارا حين واقعها ... لولا شبابيك ما صاغت من الحبب
نماذج من إنشاء ابن الأثير يدعي فيها السمو
قال: وقد جاءني في الكلام المنثور شيء من هذا الضرب، وسأذكر ههنا منه نبذة. فمن ذلك ما ذكرته في وصف صورة مليحة فقلت: ألبس من الحسن أنضر لباس، وخلق من طينة غير طينة الناس، وكما زاد حسنا فكذلك زاد طيبا، واتفقت فيه الأهواء حتى صار إلى كل قلب حبيبا، فلو صافح الورد لتعطرت أوراقه، ولو مر على اللينوفر ليلا لتفتحت أحداقه.
أقول: أي غريب في هذه المعاني، وأي إبداع حتى يثبته ويتعجب له ويروقه.
أما الأول فمأخوذ من قول:
ربيب ملكٍ كأنّ الله صوّره ... مسكا، وقدّر إنشاء الورى طينا
ولا يخفى أن هذا أمدح وأحسن.
وأما الثاني، فمأخوذ من قول البحتري:
أفرغت في الزجاج من كل قلبٍ ... فهي محبوبةٌ إلى كل نفس
وقول ابن لنكك.
عصرت من دم القلوب فما تب ... صر إلا تعلقت بالقلوب
وأما قوله فلو صافح الورد لتعطرت أوراقه، فأي مزية لهذا الموصوف بهذه الصفة والورد ما زال عطرا، سواء صافحه زنجي أو غيره، وهذا من باب تحصيل الحاصل. ولو قال: فلو صافح الأثل تضوع منه نشر البان، ولو مر على اللينوفر في الليل لأيقظ طرفه الوسنان لكان أحسن. فإن الورد لو صافحه أبو الأسود الدؤلي أبو عبد الملك بن مروان، لكان طيب العرف، والمدح إنما يكون بأن الإنسان يكسب الطيب ما ليس له طيب ويفيد الحسن ما لم يكن معروفا بحسن.
ألا ترى أنهم عابوا على كثير عزة قوله:
وما روضةٌ بالحزن طيبة الثرى ... يمجّ النّدى جثجاثها وعرارها
بأطيب من أردان عزة موهنا ... وقد أوقدت بالمندل الرطب نارها
وقيل له: لو كانت هذه أمة زنجية ووقود نارها مندل رطب، لطاب ريحها وتعطر ردنها. وهلا قلت كما قال امرؤ القيس.
ألم تر أني كلما جئت طارقا ... وجدت لها طيبا وإن لم تطيّب
ولهذا استحسنوا قول القائل:
وريحها أطيب من طيبها ... والطيب فيه المسك والعنبر
فانظر إلى هذا الشاعر لما أثبت أنها تتطيب جعل ريحها أطيب منه.
وبالغ بشار بن برد في قوله:
وإذا أدنيت منها بصلا ... غلب الطيب على ريح البصل
لكن هجن هذا المعنى بذكر البصل.
ويحكى أن بعض الشيعة أنشد أبا مجالد قول السيد الحميري:
أقسم بالله وآياته ... والمرء عمّا قال مسؤول
أنّ عليّ بن أبي طالبٍ ... على الهدى والبر مجبول
ذاك الذي سلّم في ليلةٍ ... عليه ميكالٌ وجبريل
ميكال في ألفٍ وجبريل في ... ألفٍ ويتلوهم سرافيل
في يوم بدرٍ بددا كلهم ... كأنهم طيرٌ أبابيل
فقال له أبو مجالد: يا هذا إن الشاعر لم يمدح صاحبك، وإنما هجاه في موضعين أحدهما أنه زعم أن عليا كرم الله وجهه مجبول على البر والهدى، ومن جبل على أمر لم يمدح عليه، لأنه لم يكسبه بسعيه.
وثانيهما أنه ادعى أن أيد في حروبه بالملائكة، ولا فضيله له حينئذ في الظفر، لأن أبا حية النميري لو أيد بهؤلاء لقهر الأعداء.
ذكر ذلك أبو عمر الزاهد في كتاب الياقوته فثبت بمثل هذا أن لا مدح في قوله: لو صافح الورد لتعطرت أوراقه. ويؤيد هذا أنه تنبه لهذا في السجعة الثانية فقال: ولو مر على اللينوفر ليلا لتفتحت أحداقه فاحترز بالليل لأنه في النهار يكون مفتوح الأوراق.
ومن طريف ما جاء للشعراء في اللينوفر قول الخبز أرزي:
(1/54)

خاف الملال إذا طالت إقامته ... فصار يظهر أحيانا ويحتجب
كأنه حين يبدو من مطالعه ... صبٌ يقبّل حبّا وهو يرتقب
وذكرت هنا قول بعض المتأخرين في زر ورد.
سبقت إليك من الحدائق وردةٌ ... وأتتك قبل أوانها تطفيلا
طمعت بلثمك إذ رأتك فجمّعت ... فمها إليك كطالبٍ تقبيلا
وهذا من محاسن التضمين الذي نقل عن أصله، لأن المتنبي قال في الناقة من جملة قصيدته:
ويغيرني جذب الزمام لقلبها ... فمها إليك كطالبٍ تقبيلا
على أنه أخذه من ابن بابك، وإنما حسن ذلك التضمين. فإن ابن بابك قال:
وافى الشتاء فبز النور بهجته ... فعل المشيب بشعر الّلمّة الرّجل
وردٌ تفتح ثم ارتدّ مجتمعا ... كما تجمّعت الأفواه للقبل
وما أحسن قول مجير الدين محمد بن تميم في اللينوفر:
غدا اللينوفر المصفرّ يحكي ... النّجوم فلا يغادرها شبيها
تغوص العين فيه إذا تجلّى ... النّهار وفي الظلام يغوص فيها
وقد استخدم العين هنا في معنين: أولهما العين الباصرة، والثاني العين الجارية وقول ابن حمديس الصقلي:
اشرب على بركة لينوفرٍ ... مصفرة الأوراق خضراء
كأنما أزهارها أخرجت ... ألسنة النار من الماء
وما ألطف قول التنوخي من جملة أبيات:
ألف المياه مشاكلا بلطافةٍ ... حتى يفارق شكله لم يصبر
فيقوم طورا ثم يرفع رأسه ... بتخنّثٍ وتأودٍ وتكسّر
وكأنه في الماء صاحب مذهبٍ ... أغراه وسواسٌ بأن لم يطهر
وقول الآخر:
كأن لينوفرها عاشقٌ ... نهاره يرقب وجه الحبيب
حتى إذا الليل بدا سجفه ... وانصرف المحبوب نحو الكئيب
غمّض عينيه عسى أن يرى ... في النوم من فاز به عن قريب
وبالغ الآخر في الظرف حين قال:
وكأنه إذ غاب وقت مسائه ... في الماء واحتجبت نضارة قده
صبٌّ يهدده الحبيب بهجره ... ظلما فغرّق نفسه من وجده
وقال الوجيه ابن الذروي يهجو اللينوفر المصري:
ولينوفرٍ أبدى لنا باطنا له ... مع الظاهر المخضر جمرة عندم
فشبهته لما قصدت هجاءه ... بكاسات حجّامٍ بها لوثة الدم
نموذج من إنشاء ابن الأثير
في ذم الشيب يدعي فيه الإبداع
قال: ومن ذلك ما ذكرته في ذم الشيب فقلت: والشيب إعدام لا يسار، وظلم لا أنوان، وهو الموت الأول الذي يصلي نارا من الهم أشد وقودا من النار، ولئن قال قوم إنه جلالة فإنهم دقوا به وما جلوا، وأفتوا في وصفه بغير علم فضلوا وأضلوا، وما أراه إلا محراثا للعمر ولم تدخل آلة الحرث دار قوم إلا ذلوا. ون عجائب شأنه أنه المملول الذي يشفق من بعده، والخلق الذي يكره نزع بدره، ولما فقد الشباب كان عنه عوضا ولا عوض عنه في فقده.
أقول: إنه أخذ بعد فراغه من هذا الفصل في الدندنة على العادة، وأن المعنى الذي ابتدعه هو تشبيه الشيب بآلة الحرث، وقد شبه الناس الشيب بأشياء منها اشتعال النار، وقد نطق القرآن العظيم به في قوله تعالى " واشتعل الرأس شيبا ".
وقال الأرجاني:
قد أشعل الشيب رأسي المبلا عجلا ... والشمع عند اشتعال الرأس ينسبك
فإن يكن راعها من لونه يققٌ ... فطالما راقها من لونه حلك
ومنها تشبيه بالصبح، قال:
وقالوا انتبه من رقدة اللهو والصبا ... فقد لاح صبحٌ في دجاك عجيب
فقلت: أخلاّني دعوني ولذّتي ... فإن الكرى عند الصباح يطيب
ومنها تشبيهه بالنجوم، قال:....
ومنها تشبيهه بالتبسم. قال أبو تمام:
رأت تبسّمه فاهتاج هائجها ... وقال لاعجها للعبرة انسكبي
فلا يؤرّقك إيماض القتير به ... فإنّ ذاك ابتسام الرأي والأدب
ومنها تشبيهه بالحبب. قال....
ومنها تشبيهه بالغبار قال ابن المعتز:
صدّت شرير وأزمعت هجري ... وضعت ضمائرها إلى الغدر
قالت كبت وشبت قلت لها ... هذا غبار وقائع الدهر
(1/55)

ومنها تشبيهه بالسيف، قال:
أنا إن نزعت عن الغواية والصبا ... فلطالما استهوتني الآثام
أصبو سيفٌ للمشيب مجرّدٌ ... وقلت نورٌ بدا على قضبه
ومنها تشبيهه بالزهر. قال الغزي:
تألق الشيب فاعتذرت له ... وقلت نورٌ بدا على قضبه
كأن ثغر الحبيب ركّب في ... مفارقي ما أضاء من شنبه
ومنها تشبيهه بالبوم والقطاة كقول الشافعي رضي الله عنه في أبياته التي منها:
أيا بومةً قد عششت فوق هامتي ... على الرغم مني حين طار غرابها
وقال الغزي:
قطاةً في الهداية كان شيبي ... وإن سمّته نقبته غرابا
وشبهه السراج الوارق بالقرطم، وإنما حسن ذلك لأنه رحمه الله تعالى كان أشقر. فقال.
ذهب العصفر مني ... وبدا قرطم شيبي
والتي قد ملكت رق ... بي ردّتني بعيبي
وقيل لأعرابي عن الشيب: ما هذا البياض الذي في رأسك؟ فقال زبدة مخضتها الأيام وفضة سبكتها التجارب.
وما أحسن قول القاضي الفاضل رحمه الله.
إليك بعد انقضاء اللهو واللعب ... عني فلم أر بي ما يقتضي أربي
والعمر كالكأس والأيام تمزجه ... والشيب فيه قذىً في موضع الحبب
وشبه بأشياء مناسبة غير هذه، ولم أر لأحد تشبيهه بآلة الحرث، وأي مناسبة بين آلة الحرث والشيب وما وجه الشبه وليس هذا من باب تشبيه المحسوس بالمحسوس، ولا من باب المحسوس بالمعقول، وما أدري ما هو، وأما تشبيه الهرم بالحرث نفسه فجائز وأما قوله اعدام لا يسار، فمأخوذ من قول المتنبي:
وقد أراني الشباب الروح في بدني ... وقد أراني المشيب الروح في بدلي
وأما قوله ظلام لا أنوار، فمأخوذ من قول أبي تمام:
له منظرٌ في العين أبيض ناصعٌ ... ولكنه في القلب أسود أسفع
وقول أبي الطيب:
ابعدت بياضا لا بياض له ... لأنت أسود في عيني من الظلم
وما أحسن قول الغزي:
كيف لا ينفر الظباء من الشي ... ب ومن عادة الظباء النفور
أبيضٌ مظلمٌ وكل بياضٍ ... في سوى العين والمفارق نور
وأما قوله: وهو الموت الأول.. السجعة، قال محمود الوراق: الشيب إحدى الميتتين.
وقال غيره: الشيب غمام قطر الغموم.
وأما قوله: ولئن قال قوم إنه جلالة.. السجعة، فذكرت به قول بعض المتأخرين:
وقالوا شباب المرء لهوٌ وغرّةٌ ... ومن خلفه شيب الوقار ولا ريب
وأي وقارٍ لامرىءٍ عرّي الصبا ... وقدّامه شيبٌ ومن خلفه شيب
وأما قوله: وهو المملول الذي يشفق من بعده، فمأخوذ من قول مسلم ابن الوليد وقول مسلم في غاية الحسن:
الشيب كرهٌ وكره أن يفارقني ... اعجب بشيءٍ على البغضاء مودود
يمضي الشباب فيأتي بعده بدلٌ ... والشيب يذهب مفقودا بمفقود
قيل: إن المنذر بن أبي سبرة نظر إلى أبي الأسود الدؤلي وعليه قميص مرقوع فقال له: ما أصبرك على هذا القميص؟ فقال: رب مملول لا يستطاع فراقه. فبعث إليه تختا من ثياب.
ونظر سليمان بن وهب في المرآة فرأى الشيب فقال: عيب لا عدمناه وقد جاء في ترسل الفاضل ذكر الشيب فقال: فمن يطلع شرف السبعين يهبط إلى الحضيض، ومن يعمر العمر الطويل يقع في الطويل العريض وأيام المشيب كلها بيض، وما نحن ممن يصوم الأيام البيض.
وما ألطف قول ابن المعتز:
أيا نفس قد أثقلتني بذنوبي ... أيا نفس كفي عن هواك وتوبي
وكيف التصابي بعد أن ذهب الصبا ... وقد ملّ مقراضي عتاب مشيبي
وما أحلى قول:
ألا يا ساريا في بطن قفرٍ ... ليقطع في الفلا وعرا وسهلا
قطعت نقا المشيب وبنت عنه ... وما بعد النقا إلا المصلّى
ولبعض الشعراء:
ولما رأيت الشيب راءً بعارضي ... تيقنت أنّ الوصل لي منك واصل
ربما يفهم من هذا البيت غير ما قصده الناظم، فيتوهم أنه يظن أن الشيب سبب لوصاله وهو على خلاف المعهود من كلام الشعراء، فإنهم ما زالوا يقولون إن الشيب سبب نفار الغواني عن المحبين.
وما أحسن قول خالد الكاتب في هذا:
(1/56)

لما رأت شيبا ألمّ بمفرقي ... صدّت صدود مفارقٍ متجمّل
وجعلت أطلب وصلها بتذللٍ ... والشيب يغمزها بأن لا تفعلي
والشاعر إنما أراد هذا المعنى المعهود، فإن واصل بن عطاء الغزال رأس المعتزلة، كان يلثغ في الراء لثغة قبيحة، وكان يتجنب الراء في كلامه، ولا تكاد تسمع منه كلمة فيها راء ويقال إنه امتحن ليقرأ أول سورة براءة فقرأ من غير فكر ولا روية: عهد من الله ونبيه إلى الذين عاهدتم من الفاسقي، فسيحوا في البسيطة هلالين هلالين.
وبلغه أن بشار بن برد هجاه، فقال غير مفكر: أما آن لهذا الأعمى الملحد المكنى بأبي معاذ من يقتله. أما والله لولا أن الغيلة خلق من أخلاق الغالية، لبعثت إليه من يبعج بطنه على مضطجعه ثم لا يكون إلا سدوسيا أو عقيليا.
فقال الأعمى ولم يقل الضرير، وقال الملحد ولم يقل الكافر، وقال أبو معاذ ولم يقل بشار بن برد ولا المرعي، وقال الغيلة ولم يقل الغدر، وقال الغالية ولم يقل المغيرية ولا المنصورية، وقال بعثث ولم يقل سيرت، وقال يبعج ولم يقل يبقر، وقال مضطجعه ولم يقل فراشه، وأراد بذكر عقيل وسدوس ما كان بشار بن برد يذكره من الاعتزاز إليهما.
وقال فيه بعض الشعراء يمدحه:
ويجعل البرّ قمحا في تصرفه ... وخالف الراء حتى احتال للشعر
ولم يطق مطرا والقول يعجله ... فجاء بالغيث إشفاقا من المطر
فلهذا قال الشاعر ذلك البيت. وشبه الوصل بواصل، وشبه الشيب بالراء. مراده أنه يجفوه جفاء واصل الراء.
وقال آخر فأحسن:
أعد لثغةً لو أن واصل حاضرٌ ... ليسمعها ما أسقط الراء واصل
وقال الرمادي في مليح ألثغ.
لا الراء تطمع في الوصال ولا أنا ... الهجر يجمعنا فنحن سواء
فإذا خلوت كتبتها في راحتي ... وقعدت منتحبا أنا والراء
وقال الأرجاني:
هجر الراء واصل بن عطاءٍ ... في خطاب الوري من الخطباء
وأنا سوف أهجر القاف والرا ... ء مع الضاد من حروف الهجاء
مناقشة نموذج من إنشاء ابن الأثير
قال: وكذلك كتبت إلى بعض الأصحاب كتابا من هذا الجنس، أهزل معه فقلت: ينبغي له أن يشكرني على وسمه بهجائي دون امتداحي، فإني لم أسمه إلا لتحرم به الأضحية في يوم الأضاحي، ولا شك أن سيدنا معدود في جملة الأنعام، غير أنه من ذوات القرون والقرون عدة في الخصام.
أقول: أي معنى هذا حتى يتبجح به وقول: وهذا معنى ابتدعته ولم أسمعه لأحد قبلي.
ولو أنه اقتصر على السجعتين الأوليين لكان ذلك أحسن من أن يفسر معناهما فيما بعد ولقد أذهب رونق التنديب والتندير، بما أتى به من التفسير. وقد قيل إن من شرط التنديب أن لا يكون خفيا ولا صريحا ولكن بين بين.
ألا ترى إلى قول السراج الوراق فيمن ينعت بالصفي:
حالت حوادث بيني ... بين الصفيّ وبيني
فلا أموت إلى أن ... أرى الصفيّ بعيني
ما أحلاه. ولو قال: فلا أموت إلى أن اراه صفيا أو بعين واحدة، يعني أعور ما كان له هذه الطلاوة، ولا فيه هذا الحسن الواقع من القلب. أو لو أخذ يفسره فيما بعد ويشرح ما رمزه، ذهبت منه هذه الحلاوة.
وانظر ما أحسن قول الجزار أبي الحسين رحمه الله تعالى:
لو يقنص الجزار أرواح العدى ... في يوم عيدك كنت أول قانص
لكنهم أمنوا مداي لنقصهم ... إنّ الضحية لا تكون بناقص
وقوله أيضاً:
نصحتك فاسمع من نصيحة عاشقٍ ... وإني على ما قلته لأمين
من الرأي أن لا توقع الحرب بيننا ... فإني جزارٌ وأنت سمين
ولو قال: ينبغي له أن يشكرني على وسمه بهجائي بين البرية، فإني لم اسمه إلا لكي تحرم به الأضحية، لكان أحسن. فإن قوله: الأضحية في يوم الأضاحي من باب قولك: العيد في يوم العيد، والصيام في يوم الصيام. ومن المعلوم أن الضحايا لا تطلق إلا على ما ذبح أيام التشريق، وما ذبح في غير ذلك من الذبائح لا يطلق عليه ذلك. وكذلك صلاة الجمعة لا تطلق إلا على الصلاة المعروفة في الوقت المخصوص، ومتى كانت صلاة في غير ذلك الوقت فلا تكون جمعة.
نموذج من إنشاء ابن الأثير يدعي فيه الإبداع
(1/57)

قال في فصل ذكر فيه هدية رطب لبعض ملوك الشام: ولما استقلت به الطريق أنشا الحسد لغيره من الفواكه أربا، وما منها إلا من قال يا ليتني كنت رطبا.
أقول أي فصاحة لهذه العبارة، وأي بلاغة على هذا المعنى الذي لا طائل تحته وأين هذا من قول أبي الحسين الجزار:
قلت لما سكب السا ... قي على الأرض الشرابا
غيرةً مني عليه ... ليتني كنت ترابا
فإن هذا أتى بلفظ القرآن العظيم، فكان له في السمع وقع وفي القلب حلاوة، ولو كان قوله ليتني كنت رطبا بعض آية أو بعض بيت أو بعض مثل أو معنى متداولا في شيء، فنقله إلى هذا، لكان حسنا.
ومن كلام القاضي الفاضل رحمه الله تعالى في جواب الخليفة: ورد الكتاب المشتمل على ما أبان عنوان النية وإن كان كتابا، وأقر النعمة وإن علا وكان سحابا، المقتضي حد الطاعة ولتلك القدم الشريفة يقول المؤمن ليتني كنت ترابا.
ثم إن ابن الأثير قال: وما منها إلا من قال. فأجرى من على ما لا يعقل. وهي لا تكون إلا لمن يعقل. والفواكه لا تعقل.
ولو قال: وما منها نوع إلا قال، لخلص من ذلك. وقد يعتذر له بأنه لما نزل أنواع الفاكهة منزلة العاقلين في القول، أطلق من عليها. كقوله تعالى: فقال لها وللأرض، ائتيا طوعا أو كرها، قالتا أتنا طائعين. وهذا الجمع الذي يعرب بالحروف لا يكون إلا للعاقلين. ولكنه لما نزلهما منزلة العاقلين في القول والطاعة، أعطاهما جمع العاقلين.
والجواب: ليس هذا من هذا، والفرق بين الآية الكريمة وبين كلامه، أنه في الآية الكريمة أطلق ذلك لما تقدم قولهما. فأشعر بأنهما تنزلا منزلة العاقلين.
وأما ابن الأثير فإنه أطلق من على ما لا يعقل من أول وهلة فلم يحسن. وبمثل هذا خلص المتنبي من إيراد ابن وكيع وغيره عليه، في قوله:
وكل ما قد خلق الل ... هـ وما لم يخلق
محتقرٌ في همّتي ... كشعرةٍ في مفرقي
قالوا: وفيما خلق الله تعالى، الأنبياء والرسل والملائكة. وهذا يقتضي تكفيره ويدل على زندقته.
والجواب على المتنبي أنه إنما قال وكل ما ولم يقل وكل من فإن ما لما لا يعقل على الصحيح وبهذا يخرج عنه الرسل ومن شرف قدرهم وارتفع مقامهم عن هذا، والملائكة صلوات الله عليهم وسلامه.
وكذا أورد بعض الجاهلين في قوله تعالى: " إنكم وما تعبدون من دون الله حصَب جهنّم ".
فقال: وممن عبد المسيح، ولم يدر المثكل أن ما في قوله تعالى " وما تعبدون " لما لا يعقل. فيتناول الأصنام والكواكب وغير ذلك، ويخرج المسيح عليه السلام من ذلك.
مناقشة رسالة لابن الأثير من عاشق إلى معشوق
قال: ومن ذلك وقعة كلفني بعض أصدقائي إملاءها عليه، وهي رقة من عاشق إلى معشوق ثم أخذ ف سردها وهي طويلة افتتحها بقول القائل:
وإذا قيل من تحبّ تخطا ... ك لساني وأنت في القلب ذاكا
فلما رأيته قد صدر الرسالة ببيت أبي تمام قلت: لعل هذا البارق تكون وراءه سقيا، ويتمسك بهذه الطليعة في اللطف على عادة مخاطبة العشاق وخضوعهم وذل سؤالهم في طلب الوصال أو شكوى الهجر أو رقة العتاب في إخلاف الوعد أو الميل إلى الضد، فإنه إن كانت الرقة واللطافة والاستكانة خلقت لشيء، فما أرى أحدا أولى بها من العشاق في هذه المقامات وما أحلى قول القائل:
يدير من كفّه مداما ... ألذ من غفلة الرقيب
كأنها إذ صفت وزفّت ... شكوى محبّ إلى حبيب
(1/58)

فما كان إلا أن قال بعد ذلك البيت: يا من لا أسميه ولا أكنيه، وأذكر غيره وهو الذي أعنيه لا تكن ممن أوتي ملك الملاحة فلم ينظر إلى زواله، وعرف مكانه من القلوب فجار في إدلاله، ولا تغتر بقول من رأى الحسن للإساءة ماحيا، واعلم أن اللاحي يقول: كفى بالتذلل لاحيا، وكثيرا ما يزول العشق بجنايات الصدود، والزيادة في الحد نقص في المحدود. وقد قيل: إن الحسن عليه زكاة كزكاة المال، وليست زكاته عند علماء المحبة إلا عبارة عن الوصال، وهذه صدقة تقسم على أربابها، ولا ينتظر أن يحول الحول في إيجابها، فهي مستمرة على تجدد الأيام، والمستحقون لها قسم واحد ولا يقال إنهم ثمانية أقسام، وهؤلاء هم المخصوصون بفك الرقاب، ورقبة العشق أشد أسرا من رقبة تتحرر بالكتاب. فاخرج يا مولاي من هذا الحق الواجب، وإلا فتأت لطالب منىً وأي مطالب، ولا تقل هذا غريم أكثر عد الليالي في مطله، وأعده والمواعيد زاد لمثله، فهذه سلعة قد عاملتني بها مرة ساخرا ومرة ساحرا، ومن الأقوال السائرة إن الغر تجعله التجربة ماهرا، ولعمري إن ممارسة الحب تجدد لصاحبه علما، وتبصرةً وإن كان كما يقال أعمى، وقد كذب القائل:
عرّصن للذي تحبّ بحب ... ثم دعه يروضه إبليس
فإن كانت الرياضة كما قيل لإبليس فما أراه صنعا في الذي صنع، وأراك استعصيت عليه استعصاء القارح وأنت جذع، ولا شك أنك تهدم ما يشيده من البناء، وأنك مستثنى في جملة من دخل في حكم الاستثناء، وأنا الآن له عائب، وعليه عاتب. فأين نفاثاته التي هي أخدع من الحبائل، وأين قوله لآتينهم عن الأيمان والشمائل، وأين جنوده المسترقة ما في السماء، التي تجري منهم مجرى الدماء. وكل هذا قد بطل عندي خبره، كما بطل عندي أثره، فإن أدركته النخوة بأني استهزأت بتصديق أفعاله، فليحلل معقول حاجتي هذه حتى أعلم أنه قادر على حل عقاله، وإلا فليخف راسه، وليمح وسواسه، وإن كان له عرش على البحر فليقوض من عرشه، وليعلم أن السحر ليس في عقده ونفثه ولكنه في الأصفر ونقشه، وها أنذا قد بعثت بما يجعل العزم محلولا والود مبذولا، وما أقول إلا أني بعثت معشوقا إلى معشوق، وكلاهما محله من القلب بل القلب من حبها مخلوق، وما أكرمه وهو وسيلة إلى مثله، وحسنه من حسنه وإن لم يكن شكله من شكله، وما وصفه واصف إلا كان ما رآه منه فوق ما رواه، ومن أغرب أوصفاه وأحسنها أنه لم ير ذو وجهين وجيها سواه، ولا جرم أنه إذا سفر في أمر تلطف في فتح أبوابه، وتناول وعره فبدله بسهمه وبعده فبدله باقترابه، ولو بعثت غيره لخفت أن لا يكون في سفارته صادقا، وأنه كان يمضي سفيرا ويعود عاشقا، فليس على الحسن أمانه، وفي مثله تعذر الخيانة، ولا لوم على العقول إذا نسيت هناك عزيمة رشدها، ورأت ما لا يحتمله كاهل جهدها، ومن ذا الذي يقوى درعه على تلك السهام، أو يروم النجاة منها وقد حيل بينه وبين المرام، وهذا الذي منعني إلا أن أرسل كيسا أو كتابا، فأحدهما يكون في السفارة محسنا والآخر على السر حجابا، والسلام إن شاء الله تعالى.
أقول: إنه لما فرغ من هذه الرسالة، أخذ على العادة في تفريط كلامه لما ابتدعه من ذكر الزكاة ووصف الدينار بمعنى الحديث، وأن الذي اتفق له لم يظفر به الحريري ولا سبق إليه وأقول: إنني ما سمعت ولا رأيت ولا أسمع ولا أرى بمن راسل محبوبه بمثل هذه الأشياء، وتهدد بأن العشق يزول بالصدود، والزيادة في الحد نقص في المحدود، وأن الوصال زكاة تجب عليك ولا تقل إنها في العام بل في كل وقت، فأخرج من هذا الحق الواجب عليك، ولا تقل إني غريم هين الطلب، فكم تسخر بي، فما أنا كما كنت والتجربة تجعل الغر ماهرا، ولكن المحب أعمى ثم أخذ في ذم إبليس وتأنيبه وتوبيخه، وأنه ليس بصاحب الوسوسة والإغواء والسحر إنما هو للدينار، وها أنا قد جهزت شيئاً من ذلك، وما بقي بعد أن أجهز المعشوق إلى المعشوق شيء. ثم أخذ يصف الدينار.
نعم هذه العبارة والتهديد تصلح أن تكون في حق عدو خرج من الصداقة إلى العداوة أو متول أكثر الظلم والفساد في البلاد والعباد، ولم يفده الإنذار ولا التحذير، أو عبد خرج عن طاعة مولاه ولم يخف سلطانه.
(1/59)

وما أظن هذا المعشوق إلا أنه كان قد عزم على زيارة هذا العاشق، فعارضه في الطريق الرسول بهذا الكتاب والدينار، فلما وقف عليها ورأى هذا الإنعام والمانة به عليه، كر راجعا بعد إن سب الرسول ومزق ثيابه، ونتف ذقنه وبصق في وجهه ولعن من أرسله، ومزق الرقعة شذر ومذر، وداس فتات الرقعة برجليه وقال ما عنده من العجر والبجر، وتفضل في حق كاتب الرسالة بما يستحقه، ورمى بالدينار الذي أرسله في الهواء. على أنه يكون في ذلك مختصرا، وأنه سكت عن ظلمه ولم يكن منتصرا.
أما وقف هذا على شعر المتيمين من العرب الذين خاطبوا أحبابهم وتوسلوا في طلب الوصال، وتلطفوا في طلب الرضا والمساعدة على الهوى. أكذا قال قيس بن ذريح وعبد الله بن العجلان النهدي وعروة بن حزام وأبو ذؤيب وقيس المجنون وجميل بثينه وكثير عزة. أكذا تغزل عمر بن أبي ربيعة والحارث بن خالد والعباس بن الأحنف. أما سمع قول أبي الطيب:
زيدي أذىً مهجتي أزدك هوى ... فاجهل الناس عاشقٌ حاقد
وقول أبي فراس:
أساء فزادته الإساءة حظوةً ... حبيبٌ على ما كان منه حبيب
يعدّ عليّ الواشيان ذنوبه ... ومن أين للوجه الجميل ذنوب
وقول الآخر.
لئن ساءني أن نلتني بمساءةٍ ... لقد سرّني أني خطرت ببالك
وقول الآخر:
ويدلّ هجركم على ... أني خطرت ببالكم
أما سمع قول المعري:
لغيري زكاةٌ من جمالٍ فإن تكن ... زكاة جمالٍ فاذكري ابن سبيل
ما أحلى قول: فاذكري ابن سبيل إن أخرجت زكاة جمالك، لم يأمرها بصرفها إليه ولا أوجبها عليها بل قال: إن كان شيء، فاذكري ابن السبيل المستحق.
ومن هذا قول كثير عزة:
لئن كان يهدى برد أنيابها العلى ... لأفقر مني إنني لفقير
على أن معناه مشكل إذا تأملته حتى التأمل، وليس هذا مكان الكلام عليه. وما ألطف ابن سناء الملك في قوله:
وغانيةٍ لم تعد عشرين حجةً ... أقول لها قولا لديه صواب
عليك زكاةٌ فاجعليها وصالنا ... فعمرك في العشرين وهي نصاب
وقول ناصر الدين بن النقيب:
لقد وجبت عليك زكاة حسنٍ ... وفيه كمثل ما في المال حق
فلا تعدل به عني فاني ... لمصرفه الفقير المستحق
أما سمع بقول جميل بن معمر العذري.
لا خير في الحب وقفا لا تحركه ... عوارض اليأس أو يعتاده الطمع
لو كان صبرها أو عندها جزعي ... لكنت أعرف ما آتي وما أدع
وقول أبي الطيب:
وأحلى الهوى ما شكّ في الوصل ربّه ... وفي الهجر، فهو الدهر يخشى ويتّقي
وقول كشاجم:
لولا اطراد الصيد لم تك لذةٌ ... فتطاردي لي بالوصال قليلا
هذا الشراب أخو الحياة وما له ... من لذةٍ حتى يصيب غليلا
وقول العباس بن الأحنف:
وأحسن أيام الهوى يومك الذي ... تروّع بالهجران فيه وبالعتب
إذا لم يكن في الحب سخطٌ ولا رضىً ... فأين حلاوات الرسائل والكتب
وقول علية بنت المهدي:
وضع الحب على الجور فلو ... أنصف المعشوق فيه لسمج
ليس يستحسن في شرع الهوى ... عاشق يحسن تأليف الحجج
أما سمع بقول محمد بن بشير الخارجي:
ولقد أردت الصبر عنك فعاقني ... علقٌ بقلبي من هواك قديم
يبقى على ريب الزمان وصرفه ... وعلى جفائك إنه لكريم
وما أحسن قول العباس بن الأحنف حين عنف أحبابه على المطل بالوصل:
كأن لم يكن بيني وبينكم هوى ... ولم يك موصولا بحبلكم حبلي
وإني لأستحيي لكم من محدّثٍ ... يحدث عنكم بالملالة والمطل
حكى الشبلي رحمه الله تعالى قال: رأيت يوم جمعة معتوها عند جامع الرصافة قائما عريان وهو يقول: أنا مجنون الله، أنا مجنون الله، فقلت: لم لا تدخل الجامع وتتوارى وتصلي؟ فأنشد يقول:
يقولون زرنا واقض واجب حقنا ... وقد أسقطت حالي حقوقهم عني
إذا أبصروا حالي ولم يأنفوا لها ... ولم يأنفوا منها أنفت لهم مني
(1/60)

قلت أنا: وهذا نوع آخر غير هذا الذي نحن فيه، وطرق الجد غير طرق المزاح ومما قلت أنا:
وإذا تهتّك في الهوى سري غدا ... وتحدثت بصبابتي السمّار
أو قيل ذا المسكين أصل جنونه ... سحر العيون وما له أنصار
أيحل في شرع الهوى هذا ومن ... أفتى بأنّ دم المحب جبار
وعلمت أن هواك أصل بليّتي ... فعلى صدودك لا عليّ العار
أما سمع بما قنع به المحبون مثل جميل حيث يقول:
وإني لراضٍ منك يا بثن بالذي ... لو أيقنه الواشي لقرّت بلابله
بلا وبأن لا أستطيع وبالمنى ... وبالوعد حتى يسأم الوعد ماطله
وبالنظرة العجلى وبالحول تنقضي ... أواخره لا نلتقي وأوائله
وجحدر حيث يقول:
أليس الليل يجمع أمّ عمروٍ ... وإيانا فذاك بنا تدان
وتنظر للهلال كما أراه ... ويعلوهها النهار كما علاني
والآخر حيث يقول:
إلى الطائر النسر انظري كل ليلةٍ ... فإني إليه بالعشية ناظر
عسى يلتقي طرفي وطرفك عنده ... فنشكو جميعاً ما تجنّ الضمائر
وأبي العلاء المعري حيث يقول:
لاقاك في العام الذي ولّى ولم ... يسألك إلا قبلةً في القابل
إن البخيل إذا تمد له المدى ... في الجود هان عليه بذل النائل
وأما ذكره إبليس واستصراخه به وحثه على وسواسه وتزيين الباطل له، فإنه من الغريب أتراه ما علم أن المحب إذا قال لمحبوبه: ما يدعك تزورني وتحنو علي إلا إبليس بوسواسه أن المعشوق يمثل ذلك بين عينيه ويقول: إن هذه الأمور من فعل إبليس ومطاوعة الشيطان في إتباع المحرمات المحظورة، فيرجع إلى الهجران، ويتقمص شعار الجفا والصد والإعراض ويكون في ذلك كالنائم الذي أيقظه غيره من الغفلة.
قال بعضهم: كان لي صديق، وكان لا يحتشمني ولا أحتشمه، فقال لي يوماً: يا أخي قد علمت حبي لفلانه ولم أقدر منها على شيء قط وقد زارتني اليوم، وأحب أن تكون عندنا فإني لا أحتشمك. فأجبته إلى ذلك. فلما صرت إلى مكانه، وأخذت عيني الجارية فرأيت أحسن النساء. ثم إنا أفضنا في الأكل والشرب والحديث، وسألني صاحبي الغناء وكنت مجيدا فيه. وكأن الله تعالى أنساني جميع ما أحفظه إلا هذا الصوت:
من الخفرات لم تفضح أخاها ... ولم ترفع لوالدها شنارا
فلما سمعته الجارية قالت: أحسنت والله أعده يا أخي فأعدته، فوثبت قائمة وقالت: أنا إلى الله تائبة، والله ما كنت لأفضح أخي وأرفع شنار أبي. فجهد الفتى في رجوعها فلم تفعل وخرجت. فقال لي: ويحك، ما حملك على ما صنعت؟ فقلت: والله ما هو شيء اعتمدته، ولكنه ألقي على لساني.
فانظر إلى فائدة ما ذكرته. والأنسب في طلب الوصال أن يقول: اسأل الله أن يعطف قلبك علي، ويلهمك اغتنام الأجر فيّ ويرزقك رحمتي لتدخل في الجنة كما غالط القائل محبوبه في قوله:
تجنّيت لي ذنبي ولم أك مذنبا ... وحمّلتني في الحب ما لا أطيقه
وما طلبي للوصل حرصٌ على البقا ... ولكنه أجرٌ إليك أسوقه
وكما غالط الآخر حيث قال:
قم بنا تفديك روحي ... نجعل الشك يقينا
فإلى كم يا حبيبي ... يأثم القائل فينا
وقد وقفت على بعض رسالة من كلام ابن سناء الملك وهو: وأنا والله في أمرك مغلوب والسبب أني أنا المحب وأنت المحبوب، ولا أتجالد عليك فأغرك، ولا أخون حبك ولا أقعقع عليك فأغشك وأغم قلبك، اعمل ما شئت فأنا الصابر، واقتل كيف شئت فأنا الشاكر، وقل لي فلي سمع يعشق قولك، والتفت تر آمالي ترفرف حولك، وافعل فأنت المعذور، واستطل فما أنا المضرور بل المسرور، وارجع إلى الود الذي بيننا فكل ذنب لك مغفور انتهى.
قلت: ولله الوزير أبو الوليد بن زيدون حيث يقول:
بيني وبينك ما لو شئت لم يضع ... سرٌ إذا ذاعت الأسرار لم يذع
يا بائعا حظّه مني، ولو بذلت ... لي الحياة بحظي منه لم أبع
يكفيك أنك إن حمّلت قلبي ما ... لا تستطيع قلوب الناس يستطع
ته أحتمل واستطل أصبر وعزّ أهن ... وولّ أقبل وقل أسمع ومر أطع
(1/61)

والآخر حيث قال:
هيهات لا جذب السّلوّ بمقودي ... أبدا ولا ظفر الملام بسلوتي
إقطع وصل أوصدّ عني عامدا ... طبع الغرام على هواك سجيّتي
ومحاسن الشوا حيث يقول:
أدين فما يندني أفيء فما يفي ... أكف فما يكفي أجود فما يجدي
تهنوا أهن جوروا أجر أوعدو أعد ... تسلوا أسل صولوا أصل هددوا أهدي
وحيث يقول أيضاً:
فديتك يا من تجنّى وصالا ... وأحرمني في هواه الوصالا
فللحسن فيك معانٍ بها ... تضل النساء وتلهي الرجالا
تروع تراعى تحابي تحبّ ... تعادي تعاد تولي توالى
يا من وقفت على فرط الضنى جسدي ... فيه، وقلبي على التعذيب والعنت
بن أدن قاطع أصل بح أخف شح أجد ... خن أوف جر أعدل اسخط أرض عش أمت
والوزير أبو شجاع فاتك حيث قال
يا ممرضا بتجنّيه وجفوته ... قلبي، ويا تاركي لحما على وضم
كن كيف شئت فإني لست أكره ما ... ترضى، ولو أن ما يرضيك سفك دمي
أعرض وعرض وجر واهجر وصدّ وصل ... واخشن ولن وارض واغضب واعف وانتقم
في كل حالٍ أنا الجاني المسىء وأن ... ت المحسن الحسن الأخلاق والشيم
وابن رواحة الحموي:
إن كان يحلو لديك قتلي ... فزد من الهجر في عذابي
عسى يطيل الوقوف بيني ... وبينك الله في الحساب
وهذا أكثر وأشهر من أن يستشهد له.
وأما إضافة السحر وعقده إلى إبليس، فإنه من العجب، والسحر والعقد إنما هما للآدميين ليستخدموا إبليس وجنوده، فالسحر للإنسان لا للشيطان.
وما أحلى قول.... حين استصرخ بإبليس تظرفا منه:
الخمر يا إبليس إن لم تقم ... وتوسع الحيلة في ردّها
لانفقت سوق المعاصي ولا ... أفلحت يا إبليس من بعدها
وأما دعواه في وصف الدينار بذي الوجهين وأنه لم يسبق إليه، فأول ما وصفه الحريري بذلك، فقال في مقاماته:
تبا له من خادعٍ مماذق ... أصفر ذي وجهين كالمنافق
يبدو بوضعين لعين الرامق ... زينة معشوق ولون عاشق
وقد جاء ذكر الدينار في مقامات البديع الهمذاني فقال: فاستصحب لي عدوا في بردة صديق، من نجار الصفر، يدعو إلى الكفر، ويرقص على الظفر، كدارة العين يحط ثقل الدين، وينافق بوجهين.
وما أحسن قول ناصر الدين بن النقيب ملغزا في الدينار:
أيّ شيءٍ تصبو الناس إليه ... صبوة العاشقين للمعشوق
ضربوه وعلقوه ولكن ... زاد عزا بالضرب والتعليق
وأما قوله: يمضي سفيرا ويعود عاشقا وليس على الحسن أمانة، فمأخوذ من قول أبي الطيب:
ما لنا كلنا جوٍ يا رسول ... أنا أهوى وقلبك المتبول
كلما عاد من بعثت إليها ... غار مني وخان فيما يقول
أفسدت بيننا الأمانات عينا ... ها وخانت قلوبهن العقول
ومن هنا أخذ الأرجائي أيضاً حيث قال:
قسماً لقد رجع النسيم عليلاً ... لما سرى مني إليك رسولا
فأتى لبرح هواك وهو مردد ... نفساً يسارقه الأنام طويلا
ورأى لحبك أنه قدخانني ... فغدا يجر من الحياء ذيولا
ومن هنا أخذ قول ابن سناء الملك أيضاً:
راح رسولا وجاءني عاشق ... وعاقه عن رسالتي عائق
وعادلا بالجواب بل بجوىً ... أخرسه والهوى به ناطق
ولكن الأرجاني تستر في سرقته.
قال في تعزية بزوجة توفيت ثم توفي ولدها،: أشجي التعازي ما أتبع فيه المفقود بمفقود، لا سيما إذا جمع بين سعد الأخبية وسعد السعود ثم قال ولم يوفهما حقهما من بكى ولا من ندب، ولا من شعر ولا من كتب، وليت فدي أحدهما بصاحبه فعاش درهما المفدي بالذهب ...
ثم ساق باقي الرسالة وهي طويلة غثه سمجة، إلا أنه بعد الفراغ منها أخذ يطنطن ويدندن في قول سعد الأخبية وسعد السعود وأنهما منزلتان من منازل القمر، ويعجب من هذا الاتفاق.
مناقشة نموذج من إنشاء ابن الأثير
(1/62)

وأقول: إنه نفخ في غير ضرم، وطاف بغير حرم، وليس ذلك بكبير أمر، ولا مما ينبه عليه بعد الفراغ منه، بل هو في الرتبة الوسطى لا ينحط انحطاطه في عادته، ولا يرتفع ارتفاع القاضي الفاضل.
وقد استعمل الناس أسماء المنازل والكواكب في كلامهم جدا وهزلا، كقول سيف الدين المشد ابن قزل:
ضلّ فؤادي بين أبياتكم ... وناره تضرمها الأهويه
يا ذابح النوم بطرفي أما ... ترثي لقلبٍ ضل في الأخبيه
وقوله أيضاً:
ألا يا وادي الشقرا ... ء كم قد حزت من نزهه
غياضٌ ماؤها يجري ... فما في طيبها شبهه
وكم بدرٍ يروق الطر ... ف أضحى منك في الجبهه
وقوله أيضاً:
بدا في الدرع مثل الرم ... ح في الأعطاف والسمره
فيا لله من بدرٍ ... يروق الطرف في النثره
وقول العدل برهان الدين بن الفقيه نصر:
بخدمتكم لم أنل طائلا ... وميزان نقصي بكم راجح
ففي الطرف من أدمعي نثرةٌ ... وفي القلب من سعدكم ذابح
ومن أحسن الكنايات قول الآخر:
ألم ترني أكابد فيك وجدي ... وأحمل منك ما لا يستطاع
إذا ما أنجم الجو استقلّت ... ومال الدلو وارتفع الذراع
وقول محمد سبط التعاويذي:
فبتّ وباتت إلى جانبي ... نعدّ المنازل فيها كلانا
تريني البطين ولكنني ... أقارضها فأريها الزبانى
وقول الآخر من أبيات:
فأعجلته عن دخول الكنيف ... بجهلٍ مطاعٍ وحلمٍ مطاع
فغرّقت منه بنوء البطين ... وروّاه مني نوء الذراع
وأما قوله: وليت لو فدي أحدهما بصاحبه، أحسن من هذا قول المتنبي:
فليت طالعة الشمسين غائبةٌ ... وليت غائبة الشمسين لم تغب
وتمام السجعة نصف بيت من هذه القصيدة لأبي الطيب، أول:
قد كان قاسمك الشخصين دهرهما ... فعاش درهما المفديّ بالذهب
قال: ومن هذا الباب ما أوردته في رسالة طردية في وصف قسي البندق وحامليها ثم إنه ساقها.
أقول: وهي أيضاً من الوسط، فلا تكون في العالي ولا السقط، وذكرت بالطريق التي سلكها فيها ما جاء لبعض كتاب العجم فيما أظن، في القوس التي للسهام، فإنها في حسنها فذة، ونكتها في سلب العقول مغذة، وصناعتها لم تدع في المثاني والمثالث عند النفوس بعدها لذة. وهي:
رسالة لابن الأثير في وصف قسي البندق وحامليها
ويسألونك عن ذي القرنين قل سأتلوا عليكم منه ذكرا، حكيم جبل على السداد، يهدي إلى سبل الرشاد، آثار بأسه مشهورة على ذوي الأعواد ويسألونك عن الأهلة، فقل صفر من غير علة، مجرة تنقض منها نجوم الرجوم، برج ذو جسدين يطلع بالطائر المشؤوم، شيطان تطلع شمس النصر بين قرنيه، مارد لا يسكن إلا بتعريك أذنيه، صورة مركبة ليس لها من تركيب النظم، إلا ما حملت ظهورها أو الحوايا أو ما اختلط بعظم. مطية تخالف سائر الأنعام، قيامها باليد وقيامهن بالأقدام. متحرك يعض على ناجذ التصبر في الشدة والرخاء، من صحبه طرفة عين مشى على الهواء، فقل في نون التقم مرسلا فنبذه بالعراء. مقيد يحمل عليه المطلق، طريد العنق من جيد عاتقه معلق. ناحل ألصق بطنه بظهره، حتى بدت للناظرين بنات صدره، وغارت كلاه في خصره، لاستيلاء قوتيه الجاذبة والماسكة على قوتيه الدافعة والهالكة. مقبوض يقارب السريع، ويفارقه عند التقطيع. وهري أتى عليه قرن بعد قرن فانحنى مطاه، لا ينصب إلا على اليد متكاه، وينشد إذا فتح فاه:
سلبت عظامي لحمها فتركتها ... مجردةً تضحي لديك وتحصر
خذي بيدي ثم اكشفي الثوب تنظري ... ضنى جسدي لكنني أتستّر
منحني الظهر يتوكأ على عصا، ويلقيها فإذا هي حية تسعى.
تنكب رماح الخط والبيض خلها ... وأما الحنايا حلّها وتنكبا
(1/63)

أقبل على تعاطي القنا من مغاوير الرجال، وتناولتها بالساعد مساعير الأبطال. آلة حدباء تنذر بالمنون، وأعوجي ضامر كحرف النون. أنضاء تحن على غلظ أكبادها، عطوف تئن لفراق أولادها. فرع شد بهداب الدمقس المفتل، ضارب بسهميه في أعشار قلب مقتل. غلاظ شداد قاسية القلوب جافية الطباع، توكل بقبض الأرواح ذي أجنحة مثنى وثلاث ورباع. نضو يهدر إذ لن في قرن، جامع إلى بطن الشارخ انحناء اليفن، مكدود كاد ينقطع منه الوتين، منحني الظهر شارف عقد الستين....
وهي طويلة تدخل في كراسة، وكلها من هذا الأنموذج.
وقد عارضها جماعة، منهم القاضي ناصر الدين بن المنير، ضنع ثلاثة أو أكثر، وغيره، وكلهم لم يشق لها غبارا، ولم يجر من الذيل خلفها إلا ما كان عثاراً.
وأما البندق، فلشيخنا القاضي شهاب الدين أبي الثناء محمود رحمه الله تعالى فيه رسالة طنانة، الدرة مع الشذرة تزدحم فيها كالحب في الرمانة، أثبتها في كتابه الموسوم بحسن التوسل وهي من الحسن في غاية، ومن طبقات الأدب في نهاية. ولولا طولها لأثبتها هنا، وأوجدت فقر هذا التأليف منها الغني.
ولابن الرومي قصيدة عينية في البندق والرماة رجز طويلة. ولمحمد سبط التعاويذي قصيدة في رمي البندق أولها:
حيّيت يا دار الهوى من دار ... ولا عدتك السحب السواري
في غاية الحسن، وهي في ديوانه.
ومن أحسن ما ذكرته في قوس البندق قول ابن وضاح المرسي:
عجبا من القوس الكريمة إنها ... لم ترع حق حمائم الأغصان
أضحت لها حتفا وكانت مأمنا ... وكذاك حكم تصرف الأزمان
وأما أنا فقد كتبت توقيعا بالحكم بين رماة البندق، لا بأس بإثباته هنا. وهو: الحمد لله الذي لم يزل حمده واجبا، ورفده لكل خير واهبا، وشكره للنعم جالبا وللنقم حاجباً، وذكره للبؤس سالبا، وللنعيم كاسبا. نحمده على نعمه التي نصرع بالحمد أصناف أطيارها ونقص بالشكر أجنحتها فلا قدرة لها على مطارها. ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة لا يكون لنا بها عن الفوز بالجنة عذر، ولا نجد بها نفوسنا يوم البعث إلا في حواصل طوير خضر.
ونشهد أن محمدا عبده ورسوله أفضل من قدم ذوي الرتب، وأشرف من حكم بالعدل العاري من الشبه والريب. صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين كانوا في الحروب عقبانها الكواسر، وفرسانها الذين أشبعوا من لحوم العدى ذوات المخالب والمناسر، ما أحمد الرامي في المرام عزمه، وسعت له في الرتب قدم قدمة. وسلم تسليما كثير. وبعد.
فلما كان الرمي بالبندق فناً تعاطاه الخلفاء والملوك، وسلك الأمراء والعظماء منه طريقة لطيفة المأخذ طريفة السلوك يرتاضون به عند الملل لاسترواح نفوسهم، ويجنون ثمرات المنى في التنزه من عروش غروسهم، ويبرزون إلى ما يروق الطرف ويروع الطير من برزاتهم، وينالون ببنادق الطين من الطير ما لا يناله سواهم بجوارح صقورهم ولا بزاتهم. قد نبذوا في تحصيل المراتب العلية شواغل العلق، وتدرعوا شعار الصدق بينهم وهم أصحاب الملق، ومنعوا جفونهم من ورد حياض النوم إلا تحلة، وبرزوا بوجوه هي البدور وقسي هي الأهلة. وتنقلوا في صيد النسور تنقل الرخ، وصادوا الطيور في الجو لما نثروا حبات الطين من كل قوس هو كالفخ، وصرخوا على الأوتار وكانت ندامى الأطيار على سلاف المياه من جملة صرعاها، واقتطفوا زهرات كل روضة أخرجت ماءها ومرعاها، احتاجت هذه الطريق إلى ضوابط تراعى في شروطها، وتسحب على الجادة أذيال مروطها، ليقف كل رام عند طور طيره، ويسبر بتقدمه غور غيره، ليؤمن التنازع في المراتب، ويسلم أهل هذه الطريقة من العائب والعاتب.
وكان المجلس السامي الأميري الشهابي هو الذي جر فيها على المجرة مطرفه، وأصبح ابن بجدتها علما ومعرفة، تطرب الأطيار لنغمة أوتاره، وتنشق مرائر الطير غيرة من لون غياره، وتود المجرة لو كانت له طريقا والشمس جراوة والسماء ملقة، وتتمنى قوس السحاب الملونة لو كانت قوسه والنسر طائره والنجوم بندقه. كم جعل حلل الروض المرقومة بما صرعه مطايره، وكم خرج في زمر والطير فوقهم صافات فصاد بدر تم حين بادره، وكم ضرج في معرك الجو من قتيل ريشه كالزرد الموضون، وكم أرسل البندق فكان سهما ماضيا لأنه من حمأ مسنون.
(1/64)

فلذلك رسم الأمر العالي المولوي السلطاني الملكي الناصري، لا زال طائره ميمونا، ودر أمره في أدراج الامتثال مكنونا، أن يفوض إليه الحكم يبن رماة البندق بدمشق المحروسة، على عادة من تقدمه في ذلك من القاعدة المستقرة بين الرماة. فليتول ذلك ولاية يعتمد الحق بها في طريق الواجب، ويظهر من سياسته التي شخصت لها العيون فكأنما عقدت أعالي كل جفن بحاجب، وليرع حق هذه الطريق في حفظ موثقه، وليجر على السنن المألوف من هذه الطائفة فكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه، بحيث إنه ينزل كل مستحق في منزلته التي لا يعدوها، ويقبل من الرامي دعوى صيده الواجب له ويرد ما لا يعتد به الرماة ولا يعدوها، متثبتا فيما يحمل إليه للحكم ولا يرخ على عيبه ذيلا، محررا أمر المصروع الذي أصبح راميه من كلفه به مجنون ليلى، جريا في ذلك على العادة المألوفة، والقاعدة التي هي بالمنهج الواضح موصوفة. وليتلق هذه النعمة بشكر يستحق به زيادة كل خير، ويتل آيات الحمد لهذا الأمر السليماني الذي حكمه حتى في الطير. والله يتولى تدبيره، ويصلح ظاهر حكمه والسريرة. إن شاء الله تعالى.
هل من شرط بلاغة التشبيه
أن يشبه الشيء بما هو أكبر منه وأعظم
قال في النوع الثامن من التشبيه: وقد قيل: إن من شرط بلاغة التشبيه أن يشبه الشيء بما هو أكبر منه وأعظم، ومن ها هنا غلط بعض كتاب أهل مصر في ذكر حصن من حصون الجبال مشبها له: هامة عليها من الغمامة عمامة، وأنملة خضبها الأصيل وكأن الهلال لها قلامة.
ثم إنه أخذ يعيب هذا ويقول: أي مقدار للأنملة أن تشبه الحصن وأطال باعتراض وجواب.
أقول: إن ابن أبي الحديد ناقشه في ذلك، وقد بقي شيء من مؤاخذته على هذا.
وهو أن الذي ادعى أن من بلاغة التشبيه أن يشبه الشيء بما هو أكبر منه وأعظم، أبحث معه وأقول: فعلى هذا تبطل غلبة الفرع على الأصل في التشبيه، ونخطىء مثل ذي الرمة في مثل قوله:
ورملٍ كأوراك العذارى قطعته ... إذا ألبسته المظلمات الحنادس
فإنه شبه كثبان الرمل بما هو أقل منها وأحقر، لأن أوراك العذارى دون الكثبان. ولا نستحسن مثل قول أبي بكر محمد بن هاشم.
والمشتري وسط السماء تخاله ... وسناه مثل الزئبق المترجرج
مسمار تبرٍ أصفرٍ ركّبته ... في خاتمٍ والفصّ من فيروزج
فإن كرة السماء والمشتري أكبر من الفص والمسمار.
ولا قول ابن قزل:
فصلٌ كأنّ البدر فيه مطربٌ ... يبدو وهالته لديه طاره
وكأنّ قوس الغيم جنكٌ مذهبٌ ... وكأنما صوب الحيا أوتاره
ومثل هذا كثير. وكل ما كان في العالم العلوي لا يشبه بشيء من العالم الأرضي لأنه أحقر وأقل، كما تشبه الثريا بالنرجس الذابل، والهلال بالقلامه والنعل، والبرق بالسيف، والشمس بالمرآة، والنجوم بالسراج، وقوس قزح بأذيال العروس، وجميع ما هو من هذا الباب لا يجوز تشبيهه، وإن كان فلا يكون بليغا على هذا التقرير. وهيهات هذا سد لباب الحسن. وأما الحصون، فقد شبهها الشعراء بالأنامل، منهم الغزي حيث يقول:
سدّ البسيطة نازلا من قلّة ال ... جبل الأشمّ إلى قرار الوادي
حتى غدا الحصن المبارك خنصرا ... في خاتمٍ من بهمةٍ وجواد
وقد استعمل ابن الأثير ذلك، فقال في فصل تقدم: فنزلنا منه بمرأى ومسمع، واستدرنا به استدارة الخاتم بالإصبع.
وشبهها ابن قزل بالعين فقال:
إنّ الحصون لكالعيون فهدبها ... شرفاتها وجفونها الأصوار
وكذا محاجرها الخنادق حولها ... والحافظون لها هم الأشفار
ومن يعيب مثل قول القاضي الفاضل: ونزلنا قلعة نجم وهي نجم في سحاب، وعقاب في عقاب، وهامة لها الغمامة عمامة، وأنملة إذا خضبها الأصيل كأن الهلال لها قلامة.
فما ينبغي لمجادل يناظره إلا كف القول عنه، وهل الطعن على هذا إلا قول من لم يصل إلى العنقود.
كأنّ عائبكم يبدي محاسنكم ... به ويمدحكم عندي ويغريني
ويكفيه أنه عاب مثل هذه الألفاظ التي بهر حسنها لما ظهر، وغدت وفي كل ضاحية من وجهها قمر.
وقول الفاضل يشبه قول ابن خفاجة:
في خضر غورٍ بالأراك موشّحٍ ... أو رأس طودس بالغمام معمّم
(1/65)

ومن إنشاء شيخنا شهاب الدين محمود رحمه الله تعالى في وصف حصن: حصن قد تقرط بالنجوم وتقرطق بالغيوم، وسما فرعه إلى السماء ورسا أصله في التخوم، تخال الشمس إذا علت أنها تتنقل في أبراجه، ويظن من سها إلى السهى أنه ذبالة في سراجه، لا يعلوه من مسمى الطير غير نسر السماء ومرزمه، ولا يرمق متبرجات بروجه غير عين الشمس والمقل التي تطرف من أنجمه، وحوله من الجبال كل شامخ تتهيب عقاب الجو قطع عقابه، وتقف الرياح حسرى إذا توقلت في هضابه، تخاف العيون إذا رمقته سلوك ما دونه من المحاجر، ويخيل الفكر صورة الترقي إليه ثم لا يبلغها حتى تبلغ القلوب الحناجر، وحوله من الأودية خنادق لا تعلم منها الشهور إلا بأنصافها ولا تعرف فيه الأهلة إلا بأوصافها.
قال كعب الأشقري يصف حصنا:
محلّقةٌ دون السماء كأنها ... غمامة صيفٍ زال عنها سحابها
فلا يبلغ الأروى شماريخها العلا ... ولا الطير إلا نسرها وعقابها
ولا خوّفت بالذئب ولدان أهلها ... ولا نبحت إلاّ النّجوم كلابها
والخالديان:
وقلعةٍ عانق العيّوق أسفلها ... وجاز منطقة الجوزا أعاليها
لا يعرف القطر إذ كان الغمام بها ... أرضا توّطأ قطريه سواسيها
إذا الغمامة لاحت خاض ساكنها ... حياضها قبل أن تهمي عزاليها
يعدّ من أنجم الأفلاك مرقبها ... لو أنه كان يجري في مجاريها
على ذرى شامخٍ وعزٍ قد امتلأت ... كبرا به وهو مملوءٌ بها نيها
له عقابٌ عقاب الجو حائمةٌ ... من دونها فهي تخفى في خوافيها
وقالا أيضاً في ذلك:
وحلقاء قد تاهت على من يرونها ... بمدقبها العالي ومركبها الصعب
يزرّ عليها الجو جيب غمامه ... ويلبسها عقدا بأنجمه الشهب
إذا ما سرى برقٌ بدت من خلاله ... كما لاحت العذراء من خلل السحب
سموت لها بالرأي يشرق في الدجى ... ويقطع في الجلّى وتنهض في الصعب
فأبرزتها مهتوكة الجيب بالقنا ... وغادرتها ملصوقة الخد بالتّرب
مناقشة حول التشبيه في أبيات أحد الشعراء
قال في النوع الثاني من التشبيه بعدما أورد قول الشاعر:
وكأنّها وكأنّ حامل كأسها ... إذ قام يجلوها على النّدماء
شمس الضّحى رقصت فنقّط وجهها ... بدر الدّجى بكواكب الجوزاء
إنه شبه الساقي بالبدر، وشبه الخمر بالشمس، وشبه الحبب الذي فوقها بالكواكب.
أقول: قد ادعى أنه شبه ثلاثة بثلاثة، وهو لم يشبه الساقي، ولا في البيتين ما يدل على تشبيهه، على أن الشاعر توهم أنه شبه الساقي ولم يذكره، وقلده ابن الأثير رحمه الله في وهمه. ومعناهما: أن الخمر في حببها كأنها شمس رقصت فنقطها البدر بالكواكب، وكنى برقصها عن اضطرابها عند المزج. وحسن ذكر البدر هنا لأنه يصاحب الكواكب، وهو أكبرها في رأي العين، لا في العقل إذا فكر في الهيئة، فحسن أن يكون له الكواكب تصرف لينقط الشمس بها. وذكر البدر هنا أمر على طريق الاستطراد، لما ذكر النقوط، أراد أن يسند فعله إلى فاعل صدر عنه، فحسن أن يذكر البدر. ولو حذف من الكلام تم المعنى في الأصل، كما يقال: كأن الخمر شمس رقصت فنقطت بالكواكب. والشاعر أثبت أداة التشبيه للساقي في قوله: وكأنها وكأن حامل كأسها.
ولم يأت له بمشبه به، فالشاعر واهم، وابن الأثير مقلد، وكلاهما اغتر بذكر البلد، لأن العادة قد جرت بتشبيه الساقي بالبدر، والخمر بالشمس. كقول الشاعر:
إسقنيها بنت كرمٍ ... عتّقت عشراً وخمساً
بات يجلوها علينا ... قمرٌ يحمل شمسا
وقول الآخر:
وساقٍ كالهلال يدير شمساً ... على النّدمان في مثل الهلال
وقول ابن الرومي:
أبصرته والكأس بين فمٍ ... منه وبين أناملٍ خمس
فكأنّها وكأنّ شاربها ... قمرٌ يقبّل عارض الشمس
(1/66)

ولو كان الشاعر شبه الساقي لقال: شمس يديرها بدر أو يطوف بها أو يحملها. وهذان البيتان مشهوران بين أهل الأدب، ولعل أحدا ما تفطن لهذا النقد. وما أقول: لأن الشاعر أدخل أدلة التشبيه على مثار النقع وأسيافهم وأتى بمشبه واحد هو الليل وقوله: تهاوى كواكبه في موضع الصفة لليل، فهي من لواحق الليل.
ولو قال: ليل تهاوى كواكبه، ورقمه البرق ووشاه الصبح، لكان كل ذلك مشبها به ليس إلا. ولو كان من باب تشبيه اثنين باثنين لقال: ليل وكواكب تتهاوى. كما قال امرؤ القيس:
كأنّ قلوب الطير رطبا ويابسا ... لدى وكرها العنّاب والحشف البالي
وهذا الذي ذكرته ثابت على محك النظر ليس بدعوى مجردة عن الدليل والبرهان. وللعكوك بيت هو بيت بشار بن برد. وهو:
كأنّ سموّ النقع والبيض حوله ... سماوة ليلٍ أسفرت عن كواكب
وما أحسن قول ابن قاضي ميلة:
بتنا ونحن على الفرات نديرها ... ليلا فأشرق من سناها النيل
وكأنها شمسٌ وكف مديرها ... فينا ضحى وفم النديم أصيل
وذكرت بالبيتين اللذين أوردهما ابن الأثير رحمه الله تعالى قول ابن السراج في مجدور:
لي قمرٌ جدّر لما اكتسى ... فزاده حسنا وزادت هموم
كأنه غنّى لشمس الضّحى ... فنفّطته طربا بالنجوم
وقول أبي يزيد العاص أكثر مناسبة من هذا، فإنه قال:
عابه الحاسد الذي لام فيه ... أن رأى فوق خدّه جدريّا
إنما وجهه كبدر تمامٍ ... جعلوا برقعا عليه الثريا
لأن الثريا قد ترى مع البدر، وأما النجوم فلا ترى مع الشمس. ويمكن أن يقال فيه: ولهذا قال: نقطته طربا بالنجوم، فإن من نقط بشيء فقد بان عنه وفارقه.
ويمكن أيضاً التأويل للبيتين اللذين أوردهما ابن الأثير أيضاً ولكنه بعيد.
مناقشة نماذج من التشبه من إنشاء ابن الأثير
قال في التشبيه: ومن ذلك ما كتبته من جملة كتاب إلى ديوان الخلافة أذكر فيه نزول العدو الكافر على عكا. فقلت: وأحاط به العدو إحاطة الشفاه بالثغور، ونزل عليه نزول الظلماء على النور.
أقول: ليس في ذلك مبالغة، لأن الشفاه لا تحيط بالثغور، والإحاطة اشتمال المحيط على المحوط من كل جانب، كالدائرة بالنقطة، وعنصر الماء بكرة الأرض، وبياض العين بالسواد. أما الشفاه فإنما هي ساترة لا محيطة.
والكامل في ذلك قول الحريري رحمه الله تعالى: وقد أحاطت به أخلاط الزمر، إحاطة الهالة بالقمر والأكمام بالثمر.
وقول القاضي الفاضل: وأبقاه بقاءاً خارقاً للعوائد، وجعل أياديه مطيفة بالأعناق إطافة القلائد وليست الشفاه كذلك، إنما هي تستر الظاهر دون الباطن.
وقوله: نزول الظلماء على النور، لا بأس به، من نسبة الكفار إلى الظلام، ونسبة ثغر عكا إلى النور لكونه كان في أيدي المؤمنين.
وما أحلى قول القاضي الفاضل رحمه الله تعالى من كتاب في فتح طبرية: وصبح الخادم طبرية وهجم عليها هجوم الطيف، وافتض عذرتها بالسيف.
قال: ومن ذلك ما ذكرته في فصل من كتاب إلى بعض الإخوان فقلت: وما شبهت كتابه في وروده وانقباضه، إلا بنظر الحبيب إلى إقباله وإعراضه وكلا الأمرين كالسهم في ألم وقعه وألم نزعهن والمشوق من اشتهرت صبابته في حالتي وصله وقطعه.
أقول: هذا مأخوذ من قول الشاعر
..........
ويلاه إن نظرت وإن هي أعرضت ... وقع النصال ونزعه، أليم
براعة التشبيه في بيت للبحتري
قال وقد أورد قول البحتري:
وتراه في ظلم الوغى فتخاله ... قمرا يكرّ على الرّجال بكوكب
وفي هذا التشبيه ثلاثة أشياء بثلاثة أشياء، فإنه شبه العجاج بالظلمة، والممدوح بالقمر، والسنان بالكوكب. وهذا من الحسن النادر.
أقول: هذا من أنموذج ما تقدم من قوله في قول الشاعر:
وكأنها وكأن حامل كأسها ... البيتين.
هناك وهم الشاعر فقلده، وهنا انفرد هو بالوهم دون البحتري، لأن البحتري ما قال: وتراه في عجاج الحرب إذا كر على الرجال برمحه، قمرا يجول في الظلام بكوكب، ولو كان البيت يفهم منه هذا المعنى، كان تشبيه ثلاثة بثلاثة، وليس في البيت غير تشبيه واحد لأنه قال: تراه في ظلم الوغى فتخاله قمراً.
(1/67)

هذا هو المعنى الذي بني عليه البيت. وأما قوله: يكر على الرجال بكوكب، فمن لواحق القمر ألا ترى أن الجملة في موضع النصب على أنها صفة لقمر.
ومن العجيب أنه ادعى أن البحتري شبه العجاج بالظلم، والبحتري جعل العجاج نفسه ظلاماً. ولو أتى ذكر الظلام في عجز البيت، لدخل في المشبه به واندرج بين القمر والكوكب، وإنما جاء ذكره في أصل المشبه.
وما أحسن قول المعتمد بن عباد:
ولما اقتحمت الوغى دارعا ... وقنّعت وجهك بالمغفر
حسبنا محيّاك شمس الضحى ... عليها سحابٌ من العنبر
وقول ابن الزقاق.
لو كنت شاهده وقد غشي الوغى ... يختال في درع الحديد المسبل
لرأيت منه والحسام بكفه ... بحرا يريق دم العداة بجدول
وقول الغزي:
وقد سلب الطّعن الأسنّة لونها ... فعصفر في اللبّات ما كان أزرقا
وأسيافنا في السابغات كأنها ... جداول تجري بين زهرٍ تفتّقا
وقوله أيضاً:
وكم رعت من ملومةٍ لا تبين من ... فوارسها إلا الظبى والحمالق
تخوض النّجيع احمرّ تحت دلاصه ... كما نبتت حول الغدير الشقائق
وهذا مأخوذ من قول أبي الطيب:
تعوّد أن لا تقضم الحبّ خيله ... إذا الهام لم ترفع جنوب العلائق
ولا ترد الغدران إلا وماؤها ... من الدّم كالريحان تحت الشّقائق
ومما قلته أنا في هذا النوع:
وسيوفٍ إذا مضت في جراحٍ ... قلت هذا بنفسجٌ في شقيق
ينشد الجسم روحه من ظباها ... ودماها بين النقا والعقيق
وأما ما يشبه قول البحتري الذي أورده ابن الأثير، فقول أبي فراس فيما أظن:
وقفلت عنهم غانما وقلوبهم ... فيها لخوفك عسكرٌ جرّار
وأتيت يقدمك السّنان كما أتى ... قبل الصباح الكوكب الغّرار
قال: ومن التشبيهات الباردة قول أبي الطيب:
وجرى على الورق النجيع القاني ... فكأنه النارنج في الأغصان
أقول: لعمري إنه معذور في هذا، وهو من سقطات المتنبي التي ينحط فيها، وهذا البيت من تلك القصيدة التي افتتحها بقوله:
الرأي قبل شجاعة الشجعان ... هو أولٌ وهي المحلّ الثاني
الأبيات الخمسة.
فانظر إلى هذا الافتتاح، وما أتبعه من الحكم والأمثال مع الفصاحة والبلاغة وفي هذه القصيدة مثل قوله:
وتوهموا اللعب والوغى والطعن في ال ... هيجاء غير الطعن في الميدان
ومنها يصف العدو المنهزم:
يغشاهم مطر السحاب مفصّلا ... بمهنّدٍ ومثقّفٍ وسنان
وقبل البيت الذي أورده ابن الأثير:
قد سوّدت شجر الجبال شعورهم ... فكأنّ فيه مسفة الغربان
ولما عكس أبو المطرف بن أبي بكر المخزومي معنى أبي الطيب في تشبيه نارنجة في نهر جاء حسنا. فإنه قال:
ومنظرٍ أرّقني حسنه ... من أزرقٍ ينساب كالأرقم
أبصرته يحمل نارنجةً ... طافيةً حمراء كالعندم
ودرّجت ريح الصبا متنه ... لمّا انبرت وهي به ترتمي
فخلته سيف وغىً مصلتا ... هزّ وفيه قطرةٌ من دم
وقال ابن فتحون في ذلك:
والماء فوق صفائه نارنجةٌ ... تطفو به وعجاجه يتموّج
حمراء قانية الأديم كأنّها ... وسط المجرّة كوكبٌ يتوهّج
فأتى بالمعنى في بيتين، وأبو المطرف في أربعة فأطال.
وذكرت بقول أبي المطرف، قول القاضي عياض رحمه الله تعالى:
كأنّما الزرع وخاماته ... وقد تبدّت فيه أيدي الرياح
كتائب تجفل مهزومةً ... شقائق النّعمان فيها جراح
مناقشة نموذج آخر من إنشاء ابن الأثير
قال في القسم الأول من النوع الرابع في الالتفات، بعدما تكلم على ما في سورة الفاتحة من الالتفات من الخطاب إلى الغيبة، وفرغ من ذلك: فانظر إلى هذا الموضع، وتناسب هذه المعاني الشريفة، التي الأقدام تكاد تطؤها والأفهام مع قربها صافحة عنها.
(1/68)

أقول: أكذا يقال بعد ذكر أسرار القرآن الكريم وإيضاح غامضه. وما أفاد قوله: المعاني الشريفة وتأدبه بقوله تكاد الأقدام تطؤها! وكان الأحسن أن لو قال: فانظر إلى هذه المعاني الشريفة كيف غدت شموسها ضاحية، والبصائر عن إدراك ضيائها لاهية. أو أن يقول: تكاد تيجانها تقع على المفارق، والأذهان عاطلة الجيد من درها المتناسق.
الالتفات في بعض الآيات
قال في الالتفات وقد ذكر قوله تعالى: " ثمّ استوى إلى السّماء وهي دُخان " الآية. إنما عدل عن الغيبة إلى الخطاب في قوله تعالى: " وزيَّنّا السّماءَ الدُّنيا " لأن طائفة من الناس غير المتشرعين يعتقدون أن النجوم ليست في سماء الدنيا، وأنها ليست حفظا ولا رجوما. فلما صار الكلام إلى هنا، عدل عن خطاب الغائب إلى خطاب نفسه لأنه مهم من مهمات البلاغة في الاعتقاد، وفيه تكذيب الفرقة المكذبة المعتقدين بطلانه.
أقول: إن اعتقادهم أنها ليست في سماء الدنيا وليست رجوماً، نوع على اعتقاد قدم العالم، وأن الله تعالى موجب بالذات دون حدوث العالم والفاعل المختار.
وعلى ما قرره، فإضافة الفعل في خلق السماوات في يومين، ووحي أمرها فيها إلى المتكلم، يكون أولى من أن تكون إخبارا عن غيره، لأنه الأصل، والعناية بالأصل أولى من العناية بالفرع، لأنه إذا ثبت الأصل ثبت الفرع ولا ينعكس، ولو كان هذا أولى لما عدل عنه، ولكنه قد عدل عنه لحكمة لم تظهر لابن الأثير.
اقحام النحو
قال في النوع الرابع في توكيد الضميرين: ولربما قيل في هذا الموضع: إن الضمائر مذكورة في كتب النحو فأي حاجة إلى ذكرها هنا؟ ولم يعلم أن النحاة لا يذكرون ما ذكرته، لأن هذا يختص بفصاحة وبلاغة، وأولئك لا يعرضون إليه، وإنما يذكرون عدد الضمائر، وأن المنفصل منها كذا والمتصل كذا ولا يتجاوزون ذلك. وأما أنا فقد أوردت في هذا النوع أمرا خارجا عن الأمر النحوي.
أقول: إن نحو المتقدمين غالبه معان وبيان، مثل: الرماني وأبي علي الفارسي وابن جني على تأخر زمانهم، وأكثر ما هو الآن مدون في علم المعاني مذكور في كتب القوم، ولكن لما أتى الإمام عبد القاهر الجرجاني، جرد هذه النكت التي ليست بإعراب ولا بد، وجمعها ودونها وبوبها ورتبها، صار علما قائما برأسه، وتنبه الناس بعده كالسكاكي وغيره تفتحت لهم الأبواب.
ولهذا إن من لم يكن متمكنا من النحو، لا يقدر على الكلام في هذا. ألا ترى أن الزمخشري لما كان عارفا بالنحو تيسر له في تفسيره ما لا تيسر لغيره، وباقتداره على الإعراب والنظر في أسرار العربية وتعليل أحكامها أورد تلك الإشكالات، وأجاب عنها بتلك الأجوبة المرقصة، وبالنحو استطال ومهر وتبحر ودربه فني النظم والنثر هي التي نبهته لذلك. حتى إن الإمام فخر الدين في تفسيره تراه إذا تكلم في سائر العلوم غير مقلد لأحد، فإذا جاء المعاني والبيان قلد الزمخشري في ذلك وقال: قال محمود الخوارزمي وقال صاحب الكشاف. ولهذا قال العلماء: من نظر في الكشاف ولم يكن عارفا بالعربية وأصول الدين، صار معتزليا، وما أشبه وضع علم المعاني والبيان إلا بالفقه. فإن الفقهاء قديما في التابعين إنما كانوا محدثين فلما جاء أبو حنيفة رضي الله عنه دون الفقه وقرر قواعده، وقاس ما لم يبلغه فيه حديث على ما ورد فيه الحديث، وجاء الناس من بعده ومدوا فيه الأطناب، وفتحت لهم الأبواب. وانفرد الفقهاء بهذا العلم عن المحدثين، واختص الفقهاء بمعرفة الأحكام والاستنباط وتركوا معرفة طرق الحديث وأسماء رجاله وصحيحها من سقيمها للمحدثين. ولهذا تسمعهم يقولون، فلان من الفقهاء المحدثين. وأعيان الفقهاء إنما تميزوا لقيامهم بفن الحديث. وانظر إلى أئمة المذاهب مثل الشافعي وأبي حنيفة ومالك وأحمد بن حنبل وأبي داود الظاهري والثوري والأوزاعي وسعيد بن المسيب رضي الله عنهم تجدهم من كبار المحدثين.
(1/69)

ويقال: إن سبب وضع أبي حنيفة الفقه وتدوينه أنه كان في عصره اثنان حضرا إلى الحمام وأودعا صاحبه وداعة لها صورة، ودخلا الحمام. ثم إن أحدهما خرج وطلب الوداعة وأخذها وراح في سبيله. فلما خرج الآخر طلبها من الحمامي فقال له: إن صاحبك خرج وأخذها، فراح إلى الحكام في ذلك الزمان وشكاه إليهم فألزموه بالقيام بها للغريم الحاضر وقالوا له: أنت فرطت، وكان الواجب أن لا تدفع الوداعة إلا إليهما معا كما أودعاك معا، فبقي ذلك الرجل في حيرة لا يدري ما يصنع. فلقيه أبو حنيفة فسأله عن حاله لما رآه من الفكرة والحيرة، فأخبره بقضيته، فقال له: قل لغريمك: إن المال عندي، فأحضر لي صاحبك لأدفع الوداعة إليكما، فإذا أتى به حصلت على غريمك. فكان ذلك سبب خلاص الحمامي من تلك الورطة.
وعند ذلك أخذ أبو حنيفة في تدوين الفقه، وكانت المسألة المذكورة أول ما وضعه. وكذلك أصول الفقه، إنما كان يقوم به المجتهد العارف بما يحتاج إليه من العلوم في استنباط الحكم من الآية والحديث، ويكون عنده قوة ينظر بها في المحكم والمتشابه، والناسخ والمنسوخ، والحقيقة والمجاز، وصحة الحديث من ضعفه، وثقة رواته، وترجيح أحد الحديثين على الآخر إذا تساويا في الصحة بما يوافق القواعد ويستند إلى القياس الشرعي، ومثل هذا يحتاج إلى علوم جمة، فجاء الشافعي رحمه الله تعالى ووضع أصول الفقه وجمع ما كان منه مفرقا في العلوم من اللغة في معرفة المشترك والمتباين والمترادف، والحقيقة والمجاز، والاستعارة والكناية.
ومن النحو في معرفة الشرط والجزاء، والاستثناء المتصل والمنقطع، والعطف المرتب والعطف الذي لا يرتب، والذي للفور والذي للتراخي، وحروف الجر واختلاف معانيها وما ينقسم كل حرف إلى أنواعه، والأسماء المبهمة وغير ذلك.
ومن المنطق في معرفة دلالة المطابقة والتضمن والالتزام، ومعرفة الجنس والنوع، والفصل والخاصة والعرض العام، والمقدمتين والنتيجة والقياس المنتج، وغير ذلك مما يحتاج إليه الفقيه من قواعد الجدل ومعرفة المغالط، وما يحتاج إليه من معرفة صحة الحديث وضعفه وحسنه إلى غير ذلك. وجعله الشافعي رحمه الله تعالى علما قائما برأسه وإن كانت أجزاؤه مفرقة في العلوم. ثم إن الناس جاؤوا بعده وزادوا فيه ما أمكن من ذلك. فكذا علم المعاني والبيان، انتزع من النحو ودون وجعل فنا قائما برأسه.
حول توكيد الضميرين
قال: ولنقدم في ذلك قولا يحصره ويجمع أطرافه فنقول: إذا كان المقصود معلوما ثابتا في النفوس، فأنت بالخيار في توكيد أحد الضميرين بالآخر وإذا كان غير معلوم وهو مما يشك فيه فالأولى حينئذ أن توكد أحد الضميرين بالآخر في الدلالة لتقرره وتثبته. فمما جاء من ذلك قوله تعالى: " قالوا يا مُوسى إمّا أن تُلقِي وإمّا أَنْ نكونَ نَحنُ المُلْقِين " فإن إرادة السحرة للإلقاء قبل موسى لم تكن معلومة عنده، ولأنهم لم يصرحوا بما في أنفسهم وطول في الكلام على ذلك.
أقول: ظهرت فائدة ما قررته أنا من أن المعاني والبيان جزء من النحو، وإذا خرجا عن القواعد النحوية، خبط قائلهما عشواء. والدليل على ذلك أنه قرر في القاعدة التي له أن المعنى إذا كان ثابتا في النفس، فأنت مخير في تأكيد أحد الضميرين بالآخر وليست هذه القاعدة على الإطلاق، فإن التأكيد هو التكرار، ومن شرطه أعني التكرار أن يتم المعنى بدونه مثل: ضربت زيدا زيدا، وجاءني زيد زيد، وأنت أنت الفاضل، وهو هو الجواد. فكل هذه الصور يجوز حذف التأكيد فيها لأن المعنى يتم بدونه.
وقد وجدنا الضمير يتكرر ولا يجوز حذفه، كقوله تعالى: " وقلنا يا آدم اسكُن أنت وزوجُك الجنّة ". وقوله تعالى: " فاذهبْ أنتَ وربُّك فَقاتِلا "، لأن أفعال الأمر نحو: قم واقعد واسكن كلها يتحمل الضمير ولا يجوز إظهاره، لأن التقدير: قم أنت، واسكن أنت، ولهذا حكم النحاة على أفعال الأمر بأنها كلام لأنها تركبت من فعل وفاعل.
(1/70)

ألا ترى أنهم أوردوا على الشيخ جمال الدين بن الحاجب رحمه الله تعالى في قوله: الكلمة لفظ وضع لمعنى مفرد، الضمائر المستكنة في أفعال الأمر جميعاً وقالوا: هي كلمات ولم يلفظ بها اللسان. حتى إن الشيخ بدر الدين محمد بن مالك رحمه الله تعالى قال: الكلمة لفظ بالقوة أو الفعل فاحترز بقوله بالقوة من مثل الضمائر التي تتحملها أفعال الأمر، ولهذا فسر بعضهم اللفظ فقال: اللفظ ما يطرحه اللسان أو في حكمه حتى يخلص حد ابن الحاجب.
وإذا تقرر هذا فأقول: إن أنت في قوله تعالى: " اسكن أنت " ضمير آخر بارز غير الضمير المستكن في اسكن، وتقديره: اسكن أنت أنت وزوجك. ومع ذلك فلا يجوز أن يحذف الضمير الظاهر ها هنا لأنه لا يجوز عطف زوجك على الضمير المستتر، لضعف ما هو بالقوة بالنسبة إلى ما هو بالفعل. وهذا بخلاف قوله تعالى: " وإِمّا أن نكون نحنُ المُلقين ". فثبت أن صاحب المعاني إذا لم يعرف النحو، لم يدر ما يقوله.
ويمكن أن يجاب عنه ويعتذر له فيقال: إنه إنما يتكلم في التوكيد، وقوله تعالى: " اسكن أنتَ وزوجُك " ليس هو من باب التوكيد، إنما أتى به لأمر آخر وهو عدم الجواز في العطف على المضمر المستكن، وهذا غير التوكيد.
قلت: وعلى كل حال، فهي عبارة مدخولة غير سادة، تحتاج إلى قيد يخرج مثل هذا، وإلا ورد على قاعدته التي قررها، فإن القواعد تحتاج إلى أن تكون محكمة غير موهمة.
ابن الأثير يناقش المتنبي في بعض شعره
قال في النوع الثامن من استعمال العام في النفي، والخاص في الإثبات: وقد أغفل كثير من الشعراء ذلك، من جملتهم أبو الطيب حيث يقول:
يا بدر يا بحر يا غمامة يا ... ليث الشرى يا حمام يا رجل
فإنه إذا فعل ذلك، كان كالمرتفع من محل إلى محل أعلى منه، وإذا خالفه كان كالمنخفض من محل إلى محل أدنى منه.
فأما قوله: يا بدر فإنه اسم الممدوح والابتداء به أولى، ثم يجب أن يقول بعده: يا رجل يا ليث يا غمامة يا بحر يا حمام لأن الليث أعظم من الرجل، والغمامة، أعظم من الليث والبحر أعظم من الغمامة، والحمام أعظم من البحر.
أقول: قد ناقشه ابن أبي الحديد، وقال كلاما أذكر ملخصه، وهو أن المتنبي قصد مقصدا صالحا لأنه ابتدأ بالبحر وهو دون الغمامة، لأن البحر هنا هو الذي يورد وهو مثل الغدير والنهر لا البحر الملح، فإن ذلك استقص كلي، والأنهار والغدران يتفرعا عن الغمامة، ثم انتقل فقال: يا ليث الشرى وانتقل منه إلى الحمام لأنه أعلى من الليث، لأنه لولا الحمام لم يرهب الليث. ولذكر الجود أولا قال يا بحر، ولذكر الشجاعة ثانيا قال يا ليث، وقدم الجود لأن حاجة جمهور الناس إلى الجود أكثر من حاجتهم إلى الشجاعة، انتهى، هذا ملخص كلام ابن أبي الحديد، وهو لعمري تأويل حسن، كونه عكس على ابن الأثير مقصده وجعل البيت من باب الانتقال من الأدنى إلى الأعلى، وغالب الناس طعن في البيت كما طعن ابن الأثير.
قلت: وللناس فيه تأويل آخر، وهو أنه لا يلزمه الانتقال من الأدنى إلى الأعلى فيما قصده، لأنه أراد وصفه بالمدح الذي ادعاه فيه قبل. وقال: يا بدر اسمه، ثم قال يا بحر، فإن لم أصدق فيما أقوله فيا غمامة، فإن لم أصدق فيا ليث، فإن لم أصدق فيا حمام لأنك تعدم نفوس أعدائك الحياة، فإن لم أصدق فيا رجل، جمع هذه الأوصاف التي ذكرتها، على أن هذا التأويل ليس في قوة ما ذكره ابن أبي الحديد ولا في حسنه.
وابن الأثير ادعى أن الحمام أكبر من البحر وأعلى ولم يبين وجه ذلك، والذي أقوله في ذلك: لأن الموت عبارة عن عدم الحياة، والبحر عبارة عن وجود الماء الكثير الغمر، والعدم أعم من الوجود، فهو أعلى منه بهذا الاعتبار ومقدم عليه. ومن هذا قوله تعالى: " الحمدُ لِلّه الذي خلَقَ السّمواتِ والأرضَ، وجعلَ الظُّلماتِ والنُّور ". قيل: إنه قدم الظلمات على النور، لأن الظلمة عبارة عن عدم النور، والعدم مقدم على الوجود. ولولا هذا التأويل في هذه الآية الكريمة، لكان قول المتنبي: يا بدر يا بحر البيت من هذا الباب.
(1/71)

ويشكل على من قرر أنه لا ينتقل إلا من الأدنى إلى الأعلى، وبهذه القاعدة التي قرروها تمسك من فضل الملائكة على الأنبياء وقال: إن الله تعالى انتقل من الأدنى إلى الأعلى في قوله تعالى: " لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لِلّه ولا الملائكةُ المُقَّربون " فإن الحكيم لا ينتقل من الأعلى إلى الأدنى، ولا يقول البليغ: لا أفكر في السلطان ولا في الوزير بل يقول: لا أفكر في الوزير ولا في السلطان.
والصحيح الذي ذهب إليه علماء السنة، أن الأنبياء أفضل من الملائكة إلا من شذ منهم مثل: القاضي أبي بكر الباقلاني، وأبي عبد الله الحليمي.
وقوله: ومثل جدودها في عيون الأعداء شيئاً عجابا، هذا كلام فارغ كالجسد الذي لا روح فيه.
وقوله: وأراهم في اليقظة إرهابا وإرعابا، وفي المنام إبلا صعابا، تقود خيلا عرابا، أصل هذا المعنى لأشجع السلمي.
وعلى عدوك يا بن عم محمدٍ ... رصدان: ضوء الصبح والإظلام
فإذا تنبّه رعته وإذا غفا ... سلّت عليه سيوفك الأحلام
وما زان سجعته الثانية إلا تضمينه السجع الذي جاء في رؤية الموبذان ليلة ولد النبي صلى الله عليه وسلم وما جاء في ذلك من كلام سطيح.
وابن الأثير احتفل لهاتين السجعتين، وأراد مماثلة القاضي الفاضل في دعاء الكتاب الذي كتبه في فتح القدس. ومنه: ولا زالت غيوث فضله إلى الأولياء أنواءً إلى المرابع وأنوارا إلى المساجد، وبعوث رعبه إلى الأعداء خيلا إلى المراقب وخيالا إلى المراقد.
وأنت أيها الواقف على هذه الأوراق حكم بين هذين الخصمين، وبيدك الأمر في الفرق بين الكلامين:
فمن استحقّ الاتقاء فرقّه ... ومن استحطّ فحطّه في حشه
وإن كان هواي مال بي إلى كلام الفاضل.
فلله ابن سناء الملك حيث قال:
إني رأيت البدر ثم رأيتها ... ماذا عليّ إذا عشقت الأحسنا
ثم قال: وهي فتح القدس الذي تفتحت له أبواب السماء، وكثرت بأحاديث مجده كواكب الظلماء، واسترد حق الإسلام وطالما سعت الهمم في طلبه بالزاد والماء.
وأي همم هذه، وما عسى أن تناله إذا لم يكن معها إلا الزاد والماء. أما كان لها مهم غير الزاد والماء، ولا لها فكرة غير ذلك؟ وهمة لا يكون همها الخيل والرجل والسلاح والدأب والسرى وركوب الأخطار، وقطع المفاوز، والصبر على السهر وأنواع المشاق، أي شيء تناله..
ثم قال: ومن أحسن ما أتى به أنه آنس قبلته الثانية بقبلته الأولى.
أقول: المليح النادر في هذا، ما ورد في خطبة القاضي محيي الدين ابن الزكي رحمه الله تعالى وهو على المنبر في أول جمعة أقيمت في القدس: ومسجدكم هذا أول القبلتين، وثاني الحرمين، وثالث المسجدين ...
واستعمل العماد الكاتب ذلك أيضاً في كتاب كتبه إلى ديوان الخلافة بفتح القدس أيضاً، فقال وقد ذكر الصخرة: فصافحت الأيدي منها موضع القدم، وتجدد لها من البهجة والرسالة ما كان لها في القدم، فهو ثاني المسجدين بل ثالث الحرمين.
ثم قال: وكان قد برز من السلاح في لباس رائع من المنعه، وأخرج من السواد الأعظم ما خدع العيون والحرب خدعه.
أقول: أكذا يكتب عن مثل ملك عانى من الأهوال ما عانى، وكابد ما كابد، وبذل نفسه وولده وأهله وماله وعساكره، حتى استنقذ مثل القدس من مثل الفرنج.. وهو يريد أن يمت إلى الخليفة بهذه اليد، ويعظم الأمر ويفخمه، ويصف الشدائد التي كابدها حتى صار هذا الفتح العظيم في أيام الخليفة، وانضاف إلى ملكه ودخل في قبضته. ويقال: خدعهم بالسواد الأعظم والحرب خدعة. ليس هذا بلائق في هذا المقام.
ثم قال: وما تمنع رقاب البلاد بكثرة السواد، ولا تحمى بعوالي الأسوار بل بعوالي الصعاد.
أقول: كان الأحسن أن لو قال: وما تمنع رقاب البلاد بكثرة السواد، بل ببياض الرأي وكثرة السداد.
(1/72)

على أن هذا الكتاب الذي أورده ابن الأثير رحمه الله في معارضة الفاضل من أجل ما أنشاه، وأحسن ما وشاه. وإنما سبب ذلك كونه عارضه به معارضه، وأخذ محاسنه من المهلة والتأني مقارضه، فلهذا جاء منقحا وزهره مفتحا. ولو أنه أخذ درجاً، والقاضي الفاضل درجا وقعدا في مكان واحد، وأخذا في العمل على غير مثال، لبان المجلي في الحلبة من الفسكل، كما اقترح السلطان المعز على ابن رشيق وابن شرف القيرواني أن ينظما في الشعر الدقيق الذي على ساق بعض النساء ويمدحاه لكونه يستحسنه ويعيبه بعض الضراير. وقال: أريد أن يكون ذلك حجة لها على من يعيبها. فانفرد كل واحد منهما ونظما في الوقت. فكان الذي أتى به ابن شرف:
وبلقيسيّةٍ زينت بشعرٍ ... يسيرٍ مثل ما يهب الشحيح
حكى زغب الخدود وكلّ خدٍّ ... به زغب فمعشوقٌ مليح
فإن يك صرح بلقيس زجاجا ... فمن حدق العيون لها صروح
وكان الذي أتى به ابن رشيق:
يعيبون بلقيسيةٍ إذ رأوا بها ... كما قد رأى من تلك من نصب الصرحا
وقد زادها التزغيب ملحا كمثل ما ... يزيد خدود المرد تزغيبها ملحا
فاستحسن المعز أبيات ابن شرف وعاب قول ابن رشيق وقال: لقد أوجدت خصمها حجةً بقولك يعيبون، فإن بعض الناس عاب ذلك. وهذا نقد حسن.
وانظر إلى هذين الشاعرين كيف نطقا بلسان واحد، عن رؤية واحدة، ومعنى واحد، وقافية واحدة.
ولا بأس بإثبات شيء من كتاب القاضي الفاضل في الفتح المذكور. ولولا خوف الإطالة لأثبت الكتابين برمتهما، ولكن يؤخذان من مكانيهما.
قال القاضي الفاضل رحمه الله تعالى: أدام الله أيام الديوان العزيز، ولا زال مظفرا بكل جاحد، غنيا بالتوفيق عن رأي كل رائد، موقوف المساعي على اقتناء مطلقات المحامد، مستيقظ النصر والسيف في جفنه راقد، وارد سحاب الجود والسحاب على الأرض غير وارد، متعدد مساعي الفضل وإن كان لا يلقى إلا بشكر واحد، ماضي حكم العدل بعزم لا يمضي لسل غوي وريش راشد، ولا زالت غيوث فضله إلى الأولياء أنواءً إلى المرابع وأنوارا إلى المساجد، وبعوث رعبه إلى الأعداء خيلا إلى المراقب وخيالا إلى المراقد.
منه: ولله في إعادة شكره رضى، وللنعمة الراهنة دوام لا يقال معه هذا مضى، وقد صارت أمور الإسلام إلى أحسن مصائرها، وقد استتبت عقائد أهلها على بصائرها، وتقلص ظل الكافر المبسوط، وقد صدق الله أهل دينه فلما وقع الشرط وقع المشروط، وقد كان الإسلام غريبا فهو الآن في وطنه، والفوز معروضا وقد بذلت الأنفس في ثمنه، وجاء أمر الله وأنوف الشرك راغمة، وأدلجت السيوف والآجال نائمة، وصدق الله وعده في إظهار دينه على كل دين، واستطارت له أنوار أبانت أن الصباح عندها جبان الجبين، واسترد المسلمون تراثا كان عنهم آبقا، فظفروا منه يقظة بما لم يصدقوا أنهم يظفرون به طيفا على النأي طارقا، واستقرت على الأعلى أقدامهم، وخفقت على الأقصى أعلامهم، وتلاقت على الصخرة قبلهم، وشفيت بها وإن كانت صخرة كما تشتفي بالماء غللهم. ولما قدم الدين عليها عرف منها سويداء قلبه، وهنأ كفؤها الحجر الأسود ببت عصمتها من الكافر بحربه، فلله الحمد على أن أحرمت بخلع ذلك البنيان المخيط، وطهرها ما قطر من دعم الكفر وما كان ليطهرها البحر المحيط، وكان الخادم لا يسعى سعيه إلا بهذه العظمى، ولا يقاسي تلك البؤس إلا لهذه النعمى، ولا يحارب من يستظلمه إلا لتكون الكلمة مجموعة وكلمة الله هي العليا، وليفوز بجواهر الآخرة لا بالعرض الأدنى من الدنيا. ومن طلب خطيرا خاطر، ومن رام صفقةً رابحةً خاسر، ومن سما لأن يجلي غمرة غامر.
منه لما ذكر الخلفاء لا جرم أنهم ورثوا سرهم وسريرتهم خلفهم الأطهر، ونجلهم الأكبر، وبقيتهم الشريفة، وطليعتهم المنيفة، وعنوان صحيفة فضلهم، لا عدم الإسلام سواد القلم وبياض الصحيفة.
منه: والشرق يهتدي بأنواره، بل إن بدا نور من ذاته هتف الغرب بأن واره، فإنه نور لا تكنه أغساق السدف، وذكر لا تواريه أوراق الصحف.
منه وقد ذكر الكفر: ونام سيف جفنه وكانت يقظته تريق نطف الكرى من الجفون، وجدعت أنوف رماحه وطالما كانت شامخة بالمنى راعفة بالمنون، وأصبحت الأرض المقدسة الطاهرة وكانت الطامث، والرب المفرد الواحد وكان في زعمهم الثالث.
(1/73)

منه: وبدل الله مكان السيئة الحسنه، ونقل بيت عبادته من يد أصحاب المشأمة إلى أصحاب الميمنة.
منه: فكم أهلة سيوف تقارضها الضراب حتى عادت كالعراجين، وكم أنجم قنا تبادلت الطعان حتى صارت كالمطاعين، وكان اليوم مشهودا والملائكة شهودا، وكان الصليب صارخا والإسلام مولودا، وكانت ضلوع الكفار لنار جهنم وقودا.
منه وقد ذكر القومص وفراره: وكان مليا يوم الظفر بالقتال ويوم الخذلان بالاحتيال، فنجا ولكن كيف، وطار خوفا من أن يلحقه منسر الرمح وجناح السيف، وكان لعدتهم كذلك، وانتقل من ملك الموت إلى مالك. وبعد الكسرة مر الخادم على البلاد فطواها بما نشر عليها من الراية العباسية السوداء صبغا البيضاء صنعا، الخافقة هي وقلوب أعدائها، هي وعزائم أوليائها، المستضاء بأنوارها إذا فتح عينها البشر، وأشارت بأنامل العذبات إلى وجه النصر.
منه: ويحصد كفرا ويزرع إيمانا، ويحط من جوامعها صلبانا ويرفع أذانا، ويبدل المذابح منابر والكنائس مساجد، ويبوىء أهل القرآن بعد أهل الصلبان للقتال مقاعد، ويقر عينه وعين أهل الإسلام أن تعلق النصر منه ومن عسكره بجارٍ ومجرور، وأن يظفر بكل سور ما كان يخاف زلزاله وزياله إلى يوم النفخ في الصفح.
منه: وقبالها ثم قاتلها، ونزل إليها ثم نازلها، وبرز لها ثم بارزها، وحاجزها ثم ناجزها، فضمها ضمةً ارتقب بعدها الفتح، وصدع جمعها فإذا هم لا يصبرون على عبودية الحد عن عتق الصفح.
منه: وقدم المنجنيقات التي تتولى عقوبات الحصون عصيها وحبالها، وأوتر لهم قسيها التي تضرب ولا تفارق سهامها نصالها، فصافحت السور فإذا سهمها في ثنايا شرفاتها سواك، وقدم النصر نسرا من المنجنيق يخلد إخلاده إلى الأرض ويعلو علوه إلى السماك، فشج مرادغ أبراجها، وأسمع صوت عجاجها، فأخلى السور من السيارة، والحرب من النظارة، وأمكن للنقاب أن يسفر للحرب النقاب، وأن يعيد الحجر إلى سيرته من التراب، فتقدم إلى الصخر فمضغ سرده بأنياب معوله، وحل عقده بضربه الأخرق الدال على لطافة أنمله، وأسمع الصخرة الشريفة حنينه واستغاثته إلى أن كادت ترق لمقتله، وتبرأ بعض الحجارة من بعض، وأخذ الخراب عليها موثقا فلن يبرح الأرض، وفتح من السور بابا سد من نجاتهم أبوابا، وأخذ يفت في حجره فقال الكافر يا ليتني كنت ترابا.
منه في تسلم البلد: وملك الإسلام خطة كان عهده بها دمنة سكان، فخدمها الكفر إلى أن صارت روضة جنان، لا جرم أن الله تعالى أخرجهم منها وأهبطهم، وأرضى أهل الحق وأسخطهم.
منه: وفيها كل غريب من الرخام الذي يطرد ماؤه، ولا ينطرد لألاؤه، قد لطف الحديد في تجزيعه، وتفنن في توسيعه، إلى أن صار الحديد الذي فيه بأس شديد، كالذهب الذي فيه نعيم عتيد، فما ترى إلا مقاعد كالرياض بها من بياض الترخيم رقراق، وعمدا كالأشجار لها من التنبيت أوراق.
منه: وأقيمت الخطبة وكادت السموات ينفطرن للسجوم لا للوجوم، والكواكب تنتثر للطرب لا للرجوم، ورفعت إلى الله كلمة التوحيد وكانت طريقها مسدودة، وطهرت قبور الأنبياء وكانت بالنجاسات مكدودة، وأقيمت الخمس وكان التثليث يقعدها وجهرت الألسنة بالله أكبر وكان سحر الكفر يعقدها، وجهر باسم أمير المؤمنين في موطنه الأشرف من المنبر، فرحب به ترحيب من بر بمن بر، وخفق علماه في خافقتيه فلو طار سرورا لطار بجناحيه.
منه: وكل مشقة بالإضافة إلى الفتح محتملة، وأطماع الفرنج بعد ذلك غير مرجئة ولا معتزلة، فإن يدعوا دعوةً يرجو الخادم من الله أن لا تسمع ولن يفكوا أيديهم من أطواق البلاد حتى تقطع، ولهذه البشائر أخبار لا تكاد من غير الألسنة تتشخص، ولا بما سوى المشافهة تتلخص، فلذلك نفذ فلانا شارحا، ومبشرا صادحا، يطالع بالخبر على سياقته، ويعرض جيش المسرة من طليعته إلى ساقته. وهو فلان.
وقال من كتاب آخر عند ذكر الصخرة: فقد كان بخت الناصر في رد القدس أمضى من سيف بخت ناصر.
وذكرت هنا أبيات الصاحب جمال الدين ابن مطروح رحمه الله وهي:
المسجد الأقصى له عادةٌ ... سارت فصارت مثلا سائرا
إذا غدا للكفر مستوطنا ... أن يبعث الله له ناصرا
فناصرٌ طهّره أولا ... وناصرٌ طهّره آخرا
رجع إلى كلام الفاضل:
(1/74)

منه: وكان الكفر حل بهذا البلد فملكه واستهلكه، وأغلقه فأوثقه، وضاعت مفاتيحه من الإسلام فلم يجدها إلا في زمان أمير المؤمنين وهي السيوف، وما كان يضرب في فنائه للحرب مصاف حتى ضربت في مسجده للصلاة صفوف فاسترجع الصخرة التي هي فص خاتم الإسلام كما استرجع بها سليمان قدما خاتمه، وكان وكيل الإسلام في استرجاع خاتمه صارمه آخر كلام الفاضل رحمه الله تعالى.
وهذا بديهٌ لا كتحبير قائلٍ ... إذا ما أراد القول زوّره شهرا
وقد أتبع ابن الأثير رحمه الله كتاب فتح القدس بتقليد حسبةٍ، أطال فيه وليس في عقده واسطة، ولا في أثنائه نكتة تكون بينها وبين التعجب رابطة، لكنه استوعب آداب الحسبة وعددها، ورصع وصاياها في سلكه ونضدها وأطال في نصها لما سردها، وأظهر فيه العلم لا لطف العمل، وأتى به عريا عن المحاسن فلا رغبة فيه للمنشىء الماهر ولا أمل، وهو بأن يكون جزءا في آداب الحسبة أحق منه بأن يكون في التقاليد معدودا، وبأن يضم إلى الكتب الموضوعة لذلك أولى منه بأن يكون في جملة الإنشاء مسرودا.
؟ حول ورود أن بعد لما
وأثرها في الدلالة على تراخي الزمن
قال في النوع السابع عشر في التكرير، وقد ذكر دخول أن التي ترد بعد لما وادعى أنها إذا دخلت في الكلام دل على أن الفعل لم يكن على الفور، وأنه ثم تراخ ومهلة. وساق قوله تعالى: " فلمّا أنْ جاءَ البشيرُ القاهُ على وَجههِ فارتَدَّ بصيرا ".
وإذا نظر في قصة يوسف مع إخوته منذ ألقوه في الجب وإلى أن جاء البشير إلى أبيه عليه السلام، وجد أنه كان ثم إبطاء وتراخ بعيد بعيد، ولو لم يكن ثم مدة بعيدة وأمد متطاول، لما جىء بأن بعد لما وقبل الفعل. بل كانت تكون الآية: فلما جاء البشير ألقاه على وجهه. وهذه دقائق ورموز لا توجد عند النحاة لأنها ليست من شأنهم.
أقول: هذا من جناية إعجاب المرء بعقله ورأيه، ألا تراه كيف تصور الخطأ صوابا، ثم أخذ يتبجح بأنه ظفر بما لم يفهمه النحاة ولا يعلوه: أتراه ما نظر إلى هذه الفاء التي هي للتعقيب عقيب ماذا وردت. هل وردت عقيب قوله تعالى: " فلما ذهبوا به وأَجمَعوا أنْ يجعلوه في غَيابَةِ الجُبّ ".. والآيات المتعلقة بواقعة إلقائه في الجب حتى يدعي هذه الدعوى. أو وردت عقيب قوله تعالى: " اذهَبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأتِ بصيرا وأْتوني لأجِدُ ريحَ يُوسفَ لولا أَنْ تُفنِّدونِ. قالوا: تالله إنك لفي ضلالِك بأهلِكُم أَجمعين " إلى قوله تعالى: " ولما فَصَلتِ العِيرُ قال أَبوهم: إني القَديم. فلمّا أنْ جاء البشير " الآيات. فأي تراخ بين هذين من البعد البعيد والمدة المتطاولة؟ إنما كان ذلك كله بقدر المسافة من مصر إلى أرض كنعان، مقام يعقوب عليه السلام، وهي تكون اثني عشر يوماً وما حولها، ولهذا قال النحاة: إنها هنا زائدة.
قال في هذا النوع أيضاً وقد أورد قول أبي نواس:
أقمنا بها يوماً ويوما وثالثا ... ويوما له يوم التّرحّل خامس
مراده من ذلك أنهم أقاموا أربعة أيام. ويا عجبا له، يأتي بمثل هذا البيت السخيف الدال على العي الفاحش في ضمن تلك الأبيات.
أقول: ليس الأمر كما ادعاه من أنه أراد أنهم أقاموا أربعة أيام، بل قد ذهب بعض المتأدبين إلى أن المقام كان سبعة أيام، بدليل أنه أقام يوماً ويوما وثالثا فهذه ثلاثة أيام. ثم قال: ويوما له يوم الترحل خامس فزاد الثلاثة أربعة أخر خامسها يوم الرحيل. وما يشك صاحب الذوق أن هذه العبارة أحسن من قوله: أقمنا بها أسبوعا، وإن كان هذا أخصر في اللفظ، ولكن ذلك له موقع.
سلمنا أن المقام أربعة أيام، ولكنه كرر ذلك لمعنى لم يوجد إلا في هذا التكرار، وهو أن المقام في هذه الحالة مقام وصف لأيام قطعها في لذة، فأخذ يعددها أفرادا غير جملة ويقول: أقمنا بها يوماً ويوما ويوما كالمتلذذ بهيئة كل يوم استحضرها في ذهنه، وما مر لهم فيها من أنواع اللذاذات والمسرات، وهذا أمر متعارف في الخير والشر فيقال: واصلني يوماً في يوم في يوم في يوم، وهجرني يوماً في يوم في يوم في يوم. ومن هذا قول مروان الأصغر:
سقى الله نجدا والسّلام على نجد ... ويا حبذا نجدٌ على النأي والبعد
كرر ذلك تلذذا بذكرها، وتحرقا بالشوق إليها.
ولله المتنبي حيث قال:
(1/75)

أبا شجاعٍ بفارس عضد الدّ ... ولة فنّاخسرو شهنشاها
أساميا لم تزده معرفةً ... وإنما لذّةً ذكرناها
؟ حول الاعتراض قال في النوع الثامن عشر في الاعتراض بعدما أورد قول المضرب السعدي
فلو سألت سراة الحي سلمى ... على أن قد تلوّن بي زماني
لخبّرها بنو أحساب قومي ... وأعدائي فكلٌ قد بلاني
ومن ذلك قول أبي تمام الطائي:
وإنّ الغنى لي إن لحظت مطالبي ... من الشعر إلاّ في مديحك أطوع
أقول: أي شيء رآه في قول أبي تمام حتى يجعله منخرطا في قول المضرب السعدي؟، وأنا لا أعيب البيت من حيث معناه فإنه في غاية الحسن، وإنما أعيبه من حيث تراكيب ألفاظه فإنها بين تقديم وتأخير ضيعا بهجة المعنى وأذهبا طلاوته، ألا ترى أنه يحتاج إلى تقدير وهو: وأن الغنى أطوع لي من الشعر إلا في مدائحك إن لحظت مطالبي. فالمعنى في نفسه في غاية الحسن من البلاغة، والألفاظ ما كأنها إلا عقد الميزان، أو التخطيط الذي يكون في منامات الباذنجان. وما أشبه هذا البيت إلا بقول الفرزدق:
وما مثله في الناس إلا مملّكا ... أبو أمه حيٌّ أخوه يقاربه
ومثل قول أبي تمام قول شرف الدين بن الفارض:
هبي قبل يفني الحبّ مني بقيةً ... أراك بها لي نظرة المتلفّت
والتقدير فيه: هبي لي نظرة المتلفت قبل أن يفني الحب مني بقية أراك بها.
حول الكناية
قال في النوع التاسع عشر في الكناية وقد أورد قوله تعالى " أيحِبُّ أحدُكم أنْ يأكلَ لحمَ أَخيه مَيتا " الآية: فأما جعل الغِيبة كأكل الإِنسان لحمَ الإِنسان الآخر، فشديد المناسبة، لأنّ الغِيبة إنما هي ذكرُ مثالب الناس وتمزيق أعراضهم، وتمزيق العرض مماثل لأكل لحم من تغتابه، لأن أكل اللحم تمزيق على الحقيقة.
أقول: دعواه أن مناسبة الغيبة بأكل لحم الإنسان لأنها تمزيق عرض والتمزيق أكل، ليست بواضحة فإن تمزيق العرض من باب أكل اللحم، وهما كناية عن أمرين معقولين بأمرين محسوسين. والأحسن في مثل هذا أن يقال: لأن الذي يغتاب يذكر مثالب وارتكاب محرمات وغيرها مما يجب فيها على المغتاب الحد، ولعل ذلك الحد يكون ضرب عنق أو قطع يد أو جلد ظهر، وذلك تفصيل أعضاء وتمزيق أجزاء، فهو أشبه شيء بالأكل، لأن الأكل يفرق الأجزاء من الأجسام. ألا ترى قول السراج الوراق ما أحسنه في هذا المعنى:
وربّ شخصين قطّ ما اجتمعا ... إلاّ على هرت غائبٍ فهما
ما مرّ يومٌ إلاّ وعندهما ... لحم رجالٍ أو يولغان دما
مضمن.
وهذا التعليل أنسب، وبه يعلل تمزيق العرض أيضاً فأما قوله كتمزيق العرض، فإنه أحال على أمر يحتاج إلى بيان، وينتقل السؤال من الغيبة إليه، وبمثل هذه المناسبة التي ذكرتها أنا، لا يحتاج إلى ذلك.
قال في هذا النوع: وأما القسم المختص بما يقبح ذكره من الكناية، فإنه لا يحسن استعماله لأنه عيب في الكلام فاحش وذلك لعدم المراد من الكناية فيه. فمما جاء منه قول الشريف الرضي يرثي امرأة:
إن لم تكن نصلا فغمد نصال.
أقول: أما هذه الكناية فإنها في غاية الحسن في كون المرأة يغمد فيها ذلك العضو المخصوص وليس في بابها مثلها ولا تقبح من حيث الصناعة وتخيل المعنى. وإنما قبحها بالإضافة إلى المقام، إن كان المقام مقام تعظيم قدر المرثي، لأنها أم ملك أو بنت كبير القدر، أو أخت أمير. فإنه ليس من الأدب أن يسمع فيها قريبها هذه الكناية لتعلقها بفرجها وذكر عورتها. كما عيب على أبي الطيب قوله يرثي أم سيف الدولة:
رواق العزّ فوقك مسبطرّ ... وملك عليّ ابنك في كمال
فإنه ليس من الأدب أن يذكر أم السلطان ويقال: فوقها ممتد، فإن النفوس الكبار تأنف من ذكر عورات النساء.
ويقال: إن بعض الولاة أحضر إليه جماعة من الفساق، فأراد تأديبهم، فجعلوا يقسمون عليه ولا يزداد عليهم إلا قسوة وغلظة، وكان فيهم مخنث فقال: تنحوا يا حمير، أكذا يحلف الأمير ثم قال: يا أمير بحياة أمك، فاشتد غضبه عليه وهم يجلدونه، فقال: بحياة وجهها، بحياة عنقها، بحياة كذا بحياة كذا حتى قال: بحياة سرتها. فقال الأمير وليس بعد السرة إلا الحرة. أطلقوهم.
وما أحسن قول كشاجم يرثي أمه:
(1/76)

فأُقسم لو أبصرتني عند موتها ... وجفني يسحّ الدّمع سجلا على سجل
رثيت لنصلٍ يأخذ الموت جفنه ... وأُعجبت من فرعٍ ينوح على أصل
وقد تحسن هذه الكناية من الشريف الرضي في باب التهكم وتكون نهاية في الحسن. وعلى الجملة فقبح الكناية التي ذكرها ليس لذاتها بل لأمر عرض عليها على أنه قد أورد بعدها قول الفرزدق يرثي امرأته:
وجفن نصالٍ قد رزئت فلم أنح ... عليه ولم أبعث عليه البواكيا
وقال: هذا حسن بديع في بابه، وما كني عن امرأة ماتت بجمع أحسن من هذه الكناية ولا أفخم شأنا.
فيقال له: أي شيء حسن هذه وقبح تلك؟
حول المغالطات المعنوية
قال في النوع العشرين في المغالطات المعنوية: فمنه ما كتبته في فصل من كتاب عند دخولي إلى بلاد الروم أصف فيه البرد والثلج: ومن صفات هذا البرد أنه يعقد الدر في خلفه، والدمع في طرفه، ولربما تعدى إلى قليب الخاطر فأحقه أن يجري بوصفه، والأرض شهباء غير أنها حولية لم ترض، ومسيلات الجبال أنهار غير أنها جامدة لم تخض.
أقول: ثم إنه أخذ يصف مكان الحسن في قوله: حولية ولم ترض. وأي كبير حسن في هذا حتى يدونه ويستشهد به. ولكنه معذور إذا وقع في كلامه تورية أن يخطب لها، فكيف به لو قال مثل القاضي الفاضل يصف البرد: في ليلة جمد خمرها، وخمد جمرها، إلى يوم تود البصلة لو ازدادت إلى قمصها، والشمس لو جرت النار إلى قرصها.
وقد نظم هذا الجلال بن الصفار فقال:
ويوم قرٍّ برد أنفاسه ... تمزق الأوجه من قرصها
يومٌ تودّ الشمس من برده ... لو جرّت النار إلى قرصها
ومن كلام الفاضل في ليلة كثيرة البرد: في ليلة جمد الماء في لبابيدها حتى ثقل متنها، وانعكست القاعدة في التشبيه حتى صار كالجبال عهنها.
وقال الصاحب جمال الدين ابن مطروح:
انظر تجد وجه البسيطة أبيضا ... لم تبد فيه شامةٌ سوداء
كرم السّحاب فعمّ بالثلج الثّرى ... إنّ الكريم له اليد البيضاء
وقال: مجير الدين محمد بن تميم:
دنياك مذ وعدت بأنك لم تزل ... في نعمةٍ وسعادةٍ لا تنقضي
كان الدليل على وفاها أنها ... أضحت تقابلنا بوجهٍ أبيض
وقال مجير الدين أيضاً في البرد:
وليلةٍ قرةٍ قد هبّ فيها ... نسيمٌ لا تقابله الصدور
نسيمٌ يقشعرّ الرّوض منه ... إذا وافى ويرتعد الغدير
ثم قال: ومن ذلك ما ذكرته في وصف كريم فقلت: ولقد نزلت منه بمهلبي الصنع، أحنفي الأخلاق، ولقيته فكأني لم أرع بلوعة الفراق، ولا كرامة للأهل والوطن حتى أقول استبدلت به أهلا ووطنا، وعهدي بالأيام وهي من الإحسان فاطمة فاستولدها بجواره حسنا ثم أخذ في الثناء على ذلك.
أقول: غاية ما ذكره أنه استعمل اسم فاطمة والحسن رضي الله عنهما تورية وليس هذا بعظيم.
وما أحسن ما استعمل القاضي الفاضل اسم الحسن، فقال يخاطب قوما أشرافا: السعيد من أشبه حديثه قديمه السعيد، والشرف القديم مقطوع إن لم يصله الشرف الجديد، والغصن من الدوحة العريقة وإن لم ينم كان من الحطب، ومحمد صلى الله عليه وسلم كان عمه أبا لهب، وقبيح أن يكون فعلكم القبيح وجدكم الحسن. وأن يكون أولكم قاتل حتى لا تكون فتنة وتقاتلون حتى تكون الفتن.
وما أحسن قول أبي الحسين الجزار يمدح سيف الدين علي بن قليج من جملة قصيدة في ذكر الزمان:
وإني لمعتادٌ لحمل خطوبه ... إذا كلّ أو أعيى من الهمّ حامله
أقول لفقري: مرحبا لتيقّني ... بأنّ عليا بالمكارم قاتله
كذا تكون التورية، وكذا يكون تحيل التخيل.
ومما اتفق لي نظمه:
أقول لشادٍ تغنّى لنا ... وقد قرّح الدّمع أجفان عيني
ايا حسن الوجه رجّع وخذ ... بصوتٍ عليٍّ لنا في حسيني
ثم قال: ومن هذا الأسلوب ما كتبته في فصل من كتاب إلى بعض الإخوان فقلت: وعهده بقلمي وهو يتحلى من البيان بأسمائه، ويبرز أنوار المعاني من ظلمائه، وقد أصبحت يدي منه وهي حمالة الحطب، وأصبح خاطري أبا جهل بعد أن كان أبا لهب.
(1/77)

أقول: قد استعمل القاضي الفاضل مثل هذا كثيراً، ولهج المتأخرون بمثل هذا فأتوا فيه بالطم والرم. قال ابن النبيه:
لو لم تكن إبنة العنقود ريقته ... لما غدا خدّه القاني أبا لهب
تبت يدا عاذلي فيه ووجنته ... حمالة الورد لا حمالة الحطب
وقال ابن سناء الملك في معذر:
كنت مثل الظّبي ذا غيدٍ ... صرت مثل الثّور ذا غبب
وجنةٌ كانت أبا لهبٍ ... رجعت حمّالة الحطب
وقال:
وصفتك واللاّحي يعناد بالعذل ... فكنت أبا ذرٍّ وكان أبا جهل
وقلت وأنا في رمل مصر عند العريش:
أتينا عريش الرّمل في وقت حرّه ... فقلنا له تبّت يداك أبا لهب
وكم أثلةٍ لا ظلّ فيها ولا جنىً ... تقابلنا منه بحمالة الحطب
ثم قال من فصل: ومن آثر مساعيه أنه حاز قفل المكارم ومفتاحها، وإذا سئل منقبةً كان مناعها وإذا سئل موهبة كان مناحها، وأحسن أثرا من ذلك أنه أخذ بأعنة الصواب وألان جماحها، وإذا شهد حومة حربٍ كان منصورها وإذا لقي مهجة خطب كان سفاحها.
أقول: وهذا الباب أعني أسماء الخلفاء في الألقاب، مما جسر الناس على دخوله، وعبره كل أحد من المتأدبين وتصرف في محصوله، فإنه سلس القياد في التورية إذا جذب وسريع الارتفاع إذا أقيم أو نصب.
قال ابن سناء الملك:
بايعته يد السّعادة والبي ... عة قد كررت عليه اليمين
واصطفاه الرأي الرشيد على العا ... لم فهو الأمين والمأمون
وقال سيف الدين المشد ابن قزل:
يا أهل ودّي دعوةً من مدنفٍ ... خفيت شكايته عن العوّاد
تالله ما جلدي عليكم طائعٌ ... كلاّ ولا والله قلبي الهادي
وقال ابن سناء الملك:
بأبي وأمّي من يكون المكتفي ... بجماله لجماله كالمقتدي
مستوحشٌ متفرّدٌ في حسنه ... لا تعجبنّ لوحشة المتفرّد
وقال مجير الدين محمد بن تميم:
يا موثرا قصدي حماة وخدمتي ... سلطانها من بعد كلّ أمير
أنا واثقٌ برشيد رأيك طائعٌ ... لأمينه الهادي إلى المنصور
ثم قال من فصل: وما أقول إلا أنه شعر بتلك المسرة المسروقة فأقام عليها القطع، ورأى العيش فيها خفضا فأزاله الرفع.
أقول: وهذا الباب أيضاً مما تقدم، وسوره مما خرب وتهدم، قد دخل الناس فيه أفواجا، وراقت لآلئهم فيه انفرادا وازدواجا.
قال السراج الوراق يرثي الجزار:
رفعوك وانتصبوا قياما خافضي ال ... أصوات إذ جزم الرّدى منك العرى
وغدوت في الأكفان عنهم مضمرا ... وهم يرونك للجلالة مظهرا
إنّ الصّحيح اعتل مذ فارقتنا ... وأبيك والجمع الصّحيح تكسّرا
وقال أيضاً:
نصب العداوة حاسدوك فأعقبوا ... جزما لألسنهم وخفض الشّان
فمتى أراهم أدبروا ورؤوسهم ... مرفوعةٌ بعوامل المرّان
وقال شهاب الدين التلعفري:
وإذا الثّنيّة أشرفت وشممت من ... نفس الحمى أرجا كنشر عبير
سل هضبها المنصوب أين حديثها المرفوع عن ذيل الصبا المجرور وهذا في غاية الحسن من الصناعة، فإنه أتى بالمنصوب في المنصوب، وبالمرفوع في المرفوع، وبالمجرور في المجرور.
وله بيتان آخران في هذا المعنى، ولكن هذين أحسن وأكمل.
وعلى الجملة، فهذه الأشياء قد انتهك المتأخرون حرمتها، ومنعوا من الآباء عصمتها خصوصا أسماء الخلفاء كما تقدم، وألقاب الإعراب وقد تقدم، وأسماء سور القرآن. كما قال أبو الحسين الجزار يمدح فخر القضاة نصر الله ابن بصاقة:
وكم ليلةٍ قد بتّها معسرا ولي ... بزخرف آمالي كنوزٌ من اليسر
أقول لفقري كلما اشتقت للغنى ... إذا جاء نصر الله تبت يد الفقر
وكما قال أيضاً وقد خلع على شاعر أسود ولم يخلع عليه يخاطب جمال الدين ابن رمضان:
غير خافٍ عنك الذي ناله الأسود ... بالأمس من ندى السّلطان
وتمشّيه بالعمامة والثّوب ... ومنديل الكم والطّيلسان
(1/78)

قلت إذ فصلت عليه أرى الزّخرف ... يتلى بالنّص فوق الدّخان
وكما قال سيف الدين ابن قزل:
أقسم من جفني بالذّاريات ... ومن دموع العين بالمرسلات
إني على الإخلاص في حبّكم ... حتى ترى روحي في النازعات
وكما قال الآخر:
أناشده الرحمن في جمع شملنا ... فيقسم هذا لا يكون إلى الحشر
إذا ما غدا شبه الحديد فؤاده ... فوالعصر إن العاشقين لفي خسر
وأسماء الكتب كما قال من أبيات:
يا سائلي من بعدهم عن حالتي ... ترك الجواب جواب هذي المسأله
حالي إذا حدثت لا جملا ولا ... لمعا لا يضاحي لها من تكمله
عندي جوى يذر الفصيح مبلّدا ... فاترك مفصّلة ودونك مجمله
القلب ليس من الصّحاح فيرتجى ... إصلاحه والعين سحبٌ مثقله
وقد ذكر في هذه الثلاثة عشرة أسماء من تصانيف الأدب.
كما قال ابن قزل في مليح يلعب بالقانون:
ترى ابن سيناء في يديه ... أقلّ ملعوبه الغناء
قانونه المرتضى نجاةٌ ... كل إشاراته شفاء
وقد ذكر في البيت الثاني على قصر بحره من مصنفات الرئيس أربعة كتب.
وكما قال أبو الحسين الجزار:
يا مالكي ما شافعي ... إليك إلاّ أدبي
حاشاك أن تحتاج في التن ... بيه للمهذّب
وأسماء مشايخ العلوم كما قال أبو الحسين الجزار:
إنّ فصل الشتاء منذ نحا جس ... مي أبدت بيانه الأعضاء
فيه عظمي المبّرد إذ عنّ ال ... كسائيّ واحتمى الفرّاء
وكما قال ناصر الدين حسن بن النقيب:
يا من مقاماته في الجود مذهبةٌ ... ومن تشاريفه وشيٌ وديباج
أعطيتني جسدا ملقى وليس له ... روحٌ وللبرد إقلاقٌ وإزعاج
وليس عن فروةٍ تحت الحرير غنىً ... إنّ الحريريّ للفرّاء محتاج
وكما قال مجير الدين محمد بن تميم:
وصادحةٍ تردّد لي غناها ... فتطربني وأجهل ما تقول
بلحنٍ حار إبراهيم فيه ... ووزنٍ ليس يعرفه الخليل
وقد نظم شرف الدين المقدسي رحمه الله قصيدة تقارب الخمسين بيتا، جمع فيها جملة من كتب التفسير والحديث والفقه والنحو واللغة وغير ذلك، وذكر مشايخ العلوم وغيرهم. وكلها غزل، وأسماء البروج الإثنى عشر والمنازل. كما قال ابن قزل:
بدرٌ جعلت القلب أخبيةً له ... كي لا يراه رقيبه العوّاء
خلعت عليه الشّمس رونق حسنه ... وحبته رونق ثغره الجوزاء
وكما قال الآخر:
بتّ وبدر الدّجى ضجيعي ... وهو مواتٍ بلا امتناع
فقلت للحاسدين لمّا ... أشرقت الشمس بالشّعاع
القلب والطّرف منزلاه ... وهو إلى الآن في الذّراع
وكما قال الآخر في مليح يحرث:
يا حارثا تروى مقامات الهوى ... عن طرفه الفتّاك غير مؤوّله
أضحى يشقّ لحود من قتل الهوى ... في حرثه ليست خطوطا مهمله
روحي الفداء لبدر تمٍّ سائقٍ ... للثّور، ليس يروم غير السّنبله
وأسماء مشاهير العرب، كما قال ابن سناء الملك:
إنّي على ما كان شغلي بالهوى ... لم يشتغل وبطالتي لم تبطل
أنا جدّ أنصار النّبيّ لأنّني ... يا أشهل العينين عبد الأشهل
وكما قال ابن قزل:
عدتّ فيه جاهليّ الح ... ب من غير تعدّي
لحظ عيني عبد شمسٍ ... وفؤادي عبد ودّ
وكما قال شمس الدين محمد بن التلمساني:
وما كنت مجنون الهوى قبل أن يرى ... لقلبي من صدغيك في الأسر عاقل
ولو أنّ قسماً واصفٌ منك وجنةً ... لأعجزه نبتٌ بها وهو باقل
وأسماء المدن، وأسماء الملل والنحل، وأسماء أبحر العروض، وأسماء القراء، وأسماء أشكال الرمل وأسماء الشعراء، وأسماء منازل العرب وأماكنها وأشياء غير ذلك.
(1/79)

ولولا خوف الإطالة، وأني لم أضع هذه الأوراق لهذا، لأتيت بالشواهد على ذلك. لتعلم أيها الواقف على كتابي هذا أن ابن الأثير رحمه الله ما أتى بطائل، ولا رقت بكلامه أنفاس الأسحار ولا برود الأصائل، وأنه لو تأخر وجوده إلى هذا العصر علم أن قوله ليس بحجة، وأن قطره يغرق في مثل هذه اللجة، وأن الناس قد بلغوا محط الرحال وهو إلى الآن في الدلجة.
وما أحسن قول مجاهد الخياط يهجو أبا الحسين الجزار:
أبا الحسين تأدّب ... ما الفخر بالشّعر فخر
وما تبلّلت منه ... بقطرةٍ وهو بحر
وإن أتيت ببيتٍ ... وما لبيتك قدر
لم تأت بالبيت إلاّ ... عليه للنّاس حكر
وقد وضعت كتابا في التورية وسمته فض الختام عن التورية والاستخدام فإن أردت أن تكشف عن ماهية ذلك وتقف على محاسنه، فقف عليه، لعله يكون فيه لك زبدة، أو تجد فيه على ما ترونه نجدة.
ثم قال من فصل يذكر فيه الحمى: ولهذا صارت الأدوية في علاجها ليست بأدوية، وأصبحت أيام نحرها في الناس غير مبتدئة بأيام تروية.
أقول: ليس في السجعة الأولى طائل وهي كلام فارغ. وأما الثانية فما فيها غير التورية بيوم التروية للنحر، وليس في ذلك أمر كبير.
وما أحسن قول الجزار:
إني لمن معشر سفك الدماء لهم ... دأبٌ، وسل عنهم إن رمت تصديقي
تضيء بالدّم إشراقا عراصهم ... فكلّ أيامهم أيام تشريق
وأما أبيات المتنبي في الحمى فما لأحد مثلها في حسنها. منها:
وزائرتي كأنّ بها حياءً ... فليس تزور إلاّ في المنام
بذلت لها المطارف والحشايا ... فعافتها وباتت في عظامي
يضيق الجلد عن نفسي وعنها ... فتوسعه بأنواع السّقام
إذا ما فارقتني غسّلتني ... كأنّا عاكفان على حرام
كأنّ الصّبح يطردها فتجري ... مدامعها بأربعةٍ سجام
وحذا السّراج الورّاق حذوه فقال:
وزائرتي وليس بها احتشامٌ ... تزور ضحىً وتطرق في المنام
بها عهرٌ وليس لها عفافٌ ... عن الشّيخ الكبير ولا الغلام
إذا طرقت أعاذ الله منها ... سلوت عن الكرائم والكرام
لها في ظاهري حرٌ وبردٌ ... بقلبي والفتور ففي العظام
تلهوج نارها لحمي طعاما ... وتشرب من دمي صرف المدام
وأصوات الغناء لها أنيني ... فما تنفك من هذا المقام
تضاجعني على ضعفي وشيبي ... وقد أعييت ربات الخيام
إذا ما فارقتني غسّلتني ... لأني قد وصلت إلى حمامي
وما أحسن قول أمهدوست الديلمي:
وزائرةٍ تزور بلا رقيب ... وتنزل بالفتى من غير حبّه
تبيت بباطن الأحشاء منه ... فيطلب بعدها من عظم كربه
وتمنعه لذيذ العيش حتّى ... تنغّصه بمطعمه وشربه
أتت لزيارتي من غير وعدٍ ... وكم من زائرٍ لا مرحبا به
وقول ناصر الدين حسن بن النقيب:
أقول لنوبة الحمى اتركيني ... ولا يك منك لي ما عشت أوبه
فقالت: كيف يمكن ترك هذا ... وهل يبقى الأمير بغير نوبه
وقد ظرف مجير الدين محمد بن تميم في قوله، وقد حم النور الإسعردي:
أخفوا شماتتهم لديّ وأقبلوا ... في زي مقروح الفؤاد كليم
قالوا بأنّ النّور حمّ فقلت لا ... يس حول النّور من حم
هكذا تكون مقاصد أهل الأدب وتورياتهم وأوصافهم، ليس كما قال ابن الأثير الأدوية في علاجها ليست أدوية.
وأقوال الناس في المليح المحموم مشهورة فلا حاجة إلى ذكرها. وكنت في وقت قد كتبت إلى بعض الأصحاب كتابا أشكو فيه الحمى. من ذلك: وينهي لا بل يشكو حاله التي ليس له منها بدل، وآلامه التي كلمت أعضاءه فلا يطيق جلده قطع ذاك الجدل، وحماه التي يلدغه منها عقرب وترميه قوس فليت جسمه مع ذلك حمل، واتصال رشح عرقه الذي لا يقال مع بحره سآوي من الصبر الجميل إلى جبل، فأين قولهم لقيت منها عرق القربة، ممن لقي منها غرق الكربة.
(1/80)

إذا ما فارقتني غسّلتني ... كأنّا عاكفان على حرام
ويعجز المملوك عن وصف ما حصل لرأسه من الصداع ولجسمه من الصدوع، ولآماله المعلقة من القطع ولحظه من القطوع.
ثم قال من فصل كتاب إلى ديوان الخلافة يتضمن فتوح بلد من الكفار: والسائر بها فلان، وهو راوي أخبار نصرها التي صححتها في تجريح الرجال، وعوالي إسنادها مأخوذة من طرق العوال، والليالي والأيام لها رواة فما الظن برواية الأيام والليال.
أقول: هذا الفصل ختم به الكتاب الذي عارض به القاضي الفاضل في فتح القدس. وقد أورده هنا أيضاً وادعى فيه هذه الدعوى، وأذكرني هنا بقول مجير الدين محمد بن تميم:
إني لأعجب في الوغى من فارسٍ ... حارت دقائق فكرتي في كنهه
أدى الشهادة لي بأني فارس اله ... يجاء حين جرحته في وجهه
وهو مأخوذ من قول ابن الساعاتي:
وكائن سقى جيشا كؤوس حمامه ... دهاقا وأطراف العوالي مجاديح
فيا سيفه حزت العدالة في العدى ... وما شاهدٌ إلاّ له بك تجريح
وما أحلى قول القاضي الفاضل: وعرف المملوك ركوب مولانا الملك الأفضل في القلب ولقد سخا السلطان على القلب بقلبه، وأبرزه حاسرا لحربه، وهذا الموقف نص صحيح على السلطنة، وهو نص مطلق كان السيف فيه القاضي والنصر البينة، عرس به الإسلام وكان النثار دنانير غرر الصواهل، والتحايا رياحين أطراف الذوابل، فهو أعز الله نصره السابق ولادا وجهادا، ولقد ولد أبوه والدا وولد الآباء أولادا، والحمد لله الذي أنجد الإسلام منه ومن سيفه بعلي وذي الفقار وبعمر وفي يده سيف عمار.
الذي يتعلق بهذا الموطن السجعتان الأوليان، ولكن القلم استلذ هذا النغم وقال: معذور من امتلا، وغب كؤوس الطلا.
الأحاجي والمغالطات في مقامات الحريري
ثم قال في النوع الحادي والعشرين في الأحاجي: وكذلك فعل الحريري في مقاماته، فإنه ذكر الأحاجي التي جعلها على حكم الفتاوى كناية ومغالطةً، وظن أنهما من الأحاجي الملغزة كقوله: أيحل للصائم أن يأكل نهارا. ثم إن ابن الأثير أخذ يستدل على أن ذلك من باب المغالطات المعنوية.
وأقول على أني ما أدري ما أقول، هذا الرجل رحمه الله تعالى يتصور شيئاً ويلزم الناس به، ويرميهم بمساوئه ولم يكونوا أرادوه ولا قالوه.
والمقامات فكتاب اشتهر وحفظ، ودرس وما اندرس، وهذه المسائل التي أشار إليها قد أودعها الحريري رحمه الله تعالى المقامة الثانية والثلاثين. وهي مائة فتيا، وسردها مرتبة على تبويب الفقه، ولم يسم ذلك أحجية ولا لغزا. بل قال عند ذكرها: فصمد له فتىً فتيق اللسان، جري الجنان وقال: إني حاضرت فقهاء الدنيا، وانتحلت منهم مائة فتيا. فإن كنت ممن يرغب عن بنات غير، ويرغب منا في مير، فاستمع وأجب، لتقابل بما يجب. فقال: الله أكبر، سيبين المخبر، وينكشف المضمر، فاصدع بما تؤمر.
قال: ما تقول فيمن توضأ ثم لمس ظهر نعله؟ قال: انتفض وضوءه بفعله حتى فرغ من ذلك، ولم يقل أحجية ولا لغزا ولا كناية ولا مغالطة.
وأما في مقدمة الكتاب فإنه قال: ورصعته فيها من الأمثال العربية، واللطائف الأدبية، والأحاجي النحوية، والفتاوى اللغوية فذكرها في المقدمة وفي المقامة التي اختصت بها أنها فتاوى.
ولابن فارس كتاب سماه فتاوى اللغة ومنه استمد الحريري؛ فأي حرج على الحريري إذا سمى ذلك فتاوى.
الفرق بين الإلغاز والوصف
أمثلة من وصف السفن
قال: وعلى هذا الأسلوب ورد قول أبي الطيب في السفن:
وحشاه عاديةً بغير قوائمٍ ... عقم البطون حوالك الأبدان
تأتي بما سبت الخيول كأنّها ... تحت الحسان مرابض الغزلان
أقول: قد عد هذين من الإلغاز، وليسا من ذلك في شيء، بل هما من باب الأوصاف، لأن اللغز من شرطه أن لا يذكر الملغز به صريحا في الكلام، وهذا يخالف ذلك لأن أبا الطيب قال قبلهما:
فتل الحبال من الغدائر فوقه ... وبنى السّفين له من الصلبان
وهذا تصريح. فهما من باب الأوصاف لا من باب الألغاز.
وانظر إلى قول السراج الوراق يلغز في المركب:
وما هو شيءٌ علينا كبير ... ومقصودنا منه شيءٌ يسير
(1/81)

غدا واحدا وهو جمعٌ كما ... أتانا بذاك الكتاب المنير
أما الأول، فهو ظاهر على ما فيه من التورية. وأما الثاني، فإنه قد نص أئمة اللغة على أن الفلك لفظ يستوي فيه المفرد والجمع.
وقد نظمت أنا لغزا في السفينة فقلت:
وجاريةٍ حلّ لي وطؤها ... ولم يك في ذاك ما يمنع
ويا عجبا ما أتت ريبةً ... وألزمها أنّها تقلع
فقول السراج وقولي من باب اللغز، لأنا لم نصرح بلفظ المركب ولا السفينة، وأما المتنبي، فإنه صرح بذكر السفين فخرج من هذا الباب، وهو من باب الأوصاف.
وكذا قول مجير الدين محمد بن تميم:
عجبت للبحر لمّا أن رأيت به ... تلك الصّواري وقد أربت على الحبك
أظنّها لم تطل إلاّ وقد وليت ... حمل الرّسائل بين الفُلك والفلك
وقول أيضاً مضمنا:
ولما ركبنا الفلك والبحر قد طمى ... وهاج علينا موجه المتلاطم
تمشّت لنا في لجّةٍ ببطونها ... كما تتمشّى في الصّعيد الأراقم
وابن قلاقس الإسكندري ممن أجاد أوصاف السفن في عدة قصائد. من ذلك قوله وقد ذكر البحر:
ترى المواخر تجري في زواخره ... فترتقي في أعاليه وتنحدر
من كلّ سوداء مثل الخال يحملها ... بوجنةٍ منه فيها للضّحى خفر
وقوله أيضاً من قصيدة:
وقد رأيت به الأشراط قائمةً ... لأن أمواجه تجري بأطواد
تعلو فلولا كتاب الله صحّ لنا ... أن السّماوات منها ذات أعماد
ونحن في منزلٍ يسري بساكنه ... فاسمع حديث مقيمٍ بيته غادٍ
أبيت إن بتّ ومنه في مصوّرةٍ ... من ضيق لحدٍ ومن إظلام إلحاد
لا يستقر لنا جنبٌ بمضجعه ... كأنّ حالاتنا حالات عبّاد
وله أشياء غير هذه، أضربت عنها خوف الإطالة.
وما أحلى قول أبي الحسين الجزار:
كنت في كلكّةٍ تطير بقلعٍ ... وهي طورا على المنايا تحوم
أنظر الموج حولها فإخال ال ... جيم تاءً لخيفتي وهي جيم
لم أجد لي فيها صديقا حميما ... غير أنّي بالماء فيها حميم
وإذا ما دنت إلى البرّ أمسى ... عندنا منه مقعد ومقيم
يسجد الجرف كلّما ركع المو ... ج فدأبي هنالك التّسليم
وقبيح عليّ أن أشتكي بر ... را وبحرا وأنت بر رحيم
وقال ابن الساعاتي وإن كان فيه بعض قلق:
ولمّا توسّطنا مدى النيل غدوةً ... ظننت وقلب اليوم باللهو جذلان
عشاريّة إنسانا له الماء مقلةٌ ... وليس لها إلا المجاذيف أجفان
وقد ذكر القاضي الفاضل رحمه الله المراكب في مواطن. منها قوله: ووافى الأسطول في خمسين غرابا طائرا من القلوع بأجنحته، كاسرا بمخالب أسلحته، فما وافى شملا إلا دعاه إلى الحين، وحقق ما يغري إليه من البين.
وقوله: فيملأها عليهم جواري في البحر كالأعلام، ومدنا في اللج سوائر كأنها الليالي مقلعات بالأيام، وتطلع علينا معاشر الإسلام آمالا، وتطلع على الكفار آجالا، مسومة تمدها ملائكة مسومة، ومعلمة تقدم حيازيمها إقدام حيزوم تحت الحزمة.
قال: وأحسن من ذلك وألطف قول بعضهم في الخلخال:
ومضروبٍ بلا جرمٍ ... مليح اللّون معشوق
له قدّ الهلال على ... مليح القدّ ممشوق
وأكثر ما يرى أبدا ... على الأمشاط في السّوق
أقول: كذا وجدته في النسخة بالمثل ووقفت عليه أيضاً في كتاب: الإعجاز في الأحاجي والإلغاز للحظيري على هذه الصورة.
والأحسن أن يقال فيه: له شبه الهلال أو شكل الهلال أو طوق الهلال. فإن قد الهلال غير مناسب. ولكن هذا من قوله فيما تقدم في التفاح وعظم قده.
وقلت أنا ملغزا في الخلخال:
ما أصفرٌ دار على أبيضٍ ... لان ولكن قلبه قاس
وربّ ساقٍ غصّ منه وما ... أحسن هذا الوصف في النّاس
وقلت فيه أيضاً:
أيا عجبا من صابرٍ صامتٍ ولم ... يفه بكلام قطّ في ساعة الضّرب
(1/82)

أقام ولم يبرح مكانا ثوى به ... على أنّه أضحى يدور على الكعب
وإن كان الشيء يذكر بالشيء، فما أحلى قول القائل ملغزا في دملج:
إلى النساء يلتجي ... وعندهنّ يوجد
الجسم منه فضّةٌ ... والقلب منه جلمد
مناقشة الصفدي لابن الأثير
في تعليقه على لغز في حمام
قال: ووجدت لبعض الأدباء لغزا في حمام: ثم إنه ذكره وقال بعد الفراغ منه: وهذا من فصيح الألغاز، ولا يقال في صاحبه إنه في العمى ضائع العكاز.
أقول: ما السجعة الثانية مناسبة للأولى في المدح والتقريظ، وما كانت السجعة تريد إلا أن يقول بعدها: ولا أنه في الحيوان معدود من البهائم لأنه انفرد بالنطق وامتاز.! وما رأيت من قرظ أحدا بمثل هذا التقريظ ويكون المقام مقام استحسان وثناء ومدح فيقال: ما هو في العمى ضائع العكاز. وأي مدح في هذا وقد جعله أعمى بعكاز، وهو أشد حالا من الأعمى الذي يمشي بلا عكاز. لأن الذي يعتمد مع عماه على عكازه، يكون قد جمع بين عمى البصيرة وعمى البصر. والظاهر أنه أراد أن يذكر المعمى فما اتفق له، والتزم بالزاي فما وجد غير العكاز، وآخر هذه السجعة عجز بيت لأبي الطيب. وهو:
ويرى أنّه البصير بهذا ... وهو في العمي ضائع العكّاز
من أقوالهم في الحمام
وعلى ذكر الحمام فلا بأس بذكر شيء من كلام المتأخرين في هذا الموطن وإيراده.
كتب القاضي محيي الدين عبد الله بن عبد الظاهر رحمه الله تعالى يستدعي إلى حمام: هل لك أطال الله بقاءك إطالة تكرع في منهل النعيم، وتتملى بالسعادة تملي الزهر بالوسمي والنظر بالحسن الوسيم في المشاركة في جمع بين جنة ونار، وأنواء وأنوار، وزهر وأزهار، قد زال فيه الاحتشام وكل عار ولا عار.
نجوم سمائه لا يعتريها أفول، وناجم رخامه لا يغيره ذبول، تنافست العناصر على خدمة الحال به، تنافسا أحسن كل فيه التوصل إلى بلوغ مآربه فأرسل البحر ما جسده حسده من زبده، لتقبيل يد أخمصه إذ قصرت همته عن تقبيل يده، ولم ير التراب له في هذه الخدمة مدخلا، فتطفل وجاء وما علم أن التسريح لمن جاء متطفلا، والنار رأت أنه عين مباشرتها وأنها بفرض خدمته لا تخل ولأن لها حرمة هداية الضيف في السرى، وبها دفع القر ونفع القرى، فأعلمت ضدها الماء فدخل وهو حر الأنفاس، وغلت مراجله فلأجل ذلك داخله من صوت تسكابه الوسواس، ورأى الهواء أنه قصر عن مطاولة هذه المبار، فامسك متهيبا ينظر ولكن من وراء زجاجة إلى تلك الدار، ثم إن الأشجار رأت ان لا شائبة لها في هذه الحظوة ولا مساهمة في تلك الخلوة، فأرسلت من الأمشاط أكفا أحسنت بما تدعو إليه الفرق، ومرت في سواد العذار الفاحم كما يمر البرق، وذلك بيد قيم قيم بحقوق الخدمة، عارف بما يعامل به أهل النعيم أهل النعمة، خفيف اليد مع الأمانة، موصوف بالمهابة عند أهل تلك المهانة، لطف أخلاقا حتى كأنها عتاب بين جحظة والزمان، وحسن صنعةً فلا يمسك يدا إلا بمعروف ولا يسرح تسريحا إلا بإحسان، أبدا يرى مع طهارته وهو ذو صلف، ويشاهد مزيلا لكل أذى حتى لو خدم البدر لأزال من وجهه الكلف، بيده موسى كأنها صباح ينسخ ظلاما، أو نسيم ينفض عن الزهر أكماما، إذا أخذ صابونه أفهم من يخدمه بما يمره على جسده أنه بحر عجاج، وأنه يبدو منها زبد الأعكان التي هي أحسن من الأمواج.
فهلم إلى هذه اللذة، ولا تعد الحمام دعوة أهل الحراف فربما كانت هذه من بين تلك الدعوات فذة.
وكتب أيضاً في محضر قيم في حمام الصوفة:
(1/83)

يقول العبد الفقير إلى الله تعالى عبد الله بن عبد الظاهر أن أبا الحجاج يوسف ما برح لأهل الصلاح ميمما، وله جودة صناعة استحق بها أن يدعى قيما، كم له عند جسد من من جسيم، وكم أقبل مستعملوه تعرف في وجوههم نضرة النعيم، وكم تجرد مع شيخ صالح في خلوة، وكم قال ولي الله يا بشراي لأنه يوسف حين أدلى في حوض دلوه، كم خدم من العلماء والصلحاء إنسانا، وكم ادخر بركتهم لدنيا وأخرى فحصل من كل منهم شفيعين مؤتزرا وعريانا، كم شكرته أبشار البشر، وكم حك رجل رجل صالح فتحقق هنالك أن السعادة لتلحظ الحجر، قد ميز بخدمة الفضلاء أهله وقبيله، وشكر على ما يعاب به غيره من طول الفتيلة، كم ختم تغسيل رجل بإعطائه براءته يستعملها ويخرج من حمام حار، فاستعملها وخرج فكانت له براءةً وعتقا من النار، كم أوضح فرقا، وغسل درنا مع مشيب فكان الذي أنقى فما أبقى، تتمتع الأجساد بتطييبه لحمامه بظل ممدود وماء مسكوب، وتكاد كثرة ما يخرجه من المياه أن يكون كالرمح أنبوبا على أنبوب، كم له بينة حر على تكثير ماء يزول به الاشتباه، وكم تجعدت فباءت كالسطور في كل حوض فقل هذا كتاب الطهارة باب المياه، كم رأس انشدت موساه حين أخرجت من تلاحق الإنبات خضرا:
ولو أنّ لي في كلّ منبت شعرةٍ ... لسانا يبثّ الشكر كنت مقصّرا
أقول: ليس يخفى ما في هذا الكلام من التورية والاستخدام وحل الأبيات والحديث وغيره، ولولا خوف الإطالة لذكرت ذلك.
وما أحسن قول النصير الحمامي وألطفه:
لي منزلٌ معروفه ... ينهلّ غيثا كالسحب
أقبل ذا العذر به ... وأكرم الجار الجنب
وقوله أيضاً:
وكدّرت حمّامي بغيبتك التي ... تكدّر من لذّاتها كلّ مشرب
فما كان صدر الحوض منشرحا بها ... ولا كان قلب الماء فيها بطيّب
وكتب يستدعي إلى حمامه:
من الرّأي عندي أن تواصل خلوةً ... لها كبدٌ حرى وفيض عيون
تراعي نجوما فيك من حرّ قلبها ... وتبكي بدمعي فارحٍ وحزين
غدا قلبها صبا عليك وأنت إن ... تأخرت أضحى في حياض منون
وللناس في مدح الحمام وذمها أشياء مليحة ليس هذا موضع ذكرها خوف الإطالة.
أمثلة على الألغاز الحسان
ومناقشة الفرق بين اللغز والتعريض
قال: ومما سمعته من الألغاز الحسان التي تجري في المحاورات، ما يحكى عن عمر بن هبيرة وشريك النميري. وذلك أن عمر كان سائرا على برذون له، وإلى جانبه شريك النميري، فتقدمه شريك في المسير فصاح به عمر: اغضض من لجامها. فقال: أصلح الله الأمير، إنها مكتوبة. فتبسم عمر ثم قال له: ويحك لم أرد هذا. فقال له شريك: ولا أنا أردته.
وكان عمر أراد قول جرير:
فغضّ الطرف إنّك من نميرٍ ... فلا كعبا بلغت ولا كلابا
فأجابه شريك بقول الآخر:
لا تأمننّ فزاريا خلوت به ... على قلوصك واكتبها بأسيار
الفرق بين اللغز والتعريض
أقول: ليس هذا وأمثاله من الإلغاز في شيء، لأن اللغز هو أن تذكر شيئاً بصفات يشاركه فيها غيره، فيرجع الذهن في ذلك إلى حيرة لا يدري مصرفها إلى أي متصف منهما بتلك الصفات، لكونها تصدق من جهة وتكذب من أخرى. واشتقاقه من اللغيزي، وهي حفر يحفرها اليربوع تحت الأرض، ويجعلها متشعبة يمنة ويسرة ليخفي أمره على من يقصده، فإذا طلبه في واحد منها خرج من آخر.
ألا ترى أن السامع إذا سمع قول القائل:
جاريةٌ جاءت من الهند ... يحثّها السير إلى القصد
لها بناتٌ لسن من جنسها ... في حدّهم جزن عن الحد
لهم قرونٌ ولها حافرٌ ... وذاك من أغرب ما أُبدي
وأعجب الأشياء أولادها ... يكلّمون الناس في المهد
(1/84)

أخذ يقول في نفسه: في البيت الأول، جارية جاءت من الهند يحثها السير، ما في ذا شيء، فإذا سمع الثاني: لها بنات لسن من جنسها، رجع في الحيرة وفكر وقال: كيف يكن من غير جنس أمهن. فإذا سمع الثالث: لهم قرون ولها حافر، زاد في حيرته وقال: لسن هؤلاء ولا أمهن من الأناسي. فإذا سمع الرابع: يكلمون الناس في المهد، تأكدت حيرته، ثم رجع إلى أنهن من الأناسي لإثبات المهد والكلام، وأخذ يعمل فكرته في موجود متصف بهذه الصفات. فإذا أعيى مال إلى الألفاظ المشتركة، ونزله بقوة فكرته وإصابة حدسه على أن ذلك لا يصدق إلا على الدست الذي للقاصد وريشه وما أحلى ما استعمل هذا الشاعر، السير والحافر والتكليم، وهكذا يكون اللغز.
وحكاية ثعلب رحمه الله مشهورة مع الأعرابي الذي وقف عليه وأنشده ملغزا بيتا بعد بيت وثعلب يقول: هذا كذا، ثم ينتقل في الثاني إلى غير التفسير الأول، حتى إذا فرغ الأعرابي من إنشاده قال ثعلب: هذا قلم.
وإذا ثبت هذا في اللغز، فليس الذي ساقه ابن الأثير من الألغاز، وإنما ذلك من باب التعريض والإشارة، كأن المتكلم بمثل هذا يعرض للمخاطب بما قيل ويشير له إلى واقعة وقعت. وما رأيت من عد مثل هذا لغزا غير ابن الأثير رحمه الله تعالى على أنه قال في المثل في الكناية والتعريض: إنما سمي التعريض بهذا لأن المعنى فيه يفهم من عرض اللفظ، أي: من جانبه، وعرض كل شيء جانبه.
أقول: وكذا واقعة عمر وشريك، كل منهما فهم مقصود صاحبه من عرض كلامه. فإن غض جانب من قول الشاعر:
فغض الطرف ... البيت.
وكذا الكتب جانب من قوله: واكتبها بأسيار. فتعين أن التعريض غير اللغز. وهذا شريك صاحب أجوبة حادة. يقال: إن أهل الكوفة كانوا إذا تمنى منهم أحد شيئاً يقول: أتمنى أن يكون لي فقه أبي حنيفة، وحفظ سفيان وورع مسعر بن كدام وجواب شريك.
ومثل حكاية عمر وشريك، ما ذكره صاحب الأغاني. قال: عرض معاوية على عبد الرحمن بن الحكم خيله، فمر به فرس فقال: كيف تراه؟ قال: هذا سابح. ثم عرض عليه آخر. فقال: وهذا ذو علالة. ثم مر به آخر فقال: وهذا أجش هزيم. فقال له معاوية: أبي تعرض؟! قد علمت ما أردت، إنما عرضت بقول النجاشي:
ونجّى ابن حربٍ سابحٌ ذو علالةٍ ... أجشّ هزيمٌ والرّماح دوان
اخرج فلست تساكنني في بلد.
فانظر إلى كلام معاوية رضي الله عنه كيف صرح بلفظة التعريض في الموضعين.
وقد ساق علماء الأدب من هذا الباب جملة في كتبهم. وأما أبو عبد الله محمد بن السيد البطليوسي فقد ساق واقعة شريك وعمر بن هبيرة هذه في شرح أدب الكاتب، ثم قال بعد الفراغ منها: عرض له ابن هبيرة بقول جرير، وعرض له شريك بقول سالم بن دارة. وساق أمثال هذه الواقعة، وفي الكل يقول: عرض. وهذا صريح من مثل هذا الرجل وهو إمام فيما يقوله وقوله حجة.
وما أحسن قول من قال وما ألطفه:
إسقني خمرةً كرقّة ديني ... أو كعقلي ولا أقول كحالي
خيفةً من توهّم النّاس أني ... قلت هذا في معرضٍ للسّؤال
ومن التعريض قول السراج الوراق يعرض بطلب صابون:
بعثت لك الكتاب وقلّ سعيي ... على رأسي لبابك بالكتاب
وعذري عنك في التأخير أنّي ... تبددت الدّواة على ثيابي
ونقلت من خط السراج الوراق رحمه الله ما صورته: كان أبو الحسين النحوي يجلس عند شرابي، فجاء يوماً فوجد في موضعه قمقم ما ورد. فقال له الشرابي: يا سيدنا نشيل القمقم وتجلس. فقال له: كيف وقد أمرتني بالقيام مرتين بقولك: قمقم؟! واتفق أن أهدى إلي شخص قمقما فأنشدته:
إن كان ذلك قال: قم قم طاردا ... لجليسه بإشارةٍ في القمقم
فأنا الذي قعد الزمان بحظه ... فأتى بذاك له ونادى: قم قم
المبادىء والافتتاحات
قال في النوع الثاني والعشرين في المبادىء والافتتاحات:
(1/85)

ومن الحذاقة في هذا الباب، أن يجعل الدعاء في أول المكاتبات السلطانيات والإخوانيات وغيرهما مضمنا من المعنى ما بني عليه ذلك الكتاب، وهذا شيء انفردت بابتداعه، وتراه كثيراً فيما انشأته. ثم قال: ومن ذلك ما ذكرته في الهناء بمولود وهو: جدد الله مسرات المجلس الفلاني، ورسل صبوح هنائه بغبوقه، وأمتعه بسليله المبشر بطروقه، وأبقاه حتى يستضيء برأيه ويرمي عني فوقه، وسر به أبكار المعالي حتى يخلق أعطافها بخلوقه، وجعله كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه.
أقول: هذا وقد عاب على الصابي وعلى جماعة من الشعراء في الافتتاحات، وادعى هذه الدعوى، ثم أتى بمثل هذا الافتتاح في الهناء بمولود.
وليس في أول سجعة ما يدل على أن الهناء بمولود أو ختان أو عرس أو فتح أو عيد أو برء من مرض أو غير ذلك من أنواع المسار، وإنما دلت على مطلق الهناء.
وأما قوله: وسر به أبكار المعالي حتى تخلق أعطافها بخلوقه، ما أدري ما في هذا من البلاغة.
وكتبت أنا في هناء بمولود: وزان أفق السعادة بنجمه الذي أصبح بازغا، وبلغه في صباه أعلى المفاخر حتى يكون قبل البلوغ لغايات المعالي بالغا، وشغل به السيادة فإن قلبها إلا من هذا البيت لا يزال فارغا.
وكتبت أيضاً: وحفظ على غاب الممالك شبله، وجعله طليعة بشرى لما بعده كما جاء ساقة خير لما قبله، وأهله لأن يكون أمام صفوف الحرب إماما، كما جعل وجهه للحسن جامعا ويده للقبل قبلة.
وكتبت أيضاً: وأقر عينه بهذه القرة، وبلغه نهايات آماله فيه من السعود فإنها مترجمة في هذه الطرة، وجعل الأصيل زعفران هذا الخلوق والشفق عقيقة هذه الدرة.
وقد كتبت جوابا عن كتاب ورد قرين تفاصيل قماش مطاير. فقلت يقبل الباسطة لا زالت جمل جودها مشكورة التفاصيل، وتحف برها المرقومة تعمل لوليه ما يشاء من محاريب وتماثيل، ونقوش هداياها ترمي نفوس العدى بالهلاك من طيورها الأبابيل.
وعلى ذكر الهناء بالولد. فمما جاء في كلام القاضي الفاضل رحمه الله تعالى وهذا الولد المبارك هو الموفي لاثنى عشر ولدا، بل لاثنى عشر نجما متقدا، فقد زاده الله في أنجمه عن أنجم يوسف نجما، ورآهم المولى يقظةً ورأى تلك حلما، ورآهم ساجدين له ورأينا الخلق لهم سجودا، وهو قادر أن يزيد حدود المولى إلى أن يراهم أبا وجدودا.
ومن كلامه أيضاً: ونهي أن الله وله الحمد رزق الملك العزيز عز نصره ولدا مباركا عليا، ذكرا سويا، نقيا تقيا، من ذرية بعضها من بعض، ومن بيت كادت ملوكه تكون ملائكةً في السماء ومماليكه ملوكا في الأرض، في غرة الهلال من جمادى فلهذه الليلة غرتا هلالين، بشرتا بالأنواء صادقتين. وأصدر المملوك هذه الخدمة مبشرا بأن الله تعالى لا يخلي مولانا في كل وقت من زيادة أولاد يمنحها، أو زيادة بلاد يفتحها. فهو في كل يوم مبشر، بما هو له ميسر، والفلك بما نرجوه له جار وله مسمر، فيطلع عليه نجومه نجما نجما، وتستهل سحبه عليه سجما سجما، وقد ورد في الأثر أن الولد ريحان الجنة، فالبيوت الكريمة على هذه بساتين، والأولاد البررة على هذه رياحين، فلا عفا بستاننا، ولا ذوى ريحاننا، وعلا جد بني مولانا الذي هو جدهم وأبوهم وسلطاننا.
وقد ادعى ابن الأثير أنه الذي انفرد بمناسبات المبادىء، وهذا ما زال غالب الناس يراعيه. وقد نص على ذلك ابن خلف في المنثور البهائي قال: ومن ذلك مفتتح كتاب إلى ديوان الخلافة، وساق مقدمة الكتاب، وفي آخرها: وقد يعبر عن الكتاب ونائله، بالسحاب ووابله، فإن صدر عن يد كيد الديوان العزيز فقد وقع التشبيه موقع الصواب، وصدق حينئذ قول القائل، إن البحر عنصر السحاب.
أقول: ليس هذا من التحقيق في شيء، ومن ادعى أن السحاب من البحر، فليس عنده علم بحقيقة ذلك وكيف والبحر ملح أجاج، والقطر المنزل من السحب عذب فرات؟.
وقد فسر قوله تعالى: " وفي السماء رزقُكم وما تُوعدون " أنه السحاب التي تمطر، ولو كان كما زعمه، لقال: وفي البحر رزقكم.
وقال الله تعالى: " الله الذي يُرسِل الرّياح فتُثير سَحابا "، فجعل علة منشأ السحاب إرسال الرياح، ولم يذكر البحر.
وما أحسن قول ابن زيدون:
للشفيع الغناء والحمد في صو ... ب الحيا للرّياح لا للغيوم
(1/86)

إشارةً إلى معنى الآية الكريمة. وإن كان جاء في ذلك نقل يوثق بصدقه، يرد بالتأويل إلى هذا.
وقد قال أبو العلاء المعري:
وقد يجتدى فضل الغمام وإنّما ... من البحر فيما يزعم الناس نجتدي
فاحترز بقوله: فيما يزعم الناس. يعني: في الظاهر. وإن كان الأمر في الباطن بخلاف ذلك.
وما أحسن قول الحسين بن مطير يصف مطرا:
لو كان من لجج السّواحل ماؤه ... لم يبق في لجج السّواحل ماء
وربما كابر بعض الجهال وقال: إن السحاب من البحر ولكن الرياح تقصره فيحلو. ومن هذا قول التهامي:
كالبحر تمطره السّحاب ومالها ... فضلٌ عليه لأنّه من مائه
وما يليق بهذا المكان غير التنبيه على أن المطر ليس من البحر، وأن البحر ليس بعنصر السحاب. وغير ذلك يؤخذ من كتب هذا الفن في الطبيعيات.
وما أحلى قول القاضي الفاضل رحمه الله تعالى: وصل كتابه وقد انقضى الربيع وعهده، وصدر وارده وقوض ورده، فنابت سطوره فأحسنت النيابة، وعرف الناس ما بينه وبين الربيع من القرابة، بل الأخوة فإن أمهما السحابة.
قال: ومن جملة الكتب المشار إليها، مفتتح كتاب كتبته إلى بعض الإخوان، وأرسلته إليه من الموصل ثم ذكر الكتاب.
ولما فرغ منه، بخبخ لنفسه وأثنى، وساق كتبا أخر في معنى الثناء على المراسلات الواردة، ومنها من الحسن بعض إحسان، وإذا قرنتها بكلام الفاصل قلت فتى ولا كمالك ومرعىً ولا كالسعدان.
من المحاسن افتتاح الكتاب بآية أو حديث أو بيت شعر
قال: ومن محاسن هذا الفن، أن يفتتح الكتاب بآية من آيات القرآن، أو بخبر من الأخبار النبوية، أو بيت من الشعر، ثم يبنى الكتاب عليه.
فمن ذلك ما كتبته في ابتداء كتاب يتضمن البشرى بفتح. وهو:
ومن طلب الفتح الجليل فإنّما ... مفاتحه البيض الخفاف الصّوارم
وقد أخذنا بقول هذا الشاعر الحكيم، وجعلنا السيف وسيلة إلى استنتاج الملك العقيم.
أقول: من محاسن ما وجدته من هذا النوع، كتاب كتبه القاضي محيي الدين ابن عبد الظاهر رحمه الله تعالى، جوابا إلى الأمير شمس الدين آقسنقر، عن كتاب ورد منه بفتح بلاد النوبة، استفتحه بعد البسملة بقوله تعالى: " وجعلنا الليل والنَّهار آيتين، فمحونا آيةَ الليل وجعلنا آيةَ النهار مُبصِرة " أدام الله نعمة المجلس، ولا زالت عزائمه مرهوبة، وغنائمه مجلوبة ومجنوبة، وسطاه وخطاه هذه تكف النوب وهذه تكف النوبة، ولا برحت وطأته على الكفار مشتدة، وآماله لإهلاك الأعداء كرماحه ممتدة، ولا عدمت الدولة بيض سيوفه التي ترى بها الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة.
صدرت هذه المكاتبة إلى المجلس تثني على عزائمه التي واتت على كل أمر رشيد، وأتت على كل جبار عنيد، وحكمت بعدل السيف في كل عبد سوء " وما ربُّك بظلاّم لِلعبيد ". حيث شكرت الضمر الجرد وحمدت العيس، واشتبه يوم النصر بأمسه بقيام حروف العلة مقام بعض فأصبح غزو كنيسة سوسن كغزاة سيس.
ونفهه أنا علمنا فضل الله بتطهير البلاد من رجسها وإزاحة العناد، وحسم مادة معظمها الكافر وقد كاد وكاد، وتعجيل عيد النحر بالأضحية بكل كبش حرب يبرك في سواد، وينظر في سواد، ويمشي في سواد. وتحققنا النصر الذي شفى النفوس وأزال البوس، ومحا آية الليل بخير الشموس، وخرب دنقلة بجريمة سوس، وكيف لا يخرب شيء يكون فيه سوس.
(1/87)

فالحمد لله على أن صبحتهم عزائم المجلس بالويل، وعلى أن أولج النهار من السيف منهم في الليل، وعلى أن رد حرب حرابهم إلى نحورهم، وجعل تدميرهم في تدبيرهم، وبين خط السيف الأبيض من الخيط الأسود من فجر فجورهم، وأطلع على مغيبات النصر ذهن المجلس الحاضر، وأورث سليمان الزمان المؤمن ملك داوود الكافر، وقرن النصر بعزم المجلس الأنهض، وأهلك العدو الأسود بميمون طائر النصر الأبيض، وكيف لا وآقسنقر هو الطائر الأبيض. وأقر لأهل الصعيد كل عين، وجمع شملهم فلا يرون من عدوهم بعدها غراب بين، ونصر ذوي السيوف على ذوي الحراب، وسهل صيد ملكهم على يد المجلس وكيف يعسر على السنقر صيد الغراب؟. والشكر لله على إذلال ملكهم الذي لان وهان، وأذاله ببأسه الذي صرح به شر كل منهم في قتاله فأمسى وهو عريان، وإزهاقهم بالألسنة التي غدا طعنها كفم الزق غدا والزق ملآن، ودق أقفيتهم بالسيف الذي أنطق الله بفاله أعجم الطير فقال: دق قفا السودان.
ورعى الله جهاد المجلس الذي قوم هذا الحادث المنآد، ولا عدم الإسلام في هذا الخطب سيف الذي قام خطيبا وكيف لا وقد ألبسه منهم السواد، وشكر له عزمه الذي استبشر به وجه الزمن القطوب، وتحققت بلاد الشمال به صلاح بلاد الجنوب، وأصبحت به سهام الغنائم في كل جهة تسنهم، ومتون الفتوحات تمتطى فتارةً يمتطي السيف كل سيس وتارةً كل أدهم، وحمد شجاعته التي ما وقف لصدمتها السواد الأعظم.
ولله المنة على أن جعل ربوع العدو بعزائم المجلس حصيدا كأن لم تغن بالأمس، وأقام فروض الجهاد بسيوفه المسنونة وأنامله الخمس، وقرن ثباته بتوصيل الطعن لنحور الأعداء ووقت النحر قيد رمح من طلوع الشمس. ونرجو من كرم الله إدراك داوود المطلوب ورده على السيف بعيب هربه والعبد السوء إذا هرب يرد لا محالة بعيب الهروب.
والله يشكر تفصيل مكاتبات المجلس وجملها، وآخر غزواته وأولها، ونزال مرهفاته ونزلها، ويجعله إذا انسلخ نهار سيفه من ليل هذا العدو يعود سالما إلى مستقره والشمس تجري لمستقر لها.
أثبت هذا الكتاب بمجموعه لما فيه من النكت المطربة، والتوريات المغربة. وللقاضي محيي الدين رحمه الله تعالى في هذه الواقعة بيتان، وقيل لابن النقيب. وهما:
يا يوم دنقلةٍ وقتل عبيدها ... في كلّ ناحيةٍ وكلّ مكان
من كلّ نوبيٍّ يقول لأمّه ... نوحي فقد دقوا قفا السّودان
في التخلص والاقتضاب
قال في النوع الثالث والعشرين في التخلص والاقتضاب، وقد أورد قول أبي تمام من جملة أبيات:
لا والذي هو عالمٌ أنّ النوى ... أجلٌ وأنّ أبا الحسين كريم
ثم قال: وهذا خروج من غزل إلى مديح.
أقول: المشهور في هذا البيت أن أبا تمام قاله:
لا والّذي هو عالمٌ أنّ النوى ... صبرٌ ...
وما رأيت من أورده كذا، ولا وقفت عليه في ديوان على كثرة النسخ به إلا وهو مثبت كما ذكرته. وأما أرباب البلاغة، فقد ذكروا البيت وعدوه من العيوب، لأنه لا مناسبة بين الصبر والكرم. ولو قيل: إن الزمان بخيل وأبا الحسين كريم، أو يقول إن النوى صبر وإن الوصال شهد، كان مناسبا. وما ذكره أحد فيما علمت إلا وعده عيباً، وهذا عده من المحاسن ومثل به وغير لفظه. والعدالة غير هذا، وليته أصلحه لما غيره.
ولا بأس بإيراد نبذ مما جاء للشعراء في هذا النوع. من ذلك قول المعري أبي العلاء وقد ذكر النوق:
سألن فقلت مقصدنا سعيدٌ ... فكان اسم الأمير لهنّ فالا
وقول مسلم بن الوليد:
يقول صحبي وقد جدّوا على عجلٍ ... والخيل تستنّ بالرّكبان في اللّجم
أمطلع الشّمس تبغي أن تؤمّ بنا ... فقلت: كلاّ ولكن مطلع الكرم
وقد أخذه أبو تمام أخذا وفلذه فلذا فقال:
أمطلع الشمس تبغي أن تؤمّ بنا ... فقلت: كلاّ ولكن مطلع الجود
وأخذه الغزي أيضاً، وسبكه فلبكه إذ قال:
تقول إذا حثثناها وظلّت ... تناجينا بألسنة الكلال
إلى أُفق الهلال مسير ركبي ... فقلنا: بل إلى أُفق النّوال
وقول علي بن الجهم:
وليلةٍ كحلت بالنقس مقلتها ... ألقت قناع الدّجى في كلّ أُخدود
(1/88)

تكاد تغرقني أمواج ظلمتها ... لولا اقتباسي سنا من وجه داوود
وقول القائد أبي عبد الله السنبسي يمدح سيف الدولة صدقة بن منصور:
ونرجسٍ خضلٍ تحكي نواظره ... أحداق تبرٍ على أجفان كافور
كأنّما نشره في كل باكرةٍ ... مسكٌ تضوّع أو ذكر ابن منصور
وقول ابن سناء الملك:
لا يرجع الكلف المشوق عن الهوى ... أو يرجع الملك العزيز عن النّدى
وقوله أيضاً:
فالوجد لي وحدي دون الورى ... والملك لله وللظّاهر
وقول ابن الساعاتي:
وجدي وان كنت الذّليل ببيضه ... وجد العزيز بكلّ لدنٍ أسمر
وقوله أيضاً:
كم وقفنا فيها مع الغيث مثلي ... ن جفونا وكّافةً وغماما
أثخنته ظبى البروق جراحا ... منهراتٍ سالت عليه ركاما
وكأنّ الغمام نقعٌ وقد جر ... رد فيه الملك المعزّ حساما
وأحسن من هذا كله قول الشيخ شرف الدين عبد العزيز شيخ الشيوخ بحماة من غزل قصيدة يمدح بها النبي صلى الله عليه وسلم:
فمن رأى ذلك الوشاح الص ... ائم صلّى على محمّد
وقول أبي الحسين الجزار يمدح جمال الدين موسى بن يغمور:
جسرت على لثم الشّقيق بخدّها ... ورشف رضابٍ لم أزل منه في سكر
ولست أخاف السّحر من لحظاتها ... لأنّي بموسى قد أمنت من السحر
وقوله أيضاً يمدح فخر القضاة نصر الله بن بصاقة:
وكم ليلةٍ قد بتّها معسرا ولي ... بزخرف آمالي كنوزٌ من اليسر
أقول لقلبي كلما اشتقت للغنى ... إذا جاء نصر الله تبت يد الفقر
وعلى ذكر المخلص، فما أحلى قول السراج الوراق:
لئن خفّ صدري للقوافي ونظمها ... ففي من وظل الجود عني مقلّص
وكم مطلعٍ حبّرته من قصيدةٍ ... يقول عيسى لي أو عسى لك مخلص
وظرف من ذم التخلص في بيت واحد حيث قال:
بينا ذوائب من يحبّ بكفّه ... حتى تعلّق لحية الممدوح
التخلص في القرآن الكريم
قال: وقال أبو العلاء محمد بن غانم المعروف بالغانمي: إن كتاب الله خال من التخلص. إنما هو الخروج من كلام إلى كلام آخر بلطيفة تلائم بين الكلامين، الذي خرج منه، والذي دخل إليه.
حول أمثلة من ذلك أوردها ابن الأثير من القرآن الكريم
ثم قال ابن الأثير: وفي القرآن مواضع كثيرة. من ذلك: وأخذ يورد ما أورده. كقوله تعالى: " واتلُ عليهم نبأَ إبراهيم إذ قال لأبيه وقومِه ما تَعبدون ... " إلى آخر القصة، وغير ذلك.
أقول: الذي ذكره ابن الأثير لا يخرج عما قاله الغانمي؛ فإن القرآن جميعه متعلق بعضه ببعض، كالخروج من الوعظ والتذكير إلى الإنذار أو إلى البشارة، أو إلى أمر أو نهي أو وعد أو وعيد، إلا ما خفي تعلقه في الظاهر. والإمام فخر الدين راعي هذا في تفسيره، وتكلم على علاقة الآية بما بعدها.
وابن الأثير ما فهم كلام الغانمي ولا علم مراده، وهو أنه أراد التخلص الذي اصطلح عليه الشعراء، وهو أن يتخلص الشاعر في البيت الواحد، من غزل أو عتاب أو وصف إلى مديح. ومثل هذا لم أعلم أنه ورد في الآية الواحدة. وأما تعلق الآية بما قبلها، فما شذ من هذا إلا اليسير وذلك في الظاهر، وإلا متى تدبر الإنسان ذلك وتأمله حق التأمل، لم يجده مقطوعا إلا فيما هو معلوم الاقتضاب.
نماذج من التخلص في إنشاء ابن الأثير
قال: وقد جاءني من التخلصات في الكلام المنثور أشياء كثيرة. فمن ذلك ما أوردته في كتاب إلى بعض الإخوان أصف فيه الربيع، ثم خرجت من ذلك إلى ذكر الأشواق. فقلت: وكما أن هذه الأوصاف في شأنها بديعة، فكذلك شوقي في شأنه بديع، غير أنه بحره فصل مصيف وهذا فصل ربيع.
(1/89)

أقول: قد أورد هذا الرجل من تخلصات الشعراء، كأبي تمام وأبي الطيب والبحتري وغيرهم أمثلة وما تنبه للتخلص وحسنه. أترى مثل هذا يعد من التخلصات ولو كان قال: وشقيق شق أكمامه، ورفع أعلامه، وملأ من المدام جامه، وجلا خده الأحمر وفيه من السواد شامه، وأوقد ناره فحكت جمر أشواقي وضرامه، لعد الناس هذا تخلصا. ثم ذكر فصلا آخر في البرد، وادعى أنه تخلص إلى الشوق، وهو من هذه النسبة. ثم ذكر فصلا آخر في الهدية، تخلص منها إلى الشفاعة، وهو من هذا الضرب. ثم ذكر فصلا في ذكر المودة، وتخلص إلى طلب رطب. وهو من هذا القبيل.
التناسب بين المعاني ومناقشة أمثلة من ذلك
قال في النوع الرابع والعشرين في التناسب بين المعاني، بعد أن أورد أمثال قول الشاعر:
ألا يا بن الذين فنوا فماتوا ... أما والله ما ماتوا لتبقى
ومالك فاعلمن فيها مقامٌ ... إذا استكملت آجالا ورزقا
وأنكر عدم المناسبة بين إفراد الرزق وجمع الأجل، وقبحه: كنت أرى هذا الضرب واجبا في الاستعمال، وأنه لا يحسن المحيد عنه، حتى مر بي في القرآن ما يخالفه. كقوله تعالى: " أوَلم يَروا إلى ما خلَق اللهُ مِن شيءٍ يَتفيَّأ ظِلالَه عَن اليَمين والشمائل. وأورد قوله تعالى: " أولئك الذين طبَعَ اللهُ على قُلوبهم وسمْعِهم وأبصارِهم ".
وقوله تعالى: " حتى إذا ما جاؤوها، شَهِد عليهم سمعُهم وأبصارُهم وجلودُهم ".
أقول: لا مرية في قول الشاعر: آجالا ورزقا، أنه معيب معدود في عدم تناسب المعاني، وقد ذكره علماء البلاغة ونصوا عليه. ولو كان قال: أجلا وأرزاقا لكان أهون، فإن الأجل واحد، والرزق متعدد. وصحة الذوق تأبى مثل هذا.
وأما إيراده هذه الآيات، فإنه لم يرد الجمع مع الإفراد إلا لحكمة لم يطلع عليها ابن الأثير. وتلك الحكمة أكبر وأعظم من مراعاة المناسبة.
ويضرب إلى جهة اليسار فهو واحد، فإذا زالت الشمس وعادت إلى جهة الغرب، انعكس الظل وأخذ عن الشمال ثم صار شيئاً ف شيئاً وتعددت زياداته وفرضت النصبة. كذا لاستقبال القبلة وشرف جهتها.
ودع ذا فإن لفظة الشمائل أعذب في الجمع من الإفراد وأحلى، والعرب من عادتها مراعاة خفة الألفاظ وعذوبتها مع عدم تناسب المعاني. وأنت قررت أن من الألفاظ ما يثقل مفردا ويخف جمعا.
وأما السمع في الآيتين الكريمتين فإنما أفرد لأنه مصدر، والمصدر يصدق على القليل والكثير، فإذا اندرج بين جموع كان له حكمها، وإذا اندرج بين مفردات، كان في حكمها.
وعلى الجملة فالمصادر جمعها عيٌ، لأن معنى الكثرة موجود فيها، أو لأنه بتقدير حذف مضاف لم يحسن في غيره، كأنه تعالى قال: وعلى حواشي سمعهم. ولا يستقيم مثله في الأبصار والقلوب.
أما الأبصار، فلأنها غير مطبوع عليها ولكنها مغشاة. وأما القلوب، فلأنها غير محوية فيما له حواش يقع الختم عليها، فكان الطبع على القلوب نفسها لا على حواشيها. ومن هذا قوله تعالى: " وجعل الظُّلماتِ والنُّور " لأن الظلمات من أجرام متكاثفة، والنور من النار. فكذا اليمين والشمائل.
مناقشة ابن الأثير في الاقتصاد والتفريط والإفراط
قال في النوع الخامس والعشرين في الاقتصاد والتفريط والإفراط، عند ذكر التفريط: وأعلم أن للمدح ألفاظا تخصه، وللذم ألفاظا تخصه، وقد تعمق قومٌ في ذلك حتى قالوا: من الأدب أن لا يخاطب الملوك ومن يقاربهم بكاف الخطاب. وهذا غلط باردٌ، فإن الله الذي هو ملك الملوك، قد خوطب بالكاف في أول كتابه العزيز فقيل: " إياك نعبد وإياك نستعين ". وقد ورد أمثال في مواضع من القرآن محصورة.
أقول: استشهاده بهذا ليس مما يرد قول من ذهب إلى أن الأدب في خطاب الملوك ومن قاربهم أن لا يكون بالكاف، لأن هذه فاتحة الكتاب ومما يتلى في كل ركعة، والقرآن الكريم إنما أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم ومن جملة فوائده تنزيه الله عز وجل عن الشريك والولد والزوجة. فلو قيل: إياكم نعبد وإياكم نستعين، لكان فيه إشعار للمشركين والنصارى بما يقولونه من تعدد الآلهة، وكان شبهةً لمدعي ذلك.
(1/90)

وقد وردت رسالة من جزيرة قبرص على يد كليام الفرنجي التاجر في سنة عشرين وسبعمائة تقريبا، ووقفت عليها بمدينة صفد، فوجدت واضعها قد استدل على صحة مذهب النصارى في القول بالثالوث، بأشياء نقلية من القرآن العظيم. بمثل قوله تعالى: " قال ربِّ ارجعون " " وكفى بنا حاسبين ". وبمثل هذه الآيات، وبأشياء أخر يضحك من الاستدلال بها.
ثم أخذ يستدل على الثالوث بقوله تعالى: " قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحق " فذكر ثلاثة، وهذا شيء يضحك منه.
على أن بعض الرافضة، له في القول بصحة الزواج بتسعة دليل من هذا النوع. وهو قوله تعالى: " فانكحوا ما طاب لكم من النّساء مثنى وثلاث ورباع " وقال: هذه العدة مجموعها تسعة، والنبي صلى الله عليه وسلم مات عن تسع نسوة.
وأما هذه الرسالة القبرسية؛ أجاب عنها الشيخ تقي الدين بن تيمية رحمه الله في مجلدين، وعبث بها مدةً وأولع بها.
فإن قلت بمثل قوله تعالى: " ربِّ ارجعون " " وكفى بنا حاسبين " يشكل عليك فيما قررته في الفاتحة، قلت: ثبت لنا في القرآن من غير هذا، وقامت الأدلة على الوحدانية بمثل قوله تعالى: " لو كان فيهما آلهة إلا اللهُ لفسَدتا "، وإذا جاء مثل هذا علمنا أنه المراد به التعظيم. وما أخذ الناس خطاب العظيم بلفظ الجمع إلا من القرآن العظيم.
والعلة في أن المعظم نفسه يقول: نحن فعلنا وأمرنا.. وما أشبه ذلك، هو أنه لا يقول هذا إلا من هو مطاع معظم في قومه، ولا يكون المطاع إلا من له أتباع وخدم يقولون بقوله، ويرجعون إلى ما يقوله. كصاحب المذهب يقول: رأينا، ومذهبنا. أي أنا ومن يقول بهذا القول.
ولهذا، الفقهاء والنظار يقول الواحد منهم: لا نسلم. ويكون واحدا لا غير، والمراد أن هذا أمنعه أنا ومن وافق قولي.
فلما كان المتكلم إذا كان عظيما قال: نحن فعلنا، حمل على ذلك خطابه فقيل له: أنتم فعلتم ليكون ذلك مقابلة لما يقوله.
وأما في هذا العصر، فقد استراح الناس من خطاب الملوك في مكاتباتهم وغير مكاتباتهم من الكاف ومن ضمير الجمع. فإنه لا يقال إلا: المراسم الشريفة، والآراء الشريفة، والصدقات الشريفة، والأبواب الشريفة، إلا ما كان يجل الشرف أن ينعت به مثل: الاسطبل، والمناخ والمطابخ وأشباه ذلك، فإنه ينعت بالسعيدة.
وان كان المتكلم بين يدي السلطان قال: رأس مولانا السلطان خلد الله ملكه وكل شيء يذكره، أضافه إلى هذه الجملة.
المفاضلة بين التسميتين الإرصاد والتوشيح
قال في النوع الثامن والعشرين في الإرصاد: ورأيت أبا هلال العسكري قد سمى هذا النوع: التوشيح. وليس كذلك، بل تسميته بالإرصاد أولى.
أقول: هذا الإرصاد الذي ذهب إلى أنه أليق من التوشيح بالمعنى الذي قرره، مثاله قول البحتري:
أحلّت دمي يوم الفراق وحرّمت ... بلا سببٍ يوم اللقاء كلامي
وليس الذي حلّلته بمحلّلٍ ... وليس الذي حرّمته بحرام
وهو أن الشاعر يأتي بنصف بيت يفهم منه النصف الثاني، أو صدر يفهم منه العجز، أو من البعض يفهم الكل، وهو دليل التمكن وجودة الطبع.
ووجه المناسبة بين هذا المعنى وبين التوشيح، أن ينزل أول الكلام وآخره منزلة العاتق والكشح، وينزل دلالة ما في أوله على آخره منزلة الوشاح الجائل عليهما. وهذا معنى لائق بهذا المسمى، ونفس اللفظ أعذب في السمع من الإرصاد.
قال: وقد سلك قوم في منثور الكلام ومنظومه طرقا خارجةً عن موضوع علم البيان وهي بنجوة عنه، لأنها في واد وعلم البيان في واد.
فممن فعل ذلك الحريري صاحب المقامات، فإنه ذكر تلك الرسالة التي هي كلمة معجمة وكلمة مهملة، والرسالة التي هي حرف من حروف ألفاظها معجم والآخر غير معجم.
ونظم غيره شعرا، آخر كل بيت منه، أول البيت الذي يليه. وكل هذا وإن تضمن مشقةً من الصناعة، فإنه خارج عن باب الفصاحة والبلاغة.
أقول: إن الحريري رحمه الله تعالى لم يأت بما أتى به من هذه الأنواع وادعى أن هذا هو الفصاحة والبلاغة، وإنما أتى بذلك ليستوعب أنواع الأدب، ويبين للأديب ما يلزمه معرفته، وكل ذلك دليل القدرة والتمكن.
ولو أن الحريري فعل ذلك في المقامات كلها لكان غير حسن.
(1/91)

ومثل هذه الأشياء من اللغز والأُحجية والأغاليط، والإتيان بالكلمة المعجمة وبعدها المهملة، وبالحرف المعجم وبعده المهمل، أو صدر بيت كذا وعجزه كذا.. كل ذلك لائق بالمقامات. أما في الترسل والخطب، فإنه يكره ويستثقل. لأن الترسل ليس المراد منه التفقه في الأدب وإنما هو إما لهناء أو عزاء أو شكر أو مدح أو وصف أو استعطاف أو عتب أو شوق أو غير ذلك. ومثل هذه الأشياء لا يليق بها التكلف.
على أنه وإن كان هذه الأنواع في المقامات، فينبغي أن يكون كاللمع اليسيرة، فإنها إذا كثرت سمجت. ألا ترى أن العماد الكاتب رحمه الله تعالى لما جعل كلامه مشحونا بالجناس لا تكاد كلمة تخلو من ذلك، ثقل على الأسماع والقلوب، ولم يكن له خفة كلام القاضي الفاضل على القلوب.
وقد يكون الشاعر مجيدا، فيأتي بنوع من التكلف وليس عليه أثر الكلفة. كقول ابن حمديس:
مزرفن الصدغ يسطو لحظه عبثا ... بالخلق، جذلان أن أشك الهوى ضحكا
لا تعرضنّ لوردٍ فوق وجنته ... فإنما نصبته عينه شركا
فالأول يجمع حروف المعجم كلها على عدم تبين الكلفة عليه.
وكذلك قول القائل:
لبقٌ أقبل فيه هيفٌ ... كلّ ما أملك إن غنّى هبه
فإن كل كلمتين من هذا لا يتغير معناهما بالانعكاس إلا القافية فإنها في نفسها معلومة. وليس عليه أثر الكلفة.
ومثله أيضاً:
أرضٌ خضرا فيها ... أهيف ساكب كاس
وكذا قول القائل:
أرانا الإله ... هلالا أنارا
وكذلك قول القائل:
تقتل تأثم ... تجور تندم
إذا عكس وصحف كان:
مذيب روحي متى نلتقي
ومثله قول القائل:
رفّت شمائل قاتلي ... فلذاك روحي لا تقرّ
ردّ الحبيب جوابه ... فكأنّه في اللفظ درّ
أول كل بيت، عكس الكلمة الأخيرة منه. وليس عليه كلفة.
وأما ابن الأثير، فكأنه يظن أن الأدب عبارة عن الترسل فقط، ولم يعلم أنه جزء منه وإن كان جزءا كبيرا، ونوعا جليلا.
وأقل هذه التكلفات استثقالا ما كان كله مهملا، لا بل لا يعد في شيء من الاستثقال، بل هو خفيف عذب في السمع والقلب. كقول الحريري:
أعدد لحسّادك حدّ السّلاح ... وأورد الآمل ورد السّماح
القصيدة كلها في غاية الحسن.
وقد وجدت للقاضي الفاضل رحمه الله تعالى خطبة وضعها لدخول العام الجديد، وهي طويلة كلها عري عن الإعجام، وهي في غاية الحسن. ولولا خوف الإطالة لأثبتها.
وقد وجدت الوراق الحظيري قد تكلف أشياء من هذه الأنواع، من ذلك بيتان كل كلمة منهما مهموزة. وهما:
بأبي أغيدٌ أذاب فؤادي ... إذ تناءى وأظهر الإعراضا
رشأٌ يألف الجفاء فإن أق ... بل أبدى لآمليه انقباضا
وفي انقباض نظر؛ كاد قول أبي الطيب:
أُمّي أبا الفضل المبرّ أليّتي ... لأُيممنّ أجلّ بحرٍ جوهرا
يكون من هذا اللزوم، وفيه مع تكرار الهمز تكرار الشدات.
ومن ذلك قطعة إذا قرئت لا تتحرك فيها الشفتان. وهي:
ها أنذا عاري الجلد ... أسهرني الذي رقد
آهٍ لعينٍ نظرت ... إلى غزالٍ ذي غيد
أريتني يا ناظري ... صيد الغزال للأسد
إنّ الضّنى لهجره ... يا عاذلي هدّ الجسد
حشا حشاي إذ نأى ... نار الغضا حين شرد
يا غادرا غادرني ... على لظى نارٍ تقد
ألاّ اصطنعت ناحلا ... لا يشتكي إلى أحد
ومن ذلك قطعة، أنصافها الأول معجمة، والثواني مهملة. منها:
بي شغفٌ شبّ بين جنبي ... دواؤه الودّ والوصال
يبثّ بثّي خفيّ غيظٍ ... أحور موعوده محال
زين بشيئين غنج جفنٍ ... وملح دلٍّ له كمال
قال: وعلى هذا الأسلوب ورد قول بعضهم:
وفتىً من مازنٍ ... قد فاق أهل البصره
أمّه معرفةٌ ... وأبوه نكره
وهل يشك في حسن هذا المعنى ولطافته.
(1/92)

أقول: ما أولى هذين البيتين بالشك، وأحق ناظمهما بالصك، أي حسن فيهما وأي لطف، مع هذه الألفاظ المستثقلة في استعماله البصرة بتحريك الصاد، وما فيهما من الزحاف وإن كان جائزا. وهل فيهما غير ذكر المعرفة والنكرة؟ وأي كبير أمر في ذلك!.
ولو شاء كتاب هذا العصر أن يستعملوا أبواب النحو وألقاب الإعراب من أول الفن إلى آخره في أي معنى أرادوا لفعلوه.
أما في النثر، فقد وجدت للقاضي محيي الدين ابن عبد الظاهر رحمه الله تعالى رقعة كتبها شفاعة على يد شخص إلى كبير. وهي: لا زال علم علمه مرفوعا أبدا، وبناء مجده منصوبا بخفض العدى، ولا برحت حروف أقلامه لأفعال الشك جازمة، ووفود السعود عن أعدائه متعدية ولأوليائه لازمة.
وينهى أن فلانا حضر وذكر أن اسمه رخم في غير النداء، وجزم والجزم لا يدخل على الأسماء، واستثني من غير موجب بخفض وليس الخفض من أدوات الاستثناء، وادعى أن العامل الذي دخل عليه منعه من التصرف ولزمه لزوم البناء، ودخل معه في الشرط وأفرده بالجزاء، والمؤثر أيده الله نصب محله على المدح لا على الإغراء، ورفع اسمه المعرى من العوامل على الابتداء ففيه من التمييز والظرف ما يوجب له العطف، ومن العدل والمعرفة ما يمنعه من الصرف. لا زال باب مولانا للعائد والصلة، وحال مكانته شائعة غير منتقلة.
فانظر إلى صناعة هذا المنشئ في هذه الرسالة ما ألطف ما أتى بهذا المصطلح النحوي في معنى الشفاعة والدعاء والثناء على من شفع له من أول كلامه وإلى آخره.
وأما النظم، فإنه قد عبث الشعراء به كثيراً، وهو مشهور. وما أحلى قول البهاء زهير:
لم يقض زيدكم من وصلكم وطره ... ولا قضى ليله في هجركم سحره
تركتم خبري في الهجر مبتدا ... وكلّ معرفةٍ لي في الهوى نكره
وما في البيتين اللذين أوردهما ابن الأثير، غير الكناية عن المذكور أنه ولد زنا لا يعرف أبوه. وما أحسن قول ابن عنين يهجو ابن سيده:
قل لابن سيدةٍ وإن أضحى له ... خولٌ تدلّ بكثرةٍ وخيول
ما أنت إلاّ كالعقاب فأمّها ... معلومةٌ ولها أبٌ مجهول
حول السرقات الشعرية
قال في النوع الثلاثين، في السرقات الشعرية بعدما أورد بيت ابن الخياط:
أغار إذا آنست في الحي أنّةً ... حذارا عليه أن تكون لحبّه
وبيت عمارة:
وهل درى البيت أنّي بعد فرقته ... ما سرت من حرمٍ إلاّ إلى حرم
إن هذين مسروقان من قول المتنبي:
لو قلت للدّنف المشوق فديته ... ممّا به لأغرته بفدائه
ومن قول أبي تمام يمدح بعض الخلفاء وقد حج:
يا من رأى حرما يسعى إلى حرم ... طوبى لمستلم يأتي وملتزم
وأخد في الشناع على أهل الشام ومصر، في كونهم خفي عليهم مثل هذا، وزاد في التعجب.
أقول: إن سبب خفاء السرقة في هذين البيتين وغيرهما، أن الأصل يكون ركيكا غير مستعمل ولا دائرٍ على الألسنة في المكاتبات والمحاورات والأمثال، فيأتي بعض الشعراء إلى ذلك المعنى الخامل، ويبرزه في صورة حسناء، ويسبكه في قالب أرشق وألطف من الأول، فيحلو ويعذب ويتداوله الناس، ويعود الأول نسيا منسيا كأن لم يكن. كما إذا بدا النجم ثم يبدو البدر من بعده، فلا يشتغل البصر بالنجم ويدع البدر.
وما أحسن قول أبي تمام:
أعندك الشمس تزهى في محاسنها ... وأنت منشغل الأحشاء بالقمر
ولا يلتفت في الثاني إلا إلى حسنه من غير بحث عن أصله، وهل هو مسروق أو مبتدع. على أن الأديب لو أنه ما عسى أن يكون من النقل والاطلاع، ليس في إمكانه استخراج كل معنى يمر به من غير روية ولا تتبع لذلك. خصوصا فيما عذب وساغ، وبرز في صورة غير صورته الأولى.
ولا شك أن قول ابن الخياط أعذب من قول المتنبي، ولهذا اشتهر. وكذا قول عمارة أحسن وأرق من قول أبي تمام، ولهذا ساغ واشتهر، واستعمل مثلا على تأخر زمانه، وتقدم زمان أبي تمام. خصوصا عجز بيت عمارة، فإنه ذاع وضاع، وملأ الأفواه والأسماع.
وإذا كان الشيء بالشيء يذكر، فما أحلى قول عبد الحكم بن الخطيب العراقي في رجل وجب عليه القتل، فرماه المستوفي للقصاص بسهم فأصاب كبده فقتله من وقته:
(1/93)

أخرجت من كبد القوس ابنها فغدت ... تئنّ، والأمّ قد تحنو على الولد
وما درت أنّه لما رميت به ... ما سار من كبدٍ إلاّ إلى كبد
وأما الغيرة، فمن أبلغ ما جاء في ذلك قول ابن قلاقس من أبيات:
وابلائي من مخدّرةٍ ... دونها سورٌ وجدران
وأُسودٌ خاف سطوتها ... كلّ ما حازته خفّان
ورقيبٌ لو يلاحظها ... لتثنّى وهو غيران
وقول علي بن عبد الله الجعفري:
ربّما سرّني صدودك عنّي ... في طلابيك وامتناعك منّي
حذرا أن أكون مفتاح غيري ... وإذا ما خلوت كنت التّمنّي
وبالغت حفصة المغربية في قولها:
أغار عليك من غيري ومنّي ... ومنك ومن مكانك والزّمان
ولو أنّي خبأتك في جفوني ... إلى يوم القيامة ما كفاني
وأخذ جمال الدين ابن مطروح بعض هذا وقال:
فلو أمسى على تلفي مصرا ... لقلت: معذّبي بالله زدني
ولا تسمح بوصلك لي فإني ... أغار عليك منك، فكيف منّي
ومنه قول سعد الدين محمد بن عربي:
يا من أغار عليه منّي في الهوى ... فأصدّ عنه وقلبي المشتاق
صن حسن وجهك عن لحاظي إنّ لي ... قلبا يرى ولناظري إطراق
وما أحسن قول شهاب الدين ابن الخيمي:
وعذولٍ رابني في نصحه ... كلّما زدت هوىً زاد لجاجا
ما عذولي قطّ إلا عاشقٌ ... ستر الغيرة بالعذل ودجى
وقد نظمت أنا في معنى قول ابن الخيمي:
تداهى عذولي في الغرام ولم تكن ... مقاصده تخفى على عاشقٍ مثلي
أحبّ حبيبي ثم غار فخاف أن ... أفاتحه فيه فسابق بالعذل
على أن المتنبي في الأصل، أخذ المعنى من العباس بن الأحنف حيث يقول:
لم ألق ذا شجنٍ يبوح بحبه ... إلا حسبتك ذلك المحبوبا
حذرا عليك وإنني بك واثقٌ ... أن لا ينال سواي منك نصيبا
ومن الغيرة قول أبي تمام الطائي:
أغار عليك من قبلي ... وإن أعطيتني أملي
وأشفق أن أرى خدي ... ك نصب مواقع القبل
ومن الغيرة قول القائل:
خلص الهوى لك واصطفتك محبّتي ... حتى أغار عليك من ملكيكا
وأراك تخطر في محاسنك التي ... هي محنتي فأغار منك عليكا
ولو استطعت جرحت لفظك غيرةً ... إنّي أراه مقبّلا شفتيكا
وما ألطف قول عبد المحسن الصّوري، فإنه عكس المقصد لمّا قال:
تعلّقته سكران من خمرة الصبا ... به غفلةٌ عن لوعتي ولهيبي
يشاركني في حبّه كلّ أغيدٍ ... يشاركني في مهجتي بنصيب
فلا تلزموني غيرةً ما ألفتها ... فإنّ حبيبي من أحب حبيبي
الاقتصاد في اللفظ
قال: قال بشار بن برد:
من راقب الناس لم يظفر بحاجته ... وفاز بالطّيّبات الفاتك اللهج
أخذه سلم الخاسر وكان تلميذه فقال:
من راقب الناس مات غمّا ... وفاز باللّذة الجسور
فبين البيتين لفظتان في التأليف..
أقول: ما أنصف سلم الخاسر، وما يقال في هذا: بينهما لفظتان في التأليف إذ اللفظة تصدق على الحرفين، مثل: من وعن وما ... وغير ذلك. بل على الحرف الواحد كباء الجر ولامه، والأحسن في هذا أن يقال: بينهما تسعة أحرف. فإن الأول أربعة وأربعون حرفا، والثاني خمسة وثلاثون حرفا وكذا قول أبي العتاهية:
وإني لمعذورٌ على فرط حبّها ... لأنّ لها وجها يدلّ على عذري
أخذه أبو تمام فقال:
له وجهٌ إذا أبصر ... ته ناجاك عن عذري
الأول أربعة وأربعون حرفا، والثاني ستة وعشرون حرفا، فبينهما ثمانية عشر حرفا. وسلم الخاسر ممن له القدرة على الاختصار. ألا ترى قوله:
أقبلن في رأد الضّحى ... يسترن وجه الشّمس بالشّمس
وقول الآخر:
وإذا الغزالة في السّماء تعرّضت ... وبدا النّهار لوقته يترحّل
أبدت لعين الشّمس عينا مثلها ... تلقى السّماء بمثل ما تستقبل
وكذا قوله أيضاً:
(1/94)

سقتني بعينيها الهوى وسقيتها ... فدبّ دبيب الخمر في كلّ مفصل
وقول عبيد الله من شعراء الحماسة:
شققت القلب ثمّ ذررت فيه ... هواك فليم والتأم الفطور
تغلغل حيث لم يبلغ شرابٌ ... ولا حزنٌ ولم يبلغ سرور
قال: وعلى هذا ورد قول ابن الرومي:
كأني أستدني بك ابن حنيّةٍ ... إذا النّزع أدناه من الصّدر أبعدا
أخذه بعض شعراء الشام وهو ابن قسيم الحموي، فقال
فهو كالسّهم كلّما زدته من ... ك دنوّا بالنّزع زادك بعدا
أقول: وأخذه أيضاً الأرجاني فقال:
فلا تنكروا حقّ المشوق فإننا ... لنا وعليكم أنجم اللّيل تشهد
أرانا سهاما في الهوى ونراكم ... حنايا فما تدنون إلاّ لتبعدوا
وكرره فقال:
قد قوّس القدّ توديعا وقرّبني ... سهما فأبعدني من حيث أدناني
وكرره أيضاً فقال:
كالسّهم راميه يقرّبه ... ولأجل بعدٍ ذلك القرب
وقال:
ما ضمّني يوم الرّحيل هوىً ... بل كان يدنيني ليبعدني
وقال:
والإلف قد عانقني للنّوى ... فالتفّ خدّاي وخدّاه
كأنه رام إلى غايةٍ ... تناول السّهم بيمناه
حتى إذا أدناه من صدره ... أبعده ساعة أدناه
وأخذه كشاجم قبل الأرجاني فقال:
أرى وصالك لا يصفو لآمله ... والهجر يتبعه ركضا على الأثر
كالقوس أقرب سهميها إلى عطفت ... عليه، أبعدها من منزع الوتر
وكرر ابن الرومي هذا المعنى في موضع آخر فقال:
رأيتك بينا أنت جارٌ وصاحبٌ ... إذا بك قد ولّيتنا ثانيا عطفا
وإنّك إذ تحنو حنوّك معقبا ... بعادا لمن بادلته الودّ والعطفا
لكالقوس أحنى ما تكون إذا حنت ... على السّهم أدنى ما تكون له قذفا
وولد ابن باك من هذا معنى آخر فقال:
أصبحت في صولجانه كرةً ... يبعدها قربها من الضّارب
وما أحسن قول ابن المغلس ملغزا فيها:
أراد دنوّها حتّى إذا ما ... دنت منه بكدٍّ أيّ كد
قلاها ثمّ أتبعها بضربٍ ... وبدّل قربها منه ببعد
بين النثر والنظم
قال في تفضيل النثر على النظم في آخر الكتاب: إن الشاعر إذا أراد أن يشرح أمورا متعددة، ذوات معان مختلفة في شعره، واحتاج إلى الإطالة بأن ينظم مائتي بيت أو ثلاثمائة أو أكثر من ذلك، فإنه لا يجيد في الجميع ولا في الكثير منه، بل يجيد في جزء قليل، والكثير من ذلك رديء غير مرضي. والكاتب لا يؤتى من ذلك، بل يطيل في الكتاب الواحد إطالة واسعة تبلغ عشر طبقات من القراطيس أو أكثر، وتكون مشتملة على ثلاثمائة سطر أو أربعمائة أو خمسمائة. وهو مجيد في ذلك كله.
وهذا لا نزاع فيه، لأننا رأيناه وقلناه. وعلى هذا فإني وجدت العجم يفضلون العرب في هذه النكتة المشار إليها. فإن شاعرهم يذكر كتابا مصنفا من أوله إلى آخره شعرا، وهو شرح قصص وأحوال، يكون مع ذلك في غاية الفصاحة والبلاغة في لغة القوم، كما فعل الفردوسي في نظم الكتاب المعروف شاه نامه وهو ستون ألف بيت من الشعر، يشتمل على تاريخ الفرس، وهو قرآن القوم، وقد أجمع فصحاؤهم على أنه ليس في لغتهم أفصح منه، وهذا لا يوجد في اللغة العربية على اتساعها وتشعب فنونها وأغراضها، وعلى أنه لغة العرب بالنسبة اليها كقطرة من بحر.
أقول: قد ختم ابن الأثير رحمه الله تعالى كتابه بهذه النكتة التي مال فيها إلى الشعوبية، وما قال معمر بن المثنى ولا سهل بن هارون، ولا ابن غرسية في رسالته مثل هذا. وقد وجد في أهل اللسان العربي من نظم الكثير أيضاً، وإن عد هو الفردوسي، عددت له مثل ذلك جماعة، منهم من نظم تاريخ المسعودي نظما في غاية الحسن، ومنهم من نظم كتاب كليلة ودمنة في عشرة آلاف بيت ونظمها أبان اللاحقي أيضاً. وأخبرني الشيخ الإمام الحافظ شمس الدين أبو عبد الله محمد الذهبي أن مكي ابن أبي محمد بن محمد بن أبيه الدمشقي عرف بابن الدجاجية، نظم كتاب المهذب قصيدة علي روي الراء سماها البديعة في أحكام الشريعة انتهى. قلت: والمهذب في أربع مجلدات.
(1/95)

وبعض المغاربة امتدح سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في قصيدة عدتها ثمانية عشر ألف بيت. ولابن الهبارية كتاب الصادح والباغم في ألفي بيت، كل بيت منها قصرٌ مشيد، ونكته ما عليها في الحسن مزيد، يشتمل على الحكايات والنوادر والأمثال والحكم، وكلها في غاية الفصاحة والبلاغة ليس فيها لو ولا ليت.
وأما من نظم الألف وما دونه فكثير جدا لا يبلغهم الحصر، وأما الشاطبية وما اشتملت عليه من معرفة القراءات السبع واختلافها، وتلك الرموز التي ظاهرها الغزل وباطنها العلم، فكتاب اشتهر وظهر، وخلب سحره الألباب وبهر، حتى قال القائل فيها:
جلا الرّعينيّ علينا ضحى ... عروسه البكر وياما جلا
لو رامها مبتكرٌ غيره ... قالت قوافيها له الكل: لا
وأما أراجيز النحو والعروض والفقه، كالذي نظم الوجيز ومنظومة الحنفية وغير ذلك من الطب وغيره من العلوم، فكثير جدا، إلى الغاية التي لا يحيط بها الوصف.
وما سمعنا بمن اشتغل من العجم بالعربية إلا وفضل اللغة العربية، برهان هذه الدعوى أن أبا علي الفارسي، وبندار، وأبا حاتم والزمخشري وغيره هؤلاء، لما اشتغلوا بالعربية وذاقوا حلاوتها، هاموا بها وكلفوا بمحاسنها، وأفنوا الليالي والأيام في تحصيلها، وأنفقوا مدة العمر في تأليفها وتدوينها وتتبع محاسنها وقواعد أقيستها وغرائب فنونها، ومن المستحيل أن يكون هؤلاء القوم اجتهدوا هذا الاجتهاد في العربية وأفنوا مدة العمر وهي ما لا يخلف في شيء هو دون غيره. والأولى بهم وبكل عاقل الاشتغال بالأحسن والأفصح والأبلغ والأحكم، ولو علم هؤلاء القوم أن اللغة الأعجمية لها أفعل التفضيل، ما عرجوا على العربية إلا ريثما عرفوها، ثم عاجوا إلى لغتهم.
ومن الكلم النوابغ للزمخشري: فرقك بين الرطب والعجم، فرق بين العرب والعجم.
ومنها: العرب نبعٌ صلب المعاجم، والغرب مثلٌ للأعاجم.
فانظر إلى الزمخشري كيف جعل العرب رطبا والعجم عجما. والعجم بتحريك الجيم هو النوى. وكيف جعل العرب مثل شجر النبع، وهو صلب تتخذ منه القسي، وجعل العجم مثل شجر الغرب، وهو خوار.
قال المتنبي:
فلا تنلك الليالي إنّ أيديها ... إذا ضربن كسرن النبع بالغرب
فإن قلت: ما كان علماء العربية من العجم عالمين باللغة العجمية كما ينبغي، قلت: أليس أنهم كانوا يعرفون العجمية، ثم أنهم تمهروا في العربية وبالغوا في إتقانها. ومن وصل في لغة من اللغات إلى ما وصل إليه أبو علي والزمخشري وغيرهما من معرفة الاشتقاق الأكبر والأصغر والأبنية والتصريف، في الاسم والفعل الماضي والمضارع والأمر واسم الفاعل والمفعول وصارت له تلك الملكة، كان عنده من الأهلية أن ينظر في كل لغة عرف لسانها، وأن يستخرج قواعدها ويتبع أصولها، فيقع على غرائب حكمها ومحاسن قواعدها، لاشتباك العلوم بعضها ببعض، واجتماع شملها في الغاية التي أوجبت وضعها. ولا يضع اللغة إلا حكيم.
ألا ترى أن بعض النحاة رتب اللغة التركية على القواعد النحوية، وميز الاسم من الفعل، والماضي من المضارع من الأمر، وضمير المتكلم من المخاطب من الغائب، والجمع من الإفراد، وعلامة الجمع، والمضاف من المضاف إليه إلى غير ذلك، وهذا أمر غير خاف.
وأما قوله: إن كتاب شاهنامة ستون ألف بيت، كلها في غاية الحسن من الفصاحة والبلاغة، وما فيها ما يعاب، فإن هذه الدعوى لا تسمع مجردةً عن البرهان الذي يؤيدها.
ومن يأتي بستين ألف كلمة، أو بستة آلاف كلمة تكون في غاية الفصاحة في الألفاظ، والبلاغة في المعنى حتى إنها لا تعاب بوجه؟! هذا ليس في قوى البشر في لغة من اللغات.
سلمنا أن ذلك ما يعاب في تلك اللغة، فمن أين لك أن جيد شعر العجم في طبقة جودة شعر العرب. كما تقول: القمر أشد نورا من النجوم، والشمس أشد نورا من النجوم، فالشمس والقمر اشتركا في الفضيلة على النجوم، ولكنهما في نفسيهما لا يستويان مثلا.
وكلٌّ له فضله والحجو ... ل يوم التفاضل دون الغرر
(1/96)

فهل جيد العجم مثل جيد العرب. كوصف امرئ القيس في الخيل، والنابغة في الاعتذار، وزهير في المدائح، والأعشى في الخمر؟ أو كجيد جرير والفرزدق والأخطل وبشار بن برد ومسلم بن الوليد وأبي نواس وديك الجن والحسين بن الضحاك والمتنبي وأبي تمام والبحتري وابن الرومي وابن المعتز وأبي فراس وغيرهم وإلى هذا العصر، وما بين ذلك من الشعراء الذين تغرق قطرات العجم في لججهم، حتى إنه يقول: إن ذلك كله جيد لا يعاب. هل يستويان مثلا في الجودة من حيث هي:
ألم تر أنّ السيف ينقص قيمةً ... إذا قلت إنّ السيف أمضى من العصا
وإنما قلّ الجيّد في الشعر، لأن البلغاء وعلماء الأدب انتقوا الجيد العالي الذي يكون نهاية في الفصاحة والبلاغة، وجعلوه أنموذجا ومثالا يحذى، على ما قرروه بقوة فكرهم وصحة انتقادهم. فكان ذلك الجيد في الطبقة العليا. ولا جرم أن الساقط من الشعر أكثر من العالي عند أئمة البلاغة، وإلا فعلى الحقيقة، الذي يعده أرباب البلاغة من ساقط الشعر يكون جيدا عند غيرهم غير معيب، إلا ما هو ساقط إلى الغاية. وهذه النكتة هي العلة في قلة الجيد من الشعر.
ومن أين في شعر العجم ما في شعر العرب من المجاز والاستعارة والكناية والتشبيه والتورية والاستخدام والجناس، على اختلاف كل نوع من هذه الأنواع وتشعب أقسامه. إلى غير ذلك من أنواع البديع وهو ما يقارب المائة نوع. هيهات ما بينهما صيغة أفعل.
وذكر الحصري في زهر الآداب أن أعرابيا قال لشاعر من أهل الفرس: الشعر للعرب، وكل من يقول الشعر منكم، فإنما نزا على أمه رجل منا. انتهى.
وقد أنصف ابن خلف في قوله: وللعرب بيت وديوان، وللعجم قصر وإيوان وأما دعواه أن الشاعر لا يحسن في الأكثر، فالعذر في ذلك ظاهر. لأنه في ضائقتين شديدتين إلى الغاية. وهما: الوزن، ولزوم الروي الواحد. والناثر غير مضطر إلى شيء منهما، بل هو مخلىً ونفسه، إن شاء أتى بسجعتين على حرف واحد، وإن شاء على أكثر، وإن شاء أتى بالسجعة على عشرين كلمة، أو على أقل إلى كلمتين. ولو أتى الكاتب برسالة مطولة على حرف واحد في سجعه، وعدد مخصوص من كلمات السجع، لكان حاله حال الشاعر، بل كان كلامه أسمج وأثقل على الأسماع والقلوب، لأن الشعر يروجه الوزن، ولا كذلك النثر. فحينئذ لا يصلح هذا أن يكون فضيلة في النثر على النظم.
وكيف ولم يزل للشعر ماءٌ ... يرفّ عليه ريحان القلوب
وليكن ها هنا آخر ما أردته من الكلام على المثل السائر وقد سامحته في كثير سقطه فيه ظاهر.
على أنني لا أنكر ما له فيه من الإحسان، والنكت التي هي لعين هذا الفن إنسان فإنه لم يأل جهدا في التوقيف الذي وقفه، ولم يقصر في التثقيف الذي ثقفه.
وقد نبه على محزات هذا الفن، وأشار إلى اقتناص ما شرد منه وما عن. وإذا اتفق للكاتب أو الشاعر مراجعة المثل السائر والفلك الدائر وهذه الأوراق، فلا مرية في أن ذلك يفيده فوائد جمة، ويتنبه لموارد الخطأ فيجتنبها، ويتيقظ لمواقع الحسن فينتجعها.
وقد أهديتها لك وهي عندي ... على الأيام من أزكى الهدايا
ولله الحمد أولا وآخرا، والصلاة على سيدنا محمد وآله وصحبه الطيبين الطاهرين والسلام.
(1/97)