Advertisement

نضرة الإغريض في نصرة القريض



الكتاب: نضرة الإغريض في نصرة القريض
المؤلف: المظفر بن الفضل بن يحيى، أبو علي، العلوي الحسيني العراقي (المتوفى: 656هـ)
[الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع] المظفّر بن الفضل العلوي
الحمد لله الباهرةِ آياتُه، القاهرةِ سَطواتُه، القديمِ إحسانُه، العظيمِ سلطانُه، السابغةِ مواهبُه، السايغةِ مشاربُه، الواسعِ جودُه، القامعِ وعيدُه، الجزيلِ حباؤُه، الجميلِ بلاؤُه، الجليلِ ثوابُه، الوبيلِ عقابُه، العزيزِ كتابُه، الوجيزِ حسابُه، لا تُحيطُ به المشاهِدُ، ولا يُدرِكُه المُشاهدُ، ولا تحجبُه الحواجز، ولا يوصَفُ بأنه عاجز. أرسلَ محمداً نبيَّهُ، وصفوَته وصفيَّه، صادِعاً بالحق، وصادِقاً في النطق، وموضِحاً جَدَدَ الطرق وناصحاً لجميع الخَلْق. فقام َ وأعلامُ الهُدى دارسةٌ، ومعالمُ التُقى طامِسة، والجهالةُ جائلة، والضلالةُ شاملة، فصدَعَ بما أُمِر، وصدّ عمّا أُنكِر، وهَدى الى الرّشاد، وهدّ ما أسّس الكُفْرُ وشاد. صلّى الله عليه وعلى آله مصابيح الظُّلَم، ومفاتيح النِّعَم، وشآبيب الحِكَم، وجلابيبِ الكَرَم، وعلى أصحابه المُنْتَجبين، وأحزابِه المُنتَخَبين، صلاةً دائمةً الى يومِ الدين. وبعد: فإني كنتُ بعضَ الأيام بمجلس مولانا صدر صدورِ الأنام، ملِكِ وزراء الشرقِ والغربِ، النافذةِ أوامرُه في البُعدِ والقُربِ، مؤيّد الدين رضيّ أميرِ المؤمنين أبي طالب محمّد بن أحمد أيّدَ اللهُ دولتَه، وأيّد كلمتَهُ، فلقد سجَدَتْ لآدابِه جباهُ المناقبِ وقبّلت أخامِصَ هِمَمِهِ شفاهُ النجومِ الثواقب.
هِمَمٌ مُحلِّقةٌ على هامِ السُّها ... طلباً لمركزِ عُنْصُرٍ ونِجارِ
ولكلِّ شيءٍ عُنْصُرٌ يأوي الى ... غاياتِ مركزِهِ بغيرِ نِفارِ
فأدبُه يُفرِجُ عن الفَقْر من أسْرِ الأفكارِ، ومواهبُه تسْتَخرجُ الدُّررَ من سُررِ البحارِ، وأسواق الفضائلِ لديه قائمةٌ على سوقها، وأيْنُقُ الفواضل من بين يديهِ تساقُ بوسوقِها، وغَلْوةُ خاطرِهِ لا تصل إليها غاياتُ الطّوق، وإذا قيسَ به سواهُ قيلَ: شبَّ عمروٌ عن الطّوْق، دارُه بأرَجِ الأدبِ دارِين، ومحلُه بحلولِ البركةِ قَمين.
دارٌ تَسيلُ بها سُيولُ فضائلٍ ... وفواضِلٍ لمُسائلِ أو سائلِ
فالعُذْرُ مقبوضٌ بها عن آمِلٍ ... والعِلْمُ مبسوطٌ بها للجاهِلِ
وقد جرى حديثُ الشِّعر وصِفاتِه، وتولُّجِ أبوابه وقَدْحِ صَفاتِه، وما يجوزُ فيه ويمتنعُ منه، وذِكرُ الفضيلةِ التي مُدِحَ بها والرذيلةِ التي ذُمَّ بسببِها، والبحثُ عن منافِعِه ومضاره، ونقائه وأوضاره، وهل تَعاطيهِ أصلحُ، أم تركُهُ أوفرُ وأرجَحُ. فكلٌّ من الحاضرين أتى بأغربِ ما سمعه، وأعجبِ ما ابتدعَهُ، وأطرفِ ما فَهمَهُ، وألطفِ ما علِمَهُ، فكان مع الإعذار فيه أخا تعذيرٍ، وبعد الإسهاب رَذيَّ رُزوحٍ وتَقصير.
فأمرَ مولانا، وأمرُه مُطاعٌ، وخلافُه لا يُستطاع، أن أُثْبِتَ له في ذلكَ أوراقاً، واستمطِرَ من سُحُبِ خواطرِ المتقدمين أرواقاً، ولا أحْوِجَ فيه الى الاسترشادِ بغيرِه، ولا الى الاستضاءةِ بسواه. فبادرتُ الى اتّباعِ مُرادِهِ، وانتجاعِ مَرادِه، " ولو شاءَ لكان زَنْدُهُ إذا استقدحَهُ وَرَى، والصيدُ كلُّ الصيد في جوْفِ الفَرا ".
وقدأجَبْتُ عن ذلك في خمسةِ فصولٍ، عاريةٍ من الهذَرِ والفضولِ، مائلاً الى الاختصار، وقائلاً بالاقتصار. فإن الاستيعابَ لما وردَ فيهِ، وصُنِّفَ في معانيه، يحتاجُ الى تأليفِ كُتُبٍ عدّة، وفراغٍ له في طويلٍ من المدّة، والوقتُ عن ذلك يَضيق، والعلائقُ عنه تصُدُّ وتَعوق.
وأُقسِمُ لوْ شيءٌ أتانا رَسولُهُ ... سواكَ، ولكنْ لم نَجِدْ عنكَ مَدْفَعا
وقد وَسمنا هذا الكتاب بنَضرةِ الإغريضِ في نُصْرةِ القَريض إذ أصَّلناهُ على الانتصار للشعرِ والشُّعراء، ونصّلناهُ لمناضلةِ المُناظرِ والنُّظَراء، ونرجو من الله تعالى أن نوردَ في فصولِه، ونُرْهِفَ من نصوله، ما يَكونُ للغلّةِ ناقِعاً، وللعلّةِ نافعاً، وللحاسرِ من الأدبِ مُقَنِّعاً، وللناظرِ في معانيهِ مُقْنِعاً، وإن كان ذُروةً قد فُرِعَتْ، وعُذْرةً قد افتُرعَتْ، فنحن بعونِ القديمِ جلّ جلالُه نجتهدُ أن لا نُقَصِّرَ في ذلك الرهانِ، ولا نُسْتَصْغَرَ عن مواقفِ تلكَ الفُرسان، ومنه سبحانُه وتعالى نستمدُّ التوفيق ونَسْتَدُّ الطريق، وهو حسْبُنا ونعم الوكيل.
الفصل الأول: في وصفِ الشعرِ وأحكامِه، وبيانِ أحوالهِ وأقسامِهِ.
(1/1)

الفصل الثاني: فيما يجوز للشاعرِ استعمالُه وما لا يجوزُ، وما يدرَكُ به صوابُ القوْلِ ويجوزُ.
الفصل الثالث: في فضلِ الشعرِ ومنافعِهِ، وتأثيرهِ في القلوبِ ومواقعِهِ.
الفصل الرابع: في كشْفِ ما مُدِحَ به، وذُمَّ بسببهِ، وهل تعاطيهِ أصلح، أم رفضُه أوفرُ وأرجح.
الفصل الخامس: فيما يجبُ أن يتوخّاه الشاعِرُ ويتجنّبه ويطّرِحه ويتطلبَه.
الفصل الأول
في وصف الشعر وأحكامه
وبيان أحواله وأقسامه
أوّل ما أبدأ به في هذا الفصلِ فأقولُ إنّ اشتقاقَ لفظةِ الشِّعرِ من العلمِ والإدراكِ والفطنةِ تقول: ليْتَ شِعْري هلْ أصابَ صوْبُ السماءِ منازِلَ أسماءَ، أي ليت علمي. قال الشاعر - أنشده ابنُ الأعرابي:
يا ليْتَ شِعْري والمُنى لا تَنْفَعُ ... هلْ أغْدونْ يوْماً وأمري مُجْمَعُ
وتحتَ رَحْلي زَفَيانٌ مَيْلَعُ ... حرْفٌ إذا ما زُجِرَتْ تبَوَّعُ
كأنّها نائحةٌ تفجَّعُ ... تبْكي لمَيْتٍ وسواها الموَجعُ
زَفَيان: ناقةٌ تَزيفُ في مَشيِها، وميلعٌ: سريعةٌ ناجية.
وسُمّي الشاعرُ شاعراً لعلمه وفطنتِهِ.
وأما كونُهم سمّوا الشعرَ قريضاً فلأنّ اشتقاقه من القَرْضِ وهو القطْعُ لأنه يُقْرَضُ من الكلامِ قرْضاً، أي يقطعُ منه قَطْعاً كما يُقْرَضُ الشيءُ بالمِقْراض. قال الله تعالى: " وإذا غَرَبَتْ تَقرِضُهُمْ ذاتَ الشِّمال " أي تجوزُهُم وتَدَعُهُم على أحدِ الجانبين. قال عبد العزيز بن حاتم بن النعمان ابن الأحمر، وكان يهاجي الفرزدق:
أنفي قَذَى الشِّعرِ عنهُ حينَ أقْرُضُه ... فما بِشعْريَ من عيْبٍ ولا ذامِ
كأنّما أصْطَفي شِعري وأغرِفُه ... من مَوْجِ بحْرٍ غزيرٍ زاخرٍ طامِ
منهُ غرائِبُ أمثالٍ مُشهَّرةٍ ... ملمومةٍ، إنها رَصْفي وإحكامي
وأما القصيدُ، وهو جمْعُ قصيدةٍ مثل سَفين جمع سَفينة، فإنما اشتُقّتْ لفظتها من القِصْدَة وهي القِطْعة من الشيء إذا تكسّرَ كأنها قِطعةٌ من الكلام. ومن ذلك رُمْحٌ قِصَدٌ وقد تقصّدَ إذا صار قِطَعاً. قال المُسيَّبُ بنُ عَلَس:
فَلأُهدِيَنّ مع الرِّياحِ قصيدةً ... مني مُغلْغَلَةً الى القَعْقاعِ
ترِدُ المياهَ فلا تزالُ غريبةً ... في القَوْمِ بين تمثُّلٍ وسَماعِ
وأما تسميتُهُم القصيدةَ قافيةً فلأن القافيةَ تقفو البيتَ أي تتبعُهُ وسمّوا الجميعَ باسم واحدٍ إيجازاً واختصاراً كما سمّوا القصيدةَ بجملتها كلمةً، والكلمةُ اللفظةُ الواحدة، ميلاً الى اختصار الكلام وإخلاداً الى ما يدلُ فيه على التمام. قالت الخنساء:
وقافيةٍ مثل حدِّ السِّنانِ ... تبْقَى ويهلِكُ مَنْ قالَها
نطقتَ ابنَ عمروٍ فسهّلْتَها ... ولمْ ينْطِقِ الناسُ أمْثالَها
وأقول: إنّ الشعرَ عبارةٌ عن ألفاظٍ منظومة تدلُّ على معانٍ مفهومة، وإن شئتَ قلت: الشعرُ عبارةٌ عن ألفاظ منضودة، تدلُ على معانٍ مقصودة. فإذا قيسَ به النثرُ كان أبرعَ منه مطالِعَ، وأنْصَعَ مقاطع، وأجرى عِناناً، وأفصحَ لساناً، وأشردَ مثلاً، وأعضدَ مُنْصُلاً، وأسدَّ سِهاماً، وأشدَّ خِصاماً، وأنْوَرَ نجْماً، وأزهر نَجْماً، وأبقَى مياسِمَ، وأنْقَى مباسِمَ، وأذكى مناسِمَ، وأزكى معالِمَ، وأرشقَ في الأسماع، وأعلَقَ بالطِّباع.
وقال الأصمعي: الشعرُ ما قَلّ لفظُهُ، وسهُلَ ودَقّ معناه ولَطُفَ، والذي إذا سمعْتَهُ ظننْتَ أنك تنالُه، فإذا حاولته وَجدتَه بعيداً، وما عدا ذلك فهو كلامٌ منظومٌ. وقال بعض البُلغاء: الشِّعرُ عبارةٌ عن مثَلٍ سائرٍ وتشبيه نادرٍ واستعارةٍ بلفظٍ فاخر.
وروى لي الغزنويّ عن هبةِ الله المعروفِ بابنِ الشجريّ قال: حدّثني أبو زكريا التبريزي قال: كنتُ أسألُ المعرّي عن شعرٍ أقرؤُه عليه فيقول لي: هذا نظمٌ جيّدٌ. فإذا مرّ به بيتٌ جيدٌ قال يا أبا زكريا هذا هو الشِّعر.
وأما الشِّعرُ فيحتاجُ الى آلات، وفيه ألقابٌ وله صفات. ونحن نذكرُ ذلك مجملاً، ونشرحُه مفَصَّلاً، ولا نقصدُ فيه الترتيب، إذ تقديمُ فصلٍ على فصلٍ غير مفتقر الى التهذيب.
في الشعر:
(1/2)

1 - النحو 2 - والبلاغة 3 - والفصاحة 4 - والحقيقة والمجاز 5 - والصنعة والمصنوع 6 - وإقامة الوزن 7 - والقوافي 8 - والألقاب وهي أ - الإشارة ب - والكناية وتسمى التتبيع، 9 - والموازنة وهي المماثلة 10 - والتجنيس، ومنه المحض والمطلق وهو تجنيس اللفظ، والمغاير والمقارب، وتجنيس المعنى، والمُطْمِع والمُبْدَل والمُختلِف، وتجنيس الخط ويسمّى التصحيف، وتجنيس البعض، والمُتَمَّم، وتجنيس القوافي، والمماثِل وفيه 11 - الطباق 12 - والتصدير وهو ردُّ أعجازِ الكلامِ على صُدورِه 13 - والالتفات 14 - والاستطراد 15 - والتقسيم 16 - والتسهيم 17 - والترصيع ويسمى التفويف 18 - والترديد 19 - والمقابلة 20 - والاستثناء 21 - والإيغال ويسمى التبليغ 22 - والاستعارة 23 - والتشبيه 24 - والحشو السديد في المعنى المفيد 25 - والمتابعة 26 - والمَخْلَص 27 - والتضمينُ وهو التسميطُ والتوشيح 28 - وتجاهلُ العارف 29 - والمماتنة وهي الإنفادُ والإجازة 30 - والسرقةُ وأقسامُها المحمودَةُ والمذمومة 31 - والنقدُ. وغير ذلك مما سنُبيِّنُهُ ونوضِحُهُ، ونعيّنُه ونشرحُه على سبيل الاختصار دونَ الإكثارِ، لافتقارِ الإسهاب الى زمانٍ طويلٍ وعُمْرٍ مديد وقوْل بسيطٍ واللهُ الموفقُ لجَدَد الهدايةِ بمشيئتِه وكرَمِه.
1 - فأما النّحو فإنه من شرائطِ المتكلمِ سواءً كان ناظماً أو ناثراً، أو خطيباً أو شاعراً، ولا يمكن أن يَستغنيَ عنه إلا الأخرسُ الذي لا يُفصِحُ بحرفٍ واحد. وكان بعضُ البُلغاء يقول: إني لأجدُ للّحنِ في فمي سُهوكةً كسُهوكةِ اللحمِ. وقال صلى الله عليه وسلم: " رحم الله امرءاً أصلحَ من لسانه " وهذا حَثٌ على تقويم اللِّسان وتأدُّبِ الإنسان. وقال عليٌ رضيَ اللهُ عنه: تعلموا النحو فإنّ بني إسرائيل كفروا بحرفٍ واحدٍ كان في الإنجيل الكريمِ مسطوراً وهو: أنا ولّدتُ عيسى بتشديد اللام، فخففوه فكفروا. وما قد ورد في الحث على تعلُّمِ النحوِ وفي شرَفِ فضيلتهِ وجلالةِ صناعتِه، لو تعاطينا حكايتَهُ لاحتجنا فيه الى كتابٍ مفردٍ، إذْ بمعرفتِهِ يُعْقَلُ عن اللهِ عزّ وجل كتابُهُ وما استوعاهُ من حكمتِهِ، واستودَعَه من آياتِهِ المُبينةِ، وحُجَجِهِ المنيرةِ، وقرآنِهِ الواضحِ ومواعظِهِ الشافيةِ، وبهِ يُفهم عن النبي صلى الله عليه وسلم آثارُهُ المؤديةُ لأمرِهِ ونهيهِ وشرائعِه وسُنَنِه، وبه يتسعُ المرءُ في منطقِه، فإذا قالَ أفصَحَ وإذا احتجّ أوضحَ، وإذا كتبَ أبلغَ وإذا خطب أعجبَ.
(1/3)

ومعنى النحو انتحاءُ سمْتِ كلامِ العربِ في تصرفِهِ من إعرابٍ وتثنية وجمْع وتكسيرٍ وتحقير وإضافة ونسبٍ وغير ذلك. وهو في الأصل مصدرٌ شائعٌ من قولكَ نحوتُ نحْواً، أي قصدتُ قصداً، ثم خُصّ به انتحاءُ هذا النوعِ من العِلْمِ فصار كالمقصور عليهِ دونَ غيرِهِ كما أنّ الفِقْهَ في الأصل مصدرُ فَقِهْتُ الشيءَ أي عرفتُهُ. ثم خُصّ به علم الشّريعة من التحليل والتحريم، وكما أن بيتَ اللهِ خُصّ به الكعبةُ وإنْ كانت البيوت كلها لله تعالى. ونظائرُ ما كان شائعاً ثم قُصِرَ في جنسِه على أحد أنواعِهِ كثيرةٌ. وحُكِيَ عن أعرابيٍّ أنّه قالَ إنك لتَنظُرون في نُحُوٍّ كثيرةٍ فشبّهها بعُتُوٍّ وهو قليلٌ في كلامِهم. والوجهُ في مثلِ هذه الواو، إذا جاءتْ في جَمع، الياءُ كقولهم في جمْع حَقْوٍ حُقِيٌّ. وأول من نطَق بالنحوِ عليٌ رضي الله تعالى عنه والحكايةُ في ذلك معروفة، ولمّا وضحَ بمثالِه المنْهَج، واتّضحَ بمقالِه المستقيمُ والأعوجُ، تشعّبتِ السبلُ فيه، واتّسعتِ العِللُ في معانيه. والأصل ثلاثُ كلِمات: اسمٌ وخبرٌ وأداةٌ تدلُّ على معنى. فالاسمُ كلُّ موصوفٍ من الخَلْقِ. والخلقُ ثلاثةُ أشياءٍ: إما جسمٌ أو لونٌ أو فِعْلٌ. وأما الخبَرُ فكلُّ ما أثْبَتَ مجهولاً أو أقامَ وصفاً من اسمٍ أو غيره. إلا أن الكلمة التي خَصَصناها به الكلمةُ التي لا يقعُ لفظُها إلا خبراً، وهيَ كلُّ كلمةٍ دلّتْ على حدوث حركةٍ مؤقتة، من نحو قولِك فعَلَ ويفعَل، أو فُعِلَ أو يُفْعَلُ. وأما ما كان يقع مرة خبراً ومرة مُخبَراً عنه، فكرهنا أن نُسمّيهُ خبراً إذ لم تدُم حالُه. وأما الأداةُ فكل ما عَدا أن يكون اسْماً أو خَبراً. وهي كلمةٌ لا تقعُ وصْفاً ولا موصوفاً. والكلمة التي سمّيناها خبراً هي في تسمية النّحويينَ فعلٌ وذلك خطأ. لأن قولك فَعَل أو يفعَلُ أو فُعِلَ أو يفْعَلُ إنما هو إخبار بحدوثِ الفِعل ووقوعِه، والإخبارُ بحدوثِ الشيء خلاف الشيء، ولو كان فَعَلَ أو يَفْعَلُ فِعْلاً، لأمكنك أن تصِفَه فتحمدَه أو تذُمَّه كقولِكَ نِعْمَ الفِعْلُ آمَنَ وأصلح، وبِئسَ الفِعْلُ كفَرَ وأفسدَ. فهذه جملةُ تفسيرِ الكلمِ الثلاث التي حصَرَ بها عليٌ رضيَ اللهُ عنه الألفاظَ وجمعَ بها المعاني، ولكلّ ضَرْبٍ من هذه الثلاثةِ الأضربِ، ضروبٌ مختلفةٌ وشُعَبٌ متفرقةٌ ومعانٍ متباينةٌ قد فرغَ منها النحويونَ في كتبهِم. وما أورده فعليهِ اعتراضاتٌ قد أجابَ عنها أبو علي علي عللِ المنطقِ ولكلامهِ حكَيْتُ، وعنه رَوَيْتُ.
والشعرُ فلا يسلمُ أديمُهُ من النَّفَلِ، ولا يصِحُّ مريضُهُ من العللِ إلا بمعرفة النحو وامتدادِ الباعِ فيه، والوقوفِ على غامضِهِ وخافيهِ، كما قال المُحْدَث:
وإذا أردتَ من العلومِ أجلَّها ... فأجلُّها منها مُقيمُ الألْسُنِ
وفي هذه النُّبذَةِ كفاية.
(1/4)

2 - وأما البلاغةُ فهي الفصاحة. يُقالُ بلُغَ الرّجلُ بضم اللامِ فهو بليغٌ، ولا فرقَ بين البلاغة والبيان إلا في اللّفظِ. وسُئِلَ بعضُهم عن البلاغة فقال: كلامٌ وجيزٌ معناهُ الى قلبكَ أقربُ من لفظِه الى سَمْعِك. وقال جعفر بن محمد الصادق رضيَ اللهُ عنه: إنما سُمِّي البليغُ بليغاً لأنه يبلُغُ حاجَتَهُ بأهونِ سعيهِ. وقال ابن الأعرابي: قال المفضلُ الضبّيُّ: سألتُ أعرابياً عن البلاغةِ فقال: الإيجازُ في غير عجْزٍ، والإطْنابُ في غير خَطْلٍ. وقيلَ للعتّابي: ما البلاغةُ؟ فقال: مَنْ أفهمَكَ حاجتَهُ من غيرِ إعاقةٍ ولا حُبْسةٍ ولا استعانَةٍ. وسُئِلَ بعضُ الحكماءِ عن البلاغةِ فقال: مَنْ أخذَ معانيَ كثيرةً فأدّاها بألفاظٍ قليلةٍ، وأخذَ معانيَ قليلةً فولّد منها ألفاظاً كثيرةً فهو بليغٌ. وقيلَ: البلاغةُ ما كان من الكلامِ حسَناً عند استماعِهِ، موجَزاً عند بديهتِهِ. وقيلَ: البلاغةُ لمحة دالّةٌ على ما في الضمير. وقيلَ: البليغُ الذي يبلغُ ما يريدُ، أطالَ أم قصّرَ. وقال بعضُهم: البلغةُ تصحيحُ الأقسامِ، واختيارُ الكلام. وقيلَ: البلاغةُ معرفةُ الفَصْلِ من الوَصْلِ. وأقول أنا: إن تركيبَ ب ل غ معناه إدراك ما يحاولُه الإنسان عن قوّة، وتمكُّنٍ من قدرةٍ. فمن ذلك بلَغْتَ الأمرَ والغرَضَ إذا وقفتَ على غايتِه، وأشرفتَ على نهايتِه، ولولا قوّتُك عليه لما وصلتَ إليه. ومن ذلك البلاغةُ، فإنّك إذا وقفتَ على غاياتِ الكلام ونهايات المعاني، دلّ ذلك على قُدرتِكَ في الأدب وتمكّنِك من لُغةِ العرب. فإنْ أوْجَزْتَ أو أسهبتَ كنتَ فيه بليغاً وكان ما أتيتَ به بلاغةً. ومن ذلك غ ل ب، فإنّ الغَلَب لا يكون إلا عن قوة وتمكّن وقُدرة. ومن ذلك ل غ ب اللُّغُوبُ هو التعبُ ولا يكون ذلك إلا عن دأبٍ وشدةِ حركة تدلُ على قوّةٍ وقدرةٍ على الحركات وتمكنٍ من السعي العنيفِ في سائرِ الأوقات. ومن ذلك ب غ ل يقالُ بغّلَ الفرسُ إذا سارَ بين العَنَق والهَمْلَجَة، ومنه التبغيلُ وهو مشْيٌ سريعٌ فيه اختلافٌ ولا يكون ذلك إلا عن قوة وقدرةٍ على السّعي.
ومنْ أعلى درجات البلاغةِ وأرفعِها في الكلام المنثور قولُه تعالى: " وقيلَ يا أرضُ ابلَعي ماءَكِ ويا سَماءُ أقْلِعي، وغِيضَ الماءُ وقُضِيَ الأمرُ واسْتَوَتْ على الجوديِّ وقيلَ بُعْداً للقَوْمِ الظالمين ". وقوله تعالى: فاصْدَعْ بِما تُؤمَرُ) . ومن البلاغةِ في الكلام المنظوم قول امرئ القيس:
قِفا نبْكِ من ذكرى حبيبٍ ومنزل ... ............
فإنّه وقفَ واستوقَفَ، وبكى واسْتَبْكى، وتغزّل بذكرى الحبيبِ والمنزلِ في نصفِ بيْتٍ. وقال طرَفَة:
ولستُ بحلاّلِ التِّلاعِ مَخافَةً ... ولكنْ مَتى يسْتَرفِدِ القومُ أرْفِدِ
المعنى أكثر من اللفظِ. يقولُ لستُ أحُلُّ بالمواضعِ الخفيةِ مخافةَ القِرى، ولكني أحُلُّ بالمواضع الظاهرةِ التي لا تَخفى على الضّيْفِ الطارقِ. فإذا استُقريتُ قَرَيْتُ. فأوردَ كلاماً يدلّ على نفيهِ عن نفسِه نزولَ التِّلاعِ خوفاً فقط. فلما ذكرَ في النصفِ الثاني الرِّفْدَ، دلّ على أنّ المخافةَ في القِرَى، ولم يقابل اللفظَ بأن يقول: ولكن أحُلُّ باليَفاع بارزاً وأشجُعُ، فاكتفى بمعرفةِ السامِعِ وبما دلّ الكلامُ عليه. وهذه بلاغةٌ ناصِعةٌ.
3 - وأما الفصاحةُ فإنّ الكلامَ عليها يحتاجُ الى شرحٍ طويلٍ يخرُجُ بنا عمّا نحنُ بصددِه والاقتصارُ عليه غير شاف ولا كاف. وقد استوفَيْنا أقسامَ ذلك في الرسالة العلويّة، وحَذَوْنا فيه حذْوَ عبد الله بن سِنان الخَفاجي في صدر كتابِه الموسوم بسرِّ الفصاحةِ. والفصاحةُ مشتقةٌ من الكَشْفِ وارتفاع اللَّبْسث. يُقالُ أفصحَ اللبنُ إفصاحاً إذا ذهبَ اللِّبَأ عنه، وخلَصَ اللبنُ منه. وأفصحَتِ الناقةُ فهي مُفْصِحٌ إذا انقطعَ لِبَؤُها وخلَصَ لبَنُها. وفصُحَ اللبنُ إذا كشَفْتَ رُغْوَته عنه. قال الشاعر:
............ ... وتحتَ الرُّغْوَةِ اللبنُ الفصيحُ
وأفصحَ الصُبْحُ إذا انكشفَ وبَدا. وكلُّ واضحٍ مُفْصِحٌ. وعلى ذلك فكلُّ ناطق فصيحٌ، وما لا يَنطِقُ فهو أعجَمُ. فهذه نُبْذةٌ يسيرةٌ في هذا الموضع كافية.
(1/5)

4 - وأما الحقيقةُ والمجازُ، فإن الحقيقة ما أُقِرَّ على أصل وضعِه في اللغة عند استعمالِه. والمجازُ ما كان بضدِّ ذلك. وقال علي بن عيسى الرُّماني: الحقيقةُ الدِّلالةُ على المعنى من غير جهةِ الاستعارةِ، والمجازُ تجاوزُ الأصلِ الى الاستعارة. وإنما يُعْدَلُ عن الحقيقة الى المجاز لمعانٍ ثلاثةٍ وهي: الاتساعُ، والتوكيدُ، والتشبيهُ، فإن عُدِمَتْ هذه الأوصافُ كانت الحقيقةُ أولى بالاستعمال. قال الله تعالى: " وأدْخَلناهُ في رَحْمَتِنا "، هذا مَجازٌ وفيه الأوصافُ الثلاثة. أما السَّعةُ فإنه زادَ في أسماءِ الجهات، والمحلُّ اسم وهو الرّحمة. وأما التشبيهُ فإنّهُ شبّهَ الرحمةَ، وإن لم يصِحَّ دخولُها، بما يجوزُ دخولُه، ولذلك وضَعَها موضِعَه. وأما التوكيدُ فإنه أخبَرَ عن العَرَض بما يخْبَرُ به عن الجوهر. وهذا تَعالٍ بالعَرَض وتفخيمٌ له، إذ صُيِّرَ في حيّز ما يُشاهَدَ ويُلمسُ ويُعايَنُ. ومن المجاز في أشعارِ العربِ كثيرٌ لا يُحصى. فمنه قولُ الأول:
غَمْرُ الرِّداءِ إذا تبسّم ضاحكاً ... غَلِقَتْ لضِحكتِه رِقابُ المالِ
وقال طَرَفة:
ووْجهٌ كأنّ الشمسَ ألقَتْ رِداءَها ... عليهِ، نقيُّ اللونِ لم يتخدَّدِ
جعل للشمسِ رداءً وهو جوهرٌ لأنه أبلغُ من النورِ الذي هو عَرَضٌ. وكلّ ما كان من هذه الاستعاراتِ فإنهُ داخلٌ تحت المجاز. وقال جلّ جلالُه: " فمَنْ يكْفُرْ بالطّاغوتِ ويؤمنْ باللهِ فقدِ استَمْسَك بالعُرْوَةِ الوُثْقى لا انفصام لها واللهُ سميعٌ عليم ". فبدأ في الآية بحقيقة الكلام، ثم جعلَ الجوابَ مجازاً واستعارةً لوقوعِه آكَدَ منَ الحقيقة. والمرادُ تشبيه المُتَمَسكِ بشرائط الإيمان بالمتمسكِ بالعُروةِ الوثيقة من عُرى الحبْلِ لأنه يستعصِمُ بها من المزالِّ المُزْلِقة، والمهابِط الموبِقة. ثم قال تعالى: " لا انفصامَ لها "، تبعيداً لها من شِبْهِ العُرَى المعهودةِ التي ربما انفصمَتْ على طولِ الجَذْبِ أو بَلِيَتْ قواها على مرِّ الدّهر.
5 - وأما الصَنعةُ والمَصنوع، فإن الصّنعةَ هي عبارةٌ عن الحوادِثِ في المصنوعات مثل الإصلاح والإفسادِ، والطول والقِصَر، والضخامةِ والنحافة، والخُضرةِ والحُمرةِ، والحركةِ والسكون، والأشياء التي يسمّيها المتكلمون الأعراضَ. وأما المصنوعات فهي الأشياء التي تتعاقبُ عليها هذه الأعراض. فالصّنعةُ والمصنوعات محْدَثَتان. فمن المصنوعات الحيوانُ الذي يصنعه اللهُ تعالي، وصُورٌ في الجَمادات نفعلُها نحن فالإشارات التي في الصور من حِذْقِ المصوِّرين في أفعالِهم فيها يُخيَّلُ إليكَ أن بعضها ناطقٌ وإن كان لا ينطِقُ، ومنها ما يخيَّل إليك أنّه متحرِّك وهو ساكن. فأنت تُسمي الجسمَ مصنوعاً على حقيقة اللّغة، وتُسميه صَنعةً على الاتساع والمجاز، ألا ترى أنك تقولُ هذا جسمٌ مصنوعٌ حسَنُ الصّنعةِ، أو قبيح الصنعَةِ وكاملُ الصنعةِ أو ناقصُ الصنعَةِ، وإن كان أصل اللفظتين فيهما واحداً. وإنما قدّمتُ ذلك توطئةً لتعلمَ أن الصنعةَ في الشعر عبارةٌ عن النظم الذي خلّصه من النثر، وجمع أشْتاتَه بعدَ التبدُّدِ والصّدْع. وأن المصنوعَ هو الشعر الذي عنصرُهُ الكلامُ المنثور. والمصنوع لا يُسمّى مصنوعاً حتى يخرُجَ من العدم الى الوجود. فإذا كان موجوداً سُمّي مصنوعاً لمُشاهَدَتِه والعلم بهِ، ثم يعْتَورُهُ بعد ذلك النقد فيقالُ فيه كاملٌ وناقصٌ، وحسنٌ وقبيح، وسقيمٌ وصحيح، وجيدٌ ورديء.
ورأيت قوماً من المُصنّفين قد خلطوا الصنعةَ بالنقدِ والنقد بالصنعة ولم يفرقوا بين المصنوع والصنعة وهذا غلطٌ وشطَط. ألا ترى أنه لا يجوز أن تقولَ في شعرٍ لم تسمعْه ولم يتصلْ بك، جيدٌ ورديء، حتى تقفَ عليه وتكرر النظرَ إليه؟. فقد عرفتَ بهذه الإشارة اللطيفة، والعبارة الخفيفة، ما الفرقُ بين المصنوع والصَنعةِ وبين الصنعةِ والنقد، واللهُ الموفق.
6 - وأما إقامةُ الوزن فهوَ عبارةٌ عن ذوْقٍ طبيعي حفِظَ فصولَه من الزيادةِ والنُقصان وعدّلها تعديلَ القِسْطِ بالميزان. ولو أن كلّ ناظمٍ للشعر يفتقرُ في إقامة وزنهِ، وتصحيحِ كسْرِه، وتعديلِ فصولِه الى معرفةِ العَروض، والقوافي، لما نظَمَ الشِعرَ إلا قليلٌ من الناس. على أن الشاعر إذا عرَفَهما لم يستغن عنهما.
(1/6)

فأما العَروض، وهي مؤنّثة، فهي ميزانُ الشعرِ يُستخرجُ بها صحيحُه من مكسوره. والشعر كلّه مرَكّبٌ من سَبَبٍ، ووتدٍ وفاصلة والسبب سببان والوتد وتدان والفاصلة فاصلتان، وتقطيعُ الشعر على اللفظ دون الخطّ، وكلّ حرفٍ مشددٍ بحرفين: الأول ساكنٌ، والثاني متحرّك. والفرقُ بين الساكن والمتحركِ أنّ الساكنَ تتعاقبُ عليه الحركاتُ الثلاث، والمتحرك قد اختصّ بإحداهُنّ. والأمثلة التي يُقَطَّع بها الشعرُ ثمانية: اثنان خُماسيان وهما فَعولُن، فاعِلن، وستةٌ سباعية وهم: مفاعيلُن، مُسْتَفْعِلُنْ، فاعلاتُن، مُفاعَلَتُن، مُتَفاعِلن، مَفْعولاتُ، وما جاء بعد ذلك فهو زِحافٌ لهُ، أو فرْعٌ عليه. والزحافُ جائز كالأصل والكَسْر ممتنعٌ، والزحافُ لا يقعُ إلا في الأسباب، والخَرْمُ والقَطْعُ لا يقعان إلا في الأوتاد. والعروضُ اسمٌ لآخر جزء في النصف الأول من البيت، والضربُ اسمٌ لآخر جُزء في النصف الآخر من البيت. وكل بيتٍ مَصَرَّعٍ فعَروضُه على زِنَةِ ضربِه أو ما يجوز في ضربه. والتصريعُ مُشبّهٌ بمصراعي الباب، وإذا خلا البيت من التصريع سُمّي المُصْمَت. والشّعرُ كلُه أربعٌ وثلاثون عَروضاً، وثلاثة وستون ضرباً وخمسة عشر بحراً، وشرْحُ ذلك قد فرَغَ منه العَروضيون في كتبهم، فاعرفْهُ.
7 - وأما القوافي، فإن القافية مختلَف فيها: فعند أبي الحسن الأخفش ومن تابَعَه من المُقَفّين: أن القافيةَ آخرُ كلمة في البيت. وقال: إنما سُمّيت قافيةً لأنها تقفو البيت. وعند النَّضْر بن شُمَيْل ومؤرّج وأبي عمر الجَرْمي، أنها النصفُ الأخير من البيت. وقيلَ بل هي البيت بكمالِه، وقيل بل القصيدةُ بجُملتها. وعند الخليل بن أحمد: أنّ القافية من آخر البيت الى أول ساكنٍ يليه مع المتحرِّك الذي قبل الساكن، وعلى قوله الاعتمادُ، فإن القول ما قالت حَذام. والقافية تنقسمُ الى ثلاثة أشياء: أصول، وحروف، وحركات.
فالأصول: مُتكاوسٌ، مُتراكبٌ، مُتدارِكٌ، مُتواتِرٌ، مُترادِف.
والحروف: الدخيلُ، والتأسيسُ، والرِّدف، والخروج، والوصل، والرويّ.
والحركات: التوجيهُ، والإشباعُ، والرَّسُّ، والحَذْو، والنَّفاذُ، والمَجْرى.
ويعرُضُ في القافية عيوبٌ أربعة وهي: الإكفاءُ، والإقواء، والإيطاء، والسِّنادُ، والتضمين وهو أن البيت لا يتمّ إلا بالذي يليه وهو من عيوب الشعر المكروهة. وقد نُظِمَ هذا شِعراً. قال الشاعر:
القوافي مُخَمّساتٌ ثلاثٌ ... حرَكاتٌ وأحرُفٌ وفَسادُ
فابتِداها رَسٌ وحَذْوٌ وإشبا ... عٌ ومجرىً، وفي النّفاذِ العَتادُ
والحروف: الرّويُّ والرِّدفُ والتأ ... سيسُ والوَصْلُ والخروجُ العِمادُ
والعيوب: الإيطاء والإقوا والإك ... فا وفيها التضمينُ ثمّ السِّنادُ
وقال الآخر:
حروفُ القوافي ستّةٌ مُستبينةٌ ... يُجمِّعُ أشتاتاً لهنّ نظامُ
رَويٌّ ووصْلٌ والخُروجُ ورِدفُها ... وتأسيسُها ثمّ الدخيلُ تمامُ
ويلزمها من بعدِ ذا حركاتُها ... كذلك سِتٌّ صاغَهنّ إمامُ
فمَجْرًى وتوجيهٌ وحَذْوٌ ورسُّها ... وإشباعُها ثمّ النّفاذُ دِعامُ
وجميع حروف المعجم تكون رويّاً إلا الواو والياءَ والألفَ، الزوائد السواكنَ اللواتي تَتْبَعْن ما قبلهنّ، فإنهنّ لا يكنّ رويّاً البتّةَ، وألِفُ التثنيةِ وواوُ الجمْعِ وياءُ ضمير المؤنث، لا يكنّ رويّاً، والألف المُبْدَلةُ من التنوين في نحو قولك رأيتُ زيداً لا يكون رويّاً والنون الخفيفة نحو قولك اضْرِبَنْ، والهمزة المُبْدَلةُ من ألِف التأنيث في الوقْف نحو قولِك هذه حُبلاء، وهاءُ الوقفِ، وهء الإضمار، وهاءُ التأنيث، كلّ هذه لا تكون رويّاً. فإن سكَن ما قبلَ هذه الهاءات كنّ رويّاً، والهاء الأصلية يجوز أن تكون روياً، سكن ما قبلها أو تحرّك، كقوْل رؤبة بن العجّاج:
قتلتْ أُبَيْلَى لي ولم أُشبّهِ ... ما العيْشُ إلا غَفْلَة المُدَلّهِ
لما رأتْني خلَقَ المُمَوَّهِ ... برّاقَ أصْلادِ الجَبين الأجْلَهِ
بعدَ غُدافيِّ الشّباب الأبْلَهِ
(1/7)

وسُمّي حرف الرويّ روياً لأنه من الرِّواء وهو الحبْل الذي يُشَدُّ على الأحْمال والماعِ ليضُمَّها. وروى في كلامهم للضمّ والجمع والاتصال، وكذلك حرف الرويّ، تنضمّ وتجتمع إليه جميعُ حروف البيت. فالقوافي على ذلك خواتيم على عنوان الشعر جامعةٌ لأطراف معانيه، قابضةٌ على أزمّةِ مَهاريه.
8 - وأما الألقاب، فإنها تنقسِم الى أقسام ولكل قسم منها باب، فمنها:
باب الإشارة
والإشارة من محاسن البديع، ومعناه اشتمالُ اللفظِ القليل على المعاني الكثيرة وإنْ كان بأدْنى لمْحٍ يُستدلّ على ما أُضمِرَ من طويل الشرحِ كقولِ امرئ القيس:
على هيكلٍ يُعطيكَ قبلَ سؤالهِ ... أفانينَ جرْيٍ غير كزٍّ ولا وانِ
تأمّل ما تحت لفظة أفانين، وما اقترنَ بها من جميع أصناف الجوْدة، ثم نفى عنه الكزازة والوَنى وهُما أكبر معايب الخيْلِ.
وقال زهير:
فلو أني لقيتُك واتّجَهْنا ... لكانَ لكلِّ منكرةٍ كفيلُ
فهذا لفظٌ قليلٌ يدلّ على معنى كثير. وكما قال بعض الأعراب:
جعلْتُ يدَيَّ وِشاحاً لهُ ... وبعضُ الفوارِسِ لا يعْتَنِقْ
قولهُ: جعلتُ يديَّ وِشاحاً له، إشارة بديعةٌ الى المعانقةِ بغير لفظِها وهي دالّة عليها.
وقال الأعشى:
تسْمَعُ للحَلْيِ وسْواساً إذا انصَرَفَتْ ... كما استعانَ بريحٍ عِشْرِقٌ زَجِلُ
أشار بذلك الى دقة الخصرِ والرّشاقةِ والهَيَف لأن حركة الوُشْحِ تدلّ على ذلك. فأما الخلاخلُ والأسْورةُ والبُرى، فإنها توصفُ بالصمتِ والخرَس. وفي البيت إشارة أخرى الى شدّة الحركة وهي قولُه، كما استعانَ بريحٍ عِشْرِقٌ زجِلُ، وذلك أن العِشرِقَ وهو شجرٌ شديدُ الحركة في ضعْفِ النسيم، فكيفَ إذا استعانَ بريحٍ.
وقالت الخنساء:
يذكّرُني طُلوعُ الشّمسِ صخْراً ... وأذكرُهُ لكلِّ غُروبِ شمسِ
إشارة حسنة الى وقت الغارة، ووقت الميْسِرِ وإطعامِ الضيف.
وقال القُحَيْف:
أتاني بالعقيقِ دعاءُ كعبٍ ... فحنَّ النّبْعُ والأسَلُ النِّهالُ
إشارة حسنة الى إغاثته بالجيش. وقال آخر:
وزَيدٌ ميِّتٌ كمَدَ الحُبارَى ... لأن ظَعَنتْ سُكَيْنَةُ والرَّباب
إشارة حسنة الى شدّة الهمِّ وذلك أن الطير تجتمعُ في مواضع بعيدةٍ من الأناسيّ فتطرحُ ريشها هناك وفيها الحُبارى، ثم ترتعي الى أن ينبُتَ ريشُها، فإذا نبتَ ريشُ تلك الطيرِ كلِّها تخلّف الحُبارى عنها لأن ريشَها بطيءُ الطلوع فينهضُ جميع الطير وتبقى الحُبارى فيموتُ أكثرُها كَمَداً.
وأنشد ابن الأعرابي:
مَشيْنا فسوّيْنا القُبورَ بعاقلٍ ... فقد حسُنَتْ بعْدَ القُبوحِ قُبورها
أي قتَلْنا بقتلانا فاستوى عددُ قتلانا وقتلاهم. وهذه إشارة عجيبة لطيفةٌ الى أخذ الثأر. وفي هذا الباب سَعة وجهدُنا أن نختصِرَ.
وقريبٌ من معنى الإشارة وإن تغايَرَت العبارة:
باب الكناية
وربما سمّاها قومٌ التتبيع لأن الشاعر يقول معنى ويأتي بلفظٍ تابعٍ له، فإذا دلّ التابعُ أبانَ عن المتبوع. فمِنْ ذلك قوله تعالى: (وبلَغَتِ القلوبُ الحَناجِرَ) ، كناية عن شدّة الأمر والحرب، ومعنى ذلك أن القلوب ارتفعَتْ عن مواضعِها فنفرتْ كأنها تريدُ الخروج عن الأجسامِ مفارقةً لها. وقولُهُ تعالى: (وما جعلْناهُم جَسداً لا يأكلون الطّعام) . في ضِمْن هذا الكلامِ كنايةٌ عن الشُرب ولم يُذكَرْ لدلالةِ الأكلِ عليه، وكنايةٌ عن النّجْو والبَول لأن من أكل احتاج أن يشرب، ومن أكل وشرِب احتاج أن ينْجو ويبول.
وأنشد المبرِّد:
تقول وقد أبْدى البُكاءُ بعينِه ... نُدوباً: ألا داويتَ عيْنَكَ بالكُحْلِ
فقد رأيتُ الكُحْلَ يشغَلُ قَدْرُهُ ... من العينِ قدراً لم يكُنْ عنكِ في شُغْلِ
كناية عن أنه لا يحِبُّ أن يشغَلَ عينَهُ عن النّظرِ إليها، لأن الزمان الذي يذهبُ في الاشتغال بالكُحْلِ لم يكن قبل الكُحْلِ مشغولاً بغير النّظر إليها فهو يكرهُ أن لا يكون على ما كان عليه من تلك الحال.
وقال بَلْعاءُ بن قيس الكِناني:
معي كلّ مسترخي الإزارِ كأنّه ... إذا ما مشى في أخمصِ الرِّجْلِ ظالِعُ
كناية عن التّرف والنعمة. وقال المِنْهال:
(1/8)

إذا كان حَرٌّ قدّموني لحَرِّه ... وإنْ كان برْدٌ أخروني عن البَرْدِ
كنّى عن الشرِّ بالحرِّ، وعن الخيرِ بالبردِ. وأنشدوا:
بالمِلحِ يُدْرَكُ ما يُخشى تغيُّرُه ... فما دَوا المِلحِ إنْ حلّتْ به الغِيَرُ
كنايةٌ عن الأمر الذي يُرجى لكشْفِه السلطانُ فَيُبْتَلى ذلك السلطانُ بأمرٍ يشغَلُهُ عن القيام بما يُرجى له. وقال النابغة الذبياني:
سِتّةُ آباءٍ همُ ما هُمُ ... هُم خيْرُ من يشرَبُ ماءَ الغَمامِ
كناية عن أنهم خيرُ الناس كلِّهم لأن الناس كلّهُمُ يشربون ماءَ الغَمام.
وقال معقِّر البارقيّ:
وكل طَروحٍ في الجِراءِ كأنّها ... إذا اغْتَسَلَتْ بالماء فتْخاءُ كاسِرُ
يصف فرساً شبّهها، إذا عرِقَتْ من الرّكض والتعب، بالعقاب الكاسر وهي الفَتْخاءُ، والفتخُ لينٌ في الجناح محمود.
وهذه كناية بالماء عن العَرَق وأراد أنها في هذه الحال التي يضعُفُ فيها أمثالها هذه حالها، فكيف تكون في ابتداء جريها! والسابقُ الى هذا المعنى امرؤ القيس حيث يقول:
كأنها حينَ فاضَ الماءُ واحتفلَتْ ... صقعاءُ لاح لها بالمَرْقَبِ الذيبُ
في هذا البيت زياداتٌ لم يصِلْ بيتُ معقّرٍ إليها وهو قولُه فاضَ الماءُ، والفائِضُ أعظمُ مما يُغتَسَلُ به لأن الاغتسال حصل من الفائض وزيادة وقوله احتفلت مبالغة في الجهدِ والتعب، وقولُه صقعاء لاح لها بالمرقبِ الذيبُ الصقعاءُ العُقابُ في وجهها بياض، وإذا لاح لها الذئب كان أشد لانقضاضها. وإذا كان انقضاضُها من مَرقَب كان أشدّ لانحدارِها. وقال عمر بن أبي ربيعة:
بعيدةُ مَهْوى القُرْطِ إمّا لنوْفَلٍ ... أبوها، وإمّا عَبدِ شمسٍ وهاشِمِ
كنى بذلك عن طول الأعناق. ومثلُه قولُ حُمَيْد الأرقَط:
طوالُ مَهْوى توَمِ الأقراط
وقال عمرو بن قِعاسٍ الغُطَيْفي:
وسوداءِ المحاجرِ إلْفِ صخْرٍ ... تلاحظني الترقُّبَ، قد رمَيْتُ
كنى بذلك عن ظبية.
ولحْمٍ لم يذُقْه الناسُ قبْلي ... أكلت على خَلاءٍ وانتقَيْتُ
قال الأصمعي، وأبو عمرو الشيباني، وابن الأعرابي كنى بذلك عن لحم ولده، فإنه جاع فذبحه وأكله. وقال غيرُهم كنى بذلك عن ملِكٍ هَجاه ولم يهجُه أحد قبلَه، فكأنه أكل لحمَه ميتاً.
وماءٍ ليس من عِدٍّ رَواءٍ ... ولا ماءِ السماءِ قد استَقَيْتُ
كناية عن دموعه.
وجاريةٍ تنازعُني رِدائي ... وراء الحيّ ليس عليّ بيْتُ
كناية عن الريح.
ونارٍ أُوقِدَتْ من غير زَنْدٍ ... أثرتُ جَحيمَها ثم اصْطَلَيْتُ
كناية عن الحرب.
وبيتٍ ليس من وبْرٍ وشعْرٍ ... على ظهرِ المطيّة قدْ بنَيْتُ
كنى عن بيت شِعرٍ نظمَه على ظهر راحلتِه.
وقال ذو الرُّمّة:
وحاملة تسعينَ لمْ تلْقَ منهمُ ... على موْطِنٍ إلا أخا ثِقَةٍ صِفْرا
كنى بذلك عن الكِنانةِ وما فيها من السِّهام يعني أنّه لم يجدْ لها ولداً إلا أخا ثقة، يَصفُ سِهامَها بالجودة والإصابة والنّفاذ.
وحديثُ خَوّات بن جُبَيْر الأنصاري مع ذاتِ النِحْيَيْن لما أتاها يبتاعُ منها سَمْناً فوجدَها وحدَها فطمِعَ فيها فحلّت نِحْياً فذاقهُ ودفَعُه إليها. وحلّ آخرَ فذاقَهُ فلم يرْضَه، فقال: أمْسِكيه فقد شردَ جملي، فقالت أمْهِلْ حتى أشُدَّ رأسَ هذا النِّحْي فقال: إن أمسكتيهِ، وإلا ألقَيْتُهُ عن يدي، فأمسكَتْه فلما شغل يدَيْها ساورَها فلمْ تقدِر على دَفعِه، فقضى وطَرَهُ منها، مشهورٌ. وكان ذلك في الجاهلية، فلما أتى الإسلامُ أسلمَ خَوّاتُ وشهِدَ بدراً، فقال له يوماً رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يبتسمُ: يا خَوّات ما فعلَ جملُكَ الشرود؟ فقال: يا رسول الله عقَلَهُ الإسلامُ. ورُوي أنه قال له يا خوّات كيف شِرادُك، فقال يا رسول الله قد رزقَ الله خيراً منه، وأعوذُ بالله من الحَوْرِ بعدَ الكَوْرِ. فكنى صلى الله عليه وسلم عما سلَف من فِعله أحسنَ كنايةٍ وألطفَها. وقول خوّات: عقلَهُ الإسلامُ، كنايةٌ حسنةٌ عن التوبة ولزوم حُدود الإسلام، والعِلم بالحلالِ والحرام. وهذا مثال في هذا الباب كاف إن شاء الله تعالى، ومنها:
باب الموازنة
(1/9)

وذلك أن يأتي الشاعرُ ببيتٍ يكون عدد كلمات النصف الأول منه كعدد كلماتِ النصف الأخير وتكون الأجزاء متساويةً. ومتى تغيّر شيءٌ من أجزائه إذا تقطّع، أو زادَ فيها أو نقصَ، لم تحْصُلْ الموازنة. وكذلك إذا استوتِ الأجزاءُ وتغيرتِ الكلماتُ بزيادةٍ أو نقيصة، وهذا لا يكادُ يحصُلُ للشاعرِ إلا بعد معرفةِ العَروضِ. وأما أن يقع اتفاقاً من غيرِ قصدٍ له فغيرُ معْتَدٍّ بوقوعه وقد اتفق وقوعُ ذلك في أشعارِ العرب من غير قصد له كثيراً. قال معقّر البارقيّ:
ومرّوا بأطنابِ البيوتِ فردّهُم ... رجالٌ بأطرافِ الرماحِ مساعرُ
تقطيعُه: ومَرْروا بأطنابلْ بُيُوتِ فَرَْدَهُم فعولُنْ مفاعيلُنْ فعولُ مفاعِلُن رِجالٌ بأطرافِر رماحِ مساعِرُ فعُولُنْ مفاعيلُنْ فَعولُ مفاعِلُن وقال الكِنْدي:
لَنا غنَمٌ نُسوّقُها غِزارٌ ... كأنّ قُرونَ جِلَّتِها عِصيُّ
تقطيعهُ: لَنا غَنَمُنْ نُسَوْوِقُها غِزارُن مفاعَلَتُن مُفاعَلتُن فَعولُنْ كأن نقرو نَجِلْلَتِها عِصيْيوُ مُفاعلَتُن مفاعلتُن فعولُنْ وقال آخر:
لَمِنْ دِمْنَةٌ أقْفَرَتْ ... لسَلْمى بذاتِ الغَضا
تقطيعه: لَمِنْ دِمْ نَتُنْ أقْفَرَتْ فَعولُنْ فَعولُنْ فَعَلْ لسَلمى بذاتِلْ غَضا فَعولُنْ فَعولُنْ فعَلْ ومن أشجار الجِن:
أشَجاكَ تشَتُّتُ شعْبِ الحيْ ... يِ فأنتَ لهُ أرِقٌ وَصِبُ
هذا البيتُ قد تساوَتْ كلماتُهُ وأجزاؤهُ، إلا أن نصفَه الأول في الياء الأولى منَ الحيّ، وبقيتْ الياءُ الثانية مع النصفِ الأخير فخرجَ عن شرْطِ الموازنة. وتقطيعه: أشَجا كَتَشَتْ تُتُشَعْ بِلْحَيْ فَعِلُنْ فَعِلُنْ فَعِلُنْ فعْلُنْ يفَأَنْ تَلَهُو أرِقُنْ وَصِبُو فَعِلُنْ فعِلُنْ فعِلُنْ فعِلُنْ ولو تساوت الكلماتُ وتماثلَ نصفا البيتِ وتغيرَ شيءٌ من الأجزاء لبطَلَتْ الموازنة كقول الشاعر:
أفادَ فجادَ، وسادَ فقادَ ... وقادَ فزادَ، وعادَ فأفْضَلْ
فعَولُ فعُولُ فعُولُ فَعولُ ... فَعولُ فَعولُ فَعولُ فَعولُنْ
فخرج عن الشرط لانتقال فَعولُ الى فَعولُنْ، وكذلك لو تساوت الأجزاءُ وزادَ في الكلمات أو نقَصَ لبَطُلَ اشرطُ. كما قال الشاعر:
إذا لم تسْتَطِعْ شيئاً فدَعْهُ ... وجاوِزْه الى ما تستطيعُ
النصفُ الأول أكثرُ من الأخير بكلمة وأجزاؤه متساوية. تقطيعه: إذا لمْ تَسْ تَطِعْشَيْأَنْ فدَعْهُو مفاعيلُنْ مفاعيلُنْ فعُولنْ وجاوِزْهُ الى ما تَسْ تَطِيعو مفاعيلُنْ مفاعيلُنْ فعولُنْ وهذا مثالٌ في هذا الباب مُقنِعٌ. ومنها:
باب التجنيس
وهو أن يأتي الشاعرُ بكلمتين مُقترنتين متقاربتين في الوزْنِ، غير متباعدَتَيْن في النظم، غير نافرتين عن الفهْم، يتقبّلُهما السّمْعُ، ولا ينبو عنهما الطبعُ. فإن زادَ في التجنيس فثلّثَ كان ذلكَ فساداً في الصّنعةِ لأن الكلمتين تتقابلان وتنفردُ الأخرى بغير قرينة، وربما استحسنَ قومٌ من ذلك شيئاً لكثرة استعمالِه وأُنس السّمْعِ به، كقول الطائي:
سلّم على الرَّبْعِ من سَلْمَى بذي سَلَمِ
فقوله: سلّم وسَلَم كلمتان متقابلتان، وانفردتْ لفظةُ سَلمي بغير قرينةٍ وإنما لأُنسِ السّمعِ باسم سَلْمى والسّلام والسَّلَم صار كأنه شيءٌ واحدٌ، ولوْ ربّعَ لصحّتِ المُقابلة، وإن ثَقُلَتْ الألفاظُ على السّمْعِ والقلبِ، وعاد التكلفُ ظاهِراً عليها. مثالُ التربيعِ أنه كان يقول:
سلّمْ سَلمْتَ على سَلْمى بذي سَلَمِ
كما قال مسلم بنُ الوليدِ في صفةِ الخمْرِ:
سُلَّتْ وسُلّتْ ثم سُلَّ سَليلُها ... فأتى سَليلُ سَليلِها مسْلولا
يريدُ أنّها سُلّتْ من كرمِها عِنَباً، ثم سُلّتْ من عِنَبِها خمراً، ثم سُلّتِ الخمرُ من دنِّها. وقيلَ بل أراد رقَّتَها وأنها قد صارتْ مسلولةً من السِّلِّ الذي هو العِلّة. وليس على قُبْحِ هذا البيت زيادة. وقد كان الأصمعيّ يستَبْشِعُ قولَ الشاعر:
فما للنّوَى، جَدَّ النّوى، قَطعَ النّوى ... كذاك النّوى قطّاعةٌ لوِصالِ
ويقول: لو سلّط الله على هذا البيت شاةً لأكلتْ نواهُ، وأراحتِ الناسَ منه. وأنشد إسحاق المَوْصِلي الأصمعيَّ قولَه:
(1/10)

يا سَرْحَةَ الماءِ قد سُدّتْ موارِدُهُ ... أمَا إليكِ طريقٌ غيرُ مَسدودِ
لِحائِمٍ حامَ حتى لا حِيامَ به ... مُحلأٍ عن طريقِ الماءِ مطرودِ
فقال الأصمعي: أحسنتَ في الشعر غير أنّ هذه الحاءات لو اجتمعت في آيةِ الكُرسيّ لعابَتْها. وروَيْنا عن بعض المشايخِ أنه كان يقول: مثَلُ التجنيسِ في البيت الخالُ الواحدُ في الخدِّ، فإذا كثُرَ انتقلَ من الاستحسان الى الاستقباح، وربّما طَمَسَ محاسِنَ الوجْهِ. وفي بيت الطائيّ صنعةٌ جيدةٌ وهي ردُّ عروضِهِ على صدرِهِ.
والتجنس ينقسم الى أقسام، فمنه: أ - التجنيس المَحْض. ومعنى المَحْض الخالِصُ وكأنّه من أصل واحدٍ في مسموعِ حروفِه، وسُمّي اللبنُ الحليبُ مَحْضاً لأنه لم يخالِطْهُ الماءُ.
قال أبو حيّةَ البَجَليّ:
يُعِدُّها للعِدَى فتيانُ عادِيةٍ ... وكلُّ كَهْلٍ رَحيبِ الباعِ صِهْميمِ
قولُه: العدى وعادية تجنيسٌ محضٌ، وقولُه: يُعدُّها للعدى تجنيس مُشابِه. والصِّهميمُ الذي لا يُثنى عن مُرادِه. وقال مِسْكينُ بن نضر البَجَلي:
وشُبِّهَ موضِعُ الأحْلاسِ منها ... صَفاةَ مُعَبَّدٍ جدَدِ الصَّفاءِ
الصفاةُ الصخرةُ الملساءُ، والصفاءُ الطريقُ الواضحُ. وقال أيضاً:
فقلتُ له طالَ الوقوفُ وسامَحَتْ ... قَرونَةُ من قارَنْتَ والظِّلُّ آلِفُ
وإنْ لَقِيَ النَّعْماءَ لاقَتْ بساكِنٍ ... كريمٍ وزَوْلٍ إن ألمّ الجوارِفُ
وقال الفرزدَق:
وإنّ تميماً لمْ تكُنْ أمُّهُ ابتغَتْ ... لهُ صِحّةً في مهدِهِ بالتّمائِمِ
وقال عنترة:
كأنّها يومَ صدّتْ ما تُكَلِّمُنا ... ظَبْيٌ بعُسفانَ ساجي الطَّرْفِ مَطروفُ
وقال سُدَيْف:
بالصدورِ المُقَدَّماتِ قديماً ... والرؤوسِ القَماقِمِ الرُّؤاس
دَعَموا الدينَ بالطِّعانِ فأضْحى ... واضحَ النّهْجِ بعدَ ميلِ الأواسي
وقال يزيد بن جدعاء:
وهم صَبَّحوا أخرى ضِراراً ورهْطَهُ ... وهُمْ تَرَكوا المأمومَ وهوَ أميمُ
المأموم الذي يهذي من أمّ رأسه، والأميمُ حجر يُشْدخ به الرأس. وقال يزيدُ بن عبدِ المَدانِ الحارثيّ:
أحالَفْتُمُ جَرْماً علينا ضَغينةً ... عَداوتُكم في غيرِ جُرْمٍ ولا دمِ
كفانا إليكُم حَدُّنا وحَديدُنا ... وكَفٌّ متى ما تطلبِ الوِتْرِ تَنْقَمِ
جَرْمٌ قبيلةٌ، وقولُهُ في غير جُرْمٍ أي في غير ذنْبٍ وحدّنا يعني بأسُنا مأخوذٌ من حدّ السّيفِ، وحديدُنا أي قوّتنا، وكفانا وكفّا من بابِ التجنيس المُغايرِ، وسيأتي ذكرُه.
وقال آخر:
بانَتْ رميمُ وأمْسى حبْلُها رِمَمَا ... وطاوَعَتْ بكَ من أغرى ومَنْ صَرَما
رميمُ اسمُ امرأة.
ومنه: ب - تجنيسُ اللفظِ وربما سمَّوْهُ المُطْلَق.
قال جرير:
حلأّتِ ذا سَقمٍ يَرى لشِفائِهِ ... وِرْداً ويمْنَعُ إنْ أرادَ وُرُودا
فيه جناسٌ وطباق. وقال ذو الرُّمّة:
تَرى القِلْوةَ الحَقْباءَ منها كفارِكٍ ... تصدّى لعَينَيْها فصدّتْ حليلُها
حليلُها فاعل، تصدّى وصدّت تجنيسٌ باللفظِ مُطابق بالمعنى لأنّ التصدي خلافُ الصُّدود.
وقال الأفْوَهُ الأوْدِيّ:
وأقْطَعُ الهَوْجَلَ مُستأنِساً ... بهَوْجَلٍ عَيْرانَةٍ عَنْتَريسِ
الهَوْجَلُ البَرّيةُ الواسعةُ، والهَوْجَلُ الناقةُ السّريعة.
وقال النابغة:
وأقْطَعُ الخَرْقَ بالخَرْقاءِ قد جعلَتْ ... بعدَ الكَلالِ تَشكّى الأيْنَ والسّأَما
وقال مِسكين الدارميّ:
وأقطعُ الخَرْقَ بالخَرْقاءِ لاهيةً ... إذا الكواكبُ كانت في الدِّجى سُرُجا
الخَرْقُ البَرِّيةُ العظيمةُ والخَرْقاءُ الناقةُ التي تتخرّقُ في الجَري.
وقال القُطاميّ:
صَريعُ غَوانٍ راقَهُنّ ورُقنَهُ ... لدُنْ شَبَّ حتى شابَ سُودُ الذّوائِبِ
فشبَّ، شابَ، تجنيسُ لفظ، وهو طِباقٌ لأنهما ضِدّانِ من الشَبابِ والشَّيْبِ. وقال عليُّ بنُ جَبَلة:
ورَدّ البِيضَ والبيضَ ... الى الأغْمادِ والحُجُبِ
(1/11)

يقول: كَفا الحربَ بهيبتِهِ وصانَ النسوانَ بسطوتِه. وهذا بيتٌ حسنٌ المقابلةِ لأن البيضَ الأولى هي السيوفُ، فبدأ في المصراعِ الثاني بذكرِ الأغمادِ، والبيضُ الثانية هي النساءُ فأخّر ما يتعلق بِهنّ وهي الحُجُب.
وقال ابن أحْمَر:
لَبِسْنا حِبْرَهُ حتّى اقْتُضينا ... بأعمالٍ وآجالٍ قُضينا
قيل فيه الاقتضاء طلبٌ، والقضاء أداء. فاللفظُ تجنيس، والمعنى تطبيقٌ. ويجوز أن يكون قضين قُدِّرن وعُلمْنَ، فيكون تجنيساً لفظياً فقط، وهو عندي أمْثَل من الأوّل.
وقال القُحَيْف:
وكيف ولا يَجري غُرابٌ بغُرْبَةٍ ... ولا تُذكَرُ الأُلاّفُ إلا تَبَلّدا
وقال أسْماءُ بنُ خارجة:
إني لسائِلُ كُلِّ ذي طِبِّ ... ماذا دَواءُ صَبابةِ الصَبِّ
وقال أيضاً:
إذ ليسَ غيرُ مَناصِلٍ نَعصا بها ... ورِحالِنا وركائِبِ الرّكْبِ
وقال القُحَيْف:
حياً وحَياةٌ ما تَضُرُّ جُنودُهُ ... بريئاً وتختصُّ الأثيم المُعتلا
وقال سعدُ بن الغُرَيْر الأنصاري:
أحُرٌّ هِجانٌ أم هَجينٌ مُعَلْهَجٌ ... تُغادي الشروبَ أمُّهُ وتُراوِحُ
وقال أبو جِلدة:
وتجنّيْتُمُ الذُّنوبَ ضَلالاً ... وبكَيْتُمْ للظّالِم المظلومِ
الظالم ضد المظلوم وهُما مُشتقانِ من الظُّلمِ تجنيسٌ وطباقٌ.
وقال القُطاميّ:
وعليكِ أسماءَ بنَ خارجةَ الذي ... علِمَ الفَعالَ وعلّم الفِتيانا
علِمَ وعلّمَ تجنيسٌ باللّفظ مُطابقٌ من أجل أنّ علِمَ قبولُ شيءٍ وعلّم بذْلُه، والبذلُ ضدُّ القبول لأن هذا أخذ وهذا أعطى. وقال عُقال بن هاشمي القَيْني:
فجهدُ الناسِ غيرُ بنى عَليٍّ ... علَيّ إذا رمى الضَرَمُ الشَرارا
ومنه: ج - التجنيسُ المغايرُ: وهو أن يأتي الشاعرُ بكلمتين: إحداهما اسمٌ والأخرى فعلٌ، كقوله تعالى: " وأسْلَمْتُ معَ سُلَيْمان "، وكقولهِ تعالى: " إني وجّهتُ وجهي " وقوله تعالى: " أزِفَتِ الآزِفَة "، وقوله تعالى: " أنا آتيكَ به قبْلَ أن تقومَ من مَقامِكَ "، وقوله تعالى: " فلا نُقيمُ لهُم يومَ القِيامةِ وَزْنا "، وقوله تعالى: " وإذا أنْعَمْنا على الإنسانِ أعْرَضَ ونأى بجانبِه وإذا مسّه الشرُّ فذو دُعاء عريض ". فأعرضَ وعريض تجنيسٌ مُغايرٌ. وهذا التجنيس يستحسنُه أهلُ البديعِ في الشِّعرِ وهو كثيرٌ جداً، وإنما نذكرُ منهُ طَرَفاً يسيراً للتأنُّسِ به والاستراحةِ إليه. وقال امرؤ القيس:
لقد طمِحَ الطَمّاحُ من بُعْدِ أرضِهِ ... ليُلْبِسَني من دائِهِ ما تلَبَّسا
وقال الشّنْفَرى:
فَبِتْنا كأنّ البيتَ حُجِّرَ فوْقَنا ... بريحانةٍ رِيحَتْ عِشاءً وطُلَّتِ
وقال الأقرعُ بنُ مُعاذ:
وأنتَ رَهينُهُنّ وكلُّ حَيٍّ ... الى أجلٍ ستشَعبه شَعوبُ
شَعوبٌ اسمٌ من أسماء المنيّةِ. وقال ذو الرّمّة:
كأنّ البُرَى والعاجَ عِيجَتْ مُتونُه ... على عُشَرٍ نَهّى بهِ السَّيْلَ أبطَحُ
وقال عَمرو بن خالد التّغلبيّ:
لحِقوا على لُحُقِ الأياطلِ كالقَنا ... قُودٍ تُعَدُّ لكل يومِ غِوارِ
وقال عِقالُ بنُ هاشم القَيْنيّ:
الشّيْبُ يَنْهى من يكونُ له نُهىً ... والحِلْمُ يزْجُرُ جهلَهُ فيوقَّرُ
وقال أيضاً:
حَوْراءُ مثلُ مَهاةِ وحشٍ صارَها ... بمكانِسِ الصِّيرانِ طفلٌ أحْوَرُ
صارَها أمالَها، صُرْتُ الشيءَ أصُورُه، وأصَرْتَهُ أمَلْتهُ، والاسم الصَّوَر. والصيران بقرُ الوحش. وقال العَرْجي:
وأسري إذا ما ذو الهَوى هالَهُ السُّرَى ... وأُعمِلُ ليلَ الناجياتِ العواملِ
وقال دُرَيْد بن الصِّمّة:
أُقَدِّمُ العُودَ قُدّامي فأتْبَعُهُ ... وقد أراني ولا يَمشي بي العُودُ
وقال الآخر:
جَرّى الخيول ابنُ ليلى وهي ساهِمةٌ ... حتى أغَرْنَ مع الظلماءِ إذ ظُلِما
وقال الآخرُ وهو من بني عبس:
أبلغْ لديكَ أبا سعْدٍ مُغَلْغَلَةً ... أنّ الذي بينَنا قدْ ماتَ أو دَنِفا
(1/12)

وذلكم أنّ ذُلَّ الجارِ حالَفَكُمْ ... وأن أنْفَكُمُ لا تأنَفُ الأنَفا
وقال آخر:
وقد باكَرَتْنا أمُّ بكْرٍ تلومُنا ... وليسَ علينا اللومُ فيه كبيرُ
وأنشدَ ثعلبُ عن عما بن أبي تمام الأعرابي:
تَفَقْعَسَ حتى فاتَهُ المجدُ فَقْعَسٌ ... وأعْيا بنو عَيّا وضَلّ المُضَلِّلُ
هذه قبائل. ومنه:
التجنيسُ المُقارب
ومعناهُ أنه يُقاربُ التجنيسَ وليس بتجنيس، كما قال محمدُ بن عبد الملِك الأسَديّ:
ردَّ الخليطُ أيانِقاً وجِمالا ... وأرادَ جيرتُك الغَداةَ زِيالا
ردّ وأراد يُشبهُ التجنيس للتقارب وليسَ بتجنيس.
وقال القِطاميّ:
كأنّ الناسَ كلَّهُمُ لأمٍّ ... ونحنُ لعلّةٍ علَتِ ارتفاعا
وقال الأعرابي:
أخو شُقّةٍ يشتاقُه المجدُ فُرصةً ... الى أهلِهِ أو ذمةً ليس تُخْفَرُ
وقال أبو قيسٍ بن الأسلت:
أعدَدْتُ للأعداءِ فَضْفاضَة ... مَوضونَةَ كالنّهْي بالقاعِ
ومثلُهُ قولُ قيس بن زهير:
يُعدّونَ للأعداءِ كُلَّ طِمِرّةٍ ... وأجردَ محبوكِ الخصائلِ صِلْدِمِ
وقال لبيد:
لو كان غيري، سُلَيْمى، اليومَ غيّرهُ ... وقعُ الحوادثِ إلا الصّارمُ الذَّكَرُ
سُلَيمى، اسم امرأة وهو مُنادَى، ومعناهُ: لو كان غيري، غيْر الصارم الذكر، غيّرَهُ وقعُ الحوادث. فرفع الصارمَ الذّكرَ على الصفة. كما قيل:
وكلُّ أخٍ مُفارقُهُ أخوهُ ... لعمرُ أبيكَ، إلا الفَرْقَدانِ
وقال سعيد بن عبد الرحمن بن حسّان:
تلافيت عثْرَتَه بعد ما ... تمالى الموالي على قَتْله
وقال كعبٌ الأشقريّ:
ودُرْنا كما دارَتْ على قُطبِها الرَّحا ... ودرّتْ على هامِ الرجالِ الصفائحُ
وقال زهيرُ بن أبي سُلمى:
كأنّ عيني وقد سالَ السَّليلُ بهِمْ ... وجيرَةٌ ما هُمُ لو أنّهُمْ أمَمُ
هذا البيت أدخلَهُ ابنُ المعتز في المجنَّس المَحْضِ. وأنا ما رأيته من ذلك الباب لأن السّليل من الانسلالِ وهو الخروج من الشيء، كما تقول انسلّ الرجلُ من ثوبِه إذا خرج منهُ، وسالَ الماءُ يسيلُ من السيلان وهو الجَرْي، ومنه السّيْلُ وهو الماءُ المُتدافِع. وهذا التجنيسُ متقاربٌ متشابهُ غير محضٍ. وابن قُدامة تبعَ ابن المعتز في ذلك. وقال ركّاضٌ الأسدي:
رأتْكَ تُسيرُ العِيرَ في سَوْرَةِ الضُّحى ... إليها فقالتْ سمْعُ أذنيَ قائِلُهْ
تسيرُ وسَوْرة مُقارِبٌ للتجنيس ومنه:
تجنيس المعنى
وهو أن يأتي الشياعر بألفاظٍ يدلّ معناها على الجناس وإن لم يذكره. قال الشاعر يمدحُ المُهلَّب:
حَدا بأبي أمِّ الرِّيال فأجفلتْ ... نَعامتُه من عارِضٍ يتهلَّبُ
يذكرُ فِعْلَ المهلَّبِ بقَطريّ بن الفُجاءةَ، وكان قَطَريّ يلقبُ أبا نعامة فأراد أن يقول: حَدا بأبي نعامة فأجْفَلتْ نعامتُهُ أي روحُه فلم يستقِمْ له فقال بأبي أم الرئال النعامة، وهو جمع رأْل. وقال حُريثُ بن مُحَفِّض المازني:
فإنْ يأتِنا يرجِعْ سُوَيْدٌ ووجهه ... عليهِ حِبابا غُبرَةٍ وقَتامِ
أراد أن يقول: سَواد فلم يمكنه فقال غُبْرَةٌ وقَتامُ، وهما أسودان. وقال الشّمّاخ:
وما أرْوى وإنْ كرُمَتْ علينا ... بأدنى من موقّفةٍ حَرونِ
ويُروى حَزون أي هي بالحَزَن من الأرضِ وهو ما غلُظَ وارتفع من الأرض، وأرْوى امرأة، والموقَّفةُ الحَرون أروى من الوحشِ وبها سُمّيت المرأةُ، فلم يمكنْهُ أن يأتي باسْمها فأتى بصفتِها كأنّه قال: وما أروى هذه بأدنى من أرْوِيّة الوحشِ. وقال الكندي:
قولا لدودانَ عَبيدِ العَصا ... ما غرّكُمْ بالأسدِ الباسلِ
دُودان من بني أسد، يُقال لهم عَبيدُ العَصا فكأنه أرادَ قُولا لبني أسد، ما غرّكُم بالأسَدِ البايل. وقال المطرودُ الخُزاعي:
الضاربينَ الكَبشَ يَبْرُقُ بَيْضُهُ ... والمانعينَ البيضَ بالأسيافِ
(1/13)

هذا البيتُ فيه عدةُ وُجوه: منها التلميعُ وهو الضاربين والمانعين، ومنها تجنيسُ اللفظ وهو البَيْضُ والبِيضُ، وتجنيس المعنى وهو البِيض يعني النساء، والأسيافُ جمع سَيْف في القلةِ، والأسياف البيضُ. فكأنه أراد أن يقولَ: والمانعين البِيضَ بالبيض فلم يَسْتَوِ له فقال: والمانعينَ البيض بالأسيافِ. ومنه:
المُجَنَّسُ المُطْمع
وهو أن يأتي الشاعرُ بكلمة ثم يبدأ في أختها على وفْقِ حُروفِها فيُطمِعَ في أنه يجيءُ بمثلِها فيُبدِل في آخرِها حرفاً بحرف، وهو حسَنٌ في التجنيس. قال الحطيئة:
مطاعينُ في الهَيْجا مطاعيمُ في الدُّجى ... بَنى لهُمُ آباؤهمْ وبنى الجدُّ
وقال مُزَرِّد:
تُراوِحُ سَلْمى دارَها كلُّ رَعْلَةٍ ... غَرابيبُ كالهندِ الحوافي الحَوافِدِ
وقال أبو كَدْراء العِجْلي:
نهضتُ الى حديدٍ مَشْرَفيٍّ ... حديثِ الصّقلِ مأثورٍ حُسامِ
وقال الخَطيمُ المحرزيّ:
لَياليَ شهرٍ ما أُعرِّسُ ساعةً ... وأيامَ شهرٍ ما أعرِّجُ دائِبِ
أطمَعَ أنه يُجنس أعرِّس فقال أعرِّج فأبدلَ الجيمَ من السّين. فاللفظ تجنيسٌ ممُطمِع، والمعنى تطبيق، لأن التعريسَ في آخر الليلِ والتعريجَ في آخر النهار. وقال أبو بكر بن حَنظَلة العَنْزيّ:
مُفيدٌ مُفيتٌ ما تجيءُ دراهمي ... إذا جِئنَ إلا عابراتِ سبيلِ
هذا مُجنَّسٌ مطمِع مطابِقُ المعنى واللفظ، وذلك أنّ المفيد الجامع والمفيت المفرِّق، ومنه:
التجنيس المُبذَل
وهو قريب من المُطْمِع. قال الزِّبْرَقان بن بدر:
فُرْسانُ صِدْقٍ في الصباحِ إذا ... كثُرَ الصِّياحُ ولُجَّ في النَّفْرِ
أبدلَ الياءَ من الباء. وقال علْقَمةُ بن عَبَدَة:
أطعْتَ المُشاةَ والوُشاةَ بصَرْمِها ... فقد وهنتْ أسبابُها للتّقَضُّبِ
أبدلَ الواوَ من الميم. وقال العُدَيْل:
أخا شُقّةٍ قد شفّهُ دَلَجُ السُّرَى ... يَبيتُ يرومُ الهَمَّ كلَّ مَرامِ
أبدلَ الفاء من القافِ. وقال خُفافُ بن نَدْبَة:
بالضّابِطِ الضابعِ تقريبُهُ ... إذْ وَنَتِ الخيلُ وذو الشاهِدِ
أبدلَ العينَ من الطاء. وقال جوّاسُ بنُ القَعْطَل:
شهدتُ لها وغابَ أبو بُرَيْدٍ ... مجالسَ لو رآها الشيخُ غارا
غابَ وغارَ أبدلَ الراءَ من الباء. وقال عمرو بن شَأس:
نحنُ الذينَ لحِلْمِنا فضْلُ ... قِدْماً وعندَ خطيبنا فَصْلُ
أبدل الصادَ من الضادِ. وقال عِمْران بن حِطّان:
إنْ تَقُدْهُ تقُدْ شَديداً سَديداً ... فهو يمشي كمِشْيَةِ المُخْتالِ
أبدلَ السّينَ من الشين. وقال كعبُ بن جُعَيْل:
فتسْمَحُ لي بالدمعِ حُزْناً لذكرِهِ ... وتسفحُ منه لا بكيئاً ولا نَزْرا
أبدلَ الفاءَ من الميم. وقال أبو حيّة النُّمَيْريّ:
وكأنّما جُعِلَتْ لهُنّ رَوادِفاً ... كُثُبٌ رواجفُ من سَماءِ جُرادِ
جُرادُ اسمُ رملةٍ. أبدلَ الجيمَ في رواجف منَ الدال في روادف.
وقال المُلَيْحُ الهذليّ:
أفي أربُعٍ فيهنّ للريحِ مَدْرَجٌ ... ومَغْدًى على معروفهِنّ ومَدْلَجُ
أبدلَ اللامَ في مَدْلجٍ من الرّاء في مَدْرَجٍ. وقال معْنُ بن أوسٍ:
وقد قُلتُ إذ قامَتْ وقالتْ فأعْرَضَتْ ... تجُرُّ قَشيباً من حَبيرٍ ومِجْسَدا
أبدل اللامَ في قالت من الميم في قامَتْ.
والشعرُ في هذا الباب كثيرٌ وفيما نذكرُه من الأمثلةِ وفي غيره مَقْنَعٌ لمن أراد، إنْ شاءَ اللهُ تعالى. ومنه:
المجنس المختلف
أنشدَني اليَزيديّ:
بكرومٍ وبدورٍ وقَنا ... تتثنّى فوقَ كُثْبانِ النَّقا
قنا ونقا مجنَّس مختلف.
وقال الحارثُ بن خالد المخزومي:
وكَلِفْتُ منهنّ الغَدةَ بغادةٍ ... ممْكورةٍ جُدِلَتْ كجَدْلِ عِنانِ
وقال أبو دَهْبَل:
قد كانَ في آلِ موسى قبْلَهُ جسَدٌ ... عِجْلٌ إذا خارَ فيهم خَوْرَةً سَجَدوا
وقال حُمَيْد بنُ ثوْرٍ:
نضعُ الزيارةَ حيثُ لا يُزري بنا ... شَرَفُ المُلوكِ ولا يَخيبُ الزُوَّرُ
(1/14)

قِيلَ للأصمعي: إن أبا تمام الأعرابي قال: إنما هو سَرفُ الملوك بسين غير معجمة، قال الأصمعي: أخطأ الرجلُ، أما تعلَم أنّه يكونُ شرفٌ دون شرفٍ دونَ أزرى بنا، قلت هذا شرحٌ كما تراه. والذي ذهب إليه أبو تمام الأعرابي وجْهٌ مقبول. ومن أجودِ ما يُروى في هذا الباب قول الطائي وهو:
بِيضُ الصفائِحِ لا سودُ الصحائِفِ في ... مُتونِهِنَّ جلاءُ الشكِ والرِّيَبِ
ومنه:
تجنيسُ الخَطّ
ويُسمى التصحيف وهو أن تردَ الكلمتان فلا يفَرَّق بينهما إلا بالنقْط. قال الله تعالى: (وهُمْ يحسَبون أنهم يُحسِنون صُنْعاً) وقال عُرْوةُ بن جَندل الفَقْعَسي:
لياليَ أسبابُ المودةِ بيننا ... على البُخْل أحلى عندنا من جَنى النَحْلِ
البُخْل والنَحْل تجنيسُ الخَط. وقال الفرزدق:
عزَفْتَ بأعشاشٍ وما كِدْتَ تعزِفُ ... وأنكرْتَ من حَدراءَ ما كنتَ تعرِفُ
تعزفُ وتعرفُ تجنيس الخط. وقال أبو دُؤاد الإيادي:
ورَدْتُ بعَيْهامةٍ جَسْرةٍ ... فغبَّتْ سِمالاً وهبّتْ شِمالا
وقال الأفْوَهُ الأوْدي:
حتى حنَى منّي قَناةَ المطا ... وقنّعَ الرأسَ بلَوْنِ خَليس
وقال ابنُ قيس الرُّقَيّات:
رَجَعوا منكَ لائمينَ فكلٌ ... راحَ من عندِكم حزيناً حَريبا
وقال بَلعاءُ بنُ قيس:
إلى رَوْضٍ به نفَلٌ وبقْلٌ ... يُغنّي في أسرّتِه الذُّبابُ
نفلٌ وبَقْل تجنيس الخط. وقال عبَيْدُ بنُ ماوِيَةَ الطّائي:
ونُعْمُ بما أرْسَلَتْ بالَها ... ونالَ التّحيّةَ مَنْ نالَها
وإني لَذو مِرّةٍ مُرّةٍ ... إذا ركِبَتْ حالةٌ حالَها
وقال الفرزدق:
وما وجدَ الشّافونَ مثلَ دمائِنا ... شِفاءً ولا الساقون من عسَلِ النّحلِ
ومنه تجنيس البَعْض: قال القُطاميّ:
بأحسنَ من جُمانةَ يومَ رَدّوا ... جِمالَ البَيْنِ واحْتَملوا نهارا
جُمانة وجِمال تجنيسُ البَعض. وقال أيضاً:
وكانتْ ضَرْبةً من شَدْقَمِيٍّ ... إذا ما اسْتنّتِ الإبلُ استِناعا
استنّتْ واستناعاً مُجنَّس البعض. وقال الطمّاح العُقَيْلي:
مَخَبُّ مَخاضِ ابنَيْ قُشَيْرٍ كأنّها ... نَعامٌ بجِزّان الحَزابيِّ توسَقُ
وقال عبدُ الله بن عبد الأعلى:
وكمْ منْ حديدٍ قدْ تخوَّنَهُ البِلى ... ومنْ مَعْقِلٍ خانتْ قِواهُ القَواعدُ
وقال مالك بنُ عوفٍ النَّصْري:
مِخْرادِ دَلٍّ فلا عِيٌّ ولا سَنَةٌ ... والخَلْقُ مثلُ عَسيبِ الغابةِ الغادي
وقال العُجَيْرُ السَّلوليّ:
تَروّى منَ البَحْرَيْنِ ثم تروّحَتْ ... بهِ العينُ يُهديهِ لظَمياءَ ناقِلُهْ
تروّى وتروّحَتْ مُجنَّسُ البعض، وتروّى وظَمْياء تطبيق. وقال أبو الجُويريَة:
ومُسْتأسِرٍ للبَردِ قوّمْتُ رأسَهُ ... مُكارهةً والليلُ مستأنفٌ طِفْلُ
مُستأسِرٌ ومستأنفٌ مجنّس البعض. وقال أبو الطَّمَحان القَيْني:
ألا ليتَني أوْدَيْتُ إذ أنا صالِحٌ ... وإذْ أنا جانٍ للعدوِّ وجارِحُ
جانٍ وجارحٌ مجنَّسُ البعض. وقال أسدُ بنُ كُرْزٍ البَجَليّ:
صناديدُ أيْسارٌ مداعيسُ بالقَنا ... مساعيرُ في الهَيْجا مَسافيكُ للدَّمِ
مساعيرُ ومسافيكُ مجنسُ البعض. وقال القُطامي:
حتى تَرَى الحُرّةَ الوجْناءَ لاغِبَةً ... والأرْحَبيَّ الذي في خَطْوِهِ خَطَلُ
خطوه وخطلُ مُجنس البعض.
ومنه
المجنسُ المُتَمَّم
وهو أن يأتي الشاعرُ بكلمة ثمّ يأتي بأُخْتِها إلا أنه يتمِّمُها بحرف أو حرفين من غير حُروفهما. قال حمَلُ بنُ بَدْر:
لَقينا ولاقَونا بجُرْدٍ معَدَّةٍ ... تكنَّفُ فيهنَّ القَنا والقَنابلُ
القَنا والقَنابلُ مجنسٌ متمَّم. وقال حسّان في مثلِه:
وكنّا متى يَغْزُ النبيُّ قبيلةً ... نصِلْ حافَتَيْهِ بالقَنا القَنابِلِ
وقال عمرو بنُ شأس:
تذكّرتُ ليلى والرِّكابُ كأنّها ... قَطا مَنْهَلٍ أمَّ القَطاطَ فلَعْلَعا
وقال عُقبةُ بنُ كعب بن زهير:
(1/15)

وكَرّتْ بألحاظِ المَها وتبسّمَتْ ... بعَجْفاءَ عن غُرٍّ لهُنّ غُروبُ
غرٌّ وغروبٌ تجنيسٌ مُتمم. وقال النابغةُ الجَعْدي:
لها نارُ جِنٍّ بعْدَ إنسٍ تحوّلوا ... وزال بهم صرْفُ النّوى والنوائِب
وقالت الخنساء:
إنّ البُكاءَ هوَ الشِّفا ... ءُ منَ الجَوى بيْنَ الجوانِحْ
وقالت أيضاً:
فقَدْ فقَدَتْكَ رَعْلَةُ واستراحَتْ ... فليْتَ الخيلَ فارسُها يَراها
وقال الأخنسُ بنُ شِهاب:
وحامي لواءٍ قد قتَلْنا، وحامِلٍ ... لواءَ منَعْنا، والرماحُ شَوارعُ
فقولُه حامي وحامِل جناسٌ متمَّم، وفي البيت ترصيع. وقال كعبُ بن زهير:
ولقَدْ علِمْتِ وأنتِ غيرُ حَليمةٍ ... ألاّ يُقرِّبُني الهَوى لهَوانِ
ومن مَليحِ هذا القِسْم من التجنيس قولُ الطائي؛ أخْبَرني عبدُ الرحمن الواسطي بقراءتي عليه قال: أنبأَني ابنُ خَيْرون عن الجَوْهَري وابنِ المُسْلمة قالا: أخبرَنا المرزباني عن شُيوخه قال: استَنْشَدَ عُمارةُ بن عَقيل بن بلال بن جرير أصحابَ أبي تمّام شيئاً من شِعْرِه فأنشَدوه:
إذا ألْجَمَتْ يومً لُجيْمٌ وحولَها ... بنو الحِصْنِ نجْلُ المُحصَناتِ النّجائِبِ
فإنّ المَنايا والصّوارِمَ والقَنا ... أقاربُهُم في الرّوعِ دونَ الأقاربِ
إذا الخيلُ جابَتْ قسْطَلَ النّقعِ صدّعوا ... صُدورَ العَوالي في صُدورِ الكتائبِ
يمدّون من أيْدٍ عَواصٍ عَواصمٍ ... تَصولُ بأسْيافٍ قَواضٍ قواضِبِ
فقال عُمارة: لله دَرُّه! كأنّ ردّاتِه ردّاتُ جرير، فسمّى التجنيس ردّاتٍ. قوله: عواصٍ وعواصم، وقواضٍ قواضِب من مستحسن التجنيس المُتمم. ومنه:
تجنيسُ القَوافي
قال النابغة الذبياني:
ترى الراغبينَ العاكفينَ ببابِه ... على كل شِيزَى أُترِعَتْ بالعَراعِرِ
لهُ بفناءِ البيت دهماءُ جَوْنَةٌ ... تلَقّمُ أوصالَ الجَزورِ العُراعِرِ
العَراعر الأسْنمة، والعُراعر الضّخْمَة الكبيرة. وقال قيسُ بن زهير:
أظنُّ الحِلْم دلّ عليّ قومي ... وقد يُسْتَجْهَلُ الرّجلُ الحليمُ
وكم مارَسْتُ في دهري رِجالاً ... أُباةً لا تُغِبُّهُمُ الحُلومُ
الحليمُ: الرجلُ ذو الحِلْمِ، والحُلوم: جمع حِلْم، ولما اختلفَ المعنى حسُنَتْ المُقاربةُ بين الكلمتين. وقال العَرْجيّ:
سمَّيْتَني خَلَقاً لحُلّةٍ خلقَتْ ... ولا جديدَ إذا لم يُلبسِ الخَلَقُ
ارجِعْ الى الحَقِّ إمّا كُنتَ قائِلَهُ ... إنّ التخلُّق يأتي دونَهُ الخُلُقُ
وقال أعشى بني أبي ربيعة:
أبو العِيصِ والعاصي وحرْبٌ ولم يكنْ ... أخٌ كأبي عَمروٍ يُشَدُّ به الأَزْرُ
صَفَتْ منهمُ الأعراضُ من كلِّ ريبةٍ ... تُخافُ وطابت في معاقدِها الأُزْرُ
وقال عمرو بن امرئ القيس الأنصاري:
خالَفْتُ في الرأيِ كلَّ ذي فجَرٍ ... يا مالِ والحقُّ غيرُ ما نَصِفُ
نمشي الى الموتِ من حفائِظِنا ... مَشْياً ذَريعاً وحُكمُنا نَصَفُ
نصِفُ من الوصف، ونَصَفٌ من النَّصَفة. وقال أشيمُ بن شَراحبيل:
إذا سألتَ تميماً عن شِرارِهِمِ ... فاطلُبْ أُسيِّدَ حتى تُدرِكَ السَّلَفا
مثل الإماءِ إذا ما جُلْبةٌ أزِمَتْ ... لا يَيْسَرون ولا تَلْقى لهم سُلَفا
السَّلَفُ الماضي والسُّلَفُ الطعام اليسيرُ يُقدَّم قبلَ الغَداء، واحِدتُهُ سُلَفَة بالضم، ومن ذلك قولهم سلَّفْتُ الرَّجُلَ تَسْليفاً، وإذا أطعَمْتَهُ شيئاً معَجَّلاً قبلَ غدائِهِ. وقال ابنُ عبْدَلٍ الأسَدي:
وإنّي لأستَغْني فما أبْطَرُ الغِنَى ... وأعرِضُ معْروفي على مُبْتَغي عَرْضي
وأُعْسِرُ أحياناً فتَشْتَدُّ عُسْرَتي ... وأدرِكُ ميْسورَ الغِنى ومعي عِرْضي
وقالت جُمانةُ العَبْسيّة:
أبي لا يَرى أن يُسلَبَ اليومَ دِرْعَهُ ... وجَدّي يَرى أنْ يأخُذَ الدِرعَ من أبي
(1/16)

فرأيُ أبي رأيُ البخيلِ بمالِهِ ... وشيمةُ جدّي شِيمةُ الحالفِ الأبي
وأنشدَ ابنُ الأعرابي:
شِرابُه كالحَزِّ بالمَواسي ... ليسَ برَيّانَ ولا مُواسِ
أراد بشِرابِهِ مُشاربَتَه. وقال أبو دهْبَل:
أليس عزيزاً أن تكوني ببَلدَةٍ ... كِلانا بها ثاوٍ ولا نتكلّمُ
مُنعَّمَةٌ لو دبَّ ذَرٌّ بجِلْدِها ... لكادَ دَبيبُ الذَرِّ بالجِلْدِ يُكْلَمُ
وقال عمرو بن قَميئة:
أولئكَ قومي آلُ سعْدِ بنِ مالِكٍ ... تمالَوْا على ضِغْنٍ عليّ وإلغافِ
فكلّ أناسٍ أقربُ اليومَ منهُمُ ... إليّ ولو كانوا عُمانَ أولي الْغافِ
الإلغاف الجَوْر والظلم، وقوله: أولي الغاف أي أصحاب الشجر وأنشدَ المدائني للخليل بن أحمد:
يا وَيْحَ قلبي من دواعي الهوى ... إذْ رحَلَ الجيرانُ عندَ الغُروب
أتْبَعْتُهم طَرْفي وقدْ أمْعَنوا ... وفَيْضُ عيْنيَّ كفيْضِ الغُروبْ
بانوا وفيهم حُرّةٌ طَفْلَةٌ ... تفْتَرُّ عن مكنونِ حَبِّ الغُروبْ
الغروبُ الأول غروبُ الشمس، والثاني جمْعُ غَرْب وهو الدلو الكبيرة، والثالثُ الكُفُرَّى وهو الطّلْع.
وأنشد أبو العبّاس ثعْلَب:
أتعرِفُ أطلالاً شَجَوْنَكَ بالخالِ ... وعيْشَ زمانٍ كان في العُصُرِ الخالي
لياليَ ريْعانُ الشبابِ مسلَّطٌ ... عليّ بعِصْيانِ الأمارَةِ والخالِ
وإذْ أنا خِدْنٌ للغَويّ أخي الصِّبا ... وللغَزل المرّيحِ ذي اللهوِ والخالِ
ليالي تُكْنَى تسْتَبيني بِدَلِّها ... وبالنّظرِ الفتّان والخدّ والخالِ
إذا سكنَتْ رَبْعاً رَئِمْتَ رِباعَها ... كما رَئِمَ المَيْثاءَ ذو الرَّيْثةِ الخالي
ويقتادني منها رخيمٌ دلالُهُ ... كما اقتادَ مُهْراً حين يألفُه الخالي
الخالُ الأول موضع، والثاني الماضي، والثالث العُجْب، والرابع الذي لا زوجةَ له، والخامس النّقطةُ السوداء، والسادسُ الذي ليسَ له مُعين، والسابع الذي يسوسُ الدّوابّ. ومنه:
التنجيسُ المماثل
وهو أن تكونَ الكلمتان اسْمَيْن أو فِعلين كما قال الله تعالى: " فَرَوْحٌ ورَيْحان "، اسمان، وكقوله تعالى: " وجنا الجنّتَيْن دانٍ "، وقوله تعالى: " يا أسَفي علي يوسفَ " وكقول النبي صلى الله عليه وسلم: " الظُّلْمُ ظُلماتٌ يوم القيامة "، وقوله صلى الله عليه وسلم: " لا يكونُ ذو الوجهين وجيهاً يوم القِيامة " وقال جرير:
فما زالَ معقولاً عِقالٌ عن النّدى ... وما زالَ محبوساً عن الخيرِ حابسُ
وقال النابغة الذبياني:
قالتْ أراكَ أخا رَحْلٍ وراحِلةٍ ... تَغْشى مَتالِفَ لنْ ينظِرْنَكَ الهَرَما
وقال سُحَيْم بنُ وَثيلٍ الرِّياحيّ:
وإنّي لا يعودُ إليّ قِرْني ... غَدةَ الغِبِّ إلا في قَرينِ
أي ومعَهُ آخر. وقال آخر:
لياليَ ليْلَى لم يُشَبْ عذْبُ مائِها ... بمَلْحٍ وحَبْلاها متينٌ قُواهُما
يعني حبْلَ مودّتِها له وحَبْل مودّته لها. وقال العجّاج:
وابنةُ عبّاسٍ قريعِ عبْسِ ... في قِنْسِ مجْدٍ فوقَ كلِّ قِنْسِ
القِنْس مَنبتُ كل شيء وأصلُهُ. وقال العُدَيْل بن الفَرْخ العِجْليّ:
بخالَةَ زارَتْنا فهاجَ خيالُها ... وزارَتْ بحُوّارينَ وهو شآمُ
وقال يزيدُ بنُ حُذَيْفَة الأسديّ:
دفَعْنا طَريفاً بأطْرافِنا ... وبالرّاحِ عنّا ولمْ يدْفَعونا
قد أوردنا من أقسامِ الجِناس ما فيه كفايةٌ واستدلالٌ به على غيرِه، فقِسْهُ واقتبِسْهُ إن شاءَ اللهُ تعالى.
ومن الألقاب التي قدّمْنا ذِكرَها في الشِّعر:
باب المطابقة
قد اختلفَ العُلماءُ في الطِّباق. قال الأخفشُ وقد سُئِلَ عنه: أجدُ قوْماً يختلفون في الطِّباق، فطائفةٌ، وهي الأكثر، تزْعُمُ أنّه ذِكرُ الشيء وضدِّه يجمعُهُما اللفظُ بهما لا المعنى. وطائفةٌ تخالِفُ ذلك فتقول: هو اشتراكُ المعنيين في لفْظٍ واحد كقول زياد الأعجَم:
(1/17)

ونُبِّئْتُهُمْ يسْتَنْصِرون بكاهِلٍ ... وللُّؤمِ فيهم كاهِلٌ وسَنامُ
فقولُه بكاهل: يعني القبيلة، وقولُه كاهل للعُضْوِ هو المطابقة عندهم. وقال: هذا هو التجنيس. وقال: من ادّعى أنه طِباقٌ فقد خالفَ الأصمعيَّ والخليل. فقيلَ له: أفكانا يعرفان هذا؟ فقال: سُبحان الله وهل مثلهما في عِلْمِ الشعرِ وتمييز خَبيثه من طيّبِهِ!. وقد أدخلَ قومٌ في الطباقِ نوْعاً من التقسيم، كقوْلِ كعبِ بن سعد:
لقدْ كان أمَّا حِلْمُهُ فمُرَوَّحٌ ... عليْنا وأمّا جهْلُه فعَزيبُ
لما رأوا ذكرَ الحِلم والجهلِ، ومروّح وعزيب، جعلوه في المطابق ولم يكن ببعيد منه، ولكنّه الى باب التقسيم أقرب. وقال الأصمعي: أصلُ الطِّباق أنْ يضعَ الفرَسُ رجلَهُ في موضِعِ يدِه وأنشد:
وخيْلٍ يُطابِقْنَ بالدارعي ... نَ طباقَ الكلابِ يطأنَ الهَراسا
وقال الخليل: طابقتُ بين الشيئين إذا جمعَهُما على حَذْوٍ واحدٍ وألصقَهُما. وأقول: إنّ الطِّباقَ من أحسَن محاسِن البديع؛ وهو أن يأتي الشاعر في البيت بالشيء وضدِّه. قال عبد الله بن الزبير الأسَدي:
رمَى الحدَثانُ نِسوَةَ آلِ حرْبٍ ... بمِقْدارٍ سمَدْنَ له سُمودا
فردّ شُعورَهُنّ السّودَ بِيضاً ... وردّ وجوهَهُنّ البيضَ سُودا
وقال زُهير:
ليثٌ بعَثَّرَ يصطادُ الرجالَ إذا ... ما اللّيثُ كذّبَ عن أقرانِه صَدَقا
وقال الفرزدق:
لعنَ الإلهُ بني كُلَيْبٍ إنّهمْ ... لا يغْدِرونَ ولا يَفونَ لِجارِ
يَستَيقِظونَ الى نُهاقِ حَميرِهِمْ ... وتنامُ أعينُهُمْ عنِ الأوْتارِ
أخذَهُ الفرزدق من قول ثُمامة الذُهلي:
قوْمٌ تنامُ عن الأوتارِ أعينُهمْ ... ولا تُنوَّمُ نوْكاهُمْ عن السَّرَقِ
وقال عمرو بن كلثوم:
بأنّا نورِدُ الرّاياتِ بِيضاً ... ونُصْدِرُهُنّ حُمْراً قد رَوينا
لو قال عمرو:
منَ الأسَلِ الظِّماءِ يرِدْنَ بيضاً ... ونُصْدِرُهُنّ حُمْراً قد رَوينا
لكان مُجيداً مُبدعاً في الطِباق بينَ الإيراد والإصدار، والبَياض والحُمْرةِ، والظِّماء والرِّيّ. وقد أخذ أبو الشّيصِ معنى بيت عمرو فتمّمَ منهُ ما نقصَ وقال:
فأوْرَدَها بِيضاً ظِماءً صُدورُها ... وأصْدرَها بالرِّيِّ ألوانُها حُمْرُ
فصار أخذهُ مُسْتَحْسَناً بكمالِ معناهُ وزيادةٍ بالجناسِ في: صُدورِها وأصدرَه. وقال الغطَمّشُ الضَبّيّ:
إذا نحنُ سِرْنا بينَ شَرْقٍ ومَغْرِبٍ ... تحرّكَ يقْظانُ الترابِ ونائِمُهْ
وقال الكُمَيت بن زيد:
وأرى الشَيْبَ والشَبابَ رِدائَي ... نِ مصوناً وبِذْلَةً مَنْشورا
الشّيْبُ والشبابُ، والمَصونُ والمبتذلُ تطبيقٌ، وفيه استعارةٌ واحدة. وقال أبو صخْر الهُذَليّ:
أمَا والذي أبْكى وأضحكَ والذي ... أماتَ وأحْيى والذي أمْرُهُ الأمْرُ
وقال أوسُ بنُ مَغْراء:
فأخلَقَ حبْلُ الوُدِّ بيني وبينَها ... وكلُّ جديدٍ سوفَ يُصبِحُ بالِيا
وقال أبو دَهْبَل:
وصارَتْ قناةُ الدّينِ في كفِّ ظالِمٍ ... إذا اعْوَجّ منها جانِبٌ لا يُقيمُها
فيه طِباقٌ واستعارَةٌ حسَنة. وقال أبو جِلْدة اليَشْكُري:
إذا عدَلَتْ بالصّرْمِ والوَصْلِ عاقَها ... عن الصّرْمِ ميزانٌ من الحُبِّ راجِحُ
فيه طِباقٌ واستعارة. ولمّا جعلَ للحُبِّ ميزاناً جعلَ القرينةَ لفظيةً، وهي قوله راجِح. وهذا القِسم واسعٌ كثيرٌ يدلُّ عليه القليلُ اليَسير. ومنها:
باب التصدير
ويُلَقِّبُه قومٌ: ردَّ إعجازِ الكلامِ على صُدورِه، وهو أن يَبْتَدئ الشاعرُ بكلمة في البيت ثم يُعيدَها في عَجْزِه، أو نِصْفِه ثم يرُدّها في النصفِ الأخير. وإذا نُظِمَ الشعرُ على هذه الصّفةِ، تيسّرَ استخراجُ قوافيه قبلَ أن تطرُقَ أسماعَ مُسْتَمعيه. قال الأصمعي: من حسَنِ التصدير قولُ عامر بن الطُّفَيْل، وكذا قال جماعةٌ من نُقّاد الشِعر:
فكنتَ سَناماً في فَزارَةَ تامكاً ... وفي كلِّ حيٍّ ذِرْوَةٌ وسَنامُ
وقال قومٌ: بل من جيّدِ التصدير قول جرير:
(1/18)

سَقى الرّمْلَ جوْنٌ مُستَهِلٌّ رَبابُهُ ... وما ذاكَ إلا حُبُّ مَنْ حَلّ بالرَّمْلِ
وقال آخرون: بل قولُ الأول من حسَنِ التّصدير:
سَريعٌ الى ابنِ العمِّ يشْتُمُ عِرضَهُ ... وليسَ الى داعي النّدَى بسَريعِ
وقال أناسٌ: قول ابنِ أحمر من جيّدِ ما قيلَ في التصدير وهو:
تغمَّرتُ منها بعدَ ما نفِدَ الصِّبَى ... ولمْ يَرْوَ من ذي حاجةٍ من تَغَمَّرا
التغَمّر الشُّرب القليل. وقال الفرزدق:
أصْدِرْ هُمومَكَ لا يقْتُلْكَ واردُها ... فكلُّ واردَةٍ يوماً لَها صدَرُ
ومنها:
باب الالتفات
وهو انصِرافٌ عن مخاطبةٍ الى إخبارٍ وعن إخبارٍ الى مخاطبة، وهو من بديع البديع. وقال جرير:
متى كان الخيامُ بذي طُلوحٍ ... سُقيتِ الغَيثَ أيَّتُها الخيامُ
أتذكرُ يومَ تصْقُلُ عارضَيْها ... بعُودِ بَشامةٍ، سُقِيَ البَشامُ
ويُروى:
أتَنْسى إذْ تُودِّعُنا سُلَيْمَى ... بعودِ بَشامَةٍ، سُقِيَ البشامُ
ومن الالتفات البارع قول النابغة:
ألا زَعَمَتْ بنو عَبْسٍ بأنّي ... ألا كَذَبوا، كبيرُ السنِّ فانِ
وقال آخر:
فإني إن أفُتْكَ يَفُتْكَ مني ... فلا تُسْبَقْ به، عِلْقٌ نفيسُ
وقال كُثَيِّر:
لوَ انّ الباخِلينَ، وأنتِ منهُم، ... رأوْكِ تعلّموا منكِ المِطالا
ومن هذا القِسْمِ اعتراضُ كلامٍ في كلامٍ لم يتمّ معناه، ثم يعود الشاعرُ إليه فيُتمُّهُ مرّة واحدة، وهو من جيّد الالتفات. قال طَرَفة:
فسَقى ديارَكِ، غيرَ مُفسِدِها، ... صوْبُ الربيعِ ودِيمةٌ تَهْمي
فقدْ تمّ المعنى بقولِه: غيرَ مُفسِدِها. وقال نافع بن خليفة الغَنَويّ:
رِجالٌ، إذا لمْ يُقْبَلِ الحقُّ منهمُ ... ويُعْطَوْهُ، عاذوا بالسيوفِ القواضِبِ
فتمّم المعنى بقوله: ويُعْطَوْهُ. ومنها:
باب الاستطراد
ومعنى الاستطراد خروج الشاعر من ذمٍّ الى مدحٍ أو من مدحٍ الى ذمّ. وللمُحدَثين في هذا الباب أشعارٌ كثيرة عجيبة. قال زهير:
إنّ البخيلَ ملومٌ حيثُ كان ول ... كنَّ الجَوادَ على عِلاّتِه هَرِمُ
استطردَ الكلامَ الي مدْحِ هرِم. وقال الفرزدق:
كأنّ فِقاحَ الأزْدِ حوْلَ ابنِ مِسْمَعٍ ... إذا عَرِقَتْ، أفواهُ بكرِ بنِ وائِلِ
استطرد الكلام الى ذمّ بكرِ بن وائل. وقد حَثا جريرٌ التّرابَ في وجه السابقِ الى هذا المعنى فضلاً عمّن تلاهُ، فإنّه استطرد باثنين في بيتٍ واحد وهو:
لمّا وضَعْتُ على الفرزدقِ ميسَمي ... وضَغا البَعيثُ جدَعْتُ أنفَ الأخطلِ
الضَّغُو والضُّغاءُ صوتُ الذليلِ المقهور وقال آخر:
أنتَ ابنُ بِيضٍ لعَمْري لستُ أُنكِرُهُ ... حقّاً يقيناً، ولكن مَنْ أبو بِيضِ؟
وقال بكرُ بنُ النطّاح في مالِك بن طَوْق وهو استطرادٌ من مدحٍ الى مدح:
عرضْتُ عليها ما أرادَتْ من المُنى ... لتَرْضَى فقالَتْ قُمْ فجِئْني بكَوْكَبِ
فقُلتُ لها: هذا التّعَنُّتُ كلُّهُ ... كمن يتَشهّى لحمَ عَنقاءَ مُغرِبِ
سَلي كلَّ أمرٍ يستقيمُ طِلابُه ... ولا تَذْهَبي يا دُرُّ، في كل مذْهَبِ
فأُقْسِمُ لو أصبحتُ في عِزِّ مالكٍ ... وقُدْرَتِهِ أعْيا بما رُمْتِ مَطْلَبي
فتىً شَقِيَتْ أموالُهُ بنَوالِهِ ... كما شَقِيَتْ قيسٌ بأرماحِ تغْلِبِ
وشبيهٌ بهذه الأبيات ما ذكرَهُ الأصفهاني في كتابه قال: قال أحمدُ بن عُبيد اللهِ بن عمّار: كنا عندَ المُبرِّد يوماً وعندَه فتىً من وُلْدِ أبي البَختريّ وهْب بن وهب القاضي، أمردُ حسَنُ الوجه، وفتىً من وُلْدِ أبي دُلَف القاسم بن عيسى العِجْلي شبيهٌ به في الجمال، فقال المبرد لابن أبي البَختري: أعرفُ لجَدِّكَ قِصةً طريفةً من الكرَم حسنةً لم يُسْبَقْ إليها، فقال الفتى: وما هي؟ قال: دفعِيَ رجُلٌ من أهلِ الأدبِ الى بعض المآدبِ فسقَوْهُ نبيذاً غير الذي كان يشربون، فقال:
نَبيذانِ في مجلسٍ واحدٍ ... لإيثارِ مُثْرٍ على مُقْتِرِ
(1/19)

فلو كانَ فِعلُكَ ذا في الطّعامِ ... لَزمتُ قياسَكَ في المُسْكِرِ
ولو كنتَ تفعَلُ فِعْلَ الكِرامِ ... صنعتَ صَنيعَ أبي البَخْتَري
تتبّعَ إخوانَهُ في البلادِ ... فأغْنى المُقِلَّ عن المُكثِرِ
فبلغتِ الأياتُ جدَّكَ فبعث الى الرّجل خمسمائة دينار. قال ابن عمّار: فقلت: وقد فعلَ جدُّ هذا الفتى في هذا المعنى ما هو أحسنُ من هذا، قال المُبرّد: وما هو؟ قلت: بلغني أن ابنَ أبي فَنَنٍ افْتَقَر بعد ثروةٍ، فقالت له امرأته: افْتَرِضْ في الجُنْدِ، فأنشأ يقول:
إليكِ عني فقد كلَّفْتِني شَطَطاً ... حَمْلَ السِّلاحِ وقوْلَ الدّارِ عينَ قِفِ
تمشي المنايا الى قومٍ فأكرَهُها ... فكيف أمشي إليها عاريَ الكتِفِ
حَسِبْتُ أنّ نفاد المالِ غيّرني ... أو أن قلْبيَ في جَنْبَيْ أبي دُلَفِ
فأحضرهُ أبو دُلَف وقال له: كم أمّلَت امرأتُكَ أن يكون رزقُك؟ قال: مائةَ دينار، قال: وكمْ أمّلْتَ أن تعيشَ؟ قال: عشرين سنة، قال: فلكَ عليّ الذي أمّلْتَ وأمّلَتِ امرأتُك في مالي دون مالِ السلطان. وأمرَ بدفعِ ذلك إليه. قال: فرأيتُ وجهَ ابن أبي دُلَف يتهلّل، وانكسر ابن أبي البَختري. وقال الآخر:
أسَرْنا كما قد عوّدَتْنا رِماحُنا ... لدَى مَعْرَكِ الخيلينِ، والنَّقْعُ ثائِرُ
أخبر أنه أسَرَ عدواً واستطرد الكلامَ الى أنه معوَّدٌ لذلك. ومنها:
باب التقسيم
قال نُصَيْب:
ولمْ أرضَ ما قالتْ، ولم أُبدِ سَخْطَةً ... وضاقَ بما جَمْجَمْتُ من حُبِّها صدري
فقال فريقُ الحيِّ لا، وفريقُهُم ... نعَمْ، وفريقٌ قال ويْحَك ما نَدري
وليس في جوابِ من سألَ عن شيء غير ما ذكرَهُ. وهذا البيتُ رواهُ الأخفشُ على ما أثبتُّه وأعرِفُه من شِعرِه:
فقال فريقُ القومِ لمّا نشدتُهم ... نعَمْ وفريقٌ لَيْمُنُ اللهِ ما نَدري
وقال الشمّاخ يصفُ صلابةَ سنابِكِ الحمارِ وشدةَ رهْصِهِ الأرض:
متى ما تقَعْ أرساغُهُ مُطمَئنّةً ... على حجَرٍ يرفضُّ أو يتدحْرَجُ
وليس في وصفِ الوطء الشديد إلا أن يكون الذي يوطأ رخْواً فيرفَضُّ، أو صُلباً فيتدحرج. وقال زهير:
يطْعَنُهُمْ ما ارتَمَوْا، حتى إذا اطّعنوا ... ضارَبَ، حتى إذا ما ضارَبوا اعْتَنَقا
وقال عنترة:
إنْ يَلْحقوا أكرُرْ، وإن يسْتَلْحِموا ... أشْدُدْ، وإن يُلْفَوْا بضَنْكٍ أنزِلِ
وقال عمر بن أبي ربيعة المخزومي:
تَهيمُ الى نعمٍ، فلا الشملُ جامعٌ ... ولا الحبْلُ موصولٌ، ولا الحبُّ مُقْصِرُ
ولا قُرْبُ نُعْمٍ، إنْ دنَتْ، لك نافِعٌ ... ولا نأيُها يُسْلي، ولا أنتَ تَصْبِرُ
فأخذ الخارجيّ هذا المعنى فقال:
وكذّبتُ طَرْفي فيكِ والطرفُ صادِقٌ ... وأسمَعْتُ أذني فيكِ ما ليس تسمعُ
ولم أسكُنِ الأرضَ التي تَسْكُنينَها ... لكَيْلا يقولوا: صابِرٌ ليس يجْزَعُ
فلا كمَدي يفْني، ولا لكِ رحمةٌ ... ولا عنكِ إقْصارٌ، ولا فيكِ مطْمَعُ
وقال قيسُ بن ذَريح:
فإنْ تكُنِ الدُّنيا بلبْنى تقلّبَتْ ... فللدّهْرِ والدنيا بطونٌ وأظْهُرُ
لقد كان فيها للأمانةِ موضِعٌ ... وللقلبِ مُرْتادٌ وللعينِ منْظَرُ
وللحائمِ الصَّدْيانِ رِيٌّ بقُرْبِها ... وللمَرحِ الذّيّالِ طِيبٌ ومَسْكَرُ
وقد استحسن أهلُ الصناعةِ في هذا الباب قوْلَ بشّار بن برد، وهو:
بضَرْبٍ يَذوقُ الموْتَ من ذاقَ طعْمَهْ ... وتدركُ من نجَّى الفِرارُ مثالِبُهْ
فراحوا، فريقٌ في الإسار، ومثلُهُ ... قتيلٌ، ومثلٌ لاذَ بالبحرِ هارِبُهْ
وقالوا: ليسَ في وصفِ من وقع به الظّفرُ ودارَتْ رحَى الحربِ عليه زيادةٌ على ما ذكرَهُ، ومنها:
بابُ التسهيم
(1/20)

سُئِلَ جماعةٌ ممن يتعاطى علمَ البديع ونقد الشعر الصنيع عن التسهيم، فما منهم من أجاب بجوابِ التفهيم، ولمْ يحصَلُ من إشاراتِهم إليه، ونصوصِهم عليه، سوى أنّ المُسهَّم هو الذي يسبِقُ السامعُ الى قوافيه قبلَ أن ينتهي إليها راويه.
قلت: ليس هذا اللقبُ دالاً على هذا المعنى، فإن كان الملَقِّبُ قصدَ الإغراب به فقد أبعَدَ المَرمى وزلّ عن النهج الأقوم. وإنما التسهيمُ التخطيطُ، والبُرْدُ المسَهَّمُ: المخططُ. وكان الأجدرُ أن يُقال: إن التسهيم في الشعر هو التحسينُ له، والتنقيحُ لألفاظِهِ ومعانيه تشبيهاً بالبُرد المحَسَّنِ بالتسهيم، حتى يكون هذا النوعُ من الشِّعر معناه الى قلبِكَ أسرَعَ من ألفاظِه الى سمْعِكَ. ولو سُميَ المُطمِعُ، أي من سَمِعَهُ يطْمَع في قول مثلِه - وهو من ذاك بعيد - لجاز، وقد أوردناهُ كما سمعْناهُ وروْيناهُ.
قال الأخفش: ومن أبرعِ ما قيلَ في التسهيمِ ما قالتْهُ الجنوب أخت عمرو ذي الكَلْب:
فأقسَمْتُ يا عمرو لو نَبّهاك ... إذَنْ نبَّها منكَ داءً عُضالا
إذن نبَّها ليْثَ عِرّيسةٍ ... مُفيتاً مفيداً نُفوساً ومالا
وخَرْقٍ تجاوزْتَ مجهولَهُ ... بخَرْقاءَ حرفٍ تشَكّى الكَلالا
فكنتَ النّهارَ بها شَمْسَهُ ... وكنتَ دُجى الليلِ فيها الهِلالا
ثم قال: انْظُر الى ديباجةِ هذا الكلام ما أصفاها، والى تقسيماتِه ما أوفاها، وانظر الى قولها مفيتاً مفيداً، والى وصْفِها إيّاهُ في النهار بالشمسِ وفي الليل بالهلال، تجد البعيدَ المُطمِعَ المُمْتَنِع، وفي هذه البُلْغَةِ اليسيرةِ من هذا الباب كِفايةٌ إن شاء الله تعالى. ومنها:
باب الترصيع
ويُسمّى التفويف والترصيعُ في اللغةِ التركيب، ومنه تاجٌ مرصعٌ بالجوهرِ، وسيفٌ مرصّعٌ أي محلّى بالرصائِعِ، وهي حلَقٌ يُحلى بها، الواحدة رَصيعة، والبيت المرصَّعُ الذي تتتالى فيه القرائنُ كما يُرَصَّعُ التاجُ بالجوهرِ. ومن الترصيع في القرآن المجيد قولُه تعالى: " وما لَكم ألاّ تأكلوا مما ذُكِرَ اسمُ الله عليه وقدْ فصّلَ لكم ما حُرِّمَ عليكم إلا ما اضطررتُم إليه "، وقولُه تعالى: " أو لَمْ يهْدِ للذينَ يرِثون الأرضَ من بعدِ أهلِها أن لو نشاء أصَبْناهُم بذنوبهم ونطْبَعُ على قلوبهم ". ومن حسَنِ الترصيع قول الخنساء:
الحمدُ خُلَّتُهُ، والجودُ عِلَّتُهُ، ... والصِدْقُ حوْزَتُه، إنْ قِرْنُهُ هابا
سدّادُ أوْهِبَةٍ، شهّادُ أندِيةٍ، ... قطّاعُ أوديةٍ، للوِتْرِ طَلاّبا
حمّالُ ألويةٍ، ضرّابُ أبنية، ... وَرّادُ مُسنيةٍ، في الحَرْبِ غَصّابا
سُمُّ العُداةِ، وفكّاكُ العُناةِ، إذا ... لاقى الوغَى لم يكُنْ للموت هُيّابا
الخيرُ يفعلهُ، والقولُ يَفْضُلُه، ... والمالُ يُنْهبُهُ في الحقِّ إنهابا
يهدي الرعيلَ إذا جارَ السبيلُ بهم ... نهْدُ التليلِ لزُرْقِ السُّمرِ ركّابا
وقالت أيضاً:
آبي الهَضيمة، حمّالُ العظيمةِ، ... متلافُ الكريمةِ، لا سِقْطٌ ولا وانِ
حامي الحقيقةِ، نسّالُ الوديقةِ، ... مِعْتاقُ الوسيقةِ، جَلْدٌ غيرُ ثُنْيانِ
هبّاطُ أوديةٍ، حمّالُ ألويةٍ ... شهّادُ أنديةٍ، سِرْحانُ فِتيانِ
وقالت أيضاً:
حَديدُ السِّنانِ، ذَليقُ اللّسانِ ... يُجازي المُقارِضَ أمثالَها
وقالت أيضاً:
حَمّالُ مُثقِلَةٍ، ركّابُ معضِلَةٍ ... وهّابُ مفضِلَةٍ، للعَظْمِ جبّارُ
وقالت أيضاً:
حامي الحقيقةِ، محمودُ الطريقة ... شلاّلُ الوَسيقةِ، نفاعٌ وضَرّارُ
وقال امرؤ القيس:
الماءُ مُنْهَمِرٌ، والشّدُّ مُنْحَدِرٌ ... والقُصْبُ مُضْطَمِرٌ، والمتْنُ ملْحوبُ
وقال زياد:
سُودٌ ذوائِبُها بيضٌ ترائِبُها ... دُرْمٌ مرافِقُها في خَلقِها غَمَمُ
فيه مع الترصيع طِباقٌ، وقال ذو الرّمّة:
بيضاءُ في دَعَجٍ صفراءُ في نَعَجٍ ... كأنّها فضّةٌ قد مسّها ذهَبُ
(1/21)

هذا بيت قد جمعَ المُطابَقةَ والترصيعَ والتشبيه.
وقال بَشامةُ النّهشَلي وتُروَى لغيره:
بيضٌ مفارِقُنا تَغْلي مراجِلُنا ... نأسُو بأموالِنا آثارَ أيدينا
رأيتُ بخطّ الشيخ أبي زكريا التبريزي كتاباً قد خرّجَ فيه أبو عبد الله محمد بن عبد الله الخطيب ما يُوفي على مِئَتي وجْهٍ في قوله بيضٌ مفارِقُنا حسْبُ، وقد شيّد بناء تلك المعاني بأشعار عربية وألفاظ مقبولة. وقال آخر:
طويلُ النِّجادِ، رفيعُ العِمادِ ... كثيرُ الرّمادِ، والليلُ قُرّ
وقال الحارثي:
ألمّتْ فحيّتْ ثمّ قامَت فودَّعتْ ... فلما تولّتْ كادتِ النفسُ تزْهَقُ
والترصيعُ في الشِّعرِ أكثرُ من عدَد القطْرِ. ومنه:
باب الترديد
وهو أن يُعَلِّقَ الشاعرُ لفظةً في البيت بمعنى ثم يردِّدُها فيه بعينِها ويعلِّقُها بمعنىً آخر. وأجمع أهل النقدِ أنّ أبا حيّة النُّمَيْري سبقَ الى هذا الإحسان جميعَ مَنْ تقدَّمَه وتأخّر عنه بقوله:
ألا حَيِّ من أجلِ الحبيبِ المغانيا ... لبِسْنَ البِلى مما لبِسن اللّيالِيا
إذا ما تقاضَى المرْءَ يومٌ وليلةٌ ... تقاضاهُ شيءٌ لا يمَلُ التقاضِيا
ابتدأ في المِصراع الأول فأحْسنَ الابتداءَ وردّدَ في المصراع الثاني فأحسنَ الترديد. وقال أبو تمام الطائي: لا أعرف أحداً أحسنَ صنعةً في الترديد من قوْلِ زُهير وهو:
مَنْ يلْقَ يوماً على عِلاّتِه هرِماً ... يَلْقَ السّماحةَ منهُ والنّدَى خُلُقا
ويُروى: إن تلقَ ... وتلقَ السّماحةَ. قال الأصمعي: هذا أمدحُ بيتٍ قالتْهُ العرَب. وقال أبو علي الحاتميّ: لقد أحسنَ أبو نواس في الترديد بقوله:
صفراءُ لا تنزِل الأحزانُ ساحتَها ... لو مسّها حجَرٌ مسّتْهُ سرّاءُ
وقال أيضاً:
ظنّ بي مَنْ قد كلِفْتُ به ... فهوَ يجْفوني على الظّنَنِ
قال الحاتمي: ولقد أجاد عليُّ بنُ جبَلَة مع تأخُّرِ زمانِه في صِفة فرس حيث يقول:
مُضْطَربٌ يرْتَجّ من أقطارِهِ ... كالماءِ جالَتْ فيه ريحٌ فاضطَرَبْ
إذا تظنّيْنا به صدّقَنا ... وإنْ تظَنَّى فوْتَهُ العيْرُ كذَبْ
والترديد في أشعار المتأخرينَ كثيرٌ ولكن لم نصْرِفْ إليه هِمّة، ففيما أتيْنا به من المثال كفاية. ومنها:
بابُ المُقابلة
قال عليُّ بن الحُسَيْن القُرَشيّ: سألتُ جعفر بن قُدامة الكاتب، وكان من جهابِذَةِ الشعر، عن المُقابلة فقال: سألت أبي عنها فقال: هو أن يضع الشاعر معانيَ يعتمدُ التوفيق بين بعضِها وبعض، أو المخالفة، فيأتي بالموافق مع ما يوافِقُه، وفي المخالفِ بما يخالِفُه على الصِّحّة، أو يشترطَ شروطاً، ويعدِدَ أحوالاً في أحدِ المعنَيَيْن فيجب أن يأتي فيما يوافقُه بمثل الذي شرَط فيما يُخالفُه بأضدادِ ذلك. قال: فقُلتُ له: فأنشدني أحسنَ ما قيلَ فيه فقال: لا أعرفُ أحسنَ من قول الأول:
أيا عجَباً كيفَ اتّفقْنا فناصِحٌ ... وفيٌّ ومَطْويٌّ على الغِلِّ غادِرُ
فجعل بإزاء ناصح مطوياً على الغِلِّ، وبإزاء وفيّ غادراً. قال: وقول الطِّرِمّاح بن حَكيم الطائي في ذلك حسن أيضاً، وهو:
أسَرْناهُمْ وأنْعَمْنا عليهمْ ... وأسقَيْنا دِماءهُم التُّرابا
فَما صبَروا لبأْسٍ عند حرْبٍ ... ولا أدّوا بحُسنِ يَدٍ ثَوابا
يقولُ: لمّا سَقَيْنا التراب دِماءَهُم لم يكن لهم صبْرٌ على ما نزل بهم منا لفشَلِهم وضعْفِ نُفوسِهم، ولمّا أنعمْنا عليهم وأحسنّا إليهم لم يجازوا بالثناء علينا، فجعل بإزاء أن سَقَوا دماءَهم التُرابَ وقاتلوهم، أن يصبروا، وبإزاء أن أنعَموا عليهم، أن يُثْنوا، وقال هذه المقابلة. وقال عليّ بن هارون: كان يحيى بن علي يزعُم أن أحسن ما قيل في المقابلة قولُ النابغة:
فتىً تمّ فيه ما يسُرُّ صديقَهُ ... على أنّ فيه ما يَسوءُ المُعادِيا
فجعل بإزاء السرورِ الإساءةَ وبإزاء الصديق المعادي. وهذه نُغْبَة في هذا الباب كافية. ومنها:
باب الاستثناء
(1/22)

وقد عبّر عنه جماعةٌ فكان أقربَ أقوالهم الى القلب ما ذكرَه عبد الله بن المُعتز، فإنه قال: الاستثناء في الشعر تأكيد مدحٍ بما يُشبهُ الذمَ. فمن ذلك قولُ النابغة:
ولا عيبَ فيهم غيرَ أنّ سُيوفَهُمْ ... بهِنّ فُلولٌ من قِراع الكتائِبِ
وأما النّحويّون فالاستثناء في الكلام عندهم استخراجُ بعضٍ من كلٍ في حكم شاملٍ بمعنى إلا. وقال أيضاً:
فتىً كمُلَتْ أخلاقُه غيرَ أنّه ... جوادٌ فما يُبقي من المالِ باقيا
وقال أيضاً:
فتىً تمّ فيه ما يسُرُّ صديقَهُ ... على أنّ فيه ما يسوءُ الأعاديا
فقوله في البيت الأول غير أنه وفي البيتِ الثاني على أنّ فيه من أبرعِ الاستثناء وأحسنه. وقالوا: أحسنُ ما ورد في هذا النوع قول الربيع بن ضَبّة:
فَنيتُ ولا يَفْنى حديثي ومنطقي ... وكلّ امرئٍ إلا أحاديثَهُ فانِ
وقال قوم: بل قول الآخر:
فلا تَبعُدَنْ إلا من السوءِ إنّني ... إليكَ وإن شطّتْ بيَ الدارُ نازِعُ
وقال آخرون: بل قول بعض الأعراب: خَرْقاءُ إلا أنها صَناع. وقد أحسن وأجاد في هذا الباب أبو هِفّان المِهْزَميّ العبدي حيث يقول:
فإن تسألي عنّا فإنّا حُلَى العُلى ... بني عامرٍ، والأرضِ ذاتِ المناكبِ
ولا عيبَ فينا غيرَ أنّ سماحَنا ... أضرّ بنا، والبأسُ من كل جانِبِ
فأفنى الرّدى أعمارَنا غيرَ ظالمٍ ... وأفنى النّدَى أموالَنا غيرَ عائبِ
أبونا أبٌ لو كان للناسِ كلِّهمْ ... أبٌ مثلُهُ، أغناهُمُ بالمناقِبِ
ومنها:
باب الإيغال
ويسمّى التبليغ، وهو أن يأتي الشاعرُ بالمعنى في البيت تاماً قبل انتهائه الى قافيته، ثمّ يأتي بها لحاجة الشعر إليها، لأن بها يصيرُ الشعرُ شعراً، فيزيدُ البيت رونقاً، والمعنى بلوغاً الى الغاية القُصوى. وقال التّوّزيّ: قلتُ للأصمعي: مَنْ أشعرُ الناس؟ قال: من يأتي الى المعنى الخَسيس فيجعلُه بلفظه كبيراً، أو يقصِد المعنى الكبير فيجعلُه بلفظهِ خسيساً، أو ينقضي كلامُهُ قبل القافية، فإذا احتاج إليها أتى بها وأفاد معنى لم يكن قبلَها، كما قال الأعشى:
كناطِحٍ صخْرَةً يوماً ليَفلِقَها ... فلم يضِرْها وأوْهى قرنَهُ ...
فقد تمّ المثلُ ثم احتاج الى القافية، فقال الوعل فزادَ معنىً. قال: قلت له: فكيف صار الوعلُ مفضّلاً على كلِّ ناطحٍ، قال: لأنّه ينحطُّ من قُلّةِ الجبل على قرنِه فلا يَضُرُّه. وقال ذو الرمّة:
قِفِ العيسَ في أطْلالِ ميّةَ نسْألِ ... رُسوماً كأخلاقِ الرِّداءِ ...
فتمّ كلامُه، ثم احتاج الى القافية فقال: المُسَلْسَل، فزاد معنى. ثم قال:
أظنّ الذي يُجْدي عليْكَ سؤالها ... دُموعاً كتفْصيلِ الجُمانِ ...
فتمّ كلامُه، ثم احتاج الى القافية فقال المُفَصَّلِ فزاد شيئاً لم يكُنْ في البيت. وأبرعُ ما قيلَ في هذا الباب قول امرئ القيس:
كأنه عيونَ الوحْشِ حولَ قِبابِنا ... وأرْحُلِنا الجَزْعُ الذي لم يُثَقَّبِ
فأتى بالتشبيه قبل القافية، ثم لما جاءَ بالقافية بلّغها الأمدَ البعيدَ في التأكيد للمعنى، لأنّ عيون الوحش تشبه الجزْعَ، خصوصاً إذا ماتت وتغيّرت هيئاتُها، ثم لما أتى بالقافية قال: الجَزْعُ الذي لم يثَقَّب، فزاد المعنى إيضاحاً؛ لأنها بالجزعِ الذي لم يثقب أوقعُ بالتشبيه. وقال أيضاً:
إذا ما جرى شأوينِ وابتلّ عِطْفُه ... تقولُ هزيزُ الرّيحِ ...
فقد تمّ العرْضُ والتشبيه قبل القافية، فلما أتى بها زادتْ القافية المعنى براعةً ونصاعة وهي قوله: مرّت بأثْأَبِ، وذلك أنّ الأثأب شجرٌ يكون للريح في أضعاف أغصانه حفيفٌ شديد. ومنها:
بابُ الاستعارة
(1/23)

الاستعارة من أشرف صنعة الكلام وأجلّها، وكان القدماء يسمّونها الأمثالَ فيقولون: فلان كثير الأمثال. ولقبُها بالاستعارة ألزمُ لأنه أعَمّ، ولأن الأمثالَ كلَّها ليس تجري مجرى الاستعارة، ألا ترى قول السُّلَيْك بن السُّلَكَة وقد وقع عليه رجلٌ وهو نائم فضغطَه السُلَيكُ، فحبَقَ الرجل، فقال السليك: أضرطاً وأنتَ الأعلى! فأرسلها مثلاً، وقد أورد الشيءَ على حقيقته. ومن أبرع ما قيل في الاستعارة قول ذي الرّمّة:
أقامتْ به حتى ذوى العودُ في الثّرى ... وساقَ الثُّريّا في مُلاءَتِه الفجْرُ
قال أبو عمرو بن العلاء: كانتْ يدي في يد الفرزدق فأنشدته بيت ذي الرمة، فقال: أُنشِدُكَ أم أدعُك؟ قال: قلت: بل أنشِدْني، فقال: أقامَت به حتى ذوى العودُ والثّرى، ثم قال: العود لا يذوي مهما أقام في الثرى، ثم قال: ولا أعلمُ كلاماً أحسنَ من قوله: وساقَ الثريّا في مُلاءَته الفجْرُ، ولا مُلاءَة له وإنما هي استعارة. وقال ابن المعتزّ: العود لا يذوي ما دام في الثّرى. قال الصّولي: اجتمعتُ وجماعةً من فرسان الشعر عند عبد الله بن المعتز، وكان بعِلمِ البديع محقِّقاً ينْصُرُ دعواه لسانُ مذاكرتِهِ، فلم يبقَ مسلَكٌ من مسالكِ الشر إلا وسلكناه، وأوردْنا أحسن ما قيل في معناه، الى أن قال ابنُ المعتز: ما أحسنُ استعارةٍ للعرب اشتملَ عليها بيتٌ من الشر؟ فقال الأسدي: قول لبيد:
وغداةَ ريحٍ قد كشَفْتُ وقرّةٍ ... إذْ أصبَحتْ بيدِ الشّمالِ زمامُها
فجعل للشمال يداً وللغداةِ زِماماً، فقال ابن المعتزّ: هذا حسن وغيرُه أحسن منه، وقد أخذَه من قول ثعْلَبة بن صُعَيْر المازني يصفُ نَعامةً وظَليماً:
فتذكّرا ثَقَلاً رثيداً بعدَما ... ألْقَتْ ذُكاءُ يمينَها في كافِرِ
الثَّقَل: بيضُ النعام، والرثيد: المنضود بعضُه على بعض، وذُكاء: الشمس، وكافر: الليل، جعل للشمس يميناً ملقاةً في الليل. قال: وقول ذي الرّمة أعجب إليّ منه وإنْ تأخّر زمانُه، حيث يقول:
ألا طرَقَتْ مَيٌّ هَيوماً بذِكْرِها ... وأيْدي الثُريّا جُنَّحٌ في المغاربِ
وقال بعضُنا: قولُ لبيد أحسن:
ولقد حَمَيْتُ الحيَّ تحمِلُ شكَّتي ... فُرُطٌ، وشاحي إذ غدَوْتُ لجامُها
يقال: فرسٌ فُرُط إذا تقدّم الخيلَ وسبقها. قال ابنُ المعتز: هذا حسن، وانظروا الى قول الهُذَليّ:
ولو أنني استودَعْتُهُ الشّمسَ لارتَقَتْ ... إليه المنايا عينُها ورسولُها
ثم قال: هذا بديع، وأبدعُ منه في استعارة لفظ الاستيداع قولُ الحُصَيْن بن الحُمام المُرّي حيث يقول:
نُطاردُهُم نستودِعُ البيضَ هامَهُمْ ... ويستودعونا السَّمْهَريَّ المُقَوَّما
في هذا البيت معنىً لطيف يدلّ على إقدامهم وتأخّر خصومهم، فاعرِفْه من لفظه، وقال بعضُنا: قول ذي الرمة أحسن:
أقامت به حتى ذَوى العودُ في الثّرى ... وساق الثريّا في مُلاءَتِه الفجْرُ
فقال ابنُ المعتز: هذا هو الغاية، وذو الرمة أبدعُ الناس استعارة. قال الصّولي: فكأنه والله نبّهني على ذي الرمّة، فقلت: بل قوله أحسن:
ولما رأيتُ الليلَ والشمسُ حيّةٌ ... حياةَ الذي يقضي حُشاشةَ نازِعِ
فقال ابن المعتز: اقتَدَحْتَ زنْدَك فأوْرَى يا أبا بكر، هذا بارعٌ جداً، ولكن قد سبقَه الى هذه الاستعارة جرير وأجاد بقوله:
تُحْيي الرّوامِسُ رَبْعَها فتُجِدُّهُ ... بعدَ البِلَى، وتُميتُهُ الأمطار
قال: وهذا بيت حسن قد جمع الاستعارة والمُطابقة، لأنه جاء فيه بالإحياء والإماتة والبِلى والجِدّة، ولكنْ ذو الرّمة قد استولى ذِكرَ الإحياء والإماتة في موضع آخر فأحسنَ بقوله:
ونَشْوانَ من طِولِ النُعاس كأنّهُ ... بحَبْلَين في أنشوطةٍ يترجّحُ
إذا ماتَ فوق الرّحْلِ أحْيَيْتُ روحَه ... بذِكْراكِ والعيسُ المراسيل جُنَّحُ
قال الصّولي: وانصرفْنا وما من الجماعة إلا من قد غمرَهُ بحْرُ ابنِ المعتز في عِلم الشعر، وحُسْن تصرّفهِ في الكلام.
وأقول: إنّ أوّل مَن استعارَ في الشِّعر امرؤ القيس، فمن استعاراته قولُه:
(1/24)

وليلٍ كموْجٍ اليَمِّ مُرْخٍ سُدولَه ... عليّ بأنواع الهمومِ ليَبْتَلي
فقلت له لما تمطّى بجَوْزِه ... وأردف أعْجازاً وناءَ بكَلكَلِ
وقال زهير:
صَحا القلبُ عن سَلْمى وأقصرَ باطلُهْ ... وعُرِّيَ أفراسُ الصِّبى ورَواحلُهْ
قال الأصمعي: أول من عرّى أفراس الصِّبى طُفَيل بقوله:
فأصبحتُ قد عنّفْتُ بالجهلِ أهلَه ... وعُرِّيَ أفراسُ الصِّبى ورواحِلُهْ
وقال العُدَيْل بن الفَرْخ:
تكون لنا بيضُ السيوف مَعاذَةً ... إذا طِرْن بالأيدي كلَمْحِ العقائِقِ
وقال أيضاً:
مَن الطاعِنُ الجبّار، والخيلُ بينها ... عجاجٌ تهادى نقْعُهُ بالسّنابِكِ
الاستعارة تَهادى، والقرينةُ بالسنابك. وقال مُزاحم العُقَيْلي:
سجَنْتُ الهوى في الصّدْرِ حتى تطلّعَتْ ... بناتُ الهوى يُعْوِلْنَ من كلِّ مُعْوِلِ
جعل صدرَه سِجناً للهوى، وجعل للهوى بناتٍ، وإنما يعني همومَه، وجعلها متَطلِّعةً، وجعلها مُعْوِلَةً، وهذه من الاستعارات الحسَنةِ. وقالت الخنساء:
لدى مأزِقٍ بينها ضيِّقٍ ... تجُرُّ المنيةُ أذْيالَها
جعلتْ للمنية أذيالاً وجعلَتْها مجرورةً والقرينة لفظية. وقال مُزاحم العُقيلي يصِف فَلاةً:
تموتُ الرياحُ الهُوجُ في حَجَراتِها ... وهيهاتَ من أقطارِها كلُّ مَنْهَل
وقال جرير:
ورأيت راحلةَ الصِّبا قد قصّرتْ ... بعدَ الذّميلِ وملّتِ التَّرحالا
وقال أيضاً:
غداةَ ابتَقرْنا بالسيوفِ أجِنّةً ... من الحرْبِ في مَنْتوجَةٍ لم تُطَرَّقِ
ابتقرنا، افتعلنا من البَقر وهو شقُّ البطن للحُبْلى وغيرها، فاستعار للحرب بطناً وأوجب عليها بَقْراً، واستخراج جنينها. والتطريق أن يعْسُرَ خروج الولد، وهذه استعارة للحرب حسنة. وقال العائذي:
ونحنُ بنو حربٍ غذَتْنا بثَدْيِها ... وقد شمِطَتْ أصداغُها وقرونُها
وقال حاجب بن زُرارة:
ومِثلي إذا لم يُجْزَ أكرَمَ سعيهِ ... تكلّمُ نُعْماه بفِيها فتَنطِقُ
ومن هذا البيت أخذ نُصَيْب قولَه:
فعاجُوا فأثْنَوا بالذي أنتَ أهلُهُ ... ولو سكَتوا أثنَتْ عليكَ الحقائِبُ
وقال الفرزدق:
والشيبُ ينهضُ في الشبابِ كأنّهُ ... ليلٌ يَصيحُ بجانبَيْهِ نهارُ
أخذهُ ابنُ هَرْمة فقال:
وقد صاحَ في الليلِ النّهارُ كأنّه ... خِلافَ الدُجى أقرابُ أبْلَقَ أقْرَحا
وقال ابن مُقْبِل:
لدُنْ غُدْوَةً حتى نزَعْنَ عشيّةً ... وقد مات شطرُ الشّمْسِ والشطْرُ مُدْنِفُ
وقال سليمان بن عمّار السُلَميّ:
وموْلًى كداءِ البطنِ ليسَ بزائلٍ ... تدِبُّ أفاعيه لَنا والعقارِبُ
أقام قوارصَ كلامِه مقامَ الأفاعي والعقارب، وهذه استعارة حسنة قرينتُها لفظية وهي قوله: تدِبُّ. وقال جَحْشُ بن زيدٍ الحَنَفي:
فَطَمْنا بني كعبٍ عن الحرب بعدَها ... ولاقَوْا من الأبطال وقعاً غَشَمْشَما
القرينةُ في هذا البيت معنويّة، وذلك أنه قد استقرّ عندَهُم تشبيهُ الحرب بالناقة على صِفاتٍ مختلفة، وأنهم يذكرون أخلافها وأنها تدِرُّ وتُحلب، فلما استقرّ عندَهم وكثُرَ بينهم كان اطِّراحُه وإيرادُه عندهم واحداً، وهذا معنى لطيف فاعْرفْهُ. وقال عجلان بنُ لأيٍ الثّعلبي:
عجِبْتُ لداعي الحرب والحربُ شامِذٌ ... لَقاحٌ بأيْدينا تُحَلُّ وتُرْحَلُ
الشامِذُ: الناقةُ شَمذت تشْمِذُ بالكسر شِماذاً إذا لُقِحَتْ فشالَت بذنَبِها. وقال صابرُ بنُ صفوان الهُذَلي الحنَفيّ:
وقدأشعلَتْ نيرانَها الشمسُ واصْطَلى ... بها غَضْوَرُ البيداءِ حتى تلهّبا
وقال المُحْرِز بن المُكعبِر الضّبّي:
سالتْ عليهِ شِعابُ العِزِّ حين دَعا ... أصحابَهُ بوجوهٍ كالدنانيرِ
هذه استعارة حسنة قرينتُها لفظية، وهي قولُه: سالتْ عليه شعابُ العِزِّ فذكر السّيْلَ مع الشِعاب، ولو قال: سالَ عليه العزُّ لم يكُ حسَناً. وقال رجلٌ من بَلْعنبر:
(1/25)

قومٌ إذا الشرُّ أبْدى ناجِذَيْهِ لهُمْ ... طاروا إليه زَرافاتٍ ووِحدانا
وأنشد الأصمعي:
وما زِلتُ أرْشو الدّهرَ صَبْراً على التي ... تَسوءُ الى أن سرّني فيكُمُ الدّهْرُ
جعل الصبْرَ رِشوةَ للدهر ليُعينَه وهي استعارة حسنة. وقال قُرْطُ بن حارثة العامري الكلبي:
إنّما شيّبَ الذُؤابةَ مني ... وشجاني تناصرُ الأحزانِ
الاستعارةُ في تناصر. وقال أبو دَهْبَل الجُمَحي:
أقول والرّكْبُ قد مالَتْ عمائِمُهمْ ... وقد سَقى القومَ كأس النّشوةِ السّمَرُ
وقال ذو الرمة:
سقاهُ الكَرى كأسَ النُعاسِ فرأسُهُ ... لدِين الكَرى من آخِر الليل ساجِدُ
وقال حمزة بن بَيْض الحنَفيّ:
وأقام في رأسي المشيبُ فراعَني ... ضيفٌ لَعَمْرُ أبيكَ ليسَ برائِمِ
وحنَى قناتي ثمّ وتّر قوسَه ... ورَمى بأسْهُمِهِ فشكّ قوائِمي
وقال الأفوهُ الأْوديّ:
إنما نِعْمةُ قومٍ مُتعَةٌ ... وحياةُ المرءِ ثوْبٌ مُستعار
جعل الحياةَ ثوباً وجعله مُسْتعاراً. وقال ابنُ ميّادة يصف الألحاظ:
وبَرَيْنَ، لمّا أن أردْنَ نِضالَنا ... نَبْلاً بلا ريشٍ ولا بِقداحِ
لما استقرّ النبلُ للحظ استعار النضال والريشَ، والقرينة هنا لفظيّة. وقال الآخر:
أخذْنا بأطرافِ الأحاديثِ بيننا ... وسالَتْ بأعناقِ المطيِّ الأباطِحُ
وقال عمر بن أبي ربيعة المخْزومي:
وهْيَ مكنونةٌ تحيّرَ منها ... في أديمِ الخدّيْنِ ماءُ الشّبابِ
وأنشد ثعْلَب:
إذا ما أتاهُ السائِلونَ توقّدَتْ ... عليهِ مصابيحُ الطّلاقَةِ والبِشْرُ
وقال مِحْجَن بن عُطارِد العنْبري:
تُحدّثُني أنّ البليّةَ قد أتَتْ ... وأنّ سِنينَ المحْلِ قد صاحَ هامُها
وهذه استعارة حسنة. والاستعاراتُ في المنظوم والمنثور تتجاوز حدَّ كل حدٍ محصور، فيما أتينا به مَقْنَع.
ومن الألقاب المقدّم ذكرها:
باب التشبيه
قال أبو عمرو بن العلاء: وقال الأصمعي: أحسنُ التشبيه ما كان فيه تشبيهان في تشبيهين، كقول امرئ القيس:
كأنّ قلوبَ الطّيرِ رطْباً ويابِساً ... لدى وَكْرِها العُنّابُ والحشَفُ البالي
وإنما خصّ قلوبَ الطير لأنها أطيبُها، وقيل: إن الجارحَ إذا صاد الطائرَ أتى بقلبه الى فِراخِه طُعْماً دون باقي لحمِه، فلا يزالُ في وَكْرِه من قلوب الطير طريٌّ وقديمٌ لكثرة صيدِه، كما قال أبو زبيد الطائي:
يظَلُّ مُغِبّاً عندَه من فرائِسٍ ... رُفاتُ حُطامٍ أن أو غريضٌ مُشَرْشَرُ
رفاتٌ قديمة، وغريضٌ طري.
وقال الأصمعي: إنّ الجارحَ يأتي بالصّيد الى وَكره فيأكلُ لحمَه ويتركُ قلبَه فما يبْرَح في وَكره من قلوب الطير رطبٌ ويابس، لهذه العلّة خصّ قلوبَ الطيرِ دون غيرها. وقال بشارُ بن برد: ما زلت منذ سمعت بيتَ امرئ القيس أحاول أن أقارب تشبيهين بتشبيهين فلا أستطيعُ حتى قلت:
كأنّ مُثارَ النّقْعِ فوقَ رؤوسِهمْ ... وأسيافنا، ليلٌ تهاوَتْ كواكِبُهْ
أخذَه بشّار من قول كُلثوم العتّابي:
تبْني سنابِكُها من فوقِ هامِهمُ ... سَقفاً كواكِبُهُ البيضُ المَباتيرُ
وحكى الأصمعيُّ قال: استدعاني الرشيدُ بعضَ الأيامِ فراعني رُسُلُه، ولم أفتأْ أنْ مثُلْتُ بحَضرتِه، وإذا في المجلس يحيى بن خالد وجعفر والفضل. فاستدناني فدنوتُ، وتبيّن ما عَراني من الوجَل فقال: ليُفْرِخْ روْعُك، فما أردْناكَ إلا لما يُراد له أمثالُك. فمكثتُ الى أن ثابَتْ إليّ نفسي، ثمّ بسَطني وقال: إني نازعتُ هؤلاء، وأشار الى يحيى وجعفر والفضل، في أشعَر بيت قالَتْه العربُ في التشبيه، ولم يقعْ إجماعُنا على بيت يكون الإيماءُ إليه دون غيره، فأردناك لفصْلِ هذه القضية واجتناء ثمَرةِ الخِطار فقلت: يا أمير المؤمنين، إن التعيينَ على بيت واحد في نوع واحد قد توسّعَتْ فيه الشعراء ونصبَتْهُ مَعْلماً لأفكارها ومَسرَحاً لخواطرِها، لَبَعيدٌ أن يقعَ النصُّ عليه، ولكنّ أحسن الشعراء تشبيهاً امرؤ القيس. قال: في ماذا؟ قلت: في قوله:
(1/26)

كأنّ عُيونَ الوحشِ حول قِبابِنا ... وأرْحُلِنا الجَزْعُ الذي لم يُثَقَّبِ
وقوله:
كأنّ قلوبَ الطّيْرِ رَطْباً ويابساً ... لدى وَكرِها العُنّابُ والحشَفُ البالي
وقوله:
سَمَوْتُ إليها بعدَ ما نامَ أهلُها ... سُموَّ حَبابِ الماء حالاً على حالِ
قال: فالتفَت الرشيدُ الى يحيى وقال: هذه واحدة، فقد نصّ على امرئ القيس أنه أبرعُ الناس تشبيهاً، قال: فقال يحيى: هي لك يا أميرَ المؤمنين، ثم قال الرشيد: فما أبْرَعُ تشبيهاتِه عندَك؟ قلت: قوله في صفة فرس:
كأنّ تشَوُّفَهُ في الضُحى ... تشوُّفُ أزرقَ ذي مِخْلبِ
إذا بُزَّ عنه جِلالٌ له ... تقولُ سَليبٌ ولم يُسلَبِ
قال الرشيد: هذا حسَن، وأحسنُ منه قوله:
فرُحْنا بِكابْنِ الماءِ يُجنَبُ وسْطَنا ... تصَوَّبُ فيه العيْنُ طوراً وتَرْتَقي
فقال جعفر: هو التحكيم يا أميرَ المؤمنين، قال: كيف؟ قال: ليَذْكُرْ أميرُ المؤمنين ما كان وقع اختيارُه عليه ونحن نذكر ما اخترناه ويكونُ الحُكْمُ واقعاً من بعد، فقال الرّشيد: أغْرَضْتَ، قال الأصمعي: فاستحسنتُها منه، يقال: أغْرَضَ الرجلُ إذا قارب الصوابَ. ثم قال الرشيد: ليبدأ يحيى، فقال يحيى: أحسنُ الناس تشبيهاً النابغةُ في قوله:
نظَرَتْ إليكَ بحاجةٍ لم تَقْضِها ... نظَرَ المريضِ الى وجوهِ العُوَّدِ
وقوله:
فإنّك كالليلِ الذي هو مُدرِكي ... وإنْ خِلتُ أنّ المُنْتَأى عنكَ واسعُ
وقوله:
مِنْ وحْش وَجْرَةَ مَوْشيٌّ أكارِعُهُ ... طاوي المَصير كسَيْفِ الصَّيْقَلِ الفَرِدِ
قال الأصمعي: فقلتُ: أما تشبيهُ مرَضِ العين فحسَنٌ، إلا أنه هجّنَهُ بذكرِ العِلّة وتَشبيهِ المرأة بالعليل، وأحسنُ منه قولُ عَديّ بن الرِّقاع:
وسْنانُ أقصَدهُ النُّعاسُ فرنّقَتْ ... في عينِه سِنةٌ وليس بنائِمِ
وأما تشبيه الإدراك بالليل والنهار فيما يُدركانِهِ فقد كان من سبيله أن يأتي بما ليس له قسيمٌ حتى يأتيَ بمعنىً ينفردُ به، ولو شاءَ قائِلٌ أن يقول: إنّ قولَ النَّمِريّ في هذا المعنى أحسن، لوجدَ مساغاً، وهو:
ولو كنتُ بالعَنْقاءِ أو بأُسومِها ... لَخِلتُكَ إلا أن تصُدَّ تَراني
وأما قولُه: كسَيْفِ الصيقل الفرِد، فالطِّرمّاح أحقُّ بهذا المعنى منه، لأنه أخذَه فجوّدَه وزاد عليه، وإنْ كان النابغةُ افترَعَه، قال الطّرمّاح:
يبدو وتُضمِرُهُ البلادُ كأنّه ... سيفٌ على شرفٍ يُسَلُّ ويُغْمَدُ
فقد جمع في هذا البيت استعارةً لطيفةً بقوله: تُضمِرُهُ، وشبّه شيئين بشيئين، بقولِه: يبدو ويَخْفى، ويُسَلّ ويُغْمَد، وهو طِباقٌ حسَن، وفيه حسْن التفسير وصحّة المُقابلة. قال الأصمعي: فاسْتَبْشرَ الرشيدُ حتى برَقَتْ أساريرُ وجهه، فخِلْتُ برْقاً ومضَ منها، وقال ليحيى: فضَلْتُك وربِّ الكعبة، وامتقع لوْن يحيى فكأنّ المَلَّ ذُرَّ عليه فقال الفضلُ: لا تعجَلْ يا أمير المؤمنين حتى يمُرّ ما قلته بسَمْعِه. فقال: قل، قال الفضل: أحسنُ الناس عندي تشبيهاً طرَفَةُ بقوله:
يشقُّ حَبابَ الماءِ حيْزومُها بها ... كما قسَم التُّرْبَ المُفايلُ باليدِ
المفايلُ الذي يجمع الترابَ ويقسمه نصفين أو ثلاثاً ويجعلُ فيه خبيئاً، والفَيالُ الاسم بغير همز. فشبّه شَقَّ السفينة الماءَ بصدرِها بشَقِّهم التُّرابَ، وقوله:
لعَمْرُكَ إنّ الموتَ، ما أخطأ الفتى، ... لكالطِّوَلِ المُرْخَى وثِنْياهُ باليَدِ
وقوله:
ووَجهٍ كأنّ الشمسَ ألقَتْ رداءَها ... عليه، نقيَّ اللونِ لمْ يتخدّدِ
(1/27)

قال الأصمعي: هذا حسنٌ كلّه وغيرُه أحسن منه، وقد شرِكَهُ في هذه المعاني جماعة من الشعراء. وبعدُ فطرَفَة صاحبُ واحدة، لا يُقْطَع بقوله على البُحور، وإنما يُعَدّ مع أصحاب الواحدة. قال: ومَنْ أصحاب الواحدة؟ قال: الحارث بن حِلِّزة، والأسْعَرُ الجُعَفي، والأفْوَهُ الأوديّ، وعلقمَةُ الفحْل، وسُويد بن أبي كاهِل، وعمرو بن كلثوم، وعمرو بن مَعْديكرِب. قال الأصمعي: فاسْتخَفّتِ الرشيدَ الأريحيّة فقال: ادْنُ، فإنّك جَحيشُ وحدَك، قال: فزاد في عيني نُبْلاً. فقال جعفر متمثِّلاً: لبِّثْ قليلاً يلحَقِ الهَيْجا حمَلْ. يعرِّضُ بأنه يجوز أن يلحَقَ هو ما يحاوله. فقال الرشيد:
فاتَتْك واللهِ السوابِقُ في المَدى ... وجئْتَ سُكَيتاً ذا زوائد أرْبَعا
قال: ورأيت الحميّةَ في وجهه. فقال جعفر: على شَريطةِ حِلمِك يا أمير المؤمنين، فقال: أتراه يسع غيرَك ويضيقُ عنْك!؟ فقال جعفر: لستُ أنصّ على شاعر واحد أنه أحسن الناس تشبيهاً في بيت واحد، ولكنّ قول امرئ القيس من أحسن التشبيه حيث يقول:
كأنّ غُلامي إذْ عَلا حالَ مَتْنِه ... على ظَهْر بازٍ في السّماءِ محلِّقِ
وقال عَديُّ بن الرِّقاع:
يتعاوَرانِ من الغُبار مُلاءَةً ... غبْراءَ مُحْكَمَةً هما نَسَجاها
تُطوى إذا علَوا مكاناً ناشِزاً ... وإذا السنابكُ أسْهَلَتْ نَشَراها
وقول النابغة:
فإنّك شمسٌ والملوكُ كواكِبٌ ... إذا طلَعَتْ لم يَبْد منهنّ كوْكَبُ
من هذا المعنى أخذ نُصَيْبٌ قولَه:
هو البدرُ والناسُ الكواكبُ حولَهُ ... وهل تُشبِهُ البدرَ المُضيءَ الكواكبُ
قال الأصمعي: هذا كلّه ناصعٌ بارع وغيرُه أبرع منه، وإنما يحتاج أن يقع التعيين على ما اخترعه قائلُه فلمْ يتعرّض له، أو تعرّض له شاعرٌ فوقَع دونه.
فأما قول امرئ القيس: على ظهر بازٍ في السماء محلقِ، فمن قول أبي داؤد:
إذا شاءَ راكبُه ضمَّهُ ... كما ضمّ بازٌ إليه الجَناحا
وأما قول عديّ: يتعاوران من الغبار مُلاءة، فمن قول الخنساء:
جارَى أباهُ فأقْبَلا وهُما ... يتعاوَران مُلاءَةَ الحُضْرِ
وأول من نطق بهذا المعنى شاعرٌ جاهلي من بني عُقيل، قال من أبيات:
قِفارٌ مَرَوْرات يَحارُ بها القَطا ... ويُضحي بها الجأبانِ يعتَركانِ
يُثيرانِ من نسجِ العَجاج عليهما ... قَميصَيْنِ أسْمالاً ويرتديانِ
وأما قول النابغة: فإنّك شمسٌ البيت، فقد تقدّمه فيه شاعر قديم من شعراء كِندة يمدحُ عمرو بن هند وهو أحقّ به من النابغة إذ كان أبا عُذْرَتِه:
تكادُ تميدُ الأرضُ بالناس أن رأَوْا ... لعمرو بنِ هِنْدٍ غضبةً وهو عاتبُ
هو الشمسُ فاقَتْ يومَ سعْدٍ فأفضلَتْ ... على ضوءٍ والملوكُ كواكبُ
قال: فكأنني والله ألقَمْتُ جعْفَراً حجراً، واهتزّ الرشيد من فوق سريره أشَراً فكاد يطيرُ عجباً وطرباً وقال: يا أصمعيّ اسمَعْ ما وقع اختياري عليه الآن. فقلت: ليَقُلْ أمير المؤمنين، أحسنَ الله توفيقَه. قال: قد عيّنْتُ على ثلاثة أشعارٍ أُقسم بالله إني أملِكُ قصَبَ السَّبْقِ بأحدِها؛ فهل تعرفُ يا أصمعيُّ تشبيهاً أفخم وأعظم في أحقر مشبَّهٍ وأصغرِه في أحسن مَعْرِضٍ من قول عنترة:
وخَلا الذُّبابُ بها فليس ببارِحٍ ... غَرِداً كفعلِ الشّاربِ المترَنِّم
غرِداً يسِنُّ ذِراعَهُ بذراعِهِ ... قَدْحَ المُكبِّ على الزِّنادِ الأجذَمِ
ثم قال: يا أصمعيّ، هذا من التشبيهات العُقم، فقلت: هو كذلك يا أمير المؤمنين، وبمجدِك آليتُ ما سمعتُ أحداً وصف في شعرٍ شيئاً أحسن من هذه الصفة، ولا استطاع بلوغ هذه الغاية. قال: مهْلاً لا تعجَلْ، أتعرِفُ أحسنَ من قولِ الحُطيئة في وصف لُغام ناقتِه أو تعلم أحداً قبلَه أو بعده شبّه تشبيهَهُ حيث يقول:
ترى بين لَحْيَيْها إذا ما تبغّمَتْ ... لُغاماً كبيتِ العنكبوتِ المُمَدَّدِ
قال: فقلت: ما علِمْتُ أحداً تقدّمه أو أشار الى هذا المعنى بعدَه، قال: أفتعرفُ أبرعَ وأوقَع من تشبيهِ الشَّماخ لنعامةٍ سقط ريشُها وبقي أثرُهُ في قوله:
(1/28)

كأنّما مُنْثَني أقماعِ ما مَرَطَتْ ... منَ العَفاءِ بِلِيتَيْها الثآليلُ
فقلت: لا والله، فالتفت إلى يحيى وقال: أوَجَبَ؟ قال: وجَبَ. قال: أفأزيدُك؟ قال: وأيُّ خيرٍ لم يزدني منهُ أميرُ المؤمنين؟ قال: قول النابغة الجَعْدي:
رَمى ضِرْعَ نابٍ فاستهلّ بطَعْنَةٍ ... كحاشيةِ البُرْدِ اليَماني المُسَهَّمِ
ثم التفت الى الفضْل فقال: أوجبَ؟ قال: وجب، فقال: أأزيدُك؟ قال: ذاك الى أمير المؤمنين، قال: قول الأعرابي:
بها ضرْبُ أنْدابِ العَفايا كأنّه ... ملاعِبُ وِلدانٍ تخُطُّ وتصْمَعُ
ثم التفتَ الى جعفَر فقال: أوجَبَ؟ قال: وجبَ. قال: أفأزيدك؟ فقال: لأمير المؤمنين عُلوّ الرأي، قال: قول عديّ بن الرِّقاع:
تُزْجي أغَنَّ كأنَّ إبرةَ رَوْقِه ... قلمٌ أصابَ من الدَّواةِ مِدادَها
قال: ثم أطرقَ الرّشيد، ورفعَ طرْفَه وقال: يا أصمعي، أتُراك، تغبُنُني عقلي بانحطاطِك في هواي؟ فقلت: كلا والله يا أمير المؤمنين إنّك لتَجِلُّ عن الحَرْش قال: انظرْ حسناً، قلت: قد نظرتُ، قال: فالسبق لمَنْ؟ قلت: لأمير المؤمنين. قال: قد أسهَمْتُك منه العُشُر، والعُشُر كثير، ثم رمى بطرفِه الى يحيى فقال: المالَ، تهَدُّداً ووعيداً، فما كان إلا كلا ولا، حتى نُضّدت البِدرُ بين يديه فكادَت تحولُ بيني وبينه، ورأيتُ ضوءَ الصبح قد غلبَ ضوءَ الشمعِ، فأشار الى خادمٍ على رأسه فدفعَ إليّ من المال، وهو ثلاثة ألف ألف دِرهَم، ثلاثين بَدْرة، فانصرفتُ بها الى المنزل، ونهض عن مجلسه. فكانت أسعدَ ليلةٍ ابتسمَ بها صباحٌ عن ناجزِ الغنى.
قال بشار: ولما نظمتُ قولي كأنّ مثار النّقْعِ البيت وقد تقدم ذكرُه، عُدتُ أوردتُ المعنى في أقرب لفظٍ فقلت:
من كلِّ مُشتَهِرٍ في كفِّ مُشتهرٍ ... كأنّ غُرَّتَهُ والسّيفَ نجْمانِ
فشبّهْتُ غُرّةَ الرجل والسيفَ بنجمين. وتبعهُ مسلم بن الوليد فقال:
في جحَلٍ تُشرقُ الأرضُ الفضاءُ به ... كالليلِ أنجمُهُ القُضْبانُ والأسَلُ
وأخذَه منصور النَّمِريّ فقال:
ليلٌ من النّقْعِ لا شمسٌ ولا قمرٌ ... إلا جَبينُك والمَذْروبةُ الشُّرعُ
ولرجلٍ من بني أسد يقول:
حلَقَ الحوادثُ لمّتي فترَكْنَني ... رأساً يصِلُّ كأنّهُ جُمّاحُ
وزَكا بأصداغي وقَرْنِ ذُؤابَتي ... قبَسُ المَسيبِ كما زكا المِصباحُ
جُمّاح: وجمعه جَماميح، وهو سهمٌ صفر لا زُجَّ له، يُجعلُ في رأسه طين كالكتلة يلعبُ بهاالصبيان. وقريب من هذا التشبيه قول الآخر وله حكاية:
ورُحْتُ برأسٍ كالصُخَيْرةِ أشرفَتْ ... عليها عُقابٌ ثمّ طارَ عُقابُها
وراح بها ثوْرٌ ترِفُّ كأنّها ... سلاسِلُ برقٍ وبْلُها وانسكابُها
وأنشد أبو زيد:
كأنّ مُلْقى زِمامٍ عندَ ركبتها ... على الجَدالةِ أيْنٌ غيرُ مُنسابِ
وقال أبو دؤاد الإيادي:
تنازعُ مَثْنى حضْرَميٍّ كأنّهُ ... حُبابُ نقاً يتلوهُ مُرتَجِلٌ يرمي
وقال النابغة الذُبياني:
مَقذوفةٌ بدخيسِ النّحضِ بازِلُها ... له صريفٌ، صَريفَ القَعْوِ بالمَسَدِ
هذا يسمّونه أهلُ البديع التشبيهَ المُعرّى، فإذا شبّهوا ما لهُ حركة وجرسٌ نَصَبوا كما قالوا: صريفٌ صريفَ، نصباً، وإذا لم يكن كذلك رفَعوا كما يقول القائلُ: له رأسٌ رأسُ الأسدِ، رفعاً.
ومنه تشبيهٌ بالفِعْلِ وهو قولُهم: هو يفعَلُ فِعْلَ الكرامِ، ويحْلَمُ حِلمَ الأحنف. والمعنى: يفعَلُ فِعْلاً كفعلِ الكرامِ، ويحْلُم حِلْماً كحِلْمِ الأحْنَفِ. ومنه قوله تعالى: (وترى الجِبالَ تحسَبُها جامدةً وهي تمرُّ مرّ السّحابِ) . وقال عنترة في تشبيه الألوية:
كتائبُ تُزْجى، فوقَ كلِّ كَتيةٍ ... لواءٌ كظِلِّ الطّائِرِ المتصرِّفِ
وله في تشبيه القتلى:
كأنّهم بجَنْبِ الشِّعْبِ صرْعَى ... تساقَوْا بينهم كأسَ المُدامِ
وله في تشبيه الدّمعِ:
أفَمِنْ بُكاءِ حمامةٍ في أيْكةٍ ... فاضَتْ دُموعُك فوقَ ظهْرِ المحْملِ
كالدُرِّ أو نظْمِ الجُمانِ تقطّعَتْ ... منهُ مَعاقِدُ سِلْكِه لم يوصَلِ
(1/29)

وقال أبو نَضْلَة يموتُ بن المُزَرِّع:
والبدرُ يجنحُ للغروبِ كأنّما ... قد سَلّ فوقَ الماءِ سيفاً مُذهَبَا
وله:
لم أنْسَ دِجلةَ والدُجى مُتصرِّمٌ ... والبدرُ في أفقِ السماءِ مغَرِّبُ
فكأنّها فيهِ رِداءٌ أزرقٌ ... وكأنه فيه طِرازٌ مُذْهَبُ
قال أبو محَلِّم يصفُ الشمسَ:
مُخبَأَةٌ أمّا إذا الليل جنّها ... فتَخْفى وأمّا بالنهارِ فتَظْهَرُ
وقال الكندي يصف الثُريّا:
إذا ما الثُريّا في السّماءِ تعرّضتْ ... تعَرُّضَ أثناءِ الوِشاحِ المُفَضَّلِ
وقال ذو الرّمّة:
ورَدْتُ اعتِسافاً والثُريّا كأنّها ... على قمّة الرأسِ ابنُ ماءٍ محَلِّقُ
وقال قيسُ بنُ الأسْلَت، وأجاد:
وقد لاحَ في الصُبحِ الثُريّا لمنْ رأى ... كعُنْقودِ مُلاّحيّةٍ حينَ نوّرا
وقال يزيد ابن الطّثْريّة:
إذا ما الثُريّا في السماءِ كأنّها ... جُمانٌ وهَى من سِلْكهِ فتبدّدا
وقال بعضهم:
فاغتنمْ شُربَها فقد فضحَ الليْ ... لَ هلالٌ كأنّه فِتْرُ زَنْدِ
والثُريّا خفّاقَةٌ في رِواق ال ... غربِ تهْوي كأنّها رأسُ فهدِ
وقال الحِمْيَريّ في قتْلى عليّ عليه السلام:
ترى الطّيرَ مثلَ النِّسا حولَهُ ... غدَوْنَ الى مُدنَفٍ عُوَّدا
وقال أعرابي في تشبيه الدُروع:
عليها كالنِّهاءِ مُضاعَفاتٍ ... من الماذيِّ لم تَؤُدِ المُتونا
وقال أبو دؤاد الإيادي:
وأعدَدْتُ للحَرْبِ فَضْفاضةً ... تضاءلُ في الطّيِّ، كالمِبْرَدِ
وقال كعبُ بن سعدٍ الغَنَوي:
وقومٍ يجُرّونَ الثيابَ كأنّهم ... نَشاوَى وقد نبّهْتَهم لرَحيلِ
يصفُهم بالنُعاس. وقال زهير في تشبيهِ آثارِالديارِ بالنقوش في الأكفِ والمعاصم:
ودرٌ لها بالرَّقْمَتَيْنِ كأنّها ... مراجِعُ وشْمٍ في نَواشِرِ مِعْصَمِ
وقال عنترة في تشبيه حَنَكِ الغُراب:
خرِقُ الجَناحِ كأنّ لَحْيَيْ رأسِهِ ... جلَمانِ بالأخْبارِ هشٌ مولَعُ
وقال الراعي يصفُ قانصاً جَعْدَ شعرِ الرأس:
فكأنّ ذروةَ رأسِهِ من شعرِه ... زُرِعَتْ فأنبتَ جانباها الفُلْفُلا
وقال ذو الرُّمّة:
وليلٍ كجِلْبابِ العروسِ ادّرَعْتُهُ ... بأربعةٍ والشّخْصُ في العين واحدُ
قال مضرِّس بن رِبْعي يصفُ نعامة:
صَعراءُ عاريةُ الأخادِعِ رأسُها ... مثلُ المِدَقِّ وأنفُها كالمِسْرَدِ
وقال النابغة يصفُ النسورَ:
تَراهُنّ خلْفَ القومِ زُوراً عيونُها ... جُلوسَ الشّيوخِ في مُسوكِ الأرانِبِ
وقالت أختُ عمرو ذي الكلْب وأحسنتْ:
تمشي النسورُ إليه وهيَ لاهيةٌ ... مشْيَ العَذارَى عليهنّ الجَلابيبُ
وقال ذو الرّمّة في تشبيه الرّملِ بأوراكِ العَذارَى:
ورمْلٍ كأوراكِ العَذارى قطَعْتُه ... إذا لبسَتْهُ المظلِماتُ الحَنادِسُ
ولقد أبدعَ السّيِّدُ الحِميريّ وأحسنَ في وصفِ أمير المؤمنين علي بن أبي طالبٍ رضي الله عنه، وتشبيهه بريح عادٍ ولم يُسْبَقْ الى ذلك:
لكِنْ أبو حسَنٍ، واللهُ أيّدَهُ ... قد كان عندَ اللِقا للطّعْنِ مُعتادا
إذا رأى معْشَراً حرباً أنامَهُمُ ... إنامَةَ الرِّيحِ في أبياتها عادا
وقال الكِنْدي:
جمعْتُ رُدَيْنيّاً كأنّ سِنانَه ... سَنا لهَبٍ لم يتّصِلْ بدُخانِ
وأنشد الحامض:
كأنّ ما يسقطُ من لُغامِها ... بيْتُ عَكْنَباتٍ على زِمامِها
هذا كبيت الحطيئة وقد تقدّم ذكرُه، والمعنى أنه شبّه اللُّغام ببيتِ العنكبوت لاجتماعِهما في النحافة، وبُعدِهما عن الكثافة. يُقال: عَنْكَبوتٌ وعَكَنْباةٌ كما قالوا: عقابٌ وعقنباة ويقال: عنكباء، وفي هذا تعليلٌ يطول شرحُه وليس هذا موضِعُه. وقال معقِّرُ البارقي في تشبيهه الجيوش:
وقد جمَعا جمْعاً كأنّ زُهاءَهُ ... جَرادٌ سَفا في هَبْوَةٍ مُتطايرُ
وقال أيضاً:
(1/30)

فباكَرَهفمْ عندَ الشّروقِ كتائِبٌ ... كأرْكانِ سَلْمى سيْرُها مُتواتِرُ
وقال الحَكَميّ يصفُ سفينةً:
فكأنّها والماءُ ينطحُ صدرَها ... والخَيْزُرانةُ في يدِ المَلاّحِ
جَوْنٌ من العِقْبانِ تبْتَدِرُ الدُجَى ... تهْوي بصوتٍواصطفاقِ جَناحِ
وهذا بابٌ وسيعُ الأرجاء، بعيدُ الانتهاءِ، كالبحر لا تُحصى أمواجُه، ولا يُسْتَقصى منهاجُه، وفيما أوردناه فضلٌ على الكفاية. ومنها:
باب الحشو السديد في المعنى المفيد
قال أبو الشّيص الخُزاعي:
إنّ الثمانين، وبُلِّغْتَها، ... قد أحوَجَتْ سمْعي الى تُرْجُمانِ
قولُه: وبُلِّغْتَها، حشْو سَديد وقد أفادَتْ من الدّعاء معنى جَيداً. وأنشد اليزيديّ:
فمَنْ ليَ بالعيْنِ التي كنتَ مرّةً ... إليّ بها، نفْسي فِداؤكَ، تنظُرُ
قولُه: نفسي فداؤكَ، كقولهِ: وبُلِّغْتَها، في الدُعاء. وقال أبو الوليد عبد الملك بن عبد الرحمن الحارثي:
فلَوْ بِكَ ما بي، لا يكُنْ بكَ، لاغتدَى ... وراحَ إليكَ البِرُّ بي والتّقَرُّبُ
قولُه: لا يكُنْ بكَ حشْوٌ حسن. وأنشد أبو عمرو بن العلاء الجاهلي:
وعَوْدٌ، قليلُ الذَّنْبِ، عاوَدْتُ ضرْبَهُ ... إذا هاج شوقي من معاهدِها ذِكْرُ
وقلتُ له ذَلفاءُ، ويحَك، سبّبَتْ ... لك الضربَ فاصْبرْ إنّ عادتَك الصّبْرُ
أخذ ابنُ المعتزّ هذا المعنى فقال:
وخَيْلٍ طواها القَوْدُ حتّى كأنّها ... أنابيبُ سُمْرٌ من قَنا الخَطِّ ذُبَّلُ
صَبَبْنا عليها، ظالمينَ، سِياطَنا ... فطارَتْ بها أيدٍ سِراعٌ وأرْجُلُ
قوله: ظالمين مثل قوله: قليل الذنب فهذا هو الحشْو السّديد، في اللفظ المُفيد. أما إذا كان الحشو كقولِ أبي العيال الهُذَلي:
ذكرتُ أخي فعاودَني ... صُداعُ الرأسِ والوَصَبُ
فالصداعُ لا يكون إلا في الرأس، وذكرُ الرأس حشْوٌ غيرُ سديد، ومثله قول ديك الجن:
فتنفّسَتْ في البيت إذ مُزِجَتْ ... بالماءِ واسْتلّتْ سَنا اللهَبِ
كتنفُّسِ الرَيْحانِ خالَطَهُ ... من ورْد جُورٍ ناضِرُ الشُّعَبِ
فذِكْرُهُ المزج يغني، وذِكْرُهُ الماءَ زيادةٌ لا يحتاج إليها، ولقد قصّر عن قول أبي نواس:
سَلّوا قِناع الطينِ عن رمَقٍ ... حيّ الحياة مُشارِفِ الحتْفِ
فتنفّسَتْ في البيت إذ مُزجَتْ ... كتنفُّسِ الرّيْحانِ في الأنْفِ
وهذا مثالٌ في هذا الباب كافٍ. ومنها:
باب المتابعة
المُتابعة في الكلام المنثور الشعر المنظوم أن يأتي المتكلمُ بالمعاني التي لا يجوز تقديمُ بعضها على بعض، لأن المعاني فيها مُتتالية، فالأولُ يتلوه الثاني والثاني يعقُبُه الثالث، الى أن ينتهي المتكلمُ الى غاية مُرادِه. ولا يجوز تقديمُ الثاني على الأول، ولا الثالث على الثاني، مثالُ ذلك قولُه تعالى: (هو الذي خلقَكُم من تُرابٍ ثمّ من نُطْفَةٍ ثمّ من علَقَة، ثمّ يُخرجُكُم طِفلاً ثم لتَبْلُغوا أشُدَّكُم ثمّ لتكونوا شُيوخاً) . وقال تبارك وتعالى: (فناداها من تحتِها ألاّ تحزَني قد جعلَ ربُّكِ تحتَكِ سَرِيّاً. وهُزّي إليك بجِذْعِ النّخلةِ تُساقِط عليكِ رُطَباً جَنِيّاً. فكُلي واشْرَبي وقَرّي عيْناً) . فهذا من أحسنِ صِناعةِ الكلامِ في هذا الباب فسُبْحانَ المتكلم به وتعالى عُلُوّاً كبيراً. وأنشد الأصمعي:
لكنّها خُلّةٌ قد سِيطَ من دمِها ... فجْعٌ ووَلْعٌ وإخلافٌ وتبديلُ
الفجْعُ: الغَدْرُ، والولْعُ: الكذِب. وقولهم: الدنيا لا تؤمَن فجائعُه، أي غَدراتُها، ووجهُ المتابعةِ أنّ الغدرَ إذا وقعَ تبيّن الكذِبُ، وإذا وقع التبديلُ ظهر الخلافُ. وقال زهير:
يؤخَّرْ، فَيوضَعْ في كتابٍ، فيُدَّخَرْ ... ليومِ حسابٍ، أو يعجَّلْ فيُنْقَمِ
وقال الشّنْفَرى:
بعَيْنَيّ ما أمسَتْ، فباتَتْ، فأصبحَتْ ... فقضّتْ أموراً، فاستقلّتْ، فولَّتِ
وقال أرْطاةُ بن سُهَيّة:
أكلتفمْ دَماً وشَرِبْنا دَماً ... فلم نُرْوَ منهُ ولم تَشْبَعوا
وقال ابنُ سُليمان الكِلابي:
(1/31)

فما زالَ منهم ذامرٌ ومُطاعِنٌ ... على حالةٍ أو ضارِبٌ ومُطاعِنُ
وقال أعشى عُكْل:
وَقَفْنا بها حتى مضَتْ سَورَةُ الضُحى ... نُقَضّي لُباناتٍ ونَبكي تَصابِيا
ونُهْدي تَحَياتٍ ونُبدي صَبابةً ... ونُخفي من الوجْدِ الذي ليسَ خافيا
أما البيت الأول فلا شاهِد فيه ولكنْ أثبَتْناهُ لوضوحِ البيت الثاني، ويجوز فيه التقديم والتأخير. وأما البيتُ الثاني فوجْهُ المتابعةِ فيه أنّ التحياتِ هي التي يُبدأ بها، ثمّ تبدو الصّبابةُ ويختفي بعضُه، وإنْ كان لا يَخفى كما ذكر. وقال زيادٌ الأعجم:
يالَ لُكَيْزٍ دعوةً غيْرَ ندِمْ ... أعَنَزيٌّ سبّني ثمَّتَ لمْ
يُلْطَمْ ولمْ يفجْدَعْ ولم يُخْضَبْ بدَمْ
وقال عمرو بن الحارث:
فقد يعتَري قِدري وأغْرِفُ لحْمَها ... فأصبحُ ندْماني فأكْسَبُ محمدي
الاعتراء يكون أولاً ثم الغرْف، ثم السّقي وبعد ذلك يُكتسب الحمد. وقال الجَوْنُ النَّمري:
مَنْ مُبلغٌ شيبانَ أن ... ني لم يكُنْ أمري خفِيّا
رامَيْتُه حتى إذا ... ما كان نَبلاناً نفِيّا
طاعَنْتُه حتى إذا ... ما كان رُمحانا شَظيّا
ضاربتُه حتى إذا ... ما كان سَيْفانا حنِيّا
أثْخَنتُه غلَباً وكا ... نَ مُمَنَّعاً قِدْماً أبِيّا
أعطيتُه رَحْلي ورا ... حلتي وكُوراً حِمْيرِيّا
أرأيتَ لو لدَغَتْ أخا ... كُم حيّةٌ في الأرضِ قَيّا
أو نالَهُ مرضُ المنو ... نِ فما عليَّ وما لدَيّا
ولهذه الأبيات حكايةٌ يطولُ شرحُها، وإنما نذكرُ اليسيرَ منه: وذاك أنه لما كان يومُ أوارَة، أسرَ الجَوْنُ النَمَريّ حارثةَ بن عمرو بن أبي ربيعة بن ذهل بن شيبان، فغلب الملكُ المنذر على الجَوْن، وأخذ منه حارثةَ فقتله وادّعَتْ بنو شيبان أنّ الجَوْنَ قتلَه، فقال هذا الشِعرَ يصف حالَه معه، فابتدأ بذكرِ الرِّماءِ الذي هو أوّلُ الحرب، وثنّى بذكرِ الطِّعان، ثم بذكرِ الضّربِ، ثم الغلَبَة لأحدِ الفريقَيْن تكون؛ فإمّا مَنٌّ أو قتلٌ، فلما استوفى ذلك، أتْبَعَهُ بعتابٍ كالمعتذِر إليهم، وفي هذا المثال كفاية. ومنها:
باب المَخْلَص المليح إلى الهجاء والمديح
قال عليٌ بن المنجم: سألت أبي، وكان من فرسانِ العِلم بالشعر، عن أحسن مَخْلَص تخلّصَ به شاعر الى مدح أو هجو فقال: يا بُنيّ، هذا مذهبٌ تفرّد به المُحدَثون، فقلّما يتّفق الإحسان فيه لمتقدم. فأما ما وجدتُ أهلَنا ومجمعين عليه منذلك فقول محمد بن وُهَيب:
ما زاليُلْثِمُني مَراشِفَهُ ... ويعلُّني الإبريقُ والقدَحُ
حتى استردّ الليلُ خِلْعتَهُ ... وبدا خِلالَ سوادِهِ وضَحُ
وبدا الصّباحُ كأنّ غُرّتَه ... وجْهُ الخليفةِ حينَ يُمتدَحُ
وإنما نظر من هذا المعنى الى قول الأعرابي:
أقولُ والنّجْمُ قد مالَتْ مياسِرُهُ ... الى الغُروبِ تأمَّلْ نظْرةً حارِ
ألَمْحَةً من سَنا برْقٍ رأى بصَري ... أم وجْهُ نُعْمٍ بدا لي أم سَنا نارِ
بلْ وجهُ نُعْمٍ بدا والليلُ مُعتكِرٌ ... فلاحَ من بيْنِ حُجّابٍ وأستارِ
وقال حسّان في الهجاء:
إن كنتِ كاذبةَ الذي حدّثْتِني ... فنَجَوْتِ منْجَى الحارث بن هِشامِ
تركَ الأحبّةَ أن يقاتِلَ دونَهم ... ونَجا برأسِ طِمِرّةٍ ولِجامِ
وللمُحدَثين في هذا الباب أشعارٌ حسنةٌ كثيرة لا حاجةَ بنا الى الإطالة بذكرها ففيما أوردناهُ كفاية، واللهُ الموفِّقُ للصّواب. ومنها:
باب التضمين
ويُسمّى التسميطُ والتوشيحُ، وهذا في شعار العرب قليلٌ جداً، وقد استعملَ المُحدَثون من ذلك ما لا يأتي عليه الإحصاءُ كثرةً وعدّاً، واليسيرُ منه دليلٌ على الكثير. قال الأخطل:
ولقدْ سَما للخُرَّميِّ فلمْ يَقُلْ ... بعدَ الوَنى لكنْ تضايَقَ مُقْدَمي
ضمّنَ قول عنترة:
إذْ يتّقونَ بيَ الأسنّةَ لم أخِمْ ... عنها ولكنّي تضايَقَ مُقْدَمي
وقال آخر من أبيات:
(1/32)

متى أبكِ إفلاساً وبؤساً وفاقةً ... يقولون لا تهلِكْ أسىً وتجمَّلِ
لقد طالَ تَردادي وحبسي عليكمُ ... فهلْ عندَ رسمٍ دارسٍ من معَوَّلِ
خَلُقْتُ على بابِ الأمير كأنني ... قِفا نبْكِ من ذِكرى حَبيبٍ ومنزلِ
وقال آخر:
قال لي عَمرُها وقد غازَلتْني ... لا تُعرّجْ بدارساتِ الطُّلولِ
ومنها:
باب تجاهل التعارف
ومعنى تجاهُل التعارفُ أن الشّاعر أو الناثر يسألُ عن شيءٍ يعرفُهُ سؤالَ من لا يعرفُه ليعلمَ أن شدة الشَّبَهِ بالمُشبّه قد أحدثَتْ عنده ذلك، وهو كثير في أشعار العرب وخُطَبِهم. قال ذو الرّمّة:
أقولُ لأُدْمانيّةٍ عوْهَجٍ جرَتْ ... لنا بينَ أعْلى عُرْفَةٍ فالصرائِمِ
أيا ظَبيةَ الوَعْساءِ بيْنَ جُلاجِلٍ ... وبينَ النَّقا آأنتِ أمْ أمُّ سالِمِ
وأنشد ابنُ دريد لبعضِهم:
أعَنِ البدرِ عِشاءً ... رُفِعَتْ تلكَ السُّجوفُ
أمْ عنِ الشّمْسِ تسرّى ... مَوْهِناً ذاك النَّصيفُ
أمْ على لِيتَيْ غَزالٍ ... عُلِّقَتْ تلك الشُّنوفُ
أم أراكَ الحَيْنُ ما لَمْ ... يَرَهُ القومُ الوُقوفُ
فأمّا قوله تعالى: (وما تلك بيَمينِكَ يا موسى؟ قال: هي عصاي) . فالمراد بهذا السؤال مع العلم به، إظهارُ المُعْجزِ الذي لم يكُنْ موسى يعلمُهُ في العَصا، وقد سمّاه أهلُ الصّنعةِ سؤالَ التقرير، وكذلك قولُه تعالى: (وإذ قال الله يا عيسى بنَ مريمَ أأنتَ قُلتَ للناس اتّخذوني وأمّيَ إلَهَيْنِ من دون الله) ، وقد علِم الله تعالى أنه لم يقُلْ ذلك، والمرادُ به توبيخُ من ادّعى ذلك وتكذيبُ من قال به، فهو سؤالُ مُقرِّرٍ لا سؤال مستخبرٍ فاعرفه. ومنها:
باب المماتنة والإنفاد والإجازة
أما المماتنة فهي تنازعُ الشّاعِرَيْنِ بينهما بيتاً، يقولُ أحدُهما صدرَه والآخر عجُزَه.
وأما الإنفادُ والإجازة، فالإنفاد، بالدّال غير المعجمة، هو من قولهم: خصْمٌ مُنافِد إذا خاصم حتى تنفَدَ حُجّتَه. وتقول: نافدتُ الرّجُلَ، مثل حاكمتُه. وفي الحديث: إن نافَدْتَهُمْ نافَدوك. وهو أن يقول الشاعرُ بيتاً تاماً ويقول الآخرُ بيتاً.
وأما المماتَنة فقد رُويَ أنّ غلاماً من بني جَنْب يُقال له رِفاعة، ويقال: إنّه المحترشُ، نبغ في الشِّعر وماتَنَ شُعراءَ قومِه حتى أبرَّ عليهم. فلمّا وثِقَ من نفسِه بذلك قال لأبيه: لأخرُجَنّ في قبائلِ اليمن؛ فإنْ وجدتُ من يماتِنُني رجعتُ الى بلادي، وإنْ لم أصادفْ من يماتنُني تقرَّيْتُ قبائلَ العرب كلَّها. فنزل بصِرْمٍ من بني نهْد، والحيُّ خُلوف، فأناخ حَجْرةً عن الحِواء فإذا عجوز حَيْزبون قد أقبَلَتْ تتوكأ على مِحْجَن فقالت: عِمْ ظلاماً، فقال: نعم ظلامُك، فقالت: ممّن الرجل؟ فقال: من مَذْحِج، قالت: من أيّهم؟ قال: من جَنْب، قالت: أضَيْفٌ؟ قال: نَعَمْ، قالت: فلا رحِمَكَ الله، ما عدَوْتَ أن بخَّلتَنا وأسأتَ أحدوثتَنا، ثم أثارتْ راحتلَه وقالت: قُم الى قُبة أضيافنا. فما ملّكتْهُ راحلتَه حتى أتت بها القبة فأناخَتْها ثم حطّت رحلَهُ وكفَتتْهُ في خبائها وأمرت وليدةً لها فجاءتْ بمُدْيَة وعَتود يمْرَحُ في إهابِه سِمَناً وقالت: اذبحْ أيّها الرجل، واعتجنَتْ وامتلّت وطبخَتْ، وقرّبتْ طعاماً، فجلسَ الرجلُ والعجوزُ والوليدةُ يأكلون. فقالت له العجوز: ما رَمى بك هذه البلاد؟ فأخبرَها بخبره، فضحكَتْ وقالت: بِتْ ناعماً أجِئْكَ غداً بعشر خرائدَ يُماتِنَّك دون الرجال، فإنْ غُلبْتَ فارجعْ الى بلادِك. فلما أصبح أقبَلَتِ العجوزُ ومعها ثلاثُ فتيات كالمهرات، فانتبَذْن حَجْرةً، ثم أشارت الى واحدة منهنّ فأقبلتْ كالعَيْدانةِ يُميلها الصِّبا فقالت: أأنتَ المُتحدّي بالمُماتنة؟ فقال: نعم، فقالت: قُل أسمَعْ، فقال:
سَوامٌ تداعَتْ بالحَنينِ عشارُها
فقالت:
حوامل أثقالٍ تنوءُ فتدلحُ
فقال:
إذا أيّهت في حَجْرَتَيْها رِعاؤها
فقالت:
سمَتْ فُرَّقٌ منها شوامذ لُقَّحُ
فقال:
إذا وطِئَتْ أرضاً سقَتْها بدَرِّها
فقالت:
أفاويقُ مِسْكٍ محضه لا يُضيَّحُ
فقال:
(1/33)

إذا انسفَحَتْ أخلافُها خِلتَ ما جَرى
فقالت:
على الأرضِ منها لُجّةٌ تتَضَحْضَحُ
فقال الرجل للعجوز: أمطلقةٌ هذه الجارية أم ذات بعلٍ؟ فقالت:
عِقالٌ لعَمْرُ اللهِ لو شئت بتَّهُ ... شِرادي ولكنّ التكرُّمَ أجْدَرُ
قال الرجل: فعُجْتُ الى رَحْلي، فقالت العجوز: روَيْداً أجْلبْ لك الأخرى، فقال: أروَتْني الأولى، فقالت: إلْحَقْ الآن بأرضك. قال الرجل: فخرجتُ أريدُ الرجوعَ الى قومي ثمّ أبى لي اللَّجاجُ إلا قصْدَ ما خرجت له، فدُفِعْتُ الى صِرْمٍ من جَرْمٍ، وإذا أُصَيْبيةٌ يلعبون على غديرٍ فنزلتُ أنظر إليهم، وإذا هم يرتجزون، فدعوتُ غلاماً من أنشَزهم فقلت: يا غلام هل في صِرْمِكم هذا من يماتنُني فإني قد أبْرَرْتُ على شعراء العرب، فقال: أنا أماتنك، فقلت: أنت أيها القُصَيْعِل! فقال: قُلْ ودَعْ عنك ما لا يُجدي عليك.
فقلت:
أوابِدُ كالجَزْعِ الظَفاري أرْبَعُ
فقال:
حَماهُنّ جَوْن الطُرَّتَيْنِ مولَّعُ
فقلت:
يرودُ بهنّ الروضَ والأمنُ جارُهُ
فقال:
وأخلى لهُنّ المُنْتَضى والمُودَّعُ
فقلت: أولى لكَ، وامتطيتُ راحلتي حتى دُفِعتُ الى شيخ يرعى غُنيمات له فاستقريْتُه، فقام مُبادراً الى قَعبٍ فاحْتلبَ غُبَّر ما في ضروعِهنّ، ثم جاءني به فشربتُ، فلما اطمأننت قال لي: ما رمى بكَ هذا القُطر؟ فأخبرته، وكتمتُه ما لاقيتُ، فكشّر الشيخُ ثم صاح بغِلْمةٍ يرعَون قريباً منه، فأقبل غلامٌ منهم فقال: ادعُ عَشْرَقَة، فما لبثَ أن جاءَتْ جُوَيْريَةٌ عُجيفاء كأنّها وبيلةُ خَيْسَفوجٍ حتى وقفت بين يديهِ فقال: إنّ ابنَ عمّك هذا خرج من بلادِه يتحدّى بالمُماتنةِ فهل عندكِ شيء؟ فقالت: قلْ أيّها المتحدي، وإنها لتُقَلِّبُ عينَيْها كعينَيْ أرقمِ، فقلت:
ما نطفةٌ زرقاءُ في ظلِّ صخرةٍ
فقالت:
ذخيرةُ غَرّاءِ الذُرى جَوْنة النَضَدْ
فقلت: نفى سَيلانُ الريحِ عن متنها القَذى فقالت:
وذادَتْ غصونُ الأيْكِ عن صَفْوها الوَقَدْ
فقلت:
يُشابُ مُجاجٌ أخلص الدّبْرُ أرْيَهُ
فقالت:
بِصَهْباءَ صِرْفٍ جيبَ عن مَتْنِها الزَّبَدْ
قال: فتركتُ ما قصدتُه ومِلت الى وجهةٍ أخرى، ووصفت ناقةً فضحِكَتْ وقالت: أعْوَصْت؟ فقلت: إذا انْشَبَحَ الحِرباءُ في رأس عودِه فقالت:
وألجأ أمَّ الحِسْلِ في مَكْوِها الصَّخَدْ
قال رِفاعة: فرجعت الى أهلي وآليْت على نفسي أن لا أماتِنَ بعدَها أحداً ما عشت.
فهذا مثال في المُماتنة كافٍ، ولولا الإطالة لأوردتُ من هذا النوع أشياء طريفةً عجيبةً.
وأما الإنفادُ والإجازة فرُويَ أنّ كعبَ بن زهير لما تحرّك بالشِّعر كان أبوه زهير ينهاه عنه؛ مخافةَ ألا يكون استحكم شعرُه، فيُروى عنه ما يُعابُ به. وكان يضربُه على ذلك، فغلبَهُ وطالَ ذلك عليه فأخذَه وسجنَهُ وقال: والذي أحْلِف به لا تتكلّمُ ببَيْتِ شعر ولا يبلُغُني أنك تُريغُ لشعرٍ إلا ضربتك ضرباً يُنكِلك عن ذلك. فمكَثَ محبوساً أياماً ثم أخبِر أنه تكلم به فضربَه ضرباً مبرِّحاً، ثم أطلقَه وسرّحَه في بَهْمةٍ وهو غُليِّمٌ صغير، فانطلقَ فرعاها ثم راح بها وهو يرتجز:
كأنّما أحدو ببَهْمي عِيرا ... من القُرى مُوقرةً شعيرا
فخرج زهيرٌ إليه وهو غضبان، فدَعا بناقةٍ فركِبها وتناوله فأردفَه خلفَه، ثم حرّك ناقتَه وهو يريد أن يتعنّتَ كعباً، ويعلَم ما عندَه، ويطّلعَ على شعره، فقال حين فصَلَ من الحيّ:
وإنّي لتَغْدو بي على الهمِّ جَسْرَةٌ ... تخُبُّ بوَصّالٍ صَرومٍ وتُعْنِقُ
ثم ضربَه وقال: أجِزْ يا لُكَعْ، فقال:
كبُنْيانَةِ القاريِّ موضعُ رحْلِها ... وآثارُ نِسْعَيْها من الدَفِّ أبْلَقُ
فقال زهير:
على لاحِبٍ مثلِ المَجَرّةِ خِلْتَهُ ... إذا ما عَلا نشْزاً من الأرض مُهْرَقُ
ثم قال: أجِزْ يا لُكَع، فقال:
منيرٌ هُداهُ ليلُهُ كنهارِهِ ... جميعٌ إذا يعْلو الحُزونةَ أفْرَقُ
فقال زهير:
تظَلُّ بوَعْساءَ الكثيبِ كأنّها ... خِباءٌ على صَقْبَيْ بُوانٍ مُروَّقُ
ثم قال: أجِزْ يا لُكَع، فقال:
(1/34)

تَراخَى به حُبُّ الضّحاءِ وقد رأى ... سماوةَ قشراء الوظيفَيْنِ عَوْهَقِ
فقال زهير:
تحِنُّ الى مِثلِ الحَبابيرِ جُثَّمٍ ... لدَى مُنْهَجٍ من قَيْضِها المُتَفَلِّقِ
ثم قال: أجِزْ يا لُكَع، فقال:
تحطّمَ عنها قيْضُها عن خَراطِمٍ ... وعن حدَقٍ كالنَّبْخِ لم يتَفَلَّقِ
فأخذ زُهير بيد كعْب وقال له: قدْ أذِنْتُ لك في الشِعر. ومنها:
باب السّرقة
والسَّرقة في الأشعارِ تنقسمُ الى قِسمين: محمود ومذموم. وكانت فحول شعراء العرب تستقبحُ سَرِقَةَ الشعرِ كما قال طَرَفة:
ولا أغيرُ على الأشعارِ أسْرِقُها ... عنها غَنِيتُ وشرُّ الناسِ من سَرَقا
ومع هذا فلهم سَرِقاتٌ مُستَقْبَحةٌ، وإغاراتٌ بزنادِ الإكثارِ مُستَقْدَحة.
فأما المحمود من السَرِقة فهو عشرةُ وجوه: الأول: استيفاءُ اللفظِ الطويل في الموجز القليل. قال طرفة:
أرى قبرَ نحّامٍ بخيلٍ بمالِه ... كقَبْرِ غَويٍّ في البِطالةِ مُفْسِدِ
اختصَرَهُ ابنُ الزِّبَعْرى فقال:
والعَطِيّاتُ خِساسٌ بيْنَنا ... وسواءٌ قبرُ مُثْرٍ ومُقِلّ
فشغَل صدرَ البيتِ بمعنىً وجاء ببيتِ طَرَفة في عَجز بيت أقصرَ منه بمعنىً لائح، ولفظٍ واضح.
الثاني: نقْلُ الرَّذْل الى الرصينِ الجَزْل. قال أعرابي يتمنى موْتَ زوْجَته:
ألا إنّ موتَ العاميّةِ لو قَضى ... بهِ الدّهرُ لابن الوائليِّ حياةُ
المعنى لطيفٌ واللفظُ ضعيفٌ، أخذَه أخو الحارث بن حِلِّزة فقال:
لا تكُنْ مُحتقِراً شأنَ امرئٍ ... رُبما كان من الشأنِ شُؤون
ربما قرّتْ عُيونٌ بشَجاً ... مُرْمضٍ قد سخِنَتْ منه عُيونُ
الثالث: نقْل ما قبُحَ مبناهُ دون معناهُ الى ما حَسُن مبناهُ ومعناه. قال الحكميّ:
بُحَّ صوْتُ المالِ ممّا ... منكَ يشكو ويَصيحُ
معناه صحيحٌ ولفظُهُ قبيحٌ، أخذَه سَلْمٌ فقال:
تظلَّمَ المالُ والأعداءُ من يدِه ... لا زالَ للمالِ والأعداءِ ظَلاّما
فجمعَ بين تظلُّمَيْن كريمين، ودعا للممدوحِ بدوامِ ظُلمِه للمالِ والأعداء، وجوّدَ الصَنعةَ في لفظِه وأخذِه.
الرابع: عكْسُ ما يصير بالعكس ثناءً بعد أن كان هِجاء.
ما شئت من مالٍ حمىً ... يأوي إلى عِرْضٍ مُباحِ
فعكَسهُ القائلُ فقال:
هوَ المرءُ أمّا مالُه فمُحلّلٌ ... لِعافٍ وأما عِرْضُهُ فمحرَّمُ
الخامس: استخراج معنىً من معنىً احتذى عليه وإن فارقَ ما قصَدَ به إليه. قال الحَكَميّ في الخَمْر:
لا ينزِلُ الليلُ حيثُ حلّتْ ... فدَهْرُ شُرّابِها نهارُ
احتذَى عليه البحتري، وفارقَ مقصدَ الحكمي فجعلَهُ في محبوبةٍ فقال:
غابَ دُجاها وأيُّ ليلٍ ... يدجو عليْنا وأنتِ بدرُ!؟
السادس: توليدُ كَلامٍ من كلام لفظُهما مفترِقٌ ومعناهما متّفِق، وهو ممّا يدُل على فطنة الشاعر، أنشد الأصمعي لبعضهم:
غُلامُ وغىً تقحَّمها فأوْدَى ... وقد طحَنَتْهُ مِرداةٌ طحونُ
فإنّ على الفَتى الإقدامَ فيها ... وليسَ عليه ما جَنَتِ المَنونُ
أخذَه أبو تمام فقال:
لأمْرٍ عليهم أن تتمّ صدُورُه ... وليس عليهم أن تتِمَّ عواقِبُهْ
المعنى متفق واللفظُ مفترقٌ، وهذا من أحسَنِ وجوهِ السّرِقات.
السابع: توليدُ معانٍ مُستحسناتٍ في ألفاظٍ مختلفاتٍ، وهذا قليلٌ في الأشعارِ، وكان من أجدَرِ ما كَدّ الشاعرُ فطنتَهُ فيه، إلا أنّه صعبٌ. قال الشاعر:
كأنّ كؤوسَ الشَّرْبِ والليلُ مُظلِمٌ ... وجوهُ عَذارى في ملاحفَ سودِ
اشتقّ ابنُ المعتزّ منه قوله:
وأرى الثُريّا في السّماءِ كأنّها ... قدَمٌ تبدّتْ من ثيابِ حِدادِ
الثامن: المساواةُ بين المسروق منه والسارِق، بزيادة ألحَقَتِ المسبوقَ بالسابِقِ. قال الديك:
مُشَعْشَعةٌ من كفِّ ظبيٍ كأنّما ... تناولَها من خَدِّه فأدارَها
أخذَه ابنُ المعتز فقال:
كأنّ سُلافَ الخَمرِ من ماءِ خدّه ... وعنقودَها من شَعْرِهِ الجَعْدِ يُقْطَفُ
(1/35)

فزادَ تشبيهاً هو من تَمامِ المعنى، فتساويا؛ هذا بقِدمَتِه، وهذا بزيادته، ومثلهُ كثير.
التاسع: المماثلةُ في الكلام حتى لا يفضل نِظامٌ على نظام. قال حسّان بن ثابت:
يُغْشَوْن حتى ما تهِرُّ كِلابُهم ... لا يسألونَ عن السّوادِ المُقبِل
أخذَهُ الحَكميّ فقال:
الى بيتِ حانٍ لا تهِرُّ كلابُه ... عليّ، ولا يُنْكِرْنَ طولَ ثوائي
لا فرق بين المعنيين ولا الكلامين فقد تماثلا.
العاشر: رُجحانُ لفظِ الآخذ على المأخوذ منهُ وتفضيلُ معناه على معنى أصدره عنه. قال النابغة:
سقَطَ النّصيفُ ولم تُرِدْ إسقاطَه ... فتناولَتْهُ واتّقَتْنا باليَدِ
أخذَه أبو حَيّة النُميريّ فقال:
فألْقَتْ قِناعاً دونَه الشمسُ واتّقَتْ ... بأحسَنِ موصولين: كفٍ ومِعصمِ
فلم يزِدْ النابغةُ على الإخبارِ باتقائها بيدِها لمّا سقطَ نصيفُها، فزادَ عليهِ أبو حيّة بقوله: دونَه الشمسُ، وخبّر عن الاتقاء بأحسن خبر، من حُسْنِ كفٍّ وحُسْنِ معصَمٍ، فرجَحَ كلامُه وعَلا نِظامُه.
وأما المذمومُ من السّرقةِ فعشرةُ وجوه أيضاً: الأول: نقلُ اللفظِ القصيرِ الى الطويل الكثير. قال الحَكَميّ:
لا تُسْدِينّ إليّ عارِفةً ... حتى أقومَ بشكرِ ما سَلَفا
أخذَه دِعْبل فقال:
تركتُكَ، لم أتركْكَ كُفْراً لنعمةٍ ... وهل يُرتَجى نيْلُ الزّيادةِ بالكُفْر
ولكنني لما رأيتُكَ راغِباً ... وأفرطتَ في برّي عجَزْتُ عن الشُكر
الشعرُ جيدُ المعنى واللفظ، ولكنه أتى به في تطويل وتضمين، فنقل القصيرَ الى الطويل، وذلك مذمومٌ في السّرقَة.
الثاني: نقْلُ الرصين الجَزْل الى المُسْتَضْعفِ الرّذْل. قال الأول:
ولقد قتَلتُك بالهجاء فلم تَمُتْ ... إنّ الكِلابَ طويلةُ الأعمارِ
ما زالَ ينبَحني ليَشْرُفَ جاهِداً ... كالكلبِ ينبَحُ كامِلَ الأقمارِ
أخذَه ابنُ طاهر فقال:
وقد قتلناكَ بالهجاءِ ... ولكنّك كلبٌ معَقَّفٌ ذَنبُه
فجمَع بين قُبحِ السّرقة، وضعْفِ العبارة، ولا وجهَ لذكر التعقيفِ في الذنَب، لأنه غيرُ دالٍ على طول العمر، وهذا ظاهرٌ ومثلُه كثير.
الثالث: نقْلُ ما حسُنَ معناهُ ومبناهُ الى ما قَبُح مبناهُ ومعناه. قال الكندي:
ألمْ تَرَ أنّي كلما جِئْتُ طارِقاً ... وجدتُ بها طِيباً وإنْ لم تَطَيَّبِ
أخذه بشار فقال:
وإذا أدْنَيْتَ منها بَصَلاً ... غلبَ المِسكُ على ريحِ البَصَل
وهذا أنزلُ شعرٍ في الرذالةِ، كما أنّ بيتَ الكندي أرفعُ بيتٍ في الجَوْدَة والجزالة، وقد أخذ كُثيِّرٌ المعنى، فطوّل وضمّن وقصّر، وزعمَ أنهاإذا تبخّرَتْ كانت كالروضة في طيبها. ولا يُعدَم هذا في أسهَكِ البشرِ جسماً وأوضَرهم حالاً، وشعرُهُ معروف.
الرابع: عكس ما يصيرُ بالعكس هجاءً بعدَما كان ثناءً. قال حسّان بن ثابت:
بيضُ الوجوهِ كريمةٌ أحسابُهم ... شُمُّ الأنوفِ من الطّرازِ الأوّلِ
أخذَه ابنُ أبي فنن فعكسه فقال:
سودُ الوجوهِ لئيمةٌ أحسابُهم ... فُطْسُ الأنوفِ من الطراز الآخر
الخامس: نقْلُ ما حسُنَتْ أوزانُه وقوافيه الى ما قبُحَ وثَقُل على لسان راويه. قال الحكمي:
دعْ عنكَ لَوْمي فإنّ اللومَ إغراءُ ... وداوِني بالتي كانتْ هيَ الداءُ
أخذَه الطائي فقال:
قدْكَ اتَئِبْ أربَيْتَ في الغُلَواءِ ... كمْ تعذِلونَ وأنتُم سُجَرائي
فالحكَمي زَجَر عذولَه زجْراً لطيفاً، أعلمَه أن اللّومَ إغراء، وشغل عجُزَ بيتِه بمعنى آخر، بكلامٍ رطْبٍ، ومعنىً عذْبٍ والطائي زجَرَ عذولَه بلفظٍ مُتعسّفٍ تصعُبُ راويتُهُ، وتُستكرَهُ قافيتُه.
السادس: حذفُ الشاعر من كلامِه ما هو من تَمامه. قال الكِنْدي:
نظَرَتْ إليكَ بعينِ جازِئَةٍ ... حوْراءَ حانِيةٍ على طِفْلِ
أخذَهُ المُسيّبُ بن علَس فقال:
نظرَتْ إليكَ بعينِ جازِئَةٍ ... في ظِلِّ فاردةٍ من السِّدْرِ
(1/36)

لم يُقنعْهُ قُبحُ هذا الأخذ لفظاً ومعنى حتى أتى فيه بما لا حاجةَ له إليه، لأنّ حُسْنَ أعيُنِ الظِّباءِ لا تعَلُّقَ له بظلِ السِّدرِ، وليس في ذلك ما ليس له في غيره. والكندي لمّا وصفَ عينَها بعينِ الجازئة، وهي الظبيةُ التي قد اجتزأَتْ بالرَّطْب عن الماء ذكرَ أنها حوراءُ ثم وصَفها بأنها حانيةٌ على طفل، وفي حُنُوّها على ولدها اكتسابُ طرفِها بتروّعها عليهِ وخوفِها مما ينالُه معنى لا يوجَدُ عند سكونِها وأمنه، وقد سَرَقَ المُسيَّبُ شيئاً وتركَ ما هو من تمام الكلام، فاعرِفْهُ.
السابع: رُجحانُ كلامِ المأخوذِ عنه على كلام الآخذِ منه. قال مُسْلِم:
أما الهجاءُ فدَقّ عِرْضُكَ دونَه ... والمدحُ عنك كما علِمتَ جَليلُ
فاذهبْ فأنتَ طليقُ عِرضِك إنّه ... عِرْضٌ عَزَزْتَ به وأنت ذَليلُ
أخذه الطائي فقال:
قال لي النّاصحونَ وهو مقالٌ ... ذمُّ من كان جاهِلاً إطراءُ
صَدَقوا، في الهجاءِ رِفْعَةُ أقوا ... مِ طَغامٍ فليسَ عندي هِجاءُ
وبين الكلامين بوْنٌ بعيدٌ لا تحتاجُ الى إيضاحِه لارتفاعِ الشكّ في بيانه.
الثامن: نقلُ العَذْبِ من القوافي الى المُستكرهِ الجافي. قال المتلمّس:
فأطرَقَ إطراقَ الشجاعِ ولو يرَى ... مَساغاً لِنابَيْهِ الشُّجاعُ لصَمّما
أخذَه عمرو بنُ شأس بجملته وختَمَه بقافيةٍ مُستكرهةٍ، فقال:
فأطرقَ إطراقَ الشُجاعِ ولو يَرى ... مَساغاً لنابَيْهِ الشُجاعُ لقد أزَمّْ
أزمّ: اشتدّ وعضّ، وهي لفظة غير عَذْبة.
التاسع: نقلُ ما يعودُ على البحث والانتقاد الى تقصير ظاهرٍ أو فساد. قال أبو العتاهية:
إنّي أعوذُ من التي شَعَفَتْ ... مني الفؤادَ بآيةِ الكُرْسي
وآيةُ الكُرسي إنما تهرُبُ منها الشياطين ويُحتَرَس بها من الغِيلان فهل التي شعَفَتْ فؤادَه كانت من هذا القبيل؟ وقال الأعشى:
فرَمَيْتُ غَفْلَةَ عينهِ عنْ شاتِه ... فأصَبْتُ حبّةَ قلبِه وطِحالَها
أما ذِكرُ القلب والفؤاد فلا ريبَ أنه يتردد كثيراً في الشعر عند ذِكر الهَوى والمحبّةِ والشوقِ، وما يجدُه المغْرَمُ في هذه الأعضاء من الألم والحرارة والكَرب. وأما الطّحالُ فما رأينا أحداً استعملَ ذِكرَه في هذه الأحوال، إذ لا صُنْعَ له فيها ولا هو ممّا يُنسبُ الى حركة في حزن أو عِشق، ولا الى سُكون عندَ فرَجٍ أو ظَفَرٍ، ففسادُ ذِكر الطحال ظاهر في هذه الحال. وقال الآخر:
لمّا تخايلْتُ الحُمولَ حسِبْتُها ... دَوْماً بأيْلَةَ ناعماً مَكْموما
ذكرَ أن الدَّوْمَ، وهو شجَرُ المُقلِ، مكمومٌ وإنما تُكمّم النخلُ. وفي هذا الباب للعرب وغيرهم أشعارٌ لا يُحيطُ بجملتها باحثٌ ولا مُختار.
العاشر: أخذُ اللفظِ المُدَّعى هو ومعناه معاً. وهو أقبح وجوهِ السّرِقات وأشنعُها وأدناها منزلةً وأوضعها فمن ذلك قول الكنْديّ:
وعنْسٍ كألواحِ الإرانِ نسَأتُها ... على لاحِبٍ كالبُردِ ذي الحِبَراتِ
أخذَه طَرَفة - الذي قال: وشَرُّ الناس منْ سَرَقا - فقال:
أمونٍ كألواحِ الإرانِ نسأتُها ... على لاحِبٍ كأنه ظَهرُ بُرجُدِ
وقال الحطيئة:
إذا حُدِّثَتْ أنّ الذي بيَ قاتلي ... من الحُبِّ قالتْ ثابتٌ ويَزيدُ
أخذَه جميل فقال:
إذا قلتُ ما بي يا بُثينةُ قاتلي ... من الحُبِّ، قالَتْ ثابتٌ ويزيدُ
وقال مُسلم بن الوليد:
يقولُ صَحْبي وقد جدّوا على عجَلٍ ... والخيلُ تسْتَنُّ بالرُّكْبانِ في اللُجُمِ
أمَطلِعَ الشمسِ تبغي أن تؤمَّ بنا ... فقلتُ كلاّ ولكنْ مطلِعَ الكَرَمِ
أخذهُ أبو تمام فقال:
يقولُ في قُومسٍ صحْبي وقد أخذَتْ ... منّا السُّرى وخُطى المَهْريّةِ القُودِ
أمطلِعَ الشمسِ تبغي أن تؤمّ بنا ... فقلتُ كلا ولكن مطلِعَ الجودِ
(1/37)

فهذه وجوهُ السّرِقاتِ قد حدَرْتُ لك لِثامَها، وألقيتُ إليك زمامَها، فقلّ أن تجِد من يعرفُ أقسامها، أو يستمطر غمامَها، ولا تجدُ إلا مَنْ إذا ظفِرَ ببيتٍ مسروقٍ لم يدْرِ أمِنَ المحمودِ هو أمْ من المذموم، وهلْ شاعرُهُ بالمعذورِ فيه أم بالمَلوم، فاعرفْهُ.
وأما التوارد فهو اتفاقُ الخواطرِ في البيتِ والبيتين، وإنّما سمّوهُ توارداً أنفَةً من ذكرِ السّرقَةِ وتكبراً عن السّمة بها. قال عَلقمةُ بن عَبَدَة:
أمْ هلْ كبيرٌ بَكى، لم يقْضِ عَبْرَتَهُ ... إثْرَ الأحبةِ، يومَ البيْنِ مَشكومُ
وقال أوس بن حَجَر:
أمْ هل كبيرٌ بكى لم يقْضِ عَبْرَتهُ ... إثرَ الأحبةِ يومَ البينِ معذورُ
وقال طرفة:
فلولا ثلاثٌ هُنّ من حاجةِ الفتى ... وجدِّكَ لم أحفِلْ متى قامَ عُوَّدي
وقال نُهَيك:
ولولا ثلاثٌ هُنّ من حاجةِ الفَتى ... وجَدِّكَ لمْ أحفِلْ متى قامَ رامسي
وقال مُزاحم العُقيلي:
تكادُ مَغانيها تقولُ من البِلى ... لسائِلها عن أهلِها لا تَعمَّلِ
وقال ضابئ:
تكادُ مغانيها تقولُ من البِلى ... لسائِلها عن أهلِها ولا تَعَمّلا
وقال عَديّ بن زَيْد:
وعاذلةٍ هبّتْ بليْلٍ تلومُني ... فلما غلَتْ في اللوْمِ قُلتُ لها اقصِدي
وقال عمرو بن شأس:
وعاذِلةٍ هبّتْ بليْلٍ تلومُني ... فلما غَلَتْ في اللّومِ قُلتُ لها مَها
وقال أوس بن حَجر:
حرْفٌ أخوها أبوها من مُهجّنَةٍ ... وعمُّها خالُها قوداءُ مِئشيرُ
وقال كعب بن زهير:
حرْفٌ أخوها أبوها من مُهجَّنةٍ ... وعمُّها خالُها قوداءُ شِمْليلُ
وقال كعب الأشقري:
لم يركبوا الخيلَ إلا بعدَما هَرِموا ... فهُمُ ثِقالٌ على أكتافِها مِيلُ
وقال جرير:
لم يركبوا الخيلَ إلا بعدَما هرِموا ... فهم ثِقالٌ على أكتافِها عُزُفُ
ومثلُ هذه الأبيات في أشعار العرب أكثرُ من أن تُحصى وأعظمُ من أن تُسْتَقصى، وأنا لا أعدُّ ذلك توارداً اتفقَتْ عليه الخواطرُ، وتشابَهَتْ فيه الضمائر، بل أعُدُّه سرِقَةً مَحْضَة وإغارةً على الأشعارِ مُرفَضّة. وقد أوردَ ابنُ السِّكيت قولَ امرئ القيس: وقوفاً بها صحبي البيت، وقولَ طرفة في باب السَرِقات، والذي ذهب إليه هو الصحيح، وإنّما يتّفق للشاعرين معنىً ويلزمان أن يَنْظماهُ على قافيةٍ واحدة فربما تَواردا في بعض الكلام. من ذلك ما حكاه أبو القاسم الأندلسي وغيرُه في أشعار المَغارِبَة، قال: كان بين يدي محمد بن عبّاد صاحب الغَرب جاريةٌ في يدها كأسٌ وهي تَسقيه، فلمع البرق فارتاعتْ له فسقط الكأس من يدها فقال مُرتَجِلاً:
روّعها البرقُ وفي كفِّها ... برْقٌ من القهوةِ لمّاعُ
يا ليْتَ شِعري وهي شمسُ الضُحى ... كيفَ من الأنوارِ ترْتاعُ
ثم قال لبعض خدمه: مَنْ على باب القصر من الشعراء؟ فقال: عبد الجليل بن وهبون، فأمَه بإحضاره. فلمّا مثُلَ بين يديه قصّ عليه القصّة وأنشدَه البيتَ الأول وقال له: أجِزْه فأنشأ:
ولنْ ترى أعجبَ من آنِسٍ ... من مثلِها ما يُمْسِكُ يرتاعُ
ومثل هذا يمكن أن يقع ولا يُنكَر ولا يُدفَع.
وحكى الأندلسي قال: حدّثَني محمد بن شرف القيرواني قال: أمرَني المُعِز بن باديس وأمرَ حسنَ بنَ رشيق في وقت واحد أن نصِفَ الموزَ في شعرٍ على حرف الغَيْن، فجلس كل واحد منا بنَجْوَةٍ عن صاحبهِ بحيثُ لا يقفُ أحدُنا على ما يصنَعُهُ الآخر، فلمّا فرَغنا من الشعرِ عرَضْناه عليه، فكان الذي صنعتُه أنا:
يا حبّذا الموزُ وإسعادُه ... من قبل أن يَمْضغه الماضِغُ
لانَ فما نُدرِكُ جَسّاً لهُ ... فالفَمُ ملآنُ بهِ فارِغُ
سِيّانَ قُلنا مأكَلٌ طيّبٌ ... فيهِ وإلاّ مشْرَبٌ سائِغُ
وكان الذي صنعه ابنُ رشيق:
موزٌ سريعٌ سوْغُهُ ... من قَبلِ مضْغِ الماضِغِ
مأكلَةٌ لآكلِ ... ومشرَبٌ لسائِغِ
فالفمُ من لينٍ به ... ملآنُ مثلُ فارغِ
(1/38)

هذا هو المُمكن في التّوارد، واتفاق الخواطر. وحكى القيرواني قال: ثم أمرنا للوقت أن نعملَ فيه أيضاً على حرف الذال فعملنا على القاعدةِ الأولى، فكان ما عملتُه أنا:
هلْ لكَ في موزٍ إذا ... ذُقناهُ قُلنا حبّذا
فيه شَرابٌ وغِذا ... يُريكَ كالماء القَذا
لو ماتَ مَنْ تلذَّذا ... بهِ لَقيلَ ذا بِذا
وكان ما عملَهُ ابنُ رشيق:
للهِ موزٌ لذيذُ ... يُعيذُهُ المستَعيذُ
فواكِهٌ وشَرابٌ ... بهِ يُفيقُ الوقيذُ
يُرى قذى العينِ فيه ... كما يُريها النبيذُ
الشعرُ ضعيفٌ جداً، وما أرَدْنا بإيراده إلا تمثيل الموارِد كيف تكون، وفي هذا التمثيل كفاية.
31 - وأما النقدُ فإنّه في الشعر يدلّ على فِطْنَة العالم وضياء حِسّه وتوقُّد ذَكائه. وللعُلماء في ذلك أقوالٌ حسنة وكلامٌ مفيد، وهو كثيرٌ غزير، وإنما نذكرُ منه اليسيرَ ونجعله دليلاً على الكثير.
قِيل: تنازعَ علقمةُ بن عَبَدة وامرؤ القيس في الشعر وأيُّهُما أشْعَر من الآخر، فقال علقمة: قد رضيتُ بزوجتكَ أمِّ جُنْدَبٍ حَكَماً بيني وبينَك، فقالت أمّ جُندب: قولا شعراً وصِفا فيه فرَسَيْكُما على قافيةٍ واحدة ورَويّ واحد. فقال امرؤ القيس:
خليليّ مُرّا بي على أمِّ جُندَبِ ... نُقَضِّ لُباناتِ الفؤادِ المُعذَّبِ
وقال علقمة:
ذهبتَ من الهجرانِ في غيرِ مَذْهَبِ ... ولم يكُ حقاً طولُ هذا التّجَنُّبِ
وأنشداها القصيدتَين فقالت لامرئ القيس: علقمةُ أشعر منك، قال لها: وكيف ذاك؟ فقالت: لأنك قلت:
فللزّجْرِ أُلهوبٌ وللساقِ دِرّةٌ ... وللسّوْطِ منهُ وقْعُ أخرجَ مُهْذِبِ
الأخرج: الظليمُ وهو ذَكَرُ النعام، والأنثى خرجاء. والأخرج: الرماد، ومنه شَبّه، ومُهْذِب أي مسرع في عَدْوِه. قالت: فجَهَدتَ فرسَكَ بزجرِكَ ومَرَيْتَه فأتعبتُه بساقِك وسوطِك، وقال علقمة:
فأدركَهُنَّ ثانياً من عِنانِه ... يمُرُّ كمَرِّ الرّائحِ المتَحلِّبِ
فأدركَ فرسَهُ ثانياً من عنانهِ ولم يضربْهُ بسَوْطٍ ولم يُتعبْهُ. فغضِبَ عليها امرؤ القيس وطلّقها، فتزوجَها علقمة فسُمّي الفحل لميزتِهِ في باقي الشُعراء كميزةِ الفحل على باقي الإبل.
وأنشد الأصمعي قولَ امرئ القيس:
رُبَّ رامٍ من بني ثُعَلٍ ... مُخْرِجٍ زَنديهِ من سُتَرِهْ
فقال: أما علِمَ أنّ الصائدَ أشدُ خَتْلاً من أن يُظهرَ شيئاً منه! ثمّ قال: فكفّيْه، إن كان لابدّ، أصلحُ. فترك الرُواة زَنْديهِ ورووا كفّيه على ما فيه. وقيل: كان النابغة الذبياني تُضرَب له قُبّةٌ حمراء من أدَم بسوقِ عُكاظ فتأتيه الشعراء فتعرِضُ عليه أشعارَها. فأوّلُ من أنشده الأعشى ميمون بن قيس، ثم أنشدَه حسّان بن ثابت الأنصاري قولَه:
لَنا الجَفَناتُ الغُرُّ يلمعنَ بالضُّحى ... وأسيافُنا يقْطُرنَ من نجْدَةٍ دَما
ولَدْنا بني العَنقاءِ وابْنَيْ مُحرِّقٍ ... فأكرِم بنا خالاً واكرِمْ بنا ابْنَما
فقال له النابغة: أنت شاعرٌ ولكنّك أقللْتَ جفانَك وأسيافَك وفخرت بمن ولدْتَ ولم تفخر بمَن ولدَك. هذا هو النقد الجليل الذي يدُلُّ عليه نقاء كلام النابغة. والمعنى أنّه قال له: أقللْتَ أسيافَك، وأسيافٌ جمْع لأدنى العدد، والكثير سُيوف، والجَفَنات لأدنى العدد، والكثيرُ جِفان. وقال: فخَرْتَ بمن ولَدتَ؛ لأنه ترك الفخرَ بآبائه وفخرَ بمن ولدَ نساؤه. وقيل في رواية غير موثوقٍ بها: إنه قال له: وقلت: لنا الجفناتُ الغُرّ، والغُرّة لُمْعَة بياضٍ في الجَفْنة، ولو قلت: لنا الجفناتُ البيضُ، كان أحسن لكثرة الدّسَم عليها، ولو قلت: يلمعنَ بالدُّجى، لكان أبلغَ، ولو قلت: وأسيافُنا يَجرينَ لكان أبلغَ من يقطرْنَ لأنّ الجريَ أعظم من القَطْر. وأقول إنّ هذه الزيادة عليها اعتراض. والصحيح ما قاله النابغة أولاً.
وذكر ابنُ عبّاد أبو القاسم رحمَهُ الله تعالى ورضيَ عنه أن أبا الفضل بن العميد كان يتجاوزُ نقدَ الأبيات الى نقد الحُروف والكلمات، ولا يرضى بتهذيب المعنى واللّفظِ حتى يُطالِبَ بتحبير القافية والوزن، وقال: أنشدتُ يوماً بحضرته كلمةَ أبي تمام التي أوّلها:
(1/39)

شهِدْتُ لقد أقْوَتْ مغانيكُمُ بعْدي ... ومحَّتْ كما محّتْ وشائِعُ من بُرْدِ
حتى انتهيتُ الى قوله:
كريمٌ متى أمدَحْهُ أمْدَحْه والوَرى ... معي ومتى ما لُمْتُه، لُمْتُه وحدي
فقال: هل تعرِفُ في هذا البيت عيباً؟ قلت: نعم، قابلَ المدحَ باللّوم فلم يوفِ التطبيقَ حقَّهُ إذ حقُّ المدحِ أن يقابَلَ بالهجو والذّمِ، فقال: غيرَ هذا أردتُ، قلت: ما أعرفُ، قال: أحدُ ما يُحتاجُ إليه في الشعرِ سلامةُ حروفِ اللفظِ من الثِقل، وهذا التكريرُ في أمدحْهُ، أمدحْه مع الجمعِ بين الحاء والهء مرتين، وهُما من حُروف الحلْق، خارِجٌ عن حد الاعتدال، نافِر كلَّ النِفار. قلت: هذا لا يدركُه إلا من انقادَتْ وجوهُ العِلْمِ له وأنهضَهُ الى ذُراها طبعُه.
قيلَ: وسمعَ الأصمعي قولَ الأعشى:
كأنّ مِشيَتَها من بيتِ جارَتِها ... مرُّ السّحابةِ لا ريْثٌ ولا عجَلُ
فقال: لقد جعلها خَرّاجةً ولاّجَةً، هلاّ قال كما قال الآخر:
ويُكرِمُها جاراتُها فيَزُرْنَها ... وتعتلُّ عن إتيانِهنَّ فتُعذَرُ
وأقول: إنّ نقدَ الشعر صناعةٌ لا يعرفها حقَّ معرفتِها إلا مَنْ قد دُفع الى مضائِقِ القريض وتجرّع غُصَصَ اعتياصِه عليه، وعرَفَ كيف يتقحّمُ مهاويَهُ ويترامى إليه. قال أبو العبّاس محمّد بن يزيد المبرّد: قال لي عُمارةُ بن عقيل بن بلال بن جرير قال لي مروان بن أبي حفصة: إنّ المأمونَ لا بصيرةَ له بالشعرِ، قلت له: وكيفَ ذاك، وإنّا لَنُنشدُهُ صدْرَ البيت فيسبقُنا الى عجُزِه ولم يكن قد سمِعَه من قبل؟ قال: إنّي قلت فيه شِعراً جيداً فلم يهتزَّ له، قال: فقلت له: وما الذي قلت فيه؟ فأنشدني:
أضْحى إمامُ الهُدى المأمونُ مُشتَغِلاً ... بالدينِ والناسُ بالدنيا مشاغيلُ
قال: فقلتُ له: ما صنعتَ شيئاً، وما زِدْتَ على أنْ جعلتَه عجوزاً في محرابها بيدِها سُبْحَتُها، فمن يقوم بأمر الدنيا إذا كان الخليفةُ مشغولاً عنها، وهو المطوَّقُ أمرَها؟ هلاّ قُلتَ كما قال عمُّك جرير في عبدِ العزيز بن الوليد بن عبد الملك:
فلا هُوَ في الدُنيا مُضيعٌ نصيبَهُ ... ولا عَرَض الدنيا عن الدينِ شاغِلُهْ
وهذا نقْدٌ حسَن.
وحكى أبو عثمان الجاحظ قال: طلبتُ علمَ الشعر عند الأصمعيّ فوجدتُه لا يعرفُ إلا غريبَه، فرجعتُ الى الأخفش فوجدته لا يتقنُ إلا إعرابَه، فعطفتُ على أبي عبيدة فرأيته لا ينفُذُ إلا فيما اتّصل بالأخبار وتعلّق بالأيام والأنساب، فلمْ أظفَر بما أردتُ، إلا عند أدباء الكتاب؛ كالحسَن بن وهْب ومحمد بن عبد الملك الزّيات، فلله درُّ أبي عثمان، لقد غاص على سرِّ الشّعر، واستخرجَ أدقَّ من السِّحر، والشاعرُ يُحكَم له على الشاعر ببَيت واحد، والبيتُ يُفضَّل على البيت بكلمة واحدة، ألا ترى الى قول امرئ القيس:
وقوفاً بها صَحْبي عليَّ مطيَّهمْ ... يقولون لا تَهْلِكْ أسىً وتَجمَّلِ
وقول طرَفة البيت بجملته، ثم ختمه بقوله: وتجَلَّدِ، وهما شاعران مُفْلِقان، وقدّرنا أنهما قد تواردا، ولم نحْكُم على طرَفَة بالسّرِقة، ودُعينا الى الحُكم بينهُما، وتفضيل أحد البيتَيْن على الآخر، وليس فيهما من الاختلاف سوى التجمّل والتجلُّد. فمن النَقْدِ الحسَن تفضيلُ التجمُّل على التجلّد، والحكم بالبيت لصاحبِه، لأنّ التجمل إبداءُ تحسُّنٍ عن قوة ومادة متصلة منَ المَكِنَة. والتجلّد إبداُ تحسُّنٍ عن ضعفٍ، ومادةٍ متصلةٍ من العجْزِ، وبين اللفظتين بوْنٌ بَعيد. ولو دُعينا الى الحُكم بين لَقيط بن زُرارة ومن حَذا حَذوَه في قوله:
فتىً يشتري حُسْنَ الثّناءِ بمالِه ... ليَبْقى وما أبقيتَ مثلَ المَحامِدِ
وقول الحكميّ:
فتىً يشْتري حُسْنَ الثّناءِ بمالِه ... ويعلمُ أنّ الدائراتِ تَدورُ
وقول الآخر:
فتىً يشتري حسنَ الثناءِ بمالِه ... إذا السَّنةُ الشهْباءُ قلّ قِطارُها
(1/40)

لأوجَبَ النقدُ أن يُحْكَمَ باستحقاق التفضيل لصاحب البيت الأخير، وذاك أنّ لقيطَ بن زُرارة ختم بيته بمَثَلٍ جيّد، وأبا نواس ختم بيتَه بتأكيد الكَرَم، ومعناه: أن الممدوحَ يشتري الثناءَ بمالِه على عِلمٍ أنه يجوز أن يفتقرَ، أو يحتاج الى غيره، كما احتاج غيرُه إليه. وأما الآخر فذكَر أنه يُعطي ماله ويشتري به الثّناءَ في الوقت الشديد الذي يجب أن يحفظَ الإنسان فيه مالَه لشدّة الحاجة إليه، وإذا كان يُعطيه في مثل هذا الوقت الصّعب ويبذُلُه أيامَ القَحْط والجَدْب، فكيف يكون في زمانِ الخِصب وتوفّرِ الخيرِ والمَيْرِ. وبمثل هذه الخَصلةِ حُكِمَ لحاتم بن عبد الله الطائي بالجود. وكان حاتم ظَفِراً: إذا قاتَلَ غلبَ، وإذا سُئِلَ وهَبَ، وإذا غنِمَ أنْهَبَ، وإذا أسرَ أطلقَ، وإذا أثْرى أنفق. وكان قد أقسمَ بالله تعالى ألا يقتلَ واحدَ أمّه. وحدّث محمد بن حبيب عن موسى الأحْوَل عن الهيثَم عن مَلحان ابن أخي ماوية امرأة حاتم عن عمّتِه ماوية قالت: أصاب الناسَ سَنَةٌ أذهبت الخُفَّ والظِلْفَ، فبتنا ذات ليلة بأشد جوع ولسنا نملكُ شيئاً، فأخذ حاتم عَدياً وأخذت سَفّانة، فعللناهما حتى ناما، ثم أخذ حاتم يُعللني بالحديث لأنام، فرَقَقْتُ لما بِه من الجهد، فأمسكتُ عن كلامِه وأوهمْتُه أني قد نِمت لينامَ، فنظر من فُتْقِ الخِباء، فإذا شخصٌ مقبلٌ، فرفع رأسَه فإذا امرأة تقول: يا أبا سَفّانة، أتيتُك من عند صِبيَةٍ جِياع، فوثَب مُسرِعاً، وقال: هاتيهم، فوالله لأُشبعنّهم، فلما جاءتْ بهم وأنا مفكّرةٌ فيما يريد أن يصنع، قام عجِلاً الى فرسِه ولم يكُنْ يملك سواه، فذبحَه واشتوى فأشبعهم، ثم قال: والله، إنّ هذا لهُو اللّوم، كيفَ تأكلون وأهل الصِّرم حالهم كحالكم، فجعل يأتي الصِّرْم بيتاً بيتاً ويقول: عليكم النارَ، فاجتمعَ عليه عددٌ لم يتركوا منه شيئاً وهو متقنّعٌ بكسائه قد قعدَ حَجْرةً، فوالله ما ذاق منه لَماظا. فهذا والله الكرمُ المَحْضُ، والجودُ الخالِصُ، وإذا كان جودُه في مثل تلك الحالةِ هكذا فكيف يكون في سواها.
هذا آخِر الفصل الأول، ولعلّ الناظرَ فيه يستطيلُ أبوابَه ويستعظمُ إسهابَه، خصوصاً وقد اشترَطْنا في أوّله الاختصارَ ووعَدْنا أن نتجنّب الإكثار، ولو علِمَ الناظرُ فيه ما قد خلّفناهُ بعدَنا ونبَذْناهُ وراءَنا من المعاني الغريبة، والأشعارِ العجيبةِ، لعرَفَ موضِعَ الاختصار، ووفاءَ ما وعَدْنا به من الاقتصار. هذا مع الإعراضِ عن كثير من أشعار المُحدَثين والمُتَقدمين من المجيدين. واللهُ الموفِّقُ للصّوابِ.
الفصل الثاني
فيما يجوزُ للشاعر استعمالُه وما لا يجوز
وما يُدركُ به صواب القولِ ويجوز
الذي يجوز للشاعر المولّد استعمالُه في شعره من الضرورة هو جميع ما استعملَتْه العرب في أشعارها من الضرورات سوى ما أستَثنيه لك، وأبيّنُه لدَيْك. والمولّد في ضرورات شعره وارتكاب صعابها أعذرُ من العربيّ الذي يقول في لغته بطبعه.
أما الذي لا يجوز للمولّد استعمالُه، ولا يُسامَح في ارتكابِه فهو جميعُ ما يأتي عن العرب لَحْناً لا تسيغُه العربيةُ ولا يجوّزه أهلُها سواء كان في أثناء البيت أو في قافيتِه، فإنّ اللحنَ لا يجوزُ الاقتداءُ به، ولا النزولُ في شُعَبِه.
فمن ذلك اللحنُ الذي سمّوْهُ جرّاً على المجاورة. قال الشاعر:
فيا معشرَ الأعرابِ إنْ جازَ شُرْبُكم ... فلا تشربوا ما حَجّ للهِ راكبِ
شَراباً لغزوانَ الخبيثِ فإنّه ... يناهيكُم منه بأيْمانِ كاذِبِ
وهذا لَحْن قبيح، وصوابُه ما حجّ لله راكبُ. وقال آخر:
أطوفُ بها لا أرى غيرَها ... كما طافَ بالبَيْعَةِ الراهِبِ
جعل الراهبَ مروراً على الجوار وهو لحْنٌ قبيح، وصوابه: كما طاف بالبيعةِ الراهِبُ. وقال آخر:
كأنّ نسْجَ العنكبوتِ المُرْمَلِ
وصوابه المُرْمَلا وأما قول الآخر:
كأنّ ثَبيراً في عرانينِ وَبْلِهِ ... كبيرُ أُناسٍ في بِجادٍ مُزمَّلِ
فله وجهٌ قد ذكرهُ أبو الفتح وهو أنه أراد مُزَمَّلٍ فيه، فحذفَ حرف الجرِّ فارتفع الضميرُ فاستتر في اسم المفعول، وقد وردَ من هذا شيء كثير، كقول الآخر:
(1/41)

كأنّما ضرَبَتْ قُدّامَ أعيُنِها ... قُطناً بمُسْتَحْصِدِ الأوتارِ محلوجِ
وصوابه محلوجاً. وكل ذلك إنما أتوا به بناءً على ما ورد عن العرب من قولهم: هذا جُحْرُ ضَبٍّ خَرِبٍ، وليس الخَرِبُ من صفة الضَبّ قال الخليل بن أحمد: قولهم: هذا جُحْرُ ضَبٍّ خَرِبٍ، إنما ورد عنهم من طريق الغلط، والدليل على ذلك أنهم ثَنَّوا لم يقولوا إلا جُحرا ضَبٍّ خَربان، لأن الغلط ههنا يَبينُ، وإنما وقع في الواحد لاجتماع الجحر والضبّ في الإفراد. وكذلك إذا جمعوا فإن الغلطَ يرتفعُ نحو قولِك: هذه جُحْرَة ضِبابٍ خَرِبَة. والمُحقِقون من أهل العلم لا يُجيزونَ العمل على الجوار، وما نحنُ بالمُغَلِّبين قولاً على قول، ولا لنا في ذلك غرَضٌ، وإنما المُولَّدُ من الشعراء لا يجوز له العمل على المجاورة، ولا ود ذلك لأحد من المولّدين المُجيدين، ولا أجاز العلماءُ بالشعر لهم ذلك، سواء كانت العرب أصابَتْ فيه أو أخطأَتْ، المقصودُ أنه محظورٌ على المولّدين.
ومما لا يجوز للمولَّدين استعمالُه، ما استعملَتْه العربُ من التقديم والتأخير، والفصل الذي لا وجهَ لشيء منه، ولا يجوز للمولّد الحذوُ عليه، ولا الاقتداء به، فإنّه لحنٌ مُستَقبَح، كقول الشاعر:
لها مُقلتا حَوراءَ طُلَّ خميلةً ... من الوحشِ ما تنفكُ ترْعى عَرارُها
أراد: لها مُقلتا حوراء من الوحش ما تنفكُ تَرعى خميلةً طُلَّ عُرارُها. وقال الآخر:
فقدْ والشَّكُ بيّن لي عَناءٌ ... بوَشْكِ فِراقِهم صُرَدٌ يصيحُ
أراد: فقد بيّن لي صُرَدٌ يصيحُ بوشْكِ فراقِهم والشّكُ عناءٌ. وقال الآخر:
فأصبحتْ بعد خَطِّ بهجتِها ... كأنّ قفراً رُسومَها قَلَما
أراد: فأصبحتْ بعدَ بهجتِها قفراً كأنّ قلَماً خطّ رسومَها ومثل ذلك كثير. وقد ترى ما في هذه الأبيات من الفصول والتقديم والتأخير، ومثل هذا لا يجوز للأعراب المتقدمين فضلاً عن المولّدينَ المتأخرين. ولا يجوز لأحدٍ أن يتخذهُ رسْماً يعملُ عليه.
ومما لا يجوز للمولّدين الاقتداءُ به ولا العملُ عليه لأنه لحنٌ فاحشٌ الإقواء في القافية، وذاك أن يعمل الشاعرُ بيتاً مرفوعاً وبيتاً مجروراً، كقول النابغة:
أمِن آلِ ميّةَ رائحٌ أو مُغْتَدِ ... عجْلانَ ذا زادٍ وغيرَ مزوَّدِ
زعم البوارحُ أنّ رِحلتَنا غداً ... وبذاك خبّرَنا الغُرابُ الأسودُ
ويا للعجب كيف ذهب ذلك عن النابغة مع حُسْنِ نقدِه للشّعر وصحّة ذوقِه وإدراكِه لغوامض أسرارِه، وقد عرَفْتَ ما أخذه عن حسان بن ثابت مما تحارُ الأفكارُ فيه، ولمّا نُبِّه على موضعِ الخطأ لم يصل الى فهمِه ولم يأبَه له حتى غنّت به قَينَةٌ وهو حاضر، فلمّا مدّدَتْ، خبّرَنا الغرابُ الأسودُ، وبيّنت الضمة في الأسود بعد الدال فطِنَ لذلك وعلِم أنّه مُقْوٍ فغيّره وقال: وبذاك تنعابُ الغُرابِ الأسودِ. وكقول مُزرِّد بن ضِرار من أبيات:
ألم تعلمِ الثعلاءُ لا دَرَّ درُّها ... فَزارةُ أنّ الحقَّ للضّيفِ واجبُ
ومنه:
تشازَرْتُ فاستشرفْتُه فرأيتُهُ ... فقلتُ له: آأنتَ زيدُ الأرانبِ؟
وكقول حسان بن ثابت:
لا بأسَ بالقَوْمِ من طولٍ ومن عِظَمٍ ... جِسمُ البِغالِ وأحلامُ العصافيرِ
كأنهم قصبٌ جُوفٌ أسافِلُه ... مثَقَّبٌ نفخَتْ فيه الأعاصيرُ
ولا يكون النصب مع الجرّ ولا مع الرفع في الإقواء. ولعمري إن الجميع لحْنٌ مردود، ولا وردَ عنهم شيءٌ من ذلك، وإنما يجتمع الرفعُ والجرُّ لقربِ كل واحد منهما من صاحبِه. ولأنّ الواوَ تُدغَم في الياء، وأنهما يجوزان في الرِّدفِ في قصيدة واحدة، فلما قرُبَت الواو من الياء هذا القُرب تخيّلوا جَوازَها معها وهو خطأ وغلط، وليس للمُقيَّدِ مَجْرى، أعني حركة حرف الروي، وإنما هو للمطلق، وأظنّ أنّ من ارتكبَ الإقواءَ من العرب لم يكنْ ينشِدُ الشِّعرَ مطلقاً، بل ينشدُهُ مُقيَّداً ويقف على قافيتِه، كقول دريد بن الصّمّة:
نظرتُ إليه والرماحُ تنوشُهُ ... كوقعِ الصّياصي في النسيجِ المُمَدَّدْ
فأرهبتُ عنه القومَ حتّى تبددوا ... وحتى علاني حالِكُ اللون أسْوَدُ
(1/42)

وفي الجملة فهو عُذر لا بأس به.
وروى لي بعضُ مشايخِنا، يرفَعه الى أبي سعيد السيرافي قال: حضرتُ في مجلس أبي بكر بن دُرَيد، ولم أكن قبلَ ذلك رأيتُه، فجلست في ذيل المجلس، فأنشد أحد الحاضرين بيتَين يُعزَوان الى آدم عليه السلام لما قتلَ ابنُه قابيل أخاه هابيل وهما:
تغيّرتِ البلادُ ومَنْ عليها ... فوجهُ الأرضِ مُغْبَرٌّ قبيحُ
تغيّر كل ذي حُسْنٍ وطيبٍ ... وقَلّ بشاشةُ الوجهِ المليحُ
فقال أبو بكر: هذا شعرٌ قد قيل في صدْر الدنيا وجاء فيه الإقواء، فقلت: إنّ له وجهاً يُخرجه من الإقواء. فقال: ما هو؟ فقلت: حذفُ التنوين من بشاشة لالتقاء الساكنين ونصبُها على التفسير، ورفعُ الوجه بإسناد قَلّ إليه. ولو حُرِّك التنوين لالتقاء الساكنين لكان: وقلَّ بشاشةً الوجهُ المليحُ. فقال لما سمع هذا: ارتفعْ، فرفعَني حتى أقعدَني الى جنبه.
ومما لا يجوز للمولّدين استعمالُه، ولا وردَ لأحد رخصةٌ في مثلِه: الإكفاء، وهو اختلاف حرفِ الرّوي، ومثال ذلك قول الراجز:
بُنَيّ إن البِرَّ شيءٌ هيِّنُ ... المَنْطِقُ الطَيِّبُ والطُعَيِّمُ
وقول آخر:
إنْ يأتِني لصٌّ فإنّي لصُّ ... أطلسُ مثل الذِئبِ إذْ يعْتَسُّ
سَوْقي حُدائي وصفيري النّسُّ
ومما لا يجوز للمولد استعماله الإيطاء: وهو أن يُقفّي الشاعرُ بكلمة في بيت ثم يأتي بها في بيت آخر يكون قريباً من الأول، فإن تباعدَ ما بين البيتَيْن بما قَدْرُه عشْرةُ أبيات فصاعداً، كان الذّنْبُ مغفوراً، والعيبُ مستوراً، وانتقل من المحظور الى الكراهية فإن كان إحدى القافيتين معرفَةً والأخرى نكرة فقد زالت الكراهية وكان الى الجواز أقرب من الامتناع وقد أوطأتِ العربُ كثيراً. قال النابغة الذبياني:
أو أضعُ البيتَ في خَرساءَ مُظلمةٍ ... تُقيِّدُ العَيْرَ لا يَسْري بها الساري
ثم قال بعد أبياتٍ يسيرة:
لا يخفِضُ الرِّزَّ عن أرضٍ ألمّ بها ... ولا يضِلُّ على مِصْباحِه السّاري
وقال ابن مُقبِل:
أو كاهتزاز رُدَيْنيٍّ تداولهُ ... أيْدي التِّجارِ فزادوا مَتْنَه لِينا
ثم قال بعد أبيات:
نازَعْتُ ألبابَها لبّي بمقتَصَر ... من الأحاديثِ حتى زِدنَني لينا
ومما لا يجوز للمولد استعماله السّناد: وهو اختلاف كل حركة قبل حرف الرويّ، كقول عمرو بن الأهتم التغلبي:
ألم تَرَ أنّ تغلِبَ أهْلُ عِزٍّ ... جِبالُ معاقلٍ ما يُرْتَقَيْنا
شرِبْنا من دماءِ بني سُلَيْمٍ ... بأطرافِ القَنا حتى رَوينا
ففتحةُ القاف وكسرةُ الواو سِناد لا يجوز، لأنّ أحدَ الحَذوَين يتابع الرِدْفَ والآخر يخالفُه. وقد أجاز الخليلُ الضمةَ مع الكسرة ومنع من الضمة مع الفتحة، فإن كان مع الفتحة ضمّة أو كسْرةٌ فهو سِناد. فأم الذي جوّزه فكقول طرَفة:
أرّقَ العينَ خيالٌ لم يَقِرْ ... عافَ والرَّكبُ بصحراءَ يُسُرْ
فهذه ضمّة مع كسرة وهو جيد. وأما الذي منع منه وذكر أنه سنادٌ فكقول رؤبة:
وقاتِمِ الأعماقِ خاوي المُخْتَرَقْ
ثم قال:
ألّفَ شتّى ليس بالراعي الحَمِقْ
فجمع بين الفتحة والكسرة.
ثم قال:
مَضْبورةٍ قرواءَ هِرجابٍ فُنُقْ
فأتى بالضمة مع الفتحة والكسرة، وهو سِناد قبيح لا يجوز استعمالُ مثلِه، ومثلُه في القبح والجمع بين الكسرة والفتحة والضمة وقول الأعشى:
غَزاتُكَ بالخيلِ أرضَ العَدْ ... وِ فاليومَ من غَزْوَةٍ لم تَخِمْ
وجيشُهُم ينظرونَ الصبا ... حَ وجذعانُها كلفيظِ العَجَمْ
قعوداً بما كان من لأْمَةٍ ... وهُنّ قِيامٌ يلُكْنَ اللُّجُمّ
وحكى أبو عمر الجَرْمي أنّ الأخفش لم يكن يرى ذلك سِناداً ويقول: قد كثُر مجيء ذلك من فصحاء العرب. والمعوّلُ على ما قاله الخليل لا غير. وأجاز الخليل مجيءَ الياء مع الواو في مثل مَشيبٍ وخطوب، وأميرٍ ووعورٍ، فإن أردفْتَ بيتاً وتركتَ آخر فهو سِناد وعيب لا يُنسَجُ على منوالِه كقول الشاعر:
إذا كنتَ في حاجةٍ مُرسِلاً ... فأرسِلْ حكيماً ولا توصِه
(1/43)

وإنْ بابُ أمرٍ عليكَ التوَى ... فشاوِرْ لبيباً ولا تَعصِه
فالواو التي في توصِه رِدفٌ، والصاد حرف الروي، وابيت الثاني لي بمُردَف، فهذا سِناد، وهو عيب قبيح قلّما جاء. وقال الخليلُ بن أحمد: رتَّبْتُ البيت من الشعر ترتيب البيت من الشَّعَر يريد الخِباء، قال: فسمّيْتُ الإقواء ما جاء من المرفوع في الشِّعر والمخفوض على قافية واحدة. وإنما سمّيتُه إقواءً لمخالفته، لأن العرب تقول: أقوى الفاتلُ إذا جاءت قوّةٌ من الحبل تخالفُ سائِرَ القُوى. قال: وسمّيْت تغيُّرَ ما قبل حرفِ الرَويّ سِنادا؛ من مساندة بيت الى بيت إذا كان كلُّ واحدٍ منهما مُلقىً على صاحبه، ليس هو مستوياً كهذا، قال: وسمّيْتُ الإكفاءَ ما اضطربَ حرفُ رَويّه فجاء مرةً نوناً ومرة ميماً ومرة لاماً، وتفعل العرب ذلك لقُربِ مَخْرج الميم من النون، كقوله:
بناتُ وطّاءٍ على خدِّ الليلْ ... لا يشتكينَ ألماً ما انْقَيْنْ
مأخوذ من قولهم: بيت مُكفأ إذا اختلفَتْ شِقاقُه التي في مؤخَّره والكفاء: الشقة في مؤخر البيت. والإيطاء ردُّ القافية مرتين، كقوله:
ويُخزيكَ يا ابنَ القَيْنِ أيامُ دارِمِ ... وعمرو بنُ عمروٍ إذ دَعا يالَ دارِمِ
أوطأ قافيةً على قافيةٍ سماهُ إيطاء.
وأما التَضمين فهو أن يُبنى البيتُ على كلامٍ يكون معناه في بيت يتلوهُ من بعدِه مُقتضِياً له. كقول الشاعر:
وسعْدٌ فسائِلْهُم والرِّبابُ ... وسائلْ هَوازنَ عنّ إذا ما
لَقيناهُمُ كيف تعلوهُمُ ... بَواتِرُ يَفْرينَ بَيْضاً وهاما
وكل هذه العيوب لا يجوز للمولدين ارتكابُها لأنهم قد عرَفوا قُبْحَها، وشاهَدوا في غيرهم لذْعها ولَفْحَها، والبدوي لم يأبَه لها.
ومما لا يجوز للمولّد استعمالُه كسْرُ نونِ الجمع في مثل قول جرير:
عَرينٌ من عُرَينَةَ ليس منا ... برِئْتُ الى عُرَيْنَةَ من عَرينِ
عرَفْنا جعفراً وبني عُبَيدٍ ... وأنكرْنا زعانفَ آخرينِ
وهذا لحْن، وصوابه آخرين، مفتوح النون. وقال سُحَيم بن وَثيل:
عذَرْتُ البُزْلَ إنْ هيَ خاطرَتْني ... فما بالي وبالُ ابْنَيْ لَبونِ
وماذا يَدَّري الشُّعراءُ منّي ... وقد جاوزْتُ رأسَ الأربعينِ
والصواب فتحُ نون الأربعين. وقال الفرزدق يخاطبُ الحجاج بن يوسف لمّا أتاه نَعْي أخيه محمد في اليوم الذي مات فيه ابنُه محمد:
إنّي لَباكٍ على ابني يوسفٍ جزَعاً ... ومثلُ فقدِهِما للدين يُبْكيني
ما سدّ حيٌّ ولا ميْتٌ مسَدَّهُما ... إلا الخلائِفُ من بعْدِ النبيين
فكسر نون النبيين، والصواب فتحها. وللمبرّد على ذلك كلام. وكل هذا لا يجوز للمولّد الحذو عليه ولا الاحتجاجُ به. ولذلك يقول السيّد الحِمْيَري:
وإنّ لساني مِقْوَلٌ لا يخونُني ... وإني لما آتي من الأمرِ مُتْقِنُ
أحوكُ ولا أقْوي ولستُ بلاحِنٍ ... وكم قائلٍ للشعرِ يُقْوي ويَلْحَنُ
وقال عديُّ بن الرِّقاع:
وقصيدةٍ قد بتُّ أجمَعُ بينَها ... حتى أقوِّمَ مَيْلَها وسِنادَها
نظرَ المثقِّفِ في كُعوبِ قَناتِه ... حتى يُقيمَ ثِقافُه مُنْآدَها
وأنشد أبو بكر الصولي قال: أنشدني عون بن محمد الكندي لبعضِهم وملّح:
لقد كان في عينيكَ يا عمروُ شاغِلٌ ... وأنفٌ كَثيلِ العَوْدِ عمّا تتَبَّعُ
تتبّعتَ لحناً في كلامِ مُرَقِّشٍ ... ووجهُكَ مبنيٌّ على اللحنِ أجمعُ
فعيناكَ إقواءٌ وأنفُكَ مُكْفأٌ ... ووجهُك إيطاءٌ فأنتَ المُرقّعُ
ويُروى:
أذناكَ إقواءٌ وأنفُك مُكْفأ ... وعيناكَ إيطاءٌ فأنتَ المُرقَّعُ
وقال ابن جُريْج في سوّار بن أبي شُراعة:
وذكرُكَ في الشّعرِ مثل السنا ... دِ والخَرْمِ والخزْمِ أو كالمُحالِ
وإيطاءُ شعرٍ وإكافؤهُ ... وإقواؤهُ دون ذِكرِ الرُّذالِ
وما عيبَ شِعْرٌ بعَيْبٍ له ... كأنْ يُبْتَلى برِجالِ السَّفالِ
(1/44)

يُتاحُ الهِجاءُ لهاجي الهِجا ... ءِ داءً عُضالاً لداءٍ عُضالِ
وقد أورَدْنا هذه الأبيات لموضِعِ استقباحِ عُيوبِها وتشبيهِ أحوالِ المَهْجوّ به تأكيداً لقُبْحها في النفسِ وتحريضاً على اجتنابِها لرَفْعِ اللَّبس.
ومما يجوزُ للشاعرِ المولّد ارتكابُه من الضرورة في شعرِه أن يصرفَ ما لا ينصرف لأن أصل الأسماء كلِّها الصرفُ، وإنما طرأتْ عليها عِللٌ منعَتْها من الصَرف، فإذا صرَفَ الشاعرُ ما لا ينصرِف فقد ردّه الى أصله. قال الشعر:
لم تتلفّعْ بفَضْلِ مِئْزَرِها ... دعْدٌ ولم تُغْذَ دعدُ بالعُلب
العُلَب جمع علبة وهي قدَحٌ من خشب ضخم يُحلَبُ فيه، فصرَفَ دعداً وترك الصّرْفَ في بيت واحد. وأما أن يأتي الشاعرُ الى ما ينصرفُ فيتركُ صرفَه فلا يجوز لأنه إخراجُ الشيءِ عن أصله، وإخراجُ الأشياءِ عن أصولِها يُفسِدُ مقاييس الكلام فيها. واحتجّ الأخفشُ على جَواز ذلك بقولِ العباس بن مرداس السُّلَميّ وهو:
فما كان حِصْنٌ ولا حابِسٌ ... يفوقانِ مِرداسَ في مَجْمَعِ
فترك صرفَ مرداسٍ وهو اسمٌ منصرف. وقال أبو علي: هذا لا يقاس عليه، وأقول: إنّ هذا لا يجوز فعله لأنّه لحن قبيح.
ومما يجوزُ للشاعر المولّد استعماله ضرورةً قصْرُ الممدود ولا يجوز له مدُّ المقصور لأنه خروج عن الأصل، وأماقصْرُ الممدود فهو ردّ الشيء الى أصله. قال الشاعر:
بكَتْ عيني وحُقَّ لها بُكاها ... وما يُغني البُكاءُ ولا العويلُ
فقصَرَ البكاءَ ومدّه في بيت واحد.
ومما لا يجوز الاحتجاجُ به في مدِّ المقصور؛ لأنه على غير أصل الوضع الذي اتفقَ العلماءُ عليه قول الفرزدق:
أبا حاضرٍ مَنْ يَزْنِ يظْهَرْ زِناؤهُ ... ومن يَشْرَبِ الخُرطومَ يُصبحْ مُسَكَّرا
فمدّ الزِّنى وهو ممدود في لغة أهل نجد، والقَصْر فيه لأهل الحجاز وهي لغة القرآن وعليها الاعتماد وعلّة من مدّ الزِنى أنه جعلَه فعلاً من اثنين، كقولك راميتُه رماء وزانيتُه زناء، ومن قصَرَهُ ذهب الى أنّ الفعل من أحدِهما؛ وفي الجملة فإنّه منقول مقول لا يُقاس غيرُه عليه، ويُكتَبُ الزنى في القصر بالياء لأنّه من: زَنى يَزني. فأما قول الآخر:
سَيُغنيني الذي أغناكَ عني ... فلا فَقْرٌ يدومُ ولا غِناءُ
فالرواية الصحيحة أن يكون أوّلُه مفتوحاً لأنّ معنى الغِنى والغَناء واحد، والشعرُ إذا اضطرّ الى مدِّ المقصورِ غيّر أولَه ووجّهَهُ إلى ما يجوز استعمالُه، كقول الراجز:
والمرءُ يُبليه بَلاءَ السِّربالِ ... كرُّ الليالي وانتقالُ الأحوال
فلمّا فتح الباء من البلى ساغ له المدّ. ومثلُ هذا كثير.
ويجوز للشاعر الاجتزاء بالضمة عن الواو ضرورة كقول الشاعر:
فبَيْناهُ يَشْري رَحْلَه قال قائلٌ ... لمنْ جمَلٌ رِخْوُ المِلاطِ ذَلولُ؟
كان الأصل: فبينا هو، فلما اجتزأ بالضمة حذف الواو.
ويجوز للشاعر المولّد أن يرُدّ المنقوص الى أصله في الإعراب ضرورةً، فيضمّ الياءَ في الرفع ويكسرها في الجرِّ، كما تُفْتَح في النصب لأنّ الضمّة والكسرة منويتان مقدرتان في الياء وإنْ سقطَتا، فيقول في قاضٍ في حال الرفع قاضيٌ وفي حال الجرِّ قاضيٍ، غيرَ مهموز، وكذلك في جواري وغواني. قال الشاعر:
تراهُ وقد فاتَ الرُماةَ كأنّه ... أمامَ الكلابِ مُصْغيُ الخَدِّ أصْلَمُ
فضمّ ياءَ مُصغ. وقال عُبيد الله بن قيْسٍ الرُّقيّات:
لا باركَ اللهُ في الغواني هل ... يُصبِحْنَ إلا لهنّ مُطَّلَبُ
فكسر الياءَ في الغواني. وقال الآخر:
ما إنْ رأيتُ ولا أرى في مدّتي ... كجواريٍ يلعبْنَ في الصحراءِ
فاستعملَ ضَرورتين: إحداهما كسرُ الياء، والأخرى صرفُ ما لا ينصرف. فأما قول الفرزدق:
فلو كان عبدُ اللهِ مولىً هجَوْتُه ... ولكنّ عبدَ اللهِ مولى مَوالِيا
فتقديرُه أنه وقفَ على الياء على مذْهَبِ من يقِفُ عليها من العرب. فلما تمّ الاسمُ برجوع لامِه امتنع حينئذ من الصّرف لأنّ وزنَه صار بالياء مفاعل بعد ما كان مفاعٍ، فلما اضطر الى حركته لإقامة الوزن فتحه في موضع الجرّ كما تُفتحُ مساجِدُ.
فأما قول الراجز:
يحْدو ثماني مولَعاً بلِقاحِها
(1/45)

فإنّ الشاعر شبّه ثمانٍ بجوارٍ لفظاً لا معنىً فلم يصرفْهُ. ويجوز للمولّد أن يسَكِّنَ الياء في حال النصب فيُلحِقَ المنصوبَ بالمرفوع والمجرور، كما جاز له أن يحرِّكَ الياءَ في حال الرفع والجرّ فيُلحِقَ المرفوعَ والمجرورَ بالمنصوب. قال أبو العباس المبرد: هذا من أحسن الضرورات لأنهم شبّهوا الياء بالألف، يعني أنهم إذا أسكَنوها في الأحوال الثلاث جَرى المنقوص مَجْرى المقصور فصارَت الياء كالأف؛ إذ الألفُ ساكنةٌ في جميع أحوالها قال الشاعر:
مَهْلاً بني عمِّنا مهْلاً مَوالينا ... لا تَنبُشوا بَينَنا ما كان مدْفونا
أسكن الياء في موالينا وهي في موضع نصبٍ. وقال الآخر:
كأنّ أيديهنّ بالقاع القَرِقْ ... أيدي جَوارٍ يتعاطيْنَ الورِقْ
أسكن الياءَ في أيديهنّ وهي في محل النصب وأسكنها في أيدي وهي في محلّ الرفع. قال الحطيئة:
يا دارَ هندٍ عفَتْ إلا أثافيها
وقال الفرزدق:
يقلِّبُ رأساً لم يكنْ رأسَ سيِّدٍ ... وعيْناً له حَولاءَ بادٍ عُيوبُها
أراد بادياً عُيوبُها فأسكن الياءَ وحذفَها لالتقاء السّاكنين. ويجوز في قول الآخر وقد تقدّم ذكرُه:
يحدو ثماني مُولعاً بلِقاحِها
أن تُسكَّن الياءُ ثم تحذَفَ لأجلِ التنوين فيكون محمولاً على هذه الضرورة فتقول:
يحْدو ثمانٍ مولَعاً بلِقاحِها
ومما يجوز للشاعر المولّدِ استعمالُه، إثباتُ الواو والياء في مثل لم يغْزُ ولم يرْمِ فيقول عند الضورة: لم يغزوَ ولم يرميَ، كأنّه أسْكنَ الواو والياء بعد وُجوب الحَرَكة لهما قال الشاعر:
ألمْ يأتيكَ والأنباءُ تَنمي ... بما لاقَتْ لَبونُ بني زِيادِ
كان أصلُه: يأتيُك فحذف الضمة وأسكن الياء كما عرّفتُك.
ومما يجوز استعمالُه، وهو كثيرٌ فاشٍ في الاستعمال، حذفُ التنوين لالتقاء الساكنين. فمن ذلك قول الشاعر:
حُمَيْدُ الذي أمَجٌّ دارُه ... أخو الخمرِ ذو الشَيبَةِ الأصْلَعُ
كان ينبغي أن يقول حُمَيدٌ فأسقط التنوين. والأمَجُ الحرُّ والعطش، وأمَجٌ موضع. وقال الآخر:
لتَجِدَنّي بالأميرِ بَرّا ... وبالقَناةِ مِدْعَساً مِكَرّا
إذا غُطيفُ السُّلَميُّ فَرّا
كان يجب أن يقول: إذا غُطَيْفٌ، فحذفَ التنوينَ لالتقاء الساكنين. وقال عُبيدُ الله بن قيس الرُقيّات:
كيف نومي على الفراشِ ولمّا ... تشملِ الشّامَ غارةٌ شعْواءُ
تُذهِلُ الشيخَ عن بَنيه وتُبدي ... عن حِذامِ العقيلةُ العذراء
أراد وتبدي العقيلةُ العذراءُ عن حِذام، والخِدام الخلخال أي ترفع ثوبها للهرب، وقال الشاعر:
فألفَيْتُه غيرَ مُستَعْتِبٍ ... ولا ذاكرَ اللهَ إلا قليلا
حسُنَ حذفُ التنوين من ذاكر ونصَبَ اسم الله تعالى به ليوافقَ المعطوفَ عليه في التنكير. وقال:
وحاتِمُ الطائيُّ وهّابُالمِئي
وكان الواجبُ أن يقول وحاتمٌ فحذفَ التنوينَ لالتقاء الساكنين. وقد رُويَ عن أبي عمرو في بعضَ طُرُقِه: (قُلْ هو الله أحدُ اللهُ الصَّمَدُ) ، فحذف التنوينَ من أحدٍ لالتقاء الساكنين، وكذلك حُذف التنوين لالتقاء الساكنين في قراءة من قرأ: (وقالتِ اليهودُ: عُزَيْرُ ابنُ الله) على أنه مبتدأ، وابن الله خبرُه، كقراءةِ مَنْ أثبتَ التنوين، ولا يكون حذف التنوين منه لامتناع الصّرف لأنّ عُزَيْراً ونحوَه ينصرفُ عربياً كان أو عجمياً، وإنما حسُنَ حذفُ التنوين لالتقاء الساكنين كما حسُن حذفُ حروف اللين لذلك. ألا ترى أنه قد جرى مجراها في: لم يكُ زيدٌ قائماً، وقولِه تعالى: (وإن يكُ كاذباً فعليهِ كذِبُه) . وقد أثبتَ الشّاعرُ نونَ مئتي دِرْهمٍ ضرورةً، فقال:
عندي لها مأَتانِ ثوْباً مُعْلَما
ويجوز للمولّد حذفُ نون مِن إذا وليَتْها اللام الساكنة، كقول الشاعر:
أبلِغْ أبا دَختنوشَ مألُكَةً ... غيرَالذي قد يُقال مِلْ كذِبِ
أراد أن يقول: من الكذب، فحذف النونَ لسكونها وسُكون اللام بعدها. قال المرقَّش الأكبر:
لم يشْجُ قلبي مِلحوادث إ ... لاّ صاحِبي المتْروكُ في تَغْلَمْ
وقال الآخر:
(1/46)

كأنّما مِلآنَ لم يتغيَّرا ... وقد مرّ للدارَيْنِ منْ بعدِنا عصْرُ
أراد: من الآن، فحذف. وكذلك حذف النجاشيّ النون من لكن لالتقاء الساكنين فقال:
ولستُ بآتيه ولا أستطيعُهُ ... ولاكِ اسْقِني إنْ كان ماؤكَ ذا فضْلِ
وإنّما حذَفوا هذه النون تشبيهاً بالياء المحذوفة للتخفيف في لا أدرِ وقوله تعالى: (ذلكَ ما كنا نبْغِ) لمضارعتِها حروفَ المدِّ واللين، وقال الراجز:
لم يكُ شيءٌ يا إلهي قَبْلَكا
فأمّا قول المُتنبي:
جلَلاً كما بي فلْيَكُ التبريحُ
وقد ذكرنا شرْحَ هذا البيت في الرسالة العلوية، واستوفينا أقسام ما فيه من العُيوب، وإنما نذكر هاهنا وجهَ قُبح حذْفِ النون من فليكن ووجه العُذْرِ له وإنْ كان ضعيفاً. قال أبو الفتح: وليس حذفُ النون من يكن وهي ساكنة قد ضارعَتْ في المخرج والزيادة والسّكونِ والغُنّة حروفَ المدِّ فحُذِفَتْ كما يُحْذَفْنَ، وهي في فليكن التبريح قويّةٌ بالحركةِ، وكان ينبغي ألا يحذفَها انقضى كلامُه. ومعنى هذا القول أنها لو لم تُحذَفْ وجبَتْ حركتُها لسكونها وسكونِ التاء المبدلة من لام التعريف، وإنما حُذِفَت في نحو (وإنْ يكُ كاذِباً فعليهِ كذِبُه) وفي قول الراجز:
لم يكُ شيءٌ يا إلهي قبْلَكا
لمضارعتِها حُروفَ المدِّ واللين والسّكون والغُنّة، فحذَفوها تشبيهاً بالياء المحذوفة للتخفيف في لا أدرِ و (ذلك ما كنا نبغ) و (يومَ يأتِ لا تكلَّمُ نفسٌ) فإذا زال السكون الذي يوجِب شَبَهها بحروف المدّ وجبَ ثباتُها كقوله تعالى: (لم يكنِ اللهُ ليغفرَ لهم) وقبُح حذفُ النون من فليَكُن من جهة أخرى وهو أنه حذَفَ النون مع الإدغام وهذا لا يُعرَف، لأنّ من قال في بني الحارث: بَلْحارِث، لم يقلْ في بني النجار: بنّجّار. ووجهُ العُذرِ عن المتنبي أن يقال: أما صواب الكلام فإثباتُ النون متحركةً، ولكنّ ضرورة الشعر دعَتْه الى ذلك. وقد حكى أبو زيد في النوادِر عن العرب مثل هذه الضرورة فيما أنشدَه لحُسَيْل بن عُرْفُطَة، قال:
لم يكُ الحقُّ على أن هاجَهُ ... رسْمُ دارٍ قد تعفّى بالسَرَرْ
غيّر الجِدّةَ من عِرفانها ... خُرُقُ الريحِ وطوفانُ المطرْ
وقد حذف النجاشيّ نون لكنْ الخفيفة وهي في موضع حركة في قوله:
فلسْتُ بأتيهِ ولا أستطيعُه ... ولاكِ اسْقِني إنْ كان ماؤكَ ذا فضلِ
وإذا كانت لكن وأصلُها لكنّ قد سوّغت الضرورةُ حذفَ نونها بعد حذف النون الأخرى، فحذفُ النون من قوله: فليَكُ التبريح مُسامَحٌ فيه للضرورة. وأما حذفُها مع الإدغام فإننا نحكُمُ بأنه حذفَ النون من فليكن لغيرِ التقاء الساكنين بل، كما حذِفَت في قول القطامي:
ولا يكُ موقفٌ منكِ الوَداعا
وأدخلَ الساكن المُدْغَم بعدَ حذفِها. ومثلُه في الرجزِ القديم:
ومن يكُ الدّهرُ له بالمَرصَدِ
فهذا وجه اجتهاد من يُحاوِل الاعتذار له، وعليه نقْضٌ يُدحِضُ حُجّتَه ويطمِسُ مَحجَّته، وليس هذا موضع الكلام فيه. والأصل أنّ أبا الطيّب أخطأ في ذلك وسلك منه ما ليس للمولّد سلوه، والواجب أن يُتجنَّبَ ما سلكَه من هذه الضرورة.
ويجوز حذفُ الياء من الأيدي والنواحي ومن هي للضرورة. وقال الشاعر:
دارٌ لسُعْدى إذهِ من هَواكا
فحذفَ الياءَ من هي لأنّه أرادَ: إذْ هيَ من هَواكا.
وقال الشعر:
وطِرتُ بمُنْصُلي في يَعْمَلاتٍ ... دوامي الأيْدِ يخبطنَ السّريحا
فحذفَ الياءَ من الأيدي، كقول الآخر:
كنَواحِ ريشِ حمامةٍ نجْديّةٍ ... ومسَحْتَ باللّثَتَيْن عصْفَ الإثْمِدِ
فأسقط الياءَ من نواحي، ومثلُه:
كفّاكَ كفٌّ لا تليقُ دِرهما ... جوداً وأخرى تُعْطِ بالسّيفِ الدَّما
يريد: تعطي، فحذف الياء، وعليه بيتُ الكتاب:
وأخو الغوانِ متى يشأْ يصْرِمْنَهُ
وقد حذفت الواو مع الضمّ كقول الشعر:
إنّ الفقيرَ بيننا قاضٍ حكَمْ ... أنْ نرِدَ الماءَ إذا غابَ النُجُمْ
يريدُ النجومَ فحذفَ الواو واكتفى بالضمة. وقوله:
حتى إذا بُلَّتْ حلاقيمُ الحُلُقْ
يريد الحُلُوق، وقال الأخطل:
(1/47)

كلَمْعِ أيدي مثاكيلٍ مسَلَّبةٍ ... يُبْدينَ ضَرْسَ بناتِ الدهرِ والخُطُبِ
يريدُ الخطوبَ فحذفَ الواو واجتزأ بالضمة.
ويجوز تسكين الحروف التي يليها الضّمّاتُ والكسراتُ نحو: عضُد وفَخِذ، فيقال: عضْدٌ وفَخْذٌ، قال الأخطل:
أنتم خِيارُ قرَيشٍ عند نسبتِها ... وأهلُ بَطْحائِها الأثْرَوْنَ والفَرَعُ
أراد الفَرْعَ فحرّك الراء. وقال الأُقَيشِر الأسدي:
إنّما نشربُ من أموالنا ... فسَلوا الشُرْطيَّ ما هذا الغَصَبْ
أراد الشُرَطيَّ بتحريك الراء. ويقال في علِمَ: عَلْمَ، وفي كرُمَ: كَرْمَ، وفي رَجُل: رَجْلٌ، وفي ضُرِبَ: ضُرْبَ، وفي عُصِرَ عُصْرَ. قال الشاعر:
لو عُصْرَ منها البانُ والمِسكُ انعصَرْ
ويقال في مثلا انطَلِقْ: انطَلْقَ، تنقُل حركة اللام الى القاف وسكون القاف الى اللام، كقول الشاعر:
ألا رُبّ مولودٍ وليس له أبٌ ... وذي ولدٍ لمْ يلْدَهُ أبوانِ
فحرّك الدالَ بالفتح لما أسْكنَ اللام. فأما قول الآخر، وهو من أبيات الكتاب:
قواطناً مكّةَ من وُرْقِ الحَمي
ويروى أوالِفاً فإنّه أرادَ الحمامَ فحذفَ الألفَ فبقي الحمَمْ، فاجتمعَ حرفان من جنس واحدٍ فأبدَلَ الميمَ الثانيةَ ياءً كما قالوا: تظنّيْتُ بأدَلوا الياءَ من النون. وهذا إنما يجوز استعمالُه ضرورةً في الحِمام خاصّةً نقلاً، ولا يجوز القياسُ عليه في الحمار ولا فيما أشبَه ذلك لأنه شاذّ. ومما حُذِف الألفُ فيه وهو في المفتوح قليلٌ لخفّةِ الألف، قول الشاعر:
مثلُ النَقا لبَّدَهُ صَوْبُ الطِلل
يريدُ الطِلالَ فحذفَ الألِفَ. وقال أبو عثمان في قوله تعالى: (يا أبَتَ) أراد: يا أبتاهُ، فحذفَ الألِف. وقد ضاعف الشاعرُ ما لا يجوزُ أن يُضاعَفَ في غير الشعرِ للضرورة، قال قَنْعَب:
مَهْلاً أعاذِلَ قد جرّبْتِ من خُلُقي ... أنّي أجودُ لأقوامٍ وإنْ ضَنِفوا
وقال الراجز:
الحمدُ لله العليِّ الأجْلَلِ
وإنما الوجهُ الصحيح ضنّوا والعليُّ الأجَلُّ. وكل هذه الضرورات إنما يُرَخَّصُ للشاعر في استعمالها عند مضايقِ الكلام واعتياصِ المَرام، لأن الشعرَ مُحِلُّ ارتكابِ الضرورات، واستعمال المحظورات. وقد ألحقَ الشاعرُ نونَ الجمع مع الاسمِ المُضمَر، وهو من الضرورات التي لم تُستَحسَن، فقال في مثل الضّارِبوهُ الضّاربونَه، والخائِفوه: الخائِفونَه، والآمِروهُ الآمِرونَه. قال الشاعر:
همُ القائلون الخيْرَ والآمِرونَهُ ... إذا ما خَشُوا من مُحْدَثِ الأمرِ مُفظِعا
فأما حذفُ الإعراب فلا يجوز للعربيّ فضْلاً عن المولّد قال الراجز:
إذا اعوجَجْنَ قلتُ صاحبْ قَوِّمِ ... بالدّوِّ أمثالَ السفينِ العُوَّمِ
وأنشد سيبويه:
فاليومَ أشرَبْ غيرَ مُستَحْقِبٍ ... إثْماً من الله ولا واغِلِ
يريدُ: أشربُ، فحذفَ الضمّة وهو لحْن، والروايةُ الصحيحة فيه: فاليوم فاشْرَبْ غيرَ مُستَحْقِبٍ.
وأما قطعُ ألِف الوصْلِ فلا يجوز للشاعر المولّدِ استعماله لأنه لحْنٌ وإن كان العربي قد فعل ذلك. قال جميل:
ألا لا أرى إثنينِ أحسَنَ شيمةً ... على حَدَثانِ الدّهْرِ مني ومن جُملِ
فقطعَ ألِفَ اثنين وهي ألِفُ وصلٍ.
ويجوز زيادةُ الياءِ فيما كان على وزن مفاعِل فيصير فاعيل مثلُ مساجد ودراهِم فقالوا: مساجيد ودَراهيم. وسبب ذلك أن الشاعر إذا احتاجَ الى إقامة الوزن بطّلَ الحركة فأنشأ عنها حرْفاً من جِنسِها. قال الشاعر يصفُ ناقةً:
تنْفي يَداها الحَصا في كلِّ هاجِرةٍ ... نفْيَ الدّراهيمِ تنْقادُ الصياريفِ
وكذاك قولُ ابن هَرْمة: يمُنْتَزاحٍ، يريدُ بمُنْتَزَحٍ من النَزْحِ وقول الآخر: فانظُورُ، أي فانظُرُ.
وقد بيّن النحويون ذلك وشرحوه، وقد جاء في مثل المِفْتاح: المِفْتَح، وفي مثل التأميل: التأمال، وفي مثل الكَلْكَل: الكَلْكال. وهذا يجوز للشاعر المولّد استعماله إذا نقله نقلاً لأنها لغة القوم ولهم التصرُّف فيها، وليس لنا القياس عليها بل نستعمِل ما ورد عنهم نقْلاً. قال الراجز:
أقولُ إذْ خرّت على الكَلْكالِ ... يا ناقتي ما جُلتِ من مَجالِ
(1/48)

ويجوز للشاعر المولّد التّصغير في الشّعر من غيرِ ضرورة لمعان في التصغير نذكرُها.
أما التّصغيرُ فعلى أربعة أقسام: قسْمٌ للتحقير كقولَك: رُجَيْلٌ، وقسمٌ للتقليل في المجموع كقولَك: أُجَيْمالٌ، وقسمٌ للتّعظيم كقول عمر رضي الله عنه كُنَيْفٌ مُلئَ علماً. وقال حُباب: أنا جُذَيْلُها المُحَكَّك وعُذَيْقها المُرجَّب. وقال لَبيد:
دُوَيْهيّةٌ تصْفَرُّ منها الأنامِلُ
وقسم للتقريب وذلك في الظروف نحو قولك: فُوَيْقٌ وقُدَيدِمة وقال امرؤ القيس:
ضَليع إذا استَدْبَرْتَه سدّ فرْجَه ... بضافٍ فوَيْقَ الأرضِ ليسَ بأعزَلِ
وقال الأعشى:
أبلِغْ يزيدَ بني شيبانَ مألُكةً ... أبا ثُبَيْتٍ أما تنفَكُّ تأتَكِلُ
وقال زهير:
فأمّا ما فُويْقَ العِقْدِ منها ... فمِنْ أدْماءَ مرْتَعُها خلاءُ
وقال أبو زُبيد الطائي:
يا ابنَ أمّي ويا شُقَيِّقَ نفْسي ... أنتَ خلَّيْتَني لأمرٍ شديدِ
وربما حقّروا فعلَ التعجُّبِ للَحاقِه بالأسماءِ إذ عدم تصرُّفُه، ومعنى التَحقير المبالغة في الاستحسان، كما قال:
يا ما أحَيسِنَ غِزْلاناً عرَضْنَ لنا
ويجوز استعمالُ غَدْوٍ في موضِع غدٍ، كقول الشاعر:
وما الناسُ إلا كالدّيارِ وأهلِهابها يومَ حلّوها وغَدْواً بلاقعُويجوز استعمال ليْتي في موضع ليتني كقول الشاعر:
كمُنْيَةِ جابرٍ إذ قال لَيْتي ... أصادِفُه وأفقِدُ بعضَ مالي
ويجوز استعمال عِمْ صباحاً في موضع أنعِمْ صباحاً كقول الشاعر:
أتَوْا ناري فقلت مَنونَ أنتُمْ ... فقالوا: الجِنُّ، قلت: عِموا ظَلاما
ويجوز التّرخيمُ في غير النداءِ للضرورة كما قال الشاعِر:
لَنِعمَ الفتى تعْشو الى ضوءِ نارِه ... طَريفُ بنُ مالٍ ليلةَ الجوعِ والخَصَرْ
يريد طريفَ بنَ مالكٍ فرخّم في غير النداء، كما قال الآخر:
وهذا رِدائي عندَه يَستعيرُه ... ليَسْلُبَني عِزّي أمال بنَ حنْظَل
أراد حنظلة فرخّم وهو غيرُ مُنادى. وأما الترخيم في النداء فقد جاء منه في أشعارهم ما لا يُحيط به الإحصاءُ. قال الشاعر:
يا مَرْوَ إنّ مطيّتي محْبوسةٌ ... ترجو الحِباءَ وربُّها لمْ ييأسِ
يريد يا مروانُ. وقال آخر:
فقُلتُم تعالَ يا يَزي بنَ مخَرّمِ ... فقلتُ لكمْ إني حَليفُ صُداءِ
يريدُ يا يزيد. وقال آخر:
يا حارِ لا أُرْمَيَنْ منكُم بداهيةٍ
أراد يا حارِث، وقد جاءَ عنهم إبدالُ الحرف المتحرك بحرف لا تجري فيه الحركة، وهو من الضرورات التي لا تجوز للشاعر المولّدِ ولا هي بالمستحسنة. قال الشاعر:
له أشاريرُ من لحْمٍ تُتَمِّرُه ... من الثّعالي ووخْزٌ من أرانيها
أراد الثعالب فأبدلَ من الباء ياءً، وكذلك أراد أرانبها فأبدل الياء من الباء. ومثله:
ومَنْهَلٍ ليس به حَوازِقُ ... ولضَفادي جمِّهِ نَقانِقُ
يريد الضفادع.
ويجوز للشاعر المولّدِ استعمالُ الماضي في موضع المُستقبل واستعمال المستقبل في موضع الماضي. فأما استعمال الماضي في موضع المستقبل فكقوله تعالى: (ونادى أصحابُ النارِ أصحابَ الجنّةِ أنْ أفيضوا علَيْنا من الماء) والمعنى وإذْ ينادي أصحابُ النارِ. وأما استعمالُ المستَقبل في موضع المضي فكقوله تعالى: (ففريقاً كذّبْتُمْ وفريقاً تقتلون) ، أراد فريقاً قتلْتُمْ. ومثله (ما يَعبدونَ إلا كما يعبُدُ آباؤهُم من قَبلُ) أوقعَ يعبد موضِعَ عَبدَ. وقال الطِّرمّاح:
وإني لآتيكُم تشَكُّرَ ما مضَى ... من الأمسِ واستيجابَ ما كان في غَدِ
وضع كان في موضع يكون. وقال زيادٌ الأعْجَم:
وانْضَحْ جوانبَ قبرِه بدِمائِها ... فلقَدْ يكونُ أخا دَمٍ وذبائِحِ
وضع يكونُ في موضع كان.
(1/49)

وقال أبو الفتح: قال أبو عليّ: سألتُ أبا بكرٍ عن الأفعالِ يقَع بعضُها موقعَ بعض فقال: كان ينبغي للأفعال كلِّها أن تكون مِثالاً واحداً لأنها لمعنىً واحد، ولكن خُولِفَ بين صِيغها لاختلاف أحوالِ أزمنَتِها، فإذا اقترنَ بالفعل ما يدلُ عليه من لفظٍ أو حالٍ جازَ وقوعُ بعضِها موقعَ بعضٍ. قال أبو الفتح: وهذا كلام من أبي بكر عالٍ سديدٌ فاعْرفْهُ. وقال أعشى باهِلة:
فإنْ يُصِبْكَ عدوٌّ في مُناوأةٍ ... فقد تكونُ لك المَعْلاةُ والظَّفَرُ
وضع تكون في موضع كانت. وقال آخر:
قالتْ جُعادةُ ما لجسمِكَ شاحباً ... ولقد يكونُ على الشبابِ نَضيرا
أي: ولقد كان.
ويجوز للشاعر المولّدِ تأنيثُ المذكّرِ وتذكيرُ المؤنث على المعنى وهو أفشى في العُرْفِ والاستعمال من أن يُؤتى عليه بشاهدٍ أو مثالٍ، قال الشاعر:
أتَهجُرُ بيتاً بالحجازِ تلفّعَتْ ... به الخوفُ والأعداءُ من كلّ جانبِ
أنّث الخوفَ لأنه ذهب به الى المخافة. ومثله بيتُ الحماسة:
يا أيها الراكِبُ المُزْجي مطيّتُه ... سائلْ بني أسَدٍ ما هذه الصّوتُ
أنّث الصوت لأنه ذهب به الى الاستغاثة، وإذا جازَ تأنيثُ المذكر في كلامِهم حمْلاً على المعنى، وهو منهم حمْلُ الأصْل على الفرْعِ، كان تذكيرُ المؤنث أجدرَ بالجَوازِ من حيثُ كان الأصلُ هو التذكير. ومنالحسَنِ الجميلِ ردُّ الفروعِ الى الأصول.
ومن تذكير المؤنث قوله تعالى: (السماءُ مُنفَطِرٌ به) . لأنه تعالى أراد بالسماء السّقْفَ لقوله تعالى: (وجعلنا السّماءَ سَقْفاً محفوظاً) . قال الشاعر:
فلا مُزنَةٌ ودَقَتْ وَدْقَها ... ولا أرْضَ أبْقَلَ إبْقالَها
فذكّر لما عَنى بالأرضِ المكانَ، غير أنه ردّ الهاءَ على لفظِ الأرض.
وقال زهير:
لَها أداةٌ وأعوانٌ غدَوْنَ لها ... قِتْبٌ وغرْبٌ إذا ما أُفْرغَ انْسَحَقا
غدَوْنَ مؤنثٌ، وإن كان للأعوانِ، لأنه أنّثَ على معنى الجماعة كما تقول: هذه رجال، والقِتْبُ قِتْبُ السّانية، وانسحقَ انصبّ. وأنشد المفضَّل:
فلو كنتُ بالمغلوبِ سيفِ بن ظالمٍ ... فتكتُ لعادت قبرَ عوفٍ قرائبُه
ولكن وجدتُ السّهمَ أهونَ فُوقَةً ... عليكَ فقد أودى دمٌ أنتَ طالبُه
جعل الفُوق مؤنثاً؛ لأنه أراد ذروته وهي أعلاه، ومثل ذلك كثير.
ومما يجوزُ للشاعر المولّدِ استعمالُه حذف الهمزة عند الضرورة. أنشد سيبويه لعبد الرحمن بن حسّان:
فكنتَ أذَلَّ من وَتِدٍ بقاعٍ ... يُشجِّجُ رأسَهُ بالفِهْرِ واج
يريد واجئ. وقال ابنُ هَرْمة:
ليتَ السِّباعَ لنا كانت مجاوِرَةً ... وأنّنا لا نرى ممّن نرى أحَدا
إنّ السِّباعَ لتهدا عن فرائِسِها ... والناسُ ليسَ بهادٍ شرُّهُم أبدا
يريد ليس بهادئ. وقال آخر:
تقاذَفَهُ الرُوّاد حتى رَمَوْا به ... ورَا طَرفِ الشامِ البلادَ الأقاصيا
أراد: وراءَ طَرفِ الشامِ، فقَصرَ الكلمةَ وكان ينبغي ألا يقصُرَها؛ لأن الهمزة أصليةٌ فيها. إلا أن الضرورة ألزمته فقلبها ياءً. وأنشد أبو علي:
إنْ لم أُقاتِل فالبسوني بُرْقُعا
ويجوزُ للشاعر المولّد حذفُ همزةِ الاستفهام للضرورة مع دلالةِ الكلام عليها، كما قال الكُمَيْت:
طَربْتُ وما شوْقاً الى البيض أطْرَبُ ... ولا لعِباً مني وذو الشَيْبِ يلعَبُ
أراد: أو ذو الشيب يلعبُ. وقال عِمران بن حِطّان:
وأصبحتُ فيهم آمِناً لا كمَعْشَرٍ ... أتوْني فقالوا من ربيعة أو مُضَرْ
أراد: أمِنْ ربيعةَ أو مُضر. وقال ابن أبي ربيعة:
ثمّ قالوا تحبُّها قلت بَهْراً ... عدَدَ القَطْرِ والحَصا والتُرابِ
أراد: أتُحِبُها. وقيلَ في قوله تعالى (نِعمةٌ تمُنُّها عليّ) إنّ المُراد: أوَتلكَ نعمةٌ، وإذا صحّ ذلك فقد زالَتِ الضرورة من الشِّعر.
(1/50)

ومما يجوزُ للشاعر المولّد استعمالُه عندَ الضرورة في شعرِه الخَرْم، بخاء مُعجَمة وراء غير مُعجمة، وهو حذفُ أوّل متحرّك من الوتِد المجموع في أول البيت، والوتِدُ المجموع حرفانِ متحركان بعدهما ساكنٌ مثل: غَزا، رمَى، ولا يدخلُ الخَرْمُ على بيت أولُه سبَبٌ أو فاصلة، وأكثرُ ما يجيءُ في أوّل البيت من القصيدة وربما جاء في غيره من الأبيات. قال الشاعر:
كُنا حسِبْنا كلَّ بيضاءَ شحْمةً ... لياليَ لاقَيْنا جُذامَ وحِمْيَرا
أراد أن يقول: وكنا فحذفَ الواو. وقال الآخر:
كانت قناتي لا تلينُ لغامِزٍ ... فألانَها الإصباحُ والإمساءُ
وأكثرُ ما يُحذَف للخَرْمِ حروفُ العطفِ مثل الواو وأخواتِها وإنْ كان الخرْمُ يجيءُ بغير ذلك. وقد أجاز بعضُ العروضيين الخرمَ في أول النصف الثاني من البيت وشبّهه بأوّل البيت وأنشد عليه قولَ امرئ القيس:
وعَينٌ لها حَدْرَةٌ بَدْرَةٌ ... شُقّتْ مآقيها من أُخَرْ
أراد أن يقول: وشُقّتْ. وأنشدوا في خَرْمِ أول البيت وفي أول النصف الثاني منه، وهو غير مُستحسَن ولا ينبغي العمل به، قول الشاعر:
أبْدَلَني بتَيْمِ اللاتِ رَبي ... حنظلةَ الذي أحيا تميما
أراد أن يقول: وأبدَلَني بحنظلة فحذفَ الواوَ من أوّل النصف الأول، والباءَ من أول النصف الثاني.
وحديثُ أبي تمام مع أبي سعيد المَكفوف، لمّا عُرِضَتْ عليه قصيدتُه البائية التي مدحَ بها عبدَ الله بن طاهر، وإنكارُه الخرْمَ في أول البيت منها معروفٌ لأنّ العلماءَ بالشعرِ لا يستحسِنونَهُ وإنْ كان مُجَوَّزاً مُستعملاً وهو قوله:
هُنَّ عوادي يوسفٍ وصواحِبُهْ ... فعَزْماً فقِدْماً أدركَ الثأرَ طالبُهْ
وأما الخزْمُ بخاءٍ معجمة وبراءٍ معجمة فما يجوز للشاعر المولدِ استعمالُه ولا يُسَوَّغُ له تعاطيه أبداً، وهو زيادةُ كلمةٍ يأتون بها في أوائل الأبيات يُعتدّ بها في المعنى ولا يُعتدّ بها في الوزن، وإذا أُريدَ تقطيعُ البيت حُذِفَتْ تلك الكلمةُ الزائدة وهي تُستعملُ في جميع البحور كما قال الشاعر:
أُشْدُدْ حيازيمَك للموتِ ... فإنّ الموتَ لاقِيكا
والبيت من الهَزَج ولا يستقيمُ إلا بإسقاطِ أُشْدُدْ. وقال الآخر:
المُسيَّبُ بنُ شَريكٍ اليومَ عالمٌ من العلماءِ
لا يستقيم تقطيعُه حتى يُحذَفَ من أوله المسيّب.
وربما كان الخزمُ في أول البيت حرْفاً أو حرفين كما قال الكندي:
وكأنّ ثَبيراً في عَرانين وبْلِه ... كبيرُ أناسٍ في بِجادٍ مُزمّلِ
ألا ترى أنّ الوزنَ لا يستقيم حتى تسقُطَ الواو، وعلى ذلك يُروى. والأصل في الرواية الصحيحة ثُبوت الواو، وكذلك أنشدَه العروضيون واحتجوا به. وقد جاء من طريق الشذوذ الخزْم في نصف البيت كقول الشاعر:
يا نفسِ أكْلاً واضطجا ... عاً يا نفسِ لسْت بخالدَة
والبيتُ من مجزوءِ الكامل متفاعلن أربع مرّات ولا يصحّ إلا بإسقاط يا من نصف البيت ويُجْتَزأ بحرفِ النداء في أول البيت فاعرفْ ذلك. وقد جوّزوا أن تُحذفَ من القافية الياءُ في مثل قول الشاعر:
وقَبيلٌ من لُكَيْزٍ شاهِدٌ ... رهْطُ مرجومٍ ورهطُ ابنِ المُعَلْ
وهو يريدُ المُعَلّى. وقد جوّزوا أيضاً تخفيفَ المُشَدّد في مثل قول الشاعر:
دعَوْتُ قومي ودعوْتُ معْشَري ... حتى إذا ما لمْ أجِدْ غيرَ الشّرِ
كنتُ امرءاً من مالِكِ بنِ جعْفَرِ
فخفّف الراءَ من الشّرّ. وقال المُبرد: لم يرِدْ الشّر وإنما أراد السّريَّ بسين غير معجمة وهو اسمُ رجلٍ شُبِّهَ بالسَّريِّ وهو نهرٌ فحذفَ إحدى الياءين فبقي السَّري فخفّف الياءَ.
فهذه نُبذةٌ في هذا الفصل يُستَغْنى بها عن غيرِها، ولُمعَةٌ يُكْتَفى بها عن سِواها، فربَّ قبَسٍ أغْنى عن مِصباح، وغلَس اجتُزِئَ به عن صَباح.
الفصل الثالث
في فضلِه ومنافِعِه وتأثيرهِ في القلوبِ ومواقعِه
(1/51)

أما الشعرُ فإنه ديوان الأدب، وفخر العرب، وبه تُضرَب الأمثال، ويفتَخِر الرّجالُ على الرجال، وهو قيدُ المناقبِ ونظامُ المحاسنِ، ولولاهُ لضاعَتْ جواهرُ الحِكَم، وانتثرت نجومُ الشّرَفِ، وتهدّمتْ مباني الفضل، وأقوَتْ مرابِعُ المجدِ، وانطمسَتْ أعلامُ الكرمِ، ودرَستْ آثارُ النِّعَم. شرَفُه مخلّدٌ، وسُؤدُدُه مجدّدٌ، تَفْنى العصورُ وذِكرُه باقٍ، وتهوي الجبالُ وفخرُه الى السماء راقٍ، ليس لما أثْبَتَه ماحٍ، ولا لمَن أعذَرَه لاحٍ.
مات سُحَيمٌ عبدُ بني الحَسْحاس، وله ذِكر أضْوَع من المسكِ وأنضرُ من الآسِ، ولولا الشعرُ لما عُرِف، ولا بالإجادةِ وُصِفَ، وكم في بني حامٍ، من مجهول طَغامٍ، ولا يُذكَر ولا يُشْكَر. وقد قيل: إنّ إبراهيم بن المهدي لما اعتذر الى المأمون، وكلامُهُ معروف، قال للمأمون في جوابِ قوله له: أنتَ الخليفةُ الأسودُ: وأما كوني أسودَ فقد قال عبدُ بني الحَسْحاس:
أشعارُ عبد بني الحَسْحاسِ قُمْنَ له ... يومَ الفَخارِ مقامَ الأصلِ والوَرِقِ
إنْ كُنتُ عبداً فنفسي حُرّةٌ كرَماً ... أو أسودَ اللونِ إني أبيضُ الخُلُقِ
فقال المأمون: لوَدِدْت أنهما لي بجميع مُلكي، يعني البيتين.
ولولا زهير لما ذُكِر هَرِمٌ، ولا جرى بمدحِه قلَم. ماتا وبَلِيا، وتمزّقت أوصالُهما وفَنِيا، وذِكرُهما غضٌ جديدٌ، وصيتُهما باقٍ مديدٌ، هذا لفضلِه وهذا لإفضالِه، ولولا الشعرُ لما ذُكِرا ولا عُرِفا.
وحكى الرُّهني في كتابهِ الذي سماهُ ذخائر الحكمة، يرفعُهُ الى سالم بن عبدِ الله بن عمر عن أبيه عبد الله أنه قال: كنا ذات يومٍ عند عمرَ بن الخطاب رضيَ الله عنه إذْ قال: من أشعرُ الناس؟ فقلنا: فلانٌ وفلان، فبينما نحن كذلك إذْ طلَعَ عبدُ اللهِ بنُ عباسفسلّم وأجلسَهُ الى جنبهِ ثم قال: قد جاءَكُم ابنُ بَجْدَتِها. من أشعرُ الناس يا بنَ عبّاس؟ قال: ذاك زهيرُ بن أبي سُلمى، قال: فأنشِدْنا شيئاً من شعرِه نستدلُّ به على ما تقول، قال: امتدحَ قوماً من غطَفان يُقالُ لهم بنو سِنان فقال:
لوْ كان يَقْعُدُ فوقَ الشمسِ من بشَرٍ ... قوم بأوّلِهم أو مجدِهِم قعَدوا
قومٌ سِنانٌ أبوهم حين تَنسُبُهمْ ... طابوا وطابَ من الأولادِ ما ولدوا
إنسٌ إذا أمِنوا جِنٌ إذا فزِعوا ... مُرزَّؤونَ بَهاليلٌ إذا جُهِدوا
مُحسَّدونَ على ما كان من نِعَمٍ ... لا ينزِعُ اللهُ عنهم ما له حُسِدوا
فقال عمر رضي الله عنه: قاتَلَهُ الله يا بنَ عباس لقد قال كلاماً حسناً ما كان يصلُحُ إلالأهل هذا البيتِ من بني هاشم لقرابَتِهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستعظمَ ما مدَحَ به بني سنان وطلب له مُستَحِقاً فما رأى إلا بني هاشم.
وهذا جريرُ بنُ الخطَفى مع لُؤم أصله، وضِعَة بيتِه، وقِلّة أهْليهِ، وخُمولِ جدّه وأبيه، قد رفعَهُ شعرُه، وعمّرَه قولُه، فهو مخلّدٌ باقٍ، وعليه من الفناء بشعرِه واقٍ، ولقد شُيِّدَ بذكره ذكرُ يربوع، وشُهِر اسمُهُ بين المحافلِ والجموعِ، وضاهى الفرزدقَ وناواهُ، وجاهرَهُ بالأهاجي وعاداهُ، مع شَرَفِ الفرزدق وكرَمِ أصلِه. ولولا الشعرُ لكان بنَجْوَةٍ عن مُجاراةِ مثلِه، حتى ذكر الفرزدقُ آباءه، وقال:
أولئكَ آبائي فجئني بمثلِهم ... إذا جمَعَتْنا يا جريرُ المجامِعُ
ولقد ذهب امرؤ القيس وأبوه، وملكُه وأهلوه، وغبَرَ شعرُه وكلامُه، وعُمِّرَ قولُه ونظامُه. وكم من ملِكٍ في كِندة ذهبَ وذهبَتْ منه العُدَد والعِدّةُ فما تُحَسُّ نبأتُه، ولا يُعرَفُ اسمُه ولا سمَتُه. ولقد ذهبَ مُلْكُ التبابعةِ والأكاسرة، وزالَ سُلطانُ المَقاوِلِ والأساورَة ولم يبْقَ لهم سوى بيتٍ سائرٍ، من مديح شاعرٍ، ولولا مدائحُ زياد الذُبياني لما عُرِفَ الملِكُ ابنُ الجُلاح، ولا ضاعَ له أرَجُ ثناءٍ ولا فاح، وكذاك أبوه الجُلاح فلولا أبو أُمامة، لما كان عليه من سِمَةِ الذِّكر علامة:
ماتَ الجُلاحُ ولم يمُتْ ... ما قالَ فيه أبو أمامه
ولقد كانت العربُ تَعُدُّ الشّعرَ خطيراً، وترى الشاعرَ أميراً، فإذا نبغَ في القبيلة شاعرٌ هُنِّئَتْ به، وحُسِدَتْ من سبَبه، لأنه ينافِح عن أنسابِها، ويكافِح ويناضلُ عن أحسابها.
(1/52)

كمْ كان في الأوْسِ من أميرٍ ... ماتوا جميعاً سِوَى عَرابهْ
أحْياهُ بعدَ المماتِ بيتٌ ... لشاعِرٍ إذْ دَعا أثابَهْ
لعلّه كان في الذُنابَى ... فردَّهُ الشِّعرُ في الذُّؤابهْ
ألا ترى الى أبي دُلَف العِجْليّ كيفَ رفعَه، على ضَعَةِ بيتِه ودناءَةِ بني عِجْلٍ، فإنكَ لا تجدُ فيهم ممدوحاً سواه، قول ابن جبلة:
إنما الدنيا أبو دُلَفٍ ... بنَ باديهِ ومُحتَضَرِهْ
فإذا ولّى أبو دُلَفٍ ... ولّتِ الدُنيا على أثَرِهْ
وكان أبو الصّقْر بنُ بُلبلٍ لا يُعدّ من ذوي الأصول الثابتة، ولا ذوي الفروعِ النابتةِ، حتى مدحَه ابنُ جُريج بقوله:
قالوا أبو الصّقْرِ من شيبانَ قلتُ لهم ... كلاّ لعَمْري ولكن منهُ شيبانُ
وكم أبٍ قد علا بابنٍ ذُرَى شرَفٍ ... كما عَلا برسولِ اللهِ عدنانُ
ولم أقصِّرْ بشيبانَ التي بلغَتْ ... بها المبالغَ أعراقٌ وأغصانُ
فصار في سَرواتِ الممدوحين، وبمدحِه يتمثّلُ المتمَثِّلون. وكان بنو قُرَيْع يُدعَون أنفَ الناقةِ فيَغضَبون لذلك، ويسخَطون منه، فلمّا مدحَهم الحُطيئة بقوله:
قومٌ هُمُ الأنفُ والأذنابُ غيرُهُم ... ومَنْ يُسوّي بأنفِ الناقةِ الذّنَبا
رضوا به وصار من أكبر مفاخرِهم، ولولا الشعرُ لعدّوه من أقبحِ ألقابِهم.
وخبَرُ الحُطيئة مع الزِّبرِقان بن بدْرٍ وما كان من زوجته أمِّ شَذْرَة وتقصيرها في حقّه ومراسلة بني أنفِ الناقة له حتى استفْسَدوه ونَقلوه إليهم، مشهورٌ مذكور. ولمّا خُيِّرَ الحُطيئة اختار بني أنفِ الناقة على الزِبرِقان فشقّ ذلك عليه، وأرسل الزبرقان الى رجل من النَّمِر بن قاسطٍ يُقال له دِثار بن شيبان وأمرهُ أن يهجوَهم فقال النَّمَري من أبيات:
وقد ورَدَتْ مياهَ بني قُرَيْعٍ ... فما وصَلوا القرابَةَ مُذْ أساؤوا
فاحتاج الحُطيئة عند ذلك أن يهجوَ الزبرِقان بن بدر فهجاهُ بأبياتٍ منها:
دعِ المكارمَ لا تنهَضْ لبُغيَتِها ... واقعُدْ فإنّك أنتَ الطاعِمُ الكاسي
فلمّا بلغتِ الزبرقان استعدى عليه عُمرَ بن الخطاب رضي الله عنه وقال: هجاني، فلما استنشَدَه قال عمر: لا بأس بذلك، فقال أرسِل الى حسان بن ثابتٍ وسلْهُ أهجاني أم لا، فقال حسان: نعم هجاهُ وسلَحَ عليه، فحبسَه عمر، فكتب إليه الحطيئة من الحبس أبياتاً منها:
ماذا تقولُ لأفراخٍ بذي مرَخٍ ... حُمْرِ الحواصلِ لا ماءٌ ولا شجَرُ
ألقيْتَ كاسِبَهُم في قعْرِ مُظلمةٍ ... فامْننْ عليهِ هداكَ اللهُ يا عُمَرُ
فأثّر الشعرُ عند عمر فاستتابَه وأطلقَه. ولو أن الحطيئة قد شتم الزبرقان بغير الشعرِ لما تأثّر بشتمِه، ولما كان شعراً رآه بقوله: فأنت الطاعمُ الكاسي، قد جنى عليه وأساءَ إليه.
ولمّا هَجا الحطيئة بني العجلان استعدوا عليه عمرَ بن الخطاب فقالوا هَجانا وشعّث من أعراضِنا، قال عمر: وما قال؟ قالوا: قال فينا:
إذا اللهُ عادَى أهلَ لُؤمٍ ودِقّةٍ ... فعادى بني العجلانِ رهطَ ابنِ مُقبِلِ
قال عمرُ دَعا عليهم. قالوا إنه قال:
قُبيّلَةٌ لا يغدِرون بذِمّةٍ ... ولا يظلِمون الناسَ حبّةَ خردَلِ
قال عمر: هؤلاء قوم صالحون ليتَني منهم وليست آل الخطاب كانوا منهم. قالوا إنه قال:
ولا يرِدون الماءَ إلا عشيةً ... إذا صدرَ الوُرّادُ عن كلِّ منهَلِ
قال عمر: ذاك أخفُّ للزِحام وحينئذ يصفو الماء ويطيب الوِرْدُ. قالوا إنه قال:
وما سُمّي العجْلانُ إلا لقِيلهم ... خُذِ القَعْبَ واحْلُبْ أيها العبدُ واعجَلِ
فقال عمر: سيّدُ القومِ خادِمُهم وأصغَرُهم شَفْرَتُهُم. قالوا إنه قال:
تعافُ الكلابُ الضارياتُ لحومَهُم ... ويأكُلْنَ من كعبِبن عوفٍ ونَهْشَلِ
فقال عُمر: كفى ضَياعاً من تأكُلُ الكِلابُ لحمَه، قالوا: يا أمير المؤمنين ليس هذا من عملِكَ فلو أرسلت الى حسّان بن ثابت فسألته، فأرسل الى حسّان فسألهُ: أهَجاهُم؟ قال لا يا أمير المؤمنين ولكنْ سلحَ عليهم.
(1/53)

وتهدد رسول الله صلى الله عليه وسلم من حفِظ قصيدة الأفوَه الأوْديّ وضمِن له النار، أنفَةً من الهجاء وغضباً من مواقعِ نبْله. وسمع صلى الله عليه وسلم رجلاً يُنشد:
كانتْ قُريشٌ بيضَةً فتفلّقَتْ ... فالمُحُّ خالِصُها لعبدِ الدارِ
فغضبَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال لأبي بكر رضي الله تعالى عنه: أهكذا قال الشاعر؟ قال لا يا رسولَ الله إنما قال:
يا أيها الرجلُ المُحَوِّلُ رحْلَهُ ... هلاّ نزلْتَ بآلِ عبدِ مَنافِ
الضاربينَ الكبْشَ يبْرُقُ بيضُهُ ... والقائِلينَ هلُمَّ للأضْيافِ
الخالطينَ فَقيرَهُم بغنيِّهم ... حتى يعودَ فقيرُهُم كالكافي
عَمْرو العُلَى هشَمَ الثريدَ لقومِه ... ورجالُ مكةَ مُسْنِتون عجافُ
كانت قُريْشٌ بيضةً فتفلّقَتْ ... فالمُحُّ خالِصُها لعبدِ منافِ
ففرح صلى الله عليه وسلم حتى برقَتْ أساريرُ وجهه وقال: هكذا قال. وبلغة صلى الله عليه وسلم أن كعبَ بن زُهير هجاهُ فنذرَ دمَه، فجاءَه متنكِّراً حتى دخل المسجِدَ واستأذنه في إيراد مدحته فأذِنَ فقام بين يديه وأنشد:
بانَتْ سُعادُ فقلبي اليومَ متْبولُ ... متيّمٌ إثرَها لم يُفْدَ مكبولُ
فلما بلغَ الى قوله:
نُبّئتُ أنّ رسول الله أوعدَني ... والعفوُ عند رسولِ الله مأمولُ
فقال: عفَى الله عنكَ، وخلعَ عليه بُردَتَه وطيّبَ نفسه وأمنَه ولولا شِعرُهُ لطاحَ دمُه وكان مآلُه جهنّم.
وحدّث أبو يعلى الأشْدَق قال: سمِعْتُ النابغةَ يقول: أنشدتُ النبي صلى الله عليه وسلم:
بلَغْنا السماءَ مجدُنا وجُدودُنا ... وإنّا لنَرْجو فوقَ ذلك مَظْهَرا
فغضب وقال: أين المَظهَرُ يا أبا ليلى؟ قلت: الجنةُ يا رسولَ الله، قال: أجلْ إن شاءَ الله تعالى وتبسّم فقلت:
ولا خيْرَ في حِلمٍ إذا لم تكُنْ له ... بوادرُ تحمي صَفوَهُ أن يُكَدّرا
ولا خيرَ في جهْلٍ إذا لم يكُنْ لهُ ... حليمٌ إذا ما أوردَ القومُ أصْدَرا
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أجَدْتَ لا يَفْضُضِ اللهُ تعالى فاكَ مرّتين، فعاش أكثر من مائة سنة وكان من أحسن الناس ثغراً.
وحدّث أبو غزيّةَ الأنصاري قال: لما أنشدَ حسانُ بن ثابت رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمَتَه حتى وصل الى قوله:
هجَوْتُ محمّداً فأجبتُ عنهُ ... وعندَ اللهِ في ذاكَ الجزاءُ
تبسّم صلى الله عليه وسلم وقال له: جَزاكَ اللهُ الجنةَ على ذلك. ثم أنشده:
فإنّ أبي ووالدَه وعِرْضي ... لعِرْضِ محمّدٍ منكم وِقاءُ
فقال صلى الله عليه وسلم: وقاكَ اللهُ حرَّ النار.
وحدّث هشامُ بنُ عروة قال، حدّثني أبي قال: حدّثتني عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قاعِداً يخصِفُ نعلاً وأنا قاعدَة أغزِلُ، فجعلتُ أنظرُ الى سالفتِه وخدُّه قد عرِقَ، فجعلَ يتولّدُ عرقُه نوراً فبُهِتُّ. فرفع رأسَه فنظر إليّ فقال: يا عائشة، إلى ماذا تنظرين، قد بُهِتِّ؟ فقلت: ما أنظرُ الى شيء منكَ إلا تولّد في عيني نوراً، أمَا والله لو رآكَ أبو كَبير الهُذَليّ لعلِمَ أنك أحقُّ بشِعره من غيركَ، قالت: فقال: وأي شيء قال أبو كبير؟ فقلت: قال:
ومبرّأٍ من كلِّ غُبَّرِ حَيضَةٍ ... وفسادِ مُرضِعَةٍ وداءٍ مُغيلِ
وإذا نظرْتَ الى أسرّةِ وجهه ... برَقَتْ كبرقِ العارضِ المتهلِّلِ
قالت: فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان في يده وقام إليّ فقبل ما بين عينيّ وقال: جزاك اللهُ تعالى يا عائشة خيراً، فما أذكرُ متى سُرِرْت كسُروري بكلامك.
وروى هشام بن عروة أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر عبدَ الله بن رَواحة أن يرتجِلَ شعراً فقال من أبيت:
أنتَ النبيُّ ومن يُحْرَم شفاعَتَهُ ... يومَ الحِسابِ فقد أزْرى به القدرُ
فثبّتَ اللهُ ما آتاكَ من حسَنٍ ... تثبيتَ موسى ونصْراً كالذي نُصِروا
(1/54)

فقال صلى الله عليه وسلم: وأنت فثبّتك الله يا بنَ رواحة. قال راوي هذا الحديث: فثبّته الله أحسنَ الثبات فقُتِلَ شهيداً، ومضى سعيداً.
وحدّث عمر بنُ هِزّان بنُ سعيد الرُّهاوي عن أبيه أنّ رجلاً من قومِه يقال له عمرو بنُ سُبَيْعٍ وفد على النبي صلى الله عليه وسلم فأنشده:
إليكَ رسولَ الله أعمَلْتُ نصَّها ... تجوبُ الفَيافي سَمْلَقاً بعد سمْلَقِ
على ذات ألواحٍ متى أُرِدِ السُّرى ... تخُبُّ برحْلي تارةً ثم تعنِقُ
فما لكِ عندي راحةٌ أو تلَحْلَحي ... ببابِ النبيّ الهاشميّ الموَفَّقِ
سلِمتُ إذا من رِحلةٍ بعد رِحلةٍ ... وقطْعِ دياميمٍ وليلٍ مروَّقِ
ففرحَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بشعره وعقد له لواءً. تلحْلَحي: أصلُه تلحّحي من الإلحاح، فأبدلوا من الحاء المُدغَمة لاماً كراهيةً من اجتماعِ الحاءات.
ولما أتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم وفدُ هوازن بالجِعِرّانَة أنشدَهُ أبو جَرْوَلٍ الجُشَميُّ قصيدةً منها:
أُمْنُن علينا رسول الله في كرمٍ ... فإنك المرء نرجوه وندّخرُ
أمنن على بيضةٍ إعتاقُها قدَرٌ ... ممزِّقٌ شملَها في دهرِها غِيَرُ
فلما سمِعَ شعرَه عطفَ عليهم وردّ إليهم أنباءَهُم ونساءَهم. والحديث مشهور.
ولما قتلَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم النّضْرَ بن الحارث أنشأَتْ ابنتُه قُتيلة تقول من أبيات:
أمحمدٌ ولأنتَ نجلُ نجيبةٍ ... في قومها والفَحْلُ فحْلٌ مُعْرِقُ
ما كان ضرّك لو مَنَنْتَ وربما ... منّ الفتى وهو المَغيظُ المُحنِقُ
فلما سمع صلى الله عليه وسلم شِعرَها قال - وما ينطقُ عن الهوى -: لو سمعْتُه قبل قتلِه لما قتلتُه.
ومدحَهُ صلى الله عليه وسلم العباسُ بنُ مرداس السُلَميّ بأبيات منها:
رأيتُكَ يا خيرَ البريّةِ كلّها ... نشَرْتَ كتاباً جاءَ بالحقِّ مُعْلَما
شرَعْتَ لنا دينَ الهُدى بعد جَيْرِنا ... عنِ الحقِّ لمّا أصبحَ الحقُ مُظلِما
فمنْ مُبلِغٌ عني النبي محمداً ... وكل امرئٍ يُجْزى بما كان قدّما
أقمْتَ سبيلَ الحقّ بعدَ اعوجاجهِ ... وكان قديماً رُكنُه قد تهدّما
فخلعَ حُلّتَه عليه، وقطع لسانَه بإحسانه إليه، ولولا الشعرُ، لما شمِلَه من النبي البِرُّ.
وقد سمِعَ صلى الله عليه وسلم الشعرَ من جماعة غير هؤلاء مُقبلاً بالإصغاء عليهم، ومائِلاً بالاستحسان إليهم. فمنهم أعشى بني مازِن، وضِرار بن الأزْوَر، وقِردة بن نُفاثَة السّلوليّ، وممّا سمِعَ منه:
بانَ الشبابُ ولم أحفِلْ به بالا ... وأقبلَ الشّيبُ والإسلامُ إقبالا
فالحمدُ للهِ إذْ لم يأتِني أجَلي ... حتى اكتَسَيْتُ من الإسلامِ سِربالا
فقال صلى الله عليه وسلم: الحمدُ لله. وسمعَ من عبد الله بن كُرْز اللّيْثي، ومن حُمَيْد بن ثَوْر ومن النَّمر بن تَوْلَب العُكْلي، ومن لبيد بن ربيعة، ومن فَرْوَة بن عامرِ الجُذاميّ، ومن عَمرو بن سالمٍ الكعبي.
ولمّا قصده ميْمون بنُ قيْس الأعشى وامتدحه، لقِيَه أبو جهل فقال: أين قصْدُك يا أبا بصير؟ قال: محمد رسولُ الله. قال: وهل قلتَ فيه شيئاً؟ قال: نعَمْ وأنشده:
ألمْ تغْتَمِضْ عيناكَ ليلةَ أرْمَدا ... وبِتَّ كما باتَ السليمُ مُسهَّدا
حتى انتهى الى قوله:
وآليْتُ لا أرثي لها من كَلالها ... ولا من حَفا حتى تزورَ محمّدا
متى ما تُناخي عندَ بابِ ابن هاشمٍ ... تُراحي وتلْقَيْ من فواضِلِه يَدا
نَبيٌّ يرى ما لا تَرونَ وذِكْرُهُ ... أغارَ لعَمري في البلادِ وأنجَدا
فحسدَه أبو جهلٍ على مديحِ الأعشى، فقال له: يا أبا بصير، إنه يحرِّك عليك الخمرَ، ولم يزَلْ به حتى صدّهُ عنه، فقال الأعشى: سآتيه من قابِل، فمات وحالتِ المنيّةُ، دون الأمنيّة.
(1/55)

وشَكا إليه الناسُ الجدْبَ فاستسْقى لهم فسُقُوا، فلما كان الجُمُعَة الثانية جاءَهُ رجلٌ يسعى فقال: يا رسول الله تهدّمتِ الدورُ وسقطَتِ الجُدُر، فتبسّم صلى الله عليه وسلم ضاحكاً من قوله، وقال: أيُّكُم يروي كلمَةَ عمي أبي طالب؟ فقام أبو بكر فقال: أنا يا رسولَ الله، قال: أنشِدْ، فأنشده:
كذَبْتُمْ وبيتِ اللهِ يُبْزَى محمّدٌ ... ولمّا نُصرَّعْ حولَهُ ونُقاتلُ
فلما انتهى الى قوله:
وأبيضَ يُسْتَسْقى الغَمامُ بوجهه ... غياثُ اليَتامى عِصمَةٌ للأرامِلِ
فرحَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وتهلّل وجهُه. ولما قتلَ هشامُ بنُ الوليد بن المغيرة أبا أُزَيْهِر الدَّوْسيّ بذي المجاز، وكانت في هشام عجَلَة، اجتمعَ الناسُ وتهيّئوا للقِتال، فجاء أبو سفيان فقال: ما أسرعَ الناس الى دماء هذا الحيِّ من قُريش! وقال لأصحابه: لا تَشاغَلوا بالحرب بينكم عن حربِ محمدٍ، يريدُ النبي صلى الله عليه وسلم، وقال رسولُ الله لحسان بن ثابت: حرِّض أبا سفيان في دَمِ أبي أُزَيْهِر، فقال حسّانُ من أبيات:
كساكَ هشامُ بنُ الوليدِ ثيابَه ... فأبْلِ وأخْلِفْ مثلَها جُدُداً بعْدُ
قَضى وطَراً منه فأصبحَ ماجداً ... وأصبحْتَ رِخْواً ما تَخُبُّ وما تغدو
فما منعَ العَيْرُ الضّروطُ ذمارَهُ ... وما منَعتْ مَخْزاةَ والدِها هِنْدُ
فلوْ أنّ أشياخاً ببَدْرٍ تشاهدوا ... لَبلّ نِعالَ القومِ معْتَبَطٌ ورْدُ
وإنما أراد صلى الله عليه وسلم أن ينْتَخيَ أبو سفيان ويهزَّهُ الشعرُ على عادةِ العرب فيتَشاغل عن حربه بحرْبِ بني مخزوم ويقع الخلافُ بينهم فيقْوى أمرُه صلى الله عليه وسلم ويَضْعَفون عنه في عادة العرب في الحَميّة. ألا ترى أن جسّاسَ بنَ مُرّة قتلَ كُلَيْبَ وائِلٍ في غِرّةٍ بناقةِ جارِ خالتِه لأبياتٍ قالتْها وهي:
لعَمرُ أبي لو كُنتُ في دارِ مِنْقرٍ ... لما ضِيمَ سعْدٌ وهْو جارُ أُبَيّاتي
ولكنني أصبحتُ في دار غُربةٍ ... متى يغْدُ فيها الذّئْبُ يغْدُ على شاتي
فَيا سعْدُ لا يغْرُرْكَ قوميَ وارتحِلْ ... فإنّك في حيٍّ عن الجارِ أمواتِ
ودونَك أذوادي فسُقْها فإنني ... لَخائِفَةٌ أن يغْدِروا ببُنَيّاتي
فلما سمع جسّاسٌ الأبيات حرّكتْه وهزّتْه وأغضبتْهُ وقال أقلّي عليكِ أيتها العجوزُ فلأقْتُلنّ بناقةِ جارِكِ أعظمَ فحلٍ للعرب، فظنّتْه يقتلُ بعض إبل كُلَيْب، فخرجَ من وقته فطعنَ كُلَيْباً فقتلَه. ولكنّ أبا سُفيان لما سمعَ أبياتَ حسّان، وكان خبيثاً ترك حربَ مخزوم خوفاً مما حسبَه النبيُّ صلى الله عليه وسلم وحاولهُ.
وقالت صفيّة بنتُ عبد المطّلب تحضُّ أبا سفيان على أخذِ ثأرِ أبي أُزَيْهِر من بني مخْزوم، وتعرِّضُ له بالنار التي أوقِدَتْ له بالغدرِ، وذلك أن العرب كانت إذا غدَر الرجلُ أوقَدُوا له ناراً على جبل، وقيل: هذه غَدْرَة فلان، فلمّا قُتِلَ أبو أُزيهر وهو صِهْر أبي سُفيان فلم يأخُذ بثأرهِ أوقِدتْ النار على أبي قُبَيْس بالموسِمِ وقيل: هذه غَدْرة أبي سفيان، وهي أبياتٌ منها:
ألا أبْلِغْ بني عمّي رَسولاً ... ففيم الكيْدُ فينا والأمارُ
وسائِلْ في جُموعِ بني عليٍّ ... إذا كثُرَ التّناشُدُ والفَخارُ
تُريدُ بني عليّ بن بكر بن كِنانة، منها:
ونحنُ الغافرون إذا قَدِرْنا ... وفينا عندَ غدْوَتِنا انتصارُ
ولم نبدأْ لذي رَحِمٍ عُقوقاً ... ولمْ تُوقَدْ لنا بالغَدْرِ نارُ
فلم يحرِّكْهُ ذلك لِما كان في نفسه من حرْبِ رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ورُوي أنّ معاوية قال لعُروة بنِ الزُبير: أتنشد قولَ جدَّتِك صفيّة:
خالَجْتُ آبادَ الدّهورِ عليكُمُ ... وأسماءُ لم تشْعُرْ بذلِكَ أيِّمُ
فلو كان زيراً مُشرِكاً لعذَرْتُه ... ولكنّه قد يزْعُمُ الناسُ مُسْلِمُ
(1/56)

وإنما أراد معاويةُ أن يحرِّكَ عُروةَ بذلك، فقال عُروةُ: نعم، وأروي قولَها: ألا أبلِغْ بني عمي رسولا ... الأبيات، فخجِلَ معاويةُ حتى عرِقَ جبينُه لذِكر غَدْرةِ أبيه والنارِ التي أوقِدَتْ له على أبي قُبَيْس.
ولما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وارتدّت العربُ، كان الحُطيئة أكبرَ دواعيهم الى الرِّدّة بقوله:
أطعنا رسولَ اللهِ ما كان بيننا ... فوا عَجَباً ما بالُ مُلْكِ أبي بكرِ
أيورِثُها بكراً إذا مات بعدَهُ ... فتِلكَ لعمْرُ اللهِ قاصمةُ الظّهرِ
فانتَخَتْ العربُ لقول الحُطيئة وأنِفَتْ من طاعةِ أبي بكر.
ومن تأثير الشعر أن ابن هشام بنَ الوليد كان قد ولّى عبدَ الرحمن بنَ حزْم الأنصاري المدينة، فقال الأحْوَص:
لا تَرْحَمَنّ لحَزْميٍّ مررْتَ به ... يوماً ولو أُلقِيَ الحَزْميُّ في النارِ
الناخِسينَ بمروانٍ بذي خُشُبٍ ... والداخلينَ على عثمانَ في الدّارِ
فلمّا سمعَ هشامٌ شِعْرَ الأحوَص عزَل عبد الرحمن عن المدينة وأمر بقبض ضِياعِهم وأموالهم. فلما ولِيَ المنصورُ دخل عليه بعضُ أولادِ بني حَزْم فقال: يا أمير المؤمنين لنا ستّون سنةً ما أخذْنا عَطاءً ولا وصلنا الى شيء من أموالنا لقول الأحوصِ وأنشدَه البيتَيْن فتأثرَ لهُما وقال: إذاً واللهِ تحْمَدُ العاقبةَ عندَ بني هاشمٍ، اكتُبوا بردِّ ضياعهم والقبض على ضِياع بني أميّةَ وتسليمها إليهم ليستَغلّوها ستينَ سنة، ثم أمر له بعشرة آلاف دينار صِلة.
ودخل سُدَيْفٌ على السّفّاح وعندَه بنو أميّة على مراتِبِهم فأنشده:
لا يغُرّنْكَ ما ترى من أناسٍ ... إنّ تحْت الضُلوعِ داءً دَويّا
فضَعِ السيفَ وارفعِ السّوطَ حتى ... لا ترى فوقَ ظهرِها أُمَويّا
وأنشدَه سُدَيف أيضاً:
أصبحَ المُلكُ ثابتَ الآساسِ ... بالبَهاليلِ من بَني العبّاسِ
حتى انتهى الى قوله:
واذكُروا مصْرَعَ الحُسين وزَيدٍ ... وقتيلٍ بجانبِ المِهْراسِ
تأثّر السّفاح بذلك تأثّراً بانَ في صفَحاتِ وجهه وكان سَبباً لقتل بني أمية، مع ما كان في النفس منهم:
والقوْلُ يفعلُ ما لا تفعَلُ الإبَرُ
وأمر بضربِ رِقابِهم عن آخرهم، وقصّتُهم مشهورة.
وحدّث المدائنيّ أنّ المنصورَ قال: صحِبْتُ رجلاً ضريراً الى الشام وكان يريد مروانَ بن محمّد في شعرٍ قاله فيه. قال المنصور: فسألته أن يُنشدني الشّعرَ فامتنع وقال: لا يسمعُهُ إلا مَنْ قِيلَ فيه، فلم أزَل أُلاطِفُه وأؤانسهُ الى أن أنشدَنيه، فمنه:
ليتَ شِعْري أفاحَ رائِحةُ المِس ... كِ وما إنْ أخالُ بالخَيْفِ إنْسي
حينَ غابَتْ بنو أميّةَ عنهُ ... والبَهاليلُ من بني عبدِ شمْسِ
خُطَباءٌ على المنابرِ فُرسا ... نٌ عليها، وقالَةٌ غيرُ خُرْسِ
لا يُعابون قائِلينَ وإنْ قا ... لوا أصابوا ولمْ يقولوا بلَبْسِ
بحُلومٍ إذا الحُلومُ استُخِفّتْ ... ووجوهٍ مثل الدّنانيرِ مُلْسِ
قال المنصور: فواللهِ ما فرَغَ من شعرهِ حتى ظننْتُ أنّ العمى قد أدرَكَني، ولقد والله حسدتُ مروانَ على الشعر أكثر من حسَدي له على الخِلافة. فلما أفضى الأمرُ إليّ خرجتُ حاجّاً سنَةَ إحدى وأربعين ومائةٍ فنزلتُ عن الجَمّازة في جبَليْ زَرودٍ أمشي في الرمل لنذْرٍ كان عليّ، وإذا أنا بالضرير، فأومأْتُ الي من كان معي فتأخّروا، ودنَوتُ منه فأخذتُ بيده وسلّمُ عليه، فقال: منْ أنت؟ جُعِلتُ فِداك، فما أُثْبِتُك معرفةً، قلت: أنا رفيقُك الى الشام في أيام بني أميةَ وأنتَ متوجهٌ الى مروان بن محمد الجَعْدي. فسلّم عليّ وتنفّس الصُّعداء وأنشد:
آمتْ نساءُ بني أميةَ منهمُ ... وبناتُهُم بمَضيعَةٍ أيْتامُ
نامتْ جُدودُهُمُ وأُسْقِطَ نجمُهمْ ... والنّجمُ يسقطُ والجدودُ تنامُ
خلَتِ المنابِرُ والأسرّةُ منهمُ ... فعليهمُ حتى المماتِ سَلامُ
(1/57)

قال المنصور: فقلت له: كمْ كان مروانُ أعطاك؟ قال: أغناني غِنى الأبَد، فما أسألُ أحداً بعدَه، قال: فهمَمْتُ بقتله، ثم ذكرْتُ حقّ الاسترسال، وحُرمَةَ الصُحبة، فأطلقْتُه، وبدا لي فأمرتُ بطلبهِ فكأنّ البيداء أبادَتْهُ ورُويَ أنّ يزيدَ بنَ رُوَيْمٍ الشَيْباني، وكان رجلاً مِسْياعاً فأراحَ إبلَهُ ذات ليلةٍ من المَرْعى على أبيه، فقال له أبوه: لمْ تُعَشّها؟ فقال: بَلى قد فعلتُ، فدفعَ أبوه ثوبَه في وجوهِ الإبل فنفّرها وصرفَها الى المرعى وقال: أحسِنْ عَشاءها، فقال الغلام: إني لأحسِبُ غيرَك سيَبيتُ ربَّها. فلما صار الى الموضع الذي يُعَشّي إبلَهُ فيه، مرّ به سِرْحانُ بن أرطأة السّعْدي في مِقْنَبٍ له، فساق الإبلَ وأخذَ الغلامَ فأوثقَهُ شدّاً على بعض تلك الأباعر فرفعَ الغلام عقيرته وأنشد:
يا ويْحَ أمٍّ لي عليّ كريمةٍ ... فقْدي لَها شجَنٌ من الأشجانِ
إنّ الذي ترْجينَ نفْعَ إيابِه ... سقَطَ العشاءُ به على سِرحانِ
سَقَطَ العشاءُ به على مُتقَمِّرٍ ... ثَبْتِ الجَنانِ مُعاودِ التّطْعانِ
فلما سمع سرحانُ بنُ أرطأة شِعرَه قال له: أشاعر؟ قال: نعم، قال: خلّوا عنه، فأطلقَه وردّ عليه إبلَه. وقولهم في المثل: وقعَ العشاءُ به على سِرحان، قيل: السرحانُ هاهُنا الذّئب، وقال قوم: بل هو سرحانُ بنُ معتَّب الغنَويّ، وكان قد أغار على إبلِ نُصَيْحَةَ الأسَديّ، فقال أخوه هزيلةُ بنُ معتَّب:
أبْلِغْ نُصَيحةَ أنّ راعي إبْلهِ ... سقطَ العشاءُ به على سِرْحانِ
سقَطَ العشاءُ بهِ على مُتَقمِّرٍ ... لمْ يُثْنِهِ خوفٌ من الحدَثانِ
والرواية الصحيحة ما ذكرناه أولاً. ولولا الشعرُ والشاعرُ، لذهبَتِ النفس والأباعرُ.
وقال المفضّلُ الضّبيّ: كنتُ الى جنب إبراهيم بن عبد الله بن حسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه يوم لقائِه عسكرَ المنصور، فالتفتَ إليّ وقال: يا مفضّل أنشدني شيئاً، فقلت: إنّه يريدُ مني ما أحرِّكُهُ به، فأنشدْته أبياتَ عُوَيْفٍ الفَزاريّ:
أقول لفِتيانٍ كِرامٍ ترَوّحوا ... على الجُرْدِ في أفواهِهنّ الشكائِمُ
قِفوا وَقْفَةً مَنْ يَحْيَ لا يخْزَ بعدها ... ومن يُخْتَرَمْ لا تتّبعْه اللوائِمُ
وما أنت باعَدتَ نفسَك عنهُمُ ... لتَسلمَ منها، آخرَ الدّهر سالِم
فقال: يا مفضَّل أعِدْ. فأعدتُ ثلاثاً، فتمطّى في رَكْبه حتى قلت تقطّعَتْ، وحملَ مرّةً بعد مرة يقتلُ في كل واحدة النفس والعشْرَة الى أن حملَ فلم يعُد. وقيل: جاءَهُ سهمٌ عائر فذبحَه.
وحكَى شُرَحْبيل بنُ معن بن زائدة قال: كنتُ بطريقِ مكةَ فسِرْتُ تحتَ قُبّةِ يحْيى بن خالد، وعديله أبو يوسُف القاضي إذ أقبلَ رجلٌ على نجيب، فأنشدَ شِعْراً لم يرْضَهُ يحيى، وقال له: ألم أنْهَكَ عن قول مثله؟ هلاّ قلتَ كما قال الشاعر:
بَنو مطَرٍ يومَ اللّقاءِ كأنّهمْ ... أسودٌ لها في غِيلِ خفّانَ أشبُلُ
لَهاميمُ في الإسلام سادوا ولم يكُنْ ... لأوّلهم في الجاهليةِ أولُ
همُ يمنعون الجارَ حتى كأنّما ... لجارِهِمُ بينَ السِّماكَيْنِ منزلُ
همُ القومُ إن قالوا أصابوا وإن دُعوا ... أجابوا وإن أَعْطَوا أطابوا وأجزَلوا
ثلاثٌ بأمثالِ الجبالِ حُلومُهمْ ... وأحلامُهمْ منها لدى الرّوعِ أثقَلُ
وما يستطيعُ الفاعِلونَ فَعالَهُم ... وإنْ أحسَنوا في النّابياتِ وأجْمَلوا
فقال أبو يوسف ليحيى: لله درُّ قائله! لمَنْ هذا الشعر؟ فقال يحيى: لمروان بن أبي حفْصَة في والد هذا الفتى، ورمَقَني بطَرْفِه، فالتفتَ أبو يوسف إليّ وقال: من أنت يا فتى؟ فقلت: شُرَحْبيلُ بنُ معن بن زائدة. قال شُرَحْبيل: فوالله ما أعرفُ دخلَ على قلبي سُرور أعظم من سروري بذلك، ولا مرّتْ عليّ ساعةٌ أطيبُ من تلك الساعة.
وقيل لمّا بلغَ علقمَةَ قولُ الأعشى:
تَبيتون في المشتى مِلاءً بُطونُكم ... وجاراتُكم غَرْثَى يبِتْنَ خمائصا
(1/58)

بكى، ولعله لم يبْكِ عندَ حلول النوائبِ وقراعِ المصائب، ولو عاينَ الموتَ في الحروب، ومُنازلةَ الأبطال عند الكروب.
وقيل: إنّ المنصور مرّ بقَبْرِ الوليد بن عُقبَة بن أبي مُعَيْط فأكثرَ من لعنتهِ وقال: هو أوّلُ من شبّ الحربَ بينَ بني عبدِ مناف بقوله:
بني هاشمٍ رُدّوا ثيابَ ابن أُختِكُم ... ولا تَنْهَبوه، لا تحِلُّ مناهِبُهْ
بني هاشمٍ كيفَ الهوادةُ بيننا ... وعندَ عليٍّ دِرْعُهُ ونجائِبُهْ
همُ قتلوهُ كي يكونوا مكانَه ... كما غدرَتْ يوماً بكِسْرى مرازِبُهْ
ولم يكن معاوية بالذي يحدِّث نفسَه بخلاف عليّ رضي الله عنه ولا يهُمّ بمنازعتِه ولا يُدانيه في مَفْخَرٍ الى أن كاتبَه هذا، وأشر بيده الى قبر الوليد بن عُقبة، بقوله:
ألا أبلِغْ معاويةَ بنَ حرْبٍ ... فإنّك من أخي ثِقَةٍ مُليمُ
قطعتَ الدهر كالسّدمِ المعنّى ... تهدّرُ في دمشقَ وما تريمُ
وإنّك في الكتابِ الى عليٍّ ... كدابغةٍ وقد حلِمَ الأديمُ
فلو كُنتَ القتيلَ وكان حيّاً ... لشمّر، لا ألَفُّ ولا سَؤومُ
فهزّه بهذا الشعر وحرّكَه، وهيّجَه به وهجْهَجه، الى أن شمّر عن ساقِه، وصرّح بعد نِفاقِه. هذا آخرُ كلام المنصور.
وروى جماعة من الشيعة أن علياً رضيَ الله عنه لم يطالَب بدمِ عثمان، مع براءتِه منه، وقوله: والله ما قتلتُ عثمانَ ولا مالأتُ على قتله، إلا بتحريضِ حسّان بن ثابت وقوله:
يا ليتَ شِعري وليْتَ الطيرَ تُخبرُني ... ما كان بينَ عليٍّ وابنِ عفّانا
لتسمَعَنّ وشيكاً في ديارِهمُ ... اللهُ أكبرُ يا ثاراتِ عُثمانا
وقيل: كان سبب خروج ابن الأشعث على عبد الملك بن مروان قول الشاعر:
أفي الله أمّا بحْدَلٌ وابنُ بحدَلٍ ... فيَحْيا وأمّا ابنُ الزُبَيْرِ فيُقتَلُ
فقال لا والله وطلبَ دمَ آلِ الزبير وكان منه ما كان.
ومن طريف ما وقفتُ عليه من تأثير الشعر ما حدّثني به بعضُ المشايخ، يرفَعُه الى يَعْلى بن محمد الأعرج، قال الراوي عنه: حدّثنا إملاءً من حفظِه في يوم الأربعاء رابع عشر من ذي القعدة من سنة أربعين وخمسمائة، قال: لمّا خرجَ الوليد بن طريفٍ الشاري الشّيباني وعاثَ في نواحي العراق، أرجفَ أهل بغداد به، وتحدّث الناسُ فأكثروا ولم يكن له كُفؤٌ في ردّ شعبِه وسدِّ خلَلِه إلا ابنُ عمِهِ وهو يزيد بن مَزيد الشّيباني ابن أخي أبيهِ بغير فصلٍ، فاستحضَره وزيرُ الخلافة وأنشدَه على عادةِ العرب يُنخّيهِ، ويستَنْصِرُ به، فكان ما أنشده:
إذا دُعيت فما تُدْعى لهَيّنةٍ ... إلا لمُعضِلَةٍ توفي على العُضَلِ
إنّ الخلافةَ مُرساةٌ الى جبلٍ ... وأنتَ وابنُكَ رُكنا ذلك الجبلِ
إفخَرْ فما لك في شَيبان من مثلٍ ... كذاك ما لبَني شَيْبانَ من مثَلِ
وشرعَ الوزيرُ في كلام يرغِّبُه فيه، ويعِدُه، بما يكون في مطاويه، فقال له يزيد: كُفَّ يا مولانا فقد كفَيْتَ وكُفيتَ، ونهض وقد حرّكه الشرُ وهزّه طربً يجرّ أذيالَه، وبرزَ في جماعته لوقته الى قتال الوليد، فلقِيَه ووقع الطِرادُ، وارتفع العَجاج، فنصره الله على الوليد فتقله، بعد ما كان الوليد يكُرّ على الخيل ويردّ هواديها على أعجازِها ويرفع عقيرتَه ويُنادي:
أنا الوليدُ بن طريفِ الشّاري ... قَسْوَرَةٌ لا يُصْطَلى بناري
جَوركُمُ أخرَجَني من داري
ولمّا وقع الى الأرض ركبتْ أختُه ولبسَت دِرْعَها وخرجت مُبارزةً، فنظر إليها يزيد قاتِلُ أخيها وابنُ عمّها فناداها: يا هناةُ ألْقي الرُمحَ من يدكِ وارجعي الى خِبائِكِ، هتَكْتِ الحرائرَ، ليس هذا بمقامٍ للنساء، فركزَتْ رمحها في الأرض وأسندَتْ رأسَها إليه واستعْبَرَتْ، وأنشدت ترثي أخاها:
لئِنْ كان أرداهُ يزيدُ بنُ مَزْيدٍ ... فرُبَّ زَحوفٍ يُبْتَلى بزَحوفِ
أيا شجرَ الخابور مالكَ مورِقاً ... كأنّك لم تحزَنْ على ابنِ طريفِ
فقدْناهُ فِقْدانَ الربيعِ فلَيتَنا ... فديْناه من دَهْمائِنا بألوفِ
(1/59)

فتىً لا يعُدُّ الزّادَ إلا من التُقى ... ولا المالَ إلا من قَنا وسيوفِ
ولا الخيلَ إلا كلَّ جرداءَ شَطْبةٍ ... وكلَّ حِصانٍ باليدينِ عَسوفِ
ثم رجعَتْ الى خِبائها تنوحُ وتندبُ أخاها مع نسائِها.
وأقول: لله دَرُّ ثلاثة أبيات حملَتِ الرجلَ على قتلِ ابن عمه، وقطع رحمِه، ولو كان الكلامُ الذي في الشعرِ منثوراً لما هزّه، ولا حملَ من أجلِه بزَّهُ، ولا قتلَ ابنَ عمِه ولا ابتزّه، والله يعفو عن المذنبين.
وقال يحيى بنُ خالد: سألني رجلٌ من بني أمية أنْ أوصلَهُ الى الرشيد، فقلتُ له: إنّ أميرض المؤمنين منحرِفٌ عن كل منتسِبٍ الى أميّة، وحنَقُه عليهم وسوءُ اعتقادِه فيهم مشهور، فإنْ كانت لك حاجةٌ غيرُ هذه فأنا أقضيها لك، فأبى إلا إيصالَه إليه. فعرّفتُ الرشيدَ ما كان من التماسه وجوابي له، فأمر بإحضاره، فلمْ أرْتَبْ أن يُمْسي مقْتولاً، فلما مثُل بين يديه أنشده:
يا أمينَ اللهِ إني قائِلٌ ... قولَ ذي عقْلٍ ودينٍ وأدَبْ
لكُمُ الفضلُ عليْنا ولنا ... بكُمُ الفضلُ علي كلِّ العرَبْ
عبدُ شمسٍ كان يتلو هاشِمً ... وهم بعْدُ لأمٍ ولأبْ
فصِلوا الأرحامَ منّا إنّما ... عبدُ شمسٍ عمُّ عبدِ المطّلِبْ
فقال له الرشيد: صدَقْتَ، متأثراً بقوله، وقد عمِلَ الشعرُ في نفسه، وأمرَ له بأربعين ألف درهَم. قال يحيى: ولولا الأبياتُ لأمرَ بأخذ رأسه.
وحكى مروان بن أبي حَفْصة قال: خرجتُ أريدُ معنَ بنَ زائدة، فضمّني الطريقُ وأعرابياً فقلت له: أين تريد؟ قال: هذا الملك الشَيباني، قلت: فما أهدَيْتَ إليه؟ قال: بيتين، قلت: فقط! قال: إني قد جمَعْتُ فيهما ما يسرُّه، فقلت: هاتهما، فأنشدني:
معْنُ بنُ زائدةَ الذي زيدَتْ به ... شرَفاً على شرَفٍ بنو شَيْبانِ
إنْ عُدّ أيامُ الفَعالِ فإنّما ... يوْماهُ يومُ ندىً ويومُ طِعانِ
قال: ولي قصيدةٌ قد حُكْتُها بهذا الوزن، فقلتُ: يا هذا، تأتي رجلاً قد كثُرَتْ غاشيتُه وكثُرَ الشُعراءُ ببابِه، فمتى تصِلُ إليه؟ قال: فقُلْ، قلت: تأخذُ مني بعضَ ما أمّلت بهذين البيتين وتنصرفُ الى رحلِك، قال: فكم تبذل؟ قلت: خمسينَ دِرهَماً، قال ما كنتُ فاعِلاً ولا بالضِّعْفِ، قال: فلم أزَلْ أرْفُقُ بهِ حتى بذلتُ له مائةً وعشرين دِرهماً فأخذَها وانصرف. فقلت: إني أصْدُقُكَ، قال: والصّدقُ بك أحسنُ، قلتُ إني حكتُ قافيةً توازنُ هذا الشعر وإني أريد أن أضمّ هذين البيتين إليها، قال: سبحان الله، قد علِمُت ولقد خِفْتَ أمراً لا يبلغُكَ أبداً. فأتيتُ معنَ بنَ زائدة وجعلتُ البيتين في وسطِ الشعر وأنشدتُهُ فأصغى نحوي، فوالله ما هو إلا أن بلغْتُ البيتين فسمِعَهما فما تمالكَ أن خرّ عن فُرُشِهِ حتى لصِقَ بالأرض ثم قال: أعِدِ البيتين، فأعدتُهما، فنادى: يا غُلامُ، ائتِني بكيسٍ فيه ألفُ دينار، فما كان إلا لفظُهُ وكيسُه، فقال: صُبَّها على رأسه، ثم قال: هاتِ عشرينَ ثوباً من خاصِّ كُسْوَتي، ودابّتي الكذا وبغلي الكذا، فانصرفتُ بحباءِ الأعرابي لا حِباء معن.
ولمّا مدح أبو تمام الطائيُّ أحمدَ ولدَ المُعتصمِ بكلمتهِ التي أولها:
ما في وقوفِكَ ساعةً من باسِ ... تقضي ذِمامَ الأربُعِ الأدْراسِ
فلما وصل الى قوله:
إقدامُ عَمروِ في سَماحة حاتِمٍ ... في حِلْمِ أحْنَفَ في ذَكاءِ إياسِ
قال له بعضُ الحاضرين، وهو يعقوبُ الكِنديّ: كيفَ تُشبِّهُ ولد أمير المؤمنين بأعرابٍ أجلافٍ وهو أشرفُ منزلةً وأعظمُ محلّةً؟ فانقطع وأطرقَ ثم رفع رأسَهُ وأنشدَ مُرتَجِلاً:
لا تُنكِروا ضَرْبي لهُ مَنْ دونَه ... مثَلاً شَروداً في النّدى والباسِ
فاللهُ قد ضربَ الأقلَّ لنورِه ... مثَلاً من المِشكاةِ والنِّبْراسِ
فاهتز لذلك طرَباً وبُهِتَ له متعجِّباً ووقّعَ له بالموصِل إجازةً.
(1/60)

وقد وهب الموصِلَ شرفُ الدولة مُسلم بن قريش لبعض شعرائه وارتحلَ عنها فقيلَ للشّاعر إنها لا تبقَى عليك فلو بعْتَها لنوّاب الأمير لكنتَ موَفقاً، فابْتاعوها منه بعشرينَ ألفِ دينار. فلما بلغ شرفَ الدولةِ ذلك قال: ائتوني به، فلزِمَ أذنَهُ وقال: قبضتَ المالَ؟ قال: نعم، قال: وأنت راضٍ؟ قال: أجَل والله، فعرَك حينئذ أذنَهُ وقال له: يا ديّوث لقد بعتَ رخيصاً هلاّ لزمتَ يدكَ وطلبتَ مائةَ ألفِ دينار، فما كان لهم غَناءٌ عن دفعِ المالِ إليك.
وهذه الحكاية هكذا رَواها لي والدي رضي الله عنه، ولم يذكرْ لي الشِّعْرَ ولا الشاعر. قال رحمه الله: حدّثني بذلك عمُّ والدتي محمّدُ بنُ عُبَيْدِ الله العلويّ الحُسيني قال: حدَّثني المهذّبُ أبو الحسَن عليّ بنُ مُسْهِرٍ الكاتب بذلك في شُهور سنةِ إحدى وثلاثين وخمسمائة، وكان ابنُ مُسْهِر يمدحُ بني مُسلِم ابن قريش ويخدمُهم، وروى لي أنّ أبا القاسمِ الحسَن بن هانئ المغربيّ الأندلسيّ كان شاعراً لبني مروانَ بالأندلس، فلما سمِعَ المُعزُّ العلَويّ شِعرَه، أنفذَ إليه فأوفدَه عليهِ رغبةً في الأدبِ، ومنافَسةً على شرفِ الرُّتَب، فلما اتّصل بخدمته مدحَه بمدائحَ منها:
الحبُ حيثُ المعْشَرُ الأعداءُ
ومنها:
تقَدّمْ خُطا وتأخّرْ خُطا
ومنها:
أقولُ دُمًى وهيَ الحِسانُ الرّعابيبُ
ومنها:
هلْ كان ضمّخَ بالعبيرِ الريحا
ومنها:
سَرى وجَناحُ الليلِ أسحمُ أفتحُ
ومنها:
ألا طَرَقَتْنا والنّجومُ رُكودُ
ومنها:
أقوى المُحَصَّبُ من هادٍ ومن هيدِ
ومنها:
ألؤلؤٌ دمْعُ هذا الغَيْثِ أم نُقَطُ
ومنها:
قد سارَ بي هذا الرِّكابُ فأوْجَفا
ومنها:
قُمْنَ في مأتمٍ على العُشّاقِ
ومنها:
أريّاكِ أم رَدْعٌ من المِسكِ صائِكُ
ومنها:
قد مرَرْنا على مغانيكِ تلكِ
ومنها:
أتظنُّ راحاً في الشّمالِ شَمولا
ومنها:
يومٌ عريضٌ في الفَخارِ طويلُ
ومنها:
قامَتْ تَميسُ كما تدافَعَ جَدْوَلُ
ومنها:
أصاخَتْ فقالتْ وقعُ أجردَ شَيْظَمِ
ومنها:
سَقَتْني بما مجّتْ شُدوقُ الأراقِمِ
ومنها:
هل من أعِقّةِ عالجٍ يَبْرينُ
فكان كلّما مدحَه بقصيدةٍ أعطاهُ ضَيعةً، فلما خرج مملوكُه جوهَرُ وأخذ مصرَ خرجَ المُعزُّ، فلما جلَسَ للهناء دخل عليه ابنُ هانئ واستأذَنَهُ في الإيراد فأذِن له فأنشدَ قصيدةً يقول منها:
ألا إنّما الأيامُ أيامُكَ التي ... لكَ الشّطْرُ من نَعْمائِها ولنا الشّطْرُ
التفتَ الى وزيره وقال: اكتبوا له بالاسكندرية وسلّموها إليه بمَنْ فيها فهيَ شطْرٌ قد خصصناهُ به. هكذا كانت جوائز الشعراء. وأُعْطِيَ الأحْوَصُ عشرينَ ألف دينار لقوله:
وما كانَ مالي طارِفاً من تِجارةٍ ... وما كان ميراثاً من المالِ مُتلَدا
ولكنْ عَطاءٌ من إمامٍ مُبارَكٍ ... مَلا الأرضَ مَعروفاً وجوداً وسُؤدَدا
وهي أبيات مشهورةٌ وما أظنّ أحداً من مُقصِّري شُعراء الوقت يعجز عن قول مثلِها.
وكان زهير قد بلغ الغايةَ في مدحِ هرِم بنِ سِنان بن حارثة حتى ضربَتِ العربُ المثلَ بهرمٍ في الجودِ لقول زِهير:
إنّ البخيلَ مَلومٌ حيثُ كان ول ... كنّ الجوادَ على عِلاّتِه هَرِمُ
هو الجوادُ الذي يعطيك نائِلَهُ ... عفواً ويُظْلَمُ أحياناً فيَظَّلِمُ
وأجمع أهل العلم بالشّعر أنّ أمْدَح ما قالته العرب قولُ زهير:
قد جعلَ المُبْتَغونَ الخَيْرَ من هَرِمٍ ... والسائِلونَ الى أبوابِه طُرُقا
إن تلْقَ يوماً على عِلاّتِه هَرِماً ... تلْقَ السّماحةَ منه والنّدى خُلُقا
فأفرطَ هرِمٌ في عطائه والبذل له حتى أنّ هرِماً أقسم أنه زُهيراً لا يُسلِّمُ عليه إلا أعطاه المالَ والإبلَ، فترك زُهير السّلام على هرمٍ إبقاءً وحَياءً من إفراطِه في العطاء، كان زهيرٌ يمُرُّ بالنادي فيقول: ألا أنعِموا صباحاً ما خَلا هَرِماً وخيرَكُم تركتُ.
هكذا كان الشعراء يستَحْيون من صلاتِ الممدوحين وإحسانِ المُنعمين كما قال المعرّي:
(1/61)

لو اختَصَرْتُم من الإحسانِ زُرتُكُمُ ... والعذْبُ يُهْجَرُ للإفراطِ في الخَصَرِ
ولما دخلَ أبو الحسَن عليُّ بنُ محمد التِهامي على حسّان بن جرّاح الطائي صاحب الشام أنشده كلمته التي يقول في أوّلها:
هلِ الوجْدُ إلا أن تلوحَ خيامُها ... فيَقْضي بإهداءِ السّلامِ ذِمامُها
فلما بلغَ الى قوله:
ألا إنّ طيّاً للمكارمِ كعبةٌ ... وحسّانُ منها ركنُها ومَقامُها
تقِلُّ لك الأرضونُ مُلْكاً وأهلُها ... عبيداً فهل مُسْتَكثَرٌ لك شامُها
وهبَه مدينة حَماة وأعمالها.
ومن تأثير الشعرِ في الأنفُس الأبيّة أن الظّاهرَ بمصرَ كان قد عزلَ عن وزارته أبا القاسم ابن المغربيّ، وانفصلَ عن البلاد المصرية واتصل ببلاد مَيّافارقين، واستوزر بعدَ المغربي عليَّ بن أحمد الجَرْجَرائيّ، فكان المغربيُّ يواصلُ التِّهاميّ بالصّلات والملاطفاتِ حتى قدِم عليه ومدحَهُ بقصيدةٍ أولُها:
فؤادي الفِداءُ لَها من قُبَبْ ... طَوافٍ على الآلِ مثل الحَبَبْ
ثم قال فيها:
فمَنْ مُبْلِغٌ مِصْرَ قولاً يعُمُّ ... ويختصُّ بالملِك المُعتَصَبْ
لقد كنتَ في تاجِهِ دفرّةً ... فعُوِّضَ مَوضِعَها المُختَلَبْ
فإنْ سُدّ موضِعُه لم يُسَدَّ ... وإن نيبَ عن مثلِها لمْ يُنَبْ
إذا اغتربَ الليثُ عن خِدرِه ... غدا الشاءُ فيه يَلُسُّ العُشُبْ
أتيتكَ مُمْتَدِحاً للوداد ... ولمْ آتِ ممْتَدِحاً للنّشَبْ
فبلغ الجرجرائيّ قولُه فما زال يُعمِل الحيلةَ حتى قدِم التهامي مصرَ فحبسه وطال حبسه. وله أشعارٌ كثيرة قالها في مَحبَسِه متَندِّماً على قدومه معتذراً من بادرة منظومِه، فمن ذلك:
لنَفسِكَ لُمْ لا عُذْرَ قد نفِدَ العُذْرُ ... بِذا حَكَمَ المقدورُ إذ قُضيَ الأمرُ
يقول فيها:
جنَيْتُ على نفسي بسَعْيي إليهِمُ ... وماليَ من أوفى مواثيقِهم عُذْرُ
وماليَ من ذنْبٍ سوى الشّعْرِ إنّني ... لأعلَمُ أنّ الذّنْبَ في نكبتي الشّعْرُ
أسيرٌ لدى قومٍ بغير جنايةٍ ... ألا في سبيل الله ما صنع الأمرُ
وله من أخرى:
أيا مَنْ نَعاهُ لسانُ القَريضِ ... وكالنَّدِّ ينشُرُ منْ عَرْفِهِ
يعِزُّ على الدّهْرِ ما أنتَ فيه ... وإنْ جلَّ ما بك من صَرْفِهِ
وضاعفَ وجْديَ لمّا سُجنْتُ ... مقالةُ مَنْ لَجّ في عُنْفِهِ
يقولُ وبعضُ كلامِ السفي ... هِ يقتُلُ إنْ هوَ لمْ يُخْفِهِ
أهَذا التِهاميّ من مكةٍ ... برِجْلَيْه يسعى الى حتفِه
ألمْ يكفِه أنّ ثوبَ الحيا ... ةِ ضافٍ عليهِ ألمْ يكْفِهِ
أرادَ يَطيرُ مطارَ المُلوكِ ... وظنّ الأسنّةَ من زِفِّهِ
أبالشِّعْرِ ويْلَك تبغي العَلاء ... وأنتَ تُقصِّرُ عن رصْفِهِ
ولم تكُ أهْلاً بأن تستقرَّ ... على مِنبرِ المُلكِ أو طرْفِهِ
لأنّكَ أنْزَرُ من شاعرٍ ... علي خِسّةِ الشِّعرِ في وصْفِه
أرَقتَ دَماً طالما صُنْتَهُ ... وأشعَلْتَ جمْراً ولم تُطْفِهِ
وأشفَيْتَ مُنتظِراً للبَوارِ ... وصدرُك حرّانُ لم تشْفِهِ
إذا نشِفَ العودُ من مائِهِ ... فذلكَ أدْعى الى قصْفِهِ
فلما طالَ حبسُه أشار الجَرْجَرائيُّ الى غُلامِه لبيب أن يقتلَهُ في مَحْبَسِه فدخل إليه لبيبٌ ليلاً فخنَقَه. ولولا الشعرُ لما تأثّر به تأثّراً حمَلَه على قتلِ النفس والخلودِ في نار جهنّم.
(1/62)

ولم يزلْ ابنُ نَصْرٍ صاحبُ حلبَ يراسِلُ ابنَ حَيّوس الدمشْقيَّ ويواصلُه بالصّلات والأعطِياتِ والمُلاطَفات حتى أقدمَهُ إليه وأوفدَه عليه، فلما قاربَ حلبَ خرجَ في موكبِه وتلقّاهُ، وأكرمَه وحيّاهُ، وأنزلَهُ دارَ ضيافَتِه. وبعد أيامٍ جلس في قلعة حلبَ جلوساً عامّاً وأذِنَ لنوّابِه وأمرائِهِ وأصحابِه ووزرائِهِ، فلما استقرّ الناسُ على مراتبِهم استحضرَهُ وأجلسَهُ بين يديهِ فأنشده قصيدته التي يقولُ في أوّلها:
قِفوا في القِلَى حيثُ انتَهَيْتُمْ تذَمُّما ... ولا تقتَفوا مَنْ جارَ لمّا تحكّما
فاستدعى بكيس فيه ألفُ دينار فصبّه عليه فالتقطَه الحاضرون ثم استدعى بكيسٍ آخر فيه ألفُ دينار، وعشرين ثوباً، وخِلعةً سَنيّةً، وفَرَساً بطَوقِ ذهب وسِرْفسارِ ذهَبٍ فأعطاهُ وكتبَ له ضيعةً من أمّهاتِ القُرى بحلب. فهذه كانت جوائز الشعراء.
ولقد اجتهد فخْرُ المُلْكِ أبو غالب بن خلَفٍ الواسطيّ لما دخل بغدادَ أيّامَ وزاراتِه لبهاء الدولة بنِ عَضدِها، على أن يمدَحَه ابنُ نُباتَة السّعدي فلم يفعلْ وقال له: إنّ أحمد بن إسحاقَ - يعني القادر بالله - حظّر عليّ أن أمدَح أحداً سواه. فلما بلغ القادرَ كلامُه وكونُه لم يعبّر عنه بالإمام ولا بأمير المؤمنين، ولا زاد على أن سمّاهُ ونسبَه، احتمل له ذلك مع امتناعه على ما كان عنده من المنافسة والمُحاقَقة في مثلِه. ثم توصّل فخرُ المُلكِ الى القادر وتقرّب إليه بأنواع التقرّب، وسأله أن يأذَن لابن نُباتة في مدحِه فاعتذرَ إليه وأبى عليه وقال: ما كان لشاعر الخلافة أن يمدحَ سواها، فلما اعتاصَ على فخر المُلك مرامُه، وضع ابنَ حاجب النعمان فزوّر على ابن نُباتة وقال: قد رسم لك أميرُ المؤمنين أن تمدحَ الوزير فخْرَ المُلْكِ، فحضَر امتثالاً للأمر، فلما رآه فخرُ المُلك نهضَ له قائماً ورفع مجلسَه وأحسنَ جائزتَه وأعطاه من الثياب والذهب ما لمْ يُعْطَ شاعرٌ مثلُه. فانظرْ الى منافسةِ هذا الوزير في اكتساب الثّناءِ، واحتيالِه على تحصيلِ الحمدِ من الأدباء، وعزَّةِ ذلك عند الأئمة الخُلفاء، رضوانُ الله عليهم. هكذا كانت رغباتُ الرؤساء في الأدباء.
وحدّثني والدي رضي الله عنه قال: حدّثني محمدُ بنُ محمد بن عبيد الله العلويّ الحُسَيْنيّ قال: حدّثني أبو المَفاخِر الأبهريُّ قال: حدّثني أبو يَعْلَى ابن الهَبّارِية الهاشميّ قال: حدّثني أبو سعْد العَلاءُ بنُ الحسن بن موصلايا كاتب حضرةِ الخِلافة قال: كنتُ إذا كتبت عن رئيس الرؤساء كتاباً تحفّظْتُ وتحرّزْت واجتهدتُ، وما أكاد أسلمُ من نقده، ومأخذه وردّه. وقد صِرْتُ إذا كتبتُ كتابا عن ابن جَهير فإني أسترسِلُ فيه ولا أراعي شيئا من ألفاظه ومعانيه، فإذا عرضتُه عليه أخذَه ورزَنَه بيدِه، فإن وجدَه ثقيلاً كبيراً قال: يا بني، باركَ اللهُ فيك، هذا كتابٌ حسَنٌ قد بجّلْتَه فيه وعظّمتَه. وإن استصغَر حجمَه، واستقلّ سطورَه ورقمَه نظر إليّ شزْراً وقال: لعلّك غيرُ راضٍ، أو أنّ هذا لعدم البياض؟ وأنشد ابن الهَبّارية لنفسه:
فقُلْ لوزيرٍ نقْدُهُ لكتابِه ... بأوْراقِه وزْناً وعدِّ سُطورِه
لعلّ زماناً قد شكَوْنا وزيرَهُ ... يُعيدُ علينا اليومَ مثلَ وزيرِه
فانظُرْ كم بينَ فخرِ المُلْكِ وهمّته، وبين ابن جَهير وعاميّته وصَنعتِه.
وكان بشرُ بنُ أبي خازمٍ الأسديّ قد هَجا أوسَ بنَ حارثة المَلك ظلماً، حمَلَه على هجائه بنو بدرٍ الفَزاريّون. ثم إن بِشْراً غَزا طيّئاً في خيلٍ من قومه، فأغار على بني نبهان فجُرح فأُثخِنَ وهو يومئذ يحمي أصحابَه، فأسرَه بنو نبهان وخبّؤوه كراهيةَ أن يبلغَ خبرُه أوساً. وسمعَ أوسٌ أنه عندهم فراسلَهُم في تسليمه إليه فكتموه، فآلى أن يدفعوه إليه، وكانوا يخافون أن يقتُلَه، فلما أبَوْا أعطاهم مائتي بعير، فدفعوهُ الى رُسلهِ، فقال له بعضُهم وهو مشدودٌ على بعير: يا بِشْر غنِّنا، فكأن قد تغنّى الناسُ بما يصنَعُ بك أوس، فبَيْنا هم يتهدّدونَه إذ زجَر الطيرَ والوحشَ فرأى ما يحبّ فقال:
أمَا ترى الطيرَ الى جنب النَّعَمْ ... والعيرَ والعانةَ في وادي سَلَمْ
سَلامةٌ ونِعمةٌ من النِّعَمْ
فأجاب بعضُ الرُسُل:
(1/63)

إنّك يا بِشْرُ لَذو وهمٍ وهمّْ ... في زَجْرِكَ الطّيْرَ على إثْرِ النّدَمْ
أَبْشرْ بوقْعٍ مثلِ شُؤبوبِ الرِّهَمْ ... وقطْعِ كفّيكَ ويُثْنى بالقَدَمْ
وباللسان بعدَها وبالأشَمّْ ... إنّ ابنَ سُعْدى ذو عِقابٍ ونِقَمْ
فلما أتوا به قال له أوسٌ: هجَوْتَني ظالماً، فاختَر بين قطْع لسانِك وحبسِك في سَرَبٍ حتى تموت، وبين قطعِ يديك ورجليْك وتخليةِ سبيلك. ثم دخل على أمِّه سُعْدى وقد سَمِعَتْ كلامه فقالت له: يا بُنيّ لقد مات أبوك فرَجوْتُك لقومِك عامةً، وقد أصبحتُ - والله - لا أرجوك لنفسِك خاصةً، ويحكَ أزَعَمْتَ أنّك قاطِعٌ رَجُلاً شاعِراً؟ ومتى كانت الشعراءُ تُعامَل بغير الإحسان؟ فإنْ كنتَ زعمتَ أنّه هجاك، فمَنْ يمحو إذاً ما قالَه فيك؟ قال: فما أصنَعُ به؟ قالت: تكسوهُ حُلَّتَكَ وتحْمِلُهُ على راحلتِك وتأمُرُ له بمائة ناقة، عساهُ يغسِلُ بمديحِهِ هجاءَهُ. فخرج من عندِها فخلّى سبيلَه وأحسنَ إليه وفعل أضعافَ ما أمرتْهُ به أمّه. فامتدحَه بِشْرٌ فأكثر، ورَحضَ عنه الدَّنَس والوَضَر.
قال الأخفش: مدحَ بِشْرٌ أوساً وأهلَ بيتِه مكان كلِّ قصيدةٍ هجاهم بها قصيدةً، وكان قد هجاهُم بخَمسٍ فمدحَهُم بخمس. فمن ذلك كلمته المختارة:
كَفى بالنّأي من أسماءَ كافِ ... وليسَ لحُبّها إذ طالَ شافِ
فكان الأمرُ كما قالَتْهُ أمّه، إذ مَحا بِشْرٌ بمدحِه ذَمَّه.
وفي هذا الباب من تأثير الشِّعْرِ وزَماجِرِ أسودِ الغِضابِ، ما يكثرُ منه العجبُ العُجاب، وفيما أوردناهُ كفاية لذوي الألباب.
الفصل الرابع
في كشفِ ما مُدِحَ به وذُمّ بسببه
وهل تعاطيهِ أصلح، أم رفضه أوفر وأرجح
أمّا مدْحُ الشّعرِ على لسان النبيّ صلى الله عليه وسلم وألسُنِ الصحابةِ رضوانُ اللهِ تعالى عليهم أجمعين فكثيرٌ غزير، لا يُنْكِرُ ذلك إلا غمْرٌ من الأدبِ فقير. وفي الاقتداء بهِم والاقتفاء لمنهجِهم رشادٌ لا يضِلُّ سالكُه، ومِهادٌ لا يُزَحْزَح مالِكُه، وزَنْدٌ لا يُصلِدُ قادِحُه، وإمدادٌ لا يُنزَفُ ماتِحُه. فمن ذلك قولُه صلى الله عليه وسلم: ( ... منَ الشعرِ لَحِكمة) ، وفي موضع آخر (إنّ من الشعرِ لحِكما) . هذا قولُه، وهو صلى الله عليه وسلم لا ينطبقُ عن الهَوى بعدَ أن قال الله تعالى في شأن داودَ عليه السلام: (وآتَيْناهُ الحِكمةَ وفصْلَ الخِطابِ) . وقال تعالى: (ولوطاً آتَيناهُ حُكْماً وعِلْماً) ، فجعل صلى الله عليه وسلم بعضَ الشِّعر جُزْءاً من الحكمةِ التي خصّ اللهُ تعالى بها أنبياءَه ووصفَ بها أصفياءَه، وامتنّ عليهم بذلك إذ جعلَهم مخصوصينَ بها من قِبَلِه، ومغمورينَ بفخرِها من جهَتِه، وناهيكَ بذلكَ فضيلةً للشعرِ والشعراء، ومَزيّةً عظُمَ بها قدرُ الأدبِ والأدباء. وقال صلى الله عليه وسلم لحسّان بن ثابت: (أنت حسّانُ ولسانُك حُسام) ، وهذا الكلام من بابِ الجِناس المُطْمِع. ولولا الشعرُ لما جعلَ لسانَه حُساماً على المجاز، لمضائِه في القول والرَّهْبَة من قوارصِه، كما يمضي الحُسامُ في الضريبةِ ويُخاف من غُروبِه عند المُصيبة. وقالصلى الله عليه وسلم لحسّان أيضاً: (أجِبْ عني، اللهُمَّ أيّدُهُ بروح القُدُس) . وقالَتْ عائشةُ رضي الله عنها: وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم لحسّان منبراً في المسجد ينافحُ عنه بالشعرِ عليه. ويقول رسولُ الله صلى الله عليه وسلم (إنّ اللهَ تعالى ليؤيد حسّانَ بروحِ القُدُس) وقال له: (أُهْجُهُم) أو قال: (هاجِهِم وجبريلُ معَك) . وحدّثتْ عائشةُ أنها سمِعَتْ رسول الله عليه الصلاةُ والسلامُ يقولُ لحسان: (إنّ روحَ القُدُسِ لا يزالُ يؤيّدُك ما نافَحْتَ عن الله تعالى وعن رسولهِ عليه السلام) .
وروى ابنُ أبي بُرَيْدَة فيما أسنَدَه قال: أعان جبريل عليه السلام حسّانَ بنَ ثابت في مديحهِ لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم بسبعينَ بيْتاً، وفيهَ نظَرٌ. وفي غيرِ خبرٍ أنّه صلى الله عليه وسلم قال لحسّان: (هيِّج الغطاريفَ على بني عبد مُناف، واللهِ لَشِعرُكَ أشدّ عليهم من وقْعِ السِّهام في غلَسِ الظّلام) .
(1/64)

ورُويَ أن قُرَيشاً لما هجَتِ الأنصارَ أتَوْا رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم واستأذنوهُ في هِجائِهِمْ فأذِن لهم، فأتَوْا كعبَ بنَ مالكٍ وكان وصّافاً للحَربِ، فعمِلَ شِعراً فقال لهُم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: (ما صنَعَ شيئاً) . فأتوا عبدَ الله بنَ رَواحة وكان وصّافاً للجنّة، فقال شعراً، وأتَوْا به النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: (ما صنَعَ شيئاً) ، فأتَوْا حسّانَ بنَ ثابت فقال: ما كنتُ لأفعلَ حتى يأمرَني رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، وكان حسّان أعرفَ الناسِ بهجاءِ قُرَيشٍ في الجاهلية، فقال له رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: يا حسّانُ إنّ أبا سُفيان قد هَجاني وقرابَتُه مني ما قد عرَفْتَ، فكيفَ تصنعُ؟ فقال: يا رسولَ الله لأسُلّنَّكَ منهُ كما تُسَلُّ الشّعْرَةُ منَ العجينِ، فقال له: هلْ عندَكَ من شِعرٍ يا حسّان؟ فأخرجَ لسانَه فإذا هو مثلُ ذنبِ الحيّة. فقال لهُ: اذْهَبْ فإنّ جبريلَ معكَ. فكان ممّا هجا حسّان به أبا سُفيان قولُه:
وأنتَ منوطٌ نِيطَ في آلِ هاشمٍ ... كما نِيطَ خلفَ الرّاكبِ القَدَحُ الفرْدُ
وقال صلى الله عليه وسلم: (أمرتُ عبدَ الله بن رَواحة فقالَ وأحسنَ، وأمرتُ كعبَ بنَ مالك، فقال وأحسنَ، وأمرتُ حسّانَ بنَ ثابت فشَفَى واشْتَفى) . وقال عبدُ الله بنِ عبّاس: تعلّموا الشِّعرَ فإنّه أولُ عِلْم العربِ وهو ديوانُ الأدب، وعليكم بشعرِ أهلِ الحجاز، فإنّه شِعرُ الجاهليّة وقد عُفيَ عنهُ. وقال عمرُ بنُ الخطابِ رضي اللهُ عنه: تحفّظوا الأشعارَ وطالِعوا الأخبار، فإنّ الشِّعرَ يدعو الى مكارم الأخلاقِ ويعلِّمُ محاسِنَ الأعمالِ، ويبعثُ على جميلِ الأفعالِ، ويفتُقُ الفِطْنةَ، ويشحَذُ القريحةُ، ويحدو على ابتناءِ المناقبِ وادّخار المكارمِ، وينهى عن الأخلاقِ الدنيئةِ، ويزجُرُ عن مُواقَعَةِ الريَبِ، ويحضُّ على معاني الرُتَبِ. وقال أبو بكرٍ الصديق رضي الله عنه: علِموا أولادَكم الشعرَ فإنّهُ يعلّمُهم مكارمَ الأخلاقِ. وأوْصَى الرشيدُ الكسائيَّ بالأمينِ والمأمون، فكانَ من جملةِ وصيتِه: ورَوِّهِما من الشِّعرِ فإنّهُ أوفى أدبٍ يحُضُّ على معالي الرُتَب. وقالَ معاوية: علّموا أولادَكم الشِّعرَ فإنّي أدركتُ الخِلافةَ ونلتُ الرئاسةَ ووصلتُ الى هذه المنزلةِ بأبياتِ ابنِ الإطنابةِ، فإنني يومَ الهرير كُلّما عزمتُ على الفِرارِ أنشدتُ قولَه:
أبَتْ لي عِفّتي وأبى بَلائي ... وأخْذي الحمدَ بالثَّمنِ الرّبيحِ
وقولي كُلّما جشَأَتْ وجاشَتْ ... مكانَكِ تُحْمَدي أو تَسْتَريحي
فأثبتُ وأقول: مكانكِ تُحمَي أو تستَريحي.
ولمّا قدِمَ الحجاجُ بنُ يوسفَ العراقَ جَفا الشُعَراءَ جفاءً اتصلَ خبرُهُ بعبدِ الملكِ بنِ مروان فكتب إليه: بسمِ اللهِ الرّحمن الرّحيم، من عبدِ اللهِ عبدِ المَلك الى الحجّاج بنِ يوسف، أمّا بعدُ: فقد بلغَني عنك أمرٌ كذّبَ فَراستي فيك، وأخلفَ ظنّي عندَك، وهو إعراضُكَ عن الشِّعْرِ والشُعراء؛ فإنّكَ لا تعرِفُ فضيلةَ الشِّعْرِ ولا تعْلَمُ مواضِعَ كلامِ الشُعراءِ ومواقِعَ سهامِهِم، أوَ ما علِمتَ يا أخا ثقيف أنّ بالشعرِ بقاءَ الذِكْرِ ونماءَ الفخْرِ، وأنّ الشعراءَ طُرُزُ المملكةِ، وحُليّ الدولة، وعناوينُ النِّعمةِ، وتمائِمُ المَجْدِ، ودلائِلُ الكرمِ، وأنهم يحُضّونَ على الأفعالِ الجميلةِ، وينهوْنَ عن الخلائِقِ الذميمةِ، وأنهم سَنّوا سبيلَ المكارِمِ لطُلاّبِها ودلّوا بُغاةَ المحامِد على أبوابِها، وأنّ الإحسانَ إليهم كرَمٌ، والإعراضَ عنهم لُؤمٌ وندَمٌ، فاسْتَدْرِكْ فارِطَ تفريطِكَ، وامْحُ بصوابِك وحْيَ أغاليطِك.
(1/65)

ومن فضيلة الشِّعرِ أنّ العُلَماءَ بالأدبِ لا يستطيعونَ نظْمَ البيتِ الفَذِّ منه، مع عدَمِ الطبيعةِ في نظمِهِ والمِنْحَةِ من اللهِ تَعالى في تأليفِه لقولِه تعالى: (وما علّمناهُ الشّعرَ وما ينْبغي له) ، فعَزى تعليمَهُ إليهُ سُبحانَه وجعلَه من جُملةِ هِباتِه للمخلوقِ وزينتِه التي يكسوها من يشاءُ، كما قال تعالى: (يَزيدُ في الخَلْقِ ما يشاءُ) . ولولا أن تكون هذه المَزيّةُ، والفضيلةُ السَّنِيَّةُ، مَوْهِبةً من اللهِ تعالى لما تعسَّرَتْ على العُلماءِ مع معرفَتِهم بأدواتِها وقبضِهم على أزِمّةِ آلاتِها، وتسهّلَتْ على الخِلْوِ من الأدبِ، والنِّضْوِ في مسارح ذلكَ الصَّبَبِ حتى يقولَ ما لا يعرفُ تعليلَهُ، وينظمَ ما يجهلُ فروعَهُ وأصولَهُ.
ومن فضيلةِ الشعرِ أنّ الكلامَ المنثورَ، وإنْ راقَتْ ديباجتُهُ ورَقّتْ بهجَتُهُ، وحسُنَتْ ألفاظُهُ، وعَذُبَتْ مناهلُهُ، إذا أنشدَه الحادي، وأوردَه الشادي، ومدّ به صوتَهُ المطرِبُ، ورفَعَ به عقيرتَهُ المنشدُ، لا يُحرّكُ رزيناً، ولا يُسلي حزيناً، ولا يُظهِرُ من القلوبِ كميناً، ولا يخَوِّنُ من الدّمْعِ أميناً. فإذا حُوِّلَ بعينِهِ نظماً، ووُسِمَ بالوزنِ وَسْماً، ولَجَ الأسماعَ بغيرِ امتناع، ومَلَكَ القلوبَ كما تُملَكُ الإماء في الحروب، وقبضَ على الجوارحِ قبْضَ الجبائِرِ على الجرائِحِ، فكمْ من نَفْسٍ استعادَتْ بهِ نفسَها، وكمْ من مُهْجَةٍ ذهبَ بها واختلَسها، وكم من كريمٍ أحياهُ ومن لئيمٍ أرداه، وكم من فقيرٍ أغناهُ، وكم من غنيٍّ أخلاه، فضيلةٌ لم تكنْ إلا لهُ أبداً. والشِّعرُ معدِنُ تفضيلٍ وإعجازٍ يُشَجِّعُ الجبانَ الوَكِل، فلا فرار عندَهُ ولا نَكَل. ويسمَحُ البخيلُ وإنْ برِمَ، ويسْتَصبي الشّيْخَ وإنْ هرِم. فمُعْجزاتُه باديةٌ، وآياتُه رائحةٌ غاديةٌ.
وأما من ذهبَ الى ذَمِّه وتنَقُّصِه لسوءِ فهمِه، فإنّما هو مُتَمسِّكٌ بشُبَهٍ لم يعْرِفْ تأويلَها، مُسْتَنِدٌ الى حُجَجٍ لم يعلمْ تعليلَها، خابِطٌ في عشواءَ مُظلِمَةٍ، مُتورِّطٌ في خوْضِ وعْثاءَ مُؤلمة.
والذي تمسّكَ به الذامُّ قولُه عليه السّلام: (لأنْ يمتلئَ جوفُ أحدِكم قَيْحاً حتى يَرِيَهُ خيرٌ لهُ من أنْ يمتلئَ شِعْراً) . القَيْحُ: المِدّة لا يُخالطُها دَمٌ، ويَرِيَه: من الوَرْي والاسم الوَرى بالتحريكِ، ومنهُ الدُّعاء: سلّطَ اللهُ تعالى عليهِ الوَرى وحُمّى خَيْبَرى. يُقالُ ورَى القَيْحُ جوفَهُ يَرِيَهُ وَرْياً إذا أكلَهُ.
قال عبدُ بن الحَسْحاس:
وراهُنَّ رَبّي مثْلَ ما قدْ ورَيْنَني ... وأحْمى على أكبادِهِنّ المكاوِيا
وهذا حديثٌ يشهدُ لنفسِه بأنهُ صلى الله عليه وسلم قصدَ به زماناً مُعَيَّناً، وخصّ به قوماً مُعَيّنينَ، ولم يُجِزْه على الإطلاق؛ دليلُ ذلك ما مدحَ الشّعرَ به وأعظمَهُ بسببه، وكونُه عليه السلام سمِعَ الشِّعْرَ في الرّجزِ والقصيد، واستَنْشدَهُ وتمثّلَ به مكسورَ الوزنِ، وفي رِواية: صحيحَ الوزنِ، وأمرَ شراءَه بهجاء مَنْ هجاهُ، وحثّ عليه ودعا إليه. ولهُ شعراءٌ معروفونَ من الأنصار وغيرهِم، ولم يبْقَ أحدٌ من صحابتهِ إلا وقال الشِّعْرَ قليلاً أو كثيراً، وأنشدَ واسْتنشدَ وتمثّل به واحتجّ، وكاتَبَ وراسلَ. وإذا ثبَتَ أنه لقومٍ مخصوصين، وبطَلَ أنه للعمومِ والإطلاقِ، كانَ في تأوُّلهِ ضرْبٌ من التّكَلُّفِ.
ولا بأسَ بذكرِ شيءٍ مما قد تأوّلهُ بهِ العلماءُ. فمن ذلك ما رواهُ الكلبيُّ عن أبي صالحٍ عن أبي هريرة عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: (لأن يمتلئَ جوفُ أحدِكم قيْحاً حتى يَرِيَهُ خيرٌ له من أن يمتلئَ شِعراً هُجيتُ به) ، وفي حديث عائشةَ رضيَ الله تعالى عنها من مهاجاةِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم.
قُلنا: هذا حديثٌ لا يَصِحُّ من وجوهٍ: منها: أنّ الكلبيّ قد طعَنَ عليهِ أصحابُ الحديثِ، وقولُه غيرُ موثوقٍ به عندَهم.
ومنها أنّ حِفْظَ البيت الواحد مما هُجِيَ النّبيُّ صلى الله عليه وسلم به، يَري قَيْحُهُ ولا يَتوارى قُبْحُه فضلاً أن يمتلئَ الجوفُ به.
(1/66)

ومنها أنّهُ لو أراد بهِ هِجاءَ نفسِه الشريفةِ لصرّحَ بكُفْرِ المُتَلفِّظ به فضلاً عن المتحفِّظِ له المالئِ بطنَه به؛ إذ لا خِلافَ بينَ المسلمين أنّ مَنْ سَبّ رسولَ الله فقد كفَر، والسبُّ جزء من الهَجْو. وإذا بطَلَ ذلك كان المرادُ به ذمَّ من جعلَ دأبَهُ تحفُّظَ الأشعارِ الرقيقةِ، والأهاجي الدقيقةِ حتى شغلَهُ ذلك عن معرفة ما يجبُ عليه من أمر دينه وإصلاحِ دنياه.
وقيل: إنّما عنَى شُعراءَ أعداء اللهِ وأعداءِ رسولِه الذين هجَوْا وثلّموا أعراضَ أصحابِه، ورَثَوْا قتلَى المُشركين ببَدْرٍ وغيرِه، وأبّنوهُم وذَكروا فضلَهم. ولما كان حفظُ ذلك من الأوضارِ الدنيئة، قابلَهُ صلى الله عليه وسلم بالقَيْحِ الذي تعافُه النفسُ وتنفرُ منهُ الطبيعةُ مُبالغةً في قَذارتِه.
وقال أحمدُ بنُ حنبل رحِمَه اللهُ تعالى: إنّما يُكْرَه من الشِّعرِ الهجاءُ والرقيقُ الذي يُتَشبَّبُ فيهبالنساء فتَهيجُ له قلوبُ الفتيان. فأما سوى ذلك فما أنفَعهُ.
وقال النضْرُ: كيفَ تمتلئُ أجوافُنا - يعني بالشِّعرِ - وفيها القرآنُ والفِقْهُ والحديثُ وغيرُ ذلك. وإنما كان هذا في الجاهلية، فأما اليومَ فلا، وتمسَّكَ الذامُّ للشِّعرِ والشُعراء بقوله تعالى: (والشعراءُ يتّبِعُهم الغاوُونَ، ألَمْ ترَ أنّهم في كلِّ وادٍ يَهيمون وأنهم يقولون ما لا يَفعلونَ) . والجوابُ عن ذلك أنّ المتمسِّكَ بذلكَ المُحْتَجّ به لا عِلْمَ له بمعاني القرآن المجيد، فإن هذه الآية مختصةٌ بشعراء الجاهلية.
ورُوي عن عِكرمة أنه قال: معنى هذه الآية أنّ شاعرَيْن تَهاجَيا بالجاهلية، فكان مع كلّ واحدٍ منهما فريقٌ من الناس يتّبعُهُ، ويحفظُ عنه ما يختَرِعهُ.
ورُوي عن الحسنِ في قوله تعالى: (ألمْ تَرَ أنهم في كلّ وادٍ يهيمون) أنه قال: قد رأينا أودِيَتَهم التي كان يهيمونَ فيها مرّةً في مديحٍ ومرّةً في هجاء.
ورُويَ عن ابن مجاهدٍ أنه قال: إنّما يَهيمونَ في كلّ فنٍّ يَفْتَنّونَ فيه من فنونِ الشعرِ.
وقيل في قوله تعالى: (وأنّهم يقولونَ ما لا يَفعلون) ، أي يدّعونَ على أنفسهم أنهم قتَلوا وما قتَلوا، وزَنَوْا وما فعلوا، وما شابَه ذلك ... وأقوالُ المفسّرينَ في ذلك كثيرةٌ شهيرة، ولا نزاعَ في اختصاصِ الآية بشعراء الجاهلية حتى نُبسِّطَ القولَ في ذلك. ثم مِنْ جهْلِ المحتجّ على الشُعراء بهذهِ الآية كونهُ لم يعلمْ بمَنْ استُثْني فيها، وتَلا أوَّلها ونسِيَ آخرَها وهو قولُه تعالى: (إلا الذين آمنوا وعمِلوا الصالحاتِ وذكَروا اللهَ كثيراً وانتصَروا من بعدِ ما ظُلِموا) . الذين آمنوا هُمُ المُخضرمونَ كانوا جاهليةً وأدركَهُم الإسلامُ فحسُنَ إيمانُهم، ثمّ وصفَهم تعالى بعمَلِ الصالحات لما أجابوا مُنادي الرسولِ واتّبَعوا سُنّتَهُ القويمةَ ووقفوا عندَ أوامرهِ ونواهيهِ، وأثنى عليهم بكثرة ذكرِهم لله تعالى، وذَكَر حُلومَهُم الرزينةَ بقوله: (وانتصَروا من بعدِ ما ظُلِموا) . فإنّهم لما هجَتْهُمْ قُريشٌ وهيّجَتْهُم، وبدأتْهُم بالأذى وأحفظَتْهم، استأذنوا الرسول صلى الله عليه وسلم، فأذِن لهم في الانتصارِ منهم، فكيفَ تركَ ذكْرَ هؤلاءِ وما قد وصفَهُم اللهُ تعالى به، واحتجّ بذكرِ شعراء الجاهلية، لوْلا العدولُ عن الحقّ والحَيرَة في تلكَ الطُرق.
(1/67)

وتمسّك الذّامُّ للشِّعر والشُعراء بقول مَنْ قال: الشعرُ أخبثُ طُعمة تؤْكَل، وأفحشُ صِناعةٍ تفعمَل، وأرجسُ قِدْحٍ يُلْمَس، وأبخسُ ثوبٍ يُلبَس، لأن قولَ شاعرِه زُورٌ وثناءهُ غُرورٌ، ولفظهُ فُجور، وهو مُستثْقَلٌ مهجور، إنْ بعُدَ خِيفَ شَذاهُ، وإن قرُبَ لم يُومَنْ أذاه، وإنما غايةُ الشاعر إذا اسحنفرَ في مَيدانِه، وأطلقَ عِنانَ لسانِه، وتبوّعَ في القولِ بجُهدِه، وتدرّع في الوصفِ بجدِّه، واحتفلَ لبلوغِ شأوهِ عندَ من يجتديهِ، وترامَى الى أقصى بُغْيَتِه عندَ من يعتريه ويعتفيه، أن يُفرِّقَ في وصفِ جمَلٍ ويُطنِبَ في مساءلة طَلَل، ويبكي على رسْمٍ داثرٍ، ويقِفَ ويستوقفَ على رُمادٍ ثائر، ويرحِّل النوقَ والجمالَ، ويصفَ قطْعَ المفاوزِ وتعسُّفَ الرمالِ، ويذكرَ ورودَ المياهِ الأواجنِ، ومصاحبةَ الغِلانِ والسَّعالى في تلك المخارمِ. وأيُّ عقْلٍ أقلُّ، ورأيٍ أجوَرُ وأضلُّ، من عقلِ رجُل انتصبَ لسماعِ ذلك، ورأي شاعرٍ أتعبَ نفسَه وكدّ حِسّهُ في وصفِ بقَرٍ وسؤالِ حجرٍ.
ثم إنّ الشاعرَ إذا نظمَ قِطعةً، واختطفَ معنىً، استصغرَ من الشعراء الصّدْرَ الأوّل، واستحقرَ من العلماءِ الخليل والمفَضَّل، وليس عنده سوى لُمَع قد أخذها من بطون الكُتبِ وصحّفها من مُتونِ الصُّحُف، ولم يتدرّجْ الى معرفة أدبٍ بطولِ صُحْبَة ولا بقديمِ رياضةٍ، وإذا لم تَطُلِ الصُحبةُ لم تُعرَفِ المظَنّةُ، وللعِلمِ سرٌّ، مَنْ قصّر عن مكانِه لم يُعَدَّ من إخوانِه.
وكم من شاعرٍ قد ابتُلي به مَنْ أنعمَ عليه وأحسنَ إليه، فقابلَ الإحسانَ بالإساءةِ، والإنعامَ بالانتقام، وحُسْنِ الصنيع بقُبحِ التضييع، حتى أذاقَه بعدَ حلاوةِ مدائحهِ ومرارةَ هجائه، وجرّعهُ غُصَص ثَلبه ومضضَ ذمّه، ناقِضاً لما أبرَم، هادِماً لما شيّدَ، ومكذِّباً نفسه فيما قدّم، لا تصْرِفُه عنهُ أنَفَةٌ، ولا يرْدَعُهُ حياءٌ، ولا يقذُعُه دينٌ، ولا يزَعُهُ تُقَى.
وكم من كريمِ الطرفينِ، عالي الجدَّيْن، صريح النسب، صحيحِ الحسَب، عظيم الرُتَب، شريفِ الأم والأب، قد قذَفَه بهَجْو، زَنيمٌ في نسبهِ، لئيمٌ في ادّعاءِ أبٍ غيرِ أبيه، وضيعٌ قدْرُه، حقيرٌ أمرُه.
وكم من حُرّةٍ كريمةٍ وعفيفةٍ مأمونةٍ، ومخَدَّرةٍ مصونةٍ، قد هتَك الهجوُ خِدرَها، وكشفَ عنها سِتْرَها، فشمِلَها العارُ، وحلّ بها الشَّنار؛ فهي لا تطيقُ لذلك دِفاعاً ولا تجدُ منه امتناعاً. وأيّ مصيبةٍ أعظمُ ورزِيّةٍ آلمُ من شاعرٍ رمَى حُرمةَ مُحسنٍ إليه بقَذْعِه، ووسمَ جهةَ مُنعمٍ عليه بقذفِه، فلزمَهُ عارُ هجائهِ لزومَ طوْقِ الحمامةِ، الى يومِ القيامة، وإنما يُكرَمُ الشاعرُ مخافةً من شرِّه، وحَذَراً من بذيء لسانِه وقلِّ دينِه وعدمِ مُروءَتِه. وقد قال عليه السلام: (إنّ شرّ الناسِ من أُكرِمَ مخافةً من شرِّه) .
ومتى أنشدَكَ شاعرٌ هِجاءً قد مزّق به عِرْضَ مُسلمٍ أو عَرَضَ عليكَ سبّاً قد قذَفَ به حُرمةَ بريءٍ مُستسْلِمٍ، فإنما قصدَ بذلك أن يُريَك حُمّتَه، ويذيقَكَ سِمامَهُ، ويعرِّفَكَ كيف يفوِّقُ سِهامَهُ، ويخوِّفَك ميسَمَهُ، ويحذِّرَكَ مِكواتَهُ.
فكم من كريمٍ جعلَهُ الشعرُ بخيلاً، وصريحٍ في قومهِ تركَه دخيلاً، وشُجاعٍ صيرهُ جباناً، وأمين غادرَه خَوّاناً. ألا ترى الى أبي نواسٍ وإحسنِ بني برْمَكٍ إليه، وإقبالِه بالمدائِحِ عليهم، وإقبالِهم بالصِّاتِ عليه؛ فمن جملةِ قوله فيهم:
سَلامٌ على الدُنيا إذا لم يكُنْ بها ... بَنو برْمَكٍ من رائِحينَ وغادِ
وقد عرفَ الناسُ كافةً اشتهارَ بني برمَكٍ بالجودِ واختصاصَهم ببذلِ الموجودِ، فلم يستحي أبو نواس من إحسانِهم إليهِ وتكذيبِ الناس له حتى وسمَهُمْ بالبُخلِ، ودعاهُم بالشح، خارقاً للإجماعِ فيهم، وجاحداً لاصطناعِهم له، حتى قال من جُملة هجائِه فيهم:
بني برْمَكٍ باللّؤْمِ والبُخْلِ أنتُمُ ... حقيقونَ لكِنْ قد يُقالُ مُحالُ
وقد يهجو جعفراً:
ولو جاءَ غيرُ البُخْلِ من عندِ جَعْفَرٍ ... لما أنزلوهُ منه إلاّ على حُمْقِ
أرى جعفراً يزدادُ لؤماً ودقّةً ... إذا زادَهُ الرحمنُ في سَعَةِ الرِّزْقِ
وكذلك صنع أبو نواس مع الخَصيب فإنّه بعد قوله فيه:
(1/68)

إذا لم تزُرْ أرضَ الخصيبِ رِكابُنا ... فأيُّ فتىً بعدَ الخصيبِ تزورُ
يقول:
خُبْزُ الخصيبِ مُعلَّقٌ بالكَوْكَبِ ... يُحْمى بكلِّ مثقّفٍ ومشَطَّبِ
وهذا أبو الطّيِّبِ وفدَ على كافورٍ الإخشيديّ مُستَميحاً، وقدِمَ عليه يوسِعُه ثناءً ومديحاً، فمِنْ جُملةِ قوله فيه:
قواصِدَ كافورٍ تَوارِكَ غيرِه ... ومَنْ قصَدَ البحْرَ استقلّ السواقِيا
فلما واصلَهُ كافورٌ بصلاتِهِ وأسرفَ في بذْلِ أموالِه لهُ وأعطياتِهِ، كرّ راجعاً عليه بذَمِّه، نافثاً في فَمِ عِرضِهِ قواتِلَ سمِّه. وقد قال عليه السلام: (حرامٌ على النفسِ الخَبيثَةِ أنْ تخرجَ من دارِ الدُنيا حتى تُسيءَ الى مَنْ أحسنَ إليها) . ولما سُئِلَ أبو الطيبِ عن موجِبِ ذمِّه كافوراً زعمَ أنه منعَهُ من قصدِ المُلوكِ، وإراقةِ ماءِ محيّاه لدى الغني والصُّعلوك، وضمِنَ له على نفسهِ العوَضَ عمّا خيّلتْهُ المطامعُ في ذلكَ الغرَض. ولم يقدرْ على الاحتجاجِ بتقصيرٍ صدرَ من كافور، فهل هذا ذنبٌ استحقّ بهِ أن يقولَ بعدَ ذلك المدح فيه:
من علّمَ الأسودَ المَخْصيَّ مَكرُمَةً ... أقَوْمُهُ البيضُ أمْ آباؤهُ الصِّيدُ
ولو عدَدْنا مَنْ فعلَ ذلك من الشُعراء، ومن قابَلَ منهم الإحسانَ بالذّمِّ والهجاءِ، لصنَّفْنا في ذلك كُتُباً، وأوردْنا منه طريفاً عجَباً.
هذا زُبدَةُ من مَخَّضَ وِطابَهُ في ذمِّ الشعرِ والشُعراء، ونبذِه ونبْذِهمْ من الجَفوةِ بالعَرا والعراء. وسنذكُرُ الجوابَ عن ذلك مختصراً إن شاءَ اللهُ تعالى.
الجوابُ وبالله التوفيق: اعْلَمْ أيّها الذامُّ، أصلحكَ اللهُ تعالى، أنّ الحقّ غيرُ ما توخّيْتَ، والصِّدقَ غيرُ ما آخيْتَ، ومَنْ نازَعَ في أمرٍ ولم ينافِرْ الى حاكمٍ غيرِ نفسِه، لم يظْفَرْ بمحجّةٍ حُجَجِه وكشْفِ لَبْسِه، ومن سوّلَ لهُ الشيطانُ في خلواتِه أمْراً فرضيَ بهِ، وأطْباهُ هواهُ لغرَضٍ فقادَه الجهلُ إليه، لم يزَلْ في مضَلّةٍ عن الحقِّ وحَيْرةٍ مظلمةٍ في تلك الطُرُق؛ والعُجْبُ بالرأي آفةُ العقلِ، والقلوبُ مع الأهواءِ سريعةُ التقلُّبِ؛ سيّما إذا لم يكنْ لَها قائدٌ من الإنصافِ بصير، ولا معينٌ من الإرشادِ نصير. ولم يكُنْ لأوَدِها مثقِّفٌ ولا مُقوِّمٌ، ولا في مُجْهِلها هادٍ ولا معلِّم، ومن رضيَ شيئاً شَنِئَ ضدّهُ، واحتجّ لباطلِه جُهْدَه، وتسخّطَ ما خالَفَه، وأنكرَ منه ما عرَفَه، وكان لِما انهدَم منه مُشيِّداً، ولما شرَدَ من محاسنِهِ مقيّداً، وعمّا عرضَ عن مساوئِهِ حَيوداً مُعْرِضاً.
وليسَ من العدلِ ما أنتَ عليهِ، ولا من الإنصافِ ما ذهبتَ إليه، والعِلمُ غير ما توهّمتَ، والأدبُ ليسَ كما زعمتَ. وإنّما العِلمُ مَنيعُ الحِمى، صعْبُ المُرتَقى، لا يُنالُ بالمُنى، ولا يُدرَك بالهُوَيْنا، ولن يَحْظى به إلا مَنْ أحبّهُ لنفسِه ونفاستِه، وطلبَهُ لذاتِه ولَذاذتِه، وتعشُّقَه لعَيْنِه ومزيّتِه، وكانَ مُؤْنِسَهُ في الوحشَةِ، وثانيه عندَ الوَحْدةِ، يتكثّرُ به لدى القِلّةِ، ويعتزُّ بهِ في حالِ الذِلّةِ. ولن يُعطيكَ بعضَهُ حتى تُعطِيَهُ جملتَك، ولا يُصحِبُ إليكَ حتى تُلقيَ نفسكَ عليه، وربّما كان مع ذلك عزيزاً عليك مرامُه، بعيداً من يَدِكَ منالُه. ألا تراهُ لمّا دخلَ فيه مَنْ ليسَ هو منه، واقتنعَ باسمِه دونَ عَيْنِه وجسمِه، كيفَ ذهبَ بهاؤه، وغاضَ رونقُه، واستحالَتْ نضارتُه، وتعطّلَتْ سُنَنُه وطُمِسَ سَنَنُه، واستُخِفَّ بقدرِهِ واستُهينَ بأمرِه، ونُبِذَتْ رسومُه، وأقْوَتْ رُبوعُه، ونُقِضَتْ شروطُه، واستُحْدِثَتْ فيه البِدَعُ، وظهرتْ فيه الشُنَعُ، كقولِ الأول:
لمّا ادّعى العِلْمَ أقوامٌ سواسيةٌ ... مثل البهائمِ قدْ حُمِّلْنَ أسفارا
غاضَتْ بشاشَتُهُ واغتاضَ حاملُهُ ... وصوِّعَ الروضُ منه واكتسى عارا
(1/69)

ويجبُ، أيها الذامُّ أن تعلمَ أنّ الشعرَ كلامٌ، وفي الكلام الجيِّدُ والرديءُ، وما يُكتسَب به الثوابُ، وما يُجتَلَبُ به العقابُ، وما تُبتاعُ به الجنان، وما تُشْتَرى به النيرانُ. فكيفَ يُطلَقُ الذّمُّ على الجميع، ويُؤْخَذ الرفيعُ بالوضيعِ، ويُلحِقُ بالشعرِ كلِّه كراهيةً تختصُّ ببعضِه. وقد قال عليهِ السّلام: (الشّعرُ كلامٌ، حسنُهُ كحَسَنِ الكلامِ، وقبيحُه كقبيحِ الكلام) .
واعْلَمْ أنّ الشُعراءَ بشَرٌ وفي البشر الصالِحُ والطالِحُ، والعاقِلُ والجاهلُ، والمحمودُ والمذموم. وليس من العقل والعدْلِ أن نجِدَ في رجلٍ خَلّةً مذمومةً فنَذُمَّ من أجلِها كلَّ من تسمّى باسمِه، وكلَّ منْ انتسبَ الى أصلهِ وجِذْمِه، وكلَّ داخلٍ في صناعتِه، وكلَّ معدودٍ من جماعتِه. وهل يَحسُنُ باللبيبِ العاقلِ أن يَرى كاتِباً لحّاناً، رديئاً خطُّه، مُخطِئاً شكلُه ونَقْطُه، فيَذُمَّ من أجلِه كلَّ كاتبٍ، ويُبْعِدَ لبُغضِه كلَّ ضابطٍ وحاسِب؟ هل يُعَدُّ فاعلُ ذلك في جملةٍ المكلّفين؟ كلاّ واللهِ ولا في زُمرةِ المحَصِّلين.
وكذلك كلُّ صِناعةٍ إذا برّز واحدٌ فيها وأجادَ، فما يستحقُّ جميعُ أهلِها المدْحَ، كما أنه إذا قصّر واحدٌ فيها وأخطأ لا يُلْحَقُ بكلّ أهلِها الذّمُّ، وإنما من العدلِ والإنصافِ، وشِيَمِ الكُرَماءِ الأشرافِ، أنْ يُعْطى كلُّ شيءٍ قِسطَه، ويوفَّى كلُّ ذي قسمٍ حقَّهُ، فيُلْحَقُ المدحُ بأربابِه والذمُّ بأصحابه، كما قال سبحانه وتعالى فيمن يستحقُّ المدحَ: (نِعْمَ العبدُ إنّهُ أوّابٌ) . وقال تعالى فيمن يستحقّ الذّمَّ: (عُتُلٍّ بعد ذلك زَنيم) ولا يفجَرُّ الإنسانُ مع هَواهُ، الى غايةٍ تهوي به في رَداه.
واعلَمْ أيُّها الذامُّ أنّ الشِّعرَ صِناعةٌ عزيزة شريفةٌ يخْلُدُ ذكرُها خُلودَ الدّهرِ، ويَبْقى فخرها بقاءَ الأبدِ. ومن لم يجْرِ في مَيْدانِ النّظْمِ، ولم يبرِّز في رِهانِ الحِذْقِ والفَهْمِ، ولم تَرُضْ قَريحتَهُ رياضةُ القَريض، ولم يدْعَكْ خاطرَهُ تنافُرُ القوافي دعْكَ الأديمِ، وتأبى عليه المعاني إباءَ الصّعْبِ الجَموحِ، وتعْتاصُ عليه الألفاظ العذبةُ الحلوةُ اعتياصَ البطيءِ الطليحِ، ويصعُبُ عليه ردُّ الشواردِ من مقاصدِه، ويمتنعُ عليه الخروجُ من النّمَطِ الموضوعِ والحدِّ المحدود الى غيرِه من التّفنُّنِ في الصّفاتِ والتشبيهاتِ، لم يعلمْ بحقائقِ الشِّعْرِ ودقائقِ المعاني، ولم يعرفْ هل يستحقُّ قائلُهُ المدحَ أو الذمَّ، اللهمّ إلا إن كان مُقلِّداً لا مُنتقِداً.
وأما صفةُ العربِ للديارِ والآثارِ، ووقوفُهم على الرسومِ والأطلالِ، وتشبيهُ النّساءِ بالظِّباءِ والآجالِ، الى غيرِ ذلك من صفاتِ المخارمِ والفِجاجِ، والتهويمِ والإدلاجِ، فإنهم في ذلك مَعْذورونَ غيرُ ملومينَ، لأنهمْ جَرَوْا فيه على سُنن السّلَفِ ورسمِ من تقدّم منهم. ولم يصِفوا وينْعَتوا ويشبّهوا ويمْدَحوا ويذمّوا إلا ما هو تِجاهَ أعينهِم لا يُعاينون غيرَهُ، ولا يُعانون سِواه، ولكلِّ قوْمٍ سُنّةٌ بها يَستنّونَ، ووتيرةٌ عليها يَحومون وإليها يَرْمون. فمن أضاعَ ذلك منهم كان خارِجاً عن مذهبِه، مخالِفاً لطبيعتِه، ساقِطاً من وراءِ حدّه.
كما أنّ المولَّدَ من الشُعراء إذا ترَكَ صفاتِ القدودِ القويمةِ والخدودِ الوسيمةِ والألحاظِ الرطبة، والألفاظ العذبة، والتشبيهِ بالوردِ والندِّ والكثيب، والغصنِ الرطيب وما أشبهَ ذلك، وتعاطى صفات الديار، والآثارِ والمذانبِ والآبارِ، والسانيةِ والغرْبِ، والرِّشاءِ والعِناج والكَرَبِ، وغير ذلك، كان خارجاً عن حالِه، مُخالِفاً لمَذْهَبِه ورجالِه، مُستَهْجَناً فيما يورِدُهُ من ذلك، متكلِّفاً لما يُلفِّقُهُ منه. ولكلّ قومٍ مذهبٌ يليقُ بهم ويُسْتَحْسَن منهم.
وأوّل مَنْ شرَع ذلك واستنّه للعربِ فاتبعوهُ، وفتَح لهم بابَهُ فاقتحموهُ ووَلَجوهُ، امرؤ القيس بن حُجْرٍ، فاستحسنَتِ الأعرابُ صفاتِه وتشبيهاتِه، وسلكوا سبيلَه، وتقبّلوا مذْهبَه وقِيلَهُ.
(1/70)

فاعرفْ أيّها الذامُّ ذلك، وإياكَ أن تتعرَّضَ لذمِّ فضيلةٍ جليلةٍ قد مُدِحَتْ على لسانِ سيّدِ البَشَر، وأشرَفِ مُضَرَ، أو تنالَ من أديبٍ ذي خصيصةٍ لا تُرتَقى درَجَتُها ولا تُتقَى فِراسَتُها، فكم من رفيعٍ اتّضعَ، وعزيزٍ ذَلّ وخضَعَ، بتعدِّيه على الأدباءِ وتنقُّصِهِ منازلَ الفُضَلاء، ومن بُنيانٍ انهدم، وسُلطانٍ عُدِمَ، وقِرانٍ عبَرَ، وشَرْعٍ نُسِخَ، وعَقْدٍ مُحْكَم فُسِخَ، ومعالِمُ الشِّعرِ قائمةٌ لا تُلوى، وأعلامُه منشورةٌ لا تُطوى، ورياضُهُ مونِقَةٌ غيرُ خاويةٍ، وأغصانُه مورِقةٌ غيرُ ذاويةٍ، يُحلِّمُ السفيهَ، ويُجمِلُ النبيهَ، ويُريقُ الدماءَ ويحقُنُها، ويذيلُ الأعراضَ ويحصِّنُها، يقرِّبُ المآربَ الشاسعةَ ويُنئيها، ويبعدُ المطالبَ الواسعةَ ويدنيها، وينفعُ ويضرُّ، ويسوء ويسرُّ، ويعزِلُ ويولّي، ويُفقِر ويُغني:
فمن ذا رأى في الوَرى خَصْلةً ... تقرِّبُ نأياً وتُنْئِي قريبا
تُميتُ وتُحيي بأقوالِها ... وتُفقِرُ خصماً وتُغني حَبيبا
وأما قولُنا في أول الفصل: وهل تعاطيه أصلَحُ أم رفضُه أوفر وأرجحُ، فالجواب: كيفَ يكون ترْك الفضائلِ خيراً من تعاطيها، واجتنابُ المناقِبِ أصلحَ من مواصلَةِ مَعالِيها، وما علِمْنا أنّ أحداً من البشَرِ استطاعَ نظمَ الشِّعرِ وكان فيه مُجيداً، وتركَ ذلك، ولم يكنْ يشتهرُ به وينتسبُ إليه، إلا أن يكونَ فيه مُقَصّراً، وعن السوابقِ سُكَيتاً آخِراً، فيجوزُ أن يتركَهُ لعجزِه عنه، ونفوذِ جيّدِه منه. كما نُقِلَ عن المأمونِ لمّا قيلَ له: هلاّ نظمتَ شِعراً، فقال: يأْباني جيّدُه وآبى رَديئَه، وله مع هذا أشعارٌ كثيرة مشهورة.
ولو عدّدْنا مَنْ تعاطى نظْمَ الشِّعرِ من الخُلفاءِ، والملوكِ والأمراءِ والوزراءِ، والقُضاةِ والزُهّادِ، والقوادِ والعلماء والأشْرافِ، لأفرَدْنا له كِتاباً يجِلُّ رقمُهُ ويثقُلُ حجمُه. حتى إنّ جماعةً من ملوكِ بني بُوَيْه رَشَوْا جماعةً من الشُّعراءِ حتى نظَموا لهم أشعاراً فنَسبوها الى أنفسهِم، ودوّنوها على ألسنتِهم؛ لِما في ذلك من المنزلةِ الرفيعةِ، والخَلّةِ الجميلةِ، والمَنْقَبَةِ الجليلةِ، والفضيلةِ النبيلة. ولولا ذلك لما تحلّوْا بحُلِيّه ولا تزَيّنوا بجلابيبِه.
(1/71)

وقد رُويَ عن جماعةٍ من الصّحابةِ أشعارٌ كثيرةٌ حتى دوّنوا لأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب رضيَ الله عنه ديواناً، ورَوَوْا فيه أشعاراً حِساناً. فأما النبي صلى الله عليه وسلم فقد قال اللهُ تعالى فيه: (وما علّمناهُ الشِّعرَ وما ينْبَغي له) ليكونَ ذلك أبلغَ في الحُجّةِ على من زعَم أنه كاهِنٌ، ومرةً ساحِرٌ، ومرة (شاعرٌ نتربّصُ به ريْبَ المنون) ، (وقالوا أساطيرُ الأوّلينَ اكتَتبَها) ، وقالوا (أضغاثُ أحلامٍ بل افتراهُ بل هو شاعِرٌ) . فمنعَهُ الله تعالى من الشعر تكْرِمَةً له لمّا كان الشّعرُ ديْدَنَ أهلِ عصرِه الذي بُعِثَ فيه، وحُظِرَ عليه ذلك دَلالةً على صِدقِه وشهادةً على بُطلانِ قوْلِ المُبْطلينَ في حقِّه، وتنزيهاً له من افترائِهم عليه، وزيادةً في الحجّةِ له. وأنزلَ عليه القرآنَ المجيدَ الذي (لا يأتيه الباطلُ من بين يَدَيْهِ ولا مِن خَلْفِه) الذي لو اجتمَعَتِ الإنْسُ والجنُّ على أن يأتُوا بمثلِه، ولو كان بعضُهم لبعضٍ ظهيراً ما أتَوْا. فأقبل صلى الله عليه وسلم يتحدّاهُم فريقاً فريقاً بأن يأتُوا بمثلِه، فلا يَقْدِرونَ عليه. ولو كان شعْراً وطالبَهم بمثلِه لسهُلَ عليهم، وكان موجوداً لديهم. وما كان منْعه صلى الله عليه وسلم من الشعر إلا فضيلةً ومصلحةً وإكراماً وتطهيراً. وليس على الشعرِ بذلك نقيصةٌ ولا عارٌ، ولو كان كلُّ ما منَعَهُ الله تعالى منه حتى لا يرتابَ المُبطلونَ نقيصةً لذلك الفنِّ لكانَتِ الكتابةُ نقيصةً لمّا جعلَهُ اللهُ أمِّياً لا يكتبُ ولا يقرأ؛ ليكونَ أوْكَدَ سبباً، وأعلى شأناً، وأشهرَ مكاناً، ولذلك قال الله عزّ وجلّ تعالى: (وما كنتَ تتْلو من قبْلِه من كتابٍ ولا تخُطُّه بيَمينِكَ إذاً لارتابَ المُبْطلونَ) . فإن كان منْعُه من الشِّعرِ مذمةً ونقيصةً للشعرِ والشُعراءِ، فمنْعُهُ من الكتابةِ مذمّةٌ ونقيصةٌ للكتابةِ والكتّابِ، ومعاذَ اللهِ أن يقولَ ذلك عاقلٌ، والله تعالى يقول: (اقرأْ وربُّكَ الأكْرَم الذي علّمَ بالقلَم) وقال تعالى: (كِراماً كاتِبين) يعني الملائكةَ.
وقد جعلَ اللهُ تعالى أهلَ بيتِ رسولِه صلى الله عليه وسلم وأصحابه وإخوانه كُتّاباً وحُسّاباً، كما جعلَ منهم شُعراء ورُجّازاً. وكان من أزواجِه صلى الله عليه وسلم مَنْ يكتبُ ويقرأ؛ وهنّ حَفْصَةُ بنتُ عُمر، وعائشةُ بنتُ أبي بكر، وأمُّ سَلَمة، رحِمَهُم الله تعالى جميعاً.
ورَوَوْا عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يومَ الأحزابِ ينقلُ الترابَ ويقول:
اللهمَّ لولا أنتَ ما اهْتَدَيْنا ... ولا تصَدّقْنا ولا صلَّيْنا
ورووْا عنه عليه السلام أنه كان يومَ حُنَيْن على بغلتِه البيضاءَ وهو يقول:
أنا النّبيُّ لا كَذِبْ ... أنا ابنُ عبدِ المطّلِبْ
ورووْا أنه صلى الله عليه وسلم أصابَ إصْبَعَهُ الشريفةَ حجَرٌ فدَمِيَتْ، فقال:
هل أنتِ إلا إصبَعٌ دمِيتِ ... وفي سبيلِ اللهِ ما لَقيتِ
وأقول: إنّ هذه الأخبارَ إذا صحّتْ فإنه صلى الله عليه وسلم كان يتمثّل بها ولا يُقيمُ وزْنَها تصديقاً وتسليماً لِما أخبرَ الله تعالى به وهو أصدقُ قيلاً. فإنهُ يمكنُ أنهُ قد كان يقول: اللهمّ ما اهتدَيْنا لولا أنتَ ولا صلّيْنا ولا تصدّقْنا، ويقول: أنا النبيّ لا كَذِبا، أنا ابنُ عبدِ المُطّلِب، ويقول: هل أنتِ إلا إصبعٌ دمِيَتْ، وفي سبيل الله ما لقِيَتْ. أو ما يقاربُ هذا، وإنْ كانت هذه الأخبارُ غيرَ متَّفَقٍ عليها، فقد سقط التعليلُ.
(1/72)

وقيل: دخل أبو علي المَنْقَريُّ على المأمونِ وكان متّكئاً على فُرُشِه، قال له المأمون: بلغَني أنكَ أمِّيٌّ، وأنك لا تقيمُ الشِّعرَ، وأنّكَ تَلْحَنُ، فقال: يا أمير المؤمنين، أمّا اللّحنُ فربما سبَقَ لساني بشيء منه، وأما الأمّيّةُ وكسرُ الشعرِ فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يكتبُ ولا يُقيمُ الشِّعرَ. فاستوى المأمون جالساً وقد ظهرَ الغضبُ على وجهه وقال: ويلَك. سألتُك عن ثلاثةِ عيوبٍ فيكَ فزدْتَني رابعاً؛ وهو جهلُك وحمقُك، يا جاهل! إنّ ذلك كان في النّبي صلى الله عليه وسلم فضيلةً، وهو فيكَ وفي أمثالِك نقيصةٌ ورذيلةٌ، وإنما مُنِع النبي من ذلك لنفي الظِّنةِ عنهُ، لا لِعيبٍ في الشِّعر والكتابةِ، ولا لنَقْصٍ لحِقَهما. فلما سمِعَ المنقريُّ ذلك قال: صدقتَ يا أميرَ المؤمنين، رُبَّ ظنٍّ عثَرَ على وهْنٍ.
وقيل: من شرفِ ولَدِ فاطمةَ بنتِ رسول الله صلى الله عليه وسلم أنّ ما مِنْ أحدٍ وإنْ عظُمَ بيتُه وشرُفَ محتِدفه إلا ويودّ أنه فاطميٌّ. وكذلك أقول أنا: إنّ ما مِنْ أحدٍ وإنْ غلا قدرُه وعلا ذكرُه إلا ويودُّ أنه يحسِنُ قولَ الشِّعر، ويستطيعُ نظمَه، ليتجمّلَ به ويتزيّنَ بنسبه.
وقال بعضُ النّاس: فما تقولُ في قوله صلى الله عليه وسلم: (امرؤ القيسِ حاملُ لواءِ الشُّعراءِ يقودُهم الى النار) ، وهلْ هذا مدْحٌ للشعرِ أم ذمّ؟ قلت: إذا تأملتَ المقصدَ وحقّقْتَ المُرادَ وجدتَ المعنى ينساقُ الى مدحِ الشعرِ، وذلك أنه صلى الله عليه وسلم أرادَ حاملَ لواءِ شعراءِ الجاهلية والكفارِ، الذي هجَوا رسول الله وهجوا المُسلمين واستحقّوا النار بكُفْرِهم لا بشعرِهم، ولا خِلافَ ولا نِزاعَ بين العُلماءِ في ذلك. ولو أراد العمومَ لدخلَ تحت ذلك أصحابُه المقطوعُ لهم بالجنّةِ، وأولياؤه المؤمنونَ به، والمهاجرونَ والأنصارُ والتابعون. ومعاذَ الله أنْ يذهبَ الى ذلكَ مسلِمٌ أو يقول به عاقلٌ أو عالِم. وإنما كان مقصِدُه صلى الله عليه وسلم تفخيمَ حال امرئ القيسِ وتعظيم أمرِه وتقديمَ شِعرِه على أكفائِهِ ونُظرائِه، وأنهُ استحقّ عليهم التقديمَ والتفضيلَ بجَوْدَةِ شعرِه، وحُسْنِ معانيهِ وواقعِ تشبيهاتِه، فجعلَهُ لذلك عميدَهُم وسيِّدَهم والمتقدِّمَ عليهم وقائدَهُم. ولم يكنْ يستحقّ بكفرِه إلا النارَ وبحسنِ شِعره إلا التقدّمَ على الشُعراءِ، فكانت هذه الصّفةُ بهِ خليقةً، وسمَتُها به حقيقةً.
فقدْ ظهرَ لك مدحُ الشِّعرِ في مَطاوي هذا الذمِّ. ومثْلُ ذلكَ ما حكاهُ الأصمعيُّ أنّ أعرابياً أتى ابنَ عمٍّ لهُ، فسألهُ في مهْرٍ لزِمَهُ فلم يعْطِهِ شيئاً وردّهُ خائباً، فأتى رجلاً من المجوسِ وشكى إليهِ ما كان من ابن عمّه، فأعطاهُ المجوسيُّ ما التمسَه، وأطلقَ لهُ ما كان ابنُ عمه عنه حبَسَه، فأنشأ قائلاً:
كفاني المجوسيُّ مَهْرَ الرّبابِ ... فِدىً للمجوسيِّ خالٌ وعمّْ
شُهِدْتُ عليكَ بطيبِ المُشاشِ ... وأنّكَ أنتَ الجَوادُ الخِضَمّْ
وأنّكَ سيّدُ أهلِ الجحيمِ ... إذا ما تردّيْتَ فيمَنْ ظَلَمْ
تُجاورُ فرعونَ في قعْرِه ... وهامانَ والمكتَني بالحَكَمْ
لا ريبَ في أن الأعرابيَّ لم يُرِدِ الغضَّ والوضْعَ من المجوسيّ مع إحسانِه إليه عندَ حرمانِ ابن عمّه له، سيما وقد فدُ بطرفَيْه: خالِه وعمهِ، ولكنّه أرادَ تفخيمَ أمرِ المجوسيّ فجعله سيّدَ أهلِ الجحيمِ ومجاوِراً لفرعونَ وهامانَ وأبي جَهْل بن هشام، إذ لم يكن المجوسيُّ يستحقُّ إلا النّارَ، ولو كان مستَحقّاً للجنةِ لجعلَهُ مع أبرارها وأشرافِها، والمعنى ظاهر.
وقيلَ لمّا سمِعَ حسّانُ قولَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم في حقِّ امرئ القيس قال: وَدِدْتُ أنه قال ذلك فيَّ وأنا المُدَهْدَهُ في النار، حِرْصاً على بلوغِ الغاية القُصوى التي أوجبَتْ تفضيلَ امرئ القيس على سائر نُظرائِه، وتقديمَه على جميع أكفائِه. وسأل بعضُ الناس عن قولِ الرضيِّ الموسويّ:
ما لكَ ترْضى أن يُقالَ شاعرٌ ... بُعْداً لها من عدَدِ الفَضائِلِ
قُلنا: الرضيُّ كان طالِبَ منزلةٍ عظيمةٍ، ومحدِّثاً نفسَه بأمورٍ جسيمة:
مُنىً إنْ تَكُنْ حقاً تكن أحسنَ المنى ... وإلا فقدْ قضّى بها زمناً رغْدا
(1/73)

فكلّ فضيلةٍ نبيلةٍ ومَنقَبة جليلةٍ عندَ بُغْيَتِه مُستَصْغَرةٌ، وكلُّ درجةٍ رفيعةٍ، وحوزةٍ منيعةٍ، عندَ طلبتِه نازلةٌ سهلةٌ، فمرادُه أن يقول: كيفَ ترضى لنفسِكَ أن يُقالَ عنك: هذا شاعِرٌ، مقتصراً على هذه السّمةِ، ومقتنعاً بهذه المنزلة، وواقِفاً على هذه الغاية، وتترك الجِدَّ والاجتهادَ في إدراكِ الرتبة التي أنت مؤمِّلُها، وتحصيلِ الأمنيّةِ التي أنتَ طالبُها. ثم قال: بُعْداً لها من عدَدِ الفضائِلِ، أي بُعْداً لهذه الفِعْلَةِ مما يعدَّدُ في الفضائلِ التي خُصصتَ بها، حثّاً لنفسِه وتحريضاً لها في طلَبِ أمْرٍ هو من الشِّعْرِ أعْلى محَلاًّ، وأغلى حِليّآً، وأوفى شرَفاً، وأوفرُ قيمةً، وأعزُّ موضِعاً، ولم يقصِدْ أنّ الشِّعرَ خَصلةٌ مرذولةٌ وخَلّةٌ مذمومةٌ. وكيف يذهبُ الى ذلك أو يدّعيهِ أو يقولُه، وبالشِّعرِ شُهِرَ اسمُهُ وأضاءَ نجمُهُ، وتوفّرَ من الأدبِ قِسْمُه، وأغرضَ في الفَخْرِ سهْمُه، وأفنى فيه عمرَهُ، وقضّى بمصاحَبتهِ دهرَهُ، ولو ادّعى أنّ الشِّعرَ خَلّةٌ رذيلةٌ ومنزلةٌ وضيعةٌ، لم يُلْتفَتْ إلى زعمِه، ولا اتّسَقَ له أن يحُجَّ بذلك حُجّةَ خصمِه، ولا قولُه فيه مقبول ولا مُسلّم إليه.
وقد تقدّم من قولِ الرسول صلى الله عليه وسلم في مدحِه ووصفِه وأقوالِ صحابتِه ما يدْحَضُ كلَّ حجةٍ، ويوضحُ في الفُلْجِ كلَّ محَجّةٍ. ومما يدُلّ على أن الرضيَّ كان يحدِّثُ نفسَهُ بما تُسْتَصْغَرُ معه المراتبُ الجليلةُ، والفضائلُ النبيلةُ، ما كاتَبَهُ به أبو إسحاق الصابئ الكاتب، إمّا مُستهزِئاً بهِ لاهياً، أو صادِقاً في مدحِه متناهياً، وهو:
أبا حسَنٍ لي في الرّجالِ فِراسةٌ ... تعوّدْتُ منها أن تقولَ فتَصْدُقا
وقد خبّرَتْني عنكَ أنّك ماجِدٌ ... ستَرقَى من العَلياءِ أبعَدَ مُرْتَقى
فوفّيْتُك التعظيمَ قبلَ أوانِه ... وقُلتُ: أطالَ اللهُ للسيِّدِ البَقا
وأضمرتُ منهُ لفظةٍ لم أبُحْ بها ... إلى أن أرى إظْهارَها ليَ مُطْلَقا
يعني: السلامُ عليكَ يا أميرَ المؤمنين.
فإنْ عِشْتُ أو إنْ مِتُّ فاذكرْ بِشارَتي ... وأوْجِبْ بها حَقّاً عليكَ مُحَقِّقا
وكنْ ليَ في الأولادِ والأهْل حافِظاً ... إذا ما اطمأنّ الجَنْبُ في مَضْجَعِ النّقا
لا ريبَ عندي أنّ أبا إسحاقَ لاهٍ في قولهِ، وأنّ باطنَهُ فيه ضدُّ ظاهرِه، وإنما أتاهُ بما يوافِقُ غرَضَهُ وتحدّثُه به نفسُه؛ ليحرِّكَ بمجونهِ ساكنَ منْجَنونهِ، كما قيلَ في المثلِ حرِّكْ لَها حُوارَها تحِنّ. وأعجبُ من هذا قبولُه لقولِه، وإجابتُه له بقصيدةٍ، منها:
لَئِنْ برَقَتْ مني مَخائِلُ عارِضٍ ... لعَيْنَيْكَ تقضي أنْ يجودَ ويُغدِقا
فليسَ بساقٍ قبلَ رَبْعِكَ مَربعاً ... وليسَ براقٍ قبلَ جوِّكَ مُرْتَقى
وإنْ صدّقَتْ منه الليالي مَخيلةً ... فكُنْ بجديدِ الماءِ أوّلَ من سَقى
وإنْ تَرَ ليْثاً لابداً لفريسةٍ ... يُراصِدُ غِرّاتِ المقاديرِ مُطْرِقا
فما ذاكَ إلا أنْ يوفِّرَ طُعْمَها ... عليكَ إذا جلّى إليها وحقّقا
فإنْ راشَني دهْرٌ أكنْ لكَ بازِياً ... يسُرُّكَ محصوراً ويُرضيكَ مُطلَقا
أشاطِرُكَ العِزَّ الذي أستَفيدُه ... بصَفْقَةِ راضٍ إنْ غَنِيتَ وأمْلَقا
فتَذهبُ بالشّطرِ الذي كلُّهُ غِنىً ... وأذهبُ بالشطرِ الذي كلُّه شَقا
فغَيْري إذا ما طارَ غادرَ صَحْبَهُ ... دُوَيْنَ المعالي واقعينَ وحلّقا
لعلّ الليالي أنْ يبلِّغْنَ مُنْيَةً ... ويقْرَعَنْ لي باباً من الحظِّ مُغْلَقا
نَظارِ ولا تَسْتَبْطِ عزْمي فلَنْ تَرَى ... عَلوقاً إذا ما لَمْ تَجِدْ مُتَعلَّقا
وإن قعَدَتْ بي السِّنُّ عنها فإنهُ ... سينهضُ بي مَجْدي إليها مُحَقِّقا
فمَنْ في نفسِه مثلُ هذا كيفَ يَرى الاقتناعَ بمرتَبةِ الشعرِ ولا يقول: بُعْداً لها من عدَدِ الفضائل.
(1/74)

وفي هذا الجواب كفايةٌ، فقدْ أخذَ الفصلُ بحقِّهِ، واللهُ تعالى الموفِّقُ لسلوكِ طُرُقِه، إن شاءَ اللهُ تعالى.
الفصل الخامس
فيما يجب أنْ يتوخاهُ الشّاعرُ ويتجنَّبَه
ويطّرحَه ويتطلّبَه
يجب على الشّاعر أن يتجنّبَ سَفْسافَ الكلامِ، وسخيفَ الألفاظ، ونازلَ المعاني المسترَدَةِ، ووحشيَّ اللغةِ المتكلَّفَة، ولا يستعملُ التشبيهاتِ الكاذبةَ، ولا الإشاراتِ المجهولةَ، ولا الأوصافَ البعيدةَ، ولا العباراتِ الغثّةَ، ولا يختصر في موضع البَسْطِ، ولا يبسُطُ في موضع الاختصار. فإذا أراد أن يبني قصيدةً أو ينظم قطعةً صوّرَ المعنى في قلبه، ومثّلَهُ في نفسه كلاماً منثوراً، ثم أعدّ له ألفاظاً تُطابقه، واختار له من القوافي ما يوافقه، وجعله على وزنٍ يسْلسُ القولُ عليه، وينقاد المعنى إليه. فإذا نظم بيتاً تأمّلَهُ تأمُّلَ غيرِ راضٍ عن نفسه، ولا مغالطٍ لفهمه وحسِّهِ، وانتقدَه انتقاد متعنِّتٍ فيه، فإنْ وافق الصحّةَ، وجرى على منهاجِ الاستحسانِ، وإلا فالواجب عليه إسقاطُه. وإنِ اتّفقَ له بيتان على قافيةٍ واحدة، اختار الأوقعَ منهما وأبطلَ الآخرَ.
ويجبُ على الشاعر أنه لا يُظْهِرَ له شعراً إلا بعد ثِقتِه بجودتِه وسلامتِه من العيوب التي نبّه عليها العُلماءُ وأمروا بالتحرُّزِ منها. ولا يسلكُ سبيلَ الأعرابِ فيما نَهَيْنا عنه في صدر الكتاب.
وأمّا ارتكابُ الضروراتِ غير المحظوراتِ فيجوزُ استعمالُها وإن كانت عند المحققينَ عيباً، وقائلُها عندهم مسيئاً، إلا أنّ اجتنابَها مع جَوازها أحسنُ. ولا ينبغي الاقتداءُ بمن أساءَ من الشُعراءِ القدماءِ بل بمن أحسنَ منهم وأجاد. ولا يحذو إلا حذْوَ الشِّعر الجيّد، والنظم المختار، والطريقة الحسنة، والسُنّة الهادية، واللّفظ الرشيق، الحُلو اللطيف السّهلِ، الآخذِ بمجامع القلوب، المستولي على قُوَى النفوس، الواصلِ الى الأفهام من غير حجاب، الهاجمِ على العقول بلا مِطْرَقٍ ولا بوّاب، المُشاكلِ للأرواح لفظاً ورقّةً، وللسّحرِ حلاوةً ودقّةً.
ويجبُ على الشاعر أن يتنكّبَ سرِقةَ الأشعارِ ويتجنّبَ الإغارةَ على المعاني، فإذا حاولَ النظرَ الى شيءٍ من ذلك جعل خاطرَهُ كوادٍ مُطمئِنٍ قد مدّتْهُ سيولٌ جاريةٌ من شِعابٍ مختلفة، أو كمَنْ ركّبَ طيباً من أخلاطٍ متغايرةٍ من الطيبِ، فلا يُعرَفُ أرَجُ ما ركّبَهُ من أي طيبٍ هو.
ومما يُحكى في مثلِ ذلك أنّ خالدَ بنَ عبد الله القَسْري قال: حفّظني أبي ألفَ خطبةٍ ثم قال لي: تناسَها فتناسَيْتُها فغاضَتْ ثم فاضَتْ، فواللهِ ما أردتُ بعد ذلك شيئاً من الكلامِ إلا سهُلَ عليّ وعْرُه ولانَ لخاطري صعبُه.
وينبغي للشّاعرِ أنه إذا نظمَ شِعراً يردِّده برفيعٍ من صوته، فإنّ الغِناءَ فيه يكشفُ عيوبَه، ويبيّنُ متكلَّفَ ألفاظِه؛ ألا ترى الى قولِ حسّان بن ثابت:
تغنَّ في كلِّ شِعْرٍ أنتَ قائلُهُ ... إنّ الغِناءَ لهذا الشِّعْرِ مِضْمارُ
وينبغي للشاعر أن يتأمّل مصراعَ كل بيْتٍ حتى يُشاكل ما قبلَه ويطابقَ ما تقدّمه، فقد عاب العلماء على خَلْقٍ من الشُعراء القدماء مثلَ ذلك، كقول الأعشى:
أغَرُّ أبيضُ يُسْتَسْقى الغَمامُ بهِ ... لو قارعَ الناسَ عن أحسابِهمْ قَرَعاً
فالمِصْراعُ الثاني غيرُ مُشاكِلٍ للأوّل، وإنْ كان كلُّ واحدٍ منهما قائماً بنفسِه، وهذا معنىً ينبغي مراعاتُه والوقوفُ عندَه. ومثله قول امرئ القيس:
كأنّي لم أرْكَبْ جَواداً للذّةٍ ... ولم أتبطّنْ كاعِباً ذاتَ خَلْخالِ
ولم أسْبأِ الزّق الرّويَّ ولم أقلْ ... لخَيْليَ كُرّي كرّةً عندَ إجْفالِ
قال محمد بنُ أحمد بن طباطبا العلَوي: هذان بيتان حسنان، ولو وُضِعَ مصراعُ كلِّ واحدٍ منهما في موضع الآخر كان أشكلَ وأدخل في استواء النسج، فكأنْ يُقال:
كأني لم أركبْ جواداً ولم أقُلْ ... لخيليَ كُرّي كَرّةً بعدَ إجفالِ
ولم أسبأِ الزِّقَّ الرّويَّ للذّةٍ ... ولم أتبطّنْ كاعباً ذاتَ خَلخالِ
وينبغي للشاعر أن يتجنّب الحشوَ الذي يفسُدُ به البيت، كقول الأعشى لمّا مدح قيْساً:
ونُبّئْتُ قيْساً ولم آتِه ... وقد زعَموا، سادَ أهلَ اليَمَنْ
(1/75)

فقال له قيس: يا ويلكَ تقول وقد زعَموا. وهذه كلمةٌ لا تُستعمَل إلا عندَ الشكِّ في صِدْق القائل! فجعلها حَشْوةً أفسدَ بها معنى البيت. فلو قال:
ونُبّئْتُ قيساً ولمْ آتِه ... على نأيِهِ سادَ أهلَ اليمَنْ
لخلَص من ذلك.
وينبغي للشاعر أن يتعفّفَ في شعرِه ولا يستَبْهِرَ بالفواحشِ، ولا يتهكّمَ في الهجاء، فإنّ العلماء ذمّوا من اعتمد ذلك، ومن كان يتعهّرُ ولا يتستّرُ مثل امرئ القيس في قوله:
ومثلِك حُبْلى قد طرَقْتُ ومُرضع ... فألْهَيتُها عن ذي تمائمَ مُحْوِلِ
وينبغي للشاعر أن يستعمل لفظةً لإقامة وزنِ البيت وهي مُفسِدة بمعناها له، وإذا حكَم عليه البيتُ بذلك فالأوْلى إسقاطُه. ألا ترى ذا الرُمّة وقوله:
حَراجيجُ ما تنفكُّ إلا مُناخةً ... على الخَسْفِ أو ترمي بها بلداً قَفْرا
كيف أدخلَ إلا بعد ما تنفك لإقامة وزن البيت فأفسدَه. لأنّ مايزالُ وماينفك في كلامِهم جَحْدٌ وإلا تحقيقٌ، فكيف يجتمعان! ولهذا لو قُلت: مازالَ زيدٌ إلا قائماً، لم يجُزْ.
وينبغي للشاعر أنه إذا رأى الشِّعرَ قد اعتاصَ عليه ومنعَ جانبَه منه أنْ يتركَهُ في تلك الحال ولا يكُدَّ قريحتَه فيه، ولا يكلِّفَ خاطرَهُ اقتحامَ مهاويه. فقلّما يجيءُ الشعر على تلك الحال كما يؤْثِرُ الشاعرُ، ولعلّ في تركِه له حدوثَ معنىً لم يكنْ في الخاطر من قبْلُ، وقد وقعَ لجماعةٍ من الشعراءِ مثلُ ذلك كثيراً.
قيلَ: لما وفدَ ذو الرُمّة على بلال جعلَ يتردّدُ إليه ويحاولُ أن يبتدئَ قصيدةً فيه والشّعرُ يعتاصُ عليه فلا يقدرُ أن يصل إليه، فقال له عجوزٌ كان يُكثر الغُدوَّ والرَّواحَ عليها. وكان جميلاً: قد طالَ تَردادُك يا فتى، أفإلى زوجةٍ سعِدتَ بها، أم الى خُصومةٍ شَقيتَ من أجْلِها، فالتفت ذو الرُمّة الى راويتِهِ وقال: جاء والله ما أريد، ثمّ أنشأ قائلاً:
تقولُ عجوزٌ مَدْرَجي مُتروِّحاً ... على بابِها من عِنْدِ أهلي وغادِيا
الى زوجةٍ بالمصرِ أمْ لخُصومَةٍ ... أراكَ لها بالبصرةِ العامَ ثاوِيا
ومرّ في القصيدة، فكأنّ العجوزَ اقتدَحَتْ بكلامِها زَنْدَ خاطرِه.
والفصيحُ في اللغة أن يُقال: فلانةٌ زوجُ فلان ولا يقالُ زوجةُ فلان. وقال ابن مناذر قلت:
يَقدحُ الدهرُ في شماريخِ رضوى
ومكثتُ حوْلاً لا أقدرُ على إتمامِه فسمعتُ قائِلاً يقول: هَبّود، فقلت: وما هَبّود؟ قيلَ جبلٌ، فقلت:
ويحطُّ الصّخورَ من هبّود
وفي مثلِ هذه الحكاية ما حدّثَ به أبو الحسن عليُّ بنُ نصْرٍ الكاتب قال: حدّثني زعيمُ المُلك قال: قال لي أبو الحسن الجهرميّ: لمّا عملتُ قطْعَتي التي أصِفُ الدّيكَ فيها، وأوّلها:
يا رُبَّ أفرَقَ قُبْرُ سِ ... يٍّ ليسَ بالجَزِعِ الفَروقِ
علِقَ الدُجى بذيولِهِ ... لمّا تطلّسَ بالبُروقِ
فالنّارُ لونُ لِباسِه ... وسِواهُ منها في حَريق
حُذيَ النُّضار وزيدَ تحْ ... سيناً فتُوِّجَ بالعقيقِ
فتخالُهُ خاضَ الأصي ... لَ وبلَّ فرْعاً بالشُروقِ
يمشي بمِهْمازَيْنِ إم ... ما للنّجاةِ أو اللُّحوقِ
سكِرَتْ لحاظُ الناظري ... هـ بكأسِ مَفْرقِه الرّحيقِ
بقيتُ أياماً أفكّرُ في بسْطِ رجلِه إذا وطِئَ الأرضَ ورفعِها متمَهِّلاً أن يضعَها على الأرض، ومازلْتُ أقبِضُ يديَ وأبسطُها متطلّباً المعنى، فقالتْ لي امرأة كانت تراني: أيُّ شيءٍ بك، كأنك تقارعُ أحداً؟ فقلت لها: رفّهتِني وخرجتِ إليّ بغَرضي ثمّ قلت:
مُتشابِهُ الخطَواتِ ينْ ... قُلُهنّ بالمَهْلِ الرفيقِ
رِجْلٌ تُريكَ يدَ المُقا ... رعِ في مُصافحةِ الطريقِ
وينبغي للشاعر أن يُقارِبَ بين الألفاظِ ولا يُباعِدَ بينها، فهو عيبٌ، كما قيل: إنّ الكُمَيْت أنشد نُصَيْباً قولَه:
وقد رأينا بها حُوراً منَعَّمةً ... بِيضاً تكاملَ فيها الدّلُ والشنبُ
فعقدَ نُصَيْبٌ خِنصَرَهُ فقال له الكُمَيْت: ما هذا؟ قال: أعُدُّ غلطَك، هلاّ قُلتَ كما قال ذو الرّمّة:
(1/76)

لَمْياءُ في شفَتَيْها حوّةٌ لعَسٌ ... وفي اللِّثاثِ وفي أنيابِها شنَبُ
وأقول: إنّ الذي أنكرَه نُصَيبٌ في موضِع الإنكار، وهو عيٌ قبيحٌ؛ لأن الكلامَ لم يجرِ على نظمٍ متسِقٍ، ولا وقعَ الى جانبِ الكلمةِ ما يشاكلُها. وأول ما يحتاجُ إليه الشّعرُ أن يُنظَمَ على نسَقٍ وأن يوضَعَ على رسمِ الُشاكلة.
وقيل: إنّ عمّ عُبَيْد الراعي النُمَيْريّ قال للراعي: أيُّنا أشعرُ أنا أم أنتَ؟ فقال الراعي: أنا أشعرُ يا عمُّ منكَ، فغضِبَ وقال: بمَ وكيفَ؟ قال: لأني أقولُ البيتَ وأخاهُ، وأنتَ تقول البيتَ وابنَ أخيه.
وينبغي للشاعرِ أن يتجنّب الألفاظَ التي تَشْتَبهُ على سامعيها وقارئيها ولا ينزِلَ في الخطابِ من عُلوّ الى مهْبِطٍ؛ لأنّ الأجدرَ أن يرتقيَ من انحطاطٍ الى عُلوّ.
فأما الألفاظُ التي تشتبِهُ فمثالُها ما جرى لأرطأةَ بن سُهيّة المُريّ، وكان قد بلغَ مائة وثلاثين سنةً، فدخل على عبد الملك فقال له: ما بقيَ من شِعرِك يا بنَ سُهيّة؟ فقال: واللهِ ما أشربُ ولا أطربُ ولا أغضبُ، ولا يجيءُ الشّعرُ إلا على مثلِ إحدى هذه الخِلال، وإني لأقول:
رأيتُ المرءَ تأكلُهُ الليالي ... كأكْلِ الأرضِ ساقطةَ الحديدِ
وما تَبْغي المنيّةُ حين تأتي ... على نفْسِ ابنِ آدمَ من مَزيدِ
وأعلمُ أنها ستَكُرُّ حتى ... تُوفِّي نَذْرَها بأبي الوليدِ
وكان أرطأةُ يُكنى أبا الوليد، وعبدُ الملكِ يُكنى أبو الوليد، فارتاعَ عبدُ الملك واشتدّ ذلك عليه وتغيّر لونُ وجهِه ظناً بأنه يعْنِيه، فقال له أرطأة: إني لم أعْنِكَ وإنما عَنَيْتُ نفسي، وشهِدَ عندَهُ جماعةٌ أنّ كُنيتَه أبو الوليد فأمسكَ عنه، ولولا ذلك لأوقَعَ به وأهلَكَه.
والروايةُ الصحيحةُ أن عبدَ الملكِ بلغَتْهُ الأبياتُ فأنكرَها وأعظمَه وقال: ما هذا الجِلْفُ وذِكْري، وأمرَ بإحضارِه ليوقِعَ بهِ فشهِدوا عندَهُ بكُنيَتِه وأنه لم يقصِدْهُ بذلك. فلما أُحضِرَ وهو خائفٌ وجِلٌ، آمنَهُ وأطلقَه، فعادَ وجماعةٌ من أعدائه قد أرْجَفوا عليه بالنَّكال والوَبالِ فأنشأ قائلاً:
إذا ما طَلعْنا من ثَنيّةِ لَفْلَفٍ ... فبَشِّرْ رِجالاً يكرهونَ إيابي
وخبّرْهُمُ أنّي رجِعْتُ بغبْطَةٍ ... أحدِّدُ أظفاري وأصرفُ نابي
وأنّي ابنُ حرْبٍ لا تزالُ تهِرُّني ... كِلابُ عدوٍ أو تهِرُّ كِلابي
وقريٌ من هذه الحكاية ما حدّث به المصوِّر العَنزيّ وكان راويةَ العربِ قال: دخلتُ على زيادٍ فقال: أنشِدْنا، فقلت: من شِعْرِ مَنْ؟ قال: من شعرِ الأعشى، قال: فأُرْتِجَ عليّ ولم يحضرْني إلاّ قولُه:
رحَلَتْ سُميّةُ غُدْوَةً أجْمالَها ... غَضْبى عليكَ فما تقولُ بَدا لَها
فقطّبَ زيادٌ وغضبَ وعرَفْتُ ما وقعتُ فيه فخرجتُ منهزِماً. فلمّا أجاز الناسَ لم أسْتَجرِ أن أرجِعَ إليه، لأنّ أمّ زيادٍ كان اسمُها سُميّة.
ودخل ذو الرّمّة على عبد الملك فقال له: أنشدني أجودَ شِعرِكَ فأنشدَه:
ما بالُ عينِكَ منها الماءُ ينسكِبُ ... كأنهُ من كُلَى مَفْريّةٍ سَرِبُ
وكانت عيْنا عبد الملك تسيلان ماءً، قال: فغضِبَ عليه وأمرَ به، فأُخْرِجَ مهاناً وقد عرَفَ موضعَ خطئه. فلمّا كان من الغد دخل في زُمرةِ الناس وأنشد:
ما بالُ عينيَ منها الماءُ ينسكبُ
حتى أتى على آخرِها فأجازَهُ ومن الاتفاق العجيبِ أنّ عبدَ الملك كان قد أعطى عمروَ بن سعيد الأشْدَق أمانَهُ وخدَعُه وكاذَبَه حتى حصلَ وقتلَه. واتّفقَ أنّ إبراهيمَ بن مُتمِّم بن نُوَيْرة وفدَ على بني عمرو بنِ سعيدٍ الأشدَق فقالوا لعبدِ الملك: ما رأيْنا بدويّاً يشبهُ إبراهيمَ بنَ متمِّم عقْلاً وفضْلاً، فقال عبدُ الملك: أدخِلوه، فلمّا دخل عليه رأى منه ما رآه القوم، فقال له: أنشِدْنا بعضَ مراثي أبيك متمم في عمّك مالكٍ فأنشدَه:
نِعْمَ الفوارسُ يومَ نُشْبَةَ غادَروا ... تحتَ التُرابِ قتيلكَ ابنَ الأزْوَرِ
فلمّا انتهى الى قولِه:
أدَعَوْتَهُ باللهِ ثمّ قتَلْتَهُ ... لوْ هو دعاكَ بمثلِها لم يغْدِرِ
(1/77)

فظنّ عبدُ الملك أنّ بني عمرو بن سعيدٍ قد وضعوهُ على ذلك، فغضِبَ حتى انتفخَ سَحْرُهُ غيْظاً، ونظرَ الى بنيهِ مقطِّباً فعرفوا ما عنده، فأقسموا له بالطلاقِ وأكّدوا الأيْمانَ وأنذروا الحجّ وحرّموا الأموالَ والعبيدَ والإماءَ إنْ كانوا علِموا بقولِه، أو اطّلعوا عليه، أو شاوروه فيه، أو جرى منهم في هذا قولٌ أو فِعْل، فأمسكَ مُعْرِضاً وأخرجَ ابنَ متمِّم خائباً. فلما انصرفوا جمعوا له من بينهم شيئاً وردّوه الى بلادِه خوْفاً على نفسِه من عبدِ الملك.
فيجبُ على الشاعر التحرّز في مثل هذه الشُبَهِ والإعراضُ عنها.
ومن الألفاظِ التي بدّلها قارئُوها ما حدّثني به والدي رحمَهُ الله تعالى قال: مدحَ حيدرُ بنُ محمدِ بن عُبَيدِ اللهِ العلَويّ الحُسَيْنيّ يوسفَ بنَ أيوبٍ بقصيدة، فأخذَها بعضُ أعدائِه وهي بخطِّه، ومن جُملتِها: فلا يَغْرُر الباغي أناتُك. وكشَطَ نُقطَتَيْ التاء كشْطاً خفِياً لا يكادُ يظهرُ ولا يُدرَك، ونقَطَ التاء نقْطَ الباء، وأضاف الى نُقطةِ النون أخرى فصارتِ الكلمةُ أتابكَ، وأتى بالقصيدةِ الى عزّ الدين مسعودٍ أتابك، وقال له: هذا حيدَرٌ ولدُ وزيركَ قد مدحَ عدوَّكُم وقد هجاك وسمّاك باغياً. فلما رأى ذلك لم يشُكَّ فيه ولا أمكنَ أن يُزيلَهُ من قلبِه مُعتذِرٌ، وأُخِذَ حيْدَرٌ وأودِعَ السجنَ، فما زال محبوساً حتى أشرف على التلفِ. هذا بتصحيفِ كلِمة واحدة فمِن مثلِ هذا ينبغي التحفّظ.
وأما النّزولُ في الخطاب من مرتَبةٍ شريفةٍ الى منزلةٍ سخيفةٍ، فكقول أبي الطّيّب:
ترَعْرَعَ المَلِكُ الأستاذُ مُكْتَهِلاً ... قبْلَ اكتهالِ، أديباً قبلَ تأديبِ
لم يَحْسُنْ في حُكم صناعةِ الشعر أنْ يخاطبَهُ بالأستاذِ بعدَ المَلِكِ فإنّ ذلك نقصٌ في الأدب، وقُبحٌ في المعرفة. ألا ترى أن الكلمةَ الدنيّة لا يليقُ أن تقترنَ بكلمةٍ شريفةٍ، وكذاك الكلمةُ الشريفةُ لا يليقُ أن يُذْكَرَ معها إلا ما هو من قبيلِها، وغير ذلك يقدحُ في الصناعةِ عندَ أهلِ المعرفةِ.
قد عرّفْتُك أنّ اللفظةَ الواحدةَ تُفْسِدُ البيتَ جميعَهُ، ألا ترى قولَ أبي الطيّب أيضاً:
ولا فضْلَ فيها للشجاعةِ والنّدى ... وصبْرِ الفَتى لولا لِقاءُ شَعوبِ
لفظةُ الندى أفْسَدَتِ المعنى؛ لأنّ مقْصدَهُ أن يقول: إنّ الدنيا لا فضلَ فيها للشجاعةِ والصبر لولا الموتُ، لأنّ الشُجاع إذا علمَ أنه مخلّدٌ لا ينالُه تلَفٌ ولا إذا ألْقى نفسَهُ في المهالِكِ يمَسُّه ضررٌ، لم يكنْ لشجاعتِه فضلٌ، وإنّما الفضلُ له في الشجاعةِ والصبر مع علمِه أنّ ذلك يؤدي الى تلَفِ النفس، وفقْدِ نعيمِ الدُنيا. وأما النّدى فمخالِفٌ لذلك، لأنّ الإنسانَ إذا علمَ أنّهُ يموتُ هان عليه بذلُ مالِه. ألا ترى المرءَ إذا عوتِبَ على الإسرافِ في البَذْلِ كيفَ يتعتذرُ ويقول: إنّما أبذُلُ ما لا أبْقى له، ولا أنا على ثِقةٍ من التمتّعِ به، كقول الأول:
أبْذُلُ ما لسْتُ بباقٍ لهُ ... ولا بهِ أسطيعُ نيْلَ البَقا
وقول الآخر:
نفسي التي تملِكُ الأشياءَ ذاهِبةٌ ... فلَسْتُ آسى على شيءٍ إذا ذهَبا
فقد بانَ لك أن لفظةَ الندى أفسدتِ المعنى.
وقريبٌ من هذا المعنى أنّ الشاعرَ يصفُ نفسَه بما يرفعُها ثم يُعْقبُ ذلك بقولٍ يحُطُّ منها ويَضَعُها، وهو عيبٌ يُسقِطُ فضيلةَ الشاعرِ ويوهنُ تقدُّمَه. ولهذا قدحَ العلماءُ في امرئ القيس وعابوهُ ولامُوهُ في كتبهم وعاتبوه حيث يقول:
فلوْ أنّ ما أسْعَى لأدْنى معيشةٍ ... كفاني ولم أطلُبْ، قليلٌ من المالِ
ولكنّما أسعى لمَجْدٍ مؤَثَّلٍ ... وقد يُدرِكُ المجدَ المؤثَّلَ أمْثالي
فهذا شعرُ ملكٍ يفتخرُ بملكِه ويصفُ ما يحاولُ من بَهيّ عِزِّه مع جلالةِ شأنِهِ وعظيمِ خطَرهِ، فكيفَ حسُنَ بهِ أن ينزلَ عن هذا المركب الجليلِ الى محَلٍّ مُستَرذلٍ، ويرتديَ برداءٍ مُبتذَلٍ فيقول:
لنا غنَمٌ نُسَوِّقُها غِزارٌ ... كأنّ قُرونَ جِلَّتِها عِصيُّ
فتَمْلأُ بيتَنا أقِطاً وسَمْناً ... وحسبُك من غِنىً شِبَعٌ ورِيُّ
هذا شِعْرُ أعرابي مُتلفِّعٍ بكسائه لا تتجاوزُ هِمتُه، ما حوَتْهُ خيمتُهُ.
(1/78)

وقد هجا الحطيئةُ الزِّبْرقانَ بدون هذا حيث يقول:
دعِ المكارِمَ لا تنهَضْ لبُغْيَتِها ... واقْعُدْ فإنّك أنتَ الطّاعمُ الكاسي
فاسْتعدى الزبرقانُ عمرَ بنَ الخطّاب على الحطيئة فحبسَه حتى تابَ وأنابَ.
وينبغي للشاعر أن يتحرّزَ كلَّ التحرّزِ من لفظٍ يتطيّرُ بهِ سامعُهُ خصوصاً إذا ابتدأ به، وافتتَحَ الكلامَ بسببه. فكم من شاعرٍ قد حُرِمَ بطريقه الإفادة، ونُزعَتْ عنهُ جلابيبُ السّعادةِ. من ذلك ما رَوَوْهُ عن الأخطلِ لمّا دخلَ على عبدِ الملكِ فأنشدَهُ قصيدةً أولُها:
خَفَّ القطينُ فراحوا منكَ أوْ بكَروا
فقال عبدُ الملك: بلْ منك يا بنَ اللخناء أخرِجُوه، فأُخْرِجَ فلمّا كان من الغدِ دخل عليه وأنشدَُ:
خفّ القَطينُ فراحوا اليومَ أو بكِروا
ومرّ في القصيدةِ الى آخرِها.
وقيل: دخل إسحاقُ بنُ إبراهيم على المُعتصمِ وهو جالسٌ في قصرِ بناهُ بالمَيدانِ لم يُرَ أحسنُ منه وعندَهُأهلُ بيتِه وأكابرُ النّاسِ للهناءِ، فاستأذنَهُ في إيرادِ قصيدةٍ يهنّئُهُ فيها بالموضِع، فأذِنَ له، فابتدأ وأنشد:
يا دارَ هندٍ ما الذي عفّاكِ ... بعْدَ الجميعِ وما الذي أبْلاكِ
إنْ كان أهلُكِ ودّعوكِ وأصْبَحوا ... فِرَقاً وأصبَح دارِساً مغْناكِ
فلقدْ نراكِ ونحنُ فيك بغِبْطَةٍ ... لوْ دامَ ما كُنّا عليهِ نراكِ
فتطيّرَ المعتصمُ من قوله ونفرَ حتى ارْبَدّ وجهُهُ ووقعَ على النّاسِ كآبةٌ، فخرج من ذلك المجلس وما عاد إليه ولا أحَدٌ من الحاضرين. قلت هذا عجَبٌ من إسحاقَ، ولولا غفلةٌ أدركتْهُ من قِبَلِ اللهِ تعالى فرانَتْ على عقلِه حتى قال ما قاله، إمّا للعِظة أو التأديب، لكان له من المعرفةِ والفهمِ والتجربةِ بخدمةِ الخُلفاءِ، والانتقادِ على الشُعراء، ما يزَعُهُ عن النُطْقِ بمثلِ هذا كلاّ بلْ رانَ على قلوبِهم.
وحدّثَ إبراهيمُ بنُ شِكْلَة بحديثٍ يُحِقُّ أنّ الألفاظَ الرديئةَ قد تجري على اللسانِ، بغير حُكم الإنسان، مع النَهْي عنها والتحذير منها، قال: دخلتُ على الأمين محمدٍ والأمورُ عليهِ مختلّةٌ فقال: يا عمُّ، هلاّ جلستَ معَنا لنتسلّى بألفاظِك وتخفِّفَ بها همَّنا، قال: فجلستُ وتغدّيْنا ودعا بالشرابِ واستحضَرَ جاريتَهُ دِبسيّةَ وأمَه بالغناء فغنّتْ:
كُلَيْبٌ لعَمْري كانَ أكثرَ ناصراً ... وأيْسَرَ جُرْماً منكَ ضُرِّجَ بالدّمِ
فاغتاظَ الأمين من قولِها وقال: ما هذا؟ فقالت: يا مولايَ هذا الذي كنتَ تقترحهُ عليّ قديماً. قال غنّي غيرَه فغنّتْ:
هُمْ قتَلَوهُ كي يكونوا مكانَه ... كما فعلَتْ يوماً بكِسْرى مَرازِبُهْ
فتطيّر من غنائِها، وأخذَ العودَ وضربَ به رأسها وقال: انهضي إلى لعنةِ الله. قال إبراهيمُ: فقلت يا سيدي إنما قصدَتْ لعادتِكَ من الأغاني فإنْ رأيتَ أن ترجِعَ. وسكّنتُ غضبَهُ، فأمرَ برجوعِها وجيءَ بعودٍ فغنّتْ:
أرى الأثْل من وادي العقيق مُجاوري ... ففيمَ وقَدْ غالَتْ يزيدَ غوائِلُهْ
فأمر بسحبِها، فسُحِبَتْ وأُخرِجَتْ وأقسمَ أنه لا يسمعُ يومَه غناءً ولا يشرب شَراباً. فما مضَتْ إلا ثلاثةُ أيامٍ حتى اجتُزَّ رأسُه وضُرِّجَ بدمائِه.
ودخلَ أبو مقاتل على الدّاعي في يوم المهرجان وابتدأ في الهناء بهِ فقال:
لا تَقُلْ بُشْرَى ولكنْ بُشْرَيان ... غُرّةُ الدّاعي ويومُ المَهْرَجانِ
فلمّا قال لا تَقُلْ بُشْرَى نهضَ من مجلسِهِ متَطيّراً وقطعَ الإنشاد مُبدِّلاً لمجلسِهِ مُغيِّراً.
ودخلَ أبو نواس على الفضلِ بنِ يحيى البرمكي وأنشدَه:
أرَبْعَ البِلى إنّ الخشوعَ لبادِ ... عليكَ وإني لمْ أخُنْكَ وِدادي
فانزَعَج الفضلُ مُتطيراً بذلك وعادَ يكرِّرُ يمحو اللهُ ما يشاءُ، فلما انتهى الى قوله:
سلامٌ على الدنيا إذا ما فُقِدتُمُ ... بني بَرمكٍ من حاضرينَ وبادِ
استحكَمَ تطيُّرهُ ونهضَ فدخلَ دارَ الحُرَمِ ولم يبقَ أحدٌ في مجلسِه إلا واستقبحَ ذلك من اختيارِ أبي نواس.
ودخل أبو عُبادة البُحتري على أبي سعيدٍ الثّغْريّ فأنشده:
لكَ الويلُ من ليلٍ بِطاءٍ أواخرُهُ
(1/79)

فقال أبو سعيد: بَلْ الويلُ والحرَبُ لك لا أمَّ لك. وللهِ العجَبُ كيف فات البُحتريَّ ذلك، واستحسنَ أن يقابلَ ممدوحاً ويفتتحَ كلامَهُ له بقولِه لكَ الويلُ، وما الذي أعجبه من هذا الافتتاحِ لولا غفلةٌ أدركتهُ!؟ وقيل: لما أنشدَ أبو الطيّب عضُدَ الدولةِ قصيدَهُ الذي أولُه:
أوْهِ بَديلٌ من قولَتي وَاها
قال له عضدُ الدولة: أوّه وكيَّه، ويلَكَ ما هذا الكلام.
وإنّما ينَبَّهُ على مساوئِ الشاعرِ المتقدّمِ ليتجنّبَ المتأخِّر ما أُخِذَ عليه وأخطأ فيه. وليسَ الغرضُ بذلك الغَضَّ من نُبلِه، ولا الاستنقاصَ بفضلِهِ.
والشاعرُ إذا أوقعَ الكلامَ مواقعَهُ، ووضعَ المعانيَ مَواضعَها اكتسى شعرُهُ البهاءَ، وكسَبَهُ حُسْنُ تأتّيهِ الثناءَ. وإذا أجادَ في نظمِهِ، وأساءَ في تأتّيهِ وقلّةِ حَزْمِه، غطّتِ الإساءةُ على الإحسان، واستحقَ بعد الإكرامِ محلّ الهوانِ.
ومن غلْطاتِ الشعراءِ أنّ أبا النّجْمِ العِجْليّ دخلَ على هِشام بنِ عبدِ الملك، وكان أحولَ فأنشدَهُ أُأَرجوزتَهُ اللاميّةَ التي يقولُ في أوّلِها:
الحمدُ للهِ الوَهوبِ المُجْزِلِ
حتى بلغ قولَه:
والشمسُ قد صارَتْ كعينِ الأحْوَلِ
غضب هشام وأمرَ به فضُربَ وسُجِن.
ووفدَ عبدُ اللهِ بنُ عمرَ العَبْليّ على هشامٍ أيضاً ومدحَه، فأجازَهُ بمئتَيْ دينارٍ، ثمّ خرجَ من عندِه فمرّ بالوليدِ بن يزيد وهو وليُّ عهدِ هشام فقال له:
يا بنَ الخليفةِ للخلي ... فةِ والخليفةُ عن قليل
فبلغ قولُه هشاماً فغضبَ وأرسلَ خلْفَهُ، فرُدَّ من الطريق فلمّا حضرَ قال له: ويلكَ! مدَحْتَني في كلمتِكَ التي أولُها:
لَيْلَتي من كَنودَ بالغَوْر عُودي ... بصفاءِ الهوى من امِّ أسيدِ
وقلتَ فيها لي:
ووقاكَ الُتوفَ من وارِثٍ وا ... لٍ وأبقاكَ صالحاً رَبُّ هودِ
ثم مررتَ بالويدِ فنَعَيْتَني إليه! قبحكَ الله، وأمرَ بهِ فضُربَ مئتَيْ سوْطٍ مكانَ كلِّ دينارٍ سوْطاً. ثم أقامَ عبدُ اللهِ العَبْليّ حتى هلَكَ هشامٌ وقُتِلَ الوليدُ وقام مروانُ بنُ محمدٍ فمدحَهُ ومدحَ وليَّيْ عهدِه عبدَ الله وعُبَيْدَ الله فقال:
لا حُرِماها ولا بها خَلَصا ... حتى يكونَ البَدا بكَ الهَرَمُ
فضحِكَ مروانُ وقال: يا عبدَ الله لقد أدّبَك أبو الوليد، يعني هِشاماً. ولمحَ ذلك بعضُ المُحدَثين فقال:
ووليُّ عهدِكَ لا يزالُ أميرا
ومن بوادرِ اللسانِ التي يجبُ تجنُّبُها على كل شاعرٍ بل كل إنسان، ما اعتمدَهُ الأخطلُ مع الجحّاف بن حكيم السُلمي؛ فقيل إنّ الأخطلَ دخلَ على عبدِ الملكِ بن مروانَ والجحّافُ عندَه وكان قد اعتزلَ حرْبَ بني تغلبَ، فلما رآه الأخطلُ أنشدَ محرِّضاً للجحّافِ أو مستهزئاً به:
ألا سائِلِ الجَحّافَ هلْ هوَ ثائِرٌ ... بقَتْلى أُصيبَتْ من سُلَيْمٍ وعامِر
فقبضَ الجحّاف على لحيتِه وقال:
نعَمْ سوفَ نَبْكيهِمْ بكلِّ مُهَنَّدٍ ... ونَنْعى عُمَيْراً بالرّماحِ الشّواجِرِ
يعني عُمَيْر بن الحُبابِ السُلمي. ثم قال: ما ظنَنْتُ يا بنَ النصرانية أنّكَ تجترئُ عليّ ولو رأيْتَني مأسوراً، وأوعدَهُ وتهدَّدَهُ وخرجَ يجرُّ مُطْرَفَهُ غضباً، فقالَ عبدُ الملكِ للأخطل: ما أراكَ إلا قد جررتَ على قومِكَ شرّاً، فما فارقَ الأخطل موضعَهُ حتى حُمَّ، فقال له عبدُ الملك: أنا جارُكَ منهُ، فقال: إنْ أجَرْتَني وأنا يقظان فمن يُجيرُني وأنا نائِمٌ؟ فضحك عبد الملكِ منه. ومن هذا أخذَ السّلمي قولَه:
وعلى عَدوِّكَ يا بنَ عمِّ محمّدٍ ... رَصَدانِ: ضَوْءُ الصُبْحِ والإظلامُ
فإذا تنبّهَ رُعْتَهُ، وإذا هَدا ... سلّتْ عليهِ سُيوفَك الأحلامُ
(1/80)

وخرج الجحّافُ الى قومِه وقال لهم: إنّ عبدَ الملك قد ولاّني بلادَ بني تغلبَ. وزوّرَ كتاباً، وحَشا جُرباً تراباً، وزعم أنه مالٌ، ورحلَ بهم متأهّبينَ فلما أشرفَ على بلادِ بني تغلب خَبَّرهُم بحقيقةِ الأمرِ وأنشدَهُم بيتَ الأخطلِ وقال: إنّما غضبتُ لكم فاثأروا بقومِكم. فشدّوا على بني تغلب بالبِشْرِ ليْلاً وهم غارّونَ غافلون آمنون، فقتلَ منهم مقتلةً عظيمةً وهرَبَ الأخطلُ من ليلتِه مُستَغيثاً بعبدِ الملكِ فلما دخلَ عليه أنشدَهُ:
لقدْ أوقَعَ الجحّافُ بالبِشْر وَقْعَةً ... الى اللهِ منها المُشْتَكى والمُعَوَّلُ
فإلاّ تُغَيّرُها قُرَيْشٌ بمُلكِها ... يكُنْ عن قُرَيشٍ مُستمازٌ ومَزْحَلُ
فقال له عبدُ الملك: الى أين يا بنَ اللّخْناء؟ فقال: الى النار يا أميرَ المؤمنين، فقال: واللهِ لو قلتَ غيرَها قطعتُ لسانَك. ثم إنّ الجحّافَ لَقي الأخطلَ بعد ذلك فقال:
أبا مالِكٍ هل لُمْتَني إذا حَضَضْتَني ... على القتلِ أمْ هل لامني لكَ لائِمُ
فهذا ما استجلَبَهُ الأخطلُ على قومِه وجناهُ عليهم بكلمةٍ ما كان أغناهُ عنها وأقدرَهُ على تركِها. ومَنْ كان عندَه من القوّةِ أن يُحرِّضَ بما حرّضَ به ما كان يليقُ أن يكونَ عندَه من الخَوَرِ ما يوجبُ قولَه: لقد أوقعَ الجحّاف ... البيت.
ولما أنشدَ جريرٌ عبدَ الملكِ قولَه:
أتَصْحو أمْ فؤادُكَ غيرُ صاحِ
قال له: بلْ فؤادُك يا بنَ اللّخْناء. فلمّا بلغَ قولَه:
تشكّتْ أمُّ حَرْزَةَ ثم قالتْ ... رأيتُ المورِدينَ ذَوي لِقاحِ
قال له: لا أروى اللهُ عَيْمتَها ثم أخرجَهُ خائباً، وكان سبَبُه ما بدأ به.
وينبغي للشاعرِ ألا يُسيءَ أدَبَهُ في خطابِ الممدوحِ ويتجنّبَ ما تسبقُ إليهِ الظّنّةُ في مثلِ قول أبي نواس:
سأشكو الى الفضلِ بنِ يحيى بن خالدٍ ... هَواها لعلّ الفضلَ يجمعُ بيْنَنا
فقال له الفضل: ويلك أما وجدتَ غيري يجمعُ بينكما؟، فقال: يا مولايَ إنّما وجمْعُ تفَضُّلٍ لا جمْعُ توصُّلٍ. ولَعمري إنّ له وجهاً يعلَّلُ به، ولقد كان عن التُهمةِ فيه غنيّاً. وتبعَهُ فيه أبو الطيبِ فجعلَ مكانَ الجمعِ الشفاعةَ. والجمعُ قد يكون بصلاتِ الممدوح، والشفاعة فلا تُؤَوّل بذلكَ، ففسدَ عليه المعنى بلفظة الشفاعة.
ومدح جرير بشرَ بنَ مروانَ بقصيدةٍ منها:
يا بشْرُ حُقَّ لوجهِكَ التبشيرُ ... هلاّ غضِبْتَ لَنا وأنتَ أميرُ
قد كانَ حقُّكَ أنْ تقول لبارِقٍ ... يا آلَ بارِقَ فيمَ سُبَّ جريرُ؟
فقال له بِشرٌ: قبّحَكَ اللهُ يا بنَ المَراغَة، أما وجدتَ رسولاً غيري؟! وقد أخذَ بلال على ذي الرُمّة كلمةً هي دونَ هذا المأخذِ لمّا أنشدَه:
سمِعتُ: الناسُ ينْتَجِعون غيْثاً ... فقلتُ لصَيْدَحَ: انْتَجِعي بلالا
تُناخي عندَ خيْر فتى يمانٍ ... إذا النكباءُ ناوَحَتِ الشِّمالا
صيدحُ اسمُ ناقتِه. فقال بلال: يا غلام مُرْ لَها بالقتِّ والنّوَى يريدُ أنّ ذا الرُمّة لا يُحسنُ المدحَ. وأقول: إنّهُ لم ينصِفْ ذا الرُمّة في ذلك؛ لأن الكلامَ يُحتَملُ أنّهُ أراد: فقلتُ لصاحبِ صَيْدَح، ويريدُ نفسَه، كما قال الحارثي:
وقفتُ على الديارِ فكلّمَتْني ... فما ملَكَتْ مدامِعَها القَلوصُ
يريدُ صاحبَ القَلوص وعنى نفسَهُ قال الله تعالى: (واسألِ القريةَ) أي أهلَ القرية. وإذا كان هذا التأويلُ ممكناً فلا نقْصَ على ذي الرمّة بإنكارِ بلالٍ.
ولقائلٍ أن يقول: فهلاّ اعتذرَ ذو الرُمّة عن نفسِه وقد قابله بلال بردّه؟ والجوابُ عن ذلك أنّ الحاكي لم يقُلْ: إنّ ذا الرُمّة ما اعتذرَ عن نفسِه ولا منع من ذلك، وإنّما كان قصدُهُ حكايةَ قولِ بلال. ويجوزُ أن يكونَ ذو الرُمّةِ قد اعتذرَ الى بلالٍ بذلك أو بغَيْرِه وافلجَ بحُجتِه. ويمكنُ أنه لم يفهمْ مقصدَ بلال بالقتّ والنّوى حتى يُجيبَ عنه، لأنه بدويٌ لا يعرفُ لحْنَ كلامِ الحضريين. والمقصودُ أنه لم يكن جاهلاً مقدارَ ما ذكرناه، ولا هو ببعيدٍ عنه. وأما قولُه: سمعتُ الناسُ برفعِ سينِ الناس فإنه رُفِعَ على الحكاية، أي سمعتُ قائلاً يقول: الناسُ ينتجعونَ، كما قال الآخر:
(1/81)

وجَدْنا في كتابِ تميمٍ ... أحَقُّ الخيلِ بالركضِ المعارُ
أحقُ مُبتدأ والمُعارُ خبرُه، بعينٍ غير مُعجمَة، وهو أنّ الفرسَ ينفلِتُ فيذهبُ يميناً وشمالاً من مرحِه وأرَنِه، يقال: عارَ الفارسُ وأعارَهُ صاحبُه فهو مُعارٌ. والناس يظنون المُعارَ من العارِية وهو خطأ.
ورواهُ بعضُ أهل الأدبِ بخط أبي عليّ الفارسي: المُغار بغين مُعجمةٍ، وهو من أغَرْتُ الحبْلَ فتلتُهُ فهو مُغارٌ. يعني أنّ الفرسَ إذا ضمَرَ واندمَجَ في شحمِه وذهبَتِ البِطْنَةُ عنه كان حقيقاً بالمسابقةِ به. وما رأيتُ العلماءَ باللغةِ اعتمدوا على هذا المعنى، والصحيحُ ما رَوَوْهُ أولاً.
وممّا ينبغي أنْ يتجنّبه الشاعرُ من سوءِ الأدب في خطابِه، ويعطفَ عليهِ جيّدَ البحثِ والتنقيبِ حتى يهتديَ الى صوْبِ صوابِه ما غلِطَ فيه الشُعراءُ وعابَهُ عليهم العُلماء، كقولِ بعضِهم وقد مدحَ زُبيدةَ وهي تسمعُ من أبياتٍ:
أزُبَيْدة ابنةُ جعفرٍ ... طوبى لزائرِك المثابْ
تُعطينَ من رِجْلَيْكِ ما ... تُعطي الأكفُّ من الرِّغابْ
فهمّ الخدمُ والحشمُ بضربه، فقالتْ: دعُوهُ فإنّه لم يُردْ إلا خيراً، ولكنهُ أخطأ الصّوابَ، وضلّ عن المنهجِ، لأنه سمعَ قولَهم في الشعر: شمالُكِ أندى من يمينِ غيرِك، وظهرُكِ أحسنُ من وجهِ سواك، فظنّ أن الذي ذهبَ إليه من ذلك القبيل، أعطوهُ ما أمّلَ ونبّهوهُ على ما أهمل. فعجبَ الناسُ من حِلمها وضياءِ حِسِّها وفهمِها، وليسَ كلُّ ممدوحٍ حليماً، ولا كلُّ سامعٍ عليماً. وقريبٌ من هذا ما رَثَى به أبو الطيّب والدةَ سيفِ الدولة بقوله:
رِواقُ العِزِّ فوقَكِ مُسْبَطِرٌ ... ومُلْكُ عليٍّ ابنِكِ في كمالِ
ولولا غَفْلةٌ ذهبتْ بعقلِ أبي الطيّب ورانَتْ على حِسّه وفهمِه لما خاطبَ ملِكاً في أمّه بذلك ولا جعلَ شيئاً مُسبطِرّاً فوقَها. وهذا كقوله أيضاً:
لو استطعتُ ركبتُ الناسَ كلَّهمُ ... الى سعيدِ بنِ عبدِ الله بُعْرانا
أوَ ما علمَ أبو الطيب أن زوجةَ سعيدٍ وأمَّه من جُملةِ الناس، فكيفَ ذهبَ عنهُ ذلك حتى اعتمدَه، وشافه الممدوح بهِ وأنشدَه؟! وللهِ درّ المتوكّل الليثيّ حيث يقول:
الشِّعْرُ لُبُّ المَرْءِ يعرِضُهُ ... والقولُ مثلُ مواقِعِ النَّبْلِ
منها المُقصِّرُ عن رَمِيّتِه ... ونواقِرٌ يَذْهَبْنَ بالخَصْلِ
أخذ ذلك من قولِهم: الشرُ كالنَّبْلِ في جَفيرك إذا رمَيْتَ به الغرضَ. فمنهُ طالِعٌ وواقِعٌ، وعاضدٌ وقاصرٌ. فالطالعُ الذي يعلو الغَرَضَ، لم يَزغْ عنه يميناً ولا شمالاً وهو مستحَبٌّ. والواقعُ الذي يقعُ بالغرضِ. والعاضدُ الذي يقعُ عن يمين الغرَض أو شمالِه، وهو شرُّها. والقاصرُ الذي يقصّرُ دونَ الغرض فلا يبلغه. وقوله: ونواقِرٌ يذهبنَ بالخَصْلِ، أي صوائب، يُقال: نقرَ السّهمُ فهو ناقِرٌ إذا أصابَ، والنَواقِر: الدواهي.
وينبغي للشاعر أن يجتنبَ التناقضَ في شعره، فإنّه من أوْفَى عيوبِ الشرِ الدالّة على جهلِه بالمعاني ووضْعِ الكلام مواضِعَهُ. وقد عيبَ على جماعةٍ من الشعراء القدماءِ ذلك، وهو أنّ الشاعرَ يبتَدئُ بشيءٍ ويقرره ثم يعطِفُ عليه، إمّا في باقي البيتِ أو في الذي يليه، فينقضُ ما بناهُ، ويأتي بما يخالفُ معناهُ فمن ذلك ما ناقضَ فيه على سبيلِ المُضافِ عبدُ الرحمن القَسُّ حيث يقول:
وإنّي إذا ما المَوْتُ حلّ بنفسِها ... يُزالُ بنفسي قبلَ ذاكَ فأُقْبَرُ
جمعَ بين قبلُ وبعدُ وهما من المُضاف، لأنه لا قَبْلَ إلا لبَعْدٍ ولا بعدَ إلا لقَبْلٍ. فإنّ قولَه: إذا حلّ الموتُ بها، وفي هذا الكلام معنى الشرط وقد وضعَهُ ليكونَ له جواباً يأتي به، وجوابُه: يُزالُ بنفسي قبلَ ذاك، وهذا تناقضٌ مِثالهُ قولُ القائل: إذا ماتَ زيدٌ ماتَ عمروٌ قبلَهُ، فجعلَ ما هو قبلُ بعْداً وهذا معنىً يغلطُ فيه خلْقٌ كثيرٌ ولا يُحقّقونه.
ومثلُه في التناقُض على سبيلِ الإيجابِ والسّلْبِ قولُه أيضاً:
أرى هجْرَها والقتلَ مِثْلَيْنِ فاقْصُروا ... ملامَكُمُ فالقتلُ أعْفى وأيْسَرُ
(1/82)

فأوجبَ أنّ الهجرَ والقتلَ مِثلانِ، ثم سلبَهما ذلك بقوله: إنّ القتلَ أعفى وأيسَر، فكأنّه قال: إنّ القتلَ مثلُ الهجر وليس هو مِثله. ومن ذلك قولُ ابن نوفل:
لأعلاجٍ ثمانيةٍ وشَيْخٍ ... كبير السّنِّ ذي بصَرٍ ضَريرِ
ضرير: فعيل من الضُرّ، ولا يُستعملُ في الأكثرِ إلا لمَنْ لا بصَرَ له؛ فكأنّه يقول: إنّ لهُ بصَراً ولا بصَرَ له؛ فهو بصيرٌ أعمى، وهذا تناقضٌ ظاهر. وقال مسلمُ بنُ الوليد:
عاصَى الشبابَ فراحَ غيْرَ مفنَّدِ ... وأقامَ بينَ عزيمةٍ وتجَلُّدِ
قال له الحَكَميّ: كيفَ يكونُ الإنسان رائحاً مُقيماً، والرّواحُ لا يكونُ إلا بانتقالٍ منْ مكانٍ الى مكان، ثم قلتَ وأقام بين عزيمةٍ وتجلُّدِ، فجعلتهُ مُنتقِلاً مُقيماً. وهذا تناقض وله عندي حُجّةٌ ليسَ هذا موضعَ ذكرِها. وقال محمودُ بنُ مروانَ ابن أبي الجَنوب:
لي حيلةٌ فيمَنْ ينُ ... مُّ وليسَ في الكذّابِ حِيلَهْ
من كانَ يخلُقُ ما يُري ... دُ فَحيلَتي فيهِ قَليلهْ
ناقضَ لأنه قال: وليسَ في الكذّابِ حيلة، ثم قال: فحيلتي فيه قليلة. وهذا ظاهرٌ بيّنٌ.
وينبغي للشاعرِ أنْ يتجنبَ التّثْليمَ، وهو أنْ يجيءَ بالأسماءِ ناقصةً لإقامةِ الوزن، كقولِ علقمةَ بنِ عَبَدة الفَحْل:
كأنّ إبْريقَهُمْ ظَبْيٌ على شرَفٍ ... مُفَدّمٌ بِسَبا الكَتّانِ مَلْثومُ
أرادَ بسبائِبِ الكتانِ فحذفَ. وكقول لبيد:
درَسَ المَنا بمُتالِعٍ فأبانِ
أرادَ المنازلَ فحذفَ. وقال إسحاقُ بنُ خلفٍ البصري:
ولُبْسُ العَجاجةِ والخافقاتُ ... تريكَ المَنا برؤوسِ الأسَلْ
أراد المنايا فحذفَ. وقال الآخر: وهذا يُسمّى التّغييرُ؛ وهو إحالةُ الاسمِ عن صورتِه:
ونسْجِ سُلَيْمٍ كلَّ قضّاءَ ذائِلِ
أراد: ونسج سُليمان، فحذفَ النون. وقال الآخر:
من نسْجِ داودَ أبي سَلاّم
فجعلَ سليمانَ سَلاّماً وهو تغييرٌ قبيحٌ.
وينبغي للشّاعِرِ أن يتجنّبَ التذنيب وهو ضِدُّ التثليم، وذاك أن يأتي بألفاظٍ تُقصِّرُ عن إقامةِ الوزن فيزيدُها حروفاً ليفتِمّ عروضَ البيت كقولِ الشاعر:
لا كعَبْدِ المليكِ أو كيزيدٍ ... أو سُليمانَ بعْدُ أو كهِشامِ
أرادَ أن يقول: كعبدِ الملكِ، يعني ابنَ مروان، فجعلَه كعبدِ المليكِ لإقامةِ الوزنِ. والمليكُ والمَلِكُ اسمان للهِ تعالى، وليس إذا سُمّي إنسانٌ بالتعبّدِ لأحدِهما وجبَ أن يُدعى بالآخر كما أنّ من سُمِّيَ بعبدِ الرحمنِ لا يجبُ أن يُدعَى بعبدِ الرحيم.
وينبغي للشّاعرِ أنْ يتجنّب الإخلالَ، وهو أن يتركَ من اللفظِ ما يتمُّ به المعنى، كقولِ عُبَيْدِ اللهِ بن عبد الله بن عُتْبَةَ بن مسعود:
أعاذِلَ عاجِلُ ما أشْتَهي ... أحَب من الأكثرِ الرائِثِ
أرادَ أن يقول: عاجلُ ما أشتهي مع القِلّةِ أحبُّ إليّ من الأكثر المبطئ، فتركَ مع القلّةِ وبهِ يتمّ المعنى. وقال عُرْوَةُ بنُ الورد:
عجِبْتُ لهُمْ إذ يقتلونَ نُفوسَهُم ... ومقتلُهُمْ يومَ الوَغى كانَ أعْذَرا
أراد: عجبْتُ لهم إذ يقتلون نفوسَهم في السِّلْم ومقتلُهم يومَ الوَغى أعذرُ، فتركَ في السلم وبه يتِمُّ المعنى.
وينبغي للشاعِرِ أن يتجنب الزيادة كما يجبُ أن يتجنّبَ الإخلالَ وهو أن يأتي في الكلامِ بما لا حاجةَ له إليه فيفسد ما قصدَهُ من المعنى بتلك الزيادة كما قال الشاعر:
فَما نُطْفَةٌ من ماءِ نهْضٍ عَذيبةٌ ... تمنّعُ من أيدي الرُقاةِ يرومُها
بأطيبَ من فيها لو انّكَ ذُقْتَهُ ... إذا ليلةٌ أسْجَتْ وغارَتْ نجومُها
قولُه: لو أنّك ذُقتَه، زيادة أفسدَ بها المعنى، لأنه أوْهمَ أنك إذا لم تذُقْهُ لم يكن طيّباً. ولو قال: بأطيبَ من فيها وإنّي لَصادِقٌ، لكان أوكدَ في الإخبارِ وأصحّ في الانتقادِ.
وينبغي للشاعرِ أن يتجنّب فسادَ التفسير وهو أن يقَرِّرَ معنىً ثمّ يحاولَ تفسيرَ ما قرّره، فلا يأتي بما يطابقُ ما قدّمَه فيُفسِدَ تفسيرَه ويُغايرَ تقريرَه، كما قال الشاعر:
فيا أيُّها الحيْرانُ في ظُلَمِ الدُجى ... ومَنْ خافَ أن يَلْقاهُ بغْيٌ من العِدَى
(1/83)

تعالَ إليهِ تلْقَ من نورِ وجهِه ... ضِياءً ومن كفّيْهِ بحْراً من النّدى
لمّا قابلَ الظّلَم في البيت الأول بالضياءِ في البيت الثاني كان مُصيباً مُجيداً، ووجبَ عليه أن يقابلَ الخوفَ من بغْي العِدى بالانتصارِ عليهم والإذالةِ لهمُ، فتركَ ذلك وفسّرهُ بغير اقرّرَهُ فقال: ومن كفّيْهِ بحْراً من النّدى. وكان ينبغي أن يكون ذلك في جوابِ الشكوى من الفقر. ولو قال: ومن كفَّيْهِ نَصراً مؤيَّداً أو ما يقاربُ هذا، كان مُصيباً، فاعْرِفْهُ وقِسْهُ.
وينبغي للشاعر أن يتجنّب تكلُّفَ القوافي واستِدعاءَها مع إبائِها وامتناعِها، فإنه يشغَلُ معنى البيت بقافيةٍ قد أتى بها متكلَّفةً صعبةً، فهو عيبٌ قد نصّ العلماءُ عليه؛ ألا ترى الى قول أبي تمام:
كالظّبْيَةِ الأدماءِ صافَتْ فارْتَعَتْ ... زَهْرَ العَرارِ الغضِّ والجَثْجاثا
فبنى البيتَ جميعَه لطلب هذه القافيةِ، وشغلَ المعنى بها، وليس في وصف الظبيةِ بأنّها ترعى الجثجاثَ زيادةُ حُسْنٍ على رعْيِها القَيْصومَ والشيحَ.
وتبع أبو الطيّب أبا تمّام في ذلك فقال:
جَلَلاً كما بي فلْيَكُ التّبريحُ ... أغِذاءُ ذا الرَّشأ الأغنِّ الشّيحُ
هذا بيْتٌ فيه عدةُ عُيوب: منها حذْفُ النونِ في فليَكُن وقد تقدّم ذكرُه، ومنها حذفُ النون مع الإدغام، ومنه عباعُدُ ما بين الجملة الصّدريّة منه والجُملة العجُزيّة حتى لا مُلاءَمَةَ بينهما؛ لأنه بدأ بذكرِ تباريحِهِ وأشجانِهِ، ثم تركَ ذلك وعدلَ الى السؤالِ عن غذاءِ الرشأ، وما تقدّمَ من شكوى تباريحه لا يليقُ بالسؤالِ عن غذاءِ الرشأ. ولو قال إنّ الذي أشكوهُ من التباريحِ في حُبِّ رشأٍ ليسَ من مراعيهِ الشيحُ لجازَ، ولكنهُ كما تَرى. وبعدُ فليتَ شعري! هل هذا الرشأُ الأغنُّ الذي أرادَ في النيّةِ أنه يُشبِهُ حَبيبَهُ إذا ارتَعى القَيْصومَ والبريرَ والكَباثَ وغيرَ ذلك من مراعي الظِّباءِ، يزولُ عنه الشبهُ لحبيبهِ لاختلافِ مراعيهِ التي يغتذى بها؟ فإنْ كان الأمرُ كذلك فحُسْنُه وشَبَهُهُ في الشيحِ لا غير، ولولا تكلّف القافيةِ لما دعتْهُ الضرورةُ الى تعسُّفٍ أفسدَ المعنى به. وقد استَوْفَيْنا في الرسالة العلوية أقسامَ ما في هذا البيت. وقال عبدُ اللهِ العبْليُّ:
ووقاكَ الحُتوفَ من وارِثٍ وا ... لٍ وأبقاكَ صالِحاً ربُّ هُودِ
لولا القافيةُ لأمكنَ أن يقول: ربُّ نوحٍ أو ربُّ لوطٍ، إذْ ليس النِّسبةُ الى الله تعالى بأنّه ربُّ هودٍ بأجودَ من النسبةِ إليه تعالى أنه ربُّ إبراهيم وإسماعيل. ولكنّ القافيةَ الى ذلك ساقَتْهُ، ومن غُصَصِ الاضطرارِ سقَتْهُ.
وقد يجيءُ من القوافي ما يكون رُقَى العقاربِ أحلى منه. فمن ذلك قولُ أحمدَ بنِ جَحدرٍ الخُراساني:
وما شَبْرَقَتْ من تَنوفيّةٍ ... بها منْ وحَى الجِنِّ زِيزَيْزَمُ
وقال محمد التَيْميّ:
أخطأْتَ وجه الحَقِّ في التّطَخْطُخِ ... لَتَمْطَخَنّ برشاءٍ مِمْطَخِ
وقال ابن مناذر:
ومن عاداكَ لاقى المَرْمَريسا
وقال أبو تمّام:
ورَمَوْهُ بالصّيْلَمِ الخَنْفَقيقُ
لو أن الخَنفَقيقَ في بحرٍ لكدّرتْهُ.
وقد يجيء من القوافي ما يقعُ موقِعاً لو اجتهدَ الشاعرُ أن يسدّ غيرُه مسدَّهُ لأعْياهُ ذلك وعنّاهُ، وتعذّرَ عليه نقضُ ما أسّسَهُ فيه وبناه. وعلى مثلِه يجبُ أن ينَقِّبَ الشاعر. فمن ذلك قولُ عُروَةَ بنِ أُذينَةَ اللّيْثيّ:
منَعَتْ تحيّتَها فقلتُ لصاحبي ... ما كان أكثرَها لنا وأقلَّها
فدَنا وقال: لعلّها معْذورةٌ ... في بعضِ ما منَعَتْ فقلتُ: لعلّها
فقولُه في القافية لعلها لا يقعُ موقِعَه شيءٌ مثلُها. وقال أبو نواس:
أنتَ تبقَى والفناءُ لَنا ... فإذا أفْنَيْتَنا فكُنِ
قولُه فكُنِ لا يقعُ في حرفِ النونِ قافيةٌ موقعها.
وقالت عُليّةُ ابنةُ المهديّ:
ومُغتربٍ بالمَرْجِ يبكي بشَجْوِه ... وقد بان عنهُ المُسعِدونَ على الحُبِّ
إذا ما أتاهُ الرّكبُ من نحو أرضِه ... تنسّمَ يسْتَشْفي برائحةِ القُرْبِ
(1/84)

كان للركبِ من هذا المكان موضِعٌ حسَنٌ ولكنها رأتْ القُربَ أحقَّ به؛ لأن الركبَ لولا القربُ لم يُسْتَشْفَ برائحتِه، فإذا أمكنَ استعمالُ الأصلِ لم يبْقَ للفرعِ النائبِ عنهُ موضعٌ وإن سدّ مسدّاً حسَناً. وقال ابن المعتزّ يصفُ اليَمام:
حتى عرَفْنَ البُرْجَ بالآياتِ ... يلوحُ للناظرِ من هَيْهاتِ
هيهات في هذا الموضع قافيةٌ لا يقَعُ غيرُها موقعَها فهي عاليةٌ على مَنْ رامَها، غاليةٌ على اسْتامَها. ولابنِ المعتزّ في وصفِ فرسيْنِ تباريا في السرعةِ يقول:
وكمْ قد غدَوْتُ على سابِحٍ ... جَوادِ المِحَثّةِ وثّابها
تُباريهِ جرْداءُ خيْفانَةٌ ... إذا كادَ يسبِقُ كِدْنا بِها
وقال المعتمدُ محمد بن عبّاد المغربي وكتبَ بها الى أبيه:
مولايَ أشكو إليكَ داءً ... أصبحَ قلبي به قريحا
سُخْطُكَ قد زادَني سَقاماً ... فابْعَثْ إليّ الرِّضا مَسيحا
فقولُه مسيحاً من القوافي التي لا يسدّ غيرُها مَسدُّها. ومن ذلك قولُ مهيار:
وقالوا: يكونُ البيْنُ والمرءُ رابطٌ ... حشاهُ بفضْلِ الحزمِ؟ قلتُ: يكونُ
وقال الصَّنَوْبَري:
وافَتْ منيّتهُ الستينَ وا أسَفا ... إذ لمْ يكنْ عُمْرُهُ سِتينَ سِتينا
وقال آخر:
عهْدي بظلِّكَ والشّبابُ نزيلُه ... أيّامَ ربعكَ للحسانِ عُكاظُ
القافيةُ ظائيةٌ لا يسدُّ موضعَها غيرُ عكاظ، وهو اسمُ سوقٍ للعرب بناحيةِ مكةَ كانوا يجتمعون بها كلّ سنة. وأمثالُ ذلك في الشعرِ القديمِ والحديثِ كثير.
وينبغي للشاعرِ ألا يخالفَ الشعراءَ المتقدمينَ في عوائدهم إذا شبّهوا، ومقاصِدِهم إذا أيْقَظوا ونبّهوا، فإنّ ذلك ممّا يُعابُ به، ويُعدُّ من ذنوبِه. ألا ترى العلماء كيفَ عابوا على المرّارِ قوله:
وخالٍ على خدَّيْكَ يبدو كأنّهُ ... سَنا البَدرِ في دعْجاءَ بادٍ دُجونُها
والمعلومُ أنّ الخالَ أسودُ، والخدَّ أبيضُ، فعكسَ المرّارُ وجعل الخالَ كسَنا البدرِ نوراً، والخدَّ كالليلِ سواداً، وهذا غير ما جرَتْ به عادةُ الشُعراء في وصفِ الخال. والمعروفُ كقوْلِ العباسِ بن الأحنف:
يُقطِّعُ قلبي حُسْنُ خالٍ بخَدِّها ... إذا سفَرَتْ عنه تنغّمَ بالسِّحر
لَخالٌ بذاكَ الخدِّ أحسنُ منظراً ... من النُّكتةِ السوداءِ في وضَحِ البدر
وكقولِ عبدِ الملك الحارثي في وصفِه:
كأنّ نُقطَةٌ بمِسْكٍ ... لائحةٌ في بياضِ عاجِ
وكقول الصّنوبريّ:
والخالُ في الخَدّ إذ أُشَبِّهُهُ ... زهْرةُ مِسْكٍ على ثَإى تِبْرِ
وكقول الآخر:
كأنّهُ من سبَجٍ فاحِمٍ ... مركَّبٍ في لُؤلؤ رطْبِ
ومثْلُ هذا المعنى في الشِّعرِ كثير. ولما أتى المرّارُ بما خرَقَ فيه الإجماع وخالفَ العَيانَ والسَّماع، عدّه أهلُ الأدب عيباً عليه وخطأ منه.
وممّنْ خالَفَ عوائدَ الشُعراء في مقاصدِهم الحكَمُ الخُضْري بقوله:
كانت بنو غالبٍ لأمّتِها ... كالغيْثِ في كل ساعةٍ يكِفُ
وليس المعهودُ من الغيْثِ أن يكفَ في كلّ ساعةٍ، ولا وصَفَ الشعراءُ الغيثَ بالوكْف في كلّ ساعة ولا كلّ شهرٍ، وإنّما شبّهوا الممدوحَ بالغَيْث لعمومِ إفْضالِه، وأنّه لا يشُحُّ بنوالِه، كما يعُمّ الغيثُ بتهطالِه، ولا ينْحَلُّ بريِّقِ سَلْسالِه. ومعانيهم في هذا كثيرة.
وممّنْ خالفَ عوائدَ الشعراء في تشبيهاتِهم أحمدُ بن أبي فنَنٍ حيث يقول:
لا تَميلنّ فإنّي ... خائفٌ أن يتقصَّفْ
وإنّما يُشَبّهُ المحبوبُ بالقضيبِ اللّدْنِ والخُوطِ الرّطْبِ، ولا يوصَفُ بأنّه يتقصّف. وابنُ أبي فنَن تبعَ في قولهِ قيْسَ بنَ الخَطيم. وقد سبَقَ القول أن الشاعرَ ينبغي أن يقتدي بمن أحسَنَ من الشُعراء وأجاد، لا بمَنْ أساءَ وخالف القانونَ المُعتادَ. قال ابنُ الخطيم:
كأنّها عودُ بانةٍ قَصِفُ
وقال ابنُ الرومي في ذمِّ ابن أبي فنَن على قولِه يتقصّف:
أيها القائلُ إنّي ... خائفٌ أن يتقَصّفْ
ليسَ هذا الوصفُ إلاّ ... وصْفَ مصْلوبٍ مُجَفَّفْ
وقال أبو نُواس في مثل قوله:
(1/85)

غُلامٌ فوقَ ما أصِفُ ... كأنّ قوامَهُ ألِفُ
إذا ما مالَ يرْعَبُني ... أخافُ عليهِ ينْقَصِفُ
ولمّا قال أبو الطيّب:
دون التّعانُقِ ناحِلَيْن كشَكْلَتيْ ... نصْبٍ أدقَّهُما وضَمّ الشّاكلُ
عِيبَ ذلك عليه لأنه خالفَ مذهبَ الشعراءِ فيه وجعلَ نفسَهُ ومحبوبَهُ في النّحولِ سَواءً، والعادةُ أن يوصَفَ العاشِقُ بالنحولِ دونَ المعشوقِ، كقولِ ديك الجنّ:
كِلانا غُصُنٌ شَطْبُ ... فَذا بالٍ وذا رَطْبُ
إذا ما هبّتِ الريحُ ... ومالَ المِرْطُ والإتْبُ
أبانَتْ منهُ ما طابَ ... ومني ما بَرَى الحُبُّ
وأما تشبيهُ نفسِه وحبيبهِ بشكلَتَيْ نصْبٍ ولابُدّ من خلَلٍ وافتراقٍ بينهما، وعادةُ الشُعراءِ في شِدّةِ الالتزامِ وتضايُقِ العِناق غيرُ ذلك، كما قال ابنُ الجهْم وابنُ المُعتزّ وغيرُهما، وقد استوفَيْنا الكلامَ والإنشادَ عليه في الرسالة العلويّة، وبلَغْنا فيه الغايةَ. ونصَبَ ناحلَيْن على الحالِ كأنّه قال: كمْ وقفةٍ وقفنا دونَ التعانُق ناحلَيْن.
وينبغي للشّاعرِ أن يُحسنَ الاستعارةَ ويتجنّبَ فيها المآخذَ التي أُنكِرَتْ على سواه، فالسعيدُ مَنْ وُعِظَ بغيرِه، فمن ذلك قولُ أبي نُواس:
لمّا بَدا ثعلبُ الصّدودِ لَنا ... أرْسَلْتُ كلْبَ الوصالِ في طَلَبِهْ
وقال أبو العُذافِرُ العَمّي:
باضَ الهَوى في فؤادي ... وفرّخَ التّذْكارُ
وقال الآخر:
ضِرامُ الحبِّ عشّشَ في فؤادي ... وحضّنَ فوقه طيْرُ البعادِ
وأنْبَذَ للهوى في دنّ قلبي ... فعَربدتِ الهمومُ على فؤادي
هذه استعاراتٌ كمَن لبسَ ثيابَ حِدادٍ في عُرْسٍ. وقال أبو تمام:
لا تسْقِني ماءَ المَلامِ فإنّني ... صبٌّ قد استعذَبْتُ ماءَ بُكائي
ماءُ المَلامِ من الاستعاراتِ القبيحة. وقال أيضاً:
لم تُسْقَ بعدَ الهوى ماءً على ظمأٍ ... كماءِ كافيةٍ يَسقيكَهُ فهِمُ
وقال أيضاً:
فضَربْتَ الزّمانَ في أخْدَعَيْهِ ... ضرْبَةً غادَرَتْهُ عَوْداً رَكوبا
ولأبي الطيّب في هذا الباب أشعارٌ تُعَدّ من العجَبِ العُجاب، منها قوله:
مسَرّةٌ في قلوبِ الطِّيبِ مفْرِقُها ... وحسْرةٌ في قلوبِ البيضِ واليَلَبِ
جعلَ للطيبِ والبيضِ واليَلبِ قلوباً تُسَرُّ وتتحسّرُ. وقوله:
وقد ذُقْتُ حلواءَ البَنين على الصِّبا ... فلا تحْسَبَنّي قلتُ ما قلتُ عن جهْلِ
وقولُه:
فكأنّه حسِبَ الأسنّةَ حُلْوَةً ... أو ظنّها البَرْنيَّ والآزاذا
وقولُه:
تستغرِقُ الكَفُّ فوْدَيْهِ ومنكبَهُ ... فتكتسي منهُ ريحَ الجوْرَبِ العرِقِ
وقولُه:
خَلوقيّةٌ في خَلوقِيّها ... سُوَيْداءُ من عِنَبِ الثّعلَبِ
وله من هذا أشعار كثيرة.
وقريبٌ من هذه الأشعار حكايةٌ أخبَرَني بها عبدُ الرحمن الدَقّاق بقراءَتي عليهِ في سنة ثلاثَ عشرةَ وستمائة قال: أنبأني ابنُ خيرون عن الجوهري عن المَرزُبانيّ قال: أخبرَني الصّوليُّ قال: حدّثَني يموتُ بنُ المُزَرَّع قال: كان لمحمّد بن الحسن الحِصْنيّ ولدٌ فقال له يوماً: إني قد قلتُ شعراً، فقال الحصنيّ: أنشِدْنيهِ يا بنيَ لئِلا يلعبَ بكَ شيطانُ الشِّعر، قال: فإنْ أجدتُ أتَهَبُ لي جاريةً أو غُلاماً؟ فقال: بل أجمعُهُما لك، فأنشدَه:
إنّ الديارَ بميَّفا ... هيّجْنَ حُزناً قد عَفا
أبْكَيْنَني لشقاوَتي ... وجعلنَ رأسي كالقَفا
فقال الحِصنيّ: والله يا بني ما تستحقُّ بهذا جاريةً ولا غُلاماً، ولكنْ أمُّك مني طالِقٌ ثلاثاً إذا ولدَتْ مثلَك.
وينبغي للشاعر أن يتجنّبَ الإغارةَ وقد قدّمنا في أقسامِ السّرِقاتِ المذمومةِ ذِكْرَها وهي: ادعاءُ اللفظِ والمعنى من غير أن يُفكِّرَ الشّاعرُ أن يتعنّى، فما ذُمَّ شاعرٌ في السّرقاتِ بأقبحَ منها، ومثال ذلك قال والِبةُ بن الحُباب:
يا شقيقَ النّفْسِ من أسَدِ ... نِمْتَ عن ليلي ولمْ أكَدِ
أخذَهُ أبو نُواس فقال:
(1/86)

يا شقيقَ النفسِ من حكَمِ ... نِمْتَ عن ليلي ولمْ أنَمِ
وقول والبةَ أبلغُ لأنّه قال: لم أكَدِ ومن لم ينَمْ قد يكادُ ينام. ومعظمُ شِعر أبي الطيّب من هذا القِسْم، فمن ذلك قوله:
كفَلَ الثناءُ له برَدِّ حياتِه ... لمّا انطوى فكأنّهُ منْشورُ
أخذَهُ من أبي القوافي الأسديّ حيثُ يقول:
ردّتْ صنائِعُهُ عليهِ حياتَهُ ... لمّا انطَوى فكأنّه منشورُ
وقال المتنبي:
وإنّي لتُغْنِيني عن الماءِ نُغْبَةٌ ... وأصبرُ عنه مثلما تَصبِرُ الرُّبْدُ
أخذَه من مروانَ بنِ أبي حفصة حيثُ يقول:
وإنّي لتُغنيني عن الماءِ نُغْبَةٌ ... وأصبرُ عنه مثلَ صبْرِ الأباعِرِ
وأرفعُ نفسي عن صِغارِ مطامِعٍ ... إذا أعوزتني مُرغباتُ الأكابرِ
وقال المتنبي:
ومن نكَدِ الدُنيا على الحُرِّ أن يرَى ... عدّواً لهُ ما مِنْ صداقَتِهِ بُدُّ
أخذهُ من إسحاق الموصلي حيث يقول:
ومنْ نكَدِ الدُنيا على الحُرِّ أن يرى ... عدوّاً فيَهْوى ان يُقالَ خليلُ
وقال المتنبي:
كأنّ بناتِ نعْشٍ في دُجاها ... خَرائِدُ سافراتٌ في حِدادِ
أخذَه من أبي العبّاس الناشئ حيثُ يقول:
كأنّ مُحجّلاتِ الدُّهْمِ فيهِ ... خرائدُ سافراتٌ في حِدادِ
وقال المتنبي:
كالشّمسِ في كَبدِ السّماءِ وضوؤها ... يَغْشى البِلادَ مَشارِقاً ومَغارِبا
أخذَه من ابن الروميّ حيث يقول:
كالشمسِ في كبِدِ السّماءِ محلُّها ... وشُعاعُها في سائرِ الآفاقِ
ولو استقصَيْنا أقسامَ سَرقاتِه في هذا القِسْم خاصةً لأفْرَدْنا لها كتاباً.
ومن حقّ الشاعر أنه إذا أخذ معنىً قد سُبقَ إليه أن يغيّر ألفاظَه ويصنعَه أجودَ من صَنعةِ السابق إليه، أو يزيدَ فيه عليه حتى يستحقّه. فأما إذا أتى بلفظِهِ ومعناهُ فذاكَ عيْبٌ قبيحٌ عندَ الشُعراء المقصّرينَ فضلاً عن المُجيدين.
وينبغي للشّاعرِ أن يوفّقَ بين التشبيهِ والمُشبّهِ به ويراعي ذلك، بحيثُ لا يأتي الكلام متنافراً والمعاني متباعدةً، فإنّه إذا أنعم النظرَ في تأليفِ شِعرِه، وتنسيقِ أبياتِه، ووقفَ على حُسْنِ تجاوُرِه أو قُبْحِه فلاءم بينها، ونظمَ معانيها، ووصل الكلامَ فيها، كان مُجيداً، مع الشعراء المجيدينَ معدوداً. ألا ترى ابنَ هرْمَة وقولَه:
وإني وترْكي نَدَى الأكرمينَ ... وقَدْحي بكفّي زِناداً شِحاحا
كتارِكَةٍ بيضَها بالعَراءِ ... ومُلْبِسةٍ بيْضَ أخرى جَناحا
والفرزدقَ وقولَه:
وإنّك إذْ تهجو تميماً وترْتَشي ... سَرابيلَ قيْسٍ أو سُحوقَ العمائِمِ
كمُهْريق ماءٍ بالفاةِ وغرَّهُ ... سَرابٌ أذاعتْهُ رياحُ السّمائمِ
قال ابنُ طَباطِبا العلوي: لو أنّ ثاني بيْتَي ابن هرْمة عِوَضٌ عن ثاني بيْتَي الفرزدق، وثاني بيْتَي الفرزدق عوض عن ثاني بيتي ابن هرمة لصحّ التشبيهُ لهما واتّسقَتْ معاني شِعْرَيْهما، وإلا فالتشبيهُ في الشّعرين غيرُ واقعٍ موقِعَهُ وهذا نقدٌ من ابن طباطبا في أعلى درجاتِ الحُسنِ والإدراك.
وينبغي للشاعر ألا يصِفَ ممدوحَه في فنٍّ من فنونِ كرَمِه وعلمِه وبراعتِه وشجاعتِه وشرفِ محْتِدِه وأصالةِ بيتِه وجميع ما يُضَمّنُه شعرَهُ من مدحه، إلا ويطلبُ فيه الغايةَ ولا يقتنعُ فيه بدونِ النهاية. فإنّ الشّاعِرَ إذا أتى بمعنىً قد قصّر فيه لا يعذِرُهُ ناقدُهُ ولا يقول: عملُهُ على قدرِ ممدوحِه. ولمّا أنشدَ كُثيّرٌ عبدَ الملكِ مدحَتَه التي يقول فيها:
على ابنِ أبي العاصي دِلاصٌ حَصينةٌ ... أجادَ المُسَدّي سَرْدَها وأذالَها
يَؤودُ ضَعيفَ القومِ حمْلُ قتيرِها ... ويستَضْلِعُ القرْمُ الأشَمُّ احتمالَها
قال له عبد الملك: ألا قُلتَ كما قال الأعشى لقَيْس بن معْديكَرب:
وإذا تجيءُ كتيبةٌ ملمومَةٌ ... خرْساءُ يخْشى الذائِدونَ نهالَها
كُنتَ المُقدَّمَ غيرَ لابِس جُنّةٍ ... بالسّيْفِ تضْرِبُ مُعلِماً أبْطالَها
(1/87)

فقال كثيّر: إنما وصفَ الأعشى صاحبَهُ بالطّيشِ والخُرْقِ والتغرير، ووصفتُك بالحزْمِ وحصافةِ الرأي والعملِ على الحياطة، فرضيَ عبدُ الملكِ بقوله. وقولُ الأعشى في صناعة الشعرِ وحُكْمِ الشّجاعةِ والبسالةِ، أبلغُ وأحسن. وكثيّر مقصّر عن ذلك الوصف ولكنّه عُذْرٌ دفَعَ به خصمَه، وتمّم به نقصَهُ. وهذا كعُذرِه الى محمد بن عليٍّ الباقر رحمهما الله تعالى حين قال له يا كثيّر، أتزْعُمُ أنّك من شيعتنا ومُحبّينا وتمدحُ آلَ مروان؟ قال: يا مولايَ إنّما أسخَرُ منهم وأستهزئُ بهم، وأجعلُهم حيّاتٍ وعقارِبَ وليوثاً، والليوثُ كلابٌ، وآخذُ أموالَهم وملابسَهم، كقولي لعبدِ العزيزِ بنِ مروان حينَ عتَبْتُ عليهِ فنفرَ بعضَ النفور:
وكنتُ عتبتُ معْتِبَةً فلجّتْ ... بيَ الغُلَواءُ عن سَنَنِ العِتابِ
وما زالتْ رُقاكَ تسُلُّ ضِغْني ... وتُخرِجُ من مكانِها ضِبابي
ويَرْقيني لكَ الراقونَ حتّى ... أجابكَ حيّةٌ تحت الحجابِ
فجعلتُه راقياً للحيّات. وقلت لعبد الملك:
تَرى ابنَ أبي العاصي وقد صُفّ دونَه ... ثمانونَ ألفاً قدْ تَوافَتْ كُمولُها
يُقلِّبُ عينَيْ حيّةٍ بمَحارَةٍ ... أضافَ إليها السارياتِ سبيلُها
يصُدُّ ويُغْضي وهْوَ ليْثُ خفيّةٍ ... إذا أمكَنَتْهُ عدْوَةٌ لا يُقيلُها
فلما سمِع رحمَهُ اللهُ ذلك منه قال: يا كُثيّر، من أرادَ الآخرةَ لم يرغبْ في حُطام الدنيا. وهذا دليلٌ على أنه لم يقبلْ عُذْرَ كثيّر، وهو كعُذرِ ابن الرُقيّاتِ في قوله:
وبعضُ القوْلِ يذهَبُ في الرياحِ
والحكايةُ معروفة.
وينبغي للشّاعرِ أن يُقرِّبَ مأخذَهُ ولا يُبعّد مُلتَمَسَه ولا يقصِدَ الإغرابَ فإنه إذا دقّ أغلقَ، وإذا استعملَ وحشيَّ اللغةِ نفرَتْ عنهُ مسامعُ الرّواةِ، وأن يوردَ المعنى باللفظِ المعتادِ في مِثلِه، وأن تكون استعاراتُه وتشبيهاتُه لائقةً بما استُعيرَتْ له وشُبِّهَتْ به، غيْرَ نافرةٍ عن معانيها. فإنّ الشِّعرَ لا تروقُ نضارتُهُ وتشرقُ بهجتُهُ وترقُّ حواشيه، وتورقُ أغصانُه، ويعجبُ أقاحيه، إلا إئا كان بهذه الصِّفَة، وإذا اتفق مع ذلك معنىً لطيفٌ أو حكمةٌ غريبةٌ أو أدبٌ حسَنٌ، فهو زيادةٌ في بهاءِ الشعرِ، وإنْ لمْ يتفقْ فقد قامَ الشعرُ بنفسِه واستغنى عمّا سواه. وإذا سلكَ الشاعرُ غيرَ هذا المذهبِ المُذْهَب، وكان لسانُه ولفظُه مُقصّرَيْن عن إدراكِ هذا المطلبِ، حتى يعتمدَ على دقيقِ المعاني بألفاظٍ متعسّفةٍ، ونسجٍ مُضطَربٍ، وإن اتّفقَ في ضمنِ ذلك شيءٌ من سليمِ الرّصْفِ، وقويمِ النّظْمِ، قُلنا له: قد جِئْتَ بحكمةٍ، فإن شئتَ دعَوْناكَ حكيماً ولا ندعوكَ شاعراً ولا بليغاً؛ لأنك ذهبتَ غيرَ مذْهَبِ الشُعراءِ البُلغاءِ. وهذه طريقةٌ لم يذهبْ إليها من شكرَهُ العلماءُ من أهلِ هذه الصناعة.
وينبغي للشاعرِ ألا يُعاديَ أهلَ العلم ولا يتخذَهم خصوماً فإنهم قادرونَ على أن يجعلوا إحسانَهُ إساءةً، وبلاغتَهُ عِيّاً، وفصاحتَهُ حصْراً، ويُحيلوا معناهُ، وينتقضوا ما بَناه. فكم من أديبٍ أسقطَ أهلُ العلمِ حُكْمَ أدبِه، وأخملُوا من ذكره ما تنبّلَ به. ولو عدَدْناهُم لأفردْنا لهم كتاباً. ولله عمّارٌ الكلبي حيثُ يقول:
ماذا لقيتُ منَ المستَعْربينَ ومنْ ... قياسِ نحوهمُ هذا الذي ابْتدَعوا
إن قُلتُ قافيةً بِكراً يكونُ بها ... بيْتٌ خِلافَ الذي قاسوه أو ذرَعوا
قالوا: لحَنْتَ وهذا ليسَ مُنتَصِباً ... وذاك خفْضٌ وهذا ليسَ يرتَفِعُ
وحرّضوا بينَ عبدِ الله من حُمُقٍ ... وبينَ زيْدٍ فطالَ الضّرْبُ والوَجَعُ
كمْ بيْنَ قومٍ قد احْتالوا لمنطقِهِمْ ... وبينَ قوْمٍ على إعرابِهم طُبِعوا
ما كُلّ قوليَ مشروحاً لكُمْ فخُذوا ... ما تعرِفونَ وما لمْ تعرِفوا فدَعوا
لأنّ أرضيَ أرضٌ لا تُشَبُّ بها ... نارُ المجوس ولا تُبْنى بها البِيَعُ
(1/88)

ولعلّ أهلَ العلمِ يأتونَ الى المعاني المُستحيلةِ والألفاظِ المُخْتلّةِ فيقوّمونَ أودَها بعلَلِهم ويُصلحونَ فاسدَها بمعرفَتِهم، ومَنْ هذه سبيلُه فما يحْسُنُ أن يُغضَبَ ولا يُقْشَبَ؛ فرُبَّ داهيةٍ وقع على مَنْ هو أدْهى منه.
وفي حديث يزيد الرّقاشيّ لأبي العبّاس السّفّاحِ رضيَ اللهُ عنه أعجوبةٌ إنْ كان ما أوردَهُ صحيحاً غيرَ موضوعٍ، قال: نزلَ رجلٌ من العربِ بامرأةٍ من بني عامرٍ فأكرمَتْ مثواهُ وأحسنَتْ قِراه، فلمّا أرادَ الرحيلَ أنشد:
لعَمْرُكَ ما تَبْلى سَرابيلُ عامِرٍ ... من اللؤمِ ما دامتْ عليها جُلودُها
فقالت المرأةُ لجاريتِها: قولي لهُ: ألمْ نُحْسِنْ إليكَ وتفعلْ كذا وكذا، فهلْ رأيتَ منا تقصيراً؟ فقال: لا واللهِ، قالت: فما حملَكَ على إنشادِ البيت؟ قال: جرى على لساني فأبْداهُ. فخرَجتْ إليه جاريةٌ من بعض الأخبيةِ فحدّثتْهُ حتى أنِسَ واطمأنّ ثم قالتْ: ممّنْ أنتَ يا بنَ عمّ؟ قال: من بني تميم، قالتْ: أفتَعْرِفُ الذي يقول:
تَميمٌ بطُرْقِ اللؤمِ أهْدى من القَطا ... ولو سلَكَتْ سُبْلَ المكارِمِ شلّتِ
أرى الليلَ يجلوهُ النهارُ ولا أرى ... خِلالَ المخازي عنْ تميمٍ تجلّتِ
تَميمٌ كجَحْشِ السَّوْدِ يرضَعُ أمَّهُ ... ويُتْبِعُها رَهْزاً إذا هي زلّتِ
ولوْ أنّ برغوثاً يُزقَّقُ مَسْكُهُ ... إذا نهِلَتْ منهُ تميمٌ وعلّتِ
ولو أنّ برغوثاً على ظهْرِ نملَةٍ ... يكُرُّ على صَفَّيْ تميمٍ لولّتِ
ولو جمَعَتْ عُلْيا تميمٍ جُموعَها ... على ذرّةٍ معقولةٍ لاسْتَقلّتِ
ولو أنّ أمَّ العنكبوتِ بنَتْ لهُمْ ... مِظلَّتَها يومَ النّدى لاسْتَظَلّتِ
ذبَحْنا فسمّيْنا فحلّ ذبيحُنا ... وما ذبَحَتْ يوماً تميمٌ فسمّتِ
فقال: لستُ من تميم، قالت: ما أقبحَ الكذِبَ بأهلِه فممّن أنت؟ قال: من بني ضَبّة. فأنشدتْهُ هجاءً فيهم، فقال: لا واللهِ ما أنا من بني ضَبّة. ولم يزلْ ينتقلُ من قبيلةٍ الى أخرى وهي تُنشِدُه الهجاءَ فيهم حتى لم يتركْ قبيلةً إلا وانتسبَ إليها وسمعَ هجوها حتى استقالَ وقد أحلّتْهُ دار الهوان وقال: أنا رجلٌ من بني فُلان. والحكايةُ معروفة.
وقريبٌ منها ما رُوي عن المفضلِ الضّبّي، قيل: وردَ عليه أعرابيٌّ على ناقةٍ رثّةِ الأداةِ فسلّم وحسرَ عن وجهٍ كالدينارِ المُشوفِ فقال له المُفضّلُ: ممّن الفتى؟ فقال: طائيّ، فقال المفضَّلُ، وكان حليماً قلّما عجِلَ: طيا يا كلمةٌ فاستمرتِ فقال له الأعرابيّ بلسانٍ ذلقِ السِّنان:
إنّ على سائِلنا أن نسألَهْ ... والعِبءُ لا يُعْرَفُ حتى تَحْمِلَهْ
نسَبْتَنا فانتسِبْ لنا. فقال المفضّل: أحدُ بني ضَبّة. فقال الأعرابي: وإني لأخاطِبُ ضَبيّاً مذِ اليوم، واللهِ لأحسِبُه ذَنْباً عُجِّلَتْ لي عُقوبتُه، أتعرفُ الذي يقول:
إذا لَقيتَ رجلاً من ضَبّهْ ... فبُكْهُ عمْداً على سواء السّبَّهْ
يا أخا بني ضَبّة، كيف عِلمُك بقومِكَ؟ فقال المُفضّل: إني بهِمْ لعالِمٌ، فقال: أيُّ نساءِ قومِك التي تقول:
بِخَلوةِ ليلةٍ وبياضِ يومٍ ... من ابْنِ الوائليِّ شِفاءُ قلبي
بمَحْنِيةٍ أوَسِّدُهُ شمالي ... وأكْفِتُ باليمينِ ذُيولَ إتْبي
وأُلصِقُ بالحَشا مني حشاهُ ... ويَسهُلُ من قِيادي كلُّ صعْبِ
وأُلمِسُ كفَّهُ جثِماً تعالى ... على ركْبٍ كجثّةِ ظهْرِ قعْبِ
فيجمعُ منكبَيَّ إليه حتّى ... ينالَ غدائري بعَفيرِ تُرْبِ
أقولُ له فِداكَ أبي وأمّي ... حياتُكَ من جميعِ الناسِ حسْبي
ثمّ قال: أيُّ عماتِك هذه يا أخا بني ضَبّة؟ وأنشأ يقول:
عَثراتُ اللسانِ لا تُسْتَقالُ ... وبأيدي الرجالِ تَخْزَى الرجالُ
فاجعَلِ العقلَ للّسانِ عِقالاً ... فشِرادُ اللِّسانِ داءٌ عُضالُ
واستفِدْ من فوارِطِ الجهْلِ وانظُر ... كيفَ ترْدَى بالألسُنِ الجُهّالِ
(1/89)

إنّ زمَّ الكلامِ مُبْقٍ على العِرْ ... ضِ وبالقولِ يُستَثارُ المَقالُ
فلما سمِعَ المفضَّلُ ذلك استحالَ لونُه ورشحَ جبينُهُ عرَقاً. ثم انصرَفَ الأعرابيُّ، فقال المفضّل: واللهِ لقد ذكر شيئاً ما كنتُ أظنّ على وجهِ الأرضِ أحداً يعرِفُهُ، فالحمدُ للهِ إذْ لم أستَزِدْهُ.
قولُ المفضّل: طيا يا كلمةٌ فاستمرّتِ، من بيتٍ وهو:
وما طيّئٌ إلا نَبيطٌ تجمّعوا ... وقالوا طيا يا كلمةٌ فاستمرَّتِ
وقريبٌ من هذه الحكاية ما رَواهُ لي مؤدّبي الشيخُ أبو محمّد بن أبي البرَكات بن البقال المُقرئُ المؤدّب قِراةً عليه في سنة اثنتين وستمائة، قال: حدّثنا أبو محمد سلمانُ بن مسعود بن الحسين القصّاب بجامعِ المنصور قال: حدّثنا أبو الغنائمِ محمد بن علي النرسيّ الكوفيُّ قال: حدّثنا الشريفُ أبو عبدِ اللهِ محمدُ بنُ علي بن الحسن العَلَوي الحسَنيّ قال: حدّثنا أبو الحسن محمدُ بن زيْدٍ بن مسلم قال: حدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ الله قال: حدّثنا حرَميّ قال: حدثنا عبدُ الله قال: حدّثنا إسماعيلُ بنُ مهران قال: حدّثني أحمدُ بن أبي نصر عن أبان بن عثنام عن أبان بنِ تغلبَ عن عِكْرمة عن ابن عبّاس قال: حدّثَني عليُّ بن أبي طالب رضيَ الله عنه قال: لمّا أُمِرَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أن يعرضَ نفسَهُ على قبائل العربِ خرجَ وأنا معه وأبو بكر، وكان رجلاً نسّابةً، فسلّم فردّوا السلام، فقال: ممّن القوم؟ قالوا: من ربيعة، قال: أمِن هامتِها أو من لَهازِمِها؟ قالوا: بل من هامتِها العُظْمى، قال: فأيُّ هامتِها العُظمى؟ قالوا: ذُهلٌ الأكبرُ، قال: أفَمنكُم عوْفٌ الذي كان يُقال: لا حُرَّ بوادي عوْفٍ؟ قالوا: لا، قال أفمنكُم بسطامٌ أبو اللواء ومنتهَى الأحياءِ؟ قالوا: لا، قال: أفمنكم الحَوْفَزانُ قاتِلُ الملوكِ وسالبُها أنفسَها؟ قالوا: لا، قال: أفمنكُم المُزدَلِفُ صاحبُ العِمامةِ الفَرْدَةِ؟ قالوا: لا، قال: أفأنْتُم أخوالُ الملوكِ من كِندة؟ قالوا: لا، قال: أفأنتم أصهارُ الملوكِ من لخْمٍ؟ قالوا: لا، قال: فلستُم ذُهْلاً الأكبر، أنتم ذُهْلٌ الأصغر فقام إليه غُلامٌ من بني شيبان يُقال له دَغْفَل حين بقَلَ فقال:
إنّ على سائِلِنا أنْ نسأَلَهْ ... والعِبءُ لا يُعرَفُ حتّى تحْمِلَهْ
يا هذا، إنّك سألتَنا فلمْ نكْتُمْكَ شيئاً فممّن الرجل؟ قال: من قُريش، فقال: بَخٍ بخٍ، أهلُ الشرفِ والرياسةِ، فمن أيِّ قُريشٍ أنتَ؟ قال من بن تَيْم بنِ مُرّة، قال: أمكنتَ واللهِ الرامي من سواءِ الثُّغرةِ، أفمنكُم قُصيُّ بنُ كلاب الذي به جمعَ اللهُ القبائلَ من فِهْرٍ فكان يُدعى مُجَمِّعاً؟ قال: لا، قال: أفمنكُم هاشم
... الذي هشَم الثّريدَ لقومِه ... ورجال مكة مُسْنِتون عِجافُ
قال: لا، قال: فزمنكُم شَيْبةُ الحَمْدِ مُطْعِمُ طَيْرِ السماءِ الذي كأنّ وجهَهُ قمرُ السماء يُضيءُ ليلَ الظلامِ الدّاجي؟ قال: لا، قال: أفَمِنَ المُفيضينَ بالناس أنت؟ قال: لا، قال: أفمن أهلِ النّدوةِ أنت؟ قال: لا، قال أفمِنْ أهلِ الحجابةِ أنت؟ قال: لا، قال أفمن أهْلِ السِّقايةِ أنت؟ قال: لا، قال: واجتذَبَ أبو بكر رضي الله عنه زمامَ ناقتِهِ ورجَعَ الى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال دَغْفَلٌ:
صادَفَ درْءُ السّيْلِ درْءاً يدفعُهْ ... يهْضِمُهُ بدَفْعِهِ أو يصدَعُهْ
أمَا واللهِ لو ثبَتَّ لأخبرتُكَ أنكَ من زَمَعاتِ قُريشٍ، أوَ ما أنا بدَغْفَل. فتبسّم رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال عليّ: فقلتُ يا أبا بكر، لقد وقعت من الأعرابي على باقِعَةٍ، قال: أجَلْ! إنّ فوقَ كلِّ طامّةٍ طامّةً والبلاءُ موكّلٌ بالمنطق. وتمامُ الحكايةِ معروفٌ. والأمر كما قال أبو بكر رضيَ اللهُ عنه: إنّ فوقَ كلِّ طامّةٍ طامّةً.
ومن مِثلِ ذلك، شَكا الكُمَيْتُ في قوله:
أنِصْفُ امرئٍ من نصفِ حيٍّ يَسبُّني ... لَعمري لقد لاقَيْتُ خَطباً من الخَطْبِ
هنيئاً لكلْبٍ انّ كلباً تسُبُّني ... وإنيَ لمْ أرْدُدْ جواباً على كلْبِ
لقد بلغَتْ كلبٌ بسَبّيَ حُظْوَةً ... كفَتْها قديماتِ الفضائحِ والوَصْبِ
(1/90)

يعني أنّ أهلَ الدّناءةِ والضَّعَةِ لا يُقارَضونَ بالقريض مع القدرة والسَّعَةِ، والحلمُ أوْلى ما استعملَه أولو الحزْمِ، والعفوُ لا يكونُ من العالِم إلا في اللُّبابِ الصّفوِ
شِيَمٌ بها اختصّ الوزيرُ محمّدٌ ... وسَما بها قدْراً على الوُزراءِ
فضَلَ الصدورَ صَباحةً وفَصاحةً ... وسماحةً رجَحَتْ على الكُرَماءِ
وتبوّأ العلياءَ طِفلاً ناشئاً ... حتّى عَلا فيها على الجوْزاءِ
فالكرمُ من طرائقِه، والشرفُ من خلائقِه، والحِلْمُ من طبائعِهِ، ونحنُ معاشِرَ الأدباءِ من صنائعِه؛ أياديهِ إلَيْنا باديةٌ، وغوادِيهِ علينا رائحةٌ وغاديةٌ، ورَحا آمالِنا لا تدورُ إلا على قُطْبِه، وعلى كلِّ حالٍ نأخذُ من مالِه ومن أدبِه، كم اقتبستُ أدباً من أنوارِ علومِه، والتمستُ أرَباً من نَوّارِ رياضِ حُلومِه، واكتسبت عَرْفاً من أرَجِ ذكْرِهِ، وكسبتُ عُرْفاً من لُجَجِ بحرِه. وإني لمّا لجأْتُ الى ظلِّهِ الوارفِ الظليلِ، واعتصمتُ بطَوْدِ عزِّهِ من الحادِثِ الصّعْبِ الجليلِ، وعُدِدْتُ من زُمْرةِ غاشيتِه، وسَعِدتُ بالانتماءِ الى جُملةِ حاشيتِه، طرَفَ عنّي طرْفَ الحوادِثِ، وكفّ عني كفَّ الكوارِثِ، وملأ قلبي أمْناً، فلم أقْرَعْ بعدَ نظرِهِ إليّ سِنّاً، فشُكْرُ صنائعِهِ لديّ واجبٌ، وسابِغُ مدارعِهِ عليّ من النوائِبِ حاجب:
كم مِنّةٍ وصنيعةٍ ... عندي لمولانا الوزيرِ
شُكري لَها شُكْرُ الرّيا ... ضِ الحُوِّ للمُزْنِ المَطيرِ
لا زالتْ دولَتُه مخلَّدةً، ونعمتُهُ مؤبدةً، ورِفْعَتُهُ ممهّدةً، وكلمتُه مسدّدةً، وسلطانُه مُطاعاً، وزمانُهُ نفعاً وانتفاعاً، فلقد أحْيا ميِّتَ الأدبِ بآدابِهِ، وجعلَ الإحسانَ من دَيْدَنِهِ ودابِهِ:
فكلّ ما عنديَ من عندِه ... العِلْمُ والإنعامُ والجاهُ
أبى عليَّ الدّهرُ فاضطرّهُ ... الى مُراعاتي وألْجاهُ
وحيث انتهى بِنا الكلامُ الى هذه الغايةِ وأتَيْنا فيما اشْتَرَطْناهُ بالكفايةِ والزيادةِ على الكفايةِ، فقد وجَبَ أن نختِمَ الكتابَ، ونَقْصُرَ الإسهابَ، واللهُ الموفِّقُ للصّواب، إنْ شاءَ اللهُ تعالى.
(1/91)