Advertisement

مجموع الفتاوى 006

الْجُزْءُ الْسَادِسُ
الْجُزْءُ الثَّانِي مِنْ كِتَابِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَحْمَد بْنُ تَيْمِيَّة - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ -:
فَصْلٌ:
تَقَرُّبُ الْعَبْدِ إلَى اللَّهِ فِي مِثْلِ قَوْلِهِ: {وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ} وَقَوْلِهِ: {اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إلَيْهِ الْوَسِيلَةَ} وَقَوْلِهِ: {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ} وَقَوْلِهِ: {فَأَمَّا إنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ} . وَقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا يَرْوِي عَنْ رَبِّهِ: {مَنْ تَقَرَّبَ إلَيَّ شِبْرًا تَقَرَّبْت إلَيْهِ ذِرَاعًا} الْحَدِيثَ. وَقَوْلِهِ: {مَا تَقَرَّبَ إلَيَّ عَبْدِي بِمِثْلِ أَدَاءِ مَا افْتَرَضْت عَلَيْهِ وَلَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ} الْحَدِيثَ. وَكَذَلِكَ " الْقُرْبَانُ " كَقَوْلِهِ: {إذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا} . وَقَوْلِهِ: {حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ} . وَنَحْوِ ذَلِكَ - لَا رَيْبَ أَنَّهُ بِعُلُومِ وَأَعْمَالٍ يَفْعَلُهَا الْعَبْدُ وَفِي ذَلِكَ حَرَكَةٌ مِنْهُ وَانْتِقَالٌ مِنْ حَالٍ إلَى حَالٍ.
(6/5)

ثُمَّ لَا يَخْلُو مَعَ ذَلِكَ: إمَّا أَنَّ رُوحَهُ وَذَاتَهُ تَتَحَرَّكُ أَوْ لَا تَتَحَرَّكُ: وَإِذَا تَحَرَّكَتْ: فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ حَرَكَتُهَا إلَى ذَاتِ اللَّهِ أَوْ إلَى شَيْءٍ آخَرَ وَإِذَا كَانَتْ إلَى ذَاتِ اللَّهِ بَقِيَ النَّظَرُ فِي قُرْبِ اللَّهِ إلَيْهِ وَدُنُوِّهِ وَإِتْيَانِهِ وَمَجِيئِهِ؛ إمَّا جَزَاءً عَلَى قُرْبِ الْعَبْدِ وَإِمَّا ابْتِدَاءً كَنُزُولِهِ إلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا.
فَالْأَوَّلُ: قَوْلُ " الْمُتَفَلْسِفَةِ " الَّذِينَ يَقُولُونَ: إنَّ الرُّوحَ لَا دَاخِلَ الْبَدَنِ وَلَا خَارِجَهُ وَإِنَّهَا لَا تُوصَفُ بِالْحَرَكَةِ وَلَا بِالسُّكُونِ وَقَدْ تَبِعَهُمْ عَلَى ذَلِكَ قَوْمٌ مِمَّنْ يَنْتَسِبُ إلَى الْمِلَّةِ. فَهَؤُلَاءِ عِنْدَهُمْ قُرْبُ الْعَبْدِ وَدُنُوُّهُ إزَالَةُ النَّقَائِصِ وَالْعُيُوبِ عَنْ نَفْسِهِ وَتَكْمِيلُهَا بِالصِّفَاتِ الْحَسَنَةِ الْكَرِيمَةِ حَتَّى تَبْقَى مُقَارِبَةً لِلرَّبِّ مُشَابِهَةً لَهُ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى وَيَقُولُونَ: الْفَلْسَفَةُ التَّشَبُّهُ بِالْإِلَهِ عَلَى قَدْرِ الطَّاقَةِ؛ فَأَمَّا حَرَكَةُ الرُّوحِ فَمُمْتَنِعَةٌ عِنْدَهُمْ. وَكَذَلِكَ يَقُولُونَ: فِي قُرْبِ الْمَلَائِكَةِ. وَاَلَّذِي أَثْبَتُوهُ مِنْ تَزْكِيَةِ النَّفْسِ عَنْ الْعُيُوبِ وَتَكْمِيلِهَا بِالْمَحَاسِنِ حَقٌّ فِي نَفْسِهِ؛ لَكِنَّ نَفْيَهُمْ مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ خَطَأٌ؛ لَكِنَّهُمْ يَعْتَرِفُونَ بِحَرَكَةِ جِسْمِهِ إلَى الْمَوَاضِعِ الَّتِي تَظْهَرُ فِيهَا آثَارُ الرَّبِّ كَالْمَسَاجِدِ وَالسَّمَوَاتِ وَالْعَارِفِينَ. وَعِنْدَ هَؤُلَاءِ مِعْرَاجُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّمَا هُوَ انْكِشَافُ حَقَائِقِ الْكَوْنِ لَهُ كَمَا فَسَّرَهُ بِذَلِكَ ابْنُ سِينَا وَمَنْ اتَّبَعَهُ كَعَيْنِ الْقُضَاةِ (1) (*) وَابْنِ الْخَطِيبِ فِي " الْمَطَالِبِ الْعَالِيَةِ ".
__________

[تعليق مُعِدّ الكتاب للشاملة]
(1) كذا بالأصل
(*) قال الشيخ ناصر بن حمد الفهد (55) :
وفي الحاشية علق الجامع رحمه الله على كلمة (كعين القضاة) بقوله: (كذا رسمها بالأصل) .
وهو الصحيح، وهو عين القضاة الهمذاني كما ورد في الفتاوى 4 / 62
(6/6)

الثَّانِي: قَوْلُ الْمُتَكَلِّمَةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ لَيْسَ فَوْقَ الْعَرْشِ. وَإِنَّ نِسْبَةَ الْعَرْشِ وَالْكُرْسِيِّ إلَيْهِ سَوَاءٌ وَإِنَّهُ لَا دَاخِلَ الْعَالَمِ وَلَا خَارِجَهُ؛ لَكِنْ يُثْبِتُونَ حَرَكَةَ الْعَبْدِ وَالْمَلَائِكَةِ فَيَقُولُونَ: قُرْبُ الْعَبْدِ إلَى اللَّهِ حَرَكَةُ ذَاتِهِ إلَى الْأَمَاكِنِ الْمُشَرَّفَةِ عِنْدَ اللَّهِ وَهِيَ السَّمَوَاتُ وَحَمَلَةُ الْعَرْشِ وَالْجَنَّةُ وَبِذَلِكَ يُفَسِّرُونَ مِعْرَاجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَتَّفِقُ هَؤُلَاءِ وَاَلَّذِينَ قَبْلَهُمْ فِي حَرَكَةِ بَدَنِ الْعَبْدِ إلَى الْأَمَاكِنِ الْمُشَرَّفَةِ كَثُبُوتِ " الْعِبَادَاتِ " وَإِنَّمَا النِّزَاعُ فِي حَرَكَةِ نَفْسِهِ. وَيُسَلِّمُ الْأَوَّلُونَ " حَرَكَةَ النَّفْسِ " بِمَعْنَى تَحَوُّلِهَا مِنْ حَالٍ إلَى حَالٍ؛ لَا بِمَعْنَى الِانْتِقَالِ مِنْ مَوْضِعٍ إلَى مَوْضِعٍ وَاتِّفَاقُهُمْ عَلَى حَرَكَةِ الْجِسْمِ وَحَرَكَةِ الرُّوحِ أَيْضًا عِنْدَ الْآخَرِينَ إلَى كُلِّ مَكَانٍ تَظْهَرُ فِيهِ مَعْرِفَةُ اللَّهِ كَالسَّمَوَاتِ وَالْمَسَاجِدِ وَأَوْلِيَاءِ اللَّهِ وَمَوَاضِعِ أَسْمَاءِ اللَّهِ وَآيَاتِهِ فَهُوَ حَرَكَةٌ إلَى. . . (1)
الثَّالِثُ: قَوْلُ: " أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ " الَّذِينَ يُثْبِتُونَ أَنَّ اللَّهَ عَلَى الْعَرْشِ وَأَنَّ حَمَلَةَ الْعَرْشِ أَقْرَبُ إلَيْهِ مِمَّنْ دُونَهُمْ وَأَنَّ مَلَائِكَةَ السَّمَاءِ الْعُلْيَا أَقْرَبُ إلَى اللَّهِ مِنْ مَلَائِكَةِ السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ وَأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا عُرِجَ بِهِ إلَى السَّمَاءِ صَارَ يَزْدَادُ قُرْبًا إلَى رَبِّهِ بِعُرُوجِهِ وَصُعُودِهِ وَكَانَ عُرُوجُهُ إلَى اللَّهِ لَا إلَى مُجَرَّدِ خَلْقٍ مِنْ خَلْقِهِ وَأَنَّ رُوحَ الْمُصَلِّي تَقْرُبُ إلَى اللَّهِ فِي السُّجُودِ وَإِنْ كَانَ بَدَنُهُ مُتَوَاضِعًا. وَهَذَا هُوَ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ نُصُوصُ الْكِتَابِ.
__________

[تعليق مُعِدّ الكتاب للشاملة]
(1) سقط في الأصل
(6/7)

ثُمَّ " قُرْبُ الرَّبِّ مِنْ عَبْدِهِ " هَلْ هُوَ مِنْ لَوَازِمِ هَذَا الْقُرْبِ كَمَا أَنَّ الْمُتَقَرِّبَ إلَى الشَّيْءِ السَّاكِنِ كَالْبَيْتِ الْمَحْجُوجِ وَالْجِدَارِ وَالْجَبَلِ كُلَّمَا قَرُبْت مِنْهُ قَرُبَ مِنْك؟ أَوْ هُوَ قُرْبٌ آخَرُ يَفْعَلُهُ الرَّبُّ كَمَا أَنَّك إذَا قَرُبْت إلَى الشَّيْءِ الْمُتَحَرِّكِ إلَيْك تَحَرَّكَ أَيْضًا إلَيْك فَمِنْك فِعْلٌ وَمِنْهُ فِعْلٌ آخَرُ. هَذَا فِيهِ قَوْلَانِ " لِأَهْلِ السُّنَّةِ " مَبْنِيَّانِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَاعِدَةِ الصِّفَاتِ الْفِعْلِيَّةِ كَمَسْأَلَةِ النُّزُولِ وَغَيْرِهَا وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي ذَلِكَ. وَعَلَى هَذَا فَمَا رُوِيَ مِنْ قُرْبِ الرَّبِّ إلَى خَوَاصِّ عِبَادِهِ وَتَجَلِّيهِ لِقُلُوبِهِمْ كَمَا فِي " الزُّهْدِ لِأَحْمَدَ " أَنَّ مُوسَى قَالَ: يَا رَبِّ أَيْنَ أَجِدُك؟ قَالَ: " عِنْدَ الْمُنْكَسِرَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ أَجْلِي أَقْتَرِبُ إلَيْهَا كُلَّ يَوْمٍ شِبْرًا وَلَوْلَا ذَلِكَ لَاحْتَرَقَتْ ". هَذَا الْقُرْبُ عِنْدَ الْمُتَفَلْسِفَةِ وَالْجَهْمِيَّة هُوَ مُجَرَّدُ ظُهُورِهِ وَتَجَلِّيهِ لِقَلْبِ الْعَبْدِ فَهُوَ قُرْبُ الْمِثَالِ. ثُمَّ الْمُتَفَلْسِفَةُ لَا تُثْبِتُ حَرَكَةَ الرُّوحِ وَالْجَهْمِيَّة تُسَلِّمُ جَوَازَ حَرَكَةِ الرُّوحِ إلَى مَكَانٍ عَالٍ وَأَمَّا أَهْلُ السُّنَّةِ فَعِنْدَهُمْ مَعَ التَّجَلِّي وَالظُّهُورِ تَقْرُبُ ذَاتُ الْعَبْدِ إلَى ذَاتِ رَبِّهِ وَفِي جَوَازِ دُنُوِّ ذَاتِ اللَّهِ الْقَوْلَانِ وَقَدْ بَسَطْت هَذَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَعَلَى مَذْهَبِ " الْنُّفَاةِ " مِنْ الْمُتَكَلِّمَةِ لَا يَكُونُ إتْيَانُ الرَّبِّ وَمَجِيئُهُ وَنُزُولُهُ إلَّا تَجَلِّيهِ وَظُهُورُهُ لِعَبْدِهِ. إذَا ارْتَفَعَتْ الْحُجُبُ الْمُتَّصِلَةُ بِالْعَبْدِ الْمَانِعَةُ مِنْ الْمُشَاهَدَةِ الْبَاطِنَةِ أَوْ الظَّاهِرَةِ بِمَنْزِلَةِ الَّذِي كَانَ أَعْمَى أَوْ أَعْمَشَ فَزَالَ عَمَاهُ فَرَأَى الشَّمْسَ
(6/8)

وَالْقَمَرَ فَيَقُولُ: جَاءَنِي الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَهَذَا قَوْلُ " الْنُّفَاةِ " مِنْ الْمُتَفَلْسِفَةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَالْأَشْعَرِيَّةِ؛ لَكِنَّ الْأَشْعَرِيَّةَ يُثْبِتُونَ مِنْ الرُّؤْيَةِ مَا لَا يُثْبِتُهُ الْمُعْتَزِلَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ يُوَافِقُهُمْ فِي الْمَعْنَى الَّذِي قَصَدُوهُ. وَأَمَّا عَلَى مَذْهَبِ " أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ " مِنْ السَّلَفِ وَأَهْلِ الْحَدِيثِ وَأَهْلِ الْمَعْرِفَةِ وَمَنْ اتَّبَعَهُمْ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَالصُّوفِيَّةِ وَالْعَامَّةِ وَأَهْلِ الْكَلَامِ أَيْضًا؛ فَإِنَّ نُزُولَهُ وَإِتْيَانَهُ وَمَجِيئَهُ قَدْ يَكُونُ بِحَرَكَةِ مِنْ الْعَبْدِ وَقُرْبٍ مِنْهُ وَدُنُوٍّ إلَيْهِ وَهُوَ قَدْرٌ زَائِدٌ عَلَى انْكِشَافِ بَصِيرَةِ الْعَبْدِ فَإِنَّ هَذَا عِلْمٌ وَعِنْدَهُمْ يَكُونُ ذَلِكَ بِعِلْمِ مِنْ الْعَبْدِ وَبِعَمَلِ مِنْهُ فَهُوَ كَشْفٌ وَعَمَلٌ. وَلَا يُنْكِرُ الْأَشْعَرِيَّةُ وَنَحْوُهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ أَنْ يَكُونَ مِنْ الْعَبْدِ حَرَكَةٌ فَإِنَّ ذَلِكَ مُمْكِنٌ وَإِنَّمَا قَدْ يُنْكِرُونَ حَرَكَتَهُ إلَى اللَّهِ كَمَا تَقَدَّمَ. وَقَدْ شَبَّهَ بَعْضُهُمْ مَجِيءَ اللَّهِ بِقَوْلِهِ: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} أَيْ الْمُوقَنُ بِهِ مِنْ الْمَوْتِ وَمَا بَعْدَهُ. قُلْت: هَذَا مِثْلُ قَوْلِهِ: {فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى} وَقَوْلِهِ: {فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ} وَقَوْلِهِ: {فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا} وَجُعِلَ فِي ذَلِكَ هُوَ ظُهُورَهُ وَتَجَلِّيهِ. قُلْت: وَلَيْسَ هُوَ مُجَرَّدَ ظُهُورِهِ وَتَجَلِّيهِ وَإِنْ كَانَ مُتَضَمِّنًا لِذَلِكَ؛ بَلْ هُوَ مُتَضَمِّنٌ لِحَرَكَةِ الْعَبْدِ إلَيْهِ ثُمَّ إنْ كَانَ سَاكِنًا كَانَ مَجِيئُهُ مِنْ لَوَازِمِ مَجِيءِ الْعَبْدِ إلَيْهِ وَإِنْ كَانَ فِيهِ حَرَكَةٌ كَانَ مَجِيئُهُ بِنَفْسِهِ أَيْضًا وَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ ذَاهِبًا إلَيْهِ وَهَكَذَا
(6/9)

مَجِيءُ الْيَقِينِ وَمَجِيءُ السَّاعَةِ (1) ، وَفِي جَانِبِ الرُّبُوبِيَّةِ يَكُونُ بِكَشْفِ حُجُبٍ لَيْسَتْ مُتَّصِلَةً بِالْعَبْدِ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {حِجَابُهُ النُّورُ - أَوْ النَّارُ - لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سَبَحَاتِ وَجْهِهِ مَا أَدْرَكَهُ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ} فَهِيَ حُجُبٌ تَحْجُبُ الْعِبَادَ عَنْ الْإِدْرَاكِ كَمَا قَدْ يَحْجُبُ الْغَمَامُ وَالسُّقُوفُ عَنْهُمْ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ. فَإِذَا زَالَتْ تَجَلَّتْ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ. وَأَمَّا حَجْبُهَا لِلَّهِ عَنْ أَنْ يُرَى وَيُدْرَكَ فَهَذَا لَا يَقُولُهُ مُسْلِمٌ؛ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ. وَهُوَ يَرَى دَبِيبَ النَّمْلَةِ السَّوْدَاءِ عَلَى الصَّخْرَةِ الصَّمَّاءِ فِي اللَّيْلَةِ السَّوْدَاءِ وَلَكِنْ يَحْجُبُ أَنْ تَصِلَ أَنْوَارُهُ إلَى مَخْلُوقَاتِهِ كَمَا قَالَ: {لَوْ كَشَفَهَا لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا أَدْرَكَهُ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ} فَالْبَصَرُ يُدْرِكُ الْخَلْقَ كُلَّهُمْ وَأَمَّا السُّبُحَاتُ فَهِيَ مَحْجُوبَةٌ بِحِجَابِهِ النُّورَ أَوْ النَّارَ. وَالْجَهْمِيَّة لَا تُثْبِتُ لَهُ حَجْبًا أَصْلًا؛ لِأَنَّهُ عِنْدَهُمْ لَيْسَ فَوْقَ الْعَرْشِ وَيَرْوُونَ الْأَثَرَ الْمَكْذُوبَ عَنْ عَلِيٍّ " أَنَّهُ سَمِعَ قَصَّابًا يَحْلِفُ لَا وَاَلَّذِي احْتَجَبَ بِسَبْعِ سَمَوَاتٍ فَعَلَاهُ بِالدِّرَّةِ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أُكَفِّرُ عَنْ يَمِينِي؟ قَالَ لَا؛ وَلَكِنَّك حَلَفْت بِغَيْرِ اللَّهِ ". فَهَذَا لَا يُعْرَفُ لَهُ إسْنَادٌ وَلَوْ ثَبَتَ كَانَ عَلِيٌّ قَدْ فَهِمَ مِنْ الْمُتَكَلِّمِ أَنَّهُ عَنَى أَنَّهُ مُحْتَجِبٌ عَنْ إدْرَاكِهِ لِخَلْقِهِ فَهَذَا بَاطِلٌ قَطْعًا؛ بِخِلَافِ احْتِجَابِهِ عَنْ إدْرَاكِ خَلْقِهِ لَهُ.
__________

[تعليق مُعِدّ الكتاب للشاملة]
(1) كلمات بالأصل تشيران إلى شيء مفقود من صفحات المجلد
(6/10)

وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ: {إذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ نَادَى مُنَادٍ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ: إنَّ لَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ مَوْعِدًا يُرِيدُ أَنْ ينجزكموه. فَيَقُولُونَ: مَا هُوَ؟ أَلَمْ يُبَيِّضْ وُجُوهَنَا. وَيُثَقِّلْ مَوَازِينَنَا وَيُدْخِلْنَا الْجَنَّةَ وَيُجِرْنَا مِنْ النَّارِ؟ قَالَ: فَيُكْشَفُ الْحِجَابُ فَيَنْظُرُونَ إلَيْهِ فَمَا أَعْطَاهُمْ شَيْئًا أَحَبَّ إلَيْهِمْ مِنْ النَّظَرِ إلَيْهِ وَهِيَ الزِّيَادَةُ} . وَعِنْدَ مَنْ أَثْبَتَ الرُّؤْيَةَ مِنْ الْمُتَجَهِّمَةِ أَنَّ حِجَابَ كُلِّ أَحَدٍ مَعَهُ وَكَشْفَهُ خَلْقَ الْإِدْرَاكِ فِيهِ لَا أَنَّهُ حِجَابٌ مُنْفَصِلٌ. وَأَمَّا إتْيَانُهُ وَنُزُولُهُ وَمَجِيئُهُ بِحَرَكَةِ مِنْهُ وَانْتِقَالٍ: فَهَذَا فِيهِ الْقَوْلَانِ لِأَهْلِ السُّنَّةِ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيمًا.
(6/11)

وَقَالَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -:
الَّذِينَ يَجْعَلُونَ الْفَلْسَفَةَ هِيَ التَّشْبِيهُ بِالْإِلَهِ عَلَى قَدْرِ الطَّاقَةِ. وَيُوجَدُ " هَذَا التَّفْسِيرُ " فِي كَلَامِ طَائِفَةٍ كَأَبِي حَامِدٍ الْغَزَالِيِّ وَأَمْثَالِهِ: وَلَا يُثْبِتُ هَؤُلَاءِ قُرْبًا حَقِيقِيًّا - وَهُوَ الْقُرْبُ الْمَعْلُومُ الْمَعْقُولُ - وَمَنْ جَعَلَ قُرْبَ عِبَادِهِ الْمُقَرَّبِينَ لَيْسَ إلَيْهِ؛ وَإِنَّمَا هُوَ إلَى ثَوَابِهِ وَإِحْسَانِهِ فَهُوَ مُعَطِّلٌ مُبْطِلٌ. وَذَلِكَ أَنَّ ثَوَابَهُ وَإِحْسَانَهُ يَصِلُ إلَيْهِمْ وَيَصِلُونَ إلَيْهِ. وَيُبَاشِرُهُمْ وَيُبَاشِرُونَهُ بِدُخُولِهِ فِيهِمْ وَدُخُولِهِمْ فِيهِ بِالْأَكْلِ وَاللِّبَاسِ. فَإِذَا كَانُوا يَكُونُونَ فِي نَفْسِ جَنَّتِهِ وَنَعِيمِهِ وَثَوَابِهِ كَيْفَ يَجْعَلُ أَعْظَمَ الْغَايَاتِ قُرْبَهُمْ مِنْ إحْسَانِهِ وَلَا سِيَّمَا وَالْمُقَرَّبُونَ هُمْ فَوْقَ أَصْحَابِ الْيَمِينِ الْأَبْرَارِ. الَّذِينَ كِتَابُهُمْ فِي عِلِّيِّينَ {وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ} {كِتَابٌ مَرْقُومٌ} {يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ} {إنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ} {عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ} {تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ} {يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ} {خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ} {وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ} {عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ} . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: {يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ} صِرْفًا وَتُمْزَجُ لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ مَزْجًا.
(6/12)

فَقَدْ أَخْبَرَ أَنَّ الْأَبْرَارَ فِي نَفْسِ النَّعِيمِ وَأَنَّهُمْ يُسْقَوْنَ مِنْ الشَّرَابِ الَّذِي وَصَفَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَيَجْلِسُونَ عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ فَكَيْفَ يُقَالُ: إنَّ الْمُقَرَّبِينَ - الَّذِينَ هُمْ أَعْلَى مِنْ هَؤُلَاءِ بِحَيْثُ يَشْرَبُونَ صِرْفَهَا وَيُمْزَجُ لِهَؤُلَاءِ مَزْجًا - إنَّمَا تَقْرِيبُهُمْ هُوَ مُجَرَّدُ النَّعِيمِ الَّذِي أُولَئِكَ فِيهِ؟ هَذَا مِمَّا يُعْلَمُ فَسَادُهُ بِأَدْنَى تَأَمُّلٍ. (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ فِي " قُرْبِهِ " الَّذِي هُوَ مِنْ لَوَازِمِ ذَاتِهِ: مِثْلَ الْعِلْمِ وَالْقُدْرَةُ فَلَا رَيْبَ أَنَّهُ قَرِيبٌ بِعِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ وَتَدْبِيرِهِ مِنْ جَمِيعِ خَلْقِهِ لَمْ يَزَلْ بِهِمْ عَالِمًا وَلَمْ يَزَلْ عَلَيْهِمْ قَادِرًا هَذَا مَذْهَبُ جَمِيعِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَعَامَّةِ الطَّوَائِفِ إلَّا مَنْ يُنْكِرُ عِلْمَهُ الْقَدِيمَ مِنْ الْقَدَرِيَّةِ وَالرَّافِضَةِ وَنَحْوِهِمْ أَوْ يُنْكِرُ قُدْرَتَهُ عَلَى الشَّيْءِ قَبْلَ كَوْنِهِ مِنْ الرَّافِضَةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ. " وَأَمَّا قُرْبُهُ بِنَفْسِهِ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ " قُرْبًا لَازِمًا فِي وَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ؛ وَلَا يَخْتَصُّ بِهِ شَيْءٌ: فَهَذَا فِيهِ لِلنَّاسِ قَوْلَانِ. فَمَنْ يَقُولُ هُوَ بِذَاتِهِ فِي كُلِّ مَكَانٍ يَقُولُ بِهَذَا وَمَنْ لَا يَقُولُ بِهَذَا لَهُمْ أَيْضًا فِيهِ قَوْلَانِ. (أَحَدُهُمَا إثْبَاتُ هَذَا الْقُرْبِ وَهُوَ قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ وَالصُّوفِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ يَقُولُونَ: هُوَ فَوْقَ الْعَرْشِ وَيُثْبِتُونَ هَذَا الْقُرْبَ. وَقَوْمٌ يُثْبِتُونَ هَذَا الْقُرْبَ؛ دُونَ كَوْنِهِ عَلَى الْعَرْشِ. وَإِذَا كَانَ قُرْبُ عِبَادِهِ مِنْهُ نَفْسَهُ وَقُرْبُهُ مِنْهُمْ لَيْسَ مُمْتَنِعًا عِنْدَ الْجَمَاهِيرِ مِنْ السَّلَفِ وَأَتْبَاعِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالْفُقَهَاءِ وَالصُّوفِيَّةِ وَأَهْلِ الْكَلَامِ لَمْ يَجِبْ أَنْ يُتَأَوَّلَ كُلُّ نَصٍّ فِيهِ
(6/13)

ذِكْرُ قُرْبِهِ مِنْ جِهَةِ امْتِنَاعِ الْقُرْبِ عَلَيْهِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ جَوَازِ الْقُرْبِ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ كُلُّ مَوْضِعٍ ذُكِرَ فِيهِ قُرْبُهُ يُرَادُ بِهِ قُرْبُهُ بِنَفْسِهِ بَلْ يَبْقَى هَذَا مِنْ الْأُمُورِ الْجَائِزَةِ وَيُنْظَرُ فِي النَّصِّ الْوَارِدِ فَإِنْ دَلَّ عَلَى هَذَا حُمِلَ عَلَيْهِ وَإِنْ دَلَّ عَلَى هَذَا حُمِلَ عَلَيْهِ وَهَذَا كَمَا تَقَدَّمَ فِي لَفْظِ الْإِتْيَانِ وَالْمَجِيءِ. وَإِنْ كَانَ فِي مَوْضِعٍ قَدْ دَلَّ عِنْدَهُمْ عَلَى أَنَّهُ هُوَ يَأْتِي فَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ يَأْتِي بِعَذَابِهِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ} وقَوْله تَعَالَى {فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا} . فَتَدَبَّرْ هَذَا فَإِنَّهُ كَثِيرًا مَا يَغْلَطُ النَّاسُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ إذَا تَنَازَعَ الْنُّفَاةِ وَالْمُثْبِتَةُ فِي صِفَةٍ وَدَلَالَةٍ نُصَّ عَلَيْهَا يُرِيدُ الْمُرِيدُ أَنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ اللَّفْظَ - حَيْثُ وَرَدَ - دَالًّا عَلَى الصِّفَةِ وَظَاهِرًا فِيهَا. ثُمَّ يَقُولُ النَّافِي: وَهُنَاكَ لَمْ تَدُلَّ عَلَى الصِّفَةِ فَلَا تَدُلُّ هُنَا. وَقَدْ يَقُولُ بَعْضُ الْمُثْبِتَةِ: دَلَّتْ هُنَا عَلَى الصِّفَةِ فَتَكُونُ دَالَّةً هُنَاكَ؛ بَلْ لَمَّا رَأَوْا بَعْضَ النُّصُوصِ تَدُلُّ عَلَى الصِّفَةِ جَعَلُوا كُلَّ آيَةٍ فِيهَا مَا يَتَوَهَّمُونَ أَنَّهُ يُضَافُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى - إضَافَةَ صِفَةٍ - مِنْ آيَاتِ الصِّفَاتِ. كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ} . وَهَذَا يَقَعُ فِيهِ طَوَائِفُ مِنْ الْمُثْبِتَةِ والْنُّفَاةِ وَهَذَا مِنْ أَكْبَرِ الْغَلَطِ فَإِنَّ الدَّلَالَةَ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ بِحَسَبِ سِيَاقِهِ. وَمَا يُحَفُّ بِهِ مِنْ الْقَرَائِنِ اللَّفْظِيَّةِ وَالْحَالِيَّةِ
(6/14)

وَهَذَا مَوْجُودٌ فِي أَمْرِ الْمَخْلُوقِينَ يُرَادُ بِأَلْفَاظِ الصِّفَاتِ مِنْهُمْ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ غَيْرُ الصِّفَاتِ. وَأَنَا أَذْكُرُ لِهَذَا مِثَالَيْنِ نَافِعَيْنِ (أَحَدُهُمَا صِفَةُ الْوَجْهِ فَإِنَّهُ لَمَّا كَانَ إثْبَاتُ هَذِهِ الصِّفَةِ مَذْهَبَ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالْمُتَكَلِّمَةِ الصفاتية: مِنْ الْكُلَّابِيَة وَالْأَشْعَرِيَّةِ والكَرَّامِيَة وَكَانَ نَفْيُهَا مَذْهَبَ الْجَهْمِيَّة: مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ وَمَذْهَبَ بَعْضِ الصفاتية مِنْ الْأَشْعَرِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ صَارَ بَعْضُ النَّاسِ مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ كُلَّمَا قَرَأَ آيَةً فِيهَا ذِكْرُ الْوَجْهِ جَعَلَهَا مِنْ مَوَارِدِ النِّزَاعِ فَالْمُثْبِتُ يَجْعَلُهَا مِنْ الصِّفَاتِ الَّتِي لَا تُتَأَوَّلُ بِالصَّرْفِ وَالنَّافِي يَرَى أَنَّهُ إذَا قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ صِفَةً فَكَذَلِكَ غَيْرُهَا. (مِثَالُ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} . أَدْخَلَهَا فِي آيَاتِ الصِّفَاتِ طَوَائِفُ مِنْ الْمُثْبِتَةِ والْنُّفَاةِ حَتَّى عَدَّهَا " أُولَئِكَ " كَابْنِ خُزَيْمَة مِمَّا يُقَرِّرُ إثْبَاتَ الصِّفَةِ وَجَعَلَ " النَّافِيَةَ " تَفْسِيرَهَا بِغَيْرِ الصِّفَةِ حُجَّةً لَهُمْ فِي مَوَارِدِ النِّزَاعِ. وَلِهَذَا لَمَّا اجْتَمَعْنَا فِي الْمَجْلِسِ الْمَعْقُودِ وَكُنْت قَدْ قُلْت: أَمْهَلْت كُلَّ مَنْ خَالَفَنِي ثَلَاثَ سِنِينَ إنْ جَاءَ بِحَرْفِ وَاحِدٍ عَنْ السَّلَفِ يُخَالِفُ شَيْئًا مِمَّا ذَكَرْته كَانَتْ لَهُ الْحُجَّةُ وَفَعَلْت وَفَعَلْت وَجَعَلَ الْمُعَارِضُونَ يُفَتِّشُونَ الْكُتُبَ فَظَفِرُوا بِمَا ذَكَرَهُ البيهقي فِي كِتَابِ " الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ " فِي قَوْله تَعَالَى {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} فَإِنَّهُ ذَكَرَ عَنْ مُجَاهِدٍ وَالشَّافِعِيِّ أَنَّ الْمُرَادَ قِبْلَةُ اللَّهِ فَقَالَ أَحَدُ كُبَرَائِهِمْ - فِي الْمَجْلِسِ الثَّانِي - قَدْ أَحْضَرْت نَقْلًا عَنْ السَّلَفِ بِالتَّأْوِيلِ فَوَقَعَ فِي قَلْبِي مَا أَعَدَّ فَقُلْت: لَعَلَّك قَدْ ذَكَرْت مَا رُوِيَ
(6/15)

فِي قَوْله تَعَالَى {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} قَالَ: نَعَمْ. قُلْت: الْمُرَادُ بِهَا قِبْلَةُ اللَّهِ فَقَالَ: قَدْ تَأَوَّلَهَا مُجَاهِدٌ وَالشَّافِعِيُّ وَهُمَا مِنْ السَّلَفِ. وَلَمْ يَكُنْ هَذَا السُّؤَالُ يَرِدُ عَلَيَّ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِمَّا نَاظَرُونِي فِيهِ صِفَةَ الْوَجْهِ وَلَا أُثْبِتُهَا لَكِنْ طَلَبُوهَا مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ وَكَلَامِي كَانَ مُقَيَّدًا كَمَا فِي الْأَجْوِبَةِ فَلَمْ أَرَ إحْقَاقَهُمْ فِي هَذَا الْمَقَامِ بَلْ قُلْت هَذِهِ الْآيَةُ لَيْسَتْ مِنْ آيَاتِ الصِّفَاتِ أَصْلًا وَلَا تَنْدَرِجُ فِي عُمُومِ قَوْلِ مَنْ يَقُولُ: لَا تُؤَوَّلُ آيَاتُ الصِّفَاتِ. قَالَ: أَلَيْسَ فِيهَا ذِكْرُ الْوَجْهِ فَلَمَّا قُلْت: الْمُرَادُ بِهَا قِبْلَةُ اللَّهِ. قَالَ: أَلَيْسَتْ هَذِهِ مِنْ آيَاتِ الصِّفَاتِ؟ قُلْت: لَا. لَيْسَتْ مِنْ مَوَارِدِ النِّزَاعِ فَإِنِّي إنَّمَا أُسَلِّمُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْوَجْهِ - هُنَا - الْقِبْلَةُ فَإِنَّ " الْوَجْهَ " هُوَ الْجِهَةُ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ يُقَالُ: قَصَدْت هَذَا الْوَجْهَ وَسَافَرْت إلَى هَذَا " الْوَجْهِ " أَيْ: إلَى هَذِهِ الْجِهَةِ وَهَذَا كَثِيرٌ مَشْهُورٌ فَالْوَجْهُ هُوَ الْجِهَةُ. وَهُوَ الْوَجْهُ: كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا} أَيْ مُتَوَلِّيهَا فَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا} كَقَوْلِهِ: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} كِلْتَا الْآيَتَيْنِ فِي اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى مُتَقَارِبَتَانِ وَكِلَاهُمَا فِي شَأْنِ الْقِبْلَةِ وَالْوَجْهِ وَالْجِهَةِ هُوَ الَّذِي ذُكِرَ فِي الْآيَتَيْنِ: أَنَّا نُوَلِّيهِ: نَسْتَقْبِلُهُ. قُلْت: وَالسِّيَاقُ يَدُلُّ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ قَالَ: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا} وَأَيْنَ مِنْ الظُّرُوفِ وَتُوَلُّوا أَيْ تَسْتَقْبِلُوا. فَالْمَعْنَى: أَيُّ مَوْضِعٍ اسْتَقْبَلْتُمُوهُ فَهُنَالِكَ وَجْهُ اللَّهِ فَقَدْ جَعَلَ وَجْهَ اللَّهِ فِي الْمَكَانِ الَّذِي يَسْتَقْبِلُهُ هَذَا بَعْدَ قَوْلِهِ: {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ} وَهِيَ الْجِهَاتُ كُلُّهَا كَمَا فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: {قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} .
(6/16)

فَأَخْبَرَ أَنَّ الْجِهَاتِ لَهُ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْإِضَافَةَ إضَافَةُ تَخْصِيصٍ وَتَشْرِيفٍ؛ كَأَنَّهُ قَالَ جِهَةُ اللَّهِ وَقِبْلَةُ اللَّهِ. وَلَكِنْ مِنْ النَّاسِ مَنْ يُسَلِّمُ أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ جِهَةُ اللَّهِ أَيْ قِبْلَةُ اللَّهِ وَلَكِنْ يَقُولُ: هَذِهِ الْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى الصِّفَةِ وَعَلَى أَنَّ الْعَبْدَ يَسْتَقْبِلُ رَبَّهُ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: {إذَا قَامَ أَحَدُكُمْ إلَى الصَّلَاةِ فَإِنَّ اللَّهَ قِبَلَ وَجْهِهِ} وَكَمَا فِي قَوْلِهِ: {لَا يَزَالُ اللَّهُ مُقْبِلًا عَلَى عَبْدِهِ بِوَجْهِهِ مَا دَامَ مُقْبِلًا عَلَيْهِ فَإِذَا انْصَرَفَ صَرَفَ وَجْهَهُ عَنْهُ} وَيَقُولُ: إنَّ الْآيَةَ دَلَّتْ عَلَى الْمَعْنَيَيْنِ. فَهَذَا شَيْءٌ آخَرُ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَهُ. وَالْغَرَضُ أَنَّهُ إذَا قِيلَ: " فَثَمَّ قِبْلَةُ اللَّهِ " لَمْ يَكُنْ هَذَا مِنْ التَّأْوِيلِ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ؛ الَّذِي يُنْكِرُهُ مُنْكِرُو تَأْوِيلِ آيَاتِ الصِّفَاتِ؛ وَلَا هُوَ مِمَّا يَسْتَدِلُّ بِهِ عَلَيْهِمْ الْمُثْبِتَةُ فَإِنَّ هَذَا الْمَعْنَى صَحِيحٌ فِي نَفْسِهِ وَالْآيَةُ دَالَّةٌ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ دَالَّةً عَلَى ثُبُوتِ صِفَةٍ فَذَاكَ شَيْءٌ آخَرُ وَيَبْقَى دَلَالَةُ قَوْلِهِمْ: {فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} عَلَى فَثَمَّ قِبْلَةُ اللَّهِ هَلْ هُوَ مِنْ بَابِ تَسْمِيَةِ الْقِبْلَةِ وَجْهًا بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْوَجْهَ وَالْجِهَةَ وَاحِدٌ؟ أَوْ بِاعْتِبَارِ أَنَّ مَنْ اسْتَقْبَلَ وَجْهَ اللَّهِ فَقَدْ اسْتَقْبَلَ قِبْلَةَ اللَّهِ؟ فَهَذَا فِيهِ بُحُوثٌ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَهَا. (وَالْمِثَالُ الثَّانِي: لَفْظَةُ " الْأَمْرِ " فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا أَخْبَرَ بِقَوْلِهِ: {إنَّمَا أَمْرُهُ إذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} وَقَالَ: {أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ} وَاسْتَدَلَّ طَوَائِفُ مِنْ السَّلَفِ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ غَيْرُ مَخْلُوقٍ بَلْ هُوَ كَلَامُهُ وَصِفَةٌ مِنْ صِفَاتِهِ بِهَذِهِ الْآيَةِ وَغَيْرِهَا صَارَ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ يَطْرُدُ ذَلِكَ فِي لَفْظِ الْأَمْرِ حَيْثُ وَرَدَ فَيَجْعَلُهُ صِفَةً طَرْدًا لِلدَّلَالَةِ وَيَجْعَلُ دَلَالَتَهُ عَلَى غَيْرِ الصِّفَةِ نَقْضًا لَهَا
(6/17)

وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ؛ فَبَيَّنْت فِي بَعْضِ رَسَائِلِي: أَنَّ الْأَمْرَ وَغَيْرَهُ مِنْ الصِّفَاتِ يُطْلَقُ عَلَى الصِّفَةِ تَارَةً وَعَلَى مُتَعَلِّقِهَا أُخْرَى؛ " فَالرَّحْمَةُ " صِفَةٌ لِلَّهِ وَيُسَمَّى مَا خَلَقَ رَحْمَةً وَالْقُدْرَةُ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَيُسَمَّى " الْمَقْدُورُ " قُدْرَةً وَيُسَمَّى تَعَلُّقُهَا " بِالْمَقْدُورِ " قُدْرَةً وَالْخَلْقُ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَيُسَمَّى خَلْقًا وَالْعِلْمُ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ وَيُسَمَّى الْمَعْلُومُ أَوْ الْمُتَعَلِّقُ عِلْمًا؛ فَتَارَةً يُرَادُ الصِّفَةُ وَتَارَةً يُرَادُ مُتَعَلِّقُهَا وَتَارَةً يُرَادُ نَفْسُ التَّعَلُّقِ. وَ " الْأَمْرُ " مَصْدَرٌ فَالْمَأْمُورُ بِهِ يُسَمَّى أَمْرًا وَمِنْ هَذَا الْبَابِ سُمِّيَ عِيسَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَلِمَةً؛ لِأَنَّهُ مَفْعُولٌ بِالْكَلِمَةِ وَكَائِنٌ بِالْكَلِمَةِ وَهَذَا هُوَ الْجَوَابُ عَنْ سُؤَالِ الْجَهْمِيَّة لَمَّا قَالُوا: عِيسَى كَلِمَةُ اللَّهِ فَهُوَ مَخْلُوقٌ وَالْقُرْآنُ إذَا كَانَ كَلَامَ اللَّهِ لَمْ يَكُنْ إلَّا مَخْلُوقًا؛ فَإِنَّ عِيسَى لَيْسَ هُوَ نَفْسَ كَلِمَةِ اللَّهِ وَإِنَّمَا سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ خُلِقَ بِالْكَلِمَةِ عَلَى خِلَافِ سُنَّةِ الْمَخْلُوقِينَ فَخُرِقَتْ فِيهِ الْعَادَةُ وَقِيلَ لَهُ: كُنْ فَكَانَ. وَالْقُرْآنُ نَفْسُ كَلَامِ اللَّهِ. فَمَنْ تَدَبَّرَ مَا وَرَدَ فِي " بَابِ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ " وَإِنَّ دَلَالَةَ ذَلِكَ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ عَلَى ذَاتِ اللَّهِ. أَوْ بَعْضِ صِفَاتِ ذَاتِهِ لَا يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ هُوَ مَدْلُولُ اللَّفْظِ حَيْثُ وَرَدَ حَتَّى يَكُونَ ذَلِكَ طَرْدًا لِلْمُثْبِتِ وَنَقْضًا لِلنَّافِي؛ بَلْ يُنْظَرُ فِي كُلِّ آيَةٍ وَحَدِيثٍ بِخُصُوصِهِ وَسِيَاقِهِ وَمَا يُبَيِّنُ مَعْنَاهُ مِنْ الْقُرْآنِ وَالدَّلَالَاتِ فَهَذَا أَصْلٌ عَظِيمٌ مُهِمٌّ نَافِعٌ فِي بَابِ فَهْمِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالِاسْتِدْلَالِ بِهِمَا مُطْلَقًا وَنَافِعٌ فِي مَعْرِفَةِ الِاسْتِدْلَالِ وَالِاعْتِرَاضِ وَالْجَوَابِ وَطَرْدِ الدَّلِيلِ وَنَقْضِهِ فَهُوَ
(6/18)

نَافِعٌ فِي كُلِّ عِلْمٍ خَبَرِيٍّ أَوْ إنْشَائِيٍّ وَفِي كُلِّ اسْتِدْلَالٍ أَوْ مُعَارَضَةٍ: مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَفِي سَائِرِ أَدِلَّةِ الْخَلْقِ. فَإِذَا كَانَ الْعَبْدُ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَتَقَرَّبَ مِنْ رَبِّهِ وَأَنْ يُقَرِّبَ مِنْهُ رَبَّهُ بِأَحَدِ الْمَعْنَيَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ أَوْ بِكِلَيْهِمَا؛ لَمْ يَمْتَنِعْ حَمْلُ النَّصِّ عَلَى ذَلِكَ إذَا كَانَ دَالًّا عَلَيْهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ دَالًّا عَلَيْهِ لَمْ يَجُزْ حَمْلُهُ وَإِنْ احْتَمَلَ هَذَا الْمَعْنَى وَهَذَا الْمَعْنَى وَقْفٌ. فَجَوَازُ إرَادَةِ الْمَعْنَى فِي الْجُمْلَةِ غَيْرُ كَوْنِهِ هُوَ الْمُرَادُ بِكُلِّ نَصٍّ. وَأَمَّا قُرْبُهُ اللَّازِمُ مِنْ عِبَادِهِ: بِعِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ وَتَدْبِيرِهِ فَقَدْ تَقَدَّمَ. وَتَقَدَّمَ ذِكْرُ الْخِلَافِ فِي قُرْبِهِ بِنَفْسِهِ قُرْبًا لَازِمًا وَعُرِفَ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ وَالْمُخْتَلَفُ فِيهِ: مِنْ قُرْبِهِ الْعَارِضِ وَاللَّازِمِ؛ فَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} مِنْ النَّاسِ طَوَائِفُ عِنْدَهُمْ لَا يَحْتَاجُ إلَى تَأْوِيلٍ وَمِنْهُمْ مَنْ يحوجها إلَى التَّأْوِيلِ. ثُمَّ أَقُولُ هَذِهِ الْآيَةُ لَا تَخْلُو إمَّا أَنْ يُرَادَ بِهَا قُرْبُهُ سُبْحَانَهُ؛ أَوْ قُرْبُ مَلَائِكَتِهِ؛ كَمَا قَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ فَإِنْ أُرِيدَ بِهَا قُرْبُ الْمَلَائِكَةِ فَقَوْلُهُ: {إذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ} فَيَكُونُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قَدْ أَخْبَرَ بِعِلْمِهِ هُوَ سُبْحَانَهُ بِمَا فِي نَفْسِ الْإِنْسَانِ وَأَخْبَرَ بِقُرْبِ الْمَلَائِكَةِ الْكِرَامِ الْكَاتِبِينَ مِنْهُ. وَدَلِيلُ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ إذْ يَتَلَقَّى} فَفُسِّرَ ذَلِكَ بِالْقُرْبِ الَّذِي هُوَ حِينَ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ وَبِأَيِّ مَعْنًى فُسِّرَ؛ فَإِنَّ عِلْمَهُ وَقُدْرَتَهُ عَامُّ التَّعَلُّقِ وَكَذَلِكَ نَفْسُهُ سُبْحَانَهُ لَا يَخْتَصُّ بِهَذَا الْوَقْتِ وَتَكُونُ هَذِهِ
(6/19)

الْآيَةُ مِثْلَ قَوْله تَعَالَى {أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ} وَمِنْهُ قَوْلُهُ فِي أَوَّلِ السُّورَةِ: {قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ} . وَعَلَى هَذَا فَالْقُرْبُ لَا مَجَازَ فِيهِ. وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِي قَوْله تَعَالَى {وَنَحْنُ أَقْرَبُ} حَيْثُ عَبَّرَ بِهَا عَنْ مَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ أَوْ عَبَّرَ بِهَا عَنْ نَفْسِهِ أَوْ عَنْ مَلَائِكَتِهِ وَلَكِنَّ قُرْبَ كُلٍّ بِحَسَبِهِ. فَقُرْبُ الْمَلَائِكَةِ مِنْهُ تِلْكَ السَّاعَةِ وَقُرْبُ اللَّهِ تَعَالَى مِنْهُ مُطْلَقٌ؛ كَالْوَجْهِ الثَّانِي إذَا أُرِيدَ بِهِ اللَّهُ تَعَالَى أَيْ: نَحْنُ أَقْرَبُ إلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ؛ فَيَرْجِعُ هَذَا إلَى الْقُرْبِ الذَّاتِيِّ اللَّازِمِ. وَفِيهِ الْقَوْلَانِ. (أَحَدُهُمَا: إثْبَاتُ ذَلِكَ وَهُوَ قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ وَالصُّوفِيَّةِ. (وَالثَّانِي: أَنَّ الْقُرْبَ هُنَا بِعِلْمِهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ قَالَ: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} فَذِكْرُ لَفْظِ الْعِلْمِ هُنَا دَلَّ عَلَى الْقُرْبِ بِالْعِلْمِ. وَمِثْلُ هَذِهِ الْآيَةِ حَدِيثُ أَبِي مُوسَى {: إنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا إنَّمَا تَدْعُونَ سَمِيعًا قَرِيبًا إنَّ الَّذِي تَدْعُونَهُ أَقْرَبُ إلَى أَحَدِكُمْ مِنْ عُنُقِ رَاحِلَتِهِ} فَالْآيَةُ لَا تَحْتَاجُ إلَى تَأْوِيلِ الْقُرْبِ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى إلَّا عَلَى هَذَا الْقَوْلِ وَحِينَئِذٍ فَالسِّيَاقُ دَلَّ عَلَيْهِ وَمِمَّا دَلَّ عَلَيْهِ السِّيَاقُ هُوَ ظَاهِرُ الْخِطَابِ؛ فَلَا يَكُونُ مِنْ مَوَارِدِ النِّزَاعِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّا لَا نَذُمُّ كُلَّ مَا يُسَمَّى تَأْوِيلًا مِمَّا فِيهِ كِفَايَةٌ وَإِنَّمَا
(6/20)

نَذُمُّ تَحْرِيفَ الْكَلِمِ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَمُخَالَفَةَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْقَوْلَ فِي الْقُرْآنِ بِالرَّأْيِ. (وَتَحْقِيقُ الْجَوَابِ هُوَ أَنْ يُقَالَ: إمَّا أَنْ يَكُونَ قُرْبُهُ بِنَفْسِهِ الْقُرْبَ اللَّازِمَ مُمْكِنًا أَوْ لَا يَكُونَ. فَإِنْ كَانَ مُمْكِنًا لَمْ تَحْتَجْ الْآيَةُ إلَى تَأْوِيلٍ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُمْكِنًا حُمِلَتْ الْآيَةُ عَلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ سِيَاقُهَا وَهُوَ قُرْبُهُ بِعِلْمِهِ. وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ هَذَا هُوَ ظَاهِرُ الْخِطَابِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ السِّيَاقُ أَوْ لَا يَكُونَ. فَإِنْ كَانَ هُوَ ظَاهِرَ الْخِطَابِ فَلَا كَلَامَ؛ إذْ لَا تَأْوِيلَ حِينَئِذٍ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ظَاهِرَ الْخِطَابِ؛ فَإِنَّمَا حُمِلَ عَلَى ذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ بَيَّنَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِهِ أَنَّهُ عَلَى الْعَرْشِ وَأَنَّهُ فَوْقَ فَكَانَ مَا ذَكَرَهُ فِي كِتَابِهِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ أَنَّهُ فَوْقَ الْعَرْشِ مَعَ مَا قَرَنَهُ بِهَذِهِ الْآيَةِ مِنْ الْعِلْمِ دَلِيلًا عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ قُرْبَ الْعِلْمِ؛ إذْ مُقْتَضَى تِلْكَ الْآيَاتِ يُنَافِي ظَاهِرَ هَذِهِ الْآيَةِ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ وَالصَّرِيحُ يَقْضِي عَلَى الظَّاهِرِ وَيُبَيِّنُ مَعْنَاهُ. وَيَجُوزُ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ أَنْ تُفَسَّرَ إحْدَى الْآيَتَيْنِ بِظَاهِرِ الْأُخْرَى وَيُصْرَفَ الْكَلَامُ عَنْ ظَاهِرِهِ؛ إذْ لَا مَحْذُورَ فِي ذَلِكَ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَإِنْ سُمِّيَ تَأْوِيلًا وَصَرْفًا عَنْ الظَّاهِرِ فَذَلِكَ لِدَلَالَةِ الْقُرْآنِ عَلَيْهِ وَلِمُوَافَقَةِ السُّنَّةِ وَالسَّلَفِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ بِالْقُرْآنِ؛ لَيْسَ تَفْسِيرًا لَهُ بِالرَّأْيِ. وَالْمَحْذُورُ إنَّمَا هُوَ صَرْفُ الْقُرْآنِ عَنْ فَحْوَاهُ بِغَيْرِ دَلَالَةٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالسَّابِقِينَ كَمَا تَقَدَّمَ. وَلِلْإِمَامِ أَحْمَد - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - رِسَالَةٌ فِي هَذَا النَّوْعِ وَهُوَ ذِكْرُ
(6/21)

الْآيَاتِ الَّتِي يُقَالُ: بَيْنَهَا مُعَارَضَةٌ وَبَيَانُ الْجَمْعِ بَيْنَهَا وَإِنْ كَانَ فِيهِ مُخَالَفَةٌ لِمَا يَظْهَرُ مِنْ إحْدَى الْآيَتَيْنِ أَوْ حَمْلُ إحْدَاهُمَا عَلَى الْمَجَازِ. وَكَلَامُهُ فِي هَذَا أَكْثَرُ مِنْ كَلَامِ غَيْرِهِ مِنْ الْأَئِمَّةِ الْمَشْهُورِينَ؛ فَإِنَّ كَلَامَ غَيْرِهِ أَكْثَرُ مَا يُوجَدُ فِي الْمَسَائِلِ الْعَمَلِيَّةِ وَأَمَّا الْمَسَائِلُ الْعِلْمِيَّةُ فَقَلِيلٌ. وَكَلَامُ الْإِمَامِ أَحْمَد كَثِيرٌ فِي الْمَسَائِلِ الْعِلْمِيَّةِ وَالْعَمَلِيَّةِ لِقِيَامِ الدَّلِيلِ مِنْ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ عَلَى ذَلِكَ وَمَنْ قَالَ: إنَّ مَذْهَبَهُ نَفْيُ ذَلِكَ فَقَدْ افْتَرَى عَلَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَالْكَلَامُ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إذَا دَعَانِ} مِثْلَ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {إنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا إنَّمَا تَدْعُونَ سَمِيعًا قَرِيبًا؛ إنَّ الَّذِي تَدْعُونَهُ أَقْرَبُ إلَى أَحَدِكُمْ مِنْ عُنُقِ رَاحِلَتِهِ} فَمَنْ حَمَلَهُ عَلَى قُرْبِ نَفْسِهِ قُرْبًا لَازِمًا أَوْ عَارِضًا فَلَا كَلَامَ وَمَنْ قَالَ: الْمُرَادُ كَوْنُهُ يَسْمَعُ دُعَاءَهُمْ وَيَسْتَجِيبُ لَهُمْ وَمَا يَتْبَعُ ذَلِكَ. قَالَ: دَلَّ عَلَيْهِ السِّيَاقُ فَلَا يَكُونُ خِلَافَ الظَّاهِرِ. أَوْ يَقُولُ: دَلَّ عَلَيْهِ مَا فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ مِنْ النُّصُوصِ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ فَوْقَ الْعَرْشِ فَيَكُونُ تَفْسِيرَ الْقُرْآنِ وَتَأْوِيلَهُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَهَذَا لَا مَحْذُورَ فِيهِ. وَاعْلَمْ أَنَّ مِنْ النَّاسِ مَنْ سَلَكَ هَذَا الْمَسْلَكَ فِي نَفْسِ " الْمَعِيَّةِ " وَيَقُولُ: إنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ السِّيَاقُ. وَإِنْ كَانَ خِلَافَ ظَاهِرِ الْإِطْلَاقِ أَوْ مَحْمُولٌ عَلَى خِلَافِ الظَّاهِرِ لِدَلَالَةِ الْآيَاتِ أَنَّ اللَّهَ فَوْقَ الْعَرْشِ وَيَجْعَلُ بَعْضَ الْقُرْآنِ يُفَسِّرُ بَعْضًا لَكِنْ نَحْنُ بَيَّنَّا أَنَّهُ لَيْسَ فِي ظَاهِرِ الْمَعِيَّةِ مَا يُوجِبُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّا وَجَدْنَا جَمِيعَ
(6/22)

اسْتِعْمَالَاتِ " مَعَ " فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ لَا تُوجِبُ اتِّصَالًا وَاخْتِلَاطًا فَلَمْ يَكُنْ بِنَا حَاجَةٌ إلَى أَنْ نَجْعَلَ ظَاهِرَهُ الْمُلَاصَقَةَ ثُمَّ نَصْرِفَهُ. فَأَمَّا لَفْظُ " الْقُرْبِ " فَهُوَ مِثْلُ لَفْظِ " الدُّنُوِّ " وَضِدُّ الْقُرْبِ الْبُعْدُ فَاللَّفْظُ ظَاهِرٌ فِي اللُّغَةِ. فَإِمَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ وَإِمَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى مَا يُقَالُ إنَّهُ الظَّاهِرُ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ السِّيَاقُ أَوْ عَلَى خِلَافِ الظَّاهِرِ لِدَلَالَةِ بَقِيَّةِ النُّصُوصِ. وَقَدْ رَوَى الطَّبَرَانِي وَغَيْرُهُ: أَنَّ {نَاسًا سَأَلُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقَرِيبٌ رَبُّنَا فَنُنَاجِيهِ أَمْ بَعِيدٌ فَنُنَادِيهِ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إذَا دَعَانِ} } . وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ.
(6/23)

وَقَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ:
فَصْلٌ:
قَدْ كَتَبْت قَبْلَ هَذَا فِي الْجُزْءِ الثَّانِي مِنْ الْمُرَتَّبِ: الْكَلَامُ فِي " قُرْبِ الْعَبْدِ مِنْ رَبِّهِ " وَذَهَابِهِ إلَيْهِ وَ " قُرْبِ الرَّبِّ مِنْ عَبْدِهِ " وَتَجَلِّي الرَّبِّ لَهُ وَظُهُورِهِ وَمَا يَعْتَرِفُ بِهِ الْمُتَفَلْسِفَةُ مِنْ ذَلِكَ؛ ثُمَّ الْمُتَكَلِّمَةُ ثُمَّ أَهْلُ السُّنَّةِ وَأَنَّ مَا يُثْبِتُهُ هَؤُلَاءِ مِنْ الْحَقِّ يُثْبِتُهُ أَهْلُ السُّنَّةِ. ثُمَّ يُثْبِتُ أَهْلُ السُّنَّةِ " أَشْيَاءَ " لَا يَعْرِفُهَا أَهْلُ الْبِدْعَةِ؛ لِجَهْلِهِمْ وَضَلَالِهِمْ؛ إذْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ. ثُمَّ الْمَعَانِي الَّذِي يُثْبِتُهَا هَؤُلَاءِ مِنْ الْحَقِّ وَيَتَأَوَّلُونَ النُّصُوصَ عَلَيْهَا حَسَنَةٌ صَحِيحَةٌ جَيِّدَةٌ؛ لَكِنَّ الضَّلَالَ جَاءَ مِنْ جِهَةِ نَفْيِهِمْ مَا زَادَ عَلَيْهَا وَذَلِكَ مِثْلُ إثْبَاتِ الْمُتَفَلْسِفَةِ " لِوَاجِبِ الْوُجُودِ " وَأَنَّ الرُّوحَ غَيْرُ الْبَدَنِ " وَأَنَّهَا بَاقِيَةٌ بَعْدَ فِرَاقِ الْبَدَنِ وَأَنَّهَا مُنَعَّمَةٌ أَوْ مُعَذَّبَةٌ: نَعِيمًا وَعَذَابًا رُوحَانِيَّيْنِ. وَكَذَلِكَ مَا يُثْبِتُونَهُ مِنْ قُوَى الْبَدَنِ وَالنَّفْسِ الصَّالِحَةِ وَغَيْرِ الصَّالِحَةِ: كُلُّ ذَلِكَ حَقٌّ؛ لَكِنَّ زَعْمَهُمْ أَنْ لَا مَعْنَى لِلنُّصُوصِ إلَّا ذَلِكَ وَأَنْ لَا حَقَّ وَرَاءَ ذَلِكَ
(6/24)

وَأَنَّ " الْجَنَّةَ " وَ " النَّارَ " عِبَارَةٌ عَنْ ذَلِكَ؛ وَإِنَّمَا الْوَصْفُ الْمَذْكُورُ فِي الْكُتُبِ الْإِلَهِيَّةِ أَمْثَالٌ مَضْرُوبَةٌ لِتَفْهِيمِ الْمَعَادِ الرُّوحَانِيِّ وَأَنَّ " الْمَلَائِكَةَ " وَ " الْجِنَّ " هِيَ أَعْرَاضٌ وَهِيَ قُوَى النَّفْسِ الصَّالِحَةِ وَالْفَاسِدَةِ وَأَنَّ " الرُّوحَ " لَا تَتَحَرَّكُ؛ وَإِنَّمَا يَنْكَشِفُ لَهُ حَقَائِقُ الْكَوْنِ فَيَكُونُ ذَلِكَ قُرْبَهَا إلَى اللَّهِ وَأَنَّ مِعْرَاجَ النَّبِيِّ هُوَ مِنْ هَذَا الْبَابِ هَذَا النَّفْيُ وَالتَّكْذِيبُ كُفْرٌ. وَكَذَلِكَ مَا يُثْبِتُهُ الْمُتَكَلِّمَةُ: مِنْ أَنَّ الْعَبْدَ يَتَقَرَّبُ بِبَدَنِهِ وَرُوحِهِ إلَى " الْأَمَاكِنِ الْمُفَضَّلَةِ " الَّتِي يَظْهَرُ فِيهَا نُورُ الرَّبِّ كَالسَّمَوَاتِ وَالْمَسَاجِدِ وَكَذَلِكَ الْمَلَائِكَةُ فَهَذَا صَحِيحٌ؛ لَكِنَّ دَعْوَاهُمْ أَنَّهُمْ لَا يَتَقَرَّبُونَ إلَى ذَاتِ اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ عَلَى الْعَرْشِ؛ هَذَا بَاطِلٌ. وَإِنَّمَا الصَّوَابُ إثْبَاتُ ذَلِكَ وَإِثْبَاتُ مَا جَاءَتْ بِهِ النُّصُوصُ أَيْضًا مِنْ قُرْبِ الْعَبْدِ إلَى رَبِّهِ وَتَجَلِّي الرَّبِّ لِعِبَادِهِ بِكَشْفِ الْحُجُبِ الْمُتَّصِلَةِ بِهِمْ وَالْمُنْفَصِلَةِ عَنْهُمْ وَأَنَّ الْقُرْبَ وَالتَّجَلِّيَ فِيهِ عِلْمُ الْعَبْدِ الَّذِي هُوَ ظُهُورُ الْحَقِّ لَهُ وَعَمَلُ الْعَبْدِ الَّذِي هُوَ دُنُوُّهُ إلَى رَبِّهِ. وَقَدْ تَكَلَّمْت فِي دُنُوِّ الرَّبِّ وَقُرْبِهِ وَمَا فِيهِ مِنْ النِّزَاعِ بَيْنَ أَهْلِ السُّنَّةِ. ثُمَّ بَعْضُ الْمُتَسَنِّنَةِ وَالْجُهَّالِ: إذَا رَأَوْا مَا يُثْبِتُهُ أُولَئِكَ مِنْ الْحَقِّ: قَدْ يَفِرُّونَ مِنْ التَّصْدِيقِ بِهِ؛ وَإِنْ كَانَ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا يُنَازِعُونَ أَهْلَ السُّنَّةِ فِي ثُبُوتِهِ؛ بَلْ الْجَمِيعُ صَحِيحٌ. وَرُبَّمَا كَانَ الْإِقْرَارُ بِمَا اُتُّفِقَ عَلَى إثْبَاتِهِ أَهَمَّ مِنْ الْإِقْرَارِ بِمَا حَصَلَ فِيهِ نِزَاعٌ؛ إذْ ذَلِكَ أَظْهَرُ وَأَبْيَنُ وَهُوَ أَصْلٌ لِلْمُتَنَازَعِ فِيهِ؛ فَيَحْصُلُ بَعْضُ الْفِتْنَةِ فِي نَوْعِ
(6/25)

تَكْذِيبٍ وَنَفْيِ حَالٍ أَوْ اعْتِقَادٍ كَحَالِ الْمُبْتَدِعَةِ فَيَبْقَى الْفَرِيقَانِ فِي بِدْعَةٍ وَتَكْذِيبٍ بِبَعْضِ مُوجِبِ النُّصُوصِ وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ قُلُوبَ الْمُثْبِتَةِ تَبْقَى مُتَعَلِّقَةً بِإِثْبَاتِ مَا نَفَتْهُ الْمُبْتَدِعَةُ. وَفِيهِمْ نُفْرَةٌ عَنْ قَوْلِ الْمُبْتَدِعَةِ؛ بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمْ بِالْحَقِّ وَنَفْيِهِمْ لَهُ فَيُعْرِضُونَ عَنْ مَا يُثْبِتُونَهُ مِنْ الْحَقِّ أَوْ يَنْفِرُونَ مِنْهُ أَوْ يُكَذِّبُونَ بِهِ كَمَا قَدْ يَصِيرُ بَعْضُ جُهَّالِ الْمُتَسَنِّنَةِ فِي إعْرَاضِهِ عَنْ بَعْضِ فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ الْبَيْتِ؛ إذَا رَأَى أَهْلَ الْبِدْعَةِ يُغْلُونَ فِيهَا؛ بَلْ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ يَصِيرُ فِي الْإِعْرَاضِ عَنْ فَضَائِلِ مُوسَى وَعِيسَى بِسَبَبِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى بَعْضَ ذَلِكَ حَتَّى يُحْكَى عَنْ قَوْمٍ مِنْ الْجُهَّالِ أَنَّهُمْ رُبَّمَا شَتَمُوا الْمَسِيحَ إذَا سَمِعُوا النَّصَارَى يَشْتُمُونَ نَبِيَّنَا فِي الْحَرْبِ. [وَعَنْ بَعْضِ الْجُهَّالِ أَنَّهُ قَالَ: سُبُّوا عَلِيًّا كَمَا سَبُّوا عَتِيقَكُمْ كُفْرٌ بِكُفْرِ؛ وَإِيمَانٌ بِإِيمَانِ] (*) . وَمِثَالُ ذَلِكَ فِي " بَابِ الصِّفَاتِ " أَنَّ الْعَبْدَ إذَا عَرَفَ رَبَّهُ وَأَحَبَّهُ؛ بَلْ لَوْ عَرَفَ غَيْرَ اللَّهِ وَأَحَبَّهُ وتألهه؛ يَبْقَى ذَلِكَ الْمَعْرُوفُ الْمَحْبُوبُ الْمُعَظَّمُ فِي الْقَلْبِ وَاللِّسَانِ وَقَدْ تَقْوَى بِهِ شِدَّةُ الْوَجْدِ وَالْمَحَبَّةِ وَالتَّعْظِيمِ حَتَّى يَسْتَغْرِقَ بِهِ وَيَفْنَى بِهِ عَنْ نَفْسِهِ.
كَمَا قِيلَ إنَّ رَجُلًا كَانَ يُحِبُّ آخَرَ؛ فَوَقَعَ الْمَحْبُوبُ فِي الْيَمِّ. فَأَلْقَى الْآخَرُ نَفْسَهُ خَلْفَهُ فَقَالَ: أَنَا وَقَعْت فَمَا الَّذِي أَوْقَعَك؟ فَقَالَ: غِبْت بِك عَنِّي فَظَنَنْت أَنَّك أَنِّي. وَهَذَا كَمَا قِيلَ:
مِثَالُك فِي عَيْنِي وَذِكْرَاك فِي فَمِي ... وَمَثْوَاك فِي قَلْبِي فَأَيْنَ تَغِيبُ
__________

[تعليق مُعِدّ الكتاب للشاملة]
(*) قال الشيخ ناصر بن حمد الفهد (ص 55) :
وهذا بيت من (البسيط) ، ورسمه:
سبوا عليا كما سبوا عتيقكمُ ... كفر بكفر؛ وإيمانٌ بإيمان)
(6/26)

وَقَالَ آخَرُ:
سَاكِنٌ فِي الْقَلْبِ يَعْمُرُهُ ... لَسْت أَنْسَاهُ فَأَذْكُرُهُ
هُوَ مَوْلَى قَدْ رَضِيت بِهِ ... وَنَصِيبِي مِنْهُ أُوَفِّرُهُ
وَلِقُوَّةِ الِاتِّصَالِ: زَعَمَ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ الْعَالِمَ وَالْعَارِفَ يَتَّحِدُ بِالْمَعْلُومِ الْمَعْرُوفِ وَآخَرُونَ يَرَوْنَ أَنَّ الْمُحِبَّ قَدْ يَتَّحِدُ بِالْمَحْبُوبِ. وَهَذَا إمَّا غَلَطٌ؛ وَإِمَّا تَوَسُّعٌ فِي الْعِبَارَةِ فَإِنَّهُ نَوْعُ اتِّحَادٍ: هُوَ اتِّحَادٌ فِي عَيْنِ الْمُتَعَلِّقَاتِ مِنْ نَوْعِ اتِّحَادٍ فِي الْمَطْلُوبِ وَالْمَحْبُوبِ وَالْمَأْمُورِ بِهِ وَالْمَرْضِيِّ وَالْمَسْخُوطِ؛ وَاتِّحَادٍ فِي نَوْعِ الصِّفَاتِ مِنْ الْإِرَادَةِ وَالْمَحَبَّةِ وَالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالرِّضَا وَالسَّخَطِ بِمَنْزِلَةِ اتِّحَادِ الشَّخْصَيْنِ الْمُتَحَابَّيْنِ. وَهَذَا لَهُ تَفْصِيلٌ نَذْكُرُهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ. وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ هُنَا: أَنَّ الْمَعْرُوفَ الْمَحْبُوبَ فِي قَلْبِ الْعَارِفِ الْمُحِبِّ: لَهُ أَحْكَامٌ وَأَخْبَارٌ صَادِقَةٌ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إلَهٌ} وقَوْله تَعَالَى {وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} وقَوْله تَعَالَى {وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا} وَقَوْلِهِ: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} . وَقَوْلِهِ فِي الِاسْتِفْتَاحِ: {سُبْحَانَك اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك وَتَبَارَكَ اسْمُك وَتَعَالَى جَدُّك؛ وَلَا إلَهَ غَيْرُك} . وَيَحْصُلُ لِقُلُوبِ الْعَارِفِينَ بِهِ اسْتِوَاءٌ وَتَجَلٍّ لَا يَزُولُ عَنْهَا يُقِرُّ بِهِ كُلُّ أَحَدٍ؛ لَكِنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ يُقِرُّونَ بِكَثِيرِ مِمَّا لَا يَعْرِفُهُ أَهْلُ الْبِدْعَةِ؛ كَمَا يُقِرُّونَ بِاسْتِوَائِهِ عَلَى الْعَرْشِ.
(6/27)

وَمِثْلَ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {عَبْدِي مَرِضْت فَلَمْ تَعُدْنِي فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ كَيْفَ أَعُودُك وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ فَيَقُولُ: أَمَا عَلِمْت أَنَّ عَبْدِي فُلَانًا مَرِضَ فَلَوْ عُدْته لَوَجَدْتنِي عِنْدَهُ} . فَقَدْ أَخْبَرَ أَنَّهُ عِنْدَ عَبْدِهِ؛ وَجَعَلَ مَرَضَهُ مَرَضَهُ وَالْإِنْسَانُ قَدْ تَكُونُ عِنْدَهُ مَحَبَّةٌ وَتَعْظِيمٌ لِأَمِيرِ أَوْ عَالِمٍ أَوْ مَكَانٍ: بِحَيْثُ يَغْلِبُ عَلَى قَلْبِهِ وَيُكْثِرُ مِنْ ذِكْرِهِ وَمُوَافَقَتِهِ فِي أَقْوَالِهِ وَأَعْمَالِهِ فَيُقَالُ: إنَّ أَحَدَهُمَا الْآخَرَ كَمَا يُقَالُ: أَبُو يُوسُفَ أَبُو حَنِيفَةَ. وَيُشْبِهُ هَذَا مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ: ظُهُورُ الْأَجْسَامِ الْمُسْتَنِيرَةِ وَغَيْرِهَا فِي الْأَجْسَامِ الشَّفَّافَةِ كَالْمِرْآةِ الْمَصْقُولَةِ وَالْمَاءِ الصَّافِي وَنَحْوِ ذَلِكَ. بِحَيْثُ يَنْظُرُ الْإِنْسَانُ فِي الْمَاءِ الصَّافِي السَّمَاءَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالْكَوَاكِبَ. كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ:
إذَا وَقَعَ السَّمَاءُ عَلَى صَفَاءٍ ... كَدِرٍ أَنَّى يُحَرِّكُهُ النَّسِيمُ
تَرَى فِيهِ السَّمَاءَ بِلَا امْتِرَاءٍ ... كَذَاكَ الْبَدْرُ يَبْدُو وَالنُّجُومُ
وَكَذَاكَ قُلُوبُ أَرْبَابِ التَّجَلِّي ... يُرَى فِي صَفْوِهَا اللَّهُ الْعَظِيمُ
وَكَذَلِكَ نَرَى فِي الْمِرْآةِ صُورَةَ مَا يُقَابِلُهَا مِنْ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالْوُجُوهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
(6/28)

ثُمَّ قَدْ يُحَاذِي تِلْكَ الْمِرْآةَ مِرْآةٌ أُخْرَى فَتَرَى فِيهَا الصُّورَةَ الَّتِي رُئِيَتْ فِي الْأُولَى وَيَتَسَلَّلُ الْأَمْرُ فِيهِ. وَهَذِهِ المرائي الْمُنْعَكِسَةُ تُشْبِهُ مِنْ وَجْهٍ بَعِيدٍ ظُهُورَ اسْمِ الْمَحْبُوبِ الْمُعَظَّمِ فِي الْوَرَقِ بِالْخَطِّ وَالْكِتَابَةِ سَوَاءٌ كَانَ بِمِدَادِ أَوْ بِتَنْقِيرِ أَوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ هُنَا لَمْ يَظْهَرْ إلَّا حُرُوفُ اسْمِهِ فِي جِسْمٍ لَا حِسَّ لَهُ وَلَا حَرَكَةَ وَفِي الْأَجْسَامِ الصقلية ظَهَرَتْ صُورَتُهُ؛ لَكِنْ مِنْ غَيْرِ شُعُورٍ بِالْمَظْهَرِ وَلَا حَرَكَةٍ فَالْأَوَّلُ مَظْهَرُ اسْمِهِ وَهَذَا مَظْهَرُ ذَاتِهِ. وَأَمَّا فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ وَأَرْوَاحِهِمْ: فَيَظْهَرُ الْمَعْرُوفُ الْمَحْبُوبُ الْمُعَظَّمُ وَأَسْمَاؤُهُ فِي الْقَلْبِ الَّذِي يَعْلَمُهُ وَيُحِبُّهُ. وَذَلِكَ نَوْعٌ أَكْمَلُ وَأَرْفَعُ مِنْ غَيْرِهِ بَلْ لَيْسَ لَهُ نَظِيرٌ. وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: {كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ} وَهُوَ الَّذِي قَالَ: {وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ} وَقَالَ: {فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا} وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} وَقَوْلُهُ: {مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ} .
(6/29)

فَصْلٌ:
فَهَذَا الْقَدْرُ لَا يُخَالِفُ فِيهِ عَاقِلٌ فَإِنَّهُ أَمْرٌ مَحْسُوسٌ مُدْرَكٌ وَهُوَ أَقَلُّ مَرَاتِبِ الْإِقْرَارِ بِاَللَّهِ؛ بَلْ الْإِقْرَارِ بِوُجُودِ أَيِّ شَيْءٍ كَانَ وَأَقَلِّ مَرَاتِبِ عِبَادَتِهِ وَمَحَبَّتِهِ وَالتَّقَرُّبِ إلَيْهِ ثُمَّ مَعَ ذَلِكَ هَلْ يَتَحَرَّك الْقَلْبُ. وَالرُّوحُ الْعَارِفَة الْمُحِبَّةُ أَمْ لَا حَرَكَةَ لَهَا إلَّا مُجَرَّدُ التَّحَوُّلِ مِنْ صِفَةٍ إلَى صِفَةٍ؟ .
الْأَوَّلُ مَذْهَبُ عَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ. وَجُمْهُورِ الْخَلْقِ.
وَالثَّانِي قَوْلُ الْمُتَفَلْسِفَةِ وَمَنْ اتَّبَعَهُمْ؛ إذْ عِنْدَهُمْ أَنَّ الرُّوحَ لَا دَاخِلَ الْبَدَنِ وَلَا خَارِجَهُ وَلَا تَتَحَرَّكُ وَلَا تَسْكُنُ. وَأَمَّا الْجُمْهُورُ فَيُقِرُّونَ بِتَحَرُّكِهَا نَحْوَ الْمَحْبُوبِ الْمَطْلُوبِ كَائِنًا مَا كَانَ. وَيُقِرُّ جُمْهُورُ الْمُتَكَلِّمِينَ بِأَنَّهَا تَتَحَرَّكُ إلَى الْمَوَاضِعِ الْمُشَرَّفَةِ الَّتِي تَظْهَرُ فِيهَا آثَارُ الْمَحْبُوبِ وَأَنْوَارُهُ كَتَحَرُّكِ قُلُوبِ الْعَارِفِينَ وَأَبْدَانِهِمْ إلَى السَّمَوَاتِ وَإِلَى الْمَسَاجِدِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَكَذَلِكَ تَحَرُّكُ ذَلِكَ إلَى ذَاتِ الْمَحْبُوبِ مِنْ الْمَخْلُوقِينَ كَالْأَنْبِيَاءِ وَالْمَلَائِكَةِ وَغَيْرِهِمْ وَكُلٌّ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ يُقِرُّ بِتَجَلِّي الرَّبِّ وَظُهُورِهِ لِقُلُوبِ الْعَارِفِينَ وَهُوَ
(6/30)

عِنْدَهُمْ حُصُولُ الْإِيمَانِ وَالْعِلْمِ وَالْمَعْرِفَةِ فِي قُلُوبِهِمْ بَدَلًا مِنْ الْكُفْرِ وَالْجَهْلِ؛ وَهُوَ حُصُولُ الْمِثْلِ وَالْحَدِّ وَالِاسْمِ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ. وَأَمَّا حَرَكَةُ رُوحِ الْعَبْدِ أَوْ بَدَنِهِ إلَى ذَاتِ الرَّبِّ فَلَا يُقِرُّ بِهِ مَنْ كَذَّبَ بِأَنَّ اللَّهَ فَوْقَ الْعَرْشِ مِنْ هَؤُلَاءِ الْمُعَطِّلَةِ الْجَهْمِيَّة الَّذِينَ كَانَ السَّلَفُ يُكَفِّرُونَهُمْ وَيَرَوْنَ بِدْعَتَهُمْ أَشَدَّ الْبِدَعِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَرَاهُمْ خَارِجِينَ عَنْ الثِّنْتَيْنِ وَالسَّبْعِينَ فِرْقَةً: مِثْلَ مَنْ قَالَ إنَّهُ فِي كُلِّ مَكَانٍ أَوْ إنَّهُ لَا دَاخِلَ الْعَالَمِ وَلَا خَارِجَهُ؛ لَكِنَّ عُمُومَ الْمُسْلِمِينَ وَسَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَهْلِ السُّنَّةِ مِنْ جَمِيعِ الطَّوَائِفِ تُقِرُّ بِذَلِكَ؛ فَيَكُونُ الْعَبْدُ مُتَقَرِّبًا بِحَرَكَةِ رُوحِهِ وَبَدَنِهِ إلَى رَبِّهِ مَعَ إثْبَاتِهِمْ أَيْضًا التَّقَرُّبَ مِنْهُمَا إلَى الْأَمَاكِنِ الْمُشَرَّفَةِ وَإِثْبَاتِهِمْ أَيْضًا تَحَوُّلَ رُوحِهِ وَبَدَنِهِ مِنْ حَالٍ إلَى حَالٍ. (فَالْأَوَّلُ مِثْلَ مِعْرَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعُرُوجِ رُوحِ الْعَبْدِ إلَى رَبِّهِ وَقُرْبِهِ مِنْ رَبِّهِ فِي السُّجُودِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. (وَالثَّانِي: مِثْلَ الْحَجِّ إلَى بَيْتِهِ وَقَصْدِهِ فِي الْمَسَاجِدِ. (وَالثَّالِثُ: مِثْلَ ذِكْرِهِ لَهُ وَدُعَائِهِ وَمَحَبَّتِهِ وَعِبَادَتِهِ وَهُوَ فِي بَيْتِهِ؛ لَكِنْ فِي هَذَيْنِ يُقِرُّونَ أَيْضًا بِقُرْبِ الرُّوحِ أَيْضًا إلَى اللَّهِ نَفْسِهِ فَيُجْمِعُونَ بَيْنَ الْأَنْوَاعِ كُلِّهَا.
(6/31)

وَأَمَّا تَجَلِّيهِ لِعُيُونِ عِبَادِهِ فَأَقَرَّ بِهِ الْمُتَكَلِّمُونَ الصفاتية؛ كَالْأَشْعَرِيَّةِ والْكُلَّابِيَة. وَمَنْ نَفَى مِنْهُمْ عُلُوَّ الرَّبِّ عَلَى الْعَرْشِ قَالَ: هُوَ بِخَلْقِ الْإِدْرَاكِ فِي عُيُونِهِمْ وَرَفْعِ الْحُجُبِ الْمَانِعَةِ. وَأَمَّا أَهْلُ السُّنَّةِ: فَيُقِرُّونَ بِذَلِكَ وَبِأَنَّهُ يَرْفَعُ حُجُبًا مُنْفَصِلَةً عَنْ الْعَبْدِ حَتَّى يَرَى رَبَّهُ كَمَا جَاءَ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ.
(6/32)

سُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَحْمَد بْنُ تَيْمِيَّة - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
عَمَّنْ يَقُولُ: إنَّ النُّصُوصَ تَظَاهَرَتْ ظَوَاهِرُهَا عَلَى مَا هُوَ جِسْمٌ أَوْ يَشْعُرُ بِهِ وَالْعَقْلُ دَلَّ عَلَى تَنْزِيهِ الْبَارِي عَزَّ وَجَلَّ عَنْهُ؛ فَالْأَسْلَمُ لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَقُولَ: هَذَا " مُتَشَابِهٌ " لَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلَّا اللَّهُ. فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ: هَذَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْ ضَابِطٍ وَهُوَ الْفَرْقُ فِي الصِّفَاتِ بَيْنَ الْمُتَشَابِهِ وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّ دَعْوَى التَّأْوِيلِ فِي كُلِّ الصِّفَاتِ بَاطِلٌ وَرُبَّمَا أَفْضَى إلَى الْكُفْرِ وَيَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ لَا يُعْلَمَ لِصِفَةِ مِنْ صِفَاتِهِ مَعْنًى فَلَا بُدَّ حِينَئِذٍ مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَ مَا يُتَأَوَّلُ وَمَا لَا يُتَأَوَّلُ فَقَالَ: كُلُّ مَا دَلَّ دَلِيلُ الْعَقْلِ عَلَى أَنَّهُ تَجْسِيمٌ كَانَ ذَلِكَ مُتَشَابِهًا. فَهَلْ هَذَا صَحِيحٌ أَمْ لَا؟ اُبْسُطُوا الْقَوْلَ فِي ذَلِكَ.
فَأَجَابَ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، هَذِهِ " مَسْأَلَةٌ " كَبِيرَةٌ عَظِيمَةُ الْقَدْرِ اضْطَرَبَ فِيهَا خَلَائِقُ مِنْ الْأَوَّلِينَ والآخرين مِنْ أَوَائِلِ الْمِائَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ الْهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ فَأَمَّا الْمِائَةُ الْأُولَى فَلَمْ يَكُنْ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ اضْطِرَابٌ فِي هَذَا وَإِنَّمَا نَشَأَ ذَلِكَ فِي أَوَائِلِ الْمِائَةِ الثَّانِيَةِ لَمَّا ظَهَرَ " الْجَعْدُ بْنُ دِرْهَمٍ " وَصَاحِبُهُ " الْجَهْمُ بْنُ صَفْوَانَ " وَمَنْ اتَّبَعَهُمَا مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ عَلَى إنْكَارِ الصِّفَاتِ.
(6/33)

فَظَهَرَتْ مَقَالَةُ الْجَهْمِيَّة الْنُّفَاةِ - نفاة الصِّفَاتِ - قَالُوا: لِأَنَّ إثْبَاتَ الصِّفَاتِ يَسْتَلْزِمُ التَّشْبِيهَ وَالتَّجْسِيمَ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ " الصِّفَاتِ " الَّتِي هِيَ الْعِلْمُ وَالْقُدْرَةُ وَالْإِرَادَةُ وَنَحْوُ ذَلِكَ أَعْرَاضٌ وَمَعَانٍ تَقُومُ بِغَيْرِهَا وَالْعَرَضُ لَا يَقُومُ إلَّا بِجِسْمِ وَاَللَّهُ تَعَالَى لَيْسَ بِجِسْمِ؛ لِأَنَّ الْأَجْسَامَ لَا تَخْلُو مِنْ الْأَعْرَاضِ الْحَادِثَةِ وَمَا لَا يَخْلُو مِنْ الْحَوَادِثِ فَهُوَ مُحْدَثٌ. قَالُوا: وَبِهَذَا اسْتَدْلَلْنَا عَلَى حُدُوثِ الْأَجْسَامِ؛ فَإِنْ بَطَلَ هَذَا بَطَلَ الِاسْتِدْلَالُ عَلَى حُدُوثِ الْأَجْسَامِ فَيَبْطُلُ الدَّلِيلُ عَلَى حُدُوثِ الْعَالَمِ فَيَبْطُلُ الدَّلِيلُ عَلَى إثْبَاتِ الصِّفَاتِ. قَالُوا: وَإِذَا كَانَتْ الْأَعْرَاضُ الَّتِي هِيَ الصِّفَاتُ لَا تَقُومُ إلَّا بِجِسْمِ وَالْجِسْمُ مُرَكَّبٌ مِنْ أَجْزَائِهِ وَالْمُرَكَّبُ مُفْتَقِرٌ إلَى غَيْرِهِ وَلَا يَكُونُ غَنِيًّا عَنْ غَيْرِهِ وَاجِبَ الْوُجُودِ بِنَفْسِهِ وَاَللَّهُ تَعَالَى غَنِيٌّ عَنْ غَيْرِهِ وَاجِبُ الْوُجُودِ بِنَفْسِهِ. قَالُوا: وَلِأَنَّ الْجِسْمَ مَحْدُودٌ مُتَنَاهٍ؛ فَلَوْ كَانَ لَهُ صِفَاتٌ لَكَانَ مَحْدُودًا مُتَنَاهِيًا؛ وَذَلِكَ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ لَهُ مُخَصِّصٌ خَصَّصَهُ بِقَدْرِ دُونَ قَدْرٍ وَمَا افْتَقَرَ إلَى مُخَصِّصٍ لَمْ يَكُنْ غَنِيًّا قَدِيمًا وَاجِبَ الْوُجُودِ بِنَفْسِهِ. قَالُوا: وَلِأَنَّهُ لَوْ قَامَتْ بِهِ الصِّفَاتُ لَكَانَ جِسْمًا وَلَوْ كَانَ جِسْمًا لَكَانَ مُمَاثِلًا لِسَائِرِ الْأَجْسَامِ فَيَجُوزُ عَلَيْهِ مَا يَجُوزُ عَلَيْهَا وَيَمْتَنِعُ عَلَيْهِ مَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهَا وَذَلِكَ مُمْتَنِعٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى.
(6/34)

وَزَاد الْجَهْمُ فِي ذَلِكَ هُوَ وَالْغُلَاةُ - مِنْ الْقَرَامِطَةِ وَالْفَلَاسِفَةِ - نَحْوَ ذَلِكَ فَقَالُوا: وَلَيْسَ لَهُ اسْمٌ كَالشَّيْءِ وَالْحَيِّ وَالْعَلِيمِ وَنَحْوِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ لَهُ اسْمٌ مِنْ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ مُتَّصِفًا بِمَعْنَى الِاسْمِ كَالْحَيَاةِ وَالْعِلْمِ؛ فَإِنَّ صِدْقَ الْمُشْتَقِّ مُسْتَلْزِمٌ لِصِدْقِ الْمُشْتَقِّ مِنْهُ؛ وَذَلِكَ يَقْتَضِي قِيَامَ الصِّفَاتِ بِهِ وَذَلِكَ مُحَالٌ؛ وَلِأَنَّهُ إذَا سُمِّيَ بِهَذِهِ الْأَسْمَاءِ فَهِيَ مِمَّا يُسَمَّى بِهِ غَيْرُهُ. وَاَللَّهُ مُنَزَّهٌ عَنْ مُشَابَهَةِ الْغَيْرِ. وَزَادَ آخَرُونَ بِالْغُلُوِّ فَقَالُوا: لَا يُسَمَّى بِإِثْبَاتِ وَلَا نَفْيٍ وَلَا يُقَالُ: مَوْجُودٌ وَلَا لَا مَوْجُودٌ وَلَا حَيٌّ وَلَا لَا حَيٌّ؛ لِأَنَّ فِي الْإِثْبَاتِ تَشْبِيهًا لَهُ بِالْمَوْجُودَاتِ وَفِي النَّفْيِ تَشَبُّهًا لَهُ بِالْمَعْدُومَاتِ وَكُلُّ ذَلِكَ تَشْبِيهٌ. فَلَمَّا ظَهَرَ هَؤُلَاءِ الْجَهْمِيَّة أَنْكَرَ السَّلَفُ وَالْأَئِمَّةُ مَقَالَتَهُمْ وَرَدُّوهَا وَقَابَلُوهَا بِمَا تَسْتَحِقُّ مِنْ الْإِنْكَارِ الشَّرْعِيِّ وَكَانَتْ خَفِيَّةً إلَى أَنْ ظَهَرَتْ وَقَوِيَتْ شَوْكَةُ الْجَهْمِيَّة فِي أَوَاخِرِ " الْمِائَةِ الْأُولَى " وَأَوَائِلِ " الثَّانِيَةِ " فِي دَوْلَةِ أَوْلَادِ الرَّشِيدِ فَامْتَحَنُوا النَّاسَ الْمِحْنَةَ الْمَشْهُورَةَ الَّتِي دَعَوْا النَّاسَ فِيهَا إلَى الْقَوْلِ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ وَلَوَازِمِ ذَلِكَ: مِثْلَ إنْكَارِ الرُّؤْيَةِ وَالصِّفَاتِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ هُوَ مِنْ جُمْلَةِ الْأَعْرَاضِ؛ فَلَوْ قَامَ بِذَاتِ اللَّهِ لَقَامَتْ بِهِ الْأَعْرَاضُ فَيَلْزَمُ التَّشْبِيهُ وَالتَّجْسِيمُ. وَحَدَثَ مَعَ الْجَهْمِيَّة قَوْمٌ شَبَّهُوا اللَّهَ تَعَالَى بِخَلْقِهِ؛ فَجَعَلُوا صِفَاتِهِ مِنْ جِنْسِ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ فَأَنْكَرَ السَّلَفُ وَالْأَئِمَّةُ عَلَى الْجَهْمِيَّة الْمُعَطِّلَةِ وَعَلَى الْمُشَبِّهَةِ الْمُمَثِّلَةِ وَكَانَ إمَامُ الْمُعْتَزِلَةِ " أَبُو الهذيل الْعَلَّافُ " وَنَحْوُهُ مِنْ نفاة الصِّفَاتِ قَالُوا: يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ جِسْمًا وَاَللَّهُ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ. قَالَ هَؤُلَاءِ: بَلْ هُوَ جِسْمٌ وَالْجِسْمُ
(6/35)

هُوَ الْقَائِمُ بِنَفْسِهِ أَوْ الْمَوْجُودُ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْمَقَالَاتِ وَطَعَنُوا فِي أَدِلَّةِ نفاة الْجِسْمِ بِكَلَامِ طَوِيلٍ لَا يَتَّسِعُ لَهُ الْجَوَابُ هُنَا. ثُمَّ مِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ قَالَ: هُوَ جِسْمٌ كَالْأَجْسَامِ وَمِنْهُمْ مَنْ وَصَفَهُ بِخَصَائِصِ الْمَخْلُوقَاتِ وَحُكِيَ عَنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ مَقَالَاتٌ شَنِيعَةٌ. وَجَاءَ " أَبُو مُحَمَّدِ بْنِ كُلَّابٍ فَقَالَ هُوَ وَأَتْبَاعُهُ: هُوَ الْمَوْصُوفُ بِالصِّفَاتِ وَلَكِنْ لَيْسَتْ الصِّفَاتُ أَعْرَاضًا؛ إذْ هِيَ قَدِيمَةٌ بَاقِيَةٌ لَا تَعْرِضُ وَلَا تَزُولُ وَلَكِنْ لَا يُوصَفُ بِالْأَفْعَالِ الْقَائِمَةِ بِهِ كَالْحَرَكَاتِ؛ لِأَنَّهَا تَعْرِضُ وَتَزُولُ. فَقَالَ ابْنُ كَرَّامٍ وَأَتْبَاعُهُ: لَكِنَّهُ مَوْصُوفٌ بِالصِّفَاتِ وَإِنْ قِيلَ إنَّهَا أَعْرَاضٌ وَمَوْصُوفٌ بِالْأَفْعَالِ الْقَائِمَةِ بِنَفْسِهِ وَإِنْ كَانَتْ حَادِثَةً. وَلَمَّا قِيلَ لَهُمْ: هَذَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ جِسْمًا [قَالُوا: نَعَمْ هُوَ جِسْمٌ كَالْأَجْسَامِ] (*) وَلَيْسَ ذَلِكَ مُمْتَنِعًا دَائِمًا وَإِنَّمَا الْمُمْتَنِعُ أَنْ يُشَابِهَ الْمَخْلُوقَاتِ فِيمَا يَجِبُ وَيَجُوزُ وَيَمْتَنِعُ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: أَطْلَقَ لَفْظَ الْجِسْمِ لَا مَعْنَاهُ. وَبَيْنَ هَؤُلَاءِ الْمُتَكَلِّمِينَ النُّظَّارِ بُحُوثٌ طَوِيلَةٌ مُسْتَوْفَاةٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ. وَأَمَّا " السَّلَفُ وَالْأَئِمَّةُ " فَلَمْ يَدْخُلُوا مَعَ طَائِفَةٍ مِنْ الطَّوَائِفِ فِيمَا ابْتَدَعُوهُ مِنْ نَفْيٍ أَوْ إثْبَاتٍ بَلْ اعْتَصَمُوا بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَرَأَوْا ذَلِكَ هُوَ الْمُوَافِقُ لِصَرِيحِ الْعَقْلِ فَجَعَلُوا كُلَّ لَفْظٍ جَاءَ بِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ مِنْ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ حَقًّا يَجِبُ الْإِيمَانُ بِهِ وَإِنْ لَمْ تُعْرَفْ حَقِيقَةُ مَعْنَاهُ وَكُلُّ لَفْظٍ أَحْدَثَهُ النَّاسُ فَأَثْبَتَهُ قَوْمٌ وَنَفَاهُ آخَرُونَ فَلَيْسَ عَلَيْنَا أَنْ نُطْلِقَ إثْبَاتَهُ وَلَا نَفْيَهُ حَتَّى نَفْهَمَ مُرَادَ الْمُتَكَلِّمِ فَإِنْ كَانَ
_________

[تعليق مُعِدّ الكتاب للشاملة]
(*) قال الشيخ ناصر بن حمد الفهد (ص 55) :
صواب العبارة: (جسم لا كالأجسام) كما هو معروف، ونقله الشيخ رحمه الله عنهم في غير موضع (1)

(1) انظر مثلا: (الفتاوى) 5 / 428، (المنهاج) 2 / 548
(6/36)

مُرَادُهُ حَقًّا مُوَافِقًا لِمَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ وَالْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ: مِنْ نَفْيٍ أَوْ إثْبَاتٍ قُلْنَا بِهِ؛ وَإِنْ كَانَ بَاطِلًا مُخَالِفًا لِمَا جَاءَ بِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ مِنْ نَفْيٍ أَوْ إثْبَاتٍ مَنَعْنَا الْقَوْلَ بِهِ وَرَأَوْا أَنَّ الطَّرِيقَةَ الَّتِي جَاءَ بِهَا الْقُرْآنُ هِيَ الطَّرِيقَةُ الْمُوَافِقَةُ لِصَرِيحِ الْمَعْقُولِ وَصَحِيحِ الْمَنْقُولِ وَهِيَ طَرِيقَةُ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ. وَأَنَّ الرُّسُلَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ جَاءُوا بِنَفْيٍ مُجْمَلٍ وَإِثْبَاتٍ مُفَصَّلٍ؛ وَلِهَذَا قَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} فَسَبَّحَ نَفْسَهُ عَمَّا وَصَفَهُ بِهِ الْمُخَالِفُونَ لِلرُّسُلِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمُرْسَلِينَ لِسَلَامَةِ مَا قَالُوهُ مِنْ النَّقْصِ وَالْعَيْبِ وَطَرِيقَةُ الرُّسُلِ هِيَ مَا جَاءَ بِهَا الْقُرْآنُ وَاَللَّهُ تَعَالَى فِي الْقُرْآنِ يُثْبِتُ الصِّفَاتِ عَلَى وَجْهِ التَّفْصِيلِ وَيَنْفِي عَنْهُ - عَلَى طَرِيقِ الْإِجْمَالِ - التَّشْبِيهَ وَالتَّمْثِيلَ. فَهُوَ فِي الْقُرْآنِ يُخْبِرُ أَنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ وَعَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ غَفُورٌ رَحِيمٌ وَأَنَّهُ سَمِيعٌ بَصِيرٌ وَأَنَّهُ غَفُورٌ وَدُودٌ وَأَنَّهُ تَعَالَى - عَلَى عِظَمِ ذَاتِهِ - يُحِبُّ الْمُؤْمِنِينَ وَيَرْضَى عَنْهُمْ وَيَغْضَبُ عَلَى الْكُفَّارِ وَيَسْخَطُ عَلَيْهِمْ وَأَنَّهُ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَأَنَّهُ كَلَّمَ مُوسَى تَكْلِيمًا وَأَنَّهُ تَجَلَّى لِلْجَبَلِ فَجَعَلَهُ دَكًّا؛ وَأَمْثَالُ ذَلِكَ. وَيَقُولُ فِي النَّفْيِ {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} {فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ} {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} {اللَّهُ الصَّمَدُ} {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ} {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} فَيُثْبِتُ الصِّفَاتِ وَيَنْفِي مُمَاثَلَةَ الْمَخْلُوقَاتِ.
(6/37)

وَلَمَّا كَانَتْ طَرِيقَةُ السَّلَفِ: أَنْ يَصِفُوا اللَّهَ بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ رُبَّمَا وَصَفَهُ بِهِ رَسُولُهُ مِنْ غَيْرِ تَحْرِيفٍ وَلَا تَعْطِيلٍ وَمِنْ غَيْرِ تَكْيِيفٍ وَلَا تَمْثِيلٍ. وَمُخَالِفُو الرُّسُلِ يَصِفُونَهُ بِالْأُمُورِ السَّلْبِيَّةِ: لَيْسَ كَذَا لَيْسَ كَذَا. فَإِذَا قِيلَ لَهُمْ: فَأَثْبِتُوهُ. قَالُوا: هُوَ وُجُودٌ مُطْلَقٌ أَوْ ذَاتٌ بِلَا صِفَاتٍ. وَقَدْ عُلِمَ " بِصَرِيحِ الْمَعْقُول " أَنَّ الْمُطْلَقَ بِشَرْطِ الْإِطْلَاقِ لَا يُوجَدُ إلَّا فِي الْأَذْهَانِ؛ لَا فِي الْأَعْيَانِ وَأَنَّ الْمُطْلَقَ لَا بِشَرْطِ لَا يُوجَدُ فِي الْخَارِجِ مُطْلَقًا لَا يُوجَدُ إلَّا مُعَيَّنًا وَلَا يَكُونُ لِلرَّبِّ عِنْدَهُمْ حَقِيقَةً مُغَايِرَةً لِلْمَخْلُوقَاتِ بَلْ إمَّا أَنْ يُعَطِّلُوهُ أَوْ يَجْعَلُوهُ وُجُودَ الْمَخْلُوقَاتِ أَوْ جُزْأَهَا أَوْ وَصْفَهَا وَالْأَلْفَاظُ الْمُجْمَلَةُ يَكُفُّونَ عَنْ مَعْنَاهَا. فَإِذَا قَالَ قَوْمٌ: إنَّ اللَّهَ فِي جِهَةٍ أَوْ حَيِّزٍ وَقَالَ قَوْمٌ: إنَّ اللَّهَ لَيْسَ فِي جِهَةٍ وَلَا حَيِّزٍ اسْتَفْهَمُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْقَائِلِينَ عَنْ مُرَادِهِ؛ فَإِنَّ لَفْظَ الْجِهَةِ وَالْحَيِّزِ فِيهِ إجْمَالٌ وَاشْتِرَاكٌ. فَيَقُولُونَ: مَا ثَمَّ مَوْجُودٌ إلَّا الْخَالِقُ وَالْمَخْلُوقُ وَاَللَّهُ تَعَالَى مُنَزَّهٌ بَائِنٌ عَنْ مَخْلُوقَاتِهِ؛ فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ خَلَقَ الْمَخْلُوقَاتِ بَائِنَةً عَنْهُ مُتَمَيِّزَةً عَنْهُ خَارِجَةً عَنْ ذَاتِهِ لَيْسَ فِي مَخْلُوقَاتِهِ شَيْءٌ مِنْ ذَاتِهِ وَلَا فِي ذَاتِهِ شَيْءٌ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مُبَايِنًا لَكَانَ إمَّا مُدَاخِلًا لَهَا حَالًّا فِيهَا أَوْ مَحَلًّا لَهَا وَاَللَّهُ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ. وَإِمَّا أَنْ لَا يَكُونَ مُبَايِنًا لَهَا وَلَا مُدَاخِلًا لَهَا فَيَكُونَ مَعْدُومًا وَاَللَّهُ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ. وَالْجَهْمِيَّة نفاة الصِّفَاتِ تَارَةً يَقُولُونَ بِمَا يَسْتَلْزِمُ الْحُلُولَ وَالِاتِّحَادَ أَوْ يُصَرِّحُونَ
(6/38)

بِذَلِكَ وَتَارَةً بِمَا يَسْتَلْزِمُ الْجُحُودَ وَالتَّعْطِيلَ فَنُفَاتُهُمْ لَا يَعْبُدُونَ شَيْئًا وَمُثْبِتَتُهُمْ يَعْبُدُونَ كُلَّ شَيْءٍ وَيُقَالُ أَيْضًا فَإِذَا كَانَ مَا ثَمَّ مَوْجُودٌ إلَّا الْخَالِقُ وَالْمَخْلُوقُ فَالْخَالِقُ بَائِنٌ عَنْ الْمَخْلُوقِ. فَإِذَا قَالَ الْقَائِلُ: هُوَ فِي جِهَةٍ أَوْ لَيْسَ فِي جِهَةٍ. قِيلَ لَهُ: الْجِهَةُ أَمْرٌ مَوْجُودٌ أَوْ مَعْدُومٌ فَإِنْ كَانَ أَمْرًا مَوْجُودًا؛ وَلَا مَوْجُودَ إلَّا الْخَالِقُ وَالْمَخْلُوقُ وَالْخَالِقُ بَائِنٌ عَنْ الْمَخْلُوقِ لَمْ يَكُنْ الرَّبُّ فِي جِهَةٍ مَوْجُودَةٍ مَخْلُوقَةٍ. وَإِنْ كَانَتْ الْجِهَةُ أَمْرًا مَعْدُومًا بِأَنْ يُسَمَّى مَا وَرَاءَ الْعَالَمِ جِهَةً فَإِذَا كَانَ الْخَالِقُ مُبَايِنًا الْعَالَمَ وَكَانَ مَا وَرَاءَ الْعَالَمِ جِهَةً مُسَمَّاةً وَلَيْسَ هُوَ شَيْئًا مَوْجُودًا كَانَ اللَّهُ فِي جِهَةٍ مَعْدُومَةٍ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ. لَكِنْ لَا فَرْقَ بَيْنَ قَوْل الْقَائِلِ: هُوَ فِي مَعْدُومٍ؛ وَقَوْلُهُ لَيْسَ فِي شَيْءٍ غَيْرِهِ؛ فَإِنَّ الْمَعْدُومَ لَيْسَ شَيْئًا بِاتِّفَاقِ الْعُقَلَاءِ. وَلَا رَيْبَ أَنَّ لَفْظَ الْجِهَةِ يُرِيدُونَ بِهِ تَارَةً مَعْنًى مَوْجُودًا وَتَارَةً مَعْنًى مَعْدُومًا بَلْ الْمُتَكَلِّمُ الْوَاحِدُ يَجْمَعُ فِي كَلَامِهِ بَيْنَ هَذَا وَهَذَا فَإِذَا أُزِيلَ الِاحْتِمَالُ ظَهَرَ حَقِيقَةُ الْأَمْرِ فَإِذَا قَالَ الْقَائِلُ: لَوْ كَانَ فِي جِهَةٍ لَكَانَتْ قَدِيمَةً مَعَهُ. قِيلَ لَهُ: هَذَا إذَا أُرِيدَ بِالْجِهَةِ أَمْرٌ مَوْجُودٌ سِوَاهُ فَاَللَّهُ لَيْسَ فِي جِهَةٍ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ. وَإِذَا قَالَ: لَوْ رُئِيَ لَكَانَ فِي جِهَةٍ وَذَلِكَ مُحَالٌ؛ قِيلَ لَهُ: إنْ أَرَدْت بِذَلِكَ: لَكَانَ فِي جِهَةٍ مَوْجُودَةٍ فَذَلِكَ مُحَالٌ؛ فَإِنَّ الْمَوْجُودَ يُمْكِنُ رُؤْيَتُهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي مَوْجُودٍ غَيْرِهِ: كَالْعَالَمِ فَإِنَّهُ يُمْكِنُ رُؤْيَةُ سَطْحِهِ وَلَيْسَ هُوَ فِي عَالَمٍ آخَرَ. وَإِنْ قَالَ: أَرَدْت أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ فِيمَا يُسَمَّى جِهَةً وَلَوْ مَعْدُومًا؛ فَإِنَّهُ إذَا كَانَ
(6/39)

مُبَايِنًا لِلْعَالَمِ سُمِّيَ مَا وَرَاءَ الْعَالَمِ جِهَةً. قِيلَ لَهُ: فَلِمَ قُلْت: إنَّهُ إذَا كَانَ فِي جِهَةٍ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ كَانَ مُمْتَنِعًا؟ فَإِذَا قَالَ: لِأَنَّ مَا بَايَنَ الْعَالَمَ وَرُئِيَ لَا يَكُونُ إلَّا جِسْمًا أَوْ مُتَحَيِّزًا عَادَ الْقَوْلُ إلَى لَفْظِ الْجِسْمِ وَالْمُتَحَيِّزُ كَمَا عَادَ إلَى لَفْظِ الْجِهَةِ. فَيُقَالُ لَهُ: الْمُتَحَيِّزُ يُرَادُ بِهِ مَا حَازَهُ غَيْرُهُ وَيُرَادُ بِهِ مَا بَانَ عَنْ غَيْرِهِ - فَكَانَ مُتَحَيِّزًا عَنْهُ - فَإِنْ أَرَدْت بِالْمُتَحَيِّزِ الْأَوَّلَ لَمْ يَكُنْ سُبْحَانَهُ مُتَحَيِّزًا لِأَنَّهُ بَائِنٌ عَنْ الْمَخْلُوقَاتِ لَا يَحُوزُهُ غَيْرُهُ وَإِنْ أَرَدْت الثَّانِيَ فَهُوَ سُبْحَانَهُ بَائِنٌ عَنْ الْمَخْلُوقَاتِ مُنْفَصِلٌ عَنْهَا لَيْسَ هُوَ حَالًّا فِيهَا وَلَا مُتَّحِدًا بِهَا.
فَبِهَذَا التَّفْصِيلِ يَزُولُ الِاشْتِبَاهُ وَالتَّضْلِيلُ وَإِلَّا فَكُلُّ مَنْ نَفَى شَيْئًا مِنْ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ سُمِّيَ مَنْ أَثْبَتَ ذَلِكَ مُجَسِّمًا قَائِلًا بِالتَّحَيُّزِ وَالْجِهَةِ. فَالْمُعْتَزِلَةُ وَنَحْوُهُمْ يُسَمَّوْنَ الصفاتية - الَّذِينَ يَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَيٌّ بِحَيَاةِ عَلِيمٌ بِعِلْمِ قَدِيرٌ بِقُدْرَةِ سَمِيعٌ بِسَمْعِ بَصِيرٌ بِبَصَرِ مُتَكَلِّمٌ بِكَلَامِ يُسَمُّونَهُمْ - مُجَسِّمَةً مُشَبِّهَةً حَشْوِيَّةً والصفاتية هُمْ السَّلَفُ وَالْأَئِمَّةُ وَجَمِيعُ الطَّوَائِفِ الْمُثْبِتَةِ لِلصِّفَاتِ: كالْكُلَّابِيَة والكَرَّامِيَة وَالْأَشْعَرِيَّةِ والسالمية وَغَيْرِهِمْ مِنْ طَوَائِفِ الْأُمَّةِ قَالَتْ نفاة الصِّفَاتِ مَنْ الْجَهْمِيَّة وَالْمُعْتَزِلَةِ وَطَائِفَةٌ مِنْ الْفَلَاسِفَةِ لِهَؤُلَاءِ: إذَا أَثْبَتُّمْ لَهُ حَيَاةً وَقُدْرَةً وَكَلَامًا فَهَذِهِ أَعْرَاضٌ وَالْأَعْرَاضُ لَا تَقُومُ إلَّا بِجِسْمِ وَإِذَا قُلْتُمْ: يُرَى فَالرُّؤْيَةُ لَا تَكُونُ إلَّا لِمُعَايَنِ فِي جِهَةٍ وَهَذَا يَسْتَلْزِمُ التَّجْسِيمَ. فَإِذَا قَالَتْ الْأَشْعَرِيَّةُ وَمَنْ اتَّبَعَهُمْ: نَحْنُ نُثْبِتُ هَذِهِ الصِّفَاتِ وَلَا نُسَمِّيهَا أَعْرَاضًا؛ لِأَنَّ الْعَرَضَ مَا يَعْرِضُ لِمَحَلِّهِ وَهَذِهِ الصِّفَاتُ بَاقِيَةٌ لَا تَزُولُ. قَالَتْ لَهُمْ الْنُّفَاةِ: هَذَا نِزَاعٌ لَفْظِيٌّ؛ فَإِنَّ الْعَرَضَ عِنْدَكُمْ يَنْقَسِمُ إلَى لَازِمٍ لِمَحَلِّهِ لَا يُفَارِقُهُ - مَا دَامَ
(6/40)

الْمَحَلُّ مَوْجُودًا - وَإِلَى مَا يَجُوزُ أَنْ يُفَارِقَ مَحَلَّهُ فَالْأَوَّلُ كَالتَّحَيُّزِ لِلْجِسْمِ بَلْ وكالحيوانية والناطقية لِلْإِنْسَانِ فَإِنَّهُ مَا دَامَ إنْسَانًا لَا تُفَارِقُهُ هَذِهِ الصِّفَةُ. وَأَمَّا قَوْلُكُمْ: إنَّ الْعَرَضَ لَا يَبْقَى زَمَانَيْنِ فَهَذَا شَيْءٌ انْفَرَدْتُمْ بِهِ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْعُقَلَاءِ: وَكَابَرْتُمْ بِهِ الْحِسَّ لِتَنْجُوَا بالمغاليط عَنْ هَذِهِ الْإِلْزَامَاتِ الْمُفْحِمَةِ ثُمَّ إنَّكُمْ تَقُولُونَ بِتَجَدُّدِ أَمْثَالِهِ فَهَذَا هُوَ مَعْنَى بَقَاءِ الْعَرَضِ وَهَذَا كَمَا قُلْتُمْ إنَّهُ يُرَى بِلَا مُوَاجَهَةٍ وَلَا مُدَابَرَةٍ وَلَا يَتَوَجَّهُ إلَيْهِ الرَّائِي بِجِهَةِ مِنْ جِهَاتِهِ فَهَذَا أَيْضًا مِمَّا انْفَرَدْتُمْ بِهِ عَنْ الْعُقَلَاءِ وَكَابَرْتُمْ بِهِ الْحِسَّ وَالْعَقْلَ. قَالَتْ لَهُمْ الْنُّفَاةِ: فَأَثْبَتُّمْ مَا يَسْتَلْزِمُ التَّجْسِيمَ وَالتَّشْبِيهَ وَالْحَشْوَ أَوْ نَفَيْتُمْ التَّلَازُمَ فَخَالَفْتُمْ صَرِيحَ الْعَقْلِ وَالضَّرُورَةِ. وَلِهَذَا صَارَ حُذَّاقُكُمْ إلَى أَنَّكُمْ فِي الْحَقِيقَةِ مُوَافِقُونَ لَنَا عَلَى نَفْيِ رُؤْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَكِنْ أَظْهَرْتُمْ إثْبَاتَهَا لِكَوْنِهِ الْمَشْهُورَ عِنْدَ " الْحَشْوِيَّةِ " الْمَشْهُورِينَ بِالسُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ؛ لِيُقَالَ: إنَّكُمْ مِنْهُمْ أَوْ أَثْبَتُّمْ ذَلِكَ تَنَاقُضًا مِنْكُمْ فَأَنْتُمْ دَائِرُونَ بَيْنَ الْمُنَاقَضَةِ وَالْمُدَاهَنَةِ. فَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ مِمَّنْ يُوَافِقُ نفاة الصِّفَاتِ وَيُثْبِتُ أَسْمَاءَ اللَّهِ الْحُسْنَى - كَمَا تَفْعَلُ الْمُعْتَزِلَةُ وَهُمْ أَئِمَّةُ الْكَلَامِ - سَمَّاهُ نفاة أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى مُشَبِّهًا حَشْوِيًّا مُجَسِّمًا: كَمَا فَعَلَتْ الْقَرَامِطَةُ الْحَاكِمِيَّةُ الْبَاطِنِيَّةُ وَغَيْرُهُمْ وَقَالُوا: إذَا قُلْتُمْ إنَّهُ مَوْجُودٌ عَلِيمٌ حَيٌّ قَدِيرٌ فَهَذَا هُوَ الْقَوْلُ بِالتَّشْبِيهِ وَالتَّجْسِيمِ وَالْحَشْوِ فَإِنَّ ذَلِكَ مُشَابَهَةٌ لِغَيْرِهِ مِنْ الْمَخْلُوقَاتِ وَلِأَنَّهُ لَا يُعْقَلُ مَوْجُودٌ حَيٌّ عَلِيمٌ قَدِيرٌ إلَّا جِسْمًا وَلِأَنَّ هَذِهِ الْأَسْمَاءَ تَسْتَلْزِمُ الصِّفَاتِ. وَالصِّفَاتُ تَسْتَلْزِمُ التَّجْسِيمَ.
(6/41)

فَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ مِمَّنْ يَنْفِي الْأَسْمَاءَ وَالصِّفَاتِ - كَمَا تَفْعَلُهُ غُلَاةُ الْجَهْمِيَّة وَالْقَرَامِطَةِ وَالْفَلَاسِفَةِ - فَلَا بُدَّ لَهُ أَنْ يُثْبِتَ أَنَّهُ مَوْجُودٌ. وَحِينَئِذٍ فَتَقُولُ لَهُ الْنُّفَاةِ: أَنْتَ مُجَسِّمٌ مُشَبِّهٌ حَشْوِيٌّ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ مَوْجُودًا فَقَدْ شَارَكَهُ غَيْرُهُ فِي مَعْنَى الْوُجُودِ وَهُوَ التَّشْبِيهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْقَلُ مَوْجُودٌ إلَّا جِسْمٌ أَوْ قَائِمٌ بِجِسْمِ؛ فَحِينَئِذٍ يَحْتَاجُ أَنْ يَقُولَ: لَا مَوْجُودَ وَلَا مَعْدُومَ وَلَا حَيَّ وَلَا مَيِّتَ أَوْ لَا مَوْجُودَ وَلَا لَا مَوْجُودَ وَلَا حَيَّ وَلَا لَا حَيَّ فَيَلْزَمُ نَفْيُ النَّقِيضَيْنِ جَمِيعًا وَمَا هُوَ فِي مَعْنَى النَّقِيضَيْنِ وَذَلِكَ مِنْ أَعْظَمِ الْأُمُورِ الْبَاطِلَةِ فِي بَدِيهَةِ الْعَقْلِ مَعَ أَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَى قِيَاسِ قَوْلِهِمْ تَشْبِيهُهُ بِالْمُمْتَنِعَاتِ؛ لِأَنَّ مَا لَيْسَ بِمَوْجُودِ وَلَا مَعْدُومٍ لَا يَكُونُ لَهُ حَقِيقَةً أَصْلًا - لَا مَوْجُودَةً وَلَا مَعْدُومَةً - بَلْ هُوَ أَمْرٌ مُقَدَّرٌ فِي الْأَذْهَانِ لَا يَتَحَقَّقُ فِي الْأَعْيَانِ هَذَا مَعَ مَا الْتَزَمَهُ مِنْ الْكُفْرِ الصَّرِيحِ. وَلَوْ قُدِّرَ أَنَّهُ نَفَى الْوُجُودَ الْوَاجِبَ الْقَدِيمَ بِالْكُلِّيَّةِ لَكَانَ مَعَ الْكُفْرِ الَّذِي هُوَ أَصْلُ كُلِّ كُفْرٍ قَدْ كَابَرَ الْقَضَايَا الضَّرُورِيَّةَ فَإِنَّا نَشْهَدُ الْمَوْجُودَاتِ وَنَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ مَوْجُودٍ إمَّا قَدِيمٌ وَإِمَّا مُحْدَثٌ وَإِمَّا وَاجِبٌ مَوْجُودٌ بِنَفْسِهِ وَإِمَّا مُمْكِنٌ بِنَفْسِهِ مَوْجُودٌ بِغَيْرِهِ. وَكُلُّ مُحْدَثٍ وَمُمْكِنٍ بِنَفْسِهِ مَوْجُودٌ بِغَيْرِهِ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ قَدِيمٍ وَاجِبٍ بِنَفْسِهِ فَالْوُجُودُ بِالضَّرُورَةِ يَسْتَلْزِمُ إثْبَاتَ مَوْجُودٍ قَدِيمٍ. وَمِنْ الْوُجُودِ مَا هُوَ مُمْكِنٌ مُحْدَثٌ: كَمَا نَشْهَدُهُ فِي الْمُحْدَثَاتِ مِنْ الْحَيَوَانِ وَالنَّبَاتِ. فَإِذَا عُلِمَ بِضَرُورَةِ الْعُقُولِ أَنَّ الْوُجُودَ فِيهِ مَا هُوَ مَوْجُودٌ قَدِيمٌ وَاجِبٌ بِنَفْسِهِ وَفِيهِ مَا هُوَ مُحْدَثٌ مَوْجُودٌ مُمْكِنٌ بِنَفْسِهِ فَهَذَانِ الْمَوْجُودَانِ اتَّفَقَا فِي مُسَمَّى
(6/42)

الْوُجُودِ وَامْتَازَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا عَنْ الْآخَرِ بِخُصُوصِ وُجُودِهِ فَمَنْ لَمْ يُثْبِتْ مَا بَيْنَ الْمَوْجُودَيْنِ مِنْ الِاتِّفَاقِ وَمَا بَيْنَهُمَا مِنْ الِافْتِرَاقِ وَإِلَّا لَزِمَهُ أَنْ تَكُونَ الْمَوْجُودَاتُ كُلُّهَا قَدِيمَةً وَاجِبَةً بِأَنْفُسِهَا أَوْ مُحْدَثَةً مُمْكِنَةً مُفْتَقِرَةً إلَى غَيْرِهَا وَكِلَاهُمَا مَعْلُومُ الْفَسَادِ بِالِاضْطِرَارِ. فَتَعَيَّنَ إثْبَاتُ الِاتِّفَاقِ مِنْ وَجْهٍ وَالِامْتِيَازُ مِنْ وَجْهٍ وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ مَا امْتَازَ بِهِ الْخَالِقُ الْمَوْجُودُ عَنْ سَائِرِ الْمَوْجُودَاتِ أَعْظَمُ مِمَّا تَمْتَازُ بِهِ سَائِرُ الْمَوْجُودَاتِ بَعْضُهَا عَنْ بَعْضٍ فَإِذَا كَانَ " الْمَلِكُ " وَ " الْبَعُوضُ " قَدْ اشْتَرَكَا فِي مُسَمَّى الْوُجُودِ وَالْحَيِّ مَعَ تَفَاوُتِ مَا بَيْنَهُمَا فَالْخَالِقُ سُبْحَانَهُ أَوْلَى بِمُبَايَنَتِهِ لِلْمَخْلُوقَاتِ؛ وَإِنْ حَصَلَتْ الْمُوَافَقَةُ فِي بَعْضِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ.
(6/43)

فَصْلٌ:
إذَا ظَهَرَتْ هَذِهِ الْمُقَدِّمَةُ تَبَيَّنَ لَنَا أَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ: كُلُّ مَا قَامَ دَلِيلُ الْعَقْلِ عَلَى أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى التَّجْسِيمِ كَانَ مُتَشَابِهًا جَوَابٌ لَا يَنْقَطِعُ بِهِ النِّزَاعُ وَلَا يَحْصُلُ بِهِ الِانْتِفَاعُ وَلَا يَحْصُلُ بِهِ الْفَرْقُ بَيْنَ الصَّحِيحِ وَالسَّقِيمِ وَالزَّائِغِ وَالْقَوِيمِ. وَذَلِكَ أَنَّهُ مَا مِنْ نَافٍ يَنْفِي شَيْئًا مِنْ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ إلَّا وَهُوَ يَزْعُمُ: أَنَّهُ قَدْ قَامَ عِنْدَهُ دَلِيلُ الْعَقْلِ عَلَى أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى التَّجْسِيمِ فَيَكُونُ مُتَشَابِهًا فَيَلْزَمُ حِينَئِذٍ أَنْ تَكُونَ جَمِيعُ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ مُتَشَابِهَاتٍ وَحِينَئِذٍ فَيَلْزَمُ التَّعْطِيلُ الْمَحْضُ وَأَنْ لَا يُفْهَمَ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَصَفَاتِهِ مَعْنًى وَلَا يُمَيَّزَ بَيْنَ مَعْنَى الْحَيِّ وَالْعَلِيمِ وَالْقَدِيرِ وَالرَّحِيمِ وَالْجَبَّارِ وَالسَّلَامِ وَلَا بَيْنَ مَعْنَى الْخَلْقِ وَالِاسْتِوَاءِ وَبَيْنَ الْإِمَاتَةِ وَالْإِحْيَاءِ وَلَا بَيْنَ الْمَجِيءِ وَالْإِتْيَانِ وَبَيْنَ الْعَفْوِ وَالْغُفْرَانِ. بَيَانُ ذَلِكَ: أَنَّ مَنْ نَفَى الصِّفَاتِ مِنْ الْجَهْمِيَّة وَالْمُعْتَزِلَةِ وَالْقَرَامِطَةِ الْبَاطِنِيَّةِ وَمَنْ وَافَقَهُمْ مِنْ الْفَلَاسِفَةِ يَقُولُونَ؛ إذَا قُلْتُمْ؛ إنَّ الْقُرْآنَ غَيْرُ مَخْلُوقٍ وَإِنَّ لِلَّهِ تَعَالَى عِلْمًا وَقُدْرَةً وَإِرَادَةً فَقَدْ قُلْتُمْ بِالتَّجْسِيمِ؛ فَإِنَّهُ قَدْ قَامَ دَلِيلُ الْعَقْلِ عَلَى أَنَّ هَذَا يَدُلُّ عَلَى التَّجْسِيمِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ مَعَانِيَ لَا تَقُومُ بِنَفْسِهَا: لَا تَقُومُ إلَّا بِغَيْرِهَا سَوَاءٌ سُمِّيَتْ صِفَاتًا أَوْ أَعْرَاضًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ.
(6/44)

قَالُوا: وَنَحْنُ لَا نَعْقِلُ قِيَامَ الْمَعْنَى إلَّا بِجِسْمِ فَإِثْبَاتُ مَعْنًى يَقُومُ بِغَيْرِ جِسْمٍ غَيْرُ مَعْقُولٍ. فَإِنْ قَالَ الْمُثْبِتُ: بَلْ هَذِهِ الْمَعَانِي يُمْكِنُ قِيَامُهَا بِغَيْرِ جِسْمٍ كَمَا أَمْكَنَ عِنْدَنَا وَعِنْدَكُمْ إثْبَاتُ عَالِمٍ قَادِرٍ لَيْسَ بِجِسْمِ. قَالَتْ الْمُثْبِتَةُ: الرِّضَا وَالْغَضَبُ وَالْوَجْهُ وَالْيَدُ وَالِاسْتِوَاءُ وَالْمَجِيءُ وَغَيْرُ ذَلِكَ: فَأَثْبِتُوا هَذِهِ الصِّفَاتِ أَيْضًا وَقُولُوا: إنَّهَا تَقُومُ بِغَيْرِ جِسْمٍ. فَإِنْ قَالُوا: لَا يُعْقَلُ رِضًا وَغَضَبٌ؛ إلَّا مَا يَقُومُ بِقَلْبِ هُوَ جِسْمٌ وَلَا نَعْقِلُ وَجْهًا وَيَدًا إلَّا مَا هُوَ بَعْضٌ مِنْ جِسْمٍ. قِيلَ لَهُمْ: وَلَا نَعْقِلُ عِلْمًا إلَّا مَا هُوَ قَائِمٌ بِجِسْمِ وَلَا قُدْرَةً إلَّا مَا هُوَ قَائِمٌ بِجِسْمِ وَلَا نَعْقِلُ سَمْعًا وَبَصَرًا وَكَلَامًا إلَّا مَا هُوَ قَائِمٌ بِجِسْمِ. فَلِمَ فَرَّقْتُمْ بَيْنَ الْمُتَمَاثِلَيْنِ؟ وَقُلْتُمْ: إنَّ هَذِهِ يُمْكِنُ قِيَامُهَا بِغَيْرِ جِسْمٍ وَهَذِهِ لَا يُمْكِنُ قِيَامُهَا إلَّا بِجِسْمِ وَهُمَا فِي الْمَعْقُولِ سَوَاءٌ. فَإِنْ قَالُوا: الْغَضَبُ هُوَ غَلَيَانُ دَمِ الْقَلْبِ لِطَلَبِ الِانْتِقَامِ: وَالْوَجْهُ هُوَ ذُو الْأَنْفِ وَالشَّفَتَيْنِ وَاللِّسَانِ وَالْخَدِّ؛ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ. قِيلَ لَهُمْ: إنْ كُنْتُمْ تُرِيدُونَ غَضَبَ الْعَبْدِ وَوَجْهَ الْعَبْدِ فَوِزَانُهُ أَنْ يُقَالَ لَكُمْ: وَلَا يُعْقَلُ بَصَرٌ إلَّا مَا كَانَ بِشَحْمَةٍ. وَلَا سَمْعٌ إلَّا مَا كَانَ بِصِمَاخِ وَلَا كَلَامٌ إلَّا مَا كَانَ بِشَفَتَيْنِ وَلِسَانٍ؛ وَلَا إرَادَةٌ إلَّا مَا كَانَ لِاجْتِلَابِ مَنْفَعَةٍ أَوْ اسْتِدْفَاعِ مَضَرَّةٍ؛ وَأَنْتُمْ تُثْبِتُونَ لِلرَّبِّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْكَلَامَ وَالْإِرَادَةَ عَلَى خِلَافِ صِفَاتِ الْعَبْدِ؛ فَإِنْ كَانَ مَا تُثْبِتُونَهُ مُمَاثِلًا لِصِفَاتِ الْعَبْدِ لَزِمَكُمْ التَّمْثِيلُ فِي الْجَمِيعِ وَإِنْ كُنْتُمْ تُثْبِتُونَهُ عَلَى الْوَجْهِ اللَّائِقِ بِجَلَالِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ غَيْرِ مُمَاثَلَةٍ بِصِفَاتِ الْمَخْلُوقَاتِ فَأَثْبِتُوا الْجَمِيعَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ الْمَحْدُودِ؛ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ صِفَةٍ وَصِفَةٍ؛ فَإِنَّ مَا نَفَيْتُمُوهُ
(6/45)

مِنْ الصِّفَاتِ يَلْزَمُكُمْ فِيهِ نَظِيرُ مَا أَثْبَتُّمُوهُ فَإِمَّا أَنْ تُعَطِّلُوا الْجَمِيعَ وَهُوَ مُمْتَنِعٌ؛ وَإِمَّا أَنْ تُمَثِّلُوهُ بِالْمَخْلُوقَاتِ وَهُوَ مُمْتَنِعٌ وَإِمَّا أَنْ تُثْبِتُوا الْجَمِيعَ عَلَى وَجْهٍ يَخْتَصُّ بِهِ لَا يُمَاثِلُهُ فِيهِ غَيْرُهُ. وَحِينَئِذٍ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ صِفَةٍ وَصِفَةٍ فَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا بِإِثْبَاتِ أَحَدِهِمَا وَنَفْيِ الْآخَرِ فِرَارًا مِنْ التَّشْبِيهِ وَالتَّجْسِيمِ قَوْلٌ بَاطِلٌ يَتَضَمَّنُ الْفَرْقَ بَيْنَ الْمُتَمَاثِلَيْنِ وَالتَّنَاقُضَ فِي الْمَقَالَتَيْنِ. فَإِنْ قَالَ: دَلِيلُ الْعَقْلِ دَلَّ عَلَى أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ كَمَا يُقَالُ: إنَّهُ دَلَّ عَلَى الْحَيَاةِ وَالْعِلْمِ وَالْإِرَادَةِ؛ دُونَ الرِّضَا وَالْغَضَبِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. فَالْجَوَابُ مِنْ وُجُوهٍ: (أَحَدُهَا: أَنَّ عَدَمَ الدَّلِيلِ لَا يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ الْمَدْلُولِ عَلَيْهِ؛ فَهَبْ أَنَّهُ لَمْ يُعْلَمْ بِالْعَقْلِ ثُبُوتُ أَحَدِهَا فَإِنَّهُ لَا يُعْلَمُ نَفْيُهُ بِالْعَقْلِ أَيْضًا وَلَا بِالسَّمْعِ فَلَا يَجُوزُ نَفْيُهُ؛ بَلْ الْوَاجِبُ إثْبَاتُهُ إنْ قَامَ دَلِيلٌ عَلَى إثْبَاتِهِ وَإِلَّا تُوُقِّفَ فِيهِ. (الثَّانِي: أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ يُمْكِنُ إقَامَةُ دَلِيلِ الْعَقْلِ عَلَى حُبِّهِ وَبُغْضِهِ وَحِكْمَتِهِ وَرَحْمَتِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ صِفَاتِهِ؛ كَمَا يُقَامُ عَلَى مَشِيئَتِهِ كَمَا قَدْ بُيِّنَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ. (الثَّالِثُ: أَنْ يُقَالَ: السَّمْعُ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ وَالْعَقْلُ لَا يَنْفِيهِ فَيَجِبُ الْعَمَلُ بِالدَّلِيلِ السَّالِمِ عَنْ الْمُعَارِضِ. فَإِنْ عَادَ فَقَالَ: بَلْ الْعَقْلُ يَنْفِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الصِّفَاتِ تَسْتَلْزِمُ التَّجْسِيمَ وَالْعَقْلُ يَنْفِي التَّجْسِيمَ. قِيلَ لَهُ: الْقَوْلُ فِي هَذِهِ الصِّفَاتِ الَّتِي تَنْفِيهَا كَالْقَوْلِ فِي الصِّفَاتِ الَّتِي أُثْبِتُهَا؛ فَإِنْ كَانَ هَذَا مُسْتَلْزِمًا
(6/46)

لِلتَّجْسِيمِ فَكَذَلِكَ الْآخَرُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَلْزِمًا لِلتَّجْسِيمِ فَكَذَلِكَ الْآخَرُ. فَدَعْوَى الْمُدَّعِي الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ أَحَدَهُمَا يَسْتَلْزِمُ التَّشْبِيهَ أَوْ التَّجْسِيمَ دُونَ الْآخَرِ تَفْرِيقٌ بَيْنَ الْمُتَمَاثِلَيْنِ وَجَمْعٌ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ؛ فَإِنَّ مَا نَفَاهُ فِي أَحَدِهِمَا أَثْبَتَهُ فِي الْآخَرِ وَمَا أَثْبَتَهُ فِي أَحَدِهِمَا نَفَاهُ فِي الْآخَرِ فَهُوَ يَجْمَعُ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ. وَلِهَذَا قَالَ الْمُحَقِّقُونَ: كُلُّ مَنْ نَفَى شَيْئًا مِنْ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ الثَّابِتَةِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فَإِنَّهُ مُتَنَاقِضٌ لَا مَحَالَةَ؛ فَإِنَّ دَلِيلَ نَفْيِهِ فِيمَا نَفَاهُ هُوَ بِعَيْنِهِ يُقَالُ فِيمَا أَثْبَتَهُ فَإِنْ كَانَ دَلِيلُ الْعَقْلِ صَحِيحًا بِالنَّفْيِ وَجَبَ نَفْيُ الْجَمِيعِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَمْ يَجِبْ نَفْيُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَإِثْبَاتُ شَيْءٍ وَنَفْيُ نَظِيرِهِ تَنَاقُضٌ بَاطِلٌ. فَإِنْ قَالَ الْمُعْتَزِلِيُّ: إنَّ الصِّفَاتِ تَدُلُّ عَلَى التَّجْسِيمِ؛ لِأَنَّ الصِّفَاتِ أَعْرَاضٌ لَا تَقُومُ إلَّا بِجِسْمِ؛ فَلِهَذَا تَأَوَّلَتْ نُصُوصَ الصِّفَاتِ دُونَ الْأَسْمَاءِ. قِيلَ لَهُ: يَلْزَمُك ذَلِكَ فِي الْأَسْمَاءِ؛ فَإِنَّ مَا بِهِ اسْتَدْلَلْت عَلَى أَنَّ مَنْ لَهُ حَيَاةٌ وَعِلْمٌ وَقُدْرَةٌ لَا يَكُونُ إلَّا جِسْمًا يَسْتَدِلُّ بِهِ خَصْمُك عَلَى أَنَّ الْعَلِيمَ الْقَدِيرَ الْحَيَّ لَا يَكُونُ إلَّا جِسْمًا. فَيُقَالُ لَك: إثْبَاتُ حَيٍّ عَلِيمٍ قَدِيرٍ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَسْتَلْزِمَ التَّجْسِيمَ أَوْ لَا يَسْتَلْزِمَ فَإِنْ اسْتَلْزَمَ لَزِمَك إثْبَاتُ الْجِسْمِ فَلَا يَكُونُ لِرُؤْيَتِهِ مَحْدُودًا عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ وَإِنْ لَمْ يَسْتَلْزِمْ أَمْكَنَ أَنْ يُقَالَ: إنَّ إثْبَاتَ الْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَالْإِرَادَةِ لَا يَسْتَلْزِمُ التَّجْسِيمَ فَإِنْ كَانَ هَذَا لَا يَسْتَلْزِمُ فَهَذَا لَا يَسْتَلْزِمُ وَإِنْ كَانَ هَذَا يَسْتَلْزِمُ فَهَذَا يَسْتَلْزِمُ فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا وَإِنْ فَرَّقَ فَهُوَ تَنَاقُضٌ جَلِيٌّ. فَإِنْ قَالَ الجهمي والقرمطي وَالْفَلْسَفِيُّ الْمُوَافِقُ لَهُمَا: أَنَا أَنْفِي الْأَسْمَاءَ
(6/47)

وَالصِّفَاتِ مَعًا قِيلَ لَهُ: لَا يُمْكِنُك أَنْ تَنْفِيَ جَمِيعَ الْأَسْمَاءِ؛ إذْ لَا بُدَّ مِنْ إشَارَةِ الْقَلْبِ وَتَعْبِيرِ اللِّسَانِ عَمَّا تُثْبِتُهُ. فَإِنْ قُلْت: ثَابِتٌ مَوْجُودٌ مُحَقَّقٌ مَعْلُومٌ قَدِيمٌ وَاجِبٌ. أَيُّ شَيْءٍ قُلْت كُنْت قَدْ سَمَّيْته وَهَبْ أَنَّك لَا تَنْطِقُ بِلِسَانِك: إمَّا أَنْ تُثْبِتَ بِقَلْبِك مَوْجُودًا وَاجِبًا قَدِيمًا وَإِمَّا أَنْ لَا تُثْبِتَهُ فَإِنْ لَمْ تُثْبِتْهُ كَانَ الْوُجُودُ خَالِيًا عَنْ مُوجِدٍ وَاجِبٍ قَدِيمٍ وَحِينَئِذٍ فَتَكُونُ الْمَوْجُودَاتُ كُلُّهَا مُحْدَثَةً مُمْكِنَةً وَبِالِاضْطِرَارِ يُعْلَمُ أَنَّ الْمُحْدَثَ الْمُمْكِنَ لَا يُوجَدُ إلَّا بِقَدِيمِ وَاجِبٍ فَصَارَ نَفْيُك لَهُ مُسْتَلْزِمًا لِإِثْبَاتِهِ ثُمَّ هَذَا هُوَ الْكُفْرُ وَالتَّعْطِيلُ الصَّرِيحُ الَّذِي لَا يَقُولُ بِهِ عَاقِلٌ. وَإِنْ قُلْت: أَنَا لَا أُخْطِرُ بِبَالِي النَّظَرَ فِي ذَلِكَ وَلَا أَنْطِقُ فِيهِ بِلِسَانِيِّ. قِيلَ لَك: إعْرَاضُ قَلْبِك عَنْ الْعِلْمِ وَلِسَانِك عَنْ النُّطْقِ لَا يَقْتَضِي قَلْبَ الْحَقَائِقِ وَلَا عَدَمَ الْمَوْجُودَاتِ؛ فَإِنَّ مَا كَانَ حَقًّا مَوْجُودًا ثَابِتًا فِي نَفْسِك فَهُوَ كَذَلِكَ عَلِمْته أَوْ جَهِلْته وَذَكَرْته أَوْ نَسِيته وَذَلِكَ لَا يَقْتَضِي إلَّا الْجَهْلَ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَالْغَفْلَةَ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَالْإِعْرَاضَ عَنْهُ وَالْكُفْرَ بِهِ وَذَلِكَ لَا يَقْتَضِي أَنَّهُ فِي نَفْسِهِ لَيْسَ حَقًّا مَوْجُودًا لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَالصِّفَات الْعُلَى. وَلَا رَيْبَ أَنَّ هَذَا هُوَ غَايَةُ الْقَرَامِطَةِ الْبَاطِنِيَّةِ وَالْمُعَطِّلَةِ الدَّهْرِيَّةِ أَنَّهُمْ يَبْقَوْنَ فِي ظُلْمَةِ الْجَهْلِ وَضَلَالِ الْكُفْرِ؛ لَا يَعْرِفُونَ اللَّهَ وَلَا يَذْكُرُونَهُ لَيْسَ لَهُمْ دَلِيلٌ عَلَى نَفْيِهِ وَنَفْيِ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ؛ فَإِنَّ هَذَا جَزَمَ بِالنَّفْيِ وَهُمْ لَا يَجْزِمُونَ وَلَا دَلِيلَ لَهُمْ عَلَى النَّفْيِ؛ وَقَدْ أَعْرَضُوا عَنْ أَسْمَائِهِ وَآيَاتِهِ وَصَارُوا جُهَّالًا بِهِ؛ كَافِرِينَ بِهِ غَافِلِينَ عَنْ ذَكَرَهُ؛ مَوْتَى الْقُلُوبِ عَنْ مَعْرِفَتِهِ وَمَحَبَّتِهِ وَعِبَادَتِهِ.
(6/48)

ثُمَّ إذَا فَعَلُوا ذَلِكَ بِزَعْمِهِمْ لِئَلَّا يَقَعُوا فِي " التَّشْبِيهِ وَالتَّجْسِيمِ " قِيلَ لَهُمْ: مَا فَرَرْتُمْ إلَيْهِ شَرٌّ مِمَّا فَرَرْتُمْ عَنْهُ فَإِنَّ الْإِقْرَارَ بِالصَّانِعِ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ كَانَ خَيْرٌ مِنْ نَفْيِهِ. وَأَيْضًا فَإِنَّ هَذَا الْعَالَمَ الْمَشْهُودَ: كَالسَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إنْ كَانَ قَدِيمًا وَاجِبًا بِنَفْسِهِ فَقَدْ جَعَلْتُمْ الْجِسْمَ الْمَشْهُودَ قَدِيمًا وَاجِبًا بِنَفْسِهِ وَهَذَا شَرٌّ مِمَّا فَرَرْتُمْ مِنْهُ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَدِيمًا وَاجِبًا بِنَفْسِهِ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ لَهُ صَانِعٌ قَدِيمٌ وَاجِبٌ بِنَفْسِهِ وَحِينَئِذٍ تَتَّضِحُ مَعْرِفَتُهُ وَذِكْرُهُ بِأَنَّ إثْبَاتَ الرَّبِّ بِالْقَلْبِ وَاللِّسَانِ حَقٌّ لَا رَيْبَ فِيهِ سَمْعًا وَعَقْلًا؛ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مُسْتَلْزِمًا لِمَا سَمَّيْتُمُوهُ تَشْبِيهًا وَتَجْسِيمًا فَلَازِمُ الْحَقِّ حَقٌّ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَلْزِمًا لَهُ أَمْكَنَكُمْ إثْبَاتُهُ بِدُونِ هَذَا الْكَلَامِ. فَظَهَرَ تَنَاقُضُ الْنُّفَاةِ كَيْفَ صُرِفَتْ عَلَيْهِمْ الدَّلَالَاتُ وَظَهَرَ تَنَاقُضُ مَنْ يُثْبِتُ بَعْضَ الصِّفَاتِ دُونَ بَعْضٍ. فَإِنْ قَالَتْ " الْنُّفَاةِ ": إنَّمَا نَفَيْنَا الصِّفَاتِ لِأَنَّ دَلِيلَنَا عَلَى حُدُوثِ الْعَالَمِ وَإِثْبَاتِ الصَّانِعِ دَلَّ عَلَى نَفْيِهَا؛ فَإِنَّ الصَّانِعَ أَثْبَتْنَاهُ بِحُدُوثِ الْعَالَمِ وَحُدُوثُ الْعَالَمِ إنَّمَا أَثْبَتْنَاهُ بِحُدُوثِ الْأَجْسَامِ وَالْأَجْسَامُ إنَّمَا أَثْبَتْنَا حُدُوثَهَا بِحُدُوثِ الصِّفَاتِ الَّتِي هِيَ الْأَعْرَاضُ. أَوْ قَالُوا: إنَّمَا أَثْبَتْنَا حُدُوثَهَا بِحُدُوثِ الْأَفْعَالِ الَّتِي هِيَ الْحَرَكَاتُ وَإِنَّ الْقَابِلَ لَهَا لَا يَخْلُو مِنْهَا وَمَا لَا يَخْلُو مِنْ الْحَوَادِثِ فَهُوَ حَادِثٌ؛ أَوْ أَنَّ مَا قَبْلَ الْمَجِيءِ وَالْإِتْيَانِ وَالنُّزُولِ كَانَ مَوْصُوفًا بِالْحَرَكَةِ وَمَا اتَّصَفَ بِالْحَرَكَةِ لَمْ يَخْلُ مِنْهَا أَوْ مِنْ السُّكُونِ الَّذِي هُوَ ضِدُّهَا وَمَا لَا يَخْلُو مِنْ الْحَوَادِثِ فَهُوَ حَادِثٌ فَإِذَا ثَبَتَ حُدُوثُ الْأَجْسَامِ قُلْنَا: إنَّ الْمُحْدَثَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُحْدِثٍ فَأَثْبَتْنَا الصَّانِعَ بِهَذَا؛
(6/49)

فَلَوْ وَصَفْنَاهُ بِالصِّفَاتِ أَوْ بِالْأَفْعَالِ الْقَائِمَةِ بِهِ لَجَازَ أَنْ تَقُومَ الْأَفْعَالُ وَالصِّفَاتُ بِالْقَدِيمِ وَحِينَئِذٍ فَلَا يَكُونُ دَلِيلًا عَلَى حُدُوثِ الْأَجْسَامِ فَيَبْطُلُ دَلِيلُ إثْبَاتِ الصِّفَاتِ. فَيُقَالُ لَهُمْ: الْجَوَابُ مِنْ وُجُوهٍ: (أَحَدُهَا: أَنَّ بُطْلَانَ هَذَا الدَّلِيلِ الْمُعَيَّنِ لَا يَسْتَلْزِمُ بُطْلَانَ جَمِيعِ الْأَدِلَّةِ وَإِثْبَاتُ الصَّانِعِ لَهُ طُرُقٌ كَثِيرَةٌ لَا يُمْكِنُ ضَبْطُ تَفَاصِيلِهَا وَإِنْ أَمْكَنَ ضَبْطُ جُمَلِهَا. الثَّانِي: أَنَّ هَذَا الدَّلِيلَ لَمْ يَسْتَدِلَّ بِهِ أَحَدٌ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَلَا مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ فَلَوْ كَانَتْ مَعْرِفَةُ الرَّبِّ عَزَّ وَجَلَّ وَالْإِيمَانُ بِهِ مَوْقُوفَةً عَلَيْهِ لَلَزِمَ أَنَّهُمْ كَانُوا غَيْرَ عَارِفِينَ بِاَللَّهِ وَلَا مُؤْمِنِينَ بِهِ وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ الْكُفْرِ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ. الثَّالِثُ: أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ وَالْمُرْسَلِينَ لَمْ يَأْمُرُوا أَحَدًا بِسُلُوكِ هَذَا السَّبِيلِ فَلَوْ كَانَتْ الْمَعْرِفَةُ مَوْقُوفَةً عَلَيْهِ وَهِيَ وَاجِبَةٌ لَكَانَ وَاجِبًا وَإِنْ كَانَتْ مُسْتَحَبَّةً كَانَ مُسْتَحَبًّا وَلَوْ كَانَ وَاجِبًا أَوْ مُسْتَحَبًّا لَشَرَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَوْ كَانَ مَشْرُوعًا لَنَقَلَتْهُ الصَّحَابَةُ.
(6/50)

فَصْلٌ: فِي جُمَلِ " مَقَالَاتِ الطَّوَائِفِ " وَ " مَوَادِّهِمْ "
أَمَّا بَابُ الصِّفَاتِ وَالتَّوْحِيدِ: فَالنَّفْيُ فِيهِ فِي الْجُمْلَةِ قَوْلُ " الْفَلَاسِفَةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ الْجَهْمِيَّة " وَإِنْ كَانَ بَيْنَ الْفَلَاسِفَةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ نَوْعُ فَرْقٍ؛ وَكَذَلِكَ بَيْنَ الْبَغْدَادِيِّينَ وَالْبَصْرِيِّينَ اخْتِلَافٌ فِي السَّمْعِ وَالْبَصَرِ هَلْ هُوَ عِلْمٌ أَوْ إدْرَاكٌ غَيْرُ الْعِلْمِ؟ وَفِي الْإِرَادَةِ. وَهَذَا الْمَذْهَبُ الَّذِي يُسَمِّيهِ السَّلَفُ: قَوْلَ جَهْمٍ لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ أَظْهَرَهُ فِي الْإِسْلَامِ وَقَدْ بَيَّنْت إسْنَادَهُ فِيهِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ؛ أَنَّهُ مُتَلَقًّى مِنْ الصَّابِئَةِ الْفَلَاسِفَةِ وَالْمُشْرِكِينَ البراهمة وَالْيَهُودِ السَّحَرَةِ. وَالْإِثْبَاتُ فِي الْجُمْلَةِ مَذْهَبُ " الصفاتية " مِنْ الْكُلَّابِيَة وَالْأَشْعَرِيَّةِ والكَرَّامِيَة وَأَهْلِ الْحَدِيثِ وَجُمْهُورِ الصُّوفِيَّةِ وَالْحَنْبَلِيَّةِ وَأَكْثَرِ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ إلَّا الشَّاذَّ مِنْهُمْ وَكَثِيرٍ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ أَوْ أَكْثَرِهِمْ وَهُوَ قَوْلُ [السَّلَفِيَّةِ] (*) ؛ لَكِنَّ الزِّيَادَةَ فِي الْإِثْبَاتِ إلَى حَدِّ التَّشْبِيهِ هُوَ قَوْلُ الْغَالِيَةِ مِنْ الرَّافِضَةِ وَمِنْ جُهَّالِ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَبَعْضِ الْمُنْحَرِفِينَ. وَبَيْنَ نَفْيِ الْجَهْمِيَّة وَإِثْبَاتِ الْمُشَبِّهَةِ مَرَاتِبُ.
__________

[تعليق مُعِدّ الكتاب للشاملة]
(*) قال الشيخ ناصر بن حمد الفهد (ص 257) : لعله: قول السالمية
(6/51)

" فَالْأَشْعَرِيَّةُ " وَافَقَ بَعْضُهُمْ فِي الصِّفَاتِ الْخَبَرِيَّةِ وَجُمْهُورُهُمْ وَافَقَهُمْ فِي الصِّفَاتِ الحديثية؛ وَأَمَّا فِي الصِّفَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ فَلَهُمْ قَوْلَانِ: فَالْأَشْعَرِيُّ والْبَاقِلَانِي وَقُدَمَاؤُهُمْ يُثْبِتُونَهَا وَبَعْضُهُمْ يُقِرُّ بِبَعْضِهَا؛ وَفِيهِمْ تَجَهُّمٌ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى فَإِنَّ الْأَشْعَرِيَّ شَرِبَ كَلَامَ الجبائي شَيْخِ الْمُعْتَزِلَةِ وَنِسْبَتُهُ فِي الْكَلَامِ إلَيْهِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا عِنْدَ أَصْحَابِهِ وَغَيْرِهِمْ؛ وَابْنُ الْبَاقِلَانِي أَكْثَرُ إثْبَاتًا بَعْدَ الْأَشْعَرِيِّ فِي " الْإِبَانَةِ " وَبَعْدَ ابْنِ الْبَاقِلَانِي ابْنُ فورك فَإِنَّهُ أَثْبَتَ بَعْضَ مَا فِي الْقُرْآنِ. وَ " أَمَّا الجُوَيْنِي " وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقَتَهُ: فَمَالُوا إلَى مَذْهَبِ الْمُعْتَزِلَةِ؛ فَإِنَّ أَبَا الْمَعَالِي كَانَ كَثِيرَ الْمُطَالَعَةِ لِكُتُبِ أَبِي هَاشِمٍ قَلِيلَ الْمَعْرِفَةِ بِالْآثَارِ فَأَثَّرَ فِيهِ مَجْمُوعُ الْأَمْرَيْنِ. والقشيري تِلْمِيذُ ابْنِ فورك؛ فَلِهَذَا تغلظ مَذْهَبُ الْأَشْعَرِيِّ مِنْ حِينَئِذٍ وَوَقَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَنْبَلِيَّةِ تَنَافُرٌ بَعْدَ أَنْ كَانُوا متوالفين أَوْ مُتَسَالِمِينَ. وَ " أَمَّا الْحَنْبَلِيَّةُ فَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ حَامِدٍ قَوِيٌّ فِي الْإِثْبَاتِ جَادٌّ فِيهِ يَنْزِعُ لِمَسَائِلِ الصِّفَاتِ الْخَبَرِيَّةِ؛ وَسَلَكَ طَرِيقَهُ صَاحِبُهُ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى؛ لَكِنَّهُ أَلْيَنُ مِنْهُ وَأَبْعَدُ عَنْ الزِّيَادَةِ فِي الْإِثْبَاتِ. وَأَمَّا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ بَطَّةَ فَطَرِيقَتُهُ طَرِيقَةُ الْمُحَدِّثِينَ الْمَحْضَةِ كَأَبِي بَكْرٍ
(6/52)

الآجري فِي " الشَّرِيعَةِ " واللالكائي فِي السُّنَنِ وَالْخَلَّالُ مِثْلُهُ قَرِيبٌ مِنْهُ وَإِلَى طَرِيقَتِهِ يَمِيلُ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ وَمُتَأَخِّرُو الْمُحَدِّثِينَ. [وَ " أَمَّا التَّمِيمِيُّونَ " كَأَبِي الْحَسَنِ وَابْنِ أَبِي الْفَضْلِ وَابْنِ رِزْقِ اللَّهِ] (*) فَهُمْ أَبْعَدُ عَنْ الْإِثْبَاتِ وَأَقْرَبُ إلَى مُوَافَقَةِ غَيْرِهِمْ وَأَلْيَنُ لَهُمْ؛ وَلِهَذَا تَتْبَعُهُمْ الصُّوفِيَّةُ وَيَمِيلُ إلَيْهِمْ فُضَلَاءُ الْأَشْعَرِيَّةِ: كالْبَاقِلَانِي وَالْبَيْهَقِي؛ فَإِنَّ عَقِيدَةَ أَحْمَد الَّتِي كَتَبَهَا أَبُو الْفَضْلِ هِيَ الَّتِي اعْتَمَدَهَا البيهقي مَعَ أَنَّ الْقَوْمَ مَاشُونَ عَلَى السُّنَّةِ. وَأَمَّا ابْنُ عَقِيلٍ فَإِذَا انْحَرَفَ وَقَعَ فِي كَلَامِهِ مَادَّةٌ قَوِيَّةٌ مُعْتَزِلِيَّةٌ فِي الصِّفَاتِ وَالْقَدَرِ وَكَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ؛ بِحَيْثُ يَكُونُ الْأَشْعَرِيُّ أَحْسَنَ قَوْلًا مِنْهُ وَأَقْرَبَ إلَى السُّنَّةِ. فَإِنَّ الْأَشْعَرِيَّ مَا كَانَ يَنْتَسِبُ إلَّا إلَى مَذْهَبِ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَإِمَامُهُمْ عَنْهُ أَحْمَد بْنُ حَنْبَلٍ وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ وَغَيْرُهُ فِي مُنَاظَرَاتِهِ: مَا يَقْتَضِي أَنَّهُ عِنْدَهُ مِنْ مُتَكَلِّمِي أَهْلِ الْحَدِيثِ لَمْ يَجْعَلْهُ مُبَايِنًا لَهُمْ؛ وَكَانُوا قَدِيمًا مُتَقَارِبِينَ إلَّا أَنَّ فِيهِمْ مَنْ يُنْكِرُ عَلَيْهِ مَا قَدْ يُنْكِرُونَهُ عَلَى مَنْ خَرَجَ مِنْهُمْ إلَى شَيْءٍ مِنْ الْكَلَامِ؛ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْبِدْعَةِ؛ مَعَ أَنَّهُ فِي أَصْلِ مَقَالَتِهِ لَيْسَ عَلَى السُّنَّةِ الْمَحْضَةِ بَلْ هُوَ مُقَصِّرٌ عَنْهَا تَقْصِيرًا مَعْرُوفًا. وَ " الْأَشْعَرِيَّةُ " فِيمَا يُثْبِتُونَهُ مِنْ السُّنَّةِ فَرْعٌ عَلَى الْحَنْبَلِيَّةِ كَمَا أَنَّ مُتَكَلِّمَةَ الْحَنْبَلِيَّةِ - فِيمَا يَحْتَجُّونَ بِهِ مِنْ الْقِيَاسِ الْعَقْلِيِّ - فَرْعٌ عَلَيْهِمْ؛ وَإِنَّمَا وَقَعَتْ الْفُرْقَةُ بِسَبَبِ فِتْنَةِ القشيري.
_________

[تعليق مُعِدّ الكتاب للشاملة]
قال الشيخ ناصر بن حمد الفهد (ص 56) :
صوابه: أما التميميون: كأبي الحسن، وابنه أبي الفضل، وابن ابنه رزق الله (1)

(1) والأول: هو: عبد العزيز بن الحارث بن أسد، أبو الحسن التميمي (317 - 371) . (طبقات الحنابلة) 3 / 246: ت: العثيمين.
والثاني: هو: عبد الواحد بن عبد العزيز بن الحارث بن أسد، أبو الفضل التميمي (ت 410) . (طبقات الحنابلة) 3 / 325
والثالث: هو: رزق الله بن عبد الوهاب بن عبد العزيز بن الحارث بن أسد، أبو محمد التميمي (400 - 488) ، وهو أشهرهم.
(6/53)

وَلَا رَيْبَ أَنَّ " الْأَشْعَرِيَّةَ " الخراسانيين كَانُوا قَدْ انْحَرَفُوا إلَى التَّعْطِيلِ. وَكَثِيرٌ مِنْ الْحَنْبَلِيَّةِ زَادُوا فِي الْإِثْبَاتِ. وَصَنَّفَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى كِتَابَهُ فِي " إبْطَالِ التَّأْوِيلِ " رَدَّ فِيهِ عَلَى ابْنِ فورك شَيْخِ القشيري وَكَانَ الْخَلِيفَةُ وَغَيْرُهُ مَائِلِينَ إلَيْهِ؛ فَلَمَّا صَارَ للقشيرية دَوْلَةٌ بِسَبَبِ السَّلَاجِقَةِ جَرَتْ تِلْكَ الْفِتْنَةُ وَأَكْثَرُ الْحَقِّ فِيهَا كَانَ مَعَ الفرائية مَعَ نَوْعٍ مِنْ الْبَاطِلِ وَكَانَ مَعَ القشيرية فِيهَا نَوْعٌ مِنْ الْحَقِّ مَعَ كَثِيرٍ مِنْ الْبَاطِلِ. فَابْنُ عَقِيلٍ إنَّمَا وَقَعَ فِي كَلَامِهِ الْمَادَّةُ الْمُعْتَزِلِيَّةُ بِسَبَبِ شَيْخِهِ أَبِي عَلِيِّ بْنِ الْوَلِيدِ وَأَبِي الْقَاسِمِ بْنِ التَّبَّانِ المعتزليين؛ وَلِهَذَا لَهُ فِي كِتَابِهِ " إثْبَاتِ التَّنْزِيهِ " وَفِي غَيْرِهِ كَلَامٌ يُضَاهِي كَلَامَ المريسي وَنَحْوِهِ لَكِنْ لَهُ فِي الْإِثْبَاتِ كَلَامٌ كَثِيرٌ حَسَنٌ وَعَلَيْهِ اسْتَقَرَّ أَمْرُهُ فِي كِتَابِ " الْإِرْشَادِ " مَعَ أَنَّهُ قَدْ يَزِيدُ فِي الْإِثْبَاتِ لَكِنْ مَعَ هَذَا فَمَذْهَبُهُ فِي الصِّفَاتِ قَرِيبٌ مِنْ مَذْهَبِ قُدَمَاءِ الْأَشْعَرِيَّةِ والْكُلَّابِيَة فِي أَنَّهُ يُقِرُّ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ وَالْخَبَرُ الْمُتَوَاتِرُ وَيَتَأَوَّلُ غَيْرَهُ؛ وَلِهَذَا يَقُولُ بَعْضُ الْحَنْبَلِيَّةِ أَنَا أُثْبِتُ مُتَوَسِّطًا بَيْنَ تَعْطِيلِ ابْنِ عَقِيلٍ وَتَشْبِيهِ ابْنِ حَامِدٍ. وَالْغَزَالِيُّ فِي كَلَامِهِ مَادَّةٌ فَلْسَفِيَّةٌ كَبِيرَةٌ بِسَبَبِ كَلَامِ ابْنِ سِينَا فِي " الشفا " وَغَيْرِهِ؛ " وَرَسَائِلِ إخْوَانِ الصَّفَا " وَكَلَامِ أَبِي حَيَّانَ التَّوْحِيدِيِّ. وَأَمَّا الْمَادَّةُ الْمُعْتَزِلِيَّةُ فِي كَلَامِهِ فَقَلِيلَةٌ أَوْ مَعْدُومَةٌ كَمَا أَنَّ الْمَادَّةَ الْفَلْسَفِيَّةَ فِي كَلَامِ ابْنِ عَقِيلٍ قَلِيلَةٌ أَوْ مَعْدُومَةٌ
(6/54)

وَكَلَامُهُ فِي " الْإِحْيَاءِ " غَالِبُهُ جَيِّدٌ لَكِنَّ فِيهِ مَوَادَّ فَاسِدَةً: مَادَّةٌ فَلْسَفِيَّةٌ وَمَادَّةٌ كَلَامِيَّةٌ وَمَادَّةٌ مِنْ تُرَّهَاتِ الصُّوفِيَّةِ؛ وَمَادَّةٌ مِنْ الْأَحَادِيثِ الْمَوْضُوعَةِ. وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ ابْنِ عَقِيلٍ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ مِنْ جِهَةِ تَنَاقُضِ الْمَقَالَاتِ فِي الصِّفَاتِ؛ فَإِنَّهُ قَدْ يَكْفُرُ فِي أَحَدِ الصِّفَاتِ بِالْمَقَالَةِ الَّتِي يَنْصُرُهَا فِي الْمُصَنَّفِ الْآخَرِ؛ وَإِذَا صَنَّفَ عَلَى طَرِيقَةِ طَائِفَةٍ غَلَبَ عَلَيْهِ مَذْهَبُهَا. وَأَمَّا ابْنُ الْخَطِيبِ فَكَثِيرُ الِاضْطِرَابِ جِدًّا لَا يَسْتَقِرُّ عَلَى حَالٍ وَإِنَّمَا هُوَ بَحْثٌ وَجَدَلٌ بِمَنْزِلَةِ الَّذِي يَطْلُبُ وَلَمْ يَهْتَدِ إلَى مَطْلُوبِهِ؛ بِخِلَافِ أَبِي حَامِدٍ فَإِنَّهُ كَثِيرًا مَا يَسْتَقِرُّ. وَ " الْأَشْعَرِيَّةُ " الْأَغْلَبُ عَلَيْهِمْ أَنَّهُمْ مُرْجِئَةٌ فِي " بَابِ الْأَسْمَاءِ وَالْأَحْكَامِ ". جَبْرِيَّةٌ فِي " بَابِ الْقَدَرِ "؛ وَأَمَّا فِي الصِّفَاتِ فَلَيْسُوا جهمية مَحْضَةً بَلْ فِيهِمْ نَوْعٌ مِنْ التَّجَهُّمِ. وَ " الْمُعْتَزِلَةُ " وَعِيدِيَّةٌ فِي " بَابِ الْأَسْمَاءِ وَالْأَحْكَامِ ". قَدَرِيَّةٌ فِي " بَابِ الْقَدَرِ ". جهمية مَحْضَةٌ - وَاتَّبَعَهُمْ عَلَى ذَلِكَ مُتَأَخِّرُو الشِّيعَةِ وَزَادُوا عَلَيْهِمْ الْإِمَامَةَ وَالتَّفْضِيلَ وَخَالَفُوهُمْ فِي الْوَعِيدِ - وَهُمْ أَيْضًا يَرَوْنَ الْخُرُوجَ عَلَى الْأَئِمَّةِ. وَأَمَّا " الْأَشْعَرِيَّةُ " فَلَا يَرَوْنَ السَّيْفَ مُوَافَقَةً لِأَهْلِ الْحَدِيثِ وَهُمْ فِي الْجُمْلَةِ أَقْرَبُ الْمُتَكَلِّمِينَ إلَى مَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ. وَ " الْكُلَّابِيَة وَكَذَلِكَ الكَرَّامِيَة " فِيهِمْ قُرْبٌ إلَى أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ وَإِنْ كَانَ فِي مَقَالَةِ كُلٍّ مِنْ الْأَقْوَالِ مَا يُخَالِفُ أَهْلَ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ.
(6/55)

وَأَمَّا " السالمية " فَهُمْ وَالْحَنْبَلِيَّةُ كَالشَّيْءِ الْوَاحِدِ إلَّا فِي مَوَاضِعَ مَخْصُوصَةٍ تَجْرِي مَجْرَى اخْتِلَافِ الْحَنَابِلَةِ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَفِيهِمْ تَصَوُّفٌ وَمَنْ بَدَّعَ مِنْ أَصْحَابِنَا هَؤُلَاءِ يُبَدِّعُ أَيْضًا التَّسَمِّيَ فِي الْأُصُولِ بِالْحَنْبَلِيَّةِ وَغَيْرَ ذَلِكَ وَلَا يَرَى أَنْ يَتَسَمَّى أَحَدٌ فِي الْأُصُولِ إلَّا بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَهَذِهِ " طَرِيقَةٌ جَيِّدَةٌ " لَكِنَّ هَذَا مِمَّا يَسُوغُ فِيهِ الِاجْتِهَادُ؛ فَإِنَّ مَسَائِلَ الدَّقِّ فِي الْأُصُولِ لَا يَكَادُ يَتَّفِقُ عَلَيْهَا طَائِفَةٌ؛ إذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمَا تَنَازَعَ فِي بَعْضِهَا السَّلَفُ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَقَدْ يُنْكَرُ الشَّيْءُ فِي حَالٍ دُونَ حَالٍ. وَعَلَى شَخْصٍ دُونَ شَخْصٍ. وَأَصْلُ هَذَا مَا قَدْ ذَكَرْته فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ: أَنَّ الْمَسَائِلَ الْخَبَرِيَّةَ قَدْ يَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْمَسَائِلِ الْعَمَلِيَّةِ؛ وَإِنْ سُمِّيَتْ تِلْكَ " مَسَائِلَ أُصُولٍ " وَهَذِهِ " مَسَائِلَ فُرُوعٍ " فَإِنَّ هَذِهِ تَسْمِيَةٌ مُحْدَثَةٌ قَسَّمَهَا طَائِفَةٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِين؛ وَهُوَ عَلَى الْمُتَكَلِّمِينَ وَالْأُصُولِيِّينَ أَغْلَبُ؛ لَا سِيَّمَا إذَا تَكَلَّمُوا فِي مَسَائِلِ التَّصْوِيبِ وَالتَّخْطِئَةِ.
وَأَمَّا جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ الْمُحَقِّقِينَ وَالصُّوفِيَّةِ فَعِنْدَهُمْ أَنَّ الْأَعْمَالَ أَهَمُّ وَآكَدُ مِنْ مَسَائِلِ الْأَقْوَالِ الْمُتَنَازَعِ فِيهَا؛ فَإِنَّ الْفُقَهَاءَ كَلَامُهُمْ إنَّمَا هُوَ فِيهَا وَكَثِيرًا مَا يَكْرَهُونَ الْكَلَامَ فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ لَيْسَ فِيهَا عَمَلٌ كَمَا يَقُولُهُ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ مَنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ (1) ، بَلْ الْحَقُّ أَنَّ الْجَلِيلَ مَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الصِّنْفَيْنِ " مَسَائِلُ أُصُولٍ " وَالدَّقِيقَ " مَسَائِلُ فُرُوعٍ ".
__________

[تعليق مُعِدّ الكتاب للشاملة]
(1) سقط في الأصل نصف سطر
(6/56)

فَالْعِلْمُ بِوُجُوبِ الْوَاجِبَاتِ كَمَبَانِي الْإِسْلَامِ الْخَمْسِ وَتَحْرِيمِ الْمُحَرَّمَاتِ الظَّاهِرَةِ الْمُتَوَاتِرَةِ كَالْعِلْمِ بِأَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَبِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ وَأَنَّهُ سَمِيعٌ بَصِيرٌ وَأَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنْ الْقَضَايَا الظَّاهِرَةِ الْمُتَوَاتِرَةِ؛ وَلِهَذَا مَنْ جَحَدَ تِلْكَ الْأَحْكَامَ الْعَمَلِيَّةَ الْمُجْمَعَ عَلَيْهَا كَفَرَ كَمَا أَنَّ مَنْ جَحَدَ هَذِهِ كَفَرَ. وَقَدْ يَكُونُ الْإِقْرَارُ بِالْأَحْكَامِ الْعَمَلِيَّةِ أَوْجَبَ مِنْ الْإِقْرَارِ بِالْقَضَايَا الْقَوْلِيَّةِ؛ بَلْ هَذَا هُوَ الْغَالِبُ فَإِنَّ الْقَضَايَا الْقَوْلِيَّةَ يَكْفِي فِيهَا الْإِقْرَارُ بِالْجُمَلِ؛ وَهُوَ الْإِيمَانُ بِاَللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ وَالْإِيمَانِ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ. وَأَمَّا الْأَعْمَالُ الْوَاجِبَةُ: فَلَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَتِهَا عَلَى التَّفْصِيلِ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ بِهَا لَا يُمْكِنُ إلَّا بَعْدَ مَعْرِفَتِهَا مُفَصَّلَةً؛ وَلِهَذَا تُقِرُّ الْأُمَّةُ مَنْ يَفْصِلُهَا عَلَى الْإِطْلَاقِ وَهُمْ الْفُقَهَاءُ؛ وَإِنْ كَانَ قَدْ يُنْكِرُ عَلَى مَنْ يَتَكَلَّمُ فِي تَفْصِيلِ الْجُمَلِ الْقَوْلِيَّةِ؛ لِلْحَاجَةِ الدَّاعِيَةِ إلَى تَفْصِيلِ الْأَعْمَالِ الْوَاجِبَةِ وَعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَى تَفْصِيلِ الْجُمَلِ الَّتِي وَجَبَ الْإِيمَانُ بِهَا مُجْمَلَةً. وَقَوْلُنَا: إنَّهَا قَدْ تَكُونُ بِمَنْزِلَتِهَا يَتَضَمَّنُ أَشْيَاءَ: (مِنْهَا: أَنَّهَا تَنْقَسِمُ إلَى قَطْعِيٍّ وَظَنِّيٍّ. وَ (مِنْهَا: أَنَّ الْمُصِيبَ وَإِنْ كَانَ وَاحِدًا فَالْمُخْطِئُ قَدْ يَكُونُ مَعْفُوًّا عَنْهُ وَقَدْ يَكُونُ مُذْنِبًا وَقَدْ يَكُونُ فَاسِقًا وَقَدْ يَكُونُ كَالْمُخْطِئِ فِي الْأَحْكَامِ الْعَمَلِيَّةِ
(6/57)

سَوَاءً؛ لَكِنَّ تِلْكَ لِكَثْرَةِ فُرُوعِهَا وَالْحَاجَةِ إلَى تَفْرِيعِهَا: اطْمَأَنَّتْ الْقُلُوبُ بِوُقُوعِ التَّنَازُعِ فِيهَا وَالِاخْتِلَافُ بِخِلَافِ هَذِهِ؛ لِأَنَّ الِاخْتِلَافَ هُوَ مَفْسَدَةٌ لَا يُحْتَمَلُ إلَّا لِدَرْءِ مَا هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ. فَلَمَّا دَعَتْ الْحَاجَةُ إلَى تَفْرِيعِ الْأَعْمَالِ وَكَثْرَةِ فُرُوعِهَا وَذَلِكَ مُسْتَلْزِمٌ لِوُقُوعِ النِّزَاعِ اطْمَأَنَّتْ الْقُلُوبُ فِيهَا إلَى النِّزَاعِ؛ بِخِلَافِ الْأُمُورِ الْخَبَرِيَّةِ؛ فَإِنَّ الِاتِّفَاقَ قَدْ وَقَعَ فِيهَا عَلَى الْجُمَلِ؛ فَإِذَا فُصِلَتْ بِلَا نِزَاعٍ فَحَسَنٌ؛ وَإِنْ وَقَعَ التَّنَازُعُ فِي تَفْصِيلِهَا فَهُوَ مَفْسَدَةٌ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ دَاعِيَةٍ إلَى ذَلِكَ. وَلِهَذَا ذُمَّ أَهْلُ الْأَهْوَاءِ وَالْخُصُومَاتِ وَذُمَّ أَهْلُ الْجَدَلِ فِي ذَلِكَ وَالْخُصُومَةِ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ شَرٌّ وَفَسَادٌ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ دَاعِيَةٍ إلَيْهِ؛ لَكِنَّ هَذَا الْقَدْرَ لَا يَمْنَعُ تَفْصِيلَهَا وَمَعْرِفَةَ دَقِّهَا وَجِلِّهَا. وَالْكَلَامُ فِي ذَلِكَ إذَا كَانَ بِعِلْمِ وَلَا مَفْسَدَةَ فِيهِ وَلَا يُوجِبُ أَيْضًا تَكْفِيرَ كُلِّ مَنْ أَخْطَأَ فِيهَا إلَّا أَنْ تَقُومَ فِيهِ شُرُوطُ التَّكْفِيرِ هَذَا لَعَمْرِي فِي الِاخْتِلَافِ الَّذِي هُوَ تَنَاقُضٌ حَقِيقِيٌّ. فَأَمَّا سَائِرُ وُجُوهِ الِاخْتِلَافِ كَاخْتِلَافِ التَّنَوُّعِ وَالِاخْتِلَافِ الِاعْتِبَارِيِّ وَاللَّفْظِيِّ فَأَمْرُهُ قَرِيبٌ وَهُوَ كَثِيرٌ أَوْ غَالِبٌ عَلَى الْخِلَافِ فِي الْمَسَائِلِ الْخَبَرِيَّةِ. وَأَمَّا " الصُّوفِيَّةُ وَالْعُبَّادُ " بَلْ وَغَالِبُ الْعَامَّةِ فَالِاعْتِبَارُ عِنْدَهُمْ بِنَفْسِ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ وَتَرْكِهَا؛ فَإِذَا وُجِدَتْ - دَخَلَ الرَّجُلُ بِذَلِكَ فِيهِمْ - وَإِنْ أَخْطَأَ فِي
(6/58)

بَعْضِ الْمَسَائِلِ الْخَبَرِيَّةِ - وَإِلَّا لَمْ يَدْخُلْ وَلَوْ أَصَابَ فِيهَا؛ بَلْ هُمْ مُعْرِضُونَ عَنْ اعْتِبَارِهَا وَالْأُصُولُ عِنْدَهُمْ هِيَ. . . (1) ، وَيُسَمُّونَ هَذِهِ الْأُصُولَ. . . (2) . وَمِمَّا يَتَّصِلُ بِذَلِكَ: أَنَّ الْمَسَائِلَ الْخَبَرِيَّةَ الْعِلْمِيَّةَ قَدْ تَكُونُ وَاجِبَةَ الِاعْتِقَادِ وَقَدْ تَجِبُ فِي حَالٍ دُونَ حَالٍ وَعَلَى قَوْمٍ دُونَ قَوْمٍ؛ وَقَدْ تَكُونُ مُسْتَحَبَّةً غَيْرَ وَاجِبَةٍ وَقَدْ تُسْتَحَبُّ لِطَائِفَةِ أَوْ فِي حَالٍ كَالْأَعْمَالِ سَوَاءً. وَقَدْ تَكُونُ مَعْرِفَتُهَا مُضِرَّةً لِبَعْضِ النَّاسِ فَلَا يَجُوزُ تَعْرِيفُهُ بِهَا كَمَا قَالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: " حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ وَدَعُوا مَا يُنْكِرُونَ؛ أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ " وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ " مَا مِنْ رَجُلٍ يُحَدِّثُ قَوْمًا حَدِيثًا لَا تَبْلُغُهُ عُقُولُهُمْ إلَّا كَانَ فِتْنَةً لِبَعْضِهِمْ ". وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لِمَنْ سَأَلَهُ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ} . الْآيَةَ فَقَالَ: مَا يُؤَمِّنُك أَنِّي لَوْ أَخْبَرْتُك بِتَفْسِيرِهَا لَكَفَرْت؟ وَكُفْرُك تَكْذِيبُك بِهَا. وَقَالَ لِمَنْ سَأَلَهُ عَنْ قَوْله تَعَالَى {تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ} هُوَ يَوْمٌ أَخْبَرَ اللَّهُ بِهِ؛ اللَّهُ أَعْلَمُ بِهِ وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ عَنْ السَّلَفِ. فَإِذَا كَانَ الْعِلْمُ " بِهَذِهِ الْمَسَائِلِ " قَدْ يَكُونُ نَافِعًا وَقَدْ يَكُونُ ضَارًّا لِبَعْضِ النَّاسِ تَبَيَّنَ لَك أَنَّ الْقَوْلَ قَدْ يُنْكَرُ فِي حَالٍ دُونَ حَالٍ وَمَعَ شَخْصٍ
__________

[تعليق مُعِدّ الكتاب للشاملة]
(1، 2) سقط في الأصل
(6/59)

دُونَ شَخْصٍ؛ وَإِنَّ الْعَالِمَ قَدْ يَقُولُ الْقَوْلَيْنِ الصوابين كُلَّ قَوْلٍ مَعَ قَوْمٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الَّذِي يَنْفَعُهُمْ؛ مَعَ أَنَّ الْقَوْلَيْنِ صَحِيحَانِ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُمَا؛ لَكِنْ قَدْ يَكُونُ قَوْلُهُمَا جَمِيعًا فِيهِ ضَرَرٌ عَلَى الطَّائِفَتَيْنِ؛ فَلَا يَجْمَعُهُمَا إلَّا لِمَنْ لَا يَضُرُّهُ الْجَمْعُ. وَإِذَا كَانَتْ قَدْ تَكُونُ قَطْعِيَّةً. وَقَدْ تَكُونُ اجْتِهَادِيَّةً: سَوَّغَ اجْتِهَادِيَّتَهَا مَا سَوَّغَ فِي الْمَسَائِلِ الْعَمَلِيَّةِ وَكَثِيرٌ مِنْ تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ أَوْ أَكْثَرُهُ مِنْ هَذَا الْبَابِ؛ فَإِنَّ الِاخْتِلَافَ فِي كَثِيرٍ مِنْ التَّفْسِيرِ هُوَ مِنْ بَابِ الْمَسَائِلِ الْعِلْمِيَّةِ الْخَبَرِيَّةِ لَا مِنْ بَابِ الْعَمَلِيَّةِ؛ لَكِنْ قَدْ تَقَعُ الْأَهْوَاءُ فِي الْمَسَائِلِ الْكِبَارِ كَمَا قَدْ تَقَعُ فِي مَسَائِلِ الْعَمَلِ. وَقَدْ يُنْكِرُ أَحَدُ الْقَائِلِينَ عَلَى الْقَائِلِ الْآخَرِ قَوْلَهُ إنْكَارًا يَجْعَلُهُ كَافِرًا أَوْ مُبْتَدِعًا فَاسِقًا يَسْتَحِقُّ الْهَجْرَ وَإِنْ لَمْ يَسْتَحِقَّ ذَلِكَ وَهُوَ أَيْضًا اجْتِهَادٌ. وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ التَّغْلِيظُ صَحِيحًا فِي بَعْضِ الْأَشْخَاصِ أَوْ بَعْضِ الْأَحْوَالِ لِظُهُورِ السُّنَّةِ الَّتِي يَكْفُرُ مَنْ خَالَفَهَا؛ وَلِمَا فِي الْقَوْلِ الْآخَرِ مِنْ الْمَفْسَدَةِ الَّذِي يُبَدَّعُ قَائِلُهُ؛ فَهَذِهِ أُمُورٌ يَنْبَغِي أَنْ يَعْرِفَهَا الْعَاقِلُ؛ فَإِنَّ الْقَوْلَ الصِّدْقَ إذَا قِيلَ: فَإِنَّ صِفَتَهُ الثُّبُوتِيَّةَ اللَّازِمَةَ أَنْ يَكُونَ مُطَابِقًا لِلْمُخْبِرِ. أَمَّا كَوْنُهُ عِنْدَ الْمُسْتَمِعِ مَعْلُومًا أَوْ مَظْنُونًا أَوْ مَجْهُولًا أَوْ قَطْعِيًّا أَوْ ظَنِّيًّا أَوْ يَجِبُ قَبُولُهُ أَوْ يَحْرُمُ أَوْ يَكْفُرُ جَاحِدُهُ أَوْ لَا يَكْفُرُ؛ فَهَذِهِ أَحْكَامٌ عَمَلِيَّةٌ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ وَالْأَحْوَالِ.
(6/60)

فَإِذَا رَأَيْت إمَامًا قَدْ غَلَّظَ عَلَى قَائِلِ مَقَالَتِهِ أَوْ كَفَّرَهُ فِيهَا فَلَا يُعْتَبَرُ هَذَا حُكْمًا عَامًّا فِي كُلِّ مَنْ قَالَهَا إلَّا إذَا حَصَلَ فِيهِ الشَّرْطُ الَّذِي يَسْتَحِقُّ بِهِ التَّغْلِيظَ عَلَيْهِ وَالتَّكْفِيرَ لَهُ؛ فَإِنَّ مَنْ جَحَدَ شَيْئًا مِنْ الشَّرَائِعِ الظَّاهِرَةِ وَكَانَ حَدِيثَ الْعَهْدِ بِالْإِسْلَامِ أَوْ نَاشِئًا بِبَلَدِ جَهْلٍ لَا يَكْفُرُ حَتَّى تَبْلُغَهُ الْحُجَّةُ النَّبَوِيَّةُ. وَكَذَلِكَ الْعَكْسُ إذَا رَأَيْت الْمَقَالَةَ الْمُخْطِئَةَ قَدْ صَدَرَتْ مِنْ إمَامٍ قَدِيمٍ فَاغْتُفِرَتْ؛ لِعَدَمِ بُلُوغِ الْحُجَّةِ لَهُ؛ فَلَا يُغْتَفَرُ لِمَنْ بَلَغَتْهُ الْحُجَّةُ مَا اُغْتُفِرَ لِلْأَوَّلِ فَلِهَذَا يُبَدَّعُ مَنْ بَلَغَتْهُ أَحَادِيثُ عَذَابِ الْقَبْرِ وَنَحْوِهَا إذَا أَنْكَرَ ذَلِكَ وَلَا تُبَدَّعُ عَائِشَةُ وَنَحْوُهَا مِمَّنْ لَمْ يَعْرِفْ بِأَنَّ الْمَوْتَى يَسْمَعُونَ فِي قُبُورِهِمْ؛ فَهَذَا أَصْلٌ عَظِيمٌ فَتَدَبَّرْهُ فَإِنَّهُ نَافِعٌ. وَهُوَ أَنْ يَنْظُرَ فِي " شَيْئَيْنِ فِي الْمَقَالَةِ " هَلْ هِيَ حَقٌّ؟ أَمْ بَاطِلٌ؟ أَمْ تَقْبَلُ التَّقْسِيمَ فَتَكُونُ حَقًّا بِاعْتِبَارِ بَاطِلًا بِاعْتِبَارِ؟ وَهُوَ كَثِيرٌ وَغَالِبٌ؟ . ثُمَّ النَّظَرُ الثَّانِي فِي حُكْمِهِ إثْبَاتًا أَوْ نَفْيًا أَوْ تَفْصِيلًا وَاخْتِلَافِ أَحْوَالِ النَّاسِ فِيهِ فَمَنْ سَلَكَ هَذَا الْمَسْلَكَ أَصَابَ الْحَقَّ قَوْلًا وَعَمَلًا وَعَرَفَ إبْطَالَ الْقَوْلِ وَإِحْقَاقَهُ وَحَمْدَهُ فَهَذَا هَذَا وَاَللَّهُ يَهْدِينَا وَيُرْشِدُنَا إنَّهُ وَلِيُّ ذَلِكَ وَالْقَادِرُ عَلَيْهِ.
(6/61)

فَصْلٌ:
قَدْ عُرِفَ أَنَّ الْأَشْيَاءَ لَهَا وُجُودٌ فِي " الْأَعْيَانِ " وَوُجُودٌ فِي " الْأَذْهَانِ " وَوُجُودٌ فِي " اللِّسَانِ " وَوُجُودٌ فِي " الْبَنَانِ " وَهُوَ: الْعَيْنِيُّ وَالْعِلْمِيُّ وَاللَّفْظِيُّ وَالرَّسْمِيُّ. ثُمَّ قَالَ: مَنْ قَالَ: إنَّ الْوُجُودَ الْعَيْنِيَّ وَالْعِلْمِيَّ لَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَعْصَارِ وَالْأَمْصَارِ وَالْأُمَمِ؛ بِخِلَافِ اللَّفْظِيِّ وَالرَّسْمِيِّ فَإِنَّ اللُّغَاتِ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأُمَمِ كَالْعَرَبِيَّةِ وَالْفَارِسِيَّةِ وَالرُّومِيَّةِ وَالتُّرْكِيَّةِ. وَهَذَا قَدْ يَذْكُرُهُ بَعْضُهُمْ فِي " كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى " أَنَّهُ هُوَ الْمَعْنَى الَّذِي لَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأُمَمِ دُونَ الْحُرُوفِ الَّتِي تَخْتَلِفُ؛ كَمَا هُوَ قَوْلُ الْكُلَّابِيَة وَالْأَشْعَرِيَّةِ وَيَضُمُّونَ إلَى ذَلِكَ أَنَّ كُتُبَهُ إنَّمَا اخْتَلَفَتْ لِاخْتِلَافِ لَفْظِهَا فَقَطْ؛ فَكَلَامُهُ بِالْعِبْرِيَّةِ هُوَ التَّوْرَاةُ وَبِالْعَرَبِيَّةِ هُوَ الْقُرْآنُ كَمَا يَقُولُونَ: إنَّ " الْمَعْنَى الْقَدِيمَ " يَكُونُ أَمْرًا وَنَهْيًا وَخَبَرًا؛ فَهَذِهِ صِفَاتٌ عَارِضَةٌ لَهُ؛ لَا أَنْوَاعٌ لَهُ. وَيَذْكُرُ بَعْضُهُمْ هَذَا الْقَوْلَ مُطْلَقًا فِي " أُصُولِ الْفِقْهِ " فِي مَسَائِلِ اللُّغَاتِ وَيَذْكُرُهُ بَعْضُهُمْ فِي مَسْأَلَةِ الِاسْمِ وَالْمُسَمَّى وَأَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى كَأَبِي حَامِدٍ.
(6/62)

قُلْت: وَهَذَا الْقَوْلُ فِيهِ نَظَرٌ وَبَعْضُهُ بَاطِلٌ؛ وَذَلِكَ أَنَّ أَلْفَاظَ اللُّغَاتِ (مِنْهَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ كَالتَّنُّورِ وَكَمَا يُوجَدُ مِنْ الْأَسْمَاءِ الْمُتَّحِدَةِ فِي اللُّغَاتِ. وَمِنْهَا: مُتَنَوِّعٌ كَأَكْثَرِ اللُّغَاتِ وَاخْتِلَافُهَا اخْتِلَافَ تَنَوُّعٍ لَا تَضَادَّ؛ كَاخْتِلَافِ الِاسْمَيْنِ لِلْمُسَمَّى الْوَاحِدِ. وَكَذَلِكَ مَعَانِي اللُّغَاتِ؛ فَإِنَّ " الْمَعْنَى الْوَاحِدَ " الَّذِي تَعْلَمُهُ الْأُمَمُ؛ وَتُعَبِّرُ عَنْهُ كُلُّ أُمَّةٍ بِلِسَانِهَا؛ قَدْ يَكُونُ ذَلِكَ الْمَعْنَى وَاحِدًا بِالنَّوْعِ فِي الْأُمَمِ؛ بِحَيْثُ لَا يَخْتَلِفُ كَمَا يَخْتَلِفُ اللَّفْظُ الْوَاحِدُ بِالْعَرَبِيَّةِ. وَقَدْ يَكُونُ تَصَوُّرُ ذَلِكَ الْمَعْنَى مُتَنَوِّعًا فِي الْأُمَمِ مِثْلَ: أَنْ يَعْلَمَهُ أَحَدُهُمْ بِنَعْتِ وَيُعَبِّرَ عَنْهُ بِاعْتِبَارِ ذَلِكَ النَّعْتِ وَتَعْلَمُهُ الْأُمَّةُ الْأُخْرَى بِنَعْتِ آخَرَ وَتُعَبِّرُ عَنْهُ بِاعْتِبَارِ ذَلِكَ النَّعْتِ كَمَا هُوَ الْوَاقِعُ فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ وَأَسْمَاءِ رَسُولِهِ وَكِتَابِهِ وَكَثِيرٍ مِنْ الْأَسْمَاءِ الْمُعَبَّرِ بِهَا عَنْ الْأَشْيَاءِ الْمُتَّفَقِ عَلَى عِلْمِهَا فِي الْجُمْلَةِ " فَتُكْرِي وَخَدَّايَ وَنَسَتْ شَكَّ " وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَإِنْ كَانَتْ أَسْمَاءَ لِلَّهِ تَعَالَى فَلَيْسَ مَعْنَاهَا مُطَابِقًا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ لِمَعْنَى اسْمِ اللَّهِ؛ وَكَذَلِكَ " بيغنير وَبِهَشِمِ " وَنَحْوُ ذَلِكَ. وَلِهَذَا إذَا تَأَمَّلْت الْأَلْفَاظَ الَّتِي يُتَرْجَمُ بِهَا الْقُرْآنُ - مِنْ الْأَلْفَاظِ الْفَارِسِيَّةِ وَالتُّرْكِيَّةِ وَغَيْرِهَا - تَجِدْ بَيْنَ الْمَعَانِي نَوْعَ فَرْقٍ وَإِنْ كَانَتْ مُتَّفِقَةً فِي الْأَصْلِ كَمَا أَنَّ اللُّغَتَيْنِ مُتَّفِقَتَانِ فِي الصَّوْتِ وَإِنْ اخْتَلَفَتَا فِي تَأْلِيفِهِ؛ وَقَدْ تَجِدُ التَّفَاوُتَ بَيْنَهَا أَكْثَرَ مِنْ التَّفَاوُتِ بَيْنَ الْأَلْفَاظِ " الْمُتَكَافِئَةِ " - الْوَاقِعَةِ بَيْنَ الْمُتَرَادِفَةِ وَالْمُتَبَايِنَةِ - كَالصَّارِمِ وَالْمُهَنَّدِ؛ وَكَالرَّيْبِ وَالشَّكِّ وَالْمَوْرِ وَالْحَرَكَةِ وَالصِّرَاطِ وَالطَّرِيقِ.
(6/63)

وَتَخْتَلِفُ اللُّغَتَانِ أَيْضًا فِي قَدْرِ ذَلِكَ الْمَعْنَى وَعُمُومِهِ وَخُصُوصِهِ؛ كَمَا تَخْتَلِفُ فِي حَقِيقَتِهِ وَنَوْعِهِ وَتَخْتَلِفُ أَيْضًا فِي كَيْفِيَّتِهِ وَصِفَتِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. بَلْ النَّاطِقَانِ بِالِاسْمِ الْوَاحِدِ بِاللُّغَةِ الْوَاحِدَةِ يَتَصَوَّرُ أَحَدُهُمَا مِنْهُ مَا لَمْ يَتَصَوَّرْ الْآخَرُ حَقِيقَتَهُ وَكَمِّيَّتَهُ وَكَيْفِيَّتَهُ وَغَيْرَ ذَلِكَ؛ فَإِذَا كَانَ الْمَعْنَى الْمَدْلُولُ عَلَيْهِ بِالِاسْمِ الْوَاحِدِ لَا يَتَّحِدُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فِي قَلْبِ النَّاطِقِينَ؛ بَلْ وَلَا فِي قَلْبِ النَّاطِقِ الْوَاحِدِ فِي الْوَقْتَيْنِ؛ فَكَيْفَ يُقَالُ إنَّهُ يَجِبُ اتِّحَادُهُ فِي اللُّغَاتِ الْمُتَعَدِّدَةِ. يُوَضِّحُ ذَلِكَ أَنَّ مَا تَعْلَمُهُ الْمَلَائِكَةُ مِنْهُ لَيْسَ عَلَى حَدِّ مَا يَعْلَمُهُ الْبَشَرُ وَمَا يَعْلَمُهُ اللَّهُ فِيهِ لَيْسَ عَلَى حَدِّ مَا تَعْلَمُهُ الْمَلَائِكَةُ؛ لَكِنَّ الِاخْتِلَافَ اخْتِلَافُ تَنَوُّعٍ لَا تَضَادَّ. وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ: إنَّ مَعَانِيَ الْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ سَوَاءٌ فَفَسَادُهُ مَعْلُومٌ بِالِاضْطِرَارِ فَإِنَّا لَوْ عَبَّرْنَا عَنْ مَعَانِي الْقُرْآنِ بِالْعِبْرِيَّةِ وَعَنْ مَعَانِي التَّوْرَاةِ بِالْعَرَبِيَّةِ لَكَانَ أَحَدُ الْمَعْنَيَيْنِ لَيْسَ هُوَ الْآخَرَ بَلْ يُعْلَمُ بِالِاضْطِرَارِ تَنَوُّعُ مَعَانِي الْكُتُبِ وَاخْتِلَافُهَا اخْتِلَافَ تَنَوُّعٍ أَعْظَمَ مِنْ اخْتِلَافِ حُرُوفِهَا؛ لِمَا بَيْنَ الْعَرَبِيَّةِ وَالْعِبْرِيَّةِ مِنْ التَّفَاوُتِ؛ وَكَذَلِكَ مَعَانِي الْبَقَرَةِ لَيْسَتْ هِيَ مَعَانِي آل عِمْرَانَ. وَأَبْعَدُ مِنْ ذَلِكَ جَعْلُ الْأَمْرِ هُوَ الْخَبَرُ. وَلَا يُنْكَرُ أَنَّ هَذِهِ الْمُخْتَلِفَاتِ قَدْ تَشْتَرِكُ فِي حَقِيقَةٍ مَا كَمَا أَنَّ اللُّغَاتِ تَشْتَرِكُ فِي حَقِيقَةٍ مَا فَإِنْ جَازَ أَنْ يُقَالَ: إنَّهَا وَاحِدَةٌ مَعَ تَنَوُّعِهَا: فَكَذَلِكَ اللُّغَاتُ سَوَاءٌ بَلْ اخْتِلَافُ الْمَعَانِي أَشَدُّ. أَمَّا دَعْوَى كَوْنِ أَحَدِهِمَا صِفَةً حَقِيقِيَّةً وَالْأُخْرَى وَضْعِيَّةً: فَلَيْسَ كَذَلِكَ
(6/64)

وَهَذَا مَوْضِعٌ يُنْتَفَعُ بِهِ فِي " الْأَسْمَاءِ وَاللُّغَاتِ " وَ " فِي أُصُولِ الدِّينِ " وَ " الْفِقْهِ " وَفِي مَعْرِفَةِ " تَرْجَمَةِ اللُّغَاتِ ". وَأَيْضًا: لَمْ يَجْرِ الْعُرْفُ بِأَنَّ اللُّغَةَ الْوَاحِدَةَ وَاللَّفْظَ الْوَاحِدَ يَكُونُ النُّطْقُ بِهِ مِنْ جَمِيعِ النَّاطِقِينَ عَلَى حَدٍّ وَاحِدٍ لَيْسَ فِيهِ تَفَاوُتٌ أَصْلًا فَإِنْ حَصَلَ الْمَقْصُودُ بِالْجَمِيعِ فَكَذَلِكَ الْمَعْنَى الْوَاحِدُ فَإِنَّ اللُّغَاتِ وَإِنْ اخْتَلَفَتْ فَقَدْ يَحْصُلُ أَصْلُ الْمَقْصُودِ بِالتَّرْجَمَةِ فَكَذَلِكَ الْمَعَانِي: فَإِنَّ التَّرْجَمَةَ تَكُونُ فِي اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى. وَلِهَذَا سَمَّى الْمُسْلِمُونَ ابْنَ عَبَّاسٍ تُرْجُمَانَ الْقُرْآنِ وَهُوَ يُتَرْجِمُ اللَّفْظَ.
(6/65)

فَصْلٌ:
مِمَّا يُبَيِّنُ أَنَّ طَرِيقَةَ اتِّبَاعِ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ " أَهْلِ السُّنَّةِ " هِيَ الْمُوَصِّلَةُ إلَى الْحَقِّ دُونَ طَرِيقَةِ مَنْ خَالَفَهُمْ مِنْ الْفَلَاسِفَةِ وَالْمُتَكَلِّمِين: أَنَّ الْمَقْصُودَ هُوَ الْعِلْمُ وَطَرِيقُهُ هُوَ الدَّلِيلُ وَالْأَنْبِيَاءُ جَاءُوا بِالْإِثْبَاتِ الْمُفَصَّلِ وَالنَّفْيِ الْمُجْمَلِ كَإِثْبَاتِ الصِّفَاتِ لِلَّهِ مُفَصَّلَةً وَنَفْيِ الْكُفُؤِ عَنْهُ. وَ " الْفَلَاسِفَةُ " يَجِيئُونَ بِالنَّفْيِ الْمُفَصَّلِ: لَيْسَ بِكَذَا وَلَا كَذَا. فَإِذَا جَاءَ الْإِثْبَاتُ أَثْبَتُوا وُجُودًا مُجْمَلًا وَاضْطَرَبُوا فِي " أَوَّلِ مَقَامَاتِ ثُبُوتِهِ " وَهُوَ أَنَّ وُجُودَهُ هُوَ عَيْنُ ذَاتِهِ أَوْ صِفَةٌ ذَاتِيَّةٌ لَهَا أَوْ عَرَضِيَّةٌ؟ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنْ النِّزَاعَاتِ الذِّهْنِيَّةِ اللَّفْظِيَّةِ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ النَّفْيَ لَا وُجُودَ لَهُ وَلَا يُعْلَمُ النَّفْيُ وَالْعَدَمُ إلَّا بَعْدَ الْعِلْمِ بِالثُّبُوتِ وَالْوُجُودِ حَتَّى إنَّ طَائِفَةً مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ نَفَوْا الْعِلْمَ بِالْمَعْدُومِ إلَّا إذَا جُعِلَ شَيْئًا لِأَنَّ الْعِلْمَ - فِيمَا زَعَمُوا - لَا بُدَّ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِشَيْءِ وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الْعِلْمَ بِالْعَدَمِ يَحْصُلُ بِوَاسِطَةِ الْعِلْمِ بِالْمَوْجُودِ فَإِذَا عَلِمْنَا أَنَّهُ " لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ " تَصَوَّرْنَا إلَهًا مَوْجُودًا. وَعَلِمْنَا عَدَمَ مَا تَصَوَّرْنَاهُ إلَّا عَنْ اللَّهِ. وَكَذَلِكَ سَائِرُ مَا نَنْفِيهِ لَا بُدَّ أَنْ نَتَصَوَّرَهُ أَوَّلًا ثُمَّ نَنْفِيَهُ وَلَا نَتَصَوَّرَهُ إلَّا
(6/66)

بَعْدَ تَصَوُّرِ شَيْءٍ مَوْجُودٍ ثُمَّ نَتَصَوَّرَ مَا شَابَهَهُ أَوْ مَا يَتَرَكَّبُ مِنْ أَجْزَائِهِ كَتَصَوُّرِ بَحْرِ زِئْبَقٍ وَجَبَلِ يَاقُوتٍ وَآلِهَةٍ مُتَعَدِّدَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ: ثُمَّ نَنْفِيَهُ؛ وَإِلَّا فَتَصَوُّرٌ مَعْدُومٌ مُبْتَدَعٌ لَا يُنَاسِبُ الْمَوْجُودَاتِ بِوَجْهِ لَا يُمْكِنُ الْعَقْلُ إبْدَاعَهُ؛ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ الْعُلُومِ النَّظَرِيَّةِ أَوْ الْعِلْمِيَّةِ كَتَصَوُّرِ الْفَاعِلِ مَا يَفْعَلُهُ قَبْلَ فِعْلِهِ. فَإِنَّهُ فِي الْحَقِيقَةِ تَصَوُّرٌ مَعْدُومٌ؛ لِيُوجَدَ؛ كَمَا أَنَّ غَيْرَهُ تَصَوُّرٌ مَعْدُومٌ مُمْكِنٌ أَوْ مُمْتَنِعٌ يُوجَدُ أَوْ لَا يُوجَدُ فَالْمَعْدُومُ الْفِعْلِيُّ وَغَيْرُ الْفِعْلِيِّ لَا يَبْتَدِعُهُ عَقْلُ الْإِنْسَانِ مِنْ غَيْرِ مَادَّةٍ وُجُودِيَّةٍ كَمَا لَا تُبْدِعُ قُدْرَتُهُ شَيْئًا مِنْ غَيْرِ مَادَّةٍ وُجُودِيَّةٍ وَإِنَّمَا الْإِبْدَاعُ مِنْ خَصَائِصِ الرُّبُوبِيَّةِ. وَكَيْفَ يَعْلَمُ؟ وَكَيْفَ يَفْعَلُ؟ بَابٌ آخَرُ. فَتَبَيَّنَ بِهَذَا: أَنَّ الْعِلْمَ بِالْمَوْجُودِ وَصِفَاتِهِ هُوَ الْأَصْلُ وَأَنَّ الْعِلْمَ بِالْعَدَمِ الْمُطْلَقِ وَالْمُقَيَّدِ تَبَعٌ لَهُ وَفَرْعٌ عَلَيْهِ. وَأَيْضًا فَالْعِلْمُ بِالْعَدَمِ لَا فَائِدَةَ لِلْعَالِمِ بِهِ إلَّا لِتَمَامِ الْعِلْمِ بِالْمَوْجُودِ وَتَمَامِ الْمَوْجُودِ فِي نَفْسِهِ؛ إذْ تَصَوُّرُ " لَا شَيْءَ " لَا يَسْتَفِيدُ بِهِ الْعَالِمُ صِفَةَ كَمَالٍ لَكِنَّ عِلْمَهُ بِانْتِفَاءِ النَّقَائِصِ مَثَلًا عَنْ الْمَوْجُودِ عِلْمٌ بِكَمَالِهِ. وَكَذَلِكَ الْعِلْمُ بِنَفْيِ الشُّرَكَاءِ عَنْهُ عِلْمٌ بِوَحْدَانِيِّتِهِ الَّتِي هِيَ مِنْ الْكَمَالِ وَكَذَلِكَ تَصَوُّرُ مَا يُرَادُ فِعْلُهُ مُفْضٍ إلَى وُجُودِ الْفِعْلِ وَتَصَوُّرُ مَا يُرَادُ تَرْكُهُ مُفْضٍ إلَى التَّرْكِ الَّذِي هُوَ عَدَمُ الشَّرِّ الَّذِي يَكْمُلُ الْمَوْجُودُ بِعَدَمِهِ. وَذَلِكَ أَنَّ هَذَا الَّذِي ذَكَرْته فِي الْعِلْمِ وَالْقَوْلِ يُقَالُ مِثْلُهُ فِي الْإِرَادَةِ وَالْعَمَلِ؛ فَإِنَّ الْإِرَادَةَ مُتَوَجِّهَةٌ إلَى الْمَوْجُودِ بِنَفَسِهِ الَّذِي هُوَ الْفِعْلُ وَمُتَوَجِّهَةٌ إلَى الْعَدَمِ الَّذِي هُوَ التَّرْكُ عَلَى طَرِيقِ التَّبَعِ لِدَفْعِ الْفَسَادِ عَنْ الْمَقْصُودِ الْمَوْجُودِ.
(6/67)

سُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ -:
قَالَ السَّائِلُ: الْمَسْئُولُ مِنْ عُلَمَاءِ الْإِسْلَامِ وَالسَّادَةِ الْأَعْلَامِ - أَحْسَنَ اللَّهُ ثَوَابَهُمْ وَأَكْرَمَ نُزُلَهُمْ وَمَآبَهُمْ - أَنْ يَرْفَعُوا حِجَابَ الْإِجْمَالِ وَيَكْشِفُوا قِنَاعَ الْإِشْكَالِ عَنْ " مُقَدِّمَةِ " جَمِيعِ أَرْبَابِ الْمِلَلِ وَالنِّحَلِ مُتَّفِقُونَ عَلَيْهَا وَمُسْتَنِدُونَ فِي آرَائِهِمْ إلَيْهَا؛ حَاشَا مُكَابِرًا مِنْهُمْ مُعَانِدًا وَكَافِرًا بِرُبُوبِيَّةِ اللَّهِ جَاحِدًا. وَهِيَ أَنْ يُقَالَ: " هَذِهِ صِفَةُ كَمَالٍ فَيَجِبُ لِلَّهِ إثْبَاتُهَا وَهَذِهِ صِفَةُ نَقْصٍ فَيَتَعَيَّنُ انْتِفَاؤُهَا " لَكِنَّهُمْ فِي تَحْقِيقِ مَنَاطِهَا فِي أَفْرَادِ الصِّفَاتِ مُتَنَازِعُونَ وَفِي تَعْيِينِ الصِّفَاتِ لِأَجْلِ الْقِسْمَيْنِ مُخْتَلِفُونَ. " فَأَهْلُ السُّنَّةِ " يَقُولُونَ: إثْبَاتُ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَالْحَيَاةِ وَالْقُدْرَةِ وَالْعِلْمِ وَالْكَلَامِ وَغَيْرِهَا مِنْ " الصِّفَاتِ الْخَبَرِيَّةِ " كَالْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ وَالْعَيْنَيْنِ وَالْغَضَبِ وَالرِّضَا وَ " الصِّفَاتِ الْفِعْلِيَّةِ " - كَالضَّحِكِ وَالنُّزُولِ وَالِاسْتِوَاءِ - صِفَاتُ كَمَالٍ وَأَضْدَادُهَا صِفَاتُ نُقْصَانٍ.
(6/68)

" وَالْفَلَاسِفَةُ " تَقُولُ: اتِّصَافُهُ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ إنْ أَوْجَبَ لَهُ كَمَالًا فَقَدْ اسْتَكْمَلَ بِغَيْرِهِ فَيَكُونُ نَاقِصًا بِذَاتِهِ وَإِنْ أَوْجَبَ لَهُ نَقْصًا لَمْ يَجُزْ اتِّصَافُهُ بِهَا. " وَالْمُعْتَزِلَةُ " يَقُولُونَ: لَوْ قَامَتْ بِذَاتِهِ صِفَاتٌ وُجُودِيَّةٌ لَكَانَ مُفْتَقِرًا إلَيْهَا وَهِيَ مُفْتَقِرَةٌ إلَيْهِ فَيَكُونُ الرَّبُّ مُفْتَقِرًا إلَى غَيْرِهِ؛ وَلِأَنَّهَا أَعْرَاضٌ لَا تَقُومُ إلَّا بِجِسْمِ. وَالْجِسْمُ مُرَكَّبٌ وَالْمُرَكَّبُ مُمْكِنٌ مُحْتَاجٌ وَذَلِكَ عَيْنُ النَّقْصِ. وَيَقُولُونَ أَيْضًا: لَوْ قَدَّرَ عَلَى الْعِبَادِ أَعْمَالَهُمْ وَعَاقَبَهُمْ عَلَيْهَا: كَانَ ظَالِمًا وَذَلِكَ نَقْصٌ. وَخُصُومُهُمْ يَقُولُونَ: لَوْ كَانَ فِي مُلْكِهِ مَا لَا يُرِيدُهُ لَكَانَ نَاقِصًا. " والْكُلَّابِيَة وَمَنْ تَبِعَهُمْ " يَنْفُونَ صِفَاتِ أَفْعَالِهِ وَيَقُولُونَ: لَوْ قَامَتْ بِهِ لَكَانَ مَحَلًّا لِلْحَوَادِثِ. وَالْحَادِثُ إنْ أَوْجَبَ لَهُ كَمَالًا فَقَدْ عَدِمَهُ قَبْلَهُ وَهُوَ نَقْصٌ وَإِنْ لَمْ يُوجِبْ لَهُ كَمَالًا لَمْ يَجُزْ وَصْفُهُ بِهِ. " وَطَائِفَةٌ مِنْهُمْ " يَنْفُونَ صِفَاتِهِ الْخَبَرِيَّةَ لِاسْتِلْزَامِهَا التَّرْكِيبَ الْمُسْتَلْزِمَ لِلْحَاجَةِ وَالِافْتِقَارِ. وَهَكَذَا نَفْيُهُمْ أَيْضًا لِمَحَبَّتِهِ لِأَنَّهَا مُنَاسِبَةٌ بَيْنَ الْمُحِبِّ وَالْمَحْبُوبِ وَمُنَاسَبَةُ الرَّبِّ لِلْخَلْقِ نَقْصٌ: وَكَذَا رَحْمَتُهُ لِأَنَّ الرَّحْمَةَ رِقَّةٌ تَكُونُ فِي الرَّاحِمِ وَهِيَ ضَعْفٌ وَخَوَرٌ فِي الطَّبِيعَةِ وَتَأَلُّمٌ عَلَى الْمَرْحُومِ وَهُوَ نَقْصٌ. وَكَذَا غَضَبُهُ لِأَنَّ الْغَضَبَ غَلَيَانُ دَمِ الْقَلْبِ طَلَبًا لِلِانْتِقَامِ. وَكَذَا نَفْيُهُمْ لِضَحِكِهِ وَتَعَجُّبِهِ لِأَنَّ الضَّحِكَ خِفَّةُ رُوحٍ تَكُونُ لِتَجَدُّدِ مَا يَسُرُّ وَانْدِفَاعِ مَا يَضُرُّ. وَالتَّعَجُّبُ اسْتِعْظَامٌ لِلْمُتَعَجَّبِ مِنْهُ.
(6/69)

وَ " مُنْكِرُو النُّبُوَّاتِ " يَقُولُونَ: لَيْسَ الْخَلْقُ بِمَنْزِلَةِ أَنْ يُرْسِلَ إلَيْهِمْ رَسُولًا كَمَا أَنَّ أَطْرَافَ النَّاسِ لَيْسُوا أَهْلًا أَنْ يُرْسِلَ السُّلْطَانُ إلَيْهِمْ رَسُولًا. وَ " الْمُشْرِكُونَ " يَقُولُونَ: عَظَمَةُ الرَّبِّ وَجَلَالُهُ يَقْتَضِي أَنْ لَا يُتَقَرَّبَ إلَيْهِ إلَّا بِوَاسِطَةِ وَحِجَابٍ فَالتَّقَرُّبُ إلَيْهِ ابْتِدَاءٌ مِنْ غَيْرِ شِفَاءٍ وَوَسَائِطُ غَضٍّ مِنْ جَنَابِهِ الرَّفِيعِ. هَذَا وَإِنَّ الْقَائِلِينَ بِهَذِهِ " الْمُقَدِّمَةِ " لَا يَقُولُونَ بِمُقْتَضَاهَا وَلَا يَطْرُدُونَهَا فَلَوْ قِيلَ لَهُمْ: أَيُّمَا أَكْمَلُ؟ ذَاتٌ تُوصَفُ بِسَائِرِ أَنْوَاعِ الْإِدْرَاكَاتِ: مِنْ الشَّمِّ وَالذَّوْقِ وَاللَّمْسِ أَمْ ذَاتٌ لَا تُوصَفُ بِهَا كُلِّهَا؟ لَقَالُوا الْأُولَى أَكْمَلُ وَلَمْ يَصِفُوا بِهَا كُلِّهَا الْخَالِقَ. وَ (بِالْجُمْلَةِ فَالْكَمَالُ وَالنَّقْصُ مِنْ الْأُمُورِ النِّسْبِيَّةِ وَالْمَعَانِي الْإِضَافِيَّةِ فَقَدْ تَكُونُ الصِّفَةُ كَمَالًا لِذَاتٍ وَنَقْصًا لِأُخْرَى وَهَذَا نَحْوُ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالنِّكَاحِ: كَمَالٌ لِلْمَخْلُوقِ نَقْصٌ لِلْخَالِقِ وَكَذَا التَّعَاظُمُ وَالتَّكَبُّرُ وَالثَّنَاءُ عَلَى النَّفْسِ: كَمَالٌ لِلْخَالِقِ نَقْصٌ لِلْمَخْلُوقِ وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَلَعَلَّ مَا تَذْكُرُونَهُ مِنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ إنَّمَا يَكُونُ كَمَالًا بِالنِّسْبَةِ إلَى الشَّاهِدِ وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ كَمَالًا لِلْغَائِبِ كَمَا بُيِّنَ؛ لَا سِيَّمَا مَعَ تَبَايُنِ الذَّاتَيْنِ. وَإِنْ قُلْتُمْ: نَحْنُ نَقْطَعُ النَّظَرَ عَنْ مُتَعَلَّقِ الصِّفَةِ وَنَنْظُرُ فِيهَا هَلْ هِيَ كَمَالٌ أَوْ نَقْصٌ؟ فَلِذَلِكَ نُحِيلُ الْحُكْمَ عَلَيْهَا بِأَحَدِهِمَا لِأَنَّهَا قَدْ تَكُونُ كَمَالًا لِذَاتٍ نَقْصًا لِأُخْرَى عَلَى مَا ذَكَرَ.
(6/70)

وَهَذَا مِنْ الْعَجَبِ أَنَّ " مُقَدِّمَةً " وَقَعَ عَلَيْهَا الْإِجْمَاعُ هِيَ مَنْشَأُ الِاخْتِلَافِ وَالنِّزَاعِ فَرَضِيَ اللَّهُ عَمَّنْ بَيَّنَ لَنَا بَيَانًا يَشْفِي الْعَلِيلَ وَيَجْمَعُ بَيْنَ مَعْرِفَةِ الْحُكْمِ وَإِيضَاحِ الدَّلِيلِ إنَّهُ تَعَالَى سَمِيعُ الدُّعَاءِ وَأَهْلُ الرَّجَاءِ وَهُوَ حَسَبُنَا وَنِعْمَ الْوَكِيلُ.
فَأَجَابَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -:
الْحَمْدُ لِلَّهِ، الْجَوَابُ عَنْ هَذَا السُّؤَالِ مَبْنِيٌّ عَلَى " مُقَدِّمَتَيْنِ ". (إحْدَاهُمَا أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ الْكَمَالَ ثَابِتٌ لِلَّهِ بَلْ الثَّابِتُ لَهُ هُوَ أَقْصَى مَا يُمْكِنُ مِنْ الأكملية بِحَيْثُ لَا يَكُونُ وُجُودُ كَمَالٍ لَا نَقْصَ فِيهِ إلَّا وَهُوَ ثَابِتٌ لِلرَّبِّ تَعَالَى يَسْتَحِقُّهُ بِنَفْسِهِ الْمُقَدَّسَةِ وَثُبُوتُ ذَلِكَ مُسْتَلْزِمٌ نَفْيَ نَقِيضِهِ؛ فَثُبُوتُ الْحَيَاةِ يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الْمَوْتِ وَثُبُوتُ الْعِلْمِ يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الْجَهْلِ وَثُبُوتُ الْقُدْرَةِ يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الْعَجْزِ وَأَنَّ هَذَا الْكَمَالَ ثَابِتٌ لَهُ بِمُقْتَضَى الْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ وَالْبَرَاهِينِ الْيَقِينِيَّةِ مَعَ دَلَالَةِ السَّمْعِ عَلَى ذَلِكَ. وَدَلَالَةُ الْقُرْآنِ عَلَى الْأُمُورِ (نَوْعَانِ: (أَحَدُهُمَا خَبَرُ اللَّهِ الصَّادِقُ فَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ بِهِ فَهُوَ حَقٌّ كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ بِهِ. وَ (الثَّانِي دَلَالَةُ الْقُرْآنِ بِضَرْبِ الْأَمْثَالِ وَبَيَانِ الْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى الْمَطْلُوبِ. فَهَذِهِ دَلَالَةٌ شَرْعِيَّةٌ عَقْلِيَّةٌ فَهِيَ " شَرْعِيَّةٌ " لِأَنَّ الشَّرْعَ دَلَّ عَلَيْهَا وَأَرْشَدَ إلَيْهَا؛ وَ " عَقْلِيَّةٌ " لِأَنَّهَا تُعْلَمُ صِحَّتُهَا بِالْعَقْلِ. وَلَا يُقَالُ: إنَّهَا لَمْ تُعْلَمْ إلَّا بِمُجَرَّدِ الْخَبَرِ.
(6/71)

وَإِذَا أَخْبَرَ اللَّهُ بِالشَّيْءِ وَدَلَّ عَلَيْهِ بِالدَّلَالَاتِ الْعَقْلِيَّةِ: صَارَ مَدْلُولًا عَلَيْهِ بِخَبَرِهِ. وَمَدْلُولًا عَلَيْهِ بِدَلِيلِهِ الْعَقْلِيِّ الَّذِي يُعْلَمُ بِهِ فَيَصِيرُ ثَابِتًا بِالسَّمْعِ وَالْعَقْلِ وَكِلَاهُمَا دَاخِلٌ فِي دَلَالَةِ الْقُرْآنِ الَّتِي تُسَمَّى " الدَّلَالَةَ الشَّرْعِيَّةَ ". وَثُبُوتُ " مَعْنَى الْكَمَالِ " قَدْ دَلَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ بِعِبَارَاتِ مُتَنَوِّعَةٍ دَالَّة عَلَى مَعَانِي مُتَضَمِّنَةٍ لِهَذَا الْمَعْنَى. فَمَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ إثْبَاتِ الْحَمْدِ لَهُ وَتَفْصِيلِ مَحَامِدِهِ وَأَنَّ لَهُ الْمَثَلَ الْأَعْلَى وَإِثْبَاتِ مَعَانِي أَسْمَائِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ: كُلُّهُ دَالٌّ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى. وَقَدْ ثَبَتَ لَفْظُ " الْكَامِلِ " فِيمَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي تَفْسِيرِ: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} {اللَّهُ الصَّمَدُ} أَنَّ " الصَّمَدَ " هُوَ الْمُسْتَحِقُّ لِلْكَمَالِ وَهُوَ السَّيِّدُ الَّذِي كَمُلَ فِي سُؤْدُدِهِ وَالشَّرِيفُ الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي شَرَفِهِ وَالْعَظِيمُ الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي عَظَمَتِهِ وَالْحَكَمُ الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي حُكْمِهِ وَالْغَنِيُّ الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي غِنَاهُ وَالْجَبَّارُ الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي جَبَرُوتِهِ وَالْعَالِمُ الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي عِلْمِهِ وَالْحَكِيمُ الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي حِكْمَتِهِ وَهُوَ الشَّرِيفُ الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي أَنْوَاعِ الشَّرَفِ وَالسُّؤْدُدِ وَهُوَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. وَهَذِهِ صِفَةٌ لَا تَنْبَغِي إلَّا لَهُ لَيْسَ لَهُ كُفُؤٌ وَلَا كَمِثْلِهِ شَيْءٌ. وَهَكَذَا سَائِرُ صِفَاتِ الْكَمَالِ وَلَمْ يُعْلَمْ أَحَدٌ مِنْ الْأُمَّةِ نَازَعَ فِي هَذَا الْمَعْنَى؛ بَلْ هَذَا الْمَعْنَى مُسْتَقِرٌّ فِي فِطَرِ النَّاسِ؛ بَلْ هُمْ مَفْطُورُونَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُمْ كَمَا أَنَّهُمْ مَفْطُورُونَ عَلَى الْإِقْرَارِ بِالْخَالِقِ؛ فَإِنَّهُمْ مَفْطُورُونَ عَلَى أَنَّهُ أَجَلُّ وَأَكْبَرُ وَأَعْلَى وَأَعْلَمُ وَأَعْظَمُ وَأَكْمَلُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ.
(6/72)

وَقَدْ بَيَّنَّا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ أَنَّ الْإِقْرَارَ بِالْخَالِقِ وَكَمَالِهِ يَكُونُ فِطْرِيًّا ضَرُورِيًّا فِي حَقِّ مَنْ سَلِمَتْ فِطْرَتُهُ وَإِنْ كَانَ مَعَ ذَلِكَ تَقُومُ عَلَيْهِ الْأَدِلَّةُ الْكَثِيرَةُ وَقَدْ يَحْتَاجُ إلَى الْأَدِلَّةِ عَلَيْهِ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ عِنْدَ تَغَيُّرِ الْفِطْرَةِ وَأَحْوَالٍ تَعْرِضُ لَهَا. وَأَمَّا لَفْظُ " الْكَامِلِ ": فَقَدْ نَقَلَ الْأَشْعَرِيُّ عَنْ الجبائي أَنَّهُ كَانَ يَمْنَعُ أَنْ يُسَمَّى اللَّهُ كَامِلًا وَيَقُولَ: الْكَامِلُ الَّذِي لَهُ أَبْعَاضٌ مُجْتَمِعَةٌ. وَهَذَا النِّزَاعُ إنْ كَانَ فِي الْمَعْنَى فَهُوَ بَاطِلٌ؛ وَإِنْ كَانَ فِي اللَّفْظِ فَهُوَ نِزَاعٌ لَفْظِيٌّ. وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّ ثُبُوتَ الْكَمَالِ لَهُ وَنَفْيَ النَّقَائِصِ عَنْهُ مِمَّا يُعْلَمُ بِالْعَقْلِ. وَزَعَمَتْ " طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ " كَأَبِي الْمَعَالِي وَالرَّازِي والآمدي وَغَيْرِهِمْ: أَنَّ ذَلِكَ لَا يُعْلَمُ إلَّا بِالسَّمْعِ الَّذِي هُوَ " الْإِجْمَاعُ " وَأَنَّ نَفْيَ الْآفَاتِ وَالنَّقَائِصِ عَنْهُ لَمْ يُعْلَمْ إلَّا بِالْإِجْمَاعِ وَجَعَلُوا الطَّرِيقَ الَّتِي بِهَا نَفَوْا عَنْهُ مَا نَفَوْهُ إنَّمَا هُوَ نَفْيُ مُسَمَّى الْجِسْمِ وَنَحْوِ ذَلِكَ؛ وَخَالَفُوا مَا كَانَ عَلَيْهِ شُيُوخُ مُتَكَلِّمَةِ الصفاتية؛ كَالْأَشْعَرِيِّ وَالْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ وَأَبِي إسْحَاقَ وَمَنْ قَبْلَهُمْ مِنْ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ فِي إثْبَاتِ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَالْكَلَامِ لَهُ بِالْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ وَتَنْزِيهِهِ عَنْ النَّقَائِصِ بِالْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ. وَلِهَذَا صَارَ هَؤُلَاءِ يَعْتَمِدُونَ فِي إثْبَاتِ هَذِهِ الصِّفَاتِ عَلَى مُجَرَّدِ السَّمْعِ وَيَقُولُونَ: إذَا كُنَّا نُثْبِتُ هَذِهِ الصِّفَاتِ بِنَاءً عَلَى نَفْيِ الْآفَاتِ وَنَفْيُ الْآفَاتِ إنَّمَا يَكُونُ بِالْإِجْمَاعِ الَّذِي هُوَ دَلِيلٌ سَمْعِيٌّ وَالْإِجْمَاعُ إنَّمَا يَثْبُتُ بِأَدِلَّةِ سَمْعِيَّةٍ مِنْ الْكِتَابِ
(6/73)

وَالسُّنَّةِ قَالُوا: وَالنُّصُوصُ الْمُثْبِتَةُ لِلسَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَالْكَلَامِ: أَعْظَمُ مِنْ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى كَوْنِ الْإِجْمَاعِ حُجَّةً فَالِاعْتِمَادُ فِي إثْبَاتِهَا ابْتِدَاءً عَلَى الدَّلِيلِ السَّمْعِيِّ الَّذِي هُوَ الْقُرْآنُ أَوْلَى وَأَحْرَى. وَاَلَّذِي اعْتَمَدُوا عَلَيْهِ فِي النَّفْيِ مِنْ نَفْيِ مُسَمَّى التَّحَيُّزِ وَنَحْوِهِ - مَعَ أَنَّهُ بِدْعَةٌ فِي الشَّرْعِ لَمْ يَأْتِ بِهِ كِتَابٌ وَلَا سُنَّةٌ؛ وَلَا أَثَرٌ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ - هُوَ مُتَنَاقِضٌ فِي الْعَقْلِ لَا يَسْتَقِيمُ فِي الْعَقْلِ؛ فَإِنَّهُ مَا مِنْ أَحَدٍ يَنْفِي شَيْئًا خَوْفًا مِنْ كَوْنِ ذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ أَنْ يَكُونَ الْمَوْصُوفُ بِهِ جِسْمًا إلَّا قِيلَ لَهُ فِيمَا أَثْبَتَهُ نَظِيرَ مَا قَالَهُ فِيمَا نَفَاهُ؛ وَقِيلَ لَهُ فِيمَا نَفَاهُ نَظِيرَ مَا يَقُولُهُ فِيمَا أَثْبَتَهُ؛ كَالْمُعْتَزِلَةِ لَمَّا أَثْبَتُوا أَنَّهُ حَيٌّ عَلِيمٌ قَدِيرٌ؛ وَقَالُوا: إنَّهُ لَا يُوصَفُ بِالْحَيَاةِ وَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَالصِّفَاتِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ أَعْرَاضٌ لَا يُوصَفُ بِهَا إلَّا مَا هُوَ جِسْمٌ؛ وَلَا يُعْقَلُ مَوْصُوفٌ إلَّا جِسْمٌ. فَقِيلَ لَهُمْ: فَأَنْتُمْ وَصَفْتُمُوهُ بِأَنَّهُ حَيٌّ عَلِيمٌ قَدِيرٌ وَلَا يُوصَفُ شَيْءٌ بِأَنَّهُ عَلِيمٌ حَيٌّ قَدِيرٌ إلَّا مَا هُوَ جِسْمٌ وَلَا يُعْقَلُ مَوْصُوفٌ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ إلَّا مَا هُوَ جِسْمٌ فَمَا كَانَ جَوَابَكُمْ عَنْ الْأَسْمَاءِ كَانَ جَوَابَنَا عَنْ الصِّفَاتِ فَإِنْ جَازَ أَنْ يُقَالَ بَلْ يُسَمَّى بِهَذِهِ الْأَسْمَاءِ مَا لَيْسَ بِجِسْمِ جَازَ أَنْ يُقَالَ: فَكَذَلِكَ يُوصَفُ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ مَا لَيْسَ بِجِسْمِ وَأَنْ يُقَالَ: هَذِهِ الصِّفَاتُ لَيْسَتْ أَعْرَاضًا وَإِنْ قِيلَ: لَفْظُ الْجِسْمِ " مُجْمَلٌ " أَوْ " مُشْتَرِكٌ " وَأَنَّ الْمُسَمَّى بِهَذِهِ الْأَسْمَاءِ لَا يَجِب أَنْ يُمَاثِلَهُ غَيْرُهُ وَلَا أَنْ يَثْبُتَ لَهُ خَصَائِصُ غَيْرِهِ؛ جَازَ أَنْ يُقَالَ: الْمَوْصُوفُ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ لَا يَجِب أَنْ يُمَاثِلَهُ غَيْرُهُ وَلَا أَنْ يَثْبُتَ لَهُ خَصَائِصُ غَيْرِهِ.
(6/74)

وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ نفاة الصِّفَاتِ الْمَعْلُومَةِ بِالشَّرْعِ أَوْ بِالْعَقْلِ مَعَ الشَّرْعِ كَالرِّضَا وَالْغَضَبِ وَالْحُبِّ وَالْفَرَحِ وَنَحْوِ ذَلِكَ: هَذِهِ الصِّفَاتُ لَا تُعْقَلُ إلَّا لِجِسْمِ. قِيلَ لَهُمْ هَذِهِ بِمَنْزِلَةِ الْإِرَادَةِ وَالسَّمْعِ: وَالْبَصَرِ وَالْكَلَامِ فَمَا لَزِمَ فِي أَحَدِهِمَا لَزِمَ فِي الْآخَرِ مِثْلُهُ. وَهَكَذَا نفاة الصِّفَات مِنْ الْفَلَاسِفَةِ وَنَحْوِهِمْ إذَا قَالُوا ثُبُوتُ هَذِهِ الصِّفَاتِ يَسْتَلْزِمُ كَثْرَةَ الْمَعَانِي فِيهِ وَذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ كَوْنَهُ جِسْمًا أَوْ مُرَكَّبًا قِيلَ لَهُمْ: هَذَا كَمَا أَثْبَتُّمْ أَنَّهُ مَوْجُودٌ وَاجِبٌ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ وَأَنَّهُ عَاقِلٌ وَمَعْقُولٌ وَعَقْلٌ وَلَذِيذٌ وَمُلْتَذٌّ وَلَذَّةٌ وَعَاشِقٌ وَمَعْشُوقٌ وَعِشْقٌ وَنَحْوُ ذَلِكَ. فَإِنْ قَالُوا: هَذِهِ تَرْجِعُ إلَى مَعْنًى وَاحِدٍ قِيلَ لَهُمْ: إنْ كَانَ هَذَا مُمْتَنِعًا بَطَلَ الْفَرْقُ وَإِنْ كَانَ مُمْكِنًا أَمْكَنَ أَنْ يُقَالَ فِي تِلْكَ مِثْلُ هَذِهِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ صِفَةٍ وَصِفَةٍ. وَالْكَلَامُ عَلَى ثُبُوتِ الصِّفَاتِ وَبُطْلَانِ أَقْوَالِ الْنُّفَاةِ مَبْسُوطٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ. وَالْمَقْصُودُ هُنَا: أَنْ نُبَيِّنَ أَنَّ ثُبُوتَ الْكَمَالِ لِلَّهِ مَعْلُومٌ بِالْعَقْلِ وَأَنَّ نَقِيضَ ذَلِكَ مُنْتَفٍ عَنْهُ فَإِنَّ الِاعْتِمَادَ فِي الْإِثْبَاتِ وَالنَّفْيِ عَلَى هَذِهِ الطَّرِيقِ مُسْتَقِيمٌ فِي الْعَقْلِ وَالشَّرْعِ؛ دُونَ تِلْكَ خِلَافَ مَا قَالَهُ هَؤُلَاءِ الْمُتَكَلِّمُونَ.
وَجُمْهُورُ أَهْلِ الْفَلْسَفَةِ وَالْكَلَامِ: يُوَافِقُونَ عَلَى أَنَّ الْكَمَالَ لِلَّهِ ثَابِتٌ بِالْعَقْلِ وَالْفَلَاسِفَةُ تُسَمِّيهِ التَّمَامَ وَبَيَانُ ذَلِكَ مِنْ وُجُوهٍ:
(6/75)

مِنْهَا أَنْ يُقَالَ: قَدْ ثَبَتَ أَنَّ اللَّهَ قَدِيمٌ بِنَفْسِهِ وَاجِبُ الْوُجُودِ بِنَفْسِهِ قَيُّومٌ بِنَفْسِهِ خَالِقٌ بِنَفْسِهِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ خَصَائِصِهِ. وَالطَّرِيقَةُ الْمَعْرُوفَةُ فِي وُجُوبِ الْوُجُودِ تُقَالُ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الْمَعَانِي. فَإِذَا قِيلَ: الْوُجُودُ إمَّا وَاجِبٌ وَإِمَّا مُمْكِنٌ وَالْمُمْكِنُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ وَاجِبٍ فَيَلْزَمُ ثُبُوتُ الْوَاجِبِ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ فَهُوَ مِثْلُ أَنْ يُقَالَ: الْمَوْجُودُ إمَّا قَدِيمٌ وَإِمَّا حَادِثٌ وَالْحَادِثُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ قَدِيمٍ فَيَلْزَمُ ثُبُوتُ الْقَدِيمِ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ وَالْمَوْجُودُ إمَّا غَنِيٌّ وَإِمَّا فَقِيرٌ وَالْفَقِيرُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ الْغَنِيِّ فَلَزِمَ وُجُودُ الْغَنِيِّ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ. وَالْمَوْجُودُ إمَّا قَيُّومٌ بِنَفْسِهِ وَإِمَّا غَيْرُ قَيُّومٍ وَغَيْرُ الْقَيُّومِ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ الْقَيُّومِ؛ فَلَزِمَ ثُبُوتُ الْقَيُّومِ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ. وَالْمَوْجُودُ إمَّا مَخْلُوقٌ وَإِمَّا غَيْرُ مَخْلُوقٍ وَالْمَخْلُوقُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ خَالِقٍ غَيْرِ مَخْلُوقٍ؛ فَلَزِمَ ثُبُوتُ الْخَالِقِ غَيْرِ الْمَخْلُوقِ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ وَنَظَائِرُ ذَلِكَ مُتَعَدِّدَةٌ. ثُمَّ يُقَالُ: هَذَا الْوَاجِبُ الْقَدِيمُ الْخَالِقُ إمَّا أَنْ يَكُونَ ثُبُوتُ الْكَمَالِ الَّذِي لَا نَقْصَ فِيهِ لِلْمُمْكِنِ الْوُجُودَ مُمْكِنًا لَهُ وَإِمَّا أَنْ لَا يَكُونَ. وَالثَّانِي مُمْتَنِعٌ؛ لِأَنَّ هَذَا مُمْكِنٌ لِلْمَوْجُودِ الْمُحْدَثِ الْفَقِيرِ الْمُمْكِنِ؛ فَلِأَنْ يُمْكِنَ لِلْوَاجِبِ الْغَنِيِّ الْقَدِيمِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَالْأَحْرَى؛ فَإِنَّ كِلَاهُمَا مَوْجُودٌ. وَالْكَلَامُ فِي الْكَمَالِ الْمُمْكِنِ الْوُجُودَ الَّذِي لَا نَقْصَ فِيهِ. فَإِذَا كَانَ الْكَمَالُ الْمُمْكِنُ الْوُجُودَ مُمْكِنًا لِلْمَفْضُولِ فَلِأَنْ يُمْكِنَ لِلْفَاضِلِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى؛ لِأَنَّ مَا كَانَ مُمْكِنًا لِمَا هُوَ فِي وُجُودِهِ نَاقِصٌ فَلِأَنْ يُمْكِنَ لِمَا هُوَ
(6/76)

فِي وُجُودِهِ أَكْمَلُ مِنْهُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى لَا سِيَّمَا وَذَلِكَ أَفْضَلُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَيَمْتَنِعُ اخْتِصَاصُ الْمَفْضُولِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ بِكَمَالِ لَا يَثْبُتُ لِلْأَفْضَلِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ بَلْ مَا قَدْ ثَبَتَ مِنْ ذَلِكَ لِلْمَفْضُولِ فَالْفَاضِلُ أَحَقُّ بِهِ؛ فَلِأَنْ يَثْبُتَ لِلْفَاضِلِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى. وَلِأَنَّ ذَلِكَ الْكَمَالَ إنَّمَا اسْتَفَادَهُ الْمَخْلُوقُ مِنْ الْخَالِقِ وَاَلَّذِي جَعَلَ غَيْرَهُ كَامِلًا هُوَ أَحَقُّ بِالْكَمَالِ مِنْهُ؛ فَاَلَّذِي جَعَلَ غَيْرَهُ قَادِرًا أَوْلَى بِالْقُدْرَةِ وَاَلَّذِي عَلِمَ غَيْرَهُ أَوْلَى بِالْعِلْمِ وَاَلَّذِي أَحْيَا غَيْرَهُ أَوْلَى بِالْحَيَاةِ. وَالْفَلَاسِفَةُ تُوَافِقُ عَلَى هَذَا وَيَقُولُونَ: كُلُّ كَمَالٍ لِلْمَعْلُولِ فَهُوَ مِنْ آثَارِ الْعِلَّةِ وَالْعِلَّةُ أَوْلَى بِهِ. وَإِذَا ثَبَتَ إمْكَانُ ذَلِكَ لَهُ؛ فَمَا جَازَ لَهُ مِنْ ذَلِكَ الْكَمَالِ الْمُمْكِنِ الْوُجُودَ فَإِنَّهُ وَاجِبٌ لَهُ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى غَيْرِهِ فَإِنَّهُ لَوْ تَوَقَّفَ عَلَى غَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا لَهُ إلَّا بِذَلِكَ الْغَيْرِ وَذَلِكَ الْغَيْرُ إنْ كَانَ مَخْلُوقًا لَهُ لَزِمَ " الدُّورُ القبلي " الْمُمْتَنِعُ؛ فَإِنَّ مَا فِي ذَلِكَ الْغَيْرِ مِنْ الْأُمُورِ الْوُجُودِيَّةِ فَهِيَ مِنْهُ وَيَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْ الشَّيْئَيْنِ فَاعِلًا لِلْآخَرِ وَهَذَا هُوَ " الدُّورُ القبلي " فَإِنَّ الشَّيْءَ يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ فَاعِلًا لِنَفْسِهِ فَلَأَنْ يَمْتَنِعَ أَنْ يَكُونَ فَاعِلًا لِفَاعِلِهِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَالْأَحْرَى. وَكَذَلِكَ يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْ الشَّيْئَيْنِ فَاعِلًا لِمَا بِهِ يَصِيرُ الْآخَرُ فَاعِلًا وَيَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْ الشَّيْئَيْنِ مُعْطِيًا لِلْآخَرِ كَمَالِهِ؛ فَإِنَّ مُعْطِيَ الْكَمَالِ أَحَقُّ بِالْكَمَالِ؛ فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْهُمَا أَكْمَلَ مِنْ الْآخَرِ وَهَذَا مُمْتَنِعٌ لِذَاتِهِ فَإِنَّ كَوْنَ هَذَا أَكْمَلَ يَقْتَضِي أَنَّ هَذَا أَفْضَلُ مِنْ هَذَا وَهَذَا أَفْضَلُ مِنْ هَذَا وَفَضْلُ أَحَدِهِمَا يَمْنَعُ مُسَاوَاةَ الْآخَرِ لَهُ فَلِأَنْ يَمْنَعَ كَوْنَ الْآخَرِ أَفْضَلَ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى.
(6/77)

وَأَيْضًا فَلَوْ كَانَ كَمَالِهِ مَوْقُوفًا عَلَى ذَلِكَ الْغَيْرِ: لَلَزِمَ أَنْ يَكُونَ كَمَالِهِ مَوْقُوفًا عَلَى فِعْلِهِ لِذَلِكَ الْغَيْرِ وَعَلَى مُعَاوَنَةِ ذَلِكَ الْغَيْرِ فِي كَمَالِهِ وَمُعَاوَنَةُ ذَلِكَ الْغَيْرِ فِي كَمَالِهِ مَوْقُوفٌ عَلَيْهِ؛ إذْ فِعْلُ ذَلِكَ الْغَيْرِ وَأَفْعَالُهُ مَوْقُوفَةٌ عَلَى فِعْلِ الْمُبْدِعِ لَا تَفْتَقِرُ إلَى غَيْرِهِ فَيَلْزَمُ أَنْ لَا يَكُونَ كَمَالِهِ مَوْقُوفًا عَلَى غَيْرِهِ. فَإِذَا قِيلَ: كَمَالِهِ مَوْقُوفٌ عَلَى مَخْلُوقِهِ: لَزِمَ أَنْ لَا يَتَوَقَّفَ عَلَى مَخْلُوقِهِ وَمَا كَانَ ثُبُوتُهُ مُسْتَلْزِمًا لِعَدَمِهِ كَانَ بَاطِلًا مِنْ نَفْسِهِ. وَأَيْضًا فَذَلِكَ الْغَيْرُ كُلُّ كَمَالٍ لَهُ فَمِنْهُ وَهُوَ أَحَقُّ بِالْكَمَالِ مِنْهُ وَلَوْ قِيلَ يَتَوَقَّفُ كَمَالِهِ عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ مُتَوَقِّفًا إلَّا عَلَى مَا هُوَ مِنْ نَفْسِهِ وَذَلِكَ مُتَوَقِّفٌ عَلَيْهِ لَا عَلَى غَيْرِهِ. وَإِنْ قِيلَ: ذَلِكَ الْغَيْرُ لَيْسَ مَخْلُوقًا بَلْ وَاجِبًا آخَرَ قَدِيمًا بِنَفْسِهِ. فَيُقَالُ: إنْ كَانَ أَحَدُ هَذَيْنِ هُوَ الْمُعْطِي دُونَ الْعَكْسِ فَهُوَ الرَّبُّ وَالْآخَرُ عَبْدُهُ. وَإِنْ قِيلَ: بَلْ كُلٌّ مِنْهُمَا يُعْطِي لِلْآخَرِ الْكَمَالَ: لَزِمَ " الدُّورُ فِي التَّأْثِيرِ " وَهُوَ بَاطِلٌ وَهُوَ مِنْ " الدُّورِ القبلي " لَا مِنْ " الدُّورِ الْمَعِي الِاقْتِرَانِيِّ " فَلَا يَكُونُ هَذَا كَامِلًا حَتَّى يَجْعَلَهُ الْآخَرُ كَامِلًا وَالْآخَرُ لَا يَجْعَلُهُ كَامِلًا حَتَّى يَكُونَ فِي نَفْسِهِ كَامِلًا؛ لِأَنَّ جَاعِلَ الْكَامِلِ كَامِلًا أَحَقُّ بِالْكَمَالِ وَلَا يَكُونُ الْآخَرُ كَامِلًا حَتَّى يَجْعَلَهُ كَامِلًا فَلَا يَكُونُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا كَامِلًا بِالضَّرُورَةِ؛ فَإِنَّهُ لَوْ قِيلَ لَا يَكُونُ كَامِلًا حَتَّى يَجْعَلَ نَفْسَهُ كَامِلًا وَلَا يَجْعَلَ نَفْسَهُ كَامِلًا حَتَّى يَكُونَ كَامِلًا لَكَانَ مُمْتَنِعًا؛ فَكَيْفَ إذَا قِيلَ حَتَّى يَجْعَلَ مَا يَجْعَلُهُ كَامِلًا كَامِلًا. وَإِنْ قِيلَ: كُلُّ وَاحِدٍ لَهُ آخَرُ يُكَمِّلُهُ إلَى غَيْرِ نِهَايَةٍ: لَزِمَ " التَّسَلْسُلُ
(6/78)

فِي الْمُؤَثِّرَاتِ " وَهُوَ بَاطِلٌ بِالضَّرُورَةِ وَاتِّفَاقِ الْعُقَلَاءِ. فَإِنَّ تَقْدِيرَ مُؤَثِّرَاتٍ لَا تَتَنَاهَى: لَيْسَ فِيهَا مُؤَثِّرٌ بِنَفْسِهِ لَا يَقْتَضِي وُجُودَ شَيْءٍ مِنْهَا وَلَا وُجُودَ جَمِيعِهَا وَلَا وُجُودَ اجْتِمَاعِهَا وَالْمُبْدِعُ لِلْمَوْجُودَاتِ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا بِالضَّرُورَةِ. فَلَوْ قُدِّرَ أَنَّ هَذَا كَامِلٌ فَكَمَالُهُ لَيْسَ مِنْ نَفْسِهِ بَلْ مِنْ آخَرَ وَهَلُمَّ جَرَّا؛ لَلَزِمَ أَنْ لَا يَكُونَ لِشَيْءِ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ كَمَالٌ؛ وَلَوْ قُدِّرَ أَنَّ الْأَوَّلَ كَامِلٌ لَزِمَ الْجَمْعُ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ وَإِذَا كَانَ كَمَالِهِ بِنَفْسِهِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى غَيْرِهِ: كَانَ الْكَمَالُ لَهُ وَاجِبًا بِنَفْسِهِ وَامْتَنَعَ تَخَلُّفُ شَيْءٍ مِنْ الْكَمَالِ الْمُمْكِنِ عَنْهُ؛ بَلْ مَا جَازَ لَهُ مِنْ الْكَمَالِ وَجَبَ لَهُ كَمَا أَقَرَّ بِذَلِكَ الْجُمْهُورُ مِنْ أَهْلِ الْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ وَالتَّصَوُّفِ وَالْكَلَامِ وَالْفَلْسَفَةِ وَغَيْرِهِمْ؛ بَلْ هَذَا ثَابِتٌ فِي مَفْعُولَاتِهِ فَمَا شَاءَ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ وَكَانَ مُمْتَنِعًا بِنَفْسِهِ أَوْ مُمْتَنِعًا لِغَيْرِهِ؛ فَمَا ثَمَّ إلَّا مَوْجُودٌ وَاجِبٌ إمَّا بِنَفْسِهِ وَإِمَّا بِغَيْرِهِ أَوْ مَعْدُومٌ إمَّا لِنَفْسِهِ وَإِمَّا لِغَيْرِهِ وَالْمُمْكِنُ إنْ حَصَلَ مُقْتَضِيهِ التَّامُّ: وَجَبَ بِغَيْرِهِ وَإِلَّا كَانَ مُمْتَنِعًا لِغَيْرِهِ؛ وَالْمُمْكِنُ بِنَفْسِهِ: إمَّا وَاجِبٌ لِغَيْرِهِ وَإِمَّا مُمْتَنِعٌ لِغَيْرِهِ. وَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ أَحَقُّ بِالْكَمَالِ مِنْ غَيْرِهِ وَأَنَّ غَيْرَهُ لَا يُسَاوِيهِ فِي الْكَمَالِ فِي مِثْلِ قَوْله تَعَالَى {أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} ؟ وَقَدْ بَيَّنَ أَنَّ الْخَلْقَ صِفَةُ كَمَالٍ وَأَنَّ الَّذِي يَخْلُقُ أَفْضَلُ مِنْ الَّذِي لَا يَخْلُقُ وَأَنَّ مَنْ عَدَلَ هَذَا بِهَذَا فَقَدْ ظَلَمَ. وَقَالَ تَعَالَى: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ
(6/79)

مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} فَبَيَّنَ أَنَّ كَوْنَهُ مَمْلُوكًا عَاجِزًا صِفَةُ نَقْصٍ وَأَنَّ الْقُدْرَةَ وَالْمِلْكَ وَالْإِحْسَانَ صِفَةُ كَمَالٍ وَأَنَّهُ لَيْسَ هَذَا مِثْلُ هَذَا وَهَذَا لِلَّهِ وَذَاكَ لِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِهِ. وَقَالَ تَعَالَى: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} وَهَذَا مَثَلٌ آخَرُ. فَالْأَوَّلُ مِثْلُ الْعَاجِزِ عَنْ الْكَلَامِ وَعَنْ الْفِعْلِ الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ. وَالْآخَرُ الْمُتَكَلِّمُ الْآمِرُ بِالْعَدْلِ الَّذِي هُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ فَهُوَ عَادِلٌ فِي أَمْرِهِ مُسْتَقِيمٌ فِي فِعْلِهِ. فَبَيَّنَ أَنَّ التَّفْضِيلَ بِالْكَلَامِ الْمُتَضَمِّنِ لِلْعَدْلِ وَالْعَمَلِ الْمُسْتَقِيمِ فَإِنَّ مُجَرَّدَ الْكَلَامِ وَالْعَمَلِ قَدْ يَكُونُ مَحْمُودًا وَقَدْ يَكُونُ مَذْمُومًا. فَالْمَحْمُودُ هُوَ الَّذِي يَسْتَحِقُّ صَاحِبُهُ الْحَمْدَ فَلَا يَسْتَوِي هَذَا وَالْعَاجِزُ عَنْ الْكَلَامِ وَالْفِعْلِ. وَقَالَ تَعَالَى: {ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} . يَقُولُ تَعَالَى: إذَا كُنْتُمْ أَنْتُمْ لَا تَرْضَوْنَ بِأَنَّ الْمَمْلُوكَ يُشَارِكُ مَالِكَهُ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ النَّقْصِ وَالظُّلْمِ فَكَيْفَ تَرْضَوْنَ ذَلِكَ لِي وَأَنَا أَحَقُّ بِالْكَمَالِ وَالْغِنَى مِنْكُمْ؟ .
(6/80)

وَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّهُ تَعَالَى أَحَقُّ بِكُلِّ كَمَالٍ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ وَهَذَا كَقَوْلِهِ: {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ} {يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} {لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} {وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ} {وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ} حَيْثُ كَانُوا يَقُولُونَ: الْمَلَائِكَةُ بَنَاتُ اللَّهِ وَهُمْ يَكْرَهُونَ أَنْ يَكُونَ لِأَحَدِهِمْ بِنْتٌ فَيَعُدُّونَ هَذَا نَقْصًا وَعَيْبًا. وَالرَّبُّ تَعَالَى أَحَقُّ بِتَنْزِيهِهِ عَنْ كُلِّ عَيْبٍ وَنَقْصٍ مِنْكُمْ؛ فَإِنَّ لَهُ " الْمَثَلَ الْأَعْلَى " فَكُلُّ كَمَالٍ ثَبَتَ لِلْمَخْلُوقِ: فَالْخَالِقُ أَحَقُّ بِثُبُوتِهِ مِنْهُ إذَا كَانَ مُجَرَّدًا عَنْ النَّقْصِ وَكُلُّ مَا يُنَزَّهُ عَنْهُ الْمَخْلُوقُ مِنْ نَقْصٍ وَعَيْبٍ: فَالْخَالِقُ أَوْلَى بِتَنْزِيهِهِ عَنْهُ. وَقَالَ تَعَالَى: {هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} وَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّ الْعَالِمَ أَكْمَلُ مِمَّنْ لَا يَعْلَمُ. وَقَالَ تَعَالَى: {وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ} {وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ} {وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ} فَبَيَّنَ أَنَّ الْبَصِيرَ أَكْمَلُ وَالنُّورَ أَكْمَلُ وَالظِّلَّ أَكْمَلُ؛ وَحِينَئِذٍ فَالْمُتَّصِفُ بِهِ أَوْلَى. {وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى} . وَقَالَ تَعَالَى: {وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ} فَدَلَّ
(6/81)

ذَلِكَ عَلَى أَنَّ عَدَمَ التَّكَلُّمِ وَالْهِدَايَةِ نَقْصٌ وَأَنَّ الَّذِي يَتَكَلَّمُ وَيَهْدِي: أَكْمَلُ مِمَّنْ لَا يَتَكَلَّمُ وَلَا يَهْدِي وَالرَّبُّ أَحَقُّ بِالْكَمَالِ. وَقَالَ تَعَالَى: {قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} فَبَيَّنَ سُبْحَانَهُ بِمَا هُوَ مُسْتَقِرٌّ فِي الْفِطْرِ أَنَّ الَّذِي يَهْدِي إلَى الْحَقِّ أَحَقُّ بِالِاتِّبَاعِ مِمَّنْ لَا يَهْتَدِي إلَّا أَنْ يَهْدِيَهُ غَيْرُهُ؛ فَلَزِمَ أَنْ يَكُونَ الْهَادِي بِنَفْسِهِ هُوَ الْكَامِلُ؛ دُونَ الَّذِي لَا يَهْتَدِي إلَّا بِغَيْرِهِ. وَإِذَا كَانَ لَا بُدَّ مِنْ وُجُودِ الْهَادِي لِغَيْرِ الْمُهْتَدِي بِنَفْسِهِ فَهُوَ الْأَكْمَلُ وَقَالَ تَعَالَى فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: {أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا} فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الَّذِي يَرْجِعُ إلَيْهِ الْقَوْلُ وَيَمْلِكُ الضُّرَّ وَالنَّفْعَ: أَكْمَلُ مِنْهُ. وَقَالَ إبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ: {يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا} فَدَلَّ عَلَى أَنَّ السَّمِيعَ الْبَصِيرَ الْغَنِيَّ أَكْمَلُ وَأَنَّ الْمَعْبُودَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ. وَمِثْلُ هَذَا فِي الْقُرْآنِ مُتَعَدِّدٌ مِنْ وَصْفِ الْأَصْنَامِ بِسَلْبِ " صِفَاتِ الْكَمَالِ " كَعَدَمِ التَّكَلُّمِ وَالْفِعْلِ وَعَدَمِ الْحَيَاةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يُبَيِّنُ أَنَّ الْمُتَّصِفَ بِذَلِكَ مُنْتَقِصٌ مَعِيبٌ كَسَائِرِ الْجَمَادَاتِ وَأَنَّ هَذِهِ الصِّفَاتِ لَا تُسْلَبُ إلَّا عَنْ نَاقِصٍ مَعِيبٍ.
(6/82)

وَأَمَّا " رَبُّ الْخَلْقِ " الَّذِي هُوَ أَكْمَلُ مِنْ كُلِّ مَوْجُودٍ فَهُوَ أَحَقُّ الْمَوْجُودَاتِ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ وَأَنَّهُ لَا يَسْتَوِي الْمُتَّصِفُ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ وَاَلَّذِي لَا يَتَّصِفُ بِهَا؛ وَهُوَ يَذْكُرُ أَنَّ الْجَمَادَاتِ فِي الْعَادَةِ لَا تَقْبَلُ الِاتِّصَافَ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ. فَمَنْ جَعَلَ الْوَاجِبَ الْوُجُودِ لَا يَقْبَلُ الِاتِّصَافَ: فَقَدْ جَعَلَهُ مِنْ جِنْسِ الْأَصْنَامِ الْجَامِدَةِ الَّتِي عَابَهَا اللَّهُ تَعَالَى وَعَابَ عَابِدِيهَا. وَلِهَذَا كَانَتْ " الْقَرَامِطَةُ الْبَاطِنِيَّةُ " مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ شِرْكًا وَعِبَادَةً لِغَيْرِ اللَّهِ؛ إذْ كَانُوا لَا يَعْتَقِدُونَ فِي إلَهِهِمْ أَنَّهُ يَسْمَعُ أَوْ يُبْصِرُ أَوْ يُغْنِي عَنْهُمْ شَيْئًا. وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ لَمْ يَذْكُرْ هَذِهِ النُّصُوصَ لِمُجَرَّدِ تَقْرِيرِ صِفَاتِ الْكَمَالِ لَهُ بَلْ ذَكَرَهَا لِبَيَانِ أَنَّهُ الْمُسْتَحِقُّ لِلْعِبَادَةِ دُونَ مَا سِوَاهُ فَأَفَادَ (الْأَصْلَيْنِ اللَّذَيْنِ بِهِمَا يَتِمُّ التَّوْحِيدُ: وَهُمَا إثْبَاتُ صِفَاتِ الْكَمَالِ رَدًّا عَلَى أَهْلِ التَّعْطِيلِ وَبَيَانِ أَنَّهُ الْمُسْتَحِقُّ لِلْعِبَادَةِ لَا إلَهَ إلَّا هُوَ رَدًّا عَلَى الْمُشْرِكِينَ. وَالشِّرْكُ فِي الْعَالَمِ أَكْثَرُ مِنْ التَّعْطِيلِ؛ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ إثْبَاتِ " التَّوْحِيدِ " الْمُنَافِي لِلْإِشْرَاكِ إبْطَالُ قَوْلِ أَهْلِ التَّعْطِيلِ؛ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ مُجَرَّدِ الْإِثْبَاتِ الْمُبْطِلِ لِقَوْلِ الْمُعَطِّلَةِ الرَّدُّ عَلَى الْمُشْرِكِينَ إلَّا بِبَيَانِ آخَرَ. وَالْقُرْآنُ يُذْكَرُ فِيهِ الرَّدُّ عَلَى الْمُعَطِّلَةِ تَارَةً؛ كَالرَّدِّ عَلَى فِرْعَوْنَ وَأَمْثَالِهِ؛ وَيُذْكَرُ فِيهِ الرَّدُّ عَلَى الْمُشْرِكِينَ وَهَذَا أَكْثَرُ لِأَنَّ الْقُرْآنَ شِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ. وَمَرَضُ الْإِشْرَاكِ أَكْثَرُ فِي النَّاسِ مِنْ مَرَضِ التَّعْطِيلِ وَأَيْضًا فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ
(6/83)

أَخْبَرَ أَنَّ لَهُ الْحَمْدَ وَأَنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ وَأَنَّ لَهُ الْحَمْدَ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ الْمَحَامِدِ. وَ " الْحَمْدُ نَوْعَانِ ": حَمْدٌ عَلَى إحْسَانِهِ إلَى عِبَادِهِ. وَهُوَ مِنْ الشُّكْرِ؛ وَحَمْدٌ لِمَا يَسْتَحِقُّهُ هُوَ بِنَفْسِهِ مِنْ نُعُوتِ كَمَالِهِ وَهَذَا الْحَمْدُ لَا يَكُونُ إلَّا عَلَى مَا هُوَ فِي نَفْسِهِ مُسْتَحِقٌّ لِلْحَمْدِ وَإِنَّمَا يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ مَنْ هُوَ مُتَّصِفٌ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ وَهِيَ أُمُورٌ وُجُودِيَّةٌ فَإِنَّ الْأُمُورَ الْعَدَمِيَّةَ الْمَحْضَةَ لَا حَمْدَ فِيهَا وَلَا خَيْرَ وَلَا كَمَالَ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ كُلَّ مَا يُحْمَدُ فَإِنَّمَا يُحْمَدُ عَلَى مَا لَهُ مِنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ فَكُلُّ مَا يُحْمَدُ بِهِ الْخَلْقُ فَهُوَ مِنْ الْخَالِقِ وَاَلَّذِي مِنْهُ مَا يُحْمَدُ عَلَيْهِ هُوَ أَحَقُّ بِالْحَمْدِ فَثَبَتَ أَنَّهُ الْمُسْتَحِقُّ لِلْمَحَامِدِ الْكَامِلَةِ وَهُوَ أَحَقُّ مَنْ كُلِّ مَحْمُودٍ بِالْحَمْدِ وَالْكَمَالِ مِنْ كُلِّ كَامِلٍ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ.
(6/84)

فَصْلٌ:
وَأَمَّا " الْمُقَدِّمَةُ الثَّانِيَةُ " فَنَقُولُ: لَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِ أَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الْكَمَالُ مُمْكِنَ الْوُجُودِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ سَلِيمًا عَنْ النَّقْصِ؛ فَإِنَّ النَّقْصَ مُمْتَنِعٌ عَلَى اللَّهِ لَكِنَّ بَعْضَ النَّاسِ قَدْ يُسَمِّي مَا لَيْسَ بِنَقْصِ نَقْصًا؛ فَهَذَا يُقَالُ لَهُ إنَّمَا الْوَاجِبُ إثْبَاتُ مَا أَمْكَنَ ثُبُوتُهُ مِنْ الْكَمَالِ السَّلِيمِ عَنْ النَّقْصِ فَإِذَا سَمَّيْت أَنْتَ هَذَا نَقْصًا وَقُدِّرَ أَنَّ انْتِفَاءَهُ يَمْتَنِعُ لَمْ يَكُنْ نَقْصُهُ مِنْ الْكَمَالِ الْمُمْكِنِ وَلَمْ يَكُنْ هَذَا عِنْدَ مَنْ سَمَّاهُ نَقْصًا مِنْ النَّقْصِ الْمُمْكِنِ انْتِفَاؤُهُ. فَإِذَا قِيلَ: خَلْقُ الْمَخْلُوقَاتِ فِي الْأَزَلِ صِفَةُ كَمَالِ فَيَجِبُ أَنْ تَثْبُتَ لَهُ قِيلَ: وُجُودُ الْمَخْلُوقَاتِ كُلِّهَا أَوْ وَاحِدٍ مِنْهَا يَسْتَلْزِمُ الْحَوَادِثَ كُلَّهَا؛ أَوْ وَاحِدٍ مِنْهَا فِي الْأَزَلِ مُمْتَنِعٌ. وَوُجُودُ الْحَوَادِثِ الْمُتَعَاقِبَةِ كُلِّهَا فِي آنٍ وَاحِدٍ مُمْتَنِعٌ سَوَاءٌ قُدِّرَ ذَلِكَ الْآنَ مَاضِيًا أَوْ مُسْتَقْبَلًا؛ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ أَزَلِيًّا وَمَا يَسْتَلْزِمُ الْحَوَادِثَ الْمُتَعَاقِبَةَ يَمْتَنِعُ وُجُودُهُ فِي آنٍ وَاحِدٍ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ أَزَلِيًّا فَلَيْسَ هَذَا مُمْكِنَ الْوُجُودِ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ كَمَالًا؛ لَكِنَّ فِعْلَ الْحَوَادِثِ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ أَكْمَلُ مِنْ التَّعْطِيلِ عَنْ فِعْلِهَا بِحَيْثُ لَا يُحْدِثُ شَيْئًا بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ؛ فَإِنَّ الْفَاعِلَ الْقَادِرَ عَلَى الْفِعْلِ أَكْمَلُ مِنْ الْفَاعِلِ الْعَاجِزِ عَنْ الْفِعْلِ.
(6/85)

فَإِذَا قِيلَ: لَا يُمْكِنُهُ إحْدَاثُ الْحَوَادِثِ بَلْ مَفْعُولُهُ لَازِمٌ لِذَاتِهِ: كَانَ هَذَا نَقْصًا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْقَادِرِ الَّذِي يَفْعَلُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ وَكَذَلِكَ إذَا قِيلَ: جَعْلُ الشَّيْءِ الْوَاحِدِ مُتَحَرِّكًا سَاكِنًا مَوْجُودًا مَعْدُومًا صِفَةُ كَمَالِ قِيلَ هَذَا مُمْتَنِعٌ لِذَاتِهِ. وَكَذَلِكَ إذَا قِيلَ: إبْدَاعُ قَدِيمٍ وَاجِبٍ بِنَفْسِهِ صِفَةُ كَمَالِ. قِيلَ: هَذَا مُمْتَنِعٌ لِنَفْسِهِ فَإِنَّ كَوْنَهُ مُبْدِعًا يَقْتَضِي أَنْ لَا يَكُونُ وَاجِبًا بِنَفْسِهِ؛ بَلْ وَاجِبًا بِغَيْرِهِ؛ فَإِذَا قِيلَ هُوَ وَاجِبٌ مَوْجُودٌ بِنَفْسِهِ وَهُوَ لَمْ يُوجَدْ إلَّا بِغَيْرِهِ: كَانَ هَذَا جَمْعًا بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ. وَكَذَلِكَ إذَا قِيلَ: الْأَفْعَالُ الْقَائِمَةُ وَالْمَفْعُولَاتُ الْمُنْفَصِلَةُ عَنْهُ - إذَا كَانَ اتِّصَافُهُ بِهَا صِفَةَ كَمَالِ فَقَدْ فَاتَتْهُ فِي الْأَزَلِ؛ وَإِنْ كَانَ صِفَةَ نَقْصٍ فَقَدْ لَزِمَ اتِّصَافُهُ بِالنَّقَائِصِ. قِيلَ: الْأَفْعَالُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْهَا أَزَلِيًّا. وَأَيْضًا: فَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ وُجُودُ هَذِهِ فِي الْأَزَلِ صِفَةَ كَمَالِ؛ بَلْ الْكَمَالُ أَنْ تُوجَدَ حَيْثُ اقْتَضَتْ الْحِكْمَةُ وُجُودَهَا. وَأَيْضًا: فَلَوْ كَانَتْ أَزَلِيَّةً لَمْ تَكُنْ مَوْجُودَةً شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ. فَقَوْلُ الْقَائِلِ: فِيمَا حَقُّهُ أَنْ يُوجَدَ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِي الْأَزَلِ: جَمْعٌ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ. وَأَمْثَالُ هَذَا كَثِيرٌ. فَلِهَذَا قُلْنَا الْكَمَالُ الْمُمْكِنُ الْوُجُودِ؛ فَمَا هُوَ مُمْتَنِعٌ فِي نَفْسِهِ فَلَا حَقِيقَةَ لَهُ؛ فَضْلًا عَنْ أَنْ يُقَالَ: هُوَ مَوْجُودٌ. أَوْ يُقَالَ: هُوَ كَمَالٌ لِلْمَوْجُودِ.
(6/86)

وَأَمَّا الشَّرْطُ الْآخَرُ وَهُوَ قَوْلُنَا: الْكَمَالُ الَّذِي لَا يَتَضَمَّنُ نَقْصًا - عَلَى التَّعْبِيرِ بِالْعِبَارَةِ السَّدِيدَةِ - أَوْ الْكَمَالِ الَّذِي لَا يَتَضَمَّنُ نَقْصًا يُمْكِنُ انْتِفَاؤُهُ - عَلَى عِبَارَةِ مَنْ يَجْعَلُ مَا لَيْسَ بِنَقْصِ نَقْصًا. فَاحْتَرَزَ عَمَّا هُوَ لِبَعْضِ الْمَخْلُوقَاتِ كَمَالٌ دُونَ بَعْضٍ وَهُوَ نَقْصٌ بِالْإِضَافَةِ إلَى الْخَالِقِ لِاسْتِلْزَامِهِ نَقْصًا - كَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ مَثَلًا. فَإِنَّ الصَّحِيحَ الَّذِي يَشْتَهِي الْأَكْلَ وَالشُّرْبَ مِنْ الْحَيَوَانِ أَكْمَلُ مِنْ الْمَرِيضِ الَّذِي لَا يَشْتَهِي الْأَكْلَ وَالشُّرْبَ لِأَنَّ قِوَامَهُ بِالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ. فَإِذَا قُدِّرَ غَيْرَ قَابِلٍ لَهُ: كَانَ نَاقِصًا عَنْ الْقَابِلِ لِهَذَا الْكَمَالِ؛ لَكِنَّ هَذَا يَسْتَلْزِمُ حَاجَةَ الْآكِلِ وَالشَّارِبِ إلَى غَيْرِهِ وَهُوَ مَا يَدْخُلُ فِيهِ مِنْ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَهُوَ مُسْتَلْزِمٌ لِخُرُوجِ شَيْءٍ مِنْهُ كَالْفَضَلَاتِ وَمَا لَا يَحْتَاجُ إلَى دُخُولِ شَيْءٍ فِيهِ أَكْمَلُ مِمَّنْ يَحْتَاجُ إلَى دُخُولِ شَيْءٍ فِيهِ وَمَا يَتَوَقَّفُ كَمَالِهِ عَلَى غَيْرِهِ أَنْقَصُ مِمَّا لَا يَحْتَاجُ فِي كَمَالِهِ إلَى غَيْرِهِ فَإِنَّ الْغَنِيَّ عَنْ شَيْءٍ أَعْلَى مِنْ الْغَنِيِّ بِهِ. وَالْغَنِيُّ بِنَفْسِهِ أَكْمَلُ مِنْ الْغَنِيِّ بِغَيْرِهِ. وَلِهَذَا كَانَ مِنْ الكمالات مَا هُوَ كَمَالٌ لِلْمَخْلُوقِ وَهُوَ نَقْصٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْخَالِقِ وَهُوَ كُلُّ مَا كَانَ مُسْتَلْزِمًا لِإِمْكَانِ الْعَدَمِ عَلَيْهِ الْمُنَافِي لِوُجُوبِهِ وقيوميته أَوْ مُسْتَلْزِمًا لِلْحُدُوثِ الْمُنَافِي لِقِدَمِهِ أَوْ مُسْتَلْزِمًا لِفَقْرِهِ الْمُنَافِي لِغِنَاهُ.
(6/87)

فَصْلٌ:
إذَا تَبَيَّنَ هَذَا: تَبَيَّنَ أَنَّ مَا جَاءَ بِهِ " الرَّسُولُ " هُوَ الْحَقُّ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ الْمَعْقُولُ وَأَنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِالْحَقِّ أَتْبَعُهُمْ لَهُ وَأَعْظَمُهُمْ لَهُ مُوَافَقَةً " وَهُمْ سَلَفُ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتُهَا " الَّذِينَ أَثْبَتُوا مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ مِنْ الصِّفَاتِ وَنَزَّهُوهُ عَنْ مُمَاثَلَةِ الْمَخْلُوقَاتِ. فَإِنَّ الْحَيَاةَ وَالْعِلْمَ وَالْقُدْرَةَ. وَالسَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْكَلَامَ: صِفَاتُ كَمَالٍ مُمْكِنَةٌ بِالضَّرُورَةِ وَلَا نَقْصَ فِيهَا فَإِنَّ مَنْ اتَّصَفَ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ فَهُوَ أَكْمَلُ مِمَّنْ لَا يَتَّصِفُ بِهَا؛ وَالنَّقْصُ فِي انْتِفَائِهَا لَا فِي ثُبُوتِهَا؛ وَالْقَابِلُ لِلِاتِّصَافِ بِهَا كَالْحَيَوَانِ أَكْمَلُ مِمَّنْ لَا يَقْبَلُ الِاتِّصَافَ بِهَا كَالْجَمَادَاتِ. وَأَهْلُ الْإِثْبَاتِ يَقُولُونَ للنفاة: لَوْ لَمْ يَتَّصِفْ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ لَاتَّصَفَ بِأَضْدَادِهَا مِنْ الْجَهْلِ وَالْبَكَمِ وَالْعَمَى وَالصَّمَمِ. فَقَالَ لَهُمْ الْنُّفَاةِ: هَذِهِ الصِّفَاتُ مُتَقَابِلَةٌ تُقَابِلُ الْعَدَمَ وَالْمَلَكَةَ لَا تُقَابِلُ السَّلْبَ وَالْإِيجَابَ والمتقابلان تَقَابُلُ الْعَدَمِ وَالْمَلَكَةِ إنَّمَا يَلْزَمُ مِنْ انْتِفَاءِ أَحَدِهِمَا ثُبُوتُ الْآخَرِ إذَا كَانَ الْمَحَلُّ قَابِلًا لَهُمَا كَالْحَيَوَانِ الَّذِي لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ
(6/88)

يَكُونَ أَعْمَى وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ بَصِيرًا؛ لِأَنَّهُ قَابِلٌ لَهُمَا بِخِلَافِ الْجَمَادِ فَإِنَّهُ لَا يُوصَفُ لَا بِهَذَا وَلَا بِهَذَا. فَيَقُولُ لَهُمْ أَهْلُ الْإِثْبَاتِ: هَذَا بَاطِلٌ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا أَنْ يُقَالَ: الْمَوْجُودَاتُ " نَوْعَانِ ": نَوْعٌ يَقْبَلُ الِاتِّصَافَ بِالْكَمَالِ كَالْحَيِّ. وَنَوْعٌ لَا يَقْبَلُهُ كَالْجَمَادِ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْقَابِلَ لِلِاتِّصَافِ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ أَكْمَلُ مِمَّنْ لَا يَقْبَلُ ذَلِكَ. وَحِينَئِذٍ: فَالرَّبُّ إنْ لَمْ يَقْبَلْ الِاتِّصَافَ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ لَزِمَ انْتِفَاءُ اتِّصَافِهِ بِهَا وَأَنْ يَكُونَ الْقَابِلُ لَهَا - وَهُوَ الْحَيَوَانُ الْأَعْمَى الْأَصَمُّ الَّذِي لَا يَقْبَلُ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ - أَكْمَلَ مِنْهُ فَإِنَّ الْقَابِلَ لِلسَّمْعِ وَالْبَصَرِ - فِي حَالِ عَدَمِ ذَلِكَ - أَكْمَلُ مِمَّنْ لَا يَقْبَلُ ذَلِكَ. فَكَيْفَ الْمُتَّصِفُ بِهَا فَلَزِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ مَسْلُوبًا لِصِفَاتِ الْكَمَالِ - عَلَى قَوْلِهِمْ - مُمْتَنِعًا عَلَيْهِ صِفَاتُ الْكَمَالِ. فَأَنْتُمْ فَرَرْتُمْ مِنْ تَشْبِيهِهِ بِالْأَحْيَاءِ: فَشَبَّهْتُمُوهُ بِالْجَمَادَاتِ وَزَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ تُنَزِّهُونَهُ عَنْ النَّقَائِصِ: فَوَصَفْتُمُوهُ بِمَا هُوَ أَعْظَمُ النَّقْصِ. (الْوَجْهُ الثَّانِي أَنْ يُقَالَ: هَذَا التَّفْرِيقُ بَيْنَ السَّلْبِ وَالْإِيجَابِ وَبَيْنَ الْعَدَمِ وَالْمَلَكَةِ: أَمْرٌ اصْطِلَاحِيٌّ؛ وَإِلَّا فَكُلُّ مَا لَيْسَ بِحَيِّ فَإِنَّهُ يُسَمَّى مَيِّتًا كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ} {أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ} .
(6/89)

الْوَجْهُ الثَّالِثُ أَنْ يُقَالَ: نَفْسُ سَلْبِ هَذِهِ الصِّفَاتِ نَقْصٌ وَإِنْ لَمْ يُقَدَّرْ هُنَاكَ ضِدٌّ ثُبُوتِيٌّ فَنَحْنُ نَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أَنَّ مَا يَكُونُ حَيًّا عَلِيمًا قَدِيرًا مُتَكَلِّمًا سَمِيعًا بَصِيرًا أَكْمَلُ مِمَّنْ لَا يَكُونُ كَذَلِكَ وَأَنَّ ذَلِكَ لَا يُقَالُ سَمِيعٌ وَلَا أَصَمُّ كَالْجَمَادِ وَإِذَا كَانَ مُجَرَّدُ إثْبَاتِ هَذِهِ الصِّفَاتِ مِنْ الْكَمَالِ وَمُجَرَّدُ سَلْبِهَا مِنْ النَّقْصِ: وَجَبَ ثُبُوتُهَا لِلَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ كَمَالٌ مُمْكِنٌ لِلْمَوْجُودِ وَلَا نَقْصَ فِيهِ بِحَالِ؛ بَلْ النَّقْصُ فِي عَدَمِهِ. وَكَذَلِكَ إذَا قَدَّرْنَا مَوْصُوفَيْنِ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ. (أَحَدُهُمَا يَقْدِرُ عَلَى التَّصَرُّفِ بِنَفْسِهِ؛ فَيَأْتِي وَيَجِيءُ وَيَنْزِلُ وَيَصْعَدُ وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ الْأَفْعَالِ الْقَائِمَةِ بِهِ (وَالْآخَرُ يَمْتَنِعُ ذَلِكَ مِنْهُ فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَصْدُرَ مِنْهُ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الْأَفْعَالِ: كَانَ هَذَا الْقَادِرُ عَلَى الْأَفْعَالِ الَّتِي تَصْدُرُ عَنْهُ أَكْمَلَ مِمَّنْ يَمْتَنِعُ صُدُورُهَا عَنْهُ. وَإِذَا قِيلَ قِيَامُ هَذِهِ الْأَفْعَالِ يَسْتَلْزِمُ قِيَامَ الْحَوَادِثِ بِهِ: كَانَ كَمَا إذَا قِيلَ قِيَامُ الصِّفَاتِ بِهِ يَسْتَلْزِمُ قِيَامَ الْأَعْرَاضِ بِهِ. وَلَفْظُ (الْأَعْرَاضِ وَالْحَوَادِثِ لَفْظَانِ مُجْمَلَانِ فَإِنْ أُرِيدَ بِذَلِكَ مَا يَعْقِلُهُ أَهْلُ اللُّغَةِ مِنْ أَنَّ الْأَعْرَاضَ وَالْحَوَادِثَ هِيَ الْأَمْرَاضُ وَالْآفَاتُ كَمَا يُقَالُ: فُلَانٌ قَدْ عَرَضَ لَهُ مَرَضٌ شَدِيدٌ وَفُلَانٌ قَدْ أَحْدَثَ حَدَثًا عَظِيمًا كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {إيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ}
(6/90)

وَقَالَ: {لَعَنَ اللَّهُ مَنْ أَحْدَثَ حَدَثًا أَوْ آوَى مُحْدِثًا} وَقَالَ: {إذَا أَحْدَثَ أَحَدُكُمْ فَلَا يُصَلِّي حَتَّى يَتَوَضَّأَ} . وَيَقُولُ الْفُقَهَاءُ: الطَّهَارَةُ " نَوْعَانِ " طَهَارَةُ الْحَدَثِ وَطَهَارَةُ الْخَبَثِ. وَيَقُولُ أَهْلُ الْكَلَامِ: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي " أَهْلِ الْأَحْدَاثِ " مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ: كَالرِّبَا وَالسَّرِقَةِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ. وَيُقَالُ فُلَانٌ بِهِ عَارِضٌ مِنْ الْجِنِّ وَفُلَانٌ حَدَثَ لَهُ مَرَضٌ. فَهَذِهِ مِنْ النَّقَائِصِ الَّتِي يُنَزَّهُ اللَّهُ عَنْهَا. وَإِنْ أُرِيدَ بِالْأَعْرَاضِ وَالْحَوَادِثِ اصْطِلَاحٌ خَاصٌّ فَإِنَّمَا أَحْدَثَ ذَلِكَ الِاصْطِلَاحَ مَنْ أَحْدَثَهُ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ وَلَيْسَتْ هَذِهِ لُغَةَ الْعَرَبِ وَلَا لُغَةَ أَحَدٍ مِنْ الْأُمَمِ؛ لَا لُغَةَ الْقُرْآنِ وَلَا غَيْرِهِ؛ وَلَا الْعُرْفِ الْعَامِّ وَلَا اصْطِلَاحِ أَكْثَرِ الْخَائِضِينَ فِي الْعِلْمِ؛ بَلْ مُبْتَدِعُو هَذَا الِاصْطِلَاحِ: هُمْ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ المحدثين فِي الْأُمَّةِ الدَّاخِلِينَ فِي ذَمِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَبِكُلِّ حَالٍ فَمُجَرَّدُ هَذَا الِاصْطِلَاحِ وَتَسْمِيَةُ هَذِهِ أَعْرَاضًا وَحَوَادِثَ: لَا يُخْرِجُهَا عَنْ أَنَّهَا مِنْ الْكَمَالِ الَّذِي يَكُونُ الْمُتَّصِفُ بِهِ أَكْمَلَ مِمَّنْ لَا يُمْكِنُهُ الِاتِّصَافُ بِهَا. أَوْ يُمْكِنُهُ ذَلِكَ وَلَا يَتَّصِفُ بِهِ. وَ " أَيْضًا " فَإِذَا قُدِّرَ اثْنَانِ أَحَدُهُمَا مَوْصُوفٌ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ الَّتِي هِيَ أَعْرَاضٌ وَحَوَادِثُ عَلَى اصْطِلَاحِهِمْ؛ كَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَالْفِعْلِ وَالْبَطْشِ وَالْآخَرُ يَمْتَنِعُ أَنْ يَتَّصِفَ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ الَّتِي هِيَ أَعْرَاضُ وَحَوَادِثُ: كَانَ الْأَوَّلُ أَكْمَلَ كَمَا أَنَّ الْحَيَّ الْمُتَّصِفَ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ: أَكْمَلُ مِنْ الْجَمَادَاتِ.
(6/91)

وَكَذَلِكَ إذَا قُدِّرَ " اثْنَانِ " أَحَدُهُمَا يُحِبُّ نُعُوتَ الْكَمَالِ وَيَفْرَحُ بِهَا وَيَرْضَاهَا وَالْآخَرُ لَا فَرْقَ عِنْدَهُ بَيْنَ صِفَاتِ الْكَمَالِ وَصِفَاتِ النَّقْصِ؛ فَلَا يُحِبُّ لَا هَذَا وَلَا هَذَا وَلَا يَرْضَى لَا هَذَا وَلَا هَذَا وَلَا يَفْرَحُ لَا بِهَذَا وَلَا بِهَذَا: كَانَ الْأَوَّلُ أَكْمَلَ مِنْ الثَّانِي. وَمَعْلُومٌ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ وَالْمُتَّقِينَ وَالصَّابِرِينَ وَالْمُقْسِطِينَ وَيَرْضَى عَنْ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَهَذِهِ كُلُّهَا صِفَاتُ كَمَالٍ. وَكَذَلِكَ إذَا قُدِّرَ اثْنَانِ: أَحَدُهُمَا بِبَعْضِ الْمُتَّصِفِ بِضِدِّ الْكَمَالِ كَالظُّلْمِ وَالْجَهْلِ وَالْكَذِبِ وَيَغْضَبُ عَلَى مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ وَالْآخَرُ لَا فَرْقَ عِنْدَهُ بَيْنَ الْجَاهِلِ الْكَاذِبِ الظَّالِمِ وَبَيْنَ الْعَالِمِ الصَّادِقِ الْعَادِلِ لَا يُبْغِضُ لَا هَذَا وَلَا هَذَا وَلَا يَغْضَبُ لَا عَلَى هَذَا وَلَا عَلَى هَذَا: كَانَ الْأَوَّلُ أَكْمَلَ. وَكَذَلِكَ إذَا قُدِّرَ اثْنَانِ أَحَدُهُمَا يَقْدِرُ أَنْ يَفْعَلَ بِيَدَيْهِ وَيُقْبِلَ بِوَجْهِهِ. وَالْآخَرُ لَا يُمْكِنُهُ ذَلِكَ: إمَّا لِامْتِنَاعِ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَجْهٌ وَيَدَانِ وَإِمَّا لِامْتِنَاعِ الْفِعْلِ وَالْإِقْبَالِ عَلَيْهِ بِالْيَدَيْنِ وَالْوَجْهِ: كَانَ الْأَوَّلُ أَكْمَلَ. فَالْوَجْهُ وَالْيَدَانِ: لَا يُعَدَّانِ مِنْ صِفَاتِ النَّقْصِ فِي شَيْءٍ مِمَّا يُوصَفُ بِذَلِكَ وَوَجْهُ كُلِّ شَيْءٍ بِحَسَبِ مَا يُضَافُ إلَيْهِ وَهُوَ مَمْدُوحٌ بِهِ لَا مَذْمُومٌ كَوَجْهِ النَّهَارِ وَوَجْهِ الثَّوْبِ وَوَجْهِ الْقَوْمِ وَوَجْهِ الْخَيْلِ وَوَجْهِ الرَّأْيِ وَغَيْرِ ذَلِكَ؛ وَلَيْسَ الْوَجْهُ الْمُضَافُ إلَى غَيْرِهِ هُوَ نَفْسُ الْمُضَافِ إلَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْ مَوَارِدِ الِاسْتِعْمَالِ سَوَاءٌ قُدِّرَ الِاسْتِعْمَالُ حَقِيقَةً أَوْ مَجَازًا.
(6/92)

" فَإِنْ قِيلَ ": مَنْ يُمْكِنُهُ الْفِعْلُ بِكَلَامِهِ أَوْ بِقُدْرَتِهِ بِدُونِ يَدَيْهِ أَكْمَلُ مِمَّنْ يَفْعَلُ بِيَدَيْهِ. قِيلَ: مَنْ يُمْكِنُهُ الْفِعْلُ بِقُدْرَتِهِ أَوْ تَكْلِيمِهِ إذَا شَاءَ وَبِيَدَيْهِ إذَا شَاءَ: هُوَ أَكْمَلُ مِمَّنْ لَا يُمْكِنُهُ الْفِعْلُ إلَّا بِقُدْرَتِهِ أَوْ تَكْلِيمِهِ وَلَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَفْعَلَ بِالْيَدِ. وَلِهَذَا كَانَ " الْإِنْسَانُ " أَكْمَلَ مِنْ الْجَمَادَاتِ الَّتِي تَفْعَلُ بِقُوَى فِيهَا كَالنَّارِ وَالْمَاءِ فَإِذَا قُدِّرَ اثْنَانِ أَحَدُهُمَا لَا يُمْكِنُهُ الْفِعْلُ إلَّا بِقُوَّةِ فِيهِ وَالْآخَرُ يُمْكِنُهُ الْفِعْلُ بِقُوَّةِ فِيهِ وَبِكَلَامِهِ فَهَذَا أَكْمَلُ. فَإِذَا قُدِّرَ آخَرُ يَفْعَلُ بِقُوَّةِ فِيهِ وَبِكَلَامِهِ وَبِيَدَيْهِ إذَا شَاءَ فَهُوَ أَكْمَلُ وَأَكْمَلُ وَأَمَّا صِفَاتُ النَّقْصِ فَمِثْلَ النَّوْمِ فَإِنَّ الْحَيَّ الْيَقْظَانَ أَكْمَلُ مِنْ النَّائِمِ وَالْوَسْنَانِ. وَاَللَّهُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ وَكَذَلِكَ مَنْ يَحْفَظُ الشَّيْءَ بِلَا اكْتِرَاثٍ أَكْمَلُ مِمَّنْ يَكْرُثُهُ ذَلِكَ؛ وَاَللَّهُ تَعَالَى وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا. وَكَذَلِكَ مَنْ يَفْعَلُ وَلَا يَتْعَبُ: أَكْمَلُ مِمَّنْ يَتْعَبُ. وَاَللَّهُ تَعَالَى خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّهُ مِنْ لُغُوبٍ. وَلِهَذَا وُصِفَ الرَّبُّ بِالْعِلْمِ دُونَ الْجَهْلِ وَالْقُدْرَةِ دُونَ الْعَجْزِ وَالْحَيَاةِ دُونَ الْمَوْتِ وَالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَالْكَلَامِ دُونَ الصَّمَمِ وَالْعَمَى وَالْبُكْمِ وَالضَّحِكِ دُونَ الْبُكَاءِ وَالْفَرَحِ دُونَ الْحُزْنِ.
(6/93)

وَأَمَّا الْغَضَبُ مَعَ الرِّضَا وَالْبُغْضُ مَعَ الْحُبِّ فَهُوَ أَكْمَلُ مِمَّنْ لَا يَكُونُ مِنْهُ إلَّا الرِّضَا وَالْحُبُّ دُونَ الْبُغْضِ وَالْغَضَبُ لِلْأُمُورِ الْمَذْمُومَةِ الَّتِي تَسْتَحِقُّ أَنْ تُذَمَّ وَتُبْغَضَ. وَلِهَذَا كَانَ اتِّصَافُهُ بِأَنَّهُ يُعْطِي وَيَمْنَعُ وَيَخْفِضُ وَيَرْفَعُ وَيُعِزُّ وَيُذِلُّ: أَكْمَلَ مِنْ اتِّصَافِهِ بِمُجَرَّدِ الْإِعْطَاءِ وَالْإِعْزَازِ وَالرَّفْعِ؛ لِأَنَّ الْفِعْلَ الْآخَرَ - حَيْثُ تَقْتَضِي الْحِكْمَةُ ذَلِكَ - أَكْمَلُ مِمَّا لَا يَفْعَلُ إلَّا أَحَدَ النَّوْعَيْنِ وَيُخِلُّ بِالْآخَرِ فِي الْمَحَلِّ الْمُنَاسِبِ لَهُ وَمَنْ اعْتَبَرَ هَذَا الْبَابَ وَجَدَهُ عَلَى قَانُونِ الصَّوَابِ وَاَللَّهُ الْهَادِي لِأُولِي الْأَلْبَابِ.
(6/94)

فَصْلٌ:
وَأَمَّا قَوْلُ مَلَاحِدَةِ " الْمُتَفَلْسِفَةِ " وَغَيْرِهِمْ: إنَّ اتِّصَافَهُ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ إنْ أَوْجَبَ لَهُ كَمَالًا فَقَدْ اُسْتُكْمِلَ بِغَيْرِهِ فَيَكُونُ نَاقِصًا بِذَاتِهِ وَإِنْ أَوْجَبَ لَهُ نَقْصًا لَمْ يَجُزْ اتِّصَافُهُ بِهَا. فَيُقَالُ: قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْكَمَالَ الْمُعَيَّنَ هُوَ الْكَمَالُ الْمُمْكِنُ الْوُجُودَ الَّذِي لَا نَقْصَ فِيهِ. وَحِينَئِذٍ فَقَوْلُ الْقَائِلِ يَكُونُ نَاقِصًا بِذَاتِهِ إنْ أَرَادَ بِهِ أَنْ يَكُونَ بِدُونِ هَذِهِ الصِّفَاتِ نَاقِصًا فَهَذَا حَقٌّ؛ لَكِنْ مِنْ هَذَا فَرَرْنَا وَقَدَّرْنَا أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ وَإِلَّا كَانَ نَاقِصًا. وَإِنْ أَرَادَ بِهِ أَنَّهُ إنَّمَا صَارَ كَامِلًا بِالصِّفَاتِ الَّتِي اتَّصَفَ بِهَا فَلَا يَكُونُ كَامِلًا بِذَاتِهِ الْمُجَرَّدَةِ عَنْ هَذِهِ الصِّفَاتِ. فَيُقَالُ أَوَّلًا: هَذَا إنَّمَا يَتَوَجَّهُ أَنَّهُ لَوْ أَمْكَنَ وُجُودُ ذَاتٍ مُجَرَّدَةٍ عَنْ هَذِهِ الصِّفَاتِ أَوْ أَمْكَنَ وُجُودُ ذَاتٍ كَامِلَةٍ مُجَرَّدَةٍ عَنْ هَذِهِ الصِّفَاتِ فَإِذَا كَانَ أَحَدُ هَذَيْنِ مُمْتَنِعًا امْتَنَعَ كَمَالِهِ بِدُونِ هَذِهِ الصِّفَاتِ فَكَيْفَ إذَا كَانَ كِلَاهُمَا مُمْتَنِعًا؟ فَإِنَّ وُجُودَ ذَاتٍ كَامِلَةٍ بِدُونِ هَذِهِ الصِّفَاتِ مُمْتَنِعٌ فَإِنَّا نَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أَنَّ " الذَّاتَ " الَّتِي لَا تَكُونُ حَيَّةً عَلِيمَةً قَدِيرَةً سَمِيعَةً بَصِيرَةً مُتَكَلِّمَةً: لَيْسَتْ أَكْمَلَ مِنْ الذَّاتِ الَّتِي لَا تَكُونُ حَيَّةً عَلِيمَةً سَمِيعَةً بَصِيرَةً مُتَكَلِّمَةً. وَإِذَا كَانَ صَرِيحُ الْعَقْلِ يَقْضِي بِأَنَّ الذَّاتَ الْمَسْلُوبَةَ هَذِهِ الصِّفَاتِ لَيْسَتْ مِثْلَ
(6/95)

الذَّاتِ الْمُتَّصِفَةِ؛ فَضْلًا عَنْ أَنْ تَكُونَ أَكْمَلَ مِنْهَا وَيَقْضِي بِأَنَّ الذَّاتَ الْمُتَّصِفَةَ بِهَا أَكْمَلُ عُلِمَ بِالضَّرُورَةِ امْتِنَاعُ كَمَالِ الذَّاتِ بِدُونِ هَذِهِ الصِّفَات فَإِنْ قِيلَ بَعْدَ ذَلِكَ لَا تَكُونُ ذَاتُهُ نَاقِصَةً مَسْلُوبَةَ الْكَمَالِ إلَّا بِهَذِهِ الصِّفَات. قِيلَ: الْكَمَالُ بِدُونِ هَذِهِ الصِّفَاتِ مُمْتَنِعٌ وَعَدَمُ الْمُمْتَنِعِ لَيْسَ نَقْصًا وَإِنَّمَا النَّقْصُ عَدَمُ مَا يُمْكِنُ. وَأَيْضًا فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ يُمْكِنُ اتِّصَافُهُ بِالْكَمَالِ وَمَا اتَّصَفَ بِهِ وَجَبَ لَهُ وَامْتَنَعَ تَجَرُّدُ ذَاتِهِ عَنْ هَذِهِ الصِّفَاتِ؛ فَكَانَ تَقْدِيرُ ذَاتِهِ مُنْفَكَّةً عَنْ هَذِهِ الصِّفَاتِ تَقْدِيرًا مُمْتَنِعًا. وَإِذَا قُدِّرَ لِلذَّاتِ تَقْدِيرٌ مُمْتَنِعٌ وَقِيلَ إنَّهَا نَاقِصَةٌ بِدُونِهِ: كَانَ ذَلِكَ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى امْتِنَاعِ ذَلِكَ التَّقْدِيرِ؛ لَا عَلَى امْتِنَاعِ نَقِيضِهِ كَمَا لَوْ قِيلَ: إذَا مَاتَ كَانَ نَاقِصًا فَهَذَا يَقْتَضِي وُجُوبَ كَوْنِهِ حَيًّا كَذَلِكَ إذَا كَانَ تَقْدِيرُ ذَاتِهِ خَالِيَةً عَنْ هَذِهِ الصِّفَات يُوجِبُ أَنْ تَكُونَ نَاقِصَةً: كَانَ ذَلِكَ مِمَّا يَسْتَلْزِمُ أَنْ يُوصَفَ بِهَذِهِ الصِّفَات. وَأَيْضًا فَقَوْلُ الْقَائِلِ: اكْتَمَلَ بِغَيْرِهِ مَمْنُوعٌ؛ فَإِنَّا لَا نُطْلِقُ عَلَى صِفَاتِهِ أَنَّهَا غَيْرُهُ وَلَا أَنَّهَا لَيْسَتْ غَيْرَهُ؛ عَلَى مَا عَلَيْهِ " أَئِمَّةُ السَّلَفِ " كَالْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَغَيْرِهِ وَهُوَ اخْتِيَارُ حُذَّاقِ الْمُثْبِتَةِ؛ كَابْنِ كُلَّابٍ وَغَيْرِهِ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: أَنَا لَا أُطْلِقُ عَلَيْهَا أَنَّهَا لَيْسَتْ هِيَ هُوَ وَلَا أُطْلِقُ عَلَيْهَا أَنَّهَا لَيْسَتْ غَيْرَهُ وَلَا أَجْمَعُ بَيْنَ السلبين فَأَقُولُ لَا هِيَ هُوَ وَلَا هِيَ غَيْرُهُ. وَهُوَ اخْتِيَارُ طَائِفَة مِنْ الْمُثْبِتَةِ كَالْأَشْعَرِيِّ؛ وَأَظُنُّ أَنَّ قَوْل أَبِي الْحَسَنِ التَّمِيمِيِّ هُوَ هَذَا أَوْ مَا يُشْبِهُ هَذَا.
(6/96)

وَمِنْهُمْ مَنْ يُجَوِّزُ إطْلَاقَ هَذَا السَّلْبِ وَهَذَا السَّلْبِ: فِي إطْلَاقِهِمَا جَمِيعًا كَالْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ وَالْقَاضِي أَبِي يَعْلَى. وَمَنْشَأُ هَذَا أَنَّ لَفْظَ " الْغَيْرِ " يُرَادُ بِهِ الْمُغَايِرُ لِلشَّيْءِ وَيُرَادُ بِهِ مَا لَيْسَ هُوَ إيَّاهُ وَكَانَ فِي إطْلَاقِ الْأَلْفَاظِ الْمُجْمَلَةِ إيهَامٌ لِمَعَانِي فَاسِدَةٍ. وَنَحْنُ نُجِيبُ بِجَوَابِ عِلْمِيٍّ فَنَقُولُ: قَوْل الْقَائِلِ: يَتَكَمَّلُ بِغَيْرِهِ. أَيُرِيدُ بِهِ بِشَيْءِ مُنْفَصِلٍ عَنْهُ أَمْ يُرِيدُ بِصِفَةِ لَوَازِمِ ذَاتِهِ؟ أَمَّا الْأَوَّلُ فَمُمْتَنِعٌ. وَأَمَّا الثَّانِي فَهُوَ حَقٌّ وَلَوَازِمُ ذَاتِهِ لَا يُمْكِنُ وُجُودُ ذَاتِهِ بِدُونِهَا؛ كَمَا لَا يُمْكِنُ وُجُودُهَا بِدُونِهِ وَهَذَا كَمَالٌ بِنَفْسِهِ لَا بِشَيْءِ مُبَايِنٍ لِنَفْسِهِ. وَقَدْ نَصَّ الْأَئِمَّةُ - كَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَغَيْرِهِ - وَأَئِمَّةِ الْمُثْبِتَةِ كَأَبِي مُحَمَّدِ بْنِ كُلَّابٍ وَغَيْرِهِ عَلَى أَنَّ الْقَائِلَ إذَا قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ. أَوْ قَالَ: دَعَوْت اللَّهَ وَعَبَدْته. أَوْ قَالَ: بِاَللَّهِ. فَاسْمُ اللَّهِ مُتَنَاوِلٌ لِذَاتِهِ الْمُتَّصِفَةِ بِصِفَاتِهِ؛ وَلَيْسَتْ صِفَاتُهُ زَائِدَةً عَلَى مُسَمَّى أَسْمَائِهِ الْحُسْنَى. وَإِذَا قِيلَ: هَلْ صِفَاتُهُ زَائِدَةٌ عَلَى الذَّاتِ أَمْ لَا؟ قِيلَ: إنْ أُرِيدَ بِالذَّاتِ الْمُجَرَّدَةِ الَّتِي يُقِرُّ بِهَا نفاة الصِّفَات فَالصِّفَاتُ زَائِدَةٌ عَلَيْهَا وَإِنْ أُرِيدَ بِالذَّاتِ الذَّاتُ الْمَوْجُودَةُ فِي الْخَارِجِ فَتِلْكَ لَا تَكُونُ مَوْجُودَةً إلَّا بِصِفَاتِهَا اللَّازِمَةِ. وَالصِّفَاتُ لَيْسَتْ زَائِدَةً عَلَى الذَّاتِ الْمُتَّصِفَةِ بِالصِّفَاتِ وَإِنْ كَانَتْ زَائِدَةً عَلَى الذَّاتِ الَّتِي يُقَدَّرُ تَجَرُّدُهَا عَنْ الصِّفَاتِ.
(6/97)

فَصْلٌ:
وَأَمَّا قَوْلُ الْقَائِلِ: لَوْ قَامَتْ بِهِ صِفَاتٌ وُجُودِيَّةٌ لَكَانَ مُفْتَقِرًا إلَيْهَا وَهِيَ مُفْتَقِرَةً إلَيْهِ فَيَكُونُ الرَّبُّ مُفْتَقِرًا إلَى غَيْرِهِ فَهُوَ مِنْ جِنْسِ السُّؤَالِ الْأَوَّلِ. فَيُقَالُ أَوَّلًا: قَوْلُ الْقَائِلِ: " لَوْ قَامَتْ بِهِ صِفَاتٌ وُجُودِيَّةٌ لَكَانَ مُفْتَقِرًا إلَيْهَا " يَقْتَضِي إمْكَانَ جَوْهَرٍ تَقُومُ بِهِ الصِّفَاتُ؛ وَإِمْكَانَ ذَاتٍ لَا تَقُومُ بِهَا الصِّفَاتُ؛ فَلَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا مُمْتَنِعًا لَبَطَلَ هَذَا الْكَلَامُ فَكَيْفَ إذَا كَانَ كِلَاهُمَا مُمْتَنِعًا؟ فَإِنَّ تَقْدِيرَ ذَاتٍ مُجَرَّدَةٍ عَنْ جَمِيعِ الصِّفَاتِ إنَّمَا يُمْكِنُ فِي الذِّهْنِ لَا فِي الْخَارِجِ كَتَقْدِيرِ وُجُودٍ مُطْلَقٍ لَا يَتَعَيَّنُ فِي الْخَارِجِ. وَلَفْظُ " ذَاتٍ " تَأْنِيثُ ذُو وَذَلِكَ لَا يُسْتَعْمَلُ إلَّا فِيمَا كَانَ مُضَافًا إلَى غَيْرِهِ فَهُمْ يَقُولُونَ: فُلَانٌ ذُو عِلْمٍ وَقُدْرَةٍ وَنَفْسٌ ذَاتُ عِلْمٍ وَقُدْرَةٍ. وَحَيْثُ جَاءَ فِي الْقُرْآنِ أَوْ لُغَةِ الْعَرَبِ لَفْظُ " ذُو " وَلَفْظُ " ذَاتُ " لَمْ يَجِئْ إلَّا مَقْرُونًا بِالْإِضَافَةِ كَقَوْلِهِ {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ} وَقَوْلِهِ: {عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} .
وَقَوْلِ خَبِيبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: وَذَلِكَ فِي ذَاتِ الْإِلَهِ. . . .
(6/98)

وَنَحْوِ ذَلِكَ. لَكِنْ لَمَّا صَارَ النُّظَّارُ يَتَكَلَّمُونَ فِي هَذَا الْبَابِ قَالُوا: إنَّهُ يُقَالُ إنَّهَا ذَاتُ عِلْمٍ وَقُدْرَةٍ ثُمَّ إنَّهُمْ قَطَعُوا هَذَا اللَّفْظَ عَنْ الْإِضَافَةِ وَعَرَّفُوهُ؛ فَقَالُوا: " الذَّاتُ " وَهِيَ لَفْظٌ مُوَلَّدٌ لَيْسَ مِنْ لَفْظِ الْعَرَبِ الْعَرْبَاءِ وَلِهَذَا أَنْكَرَهُ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ كَأَبِي الْفَتْحِ بْنِ بُرْهَانَ وَابْنِ الدَّهَّانِ وَغَيْرِهِمَا وَقَالُوا: لَيْسَتْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ عَرَبِيَّةً وَرَدَّ عَلَيْهِمْ آخَرُونَ كَالْقَاضِي وَابْنِ عَقِيلٍ وَغَيْرِهِمَا. (وَفَصْلُ الْخِطَابِ: أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ الْعَرَبِيَّةِ الْعَرْبَاءِ بَلْ مِنْ الْمُوَلَّدَةِ كَلَفْظِ الْمَوْجُودِ وَلَفْظِ الْمَاهِيَّةِ وَالْكَيْفِيَّةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَهَذَا اللَّفْظُ يَقْتَضِي وُجُودَ صِفَاتٍ تُضَافُ الذَّاتُ إلَيْهَا فَيُقَالُ: ذَاتُ عِلْمٍ وَذَاتُ قُدْرَةٍ وَذَاتُ كَلَامٍ وَالْمَعْنَى كَذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ وُجُودُ شَيْءٍ قَائِمٍ بِنَفْسِهِ فِي الْخَارِجِ لَا يَتَّصِفُ بِصِفَةِ ثُبُوتِيَّةٍ أَصْلًا؛ بَلْ فَرْضُ هَذَا فِي الْخَارِجِ كَفَرْضِ عَرَضٍ يَقُومُ بِنَفْسِهِ لَا بِغَيْرِهِ. فَفَرْضُ عَرَضٍ قَائِمٍ بِنَفْسِهِ لَا صِفَةَ لَهُ كَفَرْضِ صِفَةٍ لَا تَقُومُ بِغَيْرِهَا وَكِلَاهُمَا مُمْتَنِعٌ فَمَا هُوَ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ صِفَةٍ وَمَا كَانَ صِفَةً فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ قَائِمٍ بِنَفْسِهِ مُتَّصِفٍ بِهِ. وَلِهَذَا سَلَّمَ الْمُنَازِعُونَ أَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ قَائِمًا بِنَفْسِهِ لَا صِفَةَ لَهُ سَوَاءٌ سَمَّوْهُ جَوْهَرًا أَوْ جِسْمًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ وَيَقُولُونَ: وُجُودُ جَوْهَرٍ مُعَرًّى عَنْ جَمِيعِ
(6/99)

الْأَعْرَاضِ مُمْتَنِعٌ فَمَنْ قَدَّرَ إمْكَانَ مَوْجُودٍ قَائِمٍ بِنَفْسِهِ لَا صِفَةَ لَهُ فَقَدَ قَدَّرَ مَا لَا يُعْلَمُ وُجُودُهُ فِي الْخَارِجِ وَلَا يُعْلَمُ إمْكَانُهُ فِي الْخَارِجِ فَكَيْفَ إذَا عُلِمَ أَنَّهُ مُمْتَنِعٌ فِي الْخَارِجِ عَنْ الذِّهْنِ. وَكَلَامُ نفاة الصِّفَاتِ جَمِيعُهُ يَقْتَضِي أَنَّ ثُبُوتَهُ مُمْتَنِعٌ وَإِنَّمَا يُمْكِنُ فَرْضُهُ فِي الْعَقْلِ فَالْعَقْلُ يُقَدِّرُهُ فِي نَفْسِهِ كَمَا يُقَدِّرُ مُمْتَنِعَاتٍ لَا يُعْقَلُ وُجُودُهَا فِي الْوُجُودِ وَلَا إمْكَانُهَا فِي الْوُجُودِ. وَأَيْضًا " فَالرَّبُّ تَعَالَى " إذَا كَانَ اتِّصَافُهُ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ مُمْكِنًا - وَمَا أَمْكَنَ لَهُ وَجَبَ - امْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ مَسْلُوبًا صِفَاتِ الْكَمَالِ فَفَرْضُ ذَاتِهِ بِدُونِ صِفَاتِهِ اللَّازِمَةِ الْوَاجِبَةِ لَهُ فَرْضٌ مُمْتَنِعٌ. وَحِينَئِذٍ فَإِذَا كَانَ فَرْضُ عَدَمِ هَذَا مُمْتَنِعًا عُمُومًا وَخُصُوصًا: فَقَوْلُ الْقَائِلِ: يَكُونُ مُفْتَقِرًا إلَيْهَا وَتَكُونُ مُفْتَقِرَةً إلَيْهِ إنَّمَا يُعْقَلُ مِثْلُ هَذَا فِي شَيْئَيْنِ. يُمْكِنُ وُجُودُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا دُونَ الْآخَرِ فَإِذَا امْتَنَعَ هَذَا بَطَلَ هَذَا التَّقْدِيرُ. ثُمَّ يُقَالُ لَهُ: مَا تَعْنِي بِالِافْتِقَارِ؟ أَتَعْنِي أَنَّ الذَّاتَ تَكُونُ فَاعِلَةً لِلصِّفَاتِ مُبْدِعَةً لَهَا أَوْ بِالْعَكْسِ؟ أَمْ تَعْنِي التَّلَازُمَ وَهُوَ أَنْ لَا يَكُونَ أَحَدُهُمَا إلَّا بِالْآخَرِ؟ فَإِنْ عَنَيْت افْتِقَارَ الْمَفْعُولِ إلَى الْفَاعِلِ فَهَذَا بَاطِلٌ فَإِنَّ الرَّبَّ لَيْسَ بِفَاعِلِ لِصِفَاتِهِ اللَّازِمَةِ لَهُ بَلْ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ مُعَيَّنٌ مِنْ أَفْعَالِهِ وَمَفْعُولَاتِهِ. فَكَيْفَ تَجْعَلُ صِفَاتِهِ مَفْعُولَةً لَهُ وَصِفَاتُهُ لَازِمَةٌ لِذَاتِهِ لَيْسَتْ مِنْ مَفْعُولَاتِهِ؟ وَإِنْ عَنَيْت التَّلَازُمَ فَهُوَ حَقٌّ.
(6/100)

وَهَذَا كَمَا يُقَالُ: لَا يَكُونُ مَوْجُودًا إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدِيمًا وَاجِبًا بِنَفْسِهِ وَلَا يَكُونُ عَالِمًا قَادِرًا إلَّا أَنْ يَكُونَ حَيًّا فَإِذَا كَانَتْ صِفَاتُهُ مُلَازِمَةً (لِذَاتِهِ كَانَ ذَلِكَ أَبْلَغَ فِي الْكَمَالِ مِنْ جَوَازِ التَّفْرِيقِ بَيْنَهُمَا فَإِنَّهُ لَوْ جَازَ وُجُودُهُ بِدُونِ صِفَاتِ الْكَمَالِ: لَمْ يَكُنْ الْكَمَالُ وَاجِبًا لَهُ بَلْ مُمْكِنًا لَهُ؛ وَحِينَئِذٍ فَكَانَ يَفْتَقِرُ فِي ثُبُوتِهَا لَهُ إلَى غَيْرِهِ وَذَلِكَ نَقْصٌ مُمْتَنِعٌ عَلَيْهِ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ؛ فَعُلِمَ أَنَّ التَّلَازُمَ بَيْنَ الذَّاتِ وَصِفَاتِ الْكَمَالِ: هُوَ كَمَالُ الْكَمَالِ.
(6/101)

فَصْلٌ:
وَأَمَّا الْقَائِلُ: إنَّهَا أَعْرَاضٌ لَا تَقُومُ إلَّا بِجِسْمِ مُرَكَّبٍ وَالْمُرَكَّبُ مُمْكِنٌ مُحْتَاجٌ وَذَلِكَ عَيْنُ النَّقْصِ. فَلِلْمُثْبِتَةِ لِلصِّفَاتِ فِي إطْلَاقِ لَفْظِ " الْعَرَضِ " عَلَى صِفَاتِهِ ثَلَاثُ طُرُقٍ:
مِنْهُمْ مَنْ يَمْنَعُ أَنْ تَكُونَ أَعْرَاضًا: وَيَقُولُ: بَلْ هِيَ صِفَاتٌ وَلَيْسَتْ أَعْرَاضًا كَمَا يَقُولُ ذَلِكَ الْأَشْعَرِيُّ وَكَثِيرٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ يُطْلِقُ عَلَيْهَا لَفْظَ الْأَعْرَاضِ كَهِشَامِ وَابْنِ كَرَّامٍ وَغَيْرِهِمَا.
وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْتَنِعُ مِنْ الْإِثْبَاتِ وَالنَّفْيِ كَمَا قَالُوا فِي لَفْظِ الْغَيْرِ وَكَمَا امْتَنَعُوا عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ فِي لَفْظِ الْجِسْمِ وَنَحْوِهِ فَإِنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ: " الْعِلْمُ عَرَضٌ " بِدْعَةٌ وَقَوْلَهُ: لَيْسَ بِعَرَضٍ " بِدْعَةٌ " كَمَا أَنَّ قَوْلَهُ " الرَّبُّ جِسْمٌ " بِدْعَةٌ وَقَوْلَهُ " لَيْسَ بِجِسْمِ " بِدْعَةٌ. وَكَذَلِكَ أَيْضًا لَفْظُ " الْجِسْمِ " يُرَادُ بِهِ فِي اللُّغَةِ: الْبَدَنُ وَالْجَسَدُ كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ الْأَصْمَعِيُّ وَأَبُو زَيْدٍ وَغَيْرُهُمَا مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ.
وَأَمَّا أَهْلُ الْكَلَامِ فَمِنْهُمْ مَنْ يُرِيدُ بِهِ الْمُرَكَّبَ وَيُطْلِقُهُ عَلَى الْجَوْهَرِ الْفَرْدِ
(6/102)

بِشَرْطِ التَّرْكِيبِ أَوْ عَلَى الْجَوْهَرَيْنِ أَوْ عَلَى أَرْبَعَةِ جَوَاهِرَ أَوْ سِتَّةٍ أَوْ ثَمَانِيَةٍ أَوْ سِتَّةَ عَشَرَ أَوْ اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ أَوْ الْمُرَكَّبِ مِنْ الْمَادَّةِ وَالصُّورَةِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: هُوَ الْمَوْجُودُ أَوْ الْقَائِمُ بِنَفْسِهِ. وَعَامَّةُ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ يَجْعَلُونَ الْمُشَارَ إلَيْهِ مُتَسَاوِيًا فِي الْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ فَلَمَّا كَانَ اللَّفْظُ قَدْ صَارَ يُفْهَمُ مِنْهُ مَعَانٍ بَعْضُهَا حَقٌّ وَبَعْضُهَا بَاطِلٌ: صَارَ مُجْمَلًا.
وَحِينَئِذٍ فَالْجَوَابُ الْعِلْمِيُّ أَنْ يُقَالَ: أَتَعْنِي بِقَوْلِك أَنَّهَا أَعْرَاضٌ أَنَّهَا قَائِمَةٌ بِالذَّاتِ أَوْ صِفَةٌ لِلذَّاتِ وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنْ الْمَعَانِي الصَّحِيحَةِ؟ أَمْ تَعْنِي بِهَا أَنَّهَا آفَاتٌ وَنَقَائِصُ؟ أَمْ تَعْنِي بِهَا أَنَّهَا تَعْرِضُ وَتَزُولُ وَلَا تَبْقَى زَمَانَيْنِ؟ فَإِنْ عَنَيْت الْأَوَّلَ فَهُوَ صَحِيحٌ وَإِنْ عَنَيْت الثَّانِيَ فَهُوَ مَمْنُوعٌ وَإِنْ عَنَيْت الثَّالِثَ فَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ: الْعَرَضُ لَا يَبْقَى زَمَانَيْنِ. فَمَنْ قَالَ ذَلِكَ وَقَالَ: هِيَ بَاقِيَةٌ قَالَ: لَا أُسَمِّيهَا أَعْرَاضًا وَمَنْ قَالَ بَلْ الْعَرَضُ يَبْقَى زَمَانَيْنِ لَمْ يَكُنْ هَذَا مَانِعًا مِنْ تَسْمِيَتِهَا أَعْرَاضًا. وَقَوْلُك: الْعَرَضُ لَا يَقُومُ إلَّا بِجِسْمِ. فَيُقَالُ لَك هُوَ حَيٌّ عَلِيمٌ قَدِيرٌ عِنْدَك. وَهَذِهِ الْأَسْمَاءُ لَا يُسَمَّى بِهَا إلَّا جِسْمٌ كَمَا أَنَّ هَذِهِ الصِّفَات الَّتِي جَعَلْتهَا أَعْرَاضًا لَا يُوصَفُ بِهَا إلَّا جِسْمٌ فَمَا كَانَ جَوَابَك عَنْ ثُبُوتِ الْأَسْمَاءِ: كَانَ جَوَابًا لِأَهْلِ الْإِثْبَاتِ عَنْ إثْبَاتِ الصِّفَاتِ. وَيُقَالُ لَهُ: مَا تَعْنِي بِقَوْلِك: هَذِهِ الصِّفَاتُ أَعْرَاضٌ لَا تَقُومُ إلَّا بِجِسْمِ؟ أَتَعْنِي
(6/103)

بِالْجِسْمِ الْمُرَكَّبَ الَّذِي كَانَ مُفْتَرِقًا فَاجْتَمَعَ؟ أَوْ مَا رَكَّبَهُ مُرَكِّبٌ فَجَمَعَ أَجْزَاءَهُ؟ أَوْ مَا أَمْكَنَ تَفْرِيقُهُ وَتَبْعِيضُهُ وَانْفِصَالُ بَعْضِهِ عَنْ بَعْضٍ وَنَحْوَ ذَلِكَ؟ أَمْ تَعْنِي بِهِ مَا هُوَ مُرَكَّبٌ مِنْ الْجَوَاهِرِ الْفَرْدَةِ أَوْ مِنْ الْمَادَّةِ وَالصُّورَةِ؟ أَوْ تَعْنِي بِهِ مَا يُمْكِنُ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ؟ أَوْ مَا كَانَ قَائِمًا بِنَفْسِهِ؟ أَوْ مَا هُوَ مَوْجُودٌ؟ . فَإِنْ عَنَيْت " الْأَوَّلَ " لَمْ نُسَلِّمْ أَنَّ هَذِهِ الصِّفَاتِ الَّتِي سَمَّيْتهَا أَعْرَاضًا لَا تَقُومُ إلَّا بِجِسْمِ بِهَذَا التَّفْسِيرِ وَإِنْ عَنَيْت بِهِ " الثَّانِيَ " لَمْ نُسَلِّمْ امْتِنَاعَ التَّلَازُمِ؛ فَإِنَّ الرَّبَّ تَعَالَى مَوْجُودٌ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ مُشَارٌ إلَيْهِ عِنْدَنَا فَلَا نُسَلِّمُ انْتِفَاءَ التَّلَازُمِ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ. وَقَوْلُ الْقَائِلِ: الْمُرَكَّبُ مُمْكِنٌ إنْ أَرَادَ بِالْمُرَكَّبِ: الْمَعَانِيَ الْمُتَقَدِّمَةَ مِثْلَ كَوْنِهِ كَانَ مُفْتَرِقًا فَاجْتَمَعَ أَوْ رَكَّبَهُ مُرَكِّبٌ أَوْ يَقْبَلُ الِانْفِصَالَ: فَلَا نُسَلِّمُ الْمُقَدِّمَةَ الْأَوْلَى التلازمية وَإِنْ عَنَى بِهِ مَا يُشَارُ إلَيْهِ أَوْ مَا يَكُونُ قَائِمًا بِنَفْسِهِ مَوْصُوفًا بِالصِّفَاتِ فَلَا نُسَلِّمُ انْتِفَاءَ الثَّانِيَةِ فَالْقَوْلُ بِالْأَعْرَاضِ مُرَكَّبٌ مِنْ (مُقَدِّمَتَيْنِ تلازمية واستثنائية بِأَلْفَاظِ مُجْمَلَةٍ؛ فَإِذَا اسْتَفْصَلَ عَنْ الْمُرَادِ حَصَلَ الْمَنْعُ وَالْإِبْطَالُ لِأَحَدِهِمَا أَوْ كِلَيْهِمَا، وَإِذَا بَطَلَتْ إحْدَى الْمُقَدِّمَتَيْنِ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ بَطَلَتْ الْحُجَّةُ.
(6/104)

فَصْلٌ:
وَأَمَّا قَوْلُ الْقَائِلِ: لَوْ قَامَتْ بِهِ الْأَفْعَالُ لَكَانَ مَحَلًّا لِلْحَوَادِثِ وَالْحَادِثُ إنْ أَوْجَبَ لَهُ كَمَالًا فَقَدْ عَدِمَهُ قَبْلَهُ وَهُوَ نَقْصٌ وَإِنْ لَمْ يُوجِبْ لَهُ كَمَالًا لَمْ يَجُزْ وَصْفُهُ بِهِ. فَيُقَالُ أَوَّلًا هَذَا مُعَارَضٌ بِنَظِيرِهِ مِنْ الْحَوَادِثِ الَّتِي يَفْعَلُهَا فَإِنَّ كِلَيْهِمَا حَادِثٌ بِقُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ وَإِنَّمَا يَفْتَرِقَانِ فِي الْمَحَلِّ. وَهَذَا التَّقْسِيمُ وَارِدٌ عَلَى الْجِهَتَيْنِ. وَإِنْ قِيلَ فِي الْفَرْقِ: الْمَفْعُولُ لَا يَتَّصِفُ بِهِ بِخِلَافِ الْفِعْلِ الْقَائِمِ بِهِ قِيلَ فِي الْجَوَابِ: بَلْ هُمْ يَصِفُونَهُ بِالصِّفَاتِ الْفِعْلِيَّةِ وَيُقَسِّمُونَ الصِّفَاتِ إلَى نَفْسِيَّةٍ وَفِعْلِيَّةٍ؛ فَيَصِفُونَهُ بِكَوْنِهِ خَالِقًا وَرَازِقًا بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ وَهَذَا التَّقْسِيمُ وَارِدٌ عَلَيْهِمْ. وَقَدْ أَوْرَدَهُ عَلَيْهِمْ الْفَلَاسِفَةُ فِي " مَسْأَلَةِ حُدُوثِ الْعَالَمِ " فَزَعَمُوا أَنَّ صِفَاتِ الْأَفْعَالِ لَيْسَتْ صِفَةَ كَمَالٍ وَلَا نَقْصٍ. فَيُقَالُ لَهُمْ: كَمَا قَالُوا لِهَؤُلَاءِ " فِي الْأَفْعَالِ " الَّتِي تَقُومُ بِهِ إنَّهَا لَيْسَتْ كَمَالًا وَلَا نَقْصًا. فَإِنْ قِيلَ: لَا بُدَّ أَنْ يَتَّصِفَ إمَّا بِنَقْصِ أَوْ بِكَمَالِ. قِيلَ: لَا بُدَّ أَنْ يَتَّصِفَ مِنْ
(6/105)

الصِّفَاتِ الْفِعْلِيَّةِ إمَّا بِنَقْصِ وَإِمَّا بِكَمَالِ فَإِنْ جَازَ ادِّعَاءُ خُلُوِّ أَحَدِهِمَا عَنْ الْقِسْمَيْنِ أَمْكَنَ الدَّعْوَى فِي الْآخَرِ مِثْلَهُ وَإِلَّا فَالْجَوَابُ مُشْتَرَكٌ. وَأَمَّا " الْمُتَفَلْسِفَةُ " فَيُقَالُ لَهُمْ: الْقَدِيمُ لَا تُحِلُّهُ الْحَوَادِثُ وَلَا يَزَالُ مَحَلًّا لِلْحَوَادِثِ عِنْدَكُمْ فَلَيْسَ الْقِدَمُ مَانِعًا مِنْ ذَلِكَ عِنْدَكُمْ؛ بَلْ عِنْدَكُمْ هَذَا هُوَ " الْكَمَالُ الْمُمْكِنُ " الَّذِي لَا يُمْكِنُ غَيْرُهُ وَإِنَّمَا نَفَوْهُ عَنْ وَاجِبِ الْوُجُودِ؛ لِظَنِّهِمْ عَدَمَ اتِّصَافِهِ بِهِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَى إبْطَالِ قَوْلِهِمْ فِي ذَلِكَ لَا سِيَّمَا وَمَا قَامَتْ بِهِ الْحَوَادِثُ الْمُتَعَاقِبَةُ يَمْتَنِعُ وُجُودُهُ عَنْ عِلَّةٍ تَامَّةٍ أَزَلِيَّةٍ مُوجِبَةٍ لِمَعْلُولِهَا؛ فَإِنَّ الْعِلَّةَ التَّامَّةَ الْمُوجِبَةَ يَمْتَنِعُ أَنْ يَتَأَخَّرَ عَنْهَا مَعْلُولُهَا أَوْ شَيْءٌ مِنْ مَعْلُولِهَا وَمَتَى تَأَخَّرَ عَنْهَا شَيْءٌ مِنْ مَعْلُولِهَا كَانَتْ عِلَّةً لَهُ بِالْقُوَّةِ لَا بِالْفِعْلِ وَاحْتَاجَ مَصِيرُهَا عِلَّةً بِالْفِعْلِ إلَى سَبَبٍ آخَرَ؛ فَإِنْ كَانَ الْمُخْرِجُ لَهَا مِنْ الْقُوَّةِ إلَى الْفِعْلِ هُوَ نَفْسُهُ: صَارَ فِيهِ مَا هُوَ بِالْقُوَّةِ وَهُوَ الْمُخْرِجُ لَهُ إلَى الْفِعْلِ؛ وَذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ أَنْ يَكُونَ قَابِلًا أَوْ فَاعِلًا وَهُمْ يَمْنَعُونَ ذَلِكَ لِامْتِنَاعِ الصِّفَاتِ الَّتِي يُسَمُّونَهَا التَّرْكِيبَ. وَإِنْ كَانَ الْمُخْرِجُ لَهُ غَيْرَهُ كَانَ ذَلِكَ مُمْتَنِعًا بِالضَّرُورَةِ وَالِاتِّفَاقِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُنَافِي وُجُوبَ الْوُجُودِ؛ وَلِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ " الدُّورَ المعي " وَ " التَّسَلْسُلَ فِي الْمُؤَثِّرَاتِ " وَإِنْ كَانَ هُوَ الَّذِي صَارَ فَاعِلًا لِلْمُعَيَّنِ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ امْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ عِلَّةً تَامَّةً أَزَلِيَّةً فَقِدَمُ شَيْءٍ مِنْ الْعَالَمِ يَسْتَلْزِمُ كَوْنَهُ عِلَّةً تَامَّةً فِي الْأَزَلِ وَذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ أَنْ لَا يَحْدُثَ عَنْهُ شَيْءٌ بِوَاسِطَةِ وَبِغَيْرِ وَاسِطَةٍ وَهَذَا مُخَالِفٌ لِلْمَشْهُودِ.
(6/106)

وَيُقَالُ ثَانِيًا: فِي إبْطَالِ قَوْلِ مَنْ جَعَلَ حُدُوثَ الْحَوَادِثِ مُمْتَنِعًا: - هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى تَجَدُّدِ هَذِهِ الْأُمُورِ بِتَجَدُّدِ الْإِضَافَاتِ وَالْأَحْوَالِ وَالْإِعْدَامِ؛ فَإِنَّ النَّاسَ مُتَّفِقُونَ عَلَى تَجَدُّدِ هَذِهِ الْأُمُورِ. وَفَرَّقَ الآمدي بَيْنَهُمَا مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ فَقَالَ: هَذِهِ حَوَادِثُ وَهَذِهِ مُتَجَدِّدَاتٌ وَالْفُرُوقُ اللَّفْظِيَّةُ لَا تُؤَثِّرُ فِي الْحَقَائِقِ الْعِلْمِيَّةِ. فَيُقَالُ: تَجَدُّدُ هَذِهِ الْمُتَجَدِّدَاتِ إنْ أَوْجَبَ لَهُ كَمَالًا فَقَدْ عَدِمَهُ قَبْلَهُ وَهُوَ نَقْصٌ وَإِنْ أَوْجَبَ لَهُ نَقْصًا لَمْ يَجُزْ وَصْفُهُ بِهِ.
وَيُقَالُ ثَالِثًا: الْكَمَالُ الَّذِي يَجِبُ اتِّصَافُهُ بِهِ هُوَ الْمُمْكِنُ الْوُجُودَ وَأَمَّا الْمُمْتَنِعُ فَلَيْسَ مِنْ الْكَمَالِ الَّذِي يَتَّصِفُ بِهِ مَوْجُودٌ وَالْحَوَادِثُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِقُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ يَمْتَنِعُ وُجُودُهَا جَمِيعًا فِي الْأَزَلِ؛ فَلَا يَكُونُ انْتِفَاؤُهَا فِي الْأَزَلِ نَقْصًا؛ لِأَنَّ انْتِفَاءَ الْمُمْتَنِعِ لَيْسَ بِنَقْصِ.
وَيُقَالُ رَابِعًا: إذَا قُدِّرَ ذَاتٌ تَفْعَلُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ وَهِيَ قَادِرَةٌ عَلَى الْفِعْلِ بِنَفْسِهَا وَذَاتٌ لَا يُمْكِنُهَا أَنْ تَفْعَلَ بِنَفْسِهَا شَيْئًا؛ بَلْ هِيَ كَالْجَمَادِ الَّذِي لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَتَحَرَّك كَانَتْ الْأُولَى أَكْمَلَ مِنْ الثَّانِيَةِ. فَعَدَمُ هَذِهِ الْأَفْعَالِ نَقْصٌ بِالضَّرُورَةِ. وَأَمَّا وُجُودُهَا بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ فَهُوَ الْكَمَالُ.
وَيُقَالُ خَامِسًا: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ عَدَمَ هَذِهِ مُطْلَقًا نَقْصٌ وَلَا كَمَالٌ وَلَا وُجُودُهَا مُطْلَقًا نَقْصٌ وَلَا كَمَالٌ؛ بَلْ وُجُودُهَا فِي الْوَقْتِ الَّذِي اقْتَضَتْهُ مَشِيئَتُهُ وَقُدْرَتُهُ
(6/107)

وَحِكْمَتُهُ هُوَ الْكَمَالُ وَوُجُودُهَا بِدُونِ ذَلِكَ نَقْصٌ وَعَدَمُهَا مَعَ اقْتِضَاءِ الْحِكْمَةِ عَدَمُهَا كَمَالٌ وَوُجُودُهَا حَيْثُ اقْتَضَتْ الْحِكْمَةُ وُجُودَهَا هُوَ الْكَمَالُ. وَإِذَا كَانَ الشَّيْءُ الْوَاحِدُ يَكُونُ وُجُودُهُ تَارَةً كَمَالًا وَتَارَةً نَقْصًا وَكَذَلِكَ عَدَمُهُ. بَطَلَ التَّقْسِيمُ الْمُطْلَقُ وَهَذَا كَمَا أَنَّ الشَّيْءَ يَكُونُ رَحْمَةً بِالْخَلْقِ إذَا احْتَاجُوا إلَيْهِ كَالْمَطَرِ. وَيَكُونُ عَذَابًا إذَا ضَرَّهُمْ فَيَكُونُ إنْزَالُهُ لِحَاجَتِهِمْ رَحْمَةً وَإِحْسَانًا وَالْمُحْسِنُ الرَّحِيمُ مُتَّصِفٌ بِالْكَمَالِ وَلَا يَكُونُ عَدَمُ إنْزَالِهِ - حَيْثُ يَضُرُّهُمْ - نَقْصًا بَلْ هُوَ أَيْضًا رَحْمَةٌ وَإِحْسَانٌ فَهُوَ مُحْسِنٌ بِالْوُجُودِ حِينَ كَانَ رَحْمَةً وَبِالْعَدَمِ حِينَ كَانَ الْعَدَمُ رَحْمَةً.
(6/108)

فَصْلٌ:
وَأَمَّا نَفْيُ النَّافِي " لِلصِّفَاتِ الْخَبَرِيَّةِ " الْمُعَيَّنَةِ؛ فلاستلزامها التَّرْكِيبَ الْمُسْتَلْزِمَ لِلْحَاجَةِ وَالِافْتِقَارِ: فَقَدْ تَقَدَّمَ جَوَابُ نَظِيرِهِ فَإِنَّهُ إنْ أُرِيدَ بِالتَّرْكِيبِ مَا هُوَ الْمَفْهُومُ مِنْهُ فِي اللُّغَةِ أَوْ فِي الْعُرْفِ الْعَامِّ أَوْ عُرْفِ بَعْضِ النَّاسِ - وَهُوَ مَا رَكَّبَهُ غَيْرُهُ - أَوْ كَانَ مُتَفَرِّقًا فَاجْتَمَعَ أَوْ مَا جَمَعَ الْجَوَاهِرَ الْفَرْدَةَ أَوْ الْمَادَّةَ وَالصُّورَةَ أَوْ مَا أَمْكَنَ مُفَارَقَةُ بَعْضِهِ لِبَعْضِ فَلَا نُسَلِّمُ الْمُقَدِّمَةَ الْأُولَى وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ إثْبَاتَ الْوَجْهِ وَالْيَدِ مُسْتَلْزِمٌ لِلتَّرْكِيبِ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ. وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ التَّلَازُمُ عَلَى مَعْنَى امْتِيَازِ شَيْءٍ عَنْ شَيْءٍ فِي نَفْسِهِ وَأَنَّ هَذَا لَيْسَ هَذَا: فَهَذَا لَازِمٌ لَهُمْ فِي الصِّفَاتِ الْمَعْنَوِيَّةِ الْمَعْلُومَةِ بِالْعَقْلِ كَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ فَإِنَّ الْوَاحِدَةَ مِنْ هَذِهِ الصِّفَات لَيْسَتْ هِيَ الْأُخْرَى؛ بَلْ كُلُّ صِفَةٍ مُمْتَازَةٍ بِنَفْسِهَا عَنْ الْأُخْرَى وَإِنْ كَانَتَا مُتَلَازِمَتَيْنِ يُوصَفُ بِهِمَا مَوْصُوفٌ وَاحِدٌ. وَنَحْنُ نَعْقِلُ هَذَا فِي صِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ كَأَبْعَاضِ الشَّمْسِ وَأَعْرَاضِهَا. وَأَيْضًا: فَإِنْ أُرِيدَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ وُجُودِ مَا بِالْحَاجَةِ وَالِافْتِقَارِ إلَى مُبَايِنٍ لَهُ فَهُوَ مَمْنُوعٌ وَإِنْ أُرِيدَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ وُجُودِ مَا هُوَ دَاخِلٌ فِي مُسَمَّى اسْمِهِ؛ وَأَنَّهُ يَمْتَنِعُ وُجُودُ الْوَاجِبِ بِدُونِ تِلْكَ الْأُمُورِ الدَّاخِلَةِ فِي مُسَمَّى اسْمِهِ،
(6/109)

فَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ نَفْسِهِ فَلَا بُدَّ لَهُ مِمَّا يَدْخُلُ فِي مُسَمَّاهَا بِطَرِيقِ الْأَوْلَى الْأَحْرَى. وَإِذَا قِيلَ: هُوَ مُفْتَقِرٌ إلَى نَفْسِهِ لَمْ يَكُنْ مَعْنَاهُ أَنَّ نَفْسَهُ تَفْعَلُ نَفْسَهُ؛ فَكَذَلِكَ مَا هُوَ دَاخِلٌ فِيهَا؛ وَلَكِنَّ الْعِبَارَةَ مُوهِمَةٌ مُجْمَلَةٌ فَإِذَا فُسِّرَ الْمَعْنَى زَالَ الْمَحْذُورُ. وَيُقَالُ أَيْضًا: نَحْنُ لَا نُطْلِقُ عَلَى هَذَا اللَّفْظِ الْغَيْرَ؛ فَلَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَكُونَ مُحْتَاجًا إلَى الْغَيْرِ فَهَذَا مِنْ جِهَةِ الْإِطْلَاقِ اللَّفْظِيِّ؛ وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ الدَّلِيلِ الْعِلْمِيِّ فَالدَّلِيلُ دَلَّ عَلَى وُجُودِ مَوْجُودٍ بِنَفْسِهِ لَا فَاعِلٍ وَلَا عِلَّةٍ فَاعِلَةٍ وَأَنَّهُ مُسْتَغْنٍ بِنَفْسِهِ عَنْ كُلِّ مَا يُبَايِنُهُ. وَأَمَّا الْوُجُودُ الَّذِي لَا يَكُونُ لَهُ صِفَةٌ وَلَا يَدْخُلُ فِي مُسَمَّى اسْمِهِ مَعْنَى مِنْ الْمَعَانِي الثُّبُوتِيَّةِ: فَهَذَا إذَا ادَّعَى الْمُدَّعِي أَنَّهُ الْمَعْنِيُّ بِوُجُوبِ الْوُجُودِ وَبِالْغَنِيِّ. قِيلَ لَهُ: لَكِنَّ هَذَا الْمَعْنَى لَيْسَ هُوَ مَدْلُولَ الْأَدِلَّةِ؛ وَلَكِنْ أَنْتَ قَدَّرْت أَنَّ هَذَا مُسَمَّى الِاسْمِ وَجَعْلُ اللَّفْظِ دَلِيلًا عَلَى هَذَا الْمَعْنَى لَا يَنْفَعُك إنْ لَمْ يُثْبِتْ أَنَّ الْمَعْنَى حَقٌّ فِي نَفْسِهِ وَلَا دَلِيلَ لَك عَلَى ذَلِكَ؛ بَلْ الدَّلِيلُ يَدُلُّ عَلَى نَقِيضِهِ. فَهَؤُلَاءِ عَمَدُوا إلَى لَفْظِ الْغَنِيِّ وَالْقَدِيمِ وَالْوَاجِبِ بِنَفْسِهِ فَصَارُوا يَحْمِلُونَهَا عَلَى مَعَانِي تَسْتَلْزِمُ مَعَانِيَ تُنَاقِضُ ثُبُوتَ الصِّفَاتِ وَتَوَسَّعُوا فِي التَّعْبِيرِ ثُمَّ ظَنُّوا أَنَّ هَذَا الَّذِي فَعَلُوهُ هُوَ مُوجِبُ الْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ وَغَيْرِهَا. وَهَذَا غَلَطٌ مِنْهُمْ.
(6/110)

فَمُوجِبُ الْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ لَا يُتَلَقَّى مِنْ مُجَرَّدِ التَّعْبِيرِ وَمُوجِبُ الْأَدِلَّةِ السَّمْعِيَّةِ يُتَلَقَّى مِنْ عُرْفِ الْمُتَكَلِّمِ بِالْخِطَابِ لَا مِنْ الْوَضْعِ الْمُحْدَثِ؛ فَلَيْسَ لِأَحَدِ أَنْ يَقُولَ: إنَّ الْأَلْفَاظَ الَّتِي جَاءَتْ فِي الْقُرْآنِ مَوْضُوعَةٌ لِمَعَانٍ ثُمَّ يُرِيدُ أَنْ يُفَسِّرَ مُرَادَ اللَّهِ بِتِلْكَ الْمَعَانِي؛ هَذَا مِنْ فِعْلِ أَهْلِ الْإِلْحَادِ الْمُفْتَرِينَ. فَإِنَّ هَؤُلَاءِ عَمَدُوا إلَى مَعَانٍ ظَنُّوهَا ثَابِتَةً؛ فَجَعَلُوهَا هِيَ مَعْنَى الْوَاحِدِ وَالْوَاجِبِ وَالْغَنِيِّ وَالْقَدِيمِ وَنَفْيِ الْمِثْلِ؛ ثُمَّ عَمَدُوا إلَى مَا جَاءَ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ مِنْ تَسْمِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى بِأَنَّهُ أَحَدٌ وَوَاحِدٌ عَلِيٌّ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنْ نَفْيِ الْمِثْلِ وَالْكُفُؤِ عَنْهُ. فَقَالُوا: هَذَا يَدُلُّ عَلَى الْمَعَانِي الَّتِي سَمَّيْنَاهَا بِهَذِهِ الْأَسْمَاءِ وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ الِافْتِرَاءِ عَلَى اللَّهِ. وَكَذَلِكَ " الْمُتَفَلْسِفَةُ " عَمَدُوا إلَى لَفْظِ الْخَالِقِ وَالْفَاعِلِ وَالصَّانِعِ وَالْمُحْدِثِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. فَوَضَعُوهَا لِمَعْنَى ابْتَدَعُوهُ وَقَسَّمُوا الْحُدُوثَ إلَى نَوْعَيْنِ: ذَاتِيٍّ وَزَمَانِيٍّ وَأَرَادُوا بِالذَّاتِيِّ كَوْنَ الْمَرْبُوبِ مُقَارِنًا لِلرَّبِّ أَزَلًا وَأَبَدًا؛ فَإِنَّ اللَّفْظَ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى لَا يُعْرَفُ فِي لُغَةِ أَحَدٍ مِنْ الْأُمَمِ؛ وَلَوْ جَعَلُوا هَذَا اصْطِلَاحًا لَهُمْ لَمْ تُنَازِعْهُمْ فِيهِ؛ لَكِنْ قَصَدُوا بِذَلِكَ التَّلْبِيسَ عَلَى النَّاسِ وَأَنْ يَقُولُوا نَحْنُ نَقُولُ بِحُدُوثِ الْعَالَمِ وَأَنَّ اللَّهَ خَالِقٌ لَهُ وَفَاعِلٌ لَهُ وَصَانِعٌ لَهُ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنْ الْمَعَانِي الَّتِي يُعْلَمُ بِالِاضْطِرَارِ أَنَّهَا تَقْتَضِي تَأَخُّرَ الْمَفْعُولِ لَا يُطْلَقُ عَلَى مَا كَانَ قَدِيمًا بِقِدَمِ الرَّبِّ مُقَارِنًا لَهُ أَزَلًا وَأَبَدًا. وَكَذَلِكَ فِعْلُ مَنْ فَعَلَ بِلَفْظِ " الْمُتَكَلِّمِ " وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَسْمَاءِ وَلَوْ فُعِلَ
(6/111)

هَذَا بِكَلَامِ سِيبَوَيْهِ وبقراط: لَفَسَدَ مَا ذَكَرُوهُ مِنْ النَّحْوِ وَالطِّبِّ؛ وَلَوْ فُعِلَ هَذَا بِكَلَامِ آحَادِ الْعُلَمَاءِ كَمَالِكِ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد وَأَبِي حَنِيفَةَ: لَفَسَدَ الْعِلْمُ بِذَلِكَ وَلَكَانَ مَلْبُوسًا عَلَيْهِمْ فَكَيْفَ إذَا فُعِلَ هَذَا بِكَلَامِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. وَهَذِهِ طَرِيقَةُ الْمَلَاحِدَةِ الَّذِينَ أَلْحَدُوا فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ وَآيَاتِهِ وَمَنْ شَارَكَهُمْ فِي بَعْضِ ذَلِكَ. مِثْلَ قَوْلِ مَنْ يَقُولُ: " الْوَاحِدُ " الَّذِي لَا يَنْقَسِمُ وَمَعْنَى قَوْلِهِ: لَا يَنْقَسِمُ أَيْ لَا يَتَمَيَّزُ مِنْهُ شَيْءٌ عَنْ شَيْءٍ وَيَقُولُ لَا تَقُومُ بِهِ صِفَةٌ. ثُمَّ زَعَمُوا أَنَّ الْأَحَدَ وَالْوَاحِدَ فِي الْقُرْآنِ يُرَادُ بِهِ هَذَا. وَمَعْلُومٌ أَنَّ كُلَّ مَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ اسْمِ الْوَاحِدِ وَالْأَحَدُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ} وَقَوْلِهِ: {قَالَتْ إحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ} وَقَوْلِهِ: {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} وَقَوْلِهِ: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ} وَقَوْلِهِ: {ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا} وَأَمْثَالِ ذَلِكَ يُنَاقِضُ مَا ذَكَرُوهُ فَإِنَّ هَذِهِ الْأَسْمَاءَ أُطْلِقَتْ عَلَى قَائِمٍ بِنَفْسِهِ مُشَارٍ إلَيْهِ يَتَمَيَّزُ مِنْهُ شَيْءٌ عَنْ شَيْءٍ. وَهَذَا الَّذِي يُسَمُّونَهُ فِي اصْطِلَاحِهِمْ جِسْمًا. وَكَذَلِكَ إذَا قَالُوا: الْمَوْصُوفَاتُ تَتَمَاثَلُ وَالْأَجْسَامُ تَتَمَاثَلُ وَالْجَوَاهِرُ تَتَمَاثَلُ وَأَرَادُوا أَنْ يَسْتَدِلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} عَلَى نَفْيِ مُسَمَّى هَذِهِ الْأُمُورِ الَّتِي سَمَّوْهَا بِهَذِهِ الْأَسْمَاءِ فِي اصْطِلَاحِهِمْ الْحَادِثِ كَانَ هَذَا افْتِرَاءً عَلَى الْقُرْآنِ؛ فَإِنَّ هَذَا لَيْسَ هُوَ الْمَثَلُ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ؛ وَلَا لُغَةِ الْقُرْآنِ وَلَا غَيْرِهِمَا. قَالَ تَعَالَى: {وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ} .
(6/112)

فَنَفَى مُمَاثَلَةَ هَؤُلَاءِ مَعَ اتِّفَاقِهِمْ فِي الْإِنْسَانِيَّةِ فَكَيْفَ يُقَالُ: إنَّ لُغَةَ الْعَرَبِ تُوجِبُ أَنَّ كُلَّ مَا يُشَارُ إلَيْهِ مِثْلُ كُلِّ مَا يُشَارُ إلَيْهِ. وَقَالَ تَعَالَى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ} {إرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ} {الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ} فَأَخْبَرَ أَنَّهُ لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ وَكِلَاهُمَا بَلَدٌ؛ فَكَيْفَ يُقَالُ إنَّ كُلَّ جِسْمٍ فَهُوَ مِثْلٌ لِكُلِّ جِسْمٍ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ حَتَّى يُحْمَلَ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} . وَقَدْ قَالَ الشَّاعِرُ: لَيْسَ كَمِثْلِ الْفَتَى زُهَيْرٌ وَقَالَ: مَا إنْ كَمِثْلِهِمْ فِي النَّاسِ مِنْ بَشَرٍ وَلَمْ يَقْصِدْ هَذَا أَنْ يَنْفِيَ وُجُودَ جِسْمٍ مِنْ الْأَجْسَامِ.
وَكَذَلِكَ لَفْظُ " التَّشَابُهِ " لَيْسَ هُوَ التَّمَاثُلَ فِي اللُّغَةِ قَالَ تَعَالَى: {وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا} وَقَالَ تَعَالَى {مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ} وَلَمْ يُرِدْ بِهِ شَيْئًا هُوَ مُمَاثِلٌ فِي اللُّغَةِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ هُنَا كَوْنَ الْجَوَاهِرِ مُتَمَاثِلَةً فِي الْعَقْلِ أَوْ لَيْسَتْ مُتَمَاثِلَةً؛ فَإِنَّ هَذَا مَبْسُوطٌ فِي مَوْضِعِهِ؛ بَلْ الْمُرَادُ أَنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ الَّتِي بِهَا نَزَلَ الْقُرْآنُ لَا يَجْعَلُونَ مُجَرَّدَ هَذَا مُوجِبًا لِإِطْلَاقِ اسْمِ الْمِثْلِ؛ وَلَا يَجْعَلُونَ نَفْيَ الْمِثْلِ نَفْيًا لِهَذَا فَحَمْلُ الْقُرْآنِ عَلَى ذَلِكَ كَذِبٌ عَلَى الْقُرْآنِ.
(6/113)

فَصْلٌ:
وَقَوْلُ الْقَائِلِ: " الْمُنَاسَبَةُ " لَفْظٌ مُجْمَلٌ؛ فَإِنَّهُ قَدْ يُرَادُ بِهَا التَّوَلُّدُ وَالْقَرَابَةُ فَيُقَالُ: هَذَا نَسِيبُ فُلَانٍ وَيُنَاسِبُهُ؛ إذَا كَانَ بَيْنَهُمْ قَرَابَةٌ مُسْتَنِدَةٌ إلَى الْوِلَادَةِ وَالْآدَمِيَّةِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ وَيُرَادُ بِهَا الْمُمَاثَلَةُ فَيُقَالُ: هَذَا يُنَاسِبُ هَذَا: أَيْ يُمَاثِلُهُ. وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَحَدٌ صَمَدٌ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ. وَيُرَادُ بِهَا الْمُوَافَقَةُ فِي مَعْنًى مِنْ الْمَعَانِي وَضِدُّهَا الْمُخَالَفَةُ. وَ " الْمُنَاسَبَةُ " بِهَذَا الِاعْتِبَارِ ثَابِتَةٌ فَإِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ تَعَالَى يُوَافِقُونَهُ فِيمَا يَأْمُرُ بِهِ فَيَفْعَلُونَهُ وَفِيمَا يُحِبُّهُ فَيُحِبُّونَهُ وَفِيمَا نَهَى عَنْهُ فَيَتْرُكُونَهُ وَفِيمَا يُعْطِيهِ فَيُصِيبُونَهُ. وَاَللَّهُ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ عَلِيمٌ يُحِبُّ الْعِلْمَ نَظِيفٌ يُحِبُّ النَّظَافَةَ مُحْسِنٌ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ مُقْسِطٌ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمَعَانِي؛ بَلْ هُوَ سُبْحَانَهُ يَفْرَحُ بِتَوْبَةِ التَّائِبِ أَعْظَمَ مِنْ فَرَحِ الْفَاقِدِ لِرَاحِلَتِهِ عَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ فِي الْأَرْضِ الْمُهْلِكَةِ إذَا وَجَدَهَا بَعْدَ الْيَأْسِ فَاَللَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ هَذَا بِرَاحِلَتِهِ كَمَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي الصِّحَاحِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
(6/114)

فَإِذَا أُرِيدَ " بِالْمُنَاسَبَةِ " هَذَا وَأَمْثَالُهُ فَهَذِهِ الْمُنَاسَبَةُ حَقٌّ وَهِيَ مِنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ كَمَا تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ فَإِنَّ مَنْ يُحِبُّ صِفَاتِ الْكَمَالِ أَكْمَلُ مِمَّنْ لَا فَرْقَ عِنْدَهُ بَيْنَ صِفَاتِ النَّقْصِ وَالْكَمَالِ؛ أَوْ لَا يُحِبُّ صِفَاتِ الْكَمَالِ. وَإِذَا قُدِّرَ مَوْجُودَانِ:
أَحَدُهُمَا يُحِبُّ الْعِلْمَ وَالصِّدْقَ وَالْعَدْلَ وَالْإِحْسَانَ وَنَحْوَ ذَلِكَ.
وَالْآخَرُ لَا فَرْقَ عِنْدَهُ بَيْنَ هَذِهِ الْأُمُورِ وَبَيْنَ الْجَهْلِ وَالْكَذِبِ وَالظُّلْمِ وَنَحْوِ ذَلِكَ لَا يُحِبُّ هَذَا وَلَا يُبْغِضُ هَذَا كَانَ الَّذِي يُحِبُّ تِلْكَ الْأُمُورَ أَكْمَلَ مِنْ هَذَا. فَدَلَّ عَلَى أَنَّ مَنْ جَرَّدَهُ عَنْ " صِفَاتِ الْكَمَالِ وَالْوُجُودِ " بِأَنْ لَا يَكُونَ لَهُ عِلْمٌ كَالْجَمَادِ فَاَلَّذِي يَعْلَمُ أَكْمَلُ مِنْهُ؛ وَمَعْلُومٌ أَنَّ الَّذِي يُحِبُّ الْمَحْمُودَ وَيُبْغِضُ الْمَذْمُومَ: أَكْمَلُ مِمَّنْ يُحِبُّهُمَا أَوْ يُبْغِضُهُمَا. وَأَصْلُ " هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ " الْفَرْقُ بَيْنَ مَحَبَّةِ اللَّهِ وَرِضَاهُ وَغَضَبِهِ وَسَخَطِهِ وَبَيْنَ إرَادَتِهِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ السَّلَفِ وَالْفُقَهَاءِ وَأَكْثَرِ الْمُثْبِتِينَ لِلْقَدَرِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَغَيْرِهِمْ وَصَارَ طَائِفَةٌ مِنْ الْقَدَرِيَّةِ وَالْمُثْبِتِينَ لِلْقَدَرِ إلَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا. ثُمَّ قَالَتْ " الْقَدَرِيَّةُ ": هُوَ لَا يُحِبُّ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ وَلَا يُرِيدُ ذَلِكَ فَيَكُونُ مَا لَمْ يَشَأْ وَيَشَاءُ مَا لَمْ يَكُنْ. وَقَالَتْ " الْمُثْبِتَةُ " مَا شَاءَ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ وَإِذَنْ قَدْ أَرَادَ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ وَلَمْ يُرِدْهُ دِينًا أَوْ أَرَادَهُ مِنْ الْكَافِرِ وَلَمْ يُرِدْهُ مِنْ الْمُؤْمِنِ
(6/115)

فَهُوَ لِذَلِكَ يُحِبُّ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ وَلَا يُحِبُّهُ دِينًا وَيُحِبُّهُ مِنْ الْكَافِرِ وَلَا يُحِبُّهُ مِنْ الْمُؤْمِنِ. وَكِلَا الْقَوْلَيْنِ خَطَأٌ مُخَالِفٌ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا؛ فَإِنَّهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّهُ مَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ وَأَنَّهُ لَا يَكُونُ شَيْءٌ إلَّا بِمَشِيئَتِهِ وَمُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَأَنَّ الْكُفَّارَ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنْ الْقَوْلِ وَاَلَّذِينَ نَفَوْا مَحَبَّتَهُ بَنَوْهَا عَلَى هَذَا الْأَصْلِ الْفَاسِدِ.
(6/116)

فَصْلٌ:
وَأَمَّا قَوْلُ الْقَائِلِ: " الرَّحْمَةُ " ضَعْفٌ وَخَوَرٌ فِي الطَّبِيعَةِ وَتَأَلُّمٌ عَلَى الْمَرْحُومِ فَهَذَا بَاطِلٌ. أَمَّا " أَوَّلًا ": فَلِأَنَّ الضِّعْفَ وَالْخَوَرَ مَذْمُومٌ مِنْ الْآدَمِيِّينَ وَالرَّحْمَةَ مَمْدُوحَةٌ؛ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ} وَقَدْ نَهَى اللَّهُ عِبَادَهُ عَنْ الْوَهَنِ وَالْحُزْنِ؛ فَقَالَ تَعَالَى: {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} وَنَدَبَهُمْ إلَى الرَّحْمَةِ. وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: {لَا تُنْزَعُ الرَّحْمَةُ إلَّا مِنْ شَقِيٍّ} وَقَالَ: {مَنْ لَا يَرْحَمْ لَا يُرْحَمُ} وَقَالَ: {الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمْ الرَّحْمَنُ. ارْحَمُوا مَنْ فِي الْأَرْضِ يَرْحَمُكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ} . وَمُحَالٌ أَنْ يَقُولَ: لَا يُنْزَعُ الضَّعْفُ وَالْخَوَرُ إلَّا مِنْ شَقِيٍّ؛ وَلَكِنْ لَمَّا كَانَتْ الرَّحْمَةُ تُقَارِنُ فِي حَقِّ كَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ الضَّعْفَ وَالْخَوَرَ - كَمَا فِي رَحْمَةِ النِّسَاءِ وَنَحْوِ ذَلِكَ - ظَنَّ الغالط أَنَّهَا كَذَلِكَ مُطْلَقًا.
(6/117)

وَأَيْضًا: فَلَوْ قُدِّرَ أَنَّهَا فِي حَقِّ الْمَخْلُوقِينَ مُسْتَلْزِمَةٌ لِذَلِكَ لَمْ يَجِبْ أَنْ تَكُونَ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى مُسْتَلْزِمَةً لِذَلِكَ كَمَا أَنَّ الْعِلْمَ وَالْقُدْرَةَ؛ وَالسَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْكَلَامَ فِينَا يَسْتَلْزِمُ مِنْ النَّقْصِ وَالْحَاجَةِ مَا يَجِبُ تَنْزِيهُ اللَّهِ عَنْهُ. وَكَذَلِكَ " الْوُجُودُ " وَ " الْقِيَامُ بِالنَّفْسِ " فِينَا: يَسْتَلْزِمُ احْتِيَاجًا إلَى خَالِقٍ يَجْعَلُنَا مَوْجُودِينَ وَاَللَّهُ مُنَزَّهٌ فِي وُجُودِهِ عَمَّا يَحْتَاجُ إلَيْهِ وُجُودُنَا فَنَحْنُ وَصِفَاتُنَا وَأَفْعَالُنَا مَقْرُونُونَ بِالْحَاجَةِ إلَى الْغَيْرِ وَالْحَاجَةُ لَنَا أَمْرٌ ذَاتِيٌّ لَا يُمْكِنُ أَنْ نَخْلُوَ عَنْهُ وَهُوَ سُبْحَانَهُ الْغَنِيُّ لَهُ أَمْرٌ ذَاتِيٌّ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَخْلُوَ عَنْهُ؛ فَهُوَ بِنَفْسِهِ حَيٌّ قَيُّومٌ وَاجِبُ الْوُجُودِ وَنَحْنُ بِأَنْفُسِنَا مُحْتَاجُونَ فُقَرَاءُ. فَإِذَا كَانَتْ ذَاتُنَا وَصِفَاتُنَا وَأَفْعَالُنَا وَمَا اتَّصَفْنَا بِهِ مِنْ الْكَمَالِ مِنْ الْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ هُوَ مَقْرُونٌ بِالْحَاجَةِ وَالْحُدُوثِ وَالْإِمْكَانِ: لَمْ يَجِبْ أَنْ يَكُونَ لِلَّهِ ذَاتٌ وَلَا صِفَاتٌ وَلَا أَفْعَالٌ وَلَا يَقْدِرُ وَلَا يَعْلَمُ؛ لِكَوْنِ ذَلِكَ مُلَازِمًا لِلْحَاجَةِ فِينَا. فَكَذَلِكَ " الرَّحْمَةُ " وَغَيْرُهَا إذَا قُدِّرَ أَنَّهَا فِي حَقِّنَا مُلَازِمَةٌ لِلْحَاجَةِ وَالضَّعْفِ؛ لَمْ يَجِبْ أَنْ تَكُونَ فِي حَقِّ اللَّهِ مُلَازِمَةً لِذَلِكَ. وَأَيْضًا: فَنَحْنُ نَعْلَمُ بِالِاضْطِرَارِ أَنَّا إذَا فَرَضْنَا مَوْجُودَيْنِ أَحَدُهُمَا يَرْحَمُ غَيْرَهُ فَيَجْلُبُ لَهُ الْمَنْفَعَةَ وَيَدْفَعُ عَنْهُ الْمَضَرَّةَ؛ وَالْآخَرُ قَدْ اسْتَوَى عِنْدَهُ هَذَا وَهَذَا وَلَيْسَ عِنْدَهُ مَا يَقْتَضِي جَلْبَ مَنْفَعَةٍ وَلَا دَفْعَ مَضَرَّةٍ: كَانَ الْأَوَّلُ أَكْمَلَ.
(6/118)

فَصْلٌ:
وَأَمَّا قَوْلُ الْقَائِلِ: " الْغَضَبُ غَلَيَانُ دَمِ الْقَلْبِ لِطَلَبِ الِانْتِقَامِ " فَلَيْسَ بِصَحِيحِ فِي حَقِّنَا؛ بَلْ الْغَضَبُ قَدْ يَكُونُ لِدَفْعِ الْمُنَافِي قَبْلَ وُجُودِهِ فَلَا يَكُونُ هُنَاكَ انْتِقَامٌ أَصْلًا. وَأَيْضًا: فَغَلَيَانُ دَمِ الْقَلْبِ يُقَارِنُهُ الْغَضَبُ لَيْسَ أَنَّ مُجَرَّدَ الْغَضَبِ هُوَ غَلَيَانُ دَمِ الْقَلْبِ كَمَا أَنَّ " الْحَيَاءَ " يُقَارِنُ حُمْرَةَ الْوَجْهِ وَ " الْوَجَلَ " يُقَارِنُ صُفْرَةَ الْوَجْهِ؛ لَا أَنَّهُ هُوَ. وَهَذَا لِأَنَّ النَّفْسَ إذَا قَامَ بِهَا دَفْعُ الْمُؤْذِي فَإِنْ اسْتَشْعَرَتْ الْقُدْرَةَ فَاضَ الدَّمُ إلَى خَارِجٍ فَكَانَ مِنْهُ الْغَضَبُ وَإِنْ اسْتَشْعَرَتْ الْعَجْزَ عَادَ الدَّمُ إلَى دَاخِلٍ؛ فَاصْفَرَّ الْوَجْهُ كَمَا يُصِيبُ الْحَزِينَ. وَأَيْضًا: فَلَوْ قُدِّرَ أَنَّ هَذَا هُوَ حَقِيقَةُ غَضَبِنَا لَمْ يَلْزَمْ أَنْ يَكُونَ غَضَبُ اللَّهِ تَعَالَى مِثْلَ غَضَبِنَا؛ كَمَا أَنَّ حَقِيقَةَ ذَاتِ اللَّهِ لَيْسَتْ مِثْلَ ذَاتِنَا فَلَيْسَ هُوَ مُمَاثِلًا لَنَا: لَا لِذَاتِنَا وَلَا لِأَرْوَاحِنَا وَصِفَاتُهُ كَذَاتِهِ. وَنَحْنُ نَعْلَمُ بِالِاضْطِرَارِ أَنَّا إذَا قَدَّرْنَا مَوْجُودَيْنِ: أَحَدُهُمَا عِنْدَهُ قُوَّةٌ يَدْفَعُ بِهَا الْفَسَادَ. وَالْآخَرُ لَا فَرْقَ عِنْدَهُ بَيْنَ الصَّلَاحِ وَالْفَسَادِ كَانَ الَّذِي عِنْدَهُ تِلْكَ الْقُوَّةِ أَكْمَلَ.
(6/119)

وَلِهَذَا يُذَمُّ مَنْ لَا غَيْرَةَ لَهُ عَلَى الْفَوَاحِشِ كَالدَّيُّوثِ وَيُذَمُّ مَنْ لَا حَمِيَّةَ لَهُ يَدْفَعُ بِهَا الظُّلْمَ عَنْ الْمَظْلُومِينَ وَيَمْدَحُ الَّذِي لَهُ غَيْرَةٌ يَدْفَعُ بِهَا الْفَوَاحِشَ وَحَمِيَّةٌ يَدْفَعُ بِهَا الظُّلْمَ؛ وَيُعْلَمُ أَنَّ هَذَا أَكْمَلُ مِنْ ذَلِكَ. وَلِهَذَا وَصَفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرَّبَّ بالأكملية فِي ذَلِكَ فَقَالَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: {لَا أَحَدَ أَغْيَرُ مِنْ اللَّهِ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} وَقَالَ: {أَتَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةِ سَعْدٍ؟ أَنَا أَغْيَرُ مِنْهُ وَاَللَّهُ أَغْيَرُ مِنِّي} . وَقَوْلُ الْقَائِلِ: إنَّ هَذِهِ انْفِعَالَاتٌ نَفْسَانِيَّةٌ. فَيُقَالُ: كُلُّ مَا سِوَى اللَّهِ مَخْلُوقٌ مُنْفَعِلٌ وَنَحْنُ وَذَوَاتُنَا مُنْفَعِلَةٌ فَكَوْنُهَا انْفِعَالَاتٍ فِينَا لِغَيْرِنَا نَعْجِزُ عَنْ دَفْعِهَا: لَا يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ مُنْفَعِلًا لَهَا عَاجِزًا عَنْ دَفْعِهَا وَكَانَ كُلُّ مَا يَجْرِي فِي الْوُجُودِ فَإِنَّهُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ لَا يَكُونُ إلَّا مَا يَشَاءُ وَلَا يَشَاءُ إلَّا مَا يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ.
(6/120)

فَصْلٌ:
وَقَوْلُ الْقَائِلِ: " إنَّ الضَّحِكَ خِفَّةُ رُوحٍ " لَيْسَ بِصَحِيحِ؛ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ قَدْ يُقَارِنُهُ. ثُمَّ قَوْلُ الْقَائِلِ: " خِفَّةُ الرُّوحِ ". إنْ أَرَادَ بِهِ وَصْفًا مَذْمُومًا فَهَذَا يَكُونُ لِمَا لَا يَنْبَغِي أَنْ يُضْحَكَ مِنْهُ وَإِلَّا فَالضَّحِكُ فِي مَوْضِعِهِ الْمُنَاسِبِ لَهُ صِفَةُ مَدْحٍ وَكَمَالٍ وَإِذَا قُدِّرَ حَيَّانِ أَحَدُهُمَا يَضْحَكُ مِمَّا يَضْحَكُ مِنْهُ؛ وَالْآخَرُ لَا يَضْحَكُ قَطُّ كَانَ الْأَوَّلُ أَكْمَلَ مِنْ الثَّانِي. وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {يَنْظُرُ إلَيْكُمْ الرَّبُّ قنطين فَيَظَلُّ يَضْحَكُ يَعْلَمُ أَنَّ فَرَجَكُمْ قَرِيبٌ فَقَالَ لَهُ أَبُو رَزِينٍ العقيلي: يَا رَسُولَ اللَّهِ أو يَضْحَكُ الرَّبُّ؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: لَنْ نَعْدَمَ مِنْ رَبٍّ يَضْحَكُ خَيْرًا} . فَجَعَلَ الْأَعْرَابِيُّ الْعَاقِلُ - بِصِحَّةِ فِطْرَتِهِ - ضَحِكَهُ دَلِيلًا عَلَى إحْسَانِهِ وَإِنْعَامِهِ؛ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ هَذَا الْوَصْفَ مَقْرُونٌ بِالْإِحْسَانِ الْمَحْمُودِ وَأَنَّهُ مِنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ وَالشَّخْصُ الْعَبُوسُ الَّذِي لَا يَضْحَكُ قَطُّ هُوَ مَذْمُومٌ بِذَلِكَ وَقَدْ قِيلَ فِي الْيَوْمِ الشَّدِيدِ الْعَذَابِ: إنَّهُ {يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا} .
(6/121)

وَقَدْ رُوِيَ: أَنَّ الْمَلَائِكَةَ قَالَتْ لِآدَمَ: " حَيَّاك اللَّهُ وَبَيَّاك " أَيْ أَضْحَكَك. وَالْإِنْسَانُ حَيَوَانٌ نَاطِقٌ ضَاحِكٌ؛ وَمَا يُمَيِّزُ الْإِنْسَانَ عَنْ الْبَهِيمَةِ صِفَةُ كَمَالٍ فَكَمَا أَنَّ النُّطْقَ صِفَةُ كَمَالٍ فَكَذَلِكَ الضَّحِكُ صِفَةُ كَمَالٍ فَمَنْ يَتَكَلَّمُ أَكْمَلُ مِمَّنْ لَا يَتَكَلَّمُ وَمَنْ يَضْحَكُ أَكْمَلُ مِمَّنْ لَا يَضْحَكُ وَإِذَا كَانَ الضَّحِكُ فِينَا مُسْتَلْزِمًا لِشَيْءِ مِنْ النَّقْصِ فَاَللَّهُ مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ وَذَلِكَ الْأَكْثَرُ مُخْتَصٌّ لَا عَامٌّ فَلَيْسَ حَقِيقَةُ الضَّحِكِ مُطْلَقًا مَقْرُونَةً بِالنَّقْصِ كَمَا أَنَّ ذَوَاتَنَا وَصِفَاتِنَا مَقْرُونَةٌ بِالنَّقْصِ وَوُجُودَنَا مَقْرُونٌ بِالنَّقْصِ وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الرَّبُّ مُوجِدًا وَأَنْ لَا تَكُونَ لَهُ ذَاتٌ. وَمِنْ هُنَا ضَلَّتْ الْقَرَامِطَةُ الْغُلَاةُ كَصَاحِبِ " الْإِقْلِيدِ " وَأَمْثَالِهِ فَأَرَادُوا أَنْ يَنْفُوا عَنْهُ كُلَّ مَا يَعْلَمُهُ الْقَلْبُ وَيَنْطِقُ بِهِ اللِّسَانُ مِنْ نَفْيٍ وَإِثْبَاتٍ فَقَالُوا: لَا نَقُولُ مَوْجُودٌ وَلَا لَا مَوْجُودٌ وَلَا مَوْصُوفٌ وَلَا لَا مَوْصُوفٌ؛ لِمَا فِي ذَلِكَ - عَلَى زَعْمِهِمْ - مِنْ التَّشْبِيهِ وَهَذَا يَسْتَلْزِمُ أَنْ يَكُونَ مُمْتَنِعًا وَهُوَ مُقْتَضَى التَّشْبِيهِ بِالْمُمْتَنِعِ وَالتَّشْبِيهُ الْمُمْتَنِعُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُشَارِكَ الْمَخْلُوقَاتِ فِي شَيْءٍ مِنْ خَصَائِصِهَا وَأَنْ يَكُونَ مُمَاثِلًا لَهَا فِي شَيْءٍ مِنْ صِفَاتِهِ كَالْحَيَاةِ وَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ فَإِنَّهُ وَإِنْ وُصِفَ بِهَا فَلَا تُمَاثِلُ صِفَةُ الْخَالِقِ صِفَةَ الْمَخْلُوقِ كَالْحُدُوثِ وَالْمَوْتِ وَالْفَنَاءِ وَالْإِمْكَانِ.
(6/122)

فَصْلٌ:
وَأَمَّا قَوْلُهُ: " التَّعَجُّبُ اسْتِعْظَامٌ لِلْمُتَعَجَّبِ مِنْهُ ". فَيُقَالُ: نَعَمْ. وَقَدْ يَكُونُ مَقْرُونًا بِجَهْلِ بِسَبَبِ التَّعَجُّبِ وَقَدْ يَكُونُ لِمَا خَرَجَ عَنْ نَظَائِرِهِ وَاَللَّهُ تَعَالَى بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ فَلَا يَجُوزُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَعْلَمَ سَبَبَ مَا تَعَجَّبَ مِنْهُ؛ بَلْ يَتَعَجَّبُ لِخُرُوجِهِ عَنْ نَظَائِرِهِ تَعْظِيمًا لَهُ. وَاَللَّهُ تَعَالَى يُعَظِّمُ مَا هُوَ عَظِيمٌ؛ إمَّا لِعَظَمَةِ سَبَبِهِ أَوْ لِعَظَمَتِهِ. فَإِنَّهُ وَصَفَ بَعْضَ الْخَيْرِ بِأَنَّهُ عَظِيمٌ. وَوَصَفَ بَعْضَ الشَّرِّ بِأَنَّهُ عَظِيمٌ فَقَالَ تَعَالَى: {رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} وَقَالَ: {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ} وَقَالَ: {وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا} {وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا} وَقَالَ: {وَلَوْلَا إذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ} وَقَالَ: {إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} . وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: {بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ} عَلَى قِرَاءَةِ الضَّمِّ فَهُنَا هُوَ عَجَبٌ مِنْ كُفْرِهِمْ مَعَ وُضُوحِ الْأَدِلَّةِ.
(6/123)

{وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلَّذِي آثَرَ هُوَ وَامْرَأَتُهُ ضَيْفَهُمَا: لَقَدْ عَجِبَ اللَّهُ} وَفِي لَفْظٍ فِي الصَّحِيحِ: {لَقَدْ ضَحِكَ اللَّهُ اللَّيْلَةَ مِنْ صُنْعِكُمَا الْبَارِحَةَ} . وَقَالَ: {إنَّ الرَّبَّ لَيَعْجَبُ مِنْ عَبْدِهِ إذَا قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا أَنْتَ. يَقُولُ عَلِمَ عَبْدِي أَنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا أَنَا} وَقَالَ: {عَجِبَ رَبُّك مِنْ شَابٍّ لَيْسَتْ لَهُ صَبْوَةٌ} وَقَالَ: {عَجِبَ رَبُّك مِنْ رَاعِي غَنَمٍ عَلَى رَأْسِ شَظِيَّةٍ يُؤَذِّنُ وَيُقِيمُ فَيَقُولُ اللَّهُ اُنْظُرُوا إلَى عَبْدِي} أَوْ كَمَا قَالَ. وَنَحْوَ ذَلِكَ.
(6/124)

فَصْلٌ:
وَأَمَّا قَوْلُ الْقَائِلِ: " لَوْ كَانَ فِي مُلْكِهِ مَا لَا يُرِيدُهُ لَكَانَ نَقْصًا ". وَقَوْلُ الْآخَرِ: " لَوْ قَدَرَ وَعَذَّبَ لَكَانَ ظُلْمًا وَالظُّلْمُ نَقْصٌ ". فَيُقَالُ: أَمَّا الْمَقَالَةُ الْأُولَى فَظَاهِرَةٌ: فَإِنَّهُ إذَا قُدِّرَ أَنَّهُ يَكُونُ فِي مُلْكِهِ مَا لَا يُرِيدُهُ وَمَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ؛ وَمَا لَا يَخْلُقُهُ وَلَا يُحْدِثُهُ لَكَانَ نَقْصًا مِنْ وُجُوهٍ: (أَحَدُهَا أَنَّ انْفِرَادَ شَيْءٍ مِنْ الْأَشْيَاءِ عَنْهُ بِالْأَحْدَاثِ نَقْصٌ لَوْ قُدِّرَ أَنَّهُ فِي غَيْرِ مُلْكِهِ فَكَيْفَ فِي مُلْكِهِ؟ فَإِنَّا نَعْلَمُ أَنَّا إذَا فَرَضْنَا اثْنَيْنِ: أَحَدُهُمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ كُلُّ شَيْءٍ وَلَا يَحْتَاجُ إلَى شَيْءٍ وَالْآخَرُ يَحْتَاجُ إلَيْهِ بَعْضُ الْأَشْيَاءِ وَيَسْتَغْنِي عَنْهُ بَعْضُهَا: كَانَ الْأَوَّلُ أَكْمَلَ فَنَفْسُ خُرُوجِ شَيْءٍ عَنْ قُدْرَتِهِ وَخَلْقِهِ نَقْصٌ وَهَذِهِ دَلَائِلُ الْوَحْدَانِيَّةِ فَإِنَّ الِاشْتِرَاكَ نَقْصٌ بِكُلِّ مِنْ الْمُشْتَرِكَيْنِ وَلَيْسَ الْكَمَالُ الْمُطْلَقُ إلَّا فِي الْوَحْدَانِيَّةِ. فَإِنَّا نَعْلَمُ أَنَّ مَنْ قَدَرَ بِنَفْسِهِ كَانَ أَكْمَلَ مِمَّنْ يَحْتَاجُ إلَى مُعِينٍ وَمَنْ فَعَلَ الْجَمِيعَ بِنَفْسِهِ فَهُوَ أَكْمَلُ مِمَّنْ لَهُ مُشَارِكٌ وَمُعَاوِنٌ عَلَى فِعْلِ الْبَعْضِ وَمَنْ افْتَقَرَ إلَيْهِ كُلُّ شَيْءٍ فَهُوَ أَكْمَلُ مِمَّنْ اسْتَغْنَى عَنْهُ بَعْضُ الْأَشْيَاءِ.
(6/125)

وَمِنْهَا أَنْ يُقَالَ: كَوْنُهُ خَالِقًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَقَادِرًا عَلَى كُلِّ شَيْءٍ: أَكْمَلَ مِنْ كَوْنِهِ خَالِقًا لِلْبَعْضِ وَقَادِرًا عَلَى الْبَعْضِ. وَ " الْقَدَرِيَّةُ " لَا يَجْعَلُونَهُ خَالِقًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَلَا قَادِرًا عَلَى كُلِّ شَيْءٍ. وَ " الْمُتَفَلْسِفَةُ " الْقَائِلُونَ بِأَنَّهُ عِلَّةٌ غائية شَرٌّ مِنْهُمْ فَإِنَّهُمْ لَا يَجْعَلُونَهُ خَالِقًا لِشَيْءِ مِنْ حَوَادِثِ الْعَالَمِ - لَا لِحَرَكَاتِ الْأَفْلَاكِ وَلَا غَيْرِهَا مِنْ الْمُتَحَرِّكَاتِ وَلَا خَالِقًا لِمَا يَحْدُثُ بِسَبَبِ ذَلِكَ وَلَا قَادِرًا عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَلَا عَالِمًا بِتَفَاصِيلِ ذَلِكَ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يَقُولُ: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا} وَهَؤُلَاءِ يَنْظُرُونَ فِي الْعَالَمِ وَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَلَا أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا. (وَمِنْهَا أَنَّا إذَا قَدَّرْنَا مَالِكَيْنِ: (أَحَدُهُمَا يُرِيدُ شَيْئًا فَلَا يَكُونُ وَيَكُونُ مَا لَا يُرِيدُ (وَالْآخَرُ لَا يُرِيدُ شَيْئًا إلَّا كَانَ وَلَا يَكُونُ إلَّا مَا يُرِيدُ عَلِمْنَا بِالضَّرُورَةِ أَنَّ هَذَا أَكْمَلُ. وَفِي الْجُمْلَةِ قَوْلُ " الْمُثْبِتَةِ لِلْقُدْرَةِ " يَتَضَمَّنُ أَنَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَرَبُّهُ وَمَلِيكُهُ وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّهُ مَا شَاءَ كَانَ؛ فَيَقْتَضِي كَمَالَ خَلْقِهِ وَقُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ وَ " نفاة الْقَدَرِ " يَسْلُبُونَهُ هَذِهِ الكمالات. وَأَمَّا قَوْلُهُ: " إنَّ التَّعْذِيبَ عَلَى الْمُقَدَّرِ ظُلْمٌ مِنْهُ " فَهَذِهِ دَعْوَى مُجَرَّدَةٌ لَيْسَ مَعَهُمْ فِيهَا إلَّا قِيَاسُ الرَّبِّ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَا يَقُولُ عَاقِلٌ إنَّ كُلَّ مَا كَانَ نَقْصًا
(6/126)

مِنْ أَيِّ مَوْجُودٍ كَانَ: لَزِمَ أَنْ يَكُونَ نَقْصًا مِنْ اللَّهِ؛ بَلْ وَلَا يَقْبُحُ هَذَا مِنْ الْإِنْسَانِ مُطْلَقًا؛ بَلْ إذَا كَانَ لَهُ مَصْلَحَةٌ فِي تَعْذِيبِ بَعْضِ الْحَيَوَانِ وَأَنْ يَفْعَلَ بِهِ مَا فِيهِ تَعْذِيبٌ لَهُ حَسُنَ ذَلِكَ مِنْهُ؛ كَاَلَّذِي يَصْنَعُ الْقَزَّ فَإِنَّهُ هُوَ الَّذِي يَسْعَى فِي أَنَّ دُودَ الْقَزِّ يَنْسِجُهُ ثُمَّ يَسْعَى فِي أَنْ يُلْقَى فِي الشَّمْسِ لِيَحْصُلَ لَهُ الْمَقْصُودُ مِنْ الْقَزِّ وَهُوَ هُنَا لَهُ سَعْيٌ فِي حَرَكَةِ الدُّودِ الَّتِي كَانَتْ سَبَبَ تَعْذِيبِهِ. وَكَذَلِكَ الَّذِي يَسْعَى فِي أَنْ يَتَوَالَدَ لَهُ مَاشِيَةٌ وَتَبِيضَ لَهُ دَجَاجٌ ثُمَّ يَذْبَحُ ذَلِكَ لِيَنْتَفِعَ بِهِ فَقَدْ تَسَبَّبَ فِي وُجُودِ ذَلِكَ الْحَيَوَانِ تَسَبُّبًا أَفْضَى إلَى عَذَابِهِ؛ لِمَصْلَحَةِ لَهُ فِي ذَلِكَ. فَفِي " الْجُمْلَةِ ": الْإِنْسَانُ يَحْسُنُ مِنْهُ إيلَامُ الْحَيَوَانِ لِمَصْلَحَةِ رَاجِحَةٍ فِي ذَلِكَ فَلَيْسَ جِنْسُ هَذَا مَذْمُومًا وَلَا قَبِيحًا وَلَا ظُلْمًا وَإِنْ كَانَ مِنْ ذَلِكَ مَا هُوَ ظُلْمٌ. وَحِينَئِذٍ فَالظُّلْمُ مِنْ اللَّهِ إمَّا أَنْ يُقَالَ: هُوَ مُمْتَنِعٌ لِذَاتِهِ؛ لِأَنَّ الظُّلْمَ تَصَرُّفُ الْمُتَصَرِّفِ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ وَاَللَّهُ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ؛ أَوْ الظُّلْمُ مُخَالَفَةُ الْأَمْرِ الَّذِي تَجِبُ طَاعَتُهُ؛ وَاَللَّهُ تَعَالَى يَمْتَنِعُ مِنْهُ التَّصَرُّفُ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ أَوْ مُخَالَفَةُ أَمْرِ مَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ طَاعَتُهُ. فَإِذَا كَانَ الظُّلْمُ لَيْسَ إلَّا هَذَا أَوْ هَذَا: امْتَنَعَ الظُّلْمُ مِنْهُ. وَإِمَّا أَنْ يُقَالَ: هُوَ مُمْكِنٌ لَكِنَّهُ سُبْحَانَهُ لَا يَفْعَلُهُ لِغِنَاهُ وَعِلْمِهِ بِقُبْحِهِ؛ وَلِإِخْبَارِهِ أَنَّهُ لَا يَفْعَلُهُ؛ وَلِكَمَالِ نَفْسِهِ يَمْتَنِعُ وُقُوعُ الظُّلْمِ مِنْهُ إذْ كَانَ الْعَدْلُ وَالرَّحْمَةُ مِنْ لَوَازِمِ ذَاتِهِ؛ فَيَمْتَنِعُ اتِّصَافُهُ بِنَقِيضِ صِفَاتِ الْكَمَالِ الَّتِي هِيَ مِنْ لَوَازِمِهِ عَلَى هَذَا
(6/127)

الْقَوْلِ فَاَلَّذِي يَفْعَلُهُ لِحِكْمَةِ اقْتَضَتْ ذَلِكَ كَمَا أَنَّ الَّذِي يَمْتَنِعُ مِنْ فِعْلِهِ لِحِكْمَةِ تَقْتَضِي تَنْزِيهَهُ عَنْهُ. وَعَلَى هَذَا فَكُلُّ مَا فَعَلَهُ عَلِمْنَا أَنَّ لَهُ فِيهِ حِكْمَةً؛ وَهَذَا يَكْفِينَا مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ وَإِنْ لَمْ نَعْرِفْ التَّفْصِيلَ وَعَدَمُ عِلْمِنَا بِتَفْصِيلِ حِكْمَتِهِ بِمَنْزِلَةِ عَدَمِ عِلْمِنَا بِكَيْفِيَّةِ ذَاتِهِ؛ وَكَمَا أَنَّ ثُبُوتَ صِفَاتِ الْكَمَالِ لَهُ مَعْلُومٌ لَنَا وَأَمَّا كُنْهُ ذَاتِهِ فَغَيْرُ مَعْلُومَةٍ لَنَا فَلَا نُكَذِّبُ بِمَا عَلِمْنَاهُ مَا لَمْ نَعْلَمْهُ. وَكَذَلِكَ نَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّهُ " حَكِيمٌ " فِيمَا يَفْعَلُهُ وَيَأْمُرُ بِهِ وَعَدَمُ عِلْمِنَا بِالْحِكْمَةِ فِي بَعْضِ الْجُزْئِيَّاتِ لَا يَقْدَحُ فِيمَا عَلِمْنَاهُ مِنْ أَصْلِ حِكْمَتِهِ؛ فَلَا نُكَذِّبُ بِمَا عَلِمْنَاهُ مِنْ حِكْمَتِهِ مَا لَمْ نَعْلَمْهُ مِنْ تَفْصِيلِهَا. وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ مَنْ عَلِمَ حِذْقَ أَهْلِ الْحِسَابِ وَالطِّبِّ وَالنَّحْوِ وَلَمْ يَكُنْ مُتَّصِفًا بِصِفَاتِهِمْ الَّتِي اسْتَحَقُّوا بِهَا أَنْ يَكُونُوا مِنْ أَهْلِ الْحِسَابِ وَالطِّبِّ وَالنَّحْوِ لَمْ يُمْكِنْهُ أَنْ يَقْدَحَ فِيمَا قَالُوهُ؛ لِعَدَمِ عِلْمِهِ بِتَوْجِيهِهِ. وَالْعِبَادُ أَبْعَدُ عَنْ مَعْرِفَةِ اللَّهِ وَحِكْمَتِهِ فِي خَلْقِهِ مِنْ مَعْرِفَةِ عَوَامِّهِمْ بِالْحِسَابِ وَالطِّبِّ وَالنَّحْوِ فَاعْتِرَاضُهُمْ عَلَى حِكْمَتِهِ أَعْظَمُ جَهْلًا وَتَكَلُّفًا لِلْقَوْلِ بِلَا عِلْمٍ مِنْ الْعَامِّيِّ الْمَحْضِ إذَا قَدَحَ فِي الْحِسَابِ وَالطِّبِّ وَالنَّحْوِ بِغَيْرِ عِلْمٍ بِشَيْءِ مِنْ ذَلِكَ. وَهَذَا يَتَبَيَّنُ بِالْأَصْلِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي الْكَمَالِ وَهُوَ قَوْلُنَا: إنَّ الْكَمَالَ
(6/128)

الَّذِي لَا نَقْصَ فِيهِ لِلْمُمْكِنِ الْوُجُودَ يَجِبُ اتِّصَافُهُ بِهِ وَتَنْزِيهُهُ عَمَّا يُنَاقِضُهُ فَيُقَالُ: خَلْقُ بَعْضِ الْحَيَوَانِ وَفِعْلُهُ الَّذِي يَكُونُ سَبَبًا لِعَذَابِهِ هَلْ هُوَ نَقْصٌ مُطْلَقًا أَمْ يَخْتَلِفُ؟ . وَأَيْضًا فَإِذَا كَانَ فِي خَلْقِ ذَلِكَ حِكْمَةٌ عَظِيمَةٌ لَا تَحْصُلُ إلَّا بِذَلِكَ فَأَيُّمَا أَكْمَلُ تَحْصِيلُ ذَلِكَ بِتِلْكَ الْحِكْمَةِ الْعَظِيمَةِ أَوْ تَفْوِيتُهَا؟ وَأَيْضًا فَهَلْ يُمْكِنُ حُصُولُ الْحِكْمَةِ الْمَطْلُوبَةِ بِدُونِ حُصُولِ هَذَا؟ فَهَذِهِ أُمُورٌ إذَا تَدَبَّرَهَا الْإِنْسَانُ؛ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَقُولَ خَلْقُ فِعْلِ الْحَيَوَانِ الَّذِي يَكُونُ سَبَبًا لِتَعْذِيبِهِ نَقْصٌ مُطْلَقًا. وَ " الْمُثْبِتَةُ لِلْقَدَرِ " قَدْ تُجِيبُ بِجَوَابِ آخَرَ؛ لَكِنْ يُنَازِعُهُمْ الْجُمْهُورُ فِيهِ. فَيَقُولُونَ: كَوْنُهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ وَيُحْكِمُ مَا يُرِيدُ صِفَةَ كَمَالٍ بِخِلَافِ الَّذِي يَكُونُ مَأْمُورًا مَنْهِيًّا الَّذِي يُؤْمَرُ بِشَيْءِ وَيُنْهَى عَنْ شَيْءٍ. وَيَقُولُونَ إنَّمَا قَبُحَ مِنْ غَيْرِهِ أَنْ يَفْعَلَ مَا شَاءَ لِمَا يَلْحَقُهُ مِنْ الضَّرَرِ وَهُوَ سُبْحَانَهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَلْحَقَهُ ضَرَرٌ. وَالْجُمْهُورُ يَقُولُونَ: إذَا قَدَّرْنَا مَنْ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ بِلَا حِكْمَةٍ مَحْبُوبَةٍ تَعُودُ إلَيْهِ وَلَا رَحْمَةٍ وَإِحْسَانٍ يَعُودُ إلَى غَيْرِهِ: كَانَ الَّذِي يَفْعَلُ لِحِكْمَةِ وَرَحْمَةٍ أَكْمَل مِمَّنْ يَفْعَلُ لَا لِحِكْمَةِ وَلَا لِرَحْمَةِ. وَيَقُولُونَ: إذَا قَدَّرْنَا مُرِيدًا لَا يُمَيِّزُ بَيْنَ مُرَادِهِ وَمُرَادِ غَيْرِهِ. وَمُرِيدًا يُمَيِّزُ بَيْنَهُمَا؛ فَيُرِيدُ مَا يَصْلُحُ أَنْ يُرَادَ وَيَنْبَغِي أَنْ يُرَادَ؛ دُونَ مَا هُوَ بِالضِّدِّ: كَانَ هَذَا الثَّانِي أَكْمَلَ. وَيَقُولُونَ: الْمَأْمُورُ الْمَنْهِيُّ الَّذِي فَوْقَهُ آمِرٌ نَاهٍ هُوَ نَاقِصٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَنْ لَيْسَ
(6/129)

فَوْقَهُ آمِرٌ نَاهٍ لَكِنْ إذَا كَانَ هُوَ الْآمِرَ لِنَفْسِهِ بِمَا يَنْبَغِي أَنْ يَفْعَلَ وَالْمُحَرِّمَ عَلَيْهَا مَا لَا يَنْبَغِي أَنْ يَفْعَلَ وَآخَرُ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُهُ بِدُونِ أَمْرٍ وَنَهْيٍ مِنْ نَفْسِهِ فَهَذَا الْمُلْتَزِمُ لِأَمْرِهِ وَنَهْيِهِ - الْوَاقِعَيْنِ عَلَى وَجْهِ الْحِكْمَةِ - أَكْمَل مِنْ ذَلِكَ؛ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى {كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ} وَقَالَ: {يَا عِبَادِي إنِّي حَرَّمْت الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْته بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تظالموا} . وَقَالُوا أَيْضًا: إذَا قِيلَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ وَيَحْكُمُ مَا يُرِيدُ عَلَى وَجْهِ بَيَانِ قُدْرَتِهِ وَأَنَّهُ لَا مَانِعَ لَهُ وَلَا يَقْدِرُ غَيْرُهُ أَنْ يَمْنَعَهُ مُرَادَهُ وَلَا أَنْ يَجْعَلَهُ مُرِيدًا كَانَ هَذَا أَكْمَلَ مِمَّنْ لَهُ مَانِعٌ يَمْنَعُهُ مُرَادَهُ وَمُعِينٌ لَا يَكُونُ مُرِيدًا أَوْ فَاعِلًا لِمَا يُرِيدُ إلَّا بِهِ. وَأَمَّا إذَا قِيلَ: يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ لَا يَفْعَلُ عَلَى وَجْهِ مُقْتَضَى الْعِلْمِ وَالْحِكْمَةِ؛ بَلْ هُوَ (مُتَسَفِّهٌ فِيمَا يَفْعَلُهُ وَآخَرُ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ؛ لَكِنَّ إرَادَتَهُ مَقْرُونَةٌ بِالْعِلْمِ وَالْحِكْمَةِ؛ كَانَ هَذَا الثَّانِي أَكْمَلَ. وَ (جِمَاعُ الْأَمْرِ فِي ذَلِكَ: أَنَّ كَمَالَ الْقُدْرَةِ صِفَةُ كَمَالٍ وَكَوْنُ الْإِرَادَةِ نَافِذَةً لَا تَحْتَاجُ إلَى مُعَاوِنٍ وَلَا يُعَارِضُهَا مَانِعٌ وَصْفُ كَمَالٍ. وَأَمَّا كَوْنُ " الْإِرَادَةِ " لَا تُمَيِّزُ بَيْنَ مُرَادٍ وَمُرَادٍ بَلْ جَمِيعُ الْأَجْنَاسِ عِنْدَهَا سَوَاءٌ فَهَذَا لَيْسَ بِوَصْفِ كَمَالٍ؛ بَلْ الْإِرَادَةُ الْمُمَيِّزَةُ بَيْنَ مُرَادٍ وَمُرَادٍ - كَمَا يَقْتَضِيهِ الْعِلْمُ وَالْحِكْمَةُ - هِيَ الْمَوْصُوفَةُ بِالْكَمَالِ فَمَنْ نَقَصَهُ فِي قُدْرَتِهِ وَخَلْقِهِ وَمَشِيئَتِهِ فَلَمْ يُقَدِّرْهُ قَدْرَهُ. وَمَنْ نَقَصَهُ مِنْ حِكْمَتِهِ وَرَحْمَتِهِ فَلَمْ يُقَدِّرْهُ حَقَّ قَدْرِهِ. وَالْكَمَالُ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ إثْبَاتُ هَذَا وَهَذَا.
(6/130)

فَصْلٌ:
وَأَمَّا " مُنْكِرُو النُّبُوَّاتِ " وَقَوْلُهُمْ: لَيْسَ الْخَلْقُ أَهْلًا أَنْ يُرْسِلَ اللَّهُ إلَيْهِمْ رَسُولًا كَمَا أَنَّ أَطْرَافَ النَّاسِ لَيْسُوا أَهْلًا أَنْ يُرْسِلَ السُّلْطَانُ إلَيْهِمْ رَسُولًا: فَهَذَا جَهْلٌ وَاضِحٌ فِي حَقِّ الْمَخْلُوقِ وَالْخَالِقِ فَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ مَا تُحْمَدُ بِهِ الْمُلُوكُ خِطَابَهُمْ بِأَنْفُسِهِمْ لِضُعَفَاءِ الرَّعِيَّةِ فَكَيْفَ بِإِرْسَالِ رَسُولٍ إلَيْهِمْ. وَأَمَّا فِي حَقِّ الْخَالِقِ فَهُوَ سُبْحَانَهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ الْوَالِدَةِ بِوَلَدِهَا وَهُوَ قَادِرٌ مَعَ كَمَالِ رَحْمَتِهِ فَإِذَا كَانَ كَامِلَ الْقُدْرَةِ كَامِلَ الرَّحْمَةِ فَمَا الْمَانِعُ أَنْ يُرْسِلَ إلَيْهِمْ رَسُولًا رَحْمَةً مِنْهُ؟ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} . وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {إنَّمَا أَنَا رَحْمَةٌ مُهْدَاةٌ} وَلِأَنَّ هَذَا مِنْ جُمْلَةِ إحْسَانِهِ إلَى الْخَلْقِ بِالتَّعْلِيمِ وَالْهِدَايَةِ وَبَيَانِ مَا يَنْفَعُهُمْ وَمَا يَضُرُّهُمْ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} فَبَيَّنَ تَعَالَى أَنَّ هَذَا مِنْ مِنَنِهِ عَلَى عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ.
(6/131)

فَإِنْ كَانَ الْمُنْكِرُ يُنْكِرُ قُدْرَتَهُ عَلَى ذَلِكَ فَهَذَا قَدْحٌ فِي كَمَالِ قُدْرَتِهِ وَإِنْ كَانَ يُنْكِرُ إحْسَانَهُ بِذَلِكَ فَهَذَا قَدْحٌ فِي كَمَالِ رَحْمَتِهِ وَإِحْسَانِهِ. فَعُلِمَ أَنَّ إرْسَالَ الرَّسُولِ مِنْ أَعْظَمِ الدَّلَالَةِ عَلَى كَمَالِ قُدْرَتِهِ وَإِحْسَانِهِ وَالْقُدْرَةُ وَالْإِحْسَانُ مِنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ لَا النَّقْصِ. وَأَمَّا تَعْذِيبُ الْمُكَذِّبِينَ فَذَلِكَ دَاخِلٌ فِي الْقَدَرِ لِمَا لَهُ فِيهِ مِنْ الْحِكْمَةِ.
(6/132)

فَصْلٌ:
وَأَمَّا " قَوْلُ الْمُشْرِكِينَ ": إنَّ عَظَمَتَهُ وَجَلَالَهُ يَقْتَضِي أَنْ لَا يُتَقَرَّبَ إلَيْهِ إلَّا بِوَاسِطَةِ وَحِجَابٍ وَالتَّقَرُّبُ بِدُونِ ذَلِكَ غَضٌّ مِنْ جَنَابِهِ الرَّفِيعِ فَهَذَا بَاطِلٌ مِنْ وُجُوهٍ:
مِنْهَا أَنَّ الَّذِي لَا يُتَقَرَّبُ إلَيْهِ إلَّا بِوَسَائِطَ وَحِجَابٍ إمَّا أَنْ يَكُونَ قَادِرًا عَلَى سَمَاعِ كَلَامِ جُنْدِهِ وَقَضَاءِ حَوَائِجِهِمْ بِدُونِ الْوَسَائِطِ وَالْحِجَابِ وَإِمَّا أَنْ لَا يَكُونَ قَادِرًا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَادِرًا كَانَ هَذَا نَقْصًا وَاَللَّهُ تَعَالَى مَوْصُوفٌ بِالْكَمَالِ؛ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مُتَّصِفًا بِأَنَّهُ يَسْمَعُ كَلَامَ عِبَادِهِ بِلَا وَسَائِطَ وَيُجِيبُ دُعَاءَهُمْ وَيُحْسِنُ إلَيْهِمْ بِدُونِ حَاجَةٍ إلَى حِجَابٍ وَإِنْ كَانَ الْمَلِكُ قَادِرًا عَلَى فِعْلِ أُمُورِهِ بِدُونِ الْحِجَابِ وَتَرَكَ الْحِجَابَ إحْسَانًا وَرَحْمَةً كَانَ ذَلِكَ صِفَةَ كَمَالٍ. وَأَيْضًا: فَقَوْلُ الْقَائِلِ: إنَّ هَذَا غَضٌّ مِنْهُ إنَّمَا يَكُونُ فِيمَنْ يُمْكِنُ الْخَلْقُ أَنْ يَضُرُّوهُ وَيَفْتَقِرُ فِي نَفْعِهِ إلَيْهِمْ فَأَمَّا مَعَ كَمَالِ قُدْرَتِهِ وَاسْتِغْنَائِهِ عَنْهُمْ وَأَمْنِهِ أَنْ يُؤْذُوهُ فَلَيْسَ تَقَرُّبُهُمْ إلَيْهِ غَضًّا مِنْهُ؛ بَلْ إذَا كَانَ اثْنَانِ: أَحَدُهُمَا يُقَرِّبُ إلَيْهِ الضُّعَفَاءَ إحْسَانًا إلَيْهِمْ وَلَا يَخَافُ مِنْهُمْ وَالْآخَرُ لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ إمَّا خَوْفًا وَإِمَّا كِبْرًا وَإِمَّا غَيْرَ ذَلِكَ: كَانَ الْأَوَّلُ أَكْمَلَ مِنْ الثَّانِي:
(6/133)

وَأَيْضًا فَإِنَّ هَذَا لَا يُقَالُ إذَا كَانَ ذَلِكَ بِأَمْرِ الْمُطَاعِ؛ بَلْ إذَا أَذِنَ لِلنَّاسِ فِي التَّقَرُّبِ مِنْهُ وَدُخُولِ دَارِهِ: لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ سُوءَ أَدَبٍ عَلَيْهِ وَلَا غَضًّا مِنْهُ فَهَذَا إنْكَارٌ عَلَى مَنْ تَعَبَّدَهُ بِغَيْرِ مَا شَرَعَ. وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: {إنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا} {وَدَاعِيًا إلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ} وَقَالَ تَعَالَى: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ} .
(6/134)

فَصْلٌ:
وَأَمَّا قَوْلُ الْقَائِلِ: إنَّهُ لَوْ قِيلَ لَهُمْ أَيُّمَا أَكْمَلُ؟ ذَاتٌ تُوصَفُ بِسَائِرِ أَنْوَاعِ الْإِدْرَاكَاتِ مِنْ الذَّوْقِ وَالشَّمِّ وَاللَّمْسِ؟ أَمْ ذَاتٌ لَا تُوصَفُ بِهَا؟ لَقَالُوا: الْأَوَّلُ أَكْمَلُ وَلَمْ يَصِفُوهُ بِهَا. فَتَقُولُ مُثْبِتَةُ الصِّفَاتِ لَهُمْ: فِي هَذِهِ الْإِدْرَاكَاتِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ مَعْرُوفَةٍ: أَحَدُهَا: إثْبَاتُ هَذِهِ الْإِدْرَاكَاتِ لِلَّهِ تَعَالَى كَمَا يُوصَفُ بِالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ. وَهَذَا قَوْلُ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ وَأَبِي الْمَعَالِي وَأَظُنُّهُ قَوْلَ الْأَشْعَرِيِّ نَفْسِهِ بَلْ هُوَ قَوْلُ الْمُعْتَزِلَةِ الْبَصْرِيِّينَ الَّذِينَ يَصِفُونَهُ بِالْإِدْرَاكَاتِ. وَهَؤُلَاءِ وَغَيْرُهُمْ يَقُولُونَ: تَتَعَلَّقُ بِهِ الْإِدْرَاكَاتُ الْخَمْسَةُ أَيْضًا كَمَا تَتَعَلَّقُ بِهِ الرُّؤْيَةُ؛ وَقَدْ وَافَقَهُمْ عَلَى ذَلِكَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى فِي " الْمُعْتَمَدِ " وَغَيْرِهِ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: قَوْلُ مَنْ يَنْفِي هَذِهِ الثَّلَاثَةَ؛ كَمَا يَنْفِي ذَلِكَ كَثِيرٌ مِنْ الْمُثْبِتَةِ أَيْضًا مِنْ الصفاتية وَغَيْرِهِمْ. وَهَذَا قَوْلُ طَوَائِفَ مِنْ الْفُقَهَاءِ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد وَكَثِيرٍ مِنْ أَصْحَابِ الْأَشْعَرِيِّ وَغَيْرِهِ. وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: إثْبَاتُ إدْرَاكِ اللَّمْسِ دُونَ إدْرَاكِ الذَّوْقِ؛ لِأَنَّ الذَّوْقَ إنَّمَا يَكُونُ لِلْمَطْعُومِ فَلَا يَتَّصِفُ بِهِ إلَّا مَنْ يَأْكُلُ وَلَا يُوصَفُ بِهِ إلَّا مَا يُؤْكَلُ
(6/135)

وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ مُنَزَّهٌ عَنْ الْأَكْلِ بِخِلَافِ اللَّمْسِ فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الرُّؤْيَةِ وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْحَدِيثِ يَصِفُونَهُ بِاللَّمْسِ وَكَذَلِكَ كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد وَغَيْرِهِمْ وَلَا يَصِفُونَهُ بِالذَّوْقِ. وَذَلِكَ أَنَّ نفاة الصِّفَاتِ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ قَالُوا لِلْمُثْبِتَةِ: إذَا قُلْتُمْ إنَّهُ يَرَى. فَقُولُوا إنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِهِ سَائِرُ أَنْوَاعِ الْحِسِّ. وَإِذَا قُلْتُمْ إنَّهُ سَمِيعٌ بَصِيرٌ فَصِفُوهُ بِالْإِدْرَاكَاتِ الْخَمْسَةِ. فَقَالَ " أَهْلُ الْإِثْبَاتِ قَاطِبَةً " نَحْنُ نَصِفُهُ بِأَنَّهُ يَرَى وَأَنَّهُ يُسْمَعُ كَلَامُهُ كَمَا جَاءَتْ بِذَلِكَ النُّصُوصُ. وَكَذَلِكَ نَصِفُهُ بِأَنَّهُ يَسْمَعُ وَيَرَى. وَقَالَ جُمْهُورُ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالسُّنَّةِ: نَصِفُهُ أَيْضًا بِإِدْرَاكِ اللَّمْسِ لِأَنَّ ذَلِكَ كَمَالٌ لَا نَقْصَ فِيهِ. وَقَدْ دَلَّتْ عَلَيْهِ النُّصُوصُ بِخِلَافِ إدْرَاكِ الذَّوْقِ فَإِنَّهُ مُسْتَلْزِمٌ لِلْأَكْلِ وَذَلِكَ مُسْتَلْزِمٌ لِلنَّقْصِ كَمَا تَقَدَّمَ. وَطَائِفَةٌ مِنْ نُظَّارِ الْمُثْبِتَةِ وَصَفُوهُ بِالْأَوْصَافِ الْخَمْسِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ تَتَعَلَّقَ بِهِ هَذِهِ الْأَنْوَاعُ كَمَا تَتَعَلَّقُ بِهِ الرُّؤْيَةُ لِاعْتِقَادِهِمْ أَنَّ مُصَحِّحَ الرُّؤْيَةِ الْوُجُودُ وَلَمْ يَقُولُوا إنَّهُ مُتَّصِفٌ بِهَا. وَأَكْثَرُ مُثْبِتِي الرُّؤْيَةِ لَمْ يَجْعَلُوا مُجَرَّدَ الْوُجُودِ هُوَ الْمُصَحِّحُ لِلرُّؤْيَةِ؛ بَلْ قَالُوا إنَّ الْمُقْتَضَى أُمُورٌ وُجُودِيَّةٌ لَا أَنَّ كُلَّ مَوْجُودٍ يَصِحُّ رُؤْيَتُهُ وَبَيْنَ الْأَمْرَيْنِ فَرْقٌ؛ فَإِنَّ الثَّانِيَ يَسْتَلْزِمُ رُؤْيَةَ كُلِّ مَوْجُودٍ؛ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ؛ وَإِذَا كَانَ الْمُصَحِّحُ لِلرُّؤْيَةِ هِيَ أُمُورٌ وُجُودِيَّةٌ لَا يُشْتَرَطُ فِيهَا أُمُورٌ عَدَمِيَّةٌ؛ فَمَا كَانَ أَحَقَّ بِالْوُجُودِ وَأَبْعَدَ عَنْ الْعَدَمِ كَانَ أَحَقَّ بِأَنْ تَجُوزَ رُؤْيَتُهُ وَمِنْهُمْ مَنْ نَفَى مَا سِوَى السَّمْعِ وَالْبَصَرِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ.
(6/136)

فَصْلٌ:
وَأَمَّا قَوْلُ الْقَائِلِ: الْكَمَالُ وَالنَّقْصُ مِنْ الْأُمُورِ النِّسْبِيَّةِ: فَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ الرَّبُّ هُوَ الْكَمَالُ الَّذِي لَا نَقْصَ فِيهِ بِوَجْهِ مِنْ الْوُجُوهِ وَأَنَّهُ الْكَمَالُ الْمُمْكِنُ لِلْمَوْجُودِ وَمِثْلُ هَذَا لَا يَنْتَفِي عَنْ اللَّهِ أَصْلًا وَالْكَمَالُ النِّسْبِيُّ هُوَ الْمُسْتَلْزِمُ لِلنَّقْصِ؛ فَيَكُونُ كَمَالًا مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ؛ كَالْأَكْلِ لِلْجَائِعِ كَمَالٌ لَهُ وَلِلشَّبْعَانِ نَقْصٌ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِكَمَالِ مَحْضٍ بَلْ هُوَ مَقْرُونٌ بِالنَّقْصِ. وَالتَّعَالِي وَالتَّكَبُّرُ وَالثَّنَاءُ عَلَى النَّفْسِ وَأَمْرُ النَّاسِ بِعِبَادَتِهِ وَدُعَائِهِ وَالرَّغْبَةِ إلَيْهِ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مِنْ خَصَائِصِ الرُّبُوبِيَّةِ هَذَا كَمَالٌ مَحْمُودٌ مِنْ الرَّبِّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَهُوَ نَقْصٌ مَذْمُومٌ مِنْ الْمَخْلُوقِ. وَهَذَا كَالْخَبَرِ عَمَّا هُوَ مِنْ خَصَائِصِ الرُّبُوبِيَّةِ؛ كَقَوْلِهِ: {إنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إلَهَ إلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي} وقَوْله تَعَالَى {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} وَقَوْلِهِ: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ} وَقَوْلِهِ: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا} وَقَوْلِهِ: {إنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ} وَقَوْلِهِ: {إنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ} وَقَوْلِهِ: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا} {وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ
(6/137)

عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} وَأَمْثَالُ هَذَا الْكَلَامِ الَّذِي يَذْكُرُ الرَّبُّ فِيهِ عَنْ نَفْسِهِ بَعْضَ خَصَائِصِهِ وَهُوَ فِي ذَلِكَ صَادِقٌ فِي إخْبَارِهِ عَنْ نَفْسِهِ بِمَا هُوَ مِنْ نُعُوتِ الْكَمَالِ: هُوَ أَيْضًا مِنْ كَمَالِهِ فَإِنَّ بَيَانَهُ لِعِبَادِهِ وَتَعْرِيفَهُمْ ذَلِكَ هُوَ أَيْضًا مِنْ كَمَالِهِ. وَأَمَّا غَيْرُهُ فَلَوْ أَخْبَرَ بِمِثْلِ ذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ لَكَانَ كَاذِبًا مُفْتَرِيًا وَالْكَذِبُ مِنْ أَعْظَمِ الْعُيُوبِ وَالنَّقَائِصِ. وَأَمَّا إذَا أَخْبَرَ الْمَخْلُوقُ عَنْ نَفْسِهِ بِمَا هُوَ صَادِقٌ فِيهِ فَهَذَا لَا يُذَمُّ مُطْلَقًا بَلْ قَدْ يُحْمَدُ مِنْهُ إذَا كَانَ فِي ذَلِكَ مَصْلَحَةٌ كَقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ وَلَا فَخْرَ} . وَأَمَّا إذَا كَانَ فِيهِ مَفْسَدَةٌ رَاجِحَةٌ أَوْ مُسَاوِيَةٌ فَيُذَمُّ لِفِعْلِهِ مَا هُوَ مَفْسَدَةٌ لَا لِكَذِبِهِ وَالرَّبُّ تَعَالَى لَا يَفْعَلُ مَا هُوَ مَذْمُومٌ عَلَيْهِ؛ بَلْ لَهُ الْحَمْدُ عَلَى كُلِّ حَالٍ فَكُلُّ مَا يَفْعَلُهُ هُوَ مِنْهُ حَسَنٌ جَمِيلٌ مَحْمُودٌ. وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ: الظُّلْمُ مِنْهُ مُمْتَنِعٌ لِذَاتِهِ فَظَاهِرٌ. وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْقَدَرِيَّةِ فَإِنَّهُ إنَّمَا يَفْعَلُ بِمُقْتَضَى الْحِكْمَةِ وَالْعَدْلِ فَأَخْبَارُهُ كُلُّهَا وَأَقْوَالُهُ وَأَفْعَالُهُ كُلُّهَا حَسَنَةٌ مَحْمُودَةٌ وَاقِعَةٌ عَلَى وَجْهِ الْكَمَالِ الَّذِي يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ الْحَمْدَ وَلَهُ مِنْ الْأُمُورِ الَّتِي يَسْتَحِقُّ بِهَا الْكِبْرِيَاءَ وَالْعَظَمَةَ مَا هُوَ مِنْ خَصَائِصِهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى. فَالْكِبْرِيَاءُ وَالْعَظَمَةُ لَهُ بِمَنْزِلَةِ كَوْنِهِ حَيًّا قَيُّومًا قَدِيمًا وَاجِبًا بِنَفْسِهِ وَأَنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ وَعَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّهُ الْعَزِيزُ الَّذِي لَا يُنَالُ وَأَنَّهُ قَهَّارٌ لِكُلِّ مَا سِوَاهُ.
(6/138)

فَهَذِهِ كُلُّهَا صِفَاتُ كَمَالٍ لَا يَسْتَحِقُّهَا إلَّا هُوَ؛ فَمَا لَا يَسْتَحِقُّهُ إلَّا هُوَ كَيْفَ يَكُونُ كَمَالًا مِنْ غَيْرِهِ وَهُوَ مَعْدُومٌ لِغَيْرِهِ؟ فَمَنْ ادَّعَاهُ كَانَ مُفْتَرِيًا مُنَازِعًا لِلرُّبُوبِيَّةِ فِي خَوَاصِّهَا كَمَا ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: {يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: الْعَظَمَةُ إزَارِي وَالْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا عَذَّبْته} . وَجُمْلَةُ ذَلِكَ: أَنَّ الْكَمَالَ الْمُخْتَصَّ بِالرُّبُوبِيَّةِ لَيْسَ لِغَيْرِهِ فِيهِ نَصِيبٌ فَهَذَا تَحْقِيقُ اتِّصَافِهِ بِالْكَمَالِ الَّذِي لَا نَصِيبَ لِغَيْرِهِ فِيهِ. وَمِثْلُ هَذَا الْكَمَالِ لَا يَكُونُ لِغَيْرِهِ فَادِّعَاؤُهُ مُنَازَعَةٌ لِلرُّبُوبِيَّةِ وَفِرْيَةٌ عَلَى اللَّهِ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ النُّبُوَّةَ كَمَالٌ لِلنَّبِيِّ وَإِذَا ادَّعَاهَا الْمُفْتَرُونَ - كمسيلمة وَأَمْثَالِهِ - كَانَ ذَلِكَ نَقْصًا مِنْهُمْ لَا لِأَنَّ النُّبُوَّةَ نَقْصٌ؛ وَلَكِنَّ دَعْوَاهَا مِمَّنْ لَيْسَتْ لَهُ هُوَ النَّقْصُ وَكَذَلِكَ لَوْ ادَّعَى الْعِلْمَ وَالْقُدْرَةَ وَالصَّلَاحَ مَنْ لَيْسَ مُتَّصِفًا بِذَلِكَ كَانَ مَذْمُومًا مَمْقُوتًا وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الرَّبَّ تَعَالَى مُتَّصِفٌ بِكَمَالِ لَا يَصْلُحُ لِلْمَخْلُوقِ وَهَذَا لَا يُنَافِي أَنَّ مَا كَانَ كَمَالًا لِلْمَوْجُودِ مِنْ حَيْثُ هُوَ مَوْجُودٌ: فَالْخَالِقُ أَحَقُّ بِهِ؛ وَلَكِنْ يُفِيدُ أَنَّ الْكَمَالَ الَّذِي يُوصَفُ بِهِ الْمَخْلُوقُ بِمَا هُوَ مِنْهُ إذَا وُصِفَ الْخَالِقُ بِمَا هُوَ مِنْهُ فَاَلَّذِي لِلْخَالِقِ لَا يُمَاثِلُهُ مَا لِلْمَخْلُوقِ وَلَا يُقَارِبُهُ. وَهَذَا حَقٌّ فَالرَّبُّ تَعَالَى مُسْتَحِقٌّ لِلْكَمَالِ مُخْتَصٌّ بِهِ عَلَى وَجْهٍ لَا يُمَاثِلُهُ فِيهِ شَيْءٌ فَلَيْسَ لَهُ سَمِيٌّ وَلَا كُفُؤٌ سَوَاءٌ كَانَ الْكَمَالُ مِمَّا لَا يَثْبُتُ مِنْهُ شَيْءٌ لِلْمَخْلُوقِ كَرُبُوبِيَّةِ الْعِبَادِ وَالْغِنَى الْمُطْلَقِ وَنَحْوِ ذَلِكَ أَوْ كَانَ مِمَّا يَثْبُتُ مِنْهُ نَوْعٌ لِلْمَخْلُوقِ؛
(6/139)

فَاَلَّذِي يَثْبُتُ لِلْخَالِقِ مِنْهُ نَوْعٌ هُوَ أَعْظَمُ مِمَّا يَثْبُتُ مِنْ ذَلِكَ لِلْمَخْلُوقِ: عَظَمَةٌ هِيَ أَعْظَمُ مِنْ فَضْلِ أَعْلَى الْمَخْلُوقَاتِ عَلَى أَدْنَاهَا. وَ " مُلَخَّصُ ذَلِكَ " أَنَّ الْمَخْلُوقَ يُذَمُّ مِنْهُ الْكِبْرِيَاءُ وَالتَّجَبُّرُ وَتَزْكِيَةُ نَفْسِهِ أَحْيَانًا وَنَحْوُ ذَلِكَ. وَأَمَّا قَوْلُ السَّائِلِ: فَإِنْ قُلْتُمْ نَحْنُ نَقْطَعُ النَّظَرَ عَنْ مُتَعَلِّقِ الصِّفَةِ وَنَنْظُرُ فِيهَا هَلْ هِيَ كَمَالٌ أَمْ نَقْصٌ؟ وَكَذَلِكَ نُحِيلُ الْحُكْمَ عَلَيْهَا بِأَحَدِهِمَا؛ لِأَنَّهَا قَدْ تَكُونُ كَمَالًا لِذَاتٍ نَقْصًا لِأُخْرَى عَلَى مَا ذَكَرَ. فَيُقَالُ: بَلْ نَحْنُ نَقُولُ الْكَمَالُ الَّذِي لَا نَقْصَ فِيهِ لِلْمُمْكِنِ الْوُجُودَ هُوَ كَمَالٌ مُطْلَقٌ لِكُلِّ مَا يَتَّصِفُ بِهِ. وَأَيْضًا فَالْكَمَالُ الَّذِي هُوَ كَمَالٌ لِلْمَوْجُودِ - مِنْ حَيْثُ هُوَ مَوْجُودٌ - يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ نَقْصًا فِي بَعْضِ الصُّوَرِ؛ لِأَنَّ مَا كَانَ نَقْصًا فِي بَعْضِ الصُّوَرِ تَامًّا فِي بَعْضٍ: هُوَ كَمَالٌ لِنَوْعِ مِنْ الْمَوْجُودَاتِ دُونَ نَوْعٍ فَلَا يَكُونُ كَمَالًا لِلْمَوْجُودِ مِنْ حَيْثُ هُوَ مَوْجُودٌ. وَمِنْ الطُّرُقِ الَّتِي بِهَا يُعْرَفُ ذَلِكَ: أَنْ نُقَدِّرَ مَوْجُودَيْنِ: أَحَدُهُمَا مُتَّصِفٌ بِهَذَا وَالْآخَرُ بِنَقِيضِهِ فَإِنَّهُ يَظْهَرُ مِنْ ذَلِكَ أَيُّهُمَا أَكْمَلُ وَإِذَا قِيلَ هَذَا أَكْمَلُ مَنْ وَجْهٍ وَهَذَا أَنْقَصُ مِنْ وَجْهٍ لَمْ يَكُنْ كَمَالًا مُطْلَقًا. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ.
(6/140)

وَقَالَ:
فَصْلٌ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ} وَقَالَ تَعَالَى: {قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} وَقَالَ تَعَالَى: {اللَّهُ لَا إلَهَ إلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} وَقَالَ تَعَالَى: {هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} وَ " الْحُسْنَى ": الْمُفَضَّلَةُ عَلَى الْحَسَنَةِ وَالْوَاحِدُ الْأَحَاسِنُ. ثُمَّ هُنَا " ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ ": إمَّا أَنْ يُقَالَ: لَيْسَ لَهُ مِنْ الْأَسْمَاءِ إلَّا الْأَحْسَنُ وَلَا يُدْعَى إلَّا بِهِ؛ وَإِمَّا أَنْ يُقَالَ: لَا يُدْعَى إلَّا بِالْحُسْنَى؛ وَإِنْ سُمِّيَ بِمَا يَجُوزُ - وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ الْحُسْنَى - وَهَذَانِ قَوْلَانِ مَعْرُوفَانِ. وَإِمَّا أَنْ يُقَالَ: بَلْ يَجُوزُ فِي الدُّعَاءِ وَالْخَبَرِ. وَذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا} وَقَالَ: {ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} أَثْبَتَ لَهُ الْأَسْمَاءَ الْحُسْنَى وَأَمَرَ بِالدُّعَاءِ بِهَا. فَظَاهِرُ هَذَا: أَنَّ لَهُ جَمِيعَ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى.
(6/141)

وَقَدْ يُقَالُ: جِنْسُ " الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى " بِحَيْثُ لَا يَجُوزُ نَفْيُهَا عَنْهُ كَمَا فَعَلَهُ الْكُفَّارُ وَأَمَرَ بِالدُّعَاءِ بِهَا وَأَمَرَ بِدُعَائِهِ مُسَمًّى بِهَا؛ خِلَافُ مَا كَانَ عَلَيْهِ الْمُشْرِكُونَ مِنْ النَّهْيِ عَنْ دُعَائِهِ بِاسْمِهِ " الرَّحْمَنِ ". فَقَدْ يُقَالُ: قَوْلُهُ {فَادْعُوهُ بِهَا} أَمْرٌ أَنْ يُدْعَى بِالْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى وَأَنْ لَا يُدْعَى بِغَيْرِهَا؛ كَمَا قَالَ: {ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ} فَهُوَ نَهْيٌ أَنْ يُدْعَوْا لِغَيْرِ آبَائِهِمْ. وَيُفَرِّقُ بَيْنَ دُعَائِهِ وَالْإِخْبَارِ عَنْهُ فَلَا يُدْعَى إلَّا بِالْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى؛ وَأَمَّا الْإِخْبَارُ عَنْهُ: فَلَا يَكُونُ بِاسْمِ سَيِّئٍ؛ لَكِنْ قَدْ يَكُونُ بِاسْمِ حَسَنٍ أَوْ بِاسْمِ لَيْسَ بِسَيِّئِ وَإِنْ لَمْ يُحْكَمْ بِحُسْنِهِ. مِثْلَ اسْمِ شَيْءٍ وَذَاتٍ وَمَوْجُودٍ؛ إذَا أُرِيدَ بِهِ الثَّابِتُ وَأَمَّا إذَا أُرِيدَ بِهِ " الْمَوْجُودُ عِنْدَ الشَّدَائِدِ " فَهُوَ مِنْ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى وَكَذَلِكَ الْمُرِيدُ وَالْمُتَكَلِّمُ؛ فَإِنَّ الْإِرَادَةَ وَالْكَلَامَ تَنْقَسِمُ إلَى مَحْمُودٍ وَمَذْمُومٍ فَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى بِخِلَافِ الْحَكِيمِ وَالرَّحِيمِ وَالصَّادِقِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا مَحْمُودًا. وَهَكَذَا كَمَا فِي حَقِّ الرَّسُولِ حَيْثُ قَالَ: {لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا} فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَقُولُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ يَا نَبِيَّ اللَّهِ كَمَا خَاطَبَهُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ} {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ} لَا يَقُولُ يَا مُحَمَّدُ يَا أَحْمَد يَا أَبَا الْقَاسِمِ وَإِنْ كَانُوا يَقُولُونَ فِي الْإِخْبَارِ - كَالْأَذَانِ وَنَحْوِهِ -: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ} وَقَالَ: {وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ} وَقَالَ: {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ} .
(6/142)

فَهُوَ سُبْحَانَهُ: لَمْ يُخَاطِبْ مُحَمَّدًا إلَّا بِنَعْتِ التَّشْرِيفِ: كَالرَّسُولِ وَالنَّبِيِّ وَالْمُزَّمِّلِ وَالْمُدَّثِّرِ؛ وَخَاطَبَ سَائِرَ الْأَنْبِيَاءِ بِأَسْمَائِهِمْ مَعَ أَنَّهُ فِي مَقَامِ الْإِخْبَارِ عَنْهُ قَدْ يَذْكُرُ اسْمَهُ. فَقَدْ فَرَّقَ سُبْحَانَهُ بَيْنَ حَالَتَيْ الْخِطَابِ فِي حَقِّ الرَّسُولِ وَأَمَرَنَا بِالتَّفْرِيقِ بَيْنَهُمَا فِي حَقِّهِ؛ وَكَذَلِكَ هُوَ الْمُعْتَادُ فِي عُقُولِ النَّاسِ إذَا خَاطَبُوا الْأَكَابِرَ مِنْ الْأُمَرَاءِ وَالْعُلَمَاءِ وَالْمَشَايِخِ وَالرُّؤَسَاءِ لَمْ يُخَاطِبُوهُمْ وَيَدْعُوهُمْ إلَّا بِاسْمِ حَسَنٍ؛ وَإِنْ كَانَ فِي حَالِ الْخَبَرِ عَنْ أَحَدِهِمْ يُقَالُ: هُوَ إنْسَانٌ وَحَيَوَانٌ نَاطِقٌ وَجِسْمٌ وَمُحْدَثٌ وَمَخْلُوقٌ وَمَرْبُوبٌ وَمَصْنُوعٌ وَابْنُ أُنْثَى وَيَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَشْرَبُ الشَّرَابَ. لَكِنَّ كُلَّ مَا يُذْكَرُ مِنْ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ فِي حَالِ الْإِخْبَارِ عَنْهُ: يُدْعَى بِهِ فِي حَالِ مُنَاجَاتِهِ وَمُخَاطَبَتِهِ؛ وَإِنْ كَانَتْ أَسْمَاءُ الْمَخْلُوقِ فِيهَا مَا يَدُلُّ عَلَى نَقْصِهِ وَحُدُوثِهِ وَأَسْمَاءُ اللَّهِ لَيْسَ فِيهَا مَا يَدُلُّ عَلَى نَقْصٍ وَلَا حُدُوثٍ؛ بَلْ فِيهَا الْأَحْسَنُ الَّذِي يَدُلُّ عَلَى الْكَمَالِ وَهِيَ الَّتِي يُدْعَى بِهَا؛ وَإِنْ كَانَ إذَا أُخْبِرَ عَنْهُ يُخْبَرُ بِاسْمِ حَسَنٍ أَوْ بِاسْمِ لَا يَنْفِي الْحَسَنَ وَلَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ حَسَنًا (1) .
وَأَمَّا فِي الْأَسْمَاءِ الْمَأْثُورَةِ فَمَا مِنْ اسْمٍ إلَّا وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى مَعْنًى حَسَنٍ فَيَنْبَغِي تَدَبُّرُ هَذَا لِلدُّعَاءِ وَلِلْخَبَرِ الْمَأْثُورِ وَغَيْرِ الْمَأْثُورِ الَّذِي قِيلَ لِضَرُورَةِ حُدُوثِ الْمُخَالِفِينَ - لِلتَّفْرِيقِ بَيْنَ الدُّعَاءِ وَالْخَبَرِ وَبَيْنَ الْمَأْثُورِ الَّذِي يُقَالُ - أَوْ تَعْرِيفِهِمْ لِمَا لَمْ يَكُونُوا بِهِ عَارِفِينَ وَحِينَئِذٍ فَلَيْسَ كُلُّ اسْمٍ ذُكِرَ فِي مَقَامٍ يُذْكَرُ فِي مَقَامٍ بَلْ يَجِبُ التَّفْرِيقُ.
__________

[تعليق مُعِدّ الكتاب للشاملة]
(1) سقط مقدار سطر
(6/143)

وَقَالَ:
فَصْلٌ:
فِي الْقَاعِدَةِ الْعَظِيمَةِ الْجَلِيلَةِ فِي " مَسَائِلِ الصِّفَاتِ وَالْأَفْعَالِ " مِنْ حَيْثُ قِدَمُهَا وَوُجُوبُهَا أَوْ جَوَازُهَا وَمُشْتَقَّاتُهَا أَوْ وُجُوبُ النَّوْعِ مُطْلَقًا وَجَوَازُ الْآحَادِ مُعَيَّنًا. فَنَقُولُ: الْمُضَافَاتُ إلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ سَوَاءٌ كَانَتْ إضَافَةَ اسْمٍ إلَى اسْمٍ أَوْ نِسْبَةَ فِعْلٍ إلَى اسْمٍ أَوْ خَبَرٍ بِاسْمِ عَنْ اسْمٍ لَا يَخْلُو مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا إضَافَةُ الصِّفَةِ إلَى الْمَوْصُوفِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ} وَقَوْلِهِ: {إنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ} . وَفِي حَدِيثِ الِاسْتِخَارَةِ: {اللَّهُمَّ إنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِك وَأَسْتَقْدِرُك بِقُدْرَتِك} وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ {اللَّهُمَّ بِعِلْمِك الْغَيْبَ وَقُدْرَتِك عَلَى الْخَلْقِ} فَهَذَا فِي الْإِضَافَةِ الِاسْمِيَّةِ. وَأَمَّا بِصِيغَةِ الْفِعْلِ فَكَقَوْلِهِ: {عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ} وَقَوْلِهِ: {عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ} .
(6/144)

وَأَمَّا الْخَبَرُ الَّذِي هُوَ جُمْلَةٌ اسْمِيَّةٌ: فَمِثْلَ قَوْلِهِ: {وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} {وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} . وَذَلِكَ لِأَنَّ الْكَلَامَ الَّذِي تُوصَفُ بِهِ الذَّوَاتُ: إمَّا جُمْلَةٌ أَوْ مُفْرَدٌ. فَالْجُمْلَةُ إمَّا اسْمِيَّةٌ كَقَوْلِهِ: {وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} أَوْ فِعْلِيَّةٌ كَقَوْلِهِ: {عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ} . أَمَّا الْمُفْرَدُ فَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ إضَافَةِ الصِّفَةِ لَفْظًا أَوْ مَعْنًى كَقَوْلِهِ: {بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ} وَقَوْلِهِ: {هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً} أَوْ إضَافَةُ الْمَوْصُوفِ كَقَوْلِهِ: {ذُو الْقُوَّةِ} . وَ (الْقِسْمُ الثَّانِي: إضَافَةُ الْمَخْلُوقَاتِ كَقَوْلِهِ: {نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا} وَقَوْلِهِ: {وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ} وَقَوْلِهِ: {رَسُولَ اللَّهِ} وَ {عِبَادَ اللَّهِ} وَقَوْلِهِ: {ذُو الْعَرْشِ} وَقَوْلِهِ: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} . فَهَذَا الْقِسْمُ لَا خِلَافَ بَيْنِ الْمُسْلِمِينَ فِي أَنَّهُ مَخْلُوقٌ كَمَا أَنَّ الْقِسْمَ الْأَوَّلَ لَمْ يَخْتَلِفْ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ فِي أَنَّهُ قَدِيمٌ وَغَيْرُ مَخْلُوقٍ. وَقَدْ خَالَفَهُمْ بَعْضُ أَهْلِ الْكَلَامِ فِي ثُبُوتِ الصِّفَاتِ؛ لَا فِي أَحْكَامِهَا وَخَالَفَهُمْ بَعْضُهُمْ فِي قِدَمِ الْعِلْمِ وَأَثْبَتَ بَعْضُهُمْ حُدُوثَهُ وَلَيْسَ الْغَرَضُ هُنَا تَفْصِيلَ ذَلِكَ. (الثَّالِثُ - وَهُوَ مَحَلُّ الْكَلَامِ هُنَا - مَا فِيهِ مَعْنَى الصِّفَةِ وَالْفِعْلِ مِثْلَ قَوْلِهِ: {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} وَقَوْلِهِ: {إنَّمَا أَمْرُهُ إذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} وَقَوْلِهِ: {قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي} وَقَوْلِهِ: {يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ} {وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ} وَقَوْلِهِ: {إنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ} {فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ} .
(6/145)

وَقَوْلِهِ: {فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ} وَقَوْلِهِ: {وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ} وَقَوْلِهِ: {فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ} وَقَوْلِهِ: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ} وَقَوْلِهِ: {رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ} . وَقَوْلِهِ: {وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا} {وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ} {وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا} . وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: {خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ} {لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} وَقَوْلُهُ: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} {هَلْ يَنْظُرُونَ إلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ} {هَلْ يَنْظُرُونَ إلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ} . وَفِي الْأَحَادِيثِ شَيْءٌ كَثِيرٌ كَقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ " الشَّفَاعَةِ ": {إنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ} وَقَوْلِهِ: {ضَحِكَ اللَّهُ إلَى رَجُلَيْنِ يَقْتُلُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ كِلَاهُمَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ} وَقَوْلِهِ: {يَنْزِلُ رَبُّنَا إلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا} الْحَدِيثَ. وَأَشْبَاهُ هَذَا. وَهُوَ بَابٌ وَاسِعٌ. وَقَوْلُهُ: {إذَا تَكَلَّمَ اللَّهُ بِالْوَحْيِ: سَمِعَ أَهْلُ السَّمَوَاتِ} . . . (1) (*) فَالنَّاسُ فِيهِ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: - وَهُوَ قَوْلُ الْمُعْتَزِلَةِ والْكُلَّابِيَة وَالْأَشْعَرِيَّةِ وَكَثِيرٍ مِنْ
__________

[تعليق مُعِدّ الكتاب للشاملة]
(1) بياض بالأصل
(*) قال الشيخ ناصر بن حمد الفهد (ص 56) :
ويظهر أن موضع البياض هو باقي الحديث وهو من حديث ابن مسعودرضي الله عنه، روي عنه مرفوعا ووقوفا - وهو الأصح كما رحجه الدارقطني وغيره - بلفظ (إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماوات صلصلة كصلصة السلسلة على الصفوان) ، وفي بعض ألفاظه (سمع صوته أهل السماء) ، وأصله في الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا بلفظ (إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله كأنه سلسلة على صفوان) .
(6/146)

الْحَنْبَلِيَّةِ وَمَنْ اتَّبَعَهُمْ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَالصُّوفِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ - إنَّ هَذَا الْقِسْمَ لَا بُدَّ أَنْ يُلْحَقَ بِأَحَدِ الْقِسْمَيْنِ قَبْلَهُ؛ فَيَكُونُ: إمَّا قَدِيمًا قَائِمًا بِهِ عِنْدَ مَنْ يُجَوِّزُ ذَلِكَ وَهُمْ الْكُلَّابِيَة. وَإِمَّا مَخْلُوقًا مُنْفَصِلًا عَنْهُ وَيَمْتَنِعُ أَنْ يَقُومَ بِهِ نَعْتٌ أَوْ حَالٌ أَوْ فِعْلٌ أَوْ شَيْءٌ لَيْسَ بِقَدِيمِ. وَيُسَمُّونَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ: " مَسْأَلَةَ حُلُولِ الْحَوَادِثِ بِذَاتِهِ ". وَيَقُولُونَ: يَمْتَنِعُ أَنْ تَحِلَّ الْحَوَادِثُ بِذَاتِهِ كَمَا يُسَمِّيهَا قَوْمٌ آخَرُونَ: فِعْلُ الذَّاتِ بِالذَّاتِ أَوْ فِي الذَّاتِ؛ وَرَأَوْا أَنَّ تَجْوِيزَ ذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ حُدُوثَهُ؛ لِأَنَّ الدَّلِيلَ الَّذِي دَلَّهُمْ عَلَى حُدُوثِ الْأَجْسَامِ: قِيَامُ الْحَوَادِثِ بِهَا؛ فَلَوْ قَامَتْ بِهِ لَزِمَ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ: إمَّا حُدُوثُهُ أَوْ بُطْلَانُ الْعِلْمِ بِحُدُوثِ الْعَالَمِ. وَمَنْ خَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ قَالَ: دَلِيلُ حُدُوثِ الْعَالَمِ امْتِنَاعُ خُلُوِّهِ عَنْ الْحَوَادِثِ وَكَوْنُهُ لَا يَسْبِقُهَا وَأَمَّا إذَا جَازَ أَنْ يَسْبِقَهَا لَمْ يَكُنْ فِي قِيَامِهَا بِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْحُدُوثِ. وَيَقُولُ آخَرُونَ: إنَّهُ لَيْسَ هَذَا هُوَ الدَّلِيلُ عَلَى حُدُوثِ الْعَالَمِ بَلْ هُوَ ضَعِيفٌ. وَلَهُمْ مَآخِذُ أُخَرُ. ثُمَّ هُمْ فَرِيقَانِ: أَحَدُهُمَا: مَنْ يَرَى امْتِنَاعَ قِيَامِ الصِّفَاتِ بِهِ أَيْضًا؛ لِاعْتِقَادِهِ أَنَّ الصِّفَاتِ أَعْرَاضٌ وَأَنَّ قِيَامَ الْعَرَضِ بِهِ يَقْتَضِي حُدُوثَهُ أَيْضًا وَهَؤُلَاءِ نفاة الصِّفَاتِ مِنْ
(6/147)

الْمُعْتَزِلَةِ فَقَالُوا حِينَئِذٍ: إنَّ الْقُرْآنَ مَخْلُوقٌ وَأَنَّهُ لَيْسَ لِلَّهِ مَشِيئَةٌ قَائِمَةٌ بِهِ وَلَا حُبٌّ وَلَا بُغْضٌ وَنَحْوُ ذَلِكَ. وَرَدُّوا جَمِيعَ مَا يُضَافُ إلَى اللَّهِ إلَى إضَافَةِ خَلْقٍ أَوْ إضَافَةِ وَصْفٍ مِنْ غَيْرِ قِيَامِ مَعْنًى بِهِ. (وَالثَّانِي: مَذْهَبُ الصفاتية أَهْلِ السُّنَّةِ وَغَيْرِهِمْ الَّذِينَ يَرَوْنَ قِيَامَ الصِّفَاتِ بِهِ فَيَقُولُونَ: لَهُ مَشِيئَةٌ قَدِيمَةٌ وَكَلَامٌ قَدِيمٌ وَاخْتَلَفُوا فِي حُبِّهِ وَبُغْضِهِ وَرَحْمَتِهِ وَأَسَفِهِ وَرِضَاهُ وَسَخَطِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ هَلْ هُوَ بِمَعْنَى الْمَشِيئَةِ أَوْ صِفَاتٍ أُخْرَى غَيْرِ الْمَشِيئَةِ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ. وَهَذَا الِاخْتِلَافُ عِنْدَ الْحَنْبَلِيَّةِ وَالْأَشْعَرِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ. وَيَقُولُونَ: إنَّ الْخَلْقَ لَيْسَ هُوَ شَيْئًا غَيْرَ الْمَخْلُوقِ وَغَيْرَ الصِّفَاتِ الْقَدِيمَةِ مِنْ الْمَشِيئَةِ وَالْكَلَامِ. ثُمَّ يَقُولُونَ لِلْمُتَكَلِّمِينَ فِي الْخَلْقِ هَلْ هُوَ الْمَخْلُوقُ؟ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ الْخَلْقَ هُوَ الْمَخْلُوقُ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ قَائِمٌ بِالْمَخْلُوقِ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ مَعْنًى قَائِمٌ بِنَفْسِهِ.
وَالرَّابِعُ: أَنَّهُ قَائِمٌ بِالْخَالِقِ. [قَالَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى الصَّغِيرُ: مِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ الْخَلْقُ هُوَ الْمَخْلُوقُ
(6/148)

وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: الْخَلْقُ غَيْرُ الْمَخْلُوقِ] (*) فَالْخَلْقُ صِفَةٌ قَائِمَةٌ بِذَاتِهِ وَالْمَخْلُوقُ الْمَوْجُودُ الْمُخْتَرَعُ. وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَصْلِنَا وَأَنَّ الصِّفَاتِ النَّاشِئَةَ عَنْ الْأَفْعَالِ مَوْصُوفٌ بِهَا فِي الْقِدَمِ وَإِنْ كَانَتْ الْمَفْعُولَاتُ مُحْدَثَةً. قَالَ: وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ. وَيَقُولُونَ فِي الِاسْتِوَاءِ وَالنُّزُولِ وَالْمَجِيءِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ الْأَفْعَالِ الَّتِي هِيَ أَنْوَاعُ جِنْسِ الْحَرَكَةِ: أَحَدَ قَوْلَيْنِ: إمَّا أَنْ يَجْعَلُوهَا مِنْ بَابِ " النَّسَبِ " وَ " الْإِضَافَاتِ " الْمَحْضَةِ بِمَعْنَى أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْعَرْشَ بِصِفَةِ التَّحْتِ فَصَارَ مُسْتَوِيًا عَلَيْهِ وَأَنَّهُ يَكْشِفُ الْحُجُبَ الَّتِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَلْقِهِ فَيَصِيرُ جَائِيًا إلَيْهِمْ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَأَنَّ التَّكْلِيمَ إسْمَاعُ الْمُخَاطَبِ فَقَطْ وَهَذَا قَوْلُ أَهْلِ السُّنَّةِ مِنْ أَهْلِ هَذَا الْقَوْلِ مِنْ الْحَنْبَلِيَّةِ وَمَنْ وَافَقَهُمْ فِيهِ أَوْ فِي بَعْضِهِ مِنْ الْأَشْعَرِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ. أَوْ يَقُولُ: إنَّ هَذِهِ " أَفْعَالٌ مَحْضَةٌ " فِي الْمَخْلُوقَاتِ مِنْ غَيْرِ إضَافَةٍ وَلَا نِسْبَةٍ فَهَذَا اخْتِلَافٌ بَيْنَهُمْ هَلْ تَثْبُتُ لِلَّهِ هَذِهِ النِّسَبُ وَالْإِضَافَاتُ مَعَ اتِّفَاقِ النَّاسِ عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ حُدُوثِ " نِسَبٍ " وَ " إضَافَاتٍ " لِلَّهِ تَعَالَى كَالْمَعِيَّةِ وَنَحْوِهَا؟ وَيُسَمِّي ابْنُ عَقِيلٍ هَذِهِ النِّسَبَ: " الْأَحْوَالَ " لِلَّهِ وَلَيْسَتْ هِيَ " الْأَحْوَالُ " الَّتِي تَنَازَعَ فِيهَا الْمُتَكَلِّمُونَ مِثْلَ الْعَالَمِيَّةِ وَالْقَادِرِيَّةِ؛ بَلْ هَذِهِ النِّسَبُ وَالْإِضَافَاتُ يُسَمِّيهَا الْأَحْوَالَ. وَيَقُولُ: إنَّ حُدُوثَ هَذِهِ الْأَحْوَالِ لَيْسَ هُوَ حُدُوثُ الصِّفَاتِ؛ فَإِنَّ هَذِهِ الْأَحْوَالَ نِسَبٌ بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ الْخَلْقِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُوجِبُ ثُبُوتَ مَعْنًى قَائِمٍ
__________

[تعليق مُعِدّ الكتاب للشاملة]
(*) قال الشيخ ناصر بن حمد الفهد (ص 57) :
صواب الرسم:
(قال القاضي أبو يعلى الصغير: من أصحابنا من قال:. . .) فقوله (من أصحابنا) من قول أبي يعلى، وليس من قول شيخ الإسلام كما يوهمه الرسم الموجود في الفتاوى.
(6/149)

بِالْمَنْسُوبِ إلَيْهِ كَمَا أَنَّ الْإِنْسَانَ يَصْعَدُ إلَى السَّطْحِ فَيَصِيرُ فَوْقَهُ ثُمَّ يَجْلِسُ عَلَيْهِ فَيَصِيرُ تَحْتَهُ وَالسَّطْحُ مُتَّصِفٌ تَارَةً بِالْفَوْقِيَّةِ وَالْعُلُوِّ وَتَارَةً بِالتَّحْتِيَّةِ وَالسُّفُولِ مِنْ غَيْرِ قِيَامِ صِفَةٍ فِيهِ وَلَا تَغَيُّرٍ. وَكَذَلِكَ إذَا وُلِدَ لِلْإِنْسَانِ مَوْلُودٌ فَيَصِيرُ أَخُوهُ عَمًّا وَأَبُوهُ جَدًّا وَابْنُهُ أَخًا وَأَخُو زَوْجَتِهِ خَالًا وَتُنْسَبُ لَهُمْ هَذِهِ النِّسَبُ وَالْإِضَافَاتُ مِنْ غَيْرِ تَغَيُّرٍ فِيهِمْ. (وَالْقَوْلُ الثَّانِي: - وَهُوَ قَوْلُ الكَرَّامِيَة وَكَثِيرٍ مِنْ الْحَنْبَلِيَّةِ وَأَكْثَرِ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَمَنْ اتَّبَعَهُمْ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَالصُّوفِيَّةِ وَجُمْهُورِ الْمُسْلِمِينَ. وَأَكْثَرُ كَلَامِ السَّلَفِ وَمَنْ حَكَى مَذْهَبَهُمْ حَتَّى الْأَشْعَرِيَّ؛ يَدُلُّ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ - أَنَّ هَذِهِ الصِّفَاتِ الْفِعْلِيَّةَ وَنَحْوَهَا؛ الْمُضَافَةَ إلَى اللَّهِ: " قِسْمٌ ثَالِثٌ " لَيْسَتْ مِنْ الْمَخْلُوقَاتِ الْمُنْفَصِلَةِ عَنْهُ؛ وَلَيْسَتْ بِمَنْزِلَةِ الذَّاتِ وَالصِّفَاتِ الْقَدِيمَةِ الْوَاجِبَةِ الَّتِي لَا تَتَعَلَّقُ بِهَا مَشِيئَتُهُ: لَا بِأَنْوَاعِهَا وَلَا بِأَعْيَانِهَا. وَقَدْ يَقُولُ هَؤُلَاءِ: إنَّهُ يَتَكَلَّمُ إذَا شَاءَ وَيَسْكُتُ إذَا شَاءَ وَلَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّمًا؛ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ يَتَكَلَّمُ إذَا شَاءَ وَيَسْكُتُ إذَا شَاءَ وَكَلَامُهُ مِنْهُ لَيْسَ مَخْلُوقًا. وَكَذَلِكَ يَقُولُونَ: وَإِنْ كَانَ لَهُ مَشِيئَةٌ قَدِيمَةٌ فَهُوَ يُرِيدُ إذَا شَاءَ وَيَغْضَبُ وَيَمْقُتُ. وَيُقِرُّ هَؤُلَاءِ أَوْ أَكْثَرُهُمْ مَا جَاءَ مِنْ النُّصُوصِ عَلَى ظَاهِرِهِ مِثْلَ قَوْلِهِ: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} أَنَّهُ اسْتَوَى عَلَيْهِ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَوِيًا عَلَيْهِ
(6/150)

وَأَنَّهُ يَدْنُو إلَى عِبَادِهِ وَيَقْرُبُ مِنْهُمْ وَيَنْزِلُ إلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا وَيَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؛ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ جَائِيًا. ثُمَّ مِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ قَدْ يَقُولُ: تَحِلُّ " الْحَوَادِثُ " بِذَاتِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُطْلِقُ هَذَا اللَّفْظَ: إمَّا لِعَدَمِ وُرُودِ الْأَثَرِ بِهِ؛ وَإِمَّا لِإِيهَامِ مَعْنًى فَاسِدٍ؛ مِنْ أَنَّ ذَلِكَ كَحُلُولِ " الْأَعْرَاضِ " بِالْمَخْلُوقَاتِ؛ كَمَا يَمْتَنِعُ جُمْهُورُ الْمُتَكَلِّمِينَ مِنْ تَسْمِيَةِ صِفَاتِهِ أَعْرَاضًا؛ وَإِنْ كَانَتْ صِفَاتٍ قَائِمَةً بِالْمَوْصُوفِ كَالْأَعْرَاضِ. وَزَعَمَ ابْنُ الْخَطِيبِ أَنَّ أَكْثَرَ الطَّوَائِفِ وَالْعُقَلَاءِ يُقِرُّونَ بِهَذَا الْقَوْلِ فِي الْحَقِيقَةِ؛ وَإِنْ أَنْكَرُوهُ بِأَلْسِنَتِهِمْ؛ حَتَّى الْفَلَاسِفَةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَالْأَشْعَرِيَّةِ. أَمَّا " الْفَلَاسِفَةُ ": فَإِنَّ عِنْدَهُمْ أَنَّ الْإِضَافَاتِ مَوْجُودَةٌ فِي الْأَعْيَانِ؛ وَاَللَّهُ مَوْجُودٌ مَعَ كُلِّ حَادِثٍ. وَ " الْمَعِيَّةُ " صِفَةٌ حَادِثَةٌ فِي ذَاتِهِ وَقَدْ صَرَّحَ أَبُو الْبَرَكَاتِ الْبَغْدَادِيُّ صَاحِبُ " الْمُعْتَبَرِ " بِحُدُوثِ عُلُومٍ وَإِرَادَاتٍ جُزْئِيَّةٍ فِي ذَاتِهِ الْمُعَيَّنَةِ. وَقَالَ: إنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ الِاعْتِرَافُ بِكَوْنِهِ إلَهًا لِهَذَا الْعَالَمِ إلَّا مَعَ الْقَوْلِ بِذَلِكَ. ثُمَّ قَالَ: الْإِجْلَالُ مِنْ هَذَا الْإِجْلَالِ وَاجِبٌ وَالتَّنْزِيهُ مِنْ هَذَا التَّنْزِيهِ لَازِمٌ. وَأَمَّا " الْمُعْتَزِلَةُ ": فَإِنَّ الْبَصْرِيِّينَ كَأَبِي عَلِيٍّ وَأَبِي هَاشِمٍ يَقُولُونَ بِحُدُوثِ الْمَرْئِيِّ وَالْمَسْمُوعِ وَبِهِ تَحْدُثُ صِفَةُ السَّمْعِيَّةِ وَالْبَصَرِيَّةِ لِلَّهِ وَأَبُو الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيُّ يَقُولُ بِتَجَدُّدِ عُلُومٍ فِي ذَاتِهِ بِتَجَدُّدِ الْمَعْلُومَاتِ وَالْأَشْعَرِيَّةُ أَيْضًا يَقُولُونَ بِأَنَّ الْمَعْدُومَاتِ لَمْ تَكُنْ مَسْمُوعَةً وَلَا مَرْئِيَّةً؛ ثُمَّ صَارَتْ مَسْمُوعَةً مَرْئِيَّةً بَعْدَ وُجُودِهَا وَلَيْسَ السَّمْعُ وَالْبَصَرُ عِنْدَهُمْ مُجَرَّدَ نِسْبَةٍ؛ بَلْ هُوَ صِفَةٌ قَائِمَةٌ بِذَاتِ السَّمِيعِ
(6/151)

الْبَصِيرِ وَقَدْ يُلْزِمُونَ بِقَوْلِهِمْ: بِأَنَّ النَّسْخَ هُوَ رَفْعُ الْحُكْمِ أَوْ انْتِهَاؤُهُ. وَقَوْلَهُمْ عِلْمُهُ بِالْجُزْئِيَّاتِ. وَكَذَلِكَ بِانْقِطَاعِ تَعَلُّقِ الْقُدْرَةِ وَالْإِرَادَةِ مِنْهُ. وَالتَّحْقِيقُ: أَنَّ التَّصْرِيحَ بِالْخِلَافِ فِي هَذَا الْأَصْلِ مَوْجُودٌ فِي عَامَّةِ الطَّوَائِفِ لَيْسَ مَخْصُوصًا بِأَهْلِ الْحَدِيثِ. ثُمَّ " الْنُّفَاةِ " قَدْ يُقَالُ إنَّ هَذَا الْقَوْلَ يَلْزَمُهُمْ إذَا أَثْبَتُوا لِلَّهِ نُعُوتًا غَيْرَ قَدِيمَةٍ؛ فَيَصِيرُ هَذَا الْأَصْلُ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ وَهُمْ قَدْ يَعْتَذِرُونَ عَنْ تِلْكَ اللَّوَازِمِ؛ تَارَةً بِأَعْذَارِ صَحِيحَةٍ؛ فَلَا يَكُونُ لَازِمًا لَهُمْ وَتَارَةً بِأَعْذَارِ غَيْرِ صَحِيحَةٍ فَيَكُونُ لَازِمًا لَهُمْ وَهَذَا لَا رَيْبَ فِيهِ. وَأَمَّا نُصُوصُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ: فَلَا رَيْبَ أَنَّ ظَاهِرَهَا مُوَافِقٌ لِهَذَا الْقَوْلِ لَكِنْ الْأَوَّلُونَ قَدْ يَتَأَوَّلُونَهَا أَوْ يُفَوِّضُونَهَا وَأَمَّا هَؤُلَاءِ فَيَقُولُونَ: إنَّ فِيهَا نُصُوصًا لَا تَقْبَلُ التَّأْوِيلَ. وَإِنَّ مَا قَبِلَ التَّأْوِيلَ قَدْ انْضَمَّ إلَيْهِ مِنْ الْقَرَائِنِ وَالْضَمَائِمِ (1) (*) . مَا يُعْلَمُ قَطْعًا أَنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أَرَادَ ذَلِكَ؛ أَوْ أَنَّ هَذَا مَفْهُومٌ. وَيَقُولُونَ: لَيْسَ للنفاة دَلِيلٌ مُعْتَمَدٌ وَإِنَّمَا مَعَهُمْ التَّقْلِيدُ لِأَسْلَافِهِمْ بِالشَّنَاعَةِ وَالتَّهْوِيلِ عَلَى الْمُخَاطَبِينَ الَّذِينَ لَمْ يَعْرِفُوا دَقِيقَ الْكَلَامِ وَأَنَّ هَذَا مَذْهَبُ عَامَّةِ أَهْلِ الْمِلَلِ وَخَوَاصِّ عِبَادِ اللَّهِ وَإِنَّمَا خَالَفَ ذَلِكَ أَهْلُ الْبِدَعِ فِي الْمِلَلِ وَالْأَوَّلُونَ قَدْ يَقُولُونَ: هَذَا خِلَافُ الْإِجْمَاعِ وَهَذَا كُفْرٌ وَهَذَا يَسْتَلْزِمُ التَّغَيُّرَ وَالْحُدُوثَ وَقَدْ رَأَيْت لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْأَصْلِ عَجَائِبَ.
__________

[تعليق مُعِدّ الكتاب للشاملة]
(1) كذا بالأصل
(*) قال الشيخ ناصر بن حمد الفهد (ص 57) :
وهو الصحيح، وهو من (الضم) : جمع الشيء إلى الشيء كما في كتب اللغة، فالضمائم هنا بمعنى اجتماع القرائن، والشيخ رحمه الله يستخدم مثل هذا في غير موضع، كقوله في (شرح الأصفهانية) ص 91 (خبر الواحد هل يجوز أن يقترن به من القرائن والضمائم ما يفيد العلم؟)
(6/152)

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَد فِي الْجُزْءِ الَّذِي فِيهِ " الرَّدُّ عَلَى الْجَهْمِيَّة وَالزَّنَادِقَةِ ": وَكَذَلِكَ اللَّهُ تَكَلَّمَ كَيْفَ شَاءَ مِنْ غَيْرِ أَنْ نَقُولَ جَوْفٌ وَلَا فَمٌ وَلَا شَفَتَانِ. وَقَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: بَلْ نَقُولُ إنَّ اللَّهَ لَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّمًا إذَا شَاءَ وَلَا نَقُولُ إنَّهُ كَانَ وَلَا يَتَكَلَّمُ حَتَّى خُلِقَ. وَكَلَامُهُ فِيهِ طُولٌ. قَالَ:
بَابُ مَا أَنْكَرَتْ الْجَهْمِيَّة مِنْ أَنَّ اللَّهَ كَلَّمَ مُوسَى
فَقُلْنَا: لِمَ أَنْكَرْتُمْ ذَلِكَ؟ قَالُوا إنَّ اللَّهَ لَمْ يَتَكَلَّمْ وَلَا يَتَكَلَّمُ؛ إنَّمَا كَوَّنَ شَيْئًا فَعَبَّرَ عَنْ اللَّهِ وَخَلَقَ صَوْتًا فَأَسْمَعَهُ وَزَعَمُوا أَنَّ الْكَلَامَ لَا يَكُونُ إلَّا مِنْ جَوْفٍ وَلِسَانٍ وَشَفَتَيْنِ. فَقُلْنَا: هَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِمُكَوِّنِ غَيْرِ اللَّهِ أَنْ يَقُولَ: يَا مُوسَى إنِّي أَنَا رَبُّك؟ أَوْ يَقُولَ: {إنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إلَهَ إلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي} . فَمَنْ زَعَمَ أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ اللَّهِ فَقَدْ ادَّعَى الرُّبُوبِيَّةَ؛ وَلَوْ كَانَ كَمَا زَعَمَ الجهمي أَنَّ اللَّهَ كَوَّنَ شَيْئًا كَأَنْ يَقُولَ ذَلِكَ الْمُكَوَّنُ: يَا مُوسَى إنَّ اللَّهَ رَبُّ الْعَالَمِينَ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ: {إنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} . وَقَدْ قَالَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} وَقَالَ: {وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ} وَقَالَ: {إنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي} فَهَذَا مَنْصُوصُ الْقُرْآنِ. وَأَمَّا مَا قَالُوا إنَّ اللَّهَ لَمْ يَتَكَلَّمْ وَلَا يُكَلَّمُ: فَكَيْفَ يَصْنَعُونَ بِحَدِيثِ الْأَعْمَشِ عَنْ
(6/153)

خيثمة عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ الطَّائِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " {مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إلَّا سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانٌ} ". وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: إنَّ الْكَلَامَ لَا يَكُونُ إلَّا مِنْ جَوْفٍ وَفَمٍ وَشَفَتَيْنِ وَلِسَانٍ. فَنَقُولُ: أَلَيْسَ اللَّهُ قَالَ لِلسَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ {ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ} ؟ أَتُرَاهَا أَنَّهَا قَالَتْ بِجَوْفِ وَفَمٍ وَشَفَتَيْنِ وَلِسَانٍ؟ . وَقَالَ: {وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ} أَتُرَاهَا أَنَّهَا يُسَبِّحْنَ بِجَوْفِ وَفَمٍ وَلِسَانٍ وَشَفَتَيْنِ؟ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَنْطَقَهَا كَيْفَ شَاءَ وَكَذَلِكَ اللَّهُ تَكَلَّمَ كَيْفَ شَاءَ مِنْ غَيْرِ أَنْ نَقُولَ جَوْفٌ وَلَا فَمٌ وَلَا شَفَتَانِ وَلَا لِسَانٌ. فَلَمَّا خَنَقَتْهُ الْحُجَجُ قَالَ: إنَّ اللَّهَ كَلَّمَ مُوسَى إلَّا أَنَّ كَلَامَهُ غَيْرُهُ فَقُلْنَا: وَغَيْرُهُ مَخْلُوقٌ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْنَا: هَذَا مِثْلُ قَوْلِكُمْ الْأَوَّلِ إلَّا أَنَّكُمْ تَدْفَعُونَ عَنْ أَنْفُسِكُمْ الشُّنْعَةَ وَحَدِيثُ الزُّهْرِيِّ قَالَ: {لَمَّا سَمِعَ مُوسَى كَلَامَ رَبِّهِ قَالَ: يَا رَبِّ هَذَا الَّذِي سَمِعْته هُوَ كَلَامُك؟ قَالَ: نَعَمْ يَا مُوسَى هُوَ كَلَامِي وَإِنَّمَا كَلَّمْتُك بِقُوَّةِ عَشَرَةِ آلَافِ لِسَانٍ وَلِي قُوَّةُ الْأَلْسُنِ كُلِّهَا وَأَنَا أَقْوَى مِنْ ذَلِكَ؛ وَإِنَّمَا كَلَّمْتُك عَلَى قَدْرِ مَا يُطِيقُ بَدَنُك؛ وَلَوْ كَلَّمْتُك بِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ لَمُتّ قَالَ فَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إلَى قَوْمِهِ قَالُوا لَهُ صِفْ لَنَا كَلَامَ رَبِّك. فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَهَلْ أَسْتَطِيعُ أَنْ أَصِفَهُ لَكُمْ قَالُوا: فَشَبِّهْهُ قَالَ: سَمِعْتُمْ أَصْوَاتَ الصَّوَاعِقِ الَّتِي تُقْبِلُ فِي أَحْلَى حَلَاوَةٍ سَمِعْتُمُوهَا؟ فَكَأَنَّهُ مِثْلُهُ} ". وَقُلْنَا للجهمية: مَنْ الْقَائِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: {يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ
(6/154)

لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ} ؟ أَلَيْسَ اللَّهُ هُوَ الْقَائِلُ؟ قَالُوا: يَكُونُ اللَّهُ شَيْئًا فَيُعَبِّرُ عَنْ اللَّهِ كَمَا كَوَّنَهُ فَعَبَّرَ لِمُوسَى. قُلْنَا: فَمَنْ الْقَائِلُ: {فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ} {فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ} ؟ أَلَيْسَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي يَسْأَلُ؟ قَالُوا: هَذَا كُلُّهُ إنَّمَا يَكُونُ شَيْئًا فَيُعَبِّرُ عَنْ اللَّهِ. فَقُلْنَا: قَدْ أَعْظَمْتُمْ عَلَى اللَّهِ الْفِرْيَةَ حِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُ لَا يَتَكَلَّمُ فَشَبَّهْتُمُوهُ بِالْأَصْنَامِ الَّتِي تُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْنَامَ لَا تَتَكَلَّمُ وَلَا تَتَحَرَّكُ وَلَا تَزُولُ مِنْ مَكَانٍ إلَى مَكَانٍ. فَلَمَّا ظَهَرَتْ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ قَالَ: إنَّ اللَّهَ قَدْ يَتَكَلَّمُ؛ لَكِنْ كَلَامُهُ مَخْلُوقٌ. قُلْنَا: قَدْ شَبَّهْتُمْ اللَّهَ بِخَلْقِهِ حِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّ كَلَامَهُ مَخْلُوقٌ فَفِي مَذْهَبِكُمْ قَدْ كَانَ فِي وَقْتٍ مِنْ الْأَوْقَاتِ لَا يَتَكَلَّمُ؛ وَكَذَلِكَ بَنُو آدَمَ كَانُوا وَلَا يَتَكَلَّمُونَ حَتَّى خَلَقَ لَهُمْ كَلَامًا فَقَدْ جَمَعْتُمْ بَيْنَ كُفْرٍ وَتَشْبِيهٍ؛ فَتَعَالَى اللَّهُ عَنْ هَذِهِ الصِّفَةِ عُلُوًّا كَبِيرًا. بَلْ نَقُولُ: إنَّ اللَّهَ لَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّمًا إذَا شَاءَ وَلَا نَقُولُ إنَّهُ كَانَ وَلَا يَتَكَلَّمُ حَتَّى خَلَقَ كَلَامًا وَلَا نَقُولُ إنَّهُ قَدْ كَانَ لَا يَعْلَمُ حَتَّى خَلَقَ عِلْمًا وَلَا نَقُولُ إنَّهُ قَدْ كَانَ وَلَا قُدْرَةَ حَتَّى خَلَقَ لِنَفْسِهِ قُدْرَةً وَلَا نَقُولُ إنَّهُ قَدْ كَانَ وَلَا نُورَ لَهُ حَتَّى خَلَقَ لِنَفْسِهِ نُورًا وَلَا نَقُولُ إنَّهُ قَدْ كَانَ وَلَا عَظَمَةَ حَتَّى خَلَقَ لِنَفْسِهِ عَظَمَةً وَذَكَرَ كَلَامًا طَوِيلًا فِي تَقْرِيرِ الصِّفَاتِ وَأَنَّهَا لَا تُنَافِي التَّوْحِيدَ.
(6/155)

وَمِمَّا يُشْبِهُ هَذَا أَنَّ الصِّفَاتِ الَّتِي هِيَ مِنْ جِنْسِ الْحَرَكَةِ: كَالْإِتْيَانِ وَالْمَجِيءِ وَالنُّزُولِ هَلْ تُتَأَوَّلُ بِمَعْنَى مَجِيءِ قُدْرَتِهِ وَأَمْرِهِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ: إحْدَاهُمَا هِيَ بِمَعْنَى مَجِيءِ قُدْرَتِهِ وَهِيَ رِوَايَةُ حَنْبَلٍ فِي الْمِحْنَةِ. وَالثَّانِيَةُ: تَمُرُّ كَسَائِرِ الصِّفَاتِ وَهِيَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ الْمَشْهُورِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا. ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ غَلَّطَ حَنْبَلًا وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ قَالَهُ أَحْمَد إلْزَامًا لَهُمْ وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهُ رِوَايَةً خَاصَّةً كَابْنِ الزَّاغُونِي وَعَمَّمَ ابْنُ عَقِيلٍ ذَلِكَ فِي سَائِرِ الصِّفَاتِ. وَهَذَا الْأَصْلُ يَتَفَرَّعُ فِي أَكْثَرِ مَسَائِلِ الصِّفَاتِ؛ لَا سِيَّمَا مَسْأَلَةُ الْكَلَامِ وَالْإِرَادَةِ وَالصِّفَاتِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْمَشِيئَةِ كَالنُّزُولِ وَالِاسْتِوَاءِ؛ وَهُوَ كَانَ سَبَبَ وُقُوعِ النِّزَاعِ بَيْنَ إمَامِ الْأَئِمَّةِ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَة وَبَيْنَ طَائِفَةٍ مِنْ فُضَلَاءِ أَصْحَابِهِ.
(6/156)

فَصْلٌ:
قَالَ الْقَاضِي: قَالَ: " أَحْمَدُ " فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ: لَمْ يَزَلْ اللَّهُ مُتَكَلِّمًا عَالِمًا. غَفُورًا. وَقَالَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ: لَمْ يَزَلْ اللَّهُ مُتَكَلِّمًا إذَا شَاءَ. وَوَجَدْتهَا فِي " الْمِحْنَةِ " رِوَايَةَ حَنْبَلٍ لَمَّا سَأَلَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إسْحَاقَ قَاضِي " الْمُعْتَصِمِ " فَلَامَهُ فَقَالَ: مَا تَقُولُ فِي الْقُرْآنِ؟ قَالَ فَقُلْت: مَا تَقُولُ فِي الْعِلْمِ؟ فَسَكَتَ. فَقُلْت لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ: الْقُرْآنُ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ عِلْمَ اللَّهِ مَخْلُوقٌ فَقَدْ كَفَرَ بِاَللَّهِ قَالَ: فَسَأَلْت عَبْدَ الرَّحْمَنِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ شَيْئًا وَقَالَ لِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ: كَانَ اللَّهُ وَلَا قُرْآنَ فَقُلْت: كَانَ اللَّهُ وَلَا عِلْمَ؟ فَأَمْسَكَ. وَلَوْ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ كَانَ وَلَا عِلْمَ لَكَفَرَ بِاَللَّهِ. ثُمَّ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: لَمْ يَزَلْ اللَّهُ عَالِمًا مُتَكَلِّمًا يُعْبَدُ اللَّهُ بِصِفَاتِهِ غَيْرِ مَحْدُودَةٍ وَلَا مَعْلُومَةٍ إلَّا بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ وَنَرُدُّ الْقُرْآنَ إلَى عَالِمِهِ إلَى اللَّهِ فَهُوَ أَعْلَمُ بِهِ؛ مِنْهُ بَدَأَ وَإِلَيْهِ يَعُودُ. وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: لَمْ يَزَلْ اللَّهُ مُتَكَلِّمًا وَالْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ. وَعَلَى كُلِّ جِهَةٍ. وَلَا يُوصَفُ اللَّهُ بِشَيْءِ أَكْثَرَ مِمَّا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ.
(6/157)

وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ - فِي الْجُزْءِ الْأَوَّلِ مِنْ " كِتَابِ السُّنَّةِ فِي الْمُقْنِعِ " - لَمَّا سَأَلُوهُ إنَّكُمْ إذَا قُلْتُمْ لَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّمًا كَانَ ذَلِكَ عَبَثًا. فَقَالَ: لِأَصْحَابِنَا قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: لَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّمًا كَالْعِلْمِ؛ لِأَنَّ ضِدَّ الْكَلَامِ الْخَرَسُ كَمَا أَنَّ ضِدَّ الْعِلْمِ الْجَهْلُ. قَالَ: وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ قَدْ أَثْبَتَ لِنَفْسِهِ أَنَّهُ خَالِقٌ وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ خَالِقًا فِي كُلِّ حَالٍ؛ بَلْ قُلْنَا إنَّهُ خَالِقٌ فِي وَقْتِ إرَادَتِهِ أَنْ يَخْلُقَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ خَالِقًا فِي كُلِّ حَالٍ وَلَمْ يَبْطُلْ أَنْ يَكُونَ خَالِقًا؛ كَذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُتَكَلِّمًا فِي كُلِّ حَالٍ لَمْ يَبْطُلْ أَنْ يَكُونَ مُتَكَلِّمًا؛ بَلْ هُوَ مُتَكَلِّمٌ خَالِقٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ خَالِقًا فِي كُلِّ حَالٍ وَلَا مُتَكَلِّمًا فِي كُلِّ حَالٍ. قَالَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى فِي كِتَابِ " إيضَاحِ الْبَيَانِ فِي مَسْأَلَةِ الْقُرْآنِ " لَمَّا أَوْرَدَ عَلَيْهِ هَذَا السُّؤَالَ فَقَالَ: نَقُولُ إنَّهُ لَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّمًا وَلَيْسَ بِمُكَلَّمِ وَلَا مُخَاطَبٍ وَلَا آمِرٍ وَلَا نَاهٍ؛ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ وَسَاقَ الْكَلَامَ إلَى أَنْ ذَكَرَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ مَا حَكَاهُ فِي الْمُقْنِعِ ثُمَّ قَالَ: لَعَلَّ هَذَا الْقَائِلَ مِنْ أَصْحَابِنَا يَذْهَبُ إلَى قَوْلِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ " لَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّمًا إذَا شَاءَ ". قَالَ: وَالْقَائِلُ بِهَذَا قَائِلٌ بِحُدُوثِ الْقُرْآنِ وَقَدْ تَأَوَّلْنَا كَلَامَ أَحْمَدَ يَتَكَلَّمُ إذَا شَاءَ فِي أَوَّلِ الْمَسْأَلَةِ وَلَا يُشْبِهُ هَذَا وَصْفَهُ بِالْخَلْقِ وَالرِّزْقِ؛ لِأَنَّ تِلْكَ الصِّفَاتِ
(6/158)

يَجِبُ أَنْ تُقَدَّرَ فِيهَا ذَلِكَ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّنَا لَوْ قَدَّرْنَا وُجُودَ الْفِعْلِ فِيمَا لَمْ يَزَلْ أَفْضَى إلَى قِدَمِ الْعَالَمِ فَأَمَّا الْكَلَامُ فَهُوَ كَالْعِلْمِ. وَقَالَ الْقَاضِي فِي أَوَّلِ الْمَسْأَلَةِ: قَوْلُ أَحْمَدَ: لَمْ يَزَلْ غَفُورًا بَيَانٌ أَنَّ جَمِيعَ الصِّفَاتِ قَدِيمَةٌ سَوَاءٌ كَانَتْ مُشْتَقَّةً مِنْ فِعْلٍ كَالْغُفْرَانِ وَالْخَلْقِ وَالرِّزْقِ أَوْ لَمْ تَكُنْ مُشْتَقَّةً. وَقَوْلُهُ: لَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّمًا إذَا شَاءَ: مَعْنَاهُ إذَا شَاءَ أَنْ يَسْمَعَهُ. قُلْت وَطَرِيقَةُ الْقَاضِي هَذِهِ هِيَ طَرِيقَةُ أَصْحَابِهِ وَأَصْحَابِهِمْ وَغَيْرِهِمْ: كَابْنِ عَقِيلٍ وَابْنِ الزَّاغُونِي. وَأَمَّا أَكْثَرُ أَهْلِ الْحَدِيثِ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِمْ وَكَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ أَيْضًا فَيُخَالِفُونَهُ فِي ذَلِكَ وَيَقُولُونَ فِي الْفِعْلِ أَحَدَ قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: - وَهُوَ الْقَوْلُ الْآخَرُ لِلْقَاضِي الَّذِي هُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا - أَمَّا أَنَّ الْفِعْلَ قَدِيمٌ وَالْمَفْعُولُ مَخْلُوقٌ؛ كَمَا نُسَلِّمُ ذَلِكَ لَهُمْ فِي الْإِرَادَةِ وَالْقَوْلِ الْمُكَوَّنِ: أَيْ الْإِرَادَةُ قَدِيمَةٌ وَالْمُرَادُ مُحْدَثٌ وَكَمَا أَنَّ الْمُنَازِعَ يَقُولُ: التَّكْوِينُ قَدِيمٌ فَالْمُكَوَّنُ مَخْلُوقٌ. (وَالثَّانِي: أَنَّ الْفِعْلَ نَفْسَهُ عِنْدَهُمْ - كَالْقَوْلِ كِلَاهُمَا - غَيْرُ مَخْلُوقٍ مَعَ أَنَّهُ يَكُونُ فِي حَالٍ دُونَ حَالٍ؛ إذْ هُوَ قَائِمٌ بِاَللَّهِ وَالْمَخْلُوقُ لَا يَكُونُ إلَّا مُنْفَصِلًا عَنْ اللَّهِ. وَيَقُولُونَ: إنَّ قَوْلَ أَحْمَدَ مُوَافِقٌ لِمَا قُلْنَاهُ؛ لِأَنَّهُ قَالَ: لَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّمًا إذَا شَاءَ
(6/159)

وَلَمْ يَقُلْ لَمْ يَزَلْ مُكَلِّمًا إذَا شَاءَ وَالْمُتَعَلِّقُ بِالْمَشِيئَةِ - عِنْدَ مَنْ يَقُولُ إنَّهُ قَدِيمٌ وَاجِبٌ إنَّمَا هُوَ التَّكْلِيمُ الَّذِي هُوَ فِعْلٌ جَائِزٌ لَا التَّكَلُّمُ. فَبَيَّنَ ذَلِكَ أَنَّ أَحْمَدَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ فِي الْمَوْضِعِ الْآخَرِ: لَمْ يَزَلْ اللَّهُ مُتَكَلِّمًا عَالِمًا غَفُورًا. فَذَكَرَ الصِّفَاتِ الثَّلَاثَ: الصِّفَةُ الَّتِي هِيَ قَدِيمَةٌ وَاجِبَةٌ وَهِيَ الْعِلْمُ وَاَلَّتِي هِيَ جَائِزَةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْمَشِيئَةِ وَهِيَ الْمَغْفِرَةُ. فَهَذَانِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا. وَذَكَرَ أَيْضًا التَّكَلُّمَ وَهُوَ الْقِسْمُ الثَّالِثُ: الَّذِي فِيهِ نِزَاعٌ وَهُوَ يُشْبِهُ الْعِلْمَ مِنْ حَيْثُ هُوَ وَصْفٌ قَائِمٌ بِهِ لَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَخْلُوقِ وَيُشْبِهُ الْمَغْفِرَةَ مِنْ حَيْثُ هُوَ مُتَعَلِّقٌ بِمَشِيئَتِهِ كَمَا فَسَّرَهُ فِي الْمَوْضِعِ الْآخَرِ فَعُلِمَ أَنَّ قِدَمَهُ عِنْدَهُ: أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ إذَا شَاءَ تَكَلَّمَ وَإِذَا شَاءَ سَكَتَ لَمْ يَتَجَدَّدْ لَهُ وَصْفُ الْقُدْرَةِ عَلَى الْكَلَامِ الَّتِي هِيَ صِفَةُ كَمَالٍ كَمَا لَمْ يَتَجَدَّدْ لَهُ وَصْفُ الْقُدْرَةِ عَلَى الْمَغْفِرَةِ. وَإِنْ كَانَ الْكَمَالُ هُوَ أَنْ يَتَكَلَّمَ إذَا شَاءَ وَيَسْكُتَ إذَا شَاءَ. وَأَمَّا قَوْلُ الْقَاضِي إنَّ هَذَا قَوْلٌ بِحُدُوثِهِ فَيُجِيبُونَ عَنْهُ بِجَوَابَيْنِ. أَحَدُهُمَا أَلَّا يُسَمَّى مُحْدَثًا وَأَنْ يُسَمَّى حَدِيثًا؛ إذْ الْمُحْدَثُ هُوَ الْمَخْلُوقُ الْمُنْفَصِلُ وَأَمَّا الْحَدِيثُ فَقَدْ سَمَّاهُ اللَّهُ حَدِيثًا وَهَذَا قَوْلُ الكَرَّامِيَة وَأَكْثَرِ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالْحَنْبَلِيَّةِ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ يُسَمَّى مُحْدَثًا كَمَا فِي قَوْلِهِ: {مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ} وَلَيْسَ بِمَخْلُوقِ. وَهَذَا قَوْلُ كَثِيرٍ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَأَهْلِ الْحَدِيثِ وَالْكَلَامِ
(6/160)

كدَاوُد بْنِ عَلِيٍّ الأصبهاني - صَاحِبِ الْمَذْهَبِ - لَكِنَّ الْمَنْقُولَ عَنْ أَحْمَدَ إنْكَارُ ذَلِكَ وَقَدْ يُحْتَجُّ بِهِ لِأَحَدِ قَوْلَيْ أَصْحَابِنَا. قَالَ المروذي قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: مِنْ دَاوُد بْنِ عَلِيٍّ الأصبهاني؟ - لَا فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ جَاءَنِي كِتَابُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى النَّيْسَابُورِيِّ أَنَّ دَاوُد الأصبهاني قَالَ: كَذِبًا: إنَّ الْقُرْآنَ مُحْدَثٌ وَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ الْخَلَّالُ هَذِهِ الرِّوَايَةَ فِي " كِتَابِ السُّنَّةِ " وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ: اسْتَأْذَنَ " دَاوُد " عَلَى أَبِي فَقَالَ: مَنْ هَذَا. دَاوُد؟ لَا جَبَرَ وُدُّ اللَّهِ قَلْبَهُ وَدَوَّدَ اللَّهُ قَبْرَهُ فَمَاتَ مُدَوَّدًا. وَالْإِطْلَاقَاتُ قَدْ تُوهِمُ خِلَافَ الْمَقْصُودِ فَيُقَالُ: إنْ أَرَدْت بِقَوْلِك مُحْدَثٌ أَنَّهُ مَخْلُوقٌ مُنْفَصِلٌ عَنْ اللَّهِ كَمَا يَقُولُ الْجَهْمِيَّة وَالْمُعْتَزِلَةُ والنجارية فَهَذَا بَاطِلٌ لَا نَقُولُهُ؛ وَإِنْ أَرَدْت بِقَوْلِك: إنَّهُ كَلَامٌ تَكَلَّمَ اللَّهُ بِهِ بِمَشِيئَتِهِ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَتَكَلَّمْ بِهِ بِعَيْنِهِ - وَإِنْ كَانَ قَدْ تَكَلَّمَ بِغَيْرِهِ قَبْلَ ذَلِكَ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّمًا إذَا شَاءَ فَإِنَّا نَقُولُ بِذَلِكَ. وَهُوَ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَهُوَ قَوْلُ السَّلَفِ وَأَهْلِ الْحَدِيثِ؛ وَإِنَّمَا ابْتَدَعَ الْقَوْلَ الْآخَرَ الْكُلَّابِيَة وَالْأَشْعَرِيَّةُ؛ وَلَكِنَّ أَهْلَ هَذَا الْقَوْلِ لَهُمْ قَوْلَانِ. (أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ تَكَلَّمَ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ مُتَكَلِّمًا؛ وَإِنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى الْكَلَامِ كَمَا أَنَّهُ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ خَلَقَهُمَا وَإِنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى الْخَلْقِ. وَهَذَا قَوْلُ الكَرَّامِيَة وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ يَقُولُ إنَّهُ تَحِلُّهُ الْحَوَادِثُ بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُنْ تَحِلُّهُ وَقَوْلُ مَنْ قَالَ: إنَّهُ مُحْدَثٌ يَحْتَمِلُ هَذَا الْقَوْلَ وَإِنْكَارُ أَحْمَدَ يَتَوَجَّهُ إلَيْهِ.
(6/161)

وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّمًا يَتَكَلَّمُ إذَا شَاءَ. وَهَذَا هُوَ الَّذِي يَقُولُهُ مَنْ يَقُولُهُ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ. وَأَصْحَابُ هَذَا الْقَوْلِ: قَدْ يَقُولُونَ: إنَّ كَلَامَهُ قَدِيمٌ وَأَنَّهُ لَيْسَ بِحَادِثِ وَلَا مُحْدَثٍ؛ فَيُرِيدُونَ نَوْعَ الْكَلَامِ إذْ لَمْ يَزَلْ يَتَكَلَّمُ إذَا شَاءَ؛ وَإِنْ كَانَ الْكَلَامُ الْعَيْنِيَّ يَتَكَلَّمُ بِهِ إذَا شَاءَ وَمَنْ قَالَ: لَيْسَتْ تَحِلُّ ذَاتَه الْحَوَادِثُ فَقَدْ يُرِيدُ بِهِ هَذَا الْمَعْنَى. بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَحْدُثْ نَوْعُ الْكَلَامِ فِي كَيْفِيَّةِ ذَاتِهِ. وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ حَامِدٍ فِي " أُصُولِهِ " وَمِمَّا يَجِبُ الْإِيمَانُ بِهِ وَالتَّصْدِيقُ أَنَّ اللَّهَ يَتَكَلَّمُ؛ وَأَنَّ كَلَامَهُ (قَدِيمٌ وَأَنَّهُ لَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّمًا فِي كُلِّ أَوْقَاتِهِ بِذَلِكَ مَوْصُوفًا وَكَلَامُهُ قَدِيمٌ غَيْرُ مُحْدَثٍ كَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَقَدْ يَجِيءُ عَلَى الْمَذْهَبِ أَنْ يَكُونَ الْكَلَامُ صِفَةَ مُتَكَلِّمٍ لَمْ يَزَلْ مَوْصُوفًا بِذَلِكَ وَمُتَكَلِّمًا كُلَّمَا شَاءَ وَإِذَا شَاءَ وَلَا نَقُولُ: إنَّهُ سَاكِتٌ فِي حَالٍ وَمُتَكَلِّمٌ فِي حَالٍ. مِنْ حِينِ حُدُوثِ الْكَلَامِ. وَالدَّلِيلُ عَلَى إثْبَاتِهِ مُتَكَلِّمًا عَلَى مَا وَصَفْنَاهُ: كِتَابُ اللَّهِ وَسُنَّةُ نَبِيِّهِ وَإِجْمَاعُ أَهْلِ الْحَقِّ إلَّا طَائِفَةَ الضَّلَالِ " الْمُعْتَزِلَةَ " وَغَيْرَهُمْ مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ؛ فَإِنَّهُمْ أَبَوْا أَنْ يَكُونَ اللَّهُ مُتَكَلِّمًا وَذَكَرَ بَعْضَ أَدِلَّةِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.
ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ
(6/162)

فَصْلٌ:
وَلَا خِلَافَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ اللَّهَ كَانَ مُتَكَلِّمًا بِالْقُرْآنِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الْخَلْقَ وَقَبْلَ كُلِّ الْكَائِنَاتِ مَوْجُودًا وَأَنَّ اللَّهَ فِيمَا لَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّمًا كَيْفَ شَاءَ وَكَمَا شَاءَ؛ وَإِذَا شَاءَ أَنْزَلَ كَلَامَهُ وَإِذَا شَاءَ لَمْ يُنْزِلْهُ. وَأَبَى ذَلِكَ " الْمُعْتَزِلَةُ " فَقَالُوا: حَادِثٌ بَعْدَ وُجُودِ الْمَخْلُوقَاتِ. قُلْت: فَقَدْ حَكَى الْقَوْلَيْنِ ابْنُ حَامِدٍ أَيْضًا مَعَ أَنَّهُ يَذْكُرُ الِاتِّفَاقَ عَنْهُ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّمًا كَيْفَ شَاءَ وَكَمَا شَاءَ؛ لَكِنَّهُ نَفَى عَلَى الْقَوْلَيْنِ أَنْ يُقَالَ: هُوَ هُوَ سَاكِتٌ فِي حَالٍ وَمُتَكَلِّمٌ فِي حَالٍ فَأَثْبَتُ أَنْ يُقَالَ: هُوَ مُتَكَلِّمٌ كُلَّمَا شَاءَ وَإِذَا شَاءَ وَلَا يُقَالُ إنَّهُ سَاكِتٌ فِي حَالٍ. وَهَكَذَا تَقُولُ الكَرَّامِيَة إنَّهُ لَا يُوصَفُ بِالسُّكُوتِ وَالنُّزُولِ فِيمَا لَمْ يَزَلْ لَكِنْ بَيْنَ كَلَامِهِ وَكَلَامِهِمْ فَرْقٌ كَمَا سَأَحْكِيهِ.
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ حَامِدٍ فِي " صِفَاتِ الْفِعْلِ ":
(6/163)

فَصْلٌ:
وَمِمَّا يَجِبُ عَلَى أَهْلِ الْإِيمَانِ التَّصْدِيقُ بِهِ أَنَّ الْحَقَّ سُبْحَانَهُ يَنْزِلُ إلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا فِي كُلِّ لَيْلَةٍ وَيَنْزِلُ يَوْمَ عَرَفَةَ مِنْ غَيْرِ تَكْيِيفٍ وَلَا مِثْلٍ وَلَا تَحْدِيدٍ وَلَا شَبَهٍ وَقَالَ: هَذَا نَصُّ إمَامِنَا. قَالَ يُوسُفُ بْنُ مُوسَى: قُلْت " لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ ": يَنْزِلُ اللَّهُ إلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا كَيْفَ شَاءَ مِنْ غَيْرِ وَصْفٍ؟ قَالَ: نَعَمْ وَقَالَ فِي مَسْأَلَةِ " الِاسْتِوَاءِ عَلَى الْعَرْشِ " فِيمَا رَوَاهُ عَنْهُ حَنْبَلٌ: رَبُّنَا عَلَى الْعَرْشِ بِلَا حَدٍّ وَلَا صِفَةٍ. وَقَالَ فِي رِوَايَةِ المروذي قِيلَ لَهُ عَنْ ابْنِ الْمُبَارَكِ: يُعْرَفُ اللَّهُ عَلَى الْعَرْشِ بِحَدِّ؟ قَالَ: بَلَغَنِي ذَلِكَ وَأَعْجَبَهُ. ثُمَّ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: {هَلْ يَنْظُرُونَ إلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ} وَقَالَ: {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} . قَالَ ابْنُ حَامِدٍ: فَالْمَذْهَبُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا لَا يَخْتَلِفُ أَنَّ ذَاتَه تَنْزِلُ وَرَأَيْت بَعْضَ أَصْحَابِنَا يَرْوِي عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ فِي الْإِتْيَانِ أَنَّهُ قَالَ: يَأْتِي بِذَاتِهِ قَالَ: وَهَذَا عَلَى حَدِّ التَّوَهُّمِ مِنْ قَائِلِهِ وَخَطَأٌ مِنْ إضَافَتِهِ إلَيْهِ كَمَا قَرَّرْنَا عَنْهُ مِنْ النَّصِّ. قَالَ ابْنُ حَامِدٍ: فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا الْأَصْلُ فِي نُزُولِ ذَاتِهِ مِنْ غَيْرِ صِفَةٍ وَلَا حَدٍّ
(6/164)

فَإِنَّا نَقُولُ: إنَّهُ بِانْتِقَالِ مِنْ مَكَانِهِ الَّذِي هُوَ فِيهِ إلَّا أَنَّ طَائِفَةً مِنْ أَصْحَابِنَا قَالَتْ: يَنْزِلُ مِنْ غَيْرِ انْتِقَالٍ مِنْ مَكَانِهِ كَيْفَ شَاءَ قَالَ: وَالصَّحِيحُ مَا ذَكَرْنَا لَا غَيْرَهُ. قَالَ: وَقَدْ أَبَى أَصْلَ " هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ " أَهْلُ الِاعْتِزَالِ فَقَالُوا: لَا نُزُولَ لَهُ وَلَا حَرَكَةَ وَلَا لَهُ مِنْ مَكَانِهِ زَوَالٌ وَهُوَ بِكُلِّ مَكَانٍ عَلَى مَا كَانَ؛ قَالَ: وَهَذَا مِنْهُمْ جَهْلٌ قَبِيحٌ لِنَصِّ الْأَخْبَارِ. وَسَاقَ بَعْضَ الْأَحَادِيثِ الْمَأْثُورَةِ فِي ذَلِكَ قَالَ:
(6/165)

فَصْلٌ:
وَمِمَّا يَجِبُ التَّصْدِيقُ بِهِ وَالرِّضَا: مَجِيئُهُ إلَى الْحَشْرِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِمَثَابَةِ نُزُولِهِ إلَى سَمَائِهِ وَذَلِكَ بِقَوْلِهِ: {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} وَقَالَ تَعَالَى: {وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ} . قَالَ: وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ إذَا جَاءَهُمْ وَجَلَسَ عَلَى كُرْسِيِّهِ أَشْرَقَتْ الْأَرْضُ كُلُّهَا بِأَنْوَارِهِ. وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ يَحْيَى الْكِنَانِيُّ صَاحِبُ " الْحَيْدَةِ " وَ " الرَّدِّ عَلَى الْجَهْمِيَّة وَالْقَدَرِيَّةِ " كَلَامُهُ فِي الْحَيْدَةِ وَالرَّدِّ عَلَى الْجَهْمِيَّة يَحْتَمِلُ ذَلِكَ؛ فَإِنَّ مَضْمُونَ الْحَيْدَةِ أَنَّهُ أَبْطَلَ احْتِجَاجَ بِشْرٍ المريسي بِقَوْلِهِ: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} وَقَوْلِهِ: {إنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا} . ثُمَّ إنَّهُ احْتَجَّ عَلَى المريسي بِثَلَاثِ حُجَجٍ: (الْأُولَى أَنَّهُ قَالَ: إذَا كَانَ مَخْلُوقًا فَإِمَّا أَنْ تَقُولَ خَلَقَهُ فِي نَفْسِهِ أَوْ خَلَقَهُ فِي غَيْرِهِ أَوْ خَلَقَهُ قَائِمًا بِنَفْسِهِ وَذَاتِهِ. قَالَ: فَإِنْ قَالَ: خَلَقَ كَلَامَهُ فِي نَفْسِهِ فَهَذَا مُحَالٌ وَلَا تَجِدُ السَّبِيلَ إلَى الْقَوْلِ بِهِ مِنْ قِيَاسٍ وَلَا نَظَرٍ وَلَا مَعْقُولٍ؛ لِأَنَّ اللَّهَ لَا يَكُونُ مَكَانًا لِلْحَوَادِثِ
(6/166)

وَلَا يَكُونُ فِيهِ شَيْءٌ مَخْلُوقٌ وَلَا يَكُونُ نَاقِصًا فَيَزِيدُ فِيهِ شَيْءٌ إذَا خَلَقَهُ - تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ وَجَلَّ وَتَعَظَّمَ. وَإِنْ قَالَ: خَلَقَهُ فِي غَيْرِهِ فَيَلْزَمُهُ فِي النَّظَرِ وَالْقِيَاسِ أَنَّ كُلَّ كَلَامٍ خَلَقَهُ اللَّهُ فِي غَيْرِهِ فَهُوَ كَلَامُ اللَّهِ لَا يُقْدَرُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا. أَفَيُجْعَلُ الشِّعْرُ كَلَامًا لِلَّهِ؟ وَيُجْعَلُ قَوْلُ الْقَذَرِ كَلَامًا لِلَّهِ؟ وَيُجْعَلُ كَلَامُ الْفُحْشِ وَالْكُفْرِ كَلَامًا لِلَّهِ؟ وَكُلُّ قَوْلٍ ذَمَّهُ اللَّهُ وَذَمَّ قَائِلَهُ كَلَامًا لِلَّهِ؟ وَهَذَا مُحَالٌ لَا يَجِدُ السَّبِيلَ إلَيْهِ وَلَا إلَى الْقَوْلِ بِهِ لِظُهُورِ الشَّنَاعَةِ وَالْفَضِيحَةِ وَالْكُفْرِ عَلَى قَائِلِهِ. وَإِنْ قَالَ خَلَقَهُ قَائِمًا بِذَاتِهِ وَنَفَسِهِ فَهَذَا هُوَ الْمُحَالُ الْبَاطِلُ الَّذِي لَا يَجِدُ إلَى الْقَوْلِ بِهِ سَبِيلًا فِي قِيَاسٍ وَلَا نَظَرٍ وَلَا مَعْقُولٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ الْكَلَامُ إلَّا مِنْ مُتَكَلِّمٍ كَمَا لَا تَكُونُ الْإِرَادَةُ إلَّا مِنْ مُرِيدٍ وَلَا الْعِلْمُ إلَّا مِنْ عَالِمٍ وَلَا الْقُدْرَةُ إلَّا مِنْ قَدِيرٍ وَلَا رُئِيَ وَلَا يُرَى قَطُّ كَلَامٌ قَطُّ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ يَتَكَلَّمُ بِذَاتِهِ. فَلَمَّا اسْتَحَالَ مِنْ هَذِهِ الْجِهَاتِ الثَّلَاثِ أَنْ يَكُونَ مَخْلُوقًا ثَبَتَ أَنَّهُ صِفَةٌ لِلَّهِ وَصِفَاتُ اللَّهِ كُلُّهَا غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ. وَ (الْحُجَّةُ الثَّانِيَةُ: اتَّفَقَ هُوَ وَبِشْرٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ اللَّهُ وَلَا شَيْءَ وَكَانَ وَلَمَّا يَفْعَلُ وَلَمْ يَخْلُقْ شَيْئًا. قَالَ لَهُ: فَبِأَيِّ شَيْءٍ أَحْدَثَ الْأَشْيَاءَ؟ قَالَ: أَحْدَثَهَا بِقُدْرَتِهِ الَّتِي لَمْ تَزَلْ.
(6/167)

قَالَ " عَبْدُ الْعَزِيزِ ": فَقُلْت صَدَقْت أَحْدَثَهَا بِقُدْرَتِهِ الَّتِي لَمْ تَزَلْ؛ أَفَلَيْسَ تَقُولُ إنَّهُ لَمْ يَزَلْ قَادِرًا؟ قَالَ: بَلَى. فَقُلْت لَهُ: أَفَتَقُولُ إنَّهُ لَمْ يَزَلْ يَفْعَلُ؟ قَالَ: لَا أَقُولُ هَذَا. قُلْت لَهُ: فَلَا بُدَّ أَنْ يَلْزَمَك أَنْ تَقُولَ إنَّهُ خَلَقَ بِالْفِعْلِ الَّذِي كَانَ عَنْ الْقُدْرَةِ وَلَيْسَ الْفِعْلُ هُوَ الْقُدْرَةُ؛ لِأَنَّ الْقُدْرَةَ صِفَةٌ لِلَّهِ وَلَا يُقَالُ صِفَةُ اللَّهِ هِيَ اللَّهُ وَلَا هِيَ غَيْرُ اللَّهِ. قَال بِشْرٌ: وَيَلْزَمُك أَنْتَ أَيْضًا أَنْ تَقُولَ: إنَّ اللَّهَ لَمْ يَزَلْ يَفْعَلُ وَيَخْلُقُ فَإِذَا قُلْت ذَلِكَ ثَبَتَ أَنَّ الْمَخْلُوقَ لَمْ يَزَلْ مَعَ اللَّهِ. فَقُلْت لَهُ: لَيْسَ لَك أَنْ تَحْكُمَ عَلَيَّ وَتُلْزِمَنِي مَا لَا يَلْزَمُنِي وَتَحْكِيَ عَنِّي مَا لَمْ أَقُلْ إنَّهُ لَمْ يَزَلْ الْخَالِقُ يَخْلُقُ وَلَمْ يَزَلْ الْفَاعِلُ يَفْعَلُ فَتُلْزِمُنِي مَا قُلْت وَإِنَّمَا قُلْت إنَّهُ لَمْ يَزَلْ الْفَاعِلُ سَيَفْعَلُ وَلَمْ يَزَلْ الْخَالِقُ سَيَخْلُقُ لِأَنَّ الْفِعْلَ صِفَةٌ لِلَّهِ يَقْدِرُ عَلَيْهِ وَلَا يَمْنَعُهُ مِنْهُ مَانِعٌ. قَالَ بِشْرٌ: وَأَنَا أَقُولُ: إنَّهُ أَحْدَثَ الْأَشْيَاءَ بِقُدْرَتِهِ. فَقُلْ أَنْتَ مَا شِئْت. قَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ: فَقُلْت: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ أَقَرَّ بِشْرٌ أَنَّ اللَّهَ كَانَ وَلَا شَيْءَ وَأَنَّهُ أَحْدَثَ الْأَشْيَاءَ بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُنْ شَيْئًا بِقُدْرَتِهِ وَقُلْت: إمَّا أَنَّهُ أَحْدَثَهَا بِأَمْرِهِ وَقَوْلِهِ عَنْ قُدْرَتِهِ فَلَا يَخْلُو يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَكُونَ أَوَّلَ خَلْقٍ خَلَقَهُ اللَّهُ بِقَوْلِ قَالَهُ أَوْ بِإِرَادَةِ أَرَادَهَا أَوْ بِقُدْرَةِ قَدَّرَهَا وَأَيُّ ذَلِكَ كَانَ فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ هُنَا إرَادَةً وَمُرِيدًا وَمُرَادًا وَقَوْلًا وَقَائِلًا وَمَقُولًا لَهُ وَقُدْرَةً وَقَادِرًا وَمَقْدُورًا
(6/168)

عَلَيْهِ وَذَلِكَ كُلُّهُ مُتَقَدِّمٌ قَبْلَ الْخَالِقِ وَمَا كَانَ قَبْلَ الْخَالِقِ مُتَقَدِّمٌ فَلَيْسَ هُوَ مِنْ الْخَلْقِ. قُلْت: قَوْلُهُ قَبْلَ الْخَلْقِ هُوَ الْمُرِيدُ الْقَائِلُ الْقَادِرُ وَإِرَادَتُهُ وَقَوْلُهُ وَقُدْرَتُهُ وَأَمَّا الْمُرَادُ الْمَقْدُورُ عَلَيْهِ الْمَقُولُ لَهُ: فَإِمَّا أَنْ يُرِيدَ ثُبُوتَهُ فِي الْعِلْمِ بِقَوْلِهِ لَهُ كُنْ أَوْ لَمْ يَدْخُلْ فِي اللَّفْظِ. وَهَذَا الْكَلَامُ يَقْتَضِي أَنْ. . . (1) وَقَدْ قَالَ لَمْ يَزَلْ سَيَفْعَلُ وَقَدْ فَسَّرَهُ أَيْضًا بِفِعْلِهِ كَمَا تَقَدَّمَ. وَذَكَرَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَاكِمُ فِي تَارِيخِ نَيْسَابُورَ فِي تَرْجَمَةِ الْإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَة: قَضِيَّةً طَوِيلَةً فِي الْخِلَافِ الَّذِي وَقَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ بَعْضِ أَصْحَابِهِ: مِثْلَ أَبِي عَلِيٍّ الثَّقَفِيِّ وَأَبِي بَكْرٍ أَحْمَد بْنِ إسْحَاقَ الضبعي وَأَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي عُثْمَانَ الزَّاهِدِ وَأَبِي مُحَمَّدِ بْنِ مَنْصُورٍ الْقَاضِي فَذَكَرَ أَنَّ طَائِفَةً رَفَعُوا إلَى الْإِمَامِ أَنَّهُ قَدْ نَبَغَ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ يُخَالِفُونَهُ وَهُوَ لَا يَدْرِي وَأَنَّهُمْ عَلَى مَذْهَبِ الْكُلَّابِيَة وَأَبُو بَكْرٍ الْإِمَامُ شَدِيدٌ عَلَى الْكُلَّابِيَة. قَالَ الْحَاكِمُ فَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ أَحْمَد بْنُ يَحْيَى الْمُتَكَلِّمُ قَالَ: اجْتَمَعْنَا لَيْلَةً عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَجَرَى ذِكْرُ كَلَامِ اللَّهِ أَقَدِيمٌ لَمْ يَزَلْ؟ أَوْ يَثْبُتُ عِنْدَ إخْبَارِهِ تَعَالَى أَنَّهُ تَكَلَّمَ بِهِ فَوَقَعَ بَيْنَنَا فِي ذَلِكَ خَوْضٌ. قَالَ جَمَاعَةٌ مِنَّا: إنَّ كَلَامَ الْبَارِي قَدِيمٌ لَمْ يَزَلْ وَقَالَ جَمَاعَةٌ: إنَّ كَلَامَهُ قَدِيمٌ غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِإِخْبَارِهِ بِكَلَامِهِ.
__________

[تعليق مُعِدّ الكتاب للشاملة]
(1) سقط من الأصل مقدار ثلاث كلمات
(6/169)

فَبَكَرْت أَنَا إلَى أَبِي عَلِيٍّ الثَّقَفِيِّ وَأَخْبَرْته بِمَا جَرَى فَقَالَ: مَنْ أَنْكَرَ أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ فَقَدْ اعْتَقَدَ أَنَّ كَلَامَ اللَّهِ مُحْدَثٌ وَانْتَشَرَتْ " هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ " فِي الْبَلَدِ وَذَهَبَ مَنْصُورٌ الطوسي فِي جَمَاعَةٍ مَعَهُ إلَى أَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحَاقَ وَأَخْبَرُوهُ بِذَلِكَ؛ حَتَّى قَالَ مَنْصُورٌ: أَلَمْ أَقُلْ لِلشَّيْخِ إنَّ هَؤُلَاءِ يَعْتَقِدُونَ مَذْهَبَ الْكُلَّابِيَة وَهَذَا مَذْهَبُهُمْ؟ فَجَمَعَ أَبُو بَكْرٍ أَصْحَابَهُ وَقَالَ: أَلَمْ أَنْهَكُمْ غَيْرَ مَرَّةٍ عَنْ الْخَوْضِ فِي الْكَلَامِ؟ وَلَمْ يَزِدْهُمْ عَلَى هَذَا ذَلِكَ الْيَوْمَ. ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ خَرَجَ عَلَى أَصْحَابِهِ وَأَنَّهُ صَنَّفَ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِمْ وَأَنَّهُمْ نَاقَضُوهُ وَنَسَبُوهُ إلَى الْقَوْلِ بِقَوْلِ جَهْمٍ فِي أَنَّ الْقُرْآنَ مُحْدَثٌ وَجَعَلَهُمْ هُوَ كلابية. قَالَ الْحَاكِمُ: سَمِعْت أَبَا سَعِيدٍ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَحْمَد الْمُقْرِي يَقُولُ: سَمِعْت أَبَا بَكْرٍ مُحَمَّدَ بْنَ إسْحَاقَ يَقُولُ: الَّذِي أَقُولُ بِهِ: إنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ وَوَحْيُهُ وَتَنْزِيلُهُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ؛ وَمَنْ قَالَ: إنَّ الْقُرْآنَ أَوْ شَيْئًا مِنْهُ وَعَنْ وَحْيِهِ وَتَنْزِيلِهِ مَخْلُوقٌ. أَوْ يَقُولُ: إنَّ اللَّهَ لَا يَتَكَلَّمُ بَعْدَ مَا كَانَ تَكَلَّمَ بِهِ فِي الْأَزَلِ أَوْ يَقُولُ: إنَّ أَفْعَالَ اللَّهِ مَخْلُوقَةٌ؛ أَوْ يَقُولُ: إنَّ الْقُرْآنَ مُحْدَثٌ؛ أَوْ يَقُولُ: إنَّ شَيْئًا مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ صِفَاتُ الذَّاتِ أَوْ اسْمًا مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ مَخْلُوقٌ: فَهُوَ عِنْدِي جهمي يُسْتَتَابُ؛ فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا ضَرَبْت عُنُقَهُ وَأُلْقِيَ عَلَى بَعْضِ الْمَزَابِلِ؛ هَذَا مَذْهَبِي وَمَذْهَبُ مَنْ رَأَيْت مِنْ أَهْلِ الْأَثَرِ فِي الشَّرْقِ وَالْغَرْبِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَمَنْ حَكَى عَنِّي خِلَافَ هَذَا: فَهُوَ كَاذِبٌ بَاهِتٌ وَمَنْ نَظَرَ فِي كُتُبِي الْمُصَنَّفَةِ فِي الْعِلْمِ ظَهَرَ لَهُ وَبَانَ أَنَّ الْكُلَّابِيَة - لَعَنَهُمْ اللَّهُ - كَذَبَةٌ فِيمَا يَحْكُونَ عَنِّي مِمَّا هُوَ خِلَافُ أَصْلِي وَدِيَانَتِي قَدْ عَرَفَ أَهْلُ الشَّرْقِ وَالْغَرْبِ؛ أَنَّهُ لَمْ يُصَنِّفْ أَحَدٌ
(6/170)

فِي التَّوْحِيدِ وَفِي الْقَدَرِ وَفِي أُصُولِ الْعِلْمِ مِثْلَ تَصْنِيفِي؛ فَالْحَاكِي خِلَافَ مَا فِي كُتُبِي الْمُصَنَّفَةِ كَذَبَةٌ فَسَقَةٌ. وَذَكَرَ عَنْ ابْنِ خُزَيْمَة أَنَّهُ قَالَ: زَعَمَ بَعْضُ جَهَلَةِ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ نَبَغُوا فِي سنيننا هَذِهِ: أَنَّ اللَّهَ لَا يُكَرِّرُ الْكَلَامَ فَلَا هُمْ يَفْهَمُونَ كِتَابَ اللَّهِ؛ إنَّ اللَّهَ قَدْ أَخْبَرَ فِي نَصِّ الْكِتَابِ فِي مَوَاضِعَ أَنَّهُ خَلَقَ آدَمَ وَأَنَّهُ أَمَرَ الْمَلَائِكَةَ بِالسُّجُودِ لَهُ؛ فَكَرَّرَ هَذَا الذِّكْرَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ وَكَرَّرَ ذِكْرَ كَلَامِهِ لِمُوسَى مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى وَكَرَّرَ ذِكْرَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ فِي مَوَاضِعَ وَحَمِدَ نَفْسَهُ فِي مَوَاضِعَ فَقَالَ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ} و {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} الْآيَةَ. و {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} وَكَرَّرَ زِيَادَةً عَلَى ثَلَاثِينَ كَرَّةً: {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} وَلَمْ أَتَوَهَّمْ أَنَّ مُسْلِمًا يَتَوَهَّمُ أَنَّ اللَّهَ لَا يَتَكَلَّمُ بِشَيْءِ مَرَّتَيْنِ وَهَذَا مَقَالَةُ مَنْ زَعَمَ أَنَّ كَلَامَ اللَّهِ مَخْلُوقٌ وَيَتَوَهَّمُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ: خَلَقَ اللَّهُ شَيْئًا وَاحِدًا مَرَّتَيْنِ. وَقَالَ الْحَاكِمُ: سَمِعْت أَبَا بَكْرٍ أَحْمَد بْنَ إسْحَاقَ يَقُولُ: لَمَّا وَقَعَ مِنْ أَمْرِنَا مَا وَقَعَ وَوَجَدَ بَعْضُ الْمُخَالِفِينَ - يَعْنِي الْمُعْتَزِلَةَ - الْفُرْصَةَ فِي تَقْرِيرِ مَذْهَبِهِمْ بِحَضْرَتِنَا وَاغْتَنَمَ بَعْضُ الْمُوَافِقِينَ السَّعْيَ فِي فَسَادِ الْحَالِ انْتَصَبَ أَبُو عَمْرٍو الحيري لِلتَّوَسُّطِ فِيمَا بَيْنَ الْجَمَاعَةِ بِلَا مَيْلٍ وَذَكَرَ أَنَّهُمْ اجْتَمَعُوا بِدَارِهِ. وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الثَّقَفِيُّ لِلْإِمَامِ: مَا الَّذِي أَنْكَرْت مِنْ مَذَاهِبِنَا أَيُّهَا الْإِمَامُ حَتَّى نَرْجِعَ عَنْهُ؟ قَالَ: مَيْلُكُمْ إلَى مَذْهَبِ الْكُلَّابِيَة فَقَدْ كَانَ أَحْمَد بْنُ حَنْبَلٍ مِنْ أَشَدِّ
(6/171)

النَّاسِ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدٍ. وَعَلَى أَصْحَابِهِ؛ مِثْلَ الْحَارِثِ وَغَيْرِهِ حَتَّى طَالَ الْخِطَابُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَبِي عَلِيٍّ فِي هَذَا الْبَابِ. فَقُلْت: قَدْ جَمَعْت أَنَا أُصُولَ مَذَاهِبِنَا فِي طَبَقٍ؛ فَأَخْرَجْت إلَيْهِ الطَّبَقَ وَقُلْت: تَأَمَّلْ مَا جَمَعْته بِخَطِّي وَبَيَّنْته مِنْ هَذِهِ الْمَسَائِلِ؛ فَإِنْ كَانَ فِيهَا شَيْءٌ تُنْكِرُهُ؛ فَبَيِّنْ لَنَا وَجْهَهُ حَتَّى نَرْجِعَ عَنْهُ فَأَخَذَ مِنِّي ذَلِكَ الطَّبَقَ وَمَا زَالَ يَتَأَمَّلُهُ وَيَنْظُرُ فِيهِ حَتَّى وَقَفَ عَلَيْهِ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَقَالَ: لَسْت أَرَى شَيْئًا لَا أَقُولُ بِهِ وَكُلُّهُ مَذْهَبِي وَعَلَيْهِ رَأَيْت مَشَايِخِي. وَسَأَلْته أَنْ يُثْبِتَ بِخَطِّهِ آخِر تِلْكَ الْأَحْرُفِ أَنَّهُ مَذْهَبُهُ؛ ثُمَّ قَصَدَهُ أَبُو فُلَانٍ وَفُلَانٌ وَفُلَانٌ وَقَالُوا: إنَّ الْأُسْتَاذَ لَمْ يَتَأَمَّلْ مَا كَتَبَهُ بِخَطِّهِ وَقَدْ غَدَرُوا بِك وَغَيَّرُوا صُورَةَ الْحَالِ. قَالَ الْحَاكِمُ: وَهَذِهِ نُسْخَةُ الْخَطِّ يَقُولُ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَد بْنُ إسْحَاقَ وَيَحْيَى بْنُ مَنْصُورٍ: كَلَامُ اللَّهِ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِ ذَاتِهِ؛ لَيْسَ شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ خَلْقٌ وَلَا مَخْلُوقٌ وَلَا فِعْلٌ وَلَا مَفْعُولٌ وَلَا مُحْدَثٌ وَلَا حَدَثٌ وَلَا أَحْدَاثٌ؛ فَمَنْ زَعَمَ أَنَّ شَيْئًا مِنْهُ مَخْلُوقٌ أَوْ مُحْدَثٌ؛ أَوْ زَعَمَ أَنَّ الْكَلَامَ مِنْ صِفَةِ الْفِعْلِ؛ فَهُوَ جهمي ضَالٌّ مُبْتَدِعٌ. وَأَقُولُ: لَمْ يَزَلْ اللَّهُ مُتَكَلِّمًا وَلَا يَزَالُ مُتَكَلِّمًا وَالْكَلَامُ لَهُ صِفَةُ ذَاتٍ لَا مِثْلَ لِكَلَامِهِ مِنْ كَلَامِ خَلْقِهِ وَلَا نَفَادَ لِكَلَامِهِ لَمْ يَزَلْ رَبُّنَا بِكَلَامِهِ وَعِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ وَصِفَاتِ ذَاتِهِ وَاحِدًا؛ لَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَالُ. كَلَّمَ رَبُّنَا أَنْبِيَاءَهُ وَكَلَّمَ مُوسَى، وَاَللَّهُ الَّذِي قَالَ لَهُ: {إنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إلَهَ إلَّا أَنَا
(6/172)

فَاعْبُدْنِي} وَيُكَلِّمُ أَوْلِيَاءَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيُحَيِّيهِمْ بِالسَّلَامِ؛ قَوْلًا فِي دَارِ عَدَنِهِ وَيُنَادِي عِبَادَهُ فَيَقُولُ: {مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ} وَيَقُولُ: {لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} . وَيُكَلِّمُ أَهْلَ النَّارِ بِالتَّوْبِيخِ وَالْعِقَابِ وَيَقُولُ لَهُمْ: {اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ} . وَيَخْلُو الْجَبَّارُ بِكُلِّ أَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ فَيُكَلِّمُهُ؛ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ تُرْجُمَانٌ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {وَيُكَلِّمُ رَبُّنَا جَهَنَّمَ فَيَقُولُ لَهَا: هَلْ امْتَلَأْت؟ وَيُنْطِقُهَا فَتَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ} . فَمَنْ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَتَكَلَّمْ إلَّا مَرَّةً وَلَمْ يَتَكَلَّمْ إلَّا مَا تَكَلَّمَ بِهِ؛ ثُمَّ انْقَضَى كَلَامُهُ كَفَرَ بِاَللَّهِ؛ بَلْ لَمْ يَزَلْ اللَّهُ مُتَكَلِّمًا وَلَا يَزَالُ مُتَكَلِّمًا لَا مِثْلَ لِكَلَامِهِ؛ لِأَنَّهُ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِ ذَاتِهِ نَفَى اللَّهُ الْمِثْلَ عَنْ كَلَامِهِ كَمَا نَفَى الْمِثْلَ عَنْ نَفْسِهِ وَنَفَى النَّفَادَ عَنْ كَلَامِهِ كَمَا نَفَى الْهَلَاكَ عَنْ نَفْسِهِ فَقَالَ: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إلَّا وَجْهَهُ} وَقَالَ: {قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي} . كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ بَائِنٍ عَنْ اللَّهِ. لَيْسَ هُوَ دُونَهُ وَلَا غَيْرَهُ وَلَا هُوَ؛ بَلْ هُوَ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِ ذَاتِهِ كَعِلْمِهِ الَّذِي هُوَ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِ ذَاتِهِ لَمْ يَزَلْ رَبُّنَا عَالِمًا وَلَا يَزَالُ عَالِمًا وَلَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّمًا وَلَا يَزَالُ يَتَكَلَّمُ؛ فَهُوَ الْمَوْصُوفُ بِالصِّفَاتِ
(6/173)

الْعُلَى؛ لَمْ يَزَلْ بِجَمِيعِ صِفَاتِهِ الَّتِي هِيَ صِفَاتُ ذَاتِهِ وَاحِدًا وَلَا يَزَالُ: {وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} . كَلَّمَ مُوسَى فَقَالَ لَهُ: {إنِّي أَنَا رَبُّكَ} فَمَنْ زَعَمَ أَنَّ غَيْرَ اللَّهِ كَلَّمَهُ كَفَرَ بِاَللَّهِ. فَإِنَّ اللَّهَ يَنْزِلُ كُلَّ لَيْلَةٍ إلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ: هَلْ مِنْ دَاعٍ فَأُجِيبَهُ؟ هَلْ مِنْ تَائِبٍ فَأَتُوبَ عَلَيْهِ؟ فَمَنْ زَعَمَ أَنَّ عِلْمَهُ يَنْزِلُ أَوْ أَمْرَهُ ضَلَّ بَلْ يَنْزِلُ إلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا: الْمَعْبُودُ سُبْحَانَهُ الَّذِي يُقَالُ لَهُ: يَا رَحْمَنُ يَا رَحِيمُ فَيُكَلِّمُ عِبَادَهُ بِلَا كَيْفٍ {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} بِلَا كَيْفٍ لَا كَمَا قَالَتْ الْجَهْمِيَّة إنَّهُ عَلَى الْمُلْكِ احْتَوَى وَلَا اسْتَوْلَى؛ بَلْ اسْتَوَى عَلَى عَرْشِهِ بِلَا كَيْفٍ وَهُوَ اللَّهُ الَّذِي لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَمَنْ زَعَمَ أَنَّ اسْمًا مِنْ أَسْمَائِهِ مَخْلُوقٌ أَوْ مُحْدَثٌ فَهُوَ جهمي وَاَللَّهُ يُخَاطِبُ عِبَادَهُ عَوْدًا وَبَدْءًا وَيُعِيدُ عَلَيْهِمْ قِصَصَهُ وَأَمْرَهُ وَنَهْيَهُ قَرْنًا فَقَرْنًا مَنْ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ لَا يُخَاطِبُ عِبَادَهُ وَلَا يُعِيدُ عَلَيْهِمْ قِصَصَهُ وَأَمْرَهُ وَنَهْيَهُ عَوْدًا وَبَدْءًا: فَهُوَ ضَالٌّ مُبْتَدِعٌ بَلْ اللَّهُ بِجَمِيعِ صِفَاتِ ذَاتِهِ وَاحِدٌ لَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَالُ وَمَا أُضِيفَ إلَى اللَّهِ مِنْ صِفَاتِ فِعْلِهِ مِمَّا هُوَ غَيْرُ بَائِنٍ عَنْ اللَّهِ فَغَيْرُ مَخْلُوقٍ وَكُلُّ شَيْءٍ أُضِيفَ إلَى اللَّهِ بَائِنٍ عَنْهُ دُونَهُ مَخْلُوقٌ. وَأَقُولُ: أَفْعَالُ الْعِبَادِ كُلُّهَا مَخْلُوقَةٌ؛ وَأَقُولُ: الْإِيمَانُ قَوْلٌ وَعَمَلٌ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ؛ وَخَيْرُ النَّاسِ بَعْدَ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ ثُمَّ عُمَرُ ثُمَّ عُثْمَانُ ثُمَّ عَلِيٌّ.
(6/174)

وَأَقُولُ: إنَّ أَهْلَ الْكَبَائِرِ فِي مَشِيئَةِ اللَّهِ إذَا مَاتُوا إنْ شَاءَ عَذَّبَهُمْ ثُمَّ غَفَرَ لَهُمْ وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُمْ مِنْ غَيْرِ تَعْذِيبٍ. وَأَخْبَارُ الْآحَادِ مَقْبُولَةٌ إذَا نَقَلَهَا الْعُدُولُ وَهِيَ تُوجِبُ الْعَمَلَ وَأَخْبَارُ التَّوَاطُؤِ تُوجِبُ الْعِلْمَ وَالْعَمَلَ. وَصُورَةُ خَطِّ الْإِمَامِ ابْنِ خُزَيْمَة يَقُولُ: مُحَمَّدُ بْنُ إسْحَاقَ أَقَرَّ عِنْدِي أَبُو بَكْرٍ أَحْمَد بْنُ إسْحَاقَ وَأَبُو مُحَمَّدٍ يَحْيَى بْنُ مَنْصُورٍ بِمَا تَضَمَّنَ بَطْنُ هَذَا الْكِتَابِ؛ وَقَدْ ارْتَضَيْت ذَلِكَ أَجْمَعَ؛ وَهُوَ صَوَابٌ عِنْدِي. قَالَ الْحَاكِمُ: سَمِعْت أَبَا الْحَسَنِ عَلِيَّ بْنَ أَحْمَد البوشنجي الزَّاهِدَ يَقُولُ فِي ضِمْنِ قِصَّةٍ: لَمَّا انْتَهَى إلَيْنَا مَا وَقَعَ بَيْنَ مَشَايِخِ نَيْسَابُورَ مِنْ الْخِلَافِ خَرَجْت مِنْ وَطَنِي حَتَّى قَصَدْت نَيْسَابُورَ؛ فَاجْتَمَعَ عَلَيَّ جَمَاعَةٌ يَسْأَلُونَ عَنْ تِلْكَ الْمَسَائِلِ؛ فَلَمْ أَتَكَلَّمْ فِيهَا بِقَلِيلِ وَلَا كَثِيرٍ. ثُمَّ كَتَبْت: الْقَوْلُ مَا قَالَهُ أَبُو عَلِيٍّ. وَدَخَلْت الرَّيَّ عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي حَاتِمٍ. فَأَخْبَرْته بِمَا جَرَى فِي نَيْسَابُورَ بَيْنَ أَبِي بَكْرٍ وَأَصْحَابِهِ فَقَالَ: مَا لِأَبِي بَكْرٍ وَالْكَلَامِ إنَّمَا الْأَوْلَى بِنَا وَبِهِ أَنْ لَا نَتَكَلَّمَ فِيمَا لَمْ نَعْلَمْهُ. فَخَرَجْت مِنْ عِنْدِهِ حَتَّى دَخَلْت عَلَى أَبِي الْعَبَّاسِ الْفُلَانِيِّ فَشَرَحَ لِي تِلْكَ الْمَسَائِلَ شَرْحًا وَاضِحًا وَقَالَ: كَانَ بَعْضُ الْقَدَرِيَّةِ مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ: دَفَعَ إلَى مُحَمَّدِ بْنِ إسْحَاقَ فَوَقَعَ لِكَلَامِهِ عِنْدَهُ قَبُولٌ.
(6/175)

ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ عَرَضَ تِلْكَ الْمَسَائِلَ عَلَى مَنْ وَجَدَهُ بِبَغْدَادَ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِين فَتَابَعُوا أَبَا الْعَبَّاسِ عَلَى مَقَالَتِهِ؛ وَاغْتَنَمُوا لِأَبِي بَكْرِ بْنِ إسْحَاقَ فِيمَا أَظْهَرَهُ؛ وَأَنَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ قَدِمَ مِنْ نَيْسَابُورَ أَبُو عَمْرٍو النَّجَّارُ فَكَتَبَ لِأَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحَاقَ إلَى جَمَاعَةٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ فِي تِلْكَ الْمَسَائِلِ وَأَنَّهُمْ كَانُوا يَرْفَعُونَ مَنْ خَالَفَ أَبَا بَكْرِ بْنِ خُزَيْمَة إلَى السُّلْطَانِ. قَالَ الْحَاكِمُ سَمِعْت أَبَا عَلِيٍّ مُحَمَّدَ بْنَ إسْحَاقَ الأبيوردي يَقُولُ: حَضَرْت قَرْيَةَ فُلَانَةَ فِي تَسْلِيمٍ لِصَغِيرِ اتباعها (1) عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حمشاد مِنْ بَنِي فُلَانٍ وَحَضَرَهَا جَمَاعَةٌ مِنْ أَعْيَانِ الْبَلَدِ وَكَانَ قَدْ حَضَرَهَا إسْحَاقُ بْنُ أَبِي الْفَرْدِ وَالِي نَيْسَابُورَ؛ فَأَقْرَأْنَا كِتَابَ حَمَوَيْهِ بْنِ عَلِيٍّ إلَيْهِ بِأَنْ يَمْتَثِلَ فِيهِمْ أَمْرَ أَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحَاقَ ابْنِ خُزَيْمَة مِنْ النَّفْيِ وَالضَّرْبِ وَالْحَبْسِ. قَالَ: فَقَامَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حمشاد مِنْ ذَلِكَ الْمَجْلِسِ فَقَالَ: طُوبَاهُمْ إنْ كَانَ مَا يُقَالُ مَكْذُوبًا عَلَيْهِمْ. قَالَ أَبُو عَلِيٍّ ثُمَّ قَالَ لِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حمشاد: مِنْ غَدٍ ذَلِكَ الْيَوْمَ إنِّي رَأَيْت الْبَارِحَةَ فِي الْمَنَامِ كَأَنَّ أَحْمَد بْنَ السَّرِيِّ الزَّاهِدَ الْمَرْوَزِي لَكَمَنِي بِرِجْلِهِ ثُمَّ قَالَ: كَأَنَّك فِي شَكٍّ مِنْ أُمُورِ هَؤُلَاءِ الْكُلَّابِيَة قَالَ: ثُمَّ نَظَرَ إلَى مُحَمَّدِ بْنِ إسْحَاقَ فَقَالَ: {هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ} .
__________

[تعليق مُعِدّ الكتاب للشاملة]
(1) كذا بالأصل رسم هذه الكلمات
(6/176)

وَذَكَرَ الْحَاكِمُ: سَمِعْت أَبَا مُحَمَّدٍ الأنماطي الْعَبْدَ الصَّالِحَ يَقُولُ: لَمَّا اسْتَحْكَمَتْ تِلْكَ الْوَقْعَةُ وَصَارَ لَا يَجْتَمِعُ عَشَرَةٌ فِي الْبَلَدِ إلَّا وَقَعَ بَيْنَهُمْ تَشَاجُرٌ فِيهِ وَصَارَ أَكْثَرُ الْعَوَامِّ يَتَضَارَبُونَ فِيهِ؛ خَرَجَ أَبُو عَمْرٍو الحيري إلَى الرَّيِّ وَالْأَمِيرُ الشَّهِيدُ بِهَا حَتَّى يُنْجِزَ كُتُبًا إلَى خَلِيفَتِهِ: كِتَابٌ إلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ إسْحَاقَ بِأَنْ يَنْفِيَ مِنْ الْبَلَدِ الْأَرْبَعَةَ الَّذِينَ خَالَفُوا أَبَا بَكْرٍ. ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُمْ عَقَدُوا لَهُمْ مَجْلِسًا.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَبُو إسْمَاعِيلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَنْصَارِيُّ فِي اعْتِقَادِ أَهْلِ السُّنَّةِ؛ وَمَا وَقَعَ عَلَيْهِ إجْمَاعُ أَهْلِ الْحَقِّ مِنْ الْأُمَّةِ.
بَابُ الْقَوْلِ فِي الْقُرْآنِ
اعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ مُتَكَلِّمٌ قَائِلٌ مَادِحٌ نَفْسَهُ بِالتَّكَلُّمِ؛ إذْ عَابَ الْأَصْنَامَ وَالْعِجْلَ أَنَّهَا لَا تَتَكَلَّمُ وَهُوَ مُتَكَلِّمٌ كُلَّمَا شَاءَ تَكَلَّمَ بِكَلَامِ لَا مَانِعَ لَهُ وَلَا مُكْرَهَ وَالْقُرْآنُ كَلَامُهُ هُوَ تَكَلَّمَ بِهِ؛ وَقَدْ تَأَوَّلَ ابْنُ عَقِيلٍ كَلَامَ شَيْخِ الْإِسْلَامِ بِنَحْوِ مَا تَأَوَّلَ بِهِ الْقَاضِي كَلَامَ أَحْمَد. وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَيْضًا فِي كِتَابِ " مَنَاقِبِ الْإِمَامِ أَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ " فِي بَابِ الْإِشَارَةِ عَنْ طَرِيقَتِهِ فِي الْأُصُولِ؛ لَمَّا ذَكَرَ كَلَامَهُ فِي مَسَائِلِ الْقُرْآنِ وَتَرْتِيبِ الْبِدَعِ الَّتِي ظَهَرَتْ فِيهِ وَأَنَّهُمْ قَالُوا أَوَّلًا هُوَ مَخْلُوقٌ وَجَرَتْ الْمِحْنَةُ الْعَظِيمَةُ ثُمَّ ظَهَرَتْ مَسْأَلَةُ اللَّفْظِيَّةِ بِسَبَبِ حُسَيْنٍ الكرابيسي وَغَيْرِهِ. إلَى أَنْ قَالَ: ثُمَّ جَاءَتْ طَائِفَةٌ فَقَالَتْ: لَا يَتَكَلَّمُ بَعْدَ مَا تَكَلَّمَ؛ فَيَكُونُ
(6/177)

كَلَامُهُ حَادِثًا. قَالَ: وَهَذِهِ سخارة أُخْرَى تُقْذِي فِي الدِّينِ غَيْرَ عَيْنٍ وَاحِدَةٍ. فَانْتَبَهَ لَهَا أَبُو بَكْرِ بْنِ إسْحَاقَ اللنجرودي ابْنُ خُزَيْمَة وَكَانَتْ حِينَئِذٍ نَيْسَابُورُ دَارَ الْآثَارِ تُمَدُّ إلَيْهَا الرِّقَابُ وَتُشَدُّ إلَيْهَا الرِّكَابُ وَيُجْلَبُ مِنْهَا الْعِلْمُ. وَمَا ظَنُّك بِمَجَالِس يُحْبَسُ عَنْهَا الثَّقَفِيُّ والضبعي مَعَ مَا جَمَعَا مِنْ الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ وَالصِّدْقِ وَالْوَرَعِ وَاللِّسَانِ وَالتَّثَبُّتِ وَالْقَدَرِ؛ وَالْمَحْفِلِ لَا يُسِرُّونَ بِالْكَلَامِ وَاشْتِمَامٍ لِأَهْلِهِ؛ فَابْنُ خُزَيْمَة فِي بَيْتٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ إسْحَاقَ السَّرَّاجُ فِي بَيْتٍ وَأَبُو حَامِدٍ بْنُ الشَّرْقِيِّ فِي بَيْتٍ. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: فَطَارَ لِتِلْكَ الْفِتْنَةِ ذَاكَ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ؛ فَلَمْ يَزَلْ يَصِيحُ بِتَشْوِيهِهَا وَيُصَنِّفُ فِي رَدِّهَا؛ كَأَنَّهُ مُنْذِرُ جَيْشٍ حَتَّى دَوَّنَ فِي الدَّفَاتِرِ وَتَمَكَّنَ فِي السَّرَائِرِ؛ وَلَقَّنَ فِي الْكَتَاتِيبِ وَنَقَشَ فِي الْمَحَارِيبِ: أَنَّ اللَّهَ مُتَكَلِّمٌ إنْ شَاءَ تَكَلَّمَ وَإِنْ شَاءَ سَكَتَ؛ فَجَزَى اللَّهُ ذَاكَ الْإِمَامَ وَأُولَئِكَ النَّفَرَ الْغُرَّ عَنْ نُصْرَةِ دِينِهِ وَتَوْقِيرِ نَبِيِّهِ خَيْرًا. قُلْت: فِي حَدِيثِ سَلْمَانَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " {الْحَلَالُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ وَالْحَرَامُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ مِمَّا عَفَا عَنْهُ} " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَفِي حَدِيثِ أَبِي ثَعْلَبَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " {إنَّ اللَّهَ فَرَضَ فَرَائِضَ فَلَا تُضَيِّعُوهَا؛ وَحَدَّدَ حُدُودًا فَلَا تَعْتَدُوهَا وَحَرَّمَ مَحَارِمَ فَلَا تَنْتَهِكُوهَا وَسَكَتَ عَنْ أَشْيَاءَ رَحْمَةً لَكُمْ مِنْ غَيْرِ نِسْيَانٍ فَلَا تَسْأَلُوا عَنْهَا} ".
(6/178)

وَيَقُولُ الْفُقَهَاءُ فِي دَلَالَةِ الْمَنْطُوقِ وَالْمَسْكُوتِ وَهُوَ مَا نَطَقَ بِهِ الشَّارِعُ وَهُوَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا سَكَتَ عَنْهُ تَارَةً تَكُونُ دَلَالَةُ السُّكُوتِ أَوْلَى بِالْحُكْمِ مِنْ الْمَنْطُوقِ؛ وَهُوَ مَفْهُومُ الْمُوَافَقَةِ وَتَارَةً تُخَالِفُهُ وَهُوَ مَفْهُومُ الْمُخَالَفَةِ وَتَارَةً تُشْبِهُهُ وَهُوَ الْقِيَاسُ الْمَحْضُ. فَثَبَتَ بِالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ أَنَّ اللَّهَ يُوصَفُ بِالسُّكُوتِ؛ لَكِنَّ السُّكُوتَ يَكُونُ تَارَةً عَنْ التَّكَلُّمِ وَتَارَةً عَنْ إظْهَارِ الْكَلَامِ وَإِعْلَامِهِ؛ كَمَا قَالَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ {أَبِي هُرَيْرَةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أرأيتك سُكُوتَك بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ مَاذَا تَقُولُ؟ قَالَ أَقُولُ: اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْت بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ} " إلَى آخَرِ الْحَدِيثِ. فَقَدْ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَاكِتٌ وَسَأَلَهُ مَاذَا تَقُولُ؟ فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ يَقُولُ فِي حَالِ سُكُوتِهِ؛ أَيْ سُكُوتِهِ عَنْ الْجَهْرِ وَالْإِعْلَانِ لَكِنْ هَذَانِ الْمَعْنَيَانِ الْمَعْرُوفَانِ فِي السُّكُوتِ لَا تَصِحُّ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ: إنَّهُ مُتَكَلِّمٌ كَمَا أَنَّهُ عَالِمٌ؛ لَا يَتَكَلَّمُ عِنْدَ خِطَابِ عِبَادِهِ بِشَيْءِ؛ وَإِنَّمَا يَخْلُقُ لَهُمْ إدْرَاكًا لِيَسْمَعُوا كَلَامَهُ الْقَدِيمَ سَوَاءٌ قِيلَ هُوَ مَعْنًى مُجَرَّدٌ أَوْ مَعْنًى وَحُرُوفٌ؛ كَمَا هُوَ قَوْلُ ابْنِ كُلَّابٍ وَالْأَشْعَرِيِّ وَمَنْ قَالَ بِذَلِكَ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَأَهْلِ الْحَدِيثِ وَالصُّوفِيَّةِ مِنْ الْحَنْبَلِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ. فَهَؤُلَاءِ إمَّا أَنْ يَمْنَعُوا السُّكُوتَ وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ قَوْلِهِمْ أَوْ يُطْلِقُوا لَفْظَهُ وَيُفَسِّرُوهُ بِعَدَمِ خَلْقِ إدْرَاكٍ لِلْخَلْقِ يَسْمَعُونَ بِهِ الْكَلَامَ الْقَدِيمَ وَالنُّصُوصُ
(6/179)

تُبْهِرُهُمْ مِثْلُ قَوْلِهِ: " إذَا تَكَلَّمَ اللَّهُ بِالْوَحْيِ سَمِعَ أَهْلُ السَّمَاءِ كَجَرِّ السِّلْسِلَةِ عَلَى الصَّفَا ". وَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا صَلَّى بِهِمْ صَلَاةَ الصُّبْحِ بالحديبية: " {أَتَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ اللَّيْلَةَ} "؟ وَتَكْلِيمُهُ لِمُوسَى وَنِدَاؤُهُ لَهُ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَعَلَى قَوْلِهِمْ يَجُوزُ أَنْ يَسْمَعَ كُلُّ أَحَدٍ الْكَلَامَ الَّذِي سَمِعَهُ مُوسَى. ثُمَّ مَنْ تَفَلْسَفَ مِنْهُمْ كَالْغَزَالِيِّ فِي " مِشْكَاةِ الْأَنْوَارِ " وَجَدَهُ يُجَوِّزُ مِثْلَ ذَلِكَ لِأَهْلِ الصَّفَاءِ وَالرِّيَاضَةِ؛ وَهُوَ مَا يَتَنَزَّلُ عَلَى قُلُوبِهِمْ مِنْ الْإِلْهَامَاتِ كَقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " {إنَّهُ قَدْ كَانَ فِي الْأُمَمِ قَبْلَكُمْ مُحَدِّثُونَ} ". وَقَوْلُ أَبِي الدَّرْدَاءِ وعبادة بْنِ الصَّامِتِ: " رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ كَلَامٌ تَكَلَّمَ بِهِ الرَّبُّ عِنْدَهُ فِي مَنَامِهِ ". فَيَجْعَلُونَ " الْإِيحَاءَ " وَالْإِلْهَامَ " الَّذِي يَحْصُلُ فِي الْيَقَظَةِ وَالْمَنَامِ مِثْلَ سَمَاعِ مُوسَى كَلَامَ اللَّهِ سَوَاءً لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا. إلَّا أَنَّ مُوسَى قَصَدَ بِذَلِكَ الْخِطَابَ وَغَيْرُهُ سَمِعَ مَا خُوطِبَ بِهِ غَيْرُهُ. ثُمَّ عِنْدَ " التَّحْقِيقِ " يَرْجِعُونَ إلَى مَحْضِ الْفَلْسَفَةِ؛ فِي أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ مُوسَى وَغَيْرِهِ بِحَالِ كَمَا أَنَّ هَؤُلَاءِ الْمُتَأَوِّلَةَ الْمُتَفَلْسِفَةَ يَجْعَلُونَ خَلْعَ " النَّعْلَيْنِ " إشَارَةً إلَى تَرْكِ الْعَالَمِينَ وَ " الطُّورَ " عِبَارَةً عَنْ الْعَقْلِ الْفَعَّالِ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنْ تَأْوِيلَاتِ
(6/180)

الْفَلَاسِفَةِ الصَّابِئَةِ وَمَنْ حَذَا حَذْوَهُمْ مِنْ الْقَرَامِطَةِ وَالْبَاطِنِيَّةِ وَأَصْحَابِ " رَسَائِلِ إخْوَانِ الصَّفَا " وَنَحْوِهِمْ. وَقَدْ حَكَى الْقَوْلَيْنِ عَنْ أَهْلِ السُّنَّةِ - فِي الْإِرَادَةِ وَالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَارِثُ بْنُ أَسَدٍ المحاسبي فِي كِتَابِ " فَهْمِ الْقُرْآنِ " فَتَكَلَّمَ عَلَى قَوْلِهِ: {حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ} وَنَحْوَهُ وَبَيَّنَ أَنَّ عِلْمَ اللَّهِ قَدِيمٌ؛ وَإِنَّمَا يَحْدُثُ الْمَعْلُومُ. إلَى أَنْ قَالَ: وَذَلِكَ مَوْجُودٌ فِينَا وَنَحْنُ جُهَّالٌ وَعِلْمُنَا مُحْدَثٌ قَدْ نَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ إنْسَانٍ مَيِّتٌ فَكُلَّمَا مَاتَ إنْسَانٌ قُلْنَا: قَدْ عَلِمْنَا أَنَّهُ قَدْ مَاتَ مِنْ غَيْرِ أَنْ نَكُونَ مِنْ قَبْلِ مَوْتِهِ جَاهِلِينَ أَنَّهُ سَيَمُوتُ إلَّا أَنَّا قَدْ يَحْدُثُ لَنَا اللَّحْظُ مِنْ الرُّؤْيَةِ وَحَرَكَةِ الْقَلْبِ إذَا نَظَرْنَا إلَيْهِ مَيِّتًا لِأَنَّهُ مَيِّتٌ وَاَللَّهُ لَا تَحْدُثُ فِيهِ الْحَوَادِثُ. إلَى أَنْ قَالَ: وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: {لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إنْ شَاءَ اللَّهُ} وَقَوْلُهُ: {وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً} وَقَوْلُهُ: {إنَّمَا أَمْرُهُ إذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} . وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْهُ بِبَدْءِ الْحَوَادِثِ: إرَادَةً حَدَثَتْ لَهُ وَلَا أَنْ يَسْتَأْنِفَ مَشِيئَةً لَمْ تَكُنْ لَهُ؛ وَذَلِكَ فِعْلُ الْجَاهِلِ بِالْعَوَاقِبِ الَّذِي يُرِيدُ الشَّيْءَ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ الْعَوَاقِبَ فَلَمْ يَزَلْ يُرِيدُ مَا يَعْلَمُ أَنَّهُ يَكُونُ؛ لَمْ يَسْتَحْدِثْ إرَادَةً لَمْ تَكُنْ؛ لِأَنَّ الْإِرَادَاتِ إنَّمَا تَحْدُثُ عَلَى قَدْرِ مَا يَعْلَمُ الْمُرِيدُ؛ وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَزَلْ يَعْلَمُ مَا يَكُونُ وَمَا لَا يَكُونُ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ. فَقَدْ أَرَادَ مَا عَلِمَ عَلَى مَا عَلِمَ؛ لَا يَحْدُثُ لَهُ بُدُوٌّ؛ إذْ كَانَ لَا يَحْدُثُ فِيهِ عِلْمٌ بِهِ.
(6/181)

قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَارِثُ: وَقَدْ تَأَوَّلَ بَعْضُ مَنْ يَدَّعِي السُّنَّةَ وَبَعْضُ أَهْلِ الْبِدَعِ ذَلِكَ عَلَى الْحَوَادِثِ. فَأَمَّا مَنْ ادَّعَى السُّنَّةَ؛ فَأَرَادَ إثْبَاتَ " الْقَدَرِ " فَقَالَ: " إرَادَةُ اللَّهِ " أَيْ حَدَثٌ مِنْ تَقْدِيرِهِ سَابِقُ الْإِرَادَةِ وَأَمَّا بَعْضُ أَهْلِ الْبِدَعِ؛ فَزَعَمُوا أَنَّ الْإِرَادَةَ إنَّمَا هِيَ خَلْقٌ حَادِثٌ وَلَيْسَتْ مَخْلُوقَةً؛ وَلَكِنْ بِهَا اللَّهُ كَوَّنَ الْمَخْلُوقِينَ قَالَ فَزَعَمْت أَنَّ الْخَلْقَ غَيْرُ الْمَخْلُوقِينَ وَأَنَّ الْخَلْقَ هُوَ الْإِرَادَةُ وَأَنَّهَا لَيْسَتْ بِصِفَةِ لِلَّهِ مِنْ نَفْسِهِ وَجَلَّ أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ حَدَثَ بِغَيْرِ إرَادَةٍ مِنْهُ وَجَلَّ عَنْ الْبَدَوَاتِ وَتَقَلُّبِ الْإِرَادَاتِ ثُمَّ تَكَلَّمَ عَلَى أَنَّ الْحَادِثَ هُوَ وَقْتُ الْمُرَادِ لَا نَفْسُ الْإِرَادَةِ كَقَوْلِهِمْ: مَتَى تُرِيدُ أَنْ أَجِيءَ؟ . إلَى أَنْ قَالَ: وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: {إنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ} لَيْسَ مَعْنَاهُ: أَنْ يَحْدُثَ لَنَا سَمْعًا وَلَا تَكَلُّفَ بِسَمْعِ مَا كَانَ مِنْ قَوْلِهِمْ قَالَ: وَقَدْ ذَهَبَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّ لِلَّهِ اسْتِمَاعًا حَادِثًا فِي ذَاتِهِ؛ فَذَهَبَ إلَى مَا يَعْقِلُ مِنْ الْخَلْقِ: أَنَّهُ يَحْدُثُ مِنْهُمْ عِلْمُ سَمْعٍ؛ لَمَّا كَانَ مِنْ قَوْلِ عَمَّنْ سَمِعَهُ لِلْقَوْلِ؛ لِأَنَّ الْمَخْلُوقَ إذَا سَمِعَ الشَّيْءَ حَدَثَ لَهُ عَقْلٌ فَهِمَ عَمَّا أَدْرَكَتْهُ أُذُنُهُ مِنْ الصَّوْتِ. قَالَ: وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: {اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ} لَا يَسْتَحْدِثُ بَصَرًا وَلَا لَحْظًا مُحْدَثًا فِي ذَاتِهِ؛ وَإِنَّمَا يَحْدُثُ الشَّيْءُ فَيَرَاهُ مُكَوَّنًا كَمَا لَمْ يَزَلْ يَعْلَمُهُ قَبْلَ كَوْنِهِ لَا يُغَادِرُ شَيْئًا وَلَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْهُ خَافِيَةٌ. وَكَذَلِكَ قَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ رُؤْيَةً تَحْدُثُ وَقَالَ قَوْمٌ: إنَّمَا مَعْنَى (سَيَرَى)
(6/182)

وَ (إنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ) إنَّمَا الْمَسْمُوعُ وَالْمُبْصَرُ لَمْ يَخَفْ عَلَى عَيْنِي وَلَا عَلَى سَمْعِي أَنْ أُدْرِكَهُ سَمْعًا وَبَصَرًا لَا بِالْحَوَادِثِ فِي اللَّهِ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَمَنْ ذَهَبَ إلَى أَنَّهُ يَحْدُثُ لِلَّهِ اسْتِمَاعٌ مَعَ حُدُوثِ الْمَسْمُوعِ وَإِبْصَارٌ مَعَ حُدُوثِ الْمُبْصَرِ: فَقَدْ زَادَ عَلَى اللَّهِ مَا لَمْ يَقُلْ وَإِنَّمَا عَلَى الْعِبَادِ التَّسْلِيمُ لِمَا قَالَ اللَّهُ: إنَّهُ سَمِيعٌ بَصِيرٌ وَلَا نَزِيدُ مَا لَمْ يَقُلْ وَإِنَّمَا مَعْنَى ذَلِكَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {حَتَّى نَعْلَمَ} حَتَّى يَكُونَ الْمَعْلُومُ وَكَذَلِكَ حَتَّى يَكُونَ الْمُبْصِرُ وَالْمَسْمُوعُ؛ فَلَا يَخْفَى عَلَى أَنْ يَعْلَمَهُ مَوْجُودًا وَيَسْمَعَهُ مَوْجُودًا؛ كَمَا عَلِمَهُ بِغَيْرِ حَادِثِ عِلْمٍ فِي اللَّهِ وَلَا بَصَرٍ وَلَا سَمْعَ وَلَا مَعْنَى حَدَثَ فِي ذَاتِ اللَّهِ؛ تَعَالَى عَنْ الْحَوَادِثِ فِي نَفْسِهِ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْهَيْصَمِ الكرامي فِي كِتَابِ (جُمَلِ الْكَلَامِ فِي أُصُولِ الدِّينِ) لَمَّا ذَكَرَ جُمَلَ الْكَلَامِ فِي " الْقُرْآنِ " وَأَنَّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى خَمْسَةِ فُصُولٍ: (أَحَدُهَا: أَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ؛ فَقَدْ حَكَى عَنْ " جَهْمٍ " أَنَّ الْقُرْآنَ لَيْسَ كَلَامَ اللَّهِ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَإِنَّمَا هُوَ كَلَامٌ خَلَقَهُ اللَّهُ فَيُنْسَبُ إلَيْهِ كَمَا قِيلَ: سَمَاءُ اللَّهِ وَأَرْضُهُ وَكَمَا قِيلَ: بَيْتُ اللَّهِ وَشَهْرُ اللَّهِ. وَأَمَّا " الْمُعْتَزِلَةُ " فَإِنَّهُمْ أَطْلَقُوا الْقَوْلَ بِأَنَّهُ كَلَامُ اللَّهِ عَلَى الْحَقِيقَةِ؛ ثُمَّ وَافَقُوا جَهْمًا فِي الْمَعْنَى حَيْثُ قَالُوا كَلَامٌ خَلَقَهُ بَائِنًا مِنْهُ. قَالَ: وَقَالَ عَامَّةُ الْمُسْلِمِينَ: إنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَإِنَّهُ تَكَلَّمَ بِهِ.
(6/183)

وَالْفَصْلُ الثَّانِي أَنَّ الْقُرْآنَ غَيْرُ قَدِيمٍ؛ فَإِنَّ الْكُلَّابِيَة وَأَصْحَابَ الْأَشْعَرِيِّ زَعَمُوا أَنَّ اللَّهَ كَانَ لَمْ يَزَلْ يَتَكَلَّمُ بِالْقُرْآنِ وَقَالَ أَهْلُ الْجَمَاعَةِ بَلْ إنَّهُ إنَّمَا تَكَلَّمَ بِالْقُرْآنِ؛ حَيْثُ خَاطَبَ بِهِ جبرائيل وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْكُتُبِ. (وَالْفَصْلُ الثَّالِثُ: أَنَّ الْقُرْآنَ غَيْرُ مَخْلُوقٍ؛ فَإِنَّ الْجَهْمِيَّة والنجارية وَالْمُعْتَزِلَةَ زَعَمُوا أَنَّهُ مَخْلُوقٌ. وَقَالَ أَهْلُ الْجَمَاعَةِ: إنَّهُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ. (وَالْفَصْلُ الرَّابِعُ: أَنَّهُ غَيْرُ بَائِنٍ مِنْ اللَّهِ؛ فَإِنَّ الْجَهْمِيَّة وَأَشْيَاعَهُمْ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ قَالُوا: إنَّ الْقُرْآنَ بَائِنٌ مِنْ اللَّهِ وَكَذَلِكَ سَائِرُ كَلَامِهِ وَزَعَمُوا أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ كَلَامًا فِي الشَّجَرَةِ فَسَمِعَهُ مُوسَى وَخَلَقَ كَلَامًا فِي الْهَوَاءِ فَسَمِعَهُ جبرائيل وَلَا يَصِحُّ عِنْدَهُمْ أَنْ يُوجَدَ مِنْ اللَّهِ كَلَامٌ يَقُومُ بِهِ فِي الْحَقِيقَةِ. وَقَالَ أَهْلُ الْجَمَاعَةِ: بَلْ الْقُرْآنُ غَيْرُ بَائِنٍ مِنْ اللَّهِ وَإِنَّمَا هُوَ مَوْجُودٌ مِنْهُ وَقَائِمٌ بِهِ. وَذَكَرَ فِي مَسْأَلَةِ الْإِرَادَةِ وَالْخَلْقِ وَالْمَخْلُوقِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مَا يُوَافِقُ مَا ذَكَرَهُ هُنَا مِنْ الصِّفَاتِ الْفِعْلِيَّةِ الْقَائِمَةِ بِاَللَّهِ الَّتِي لَيْسَتْ قَدِيمَةً وَلَا مَخْلُوقَةً.
(6/184)

وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَحْمَد بْنُ تَيْمِيَّة - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ نَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ؛ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ؛ وَأَشْهَدُ أَنَّ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ؛ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا.
فَصْلٌ: فِي " الِاسْمِ وَالْمُسَمَّى "
هَلْ هُوَ هُوَ أَوْ غَيْرُهُ؟ أَوْ لَا يُقَالُ هُوَ هُوَ وَلَا يُقَالُ هُوَ غَيْرُهُ؟ أَوْ هُوَ لَهُ؟ أَوْ يُفْصَلُ فِي ذَلِكَ؟ . فَإِنَّ النَّاسَ قَدْ تَنَازَعُوا فِي ذَلِكَ وَالنِّزَاعُ اشْتَهَرَ فِي ذَلِكَ بَعْدَ الْأَئِمَّةِ بَعْدَ أَحْمَد وَغَيْرِهِ وَاَلَّذِي كَانَ مَعْرُوفًا عِنْدَ " أَئِمَّةِ السُّنَّةِ " أَحْمَد وَغَيْرِهِ: الْإِنْكَارُ عَلَى " الْجَهْمِيَّة " الَّذِينَ يَقُولُونَ: أَسْمَاءُ اللَّهِ مَخْلُوقَةٌ.
(6/185)

فَيَقُولُونَ: الِاسْمُ غَيْرُ الْمُسَمَّى وَأَسْمَاءُ اللَّهِ غَيْرُهُ وَمَا كَانَ غَيْرُهُ فَهُوَ مَخْلُوقٌ؛ وَهَؤُلَاءِ هُمْ الَّذِينَ ذَمَّهُمْ السَّلَفُ وَغَلَّظُوا فِيهِمْ الْقَوْلَ؛ لِأَنَّ أَسْمَاءَ اللَّهِ مِنْ كَلَامِهِ وَكَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ؛ بَلْ هُوَ الْمُتَكَلِّمُ بِهِ وَهُوَ الْمُسَمِّي لِنَفْسِهِ بِمَا فِيهِ مِنْ الْأَسْمَاءِ. وَ " الْجَهْمِيَّة " يَقُولُونَ: كَلَامُهُ مَخْلُوقٌ وَأَسْمَاؤُهُ مَخْلُوقَةٌ؛ وَهُوَ نَفْسُهُ لَمْ يَتَكَلَّمْ بِكَلَامِ يَقُومُ بِذَاتِهِ وَلَا سَمَّى نَفْسَهُ بِاسْمِ هُوَ الْمُتَكَلِّمُ بِهِ؛ بَلْ قَدْ يَقُولُونَ: إنَّهُ تَكَلَّمَ بِهِ وَسَمَّى نَفْسَهُ بِهَذِهِ الْأَسْمَاءِ بِمَعْنَى أَنَّهُ خَلَقَهَا فِي غَيْرِهِ؛ لَا بِمَعْنَى أَنَّهُ نَفْسُهُ تَكَلَّمَ بِهَا الْكَلَامَ الْقَائِمَ بِهِ. فَالْقَوْلُ فِي أَسْمَائِهِ هُوَ نَوْعٌ مِنْ الْقَوْلِ فِي كَلَامِهِ. وَاَلَّذِينَ وَافَقُوا " السَّلَفَ " عَلَى أَنَّ كَلَامَهُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ وَأَسْمَاءَهُ غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ يَقُولُونَ: الْكَلَامُ وَالْأَسْمَاءُ مِنْ صِفَاتِ ذَاتِهِ؛ لَكِنْ هَلْ يَتَكَلَّمُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ. وَيُسَمِّي نَفْسَهُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ؟ هَذَا فِيهِ قَوْلَانِ: النَّفْيُ هُوَ قَوْلُ " ابْنِ كُلَّابٍ " وَمَنْ وَافَقَهُ. وَالْإِثْبَاتُ قَوْلُ " أَئِمَّةِ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالسُّنَّةِ " وَكَثِيرٍ مِنْ طَوَائِفِ أَهْلِ الْكَلَامِ كالهشامية والكَرَّامِيَة وَغَيْرِهِمْ كَمَا قَدْ بُسِطَ هَذَا فِي مَوَاضِعَ. (وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّ الْمَعْرُوفَ عَنْ " أَئِمَّةِ السُّنَّةِ " إنْكَارُهُمْ عَلَى مَنْ قَالَ أَسْمَاءُ اللَّهِ مَخْلُوقَةٌ وَكَانَ الَّذِينَ يُطْلِقُونَ الْقَوْلَ بِأَنَّ الِاسْمَ غَيْرُ الْمُسَمَّى هَذَا
(6/186)

مُرَادُهُمْ؛ فَلِهَذَا يُرْوَى عَنْ الشَّافِعِيِّ وَالْأَصْمَعِيِّ وَغَيْرِهِمَا أَنَّهُ قَالَ: إذَا سَمِعْت الرَّجُلَ يَقُولُ: الِاسْمُ غَيْرُ الْمُسَمَّى فَاشْهَدْ عَلَيْهِ بِالزَّنْدَقَةِ؛ وَلَمْ يُعْرَفْ أَيْضًا عَنْ أَحَدٍ مِنْ السَّلَفِ أَنَّهُ قَالَ الِاسْمُ هُوَ الْمُسَمَّى؛ بَلْ هَذَا قَالَهُ كَثِيرٌ مِنْ الْمُنْتَسِبِينَ إلَى السُّنَّةِ بَعْدَ الْأَئِمَّةِ وَأَنْكَرَهُ أَكْثَرُ أَهْلِ السُّنَّةِ عَلَيْهِمْ. ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ أَمْسَكَ عَنْ الْقَوْلِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ نَفْيًا وَإِثْبَاتًا؛ إذْ كَانَ كُلٌّ مِنْ الْإِطْلَاقَيْنِ بِدْعَةً كَمَا ذَكَرَهُ الْخَلَّالُ عَنْ إبْرَاهِيمَ الْحَرْبِيِّ وَغَيْرِهِ؛ وَكَمَا ذَكَرَهُ أَبُو جَعْفَرٍ الطبري فِي الْجُزْءِ الَّذِي سَمَّاهُ " صَرِيحَ السُّنَّةِ " ذَكَرَ مَذْهَبَ أَهْلِ السُّنَّةِ الْمَشْهُورِ فِي الْقُرْآنِ وَالرُّؤْيَةِ وَالْإِيمَانِ وَالْقَدَرِ وَالصَّحَابَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَذَكَرَ أَنَّ " مَسْأَلَةَ اللَّفْظِ " لَيْسَ لِأَحَدِ مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ فِيهَا كَلَامٌ؛ كَمَا قَالَ لَمْ نَجِدْ فِيهَا كَلَامًا عَنْ صَحَابِيٍّ مَضَى وَلَا عَنْ تَابِعِيٍّ قَفَا إلَّا عَمَّنْ فِي كَلَامِهِ الشِّفَاءُ وَالْغِنَاءُ وَمَنْ يَقُومُ لَدَيْنَا مَقَامَ الْأَئِمَّةِ الْأُولَى " أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَد بْنُ حَنْبَلٍ " فَإِنَّهُ كَانَ يَقُولُ: اللَّفْظِيَّةُ جهمية. وَيَقُولُ: مَنْ قَالَ لَفْظِيٌّ بِالْقُرْآنِ مَخْلُوقٌ فَهُوَ جهمي وَمَنْ قَالَ غَيْرُ مَخْلُوقٍ فَهُوَ مُبْتَدِعٌ. وَذَكَرَ أَنَّ الْقَوْلَ فِي الِاسْمِ وَالْمُسَمَّى مِنْ الْحَمَاقَاتِ الْمُبْتَدَعَةِ الَّتِي لَا يُعْرَفُ فِيهَا قَوْلٌ لِأَحَدِ مِنْ الْأَئِمَّةِ وَأَنَّ حَسْبَ الْإِنْسَانِ أَنْ يَنْتَهِيَ إلَى قَوْله تَعَالَى {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} وَهَذَا هُوَ الْقَوْلُ بِأَنَّ الِاسْمَ لِلْمُسَمَّى. وَهَذَا الْإِطْلَاقُ اخْتِيَارُ أَكْثَرِ الْمُنْتَسِبِينَ إلَى السُّنَّةِ مِنْ أَصْحَابِ الْإِمَامِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ. وَاَلَّذِينَ قَالُوا الِاسْمَ هُوَ الْمُسَمَّى كَثِيرٌ مِنْ الْمُنْتَسِبِينَ إلَى السُّنَّةِ: مِثْلُ أَبِي بَكْرٍ
(6/187)

عَبْدِ الْعَزِيزِ وَأَبِي الْقَاسِمِ الطبري واللالكائي وَأَبِي مُحَمَّدٍ البغوي صَاحِبِ " شَرْحِ السُّنَّةِ " وَغَيْرِهِمْ؛ وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ أَصْحَابِ أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرِ بْنِ فورك وَغَيْرُهُ. وَ (الْقَوْلُ الثَّانِي وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ أَنَّ الْأَسْمَاءَ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ تَارَةً يَكُونُ الِاسْمُ هُوَ الْمُسَمَّى كَاسْمِ الْمَوْجُودِ. وَ " تَارَةً " يَكُونُ غَيْرَ الْمُسَمَّى كَاسْمِ الْخَالِقِ. وَ " تَارَةً " لَا يَكُونُ هُوَ وَلَا غَيْرُهُ كَاسْمِ الْعَلِيمِ وَالْقَدِيرِ. وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ قَالُوا: إنَّ الِاسْمَ هُوَ الْمُسَمَّى لَمْ يُرِيدُوا بِذَلِكَ أَنَّ اللَّفْظَ الْمُؤَلَّفَ مِنْ الْحُرُوفِ هُوَ نَفْسُ الشَّخْصِ الْمُسَمَّى بِهِ؛ فَإِنَّ هَذَا لَا يَقُولُهُ عَاقِلٌ. وَلِهَذَا يُقَالُ: لَوْ كَانَ الِاسْمُ هُوَ الْمُسَمَّى لَكَانَ مَنْ قَالَ " نَارٌ " احْتَرَقَ لِسَانُهُ. وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَظُنُّ أَنَّ هَذَا مُرَادُهُمْ وَيُشَنِّعُ عَلَيْهِمْ وَهَذَا غَلَطٌ عَلَيْهِمْ؛ بَلْ هَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: اللَّفْظُ هُوَ التَّسْمِيَةُ وَالِاسْمُ لَيْسَ هُوَ اللَّفْظُ؛ بَلْ هُوَ الْمُرَادُ بِاللَّفْظِ؛ فَإِنَّك إذَا قُلْت: يَا زَيْدُ يَا عُمَرُ فَلَيْسَ مُرَادُك دُعَاءَ اللَّفْظِ؛ بَلْ مُرَادُك دُعَاءُ الْمُسَمَّى بِاللَّفْظِ وَذَكَرْت الِاسْمَ فَصَارَ الْمُرَادُ بِالِاسْمِ هُوَ الْمُسَمَّى. وَهَذَا لَا رَيْبَ فِيهِ إذَا أَخْبَرَ عَنْ الْأَشْيَاءِ فَذُكِرَتْ أَسْمَاؤُهَا فَقِيلَ: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ} {وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ} {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} فَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ هُوَ الرَّسُولُ وَهُوَ الَّذِي كَلَّمَهُ اللَّهُ. وَكَذَلِكَ إذَا قيل: جَاءَ زَيْدٌ وَأَشْهَدُ عَلَى عَمْرو وَفُلَانٌ عَدْلٌ وَنَحْوُ ذَلِكَ فَإِنَّمَا تُذْكَرُ الْأَسْمَاءُ وَالْمُرَادُ بِهَا الْمُسَمَّيَاتُ وَهَذَا هُوَ مَقْصُودُ الْكَلَامِ.
(6/188)

فَلَمَّا كَانَتْ أَسْمَاءُ الْأَشْيَاءِ إذَا ذُكِرَتْ فِي الْكَلَامِ الْمُؤَلَّفِ فَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ هُوَ الْمُسَمَّيَاتُ: قَالَ هَؤُلَاءِ: " الِاسْمُ هُوَ الْمُسَمَّى " وَجَعَلُوا اللَّفْظَ الَّذِي هُوَ الِاسْمُ عِنْدَ النَّاسِ هُوَ التَّسْمِيَةُ كَمَا قَالَ البغوي: وَالِاسْمُ هُوَ الْمُسَمَّى وَعَيْنُهُ وَذَاتُهُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {إنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى} أَخْبَرَ أَنَّ اسْمَهُ يَحْيَى. ثُمَّ نَادَى الِاسْمَ فَقَالَ {يَا يَحْيَى} وَقَالَ: {مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا} وَأَرَادَ الْأَشْخَاصَ الْمَعْبُودَةَ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْمُسَمَّيَاتِ. وَقَالَ: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} و {تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ} . قَالَ: ثُمَّ يُقَالُ " لِلتَّسْمِيَةِ " أَيْضًا اسْمٌ. وَاسْتِعْمَالُهُ فِي التَّسْمِيَةِ أَكْثَرُ مِنْ الْمُسَمَّى. وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ فورك: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي حَقِيقَةِ " الِاسْمِ " وَلِأَهْلِ اللُّغَةِ فِي ذَلِكَ كَلَامٌ وَلِأَهْلِ الْحَقَائِقِ فِيهِ بَيَانٌ وَبَيْنَ الْمُتَكَلِّمِينَ فِيهِ خِلَافٌ. فَأَمَّا " أَهْلُ اللُّغَةِ " فَيَقُولُونَ: الِاسْمُ حُرُوفٌ مَنْظُومَةٌ دَالَّةٌ عَلَى مَعْنًى مُفْرَدٍ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ إنَّهُ قَوْلٌ يَدُلُّ عَلَى مَذْكُورٍ يُضَافُ إلَيْهِ؛ يَعْنِي الْحَدِيثَ وَالْخَبَرَ. قَالَ: وَأَمَّا أَهْلُ الْحَقَائِقِ فَقَدْ اخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي مَعْنَى ذَلِكَ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: اسْمُ الشَّيْءِ هُوَ ذَاتُهُ وَعَيْنُهُ وَالتَّسْمِيَةُ عِبَارَةٌ عَنْهُ وَدَلَالَةٌ عَلَيْهِ فَيُسَمَّى اسْمًا تَوَسُّعًا. وَقَالَتْ الْجَهْمِيَّة وَالْمُعْتَزِلَةُ. " الْأَسْمَاءُ وَالصِّفَاتُ " هِيَ الْأَقْوَالُ الدَّالَّةُ عَلَى الْمُسَمَّيَاتِ وَهُوَ قَرِيبٌ مِمَّا قَالَهُ بَعْضُ أَهْلِ اللُّغَةِ. وَالثَّالِثُ: لَا هُوَ هُوَ وَلَا هُوَ غَيْرُهُ؛ كَالْعِلْمِ وَالْعَالَمِ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ اسْمُ الشَّيْءِ هُوَ صِفَتُهُ وَوَصْفُهُ.
(6/189)

قَالَ: وَاَلَّذِي هُوَ الْحَقُّ عِنْدَنَا قَوْلُ مَنْ قَالَ: اسْمُ الشَّيْءِ هُوَ عَيْنُهُ وَذَاتُهُ وَاسْمُ اللَّهِ هُوَ اللَّهُ وَتَقْدِيرُ قَوْلِ الْقَائِلِ: بِسْمِ اللَّهِ أَفْعَلُ أَيْ بِاَللَّهِ أَفْعَلُ وَإِنَّ اسْمَهُ هُوَ هُوَ. قَالَ: وَإِلَى هَذَا الْقَوْلِ ذَهَبَ " أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سلام " وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِ لَبِيَدِ. إلَى الْحَوْلِ ثُمَّ اسْمُ السَّلَامِ عَلَيْكُمَا وَمَنْ يَبْكِ حَوْلًا كَامِلًا فَقَدْ اعْتَذَرَ وَالْمَعْنَى ثُمَّ السَّلَامُ عَلَيْكُمَا؛ فَإِنَّ اسْمَ السَّلَامِ هُوَ السَّلَامُ. قَالَ: وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا فِي ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} وَهَذَا هُوَ صِفَةٌ لِلْمُسَمَّى لَا صِفَةٌ لِمَا هُوَ قَوْلٌ وَكَلَامٌ وَبِقَوْلِهِ: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ} فَإِنَّ الْمُسَبَّحَ هُوَ الْمُسَمَّى وَهُوَ اللَّهُ وَبِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: {إنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى} ثُمَّ قَالَ: {يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ} فَنَادَى الِاسْمَ وَهُوَ الْمُسَمَّى. وَبِأَنَّ الْفُقَهَاءَ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْحَالِفَ بِاسْمِ اللَّهِ كَالْحَالِفِ بِاَللَّهِ فِي بَيَانِ أَنَّهُ تَنْعَقِدُ الْيَمِينُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا؛ فَلَوْ كَانَ اسْمُ اللَّهِ غَيْرَ اللَّهِ لَكَانَ الْحَالِفُ بِغَيْرِ اللَّهِ لَا تَنْعَقِدُ يَمِينُهُ؛ فَلَمَّا انْعَقَدَ وَلَزِمَ بِالْحِنْثِ فِيهَا كَفَّارَةٌ دَلَّ عَلَى أَنَّ اسْمَهُ هُوَ. وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ الْقَائِلَ إذَا قَالَ: مَا اسْمُ مَعْبُودِكُمْ؟ قُلْنَا اللَّهُ. فَإِذَا قَالَ:
(6/190)

وَمَا مَعْبُودُكُمْ؟ قُلْنَا اللَّهُ فَنُجِيبُ فِي الِاسْمِ بِمَا نُجِيبُ بِهِ فِي الْمَعْبُودِ؛ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ اسْمَ الْمَعْبُودِ هُوَ الْمَعْبُودُ لَا غَيْرَ. وَبِقَوْلِهِ. {مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ} وَإِنَّمَا عَبَدُوا الْمُسَمَّيَاتِ لَا الْأَقْوَالَ الَّتِي هِيَ أَعْرَاضٌ لَا تُعْبَدُ. قَالَ: فَإِنْ قِيلَ: أَلَيْسَ يُقَالُ: اللَّهُ إلَهٌ وَاحِدٌ وَلَهُ أَسْمَاءٌ كَثِيرَةٌ فَكَيْفَ يَكُونُ الْوَاحِدُ كَثِيرًا؟ قِيلَ إذَا أَطْلَقَ " أَسْمَاءً " فَالْمُرَادُ بِهِ مُسَمَّيَاتُ الْمُسَمَّيْنَ وَالشَّيْءُ قَدْ يُسَمَّى بَاسِمِ دَلَالَتِهِ كَمَا يُسَمَّى الْمَقْدُورُ قُدْرَةً. قَالَ: فَعَلَى هَذَا يَكُونُ مَعْنَى قَوْلِهِ: بِاسْمِ اللَّهِ: أَيْ بِاَللَّهِ وَالْبَاءُ مَعْنَاهَا الِاسْتِعَانَةُ وَإِظْهَارُ الْحَاجَةِ وَتَقْدِيرُهُ: بِك أَسْتَعِينُ وَإِلَيْك أَحْتَاجُ وَقِيلَ تَقْدِيرُ الْكَلِمَةِ: أَبْتَدِئُ أَوْ أَبْدَأُ بِاسْمِك فِيمَا أَقُولُ وَأَفْعَلُ. قُلْت: لَوْ اقْتَصَرُوا عَلَى أَنَّ أَسْمَاءَ الشَّيْءِ إذَا ذُكِرَتْ فِي الْكَلَامِ فَالْمُرَادُ بِهَا الْمُسَمَّيَاتُ - كَمَا ذَكَرُوهُ فِي قَوْلِهِ: {يَا يَحْيَى} وَنَحْوُ ذَلِكَ - لَكَانَ ذَلِكَ مَعْنًى وَاضِحًا لَا يُنَازِعُهُ فِيهِ مَنْ فَهِمَهُ لَكِنْ لَمْ يَقْتَصِرُوا عَلَى ذَلِكَ؛ وَلِهَذَا أَنْكَرَ قَوْلَهُمْ جُمْهُورُ النَّاسِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَغَيْرِهِمْ؛ لِمَا فِي قَوْلِهِمْ مِنْ الْأُمُورِ الْبَاطِلَةِ مِثْلُ دَعْوَاهُمْ أَنَّ لَفْظَ اسْمٍ الَّذِي هُوَ " اس م " مَعْنَاهُ ذَاتُ الشَّيْءِ وَنَفْسُهُ وَأَنَّ الْأَسْمَاءَ - الَّتِي هِيَ الْأَسْمَاءُ - مِثْلُ زَيْدٍ وَعَمْرٍو هِيَ التَّسْمِيَاتُ؛ لَيْسَتْ هِيَ أَسْمَاءَ الْمُسَمَّيَاتِ وَكِلَاهُمَا بَاطِلٌ مُخَالِفٌ لِمَا يَعْلَمُهُ جَمِيعُ النَّاسِ مِنْ جَمِيعِ الْأُمَمِ وَلِمَا يَقُولُونَهُ. فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ: إنَّ زَيْدًا وَعَمْرًا وَنَحْوَ ذَلِكَ هِيَ أَسْمَاءُ النَّاسِ وَالتَّسْمِيَةُ
(6/191)

جَعْلُ الشَّيْءِ اسْمًا لِغَيْرِهِ هِيَ مَصْدَرُ سَمَّيْته تَسْمِيَةً إذَا جَعَلْت لَهُ اسْمًا وَ " الِاسْمُ " هُوَ الْقَوْلُ الدَّالُّ عَلَى الْمُسَمَّى لَيْسَ الِاسْمُ الَّذِي هُوَ لَفْظُ اسْمٍ هُوَ الْمُسَمَّى؛ بَلْ قَدْ يُرَادُ بِهِ الْمُسَمَّى؛ لِأَنَّهُ حُكْمٌ عَلَيْهِ وَدَلِيلٌ عَلَيْهِ. وَأَيْضًا: فَهُمْ تَكَلَّفُوا هَذَا التَّكْلِيفَ؛ لِيَقُولُوا إنَّ اسْمَ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ وَمُرَادُهُمْ أَنَّ اللَّهَ غَيْرُ مَخْلُوقٍ وَهَذَا مِمَّا لَا تُنَازِعُ فِيهِ الْجَهْمِيَّة وَالْمُعْتَزِلَةُ؛ فَإِنَّ أُولَئِكَ مَا قَالُوا الْأَسْمَاءُ مَخْلُوقَةٌ إلَّا لَمَّا قَالَ هَؤُلَاءِ هِيَ التَّسْمِيَاتُ فَوَافَقُوا الْجَهْمِيَّة وَالْمُعْتَزِلَةَ فِي الْمَعْنَى وَوَافَقُوا أَهْلَ السُّنَّةِ فِي اللَّفْظِ. وَلَكِنْ أَرَادُوا بِهِ مَا لَمْ يَسْبِقْهُمْ أَحَدٌ إلَى الْقَوْلِ بِهِ مِنْ أَنَّ لَفْظَ اسْمٍ وَهُوَ " أَلِفٌ سِينٌ مِيمٌ " مَعْنَاهُ إذَا أُطْلِقَ هُوَ الذَّاتُ الْمُسَمَّاةُ؛ بَلْ مَعْنَى هَذَا اللَّفْظِ هِيَ الْأَقْوَالُ الَّتِي هِيَ أَسْمَاءُ الْأَشْيَاءِ مِثْلُ زَيْدٍ وَعَمْرٍو وَعَالِمٍ وَجَاهِلٍ. فَلَفْظُ الِاسْمِ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْأَسْمَاءَ هِيَ مُسَمَّاهُ. ثُمَّ قَدْ عُرِفَ أَنَّهُ إذَا أَطُلِقَ الِاسْمُ فِي الْكَلَامِ الْمَنْظُومِ فَالْمُرَادُ بِهِ الْمُسَمَّى؛ فَلِهَذَا يُقَالُ: مَا اسْمُ هَذَا؟ فَيُقَالُ: زَيْدٌ. فَيُجَابُ بِاللَّفْظِ وَلَا يُقَالُ: مَا اسْمُ هَذَا فَيُقَالُ هُوَ هُوَ؛ وَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ الشَّوَاهِدِ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ. أَمَّا قَوْلُهُ: {إنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا} ثُمَّ قَالَ: {يَا يَحْيَى} فَالِاسْمُ الَّذِي هُوَ يَحْيَى هُوَ هَذَا اللَّفْظُ الْمُؤَلَّفُ مِنْ (يَا وحا وَيَا هَذَا هُوَ اسْمُهُ لَيْسَ اسْمُهُ هُوَ ذَاتُهُ؛ بَلْ هَذَا مُكَابَرَةٌ. ثُمَّ لَمَّا نَادَاهُ فَقَالَ: {يَا يَحْيَى} . فَالْمَقْصُودُ الْمُرَادُ بِنِدَاءِ الِاسْمِ هُوَ نِدَاءُ الْمُسَمَّى؛ لَمْ يُقْصَدْ نِدَاءُ اللَّفْظِ لَكِنَّ الْمُتَكَلِّمَ لَا يُمْكِنُهُ نِدَاءُ الشَّخْصِ الْمُنَادَى إلَّا بِذِكْرِ اسْمِهِ وَنِدَائِهِ؛ فَيَعْرِفُ
(6/192)

حِينَئِذٍ أَنَّ قَصْدَهُ نِدَاءُ الشَّخْصِ الْمُسَمَّى وَهَذَا مِنْ فَائِدَةِ اللُّغَاتِ وَقَدْ يُدْعَى بِالْإِشَارَةِ وَلَيْسَتْ الْحَرَكَةُ هِيَ ذَاتُهُ وَلَكِنْ هِيَ دَلِيلٌ عَلَى ذَاتِهِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: {تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} فَفِيهَا قِرَاءَتَانِ: الْأَكْثَرُونَ يَقْرَءُونَ {ذِي الْجَلَالِ} فَالرَّبُّ الْمُسَمَّى: هُوَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ. وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ: {ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} وَكَذَلِكَ هِيَ فِي الْمُصْحَفِ الشَّامِيِّ؛ وَفِي مَصَاحِفِ أَهْلِ الْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ هِيَ بِالْيَاءِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} فَهِيَ بِالْوَاوِ بِاتِّفَاقِهِمْ قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ وَغَيْرُهُ {تَبَارَكَ} تَفَاعَلَ مِنْ الْبَرَكَةِ وَالْمَعْنَى أَنَّ الْبَرَكَةَ تُكْتَسَبُ وَتُنَالُ بِذِكْرِ اسْمِهِ؛ فَلَوْ كَانَ لَفْظُ الِاسْمِ مَعْنَاهُ الْمُسَمَّى لَكَانَ يَكْفِي قَوْلُهُ تَبَارَكَ رَبُّك فَإِنَّ نَفْسَ الِاسْمِ عِنْدَهُمْ هُوَ نَفْسُ الرَّبِّ؛ فَكَانَ هَذَا تَكْرِيرًا. وَقَدْ قَالَ بَعْضُ النَّاسِ: إنَّ ذِكْرَ الِاسْمِ هُنَا صِلَةٌ وَالْمُرَادُ تَبَارَكَ رَبُّك؛ لَيْسَ الْمُرَادُ الْإِخْبَارَ عَنْ اسْمِهِ بِأَنَّهُ تَبَارَكَ؛ وَهَذَا غَلَطٌ فَإِنَّهُ عَلَى هَذَا يَكُونُ قَوْلُ الْمُصَلِّي تَبَارَكَ اسْمُك أَيْ تَبَارَكْت أَنْتَ وَنَفْسُ أَسْمَاءِ الرَّبِّ لَا بَرَكَةَ فِيهَا. وَمَعْلُومٌ أَنَّ نَفْسَ أَسْمَائِهِ مُبَارَكَةٌ وَبَرَكَتُهَا مِنْ جِهَةِ دَلَالَتِهَا عَلَى الْمُسَمَّى. وَلِهَذَا فَرَّقَتْ الشَّرِيعَةُ بَيْنَ مَا يُذْكَرُ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَمَا لَا يُذْكَرُ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فِي مِثْلِ قَوْلِهِ: {فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} وَقَوْلُهُ: {وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} وَقَوْلُهُ {وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ} وَقَوْلُ النَّبِيِّ
(6/193)

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ " {وَإِنْ خَالَطَ كَلْبَك كِلَابٌ أُخْرَى فَلَا تَأْكُلْ فَإِنَّك إنَّمَا سَمَّيْت عَلَى كَلْبِك وَلَمْ تُسَمِّ عَلَى غَيْرِهِ} ". وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى {مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ} . فَلَيْسَ الْمُرَادُ كَمَا ذَكَرُوهُ: أَنَّكُمْ تَعْبُدُونَ الْأَوْثَانَ الْمُسَمَّاةَ فَإِنَّ هَذَا هُمْ مُعْتَرِفُونَ بِهِ. وَالرَّبُّ تَعَالَى نَفَى مَا كَانُوا يَعْتَقِدُونَهُ وَأَثْبَتَ ضِدَّهُ وَلَكِنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُمْ سَمَّوْهَا آلِهَةً وَاعْتَقَدُوا ثُبُوتَ الْإِلَهِيَّةِ فِيهَا؛ وَلَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ الْإِلَهِيَّةِ فَإِذَا عَبَدُوهَا مُعْتَقِدِينَ إلَهِيَّتَهَا مُسَمِّينَ لَهَا آلِهَةً لَمْ يَكُونُوا قَدْ عَبَدُوا إلَّا أَسْمَاءً ابْتَدَعُوهَا هُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ؛ لِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَأْمُرْ بِعِبَادَةِ هَذِهِ وَلَا جَعَلَهَا آلِهَةً كَمَا قَالَ: {وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ} فَتَكُونُ عِبَادَتُهُمْ لِمَا تَصَوَّرُوهُ فِي أَنْفُسِهِمْ مِنْ مَعْنَى الْإِلَهِيَّةِ وَعَبَّرُوا عَنْهُ بِأَلْسِنَتِهِمْ وَذَلِكَ أَمْرٌ مَوْجُودٌ فِي أَذْهَانِهِمْ وَأَلْسِنَتِهِمْ لَا حَقِيقَةَ لَهُ فِي الْخَارِجِ؛ فَمَا عَبَدُوا إلَّا هَذِهِ الْأَسْمَاءَ الَّتِي تَصَوَّرُوهَا فِي أَذْهَانِهِمْ وَعَبَّرُوا عَنْ مَعَانِيهَا بِأَلْسِنَتِهِمْ؛ وَهُمْ لَمْ يَقْصِدُوا عِبَادَةَ الصَّنَمِ إلَّا لِكَوْنِهِ إلَهًا عِنْدَهُمْ وَإِلَهِيَّتُهُ هِيَ فِي أَنْفُسِهِمْ؛ لَا فِي الْخَارِجِ فَمَا عَبَدُوا فِي الْحَقِيقَةِ إلَّا ذَلِكَ الْخَيَالَ الْفَاسِدَ الَّذِي عُبِّرَ عَنْهُ. وَلِهَذَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ} يَقُولُ: سَمُّوهُمْ بِالْأَسْمَاءِ الَّتِي يَسْتَحِقُّونَهَا
(6/194)

هَلْ هِيَ خَالِقَةٌ رَازِقَةٌ مُحْيِيَةٌ مُمِيتَةٌ أَمْ هِيَ مَخْلُوقَةٌ لَا تَمْلِكُ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا؟ ؟ فَإِذَا سَمَّوْهَا فَوَصَفُوهَا بِمَا تَسْتَحِقُّهُ مِنْ الصِّفَاتِ تَبَيَّنَ ضَلَالُهُمْ. قَالَ تَعَالَى: {أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ} وَمَا لَا يُعْلَمُ أَنَّهُ مَوْجُودٌ فَهُوَ بَاطِلٌ لَا حَقِيقَةَ لَهُ وَلَوْ كَانَ مَوْجُودًا لَعَلِمَهُ مَوْجُودًا {أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ} أَمْ بِقَوْلِ ظَاهِرٍ بِاللِّسَانِ لَا حَقِيقَةَ لَهُ فِي الْقَلْبِ؛ بَلْ هُوَ كَذِبٌ وَبُهْتَانٌ. وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: إنَّ الِاسْمَ يُرَادُ بِهِ " التَّسْمِيَةُ " وَهُوَ الْقَوْلُ: فَهَذَا الَّذِي جَعَلُوهُ هُمْ تَسْمِيَةً هُوَ الِاسْمُ عِنْدَ النَّاسِ جَمِيعِهِمْ وَالتَّسْمِيَةُ جَعْلُهُ اسْمًا وَالْإِخْبَارُ بِأَنَّهُ اسْمٌ وَنَحْوُ ذَلِكَ وَقَدْ سَلَّمُوا أَنَّ لَفْظَ الِاسْمِ أَكْثَرُ مَا يُرَادُ بِهِ ذَلِكَ وَادَّعَوْا أَنَّ لَفْظَ الِاسْمِ الَّذِي هُوَ " أَلِفٌ سِينٌ مِيمٌ ": هُوَ فِي الْأَصْلِ ذَاتُ الشَّيْءِ وَلَكِنَّ التَّسْمِيَةَ سُمِّيَتْ اسْمًا لِدَلَالَتِهَا عَلَى ذَاتِ الشَّيْءِ: تَسْمِيَةً لِلدَّالِّ بِاسْمِ الْمَدْلُولِ وَمَثَّلُوهُ بِلَفْظِ الْقُدْرَةِ؛ وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ؛ بَلْ التَّسْمِيَةُ مَصْدَرُ سَمَّى يُسَمِّي تَسْمِيَةً وَالتَّسْمِيَةُ نُطْقٌ بِالِاسْمِ وَتَكَلُّمٌ بِهِ لَيْسَتْ هِيَ الِاسْمُ نَفْسُهُ وَأَسْمَاءُ الْأَشْيَاءِ هِيَ الْأَلْفَاظُ الدَّالَّةُ عَلَيْهَا لَيْسَتْ هِيَ أَعْيَانُ الْأَشْيَاءِ. وَتَسْمِيَةُ الْمَقْدُورِ قُدْرَةً هُوَ مِنْ بَابِ تَسْمِيَةِ الْمَفْعُولِ بِاسْمِ الْمَصْدَرِ وَهَذَا كَثِيرٌ شَائِعٌ فِي اللُّغَةِ كَقَوْلِهِمْ لِلْمَخْلُوقِ خَلْقٌ وَقَوْلِهِمْ دِرْهَمٌ ضَرْبُ الْأَمِيرِ أَيْ مَضْرُوبُ الْأَمِيرِ وَنَظَائِرُهُ كَثِيرَةٌ. وَابْنُ عَطِيَّةَ سَلَكَ مَسْلَكَ هَؤُلَاءِ وَقَالَ: الِاسْمُ الَّذِي هُوَ " أَلِفٌ وَسِينٌ وَمِيمٌ " يَأْتِي فِي مَوَاضِعَ مِنْ الْكَلَامِ الْفَصِيحِ يُرَادُ بِهِ الْمُسَمَّى وَيَأْتِي فِي مَوَاضِعَ
(6/195)

يُرَادُ بِهِ التَّسْمِيَةُ نَحْوُ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " {إنْ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا} " وَغَيْرُ ذَلِكَ وَمَتَى أُرِيدَ بِهِ الْمُسَمَّى فَإِنَّمَا هُوَ صِلَةٌ كَالزَّائِدِ كَأَنَّهُ قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: سَبِّحْ رَبَّك الْأَعْلَى أَيْ نَزِّهْهُ. قَالَ: وَإِذَا كَانَ الِاسْمُ وَاحِدُ الْأَسْمَاءِ كَزَيْدِ وَعَمْرٍو فَيَجِيءُ فِي الْكَلَامِ عَلَى مَا قُلْت لَك. تَقُولُ: زَيْدٌ قَائِمٌ تُرِيدُ الْمُسَمَّى وَتَقُولُ: زَيْدٌ ثَلَاثَةُ أَحْرُفٍ تُرِيدُ التَّسْمِيَةَ نَفْسَهَا عَلَى مَعْنَى نَزِّهْ اسْمَ رَبِّك عَنْ أَنْ يُسَمَّى بِهِ صَنَمٌ أَوْ وَثَنٌ فَيُقَالُ لَهُ: " إلَهٌ أَوْ رَبٌّ ". قُلْت: هَذَا الَّذِي ذَكَرُوهُ لَا يُعْرَفُ لَهُ شَاهِدٌ لَا مِنْ كَلَامٍ فَصِيحٍ وَلَا غَيْرِ ذَلِكَ وَلَا يُعْرَفُ أَنَّ لَفْظَ اسْمٍ " أَلِفٌ سِينٌ مِيمٌ " يُرَادُ بِهِ الْمُسَمَّى بَلْ الْمُرَادُ بِهِ الِاسْمُ الَّذِي يَقُولُونَ هُوَ التَّسْمِيَةُ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: تَقُولُ زَيْدٌ قَائِمٌ زَيْدٌ الْمُسَمَّى. فَزَيْدٌ لَيْسَ هُوَ " أَلِفٌ سِينٌ مِيمٌ " بَلْ زَيْدٌ مُسَمَّى هَذَا اللَّفْظِ فَزَيْدٌ يُرَادُ بِهِ الْمُسَمَّى وَيُرَادُ بِهِ اللَّفْظُ. وَكَذَلِكَ اسْمٌ " أَلِفٌ سِينٌ مِيمٌ " يُرَادُ بِهِ هَذَا اللَّفْظُ؛ وَيُرَادُ بِهِ مَعْنَاهُ وَهُوَ لَفْظُ زَيْدٍ وَعَمْرٍو وَبَكْرٍ؛ فَتِلْكَ هِيَ الْأَسْمَاءُ الَّتِي تُرَادُ بِلَفْظِ اسْمٍ؛ لَا يُرَادُ بِلَفْظِ اسْمٍ نَفْسُ الْأَشْخَاصِ؛ فَهَذَا مَا أَعْرِفُ لَهُ شَاهِدًا صَحِيحًا فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْأَصْلَ كَمَا ادَّعَاهُ هَؤُلَاءِ.
(6/196)

قَالَ تَعَالَى: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ} . فَأَسْمَاؤُهُ الْحُسْنَى مِثْلُ: الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَالْغَفُورِ الرَّحِيمِ فَهَذِهِ الْأَقْوَالُ هِيَ أَسْمَاؤُهُ الْحُسْنَى وَهِيَ إذَا ذُكِرَتْ فِي الدُّعَاءِ وَالْخَبَرِ يُرَادُ بِهَا الْمُسَمَّى. إذَا قَالَ: {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ} فَالْمُرَادُ الْمُسَمَّى لَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ يَتَوَكَّلُ عَلَى الْأَسْمَاءِ الَّتِي هِيَ أَقْوَالٌ؛ كَمَا فِي سَائِرِ الْكَلَامِ: كَلَامِ الْخَالِقِ وَكَلَامِ الْمَخْلُوقِينَ. وَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ أَنَّ الْقَائِلَ إذَا قَالَ: مَا اسْمُ مَعْبُودِكُمْ؟ قُلْنَا: اللَّهُ. فَنُجِيبُ فِي الِاسْمِ بِمَا نُجِيبُ بِهِ فِي الْمَعْبُودِ؛ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ اسْمَ الْمَعْبُودِ هُوَ الْمَعْبُودُ: حُجَّةٌ بَاطِلَةٌ وَهِيَ عَلَيْهِمْ لَا لَهُمْ. فَإِنَّ الْقَائِلَ إذَا قَالَ: مَا اسْمُ مَعْبُودِكُمْ؟ فَقُلْنَا: اللَّهُ. فَالْمُرَادُ أَنَّ اسْمَهُ هُوَ هَذَا الْقَوْلُ لَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ اسْمَهُ هُوَ ذَاتُهُ وَعَيْنُهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فَإِنَّهُ إنَّمَا سَأَلَ عَنْ اسْمِهِ لَمْ يَسْأَلْ عَنْ نَفْسِهِ؛ فَكَانَ الْجَوَابُ بِذِكْرِ اسْمِهِ. وَإِذَا قَالَ: مَا مَعْبُودُكُمْ؟ فَقُلْنَا اللَّهُ: فَالْمُرَادُ هُنَاكَ الْمُسَمَّى؛ لَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ الْمَعْبُودَ هُوَ الْقَوْلُ فَلَمَّا اخْتَلَفَ السُّؤَالُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ اخْتَلَفَ الْمَقْصُودُ بِالْجَوَابِ وَإِنْ كَانَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ قَالَ اللَّهُ لَكِنَّهُ فِي أَحَدِهِمَا أُرِيدَ هَذَا الْقَوْلُ الَّذِي هُوَ مِنْ الْكَلَامِ وَفِي الْآخَرِ أُرِيدَ بِهِ الْمُسَمَّى بِهَذَا الْقَوْلِ. كَمَا إذَا قِيلَ: مَا اسْمُ فُلَانٍ؟ فَقِيلَ: زَيْدٌ أَوْ عُمَرُ فَالْمُرَادُ هُوَ الْقَوْلُ. وَإِذَا قَالَ: مَنْ أَمِيرُكُمْ أَوْ مَنْ
(6/197)

أَنْكَحْت؟ فَقِيلَ زَيْدٌ أَوْ عَمْرٌو فَالْمُرَادُ بِهِ الشَّخْصُ فَكَيْفَ يُجْعَلُ الْمَقْصُودُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَاحِدًا. وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} كَانَ الْمُرَادُ أَنَّهُ نَفْسُهُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى. وَمِنْهَا اسْمُهُ اللَّهُ. كَمَا قَالَ: {قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} فَاَلَّذِي لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى هُوَ الْمُسَمَّى بِهَا؛ وَلِهَذَا كَانَ فِي كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَد أَنَّ هَذَا الِاسْمَ مِنْ أَسْمَائِهِ الْحُسْنَى؛ وَتَارَةً يَقُولُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى لَهُ أَيْ الْمُسَمَّى لَيْسَ مِنْ الْأَسْمَاءِ؛ وَلِهَذَا فِي قَوْلِهِ {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} لَمْ يَقْصِدْ أَنَّ هَذَا الِاسْمَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى؛ بَلْ قَصَدَ أَنَّ الْمُسَمَّى لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى. وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ الصَّحِيحِ {أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ نَقْشُ خَاتَمِهِ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ مُحَمَّدٌ سَطْرٌ وَرَسُولُ سَطْرٌ وَاَللَّهُ سَطْرٌ} وَيُرَادُ الْخَطُّ الْمَكْتُوبُ الَّذِي كُتِبَ بِهِ ذَلِكَ؛ فَالْخَطُّ الَّذِي كُتِبَ بِهِ مُحَمَّدٌ سَطْرٌ وَالْخَطُّ الَّذِي كُتِبَ بِهِ رَسُولُ سَطْرٌ وَالْخَطُّ الَّذِي كُتِبَ بِهِ اللَّهُ سَطْرٌ. وَلَمَّا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَا مَعَ عَبْدِي مَا ذَكَرَنِي وَتَحَرَّكَتْ بِي شَفَتَاهُ} " فَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمُرَادَ تَحَرُّكُ شَفَتَاهُ بِذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ وَهُوَ الْقَوْلُ لَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ الشَّفَتَيْنِ تَتَحَرَّكُ بِنَفْسِهِ تَعَالَى. وَأَمَّا احْتِجَاجُهُمْ بِقَوْلِهِ: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} وَأَنَّ الْمُرَادَ سَبِّحْ رَبَّك الْأَعْلَى وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: {تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَهَذَا لِلنَّاسِ فِيهِ قَوْلَانِ مَعْرُوفَانِ وَكِلَاهُمَا حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ.
(6/198)

مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: " الِاسْمُ " هُنَا صِلَةٌ وَالْمُرَادُ سَبِّحْ رَبَّك وَتَبَارَكَ رَبُّك. وَإِذَا قِيلَ: هُوَ صِلَةٌ فَهُوَ زَائِدٌ لَا مَعْنَى لَهُ؛ فَيُبْطِلُ قَوْلَهُمْ إنَّ مَدْلُولَ لَفْظِ اسْمٍ " أَلِفٌ سِينٌ مِيمٌ " هُوَ الْمُسَمَّى فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ مَدْلُولٌ مُرَادٌ لَمْ يَكُنْ صِلَةً. وَمَنْ قَالَ إنَّهُ هُوَ الْمُسَمَّى وَأَنَّهُ صِلَةٌ كَمَا قَالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ؛ فَقَدْ تَنَاقَضَ فَإِنَّ الَّذِي يَقُولُ هُوَ صِلَةٌ لَا يَجْعَلُ لَهُ مَعْنًى؛ كَمَا يَقُولُهُ مَنْ يَقُولُ ذَلِكَ فِي الْحُرُوفِ الزَّائِدَةِ الَّتِي تَجِيءُ لِلتَّوْكِيدِ كَقَوْلِهِ: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ} و {قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ} وَنَحْوُ ذَلِكَ. وَمَنْ قَالَ: إنَّهُ لَيْسَ بِصِلَةِ بَلْ الْمُرَادُ تَسْبِيحُ الِاسْمِ نَفْسِهِ فَهَذَا مُنَاقِضٌ لِقَوْلِهِمْ مُنَاقَضَةً ظَاهِرَةً. وَ " التَّحْقِيقُ " أَنَّهُ لَيْسَ بِصِلَةِ بَلْ أَمَرَ اللَّهُ بِتَسْبِيحِ اسْمِهِ كَمَا أَمَرَ بِذِكْرِ اسْمِهِ. وَالْمَقْصُودُ بِتَسْبِيحِهِ وَذِكْرِهِ هُوَ تَسْبِيحُ الْمُسَمَّى وَذِكْرُهُ فَإِنَّ الْمُسَبِّحَ وَالذَّاكِرَ إنَّمَا يُسَبِّحُ اسْمَهُ وَيَذْكُرُ اسْمَهُ؛ فَيَقُولُ: سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى فَهُوَ نَطَقَ بِلَفْظِ رَبِّي الْأَعْلَى وَالْمُرَادُ هُوَ الْمُسَمَّى بِهَذَا اللَّفْظِ فَتَسْبِيحُ الِاسْمِ هُوَ تَسْبِيحُ الْمُسَمَّى. وَمَنْ جَعَلَهُ تَسْبِيحًا لِلِاسْمِ يَقُولُ الْمَعْنَى أَنَّك لَا تُسَمِّ بِهِ غَيْرَ اللَّهِ وَلَا تُلْحِدُ فِي أَسْمَائِهِ فَهَذَا مِمَّا يَسْتَحِقُّهُ اسْمُ اللَّهِ لَكِنَّ هَذَا تَابِعٌ لِلْمُرَادِ بِالْآيَةِ لَيْسَ هُوَ الْمَقْصُودَ بِهَا الْقَصْدَ الْأَوَّلَ. وَقَدْ ذَكَرَ " الْأَقْوَالَ الثَّلَاثَةَ " غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْمُفَسِّرِينَ كالبغوي قَالَ قَوْلُهُ: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} أَيْ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى. وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ جَمَاعَةٌ
(6/199)

مِنْ الصَّحَابَةِ وَذَكَرَ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ {أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَأَ: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} . فَقَالَ: سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى} . قُلْت: فِي ذَلِكَ حَدِيثُ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ {لَمَّا نَزَلَ {فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ} قَالَ اجْعَلُوهَا فِي رُكُوعِكُمْ وَلَمَّا نَزَلَ: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} قَالَ: اجْعَلُوهَا فِي سُجُودِكُمْ} " وَالْمُرَادُ بِذَلِكَ أَنْ يَقُولُوا فِي الرُّكُوعِ سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيمِ وَفِي السُّجُودِ سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ حُذَيْفَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ {قَامَ بِالْبَقَرَةِ وَالنِّسَاءِ وَآلِ عِمْرَانَ ثُمَّ رَكَعَ نَحْوًا مِنْ قِيَامِهِ يَقُولُ: سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيمِ وَسَجَدَ نَحْوًا مِنْ رُكُوعِهِ يَقُولُ: سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى} ". وَفِي السُّنَنِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " {إذَا قَالَ الْعَبْدُ فِي رُكُوعِهِ: سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيمِ ثَلَاثًا فَقَدْ تَمَّ رُكُوعُهُ وَذَلِكَ أَدْنَاهُ وَإِذَا قَالَ فِي سُجُودِهِ: سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى ثَلَاثًا فَقَدْ تَمَّ سُجُودُهُ وَذَلِكَ أَدْنَاهُ} " وَقَدْ أَخَذَ بِهَذَا جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ. قَالَ البغوي: وَقَالَ قَوْمٌ مَعْنَاهُ نَزِّهْ رَبَّك الْأَعْلَى عَمَّا يَصِفُهُ بِهِ الْمُلْحِدُونَ. وَجَعَلُوا الِاسْمَ صِلَةً. قَالَ: وَيَحْتَجُّ بِهَذَا مَنْ يَجْعَلُ الِاسْمَ وَالْمُسَمَّى وَاحِدًا؛ لِأَنَّ أَحَدًا لَا يَقُولُ سُبْحَانَ اسْمِ اللَّهِ وَسُبْحَانَ اسْمِ رَبِّنَا إنَّمَا يَقُولُونَ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَسُبْحَانَ رَبِّنَا. وَكَانَ مَعْنَى: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ} سَبِّحْ رَبَّك. قُلْت: قَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى هَذَا وَاَلَّذِي: يَقُولُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَسُبْحَانَ رَبِّنَا
(6/200)

إنَّمَا نَطَقَ بِالِاسْمِ الَّذِي هُوَ اللَّهُ وَاَلَّذِي هُوَ رَبُّنَا: فَتَسْبِيحُهُ إنَّمَا وَقَعَ عَلَى الِاسْمِ لَكِنَّ مُرَادَهُ هُوَ الْمُسَمَّى فَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّهُ يُنْطَقُ بِاسْمِ الْمُسَمَّى وَالْمُرَادُ الْمُسَمَّى. وَهَذَا لَا رَيْبَ فِيهِ لَكِنْ هَذَا لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لَفْظَ اسْمٍ الَّذِي هُوَ " أَلِفٌ سِينٌ مِيمٌ " الْمُرَادُ بِهِ الْمُسَمَّى. لَكِنْ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ " أَسْمَاءَ اللَّهِ " مِثْلُ اللَّهِ وَرَبُّنَا وَرَبِّي الْأَعْلَى وَنَحْوُ ذَلِكَ يُرَادُ بِهَا الْمُسَمَّى مَعَ أَنَّهَا هِيَ فِي نَفْسِهَا لَيْسَتْ هِيَ الْمُسَمَّى لَكِنْ يُرَادُ بِهَا الْمُسَمَّى فَأَمَّا اسْمُ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ " أَلِفٌ سِينٌ مِيمٌ " فَلَا هُوَ الْمُسَمَّى الَّذِي هُوَ الذَّاتُ وَلَا يُرَادُ بِهِ الْمُسَمَّى الَّذِي هُوَ الذَّاتُ؛ وَلَكِنْ يُرَادُ بِهِ مُسَمَّاهُ الَّذِي هُوَ الْأَسْمَاءُ كَأَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى فِي قَوْلِهِ: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} فَلَهَا هَذِهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى الَّتِي جَعَلَهَا هَؤُلَاءِ هِيَ التَّسْمِيَاتُ وَجَعَلُوا التَّعْبِيرَ عَنْهَا بِالْأَسْمَاءِ تَوَسُّعًا؛ فَخَالَفُوا إجْمَاعَ الْأُمَمِ كُلِّهِمْ مِنْ الْعَرَبِ وَغَيْرِهِمْ وَخَالَفُوا صَرِيحَ الْمَعْقُولِ وَصَحِيحَ الْمَنْقُولِ. وَاَلَّذِينَ شَارَكُوهُمْ فِي هَذَا الْأَصْلِ وَقَالُوا: الْأَسْمَاءُ ثَلَاثَةٌ " قَدْ تَكُونُ هِيَ الْمُسَمَّى وَقَدْ تَكُونُ غَيْرَهُ وَقَدْ تَكُونُ لَا هِيَ هُوَ وَلَا غَيْرَهُ وَجَعَلُوا الْخَالِقَ وَالرَّازِقَ وَنَحْوَهُمَا غَيْرَ الْمُسَمَّى وَجَعَلُوا الْعَلِيمَ وَالْحَكِيمَ وَنَحْوَهُمَا لِلْمُسَمَّى: غَلِطُوا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ فَإِنَّهُ إذَا سَلِمَ لَهُمْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالِاسْمِ الَّذِي هُوَ " أَلِفٌ سِينٌ مِيمٌ " هُوَ مُسَمَّى الْأَسْمَاءِ؛ فَاسْمُهُ الْخَالِقُ هُوَ الرَّبُّ الْخَالِقُ نَفْسُهُ لَيْسَ هُوَ الْمَخْلُوقَاتُ الْمُنْفَصِلَةُ عَنْهُ وَاسْمُهُ الْعَلِيمُ هُوَ الرَّبُّ الْعَلِيمُ الَّذِي الْعِلْمُ صِفَةٌ لَهُ فَلَيْسَ الْعِلْمُ هُوَ الْمُسَمَّى؛ بَلْ الْمُسَمَّى هُوَ الْعَلِيمُ؛ فَكَانَ الْوَاجِبُ أَنْ يُقَالَ عَلَى أَصْلِهِمْ: الِاسْمُ هُنَا هُوَ الْمُسَمَّى وَصِفَتُهُ.
(6/201)

وَفِي الْخَالِقِ الِاسْمُ هُوَ الْمُسَمَّى وَفِعْلُهُ؛ ثُمَّ قَوْلُهُمْ إنَّ الْخَلْقَ هُوَ الْمَخْلُوقُ وَلَيْسَ الْخَلْقُ فِعْلًا قَائِمًا بِذَاتِهِ قَوْلٌ ضَعِيفٌ مُخَالِفٌ لِقَوْلِ جُمْهُورِ الْمُسْلِمِينَ. كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي مَوْضِعِهِ. فَتَبَيَّنَ أَنَّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ قَالُوا: " الِاسْمُ هُوَ الْمُسَمَّى " إنَّمَا يَسْلَمُ لَهُمْ أَنَّ أَسْمَاءَ الْأَشْيَاءِ إذَا ذُكِرَتْ فِي الْكَلَامِ أُرِيدَ بِهِ الْمُسَمَّى وَهَذَا مِمَّا لَا يُنَازِعُ فِيهِ أَحَدٌ مِنْ الْعُقَلَاءِ؛ لَا أَنَّ لَفْظَ اسْمٍ. أَلِفٌ سِينٌ مِيمٌ يُرَادُ بِهِ الشَّخْصُ. وَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ قَوْلِ لَبِيَدِ: إلَى الْحَوْلِ ثُمَّ اسْمُ السَّلَامِ عَلَيْكُمَا فَمُرَادُهُ ثُمَّ النُّطْقُ بِهَذَا الِاسْمِ وَذَكَرَهُ وَهُوَ التَّسْلِيمُ الْمَقْصُودُ؛ كَأَنَّهُ قَالَ ثُمَّ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَيْسَ مُرَادُهُ أَنَّ السَّلَامَ يَحْصُلُ عَلَيْهِمَا بِدُونِ أَنْ يَنْطِقَ بِهِ وَيَذْكُرَ اسْمَهُ. فَإِنَّ نَفْسَ السَّلَامِ قَوْلٌ فَإِنْ لَمْ يَنْطِقْ بِهِ نَاطِقٌ وَيَذْكُرْهُ لَمْ يَحْصُلْ. وَقَدْ احْتَجَّ بَعْضُهُمْ بِقَوْلِ سِيبَوَيْهِ إنَّ الْفِعْلَ أَمْثِلَةٌ أُخِذَتْ مِنْ لَفْظِ أَحْدَاثِ الْأَسْمَاءِ وَبُنِيَ لِمَا مَضَى وَلَمَّا لَمْ يَكُنْ بَعْدُ وَهَذَا لَا حُجَّةَ فِيهِ؛ لِأَنَّ سِيبَوَيْهِ مَقْصُودُهُ بِذِكْرِ الِاسْمِ وَالْفِعْلِ وَنَحْوِ ذَلِكَ الْأَلْفَاظُ. وَهَذَا اصْطِلَاحُ النَّحْوِيِّينَ سَمَّوْا الْأَلْفَاظَ بِأَسْمَاءِ مَعَانِيهَا؛ فَسَمَّوْا قَامَ وَيَقُومُ وَقُمْ فِعْلًا؛ وَالْفِعْلُ هُوَ نَفْسُ الْحَرَكَةِ؛ فَسَمَّوْا اللَّفْظَ الدَّالَّ عَلَيْهَا بِاسْمِهَا. وَكَذَلِكَ إذَا قَالُوا: اسْمٌ مُعَرَّبٌ وَمَبْنِيٌّ فَمَقْصُودُهُمْ اللَّفْظُ لَيْسَ مَقْصُودُهُمْ الْمُسَمَّى وَإِذَا قَالُوا هَذَا الِاسْمُ فَاعِلٌ فَمُرَادُهُمْ أَنَّهُ فَاعِلٌ فِي اللَّفْظِ؛ أَيْ أُسْنِدَ إلَيْهِ الْفِعْلُ وَلَمْ يُرِدْ سِيبَوَيْهِ بِلَفْظِ الْأَسْمَاءِ الْمُسَمَّيَاتِ كَمَا زَعَمُوا؛ وَلَوْ أَرَادَ ذَلِكَ فَسَدَتْ صِنَاعَتُهُ.
(6/202)

فَصْلٌ:
وَأَمَّا الَّذِينَ قَالُوا: إنَّ الِاسْمَ غَيْرُ الْمُسَمَّى فَهُمْ إذَا أَرَادُوا أَنَّ الْأَسْمَاءَ الَّتِي هِيَ أَقْوَالٌ لَيْسَتْ نَفْسُهَا هِيَ الْمُسَمَّيَاتُ فَهَذَا أَيْضًا لَا يُنَازِعُ فِيهِ أَحَدٌ مِنْ الْعُقَلَاءِ. وَأَرْبَابِ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ لَا يُنَازِعُونَ فِي هَذَا؛ بَلْ عَبَّرُوا عَنْ الْأَسْمَاءِ هُنَا بِالتَّسْمِيَاتِ وَهُمْ أَيْضًا لَا يُمْكِنُهُمْ النِّزَاعُ فِي أَنَّ الْأَسْمَاءَ الْمَذْكُورَةَ فِي الْكَلَامِ مِثْلُ قَوْلِهِ يَا آدَمَ يَا نُوحُ يَا إبْرَاهِيمُ إنَّمَا أُرِيدَ بِهَا نِدَاءُ الْمُسَمِّينَ بِهَذِهِ الْأَسْمَاءِ. وَإِذَا قِيلَ: خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فَالْمُرَادُ خَلَقَ الْمُسَمَّى بِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ؛ لَمْ يَقْصِدْ أَنَّهُ خَلَقَ لَفْظَ السَّمَاءِ وَلَفْظَ الْأَرْضِ وَالنَّاسُ لَا يَفْهَمُونَ مِنْ ذَلِكَ إلَّا الْمَعْنَى الْمُرَادَ بِهِ وَلَا يَخْطُرُ بِقَلْبِ أَحَدٍ إرَادَةُ الْأَلْفَاظِ؛ لِمَا قَدْ اسْتَقَرَّ فِي نُفُوسِهِمْ مِنْ أَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ وَالْأَسْمَاءَ يُرَادُ بِهَا الْمَعَانِي وَالْمُسَمَّيَاتُ؛ فَإِذَا تَكَلَّمَ بِهَا فَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ؛ لَكِنْ لَا يُعْلَمُ أَنَّهُ الْمُرَادُ إنْ لَمْ يَنْطِقْ بِالْأَلْفَاظِ وَالْأَسْمَاءِ الْمُبَيِّنَةِ لِلْمُرَادِ الدَّالَّةِ عَلَيْهِ. وَهَذَا مِنْ الْبَيَانِ الَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَى بَنِي آدَمَ فِي قَوْلِهِ: {خَلَقَ الْإِنْسَانَ} {عَلَّمَهُ الْبَيَانَ} وَقَدْ عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
(6/203)

وَلَكِنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَطْلَقُوا مِنْ الْجَهْمِيَّة وَالْمُعْتَزِلَةِ أَنَّ الِاسْمَ غَيْرُ الْمُسَمَّى مَقْصُودُهُمْ أَنَّ أَسْمَاءَ اللَّهِ غَيْرُهُ؛ وَمَا كَانَ غَيْرُهُ فَهُوَ مَخْلُوقٌ. وَلِهَذَا قَالَتْ الطَّائِفَةَ الثَّالِثَةَ: لَا نَقُولُ هِيَ الْمُسَمَّى وَلَا غَيْرُ الْمُسَمَّى. فَيُقَالُ لَهُمْ: قَوْلُكُمْ إنَّ أَسْمَاءَهُ غَيْرُهُ مِثْلَ قَوْلِكُمْ إنَّ كَلَامَهُ غَيْرُهُ وَإِنَّ إرَادَتَهُ غَيْرُهُ وَنَحْوُ ذَلِكَ وَهَذَا قَوْلُ الْجَهْمِيَّة نفاة الصِّفَاتِ وَقَدْ عَرَفْت شُبَهَهُمْ وَفَسَادَهَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ؛ وَهُمْ مُتَنَاقِضُونَ مِنْ وُجُوهٍ كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي مَوَاضِعَ. فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ: لَا نُثْبِتُ قَدِيمًا غَيْرَ اللَّهِ؛ أَوْ قَدِيمًا لَيْسَ هُوَ اللَّهُ حَتَّى كَفَّرُوا أَهْلَ الْإِثْبَاتِ وَإِنْ كَانُوا مُتَأَوِّلِينَ كَمَا قَالَ أَبُو الهذيل: إنَّ كُلَّ مُتَأَوِّلٍ كَانَ تَأْوِيلُهُ تَشْبِيهًا لَهُ بِخَلْقِهِ وَتَجْوِيزًا لَهُ فِي فِعْلِهِ وَتَكْذِيبًا لِخَبَرِهِ فَهُوَ كَافِرٌ؛ وَكُلُّ مَنْ أَثْبَتَ شَيْئًا قَدِيمًا لَا يُقَالُ لَهُ اللَّهُ فَهُوَ كَافِرٌ وَمَقْصُودُهُ تَكْفِيرُ مُثْبِتَةِ الصِّفَاتِ وَالْقَدَرِ وَمَنْ يَقُولُ إنَّ أَهْلَ الْقِبْلَةِ يَخْرُجُونَ مِنْ النَّارِ وَلَا يُخَلَّدُونَ فِيهَا. فَمِمَّا يُقَالُ لِهَؤُلَاءِ: إنَّ هَذَا الْقَوْلَ يَنْعَكِسُ عَلَيْكُمْ فَأَنْتُمْ أَوْلَى بِالتَّشْبِيهِ وَالتَّجْوِيزِ وَالتَّكْذِيبِ؛ وَإِثْبَاتِ قَدِيمٍ لَا يُقَالُ لَهُ اللَّهُ فَإِنَّكُمْ تُشَبِّهُونَهُ بِالْجَمَادَاتِ بَلْ بِالْمَعْدُومَاتِ بَلْ بِالْمُمْتَنِعَاتِ وَتَقُولُونَ إنَّهُ يُحْبِطُ الْحَسَنَاتِ الْعَظِيمَةَ بِالذَّنْبِ الْوَاحِدِ؛ وَيُخَلَّدُ عَلَيْهِ فِي النَّارِ وَتُكَذِّبُونَ بِمَا أَخْبَرَ بِهِ مِنْ مَغْفِرَتِهِ وَرَحْمَتِهِ
(6/204)

وَإِخْرَاجِهِ أَهْلَ الْكَبَائِرِ مِنْ النَّارِ بِالشَّفَاعَةِ وَغَيْرِهَا وَإِنَّهُ مَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ. وَأَنْتُمْ تُثْبِتُونَ قَدِيمًا لَا يُقَالُ لَهُ اللَّهُ فَإِنَّكُمْ تُثْبِتُونَ ذَاتًا مُجَرَّدَةً عَنْ الصِّفَاتِ وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ مَا لَيْسَ بِحَيِّ وَلَا عَلِيمٍ وَلَا قَدِيرٍ؛ فَلَيْسَ هُوَ اللَّهُ فَمَنْ أَثْبَتَ ذَاتًا مُجَرَّدَةً فَقَدْ أَثْبَتَ قَدِيمًا لَيْسَ هُوَ اللَّهُ وَإِنْ قَالَ أَنَا أَقُولُ إنَّهُ لَمْ يَزَلْ حَيًّا عَلِيمًا قَدِيرًا فَهُوَ قَوْلُ مُثْبِتَةِ الصِّفَاتِ؛ فَنَفْسُ كَوْنِهِ حَيًّا لَيْسَ هُوَ كَوْنَهُ عَالِمًا وَنَفْسُ كَوْنِهِ عَالِمًا لَيْسَ هُوَ كَوْنَهُ قَادِرًا وَنَفْسُ ذَلِكَ لَيْسَ هُوَ كَوْنَهُ ذَاتًا مُتَّصِفَةً بِهَذِهِ الصِّفَاتِ فَهَذِهِ مَعَانٍ مُتَمَيِّزَةٌ فِي الْعَقْلِ لَيْسَ هَذَا هُوَ هَذَا. فَإِنْ قُلْتُمْ هِيَ قَدِيمَةٌ فَقَدْ أَثْبَتُّمْ مَعَانِيَ قَدِيمَةً؛ وَإِنْ قُلْتُمْ هِيَ شَيْءٌ وَاحِدٌ جَعَلْتُمْ كُلَّ صِفَةٍ هِيَ الْأُخْرَى وَالصِّفَةُ هِيَ الْمَوْصُوفُ فَجَعَلْتُمْ كَوْنَهُ حَيًّا هُوَ كَوْنُهُ عَالِمًا وَجَعَلْتُمْ ذَلِكَ هُوَ نَفْسُ الذَّاتِ وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا مُكَابَرَةً وَهَذِهِ الْمَعَانِي هِيَ مَعَانِي أَسْمَائِهِ الْحُسْنَى وَهُوَ سُبْحَانَهُ لَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّمًا إذَا شَاءَ. فَهُوَ الْمُسَمِّي نَفْسَهُ بِأَسْمَائِهِ الْحُسْنَى كَمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ لَمَّا سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: {وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا} {غَفُورًا رَحِيمًا} فَقَالَ هُوَ سَمَّى نَفْسَهُ بِذَلِكَ وَهُوَ لَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ؛ فَأَثْبَتَ قِدَمَ مَعَانِي أَسْمَائِهِ الْحُسْنَى وَأَنَّهُ هُوَ الَّذِي سَمَّى نَفْسَهُ بِهَا. فَإِذَا قُلْتُمْ إنَّ أَسْمَاءَهُ أَوْ كَلَامَهُ غَيْرُهُ فَلَفْظُ " الْغَيْرِ " مُجْمَلٌ؛ إنْ أَرَدْتُمْ أَنَّ ذَلِكَ شَيْءٌ بَائِنٌ عَنْهُ فَهَذَا بَاطِلٌ؛ وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنَّهُ يُمْكِنُ الشُّعُورُ بِأَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ فَقَدْ
(6/205)

يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ اللَّهَ وَيَخْطُرُ بِقَلْبِهِ وَلَا يَشْعُرُ حِينَئِذٍ بِكُلِّ مَعَانِي أَسْمَائِهِ؛ بَلْ وَلَا يَخْطُرُ لَهُ حِينَئِذٍ أَنَّهُ عَزِيزٌ وَأَنَّهُ حَكِيمٌ فَقَدْ أَمْكَنَ الْعِلْمُ بِهَذَا دُونَ هَذَا؛ وَإِذَا أُرِيدَ بِالْغَيْرِ هَذَا فَإِنَّمَا يُفِيدُ الْمُبَايَنَةَ فِي ذِهْنِ الْإِنْسَانِ؛ لِكَوْنِهِ قَدْ يَعْلَمُ هَذَا دُونَ هَذَا وَذَلِكَ لَا يَنْفِي التَّلَازُمَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ فَهِيَ مَعَانٍ مُتَلَازِمَةٌ لَا يُمْكِنُ وُجُودُ الذَّاتِ دُونَ هَذِهِ الْمَعَانِي وَلَا وُجُودُ هَذِهِ الْمَعَانِي دُونَ وُجُودِ الذَّاتِ.
وَاسْمُ " اللَّهِ " إذَا قِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ أَوْ قِيلَ بِسْمِ اللَّهِ يَتَنَاوَلُ ذَاتَه وَصِفَاتِهِ لَا يَتَنَاوَلُ ذَاتًا مُجَرَّدَةً عَنْ الصِّفَاتِ وَلَا صِفَاتٍ مُجَرَّدَةً عَنْ الذَّاتِ وَقَدْ نَصَّ أَئِمَّةُ السُّنَّةِ - كَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِ - عَلَى أَنَّ صِفَاتِهِ دَاخِلَةٌ فِي مُسَمَّى أَسْمَائِهِ فَلَا يُقَالُ: إنَّ عِلْمَ اللَّهِ وَقُدْرَتَهُ زَائِدَةٌ عَلَيْهِ؛ لَكِنْ مِنْ أَهْلِ الْإِثْبَاتِ مَنْ قَالَ: إنَّهَا زَائِدَةٌ عَلَى الذَّاتِ. وَهَذَا إذَا أُرِيدَ بِهِ أَنَّهَا زَائِدَةٌ عَلَى مَا أَثْبَتَهُ أَهْلُ النَّفْيِ مِنْ الذَّاتِ الْمُجَرَّدَةِ فَهُوَ صَحِيحٌ؛ فَإِنَّ أُولَئِكَ قَصَّرُوا فِي الْإِثْبَاتِ فَزَادَ هَذَا عَلَيْهِمْ وَقَالَ الرَّبُّ لَهُ صِفَاتٌ زَائِدَةٌ عَلَى مَا عَلِمْتُمُوهُ. وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهَا زَائِدَةٌ عَلَى الذَّاتِ الْمَوْجُودَةِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ فَهُوَ كَلَامٌ مُتَنَاقِضٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ ذَاتٌ مُجَرَّدَةٌ حَتَّى يُقَالَ إنَّ الصِّفَاتِ زَائِدَةٌ عَلَيْهَا؛ بَلْ لَا يُمْكِنُ وُجُودُ الذَّاتِ إلَّا بِمَا بِهِ تَصِيرُ ذَاتًا مِنْ الصِّفَاتِ وَلَا يُمْكِنُ وُجُودُ الصِّفَاتِ إلَّا بِمَا بِهِ تَصِيرُ صِفَاتٌ مِنْ الذَّاتِ فَتَخَيُّلُ وُجُودِ أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ ثُمَّ زِيَادَةِ الْآخَرِ عَلَيْهِ تَخَيُّلٌ بَاطِلٌ. وَأَمَّا الَّذِينَ يَقُولُونَ: إنَّ " الِاسْمَ لِلْمُسَمَّى " كَمَا يَقُولُهُ أَكْثَرُ أَهْلِ السُّنَّةِ
(6/206)

فَهَؤُلَاءِ وَافَقُوا الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَالْمَعْقُولَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} وَقَالَ: {أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} . وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " {إنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا} " {وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّ لِي خَمْسَةَ أَسْمَاءٍ: أَنَا مُحَمَّدٌ وَأَحْمَد وَالْمَاحِي وَالْحَاشِرُ وَالْعَاقِبُ} " وَكِلَاهُمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ. وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ: أَهُوَ الْمُسَمَّى أَمْ غَيْرُهُ؟ فَصَّلُوا؛ فَقَالُوا: لَيْسَ هُوَ نَفْسَ الْمُسَمَّى وَلَكِنْ يُرَادُ بِهِ الْمُسَمَّى؛ وَإِذَا قِيلَ إنَّهُ غَيْرُهُ بِمَعْنَى أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُبَايِنًا لَهُ فَهَذَا بَاطِلٌ؛ فَإِنَّ الْمَخْلُوقَ قَدْ يَتَكَلَّمُ بِأَسْمَاءِ نَفْسِهِ فَلَا تَكُونُ بَائِنَةً عَنْهُ فَكَيْفَ بِالْخَالِقِ وَأَسْمَاؤُهُ مِنْ كَلَامِهِ؛ وَلَيْسَ كَلَامُهُ بَائِنًا عَنْهُ وَلَكِنْ قَدْ يَكُونُ الِاسْمُ نَفْسُهُ بَائِنًا مِثْلُ أَنْ يُسَمِّيَ الرَّجُلُ غَيْرَهُ بِاسْمِ أَوْ يَتَكَلَّمَ بِاسْمِهِ. فَهَذَا الِاسْمُ نَفْسُهُ لَيْسَ قَائِمًا بِالْمُسَمَّى؛ لَكِنَّ الْمَقْصُودَ بِهِ الْمُسَمَّى فَإِنَّ الِاسْمَ مَقْصُودُهُ إظْهَارُ " الْمُسَمَّى " وَبَيَانُهُ. وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنْ " السُّمُوِّ " وَهُوَ الْعُلُوُّ كَمَا قَالَ النُّحَاةُ الْبَصْرِيُّونَ وَقَالَ النُّحَاةُ الْكُوفِيُّونَ هُوَ مُشْتَقٌّ مِنْ " السِّمَةِ " وَهِيَ الْعَلَامَةُ وَهَذَا صَحِيحٌ فِي " الِاشْتِقَاقِ الْأَوْسَطِ " وَهُوَ مَا يَتَّفِقُ فِيهِ حُرُوفُ اللَّفْظَيْنِ دُونَ تَرْتِيبِهِمَا فَإِنَّهُ فِي كِلَيْهِمَا (السِّينُ وَالْمِيمُ وَالْوَاوُ وَالْمَعْنَى صَحِيحٌ فَإِنَّ السِّمَةَ وَالسِّيمَا الْعَلَامَةُ. وَمِنْهُ يُقَالُ: وَسَمْته أَسِمُهُ كَقَوْلِهِ: {سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ} وَمِنْهُ التَّوَسُّمُ كَقَوْلِهِ: {لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ} لَكِنَّ اشْتِقَاقَهُ مِنْ " السُّمُوِّ " هُوَ الِاشْتِقَاقُ الْخَاصُّ الَّذِي يَتَّفِقُ فِيهِ اللَّفْظَانِ فِي الْحُرُوفِ وَتَرْتِيبِهَا وَمَعْنَاهُ أَخَصُّ وَأَتَمُّ فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ
(6/207)

فِي تَصْرِيفِهِ سَمَّيْت وَلَا يَقُولُونَ وَسَمْت وَفِي جَمْعِهِ أَسْمَاءٌ لَا أوسام وَفِي تَصْغِيرِهِ سمي لَا وسيم. وَيُقَالُ لِصَاحِبِهِ مُسَمَّى لَا يُقَالُ مَوْسُومٌ وَهَذَا الْمَعْنَى أَخَصُّ. " فَإِنَّ الْعُلُوَّ مُقَارِنٌ لِلظُّهُورِ " كُلَّمَا كَانَ الشَّيْءُ أَعْلَى كَانَ أَظْهَرَ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْعُلُوِّ وَالظُّهُورِ يَتَضَمَّنُ الْمَعْنَى الْآخَرَ وَمِنْهُ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: " {وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَك شَيْءٌ} " وَلَمْ يَقُلْ فَلَيْسَ أَظْهَرَ مِنْك شَيْءٌ؛ لِأَنَّ الظُّهُورَ يَتَضَمَّنُ الْعُلُوَّ وَالْفَوْقِيَّةَ؛ فَقَالَ: " فَلَيْسَ فَوْقَك شَيْءٌ ". وَمِنْهُ قَوْلُهُ: {فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ} أَيْ يَعْلُوا عَلَيْهِ. وَيُقَالُ ظَهَرَ الْخَطِيبُ عَلَى الْمِنْبَرِ إذَا عَلَا عَلَيْهِ. وَيُقَالُ لِلْجَبَلِ الْعَظِيمِ عَلَمٌ؛ لِأَنَّهُ لِعُلُوِّهِ وَظُهُورِهِ يُعْلَمُ وَيُعْلَمُ بِهِ غَيْرُهُ. قَالَ تَعَالَى: {وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِي فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ} . وَكَذَلِكَ " الرَّايَةُ الْعَالِيَةُ " الَّتِي يُعْلَمُ بِهَا مَكَانُ الْأَمِيرِ وَالْجُيُوشِ يُقَالُ لَهَا عَلَمٌ وَكَذَلِكَ الْعَلَمُ فِي الثَّوْبِ لِظُهُورِهِ كَمَا يُقَالُ لِعُرْفِ الدِّيكِ وَلِلْجِبَالِ الْعَالِيَةِ أَعْرَافٌ لِأَنَّهَا لِعُلُوِّهَا تُعْرَفُ فَالِاسْمُ يَظْهَرُ بِهِ الْمُسَمَّى وَيَعْلُو؛ فَيُقَالُ لِلْمُسَمَّى: سَمِّهِ: أَيْ أَظْهِرْهُ وَأَعْلِهِ أَيْ أَعْلِ ذِكْرَهُ بِالِاسْمِ الَّذِي يُذْكَرُ بِهِ؛ لَكِنْ يُذْكَرُ تَارَةً بِمَا يُحْمَدُ بِهِ وَيُذْكَرُ تَارَةً بِمَا يُذَمُّ بِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا} وَقَالَ: {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ} وَقَالَ: {وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ} {سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ} . وَقَالَ فِي النَّوْعِ الْمَذْمُومِ: {وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ} وَقَالَ تَعَالَى: {نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ} . فَكِلَاهُمَا ظَهَرَ ذِكْرُهُ؛ لَكِنْ هَذَا إمَامٌ فِي الْخَيْرِ وَهَذَا إمَامٌ فِي الشَّرِّ.
(6/208)

وَبَعْضُ النُّحَاةِ يَقُولُ: سُمِّيَ اسْمًا لِأَنَّهُ عَلَا عَلَى الْمُسَمَّى؛ أَوْ لِأَنَّهُ عَلَا عَلَى قَسِيمَيْهِ الْفِعْلِ وَالْحَرْفِ؛ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالِاسْمِ هَذَا بَلْ لِأَنَّهُ يَعْلَى الْمُسَمَّى فَيَظْهَرُ؛ وَلِهَذَا يُقَالُ سَمَّيْته أَيْ أَعْلَيْته وَأَظْهَرْته فَتَجْعَلُ الْمُعَلَّى الْمُظْهَرَ هُوَ الْمُسَمَّى وَهَذَا إنَّمَا يَحْصُلُ بِالِاسْمِ. وَوَزْنُهُ فُعْلٌ وَفِعْلٌ وَجَمْعُهُ أَسْمَاءٌ كَقِنْوِ وَأَقْنَاءٍ وَعُضْوٍ وَأَعْضَاءٍ. وَقَدْ يُقَالُ فِيهِ سُمٌّ وَسِمٌّ بِحَذْفِ اللَّامِ. وَيُقَالُ: سَمَّى كَمَا قَالَ: وَاَللَّهُ أَسْمَاك سُمًّا مُبَارَكًا. وَمَا لَيْسَ لَهُ اسْمٌ فَإِنَّهُ لَا يُذْكَرُ وَلَا يُظْهَرُ وَلَا يَعْلُو ذِكْرُهُ؛ بَلْ هُوَ كَالشَّيْءِ الْخَفِيِّ الَّذِي لَا يُعْرَفُ؛ وَلِهَذَا يُقَالُ: الِاسْمُ دَلِيلٌ عَلَى الْمُسَمَّى وَعَلَمٌ عَلَى الْمُسَمَّى وَنَحْوُ ذَلِكَ. وَلِهَذَا كَانَ " أَهْلُ الْإِسْلَامِ وَالسُّنَّةِ " الَّذِينَ يَذْكُرُونَ أَسْمَاءَ اللَّهِ يَعْرِفُونَهُ وَيَعْبُدُونَهُ وَيُحِبُّونَهُ وَيَذْكُرُونَهُ وَيُظْهِرُونَ ذِكْرَهُ. " وَالْمَلَاحِدَةُ ": الَّذِينَ يُنْكِرُونَ أَسْمَاءَهُ وَتُعْرِضُ قُلُوبُهُمْ عَنْ مَعْرِفَتِهِ وَعِبَادَتِهِ وَمَحَبَّتِهِ وَذِكْرِهِ؛ حَتَّى يَنْسَوْا ذِكْرَهُ {نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ} {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ} {وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ} . وَالِاسْمُ يَتَنَاوَلُ اللَّفْظَ وَالْمَعْنَى الْمُتَصَوَّرَ فِي الْقَلْبِ وَقَدْ يُرَادُ بِهِ مُجَرَّدُ اللَّفْظِ وَقَدْ يُرَادُ بِهِ مُجَرَّدُ الْمَعْنَى فَإِنَّهُ مِنْ الْكَلَامِ؛ " وَالْكَلَامُ " اسْمٌ لِلَّفْظِ وَالْمَعْنَى، وَقَدْ
(6/209)

يُرَادُ بِهِ أَحَدُهُمَا؛ وَلِهَذَا كَانَ مِنْ ذَكَرَ اللَّهِ بِقَلْبِهِ أَوْ لِسَانِهِ فَقَدْ ذَكَرَهُ لَكِنْ ذَكَرَهُ بِهِمَا أَتَمُّ. وَاَللَّهُ تَعَالَى قَدْ أَمَرَ بِتَسْبِيحِ اسْمِهِ وَأَمَرَ بِالتَّسْبِيحِ بِاسْمِهِ كَمَا أَمَرَ بِدُعَائِهِ بِأَسْمَائِهِ الْحُسْنَى؛ فَيُدْعَى بِأَسْمَائِهِ الْحُسْنَى وَيُسَبَّحُ اسْمُهُ وَتَسْبِيحُ اسْمِهِ هُوَ تَسْبِيحٌ لَهُ؛ إذْ الْمَقْصُودُ بِالِاسْمِ الْمُسَمَّى؛ كَمَا أَنَّ دُعَاءَ الِاسْمِ هُوَ دُعَاءُ الْمُسَمَّى. قَالَ تَعَالَى: {قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} . وَاَللَّهُ تَعَالَى يَأْمُرُ بِذِكْرِهِ تَارَةً وَبِذِكْرِ اسْمِهِ تَارَةً؛ كَمَا يَأْمُرُ بِتَسْبِيحِهِ تَارَةً وَتَسْبِيحِ اسْمِهِ تَارَةً؛ فَقَالَ: {اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا} {وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ} وَهَذَا كَثِيرٌ. وَقَالَ: {وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إلَيْهِ تَبْتِيلًا} كَمَا قَالَ: {فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} {فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ} . لَكِنْ هُنَا يُقَالُ: بِسْمِ اللَّهِ؛ فَيَذْكُرُ نَفْسَ الِاسْمِ الَّذِي هُوَ " أَلِف سِينٌ مِيمٌ " وَأَمَّا فِي قَوْلِهِ: {وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ} فَيُقَالُ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ. وَهَذَا أَيْضًا مِمَّا يُبَيِّنُ فَسَادَ قَوْل مَنْ جَعَلَ الِاسْمَ هُوَ الْمُسَمَّى. وَقَوْلُهُ فِي الذَّبِيحَةِ {فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} كَقَوْلِهِ: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} وَقَوْلُهُ: {بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا} فَقَوْلُهُ: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} هُوَ قِرَاءَةُ بِسْمِ اللَّهِ فِي أَوَّلِ السُّوَرِ.
(6/210)

وَقَدْ بَسَطَ الْكَلَامَ عَلَى هَذَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ وَبَيَّنَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقَارِئَ مَأْمُورٌ أَنْ يَقْرَأَ بِسْمِ اللَّهِ وَأَنَّهَا لَيْسَتْ كَسَائِرِ الْقُرْآنِ؛ بَلْ هِيَ تَابِعَةٌ لِغَيْرِهَا وَهُنَا يَقُولُ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كَمَا كَتَبَ سُلَيْمَانُ وَكَمَا جَاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ الْمُتَوَاتِرَةُ وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ؛ فَيُنْطَقُ بِنَفْسِ الِاسْمِ الَّذِي هُوَ اسْمٌ مُسَمَّى لَا يَقُولُ بِاَللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ؛ كَمَا فِي قَوْلِهِ: {وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ} فَإِنَّهُ يَقُولُ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَنَحْوُ ذَلِكَ وَهُنَا قَالَ: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} لَمْ يَقُلْ: اقْرَأْ اسْمِ رَبِّك وَقَوْلُهُ: {وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ} يَقْتَضِي أَنْ يَذْكُرَهُ بِلِسَانِهِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ} فَقَدْ يَتَنَاوَلُ ذِكْرَ الْقَلْبِ. وَقَوْلُهُ: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} هُوَ كَقَوْلِ الْآكِلِ بِاسْمِ اللَّهِ. وَالذَّابِحِ بِاسْمِ اللَّهِ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " {وَمَنْ لَمْ يَكُنْ ذَبَحَ فَلْيَذْبَحْ بِسْمِ اللَّهِ} ". وَأَمَّا التَّسْبِيحُ فَقَدْ قَالَ: {وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} وَقَالَ: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} وَقَالَ: {فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ} . وَفِي الدُّعَاءِ: {قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} فَقَوْلُهُ: {أَيًّا مَا تَدْعُوا} يَقْتَضِي تَعَدُّدَ الْمَدْعُوِّ لِقَوْلِهِ {أَيًّا مَا} وَقَوْلُهُ {فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} يَقْتَضِي أَنَّ الْمَدْعُوَّ وَاحِدٌ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَقَوْلُهُ {ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ} - وَلَمْ يَقُلْ اُدْعُوا بِاسْمِ اللَّهِ أَوْ بِاسْمِ الرَّحْمَنِ - يَتَضَمَّنُ أَنَّ الْمَدْعُوَّ هُوَ الرَّبُّ الْوَاحِدُ بِذَلِكَ الِاسْمِ.
(6/211)

فَقَدْ جُعِلَ الِاسْمُ تَارَةً مَدْعُوًّا وَتَارَةً مَدْعُوًّا بِهِ فِي قَوْلِهِ: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا} فَهُوَ مَدْعُوٌّ بِهِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْمَدْعُوَّ هُوَ الْمُسَمَّى وَإِنَّمَا يُدْعَى بِاسْمِهِ. وَجُعِلَ الِاسْمُ مَدْعُوًّا بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْمَقْصُودَ بِهِ هُوَ الْمُسَمَّى وَإِنْ كَانَ فِي اللَّفْظِ هُوَ الْمَدْعُوَّ الْمُنَادَى كَمَا قَالَ {قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ} أَيْ اُدْعُوا هَذَا الِاسْمَ أَوْ هَذَا الِاسْمَ وَالْمُرَادُ إذَا دَعَوْته هُوَ الْمُسَمَّى؛ أَيْ الِاسْمَيْنِ دَعَوْت وَمُرَادُك هُوَ الْمُسَمَّى: {فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} . فَمَنْ تَدَبَّرَ هَذِهِ الْمَعَانِيَ اللَّطِيفَةَ تَبَيَّنَ لَهُ بَعْضُ حِكَمِ الْقُرْآنِ وَأَسْرَارِهِ فَتَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ فَإِنَّهُ كِتَابٌ مُبَارَكٌ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ لَا تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ وَلَا يَشْبَعُ مِنْهُ الْعُلَمَاءُ مَنْ ابْتَغَى الْهُدَى فِي غَيْرِهِ أَضَلَّهُ اللَّهُ وَمَنْ تَرَكَهُ مِنْ جَبَّارٍ قَصَمَهُ اللَّهُ وَهُوَ حَبْلُ اللَّهِ الْمَتِينُ وَهُوَ الذِّكْرُ الْحَكِيمُ وَهُوَ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ وَهُوَ قُرْآنٌ عَجَبٌ يَهْدِي إلَى الرُّشْدِ أَنْزَلَهُ اللَّهُ هُدًى وَرَحْمَةً وَشِفَاءً وَبَيَانًا وَبَصَائِرَ وَتَذْكِرَةً. فَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى وَكَمَا يَنْبَغِي لِكَرَمِ وَجْهِهِ وَعَزَّ جَلَالُهُ. آخِرُهُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.
(6/212)

سُئِلَ:
عَمَّنْ زَعَمَ أَنَّ " الْإِمَامَ أَحْمَد " كَانَ مِنْ أَعْظَمِ الْنُّفَاةِ لِلصِّفَاتِ - صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى - وَإِنَّمَا الَّذِينَ انْتَسَبُوا إلَيْهِ مِنْ أَتْبَاعِهِ فِي الْمَذْهَبِ ظَنُّوا أَنَّهُ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْإِثْبَاتِ الْمُنَافِي لِلتَّعْطِيلِ جَهْلًا مِنْهُمْ بِمَا جَرَى لَهُ فَإِنَّهُ اتَّفَقَ لَهُ أَمْرٌ عَجِيبٌ: وَهُوَ أَنَّ نَاسًا مِنْ " الزَّنَادِقَةِ " قَدْ عَلِمُوا زُهْدَ أَحْمَد وَوَرَعَهُ وَتَقْوَاهُ وَأَنَّ النَّاسَ يَتْبَعُونَهُ فِيمَا يَذْهَبُ إلَيْهِ؛ فَجَمَعُوا لَهُ كَلَامًا فِي الْإِثْبَاتِ وَعَزَوْهُ إلَى تَفَاسِيرَ وَكُتُبِ أَحَادِيثَ وَأَضَافُوا أَيْضًا إلَى الصَّحَابَةِ وَالْأَئِمَّةِ وَغَيْرِهِمْ حَتَّى إلَيْهِ هُوَ - شَيْئًا كَثِيرًا مِنْ ذَلِكَ عَلَى لِسَانِهِ - وَجَعَلُوا ذَلِكَ فِي صُنْدُوقٍ مُقْفَلٍ وَطَلَبُوا مِنْ الْإِمَامِ أَحْمَد أَنْ يَسْتَوْدِعَ ذَلِكَ الصُّنْدُوقَ مِنْهُمْ؛ وَأَظْهَرُوا أَنَّهُمْ عَلَى سَفَرٍ وَنَحْوُ ذَلِكَ وَأَنَّهُمْ غَرَضُهُمْ الرُّجُوعُ إلَيْهِ لِيَأْخُذُوا تِلْكَ الْوَدِيعَةَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ لَا يَتَعَرَّضُ لِمَا فِي الصُّنْدُوقِ فَلَمْ يَزَلْ عِنْدَهُ ذَلِكَ إلَى أَنْ تَوَفَّاهُ اللَّهُ؛ فَدَخَلَ أَتْبَاعُهُ وَاَلَّذِينَ أَخَذُوا عَنْهُ الْعِلْمَ فَوَجَدُوا ذَلِكَ الصُّنْدُوقَ وَفَتَحُوهُ فَوَجَدُوا فِيهِ تِلْكَ " الْأَحَادِيثَ الْمَوْضُوعَةَ " وَ " التَّفَاسِيرَ وَالنُّقُولَ " الدَّالَّةَ عَلَى الْإِثْبَاتِ. فَقَالُوا: لَوْ لَمْ يَكُنْ الْإِمَامُ أَحْمَد يَعْتَقِدُ مَا فِي هَذِهِ الْكُتُبِ لَمَا أَوْدَعَهَا هَذَا الصُّنْدُوقَ وَاحْتَرَزَ عَلَيْهَا؛ فَقَرَءُوا تِلْكَ الْكُتُبَ وَأَشْهَرُوهَا فِي جُمْلَةِ مَا أَشْهَرُوا مِنْ تَصَانِيفِهِ وَعُلُومِهِ
(6/213)

وَجَهِلُوا مَقْصُودَ أُولَئِكَ الزَّنَادِقَةِ الَّذِينَ قَصَدُوا فَسَادَ هَذِهِ الْأُمَّةَ الْإِسْلَامِيَّةَ كَمَا حَصَلَ مَقْصُودُ بُولِصَ بِإِفْسَادِ الْمِلَّةِ النَّصْرَانِيَّةِ بِالرَّسَائِلِ الَّتِي وَضَعَهَا لَهُمْ.
فَأَجَابَ:
مَنْ قَالَ تِلْكَ الْحِكَايَةَ الْمُفْتَرَاةَ عَنْ أَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ وَأَنَّهُ أُودِعَ عِنْدَهُ صَنَادِيقُ فِيهَا كُتُبٌ لَمْ يَعْرِفْ مَا فِيهَا حَتَّى مَاتَ وَأَخَذَهَا أَصْحَابُهُ فَاعْتَقَدُوا مَا فِيهَا: فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى غَايَةِ جَهْلِ هَذَا الْمُتَكَلِّمِ فَإِنَّ أَحْمَد لَمْ يَأْخُذْ عَنْهُ الْمُسْلِمُونَ كَلِمَةً وَاحِدَةً مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى قَالَهَا هُوَ؛ بَلْ الْأَحَادِيثُ الَّتِي يَرْوِيهَا أَهْلُ الْعِلْمِ فِي صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى: كَانَتْ مَوْجُودَةً عِنْدَ الْأُمَّةِ قَبْلَ أَنْ يُولَدَ الْإِمَامُ أَحْمَد. وَقَدْ رَوَاهَا أَهْلُ الْعِلْمِ غَيْرُ الْإِمَامِ أَحْمَد؛ فَلَا يَحْتَاجُ النَّاسُ فِيهَا إلَى رِوَايَةِ أَحْمَد بَلْ هِيَ مَعْرُوفَةٌ ثَابِتَةٌ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَوْ لَمْ يُخْلَقْ أَحْمَد. وَأَحْمَد إنَّمَا اُشْتُهِرَ أَنَّهُ إمَامُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالصَّابِرُ عَلَى الْمِحْنَةِ؛ لَمَّا ظَهَرَتْ مِحَنُ " الْجَهْمِيَّة " الَّذِينَ يَنْفُونَ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَيَقُولُونَ إنَّ اللَّهَ لَا يَرَى فِي الْآخِرَةِ وَإِنَّ الْقُرْآنَ لَيْسَ هُوَ كَلَامَ اللَّهِ؛ بَلْ هُوَ مَخْلُوقٌ مِنْ الْمَخْلُوقَاتِ وَإِنَّهُ تَعَالَى لَيْسَ فَوْقَ السَّمَوَاتِ وَإِنَّ مُحَمَّدًا لَمْ يَعْرُجْ إلَى اللَّهِ وَأَضَلُّوا بَعْضَ وُلَاةِ الْأَمْرِ؛ فَامْتَحَنُوا النَّاسَ بِالرَّغْبَةِ وَالرَّهْبَةِ فَمِنْ النَّاسِ مَنْ أَجَابَهُمْ - رَغْبَةً - وَمِنْ النَّاسِ مَنْ أَجَابَهُمْ رَهْبَةً - وَمِنْهُمْ مَنْ اخْتَفَى فَلَمْ يَظْهَرْ لَهُمْ. وَصَارَ مَنْ لَمْ يُجِبْهُمْ قَطَعُوا رِزْقَهُ وَعَزَلُوهُ عَنْ وِلَايَتِهِ وَإِنْ كَانَ أَسِيرًا لَمْ يَفُكُّوهُ وَلَمْ يَقْبَلُوا شَهَادَتَهُ؛ وَرُبَّمَا قَتَلُوهُ أَوْ حَبَسُوهُ. " وَالْمِحْنَةُ " مَشْهُورَةٌ مَعْرُوفَةٌ كَانَتْ فِي إمَارَةِ الْمَأْمُونِ وَالْمُعْتَصِمِ وَالْوَاثِقِ؛
(6/214)

ثُمَّ رَفَعَهَا الْمُتَوَكِّلُ؛ فَثَبَّتَ اللَّهُ الْإِمَامَ أَحْمَد فَلَمْ يُوَافِقْهُمْ عَلَى تَعْطِيلِ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَنَاظَرَهُمْ فِي الْعِلْمِ فَقَطَعَهُمْ وَعَذَّبُوهُ فَصَبَرَ عَلَى عَذَابِهِمْ فَجَعَلَهُ اللَّهُ مِنْ الْأَئِمَّةِ الَّذِينَ يَهْدُونَ بِأَمْرِهِ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} . فَمَنْ أُعْطِيَ الصَّبْرَ وَالْيَقِينَ: جَعَلَهُ اللَّهُ إمَامًا فِي الدِّينِ. وَمَا تَكَلَّمَ بِهِ مِنْ " السُّنَّةِ " فَإِنَّمَا أُضِيفَ لَهُ لِكَوْنِهِ أَظْهَرَهُ وَأَبْدَاهُ لَا لِكَوْنِهِ أَنْشَأَهُ وَابْتَدَأَهُ وَإِلَّا فَالسُّنَّةُ سُنَّةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَصْدَقُ الْكَلَامِ كَلَامُ اللَّهِ وَخَيْرُ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَمَا قَالَهُ الْإِمَامُ أَحْمَد هُوَ قَوْلُ الْأَئِمَّةِ قَبْلَهُ؛ كَمَالِكِ وَالثَّوْرِيِّ وَالْأَوْزَاعِي وَحَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ وَحَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، وَقَوْلُ التَّابِعِينَ قَبْلَ هَؤُلَاءِ وَقَوْلُ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ أَخَذُوهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَحَادِيثُ " السُّنَّةِ " مَعْرُوفَةٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ كُتُبِ الْإِسْلَامِ. وَالنَّقْلُ عَنْ أَحْمَد وَغَيْرِهِ مِنْ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ: مُتَوَاتِرٌ بِإِثْبَاتِ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَهَؤُلَاءِ مُتَّبِعُونَ فِي ذَلِكَ مَا تَوَاتَرَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَأَمَّا إنَّ الْمُسْلِمِينَ يُثَبِّتُونَ عَقِيدَتَهُمْ فِي أُصُولِ الدِّينِ بِقَوْلِهِ أَوْ بِقَوْلِ غَيْرِهِ مِنْ الْعُلَمَاءِ: فَهَذَا لَا يَقُولُهُ إلَّا جَاهِلٌ. وَ " أَحْمَد بْنُ حَنْبَلٍ " نَهَى عَنْ تَقْلِيدِهِ وَتَقْلِيدِ غَيْرِهِ مِنْ الْعُلَمَاءِ فِي الْفُرُوعِ وَقَالَ: لَا تُقَلِّدْ دِينَك الرِّجَالَ فَإِنَّهُمْ لَنْ يَسْلَمُوا أَنْ يَغْلَطُوا. وَقَالَ: لَا تُقَلِّدْنِي وَلَا مَالِكًا وَلَا الثَّوْرِيَّ وَلَا الشَّافِعِيَّ؛ وَقَدْ جَرَى فِي ذَلِكَ عَلَى سَنَنِ غَيْرِهِ
(6/215)

مِنْ الْأَئِمَّةِ؛ فَكُلُّهُمْ نَهَوْا عَنْ تَقْلِيدِهِمْ كَمَا نَهَى الشَّافِعِيُّ عَنْ تَقْلِيدِهِ وَتَقْلِيدِ غَيْرِهِ مِنْ الْعُلَمَاءِ فَكَيْفَ يُقَلَّدُ أَحْمَد وَغَيْرُهُ فِي أُصُولِ الدِّينِ؟ وَأَصْحَابُ أَحْمَد: مِثْلُ أَبِي دَاوُد السجستاني وَإِبْرَاهِيمَ الْحَرْبِيِّ وَعُثْمَانَ بْنِ سَعِيدٍ الدارمي وَأَبِي زُرْعَةَ وَأَبِي حَاتِمٍ وَالْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ وبقي بْنِ مخلد وَأَبِي بَكْرٍ الْأَثْرَمِ وَابْنَيْهِ صَالِحٍ وَعَبْدِ اللَّهِ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدارمي وَمُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ وارة وَغَيْرِ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ هُمْ مَنْ أَكَابِرِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْفِقْهِ وَالدِّينِ. لَا يَقْبَلُونَ كَلَامَ أَحْمَد وَلَا غَيْرِهِ إلَّا بِحُجَّةِ يُبَيِّنُهَا لَهُمْ وَقَدْ سَمِعُوا الْعِلْمَ كَمَا سَمِعَهُ هُوَ وَشَارَكُوهُ فِي كَثِيرٍ مِنْ شُيُوخِهِ وَمَنْ لَمْ يَلْحَقُوهُ أَخَذُوا عَنْ أَصْحَابِهِ الَّذِينَ هُمْ نُظَرَاؤُهُ وَهَذِهِ الْأُمُورُ يَعْرِفُهَا مَنْ يَعْرِفُ أَحْوَالَ الْإِسْلَامِ وَعُلَمَائِهِ.
(6/216)

وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَبُو الْعَبَّاسِ تَقِيُّ الدِّينِ بْنُ تَيْمِيَّة - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ وَنَوَّرَ ضَرِيحَهُ -:
فَصْلٌ: فِي الصِّفَاتِ الِاخْتِيَارِيَّةِ
وَهِيَ الْأُمُورُ الَّتِي يَتَّصِفُ بِهَا الرَّبُّ عَزَّ وَجَلَّ فَتَقُومُ بِذَاتِهِ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ؛ مِثْلُ كَلَامِهِ وَسَمْعِهِ وَبَصَرِهِ وَإِرَادَتِهِ وَمَحَبَّتِهِ وَرِضَاهُ وَرَحْمَتِهِ وَغَضَبِهِ وَسَخَطِهِ؛ وَمِثْلُ خَلْقِهِ وَإِحْسَانِهِ وَعَدْلِهِ؛ وَمِثْلُ اسْتِوَائِهِ وَمَجِيئِهِ وَإِتْيَانِهِ وَنُزُولِهِ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنْ الصِّفَاتِ الَّتِي نَطَقَ بِهَا الْكِتَابُ الْعَزِيزُ وَالسُّنَّةُ. " فالْجَهْمِيَّة " وَمَنْ وَافَقَهُمْ مِنْ " الْمُعْتَزِلَةِ " وَغَيْرِهِمْ يَقُولُونَ: لَا يَقُومُ بِذَاتِهِ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الصِّفَاتِ وَلَا غَيْرِهَا. وَ " الْكُلَّابِيَة " وَمَنْ وَافَقَهُمْ مِنْ " السالمية " وَغَيْرِهِمْ يَقُولُونَ: " تَقُومُ صِفَاتٌ بِغَيْرِ مَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ؛ فَأَمَّا مَا يَكُونُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ: فَلَا يَكُونُ إلَّا مَخْلُوقًا مُنْفَصِلًا عَنْهُ ".
(6/217)

وَأَمَّا " السَّلَفُ وَأَئِمَّةُ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ " فَيَقُولُونَ: إنَّهُ مُتَّصِفٌ بِذَلِكَ؛ كَمَا نَطَقَ بِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ؛ وَهُوَ قَوْلُ كَثِيرٍ مِنْ " أَهْلِ الْكَلَامِ وَالْفَلْسَفَةِ " أَوْ أَكْثَرُهُمْ كَمَا ذَكَرْنَا أَقْوَالَهُمْ بِأَلْفَاظِهَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ. وَمِثْلُ هَذَا: " الْكَلَامِ ". فَإِنَّ السَّلَفَ وَأَئِمَّةَ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ يَقُولُونَ: يَتَكَلَّمُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ؛ وَكَلَامُهُ لَيْسَ بِمَخْلُوقِ؛ بَلْ كَلَامُهُ صِفَةٌ لَهُ قَائِمَةٌ بِذَاتِهِ. وَمِمَّنْ ذَكَرَ أَنَّ ذَلِكَ قَوْلُ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ: أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ابْنُ منده وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ ابْنُ حَامِدٍ وَأَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ وَأَبُو إسْمَاعِيلَ الْأَنْصَارِيُّ وَغَيْرُهُمْ؛ وَكَذَلِكَ ذَكَرَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ نَظِيرَ هَذَا فِي " الِاسْتِوَاءِ " وَأَئِمَّةُ السُّنَّةِ - كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ وَأَحْمَدَ بْنُ حَنْبَلٍ وَالْبُخَارِيِّ وَعُثْمَانَ بْنِ سَعِيدٍ الدارمي وَمَنْ لَا يُحْصَى مِنْ الْأَئِمَّةِ وَذَكَرَهُ حَرْبُ بْنُ إسْمَاعِيلَ الكرماني عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقَ بْنِ إبْرَاهِيمَ وَسَائِرُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ - مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّهُ مُتَكَلِّمٌ بِمَشِيئَتِهِ وَأَنَّهُ لَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّمًا إذَا شَاءَ وَكَيْفَ شَاءَ. وَقَدْ سَمَّى اللَّهُ الْقُرْآنَ الْعَزِيزَ حَدِيثًا فَقَالَ: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ} وَقَالَ: {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا} . وَقَالَ {مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ} . وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " {إنَّ اللَّهَ يُحْدِثُ مِنْ أَمْرِهِ مَا يَشَاءُ} " وَهَذَا مِمَّا احْتَجَّ بِهِ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ وَفِي غَيْرِ صَحِيحِهِ؛ وَاحْتَجَّ بِهِ غَيْرُ الْبُخَارِيِّ كَنَعِيمِ بْنِ حَمَّادٍ وَحَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ.
(6/218)

وَمِنْ الْمَشْهُورِ عَنْ السَّلَفِ: أَنَّ الْقُرْآنَ الْعَزِيزَ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرَ مَخْلُوقٍ مِنْهُ بَدَأَ وَإِلَيْهِ يَعُودُ. وَأَمَّا " الْجَهْمِيَّة " وَ " الْمُعْتَزِلَةُ " فَيَقُولُونَ: لَيْسَ لَهُ كَلَامٌ قَائِمٌ بِذَاتِهِ؛ بَلْ كَلَامُهُ مُنْفَصِلٌ عَنْهُ مَخْلُوقٌ عَنْهُ وَ " الْمُعْتَزِلَةُ " يُطْلِقُونَ الْقَوْلَ: بِأَنَّهُ يَتَكَلَّمُ بِمَشِيئَتِهِ؛ وَلَكِنَّ مُرَادَهُمْ بِذَلِكَ أَنَّهُ يَخْلُقُ كَلَامًا مُنْفَصِلًا عَنْهُ. وَ " الْكُلَّابِيَة والسالمية " يَقُولُونَ: إنَّهُ لَا يَتَكَلَّمُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ؛ بَلْ كَلَامُهُ قَائِمٌ بِذَاتِهِ بِدُونِ قُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ مِثْلُ حَيَاتِهِ؛ وَهُمْ يَقُولُونَ: الْكَلَامُ صِفَةُ ذَاتٍ؛ لَا صِفَةُ فِعْلٍ يَتَعَلَّقُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ؛ وَأُولَئِكَ يَقُولُونَ: هُوَ صِفَةُ فِعْلٍ؛ لَكِنَّ الْفِعْلَ عِنْدَهُمْ: هُوَ الْمَفْعُولُ الْمَخْلُوقُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ. وَأَمَّا " السَّلَفُ وَأَئِمَّةُ السُّنَّةِ " وَكَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ كالهشامية والكَرَّامِيَة وَأَصْحَابِ أَبِي مُعَاذٍ التومني وَزُهَيْرِ اليامي وَطَوَائِفَ غَيْرِ هَؤُلَاءِ: يَقُولُونَ: إنَّهُ " صِفَةُ ذَاتٍ وَفِعْلٍ " هُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ كَلَامًا قَائِمًا بِذَاتِهِ. وَهَذَا هُوَ الْمَعْقُولُ مِنْ صِفَةِ الْكَلَامِ لِكُلِّ مُتَكَلِّمٍ فَكُلُّ مَنْ وُصِفَ بِالْكَلَامِ كَالْمَلَائِكَةِ وَالْبَشَرِ وَالْجِنِّ وَغَيْرِهِمْ: فَكَلَامُهُمْ لَا بُدَّ أَنْ يَقُومَ بِأَنْفُسِهِمْ وَهُمْ يَتَكَلَّمُونَ بِمَشِيئَتِهِمْ وَقُدْرَتِهِمْ. وَالْكَلَامُ صِفَةُ كَمَالٍ؛ لَا صِفَةُ نَقْصٍ وَمَنْ تَكَلَّمَ بِمَشِيئَتِهِ أَكْمَلُ مِمَّنْ لَا يَتَكَلَّمُ بِمَشِيئَتِهِ؛ فَكَيْفَ يَتَّصِفُ الْمَخْلُوقُ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ دُونَ الْخَالِقِ
(6/219)

وَلَكِنَّ " الْجَهْمِيَّة وَالْمُعْتَزِلَةَ " بَنَوْا عَلَى " أَصْلِهِمْ ": أَنَّ الرَّبَّ لَا يَقُومُ بِهِ صِفَةٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ بِزَعْمِهِمْ يَسْتَلْزِمُ التَّجْسِيمَ وَالتَّشْبِيهَ الْمُمْتَنِعَ؛ إذْ الصِّفَةُ عَرَضٌ وَالْعَرَضُ لَا يَقُومُ إلَّا بِجِسْمِ. وَ " الْكُلَّابِيَة " يَقُولُونَ: هُوَ مُتَّصِفٌ بِالصِّفَاتِ الَّتِي لَيْسَ لَهُ عَلَيْهَا قُدْرَةٌ وَلَا تَكُونُ بِمَشِيئَتِهِ؛ فَأَمَّا مَا يَكُونُ بِمَشِيئَتِهِ فَإِنَّهُ حَادِثٌ وَالرَّبُّ - تَعَالَى - لَا تَقُومُ بِهِ الْحَوَادِثُ. وَيُسَمُّونَ " الصِّفَاتِ الِاخْتِيَارِيَّةَ " بِمَسْأَلَةِ " حُلُولِ الْحَوَادِثِ " فَإِنَّهُ إذَا كَلَّمَ مُوسَى بْنَ عِمْرَانَ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ وَنَادَاهُ حِينَ أَتَاهُ بِقُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ كَانَ ذَلِكَ النِّدَاءُ وَالْكَلَامُ حَادِثًا. قَالُوا: فَلَوْ اتَّصَفَ الرَّبُّ بِهِ لَقَامَتْ بِهِ الْحَوَادِثُ قَالُوا: وَلَوْ قَامَتْ بِهِ الْحَوَادِثُ لَمْ يَخْلُ مِنْهَا وَمَا لَمْ يَخْلُ مِنْ الْحَوَادِثِ فَهُوَ حَادِثٌ؛ قَالُوا: وَلِأَنَّ كَوْنَهُ قَابِلًا لِتِلْكَ الصِّفَةِ إنْ كَانَتْ مِنْ لَوَازِمِ ذَاتِهِ كَانَ قَابِلًا لَهَا فِي الْأَزَلِ فَيَلْزَمُ جَوَازُ وُجُودِهَا فِي الْأَزَلِ وَالْحَوَادِثُ لَا تَكُونُ فِي الْأَزَلِ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي وُجُودَ حَوَادِثَ لَا أَوَّلَ لَهَا وَذَلِكَ مُحَالٌ: " لِوُجُوهِ " قَدْ ذُكِرَتْ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ. قَالُوا: وَبِذَلِكَ اسْتَدْلَلْنَا عَلَى حُدُوثِ الْأَجْسَامِ وَبِهِ عَرَفْنَا حُدُوثَ الْعَالَمِ وَبِذَلِكَ أَثْبَتْنَا وُجُودَ الْمَانِعِ وَصِدْقَ رُسُلِهِ؛ فَلَوْ قَدَحْنَا فِي تِلْكَ لَزِمَ الْقَدْحُ فِي أُصُولِ " الْإِيمَانِ " وَ " التَّوْحِيدِ ". وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ لَوَازِمِ ذَاتِهِ صَارَ قَابِلًا لَهَا بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ قَابِلًا فَيَكُونُ
(6/220)

قَابِلًا لِتِلْكَ الصِّفَةِ فَيَلْزَمُ التَّسَلْسُلُ الْمُمْتَنِعُ. وَقَدْ بَسَطْنَا الْقَوْلَ عَلَى عَامَّةِ مَا ذَكَرُوهُ فِي هَذَا الْبَابِ وَبَيَّنَّا فَسَادَهُ وَتَنَاقُضَهُ عَلَى وَجْهٍ لَا تَبْقَى فِيهِ شُبْهَةٌ لِمَنْ فَهِمَ هَذَا الْبَابَ. وَفُضَلَاؤُهُمْ - وَهُمْ الْمُتَأَخِّرُونَ: كالرَّازِي والآمدي والطوسي وَالْحُلِيِّ وَغَيْرِهِمْ - مُعْتَرِفُونَ بِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُمْ حُجَّةٌ عَقْلِيَّةٌ عَلَى نَفْيِ ذَلِكَ؛ بَلْ ذَكَرَ الرَّازِي وَأَتْبَاعُهُ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ يَلْزَمُ جَمِيعَ الطَّوَائِفِ وَنَصَرَهُ فِي آخِرِ كُتُبِهِ: " كَالْمَطَالِبِ الْعَالِيَةِ " - وَهُوَ مِنْ أَكْبَرِ كُتُبِهِ الْكَلَامِيَّةِ الَّذِي سَمَّاهُ " نِهَايَةَ الْعُقُولِ فِي دِرَايَةِ الْأُصُولِ " - لَمَّا عَرَفَ فَسَادَ قَوْلِ الْنُّفَاةِ لَمْ يَعْتَمِدْ عَلَى ذَلِكَ فِي " مَسْأَلَةِ الْقُرْآنِ ". فَإِنَّ عُمْدَتَهُمْ فِي " مَسْأَلَةِ الْقُرْآنِ " إذَا قَالُوا: لَمْ يَتَكَلَّمْ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ - قَالُوا - لِأَنَّ ذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ حُلُولَ الْحَوَادِثِ؛ فَلَمَّا عَرَفَ فَسَادَ هَذَا الْأَصْلِ لَمْ يَعْتَمِدْ عَلَى ذَلِكَ فِي " مَسْأَلَةِ الْقُرْآنِ ". فَإِنَّ عُمْدَتَهُمْ عَلَيْهِ؛ بَلْ اسْتَدَلَّ بِإِجْمَاعِ مُرَكَّبٍ وَهُوَ دَلِيلٌ ضَعِيفٌ إلَى الْغَايَةِ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ فِي نَصْرِ قَوْلِ الْكُلَّابِيَة غَيْرُهُ؛ وَهَذَا مِمَّا يُبَيِّنُ أَنَّهُ وَأَمْثَالُهُ تَبَيَّنَ لَهُ فَسَادُ قَوْلِ الْكُلَّابِيَة. وَكَذَلِكَ " الآمدي " ذَكَرَ فِي " أَبْكَارِ الْأَفْكَارِ " مَا يُبْطِلُ قَوْلَهُمْ وَذَكَرَ أَنَّهُ لَا جَوَابَ عَنْهُ وَقَدْ كَشَفْت هَذِهِ الْأُمُورَ فِي مَوَاضِعَ؛ وَهَذَا مَعْرُوفٌ عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ حَتَّى الْحِلِيُّ بْنُ الْمُطَهَّرِ ذَكَرَ فِي كُتُبِهِ أَنَّ الْقَوْلَ بِنَفْيِ " حُلُولِ الْحَوَادِثِ " لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ فَالْمُنَازِعُ جَاهِلٌ بِالْعَقْلِ وَالشَّرْعِ.
(6/221)

وَكَذَلِكَ مَنْ قَبْلِ هَؤُلَاءِ كَأَبِي الْمَعَالِي وَذَوِيهِ إنَّمَا عُمْدَتُهُمْ أَنَّ " الكَرَّامِيَة " قَالُوا ذَلِكَ وَتَنَاقَضُوا فَيُبَيِّنُونَ تَنَاقُضَ الكَرَّامِيَة وَيَظُنُّونَ أَنَّهُمْ إذَا بَيَّنُوا تَنَاقُضَ الكَرَّامِيَة - وَهُمْ مُنَازِعُوهُمْ - فَقَدْ فَلَجُوا؛ وَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ السَّلَفَ وَأَئِمَّةَ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ - بَلْ مِنْ قَبْلِ الكَرَّامِيَة مِنْ الطَّوَائِفِ - لَمْ تَكُنْ تَلْتَفِتُ إلَى الكَرَّامِيَة وَأَمْثَالِهِمْ؛ بَلْ تَكَلَّمُوا بِذَلِكَ قَبْلَ أَنْ تُخْلَقَ الكَرَّامِيَة: فَإِنَّ ابْنَ كَرَّامٍ كَانَ مُتَأَخِّرًا بَعْدَ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ فِي زَمَنِ مُسْلِمِ بْنِ الْحَجَّاجِ وَطَبَقَتِهِ وَأَئِمَّةُ السُّنَّةِ والمتكلمون تَكَلَّمُوا بِهَذِهِ قَبْلَ هَؤُلَاءِ وَمَا زَالَ السَّلَفُ يَقُولُونَ بِمُوجَبِ ذَلِكَ. لَكِنْ لَمَّا ظَهَرَتْ " الْجَهْمِيَّة الْنُّفَاةِ " فِي أَوَائِلِ الْمِائَةِ الثَّانِيَةِ بَيْنَ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ ضُلَّالُهُمْ وَخُطَّاؤُهُمْ؛ ثُمَّ ظَهَرَ رَعْنَةُ الْجَهْمِيَّة فِي أَوَائِلِ الْمِائَةِ الثَّالِثَةِ وَامْتَحَنَ " الْعُلَمَاءُ ": الْإِمَامَ أَحْمَدُ وَغَيْرَهُ فَجَرَّدُوا الرَّدَّ عَلَى الْجَهْمِيَّة وَكَشْفِ ضُلَّالِهِمْ حَتَّى جَرَّدَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ الْآيَاتِ الَّتِي مِنْ الْقُرْآنِ تَدُلُّ عَلَى بُطْلَانِ قَوْلِهِمْ وَهِيَ كَثِيرَةٌ جِدًّا. بَلْ الْآيَاتُ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى " الصِّفَاتِ الِاخْتِيَارِيَّةِ " الَّتِي يُسَمُّونَهَا " حُلُولَ الْحَوَادِثِ " كَثِيرَةٌ جِدًّا وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا} فَهَذَا بَيِّنٌ فِي أَنَّهُ إنَّمَا أَمَرَ الْمَلَائِكَةَ بِالسُّجُودِ بَعْدَ خَلْقِ آدَمَ؛ لَمْ يَأْمُرْهُمْ فِي الْأَزَلِ؛ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: {إنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} فَإِنَّمَا قَالَ لَهُ: بَعْدَ أَنْ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ؛ لَا فِي الْأَزَلِ.
(6/222)

وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ فِي " قِصَّةِ مُوسَى ": {فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا} وَقَالَ تَعَالَى: {فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِي الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} فَهَذَا بَيِّنٌ فِي أَنَّهُ إنَّمَا نَادَاهُ حِينَ جَاءَ لَمْ يَكُنْ النِّدَاءُ فِي الْأَزَلِ كَمَا يَقُولُهُ " الْكُلَّابِيَة " يَقُولُونَ: إنَّ النِّدَاءَ قَائِمٌ بِذَاتِ اللَّهِ فِي الْأَزَلِ وَهُوَ لَازِمٌ لِذَاتِهِ لَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَالُ مُنَادِيًا لَهُ لَكِنَّهُ لَمَّا أَتَى خَلَقَ فِيهِ إدْرَاكًا لِمَا كَانَ مَوْجُودًا فِي الْأَزَلِ. ثُمَّ مَنْ قَالَ مِنْهُمْ إنَّ الْكَلَامَ مَعْنًى وَاحِدٌ: مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: سَمِعَ ذَلِكَ الْمَعْنَى بِأُذُنِهِ كَمَا يَقُولُ الْأَشْعَرِيُّ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: بَلْ أَفْهَمُ مِنْهُ مَا أَفْهَمُ؛ كَمَا يَقُولُهُ: الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ وَغَيْرُهُ فَقِيلَ لَهُمْ: عِنْدَكُمْ هُوَ مَعْنًى وَاحِدٌ لَا يَتَبَعَّضُ وَلَا يَتَعَدَّدُ فَمُوسَى فَهِمَ الْمَعْنَى كُلَّهُ أَوْ بَعْضَهُ؟ إنْ قُلْتُمْ كُلَّهُ فَقَدْ عَلِمَ عِلْمَ اللَّهِ كُلَّهُ وَإِنْ قُلْتُمْ بَعْضَهُ فَقَدْ تَبَعَّضَ وَعِنْدَكُمْ لَا يَتَبَعَّضُ. وَمَنْ قَالَ مِنْ أَتْبَاعِ " الْكُلَّابِيَة ": بِأَنَّ النِّدَاءَ وَغَيْرَهُ مِنْ الْكَلَامِ الْقَدِيمِ حُرُوفٌ أَوْ حُرُوفٌ وَأَصْوَاتٌ لَازِمَةٌ لِذَاتِ الرَّبِّ كَمَا تَقُولهُ " السالمية " وَمَنْ وَافَقَهُمْ يَقُولُونَ: إنَّهُ يَخْلُقُ لَهُ إدْرَاكًا لِتِلْكَ الْحُرُوفِ وَالْأَصْوَاتِ؛ وَالْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ وَكَلَامُ السَّلَفِ قَاطِبَةً يَقْتَضِي أَنَّهُ إنَّمَا نَادَاهُ وَنَاجَاهُ حِينَ أَتَى؛ لَمْ يَكُنْ النِّدَاءُ مَوْجُودًا قَبْلَ ذَلِكَ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ قَدِيمًا أَزَلِيًّا. وَقَالَ تَعَالَى: {فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إنَّ
(6/223)

الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ} . وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمَّا أَكَلَا مِنْهَا نَادَاهُمَا لَمْ يُنَادِهِمَا قَبْلَ ذَلِكَ. وَقَالَ تَعَالَى: {وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ} . {وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ} . فَجَعَلَ النِّدَاءَ فِي يَوْمٍ مُعَيَّنٍ وَذَلِكَ الْيَوْمُ حَادِثٌ كَائِنٌ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ وَهُوَ حِينَئِذٍ يُنَادِيهِمْ؛ لَمْ يُنَادِهِمْ قَبْلَ ذَلِكَ. وَقَالَ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ} . فَبَيَّنَ أَنَّهُ يَحْكُمُ فَيُحَلِّلُ مَا يُرِيدُ وَيُحَرِّمُ مَا يُرِيدُ وَيَأْمُرُ بِمَا يُرِيدُ؛ فَجَعَلَ التَّحْلِيلَ وَالتَّحْرِيمَ وَالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ مُتَعَلِّقًا بِإِرَادَتِهِ وَيَنْهَى بِإِرَادَتِهِ وَيُحَلِّلُ بِإِرَادَتِهِ وَيُحَرِّمُ بِإِرَادَتِهِ؛ وَ " الْكُلَّابِيَة " يَقُولُونَ: لَيْسَ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ بِإِرَادَتِهِ؛ بَلْ قَدِيمٌ لَازِمٌ لِذَاتِهِ غَيْرُ مُرَادٍ لَهُ وَلَا مَقْدُورٍ. وَ " الْمُعْتَزِلَةُ مَعَ الْجَهْمِيَّة " يَقُولُونَ: كُلُّ ذَلِكَ مَخْلُوقٌ مُنْفَصِلٌ عَنْهُ لَيْسَ لَهُ كَلَامٌ قَائِمٌ بِهِ لَا بِإِرَادَتِهِ وَلَا بِغَيْرِ إرَادَتِهِ وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ فِي الْقُرْآنِ الْعَزِيزِ.
(6/224)

فَصْلٌ:
وَكَذَلِكَ فِي " الْإِرَادَةِ " وَ " الْمَحَبَّةِ " كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {إنَّمَا أَمْرُهُ إذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} . وَقَوْلُهُ: {وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} وَقَوْلُهُ: {لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ} وَقَوْلُهُ: {وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ} وَقَوْلُهُ: {وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ} وَقَوْلُهُ: {وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا} وَقَوْلُهُ: {وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إلَيْكَ} وَأَمْثَالُ ذَلِكَ فِي الْقُرْآنِ الْعَزِيزِ. فَإِنَّ جَوَازِمَ الْفِعْلِ الْمُضَارِعِ وَنَوَاصِبَهُ تُخَلِّصُهُ لِلِاسْتِقْبَالِ مِثْلُ " إنْ " وَ " أَنْ " وَكَذَلِكَ " إذَا " ظَرْفٌ لِمَا يُسْتَقْبَلُ مِنْ الزَّمَانِ؛ فَقَوْلُهُ: {إذَا أَرَادَ} و {إنْ شَاءَ اللَّهُ} وَنَحْوُ ذَلِكَ يَقْتَضِي حُصُولَ إرَادَةٍ مُسْتَقْبَلَةٍ وَمَشِيئَةٍ مُسْتَقْبَلَةٍ. وَكَذَلِكَ فِي الْمَحَبَّةِ وَالرِّضَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} فَإِنَّ هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ إذَا اتَّبَعُوهُ أَحَبَّهُمْ اللَّهُ؛ فَإِنَّهُ جَزَمَ قَوْلُهُ: " يُحْبِبْكُمْ " بِهِ فَجَزَمَهُ جَوَابًا لِلْأَمْرِ وَهُوَ فِي مَعْنَى الشَّرْطِ فَتَقْدِيرُهُ: إنْ تَتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ جَوَابَ الشَّرْطِ وَالْأَمْرِ إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَهُ لَا قَبْلَهُ؛ فَمَحَبَّةُ اللَّهِ لَهُمْ إنَّمَا تَكُونُ بَعْدَ اتِّبَاعِهِمْ لِلرَّسُولِ؛ وَالْمُنَازِعُونَ: مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: مَا ثَمَّ
(6/225)

مَحَبَّةٌ بَلْ الْمُرَادُ ثَوَابًا مَخْلُوقًا وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: بَلْ ثَمَّ مَحَبَّةٌ قَدِيمَةٌ أَزَلِيَّةٌ إمَّا الْإِرَادَةُ وَإِمَّا غَيْرُهَا وَالْقُرْآنُ يَدُلُّ عَلَى قَوْلِ السَّلَفِ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ الْمُخَالِفِينَ لِلْقَوْلَيْنِ. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ} فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَعْمَالَهُمْ أَسْخَطَتْهُ فَهِيَ سَبَبٌ لِسُخْطِهِ وَسُخْطُهُ عَلَيْهِمْ بَعْدَ الْأَعْمَالِ؛ لَا قَبْلَهَا. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: {فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ} وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: {إنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ} عَلَّقَ الرِّضَا بِشُكْرِهِمْ وَجَعَلَهُ مَجْزُومًا جَزَاءً لَهُ وَجَزَاءُ الشَّرْطِ لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَهُ. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: {إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} {يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} {يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} {يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا} وَنَحْوُ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَحَبَّةَ بِسَبَبِ هَذِهِ الْأَعْمَالِ وَهِيَ جَزَاءٌ لَهَا وَالْجَزَاءُ إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ الْعَمَلِ وَالْمُسَبِّبِ.
(6/226)

فَصْلٌ:
وَكَذَلِكَ " السَّمْعُ " وَ " الْبَصَرُ " " وَالنَّظَرُ ". قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ} هَذَا فِي حَقِّ الْمُنَافِقِينَ وَقَالَ فِي حَقِّ التَّائِبِينَ: {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ} وَقَوْلُهُ {فَسَيَرَى اللَّهُ} دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَرَاهَا بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ وَالْمُنَازِعُ إمَّا أَنْ يَنْفِيَ الرُّؤْيَةَ؛ وَإِمَّا أَنْ يُثْبِتَ رُؤْيَةً قَدِيمَةً أَزَلِيَّةً. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ {ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} وَلَامُ كَيْ تَقْتَضِيَ أَنَّ مَا بَعْدَهَا مُتَأَخِّرٌ عَنْ الْمَعْلُولِ فَنَظَرُهُ كَيْفَ يَعْمَلُونَ هُوَ بَعْدَ جَعْلِهِمْ خَلَائِفَ. وَكَذَلِكَ {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا} أَخْبَرَ أَنَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَهُمَا حِينَ كَانَتْ تُجَادِلُ وَتَشْتَكِي إلَى اللَّهِ وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " {إذَا قَالَ الْإِمَامُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ يَسْمَعْ اللَّهُ لَكُمْ} " فَجَعَلَ سَمْعَهُ لَنَا جَزَاءً وَجَوَابًا لِلْحَمْدِ فَيَكُونُ ذَلِكَ بَعْدَ الْحَمْدِ وَالسَّمْعُ يَتَضَمَّنُ مَعَ سَمْعِ الْقَوْلِ قَبُولَهُ وَإِجَابَتَهُ وَمِنْهُ قَوْلُ الْخَلِيلِ {إنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ} . وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: {لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ} وَقَوْلُهُ لِمُوسَى: {إنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى} .
(6/227)

وَ " الْمَعْقُولُ الصَّرِيحُ " يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ فَإِنَّ الْمَعْدُومَ لَا يَرَى وَلَا يَسْمَعُ بِصَرِيحِ الْعَقْلِ وَاتِّفَاقِ الْعُقَلَاءِ؛ لَكِنْ قَالَ مَنْ قَالَ مِنْ " السالمية ": إنَّهُ يَسْمَعُ وَيَرَى مَوْجُودًا فِي عِلْمِهِ لَا مَوْجُودًا بَائِنًا عَنْهُ وَلَمْ يَقُلْ إنَّهُ يَسْمَعُ وَيَرَى بَائِنًا عَنْ الرَّبِّ. فَإِذَا خَلَقَ الْعِبَادَ وَعَمِلُوا وَقَالُوا؛ فَإِمَّا أَنْ نَقُولَ إنَّهُ يَسْمَعُ أَقْوَالَهُمْ وَيَرَى أَعْمَالَهُمْ؛ وَإِمَّا لَا يَرَى وَلَا يَسْمَعُ. فَإِنْ نَفَى ذَلِكَ فَهُوَ تَعْطِيلٌ لِهَاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ وَتَكْذِيبٌ لِلْقُرْآنِ وَهُمَا صِفَتَا كَمَالٍ لَا نَقْصَ فِيهِ فَمَنْ يَسْمَعُ وَيُبْصِرُ أَكْمَلُ مِمَّنْ لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ. وَالْمَخْلُوقُ يَتَّصِفُ بِأَنَّهُ يَسْمَعُ وَيُبْصِرُ فَيَمْتَنِعُ اتِّصَافُ الْمَخْلُوقِ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ دُونَ الْخَالِقِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَقَدْ عَابَ اللَّهُ تَعَالَى مَنْ يَعْبُدُ مَنْ لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ؛ وَلِأَنَّهُ حَيٌّ وَالْحَيُّ إذَا لَمْ يَتَّصِفْ بِالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ اتَّصَفَ بِضِدِّ ذَلِكَ وَهُوَ الْعَمَى وَالصَّمَمُ وَذَلِكَ مُمْتَنِعٌ وَبَسْطُ هَذَا لَهُ مَوْضِعٌ آخَرُ. وَإِنَّمَا " الْمَقْصُودُ هُنَا " أَنَّهُ إذَا كَانَ يَسْمَعُ وَيُبْصِرُ الْأَقْوَالَ وَالْأَعْمَالَ بَعْدَ أَنْ وُجِدَتْ؛ فَإِمَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ تَجَدُّدٌ وَكَانَ لَا يَسْمَعُهَا وَلَا يُبْصِرُهَا فَهُوَ بَعْدَ أَنْ خَلَقَهَا لَا يَسْمَعُهَا وَلَا يُبْصِرُهَا. وَإِنْ تَجَدَّدَ شَيْءٌ: فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ وُجُودًا أَوْ عَدَمًا؛ فَإِنْ كَانَ عَدَمًا فَلَمْ يَتَجَدَّدْ شَيْءٌ وَإِنْ كَانَ وُجُودًا: فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ قَائِمًا بِذَاتِ اللَّهِ أَوْ قَائِمًا بِذَاتِ غَيْرِهِ وَ " الثَّانِي " يَسْتَلْزِمُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْغَيْرُ هُوَ الَّذِي يَسْمَعُ وَيَرَى فَيَتَعَيَّنُ أَنَّ ذَلِكَ السَّمْعَ وَالرُّؤْيَةَ الْمَوْجُودَيْنِ قَائِمٌ بِذَاتِ اللَّهِ وَهَذَا لَا حِيلَةَ فِيهِ.
(6/228)

وَ " الْكُلَّابِيَة " يَقُولُونَ فِي جَمِيعِ هَذَا الْبَابِ: الْمُتَجَدِّدُ هُوَ تَعَلُّقٌ بَيْنَ الْأَمْرِ وَالْمَأْمُورِ وَبَيْنَ الْإِرَادَةِ وَالْمُرَادِ وَبَيْنَ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَالْمَسْمُوعِ وَالْمَرْئِيِّ فَيُقَالُ لَهُمْ: هَذَا التَّعَلُّقُ إمَّا أَنْ يَكُونَ وُجُودًا وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ عَدَمًا فَإِنْ كَانَ عَدَمًا فَلَمْ يَتَجَدَّدْ شَيْءٌ فَإِنَّ الْعَدَمَ لَا شَيْءَ وَإِنْ كَانَ وُجُودًا بَطَلَ قَوْلُهُمْ. وَأَيْضًا فَحُدُوثُ " تَعَلُّقٍ " هُوَ نِسْبَةٌ وَإِضَافَةٌ مِنْ غَيْرِ حُدُوثِ مَا يُوجِبُ ذَلِكَ مُمْتَنِعٌ فَلَا يَحْدُثُ نِسْبَةً وَإِضَافَةً إلَّا بِحُدُوثِ أَمْرٍ وُجُودِيٍّ يَقْتَضِي ذَلِكَ. وَطَائِفَةٌ مِنْهُمْ ابْنُ عَقِيلٍ يُسَمُّونَ هَذِهِ النِّسْبَةَ " أَحْوَالًا ". وَ " الطَّوَائِفُ " مُتَّفِقُونَ عَلَى حُدُوثِ " نِسَبٍ " وَ " إضَافَاتٍ " وَ " تَعَلُّقَاتٍ " لَكِنْ حُدُوثُ النَّسَبِ بِدُونِ حُدُوثِ مَا يُوجِبُهَا مُمْتَنِعٌ. فَلَا يَكُونُ نِسْبَةً وَإِضَافَةً إلَّا تَابِعَةً لِصِفَةِ ثُبُوتِيَّةٍ؛ كَالْأُبُوَّةِ وَالْبُنُوَّةِ وَالْفَوْقِيَّةِ وَالتَّحْتِيَّةِ وَالتَّيَامُنِ وَالتَّيَاسُرِ فَإِنَّهَا لَا بُدَّ أَنْ تَسْتَلْزِمَ أُمُورًا ثُبُوتِيَّةً. وَكَذَلِكَ كَوْنُهُ " خَالِقًا " وَ " رَازِقًا " وَ " مُحْسِنًا " وَ " عَادِلًا " فَإِنَّ هَذِهِ أَفْعَالٌ فَعَلَهَا بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ إذْ كَانَ يَخْلُقُ بِمَشِيئَتِهِ وَيَرْزُقُ بِمَشِيئَتِهِ. وَيَعْدِلُ بِمَشِيئَتِهِ وَيُحْسِنُ بِمَشِيئَتِهِ. وَاَلَّذِي عَلَيْهِ " جَمَاهِيرُ الْمُسْلِمِينَ " مِنْ السَّلَفِ. وَالْخَلَفِ أَنَّ الْخَلْقَ غَيْرُ الْمَخْلُوقِ؛ فَالْخَلْقُ فِعْلُ الْخَالِقِ وَالْمَخْلُوقُ مَفْعُولُهُ؛ وَلِهَذَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَعِيذُ بِأَفْعَالِ الرَّبِّ وَصِفَاتِهِ كَمَا فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " {أَعُوذُ بِرِضَاك مِنْ سَخَطِك وَبِمُعَافَاتِك مِنْ عُقُوبَتِك وَبِك مِنْك لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْك أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْت عَلَى نَفْسِك.} " فَاسْتَعَاذَ بِمُعَافَاتِهِ كَمَا اسْتَعَاذَ بِرِضَاهُ.
(6/229)

وَقَدْ اسْتَدَلَّ " أَئِمَّةُ السُّنَّةِ " كَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِ عَلَى أَنَّ " كَلَامَ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ " بِأَنَّهُ اسْتَعَاذَ بِهِ فَقَالَ: " {مَنْ نَزَلَ مَنْزِلًا فَقَالَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّةِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ لَمْ يَضُرّهُ شَيْءٌ حَتَّى يَرْتَحِلَ مِنْهُ} . " فَكَذَلِكَ مُعَافَاتُهُ وَرِضَاهُ غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ لِأَنَّهُ اسْتَعَاذَ بِهِمَا وَالْعَافِيَةُ الْقَائِمَةُ بِبَدَنِ الْعَبْدِ مَخْلُوقَةٌ فَإِنَّهَا نَتِيجَةُ مُعَافَاتِهِ. وَإِذَا كَانَ " الْخَلْقُ فِعْلَهُ " وَالْمَخْلُوقُ مَفْعُولَهُ " وَقَدْ خَلَقَ الْخَلْقَ بِمَشِيئَتِهِ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْخَلْقَ فِعْلٌ يَحْصُلُ بِمَشِيئَتِهِ وَيَمْتَنِعُ قِيَامُهُ بِغَيْرِهِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ أَفْعَالَهُ قَائِمَةٌ بِذَاتِهِ مَعَ كَوْنِهَا حَاصِلَةً بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ. وَقَدْ حَكَى الْبُخَارِيُّ إجْمَاعَ الْعُلَمَاءِ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الْخَلْقِ وَالْمَخْلُوقِ وَعَلَى هَذَا يَدُلُّ " صَرِيحُ الْمَعْقُولِ ". فَإِنَّهُ قَدْ ثَبَتَ بِالْأَدِلَّةِ " الْعَقْلِيَّةِ وَالسَّمْعِيَّةِ " أَنَّ كُلَّ مَا سِوَى اللَّهِ تَعَالَى مَخْلُوقٌ مُحْدَثٌ كَائِنٌ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ وَأَنَّ اللَّهَ انْفَرَدَ بِالْقِدَمِ وَالْأَزَلِيَّةِ؛ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ} فَهُوَ حِينَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ ابْتِدَاءً؛ إمَّا أَنْ يَحْصُلَ مِنْهُ فِعْلٌ يَكُونُ هُوَ خَلْقًا لِلسَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِمَّا أَنْ لَا يَحْصُلُ مِنْهُ فِعْلٌ؛ بَلْ وُجِدْت الْمَخْلُوقَاتُ بِلَا فِعْلٍ وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ إذَا كَانَ الْخَالِقُ قَبْلَ خَلْقِهَا وَمَعَ خَلْقِهَا سَوَاءً وَبَعْدَهُ سَوَاءً لَمْ يَجُزْ تَخْصِيصُ خَلْقِهَا بِوَقْتِ دُونَ وَقْتٍ بِلَا سَبَبٍ يُوجِبُ التَّخْصِيصَ. وَ " أَيْضًا " فَحُدُوثُ الْمَخْلُوقِ بِلَا سَبَبٍ حَادِثٍ مُمْتَنِعٌ فِي بِدَايَةِ الْعَقْلِ وَإِذَا قِيلَ: الْإِرَادَةُ وَالْقُدْرَةُ خُصِّصَتْ. قِيلَ: نِسْبَةُ الْإِرَادَةِ الْقَدِيمَةُ إلَى جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ سَوَاءٌ؛ وَأَيْضًا فَلَا تُعْقَلُ إرَادَةُ تَخْصِيصِ أَحَدِ الْمُتَمَاثِلَيْنِ إلَّا بِسَبَبِ يُوجِبُ
(6/230)

التَّخْصِيصَ؛ " وَأَيْضًا " فَلَا بُدَّ عِنْدَ وُجُودِ الْمُرَادِ مِنْ سَبَبٍ يَقْتَضِي حُدُوثَهُ وَإِلَّا فَلَوْ كَانَ مُجَرَّدُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْإِرَادَةِ وَالْقُدْرَةِ كَافِيًا؛ لَلَزِمَ وُجُودُهُ قَبْلَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ مَعَ الْإِرَادَةِ التَّامَّةِ وَالْقُدْرَةِ التَّامَّةِ يَجِبُ وُجُودُ الْمَقْدُورِ. وَقَدْ احْتَجَّ مَنْ قَالَ: " الْخَلْقُ " هُوَ الْمَخْلُوقُ - كَأَبِي الْحَسَنِ وَمَنْ اتَّبَعَهُ مِثْلُ ابْنِ عَقِيلٍ - بِأَنْ قَالُوا: لَوْ كَانَ غَيْرُهُ لَكَانَ إمَّا قَدِيمًا وَإِمَّا حَادِثًا فَإِنْ كَانَ قَدِيمًا لَزِمَ قِدَمُ الْمَخْلُوقِ لِأَنَّهُمَا مُتَضَايِفَانِ؛ وَإِنْ كَانَ حَادِثًا لَزِمَ أَنْ تَقُومَ بِهِ الْحَوَادِثُ ثُمَّ ذَلِكَ الْمَخْلُوقُ يَفْتَقِرُ إلَى خَلْقٍ آخَرَ وَيَلْزَمُ التَّسَلْسُلُ. فَأَجَابَهُمْ " الْجُمْهُورُ " - وَكُلُّ طَائِفَةٍ عَلَى أَصْلِهَا - فَطَائِفَةٌ قَالَتْ: الْخَلْقُ قَدِيمٌ وَإِنْ كَانَ الْمَخْلُوقُ حَادِثًا كَمَا يَقُولُ ذَلِكَ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْحَنَفِيَّةِ؛ قَالَ هَؤُلَاءِ: أَنْتُمْ تُسَلِّمُونَ لَنَا أَنَّ الْإِرَادَةَ قَدِيمَةٌ أَزَلِيَّةٌ؛ وَالْمُرَادُ مُحْدَثٌ فَنَحْنُ نَقُولُ فِي الْخَلْقِ مَا قُلْتُمْ فِي الْإِرَادَةِ. وَقَالَتْ " طَائِفَةٌ ": بَلْ الْخَلْقُ حَادِثٌ فِي ذَاتِهِ وَلَا يَفْتَقِرُ إلَى خَلْقٍ آخَرَ؛ بَلْ يَحْدُثُ بِقُدْرَتِهِ. وَأَنْتُمْ تَقُولُونَ: إنَّ الْمَخْلُوقَ يَحْصُلُ بِقُدْرَتِهِ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ فَإِنْ كَانَ الْمُنْفَصِلَ يَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ الْقُدْرَةِ فَالْمُتَّصِلُ بِهِ أَوْلَى وَهَذَا جَوَابُ كَثِيرٍ مِنْ الكَرَّامِيَة والهشامية وَغَيْرِهِمْ. وَ " طَائِفَةٌ " يَقُولُونَ: هَبْ أَنَّهُ يَفْتَقِرُ إلَى فِعْلٍ قَبْلَهُ فَلِمَ قُلْتُمْ: إنَّ ذَلِكَ مُمْتَنِعٌ؟ وَقَوْلُكُمْ: هَذَا تَسَلْسُلٌ. فَيُقَالُ: لَيْسَ هَذَا تَسَلْسُلًا فِي الْفَاعِلِينَ وَالْعِلَلِ
(6/231)

الْفَاعِلَةِ؛ فَإِنَّ هَذَا مُمْتَنِعٌ بِاتِّفَاقِ الْعُقَلَاءِ؛ بَلْ هُوَ تَسَلْسُلٌ فِي الْآثَارِ وَالْأَفْعَالِ وَهُوَ حُصُولُ شَيْءٍ بَعْدَ شَيْءٍ وَهَذَا مَحَلُّ النِّزَاعِ. " فَالسَّلَفُ " يَقُولُونَ: لَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّمًا إذَا شَاءَ؛ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا} . فَكَلِمَاتُ اللَّهِ لَا نِهَايَةَ لَهَا وَهَذَا تَسَلْسُلٌ جَائِزٌ كَالتَّسَلْسُلِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ فَإِنَّ نَعِيمَ الْجَنَّةِ دَائِمٌ لَا نَفَادَ لَهُ فَمَا مِنْ شَيْءٍ إلَّا وَبَعْدَهُ شَيْءٌ لَا نِهَايَةَ لَهُ.
(6/232)

فَصْلٌ:
وَ " الْأَفْعَالُ نَوْعَانِ ": مُتَعَدٍّ وَلَازِمٌ. فَالْمُتَعَدِّي مِثْلُ: الْخَلْقِ وَالْإِعْطَاءِ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَاللَّازِمُ: مِثْلُ الِاسْتِوَاءِ وَالنُّزُولِ وَالْمَجِيءِ وَالْإِتْيَانِ. قَالَ تَعَالَى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيَْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} فَذَكَرَ الْفِعْلَيْنِ: الْمُتَعَدِّي وَاللَّازِمَ وَكِلَاهُمَا حَاصِلٌ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ وَهُوَ مُتَّصِفٌ بِهِ؛ وَقَدْ بُسِطَ هَذَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ. وَالْمَقْصُودُ هُنَا: أَنَّ الْقُرْآنَ يَدُلُّ عَلَى " هَذَا الْأَصْلِ " فِي أَكْثَرِ مِنْ مِائَةِ مَوْضِعٍ. وَأَمَّا " الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةِ " فَلَا يُمْكِنُ ضَبْطُهَا فِي هَذَا الْبَابِ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ: عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الجهني {أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى بِأَصْحَابِهِ صَلَاةَ الصُّبْحِ بالحديبية عَلَى أَثَرِ سَمَاءٍ كَانَتْ مِنْ اللَّيْلِ ثُمَّ قَالَ: أَتَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ اللَّيْلَةَ؟ قَالَ: أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ فَأَمَّا مَنْ قَالَ مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالْكَوَاكِبِ وَأَمَّا مَنْ قَالَ مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَنَوْءِ كَذَا وَكَذَا؛ فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالْكَوَاكِبِ} ". وَفِي الصِّحَاحِ حَدِيثُ الشَّفَاعَةِ " {فَيَقُولُ كُلٌّ مِنْ الرُّسُلِ إذَا أَتَوْا إلَيْهِ: إنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا
(6/233)

لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ وَلَنْ يَغْضَبْ بَعْدَهُ مِثْلَهُ} " وَهَذَا بَيَانُ أَنَّ الْغَضَبَ حَصَلَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ لَا قَبْلَهُ. وَفِي الصَّحِيحِ: ( {إذَا تَكَلَّمَ اللَّهُ بِالْوَحْيِ سَمِعَ أَهْلُ السَّمَوَاتِ كَجَرِّ السِّلْسِلَةِ عَلَى الصَّفْوَانِ} فَقَوْلُهُ: إذَا تَكَلَّمَ اللَّهُ بِالْوَحْيِ سَمِعَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَتَكَلَّمُ بِهِ حِينَ يَسْمَعُونَهُ وَذَلِكَ يَنْفِي كَوْنَهُ أَزَلِيًّا وَأَيْضًا فَمَا يَكُونُ كَجَرِّ السِّلْسِلَةِ عَلَى الصَّفَا يَكُونُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ وَالْمَسْبُوقُ بِغَيْرِهِ لَا يَكُونُ أَزَلِيًّا. وَكَذَلِكَ فِي الصَّحِيحِ " {يَقُولُ اللَّهُ: قَسَمْت الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ نِصْفُهَا لِي وَنِصْفُهَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ؛ فَإِذَا قَالَ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} قَالَ اللَّهُ: حَمِدَنِي عَبْدِي فَإِذَا قَالَ: {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قَالَ اللَّهُ: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي. فَإِذَا قَالَ {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} قَالَ اللَّهُ: مَجَّدَنِي عَبْدِي؛ فَإِذَا قَالَ: {إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} قَالَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةُ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ؛ فَإِذَا قَالَ: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} قَالَ اللَّهُ: هَؤُلَاءِ لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ} فَقَدْ أَخْبَرَ أَنَّ الْعَبْدَ إذَا قَالَ {الْحَمْدُ لِلَّهِ} قَالَ اللَّهُ: حَمِدَنِي فَإِذَا قَالَ {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قَالَ اللَّهُ: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي الْحَدِيثُ. وَفِي الصِّحَاحِ حَدِيثُ النُّزُولِ " {يَنْزِلُ رَبُّنَا كُلَّ لَيْلَةٍ حِينَ يَبْقَى ثُلْثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ فَيَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ؟ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ؟} " فَهَذَا قَوْلٌ وَفِعْلٌ فِي وَقْتٍ مُعَيَّنٍ وَقَدْ اتَّفَقَ السَّلَفُ عَلَى أَنَّ " النُّزُولَ "
(6/234)

فِعْلٌ يَفْعَلُهُ الرَّبُّ كَمَا قَالَ ذَلِكَ الأوزاعي وَحَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ والْفُضَيْل بْنُ عِيَاضٍ وَأَحْمَد بْنُ حَنْبَلٍ وَغَيْرُهُمْ. وَأَيْضًا فَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " {لَلَّهُ أَشَدُّ أُذُنًا إلَى الرَّجُلِ الْحَسَنِ الصَّوْتِ بِالْقُرْآنِ مِنْ صَاحِبِ الْقَيْنَةِ إلَى قَيْنَتِهِ} " وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الْآخَرِ " {مَا أَذِنَ اللَّهُ لِشَيْءِ كَإِذْنِهِ لِنَبِيِّ حَسَنِ الصَّوْتِ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ يَجْهَرُ بِهِ} " أَذِنَ يَأْذَنُ أُذُنًا: أَيْ اسْتَمَعَ يَسْتَمِعُ اسْتِمَاعًا {وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ} . فَأَخْبَرَ أَنَّهُ يَسْتَمِعُ إلَى هَذَا وَهَذَا. وَفِي الصَّحِيحِ " {لَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ فَإِذَا أَحْبَبْته كُنْت سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ؛ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا} " فَأَخْبَرَ أَنَّهُ لَا يَزَالُ يَتَقَرَّبُ بِالنَّوَافِلِ بَعْدَ الْفَرَائِضِ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا يَرْوِي عَنْ رَبِّهِ تَعَالَى قَالَ: " {قَالَ اللَّهُ أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي وَأَنَا مَعَهُ إذَا ذَكَرَنِي؛ إنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْته فِي نَفْسِي وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَأٍ ذَكَرْته فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ} " وَحَرْفُ " إنْ " حَرْفُ الشَّرْطِ؛ وَالْجَزَاءُ يَكُونُ بَعْدَ الشَّرْطِ فَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّهُ يَذْكُرُ الْعَبْدَ إنْ ذَكَرَهُ فِي نَفْسِهِ وَإِنْ ذَكَرَهُ فِي مَلَإٍ ذَكَرَهُ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ وَالْمُنَازِعُ يَقُولُ مَا زَالَ يَذْكُرُهُ أَزَلًا وَأَبَدًا ثُمَّ يَقُولُ: ذَكَرَهُ وَذَكَرَ غَيْرَهُ وَسَائِرُ مَا يَتَكَلَّمُ اللَّهُ بِهِ هُوَ شَيْءٌ وَاحِدٌ لَا يَتَبَعَّضُ وَلَا يَتَعَدَّدُ فَحَقِيقَةُ قَوْلِهِ إنَّ اللَّهَ لَمْ يَتَكَلَّمْ وَلَا يَتَكَلَّمْ وَلَا يَذْكُرْ أَحَدًا.
(6/235)

وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ فِي حَدِيثِ تَعْلِيمِ الصَّلَاةِ " {وَإِذَا قَالَ الْإِمَامُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا: اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ؛ يَسْمَعُ اللَّهُ لَكُمْ فَإِنَّ اللَّهَ قَالَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ} " فَقَوْلُهُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ؛ لِأَنَّ الْجَزَاءَ بَعْدَ الشَّرْطِ فَقَوْلُهُ " يَسْمَعُ اللَّهُ لَكُمْ " مَجْزُومٌ حُرِّكَ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ يَسْمَعُ بَعْدَ أَنْ تَحْمَدُوا.
(6/236)

فَصْلٌ:
وَالْمُنَازِعُونَ " الْنُّفَاةِ " كَذَلِكَ. مِنْهُمْ مَنْ يَنْفِي الصِّفَاتِ مُطْلَقًا فَهَذَا يَكُونُ الْكَلَامُ مَعَهُ فِي الصِّفَاتِ مُطْلَقًا؛ لَا يَخْتَصُّ " بِالصِّفَاتِ الِاخْتِيَارِيَّةِ ". وَمِنْهُمْ مَنْ يُثْبِتُ الصِّفَاتِ وَيَقُولُ لَا يَقُومُ بِذَاتِهِ شَيْءٌ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ؛ فَيَقُولُ: إنَّهُ لَا يَتَكَلَّمُ بِمَشِيئَتِهِ وَاخْتِيَارِهِ وَيَقُولُ: لَا يَرْضَى وَيَسْخَطُ وَيُحِبُّ وَيُبْغِضُ وَيَخْتَارُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ وَيَقُولُ: إنَّهُ لَا يَفْعَلُ فِعْلًا " هُوَ الْخَلْقُ " يَخْلُقُ بِهِ الْمَخْلُوقَ وَلَا يَقْدِرُ عِنْدَهُ عَلَى فِعْلٍ يَقُومُ بِذَاتِهِ بَلْ مَقْدُورُهُ لَا يَكُونُ إلَّا مُنْفَصِلًا مِنْهُ وَهَذَا مَوْضِعٌ تَنَازَعَ فِيهِ الْنُّفَاةِ. فَقِيلَ: لَا يَكُونُ " مَقْدُورُهُ " إلَّا بَائِنًا عَنْهُ؛ كَمَا يَقُولُهُ الْجَهْمِيَّة والْكُلَّابِيَة وَالْمُعْتَزِلَةُ وَقِيلَ: لَا يَكُونُ " مَقْدُورُهُ " إلَّا مَا يَقُومُ بِذَاتِهِ؛ كَمَا يَقُولُهُ: السالمية والكَرَّامِيَة وَالصَّحِيحُ: أَنَّ كِلَيْهِمَا مَقْدُورٌ لَهُ. أَمَّا " الْفِعْلُ " فَمِثْلُ قَوْله تَعَالَى {قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ} وَقَوْلِهِ: {أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى} وَقَوْلِ الْحَوَارِيِّينَ: {هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ} وَقَوْلِهِ: {أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ} وَقَوْلِهِ: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ
(6/237)

بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى} إلَى أَمْثَالِ ذَلِكَ مِمَّا يُبَيِّنُ أَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى " الْأَفْعَالِ " كَالْإِحْيَاءِ وَالْبَعْثِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَأَمَّا " الْقُدْرَةُ عَلَى الْأَعْيَانِ " فَفِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ قَالَ: " {كُنْت أَضْرِبُ غُلَامًا لِي فَرَآنِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ لَلَّهُ أَقْدَرُ عَلَيْك مِنْك عَلَى هَذَا} " فَقَوْلُهُ: " لَلَّهُ أَقْدَرُ عَلَيْك مِنْك عَلَى هَذَا " دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْقُدْرَةَ تَتَعَلَّقُ بِالْأَعْيَانِ الْمُنْفَصِلَةِ: " قُدْرَةَ الرَّبِّ " وَ " قُدْرَةَ الْعَبْدِ ". وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ: كِلَاهُمَا يَتَعَلَّقُ بِالْفِعْلِ كالكَرَّامِيَة وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: قُدْرَةُ الرَّبِّ تَتَعَلَّقُ بِالْمُنْفَصِلِ وَأَمَّا قُدْرَةُ الْعَبْدِ فَلَا تَتَعَلَّقُ إلَّا بِفِعْلِ فِي مَحَلِّهَا كَالْأَشْعَرِيَّةِ. وَ " النُّصُوصُ " تَدُلُّ عَلَى أَنَّ كِلَا الْقُدْرَتَيْنِ تَتَعَلَّقُ بِالْمُتَّصِلِ وَالْمُنْفَصِلِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخْبَرَ أَنَّ الْعَبْدَ يَقْدِرُ عَلَى أَفْعَالِهِ كَقَوْلِهِ: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} وَقَوْلِهِ: {وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ} فَدَلَّ عَلَى أَنَّ مِنَّا مَنْ يَسْتَطِيعُ ذَلِكَ وَمِنَّا مَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ. وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " {يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ} ". أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ. وَقَوْلُهُ: " {إنْ اسْتَطَعْت أَنْ تَعْمَلَ بِالرِّضَا مَعَ الْيَقِينِ فَافْعَلْ} وَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي فِي الصَّحِيحِ: " {إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرِ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ} وَقَدْ أَخْبَرَ أَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى عَبْدِهِ وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: لَا تَقُومُ بِهِ " الْأُمُورُ الِاخْتِيَارِيَّةُ " عُمْدَتُهُمْ أَنَّهُ لَوْ قَامَتْ بِهِ الْحَوَادِثُ لَمْ يَخْلُ مِنْهَا وَمَا لَمْ يَخْلُ مِنْ الْحَوَادِثِ فَهُوَ حَادِثٌ وَقَدْ نَازَعَهُمْ النَّاسُ فِي كِلَا " الْمُقَدِّمَتَيْنِ " وَأَصْحَابُهُمْ
(6/238)

الْمُتَأَخِّرُونَ كالرَّازِي والآمدي قَدَحُوا فِي " الْمُقَدِّمَةِ الْأُولَى " فِي نَفْسِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَقَدَحَ الرَّازِي فِي " الْمُقَدِّمَةِ الثَّانِيَةِ " فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كُتُبِهِ وَقَدْ بُسِطَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ. وَقَوْلُهُمْ: إنَّا عَرَفْنَا حُدُوثَ الْعَالَمِ بِهَذِهِ الطَّرِيقِ وَبِهِ أَثْبَتْنَا " الصَّانِعَ " يُقَالُ لَهُمْ: لَا جَرَمَ ابْتَدَعْتُمْ طَرِيقًا لَا يُوَافِقُ السَّمْعَ وَلَا الْعَقْلَ فَالْعَالِمُونَ بِالشَّرْعِ مُعْتَرِفُونَ أَنَّكُمْ مُبْتَدِعُونَ مُحْدِثُونَ فِي الْإِسْلَامِ مَا لَيْسَ مِنْهُ وَاَلَّذِينَ يَعْقِلُونَ مَا يَقُولُونَ يَعْلَمُونَ أَنَّ الْعَقْلَ يُنَاقِضُ مَا قُلْتُمْ وَأَنَّ مَا جَعَلْتُمُوهُ دَلِيلًا عَلَى إثْبَاتِ الصَّانِعِ لَا يَدُلُّ عَلَى إثْبَاتِهِ بَلْ هُوَ اسْتِدْلَالٌ عَلَى نَفْيِ " الصَّانِعِ ". وَإِثْبَاتُ " الصَّانِعِ " حَقٌّ وَهَذَا الْحَقُّ يَلْزَمُ مِنْ ثُبُوتِهِ إبْطَالُ اسْتِدْلَالِكُمْ بِأَنَّ مَا لَمْ يَخْلُ مِنْ الْحَوَادِثِ فَهُوَ حَادِثٌ. وَأَمَّا كَوْنُ " طَرِيقِكُمْ مُبْتَدَعَةً " مَا سَلَكَهَا الْأَنْبِيَاءُ وَلَا أَتْبَاعُهُمْ وَلَا سَلَفُ الْأُمَّةِ؛ فَلِأَنَّ كُلَّ مَنْ يَعْرِفُ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ - وَإِنْ كَانَتْ مَعْرِفَتُهُ مُتَوَسِّطَةً؛ لَمْ يَصِلْ فِي ذَلِكَ إلَى الْغَايَةِ - - يَعْلَمُ أَنَّ الرَّسُولَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَدْعُ النَّاسَ فِي مَعْرِفَةِ الصَّانِعِ وَتَوْحِيدِهِ وَصِدْقِ رُسُلِهِ إلَى الِاسْتِدْلَالِ بِثُبُوتِ الْأَعْرَاضِ وَأَنَّهَا حَادِثَةٌ وَلَازِمَةٌ لِلْأَجْسَامِ؛ وَمَا لَمْ يَخْلُ مِنْ الْحَوَادِثِ فَهُوَ حَادِثٌ؛ لِامْتِنَاعِ حَوَادِثَ لَا أَوَّلَ لَهَا. فَعُلِمَ بِالِاضْطِرَارِ أَنَّ " هَذِهِ الطَّرِيقَ " لَمْ يَتَكَلَّمْ بِهَا الرَّسُولُ وَلَا دَعَا إلَيْهَا وَلَا أَصْحَابُهُ وَلَا تَكَلَّمُوا بِهَا وَلَا دَعَوْا بِهَا النَّاسَ. وَهَذَا يُوجِبُ الْعِلْمَ الضَّرُورِيَّ مِنْ دِينِ الرَّسُولِ فَإِنَّ عِنْدَ الرَّسُولِ وَالْمُؤْمِنِينَ بِهِ أَنَّ اللَّهَ يُعْرَفُ
(6/239)

وَيُعْرَفُ تَوْحِيدُهُ وَصِدْقُ رُسُلِهِ بِغَيْرِ هَذِهِ الطَّرِيقِ فَدَلَّ الشَّرْعُ دَلَالَةً ضَرُورِيَّةً عَلَى أَنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَى هَذِهِ الطَّرِيقِ وَدَلَّ مَا فِيهَا مِنْ مُخَالَفَةِ نُصُوصِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ عَلَى أَنَّهَا طَرِيقٌ بَاطِلَةٌ. فَدَلَّ الشَّرْعُ عَلَى أَنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَيْهَا وَأَنَّهَا بَاطِلَةٌ. وَأَمَّا الْعَقْلُ فَقَدْ بَسَطَ الْقَوْلَ فِي جَمِيعِ مَا قِيلَ فِيهَا فِي غَيْرِ هَذِهِ الْمَوَاضِعِ وَبَيَّنَ أَنَّ أَئِمَّةَ أَصْحَابِهَا قَدْ يَعْتَرِفُونَ بِفَسَادِهَا مِنْ جِهَةِ الْعَقْلِ. كَمَا يُوجَدُ فِي كَلَامِ أَبِي حَامِدٍ وَالرَّازِي وَغَيْرِهِمَا بَيَانُ فَسَادِهَا. وَلَمَّا ظَهَرَ فَسَادُهَا لِلْعَقْلِ تَسَلَّطَ " الْفَلَاسِفَةُ " عَلَى سَالِكِيهَا وَظَنَّتْ الْفَلَاسِفَةُ أَنَّهُمْ إذَا قَدَحُوا فِيهَا فَقَدْ قَدَحُوا فِي دَلَالَةِ الشَّرْعِ ظَنًّا مِنْهُمْ أَنَّ الشَّرْعَ جَاءَ بِمُوجَبِهَا إذْ كَانُوا أَجْهَلَ بِالشَّرْعِ وَالْعَقْلِ مِنْ سَالِكِيهَا فَسَالِكُوهَا لَا لِلْإِسْلَامِ نَصَرُوا وَلَا لِأَعْدَائِهِ كَسَرُوا بَلْ سَلَّطُوا الْفَلَاسِفَةَ عَلَيْهِمْ وَعَلَى الْإِسْلَامِ. وَهَذَا كُلُّهُ مَبْسُوطٌ فِي مَوَاضِعَ. وَإِنَّمَا " الْمَقْصُودُ هُنَا ": أَنْ يُعْرَفَ أَنَّ نَفْيَهُمْ " لِلصِّفَاتِ الِاخْتِيَارِيَّةِ " الَّتِي يُسَمُّونَهَا حُلُولَ الْحَوَادِثِ لَيْسَ لَهُمْ دَلِيلٌ عَقْلِيٌّ عَلَيْهِ وَحُذَّاقُهُمْ يَعْتَرِفُونَ بِذَلِكَ وَأَمَّا السَّمْعُ فَلَا رَيْبَ أَنَّهُ مَمْلُوءٌ بِمَا يُنَاقِضُهُ وَالْعَقْلُ أَيْضًا يَدُلُّ نَقِيضُهُ مِنْ وُجُوهٍ نَبَّهْنَا عَلَى بَعْضِهَا. وَلَمَّا لَمْ يُمْكِنْ مَعَ أَصْحَابِهَا حُجَّةٌ " لَا عَقْلِيَّةٌ وَلَا سَمْعِيَّةٌ ": مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ احْتَالَ مُتَأَخِّرُوهُمْ فَسَلَكُوا " طَرِيقًا سَمْعِيَّةً " ظَنُّوا أَنَّهَا تَنْفَعُهُمْ فَقَالُوا: هَذِهِ الصِّفَاتُ إنْ كَانَتْ صِفَاتُ نَقْصٍ وَجَبَ تَنْزِيهُ الرَّبِّ عَنْهَا وَإِنْ كَانَتْ صِفَاتِ
(6/240)

كَمَالٍ فَقَدْ كَانَ فَاقِدًا لَهَا قَبْلَ حُدُوثِهَا وَعَدَمُ الْكَمَالِ نَقْصٌ؛ فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ كَانَ نَاقِصًا وَتَنْزِيهُهُ عَنْ النَّقْصِ وَاجِبٌ بِالْإِجْمَاعِ وَهَذِهِ الْحُجَّةُ مِنْ أَفْسَدِ الْحُجَجِ وَذَلِكَ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ هَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: نَفْيُ النَّقْصِ عَنْهُ لَمْ يُعْلَمْ بِالْعَقْلِ وَإِنَّمَا عُلِمَ " بِالْإِجْمَاعِ " - وَعَلَيْهِ اعْتَمَدُوا فِي نَفْيِ النَّقْصِ - فَنَعُودُ إلَى احْتِجَاجِهِمْ بِالْإِجْمَاعِ وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْإِجْمَاعَ لَا يُحْتَجُّ بِهِ فِي مَوَارِدِ النِّزَاعِ؛ فَإِنَّ الْمُنَازِعَ لَهُمْ يَقُولُ أَنَا لَمْ أُوَافِقْكُمْ عَلَى نَفْيِ هَذَا الْمَعْنَى وَإِنْ وَافَقْتُكُمْ عَلَى إطْلَاقِ الْقَوْلِ بِأَنَّ اللَّهَ مُنَزَّهٌ عَنْ النَّقْصِ؛ فَهَذَا الْمَعْنَى عِنْدِي لَيْسَ بِنَقْصِ وَلَمْ يَدْخُلْ فِيمَا سَلَّمْته لَكُمْ فَإِنْ بَيَّنْتُمْ بِالْعَقْلِ أَوْ بِالسَّمْعِ انْتِفَاءَهُ وَإِلَّا فَاحْتِجَاجُكُمْ بِقَوْلِي مَعَ أَنِّي لَمْ أُرِدْ ذَلِكَ كَذِبٌ عَلَيَّ؛ فَإِنَّكُمْ تَحْتَجُّونَ بِالْإِجْمَاعِ؛ وَالطَّائِفَةِ الْمُثْبِتَةِ مِنْ أَهْلِ الْإِجْمَاعِ وَهُمْ لَمْ يُسَلِّمُوا هَذَا. الثَّانِي: أَنَّ عَدَمَ هَذِهِ الْأُمُورِ قَبْلَ وُجُودِهَا نَقْصٌ؛ بَلْ لَوْ وُجِدَتْ قَبْلَ وُجُودِهَا لَكَانَ نَقْصًا؛ مِثَالُ ذَلِكَ تَكْلِيمُ اللَّهِ لِمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَنِدَاؤُهُ لَهُ فَنِدَاؤُهُ حِينَ نَادَاهُ صِفَةُ كَمَالٍ؛ وَلَوْ نَادَاهُ قَبْلَ أَنْ يَجِيءَ لَكَانَ ذَلِكَ نَقْصًا؛ فَكُلٌّ مِنْهَا كَمَالٌ حِينَ وُجُودِهِ؛ لَيْسَ بِكَمَالِ قَبْلَ وُجُودِهِ؛ بَلْ وَجُودُهُ قَبْلَ الْوَقْتِ الَّذِي تَقْتَضِي الْحِكْمَةُ وَجُودَهُ فِيهِ نَقْصٌ. الثَّالِثُ: أَنْ يُقَالَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ عَدَمَ ذَلِكَ نَقْصٌ فَإِنَّ مَا كَانَ حَادِثًا
(6/241)

امْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ قَدِيمًا وَمَا كَانَ مُمْتَنِعًا لَمْ يَكُنْ عَدَمُهُ نَقْصًا؛ لِأَنَّ النَّقْصَ فَوَاتُ مَا يُمْكِنُ مِنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ. (الرَّابِعُ: أَنَّ هَذَا يَرِدُ فِي كُلِّ مَا فَعَلَهُ الرَّبُّ وَخَلَقَهُ. فَيُقَالُ: خَلَقَ هَذَا إنْ كَانَ نَقْصًا فَقَدْ اتَّصَفَ بِالنَّقْصِ وَإِنْ كَانَ كَمَالًا فَقَدْ كَانَ فَاقِدًا لَهُ؛ فَإِنْ قُلْتُمْ: " صِفَاتُ الْأَفْعَالِ " عِنْدَنَا لَيْسَتْ بِنَقْصِ وَلَا كَمَالٍ. قِيلَ: إذَا قُلْتُمْ ذَلِكَ أَمْكَنَ الْمُنَازِعَ أَنْ يَقُولَ: هَذِهِ الْحَوَادِثُ لَيْسَتْ بِنَقْصِ وَلَا كَمَالٍ. (الْخَامِسُ: أَنْ يُقَالَ: إذَا عَرَضَ عَلَى الْعَقْلِ الصَّرِيحِ ذَاتٌ يُمْكِنُهَا أَنْ تَتَكَلَّمَ بِقُدْرَتِهَا وَتَفْعَلَ مَا تَشَاءُ بِنَفْسِهَا وَذَاتٌ لَا يُمْكِنُهَا أَنْ تَتَكَلَّمَ بِمَشِيئَتِهَا وَلَا تَتَصَرَّفَ بِنَفْسِهَا أَلْبَتَّةَ بَلْ هِيَ بِمَنْزِلَةِ الزَّمَنِ الَّذِي لَا يُمْكِنُهُ فِعْلٌ يَقُومُ بِهِ بِاخْتِيَارِهِ قَضَى الْعَقْلُ الصَّرِيحُ بِأَنَّ هَذِهِ الذَّاتَ أَكْمَلُ وَحِينَئِذٍ فَأَنْتُمْ الَّذِينَ وَصَفْتُمْ الرَّبَّ بِصِفَةِ النَّقْصِ؛ وَالْكَمَالُ فِي اتِّصَافِهِ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ؛ لَا فِي نَفْيِ اتِّصَافِهِ بِهَا. (السَّادِسُ: أَنْ يُقَالَ: الْحَوَادِثُ الَّتِي يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْهَا أَزَلِيًّا وَلَا يُمْكِنُ وُجُودُهَا إلَّا شَيْئًا فَشَيْئًا إذَا قِيلَ: أَيُّمَا أَكْمَلُ أَنْ يَقْدِرَ عَلَى فِعْلِهَا شَيْئًا فَشَيْئًا أَوْ لَا يَقْدِرَ عَلَى ذَلِكَ؟ كَانَ مَعْلُومًا - بِصَرِيحِ الْعَقْلِ - أَنَّ الْقَادِرَ عَلَى فِعْلِهَا شَيْئًا فَشَيْئًا أَكْمَلُ مِمَّنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ. وَأَنْتُمْ تَقُولُونَ: إنَّ الرَّبَّ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ؛ وَتَقُولُونَ إنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى أُمُورٍ مُبَايِنَةٍ لَهُ وَمَعْلُومٌ أَنَّ قُدْرَةَ الْقَادِرِ عَلَى فِعْلِهِ الْمُتَّصِلِ بِهِ قَبْلَ قُدْرَتِهِ عَلَى أُمُورٍ مُبَايِنَةٍ لَهُ؛ فَإِذَا قُلْتُمْ
(6/242)

لَا يَقْدِرُ عَلَى فِعْلٍ مُتَّصِلٍ بِهِ لَزِمَ أَنْ لَا يَقْدِرَ عَلَى الْمُنْفَصِلِ؛ فَلَزِمَ عَلَى قَوْلِكُمْ أَنْ لَا يَقْدِرَ عَلَى شَيْءٍ وَلَا أَنْ يَفْعَلَ شَيْئًا فَلَزِمَ أَنْ لَا يَكُونَ خَالِقًا لِشَيْءِ؛ وَهَذَا لَازِمٌ للنفاة لَا مَحِيدَ لَهُمْ عَنْهُ. وَلِهَذَا قِيلَ: الطَّرِيقُ الَّتِي سَلَكُوهَا فِي حُدُوثِ الْعَالَمِ وَإِثْبَاتِ الصَّانِعِ: تُنَاقِضُ حُدُوثَ الْعَالَمِ وَإِثْبَاتِ الصَّانِعِ وَلَا يَصِحُّ الْقَوْلُ بِحُدُوثِ الْعَالَمِ وَإِثْبَاتِ الصَّانِعِ إلَّا بِإِبْطَالِهَا؛ لَا بِإِثْبَاتِهَا. فَكَانَ مَا اعْتَمَدُوا عَلَيْهِ وَجَعَلُوهُ أُصُولًا لِلدِّينِ وَدَلِيلًا عَلَيْهِ هُوَ فِي نَفْسِهِ بَاطِلٌ شَرْعًا وَعَقْلًا وَهُوَ مُنَاقِضٌ لِلدِّينِ وَمُنَافٍ لَهُ. وَلِهَذَا كَانَ " السَّلَفُ وَالْأَئِمَّةُ " يَعِيبُونَ كَلَامَهُمْ هَذَا وَيَذُمُّونَهُ وَيَقُولُونَ: مَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ بِالْكَلَامِ تَزَنْدَقَ؛ كَمَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ. وَيَرْوِي عَنْ مَالِكٍ. وَيَقُولُ الشَّافِعِيُّ: حُكْمِي فِي أَهْلِ الْكَلَامِ أَنْ يُضْرَبُوا بِالْجَرِيدِ وَالنِّعَالِ وَيُطَافَ بِهِمْ فِي الْعَشَائِرِ وَيُقَالَ: هَذَا جَزَاءُ مَنْ تَرَكَ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَأَقْبَلَ عَلَى الْكَلَامِ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: عُلَمَاءُ الْكَلَامِ زَنَادِقَةٌ وَمَا ارْتَدَى أَحَدٌ بِالْكَلَامِ فَأَفْلَحَ. وَقَدْ صَدَقَ الْأَئِمَّةُ فِي ذَلِكَ فَإِنَّهُمْ يَبْنُونَ أَمْرَهُمْ عَلَى " كَلَامٍ مُجْمَلٍ " يَرُوجُ عَلَى مَنْ لَمْ يَعْرِفْ حَقِيقَتَهُ فَإِذَا اعْتَقَدَ أَنَّهُ حَقٌّ وَتَبَيَّنَ أَنَّهُ مُنَاقِضٌ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ بَقِيَ فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَنِفَاقٌ وَرَيْبٌ وَشَكٌّ؛ بَلْ طَعَنَ فِيمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ وَهَذِهِ هِيَ الزَّنْدَقَةُ. وَهُوَ " كَلَامٌ بَاطِلٌ مِنْ جِهَةِ الْعَقْلِ " كَمَا قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: الْعِلْمُ بِالْكَلَامِ هُوَ
(6/243)


الْجَهْلُ فَهُمْ يَظُنُّونَ أَنَّ مَعَهُمْ عَقْلِيَّاتٌ وَإِنَّمَا مَعَهُمْ جهليات: {كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ} . هَذَا هُوَ الْجَهْلُ الْمُرَكَّبُ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ وَحِيرَةٍ فَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلْ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ. أَيْنَ هَؤُلَاءِ مِنْ نُورِ الْقُرْآنِ وَالْإِيمَانِ؟ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} . فَإِنْ قِيلَ: أَمَّا كَوْنُ الْكَلَامِ وَالْفِعْلِ يَدْخُلُ فِي " الصِّفَاتِ الِاخْتِيَارِيَّةِ " فَظَاهِرٌ. فَإِنَّهُ يَكُونُ بِمَشِيئَةِ الرَّبِّ وَقُدْرَتِهِ وَأَمَّا " الْإِرَادَةُ " وَ " الْمَحَبَّةُ " وَ " الرِّضَا " وَ " الْغَضَبُ " فَفِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ نَفْسَ " الْإِرَادَةِ " هِيَ الْمَشِيئَةُ وَهُوَ سُبْحَانَهُ إذَا خَلَقَ مَنْ يُحِبُّهُ كَالْخَلِيلِ فَإِنَّهُ يُحِبُّهُ وَيُحِبُّ الْمُؤْمِنِينَ وَيُحِبُّونَهُ وَكَذَلِكَ إذَا عَمِلَ النَّاسُ أَعْمَالًا يَرَاهَا وَهَذَا لَازِمٌ لَا بُدَّ مِنْ ذَلِكَ فَكَيْفَ يَدْخُلُ تَحْتَ الِاخْتِيَارِ. قِيلَ: كُلُّ مَا كَانَ بَعْدَ عَدَمِهِ فَإِنَّمَا يَكُونُ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وَقُدْرَتِهِ وَهُوَ سُبْحَانَهُ مَا شَاءَ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ؛ فَمَا شَاءَ وَجَبَ كَوْنُهُ وَهُوَ تَحْتَ مَشِيئَةِ الرَّبِّ وَقُدْرَتِهِ وَمَا لَمْ يَشَأْهُ امْتَنَعَ كَوْنُهُ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى:
(6/244)

{وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا} {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ} {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ} . فَكَوْنُ الشَّيْءِ وَاجِبُ الْوُقُوعِ لِكَوْنِهِ قَدْ سَبَقَ بِهِ الْقَضَاءُ عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ كَوْنِهِ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ وَاقِعًا بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ وَإِرَادَتِهِ وَإِنْ كَانَتْ مِنْ لَوَازِمِ ذَاتِهِ كَحَيَاتِهِ وَعِلْمِهِ. فَإِنَّ " إرَادَتَهُ للمستقبلات " هِيَ مَسْبُوقَةٌ " بِإِرَادَتِهِ لِلْمَاضِي " {إنَّمَا أَمْرُهُ إذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} وَهُوَ إنَّمَا أَرَادَ " هَذَا الثَّانِيَ " بَعْدَ أَنْ أَرَادَ قَبْلَهُ مَا يَقْتَضِي إرَادَتَهُ؛ فَكَانَ حُصُولُ الْإِرَادَةِ اللَّاحِقَةِ بِالْإِرَادَةِ السَّابِقَةِ.
وَالنَّاسُ قَدْ اضْطَرَبُوا فِي " مَسْأَلَةِ إرَادَةِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى " عَلَى أَقْوَالٍ مُتَعَدِّدَةٍ. وَمِنْهُمْ مَنْ نَفَاهَا وَرَجَّحَ الرَّازِي هَذَا فِي " مَطَالِبِهِ الْعَالِيَةِ " لَكِنْ - وَلِلَّهِ الْحَمْدُ - نَحْنُ قَرَّرْنَاهَا وَبَيَّنَّا فَسَادَ الشُّبَهِ الْمَانِعَةِ مِنْهَا؛ وَأَنَّ مَا جَاءَ بِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ هُوَ الْحَقُّ الْمَحْضُ الَّذِي تَدُلُّ عَلَيْهِ الْمَعْقُولَاتُ الصَّرِيحَةُ وَأَنَّ " صَرِيحَ الْمَعْقُولِ مُوَافِقٌ لِصَحِيحِ الْمَنْقُولِ ". وَكُنَّا قَدْ بَيَّنَّا " أَوَّلًا " أَنَّهُ يَمْتَنِعُ تَعَارُضُ الْأَدِلَّةِ الْقَطْعِيَّةِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَعَارَضَ دَلِيلَانِ قَطْعِيَّانِ سَوَاءٌ كَانَا عَقْلِيَّيْنِ أَوْ سَمْعِيَّيْنِ أَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا عَقْلِيًّا وَالْآخَرُ سَمْعِيًّا؛ ثُمَّ بَيَّنَّا بَعْدَ ذَلِكَ: أَنَّهَا مُتَوَافِقَةٌ مُتَنَاصِرَةٌ مُتَعَاضِدَةٌ. فَالْعَقْلُ يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ السَّمْعِ وَالسَّمْعُ يُبَيِّنُ صِحَّةَ الْعَقْلِ وَأَنَّ مَنْ سَلَكَ أَحَدَهُمَا أَفْضَى بِهِ إلَى الْآخَرِ.
(6/245)

وَأَنَّ الَّذِينَ يَسْتَحِقُّونَ الْعَذَابَ هُمْ الَّذِينَ لَا يَسْمَعُونَ وَلَا يَعْقِلُونَ. كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إنْ هُمْ إلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا} وَقَالَ تَعَالَى: {كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ} {قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إنْ أَنْتُمْ إلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ} {وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ} وَقَالَ: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} وَقَالَ تَعَالَى: {إنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} . فَقَدْ بَيَّنَ الْقُرْآنُ أَنَّ مَنْ كَانَ يَعْقِلُ أَوْ كَانَ يَسْمَعُ: فَإِنَّهُ يَكُونُ نَاجِيًا وَسَعِيدًا وَيَكُونُ مُؤْمِنًا بِمَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ وَقَدْ بُسِطَتْ هَذِهِ الْأُمُورُ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(6/246)

فَصْلٌ:
وَفُحُولُ النُّظَّارِ " كَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ الرَّازِي وَأَبِي الْحَسَنِ الآمدي " وَغَيْرِهِمَا ذَكَرُوا حُجَجَ الْنُّفَاةِ " لِحُلُولِ الْحَوَادِثِ " وَبَيَّنُوا فَسَادَهَا كُلَّهَا. فَذَكَرُوا لَهُمْ أَرْبَعَ حُجَجٍ: إحْدَاهَا: " الْحُجَّةُ الْمَشْهُورَةُ " وَهِيَ أَنَّهَا لَوْ قَامَتْ بِهِ لَمْ يَخْلُ مِنْهَا وَمِنْ أَضْدَادِهَا وَمَا لَمْ يَخْلُ مِنْ الْحَوَادِثِ فَهُوَ حَادِثٌ. وَمَنَعُوا الْمُقَدِّمَةَ الْأُولَى؛ وَالْمُقَدِّمَةَ الثَّانِيَةَ؛ ذَكَرَ الرَّازِي وَغَيْرُهُ فَسَادَهَا وَقَدْ بُسِطَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ. وَالثَّانِيَةُ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ قَابِلًا لَهَا فِي الْأَزَلِ لَكَانَ الْقَبُولُ مِنْ لَوَازِمِ ذَاتِهِ فَكَانَ الْقَبُولُ يَسْتَدْعِي إمْكَانَ الْمَقْبُولِ وَوُجُودُ الْحَوَادِثِ فِي الْأَزَلِ مُحَالٌ وَهَذِهِ أَبْطَلُوهَا هُمْ بِالْمُعَارَضَةِ بِالْقُدْرَةِ: بِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى إحْدَاثِ الْحَوَادِثِ وَالْقُدْرَةُ تَسْتَدْعِي إمْكَانَ الْمَقْدُورِ وَ " وُجُودُ الْمَقْدُورِ " وَهُوَ الْحَوَادِثُ فِي الْأَزَلِ مُحَالٌ وَ " هَذِهِ الْحُجَّةُ " بَاطِلَةٌ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا أَنْ يُقَالَ " وُجُودُ الْحَوَادِثِ " إمَّا أَنْ يَكُونَ مُمْتَنِعًا وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مُمْكِنًا؛ فَإِنْ كَانَ مُمْكِنًا أَمْكَنَ قَبُولُهَا وَالْقُدْرَةُ عَلَيْهَا دَائِمًا وَحِينَئِذٍ فَلَا يَكُونُ وُجُودُ جِنْسِهَا فِي الْأَزَلِ مُمْتَنِعًا؛ بَلْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ جِنْسُهَا مَقْدُورًا مَقْبُولًا؛
(6/247)

وَإِنْ كَانَ مُمْتَنِعًا فَقَدْ امْتَنَعَ وُجُودُ حَوَادِثَ لَا تَتَنَاهَى؛ وَحِينَئِذٍ فَلَا تَكُونُ فِي الْأَزَلِ مُمْكِنَةً؛ لَا مَقْدُورَةً وَلَا مَقْبُولَةً؛ وَحِينَئِذٍ فَلَا يَلْزَمُ امْتِنَاعُهَا بَعْدَ ذَلِكَ. فَإِنَّ الْحَوَادِثَ مَوْجُودَةٌ؛ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ بِدَوَامِ امْتِنَاعِهَا؛ وَهَذَا تَقْسِيمٌ حَاصِرٌ يُبَيِّنُ فَسَادَ " هَذِهِ الْحُجَّةِ ".
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يُقَالَ - لَا رَيْبَ أَنَّ الرَّبَّ تَعَالَى قَادِرٌ؛ فَإِمَّا أَنْ يُقَالَ إنَّهُ لَمْ يَزَلْ قَادِرًا - وَهُوَ الصَّوَابُ - وَإِمَّا أَنْ يُقَالَ بَلْ صَارَ قَادِرًا بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ فَإِنْ قِيلَ: لَمْ يَزَلْ قَادِرًا فَيُقَالُ: إذَا كَانَ لَمْ يَزَلْ قَادِرًا فَإِنْ كَانَ الْمَقْدُورُ لَمْ يَزَلْ مُمْكِنًا أَمْكَنَ دَوَامُ وُجُودِ الْمُمْكِنَاتِ فَأَمْكَنَ دَوَامُ وُجُودِ الْحَوَادِثِ؛ وَحِينَئِذٍ فَلَا يَمْتَنِعُ كَوْنُهُ قَابِلًا لَهَا فِي الْأَزَلِ. فَإِنْ قِيلَ: بَلْ كَانَ الْفِعْلُ مُمْتَنِعًا ثُمَّ صَارَ مُمْكِنًا. قِيلَ: هَذَا جَمْعٌ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ فَإِنَّ الْقَادِرَ لَا يَكُونُ قَادِرًا عَلَى مُمْتَنِعٍ فَكَيْفَ يَكُونُ قَادِرًا عَلَى كَوْنِ الْمَقْدُورِ مُمْتَنِعًا ثُمَّ يُقَالُ: بِتَقْدِيرِ إمْكَانِ هَذَا قِيلَ هُوَ قَادِرٌ فِي الْأَزَلِ عَلَى مَا يُمْكِنُ فِيمَا لَا يَزَالُ وَكَذَلِكَ فِي الْمَقْبُولِ: يُقَالُ هُوَ قَابِلٌ فِي الْأَزَلِ لِمَا يُمْكِنُ فِيمَا لَا يَزَالُ.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: إذَا قِيلَ - هُوَ قَابِلٌ لِمَا فِي الْأَزَلِ فَإِنَّمَا هُوَ قَابِلٌ لِمَا هُوَ قَادِرٌ عَلَيْهِ يُمْكِنُ وُجُودُهُ فَأَمَّا مَا يَكُونُ مُمْتَنِعًا لَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْقُدْرَةِ فَهَذَا لَيْسَ بِقَابِلِ لَهُ.
الرَّابِعُ: أَنْ يُقَالَ - هُوَ قَادِرٌ عَلَى حُدُوثِ مَا هُوَ مُبَايِنٌ لَهُ مِنْ الْمَخْلُوقَاتِ وَمَعْلُومٌ أَنَّ قُدْرَةَ الْقَادِرِ عَلَى فِعْلِهِ الْقَائِمِ بِهِ أَوْلَى مِنْ قُدْرَتِهِ عَلَى الْمُبَايِنِ لَهُ؛ وَإِذَا
(6/248)

كَانَ الْفِعْلُ لَا مَانِعَ مِنْهُ إلَّا مَا يَمْنَعُ مِثْلُهُ لِوُجُودِ الْمَقْدُورِ الْمُبَايِنِ ثُمَّ ثَبَتَ أَنَّ الْمَقْدُورَ الْمُبَايِنَ هُوَ مُمْكِنٌ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَيْهِ فَالْفِعْلُ أَنْ يَكُونَ مُمْكِنًا مَقْدُورًا أَوْلَى. (الْحُجَّةُ الثَّالِثَةُ لَهُمْ: أَنَّهُمْ قَالُوا: لَوْ قَامَتْ بِهِ الْحَوَادِثُ لَلَزِمَ " تَغَيُّرُهُ " وَالتَّغَيُّرُ عَلَى اللَّهِ مُحَالٌ وَأَبْطَلُوا هُمْ " هَذِهِ الْحُجَّةَ " الرَّازِي وَغَيْرُهُ؛ بِأَنْ قَالُوا: مَا تُرِيدُونَ بِقَوْلِكُمْ: لَوْ قَامَتْ بِهِ تَغَيَّرَ أَتُرِيدُونَ بِالتَّغَيُّرِ نَفْسَ قِيَامِهَا بِهِ أَمْ شَيْئًا آخَرَ؟ فَإِنْ أَرَدْتُمْ الْأَوَّلَ كَانَ الْمُقَدَّمُ هُوَ الثَّانِي وَالْمَلْزُومُ هُوَ اللَّازِمُ وَهَذَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ فَإِنَّهُ يَكُونُ تَقْدِيرُ الْكَلَامِ لَوْ قَامَتْ بِهِ الْحَوَادِثُ لَقَامَتْ بِهِ الْحَوَادِثُ وَهَذَا كَلَامٌ لَا يُفِيدُ وَإِنْ أَرَدْتُمْ بِالتَّغَيُّرِ مَعْنًى غَيْرَ ذَلِكَ فَهُوَ مَمْنُوعٌ فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهَا لَوْ قَامَتْ بِهِ لَزِمَ " تَغَيُّرٌ " غَيْرُ حُلُولِ الْحَوَادِثِ فَهَذَا جَوَابُهُمْ. وَإِيضَاحُ ذَلِكَ: أَنَّ " لَفْظَ التَّغَيُّرِ " لَفْظٌ مُجْمَلٌ فَالتَّغَيُّرُ فِي اللُّغَةِ الْمَعْرُوفَةِ لَا يُرَادُ بِهِ مُجَرَّدُ كَوْنِ الْمَحَلِّ قَامَتْ بِهِ الْحَوَادِثُ فَإِنَّ النَّاسَ لَا يَقُولُونَ لِلشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالْكَوَاكِبِ إذَا تَحَرَّكَتْ: إنَّهَا قَدْ تَغَيَّرَتْ وَلَا يَقُولُونَ لِلْإِنْسَانِ إذَا تَكَلَّمَ وَمَشَى إنَّهُ تَغَيَّرَ وَلَا يَقُولُونَ إذَا طَافَ وَصَلَّى وَأَمَرَ وَنَهَى وَرَكِبَ إنَّهُ تَغَيَّرَ إذَا كَانَ ذَلِكَ عَادَتُهُ بَلْ إنَّمَا يَقُولُونَ تَغَيَّرَ لِمَنْ اسْتَحَالَ مِنْ صِفَةٍ إلَى صِفَةٍ كَالشَّمْسِ إذَا زَالَ نُورُهَا ظَاهِرًا لَا يُقَالُ إنَّهَا تَغَيَّرَتْ فَإِذَا اصْفَرَّتْ قِيلَ تَغَيَّرَتْ. وَكَذَلِكَ الْإِنْسَانُ إذَا مَرِضَ أَوْ تَغَيَّرَ جِسْمُهُ بِجُوعِ أَوْ تَعَبٍ قِيلَ قَدْ تَغَيَّرَ وَكَذَلِكَ إذَا تَغَيَّرَ خُلُقُهُ وَدِينُهُ مِثْلُ أَنْ يَكُونَ فَاجِرًا فَيَنْقَلِبَ وَيَصِيرَ بَرًّا أَوْ يَكُونَ بَرًّا فَيَنْقَلِبَ فَاجِرًا فَإِنَّهُ يُقَالُ قَدْ تَغَيَّرَ. وَفِي الْحَدِيثِ {رَأَيْت وَجْهَ رَسُولِ اللَّهِ
(6/249)

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُتَغَيِّرًا لَمَّا رَأَى مِنْهُ أَثَرَ الْجُوعِ وَلَمْ يَزَلْ يَرَاهُ يَرْكَعُ وَيَسْجُدُ} " فَلَمْ يُسَمِّ حَرَكَتَهُ تَغَيُّرًا وَكَذَلِكَ يُقَالُ: فُلَانٌ قَدْ تَغَيَّرَ عَلَى فُلَانٍ إذَا صَارَ يُبْغِضُهُ بَعْدَ الْمَحَبَّةِ فَإِذَا كَانَ ثَابِتًا عَلَى مَوَدَّتِهِ لَمْ يُسَمِّ هَشَّتَهُ إلَيْهِ وَخِطَابَهُ لَهُ تَغَيُّرًا. وَإِذَا جَرَى عَلَى عَادَتِهِ فِي أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ فَلَا يُقَالُ إنَّهُ قَدْ تَغَيَّرَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {إنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} . وَمَعْلُومٌ أَنَّهُمْ إذَا كَانُوا عَلَى عَادَتِهِمْ الْمَوْجُودَةِ يَقُولُونَ وَيَفْعَلُونَ مَا هُوَ خَيْرٌ لَمْ يَكُونُوا قَدْ غَيَّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ فَإِذَا انْتَقَلُوا عَنْ ذَلِكَ فَاسْتَبْدَلُوا بِقَصْدِ الْخَيْرِ قَصْدَ الشَّرِّ وَبِاعْتِقَادِ الْحَقِّ اعْتِقَادَ الْبَاطِلِ قِيلَ: قَدْ غَيَّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ مِثْلُ مَنْ كَانَ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَتَغَيَّرَ قَلْبُهُ وَصَارَ لَا يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَهَذَا قَدْ غَيَّرَ مَا فِي نَفْسِهِ. وَإِذَا كَانَ هَذَا " مَعْنَى التَّغَيُّرِ " فَالرَّبُّ تَعَالَى لَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَالُ مَوْصُوفًا بِصِفَاتِ الْكَمَالِ مَنْعُوتًا بِنُعُوتِ الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ وَكَمَالُهُ مِنْ لَوَازِمِ ذَاتِهِ فَيَمْتَنِعُ أَنْ يَزُولَ عَنْهُ شَيْءٌ مِنْ صِفَاتِ كَمَالِهِ وَيَمْتَنِعُ أَنْ يَصِيرَ نَاقِصًا بَعْدَ كَمَالِهِ. وَ " هَذَا الْأَصْلُ " عَلَيْهِ قَوْلُ السَّلَفِ وَأَهْلِ السُّنَّةِ: أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّمًا إذَا شَاءَ وَلَمْ يَزَلْ قَادِرًا وَلَمْ يَزَلْ مَوْصُوفًا بِصِفَاتِ الْكَمَالِ وَلَا يَزَالُ كَذَلِكَ فَلَا يَكُونُ مُتَغَيِّرًا وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ: يَا مَنْ يُغَيِّرُ وَلَا يَتَغَيَّرُ فَإِنَّهُ يُحِيلُ صِفَاتِ الْمَخْلُوقَاتِ؛ وَيَسْلُبُهَا مَا كَانَتْ مُتَّصِفَةً بِهِ إذَا شَاءَ؛ وَيُعْطِيهَا مِنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ مَا لَمْ يَكُنْ لَهَا؛ وَكَمَالُهُ مِنْ لَوَازِمِ ذَاتِهِ؛ لَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَالُ مَوْصُوفًا بِصِفَاتِ
(6/250)

الْكَمَالِ؛ قَالَ تَعَالَى {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إلَّا وَجْهَهُ} وَقَالَ تَعَالَى: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ} {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} . وَلَكِنْ " هَؤُلَاءِ الْنُّفَاةِ " هُمْ الَّذِينَ يَلْزَمُهُمْ أَنْ يَكُونَ قَدْ تَغَيَّرَ؛ فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ: كَانَ فِي الْأَزَلِ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَقُولَ شَيْئًا؛ وَلَا يَتَكَلَّمَ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ؛ وَكَانَ ذَلِكَ مُمْتَنِعًا عَلَيْهِ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْهُ ثُمَّ صَارَ الْفِعْلُ مُمْكِنًا يُمْكِنُهُ أَنْ يَفْعَلَ. وَلَهُمْ فِي " الْكَلَامِ " قَوْلَانِ: مَنْ يُثْبِتُ الْكَلَامَ الْمَعْرُوفَ وَقَالَ: إنَّهُ يَتَكَلَّمُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ قَالَ إنَّهُ صَارَ الْكَلَامُ مُمْكِنًا لَهُ بَعْدَ أَنْ كَانَ مُمْتَنِعًا عَلَيْهِ؛ وَمَنْ لَمْ يَصِفْهُ بِالْكَلَامِ الْمَعْرُوفِ؛ بَلْ قَالَ: إنَّهُ يَتَكَلَّمُ بِلَا مَشِيئَةٍ وَقُدْرَةٍ كَمَا تَقُولُهُ الْكُلَّابِيَة فَهَؤُلَاءِ أَثْبَتُوا كَلَامًا لَا يُعْقَلُ وَلَمْ يَسْبِقْهُمْ إلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ؛ بَلْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ قَبْلَهُمْ عَلَى " قَوْلَيْنِ ": فَالسَّلَفُ وَأَهْلُ السُّنَّةِ يَقُولُونَ: إنَّهُ يَتَكَلَّمُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ وَكَلَامُهُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ. وَ " الْجَهْمِيَّة " يَقُولُونَ: إنَّهُ مَخْلُوقٌ بِقُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ فَقَالَ هَؤُلَاءِ بَلْ يَتَكَلَّمُ بِلَا مَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ وَكَلَامُهُ شَيْءٌ وَاحِدٌ لَازِمٌ لِذَاتِهِ وَهُوَ حُرُوفٌ أَوْ حُرُوفٌ وَأَصْوَاتٌ: أَزَلِيَّةٌ لَازِمَةٌ لِذَاتِهِ كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ. وَ (الْمَقْصُودُ أَنَّ هَؤُلَاءِ كُلَّهُمْ الَّذِينَ يَمْنَعُونَ أَنَّ الرَّبَّ لَمْ يَزَلْ يُمْكِنُهُ أَنْ يَفْعَلَ مَا شَاءَ وَيَقُولُونَ ذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ وُجُودَ حَوَادِثَ لَا تَتَنَاهَى وَذَلِكَ مُحَالٌ فَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ صَارَ الْفِعْلُ مُمْكِنًا لَهُ بَعْدَ أَنْ كَانَ مُمْتَنِعًا عَلَيْهِ وَحَقِيقَةُ قَوْلِهِمْ إنَّهُ
(6/251)

صَارَ قَادِرًا بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ قَادِرًا وَهَذَا حَقِيقَةُ التَّغَيُّرِ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَحْدُثْ سَبَبٌ يُوجِبُ كَوْنَهُ قَادِرًا. وَإِذَا قَالُوا: هُوَ فِي الْأَزَلِ قَادِرٌ عَلَى مَا لَا يَزَالُ. قِيلَ هَذَا جَمْعٌ بَيْنَ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ فَهُوَ فِي الْأَزَلِ كَانَ قَادِرًا. أَفَكَانَ الْقَوْلُ مُمْكِنًا لَهُ أَوْ مُمْتَنِعًا عَلَيْهِ؟ إنْ قُلْتُمْ: مُمْكِنٌ لَهُ فَقَدْ جَوَّزْتُمْ دَوَامَ كَوْنِهِ فَاعِلًا وَأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى حَوَادِثَ لَا نِهَايَةَ لَهَا. وَإِنْ قُلْتُمْ: بَلْ كَانَ مُمْتَنِعًا. قِيلَ الْقُدْرَةُ عَلَى الْمُمْتَنِعِ مَعَ كَوْنِ الْفِعْلِ مُمْتَنِعًا غَيْرُ مُمْكِنٍ - لَا يَكُونُ مَقْدُورًا لِلْقَادِرِ إنَّمَا الْمَقْدُورُ هُوَ الْمُمْكِنُ لَا الْمُمْتَنِعُ. فَإِذَا قُلْتُمْ: أَمْكَنَهُ بَعْدَ ذَلِكَ. فَقَدْ قُلْتُمْ: إنَّهُ أَمْكَنَهُ أَنْ يَفْعَلَ بَعْدَ أَنْ كَانَ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَفْعَلَ وَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ صَارَ قَادِرًا بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ وَهُوَ صَرِيحٌ فِي التَّغَيُّرِ. فَهَؤُلَاءِ الْنُّفَاةِ الَّذِينَ قَالُوا: إنَّ الْمُثْبِتَةَ يَلْزَمُهُمْ الْقَوْلُ بِأَنَّهُ " تَغَيُّرٌ " قَدْ بَانَ بُطْلَانُ قَوْلِهِمْ وَأَنَّهُمْ هُمْ الَّذِينَ قَالُوا: بِمَا يُوجِبُ تَغَيُّرَهُ. (الْحُجَّةُ الرَّابِعَةُ: قَالُوا: حُلُولُ الْحَوَادِثِ بِهِ أُفُولٌ؛ وَالْخَلِيلُ قَدْ قَالَ: {لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ} وَ " الْآفِلُ " هُوَ الْمُتَحَرِّكُ الَّذِي تَقُومُ لَهُ الْحَوَادِثُ فَيَكُونُ " الْخَلِيلُ " قَدْ نَفَى الْمَحَبَّةَ عَمَّنْ تَقُومُ بِهِ الْحَوَادِثُ فَلَا يَكُونُ إلَهًا؛ وَإِذَا قَالَ الْمُنَازِعُ أَنَا أُرِيدُ بِكَوْنِهِ تَغَيَّرَ أَنَّهُ تَكَلَّمَ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ وَأَنَّهُ يُحِبُّ مِنَّا الطَّاعَةَ وَيَفْرَحُ بِتَوْبَةِ التَّائِبِ وَيَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ. قِيلَ: فَهَبْ أَنَّك سَمَّيْت هَذَا تَغَيُّرًا؛ فَلِمَ قُلْت إنَّ هَذَا مُمْتَنِعٌ فَهَذَا مَحَلُّ النِّزَاعِ كَمَا قَالَ الرَّازِي: فَالْمُقَدَّمُ هُوَ الثَّانِي.
(6/252)

فَقَدْ ثَبَتَ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ أَنَّ اللَّهَ يُوصَفُ " بِالْغَيْرَةِ " وَهِيَ مُشْتَقَّةٌ مِنْ " التَّغَيُّرِ " فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: " {لَا أَحَدَ أَغْيَرُ مِنْ اللَّهِ أَنْ يَزْنِيَ عَبْدُهُ أَوْ تَزْنِيَ أَمَتُهُ} " وَقَالَ أَيْضًا " {لَا أَحَدَ أَحَبُّ إلَيْهِ الْمَدْحُ مِنْ اللَّهِ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ مَدَحَ نَفْسَهُ وَلَا أَحَدَ أَحَبُّ إلَيْهِ الْعُذْرُ مِنْ اللَّهِ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ بَعَثَ الرُّسُلَ وَأَنْزَلَ الْكُتُبَ وَلَا أَحَدَ أَغْيَرُ مِنْ اللَّهِ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} ". وَقَالَ: " {أَتَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةِ سَعْدٍ لَأَنَا أَغْيَرُ مِنْهُ وَاَللَّهُ أَغْيَرُ مِنِّي} . وَ (الْجَوَابُ: أَنَّ قِصَّةَ الْخَلِيلِ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ لَا لَهُمْ؛ وَهُمْ الْمُخَالِفُونَ لِإِبْرَاهِيمَ وَلِنَبِيِّنَا وَلِغَيْرِهِمَا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ} {فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ} {فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ} {إنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} . فَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ: أَنَّهُ مِنْ حِينِ بَزَغَ الْكَوْكَبُ وَالْقَمَرُ وَالشَّمْسُ وَإِلَى حِينِ أُفُولِهَا لَمْ يَقُلْ الْخَلِيلُ: لَا أُحِبُّ الْبَازِغِينَ وَلَا الْمُتَحَرِّكِينَ وَلَا الْمُتَحَوِّلِينَ وَلَا أُحِبُّ مَنْ تَقُومُ بِهِ الْحَرَكَاتُ وَلَا الْحَوَادِثُ وَلَا قَالَ شَيْئًا مِمَّا يَقُولُهُ الْنُّفَاةِ حِينَ أَفَلَ الْكَوْكَبُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ.
(6/253)

وَ " الْأُفُولُ " بِاتِّفَاقِ أَهْلِ اللُّغَةِ وَالتَّفْسِيرِ: هُوَ الْغَيْبُ وَالِاحْتِجَابُ؛ بَلْ هَذَا مَعْلُومٌ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ لُغَةِ الْعَرَبِ الَّتِي نَزَلَ بِهَا الْقُرْآنُ وَهُوَ الْمُرَادُ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ. فَلَمْ يَقُلْ إبْرَاهِيمُ: {لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ} (إلَّا حِينَ أَفَلَ وَغَابَ عَنْ الْأَبْصَارِ فَلَمْ يَبْقَ مَرْئِيًّا وَلَا مَشْهُودًا - فَحِينَئِذٍ قَالَ {لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ} -. وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ كَوْنَهُ مُتَحَرِّكًا مُنْتَقِلًا تَقُومُ بِهِ الْحَوَادِثُ؛ بَلْ كَوْنُهُ جِسْمًا مُتَحَيِّزًا تَقُومُ بِهِ الْحَوَادِثُ لَمْ يَكُنْ دَلِيلًا عِنْدَ إبْرَاهِيمَ عَلَى نَفْيِ مَحَبَّتِهِ. فَإِنْ كَانَ إبْرَاهِيمُ إنَّمَا اسْتَدَلَّ " بِالْأُفُولِ " عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ رَبَّ الْعَالَمِينَ - كَمَا زَعَمُوا -: لَزِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ مَا يَقُومُ بِهِ الْأُفُولُ - مِنْ كَوْنِهِ مُتَحَرِّكًا مُنْتَقِلًا - تَحِلُّهُ الْحَوَادِثُ؛ بَلْ وَمِنْ كَوْنِهِ جِسْمًا مُتَحَيِّزًا: لَمْ يَكُنْ دَلِيلًا عِنْدَ إبْرَاهِيمَ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ وَحِينَئِذٍ فَيَلْزَمُ أَنْ تَكُونَ قِصَّةُ إبْرَاهِيمَ حُجَّةً عَلَى نَقِيضِ مَطْلُوبِهِمْ؛ لَا عَلَى تَعْيِينِ مَطْلُوبِهِمْ. وَهَكَذَا أَهْلُ الْبِدَعِ لَا يَكَادُونَ يَحْتَجُّونَ " بِحُجَّةِ " سَمْعِيَّةٍ وَلَا عَقْلِيَّةٍ إلَّا وَهِيَ عِنْدَ التَّأَمُّلِ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ؛ لَا لَهُمْ. وَلَكِنَّ " إبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ " لَمْ يَقْصِدْ بِقَوْلِهِ {هَذَا رَبِّي} إنَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ وَلَا كَانَ أَحَدٌ مِنْ قَوْمِهِ يَقُولُونَ إنَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ مِنْ تَجْوِيزِ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ؛ بَلْ كَانُوا مُشْرِكِينَ مُقِرِّينَ بِالصَّانِعِ؛ وَكَانُوا يَتَّخِذُونَ الْكَوَاكِبَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ أَرْبَابًا يَدْعُونَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَبْنُونَ لَهَا الْهَيَاكِلَ وَقَدْ صَنَّفْت فِي مِثْلِ مَذْهَبِهِمْ " كُتُبٌ ": مِثْلُ " كِتَابِ السِّرِّ الْمَكْتُومِ: فِي السِّحْرِ وَمُخَاطَبَةِ النُّجُومِ " وَغَيْرِهِ مِنْ الْكُتُبِ.
(6/254)

وَلِهَذَا قَالَ الْخَلِيلُ: {أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ} {أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ} {فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ} وَقَالَ تَعَالَى: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ} وَلِهَذَا قَالَ الْخَلِيلُ فِي تَمَامِ الْكَلَامِ: {إنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ} {إنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} . بَيَّنَ أَنَّهُ إنَّمَا يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ فَلَهُ يُوَجِّهُ وَجْهَهُ إذَا تَوَجَّهَ قَصْدُهُ إلَيْهِ: يَتْبَعُ قَصْدُهُ وَجْهَهُ فَالْوَجْهُ تَوَجَّهَ حَيْثُ تَوَجَّهَ الْقَلْبُ فَصَارَ قَلْبُهُ وَقَصْدُهُ وَوَجْهُهُ مُتَوَجِّهًا إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَلِهَذَا قَالَ: {وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} لَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ أَقَرَّ بِوُجُودِ الصَّانِعِ فَإِنَّ هَذَا كَانَ مَعْلُومًا عِنْدَ قَوْمِهِ لَمْ يَكُونُوا يُنَازِعُونَهُ فِي وُجُودِ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِنَّمَا كَانَ النِّزَاعُ فِي عِبَادَةِ غَيْرِ اللَّهِ وَاِتِّخَاذِهِ رَبًّا؛ فَكَانُوا يَعْبُدُونَ الْكَوَاكِبَ السَّمَاوِيَّةَ وَيَتَّخِذُونَ لَهَا أَصْنَامًا أَرْضِيَّةً. وَهَذَا " النَّوْعُ الثَّانِي مِنْ الشِّرْكِ " فَإِنَّ الشِّرْكَ فِي قَوْمِ نُوحٍ كَانَ أَصْلُهُ مِنْ عِبَادَةِ الصَّالِحِينَ - أَهْلِ الْقُبُورِ - ثُمَّ صَوَّرُوا تَمَاثِيلَهُمْ فَكَانَ شِرْكُهُمْ بِأَهْلِ الْأَرْضِ؛ إذْ كَانَ الشَّيْطَانُ إنَّمَا يُضِلُّ النَّاسَ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ فَكَانَ تَرْتِيبُهُ " أَوَّلًا " الشِّرْكُ بِالصَّالِحِينَ أَيْسَرُ عَلَيْهِ. ثُمَّ قَوْمُ إبْرَاهِيمَ انْتَقَلُوا إلَى الشِّرْكِ بِالسَّمَاوِيَّاتِ: بِالْكَوَاكِبِ وَصَنَعُوا لَهَا " الْأَصْنَامَ " بِحَسَبِ مَا رَأَوْهُ مِنْ طَبَائِعِهَا يَصْنَعُونَ لِكُلِّ كَوْكَبٍ طَعَامًا وَخَاتَمًا
(6/255)

وَبَخُورًا وَأَمْوَالًا تُنَاسِبُهُ وَهَذَا كَانَ قَدْ اُشْتُهِرَ عَلَى عَهْدِ إبْرَاهِيمَ إمَامِ الْحُنَفَاءِ؛ وَلِهَذَا قَالَ الْخَلِيلُ: {مَاذَا تَعْبُدُونَ} {أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ} {فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ} وَقَالَ لَهُمْ: {أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ} {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} وَقِصَّةُ إبْرَاهِيمَ قَدْ ذُكِرَتْ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ الْقُرْآنِ مَعَ قَوْمِهِ: إنَّمَا فِيهَا نَهْيُهُمْ عَنْ الشِّرْكِ؛ خِلَافَ قِصَّةِ مُوسَى مَعَ فِرْعَوْنَ فَإِنَّهَا ظَاهِرَةٌ فِي أَنَّ فِرْعَوْنَ كَانَ مُظْهِرًا الْإِنْكَارَ لِلْخَالِقِ وَجُحُودَهُ. وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ عَنْ إبْرَاهِيمَ أَنَّهُ حَاجَّ الَّذِي حَاجَّهُ فِي رَبِّهِ فِي قَوْلِهِ: {أَلَمْ تَرَ إلَى الَّذِي حَاجَّ إبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إذْ قَالَ إبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ} فَهَذَا قَدْ يُقَالُ: إنَّهُ كَانَ جَاحِدًا لِلصَّانِعِ وَمَعَ هَذَا فَالْقِصَّةُ لَيْسَتْ صَرِيحَةً فِي ذَلِكَ؛ بَلْ يَدْعُو الْإِنْسَانُ إلَى عِبَادَةِ نَفْسِهِ وَإِنْ كَانَ لَا يُصَرِّحُ بِإِنْكَارِ الْخَالِقِ مِثْلَ إنْكَارِ فِرْعَوْنَ. وَبِكُلِّ حَالٍ " فَقِصَّةُ إبْرَاهِيمَ " إلَى أَنْ تَكُونَ حُجَّةً عَلَيْهِمْ أَقْرَبُ مِنْهَا إلَى أَنْ تَكُونَ حُجَّةً لَهُمْ وَهَذَا بَيِّنٌ - وَلِلَّهِ الْحَمْدُ - بَلْ مَا ذَكَرَهُ اللَّهُ عَنْ إبْرَاهِيمَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يُثْبِتُ مَا يَنْفُونَهُ عَنْ اللَّهِ؛ فَإِنَّ إبْرَاهِيمَ قَالَ: {إنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ} وَالْمُرَادُ بِهِ: أَنَّهُ يَسْتَجِيبُ الدُّعَاءَ كَمَا يَقُولُ الْمُصَلِّي سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ وَإِنَّمَا يَسْمَعُ الدُّعَاءَ وَيَسْتَجِيبُهُ بَعْدَ وُجُودِهِ؛ لَا قَبْلَ وُجُودِهِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا} .
(6/256)

فَهِيَ تُجَادِلُ وَتَشْتَكِي حَالَ سَمْعِ اللَّهِ تَحَاوُرَهُمَا؛ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ سَمْعَهُ كَرُؤْيَتِهِ الْمَذْكُورَةِ فِي قَوْلِهِ: {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ} وَقَالَ: {ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} فَهَذِهِ رُؤْيَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ وَنَظَرٌ مُسْتَقِلٌّ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْمَعْدُومَ لَا يَرَى وَلَا يَسْمَعُ مُنْفَصِلًا عَنْ الرَّائِي السَّامِعِ بِاتِّفَاقِ الْعُقَلَاءِ فَإِذَا وُجِدَتْ الْأَقْوَالُ وَالْأَعْمَالُ سَمِعَهَا وَرَآهَا. وَ " الرُّؤْيَةُ " وَ " السَّمْعُ " أَمْرٌ وُجُودِيٌّ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مَوْصُوفٍ يَتَّصِفُ بِهِ فَإِذَا كَانَ هُوَ الَّذِي رَآهَا وَسَمِعَهَا امْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ غَيْرُهُ هُوَ الْمُتَّصِفُ بِهَذَا السَّمْعِ وَهَذِهِ الرُّؤْيَةِ. وَأَنْ تَكُونَ قَائِمَةً بِغَيْرِهِ فَتَعَيَّنَ قِيَامُ هَذَا السَّمْعِ وَهَذِهِ الرُّؤْيَةِ بِهِ بَعْدَ أَنْ خُلِقَتْ الْأَعْمَالُ وَالْأَقْوَالُ وَهَذَا مَطْعَنٌ لَا حِيلَةَ فِيهِ. وَقَدْ بُسِطَ الْكَلَامُ عَلَى " هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ " وَمَا قَالَ فِيهَا عَامَّةُ الطَّوَائِفِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ وَحُكِيَتْ أَلْفَاظُ النَّاسِ بِحَيْثُ يَتَيَقَّنُ الْإِنْسَانُ أَنَّ النَّافِيَ لَيْسَ مَعَهُ حُجَّةٌ لَا سَمْعِيَّةٌ وَلَا عَقْلِيَّةٌ؛ وَأَنَّ الْأَدِلَّةَ الْعَقْلِيَّةَ الصَّرِيحَةَ مُوَافِقَةٌ لِمَذْهَبِ السَّلَفِ وَأَهْلِ الْحَدِيثِ؛ وَعَلَى ذَلِكَ يَدُلُّ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ مَعَ " الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ ": التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالزَّبُورِ فَقَدْ اتَّفَقَ عَلَيْهَا نُصُوصُ الْأَنْبِيَاءِ وَأَقْوَالُ السَّلَفِ وَأَئِمَّةُ الْعُلَمَاءِ وَدَلَّتْ عَلَيْهَا صَرَائِحُ الْمَعْقُولَاتِ. فَالْمُخَالِفُ فِيهَا كَالْمُخَالِفِ فِي أَمْثَالِهَا مِمَّنْ لَيْسَ مَعَهُ حُجَّةٌ لَا سَمْعِيَّةٌ وَلَا عَقْلِيَّةٌ بَلْ هُوَ شَبِيهٌ بالذين قَالُوا: {لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ} .
(6/257)

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} وَلَكِنْ " هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ " وَ " مَسْأَلَةُ الزِّيَارَةِ " وَغَيْرُهُمَا حَدَثَ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ فِيهَا شُبَهٌ. وَأَنَا وَغَيْرِي كُنَّا عَلَى " مَذْهَبِ الْآبَاءِ " فِي ذَلِكَ نَقُولُ فِي " الْأَصْلَيْنِ " بِقَوْلِ أَهْلِ الْبِدَعِ؛ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَنَا مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ دَارَ الْأَمْرُ بَيْنَ أَنْ نَتَّبِعَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ أَوْ نَتَّبِعَ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا فَكَانَ الْوَاجِبُ هُوَ اتِّبَاعُ الرَّسُولِ؛ وَأَنْ لَا نَكُونَ مِمَّنْ قِيلَ فِيهِ: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا} وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ} وَقَالَ تَعَالَى: {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ} .
فَالْوَاجِبُ اتِّبَاعُ الْكِتَابِ الْمُنَزَّلِ وَالنَّبِيِّ الْمُرْسَلِ وَسَبِيلِ مَنْ أَنَابَ إلَى اللَّهِ فَاتَّبَعْنَا الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ كَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ؛ دُونَ مَا خَالَفَ ذَلِكَ مِنْ دِينِ الْآبَاءِ وَغَيْرِ الْآبَاءِ وَاَللَّهُ يَهْدِينَا وَسَائِرَ إخْوَانِنَا إلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ صِرَاطِ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا. وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَنْزَلَ الْقُرْآنَ وَهَدَى بِهِ الْخَلْقَ وَأَخْرَجَهُمْ بِهِ مِنْ الظُّلُمَاتِ
(6/258)

إلَى النُّورِ؛ وَأُمُّ الْقُرْآنِ هِيَ فَاتِحَةُ الْكِتَابِ. قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ {يَقُولُ اللَّهُ قَسَمْت الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ فَنِصْفُهَا لِي وَنِصْفُهَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} قَالَ اللَّهُ: حَمِدَنِي عَبْدِي فَإِذَا قَالَ: {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قَالَ اللَّهُ: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي فَإِذَا قَالَ: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} قَالَ اللَّهُ: مَجَّدَنِي عَبْدِي فَإِذَا قَالَ: {إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} قَالَ اللَّهُ: هَذِهِ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ فَإِذَا قَالَ: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} قَالَ: هَؤُلَاءِ لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ} ". فَهَذِهِ " السُّورَةُ " فِيهَا لِلَّهِ الْحَمْدُ. فَلَهُ الْحَمْدُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَفِيهَا لِلْعَبْدِ السُّؤَالُ وَفِيهَا الْعِبَادَةُ لِلَّهِ وَحْدَهُ وَلِلْعَبْدِ الِاسْتِعَانَةُ فَحَقُّ الرَّبِّ حَمْدُهُ وَعِبَادَتُهُ وَحْدَهُ وَهَذَانِ " حَمْدُ الرَّبِّ وَتَوْحِيدُهُ " يَدُورُ عَلَيْهِمَا جَمِيعُ الدِّينِ
وَ " مَسْأَلَةُ الصِّفَاتِ الِاخْتِيَارِيَّةِ " هِيَ مِنْ تَمَامِ حَمْدِهِ فَمَنْ لَمْ يُقِرَّ بِهَا لَمْ يُمْكِنْهُ الْإِقْرَارُ بِأَنَّ اللَّهَ مَحْمُودٌ أَلْبَتَّةَ وَلَا أَنَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ فَإِنَّ الْحَمْدَ ضِدُّ الذَّمِّ وَالْحَمْدُ هُوَ الْإِخْبَارُ بِمَحَاسِنِ الْمَحْمُودِ مَعَ الْمَحَبَّةِ لَهُ وَالذَّمُّ هُوَ الْإِخْبَارُ بِمَسَاوِئِ الْمَذْمُومِ مَعَ الْبُغْضِ لَهُ وَجِمَاعُ الْمَسَاوِئِ فِعْلُ الشَّرِّ كَمَا أَنَّ جِمَاعَ الْمَحَاسِنِ فِعْلُ الْخَيْرِ. فَإِذَا كَانَ يَفْعَلُ الْخَيْرَ - بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ اسْتَحَقَّ " الْحَمْدَ ". فَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِعْلٌ اخْتِيَارِيٌّ يَقُومُ بِهِ؛ بَلْ وَلَا يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ لَا يَكُونُ خَالِقًا وَلَا رَبًّا لِلْعَالَمِينَ.
(6/259)

وَقَوْلُهُ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ} - وَنَحْوُ ذَلِكَ - فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ فِعْلٌ يَقُومُ بِهِ بِاخْتِيَارِهِ امْتَنَعَ ذَلِكَ كُلُّهُ. فَإِنَّهُ مِنْ الْمَعْلُومِ بِصَرِيحِ " الْعَقْلِ " أَنَّهُ إذَا خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فَلَا بُدَّ مِنْ فِعْلٍ يَصِيرُ بِهِ خَالِقًا؛ وَإِلَّا فَلَوْ اسْتَمَرَّ الْأَمْرُ عَلَى حَالٍ وَاحِدَةٍ - لَمْ يَحْدُثْ فِعْلٌ - لَكَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا كَانَ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ وَحِينَئِذٍ فَلَمْ يَكُنْ الْمَخْلُوقُ مَوْجُودًا فَكَذَلِكَ يَجِبُ أَنْ لَا يَكُونَ الْمَخْلُوقُ مَوْجُودًا إنْ كَانَ الْحَالُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ مِثْلَ مَا كَانَ فِي الْمَاضِي لَمْ يَحْدُثْ مِنْ الرَّبِّ فِعْلٌ هُوَ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ. وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ} . وَمَعْلُومٌ أَنَّهُمْ قَدْ شَهِدُوا نَفْسَ الْمَخْلُوقِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ " الْخَلْقَ " لَمْ يَشْهَدُوهُ وَهُوَ تَكْوِينُهُ لَهَا وَإِحْدَاثُهُ لَهَا؛ غَيْرُ الْمَخْلُوقِ الْبَاقِي. وَأَيْضًا فَإِنَّهُ قَالَ {خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ} . فَالْخَلْقُ لَهَا كَانَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَهِيَ مَوْجُودَةٌ بَعْدَ الْمَشِيئَةِ فَاَلَّذِي اُخْتُصَّ بِالْمَشِيئَةِ غَيْرُ الْمَوْجُودِ بَعْدَ الْمَشِيئَةِ وَكَذَلِكَ {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} فَإِنَّ الرَّحْمَنَ الرَّحِيمَ هُوَ الَّذِي يَرْحَمُ الْعِبَادَ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ رَحْمَةٌ إلَّا نَفْسَ إرَادَةٍ قَدِيمَةٍ؛ أَوْ صِفَةً أُخْرَى قَدِيمَةً: لَمْ يَكُنْ مَوْصُوفًا بِأَنَّهُ يَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ قَالَ الْخَلِيلُ: {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ
(6/260)

إنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} {يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ} فَالرَّحْمَةُ ضِدُّ التَّعْذِيبِ وَالتَّعْذِيبُ فِعْلُهُ وَهُوَ يَكُونُ بِمَشِيئَتِهِ؛ كَذَلِكَ الرَّحْمَةُ تَكُونُ بِمَشِيئَتِهِ؛ كَمَا قَالَ: {وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ} . وَالْإِرَادَةُ الْقَدِيمَةُ اللَّازِمَةُ لِذَاتِهِ - أَوْ صِفَةٌ أُخْرَى لِذَاتِهِ - لَيْسَتْ بِمَشِيئَتِهِ؛ فَلَا تَكُونُ الرَّحْمَةُ بِمَشِيئَتِهِ. وَإِنْ قِيلَ: لَيْسَ بِمَشِيئَتِهِ إلَّا الْمَخْلُوقَاتُ الْمُبَايِنَةُ لَزِمَ أَنْ لَا تَكُونَ صِفَةً لِلرَّبِّ بَلْ تَكُونُ مَخْلُوقَةً لَهُ وَهُوَ إنَّمَا يَتَّصِفُ بِمَا يَقُومُ بِهِ لَا يَتَّصِفُ بِالْمَخْلُوقَاتِ فَلَا يَكُونُ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: " {لَمَّا قَضَى اللَّهُ الْخَلْقَ كَتَبَ فِي كِتَابٍ فَهُوَ مَوْضُوعٌ عِنْدَهُ فَوْقَ الْعَرْشِ: إنَّ رَحْمَتِي تَغْلِبُ غَضَبِي} - وَفِي رِوَايَةٍ - تَسْبِقُ غَضَبِي ". وَمَا كَانَ سَابِقًا لِمَا يَكُونُ بَعْدَهُ لَمْ يَكُنْ إلَّا بِمَشِيئَةِ الرَّبِّ وَقُدْرَتِهِ. وَمَنْ قَالَ: مَا ثَمَّ رَحْمَةٌ إلَّا إرَادَةٌ قَدِيمَةٌ أَوْ مَا يُشْبِهُهَا امْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ لَهُ غَضَبٌ مَسْبُوقٌ بِهَا فَإِنَّ الْغَضَبَ إنْ فُسِّرَ بِالْإِرَادَةِ فَالْإِرَادَةُ لَمْ تَسْبِقْ نَفْسَهَا وَكَذَلِكَ إنْ فُسِّرَ بِصِفَةِ قَدِيمَةِ الْعَيْنِ فَالْقَدِيمُ لَا يَسْبِقُ بَعْضُهُ بَعْضًا وَإِنْ فُسِّرَ بِالْمَخْلُوقَاتِ لَمْ يَتَّصِفْ بِرَحْمَةِ وَلَا غَضَبٍ؛ وَهُوَ قَدْ فَرَّقَ بَيْنَ غَضَبِهِ وَعِقَابِهِ بِقَوْلِهِ: {فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} وَقَوْلُهُ: {وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} وَفِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَد عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ:
(6/261)

" {أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ غَضَبِهِ وَعِقَابِهِ وَمِنْ شَرِّ عِبَادِهِ وَمِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ وَأَنْ يَحْضُرُونِ} ". وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ: {رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ} فَعَلَّقَ الرَّحْمَةَ بِالْمَشِيئَةِ كَمَا عَلَّقَ التَّعْذِيبَ. وَمَا تَعَلَّقَ بِالْمَشِيئَةِ مِمَّا يَتَّصِفُ بِهِ الرَّبُّ فَهُوَ مِنْ " الصِّفَاتِ الِاخْتِيَارِيَّةِ ". وَكَذَلِكَ كَوْنُهُ مَالِكًا لِيَوْمِ الدِّينِ يَوْمَ يَدِينُ الْعِبَادُ بِأَعْمَالِهِمْ إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ وَإِنْ شَرًّا فَشَرٌّ يَوْمَ الدِّينِ وَمَا أَدْرَاك مَا يَوْمُ الدِّينِ {يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ} . فَإِنَّ " الْمَلِكَ " هُوَ الَّذِي يَتَصَرَّفُ بِأَمْرِ فَيُطَاعُ وَلِهَذَا إنَّمَا يُقَالُ " مَلِكٌ " لِلْحَيِّ الْمُطَاعِ الْأَمْرِ لَا يُقَالُ فِي الْجَمَادَاتِ: لِصَاحِبِهَا " مَلِكٌ "؛ إنَّمَا يُقَالُ لَهُ: " مَالِكٌ " وَيُقَالُ لِيَعْسُوبِ النَّحْلِ: " مَلِكُ النَّحْلِ " لِأَنَّهُ يَأْمُرُ فَيُطَاعُ وَالْمَالِكُ الْقَادِرُ عَلَى التَّصْرِيفِ فِي الْمَمْلُوكِ. وَإِذَا كَانَ " الْمَلِكُ " هُوَ الْآمِرُ النَّاهِي الْمُطَاعُ فَإِنْ كَانَ يَأْمُرُ وَيَنْهَى بِمَشِيئَتِهِ كَانَ أَمْرُهُ وَنَهْيُهُ مِنْ " الصِّفَاتِ الِاخْتِيَارِيَّةِ " وَبِهَذَا أَخْبَرَ الْقُرْآنُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ} . وَإِنْ كَانَ لَا يَأْمُرُ وَيَنْهَى بِمَشِيئَتِهِ - بَلْ أَمْرُهُ لَازِمٌ لَهُ حَاصِلٌ بِغَيْرِ مَشِيئَتِهِ وَلَا قُدْرَتِهِ - لَمْ يَكُنْ هَذَا مَالِكًا أَيْضًا؛ بَلْ هَذَا أَوْلَى أَنْ يَكُونَ مَمْلُوكًا فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ الْإِنْسَانَ وَجَعَلَ لَهُ صِفَاتٍ تَلْزَمُهُ - كَاللَّوْنِ وَالطُّولِ وَالْعَرْضِ وَالْحَيَاءِ
(6/262)

وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يَحْصُلُ لِذَاتِهِ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ - فَكَانَ بِاعْتِبَارِ ذَلِكَ مَمْلُوكًا مَخْلُوقًا لِلرَّبِّ فَقَطْ وَإِنَّمَا يَكُونُ " مَلِكًا " إذَا كَانَ يَأْمُرُ وَيَنْهَى بِاخْتِيَارِهِ فَيُطَاعُ - وَإِنْ كَانَ اللَّهُ خَالِقًا لِفِعْلِهِ وَلِكُلِّ شَيْءٍ. وَلَكِنَّ الْمَقْصُودَ أَنَّهُ لَا يَكُونُ " مَلِكًا " إلَّا مَنْ يَأْمُرُ وَيَنْهَى بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ بَلْ مَنْ قَالَ إنَّهُ لَازِمٌ لَهُ بِغَيْرِ مَشِيئَتِهِ أَوْ قَالَ إنَّهُ مَخْلُوقٌ لَهُ فَكِلَاهُمَا يَلْزَمُهُ أَنَّهُ لَا يَكُونُ " مَلِكًا " وَإِذَا لَمْ يُمْكِنْهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ بِمَشِيئَتِهِ لَمْ يَكُنْ " مَالِكًا " أَيْضًا. فَمَنْ قَالَ إنَّهُ لَا يَقُومُ بِهِ " فِعْلٌ اخْتِيَارِيٌّ " لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ فِي الْحَقِيقَةِ مَالِكًا لِشَيْءِ وَإِذَا اعْتَبَرْت سَائِرَ الْقُرْآنِ وَجَدْت أَنَّهُ مَنْ لَمْ يُقِرَّ " بِالصِّفَاتِ الِاخْتِيَارِيَّةِ " لَمْ يَقُمْ بِحَقِيقَةِ الْإِيمَانِ وَلَا الْقُرْآنِ فَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّ الْفَاتِحَةَ وَغَيْرَهَا يَدُلُّ عَلَى " الصِّفَاتِ الِاخْتِيَارِيَّةِ " وَقَوْلُهُ: {إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} فِيهِ إخْلَاصُ الْعِبَادَةِ لِلَّهِ وَالِاسْتِعَانَةُ بِهِ وَأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ لَا يَعْبُدُونَ إلَّا اللَّهَ وَلَا يَسْتَعِينُونَ إلَّا بِاَللَّهِ؛ فَمَنْ دَعَا غَيْرَ اللَّهِ مِنْ الْمَخْلُوقِينَ أَوْ اسْتَعَانَ بِهِمْ: مِنْ أَهْلِ الْقُبُورِ وَغَيْرِهِمْ لَمْ يُحَقِّقْ قَوْلَهُ: {إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} وَلَا يُحَقِّقُ ذَلِكَ إلَّا مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ " الزِّيَارَةِ الشَّرْعِيَّةِ " وَ " الزِّيَارَةِ الْبِدْعِيَّةِ ". فَإِنَّ " الزِّيَارَةَ الشَّرْعِيَّةَ " عِبَادَةٌ لِلَّهِ وَطَاعَةٌ لِرَسُولِهِ وَتَوْحِيدٌ لِلَّهِ وَإِحْسَانٌ إلَى عِبَادِهِ وَعَمَلٌ صَالِحٌ مِنْ الزَّائِرِ يُثَابُ عَلَيْهِ. وَ " الزِّيَارَةُ الْبِدْعِيَّةُ " شِرْكٌ بِالْخَالِقِ وَظُلْمٌ لِلْمَخْلُوقِ وَظُلْمٌ لِلنَّفْسِ. فَصَاحِبُ الزِّيَارَةِ الشَّرْعِيَّةِ هُوَ الَّذِي يُحَقِّقُ قَوْلَهُ: {إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ
(6/263)

نَسْتَعِينُ} . أَلَا تَرَى أَنَّ اثْنَيْنِ لَوْ شَهِدَا جِنَازَةً فَقَامَ أَحَدُهُمَا يَدْعُو لِلْمَيِّتِ وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ وَعَافِهِ وَاعْفُ عَنْهُ وَأَكْرِمْ نُزُلَهُ وَوَسِّعْ مُدْخَلَهُ وَاغْسِلْهُ بِمَاءِ وَثَلْجٍ وَبَرَدٍ وَنَقِّهِ مِنْ الذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ مِنْ الدَّنَسِ وَأَبْدِلْهُ دَارًا خَيْرًا مِنْ دَارِهِ وَأَهْلًا خَيْرًا مِنْ أَهْلِهِ وَأَعِذْهُ مِنْ عَذَابِ النَّارِ وَعَذَابِ الْقَبْرِ وَأَفْسِحْ لَهُ فِي قَبْرِهِ وَنَوِّرْ لَهُ فِيهِ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنْ الدُّعَاءِ لَهُ. وَقَامَ الْآخَرُ فَقَالَ: يَا سَيِّدِي أَشْكُو لَك دُيُونِي وَأَعْدَائِي وَذُنُوبِي. أَنَا مُسْتَغِيثٌ بِك مُسْتَجِيرٌ بِك أَغِثْنِي وَنَحْوُ ذَلِكَ؛ لَكَانَ الْأَوَّلُ عَابِدًا لِلَّهِ وَمُحْسِنًا إلَى خَلْقِهِ مُحْسِنًا إلَى نَفْسِهِ بِعِبَادَةِ اللَّهِ وَنَفْعِهِ عِبَادَهُ وَهَذَا الثَّانِي مُشْرِكًا مُؤْذِيًا ظَالِمًا مُعْتَدِيًا عَلَى الْمَيِّتِ ظَالِمًا لِنَفْسِهِ. فَهَذَا بَعْضُ مَا بَيْنَ " الْبِدْعِيَّةِ " وَ " الشَّرْعِيَّةِ " مِنْ الْفُرُوقِ. وَالْمَقْصُودُ أَنَّ صَاحِبَ " الزِّيَارَةِ الشَّرْعِيَّةِ " إذَا قَالَ: {إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} كَانَ صَادِقًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْبُدْ إلَّا اللَّهَ وَلَمْ يَسْتَعِنْ إلَّا بِهِ وَأَمَّا صَاحِبُ " الزِّيَارَةِ الْبِدْعِيَّةِ " فَإِنَّهُ عَبَدَ غَيْرَ اللَّهِ وَاسْتَعَانَ بِغَيْرِهِ. فَهَذَا بَعْضُ مَا يُبَيِّنُ أَنَّ " الْفَاتِحَةَ " أُمُّ الْقُرْآنِ: اشْتَمَلَتْ عَلَى بَيَانِ الْمَسْأَلَتَيْنِ الْمُتَنَازَعِ فِيهِمَا: " مَسْأَلَةِ الصِّفَاتِ الِاخْتِيَارِيَّةِ " " وَمَسْأَلَةِ الْفَرْقِ بَيْنَ الزِّيَارَةِ الشَّرْعِيَّةِ وَالزِّيَارَةِ الْبِدْعِيَّةِ ". وَاَللَّهُ تَعَالَى هُوَ الْمَسْئُولُ أَنْ يَهْدِيَنَا وَسَائِرَ إخْوَانِنَا إلَى صِرَاطِهِ الْمُسْتَقِيمِ صِرَاطِ الَّذِينَ أَنْعَمَ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا.
(6/264)

وَمِمَّا يُوَضِّحُ ذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: {إذَا قَالَ الْعَبْدُ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} قَالَ اللَّهُ: حَمِدَنِي عَبْدِي فَإِذَا قَالَ: {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قَالَ أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي. فَإِذَا قَالَ: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} قَالَ اللَّهُ: مَجَّدَنِي عَبْدِي فَذَكَرَ الْحَمْدَ وَالثَّنَاءَ وَالْمَجْدَ. بَعْدَ ذَلِكَ يَقُولُ: {إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} إلَى آخِرِهَا هَذَا فِي أَوَّلِ الْقِرَاءَةِ فِي قِيَامِ الصَّلَاةِ. ثُمَّ فِي آخِرِ الْقِيَامِ بَعْدَ الرُّكُوعِ يَقُولُ: رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ مِلْءَ السَّمَاءِ وَمِلْءَ الْأَرْضِ. إلَى قَوْلِهِ: أَهْلَ الثَّنَاءِ وَالْمَجْدِ أَحَقُّ مَا قَالَ الْعَبْدُ وَكُلُّنَا لَك عَبْدٌ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْت وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْت وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْك الْجَدُّ} . وَقَوْلُهُ: أَحَقُّ مَا قَالَ الْعَبْدُ. خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أَيْ هَذَا الْكَلَامُ أَحَقُّ مَا قَالَ الْعَبْدُ. فَتَبَيَّنَ أَنَّ حَمْدَ اللَّهِ وَالثَّنَاءَ عَلَيْهِ أَحَقُّ مَا قَالَهُ الْعَبْدُ وَفِي ضِمْنِهِ تَوْحِيدُهُ لَهُ إذَا قَالَ: وَلَك الْحَمْدُ أَيْ لَك لَا لِغَيْرِك وَقَالَ فِي آخِرِهِ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْت وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْت وَهَذَا يَقْتَضِي انْفِرَادَهُ بِالْعَطَاءِ وَالْمَنْعِ فَلَا يُسْتَعَانُ إلَّا بِهِ وَلَا يُطْلَبُ إلَّا مِنْهُ. ثُمَّ قَالَ: وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْك الْجَدُّ فَبَيَّنَ أَنَّ الْإِنْسَانَ وَإِنْ أُعْطِيَ الْمُلْكَ وَالْغِنَى وَالرِّئَاسَةَ فَهَذَا لَا يُنْجِيهِ مِنْك؛ إنَّمَا يُنْجِيهِ الْإِيمَانُ وَالتَّقْوَى وَهَذَا تَحْقِيقُ قَوْلِهِ: {إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} فَكَانَ هَذَا الذِّكْرُ فِي آخِرِ الْقِيَامِ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ أَوَّلَ الْقِيَامِ وَقَوْلُهُ أَحَقُّ مَا قَالَ الْعَبْدُ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ حَمْدُ اللَّهِ أَحَقَّ الْأَقْوَالِ بِأَنْ يَقُولَهُ الْعَبْدُ؛ وَمَا كَانَ أَحَقَّ الْأَقْوَالِ كَانَ أَفْضَلَهَا وَأَوْجَبَهَا عَلَى الْإِنْسَانِ. وَلِهَذَا افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَى عِبَادِهِ فِي كُلِّ صَلَاةٍ أَنْ يَفْتَتِحُوهَا بِقَوْلِهِمْ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} وَأَمَرَهُمْ أَيْضًا أَنْ يَفْتَتِحُوا كُلَّ خُطْبَةٍ " بالحمد لِلَّهِ " فَأَمَرَهُمْ أَنْ
(6/265)

يَكُونَ مُقَدَّمًا عَلَى كُلِّ كَلَامٍ سَوَاءٌ كَانَ خِطَابًا لِلْخَالِقِ أَوْ خِطَابًا لِلْمَخْلُوقِ وَلِهَذَا يُقَدِّمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحَمْدَ أَمَامَ الشَّفَاعَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِهَذَا أَمَرَنَا بِتَقْدِيمِ الثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ فِي التَّشَهُّدِ قَبْلَ الدُّعَاءِ وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " {كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بالحمد لِلَّهِ فَهُوَ أَجْذَمُ. وَأَوَّلُ مَنْ يُدْعَى إلَى الْجَنَّةِ الْحَمَّادُونَ الَّذِينَ يَحْمَدُونَ اللَّهَ عَلَى السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ} . وَقَوْلُهُ {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} جَعَلَهُ ثَنَاءً. وَقَوْلُهُ {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} جَعَلَهُ تَمْجِيدًا. وَقَوْلُهُ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ} حَمْدٌ مُطْلَقٌ. فَإِنَّ " الْحَمْدَ " اسْمُ جِنْسٍ وَالْجِنْسُ لَهُ كَمِّيَّةٌ وَكَيْفِيَّةٌ؛ فَالثَّنَاءُ كَمِّيَّتُهُ. وَتَكْبِيرُهُ وَتَعْظِيمُهُ كَيْفِيَّتُهُ وَ " الْمَجْدُ " هُوَ السَّعَةُ وَالْعُلُوُّ فَهُوَ يُعَظِّمُ كَيْفِيَّتَهُ وَقَدْرَهُ وَكَمِّيَّتَهُ الْمُتَّصِلَةَ وَذَلِكَ أَنَّ هَذَا وَصْفٌ لَهُ بِالْمِلْكِ. وَ " الْمِلْكُ " يَتَضَمَّنُ الْقُدْرَةَ وَفِعْلَ مَا يَشَاءُ وَ {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} وَصْفٌ بِالرَّحْمَةِ الْمُتَضَمِّنَةِ لِإِحْسَانِهِ إلَى الْعِبَادِ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ أَيْضًا وَالْخَيْرُ يَحْصُلُ بِالْقُدْرَةِ وَالْإِرَادَةِ الَّتِي تَتَضَمَّنُ الرَّحْمَةَ. فَإِذَا كَانَ قَدِيرًا مُرِيدًا لِلْإِحْسَانِ: حَصَلَ كُلُّ خَيْرٍ وَإِنَّمَا يَقَعُ النَّقْصُ لِعَدَمِ الْقُدْرَةِ أَوْ لِعَدَمِ إرَادَةِ الْخَيْرِ " فَالرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ الْمَلِكُ " قَدْ اتَّصَفَ بِغَايَةِ إرَادَةِ الْإِحْسَانِ وَغَايَةِ الْقُدْرَةِ؛ وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِهِ خَيْرُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. وَقَوْلُهُ: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} مَعَ أَنَّهُ " مَلِكُ الدُّنْيَا " لِأَنَّ يَوْمَ الدِّينِ لَا يَدَّعِي أَحَدٌ فِيهِ مُنَازَعَةً وَهُوَ الْيَوْمُ الْأَعْظَمُ فَمَا الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إلَّا كَمَا يَضَعُ أَحَدُكُمْ إصْبَعَهُ فِي الْيَمِّ فَلْيَنْظُرْ بِمَ يَرْجِعُ وَ " الدِّينُ " عَاقِبَةُ أَفْعَالِ الْعِبَادِ وَقَدْ يَدُلُّ بِطَرِيقِ التَّنْبِيهِ وَبِطْرِيقِ الْعُمُومِ عِنْدَ بَعْضِهِمْ: عَلَى مِلْكِ الدُّنْيَا فَيَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ
(6/266)

وَلَهُ الْحَمْدُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَرْحَمَ وَرَحْمَتُهُ وَإِحْسَانُهُ وَصْفٌ لَهُ يَحْصُلُ بِمَشِيئَتِهِ وَهُوَ مِنْ " الصِّفَاتِ الِاخْتِيَارِيَّةِ ". وَفِي الصَّحِيحِ " {أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُعَلِّمُ أَصْحَابَهُ الِاسْتِخَارَةَ فِي الْأُمُورِ كُلِّهَا كَمَا يُعَلِّمُهُمْ السُّورَةَ مِنْ الْقُرْآنِ يَقُولُ: إذَا هَمَّ أَحَدُكُمْ بِالْأَمْرِ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الْفَرِيضَةِ ثُمَّ لِيَقُلْ: اللَّهُمَّ إنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِك وَأَسْتَقْدِرُك بِقُدْرَتِك وَأَسْأَلُك مِنْ فَضْلِك الْعَظِيمِ فَإِنَّك تَقْدِرُ وَلَا أَقْدِرُ وَتَعْلَمُ وَلَا أَعْلَمُ وَأَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ اللَّهُمَّ إنْ كُنْت تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ - وَيُسَمِّيهِ بِاسْمِهِ - خَيْرًا لِي فِي دِينِي وَدُنْيَايَ وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي: فَاقْدُرْهُ لِي وَيَسِّرْهُ لِي ثُمَّ بَارِكْ لِي فِيهِ؛ وَإِنْ كُنْت تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ شَرٌّ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي فَاصْرِفْهُ عَنِّي وَاصْرِفْنِي عَنْهُ وَاقْدُرْ لِي الْخَيْرَ حَيْثُ كَانَ} ". فَسَأَلَهُ بِعِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ وَمِنْ فَضْلِهِ وَفَضْلُهُ يَحْصُلُ بِرَحْمَتِهِ وَهَذِهِ الصِّفَاتُ هِيَ جِمَاعُ صِفَاتِ الْكَمَالِ لَكِنَّ " الْعِلْمَ " لَهُ عُمُومُ التَّعَلُّقِ: يَتَعَلَّقُ بِالْخَالِقِ وَالْمَخْلُوقِ وَالْمَوْجُودِ وَالْمَعْدُومِ؛ وَأَمَّا " الْقُدْرَةُ " فَإِنَّمَا تَتَعَلَّقُ بِالْمَخْلُوقِ؛ وَكَذَلِكَ " الْمُلْكُ " إنَّمَا يَكُونُ مُلْكًا عَلَى الْمَخْلُوقَاتِ. " فَالْفَاتِحَةُ " اشْتَمَلَتْ عَلَى الْكَمَالِ فِي " الْإِرَادَةِ " وَهُوَ الرَّحْمَةُ وَعَلَى الْكَمَالِ فِي " الْقُدْرَةِ " وَهُوَ مُلْكُ يَوْمِ الدِّينِ وَهَذَا إنَّمَا يَتِمُّ " بِالصِّفَاتِ الِاخْتِيَارِيَّةِ " كَمَا تَقَدَّمَ. وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.
(6/267)

قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:
فَصْلٌ:
وَصْفُهُ تَعَالَى " بِالصِّفَاتِ الْفِعْلِيَّةِ " - مِثْلُ الْخَالِقِ وَالرَّازِقِ وَالْبَاعِثِ وَالْوَارِثِ وَالْمُحْيِي وَالْمُمِيتِ - قَدِيمٌ عِنْدَ أَصْحَابِنَا وَعَامَّةِ أَهْلِ السُّنَّةِ: مِنْ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالصُّوفِيَّةِ. ذَكَرَهُ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحَاقَ الكلاباذي حَتَّى الْحَنَفِيَّةِ والسالمية والكَرَّامِيَة. وَالْخِلَافُ فِيهِ مَعَ " الْمُعْتَزِلَةِ " وَ " الْأَشْعَرِيَّةِ ". وَكَذَلِكَ قَوْلُ ابْنِ عَقِيلٍ " فِي الْإِرْشَادِ " وَبَسَطَ الْقَوْلَ فِي ذَلِكَ وَزَعَمَ أَنَّ أَسْمَاءَهُ الْفِعْلِيَّةَ - وَإِنْ كَانَتْ قَدِيمَةً - فَإِنَّهَا مَجَازٌ قَبْلَ وُجُودِ الْفِعْلِ وَذَكَرَ ذَلِكَ عَنْ الْقَاضِي فِي " الْمُعْتَمَدِ " فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ مَعَ السالمية؛ وَالْقَاضِي إنَّمَا ذَكَرَ لِلْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةَ مَآخِذَ: (أَحَدُهَا: أَنَّهُ مِثْلُ قَوْلِهِمْ: خُبْزٌ مُشْبِعٌ وَمَاءٌ مَرْوِيٌّ وَسَيْفٌ قَاطِعٌ؛ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِمَجَازِ؛ لِأَنَّ الْمَجَازَ مَا يَصِحُّ نَفْيُهُ. كَمَا يُقَالُ عَنْ الْجَدِّ لَيْسَ بِأَبٍ؛ وَلَا
(6/268)

يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ عَنْ السَّيْفِ الَّذِي يَقْطَعُ لَيْسَ بِقَطُوعِ وَلَا عَنْ الْخُبْزِ الْكَثِيرِ وَالْمَاءِ الْكَثِيرِ. لَيْسَ بِمُشْبِعِ وَلَا بِمَرْوِيٍّ؛ فَعُلِمَ أَنَّ ذَلِكَ حَقِيقَةٌ. هَذَا تَعْلِيلُ الْقَاضِي. قُلْت: وَهَذَا لِأَنَّ الْوَصْفَ بِذَلِكَ يَعْتَمِدُ كَمَالَ الْوَصْفِ الَّذِي يَصْدُرُ عَنْهُ الْفِعْلُ لَا ذَاتُ الْفِعْلِ الصَّادِرِ. وَعَلَى هَذَا فَيُوصَفُ بِكُلِّ مَا يَتَّصِفُ بِالْقُدْرَةِ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْهُ. قُلْت: وَقَدْ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي قَوْلِ أَحْمَدَ: " لَمْ يَزَلْ اللَّهُ عَالِمًا مُتَكَلِّمًا غَفُورًا " هَلْ قَوْلُهُ لَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّمًا مِثْلُ قَوْلِهِ غَفُورًا أَوْ مِثْلُ قَوْلِهِ عَالِمًا؟ عَلَى " قَوْلَيْنِ ". الْمَأْخَذُ (الثَّانِي: أَنَّ الْفِعْلَ مُتَحَقِّقٌ مِنْهُ فِي الثَّانِي مِنْ الزَّمَانِ كَتَحَقُّقِنَا الْآنَ أَنَّهُ بَاعِثٌ وَارِثٌ قَبْلَ الْبَعْثِ وَالْإِرْثِ وَهَذَا مَأْخَذُ أَبِي إسْحَاقَ بْنِ شاقلا وَالْقَاضِي أَيْضًا وَهَذَا بِخِلَافِ مَنْ يَجُوزُ أَنْ يَفْعَلَ وَيَجُوزُ أَنْ لَا يَفْعَلَ. وَهَذَا يُشْبِهُ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ وَصْفَ النَّبِيِّ قَبْلَ النُّبُوَّةِ؛ بِأَنَّهُ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ وَسَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ وَخَاتَمُ الرُّسُلِ. وَوَصْفَ عُمَرَ بِأَنَّهُ فَاتِحُ الْأَمْصَارِ كَمَا قِيلَ وُلِدَ اللَّيْلَةَ نَبِيُّ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَكَمَا قَالَ: {اقْتَدُوا بِاَللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ} ". وَقَدْ ذَكَرَ طَائِفَةٌ مِنْ الْأُصُولِيِّينَ أَنَّ إطْلَاقَ الصِّفَةِ قَبْلَ وُجُودِ الْمَعْنَى مَجَازٌ بِالِاتِّفَاقِ وَحِينَ وُجُودِهِ حَقِيقَةٌ وَبَعْدَ وُجُودِهِ وَزَوَالِهِ مَحَلُّ الِاخْتِلَافِ؛ لَكِنَّ هَذِهِ الْحِكَايَةَ مَرْدُودَةٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ فَيُفَرِّقُونَ بَيْنَ مَنْ يَتَحَقَّقُ وُجُودَ الْفِعْلِ مِنْهُ وَبَيْنَ مَنْ يُمْكِنُ وُجُودُ الْفِعْلِ مِنْهُ.
(6/269)

ثُمَّ قَدْ يُقَالُ: كَوْنُهُ خَالِقًا فِي الْأَزَلِ لِلْمَخْلُوقِ فِيمَا لَا يَزَالُ بِمَنْزِلَةِ كَوْنِهِ مُرِيدًا فِي الْأَزَلِ وَرَحِيمًا وَبِهَذَا يَظْهَرُ الْفَرْقُ بَيْنَ إطْلَاقِ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَإِطْلَاقِ الْوَصْفِ عَلَى مَنْ سَيَقُومُ بِهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ مِنْ الْمَخْلُوقِينَ؛ فَعَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ: يَكُونُ الْخَالِقُ بِمَنْزِلَةِ الْقَادِرِ وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ يَكُونُ الْخَالِقُ بِمَنْزِلَةِ الرَّحِيمِ وَهَذَا الْفَرْقُ يَعُودُ إلَى الْمَأْخَذِ الثَّالِثِ. وَهُوَ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ " فِي ذَاتِهِ " حَالُهُ قَبْلَ أَنْ يَفْعَلَ وَحَالُهُ بَعْدَ أَنْ يَفْعَلَ سَوَاءٌ لَمْ تَتَغَيَّرْ ذَاتُهُ عَنْ أَفْعَالِهِ وَلَمْ يَكْتَسِبْ عَنْ أَفْعَالِهِ صِفَاتِ كَمَالَ كَالْمَخْلُوقِ. وَهَذَا الْمَأْخَذُ نَبَّهَ عَلَيْهِ الْقَاضِي أَيْضًا فَقَالَ: وَأَيْضًا فَقَدْ ثَبَتَ كَوْنُهُ الْآنَ خَالِقًا وَالْخَالِقُ ذَاتُهُ وَذَاتُهُ كَانَتْ فِي الْأَزَلِ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ خَالِقًا وَصَارَ خَالِقًا لَلَزِمَهُ التَّغَيُّرُ وَالتَّحْوِيلُ وَاَللَّهُ يَتَعَالَى عَنْ ذَلِكَ وَعَلَى هَذَا فَيَكُونُ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الرَّحِيمِ وَالْحَلِيمِ. الْمَأْخَذُ الرَّابِعُ: أَنَّ الْخَلْقَ صِفَةٌ قَائِمَةٌ بِذَاتِهِ لَيْسَتْ هِيَ الْمَخْلُوقَ وَجَوَّزَ الْقَاضِي فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنْ يُقَالَ: هُوَ قَدِيمُ الْإِحْسَانِ وَالْإِنْعَامِ وَيَعْنِي بِهِ أَنَّ الْإِحْسَانَ صِفَةٌ قَائِمَةٌ بِهِ غَيْرُ الْمُحْسِنِ بِهِ وَمَنَعَ أَنْ يُقَالَ: يَا قَدِيمَ الْخَلْقِ لِأَنَّ الْخَلْقَ هُوَ الْمَخْلُوقُ وَهَذَا أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ لِأَصْحَابِنَا وَهُوَ قَوْلُ الكَرَّامِيَة وَالْحَنَفِيَّةِ وَتُسَمِّيهَا فِرْقَةُ التَّكْوِينِ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ الْخَلْقَ هُوَ الْمَخْلُوقُ كَقَوْلِ الْأَشْعَرِيَّةِ. قَالَ الْقَاضِي فِي عُيُونِ الْمَسَائِلِ: مَسْأَلَةٌ وَالْخَلْقُ غَيْرُ الْمَخْلُوقِ فَالْخَلْقُ صِفَةٌ
(6/270)

قَائِمَةٌ بِذَاتِهِ وَالْمَخْلُوقُ هُوَ الْمَوْجُودُ الْمُخْتَرِعُ لَا يَقُومُ بِذَاتِهِ قَالَ: وَهَذَا بِنَاءً عَلَى الْمَسْأَلَةِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ وَأَنَّ الصِّفَاتِ الصَّادِرَةَ عَنْ الْأَفْعَالِ مَوْصُوفٌ بِهَا فِي الْقِدَمِ. قُلْت: ثُمَّ هَلْ يَحْدُثُ فِعْلٌ فِي ذَاتِهِ مِنْ قَوْلٍ أَوْ إرَادَةٍ عِنْدَ وُجُودِ الْمَخْلُوقَاتِ فِيهِ خِلَافٌ بَيْنِ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ مَبْنِيٌّ عَلَى " الصِّفَاتِ الْفِعْلِيَّةِ " مِثْلُ الِاسْتِوَاءِ وَالنُّزُولِ وَنَحْوِ ذَلِكَ؛ مَعَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ مَوْصُوفًا بِصِفَاتِهِ قَدِيمًا بِهَا؛ لَمْ يَتَجَدَّدْ لَهُ صِفَةُ كَمَالٍ؛ لَكِنَّ أَعْيَانَ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ هَلْ هِيَ قَدِيمَةٌ أَمْ الْكَمَالُ أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ مَوْصُوفًا بِنَوْعِهَا؟ . (وَتَلْخِيصُ الْكَلَامِ هُنَا أَنَّ كَوْنَهُ خَالِقًا وَكَرِيمًا هَلْ هُوَ لِأَجْلِ مَا أَبْدَعَهُ مُنْفَصِلًا عَنْهُ مِنْ الْخَلْقِ وَالنِّعَمِ؟ أَمْ لِأَجْلِ مَا قَامَ بِهِ مِنْ صِفَةِ الْخَلْقِ وَالْكَرَمِ؟ (الثَّانِي هُوَ قَوْلُ الْحَنَفِيَّةِ والكَرَّامِيَة وَكَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَأَصْحَابِنَا فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ؛ بَلْ فِي أَصَحِّهِمَا وَعَلَيْهِ يَدُلُّ كَلَامُ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ مِنْ عُلَمَاءِ السُّنَّةِ وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ يُقَالُ: إنَّهُ لَمْ يَزَلْ كَرِيمًا وَغَفُورًا وَخَالِقًا. كَمَا يُقَالُ: لَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّمًا وَيَكُونُ فِي تَفْسِيرِ ذَلِكَ " قَوْلَانِ " كَمَا فِي تَفْسِيرِ الْمُتَكَلِّمِ " قَوْلَانِ " هَلْ هُوَ يَلْحَقُ بِالْعَالِمِ أَوْ بِالْغَفُورِ؟ و " الْأَوَّلُ " هُوَ قَوْلُ الْأَشْعَرِيَّةِ؛ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْخَلْقَ هُوَ الْمَخْلُوقُ. وَعَلَى هَذَا: فَقَوْلُ أَصْحَابِنَا: كَانَ خَالِقًا فِي الْأَزَلِ إمَّا بِمَعْنَى الْقُدْرَةِ التَّامَّةِ كَمَا يُقَالُ: سَيْفٌ قَاطِعٌ أَوْ بِمَعْنَى وُجُودِ الْفِعْلِ قَطْعًا فِي الْحَالِ الثَّانِي كَمَا يُقَالُ:
(6/271)

هَذَا فَاتِحُ الْأَمْصَارِ وَهَذَا نَبِيُّ هَذِهِ الْأُمَّةِ؛ وَعَلَى هَذَا الْمَعْنَى فَالْخَلْقُ مِنْ الصِّفَاتِ النِّسْبِيَّةِ الْإِضَافِيَّةِ. وَإِذَا جَعَلْنَا الْخَلْقَ صِفَةً قَائِمَةً بِهِ فَهَلْ هِيَ الْمَشِيئَةُ وَالْقَوْلُ أَمْ صِفَةٌ أُخْرَى؟ عَلَى (قَوْلَيْنِ. " الثَّانِي " قَوْلُ الْحَنَفِيَّةِ وَأَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ وَالْمُحَدِّثِينَ؛ كَمَا اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي الرَّحْمَةِ وَالرِّضَا وَالْغَضَبِ هَلْ هِيَ الْإِرَادَةُ أَمْ صِفَةٌ غَيْرُ الْإِرَادَةِ؟ عَلَى " قَوْلَيْنِ " أَصَحُّهُمَا أَنَّهَا لَيْسَتْ هِيَ الْإِرَادَةَ. فَمَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ وَهُوَ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ. وَأَمَّا قَوْلُنَا: هُوَ مَوْصُوفٌ فِي الْأَزَلِ بِالصِّفَاتِ الْفِعْلِيَّةِ مِنْ الْخَلْقِ وَالْكَرَمِ وَالْمَغْفِرَةِ؛ فَهَذَا إخْبَارٌ عَنْ أَنَّ وَصْفَهُ بِذَلِكَ مُتَقَدِّمٌ؛ لِأَنَّ الْوَصْفَ هُوَ الْكَلَامُ الَّذِي يُخْبِرُ بِهِ عَنْهُ وَهَذَا مِمَّا تَدْخُلُهُ الْحَقِيقَةُ وَالْمَجَازُ وَهُوَ حَقِيقَةٌ عِنْدَ أَصْحَابِنَا؛ وَأَمَّا اتِّصَافُهُ بِذَلِكَ فَسَوَاءٌ كَانَ صِفَةً ثُبُوتِيَّةً وَرَاءَ الْقُدْرَةِ أَوْ إضَافِيَّةً. فِيهِ مِنْ الْكَلَامِ مَا تَقَدَّمَ.
(6/272)

وَقَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْعَالِمُ الْعَلَّامَةُ حَبْرُ الْأُمَّةِ وَبَحْرُ الْعُلُومِ شَيْخُ الْإِسْلَامِ تَقِيُّ الدِّينِ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَد بْنُ تَيْمِيَّة - رَحِمَهُ اللَّهُ وَرَضِيَ عَنْهُ وَأَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ -:
الْحَمْدُ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ. وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا.
فَصْلٌ:
فِيمَا ذَكَرَهُ الرَّازِي فِي (الْأَرْبَعِينَ) فِي مَسْأَلَةِ " الصِّفَاتِ الِاخْتِيَارِيَّةِ " الَّتِي يُسَمُّونَهَا حُلُولَ الْحَوَادِثِ بَعْدَ أَنْ قَرَّرَ أَنَّ هَذَا الْمَذْهَبَ قَالَ بِهِ أَكْثَرُ فِرَقِ الْعُقَلَاءِ وَإِنْ كَانُوا يُنْكِرُونَهُ بِاللِّسَانِ. قَالَ: وَاعْلَمْ أَنَّ الصِّفَاتِ عَلَى " ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ ". " حَقِيقِيَّةٌ عَارِيَةٌ عَنْ الْإِضَافَاتِ " كَالسَّوَادِ وَالْبَيَاضِ. " وَثَانِيهَا " الصِّفَاتُ الْحَقِيقِيَّةُ الَّتِي تَلْزَمُهَا الْإِضَافَاتُ كَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ. وَثَالِثُهَا الْإِضَافَاتُ الْمَحْضَةُ وَالنِّسَبُ الْمَحْضَةُ مِثْلُ كَوْنِ الشَّيْءِ قَبْلَ غَيْرِهِ
(6/273)

وَعِنْدَهُ وَمِثْلُ كَوْنِ الشَّيْءِ يَمِينًا لِغَيْرِهِ أَوْ يَسَارًا لَهُ؛ فَإِنَّك إذَا جَلَسْت عَلَى يَمِينِ إنْسَانٍ ثُمَّ قَامَ ذَلِكَ الْإِنْسَانُ وَجَلَسَ فِي الْجَانِبِ الْآخَرِ مِنْك: فَقَدْ كُنْت يَمِينًا لَهُ؛ ثُمَّ صِرْت الْآنَ يَسَارًا لَهُ فَهُنَا لَمْ يَقَعْ التَّغَيُّرُ فِي ذَاتِك وَلَا فِي صِفَةٍ حَقِيقِيَّةٍ مِنْ صِفَاتِك؛ بَلْ فِي مَحْضِ الْإِضَافَاتِ. إذَا عَرَفْت هَذَا، فَنَقُولُ: أَمَّا وُقُوعُ التَّغَيُّرِ فِي الْإِضَافَاتِ فَلَا خَلَاصَ عَنْهُ وَأَمَّا وُقُوعُ التَّغَيُّرِ فِي الصِّفَاتِ الْحَقِيقِيَّةِ: فالكَرَّامِيَة يُثْبِتُونَهُ وَسَائِرُ الطَّوَائِفِ يُنْكِرُونَهُ فَبِهَذَا يَظْهَرُ الْفَرْقُ فِي هَذَا الْبَابِ بَيْنَ مَذْهَبِ الكَرَّامِيَة وَمَذْهَبِ غَيْرِهِمْ قَالَ: وَاَلَّذِي يَدُلُّ عَلَى فَسَادِ قَوْلِ الكَرَّامِيَة " وُجُوهٌ ":. (الْأَوَّلُ أَنَّ كُلَّ مَا كَانَ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مِنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ وَنُعُوتِ الْجَلَالِ فَلَوْ كَانَتْ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِهِ مُحْدَثَةً: لَكَانَتْ ذَاتُهُ قَبْلَ حُدُوثِ تِلْكَ الصِّفَةِ خَالِيَةً عَنْ صِفَةِ الْكَمَالِ وَالْجَلَالِ. وَالْخَالِي عَنْ صِفَةِ الْكَمَالِ نَاقِصٌ؛ فَيَلْزَمُ أَنْ ذَاتَه كَانَتْ نَاقِصَةً قَبْلَ حُدُوثِ تِلْكَ الصِّفَةِ فِيهَا وَذَلِكَ مُحَالٌ. فَثَبَتَ أَنَّ حُدُوثَ الصِّفَةِ فِي ذَاتِ اللَّهِ مُحَالٌ. قُلْت: وَلِقَائِلِ أَنْ يَقُولَ: مَا ذَكَرْته لَا يَدُلُّ عَلَى مَحَلِّ النِّزَاعِ وَبَيَانُ ذَلِكَ مِنْ " وُجُوهٍ ". " أَحَدُهَا " أَنَّ الدَّلِيلَ مَبْنِيٌّ عَلَى مُقَدِّمَاتٍ لَمْ يُقَرِّرُوا وَاحِدَةً مِنْهَا؟ لَا بِحُجَّةِ عَقْلِيَّةٍ وَلَا سَمْعِيَّةٍ وَهُوَ أَنَّ كُلُّ مَا كَانَ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مِنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ وَأَنَّ الذَّاتَ قَبْلَ تِلْكَ الصِّفَةِ تَكُونُ نَاقِصَةً وَأَنَّ ذَلِكَ النَّقْصَ مُحَالٌ.
(6/274)

وَحَقِيقَةُ الْأَمْرِ لَوْ قَامَ بِهِ حَادِثٌ لَامْتَنَعَ خُلُوُّهُ مِنْهُ قَبْلَ ذَلِكَ. وَلَمْ يَقُمْ عَلَى ذَلِكَ حُجَّةٌ. (الثَّانِي أَنَّ وُجُوبَ اتِّصَافِهِ بِهَذَا الْكَمَالِ وَتَنْزِيهُهُ عَنْ النَّقْصِ لَمْ تَذْكُرْ فِي كُتُبِك عَلَيْهِ حُجَّةً عَقْلِيَّةً؛ بَلْ أَنْتَ وَشُيُوخُك كَأَبِي الْمَعَالِي وَغَيْرِهِ تَقُولُونَ: إنَّ هَذَا لَمْ يُعْلَمْ بِالْعَقْلِ؛ بَلْ بِالسَّمْعِ وَإِذَا كُنْتُمْ مُعْتَرِفِينَ بِأَنَّ هَذِهِ الْمُقَدِّمَةَ لَمْ تَعْرِفُوهَا بِالْعَقْلِ. فَالسَّمْعُ إمَّا نَصٌّ وَإِمَّا إجْمَاعٌ وَأَنْتُمْ لَمْ تَحْتَجُّوا بِنَصِّ؛ بَلْ فِي الْقُرْآنِ أَكْثَرُ مِنْ مِائَةِ نَصٍّ حُجَّةً عَلَيْكُمْ وَالْأَحَادِيثُ الْمُتَوَاتِرَةُ حُجَّةٌ عَلَيْكُمْ. " وَدَعْوَى الْإِجْمَاعِ ": إذَا كَانَتْ أَزَلِيَّةً وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْمَقْبُولُ صَحِيحَ الْوُجُودِ فِي الْأَزَلِ. وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ كَوْنَ الشَّيْءِ قَابِلًا لِغَيْرِهِ: نِسْبَةً بَيْنَ الْقَابِلِ وَالْمَقْبُولِ وَالنِّسْبَةُ بَيْنَ الْمُنْتَسِبِينَ مُتَوَقِّفَةٌ عَلَى تَحَقُّقِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُنْتَسِبِينَ وَصِحَّةُ النِّسْبَةِ تَعْتَمِدُ وُجُودَ الْمُنْتَسِبِينَ. فَلَمَّا كَانَتْ صِحَّةُ اتِّصَافِ الْبَارِي بِالْحَوَادِثِ حَاصِلَةً فِي الْأَزَلِ: لَزِمَ أَنْ تَكُونَ صِحَّةُ وُجُودِ الْحَوَادِثِ حَاصِلَةً فِي الْأَزَلِ. فَيُقَالُ لَك: هَذَا الدَّلِيلُ بِعَيْنِهِ مَوْجُودٌ فِي كَوْنِهِ قَادِرًا فَإِنَّ كَوْنَ الشَّيْءِ قَادِرًا عَلَى غَيْرِهِ نِسْبَةً بَيْنَ الْقَادِرِ وَالْمَقْدُورِ وَالنِّسْبَةُ بَيْنَ الْمُنْتَسِبِينَ مُتَوَقِّفَةٌ عَلَى تَحْقِيقِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُنْتَسِبِينَ وَصِحَّةُ النِّسْبَةِ تَعْتَمِدُ وُجُودَ الْمُنْتَسِبِينَ. فَلَمَّا
(6/275)

كَانَتْ صِحَّةُ اتِّصَافِ الْبَارِي بِالْقُدْرَةِ عَلَى الْغَيْرِ حَاصِلَةً فِي الْأَزَلِ: لَزِمَ أَنْ يَكُونَ صِحَّةُ وُجُودِ الْمَقْدُورِ حَاصِلَةً فِي الْأَزَلِ فَهَذَا وِزَانُ مَا قُلْته سَوَاءً بِسَوَاءِ. وَحِينَئِذٍ فَإِنْ جَوَّزْت وُجُودَ أَحَدِ الْمُنْتَسِبِينَ وَهُوَ كَوْنُهُ قَادِرًا فِي الْأَزَلِ مَعَ امْتِنَاعِ وُجُودِ الْمَقْدُورِ فِي الْأَزَلِ فَجَوِّزْ أَحَدَ الْمُنْتَسِبِينَ وَهُوَ كَوْنُهُ قَابِلًا فِي الْأَزَلِ مَعَ امْتِنَاعِ وُجُودِ الْمَقْبُولِ فِي الْأَزَلِ؛ وَإِنْ لَمْ تُجَوِّزْ ذَلِكَ بَلْ لَا تَتَحَقَّقُ النِّسَبُ إلَّا مَعَ تَحْقِيقِ الْمُنْتَسِبِينَ جَمِيعًا؛ لَزِمَ إمَّا تَحَقُّقُ إمْكَانِ الْمَقْدُورِ فِي الْأَزَلِ وَإِمَّا امْتِنَاعُ كَوْنِهِ قَادِرًا فِي الْأَزَلِ وَأَيًّا مَا كَانَ: بَطَلَتْ حُجَّتُك سَوَاءٌ جَوَّزْت وُجُودَ أَحَدِ الْمُنْتَسِبِينَ مَعَ تَأَخُّرِ الْآخَرِ أَوْ جَوَّزْت وُجُودَ الْمَقْدُورِ فِي الْأَزَلِ أَوْ قُلْت إنَّهُ لَيْسَ بِقَادِرِ فِي الْأَزَلِ. فَإِنَّ هَذَا وَإِنْ كَانَ لَا يَقُولُهُ لَكِنْ لَوْ قُدِّرَ أَنَّ أَحَدًا الْتَزَمَهُ وَقَالَ إنَّهُ يَصِيرُ قَادِرًا بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ قَادِرًا؛ كَمَا يَقُولُونَ إنَّهُ يَصِيرُ قَابِلًا بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ قَابِلًا. قِيلَ لَهُ: كَوْنُهُ قَادِرًا إنْ كَانَ مِنْ لَوَازِمِ ذَاتِهِ وَجَبَ كَوْنُهُ لَمْ يَزَلْ قَادِرًا وَامْتَنَعَ وُجُودُ الْمَلْزُومِ وَهُوَ الذَّاتُ بِدُونِ اللَّازِمِ وَهُوَ الْقُدْرَةُ. وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مِنْ لَوَازِمَ الذَّاتِ كَانَتْ مِنْ عَوَارِضِهَا فَتَكُونُ الذَّاتُ قَابِلَةً لِكَوْنِهِ قَادِرًا وَكَانَتْ الذَّاتُ قَابِلَةً لِتِلْكَ الْقَابِلِيَّةِ. فَقَبُولُ كَوْنِهِ قَادِرًا إنْ كَانَ مِنْ اللَّوَازِمِ عَادَ الْمَقْصُودُ. وَإِنْ كَانَ مِنْ الْعَوَارِضِ افْتَقَرَ إلَى قَابِلِيَّةٍ أُخْرَى وَلَزِمَ إمَّا التَّسَلْسُلُ وَإِمَّا الِانْتِهَاءُ إلَى قَادِرِيَّةٍ تَكُونُ مِنْ لَوَازِمَ الذَّاتِ.
(6/276)

الْجَوَابُ الثَّامِنُ (1) : أَنْ يُقَالَ: فَرْقُك بِأَنَّ وُجُودَ الْقَادِرِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُتَقَدِّمًا عَلَى وُجُودِ الْمَقْدُورِ وَوُجُودُ الْقَابِلِ لَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُتَقَدِّمًا عَلَى وُجُودِ الْمَقْبُولِ؛ فَرْقٌ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى وَلَمْ تَذْكُرْ دَلِيلًا لَا عَلَى هَذَا وَلَا عَلَى هَذَا وَالنِّزَاعُ ثَابِتٌ فِي كِلَا الْأَمْرَيْنِ. فَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ: لَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْقَادِرُ مُتَقَدِّمًا عَلَى إمْكَانِ وُجُودِ الْمَقْدُورِ بَلْ وَلَا يَجُوزُ؛ بَلْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ وُجُودُ الْمَقْدُورِ مَعَ قُدْرَةِ الْقَادِرِ. وَهَذَا كَمَا يَكُونُ الْمَقْدُورُ مَعَ الْقُدْرَةِ عِنْدَ جَمَاهِيرِ النَّاسِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَغَيْرِهِمْ؛ وَإِنْ كَانَ وُجُودُ الْمَقْدُورِ مَعَ الْقَادِرِ يُفَسَّرُ بِشَيْئَيْنِ: (أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الْمَقْدُورُ أَزَلِيًّا مَعَ الْقَادِرِ فِي الزَّمَانِ. فَهَذَا لَا يَقُولُهُ أَهْلُ الْمِلَلِ وَجَمَاهِيرُ الْعُقَلَاءِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ. وَهُوَ الْقَدِيمُ وَمَا سِوَاهُ مَخْلُوقٌ حَادِثٌ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ. وَإِنَّمَا يَقُولُهُ شِرْذِمَةٌ مِنْ الْفَلَاسِفَةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: إنَّ الْفَلَكَ مَعَهُ بِالزَّمَانِ لَمْ يَتَأَخَّرْ عَنْهُ وَيَجْعَلُونَهُ مَعَ ذَلِكَ مَفْعُولًا مَقْدُورًا. وَأَمَّا كَوْنُ الْمَقْدُورِ مُتَّصِلًا بِالْقَادِرِ بِحَيْثُ لَا يَكُونُ بَيْنَهُمَا انْفِصَالٌ وَلَكِنَّهُ عَقِبُهُ؛ فَهَذَا مِمَّا يَقُولُهُ أَكْثَرُ الْعُقَلَاءِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَغَيْرِهِمْ. وَيَقُولُونَ: الْمُؤَثِّرُ التَّامُّ يُوجَدُ أَثَرُهُ عَقِبَ تَأَثُّرِهِ. وَيَقُولُونَ: الْمُوجَبُ التَّامُّ يَسْتَلْزِمُ وُجُودَ مُوجَبِهِ عَقِبَهُ لَا مَعَهُ. فَإِنَّ النَّاسَ فِي الْمُؤَثِّرِ التَّامِّ عَلَى " ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ ":
__________

[تعليق مُعِدّ الكتاب للشاملة]
(1) هكذا بالأصل
(6/277)

مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: يَجُوزُ أَوْ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ أَثَرُهُ مُنْفَصِلًا عَنْهُ؛ فَلَا يَكُونُ الْمَقْدُورُ إلَّا مُتَرَاخِيًا عَنْ الْقَادِرِ وَالْأَثَرُ مُتَرَاخِيًا عَنْ الْمُؤَثِّرِ كَمَا يَقُولُ ذَلِكَ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ وَغَيْرِهِمْ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: بَلْ يَجُوزُ أَوْ يَجِبُ أَنْ يُقَارِنَهُ فِي الزَّمَانِ كَمَا يَقُولُ ذَلِكَ مَنْ يَقُولُهُ مِنْ الْمُتَفَلْسِفَةِ وَوَافَقَهُمْ عَلَيْهِ بَعْضُ أَهْلِ الْكَلَامِ فِي الْعِلَّةِ الْفَاعِلِيَّةِ. فَقَالُوا: إنَّ مَعْلُولَهَا يُقَارِنُهَا فِي الزَّمَانِ.
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنَّ الْأَثَرَ يَتَّصِلُ بِالْمُؤَثِّرِ التَّامِّ لَا يَنْفَصِلُ عَنْهُ وَلَا يُقَارِنُهُ فِي الزَّمَانِ فَالْقَادِرُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُتَقَدِّمًا عَلَى وُجُودِ الْمَقْدُورِ لَا يَنْفَصِلُ عَنْهُ. وَإِذَا قَالَ الْقَائِلُ: وُجُودُ الْقَادِرِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُتَقَدِّمًا عَلَى وُجُودِ الْمَقْدُورِ قَالُوا: إنْ عَنَيْت بِالتَّقَدُّمِ الِانْفِصَالَ فَمَمْنُوعٌ؛ وَإِنْ عَنَيْت عَدَمَ الْمُقَارَنَةِ فَمُسَلَّمٌ وَلَكِنْ لَا نُسَلِّمُ الْمُقَارَنَةَ. وَذَلِكَ يَتَّضِحُ بِالْجَوَابِ التَّاسِعِ: وَهُوَ أَنْ يُقَالَ: قَوْلُك أَمَّا وُجُوبُ وُجُودِ الْقَابِلِ فَلَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُتَقَدِّمًا عَلَى وُجُودِ الْمَقْبُولِ: فَلَمْ تَذْكُرْ عَلَيْهِ دَلِيلًا. وَهِيَ قَضِيَّةٌ كُلِّيَّةٌ سَالِبَةٌ؛ وَهِيَ مَمْنُوعَةٌ. بَلْ الْمَقْبُولُ قَدْ يَكُونُ مِنْ الصِّفَاتِ اللَّازِمَةِ؛ كَالْحَيَاةِ وَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ؛ فَيَجِبُ أَنْ يُقَارَنَ الْمَقْبُولُ لِلْقَابِلِ؛ فَلَا يَتَقَدَّمُ الْقَابِلُ عَلَى الْمَقْبُولِ وَقَدْ يَكُونُ مِنْ الْأُمُورِ الِاخْتِيَارِيَّةِ الَّتِي تَحْدُثُ بِقُدْرَةِ الرَّبِّ وَمَشِيئَتِهِ. فَهَذِهِ الْمَقْبُولَاتُ هِيَ مَقْدُورَةٌ لِلرَّبِّ وَهِيَ مَعَ كَوْنِهَا مَقْبُولَةً نَوْعٌ مِنْ
(6/278)

الْمَقْدُورَاتِ. وَأَنْتَ قَدْ قُلْت: إنَّ الْمَقْدُورَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُتَأَخِّرًا عَنْ وُجُودِ الْقَادِرِ وَهَذَا النَّوْعُ مِنْ الْمَقْبُولَاتِ مَقْدُورٌ؛ فَيَجِبُ عَلَى قَوْلِك أَنْ يَكُونَ الْقَابِلُ لِهَذِهِ: مُتَقَدِّمًا عَلَى وُجُودِ الْمَقْبُولِ. ثُمَّ التَّقَدُّمُ: إنْ عَنَيْت بِهِ مَعَ الِانْفِصَالِ وَالْبَيْنُونَةِ الزَّمَانِيَّةِ: فَفِيهِ نِزَاعٌ وَإِنْ عَنَيْت بِهِ الْمُتَقَدِّمَ - وَإِنْ كَانَ الْمَقْدُورُ الْمَقْبُولُ مُتَّصِلًا بِالْقَادِرِ الْقَابِلِ مِنْ غَيْرِ بَرْزَخٍ بَيْنَهُمَا - فَهَذَا لَا يُنَازِعُك فِيهِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْمِلَلِ وَجَمَاهِيرِ الْعُقَلَاءِ؛ بَلْ لَا يُنَازِعُك فِيهِ عَاقِلٌ يَتَصَوَّرُ مَا يَقُولُ فَإِنَّ الْمَقْدُورَ الَّذِي يَفْعَلُهُ الْقَادِرُ الْأَزَلِيُّ بِمَشِيئَتِهِ: يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ قَدِيمًا مَعَهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ الْقَادِرُ عَلَيْهِ؛ وَلِهَذَا كَانَ الْعُقَلَاءُ قَاطِبَةً: عَلَى أَنَّ كُلَّ مَا كَانَ مَقْدُورًا مَفْعُولًا بِالِاخْتِيَارِ بَلْ مَفْعُولًا مُطْلَقًا: لَمْ يَكُنْ إلَّا حَادِثًا كَائِنًا بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ. (الْجَوَابُ الْعَاشِرُ: أَنَّ وُجُودَ الْحَوَادِثِ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ إنْ كَانَ مُمْكِنًا كَانَتْ الذَّاتُ قَابِلَةً لِذَلِكَ وَإِنْ كَانَ مُمْتَنِعًا امْتَنَعَ أَنْ تَكُونَ قَابِلَةً لَهُ؛ بَلْ وَإِنْ قِيلَ إنَّ الْقَبُولَ مِنْ لَوَازِمِهَا فَهُوَ مَشْرُوطٌ بِإِمْكَانِ الْمَقْبُولِ فَلَمْ تَزَلْ قَابِلَةً لِمَا يُمْكِنُ وُجُودُهُ دُونَ مَا يَمْتَنِعُ. وَهَذَا هُوَ (الْجَوَابُ الْحَادِيَ عَشَرَ: وَهُوَ أَنْ يُقَالَ: الذَّاتُ لَمْ تَزَلْ قَابِلَةً لَكِنَّ وُجُودَ الْمَقْبُولِ مَشْرُوطٌ بِإِمْكَانِهِ؛ فَلَمْ تَزَلْ قَابِلَةً لِمَا يُمْكِنُ وُجُودُهُ لَا لِمَا لَا يُمْكِنُ وُجُودُهُ.
(6/279)

الْوَجْهُ الثَّانِيَ عَشَرَ أَنْ يُقَالَ: عُمْدَةُ الْنُّفَاةِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ قَابِلًا لَهَا فِي الْأَزَلِ: لَلَزِمَ وُجُودُهَا أَوْ إمْكَانَ وُجُودِهَا فِي الْأَزَلِ وَقَرَّرُوا ذَلِكَ فِي " الطَّرِيقَةِ الْمَشْهُورَةِ " بِأَنَّ الْقَابِلَ لِلشَّيْءِ لَا يَخْلُو عَنْهُ وَعَنْ ضِدِّهِ. وَقَدْ نَازَعَهُمْ الْجُمْهُورُ فِي هَذِهِ " الْمُقَدِّمَةِ " وَنَازَعَهُمْ فِيهَا الرَّازِي والآمدي وَغَيْرُهُمَا. وَهُمْ يَقُولُونَ: كُلُّ جِسْمٍ مِنْ الْأَجْسَامِ فَإِنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْ كُلِّ جِنْسٍ مِنْ الْأَعْرَاضِ عَنْ وَاحِدٍ مِنْ ذَلِكَ الْجِنْسِ؛ لِأَنَّ الْقَابِلَ لِلشَّيْءِ لَا يَخْلُو مِنْهُ وَمِنْ ضِدِّهِ؛ فَلِذَلِكَ عَدَلَ مَنْ عَدَلَ إلَى أَنْ يَقُولُوا: لَوْ كَانَ قَابِلًا لَهَا لَكَانَ قَبُولُهُ لَهَا مِنْ لَوَازِمِ ذَاتِهِ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ يُفَسَّرَ: لَوْ كَانَ قَابِلًا لِلْحَوَادِثِ لَمْ يَخْلُ مِنْ الْحَادِثِ أَوْ مِنْ ضِدِّهِ. فَقَوْلُهُمْ: الْقَابِلُ لِلشَّيْءِ: لَا يَخْلُو عَنْ ضِدِّهِ فَقَدْ يُقَالُ عَلَى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ: إنَّ هَذَا يَخْتَصُّ بِهِ لَا بِمَا سِوَاهُ. وَقَدْ يُقَالُ: هُوَ عَامٌّ أَيْضًا. فَيَقُولُ لَهُمْ أَصْحَابُهُمْ: مَا ذَكَرْتُمُوهُ فِي حَقِّهِ مَنْقُوضٌ بِقَبُولِ سَائِرِ الْمَوْصُوفَاتِ بِمَا تَقْبَلُهُ فَإِنَّ قَبُولَهَا لِمَا تَقْبَلُهُ إنْ كَانَ مِنْ لَوَازِمِ ذَاتِهَا لَزِمَ أَنْ لَا تَزَالَ قَابِلَةً لَهُ وَإِنْ كَانَ مِنْ عَوَارِضِ الذَّاتِ فَهِيَ قَابِلَةٌ لِذَلِكَ الْقَبُولِ. وَحِينَئِذٍ يَلْزَمُ إمَّا التَّسَلْسُلُ وَإِمَّا الِانْتِهَاءُ إلَى قَابِلِيَّةٍ تَكُونُ مِنْ لَوَازِمِ الذَّاتِ؛ فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ كُلُّ مَا يَقْبَلُ شَيْئًا قَبُولُهُ لَهُ مِنْ لَوَازِمِ ذَاتِهِ وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ وَغَيْرَهُ مِنْ الْمَوْجُودَاتِ يَقْبَلُ صِفَاتٍ فِي حَالٍ دُونَ حَالٍ. وَجَوَابُ هَذَا: أَنَّ الْمَخْلُوقَ الَّذِي يَقْبَلُ بَعْضَ الصِّفَاتِ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ
(6/280)

لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ قَدْ تَغَيَّرَ تَغَيُّرًا أَوْجَبَ لَهُ قَبُولَ مَا لَمْ يَكُنْ قَابِلًا لَهُ كَالْإِنْسَانِ إذَا كَبُرَ حَصَلَ لَهُ مِنْ قَبُولِ الْعِلْمِ وَالْفَهْمِ: مَا لَمْ يَكُنْ قَابِلًا لَهُ قَبْلَ ذَلِكَ؛ بِخِلَافِ مَنْ لَمْ تَزَلْ ذَاتُهُ عَلَى حَالٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ قَبِلَ مَا لَمْ يَكُنْ قَابِلًا فَإِنَّ هَذَا مُمْتَنِعٌ. فَاَلَّذِينَ يَقُولُونَ: الْقَابِلُ لِلشَّيْءِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ قَبُولُهُ لَهُ مِنْ لَوَازِمِ ذَاتِهِ؛ إنْ ادَّعَوْا أَنَّ كُلَّ جِسْمٍ فَإِنَّهُ يَقْبَلُ جَمِيعَ أَنْوَاعِ الْأَعْرَاضِ فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ: هَذَا الْقَبُولُ مِنْ لَوَازِمِ ذَاتِهِ. وَيَقُولُونَ: لَا يَخْلُو الْجِسْمُ مِنْ كُلِّ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الْأَعْرَاضِ عَنْ وَاحِدٍ مِنْ ذَلِكَ النَّوْعِ وَيَكُونُ مَا ذَكَرُوهُ - مِنْ أَنَّ الْقَبُولَ مِنْ لَوَازِمِ ذَاتِ الْقَابِلِ - دَلِيلًا لَهُمْ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ؛ وَإِنْ لَمْ يَدْعُوا ذَلِكَ فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ: الْأَجْسَامُ تَتَغَيَّرُ فَتَقْبَلُ فِي حَالٍ مَا لَمْ تَكُنْ قَابِلَةً لَهُ فِي حَالَةٍ أُخْرَى وَلَا يَحْتَاجُونَ أَنْ يَقُولُوا الْقَابِلُ لِلشَّيْءِ لَا يَخْلُو عَنْهُ وَعَنْ ضِدِّهِ. وَاَلَّذِينَ قَالُوا: إنَّ الْقَابِلَ لِلشَّيْءِ لَا يَخْلُو عَنْهُ وَعَنْ ضِدِّهِ. فَيُقَالُ لَهُمْ: غَايَةُ هَذَا أَنْ يَكُونَ لَمْ تَزَلْ الْحَوَادِثُ قَائِمَةً بِهِ وَنَحْنُ نَلْتَزِمُ ذَلِكَ وَتَحْقِيقُ ذَلِكَ: (بِالْوَجْهِ الثَّالِثَ عَشَرَ. وَهُوَ أَنْ يُقَالَ: هَذَا بِعَيْنِهِ مَوْجُودٌ فِي الْقَادِرِ؛ فَإِنَّ الْقَادِرَ عَلَى الشَّيْءِ لَا يَخْلُو عَنْهُ وَعَنْ ضِدِّهِ؛ وَلِهَذَا كَانَ الْأَمْرُ بِالشَّيْءِ نَهْيًا عَنْ ضِدِّهِ وَالنَّهْيُ عَنْ الشَّيْءِ أَمْرًا بِأَحَدِ أَضْدَادِهِ. وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ: الْمَطْلُوبُ بِالنَّهْيِ فِعْلٌ ضِدُّ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ. وَقَالَ: إنَّ التَّرْكَ أَمْرٌ وُجُودِيٌّ؛ هُوَ مَطْلُوبُ النَّاهِي الْقَادِرِ عَلَى الْأَضْدَادِ؛ لَوْ أَمْكَنَ خُلُوُّهُ عَنْ
(6/281)

جَمِيعِ الْأَضْدَادِ لَكَانَ إذَا نَهَى عَنْ بَعْضِ الْأَضْدَادِ لَمْ يَجِبْ أَنْ يَكُونَ مَأْمُورًا بِشَيْءِ مِنْهَا؛ لِإِمْكَانِ أَنْ لَا يَفْعَلَ ذَلِكَ الضِّدَّ وَلَا غَيْرَهُ مِنْ الْأَضْدَادِ. فَلَمَّا جَعَلُوهُ مَأْمُورًا بِبَعْضِهَا: عُلِمَ أَنَّ الْقَادِرَ عَلَى أَحَدِ الضِّدَّيْنِ لَا يَخْلُو مِنْهُ وَمِنْ ضِدِّهِ وَحِينَئِذٍ فَإِذَا كَانَ الرَّبُّ لَمْ يَزَلْ قَادِرًا: لَزِمَ أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ فَاعِلًا لِشَيْءِ أَوْ لِضِدِّهِ؛ فَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ فَاعِلًا وَإِذَا أَمْكَنَ أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ فَاعِلًا لِلْحَوَادِثِ أَمْكَنَ أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ قَابِلًا لَهَا. وَيُمْكِنُ أَنْ يُذْكَرَ هَذَا الْجَوَابُ عَلَى وَجْهٍ لَا يَقْبَلُ النِّزَاعَ. (الْوَجْهُ الرَّابِعَ عَشَرَ: فَيُقَالُ: إنْ كَانَ الْقَابِلُ لِلشَّيْءِ لَا يَخْلُو عَنْهُ وَعَنْ ضِدِّهِ فَالْقَادِرُ عَلَى الشَّيْءِ لَا يَخْلُو عَنْهُ وَعَنْ ضِدِّهِ؛ لِأَنَّ الْقَادِرَ قَابِلٌ لِفِعْلِ الْمَقْدُورِ وَإِنْ كَانَ قَبُولُ الْقَابِلِ لِلْحَوَادِثِ يَسْتَلْزِمُ إمْكَانَ وُجُودِهَا فِي الْأَزَلِ فَقُدْرَةُ الْقَادِرِ أَزَلِيَّةٌ عَلَى فِعْلِ الْحَوَادِثِ يَسْتَلْزِمُ إمْكَانَ وُجُودِهَا فِي الْأَزَلِ؛ وَإِنْ أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ قَادِرًا مَعَ امْتِنَاعِ الْمَقْدُورِ: أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ قَابِلًا مَعَ امْتِنَاعِ الْمَقْبُولِ. وَإِنْ قِيلَ: قَبُولُهُ لَهَا مِنْ لَوَازِمِ ذَاتِهِ: قِيلَ قُدْرَتُهُ عَلَيْهَا مِنْ لَوَازِمِ ذَاتِهِ. وَحِينَئِذٍ: فَإِنْ كَانَ دَوَامُ الْحَوَادِثِ مُمْكِنًا: أَمْكَنَ أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ قَادِرًا عَلَيْهَا قَابِلًا لَهَا؛ وَإِنْ كَانَ دَوَامُهَا لَيْسَ بِمُمْكِنِ: فَقَدْ صَارَ قَبُولُهُ لَهَا وَقُدْرَتُهُ عَلَيْهَا مُمْكِنًا بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ. فَإِنْ كَانَ هَذَا جَائِزًا جَازَ هَذَا وَإِنْ كَانَ هَذَا مُمْتَنِعًا كَانَ هَذَا مُمْتَنِعًا وَعَادَ الْأَمْرُ فِي " هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ " إلَى نَفْسِ الْقُدْرَةِ عَلَى دَوَامِ الْحَوَادِثِ وَهُوَ "
(6/282)

الْأَصْلُ الْمَشْهُورُ " فَمَنْ قَالَ بِهِ مِنْ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ وَأَنَّهُ لَمْ يَزَلْ قَادِرًا عَلَى أَنْ يَتَكَلَّمَ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ وَيَفْعَلَ بِمَشِيئَتِهِ: جَوَّزَ ذَلِكَ وَالْتَزَمَ إمْكَانَ حَوَادِثَ لَا أَوَّلَ لَهَا. فَكَانَ مَا احْتَجَّ بِهِ أَئِمَّةُ " الْفَلَاسِفَةِ " عَلَى قِدَمِ الْعَالَمِ: لَا يَدُلُّ عَلَى قِدَمِ شَيْءٍ مِنْ الْعَالَمِ؛ بَلْ إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى أُصُولِ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ الْمُعْتَنِينَ بِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ وَكَانَ غَايَةُ تَحْقِيقِ مَعْقُولَاتِ الْمُتَكَلِّمِينَ والمتفلسفة يُوَافِقُ وَيُعِينُ وَيَخْدِمُ مَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ وَمَنْ لَمْ يَقُلْ بِذَلِكَ مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ - بَلْ قَالَ بِامْتِنَاعِ دَوَامِ الْحَوَادِثِ - لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ فَرْقٌ بَيْنَ قَبُولِهِ لَهَا وَقُدْرَتِهِ عَلَيْهَا. وَكَانَ قَوْلُ الَّذِينَ قَالُوا - مِنْ هَؤُلَاءِ - بِأَنَّهُ يَتَكَلَّمُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ: كَلَامًا يَقُومُ بِذَاتِهِ أَقْرَبَ إلَى الْمَعْقُولِ وَالْمَنْقُولِ مِمَّنْ يَقُولُ إنَّ كَلَامَهُ مَخْلُوقٌ أَوْ إنَّهُ يَقُومُ بِهِ كَلَامٌ قَدِيمٌ؛ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُمْكِنَهُ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِقُدْرَتِهِ أَوْ مَشِيئَتِهِ. وَكُلُّ قَوْلٍ يَكُونُ أَقْرَبَ إلَى الْمَعْقُولِ وَالْمَنْقُولِ: فَإِنَّهُ أَوْلَى بِالتَّرْجِيحِ مِمَّا هُوَ أَبْعَدُ عَنْ ذَلِكَ مِنْ الْأَقْوَالِ. وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(6/283)

فَصْلٌ:
قَالَ الرَّازِي: " الْحُجَّةُ الثَّالِثَةُ " قِصَّةُ الْخَلِيلِ: {لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ} وَالْأُفُولُ عِبَارَةٌ عَنْ التَّغَيُّرِ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُتَغَيِّرَ لَا يَكُونُ إلَهًا أَصْلًا. وَالْجَوَابُ مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْأُفُولَ هُوَ التَّغَيُّرُ وَلَمْ يَذْكُرْ عَلَى ذَلِكَ حُجَّةً؛ بَلْ لَمْ يَذْكُرْ إلَّا مُجَرَّدَ الدَّعْوَى.
الثَّانِي: أَنَّ هَذَا خِلَافَ إجْمَاعِ أَهْلِ اللُّغَةِ وَالتَّفْسِيرِ؛ بَلْ هُوَ خِلَافُ مَا عُلِمَ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ الدِّينِ؛ وَالنَّقْلِ الْمُتَوَاتِرِ لِلُّغَةِ وَالتَّفْسِيرِ. فَإِنَّ " الْأُفُولَ " هُوَ الْمَغِيبُ. يُقَالُ: أَفَلَتْ الشَّمْسُ تَأْفُلُ وَتَأْفِلُ أُفُولًا إذَا غَابَتْ وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ قَطُّ إنَّهُ هُوَ التَّغَيُّرُ وَلَا إنَّ الشَّمْسَ إذَا تَغَيَّرَ لَوْنُهَا يُقَالُ إنَّهَا أَفَلَتْ وَلَا إذَا كَانَتْ مُتَحَرِّكَةً فِي السَّمَاءِ يُقَالُ إنَّهَا أَفَلَتْ وَلَا أَنَّ الرِّيحَ إذَا هَبَّتْ يُقَالُ إنَّهَا أَفَلَتْ وَلَا أَنَّ الْمَاءَ إذَا جَرَى يُقَالُ إنَّهُ أَفَلَ وَلَا أَنَّ الشَّجَرَ إذَا تَحَرَّكَ يُقَالُ إنَّهُ أَفَلَ وَلَا أَنَّ الْآدَمِيِّينَ إذَا تَكَلَّمُوا أَوْ مَشَوْا وَعَمِلُوا أَعْمَالَهُمْ يُقَالُ إنَّهُمْ أَفَلُوا؛ بَلْ وَلَا قَالَ أَحَدٌ قَطُّ إنَّ مَنْ مَرِضَ أَوْ اصْفَرَّ وَجْهُهُ أَوْ احْمَرَّ يُقَالُ إنَّهُ أَفَلَ. فَهَذَا الْقَوْلُ مِنْ أَعْظَمِ الْأَقْوَالِ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ وَعَلَى خَلِيلِ اللَّهِ وَعَلَى
(6/284)

كَلَامِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَعَلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُبَلِّغِ عَنْ اللَّهِ وَعَلَى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ جَمِيعًا وَعَلَى جَمِيعِ أَهْلِ اللُّغَةِ وَعَلَى جَمِيعِ مَنْ يَعْرِفُ مَعَانِيَ الْقُرْآنِ.
الثَّالِثُ: أَنَّ قِصَّةَ الْخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلَامُ حُجَّةٌ عَلَيْكُمْ فَإِنَّهُ لَمَّا رَأَى كَوْكَبًا وَتَحَرَّكَ إلَى الْغُرُوبِ فَقَدْ تَحَرَّكَ؛ وَلَمْ يَجْعَلْهُ آفِلًا وَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا رَآهُ مُتَحَرِّكًا؛ وَلَمْ يَجْعَلْهُ آفِلًا؛ فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً عَلِمَ أَنَّهَا مُتَحَرِّكَةً؛ وَلَمْ يَجْعَلْهَا آفِلَةً وَلَمَّا تَحَرَّكَتْ إلَى أَنْ غَابَتْ وَالْقَمَرَ إلَى أَنْ غَابَ لَمْ يَجْعَلْهُ آفِلًا.
الرَّابِعُ: قَوْلُهُ: إنَّ الْأُفُولَ عِبَارَةٌ عَنْ التَّغَيُّرِ؛ إنْ أَرَادَ بِالتَّغَيُّرِ الِاسْتِحَالَةَ: فَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالْكَوَاكِبُ لَمْ تَسْتَحِلْ بِالْمَغِيبِ؛ وَإِنْ أَرَادَ بِهِ التَّحَرُّكَ: فَهُوَ لَا يَزَالُ مُتَحَرِّكًا. وَقَوْلُهُ: {فَلَمَّا أَفَلَ} دَلَّ عَلَى أَنَّهُ يَأْفُلُ تَارَةً وَلَا يَأْفُلُ أُخْرَى. فَإِنَّ (لَمَّا ظَرْفٌ يُقَيِّدُ هَذَا الْفِعْلَ بِزَمَانِ هَذَا الْفِعْلِ وَالْمَعْنَى أَنَّهُ حِينَ أَفَلَ {قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ} فَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ حِينَ أُفُولِهِ. وَقَوْلُهُ: {فَلَمَّا أَفَلَ} دَلَّ عَلَى حُدُوثِ الْأُفُولِ وَتَجَدُّدِهِ؛ وَالْحَرَكَةُ لَازِمَةٌ لَهُ؛ فَلَيْسَ الْأُفُولُ هُوَ الْحَرَكَةُ وَلَفْظُ التَّغَيُّرِ وَالتَّحَرُّكِ مُجْمَلٌ. إنْ أُرِيدَ بِهِ التَّحَرُّكَ أَوْ حُلُولَ الْحَوَادِثِ: فَلَيْسَ هُوَ مَعْنَى التَّغَيُّرِ فِي اللُّغَةِ وَلَيْسَ الْأُفُولُ هُوَ التَّحَرُّكُ وَلَا التَّحَرُّكُ هُوَ التَّغَيُّرُ؛ بَلْ الْأُفُولُ أَخَصُّ مِنْ التَّحَرُّكِ وَالتَّغَيُّرُ أَخَصُّ مِنْ التَّحَرُّكِ. وَبَيْنَ التَّغَيُّرِ وَالْأُفُولِ عُمُومٌ وَخُصُوصٌ. فَقَدْ يَكُونُ الشَّيْءُ مُتَغَيِّرًا غَيْرَ
(6/285)

آفِلٍ وَقَدْ يَكُونُ آفِلًا غَيْرَ مُتَغَيِّرٍ وَقَدْ يَكُونُ مُتَحَرِّكًا غَيْرَ مُتَغَيِّرٍ وَمُتَحَرِّكًا غَيْرَ آفِلٍ. وَإِنْ كَانَ التَّغَيُّرُ أَخَصَّ مِنْ التَّحَرُّكِ عَلَى أَحَدِ الِاصْطِلَاحَيْنِ: فَإِنَّ لَفْظَ الْحَرَكَةِ قَدْ يُرَادُ بِهَا الْحَرَكَةُ الْمَكَانِيَّةُ وَهَذِهِ لَا تَسْتَلْزِمُ التَّغَيُّرَ. وَقَدْ يُرَادُ بِهِ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ كَالْحَرَكَةِ فِي الْكَيْفِ وَالْكَمِّ؛ مِثْلُ حَرَكَةِ النَّبَاتِ بِالنُّمُوِّ وَحَرَكَةِ نَفْسِ الْإِنْسَانِ بِالْمَحَبَّةِ وَالرِّضَا وَالْغَضَبِ وَالذِّكْرِ. فَهَذِهِ الْحَرَكَةُ قَدْ يُعَبَّرُ عَنْهَا بِالتَّغَيُّرِ وَقَدْ يُرَادُ بِالتَّغَيُّرِ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ الِاسْتِحَالَةُ. فَفِي الْجُمْلَةِ: الِاحْتِجَاجُ بِلَفْظِ التَّغَيُّرِ إنْ كَانَ سَمْعِيًّا فَالْأُفُولُ لَيْسَ هُوَ التَّغَيُّرَ؛ وَإِنْ كَانَ عَقْلِيًّا. فَإِنْ أُرِيدَ بِالتَّغَيُّرِ - الَّذِي يَمْتَنِعُ عَلَى الرَّبِّ - مَحَلُّ النِّزَاعِ: لَمْ يُحْتَجَّ بِهِ وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ مَوَاقِعُ الْإِجْمَاعِ فَلَا مُنَازَعَةَ فِيهِ. وَأَفْسَدُ مِنْ هَذَا: قَوْلُ مَنْ يَقُولُ: الْأُفُولُ هُوَ الْإِمْكَانُ كَمَا قَالَهُ " ابْنُ سِينَا " إنَّ الْهُوِيَّ فِي حَضِيرَةِ الْإِمْكَانِ أُفُولٌ بِوَجْهِ مَا؛ فَإِنَّهُ يَلْزَمُ عَلَى هَذَا أَنْ يَكُونَ كُلُّ مَا سِوَى اللَّهِ آفِلًا وَلَا يَزَالُ آفِلًا فَإِنَّ كُلَّ مَا سِوَاهُ مُمْكِنٌ وَلَا يَزَالُ مُمْكِنًا. وَيَكُونُ الْأُفُولُ وَصْفًا لَازِمًا لِكُلِّ مَا سِوَى اللَّهِ؛ كَمَا أَنَّ كَوْنَهُ مُمْكِنًا وَفَقِيرًا إلَى اللَّهِ وَصْفٌ لَازِمٌ لَهُ. وَحِينَئِذٍ: فَتَكُونُ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالْكَوَاكِبُ: لَمْ تَزَلْ وَلَا تَزَالُ آفِلَةً
(6/286)

وَجَمِيعُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا يَزَالُ آفِلًا. فَكَيْفَ يَصِحُّ قَوْلُهُ مَعَ ذَلِكَ: {فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ} ؟ وَعَلَى كَلَامِ هَؤُلَاءِ الْمُحَرِّفِينَ لِكَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى وَكَلَامِ خَلِيلِهِ إبْرَاهِيمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ: هُوَ آفِلٌ قَبْلَ أَنْ يَبْزُغَ وَمِنْ حِينِ بَزَغَ وَإِلَى أَنْ غَابَ. وَكَذَلِكَ جَمِيعُ مَا يُرَى وَمَا لَا يُرَى فِي الْعَالَمِ آفِلٌ وَالْقُرْآنُ بَيَّنَ أَنَّهُ لَمَّا رَآهَا بَازِغَةً قَالَ: {هَذَا رَبِّي} فَلَمَّا أَفَلَتْ بَعْدَ ذَلِكَ. قَالَ: {لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ} وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(6/287)

وَقَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:
فَصْلٌ: فِيهِ قَاعِدَةٌ شَرِيفَةٌ
" وَهِيَ أَنَّ جَمِيعَ مَا يَحْتَجُّ بِهِ الْمُبْطِلُ مِنْ الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ وَالْعَقْلِيَّةِ إنَّمَا تَدُلُّ عَلَى الْحَقِّ؛ لَا تَدُلُّ عَلَى قَوْلِ الْمُبْطِلِ ". وَهَذَا ظَاهِرٌ يَعْرِفُهُ كُلُّ أَحَدٍ؛ فَإِنَّ الدَّلِيلَ الصَّحِيحَ لَا يَدُلُّ إلَّا عَلَى حَقٍّ لَا عَلَى بَاطِلٍ. يَبْقَى الْكَلَامُ فِي أَعْيَانِ الْأَدِلَّةِ وَبَيَانِ انْتِفَاءِ دَلَالَتِهَا عَلَى الْبَاطِلِ وَدَلَالَتِهَا عَلَى الْحَقِّ: هُوَ تَفْصِيلُ هَذَا الْإِجْمَالِ. وَالْمَقْصُودُ هُنَا شَيْءٌ آخَرُ وَهُوَ: أَنَّ نَفْسَ الدَّلِيلِ الَّذِي يَحْتَجُّ بِهِ الْمُبْطِلُ هُوَ بِعَيْنِهِ إذَا أَعْطَى حَقَّهُ وَتَمَيَّزَ مَا فِيهِ مِنْ حَقٍّ وَبَاطِلٍ وَبَيْنَ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ تَبَيَّنَ أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى فَسَادِ قَوْلِ الْمُبْطِلِ الْمُحْتَجِّ بِهِ فِي نَفْسِ مَا احْتَجَّ بِهِ عَلَيْهِ وَهَذَا عَجِيبٌ قَدْ تَأَمَّلْته فِيمَا شَاءَ اللَّهُ مِنْ الْأَدِلَّةِ السَّمْعِيَّةِ فَوَجَدْته كَذَلِكَ. وَالْمَقْصُودُ هُنَا بَيَانُ أَنَّ " الْأَدِلَّةَ الْعَقْلِيَّةَ " الَّتِي يَعْتَمِدُونَ عَلَيْهَا فِي الْأُصُولِ وَالْعُلُومِ الْكُلِّيَّةِ وَالْإِلَهِيَّةِ هِيَ كَذَلِكَ. فَأَمَّا " الْأَدِلَّةُ السَّمْعِيَّةُ " فَقَدْ ذَكَرْت مِنْ هَذَا
(6/288)

أُمُورًا مُتَعَدِّدَةً مِمَّا يَحْتَجُّ بِهِ الْجَهْمِيَّة وَالرَّافِضَةُ وَغَيْرُهُمْ مِثْلُ احْتِجَاجِ الْجَهْمِيَّة نفاة الصِّفَاتِ بِقَوْلِهِ: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} {اللَّهُ الصَّمَدُ} وَقَدْ ثَبَتَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ أَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى نَقِيضِ مَطْلُوبِهِمْ وَتَدُلُّ عَلَى الْإِثْبَاتِ. وَهَذَا مَبْسُوطٌ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ فِي الرَّدِّ عَلَى الْجَهْمِيَّة يَتَضَمَّنُ الْكَلَامَ عَلَى تَأْسِيسِ أُصُولِهِمْ الَّتِي جَمَعَهَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الرَّازِي فِي مُصَنَّفِهِ الَّذِي سَمَّاهُ " تَأْسِيسَ التَّقْدِيسِ "؛ فَإِنَّهُ جَمَعَ فِيهِ عَامَّةَ حُجَجِهِمْ وَلَمْ أَرَ لَهُمْ مِثْلَهُ. وَكَذَلِكَ احْتِجَاجَهُمْ عَلَى نَفْيِ الرُّؤْيَةِ بِقَوْلِهِ: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ} فَإِنَّهَا تَدُلُّ عَلَى إثْبَاتِ الرُّؤْيَةِ وَنَفْيِ الْإِحَاطَةِ. وَكَذَلِكَ الِاحْتِجَاجُ بِقَوْلِهِ: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} وَنَحْوِ ذَلِكَ وَكَذَلِكَ احْتِجَاجُ الشِّيعَةِ بِقَوْلِهِ: {إنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا} وَبِقَوْلِهِ: " {أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى؟} " وَنَحْوِ ذَلِكَ هِيَ دَلِيلٌ عَلَى نَقِيضِ مَذْهَبِهِمْ كَمَا بُسِطَ هَذَا فِي كِتَابِ " مِنْهَاجِ أَهْلِ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ " فِي الرَّدِّ عَلَى الرَّافِضَةِ. وَنَظَائِرُ هَذَا مُتَعَدِّدَةٌ. وَالْمَقْصُودُ هُنَا " الْأَدِلَّةُ الْعَقْلِيَّةُ "؛ فَإِنَّ كُلَّ مَنْ لَهُ مَعْرِفَةٌ يَعْرِفُ أَنَّ السَّمْعِيَّاتِ إنَّمَا تَدُلُّ عَلَى إثْبَاتِ الصِّفَاتِ. وَأَمَّا الرَّافِضَةُ فَعُمْدَتُهُمْ السَّمْعِيَّاتُ لَكِنْ كَذَّبُوا أَحَادِيثَ كَثِيرَةً جِدًّا رَاجَ كَثِيرٌ مِنْهَا عَلَى أَهْلِ السُّنَّةِ " وَرَوَى خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنْهَا أَحَادِيثَ حَتَّى عَسُرَ تَمْيِيزُ الصِّدْقِ مِنْ الْكَذِبِ عَلَى أَكْثَرِ النَّاسِ إلَّا عَلَى أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ الْعَارِفِينَ بِعِلَلِهِ مَتْنًا وَسَنَدًا.
(6/289)

كَمَا أَنَّ الْجَهْمِيَّة أَتَوْا بِحُجَجِ عَقْلِيَّةٍ اشْتَبَهَتْ عَلَى أَكْثَرِ النَّاسِ وَرَاجَتْ عَلَيْهِمْ إلَّا عَلَى قَلِيلٍ مِمَّنْ لَهُمْ خِبْرَةٌ بِذَلِكَ. وَالْكَلَامُ عَلَى أَحَادِيثِ الرَّافِضَةِ وَبَيَانِ الْفَرْقَانِ بَيْنَ الْحَدِيثِ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ مَذْكُورٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ كَالرَّدِّ عَلَى الرَّافِضَةِ. وَالْمَقْصُودُ هُنَا الْكَلَامُ عَلَى " الْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ " الَّتِي يَحْتَجُّ بِهَا الْمُبْطِلُ مِنْ الْجَهْمِيَّة نفاة الصِّفَاتِ وَمِنْ الْمُمَثِّلَةِ الَّذِينَ يُمَثِّلُونَهُ بِخَلْقِهِ وَعَلَى الْأَدِلَّةِ الَّتِي يَحْتَجُّ بِهَا الْقَدَرِيَّةُ النَّافِيَةُ وَالْقَدَرِيَّةُ الْمُجْبِرَةُ الْجَهْمِيَّة؛ فَإِنَّ هَذَيْنِ (الْأَصْلَيْنِ: وَهُمَا " الصِّفَاتُ " وَ " الْقَدَرُ " - وَيُسَمَّيَانِ التَّوْحِيدَ وَالْعَدْلَ - هُمَا أَعْظَمُ وَأَجَلُّ مَا تُكُلِّمَ فِيهِ فِي الْأُصُولِ وَالْحَاجَةُ إلَيْهِمَا أَعَمُّ وَمَعْرِفَةُ الْحَقِّ فِيهِمَا أَنْفَعُ مِنْ غَيْرِهِمَا بَلْ وَكَذَلِكَ سَائِرُ مَا يُحْتَجُّ بِهِ فِي أُصُولِ الدِّينِ مِنْ الْحُجَجِ الْعَقْلِيَّةِ وَالسَّمْعِيَّةِ. وَأَصْلُ ذَلِكَ الْكَلَامِ فِي أَفْعَالِ الرَّبِّ تَعَالَى وَأَقْوَالِهِ فِي " مَسْأَلَةِ حُدُوثِ الْعَالَمِ " وَفِي " مَسْأَلَةِ الْقُرْآنِ وَكَلَامِ اللَّهِ ". فَنَقُولُ: إذَا تَدَبَّرَ الْخَبِيرُ مَا احْتَجَّ بِهِ مَنْ يَقُولُ: إنَّ الْقُرْآنَ قَدِيمٌ - كَالْأَشْعَرِيِّ وَأَتْبَاعِهِ وَمَنْ وَافَقَهُمْ: كَالْقَاضِي أَبِي يَعْلَى وَأَتْبَاعِهِ وَأَبِي الْمَعَالِي وَأَبِي الْوَلِيدِ الباجي وَأَبِي مَنْصُورٍ الماتريدي وَغَيْرِهِمْ مِنْ الْحَنْبَلِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَفِيَّةِ - لَمْ تُوجَدْ عِنْدَ التَّحْقِيقِ تَدُلُّ إلَّا عَلَى مَذْهَبِ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ.
(6/290)

وَكَذَلِكَ إذْ تَدَبَّرَ مَا يَحْتَجُّ بِهِ مَنْ يَقُولُ: إنَّ الْقُرْآنَ مَخْلُوقٌ. إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى قَوْلِ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ. أَمَّا (الْأَوَّلُ: فَلِأَنَّ عُمْدَةَ الْقَائِلِينَ بِقِدَمِ الْكَلَامِ مِنْ الْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ حُجَّتَانِ عَلَيْهِمَا اعْتِمَادُ الْأَشْعَرِيِّ وَأَصْحَابِهِ وَمَنْ وَافَقَهُمْ: كَالْقَاضِي أَبِي يَعْلَى وَأَبِي الْحَسَنِ بْنِ الزَّاغُونِي وَأَمْثَالِهِمَا وَهَذِهِ هِيَ عُمْدَةُ أَئِمَّةِ النُّظَّارِ كَابْنِ كُلَّابٍ وَالْأَشْعَرِيِّ؛ والقلانسي وَأَمْثَالِهِمْ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ مِنْ الْعَقْلِيَّاتِ. وَهِيَ عُمْدَةُ مَنْ لَا يَعْتَمِدُ فِي الْأُصُولِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَأَمْثَالِهَا إلَّا عَلَى الْعَقْلِيَّاتِ: كَأَبِي الْمَعَالِي وَمُتَّبِعِيهِ. الْحُجَّةُ الْأُولَى: أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ الْكَلَامُ قَدِيمًا لَلَزِمَ أَنْ يَتَّصِفَ فِي الْأَزَلِ بِضِدِّ مِنْ أَضْدَادِهِ: إمَّا السُّكُوتُ وَإِمَّا الْخَرَسُ وَلَوْ كَانَ أَحَدُ هَذَيْنِ قَدِيمًا لَامْتَنَعَ زَوَالُهُ وَامْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ مُتَكَلِّمًا فِيمَا لَا يَزَالُ وَلَمَا ثَبَتَ أَنَّهُ مُتَكَلِّمٌ فِيمَا لَمْ يَزَلْ ثَبَتَ أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّمًا وَأَيْضًا فَالْخَرَسُ آفَةٌ يُنَزَّهُ اللَّهُ عَنْهَا. وَالْحُجَّةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ مَخْلُوقًا لَكَانَ قَدْ خَلَقَهُ إمَّا فِي نَفْسِهِ أَوْ فِي غَيْرِهِ أَوْ قَائِمًا بِنَفْسِهِ وَالْأَوَّلُ مُمْتَنِعٌ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ مَحَلًّا لِلْحَوَادِثِ وَالثَّانِي بَاطِلٌ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ كَلَامًا لِلْمَحَلِّ الَّذِي خُلِقَ فِيهِ وَالثَّالِثُ بَاطِلٌ لِأَنَّ الْكَلَامَ صِفَةٌ وَالصِّفَةُ لَا تَقُومُ بِنَفْسِهَا. فَلَمَّا بَطَلَتْ الْأَقْسَامُ الثَّلَاثَةُ تَعَيَّنَ أَنَّهُ قَدِيمٌ. فَيُقَالُ: أَمَّا الْحُجَّةُ الْأُولَى فَهِيَ تَدُلُّ عَلَى مَذْهَبِ السَّلَفِ وَأَنَّهُ لَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّمًا
(6/291)

إذَا شَاءَ وَكَيْفَ شَاءَ فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ نَوْعَ الْكَلَامِ قَدِيمٌ لَا عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَتَكَلَّمْ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ وَأَنَّ الْكَلَامَ شَيْءٌ وَاحِدٌ هُوَ قَدِيمٌ. وَكَذَلِكَ احْتِجَاجُ " الْفَلَاسِفَةِ " الْقَائِلِينَ بِقِدَمِ الْعَالَمِ عَلَى قِدَمِ الْفَاعِلِيَّةِ إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى مَذْهَبِ السَّلَفِ أَيْضًا فَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ احْتَجُّوا عَلَى قِدَمِ مَفْعُولِهِ الْمُعَيَّنِ - وَهُوَ الْفَلَكُ - وَاَلَّذِينَ احْتَجُّوا عَلَى قِدَمِ كَلَامِهِ الْمُعَيَّنِ كُلُّ مَا احْتَجُّوا بِهِ مِنْ دَلِيلٍ صَحِيحٍ فَإِنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى مَطْلُوبِهِمْ بَلْ إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى مَذْهَبِ السَّلَفِ الْمُتَّبِعِينَ لِلرَّسُولِ فَتَبَيَّنَ أَنَّ " الْأَدِلَّةَ الْعَقْلِيَّةَ " الصَّحِيحَةَ مِنْ جَمِيعِ الطَّوَائِفِ إنَّمَا تَدُلُّ عَلَى تَصْدِيقِ الرَّسُولِ وَتَحْقِيقِ مَا أَخْبَرَ بِهِ لَا عَلَى خِلَافِ قَوْلِهِ وَهِيَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ الدَّالَّةِ عَلَى تَصْدِيقِ الْأَنْبِيَاءِ الَّتِي قَالَ اللَّهُ فِيهَا: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ} وَهِيَ مِنْ الْمِيزَانِ الَّذِي أَنْزَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى. وَكَذَلِكَ أَدِلَّةُ " الْمُعْتَزِلَةِ والكَرَّامِيَة " وَغَيْرِهِمَا كَمَا سَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ؛ إذْ " الْمَقْصُودُ هُنَا " الْكَلَامُ عَلَى مَا تَعْتَمِدُ عَلَيْهِ أَئِمَّةُ النُّظَّارِ مِنْ الْأَشْعَرِيَّةِ وَنَحْوِهِمْ وَالْفَلَاسِفَةِ وَنَحْوِهِمْ وَهَاتَانِ الطَّائِفَتَانِ كُلُّ طَائِفَةٍ تُقَابِلُ الْأُخْرَى بِالْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ؛ وَكَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ مَعَ هَؤُلَاءِ تَارَةً وَمَعَ الْأُخْرَى تَارَةً: كَالْغَزَالِيِّ وَالرَّازِي والآمدي وَنَحْوِهِمْ. وَالْمَقْصُودُ هُنَا بَيَانُ دَلَالَةِ " الْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ " عَلَى مَذْهَبِ السَّلَفِ الَّذِي جَاءَ بِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ. فَنَقُولُ: - أَمَّا (الْحُجَّةُ الْأُولَى وَهِيَ قَوْلُهُمْ: لَوْ لَمْ يَكُنْ مُتَكَلِّمًا فِي الْأَزَلِ لَكَانَ مُتَّصِفًا بِضِدِّهِ إمَّا السُّكُوتُ وَإِمَّا الْخَرَسُ؛ لِأَنَّهُ حَيٌّ وَالْحَيُّ إذَا لَمْ يَكُنْ مُتَكَلِّمًا كَانَ
(6/292)

سَاكِتًا أَوْ أَخْرَسَ كَمَا أَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ سَمِيعًا كَانَ أَصَمَّ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ بَصِيرًا كَانَ أَعْمَى وَلِأَنَّ ذَاتَه قَابِلَةٌ لِلْكَلَامِ وَالْقَابِلُ لِلشَّيْءِ لَا يَخْلُو عَنْهُ وَعَنْ ضِدِّهِ هَكَذَا يَحْتَجُّونَ لَهُ. وَقَدْ نُوزِعُوا فِي ذَلِكَ وَخَالَفَهُمْ الْعُقَلَاءُ حَتَّى أَصْحَابُهُمْ الْمُتَأَخِّرُونَ: مِثْلُ الرَّازِي والآمدي؛ فَإِنَّ أُولَئِكَ ادَّعَوْا أَنَّ الْجِسْمَ لَمَّا كَانَ قَابِلًا لِلْأَعْرَاضِ لَمْ يَخْلُ مِنْ كُلِّ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الْأَعْرَاضِ مِنْ بَعْضِهَا وَقَالُوا: إنَّ الْهَوَاءَ لَهُ طَعْمٌ وَلَوْنٌ وَرِيحٌ فَخَالَفَهُمْ الْجُمْهُورُ. لَكِنْ تَقْرِيرُ " الْحُجَّةِ " بِأَنْ يُقَالَ: لِأَنَّ الرَّبَّ تَعَالَى إذَا كَانَ قَابِلًا لِلِاتِّصَافِ بِشَيْءِ لَمْ يَخْلُ مِنْهُ؛ أَوْ مِنْ ضِدِّهِ. أَوْ يُقَالَ: بِأَنَّهُ إذَا كَانَ قَابِلًا لِلِاتِّصَافِ بِصِفَةِ كَمَالٍ لَزِمَ وُجُودُهَا لَهُ؛ لِأَنَّ مَا كَانَ الرَّبُّ قَابِلًا لَهُ لَمْ يَتَوَقَّفْ وُجُودُهُ لَهُ عَلَى غَيْرِهِ؛ فَإِنَّ غَيْرَهُ لَا يَجْعَلُهُ لَا مُتَّصِفًا وَلَا فَاعِلًا؛ بَلْ ذَاتُهُ وَحْدَهَا هِيَ الْمُوجِبَةُ لِمَا كَانَ قَابِلًا لَهُ وَإِذَا كَانَتْ ذَاتُهُ هِيَ الْمُوجِبَةُ لِمَا هُوَ قَابِلٌ لَهُ وَذَاتُهُ وَاجِبَةُ الْوُجُودِ كَانَ الْمَقْبُولُ وَاجِبَ الْوُجُودِ لَهُ وَهُوَ إذَا قَدَّرَ أَنَّهُ قَابِلٌ لِلضِّدَّيْنِ لَمْ يَخْلُ مِنْ أَحَدِهِمَا؛ لِأَنَّهُ لَوْ خَلَا مِنْ أَحَدِهِمَا لَكَانَ وُجُودُ أَحَدِهِمَا لَهُ مُتَوَقِّفًا عَلَى سَبَبٍ غَيْرِ ذَاتِهِ؛ فَإِنَّ التَّقْدِيرَ أَنَّهُ قَابِلٌ لَهُ وَوُجُودُ الْمَقْبُولِ لَهُ مُمْكِنٌ وَقَدْ عُرِفَ أَنَّهُ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى غَيْرِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُوجِدًا لَهُ وَلَمْ تَكُنْ ذَاتُهُ مُوجِبَةً لَهُ وَإِلَّا امْتَنَعَ وَجُودُهُ؛ فَإِنَّ غَيْرَهُ لَا يَجْعَلُهُ مَوْجُودًا لَهُ وَإِذَا لَمْ يُوجَدْ - لَا بِنَفْسِهِ وَلَا بِغَيْرِهِ - كَانَ مُمْتَنِعًا وَالتَّقْدِيرُ أَنَّهُ مُمْكِنٌ؛ فَمَا كَانَ مُمْكِنًا لَهُ كَانَ وَاجِبًا لَهُ.
(6/293)

فَإِذَا قَرَّرْت " الْحُجَّةَ " عَلَى هَذَا الْوَجْهِ لَمْ يُحْتَجْ أَنْ يُقَالَ: كُلُّ قَابِلٍ لِلشَّيْءِ لَا يَخْلُو عَنْهُ وَعَنْ ضِدِّهِ؛ فَإِنَّ هَذِهِ الدَّعْوَى الْكُلِّيَّةَ بَاطِلَةٌ؛ بَلْ يَدَّعِي ذَلِكَ فِي حَقِّ اللَّهِ خَاصَّةً؛ لِمَا ذَكَرَ مِنْ الدَّلِيلِ وَالْفَرْقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ؛ فَإِنَّ غَيْرَهُ إذَا كَانَ قَابِلًا لِلشَّيْءِ كَانَ وُجُودُ الْقَبُولِ فِيهِ مِنْ غَيْرِهِ وَهُوَ اللَّهُ تَعَالَى وَإِحْدَاثُ اللَّهِ لِذَلِكَ الْقَبُولِ لَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُقَارِنًا لِلْقَابِلِ؛ بَلْ يَجُوزُ أَنْ يَتَوَقَّفَ عَلَى شُرُوطٍ يُحْدِثُهَا اللَّهُ وَعَلَى مَوَانِعَ يُزِيلُهَا فَوُجُودُ الْقَبُولِ هُنَا لَيْسَ مِنْهُ بَلْ مِنْ غَيْرِهِ؛ فَلَمْ تَكُنْ ذَاتُهُ كَافِيَةً فِيهِ وَأَمَّا الرَّبُّ تَعَالَى فَلَا يَفْتَقِرُ شَيْءٌ مِنْ صِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ عَلَى غَيْرِهِ؛ بَلْ هُوَ الْأَحَدُ الصَّمَدُ الْمُسْتَغْنِي عَنْ كُلِّ مَا سِوَاهُ وَكُلُّ مَا سِوَاهُ مُفْتَقِرٌ إلَيْهِ مَصْنُوعٌ لَهُ؛ فَيَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ الرَّبُّ مُفْتَقِرًا إلَيْهِ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ هُوَ " الدَّوْرُ الْقِبْلِيُّ " الْمُمْتَنِعُ بِصَرِيحِ الْعَقْلِ وَاتِّفَاقِ الْعُقَلَاءِ. فَهَذَا تَقْرِيرُ هَذِهِ الْحُجَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى " قِدَمِ الْكَلَامِ " وَأَنَّهُ لَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّمًا؛ وَهِيَ تَدُلُّ أَيْضًا عَلَى قِدَمِ جَمِيعِ صِفَاتِهِ وَأَنَّ ذَاتَه الْقَدِيمَةَ مُسْتَلْزِمَةٌ لِصِفَاتِ الْكَمَالِ الْمُمْكِنَةِ فَكُلُّ صِفَةِ كَمَالٍ لَا نَقْصَ فِيهِ فَإِنَّ الرَّبَّ يَتَّصِفُ بِهَا وَاتِّصَافُهُ بِهَا مِنْ لَوَازِمِ ذَاتِهِ وَلَمْ يَزَلْ مَوْصُوفًا بِصِفَاتِ الْكَمَالِ وَذَاتُهُ هِيَ الْمُسْتَلْزِمَةُ لِصِفَاتِ كَمَالِهِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَحْتَاجَ فِي ثُبُوتِ صِفَاتِ الْكَمَالِ لَهُ إلَى غَيْرِهِ وَالْكَلَامُ صِفَةُ كَمَالٍ؛ فَإِنَّ مَنْ يَتَكَلَّمُ أَكْمَلُ مِمَّنْ لَا يَتَكَلَّمُ كَمَا أَنَّ مَنْ يَعْلَمُ وَيَقْدِرُ أَكْمَلُ مِمَّنْ لَا يَعْلَمُ وَلَا يَقْدِرُ وَاَلَّذِي يَتَكَلَّمُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ أَكْمَلُ مِمَّنْ لَا يَتَكَلَّمُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ وَأَكْمَلُ مِمَّنْ تَكَلَّمَ بِغَيْرِ مَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ إنْ كَانَ ذَلِكَ مَعْقُولًا. وَيُمْكِنُ تَقْرِيرُهَا عَلَى أُصُولِ السَّلَفِ بِأَنْ يُقَالَ: إمَّا أَنْ يَكُونَ قَادِرًا عَلَى
(6/294)

الْكَلَامِ أَوْ غَيْرَ قَادِرٍ؛ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَادِرًا فَهُوَ الْأَخْرَسُ وَإِنْ كَانَ قَادِرًا وَلَمْ يَتَكَلَّمْ فَهُوَ السَّاكِتُ. وَأَمَّا " الْكُلَّابِيَة " فَالْكَلَامُ عِنْدَهُمْ لَيْسَ بِمَقْدُورِ فَلَا يُمْكِنُهُمْ أَنْ يَحْتَجُّوا بِهَذِهِ. فَيُقَالُ: هَذِهِ قَدْ دَلَّتْ عَلَى قِدَمِ الْكَلَامِ لَكِنْ مَدْلُولُهَا قِدَمُ كَلَامٍ مُعَيَّنٍ بِغَيْرِ قُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ؟ أَمْ مَدْلُولُهَا أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّمًا بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ؟ وَ (الْأَوَّلُ قَوْلُ الْكُلَّابِيَة وَ (الثَّانِي قَوْلُ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ وَأَهْلِ الْحَدِيثِ وَالسُّنَّةِ. فَيُقَالُ: مَدْلُولُهَا (الثَّانِي؛ لَا (الْأَوَّلُ لِأَنَّ إثْبَاتَ كَلَامٍ يَقُومُ بِذَاتِ الْمُتَكَلِّمِ بِدُونِ مَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ غَيْرُ مَعْقُولٍ وَلَا مَعْلُومٍ وَالْحُكْمُ عَلَى الشَّيْءِ فَرْعٌ عَنْ تَصَوُّرِهِ. فَيُقَالُ لِلْمُحْتَجِّ بِهَا لَا أَنْتَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ الْعُقَلَاءِ يَتَصَوَّرُ كَلَامًا يَقُومُ بِذَاتِ الْمُتَكَلِّمِ بِدُونِ مَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ فَكَيْفَ تَثْبُتُ بِالدَّلِيلِ الْمَعْقُولِ شَيْئًا لَا يَعْقِلُ. وَأَيْضًا فَقَوْلُك " لَوْ لَمْ يَتَّصِفْ بِالْكَلَامِ لَاتَّصَفَ بِالْخَرَسِ وَالسُّكُوتِ ". إنَّمَا يَعْقِلُ فِي الْكَلَامِ بِالْحُرُوفِ وَالْأَصْوَاتِ؛ فَإِنَّ الْحَيَّ إذَا فَقَدَهَا لَمْ يَكُنْ مُتَكَلِّمًا فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ قَادِرًا عَلَى الْكَلَامِ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ وَهُوَ السَّاكِتُ. وَإِمَّا أَنْ لَا يَكُونَ قَادِرًا عَلَيْهِ وَهُوَ الْأَخْرَسُ. وَأَمَّا مَا يَدْعُونَهُ مِنْ " الْكَلَامِ النَّفْسَانِيِّ " فَذَاكَ لَا يُعْقَلُ أَنَّ مَنْ خَلَا عَنْهُ كَانَ سَاكِتًا أَوْ أَخْرَسَ فَلَا يَدُلُّ بِتَقْدِيرِ ثُبُوتِهِ عَلَى أَنَّ الْخَالِيَ عَنْهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ سَاكِتًا أَوْ أَخْرَسَ.
(6/295)

وَأَيْضًا: فَالْكَلَامُ الْقَدِيمُ " النَّفْسَانِيُّ " الَّذِي أَثْبَتُّمُوهُ لَمْ تُثْبِتُوا مَا هُوَ؟ بَلْ وَلَا تَصَوَّرْتُمُوهُ وَإِثْبَاتُ الشَّيْءِ فَرْعُ تَصَوُّرِهِ فَمَنْ لَمْ يَتَصَوَّرْ مَا يُثْبِتُهُ كَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يُثْبِتَهُ؟ وَلِهَذَا كَانَ أَبُو سَعِيدِ بْنُ كُلَّابٍ - رَأْسُ هَذِهِ الطَّائِفَةِ وَإِمَامُهَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ - لَا يَذْكُرُ فِي بَيَانِهَا شَيْئًا يُعْقَلُ بَلْ يَقُولُ: هُوَ مَعْنًى يُنَاقِضُ السُّكُوتَ وَالْخَرَسَ. وَالسُّكُوتُ وَالْخَرَسُ إنَّمَا يُتَصَوَّرَانِ إذَا تُصَوِّرُ الْكَلَامُ؛ فَالسَّاكِتُ هُوَ السَّاكِتُ عَنْ الْكَلَامِ وَالْأَخْرَسُ هُوَ الْعَاجِزُ عَنْهُ أَوْ الَّذِي حَصَلَتْ لَهُ آفَةٌ فِي مَحَلِّ النُّطْقِ تَمْنَعُهُ عَنْ الْكَلَامِ وَحِينَئِذٍ فَلَا يَعْرِفُ السَّاكِتَ وَالْأَخْرَسَ حَتَّى يَعْرِفَ الْكَلَامَ وَلَا يَعْرِفُ الْكَلَامَ حَتَّى يَعْرِفَ السَّاكِتَ وَالْأَخْرَسَ. فَتَبَيَّنَ أَنَّهُمْ لَمْ يَتَصَوَّرُوا مَا قَالُوهُ وَلَمْ يُثْبِتُوهُ؛ بَلْ هُمْ فِي الْكَلَامِ يُشْبِهُونَ النَّصَارَى فِي الْكَلِمَةِ وَمَا قَالُوهُ فِي " الْأَقَانِيمِ " وَالتَّثْلِيثِ " وَالِاتِّحَادِ " فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَتَصَوَّرُونَهُ وَلَا يُبَيِّنُونَهُ وَ " الرُّسُلُ " عَلَيْهِمْ السَّلَامُ إذَا أَخْبَرُوا بِشَيْءِ وَلَمْ نَتَصَوَّرْهُ وَجَبَ تَصْدِيقُهُمْ. وَأَمَّا مَا يَثْبُتُ بِالْعَقْلِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَتَصَوَّرَهُ الْقَائِلُ بِهِ وَإِلَّا كَانَ قَدْ تَكَلَّمَ بِلَا عِلْمٍ فَالنَّصَارَى تَتَكَلَّمُ بِلَا عِلْمٍ؛ فَكَانَ كَلَامُهُمْ مُتَنَاقِضًا وَلَمْ يَحْصُلْ لَهُمْ قَوْلٌ مَعْقُولٌ؛ كَذَلِكَ مَنْ تَكَلَّمَ فِي كَلَامِ اللَّهِ بِلَا عِلْمٍ كَانَ كَلَامُهُ مُتَنَاقِضًا وَلَمْ يَحْصُلْ لَهُ قَوْلٌ يُعْقَلُ؛ وَلِهَذَا كَانَ مِمَّا يُشَنَّعُ بِهِ عَلَى هَؤُلَاءِ أَنَّهُمْ احْتَجُّوا فِي أَصْلِ دِينِهِمْ وَمَعْرِفَةِ حَقِيقَةِ الْكَلَامِ - كَلَامِ اللَّهِ وَكَلَامِ جَمِيعِ الْخَلْقِ - بِقَوْلِ شَاعِرٍ نَصْرَانِيٍّ يُقَالُ لَهُ الْأَخْطَلُ:
إنَّ الْكَلَامَ لَفِي الْفُؤَادِ وَإِنَّمَا ... جُعِلَ اللِّسَانُ عَلَى الْفُؤَادِ دَلِيلًا
(6/296)

وَقَدْ قَالَ طَائِفَةٌ: إنَّ هَذَا لَيْسَ مَنْ شِعْرِهِ وَبِتَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ مِنْ شِعْرِهِ فَالْحَقَائِقُ الْعَقْلِيَّةُ أَوْ مُسَمَّى لَفْظِ الْكَلَامِ الَّذِي يَتَكَلَّمُ بِهِ جَمِيعُ بَنِي آدَمَ لَا يُرْجَعُ فِيهِ إلَى قَوْلِ أَلْفِ شَاعِرٍ فَاضِلٍ دَعْ أَنْ يَكُونَ شَاعِرًا نَصْرَانِيًّا اسْمُهُ الْأَخْطَلُ وَالنَّصَارَى قَدْ عُرِفَ أَنَّهُمْ يَتَكَلَّمُونَ فِي كَلِمَةِ اللَّهِ بِمَا هُوَ بَاطِلٌ وَالْخَطَلُ فِي اللُّغَةِ هُوَ الْخَطَأُ فِي الْكَلَامِ وَقَدْ أَنْشَدَ فِيهِمْ الْمُنْشِدُ:
قُبْحًا لِمَنْ نَبَذَ الْقُرْآنَ وَرَاءَهُ ... فَإِذَا اسْتَدَلَّ يَقُولُ قَالَ الْأَخْطَلُ
وَلَمَّا احْتَجَّ الْكُلَّابِيَة بِهَذِهِ الْحُجَّةِ عَارَضَتْهُمْ الْمُعْتَزِلَةُ فَقَالُوا: الْكَلَامُ عِنْدَنَا كَالْفِعْلِ عِنْدَنَا وَعِنْدَكُمْ وَهُوَ فِي الْأَزَلِ عِنْدَنَا جَمِيعًا لَمْ يَكُنْ فَاعِلًا ثُمَّ صَارَ فَاعِلًا وَلَا نَقُولُ نَحْنُ وَأَنْتُمْ: كَانَ فِي الْأَزَلِ عَاجِزًا أَوْ سَاكِتًا فَكَمَا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فَاعِلًا وَلَا يُوصَفُ بِضِدِّ الْفِعْلِ وَهُوَ الْعَجْزُ أَوْ السُّكُوتُ فَكَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مُتَكَلِّمًا وَلَا يُوصَفُ بِضِدِّ الْكَلَامِ وَهُوَ السُّكُوتُ أَوْ الْخَرَسُ. فَإِذَا قَالَ هَؤُلَاءِ لِلْمُعْتَزِلَةِ وَالْجَهْمِيَّة: الْفِعْلُ لَا يَقُومُ بِهِ عِنْدَنَا وَعِنْدَكُمْ وَالْكَلَامُ يَقُومُ بِهِ فَكَانَ كَالصِّفَاتِ مَنَعَتْهُمْ الْمُعْتَزِلَةُ ذَلِكَ وَقَالُوا: الْكَلَامُ عِنْدَنَا كَالْفِعْلِ لَا يَقُومُ بِهِ لَا هَذَا وَلَا هَذَا فَإِذَا قَالُوا: لَوْ لَمْ يَقُمْ بِهِ الْكَلَامُ لَقَامَ بِغَيْرِهِ وَكَانَ الْكَلَامُ صِفَةً لِذَلِكَ الْغَيْرِ انْتَقَلُوا إلَى " الْحُجَّةِ الثَّانِيَةِ " وَلَمْ يُمْكِنْ تَقْرِيرُ الْأُولَى إلَّا بِالثَّانِيَةِ؛ فَكَانَ الِاسْتِدْلَالُ بِالْأُولَى وَجَعْلُهَا " حُجَّةً ثَانِيَةً " بَاطِلًا؛ وَلِهَذَا أَعْرَضَ عَنْهُ كَثِيرٌ مِنْ مُتَأَخَّرِيهِمْ وَإِنَّمَا اعْتَمَدُوا عَلَى " الثَّانِيَةِ " كَأَبِي الْمَعَالِي وَأَتْبَاعِهِ.
(6/297)

وَهَذَا السُّؤَالُ لَا يَلْزَمُ السَّلَفَ؛ فَإِنَّهُمْ إذَا قَالُوا؛ الْكَلَامُ كَالْفِعْلِ وَهُوَ فِي الْأَزَلِ لَمْ يَكُنْ فَاعِلًا لَا عِنْدَنَا وَلَا عِنْدَكُمْ مَنَعَهُمْ السَّلَفُ وَجُمْهُورُ الْمُسْلِمِينَ هَذَا وَقَالُوا: بَلْ لَمْ يَزَلْ خَالِقًا فَاعِلًا كَمَا عَلَيْهِ السَّلَفُ وَجُمْهُورُ طَوَائِفِ الْمُسْلِمِينَ. وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ أَصْحَابُ ابْنِ خُزَيْمَة مِمَّا كَتَبُوهُ لَهُ وَكَانُوا " كلابية " فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ هَذَا قَوْلَ ابْنِ كُلَّابٍ أَوْ قَوْلَ طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ وَبِهَذَا تَسْتَقِيمُ لَهُمْ هَذِهِ الْحُجَّةُ وَإِلَّا فَمَنْ سَلَّمَ أَنَّهُ صَارَ فَاعِلًا بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ كَانَتْ هَذِهِ الْحُجَّةُ مُنْتَقِضَةً عَلَى أَصْلِهِ وَقَالَ مُنَازِعُوهُ: الْكَلَامُ فِي مَقَالِهِ كَالْكَلَامِ فِي فِعَالِهِ. وَالْقَوْلُ بِأَنَّ الْخَلْقَ غَيْرُ الْمَخْلُوقِ وَأَنَّهُ فِعْلٌ يَقُومُ بِالرَّبِّ هُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْمُسْلِمِينَ: هُوَ قَوْلُ " الْحَنَفِيَّةِ " وَأَكْثَرِ " الْحَنْبَلِيَّةِ " وَإِلَيْهِ رَجَعَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى أَخِيرًا وَهُوَ الَّذِي حَكَاهُ البغوي عَنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ الكلاباذي عَنْ " الصُّوفِيَّةِ " وَذَكَرَهُ فِي كِتَابِ " التَّعَرُّفِ لِمَذْهَبِ التَّصَوُّفِ " وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ " أَفْعَالِ الْعِبَادِ " إجْمَاعًا مِنْ الْعُلَمَاءِ وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرُهُ عَنْ أَهْلِ السُّنَّةِ. لَكِنَّ الْفِعْلَ: هَلْ هُوَ شَيْءٌ وَاحِدٌ قَدِيمٌ كَالْإِرَادَةِ؟ أَوْ هُوَ حَادِثٌ بِذَاتِهِ؟ أَوْ هُوَ نَوْعٌ لَمْ يَزَلْ مُتَّصِفًا بِهِ.؟ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ لِلْمُسْلِمِينَ وَكُلُّهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَا سِوَى اللَّهِ مُحْدَثٌ مَخْلُوقٌ كَمَا تَوَاتَرَ ذَلِكَ عَنْ الْأَنْبِيَاءِ وَدَلَّتْ عَلَيْهِ الدَّلَائِلُ الْعَقْلِيَّةُ وَالْقَوْلُ بِأَنَّ مَعَ اللَّهِ شَيْئًا قَدِيمًا تَقَدَّمَهُ مِنْ مَفْعُولَاتِهِ - كَمَا يَقُولُ ذَلِكَ مَنْ يَقُولُهُ مِنْ الْمُتَفَلْسِفَةِ - بَاطِلٌ عَقْلًا وَشَرْعًا كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي مَوَاضِعَ.
(6/298)

فَإِنْ قِيلَ: إذَا قُلْتُمْ: لَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّمًا بِمَشِيئَتِهِ لَزِمَ وُجُودُ كَلَامٍ لَا ابْتِدَاءَ لَهُ وَإِذَا لَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّمًا وَجَبَ أَنْ لَا يَزَالَ كَذَلِكَ؛ فَيَكُونُ مُتَكَلِّمًا بِكَلَامِ لَا نِهَايَةَ لَهُ وَذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ وُجُودَ مَا لَا يَتَنَاهَى مِنْ الْحَوَادِثِ فَإِنَّ كُلَّ كَلِمَةٍ مَسْبُوقَةٍ بِأُخْرَى فَهِيَ حَادِثَةٌ وَوُجُودُ مَا لَا يَتَنَاهَى مُحَالٌ. قِيلَ لَهُ: هَذَا الِاسْتِلْزَامُ حَقٌّ وَبِذَلِكَ يَقُولُونَ: إنَّ كَلِمَاتِ اللَّهِ لَا نِهَايَةَ لَهَا كَمَا قَالَ تَعَالَى: {قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا} . وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: وُجُودُ مَا لَا يَتَنَاهَى مِنْ الْحَوَادِثِ مُحَالٌ فَهَذَا بِنَاءً عَلَى دَلِيلِهِمْ الَّذِي اسْتَدَلُّوا بِهِ عَلَى حُدُوثِ الْعَالَمِ وَحُدُوثِ الْأَجْسَامِ وَهُوَ أَنَّهَا لَا تَخْلُو مِنْ الْحَوَادِثِ وَمَا لَا يَخْلُو عَنْ الْحَوَادِثِ فَهُوَ حَادِثٌ وَهَذَا الدَّلِيلُ بَاطِلٌ عَقْلًا وَشَرْعًا وَهُوَ أَصْلُ الْكَلَامِ الَّذِي ذَمَّهُ السَّلَفُ وَالْأَئِمَّةُ وَهُوَ أَصْلُ قَوْلِ الْجَهْمِيَّة نفاة الصِّفَاتِ وَقَدْ تَبَيَّنَ فَسَادُهُ فِي مَوَاضِعَ. وَلَكِنْ سَنُبَيِّنُ إنْ شَاءَ اللَّهُ أَنَّ هَذَا الدَّلِيلَ إذَا مُيِّزَ بَيْنَ حَقِّهِ وَبَاطِلِهِ فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى حُدُوثِ مَا سِوَى اللَّهِ - وَعَلَى مَذْهَبِ السَّلَفِ - وَكَانَ غَلْطَةً مِنْهُمْ وَقَوْلُهُمْ: كُلُّ مَا لَا يَخْلُو مِنْ الْحَوَادِثِ - أَيْ مِنْ الْمُمْكِنَاتِ الْمُفْتَقِرَةِ - فَهُوَ حَادِثٌ فَأَخَذُوا هَذَا " قَضِيَّةً كُلِّيَّةً " وَقَاسُوا فِيهَا الْخَالِقَ عَلَى الْمَخْلُوقِ قِيَاسًا فَاسِدًا كَمَا أَنَّ أُولَئِكَ قَالُوا: الْقَابِلُ لِلشَّيْءِ لَا يَخْلُو عَنْهُ وَعَنْ ضِدِّهِ أَخَذُوهَا " قَضِيَّةً كُلِّيَّةً ". وَالْغَلَطُ فِي " الْقِيَاسِ " يَقَعُ مِنْ تَشْبِيهِ الشَّيْءِ بِخِلَافِهِ وَأَخْذِ الْقَضِيَّةِ الْكُلِّيَّةِ بِاعْتِبَارِ الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ مِنْ غَيْرِ تَمْيِيزٍ بَيْنَ نَوْعَيْهَا فَهَذَا هُوَ " الْقِيَاسُ الْفَاسِدُ "
(6/299)

كَقِيَاسِ الَّذِينَ قَالُوا إنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَقِيَاسُ إبْلِيسَ. وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ الْأَقْيِسَةِ الْفَاسِدَةِ الَّتِي قَالَ فِيهَا بَعْضُ السَّلَفِ: أَوَّلُ مَنْ قَاسَ إبْلِيسُ وَمَا عُبِدَتْ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ إلَّا بِالْمَقَايِيسِ يَعْنِي: قِيَاسَ مَنْ يُعَارِضُ النَّصَّ وَمَنْ قَاسَ قِيَاسًا فَاسِدًا وَكُلُّ قِيَاسٍ عَارَضَ النَّصَّ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ إلَّا فَاسِدًا وَأَمَّا الْقِيَاسُ الصَّحِيحُ فَهُوَ مِنْ الْمِيزَانِ الَّذِي أَنْزَلَهُ اللَّهُ وَلَا يَكُونُ مُخَالِفًا لِلنَّصِّ قَطُّ بَلْ مُوَافِقًا لَهُ. وَمِنْ هُنَا يَظْهَرُ أَيْضًا: أَنَّ مَا عِنْدَ الْمُتَفَلْسِفَةِ مِنْ الْأَدِلَّةِ الصَّحِيحَةِ الْعَقْلِيَّةِ فَإِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى مَذْهَبِ السَّلَفِ أَيْضًا؛ فَإِنَّ عُمْدَتَهُمْ فِي " قِدَمِ الْعَالَمِ " عَلَى أَنَّ الرَّبَّ لَمْ يَزَلْ فَاعِلًا وَأَنَّهُ يَمْتَنِعُ أَنْ يَصِيرَ فَاعِلًا بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ وَأَنْ يَصِيرَ الْفِعْلُ مُمْكِنًا لَهُ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ وَأَنَّهُ يَمْتَنِعُ أَنْ يَصِيرَ قَادِرًا بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ وَهَذَا وَجَمِيعُ مَا احْتَجُّوا بِهِ إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى قِدَمِ نَوْعِ الْفِعْلِ؛ لَا يَدُلُّ عَلَى قِدَمِ شَيْءٍ مِنْ الْعَالَمِ لَا فَلَكَ وَلَا غَيْرَهُ. فَإِذَا قِيلَ: إنَّهُ لَمْ يَزَلْ فَاعِلًا بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ وَإِنَّ الْفِعْلَ مِنْ لَوَازِمِ الْحَيَاةِ - كَمَا قَالَ ذَلِكَ مَنْ قَالَهُ مِنْ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ - كَانَ هَذَا قَوْلًا بِمُوجَبِ جَمِيعِ أَدِلَّتِهِمْ الصَّحِيحَةِ الْعَقْلِيَّةِ وَكَانَ هَذَا مُوَافِقًا لِقَوْلِ السَّلَفِ: لَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّمًا إذَا شَاءَ. فَلَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّمًا إذَا شَاءَ فَاعِلًا لِمَا يَشَاءُ. وَجَمِيعُ مَا احْتَجَّ بِهِ الْكُلَّابِيَة وَالْأَشْعَرِيَّةُ والسالمية وَغَيْرُهُمْ عَلَى قِدَمِ الْكَلَامِ إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّمًا إذَا شَاءَ لَا يَدُلُّ عَلَى قِدَمِ كَلَامٍ بِلَا مَشِيئَةٍ وَلَا عَلَى قِدَمِ كَلَامٍ مُعَيَّنٍ بَلْ عَلَى قِدَمِ نَوْعِ الْكَلَامِ.
(6/300)

وَجَمِيعُ مَا يَحْتَجُّ بِهِ الْفَلَاسِفَةُ عَلَى قِدَمِ الْفَاعِلِيَّةُ إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ فَاعِلًا لِمَا يَشَاءُ؛ لَا يَدُلُّ عَلَى قِدَمِ فِعْلٍ مُعَيَّنٍ وَلَا مَفْعُولٍ مُعَيَّنٍ؛ لَا الْفَلَكُ وَلَا غَيْرُهُ. وَالْغَلَطُ إنَّمَا نَشَأَ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ مِنْ اشْتِبَاهِ النَّوْعِ الدَّائِمِ بِالْعَيْنِ الْمُعَيَّنَةِ ثُمَّ إنَّ أُولَئِكَ قَالُوا: يَمْتَنِعُ قِدَمُ نَوْعِ الْحَرَكَةِ وَالْفِعْلِ لِامْتِنَاعِ حَوَادِثَ لَا أَوَّلَ لَهَا؛ فَأَبْطَلُوا كَوْنَ الرَّبِّ لَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّمًا بِمَشِيئَتِهِ وَلَمْ يَزَلْ فَاعِلًا بِمَشِيئَتِهِ؛ بَلْ يَلْزَمُهُمْ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَادِرًا عَلَى الْفِعْلِ ثُمَّ صَارَ قَادِرًا وَلَمْ يَكُنْ أَيْضًا قَادِرًا عَلَى الْكَلَامِ بِمَشِيئَتِهِ. ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: صَارَ قَادِرًا عَلَى الْكَلَامِ بِمَشِيئَتِهِ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ: كالكَرَّامِيَة؛ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ لَمْ يَصِرْ قَادِرًا عَلَى الْكَلَامِ وَلَا يُمْكِنُهُ الْكَلَامُ بِمَشِيئَتِهِ قَطُّ وَهُمْ الْكُلَّابِيَة؛ وَمَنْ وَافَقَهُمْ مِنْ الْأَشْعَرِيَّةِ والسالمية. وَأَمَّا " الْفَلَاسِفَةُ " فَقَالُوا مَا قَالَهُ مُقَدِّمُهُمْ أَرِسْطُو. فَكُلُّ مَنْ قَالَ: إنَّ " جِنْسَ الْحَرَكَةِ " حَدَثَتْ بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُنْ فَإِنَّهُ مُكَابِرٌ لِعَقْلِهِ وَقَالُوا يَمْتَنِعُ ذَلِكَ فِي جِنْسِ الْحَوَادِثِ بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُنْ بِلَا سَبَبٍ حَادِثٍ وَالْعَلَمُ بِذَلِكَ ضَرُورِيٌّ. فَيُقَالُ لَهُمْ: هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ هَذَا النَّوْعُ مَوْجُودًا لَا يَدُلُّ عَلَى قِدَمِ عَيْنِ حَرَكَةِ الْفَلَكِ وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي الزَّمَانِ وَالْجِسْمِ؛ فَإِنَّ أَدِلَّتَهُمْ تَقْتَضِي أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ مَوْجُودًا: حَرَكَةً وَقَدْرَهَا وَهُوَ الزَّمَانُ؛ وَفَاعِلُهَا هُوَ الَّذِي يُسَمُّونَهُ الْجِسْمَ؛ لَكِنْ لَا يَقْتَضِي قِدَمَ شَيْءٍ بِعَيْنِهِ. فَإِذَا قِيلَ: إنَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ لَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّمًا بِمَشِيئَتِهِ فَاعِلًا لِمَا يَشَاءُ؛ كَانَ نَوْعُ الْفِعْلِ لَمْ يَزَلْ مَوْجُودًا وَقَدْرُهُ وَهُوَ الزَّمَانُ مَوْجُودًا؛ لَكِنَّ أَرِسْطُو وَأَتْبَاعَهُ غَلِطُوا حَيْثُ ظَنُّوا أَنَّهُ لَا زَمَانَ إلَّا قَدْرَ حَرَكَةِ الْفَلَكِ وَأَنَّهُ لَا حَرَكَةَ فَوْقَ الْفَلَكِ وَلَا قَبْلَهُ؛ فَتَعَيَّنَ أَنْ تَكُونَ حَرَكَتُهُ أَزَلِيَّةً.
(6/301)

وَهَذَا ضَلَالٌ مِنْهُمْ عَقْلًا وَشَرْعًا. فَلَا دَلِيلَ يَدُلُّ عَلَى امْتِنَاعِ حَرَكَةٍ فَوْقَ الْفَلَكِ وَقَبْلَ الْفَلَكِ وَدَلِيلُهُمْ عَلَى انْشِقَاقِ الْفَلَكِ فِي غَايَةِ الْفَسَادِ كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: إنَّهُ لَا بُدَّ لِكُلِّ حَرَكَةٍ مِنْ مُحَرِّكٍ غَيْرِ مُتَحَرِّكٍ فِي غَايَةِ الْفَسَادِ كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي مَوْضِعِهِ. وَالْمَقْصُودُ هُنَا التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّ خُلَاصَةَ مَا عِنْدَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُقَالُ: إنَّهُمْ أَئِمَّةُ الْمَعْقُولَاتِ مِنْ أَئِمَّةِ الْكَلَامِ وَالْفَلْسَفَةِ. إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى قَوْلِ السَّلَفِ وَأَهْلِ السُّنَّةِ الْمُتَّبِعِينَ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ؛ فَالْأَدِلَّةُ الصَّحِيحَةُ الَّتِي عِنْدَهُمْ إنَّمَا تَدُلُّ عَلَى هَذَا وَلَكِنْ الْتَبَسَ عَلَيْهِمْ الْحَقُّ بِالْبَاطِلِ؛ كَمَا أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ لَبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَمَا عِنْدَهُمْ مِنْ الْحَقِّ مُوَافِقٌ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ الْأُمِّيُّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ؛ لَا يُخَالِفُ ذَلِكَ فَالْأَدِلَّةُ السَّمْعِيَّةُ الَّتِي جَاءَتْ بِهَا الْأَنْبِيَاءُ لَا تَتَنَاقَضُ؛ وَكَذَلِكَ الْأَدِلَّةُ الصَّحِيحَةُ الْعَقْلِيَّةُ وَلَا تَتَنَاقَضُ السَّمْعِيَّاتُ وَالْعَقْلِيَّاتُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(6/302)

فَصْلٌ:
وَقَدْ سَلَكَ طَائِفَةٌ مِنْ أَئِمَّةِ النُّظَّارِ - أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِالْكَلَامِ وَالْفَلْسَفَةِ - أَنْ يَجْمَعُوا بَيْنَ أَدِلَّةِ هَؤُلَاءِ وَأَدِلَّةِ هَؤُلَاءِ وَرَأَوْا أَنَّ هَذَا غَايَةُ الْمَعْرِفَةِ وَسَمَّوْا " الْجَوَابَ " الَّذِي أَجَابُوا بِهِ الْفَلَاسِفَةَ عَنْ حُجَجِهِمْ " الْجَوَابَ الْبَاهِرَ " فَوَافَقُوا كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ فَأَخْطَئُوا وَتَنَاقَضُوا لَمَّا جَمَعُوا بَيْنَ خَطَأِ الطَّائِفَتَيْنِ. فَكَانَ قَوْلُهُمْ يَنْقُضُ بَعْضُهُ بَعْضًا؛ إذْ كَانَ خَطَأُ الطَّائِفَتَيْنِ مُتَنَاقِضًا غَايَةَ التَّنَاقُضِ. وَأَمَّا مَا أَصَابَتْ فِيهِ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ؛ فَلَوْ جَمَعُوا بَيْنَهُمَا لَكَانَ ذَلِكَ مُوَافِقًا لِلْأَدِلَّةِ السَّمْعِيَّةِ الَّتِي أَخْبَرَتْ بِهَا الرُّسُلُ وَلِلْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ كَالْأَدِلَّةِ الَّتِي دَلَّتْ عَلَيْهَا الرُّسُلُ لَكِنَّ هَؤُلَاءِ خَرَجُوا عَنْ مُوجَبِ الْأَدِلَّةِ السَّمْعِيَّةِ وَالْعَقْلِيَّةِ مَعَ ظَنِّهِمْ نِهَايَةَ التَّحْقِيقِ وَلَهُمْ بِذَلِكَ أُسْوَةٌ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ؛ فَإِنَّهَا مُخَالِفَةٌ لِمُوجَبِ الْأَدِلَّةِ السَّمْعِيَّةِ وَالْعَقْلِيَّةِ وَإِنَّمَا الْحَقُّ هُوَ مَا تَصَادَقَتْ عَلَيْهِ الْأَدِلَّةُ السَّمْعِيَّةُ وَالْعَقْلِيَّةُ وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ سَلَفُ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتُهَا مُتَلَقِّينَ لَهُ عَنْ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ جِهَةِ خَبَرِهِ وَمِنْ جِهَةِ تَعْلِيمِهِ وَبَيَانِهِ لِلْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ. مَعَ أَنَّ هَؤُلَاءِ يَزْعُمُونَ أَنَّ الرُّسُلَ لَمْ يُبَيِّنُوا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ
(6/303)

الرَّازِي فِي " أَوَّلِ الْمَطَالِبِ الْعَالِيَةِ " فَزَعَمُوا أَنَّهُمْ لَمْ يُثْبِتُوا بِهَا خَبَرًا فَضْلًا عَنْ بَيَانِ الْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ الْمُصَدِّقَةِ لِخَبَرِهِمْ. وَقَدْ تَكَلَّمْنَا عَلَى فَسَادِ مَا ذَكَرَهُ فِي ذَلِكَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ وَالْمَقْصُودُ هُنَا: التَّنْبِيهُ عَلَى طَرِيقَةِ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ سَلَكُوا مَسْلَكَ الْجَمْعِ بَيْنَ أَدِلَّةِ هَؤُلَاءِ وَأَدِلَّةِ هَؤُلَاءِ وَزَعَمُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ " الْجَوَابِ الْبَاهِرِ " وَهَذِهِ الطَّرِيقَةُ قَدْ ذَكَرَهَا الرَّازِي فِي كُتُبِهِ وَرَجَّحَهَا وَأَخَذَهَا عَنْهُ الأرموي وَذَكَرَهَا فِي كِتَابِ الْأَرْبَعِينَ وَأَخَذَهَا عَنْهُ القشيري الْمِصْرِيُّ وَهَذَا الْقَوْلُ يُشْبِهُ مَذْهَبَ الحرنانيين الْقَائِلِينَ بِالْقُدَمَاءِ الْخَمْسَةِ الَّذِي نَصَرَهُ مُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيَّا الرَّازِي وَصَنَّفَ فِيهِ. وَالرَّازِي " يُقَوِّي هَذَا الْمَذْهَبَ فِي مُجْمَلِهِ وَغَيْرِهِ وَإِنْ كَانَ مَذْهَبًا مُتَنَاقِضًا كَمَا بَيَّنَ فَسَادَهُ مُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيَّا البلخي وَأَبُو حَاتِمٍ صَاحِبُ " كِتَابِ الزِّينَةِ " وَغَيْرُهُمَا لَكِنْ بَيْنَ مَذْهَبِ الحرنانيين وَبَيْنَ مَذْهَبِ هَؤُلَاءِ فَرْقٌ كَمَا سَنُبَيِّنُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ. قَالَ هَؤُلَاءِ: الْمُتَكَلِّمُونَ إنَّمَا أَقَامُوا الْأَدِلَّةَ عَلَى حُدُوثِ الْأَجْسَامِ فَإِنَّهَا هِيَ الَّتِي بَيَّنُوا أَنَّهَا لَا تَخْلُوا مِنْ الْحَوَادِثِ وَمَا لَا يَخْلُو مِنْ الْحَوَادِثِ فَهُوَ حَادِثٌ لِامْتِنَاعِ حَوَادِثَ دَائِمَةٍ لَا ابْتِدَاءَ لَهَا. قَالُوا: وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُتَكَلِّمُونَ دَلِيلًا عَلَى نَفْيِ مَوْجُودٍ سِوَى الْأَجْسَامِ وَسِوَى الصَّانِعِ وَالْفَلَاسِفَةُ أَثْبَتُوا مَوْجُودَاتٍ غَيْرَ ذَلِكَ وَهِيَ الْعُقُولُ وَالنُّفُوسُ. قَالُوا: والمتكلمون لَمْ يُقِيمُوا دَلِيلًا عَلَى انْتِفَائِهَا وَدَلِيلُهُمْ عَلَى الْحُدُوثِ لَمْ يَشْمَلْهَا.
(6/304)

قَالُوا: وَ " الْفَلَاسِفَةُ " لَمْ يُقِيمُوا دَلِيلًا عَلَى قِدَمِ الْأَجْسَامِ؛ بَلْ أَقَامُوا الْأَدِلَّةَ عَلَى أَنَّ الرَّبَّ لَمْ يَزَلْ فَاعِلًا وَلَمْ تَزَلْ الْحَرَكَةُ وَالزَّمَانُ مَوْجُودَيْنِ وَعُمْدَتُهُمْ أَنَّ الْأَوَّلَ مُسْتَجْمِعٌ لِجَمِيعِ شُرُوطِ الْفَاعِلِيَّةِ فِي الْأَزَلِ فَيَجِبُ اقْتِرَانُ الْفِعْلِ بِهِ. وَقَالُوا: إنَّهُ يَمْتَنِعُ حُدُوثُ الْحَوَادِثِ بِلَا سَبَبٍ حَادِثٍ؛ وَيَمْتَنِعُ أَنَّ الرَّبَّ لَمْ يَزَلْ مُعَطَّلًا عَنْ الْفِعْلِ ثُمَّ وُجِدَ الْفِعْلُ بِلَا سَبَبٍ حَادِثٍ وَيَمْتَنِعُ أَنْ يَصِيرَ قَادِرًا بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ قَادِرًا وَيَمْتَنِعُ أَنْ يَصِيرَ الْفِعْلُ مُمْكِنًا بَعْدَ أَنْ كَانَ مُمْتَنِعًا بِلَا سَبَبٍ حَادِثٍ؛ فَيَنْتَقِلُ مِنْ الِامْتِنَاعِ الذَّاتِيِّ إلَى الْإِمْكَانِ الذَّاتِيِّ. وَقَالُوا: كُلُّ مَا لَا بُدَّ مِنْهُ فِي كَوْنِ الْفَاعِلِ فَاعِلًا إنْ وُجِدَ فِي الْأَزَلِ لَزِمَ وُجُودُ الْفِعْلِ؛ فَإِنَّهُ إنْ لَمْ يُوجَدْ بَقِيَ مُتَوَقِّفًا عَلَى شَرْطٍ آخَرَ؛ وَنَحْنُ قُلْنَا: كُلُّ مَا لَا بُدَّ مِنْهُ فِي كَوْنِ الْفَاعِلِ فَاعِلًا قَدْ وُجِدَ فِي الْأَزَلِ وَإِنْ قِيلَ: قَدْ وُجِدَ كُلُّ مَا لَا بُدَّ مِنْهُ مِنْ كَوْنِ الْفَاعِلِ فَاعِلًا وَمَعَ هَذَا لَمْ يُوجَدْ الْفِعْلُ؛ ثُمَّ وُجِدَ بَعْدَ ذَلِكَ بِلَا سَبَبٍ لَزِمَ تَرْجِيحُ وُجُودِ الْمُمْكِنِ عَلَى عَدَمِهِ بِغَيْرِ مُرَجِّحٍ تَامٍّ: فَإِنَّ الْمُرَجِّحَ التَّامَّ يَجِبُ أَنْ يَقْتَرِنَ بِهِ الرُّجْحَانُ وَإِنْ لَمْ يَقْتَرِنْ بِهِ الرُّجْحَانُ: فَإِنْ كَانَ الْفِعْلُ مُمْكِنَ الْوُجُودِ وَالْعَدَمِ؛ وَالْمُمْكِنُ يَفْتَقِرُ إلَى الْمُرَجِّحِ فَمَا دَامَ مُمْكِنَ الْوُجُودِ وَالْعَدَمِ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُرَجِّحٍ: وَإِذَا حَصَلَ الْمُرَجِّحُ التَّامُّ وَجَبَ وُجُودُهُ وَلَمْ يَبْقَ حِينَئِذٍ مُمْكِنُ الْوُجُودِ وَالْعَدَمِ.
(6/305)

قَالَ هَؤُلَاءِ: فَهَذَا عُمْدَةُ هَؤُلَاءِ الْفَلَاسِفَةِ. وَأَصْلُهُ أَنَّ الْحَادِثَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ سَبَبٍ حَادِثٍ وَحُدُوثُ حَادِثٍ بِدُونِ سَبَبٍ حَادِثٍ مُمْتَنِعٌ فِي بِدَايَةِ الْعُقُولِ. وَلِهَذَا لَمَّا أَجَابَهُمْ الْمُتَكَلِّمُونَ عَنْ هَذَا بِأَجْوِبَةِ مُتَعَدِّدَةٍ كَانَتْ كُلُّهَا فَاسِدَةً مِثْلُ قَوْلِ بَعْضِهِمْ: الْمُرَجِّحُ هُوَ الْعِلْمُ وَقَوْلِ بَعْضِهِمْ هُوَ الْإِرَادَةُ؛ وَقَوْلِ بَعْضِهِمْ: الْمُرَجِّحُ مُجَرَّدُ كَوْنِهِ قَادِرًا؛ وَقَوْلِ بَعْضِهِمْ: الْمُرَجِّحُ إمْكَانُ الْفِعْلِ بَعْدَ امْتِنَاعِهِ؛ لَا امْتِنَاعُهُ فِي الْأَزَلِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. فَقَالُوا هَذِهِ الْأَجْوِبَةُ بَاطِلَةٌ لِوَجْهَيْنِ: (أَحَدُهُمَا: أَنَّ جَمِيعَ مَا ذُكِرَ إنْ كَانَ مَوْجُودًا فِي الْأَزَلِ فَقَدْ دَخَلَ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا فِي الْأَزَلِ فَقَدْ دَخَلَ فِي الْقِسْمِ الثَّانِي؛ وَقَدْ قُلْنَا: إنَّ جَمِيعَ الْأُمُورِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي التَّأْثِيرِ إنْ كَانَتْ أَزَلِيَّةً لَزِمَ كَوْنُ الْأَثَرِ أَزَلِيًّا وَإِنْ كَانَ بَعْضُهَا غَيْرَ أَزَلِيٍّ ثُمَّ حَدَثَ بَعْدَ ذَلِكَ لَزِمَ رُجْحَانُ وُجُودِ الْمُمْكِنِ عَلَى عَدَمِهِ بِلَا مُرَجِّحٍ وَحَدَثَتْ الْحَوَادِثُ بِلَا مُحْدِثٍ؛ فَإِنَّهُ لَوْ أُحْدِثَ تَمَامُ الْمُؤَثَّرِ بِهِ وَلَمْ يَكُنْ الْمُؤَثِّرُ تَامًّا فِي الْأَزَلِ: حَدَثَ ذَلِكَ بِلَا سَبَبٍ. وَ " الْوَجْهُ الثَّانِي ": أَنَّ نِسْبَةَ الْقُدْرَةِ وَالْإِرَادَةِ وَالْعِلْمِ وَنَفْسِ الْأَزَلِ إلَى وَقْتِ حُدُوثِ الْعَالَمِ كَنِسْبَتِهِ إلَى مَا قَبْلَ ذَلِكَ وَمَا بَعْدَ ذَلِكَ. فَيَمْتَنِعُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ هِيَ الْمُوجِبَةَ لِوُجُودِهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ دُونَ مَا قَبْلَهُ وَمَا بَعْدَهُ. قَالَ الرَّازِي فِي " كِتَابِهِ الْكَبِيرِ ": وَالْجَوَابُ الْبَاهِرُ أَنْ نَقُولَ: كَانَتْ النَّفْسُ أَزَلِيَّةً وَهِيَ مُتَحَرِّكَةٌ دَائِمًا؛ ثُمَّ حَصَلَ مِنْ تِلْكَ الْحَرَكَاتِ الْمُتَعَاقِبَةِ صِفَةٌ مَخْصُوصَةٌ كَانَتْ هِيَ سَبَبَ حُدُوثِ الْأَجْسَامِ فَبِهَذَا ثَبَتَ السَّبَبُ الْحَادِثُ الْمُوجِبُ لِاخْتِصَاصِ ذَلِكَ الْوَقْتِ بِحُدُوثِ الْأَجْسَامِ فِيهِ وَعَلَى هَذَا فَالْأَجْسَامُ حَادِثَةٌ وَهُوَ مُوجَبُ أَدِلَّةِ الْمُتَكَلِّمَةِ وَالْفَاعِلُ لَمْ يَزَلْ فَاعِلًا لِقِدَمِ النَّفْسِ الْمَعْلُولَةِ لَهُ؛ وَهُوَ مُوجَبُ أَدِلَّةِ
(6/306)

الْفَلَاسِفَةِ. وَقَدْ يَقُولُونَ: مِقْدَارُ حَرَكَتِهَا هُوَ الزَّمَانُ فَقُلْنَا بِمُوجَبِ قِدَمِ نَوْعِ الْحَرَكَةِ وَالزَّمَانِ مَعَ حُدُوثِ الْأَجْسَامِ. فَهَذَا قَوْلُ هَؤُلَاءِ الْمُتَّبِعِينَ لِلطَّائِفَتَيْنِ. وَقَدْ قُلْنَا: إنَّهُمْ اتَّبَعُوا كُلَّ طَائِفَةٍ فِيمَا أَخْطَأَتْ فِيهِ وَأَمَّا تَنَاقُضُهُمْ فَلِأَنَّ الْمُتَكَلِّمِينَ إنَّمَا اعْتَمَدُوا فِي حُدُوثِ الْأَجْسَامِ عَلَى امْتِنَاعِ حَوَادِثَ لَا أَوَّلَ لَهَا هَذَا عُمْدَتُهُمْ؛ وَإِلَّا فَمَتَى جَازَ وُجُودُ حَوَادِثَ لَا بِدَايَةَ لَهَا أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ قَبْلَ كُلِّ حَادِثٍ حَادِثٌ فَلَا يَلْزَمُ حُدُوثُ مَا تَقُومُ بِهِ الْحَوَادِثُ الْمُتَعَاقِبَةُ فَإِنْ كَانَ هَذَا الْأَصْلُ الَّذِي بَنَى عَلَيْهِ الْمُتَكَلِّمُونَ أَصْلًا صَحِيحًا ثَابِتًا امْتَنَعَ وُجُودُ حَرَكَاتٍ غَيْرِ مُتَنَاهِيَةٍ لِلنَّفْسِ وَغَيْرِ النَّفْسِ وَحِينَئِذٍ فَمَنْ قَالَ بِمُوجَبِ هَذَا الْأَصْلِ مَعَ قَوْلِهِ بِوُجُودِ حَوَادِثَ لَا أَوَّلَ لَهَا فِي النَّفْسِ أَوْ غَيْرِهَا فَقَدْ تَنَاقَضَ. " وَحَقِيقَةُ قَوْلِهِ " يَمْتَنِعُ وُجُودُ حَوَادِثَ لَا أَوَّلَ لَهَا وَيَجِبُ وُجُودُ حَوَادِثَ لَا أَوَّلَ لَهَا. وَإِنْ كَانَ هَذَا الْأَصْلُ بَاطِلًا بَطَلَتْ أَدِلَّتُهُمْ عَلَى حُدُوثِ الْأَجْسَامِ وَلَزِمَ جَوَازُ وُجُودِ حَوَادِثَ لَا أَوَّلَ لَهَا؛ وَحِينَئِذٍ فَيَجُوزُ قِدَمُ نَوْعِهَا فَالْقَوْلُ بِوُجُوبِ حُدُوثِهَا كُلِّهَا - وَأَنَّ سَبَبَ الْحُدُوثِ هُوَ حَالٌ لِلنَّفْسِ - تَنَاقُضٌ. وَ " أَيْضًا " فَإِنَّ النَّفْسَ عِنْدَ الْفَلَاسِفَةِ يَمْتَنِعُ وُجُودُهَا بِدُونِ الْجِسْمِ وَيَمْتَنِعُ وُجُودُ الْحَرَكَةِ فِيهَا إلَّا مَعَ الْجِسْمِ وَإِنَّمَا تَكُونُ نَفْسًا إذَا كَانَتْ مُقَارِنَةً لِلْجِسْمِ كَنَفْسِ الْإِنْسَانِ مَعَ بَدَنِهِ. فَنَفْسُ الْفَلَكِ إذَا فَارَقَتْ " الْمَادَّةَ " - وَهِيَ الْهَيُولى
(6/307)

وَهِيَ الْجِسْمُ - مِثْلُ مُفَارَقَةِ نَفْسِ الْإِنْسَانِ لِبَدَنِهِ بِالْمَوْتِ فَقَدْ صَارَتْ عِنْدَهُمْ عَقْلًا لَا يَقْبَلُ الْحَرَكَةَ. فَمَا ذَكَرَهُ مِنْ تَقْدِيرِ نَفْسٍ خَالِيَةٍ عَنْ الْجِسْمِ دَائِمَةِ الْحَرَكَةِ لَا يَقُولُونَ بِهِ وَلَا دَلِيلَ عَلَيْهِ فَيَبْقَى تَقْدِيرُهُ تَقْدِيرًا لَمْ يَقُلْ بِهِ الْمُنَازِعُ وَلَا قَامَ عَلَيْهِ دَلِيلٌ؛ وَلَكِنَّ هَذَا يُشْبِهُ مَذْهَبَ " الحرنانيين " وَلَيْسَ بِهِ. فَإِنَّ أُولَئِكَ يَقُولُونَ: الْقُدَمَاءُ خَمْسَةٌ: الرَّبُّ وَالنَّفْسُ وَالْمَادَّةُ وَالدَّهْرُ وَالْفَضَاءُ؛ وَلَكِنْ لَا يَقُولُونَ: إنَّ النَّفْسَ مَا زَالَتْ مُتَحَرِّكَةً؛ بَلْ يَقُولُونَ: إنَّهُ حَدَثَ لَهَا الْتِفَاتٌ إلَى الْهَيُولَى وَهِيَ الْمَادَّةُ فَأَحَبَّتْهَا وَعَشِقَتْهَا وَلَمْ يَكُنْ الْأَوْلَى تَخْلِيصَهَا مِنْهَا إلَّا بِأَنْ تَذُوقَ وَبَالَ هَذَا التَّعَلُّقِ فَصَنَعَ الْعَالَمَ وَجَعَلَ النَّفْسَ حَاصِلَةً مَعَ الْأَجْسَامِ لِتَذُوقَ حَرَارَةَ هَذَا الِاجْتِمَاعِ وَوَبَالَهُ فَتَشْتَاقَ إلَى التَّخَلُّصِ مِنْهُ. وَلِهَذَا يَقُولُ " مُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيَّا الرَّازِي ": إنَّ هَذَا الْعَالَمَ لَيْسَ فِيهِ لَذَّةٌ أَصْلًا بَلْ النَّفْسُ لَا تَزَالُ مُعَذَّبَةً حَتَّى تَتَخَلَّصَ وَرَاحَتُهَا فِي الْخَلَاصِ؛ وَكَانَ حَاضِرًا بِمَجْلِسِ بَعْضِ الْأَكَابِرِ فَمَثَّلَ ذَلِكَ بِمَا يَخْرُجُ مِنْ دُبُرِ الْإِنْسَانِ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ مِنْ الصَّوْتِ وَجَعَلَ ذَلِكَ حَاصِلًا مِنْ ذَلِكَ الْكَبِيرِ فَقَالَ لَهُ الْكَعْبِيُّ: دَخَلْت فِي أُمُورٍ عَظِيمَةٍ وَلَمْ تَتَخَلَّصْ وَأَنْتَ إنَّمَا فَرَرْت مِنْ حُدُوثِ حَادِثٍ بِلَا سَبَبٍ فَيُقَالُ لَك: فَمَا الْمُوجِبُ لِكَوْنِهَا الْتَفَتَتْ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ الْمُعَيَّنِ إلَى الْهَيُولَى دُونَ مَا قَبْلَ ذَلِكَ الْوَقْتِ وَمَا بَعْدَهُ؟ فَهَذَا حَادِثٌ بِلَا سَبَبٍ.
(6/308)

وَهَذَا الْمَذْهَبُ اشْتَمَلَ عَلَى أَنْوَاعٍ مِنْ الْفَسَادِ: مِنْهَا إثْبَاتُ قَدِيمٍ غَيْرِ الْأَوَّلِ بِلَا حُجَّةٍ وَمِنْهَا إثْبَاتُ نَفْسٍ مُجَرَّدَةٍ عَنْ الْجِسْمِ وَأَنَّ لَهَا حَرَكَةً بِدُونِ الْجِسْمِ؛ وَهَذَا خِلَافُ مَذْهَبِ " أَرِسْطُو " وَأَتْبَاعِهِ لَكِنَّ هَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: نَحْنُ نَلْتَزِمُ أَنَّ النَّفْسَ مَعَ تَجَرُّدِهَا عَنْ الْجِسْمِ لَهَا حَرَكَةٌ وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ؛ لَكِنْ يُقَالُ: أَثْبَتُّمْ قِدَمَهَا وَأَنَّهَا لَمْ تَزَلْ غَيْرَ مُتَحَرِّكَةٍ ثُمَّ تَحَرَّكَتْ بِلَا سَبَبٍ وَهَذَا فَاسِدٌ. وَأَنْتُمْ لَمْ تُقِيمُوا دَلِيلًا عَلَى قِدَمِهَا؛ بَلْ وَلَا عَلَى وُجُودِهَا وَأَنَّهَا لَيْسَتْ بِجِسْمِ. وَكَذَلِكَ يُقَالُ لِمَنْ أَثْبَتَ الْعُقُولَ وَالنُّفُوسَ مِنْ " الْمُتَفَلْسِفَةِ " وَأَنَّهَا لَيْسَتْ مُشَارًا إلَيْهَا: أَدِلَّتُكُمْ عَلَى ذَلِكَ ضَعِيفَةٌ كُلُّهَا؛ بَلْ بَاطِلَةٌ. وَلِهَذَا صَارَ الطوسي - الَّذِي هُوَ أَفْضَلُ مُتَأَخِّرِيهِمْ - إلَى أَنَّهُ لَا دَلِيلَ عَلَى إثْبَاتِهَا. وَأَمَّا " الْمُتَكَلِّمُونَ " فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ: نَحْنُ نَعْلَمُ بِالِاضْطِرَارِ أَنَّ الْمُمْكِنَ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مُشَارًا إلَيْهِ بِأَنَّهُ هُنَا أَوْ هُنَاكَ فَإِثْبَاتُ مَا لَا يُشَارُ إلَيْهِ مَعْلُومُ الْفَسَادِ بِالضَّرُورَةِ وَقَدْ ذَكَرُوا هَذَا فِي كُتُبِهِمْ. وَقَوْلُ الرَّازِي: إنَّهُمْ لَمْ يُقِيمُوا دَلِيلًا عَلَى انْحِصَارِ الْمُمْكِنِ فِي الْجِسْمِ وَالْعَرَضِ لَيْسَ كَمَا قَالَ؛ بَلْ قَالُوا: نَحْنُ نَعْلَمُ بِالِاضْطِرَارِ أَنَّ الْمُمْكِنَ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مُشَارًا إلَيْهِ يَتَمَيَّزُ مِنْهُ جَانِبٌ عَنْ جَانِبٍ. ثُمَّ كَثِيرٌ مِنْهُمْ - مِنْ هَؤُلَاءِ - ذَكَرَ هَذَا مُطْلَقًا فِي الْقَدِيمِ وَالْحَادِثِ وَأَصْوَاتٍ قَدِيمَةٍ أَزَلِيَّةٍ. ثُمَّ مِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ قَالَ: وَهِيَ مَعَ ذَلِكَ صِفَةٌ وَاحِدَةٌ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: بَلْ هِيَ مُتَعَدِّدَةٌ؛ وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ قَالَ: إنَّ تِلْكَ الْأَصْوَاتَ الْأَزَلِيَّةَ: هِيَ
(6/309)

الْأَصْوَاتُ الْمَسْمُوعَةُ مِنْ الْقُرَّاءِ أَوْ يُسْمَعُ مِنْ الْقُرَّاءِ صَوْتَانِ: الصَّوْتُ الْقَدِيمُ وَصَوْتٌ مُحْدَثٌ. وَالصَّوْتُ الْقَدِيمُ قَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّهُ حَلَّ فِي الْمُحْدَثِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: ظَهَرَ فِيهِ وَلَمْ يَحُلَّ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ فِيهِ وَلَا نَقُولُ: ظَهَرَ وَلَا حَلَّ. وَالْقَائِلُونَ بِهَذَا طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ وَالتَّصَوُّفِ؛ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ وَغَيْرِهِمَا. وَهَؤُلَاءِ حُلُولِيَّةٌ فِي الصِّفَاتِ دُونَ الذَّاتِ وَقَدْ وَافَقَهُمْ طَائِفَةٌ أُخْرَى مِنْ السالمية وَالصُّوفِيَّةِ. وَأُولَئِكَ يَقُولُونَ بِحُلُولِ الذَّاتِ أَيْضًا فِي كُلِّ شَيْءٍ وَأَنَّهُ يَتَجَلَّى لِكُلِّ شَيْءٍ بِصُورَتِهِ؛ وَقَوْلُهُمْ مِنْ جِنْسِ قَوْلِ الْقَائِلِينَ بِأَنَّهُ بِذَاتِهِ فِي كُلِّ مَكَانٍ وَالْقَائِلِينَ " بِوِحْدَةِ الْوُجُودِ ". لَكِنْ هُمْ يَقُولُونَ مَعَ ذَلِكَ: إنَّهُ عَلَى الْعَرْشِ وَإِنَّهُ يَحُلُّ فِي قُلُوبِ الْعَارِفِينَ بِذَاتِهِ وَإِنَّهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ؛ كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ أَبُو طَالِبٍ الْمَكِّيُّ وَنَحْوُهُ. وَأَمَّا " الْأَشْعَرِيَّةُ " فَعَكْسُ هَؤُلَاءِ وَقَوْلُهُمْ يَسْتَلْزِمُ التَّعْطِيلَ وَأَنَّهُ لَا دَاخِلَ الْعَالَمِ وَلَا خَارِجَهُ وَكَلَامُهُ مَعْنًى وَاحِدٌ وَمَعْنَى آيَةِ الْكُرْسِيِّ وَآيَةِ الدَّيْنِ وَالتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَاحِدٌ وَهَذَا مَعْلُومُ الْفَسَادِ بِالضَّرُورَةِ. وَكَذَلِكَ الْكَلِمَاتُ هِيَ عِنْدَهُمْ شَيْءٌ وَاحِدٌ فَحَقِيقَةُ قَوْلِهِمْ: إنَّهُ لَا رَبَّ وَلَا قُرْآنَ وَلَا إيمَانَ فَقَوْلُهُمْ يَسْتَلْزِمُ التَّعْطِيلَ.
وَ " السالمية " حُلُولِيَّةٌ فِي الذَّاتِ وَالصِّفَاتِ وَالْقَائِلُونَ بِأَنَّ الْحُرُوفَ وَالْأَصْوَاتَ الْقَدِيمَةَ حَلَّتْ فِي النَّاسِ: حُلُولِيَّةٌ فِي الصِّفَاتِ دُونَ الذَّاتِ
(6/310)

وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يَقُولُ أَيْضًا: إنَّ صِفَةَ الْعَبْدِ الَّتِي هِيَ إيمَانُهُ قَدِيمٌ؛ وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ عَدَّى ذَلِكَ إلَى أَقْوَالِهِ دُونَ أَفْعَالِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: بَلْ وَأَفْعَالُهُ الْمَأْمُورُ بِهَا قَدِيمَةٌ دُونَ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا وَمِنْهُمْ مَنْ تَوَقَّفَ فِي الْمَنْهِيِّ عَنْهَا وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: بَلْ جَمِيعُ أَفْعَالِ الْعِبَادِ قَدِيمَةٌ: الْخَيْرُ وَالشَّرُّ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ شَرْعٌ وَقَدَرٌ وَالشَّرْعُ وَالْقَدَرُ قَدِيمٌ؛ وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ شَرْعِ الرَّبِّ وَمَشْرُوعِهِ وَبَيْنَ قَدَرِهِ وَمَقْدُورِهِ وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: أَفْعَالُ الْعِبَادِ قَدِيمَةٌ لَيْسَتْ هِيَ الْحَرَكَاتِ بَلْ هِيَ مَا تُنْتِجُهُ الْحَرَكَاتُ؛ كَاَلَّذِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَهُوَ ثَوَابُ أَعْمَالِهِمْ. وَقَدْ صَرَّحَ الْأَئِمَّةُ - أَحْمَد بْنُ حَنْبَلٍ وَغَيْرُهُ -: بِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مَخْلُوقٌ فَهَؤُلَاءِ أَسْرَفُوا فِي الْقَوْلِ بِقِدَمِ الْأَفْعَالِ لِطَرْدِ قَوْلِهِمْ فِي الْإِيمَانِ. وَ " طَائِفَةٌ أُخْرَى " قَالُوا: إذَا كَانَتْ هَذِهِ الْحُرُوفُ الَّتِي هِيَ أَصْوَاتٌ مَسْمُوعَةٌ مِنْ الْعَبْدِ قَدِيمَةٌ فَكُلُّ الْحُرُوفِ الْمَسْمُوعَةِ قَدِيمَةٌ؛ فَقَالُوا: كَلَامُ الْآدَمِيِّينَ كُلُّهُ قَدِيمٌ إلَّا التَّأْلِيفَ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: وَالْأَصْوَاتُ كُلُّهَا قَدِيمَةٌ حَتَّى أَصْوَاتُ الْبَهَائِمِ وَحَتَّى مَا يَخْرُجُ مِنْ بَنِي آدَمَ. وَقَالُوا أَيْضًا: حَرَكَاتُ اللِّسَانِ بِالْقُرْآنِ قَدِيمَةٌ وَحَرَكَةُ الْبَنَانِ بِكِتَابَةِ الْقُرْآنِ قَدِيمَةٌ. وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ قَالَ: " الْمِدَادُ " مَخْلُوقٌ وَلَكِنَّ شَكْلَ الْحُرُوفِ قَدِيمٌ وَمِنْهُمْ مَنْ تَوَقَّفَ فِي الْمِدَادِ وَقَالَ: نَسْكُتُ عَنْهُ وَإِنْ كَانَ مَخْلُوقًا لَكِنْ لَا يُقَالُ: إنَّهُ مَخْلُوقٌ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: بَلْ الْمِدَادُ قَدِيمٌ. وَمِنْ هَؤُلَاءِ وَغَيْرِهِمْ مَنْ قَالَ بِأَنَّ " أَرْوَاحَ الْعِبَادِ قَدِيمَةٌ " فَصَارُوا يَقُولُونَ:
(6/311)

رُوحُ الْعَبْدِ مُحْدَثَةٌ وَكَلَامُهُ قَدِيمٌ وَصِفَاتُهُ الْقَائِمَةُ بِهِ مِنْ إيمَانِهِ قَدِيمَةٌ وَإِخْوَانُهُمْ يُصَرِّحُونَ بِأَنَّ أَفْعَالَهُ قَدِيمَةٌ وَهَذَا أَعْظَمُ مِمَّا يُوصَفُ بِهِ الرَّبُّ؛ فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ قَدِيمٌ أَزَلِيٌّ: وَأَمَّا أَفْعَالُهُ فَحَادِثَةٌ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ وَكَذَلِكَ كَلَامُهُ لَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّمًا بِمَشِيئَتِهِ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ. وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ بِقِدَمِ رُوحِ الْعَبْدِ وَبِقِدَمِ النُّورِ - نُورِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَنُورِ السِّرَاجِ؛ وَكُلِّ نُورٍ - فَهَؤُلَاءِ قَوْلُهُمْ: بِقِدَمِ أَرْوَاحِ الْعِبَادِ وَالْأَنْوَارِ: ضَاهَوْا فِيهِ قَوْلَ الْمَجُوسِ " وَالْفَلَاسِفَةِ الصَّابِئِينَ " الَّذِينَ يُشْبِهُونَ الْمَجُوسَ؛ فَإِنَّ مِنْ الصَّابِئِينَ مَنْ يُشْبِهُ الْمَجُوسَ كَذَلِكَ قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَغَيْرُهُ قَالُوا عَنْ الصَّابِئِينَ: إنَّهُمْ مِثْلُ الْمَجُوسِ. وَهَؤُلَاءِ صِنْفٌ مِنْ الصَّابِئِينَ الْمُشْرِكِينَ لَيْسُوا فِي الصَّابِئِينَ الْمَمْدُوحِينَ فِي الْقُرْآنِ. وَالْمَقْصُودُ أَنَّ قَوْلَ هَؤُلَاءِ بِقِدَمِ أَرْوَاحِ الْعِبَادِ وَ " نُفُوسِهِمْ " الَّتِي تُفَارِقُ أَبْدَانَهُمْ. مِنْ جِنْسِ قَوْلِ الَّذِينَ قَالُوا بِقِدَمِ النَّفْسِ كَمَا تَقَدَّمَ لَكِنَّ هَؤُلَاءِ يَجْعَلُونَهَا مِنْ اللَّهِ؛ إذْ كَانَ لَا قَدِيمَ عِنْدَهُمْ إلَّا اللَّهُ وَصِفَاتُهُ وَقَوْلُهُمْ بِقِدَمِ النُّورِ مِنْ جِنْسِ قَوْلِ الْمَجُوسِ. لَكِنَّ النُّورَ أَيْضًا عِنْدَهُمْ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ. وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ بِقِدَمِ رُوحِ الْعَبْدِ؛ أَوْ أَقْوَالِهِ؛ أَوْ أَفْعَالِهِ؛ أَوْ أَصْوَاتِهِ؛ أَوْ قِدَمِ نُورِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. كُلُّهَا فُرُوعٌ عَلَى ذَلِكَ الْأَصْلِ فَإِنَّ " السَّلَفَ " قَالُوا: الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ. وَظَنَّ طَائِفَةٌ أَنَّ مَقْصُودَهُمْ أَنَّهُ قَدِيمٌ لَمْ يَزَلْ وَالْقُرْآنُ حُرُوفٌ وَأَصْوَاتٌ فَيَكُونُ قَدِيمًا؛ وَهَذَا الْمَسْمُوعُ هُوَ الْقُرْآنُ
(6/312)

وَلَيْسَ إلَّا أَصْوَاتَ الْعِبَادِ بِالْقُرْآنِ فَتَكُونُ قَدِيمَةً ثُمَّ احْتَاجُوا عِنْدَ الْبَحْثِ إلَى طَرْدِ أَقْوَالِهِمْ. وَكَذَلِكَ فِي " الْإِيمَانِ " لَمْ يَقُلْ قَطُّ أَحَدٌ مِنْ السَّلَفِ - لَا أَحْمَد بْنُ حَنْبَلٍ وَلَا غَيْرُهُ - إنَّ شَيْئًا مِنْ صِفَاتِ الْعِبَادِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ وَلَا قَدِيمٍ وَلَا قَالُوا عَنْ الْقُرْآنِ: قَدِيمٌ لَكِنْ أَنْكَرُوا عَلَى مَنْ أَطْلَقَ الْقَوْلَ عَلَى " لَفْظِ الْقُرْآنِ أَوْ الْإِيمَانِ " بِأَنَّهُ مَخْلُوقٌ؛ فَجَاءَ هَؤُلَاءِ فَفَهِمُوا مِنْ كَوْنِهِ غَيْرَ مَخْلُوقٍ أَنَّهُ قَدِيمٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ إذَا أُنْكِرَ عَلَى مَنْ أَطْلَقَ الْقَوْلَ بِأَنَّهُ مَخْلُوقٌ يُجِيزُ أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ وَإِنَّهُ قَدِيمٌ فَقَالُوا: لَفْظُ الْعَبْدِ وَصَوْتُهُ قَدِيمٌ وَإِيمَانُهُ قَدِيمٌ. ثُمَّ طَرَدُوا أَقْوَالَهُمْ إلَى مَا ذَكَرْنَاهُ وَهَذِهِ الْأُمُورُ قَدْ بُسِطَ الْقَوْلُ فِيهَا فِي مَوَاضِعَ فِي عِدَّةِ مَسَائِلَ؛ سَأَلَ عَنْهَا السَّائِلُونَ وَأُجِيبُوا فِي ذَلِكَ بِأَجْوِبَةِ مَبْسُوطَةٍ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَهَا؛ إذْ الْمَقْصُودُ: التَّنْبِيهُ عَلَى مَا يَحْدُثُ عَنْ الْأَصْلِ الْمُبْتَدَعِ. وَأَصْلُ هَذَا كُلِّهِ حُجَّةُ الْجَهْمِيَّة عَلَى حُدُوثِ الْأَجْسَامِ: بِأَنَّ مَا لَا يَخْلُو مِنْ الْحَوَادِثِ فَهُوَ حَادِثٌ فَمَا يَقُومُ بِهِ الْكَلَامُ بِاخْتِيَارِهِ أَوْ بِمَشِيئَتِهِ وَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ حَادِثًا؛ فَلَزِمَهُمْ نَفْيُ كَلَامِ الرَّبِّ وَفِعْلِهِ بَلْ وَتَعْطِيلُ ذَاتِهِ ثُمَّ آلَ الْأَمْرُ إلَى جَعْلِ الْمَخْلُوقِ قَدِيمًا وَتَعْطِيلِ صِفَاتِ الرَّبِّ الْقَدِيمَةِ؛ بَلْ وَذَاتِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَصْحَابُ هَذَا الْأَصْلِ الْقَائِلُونَ " بِالْجَوْهَرِ الْفَرْدِ " يَقُولُونَ: إنَّ نَفْسَ الْأَعْيَانِ الَّتِي فِي بَدَنِ الْإِنْسَانِ وَغَيْرِهِ هِيَ مُتَقَدِّمَةُ الْوُجُودِ لَا يُعْلَمُ حُدُوثُهَا
(6/313)

إلَّا بِالدَّلِيلِ وَهُوَ الدَّلِيلُ عَلَى حُدُوثِ الْأَجْسَامِ وَأَنَّهَا لَمْ تَخْلُ مِنْ الْأَعْرَاضِ وَيَقُولُونَ: الْمَعْلُومُ بِالْمُشَاهَدَةِ حُدُوثُ التَّأْلِيفِ فَقَطْ كَمَا يَقُولُهُ أُولَئِكَ فِي كَلَامِ الْعَبْدِ وَأَنَّ الْمُحْدَثَ هُوَ تَأْلِيفُ الْحُرُوفِ فَقَطْ. وَالْقَائِلُونَ " بِوَحْدَةِ الْوُجُودِ " يَقُولُونَ نَفْسُ وُجُودِ الْعَبْدِ هُوَ نَفْسُ وُجُودِ الرَّبِّ وَكُلُّ هَذِهِ الْأَقْوَالِ قَدْ بَاشَرْت أَصْحَابَهَا - وَهُمْ مِنْ أَعْيَانِ النَّاسِ - وَجَرَى بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فِي ذَلِكَ مَا يَطُولُ وَصْفُهُ وَهَدَى اللَّهُ مَا شَاءَ اللَّهُ مِنْ الْخَلْقِ فَانْظُرْ كَيْفَ اضْطَرَبَ النَّاسُ فِي أَنْفُسِهِمْ الَّتِي قِيلَ لَهُمْ: {وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ} .
وَالْمُتَفَلْسِفَةُ يَقُولُونَ: مَادَّةُ بَدَنِ الْإِنْسَانِ وَسَائِرِ الْمَوَادِّ قَدِيمَةٌ أَزَلِيَّةٌ وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ فِيهَا مُضَاهَاةٌ لِقَوْلِ فِرْعَوْنَ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ وَأَصْحَابِ " الْوَحْدَةِ " يُصَرِّحُونَ بِتَعْظِيمِ فِرْعَوْنَ وَأَنَّهُ صَدَقَ فِي قَوْلِهِ: {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} فَفِي تَثْنِيَةِ اللَّهِ لِقِصَّةِ فِرْعَوْنَ فِي الْقُرْآنِ عِبْرَةٌ؛ فَإِنَّ النَّاسَ مُحْتَاجُونَ إلَى الِاعْتِبَارِ بِهَا كَمَا قَالَ: {فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ} .
(6/314)

فَصْلٌ:
وَأَمَّا " حُجَّتُهُمْ الثَّانِيَةُ " وَهِيَ الْعُمْدَةُ عِنْدَ عَامَّتِهِمْ فَتَقْرِيرُهَا: لَوْ كَانَ مَخْلُوقًا لَكَانَ إمَّا أَنْ يَخْلُقَهُ فِي نَفْسِهِ. أَوْ فِي غَيْرِهِ أَوْ لَا فِي مَحَلٍّ.
وَالْأَوَّلُ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ مَحَلًّا لِلْحَوَادِثِ وَهُوَ بَاطِلٌ. وَالثَّانِي يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ صِفَةً لِذَلِكَ الْمَحَلِّ الَّذِي قَامَتْ بِهِ الصِّفَةُ؛ لِأَنَّ الصِّفَةَ إذَا قَامَتْ بِمَحَلِّ عَادَ حُكْمُهَا عَلَى ذَلِكَ الْمَحَلِّ لَا عَلَى غَيْرِهِ فَإِذَا قَامَ بِمَحَلِّ عِلْمٍ أَوْ حَيَاةٍ أَوْ قُدْرَةٍ أَوْ كَلَامٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ؛ كَانَ ذَلِكَ الْمَحَلُّ هُوَ الْمَوْصُوفَ بِأَنَّهُ حَيٌّ عَالِمٌ قَادِرٌ مُتَكَلِّمٌ كَمَا يُوصَفُ بِأَنَّهُ مُتَحَرِّكٌ إذَا قَامَتْ بِهِ الْحَرَكَةُ أَوْ أَنَّهُ أَسْوَدُ وَأَبْيَضُ إذَا قَامَ بِهِ السَّوَادُ وَالْبَيَاضُ وَنَحْوُ ذَلِكَ. وَأَمَّا قِيَامُهُ لَا فِي مَحَلٍّ فَمُمْتَنِعٌ؛ لِأَنَّهُ صِفَةٌ. وَمَعْنَى " هَذِهِ الْحُجَّةِ " أَيْضًا صَحِيحَةٌ وَهِيَ إنَّمَا تَدُلُّ عَلَى مَذْهَبِ السَّلَفِ فَقَطْ وَهِيَ تَدُلُّ عَلَى فَسَادِ قَوْلِ الْأَشْعَرِيَّةِ كَمَا تَدُلُّ عَلَى فَسَادِ قَوْلِ الْمُعْتَزِلَةِ وَعَلَى فَسَادِ قَوْلِ الْجَهْمِيَّة مُطْلَقًا؛ فَإِنَّ جُمْهُورَ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْجَهْمِيَّة اخْتَارُوا مِنْ " هَذِهِ الْأَقْسَامِ " أَنَّهُ يَخْلُقُهُ فِي مَحَلٍّ. وَقَالُوا: إنَّ اللَّهَ لَمَّا كَلَّمَ مُوسَى خَلَقَ صَوْتًا فِي الشَّجَرَةِ فَكَانَ ذَلِكَ الصَّوْتُ الْمَخْلُوقُ مِنْ الشَّجَرَةِ هُوَ كَلَامَهُ.
(6/315)

وَهَذَا مِمَّا كَفَّرَ بِهِ أَئِمَّةُ السُّنَّةِ مَنْ قَالَ بِهَذَا وَقَالُوا: هُوَ يَتَضَمَّنُ أَنَّ الشَّجَرَةَ هِيَ الَّتِي قَالَتْ: {أَنَا اللَّهُ لَا إلَهَ إلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي} لِأَنَّ الْكَلَامَ كَلَامُ مَنْ قَامَ بِهِ الْكَلَامُ. هَذَا هُوَ الْمَعْقُولُ فِي نَظَرِ جَمِيعِ الْخَلْقِ لَا سِيَّمَا وَقَدْ قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ اللَّهَ أَنْطَقَ كُلَّ نَاطِقٍ: كَمَا أَنْطَقَ اللَّهُ الْجُلُودَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَقَالُوا: {أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ} فَيَكُونُ كُلُّ كَلَامٍ فِي الْوُجُودِ مَخْلُوقًا لَهُ فِي مَحَلٍّ. فَلَوْ كَانَ مَا يَخْلُقُهُ فِي غَيْرِهِ كَلَامًا لَلَزِمَ أَنْ يَكُونَ كُلُّ كَلَامٍ فِي الْوُجُودِ - حَتَّى الْكُفْرِ وَالْفُسُوقِ وَالْكَذِبِ - كَلَامًا لَهُ - تَعَالَى عَنْ ذَلِكَ - وَهَذَا لَازِمُ الْجَهْمِيَّة الْمُجْبِرَةِ؛ فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ خَالِقُ أَفْعَالِ الْعِبَادِ وَأَقْوَالِهِمْ وَالْعَبْدُ عِنْدَهُمْ لَا يَفْعَلُ شَيْئًا وَلَا قُدْرَةَ لَهُ مُؤَثِّرَةً فِي الْفِعْلِ؛ وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُ شُيُوخِهِمْ - مِنْ الْقَائِلِينَ بِوَحْدَةِ الْوُجُودِ: - وَكُلُّ كَلَامٍ فِي الْوُجُودِ كَلَامُهُ سَوَاءٌ عَلَيْنَا نَثْرُهُ وَنِظَامُهُ وَأَمَّا " الْمُعْتَزِلَةُ " فَلَا يَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ خَالِقُ أَفْعَالِ الْعِبَادِ لَكِنَّ الْحُجَّةَ تَلْزَمُهُمْ بِذَلِكَ. وَقَدْ اعْتَرَفَ حُذَّاقُهُمْ كَأَبِي الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيِّ: أَنَّ الْفِعْلَ لَا يُوجَدُ إلَّا بِدَاعٍ يَدْعُو الْفَاعِلَ وَأَنَّهُ عِنْدَ وُجُودِ الدَّاعِي مَعَ الْقُدْرَةِ يَجِبُ وُجُودُ الْفِعْلِ وَقَالَ: إنَّ الدَّاعِيَ الَّذِي فِي الْعَبْدِ مَخْلُوقٌ لِلَّهِ وَهَذَا تَصْرِيحٌ بِمَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَإِنْ لَمْ يَنْطِقْ بِلَفْظِ خَلْقِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ. فَإِذَا قَالَ: إنَّ اللَّهَ خَلَقَ الدَّاعِيَ وَالْقُدْرَةَ وَخَلْقُهَا يَسْتَلْزِمُ خَلْقَ الْفِعْلِ فَقَدْ سَلَّمَ الْمَسْأَلَةَ وَلَمَّا كَانَ هَذَا مُسْتَقِرًّا فِي نُفُوسِ عَامَّةِ الْخَلْقِ قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ
(6/316)

دَاوُد الْهَاشِمِيُّ الْإِمَامُ - نَظِيرُ أَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ - الَّذِي قَالَ فِيهِ الشَّافِعِيُّ: مَا خَلَّفْت بِبَغْدَادَ أَعْقَلَ مِنْ رَجُلَيْنِ: أَحْمَد بْنَ حَنْبَلٍ وَسُلَيْمَانَ بْنَ دَاوُد الْهَاشِمِيَّ قَالَ: مَنْ قَالَ: إنَّ الْقُرْآنَ مَخْلُوقٌ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ قَوْلُ فِرْعَوْنَ كَلَامَ اللَّهِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ خَلَقَ فِي فِرْعَوْنَ قَوْلَهُ: {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} وَعِنْدَهُمْ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ فِي الشَّجَرَةِ: {إنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إلَهَ إلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي} فَإِذَا كَانَ كَلَامُهُ لِكَوْنِهِ خَلَقَهُ فَالْآخَرُ أَيْضًا كَلَامُهُ. وَالْأَشْعَرِيَّةُ وَغَيْرُهُمْ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ أَبْطَلُوا قَوْلَ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْجَهْمِيَّة بِأَنَّهُ خَلَقَهُ فِي غَيْرِهِ بِأَنْ قَالُوا: مَا خَلَقَهُ اللَّهُ فِي غَيْرِهِ مِنْ الْأَعْرَاضِ كَانَ صِفَةً لِذَلِكَ وَعَادَ حُكْمُهُ عَلَى ذَلِكَ الْمَحَلِّ لَمْ يَكُنْ صِفَةً لِلَّهِ كَمَا تَقَدَّمَ. وَهَذِهِ " حُجَّةٌ جَيِّدَةٌ مُسْتَقِيمَةٌ " لَكِنَّ الْأَشْعَرِيَّةَ لَمْ يَطْرُدُوهَا فَتَسَلَّطَ عَلَيْهِمْ الْمُعْتَزِلَةُ بِأَنَّهُمْ يَصِفُونَهُ بِأَنَّهُ خَالِقٌ وَرَازِقٌ وَمُحْيٍ وَمُمِيتٌ عَادِلٌ مُحْسِنٌ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقُومَ بِهِ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الْمَعَانِي؛ بَلْ يَقُومُ بِغَيْرِهِ؛ فَإِنَّ الْخَلْقَ عِنْدَهُمْ هُوَ الْمَخْلُوقُ وَالْإِحْيَاءُ هُوَ وُجُودُ الْحَيَاةِ فِي الْحَيِّ مِنْ غَيْرِ فِعْلٍ يَقُومُ بِالرَّبِّ فَقَدْ جَعَلُوهُ مُحْيِيًا بِوُجُودِ الْحَيَاةِ فِي غَيْرِهِ وَكَذَلِكَ جَعَلُوهُ مُمِيتًا وَهَذِهِ مِمَّا عَارَضَهُمْ بِهَا الْمُعْتَزِلَةُ وَلَمْ يُجِيبُوا عَنْهَا بِجَوَابِ صَحِيحٍ. وَلَكِنَّ " السَّلَفَ وَالْجُمْهُورَ " يَقُولُونَ: بِأَنَّ الْفِعْلَ يَقُومُ بِهِ أَيْضًا وَهَذِهِ " الْقَاعِدَةُ " حُجَّةٌ لَهُمْ عَلَى الْفَرِيقَيْنِ وَالْفَرِيقَانِ يُقَسِّمُونَ الصِّفَاتِ إلَى ذَاتِيَّةٍ وَفِعْلِيَّةٍ أَوْ ذَاتِيَّةٍ وَمَعْنَوِيَّةٍ وَفِعْلِيَّةٍ. وَهُوَ مَغْلَطَةٌ؛ فَإِنَّهُ لَا يَقُومُ بِهِ عِنْدَهُمْ فِعْلٌ وَلَا يَكُونُ
(6/317)

لَهُ عِنْدَهُمْ صِفَةٌ فِعْلِيَّةٌ وَإِذَا قَالُوا بِمُوجَبِ مَا خَلَقَهُ فِي غَيْرِهِ لَزِمَهُمْ أَنْ يَقُولُوا: هُوَ مُتَحَرِّكٌ وَأَسْوَدُ وَأَبْيَضُ وَطَوِيلٌ وَقَصِيرٌ وَحُلْوٌ وَمُرٌّ وَحَامِضٌ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الصِّفَاتِ الَّتِي يَخْلُقُهَا فِي غَيْرِهِ. ثُمَّ هُمْ مُتَنَاقِضُونَ فَهَؤُلَاءِ يَصِفُونَهُ بِالْكَلَامِ الَّذِي يَخْلُقُهُ فِي غَيْرِهِ وَأُولَئِكَ يَصِفُونَهُ بِكُلِّ مَخْلُوقٍ فِي غَيْرِهِ فَعُلِمَ أَنَّهُ لَا يَتَّصِفُ إلَّا بِمَا قَامَ بِهِ لَا بِمَا يَخْلُقُهُ فِي غَيْرِهِ؛ وَهَذَا حَقِيقَةُ الصِّفَةِ؛ فَإِنَّ كُلَّ مَوْصُوفٍ لَا يُوصَفُ إلَّا بِمَا قَامَ بِهِ لَا بِمَا هُوَ مُبَايِنٌ لَهُ صِفَةٌ لِغَيْرِهِ. وَإِنْ نَفَوْا مَعَ ذَلِكَ قِيَامَ الصِّفَاتِ بِهِ لَزِمَهُمْ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ صِفَةٌ لَا ذَاتِيَّةٌ وَلَا فِعْلِيَّةٌ. وَإِنْ قَالُوا: إنَّمَا سَمَّيْنَا الْفِعْلَ صِفَةً لِأَنَّهُ يُوصَفُ بِالْفِعْلِ فَيُقَالُ: خَالِقٌ وَرَازِقٌ قِيلَ: هَذَا لَا يَصِحُّ أَنْ يَقُولَهُ أَحَدٌ مِنْ الصفاتية؛ فَإِنَّ الصِّفَةَ عِنْدَهُمْ قَائِمَةٌ بِالْمَوْصُوفِ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ قَوْلِ الْوَاصِفِ. وَإِنْ قَالَهُ مَنْ يَقُولُ: إنَّ الصِّفَةَ هِيَ الْوَصْفُ وَهِيَ مُجَرَّدُ قَوْلِ الْوَاصِفِ فَالْوَاصِفُ إنْ لَمْ يَكُنْ قَوْلُهُ مُطَابِقًا كَانَ كَاذِبًا وَلِهَذَا إنَّمَا يَجِيءُ الْوَصْفُ فِي الْقُرْآنِ مُسْتَعْمَلًا فِي الْكَذِبِ بِأَنَّهُ وَصْفٌ يَقُومُ بِالْوَاصِفِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقُومَ بِالْمَوْصُوفِ شَيْءٌ كَقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ {سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ} {وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ} {وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى} {سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ} . وَقَدْ جَاءَ مُسْتَعْمَلًا فِي الصِّدْقِ فِيمَا أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ: {أَنَّ
(6/318)

رَجُلًا كَانَ يُكْثِرُ قِرَاءَةَ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَلُوهُ لِمَ يَفْعَلُ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: لِأَنَّهَا صِفَةُ الرَّحْمَنِ فَأَنَا أُحِبُّهَا فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبِرُوهُ أَنَّ اللَّهَ يُحِبُّهُ} ". فَمَنْ وَصَفَ مَوْصُوفًا بِأَمْرِ لَيْسَ هُوَ مُتَّصِفًا بِهِ كَانَ كَاذِبًا؛ فَمَنْ وَصَفَ اللَّهَ بِأَنَّهُ خَالِقٌ وَرَازِقٌ وَعَالِمٌ وَقَادِرٌ وَقَالَ مَعَ ذَلِكَ: إنَّهُ نَفْسَهُ لَيْسَ مُتَّصِفًا بِعِلْمِ وَقُدْرَةٍ أَوْ لَيْسَ مُتَّصِفًا بِفِعْلِ هُوَ الْخَلْقُ وَالْإِحْيَاءُ كَانَ قَدْ وَصَفَهُ بِأَمْرِ وَهُوَ يَقُولُ: لَيْسَ مُتَّصِفًا بِهِ؛ فَيَكُونُ قَدْ كَذَّبَ نَفْسَهُ فِيمَا وَصَفَ بِهِ رَبَّهُ وَجَمَعَ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ فَقَالَ: هُوَ مُتَّصِفٌ بِهَذَا؛ لَيْسَ مُتَّصِفًا بِهَذَا. وَهَذَا حَقِيقَةُ أَقْوَالِ الْنُّفَاةِ فَإِنَّهُمْ يُثْبِتُونَ أُمُورًا هِيَ حَقٌّ وَيَقُولُونَ مَا يَسْتَلْزِمُ نَفْيَهَا فَيَجْمَعُونَ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ وَيَظْهَرُ فِي أَقْوَالِهِمْ التَّنَاقُضُ. وَحَقِيقَةُ قَوْلِهِمْ: أَنَّهُ مَوْجُودٌ لَيْسَ بِمَوْجُودِ عَالِمٌ لَيْسَ بِعَالِمٍ حَيٌّ لَيْسَ بِحَيِّ وَلِهَذَا كَانَ غُلَاتُهُمْ يَمْتَنِعُونَ عَنْ الْإِثْبَاتِ وَالنَّفْيِ مَعًا؛ فَلَا يَصِفُونَهُ لَا بِإِثْبَاتِ؛ وَلَا بِنَفْيٍ كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ خُلُوَّهُ عَنْ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ بَاطِلٌ أَيْضًا؛ فَإِنَّ النَّقِيضَيْنِ لَا يَجْتَمِعَانِ وَلَا يَرْتَفِعَانِ. وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّ هَذِهِ " الْمُقَدِّمَةَ " الصَّحِيحَةَ: أَنَّهُ لَوْ خَلَقَهُ فِي مَحَلٍّ لَكَانَ صِفَةً لِذَلِكَ الْمَحَلِّ؛ هِيَ مُقَدِّمَةٌ صَحِيحَةٌ وَالسَّلَفُ وَأَتْبَاعُهُمْ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجُمْهُورُ: يَقُولُونَ بِهَا؛ وَأَمَّا الْمُعْتَزِلَةُ وَالْأَشْعَرِيَّةُ فَيَتَنَاقَضُونَ فِيهَا كَمَا تَقَدَّمَ.
(6/319)

وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ وَهُوَ أَنَّهُ لَوْ خَلَقَهُ قَائِمًا بِنَفْسِهِ لَكَانَ ذَلِكَ مُمْتَنِعًا لِأَنَّهُ صِفَةٌ وَالصِّفَةُ لَا تَقُومُ بِنَفْسِهَا وَهَذَا مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ. وَقَدْ حُكِيَ عَنْ بَعْضِ الْمُعْتَزِلَةِ: أَنَّهُ يَخْلُقُ حِبَالًا فِي مَحَلٍّ. وَالْبَصْرِيُّونَ - وَهُمْ أَجَلُّ وَأَفْضَلُ مِنْ الْبَغْدَادِيِّينَ - يَقُولُونَ: إنَّهُ يَخْلُقُ إرَادَةً لَا فِي مَحَلٍّ فَقَدْ يُنَاقِضُونَ هَذِهِ الْحُجَّةَ. وَأَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ؛ وَهُوَ أَنَّهُ لَوْ خَلَقَهُ فِي نَفْسِهِ لَكَانَ مَحَلًّا لِلْحَوَادِثِ فَالتَّحْقِيقُ أَنْ يُقَالَ: لَوْ خَلَقَهُ فِي نَفْسِهِ لَكَانَ مَحَلًّا لِلْمَخْلُوقِ وَهُوَ لَا يَكُونُ مَحَلًّا لِلْمَخْلُوقِ. وَإِذَا قَالُوا: نَحْنُ نُسَمِّي كُلَّ حَادِثٍ مَخْلُوقًا فَهَذَا مَحَلُّ نِزَاعٍ فَالسَّلَفُ وَأَئِمَّةُ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَكَثِيرٌ مِنْ طَوَائِفِ الْكَلَامِ - كالهشامية والكَرَّامِيَة وَأَبِي مُعَاذٍ التومني وَغَيْرِهِمْ - لَا يَقُولُونَ: كُلُّ حَادِثٍ مَخْلُوقٌ وَيَقُولُونَ: الْحَوَادِثُ تَنْقَسِمُ إلَى مَا يَقُومُ بِذَاتِهِ بِقُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ. وَمِنْهُ خَلْقُهُ لِلْمَخْلُوقَاتِ؛ وَإِلَى مَا يَقُومُ بَائِنًا عَنْهُ؛ وَهَذَا هُوَ الْمَخْلُوقُ؛ لِأَنَّ الْمَخْلُوقَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ خَلْقٍ: وَالْخَلْقُ الْقَائِمُ بِذَاتِهِ لَا يَفْتَقِرُ إلَى خَلْقٍ بَلْ هُوَ حَصَلَ بِمُجَرَّدِ قُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ. وَالْقُدْرَةُ فِي الْقُرْآنِ مُتَعَلِّقَةٌ بِهَذَا الْفِعْلِ لَا بِالْمَفْعُولِ الْمُجَرَّدِ عَنْ الْفِعْلِ كَقَوْلِهِ: {أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى} وَقَوْلِهِ: {قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ} وَقَوْلِهِ: {بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ} وَقَوْلِهِ: {أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ} .
(6/320)

وَعَلَى هَذَا فَهَذِهِ " الْحُجَّةُ " يَكْفِي فِيهَا أَنْ يُقَالَ: لَوْ خَلَقَهُ لَكَانَ إمَّا أَنْ يَخْلُقَهُ فِي مَحَلٍّ فَيَكُونَ صِفَةً لَهُ أَوْ يَخْلُقَهُ قَائِمًا بِنَفْسِهِ وَكِلَاهُمَا مُمْتَنِعٌ. وَلَا يُذْكَرُ فِيهَا: إمَّا أَنْ يَخْلُقَهُ فِي نَفْسِهِ؛ لِأَنَّ كَوْنَهُ مَخْلُوقًا يَقْتَضِي أَنَّ لَهُ خَلْقًا، وَالْخَلْقُ الْقَائِمُ بِهِ لَوْ كَانَ مَخْلُوقًا لَكَانَ لَهُ خَلْقٌ فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ كُلُّ خَلْقٍ مَخْلُوقًا؛ فَيَكُونُ الْخَلْقُ مَخْلُوقًا بِلَا خَلْقٍ وَهَذَا مُمْتَنِعٌ. وَهَذَا يَسْتَقِيمُ عَلَى أَصْلِ السَّلَفِ وَأَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجُمْهُورِ: الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا يَكُونُ الْمَخْلُوقُ مَخْلُوقًا إلَّا بِخَلْقِ. وَأَمَّا مَنْ قَالَ: يَكُونُ مَخْلُوقًا بِلَا خَلْقٍ وَالْخَلْقُ هُوَ نَفْسُ الْمَخْلُوقِ لَا غَيْرُهُ. فَيُقَالُ عَلَى أَصْلِهِ: إمَّا أَنْ يَخْلُقَهُ فِي نَفْسِهِ وَيَكُونَ الْمَخْلُوقُ نَفْسَ الْخَلْقِ وَهُوَ مَعْنَى كَوْنِهِ حَادِثًا وَيَعُودُ الْأَمْرُ إلَى أَنَّهُ إذَا أَحْدَثَهُ فَإِمَّا أَنْ يُحْدِثَهُ فِي نَفْسِهِ أَوْ خَارِجًا عَنْ نَفْسِهِ وَقَدْ تَبَيَّنَ كَيْفَ تُصَاغُ هَذِهِ الْحُجَّةُ عَلَى أُصُولِ هَؤُلَاءِ وَأُصُولِ هَؤُلَاءِ. فَإِذَا اُحْتُجَّ بِهَا عَلَى قَوْلِ " السَّلَفِ وَالْجُمْهُورِ " فَلَهَا صُورَتَانِ: إنْ شِئْت أَنْ تَقُولَ: إمَّا أَنْ يَخْلُقَهُ قَائِمًا بِنَفْسِهِ أَوْ بِغَيْرِهِ وَلَا تَقُلْ فِي نَفْسِهِ؛ لِكَوْنِ الْمَخْلُوقِ لَا يَكُونُ فِي نَفْسِهِ. وَإِنْ شِئْت أَنْ تُدْخِلَهُ فِي التَّقْسِيمِ وَتَقُولَ: وَإِمَّا أَنْ يَخْلُقَهُ فِي نَفْسِهِ ثُمَّ تَقُولَ: وَهَذَا مُمْتَنِعٌ؛ لِأَنَّ الْمَخْلُوقَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ خَلْقٍ فَلَوْ خَلَقَهُ فِي نَفْسِهِ لَافْتَقَرَ إلَى خَلْقٍ وَكَانَ مَا حَدَثَ فِي نَفْسِهِ مَخْلُوقًا مُفْتَقِرًا إلَى خَلْقٍ؛ فَيَكُونُ خَلْقُهُ لَهُ أَيْضًا مُفْتَقِرًا إلَى خَلْقٍ وَهَلُمَّ جَرَّا.
وَإِذَا كَانَ كُلُّ خَلْقٍ مَخْلُوقًا لَمْ يَبْقَ خَلْقٌ إلَّا مَخْلُوقٌ وَإِذَا لَمْ يَبْقَ خَلْقٌ إلَّا مَخْلُوقٌ لَزِمَ وُجُودُ الْمَخْلُوقِ بِلَا خَلْقٍ إذْ لَيْسَ لَنَا خَلْقٌ غَيْرُ مَخْلُوقٍ.
(6/321)

وَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ يَخْلُقُهُ فِي نَفْسِهِ بِخَلْقِ وَذَلِكَ الْخَلْقُ يَحْصُلُ بِلَا خَلْقٍ آخَرَ بَلْ مُجَرَّدِ الْقُدْرَةِ وَالْإِرَادَةِ كَمَا يَقُولُ مَنْ يَقُولُ: إنَّهُ يَتَكَلَّمُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ وَتَكَلُّمُهُ فِعْلٌ يَحْصُلُ بِقُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ فَنَحْنُ نَقُولُ: ذَلِكَ الْفِعْلُ هُوَ الْخَلْقُ. فَيُقَالُ لَهُمْ: فَعَلَى هَذَا صَارَ فِي التَّقْسِيمِ " حَادِثٌ " يَقُومُ بِنَفْسِهِ لَيْسَ بِمَخْلُوقِ؛ وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ فَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ فِي الْقُرْآنِ: إنَّهُ حَادِثٌ أَوْ مُحْدَثٌ وَلَيْسَ بِمَخْلُوقِ فَإِنْ كَانَ الْحَقُّ هُوَ " الْقِسْمَ الْأَوَّلَ " لَمْ يَلْزَمْ إذَا لَمْ يَكُنْ مَخْلُوقًا أَنْ يَكُونَ قَدِيمًا؛ بَلْ قَدْ يَكُونُ حَادِثًا وَلَيْسَ بِمَخْلُوقِ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ كَوْنِهِ مَخْلُوقًا أَنْ يَكُونَ قَدِيمًا فَلَا تَدُلُّ الْحُجَّةُ عَلَى قَوْلِ الْكُلَّابِيَة. وَتَلْخِيصُ ذَلِكَ أَنَّهُ إمَّا أَنْ يُقَالَ: الْحُدُوثُ أَعَمُّ مِنْ الْخَلْقِ فَقَدْ يَكُونُ الشَّيْءُ حَادِثًا فِي نَفْسِهِ وَلَيْسَ مَخْلُوقًا؛ أَوْ يُقَالَ: كُلُّ حَادِثٍ فَهُوَ مَخْلُوقٌ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَا يَقُومُ بِذَاتِهِ حَادِثٌ؛ أَوْ بِنَاءً عَلَى أَنَّ مَا قَامَ بِنَفْسِهِ إذَا كَانَ حَادِثًا فَهُوَ مَخْلُوقٌ فَإِذَا كَانَ الْحَقُّ هُوَ " الْقِسْمَ الْأَوَّلَ " لَمْ يَلْزَمْ إذَا لَمْ يَكُنْ مَخْلُوقًا أَنْ يَكُونَ قَدِيمًا بَلْ قَدْ يَكُونُ حَادِثًا وَلَيْسَ بِمَخْلُوقِ. وَإِنْ كَانَ الْحَقُّ غَيْرَ " الْأَوَّلِ " فَحِينَئِذٍ إذَا قِيلَ: لَا يَخْلُقُهُ فِي نَفْسِهِ لَمْ تَكُنْ الْحُجَّةُ عَلَيْهِ إلَّا إبْطَالَ قِيَامِ الْحَوَادِثِ بِهِ وَلَكِنْ إذَا أُرِيدَ أَنْ يَدُلَّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِمَخْلُوقِ فِي نَفْسِهِ - وَإِنْ كَانَ حَادِثًا بِنَفْسِهِ - فَإِنَّهُ يُسْتَدَلُّ عَلَى ذَلِكَ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مَخْلُوقًا لَكَانَ لَهُ خَلْقٌ وَالْخَلْقُ نَفْسُهُ لَيْسَ مَخْلُوقًا بَلْ حَادِثٌ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مَخْلُوقًا لَكَانَ كُلُّ خَلْقٍ مَخْلُوقًا فَيَكُونُ الْمَخْلُوقُ بِلَا خَلْقٍ وَهُوَ جَمْعٌ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ الْخَلْقُ حَادِثًا غَيْرَ مَخْلُوقٍ.
(6/322)

وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ فَلَا يَلْزَمُ إذَا كَانَ غَيْرَ مَخْلُوقٍ أَنْ يَكُونَ قَدِيمًا وَإِنَّمَا أُرِيدَ الِاسْتِدْلَالُ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَخْلُقْهُ فِي نَفْسِهِ سَوَاءٌ قِيلَ: إنَّهُ تَحُلُّ فِيهِ الْحَوَادِثُ أَوْ لَا تَحُلُّ وَهُوَ أَحْسَنُ؛ فَيَكُونُ اسْتِدْلَالًا بِذَلِكَ مِنْ غَيْرِ الْتِزَامِ هَذَا الْقَوْلِ. فَيُقَالُ: لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ تَقُومَ بِهِ الْحَوَادِثُ وَإِمَّا أَنْ لَا تَقُومَ فَإِنْ لَمْ تَقُمْ امْتَنَعَ أَنْ يَخْلُقَهُ فِي نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ حَادِثًا فَتَقُومُ بِهِ الْحَوَادِثُ وَإِنْ كَانَتْ تَقُومُ بِهِ الْحَوَادِثُ فَتِلْكَ الْحَوَادِثُ تَحْصُلُ بِقُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ وَلَا تَكُونُ كُلُّهَا مَخْلُوقَةً لِأَنَّ الْمَخْلُوقَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ خَلْقٍ وَالْخَلْقُ مِنْهَا؛ فَلَوْ كَانَ الْخَلْقُ مَخْلُوقًا بِخَلْقِ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ كُلُّ خَلْقٍ مَخْلُوقًا فَيَكُونَ الْمَخْلُوقُ حَاصِلًا بِلَا خَلْقٍ وَقَدْ قِيلَ: إنَّ الْمَخْلُوقَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ خَلْقٍ. وَإِذَا كَانَ لَا يَجِبُ فِيمَا قَامَ بِذَاتِهِ أَنْ يَكُونَ مَخْلُوقًا فَلَوْ أَحْدَثَهُ فِي ذَاتِهِ لَمْ يَلْزَمْ أَنْ يَكُونَ مَخْلُوقًا؛ بَلْ يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ مَخْلُوقًا؛ لِأَنَّ الْمَخْلُوقَ هُوَ مَا لَهُ خَلْقٌ قَائِمٌ بِذَاتِ الرَّبِّ مُبَايِنٌ لِلْمَخْلُوقِ وَهُوَ إذَا تَكَلَّمَ بِهِ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ كَانَ الْكَلَامُ اسْمًا يَتَنَاوَلُ التَّكَلُّمَ بِهِ وَنَفْسَ الْحُرُوفِ وَذَلِكَ التَّكَلُّمُ حَاصِلٌ بِقُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ لَمْ يَحْصُلْ بِخَلْقِ؛ فَإِنَّ الْخَلْقَ يَحْصُلُ أَيْضًا بِقُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ وَهُوَ يَخْلُقُ الْأَشْيَاءَ بِكَلَامِهِ؛ فَمُحَالٌ أَنْ يَكُونَ لِكَلَامِهِ خَلْقٌ أَقْرَبُ إلَيْهِ مِنْ كَلَامِهِ. وَقَدْ قِيلَ: إنَّ خَلْقَهُ لِلْأَشْيَاءِ هُوَ نَفْسُ تَكَلُّمِهِ بكن فَيَكُونُ هَذَا هُوَ الْخَلْقُ وَالْخَلْقُ لَا يَحْصُلُ بِخَلْقِ بَلْ الْمَخْلُوقُ يَحْصُلُ بِالْخَلْقِ؛ وَمِنْ الْأَشْيَاءِ مَا يَخْلُقُهُ مَعَ تَكَلُّمٍ بِفِعْلِ يَفْعَلُهُ أَيْضًا؛ فَقَدْ تَبَيَّنَ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ أَنَّ كَلَامَهُ إذَا أَحْدَثَهُ فِي ذَاتِهِ لَمْ يَكُنْ مَخْلُوقًا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَلْزَمَ أَنَّهُ لَا تَقُومُ بِهِ الْحَوَادِثُ.
(6/323)

وَإِذَا بَنَيْنَا عَلَى ذَلِكَ فَلَفْظُ الْحَوَادِثِ مُجْمَلٌ يُرَادُ بِهِ أَنَّهُ لَا يَقُومُ بِهِ جِنْسٌ لَهُ نَوْعٌ لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ شَيْءٌ قَبْلَ ذَلِكَ وَيُرَادُ بِهِ أَنَّهُ لَا يَقُومُ بِهِ لَا نَوْعٌ وَلَا فَرْدٌ مِنْ أَفْرَادِ الْحَوَادِثِ فَإِذَا أُرِيدَ الثَّانِي فَالسَّلَفُ وَأَئِمَّةُ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ وَكَثِيرٌ مِنْ طَوَائِفِ الْكَلَامِ عَلَى خِلَافِهِ. وَإِنْ أُرِيدَ " الْأَوَّلُ " فَالنِّزَاعُ فِيهِ مَعَ " الكَرَّامِيَة " وَنَحْوِهِمْ فَمَنْ يَقُولُ: إنَّهُ حَدَثَ لَهُ مِنْ الصِّفَاتِ بِذَاتِهِ مَا لَمْ يَكُنْ حَدَثَ صَارَ يَتَكَلَّمُ بِمَشِيئَتِهِ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ وَصَارَ مُرِيدًا لِلْفِعْلِ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ وَالْكَلَامُ وَالْإِرَادَةُ الَّذِي قَالَتْ الْمُعْتَزِلَةُ: يَحْدُثُ بَائِنًا عَنْهُ قَالُوا هُمْ: يَحْدُثُ فِي ذَاتِهِ وَ " الْكُلَّابِيَة " قَالُوا: ذَلِكَ قَدِيمٌ يَحْصُلُ بِغَيْرِ مَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ وَهَؤُلَاءِ قَالُوا: بَلْ هُوَ حَادِثُ النَّوْعِ يَحْصُلُ بِقُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ الْقَدِيمَةِ فَمَشِيئَتُهُ الْقَدِيمَةُ عِنْدَهُمْ مَعَ الْقُدْرَةِ أَوْجَبَتْ مَا يَقُومُ بِذَاتِهِ. فَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: إنَّهُ أَحْدَثَ فِي ذَاتِهِ نَوْعَ الْكَلَامِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ قَبْلَ ذَلِكَ كَلَامٌ وَلَيْسَ هَذَا مَذْهَبَ السَّلَفِ بَلْ مَذْهَبُ السَّلَفِ: أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّمًا. فَتَبَيَّنَ أَنَّ خَلْقَهُ لِلْكَلَامِ مُطْلَقًا فِي ذَاتِهِ مُحَالٌ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْمَخْلُوقَ لَا يَقُومُ بِذَاتِهِ وَمِنْ جِهَةِ أَنَّهُ يَلْزَمُ أَنَّهُ صَارَ مُتَكَلِّمًا بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ وَهَذَا غَيْرُ قَوْلِهِمْ لَا تَقُومُ بِهِ الْحَوَادِثُ. فَصَارَ هُنَا لِإِبْطَالِ هَذَا الْقَوْلِ " ثَلَاثَةُ مَسَالِكَ " مَسْلَكُ الْكُلَّابِيَة وَمَسْلَكُ الكَرَّامِيَة وَمَسْلَكُ السَّلَفِ؛ فَلِهَذَا كَانَ هَذَا الْقِسْمُ مِمَّا ذَكَرَهُ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ يَحْيَى
(6/324)

الْكِنَانِيُّ فِي " الْحَيْدَةِ " وَأَبْطَلَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَلْتَزِمَ خِلَافَ السَّلَفِ وَقَدْ كَتَبْت أَلْفَاظَهُ وَشَرَحْتهَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ. وَ " الْمَقْصُودُ هُنَا " أَنَّهُ يُمْكِنُ إبْطَالُ كَوْنِهِ خَلَقَهُ فِي نَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ الْتِزَامِ قَوْلِ الْكُلَّابِيَة وَلَا الكَرَّامِيَة؛ فَإِنَّهُ قَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ مَا قَامَ بِذَاتِهِ يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ مَخْلُوقًا؛ إذْ كَانَ حَاصِلًا بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ وَالْمَخْلُوقُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ خَلْقٍ، وَنَفْسُ تَكَلُّمِهِ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ لَيْسَ خَلْقًا لَهُ بَلْ بِذَلِكَ التَّكَلُّمِ يَخْلُقُ غَيْرَهُ وَالْخَلْقُ لَا يَكُونُ خَلْقًا لِنَفْسِهِ. وَيَدُلُّ عَلَى بُطْلَانِ قَوْلِ " الْكُلَّابِيَة ": أَنَّ الْكَلَامَ لَا يَكُونُ إلَّا بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ وَهُمْ يَقُولُونَ: يَتَكَلَّمُ بِلَا مَشِيئَتِهِ وَلَا قُدْرَتِهِ وَهُمْ يَقُولُونَ: يَتَكَلَّمُ بِلَا مَشِيئَتِهِ وَلَا قُدْرَتِهِ.
وَأَمَّا " الكَرَّامِيَة " فَيَقُولُونَ: صَارَ مُتَكَلِّمًا بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ؛ فَيَلْزَمُ انْتِفَاءُ صِفَةِ الْكَمَالِ عَنْهُ وَيَلْزَمُ حُدُوثُ الْحَادِثِ بِلَا سَبَبٍ وَيَلْزَمُ أَنَّ ذَاتَهُ صَارَتْ مَحَلًّا لِنَوْعِ الْحَوَادِثِ بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ: كَمَا تَقَوَّلَهُ " الكَرَّامِيَة " وَهَذَا بَاطِلٌ. وَهُوَ الَّذِي أَبْطَلَهُ السَّلَفُ بِأَنَّ مَا يَقُومُ بِهِ مِنْ نَوْعِ الْكَلَامِ وَالْإِرَادَةِ وَالْفِعْلِ: إمَّا أَنْ يَكُونَ صِفَةَ كَمَالٍ أَوْ صِفَةَ نَقْصٍ فَإِنْ كَانَ كَمَالًا فَلَمْ يَزَلْ نَاقِصًا حَتَّى تُجَدِّدَ لَهُ ذَلِكَ الْكَمَالَ وَإِنْ كَانَ نَقْصًا فَقَدْ نَقَصَ بَعْدَ الْكَمَالِ.
وَهَذِهِ الْحُجَّةُ لَا تُبْطِلُ قِيَامَ نَوْعِ الْإِرَادَةِ وَالْكَلَامِ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ إنَّمَا يَتَضَمَّنُ حُدُوثَ أَفْرَادِ الْإِرَادَةِ وَالْكَلَامِ لَا حُدُوثَ النَّوْعِ وَالنَّوْعُ مَا زَالَ
(6/325)

قَدِيمًا وَمَا زَالَ مُتَّصِفًا بِالْكَلَامِ وَالْإِرَادَةِ وَذَلِكَ صِفَةُ كَمَالٍ فَلَمْ يَزَلْ مُتَّصِفًا بِالْكَمَالِ وَلَا يَزَالُ بِخِلَافِ مَا إذَا قِيلَ: صَارَ مُرِيدًا وَمُتَكَلِّمًا بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ. وَإِذَا قِيلَ فِي ذَلِكَ: الْفَرْدُ مِنْ أَفْرَادِ الْإِرَادَةِ وَالْكَلَامِ وَالْفِعْلِ: هَلْ هُوَ كَمَالٌ أَوْ نَقْصٌ؟ قِيلَ: هُوَ كَمَالٌ وَقْتَ وُجُودِهِ وَنَقْصٌ قَبْلَ وُجُودِهِ، مِثْلُ مُنَادَاتِهِ لِمُوسَى كَانَتْ كَمَالًا لَمَّا جَاءَ مُوسَى وَلَوْ نَادَاهُ قَبْلَ ذَلِكَ لَكَانَ نَقْصًا وَاَللَّهُ مُنَزَّهٌ عَنْهُ؛ وَلِأَنَّ أَفْرَادَ الْحَوَادِثِ يَمْتَنِعُ قِدَمُهَا وَمَا امْتَنَعَ قِدَمُهُ لَمْ يَكُنْ عَدَمُهُ فِي الْقِدَمِ نَقْصًا. بَلْ النَّقْصُ الْمَنْفِيُّ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ عَدَمَ مَا يُمْكِنُ وُجُودُهُ بَلْ عَدَمُ مَا يُمْكِنُ وُجُودُهُ وَيَكُونُ وُجُودُهُ خَيْرًا مِنْ عَدَمِهِ؛ فَلَا يَكُونُ عَدَمُ الشَّيْءِ نَقْصًا إلَّا بِهَذَيْنِ الشَّرْطَيْنِ: بِأَنْ يَكُونَ عَدَمُهُ مُمْكِنًا وَيَكُونَ وُجُودُهُ خَيْرًا مِنْ عَدَمِهِ فَإِذَا كَانَ عَدَمُهُ مُمْتَنِعًا: كَعَدَمِ الشَّرِيكِ وَالْوَلَدِ فَهَذَا مَدْحٌ وَصِفَةُ كَمَالٍ وَإِذَا كَانَ عَدَمُهُ مُمْكِنًا فَالْأَوْلَى عَدَمُهُ: كَالْأَشْيَاءِ الَّتِي لَمْ يَخْلُقْهَا فَإِنَّهُ كَانَ أَنْ لَا يَخْلُقَهَا أَكْمَل مِنْ أَنْ يَخْلُقَهَا كَمَا أَنَّ مَا خَلَقَهُ كَانَ أَنْ يَخْلُقَهُ أَكْمَل مِنْ أَنْ لَا يَخْلُقَهُ. وَحِينَئِذٍ فَمَا وُجِدَ مِنْ الْحَوَادِثِ فِي ذَاتِهِ أَوْ بَائِنًا عَنْهُ كَانَ وُجُودُهُ وَقْتَ وُجُودِهِ هُوَ الْكَمَالَ وَعَدَمُهُ وَقْتَ عَدَمِهِ هُوَ الْكَمَالَ وَكَانَ عَدَمُهُ وَقْتَ وُجُودِهِ أَوْ وُجُودُهُ وَقْتَ عَدَمِهِ نَقْصًا يُنَزَّهُ اللَّهُ عَنْهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. فَقَدْ تَبَيَّنَ الْفَرْقُ بَيْنَ نَوْعِ الْحَوَادِثِ وَأَعْيَانِهَا وَأَنَّ النَّوْعَ لَوْ كَانَ حَادِثًا بِذَاتِهِ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ لَزِمَ كَمَالِهِ بَعْدَ نَقْصِهِ أَوْ نَقْصُهُ بَعْدَ كَمَالِهِ.
(6/326)

وَأَيْضًا فَالْحَادِثُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ سَبَبٍ وَالْأَفْرَادُ يُمْكِنُ حُدُوثُهَا؛ لِأَنَّ قَبْلَهَا أُمُورًا أُخْرَى تَصْلُحُ أَنْ تَكُونَ سَبَبًا أَمَّا إذَا قُدِّرَ عَدَمُ النَّوْعِ كُلِّهِ ثُمَّ حَدَثَ لَزِمَ أَنْ يَحْدُثَ النَّوْعُ بِلَا سَبَبٍ يَقْتَضِي حُدُوثَهُ وَهُوَ مُمْتَنِعٌ. وَأَيْضًا فَهَذَا " النَّوْعُ " إمَّا أَنْ يُقَالَ: كَانَ قَادِرًا عَلَيْهِ فِيمَا لَمْ يَزَلْ؛ أَوْ صَارَ قَادِرًا بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ فَإِنْ كَانَ قَادِرًا عَلَيْهِ أَمْكَنَ وُجُودُهُ؛ فَلَا يَمْتَنِعُ وُجُودُهُ فَلَا يَجُوزُ الْجَزْمُ بِعَدَمِهِ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَادِرًا لَزِمَ حُدُوثُ الْقُدْرَةِ بِلَا سَبَبٍ وَانْتِقَالُ الْقُدْرَةِ وَالِامْتِنَاعُ إلَى الْإِمْكَانِ بِلَا سَبَبٍ وَهَذَا بِخِلَافِ الْأَفْرَادِ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ كَانَ مُمْتَنِعًا حَتَّى يَحْصُلَ مَا يَصِيرُ بِهِ مُمْكِنًا؛ أَوْ كَانَ مُمْكِنًا وَلَكِنَّ الْحِكْمَةَ اقْتَضَتْ وُجُودَهُ بَعْدَ تِلْكَ الْأُمُورِ. وَأَمَّا النَّوْعُ إذَا قِيلَ بِحُدُوثِهِ لَمْ يَخْتَصَّ بِوَقْتِ؛ إذْ الْعَدَمُ الْمَحْضُ لَا يُعْقَلُ فِيهِ وَقْتٌ يُمَيِّزُهُ عَنْ وَقْتٍ. وَ " أَيْضًا " فَكَذَلِكَ النَّوْعُ مُمْكِنٌ لَهُ لِوُجُودِهِ وَهُوَ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى شَيْءٍ غَيْرِهِ لَا مِنْهُ وَلَا مِنْ غَيْرِهِ وَمَا كَانَ مُمْكِنًا لَمْ يَتَوَقَّفْ إلَّا عَلَى ذَاتِهِ لَزِمَ وُجُودُهُ بِوُجُودِ ذَاتِهِ كَحَيَاتِهِ وَعِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ صِفَاتِهِ؛ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى وُجُوبِ قِدَمِ نَوْعِ هَذِهِ الصِّفَات وَلُزُومِ النَّوْعِ لِذَاتِهِ وَإِنْ قِيلَ بِحُدُوثِ الْأَفْرَادِ. وَعَلَى هَذَا فَيُقَالُ: لَا تَقُومُ بِذَاتِهِ الصِّفَات الْحَادِثَةُ أَيْ: لَا يَقُومُ بِهِ نَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِ الصِّفَات الْحَادِثَةِ بِمَعْنَى أَنَّ الْكَلَامَ صِفَةٌ وَالْإِرَادَةَ صِفَةٌ؛ وَلَا تَحْدُثُ لَهُ هَذِهِ الصِّفَات وَلَا نَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِ هَذِهِ الصِّفَات؛ بَلْ لَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّمًا مُرِيدًا وَإِنْ حَدَثَتْ
(6/327)

أَفْرَادُ كُلِّ صِفَةٍ، أَيْ: إرَادَةُ هَذَا الْحَادِثِ الْمُعَيَّنِ وَهَذَا الشَّخْصِ الْمُعَيَّنِ؛ فَنَفْسُ الصِّفَةِ لَمْ تَزَلْ مَوْجُودَةً. وَعَلَى هَذَا يُقَالُ: لَوْ خَلَقَ فِي ذَاتِهِ " الْكَلَامَ " وَلَوْ أَحْدَثَ فِي ذَاتِهِ الْكَلَامَ وَلَوْ كَانَ كَلَامُهُ حَادِثًا أَوْ مُحْدَثًا؛ فَإِنَّ نَفْسَ الْكَلَامِ: أَيْ هَذِهِ الصِّفَةَ وَنَوْعَهَا لَيْسَ بِحَادِثِ وَلَا مُحْدَثٍ؛ وَلَا مَخْلُوقٍ. وَأَمَّا الْكَلَامُ الْمُعَيَّنُ " كَالْقُرْآنِ " فَلَيْسَ بِمَخْلُوقِ لَا فِي ذَاتِهِ وَلَا خَارِجًا عَنْ ذَاتِهِ؛ بَلْ تَكَلَّمَ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ وَهُوَ حَادِثٌ فِي ذَاتِهِ. وَهَلْ يُقَالُ: أَحْدَثَهُ فِي ذَاتِهِ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَصَحُّهُمَا أَنَّهُ يُقَالُ ذَلِكَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ} وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " {إنَّ اللَّهَ يُحْدِثُ مِنْ أَمْرِهِ مَا شَاءَ وَإِنَّ مِمَّا أَحْدَثَ أَنْ لَا تَكَلَّمُوا فِي الصَّلَاةِ} " وَقَدْ بَوَّبَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ لِهَذَا بَابًا دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَاب وَالسُّنَّة. وَهَذَا بِخِلَافِ الْمَخْلُوقِ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي عَقْلٍ وَلَا شَرْعٍ وَلَا لُغَةٍ: أَنَّ الْإِنْسَانَ يُسَمِّي مَا قَامَ بِهِ مِنْ الْأَفْعَالِ وَالْأَقْوَالِ خَلْقًا لَهُ وَيَقُولُ: أَنَا خَلَقْت ذَلِكَ بَلْ يَقُولُ: أَنَا فَعَلْت وَتَكَلَّمْت وَقَدْ يَقُولُ: أَنَا أَحْدَثْت هَذِهِ الْأَقْوَالَ وَالْأَفْعَالَ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " {إيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ فَإِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَة} " وَقَالَ: {الْمَدِينَةُ حَرَمٌ مَا بَيْنَ عَيْرٍ إلَى ثَوْرٍ مَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا أَوْ آوَى مُحْدِثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} ". وَإِنْ كَانَ مَقْصُودُهُ " بِالْإِحْدَاثِ " هُنَا أَخَصّ مِنْ مَعْنَى الْإِحْدَاثِ بِمَعْنَى الْفِعْلِ
(6/328)

وَإِنَّمَا مَقْصُودُهُ مَنْ أَحْدَثَ فِيهَا بِدْعَةً تُخَالِفُ مَا قَدْ سُنَّ وَشُرِعَ وَيُقَالُ لِلْجَرَائِمِ: الْأَحْدَاثُ وَلَفْظُ الْإِحْدَاثِ يُرِيدُونَ بِهِ ابْتِدَاءَ مَا لَمْ يَكُنْ قَبْلَ ذَلِكَ. وَمِنْهُ قَوْلُهُ: " إنَّ اللَّهَ يُحْدِثُ مِنْ أَمْرِهِ مَا شَاءَ " {مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ} . وَلَا يُسَمُّونَ مَخْلُوقًا إلَّا مَا كَانَ بَائِنًا عَنْهُ كَقَوْلِهِ: {وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ} وَإِذَا قَالُوا عَنْ كَلَامِ الْمُتَكَلِّمِ: إنَّهُ مَخْلُوقٌ وَمُخْتَلَقٌ فَمُرَادُهُمْ أَنَّهُ مَكْذُوبٌ مُفْتَرًى كَقَوْلِهِ: {وَتَخْلُقُونَ إفْكًا} .
(6/329)

فَصْلٌ:
وَمَا احْتَجَّ بِهِ الْفَلَاسِفَةُ وَالْمُتَكَلِّمُونَ فِي " مَسْأَلَةِ حُدُوثِ الْعَالَمِ " إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى مَذْهَبِ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ. أَمَّا " الْفَلَاسِفَةُ " فَحُجَّتُهُمْ إنَّمَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ فَاعِلًا كَمَا أَنَّ حُجَّةَ " الْأَشْعَرِيَّةِ " إنَّمَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّمًا وَكُلٌّ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ احْتَجَّ عَلَى قِدَمِ الْعَيْنِ بِأَدِلَّةِ لَا تَقْتَضِي ذَلِكَ. وَأَمَّا " الْمُتَكَلِّمُونَ " فَعُمْدَتُهُمْ أَنَّ مَا لَا يَخْلُو مِنْ الْحَوَادِثِ فَهُوَ حَادِثٌ أَوْ مَا لَمْ يَسْبِقْ الْحَوَادِثَ فَهُوَ حَادِثٌ وَكُلٌّ مِنْ هَاتَيْنِ الْقَضِيَّتَيْنِ هِيَ صَحِيحَةٌ بِاعْتِبَارِ وَتَدُلُّ عَلَى الْحَقِّ؛ فَمَا لَمْ يَسْبِقْ الْحَوَادِثَ الْمَحْدُودَةَ الَّتِي لَهَا أَوَّلٌ فَهُوَ حَادِثٌ وَهَذَا مَعْلُومٌ بِصَرِيحِ الْعَقْلِ وَاتِّفَاقِ الْعُقَلَاءِ فَكُلُّ مَا عُلِمَ أَنَّهُ كَانَ بَعْدَ حَادِثٍ لَهُ ابْتِدَاءٌ؛ أَوْ مَعَ حَادِثٍ لَهُ ابْتِدَاءٌ: فَهُوَ أَيْضًا حَادِثٌ لَهُ ابْتِدَاءٌ بِالضَّرُورَةِ. وَكَذَلِكَ مَا لَمْ يَخْلُ مِنْ هَذِهِ الْحَوَادِثِ. وَأَيْضًا فَمَا لَمْ يَخْلُ مِنْ الْحَوَادِثِ مَعَ حَاجَتِهِ إلَيْهَا فَهُوَ حَادِثٌ وَمَا لَمْ يَخْلُ مِنْ حَوَادِثَ يُحْدِثُهَا فِيهِ غَيْرُهُ فَهُوَ حَادِثٌ بَلْ مَا احْتَاجَ إلَى الْحَوَادِثِ مُطْلَقًا فَهُوَ حَادِثٌ وَمَا قَامَتْ بِهِ حَوَادِثُ مِنْ غَيْرِهِ فَهُوَ حَادِثٌ وَمَا كَانَ مُحْتَاجًا إلَى غَيْرِهِ فَهُوَ حَادِثٌ وَمَا قَامَتْ بِهِ الْحَوَادِثُ فَهُوَ حَادِثٌ.
(6/330)

وَهَذَا يُبْطِلُ قَوْلَ " الْمُتَفَلْسِفَةِ " الْقَائِلِينَ بِقِدَمِ الْفَلَكِ كَأَرِسْطُو وَأَتْبَاعِهِ؛ فَإِنَّ " أَرِسْطُو " يَقُولُ: إنَّهُ مُحْتَاجٌ إلَى الْعِلَّةِ الْأُولَى لِلتَّشَبُّهِ بِهَا وبرقلس وَابْنُ سِينَا وَنَحْوُهُمَا يَقُولُونَ: إنَّهُ مَعْلُولٌ لَهُ أَيْ مُوجَبٌ لَهُ وَالْأَوَّلُ عِلَّةٌ فَاعِلَةٌ لَهُ؛ فَالْجَمِيعُ يَقُولُونَ: إنَّهُ مُحْتَاجٌ إلَى غَيْرِهِ مَعَ قِيَامِ الْحَوَادِثِ بِهِ؛ وَإِنَّهُ لَمْ يَخْلُ مِنْهَا. وَيَقُولُونَ: هُوَ قَدِيمٌ؛ وَهَذَا قَوْلٌ بَاطِلٌ. وَيَقُولُ " ابْنُ سِينَا " إنَّهُ مُمْكِنٌ يَقْبَلُ الْوُجُودَ وَالْعَدَمَ مَعَ قِيَامِ الْحَوَادِثِ بِهِ وَهُوَ قَدِيمٌ أَزَلِيٌّ. وَهَذَا بَاطِلٌ؛ فَإِنَّ كَوْنَهُ مُحْتَاجًا إلَى غَيْرِهِ يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ وَاجِبَ الْوُجُودِ بِنَفْسِهِ فَإِنَّ وَاجِبَ الْوُجُودِ بِنَفْسِهِ لَا يَكُونُ مُحْتَاجًا إلَى غَيْرِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا بِنَفْسِهِ كَانَ مُمْكِنًا يَقْبَلُ الْوُجُودَ وَالْعَدَمَ وَحِينَئِذٍ فَيَكُونُ مُحْدَثًا مِنْ وُجُوهٍ: (مِنْهَا: أَنَّ الْمُمْكِنَ الَّذِي يَقْبَلُ الْوُجُودَ وَالْعَدَمَ لَا يَكُونُ إلَّا مُحْدَثًا وَأَمَّا الْقَدِيمُ الَّذِي يَمْتَنِعُ عَدَمُهُ فَلَا يَقْبَلُ الْوُجُودَ وَالْعَدَمَ. (وَمِنْهَا: أَنَّهُ إذَا كَانَ مَعَ حَاجَتِهِ تَحُلُّهُ الْحَوَادِثُ مِنْ غَيْرِهِ دَلَّ عَلَى أَنَّ غَيْرَهُ مُتَصَرِّفٌ فِيهِ قَاهِرٌ لَهُ تُحْدَثُ فِيهِ الْحَوَادِثُ وَلَا يُمْكِنُهُ دَفْعُهَا عَنْ نَفْسِهِ وَمَا كَانَ مَقْهُورًا مَعَ غَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا بِنَفْسِهِ وَلَا مُسْتَغْنِيًا بِنَفْسِهِ؛ وَلَا عَزِيزًا وَلَا مُسْتَقِلًّا بِنَفْسِهِ؛ وَمَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ إلَّا مَصْنُوعًا مَرْبُوبًا فَيَكُونُ مُحْدَثًا. وَ (أَيْضًا فَإِذَا لَمْ يَخْلُ مِنْ الْحَوَادِثِ الَّتِي يُحْدِثُهَا فِيهِ غَيْرُهُ وَلَمْ يَسْبِقْهَا؛ بَلْ كَانَتْ لَازِمَةً لَهُ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ فِي جَمِيعِ أَوْقَاتِهِ مَقْهُورًا مَعَ الْغَيْرِ مُتَصَرَّفًا لَهُ؛ يَدُلُّ
(6/331)

عَلَى أَنَّهُ مُفْتَقِرٌ إلَيْهِ دَائِمًا وَهَذَا يُبْطِلُ قَوْلَ الْمُتَكَلِّمِينَ الَّذِينَ يَقُولُونَ: إنَّمَا يَفْتَقِرُ إلَيْهِ حَالَ حُدُوثِهِ فَقَطْ. كَمَا يُبْطِلُ قَوْل الْمُتَفَلْسِفَةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: يَفْتَقِرُ إلَيْهِ فِي دَوَامِهِ مَعَ قِدَمِهِ وَعَدَمِ حُدُوثِهِ. وَ " التَّحْقِيقُ " أَنَّهُ مُحْدَثٌ يَفْتَقِرُ إلَيْهِ حَالَ الْحُدُوثِ وَحَالَ الْبَقَاءِ. وَكَوْنُهُ مَحَلًّا لِلْحَوَادِثِ مِنْ غَيْرِهِ؛ أَوْ مَحَلًّا لِلْحَوَادِثِ مَعَ حَاجَتِهِ؛ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مُحْدَثٌ. وَأَمَّا كَوْنُهُ مَحَلًّا لِحَوَادِثَ يُحْدِثُهَا هُوَ فَهَذَا لَا يَسْتَلْزِمُ لَا حَاجَتَهُ وَلَا حُدُوثَهُ؛ وَلِهَذَا كَانَ " الصَّحَابَةُ " يَذْكُرُونَ أَنَّ حُدُوثَ الْحَوَادِثِ فِي الْعَالَمِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَرْبُوبٌ؛ كَمَا قَدْ ذَكَرْنَا هَذَا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ وَالْمَرْبُوبُ مُحْدَثٌ وَكُلُّ مَا سِوَى اللَّهِ تَحْدُثُ فِيهِ الْحَوَادِثُ مِنْ غَيْرِهِ وَهُوَ مُحْتَاجٌ إلَى غَيْرِهِ فَكُلُّ فَلَكٍ فَإِنَّهُ يُحَرِّكُهُ غَيْرُهُ فَتَحْدُثُ فِيهِ الْحَرَكَةُ مِنْ غَيْرِهِ فَالْفَلَكُ الْمُحِيطُ يُحَرِّكُهَا كُلَّهَا وَهُوَ مُتَحَرِّكٌ بِخِلَافِ حَرَكَتِهِ فَتَحْدُثُ فِيهِ مُنَاسَبَةٌ حَادِثَةٌ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ وَهِيَ مُسْتَقِلَّةٌ بِحَرَكَتِهَا لَا تَحْتَاجُ فِيهَا إلَيْهِ؛ فَامْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ رَبًّا لَهَا وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالْكَوَاكِبُ يُحَرِّكُهَا غَيْرُهَا فَكُلُّهَا مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ.
(6/332)

فَصْلٌ:
وَقَدْ ذَكَرْنَا " أَصْلَيْنِ ":
أَحَدُهُمَا: أَنَّ مَا يَحْتَجُّونَ بِهِ مِنْ الْحُجَجِ السَّمْعِيَّةِ وَالْعَقْلِيَّةِ عَلَى مَذَاهِبِهِمْ إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى قَوْلِ السَّلَفِ وَمَا جَاءَ بِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ لَا يَدُلُّ عَلَى مَا ابْتَدَعُوهُ وَخَالَفُوا بِهِ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ.
الثَّانِي: أَنَّ مَا احْتَجُّوا بِهِ يَدُلُّ عَلَى نَقِيضِ مَقْصُودِهِمْ وَعَلَى فَسَادِ قَوْلِهِمْ وَهَذَا نَوْعٌ آخَرُ؛ فَإِنَّ كَوْنَهُ يَدُلُّ عَلَى قَوْلٍ لَمْ يَقُولُوهُ نَوْعٌ وَكَوْنَهُ يَدُلُّ عَلَى نَقِيضِ قَوْلِهِمْ وَفَسَادِ قَوْلِهِمْ نَوْعٌ آخَرُ. وَهَذَا مَوْجُودٌ فِي حُجَجِ الْمُتَفَلْسِفَةِ وَالْمُتَكَلِّمَةِ. أَمَّا " الْمُتَفَلْسِفَةُ " فَمِثْلُ حُجَجِهِمْ عَلَى قِدَمِ الْعَالَمِ أَوْ شَيْءٍ مِنْهُ؛ فَإِنَّهُمْ احْتَجُّوا بِأَنْوَاعِ الْعِلَلِ الْأَرْبَعَةِ: " الْفَاعِلِيَّةِ " وَ " الغائية " وَ " الْمَادِّيَّةِ " وَ " الصورية " وَعُمْدَتُهُمْ: " الْفَاعِلِيَّةُ " وَهُوَ: أَنْ يَمْتَنِعَ أَنَّهُ يَصِيرُ فَاعِلًا بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ؛ فَيَجِبُ أَنَّهُ مَا زَالَ فَاعِلًا وَهَذِهِ أَعْظَمُ عُمْدَةِ مُتَأَخِّرِيهِمْ كَابْنِ سِينَا وَأَمْثَالِهِ وَهِيَ أَظُنُّهَا مَنْقُولَةً عَنْ برقلس. وَأَمَّا " أَرِسْطُو " وَأَتْبَاعُهُ فَهُمْ لَا يَحْتَجُّونَ بِهَا؛ إذْ لَيْسَ هُوَ عِنْدَهُمْ فَاعِلًا وَإِنَّمَا
(6/333)

احْتَجُّوا بِوُجُوبِ قِدَمِ الزَّمَانِ وَالْحَرَكَةِ وَهِيَ الصورية وَبِوُجُوبِ قِدَمِ الْمَادَّةِ؛ لِأَنَّ كُلَّ مُحْدَثٍ مَسْبُوقٍ بِالْإِمْكَانِ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ مَحَلٍّ فَكُلُّ حَادِثٍ تَقْبَلُهُ مَادَّةٌ يَقْبَلُهُ وَأَمَّا " الْعِلَّةُ الغائية " فَمِنْ جِنْسِ " الْفَاعِلِيَّةِ " فَيُقَالُ لَهُمْ: هَذِهِ الْحُجَجُ: إنَّمَا تَدُلُّ عَلَى مَذْهَبِ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ كَمَا تَقَدَّمَ وَهِيَ تَدُلُّ عَلَى بُطْلَانِ قَوْلِهِمْ. وَأَمَّا قِدَمُ " الْفَاعِلِيَّةِ " وَهُوَ: أَنَّهُ مَا زَالَ فَاعِلًا فَيُقَالُ: هَذَا لَفْظٌ مُجْمَلٌ؛ فَأَنْتُمْ تُرِيدُونَ بِالْفَاعِلِ أَنَّ مَفْعُولَهُ مُقَارِنٌ لَهُ فِي الزَّمَانِ؛ وَإِذَا كَانَ فَاعِلًا بِهَذَا الِاعْتِبَارِ وَجَبَ مُقَارَنَةُ مَفْعُولِهِ لَهُ فَلَا يَتَأَخَّرُ فِعْلُهُ فَهَذِهِ عُمْدَتُكُمْ وَالْفَاعِلُ عِنْدَ عَامَّةِ الْعُقَلَاءِ وَعِنْدَ سَلَفِكُمْ وَعِنْدَكُمْ أَيْضًا - فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ - هُوَ الَّذِي يَفْعَلُ شَيْئًا فَيُحْدِثُهُ فَيَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ الْمَفْعُولُ مُقَارِنًا لَهُ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ بَلْ عَلَى هَذَا الِاعْتِبَارِ يَجِبُ تَأَخُّرُ كُلِّ مَفْعُولٍ لَهُ فَلَا يَكُونُ فِي مَفْعُولَاتِهِ شَيْءٌ قَدِيمٌ بِقِدَمِهِ فَيَكُونُ كُلُّ مَا سِوَاهُ مُحْدَثًا. ثُمَّ لِلنَّاسِ هُنَا طَرِيقَانِ: " مِنْهُمْ " مَنْ يَقُولُ: يَجِبُ تَأَخُّرُ كُلِّ مَفْعُولٍ لَهُ وَأَنْ يَبْقَى مُعَطَّلًا عَنْ الْفِعْلِ ثُمَّ يُفْعَلُ كَمَا يَقُولُهُ أَهْلُ الْكَلَامِ الْمُبْتَدَعِ مِنْ أَهْلِ الْمِلَلِ مِنْ الْجَهْمِيَّة وَالْمُعْتَزِلَةِ وَمَنْ سَلَكَ سَبِيلَهُمْ وَهَذَا النَّفْيُ يُنَاقِضُ دَوَامَ الْفَاعِلِيَّةِ فَهُوَ يُنَاقِضُ مُوجَبَ تِلْكَ الْحُجَجِ. وَ " الثَّانِي ": أَنْ يُقَالَ: مَا زَالَ فَاعِلًا لِشَيْءِ بَعْدَ شَيْءٍ فَكُلُّ مَا سِوَاهُ مُحْدَثٌ كَائِنٌ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ وَهُوَ وَحْدَهُ الَّذِي اُخْتُصَّ بِالْقِدَمِ وَالْأَزَلِيَّةِ فَهُوَ " الْأَوَّلُ " الْقَدِيمُ الْأَزَلِيُّ لَيْسَ مَعَهُ غَيْرُهُ وَأَنَّهُ مَا زَالَ يَفْعَلُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ.
(6/334)

فَيُقَالُ لَهُمْ: الْحُجَجُ الَّتِي تُقِيمُونَهَا فِي وُجُوبِ قِدَمِ " الْفَاعِلِيَّةِ " كَمَا أَنَّهَا تُبْطِلُ قَوْلَ أَهْلِ الْكَلَامِ الْمُحْدَثِ فَهِيَ أَيْضًا تُبْطِلُ قَوْلَكُمْ؛ وَذَلِكَ أَنَّهَا لَوْ دَلَّتْ عَلَى دَوَامِ الْفَاعِلِيَّةِ بِالْمَعْنَى الَّذِي ادَّعَيْتُمْ لَلَزِمَ أَنْ لَا يَحْدُثَ فِي الْعَالَمِ حَادِثٌ؛ إذْ كَانَ الْمَفْعُولُ الْمَعْلُولُ عِنْدَكُمْ يَجِبُ أَنْ يُقَارِنَ عِلَّتَهُ الْفَاعِلِيَّةَ فِي الزَّمَانِ وَكُلُّ مَا سِوَى الْأَوَّلِ مَفْعُولٌ مَعْلُولٌ لَهُ فَتَحْدُثُ مُقَارَنَةُ كُلِّ مَا سِوَاهُ فَلَا يَحْدُثُ فِي الْعَالَمِ حَادِثٌ وَهُوَ خِلَافُ الْمُشَاهَدَةِ وَالْمَعْقُولِ وَبَاطِلٌ بِاتِّفَاقِ بَنِي آدَمَ كُلِّهِمْ مُخَالِفٌ لِلْحِسِّ وَالْعَقْلِ. وَأَيْضًا إذَا وَجَبَ فِي الْعِلَّةِ أَنْ يُقَارِنَهَا مَعْلُولُهَا فِي الزَّمَانِ فَكُلُّ حَادِثٍ يَجِبُ أَنْ يَحْدُثَ مَعَ حُدُوثِهِ حَوَادِثُ مُقْتَرِنَةٌ فِي الزَّمَانِ لَا يَسْبِقُ بَعْضُهَا بَعْضًا وَلَا نِهَايَةَ لَهَا. وَهَذَا قَوْلٌ بِوُجُودِ عِلَلٍ لَا نِهَايَةَ لَهَا؛ وَهَذَا أَيْضًا بَاطِلٌ بِصَرِيحِ الْعَقْلِ وَاتِّفَاقِ الْعُقَلَاءِ؛ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ امْتِنَاعِ ذَلِكَ فِي ذَاتِ الْعِلَّةِ أَوْ شَرْطٍ مِنْ شُرُوطِهَا؛ فَكَمَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَحْدُثَ عِنْدَ كُلِّ حَادِثٍ ذَاتُ عِلَلٍ لَا تَتَنَاهَى فِي آنٍ وَاحِدٍ؛ وَكَذَلِكَ شُرُوطُ الْعِلَّةِ وَتَمَامُهَا؛ فَإِنَّهَا إحْدَى جُزْأَيْ الْعِلَّةِ؛ فَلَا يَجُوزُ وُجُودُ مَا لَا يَتَنَاهَى فِي آنٍ وَاحِدٍ لَا فِي هَذَا الْجُزْءِ وَلَا فِي هَذَا الْجُزْءِ؛ وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ النَّاسِ. وَأَمَّا النِّزَاعُ فِي " وُجُودِ مَا لَا يَتَنَاهَى عَلَى سَبِيلِ التَّعَاقُبِ " فَقَدْ زَالَ جُزْءُ حُجَّتِهِمْ لَيْسَ هُوَ مَا قَالُوهُ؛ بَلْ مُوجَبُهُ هُوَ " الْقَوْلُ الْآخَرُ " وَهُوَ: أَنَّ الْفَاعِلَ لَمْ يَزَلْ يَفْعَلُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ وَحِينَئِذٍ كَلُّ مَفْعُولٍ مُحْدَثٍ كَائِنٌ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ وَهَذَا نَقِيضُ قَوْلِهِمْ؛ بَلْ هَذَا مِنْ أَبْلَغِ مَا يُحْتَجُّ بِهِ عَلَى مَا أَخْبَرَتْ بِهِ الرُّسُلُ مِنْ أَنَّ اللَّهَ
(6/335)

خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ؛ فَإِنَّهُ بِهَذَا يَثْبُتُ أَنَّهُ لَا قَدِيمَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّهُ كُلُّ مَا سِوَاهُ كَائِنٌ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ سَوَاءٌ سُمِّيَ عَقْلًا أَوْ نَفْسًا أَوْ جِسْمًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ. بِخِلَافِ دَلِيلِ أَهْلِ الْكَلَامِ الْمُحْدَثِ عَلَى الْحُدُوثِ؛ فَإِنَّهُمْ قَالُوا: لَوْ كَانَ صَحِيحًا لَمْ يَدُلَّ إلَّا عَلَى حُدُوثِ الْأَجْسَامِ وَنَحْنُ أَثْبَتْنَا مَوْجُودَاتٍ غَيْرَ الْعُقُولِ وَ " أَهْلُ الْكَلَامِ " لَمْ يُقِيمُوا دَلِيلًا عَلَى انْتِفَائِهَا وَقَدْ وَافَقَهُمْ عَلَى ذَلِكَ الْمُتَأَخِّرُونَ: مِثْلُ الشِّهْرِسْتَانِيّ وَالرَّازِي والآمدي. وَادَّعَوْا أَنَّهُ لَا دَلِيلَ لِلْمُتَكَلِّمِينَ عَلَى نَفْيِ هَذِهِ الْجَوَاهِرِ الْعَقْلِيَّةِ وَدَلِيلُهُمْ عَلَى حُدُوثِ الْأَجْسَامِ لَمْ يَتَنَاوَلْهَا؛ وَلِهَذَا صَارَ الَّذِينَ زَعَمُوا أَنَّهُمْ يُجِيبُونَهُمْ " بِالْجَوَابِ الْبَاهِرِ " إلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ التَّنَاقُضِ؛ فَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ نَفْسَ مَا احْتَجُّوا بِهِ يَدُلُّ عَلَى فَسَادِ قَوْلِهِمْ وَفَسَادِ قَوْلِ الْمُتَكَلِّمِينَ؛ وَيَدُلُّ عَلَى حُدُوثِ كُلِّ مَا سِوَى اللَّهِ وَأَنَّهُ وَحْدَهُ الْقَدِيمُ دَلَالَةً صَحِيحَةً لَا مَطْعَنَ فِيهَا. فَقَدْ تَبَيَّنَ - وَلِلَّهِ الْحَمْدُ - أَنَّ عُمْدَتَهُمْ عَلَى قِدَمِ الْعَالَمِ إنَّمَا تَدُلُّ عَلَى نَقِيضِ قَوْلِهِمْ وَهُوَ: حُدُوثُ كُلِّ مَا سِوَى اللَّهِ - وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ -. وَأَمَّا " الْحُجَّةُ " الَّتِي احْتَجُّوا بِهَا عَلَى أَنَّهُ لَمْ تَزَلْ الْحَرَكَةُ مَوْجُودَةً وَالزَّمَانُ مَوْجُودًا وَأَنَّهُ يَمْتَنِعُ حُدُوثُ هَذَا الْجِنْسِ - وَهَذَا مِمَّا اعْتَمَدَ عَلَيْهِ أَرِسْطُو " وَأَتْبَاعُهُ - فَيُقَالُ لَهُمْ: هَذِهِ لَا تَدُلُّ عَلَى قِدَمِ شَيْءٍ بِعَيْنِهِ مِنْ الْحَرَكَاتِ وَزَمَانِهَا وَلَا مِنْ الْمُتَحَرِّكَاتِ؛ فَلَا تَدُلُّ عَلَى مَطْلُوبِهِمْ: وَهُوَ قِدَمُ الْفَلَكِ وَحَرَكَتُهُ وَزَمَانُهُ؛
(6/336)

بَلْ تَدُلُّ عَلَى نَقِيضِ قَوْلِهِمْ؛ وَذَلِكَ أَنَّ الْحَرَكَةَ لَا بُدَّ لَهَا مِنْ مُحَرِّكٍ فَجَمِيعُ الْحَرَكَاتِ تَنْتَهِي إلَى مُحَرِّكٍ أَوَّلٍ. وَهُمْ يُسَلِّمُونَ هَذَا فَذَلِكَ الْمُحَرِّكُ الْأَوَّلُ الَّذِي صَدَرَ عَنْهُ حَرَكَةُ مَا سِوَاهُ: إمَّا أَنْ يَكُونَ مُتَحَرِّكًا وَإِمَّا أَنْ لَا يَكُونَ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُتَحَرِّكًا لَزِمَ صُدُورُ الْحَرَكَةِ عَنْ غَيْرِ مُتَحَرِّكٍ وَهَذَا مُخَالِفٌ لِلْحِسِّ وَالْعَقْلِ؛ فَإِنَّ الْمَعْلُولَ إنَّمَا يَكُونُ مُنَاسِبًا لِعِلَّتِهِ فَإِذَا كَانَ الْمَعْلُولُ يَحْدُثُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ امْتَنَعَ أَنْ تَكُونَ عِلَّتُهُ بَاقِيَةً عَلَى حَالٍ وَاحِدَةٍ: كَمَا قُلْتُمْ: يَمْتَنِعُ أَنْ يَحْدُثَ عَنْهَا شَيْءٌ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ؛ بَلْ امْتِنَاعُ دَوَامِ الْحُدُوثِ عَنْهَا أَوْلَى مِنْ امْتِنَاعِ حُدُوثٍ مُتَجَدِّدٍ؛ فَإِنَّ هَذَا يَسْتَلْزِمُ وُجُودَ الْمُمْتَنِعِ أَكْثَرَ مِمَّا يَسْتَلْزِمُ ذَاكَ. فَإِنَّهُ إذَا قِيلَ: مِنْ الْمَعْلُومِ بِصَرِيحِ الْعَقْلِ أَنَّ مَا لَمْ يَكُنْ فَاعِلًا فَلَا بُدَّ أَنْ يَحْدُثَ لَهُ سَبَبٌ يُوجِبُ كَوْنَهُ فَاعِلًا وَأَنَّهُ إذَا كَانَ حَالُ الْفَاعِلِ عَلَى الْحَالِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا قَبْلَ الْفِعْلِ لَمْ يَفْعَلْ شَيْئًا وَلَمْ يَحْدُثْ عَنْهُ شَيْءٌ قِيلَ لَهُمْ: وَهَذَا الْمَعْلُومُ بِصَرِيحِ الْعَقْلِ مُوجَبُ أَنَّهَا لَا يَحْدُثُ عَنْهَا فِي الزَّمَانِ الثَّانِي شَيْءٌ لَمْ يَكُنْ فِي الزَّمَانِ الْأَوَّلِ إلَّا لِمَعْنَى حَدَثَ فِيهَا فَإِذَا لَمْ يَحْدُثْ فِيهَا شَيْءٌ لَمْ يَحْدُثْ عَنْهَا شَيْءٌ. فَإِذَا قِيلَ بِدَوَامِ الْحَوَادِثِ عَنْهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَحْدُثَ فِيهَا شَيْءٌ كَانَ هَذَا قَوْلًا بِوُجُودِ الْمُمْتَنِعَاتِ دَائِمًا؛ فَإِنَّهُ مَا مِنْ حَادِثٍ يَحْدُثُ إلَّا قُلِبَتْ الذَّاتُ عِنْدَ حُدُوثِهِ لِمَا كَانَتْ قَبْلَ حُدُوثِهِ وَكَانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ يَمْتَنِعُ عَنْهَا حُدُوثُهُ؛ فَالْآنَ كَذَلِكَ يَمْتَنِعُ عَنْهَا حُدُوثُهُ.
(6/337)

أَوْ يُقَالُ: كَانَتْ لَا تُحْدِثُهُ فَهِيَ الْآنَ لَا تُحْدِثُ فَهِيَ عِنْدَ حُدُوثِ كُلِّ حَادِثٍ كَمَا كَانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ وَقَبْلَ حُدُوثِهِ لَمْ تَكُنْ مُحْدِثَةً لَهُ بَلْ كَانَ ذَلِكَ مُمْتَنِعًا فَكَذَلِكَ الْحِينُ الَّذِي قُدِّرَ فِيهِ حُدُوثُهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْحُدُوثُ فِيهِ مُمْتَنِعًا. وَهَذَا مِمَّا اعْتَرَفَ حُذَّاقُهُمْ بِأَنَّهُ لَازِمٌ كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ رُشْدٍ وَالرَّازِي وَغَيْرُهُمَا وَاعْتَرَفُوا بِأَنَّ حُدُوثَ المتغير عَنْ غَيْرِ الْمُتَغَيِّرِ مُخَالِفٌ لِلْعُقَلَاءِ وَابْنُ سِينَا تَفَطَّنَ لِهَذَا.
(6/338)

سُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ:
مَا يَقُولُ السَّادَةُ الْعُلَمَاءُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ - عَنْ جَوَابِ شُبْهَةِ " الْمُعْتَزِلَةِ " فِي نَفْيِ الصِّفَاتِ؟ ادَّعَوْا أَنَّ " صِفَاتِ الْبَارِي لَيْسَتْ زَائِدَةً عَلَى ذَاتِهِ " لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَقُومَ وُجُودُهُ بِتِلْكَ الصِّفَةِ الْمُعَيَّنَةِ بِحَيْثُ يَلْزَمُ مِنْ تَقْدِيرِ عَدَمِهَا عَدَمُهُ أَوْ لَا فَإِنْ يَقُمْ فَقَدْ تَعَلَّقَ وُجُودُهُ بِهَا وَصَارَ مُرَكَّبًا مِنْ أَجْزَاءٍ لَا يَصِحُّ وُجُودُهُ إلَّا بِمَجْمُوعِهَا وَالْمُرَكَّبُ مَعْلُولٌ؛ وَإِنْ كَانَ لَا يَقُومُ وُجُودُهُ بِهَا وَلَا يَلْزَمُ مِنْ تَقْدِيرِ عَدَمِهَا عَدَمُهُ فَهِيَ عَرَضِيَّةٌ وَالْعَرَضُ مَعْلُولٌ؛ وَهُمَا عَلَى اللَّهِ مُحَالٌ؛ فَلَمْ يَبْقَ إلَّا أَنَّ صِفَاتِ الْبَارِي غَيْرُ زَائِدَةٍ عَلَى ذَاتِهِ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ
فَأَجَابَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ، الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ: أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ لَهُ عِلْمٌ وَقُدْرَةٌ وَرَحْمَةٌ وَمَشِيئَةٌ وَعِزَّةٌ وَغَيْرُ ذَلِكَ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ} وَقَوْلِهِ: {لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ} وَقَوْلِهِ: {إنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ} وَقَوْلِهِ {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} وَقَوْلِهِ: {رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا} .
(6/339)

وَفِي حَدِيثِ الِاسْتِخَارَةِ الَّذِي فِي الصَّحِيحِ: " {اللَّهُمَّ إنِّي أَسْتَخِيرُك بِعِلْمِك وَأَسْتَقْدِرُك بِقُدْرَتِك وَأَسْأَلُك مِنْ فَضْلِك الْعَظِيمِ} " وَفِي حَدِيثِ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ الَّذِي فِي السُّنَنِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " {اللَّهُمَّ بِعِلْمِك الْغَيْبَ وَقُدْرَتِك عَلَى الْخَلْقِ أَحْيِنِي مَا كَانَتْ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي وَتَوَفَّنِي إذَا كَانَتْ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي} " وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: " لَا وَعِزَّتِك " وَهَذَا كَثِيرٌ. وَفِي الصَّحِيحِ أَيْضًا {أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَأَلَ الَّذِي كَانَ يَقْرَأُ بقل هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ - وَهُوَ إمَامٌ - فَقَالَ: إنِّي أُحِبُّهَا؛ لِأَنَّهَا صِفَةُ الرَّحْمَنِ فَقَالَ: أَخْبِرُوهُ أَنَّ اللَّهَ يُحِبُّهُ} فَأَقَرَّهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى تَسْمِيَتِهَا صِفَةَ الرَّحْمَنِ. وَفِي هَذَا الْمَعْنَى أَيْضًا آثَارٌ مُتَعَدِّدَةٌ. فَثَبَتَ بِهَذِهِ النُّصُوصِ أَنَّ الْكَلَامَ الَّذِي يُخْبَرُ بِهِ عَنْ اللَّهِ صِفَةٌ لَهُ فَإِنَّ الْوَصْفَ هُوَ الْإِظْهَارُ وَالْبَيَانُ لِلْبَصَرِ أَوْ السَّمْعِ كَمَا يَقُولُ الْفُقَهَاءُ ثَوْبٌ يَصِفُ الْبَشَرَةَ أَوْ لَا يَصِفُ الْبَشَرَةَ. وَقَالَ تَعَالَى: {سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ} وَقَالَ: {سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ} وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " {لَا تَنْعَتُ الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ لِزَوْجِهَا حَتَّى كَأَنَّهُ يَنْظُرُ إلَيْهَا} " وَالنَّعْتُ الْوَصْفُ. وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ. وَ " الصِّفَةُ " مَصْدَرُ وَصَفْت الشَّيْءَ أَصِفُهُ وَصْفًا وَصِفَةً مِثْلُ وَعَدَ وَعْدًا وَعِدَةً وَوَزَنَ وَزْنًا وَزِنَةً؛ وَهُمْ يُطْلِقُونَ اسْمَ الْمَصْدَرِ عَلَى الْمَفْعُولِ كَمَا يُسَمُّونَ الْمَخْلُوقَ خَلْقًا وَيَقُولُونَ: دِرْهَمٌ ضَرْبُ الْأَمِيرِ فَإِذَا وُصِفَ الْمَوْصُوفُ بِأَنَّهُ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا: سُمِّيَ الْمَعْنَى الَّذِي وُصِفَ بِهِ بِهَذَا الْكَلَامِ صِفَةً. فَيُقَالُ لِلرَّحْمَةِ وَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ: صِفَةٌ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ، هَذَا حَقِيقَةُ الْأَمْرِ.
(6/340)

ثُمَّ كَثِيرٌ مِنْ " الْمُعْتَزِلَةِ " وَنَحْوِهِمْ يَقُولُونَ: الْوَصْفُ وَالصِّفَةُ اسْمٌ لِلْكَلَامِ فَقَطْ؛ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقُومَ بِالذَّاتِ الْقَدِيمَةِ مَعَانٍ؛ وَكَثِيرٌ مِنْ " مُتَكَلِّمَةِ الصفاتية " يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْوَصْفِ وَالصِّفَةِ فَيَقُولُونَ: الْوَصْفُ هُوَ الْقَوْلُ وَالصِّفَةُ الْمَعْنَى الْقَائِمُ بِالْمَوْصُوفِ؛ وَأَمَّا الْمُحَقِّقُونَ فَيَعْلَمُونَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ اللَّفْظَيْنِ يُطْلَقُ عَلَى الْقَوْلِ تَارَةً وَعَلَى الْمَعْنَى أُخْرَى. وَالْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ قَدْ صَرَّحَا بِثُبُوتِ الْمَعَانِي الَّتِي هِيَ الْعِلْمُ وَالْقُدْرَةُ وَغَيْرُهَا كَمَا قَدَّمْنَاهُ. وَأَمَّا لَفْظُ " الذَّاتِ " فَإِنَّهَا فِي اللُّغَةِ تَأْنِيثُ ذُو وَهَذَا اللَّفْظُ يُسْتَعْمَلُ مُضَافًا إلَى أَسْمَاءِ الْأَجْنَاسِ يَتَوَصَّلُونَ بِهِ إلَى الْوَصْفِ بِذَلِكَ. فَيُقَالُ: شَخْصٌ ذُو عِلْمٍ وَذُو مَالٍ وَشَرَفٍ وَيَعْنِي حَقِيقَتَهُ؛ أَوْ عَيْنٌ أَوْ نَفْسٌ ذَاتُ عِلْمٍ وَقُدْرَةٍ وَسُلْطَانٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَقَدْ يُضَافُ إلَى الْأَعْلَامِ كَقَوْلِهِمْ ذُو عَمْرٍو وَذُو الْكُلَاعِ وَقَوْلِ عُمَرَ: الْغَنِيُّ بِلَالٌ وَذَوُوهُ. فَلَمَّا وَجَدُوا اللَّهَ قَالَ فِي الْقُرْآنِ {تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ} {وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ} وَ {كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ} : وَصَفُوهَا، فَقَالُوا: نَفْسٌ ذَاتُ عِلْمٍ وَقُدْرَةٍ وَرَحْمَةٍ وَمَشِيئَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ ثُمَّ حَذَفُوا الْمَوْصُوفَ وَعَرَّفُوا الصِّفَةَ. فَقَالُوا: الذَّاتُ. وَهِيَ كَلِمَةٌ مُوَلَّدَةٌ؛ لَيْسَتْ قَدِيمَةً وَقَدْ وُجِدَتْ فِي كَلَامِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالصَّحَابَةِ لَكِنْ بِمَعْنَى آخَرَ مِثْلَ قَوْلِ خبيب الَّذِي فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ:
(6/341)

وَذَلِكَ فِي ذَاتِ الْإِلَهِ وَإِنْ يَشَأْ ... يُبَارِكْ عَلَى أَوْصَالِ شِلْوٍ مُمَزَّعِ
وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " {لَمْ يَكْذِبْ إبْرَاهِيمُ إلَّا ثَلَاثَ كِذْبَاتٍ كُلُّهُنَّ فِي ذَاتِ اللَّهِ} " وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ: كُلُّنَا أَحْمَقُ فِي ذَاتِ اللَّهِ. وَفِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ: أُصِبْنَا فِي ذَاتِ اللَّهِ. وَالْمَعْنَى فِي جِهَةِ اللَّهِ وَنَاحِيَتِهِ؛ أَيْ لِأَجْلِ اللَّهِ وَلِابْتِغَاءِ وَجْهِهِ؛ لَيْسَ الْمُرَادُ بِذَلِكَ النَّفْسَ. وَنَحْوُهُ فِي الْقُرْآنِ {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ} وَقَوْلُهُ: {عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} أَيْ الْخَصْلَةِ وَالْجِهَةِ الَّتِي هِيَ صَاحِبَةُ بَيْنِكُمْ وَعَلِيمٌ بِالْخَوَاطِرِ وَنَحْوِهَا الَّتِي هِيَ صَاحِبَةُ الصُّدُورِ. فَاسْمُ " الذَّاتِ " فِي كَلَامِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالصَّحَابَةِ وَالْعَرَبِيَّةِ الْمَحْضَةِ: بِهَذَا الْمَعْنَى. ثُمَّ أَطْلَقَهُ الْمُتَكَلِّمُونَ وَغَيْرُهُمْ عَلَى " النَّفْسِ " بِالِاعْتِبَارِ الَّذِي تَقَدَّمَ فَإِنَّهَا صَاحِبَةُ الصِّفَاتِ. فَإِذَا قَالُوا الذَّاتُ فَقَدْ قَالُوا الَّتِي لَهَا الصِّفَاتُ. وَقَدْ رُوِيَ فِي حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ وَغَيْرِ مَرْفُوعٍ " {تَفَكَّرُوا فِي آلَاءِ اللَّهِ؛ وَلَا تَتَفَكَّرُوا فِي ذَاتِ اللَّهِ} " فَإِنْ كَانَ هَذَا اللَّفْظُ أَوْ نَظِيرُهُ ثَابِتًا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ: فَقَدْ وُجِدَ فِي كَلَامِهِمْ إطْلَاقُ اسْمِ " الذَّاتِ " عَلَى النَّفْسِ كَمَا يُطْلِقُهُ الْمُتَأَخِّرُونَ. وَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا الْأَصْلُ يَبْقَى " كَالْحَرَكَةِ " وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي بَقَائِهَا كَالطَّعْمِ وَاللَّوْنِ وَالرِّيحِ وَأَكْثَرُ الْعُقَلَاءِ عَلَى أَنَّهُ قَدْ يَبْقَى. وَهَؤُلَاءِ لَا يَصِحُّ عِنْدَهُمْ الِاسْتِدْلَالُ بِهَذِهِ الْأَعْرَاضِ عَلَى حُدُوثِ الْجِسْمِ؛
(6/342)

فَلَأَنْ لَا يَصِحَّ الِاسْتِدْلَالُ بِصِفَاتِ اللَّهِ عَلَى حُدُوثِ الْمَوْصُوفِ أَوْلَى وَأَحْرَى مَعَ أَنَّ " هَذِهِ الْحُجَّةَ " عَلَى حُدُوثِ الْعَالَمِ فِيهَا نَظَرٌ طَوِيلٌ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَهُ. وَهَكَذَا أَيْضًا يُقَالُ لِلْفَلَاسِفَةِ فَإِنَّهُ لَا رَيْبَ أَنَّهُ مُبْدِئٌ لِلْعَالَمِ وَسَبَبٌ لِوُجُودِهِ وَيَذْكُرُونَ لَهُ مِنْ الْعَقْلِ وَالْعِنَايَةِ أُمُورًا لَا بُدَّ لَهُمْ مِنْ إثْبَاتِهَا. فَالْكَلَامُ فِيمَا يُثْبِتُهُ أَهْلُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ كَالْكَلَامِ فِيمَا لَا بُدَّ مِنْ إثْبَاتِهِ لِجَمِيعِ الطَّوَائِفِ وَذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ حَقٌّ بِالِاضْطِرَارِ وَالْأَدِلَّةِ الْقَطْعِيَّةِ وَاتَّفَقُوا عَلَى ذَلِكَ وَثَبَتَ أَنَّهُ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ وَلَيْسَ هُوَ مِنْ جِنْسِ سَائِرِ مَا يَقُومُ بِنَفْسِهِ مِنْ الْأَرْوَاحِ وَالْأَجْسَامِ. فَإِذَا كَانُوا مُتَّفِقِينَ عَلَى أَنَّهُ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ لَيْسَ هُوَ مِنْ جِنْسِ سَائِرِ الْأَجْسَامِ وَالْأَرْوَاحِ فَكَذَلِكَ مَا يَسْتَحِقُّهُ بِنَفْسِهِ مِنْ الصِّفَاتِ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ مَا يَسْتَحِقُّهُ سَائِرُ الْأَشْيَاءِ. فَإِذَا قُدِّرَ أَنَّ جَوْهَرًا قَامَ بِهِ عَرَضٌ مُحْدَثٌ دَلَّ عَلَى حُدُوثِ الْجَوْهَرِ لَمْ يَسْتَلْزِمْ ذَلِكَ فِي كُلِّ مَا قَامَ بِغَيْرِهِ أَنْ يَكُونَ عَرَضًا إلَّا إذَا اسْتَلْزَمَ أَنْ يَكُونَ كُلُّ مَا قَامَ بِنَفْسِهِ جَوْهَرًا. فَإِنَّهُ إذَا سَاغَ لِقَائِلِ أَنْ لَا يُسَمِّيَ بَعْضَ مَا قَامَ بِنَفْسِهِ جَوْهَرًا: سَاغَ لَهُ أَيْضًا أَنْ لَا يُسَمِّيَ بَعْضَ مَا يَقُومُ بِغَيْرِهِ عَرَضًا؛ بَلْ نَفْيُ الْعَرَضِ عَنْ الْمَعَانِي الْبَاقِيَةِ أَقْرَبُ إلَى اللُّغَةِ فَإِنْ سَمَّى الْمُسَمِّي كُلَّ مَا قَامَ بِغَيْرِهِ عَرَضًا سَاغَ حِينَئِذٍ أَنْ يُسَمِّيَ كُلَّ مَا قَامَ بِنَفْسِهِ جَوْهَرًا.
(6/343)

" وَحِينَئِذٍ " فَالِاسْتِدْلَالُ بِحُدُوثِ عَرَضٍ وَصِفَةٍ عَلَى حُدُوثِ جَوْهَرِهِ وَمَوْصُوفِهِ: لَا يَسْتَلْزِمُ أَنْ يَكُونَ كُلُّ عَرَضٍ وَصِفَةٍ دَلِيلًا عَلَى حُدُوثِ جَوْهَرِهِ وَمَوْصُوفِهِ؛ وَلَوْ لَزِمَ ذَلِكَ لَبَطَلَ قَوْلُهُمْ بِحُدُوثِ جَمِيعِ الْجَوَاهِرِ وَالْأَجْسَامِ لِدُخُولِ الْقَدِيمِ فِي هَذَا الْعُمُومِ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ؛ بَلْ بَطَلَ الْقَوْلُ بِإِمْكَانِ شَيْءٍ مِنْ الْجَوَاهِرِ وَالْأَجْسَامِ. فَقَدْ تَبَيَّنَ الْجَوَابُ مِنْ طَرِيقَيْنِ:
أَحَدُهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ: مِنْ جِهَةِ الْمُعَارَضَةِ وَالْإِلْزَامِ وَمِنْ جِهَةِ الْمُنَاقَضَةِ وَالْإِفْسَادِ. وَتَبَيَّنَ بِالْوَجْهَيْنِ أَنَّ هَذِهِ الشُّبْهَةَ فَاسِدَةٌ عَلَى أُصُولِ جَمِيعِ أَهْلِ الْأَرْضِ وَفَاسِدَةٌ فِي نَفْسِهَا لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ ثُبُوتِهَا نَفْيُهَا وَمَا لَزِمَ مِنْ ثُبُوتِهِ نَفْيُهُ كَانَ بَاطِلًا فِي نَفْسِهِ.
وَالطَّرِيقُ الثَّانِي: مِنْ جِهَةِ الْحَلِّ وَالْبَيَانِ كَمَا تَقَدَّمَ. وَأَمَّا الشُّبْهَةُ الثَّانِيَةُ - وَهِيَ شُبْهَةُ " التَّرْكِيبِ " وَهِيَ فَلْسَفِيَّةٌ مُعْتَزِلِيَّةٌ وَالْأُولَى مُعْتَزِلِيَّةٌ مَحْضَةٌ - فَإِنَّ الْمُعْتَزِلَةَ يَجْعَلُونَ أَخَصَّ وَصْفِهِ الْقَدِيمَ وَيُثْبِتُونَ حُدُوثَ مَا سِوَاهُ. وَالْفَلَاسِفَةُ يَجْعَلُونَ أَخَصَّ وَصْفِهِ وُجُوبَ وُجُودِهِ بِنَفْسِهِ وَإِمْكَانَ مَا سِوَاهُ فَإِنَّهُمْ لَا يُقِرُّونَ بِالْحُدُوثِ عَنْ عَدَمٍ وَيَجْعَلُونَ " التَّرْكِيبَ " الَّذِي ذَكَرُوهُ مُوجِبًا لِلِافْتِقَارِ الْمَانِعِ مِنْ كَوْنِهِ وَاجِبًا بِنَفْسِهِ.
(6/344)

فَالْجَوَابُ عَنْهَا أَيْضًا مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: مُشْتَمِلٌ عَلَى فَنَّيْنِ: الْمُعَارَضَةِ وَالْمُنَاقَضَةِ وَالثَّانِي الْحَلُّ.
أَمَّا الْأَوَّلُ: فَإِنَّهُمْ يُثْبِتُونَهُ عَالِمًا قَادِرًا وَيُثْبِتُونَهُ وَاجِبًا بِنَفْسِهِ فَاعِلًا لِغَيْرِهِ وَمَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ أَنَّ مَفْهُومَ كَوْنِهِ عَالِمًا غَيْرُ مَفْهُومِ الْفِعْلِ لِغَيْرِهِ؛ فَإِنْ كَانَتْ ذَاتُهُ مُرَكَّبَةً مِنْ هَذِهِ الْمَعَانِي لَزِمَ " التَّرْكِيبُ " الَّذِي ادَّعَوْهُ؛ وَإِنْ كَانَتْ عَرَضِيَّةً لَزِمَ " الِافْتِقَارُ " الَّذِي ادَّعَوْهُ. وَبِالْجُمْلَةِ فَمَا قَالُوهُ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ: فَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ؛ فِي الْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ. وَأَمَّا " الْمُنَاقَضَةُ ": فَإِنْ كَانَ الْوَاجِبُ بِنَفْسِهِ لَا يَتَمَيَّزُ عَنْ غَيْرِهِ بِصِفَةِ ثُبُوتِيَّةٍ فَلَا وَاجِبَ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا لَمْ يَلْزَمْ مِنْ التَّرْكِيبِ مُحَالٌ؛ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ إنَّمَا نَفَوْا الْمَعَانِيَ لِاسْتِلْزَامِهَا ثُبُوتَ " التَّرْكِيبِ " الْمُسْتَلْزِمِ لِنَفْيِ الْوُجُوبِ وَهَذَا تَنَاقُضٌ؛ فَإِنَّ نَفْيَ الْمَعَانِي مُسْتَلْزِمٌ لِنَفْيِ الْوُجُوبِ؛ فَكَيْفَ يَنْفُونَهَا لِثُبُوتِهِ؟ وَذَلِكَ أَنَّ الْوَاجِبَ بِنَفْسِهِ حَقٌّ مَوْجُودٌ عَالِمٌ قَادِرٌ فَاعِلٌ؛ وَالْمُمْكِنُ قَدْ يَكُونُ مَوْجُودًا عَالِمًا قَادِرًا فَاعِلًا. وَلَيْسَتْ الْمُشَارَكَةُ فِي مُجَرَّدِ اللَّفْظِ؛ بَلْ فِي مَعَانٍ مَعْقُولَةٍ مَعْلُومَةٍ بِالِاضْطِرَارِ. فَإِنْ كَانَ مَا بِهِ الِاشْتِرَاكُ مُسْتَلْزِمًا لِمَا بِهِ الِامْتِيَازُ: فَقَدْ صَارَ الْوَاجِبُ مُمْكِنًا وَالْمُمْكِنُ وَاجِبًا؛ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَلْزِمًا: فَقَدْ صَارَ لِلْوَاجِبِ مَا يَتَمَيَّزُ بِهِ عَنْ
(6/345)

الْمُمْكِنِ غَيْرُ هَذِهِ الْمَعَانِي الْمُشْتَرَكَةِ؛ فَصَارَ فِيهِ جِهَةُ اشْتِرَاكٍ وَجِهَةُ امْتِيَازٍ؛ وَهَذَا عِنْدَهُمْ " تَرْكِيبٌ " مُمْتَنِعٌ. فَإِنْ كَانَ هَذَا التَّرْكِيبُ مُسْتَلْزِمًا لِنَفْيِ الْوَاجِبِ فَقَدْ صَارَ ثُبُوتُ الْوَاجِبِ بِنَفْسِهِ مُسْتَلْزِمًا لِنَفْيِهِ؛ وَهَذَا مُتَنَاقِضٌ. فَثَبَتَ بِهَذَا " الْبُرْهَانِ الْبَاهِرِ " أَنَّ هَذِهِ الْحُجَّةَ مُتَنَاقِضَةٌ فِي نَفْسِهَا كَمَا ثَبَتَ أَنَّهَا مُعَارَضَةٌ عَلَى أُصُولِهِمْ لِمَا أَثْبَتُوهُ. وَأَمَّا الْجَوَابُ الَّذِي هُوَ الْحَلُّ. فَنَقُولُ: " التَّرْكِيبُ " الْمَعْقُولُ فِي عَقْلِ بَنِي آدَمَ وَلُغَةِ الْآدَمِيِّينَ هُوَ تَرْكِيبُ الْمَوْجُودِ مِنْ أَجْزَائِهِ الَّتِي يَتَمَيَّزُ بَعْضُهَا عَنْ بَعْضٍ وَهُوَ تَرْكِيبُ الْجِسْمِ مِنْ أَجْزَائِهِ كَتَرْكِيبِ الْإِنْسَانِ مِنْ أَعْضَائِهِ وَأَخْلَاطِهِ وَتَرْكِيبِ الثَّوْبِ مِنْ أَجْزَائِهِ وَتَرْكِيبِ الشَّرَابِ مِنْ أَجْزَائِهِ؛ وَسَوَاءٌ كَانَ أَحَدُ الْجُزْأَيْنِ مُنْفَصِلًا عَنْ الْآخَرِ كَانْفِصَالِ الْيَدِ عَنْ الرِّجْلِ أَوْ شَائِعًا فِيهِ كَشِيَاعِ الْمَرَّةِ فِي الدَّمِ وَالْمَاءِ فِي اللَّبَنِ. وَأَمَّا مَا يَذْكُرُهُ " الْمَنْطِقِيُّونَ " مِنْ تَرْكِيبِ الْأَنْوَاعِ مِنْ الْجِنْسِ وَالْفَصْلِ: كَتَرْكِيبِ الْإِنْسَانِ مِنْ حَيَوَانٍ وَنَاطِقٍ وَهُوَ الْمُرَكَّبُ مِمَّا بِهِ الِاشْتِرَاكُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَائِرِ الْأَنْوَاعِ وَمِمَّا بِهِ امْتِيَازُهُ عَنْ غَيْرِهِ مِنْ الْأَنْوَاعِ وَتَقْسِيمُهُمْ الصِّفَاتِ إلَى " ذَاتِيٍّ " تَتَرَكَّبُ مِنْهُ الْحَقَائِقُ وَهُوَ الْجِنْسُ وَالْفَصْلُ؛ وَإِلَى " عَرَضِيٍّ " وَهُوَ الْعَرَضُ الْعَامُّ وَالْخَاصَّةُ. ثُمَّ الْحَقِيقَةُ الْمُؤَلَّفَةُ مِنْ الْمُشْتَرَكِ وَالْمُمَيَّزِ: هِيَ " النَّوْعُ ". فَنَقُولُ: هَذَا " التَّرْكِيبُ " أَمْرٌ اعْتِبَارِيٌّ ذِهْنِيٌّ لَيْسَ لَهُ وُجُودٌ فِي الْخَارِجِ؛ كَمَا أَنَّ " ذَاتَ النَّوْعِ " مِنْ حَيْثُ هِيَ عَامَّةٌ لَيْسَ لَهَا ثُبُوتٌ فِي الْخَارِجِ بَلْ نَفْسُ
(6/346)

الْحَقَائِقِ الْخَارِجَةِ لَيْسَ فِيهَا عُمُومٌ خَارِجِيٌّ وَلَا تَرْكِيبٌ خَارِجِيٌّ كَمَا قُلْنَا فِي مَسْأَلَةِ " الْمَعْدُومِ ":