Advertisement

مجموع الفتاوى 012

الْجُزْءُ الْثَّانِي عَشَرَ
كِتَابُ الْقُرْآنِ كَلَامُ اللَّهِ حَقِيقَةً
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَحْدَهُ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنْ لَا نَبِيَّ بَعْدَهُ.
قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَد بْنُ تَيْمِيَّة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ؛ أَرْسَلَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاَللَّهِ شَهِيدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا.
(12/5)

قَاعِدَةٌ فِي الْقُرْآنِ وَكَلَامِ اللَّهِ
فَإِنَّ الْأُمَّةَ اضْطَرَبَتْ فِي هَذَا اضْطِرَابًا عَظِيمًا وَتَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا بِالظُّنُونِ وَالْأَهْوَاءِ بَعْدَ مُضِيِّ الْقُرُونِ الثَّلَاثَةِ لَمَّا حَدَثَتْ فِيهِمْ الْجَهْمِيَّة الْمُشْتَقَّةُ مِنْ الصَّابِئَةِ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ} وَقَالَ تَعَالَى: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ} وَالِاخْتِلَافُ " نَوْعَانِ ": اخْتِلَافٌ فِي تَنْزِيلِهِ وَاخْتِلَافٌ فِي تَأْوِيلِهِ. وَالْمُخْتَلِفُونَ الَّذِينَ ذَمَّهُمْ اللَّهُ هُمْ الْمُخْتَلِفُونَ فِي الْحَقِّ بِأَنْ يُنْكِرَ هَؤُلَاءِ الْحَقَّ الَّذِي مَعَ هَؤُلَاءِ أَوْ بِالْعَكْسِ. فَإِنَّ الْوَاجِبَ الْإِيمَانُ بِجَمِيعِ الْحَقِّ الْمُنَزَّلِ. فَأَمَّا مَنْ آمَنَ بِذَلِكَ وَكَفَرَ بِهِ غَيْرُهُ فَهَذَا اخْتِلَافٌ يُذَمُّ فِيهِ أَحَدُ الصِّنْفَيْنِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ} إلَى قَوْلِهِ:
(12/6)

{وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ} وَالِاخْتِلَافُ فِي تَنْزِيلِهِ أَعْظَمُ وَهُوَ الَّذِي قَصَدْنَا هُنَا فَنَقُولُ: " الِاخْتِلَافُ فِي تَنْزِيلِهِ " هُوَ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْكَافِرِينَ فَإِنَّ الْمُؤْمِنِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ وَالْكَافِرُونَ كَفَرُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلَ اللَّهُ بِهِ رُسُلَهُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ فَالْمُؤْمِنُونَ بِجِنْسِ الْكِتَابِ وَالرُّسُلِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ يُؤْمِنُونَ بِذَلِكَ وَالْكَافِرُونَ بِجِنْسِ الْكِتَابِ وَالرُّسُلِ مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَالْمَجُوسِ وَالصَّابِئِينَ يَكْفُرُونَ بِذَلِكَ. وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَ الرُّسُلَ إلَى النَّاسِ لِتُبَلِّغَهُمْ كَلَامَ اللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَهُ إلَيْهِمْ فَمَنْ آمَنَ بِالرُّسُلِ آمَنَ بِمَا بَلَّغُوهُ عَنْ اللَّهِ وَمَنْ كَذَّبَ بِالرُّسُلِ كَذَّبَ بِذَلِكَ. فَالْإِيمَانُ بِكَلَامِ اللَّهِ دَاخِلٌ فِي الْإِيمَانِ بِرِسَالَةِ اللَّهِ إلَى عِبَادِهِ وَالْكُفْرُ بِذَلِكَ هُوَ الْكُفْرُ بِهَذَا فَتَدَبَّرْ هَذَا الْأَصْلَ فَإِنَّهُ فُرْقَانُ هَذَا الِاشْتِبَاهِ؛ وَلِهَذَا كَانَ مَنْ يَكْفُرُ بِالرُّسُلِ: تَارَةً يَكْفُرُ بِأَنَّ اللَّهَ لَهُ كَلَامٌ أَنْزَلَهُ عَلَى بَشَرٍ كَمَا أَنَّهُ قَدْ يَكْفُرُ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ: مِثْلُ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ} الْآيَةَ وَقَالَ تَعَالَى عَنْ نُوحٍ وَهُودٍ: {أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ} وَقَالَ {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ} إلَى آخِرِ الْكَلَامِ،
(12/7)

فَإِنَّ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ تَقْرِيرَ قَوَاعِدَ وَقَالَ عَنْ الْوَحِيدِ: {إنْ هَذَا إلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ} . وَلِهَذَا كَانَ أَصْلُ " الْإِيمَانِ " الْإِيمَانَ بِمَا أَنْزَلَهُ. قَالَ تَعَالَى: {الم} {ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ} إلَى قَوْلِهِ: {وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ} وَفِي وَسَطِ السُّورَةِ: {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إلَى إبْرَاهِيمَ} الْآيَةَ. وَفِي آخِرِهَا: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ} الْآيَتَيْنِ. وَفِي السُّورَةِ الَّتِي تَلِيهَا: {الم} {اللَّهُ لَا إلَهَ إلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} {نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ} {مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ} . وَذَكَرَ فِي أَثْنَاءِ السُّورَةِ الْإِيمَانَ بِمَا أُنْزِلَ وَكَذَلِكَ فِي آخِرِهَا: {رَبَّنَا إنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا} إلَى قَوْلِهِ: {وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إلَيْهِمْ} الْآيَةَ. وَلِهَذَا عَظُمَ تَقْرِيرُ هَذَا الْأَصْلِ فِي الْقُرْآنِ. فَتَارَةً يَفْتَتِحُ بِهِ السُّورَةَ إمَّا إخْبَارًا كَقَوْلِهِ: {ذَلِكَ الْكِتَابُ} وَقَوْلِهِ. {الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ} وَقَوْلِهِ: {الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ} الْآيَةَ. وَكَذَلِكَ الْ " طس " وَاَلْ " حم ". فَعَامَّةُ الْ " الم " وَاَلْ " الر " وَاَلْ " طس " وَاَلْ " حم " كَذَلِكَ.
(12/8)

وَإِمَّا ثَنَاءً بِإِنْزَالِهِ كَقَوْلِهِ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا} {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ} الْآيَةَ. وَأَمَّا فِي أَثْنَاءِ السُّورِ فَكَثِيرٌ جِدًّا وَثَنَّى قِصَّةَ مُوسَى مَعَ فِرْعَوْنَ؛ لِأَنَّهُمَا فِي طَرَفَيْ نَقِيضٍ فِي الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ فَإِنَّ فِرْعَوْنَ فِي غَايَةِ الْكُفْرِ وَالْبَاطِلِ حَيْثُ كَفَرَ بِالرُّبُوبِيَّةِ وَبِالرِّسَالَةِ وَمُوسَى فِي غَايَةِ الْحَقِّ وَالْإِيمَانِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ اللَّهَ كَلَّمَهُ تَكْلِيمًا لَمْ يَجْعَلْ اللَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ وَاسِطَةً مِنْ خَلْقِهِ فَهُوَ مُثْبِتٌ لِكَمَالِ الرِّسَالَةِ وَكَمَالِ التَّكَلُّمِ وَمُثْبِتٌ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ بِمَا اسْتَحَقَّهُ مِنْ النُّعُوتِ وَهَذَا بِخِلَافِ أَكْثَرِ الْأَنْبِيَاءِ مَعَ الْكُفَّارِ فَإِنَّ الْكُفَّارَ أَكْثَرُهُمْ لَا يَجْحَدُونَ وُجُودَ اللَّهِ وَلَمْ يَكُنْ أَيْضًا لِلرُّسُلِ مِنْ التَّكْلِيمِ مَا لِمُوسَى؛ فَصَارَتْ قِصَّةُ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ أَعْظَمَ الْقِصَصِ وَأَعْظَمُهَا اعْتِبَارًا لِأَهْلِ الْإِيمَانِ وَلِأَهْلِ الْكُفْرِ؛ وَلِهَذَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُصُّ عَلَى أُمَّتِهِ عَامَّةَ لَيْلِهِ عَنْ بَنِي إسْرَائِيلَ وَكَانَ يَتَأَسَّى بِمُوسَى فِي أُمُورٍ كَثِيرَةٍ وَلَمَّا بُشِّرَ بِقَتْلِ أَبِي جَهْلٍ يَوْمَ بَدْرٍ قَالَ هَذَا فِرْعَوْنُ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَكَانَ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ مِنْ الصَّابِئَةِ الْمُشْرِكِينَ الْكُفَّارِ؛ وَلِهَذَا كَانَ يَعْبُدُ آلِهَةً مِنْ دُونِ اللَّهِ كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: {وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ} وَإِنْ كَانَ عَالِمًا بِمَا جَاءَ بِهِ مُوسَى مُسْتَيْقِنًا لَهُ لَكِنَّهُ كَانَ جَاحِدًا مَثْبُورًا كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ بِذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: {فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ} {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا} الْآيَةَ. وَقَالَ تَعَالَى:
(12/9)

{وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ} إلَى قَوْلِهِ: {لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ} الْآيَةَ. وَالْكُفَّارُ بِالرُّسُلِ مِنْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ لُوطٍ وَشُعَيْبٍ وَقَوْمِ إبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَمُشْرِكِي الْعَرَبِ وَالْهِنْدِ وَالرُّومِ وَالْبَرْبَرِ وَالتُّرْكِ وَالْيُونَانِ والكشدانيين وَسَائِرِ الْأُمَمِ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُسْتَأْخِرِين يَتَّبِعُونَ ظُنُونَهُمْ وَأَهْوَاءَهُمْ وَيُعْرِضُونَ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ الَّذِي آتَاهُمْ مِنْ عِنْدِهِ كَمَا قَالَ لَهُمْ لَمَّا أُهْبِطَ آدَمَ مِنْ الْجَنَّةِ {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} {وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ: {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى} {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا} الْآيَةَ. وَفِي أُخْرَى {إمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي} . ثُمَّ إنَّهُمْ مَعَ أَنَّهُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهَ بِمَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ سُلْطَانٍ {إنْ يَتَّبِعُونَ إلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ} يَزْعُمُونَ أَنَّ لَهُمْ الْعَقْلَ وَالرَّأْيَ وَالْقِيَاسَ الْعَقْلِيَّ وَالْأَمْثَالَ الْمَضْرُوبَةَ وَيُسَمُّونَ أَنْفُسَهُمْ الْحُكَمَاءَ وَالْفَلَاسِفَةَ وَيَدَّعُونَ الْجَدَلَ وَالْكَلَامَ وَالْقُوَّةَ وَالسُّلْطَانَ وَالْمَالَ وَيَصِفُونَ أَتْبَاعَ الْمُرْسَلِينَ بِأَنَّهُمْ سُفَهَاءُ وَأَرَاذِلُ وَضُلَّالٌ وَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:
(12/10)

{فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} وَقَالَ: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ} وَقَالَ تَعَالَى: {إنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ} إلَى قَوْلِهِ {وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ} وَقَالَ تَعَالَى عَنْ قَوْمِ نُوحٍ: {أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ} وَقَالُوا: {وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ} وَقَالَ: {زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا} وَقَالَ: {وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ} بَلْ هُمْ يَصِفُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِالْجُنُونِ وَالسَّفَهِ وَالضَّلَالِ وَغَيْرِ ذَلِكَ كَمَا قَالُوا عَنْ نُوحٍ: {مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ} وَقَالُوا: {إنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} وَلِهُودِ: {إنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ} .
فَصْلٌ:
وَ " الْإِيمَانُ بِالرُّسُلِ " يَجِبُ أَنْ يَكُونَ جَامِعًا عَامًّا مُؤْتَلِفًا لَا تَفْرِيقَ فِيهِ وَلَا تَبْعِيضَ وَلَا اخْتِلَافَ؛ بِأَنْ يُؤْمِنَ بِجَمِيعِ الرُّسُلِ وَبِجَمِيعِ مَا أُنْزِلَ إلَيْهِمْ. فَمَنْ آمَنَ بِبَعْضِ الرُّسُلِ وَكَفَرَ بِبَعْضٍ أَوْ آمَنَ بِبَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَكَفَرَ بِبَعْضٍ فَهُوَ كَافِرٌ وَهَذَا حَالُ مَنْ بَدَّلَ وَكَفَرَ مِنْ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ؛ فَإِنَّ
(12/11)

هَؤُلَاءِ فِي أَصْلِهِمْ قَدْ يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَعْمَلُونَ صَالِحًا؛ فَأُولَئِكَ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: {إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} وَنَحْوُهُ فِي الْمَائِدَةِ. وَمِنْهُمْ مَنْ فَرَّقَ فَآمَنَ بِبَعْضٍ وَكَفَرَ بِبَعْضٍ كَمَا قَالَ تَعَالَى عَنْ الْيَهُودِ: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ} الْآيَاتِ وَقَالَ تَعَالَى: {إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا} {أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا} الْآيَةَ. وَقَالَ تَعَالَى: {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إلَى إبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ} الْآيَتَيْنِ وَقَالَ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ} وَقَالَ: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} . وَذَمَّ الَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا فِي الْكُتُبِ وَهُمْ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِبَعْضٍ دُونِ بَعْضٍ فَيَكُونُ مَعَ هَؤُلَاءِ بَعْضٌ وَمَعَ هَؤُلَاءِ بَعْضٌ كَقَوْلِهِ:
(12/12)

{وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ} وَقَوْلِهِ: {وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ} وَقَوْلِهِ: {وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ} وَقَالَ تَعَالَى: {إنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ}
فَصْلٌ:
التَّفْرِيقُ وَالتَّبْعِيضُ قَدْ يَكُونُ فِي الْقَدْرِ تَارَةً وَقَدْ يَكُونُ فِي الْوَصْفِ: إمَّا فِي الْكَمِّ وَإِمَّا فِي الْكَيْفِ كَمَا قَدْ يَكُونُ فِي التَّنْزِيلِ تَارَةً وَفِي التَّأْوِيلِ أُخْرَى؛ فَإِنَّ الْمَوْجُودَ لَهُ حَقِيقَةٌ مَوْصُوفَةٌ وَلَهُ مِقْدَارٌ مَحْدُودٌ فَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رُسُلِهِ قَدْ يَقَعُ التَّفْرِيقُ وَالتَّبْعِيضُ فِي قَدْرِهِ وَقَدْ يَقَعُ فِي وَصْفِهِ. فَالْأَوَّلُ مِثْلُ قَوْلِ الْيَهُودِ: نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُوسَى دُونَ مَا أُنْزِلَ عَلَى عِيسَى وَمُحَمَّدٍ. وَهَكَذَا النَّصَارَى فِي إيمَانِهِمْ بِالْمَسِيحِ دُونَ مُحَمَّدٍ. فَمَنْ آمَنَ بِبَعْضِ الرُّسُلِ وَالْكُتُبِ دُونَ بَعْضٍ فَقَدْ دَخَلَ فِي هَذَا؛ فَإِنَّهُ لَمْ يُؤْمِنْ بِجَمِيعِ الْمُنَزَّلِ وَكَذَلِكَ مَنْ كَانَ مِنْ الْمُنْتَسِبِينَ إلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ يُؤْمِنُ
(12/13)

بِبَعْضِ نُصُوصِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ دُونَ بَعْضٍ؛ فَإِنَّ الْبِدَعَ مُشْتَقَّةٌ مِنْ الْكُفْرِ. وَأَمَّا " الْوَصْفُ " فَمِثْلُ اخْتِلَافِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى فِي الْمَسِيحِ: هَؤُلَاءِ قَالُوا إنَّهُ عَبْدٌ مَخْلُوقٌ؛ لَكِنْ جَحَدُوا نُبُوَّتَهُ وَقَدَحُوا فِي نَسَبِهِ وَهَؤُلَاءِ أَقَرُّوا بِنُبُوَّتِهِ وَرِسَالَتِهِ؛ وَلَكِنْ قَالُوا هُوَ اللَّهُ فَاخْتَلَفَ الطَّائِفَتَانِ فِي وَصْفِهِ وَصَفَتْهُ كُلُّ طَائِفَةٍ بِحَقِّ وَبَاطِلٍ. وَمِثْلُ " الصَّابِئَةِ الْفَلَاسِفَةِ " الَّذِينَ يَصِفُونَ إنْزَالَ اللَّهِ عَلَى رُسُلِهِ بِوَصْفِ بَعْضُهُ حَقٌّ وَبَعْضُهُ بَاطِلٌ؛ مِثْلُ أَنْ يَقُولُوا: إنَّ الرُّسُلَ تَجِبُ طَاعَتُهُمْ وَيَجُوزُ أَنْ يُسَمَّى مَا أَتَوْا بِهِ كَلَامَ اللَّهِ؛ لَكِنَّهُ إنَّمَا أُنْزِلَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مِنْ الرُّوحِ الَّذِي هُوَ الْعَقْلُ الْفَعَّالُ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا لَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَهَكَذَا مَا يَنْزِلُ عَلَى قُلُوبِ غَيْرِهِمْ هُوَ أَيْضًا كَذَلِكَ وَلَيْسَ بِكَلَامِ اللَّهِ فِي الْحَقِيقَةِ وَإِنَّمَا هَذَا فِي الْحَقِيقَةِ كَلَامُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنَّهُ سُمِّيَ كَلَامَ اللَّهِ مَجَازًا. فَهَؤُلَاءِ أَيْضًا مُبَعِّضِينَ مُفَرِّقِينَ؛ حَيْثُ صَدَّقُوا بِبَعْضِ صِفَاتِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَبَعْضِ صِفَاتِ رُسُلِهِ دُونَ بَعْضٍ وَرُبَّمَا كَانَ مَا كَفَرُوا بِهِ مِنْ الصِّفَاتِ أَكْثَرَ مِمَّا آمَنُوا بِهِ كَمَا أَنَّ مَا كَفَرَ بِهِ الْيَهُودُ مِنْ الْكِتَابِ أَكْثَرُ وَأَعْظَمُ مِمَّا آمَنُوا بِهِ؛ لَكِنَّ هَؤُلَاءِ أَكْفَرُ مِنْ الْيَهُودِ مِنْ وَجْهٍ وَإِنْ كَانَ الْيَهُود أَكْفَرَ مِنْهُمْ مَنْ وَجْهٍ آخَرَ.
(12/14)

فَإِنَّ مَنْ كَانَ مِنْ هَؤُلَاءِ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا فَهُوَ كَافِرٌ مِنْ الْجِهَتَيْنِ وَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ لَا يُوجِبُ اتِّبَاعَ خَاتَمِ الرُّسُلِ بَلْ يُجَوِّزُ التَّدَيُّنَ بِالْيَهُودِيَّةِ والنصرانية فَهُوَ أَيْضًا كَافِرٌ مِنْ الْجِهَتَيْنِ فَقَدْ يَكُونُ أَحَدُهُمْ أَكْفَرَ مِنْ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى الْكَافِرِينَ بِمُحَمَّدِ وَالْقُرْآنِ وَقَدْ يَكُونُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى أَكْفَرَ مِمَّنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِأَكْثَرِ صِفَاتِ مَا بَعَثَ اللَّهُ بِهِ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَكِنَّهُمْ فِي الْأَصْلِ أَكْفَرُ مِنْ جِنْس الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى فَإِنَّ أُولَئِكَ مُقِرُّونَ فِي الْأَصْلِ بِكَمَالِ الرِّسَالَةِ وَالنُّبُوَّةِ وَهَؤُلَاءِ لَيْسُوا مُقِرِّينَ بِكَمَالِ الرِّسَالَةِ وَالنُّبُوَّةِ. كَمَا أَنَّ مَنْ كَانَ قَدِيمًا مُؤْمِنًا مِنْ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى صَالِحًا فَهُوَ أَفْضَلُ مِمَّنْ كَانَ مِنْهُمْ مُؤْمِنًا صَالِحًا وَكَذَلِكَ مَنْ كَانَ مِنْ الْمُنْتَسِبِينَ إلَى الْإِسْلَامِ مُؤْمِنًا بِبَعْضِ صِفَاتِ الْقُرْآنِ وَكَلَامِ اللَّهِ وَتَنْزِيلِهِ عَلَى رُسُلِهِ وَصِفَاتِ رُسُلِهِ دُونَ بَعْضٍ فَنِسْبَتُهُ إلَى هَؤُلَاءِ كَنِسْبَةِ مَنْ آمَنَ بِبَعْضِ نُصُوصِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ دُونَ بَعْضٍ إلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى. وَمِنْ هُنَا تَتَبَيَّنُ الضَّلَالَاتُ الْمُبْتَدَعَةُ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ حَيْثُ هِيَ مِنْ الْإِيمَانِ بِبَعْضِ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولَ دُونَ بَعْضٍ وَإِمَّا بِبَعْضِ صِفَاتِ التَّكْلِيم وَالرِّسَالَةِ وَالنُّبُوَّةِ دُونَ بَعْضٍ وَكِلَاهُمَا إمَّا فِي التَّنْزِيلِ وَإِمَّا فِي التَّأْوِيلِ.
(12/15)

فَصْلٌ:
وَالسَّبَبُ الَّذِي أَوْقَعَ هَؤُلَاءِ فِي الْكُفْرِ بِبَعْضِ مَا أَنْزَلَهُ هُوَ مِنْ جِنْسِ مَا أَوْقَعَ الْأَوَّلِينَ فِي الْكُفْرِ بِجَمِيعِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْمَوَاضِعِ فَإِنَّ مَنْ تَأَمَّلَ وَجَدَ شُبَهَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَمَنْ تَبِعَهُمْ مِنْ الصَّابِئِينَ فِي الْكُفْرِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هِيَ مِنْ جِنْسِ شُبَهِ الْمُشْرِكِينَ وَالْمَجُوسِ وَمَنْ مَعَهُمْ مِنْ الصَّابِئِينَ فِي الْكُفْرِ بِجِنْسِ الْكِتَابِ وَبِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رُسُلِهِ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْمَوَاضِعِ؛ فَإِنَّهُمْ يَعْتَرِضُونَ عَلَى آيَاتِهِ وَعَلَى الْكِتَابِ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ وَعَلَى الشَّرِيعَةِ الَّتِي بُعِثَ بِهَا وَعَلَى سِيرَتِهِ بِنَحْوِ مِمَّا اُعْتُرِضَ بِهِ عَلَى سَائِرِ الرُّسُلِ: مِثْلِ مُوسَى وَعِيسَى كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي جَمِيعِهِمْ: {مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ} {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ} إلَى قَوْلِهِ: {كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ} {الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا} وَفِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: {إنْ فِي صُدُورِهِمْ إلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ} إلَى قَوْلِهِ: {أَلَمْ تَرَ إلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ} {الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} .
(12/16)

هَذَا مَعَ أَنَّ السُّلْطَانَ الَّذِي أَيَّدَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ مِنْ أَنْوَاعِ الْحُجَجِ الْمُعْجِزَاتِ وَأَنْوَاعِ القدر الْبَاهِرَاتِ أَعْظَمُ مِمَّا أَيَّدَ بِهِ غَيْرَهُ وَنُبُوَّتُهُ هِيَ الَّتِي طَبَّقَ نُورُهَا مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا وَبِهِ ثَبَتَتْ نُبُوَّاتُ مَنْ تَقَدَّمَهُ وَتَبَيَّنَ الْحَقُّ مِنْ الْبَاطِلِ وَإِلَّا فَلَوْلَا رِسَالَتُهُ لَكَانَ النَّاسُ فِي ظُلُمَاتٍ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ وَأَمْرٍ مَرِيجٍ يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ: الْكِتَابِيُّونَ مِنْهُمْ وَالْأُمِّيُّونَ؛ وَلِهَذَا لَمَّا كَانَ مَا يُقَالُ لَهُ إلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِهِ: أَمَرَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِاسْتِشْهَادِ أَهْلِ الْكِتَابِ عَلَى مَثَلِ مَا جَاءَ بِهِ. وَهَذَا مِنْ بَعْضِ حِكْمَةِ إقْرَارِهِمْ بِالْجِزْيَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ} وَقَوْلِهِ: {كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ} وَقَوْلِهِ: {وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلِكَ إلَّا رِجَالًا نُوحِي إلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} {بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إلَيْهِمْ} وَفِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إلَّا رِجَالًا نُوحِي إلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} {وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ} الْآيَةَ. وَمِثْلُ قَوْلِهِ: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ} . وَجِمَاعُ شُبَهِ هَؤُلَاءِ الْكُفَّارِ: أَنَّهُمْ قَاسُوا الرَّسُولَ عَلَى مَنْ فَرَّقَ اللَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ وَكَفَرُوا بِفَضْلِ اللَّهِ الَّذِي اخْتَصَّ بِهِ رُسُلَهُ فَأُتُوا
(12/17)

مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ الْفَاسِدِ. وَلَا بُدَّ فِي الْقِيَاسِ مِنْ قَدْرٍ مُشْتَرِكٍ بَيْنَ الْمُشَبَّهِ وَالْمُشَبَّهِ بِهِ: مِثْلُ جِنْسِ الْوَحْي وَالتَّنْزِيلِ؛ فَإِنَّ الشَّيَاطِينَ يَنْزِلُونَ عَلَى أَوْلِيَائِهِمْ وَيُوحُونَ إلَيْهِمْ كَقَوْلِهِ: {وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ} وَقَالَ سُبْحَانَهُ: {هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ} {تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ} {يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ} . وَقَالَ تَعَالَى: فِي الْ " طس " وَقَدْ افْتَتَحَ كُلًّا مِنْهُنَّ بِقِصَّةِ مُوسَى وَتَكْلِيمِ اللَّهِ إيَّاهُ وَإِرْسَالِهِ إلَى فِرْعَوْنَ فَإِنَّهَا أَعْظَمُ الْقِصَصِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ فَقَالَ فِي سُورَةِ الشُّعَرَاءِ الْمُحْتَوِيَةِ عَلَى قِصَصِ الْمُرْسَلِينَ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ وَهِيَ " سَبْعٌ ": قِصَّةُ مُوسَى وَإِبْرَاهِيمَ وَنُوحٍ وَهُودٍ وَصَالِحٍ وَلُوطٍ وَشُعَيْبٍ ثُمَّ قَالَ عَنْ الْقُرْآنِ: {وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ} . {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ} إلَى قَوْلِهِ: {وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ} فَذَكَرَ الْفَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَنْ تَنَزَّلُ عَلَيْهِ الشَّيَاطِينُ مِنْ الْكُهَّانِ والمتنبئين وَنَحْوِهِمْ وَبَيْنَ الشُّعَرَاءِ؛ لِأَنَّ الْكَاهِنَ قَدْ يُخْبِرُ بِغَيْبِ بِكَلَامِ مَسْجُوعٍ وَالشَّاعِرُ أَيْضًا يَأْتِي بِكَلَامِ مَنْظُومٍ يُحَرِّكُ بِهِ النُّفُوسَ فَإِنَّ قَرِينَ الشَّيْطَانِ مَادَّتُهُ مِنْ الشَّيْطَانِ وَيُعِينُ الشَّيْطَانُ بِكَذِبِهِ وَفُجُورِهِ. وَالشَّاعِرُ مَادَّتُهُ مِنْ نَفْسِهِ وَرُبَّمَا أَعَانَهُ الشَّيْطَانُ. فَأَخْبَرَ أَنَّ الشَّيَاطِينَ إنَّمَا تَنَزَّلُ عَلَى مَنْ يُنَاسِبُهَا وَهُوَ: الْكَاذِبُ فِي قَوْلِهِ الْفَاجِرُ فِي عَمَلِهِ؛ بِخِلَافِ الصَّادِقِ الْبَرِّ وَأَنَّ الشُّعَرَاءَ إنَّمَا يُحَرِّكُونَ
(12/18)

النُّفُوسَ إلَى أَهْوَائِهَا فَيَتْبَعُهُمْ الْغَاوُونَ وَهُمْ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الْأَهْوَاءَ وَشَهَوَاتِ الْغَيِّ فَنَفَى كُلًّا مِنْهُمَا بِانْتِفَاءِ لَازِمِهِ وَبَيَّنَ مَا يَجْتَمِعُ فِيهِ شَيَاطِينُ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ.
فَصْلٌ:
إذَا تَبَيَّنَ هَذَا الْأَصْلُ ظَهَرَ بِهِ اشْتِقَاقُ الْبِدَعِ مِنْ الْكُفْرِ فَنَقُولُ: كَمَا أَنَّ الَّذِينَ أَثْنَى اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ الَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى كَانُوا مُسْلِمِينَ مُؤْمِنِينَ لَمْ يُبَدِّلُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا كَفَرُوا بِشَيْءِ مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ وَكَانَ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى صَارُوا كُفَّارًا مِنْ جِهَةِ تَبْدِيلِهِمْ لِمَا أَنْزَلَ اللَّه وَمِنْ جِهَةِ كُفْرِهِمْ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ فَكَذَلِكَ الصَّابِئَةُ صَارُوا كُفَّارًا مِنْ جِهَةِ تَبْدِيلِهِمْ لِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَمِنْ جِهَةِ كُفْرِهِمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَإِنْ كَانُوا مُنَافِقِينَ كَمَا قَدْ يُنَافِقُ الْيَهُودِيُّ وَالنَّصْرَانِيُّ. وَهَؤُلَاءِ هُمْ الْمُسْتَأْخِرُونَ مِنْ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ. وَذَلِكَ أَنَّ مُتَأَخِّرِي الصَّابِئِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا أَنَّ لِلَّهِ كَلَامًا أَوْ يَتَكَلَّمُ وَيَقُولُ أَوْ أَنَّهُ يُنْزِلُ مِنْ عِنْدِهِ كَلَامًا وَذِكْرًا عَلَى أَحَدٍ مِنْ الْبَشَرِ أَوْ أَنَّهُ يُكَلِّمُ أَحَدًا مِنْ الْبَشَرِ؛ بَلْ عِنْدَهُمْ لَا يُوصَفُ اللَّهُ بِصِفَةِ ثُبُوتِيَّةٍ لَا يَقُولُونَ: إنَّ لَهُ عِلْمًا وَلَا مَحَبَّةً وَلَا رَحْمَةً وَيُنْكِرُونَ أَنْ يَكُونَ
(12/19)

اللَّهُ اتَّخَذَ إبْرَاهِيمَ خَلِيلًا أَوْ كَلَّمَ مُوسَى تَكْلِيمًا وَإِنَّمَا يُوصَفُ عِنْدَهُمْ بِالسَّلْبِ وَالنَّفْيِ مِثْلِ قَوْلِهِمْ لَيْسَ بِجِسْمِ وَلَا جَوْهَرٍ وَلَا عَرَضٍ وَلَا دَاخِلَ الْعَالَمِ وَلَا خَارِجَهُ أَوْ بِإِضَافَةِ مِثْلِ كَوْنِهِ مَبْدَأً لِلْعَالَمِ أَوْ الْعِلَّةَ الْأُولَى، أَوْ بِصِفَةِ مُرَكَّبَةٍ مِنْ السَّلْبِ وَالْإِضَافَةِ؛ مِثْل كَوْنِهِ عَاقِلًا وَمَعْقُولًا وَعَقْلًا. وَعِنْدَهُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَخُصُّ مُوسَى بِالتَّكْلِيمِ دُونَ غَيْرِهِ وَلَا يَخُصُّ مُحَمَّدًا بِإِرْسَالِ دُونَ غَيْرِهِ فَإِنَّهُمْ لَا يُثْبِتُونَ لَهُ عِلْمًا مُفَصَّلًا لِلْمَعْلُومَاتِ فَضْلًا عَنْ إرَادَةٍ تَفْصِيلِيَّةٍ؛ بَلْ يُثْبِتُونَ - إذَا أَثْبَتُوا - لَهُ عِلْمًا جُمَلِيًّا كُلِّيًّا وَغَايَةً جُمَلِيَّةً كُلِّيَّةً وَمَنْ أَثْبَتَ النُّبُوَّةَ مِنْهُمْ قَالَ: إنَّهَا فَيْضٌ تَفِيضُ عَلَى نَفْسِ النَّبِيِّ مِنْ جِنْسِ مَا يَفِيضُ عَلَى سَائِرِ النُّفُوسِ؛ لَكِنَّ اسْتِعْدَادَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَكْمَلُ بِحَيْثُ يَعْلَمُ مَا لَا يَعْلَمُهُ غَيْرُهُ وَيَسْمَعُ مَا لَا يَسْمَعُ غَيْرُهُ وَيُبْصِرُ مَا لَا يُبْصِرُ غَيْرُهُ وَتَقْدِرُ نَفْسُهُ عَلَى مَا لَا تَقْدِرُ عَلَيْهِ نَفْسُ غَيْرِهِ. وَالْكَلَامُ الَّذِي تَقُولُهُ الْأَنْبِيَاءُ هُوَ كَلَامُهُمْ وَقَوْلُهُمْ وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَقُولُونَ عَنْ الْقُرْآنِ {إنْ هَذَا إلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ} فَإِنَّ " الْوَحِيدَ " الَّذِي هُوَ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ كَانَ مِنْ جِنْسِهِمْ؛ كَانَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ هُمْ صَابِئُونَ أَيْضًا فَإِنَّ الصَّابِئِينَ كَأَهْلِ الْكِتَابِ تَارَةً يَجْعَلُهُمْ اللَّهُ قِسْمًا مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَتَارَةً يَجْعَلُهُمْ اللَّهُ قَسِيمًا لَهُمْ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ}
(12/20)

{إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ} . وَكَذَلِكَ لَمَّا ذَكَرَ الْمِلَلَ السِّتَّ فِي الْحَجِّ فَقَالَ: {إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا} الْآيَةَ وَقَالَ تَعَالَى {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} الْآيَةَ وَهَذَا بَعْدَ قَوْلِهِ: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ} إلَى قَوْلِهِ: {وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} . وَقَالَ: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ} فَإِذَا كَانَ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى قَدْ يَكُونُونَ مُشْرِكِينَ فَالصَّابِئُونَ أَوْلَى وَذَلِكَ بَعْدَ تَبْدِيلِهِمْ فَحَيْثُ وُصِفُوا بِالشِّرْكِ فَبَعْدَ التَّبْدِيلِ وَحَيْثُ جُعِلُوا غَيْرَ مُشْرِكِينَ فَلِأَنَّ أَصْلَ دِينِهِمْ الصَّحِيحِ لَيْسَ فِيهِ شِرْكٌ فَالشِّرْكُ مُبْتَدَعٌ عِنْدَهُمْ؛ فَيَنْبَغِي التَّفَطُّنُ لِهَذِهِ الْمَعَانِي. وَكَانَ الْوَحِيدُ مِنْ ذَوِي الرَّأْيِ وَالْقِيَاسِ وَالتَّدْبِيرِ مِنْ الْعَرَبِ وَهُوَ مَعْدُودٌ مِنْ حُكَمَائِهِمْ وَفَلَاسِفَتِهِمْ. وَلِهَذَا أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُ بِمِثْلِ حَالِ الْمُتَفَلْسِفَةِ فِي قَوْلِهِ: {إنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ} {فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ} {ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ} {ثُمَّ نَظَرَ} {ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ} {ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ} {فَقَالَ إنْ هَذَا إلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ} {إنْ هَذَا إلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ} .
(12/21)

ثُمَّ إنَّ هَؤُلَاءِ فِيمَا تَقُولُهُ الْأَنْبِيَاءُ حَيَارَى مُتَهَوِّكُونَ؛ فَإِنَّهُ بَهَرَهُمْ نُورُ النُّبُوَّةِ وَلَمْ تَقَعْ عَلَى أُصُولِهِمْ الْفَاسِدَةِ فَصَارُوا عَلَى " أَنْحَاءَ ": مِنْهُمْ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِكَثِيرِ مِمَّا تَقُولُهُ الْأَنْبِيَاءُ وَالْمُرْسَلُونَ؛ بَلْ يُعْرِضُ عَنْهُ أَوْ يَشُكُّ فِيهِ أَوْ يُكَذِّبُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: يَجُوزُ الْكَذِبُ لِمَصْلَحَةِ رَاجِحَةٍ وَالْأَنْبِيَاءُ فَعَلُوا ذَلِكَ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: يَجُوزُ هَذَا لِصَالِحِ الْعَامَّةِ دُونَ الْخَاصَّةِ وَأَمْثَلُهُمْ مَنْ يَقُولُ: بَلْ هَذِهِ تَخَيُّلَاتٌ وَأَمْثِلَةٌ مَضْرُوبَةٌ لِتَقْرِيبِ الْحَقَائِقِ إلَى قُلُوبِ الْعَامَّةِ وَهَذِهِ طَرِيقَةُ الْفَارَابِيِّ وَابْنِ سِينَا؛ لَكِنْ ابْنُ سِينَا أَقْرَبُ إلَى الْإِيمَانِ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُؤْمِنًا. فَمَنْ أَدْرَكَتْهُ رِسَالَةُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَهَرَتْهُ بَرَاهِينُهَا وَأَنْوَارُهَا وَرَأَى مَا فِيهَا مِنْ أَصْنَافِ الْعُلُومِ النَّافِعَةِ وَالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ - حَتَّى قَالَ ابْنُ سِينَا: اتَّفَقَ فَلَاسِفَةُ الْعَالَمِ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَطْرُقْ الْعَالَمَ نَامُوسٌ أَفْضَلُ مِنْ هَذَا النَّامُوسِ - فَلَا بُدَّ أَنْ يَتَأَوَّلَ نُصُوصَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ عَلَى عَادَةِ إخْوَانِهِ فِي تَحْرِيفِ الْكَلِمِ عَنْ مَوَاضِعِهِ فَيُحَرِّفُونَ مَا أَخْبَرَتْ بِهِ الرُّسُلُ عَنْ كَلَامِ اللَّهِ؛ تَحْرِيفًا يَصِيرُونَ بِهِ كُفَّارًا بِبَعْضِ تَأْوِيلِ الْكِتَابِ فِي بَعْضِ صِفَاتِ تَنْزِيلِهِ. فَلَمَّا رَأَوْا أَنَّ الرُّسُلَ سَمَّتْ هَذَا الْكَلَامَ كَلَامَ اللَّهِ وَأَخْبَرَتْ أَنَّهُ نَزَلَتْ بِهِ مَلَائِكَةُ اللَّهِ مِثْلُ الرُّوحِ الْأَمِينِ جِبْرِيلُ أَطْلَقَتْ هَذِهِ
(12/22)

الْعِبَارَةَ فِي الظَّاهِرِ وَكَفَرَتْ بِمَعْنَاهَا فِي الْبَاطِنِ وَرَدُّوهَا إلَى أَصْلِهِمْ أَصْلِ الصَّابِئِينَ وَصَارُوا مُنَافِقِينَ فِي الْمُسْلِمِينَ وَفِي غَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْمِلَلِ. فَيَقُولُونَ: هَذَا الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ وَهَذَا الَّذِي جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ كَلَامُ اللَّهِ وَلَكِنَّ الْمَعْنَى أَنَّهُ فَاضَ عَلَى نَفْسِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْعَقْلِ الْفَعَّالِ وَرُبَّمَا قَالُوا إنَّ الْعَقْلَ هُوَ جِبْرِيلُ الَّذِي لَيْسَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينِ أَيْ بَخِيلٍ؛ لِأَنَّهُ فَيَّاضٌ. وَيَقُولُونَ إنَّ اللَّهَ كَلَّمَ مُوسَى مِنْ سَمَاءِ عَقْلِهِ وَإِنَّ أَهْلَ الرِّيَاضَةِ وَالصَّفَا يَصِلُونَ إلَى أَنْ يَسْمَعُوا مَا سَمِعَهُ مُوسَى كَمَا سَمِعَهُ مُوسَى. وَقَدْ ضَلَّ بِكَلَامِهِ كَثِيرٌ مِنْ الْمَشْهُورِينَ مِثْلُ أَبِي حَامِدٍ الْغَزَالِيِّ ذَكَرَ هَذَا الْمَعْنَى فِي بَعْضِ كُتُبِهِ وَصَنَّفُوا " رَسَائِلَ إخْوَانِ الصَّفَا " وَغَيْرِهَا وَجَمَعُوا فِيهَا عَلَى زَعْمِهِمْ بَيْنَ مَقَالَاتِ الصَّابِئَةِ الْمُتَأَخِّرِينَ الَّتِي هِيَ الْفَلْسَفَةُ الْمُبْتَدَعَةُ وَبَيْنَ مَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ عَنْ اللَّهِ فَأَتَوْا بِمَا زَعَمُوا أَنَّهُ مَعْقُولٌ وَلَا دَلِيلَ عَلَى كَثِيرٍ مِنْهُ وَرُبَّمَا ذَكَرُوا أَنَّهُ مَنْقُولٌ. وَفِيهِ مِنْ الْكَذِبِ وَالتَّحْرِيفِ أَمْرٌ عَظِيمٌ وَإِنَّمَا يُضِلُّونَ بِهِ كَثِيرًا بِمَا فِيهِ مِنْ الْأُمُورِ الطَّبِيعِيَّةِ وَالرِّيَاضِيَّةِ الَّتِي لَا تَعَلُّقَ لَهَا بِأَمْرِ النُّبُوَّاتِ وَالرِّسَالَةِ لَا بِنَفْيٍ وَلَا بِإِثْبَاتِ وَلَكِنْ يُنْتَفَعُ بِهَا فِي مَصَالِحِ الدُّنْيَا: كَالصِّنَاعَاتِ مِنْ الْحِرَاثَةِ وَالْحِيَاكَةِ وَالْبِنَايَةِ وَالْخِيَاطَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
(12/23)

فَإِذَا عُرِفَ أَنَّ حَقِيقَةَ قَوْلِ هَؤُلَاءِ المشركية الصَّابِئَةِ أَنَّ الْقُرْآنَ قَوْلُ الْبَشَرِ كَغَيْرِهِ لَكِنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهِ كَمَا أَنَّ بَعْضَ الْبَشَرِ أَفْضَلُ مِنْ بَعْضٍ وَأَنَّهُ فَاضَ عَلَى نَفْسِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْمَحَلِّ الْأَعْلَى كَمَا تَفِيضُ سَائِرُ الْعُلُومِ وَالْمَعَارِفِ عَلَى نُفُوسِ أَهْلِهَا فَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ كَثُرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ الْمُظْهِرِينَ لِلْإِسْلَامِ وَهُمْ مُنَافِقُونَ وَزَنَادِقَةٌ وَإِنْ ادَّعَوْا كَمَالَ الْمَعَارِفِ مِنْ الْمُتَفَلْسِفَةِ وَالْمُتَكَلِّمَةِ وَالْمُتَصَوِّفَةِ والمتفقهين حَتَّى يَقُولَ أَحَدُهُمْ - كالتلمساني - كَلَامُنَا يُوصِلُ إلَى اللَّهِ وَالْقُرْآنُ يُوصِلُ إلَى الْجَنَّةِ. وَقَدْ يَقُولُ بَعْضُهُمْ - كَابْنِ عَرَبِيٍّ - إنَّ الْوَلِيَّ يَأْخُذُ مِنْ حَيْثُ مَا يَأْخُذُ الْمَلَكُ الَّذِي يُوحِي إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَيَقُولُ كَثِيرٌ مِنْهُمْ إنَّ الْقُرْآنَ لِلْعَامَّةِ وَكَلَامُنَا لِلْخَاصَّةِ. فَهَؤُلَاءِ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ وَضَرَبُوا لَهُ الْأَمْثَالَ؛ مِثْلُ مَا فَعَلَ الْمُشْرِكُونَ قَبْلَهُمْ كَمَا فَعَلُوا بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَإِنَّ هَؤُلَاءِ مِنْهُمْ مَنْ يُفَضِّلُ الْوَلِيَّ الْكَامِلَ وَالْفَيْلَسُوفَ الْكَامِلَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمِنْهُمْ مَنْ يُفَضِّلُ بَعْضَ الْأَوْلِيَاءِ عَلَى زَعْمِهِ أَوْ بَعْضَ الْفَلَاسِفَةِ: - مِثْلَ نَفْسِهِ أَوْ شَيْخِهِ أَوْ مَتْبُوعِهِ - عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَرُبَّمَا قَالُوا هُوَ أَفْضَلُ مَنْ وَجْهٍ وَالنَّبِيُّ أَفْضَلُ مِنْ وَجْهٍ فَلَهُمْ مِنْ الْإِلْحَادِ وَالِافْتِرَاءِ فِي رُسُلِ اللَّهِ نَظِيرُ مَا لَهُمْ مِنْ الْإِلْحَادِ وَالِافْتِرَاءِ فِي رِسَالَاتِ اللَّهِ فَيَقِيسُونَ الْكَلَامَ الَّذِي بَلَّغَتْهُ الرُّسُلُ عَنْ اللَّهِ بِكَلَامِهِمْ وَيَقِيسُونَ رُسُلَ اللَّهِ بِأَنْفُسِهِمْ. وَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ حَالَ هَؤُلَاءِ فِي مِثْلِ قَوْلِهِ: {وَمَا قَدَرُوا
(12/24)

اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ} إلَى أَنْ قَالَ: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ} فَذَكَرَ اللَّهُ إنْزَالَ الْكِتَابَيْنِ الذين لَمْ يَنْزِلْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ كِتَابٌ أَهْدَى مِنْهُمَا - التَّوْرَاةُ وَالْقُرْآنُ - كَمَا جَمَعَ بَيْنَهُمَا فِي قَوْلِهِ: {قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ} {قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} وَكَذَلِكَ الْجِنُّ لَمَّا اسْتَمَعَتْ الْقُرْآنَ {قَالُوا يَا قَوْمَنَا إنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى} الْآيَةَ. وَقَالَ تَعَالَى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ} وَلِهَذَا قَالَ النَّجَاشِيُّ لَمَّا سَمِعَ الْقُرْآنَ: إنَّ هَذَا وَاَلَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى لَيَخْرُجُ مِنْ مِشْكَاةٍ وَاحِدَةٍ. ثُمَّ ذَكَرَ تَعَالَى حَالَ الْكَذَّابِ وَالْمُتَنَبِّئِ. فَقَالَ: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ} فَجَمَعَ فِي هَذَا بَيْنَ مَنْ أَضَافَ مَا يَفْتَرِيهِ إلَى اللَّهِ وَبَيْنَ مَنْ يَزْعُمُ أَنَّهُ يُوحَى إلَيْهِ وَلَا يُعَيِّنُ مَنْ أَوْحَاهُ فَإِنَّ الَّذِي يَدَّعِي الْوَحْيَ لَا يَخْرُجُ عَنْ هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ. وَيَدْخُلُ فِي " الْقِسْمِ الثَّانِي " مَنْ يُرِي عَيْنَيْهِ فِي الْمَنَامِ مَا لَا تَرَيَا
(12/25)

وَمَنْ يَقُولُ: أُلْقِيَ فِي قَلْبِي وَأُلْهِمْت وَنَحْوَ ذَلِكَ إذَا كَانَ كَاذِبًا. وَيَدْخُلُ فِي " الْقِسْمِ الْأَوَّلِ " مَنْ يَقُولُ: قَالَ اللَّهُ لِي أَوْ أَمَرَنِي اللَّهُ أَوْ وَافَقَنِي أَوْ قَالَ لِي وَنَحْوَ ذَلِكَ؛ بِخَيَالَاتِ أَوْ إلْهَامَاتٍ يَجِدُهَا فِي نَفْسِهِ وَلَا يَعْلَمُ أَنَّهَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ بَلْ قَدْ يَعْلَمُ أَنَّهَا مِنْ الشَّيْطَانِ مِثْلُ مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ وَنَحْوِهِ. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: {وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ} فَهَذِهِ حَالُ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْبَشَرَ يُمْكِنُهُمْ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ كَلَامِ اللَّهِ أَوْ أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ كَلَامُ الْبَشَرِ بِفَضِيلَةِ وَقُوَّةٍ مِنْ صَاحِبِهِ فَإِذَا اجْتَهَدَ الْمَرْءُ أَمْكَنَ أَنْ يَأْتِيَ بِمِثْلِهِ. وَهَذَا يَعُمُّ مَنْ قَالَ إنَّهُ يُمْكِنُ مُعَارَضَةُ الْقُرْآنِ كَابْنِ أَبِي سَرْحٍ فِي حَالِ رِدَّتِهِ وَطَائِفَةٍ مُتَفَرِّقِينَ مِنْ النَّاسِ وَيَعُمُّ الْمُتَفَلْسِفَةَ الصَّابِئَةَ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ؛ مِمَّنْ يَزْعُمُ أَنَّ رِسَالَةَ الْأَنْبِيَاءِ كَلَامٌ فَاضَ عَلَيْهِمْ قَدْ يَفِيضُ عَلَى غَيْرِهِمْ مِثْلُهُ فَيَكُونُ قَدْ أَنْزَلَ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِي دَعْوَى الرُّسُلِ؛ لِأَنَّ الْقَائِلَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَدْ يَقُولُهُ غَيْرَ مُعْتَقِدٍ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ شَيْئًا؛ وَقَدْ يَقُولُهُ مُعْتَقِدًا أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ شَيْئًا.
فَصْلٌ:
وَلِهَذَا كَانَ أَوَّلَ مَنْ أَظْهَرَ إنْكَارَ التَّكْلِيمِ وَالْمُخَالَّةِ الْجَعْدُ بْنُ دِرْهَمٍ " فِي أَوَائِلِ الْمِائَةِ الثَّانِيَةِ وَأَمَرَ عُلَمَاءُ الْإِسْلَامِ - كَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَغَيْرِهِ -
(12/26)

بِقَتْلِهِ؛ فَضَحَّى بِهِ خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيُّ أَمِيرُ الْعِرَاقِ بواسط. فَقَالَ أَيُّهَا النَّاسُ ضَحُّوا تَقَبَّلَ اللَّهُ ضَحَايَاكُمْ فَإِنِّي مُضَحٍّ بِالْجَعْدِ بْنِ دِرْهَمٍ فَإِنَّهُ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَتَّخِذْ إبْرَاهِيمَ خَلِيلًا وَلَمْ يُكَلِّمْ مُوسَى تَكْلِيمًا تَعَالَى اللَّه عَمَّا يَقُولُ الْجَعْدُ عُلُوًّا كَبِيرًا. ثُمَّ نَزَلَ فَذَبَحَهُ. وَأَخَذَ ذَلِكَ عَنْهُ الْجَهْمُ بْنُ صَفْوَانَ فَأَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ يَتَكَلَّمُ ثُمَّ نَافَقَ الْمُسْلِمِينَ فَأَقَرَّ بِلَفْظِ الْكَلَامِ وَقَالَ: كَلَامُهُ يُخْلَقُ فِي مَحَلٍّ كَالْهَوَاءِ وَوَرَقِ الشَّجَرِ. وَدَخَلَ بَعْضُ أَهْلِ الْكَلَامِ وَالْجَدَلِ مِنْ الْمُنْتَسِبِينَ إلَى الْإِسْلَامِ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ وَنَحْوِهِمْ إلَى بَعْضِ مَقَالَةِ الصَّائِبَةِ وَالْمُشْرِكِينَ مُتَابَعَةً لِلْجَعْدِ وَالْجَهْمِ. وَكَانَ مَبْدَأُ ذَلِكَ أَنَّ الصَّابِئَةَ فِي " الْخَلْقِ " عَلَى قَوْلَيْنِ: مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ إنَّ السَّمَوَاتِ مَخْلُوقَةٌ بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُنْ كَمَا أَخْبَرَتْ بِذَلِكَ الرُّسُلُ وَكُتُبُ اللَّهِ تَعَالَى وَمِنْهُمْ مَنْ ابْتَدَعَ فَقَالَ: بَلْ هِيَ قَدِيمَةٌ أَزَلِيَّةٌ لَمْ تَزَلْ مَوْجُودَةً بِوُجُودِ الْأَوَّلِ وَاجِبِ الْوُجُودِ بِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ قَدْ يُنْكِرُ الصَّانِعَ بِالْكُلِّيَّةِ وَلَهُمْ مَقَالَاتٌ كَثِيرَةُ الِاضْطِرَابِ فِي الْخَلْقِ وَالْبَعْثِ وَالْمَبْدَأِ وَالْمَعَادِ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا مُعْتَصِمِينَ بِحَبْلِ اللَّهِ تَعَالَى فَيَجْمَعُهُمْ وَالظُّنُونُ لَا تَجْمَعُ النَّاسَ فِي مِثْل هَذِهِ الْأُمُورِ الَّتِي تَعْجِزُ الْآرَاءُ عَنْ إدْرَاكِ حَقَائِقِهَا إلَّا بِوَحْيٍ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى. وَهُمْ إنَّمَا يُنَاظِرُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِالْقِيَاسِ الْمَأْخُوذِ مُقَدِّمَاتُهُ مِنْ الْأُمُورِ الطَّبِيعِيَّةِ السُّفْلِيَّةِ وَقُوَى الطَّبَائِعِ الْمَوْجُودَةِ فِي التُّرَابِ وَالْمَاءِ وَالْهَوَاءِ
(12/27)

وَالْحَيَوَانِ وَالْمَعْدِنِ وَالنَّبَاتِ وَيُرِيدُونَ بِهَذِهِ الْمُقَدِّمَاتِ السُّفْلِيَّةِ أَنْ يَنَالُوا مَعْرِفَةَ اللَّهِ وَعِلْمَ مَا فَوْقَ السَّمَوَاتِ وَأَوَّلَ الْأَمْرِ وَآخِرَهُ؛ وَهَذَا غَلَطٌ بَيِّنٌ اعْتَرَفَ بِهِ أَسَاطِينُهُمْ بِأَنَّ هَذَا غَيْرُ مُمْكِنٍ وَأَنَّهُمْ لَا سَبِيلَ لَهُمْ إلَى إدْرَاكِ الْيَقِينِ وَأَنَّهُمْ إنْ يَتَّبِعُونَ إلَّا الظَّنَّ. فَلَمَّا كَانَ هَذَا حَالَ هَذِهِ الصَّابِئَةِ الْمُبْتَدِعَةِ الضَّالَّةِ وَمَنْ أَضَلُّوهُ مِنْ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَكَانَ قَدْ اتَّصَلَ كَلَامُهُمْ بِبَعْضِ مَنْ لَمْ يُهْدَ بِهُدَى اللَّهِ الَّذِي بَعَثَ بِهِ رُسُلَهُ مَنْ أَهْلِ الْكَلَامِ وَالْجَدَلِ صَارُوا يُرِيدُونَ أَنْ يَأْخُذُوا مَأْخَذَهُمْ كَمَا أَخْبَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ: {لَتَأْخُذُنَّ مَأْخَذَ الْأُمَمِ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرِ وَذِرَاعًا بِذِرَاعِ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَارِسٌ وَالرُّومُ قَالَ: وَمَنْ النَّاسُ إلَّا فَارِسٌ وَالرُّومُ} فَاحْتَجُّوا عَلَى حُدُوثِ الْعَالِمِ بِنَحْوِ مِنْ مَسَالِكِ هَذِهِ الصَّابِئَةِ وَهُوَ الْكَلَامُ فِي الْأَجْسَامِ وَالْأَعْرَاضِ بِأَنْ تَثْبُتَ الْأَعْرَاضُ ثُمَّ يَثْبُتَ لُزُومُهَا لِلْأَجْسَامِ ثُمَّ حُدُوثُهَا ثُمَّ يُقَالُ: مَا لَا يَسْبِقُ الْحَوَادِثَ فَهُوَ حَادِثٌ وَاعْتَمَدَ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْجَدَلِ عَلَى هَذَا فِي إثْبَاتِ حُدُوثِ الْعَالَمِ فَلَمَّا رَأَوْا أَنَّ الْأَعْرَاضَ - الَّتِي هِيَ الصِّفَاتُ - تَدُلُّ عِنْدَهُمْ عَلَى حُدُوثِ الْمَوْصُوفِ الْحَامِلِ لِلْأَعْرَاضِ الْتَزَمُوا نَفْيَهَا عَنْ اللَّهِ؛ لِأَنَّ ثُبُوتَهَا مُسْتَلْزِمٌ حُدُوثَهُ. وَبُطْلَانَ دَلِيلِ حُدُوثِ الْعَالَمِ - الَّذِي اعْتَقَدُوا أَنْ لَا دَلِيلَ سِوَاهُ بَلْ رُبَّمَا اعْتَقَدُوا أَنَّهُ لَا يَصِحُّ إيمَانُ أَحَدٍ إلَّا بِهِ - مَعْلُومٌ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ.
(12/28)

وَهَؤُلَاءِ يُخَالِفُونَ " الصَّابِئَةَ الْفَلَاسِفَةَ " الَّذِينَ يَقُولُونَ بِقِدَمِ الْعَالَمِ وَبِأَنَّ النُّبُوَّةَ كَمَالٌ تَفِيضُ عَلَى نَفْسِ النَّبِيِّ؛ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ الْمُتَكَلِّمِينَ أَكْثَرُ حَقًّا وَأَتْبَعُ لِلْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ وَالسَّمْعِيَّةِ لِمَا تَنَوَّرَتْ بِهِ قُلُوبُهُمْ مِنْ نُورِ الْإِسْلَامِ وَالْقُرْآنِ وَإِنْ كَانُوا قَدْ ضَلُّوا فِي كَثِيرٍ مِمَّا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ؛ لَكِنْ هُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكَ مِنْ وُجُوهٍ أُخْرَى وَافَقُوا فِيهَا أَهْلَ السُّنَّةِ فَوَافَقُوا أُولَئِكَ عَلَى أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَتَكَلَّمْ كَمَا وَافَقُوهُمْ عَلَى أَنَّهُ لَا عِلْمَ لَهُ وَلَا قُدْرَةَ وَلَا صِفَةً مِنْ الصِّفَاتِ وَرَأَوْا أَنَّ إثْبَاتَهُ مُتَكَلِّمًا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ جِسْمًا وَالْجِسْمُ حَادِثٌ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الصِّفَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى حُدُوثِ الْمَوْصُوفِ بَلْ هُوَ عِنْدَهُمْ أَدَلُّ عَلَى حُدُوثِ الْمُتَكَلِّمِ مِنْ غَيْرِهِ؛ بَلْ اللَّهُ يَفْتَقِرُ مِنْ الْخَارِجِ إلَى مَا لَا يَفْتَقِرُ إلَيْهِ غَيْرُهُ؛ وَلِأَنَّ فِيهِ مِنْ التَّرْتِيبِ وَالتَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ مَا لَيْسَ فِي غَيْرِهِ وَلَمَّا رَأَوْا أَنَّ الرُّسُلَ اتَّفَقَتْ عَلَى أَنَّهُ مُتَكَلِّمٌ وَالْقُرْآنُ مَمْلُوءٌ بِإِثْبَاتِ ذَلِكَ صَارُوا تَارَةً يَقُولُونَ مُتَكَلِّمٌ مَجَازًا لَا حَقِيقَةً وَهَذَا قَوْلُهُمْ الْأَوَّلُ لَمَّا كَانُوا فِي بِدْعَتِهِمْ عَلَى الْفِطْرَةِ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلُوا فِي الْمُعَانَدَةِ وَالْجُحُودِ. ثُمَّ إنَّهُمْ رَأَوْا أَنَّ هَذَا شَنِيعًا فَقَالُوا بَلْ هُوَ مُتَكَلِّمٌ حَقِيقَةً وَرُبَّمَا حَكَى بَعْضُ مُتَكَلِّمِيهِمْ الْإِجْمَاعَ وَلَيْسَ عِنْدَهُمْ كَذَلِكَ بَلْ حَقِيقَةُ قَوْلِهِمْ وَأَصْلُهُ عِنْدَ مَنْ عَرَفَهُ وَابْتَدَعَهُ أَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِمُتَكَلِّمِ وَقَالُوا الْمُتَكَلِّمُ مَنْ فَعَلَ الْكَلَامَ وَلَوْ فِي مَحَلٍّ مُنْفَصِلٍ عَنْهُ فَفَسَّرُوا الْمُتَكَلِّمَ فِي اللُّغَةِ
(12/29)

بِمَعْنَى لَا يُعْرَفُ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ وَلَا غَيْرِهِمْ؛ لَا حَقِيقَةً وَلَا مَجَازًا؛ وَهَذَا قَوْلُ مَنْ يَقُولُ إنَّ الْقُرْآنَ مَخْلُوقٌ وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الصَّابِئَةِ الَّذِينَ يُوَافِقُونَ الرُّسُلَ فِي حُدُوثِ الْعَالِمِ وَهُوَ وَإِنْ كَانَ كُفْرًا بِمَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ فَلَيْسَ هُوَ فِي الْكُفْرِ مِثْلَ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ لَا يَقُولُونَ إنَّ اللَّهَ أَرَادَ أَنْ يَبْعَثَ رَسُولًا مُعَيَّنًا وَأَنْ يُنْزِلَ عَلَيْهِ هَذَا الْكَلَامَ الَّذِي خَلَقَهُ وَأَنْكَرُوا أَنْ يَكُونَ مُتَكَلِّمًا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ الْكُتُبُ الْإِلَهِيَّةُ وَاتَّفَقَتْ عَلَيْهِ أَهْلُ الْفِطْرَةِ السَّلِيمَةِ. وَنَشَأَ بَيْنَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ هُمْ فُرُوعُ الصَّابِئَةِ وَبَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ أَتْبَاعِ الرُّسُلِ الْخِلَافُ فَكَفَرَ هَؤُلَاءِ بِبَعْضِ مَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ مِنْ وَصْفِ اللَّهِ بِالْكَلَامِ وَالتَّكْلِيمِ وَاخْتَلَفُوا فِي كِتَابِ اللَّهِ فَآمَنُوا بِبَعْضِ وَكَفَرُوا بِبَعْضِ. وَاتَّبَعَ الْمُؤْمِنُونَ مَا أُنْزِلَ إلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ مِنْ أَنَّ اللَّهَ تَكَلَّمَ بِالْقُرْآنِ وَأَنَّهُ كَلَّمَ مُوسَى تَكْلِيمًا وَأَنَّهُ يَتَكَلَّمُ وَلَمْ يُحَرِّفُوا الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ كَمَا فَعَلَ الْأَوَّلُونَ؛ بَلْ رَدُّوا تَحْرِيفَ أُولَئِكَ بِبَصَائِرِ الْإِيمَانِ الَّذِي عَلِمُوا بِهِ مُرَادَ الرُّسُلِ مِنْ إخْبَارِهِمْ بِرِسَالَةِ اللَّهِ وَكَلَامِهِ وَاتَّبَعُوا هَذَا الْقُرْآنَ وَالْحَدِيثَ وَإِجْمَاعَ السَّلَفِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَسَائِرِ أَتْبَاعِ الْأَنْبِيَاءِ وَعَلِمُوا أَنَّ قَوْلَ هَؤُلَاءِ أَخْبَثُ مِنْ قَوْلِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى حَتَّى كَانَ ابْنُ الْمُبَارَكِ - إمَامُ الْمُسْلِمِينَ - يَقُولُ: إنَّا لَنَحْكِي كَلَامَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَلَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَحْكِيَ كَلَامَ الْجَهْمِيَّة.
(12/30)

وَكَانَ قَدْ كَثُرَ ظُهُورُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ هُمْ فُرُوعُ الْمُشْرِكِينَ وَمَنْ اتَّبَعَهُمْ مِنْ مُبَدِّلَةِ الصَّابِئِينَ ثُمَّ مُبَدِّلَةِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى فِي أَوَائِلِ الْمِائَةِ الثَّانِيَةِ وَأَوَائِلِ الثَّالِثَةِ فِي إمَارَةِ أَبِي الْعَبَّاسِ الْمُلَقَّبِ " بِالْمَأْمُونِ " بِسَبَبِ تَعْرِيبِ كُتُبِ الرُّومِ الْمُشْرِكِينَ الصَّابِئِينَ؛ الَّذِينَ كَانُوا قَبْلَ النَّصَارَى وَمَنْ أَشْبَهَهُمْ مِنْ فَارِسَ وَالْهِنْدِ وَظَهَرَتْ عُلُومُ الصَّابِئِينَ الْمُنَجِّمِينَ وَنَحْوِهِمْ. وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ أَهْلَ الْكَلَامِ الْمُبْتَدَعَ فِي الْإِسْلَامِ هُمْ مِنْ فُرُوعِ الصَّابِئِينَ كَمَا يُقَالُ: الْمُعْتَزِلَةُ مَخَانِيثُ الْفَلَاسِفَةِ. فَظَهَرَتْ هَذِهِ الْمَقَالَةُ فِي أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْكَلَامِ وَفِي أَهْلِ السَّيْفِ وَالْإِمَارَةِ وَصَارَ فِي أَهْلِهَا مِنْ الْخُلَفَاءِ وَالْأُمَرَاءِ وَالْوُزَرَاءِ وَالْقُضَاةِ وَالْفُقَهَاءِ مَا امْتَحَنُوا بِهِ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ الَّذِينَ اتَّبَعُوا مَا أُنْزِلَ إلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ وَلَمْ يُبَدِّلُوا وَلَمْ يَبْتَدِعُوا وَذَلِكَ لِقُصُورِ وَتَفْرِيطٍ مِنْ أَكْثَرِهِمْ فِي مَعْرِفَةِ حَقِيقَةِ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ وَاتِّبَاعِهِ وَإِلَّا فَلَوْ كَانَ ذَلِكَ كَثِيرًا فِيهِمْ لَمْ يَتَمَكَّنْ أُولَئِكَ الْمُبْتَدِعَةُ لِمَا يُخَالِفُ دِينَ الْإِسْلَامِ مِنْ التَّمَكُّنِ مِنْهُمْ.
فَصْلٌ:
فَجَاءَ قَوْمٌ مِنْ مُتَكَلِّمِي الصفاتية الَّذِينَ نَصَرُوا أَنَّ اللَّهَ لَهُ عِلْمٌ وَقُدْرَةٌ وَبَصَرٌ وَحَيَاةٌ بِالْمَقَايِيسِ الْعَقْلِيَّةِ الْمُطَابِقَةِ لِلنُّصُوصِ النَّبَوِيَّةِ وَفَرَّقُوا بَيْنَ الصِّفَاتِ الْقَائِمَةِ بِالْجَوَاهِرِ فَجَعَلُوهَا أَعْرَاضًا وَبَيْنَ الصِّفَاتِ الْقَائِمَةِ بِالرَّبِّ فَلَمْ يُسَمُّوهَا أَعْرَاضًا؛ لِأَنَّ الْعَرَضَ مَا لَا يَدُومُ وَلَا يَبْقَى أَوْ مَا يَقُومُ بِمُتَحَيِّزِ أَوْ
(12/31)

جِسْمٍ فَصِفَاتُ الرَّبِّ لَازِمَةٌ دَائِمَةٌ لَيْسَتْ مِنْ جِنْسِ الْأَعْرَاضِ الْقَائِمَةِ بِالْأَجْسَامِ. وَهَؤُلَاءِ أَهْلُ الْكَلَامِ الْقِيَاسِيِّ مِنْ الصفاتية فَارَقُوا أُولَئِكَ الْمُبْتَدِعَةَ الْمُعَطِّلَةَ الصَّابِئَةَ فِي كَثِيرٍ مِنْ أُمُورِهِمْ وَأَثْبَتُوا الصِّفَاتِ الَّتِي قَدْ يُسْتَدَلُّ بِالْقِيَاسِ الْعَقْلِيِّ عَلَيْهَا كَالصِّفَاتِ السَّبْعِ وَهِيَ: الْحَيَاةُ وَالْعِلْمُ وَالْقُدْرَةُ وَالْإِرَادَةُ وَالسَّمْعُ وَالْبَصَرُ وَالْكَلَامُ. وَلَهُمْ نِزَاعٌ فِي السَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَالْكَلَامِ هَلْ هُوَ مِنْ الصِّفَاتِ الْعَقْلِيَّةِ أَوْ الصِّفَاتِ النَّبَوِيَّةِ الْخَبَرِيَّةِ السَّمْعِيَّةِ وَلَهُمْ اخْتِلَافٌ فِي الْبَقَاءِ وَالْقِدَمِ وَفِي الْإِدْرَاكِ الَّذِي هُوَ إدْرَاكُ الْمَشْمُومَاتِ وَالْمَذُوقَاتِ وَالْمَلْمُوسَاتِ وَلَهُمْ أَيْضًا اخْتِلَافٌ فِي الصِّفَاتِ السَّمْعِيَّةِ الْقُرْآنِيَّةِ الْخَبَرِيَّةِ كَالْوَجْهِ وَالْيَدِ فَأَكْثَرُ مُتَقَدِّمِيهِمْ أَوْ كُلُّهُمْ يُثْبِتُهَا وَكَثِيرٌ مِنْ مُتَأَخِّرِيهِمْ لَا يُثْبِتُهَا وَأَمَّا مَا لَا يَرِدُ إلَّا فِي الْحَدِيثِ فَأَكْثَرُهُمْ لَا يُثْبِتُهَا. ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ يَصْرِفُ النُّصُوصَ عَنْ دَلَالَتِهَا لِأَجْلِ مَا عَارَضَهَا مِنْ الْقِيَاسِ الْعَقْلِيِّ عِنْدَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يُفَوِّضُ مَعْنَاهَا - وَلَيْسَ الْغَرَضُ هُنَا تَفْصِيلَ مَقَالَاتِ النَّاسِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِسَائِرِ الصِّفَاتِ. وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ الْقَوْلُ فِي " رِسَالَةِ اللَّهِ وَكَلَامِهِ " الَّذِي بَلَّغَتْهُ رُسُلُهُ فَكَانَ هَؤُلَاءِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَهْلِ الْوِرَاثَةِ النَّبَوِيَّةِ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ بِمَا سَلَكُوهُ مِنْ الطُّرُقِ الصَّابِئَةِ فِي أَمْرِ الْخَالِقِ وَأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ؛ فَصَارَ فِي مَذْهَبِهِمْ فِي الرِّسَالَةِ تَرْكِيبٌ مِنْ الْوِرَاثَتَيْنِ لَبَّسُوا حَقَّ وَرَثَةِ الْأَنْبِيَاءِ بِبَاطِلِ وَرَثَةِ أَتْبَاعِ الصَّابِئَةِ كَمَا كَانَ فِي مَذْهَبِ أَهْلِ الْكَلَامِ الْمَحْضِ الْمُبْتَدَعِ: كَالْمُعْتَزِلَةِ تَرْكِيبٌ وَلَيْسَ بَيْنَ الْأَثَارَةِ النَّبَوِيَّةِ وَبَيْنَ الْأَثَارَةِ الصَّابِئَةِ؛
(12/32)

لَكِنْ أُولَئِكَ أَشَدُّ اتِّبَاعًا لِلْأَثَارَةِ النَّبَوِيَّةِ وَأَقْرَبُ إلَى مَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ مِنْ الْمُعْتَزِلَة وَنَحْوِهِمْ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ. وَلِهَذَا وَافَقَهُمْ فِي بَعْضِ مَا ابْتَدَعُوهُ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ وَالتَّصَوُّفِ؛ لِوُجُوهِ: " أَحَدُهَا " كَثْرَةُ الْحَقِّ الَّذِي يَقُولُونَهُ وَظُهُورُ الْأَثَارَةِ النَّبَوِيَّةِ عِنْدَهُمْ. " الثَّانِي " لَبْسُهُمْ ذَلِكَ بِمَقَايِيسَ عَقْلِيَّةٍ بَعْضُهَا مَوْرُوثٌ عَنْ الصَّابِئَةِ وَبَعْضُهَا مِمَّا اُبْتُدِعَ فِي الْإِسْلَامِ وَاسْتِيلَاءُ مَا فِي ذَلِكَ مِنْ الشُّبُهَاتِ عَلَيْهِمْ وَظَنُّهُمْ أَنَّهُ لَمْ يُمْكِنْ التَّمَسُّكُ بِالْأَثَارَةِ النَّبَوِيَّةِ مِنْ أَهْلِ الْعَقْلِ وَالْعِلْمِ إلَّا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ. " الثَّالِثُ " ضَعْفُ الْأَثَارَةِ النَّبَوِيَّةِ الدَّافِعَةِ لِهَذِهِ الشُّبُهَاتِ وَالْمُوَضِّحَةِ لِسَبِيلِ الْهُدَى عِنْدَهُمْ. " الرَّابِعُ " الْعَجْزُ وَالتَّفْرِيطُ الْوَاقِعُ فِي الْمُنْتَسِبِينَ إلَى السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ: تَارَةً يَرْوُونَ مَا لَا يَعْلَمُونَ صِحَّتَهُ وَتَارَةً يَكُونُونَ كَالْأُمِّيِّينَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إلَّا أَمَانِيَّ وَيُعْرِضُونَ عَنْ بَيَانِ دَلَالَةِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ عَلَى حَقَائِقِ الْأُمُورِ.
(12/33)

فَلَمَّا كَانَ هَذَا " مِنْهَاجَهُمْ " وَقَالُوا: إنَّ الْقُرْآنَ غَيْرُ مَخْلُوقٍ لِمَا دَلَّ عَلَى ذَلِكَ مِنْ النُّصُوصِ وَإِجْمَاعِ السَّلَفِ وَلِمَا رَأَوْا أَنَّهُ مُسْتَقِيمٌ عَلَى الْأَصْلِ الَّذِي قَرَّرُوهُ فِي الصِّفَاتِ وَرَأَوْا أَنَّ التَّوْفِيقَ بَيْنَ النُّصُوصِ النَّبَوِيَّةِ السَّمْعِيَّةِ وَبَيْنَ الْقِيَاسِ الْعَقْلِيِّ لَا يَسْتَقِيمُ إلَّا أَنْ يَجْعَلُوا الْقُرْآنَ مَعْنًى قَائِمًا بِنَفْسِ اللَّهِ تَعَالَى - كَسَائِرِ الصِّفَاتِ كَمَا جَعَلَهُ الْأَوَّلُونَ مِنْ بَابِ الْمَصْنُوعَاتِ الْمَخْلُوقَاتِ لَا قَدِيمًا كَسَائِرِ الصِّفَاتِ - وَرَأَوْا أَنَّهُ لَيْسَ إلَّا مَخْلُوقًا أَوْ قَدِيمًا فَإِنَّ إثْبَاتَ قَسَمٍ ثَالِثٍ قَائِمٍ بِاَللَّهِ يَقْتَضِي حُلُولَ الْحَوَادِثِ بِذَاتِهِ وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى حُدُوثِ الْمَوْصُوفِ وَمُبْطِلٌ لِدَلَالَةِ حُدُوثِ الْعَالَمِ. ثُمَّ رَأَوْا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعَانِيَ كَثِيرَةً؛ بَلْ إمَّا مَعْنًى وَاحِدًا عِنْدَ طَائِفَةٍ أَوْ مَعَانِيَ أَرْبَعَةً عِنْدَ طَائِفَةٍ وَالْتَزَمُوا عَلَى هَذَا أَنَّ حَقِيقَةَ الْكَلَامِ هِيَ الْمَعْنَى الْقَائِمُ بِالنَّفْسِ وَأَنَّ الْحُرُوفَ وَالْأَصْوَاتَ لَيْسَتْ مِنْ حَقِيقَةِ الْكَلَامِ؛ بَلْ دَالَّةٌ عَلَيْهِ فَتُسَمَّى بِاسْمِهِ؛ إمَّا مَجَازًا عِنْدَ طَائِفَةٍ أَوْ حَقِيقَةً بِطْرِيقِ الِاشْتِرَاكِ عِنْدَ طَائِفَةٍ وَإِمَّا مَجَازًا فِي كَلَامِ اللَّهِ حَقِيقَةً فِي غَيْرِهِ عِنْدَ طَائِفَةٍ. وَخَالَفَهُمْ الْأَوَّلُونَ وَبَعْضُ مَنْ يَتَسَنَّنُ أَيْضًا وَقَالُوا: لَا حَقِيقَةَ لِلْكَلَامِ إلَّا الْحُرُوفُ وَالْأَصْوَاتُ وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مَعْنًى إلَّا الْعِلْمُ وَنَوْعُهُ أَوْ الْإِرَادَةُ وَنَوْعُهَا فَصَارَ النِّزَاعُ بَيْنَ الطَّائِفَتَيْنِ.
(12/34)

وَأُورِدَ عَلَى هَؤُلَاءِ أَنَّ الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ وَالْخَبَرَ صِفَاتٌ لِلْكَلَامِ إضَافِيَّةٌ لَيْسَتْ أَنْوَاعًا لَهُ وَأَقْسَامًا وَأَنَّ كَلَامَ اللَّهِ مَعْنَى وَاحِدٌ: إنْ عُبِّرَ عَنْهُ بِالْعَرَبِيَّةِ فَهُوَ قُرْآنٌ وَبِالْعِبْرِيَّةِ فَهُوَ تَوْرَاةٌ وبالسريانية فَهُوَ إنْجِيلٌ. وَقَالَ لَهُمْ أَكْثَرُ النَّاسِ هَذَا مَعْلُومُ الْفَسَادِ بِالضَّرُورَةِ كَمَا قَالَ الْأَوَّلُونَ إنَّهُ خَلَقَ الْكَلَامَ فِي الْهَوَاءِ فَصَارَ مُتَكَلِّمًا بِهِ وَإِنَّ الْمُتَكَلِّمَ مَنْ أَحْدَثَ الْكَلَامَ وَلَوْ فِي ذَاتٍ غَيْرِ ذَاتِهِ؛ وَقَالَ لَهُمْ أَكْثَرُ النَّاسِ: إنَّ هَذَا مَعْلُومُ الْفَسَادِ بِالضَّرُورَةِ. وَقَالَ الْجُمْهُورُ مِنْ جَمِيعِ الطَّوَائِفِ: إنَّ الْكَلَامَ اسْمٌ لِلَّفْظِ وَالْمَعْنَى جَمِيعًا كَمَا أَنَّ الْإِنْسَانَ الْمُتَكَلِّمَ اسْمٌ لِلرُّوحِ وَالْجِسْمِ جَمِيعًا وَأَنَّهُ إذَا أُطْلِقَ عَلَى أَحَدِهِمَا فَبِقَرِينَةِ وَأَنَّ مَعَانِيَ الْكَلَامِ مُتَنَوِّعَةٌ لَيْسَتْ مُنْحَصِرَةً فِي الْعِلْمِ وَالْإِرَادَةِ كَتَنَوُّعِ أَلْفَاظِهِ وَإِنْ كَانَتْ الْمَعَانِي أَقْرَبَ إلَى الِاتِّحَادِ وَالِاجْتِمَاعِ وَالْأَلْفَاظُ أَقْرَبُ إلَى التَّعَدُّدِ وَالتَّفَرُّقِ. وَالْتَزَمَ هَؤُلَاءِ أَنَّ حُرُوفَ الْقُرْآنِ مَخْلُوقَةٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ الَّذِي هُوَ كَلَامُ اللَّهِ مَخْلُوقًا وَفَرَّقُوا بَيْنَ كِتَابِ اللَّهِ وَكَلَامِهِ. فَقَالُوا كِتَابُ اللَّهِ هُوَ الْحُرُوفُ وَهُوَ مَخْلُوقٌ وَكَلَامُ اللَّهِ هُوَ مَعْنَاهَا غَيْرُ مَخْلُوقٍ. وَهَؤُلَاءِ وَالْأَوَّلُونَ مُتَّفِقُونَ عَلَى خَلْقِ الْقُرْآنِ الَّذِي قَالَ الْأَوَّلُونَ إنَّهُ مَخْلُوقٌ وَاخْتَلَفَ هَؤُلَاءِ أَيْنَ خُلِقَتْ هَذِهِ الْحُرُوفُ؟ هَلْ خُلِقَتْ فِي الْهَوَاءِ؟ أَوْ فِي نَفْسِ جبرائيل؟ أَوْ أَنَّ جبرائيل هُوَ الَّذِي أَحْدَثَهَا أَوْ مُحَمَّدٌ؟
(12/35)

وَأَمَّا جُمْهُورُ الْأُمَّةِ وَأَهْلُ الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ وَالتَّصَوُّفِ فَعَلَى مَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ وَمَا جَاءَ عَنْهُمْ مِنْ الْكُتُبِ وَالْأَثَارَةِ مِنْ الْعِلْمِ وَهُمْ الْمُتَّبِعُونَ لِلرِّسَالَةِ اتِّبَاعًا مَحْضًا لَمْ يَشُوبُوهُ بِمَا يُخَالِفُهُ مِنْ مَقَالَةِ الصَّابِئِينَ وَهُوَ أَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ لَا يَجْعَلُونَ بَعْضَهُ كَلَامَ اللَّهِ وَبَعْضَهُ لَيْسَ كَلَامَ اللَّهِ وَالْقُرْآنُ هُوَ الْقُرْآنُ - الَّذِي يَعْلَمُ الْمُسْلِمُونَ إنَّهُ الْقُرْآنُ - حُرُوفُهُ وَمَعَانِيهِ وَالْأَمْرُ وَالنَّهْيُ هُوَ اللَّفْظُ وَالْمَعْنَى جَمِيعًا. وَلِهَذَا كَانَ الْفُقَهَاءُ الْمُصَنِّفُونَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ مِنْ جَمِيعِ الطَّوَائِفِ: الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنْبَلِيَّةِ - إذَا لَمْ يَخْرُجُوا عَنْ مَذَاهِبِ الْأَئِمَّةِ وَالْفُقَهَاءِ - إذَا تَكَلَّمُوا فِي الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ ذَكَرُوا ذَلِكَ وَخَالَفُوا مَنْ قَالَ إنَّ الْأَمْرَ هُوَ الْمَعْنَى الْمُجَرَّدُ وَيَعْلَمُ أَهْلُ الْأَثَارَةِ النَّبَوِيَّةِ - أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ عَامَّةُ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ هُمْ جَمَاهِيرُ أَهْلِ الْقِبْلَةِ - أَنَّ قَوْله تَعَالَى {الم} {ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ} وَنَحْوَ ذَلِكَ هُوَ كَلَامُ اللَّهِ لَا كَلَامَ غَيْرِهِ وَكَلَامُ اللَّهِ هُوَ مَا تَكَلَّمَ بِهِ لَا مَا خَلَقَهُ فِي غَيْرِهِ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ بِهِ.
(12/36)

وَسُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ -:
عَنْ رَجُلَيْنِ تَجَادَلَا فِي " الْأَحْرُفِ الَّتِي أَنْزَلَهَا اللَّهُ عَلَى آدَمَ " فَقَالَ أَحَدُهُمَا إنَّهَا قَدِيمَةٌ لَيْسَ لَهَا مُبْتَدَأٌ وَشَكْلُهَا وَنَقْطُهَا مُحْدَثٌ. فَقَالَ الْآخَرُ لَيْسَتْ بِكَلَامِ اللَّهِ وَهِيَ مَخْلُوقَةٌ بِشَكْلِهَا وَنَقْطِهَا وَالْقَدِيمُ هُوَ اللَّهُ وَكَلَامُهُ مِنْهُ بَدَأَ وَإِلَيْهِ يَعُودُ مُنَزَّلٌ غَيْرُ مَخْلُوقٍ وَلَكِنَّهُ كَتَبَ بِهَا. وَسَأَلَا أَيُّهُمَا أَصْوَبُ قَوْلًا وَأَصَحُّ اعْتِقَادًا؟
فَأَجَابَ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، أَصْلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ هُوَ مَعْرِفَةُ " كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى ". وَمَذْهَبُ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانِ وَسَائِرِ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ كَالْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَهُوَ الَّذِي يُوَافِقُ الْأَدِلَّةَ الْعَقْلِيَّةَ الصَّرِيحَةَ أَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ مُنَزَّلٌ غَيْرُ مَخْلُوقٍ مِنْهُ بَدَأَ وَإِلَيْهِ يَعُودُ فَهُوَ الْمُتَكَلِّمُ بِالْقُرْآنِ وَالتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِهِ لَيْسَ ذَلِكَ
(12/37)

مَخْلُوقًا مُنْفَصِلًا عَنْهُ وَهُوَ سُبْحَانَهُ يَتَكَلَّمُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ فَكَلَامُهُ قَائِمٌ بِذَاتِهِ لَيْسَ مَخْلُوقًا بَائِنًا عَنْهُ وَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْ سَلَفِ الْأُمَّةِ إنَّ كَلَامَ اللَّهِ مَخْلُوقٌ بَائِنٌ عَنْهُ وَلَا قَالَ أَحَدٌ مِنْهُمْ إنَّ الْقُرْآنَ أَوْ التَّوْرَاةَ أَوْ الْإِنْجِيلَ لَازِمَةٌ لِذَاتِهِ أَزَلًا وَأَبَدًا وَهُوَ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ وَلَا قَالُوا إنَّ نَفْسَ نِدَائِهِ لِمُوسَى أَوْ نَفْسَ الْكَلِمَةِ الْمُعَيَّنَةِ قَدِيمَةٌ أَزَلِيَّةٌ بَلْ قَالُوا لَمْ يَزَلْ اللَّهُ مُتَكَلِّمًا إذَا شَاءَ فَكَلَامُهُ قَدِيمٌ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّمًا إذَا شَاءَ. وَكَلِمَاتُ اللَّهِ لَا نِهَايَةَ لَهَا كَمَا قَالَ تَعَالَى: {قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا} وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ تَكَلَّمَ بِالْقُرْآنِ الْعَرَبِيِّ وَبِالتَّوْرَاةِ الْعِبْرِيَّةِ. فَالْقُرْآنُ الْعَرَبِيُّ كَلَامُ اللَّهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} إلَى قَوْلِهِ: {لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ} فَقَدْ بَيَّنَ سُبْحَانَهُ أَنَّ الْقُرْآنَ الَّذِي يُبَدِّلُ مِنْهُ آيَةً مَكَانَ آيَةٍ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ وَهُوَ جِبْرِيلُ - وَهُوَ الرُّوحُ الْأَمِينُ كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ - مِنْ اللَّهِ بِالْحَقِّ وَبَيَّنَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّ مِنْ الْكُفَّارِ مَنْ قَالَ: {إنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ} كَمَا قَالَ بَعْضُ الْمُشْرِكِينَ يُعَلِّمُهُ رَجُلٌ بِمَكَّةَ أَعْجَمِيٌّ فَقَالَ تَعَالَى: {لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ} أَيْ الَّذِي يُضِيفُونَ إلَيْهِ هَذَا التَّعْلِيمَ أَعْجَمِيٌّ {وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ} .
(12/38)

فَفِي هَذَا مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْآيَاتِ الَّتِي هِيَ لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ نَزَّلَهَا رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ اللَّهِ بِالْحَقِّ كَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: {أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ} وَالْكِتَابُ الَّذِي أُنْزِلَ مُفَصَّلًا هُوَ الْقُرْآنُ الْعَرَبِيُّ بِاتِّفَاقِ النَّاسِ وَقَدْ أَخْبَرَ أَنَّ الَّذِينَ أَتَاهُمْ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ اللَّهِ بِالْحَقِّ وَالْعِلْمُ لَا يَكُونُ إلَّا حَقًّا فَقَالَ: يَعْلَمُونَ وَلَمْ يَقُلْ يَقُولُونَ فَإِنَّ الْعِلْمَ لَا يَكُونُ إلَّا حَقًّا بِخِلَافِ الْقَوْلِ. وَذِكْر عِلْمِهِمْ ذِكْرٌ مُسْتَشْهَدٌ بِهِ. وَقَدْ فَرَّقَ سُبْحَانَهُ بَيْنَ إيحَائِهِ إلَى غَيْرِ مُوسَى وَبَيْنَ تَكْلِيمِهِ لِمُوسَى فِي قَوْله تَعَالَى {إنَّا أَوْحَيْنَا إلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إلَى نُوحٍ} إلَى قَوْلِهِ: {حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} فَرَّقَ سُبْحَانَهُ بَيْنَ تَكْلِيمِهِ لِمُوسَى وَبَيْنَ إيحَائِهِ لِغَيْرِهِ وَوَكَّدَ تَكْلِيمَهُ لِمُوسَى بِالْمَصْدَرِ وَقَالَ تَعَالَى: {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ} إلَى قَوْلِهِ: {بِرُوحُ الْقُدُسِ} وَقَالَ تَعَالَى: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلَّا وَحْيًا} إلَى آخِرِ السُّورَةِ. فَقَدْ بَيَّنَ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلَّا عَلَى أَحَدِ الْأَوْجُهِ الثَّلَاثَةِ: إمَّا وَحْيًا وَإِمَّا مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ وَإِمَّا أَنْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ؛ فَجَعَلَ الْوَحْيَ غَيْرَ التَّكْلِيمِ وَالتَّكْلِيمُ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ كَانَ لِمُوسَى.
(12/39)

وَقَدْ أَخْبَرَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ أَنَّهُ نَادَاهُ كَمَا قَالَ: {وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ} الْآيَةَ. وَقَالَ: {فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِي الْأَيْمَنِ} الْآيَةَ. وَ " النِّدَاءُ " بِاتِّفَاقِ أَهْلِ اللُّغَةِ لَا يَكُونُ إلَّا صَوْتًا مَسْمُوعًا فَهَذَا مِمَّا اتَّفَقَ عَلَيْهِ سَلَفُ الْمُسْلِمِينَ وَجُمْهُورُهُمْ. وَأَهْلُ الْكِتَابِ يَقُولُونَ: إنَّ مُوسَى نَادَاهُ رَبُّهُ نِدَاءً سَمِعَهُ بِأُذُنِهِ وَنَادَاهُ بِصَوْتِ سَمِعَهُ مُوسَى وَالصَّوْتُ لَا يَكُونُ إلَّا كَلَامًا وَالْكَلَامُ لَا يَكُونُ إلَّا حُرُوفًا مَنْظُومَةً وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} وَقَالَ: {حم} {تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} وَقَالَ: {حم} {تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} فَقَدْ بَيَّنَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ أَنَّ الْكِتَابَ وَالْقُرْآنَ الْعَرَبِيَّ مُنَزَّلٌ مِنْ اللَّهِ. وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ السَّلَفِ: مِنْهُ بَدَأَ قَالَ أَحْمَد بْنُ حَنْبَلٍ رَحِمَهُ اللَّهُ مِنْهُ بَدَأَ أَيْ هُوَ الْمُتَكَلِّمُ بِهِ فَإِنَّ الَّذِينَ قَالُوا إنَّهُ مَخْلُوقٌ قَالُوا خَلَقَهُ فِي غَيْرِهِ فَبَدَا مِنْ ذَلِكَ الْمَخْلُوقُ فَقَالَ السَّلَفُ: مِنْهُ بَدَأَ أَيْ هُوَ الْمُتَكَلِّمُ بِهِ لَمْ يَخْلُقْهُ فِي غَيْرِهِ فَيَكُونُ كَلَامًا لِذَلِكَ الْمَحَلِّ الَّذِي خَلَقَهُ فِيهِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى إذَا خَلَقَ صِفَةً مِنْ الصِّفَاتِ فِي مَحَلٍّ كَانَتْ الصِّفَةُ صِفَةً لِذَلِكَ الْمَحَلِّ وَلَمْ تَكُنْ صِفَةً لِرَبِّ الْعَالَمِينَ فَإِذَا خَلَقَ طَعْمًا أَوْ لَوْنًا فِي مَحَلٍّ كَانَ ذَلِكَ الْمَحَلُّ هُوَ الْمُتَحَرِّكَ الْمُتَلَوِّنَ بِهِ وَكَذَلِكَ إذَا خَلَقَ حَيَاةً أَوْ إرَادَةً أَوْ قُدْرَةً أَوْ عِلْمًا أَوْ كَلَامًا فِي مَحَلٍّ كَانَ ذَلِكَ الْمَحَلُّ هُوَ الْمُرِيدَ
(12/40)

الْقَادِرَ الْعَالِمَ الْمُتَكَلِّمَ بِذَلِكَ الْكَلَامِ وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الْمَعْنَى الْمَخْلُوقُ فِي ذَلِكَ الْمَحَلِّ صِفَةً لِرَبِّ الْعَالَمِينَ وَإِنَّمَا يَتَّصِفُ الرَّبُّ تَعَالَى بِمَا يَقُومُ بِهِ مِنْ الصِّفَاتِ لَا بِمَا يَخْلُقُهُ فِي غَيْرِهِ مِنْ الْمَخْلُوقَاتِ فَهُوَ الْحَيُّ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ الرَّحِيمُ الْمُتَكَلِّمُ بِالْقُرْآنِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْكَلَامِ بِحَيَاتِهِ وَعِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ وَكَلَامِهِ الْقَائِمِ بِهِ لَا بِمَا يَخْلُقُهُ فِي غَيْرِهِ مِنْ هَذِهِ الْمَعَانِي. وَمَنْ جَعَلَ كَلَامَهُ مَخْلُوقًا لَزِمَهُ أَنْ يَقُولَ الْمَخْلُوقُ هُوَ الْقَائِلُ لِمُوسَى: {إنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إلَهَ إلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي} وَهَذَا مُمْتَنِعٌ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هَذَا كَلَامًا إلَّا لِرَبِّ الْعَالَمِينَ وَإِذَا كَانَ اللَّهُ قَدْ تَكَلَّمَ بِالْقُرْآنِ وَالتَّوْرَاةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْكُتُبِ بِمَعَانِيهَا وَأَلْفَاظِهَا الْمُنْتَظِمَةِ مِنْ حُرُوفِهَا لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ مَخْلُوقًا؛ بَلْ كَانَ ذَلِكَ كَلَامًا لِرَبِّ الْعَالَمِينَ. وَقَدْ قِيلَ لِلْإِمَامِ أَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ: إنَّ فُلَانًا يَقُولُ لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الْأَحْرُفَ سَجَدَتْ لَهُ إلَّا الْأَلِفُ فَقَالَتْ: لَا أَسْجُدُ حَتَّى أُؤْمَرَ فَقَالَ: هَذَا كُفْرٌ. فَأَنْكَرَ عَلَى مَنْ قَالَ إنَّ الْحُرُوفَ مَخْلُوقَةٌ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ جِنْسُ الْحُرُوفِ مَخْلُوقًا لَزِمَ أَنْ يَكُونَ الْقُرْآنُ الْعَرَبِيُّ وَالتَّوْرَاةُ الْعِبْرِيَّةُ وَغَيْرُ ذَلِكَ مَخْلُوقًا وَهَذَا بَاطِلٌ مُخَالِفٌ لِقَوْلِ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ مُخَالِفٌ لِلْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ وَالسَّمْعِيَّةِ كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
(12/41)

وَالنَّاسُ قَدْ تَنَازَعُوا فِي كَلَامِ اللَّهِ نِزَاعًا كَثِيرًا. وَالطَّوَائِفُ الْكِبَارُ نَحْوُ سِتِّ فِرَقٍ فَأَبْعَدُهَا عَنْ الْإِسْلَامِ قَوْلُ مَنْ يَقُولُ مِنْ الْمُتَفَلْسِفَةِ وَالصَّابِئَةِ إنَّ كَلَامَ اللَّهِ إنَّمَا هُوَ مَا يَفِيضُ عَلَى النُّفُوسِ: إمَّا مِنْ الْعَقْلِ الْفَعَّالِ وَإِمَّا مِنْ غَيْرِهِ وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: إنَّمَا كَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى مِنْ سَمَاءِ عَقْلِهِ أَيْ بِكَلَامِ حَدَثَ فِي نَفْسِهِ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ خَارِجٍ. وَأَصْلُ قَوْلِ هَؤُلَاءِ أَنَّ الْأَفْلَاكَ قَدِيمَةٌ أَزَلِيَّةٌ وَأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَخْلُقْهَا بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ كَمَا أَخْبَرَتْ بِهِ الْأَنْبِيَاءَ بَلْ يَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ الْجُزْئِيَّاتِ فَلَمَّا جَاءَتْ الْأَنْبِيَاءُ بِمَا جَاءُوا بِهِ مِنْ الْأُمُورِ الْبَاهِرَةِ جَعَلُوا يَتَأَوَّلُونَ ذَلِكَ تَأْوِيلَاتٍ يُحَرِّفُونَ فِيهَا الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَجْمَعُوا بَيْنَهَا وَبَيْنَ أَقْوَالِ سَلَفِهِمْ الْمَلَاحِدَةِ فَقَالُوا مِثْلَ ذَلِكَ. وَهَؤُلَاءِ أَكْفَرُ مِنْ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَهُمْ كَثِيرُو التَّنَاقُضِ كَقَوْلِهِمْ إنَّ الصِّفَةَ هِيَ الْمَوْصُوفُ وَهَذِهِ الصِّفَةُ هِيَ الْأُخْرَى فَيَقُولُونَ: هُوَ عَقْلٌ وَعَاقِلٌ وَمَعْقُولٌ وَلَذِيذٌ وَمُلْتَذٌّ وَلَذَّةٌ وَعَاشِقٌ وَمَعْشُوقٌ وَعِشْقٌ. وَقَدْ يُعَبِّرُونَ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّهُ حَيٌّ عَالِمٌ مَعْلُومٌ مُحِبٌّ مَحْبُوبٌ وَيَقُولُونَ نَفْسُ الْعِلْمِ هُوَ نَفْسُ الْمَحَبَّةِ وَهُوَ نَفْسُ الْقُدْرَةِ. وَنَفْسُ الْعِلْمِ هُوَ نَفْسُ الْعَالِمِ وَنَفْسُ الْمَحَبَّةِ هِيَ نَفْسُ الْمَحْبُوبِ. وَيَقُولُونَ إنَّهُ عِلَّةٌ تَامَّةٌ فِي الْأَزَلِ؛ فَيَجِبُ أَنْ يُقَارِنَهَا مَعْلُولُهَا فِي
(12/42)

الْأَزَلِ فِي الزَّمَنِ وَإِنْ كَانَ مُتَقَدِّمًا عَلَيْهَا بِالْعِلَّةِ لَا بِالزَّمَانِ. وَيَقُولُونَ إنَّ الْعِلَّةَ التَّامَّةَ وَمَعْلُولَهَا يَقْتَرِنَانِ فِي الزَّمَانِ وَيَتَلَازَمَانِ فَلَا يُوجَدُ مَعْلُولٌ إلَّا بِعِلَّةِ تَامَّةٍ وَلَا تَكُونُ عِلَّةٌ تَامَّةٌ إلَّا مَعَ مَعْلُولِهَا فِي الزَّمَانِ. ثُمَّ يَعْتَرِفُونَ بِأَنَّ حَوَادِثَ الْعَالَمِ حَدَثَتْ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَجَدَّدَ مِنْ الْمُبْدِعِ الْأَوَّلِ مَا يُوجِبُ أَنْ يَصِيرَ عِلَّةً لِلْحَوَادِثِ الْمُتَعَاقِبَةِ؛ بَلْ حَقِيقَةُ قَوْلِهِمْ أَنَّ الْحَوَادِثَ حَدَثَتْ بِلَا مُحْدِثٍ وَكَذَلِكَ عُدِمَتْ بَعْدَ حُدُوثِهَا مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ يُوجِبُ عَدَمَهَا عَلَى أَصْلِهِمْ. وَهَؤُلَاءِ قَابَلَهُمْ طَوَائِفُ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ ظَنُّوا أَنَّ الْمُؤَثِّرَ التَّامَّ يَتَرَاخَى عَنْهُ أَثَرُهُ وَأَنَّ الْقَادِرَ الْمُخْتَارَ يُرَجِّحُ أَحَدَ مَقْدُورَيْهِ عَلَى الْآخَرِ بِلَا مُرَجِّحٍ وَالْحَوَادِثُ لَهَا ابْتِدَاءٌ وَقَدْ حَدَثَتْ بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُنْ بِدُونِ سَبَبٍ حَادِثٍ. وَلَمْ يَهْتَدِ الْفَرِيقَانِ لِلْقَوْلِ الْوَسَطِ وَهُوَ أَنَّ الْمُؤَثِّرَ التَّامَّ مُسْتَلْزِمٌ أَنْ يَكُونَ أَثَرُهُ عَقِبَ تَأْثِيرِهِ التَّامِّ لَا مَعَ التَّأْثِيرِ وَلَا مُتَرَاخِيًا عَنْهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {إنَّمَا أَمْرُهُ إذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} فَهُوَ سُبْحَانَهُ يُكَوِّنُ كُلَّ شَيْءٍ فَيَكُونُ عَقِبَ تَكْوِينِهِ لَا مَعَ تَكْوِينِهِ فِي الزَّمَانِ وَلَا مُتَرَاخِيًا عَنْ تَكْوِينِهِ كَمَا يَكُونُ الِانْكِسَارُ عَقِبَ الْكَسْرِ وَالِانْقِطَاعُ عَقِبَ الْقَطْعِ وَوُقُوعُ الطَّلَاقِ عَقِبَ التَّطْلِيقِ لَا مُتَرَاخِيًا عَنْهُ وَلَا مُقَارِنًا لَهُ فِي الزَّمَانِ. وَالْقَائِلُونَ بِالتَّرَاخِي ظَنُّوا امْتِنَاعَ حَوَادِثِ لَا تَتَنَاهَى فَلَزِمَهُمْ أَنَّ
(12/43)

الرَّبَّ لَا يُمْكِنُهُ فِعْلُ ذَلِكَ فَالْتَزَمُوا أَنَّ الرَّبَّ يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ لَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّمًا بِمَشِيئَتِهِ وَيَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ لَمْ يَزَلْ قَادِرًا عَلَى الْفِعْلِ وَالْكَلَامِ بِمَشِيئَتِهِ. فَافْتَرَقُوا بَعْدَ ذَلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: كَلَامُهُ لَا يَكُونُ إلَّا حَادِثًا؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ لَا يَكُونُ إلَّا مَقْدُورًا مُرَادًا وَمَا كَانَ كَذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا حَادِثًا وَمَا كَانَ حَادِثًا كَانَ مَخْلُوقًا مُنْفَصِلًا عَنْهُ؛ لِامْتِنَاعِ قِيَامِ الْحَوَادِثِ بِهِ وَتَسَلْسُلِهَا فِي ظَنِّهِمْ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: بَلْ كَلَامُهُ لَا يَكُونُ إلَّا قَائِمًا بِهِ وَمَا كَانَ قَائِمًا بِهِ لَمْ يَكُنْ مُتَعَلِّقًا بِمَشِيئَتِهِ وَإِرَادَتِهِ بَلْ لَا يَكُونُ إلَّا قَدِيمَ الْعَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مَقْدُورًا مُرَادًا لَكَانَ حَادِثًا فَكَانَتْ الْحَوَادِثُ تَقُومُ بِهِ وَلَوْ قَامَتْ بِهِ لَمْ يَسْبِقْهَا وَلَمْ يَخْلُ مِنْهَا وَمَا لَمْ يَخْلُ مِنْ الْحَوَادِثِ فَهُوَ حَادِثٌ؛ لِامْتِنَاعِ حَوَادِثَ لَا أَوَّلَ لَهَا. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: بَلْ هُوَ مُتَكَلِّمٌ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ لَكِنَّهُ يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ مُتَكَلِّمًا فِي الْأَزَلِ أَوْ أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّمًا بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ وُجُودَ حَوَادِثَ لَا أَوَّلَ لَهَا وَذَلِكَ مُمْتَنِعٌ. قَالَتْ " هَذِهِ الطَّوَائِفُ ": وَنَحْنُ بِهَذَا الطَّرِيقِ عَلِمْنَا حُدُوثَ الْعَالِمِ؛ فَاسْتَدْلَلْنَا عَلَى حُدُوثِ الْأَجْسَامِ بِأَنَّهَا لَا تَخْلُوَا مِنْ الْحَوَادِثِ وَلَا تَسْبِقُهَا وَمَا لَمْ يَسْبِقْ الْحَوَادِثَ فَهُوَ حَادِثٌ. ثُمَّ مِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ ظَنَّ أَنَّ هَذِهِ
(12/44)

قَضِيَّةٌ ضَرُورِيَّةٌ وَلَمْ يَتَفَطَّنْ لِإِجْمَالِهَا. وَمِنْهُمْ مَنْ تَفَطَّنَ لِلْفَرْقِ بَيْنَ مَا لَمْ يَسْبِقْ الْحَوَادِثَ الْمَحْصُورَةَ الْمَحْدُودَةَ وَمَا يَسْبِقُ جِنْسَ الْحَوَادِثِ الْمُتَعَاقِبَةِ. شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ. أَمَّا الْأَوَّلُ فَهُوَ حَادِثٌ بِالضَّرُورَةِ؛ لِأَنَّ تِلْكَ الْحَوَادِثَ لَهَا مَبْدَأٌ مُعَيَّنٌ فَمَا لَمْ يَسْبِقْهَا يَكُونُ مَعَهَا أَوْ بَعْدَهَا وَكِلَاهُمَا حَادِثٌ. وَأَمَّا جِنْسُ الْحَوَادِثِ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ فَهَذَا شَيْءٌ تَنَازَعَ فِيهِ النَّاسُ فَقِيلَ إنَّ ذَلِكَ مُمْتَنِعٌ فِي الْمَاضِي وَالْمُسْتَقْبَلِ كَقَوْلِ الْجَهْم وَأَبِي الهذيل. فَقَالَ الْجَهْمُ: بِفَنَاءِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ. وَقَالَ أَبُو الهذيل: بِفَنَاءِ حَرَكَاتِ أَهْلِهِمَا وَقِيلَ: بَلْ هُوَ جَائِزٌ فِي الْمُسْتَقْبَلِ دُونَ الْمَاضِي؛ لِأَنَّ الْمَاضِيَ دَخَلَ فِي الْوُجُودِ دُونَ الْمُسْتَقْبَلِ. وَهُوَ قَوْلُ كَثِيرٍ مِنْ طَوَائِفِ النُّظَّارِ. وَقِيلَ: بَلْ هُوَ جَائِزٌ فِي الْمَاضِي وَالْمُسْتَقْبَلِ. وَهَذَا قَوْلُ أَئِمَّةِ أَهْلِ الْمِلَلِ وَأَئِمَّةِ السُّنَّةِ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ وَأَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ وَغَيْرِهِمَا مِمَّنْ يَقُولُ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّمًا إذَا شَاءَ وَأَنَّ كَلِمَاتِ اللَّهِ لَا نِهَايَةَ لَهَا وَهِيَ قَائِمَةٌ بِذَاتِهِ وَهُوَ مُتَكَلِّمٌ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ. وَهُوَ أَيْضًا قَوْلُ أَئِمَّةِ الْفَلَاسِفَةِ. لَكِنْ أَرِسْطُو وَأَتْبَاعُهُ مُدَّعُونَ ذَلِكَ فِي حَرَكَاتِ الْفَلَكِ وَيَقُولُونَ إنَّهُ قَدِيمٌ أَزَلِيٌّ. وَخَالَفُوا فِي ذَلِكَ جُمْهُورَ الْفَلَاسِفَةِ مَعَ مُخَالَفَةِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ وَجَمَاهِيرِ الْعُقَلَاءِ. فَإِنَّهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ؛ بَلْ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَكُلُّ مَا سِوَى اللَّهِ مَخْلُوقٌ حَادِثٌ كَائِنٌ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ. وَإِنَّ الْقَدِيمَ الْأَزَلِيَّ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى بِمَا هُوَ مُتَّصِفٌ بِهِ مِنْ صِفَاتِ
(12/45)

الْكَمَالِ وَلَيْسَتْ صِفَاتُهُ خَارِجَةً عَنْ مُسَمَّى اسْمِهِ؛ بَلْ مَنْ قَالَ عَبَدْت اللَّهَ وَدَعَوْت اللَّهَ فَإِنَّمَا عَبَدَ ذَاتَه الْمُتَّصِفَةَ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ الَّتِي تَسْتَحِقُّهَا وَيَمْتَنِعُ وُجُودُ ذَاتِهِ بِدُونِ صِفَاتِهَا اللَّازِمَةِ لَهَا. ثُمَّ لَمَّا تَكَلَّمَ فِي " النُّبُوَّاتِ " مَنْ اتَّبَعَ أَرِسْطُو - كَابْنِ سِينَا وَأَمْثَالِهِ - وَرَأَوْا مَا جَاءَتْ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ مِنْ إخْبَارِهِمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَتَكَلَّمُ وَأَنَّهُ كَلَّمَ مُوسَى تَكْلِيمًا وَأَنَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ أَخَذُوا يُحَرِّفُونَ كَلَامَ الْأَنْبِيَاءِ عَنْ مَوَاضِعِهِ فَيَقُولُونَ: الْحُدُوثُ نَوْعَانِ ذَاتِيٌّ وَزَمَانِيٌّ وَنَحْنُ نَقُولُ إنَّ الْفَلَكَ مُحْدَثٌ الْحُدُوثَ الزَّمَانِيَّ؛ بِمَعْنَى أَنَّهُ مَعْلُولٌ وَإِنْ كَانَ أَزَلِيًّا لَمْ يَزَلْ مَعَ اللَّهِ وَقَالُوا إنَّهُ مَخْلُوقٌ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ وَالْكُتُبُ الْإِلَهِيَّةُ أَخْبَرَتْ بِأَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَالْقَدِيمُ الْأَزَلِيُّ لَا يَكُونُ فِي أَيَّامٍ. وَقَدْ عُلِمَ بِالِاضْطِرَارِ أَنَّ مَا أَخْبَرَتْ بِهِ الرُّسُلُ مِنْ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَأَنَّهُ خَلَقَ كَذَا إنَّمَا أَرَادُوا بِذَلِكَ أَنَّهُ خَلَقَ الْمَخْلُوقَ وَأَحْدَثَهُ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ كَمَا قَالَ: {وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا} وَالْعُقُولُ الصَّرِيحَةُ تُوَافِقُ ذَلِكَ وَتَعْلَمُ أَنَّ الْمَفْعُولَ الْمَخْلُوقَ الْمَصْنُوعَ لَا يَكُونُ مُقَارِنًا لِلْفَاعِلِ فِي الزَّمَانِ وَلَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَهُ وَأَنَّ الْفِعْلَ لَا يَكُونُ إلَّا بِإِحْدَاثِ الْمَفْعُولِ.
(12/46)

وَقَالُوا لِهَؤُلَاءِ قَوْلُكُمْ: " إنَّهُ مُؤَثِّرٌ تَامٌّ فِي الْأَزَلِ " لَفْظٌ مُجْمَلٌ يُرَادُ بِهِ التَّأْثِيرُ الْعَامُّ فِي كُلِّ شَيْءٍ وَيُرَادُ بِهِ التَّأْثِيرُ الْمُطْلَقُ فِي شَيْءٍ بَعْدَ شَيْءٍ وَيُرَادُ بِهِ التَّأْثِيرُ فِي شَيْءٍ مُعَيَّنٍ دُونَ غَيْرِهِ؛ فَإِنْ أَرَدْتُمْ " الْأَوَّلَ " لَزِمَ أَنْ لَا يَحْدُثَ فِي الْعَالَمِ حَادِثٌ وَهَذَا خِلَافُ الْمُشَاهَدَةِ وَإِنْ أَرَدْتُمْ " الثَّانِيَ " لَزِمَ أَنْ يَكُونَ كُلُّ مَا سِوَى اللَّهِ مَخْلُوقًا حَادِثًا كَائِنًا بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ وَكَانَ الرَّبُّ لَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّمًا بِمَشِيئَتِهِ فَعَّالًا لِمَا يَشَاءُ وَهَذَا يُنَاقِضُ قَوْلَكُمْ وَيَسْتَلْزِمُ أَنَّ كُلَّ مَا سِوَاهُ مَخْلُوقٌ وَيُوَافِقُ مَا أَخْبَرَتْ بِهِ الرُّسُلُ وَعَلَى هَذَا يَدُلُّ الْعَقْلُ الصَّرِيحُ. فَتَبَيَّنَ أَنَّ الْعَقْلَ الصَّرِيحَ يُوَافِقُ مَا أَخْبَرَتْ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ وَإِنْ أَرَدْتُمْ " الثَّالِثَ " فَسَدَ قَوْلُكُمْ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَلْزِمُ أَنَّهُ يَشَاءُ حُدُوثَهَا بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ فَاعِلًا لَهَا مِنْ غَيْرِ تَجَدُّدِ سَبَبٍ يُوجِبُ الْإِحْدَاثَ وَهَذَا يُنَاقِضُ قَوْلَكُمْ. فَإِنْ صَحَّ هَذَا جَازَ أَنْ يُحْدِثَ كُلَّ شَيْءٍ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ مُحْدِثًا لِشَيْءِ وَإِنْ لَمْ يَصِحَّ هَذَا بَطَلَ فَقَوْلُكُمْ بَاطِلٌ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ. وَحَقِيقَةُ قَوْلِكُمْ أَنَّ الْمُؤَثِّرَ التَّامَّ لَا يَكُونُ إلَّا مَعَ أَثَرِهِ وَلَا يَكُونُ الْأَثَرُ إلَّا مَعَ الْمُؤَثِّرِ التَّامِّ فِي الزَّمَنِ؛ وَحِينَئِذٍ فَيَلْزَمُكُمْ أَنْ لَا يَحْدُثَ شَيْءٌ وَيَلْزَمُكُمْ أَنَّ كُلَّ مَا حَدَثَ حَدَثَ بِدُونِ مُؤَثِّرٍ وَيَلْزَمُكُمْ بُطْلَانُ الْفَرْقِ بَيْنَ أَثَرٍ وَأَثَرٍ وَلَيْسَ لَكُمْ أَنْ تَقُولُوا بَعْضُ الْآثَارِ يُقَارِنُ الْمُؤَثِّرَ التَّامَّ وَبَعْضُهَا يَتَرَاخَى عَنْهُ.
(12/47)

وَأَيْضًا فَكَوْنُهُ فَاعِلًا لِمَفْعُولِ مُعَيَّنٍ مُقَارِنٍ لَهُ أَزَلًا وَأَبَدًا بَاطِلٌ فِي صَرِيحِ الْعَقْلِ وَأَيْضًا فَأَنْتُمْ وَسَائِرُ الْعُقَلَاءِ مُوَافِقُونَ عَلَى أَنَّ الْمُمْكِنَ الَّذِي لَا يَكُونُ إلَّا مُمْكِنًا يَقْبَلُ الْوُجُودَ وَالْعَدَمَ وَهُوَ الَّذِي جَعَلْتُمُوهُ الْمُمْكِنَ الْخَاصَّ الَّذِي قَسِيمُهُ الضَّرُورِيُّ الْوَاجِبُ وَالضَّرُورِيُّ الْمُمْتَنِعُ لَا يَكُونُ إلَّا مَوْجُودًا تَارَةً وَمَعْدُومًا أُخْرَى وَأَنَّ الْقَدِيمَ الْأَزَلِيَّ لَا يَكُونُ إلَّا ضَرُورِيًّا وَاجِبًا يَمْتَنِعُ عَدَمُهُ. وَهَذَا مِمَّا اتَّفَقَ عَلَيْهِ أَرِسْطُو وَأَتْبَاعُهُ حَتَّى ابْنُ سِينَا وَذَكَرَهُ فِي كُتُبِهِ الْمَشْهُورَةِ " كالشفا " وَغَيْرِهِ. ثُمَّ تَنَاقَضَ فَزَعَمَ أَنَّ الْفَلَكَ مُمْكِنٌ مَعَ كَوْنِهِ قَدِيمًا أَزَلِيًّا لَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَالُ وَزَعَمَ أَنَّ الْوَاجِبَ بِغَيْرِهِ الْقَدِيمُ الْأَزَلِيُّ الَّذِي يَمْتَنِعُ عَدَمُهُ يَكُونُ مُمْكِنًا يَقْبَلُ الْوُجُودَ وَالْعَدَمَ وَزَعَمَ أَنَّ لَهُ مَاهِيَّةً غَيْرَ وُجُودِهِ. وَقَدْ بُسِطَ الْكَلَامُ عَلَى فَسَادِ قَوْلِ هَؤُلَاءِ وَتَنَاقُضِهِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ. وَ " الْقَوْلُ الثَّانِي " لِلنَّاسِ فِي كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى قَوْلُ مَنْ يَقُولُ: إنَّ اللَّهَ لَمْ يَقُمْ بِهِ صِفَةٌ مِنْ الصِّفَاتِ لَا حَيَاةٌ وَلَا عِلْمٌ وَلَا قُدْرَةٌ وَلَا كَلَامٌ وَلَا إرَادَةٌ وَلَا رَحْمَةٌ وَلَا غَضَبٌ وَلَا غَيْرُ ذَلِكَ بَلْ خَلَقَ كَلَامًا فِي غَيْرِهِ فَذَلِكَ الْمَخْلُوقُ هُوَ كَلَامُهُ وَهَذَا قَوْلُ الْجَهْمِيَّة وَالْمُعْتَزِلَةِ. وَهَذَا الْقَوْلُ أَيْضًا مُخَالِفٌ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ السَّلَفِ وَهُوَ مُنَاقِضٌ لِأَقْوَالِ الْأَنْبِيَاءِ وَنُصُوصِهِمْ؛ وَلَيْسَ مَعَ هَؤُلَاءِ عَنْ الْأَنْبِيَاءِ قَوْلٌ يُوَافِقُ قَوْلَهُمْ؛ بَلْ لَهُمْ شُبَهٌ عَقْلِيَّةٌ فَاسِدَةٌ قَدْ بَيَّنَّا فَسَادَهَا فِي غَيْرِ هَذَا
(12/48)

الْمَوْضِعِ، وَهَؤُلَاءِ زَعَمُوا أَنَّهُمْ يُقِيمُونَ الدَّلِيلَ عَلَى حُدُوثِ الْعَالَمِ بِتِلْكَ الْحُجَجِ وَهُمْ لَا لِلْإِسْلَامِ نَصَرُوا وَلَا لِأَعْدَائِهِ كَسَرُوا. وَ " الْقَوْلُ الثَّالِثُ " قَوْلُ مَنْ يَقُولُ: إنَّهُ يَتَكَلَّمُ بِغَيْرِ مَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ بِكَلَامِ قَائِمٍ بِذَاتِهِ أَزَلًا وَأَبَدًا وَهَؤُلَاءِ مُوَافِقُونَ لِمَنْ قَبْلَهُمْ فِي أَصْلِ قَوْلِهِمْ لَكِنْ قَالُوا الرَّبُّ تَقُومُ بِهِ الصِّفَاتُ وَلَا يَقُومُ بِهِ مَا يَتَعَلَّقُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ مِنْ الصِّفَاتِ الِاخْتِيَارِيَّةِ. وَأَوَّلُ مَنْ اشْتَهَرَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ فِي الْإِسْلَامِ " عَبْدُ اللَّهِ بْن سَعِيدِ بْنِ كُلَّابٍ " ثُمَّ افْتَرَقَ مُوَافِقُوهُ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: ذَلِكَ الْكَلَامُ. مَعْنَى وَاحِدٌ هُوَ الْأَمْرُ بِكُلِّ مَأْمُورٍ وَالنَّهْيُ عَنْ كُلِّ مَحْظُورٍ وَالْخَبَرُ عَنْ كُلِّ مُخْبَرٍ عَنْهُ إنْ عُبِّرَ عَنْهُ بِالْعَرَبِيَّةِ كَانَ قُرْآنًا وَإِنْ عُبِّرَ عَنْهُ بِالْعِبْرِيَّةِ كَانَ تَوْرَاةً. وَقَالُوا مَعْنَى الْقُرْآنِ وَالتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَاحِدٌ وَمَعْنَى آيَةِ الْكُرْسِيِّ هُوَ مَعْنَى آيَةِ الدَّيْنِ. وَقَالُوا: الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ وَالْخَبَرُ صِفَاتٌ لِلْكَلَامِ لَا أَنْوَاعٌ لَهُ. وَمِنْ مُحَقِّقِيهِمْ مَنْ جَعَلَ الْمَعْنَى يَعُودُ إلَى الْخَبَرِ وَالْخَبَرَ يَعُودُ إلَى الْعِلْمِ. وَجُمْهُورُ الْعُقَلَاءِ يَقُولُونَ: قَوْلُ هَؤُلَاءِ مَعْلُومُ الْفَسَادِ بِالضَّرُورَةِ. وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ تَكْلِيمُهُ لِمُوسَى لَيْسَ إلَّا خَلْقُ إدْرَاكٍ يَفْهَمُ بِهِ مُوسَى ذَلِكَ الْمَعْنَى. فَقِيلَ لَهُمْ: أَفَهِمَ كُلَّ الْكَلَامِ أَمْ بَعْضَهُ؟ إنْ كَانَ فَهِمَهُ كُلَّهُ
(12/49)

فَقَدْ عَلِمَ عِلْمَ اللَّهِ وَإِنْ كَانَ فَهِمَ بَعْضَهُ فَقَدْ تَبَعَّضَ وَعِنْدَهُمْ كَلَامُ اللَّه لَا يَتَبَعَّضُ وَلَا يَتَعَدَّدُ. وَقِيلَ لَهُمْ: قَدْ فَرَّقَ اللَّهُ بَيْنَ تَكْلِيمِهِ لِمُوسَى وَإِيحَائِهِ لِغَيْرِهِ. وَعَلَى أَصْلِكُمْ لَا فَرْقَ. وَقِيلَ لَهُمْ: قَدْ كَفَّرَ اللَّهُ مَنْ جَعَلَ الْقُرْآنَ الْعَرَبِيَّ قَوْلَ الْبَشَرِ وَقَدْ جَعَلَهُ تَارَةً قَوْلَ رَسُولٍ مِنْ الْبَشَرِ وَتَارَةً قَوْلَ رَسُولٍ مِنْ الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ فِي مَوْضِعٍ: {إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ} {وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ} {وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ} فَهَذَا الرَّسُولُ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: {إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ} {ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ} {مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ} فَهَذَا جِبْرِيلُ فَأَضَافَهُ تَارَةً إلَى الرَّسُولِ الْمَلَكِيِّ وَتَارَةً إلَى الرَّسُولِ الْبَشَرِيِّ. وَاَللَّهُ يَصْطَفِي مِنْ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنْ النَّاسِ. وَكَانَ بَعْضُ هَؤُلَاءِ ادَّعَى أَنَّ الْقُرْآنَ الْعَرَبِيَّ أَحْدَثَهُ جِبْرِيلُ أَوْ مُحَمَّدٌ فَقِيلَ لَهُمْ: لَوْ أَحْدَثَهُ أَحَدُهُمَا لَمْ يَجُزْ إضَافَتُهُ إلَى الْآخَرِ. وَهُوَ سُبْحَانَهُ أَضَافَهُ إلَى كُلٍّ مِنْهُمَا بِاسْمِ الرَّسُولِ الدَّالِّ عَلَى مُرْسِلِهِ لَا بِاسْمِ الْمَلَكِ وَالنَّبِيِّ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ قَوْلُ رَسُولٍ بَلَّغَهُ عَنْ مُرْسِلِهِ لَا قَوْلُ مَلَكٍ أَوْ نَبِيٍّ أَحْدَثَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ بَلْ قَدْ كَفَرَ مَنْ قَالَ إنَّهُ قَوْلُ الْبَشَرِ.
(12/50)

وَالطَّائِفَةُ الْأُخْرَى الَّتِي وَافَقَتْ ابْنَ كُلَّابٍ عَلَى أَنَّ اللَّهَ لَا يَتَكَلَّمُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ قَالَتْ: بَلْ الْكَلَامُ الْقَدِيمُ هُوَ حُرُوفٌ أَوْ حُرُوفٌ وَأَصْوَاتٌ لَازِمَةٌ لِذَاتِ الرَّبِّ أَزَلًا وَأَبَدًا لَا يَتَكَلَّمُ بِهَا بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ وَلَا يَتَكَلَّمُ بِهَا شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ. وَلَمْ يُفَرِّقْ هَؤُلَاءِ بَيْنَ جِنْسِ الْحُرُوفِ وَجِنْسِ الْكَلَامِ وَبَيْنَ عَيْنِ حُرُوفٍ قَدِيمَةٍ أَزَلِيَّةٍ وَهَذَا أَيْضًا مِمَّا يَقُولُ جُمْهُورُ الْعُقَلَاءِ إنَّهُ مَعْلُومُ الْفَسَادِ بِالضَّرُورَةِ؛ فَإِنَّ الْحُرُوفَ الْمُتَعَاقِبَةَ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْهَا قَدِيمًا أَزَلِيًّا وَإِنْ كَانَ جِنْسُهَا قَدِيمًا؛ لِإِمْكَانِ وُجُودِ كَلِمَاتٍ لَا نِهَايَةَ لَهَا وَحُرُوفٍ مُتَعَاقِبَةٍ لَا نِهَايَةَ لَهَا وَامْتِنَاعِ كَوْنِ كُلٍّ مِنْهَا قَدِيمًا أَزَلِيًّا فَإِنَّ الْمَسْبُوقَ بِغَيْرِهِ لَا يَكُونُ أَزَلِيًّا. وَقَدْ فَرَّقَ بَعْضُهُمْ بَيْنَ وُجُودِهَا وَمَاهِيَّتِهَا فَقَالَ: التَّرْتِيبُ فِي مَاهِيَّتِهَا لَا فِي وُجُودِهَا وَبُطْلَانُ هَذَا الْقَوْلِ مَعْلُومٌ بِالِاضْطِرَارِ لِمَنْ تَدَبَّرَهُ فَإِنَّ مَاهِيَّةَ الْكَلَامِ الَّذِي هُوَ حُرُوفٌ لَا يَكُونُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ وَالصَّوْتُ لَا يَكُونُ إلَّا شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ فَامْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ وُجُودُ الْمَاهِيَّةِ الْمُعَيَّنَةِ أَزَلِيًّا مُتَقَدِّمًا عَلَيْهَا بِهِ مَعَ أَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا بَيْنَهُ لَوْ قُدِّرَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا. وَيَلْزَمُ مِنْ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ أَنْ يَكُونَ وُجُودُهَا أَيْضًا مُتَرَتِّبًا تَرْتِيبًا مُتَعَاقِبًا. ثُمَّ مِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يَزْعُمُ أَنَّ ذَلِكَ الْقَدِيمَ هُوَ مَا يُسْمَعُ مِنْ الْعِبَادِ مِنْ الْأَصْوَاتِ بِالْقُرْآنِ وَالتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ أَوْ بَعْضُ ذَلِكَ وَكَانَ أَظْهَرَ
(12/51)

فَسَادًا مِمَّا قَبْلَهُ فَإِنَّهُ يُعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ حُدُوثُ أَصْوَاتِ الْعِبَادِ. وَ " طَائِفَةٌ خَامِسَةٌ " قَالَتْ: بَلْ اللَّهُ يَتَكَلَّمُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ بِالْقُرْآنِ الْعَرَبِيِّ وَغَيْرِهِ؛ لَكِنْ لَمْ يَكُنْ يُمْكِنُهُ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِمَشِيئَتِهِ فِي الْأَزَلِ لِامْتِنَاعِ حَوَادِثَ لَا أَوَّلَ لَهَا وَهَؤُلَاءِ جَعَلُوا الرَّبَّ فِي الْأَزَلِ غَيْرَ قَادِرٍ عَلَى الْكَلَامِ بِمَشِيئَتِهِ وَلَا عَلَى الْفِعْلِ كَمَا فَعَلَهُ أُولَئِكَ ثُمَّ جَعَلُوا الْفِعْلَ وَالْكَلَامَ مُمْكِنًا مَقْدُورًا مِنْ غَيْرِ تَجَدُّدِ شَيْءٍ أَوْجَبَ الْقُدْرَةَ وَالْإِمْكَانَ كَمَا قَالَ أُولَئِكَ فِي الْمَفْعُولَاتِ الْمُنْفَصِلَة. وَأَمَّا السَّلَفُ فَقَالُوا: لَمْ يَزَلْ اللَّهُ مُتَكَلِّمًا إذَا شَاءَ وَأَنَّ الْكَلَامَ صِفَةُ كَمَالٍ وَمَنْ يَتَكَلَّمُ أَكْمَلُ مِمَّنْ لَا يَتَكَلَّمُ كَمَا أَنَّ مَنْ يَعْلَمُ وَيَقْدِرُ أَكْمَلُ مِمَّنْ لَا يَعْلَمُ وَلَا يَقْدِرُ وَمَنْ يَتَكَلَّمُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ أَكْمَلُ مِمَّنْ يَكُونُ الْكَلَامُ لَازِمًا لِذَاتِهِ لَيْسَ لَهُ عَلَيْهِ قُدْرَةٌ وَلَا لَهُ فِيهِ مَشِيئَةٌ وَالْكَمَالُ إنَّمَا يَكُونُ بِالصِّفَاتِ الْقَائِمَةِ بِالْمَوْصُوفِ لَا بِالْأُمُورِ الْمُبَايَنَةِ لَهُ وَلَا يَكُونُ الْمَوْصُوفُ مُتَكَلِّمًا عَالِمًا قَادِرًا إلَّا بِمَا يَقُومُ بِهِ مِنْ الْكَلَامِ وَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ. وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَمَنْ لَمْ يَزَلْ مَوْصُوفًا بِصِفَاتِ الْكَمَالِ أَكْمَلُ مِمَّنْ حَدَثَتْ لَهُ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ مُتَّصِفًا بِهَا لَوْ كَانَ حُدُوثُهَا مُمْكِنًا فَكَيْفَ إذَا كَانَ مُمْتَنِعًا؟ فَتَبَيَّنَ أَنَّ الرَّبَّ لَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَالُ مَوْصُوفًا بِصِفَاتِ الْكَمَالِ مَنْعُوتًا بِنُعُوتِ الْجَلَالِ؛ وَمِنْ أَجَلِّهَا الْكَلَامُ. فَلَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّمًا إذَا شَاءَ وَلَا يَزَالُ كَذَلِكَ وَهُوَ يَتَكَلَّمُ إذَا شَاءَ بِالْعَرَبِيَّةِ كَمَا تَكَلَّمَ بِالْقُرْآنِ
(12/52)

الْعَرَبِيِّ وَمَا تَكَلَّمَ اللَّهُ بِهِ فَهُوَ قَائِمٌ بِهِ لَيْسَ مَخْلُوقًا مُنْفَصِلًا عَنْهُ فَلَا تَكُونُ الْحُرُوفُ الَّتِي هِيَ مَبَانِي أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى وَكُتُبُهُ الْمُنَزَّلَةُ مَخْلُوقَةٌ لِأَنَّ اللَّهَ تَكَلَّمَ بِهَا.
فَصْلٌ:
ثُمَّ تَنَازَعَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ فِي الْحُرُوفِ الْمَوْجُودَةِ فِي كَلَامِ الْآدَمِيِّينَ. وَسَبَبُ نِزَاعِهِمْ أَمْرَانِ: " أَحَدُهُمَا " أَنَّهُمْ لَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ الْكَلَامِ الَّذِي يَتَكَلَّمُ اللَّهُ بِهِ فَيُسْمَعُ مِنْهُ وَبَيْنَ مَا إذَا بَلَّغَهُ عَنْهُ مُبَلِّغٌ فَسُمِعَ مِنْ ذَلِكَ الْمُبَلِّغِ فَإِنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ تَكَلَّمَ بِهِ بِلَفْظِهِ وَمَعْنَاهُ بِصَوْتِ نَفْسِهِ؛ فَإِذَا قَرَأَهُ الْقُرَّاءُ قَرَءُوهُ بِأَصْوَاتِ أَنْفُسِهِمْ. فَإِذَا قَالَ الْقَارِئُ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} كَانَ هَذَا الْكَلَامُ الْمَسْمُوعُ مِنْهُ كَلَامَ اللَّهِ لَا كَلَامَ نَفْسِهِ وَكَانَ هُوَ قَرَأَهُ بِصَوْتِ نَفْسِهِ لَا بِصَوْتِ اللَّهِ فَالْكَلَامُ كَلَامُ الْبَارِي وَالصَّوْتُ صَوْتُ الْقَارِئِ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {زَيِّنُوا الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ} وَكَانَ يَقُولُ: {أَلَا رَجُلٌ يَحْمِلُنِي إلَى قَوْمِهِ لِأُبَلِّغَ كَلَامَ رَبِّي؟ فَإِنَّ قُرَيْشًا قَدْ مَنَعُونِي أَنْ أُبَلِّغَ كَلَامَ رَبِّي} وَكِلَا الْحَدِيثَيْنِ ثَابِتٌ فَبَيَّنَ أَنَّ الْكَلَامَ الَّذِي يُبَلِّغُهُ كَلَامُ رَبِّهِ وَبَيَّنَ أَنَّ الْقَارِئَ
(12/53)

يَقْرَؤُهُ بِصَوْتِ نَفْسِهِ وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ} قَالَ أَحْمَد وَالشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمَا: هُوَ تَحْسِينُهُ بِالصَّوْتِ. قَالَ أَحْمَد بْنُ حَنْبَلٍ: يُحَسِّنُهُ بِصَوْتِهِ فَبَيَّنَ أَحْمَد أَنَّ الْقَارِئَ يُحَسِّنُ الْقُرْآنَ بِصَوْتِ نَفْسِهِ. وَ " السَّبَبُ الثَّانِي " أَنَّ السَّلَفَ قَالُوا: الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ مُنَزَّلٌ غَيْرُ مَخْلُوقٍ وَقَالُوا لَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّمًا إذَا شَاءَ. فَبَيَّنُوا أَنَّ كَلَامَ اللَّهِ قَدِيمٌ أَيْ جِنْسُهُ قَدِيمٌ لَمْ يَزَلْ وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ إنَّ نَفْسَ الْكَلَامِ الْمُعَيَّنِ قَدِيمٌ وَلَا قَالَ أَحَدٌ مِنْهُمْ الْقُرْآنُ قَدِيمٌ؛ بَلْ قَالُوا: إنَّهُ كَلَامُ اللَّهِ مُنَزَّلٌ غَيْرُ مَخْلُوقٍ وَإِذَا كَانَ اللَّهُ قَدْ تَكَلَّمَ بِالْقُرْآنِ بِمَشِيئَتِهِ كَانَ الْقُرْآنُ كَلَامَهُ وَكَانَ مُنَزَّلًا مِنْهُ غَيْرَ مَخْلُوقٍ وَلَمْ يَكُنْ مَعَ ذَلِكَ أَزَلِيًّا قَدِيمًا بِقِدَمِ اللَّهِ وَإِنْ كَانَ اللَّهُ لَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّمًا إذَا شَاءَ فَجِنْسُ كَلَامِهِ قَدِيمٌ. فَمَنْ فَهِمَ قَوْلَ السَّلَفِ وَفَرَّقَ بَيْنَ هَذِهِ الْأَقْوَالِ زَالَتْ عَنْهُ الشُّبُهَاتُ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ الْمُعْضِلَةِ الَّتِي اضْطَرَبَ فِيهَا أَهْلُ الْأَرْضِ. فَمَنْ قَالَ إنَّ حُرُوفَ الْمُعْجَمِ كُلَّهَا مَخْلُوقَةٌ وَإِنَّ كَلَامَ اللَّهِ تَعَالَى مَخْلُوقٌ فَقَدْ قَالَ قَوْلًا مُخَالِفًا لِلْمَعْقُولِ الصَّرِيحِ وَالْمَنْقُولِ الصَّحِيحِ وَمَنْ قَالَ نَفْسُ أَصْوَاتِ الْعِبَادِ أَوْ مِدَادُهُمْ أَوْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ قَدِيمٌ فَقَدْ خَالَفَ أَيْضًا أَقْوَالَ السَّلَفِ وَكَانَ فَسَادُ قَوْلِهِ ظَاهِرًا لِكُلِّ أَحَدٍ وَكَانَ مُبْتَدِعًا قَوْلًا لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَلَا قَالَتْهُ طَائِفَةٌ كَبِيرَةٌ مِنْ
(12/54)

طَوَائِفِ الْمُسْلِمِينَ بَلْ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ وَجُمْهُورُ أَصْحَابِهِمْ بَرِيئُونَ مِنْ ذَلِكَ. وَمَنْ قَالَ إنَّ الْحَرْفَ الْمُعَيَّنَ أَوْ الْكَلِمَةَ الْمُعَيَّنَةَ قَدِيمَةُ الْعَيْنِ فَقَدْ ابْتَدَعَ قَوْلًا بَاطِلًا فِي الشَّرْعِ وَالْعَقْلِ. وَمَنْ قَالَ: إنَّ جِنْسَ الْحُرُوفِ الَّتِي تَكَلَّمَ اللَّهُ بِهَا بِالْقُرْآنِ وَغَيْرِهِ لَيْسَتْ مَخْلُوقَةً وَإِنَّ الْكَلَامَ الْعَرَبِيَّ الَّذِي تَكَلَّمَ بِهِ لَيْسَ مَخْلُوقًا وَالْحُرُوفَ الْمُنْتَظِمَةَ مِنْهُ جُزْءٌ مِنْهُ وَلَازِمَةٌ لَهُ وَقَدْ تَكَلَّمَ اللَّهُ بِهَا فَلَا تَكُونُ مَخْلُوقَةً فَقَدْ أَصَابَ. وَإِذَا قَالَ إنَّ اللَّهَ هَدَى عِبَادَهُ وَعَلَّمَهُمْ الْبَيَانَ فَأَنْطَقَهُمْ بِهَا بِاللُّغَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ وَأَنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِأَنْ جَعَلَهُمْ يَنْطِقُونَ بِالْحُرُوفِ الَّتِي هِيَ مَبَانِي كُتُبِهِ وَكَلَامِهِ وَأَسْمَائِهِ فَهَذَا قَدْ أَصَابَ فَالْإِنْسَانُ وَجَمِيعُ مَا يَقُومُ بِهِ مِنْ الْأَصْوَاتِ وَالْحَرَكَاتِ وَغَيْرِهَا مَخْلُوقٌ كَائِنٌ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ وَالرَّبُّ تَعَالَى بِمَا يَقُومُ بِهِ مِنْ صِفَاتِهِ وَكَلِمَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ وَالْعِبَادُ إذَا قَرَءُوا كَلَامَهُ فَإِنَّ كَلَامَهُ الَّذِي يَقْرَؤُونَهُ هُوَ كَلَامُهُ لَا كَلَامُ غَيْرِهِ وَكَلَامُهُ الَّذِي تَكَلَّمَ بِهِ لَا يَكُونُ مَخْلُوقًا وَكَانَ مَا يَقْرَؤُونَ بِهِ كَلَامَهُ مِنْ حَرَكَاتِهِمْ وَأَصْوَاتِهِمْ مَخْلُوقًا وَكَذَلِكَ مَا يُكْتَبُ فِي الْمَصَاحِفِ مِنْ كَلَامِهِ فَهُوَ كَلَامُهُ مَكْتُوبًا فِي الْمَصَاحِفِ وَكَلَامُهُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ وَالْمِدَادُ الَّذِي يُكْتَبُ بِهِ كَلَامُهُ وَغَيْرُ كَلَامِهِ مَخْلُوقٌ.
(12/55)

وَقَدْ فَرَّقَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بَيْنَ كَلَامِهِ وَبَيْنَ مِدَادِ كَلِمَاتِهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا} وَكَلِمَاتُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ وَالْمِدَادُ الَّذِي يُكْتَبُ بِهِ كَلِمَاتُ اللَّهِ مَخْلُوقٌ وَالْقُرْآنُ الْمَكْتُوبُ فِي الْمَصَاحِفِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ وَكَذَلِكَ الْمَكْتُوبُ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ وَغَيْرِهِ قَالَ تَعَالَى: {بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ} {فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ} وَقَالَ: {كَلَّا إنَّهَا تَذْكِرَةٌ} {فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ} {فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ} {مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ} وَقَالَ تَعَالَى: {يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً} {فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ} وَقَالَ: {إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ} {فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ} {لَا يَمَسُّهُ إلَّا الْمُطَهَّرُونَ} .
فَصْلٌ:
فَهَذَانِ الْمُتَنَازِعَانِ اللَّذَانِ تَنَازَعَا فِي " الْأَحْرُفِ الَّتِي أَنْزَلَهَا اللَّهُ عَلَى آدَمَ " فَقَالَ أَحَدُهُمَا: إنَّهَا قَدِيمَةٌ وَلَيْسَ لَهَا مُبْتَدَأٌ وَشَكْلُهَا وَنَقْطُهَا مُحْدَثٌ. وَقَالَ الْآخَرُ: إنَّهَا لَيْسَتْ بِكَلَامِ اللَّهِ وَإِنَّهَا مَخْلُوقَةٌ بِشَكْلِهَا وَنَقْطِهَا وَإِنَّ الْقَدِيمَ هُوَ اللَّهُ وَكَلَامُهُ مِنْهُ بَدَأَ وَإِلَيْهِ يَعُودُ مُنَزَّلٌ غَيْرُ مَخْلُوقٍ وَلَكِنَّهُ كَتَبَ بِهَا. وَسُؤَالُهُمَا أَنْ نُبَيِّنَ لَهُمَا الصَّوَابَ وَأَيُّهُمَا أَصَحُّ اعْتِقَادًا يُقَالُ لَهُمَا: يَحْتَاجُ بَيَانُ الصَّوَابِ إلَى بَيَانِ مَا فِي السُّؤَالِ مِنْ الْكَلَامِ الْمُجْمَلِ
(12/56)

فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ نِزَاعِ الْعُقَلَاءِ لِكَوْنِهِمْ لَا يَتَصَوَّرُونَ مَوْرِدَ النِّزَاعِ تَصَوُّرًا بَيِّنًا وَكَثِيرٌ مِنْ النِّزَاعِ قَدْ يَكُونُ الصَّوَابُ فِيهِ فِي قَوْلٍ آخَرَ غَيْرِ الْقَوْلَيْنِ الَّلَذِينَ قَالَاهُمَا، وَكَثِيرٌ مِنْ النِّزَاعِ قَدْ يَكُونُ مَبْنِيًّا عَلَى أَصْلٍ ضَعِيفٍ إذَا بُيِّنَ فَسَادُهُ ارْتَفَعَ النِّزَاعُ. فَأَوَّلُ مَا فِي هَذَا السُّؤَالِ قَوْلُهُمَا: الْأَحْرُفُ الَّتِي أَنْزَلَهَا اللَّهُ عَلَى آدَمَ فَإِنَّهُ قَدْ ذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ عَلَيْهِ حُرُوفَ الْمُعْجَمِ مُفَرَّقَةً مَكْتُوبَةً وَهَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ فِي الْمَعَارِفِ وَهُوَ وَمِثْلُهُ يُوجَدُ فِي التَّوَارِيخِ كَتَارِيخِ ابْنِ جَرِيرٍ الطبري وَنَحْوِهِ وَهَذَا وَنَحْوُهُ مَنْقُولٌ عَمَّنْ يَنْقُلُ الْأَحَادِيثَ الإسرائيلية وَنَحْوَهَا مِنْ أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ مِثْلُ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ وَكَعْبِ الْأَحْبَارِ وَمَالِك بْنِ دِينَارٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ إسْحَاقَ وَغَيْرِهِمْ. وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ مَا يَنْقُلُهُ هَؤُلَاءِ عَنْ الْأَنْبِيَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُجْعَلَ عُمْدَةً فِي دِينِ الْمُسْلِمِينَ إلَّا إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ بِنَقْلِ مُتَوَاتِرٍ أَوْ أَنْ يَكُونَ مَنْقُولًا عَنْ خَاتَمِ الْمُرْسَلِينَ وَأَيْضًا فَهَذَا النَّقْلُ قَدْ عَارَضَهُ نَقْلٌ آخَرُ وَهُوَ: " {إنَّ أَوَّلَ مَنْ خَطَّ وَخَاطَ إدْرِيسُ} ". فَهَذَا مَنْقُولٌ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ وَهُوَ مِثْلُ ذَلِكَ وَأَقْوَى فَقَدْ ذَكَرُوا فِيهِ أَنَّ إدْرِيسَ أَوَّلُ مَنْ خَاطَ الثِّيَابَ وَخَطَّ بِالْقَلَمِ: وَعَلَى هَذَا فَبَنُو آدَمَ مِنْ قَبْلِ إدْرِيسَ لَمْ يَكُونُوا يَكْتُبُونَ بِالْقَلَمِ وَلَا يَقْرَؤُونَ كُتُبًا. وَاَلَّذِي فِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ الْمَعْرُوفِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ، عَنْ
(12/57)

النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " {إنَّ آدَمَ كَانَ نَبِيًّا مُكَلَّمًا كَلَّمَهُ اللَّهُ قَبْلًا} " وَلَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ أَنْزَلَ عَلَيْهِ شَيْئًا مَكْتُوبًا فَلَيْسَ فِيهِ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ عَلَى آدَمَ صَحِيفَةً وَلَا كِتَابًا وَلَا هَذَا مَعْرُوفٌ عِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا لَا أَصْلَ لَهُ وَلَوْ كَانَ هَذَا مَعْرُوفًا عِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ لَكَانَ هَذَا النَّقْلُ لَيْسَ هُوَ فِي الْقُرْآنِ وَلَا فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ جِنْسِ الْأَحَادِيثِ الإسرائيلية الَّتِي لَا يَجِبُ الْإِيمَانُ بِهَا؛ بَلْ وَلَا يَجُوزُ التَّصْدِيقُ بِصِحَّتِهَا إلَّا بِحُجَّةِ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ " {إذَا حَدَّثَكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ فَلَا تُصَدِّقُوهُمْ وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ؛ فَإِمَّا أَنْ يُحَدِّثُوكُمْ بِحَقِّ فَتُكَذِّبُوهُ وَإِمَّا أَنْ يُحَدِّثُوكُمْ بِبَاطِلِ فَتُصَدِّقُوهُ} ". وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا وَأَنْطَقَهُ بِالْكَلَامِ الْمَنْظُومِ. وَأَمَّا تَعْلِيمُ حُرُوفٍ مُقَطَّعَةٍ لَا سِيَّمَا إذَا كَانَتْ مَكْتُوبَةً فَهُوَ تَعْلِيمٌ لَا يَنْفَعُ وَلَكِنْ لَمَّا أَرَادُوا تَعْلِيمَ الْمُبْتَدِئِ بِالْخَطِّ صَارُوا يُعَلِّمُونَهُ الْحُرُوفَ الْمُفْرَدَةَ حُرُوفَ الْهِجَاءَ ثُمَّ يُعَلِّمُونَهُ تَرْكِيبَ بَعْضِهَا إلَى بَعْضٍ فَيُعَلَّمُ أَبْجَدَ هوز وَلَيْسَ هَذَا وَحْدَهُ كَلَامًا. فَهَذَا الْمَنْقُولُ عَنْ آدَمَ مِنْ نُزُولِ حُرُوفِ الْهِجَاءِ عَلَيْهِ لَمْ يَثْبُتْ بِهِ نَقْلٌ وَلَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ عَقْلٌ؛ بَلْ الْأَظْهَرُ فِي كِلَيْهِمَا نَفْيُهُ وَهُوَ مَنْ جِنْسِ مَا يَرْوُونَهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ تَفْسِيرِ اب ت ث وَتَفْسِيرِ أَبْجَد
(12/58)

هوز حُطِّي وَيَرْوُونَهُ عَنْ الْمَسِيحِ أَنَّهُ قَالَهُ لِمُعَلِّمِهِ فِي الْكُتَّابِ وَهَذَا كُلُّهُ مِنْ الْأَحَادِيثِ الْوَاهِيَةِ بَلْ الْمَكْذُوبَةِ. وَلَا يَجُوزُ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالنَّقْلِ أَنْ يُحْتَجَّ بِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ وَإِنْ كَانَ قَدْ ذَكَرَهَا طَائِفَةٌ مِنْ الْمُصَنِّفِينَ فِي هَذَا الْبَابِ كَالشَّرِيفِ المزيدي وَالشَّيْخِ أَبِي الْفَرَجِ وَابْنِهِ عَبْدِ الْوَهَّابِ وَغَيْرِهِمْ. وَقَدْ يَذْكُرُ ذَلِكَ طَائِفَةٌ مِنْ الْمُفَسِّرِينَ وَالْمُؤَرِّخِينَ فَهَذَا كُلُّهُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِهَذَا الْبَابِ بَاطِلٌ لَا يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْ الدِّينِ. وَهَذَا وَإِنْ كَانَ قَدْ ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ النَّقَّاشُ وَغَيْرُهُ مِنْ الْمُفَسِّرِينَ وَعَنْ النَّقَّاشِ وَنَحْوُهُ نَقَلَهُ الشَّرِيفُ المزيدي الْحَرَّانِي وَغَيْرُهُ فَأَجَلُّ مَنْ ذَكَرَ ذَلِكَ مِنْ الْمُفَسِّرِينَ أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطبري وَقَدْ بَيَّنَ فِي تَفْسِيرِهِ أَنَّ كُلَّ مَا نُقِلَ فِي ذَلِكَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهُوَ بَاطِلٌ. فَذَكَرَ فِي آخِرِ تَفْسِيرِهِ اخْتِلَافَ النَّاسِ فِي تَفْسِيرِ أَبْجَد هوز حُطِّي وَذَكَرَ حَدِيثًا رَوَاهُ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ الجزري عَنْ فُرَاتِ بْنِ أَبِي الْفُرَاتِ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {تَعَلَّمُوا أباجاد وَتَفْسِيرُهَا وَيْلٌ لِعَالِمِ جَهِلَ تَفْسِيرَ أَبِي جَادّ قَالَ: قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا تَفْسِيرُهَا؟ قَالَ؟ أَمَّا الْأَلِفُ فَآلَاءُ اللَّهِ وَحَرْفٌ مِنْ أَسْمَائِهِ. وَأَمَّا الْبَاءُ فَبَهَاءُ اللَّهِ وَأَمَّا الْجِيمُ فَجَلَالُ اللَّهِ وَأَمَّا الدَّالُ فَدَيْنُ
(12/59)

اللَّهِ وَأَمَّا الْهَاءُ فَالْهَاوِيَةُ وَأَمَّا الْوَاوُ فَوَيْلٌ لِمَنْ سَهَا وَأَمَّا الزَّايُ فَالزَّاوِيَةُ وَأَمَّا الْحَاءُ فَحَطُوطُ الْخَطَايَا عَنْ الْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ} " وَذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ. وَذَكَرَ حَدِيثًا ثَانِيًا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحِيمِ بْنِ وَاقِدٍ حَدَّثَنِي الْفُرَاتُ بْنُ السَّائِبِ عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مهران عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: " لَيْسَ شَيْءٌ إلَّا وَلَهُ سَبَبٌ وَلَيْسَ كُلُّ أَحَدٍ يَفْطَنُ لَهُ وَلَا بَلَغَهُ ذَلِكَ أَنَّ لِأَبِي جَادّ حَدِيثًا عَجِيبًا أَمَّا " أَبُو جَادّ " فَأَبَى آدَمَ الطَّاعَةَ وَجَدَّ فِي أَكْلِ الشَّجَرَةِ وَأَمَّا " هوز " فَزَلَّ آدَمَ فَهَوَى مِنْ السَّمَاءِ إلَى الْأَرْضِ وَأَمَّا " حُطِّي " فَحُطَّتْ عَنْهُ خَطِيئَتُهُ وَأَمَّا " كلمن " فَأَكْلُهُ مِنْ الشَّجَرَةِ وَمُنَّ عَلَيْهِ بِالتَّوْبَةِ " وَسَاقَ تَمَامَ الْحَدِيثِ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ. وَذَكَرَ حَدِيثًا ثَالِثًا مِنْ حَدِيثِ إسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ يَحْيَى عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَمَّنْ حَدَّثَهُ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَمِسْعَرِ بْنِ كدام عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " {إنَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَسْلَمَتْهُ أُمُّهُ إلَى الْكُتَّابِ لِيُعَلِّمَهُ فَقَالَ لَهُ الْمُعَلِّمُ: اُكْتُبْ بِسْمِ اللَّهِ فَقَالَ لَهُ عِيسَى وَمَا بِسْمِ اللَّهِ؟ فَقَالَ لَهُ الْمُعَلِّمُ وَمَا أَدْرِي. فَقَالَ لَهُ عِيسَى الْبَاءُ بَهَاءُ اللَّهِ وَالسِّينُ سَنَاؤُهُ وَالْمِيمُ مُلْكُهُ وَاَللَّهُ إلَهُ الْآلِهَةِ وَالرَّحْمَنُ رَحْمَنُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَالرَّحِيمُ رَحِيمُ الْآخِرَةِ. أَبُو جَاد: أَلِفٌ آلَاءُ اللَّهِ وَبَاءٌ بَهَاءُ اللَّهِ وَجِيمٌ جَمَالُ اللَّهِ وَدَالٌ اللَّهُ الدَّائِمُ وهوز هَاءُ الْهَاوِيَةِ} " وَذَكَرَ حَدِيثًا
(12/60)

مِنْ هَذَا الْجِنْسِ وَذَكَرَهُ عَنْ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ. وَرَوَى أَبُو الْفَرَجِ المقدسي عَنْ الشَّرِيفِ المزيدي حَدِيثًا عَنْ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي تَفْسِيرِ: اب ت ث مِنْ هَذَا الْجِنْسِ. ثُمَّ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَلَوْ كَانَتْ الْأَخْبَارُ الَّتِي رُوِيَتْ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ صِحَاحَ الْأَسَانِيدِ لَمْ يُعْدَلْ عَنْ الْقَوْلِ بِهَا إلَى غَيْرِهَا وَلَكِنَّهَا وَاهِيَةُ الْأَسَانِيدِ غَيْرُ جَائِزٍ الِاحْتِجَاجُ بِمِثْلِهَا؛ وَذَلِكَ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ زِيَادٍ الجزري الَّذِي حَدَّثَ حَدِيثَ مُعَاوِيَةَ بْنَ قُرَّةَ عَنْ فُرَاتٍ عَنْهُ غَيْرُ مَوْثُوقٍ بِنَقْلِهِ وَأَنَّ عَبْدَ الرَّحِيمِ بْنَ وَاقِدٍ الَّذِي خَالَفَهُ فِي رِوَايَةِ ذَلِكَ عَنْ الْفُرَاتِ مَجْهُولٌ غَيْرُ مَعْرُوفٍ عِنْدَ أَهْلِ النَّقْلِ وَأَنَّ إسْمَاعِيلَ بْنَ يَحْيَى الَّذِي حَدَّثَ عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ غَيْرُ مَوْثُوقٍ بِرِوَايَتِهِ وَلَا جَائِزٌ عِنْدَ أَهْلِ النَّقْلِ الِاحْتِجَاجُ بِأَخْبَارِهِ. قُلْت: إسْمَاعِيلُ بْنُ يَحْيَى هَذَا يُقَالُ لَهُ التيمي كُوفِيٌّ مَعْرُوفٌ بِالْكَذِبِ وَرِوَايَةُ إسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ فِي غَيْرِ الشَّامِيِّينَ لَا يُحْتَجُّ بِهَا بَلْ هُوَ ضَعِيفٌ فِيمَا يَنْقُلُهُ مِنْ أَهْلِ الْحِجَازِ وَأَهْلِ الْعِرَاقِ بِخِلَافِ مَا يَنْقُلُهُ عَنْ شُيُوخِهِ الشَّامِيِّينَ؛ فَإِنَّهُ حَافِظٌ لِحَدِيثِ أَهْلِ بَلَدِهِ كَثِيرُ الْغَلَطِ فِي حَدِيثِ أُولَئِكَ وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالرِّجَالِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ وَاقِدٍ لَا يُحْتَجُّ بِهِ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَفُرَاتُ بْنُ السَّائِبِ ضَعِيفٌ أَيْضًا
(12/61)

لَا يُحْتَجُّ بِهِ فَهُوَ فُرَاتُ بْنُ أَبِي الْفُرَاتِ وَمُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ الجزري ضَعِيفٌ أَيْضًا. وَقَدْ تَنَازَعَ النَّاسُ فِي أَبْجَد هوز حُطِّي فَقَالَ طَائِفَةٌ هِيَ أَسْمَاءُ قَوْمٍ قِيلَ أَسْمَاءُ مُلُوكِ مَدْيَنَ أَوْ أَسْمَاءُ قَوْمٍ كَانُوا مُلُوكًا جَبَابِرَةً. وَقِيلَ: هِيَ أَسْمَاءُ السِّتَّةِ الْأَيَّامِ الَّتِي خَلَقَ اللَّهُ فِيهَا الدُّنْيَا. وَالْأَوَّلُ اخْتِيَارُ الطبري. وَزَعَمَ هَؤُلَاءِ أَنَّ أَصْلَهَا أَبُو جَاد مِثْلُ أَبِي عَاد وَهَوَازّ مِثْلُ رَوَادّ وَجَوَّاب. وَأَنَّهَا لَمْ تُعْرَبْ لِعَدَمِ الْعَقْدِ وَالتَّرْكِيبِ. وَالصَّوَابُ: أَنَّ هَذِهِ لَيْسَتْ أَسْمَاءً لِمُسَمَّيَاتِ وَإِنَّمَا أُلِّفَتْ لِيُعْرَفَ تَأْلِيفُ الْأَسْمَاءِ مِنْ حُرُوفِ الْمُعْجَمِ بَعْدَ مَعْرِفَةِ حُرُوفِ الْمُعْجَمِ وَلَفْظُهَا: أَبْجَد هوز حُطِّي لَيْسَ لَفْظُهَا أَبُو جَاد هَوَازّ. ثُمَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْحِسَابِ صَارُوا يَجْعَلُونَهَا عَلَامَاتٍ عَلَى مَرَاتِبِ الْعَدَدِ فَيَجْعَلُونَ الْأَلِفَ وَاحِدًا وَالْبَاءَ اثْنَيْنِ وَالْجِيمَ ثَلَاثَةً إلَى الْيَاءِ ثُمَّ يَقُولُونَ الْكَافُ عِشْرُونَ. . . (1) وَآخَرُونَ مِنْ أَهْلِ الْهَنْدَسَةِ وَالْمَنْطِقِ يَجْعَلُونَهَا عَلَامَاتٍ عَلَى الْخُطُوطِ الْمَكْتُوبَةِ أَوْ عَلَى أَلْفَاظِ الْأَقْيِسَةِ الْمُؤَلَّفَةِ كَمَا يَقُولُونَ: كُلُّ أَلِفٍ ب وَكُلُّ ب ج فَكُلُّ أَلِفٍ ج. وَمَثَّلُوا بِهَذِهِ لِكَوْنِهَا أَلْفَاظًا تَدُلُّ عَلَى صُورَةِ الشَّكْلِ وَالْقِيَاسُ لَا يَخْتَصُّ بِمَادَّةِ دُونَ مَادَّةٍ. كَمَا جَعَلَ أَهْلُ التَّصْرِيفِ لَفْظَ " فَعَلَ " تُقَابِلُ الْحُرُوفَ الْأَصْلِيَّةَ،
__________

[تعليق مُعِدّ الكتاب للشاملة]
(1) بياض بالأصل
(12/62)

وَالزَّائِدَةَ يَنْطِقُونَ بِهَا. وَيَقُولُونَ: وَزْنُ اسْتَخْرَجَ " اسْتَفْعَلَ " وَأَهْلُ الْعَرُوضِ يَزِنُونَ بِأَلْفَاظِ مُؤَلَّفَةٍ مِنْ ذَلِكَ؛ لَكِنْ يُرَاعُونَ الْوَزْن مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارٍ بِالْأَصْلِ وَالزَّائِدِ: وَلِهَذَا سُئِلَ بَعْضُ هَؤُلَاءِ عَنْ وَزْنِ نَكْتَلْ فَقَالَ نَفْعَلْ وَضَحِكَ مِنْهُ أَهْلُ التَّصْرِيفِ. وَوَزْنُهُ عِنْدَهُمْ نفتل فَإِنَّ أَصْلَهُ نَكْتَالُ وَأَصْل نَكْتَالُ: نكتيل. تَحَرَّكَتْ الْيَاءُ وَانْفَتَحَ مَا قَبِلَهَا فَقُلِبَتْ أَلِفًا ثُمَّ لَمَّا جُزِمَ الْفِعْلَ سَقَطَتْ كَمَا نَقُولُ مِثْلَ ذَلِكَ فِي نَعْتَدِ وَنَفْتَدِ مَنْ اعْتَادَ يَعْتَادُ وَاقْتَادَ الْبَعِيرَ يَقْتَادُهُ. وَنَحْوَ ذَلِكَ فِي نقتيل فَلَمَّا حَذَفُوا الْأَلِفَ الَّتِي تُسَمَّى لَامَ الْكَلِمَةِ صَارَ وَزْنُهَا. . . (1) وَجَعَلَتْ " ثَمَانِيَةً " تَكُونُ مُتَحَرِّكَةً: وَهِيَ الْهَمْزَةُ وَتَكُونُ سَاكِنَةً وَهِيَ حَرْفَانِ عَلَى الِاصْطِلَاحِ الْأَوَّلِ وَحَرْفٌ وَاحِدٌ عَلَى الثَّانِي وَالْأَلِفُ تُقْرَنُ بِالْوَاوِ وَالْيَاءِ لِأَنَّهُنَّ حُرُوفُ الْعِلَّةِ وَلِهَذَا ذُكِرَتْ فِي آخِرِ حُرُوفِ الْمُعْجَمِ وَنَطَقُوا بِأَوَّلِ لَفْظِ كُلِّ حَرْفٍ مِنْهَا إلَّا الْأَلِفَ فَلَمْ يُمْكِنُهُمْ أَنْ يَنْطِقُوا بِهَا ابْتِدَاءً فَجَعَلُوا اللَّامَ قَبْلَهَا فَقَالُوا: " لَا " وَاَلَّتِي فِي الْأَوَّلِ هِيَ الْهَمْزَةُ الْمُتَحَرِّكَةُ فَإِنَّ الْهَمْزَةَ فِي أَوَّلِهَا. وَبَعْضُ النَّاسِ يَنْطِقُ بِهَا " لَام أَلِف " وَالصَّوَابُ أَنَّ يُنْطَقَ بِهَا " لَا " وَبَسْطُ هَذَا لَهُ مَوْضِعٌ آخَرُ. وَالْمَقْصُودُ هُنَا: أَنَّ الْعِلْمَ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ نَقْلٍ مُصَدَّقٍ وَنَظَرٍ مُحَقَّقٍ. وَأَمَّا النُّقُولُ الضَّعِيفَةُ لَا سِيَّمَا الْمَكْذُوبَةُ فَلَا يُعْتَمَدُ عَلَيْهَا. وَكَذَلِكَ النَّظَرِيَّاتُ الْفَاسِدَةُ وَالْعَقْلِيَّاتُ الجهلية الْبَاطِلَةُ لَا يُحْتَجُّ بِهَا.
__________

[تعليق مُعِدّ الكتاب للشاملة]
(1) بياض بالأصل
قال الشيخ ناصر بن حمد الفهد (ص 102) :
حصل سقط بعد قوله: (فلما حذفوا الألف التي تسمى لام الكلمة صار وزنها) ، فإن خبر صار غير موجود، وهو (نفتل) - يعني وزن (نكتل) -، ثم إن الكلام بعد ذلك وهو قوله (وجعلت ثمانية تكون متحركة. . . الخ) فيه اضطراب ن إلا أنني أظن أنه حصل سقط آخر أيضا، وصحة العبارة: (وجعلت ثمانية وعشرين) يعني عدد الأحرف الهجائية، لأن الكلام كان على حروف الهجاء، وأما قوله (تكون متحركة،. . .، وتكون ساكنة) فالظاهر أن كلامه على الألف، فإن المتحركة منه تكون همزة في أول الأحرف، والساكنة تكون في أواخر الأحرف وهي (لا) وإنما أضيفت (اللام) قبلها من أجل النطق بها لأن العرب لا تبدأ بساكن في النطق، وكلامه التالي عليه، فيبدو والله أعلم أنه بعد أن ذكر عدد الأحرف الهجائية تكلم على (الألف) وأقسامه هذه، وعليه فتكون صحة العبارة بعد التصحيح: (فلما حذفوا الألف التي تسمى لام الكلمة صار وزنها [نفتل] ، وجعلت (ثمانية [وعشرين] ، [والألف] تكون متحركة. . .) أو نحو هذا، والله أعلم.
(12/63)

الثَّانِي أَنْ يُقَالَ: هَذِهِ الْحُرُوفُ الْمَوْجُودَةُ فِي الْقُرْآنِ الْعَرَبِيِّ قَدْ تَكَلَّمَ اللَّهُ بِهَا بِأَسْمَاءِ حُرُوفٍ مِثْلِ قَوْلِهِ: {الم} وَقَوْلِهِ {المص} وَقَوْلِهِ {الم} - {طس} - {حم} - {كهيعص} - {حم} - {عسق} - {ن} - {ق} فَهَذَا كُلُّهُ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ.
الثَّالِثُ أَنَّ هَذِهِ الْحُرُوفَ إذَا وُجِدَتْ فِي كَلَامِ الْعِبَادِ وَكَذَلِكَ الْأَسْمَاءُ الْمَوْجُودَةُ فِي الْقُرْآنِ إذَا وُجِدَتْ فِي كَلَامِ الْعِبَادِ مِثْلِ آدَمَ وَنُوحٍ وَمُحَمَّدٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَيُقَالُ: هَذِهِ الْأَسْمَاءُ وَهَذِهِ الْحُرُوفُ قَدْ تَكَلَّمَ اللَّهُ بِهَا؛ لَكِنْ لَمْ يَتَكَلَّمْ بِهَا مُفْرَدَةً. فَإِنَّ الِاسْمَ وَحْدَهُ لَيْسَ بِكَلَامِ؛ وَلَكِنْ تَكَلَّمَ بِهَا فِي كَلَامِهِ الَّذِي أَنْزَلَهُ فِي مِثْلِ قَوْلِهِ {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ} وَقَوْلِهِ: {وَإِذْ قَالَ إبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا} إلَى قَوْلِهِ: {رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي} وَقَوْلِهِ: {إنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ} وَنَحْوِ ذَلِكَ وَنَحْنُ إذَا تَكَلَّمْنَا بِكَلَامِ ذَكَرْنَا فِيهِ هَذِهِ الْأَسْمَاءَ فَكَلَامُنَا مَخْلُوقٌ وَحُرُوفُ كَلَامِنَا مَخْلُوقَةٌ كَمَا قَالَ أَحْمَد بْنُ حَنْبَلٍ لِرَجُلِ: أَلَسْت مَخْلُوقًا؟ قَالَ: بَلَى قَالَ: أَلَيْسَ كَلَامُك مِنْك؟ قَالَ: بَلَى قَالَ: أَلَيْسَ كَلَامُك مَخْلُوقًا؟ قَالَ: بَلَى قَالَ: فَاَللَّهُ تَعَالَى غَيْرُ مَخْلُوقٍ وَكَلَامُهُ مِنْهُ لَيْسَ بِمَخْلُوقِ. فَقَدْ نَصَّ أَحْمَد وَغَيْرُهُ عَلَى أَنَّ كَلَامَ الْعِبَادِ مَخْلُوقٌ وَهُمْ إنَّمَا
(12/64)

يَتَكَلَّمُونَ بِالْأَسْمَاءِ وَالْحُرُوفِ الَّتِي يُوجَدُ نَظِيرُهَا فِي كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى لَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى تَكَلَّمَ بِهَا بِصَوْتِ نَفْسِهِ وَحُرُوفِ نَفْسِهِ وَذَلِكَ غَيْرُ مَخْلُوقٍ وَصِفَاتُ اللَّهِ تَعَالَى لَا تُمَاثِلُ صِفَاتِ الْعِبَادِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ لَا فِي ذَاتِهِ وَلَا صِفَاتِهِ وَلَا أَفْعَالِهِ وَالصَّوْتُ الَّذِي يُنَادِي بِهِ عِبَادَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالصَّوْتُ الَّذِي سَمِعَهُ مِنْهُ مُوسَى لَيْسَ كَأَصْوَاتِ شَيْءٍ مِنْ الْمَخْلُوقَاتِ وَالصَّوْتُ الْمَسْمُوعُ هُوَ حُرُوفٌ مُؤَلَّفَةٌ وَتِلْكَ لَا يُمَاثِلُهَا شَيْءٌ مِنْ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ كَمَا أَنَّ عِلْمَ اللَّهِ الْقَائِمَ بِذَاتِهِ لَيْسَ مِثْلَ عِلْمِ عِبَادِهِ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُمَاثِلُ الْمَخْلُوقِينَ فِي شَيْءٍ مِنْ الصِّفَاتِ وَهُوَ سُبْحَانَهُ قَدْ عَلَّمَ الْعِبَادَ مَنْ عِلْمِهِ مَا شَاءَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إلَّا بِمَا شَاءَ} وَهْم إذَا عَلَّمَهُمْ اللَّهُ مَا عَلَّمَهُمْ مَنْ عِلْمِهِ فَنَفْسُ عِلْمِهِ الَّذِي اتَّصَفَ بِهِ لَيْسَ مَخْلُوقًا وَنَفْسُ الْعِبَادِ وَصِفَاتُهُمْ مَخْلُوقَةٌ لَكِنْ قَدْ يَنْظُرُ النَّاظِرُ إلَى مُسَمَّى الْعِلْمِ مُطْلَقًا فَلَا يُقَالُ: إنَّ ذَلِكَ الْعِلْمَ مَخْلُوقٌ لِاتِّصَافِ الرَّبِّ بِهِ وَإِنْ كَانَ مَا يَتَّصِفُ بِهِ الْعَبْدُ مَخْلُوقًا. وَأَصْلُ هَذَا أَنَّ مَا يُوصَفُ اللَّهُ بِهِ وَيُوصَفُ بِهِ الْعِبَادُ يُوصَفُ اللَّهُ بِهِ عَلَى مَا يَلِيقُ بِهِ وَيُوصَفُ بِهِ الْعِبَادُ بِمَا يَلِيقُ بِهِمْ مِنْ ذَلِكَ؛ مِثْلُ الْحَيَاةِ وَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَالْكَلَامِ فَإِنَّ اللَّهَ لَهُ حَيَاةٌ وَعِلْمٌ وَقُدْرَةٌ وَسَمْعٌ وَبَصَرٌ وَكَلَامٌ. فَكَلَامُهُ يَشْتَمِلُ عَلَى حُرُوفٍ وَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِصَوْتِ نَفْسِهِ وَالْعَبْدُ لَهُ حَيَاةٌ وَعِلْمٌ وَقُدْرَةٌ وَسَمْعٌ وَبَصَرٌ وَكَلَامٌ،
(12/65)

وَكَلَامُ الْعَبْدِ يَشْتَمِلُ عَلَى حُرُوفٍ وَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِصَوْتِ نَفْسِهِ. فَهَذِهِ الصِّفَاتُ لَهَا ثَلَاثُ اعْتِبَارَاتٍ: تَارَةً تُعْتَبَرُ مُضَافَةً إلَى الرَّبِّ. وَتَارَةً تُعْتَبَرُ مُضَافَةً إلَى الْعَبْدِ وَتَارَةً تُعْتَبَرُ مُطْلَقَةً لَا تَخْتَصُّ بِالرَّبِّ وَلَا بِالْعَبْدِ. فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ: حَيَاةُ اللَّهِ وَعِلْمُ اللَّهِ وَقُدْرَةُ اللَّهِ وَكَلَامُ اللَّهِ وَنَحْوَ ذَلِكَ فَهَذَا كُلُّهُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ وَلَا يُمَاثِلُ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ وَإِذَا قَالَ عِلْمُ الْعَبْدِ وَقُدْرَةُ الْعَبْدِ وَكَلَامُ الْعَبْدِ فَهَذَا كُلُّهُ مَخْلُوقٌ وَلَا يُمَاثِلُ صِفَاتِ الرَّبِّ. وَإِذَا قَالَ الْعِلْمُ وَالْقُدْرَةُ وَالْكَلَامُ فَهَذَا مُجْمَلٌ مُطْلَقٌ لَا يُقَالُ عَلَيْهِ كُلِّهِ إنَّهُ مَخْلُوقٌ وَلَا إنَّهُ غَيْرُ مَخْلُوق بَلْ مَا اتَّصَفَ بِهِ الرَّبُّ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ غَيْرُ مَخْلُوقٍ وَمَا اتَّصَفَ بِهِ الْعَبْدُ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ مَخْلُوقٌ فَالصِّفَةُ تَتْبَعُ الْمَوْصُوفَ. فَإِنْ كَانَ الْمَوْصُوفُ هُوَ الْخَالِقَ فَصِفَاتُهُ غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ وَإِنْ كَانَ الْمَوْصُوفُ هُوَ الْعَبْدَ الْمَخْلُوقَ. فَصِفَاتُهُ مَخْلُوقَةٌ. ثُمَّ إذَا قَرَأَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَغَيْرِهَا مِنْ كَلَامِ اللَّهِ فَالْقُرْآنُ فِي نَفْسِهِ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ وَإِنْ كَانَ حَرَكَاتُ الْعِبَادِ وَأَصْوَاتُهُمْ مَخْلُوقَةً. وَلَوْ قَالَ الْجُنُبُ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} يَنْوِي بِهِ الْقُرْآنَ مُنِعَ مِنْ ذَلِكَ وَكَانَ قُرْآنًا وَلَوْ قَالَهُ يَنْوِي بِهِ حَمْدَ اللَّهِ لَا يَقْصِدُ بِهِ الْقِرَاءَةَ لَمْ يَكُنْ قَارِئًا وَجَاز لَهُ ذَلِكَ. وَمِنْهُ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " {أَفْضَلُ الْكَلَامِ بَعْدَ
(12/66)

الْقُرْآنِ أَرْبَعٌ وَهُنَّ مِنْ الْقُرْآنِ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ} رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ. فَأَخْبَرَ أَنَّهَا أَفْضَلُ الْكَلَامِ بَعْدَ الْقُرْآنِ وَقَالَ هِيَ مِنْ الْقُرْآنِ فَهِيَ مِنْ الْقُرْآنِ بِاعْتِبَارِ وَلَيْسَتْ مِنْ الْقُرْآنِ بِاعْتِبَارِ وَلَوْ قَالَ الْقَائِلُ: {يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ} وَمَقْصُودُهُ الْقُرْآنُ كَانَ قَدْ تَكَلَّمَ بِكَلَامِ اللَّهِ وَلَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ وَإِنْ قَصَدَ مَعَ ذَلِكَ تَنْبِيهَ غَيْرِهِ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ. وَلَوْ قَالَ لِرَجُلِ اسْمُهُ يَحْيَى وَبِحَضْرَتِهِ كِتَابٌ: يَا يَحْيَى خُذْ الْكِتَابَ لَكَانَ هَذَا مَخْلُوقًا؛ لِأَنَّ لَفْظَ يَحْيَى هنا مُرَادٌ بِهِ ذَلِكَ الشَّخْصُ وَبِالْكِتَابِ ذَلِكَ الْكِتَابُ لَيْسَ مُرَادًا بِهِ مَا أَرَادَهُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: {يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ} وَالْكَلَامُ كَلَامُ الْمَخْلُوقِ بِلَفْظِهِ وَمَعْنَاهُ. وَقَدْ تَنَازَعَ النَّاسُ فِي مُسَمَّى " الْكَلَامِ " فِي الْأَصْلِ فَقِيلَ: هُوَ اسْمُ اللَّفْظِ الدَّالِّ عَلَى الْمَعْنَى وَقِيلَ: الْمَعْنَى الْمَدْلُولُ عَلَيْهِ بِاللَّفْظِ وَقِيلَ: لِكُلِّ مِنْهُمَا بِطَرِيقِ الِاشْتِرَاكِ اللَّفْظِيِّ وَقِيلَ: بَلْ هُوَ اسْمٌ عَامٌّ لَهُمَا جَمِيعًا يَتَنَاوَلُهُمَا عِنْدَ الْإِطْلَاقِ وَإِنْ كَانَ مَعَ التَّقْيِيدِ يُرَادُ بِهِ هَذَا تَارَةً وَهَذَا تَارَةً. هَذَا قَوْلُ السَّلَفِ وَأَئِمَّةِ الْفُقَهَاءِ وَإِنْ كَانَ هَذَا الْقَوْلُ لَا يُعْرَفُ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْكُتُبِ. وَهَذَا كَمَا تَنَازَعَ النَّاسُ فِي مُسَمَّى " الْإِنْسَانِ " هَلْ هُوَ الرُّوحُ فَقَطْ أَوْ الْجَسَدُ فَقَطْ؟ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ اسْمٌ لِلرُّوحِ وَالْجَسَدِ جَمِيعًا وَإِنْ
(12/67)

كَانَ مَعَ الْقَرِينَةِ قَدْ يُرَادُ بِهِ هَذَا تَارَةً وَهَذَا تَارَةً فَتَنَازُعُهُمْ فِي مُسَمَّى النُّطْقِ كَتَنَازُعِهِمْ فِي مُسَمَّى النَّاطِقِ. فَمَنْ سَمَّى شَخْصًا مُحَمَّدًا وَإِبْرَاهِيمَ وَقَالَ: جَاءَ مُحَمَّدٌ وَجَاءَ إبْرَاهِيمُ لَمْ يَكُنْ هَذَا مُحَمَّدًا وَإِبْرَاهِيمَ الْمَذْكُورَيْنِ فِي الْقُرْآنِ. وَلَوْ قَالَ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَإِبْرَاهِيمُ خَلِيلُ اللَّهِ. يَعْنِي بِهِ خَاتَمَ الرُّسُلِ وَخَلِيلَ الرَّحْمَنِ لَكَانَ قَدْ تَكَلَّمَ بِمُحَمَّدِ وَإِبْرَاهِيمَ اللَّذَيْنِ فِي الْقُرْآنِ لَكِنْ قَدْ تَكَلَّمَ بِالِاسْمِ وَأَلَّفَهُ كَلَامًا فَهُوَ كَلَامُهُ لَمْ يَتَكَلَّمْ بِهِ فِي الْقُرْآنِ الْعَرَبِيِّ الَّذِي تَكَلَّمَ اللَّهُ بِهِ. وَمِمَّا يُوَضِّحُ ذَلِكَ أَنَّ الْفُقَهَاءَ قَالُوا فِي " آدَابِ الْخَلَاءِ " أَنَّهُ لَا يَسْتَصْحِبُ مَا فِيهِ ذِكْرُ اللَّهِ وَاحْتَجُّوا بِالْحَدِيثِ الَّذِي فِي السُّنَنِ " {أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ نَزَعَ خَاتَمَهُ. وَكَانَ خَاتَمُهُ مَكْتُوبًا عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ} مُحَمَّدٌ سَطْرٌ رَسُولٌ سَطْرٌ اللَّهُ سَطْرٌ. وَلَمْ يَمْنَعْ أَحَدٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ أَنْ يَسْتَصْحِبَ مَا يَكُونُ فِيهِ كَلَامُ الْعِبَادِ وَحُرُوفُ الْهِجَاءِ مِثْلُ وَرَقِ الْحِسَابِ الَّذِي يَكْتُبُ فِيهِ أَهْلُ الدِّيوَانِ الْحِسَابَ وَمِثْلُ الْأَوْرَاقِ الَّتِي يَكْتُبُ فِيهَا الْبَاعَةُ مَا يَبِيعُونَهُ وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَفِي السِّيرَةِ " {أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا صَالَحَ غطفان عَلَى نِصْفِ تَمْرِ الْمَدِينَةِ أَتَاهُ سَعْدٌ فَقَالَ لَهُ: أَهَذَا شَيْءٌ أَمَرَ اللَّهُ بِهِ فَسَمْعًا وَطَاعَةً أَمْ شَيْءٌ تَفْعَلُهُ لِمَصْلَحَتِنَا؟ فَبَيَّنَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ بِوَحْيٍ بَلْ فَعَلَهُ بِاجْتِهَادِهِ فَقَالَ: لَقَدْ كُنَّا فِي الْجَاهِلِيَّةِ
(12/68)

وَمَا كَانُوا يَأْكُلُونَ مِنْهَا تَمْرَةً إلَّا بِقِرَى أَوْ بِشِرَاءِ فَلَمَّا أَعَزَّنَا اللَّهُ بِالْإِسْلَامِ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْكُلُوا تَمْرَنَا لَا يَأْكُلُونَ تَمْرَةً وَاحِدَةً وَبَصَقَ سَعْدٌ فِي الصَّحِيفَةِ وَقَطَّعَهَا} فَأَقَرَّهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ذَلِكَ وَلَمْ يَقُلْ هَذِهِ حُرُوفٌ فَلَا يَجُوزُ إهَانَتُهَا وَالْبُصَاقُ فِيهَا. وَأَيْضًا فَقَدْ كَرِهَ السَّلَفُ مَحْوَ الْقُرْآنِ بِالرِّجْلِ وَلَمْ يَكْرَهُوا مَحْوُ مَا فِيهِ كَلَامُ الْآدَمِيِّينَ.
وَأَمَّا قَوْلُ الْقَائِلِ: إنَّ الْحُرُوفَ قَدِيمَةٌ أَوْ حُرُوفُ الْمُعْجَمِ قَدِيمَةٌ فَإِنْ أَرَادَ جِنْسَهَا فَهَذَا صَحِيحٌ وَإِنْ أَرَادَ الْحَرْفَ الْمُعَيَّنَ فَقَدْ أَخْطَأَ فَإِنَّ لَهُ مَبْدَأٌ وَمُنْتَهًى وَهُوَ مَسْبُوقٌ بِغَيْرِهِ وَمَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ إلَّا مُحْدَثًا. وَأَيْضًا فَلَفْظُ الْحُرُوفِ مُجْمَلٌ يُرَادُ بِالْحُرُوفِ الْحُرُوفُ الْمَنْطُوقَةُ الْمَسْمُوعَةُ الَّتِي هِيَ مَبَانِي الْكَلَامِ وَيُرَادُ بِهَا الْحُرُوفُ الْمَكْتُوبَةُ وَيُرَادُ بِهَا الْحُرُوفُ الْمُتَخَيَّلَةُ فِي النَّفْسِ وَالصَّوْتِ لَا يَكُونُ كَلَامًا إلَّا بِالْحُرُوفِ بِاتِّفَاقِ النَّاسِ. وَأَمَّا الْحُرُوفُ فَهَلْ تَكُونُ كَلَامًا بِدُونِ الصَّوْتِ؟ فِيهِ نِزَاعٌ. وَالْحَرْفُ قَدْ يُرَادُ بِهِ الصَّوْتُ الْمُقَطَّعُ وَقَدْ يُرَادُ بِهِ نِهَايَةُ الصَّوْتِ وَحْدَهُ وَقَدْ يُرَادُ بِالْحُرُوفِ الْمِدَادُ وَقَدْ يُرَادُ بِالْحُرُوفِ شَكْلُ الْمِدَادِ فَالْحُرُوفُ الَّتِي تَكَلَّمَ اللَّهُ بِهَا غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ وَإِذَا كُتِبَتْ فِي الْمُصْحَفِ قِيلَ كَلَامُ اللَّهِ الْمَكْتُوبُ فِي الْمُصْحَفِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ وَأَمَّا نَفْسُ أَصْوَاتُ الْعِبَادِ فَمَخْلُوقَةٌ وَالْمِدَادُ مَخْلُوقٌ وَشَكْلُ الْمِدَادِ مَخْلُوقٌ فَالْمِدَادُ مَخْلُوقٌ بِمَادَّتِهِ وَصُورَتِهِ وَكَلَامُ اللَّهِ الْمَكْتُوبُ بِالْمِدَادِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ. وَمِنْ كَلَامِ اللَّهِ
(12/69)

الْحُرُوفُ الَّتِي تَكَلَّمَ اللَّهُ بِهَا فَإِذَا كُتِبَتْ بِالْمِدَادِ لَمْ تَكُنْ مَخْلُوقَةً وَكَانَ الْمِدَادُ مَخْلُوقًا. وَأَشْكَالُ الْحُرُوفِ الْمَكْتُوبَةِ مِمَّا يَخْتَلِفُ فِيهَا اصْطِلَاحُ الْأُمَمِ.
وَالْخَطُّ الْعَرَبِيُّ قَدْ قِيلَ إنَّ مَبْدَأَهُ كَانَ مِنْ الْأَنْبَارِ وَمِنْهَا انْتَقَلَ إلَى مَكَّةَ وَغَيْرِهَا وَالْخَطُّ الْعَرَبِيُّ تَخْتَلِفُ صُورَتُهُ: الْعَرَبِيُّ الْقَدِيمُ فِيهِ تَكَوُّفٌ وَقَدْ اصْطَلَحَ الْمُتَأَخِّرُونَ عَلَى تَغْيِيرِ بَعْضِ صُوَرِهِ وَأَهْلُ الْمَغْرِب لَهُمْ اصْطِلَاحٌ ثَالِثٌ حَتَّى فِي نَقْطِ الْحُرُوفِ وَتَرْتِيبِهَا وَكَلَامُ اللَّهِ الْمَكْتُوبُ بِهَذِهِ الْخُطُوطِ كَالْقُرْآنِ الْعَرَبِيِّ هُوَ فِي نَفْسِهِ لَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْخُطُوطِ الَّتِي يُكْتَبُ بِهَا. فَإِنْ قِيلَ: فَالْحَرْفُ مِنْ حَيْثُ هُوَ مَخْلُوقٌ أَوْ غَيْرُ مَخْلُوقٍ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ كَوْنِهِ فِي كَلَامِ الْخَالِقِ أَوْ كَلَامِ الْمَخْلُوقِ؟ فَإِنْ قُلْتُمْ هُوَ مِنْ حَيْثُ هُوَ غَيْرُ مَخْلُوقٍ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مَخْلُوقٍ فِي كَلَامِ الْعِبَادِ وَإِنْ قُلْتُمْ مَخْلُوقٌ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ مَخْلُوقًا فِي كَلَامِ اللَّهِ؟ قِيلَ: قَوْلُ الْقَائِلِ الْحَرْفُ مِنْ حَيْثُ هُوَ هُوَ كَقَوْلِهِ الْكَلَامُ مِنْ حَيْثُ هُوَ هُوَ وَالْعِلْمُ مِنْ حَيْثُ هُوَ هُوَ وَالْقُدْرَةُ مِنْ حَيْثُ هِيَ هِيَ وَالْوُجُودُ مِنْ حَيْثُ هُوَ هُوَ وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَالْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ وَغَيْرَهَا إذَا أُخِذَتْ مُجَرَّدَةً مُطْلَقَةً غَيْرَ مُقَيَّدَةٍ وَلَا مُشَخَّصَةً لَمْ يَكُنْ لَهَا حَقِيقَةٌ فِي الْخَارِجِ عَنْ الْأَذْهَانِ
(12/70)

إلَّا شَيْءٌ مُعَيَّنٌ فَلَيْسَ ثَمَّ وُجُودٌ إلَّا وُجُودُ الْخَالِقِ أَوْ وُجُودُ الْمَخْلُوقِ وَوُجُودُ كُلِّ مَخْلُوقٍ مُخْتَصٌّ بِهِ وَإِنْ كَانَ اسْمُ الْوُجُودِ عَامًّا يَتَنَاوَلُ ذَلِكَ كُلَّهُ وَكَذَلِكَ الْعِلْمُ وَالْقُدْرَةُ اسْمٌ عَامٌّ يَتَنَاوَلُ أَفْرَادَ ذَلِكَ وَلَيْسَ فِي الْخَارِجِ إلَّا عِلْمُ الْخَالِقِ وَعِلْمُ الْمَخْلُوقِ وَعِلْمُ كُلِّ مَخْلُوقٍ مُخْتَصٌّ بِهِ قَائِمٌ بِهِ وَاسْمُ الْكَلَامِ وَالْحُرُوفِ يَعُمُّ كُلَّ مَا يَتَنَاوَلُهُ لَفْظُ الْكَلَامِ وَالْحُرُوفِ وَلَيْسَ فِي الْخَارِجِ إلَّا كَلَامُ الْخَالِقِ وَكَلَامُ الْمَخْلُوقِينَ. وَكَلَامُ كُلِّ مَخْلُوقٍ مُخْتَصٌّ بِهِ وَاسْمُ الْكَلَامِ يَعُمُّ كُلَّ مَا يَتَنَاوَلُهُ هَذَا اللَّفْظُ. وَلَيْسَ فِي الْخَارِجِ إلَّا الْحُرُوفُ الَّتِي تَكَلَّمَ اللَّهُ بِهَا الْمَوْجُودَةُ فِي كَلَامِ الْخَالِقِ وَالْحُرُوفُ الْمَوْجُودَةُ فِي كَلَامِ الْمَخْلُوقِينَ. فَإِذَا قِيلَ: إنَّ عِلْمَ الرَّبِّ وَقُدْرَتَهُ بِكَلَامِهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ وَحُرُوفَ كَلَامِهِ غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ لَمْ يَلْزَمْ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ عِلْمُ الْعَبْدِ وَقُدْرَتُهُ وَكَلَامُهُ غَيْرَ مَخْلُوقٍ وَحُرُوفُ كَلَامِهِ غَيْرَ مَخْلُوقَةٍ. وَأَيْضًا فَلَفْظُ الْحَرْفِ يَتَنَاوَلُ الْحَرْفَ الْمَنْطُوقَ وَالْحَرْفَ الْمَكْتُوبَ وَإِذَا قِيلَ إنَّ اللَّهَ تَكَلَّمَ بِالْحُرُوفِ الْمَنْطُوقَةِ كَمَا تَكَلَّمَ بِالْقُرْآنِ الْعَرَبِيِّ وَبِقَوْلِهِ: الم - وَحُمَّ - وَطسم - وَطَسَ - وَيس - وَقِ - وَنِّ وَنَحْوُ ذَلِكَ فَهَذَا كَلَامُهُ وَكَلَامُهُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ وَإِذَا كُتِبَ فِي الْمَصَاحِفِ كَانَ مَا كُتِبَ مِنْ كَلَامِ الرَّبِّ غَيْرَ مَخْلُوقٍ وَإِنْ كَانَ الْمِدَادُ وَشَكْلُهُ مَخْلُوقًا. وَ " أَيْضًا " فَإِذَا قَرَأَ النَّاسُ كَلَامَ اللَّهِ فَالْكَلَامُ فِي نَفْسِهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ إذَا كَانَ اللَّهُ قَدْ تَكَلَّمَ بِهِ وَإِذَا قَرَأَهُ الْمُبَلِّغُ لَمْ يَخْرَجْ عَنْ أَنْ يَكُونَ
(12/71)

كَلَامَ اللَّهِ؛ فَإِنَّ الْكَلَامَ كَلَامُ مَنْ قَالَهُ مُبْتَدِئًا أَمْرًا يَأْمُرُ بِهِ أَوْ خَبَرًا يُخْبِرُهُ لَيْسَ هُوَ كَلَامَ الْمُبَلِّغِ لَهُ عَنْ غَيْرِهِ؛ إذْ لَيْسَ عَلَى الرَّسُولِ إلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ. وَإِذَا قَرَأَهُ الْمُبَلِّغُ فَقَدْ يُشَارُ إلَيْهِ مِنْ حَيْثُ هُوَ كَلَامُ اللَّهِ فَيُقَالُ هَذَا كَلَامُ اللَّهِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَمَّا بَلَغَهُ بِهِ الْعِبَادُ مِنْ صِفَاتِهِمْ وَقَدْ يُشَارُ إلَى نَفْسِ صِفَةِ الْعَبْدِ كَحَرَكَتِهِ وَحَيَاتِهِ وَقَدْ يُشَارُ إلَيْهِمَا فَالْمُشَارُ إلَيْهِ الْأَوَّلُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ وَالْمُشَارُ إلَيْهِ الثَّانِي مَخْلُوقٌ وَالْمُشَارُ إلَيْهِ الثَّالِثُ فَمِنْهُ مَخْلُوقٌ وَمِنْهُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ وَمَا يُوجَدُ فِي كَلَامِ الْآدَمِيِّينَ مِنْ نَظِيرِ هَذَا هُوَ نَظِيرُ صِفَةِ الْعَبْدِ لَا نَظِيرُ صِفَةِ الرَّبِّ أَبَدًا. وَإِذَا قَالَ الْقَائِلُ الْقَافُ فِي قَوْلِهِ {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي} كَالْقَافِ فِي قَوْلِهِ: قِفَا نَبْكِ مِنْ ذِكْرَى حَبِيبٍ وَمَنْزِلٍ قِيلَ: مَا تَكَلَّمَ اللَّهُ بِهِ وَسُمِعَ مِنْهُ لَا يُمَاثِلُ صِفَةَ الْمَخْلُوقِينَ وَلَكِنْ إذَا بَلَّغْنَا كَلَامَ اللَّهِ فَإِنَّمَا بَلَّغْنَاهُ بِصِفَاتِنَا وَصِفَاتُنَا مَخْلُوقَةٌ وَالْمَخْلُوقُ يُمَاثِلُ الْمَخْلُوقَ. وَفِي هَذَا جَوَابٌ لِلطَّائِفَتَيْنِ لِمَنْ قَاسَ صِفَةَ الْمَخْلُوقِ بِصِفَةِ الْخَالِقِ فَجَعَلَهَا غَيْرَ مَخْلُوقَةٍ فَإِنَّ الْجَهْمِيَّة الْمُعَطِّلَةَ أَشْبَاهُ الْيَهُودِ وَالْحُلُولِيَّةُ الْمُمَثِّلَةُ
(12/72)

أَشْبَاهُ النَّصَارَى دَخَلُوا فِي هَذَا وَهَذَا أُولَئِكَ مَثَّلُوا الْخَالِقَ بِالْمَخْلُوقِ فَوَصَفُوهُ بِالنَّقَائِصِ الَّتِي تَخْتَصُّ بِالْمَخْلُوقِ: كَالْفَقْرِ وَالْبُخْلِ وَهَؤُلَاءِ مَثَّلُوا الْمَخْلُوقَ بِالْخَالِقِ فَوَصَفُوهُ بِخَصَائِصِ الرُّبُوبِيَّةِ الَّتِي لَا تَصْلُحُ إلَّا لِلَّهِ وَالْمُسْلِمُونَ يَصِفُونَ اللَّهَ بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ وَبِمَا وَصَفَتْهُ بِهِ رُسُلُهُ مِنْ غَيْرِ تَحْرِيفٍ وَلَا تَعْطِيلٍ وَمِنْ غَيْرِ تَكْيِيفٍ وَلَا تَمْثِيلٍ بَلْ يُثْبِتُونَ لَهُ مَا يَسْتَحِقُّهُ مِنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ وَيُنَزِّهُونَهُ عَنْ الْأَكْفَاءِ وَالْأَمْثَالِ فَلَا يُعَطِّلُونَ الصِّفَاتِ وَلَا يُمَثِّلُونَهَا بِصِفَاتِ الْمَخْلُوقَاتِ؛ فَإِنَّ الْمُعَطِّلَ يَعْبُدُ عَدَمًا وَالْمُمَثِّلَ يَعْبُدُ صَنَمًا وَاَللَّهُ تَعَالَى {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} . وَمِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يُعْرَفَ أَنَّ كَلَامَ الْمُتَكَلِّمِ فِي نَفْسِهِ وَاحِدٌ وَإِذَا بَلَّغَهُ الْمُبَلِّغُونَ تَخْتَلِفُ أَصْوَاتُهُمْ بِهِ فَإِذَا أَنْشَدَ الْمُنْشِدُ قَوْلَ لَبِيدٍ: أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللَّهَ بَاطِلٌ كَانَ هَذَا الْكَلَامُ كَلَامَ لَبِيَدِ لَفْظُهُ وَمَعْنَاهُ مَعَ أَنَّ أَصْوَاتَ الْمُنْشِدِينَ لَهُ تَخْتَلِفُ وَتِلْكَ الْأَصْوَاتُ لَيْسَتْ صَوْتَ لَبِيَدِ: وَكَذَلِكَ مَنْ رَوَى حَدِيثَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِلَفْظِهِ كَقَوْلِهِ: " {إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى} كَانَ هَذَا الْكَلَامُ كَلَامَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَفْظُهُ وَمَعْنَاهُ وَيُقَالُ لِمَنْ رَوَاهُ: أَدَّى الْحَدِيثَ بِلَفْظِهِ
(12/73)

وَإِنْ كَانَ صَوْتُ الْمُبَلِّغِ لَيْسَ هُوَ صَوْتَ الرَّسُولِ فَالْقُرْآنُ أَوْلَى أَنْ يَكُونَ كَلَامَ اللَّهِ لَفْظُهُ وَمَعْنَاهُ وَإِذَا قَرَأَهُ الْقُرَّاءُ فَإِنَّمَا يَقْرَءُونَهُ بِأَصْوَاتِهِمْ. وَلِهَذَا كَانَ الْإِمَامُ أَحْمَد بْنُ حَنْبَلٍ وَغَيْرُهُ مِنْ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ يَقُولُونَ: مَنْ قَالَ اللَّفْظُ بِالْقُرْآنِ أَوْ لَفْظِي بِالْقُرْآنِ مَخْلُوقٌ فَهُوَ جهمي وَمَنْ قَالَ إنَّهُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ فَهُوَ مُبْتَدِعٌ وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ عَنْهُ: مَنْ قَالَ لَفْظِي بِالْقُرْآنِ مَخْلُوقٌ يَعْنِي بِهِ الْقُرْآنَ فَهُوَ جهمي؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ يُرَادُ بِهِ مَصْدَرُ لَفَظَ يَلْفِظُ لَفْظًا وَمُسَمَّى هَذَا فِعْلُ الْعَبْدِ وَفِعْلُ الْعَبْدِ مَخْلُوقٌ وَيُرَادُ بِاللَّفْظِ الْقَوْلُ الَّذِي يَلْفِظُ بِهِ اللَّافِظُ وَذَلِكَ كَلَامُ اللَّهِ لَا كَلَامُ الْقَارِئِ فَمَنْ قَالَ إنَّهُ مَخْلُوقٌ فَقَدْ قَالَ إنَّ اللَّهَ لَمْ يَتَكَلَّمْ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَإِنَّ هَذَا الَّذِي يَقْرَءُوهُ الْمُسْلِمُونَ لَيْسَ هُوَ كَلَامَ اللَّهِ وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا مُخَالِفٌ لِمَا عُلِمَ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ دِينِ الرَّسُولِ.
وَأَمَّا صَوْتُ الْعَبْدِ فَهُوَ مَخْلُوقٌ وَقَدْ صَرَّحَ أَحْمَد وَغَيْرُهُ بِأَنَّ الصَّوْتَ الْمَسْمُوعَ صَوْتُ الْعَبْدِ وَلَمْ يَقُلْ أَحْمَد قَطُّ: مَنْ قَالَ إنَّ صَوْتِي بِالْقُرْآنِ مَخْلُوقٌ فَهُوَ جهمي وَإِنَّمَا قَالَ مَنْ قَالَ لَفْظِي بِالْقُرْآنِ وَالْفَرْقِ بَيْنَ لَفْظِ الْكَلَامِ وَصَوْتِ الْمُبَلِّغِ لَهُ فَرْقٌ وَاضِحٌ فَكُلُّ مَنْ بَلَّغَ كَلَامَ غَيْرِهِ بِلَفْظِ ذَلِكَ الرَّجُلِ فَإِنَّمَا بَلَّغَ لَفْظَ ذَلِكَ الْغَيْرِ لَا لَفْظَ نَفْسِهِ وَهُوَ إنَّمَا بَلَّغَهُ بِصَوْتِ نَفْسِهِ لَا بِصَوْتِ ذَلِكَ الْغَيْرِ وَنَفْسُ اللَّفْظِ وَالتِّلَاوَةِ وَالْقِرَاءَةِ وَالْكِتَابَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ لَمَّا كَانَ يُرَادُ بِهِ الْمَصْدَرُ الَّذِي هُوَ حَرَكَاتُ
(12/74)

الْعِبَادِ وَمَا يَحْدُثُ عَنْهَا مِنْ أَصْوَاتِهِمْ وَشَكْلِ الْمِدَادِ وَيُرَادُ بِهِ نَفْسُ الْكَلَامِ الَّذِي يَقْرَؤُهُ التَّالِي وَيَتْلُوهُ وَيَلْفِظُ بِهِ وَيَكْتُبُهُ مَنَعَ أَحْمَد وَغَيْرُهُ مِنْ إطْلَاقِ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ الَّذِي يَقْتَضِي جَعْلَ صِفَاتِ اللَّهِ مَخْلُوقَةً أَوْ جَعْلَ صِفَاتِ الْعِبَادِ وَمِدَادَهُمْ غَيْرَ مَخْلُوقٍ. وَقَالَ أَحْمَد: نَقُولُ الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ حَيْثُ تَصَرَّفَ: أَيْ حَيْثُ تُلِيَ وَكُتِبَ وَقُرِئَ مِمَّا هُوَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ كَلَامُ اللَّهِ فَهُوَ كَلَامُهُ وَكَلَامُهُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ وَمَا كَانَ مِنْ صِفَاتِ الْعِبَادِ وَأَفْعَالِهِمْ الَّتِي يَقْرَؤُونَ وَيَكْتُبُونَ بِهَا كَلَامَهُ كَأَصْوَاتِهِمْ وَمِدَادِهِمْ فَهُوَ مَخْلُوقٌ وَلِهَذَا مَنْ لَمْ يَهْتَدِ إلَى هَذَا الْفَرْقِ يَحَارُ فَإِنَّهُ مَعْلُومٌ أَنَّ الْقُرْآنَ وَاحِدٌ وَيَقْرَؤُهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ وَالْقُرْآنُ لَا يَكْثُرُ فِي نَفْسِهِ بِكَثْرَةِ قِرَاءَةِ الْقُرَّاءِ وَإِنَّمَا يَكْثُرُ مَا يَقْرَءُونَ بِهِ الْقُرْآنَ فَمَا يَكْثُرُ وَيَحْدُثُ فِي الْعِبَادِ فَهُوَ مَخْلُوقٌ وَالْقُرْآنُ نَفْسُهُ لَفْظُهُ وَمَعْنَاهُ الَّذِي تَكَلَّمَ اللَّهُ بِهِ وَسَمِعَهُ جِبْرِيلُ مِنْ اللَّهِ وَسَمِعَهُ مُحَمَّدُ مِنْ جِبْرِيلَ وَبَلَّغَهُ مُحَمَّدٌ إلَى النَّاسِ وَأَنْذَرَ بِهِ الْأُمَمَ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ} قُرْآنٌ وَاحِدٌ وَهُوَ كَلَامُ اللَّهِ لَيْسَ بِمَخْلُوقِ. وَلَيْسَ هَذَا مِنْ بَابِ مَا هُوَ وَاحِدٌ بِالنَّوْعِ مُتَعَدِّدُ الْأَعْيَانِ كالإنسانية الْمَوْجُودَةِ فِي زَيْدٍ وَعَمْرٍو وَلَا مِنْ بَابِ مَا يَقُولُ الْإِنْسَانُ مِثْلَ قَوْلِ غَيْرِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ} فَإِنَّ
(12/75)

الْقُرْآنَ لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَأْتِيَ بِمِثْلِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} فَالْإِنْسُ وَالْجِنُّ إذَا اجْتَمَعُوا لَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ مَعَ قُدْرَةِ كُلِّ قَارِئٍ عَلَى أَنْ يَقْرَأَهُ وَيُبَلِّغَهُ. فَعُلِمَ أَنَّ مَا قَرَأَهُ هُوَ الْقُرْآنُ لَيْسَ هُوَ مِثْلَ الْقُرْآنِ وَأَمَّا الْحُرُوفُ الْمَوْجُودَةُ فِي الْقُرْآنِ إذَا وُجِدَ نَظِيرُهَا فِي كَلَامِ غَيْرِهِ فَلَيْسَ هَذَا هُوَ ذَاكَ بِعَيْنِهِ بَلْ هُوَ نَظِيرُهُ وَإِذَا تَكَلَّمَ اللَّهُ بِاسْمِ مِنْ الْأَسْمَاءِ: كَآدَمَ وَنُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَتَكَلَّمَ بِتِلْكَ الْحُرُوفِ وَالْأَسْمَاءِ الَّتِي تَكَلَّمَ اللَّهُ بِهَا فَإِذَا قُرِئَتْ فِي كَلَامِهِ فَقَدْ بُلِّغَ كَلَامُهُ فَإِذَا أَنْشَأَ الْإِنْسَانُ لِنَفْسِهِ كَلَامًا لَمْ يَكُنْ عَيْنَ مَا تَكَلَّمَ اللَّهُ بِهِ مِنْ الْحُرُوفِ وَالْأَسْمَاءِ هُوَ عَيْنُ مَا تَكَلَّمَ بِهِ الْعَبْدُ حَتَّى يُقَالَ: إنَّ هَذِهِ الْأَسْمَاءَ وَالْحُرُوفَ الْمَوْجُودَةَ فِي كَلَامِ الْعِبَادِ غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ؛ فَإِنَّ بَعْضَ مَنْ قَالَ إنَّ الْحُرُوفَ وَالْأَسْمَاءَ غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ فِي كَلَامِ الْعِبَادِ ادَّعَى أَنَّ الْمَخْلُوقَ إنَّمَا هُوَ النَّظْمُ وَالتَّأْلِيفُ دُونَ الْمُفْرَدَاتِ وَقَائِلُ هَذَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَكُونَ أَيْضًا النَّظْمُ وَالتَّأْلِيفُ غَيْرَ مَخْلُوقٍ إذَا وُجِدَ نَظِيرُهُ فِي الْقُرْآنِ كَقَوْلِهِ: {يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ} وَإِنْ أَرَادَ بِذَلِكَ شَخْصًا اسْمُهُ يَحْيَى وَكِتَابًا بِحَضْرَتِهِ. (فَإِنْ قِيلَ يَحْيَى هَذَا وَالْكِتَابُ الْحَاضِرُ لَيْسَ هُوَ يَحْيَى وَالْكِتَابُ الْمَذْكُورُ فِي الْقُرْآنِ وَإِنْ كَانَ اللَّفْظُ نَظِيرَ اللَّفْظِ قِيلَ كَذَلِكَ
(12/76)

سَائِرُ الْأَسْمَاءِ وَالْحُرُوفِ إنَّمَا يُوجَدُ نَظِيرُهَا فِي كَلَامِ الْعِبَادِ لَا فِي كَلَامِ اللَّهِ. وَقَوْلُنَا يُوجَدُ نَظِيرُهَا فِي كَلَامِ اللَّهِ تَقْرِيبٌ أَيْ يُوجَدُ فِيمَا نَقْرَؤُهُ وَنَتْلُوهُ فَإِنَّ الصَّوْتَ الْمَسْمُوعَ مِنْ لَفْظِ مُحَمَّدٌ وَيَحْيَى وَإِبْرَاهِيمُ فِي الْقُرْآنِ هُوَ مِثْلُ الصَّوْتِ الْمَسْمُوعِ مِنْ ذَلِكَ فِي غَيْرِ الْقُرْآنِ وَكِلَا الصَّوْتَيْنِ مَخْلُوقٌ. وَأَمَّا الصَّوْتُ الَّذِي يَتَكَلَّمُ اللَّهُ بِهِ فَلَا مِثْلَ لَهُ لَا يُمَاثِلُ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ وَكَلَامُ اللَّهِ هُوَ كَلَامُهُ بِنَظْمِهِ وَنَثْرِهِ وَمَعَانِيهِ. وَذَلِكَ الْكَلَامُ لَيْسَ مِثْلَ كَلَامِ الْمَخْلُوقِينَ. فَإِذَا قُلْنَا: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} وَقُصِدَ بِذَلِكَ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ الَّذِي تَكَلَّمَ اللَّهُ بِهِ فَذَلِكَ الْقُرْآنُ تَكَلَّمَ اللَّهُ بِلَفْظِهِ وَمَعْنَاهُ لَا يُمَاثِلُ لَفْظَ الْمَخْلُوقِينَ وَمَعْنَاهُمْ وَأَمَّا إذَا قَصَدْنَا بِهِ الذِّكْرَ ابْتِدَاءً مِنْ غَيْرِ أَنْ نَقْصِدَ قِرَاءَةَ كَلَامِ اللَّهِ فَإِنَّمَا نَقْصِدُ ذِكْرًا نُنْشِئُهُ نَحْنُ يَقُومُ مَعْنَاهُ بِقُلُوبِنَا وَنَنْطِقُ بِلَفْظِهِ بِأَلْسِنَتِنَا وَمَا أَنْشَأْنَاهُ مِنْ الذِّكْرِ فَلَيْسَ هُوَ مِنْ الْقُرْآنِ وَإِنْ كَانَ نَظِيرُهُ فِي الْقُرْآنِ. وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: " {أَفْضَلُ الْكَلَامِ بَعْدَ الْقُرْآنِ أَرْبَعٌ وَهُنَّ مِنْ الْقُرْآنِ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ} فَجَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ أَفْضَلَ الْكَلَامِ بَعْدَ الْقُرْآنِ فَجَعَلَ دَرَجَتَهَا دُونَ دَرَجَةِ الْقُرْآنِ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ الْقُرْآنِ. ثُمَّ قَالَ: " {هِيَ مِنْ الْقُرْآنِ} وَكِلَا قَوْلَيْهِ حَقٌّ وَصَوَابٌ؛ وَلِهَذَا مَنَعَ أَحْمَد أَنْ يُقَالَ: الْإِيمَانُ مَخْلُوقٌ.
(12/77)

وَقَالَ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ مِنْ الْقُرْآنِ. وَهَذَا الْكَلَامُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ مَخْلُوقٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ الْقُرْآنِ وَلَا يُقَالُ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ إنَّهُمَا مَخْلُوقَانِ وَلَا يُقَالُ فِي الْأَحَادِيثِ الْإِلَهِيَّةِ الَّتِي يَرْوِيهَا عَنْ رَبِّهِ إنَّهَا مَخْلُوقَةٌ كَقَوْلِهِ: " {يَا عِبَادِي إنِّي حَرَّمْت الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْته بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا} فَكَلَامُ اللَّهِ قَدْ يَكُونُ قُرْآنًا وَقَدْ لَا يَكُونُ قُرْآنًا وَالصَّلَاةُ إنَّمَا تَجُوزُ وَتَصِحُّ بِالْقُرْآنِ. وَكَلَامُ اللَّهِ كُلُّهُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ. فَإِذَا فُهِمَ هَذَا فِي مِثْلِ هَذَا فَلْيُفْهَمْ فِي نَظَائِرِهِ وَأَنَّ مَا يُوجَدُ مِنْ الْحُرُوفِ وَالْأَسْمَاءِ فِي كَلَامِ اللَّهِ وَيُوجَدُ فِي غَيْرِ كَلَامِ اللَّهِ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ بِاعْتِبَارِ وَيُقَالُ لَيْسَ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ بِاعْتِبَارِ كَمَا أَنَّهُ يَكُونُ مِنْ الْقُرْآنِ بِاعْتِبَارِ وَغَيْرِ الْقُرْآنِ بِاعْتِبَارِ لَكِنَّ كَلَامَ اللَّهِ الْقُرْآنُ وَغَيْرُ الْقُرْآنِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ وَكَلَامُ الْمَخْلُوقِينَ كُلُّهُ مَخْلُوقٌ. فَمَا كَانَ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ فَهُوَ غَيْرُ مَخْلُوقٍ وَمَا كَانَ مِنْ كَلَامِ غَيْرِهِ فَهُوَ مَخْلُوقٌ. وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَحْتَجُّونَ عَلَى نَفْيِ الْخَلْقِ أَوْ إثْبَاتِ الْقِدَمِ بِشَيْءِ مِنْ صِفَاتِ الْعِبَادِ وَأَعْمَالِهِمْ لِوُجُودِ نَظِيرِ ذَلِكَ فِيمَا يُضَافُ إلَى اللَّهِ وَكَلَامُهُ وَالْإِيمَانُ بِهِ شَارَكَهُمْ فِي هَذَا الْأَصْلِ الْفَاسِدِ مَنْ احْتَجَّ عَلَى خَلْقِ مَا هُوَ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ بِأَنَّ ذَلِكَ قَدْ يُوجَدُ نَظِيرُهُ فِيمَا يُضَافُ إلَى الْعَبْدِ. مِثَالُ ذَلِكَ: أَنَّ الْقُرْآنَ الَّذِي يَقْرَؤُهُ الْمُسْلِمُونَ هُوَ كَلَامُ اللَّهِ قَرَءُوهُ بِحَرَكَاتِهِمْ وَأَصْوَاتِهِمْ فَقَالَ الجهمي أَصْوَاتُ الْعِبَادِ وَمِدَادُهُمْ مَخْلُوقَةٌ وَهَذَا
(12/78)

هُوَ الْمُسَمَّى بِكَلَامِ اللَّهِ أَوْ يُوجَدُ نَظِيرُهُ فِي الْمُسَمَّى بِكَلَامِ اللَّهِ فَيَكُونُ كَلَامُ اللَّهِ مَخْلُوقًا. وَقَالَ الْحُلُولِيُّ الِاتِّحَادِيُّ الَّذِي يَجْعَلُ صِفَةَ الْخَالِقِ هِيَ عَيْنَ صِفَةِ الْمَخْلُوقِ الَّذِي: نَسْمَعُهُ مِنْ الْقُرَّاءِ هُوَ كَلَامُ اللَّهِ وَإِنَّمَا نَسْمَعُ أَصْوَاتَ الْعِبَادِ فَأَصْوَاتُ الْعِبَادِ بِالْقُرْآنِ كَلَامُ اللَّهِ وَكَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ فَأَصْوَاتُ الْعِبَادِ بِالْقُرْآنِ غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ وَالْحُرُوفُ الْمَسْمُوعَةُ مِنْهُمْ غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ ثُمَّ قَالُوا: الْحُرُوفُ الْمَوْجُودَةُ فِي كَلَامِهِمْ هِيَ هَذِهِ أَوْ مِثْلُ هَذِهِ فَتَكُونُ غَيْرَ مَخْلُوقَةٍ. وَزَادَ بَعْضُ غُلَاتِهِمْ فَجَعَلَ أَصْوَاتَ كَلَامِهِمْ غَيْرَ مَخْلُوقَةٍ كَمَا زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْأَعْمَالَ مِنْ الْإِيمَانِ وَهُوَ غَيْرُ مَخْلُوقٍ وَالْأَعْمَالُ غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ. وَزَادَ بَعْضُهُمْ أَعْمَالَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ وَقَالَ: هِيَ الْقَدَرُ وَالشَّرْعُ الْمَشْرُوعُ [وَقَالَ عُمَرُ: مَا مُرَادُنَا بِالْأَعْمَالِ الْحَرَكَاتُ بَلْ الثَّوَابُ الَّذِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: " {أَنَّهُ تَأْتِي الْبَقَرَةُ وَآلُ عِمْرَانَ كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ أَوْ غَيَايَتَانِ أَوْ فِرْقَانِ مِنْ الطَّيْرِ صَوَافُّ} فَيُقَالُ لَهُ: وَهَذَا الثَّوَابُ مَخْلُوقٌ. وَقَدْ نَصَّ أَحْمَد وَغَيْرُهُ مِنْ الْأَئِمَّةِ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ] (*) وَبِذَلِكَ أَجَابُوا مَنْ احْتَجَّ عَلَى خَلْقِ الْقُرْآنِ بِمِثْلِ هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالُوا لَهُ: الَّذِي يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ هُوَ ثَوَابُ الْقُرْآنِ لَا نَفْسُ الْقُرْآنِ وَثَوَابُ الْقُرْآنِ مَخْلُوقٌ إلَى أَمْثَالِ هَذِهِ الْأَقْوَالِ الَّتِي ابْتَدَعَهَا طَوَائِفُ وَالْبِدَعُ تَنْشَأُ شَيْئًا فَشَيْئًا وَقَدْ بُسِطَ الْكَلَامُ فِي هَذَا الْبَابِ فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ.
_________

[تعليق مُعِدّ الكتاب للشاملة]
(*) قال الشيخ ناصر بن حمد الفهد (ص 103) :
هنا أمران:
الأول: قوله (وقال عمر: ما مرادنا بالأعمال. . .) يظهر لي أنه مصحف، ولعل صوابه (وقال آخر) أو نحو ذلك، فإنه ذكر هذا القول مراراً ولم ينسبه لأحد (1) .
والثاني: قوله (وقد نص أحمد وغيره من الأئمة على أنه مخلوق) ، والكلام عائد على الثواب، فتكون كلمة (غير) مقحمة سهوا من الناسخ.
وقد ذكر الشيخ هذا الأمر في موضع آخر فقال (8 / 408) : (وهو مخالف لنصوص أئمة الإسلام كلهم، وأحدهم الإمام أحمد، فإنه نص هو وغيره من الأئمة على أن الثواب الذي يعطيه الله على قراءة القرآن مخلوق. فكيف بالثواب الذي يعطيه على سائر أعمال العباد) .

(1) انظر مثلا (الفتاوى) 7 / 661، 8 / 408.
(12/79)

وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الصَّوَابَ فِي هَذَا الْبَابِ هُوَ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَإِجْمَاعُ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانِ وَهُوَ مَا كَانَ عَلَيْهِ الْإِمَامُ أَحْمَد بْنُ حَنْبَلٍ وَمَنْ قَبْلَهُ مِنْ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ وَمَنْ وَافَقَ هَؤُلَاءِ فَإِنَّ قَوْلَ الْإِمَامِ أَحْمَد وَقَوْلَ الْأَئِمَّةِ قَبْلَهُ هُوَ الْقَوْلُ الَّذِي جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ وَدَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَلَكِنْ لَمَّا اُمْتُحِنَ النَّاسُ بِمِحْنَةِ الْجَهْمِيَّة وَطُلِبَ مِنْهُمْ تَعْطِيلُ الصِّفَاتِ وَأَنْ يَقُولُوا بِأَنَّ الْقُرْآنَ مَخْلُوقٌ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُرَى فِي الْآخِرَةِ وَنَحْوُ ذَلِكَ ثَبَّتَ اللَّهُ الْإِمَامَ أَحْمَد فِي تِلْكَ الْمِحْنَةِ؛ فَدَفَعَ حُجَجَ الْمُعَارِضِينَ الْنُّفَاةِ وَأَظْهَرَ دَلَالَةَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِنَّ السَّلَفَ كَانُوا عَلَى الْإِثْبَاتِ فَآتَاهُ اللَّهُ مِنْ الصَّبْرِ وَالْيَقِينِ مَا صَارَ بِهِ إمَامًا لِلْمُتَّقِينَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} وَلِهَذَا قِيلَ فِيهِ رَحِمَهُ اللَّهُ عَنْ الدُّنْيَا مَا كَانَ أَصْبَرَهُ وَبِالْمَاضِينَ مَا كَانَ أَشْبَهَهُ. أَتَتْهُ الْبِدَعُ فَنَفَاهَا وَالدُّنْيَا فَأَبَاهَا فَلَمَّا ظَهَرَ بِهِ مِنْ السُّنَّةِ مَا ظَهَرَ كَانَ لَهُ مِنْ الْكَلَامِ فِي بَيَانِهَا وَإِظْهَارِهَا أَكْثَرُ وَأَعْظَمُ مِمَّا لِغَيْرِهِ فَصَارَ أَهْلُ السُّنَّةِ مِنْ عَامَّةِ الطَّوَائِفِ يُعَظِّمُونَهُ وَيَنْتَسِبُونَ إلَيْهِ. وَقَدْ ذَكَرْت كَلَامَهُ وَكَلَامَ غَيْرِهِ مِنْ الْأَئِمَّةِ وَنُصُوصَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فِي هَذِهِ الْأَبْوَابِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ وَبَيَّنَّا أَنَّ كُلَّ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ فَإِنَّهُ مُوَافِقٍ لِصَرِيحِ الْمَعْقُولِ وَأَنَّ الْعَقْلَ الصَّرِيحَ لَا يُخَالِفُ
(12/80)

النَّقْلَ الصَّحِيحَ وَلَكِنْ كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ يَغْلَطُونَ إمَّا فِي هَذَا وَإِمَّا فِي هَذَا فَمَنْ عَرَفَ قَوْلَ الرَّسُولِ وَمُرَادَهُ بِهِ كَانَ عَارِفًا بِالْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ وَلَيْسَ فِي الْمَعْقُولِ مَا يُخَالِفُ الْمَنْقُولَ؛ وَلِهَذَا كَانَ أَئِمَّةُ السُّنَّةِ عَلَى مَا قَالَهُ أَحْمَد بْنُ حَنْبَلٍ قَالَ: مَعْرِفَةُ الْحَدِيثِ وَالْفِقْهُ فِيهِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ حِفْظِهِ أَيْ " مَعْرِفَتُهُ " بِالتَّمْيِيزِ بَيْنَ صَحِيحِهِ وَسَقِيمِهِ. " وَالْفِقْهُ فِيهِ " مَعْرِفَةُ مُرَادِ الرَّسُولِ وَتَنْزِيلُهُ عَلَى الْمَسَائِلِ الْأُصُولِيَّةِ والفروعية أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ يُحْفَظَ مِنْ غَيْرِ مَعْرِفَةٍ وَفِقْهٍ. وَهَكَذَا قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ وَغَيْرُهُ مِنْ الْعُلَمَاءِ فَإِنَّهُ مَنْ احْتَجَّ بِلَفْظِ لَيْسَ بِثَابِتِ عَنْ الرَّسُولِ أَوْ بِلَفْظِ ثَابِتٍ عَنْ الرَّسُولِ وَحَمَلَهُ عَلَى مَا لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ فَإِنَّمَا أُتِيَ مِنْ نَفْسِهِ.
وَكَذَلِكَ " الْعَقْلِيَّاتُ الصَّرِيحَةُ " إذَا كَانَتْ مُقَدِّمَاتُهَا وَتَرْتِيبُهَا صَحِيحًا لَمْ تَكُنْ إلَّا حَقًّا لَا تُنَاقِضُ شَيْئًا مِمَّا قَالَهُ الرَّسُولُ وَالْقُرْآنُ قَدْ دَلَّ عَلَى الْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ الَّتِي بِهَا يُعْرَفُ الصَّانِعُ وَتَوْحِيدُهُ وَصِفَاتُهُ وَصِدْقُ رُسُلِهِ وَبِهَا يُعْرَفُ إمْكَانُ الْمَعَادِ. فَفِي الْقُرْآنِ مِنْ بَيَانِ أُصُولِ الدِّينِ الَّتِي تُعْلَمُ مُقَدَّمَاتُهَا بِالْعَقْلِ الصَّرِيحِ مَا لَا يُوجَدُ مَثَلُهُ فِي كَلَام أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ بَلْ عَامَّةُ مَا يَأْتِي بِهِ حُذَّاقُ النُّظَّارِ مِنْ الْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ يَأْتِي الْقُرْآنُ بِخُلَاصَتِهَا وَبِمَا هُوَ أَحْسَنُ مِنْهَا قَالَ تَعَالَى: {وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا} وَقَالَ: {وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ} وَقَالَ: {وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} .
(12/81)

وَأَمَّا الْحُجَجُ الدَّاحِضَةُ الَّتِي يَحْتَجُّ بِهَا الْمَلَاحِدَةُ وَحُجَجُ الْجَهْمِيَّة مُعَطِّلَةِ الصِّفَاتِ وَحُجَجُ الدَّهْرِيَّةِ وَأَمْثَالُهَا كَمَا يُوجَدُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي كَلَامِ الْمُتَأَخِّرِينَ الَّذِينَ يُصَنِّفُونَ فِي الْكَلَامِ الْمُبْتَدَعِ وَأَقْوَالِ الْمُتَفَلْسِفَةِ وَيَدَّعُونَ أَنَّهَا عَقْلِيَّاتٌ فَفِيهَا مِنْ الْجَهْلِ وَالتَّنَاقُضِ وَالْفَسَادِ مَا لَا يُحْصِيهِ إلَّا رَبُّ الْعِبَادِ. وَقَدْ بُسِطَ الْكَلَامُ عَلَى هَؤُلَاءِ فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ. وَكَانَ مِنْ أَسْبَابِ ضَلَالِ هَؤُلَاءِ تَقْصِيرُ الطَّائِفَتَيْنِ أَوْ قُصُورُهُمْ عَنْ مَعْرِفَةِ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ وَمَا كَانَ عَلَيْهِ السَّلَفُ وَمَعْرِفَةِ الْمَعْقُولِ الصَّرِيحِ؛ فَإِنَّ هَذَا هُوَ الْكِتَابُ وَهَذَا هُوَ الْمِيزَانُ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ لَا تَحْتَمِلُ الْبَسْطَ عَلَى هَذِهِ الْأُمُورِ؛ إذْ كَانَ الْمَقْصُودُ هُنَا التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّ هَؤُلَاءِ الْمُتَنَازِعِينَ أَجْمَعُوا عَلَى أَصْلٍ فَاسِدٍ ثُمَّ تَفَرَّقُوا فَأَجْمَعُوا عَلَى أَنْ جَعَلُوا عَيْنَ صِفَةِ الرَّبِّ الْخَالِقِ هِيَ عَيْنَ صِفَةِ الْمَخْلُوقِ. ثُمَّ قَالَ هَؤُلَاءِ: وَصِفَةُ الْمَخْلُوقِ مَخْلُوقَةٌ فَصِفَةُ الرَّبِّ مَخْلُوقَةٌ فَقَالَ هَؤُلَاءِ: صِفَةُ الرَّبِّ قَدِيمَةٌ فَصِفَةُ الْمَخْلُوقِ قَدِيمَةٌ ثُمَّ احْتَاجَ كُلٌّ مِنْهُمَا إلَى طَرْدِ أَصْلِهِ فَخَرَجُوا إلَى أَقْوَالٍ ظَاهِرَةِ الْفَسَادِ: خَرَجَ الْنُّفَاةِ إلَى أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَتَكَلَّمْ بِالْقُرْآنِ وَلَا بِشَيْءِ مِنْ الْكُتُبِ الْإِلَهِيَّةِ: لَا التَّوْرَاةِ وَلَا الْإِنْجِيلِ وَلَا غَيْرِهِمَا وَأَنَّهُ لَمْ
(12/82)

يُنَادِ مُوسَى بِنَفْسِهِ نِدَاءً يَسْمَعُهُ مِنْهُ مُوسَى وَلَا تَكَلَّمَ بِالْقُرْآنِ الْعَرَبِيِّ وَلَا التَّوْرَاةِ الْعِبْرِيَّةِ وَخَرَجَ هَؤُلَاءِ إلَى أَنَّ مَا يَقُومُ بِالْعِبَادِ وَيَتَّصِفُونَ بِهِ يَكُونُ قَدِيمًا أَزَلِيًّا وَأَنَّ مَا يَقُومُ بِهِمْ وَيَتَّصِفُونَ بِهِ لَا يَكُونُ قَائِمًا بِهِمْ حَالًّا فِيهِمْ بَلْ يَكُونُ ظَاهِرًا عَنْهُمْ مِنْ غَيْرِ قِيَامٍ بِهِمْ.
وَلَمَّا تَكَلَّمُوا فِي " حُرُوفِ الْمُعْجَمِ " صَارُوا بَيْنَ قَوْلَيْنِ: طَائِفَةٌ فَرَّقَتْ بَيْنَ الْمُتَمَاثِلَيْنِ فَقَالَتْ الْحَرْفُ حَرْفَانِ هَذَا قَدِيمٌ وَهَذَا مَخْلُوقٌ كَمَا قَالَ ابْنُ حَامِدٍ وَالْقَاضِي أَبُو يَعْلَى وَابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُمْ فَأَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ الْأَكْثَرُونَ وَقَالُوا هَذَا مُخَالَفَةٌ لِلْحِسِّ وَالْعَقْلِ فَإِنَّ حَقِيقَةَ هَذَا الْحَرْفِ هِيَ حَقِيقَةُ هَذَا الْحَرْفِ وَقَالُوا الْحَرْفُ حَرْفٌ وَاحِدٌ. وَصَنَّفَ فِي ذَلِكَ الْقَاضِي يَعْقُوبُ البرزبيني مُصَنَّفًا خَالَفَ بِهِ شَيْخَهُ الْقَاضِيَ أَبَا يَعْلَى مَعَ قَوْلِهِ فِي مُصَنَّفِهِ: وَيَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ مَا سَطَّرْته فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ ذَلِكَ مِمَّا اسْتَفَدْته وَتَفَرَّعَ عِنْدِي مِنْ شَيْخِنَا وَإِمَامِنَا الْقَاضِي أَبِي يَعْلَى بْنِ الْفَرَّاءِ وَإِنْ كَانَ قَدْ نَصَرَ خِلَافَ مَا ذَكَرْته فِي هَذَا الْبَابِ فَهُوَ الْعَالِمُ الْمُقْتَدَى بِهِ فِي عِلْمِهِ وَدِينِهِ فَإِنِّي مَا رَأَيْت أَحْسَنَ سَمْتًا مِنْهُ وَلَا أَكْثَرَ اجْتِهَادًا مِنْهُ وَلَا تَشَاغُلًا بِالْعِلْمِ مَعَ كَثْرَةِ الْعِلْمِ وَالصِّيَانَةِ وَالِانْقِطَاعِ عَنْ النَّاسِ وَالزَّهَادَةِ فِيمَا بِأَيْدِيهِمْ وَالْقَنَاعَةِ فِي الدُّنْيَا بِالْيَسِيرِ مَعَ حُسْنِ التَّجَمُّلِ وَعِظَمِ حِشْمَتِهِ عِنْدَ الْخَاصِّ وَالْعَامِّ وَلَمْ يَعْدِلْ بِهَذِهِ الْأَخْلَاقِ شَيْئًا مِنْ نَفَرِ مِنْ الدُّنْيَا.
(12/83)

وَذَكَرَ الْقَاضِي يَعْقُوبُ فِي مُصَنَّفِهِ أَنَّ مَا قَالَهُ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ أَحْمَد بْنِ الْمُسَيِّبِ الطبري وَحَكَاهُ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ أَفْضَلِ أَهْلِ طبرستان وَأَنَّهُ سَمِعَ الْفَقِيهَ عَبْدَ الْوَهَّابِ بْنَ حَلَبَة قَاضِي حَرَّانَ يَقُولُ: هُوَ مَذْهَبُ الْعَلَوِيِّ الْحَرَّانِي وَجَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ حَرَّانَ. وَذَكَرَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ حَامِدٍ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ طبرستان مِمَّنْ يَنْتَمِي إلَى مَذْهَبِنَا: كَأَبِي مُحَمَّدٍ الكشفل وَإِسْمَاعِيلَ الكاوذري فِي خَلْقٍ مِنْ أَتْبَاعِهِمْ يَقُولُونَ إنَّهَا قَدِيمَةٌ قَالَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى: وَكَذَلِكَ حُكِيَ لِي عَنْ طَائِفَةٍ بِالشَّامِ أَنَّهَا تَذْهَبُ إلَى ذَلِكَ مِنْهُمْ النَّابْلُسِيّ وَغَيْرُهُ وَذَكَرَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ أَنَّ أَبَاهُ رَجَعَ فِي آخِرِ عُمْرِهِ إلَى هَذَا. وَذَكَرُوهُ عَنْ الشَّرِيفِ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي مُوسَى وَتَبِعَهُمْ فِي ذَلِكَ الشَّيْخِ أَبُو الْفَرَجِ المقدسي وَابْنُهُ عَبْدُ الْوَهَّابِ وَسَائِر أَتْبَاعِهِ وَأَبُو الْحَسَنِ بْنُ الزَّاغُونِي وَأَمْثَالُهُ. وَذَكَرَ الْقَاضِي يَعْقُوبُ أَنَّ كَلَامَ أَحْمَد يَحْتَمِلُ الْقَوْلَيْنِ. وَهَؤُلَاءِ تَعَلَّقُوا بِقَوْلِ أَحْمَد لَمَّا قِيلَ لَهُ إنَّ سَرِيًّا السقطي قَالَ: لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الْأَحْرُفَ سَجَدَتْ لَهُ إلَّا الْأَلِفُ فَقَالَتْ لَا أَسْجُدُ حَتَّى أُؤْمَرَ. فَقَالَ أَحْمَد هَذَا كُفْرٌ. وَهَؤُلَاءِ تَعَلَّقُوا مِنْ قَوْلِ أَحْمَد بِقَوْلِهِ: كُلُّ شَيْءٍ مِنْ الْمَخْلُوقِينَ عَلَى لِسَانِ الْمَخْلُوقِينَ فَهُوَ مَخْلُوقٌ وَبِقَوْلِهِ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمَا تَمَّتْ صَلَاتُهُ بِالْقُرْآنِ كَمَا لَا تَتِمُّ بِغَيْرِهِ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ. وَبِقَوْلِ أَحْمَد
(12/84)

لَأَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ التِّرْمِذِيِّ: أَلَسْت مَخْلُوقًا؟ قَالَ بَلَى قَالَ أَلَيْسَ كُلُّ شَيْءٍ مِنْك مَخْلُوقًا؟ قَالَ بَلَى قَالَ فَكَلَامُك مِنْك وَهُوَ مَخْلُوقٌ.
قُلْت الَّذِي قَالَهُ أَحْمَد فِي هَذَا الْبَابِ صَوَابٌ يُصَدِّقُ بَعْضَهُ بَعْضًا وَلَيْسَ فِي كَلَامِهِ تَنَاقُضٌ وَهُوَ أَنْكَرَهُ عَلَى مَنْ قَالَ: إنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْحُرُوفَ؛ فَإِنَّ مَنْ قَالَ إنَّ الْحُرُوفَ مَخْلُوقَةٌ كَانَ مَضْمُونُ قَوْلِهِ: أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَتَكَلَّمْ بِقُرْآنِ عَرَبِيٍّ وَأَنَّ الْقُرْآنَ الْعَرَبِيَّ مَخْلُوقٌ وَنَصَّ أَحْمَد أَيْضًا عَلَى أَنَّ كَلَامَ الْآدَمِيِّينَ مَخْلُوقٌ وَلَمْ يَجْعَلْ شَيْئًا مِنْهُ غَيْرَ مَخْلُوقٍ وَكُلُّ هَذَا صَحِيحٌ وَالسَّرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ إنَّمَا ذَكَرَ ذَلِكَ عَنْ بَكْرِ بْنِ خنيس الْعَابِدِ فَكَانَ مَقْصُودُهُمَا بِذَلِكَ أَنَّ الَّذِي لَا يَعْبُدُ اللَّهَ إلَّا بِأَمْرِهِ هُوَ أَكْمَلُ مِمَّنْ يَعْبُدُهُ بِرَأْيِهِ مِنْ غَيْرِ أَمْرٍ مِنْ اللَّهِ وَاسْتَشْهَدَا عَلَى ذَلِكَ بِمَا بَلَغَهُمَا " {أَنَّهُ لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الْحُرُوفَ سَجَدَتْ لَهُ إلَّا الْأَلِفُ فَقَالَتْ لَا أَسْجُدُ حَتَّى أُؤْمَرَ} وَهَذَا الْأَثَرُ لَا يَقُومُ بِمِثْلِهِ حُجَّةٌ فِي شَيْءٍ وَلَكِنَّ مَقْصُودَهُمَا ضَرْبُ الْمَثَلِ أَنَّ الْأَلِفَ مُنْتَصِبَةٌ فِي الْخَطِّ لَيْسَتْ هِيَ مُضْطَجِعَةً كَالْبَاءِ وَالتَّاءِ فَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ حَتَّى يُؤْمَرَ أَكْمَلُ مِمَّنْ فَعَلَ بِغَيْرِ أَمْرٍ. وَأَحْمَد أَنْكَرَ قَوْلَ الْقَائِلِ إنَّ اللَّهَ لَمَّا خَلَقَ الْحُرُوفَ وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ قَالَ إنَّ حَرْفًا مِنْ حُرُوفِ الْمُعْجَمِ مَخْلُوقٌ فَهُوَ جهمي لِأَنَّهُ سَلَكَ طَرِيقًا إلَى الْبِدْعَةِ وَمَنْ قَالَ إنْ ذَلِكَ مَخْلُوقٌ فَقَدْ قَالَ إنَّ الْقُرْآنَ مَخْلُوقٌ. وَأَحْمَد قَدْ صَرَّحَ هُوَ وَغَيْرُهُ مِنْ الْأَئِمَّةِ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّمًا إذَا
(12/85)

شَاءَ وَصَرَّحَ أَنَّ اللَّهَ يَتَكَلَّمُ بِمَشِيئَتِهِ وَلَكِنْ أَتْبَاعُ ابْنِ كُلَّابٍ كَالْقَاضِي وَغَيْرِهِ تَأَوَّلُوا كَلَامَهُ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ إذَا شَاءَ الْإِسْمَاعَ؛ لِأَنَّهُ عِنْدَهُمْ لَمْ يَتَكَلَّمْ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ. وَصَرَّحَ أَحْمَد وَغَيْرُهُ مِنْ السَّلَفِ أَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْ السَّلَفِ إنَّ اللَّهَ تَكَلَّمَ بِغَيْرِ مَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ وَلَا قَالَ أَحَدٌ مِنْهُمْ إنَّ نَفْسَ الْكَلَامِ الْمُعَيَّنِ كَالْقُرْآنِ أَوْ نِدَائِهِ لِمُوسَى أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِهِ الْمُعَيَّنِ أَنَّهُ قَدِيمٌ أَزَلِيٌّ لَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَالُ وَإِنَّ اللَّهَ قَامَتْ بِهِ حُرُوفٌ مُعَيَّنَةٌ أَوْ حُرُوفٌ وَأَصْوَاتٌ مُعَيَّنَةٌ قَدِيمَةٌ أَزَلِيَّةٌ لَمْ تَزَلْ وَلَا تَزَالُ فَإِنَّ هَذَا لَمْ يَقُلْهُ وَلَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُ أَحْمَد وَلَا غَيْرِهِ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ بَلْ كَلَامُ أَحْمَد وَغَيْرِهِ مِنْ الْأَئِمَّةِ صَرِيحٌ فِي نَقِيضِ هَذَا وَأَنَّ اللَّهَ يَتَكَلَّمُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ وَأَنَّهُ لَمْ يَزَلْ يَتَكَلَّمُ إذَا شَاءَ مَعَ قَوْلِهِمْ إنَّ كَلَامَ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ وَإِنَّهُ مِنْهُ بَدَأَ؛ لَيْسَ بِمَخْلُوقِ ابْتَدَأَ مِنْ غَيْرِهِ وَنُصُوصُهُمْ بِذَلِكَ كَثِيرَةٌ مَعْرُوفَةٌ فِي الْكُتُبِ الثَّابِتَةِ عَنْهُمْ مِثْلِ مَا صَنَّفَ أَبُو بَكْرٍ الْخَلَّالُ فِي " كِتَابِ السُّنَّةِ " وَغَيْرِهِ وَمَا صَنَّفَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ كَلَامِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ وَمَا صَنَّفَهُ أَصْحَابُهُ وَأَصْحَابُ أَصْحَابِهِ: كَابْنَيْهِ صَالِحٍ وَعَبْدِ اللَّهِ وَحَنْبَلٍ وَأَبِي دَاوُد السجستاني صَاحِبِ " السُّنَنِ " وَالْأَثْرَمِ والمروذي وَأَبِي زُرْعَةَ وَأَبِي حَاتِمٍ وَالْبُخَارِيِّ صَاحِبِ الصَّحِيحِ وَعُثْمَانَ بْنِ سَعِيدٍ الدارمي وَإِبْرَاهِيمَ الْحَرْبِيِّ وَعَبْدِ الْوَهَّابِ الْوَرَّاقِ
(12/86)

وَعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْعَظِيمِ الْعَنْبَرِيِّ وَحَرْبِ بْنِ إسْمَاعِيلَ الكرماني وَمَنْ لَا يُحْصَى عَدَدُهُ مِنْ أَكَابِرِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالدِّينِ وَأَصْحَابِ أَصْحَابِهِ مِمَّنْ جَمَعَ كَلَامَهُ وَأَخْبَارَهُ: كَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي حَاتِمٍ وَأَبِي بَكْرٍ الْخَلَّالِ وَأَبِي الْحَسَنِ البناني الأصبهاني وَأَمْثَالِ هَؤُلَاءِ وَمَنْ كَانَ أَيْضًا يَأْتَمُّ بِهِ وَبِأَمْثَالِهِ مِنْ الْأَئِمَّةِ فِي الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ: كَأَبِي عِيسَى التِّرْمِذِيِّ صَاحِبِ الْجَامِعِ وَأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ النَّسَائِي وَأَمْثَالِهِمَا وَمَثَلُ أَبِي مُحَمَّدِ بْنِ قُتَيْبَةَ وَأَمْثَالِهِ وَبَسْطُ هَذَا لَهُ مَوْضِعٌ آخَرُ. وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي " الْمَسَائِلِ الطبرستانية " وَ " الكيلانية " بَسْطَ مَذَاهِبِ النَّاسِ وَكَيْفَ تَشَعَّبَتْ وَتَفَرَّعَتْ فِي هَذَا الْأَصْلِ. وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّ كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ الْمُتَأَخِّرِينَ لَمْ يَعْرِفُوا حَقِيقَةَ كَلَامِ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ فَمِنْهُمْ مَنْ يُعَظِّمُهُمْ وَيَقُولُ إنَّهُ مُتَّبِعٌ لَهُمْ مَعَ أَنَّهُ مُخَالِفٌ لَهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَظُنُّ أَنَّهُمْ كَانُوا لَا يَعْرِفُونَ أُصُولَ الدِّينِ وَلَا تَقْرِيرَهَا بِالدَّلَائِلِ الْبُرْهَانِيَّةِ وَذَلِكَ لِجَهْلِهِ بِعِلْمِهِمْ؛ بَلْ لِجَهْلِهِ بِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ مِنْ الْحَقِّ الَّذِي تَدُلُّ عَلَيْهِ الدَّلَائِلُ الْعَقْلِيَّةُ مَعَ السَّمْعِيَّةِ؛ فَلِهَذَا يُوجَدُ كَثِيرٌ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ يَشْتَرِكُونَ فِي أَصْلٍ فَاسِدٍ ثُمَّ يُفَرِّعُ كُلُّ قَوْمٍ عَلَيْهِ فُرُوعًا فَاسِدَةً يَلْتَزِمُونَهَا كَمَا صَرَّحُوا فِي تَكَلُّمِ اللَّهِ تَعَالَى بِالْقُرْآنِ الْعَرَبِيِّ وَبِالتَّوْرَاةِ الْعِبْرِيَّةِ وَمَا فِيهِمَا مِنْ حُرُوفِ الْهِجَاءِ مُؤَلَّفًا أَوْ مُفْرَدًا لَمَّا رَأَوْا أَنَّ ذَلِكَ بَلَغَ بِصِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ اشْتَبَهَ بِصِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ فَلَمْ يَهْتَدُوا لِمَوْضِعِ
(12/87)

الْجَمْعِ وَالْفَرْقِ فَقَالَ هَؤُلَاءِ: هَذَا الَّذِي يُقْرَأُ وَيُسْمَعُ مِثْلَ كَلَامِ الْمَخْلُوقِينَ فَهُوَ مَخْلُوقٌ. وَقَالَ هَؤُلَاءِ: هَذَا الَّذِي مِنْ كَلَامِ الْآدَمِيِّينَ هُوَ مِثْلُ كَلَامِ اللَّهُ فَيَكُونُ غَيْرَ مَخْلُوقٍ كَمَا ذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي " كِتَابِ الْإِرْشَادِ " عَنْ بَعْضِ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ الْقُرْآنَ مَخْلُوقٌ فَقَالَ: شُبْهَةٌ اُعْتُرِضَ بِهَا عَلَى بَعْضِ أَئِمَّتِهِمْ فَقَالَ: أَقَلُّ مَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ أَمَارَاتِ الْحَدَثِ كَوْنُهُ مُشْبِهًا لِكَلَامِنَا وَالْقَدِيمُ لَا يُشْبِهُ الْمُحْدَثِ وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ دَفْعُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ لِغُلَامِهِ يَحْيَى: يَا يَحْيَى خُذْ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ يُضَاهِي قَوْلَهُ سُبْحَانَهُ حَتَّى لَا يُمَيِّزُ السَّامِعُ بَيْنَهُمَا مِنْ حَيْثُ حِسُّهُ إلَّا أَنْ يُخْبِرَهُ أَحَدُهُمَا بِقَصْدِهِ وَالْآخِرُ بِقَصْدِهِ فَيُمَيِّزُ بَيْنَهُمَا بِخَبَرِ الْقَائِلِ لَا بِحِسِّهِ وَإِذَا اشْتَبَهَا إلَى هَذَا الْحَدِّ فَكَيْفَ يَجُوزُ دَعْوَى قِدَمِ مَا يُشَابِهُ الْمُحْدَثَ وَيَسُدُّ مَسَدَّهُ مَعَ أَنَّهُ إنْ جَازَ دَعْوَى قِدَمِ الْكَلَامِ مَعَ كَوْنِهِ مُشَاهِدًا لِلْمُحْدَثِ جَازَ دَعْوَى التَّشْبِيهِ بِظَوَاهِرِ الْآيِ وَالْأَخْبَارِ وَلَا مَانِعَ مِنْ ذَلِكَ فَلَمَّا فَزِعْنَا نَحْنُ وَأَنْتُمْ إلَى نَفْيِ التَّشْبِيهِ خَوْفًا مِنْ جَوَابِ دُخُولِ الْقُرْآنِ بِالْحَدَثِ عَلَيْنَا كَذَلِكَ يَجِبُ أَنْ تَفْزَعُوا مِنْ الْقَوْلِ بِالْقِدَمِ مَعَ وُجُودِ الشَّبَهِ حَتَّى إنَّ بَعْضَ أَصْحَابِكُمْ يَقُولُ لِقُوَّةِ مَا رَأَى مِنْ الشَّبَهِ بَيْنَهُمَا إنَّ الْكَلَامَ وَاحِدٌ وَالْحُرُوفُ غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ فِي الشَّيْءِ الْوَاحِدِ إنَّهُ قَدِيمٌ مُحْدَثٌ.
(12/88)

قُلْت: وَهَذَا الَّذِي حَكَى عَنْهُ ابْنُ عَقِيلٍ مِنْ بَعْضِ الْأَصْحَابِ الْمَذْكُورِينَ مِنْهُمْ الْقَاضِي يَعْقُوبُ البرزبيني ذَكَرَهُ فِي مُصَنَّفِهِ فَقَالَ: دَلِيلٌ عَاشِرٌ وَهُوَ أَنَّ هَذِهِ الْحُرُوفَ بِعَيْنِهَا وَصِفَتِهَا وَمَعْنَاهَا وَفَائِدَتِهَا هِيَ الَّتِي فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَفِي أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَالْكِتَابُ بِحُرُوفِهِ قَدِيمٌ؛ وَكَذَلِكَ هَاهُنَا. قَالَ: فَإِنْ قِيلَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ تِلْكَ لَهَا حُرْمَةٌ وَهَذِهِ لَا حُرْمَةَ لَهَا قِيلَ: لَا نُسَلِّمُ بَلْ لَهَا حُرْمَةٌ. فَإِنْ قِيلَ: لَوْ كَانَ لَهَا حُرْمَةٌ لَوَجَبَ أَنْ تُمْنَعَ الْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ مِنْ مَسِّهَا وَقِرَاءَتِهَا قِيلَ: قَدْ لَا تُمْنَعُ مِنْ قِرَاءَتِهَا وَمَسِّهَا وَيَكُونُ لَهَا حُرْمَةٌ كَبَعْضِ آيَةٍ لَا تُمْنَعُ مِنْ قِرَاءَتِهَا وَلَهَا حُرْمَةٌ وَهِيَ قَدِيمَةٌ وَإِنَّمَا لَمْ تُمْنَعْ مِنْ قِرَاءَتِهَا وَمَسِّهَا لِلْحَاجَةِ إلَى تَعْلِيمِهَا كَمَا يُقَالُ فِي الصَّبِيِّ يَجُوزُ لَهُ مَسُّ الْمُصْحَفِ عَلَى غَيْرِ طِهَارَةٍ لِلْحَاجَةِ إلَى تَعْلِيمِهِ. فَإِنْ قِيلَ: فَيَجِبُ إذَا حَلَفَ بِهَا حَالِفٌ أَنْ تَنْعَقِدَ يَمِينُهُ وَإِذَا خَالَفَ يَمِينَهُ أَنْ يَحْنَثَ قِيلَ لَهُ: كَمَا فِي حُرُوفِ الْقُرْآنِ مِثْلَهُ نَقُولُ هُنَا. فَإِنْ قِيلَ: أَلَيْسَ إذَا وَافَقَهَا فِي هَذِهِ الْمَعَانِي دَلَّ عَلَى أَنَّهَا هِيَ أَلَا تَرَى أَنَّهُ إذَا تَكَلَّمَ مُتَكَلِّمٌ بِكَلِمَةِ يَقْصِدُ بِهَا خِطَابَ آدَمِيٍّ فَوَافَقَ صِفَتُهَا صِفَةَ مَا فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى مِثْلُ قَوْلِهِ يَا دَاوُد يَا نُوحُ يَا يَحْيَى وَغَيْرُ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ مُوَافِقٌ لِهَذِهِ الْأَسْمَاءِ الَّتِي فِي كِتَابِ اللَّهِ وَإِنْ
(12/89)

كَانَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ قَدِيمَةً وَفِي خِطَابِ الْآدَمِيِّ مُحْدَثَةً؟ . قِيلَ: كُلُّ مَا كَانَ مُوَافِقًا لِكِتَابِ اللَّهِ مِنْ الْكَلَامِ فِي لَفْظِهِ وَنَظْمِهِ وَحُرُوفِهِ فَهُوَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَإِنْ قَصَدَ بِهِ خِطَابَ آدَمِيٍّ. فَإِنْ قِيلَ: فَيَجِبُ إذَا أَرَادَ بِهَذِهِ الْأَسْمَاءِ آدَمِيًّا وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ أَنْ لَا تَبْطُلَ صَلَاتُهُ. قِيلَ لَهُ: كَذَلِكَ نَقُولُ وَقَدْ وَرَدَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ وَغَيْرِهِ؛ إذْ نَادَاهُ رَجُلٌ مَنَّ الْخَوَارِجِ: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} قَالَ: فَأَجَابَهُ عَلِيٌّ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ: {فَاصْبِرْ إنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ} . وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ اسْتَأْذَنَ عَلَيْهِ بَعْضُ أَصْحَابِهِ فَقَالَ: {ادْخُلُوا مِصْرَ إنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ} . قَالَ: فَإِنْ قِيلَ: أَلَيْسَ إذَا قَالَ: {يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ} وَنَوَى بِهِ خِطَابَ غُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى يَكُونُ الْخِطَابُ مَخْلُوقًا؟ وَإِنْ نَوَى بِهِ الْقُرْآنَ يَكُونُ قَدِيمًا قِيلَ لَهُ: فِي كِلَا الْحَالَيْنِ يَكُونُ قَدِيمًا؛ لِأَنَّ الْقَدِيمَ عِبَارَةٌ عَمَّا كَانَ مَوْجُودًا فِيمَا لَمْ يَزَلْ وَالْمُحْدَثُ عِبَارَةٌ عَمَّا حَدَثَ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ وَالنِّيَّةُ لَا تَجْعَلُ الْمُحْدَثَ قَدِيمًا وَلَا الْقَدِيمَ مُحْدَثًا قَالَ: وَمَنْ قَالَ هَذَا فَقَدْ بَالَغَ فِي الْجَهْلِ وَالْخَطَأِ.
(12/90)

وَقَالَ أَيْضًا: كُلُّ شَيْءٍ يُشَبَّهُ بِشَيْءِ مَا فَإِنَّمَا يُشْبِهُهُ فِي بَعْضِ الْأَشْيَاءِ دُونَ بَعْضٍ وَلَا يُشْبِهُهُ مِنْ جَمِيعِ أَحْوَالِهِ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ مِثْلَهُ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِ كَانَ هُوَ لَا غَيْرُهُ وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ هَذِهِ الْحُرُوفَ تُشْبِهُ حُرُوفَ الْقُرْآنِ فَهِيَ غَيْرُهَا. اهـ.
قُلْت: هَذَا كَلَامُ الْقَاضِي يَعْقُوبَ وَأَمْثَالِهِ مَعَ أَنَّهُ أَجَلُّ مَنْ تَكَلَّمَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَلَمَّا كَانَ جَوَابُهُ مُشْتَمِلًا عَلَى مَا يُخَالِفُ النَّصَّ وَالْإِجْمَاعَ وَالْعَقْلَ خَالَفَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ مِنْ أَئِمَّةِ الْمَذْهَبِ الَّذِينَ هُمْ أَعْلَمُ بِهِ.
وَأَجَابَ ابْنُ عَقِيلٍ عَنْ سُؤَالِ الَّذِينَ قَالُوا هَذَا مِثْلُ هَذَا بِأَنْ قَالَ: الِاشْتِرَاكُ فِي الْحَقِيقَةِ لَا يَدُلُّ عَلَى الِاشْتِرَاكِ فِي الْحُدُوثِ كَمَا أَنَّ كَوْنَهُ عَالِمًا هُوَ تَبَيُّنُهُ لِلشَّيْءِ عَلَى أَصْلِكُمْ وَمَعْرِفَتُهُ بِهِ عَلَى قَوْلِنَا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَتَبَيَّنُهُ الْوَاحِدُ مِنَّا وَلَيْسَ مُمَاثِلًا لَنَا فِي كَوْنِنَا عَالِمِينَ. وَكَذَلِكَ كَوْنُهُ قَادِرًا هُوَ صِحَّةُ الْفِعْلِ مِنْهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَلَيْسَتْ قُدْرَتُهُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي قَدَرْنَا عَلَيْهَا فَلَيْسَ الِاشْتِرَاكُ فِي الْحَقِيقَةِ حَاصِلًا وَالِافْتِرَاقُ فِي الْقِدَمِ وَالْحُدُوثِ حَاصِلٌ. قَالَ: " وَجَوَابٌ آخَرُ " لَا نَقُولُ إنَّ اللَّهَ يَتَكَلَّمُ بِكَلَامِهِ عَلَى
(12/91)

الْوَجْهِ الَّذِي يَتَكَلَّمُ بِهِ زَيْدٌ بِمَعْنَى أَنَّهُ يَقُولُ: يَا يَحْيَى فَإِذَا فَرَغَ مِنْ ذَلِكَ انْتَقَلَ إلَى قَوْلِهِ خُذْ الْكِتَابَ بِقُوَّةِ وَتَرَتَّبَ فِي الْوُجُودِ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يَتَكَلَّمُ بِهِ عَلَى وَجْهٍ تَعْجِزُ عَنْ مَثَلِهِ أَدَوَاتُنَا. فَمَا ذَكَرْته مِنْ الِاشْتِبَاهِ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ يَا يَحْيَى خُذْ الْكِتَابَ يَعُودُ إلَى اشْتِبَاهِ التِّلَاوَةِ بِالْكَلَامِ الْمُحْدَثِ فَأَمَّا أَنَّهُ يُشَابِهُ الْكَلَامَ الْقَائِمَ بِذَاتِهِ فَلَا. قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: قَالُوا فَهَذَا لَا يَجِيءُ عَلَى مَذْهَبِكُمْ؛ فَإِنَّ عِنْدَكُمْ التِّلَاوَةُ هِيَ الْمَتْلُوُّ وَالْقِرَاءَةُ هِيَ الْمَقْرُوءُ. قِيلَ: لَيْسَ مَعْنَى قَوْلِنَا هِيَ الْمَتْلُوُّ أَنَّهَا هَذِهِ الْأَصْوَاتُ الْمُقَطَّعَةُ وَإِنَّمَا نُرِيدُ بِهِ مَا يَظْهَرُ مِنْ الْحُرُوفِ الْقَدِيمَةِ فِي الْأَصْوَاتِ الْمُحْدَثَةِ وَظُهُورُهَا فِي الْمُحْدَثِ لَا بُدَّ أَنْ يُكْسِبَهَا صِفَةَ التَّقْطِيعِ لِاخْتِلَافِ الْأَنْفَاسِ وَإِدَارَةِ اللَّهُوَّاتِ؛ لِأَنَّ الْآلَةَ الَّتِي تَظْهَرُ عَلَيْهَا لَا تَحْمِلُ الْكَلَامَ إلَّا عَلَى وَجْهِ التَّقْطِيعِ وَكَلَامُ الْبَارِي قَائِمٌ بِذَاتِهِ عَلَى خِلَافِ هَذَا التَّقْطِيعِ وَالِابْتِدَاءِ وَالِانْتِهَاءِ وَالتَّكْرَارِ والبعدية والقبلية. وَمَنْ قَالَ ذَلِكَ لَمْ يَعْرِفْ حَدَّ الْقَدِيمِ وَادَّعَى قِدَمَ الْأَعْرَاضِ وَتَقَطُّعَ الْقَدِيمِ وَتَقَطُّعُ الْقَدِيمِ عَرَضٌ لَا يَقُومُ بِقَدِيمِ وَمَنْ اعْتَقَدَ أَنَّ كَلَامَ اللَّهِ الْقَائِمَ بِذَاتِهِ عَلَى حَدِّ تِلَاوَةِ التَّالِي مِنْ الْقَطْعِ وَالْوَصْلِ وَالتَّقْرِيبِ وَالتَّبْعِيدِ والبعدية والقبلية فَقَدْ شَبَّهَ اللَّهَ بِخَلْقِهِ. وَلِهَذَا رُوِيَ فِي الْخَبَرِ " {أَنَّ مُوسَى سَأَلَهُ بَنُو إسْرَائِيلَ كَيْفَ سَمِعْت كَلَامَ رَبِّك؟ قَالَ كَالرَّعْدِ الَّذِي لَا يَتَرَجَّعُ} يَعْنِي يَنْقَطِعُ لِعَدَمِ قَطْعِ الْأَنْفَاسِ وَعَدَمِ الْأَنْفَاسِ وَالْآلَاتِ وَالشِّفَاهِ
(12/92)

وَاللُّهُوَاتِ وَمَنْ قَالَ غَيْرَ ذَلِكَ وَتَوَهَّمَ أَنَّ اللَّهَ تَكَلَّمَ عَلَى لِسَانِ التَّالِي أَوْ الْكَلَامُ الَّذِي قَامَ بِذَاتِهِ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ مِنْ التَّقْطِيعِ وَالْوَصْلِ وَالتَّقْرِيبِ وَالتَّبْعِيدِ: فَقَدْ حَكَمَ بِهِ مُحْدَثًا؛ لِأَنَّ الدَّلَالَةَ عَلَى حُدُوثِ الْعَالَمِ هُوَ الِاجْتِمَاعُ وَالِافْتِرَاقُ؛ وَلِأَنَّ هَذِهِ مِنْ صِفَافِ الْأَدَوَاتِ اهـ.
قُلْت فَهَذَا الَّذِي قَالَهُ ابْنُ عَقِيلٍ أَقَلُّ خَطَأً مِمَّا قَالَهُ البرزبيني فَإِنَّ ذَلِكَ مُخَالِفٌ لِلنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ وَالْعَقْلِ مُخَالَفَةً ظَاهِرَةً فَإِنَّهُ قَدْ ثَبَتَ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ أَنَّ مَنْ تَكَلَّمَ فِي الصَّلَاةِ بِكَلَامِ الْآدَمِيِّينَ عَامِدًا لِغَيْرِ مَصْلَحَتِهَا عَالِمًا بِالتَّحْرِيمِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ بِالْإِجْمَاعِ خِلَافَ مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي يَعْقُوبُ وَمَتَى قَصَدَ بِهِ التِّلَاوَةَ لَمْ تَبْطُلْ بِالْإِجْمَاعِ وَإِنْ قَصَدَ بِهِ التِّلَاوَةَ وَالْخِطَابَ فَفِيهِ نِزَاعٌ وَظَاهِرُ مَذْهَبِ أَحْمَد لَا تَبْطُلُ كَمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ وَقِيلَ تَبْطُلُ كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَغَيْرِهِ. وَمَا ذَكَرُوهُ عَنْ الصَّحَابَةِ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ؛ فَإِنَّ قَوْلَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: {فَاصْبِرْ إنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ} هُوَ كَلَامُ اللَّهِ وَلَمْ يَقْصِدْ عَلِيٌّ أَنْ يَقُولَ لِلْخَارِجِيِّ: وَلَا يَسْتَخِفَّنك الْخَوَارِجُ؛ وَإِنَّمَا قَصَدَ أَنْ يُسْمِعَهُ الْآيَةَ وَأَنَّهُ عَامِلٌ بِهَا صَابِرٌ لَا يَسْتَخِفُّهُ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ وَابْنُ مَسْعُودٍ قَالَ لَهُمْ وَهُوَ بِالْكُوفَةِ: {ادْخُلُوا مِصْرَ إنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ} . وَمَعْلُومٌ أَنَّ مِصْرَ بِلَا تَنْوِينٍ هِيَ مِصْرُ الْمَدِينَةُ وَهَذِهِ لَمْ تَكُنْ بِالْكُوفَةِ. وَابْنُ مَسْعُودٍ إنَّمَا كَانَ بِالْكُوفَةِ؛ فَعُلِمَ أَنَّهُ قَصَدَ تِلَاوَةَ الْآيَةِ وَقَصَدَ مَعَ
(12/93)

ذَلِكَ تَنْبِيهَ الْحَاضِرِينَ عَلَى الدُّخُولِ؛ فَإِنَّهُمْ سَمِعُوا قَوْلَهُ اُدْخُلُوا فَعَلِمُوا أَنَّهُ أَذِنَ لَهُمْ فِي الدُّخُولِ وَإِنْ كَانَ هُوَ تَلَا الْآيَةَ فَهَذَا هَذَا. وَأَمَّا جَوَابُ ابْنِ عَقِيلٍ فَبَنَاهُ عَلَى أَصْلِ ابْنِ كُلَّابٍ الَّذِي يَعْتَقِدُهُ هُوَ وَشَيْخُهُ وَغَيْرُهُمَا وَهُوَ الْأَصْلُ الَّذِي وَافَقُوا فِيهِ ابْنَ كُلَّابٍ وَمَنْ اتَّبَعَهُ كَالْأَشْعَرِيِّ وَغَيْرِهِ وَهُوَ أَنَّ اللَّهَ لَا يَتَكَلَّمُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ وَأَنَّهُ لَيْسَ فِيمَا يَقُومُ بِهِ شَيْءٌ يَكُونُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ؛ لِامْتِنَاعِ قِيَامِ الْأُمُورِ الِاخْتِيَارِيَّةِ بِهِ عِنْدَهُمْ؛ لِأَنَّهَا حَادِثَةٌ وَاَللَّهُ لَا يَقُومُ بِهِ حَادِثٌ عِنْدَهُمْ؛ وَلِهَذَا تَأَوَّلُوا النُّصُوصَ الْمُنَاقِضَةَ لِهَذَا الْأَصْلِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ} فَإِنَّ هَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ سَيَرَى الْأَعْمَالَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: {ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} وَقَوْلِهِ: {وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ} وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: {قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} فَإِنَّ هَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ يُحِبُّهُمْ بَعْدَ اتِّبَاعِ الرَّسُولِ. وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى {وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ} فَإِنَّ هَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ قَالَ لَهُمْ بَعْدَ خَلْقِ آدَمَ وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى {فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ} يَقْتَضِي أَنَّهُ نُودِيَ لَمَّا أَتَاهَا لَمْ يُنَادِ قَبْلَ ذَلِكَ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: {إنَّمَا أَمْرُهُ إذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} وَمِثْلُ هَذَا فِي الْقُرْآنِ كَثِيرٌ.
(12/94)

وَهَذَا الْأَصْلُ هُوَ مِمَّا أَنْكَرَهُ الْإِمَامُ أَحْمَد عَلَى ابْنِ كُلَّابٍ وَأَصْحَابِهِ حَتَّى عَلَى الْحَارِثِ الْمُحَاسِبِيَّ مَعَ جَلَالَةِ قَدْرِ الْحَارِثِ وَأَمَرَ أَحْمَد بِهَجْرِهِ وَهَجْرِ الْكُلَّابِيَة وَقَالَ: احْذَرُوا مِنْ حَارِثٍ الْآفَةُ كُلُّهَا مِنْ حَارِثٍ فَمَاتَ الْحَارِثُ وَمَا صَلَّى عَلَيْهِ إلَّا نَفَرٌ قَلِيلٌ بِسَبَبِ تَحْذِيرِ الْإِمَامِ أَحْمَد عَنْهُ مَعَ أَنَّ فِيهِ مِنْ الْعِلْمِ وَالدِّينِ مَا هُوَ أَفْضَلُ مِنْ عَامَّةِ مَنْ وَافَقَ ابْنَ كُلَّابٍ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ وَقَدْ قِيلَ إنَّ الْحَارِثَ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ وَأَقَرَّ بِأَنَّ اللَّهَ يَتَكَلَّمُ بِصَوْتِ كَمَا حَكَى عَنْهُ ذَلِكَ صَاحِبُ " التَّعَرُّفُ لِمَذْهَبِ التَّصَوُّفِ " أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحَاقَ الكلاباذي. وَكَثِيرٌ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد وَأَبِي حَنِيفَةَ وَافَقُوا ابْنَ كُلَّابٍ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ كَمَا قَدْ بُسِطَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ. وَاخْتَلَفَ كَلَامُ ابْنِ عَقِيلٍ فِي هَذَا الْأَصْلِ فَتَارَةً يَقُولُ بِقَوْلِ ابْنِ كُلَّابٍ وَتَارَةً يَقُولُ بِمَذْهَبِ السَّلَفِ وَأَهْلِ الْحَدِيثِ أَنَّ اللَّهَ تَقُومُ بِهِ الْأُمُورُ الِاخْتِيَارِيَّةُ وَيَقُولُ إنَّهُ قَامَ بِهِ أَبْصَارُ مُتَجَدِّدَةٌ حِينَ تَجَدُّدِ الْمَرْئِيَّاتِ لَمْ تَكُنْ قَبْلَ ذَلِكَ وَقَامَ بِهِ عِلْمٌ بِأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ وُجِدَ غَيْرُ الْعِلْمِ الَّذِي كَانَ أَوَّلًا أَنَّهُ سَيُوجَدُ كَمَا دَلَّ عَلَى ذَلِكَ عِدَّةُ آيَاتٍ فِي الْقُرْآنِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ} وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَكَلَامُهُ فِي هَذَا الْأَصْلِ وَغَيْرِهِ يَخْتَلِفُ تَارَةً يَقُولُ بِهَذَا وَتَارَةً يَقُولُ بِهَذَا فَإِنَّ هَذِهِ الْمَوَاضِعَ مَوَاضِعُ
(12/95)

مُشْكِلَةٌ كَثُرَ فِيهَا غَلَطُ النَّاسِ؛ لِمَا فِيهَا مِنْ الِاشْتِبَاهِ وَالِالْتِبَاسِ.
وَالْجَوَابُ الْحَقُّ: أَنَّ كَلَامَ اللَّهِ لَا يُمَاثِلُ كَلَامَ الْمَخْلُوقِينَ كَمَا لَا يُمَاثِلُ فِي شَيْءٍ مِنْ صِفَاتِهِ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ وَقَوْلُ الْقَائِلِ: إنَّ الِاشْتِرَاكَ فِي الْحَقِيقَةِ لَا يَدُلُّ عَلَى الِاشْتِرَاكِ فِي الْحُدُوثِ لَفْظٌ مُجْمَلٌ فَإِنَّا إذَا قُلْنَا: لِلَّهِ عِلْمٌ وَلَنَا عِلْمٌ أَوْ لَهُ قُدْرَةٌ وَلَنَا قُدْرَةٌ أَوْ لَهُ كَلَامٌ وَلَنَا كَلَامٌ أَوْ تَكَلَّمَ بِصَوْتِ وَنَحْنُ نَتَكَلَّمُ بِصَوْتِ وَقُلْنَا صِفَةُ الْخَالِقِ وَصِفَةُ الْمَخْلُوقِ اشْتَرَكَتَا فِي الْحَقِيقَةِ - فَإِنْ أُرِيدَ بِذَلِكَ أَنَّ حَقِيقَتَهُمَا وَاحِدَةٌ بِالْعَيْنِ فَهَذَا مُخَالِفٌ لِلْحِسِّ وَالْعَقْلِ وَالشَّرْعِ وَإِنْ أُرِيدَ بِذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ مُمَاثِلَةٌ لِهَذِهِ فِي الْحَقِيقَةِ وَإِنَّمَا اخْتَلَفَتَا فِي الصِّفَاتِ الْعَرَضِيَّةِ كَمَا قَالَ ذَلِكَ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ - وَقَدْ بَيَّنَ فَسَادَ ذَلِكَ فِي الْكَلَامِ عَلَى " الْأَرْبَعِينَ " للرازي وَغَيْرِ ذَلِكَ - فَهَذَا أَيْضًا مَنْ أَبْطَلَ الْبَاطِلِ وَذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ أَنْ تَكُونَ حَقِيقَةُ ذَاتِ الْبَارِي عَزَّ وَجَلَّ مُمَاثِلَةً لِحَقِيقَةِ ذَوَاتِ الْمَخْلُوقِينَ. وَإِنْ أُرِيدَ بِذَلِكَ أَنَّهُمَا اشْتَرَكَا فِي مُسَمَّى الْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَالْكَلَامِ فَهَذَا صَحِيحٌ كَمَا أَنَّهُ إذَا قِيلَ: إنَّهُ مَوْجُودٌ أَوْ إنَّ لَهُ ذَاتًا فَقَدْ اشْتَرَكَا فِي مُسَمَّى الْوُجُودِ وَالذَّاتِ لَكِنَّ هَذَا الْمُشْتَرِكَ أَمْرٌ كُلِّيٌّ لَا يُوجَدُ كُلِّيًّا إلَّا فِي الْأَذْهَانِ لَا فِي الْأَعْيَانِ فَلَيْسَ فِي الْخَارِجِ شَيْءٌ اشْتَرَكَ فِيهِ مَخْلُوقَانِ كَاشْتِرَاكِ الْجُزْئِيَّاتِ فِي كُلِّيَّاتِهَا بِخِلَافِ اشْتِرَاكِ الْأَجْزَاءِ فِي الْكُلِّ فَإِنَّهُ يَجِبُ الْفَرْقُ بَيْنَ قِسْمَةِ الْكُلِّيِّ إلَى جُزْئِيَّاتِهِ كَقِسْمَةِ الْحَيَوَانِ إلَى
(12/96)

نَاطِقٍ وَغَيْرِ نَاطِقٍ وَقِسْمَةِ الْإِنْسَانِ إلَى مُسْلِمٍ وَكَافِرٍ وَقِسْمَةِ الِاسْمِ إلَى مُعْرَبٍ وَمَبْنِيٍّ وَقِسْمَةِ الْكُلِّ إلَى أَجْزَائِهِ كَقِسْمَةِ الْعَقَارِ بَيْنَ الشُّرَكَاءِ وَقِسْمَةِ الْكَلَامِ إلَى اسْمٍ وَفِعْلٍ وَحَرْفٍ فَفِي الْأَوَّلِ إنَّمَا اشْتَرَكَتْ الْأَقْسَامُ فِي أَمْرٍ كُلِّيٍّ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ الْخَالِقُ وَالْمَخْلُوقُونَ مُشْتَرِكِينَ فِي شَيْءٍ مَوْجُودٍ فِي الْخَارِجِ وَلَيْسَ فِي الْخَارِجِ صِفَةٌ لِلَّهِ يُمَاثِلُ بِهَا صِفَةَ الْمَخْلُوقِ بَلْ كُلُّ مَا يُوصَفُ بِهِ الرَّبُّ تَعَالَى فَهُوَ مُخَالِفٌ بِالْحَدِّ وَالْحَقِيقَةِ؛ لِمَا يُوصَفُ بِهِ الْمَخْلُوقُ أَعْظَمَ مِمَّا يُخَالِفُ الْمَخْلُوقُ الْمَخْلُوقَ وَإِذَا كَانَ الْمَخْلُوقُ مُخَالِفًا بِذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ لِبَعْضِ الْمَخْلُوقَاتِ فِي الْحَدِّ وَالْحَقِيقَةِ فَمُخَالَفَةُ الْخَالِقِ لِكُلِّ مَخْلُوقٍ فِي الْحَقِيقَةِ أَعْظَمُ مِنْ مُخَالَفَةِ أَيِّ مَخْلُوقٍ فُرِضَ لِأَيِّ مَخْلُوقٍ فُرِضَ وَلَكِنَّ عِلْمَهُ ثَبَتَ لَهُ حَقِيقَةُ الْعِلْمِ وَلِقُدْرَتِهِ حَقِيقَةُ الْقُدْرَةِ وَلِكَلَامِهِ حَقِيقَةُ الْكَلَامِ كَمَا ثَبَتَ لِذَاتِهِ حَقِيقَةُ الذَّاتِيَّةِ وَلِوُجُودِهِ حَقِيقَةُ الْوُجُودِ وَهُوَ أَحَقُّ بِأَنَّ تَثْبُتَ لَهُ صِفَاتُ الْكَمَالِ عَلَى الْحَقِيقَةِ مِنْ كُلِّ مَا سِوَاهُ. فَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِنَا: عِلْمُهُ يُشَارِكُ عِلْمَ الْمَخْلُوقِ فِي الْحَقِيقَةِ فَلَيْسَ مَا يُسْمَعُ مِنْ الْعِبَادِ مِنْ أَصْوَاتِهِمْ مُشَابِهًا وَلَا مُمَاثِلًا لِمَا سَمِعَهُ مُوسَى مِنْ صَوْتِهِ إلَّا كَمَا يُشْبِهُ وَيُمَاثِلُ غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ صِفَاتِهِ لِصِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ فَهَذَا فِي نَفْسِ تَكَلُّمِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِالْقُرْآنِ وَالْقُرْآنُ عِنْدَ الْإِمَامِ أَحْمَد وَسَائِر أَئِمَّةِ السُّنَّةِ كَلَامُهُ تَكَلَّمَ بِهِ وَتَكَلَّمَ بِالْقُرْآنِ الْعَرَبِيِّ بِصَوْتِ نَفْسِهِ وَكَلَّمَ مُوسَى بِصَوْتِ نَفْسِهِ الَّذِي لَا يُمَاثِلُ شَيْئًا مِنْ أَصْوَاتِ الْعِبَادِ.
(12/97)

ثُمَّ إذَا قَرَأْنَا الْقُرْآنَ فَإِنَّمَا نَقْرَؤُهُ بِأَصْوَاتِنَا الْمَخْلُوقَةِ الَّتِي لَا تُمَاثِلُ صَوْتَ الرَّبِّ فَالْقُرْآنُ الَّذِي نَقْرَؤُهُ هُوَ كَلَامُ اللَّهِ مُبَلَّغًا عَنْهُ لَا مَسْمُوعًا مِنْهُ وَإِنَّمَا نَقْرَؤُهُ بِحَرَكَاتِنَا وَأَصْوَاتِنَا الْكَلَامُ كَلَامُ الْبَارِي وَالصَّوْتُ صَوْتُ الْقَارِئِ كَمَا دَلَّ عَلَى ذَلِكَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ مَعَ الْعَقْلِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ} وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " {زَيِّنُوا الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ} وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَد فِي قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " {لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ} قَالَ يُزَيِّنُهُ وَيُحَسِّنُهُ بِصَوْتِهِ كَمَا قَالَ: " {زَيِّنُوا الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ} فَنَصَّ أَحْمَد عَلَى مَا جَاءَ بِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ إنَّا نَقْرَأُ الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِنَا وَالْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ كُلُّهُ لَفْظُهُ وَمَعْنَاهُ سَمِعَهُ جِبْرِيلُ مِنْ اللَّهِ وَبَلَّغَهُ إلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسَمِعَهُ مُحَمَّدٌ مِنْهُ وَبَلَّغَهُ مُحَمَّدٌ إلَى الْخَلْقِ وَالْخَلْقُ يُبَلِّغُهُ بَعْضُهُمْ إلَى بَعْضٍ وَيَسْمَعُهُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ وَمَعْلُومٌ أَنَّهُمْ إذَا سَمِعُوا كَلَامَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَغَيْرِهِ فَبَلَّغُوهُ عَنْهُ كَمَا قَالَ: " {نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا فَبَلَّغَهُ كَمَا سَمِعَهُ} فَهُمْ سَمِعُوا اللَّفْظَ مِنْ الرَّسُولِ بِصَوْتِ نَفْسِهِ بِالْحُرُوفِ الَّتِي تَكَلَّمَ بِهَا وَبَلَّغُوا لَفْظَهُ بِأَصْوَاتِ أَنْفُسِهِمْ وَقَدْ عُلِمَ الْفَرْقُ بَيْنَ مَنْ يَرْوِي الْحَدِيثَ بِالْمَعْنَى لَا بِاللَّفْظِ وَاللَّفْظُ الْمُبَلَّغُ هُوَ لَفْظُ الرَّسُولِ وَهُوَ كَلَامُ الرَّسُولِ؛ فَإِنْ كَانَ صَوْتُ
(12/98)

الْمُبَلِّغِ لَيْسَ صَوْتَ الرَّسُولِ وَلَيْسَ مَا قَامَ بِالرَّسُولِ مِنْ الصِّفَاتِ وَالْإِعْرَاضِ فَارَقَتْهُ وَمَا قَامَتْ بِغَيْرِهِ؛ بَلْ وَلَا تَقُومُ الصِّفَةُ وَالْعَرَضُ بِغَيْرِ مَحَلِّهِ. وَإِذَا كَانَ هَذَا مَعْقُولًا فِي صِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ فَصِفَاتُ الْخَالِقِ أَوْلَى بِكُلِّ صِفَةِ كَمَالٍ وَأَبْعَدُ عَنْ كُلِّ صِفَةِ نَقْصٍ وَالتَّبَايُنُ الَّذِي بَيْنَ صِفَةِ الْخَالِقِ وَالْمَخْلُوقِ أَعْظَمُ مِنْ التَّبَايُنِ الَّذِي بَيْنَ صِفَةِ مَخْلُوقٍ وَمَخْلُوقٍ وَامْتِنَاعُ الِاتِّحَادِ وَالْحُلُولِ بِالذَّاتِ لِلْخَالِقِ وَصِفَاتِهِ فِي الْمَخْلُوقِ أَعْظَمُ مِنْ الِاتِّحَادِ وَالْحُلُولِ بِالذَّاتِ لِلْمَخْلُوقِ وَصِفَاتِهِ فِي الْمَخْلُوقِ وَهَذِهِ جُمَلٌ قَدْ بُسِطَتْ فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ. هَذَا مَعَ أَنَّ احْتِجَاجَ الْجَهْمِيَّة وَالْمُعْتَزِلَةِ بِأَنَّ كَلَامَ الْمَخْلُوقِ بِقَوْلِهِ: {يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ} مِثْلُ كَلَامِ الْخَالِقِ غَلَطٌ بِاتِّفَاقِ النَّاسِ حَتَّى عِنْدَهُمْ فَإِنَّ الَّذِينَ يَقُولُونَ هُوَ مَخْلُوقٌ يَقُولُونَ إنَّهُ خَلَقَهُ فِي بَعْضِ الْأَجْسَامِ إمَّا الْهَوَاءُ أَوْ غَيْرُهُ كَمَا يَقُولُونَ: إنَّهُ خَلَقَ الْكَلَامُ فِي نَفْسِ الشَّجَرَةِ فَسَمِعَهُ مُوسَى. وَمَعْلُومٌ أَنَّ تِلْكَ الْحُرُوفَ وَالْأَصْوَاتَ الَّتِي خَلَقَهَا اللَّهُ لَيْسَتْ مُمَاثِلَةً لِمَا يُسْمَعُ مِنْ الْعَبْدِ وَتِلْكَ هِيَ كَلَامُ اللَّهِ الْمَسْمُوعُ مِنْهُ عِنْدَهُمْ؛ كَمَا أَنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ يَقُولُونَ الَّذِي تَكَلَّمَ هُوَ اللَّهُ بِمَشِيئَتِهِ وَلَيْسَ ذَلِكَ مُمَاثِلًا لِصَوْتِ الْعَبْدِ.
(12/99)

وَأَمَّا الْقَائِلُونَ بِقِدَمِ الْكَلَامِ الْمُعَيَّنِ سَوَاءٌ كَانَ مَعْنًى أَوْ حُرُوفًا أَوْ أَصْوَاتًا فَيَقُولُونَ: خَلَقَ لِمُوسَى إدْرَاكًا أَدْرَكَ بِهِ ذَلِكَ الْقَدِيمَ وَبِكُلِّ حَالٍ فَكَلَامُ الْمُتَكَلِّمِ إذَا سُمِّعَ مِنْ الْمُبَلِّغِ عَنْهُ غَيْرُ مَا قَامَ بِنَفْسِ الْمُتَكَلِّمِ الْمُنْشِئِ فَكَيْفَ لَا يَكُونُ ذَلِكَ فِي كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى؟ . فَيَجِبُ عَلَى الْإِنْسَانِ فِي " مَسْأَلَةِ الْكَلَامِ " أَنْ يَتَحَرَّى أَصْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا تَكَلُّمُ اللَّهِ بِالْقُرْآنِ وَغَيْرِهِ هَلْ تَكَلَّمَ بِهِ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ أَمْ لَا؟ وَهَلْ تَكَلَّمَ بِكَلَامِ قَائِمٍ بِذَاتِهِ أَمْ خَلَقَهُ فِي غَيْرِهِ؟ وَالثَّانِي تَبْلِيغُ ذَلِكَ الْكَلَامِ عَنْ اللَّهِ وَأَنَّهُ لَيْسَ مِمَّا يَتَّصِفُ بِهِ الثَّانِي وَإِنْ كَانَ الْمَقْصُودُ بِالتَّبْلِيغِ الْكَلَامَ الْمُبَلَّغَ. وَبَسْطُ هَذَا لَهُ مَوْضِعٌ آخَرُ. وَأَيْضًا فَهَذَانِ الْمُتَنَازِعَانِ إذَا قَالَ أَحَدُهُمَا: إنَّهَا قَدِيمَةٌ وَلَيْسَ لَهَا مُبْتَدَأٌ وَشَكْلُهَا وَنَقْطُهَا مُحْدَثٌ وَقَالَ الْآخَرُ: إنَّهَا لَيْسَتْ بِكَلَامِ اللَّهِ وَإِنَّهَا مَخْلُوقَةٌ بِشَكْلِهَا وَنَقْطِهَا قَدْ يُفْهَمُ مِنْ هَذَا أَنَّهُمَا أَرَادَا بِالْحُرُوفِ الْحُرُوفَ الْمَكْتُوبَةَ دُونَ الْمَنْطُوقَةِ وَالْحُرُوفُ الْمَكْتُوبَةُ قَدْ تَنَازَعَ النَّاسُ فِي شَكْلِهَا وَنَقْطِهَا فَإِنَّ الصَّحَابَةَ لَمَّا كَتَبُوا الْمَصَاحِفَ كَتَبُوهَا غَيْرَ مَشْكُولَةٍ وَلَا مَنْقُوطَةٍ؛ لِأَنَّهُمْ إنَّمَا كَانُوا يَعْتَمِدُونَ فِي الْقُرْآنِ عَلَى حِفْظِهِ فِي صُدُورِهِمْ لَا عَلَى الْمَصَاحِفِ وَهُوَ مَنْقُولٌ بِالتَّوَاتُرِ مَحْفُوظٌ فِي الصُّدُورِ وَلَوْ عُدِمَتْ الْمَصَاحِفُ لَمْ يَكُنْ لِلْمُسْلِمِينَ بِهَا حَاجَةٌ فَإِنَّ الْمُسْلِمِينَ لَيْسُوا كَأَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِينَ يَعْتَمِدُونَ عَلَى الْكُتُبِ الَّتِي تَقْبَلُ التَّغَيُّرَ وَاَللَّهُ أَنْزَلَ الْقُرْآنَ عَلَى مُحَمَّدٍ فَتَلَقَّاهُ تَلَقِّيًا وَحَفِظَهُ فِي قَلْبِهِ لَمْ يُنَزِّلْهُ مَكْتُوبًا كَالتَّوْرَاةِ
(12/100)

وَأَنْزَلَهُ مُنَجَّمًا مُفَرَّقًا لِيُحْفَظَ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى كِتَابٍ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً} الْآيَةَ وَقَالَ تَعَالَى: {وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ} الْآيَةَ وَقَالَ تَعَالَى: {وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ} الْآيَةَ وَقَالَ تَعَالَى: {إنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ} الْآيَةَ. وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: {كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعَالِجُ مِنْ التَّنْزِيلِ شِدَّةً وَكَانَ يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَنَا أُحَرِّكُهُمَا لَك كَمَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحَرِّكُهُمَا فَحَرَّكَ شَفَتَيْهِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ} {إنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ} } قَالَ جَمْعُهُ فِي صَدْرِك ثُمَّ تَقْرَؤُهُ: {فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ} قَالَ: فَاسْتَمَعَ لَهُ وَأَنْصَتَ {ثُمَّ إنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} أَيْ نُبَيِّنُهُ بِلِسَانِك. فَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا أَتَاهُ جِبْرِيلُ اسْتَمَعَ فَإِذَا انْطَلَقَ جِبْرِيلُ قَرَأَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا أَقْرَأَهُ؛ فَلِهَذَا لَمْ تَكُنْ الصَّحَابَةُ يُنَقِّطُونَ الْمَصَاحِفَ وَيُشَكِّلُونَهَا وَأَيْضًا كَانُوا عَرَبًا لَا يَلْحَنُونَ؛ فَلَمْ يَحْتَاجُوا إلَى تَقْيِيدِهَا بِالنَّقْطِ وَكَانَ فِي اللَّفْظِ الْوَاحِدِ قِرَاءَتَانِ يُقْرَأُ بِالْيَاءِ وَالتَّاءِ مِثْلُ: يَعْمَلُونَ وَتَعْمَلُونَ. فَلَمْ يُقَيِّدُوهُ بِأَحَدِهِمَا لِيَمْنَعُوهُ مِنْ الْأُخْرَى. ثُمَّ إنَّهُ فِي زَمَنِ التَّابِعِينَ لَمَّا حَدَثَ اللَّحْنُ صَارَ بَعْضُ التَّابِعِينَ يُشَكِّلُ الْمَصَاحِفَ وَيُنَقِّطُهَا وَكَانُوا يَعْمَلُونَ ذَلِكَ بِالْحُمْرَةِ وَيَعْمَلُونَ الْفَتْحَ بِنُقْطَةِ حَمْرَاءَ فَوْقَ الْحَرْفِ وَالْكَسْرَةَ بِنُقْطَةِ حَمْرَاءَ تَحْتَهُ وَالضَّمَّةَ بِنُقْطَةِ حَمْرَاءَ
(12/101)

أَمَامَهُ. ثُمَّ مَدُّوا النُّقْطَةَ وَصَارُوا يَعْمَلُونَ الشَّدَّة بِقَوْلِك " شَدَّ "؛ وَيَعْمَلُونَ الْمَدَّةَ بِقَوْلِك " مَدَّ " وَجَعَلُوا عَلَامَةَ الْهَمْزَةِ تُشْبِهُ الْعَيْنَ؛ لِأَنَّ الْهَمْزَةَ أُخْتُ الْعَيْنِ ثُمَّ خَفَّفُوا ذَلِكَ حَتَّى صَارَتْ عَلَامَةُ الشَّدَّةِ مِثْلَ رَأْسِ السِّينِ وَعَلَامَةُ الْمَدَّةِ مُخْتَصَرَةً كَمَا يَخْتَصِرُ أَهْلُ الدِّيوَانِ أَلْفَاظَ الْعَدَدِ وَغَيْرَ ذَلِكَ وَكَمَا يَخْتَصِرُ الْمُحَدِّثُونَ أَخْبَرَنَا وَحَدَّثَنَا فَيَكْتُبُونَ أَوَّلَ اللَّفْظِ وَآخِرَهُ عَلَى شَكْلٍ " أَنَا " وَعَلَى شَكْلِ " ثنا ". وَتَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ هَلْ يُكْرَهُ تَشْكِيلُ الْمَصَاحِفِ وَتَنْقِيطُهَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ مَعْرُوفَيْنِ وَهُمَا رِوَايَتَانِ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَد لَكِنْ لَا نِزَاعَ بَيْنِهِمْ أَنَّ الْمُصْحَفَ إذَا شُكِّلَ وَنُقِّطَ وَجَبَ احْتِرَامُ الشَّكْلِ وَالنَّقْطِ كَمَا يَجِبُ احْتِرَامُ الْحَرْفِ وَلَا تَنَازُعَ بَيْنَهُمْ أَنَّ مِدَادَ النُّقْطَةِ وَالشَّكْلِ مَخْلُوقٌ كَمَا أَنَّ مِدَادَ الْحَرْفِ مَخْلُوقٌ وَلَا نِزَاعَ بَيْنِهِمْ أَنَّ الشَّكْلَ يَدُلُّ عَلَى الْإِعْرَابِ وَالنَّقْطَ يَدُلُّ عَلَى الْحُرُوفِ وَأَنَّ الْإِعْرَابَ مِنْ تَمَامِ الْكَلَامِ الْعَرَبِيِّ وَيُرْوَى عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ أَنَّهُمَا قَالَا: حِفْظُ إعْرَابِ الْقُرْآنِ أَحَبُّ إلَيْنَا مِنْ حِفْظِ بَعْضِ حُرُوفِهِ. وَلَا رَيْبَ أَنَّ النُّقْطَةَ وَالشَّكْلَةَ بِمَجْرَدِهِمَا لَا حُكْمَ لَهُمَا وَلَا حُرْمَةَ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُجَرَّدَ الْكَلَامُ فِيهِمَا وَلَا رَيْبَ أَنَّ إعْرَابَ الْقُرْآنِ الْعَرَبِيِّ مِنْ تَمَامِهِ وَيَجِبُ الِاعْتِنَاءُ بِإِعْرَابِهِ وَالشَّكْلُ يُبَيِّنُ إعْرَابَهُ كَمَا تُبَيِّنُ الْحُرُوفُ الْمَكْتُوبَةُ لِلْحَرْفِ الْمَنْطُوقِ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ الشَّكْلُ الْمَكْتُوبُ لِلْإِعْرَابِ الْمَنْطُوقِ.
(12/102)

فَهَذِهِ الْمَسَائِلُ إذَا تَصَوَّرَهَا النَّاسُ عَلَى وَجْهِهَا تَصَوُّرًا تَامًّا ظَهَرَ لَهُمْ الصَّوَابُ وَقَلَّتْ الْأَهْوَاءُ وَالْعَصَبِيَّاتُ وَعَرَفُوا مَوَارِدَ النِّزَاعِ فَمَنْ تَبَيَّنَ لَهُ الْحَقُّ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ اتَّبَعَهُ وَمَنْ خَفِيَ عَلَيْهِ تَوَقَّفَ حَتَّى يُبَيِّنَهُ اللَّهُ لَهُ وَيَنْبَغِيَ لَهُ أَنْ يَسْتَعِينَ عَلَى ذَلِكَ بِدُعَاءِ اللَّهِ وَمِنْ أَحْسَنِ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ عَائِشَةَ {أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إذَا قَامَ مِنْ اللَّيْلِ يُصَلِّي يَقُولُ: اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْرِيلَ وميكائيل وَإِسْرَافِيلَ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِك فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ اهْدِنِي لِمَا اُخْتُلِفَ فِيهِ مِنْ الْحَقِّ بِإِذْنِك إنَّك تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} . وَقَوْلُ الْقَائِلِ الْآخَرِ كَلَامُهُ كُتِبَ بِهَا: يَقْتَضِي أَنَّهُ أَرَادَ بِالْحُرُوفِ مَا يَتَنَاوَلُ الْمَنْطُوقَ وَالْمَكْتُوبَ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " {مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فَلَهُ بِكُلِّ حَرْفٍ عَشْرُ حَسَنَاتٍ أَمَّا إنِّي لَا أَقُولُ الم حَرْفٌ وَلَكِنْ أَلِفٌ حَرْفٌ وَلَامٌ حَرْفٌ وَمِيمٌ حَرْفٌ} قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ صَحِيحٌ. فَهُنَا لَمْ يُرِدْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْحَرْفِ نَفْسَ الْمِدَادِ وَشَكْلَ الْمِدَادِ وَإِنَّمَا أَرَادَ الْحَرْفَ الْمَنْطُوقَ. وَفِي مُرَادِهِ بِالْحَرْفِ قَوْلَانِ: قِيلَ هَذَا اللَّفْظُ الْمُفْرَدُ. وَقِيلَ أَرَادَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْحَرْفِ الِاسْمَ كَمَا قَالَ: أَلِفٌ حَرْفٌ وَلَامٌ حَرْفٌ وَمِيمٌ حَرْفٌ.
وَلَفْظُ " الْحَرْفِ وَالْكَلِمَةِ " لَهُ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ الَّتِي كَانَ النَّبِيُّ
(12/103)

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَكَلَّمُ بِهَا مَعْنًى وَلَهُ فِي اصْطِلَاحِ النُّحَاةِ مَعْنًى. فَالْكَلِمَةُ فِي لُغَتِهِمْ هِيَ الْجُمْلَةُ التَّامَّةُ الْجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ أَوْ الْفِعْلِيَّةُ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَى صِحَّتِهِ: " {كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ حَبِيبَتَانِ إلَى الرَّحْمَنِ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ} وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " {إنَّ أَصْدَقَ كَلِمَةٍ قَالَهَا الشَّاعِرُ كَلِمَةُ لَبِيَدِ: أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللَّهَ بَاطِلٌ} وَقَالَ: " {إنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمَ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ مَا يَظُنُّ أَنْ تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ يُكْتَبُ لَهُ بِهَا رِضْوَانُهُ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ مَا يَظُنُّ أَنْ تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ يُكْتَبُ لَهُ بِهَا سَخَطُهُ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} وَقَالَ لِأُمِّ الْمُؤْمِنِينَ " {لَقَدْ قُلْت بَعْدَك أَرْبَعَ كَلِمَاتٍ لَوْ وُزِنَتْ بِمَا قُلْت مُنْذُ الْيَوْمَ لَوَزَنَتْهُنَّ: سُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ خَلْقِهِ سُبْحَانَ اللَّهِ رِضَا نَفْسِهِ سُبْحَانَ اللَّهِ زِنَةَ عَرْشِهِ سُبْحَانَ اللَّهِ مِدَادَ كَلِمَاتِهِ} وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى {كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إنْ يَقُولُونَ إلَّا كَذِبًا} وَقَوْلُهُ: {وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا} وقَوْله تَعَالَى {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إلَّا اللَّهَ} وَقَوْلُهُ: {وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} وَقَوْلُهُ: {وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا} وَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " {مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} وَنَظَائِرُهُ كَثِيرَةٌ. وَلَا يُوجَدُ قَطُّ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَكَلَامِ الْعَرَبِ لَفْظُ الْكَلِمَةِ إلَّا
(12/104)

وَالْمُرَادُ بِهِ الْجُمْلَةُ التَّامَّةُ. فَكَثِيرٌ مِنْ النُّحَاةِ أَوْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْرِفُونَ ذَلِكَ؛ بَلْ يَظُنُّونَ أَنَّ اصْطِلَاحَهُمْ فِي مُسَمَّى الْكَلِمَةِ يَنْقَسِمُ إلَى اسْمٍ وَفِعْلٍ وَحَرْفٍ هُوَ لُغَةُ الْعَرَبِ وَالْفَاضِلُ مِنْهُمْ يَقُولُ: وَكِلْمَةُ بِهَا كَلَامٌ قَدْ يُؤَمُّ وَيَقُولُونَ: الْعَرَبُ قَدْ تَسْتَعْمِلُ الْكَلِمَةَ فِي الْجُمْلَةِ التَّامَّةِ وَتَسْتَعْمِلُهَا فِي الْمُفْرَدِ وَهَذَا غَلَطٌ لَا يُوجَدُ قَطُّ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ لَفْظُ الْكَلِمَةِ إلَّا لِلْجُمْلَةِ التَّامَّةِ. وَمِثْلُ هَذَا اصْطِلَاحُ الْمُتَكَلِّمِينَ عَلَى أَنَّ الْقَدِيمَ هُوَ مَا لَا أَوَّلَ لِوُجُودِهِ أَوْ مَا لَمْ يَسْبِقْهُ عَدَمٌ ثُمَّ يَقُولُ بَعْضُهُمْ: وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ الْقَدِيمُ فِي الْمُتَقَدِّمِ عَلَى غَيْرِهِ سَوَاءٌ كَانَ أَزَلِيًّا أَوْ لَمْ يَكُنْ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ} وَقَالَ: {وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إفْكٌ قَدِيمٌ} وقَوْله تَعَالَى {قَالُوا تَاللَّهِ إنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ} وَقَالَ: {أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ} {أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ} وَتَخْصِيصُ الْقَدِيمِ بِالْأَوَّلِ عُرْفٌ اصْطِلَاحِيٌّ وَلَا رَيْبَ أَنَّهُ أَوْلَى بِالْقِدَمِ فِي لُغَةِ الرَّبِّ؛ وَلِهَذَا كَانَ لَفْظُ الْمُحْدَثِ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ بِإِزَاءِ الْقَدِيمِ قَالَ تَعَالَى: {مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ} وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الَّذِي نَزَلَ قَبْلَهُ لَيْسَ بِمُحْدَثِ بَلْ مُتَقَدِّمٌ. وَهَذَا مُوَافِقٌ لِلُغَةِ الْعَرَبِ الَّتِي نَزَلَ بِهَا الْقُرْآنُ
(12/105)

وَنَظِيرَ هَذَا لَفْظُ " الْقَضَاء " فَإِنَّهُ فِي كَلَامِ اللَّهِ وَكَلَامِ الرَّسُولِ الْمُرَادُ بِهِ إتْمَامُ الْعِبَادَةِ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي وَقْتِهَا كَمَا قَالَ تَعَالَى: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ} وَقَوْلِهِ: {فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ} ثُمَّ اصْطَلَحَ طَائِفَةٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ فَجَعَلُوا لَفْظَ " الْقَضَاءِ " مُخْتَصًّا بِفِعْلِهَا فِي غَيْرِ وَقْتِهَا وَلَفْظَ " الْأَدَاءِ " مُخْتَصًّا بِمَا يُفْعَلُ فِي الْوَقْتِ وَهَذَا التَّفْرِيقُ لَا يُعْرَفُ قَطُّ فِي كَلَامِ الرَّسُولِ ثُمَّ يَقُولُونَ قَدْ يُسْتَعْمَلُ لَفْظُ الْقَضَاءِ فِي الْأَدَاءِ فَيَجْعَلُونَ اللُّغَةَ الَّتِي نَزَلَ الْقُرْآنُ بِهَا مِنْ النَّادِرِ. وَلِهَذَا يَتَنَازَعُونَ فِي مُرَادِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " {فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وَمَا فَاتَكُمْ فَاقْضُوا} " وَفِي لَفْظٍ: " {فَأَتِمُّوا} " فَيَظُنُّونَ أَنَّ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ خِلَافًا وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ؛ بَلْ قَوْلُهُ: " فَاقْضُوا " كَقَوْلِهِ: " فَأَتِمُّوا " لَمْ يُرِدْ بِأَحَدِهِمَا الْفِعْلَ بَعْدَ الْوَقْتِ؛ بَلْ لَا يُوجَدُ فِي كَلَامِ الشَّارِعِ أَمْرٌ بِالْعِبَادَةِ فِي غَيْرِ وَقْتِهَا لَكِنَّ الْوَقْتَ وَقْتَانِ: وَقْتٌ عَامٌّ وَوَقْتٌ خَاصٌّ لِأَهْلِ الْأَعْذَارِ: كَالنَّائِمِ وَالنَّاسِي إذَا صَلَّيَا بَعْدَ الِاسْتِيقَاظِ وَالذِّكْرِ فَإِنَّمَا صَلَّيَا فِي الْوَقْتِ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ بِهِ فَإِنَّ هَذَا لَيْسَ وَقْتًا فِي حَقِّ غَيْرِهِمَا.
(12/106)

وَمِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ الْغَلَطِ فِي فَهْمِ كَلَامِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ أَنْ يَنْشَأَ الرَّجُلُ عَلَى اصْطِلَاحٍ حَادِثٍ فَيُرِيدُ أَنْ يُفَسِّرَ كَلَامَ اللَّهِ بِذَلِكَ الِاصْطِلَاحِ وَيَحْمِلَهُ عَلَى تِلْكَ اللُّغَةِ الَّتِي اعْتَادَهَا. وَمَا ذُكِرَ فِي مُسَمَّى " الْكَلَامِ " مَا ذَكَرَهُ سِيبَوَيْهِ فِي كِتَابِهِ عَنْ الْعَرَبِ فَقَالَ: وَاعْلَمْ " أَنَّ " فِي كَلَامِ الْعَرَبِ إنَّمَا وَقَعَتْ عَلَى أَنْ تُحْكَى وَإِنَّمَا يُحْكَى بَعْدَ الْقَوْلِ مَا كَانَ كَلَامًا قَوْلًا؛ وَإِلَّا فَلَا يُوجَدُ قَطُّ لَفْظُ الْكَلَامِ وَالْكَلِمَةِ إلَّا لِلْجُمْلَةِ التَّامَّةِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ وَلَفْظُ الْحَرْفِ يُرَادُ بِهِ الِاسْمُ وَالْفِعْلُ وَحُرُوفُ الْمَعَانِي وَاسْمُ حُرُوفِ الْهِجَاءِ؛ وَلِهَذَا سَأَلَ الْخَلِيلُ أَصْحَابَهُ: كَيْفَ تَنْطِقُونَ بِالزَّايِ مَنْ زَيْدٌ؟ فَقَالُوا: زَاي فَقَالَ نَطَقْتُمْ بِالِاسْمِ وَإِنَّمَا الْحَرْفُ زه؛ فَبَيَّنَ الْخَلِيلُ أَنَّ هَذِهِ الَّتِي تُسَمَّى حُرُوفَ الْهِجَاءِ هِيَ أَسْمَاءٌ. وَكَثِيرًا مَا يُوجَدُ فِي كَلَامِ الْمُتَقَدِّمِينَ هَذَا " حَرْفٌ مِنْ الْغَرِيبِ " يُعَبِّرُونَ بِذَلِكَ عَنْ الِاسْمِ التَّامِّ فَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " {فَلَهُ بِكُلِّ حَرْفٍ} " مَثَّلَهُ بِقَوْلِهِ: " وَلَكِنْ أَلِفٌ حَرْفٌ وَلَامٌ حَرْفٌ وَمِيمٌ حَرْفٌ ". وَعَلَى نَهْجِ ذَلِكَ: وَذَلِكَ حَرْفٌ وَالْكِتَابُ حَرْفٌ وَنَحْوُ ذَلِكَ. وَقَدْ قِيلَ: إنَّ ذَلِكَ أَحْرُفٌ وَالْكِتَابَ أَحْرُفٌ وَرُوِيَ ذَلِكَ مُفَسَّرًا فِي بَعْضِ الطُّرُقِ. وَالنُّحَاةُ اصْطَلَحُوا اصْطِلَاحًا خَاصًّا فَجَعَلُوا لَفْظَ " الْكَلِمَةِ " يُرَادُ
(12/107)

بِهِ الِاسْمُ أَوْ الْفِعْلُ أَوْ الْحَرْفُ الَّذِي هُوَ مِنْ حُرُوفِ الْمَعَانِي؛ لِأَنَّ سِيبَوَيْهِ قَالَ فِي أَوَّلِ كِتَابِهِ: الْكَلَامُ اسْمٌ وَفِعْلٌ وَحَرْفٌ جَاءَ لِمَعْنَى لَيْسَ بِاسْمِ وَلَا فِعْلٍ. فَجَعَلَ هَذَا حَرْفًا خَاصًّا وَهُوَ الْحَرْفُ الَّذِي جَاءَ لِمَعْنَى لَيْسَ بِاسْمِ وَلَا فِعْلٍ؛ لِأَنَّ سِيبَوَيْهِ كَانَ حَدِيثَ الْعَهْدِ بِلُغَةِ الْعَرَبِ وَقَدْ عَرَفَ أَنَّهُمْ يُسَمُّونَ الِاسْمَ أَوْ الْفِعْل حَرْفًا فَقَيَّدَ كَلَامَهُ بِأَنْ قَالَ: وَقَسَّمُوا الْكَلَامَ إلَى اسْمٍ وَفِعْلٍ وَحَرْفٍ جَاءَ لِمَعْنَى لَيْسَ بِاسْمِ وَلَا فِعْلٍ وَأَرَادَ سِيبَوَيْهِ أَنَّ الْكَلَامَ يَنْقَسِمُ إلَى ذَلِكَ قِسْمَةَ الْكُلِّ إلَى أَجْزَائِهِ لَا قِسْمَةَ الْكُلِّيِّ إلَى جُزْئِيَّاتِهِ كَمَا يَقُولُ الْفُقَهَاءُ بِأَنَّ الْقِسْمَةَ كَمَا يُقَسَّمُ الْعَقَارُ وَالْمَنْقُولُ بَيْنَ الْوَرَثَةِ فَيُعْطَى هَؤُلَاءِ قِسْمٌ غَيْرُ قِسْمِ هَؤُلَاءِ كَذَلِكَ الْكَلَامُ هُوَ مُؤَلَّفٌ مِنْ الْأَسْمَاءِ وَالْأَفْعَالِ وَحُرُوفِ الْمَعَانِي فَهُوَ مَقْسُومٌ إلَيْهَا وَهَذَا التَّقْسِيمُ غَيْرُ تَقْسِيمِ الْجِنْسِ إلَى أَنْوَاعِهِ كَمَا يُقَالُ: الِاسْمُ يَنْقَسِمُ إلَى مُعْرَبٍ وَمَبْنِيٍّ. وَجَاءَ الجزولي وَغَيْرُهُ فَاعْتَرَضُوا عَلَى النُّحَاةِ فِي هَذَا وَلَمْ يَفْهَمُوا كَلَامَهُمْ فَقَالُوا: كُلُّ جِنْسٍ قُسِّمَ إلَى أَنْوَاعِهِ أَوْ أَشْخَاصِ أَنْوَاعِهِ فَاسْمُ الْمَقْسُومِ صَادِقٌ عَلَى الْأَنْوَاعِ وَالْأَشْخَاصِ وَإِلَّا فَلَيْسَتْ أَقْسَامًا لَهُ وَأَرَادُوا بِذَلِكَ الِاعْتِرَاضَ عَلَى قَوْلِ الزَّجَّاجِ: الْكَلَامُ اسْمٌ وَفِعْلٌ وَحَرْفٌ. وَاَلَّذِي ذَكَرَهُ الزَّجَّاجُ هُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ سِيبَوَيْهِ وَسَائِر أَئِمَّةِ النُّحَاةِ وَأَرَادُوا بِذَلِكَ الْقِسْمَةَ الْأُولَى الْمَعْرُوفَةَ وَهِيَ قِسْمَةُ الْأُمُورِ الْمَوْجُودَةِ إلَى أَجْزَائِهَا كَمَا يُقْسَمُ الْعَقَارُ وَالْمَالُ وَلَمْ يُرِيدُوا بِذَلِكَ قِسْمَةَ الْكُلِّيَّاتِ - الَّتِي لَا تُوجَدُ كُلِّيَّاتٍ
(12/108)

إلَّا فِي الذِّهْنِ - كَقِسْمَةِ الْحَيَوَانِ إلَى نَاطِقٍ وَبَهِيمٍ وَقِسْمَةِ الِاسْمِ إلَى الْمُعْرَبِ وَالْمَبْنِيِّ. فَإِنَّ الْمُقَسَّمَ هُنَا هُوَ مَعْنًى عَقْلِيٌّ كُلِّيٌّ لَا يَكُونُ كُلِّيًّا إلَّا فِي الذِّهْنِ.
فَصْلٌ:
وَلَفْظُ " الْحَرْفِ " يُرَادُ بِهِ حُرُوفُ الْمَعَانِي الَّتِي هِيَ قَسِيمَةُ الْأَسْمَاءِ وَالْأَفْعَالِ: مِثْلُ حُرُوفِ الْجَرِّ وَالْجَزْمِ وَحَرْفَيْ التَّنْفِيسِ وَالْحُرُوفِ الْمُشْبِهَةِ لِلْأَفْعَالِ مِثْلُ " إنَّ وَأَخَوَاتِهَا " وَهَذِهِ الْحُرُوفُ لَهَا أَقْسَامٌ مَعْرُوفَةٌ فِي كُتُبِ الْعَرَبِيَّةِ كَمَا يُقَسِّمُونَهَا بِحَسَبِ الْإِعْرَابِ إلَى مَا يَخْتَصُّ بِالْأَسْمَاءِ وَإِلَى مَا يَخْتَصُّ بِالْأَفْعَالِ وَيَقُولُونَ: مَا اخْتَصَّ بِأَحَدِ النَّوْعَيْنِ وَلَمْ يَكُنْ كَالْجُزْءِ مِنْهُ كَانَ عَامِلًا كَمَا تَعْمَلُ حُرُوفُ الْجَرِّ وَإِنَّ وَأَخَوَاتُهَا فِي الْأَسْمَاءِ وَكَمَا تَعْمَلُ النَّوَاصِبُ وَالْجَوَازِمُ فِي الْأَفْعَالِ؛ بِخِلَافِ حَرْفِ التَّعْرِيفِ وَحَرْفَيْ التَّنْفِيسِ: كَالسِّينِ وَسَوْفَ فَإِنَّهُمَا لَا يَعْمَلَانِ لِأَنَّهُمَا كَالْجُزْءِ مِنْ الْكَلِمَةِ وَيَقُولُونَ: كَانَ الْقِيَاسُ فِي " مَا " أَنَّهَا لَا تَعْمَلُ لِأَنَّهَا تَدْخُلُ عَلَى الْجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ وَالْفِعْلِيَّةِ وَلَكِنْ أَهْلُ الْحِجَازِ أَعْمَلُوهَا لِمُشَابَهَتِهَا لليس وَبِلُغَتِهِمْ جَاءَ الْقُرْآنُ فِي قَوْلِهِ: {مَا هَذَا بَشَرًا} {مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ} .
(12/109)

وَيُقَسِّمُونَ " الْحُرُوفَ " بِاعْتِبَارِ مَعَانِيهَا إلَى حُرُوفِ اسْتِفْهَامٍ وَحُرُوفِ نَفْيٍ وَحُرُوفِ تَخْصِيصٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَيُقَسِّمُونَهَا بِاعْتِبَارِ بِنْيَتِهَا كَمَا تُقَسَّمُ الْأَفْعَالُ وَالْأَسْمَاءُ إلَى مُفْرَدٍ وَثُنَائِيٍّ وَثُلَاثِيٍّ وَرُبَاعِيٍّ وَخُمَاسِيٍّ. فَاسْمُ الْحَرْفِ هُنَا مَنْقُولٌ عَنْ اللُّغَةِ إلَى عُرْفِ النُّحَاةِ بِالتَّخْصِيصِ وَإِلَّا فَلَفْظُ الْحَرْفِ فِي اللُّغَةِ يَتَنَاوَلُ الْأَسْمَاءَ وَالْحُرُوفَ وَالْأَفْعَالَ وَحُرُوفَ الْهِجَاءِ تُسَمَّى حُرُوفًا وَهِيَ أَسْمَاءٌ كَالْحُرُوفِ الْمَذْكُورَةِ فِي أَوَائِل السُّوَرِ لِأَنَّ مُسَمَّاهَا هُوَ الْحَرْفُ الَّذِي هُوَ حَرْفُ الْكَلِمَةِ. وَتُقَسَّمُ تَقْسِيمًا آخَرَ إلَى حُرُوفٍ حَلْقِيَّةٍ وَشَفَهِيَّةٍ وَالْمَذْكُورَةُ فِي أَوَائِلِ السُّورِ فِي الْقُرْآنِ هِيَ نِصْفُ الْحُرُوفِ وَاشْتَمَلَتْ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ عَلَى أَشْرَفِ نِصْفَيْهِ: عَلَى نِصْفِ الْحَلْقِيَّةِ وَالشَّفَهِيَّةِ وَالْمُطْبَقَةِ؛ وَالْمُصْمَتَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَجْنَاسِ الْحُرُوفِ. فَإِنَّ لَفْظَ " الْحَرْفِ " أَصْلُهُ فِي اللُّغَةِ هُوَ الْحَدُّ وَالطَّرَفُ كَمَا يُقَالُ: حُرُوفُ الرَّغِيفِ وَحَرْفُ الْجَبَلِ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: حَرْفُ كُلِّ شَيْءٍ طَرَفُهُ وَشَفِيرُهُ وَحَدُّهُ وَمِنْهُ حَرْفُ الْجَبَلِ وَهُوَ أَعْلَاهُ الْمُحَدَّدُ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ} إلَى قَوْلِهِ: {وَالْآخِرَةِ} فَإِنَّ طَرَفَ الشَّيْءِ إذَا كَانَ الْإِنْسَانُ عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ مُسْتَقِرًّا؛ فَلِهَذَا كَانَ مَنْ عَبَدَ اللَّهَ عَلَى السَّرَّاءِ دُونَ الضَّرَّاءِ عَابِدًا لَهُ عَلَى حَرْفٍ: تَارَةً يُظْهِرُهُ وَتَارَةً يَنْقَلِبُ
(12/110)

عَلَى وَجْهِهِ كَالْوَاقِفِ عَلَى حَرْفِ الْجَبَلِ فَسُمِّيَتْ حُرُوفُ الْكَلَامِ حُرُوفًا لِأَنَّهَا طَرَفُ الْكَلَامِ وَحَدُّهُ وَمُنْتَهَاهُ إذْ كَانَ مَبْدَأُ الْكَلَامِ مِنْ نَفْسِ الْمُتَكَلِّمِ وَمُنْتَهَاهُ حَدُّهُ وَحَرْفُهُ الْقَائِمُ بِشَفَتَيْهِ وَلِسَانِهِ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: {أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ} {وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ} فَلَفْظُ الْحَرْفِ يُرَادُ بِهِ هَذَا وَهَذَا وَهَذَا. ثُمَّ إذَا كُتِبَ الْكَلَامُ فِي الْمُصْحَفِ سَمَّوْا ذَلِكَ حُرُوفًا فَيُرَادُ بِالْحَرْفِ الشَّكْلُ الْمَخْصُوصُ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ شَكْلٌ مَخْصُوصٌ هِيَ خُطُوطُهُمْ الَّتِي يَكْتُبُونَ بِهَا كَلَامَهُمْ وَيُرَادُ بِهِ الْمَادَّةُ وَيُرَادُ بِهِ مَجْمُوعُهَا وَهَذِهِ الْحُرُوفُ الْمَكْتُوبَةُ تُطَابِقُ الْحُرُوفَ الْمَنْطُوقَةَ وَتُبَيِّنُهَا وَتَدُلُّ عَلَيْهَا فَسُمِّيَتْ بِأَسْمَائِهَا؛ إذْ كَانَ الْإِنْسَانُ يَكْتُبُ اللَّفْظَ بِقَلَمِهِ؛ وَلِهَذَا كَانَ أَوَّلُ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّهِ {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} إلَى قَوْلِهِ: {مَا لَمْ يَعْلَمْ} فَبَيَّنَ سُبْحَانَهُ فِي أَوَّلِ مَا أَنْزَلَهُ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ هُوَ الْخَالِقُ الْهَادِي الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى وَاَلَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى كَمَا قَالَ مُوسَى: {رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} فَالْخَلْقُ يَتَنَاوَلُ كُلَّ مَا سِوَاهُ مِنْ الْمَخْلُوقَاتِ ثُمَّ خَصَّ الْإِنْسَانَ فَقَالَ: {خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ} . ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ عَلَّمَ؛ فَإِنَّ الْهُدَى وَالتَّعْلِيمَ هُوَ كَمَالُ الْمَخْلُوقَاتِ. وَالْعِلْمُ لَهُ " ثَلَاثُ مَرَاتِبَ " عِلْمٌ بِالْجَنَانِ وَعِبَارَةٌ بِاللِّسَانِ وَخَطٌّ
(12/111)

بِالْبَنَانِ؛ وَلِهَذَا قِيلَ: إنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ أَرْبَعُ وجودات: وُجُودٌ عَيْنِيٌّ وَعِلْمِيٌّ وَلَفْظِيٌّ وَرَسْمِيٌّ. وُجُودٌ فِي الْأَعْيَانِ وَوُجُودٌ فِي الْأَذْهَانِ وَاللِّسَانِ وَالْبَنَانِ؛ لَكِنَّ الْوُجُودَ الْعَيْنِيَّ هُوَ وُجُودُ الْمَوْجُودَاتِ فِي أَنْفُسِهَا وَاَللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَأَمَّا الذِّهْنِيُّ الجناني فَهُوَ الْعِلْمُ بِهَا الَّذِي فِي الْقُلُوبِ وَالْعِبَارَةُ عَنْ ذَلِكَ هُوَ اللِّسَانِيُّ وَكِتَابَةُ ذَلِكَ هُوَ الرَّسْمِيُّ الْبَنَانِيُّ وَتَعْلِيمُ الْخَطِّ يَسْتَلْزِمُ تَعْلِيمَ الْعَبَّارَةِ وَاللَّفْظِ وَذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ تَعْلِيمَ الْعِلْمِ فَقَالَ: {عَلَّمَ بِالْقَلَمِ} لِأَنَّ التَّعْلِيمَ بِالْقَلَمِ يَسْتَلْزِمُ الْمَرَاتِبَ الثَّلَاثَ وَأَطْلَقَ التَّعْلِيمَ ثُمَّ خَصَّ فَقَالَ: {عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} . وَقَدْ تَنَازَعَ النَّاسُ فِي وُجُودِ كُلِّ شَيْءٍ هَلْ هُوَ عَيْنُ مَاهِيَّتِه أَمْ لَا؟ وَقَدْ بُسِطَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ وَبُيِّنَ أَنَّ الصَّوَابَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ يُرَادُ بِالْوُجُودِ مَا هُوَ ثَابِتٌ فِي الْأَعْيَانِ وَبِالْمَاهِيَّةِ مَا يُتَصَوَّرُ فِي الْأَذْهَانِ فَعَلَى هَذَا فَوُجُودُ الْمَوْجُودَاتِ الثَّابِتُ فِي الْأَعْيَانِ لَيْسَ هُوَ مَاهِيَّتَهَا الْمُتَصَوَّرَةَ فِي الْأَذْهَانِ؛ لَكِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْمَوْجُودَ الثَّابِتَ فِي الْأَعْيَانِ وَعَلِمَ الْمَاهِيَّاتِ الْمُتَصَوِّرَةَ فِي الْأَذْهَانِ كَمَا أَنْزَلَ بَيَانَ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ سُورَةٍ أَنْزَلَهَا مِنْ الْقُرْآنِ وَقَدْ يُرَادُ بِالْوُجُودِ وَالْمَاهِيَّةِ كِلَاهُمَا: مَا هُوَ مُتَحَقِّقٌ فِي الْأَعْيَانِ وَمَا هُوَ مُتَحَقِّقٌ فِي الْأَذْهَانِ فَإِذَا أُرِيدَ بِهَذَا وَهَذَا مَا هُوَ مُتَحَقِّقٌ فِي الْأَعْيَانِ أَوْ مَا هُوَ مُتَصَوَّرٌ فِي الْأَذْهَانِ فَلَيْسَ هُمَا فِي الْأَعْيَانِ اثْنَانِ؛ بَلْ هَذَا هُوَ هَذَا. وَكَذَلِكَ الذِّهْنُ إذَا تَصَوَّرَ شَيْئًا فَتِلْكَ الصُّورَةُ
(12/112)

هِيَ الْمِثَالُ الَّذِي تَصَوَّرَهَا وَذَلِكَ هُوَ وُجُودُهَا الذِّهْنِيُّ الَّذِي تَتَصَوَّرُهُ الْأَذْهَانُ؛ فَهَذَا فَصْلُ الْخِطَابِ فِي هَذَا الْبَابِ. وَمَنْ تَدَبَّرَ هَذِهِ الْمَسَائِلَ وَأَمْثَالَهَا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ أَكْثَرَ اخْتِلَافِ الْعُقَلَاءِ مِنْ جِهَةِ اشْتِرَاكِ الْأَسْمَاءِ {وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ} . وَقَدْ بُسِطَ الْكَلَامُ عَلَى أُصُولِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ وَتَفَاصِيلِهَا فِي مَوَاضِعَ أُخْرَى؛ فَإِنَّ النَّاسَ كَثُرَ نِزَاعُهُمْ فِيهَا حَتَّى قِيلَ: " مَسْأَلَةُ الْكَلَامِ " حَيَّرَتْ عُقُولَ الْأَنَامِ. وَلَكِنَّ سُؤَالَ هَذَيْنِ لَا يَحْتَمِلُ الْبَسْطَ الْكَثِيرَ فَإِنَّهُمَا سَأَلَا بِحَسَبِ مَا سَمِعَاهُ وَاعْتَقَدَاهُ وَتَصَوَّرَاهُ فَإِذَا عَرَفَ السَّائِلُ أَصْلَ مَسْأَلَتِهِ وَلَوَازِمَهَا وَمَا فِيهَا مِنْ الْأَلْفَاظِ الْمُجْمَلَةِ وَالْمَعَانِي الْمُشْتَبِهَةِ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ مِنْ الْخَلْقِ مَنْ تَكَلَّمَ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ بِالنَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ فَلَا بُدَّ لَهُ أَنْ يُقَابِلَهُ آخَرُ بِمِثْلِ إطْلَاقِهِ. وَمِنْ الْأُصُولِ الْكُلِّيَّةِ أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ الْأَلْفَاظَ " نَوْعَانِ ": نَوْعٌ جَاءَ بِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ فَيَجِبُ عَلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ أَنْ يُقِرَّ بِمُوجَبِ ذَلِكَ فَيُثْبِتُ مَا أَثْبَتَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَيَنْفِي مَا نَفَاهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ فَاللَّفْظُ الَّذِي أَثْبَتَهُ اللَّهُ أَوْ نَفَاهُ حَقٌّ؛ فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ وَالْأَلْفَاظُ
(12/113)

الشَّرْعِيَّةُ لَهَا حُرْمَةٌ. وَمِنْ تَمَامِ الْعِلْمِ أَنْ يَبْحَثَ عَنْ مُرَادِ رَسُولِهِ بِهَا لِيُثْبِتَ مَا أَثْبَتَهُ وَيَنْفِيَ مَا نَفَاهُ مِنْ الْمَعَانِي فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْنَا أَنْ نُصَدِّقَهُ فِي كُلِّ مَا أَخْبَرَ وَنُطِيعَهُ فِي كُلِّ مَا أَوْجَبَ وَأَمَرَ ثُمَّ إذَا عَرَفْنَا تَفْصِيلَ ذَلِكَ كَانَ ذَلِكَ مِنْ زِيَادَةِ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} . وَأَمَّا الْأَلْفَاظُ الَّتِي لَيْسَتْ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَلَا اتَّفَقَ السَّلَفُ عَلَى نَفْيِهَا أَوْ إثْبَاتِهَا فَهَذِهِ لَيْسَ عَلَى أَحَدٍ أَنْ يُوَافِقَ مَنْ نَفَاهَا أَوْ أَثْبَتَهَا حَتَّى يَسْتَفْسِرَ عَنْ مُرَادِهِ فَإِنْ أَرَادَ بِهَا مَعْنًى يُوَافِقُ خَبَرَ الرَّسُولِ أَقَرَّ بِهِ وَإِنْ أَرَادَ بِهَا مَعْنًى يُخَالِفُ خَبَرَ الرَّسُولِ أَنْكَرَهُ. ثُمَّ التَّعْبِيرُ عَنْ تِلْكَ الْمَعَانِي إنْ كَانَ فِي أَلْفَاظِهِ اشْتِبَاهٌ أَوْ إجْمَالٌ عُبِّرَ بِغَيْرِهَا أَوْ بَيَّنَ مُرَادَهُ بِهَا بِحَيْثُ يَحْصُلُ تَعْرِيفُ الْحَقِّ بِالْوَجْهِ الشَّرْعِيِّ؛ فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ نِزَاعِ النَّاسِ سَبَبُهُ أَلْفَاظٌ مُجْمَلَةٌ مُبْتَدَعَةٌ وَمَعَانٍ مُشْتَبِهَةٌ حَتَّى تَجِدَ الرَّجُلَيْنِ يَتَخَاصَمَانِ وَيَتَعَادَيَانِ عَلَى إطْلَاقِ أَلْفَاظٍ وَنَفْيِهَا وَلَوْ سُئِلَ كُلٌّ مِنْهُمَا عَنْ مَعْنَى مَا قَالَهُ لَمْ يَتَصَوَّرْهُ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَعْرِفَ دَلِيلَهُ وَلَوْ عَرَفَ دَلِيلَهُ لَمْ يَلْزَمْ أَنَّ مَنْ خَالَفَهُ يَكُونُ مُخْطِئًا بَلْ يَكُونُ فِي قَوْلِهِ نَوْعٌ مِنْ الصَّوَابِ وَقَدْ يَكُونُ هَذَا مُصِيبًا مَنْ وَجْهٍ وَهَذَا مُصِيبًا مِنْ وَجْهٍ وَقَدْ يَكُونُ الصَّوَابُ فِي قَوْلٍ ثَالِثٍ.
(12/114)

وَكَثِيرٌ مِنْ الْكُتُبِ الْمُصَنَّفَةِ فِي " أُصُولِ عُلُومِ الدِّينِ " وَغَيْرِهَا تَجِدُ الرَّجُلَ الْمُصَنِّفَ فِيهَا فِي " الْمَسْأَلَةِ الْعَظِيمَةِ " كَمَسْأَلَةِ الْقُرْآنِ وَالرُّؤْيَةِ وَالصِّفَاتِ وَالْمَعَادِ وَحُدُوثِ الْعَالَمِ وَغَيْرِ ذَلِكَ يَذْكُرُ أَقْوَالًا مُتَعَدِّدَةً. وَالْقَوْلُ الَّذِي جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ وَكَانَ عَلَيْهِ سَلَفُ الْأُمَّةِ لَيْسَ فِي تِلْكَ الْكُتُبِ؛ بَلْ وَلَا عَرَفَهُ مُصَنِّفُوهَا وَلَا شَعَرُوا بِهِ وَهَذَا مِنْ أَسْبَابِ تَوْكِيدِ التَّفْرِيقِ وَالِاخْتِلَافِ بَيْنَ الْأُمَّةِ وَهُوَ مِمَّا نُهِيَتْ الْأُمَّةُ عَنْهُ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ} . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تَبْيَضُّ وُجُوهُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ وَتَسْوَدُّ وُجُوهُ أَهْلِ الْبِدْعَةِ وَالْفُرْقَةِ. وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {إنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إنَّمَا أَمْرُهُمْ إلَى اللَّهِ} وَقَالَ تَعَالَى: {وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ} . وَقَدْ {خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَصْحَابِهِ وَهُمْ يَتَنَازَعُونَ فِي الْقَدَرِ وَهَذَا يَقُولُ أَلَمْ يَقُلْ اللَّهُ كَذَا؟ وَهَذَا يَقُولُ أَلَمْ يَقُلْ اللَّهُ كَذَا؟ فَقَالَ: أَبِهَذَا أُمِرْتُمْ؟ أَمْ إلَى هَذَا دُعِيتُمْ؟ إنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِهَذَا: أَنْ ضَرَبُوا كِتَابَ اللَّهِ بَعْضَهُ بِبَعْضِ اُنْظُرُوا مَا أُمِرْتُمْ بِهِ فَافْعَلُوهُ وَمَا نُهِيتُمْ عَنْهُ فَاجْتَنِبُوهُ} . وَمِمَّا أُمِرَ النَّاسُ بِهِ أَنْ يَعْمَلُوا بِمُحْكَمِ الْقُرْآنِ وَيُؤْمِنُوا بِمُتَشَابِهِهِ.
(12/115)

قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّة: وَقَدْ كَتَبْت فِي أُصُولِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ قَوَاعِدَ مُتَعَدِّدَةً وَأُصُولًا كَثِيرَةً وَلَكِنْ هَذَا الْجَوَابُ كُتِبَ وَصَاحِبُهُ مُسْتَوْفِزٌ فِي قَعْدَةٍ وَاحِدَةٍ وَاَللَّهُ تَعَالَى يَهْدِينَا وَسَائِر إخْوَانِنَا لِمَا يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ. وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
(12/116)

وَقَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
فَصْلٌ: (*)
فِي بَيَانِ أَنَّ الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ كَلَامُ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ لَيْسَ شَيْءٌ مِنْهُ كَلَامًا لِغَيْرِهِ لَا جِبْرِيلَ وَلَا مُحَمَّدٍ وَلَا غَيْرِهِمَا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} {إنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} {إنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ} {وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} . {قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ} . فَأَمَرَهُ أَنْ يَقُولَ: {نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ} فَإِنَّ الضَّمِيرَ فِي قَوْلِهِ {قُلْ نَزَّلَهُ} عَائِدٌ عَلَى مَا فِي قَوْلِهِ: {بِمَا يُنَزِّلُ} وَالْمُرَادُ بِهِ الْقُرْآنُ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ سِيَاقُ الْكَلَامِ وَقَوْلُهُ: {وَاللَّهُ أَعْلَمُ
__________

[تعليق مُعِدّ الكتاب للشاملة]
(*) قال الشيخ ناصر بن حمد الفهد (ص 104) :
قد اختصر الفصل الأول من هذه الرسالة (12 / 117 - 129) في: (15 / 221 - 225) ، وفي بعض المواضع كان الاختصار مخلا كما سيأتي إن شاء الله أثناء الكلام على المجلد الخامس عشر.
(12/117)

بِمَا يُنَزِّلُ} فِيهِ إخْبَارُ اللَّهِ بِأَنَّهُ أَنْزَلَهُ؛ لَكِنْ لَيْسَ فِي هَذِهِ اللَّفْظَةِ بَيَانُ أَنَّ رُوحَ الْقُدُسِ نَزَلَ بِهِ وَلَا أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْهُ. وَلَفْظُ " الْإِنْزَالِ " فِي الْقُرْآنِ قَدْ يَرِدُ مُقَيَّدًا بِالْإِنْزَالِ مِنْهُ: كَنُزُولِ الْقُرْآنِ وَقَدْ يَرِدُ مُقَيَّدًا بِالْإِنْزَالِ مِنْ السَّمَاءِ وَيُرَادُ بِهِ الْعُلُوُّ؛ فَيَتَنَاوَلُ نُزُولَ الْمَطَرِ مِنْ السَّحَابِ وَنُزُولَ الْمَلَائِكَةِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَغَيْرَ ذَلِكَ وَقَدْ يَرِدُ مُطْلَقًا فَلَا يَخْتَصُّ بِنَوْعِ مِنْ الْإِنْزَالِ؛ بَلْ رُبَّمَا يَتَنَاوَلُ الْإِنْزَالَ مِنْ رُءُوسِ الْجِبَالِ كَقَوْلِهِ: {وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ} وَالْإِنْزَالُ مِنْ ظُهُورِ الْحَيَوَانِ كَإِنْزَالِ الْفَحْلِ الْمَاءَ وَغَيْرِ ذَلِكَ. فَقَوْلُهُ: {نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ} بَيَانٌ لِنُزُولِ جِبْرِيلَ بِهِ مِنْ اللَّهِ فَإِنَّ رُوحَ الْقُدُسِ هُنَا هُوَ جِبْرِيلُ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: {مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ} وَهُوَ الرُّوحُ الْأَمِينُ كَمَا فِي قَوْلِهِ: {وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ} {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ} {عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ} {بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ} وَفِي قَوْلِهِ {الْأَمِينُ} دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ مُؤْتَمَنٌ عَلَى مَا أُرْسِلَ بِهِ لَا يَزِيدُ فِيهِ وَلَا يَنْقُصُ مِنْهُ فَإِنَّ الرَّسُولَ الْخَائِنَ قَدْ يُغَيِّرُ الرِّسَالَةَ كَمَا قَالَ فِي صِفَتِهِ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: {إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ} {ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ} {مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ} . وَفِي قَوْلِهِ: {مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ} دَلَالَةٌ عَلَى أُمُورٍ: " مِنْهَا " بُطْلَانُ قَوْلِ مَنْ يَقُولُ إنَّهُ كَلَامٌ مَخْلُوقٌ خَلَقَهُ فِي جِسْمٍ
(12/118)

مِنْ الْأَجْسَامِ الْمَخْلُوقَةِ كَمَا هُوَ قَوْلُ الْجَهْمِيَّة الَّذِينَ يَقُولُونَ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ والنجارية والضرارية وَغَيْرِهِمْ؛ فَإِنَّ السَّلَفَ كَانُوا يُسَمُّونَ كُلَّ مَنْ نَفَى الصِّفَاتِ وَقَالَ إنَّ الْقُرْآنَ مَخْلُوقٌ وَإِنَّ اللَّهَ لَا يُرَى فِي الْآخِرَةِ جهميا؛ فَإِنَّ " جَهْمًا " أَوَّلُ مَنْ ظَهَرَتْ عَنْهُ بِدْعَةُ نَفْيِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ وَبَالَغَ فِي نَفْيِ ذَلِكَ فَلَهُ فِي هَذِهِ الْبِدْعَةِ مَزِيَّةُ الْمُبَالَغَةِ فِي النَّفْيِ وَالِابْتِدَاءِ بِكَثْرَةِ إظْهَارِ ذَلِكَ وَالدَّعْوَةِ إلَيْهِ وَإِنْ كَانَ الْجَعْدُ بْنُ دِرْهَمٍ قَدْ سَبَقَهُ إلَى بَعْضِ ذَلِكَ. فَإِنَّ الْجَعْدَ بْنَ دِرْهَمٍ أَوَّلُ مَنْ أَحْدَثَ ذَلِكَ فِي الْإِسْلَامِ؛ فَضَحَّى بِهِ خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيُّ بواسط يَوْمَ النَّحْرِ. وَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضَحُّوا تَقَبَّلَ اللَّهُ ضَحَايَاكُمْ فَإِنِّي مُضَحٍّ بِالْجَعْدِ بْنِ دِرْهَمٍ إنَّهُ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَتَّخِذْ إبْرَاهِيمَ خَلِيلًا وَلَمْ يُكَلِّمْ مُوسَى تَكْلِيمًا تَعَالَى اللَّه عَمَّا يَقُولُ الْجَعْدُ بْنُ دِرْهَمٍ عُلُوًّا كَبِيرًا. ثُمَّ نَزَلَ فَذَبَحَهُ؛ وَلَكِنَّ الْمُعْتَزِلَةَ وَإِنْ وَافَقُوا جَهْمًا فِي بَعْضِ ذَلِكَ فَهُمْ يُخَالِفُونَهُ فِي مَسَائِلَ غَيْرِ ذَلِكَ: كَمَسَائِلِ الْقَدَرِ وَالْإِيمَانِ وَبَعْضِ مَسَائِلِ الصِّفَاتِ أَيْضًا وَلَا يُبَالِغُونَ فِي النَّفْيِ مُبَالَغَتَهُ. وَجَهْمٌ يَقُولُ: إنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَتَكَلَّمُ. أَوْ يَقُولُ: إنَّهُ يَتَكَلَّمُ بِطَرِيقِ الْمَجَازِ وَأَمَّا " الْمُعْتَزِلَةُ " فَيَقُولُونَ إنَّهُ يَتَكَلَّمُ حَقِيقَةً؛ لَكِنَّ قَوْلَهُمْ فِي الْمَعْنَى هُوَ قَوْلُ جَهْمٍ وَجَهْمٌ يَنْفِي الْأَسْمَاءَ أَيْضًا كَمَا نَفَتْهَا الْبَاطِنِيَّةُ وَمَنْ وَافَقَهُمْ مِنْ الْفَلَاسِفَةِ وَأَمَّا جُمْهُورُ الْمُعْتَزِلَةِ فَلَا يَنْفُونَ الْأَسْمَاءَ.
(12/119)

وَالْمَقْصُودُ أَنَّ قَوْلَهُ: {مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ} فِيهِ بَيَانُ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ اللَّهِ لَا مِنْ مَخْلُوقٍ مِنْ الْمَخْلُوقَاتِ؛ وَلِهَذَا قَالَ السَّلَفُ: مِنْهُ بَدَأَ أَيْ: هُوَ الَّذِي تَكَلَّمَ بِهِ لَمْ يُبْتَدَأْ مِنْ غَيْرِهِ كَمَا قَالَتْ الخلقية. وَ " مِنْهَا " أَنَّ قَوْلَهُ: {مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ} فِيهِ بُطْلَانُ قَوْلِ مَنْ يَجْعَلُهُ فَاضَ عَلَى نَفْسِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْعَقْلِ الْفَعَّالِ أَوْ غَيْرِهِ كَمَا يَقُولُ ذَلِكَ طَوَائِفُ مِنْ الْفَلَاسِفَةِ وَالصَّابِئَةِ وَهَذَا الْقَوْلُ أَعْظَمُ كُفْرًا وَضَلَالًا مِنْ الَّذِي قَبْلَهُ. وَ " مِنْهَا " أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ - أَيْضًا - تُبْطِلُ قَوْلَ مَنْ يَقُولُ إنَّ الْقُرْآنَ الْعَرَبِيَّ لَيْسَ مُنَزَّلًا مِنْ اللَّهِ بَلْ مَخْلُوقٌ: إمَّا فِي جِبْرِيلَ أَوْ مُحَمَّدٍ أَوْ جِسْمٍ آخَرَ غَيْرِهِمَا كَمَا يَقُولُ ذَلِكَ الْكُلَّابِيَة وَالْأَشْعَرِيَّةُ الَّذِينَ يَقُولُونَ إنَّ الْقُرْآنَ الْعَرَبِيَّ لَيْسَ هُوَ كَلَامَ اللَّهِ وَإِنَّمَا كَلَامُهُ الْمَعْنَى الْقَائِمُ بِذَاتِهِ وَالْقُرْآنُ الْعَرَبِيُّ خُلِقَ لِيَدُلَّ عَلَى ذَلِكَ الْمَعْنَى ثُمَّ إمَّا أَنْ يَكُونَ خُلِقَ فِي بَعْضِ الْأَجْسَامِ: الْهَوَاءِ أَوْ غَيْرِهِ أَوْ أُلْهِمَهُ جِبْرِيلُ فَعَبَّرَ عَنْهُ بِالْقُرْآنِ الْعَرَبِيِّ أَوْ أُلْهِمَهُ مُحَمَّدٌ فَعَبَّرَ عَنْهُ بِالْقُرْآنِ الْعَرَبِيِّ أَوْ يَكُونُ أَخَذَهُ جِبْرِيلُ مِنْ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ أَوْ غَيْرِهِ: فَهَذِهِ الْأَقْوَالُ الَّتِي تَقَدَّمَتْ هِيَ تَفْرِيعٌ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ فَإِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ الْعَرَبِيَّ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُتَكَلِّمٍ تَكَلَّمَ بِهِ أَوَّلًا قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إلَيْنَا.
(12/120)

وَهَذَا الْقَوْلُ يُوَافِقُ قَوْلَ الْمُعْتَزِلَةِ وَنَحْوِهِمْ فِي إثْبَاتِ خَلْقِ الْقُرْآنِ الْعَرَبِيِّ وَكَذَلِكَ التَّوْرَاةُ الْعِبْرِيَّةُ وَيُفَارِقُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ. " أَحَدُهُمَا " أَنَّ أُولَئِكَ يَقُولُونَ إنَّ الْمَخْلُوقَ كَلَامُ اللَّهِ وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ إنَّهُ لَيْسَ كَلَامَ اللَّهِ؛ لَكِنْ يُسَمَّى كَلَامَ اللَّهِ مَجَازًا وَهَذَا قَوْلُ أَئِمَّتِهِمْ وَجُمْهُورِهِمْ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ مُتَأَخَّرِيهِمْ؛ بَلْ لَفْظُ الْكَلَامِ يُقَالُ عَلَى هَذَا وَهَذَا بِالِاشْتِرَاكِ اللَّفْظِيِّ لَكِنَّ هَذَا يَنْقُضُ أَصْلَهُمْ فِي إبْطَالِ قِيَامِ الْكَلَامِ بِغَيْرِ الْمُتَكَلِّمِ بِهِ وَهُمْ مَعَ هَذَا لَا يَقُولُونَ إنَّ الْمَخْلُوقَ كَلَامُ اللَّهِ حَقِيقَةً كَمَا تَقُولهُ الْمُعْتَزِلَةُ مَعَ قَوْلِهِمْ إنَّهُ كَلَامُهُ حَقِيقَةً بَلْ يَجْعَلُونَ الْقُرْآنَ الْعَرَبِيَّ كَلَامًا لِغَيْرِ اللَّهِ وَهُوَ كَلَامٌ حَقِيقَةً وَهَذَا شَرٌّ مِنْ قَوْلِ الْمُعْتَزِلَةِ وَهَذَا حَقِيقَةُ قَوْلِ الْجَهْمِيَّة وَمِنْ هَذَا الْوَجْهِ: فَقَوْلُ الْمُعْتَزِلَةِ أَقْرَبُ وَقَوْلُ الْآخَرِينَ هُوَ قَوْلُ الْجَهْمِيَّة الْمَحْضَةِ لَكِنْ الْمُعْتَزِلَةُ فِي الْمَعْنَى مُوَافِقُونَ لِهَؤُلَاءِ وَإِنَّمَا يُنَازِعُونَهُمْ فِي اللَّفْظِ. " الثَّانِي " أَنَّ هَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: لِلَّهِ كَلَامٌ هُوَ مَعْنًى قَدِيمٌ قَائِمٌ بِذَاتِهِ والخلقية يَقُولُونَ: لَا يَقُومُ بِذَاتِهِ كَلَامٌ. وَمِنْ هَذَا الْوَجْهِ فالْكُلَّابِيَة خَيْرٌ مِنْ الخلقية فِي الظَّاهِرِ؛ لَكِنَّ جُمْهُورَ النَّاسِ يَقُولُونَ: إنَّ أَصْحَابَ هَذَا الْقَوْلِ عِنْدَ التَّحْقِيقِ لَمْ يُثْبِتُوا لَهُ كَلَامًا حَقِيقَةً غَيْرَ الْمَخْلُوقِ؛ فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ: إنَّهُ مَعْنًى وَاحِدٌ هُوَ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ وَالْخَبَرُ: فَإِنَّ عُبِّرَ عَنْهُ بِالْعَرَبِيَّةِ
(12/121)

كَانَ قُرْآنًا وَإِنْ عُبِّرَ عَنْهُ بِالْعِبْرِيَّةِ كَانَ تَوْرَاةً وَإِنْ عُبِّرَ عَنْهُ بالسريانية كَانَ إنْجِيلًا. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هُوَ خَمْسُ مَعَانٍ. وَجُمْهُورُ الْعُقَلَاءِ يَقُولُونَ: إنَّ فَسَادَ هَذَا مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ بَعْدَ التَّصَوُّرِ التَّامِّ وَالْعُقَلَاءُ الْكَثِيرُونَ لَا يَتَّفِقُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَجَحْدِ الضَّرُورَاتِ مِنْ غَيْرِ تَوَاطُؤٍ وَاتِّفَاقٍ؛ كَمَا فِي الْأَخْبَارِ الْمُتَوَاتِرَةِ. وَأَمَّا مَعَ التَّوَاطُؤِ فَقَدْ يَتَّفِقُونَ عَلَى الْكَذِبِ عَمْدًا وَقَدْ يَتَّفِقُونَ عَلَى جَحْدِ الضَّرُورَاتِ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ كُلٌّ مِنْهُمْ أَنَّهُ جَاحِدٌ لِلضَّرُورَةِ وَلَوْ لَمْ يَفْهَمْ حَقِيقَةَ الْقَوْلِ الَّذِي يَعْتَقِدُهُ لِحُسْنِ ظَنِّهِ فِيمَنْ يُقَلِّدُ قَوْلَهُ وَلِمَحَبَّتِهِ لِنَصْرِ ذَلِكَ الْقَوْلِ كَمَا اتَّفَقَتْ النَّصَارَى وَالرَّافِضَةُ وَغَيْرُهُمْ مِنْ الطَّوَائِفِ عَلَى مَقَالَاتٍ يُعْلَمُ فَسَادُهَا بِالضَّرُورَةِ. وَقَالَ جُمْهُورُ الْعُقَلَاءِ: نَحْنُ إذَا عَرَّبْنَا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ لَمْ يَكُنْ مَعْنَى ذَلِكَ مَعْنَى الْقُرْآنِ؛ بَلْ مَعَانِي هَذَا لَيْسَتْ مَعَانِي هَذَا وَمَعَانِي هَذَا لَيْسَتْ مَعَانِي هَذَا. وَكَذَلِكَ مَعْنَى: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} لَيْسَ هُوَ مَعْنَى {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ} وَلَا مَعْنَى آيَةِ الْكُرْسِيِّ هُوَ مَعْنَى آيَةِ الدَّيْنِ. وَقَالُوا: إذَا جَوَّزْتُمْ أَنْ تَكُونَ الْحَقَائِقُ الْمُتَنَوِّعَةُ شَيْئًا وَاحِدًا فَجَوِّزُوا أَنْ يَكُونَ الْعِلْمُ وَالْقُدْرَةُ وَالْكَلَامُ وَالسَّمْعُ وَالْبَصَرُ صِفَةً وَاحِدَةً فَاعْتَرَفَ أَئِمَّةُ هَذَا الْقَوْلِ بِأَنَّ هَذَا الْإِلْزَامَ لَيْسَ لَهُمْ عَنْهُ جَوَابٌ عَقْلِيٌّ.
(12/122)

ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: النَّاسُ فِي الصِّفَاتِ إمَّا مُثْبِتٌ لَهَا وَقَائِلٌ بِالتَّعَدُّدِ وَإِمَّا نَافٍ لَهَا؛ وَأَمَّا إثْبَاتُهَا وَاتِّحَادُهَا فَخِلَافُ الْإِجْمَاعِ. وَهَذِهِ طَرِيقَةُ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ وَأَبِي الْمَعَالِي وَغَيْرِهِمَا. وَمِنْهُمْ مَنْ اعْتَرَفَ بِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ عَنْهُ جَوَابٌ كَأَبِي الْحَسَنِ الْآمِدِي وَغَيْرِهِ. " وَالْمَقْصُودُ هُنَا " أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ تُبَيِّنُ بُطْلَانَ هَذَا الْقَوْلِ كَمَا تُبَيِّنُ بُطْلَانَ غَيْرِهِ فَإِنَّ قَوْلَهُ: {قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ} يَقْتَضِي نُزُولَ الْقُرْآنِ مِنْ رَبِّهِ وَالْقُرْآنُ اسْمٌ لِلْقُرْآنِ الْعَرَبِيِّ لَفْظُهُ وَمَعْنَاهُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ} وَإِنَّمَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ الْعَرَبِيَّ لَا يَقْرَأُ مَعَانِيَهُ الْمُجَرَّدَةَ. وَأَيْضًا فَضَمِيرُ الْمَفْعُولِ فِي قَوْلِهِ نَزَّلَهُ عَائِدٌ عَلَى مَا فِي قَوْلِهِ: {وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ} فَاَلَّذِي أَنْزَلَهُ اللَّهُ هُوَ الَّذِي نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ فَإِذَا كَانَ رُوحُ الْقُدُسِ نَزَلَ بِالْقُرْآنِ الْعَرَبِيِّ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ نَزَّلَهُ مِنْ اللَّهِ فَلَا يَكُونُ شَيْءٌ مِنْهُ نَزَّلَهُ مَنْ عَيْنٍ مِنْ الْأَعْيَانِ الْمَخْلُوقَةِ وَلَا نَزَّلَهُ مِنْ نَفْسِهِ. وَأَيْضًا فَإِنَّهُ قَالَ عَقِيبَ هَذِهِ الْآيَةِ: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ} وَهْم كَانُوا يَقُولُونَ: إنَّمَا يُعَلِّمُهُ هَذَا الْقُرْآنَ الْعَرَبِيَّ بَشَرٌ لَمْ يَكُونُوا يَقُولُونَ إنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ مَعَانِيهِ فَقَطْ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: {لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ} فَإِنَّهُ تَعَالَى أَبْطَلَ قَوْلَ الْكُفَّارِ بِأَنَّ
(12/123)

لِسَانَ الَّذِي أَلْحَدُوا إلَيْهِ بِأَنْ أَضَافُوا إلَيْهِ هَذَا الْقُرْآنَ فَجَعَلُوهُ هُوَ الَّذِي يُعَلِّمُ مُحَمَّدًا الْقُرْآنَ لِسَانٌ أَعْجَمِيٌّ وَالْقُرْآنُ لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ وَعَبَّرَ عَنْ هَذَا الْمَعْنَى بِلَفْظِ {يُلْحِدُونَ} لَمَّا تَضَمَّنَ مِنْ مَعْنَى مَيْلِهِمْ عَنْ الْحَقِّ وَمَيْلُهُمْ إلَى هَذَا الَّذِي أَضَافُوا إلَيْهِ هَذَا الْقُرْآنَ فَإِنَّ لَفْظَ " الْإِلْحَادِ " يَقْتَضِي مَيْلًا عَنْ شَيْءٍ إلَى شَيْءٍ بِبَاطِلِ فَلَوْ كَانَ الْكُفَّارُ قَالُوا يُعَلِّمُهُ مَعَانِيَهُ فَقَطْ لَمْ يَكُنْ هَذَا رَدًّا لِقَوْلِهِمْ؛ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَتَعَلَّمُ مِنْ الْأَعْجَمِيِّ شَيْئًا بِلُغَةِ ذَلِكَ الْأَعْجَمِيِّ وَيُعَبِّرُ عَنْهُ هُوَ بِعِبَارَتِهِ. وَقَدْ اُشْتُهِرَ فِي التَّفْسِيرِ أَنَّ بَعْضَ الْكُفَّارِ كَانُوا يَقُولُونَ: هُوَ تَعَلَّمَهُ مَنْ شَخْصٍ كَانَ بِمَكَّةَ أَعْجَمِيٌّ. قِيلَ: إنَّهُ كَانَ مَوْلًى لِابْنِ الْحَضْرَمِيِّ وَإِذَا كَانَ الْكُفَّارُ جَعَلُوا الَّذِي يُعَلِّمُهُ مَا نَزَلَ بِهِ رُوحُ الْقُدُسِ بَشَرًا وَاَللَّهُ أَبْطَلَ ذَلِكَ بِأَنَّ لِسَانَ ذَلِكَ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ: عُلِمَ أَنَّ رُوحَ الْقُدُسِ نَزَلَ بِاللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ الْمُبِينِ وَأَنَّ مُحَمَّدًا لَمْ يُؤَلِّفْ نَظْمَ الْقُرْآنِ بَلْ سَمِعَهُ مِنْ رُوحِ الْقُدُسِ وَإِذَا كَانَ رُوحُ الْقُدُسِ نَزَلَ بِهِ مِنْ اللَّهِ عُلِمَ أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْهُ وَلَمْ يُؤَلِّفْهُ هُوَ وَهَذَا بَيَانٌ مِنْ اللَّهِ أَنَّ الْقُرْآنَ الَّذِي هُوَ اللِّسَانُ الْعَرَبِيُّ الْمُبِينُ سَمِعَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ اللَّهِ وَنَزَلَ بِهِ مِنْهُ. وَنَظِيرُ هَذِهِ الْآيَةِ قَوْله تَعَالَى {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ} إلَى قَوْلِهِ: {فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ} وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: {وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ
(12/124)

الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ} وَ " الْكِتَابُ " اسْمٌ لِلْقُرْآنِ الْعَرَبِيِّ بِالضَّرُورَةِ وَالِاتِّفَاقِ فَإِنَّ الْكُلَّابِيَة أَوْ بَعْضَهُمْ يُفَرِّق بَيْنَ كَلَامِ اللَّهِ وَكِتَابِ اللَّهِ فَيَقُولُ: كَلَامُهُ هُوَ الْمَعْنَى الْقَائِمُ بِالذَّاتِ وَهُوَ غَيْرُ مَخْلُوقٍ وَكِتَابُهُ هُوَ الْمَنْظُومُ الْمُؤَلَّفُ الْعَرَبِيُّ وَهُوَ مَخْلُوقٌ. وَ " الْقُرْآنُ " يُرَادُ بِهِ هَذَا تَارَةً وَهَذَا تَارَةً وَاَللَّهُ تَعَالَى قَدْ سَمَّى نَفْسَ مَجْمُوعِ اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى قُرْآنًا وَكِتَابًا وَكَلَامًا فَقَالَ تَعَالَى {تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ} وَقَالَ: {طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ} وَقَالَ: {وَإِذْ صَرَفْنَا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ} إلَى قَوْله تَعَالَى {قَالُوا يَا قَوْمَنَا إنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} فَبَيَّنَ أَنَّ الَّذِي سَمِعُوهُ هُوَ الْقُرْآنُ وَهُوَ الْكِتَابُ. وَقَالَ: {بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ} {فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ} وَقَالَ: {إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ} {فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ} وَقَالَ: {يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً} {فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ} وَقَالَ: {وَالطُّورِ} {وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ} {فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ} وَقَالَ: {وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ} . وَلَكِنَّ لَفْظَ الْكِتَابِ قَدْ يُرَادُ بِهِ الْمَكْتُوبُ فَيَكُونُ هُوَ الْكَلَامَ وَقَدْ يُرَادُ بِهِ مَا يُكْتَبُ فِيهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ} {فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ} وَقَالَ: {وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا} .
(12/125)

وَ " الْمَقْصُودُ هُنَا " أَنَّ قَوْلَهُ {وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا} يَتَنَاوَلُ نُزُولَ الْقُرْآنِ الْعَرَبِيِّ عَلَى كُلِّ قَوْلٍ. وَقَدْ أَخْبَرَ: {وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ} إخْبَارً مُسْتَشْهِدٍ بِهِمْ لَا مُكَذِّبٍ لَهُمْ. وَقَالَ إنَّهُمْ يَعْلَمُونَ ذَلِكَ وَلَمْ يَقُلْ إنَّهُمْ يَظُنُّونَهُ أَوْ يَقُولُونَهُ وَالْعِلْمُ لَا يَكُونُ إلَّا حَقًّا مُطَابِقًا لِلْمَعْلُومِ بِخِلَافِ الْقَوْلِ وَالظَّنِّ الَّذِي يَنْقَسِمُ إلَى حَقٍّ وَبَاطِلٍ؛ فَعَلِمَ أَنَّ الْقُرْآنَ الْعَرَبِيَّ مُنَزَّلٌ مِنْ اللَّهِ لَا مِنْ الْهَوَاءِ وَلَا مِنْ اللَّوْحِ وَلَا مِنْ جِسْمٍ آخَرَ وَلَا مِنْ جِبْرِيلَ وَلَا مِنْ مُحَمَّدٍ وَلَا غَيْرِهِمَا وَإِذَا كَانَ أَهْلُ الْكِتَابِ يَعْلَمُونَ ذَلِكَ فَمَنْ لَمْ يُقِرَّ بِذَلِكَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ كَانَ أَهْلُ الْكِتَابِ الْمُقِرُّونَ بِذَلِكَ خَيْرًا مِنْهُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. وَهَذَا لَا يُنَافِي مَا جَاءَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ مِنْ السَّلَفِ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: {إنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} أَنَّهُ أَنْزَلَهُ إلَى بَيْتِ الْعِزَّةِ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا ثُمَّ أَنْزَلَهُ بَعْدَ ذَلِكَ مُنَجَّمًا مُفَرَّقًا بِحَسَبِ الْحَوَادِثِ وَلَا يُنَافِي أَنَّهُ مَكْتُوبٌ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ قَبْلَ نُزُولِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ} {فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ} وَقَالَ تَعَالَى: {إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ} {فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ} {لَا يَمَسُّهُ إلَّا الْمُطَهَّرُونَ} . وَقَالَ تَعَالَى: {كَلَّا إنَّهَا تَذْكِرَةٌ} {فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ} {فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ} {مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ} {بِأَيْدِي سَفَرَةٍ} {كِرَامٍ بَرَرَةٍ} وَقَالَ تَعَالَى: {وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ}
(12/126)

فَإِنَّ كَوْنَهُ مَكْتُوبًا فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ. وَفِي صُحُفٍ مُطَهَّرَةٍ بِأَيْدِي الْمَلَائِكَةِ لَا يُنَافِي أَنْ يَكُونَ جِبْرِيلُ نَزَلَ بِهِ مِنْ اللَّهِ سَوَاءً كَتَبَهُ اللَّهُ قَبْلَ أَنْ يُرْسِلَ بِهِ جِبْرِيلَ أَوْ بَعْدَ ذَلِكَ وَإِذَا كَانَ قَدْ أَنْزَلَهُ مَكْتُوبًا إلَى بَيْتِ الْعِزَّةِ جُمْلَةً وَاحِدَةً فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ فَقَدْ كَتَبَهُ كُلَّهُ قَبْلَ أَنْ يُنَزِّلَهُ. وَاَللَّهُ تَعَالَى يَعْلَمُ مَا كَانَ وَمَا يَكُونُ وَمَا لَا يَكُونُ أَنْ لَوْ كَانَ كَيْفَ كَانَ يَكُونُ وَهُوَ سُبْحَانَهُ قَدْ قَدَّرَ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ وَكَتَبَ أَعْمَالَ الْعِبَادِ قَبْلَ أَنْ يَعْمَلُوهَا كَمَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي صَرِيحِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَآثَارِ السَّلَفِ ثُمَّ إنَّهُ يَأْمُرُ الْمَلَائِكَةَ بِكِتَابَتِهَا بَعْدَ مَا يَعْمَلُونَهَا؛ فَيُقَابِلُ بِهِ الْكِتَابَةَ الْمُتَقَدِّمَةَ عَلَى الْوُجُودِ وَالْكِتَابَةَ الْمُتَأَخِّرَةَ عَنْهُ فَلَا يَكُونُ بَيْنَهُمَا تَفَاوُتٌ هَكَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ مِنْ السَّلَفِ - وَهُوَ حَقٌّ - فَإِذَا كَانَ مَا يَخْلُقُهُ بَائِنًا مِنْهُ قَدْ كَتَبَهُ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَهُ فَكَيْفَ يُسْتَبْعَدُ أَنْ يَكْتُبَ كَلَامَهُ الَّذِي يُرْسِلُ بِهِ مَلَائِكَتَهُ قَبْلَ أَنْ يُرْسِلَهُمْ بِهِ. وَمَنْ قَالَ إنَّ جِبْرِيلَ أَخَذَ الْقُرْآنَ مِنْ الْكِتَابِ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ اللَّهِ كَانَ هَذَا بَاطِلًا مِنْ وُجُوهٍ: " مِنْهَا " أَنْ يُقَالَ إنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قَدْ كَتَبَ التَّوْرَاةَ لِمُوسَى بِيَدِهِ فَبَنُو إسْرَائِيلَ أَخَذُوا كَلَامَ اللَّهِ مِنْ الْكِتَابِ الَّذِي كَتَبَهُ هُوَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِيهِ فَإِنْ كَانَ مُحَمَّدٌ أَخَذَهُ عَنْ جِبْرِيلَ وَجِبْرِيلُ عَنْ الْكِتَابِ
(12/127)

كَانَ بَنُو إسْرَائِيلَ أَعْلَى مِنْ مُحَمَّدٍ بِدَرَجَةِ. وَكَذَلِكَ مَنْ قَالَ إنَّهُ أَلْقَى إلَى جِبْرِيلَ الْمَعَانِيَ وَأَنَّ جِبْرِيلَ عُبِّرَ عَنْهَا بِالْكَلَامِ الْعَرَبِيِّ فَقَوْلُهُ يَسْتَلْزِمُ أَنْ يَكُونَ جِبْرِيلُ أُلْهِمَهُ إلْهَامًا وَهَذَا الْإِلْهَامُ يَكُونُ لِآحَادِ الْمُؤْمِنِينَ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَإِذْ أَوْحَيْتُ إلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي} وَقَالَ: {وَأَوْحَيْنَا إلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ} وَقَدْ أَوْحَى إلَى سَائِر النَّبِيِّينَ فَيَكُونُ هَذَا الْوَحْيُ الَّذِي يَكُونُ لِآحَادِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُؤْمِنِينَ أَعْلَى مِنْ أَخْذِ مُحَمَّدٍ الْقُرْآنَ عَنْ جِبْرِيلَ؛ لِأَنَّ جِبْرِيلَ الَّذِي عَلَّمَهُ لِمُحَمَّدِ هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْوَاحِدِ مِنْ هَؤُلَاءِ؛ وَلِهَذَا زَعَمَ ابْنُ عَرَبِيٍّ أَنَّ خَاتَمَ الْأَوْلِيَاءِ أَفْضَلُ مِنْ خَاتَمِ الْأَنْبِيَاءِ وَقَالَ: لِأَنَّهُ يَأْخُذُ مِنْ الْمَعْدِنِ الَّذِي يَأْخُذُ مِنْهُ الْمَلَكُ الَّذِي يُوحِي بِهِ إلَى الرَّسُولِ. فَجَعَلَ أَخْذَهُ وَأَخْذَ الْمَلَكِ الَّذِي جَاءَ إلَى الرَّسُولِ مِنْ مَعْدِنٍ وَاحِدٍ وَادَّعَى أَنَّ أَخْذَهُ عَنْ اللَّهِ أَعْلَى مِنْ أَخْذِ الرَّسُولِ لِلْقُرْآنِ وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا مِنْ أَعْظَمِ الْكُفْرِ وَأَنَّ هَذَا الْقَوْلَ مِنْ جَنْسِهِ. وَأَيْضًا فَاَللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: {إنَّا أَوْحَيْنَا إلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إلَى إبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ} إلَى قَوْلِهِ: {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} فَفَضَّلَ مُوسَى بِالتَّكْلِيمِ عَلَى غَيْرِهِ مِمَّنْ أَوْحَى إلَيْهِمْ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أُمُورٍ: عَلَى أَنَّ اللَّهَ يُكَلِّمُ عَبْدَهُ تَكْلِيمًا زَائِدًا عَنْ الْوَحْيِ الَّذِي هُوَ قَسِيمُ التَّكْلِيمِ الْخَاصِّ فَإِنَّ
(12/128)

لَفْظَ التَّكْلِيمِ وَالْوَحْيِ كُلٌّ مِنْهُمَا يَنْقَسِمُ إلَى عَامٍّ وَخَاصٍّ فَالتَّكْلِيمُ هُوَ الْمَقْسُومُ فِي قَوْلِهِ: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا} وَالتَّكْلِيمُ الْمُطْلَقُ هُوَ قَسِيمُ الْوَحْيِ الْخَاصِّ لَيْسَ هُوَ قِسْمًا مِنْهُ وَكَذَلِكَ لَفْظُ الْوَحْيِ قَدْ يَكُونُ عَامًّا فَيَدْخُلُ فِيهِ التَّكْلِيمُ الْخَاصُّ كَمَا فِي قَوْلِهِ لِمُوسَى: {فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى} وَقَدْ يَكُونُ قَسِيمَ التَّكْلِيمِ الْخَاصِّ كَمَا فِي سُورَةِ الشُّورَى وَهَذَا يُبْطِلُ قَوْلَ مَنْ يَقُولُ الْكَلَامُ مَعْنًى وَاحِدٌ قَائِمٌ بِالذَّاتِ فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ لَا فَرْقَ بَيْنَ التَّكْلِيمِ الَّذِي خُصَّ بِهِ مُوسَى وَالْوَحْيِ الْعَامِّ الَّذِي يَكُونُ لِآحَادِ الْعِبَادِ. وَمِثْلُ هَذَا قَوْلُهُ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ} فَإِنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ الْإِيحَاءِ وَبَيْنَ التَّكْلِيمِ مِنْ وَرَاءِ الْحِجَابِ وَبَيْنَ إرْسَالِ رَسُولٍ يُوحِي بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ التَّكْلِيمَ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ - كَمَا كَلَّمَ مُوسَى - أَمْرٌ غَيْرُ الْإِيحَاءِ. وَأَيْضًا فَقَوْلُهُ: {تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} وَقَوْلُهُ: {حم} {تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} وَقَوْلُهُ: {حم} {تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} وَأَمْثَالُ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ اللَّهِ لَا مِنْ غَيْرِهِ. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ {بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ} فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى إثْبَاتِ أَنَّ مَا أُنْزِلَ إلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَأَنَّهُ مُبَلِّغٌ مَأْمُورٌ بِتَبْلِيغِ ذَلِكَ.
(12/129)

وَأَيْضًا فَهُمْ يَقُولُونَ: إنَّهُ مَعْنًى وَاحِدٌ فَإِنْ كَانَ مُوسَى سَمِعَ جَمِيعَ الْمَعْنَى فَقَدْ سَمِعَ جَمِيعَ كَلَامِ اللَّهِ وَإِنْ سَمِعَ بَعْضَهُ فَقَدْ تَبَعَّضَ وَكِلَاهُمَا يَنْقُضُ قَوْلَهُمْ؛ فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ: إنَّهُ مَعْنًى وَاحِدٌ لَا يَتَعَدَّدُ وَلَا يَتَبَعَّضُ فَإِنْ كَانَ مَا يَسْمَعُهُ مُوسَى وَالْمَلَائِكَةُ هُوَ ذَلِكَ الْمَعْنَى كُلَّهُ كَانَ كُلٌّ مِنْهُمْ عَلِمَ جَمِيعَ كَلَامِ اللَّهِ وَكَلَامُهُ مُتَضَمِّنٌ لِجَمِيعِ خَبَرِهِ وَجَمِيعِ أَمْرِهِ فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِمَّنْ كَلَّمَهُ اللَّهُ أَوْ أَنْزَلَ عَلَيْهِ شَيْئًا مِنْ كَلَامِهِ عَالِمًا بِجَمِيعِ أَخْبَارِ اللَّهِ وَأَوَامِرِهِ وَهَذَا مَعْلُومُ الْفَسَادِ بِالضَّرُورَةِ. وَإِنْ كَانَ الْوَاحِدُ مِنْ هَؤُلَاءِ إنَّمَا يَسْمَعُ بَعْضَهُ فَقَدْ تَبَعَّضَ كَلَامُهُ وَذَلِكَ يُنَاقِضُ قَوْلَهُمْ. وَأَيْضًا فَقَوْلُهُ: {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} وَقَوْلُهُ: {وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ} وَقَوْلُهُ: {وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا} وَقَوْلُهُ: {فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى} {إنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إنَّكَ بِالْوَادِي الْمُقَدَّسِ طُوًى} {وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى} الْآيَاتِ. دَلِيلٌ عَلَى تَكْلِيمٍ سَمِعَهُ مُوسَى. وَالْمَعْنَى الْمُجَرَّدُ لَا يُسْمَعُ بِالضَّرُورَةِ وَمَنْ قَالَ إنَّهُ يُسْمَعُ فَهُوَ مُكَابِرٌ وَدَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ نَادَاهُ وَالنِّدَاءُ لَا يَكُونُ إلَّا صَوْتًا مَسْمُوعًا وَلَا يُعْقَلُ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ لَفْظُ النِّدَاءِ بِغَيْرِ صَوْتٍ مَسْمُوعٍ لَا حَقِيقَةً وَلَا مَجَازًا. وَأَيْضًا فَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} وَقَوْلُهُ: {فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ
(12/130)

شَاطِئِ الْوَادِي الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} وَقَالَ: {هَلْ أتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى} {إذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِي الْمُقَدَّسِ طُوًى} وَقَالَ: {فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى} {إنِّي أَنَا رَبُّكَ} وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ حِينَئِذٍ نُودِيَ وَلَمْ يُنَادَ قَبْلَ ذَلِكَ؛ وَلَمَّا فِيهَا مِنْ مَعْنَى الظَّرْفِ كَمَا فِي قَوْلِهِ: {وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا} وَمَثَلُ هَذَا قَوْلُهُ: {وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ} {وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ} فَإِنَّهُ وَقَّتَ النِّدَاءَ بِظَرْفِ مَحْدُودٍ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ النِّدَاءَ يَقَعُ فِي ذَلِكَ الْحِينِ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ الظُّرُوفِ وَجَعَلَ الظَّرْفَ لِلنِّدَاءِ لَا يُسْمَعُ النِّدَاءُ إلَّا فِيهِ. وَمِثْلُ هَذَا قَوْله تَعَالَى {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} وَقَوْلُهُ: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ} وَأَمْثَالُ ذَلِكَ مِمَّا فِيهِ تَوْقِيتُ بَعْضِ أَقْوَالِ الرَّبِّ بِوَقْتِ مُعَيَّنٍ فَإِنَّ الْكُلَّابِيَة وَمَنْ وَافَقَهُمْ مِنْ أَصْحَابِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ يَقُولُونَ: إنَّهُ لَا يَتَكَلَّمُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ؛ بَلْ الْكَلَامُ الْمُعَيَّنُ لَازِمٌ لِذَاتِهِ كَلُزُومِ الْحَيَاةِ لِذَاتِهِ. ثُمَّ مِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ قَالَ إنَّهُ مَعْنًى وَاحِدٌ؛ لِأَنَّ الْحُرُوفَ وَالْأَصْوَاتَ مُتَعَاقِبَةٌ يَمْتَنِعُ أَنْ تَكُونَ قَدِيمَةً. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: بَلْ الْحُرُوفُ وَالْأَصْوَاتُ قَدِيمَةُ الْأَعْيَانِ وَأَنَّهَا مُتَرَتِّبَةٌ فِي ذَاتِهَا مُتَقَارِبَةٌ فِي وُجُودِهَا لَمْ تَزَلْ وَلَا
(12/131)

تَزَالُ قَائِمَةٌ بِذَاتِهِ وَالنِّدَاءُ الَّذِي سَمِعَهُ مُوسَى قَدِيمٌ أَزَلِيٌّ لَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَالُ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: بَلْ الْحُرُوفُ قَدِيمَةُ الْأَعْيَانِ بِخِلَافِ الْأَصْوَاتِ وَكُلُّ هَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: إنَّ التَّكْلِيمَ وَالنِّدَاءَ لَيْسَ إلَّا مُجَرَّدَ خَلْقِ إدْرَاكِ الْمَخْلُوقِ بِحَيْثُ يَسْمَعُ مَا لَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَالُ لَا أَنَّهُ يَكُونُ هُنَاكَ كَلَامٌ يَتَكَلَّمُ اللَّهُ بِهِ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ وَلَا تَكْلِيمَ؛ بَلْ تَكْلِيمُهُ عِنْدَهُمْ جَعْلُ الْعَبْدِ سَامِعًا لِمَا كَانَ مَوْجُودًا قَبْلَ سَمْعِهِ بِمَنْزِلَةِ جَعْلِ الْأَعْمَى بَصِيرًا لِمَا كَانَ مَوْجُودًا قَبْلَ رُؤْيَتِهِ مِنْ غَيْرِ إحْدَاثِ شَيْءٍ مُنْفَصِلٍ عَنْ الْأَعْمَى. فَعِنْدَهُمْ لَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِ رَبِّهِ سَمِعَ النِّدَاءَ الْقَدِيمَ لَا أَنَّهُ حِينَئِذٍ نُودِيَ. وَلِهَذَا يَقُولُونَ: إنَّهُ يَسْمَعُ كَلَامَهُ لِخَلْقِهِ يَدُلُّ عَنْ قَوْلِ النَّاسِ إنَّهُ يُكَلِّمُ خَلْقَهُ وَهَؤُلَاءِ يَرُدُّونَ عَلَى الخلقية الَّذِينَ يَقُولُونَ الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ وَيَقُولُونَ عَنْ أَنْفُسِهِمْ إنَّهُمْ أَهْلُ السُّنَّةِ الْمُوَافِقُونَ لِلسَّلَفِ الَّذِينَ قَالُوا: إنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ وَلَيْسَ قَوْلُهُمْ قَوْلَ السَّلَفِ؛ لَكِنَّ قَوْلَهُمْ أَقْرَبُ إلَى قَوْلِ السَّلَفِ مِنْ وَجْهٍ وَقَوْلُ الخلقية أَقْرَبُ إلَى قَوْلِ السَّلَفِ مِنْ وَجْهٍ. أَمَّا كَوْنُ قَوْلِهِمْ أَقْرَبَ فَلِأَنَّهُمْ يُثْبِتُونَ لِلَّهِ كَلَامًا قَائِمًا بِنَفْسِ اللَّهِ وَهَذَا قَوْلُ السَّلَفِ؛ بِخِلَافِ الخلقية الَّذِينَ يَقُولُونَ: لَيْسَ كَلَامُهُ إلَّا مَا خَلَقَهُ فِي غَيْرِهِ فَإِنَّ قَوْلَ هَؤُلَاءِ مُخَالِفٌ لِقَوْلِ السَّلَفِ. وَأَمَّا كَوْنُ قَوْلِ
(12/132)

الخلقية أَقْرَبَ فَلِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ إنَّ اللَّهَ يَتَكَلَّمُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ وَهَذَا قَوْلُ السَّلَفِ وَهَؤُلَاءِ عِنْدَهُمْ لَا يُقَدِّرُ اللَّهُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ كَلَامِهِ وَلَيْسَ كَلَامُهُ بِمَشِيئَتِهِ وَاخْتِيَارِهِ بَلْ كَلَامُهُ عِنْدَهُمْ كَحَيَاتِهِ وَهُمْ يَقُولُونَ: الْكَلَامُ عِنْدَنَا صِفَةُ ذَاتٍ لَا صِفَةُ فِعْلٍ. والخلقية يَقُولُونَ صِفَةُ فِعْلٍ لَا صِفَةُ ذَاتٍ وَمَذْهَبُ السَّلَفِ أَنَّهُ صِفَةُ ذَاتٍ وَصْفَةُ فِعْلٍ مَعًا فَكُلٌّ مِنْهُمَا مُوَافِقٌ لِلسَّلَفِ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ. وَاخْتِلَافُهُمْ فِي كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى شَبِيهُ اخْتِلَافِهِمْ فِي أَفْعَالِهِ تَعَالَى وَرِضَاهُ وَغَضَبِهِ وَإِرَادَتِهِ وَكَرَاهَتِهِ وَحُبِّهِ وَبُغْضِهِ وَفَرَحِهِ وَسُخْطِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. فَإِنَّ هَؤُلَاءِ يَقُولُونَ هَذِهِ كُلُّهَا أُمُورٌ مَخْلُوقَةٌ بَائِنَةٌ عَنْهُ تَرْجِعُ إلَى الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ. وَالْآخَرُونَ يَقُولُونَ بَلْ هَذِهِ كُلُّهَا أُمُورٌ قَدِيمَةُ الْأَعْيَانِ قَائِمَةٌ بِذَاتِهِ. ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ يَجْعَلُهَا كُلَّهَا تَعُودُ إلَى إرَادَةٍ وَاحِدَةٍ بِالْعَيْنِ مُتَعَلِّقَةً بِجَمِيعِ الْمَخْلُوقَاتِ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: بَلْ هِيَ صِفَاتٌ مُتَعَدِّدَةُ الْأَعْيَانِ لَكِنْ يَقُولُ: كُلُّ وَاحِدَةٍ وَاحِدَةُ الْعَيْنِ قَدِيمَةٌ قَبْلَ وُجُودِ مُقْتَضَيَاتِهَا كَمَا قَالُوا مِثْلَ ذَلِكَ فِي الْكَلَامِ وَاَللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ} فَأَخْبَرَ أَنَّ أَفْعَالَهُمْ أَسْخَطَتْهُ قَالَ تَعَالَى: {فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ} أَيْ أَغْضَبُونَا. وَقَالَ تَعَالَى: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} إلَى أَمْثَالِ ذَلِكَ مِمَّا يُبَيِّنُ أَنَّهُ سَخِطَ عَلَى الْكُفَّارِ لَمَّا كَفَرُوا وَرَضِيَ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ لَمَّا آمَنُوا.
(12/133)

وَنَظِيرُ هَذَا اخْتِلَافُهُمْ فِي أَفْعَالِهِ تَعَالَى وَمَسَائِلِ الْقَدَرِ؛ فَإِنَّ الْمُعْتَزِلَةَ يَقُولُونَ: إنَّهُ يَفْعَلُ لِحِكْمَةِ مَقْصُودَةٍ وَإِرَادَةِ الْإِحْسَانِ إلَى الْعِبَادِ؛ لَكِنْ لَا يُثْبِتُونَ لِفِعْلِهِ حِكْمَةً تَعُودُ إلَيْهِ. وَأُولَئِكَ يَقُولُونَ لَا يَفْعَلُ لِحِكْمَةِ وَلَا لِمَقْصُودِ أَصْلًا. فَأُولَئِكَ أَثْبَتُوا حِكْمَةً لَكِنْ لَا تَقُومُ بِهِ وَهَؤُلَاءِ لَا يُثْبِتُونَ لَهُ حِكْمَةً وَلَا قَصْدًا يَتَّصِفُ بِهِ وَالْفَرِيقَانِ لَا يُثْبِتُونَ لَهُ حِكْمَةً وَلَا مَقْصُودًا يَعُودُ إلَيْهِ. وَكَذَلِكَ فِي " الْكَلَامِ ": أُولَئِكَ أَثْبَتُوا كَلَامًا هُوَ فِعْلُهُ لَا يَقُومُ بِهِ. وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ مَا لَا يَقُومُ بِهِ لَا يَعُودُ حُكْمُهُ إلَيْهِ. وَالْفَرِيقَانِ يَمْنَعُونَ أَنْ يَقُومَ بِهِ حِكْمَةٌ مُرَادَةٌ لَهُ كَمَا يَمْنَعُ الْفَرِيقَانِ أَنْ يَقُومَ بِهِ كَلَامٌ وَفِعْلٌ يُرِيدُهُ وَقَوْلُ أُولَئِكَ أَقْرَبُ إلَى قَوْلِ السَّلَفِ وَالْفُقَهَاءِ إذْ أَثْبَتُوا الْحِكْمَةَ وَالْمَصْلَحَةَ فِي أَحْكَامِهِ وَأَفْعَالِهِ وَأَثْبَتُوا كَلَامًا يَتَكَلَّمُ بِهِ بِقُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ وَقَوْلُ هَؤُلَاءِ أَقْرَبُ إلَى قَوْلِ السَّلَفِ إذْ أَثْبَتُوا الصِّفَاتِ وَقَالُوا: لَا يُوصَفُ بِمُجَرَّدِ الْمَخْلُوقِ الْمُنْفَصِلِ عَنْهُ الَّذِي لَمْ يَقُمْ بِهِ أَصْلًا وَلَا يَعُودُ إلَيْهِ حُكْمٌ مِنْ شَيْءٍ لَمْ يَقُمْ بِهِ فَلَا يَكُونُ مُتَكَلِّمًا بِكَلَامِ لَمْ يَقُمْ بِهِ وَلَا يَكُونُ حَكِيمًا كَرِيمًا وَرَحِيمًا بِحِكْمَةِ وَرَحْمَةٍ لَمْ تَقُمْ بِهِ كَمَا لَا يَكُونُ عَلِيمًا بِعِلْمِ لَمْ يَقُمْ بِهِ وَقَدِيرًا بِقُدْرَةِ لَمْ تَقُمْ بِهِ وَلَا يَكُونُ مُحِبًّا رَاضِيًا غَضْبَانَ بِحُبِّ وَرِضًى وَغَضَبٍ لَمْ يَقُمْ بِهِ. فَكُلٌّ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْأَشْعَرِيَّةِ فِي مَسَائِلِ كَلَامِ اللَّهِ وَأَفْعَالِ اللَّهِ؛ بَلْ
(12/134)

وَسَائِر صِفَاتِهِ وَافَقُوا السَّلَفَ وَالْأَئِمَّةَ مِنْ وَجْهٍ وَخَالَفُوهُمْ مِنْ وَجْهٍ وَلَيْسَ قَوْلُ أَحَدِهِمَا هُوَ قَوْلَ السَّلَفِ دُونَ الْآخَرِ؛ لَكِنْ الْأَشْعَرِيَّةُ فِي جِنْسِ مَسَائِلِ الصِّفَاتِ بَلْ وَسَائِر الصِّفَاتِ وَالْقَدَرِ أَقْرَبُ إلَى قَوْلِ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ مِنْ الْمُعْتَزِلَة. فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ} وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الرَّسُولَ أَحْدَثَ الْكَلَامَ الْعَرَبِيَّ. قِيلَ: هَذَا بَاطِلٌ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ ذَكَرَ هَذَا فِي الْقُرْآنِ فِي مَوْضِعَيْنِ؛ وَالرَّسُولِ فِي أَحَدِ الْمَوْضِعَيْنِ مُحَمَّدٌ وَالرَّسُولُ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى جِبْرِيلُ. قَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْحَاقَّةِ: {إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ} {وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ} {وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ} {تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ} فَالرَّسُولُ هُنَا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ فِي سُورَةِ التَّكْوِيرِ: {إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ} {ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ} {مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ} فَالرَّسُولُ هُنَا جِبْرِيلُ. فَلَوْ كَانَ أَضَافَهُ إلَى الرَّسُولِ لِكَوْنِهِ أَحْدَثَ حُرُوفَهُ أَوْ أَحْدَثَ مِنْهُ شَيْئًا لَكَانَ الْخَبَرَانِ مُتَنَاقِضَيْنِ فَإِنَّهُ إنْ كَانَ أَحَدُهُمَا هُوَ الَّذِي أَحْدَثَهَا امْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ الْآخَرُ هُوَ الَّذِي أَحْدَثَهَا. وَأَيْضًا فَإِنَّهُ قَالَ: {لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ} وَلَمْ يَقُلْ: لَقَوْلُ مَلَكٍ وَلَا نَبِيٍّ وَلَفْظُ " الرَّسُولُ " يَسْتَلْزِمُ مُرْسَلًا لَهُ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ
(12/135)

الرَّسُولَ مُبَلِّغٌ لَهُ عَنْ مُرْسِلِهِ؛ لَا أَنَّهُ أَنْشَأَ مِنْهُ شَيْئًا مِنْ جِهَةِ نَفْسِهِ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَضَافَهُ إلَى الرَّسُولِ. لِأَنَّهُ بَلَّغَهُ وَأَدَّاهُ لَا لِأَنَّهُ أَنْشَأَ مِنْهُ شَيْئًا وَابْتَدَأَهُ. وَأَيْضًا فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ كَفَّرَ مَنْ جَعَلَهُ قَوْلَ الْبَشَرِ بِقَوْلِهِ: {إنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ} {فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ} {ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ} {ثُمَّ نَظَرَ} {ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ} {ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ} {فَقَالَ إنْ هَذَا إلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ} {إنْ هَذَا إلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ} وَمُحَمَّدٌ بَشَرٌ فَمَنْ قَالَ: إنَّهُ قَوْلُ مُحَمَّدٍ فَقَدْ كَفَرَ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَقُولَ: هُوَ قَوْلُ بَشَرٍ أَوْ جِنِّيٍّ أَوْ مَلَكٍ فَمَنْ جَعَلَهُ قَوْلًا لِأَحَدِ مِنْ هَؤُلَاءِ فَقَدْ كَفَرَ؛ وَمَعَ هَذَا فَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ} {وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ} فَجَعَلَهُ قَوْلَ الرَّسُولِ الْبَشَرِيِّ مَعَ تَكْفِيرِهِ مَنْ يَقُولُ إنَّهُ قَوْلُ الْبَشَرِ فَعُلِمَ أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ أَنَّ الرَّسُولَ بَلَّغَهُ عَنْ مُرْسِلِهِ لَا أَنَّهُ قَوْلٌ لَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ وَهُوَ كَلَامُ اللَّهِ الَّذِي أَرْسَلَهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ} فَاَلَّذِي بَلَّغَهُ الرَّسُولُ هُوَ كَلَامُ اللَّهِ لَا كَلَامُ الرَّسُولِ. وَلِهَذَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْرِضُ نَفْسَهُ عَلَى النَّاسِ بِالْمَوَاسِمِ وَيَقُولُ: {أَلَا رَجُلٌ يَحْمِلُنِي إلَى قَوْمِهِ لِأُبَلِّغَ كَلَامَ رَبِّي فَإِنَّ قُرَيْشًا قَدْ مَنَعُونِي أَنْ أُبَلِّغَ كَلَامَ رَبِّي} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ وَالْكَلَامُ كَلَامُ مَنْ
(12/136)

قَالَهُ مُبْتَدِئًا لَا كَلَامُ مَنْ قَالَهُ مُبَلِّغًا مُؤَدِّيًا وَمُوسَى سَمِعَ كَلَامَ اللَّهِ مِنْ اللَّهِ بِلَا وَاسِطَةٍ وَالْمُؤْمِنُونَ يَسْمَعُهُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ فَسَمَاعُ مُوسَى سَمَاعٌ مُطْلَقٌ بِلَا وَاسِطَةٍ وَسَمَاعُ النَّاسِ سَمَاعٌ مُقَيَّدٌ بِوَاسِطَةِ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ} . فَفَرَّقَ بَيْنَ التَّكْلِيمِ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ - كَمَا كَلَّمَ مُوسَى - وَبَيْنَ التَّكْلِيمِ بِوَاسِطَةِ الرَّسُولِ - كَمَا كَلَّمَ الْأَنْبِيَاءَ بِإِرْسَالِ رَسُولٍ إلَيْهِمْ - وَالنَّاسُ يَعْلَمُونَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا تَكَلَّمَ بِكَلَامِ تَكَلَّمَ بِهِ بِحُرُوفِهِ وَمَعَانِيهِ بِصَوْتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ الْمُبَلِّغُونَ عَنْهُ يُبَلِّغُونَ كَلَامَهُ بِحَرَكَاتِهِمْ وَأَصْوَاتِهِمْ كَمَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا فَبَلَّغَهُ كَمَا سَمِعَهُ} فَالْمُسْتَمِعُ مِنْهُ يُبَلِّغُ حَدِيثَهُ كَمَا سَمِعَهُ: لَكِنْ بِصَوْتِ نَفْسِهِ لَا بِصَوْتِ الرَّسُولِ فَالْكَلَامُ هُوَ كَلَامُ الرَّسُولِ تَكَلَّمَ بِهِ بِصَوْتِهِ وَالْمُبَلِّغُ بَلَّغَ كَلَامَ الرَّسُولِ لَكِنْ بِصَوْتِ نَفْسِهِ وَإِذَا كَانَ هَذَا مَعْلُومًا فِيمَنْ يُبَلِّغُ كَلَامَ الْمَخْلُوقِ فَكَلَامُ الْخَالِقِ أَوْلَى بِذَلِكَ. وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ} وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {زَيِّنُوا الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ} فَجَعَلَ الْكَلَامَ كَلَامَ الْبَارِي وَجَعَلَ الصَّوْتَ الَّذِي يَقْرَأُ بِهِ الْعَبْدُ صَوْتَ الْقَارِئِ وَأَصْوَاتُ الْعِبَادِ لَيْسَتْ هِيَ عَيْنَ الصَّوْتِ الَّذِي يُنَادِي
(12/137)

اللَّهُ بِهِ وَيَتَكَلَّمُ بِهِ كَمَا نَطَقَتْ النُّصُوصُ بِذَلِكَ بَلْ وَلَا مِثْلَهُ فَإِنَّ اللَّهَ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ لَا فِي ذَاتِهِ وَلَا فِي صِفَاتِهِ وَلَا فِي أَفْعَالِهِ فَلَيْسَ عِلْمُهُ مِثْلَ عِلْمِ الْمَخْلُوقِينَ وَلَا قُدْرَتُهُ مِثْلَ قُدْرَتِهِمْ وَلَا كَلَامُهُ مِثْلَ كَلَامِهِمْ وَلَا نِدَاؤُهُ مِثْلَ نِدَائِهِمْ وَلَا صَوْتُهُ مِثْلَ أَصْوَاتِهِمْ. فَمَنْ قَالَ عَنْ الْقُرْآنِ الَّذِي يَقْرَؤُهُ الْمُسْلِمُونَ: لَيْسَ هُوَ كَلَامَ اللَّهِ أَوْ هُوَ كَلَامُ غَيْرِهِ فَهُوَ مُلْحِدٌ مُبْتَدِعٌ ضَالٌّ. وَمَنْ قَالَ: إنَّ أَصْوَاتَ الْعِبَادِ أَوْ الْمِدَادَ الَّذِي يُكْتَبُ بِهِ الْقُرْآنُ قَدِيمٌ أَزَلِيٌّ فَهُوَ مُلْحِدٌ مُبْتَدِعٌ ضَالٌّ؛ بَلْ هَذَا الْقُرْآنُ هُوَ كَلَامُ اللَّهِ وَهُوَ مُثْبَتٌ فِي الْمَصَاحِفِ وَهُوَ كَلَامُ اللَّهِ مُبَلَّغًا عَنْهُ مَسْمُوعًا مِنْ الْقُرَّاءِ لَيْسَ هُوَ مَسْمُوعًا مِنْهُ وَالْإِنْسَانُ يَرَى الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالْكَوَاكِبَ بِطَرِيقِ الْمُبَاشَرَةِ وَيَرَاهَا فِي مَاءٍ أَوْ مِرْآةٍ فَهَذِهِ رُؤْيَةٌ مُقَيَّدَةٌ بِالْوَاسِطَةِ وَتِلْكَ رُؤْيَةٌ مُطْلَقَةٌ بِطَرِيقِ الْمُبَاشَرَةِ وَكَذَلِكَ الْكَلَامُ يُسْمَعُ مِنْ الْمُتَكَلِّمِ بِهِ بِطَرِيقِ الْمُبَاشَرَةِ وَيُسْمَعُ مِنْ الْمُبَلِّغِ عَنْهُ بِوَاسِطَةِ وَالْمَقْصُودُ بِالسَّمَاعِ هُوَ كَلَامُهُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ كَمَا أَنَّ الْمَقْصُودَ بِالرُّؤْيَةِ هُوَ الْمَرْئِيُّ فِي الْمَوْضِعَيْنِ. فَمَنْ عَرَفَ مَا بَيْنَ الْحَالَيْنِ مِنْ الِاجْتِمَاعِ وَالِافْتِرَاقِ وَالِاخْتِلَافِ وَالِاتِّفَاقِ زَالَتْ عَنْهُ الشُّبْهَةُ الَّتِي تُصِيبُ كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ فِي هَذَا الْبَابِ فَإِنَّ طَائِفَةً قَالَتْ: هَذَا الْمَسْمُوعُ كَلَامُ اللَّهِ وَالْمَسْمُوعُ صَوْتُ الْعَبْدِ وَصَوْتُهُ مَخْلُوقٌ؛ فَكَلَامُ اللَّهِ مَخْلُوقٌ. وَهَذَا جَهْلٌ فَإِنَّهُ مَسْمُوعٌ مِنْ
(12/138)

الْمُبَلِّغ وَلَا يَلْزَمُ إذَا كَانَ صَوْتُ الْمُبَلِّغِ مَخْلُوقًا أَنْ يَكُونَ نَفْسُ الْكَلَامِ مَخْلُوقًا. وَقَالَتْ " طَائِفَةٌ ": هَذَا الْمَسْمُوعُ صَوْتُ الْعَبْدِ وَهُوَ مَخْلُوقٌ وَالْقُرْآنُ لَيْسَ بِمَخْلُوقِ فَلَا يَكُونُ هَذَا الْمَسْمُوعُ كَلَامَ اللَّهِ وَهَذَا جَهْلٌ؛ فَإِنَّ الْمَخْلُوقَ هُوَ الصَّوْتُ لَا نَفْسُ الْكَلَامِ الَّذِي يُسْمَعُ مِنْ الْمُتَكَلِّمِ بِهِ وَمِنْ الْمُبَلِّغِ عَنْهُ. وَ " طَائِفَةٌ " قَالَتْ: هَذَا كَلَامُ اللَّهِ وَكَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ فَيَكُونُ هَذَا الصَّوْتُ غَيْرَ مَخْلُوقٍ وَهَذَا جَهْلٌ. فَإِنَّهُ إذَا قِيلَ: هَذَا كَلَامُ اللَّهِ فَالْمُشَارُ إلَيْهِ هُوَ الْكَلَامُ مِنْ حَيْثُ هُوَ هُوَ وَهُوَ الثَّابِتُ إذَا سُمِعَ مِنْ اللَّهِ وَإِذَا سُمِعَ مِنْ الْمُبَلَّغِ عَنْهُ وَإِذَا قِيلَ لِلْمَسْمُوعِ إنَّهُ كَلَامُ اللَّهِ فَهُوَ كَلَامُ اللَّهِ مَسْمُوعًا مِنْ الْمُبَلَّغِ عَنْهُ لَا مَسْمُوعًا مِنْهُ فَهُوَ مَسْمُوعٌ بِوَاسِطَةِ صَوْتِ الْعَبْدِ وَصَوْتُ الْعَبْدِ مَخْلُوقٌ. وَأَمَّا كَلَامُ اللَّهِ نَفْسُهُ فَهُوَ غَيْرُ مَخْلُوقٍ حَيْثُ مَا تَصَرَّفَ. وَهَذِهِ نُكَتٌ قَدْ بُسِطَ الْكَلَامُ فِيهَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
(12/139)

فَصْلٌ:
فَإِنْ قِيلَ: مَا مَنْشَأُ هَذَا النِّزَاعِ وَالِاشْتِبَاهِ وَالتَّفَرُّقِ وَالِاخْتِلَافِ؟ قِيلَ: مُنْشَؤُهُ هُوَ الْكَلَامُ الَّذِي ذَمَّهُ السَّلَفُ وَعَابُوهُ وَهُوَ الْكَلَامُ الْمُشْتَبَهُ الْمُشْتَمِلُ عَلَى حَقٍّ وَبَاطِلٍ: فِيهِ مَا يُوَافِقُ الْعَقْلَ وَالسَّمْعَ وَفِيهِ مَا يُخَالِفُ الْعَقْلَ وَالسَّمْعَ فَيَأْخُذُ هَؤُلَاءِ جَانِبَ النَّفْيِ الْمُشْتَمِلَ عَلَى نَفْيِ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ وَهَؤُلَاءِ جَانِبَ الْإِثْبَاتِ الْمُشْتَمِلَ عَلَى إثْبَاتِ حَقٍّ وَبَاطِلٍ وَجِمَاعُهُ هُوَ الْكَلَامُ الْمُخَالِفُ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ السَّلَفِ؛ فَكُلُّ كَلَامٍ خَالَفَ ذَلِكَ فَهُوَ بَاطِلٌ وَلَا يُخَالِفُ ذَلِكَ إلَّا كَلَامٌ مُخَالِفٌ لِلْعَقْلِ وَالسَّمْعِ وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا تَنَاظَرُوا فِي مَسْأَلَةِ حُدُوثِ الْعَالَمِ وَإِثْبَاتِ الصَّانِعِ اسْتَدَلَّتْ الْجَهْمِيَّة وَالْمُعْتَزِلَةُ وَمَنْ وَافَقَهُمْ مِنْ طَوَائِفِ أَهْلِ الْكَلَامِ عَلَى ذَلِكَ بِأَنَّ مَا لَا يَخْلُو عَنْ الْحَوَادِثِ فَهُوَ حَادِثٌ. ثُمَّ إنَّ الْمُسْتَدِلِّينَ بِذَلِكَ عَلَى حُدُوثِ الْأَجْسَامِ قَالُوا: إنَّ الْأَجْسَامَ لَا تَخْلُو عَنْ الْحَوَادِثِ وَمَا لَا يَخْلُو عَنْ الْحَوَادِثِ فَهُوَ حَادِثٌ ثُمَّ تَنَوَّعَتْ طُرُقُهُمْ فِي الْمُقَدِّمَةِ الْأُولَى. فَتَارَةً يُثْبِتُونَهَا بِأَنَّ الْأَجْسَامَ لَا تَخْلُو عَنْ الْحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ وَهُمَا حَادِثَانِ وَتَارَةً يُثْبِتُونَهَا بِأَنَّ الْأَجْسَامَ لَا تَخْلُو عَنْ
(12/140)

الِاجْتِمَاعِ وَالِافْتِرَاقِ وَهُمَا حَادِثَانِ وَتَارَةً يُثْبِتُونَهَا بِأَنَّ الْأَجْسَامَ لَا تَخْلُو عَنْ الْأَكْوَانِ الْأَرْبَعَةِ: الِاجْتِمَاعُ وَالِافْتِرَاقُ وَالْحَرَكَةُ وَالسُّكُونُ وَهِيَ حَادِثَةٌ. وَهَذِهِ طُرُقُ الْمُعْتَزِلَةِ وَمَنْ وَافَقَهُمْ عَلَى أَنَّ الْأَجْسَامَ لَا تَخْلُو عَنْ بَعْضِ أَنْوَاعِ الْأَعْرَاضِ. وَتَارَةً يُثْبِتُونَهَا بِأَنَّ الْجِسْمَ لَا يَخْلُو مِنْ كُلِّ جِنْسٍ مِنْ الْأَعْرَاضِ عَنْ عَرَضٍ مِنْهُ. وَيَقُولُونَ: الْقَابِلُ لِلشَّيْءِ لَا يَخْلُو عَنْهُ وَعَنْ ضِدِّهِ وَيَقُولُونَ: إنَّ الْأَعْرَاضَ يَمْتَنِعُ بَقَاؤُهَا لِأَنَّ الْعَرْضَ لَا يَبْقَى زَمَانَيْنِ وَهَذِهِ الطَّرِيقَةُ هِيَ الَّتِي اخْتَارَهَا الْآمِدِيَّ وَزَيَّفَ مَا سِوَاهَا وَذَكَرَ أَنَّ جُمْهُورَ أَصْحَابِهِ اعْتَمَدُوا عَلَيْهَا وَقَدْ وَافَقَهُمْ عَلَيْهَا طَائِفَةٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ مِنْ أَصْحَابِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ: كَالْقَاضِي أَبَى يَعْلَى وَأَبِي الْمَعَالِي الجُوَيْنِي وَأَبِي الْوَلِيدِ الباجي وَأَمْثَالِهِمْ. وَأَمَّا الهشامية والكَرَّامِيَة وَغَيْرُهُمْ مِنْ الطَّوَائِفِ الَّذِينَ يَقُولُونَ بِحُدُوثِ كُلِّ جِسْمٍ وَيَقُولُونَ: إنَّ الْقَدِيمَ تَقُومُ بِهِ الْحَوَادِثُ فَهَؤُلَاءِ إذَا قَالُوا بِأَنَّ مَا لَا يَخْلُو عَنْ الْحَوَادِثِ فَهُوَ حَادِثٌ كَمَا هُوَ قَوْلُ الكَرَّامِيَة وَغَيْرِهِمْ مُوَافَقَةً لِلْمُعْتَزِلَةِ فِي هَذَا الْأَصْلِ فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ إنَّ الْجِسْمَ الْقَدِيمَ يَخْلُو عَنْ الْحَوَادِثِ بِخِلَافِ الْأَجْسَامِ الْمُحْدَثَةِ فَإِنَّهَا لَا تَخْلُو عَنْ الْحَوَادِثِ. وَالنَّاسُ مُتَنَازِعُونَ فِي " السُّكُونِ " هَلْ هُوَ أَمْرٌ وُجُودِيٌّ أَوْ عَدَمِيٌّ؟
(12/141)

فَمَنْ قَالَ إنَّهُ وُجُودِيٌّ قَالَ إنَّ الْجِسْمَ الَّذِي لَا يَخْلُو عَنْ الْحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ إذَا انْتَفَتْ عَنْهُ الْحَرَكَةُ قَامَ بِهِ السُّكُونُ الْوُجُودِيُّ وَهَذَا قَوْلُ مَنْ يَحْتَجُّ بِتَعَاقُبِ الْحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ عَلَى حُدُوثِ الْمُتَّصِفِ بِذَلِكَ وَمَنْ قَالَ إنَّهُ عَدَمِيٌّ: لَمْ يَلْزَمْ مِنْ عَدَمِ الْحَرَكَةِ عَنْ الْمَحَلِّ ثُبُوتُ سُكُونٍ وُجُودِيٍّ فَمَنْ قَالَ إنَّهُ تَقُومُ بِهِ الْحَرَكَةُ أَوْ الْحَوَادِثُ بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُنْ مَعَ قَوْلِهِ بِامْتِنَاعِ تَعَاقُبِ الْحَوَادِثِ كَمَا هُوَ قَوْلُ الكَرَّامِيَة وَغَيْرِهِمْ - يَقُولُونَ: إذَا قَامَتْ بِهِ الْحَرَكَةُ لَمْ يُعْدَمْ بِقِيَامِهَا سُكُونٌ وُجُودِيٌّ؛ بَلْ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِمْ مَعَ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْأَشْعَرِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ إنَّهُ يَفْعَلُ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ فَاعِلًا وَلَا يَقُولُونَ: إنَّ عَدَمَ الْفِعْلِ أَمْرٌ وُجُودِيٌّ - كَذَلِكَ الْحَرَكَةُ عِنْدَ هَؤُلَاءِ وَكَانَ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ يَقُولُونَ: مَا لَا يَخْلُو عَنْ الْحَوَادِثِ فَهُوَ حَادِثٌ أَوْ مَا لَا يَسْبِقُ الْحَوَادِثَ فَهُوَ حَادِثٌ بِنَاءً عَلَى أَنَّ هَذِهِ مُقَدِّمَةٌ ظَاهِرَةٌ فَإِنَّ مَا لَا يَسْبِقُ الْحَادِثَ فَلَا بُدَّ أَنْ يُقَارِنَهُ أَوْ يَكُونَ بَعْدَهُ وَمَا قَارَنَ الْحَادِثَ فَهُوَ حَادِثٌ وَمَا كَانَ بَعْدَهُ فَهُوَ حَادِثٌ. وَهَذَا الْكَلَامُ مُجْمَلٌ فَإِنَّهُ إذَا أُرِيدَ بِهِ مَا لَا يَخْلُو عَنْ الْحَادِثِ الْمُعَيَّنِ أَوْ مَا لَا يَسْبِقُ الْحَادِثَ الْمُعَيَّنَ فَهُوَ حَقٌّ بِلَا رَيْبٍ وَلَا نِزَاعٍ فِيهِ وَكَذَلِكَ إذَا أُرِيدَ بِالْحَادِثِ جُمْلَةُ مَا لَهُ أَوَّلُ أَوْ مَا كَانَ بَعْدَ الْعَدَمِ وَنَحْوَ ذَلِكَ وَأَمَّا إذَا أُرِيدَ بِالْحَوَادِثِ الْأُمُورُ الَّتِي تَكُونُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ لَا إلَى أَوَّلَ. وَقِيلَ: إنَّهُ مَا لَا يَخْلُو عَنْهَا وَمَا لَمْ يَخْلُ عَنْهَا فَهُوَ حَادِثٌ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ ظَاهِرًا وَلَا بَيِّنًا
(12/142)

بَلْ هَذَا الْمَقَامُ حَارَ فِيهِ كَثِيرٌ مِنْ الْأَفْهَامِ وَكَثِيرٌ فِيهِ النِّزَاعُ وَالْخِصَامُ؛ وَلِهَذَا صَارَ الْمُسْتَدِلُّونَ بِقَوْلِهِمْ: مَا لَا يَخْلُو عَنْ الْحَوَادِثِ فَهُوَ حَادِثٌ يَعْلَمُونَ أَنَّ هَذَا الدَّلِيلَ لَا يَتِمُّ إلَّا إذَا أَثْبَتُوا امْتِنَاعَ حَوَادِثَ لَا أَوَّلَ لَهَا فَذَكَرُوا فِي ذَلِكَ طُرُقًا قَدْ تَكَلَّمْنَا عَلَيْهَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ. وَهَذَا الْأَصْلُ تَنَازَعَ النَّاسُ فِيهِ عَلَى " ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ ". فَقِيلَ: مَا لَا يَخْلُو عَنْ الْحَوَادِثِ فَهُوَ حَادِثٌ وَبِامْتِنَاعِ حَوَادِثَ لَا أَوَّلَ لَهَا مُطْلَقًا وَهَذَا قَوْلُ الْمُعْتَزِلَةِ وَمَنْ اتَّبَعَهُمْ مِنْ الكَرَّامِيَة وَالْأَشْعَرِيَّةِ وَمَنْ دَخَلَ مَعَهُمْ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَغَيْرِهِمْ. وَقِيلَ: بَلْ يَجُوزُ دَوَامُ الْحَوَادِثِ مُطْلَقًا وَلَيْسَ كُلُّ مَا قَارَنَ حَادِثًا بَعْدَ حَادِثٍ لَا إلَى أَوَّلَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ حَادِثًا؛ بَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَدِيمًا سَوَاءٌ كَانَ وَاجِبًا بِنَفْسِهِ أَوْ بِغَيْرِهِ وَرُبَّمَا عُبِّرَ عَنْهُ بِالْعِلَّةِ وَالْمَعْلُولِ وَالْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَهَذَا قَوْلُ الْفَلَاسِفَةِ الْقَائِلِينَ بِقِدَمِ الْعَالَمِ وَالْأَفْلَاكِ كَأَرِسْطُو وَأَتْبَاعِهِ مِثْلِ ثامسطيوس وَالْإِسْكَنْدَرِ الأفريدوسي وبرقلس وَالْفَارَابِيّ وَابْنِ سِينَا وَأَمْثَالِهِمْ. وَأَمَّا جُمْهُورُ الْفَلَاسِفَةِ الْمُتَقَدِّمِينَ عَلَى أَرِسْطُو فَلَمْ يَكُونُوا يَقُولُونَ
(12/143)

بِقِدَمِ الْأَفْلَاكِ. ثُمَّ الْفَلَاسِفَةُ مِنْ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مُتَنَازِعُونَ فِي قِيَامِ الصِّفَاتِ وَالْحَوَادِثِ بِوَاجِبِ الْوُجُودِ عَلَى قَوْلَيْنِ مَعْرُوفَيْنِ لَهُمْ وَإِثْبَاتُ ذَلِكَ قَوْلُ كَثِيرٍ مِنْ الْأَسَاطِينِ الْقُدَمَاءِ وَبَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ كَأَبِي الْبَرَكَاتِ صَاحِبِ الْمُعْتَبَرِ وَغَيْرِهِ كَمَا بَسَطْت أَقْوَالَهُمْ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ. وَقِيلَ: بَلْ إنْ كَانَ الْمُسْتَلْزِمُ لِلْحَوَادِثِ مُمْكِنًا بِنَفْسِهِ وَأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يُسَمَّى مَفْعُولًا وَمَعْلُولًا وَمَرْبُوبًا وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنْ الْعِبَارَاتِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ حَادِثًا. وَإِنْ كَانَ وَاجِبًا بِنَفْسِهِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ حَادِثًا وَهَذَا قَوْلُ أَئِمَّةِ أَهْلِ الْمِلَلِ وَأَسَاطِينِ الْفَلَاسِفَةِ وَهُوَ قَوْلُ جَمَاهِيرِ أَهْلِ الْحَدِيثِ. وَصَاحِبُ هَذَا الْقَوْلِ يَقُولُ مَا لَا يَخْلُو عَنْ الْحَوَادِثِ وَهُوَ مُمْكِنٌ بِنَفْسِهِ فَهُوَ حَادِثٌ أَوْ مَا لَا يَخْلُو عَنْ الْحَوَادِثِ وَهُوَ مَعْلُولٌ أَوْ مَفْعُول أَوْ مُبْتَدَعٌ أَوْ مَصْنُوعٌ فَهُوَ حَادِثٌ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ مَفْعُولًا مُسْتَلْزِمًا لِلْحَوَادِثِ امْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ قَدِيمًا؛ فَإِنَّ الْقَدِيمَ الْمَعْلُولَ لَا يَكُونُ قَدِيمًا إلَّا إذَا كَانَ لَهُ مُوجِبٌ قَدِيمٌ بِذَاتِهِ يَسْتَلْزِمُ مَعْلُولَهُ بِحَيْثُ يَكُونُ مَعَهُ أَزَلِيًّا لَا يَتَأَخَّرُ عَنْهُ وَهَذَا مُمْتَنِعٌ. فَإِنَّ كَوْنَهُ مَفْعُولًا يُنَافِي كَوْنَهُ قَدِيمًا بَلْ قِدَمُهُ يُنَافِي كَوْنَهُ مُمْكِنًا فَلَا يَكُونُ مُمْكِنًا إلَّا مَا كَانَ مُحْدَثًا عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْعُقَلَاءِ مِنْ الْأَوَّلِينَ والآخرين وَهَذَا قَوْلُ الْفَلَاسِفَةِ الْقُدَمَاءِ قَاطِبَةً كَأَرِسْطُو وَأَتْبَاعِهِ وَإِنَّمَا أَثْبَتَ مُمْكِنًا قَدِيمًا بَعْضُ مُتَأَخِّرِيهِمْ كَابْنِ سِينَا وَأَتْبَاعِهِ خَالَفُوا فِي
(12/144)

ذَلِكَ الْفَلَاسِفَةَ الْقُدَمَاءَ قَاطِبَةً كَمَا خَالَفُوا فِي ذَلِكَ جَمَاهِيرَ الْعُقَلَاءِ مِنْ سَائِر الطَّوَائِفِ؛ وَلِهَذَا تَنَاقَضُوا فِي أَحْكَامِ الْمُمْكِنِ وَوَرَدَ عَلَيْهِمْ فِيهِ مِنْ الْأَسْئِلَةِ مَا لَا جَوَابَ لَهُمْ عَنْهُ كَمَا ذَكَرْت ذَلِكَ فِي الرَّدِّ عَلَى الْأَرْبَعِينَ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمَوَاضِعِ. وَمَا يُدَعَّى مِنْ أَنَّ الْمَعْلُولَ قَدْ يُقَارِنُ عِلَّتَهُ إنَّمَا يُعْقَلُ فِيمَا كَانَ شَرْطًا لَا فَاعِلًا كَقَوْلِهِمْ: حَرَّكْت يَدِي فَتَحَرَّكَ الْخَاتَمُ؛ فَإِنَّ حَرَكَةَ الْيَدِ شَرْطٌ فِي تَحْرِيكِ الْخَاتَمِ وَالشَّرْطُ وَالْمَشْرُوطُ قَدْ يَتَلَازَمَانِ وَلَيْسَتْ فَاعِلَةً مُبْدِعَةً لَهَا وَكَذَلِكَ الشُّعَاعُ مَعَ النَّارِ وَالشَّمْسُ وَنَحْوُ ذَلِكَ وَأَمَّا مَا يَكُونُ فَاعِلًا فَلَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يُقَارِنَهُ مَفْعُولُهُ فِي الزَّمَانِ سَوَاءٌ كَانَ فَاعِلًا بِالْإِرَادَةِ أَوْ قُدِّرَ أَنَّهُ فَاعِلٌ بِغَيْرِ إرَادَةٍ وَسَوَاءً سُمِّيَ فَاعِلًا بِالذَّاتِ أَوْ بِالطَّبْعِ أَوْ مَا قُدِّرَ لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ الْمَفْعُولُ مُقَارِنًا لِفَاعِلِهِ فِي الزَّمَانِ كَمَا اعْتَرَفَ بِذَلِكَ جَمَاهِيرُ الْعُقَلَاءِ مِنْ الْأَوَّلِينَ والآخرين. وَأَرِسْطُو وَأَتْبَاعُهُ لَمْ يَقُولُوا إنَّ الْفَلَكَ مَفْعُولٌ لِلرَّبِّ وَلَا إنَّهُ مَعْلُولٌ لِعِلَّةِ فَاعِلِيَّةٍ أَبْدَعَتْ ذَاتَه؛ بَلْ زَعَمُوا أَنَّهُ قَدِيمٌ وَاجِبٌ بِنَفْسِهِ وَأَنَّ لَهُ عِلَّةً غائية يَتَشَبَّهُ بِهَا نَحْوُ حَرَكَةِ الْمَعْشُوقِ يَجِبُ أَنْ يُقْتَدَى بِهِ وَالْفَلَكُ عِنْدَهُمْ يَتَحَرَّكُ لِلتَّشَبُّهِ بِتِلْكَ الْعِلَّةِ وَلِهَذَا قَالُوا: " الْفَلْسَفَةُ " هِيَ التَّشَبُّهُ بِالْإِلَهِ بِحَسَبِ الطَّاقَةِ وَقَوْلُهُمْ - وَإِنْ كَانَ فِيهِ مِنْ الْكُفْرِ وَالْجَهْلِ بِاَللَّهِ أَعْظَمُ مِمَّا فِي قَوْلِ ابْنِ سِينَا وَأَتْبَاعِهِ وَفِيهِمْ مِنْ التَّنَاقُضِ فِي الْإِلَهِيَّاتِ
(12/145)

مَا لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ بَسْطِهِ - فَلَمْ يَتَنَاقَضُوا فِي إثْبَاتِ مُمْكِنٍ قَدِيمٍ كَتَنَاقُضِ مُتَأَخِّرِيهِمْ. وَلِهَذَا لَمَّا كَانَتْ هَذِهِ الْقَضِيَّةُ مُسْتَقِرَّةً فِي فِطَرِ الْعُقَلَاءِ وَكَانَ مُجَرَّدُ الْعِلْمِ وَالْخَبَرِ بِأَنَّ السَّمَوَاتِ مَخْلُوقَةٌ أَوْ مَصْنُوعَةٌ أَوْ مُفَعْوِلَةٌ مُوجِبًا لِلْعِلْمِ بِأَنَّهَا حَادِثَةٌ، لَا يَخْطُرُ بِالْفِطَرِ السَّلِيمَةِ إمْكَانُ كَوْنِهَا مُفَعْوِلَةً لِفَاعِلِ فَعَلَهَا مَعَ كَوْنِهَا قَدِيمَةً لَمْ تَزَلْ مَعَهُ وَلِهَذَا لَمْ يَدَّعِ هَذَا إلَّا هَذِهِ الشِّرْذِمَةُ الْقَلِيلَةُ مِنْ الْمُتَفَلْسِفَةِ. وَ " أَيْضًا " فَإِنَّ مَا اسْتَلْزَمَ الْحَوَادِثَ يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ فَاعِلُهُ مُوجِبٌ بِذَاتِهِ يَسْتَلْزِمُ مَعْلُولَهُ فِي الْأَزَلِ؛ فَإِنَّ الْحَوَادِثَ الْمُتَعَاقِبَةَ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ لَا يَكُونُ مَجْمُوعُهَا فِي الْأَزَلِ وَلَا يَكُونُ شَيْءٌ مِنْهَا أَزَلِيًّا بَلْ الْأَزَلِيُّ هُوَ دَوَامُهَا وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ وَالْمُوجِبُ بِذَاتِهِ الْمُسْتَلْزِمُ لِمَعْلُولِهِ فِي الْأَزَلِ لَا يَكُونُ مَعْلُولُهُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ سَوَاءً كَانَ صَادِرًا عَنْهُ بِوَاسِطَةِ أَوْ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ فَإِنَّ مَا كَانَ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ يَكُونُ مُتَعَاقِبًا حَادِثًا شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ فَيَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ مَعْلُولًا مُقَارِنًا لِعِلَّتِهِ فِي الْأَزَلِ بِخِلَافِ مَا إذَا قِيلَ إنَّ الْمُقَارِنَ لِذَلِكَ هُوَ الْمُوجِبُ بِذَاتِهِ الَّذِي يَفْعَلُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ فَإِنَّهُ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ لَا يَكُونُ فِي الْأَزَلِ مُوجِبًا بِذَاتِهِ وَلَا عِلَّةً سَابِقَةً تَامَّةً لِشَيْءِ مِنْ الْعَالَمِ فَلَا يَكُونُ مَعَهُ فِي الْأَزَلِ مِنْ الْمَخْلُوقَاتِ شَيْءٌ لَكِنْ فَاعِلِيَّتُهُ لِلْمَفْعُولَاتِ تَكُونُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ وَكُلُّ مَفْعُولٍ يُوجَدُ عِنْدَهُ وُجُودُ كَمَالِ فَاعِلِيَّتِهِ
(12/146)

إذْ الْمُؤَثِّرُ التَّامُّ الْمُسْتَلْزِمُ لِجَمِيعِ شُرُوطِ التَّأْثِيرِ لَا يَتَخَلَّفُ عَنْهُ أَثَرُهُ؛ إذْ لَوْ تَخَلَّفَ لَمْ يَكُنْ مُؤَثِّرًا تَامًّا فَوُجُودُ الْأَثَرِ يَسْتَلْزِمُ وُجُودَ الْمُؤَثِّرِ التَّامِّ وَوُجُودُ الْمُؤَثِّرِ التَّامِّ يَسْتَلْزِمُ وُجُودَ الْأَثَرِ فَلَيْسَ فِي الْأَزَلِ مُؤَثِّرٌ تَامٌّ فَلَيْسَ مَعَ اللَّهِ شَيْءٌ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ قَدِيمٌ بِقِدَمِهِ وَالْأَزَلُ لَيْسَ هُوَ حَدًّا مَحْدُودًا وَلَا وَقْتًا مُعَيَّنًا. بَلْ كُلُّ مَا يُقَدِّرُهُ الْعَقْلُ مِنْ الْغَايَةِ الَّتِي يَنْتَهِي إلَيْهَا فَالْأَزَلُ قَبْلَ ذَلِكَ كَمَا هُوَ قَبْلَ مَا قَدَّرَهُ فَالْأَزَلُ لَا أَوَّلَ لَهُ كَمَا أَنَّ الْأَبَدَ لَا آخِرَ لَهُ. وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: {أَنْتَ الْأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَك شَيْءٌ وَأَنْتَ الْآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَك شَيْءٌ} فَلَوْ قِيلَ إنَّهُ مُؤَثِّرٌ تَامٌّ فِي الْأَزَلِ لِشَيْءِ مِنْ الْأَشْيَاءِ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ مُقَارِنًا لَهُ دَائِمًا وَذَلِكَ يُنَافِي كَوْنَهُ مَفْعُولًا لَهُ وَإِنَّمَا يَصِحُّ مِثْلُ هَذَا فِي الصِّفَةِ اللَّازِمَةِ لِلْمَوْصُوفِ فَإِنَّهُ إذَا قِيلَ: الذَّاتُ مُقْتَضٍ تَامٌّ لِلصِّفَةِ كَانَ الْمَعْنَى أَنَّ الذَّاتَ مُسْتَلْزِمَةٌ لِلصِّفَةِ لَيْسَ الْمُرَادُ بِذَلِكَ أَنَّ الذَّاتَ مُبْدِعَةٌ لِلصِّفَةِ فَإِنَّهُ إذَا تُصُوِّرَ مَعْنَى الْمُبْدِعِ امْتَنَعَ فِي الْمُقَارِنِ بِصَرِيحِ الْمَعْقُولِ سَوَاءً سُمِّيَ عِلَّةً فَاعِلَةً أَوْ خَالِقًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ وَامْتَنَعَ أَنْ يَقُومَ بِالْأَثَرِ شَيْءٌ مِنْ الْحَوَادِثِ؛ لِأَنَّ كُلَّ حَادِثٍ يَحْدُثُ لَا يَحْدُثُ إلَّا إذَا وُجِدَ مُؤَثِّرُهُ التَّامُّ عِنْدَ حُدُوثِهِ وَإِنْ كَانَتْ ذَاتُ الْمُؤَثِّرِ مَوْجُودَةً قَبْلَ ذَلِكَ؛ لَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ كَمَالِ وُجُودِ شُرُوطِ التَّأْثِيرِ عِنْدَ وُجُودِ الْأَثَرِ
(12/147)

وَإِلَّا لَزِمَ التَّرْجِيحُ بِلَا مُرَجِّحٍ وَتَخَلُّفُ الْمَعْلُولِ عَنْ الْعِلَّةِ التَّامَّةِ وَوُجُودُ الْمُمْكِنِ بِدُونِ الْمُرَجِّحِ التَّامِّ. وَكُلُّ هَذَا مُمْتَنِعٌ فَامْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ مُؤَثِّرًا لِشَيْءِ مِنْ الْحَوَادِثِ فِي الْأَزَلِ وَامْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ مُؤَثِّرًا فِي الْأَزَلِ فِيمَا يَسْتَلْزِمُ الْحَوَادِثَ لِأَنَّ وُجُودَ الْمَلْزُومِ بِدُونِ اللَّازِمِ مُحَالٌ فَامْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ الْمَفْعُولُ الْمُسْتَلْزِمُ لِلْحَوَادِثِ قَدِيمًا. وَإِذَا قِيلَ ذَاتُهُ مُقْتَضِيَةٌ لِلْحَادِثِ الثَّانِي بِشَرْطِ انْقِضَاءِ الْأَوَّلِ. قِيلَ: فَلَيْسَ هُوَ مُقْتَضِيًا لِشَيْءِ وَاحِدٍ دَائِمًا فَلَا يَكُونُ مَعَهُ قَدِيمٌ مِنْ مَفْعُولَاتِهِ. وَقِيلَ أَيْضًا: هَذَا إنَّمَا يَكُونُ إذَا كَانَتْ لِذَاتِهِ أَحْوَالٌ مُتَعَاقِبَةٌ تَخْتَلِفُ الْمَفْعُولَاتُ لِأَجْلِهَا فَأَمَّا إذَا قُدِّرَ أَنْ لَا يَقُومَ بِهَا شَيْءٌ مِنْ الْأَحْوَالِ الْمُتَعَاقِبَةِ؛ بَلْ حَالُهَا عِنْدَ وُجُودِ الْحَادِثِ كَحَالِهَا قَبْلَهُ كَانَ امْتِنَاعُ فِعْلِهِ لِلْحَوَادِثِ الْمُتَعَاقِبَةِ الْبَائِنَةِ أَعْظَمَ مِنْ امْتِنَاعِ فِعْلِهِ لِحَادِثِ مُعَيَّنٍ فَإِذَا كَانَ الثَّانِي مُمْتَنِعًا عِنْدَهُمْ فَالْأَوَّلُ أَوْلَى بِالِامْتِنَاعِ وَمَتَى كَانَ لِلذَّاتِ أَحْوَالٌ مُتَعَاقِبَةٌ تَقُومُ بِهَا بَطَلَتْ كُلُّ حُجَّةٍ لَهُمْ عَلَى قِدَمِ شَيْءٍ مِنْ الْعَالَمِ وَامْتَنَعَ أَيْضًا قِدَمُ شَيْءٍ مِنْ الْعَالَمِ إذَا كَانَ الْمَفْعُولُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ فَاعِلٍ وَالْفِعْلُ الْحَادِثُ لَا يَكُونُ مَفْعُولُهُ إلَّا حَادِثًا. وَهَذَا مَبْسُوطٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
(12/148)

فَصْلٌ:
وَإِذَا عُرِفَ الْأَصْلُ الَّذِي مِنْهُ تَفَرَّعَ نِزَاعُ النَّاسِ فِي " مَسْأَلَةِ كَلَامِ اللَّهِ " فَاَلَّذِينَ قَالُوا مَا لَا يَسْبِقُ الْحَوَادِثَ فَهُوَ حَادِثٌ مُطْلَقًا تَنَازَعُوا فِي كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى. فَقَالَ كَثِيرٌ مِنْ هَؤُلَاءِ: الْكَلَامُ لَا يَكُونُ إلَّا بِمَشِيئَةِ الْمُتَكَلِّمِ وَقُدْرَتِهِ فَيَكُونُ حَادِثًا كَغَيْرِهِ مِنْ الْحَوَادِثِ ثُمَّ قَالَتْ طَائِفَةٌ: وَالرَّبُّ لَا تَقُومُ بِهِ الْحَوَادِثُ فَيَكُونُ الْكَلَامُ مَخْلُوقًا فِي غَيْرِهِ فَجَعَلُوا كَلَامَهُ مَخْلُوقًا مِنْ الْمَخْلُوقَاتِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ قَالَ وَفَعَلَ. وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ الْمَخْلُوقَاتِ لَا يَتَّصِفُ بِهَا الْخَالِقُ فَلَا يَتَّصِفُ بِمَا يَخْلُقُهُ فِي غَيْرِهِ مِنْ الْأَلْوَانِ وَالْأَصْوَاتِ وَالرَّوَائِحِ وَالْحَرَكَةِ وَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ فَكَيْفَ يَتَّصِفُ بِمَا يَخْلُقُهُ فِي غَيْرِهِ مِنْ الْكَلَامِ وَلَوْ جَاز ذَلِكَ لَكَانَ مَا يَخْلُقُهُ مِنْ إنْطَاقِ الْجَمَادَاتِ كَلَامَهُ وَمَنْ عَلِمَ أَنَّهُ خَالِقُ كَلَامِ الْعِبَادِ وَأَفْعَالِهِمْ يَلْزَمُهُ أَنْ يَقُولَ كُلُّ كَلَامٍ فِي الْوُجُودِ فَهُوَ كَلَامُهُ كَمَا قَالَ بَعْضُ الِاتِّحَادِيَّةِ: وَكُلُّ كَلَامٍ فِي الْوُجُودِ كَلَامه سَوَاءٌ عَلَيْنَا نَثْرُهُ وَنِظَامُهُ وَهَذَا قَوْلُ الْجَهْمِيَّة والنجارية والضرارية وَغَيْرِهِمْ فَإِنَّ هَؤُلَاءِ
(12/149)

يَقُولُونَ: إنَّهُ خَالِقُ أَفْعَالِ الْعِبَادِ وَكَلَامِهِمْ مَعَ قَوْلِهِمْ إنَّ كَلَامَهُ مَخْلُوقٌ فَيَلْزَمُهُمْ هَذَا. وَأَمَّا " الْمُعْتَزِلَةُ " فَلَا يَقُولُونَ إنَّ اللَّهَ خَالِقُ أَفْعَالِ الْعِبَادِ لَكِنَّ الْحُجَّةَ تُوجِبُ الْقَوْلَ بِذَلِكَ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: بَلْ الْكَلَامُ لَا بُدَّ أَنْ يَقُومَ بِالْمُتَكَلِّمِ وَيَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ كَلَامُهُ مَخْلُوقًا فِي غَيْرِهِ وَهُوَ مُتَكَلِّمٌ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ فَيَكُونُ كَلَامُهُ حَادِثًا بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ؛ لِامْتِنَاعِ حَوَادِثَ لَا أَوَّلَ لَهَا. وَهَذَا قَوْلُ الكَرَّامِيَة وَغَيْرِهِمْ. ثُمَّ مِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يَقُولُ: كَلَامُهُ كُلُّهُ حَادِثٌ لَا مُحْدَثٌ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ هُوَ حَادِثٌ وَمُحْدَثٌ. وَقَالَ كَثِيرٌ مِنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَقُولُونَ بِامْتِنَاعِ حَوَادِثَ لَا أَوَّلَ لَهَا مُطْلَقًا: الْكَلَامُ لَازِمٌ لِذَاتِ الرَّبِّ كَلُزُومِ الْحَيَاةِ لَيْسَ هُوَ مُتَعَلِّقًا بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ بَلْ هُوَ قَدِيمٌ كَقِدَمِ الْحَيَاةِ؛ إذْ لَوْ قُلْنَا إنَّهُ بِقُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ حَادِثًا وَحِينَئِذٍ فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ مَخْلُوقًا أَوْ قَائِمًا بِذَاتِ الرَّبِّ فَيَلْزَمُ قِيَامُ الْحَوَادِثِ بِهِ وَذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ تَسَلْسُلَ الْحَوَادِثِ. لِأَنَّ الْقَابِلَ لِلشَّيْءِ لَا يَخْلُو عَنْهُ أَوْ عَنْ ضِدِّهِ. قَالُوا: وَتَسَلْسُلُ الْحَوَادِثِ مُمْتَنِعٌ؛ إذْ التَّفْرِيعُ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ. ثُمَّ إنَّ هَؤُلَاءِ لَمَّا قَالُوا بِقِدَمِ عَيْنِ الْكَلَامِ تَنَازَعُوا فِيهِ فَقَالَتْ طَائِفَةٌ:
(12/150)

الْقَدِيمُ لَا يَكُونُ حُرُوفًا وَلَا أَصْوَاتًا؛ لِأَنَّ الصَّوْتَ يَسْتَحِيلُ بَقَاؤُهُ كَمَا يَسْتَحِيلُ بَقَاءُ الْحَرَكَةِ وَمَا امْتَنَعَ بَقَاؤُهُ امْتَنَعَ قِدَمُ عَيْنِهِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَالْأَحْرَى فَيَمْتَنِعُ قِدَمُ شَيْءٍ مِنْ الْأَصْوَاتِ الْمُعَيَّنَةِ كَمَا يَمْتَنِعُ قِدَمُ شَيْءٍ مِنْ الْحَرَكَاتِ الْمُعَيَّنَةِ. لِأَنَّ تِلْكَ لَا تَكُونُ كَلَامًا إلَّا إذَا كَانَتْ مُتَعَاقِبَةً وَالْقَدِيمُ لَا يَكُونُ مَسْبُوقًا بِغَيْرِهِ فَلَوْ كَانَتْ الْمِيمُ مِنْ (بِسْمِ اللَّهِ قَدِيمَةً مَعَ كَوْنِهَا مَسْبُوقَةً بِالسِّينِ وَالْبَاءِ لَكَانَ الْقَدِيمُ مَسْبُوقًا بِغَيْرِهِ وَهَذَا مُمْتَنِعٌ فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الْقَدِيمُ هُوَ الْمَعْنَى فَقَطْ وَلَا يَجُوزُ تَعَدُّدُهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ تَعَدَّدَ لَكَانَ اخْتِصَاصُهُ بِقَدْرِ دُونَ قَدْرٍ تَرْجِيحًا بِلَا مُرَجِّحٍ وَإِنْ كَانَ لَا يَتَنَاهَى لَزِمَ وُجُودُ أَعْدَادٍ لَا نِهَايَةَ لَهَا فِي آنٍ وَاحِدٍ. قَالُوا: وَهَذَا مُمْتَنِعٌ فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ مَعْنًى وَاحِدًا هُوَ الْأَمْرُ وَالْخَبَرُ وَهُوَ مَعْنَى التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالزَّبُورِ وَالْقُرْآنِ وَهَذَا أَصْلُ قَوْلِ الْكُلَّابِيَة وَالْأَشْعَرِيَّةِ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ وَالْحَدِيثِ وَالْفُقَهَاءِ وَغَيْرِهِمْ: بَلْ هُوَ حُرُوفٌ قَدِيمَةُ الْأَعْيَانِ لَمْ تَزَلْ وَلَا تَزَالُ وَهِيَ مُتَرَتِّبَةٌ فِي ذَاتِهَا لَا فِي وُجُودِهَا كَالْحُرُوفِ الْمَوْجُودَةِ فِي الْمُصْحَفِ وَلَيْسَ بِأَصْوَاتِ قَدِيمَةٍ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: بَلْ هُوَ أَيْضًا أَصْوَاتٌ قَدِيمَةٌ وَلَمْ يُفَرِّقْ هَؤُلَاءِ بَيْنَ الْحُرُوفِ الْمَنْطُوقَةِ الَّتِي لَا تُوجَدُ إلَّا مُتَعَاقِبَةً وَبَيْنَ الْحُرُوفِ الْمَكْتُوبَةِ الَّتِي تُوجَدُ فِي آنٍ وَاحِدٍ كَمَا يُفَرِّقُ بَيْنَ الْأَصْوَاتِ وَالْمِدَادِ. فَإِنَّ الْأَصْوَاتَ لَا تَبْقَى بِخِلَافِ الْمِدَادِ فَإِنَّهُ جِسْمٌ يَبْقَى وَإِذَا كَانَ الصَّوْتُ لَا يَبْقَى امْتَنَعَ
(12/151)

أَنْ يَكُونَ الصَّوْتُ الْمُعَيَّنُ قَدِيمًا؛ لِأَنَّ مَا وَجَبَ قِدَمُهُ لَزِمَ بَقَاؤُهُ وَامْتَنَعَ عَدَمُهُ وَالْحُرُوفُ الْمَكْتُوبَةُ قَدْ يُرَادُ بِهَا نَفْسُ الشَّكْلِ الْقَائِمِ بِالْمِدَادِ أَوْ مَا يُقَدَّرُ بِقَدَرِ الْمِدَادِ: كَالشَّكْلِ الْمَصْنُوعِ فِي حَجَرٍ وَوَرَقٍ فَإِزَالَةُ بَعْضِ أَجْزَائِهِ تَدُلُّ عَلَى حُدُوثِهِ وَقَدْ يُرَادُ بِالْحُرُوفِ نَفْسُ الْمِدَادِ. وَأَمَّا الْحُرُوفُ الْمَنْطُوقَةُ فَقَدْ يُرَادُ بِهَا أَيْضًا الْأَصْوَاتُ الْمُقَطَّعَةُ الْمُؤَلَّفَةُ وَقَدْ يُرَادُ بِهَا حُدُودُ الْأَصْوَاتِ وَأَطْرَافُهَا كَمَا يُرَادُ بِالْحَرْفِ فِي الْجِسْمِ حَدُّهُ وَمُنْتَهَاهُ. فَيُقَالُ: حَرْفُ الرَّغِيفِ وَحَرْفُ الْجَبَلِ وَنَحْوُ ذَلِكَ. وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ} وَقَدْ يُرَادُ بِالْحُرُوفِ الْحُرُوفُ الْخَيَالِيَّةُ الْبَاطِنَةُ وَهِيَ مَا يَتَشَكَّلُ فِي بَاطِنِ الْإِنْسَانِ مِنْ الْكَلَامِ الْمُؤَلَّفِ الْمَنْظُومِ قَبْلَ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ. وَقَدْ تَنَازَعَ النَّاسُ هَلْ يُمْكِنُ وُجُودُ حُرُوفٍ بِدُونِ أَصْوَاتٍ فِي الْحَيِّ النَّاطِقِ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ لَهُمْ وَعَلَى هَذَا تَنَازَعْت هَذِهِ الطَّائِفَةُ الْقَائِلَةُ بِقِدَمِ أَعْيَانِ الْحُرُوفِ هَلْ تَكُونُ قَدِيمَةً بِدُونِ أَصْوَاتٍ قَدِيمَةٍ أَمْ لَا بُدّ مِنْ أَصْوَاتٍ قَدِيمَةٍ لَمْ تَزَلْ وَلَا تَزَالُ؟ ثُمَّ الْقَائِلُونَ بِقَدَمِ الْأَصْوَاتِ الْمُعَيَّنَةِ تَنَازَعُوا فِي الْمَسْمُوعِ مِنْ الْقَارِئِ. هَلْ يُسْمَعُ مِنْهُ الصَّوْتُ الْقَدِيمُ؟ فَقِيلَ: الْمَسْمُوعُ هُوَ الصَّوْتُ الْقَدِيمُ وَقِيلَ بَلْ الْمَسْمُوعُ هُوَ صَوْتَانِ أَحَدُهُمَا الْقَدِيمُ وَالْآخَرُ الْمُحْدَثُ فَمَا لَا بُدَّ مِنْهُ فِي وُجُودِ الْقُرْآنِ فَهُوَ الْقَدِيمُ وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَهُوَ الْمُحْدَثُ.
(12/152)

وَقِيلَ: بَلْ الصَّوْتُ الْقَدِيمُ غَيْرُ الْمَسْمُوعِ مِنْ الْعَبْدِ.
وَتَنَازَعُوا فِي " الْقُرْآنِ " هَلْ يُقَالُ إنَّهُ حَالٌّ فِي الْمُصْحَفِ وَالصُّدُورِ أَمْ لَا يُقَالُ ذَلِكَ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ. فَقِيلَ: هُوَ ظَاهِرٌ فِي الْمُحْدَثِ لَيْسَ بِحَالِّ فِيهِ. وَقِيلَ: بَلْ الْقُرْآنُ حَالٌّ فِي الصُّدُورِ وَالْمَصَاحِفِ فَهَؤُلَاءِ الخلقية والحادثية والاتحادية والاقترانية أَصْلُ قَوْلِهِمْ أَنَّ مَا لَا يَسْبِقُ الْحَوَادِثَ فَهُوَ حَادِثٌ مُطْلَقًا. وَمَنْ قَالَ بِهَذَا الْأَصْلِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ بَعْضُ هَذِهِ الْأَقْوَالِ أَوْ مَا يُشْبِهُ ذَلِكَ فَإِنَّ مِنْ النَّاسِ مَنْ يَجْعَلُهُ حَادِثًا يُرِيدُ أَنَّهُ كَائِنٌ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ وَيَجْعَلُ الْحَادِثَاتِ إرَادَاتٍ وَتَصَوُّرَاتٍ لَا حُرُوفًا وَأَصْوَاتًا. وَالدَّارِبِيَّ وَغَيْرُهُ يَمِيلُونَ إلَى هَذَا الْقَوْلِ؛ فَإِنَّهُ إمَّا أَنْ يَجْعَلَ كَلَامَ اللَّهِ حَادِثًا أَوْ قَدِيمًا وَإِذَا كَانَ حَادِثًا فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ حَادِثًا فِي غَيْرِهِ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ حَادِثًا فِي ذَاتِهِ وَإِذَا كَانَ قَدِيمًا فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْقَدِيمُ الْمَعْنَى فَقَطْ أَوْ اللَّفْظَ فَقَطْ أَوْ كِلَاهُمَا فَإِذَا كَانَ الْقَدِيمُ هُوَ الْمَعْنَى فَقَطْ لَزِمَ أَنْ لَا يَكُونَ الْكَلَامُ الْمَقْرُوءُ كَلَامَ اللَّهِ تَعَالَى ثُمَّ الْكَلَامُ فِي ذَلِكَ الْمَعْنَى قَدْ عُرِفَ. وَأَمَّا قِدَمُ اللَّفْظِ فَقَطْ فَهَذَا لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ؛ لَكِنْ مِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ إنَّ الْكَلَامَ الْقَدِيمَ هُوَ اللَّفْظُ. وَأَمَّا مَعْنَاهُ فَلَيْسَ هُوَ دَاخِلًا فِي مُسَمَّى الْكَلَامِ بَلْ هُوَ الْعِلْمُ وَالْإِرَادَةُ وَهُمَا قَدِيمَانِ لَكِنْ لَيْسَ ذَلِكَ دَاخِلًا فِي مُسَمَّى الْكَلَامِ فَهَذَا يَقُولُ الْكَلَامُ الْقَدِيمُ هُوَ اللَّفْظُ
(12/153)

فَقَطْ إمَّا الْحُرُوفُ الْمُؤَلَّفَةُ وَإِمَّا الْحُرُوفُ وَالْأَصْوَاتُ؛ لَكِنَّهُ يَقُولُ إنَّ مَعْنَاهُ قَدِيمٌ. وَأَمَّا " الْفَرِيقُ الثَّانِي " الَّذِينَ قَالُوا بِجَوَازِ حَوَادِثَ لَا أَوَّلَ لَهَا مُطْلَقًا وَأَنَّ الْقَدِيمَ الْوَاجِبَ بِنَفْسِهِ يَجُوزُ أَنْ تَتَعَقَّبَ عَلَيْهِ الْحَوَادِثُ مُطْلَقًا وَإِنْ كَانَ مُمْكِنًا لَا وَاجِبًا بِنَفْسِهِ فَهَؤُلَاءِ الْقَائِلُونَ بِقِدَمِ الْعَالَمِ كَمَا يَقُولُونَ بِقِدَمِ الْأَفْلَاكِ وَأَنَّهَا لَمْ تَزَلْ وَلَا تَزَالُ مَعْلُولَةً لِعِلَّةِ قَدِيمَةٍ أَزَلِيَّةٍ لَكِنْ الْمُنْتَسِبُونَ إلَى الْمِلَلِ كَابْنِ سِينَا وَنَحْوِهِ مِنْهُمْ قَالُوا إنَّهَا صَادِرَةٌ عَنْ الْوَاجِبِ بِنَفْسِهِ الْمُوجِبِ لَهَا بِذَاتِهِ وَأَمَّا أَرِسْطُو وَأَتْبَاعُهُ فَإِنَّهُمْ قَالُوا: إنَّ لَهَا عِلَّةً غائية تَتَحَرَّكُ لِلتَّشَبُّهِ بِهَا فِي تَحَرُّكِهَا كَمَا يُحَرِّكُ الْمَعْشُوقُ عَاشِقَهُ وَلَمْ يُثْبِتُوا لَهَا مُبْدِعًا مُوجِبًا وَلَا مُوجِبًا قَائِمًا بِذَاتِهِ وَلَا قَالُوا إنَّ الْفَلَكَ مُمْكِنٌ بِنَفْسِهِ وَاجِبٌ بِغَيْرِهِ بَلْ الْفَلَكُ عِنْدَهُمْ وَاجِبٌ بِنَفْسِهِ لَكِنْ قَالُوا مَعَ ذَلِكَ: إنَّ لَهُ عِلَّةً غائية يَتَحَرَّكُ لِلتَّشَبُّهِ بِهَا لَا قِوَامَ لَهُ إلَّا بِهَا فَجَعَلُوا الْوَاجِبَ بِنَفَسِهِ الَّذِي لَا فَاعِلَ لَهُ مُفْتَقِرًا إلَى عِلَّةٍ غائية مُنْفَصِلَةٍ عَنْهُ هَذِهِ حَقِيقَةُ قَوْلِ أَرِسْطُو وَأَتْبَاعِهِ؛ وَلِهَذَا لَمْ يُثْبِتُوا الْأَوَّلَ عَالِمًا بِغَيْرِهِ؛ إذْ لَمْ يَكُنْ الْأَوَّلُ عِنْدَهُمْ مُبْدِعًا لِلْفَلَكِ؛ فَإِنَّهُ إذَا كَانَ مُبْدِعًا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِمَفْعُولِهِ كَمَا قَالَ: {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} وَلِهَذَا كَانَتْ أَقْوَالُهُمْ فِي الْإِلَهِيَّاتِ مَنْ أَعْظَمِ الْأَقْوَالِ فَسَادًا بِخِلَافِ أَقْوَالِهِمْ فِي الطَّبِيعِيَّاتِ؛ وَلِهَذَا كَانَ قَوْلُهُمْ أَشَدَّ فَسَادًا فِي الْعَقْلِ وَالدِّينِ
(12/154)

مِنْ قَوْلِ ابْنِ سِينَا وَأَتْبَاعِهِ وَلَمْ يُثْبِتْ أَرِسْطُو وَأَتْبَاعُهُ " الْعِلَّةَ الْأُولَى " بِطَرِيقَةِ الْوُجُودِ وَلَا قَسَّمُوا الْوُجُودَ الْقَدِيمَ إلَى وَاجِبٍ وَمُمْكِنٍ بَلْ الْمُمْكِنُ عِنْدَهُمْ لَا يَكُونُ إلَّا حَادِثًا وَلَا أَثْبَتُوا لِلْمَوْجُودِ الْوَاجِبِ الْخَصَائِصَ الْمُمَيِّزَةَ لِلرَّبِّ عَنْ الْأَفْلَاكِ بَلْ هَذَا مِنْ تَصَرُّفِ مُتَأَخِّرِيهِمْ الَّذِينَ خَلَطُوا فَلْسَفَتَهُمْ بِكَلَامِ الْمُعْتَزِلَةِ وَنَحْوِهِمْ وَإِنَّمَا أَثْبَتَ وَاجِبَ الْوُجُودِ بِطَرِيقَةِ الْوُجُودِ ابْنُ سِينَا وَأَتْبَاعُهُ. وَحَقِيقَةُ قَوْلِ هَؤُلَاءِ وُجُودُ الْحَوَادِثِ بِلَا مُحْدِثٍ أَصْلًا أَمَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ جَعَلَ الْأَوَّلَ عِلَّةً غائية لِلْحَرَكَةِ فَظَاهِرٌ، فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ هُوَ فَاعِلًا لَهَا. فَقَوْلُهُمْ فِي حَرَكَاتِ الْأَفْلَاكِ نَظِيرُ قَوْلِ الْقَدَرِيَّةِ فِي حَرَكَةِ الْحَيَوَانِ وَكُلٌّ مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ قَدْ تَنَاقَضَ قَوْلُهُمْ. فَإِنَّ هَؤُلَاءِ يَقُولُونَ بِأَنَّ فِعْلَ الْحَيَوَانِ صَادِرٌ عَنْ غَيْرِهِ. لِكَوْنِ الْقُدْرَةِ وَالدَّاعِي مُسْتَلْزِمَيْنِ وُجُودَ الْفِعْلِ وَالْقُدْرَةُ وَالدَّاعِي كِلَاهُمَا مِنْ غَيْرِ الْعَبْدِ. فَيُقَالُ لَهُمْ: فَقُولُوا هَكَذَا فِي حَرَكَةِ الْفَلَكِ بِقُدْرَتِهِ وَدَاعِيهِ فَإِنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَا صَادِرَيْنِ عَنْ غَيْرِهِ وَحِينَئِذٍ فَيَكُونُ الْوَاجِبُ بِنَفْسِهِ هُوَ الْمُحْدَثَ لِتِلْكَ الْحَوَادِثِ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بِوَاسِطَةِ الْعَقْلِ وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الَّذِي يَقُولُهُ ابْنُ سِينَا وَأَتْبَاعُهُ وَهُوَ بَاطِلٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْمُوجِبَ بِذَاتِهِ الْقَدِيمَ الَّذِي يُقَارِنُهُ مُوجَبُهُ وَمُقْتَضَاهُ يَمْتَنِعُ أَنْ يَصْدُرَ عَنْهُ
(12/155)

حَادِثٌ بِوَاسِطَةِ أَوْ بِلَا وَاسِطَةٍ فَإِنَّ صُدُورَ الْحَوَادِثِ عَنْ الْعِلَّةِ التَّامَّةِ الْأَزَلِيَّةِ مُمْتَنِعٌ لِذَاتِهِ. وَإِذَا قَالُوا الْحَرَكَةُ بِتَوَسُّطِهِ أَيْ بِتَوَسُّطِ حَرَكَةِ الْفَلَكِ قِيلَ لَهُمْ: فَالْكَلَامُ إنَّمَا هُوَ فِي حُدُوثِ الْحَرَكَةِ الْفَلَكِيَّةِ فَإِنَّ الْحَرَكَةَ الْحَادِثَةَ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ الْمُقْتَضِي لَهَا عِلَّةً تَامَّةً أَزَلِيَّةً مُسْتَلْزِمَةً لِمَعْلُولِهَا فَإِنَّ ذَلِكَ جَمَعَ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ؛ إذْ الْقَوْلُ بِمُقَارَنَةِ الْمَعْلُولِ لِعِلَّتِهِ فِي الْأَزَلِ وَوُجُودِهِ مَعَهَا يُنَاقِضُ أَنْ يَتَخَلَّفَ الْمَعْلُولُ أَوْ شَيْءٌ مِنْ الْمَعْلُولِ عَنْ الْأَزَلِ بَلْ يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ الْمُقْتَضِي لَهَا ذَاتًا بَسِيطَةً لَا يَقُومُ بِهَا شَيْءٌ مِنْ الصِّفَاتِ وَالْأَحْوَالِ الْمُقْتَضِيَةِ لِحُدُوثِ الْحَوَادِثِ الْمُتَعَاقِبَةِ الْمُخْتَلِفَةِ؛ بَلْ يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ الْمُقْتَضِي لَهَا ذَاتًا مَوْصُوفَةً لَا يَقُومُ بِهَا شَيْءٌ مِنْ الْأَحْوَالِ الْمُوجِبَةِ لِحُدُوثِ الْحَوَادِثِ الْمَذْكُورَةِ؛ فَإِنَّ التَّجَدُّدَ وَالتَّعَدُّدَ الْمَوْجُودَ فِي الْمَعْلُولَاتِ يَمْتَنِعُ صُدُورُهُ عَنْ عِلَّةٍ وَاحِدَةٍ بَسِيطَةٍ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَصَارَ حَقِيقَةُ قَوْلِهِمْ إنَّ الْحَوَادِثَ الْعُلْوِيَّةَ وَالسُّفْلِيَّةَ لَا مُحْدِثَ لَهَا. وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ كَلَامُ اللَّهِ مَا يَفِيضُ عَلَى النُّفُوسِ الصَّافِيَةِ كَمَا أَنَّ مَلَائِكَةَ اللَّهِ عِنْدَهُمْ مَا يَتَشَكَّلُ فِيهَا مِنْ الصُّوَرِ النُّورَانِيَّةِ فَلَا يُثْبِتُونَ لَهُ كَلَامًا خَارِجًا عَمَّا فِي نُفُوسِ الْبَشَرِ وَلَا مَلَائِكَةَ خَارِجَةً عَمَّا فِي نُفُوسِهِمْ غَيْرَ " الْعُقُولِ الْعَشَرَةِ " وَ " النُّفُوسِ الْفَلَكِيَّةِ التِّسْعَةِ " مَعَ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَقُولُونَ إنَّهَا أَعْرَاضٌ وَقَدْ بُيِّنَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ أَنَّ مَا يُثْبِتُونَهُ مِنْ الْمُجَرَّدَاتِ
(12/156)

الْعَقْلِيَّةِ الَّتِي هِيَ الْعُقُولُ وَالنُّفُوسُ وَالْمَوَادُّ وَالصُّوَرُ إنَّمَا وُجُودُهَا فِي الْأَذْهَانِ لَا فِي الْأَعْيَانِ. وَأَمَّا " الصِّنْفُ الثَّالِثُ " الَّذِينَ فَرَّقُوا بَيْنَ الْوَاجِبِ وَالْمُمْكِنِ وَالْخَالِقِ وَالْمَخْلُوقِ وَالْغَنِيِّ الَّذِي لَا يَفْتَقِرُ إلَى غَيْرِهِ وَالْفَقِيرِ الَّذِي لَا قِوَامَ لَهُ إلَّا بِالْغَنِيِّ فَقَالُوا: كُلُّ مَا قَارَنَ الْحَوَادِثَ مِنْ الْمُمْكِنَات فَهُوَ مُحْدَثٌ كَائِنٌ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ وَهُوَ مَخْلُوقٌ مَصْنُوعٌ مَرْبُوبٌ وَأَنَّهُ يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ فِيمَا هُوَ فَقِيرٌ مُمْكِنٌ مَرْبُوبٌ شَيْءٌ قَدِيمٌ فَضْلًا عَنْ أَنْ تُقَارِنَهُ حَوَادِثُ لَا أَوَّلَ لَهَا؛ وَلِهَذَا كَانَتْ حَرَكَاتُ الْفَلَكِ دَلِيلًا عَلَى حُدُوثِهِ كَمَا تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَى ذَلِكَ. وَأَمَّا " الرَّبُّ تَعَالَى " إذَا قِيلَ لَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّمًا إذَا شَاءَ أَوْ لَمْ يَزَلْ فَاعِلًا لِمَا يَشَاءُ لَمْ يَكُنْ دَوَامُ كَوْنِهِ مُتَكَلِّمًا بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ وَدَوَامُ كَوْنِهِ فَاعِلًا بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ مُمْتَنِعًا؛ بَلْ هَذَا هُوَ الْوَاجِبُ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ صِفَةُ كَمَالٍ لَا نَقْصَ فِيهِ فَالرَّبُّ أَحَقُّ أَنْ يَتَّصِفَ بِالْكَلَامِ مِنْ كُلِّ مَوْصُوفٍ بِالْكَلَامِ؛ إذْ كَلُّ كَمَالٍ لَا نَقْصَ فِيهِ ثَبَتَ لِلْمَخْلُوقِ فَالْخَالِقُ أَوْلَى بِهِ؛ لِأَنَّ الْقَدِيمَ الْوَاجِبَ الْخَالِقَ أَحَقُّ بِالْكَمَالِ الْمُطْلَقِ مِنْ الْمُحْدَثِ الْمُمْكِنِ الْمَخْلُوقِ؛ وَلِأَنَّ كُلَّ كَمَالٍ ثَبَتَ لِلْمَخْلُوقِ فَإِنَّمَا هُوَ مِنْ الْخَالِقِ وَمَا جَازَ اتِّصَافُهُ بِهِ مِنْ الْكَمَالِ وَجَبَ لَهُ فَإِنَّهُ لَوْ لَمْ يَجِبْ لَهُ لَكَانَ إمَّا مُمْتَنِعًا وَهُوَ مُحَالٌ بِخِلَافِ الْفَرْضِ وَإِمَّا مُمْكِنًا فَيَتَوَقَّفُ ثُبُوتُهُ لَهُ عَلَى غَيْرِهِ وَالرَّبُّ
(12/157)

لَا يَحْتَاجُ فِي ثُبُوتِ كَمَالِهِ إلَى غَيْرِهِ فَإِنَّ مُعْطِي الْكَمَالِ أَحَقُّ بِالْكَمَالِ فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ غَيْرُهُ أَكْمَلَ مِنْهُ لَوْ كَانَ غَيْرُهُ مُعْطِيًا لَهُ الْكَمَالَ وَهَذَا مُمْتَنِعٌ؛ بَلْ هُوَ بِنَفْسِهِ الْمُقَدَّسَةِ مُسْتَحِقٌّ لِصِفَاتِ الْكَمَالِ فَلَا يَتَوَقَّفُ ثُبُوتُ كَوْنِهِ مُتَكَلِّمًا عَلَى غَيْرِهِ فَيَجِبُ ثُبُوتُ كَوْنِهِ مُتَكَلِّمًا وَأَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَالُ وَالْمُتَكَلِّمُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ أَكْمَلُ مِمَّنْ يَكُونُ الْكَلَامُ لَازِمًا لَهُ بِدُونِ قُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ وَاَلَّذِي لَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّمًا إذَا شَاءَ أَكْمَلُ مِمَّنْ صَارَ الْكَلَامُ يُمْكِنُهُ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ الْكَلَامُ مُمْكِنًا لَهُ. وَحِينَئِذٍ فَكَلَامُهُ قَدِيمٌ مَعَ أَنَّهُ يَتَكَلَّمُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ وَإِنْ قِيلَ: إنَّهُ يُنَادِي وَيَتَكَلَّمُ بِصَوْتِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ قِدَمُ صَوْتٍ مُعَيَّنٍ وَإِذَا كَانَ قَدْ تَكَلَّمَ بِالتَّوْرَاةِ وَالْقُرْآنِ وَالْإِنْجِيلِ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ لَمْ يَمْتَنِعْ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِالْبَاءِ قَبْلَ السِّينِ وَإِنْ كَانَ نَوْعُ الْبَاءِ وَالسِّينِ قَدِيمًا لَمْ يَسْتَلْزِمْ أَنْ تَكُونَ الْبَاءُ الْمُعَيَّنَةُ وَالسِّينُ الْمُعَيَّنَةُ قَدِيمَةً؛ لِمَا عُلِمَ مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَ النَّوْعِ وَالْعَيْنِ وَهَذَا الْفَرْقُ ثَابِتٌ فِي الْإِرَادَةِ وَالْكَلَامِ وَالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الصِّفَاتِ وَبِهِ تَنْحَلُّ الْإِشْكَالَاتُ الْوَارِدَةُ عَلَى وَحْدَةِ هَذِهِ الصِّفَاتِ وَتَعَدُّدِهَا وَقِدَمِهَا وَحُدُوثِهَا وَكَذَلِكَ تَزُولُ بِهِ الْإِشْكَالَاتُ الْوَارِدَةُ فِي أَفْعَالِ الرَّبِّ وَقِدَمِهَا وَحُدُوثِهَا وَحُدُوثِ الْعَالَمِ. وَإِذَا قِيلَ: إنَّ حُرُوفَ الْمُعْجَمِ قَدِيمَةٌ بِمَعْنَى النَّوْعِ كَانَ ذَلِكَ مُمْكِنًا بِخِلَافِ مَا إذَا قِيلَ إنَّ عَيْنَ اللَّفْظِ الَّذِي نَطَقَ بِهِ زَيْدٌ وَعَمْرٌو قَدِيمٌ
(12/158)

فَإِنَّ هَذَا مُكَابَرَةٌ لِلْحِسِّ. وَالْمُتَكَلِّمُ يَعْلَمُ أَنَّ حُرُوفَ الْمُعْجَمِ كَانَتْ مَوْجُودَةً قَبْلَ وُجُودِهِ بِنَوْعِهَا. وَأَمَّا نَفْسُ الصَّوْتِ الْمُعَيَّنُ الَّذِي قَامَ بِهِ التَّقْطِيعُ أَوْ التَّأْلِيفُ الْمُعَيَّنُ لِذَلِكَ الصَّوْتِ؛ فَيُعْلَمُ أَنَّ عَيْنَهُ لَمْ تَكُنْ مَوْجُودَةً قَبْلَهُ وَالْمَنْقُولُ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ مِنْ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ مُطَابِقٌ لِهَذَا الْقَوْلِ؛ وَلِهَذَا أَنْكَرُوا عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ حَرْفًا مِنْ حُرُوفِ الْمُعْجَمِ مَخْلُوقٌ وَأَنْكَرُوا عَلَى مَنْ قَالَ: " لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الْحُرُوفَ سَجَدَتْ لَهُ إلَّا الْأَلِفُ فَقَالَتْ لَا أَسْجُدُ حَتَّى أُؤْمَرَ " مَعَ أَنَّ هَذِهِ الْحِكَايَةَ نُقِلَتْ لَأَحْمَدَ عَنْ سَرِيٍّ السقطي. وَهُوَ نَقَلَهَا عَنْ بَكْرِ بْنِ خنيس الْعَابِدِ وَلَمْ يَكُنْ قَصْدُ أُولَئِكَ الشُّيُوخِ بِهَا إلَّا بَيَانَ أَنَّ الْعَبْدَ الَّذِي يَتَوَقَّفُ فِعْلُهُ عَلَى الْأَمْرِ وَالشَّرْعِ هُوَ أَكْمَلُ مِنْ الْعَبْدِ الَّذِي يَعْبُدُ اللَّهَ بِغَيْرِ شَرْعٍ؛ فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ الْعِبَادِ يَعْبُدُونَ اللَّهَ بِمَا تُحِبُّهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا مَأْمُورِينَ بِهِ فَقَصْدُ أُولَئِكَ الشُّيُوخِ أَنَّ مَنْ عَبَدَ اللَّهَ بِالْأَمْرِ وَلَمْ يَفْعَلْ شَيْئًا حَتَّى يُؤْمَرَ بِهِ فَهُوَ أَفْضَلُ مِمَّنْ عَبَدَهُ بِمَا لَمْ يُؤْمَرْ بِهِ وَذَكَرُوا هَذِهِ الْحِكَايَةَ الإسرائيلية شَاهِدًا لِذَلِكَ مَعَ أَنَّ هَذِهِ لَا إسْنَادَ لَهَا وَلَا يَثْبُتُ بِهَا حُكْمٌ وَلَكِنَّ الإسرائيليات إذَا ذُكِرَتْ عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِشْهَادِ بِهَا لِمَا عُرِفَ صِحَّتُهُ لَمْ يَكُنْ بِذِكْرِهَا بَأْسٌ وَقَصَدُوا بِذَلِكَ الْحُرُوفَ الْمَكْتُوبَةَ؛ لِأَنَّ الْأَلِفَ مُنْتَصِبَةٌ وَغَيْرُهَا لَيْسَ كَذَلِكَ مَعَ أَنَّ هَذَا أَمْرٌ اصْطِلَاحِيٌّ وَخَطُّ غَيْرِ الْعَرَبِيِّ لَا يُمَاثِلُ خَطَّ الْعَرَبِيِّ وَلَمْ يَكُنْ قَصْدُ أُولَئِكَ الْأَشْيَاخِ أَنَّ نَفْسَ الْحُرُوفِ الْمَنْطُوقَةِ الَّتِي هِيَ مَبَانِي أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى وَكُتُبِهِ الْمُنَزَّلَةِ مَخْلُوقَةٌ بَائِنَةٌ عَنْ اللَّهِ؛
(12/159)

بَلْ هَذَا شَيْءٌ لَعَلَّهُ لَمْ يَخْطُرْ بِقُلُوبِهِمْ وَالْحُرُوفُ الْمَنْطُوقَةُ لَا يُقَالُ فِيهَا إنَّهَا مُنْتَصِبَةٌ وَلَا سَاجِدَةٌ فَمَنْ احْتَجَّ بِهَذَا مِنْ قَوْلِهِمْ عَلَى أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ لَمْ يَتَكَلَّمْ بِالْقُرْآنِ الْعَرَبِيِّ وَلَا بِالتَّوْرَاةِ الْعِبْرِيَّةِ فَقَدْ قَالَ عَنْهُمْ مَا لَمْ يَقُولُوهُ. وَأَمَّا الْإِمَامُ أَحْمَد: فَإِنَّهُ أَنْكَرَ إطْلَاقَ هَذَا الْقَوْلِ وَمَا يُفْهَمُ مِنْهُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ وَهُوَ أَنَّ نَفْسَ حُرُوفِ الْمُعْجَمِ مَخْلُوقَةٌ كَمَا نُقِلَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ حَرْفًا مِنْ حُرُوفِ الْمُعْجَمِ مَخْلُوقٌ فَهَذَا جهمي يَسْلُكُ طَرِيقًا إلَى الْبِدْعَةِ فَإِنَّهُ إذَا قَالَ إنَّ ذَلِكَ مَخْلُوقٌ. فَقَدْ قَالَ: إنَّ الْقُرْآنَ مَخْلُوقٌ - أَوْ كَمَا قَالَ - وَلَا رَيْبَ أَنَّ مَنْ جَعَلَ نَوْعَ الْحُرُوفِ مَخْلُوقًا بَائِنًا عَنْ اللَّهِ كَائِنًا بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ لَزِمَ عِنْدَهُ أَنْ يَكُونَ كَلَامُ اللَّهِ الْعَرَبِيُّ وَالْعِبْرِيُّ وَنَحْوُهُمَا مَخْلُوقًا وَامْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ مُتَكَلِّمًا بِكَلَامِهِ الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَى عَبْدِهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَا يَكُونُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ كَلَامَهُ فَطَرِيقَةُ الْإِمَامِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ مِنْ السَّلَفِ مُطَابِقَةٌ لِلْقَوْلِ الثَّالِثِ الْمُوَافِقِ لِصَرِيحِ الْمَعْقُولِ وَصَحِيحِ الْمَنْقُولِ. وَقَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الكرجي الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِهِ الَّذِي سَمَّاهُ " الْفُصُولُ فِي الْأُصُولِ " سَمِعْت الْإِمَامَ أَبَا مَنْصُورٍ مُحَمَّدَ بْنَ أَحْمَد يَقُولُ: سَمِعْت الْإِمَامَ أَبَا بَكْرٍ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَحْمَد يَقُولُ: سَمِعْت الشَّيْخَ أَبَا حَامِدٍ الإسفراييني يَقُولُ: مَذْهَبِي وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ
(12/160)

وَفُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ أَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ. وَمَنْ قَالَ إنَّهُ مَخْلُوقٌ فَهُوَ كَافِرٌ وَالْقُرْآنُ حَمَلَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَسْمُوعًا مِنْ اللَّهِ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَمِعَهُ مِنْ جِبْرِيلَ وَالصَّحَابَةُ سَمِعُوهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ الَّذِي نَتْلُوهُ نَحْنُ مَقْرُوءٌ بِأَلْسِنَتِنَا وَفِيمَا بَيْنُ الدَّفَّتَيْنِ وَمَا فِي صُدُورِنَا مَسْمُوعًا وَمَكْتُوبًا. وَمَحْفُوظًا وَمَقْرُوءًا وَكُلُّ حَرْفٍ مِنْهُ كَالْبَاءِ وَالتَّاءِ كُلُّهُ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ وَمَنْ قَالَ إنَّهُ مَخْلُوقٌ فَهُوَ كَافِرٌ عَلَيْهِ لَعَائِنُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ. وَالْكَلَامُ عَلَى هَذِهِ الْأُمُورِ مَبْسُوطٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ وَذِكْرُ مَا يَتَعَلَّقُ بِهَذَا الْبَابِ مِنْ الْكَلَامِ فِي سَائِر الصِّفَاتِ: كَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَالْإِرَادَةِ وَالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَالْكَلَامِ فِي تَعَدُّدِ الصِّفَةِ وَاتِّحَادِهَا وَقِدَمِهَا وَحُدُوثِهَا أَوْ قِدَمِ النَّوْعِ دُونَ الْأَعْيَانِ أَوْ إثْبَاتِ صِفَةٍ كُلِّيَّةٍ عُمُومِيَّةٍ مُتَنَاوِلَةِ الْأَعْيَانِ مَعَ تَجَدُّدِ كُلِّ مُعَيَّنٍ مِنْ الْأَعْيَانِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا قِيلَ فِي هَذَا الْبَابِ فَإِنَّ هَذِهِ مَوَاضِعُ مُشْكِلَةٌ وَهِيَ مِنْ مَحَارَاتِ الْعُقُولِ. وَلِهَذَا اضْطَرَبَ فِيهَا طَوَائِفُ مِنْ أَذْكِيَاءِ النَّاسِ وَنُظَّارِهِمْ وَاَللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ.
(12/161)

وَسُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ -:
عَمَّنْ قَالَ: اخْتِلَافُ الْمُسْلِمِينَ فِي كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى " ثَلَاثَةِ أَنْحَاءٍ " فَقَوْمٌ إلَى أَنَّهُ قَدِيمُ الْحَرْفِ وَالصَّوْتِ وَهُمْ الْحَشْوِيَّةُ وَقَوْمٌ إلَى أَنَّهُ حَادِثٌ بِالصَّوْتِ وَالْحَرْفِ وَهُمْ الْجَهْمِيَّة وَمَنْ تَابَعَهُمْ وَقَوْمٌ إلَى أَنَّهُ قَدِيمٌ لَا بِصَوْتِ وَلَا حَرْفٍ إلَّا مَعْنًى قَائِمٌ بِذَاتِ اللَّهِ وَهُمْ الْأَشْعَرِيَّةُ؟
فَأَجَابَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ -:
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، قَوْلُ الْقَائِلِ: إنَّ اخْتِلَافَ الْمُسْلِمِينَ فِي كَلَامِ اللَّهِ عَلَى " ثَلَاثَةِ أَنْحَاءٍ " إلَخْ هُوَ كَلَامٌ بِحَسَبِ مَا بَلَغَهُ مِنْ ذَلِكَ وَأَكْثَرُ مَنْ تَكَلَّمَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ إنَّمَا يَذْكُرُ فِيهَا بَعْضَ اخْتِلَافِ النَّاسِ. فَقَوْمٌ يَحْكُونَ أَرْبَعَةَ أَقْوَالٍ كَأَبِي الْمَعَالِي وَنَحْوِهِ. وَقَوْمٌ يَحْكُونَ خَمْسَةً أَوْ سِتَّةً كالشَّهْرَستَانِي وَنَحْوِهِ.
(12/162)

وَالْأَقْوَالُ الَّتِي قَالَهَا الْمُنْتَسِبُونَ إلَى الْقِبْلَةِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ تَبْلُغُ سَبْعَةً أَوْ أَكْثَرَ.
الْأَوَّلُ: " قَوْلُ الْمُتَفَلْسِفَةِ " وَمَنْ وَافَقَهُمْ مِنْ مُتَصَوِّفٍ وَمُتَكَلِّمٍ كَابْنِ سِينَا وَابْنِ عَرَبِيٍّ الطَّائِيِّ وَابْنِ سَبْعِينَ وَأَمْثَالِهِمْ مِمَّنْ يَقُولُ بِقَوْلِ الصَّابِئَةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ إنَّ كَلَامَ اللَّهِ لَيْسَ لَهُ وُجُودٌ خَارِجٌ عَنْ نُفُوسِ الْعِبَادِ؛ بَلْ هُوَ مَا يَفِيضُ عَلَى النُّفُوسِ مِنْ الْمَعَانِي: إعْلَامًا وَطَلَبًا: إمَّا مِنْ الْعَقْلِ الْفَعَّالِ كَمَا يَقُولُهُ كَثِيرٌ مِنْ الْمُتَفَلْسِفَةِ وَإِمَّا مُطْلَقًا كَمَا يَقُولُهُ بَعْضُ مُتَصَوِّفَةِ الْفَلَاسِفَةِ. وَهَذَا قَوْلُ الصَّابِئَةِ وَنَحْوِهِمْ. وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: الْكَلَامُ الَّذِي سَمِعَهُ مُوسَى لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا إلَّا فِي نَفْسِهِ وَصَاحِبُ " مِشْكَاةِ الْأَنْوَارِ " وَأَمْثَالُهُ فِي كَلَامِهِ مَا يُضَاهِي كَلَامَ هَؤُلَاءِ أَحْيَانًا وَإِنْ كَانَ أَحْيَانًا يُكَفِّرُهُمْ وَهَذَا الْقَوْلُ أَبْعَدُ عَنْ الْإِسْلَامِ مِمَّنْ يَقُولُ: الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي قَوْلُ الْجَهْمِيَّة مِنْ الْمُعْتَزِلَة وَغَيْرِهِمْ الَّذِينَ يَقُولُونَ: كَلَامُ اللَّهِ مَخْلُوقٌ يَخْلُقُهُ فِي بَعْضِ الْأَجْسَامِ فَمِنْ ذَلِكَ الْجِسْمِ ابْتَدَأَ لَا مِنْ اللَّهِ وَلَا يَقُومُ - عِنْدَهُمْ - بِاَللَّهِ كَلَامٌ وَلَا إرَادَةٌ وَأَوَّلُ هَؤُلَاءِ " الْجَعْدُ بْنُ دِرْهَمٍ " الَّذِي ضَحَّى بِهِ خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيُّ - لَمَّا خَطَبَ النَّاسَ يَوْمَ عِيدِ النَّحْرِ - وَقَالَ: ضَحُّوا تَقَبَّلَ اللَّهُ ضَحَايَاكُمْ فَإِنِّي مُضَحٍّ بِالْجَعْدِ بْنِ دِرْهَمٍ إنَّهُ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَتَّخِذْ إبْرَاهِيمَ خَلِيلًا وَلَمْ
(12/163)

يُكَلِّمُ مُوسَى تَكْلِيمًا تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَقُولُ الْجَعْدُ عُلُوًّا كَبِيرًا ثُمَّ نَزَلَ فَذَبَحَهُ. وَهَؤُلَاءِ هُمْ الَّذِينَ دَعَوْا مَنْ دَعَوْهُ مِنْ الْخُلَفَاءِ إلَى مَقَالَتِهِمْ حَتَّى اُمْتُحِنَ النَّاسُ فِي الْقُرْآنِ بِالْمِحْنَةِ الْمَشْهُورَةِ فِي إمَارَةِ الْمَأْمُونِ وَالْمُعْتَصِمِ وَالْوَاثِقِ حَتَّى رَفَعَ اللَّهُ شَأْنَ مَنْ ثَبَتَ فِيهَا مِنْ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ: كَالْإِمَامِ أَحْمَد - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَمُوَافَقِيهِ وَكَشَفَهَا اللَّهُ عَنْ النَّاسِ فِي إمَارَةِ الْمُتَوَكِّلِ وَظَهَرَ فِي الْأُمَّةِ " مَقَالَةُ السَّلَفِ ": إنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ مِنْهُ بَدَأَ وَإِلَيْهِ يَعُودُ. أَيْ هُوَ الْمُتَكَلِّمُ بِهِ لَمْ يُبْتَدَأْ مِنْ بَعْضِ الْمَخْلُوقَاتِ - كَمَا قَالَتْ الْجَهْمِيَّة - بَلْ هُوَ مِنْهُ نَزَلَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} وَقَالَ: {وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ} وَقَالَ: {حم} {تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} وَقَوْلُهُ: {قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ} . ثُمَّ لَمَّا شَاعَتْ الْمِحْنَةُ كَثُرَ اضْطِرَابُ النَّاسِ وَتَنَازُعُهُمْ فِي ذَلِكَ حَتَّى صَارَ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ - الْمُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ كَلَامَ اللَّهِ مُنَزَّلٌ غَيْرُ مَخْلُوقٍ - يَقُولُ كُلٌّ مِنْهُمْ قَوْلًا يُخَالِفُ بِهِ صَاحِبَهُ وَقَدْ لَا يَشْعُرُ أَحَدُهُمْ بِخِلَافِ الْأَدِلَّةِ وَصَارَ أَتْبَاعُ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ - كَأَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد مَعَ كَوْنِ الظَّاهِرِ الْمَشْهُورِ عِنْدَهُمْ أَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ - بَيْنَ كُلِّ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ تَنَازُعٌ فِي تَحْقِيقِ ذَلِكَ كَمَا سَنُنَبِّهُ عَلَى ذَلِكَ.
(12/164)

وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: قَوْلُ أَبِي مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ كُلَّابٍ الْبَصْرِيِّ وَمَنْ اتَّبَعَهُ: كالقلانسي وَأَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ وَغَيْرِهِمْ أَنَّ كَلَامَ اللَّهِ مَعْنًى قَائِمٌ بِذَاتِ اللَّهِ هُوَ الْأَمْرُ بِكُلِّ مَأْمُورٍ أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَالْخَبَرُ عَنْ كُلِّ مُخْبَرٍ أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُ إنْ عُبِّرَ عَنْهُ بِالْعَرَبِيَّةِ كَانَ قُرْآنًا وَإِنْ عُبِّرَ عَنْهُ بِالْعِبْرِيَّةِ كَانَ تَوْرَاةً وَإِنْ عُبِّرَ عَنْهُ بالسريانية كَانَ إنْجِيلًا. وَالْأَمْرُ وَالنَّهْيُ وَالْخَبَرُ لَيْسَتْ أَنْوَاعًا لَهُ يَنْقَسِمُ الْكَلَامُ إلَيْهَا وَإِنَّمَا كُلُّهَا صِفَاتٌ لَهُ إضَافِيَّةٌ كَمَا يُوصَفُ الشَّخْصُ الْوَاحِدُ بِأَنَّهُ ابْنٌ لِزَيْدِ وَعَمٌّ لِعَمْرِو وَخَالٌ لِبَكْرِ وَالْقَائِلُونَ بِهَذَا الْقَوْلِ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: إنَّهُ مَعْنًى وَاحِدٌ فِي الْأَزَلِ وَإِنَّهُ فِي الْأَزَلِ أَمْرٌ وَنَهْيٌ وَخَبَرٌ كَمَا يَقُولُهُ الْأَشْعَرِيُّ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: بَلْ يَصِيرُ أَمْرًا وَنَهْيًا عِنْدَ وُجُودِ الْمَأْمُورِ وَالْمَنْهِيِّ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: هُوَ عِدَّةُ مَعَانٍ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ وَالْخَبَرُ وَالِاسْتِخْبَارُ. وَقَدْ أَلْزَمَ النَّاسُ أَصْحَابَ هَذَا الْقَوْلِ أَنْ يَجْعَلُوا الْعِلْمَ وَالْقُدْرَةَ وَالْإِرَادَةَ وَالْحَيَاةَ شَيْئًا وَاحِدًا فَاعْتَرَفَ مُحَقِّقُوهُمْ بِصِحَّةِ الْإِلْزَامِ.
(12/165)

وَجُمْهُورُ الْعُقَلَاءِ - مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَأَهْلِ الْبِدْعَةِ - يَقُولُونَ إنَّ فَسَادَ هَذَا الْقَوْلِ مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ كَمَا يَقُولُونَ: إنَّ فَسَادَ قَوْلِ مَنْ يَقُولُ: إنَّ الْأَصْوَاتَ الْمَسْمُوعَةَ مِنْ الْعِبَادِ قَدِيمَةٌ مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ كَمَا يَقُولُونَ: إنَّ فَسَادَ قَوْلِ مَنْ يَقُولُ إنَّ الْمُتَكَلِّمَ يَكُونُ مُتَكَلِّمًا بِكَلَامِ يَقُومُ بِغَيْرِهِ وَإِنَّ الْعَالِمَ يَكُونُ عَالِمًا بِعِلْمِ يَقُومُ بِغَيْرِهِ وَالْقَادِرَ يَكُونُ قَادِرًا بِقُدْرَةِ تَقُومُ بِغَيْرِهِ مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ. وَكَمَا يَقُولُ جُمْهُورُ الْعُقَلَاءِ: إنَّ فَسَادَ قَوْلِ مَنْ يَقُولُ: إنَّ الْعِلْمَ هُوَ الْقُدْرَةُ وَالْقُدْرَةُ هِيَ الْإِرَادَةُ وَإِنَّ الْعِلْمَ هُوَ الْعَالِمُ وَالْقُدْرَةَ هِيَ الْقَادِرُ مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ.
الْقَوْلُ الرَّابِعُ: قَوْلُ طَوَائِفَ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ وَالْحَدِيثِ مِنْ السالمية وَغَيْرِهِمْ يَقُولُونَ: إنَّ كَلَامَ اللَّهِ حُرُوفٌ وَأَصْوَاتٌ قَدِيمَةٌ أَزَلِيَّةٌ وَلَهَا مَعَ ذَلِكَ مَعَانٍ تَقُومُ بِذَاتِ الْمُتَكَلِّمِ وَهَؤُلَاءِ يُوَافِقُونَ الْأَشْعَرِيَّةَ والْكُلَّابِيَة فِي أَنَّ تَكْلِيمَ اللَّهِ لِعِبَادِهِ لَيْسَ إلَّا مُجَرَّدَ خَلْقِ إدْرَاكٍ لِلْمُتَكَلِّمِ لَيْسَ هُوَ أَمْرًا مُنْفَصِلًا عَنْ الْمُسْتَمِعِ. ثُمَّ إنَّ جُمْهُورَ هَؤُلَاءِ لَا يَقُولُونَ إنَّ تِلْكَ الْأَصْوَاتَ هِيَ الْمَسْمُوعَةُ مِنْ الْقَارِئِينَ بَلْ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ هَذَا وَهَذَا. وَمِنْهُمْ طَائِفَةٌ وَهُمْ أَهْلُ. . . (1)
__________

[تعليق مُعِدّ الكتاب للشاملة]
(1) بياض بالأصل
قال الشيخ ناصر بن حمد الفهد (ص 104) :
وقد ذكر الشيخ هذه المسألة في مواضع من كتبه، ونسب هذا القول في (6 / 309، 310) إلى (طائفة من أهل الحديث والفقه والتصوف، من أصحاب الشافعي وأحمد بن حنبل) ، فلعل هذا النص أو نحوه هو موضع البياض، والله أعلم
(12/166)

يَقُولُونَ: إنَّ الصَّوْتَ الْقَدِيمَ يُسْمَع مِنْ الْقَارِئِ. ثُمَّ قَدْ يَقُولُونَ تَارَةً: إنَّ الْقَدِيمَ نَفْسُ الصَّوْتِ الْمَسْمُوعِ مِنْ الْقَارِئِ وَتَارَةً يَقُولُونَ: إنَّهُ يُسْمَعُ مِنْ الْقَارِئِ صَوْتَانِ قَدِيمًا وَمُحْدَثًا. وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ أَوْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَقُولُونَ بِحُلُولِ الْقَدِيمِ فِي الْمُحْدَثِ؛ بَلْ يَقُولُونَ ظَهَرَ فِيهِ كَمَا يَظْهَرُ الْوَجْهُ فِي الْمِرْآةِ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ بِحُلُولِ الْقَدِيمِ فِي الْمُحْدَثِ وَلَيْسَ هَذَا الْقَوْلُ وَلَا الْأَقْوَالُ قَبْلَهُ قَوْلَ أَحَدٍ مِنْ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَلَا أَئِمَّتِهَا وَلَمْ يَقُلْ ذَلِكَ لَا الْإِمَامُ أَحْمَد وَلَا أَئِمَّةُ أَصْحَابِهِ وَلَا غَيْرُهُ مِنْ الْأَئِمَّةِ؛ بَلْ هُمْ متفقون عَلَى الْإِنْكَارِ عَلَى مَنْ قَالَ إنَّ لَفْظِي بِالْقُرْآنِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ فكيف بِمَنْ قَالَ صَوْتِي غَيْرُ مَخْلُوقٍ؟ فَكَيْفَ بِمَنْ قَالَ صَوْتِي قَدِيمٌ. وَأَمَّا الْقَوْلُ بِأَنَّ الْمِدَادَ الَّذِي فِي الْمُصْحَفِ قَدِيمٌ: فَهَذَا مَا رَأَيْنَاهُ فِي كِتَابِ أَحَدٍ مِنْ طَوَائِفِ الْإِسْلَامِ وَلَا نَقَلَهُ أَحَدٌ عَنْ رَجُلٍ مَعْرُوفٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْهُ؛ وَلَكِنَّ طَائِفَةً يَسْكُتُونَ عَنْ التَّكَلُّمِ فِي الْمِدَادِ بِنَفْيٍ أَوْ إثْبَاتٍ وَيَقُولُونَ: لَا نَقُولُ إنَّهُ قَدِيمٌ؛ وَلَكِنْ نَسْكُتُ سَدًّا لِلذَّرِيعَةِ. وَقَدْ حَكَاهُ طَائِفَةٌ عَمَّنْ سَمَّوْهُمْ الْحَشْوِيَّةَ الْقَوْلُ بِقِدَمِ الْمِدَادِ وَقَالُوا: إنَّهُمْ يَقُولُونَ: إنَّ الْمِدَادَ الَّذِي فِي الْمُصْحَفِ قَدِيمٌ وَإِنَّهُ لَمَّا كَانَ فِي الْمِحْبَرَةِ كَانَ مُحْدَثًا فَلَمَّا صَارَ فِي الْوَرَقِ صَارَ قَدِيمًا.
(12/167)

وَرَأَيْنَا طَوَائِفَ يُكَذِّبُونَ هَؤُلَاءِ فِي النَّقْلِ وَكَأَنَّ حَقِيقَةَ الْأَمْرِ أَنَّ أُولَئِكَ يَقُولُونَ قَوْلَ غَيْرِهِمْ بِمُجَرَّدِ مَا بَلَغَهُمْ مِنْ إطْلَاقِ قَوْلِهِمْ أَوْ لَمَّا ظَنُّوهُ لَازِمًا لَهُمْ أَوْ لَمَّا سَمِعُوهُ مِمَّنْ يُجَازِفُ فِي النَّقْلِ وَلَا يُحَرِّرُهُ وَرُبَّمَا سَمِعُوهُ مِنْ بَعْضِ عَوَامِّهِمْ إنْ كَانَ ذَلِكَ قَدْ وَقَعَ. وَهَذَا الْبَابُ وَقَعَ فِيهِ غَلَطٌ بِهَذَا السَّبَبِ حَتَّى غَلِطَ النَّاسُ عَلَى مَنْ يُعَظِّمُونَهُ؛ وَبِهَذَا السَّبَبِ غَلَّطَ أَبَا طَالِبٍ " الْإِمَامُ أَحْمَد " فِيمَا نَقَلَهُ عَنْهُ فَإِنَّهُ قَرَأَ عَلَيْهِ: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} وَسَأَلَهُ هَذَا مَخْلُوقٌ؟ فَقَالَ لَهُ أَحْمَد هَذَا لَيْسَ بِمَخْلُوقِ. فَبَلَغَهُ أَنَّ أَبَا طَالِبٍ حَكَى عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ لَفْظِي بِالْقُرْآنِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ فَغَضِبَ عَلَيْهِ أَحْمَد وَقَالَ. أَنَا قُلْت لَك لَفْظِي بِالْقُرْآنِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ؟ فَقَالَ: لَا. وَلَكِنْ قَرَأْت عَلَيْك: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} فَقُلْت لَك: هَذَا غَيْرُ مَخْلُوقٍ فَقُلْت نَعَمْ. فَقَالَ: فَلِمَ حَكَيْت عَنِّي أَنِّي قُلْت لَك لَفْظِي بِالْقُرْآنِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ؟ فَقَالَ: لَمْ أَحْكِهِ عَنْك وَإِنَّمَا حَكَيْته عَنْ نَفْسِي قَالَ: فَلَا تَقُلْ هَذَا فَإِنِّي لَمْ أَسْمَعْ عَالِمًا يَقُولُ هَذَا؛ وَلَكِنْ قُلْ: الْقُرْآنُ حَيْثُ تَصَرَّفَ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ. وَلِهَذَا قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي " كِتَابِ خَلْقِ الْأَفْعَالِ " إنَّ " اللَّفْظِيَّةَ " هَؤُلَاءِ يَذْكُرُونَ قَوْلَهُمْ عَنْ أَحْمَد وَهُمْ لَا يَفْهَمُونَ دِقَّةَ قَوْلِهِ وَمَوْضِعُ الشُّبْهَةِ أَنَّهُ إذَا قَالَ هَذَا فَالْإِشَارَةُ تَكُونُ إلَى الْكَلَامِ مِنْ حَيْثُ هُوَ كَلَامٌ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَمَّا بَلَغَ بِهِ مِنْ حَرَكَاتِ الْعَبْدِ وَصَوْتِهِ كَمَا أَنَّ
(12/168)

الرَّجُلَ إذَا كَتَبَ اسْمَ اللَّهِ - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - وَسَمِعَ قَائِلًا يَذْكُرُ اللَّهَ فَقَالَ هَذَا رَبِّي كَانَ صَادِقًا وَلَوْ قِيلَ لَهُ: أَتَعْبُدُ هَذَا؟ لَقَالَ نَعَمْ. - لِأَنَّ الْمُشَارَ إلَيْهِ هُوَ الْمُسَمَّى بِذَلِكَ - أَلَا تَعْلَمُ الْمَكْتُوبَ؟ وَالِاسْمُ يُرَادُ بِهِ مِنْ الْكَلَامِ الْمُؤَلَّفِ الْمُسَمَّى فَإِذَا قَالَ: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ} فَالْمُرَادُ أَنَّ الْمُسَمَّى الَّذِي اسْمُهُ مُحَمَّدٌ هُوَ رَسُولُ اللَّهِ؛ لَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ نَفْسَ اللَّفْظِ وَالْخَطِّ هُوَ رَسُولُ اللَّهِ. وَمِنْ هُنَا تَنَازَعَ النَّاسُ فِي " الِاسْمِ " هَلْ هُوَ الْمُسَمَّى أَوْ غَيْرُهُ وَكَانَ الصَّوَابُ أَنْ يُمْنَعَ مَنْ كِلَا الْإِطْلَاقَيْنِ وَيُقَالَ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} وَكَمَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {إنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ} . وَاَلَّذِينَ أَطْلَقُوا أَنَّهُ الْمُسَمَّى كَانَ أَصْلُ مَقْصُودِهِمْ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ هُوَ الْمُسَمَّى وَأَنَّهُ إذَا ذُكِرَ الِاسْمُ فَالْإِشَارَةُ بِهِ إلَى مُسَمَّاهُ وَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ حَمِدْت اللَّهَ وَدَعَوْت اللَّهَ وَعَبَدْت اللَّهَ فَهُوَ لَا يُرِيدُ إلَّا أَنَّهُ عَبَدَ الْمُسَمَّى بِهَذَا الِاسْمِ. وَاَلَّذِينَ نَفَوْا ذَلِكَ رَأَوْا أَنَّ نَفْسَ اللَّفْظِ أَوْ الْخَطِّ لَيْسَ هُوَ الْأَعْيَانَ الْمُسَمَّاةَ بِذَلِكَ وَآخَرُونَ فَرَّقُوا بَيْنَ التَّسْمِيَةِ وَالِاسْمِ فَجَعَلُوا الْأَلْفَاظَ هِيَ التَّسْمِيَةَ وَجَعَلُوا الِاسْمَ هُوَ الْأَعْيَانَ الْمُسَمَّاةَ بِالْأَلْفَاظِ فَخَرَجُوا عَنْ مُوجَبِ اللُّغَةِ الْمَعْرُوفَةِ الَّتِي جَاءَ بِهَا الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ.
(12/169)

وَأَصْلُ مَقْصُودِ الطَّوَائِفِ كُلِّهَا صَحِيحٌ؛ إلَّا مَنْ تَوَسَّلَ مِنْهُمْ بِقَوْلِهِ إلَى قَوْلٍ بَاطِلٍ: مِثْلِ قَوْلِ الْجَهْمِيَّة إنَّ الِاسْمَ غَيْرُ الْمُسَمَّى؛ فَإِنَّهُمْ تَوَسَّلُوا بِذَلِكَ إلَى أَنْ يَقُولُوا: أَسْمَاءُ اللَّهِ غَيْرُهُ. ثُمَّ قَالُوا: وَمَا كَانَ غَيْرَ اللَّهِ فَهُوَ مَخْلُوقٌ بَائِنٌ عَنْهُ فَلَا يَكُونُ اللَّهُ تَعَالَى سَمَّى نَفْسَهُ بِاسْمِ وَلَا تَكَلَّمَ بِاسْمِ مِنْ أَسْمَائِهِ وَلَا يَكُونُ لَهُ كَلَامٌ تَكَلَّمَ بِهِ؛ بَلْ لَا يَكُونُ كَلَامُهُ إلَّا مَا كَانَ مَخْلُوقًا بَائِنًا عَنْهُ. فَهَؤُلَاءِ لَمَّا عَلِمَ السَّلَفُ أَنَّ مَقْصُودَهُمْ بَاطِلٌ أَنْكَرُوا إطْلَاقَهُمْ الْقَوْلَ بِأَنَّ كَلَامَ اللَّهِ غَيْرُ اللَّهِ وَأَنَّ عِلْمَ اللَّهِ غَيْرُ اللَّهِ وَأَمْثَالَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ لَفْظَ " الْغَيْرِ " مُجْمَلٌ يَحْتَمِلُ الشَّيْءَ الْبَائِنَ عَنْ غَيْرِهِ وَيَحْتَمِلُ الشَّيْءَ الَّذِي لَيْسَ هُوَ إيَّاهُ وَلَا هُوَ بَائِنٌ عَنْهُ. فَمَنْ قَالَ: إنَّهُ غَيْرُهُ لِيَجْعَلَهُ بَائِنًا عَنْهُ كَانَ كِلَا الْمَعْنَيَيْنِ صَحِيحًا وَإِنْ كَانَ فِي الْعِبَارَةِ تَقْصِيرٌ. وَهَكَذَا أَنْكَرَ الْأَئِمَّةُ قَوْلَ مَنْ قَالَ: لَفْظِي بِالْقُرْآنِ مَخْلُوقٌ أَوْ غَيْرُ مَخْلُوقٍ. وَقَالُوا: مَنْ قَالَ هُوَ مَخْلُوقٌ فَهُوَ جهمي وَمَنْ قَالَ غَيْرُ مَخْلُوقٍ فَهُوَ مُبْتَدِعٌ. وَكَذَلِكَ قَالُوا فِي " التِّلَاوَةِ وَالْقِرَاءَةِ " لِأَنَّ اللَّفْظَ وَالتِّلَاوَةَ وَالْقِرَاءَةَ يُرَادُ بِهِمَا الْمَصْدَرُ الَّذِي هُوَ فِعْلُ الْعَبْدِ وَأَفْعَالُ الْعِبَادِ مَخْلُوقَةٌ فَمَنْ جَعَلَ شَيْئًا مِنْ أَفْعَالِهِمْ وَأَصْوَاتِهِمْ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ صِفَاتِهِمْ غَيْرَ مَخْلُوقٍ فَهُوَ مُبْتَدِعٌ وَيُرَادُ بِ " اللَّفْظِ " نَفْسُ الْمَلْفُوظِ كَمَا يُرَادُ بِالتِّلَاوَةِ وَالْقِرَاءَةِ نَفْسُ الْكَلَامِ وَهُوَ الْقُرْآنُ نَفْسُهُ. وَمَنْ قَالَ كَلَامُ
(12/170)

اللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَى نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَرَأَهُ الْمُسْلِمُونَ مَخْلُوقٌ فَهُوَ جهمي. وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّهُ إذَا سَمِعَ النَّاسُ كَلَامَ مُحَدِّثٍ يُحَدِّثُ بِحَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَقَوْلِهِ: {إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى} قَالُوا: هَذَا كَلَامُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ هَذَا كَلَامُهُ بِعَيْنِهِ. لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَكَلَّمَ بِذَلِكَ الْكَلَامِ لَفْظِهِ وَمَعْنَاهُ وَتَكَلَّمَ بِصَوْتِهِ ثُمَّ الْمُبَلِّغُ لَهُ عَنْهُ بَلَّغَهُ بِصَوْتِ نَفْسِهِ فَالْكَلَامُ كَلَامُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ الَّذِي تَكَلَّمَ بِمَعَانِيهِ وَأَلَّفَ حُرُوفَهُ بِصَوْتِهِ وَالْمُبَلِّغُ لَهُ بَلَّغَهُ بِفِعْلِ نَفْسِهِ وَصَوْتِ نَفْسِهِ. فَإِذَا قَالُوا: هَذَا كَلَامُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَتْ إشَارَتُهُمْ إلَى نَفْسِ الْكَلَامِ الَّذِي هُوَ الْكَلَامُ حُرُوفُهُ وَنَظْمُهُ وَمَعَانِيهِ لَا إلَى مَا اخْتَصَّ بِهِ الْمُبَلِّغُ مِنْ حَرَكَاتِهِ وَأَصْوَاتِهِ؛ بَلْ يُضِيفُونَ الصَّوْتَ إلَى الْمُبَلِّغِ فَيَقُولُونَ صَوْتٌ حَسَنٌ وَمَا كَانَ فِي الْكَلَامِ مِنْ فَصَاحَةِ حُرُوفِهِ وَنَظْمِهِ وَبَلَاغَةِ مَعَانِيهِ فَإِنَّمَا يُضَافُ إلَى الْمُتَكَلِّمِ بِهِ ابْتِدَاءً لَا إلَى الْمُبَلِّغِ لَهُ؛ وَلَكِنْ يُضَافُ إلَى الْمُبَلِّغِ حُسْنُ الْأَدَاءِ: كَتَجْوِيدِ الْحُرُوفِ وَتَحْسِينِ الصَّوْتِ. وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ} .
(12/171)

{وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْرِضُ نَفْسَهُ عَلَى النَّاسِ فَيَقُولُ: أَلَا رَجُلٌ يَحْمِلُنِي إلَى قَوْمِهِ لَأُبَلِّغَ كَلَامَ رَبِّي؟} وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {زَيِّنُوا الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ} وَقَالَ: {اللَّهُ أَشَدُّ أَذْنًا إلَى الرَّجُلِ يُحَسِّنُ الصَّوْتَ بِالْقُرْآنِ مِنْ صَاحِبِ الْقَيْنَة إلَى قَيْنَتِهِ} . فَبَيَّنَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَنَّ الْقُرْآنَ الْمَسْمُوعَ كَلَامُ اللَّهِ لَا كَلَامُ أَحَدٍ مِنْ الْمَخْلُوقِينَ وَالنَّاسُ يَقْرَءُونَهُ بِأَصْوَاتِهِمْ فَمَنْ قَالَ: إنَّ هَذَا الْقُرْآنَ الْمَسْمُوعَ لَيْسَ هُوَ كَلَامَ اللَّهِ أَوْ هُوَ كَلَامُ الْقَارِئِينَ كَانَ فَسَادُ قَوْلِهِ مَعْلُومًا بِالضَّرُورَةِ شَرْعًا وَعَقْلًا كَمَا أَنَّ مَنْ قَالَ: إنَّ هَذَا الصَّوْتَ الْمَسْمُوعَ لَيْسَ هُوَ صَوْتَ الْعَبْدِ أَوْ هُوَ صَوْتُ اللَّهِ كَانَ فَسَادُ قَوْلِهِ مَعْلُومًا بِالضَّرُورَةِ شَرْعًا وَعَقْلًا؛ بَلْ هَذَا هُوَ كَلَامُ اللَّهِ لَا كَلَامُ غَيْرِهِ سَمِعَهُ جِبْرِيلُ مِنْ اللَّهِ وَسَمِعَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ جِبْرِيلَ وَسَمِعَهُ الْمُسْلِمُونَ مِنْ نَبِيِّهِمْ. ثُمَّ بَلَّغَهُ بَعْضُهُمْ إلَى بَعْضٍ وَلَيْسَ لِأَحَدِ مِنْ الْوَسَائِطِ فِيهِ إلَّا التَّبْلِيغُ بِأَفْعَالِهِ وَصَوْتِهِ لَمْ يُحْدِثْ مِنْهُمْ أَحَدٌ شَيْئًا مِنْ حُرُوفِهِ وَلَا نَظْمِهِ وَلَا مَعَانِيهِ؛ بَلْ جَمِيعُ ذَلِكَ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى.
الْقَوْلُ الْخَامِسُ: قَوْلُ الهشامية والكَرَّامِيَة وَمَنْ وَافَقَهُمْ أَنَّ كَلَامَ اللَّهِ حَادِثٌ قَائِمٌ بِذَاتِ اللَّهِ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ مُتَكَلِّمًا بِكَلَامِ؛ بَلْ مَا زَالَ عِنْدَهُمْ قَادِرًا عَلَى الْكَلَامِ وَهُوَ عِنْدَهُمْ لَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّمًا بِمَعْنَى أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ قَادِرًا عَلَى الْكَلَامِ وَإِلَّا فَوُجُودُ الْكَلَامِ عِنْدَهُمْ فِي الْأَزَلِ مُمْتَنِعٌ؛ كَوُجُودِ
(12/172)

الْأَفْعَالِ عِنْدَهُمْ وَعِنْدَ مَنْ وَافَقَهُمْ مَنْ أَهْلِ الْكَلَامِ كَالْمُعْتَزِلَةِ وَأَتْبَاعِهِمْ. وَهُمْ يَقُولُونَ: إنَّهُ حُرُوفٌ وَأَصْوَاتٌ حَادِثَةٌ بِذَاتِ الرَّبِّ بِقُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ. وَلَا يَقُولُونَ: إنَّ الْأَصْوَاتَ الْمَسْمُوعَةَ وَالْمِدَادَ الَّذِي فِي الْمُصْحَفِ قَدِيمٌ؛ بَلْ يَقُولُونَ: إنَّ ذَلِكَ مُحْدَثٌ.
الْقَوْلُ السَّادِسُ: قَوْلُ الْجُمْهُورِ وَأَهْلِ الْحَدِيثِ وَأَئِمَّتِهِمْ: إنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّمًا إذَا شَاءَ وَأَنَّهُ يَتَكَلَّمُ بِصَوْتِ كَمَا جَاءَتْ بِهِ الْآثَارُ وَالْقُرْآنُ وَغَيْرُهُ مِنْ الْكُتُبِ الْإِلَهِيَّةِ كَلَامُ اللَّهِ تَكَلَّمَ اللَّهُ بِهِ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ لَيْسَ بِبَائِنِ عَنْهُ مَخْلُوقًا. وَلَا يَقُولُونَ إنَّهُ صَارَ مُتَكَلِّمًا بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ مُتَكَلِّمًا وَلَا أَنَّ كَلَامَ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ حَيْثُ هُوَ هُوَ حَادِثٌ؛ بَلْ مَا زَالَ مُتَكَلِّمًا إذَا شَاءَ وَإِنْ كَانَ كَلَّمَ مُوسَى وَنَادَاهُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ فَكَلَامُهُ لَا يَنْفَدُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا} . وَيَقُولُونَ: مَا جَاءَتْ بِهِ النُّصُوصُ النَّبَوِيَّةُ الصَّحِيحَةُ وَدَلَّتْ عَلَيْهِ الْعُقُولُ الزَّكِيَّةُ الصَّرِيحَةُ فَلَا يَنْفُونَ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى صِفَاتِ الْكَمَالِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. فَيَجْعَلُونَهُ كَالْجَمَادَاتِ الَّتِي لَا تَتَكَلَّمُ وَلَا تَسْمَعُ وَلَا تُبْصِرُ. فَلَا تُكَلِّمُ عَابِدِيهَا وَلَا تَهْدِيهِمْ سَبِيلًا وَلَا تَرْجِعُ إلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا تَمْلِكْ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا.
(12/173)

وَمَنْ جَعَلَ كَلَامَ اللَّهِ لَا يَقُومُ إلَّا بِغَيْرِ اللَّهِ كَانَ الْمُتَّصِفُ بِهِ هُوَ ذَلِكَ الْغَيْرُ فَتَكُونُ الشَّجَرَةُ هِيَ الْقَائِلَةَ لِمُوسَى {إنَّنِي أَنَا اللَّهُ} وَلِهَذَا اشْتَدَّ نَكِيرُ السَّلَفِ عَلَى مَنْ قَالَ ذَلِكَ. وَقَالُوا هَذَا نَظِيرُ قَوْلِ فِرْعَوْنَ: {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} أَيْ هَذَا كَلَامٌ قَائِمٌ بِغَيْرِ اللَّهِ؛ وَلِهَذَا صَرَّحَ بِحَقِيقَةِ ذَلِكَ الِاتِّحَادِيَّةُ: كَابْنِ عَرَبِيٍّ وَنَحْوِهِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: وَكُلُّ كَلَامٍ فِي الْوُجُودِ كَلَامُهُ سَوَاءٌ عَلَيْنَا نَثْرُهُ وَنِظَامُهُ. وَأَهْلُ هَذَا الْقَوْلِ - الْمُوَافِقُونَ لِلسَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ - لَا يَقُولُونَ إنَّ الرَّبَّ كَانَ مَسْلُوبًا صِفَاتِ الْكَمَالِ فِي الْأَزَلِ وَإِنَّهُ كَانَ عَاجِزًا عَنْ الْكَلَامِ حَتَّى حَدَثَ لَهُ قُدْرَةٌ عَلَيْهِ كَالطِّفْلِ. وَاَلَّذِينَ يَقُولُونَ: إنَّ الْقُرْآنَ مَخْلُوقٌ يَجْعَلُونَ الْكَلَامَ لِغَيْرِهِ فَيَسْلُبُونَهُ صِفَاتِ الْكَمَالِ وَيَقُولُونَ: إنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْكَلَامِ فِي الْأَزَلِ لَا عَلَى كَلَامٍ مَخْلُوقٍ وَلَا غَيْرِهِ. وَهُمْ إنْ لَمْ يُصَرِّحُوا بِالْعَجْزِ عَنْ الْكَلَامِ فِي الْأَزَلِ فَهُوَ لَازِمٌ لِقَوْلِهِمْ. والكَرَّامِيَة فَرُّوا مِنْ الْأَوَّلِ؛ وَجَعَلُوهُ مُتَكَلِّمًا بِكَلَامِ يَقُومُ بِهِ؛ لَكِنْ لَمْ يَجْعَلُوهُ مُتَكَلِّمًا فِي الْأَزَلِ؛ بَلْ وَلَا قَادِرًا عَلَى الْكَلَامِ فِي الْحَقِيقَةِ فِي الْأَزَلِ. والْكُلَّابِيَة وَمَنْ وَافَقَهُمْ مِنْ السالمية وَنَحْوِهِمْ وَصَفُوهُ بِالْكَلَامِ فِي الْأَزَلِ وَقَالُوا: إنَّهُ مَوْصُوفٌ بِهِ أَزَلًا وَأَبَدًا لَكِنْ لَمْ يَجْعَلُوهُ قَادِرًا عَلَى الْكَلَامِ وَلَا مُتَكَلِّمًا بِمَشِيئَتِهِ وَاخْتِيَارِهِ وَلَا يَقْدِرُ أَنْ يُحْدِثَ شَيْئًا
(12/174)

يَكُونُ بِهِ مُكَلِّمًا لِغَيْرِهِ؛ لَكِنْ يَخْلُقُ لِغَيْرِهِ إدْرَاكًا بِمَا لَمْ يَزَلْ كَمَا يُزِيلُ الْعَمَى عَنْ الْأَعْمَى الَّذِي لَا يَرَى الشَّمْسَ الَّتِي كَانَتْ ظَاهِرَةً مُتَجَلِّيَةً لَا أَنَّ الشَّمْسَ فِي نَفْسِهَا تَجَلَّتْ وَظَهَرَتْ وَهَذَا يَقُولُ كَثِيرٌ مِنْ هَؤُلَاءِ فِي رُؤْيَتِهِ إنَّهَا لَيْسَتْ إلَّا مُجَرَّدُ خَلْقِ الْإِدْرَاكِ لَيْسَ هُنَاكَ حُجُبٌ مُنْفَصِلَةٌ عَنْ الرَّائِي فَلَا يَكْشِفُ حِجَابًا وَلَا يَرْفَعُ حِجَابًا. وَالْقُرْآنُ مَعَ الْحَدِيثِ وَمَعَ الْعَقْلِ يَرُدُّ عَلَى هَؤُلَاءِ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا} وَلَوْ كَانَ الْحِجَابُ هُوَ عَدَمَ الرُّؤْيَةِ: لَكَانَ الْوَحْيُ وَإِرْسَالُ الرُّسُلِ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ. وَقَالَ تَعَالَى: {فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا} وَفِي الصَّحِيحِ: {إذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ نَادَى مُنَادٍ؛ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ إنَّ لَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ مَوْعِدًا يُرِيدُ أَنْ ينجزكموه فَيَقُولُونَ: مَا هُوَ؟ أَلَمْ يُبَيِّضْ وُجُوهَنَا وَيُثَقِّلْ مَوَازِينَنَا وَيُدْخِلْنَا الْجَنَّةَ وَيُنْجِيَنَا مِنْ النَّارِ؟ قَالَ: فَيَكْشِفُ الْحِجَابَ فَيَنْظُرُونَ إلَيْهِ فَمَا أَعْطَاهُمْ شَيْئًا أَحَبَّ إلَيْهِمْ مِنْ النَّظَرِ} وَالْآثَارُ فِي ذَلِكَ كَثِيرَةٌ. وَ " أَيْضًا " فَقَوْلُ الْكُلَّابِيَة: إنَّ الْحَقَائِقَ الْمُتَنَوِّعَةَ شَيْءٌ وَاحِدٌ وَقَوْلُ الْآخَرِينَ إنَّ الْأَصْوَاتَ الْمُتَضَادَّةَ تَجْتَمِعُ فِي آنٍ وَاحِدٍ مِمَّا يَقُولُ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ الْعُقَلَاءِ إنَّهُ مَعْلُومُ الْفَسَادِ بِالضَّرُورَةِ وَقَدْ بُسِطَ الْكَلَامُ عَلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
(12/175)

وَ " الْمَقْصُودُ هُنَا " الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِ هَذَا الْقَائِلِ: فَقَوْمٌ إلَى أَنَّهُ قَدِيمُ الصَّوْتِ وَالْحَرْفِ وَهُمْ الْحَشْوِيَّةُ. إنْ أَرَادَ بِذَلِكَ قَوْلَ مَنْ يَقُولُ إنَّ نَفْسَ الْأَصْوَاتِ مُجْتَمِعَةٌ فِي الْأَزَلِ: فَهَذَا قَوْلُ مَنْ تَقَدَّمَ مِنْ السالمية وَغَيْرِهِمْ مَنْ أَهْلِ الْكَلَامِ وَالْحَدِيثِ. وَأَمَّا قَوْلُ الْقَائِلِ: " حَشْوِيَّةٌ " فَهَذَا اللَّفْظُ لَيْسَ لَهُ مُسَمًّى مَعْرُوفٌ لَا فِي الشَّرْعِ وَلَا فِي اللُّغَةِ وَلَا فِي الْعُرْفِ الْعَامِّ؛ وَلَكِنْ يُذْكَرُ أَنَّ أَوَّلَ مَنْ تَكَلَّمَ بِهَذَا اللَّفْظِ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ. وَقَالَ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ حَشْوِيًّا. وَأَصْلُ ذَلِكَ: أَنَّ كُلَّ طَائِفَةٍ قَالَتْ قَوْلًا تُخَالِفُ بِهِ الْجُمْهُورَ وَالْعَامَّةَ يُنْسَبُ إلَى أَنَّهُ قَوْلُ الْحَشْوِيَّةِ أَيْ الَّذِينَ هُمْ حَشْوٌ فِي النَّاسِ لَيْسُوا مِنْ الْمُتَأَهِّلِينَ عِنْدَهُمْ؛ فَالْمُعْتَزِلَةُ تُسَمِّي مَنْ أَثْبَتَ الْقَدَرَ حَشْوِيًّا وَالْجَهْمِيَّة يُسَمُّونَ مُثْبِتَةَ الصِّفَاتِ حَشْوِيَّةً وَالْقَرَامِطَةُ - كَأَتْبَاعِ الْحَاكِمِ - يُسَمُّونَ مَنْ أَوْجَبَ الصَّلَاةَ وَالزَّكَاةَ وَالصِّيَامَ وَالْحَجَّ حَشْوِيًّا. وَهَذَا كَمَا أَنَّ الرَّافِضَةَ يُسَمُّونَ قَوْلَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ قَوْلَ الْجُمْهُورِ وَكَذَلِكَ الْفَلَاسِفَةُ تُسَمِّي ذَلِكَ قَوْلَ الْجُمْهُورِ فَقَوْلُ الْجُمْهُورِ وَقَوْلُ الْعَامَّةِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ. فَإِنْ كَانَ قَائِلُ ذَلِكَ يَعْتَقِدُ أَنَّ الْخَاصَّةَ لَا تَقُولُهُ؛ وَإِنَّمَا تَقُولُهُ الْعَامَّةُ وَالْجُمْهُورُ فَأَضَافَهُ إلَيْهِمْ وَسَمَّاهُمْ حَشْوِيَّةً. وَالطَّائِفَةُ تُضَافُ تَارَةً إلَى الرَّجُلِ الَّذِي هُوَ رَأْسُ مَقَالَتِهَا كَمَا يُقَالُ: الْجَهْمِيَّة والإباضية والأزارقة والْكُلَّابِيَة وَالْأَشْعَرِيَّةُ والكَرَّامِيَة
(12/176)

وَيُقَالُ فِي أَئِمَّةِ الْمَذَاهِبِ: مَالِكِيَّةٌ وَحَنَفِيَّةٌ وَشَافِعِيَّةٌ وَحَنْبَلِيَّةٌ. وَتَارَةً تُضَافُ إلَى قَوْلِهَا وَعَمَلِهَا كَمَا يُقَالُ: الرَّوَافِضُ وَالْخَوَارِجُ وَالْقَدَرِيَّةُ وَالْمُعْتَزِلَةُ وَنَحْوُ ذَلِكَ. وَلَفْظَةُ الْحَشْوِيَّةِ لَا يَنْبَنِي لَا عَنْ هَذَا وَلَا عَنْ هَذَا. وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَقَوْمٌ ذَهَبُوا إلَى أَنَّهُ حَادِثٌ بِالصَّوْتِ وَالْحَرْفِ - وَهُمْ الْجَهْمِيَّة - فَهُوَ كَلَامُ مَنْ لَا يَعْرِفُ مَقَالَاتِ النَّاسِ. فَإِنَّ الْجَهْمِيَّة يَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ لَا يَتَكَلَّمُ وَلَيْسَ لَهُ كَلَامٌ وَإِنَّمَا خَلَقَ شَيْئًا فَعُبِّرَ عَنْهُ وَمِنْهُمْ قَالَ: إنَّهُ يَتَكَلَّمُ بِكَلَامِ يَخْلُقُهُ فِي غَيْرِهِ وَهُوَ قَوْلُ الْمُعْتَزِلَةِ. وَأَمَّا الكَرَّامِيَة فَتَقُولُ: إنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ وَهُوَ مُتَكَلِّمٌ بِهِ بِحَرْفِ وَصَوْتٍ. وَيَقُولُونَ مَعَ ذَلِكَ: إنَّهُ حَادِثٌ قَائِمٌ بِهِ وَهُمْ لَيْسُوا مِنْ الْجَهْمِيَّة؛ بَلْ يَرُدُّونَ عَلَيْهِمْ أَعْظَمَ الرَّدِّ وَهُمْ أَعْظَمُ مُبَايَنَةً لَهُمْ مِنْ الْأَشْعَرِيَّةِ. وَيَقُولُونَ مَعَ ذَلِكَ: إنَّ الْقُرْآنَ حَادِثٌ فِي ذَاتِ اللَّهِ. ثُمَّ مِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يَقُولُ: إنَّ كَلَامَ اللَّهِ كُلَّهُ حَادِثٌ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَقُولُ ذَلِكَ وَهَذَا الْقَوْلُ مَعْرُوفٌ عَنْ أَبِي مُعَاذٍ التومني وَزُهَيْرٍ الْبَابِيِّ ودَاوُد بْنِ عَلِيٍّ الأصبهاني بَلْ وَالْبُخَارِيُّ صَاحِبُ الصَّحِيحِ وَغَيْرُهُ وَطَوَائِفُ كَثِيرَةٌ يُذْكَرُ عَنْهُمْ هَذَا فَلَيْسَ كُلُّ مَنْ قَالَ: إنَّهُ حَادِثٌ كَانَ مِنْ الْجَهْمِيَّة وَلَا يَقُولُ إنَّهُ مَخْلُوقٌ.
(12/177)

وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَقَوْمٌ نَحَوْا إلَى أَنَّهُ قَدِيمٌ لَا بِصَوْتِ وَلَا حَرْفٍ إلَّا مَعْنًى قَائِمٌ بِذَاتِ اللَّهِ - وَهُمْ الْأَشْعَرِيَّةُ - فَهَذَا صَحِيحٌ؛ وَلَكِنْ هَذَا الْقَوْلُ أَوَّلُ مَنْ قَالَهُ فِي الْإِسْلَامِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كُلَّابٍ؛ فَإِنَّ السَّلَفَ وَالْأَئِمَّةَ كَانُوا يُثْبِتُونَ لِلَّهِ تَعَالَى مَا يَقُومُ بِهِ مِنْ الصِّفَاتِ وَالْأَفْعَالِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ. وَالْجَهْمِيَّة تُنْكِرُ هَذَا وَهَذَا فَوَافَقَ ابْنُ كُلَّابٍ السَّلَفَ عَلَى الْقَوْلِ بِقِيَامِ الصِّفَاتِ الْقَدِيمَةِ وَأَنْكَرَ أَنْ يَقُومَ بِهِ شَيْءٌ يَتَعَلَّقُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ. وَجَاءَ أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ بَعْدَهُ - وَكَانَ تِلْمِيذًا لِأَبِي عَلِيٍّ الْجُبَّائِي الْمُعْتَزِلِيِّ ثُمَّ إنَّهُ رَجَعَ عَنْ مَقَالَةِ الْمُعْتَزِلَةِ وَبَيَّنَ تَنَاقُضَهُمْ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ وَبَالَغَ فِي مُخَالَفَتِهِمْ فِي مَسَائِلِ الْقَدَرِ وَالْإِيمَانِ وَالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ حَتَّى نَسَبُوهُ بِذَلِكَ إلَى قَوْلِ الْمُرْجِئَةِ وَالْجَبْرِيَّةِ وَالْوَاقِفَةِ - وَسَلَكَ فِي الصِّفَاتِ طَرِيقَةَ ابْنِ كُلَّابٍ. وَهَذَا الْقَوْلُ فِي الْقُرْآنِ هُوَ قَوْلُ ابْنِ كُلَّابٍ فِي الْأَصْلِ وَهُوَ قَوْلُ مَنْ اتَّبَعَهُ كَالْأَشْعَرِيِّ وَغَيْرِهِ. وَقَوْلُهُ: فَمَنْ قَالَ إنَّ الْحَرْفَ وَالصَّوْتَ الْمَلْفُوظَ بِهِمَا عَيْنُ الْكَلَامِ الْقَدِيمِ فَلِأَهْلِ الْحَقِّ فِيهِ رَأْيَانِ: رَأْيٌ بِتَكْفِيرِهِ وَرَأْيٌ بِتَبْدِيعِهِ إلَى قَوْلِهِ: وَلْيُعْلَمْ أَنَّ الْحَرْفَ اللِّسَانِيَّ وَالْحَرْفَ الْبَنَانِيَّ كِلَاهُمَا مُقَيَّدٌ بِزِمَامِ تَصَرُّفِهِ.
(12/178)

فَيُقَالُ: أَمَّا الْقَوْلُ بِأَنَّ الْمِدَادَ الْمَكْتُوبَ قَدِيمٌ فَمَا عَلِمْنَا قَائِلًا مَعْرُوفًا قَالَ بِهِ وَمَا رَأَيْنَا ذَلِكَ فِي كِتَابِ أَحَدٍ مِنْ الْمُصَنِّفِينَ لَا مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ وَلَا مَالِكٍ وَلَا الشَّافِعِيِّ وَلَا أَحْمَد؛ بَلْ رَأَيْنَا فِي كُتُبِ طَائِفَةٍ مِنْ الْمُصَنِّفِينَ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد إنْكَارَ الْقَوْلِ بِأَنَّ الْمِدَادَ قَدِيمٌ وَتَكْذِيبَ مَنْ نَقَلَ ذَلِكَ وَفِي كَلَامِ بَعْضِهِمْ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ فِي الْمُصْحَفِ حَرْفًا قَدِيمًا لَيْسَ هُوَ الْمِدَادَ. ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: هُوَ ظَاهِرٌ فِيهِ لَيْسَ بِحَالِّ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ هُوَ حَالٌّ. وَفِي كَلَامِ بَعْضِهِمْ مَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ هُوَ الشَّكْلَ: شَكْلَ الْحَرْفِ وَصُورَتَهُ؛ لَا مَادَّتَهُ الَّتِي هِيَ مِدَادُهُ وَهَذَا الْقَوْلُ أَيْضًا بَاطِلٌ كَمَا أَنَّ الْقَوْلَ بِأَنَّ شَيْئًا مِنْ أَصْوَاتِ الْآدَمِيِّينَ قَدِيمٌ هُوَ قَوْلٌ بَاطِلٌ وَهُوَ قَوْلٌ قَالَهُ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد وَجُمْهُورُ هَؤُلَاءِ يُنْكِرُونَ هَذَا الْقَوْلَ. وَكَلَامُ الْإِمَامِ أَحْمَد وَجُمْهُورِ أَصْحَابِهِ فِي إنْكَارِ هَذَا الْقَوْلِ كَثِيرٌ مَشْهُورٌ. وَلَا رَيْبَ أَنَّ مَنْ قَالَ إنَّ أَصْوَاتَ الْعِبَادِ قَدِيمَةٌ فَهُوَ مُفْتَرٍ مُبْتَدِعٌ لَهُ حُكْمُ أَمْثَالِهِ كَمَا أَنَّ مَنْ قَالَ: إنَّ هَذَا الْقُرْآنَ لَيْسَ هُوَ كَلَامَ اللَّهِ فَهُوَ مُفْتَرٍ مُبْتَدِعٌ لَهُ حُكْمُ أَمْثَالِهِ. وَمَنْ قَالَ: إنَّ الْقُرْآنَ الْعَرَبِيَّ لَيْسَ هُوَ كَلَامَ اللَّهِ بَلْ بَعْضُهُ كَلَامُ
(12/179)

اللَّهِ وَبَعْضُهُ لَيْسَ كَلَامَ اللَّهِ فَهُوَ مُفْتَرٍ مُبْتَدِعٌ لَهُ حُكْمُ أَمْثَالِهِ. وَمَنْ قَالَ: إنَّ مَعْنَى آيَةِ الْكُرْسِيِّ وَآيَةِ الدَّيْنِ و {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} وَ {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ} مَعْنًى وَاحِدٌ فَهُوَ مُفْتَرٍ مُبْتَدِعٌ لَهُ حُكْمُ أَمْثَالِهِ. وَأَمَّا " التَّكْفِيرُ ": فَالصَّوَابُ أَنَّهُ مَنْ اجْتَهَدَ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَصَدَ الْحَقَّ فَأَخْطَأَ: لَمْ يُكَفَّرْ؛ بَلْ يُغْفَرُ لَهُ خَطَؤُهُ. وَمَنْ تَبَيَّنَ لَهُ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ فَشَاقَّ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَاتَّبَعَ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ: فَهُوَ كَافِرٌ. وَمَنْ اتَّبَعَ هَوَاهُ وَقَصَّرَ فِي طَلَبِ الْحَقِّ وَتَكَلَّمَ بِلَا عَلَمٍ: فَهُوَ عَاصٍ مُذْنِبٌ. ثُمَّ قَدْ يَكُونُ فَاسِقًا وَقَدْ تَكُونُ لَهُ حَسَنَاتٌ تَرْجَحُ عَلَى سَيِّئَاتِهِ. فَ " التَّكْفِيرُ " يَخْتَلِفُ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ حَالِ الشَّخْصِ فَلَيْسَ كُلُّ مُخْطِئٍ وَلَا مُبْتَدَعٍ وَلَا جَاهِلٍ وَلَا ضَالٍّ يَكُونُ كَافِرًا؛ بَلْ وَلَا فَاسِقًا بَلْ وَلَا عَاصِيًا لَا سِيَّمَا فِي مِثْلِ " مَسْأَلَةِ الْقُرْآنِ " وَقَدْ غَلِطَ فِيهَا خَلْقٌ مِنْ أَئِمَّةِ الطَّوَائِفِ الْمَعْرُوفِينَ عِنْدَ النَّاسِ بِالْعِلْمِ وَالدِّينِ. وَغَالِبُهُمْ يَقْصِدُ وَجْهًا مِنْ الْحَقِّ فَيَتَّبِعُهُ وَيَعْزُبُ عَنْهُ وَجْهٌ آخَرُ لَا يُحَقِّقُهُ فَيَبْقَى عَارِفًا بِبَعْضِ الْحَقِّ جَاهِلًا بِبَعْضِهِ؛ بَلْ مُنْكِرًا لَهُ. وَمِنْ هَهُنَا نَشَأَ نِزَاعُهُمْ فَاَلَّذِينَ قَالُوا إنَّهُ مَخْلُوقٌ: رَأَوْا أَنَّ
(12/180)

الْكَلَامَ لَا يَكُونُ إلَّا بِقُدْرَةِ الْمُتَكَلِّمِ. وَمَشِيئَتِهِ وَإِنْ كَلَامًا لَازِمًا لِذَاتِ الْمُتَكَلِّمِ لَا يُعْقَلُ؛ فَإِنَّهُ إنْ جُعِلَ مَعْنًى وَاحِدًا كَانَ مُكَابَرَةً لِلْعَقْلِ وَكَذَلِكَ إنْ جَعَلَ أَصْوَاتًا أَزَلِيَّةً ثُمَّ ظَنُّوا أَنَّ مَا كَانَ بِقُدْرَةِ الرَّبِّ وَمَشِيئَتِهِ لَا يَكُونُ إلَّا مُنْفَصِلًا عَنْهُ وَمَا انْفَصَلَ عَنْهُ فَهُوَ مَخْلُوقٌ. وَلِهَذَا أَنْكَرُوا أَنْ يَجِيءَ أَوْ يَأْتِيَ أَوْ يَنْزِلَ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا جَاءَ بِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ. وَآخَرُونَ وَافَقُوهُمْ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ الَّذِي أَحْدَثَهُ أُولَئِكَ وَهُوَ أَنَّهُ لَا يَقُومُ بِهِ مَا يَتَعَلَّقُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ؛ لَكِنْ رَأَوْا أَنَّ كَلَامًا لَا يَقُومُ بِالْمُتَكَلِّمِ لَا يَكُونُ كَلَامًا لَهُ. فَقَالُوا: إنَّ كَلَامَهُ قَائِمٌ بِهِ. ثُمَّ رَأَى " فَرِيقٌ " أَنَّ قِدَمَ الْأَصْوَاتِ مُمْتَنِعٌ فَجَعَلُوا الْقَدِيمَ هُوَ الْمَعْنَى ثُمَّ رَأَوْا أَنَّ تَعَدُّدَ الْمَعَانِي الْقَدِيمَةِ مُمْتَنِعٌ وَأَنَّهُ يُفْضِي إلَى وُجُودِ مَعَانِي لَا نِهَايَةَ لَهَا فَقَالُوا هُوَ مَعْنًى وَاحِدٌ. وَرَأَى " فَرِيقٌ آخَرُ " أَنَّ كَوْنَ الْمَعَانِي الْمُتَنَوِّعَةِ مَعْنًى وَاحِدًا مُمْتَنِعٌ وَكَوْنَ الرَّبِّ لَمْ يَتَكَلَّمْ بِحُرُوفِ الْقُرْآنِ بَلْ خَلَقَهَا فِي غَيْرِهِ مُوَافَقَةً لِمَنْ جَعَلَ الْكَلَامَ لَا يَقُومُ بِالْمُتَكَلِّمِ؛ فَإِنَّ تِلْكَ الْحُرُوفَ الْمَنْظُومَةَ - كَالْقُرْآنِ الْعَرَبِيِّ - إنْ قَالُوا هُوَ كَلَامُ اللَّهِ لَزِمَ أَنْ لَا يَكُونَ كَلَامُهُ قَائِمًا بِهِ بَلْ بِغَيْرِهِ؛ وَإِنْ قَالُوا لَيْسَ كَلَامًا لِلَّهِ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ كَلَامًا لِمَنْ خُلِقَتْ فِيهِ فَلَا يَكُونُ الْكَلَامُ الْعَرَبِيُّ كَلَامًا لِلَّهِ؛ بَلْ كَلَامًا لِمَنْ خُلِقَ فِيهِ. وَهَذَا
(12/181)

هُوَ الَّذِي أَنْكَرُوهُ عَلَى مَنْ قَالَ الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ. وَاَلَّذِي قَالَ إنَّهُ مَخْلُوقٌ لَمْ يَقُلْ إلَّا هَذَا؛ فَلَزِمَهُمْ أَنْ يُوَافِقُوا فِي الْحَقِيقَةِ قَوْلَ مَنْ يَقُولُ: الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ وَإِنْ ضَمُّوا إلَى ذَلِكَ قَوْلًا لَا حَقِيقَةَ لَهُ يُخَالِفُ الْعَقْلَ وَالنَّقْلَ: وَهُوَ إثْبَاتُ مَعْنًى وَاحِدٍ يَكُونُ هُوَ جَمِيعَ مَعَانِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ؛ لَكِنَّهُمْ إنَّمَا قَالُوا ذَلِكَ فِرَارًا مِنْ أَقْوَالٍ ظَنُّوهَا بَاطِلَةً فَلَمْ يَقْصِدُوا إلَّا الْفِرَارَ عَمَّا رَأَوْهُ بَاطِلًا فَوَقَعُوا فِي أَقْوَالٍ لَهَا لَوَازِمُ تَقْتَضِي بُطْلَانَهَا أَيْضًا. فَلَمَّا رَأَى هَذَا " الْفَرِيقُ الثَّانِي " مَا أَجَابَ بِهِ هَؤُلَاءِ قَالُوا: إنَّهُ حُرُوفٌ وَأَصْوَاتٌ قَدِيمَةٌ أَزَلِيَّةٌ. فَرَدَّ عَلَيْهِمْ غَيْرُهُمْ. وَقَالُوا: إنَّ الْأَصْوَاتَ مُتَضَادَّةٌ فِي نَفْسِهَا وَالضِّدَّانِ لَا يَجْتَمِعَانِ وَأَقَلُّ مَا فِي الْأُمُورِ الْقَدِيمَةِ أَنْ تَكُونَ مُجْتَمِعَةً وَقَالُوا لَهُمْ: الْأَصْوَاتُ مُسْتَلْزِمَةٌ لِلْحَرَكَاتِ الْمُسْتَلْزَمَةِ لِلْقُدْرَةِ وَالْإِرَادَةِ فَلَا تَكُونُ الْأَصْوَاتُ إلَّا بِقُدْرَةِ وَإِرَادَةٍ وَمَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ قَدِيمَ الْعَيْنِ؛ لَكِنَّ النِّزَاعَ فِي كَوْنِهِ قَدِيمَ النَّوْعِ. وَقَالُوا: الْأَصْوَاتُ هِيَ فِي نَفْسِهَا يَمْتَنِعُ بَقَاؤُهَا وَمَا امْتَنَعَ بَقَاؤُهُ امْتَنَعَ قِدَمُهُ فَامْتَنَعَ قِدَمُ الْأَصْوَاتِ. وَقَالَ " آخَرُونَ ": إذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ كَانَ مُتَكَلِّمًا بِحُرُوفِ وَأَصْوَاتٍ حَادِثَةٍ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ قَائِمَةٍ بِذَاتِهِ لَكِنْ يَمْتَنِعُ قِدَمُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْحَوَادِثَ لَا تَكُونُ أَزَلِيَّةً وَرَأَوْا أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ يُنْجِيهِمْ مِنْ
(12/182)

سَائِر مَا وَقَعَ فِيهِ غَيْرُهُمْ وَلَيْسَ فِيهِ مَا يُنْكِرُ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ إلَّا أَنْ يَقُومَ بِذَاتِ الرَّبِّ مَا يَتَعَلَّقُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ. فَإِنَّ الْمُعْتَزِلَةَ نَفَتْ أَنْ يَقُومَ بِهِ شَيْءٌ مِنْ الْمَعَانِي وَعَبَّرُوا عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّهُ لَا يَقُومُ بِهِ شَيْءٌ مِنْ الْأَعْرَاضِ وَالْحَوَادِثِ فَسَمَّوْا مَا يَقُومُ بِهِ مِنْ الْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَالْحَيَاةِ أَعْرَاضًا. وَمَا يَقُومُ بِهِ مِنْ الْخَلْقِ وَالْإِحْسَانِ وَالْإِتْيَانِ وَالْمَجِيءِ وَالنُّزُولِ حَوَادِثَ. وَقَالُوا - لِسَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا وَجُمْهُورِهَا: - إنْ قُلْتُمْ الْكَلَامُ الْمُعَيَّنُ لَازِمٌ لَهُ فَقَدْ قُلْتُمْ إنَّهُ تَقُومُ بِهِ الْأَعْرَاضُ وَإِنْ قُلْتُمْ يَتَكَلَّمُ بِاخْتِيَارِهِ وَقُدْرَتِهِ فَقَدْ قُلْتُمْ تَقُومُ بِهِ الْحَوَادِثُ. فَقَالَ هَؤُلَاءِ: كَلَامُ الْمُعْتَزِلَةِ وَقَوْلُهُمْ لَا تَقُومُ بِهِ هَذِهِ الْأُمُورُ: كَلَامٌ بَاطِلٌ مُخَالِفٌ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَلِإِجْمَاعِ سَلَفِ الْأُمَّةِ. وَهُوَ أَيْضًا مُخَالِفٌ لِصَرِيحِ الْعَقْلِ؛ فَإِنَّ إثْبَاتَ عَالِمٍ بِلَا عِلْمٍ وَقَادِرٍ بِلَا قُدْرَةٍ وَحَيٍّ بِلَا حَيَاةٍ مُمْتَنِعٌ فِي صَرِيحِ الْعَقْلِ. وَكَذَلِكَ إثْبَاتُ خَالِقٍ وَعَادِلٍ بِلَا خَلْقٍ وَلَا عَدْلٍ وَإِثْبَاتُ فَاعِلٍ لَا يَقُومُ بِهِ فِعْلٌ وَإِثْبَاتُ رَبٍّ لَا يَقْدِرُ عَلَى التَّصَرُّفِ بِنَفْسِهِ؛ بَلْ يَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْجَمَادِ سَلْبٌ لِصِفَاتِ الْكَمَالِ عَنْهُ كَمَا أَنَّ إثْبَاتَ رَبٍّ لَا يَعْلَمُ وَلَا يَقْدِرُ سَلْبٌ لِصِفَاتِ الْكَمَالِ عَنْهُ.
(12/183)

قَالَ هَؤُلَاءِ: فَإِذَا قُلْنَا إنَّهُ تَكَلَّمَ بِالْكَلَامِ حُرُوفِهِ وَمَعَانِيهِ. بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ سَلِمْنَا مِنْ هَذِهِ الْمَحَاذِيرِ وَلَمْ يَكُنْ مِنَّا مَحْذُورٌ شَرْعِيٌّ وَلَا عَقْلِيٌّ. فَقَالَ لَهُمْ " الْفَرِيقُ السَّابِعُ ": وَلَكِنْ جَعَلْتُمُوهُ عَاجِزًا عَنْ الْكَلَامِ فِي الْأَزَلِ مَسْلُوبًا لِلْكَمَالِ وَلَزِمَكُمْ أَنْ يُقَالَ: إذَا كَانَ مِنْ الْأَزَلِ إلَى الْأَبَدِ لَمْ يَتَكَلَّمْ ثُمَّ تَكَلَّمَ كَانَ ذَلِكَ أَمْرًا حَادِثًا فَيَحْتَاجُ إلَى سَبَبٍ حَادِثٍ وَالْقَوْلُ فِي ذَلِكَ الْحَادِثِ كَالْقَوْلِ فِي الْأَوَّلِ؛ فَيَلْزَمُ تَسَلْسُلُ الْحَوَادِثِ. فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مُمْتَنِعًا بَطَلَ قَوْلُكُمْ وَإِنْ كَانَ جَائِزًا فَقُولُوا لَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّمًا إذَا شَاءَ كَمَا قَالَهُ أَئِمَّةُ السُّنَّةِ وَجَمَاهِيرُ أَهْلِ الْحَدِيثِ فَإِنَّكُمْ حِينَئِذٍ تَكُونُونَ قَدْ وَصَفْتُمْ رَبَّكُمْ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ أَزَلًا وَأَبَدًا. قَالُوا: وَهَذَا الْقَوْلُ خَيْرٌ مِنْ سَائِر الْأَقْوَالِ مَعَ مُوَافَقَتِهِ الْمَعْقُولَ وَصَحِيحَ الْمَنْقُولِ. فَقَالَ لَهُمْ أُولَئِكَ: هَذَا يَسْتَلْزِمُ حَوَادِثَ لَا أَوَّلَ لَهَا. وَذَلِكَ مُمْتَنِعٌ فَقَالَ لَهُمْ هَؤُلَاءِ: هَذَا كَلَامٌ مُبْتَدَعٌ وَإِنَّمَا أَخَذْتُمُوهُ عَنْ الْمُعْتَزِلَةِ لَمْ يَأْتِ بِهِ كِتَابٌ وَلَا سُنَّةٌ وَلَا قَالَهُ أَحَدٌ مِنْ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا وَلَا دَلَّ عَلَيْهِ الْعَقْلُ: بَلْ الْعَقْلُ يَدُلُّ عَلَى نَقِيضِهِ. وَاَلَّذِينَ قَالُوا هَذَا الْقَوْلُ مِنْ الْمُعْتَزِلَة وَمَنْ تَبِعَهُمْ مِنْ الكَرَّامِيَة وَالْأَشْعَرِيَّةِ: ظَنُّوا أَنَّهُمْ بِهَذَا الْقَوْلِ يُثْبِتُونَ حُدُوثَ الْعَالَمِ. بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْأَجْسَامَ لَا تَخْلُو مِنْ الْأَعْرَاضِ الْمُحْدَثَةِ وَمَا لَا يَخْلُو مِنْ الْحَوَادِثِ فَهُوَ
(12/184)

مُحْدَثٌ وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الَّذِي سَلَّطَ عَلَيْهِمْ " الْفَلَاسِفَةَ الدَّهْرِيَّةَ " الْقَائِلِينَ بِقِدَمِ الْعَالَمِ؛ فَإِنَّ هَذَا الْقَوْلَ الَّذِي قَالُوهُ وَجَعَلُوهُ مُسْتَلْزِمًا لِحُدُوثِ الْعَالَمِ هُوَ مُنَاقِضٌ لِحُدُوثِ الْعَالَمِ بَلْ هُوَ مُنَاقِضٌ لِإِثْبَاتِ الصَّانِعِ. فَهُمْ قَصَدُوا نَصْرَ الْإِسْلَامِ بِمَا يُنَافِي دِينَ الْإِسْلَامِ. وَلِهَذَا كَثُرَ ذَمُّ السَّلَفِ لِمَثَلِ هَذَا الْكَلَامِ وَهَذَا هُوَ أَصْلُ " الْكَلَامِ الْمَذْمُومِ " عِنْدَ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الشَّيْءَ إذَا كَانَ يُمْكِنُ وُجُودُهُ وَيُمْكِنُ عَدَمُهُ فَلَا يُوجَدُ إلَّا بِمُقْتَضٍ يَسْتَلْزِمُ وُجُودَهُ وَإِنْ جَازَ وُجُودُهُ بِدُونِ ذَلِكَ أَمْكَنَ أَنْ تَكُونَ الْمَخْلُوقَاتُ - الَّتِي يُمْكِنُ وُجُودُهَا وَعَدَمُهَا - وُجِدَتْ بِلَا فَاعِلٍ فَلَا بُدَّ لِلْمُمْكِنَاتِ مِنْ وُجُودِ وَاجِبٍ يَحْصُلُ بِهِ وُجُودُهَا وَلَا تَكُونُ مَعَ وُجُودِ الْمُقْتَضِي التَّامِّ مُحْتَمِلَةً لِلْوُجُودِ وَالْعَدَمِ؛ بَلْ يَكُونُ وُجُودُهَا لَازِمًا حَتْمًا. فَإِنَّ مَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ وَإِذَا شَاءَ الرَّبُّ شَيْئًا لَمْ يُمْكِنْ أَنْ لَا يَكُونَ؛ بَلْ يَجِبُ كَوْنُهُ بِمَشِيئَةِ الرَّبِّ تَعَالَى الْمُسْتَلْزَمَةِ لِقُدْرَتِهِ. قَالُوا: وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ: فَالْحَادِثُ الَّذِي يُمْكِنُ وُجُودُهُ وَيُمْكِنُ عَدَمُهُ إذَا حَدَثَ بِدُونِ سَبَبٍ حَادِثٍ مَعَ اسْتِوَاءِ نِسْبَتِهِ إلَى جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ وَاسْتِوَاءِ نِسْبَةِ جَمِيعِ الْحَوَادِثِ وَالْأَوْقَاتِ إلَى مَشِيئَةِ الرَّبِّ وَقُدْرَتِهِ لَزِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ قَدْ تُخَصَّصُ بَعْضُ الْحَوَادِثِ بِالْحُدُوثِ وَبَعْضُ
(12/185)

الْأَزْمِنَةِ بِالْحُدُوثِ مِنْ غَيْرِ مُخَصِّصٍ يَقْتَضِي ذَلِكَ وَمِنْ غَيْرِ سَبَبٍ حَادِثٍ يَقْتَضِي الْحُدُوثَ. وَهَذَا مَعَ أَنَّهُ فَاسِدٌ فِي صَرِيحِ الْعُقُولِ: فَهُوَ يُبْطِلُ مَا اسْتَدَلُّوا بِهِ عَلَى إثْبَاتِ الصَّانِعِ فَلَا بُدَّ حِينَئِذٍ أَنْ يَكُونَ لِحُدُوثِ الْحَوَادِثِ سَبَبٌ حَادِثٌ؛ وَحِينَئِذٍ فَمَا مِنْ حَادِثٍ إلَّا وَهُوَ مَسْبُوقٌ بِحَادِثِ. وَحِينَئِذٍ: فَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ اللَّهَ إذَا كَانَ مُتَكَلِّمًا بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ أَمْكَنَ أَنَّهُ لَا يَزَالُ مُتَكَلِّمًا بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَصِيرَ مُتَكَلِّمًا بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ مُتَكَلِّمًا بِحَالِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي حُدُوثَ الْحَادِثِ بِلَا سَبَبٍ حَادِثٍ وَهُوَ مُمْتَنِعٌ وَيَقْتَضِي أَنَّهُ تَجَدَّدَ لَهُ مِنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ مَا أَمْكَنَ ثُبُوتُهُ فِي الْأَزَلِ؛ وَذَلِكَ مُمْتَنِعٌ. وَذَلِكَ لِأَنَّ صِفَاتِ الْكَمَالِ الَّتِي يُمْكِنُ اتِّصَافُ الرَّبِّ بِهَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَوَقَّفَ ثُبُوتُهَا لَهُ عَلَى غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْغَيْرُ هُوَ الْمُعْطِيَ لَهُ صِفَاتِ الْكَمَالِ وَمُعْطِيَ غَيْرِهِ صِفَاتِ الْكَمَالِ أَوْلَى بِأَنْ يَكُونَ هُوَ الرَّبَّ تَعَالَى وَرَبُّ الْعَالَمِينَ الْخَالِقُ مَا سِوَاهُ الَّذِي يُعْطِيهِ صِفَاتِ الْكَمَالِ لَا يَكُونُ غَيْرَهُ رَبًّا لَهُ بِوَجْهِ مِنْ الْوُجُوهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَنْ ذَلِكَ. وَحِينَئِذٍ فَيَجِبُ اتِّصَافُهُ بِالْكَلَامِ إذَا شَاءَ أَزَلًا وَأَبَدًا. قَالَ هَؤُلَاءِ: وَهَذَا الْأَصْلُ يُبْطِلُ حُجَّةَ الْفَلَاسِفَةِ الدَّهْرِيَّةَ الَّتِي
(12/186)

احْتَجُّوا بِهَا عَلَى قِدَمِ الْعَالَمِ وَعَجَزْتُمْ أَنْتُمْ مُعَاشِرَ الْمُعْتَزِلَةِ وَأَتْبَاعُكُمْ - مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ الْقَائِلِينَ بِامْتِنَاعِ دَوَامِ الْحَوَادِثِ - عَنْهَا فَإِنَّهُمْ أَلْزَمُوكُمْ عَلَى أُصُولِكُمْ؛ إذْ قَدَّرْتُمْ ثُبُوتَ مَوْجُودٍ لَا يَتَكَلَّمُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ وَلَا يَفْعَلُ شَيْئًا بَلْ يَمْتَنِعُ مِنْهُ فِي الْأَزَلِ كُلُّ شَيْءٍ يَكُونُ مِنْهُ: مِنْ كَلَامٍ أَوْ فِعْلٍ. فَقَالُوا: إذَا قَدَّرْنَا وُجُودَ هَذَا وَأَنَّهُ يَبْقَى دَائِمًا أَبَدًا لَا يَتَكَلَّمُ وَلَا يَفْعَلُ شَيْئًا ثُمَّ تَكَلَّمَ وَفَعَلَ؛ فَلَا بُدَّ مِنْ سَبَبٍ أَوْجَبَ حُدُوثَ هَذَا الْكَلَامِ وَالْفِعْلِ إمَّا حُدُوثُ قُدْرَةٍ أَوْ إرَادَةٍ أَوْ عِلْمٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَسْبَابِ. فَأَمَّا إذَا قُدِّرَ حَالُهُ فِيمَا لَا يَزَالُ كَحَالِهِ فِيمَا لَمْ يَزَلْ: امْتَنَعَ أَنْ يَتَجَدَّدَ لَهُ كَلَامٌ أَوْ فِعْلٌ أَوْ غَيْرُ فِعْلٍ. فَهَذِهِ حُجَّةُ الْفَلَاسِفَةِ عَلَيْكُمْ؛ وَأَنْتُمْ لَمْ تُجِيبُوهُمْ إلَّا بِالْمُكَابَرَةِ أَوْ بِالْإِلْزَامِ " فَالْمُكَابَرَةُ " دَعْوَاكُمْ حُدُوثَ الْحَوَادِثِ بِلَا حُدُوثِ سَبَبٍ؛ بَلْ جَعَلْتُمْ نَفْسَ الْقُدْرَةِ أَوْ الْإِرَادَةِ الْقَدِيمَةِ: تُخَصِّصُ أَحَدَ الْمُتَمَاثِلَيْنِ عَنْ الْمِثْلِ الْآخَرِ بِلَا سَبَبٍ أَصْلًا مَعَ أَنَّ نِسْبَتَهَا إلَى جَمِيعِ الْمُتَمَاثِلَاتِ نِسْبَةٌ وَاحِدَةٌ. وَهَذَا مَعَ أَنَّهُ مَعْلُومُ الْبُطْلَانِ بِالضَّرُورَةِ: فَهُوَ يَسُدُّ عَلَيْكُمْ طَرِيقَ " إثْبَاتِ الصَّانِعِ " فَإِنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْحَوَادِثَ لَا بُدَّ لَهَا مِنْ مُحْدِثٍ وَالْمُخَصَّصُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُخَصِّصٍ وَالتَّرْجِيحُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُرَجِّحٍ؛ إذَا كَانَ الْمُخَصِّصُ أَوْ الْمُرَجِّحُ مِنْ الْمُمَكَّنَاتِ أَوْ الْمُحْدَثَاتِ. وَأَمَّا " الْإِلْزَامُ " فَقَوْلُكُمْ إنَّ هَذَا الْإِشْكَالَ لَازِمٌ لِلْفَلَاسِفَةِ كَمَا هُوَ
(12/187)

لَازِمٌ لَنَا. فَإِنَّ الْحَوَادِثَ إذَا امْتَنَعَ حُدُوثُهَا عَنْ عِلَّةٍ تَامَّةٍ أَزَلِيَّةٍ - وَلَيْسَ عِنْدَكُمْ إلَّا الْعِلَّةُ التَّامَّةُ الْأَزَلِيَّةُ - لَزِمَ أَلَّا يَكُونَ لِلْحَوَادِثِ مُحْدِثٌ. وَأَمَّا نَحْنُ إذَا سَلَكْنَا طَرِيقَ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا فَنَقُولُ لِهَؤُلَاءِ الْفَلَاسِفَةِ: بَلْ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ كَمَا أَخْبَرَتْ بِهِ الرُّسُلُ فَحَدَثَتْ بِأَسْبَابِ حَدَثَتْ قَبْلَ ذَلِكَ وَإِذَا قُلْنَا: إنَّهُ لَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّمًا إذَا شَاءَ - و {إنَّمَا أَمْرُهُ إذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} - كَانَ مَا يَحْدُثُ حَادِثًا بِمَا شَاءَ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ مِنْ كَلَامِهِ؛ لَا سِيَّمَا إذَا قِيلَ بِنَظِيرِ ذَلِكَ فِي إرَادَتِهِ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - وَأَمْكَنَنَا أَنْ نُجِيبَ الْفَلَاسِفَةَ بِجَوَابِ آخَرَ مُرَكَّبٍ عَنَّا وَعَنْكُمْ. فَنَقُولُ لَهُمْ. وُجُودُ حَوَادِثَ لَا أَوَّلَ لَهَا مُمْكِنٌ أَوْ مُمْتَنِعٌ؟ . فَإِنْ قُلْتُمْ مُمْتَنِعٌ: لَزِمَكُمْ الْقَوْلُ بِحُدُوثِ الْعَالَمِ وَأَمْكَنَ حِينَئِذٍ صِحَّةُ قَوْلِ الكَرَّامِيَة وَنَحْوِهِمْ. وَإِنْ قُلْتُمْ: هُوَ مُمْكِنٌ. قِيلَ: فَمُمْكِنٌ حِينَئِذٍ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْعَالَمُ حَدَثَ بِسَبَبِ حَادِثٍ قَبْلَهُ. وَكَذَلِكَ السَّبَبُ الْآخَرُ لَا إلَى غَايَةٍ وَالْكَلَامُ عَلَى هَذِهِ الْأُمُورِ مَبْسُوطٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ. وَ " الْمَقْصُودُ هُنَا " التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّ هَذِهِ مَقَامَاتٌ دَقِيقَةٌ مُشْكِلَةٌ
(12/188)

بِسَبَبِهَا افْتَرَقَتْ الْأُمَّةُ وَاخْتَلَفَتْ. فَإِذَا اجْتَهَدَ الرَّجُلُ فِي مُتَابَعَةِ الرَّسُولِ وَالتَّصْدِيقِ بِمَا جَاءَ بِهِ وَأَخْطَأَ فِي الْمَوَاضِعِ الدَّقِيقَةِ الَّتِي تَشْتَبِهُ عَلَى أَذْكِيَاءِ الْمُؤْمِنِينَ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ خَطَايَاهُ؛ تَحْقِيقًا لِقَوْلِهِ: {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ اللَّهَ قَالَ: " قَدْ فَعَلْت ".
وَأَمَّا قَوْلُ الْقَائِلِ: وَمَنْ قَالَ: كَلَامُ اللَّهِ مُنَزَّهٌ عَنْ سِمَاتِ الْحُدُوثِ إذْ الصَّوْتُ وَالْحَرْفُ لَازِمُهُمَا الْحُدُوثُ فَكَمَا لِذَاتِهِ التَّنْزِيهُ عَنْ سِمَاتِ الْخَلْقِ كَذَلِكَ لِقَوْلِهِ الْحَقُّ. فَيُقَالُ لَهُ: لَا نِزَاعَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ؛ بَلْ وَسَائِر أَهْلِ الْمِلَلِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ الْعُقَلَاءِ أَنَّ الْخَالِقَ مُنَزَّهٌ عَنْ سِمَاتِ الْحُدُوثِ فَإِنَّ قِدَمَهُ ضَرُورِيٌّ؛ فَيَمْتَنِعُ أَنْ يَقُومَ دَلِيلٌ عَلَى حُدُوثِهِ وَ " السِّمَةُ " هِيَ الْعَلَامَةُ وَالدَّلِيلُ. وَلَكِنْ مُنَازَعُوك فِي الصَّوْتِ وَالْحَرْفِ: جُمْهُورُ الْخَلَائِقِ؛ إذْ لَمْ يُوَافِقْ الْكُلَّابِيَة عَلَى قَوْلِهِمْ أَحَدٌ مِنْ الطَّوَائِفِ لَا الْجَهْمِيَّة وَلَا الْمُعْتَزِلَةُ وَلَا الضرارية وَلَا النجارية وَلَا الكَرَّامِيَة وَلَا السالمية وَلَا جُمْهُورُ الْمُرْجِئَةِ وَالشِّيعَةِ وَلَا جُمْهُورُ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ وَالتَّصَوُّفِ وَلَا الْفَلَاسِفَةُ: لَا الإلهيون وَلَا الطبائعيون عَلَى اخْتِلَافِ أَصْنَافِهِمْ. وَخُصُومُهُمْ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: الْحُرُوفُ مُحْدَثَةٌ مَخْلُوقَةٌ فِي مَحَلٍّ مُنْفَصِلٍ عَنْ اللَّهِ كَمَا يَقُولُونَ هُمْ ذَلِكَ؛ لَكِنْ يَقُولُونَ: هَذَا كَلَامُ اللَّهِ لَيْسَ لِلَّهِ
(12/189)

كَلَامٌ غَيْرُهُ كَمَا أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ هَذَا كَلَامُ اللَّهِ بَلْ أَجْمَعَتْ الْأُمَمُ عَلَى أَنَّ الْكَلَامَ لَا يُعْقَلُ إلَّا كَذَلِكَ. فَإِنْ قُلْتُمْ: هَذَا هُوَ كَلَامُ اللَّهِ. لَزِمَكُمْ أَنْ يَكُونَ كَلَامُهُ مَخْلُوقًا وَإِنْ قُلْتُمْ: لَيْسَ ذَلِكَ كَلَامَ اللَّهِ خَالَفْتُمْ الْمَعْلُومَ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ الشَّرْعِ وَاللُّغَةِ وَإِنْ قُلْتُمْ نُسَمِّي هَذَا كَلَامَ اللَّهِ وَهَذَا كَلَامَ اللَّهِ كِلَاهُمَا حَقِيقَةً بِطْرِيق الِاشْتِرَاكِ اللَّفْظِيِّ. قِيلَ لَكُمْ: فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْكَلَامَ الْمَخْلُوقَ فِي غَيْرِهِ هُوَ كَلَامٌ لَهُ حَقِيقَةً بَطَلَ أَصْلُ حُجَّتِكُمْ الَّتِي احْتَجَجْتُمْ بِهَا حَيْثُ قُلْتُمْ الْكَلَامُ لَا يَكُونُ كَلَامًا إلَّا لِمَنْ قَامَ بِهِ وَلَا يَكُونُ الْمُتَكَلِّمُ مُتَكَلِّمًا بِكَلَامِ يَحِلُّ فِي غَيْرِهِ. وَقَالُوا لَكُمْ أَيْضًا: إثْبَاتُ الْمَعْنَى الَّذِي أَثْبَتُّمُوهُ غَيْرُ هَذِهِ الْحُرُوفِ وَالْأَصْوَاتِ يَحْتَاجُ إلَى إثْبَاتِ وُجُودِهِ ثُمَّ إثْبَاتِ قِدَمِهِ ثُمَّ إثْبَاتِ حُدُوثِهِ وَكُلٌّ مِنْ هَذِهِ الْمَقَامَاتِ أَنْتُمْ فِيهَا مُنْقَطِعُونَ كَمَا هُوَ مَبْسُوطٌ فِي مَوْضِعِهِ وَكَمَا اعْتَرَفَ بِذَلِكَ فُضَلَاءُ هَذِهِ الْمَقَالَةِ. وَ " الْفَرِيقُ الثَّانِي " يَقُولُ لَكُمْ: إنَّا نُسَلِّمُ لَكُمْ أَنَّ الْحُرُوفَ وَالْأَصْوَاتَ مُحْدَثَةٌ؛ لَكِنْ نَقُولُ هِيَ كَلَامُ اللَّهِ الْقَائِمُ بِذَاتِهِ فَإِنْ قُلْتُمْ هَذَا يَسْتَلْزِمُ كَوْنَهُ مَحَلًّا لِلْحَوَادِثِ قَالُوا لَكُمْ: وَنَفْسُ هَذَا مِنْ كَلَامِ الْمُعْتَزِلَةِ الَّذِي تَلَقَّيْتُمُوهُ عَنْهُمْ وَلَيْسَ لَكُمْ عَلَى ذَلِكَ حُجَّةٌ لَا عَقْلِيَّةٌ وَلَا شَرْعِيَّةٌ
(12/190)

وَقَدْ اعْتَرَفَ فُضَلَاؤُكُمْ بِأَنَّ هَذَا الْقَوْلَ يَلْزَمُ جُمْهُورَ الطَّوَائِفِ. وَقَالَ لَكُمْ مُنَازِعُوكُمْ: قَدْ دَلَّ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ الْأَدِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ وَالْعَقْلِيَّةُ. وَ " الْفَرِيقُ الثَّالِثُ " يَقُولُ لَكُمْ: هَبْ أَنَّهَا مُحْدَثَةٌ أَهِيَ مُحْدَثَةُ الْأَعْيَانِ أَمْ نَوْعُهَا مُحْدَثٌ؟ فَإِنْ قُلْتُمْ: إنَّ كُلَّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِهَا مُحْدَثٌ لَمْ يَنْفَعْكُمْ. وَإِنْ قُلْتُمْ بَلْ النَّوْعُ مُحْدَثٌ لِامْتِنَاعِ حَوَادِثَ لَا تَتَنَاهَى. قِيلَ لَكُمْ: هَذَا مِمَّا يُنَازِعُكُمْ فِيهِ جُمْهُورُ أَهْلِ الْحَدِيثِ مَعَ جُمْهُورِ الْفَلَاسِفَةِ وَيُنَازِعُكُمْ فِيهِ أَئِمَّةُ الْمِلَلِ وَأَئِمَّةُ النِّحَلِ وَيُنَازِعُكُمْ فِيهِ الْأَئِمَّةُ مِنْ أَهْلِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَالْأَئِمَّةُ؛ مِنْ الصَّابِئَةِ وَالْفَلَاسِفَةِ وَالْمَجُوسِ وَغَيْرِهِمْ وَإِنَّمَا ابْتَدَعَ هَذَا الْقَوْلَ فِي الْإِسْلَامِ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ الَّذِينَ ذَمَّهُمْ أَئِمَّةُ الدِّينِ وَأَعْلَامُ الْمُسْلِمِينَ وَهَذَا الْقَوْلُ لَيْسَ مَعْلُومًا بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ وَلَا قَالَهُ أَحَدٌ مِنْ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ وَإِنَّمَا هُوَ قَوْلٌ مُبْتَدَعٌ وَمُبْتَدِعُهُ يَزْعُمُ أَنَّ الْعَقْلَ دَلَّ عَلَيْهِ. وَيَثْبُتُ بِهِ حُدُوثُ الْعَالَمِ وَالْعِلْمُ بِإِثْبَاتِ الصَّانِعِ. وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ لَهُ: الْعَقْلُ يَدُلُّ عَلَى نَقِيضِهِ وَأَنَّهُ مُنَافٍ مُضَادٌّ لِحُدُوثِ الْعَالَمِ وَلِإِثْبَاتِ الصَّانِعِ. وَهَذَا مَبْسُوطٌ فِي مَوْضِعِهِ؛ وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ التَّنْبِيهُ عَلَى مَا فِي هَذَا الْكَلَامِ مِنْ مَوَارِدِ النِّزَاعِ وَمَوَاقِعِ الْإِجْمَاعِ.
(12/191)

وَقَوْلُ الْقَائِلِ: كَمَا لِذَاتِهِ التَّنْزِيهُ عَنْ سِمَاتِ الْخَلْقِ فَكَذَلِكَ لِقَوْلِهِ الْحَقَّ. فَهَذَا مِنْ جِنْسِ سَجْعِ الْكُهَّانِ الَّذِي لَا يُقِيمُ حَقًّا وَلَا يُبْطِلُ بَاطِلًا فَهَلْ تَقُولُ إنَّ كُلَّ مَا وُصِفَ بِهِ الرَّبُّ مِنْ الصِّفَاتِ يَتَّصِفُ بِهِ كُلُّ مَا لَهُ مِنْ الْكَلِمَاتِ أَوْ غَيْرِهَا مِنْ الصِّفَاتِ؟ وَإِذَا قِيلَ: إنَّ الرَّبَّ تَعَالَى إلَهٌ قَادِرٌ خَالِقٌ مَعْبُودٌ فَهَلْ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِنْ كَلِمَاتِهِ وَصِفَاتِهِ إلَهًا قَادِرًا خَالِقًا مَعْبُودًا؟ وَهَذَا الْقَوْلُ يُضَاهِي قَوْلَ النَّصَارَى الَّذِينَ قَالُوا: كَمَا أَنَّ أُقْنُومَ الْوُجُودِ إلَهٌ فَكَذَلِكَ أُقْنُومُ الْكَلِمَةِ وَالرُّوحِ فَيُثْبِتُونَ لِلصِّفَاتِ الْإِلَهِيَّةِ الَّتِي أَثْبَتُوهَا لِلذَّاتِ وَالرَّبُّ تَعَالَى لَهُ كَلَامٌ قَائِمٌ بِمَحَلِّ لَا يُوجَدُ بِغَيْرِهِ إذْ لَا بُدَّ لِلْكَلَامِ مِنْ مَحَلٍّ لَا يُوجَدُ الْكَلَامُ بِدُونِهِ فَهَلْ يَجِبُ أَنْ يَفْتَقِرَ الرَّبُّ إلَى مَحَلٍّ يَقُومُ بِهِ كَمَا يَفْتَقِرُ الْكَلَامُ إلَى ذَلِكَ؟ وَلَكِنْ يَجِبُ تَنْزِيهُ كَلَامِهِ عَنْ كُلِّ نَقْصٍ وَعَيْبٍ؛ إذْ هُوَ الْمُسْتَحِقُّ لِلْكَمَالِ فِي ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ. وَيَمْتَنِعُ أَنْ يَخْلُوَ عَنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ مِنْ الْحَيَاةِ وَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَالْكَلَامِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ مَعَ أَنَّهُ يَتَّصِفُ بِهَا بَعْضُ مَخْلُوقَاتِهِ فَالْمَوْصُوفُ الْوَاجِبُ الْوُجُودُ الْقَدِيمُ الْأَزَلِيُّ أَحَقُّ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ مِنْ الْمَخْلُوقَاتِ وَكُلُّ كَمَالٍ ثَبَتَ لِمَخْلُوقِ فَمِنْ الْخَالِقِ اسْتَفَادَهُ وَالْخَالِقُ أَوْهَبَهُ إيَّاهُ وَأَعْطَاهُ فَوَاهِبُ الْكَمَالِ وَمُعْطِيهِ أَحَقُّ بِهِ وَأَوْلَى.
(12/192)

وَهَذَا مِمَّا يُعَبِّرُ عَنْهُ كُلُّ قَوْمٍ بِاصْطِلَاحِهِمْ حَتَّى تَقُولَ الْمُتَفَلْسِفَةُ: كُلُّ كَمَالٍ ثَبَتَ لِلْمَعْلُولِ فَهُوَ مِنْ كَمَالِ الْعِلَّةِ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمَخْلُوقَ الَّذِي خُلِقَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا لَيْسَ لَهُ مِنْ نَفْسِهِ شَيْءٌ أَصْلًا؛ بَلْ كَلُّ مَا لَهُ فَمِنْ خَالِقِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَلْتَعْلَمْ أَنَّ الْحَرْفَ اللِّسَانِيَّ وَالْحَرْفَ الْبَنَانِيَّ: كِلَاهُمَا مُقَيَّدٌ بِزَمَانِ يَصْرِفُهُ الْمَوْلَى مُتَكَلِّمٌ قَبْلَ الزَّمَانِ فَتَعَالَى كَلَامُهُ عَنْ أَنَّ تَكْتَنِفَهُ الحدثان فَقَدْ عَرَفَ مُنَازَعَةَ الْمُنَازِعِينَ لَهُ فِي هَذَا وَلَمْ يَذْكُرْ إلَّا مُجَرَّدَ الدَّعْوَى وَقَدْ عَلِمَ أَنَّ تَصَوُّرَ الدَّعْوَى مَعْلُومُ الْفَسَادِ بِالضَّرُورَةِ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُقَلَاءِ وَأَنَّ الدَّلِيلَ عَلَيْهَا مُقَدِّمَاتٌ يُنَازِعُهُ فِيهَا جُمْهُورُ الْعُقَلَاءِ وَآخِرُهَا يَنْتَهِي إلَى مُقَدِّمَاتٍ تَلَقَّوْهَا عَنْ شُيُوخِهِمْ الْمُعْتَزِلَةِ؛ فَإِنَّ الْكُلَّابِيَة وَالْأَشْعَرِيَّةَ إنَّمَا أَخَذُوا مُقَدِّمَاتِ هَذَا الْكَلَامِ وَمَادَّتَهُ مِنْهُمْ. وَقَدْ عُرِفَ حَالُهُمْ فِي ذَلِكَ. وَقَوْلُهُ الْمَوْلَى مُتَكَلِّمٌ قَبْلَ الزَّمَانِ إنْ أَرَادَ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قَبْلَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَقَبْلَ جَمِيعِ الْمَخْلُوقَاتِ فَهَذَا حَقٌّ؛ لَكِنْ مِنْ أَيْنَ لَهُ أَنَّ كُلَّ مَا كَلَّمَ بِهِ عِبَادَهُ وَيُكَلِّمُهُمْ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ قَبْلَ جَمِيعِ الْمَخْلُوقَاتِ؟ وَمِنْ أَيْنَ لَهُ أَنَّهُ قَبْلَ خَلْقِ الْعَالَمِ كَانَ مُنَادِيًا لِمُوسَى قَائِلًا لَهُ: {إنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إلَهَ إلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي} ؟
(12/193)

وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قَبْلَ مَا يُوصَفُ بِالْقَبْلِ فَهَذَا مُمْتَنِعٌ فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ مَوْصُوفٌ بِأَنَّهُ الْأَوَّلُ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ وَإِنْ أَرَادَ بِذَلِكَ أَنَّ الزَّمَانَ مِقْدَارُ الْفِعْلِ وَالْحَرَكَةِ وَأَنَّ ذَلِكَ مُمْتَنِعٌ فِي الْأَزَلِ فَقَدْ عَرَفَ أَنَّ أَئِمَّةَ الْمِلَلِ وَالنِّحَلِ يُنَازِعُونَهُ فِي هَذَا مَعَ اتِّفَاقِ أَهْلِ الْمِلَلِ عَلَى أَنَّ اللَّهَ خَالِقُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَقَوْلُهُ: إنَّ الْحَرْفَ وَالصَّوْتَ أَدَاتَانِ يُعَبَّرُ بِهِمَا عَنْ الْمَعْنَى الْقَائِمِ بِذَاتِ اللَّهِ كَمَا يُعَبِّرُ الْإِنْسَانُ عَمَّا قَامَ بِهِ مِنْ الطَّلَبِ. تَارَةً بِالْبَنَانِ وَتَارَةً بِاللِّسَانِ وَتَارَةً بِالرَّأْسِ عِنْدَ طَلَبِ الرَّوَاحِ وَعِنْدَ طَلَبِ الْإِتْيَانِ فَهَذَا مَذْهَبُ الْحَقِّ وَمَرْكَبُ الصِّدْقِ. فَيُقَالُ لَهُ: هَذَا عَلَيْهِ اعْتِرَاضَاتٌ: " أَحَدُهَا " أَنْ يُقَالَ: مَا ذَلِكَ الْمَعْنَى الْقَائِمُ بِالذَّاتِ؟ أَهُوَ وَاحِدٌ كَمَا يَقُولُهُ الْأَشْعَرِيُّ وَهُوَ عِنْدَهُ مَدْلُولُ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَدْلُولُ آيَةِ الْكُرْسِيِّ وَالدِّينِ وَمَدْلُولِ سُورَةِ الْإِخْلَاصِ وَسُورَةِ الْكَوْثَرِ؟ أَمْ هُوَ مَعَانٍ مُتَعَدِّدَةٌ؟ فَإِنْ قَالَ بِالْأَوَّلِ: كَانَ فَسَادُهُ مَعْلُومًا بِالِاضْطِرَارِ ثُمَّ يُقَالُ: التَّصْدِيقُ فَرْعُ التَّصَوُّرِ وَنَحْنُ لَا نَتَصَوَّرُ هَذَا فَبَيِّنْ لَنَا مَعْنَاهُ. ثُمَّ تَكَلَّمْ عَلَى إثْبَاتِهِ فَإِنْ قَالَ: هُوَ نَظِيرُ الْمَعَانِي الْمَوْجُودَةِ فِينَا كَانَ هَذَا الْكَلَامُ بَعْدَ النُّزُولِ عَمَّا يَحْتَمِلُهُ مِنْ التَّشْبِيهِ وَالتَّمْثِيلِ بَاطِلًا؛ لِأَنَّ الَّذِي فِينَا مَعَانٍ مُتَعَدِّدَةٌ مُتَنَوِّعَةٌ وَإِمَّا مَعْنًى وَاحِدٌ هُوَ أَمْرٌ بِكُلِّ مَأْمُورٍ بِهِ وَخَبَرٌ عَنْ كُلِّ مَخْبَرٍ عَنْهُ فَهَذَا غَيْرُ مُتَصَوَّرٍ.
(12/194)

" الثَّانِي " أَنْ يُقَالَ: هَبْ أَنَّهُ مُتَصَوَّرٌ. فَمَا الدَّلِيلُ عَلَى ثُبُوتِهِ؟ وَمَا الدَّلِيلُ عَلَى قِدَمِهِ؟ . " الثَّالِثُ " أَنْ يُقَالَ: قَوْلُك الصَّوْتُ وَالْحَرْفُ عِبَارَةٌ عَنْهُ. أَتَعْنِي بِهِ الْأَصْوَاتَ الْمَسْمُوعَةَ مِنْ الْقُرَّاءِ أَوْ الْحُرُوفَ الْمَوْجُودَةَ فِي التِّلَاوَةِ وَالْمَصَاحِفِ وَإِمَّا حُرُوفًا وَأَصْوَاتًا غَيْرَ هَذِهِ. فَإِنْ قُلْت بِالْأَوَّلِ كَانَ بَاطِلًا مِنْ وُجُوهٍ: " أَحَدُهَا ": أَنَّهُ كُلُّ مَنْ أَجَادَ الْقِرَاءَةَ عُبِّرَ عَمَّا فِي نَفْسِ اللَّهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ عُبِّرَ عَمَّا فِي نَفْسِهِ فَيَكُونُ الْمَخْلُوقُ أَقْدَرَ مِنْ الْخَالِقِ. " الثَّانِي " أَنَّ كَثِيرًا مِنْ الْقُرَّاءِ أَوْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَفْقَهُونَ أَكْثَرَ مَعَانِي الْقُرْآنِ وَالتَّعْبِيرُ عَمَّا فِي نَفْسِ الْمُعَبِّرِ فَرْعٌ عَلَى مَعْرِفَتِهِ فَمَنْ لَمْ يَفْهَمْ جَمِيعَ مَعَانِي الْقُرْآنِ - كَلَامِ اللَّهِ - فَكَيْفَ يُعَبِّرُ عَنْ تِلْكَ الْمَعَانِي " الثَّالِثُ " أَنَّ النَّاسَ لَا يَفْهَمُونَ مَعَانِيَ الْقُرْآنِ إلَّا بِدَلَالَةِ أَلْفَاظِ الْقُرْآنِ عَلَى مَعَانِيهِ؛ فَإِذَا سَمِعُوا أَلْفَاظَهُ وَتَدَبَّرُوهُ كَانَ اللَّفْظُ لَهُمْ دَلِيلًا عَلَى الْمَعَانِي وَالْمُسْتَدِلُّ بِاللَّفْظِ عَلَى الْمَعْنَى الَّذِي أَرَادَهُ الْمُتَكَلِّمُ يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمُعَبِّرَ بِاللَّفْظِ عَنْ الْمَعْنَى فَإِنَّ الْمُعَبِّرَ بِاللَّفْظِ عَنْ الْمَعْنَى يَعْرِفُ الْمَعْنَى أَوَّلًا
(12/195)

ثُمَّ يَدُلُّ غَيْرَهُ عَلَيْهِ بِالْعِبَارَةِ وَالنَّاسُ فِي الْقُرْآنِ عَلَى ضِدِّ هَذِهِ الْحَالِ؛ فَيَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونُوا هُمْ الْمُعَبِّرِينَ بِهِ.
" الرَّابِعُ " أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَعْلَمُ أَنَّهُ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ الْعَرَبِيَّ مِنْ غَيْرِهِ وَأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ فِيهِ إلَّا الْحِفْظُ وَالتَّبْلِيغُ وَالْأَدَاءُ؛ بَلْ يَعْلَمُ أَنَّهُ إذَا حَفِظَ خُطَبَ الْخُطَبَاءِ وَشِعْرَ الشُّعَرَاءِ لَمْ يَكُنْ هُوَ الْمُعَبِّرَ عَمَّا فِي أَنْفُسِهِمْ بِذَلِكَ الْكَلَامِ؛ بَلْ يَكُونُ الْكَلَامُ كَلَامَهُمْ وَهُوَ قَدْ حَفِظَهُ وَأَدَّاهُ وَبَلَّغَهُ. فَكَيْفَ بِكَلَامِ رَبِّ الْعَالَمِينَ " الْخَامِسُ " إنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يَعْلَمُ بِالِاضْطِرَارِ أَنَّ نَفْسَ الْقُرْآنِ الْعَرَبِيِّ كَانَ مَوْجُودًا قَبْلَ وُجُودِ كُلِّ الْقُرَّاءِ وَأَنَّ النَّاسَ إنَّمَا تَلَقَّوْهُ عَنْ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا. وَ " بِالْجُمْلَةِ " فَالدَّلَالَةُ عَلَى فَسَادِ هَذَا الْقَوْلِ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَرَ. وَإِنْ قُلْت: بَلْ الْحُرُوفُ وَالْأَصْوَاتُ الْمُعَبَّرُ بِهَا عَنْ الْمَعَانِي الَّتِي أَرَادَهَا اللَّهُ مِنْ حُرُوفٍ وَأَصْوَاتٍ كَانَتْ مَوْجُودَةً قَبْلَ وُجُودِ الْقُرَّاءِ: وَلَكِنْ كُلٌّ مِنْ الْقُرَّاءِ حَفِظَ ذَلِكَ النَّظْمَ الْعَرَبِيَّ الَّذِي كَانَ مَوْجُودًا قَبْلَهُ قِيلَ لَك. فَحِينَئِذٍ قَدْ كَانَ ثَمَّ حُرُوفٌ وَأَصْوَاتٌ غَيْرُ هَذِهِ الْأَصْوَاتِ الْمَسْمُوعَةِ مِنْ الْقُرَّاءِ وَغَيْرُ الْمِدَادِ الْمَكْتُوبِ فِي الْمَصَاحِفِ وَهَذَا هُوَ
(12/196)

الْحَقُّ الَّذِي اتَّفَقَ عَلَيْهِ جَمِيعُ الْخَلْقِ. فَقَوْلُ الْقَائِلِ: إنَّهُ مَا ثَمَّ إلَّا الْمَعْنَى الْقَائِمُ بِالذَّاتِ أَوْ هَذِهِ الْحُرُوفُ وَالْأَصْوَاتُ لَيْسَ بِحَقِّ. وَيُقَالُ لَهُ حِينَئِذٍ: فَتِلْكَ الْحُرُوفُ وَالْأَصْوَاتُ أَهِيَ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ الَّذِي تَكَلَّمَ بِهِ؟ أَمْ هِيَ مَخْلُوقَةٌ خَلَقَهَا فِي غَيْرِهِ؟ فَإِنْ قُلْت: هِيَ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى لَزِمَك مَا فَرَرْت مِنْهُ حَيْثُ أَقْرَرْت أَنَّ لِلَّهِ كَلَامًا هُوَ حُرُوفٌ وَأَصْوَاتٌ كَمَا يَقُولُهُ جُمْهُورُ الْمُسْلِمِينَ. وَإِنْ قُلْت: لَيْسَتْ كَلَامًا لِلَّهِ فَهَذِهِ أَوْلَى مِنْ أَنْ تَكُونَ كَلَامًا لِلَّهِ. وَحِينَئِذٍ فَلَا يَكُونُ هَذَا الْقُرْآنُ كَلَامَ اللَّهِ وَهَذَا مِمَّا يُعْلَمُ بُطْلَانُهُ بِالضَّرُورَةِ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: مَنْ قَالَ لَفْظِي عَيْنُ كَلَامِ اللَّهِ: فَقَدْ انْسَلَخَ عَنْ رِبْقَةِ الْعَقْلِ وَغَرِقَ فِي بَحْرِ العماية وَالْجَهْلِ. فَيُقَالُ: قَوْلُ الْقَائِلِ: لَفْظِي " عَيْنُ كَلَامِ اللَّهِ " كَلَامٌ مُجْمَلٌ. فَإِنَّ " اللَّفْظَ " فِي الْأَصْلِ مَصْدَرُ لَفَظَ يَلْفِظُ لَفْظًا كَمَا أَنَّ " التِّلَاوَةَ وَالْقِرَاءَةَ " فِي الْأَصْلِ مَصْدَرُ تَلَا يَتْلُو وَقَرَأَ يَقْرَأُ وَيُعَبِّرُ بِاللَّفْظِ وَالتِّلَاوَةِ وَالْقِرَاءَةِ عَنْ نَفْسِ الْكَلَامِ الْمَلْفُوظِ بِهِ الْمَتْلُوِّ الْمَقْرُوءِ. فَإِنَّ النَّاسَ إذَا قَالُوا: اللَّفْظُ يَدُلُّ عَلَى الْمَعْنَى. لَمْ يُرِيدُوا بِاللَّفْظِ الْمَصْدَرَ؛ بَلْ يُرِيدُونَ بِهِ الْمَلْفُوظَ بِهِ. وَإِذَا قَالُوا لِمَنْ سَمِعُوهُ يَتَكَلَّمُ: هَذِهِ أَلْفَاظٌ حَسَنَةٌ أَرَادُوا بِهِ مَا يَلْفِظُهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {مَا يَلْفِظُ مِنْ
(12/197)

قَوْلٍ إلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} يُرَادُ بِاللَّفْظِ نَفْسُ الْفِعْلِ وَقَدْ يُرَادُ بِهِ نَفْسُ الْقَوْلِ الَّذِي لَفَظَهُ اللَّافِظُ. وَهَذَا كَ " الْقُرْآنِ " قَدْ يُرَادُ بِهِ الْمَصْدَرُ وَقَدْ يُرَادُ بِهِ الْكَلَامُ الْمَقْرُوءُ. وَقَالَ تَعَالَى: {إنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ} {فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ} وَالْقُرْآنُ هُنَا مَصْدَرٌ كَمَا فِي الْآيَةِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: عَلَيْنَا أَنْ نَجْمَعَهُ فِي صَدْرِك ثُمَّ أَنْ تَقْرَأَهُ بِلِسَانِك فَإِذَا قَرَأَهُ جِبْرِيلُ فَاسْتَمِعْ لِقِرَاءَتِهِ. ثُمَّ إنَّ عَلَيْنَا أَنْ نُبَيِّنَهُ. وَقَدْ يُرَادُ بِ " الْقُرْآنِ " نَفْسُ الْكَلَامِ الْمَقْرُوءِ كَمَا قَالَ: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا} وَقَوْلُهُ: {إنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} وَقَالَ تَعَالَى: {لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} وَقَالَ تَعَالَى: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ} وَنَظَائِرُهُ كَثِيرَةٌ. وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ: فَقَوْلُ الْقَائِلِ لَفْظِي: هُوَ عَيْنُ كَلَامِ اللَّهِ. إنْ أَرَادَ بِهِ الْمَصْدَرَ فَقَدْ أَخْطَأَ فَإِنَّ نَفْسَ حَرَكَاتِهِ لَيْسَتْ هِيَ كَلَامَ اللَّهِ وَهَذَا لَا يَقُولُهُ أَحَدٌ يَفْهَمُ مَا يَقُولُ. وَإِنْ أَرَادَ " الثَّانِيَ ": كَانَ الْمَعْنَى أَنَّ هَذَا الْقُرْآنَ الَّذِي أَتْلُوهُ هُوَ عَيْنُ كَلَامِ اللَّهِ وَهَذَا هُوَ الَّذِي يَقْصِدُهُ النَّاسُ إذَا قَالُوا: الَّذِي يَقْرَأُ
(12/198)

الْقُرَّاءُ عَيْنُ كَلَامِ اللَّهِ وَهَذَا الَّذِي نَسْمَعُهُ مِنْ الْقُرَّاءِ عَيْنُ كَلَامِ اللَّهِ وَهَذَا الَّذِي يُقْرَأُ فِي الصَّلَاةِ عَيْنُ كَلَامِ اللَّهِ لَا يَقْصِدُ أَحَدٌ أَنْ يَجْعَلَ حَرَكَاتِ الْعِبَادِ نَفْسَ كَلَامِهِ. ثُمَّ إذَا قَالَ الْقَائِلُ هَذَا فَقَدْ وَافَقَ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ} بَلْ قَدْ عُلِمَ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ: أَنَّ هَذَا الَّذِي يَقْرَؤُهُ الْمُسْلِمُونَ وَيَكْتُبُونَهُ فِي مَصَاحِفِهِمْ هُوَ كَلَامُ اللَّهِ لَا كَلَامُ غَيْرِهِ. تَارَةً يُسْمَعُ مِنْهُ كَمَا سَمِعَهُ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ وَتَارَةً يُسْمَعُ مِنْ الْمُتَلَقِّينَ عَنْهُ كَمَا سَمِعَهُ الصَّحَابَةُ مِنْ الرَّسُولِ فَهَذَا الَّذِي نَسْمَعُهُ هُوَ كَلَامُ اللَّهِ مُتَلَقًّى عَنْهُ مَسْمُوعًا مِنْ الْمُبَلِّغِ عَنْهُ. قَالَ تَعَالَى: {وَأُوحِيَ إلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ} وَقَالَ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} وَقَالَ تَعَالَى: {لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ} . وَالنَّاسُ يَعْلَمُونَ أَنَّ الْكَلَامَ كَلَامُ مَنْ قَالَهُ آمِرًا بِأَمْرِهِ مُخْبِرًا بِخَبَرِهِ مُبْتَدِئًا بِهِ لَا كَلَامُ مَنْ بَلَّغَهُ عَنْ غَيْرِهِ وَأَدَّاهُ. فَالنَّاسُ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ وَلَيْسَ هُوَ كَلَامَهُمْ؛ وَلَكِنَّهُ كَلَامٌ يَقْرَءُونَهُ بِأَفْعَالِهِمْ وَأَصْوَاتِهِمْ. وَإِذَا كَانَ كَلَامُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَلَامُ غَيْرِهِ إذَا رَوَاهُ النَّاسُ عَنْهُ وَبَلَّغُوهُ وَقَرَءُوهُ فَهُوَ كَلَامُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَغَيْرِهِ مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ بِذَلِكَ الْكَلَامِ وَالنَّبِيُّ
(12/199)

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَكَلَّمَ بِلَفْظِهِ وَنَظْمِهِ وَمَعْنَاهُ وَتَكَلَّمَ بِهِ بِحُرُوفِ وَأَصْوَاتٍ مَعَ أَنَّ أَصْوَاتَ الرُّوَاةِ لَيْسَتْ صَوْتَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَالْقُرْآنُ إذَا قَرَأَهُ النَّاسُ وَبَلَّغُوهُ بِأَصْوَاتِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ: كَانَ أَوْلَى بِأَنْ يَكُونَ كَلَامَ اللَّهِ وَإِنْ كَانُوا لَمْ يَسْمَعُوهُ مِنْ اللَّهِ؛ بَلْ مِنْ الْخَلْقِ. وَمِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ: أَنَّ قَوْلَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْمُؤْمِنِينَ إنَّ هَذَا كَلَامُ اللَّهِ؛ بَلْ قَوْلُ النَّاسِ لِمَا بُلِّغَ مِنْ كَلَامِ الْمَخْلُوقِينَ إنَّ هَذَا كَلَامُ فُلَانٍ حَقٌّ كَمَا اتَّفَقَ عَلَى ذَلِكَ النَّاسِ؛ لَكِنْ عَرَضَتْ شُبْهَةٌ لِكَثِيرِ مِنْ الْمُتَنَطِّعِينَ فَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ مَا إذَا سَمِعَ كَلَامَ الْمُتَكَلِّمِ بِهِ وَبَيْنَ مَا إذَا سَمِعَ مِنْ غَيْرِهِ فَظَنُّوا أَنَّهُ إذَا قَالَ: {فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ} كَانَ بِمَنْزِلَةِ سَمَاعِ مُوسَى كَلَامَ اللَّهِ. فَقَالَتْ " طَائِفَةٌ " الْمَسْمُوعُ أَصْوَاتُ الْعِبَادِ وَكَلَامُ اللَّهِ لَيْسَ هُوَ أَصْوَاتَ الْعِبَادِ فَلَا يَكُونُ الْمَسْمُوعُ كَلَامَ اللَّهِ. وَقَالَتْ " طَائِفَةٌ " بَلْ هَذَا كَلَامُ اللَّهِ وَهَذَا مَخْلُوقٌ؛ فَكَلَامُ اللَّهِ مَخْلُوقٌ. وَقَالَتْ " طَائِفَةٌ ": بَلْ هَذَا كَلَامُ اللَّهِ وَكَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ فَهَذَا غَيْرُ مَخْلُوقٍ.
(12/200)

وَهَذَا إذَا أَطْلَقُوهُ " مُجْمَلًا " فَهُوَ حَقٌّ؛ لَكِنْ قَالَ بَعْضُهُمْ: هَذَا لَفْظِي أَوْ تِلَاوَتِي أَوْ صَوْتِي؛ فَلَفْظِي أَوْ تِلَاوَتِي أَوْ صَوْتِي غَيْرُ مَخْلُوقٍ؛ فَضَلُّوا كَمَا ضَلَّ غَيْرُهُمْ؛ وَلَوْ اهْتَدَوْا لَعَلِمُوا أَنَّا إذَا قُلْنَا: هَذَا كَلَامُ اللَّهِ فَلَمْ نُشِرْ إلَيْهِ بِمَا امْتَازَ قَارِئٌ عَنْ قَارِئٍ إذَا كَانَ مِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّهُ مَا يُسْمَعُ مِنْ كُلِّ قَارِئٍ فَهُوَ كَلَامُ اللَّهِ مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّ صَوْتَ هَذَا الْقَارِئِ لَيْسَ هُوَ صَوْتَ هَذَا الْقَارِئِ فَقَدْ اتَّحَدَ مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ كَلَامَ اللَّهِ. وَاخْتَلَفَ مِنْ جِهَةِ أَصْوَاتِ الْقُرَّاءِ. وَهُوَ كَلَامُ اللَّهِ بِاعْتِبَارِ الْحَقِيقَةِ الْمُتَّحِدَةِ لَا بِاعْتِبَارِ مَا اخْتَلَفَ فِيهِ أَحْوَالُ الْقُرَّاءِ. وَهَذَا لِأَنَّ الْكَلَامَ إنَّمَا يُقْصَدُ بِهِ لَفْظُهُ وَمَعْنَاهُ وَلَفْظُهُ هُوَ الْحُرُوفُ الْمَقْرُوءَةُ الْمَنْظُومَةُ. وَإِنْ كَانَتْ الْحُرُوفُ أَصْوَاتًا مُقَطَّعَةً أَوْ هِيَ أَطْرَافُ الْأَصْوَاتِ الْمُقَطَّعَةِ فَهِيَ مِنْ الْكَلَامِ بِاعْتِبَارِ صُورَتِهَا الْخَاصَّةِ مِنْ التَّقْطِيعِ وَالتَّأْلِيفِ لَا بِاعْتِبَارِ الْمَادَّةِ الصَّوْتِيَّةِ الَّتِي يَشْتَرِكُ فِيهَا جَمِيعُ الصَّائِتِينَ؛ وَلِهَذَا مَا كَانَ فِي الْكَلَامِ مِنْ بَلَاغَةٍ وَبَيَانٍ وَحُسْنِ تَأْلِيفٍ وَنَظْمٍ وَكَمَالِ مَعَانٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَهُوَ لِلْمُتَكَلِّمِ بِلَفْظِهِ وَمَعْنَاهُ لَيْسَ هُوَ لِمُجَرَّدِ صِفَاتِ الَّذِي بَلَّغَهُ وَأَدَّاهُ. وَأَمَّا قَوْلُ الْقَائِلِ: مَنْ قَالَ إنَّ مَذْهَبَ جَهْمِ بْنِ صَفْوَانَ هُوَ مَذْهَبُ الْأَشْعَرِيِّ أَوْ قَرِيبٌ أَوْ سَوَاءٌ مَعَهُ فَهُوَ جَاهِلٌ بِمَذْهَبِ الْفَرِيقَيْنِ؛ إذْ الْجَهْمِيَّة
(12/201)

قَائِلُونَ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ وَبِخَلْقِ جَمِيع. . . (1)
وَالْأَشْعَرِيُّ يَقُولُ بِقِدَمِ الْقُرْآنِ وَإِنَّ كَلَامَ الْإِنْسَانِ مَخْلُوقٌ لِلرَّحْمَنِ فَوَضَحَ لِلَّبِيبِ كُلٌّ مِنْ الْمَذَاهِبِ الثَّلَاثَةِ. فَيُقَالُ: لَا رَيْبَ أَنَّ قَوْلَ ابْنِ كُلَّابٍ وَالْأَشْعَرِيِّ وَنَحْوِهِمَا مِنْ الْمُثْبِتَةِ لِلصِّفَاتِ لَيْسَ هُوَ قَوْلَ الْجَهْمِيَّة بَلْ وَلَا الْمُعْتَزِلَةِ بَلْ هَؤُلَاءِ لَهُمْ مُصَنَّفَاتٌ فِي الرَّدِّ عَلَى الْجَهْمِيَّة وَالْمُعْتَزِلَةِ وَبَيَانِ تَضْلِيلِ مَنْ نَفَاهَا بَلْ هُمْ تَارَةً يُكَفِّرُونَ الْجَهْمِيَّة وَالْمُعْتَزِلَةَ وَتَارَةً يُضَلِّلُونَهُمْ. لَا سِيَّمَا وَالْجَهْمُ هُوَ أَعْظَمُ النَّاسِ نَفْيًا لِلصِّفَاتِ بَلْ وَلِلْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى. قَوْلُهُ مِنْ جِنْسِ قَوْلِ الْبَاطِنِيَّةِ الْقَرَامِطَةِ حَتَّى ذَكَرُوا عَنْهُ أَنَّهُ لَا يُسَمَّى اللَّهُ شَيْئًا وَلَا غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ الْأَسْمَاءِ الَّتِي يُسَمَّى بِهَا الْمَخْلُوقُ. لِأَنَّ ذَلِكَ بِزَعْمِهِ مِنْ التَّشْبِيهِ الْمُمْتَنِعِ. وَهَذَا قَوْلُ الْقَرَامِطَةِ الْبَاطِنِيَّةِ. وَحُكِيَ عَنْهُ أَنَّهُ لَا يُسَمِّيهِ إلَّا " قَادِرًا فَاعِلًا "؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ عِنْدَهُ لَيْسَ بِقَادِرِ وَلَا فَاعِلٍ إذْ كَانَ هُوَ رَأْسَ الْمُجْبِرَةِ. وَقَوْلُهُ فِي الْإِيمَانِ شَرٌّ مِنْ قَوْلِ الْمُرْجِئَةِ فَإِنَّهُ لَا يَجْعَلُ الْإِيمَانَ إلَّا مُجَرَّدَ تَصْدِيقِ الْقَلْبِ. وَابْنُ كُلَّابٍ " إمَامُ الْأَشْعَرِيَّةِ أَكْثَرُ مُخَالَفَةً لِجَهْمِ وَأَقْرَبُ إلَى السَّلَفِ
__________

[تعليق مُعِدّ الكتاب للشاملة]
(1) بياض بالأصل
(12/202)

مِنْ الْأَشْعَرِيِّ نَفْسِهِ وَالْأَشْعَرِيُّ أَقْرَبُ إلَى السَّلَفِ مِنْ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ الْبَاقِلَانِي. وَالْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ وَأَمْثَالُهُ أَقْرَبُ إلَى السَّلَفِ مِنْ أَبِي الْمَعَالِي وَأَتْبَاعِهِ فَإِنَّ هَؤُلَاءِ نَفَوْا الصِّفَاتِ: كَالِاسْتِوَاءِ وَالْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ. ثُمَّ اخْتَلَفُوا هَلْ تَتَأَوَّلُ أَوْ تُفَوَّضُ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ أَوْ طَرِيقَيْنِ فَأَوَّلُ قَوْلَيْ أَبِي الْمَعَالِي هُوَ تَأْوِيلُهَا كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ فِي " الْإِرْشَادِ " وَآخِرُ قَوْلَيْهِ تَحْرِيمُ التَّأْوِيلِ ذَكَرَ ذَلِكَ فِي " الرِّسَالَةِ النِّظَامِيَّةِ " وَاسْتَدَلَّ بِإِجْمَاعِ السَّلَفِ عَلَى أَنَّ التَّأْوِيلَ لَيْسَ بِسَائِغِ وَلَا وَاجِبٍ. وَأَمَّا الْأَشْعَرِيُّ نَفْسُهُ وَأَئِمَّةُ أَصْحَابِهِ فَلَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُهُمْ فِي إثْبَاتِ الصِّفَاتِ الْخَبَرِيَّةِ وَفِي الرَّدِّ عَلَى مَنْ يَتَأَوَّلُهَا كَمَنْ يَقُولُ: اسْتَوَى بِمَعْنَى اسْتَوْلَى. وَهَذَا مَذْكُورٌ فِي كُتُبِهِ كُلِّهَا كَ " الْمُوجَزِ الْكَبِيرِ " وَ " الْمَقَالَاتِ الصَّغِيرَةِ وَالْكَبِيرَةِ " وَ " الْإِبَانَةِ " وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَهَكَذَا نَقَلَ سَائِر النَّاسِ عَنْهُ حَتَّى الْمُتَأَخِّرُونَ كَالرَّازِيَّ وَالْآمِدِيَّ يَنْقُلُونَ عَنْهُ إثْبَاتَ الصِّفَاتِ الْخَبَرِيَّةِ وَلَا يَحْكُونَ عَنْهُ فِي ذَلِكَ قَوْلَيْنِ. فَمَنْ قَالَ: إنَّ الْأَشْعَرِيَّ كَانَ يَنْفِيهَا وَأَنَّ لَهُ فِي تَأْوِيلِهَا قَوْلَيْنِ: فَقَدْ افْتَرَى عَلَيْهِ؛ وَلَكِنْ هَذَا فِعْلُ طَائِفَةٍ مِنْ مُتَأَخِّرِي أَصْحَابِهِ كَأَبِي الْمَعَالِي وَنَحْوِهِ؛ فَإِنَّ هَؤُلَاءِ أَدْخَلُوا فِي مَذْهَبِهِ أَشْيَاءَ مِنْ أُصُولِ الْمُعْتَزِلَةِ.
(12/203)

وَ " الْأَشْعَرِيُّ " اُبْتُلِيَ بِطَائِفَتَيْنِ: طَائِفَةٌ تُبْغِضُهُ وَطَائِفَةٌ تُحِبُّهُ كُلٌّ مِنْهُمَا يَكْذِبُ عَلَيْهِ وَيَقُولُ: إنَّمَا صَنَّفَ هَذِهِ الْكُتُبَ تَقِيَّةً وَإِظْهَارًا لِمُوَافَقَةِ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالسُّنَّةِ مِنْ الْحَنْبَلِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ. وَهَذَا كَذِبٌ عَلَى الرَّجُلِ فَإِنَّهُ لَمْ يُوجَدْ لَهُ قَوْلٌ بَاطِنٌ يُخَالِفُ الْأَقْوَالَ الَّتِي أَظْهَرَهَا وَلَا نَقَلَ أَحَدٌ مِنْ خَوَاصِّ أَصْحَابِهِ وَلَا غَيْرُهُمْ عَنْهُ مَا يُنَاقِضُ هَذِهِ الْأَقْوَالَ الْمَوْجُودَةَ فِي مُصَنَّفَاتِهِ. فَدَعْوَى الْمُدَّعِي أَنَّهُ كَانَ يُبْطِنُ خِلَافَ مَا يُظْهِرُ دَعْوَى مَرْدُودَةٌ شَرْعًا وَعَقْلًا؛ بَلْ مَنْ تَدَبَّرَ كَلَامَهُ فِي هَذَا الْبَابِ - فِي مَوَاضِعَ - تَبَيَّنَ لَهُ قَطْعًا أَنَّهُ كَانَ يَنْصُرُ مَا أَظْهَرَهُ؛ وَلَكِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَهُ وَيُخَالِفُونَهُ فِي إثْبَاتِ الصِّفَاتِ الْخَبَرِيَّةِ يَقْصِدُونَ نَفْيَ ذَلِكَ عَنْهُ لِئَلَّا يُقَالُ: إنَّهُمْ خَالَفُوهُ مَعَ كَوْنِ مَا ذَهَبُوا إلَيْهِ مِنْ السُّنَّةِ قَدْ اقْتَدَوْا فِيهِ بِحُجَّتِهِ الَّتِي عَلَى ذِكْرِهَا يُعَوِّلُونَ وَعَلَيْهَا يَعْتَمِدُونَ. وَ " الْفَرِيقُ الْآخَرُ ": دَفَعُوا عَنْهُ لِكَوْنِهِمْ رَأَوْا الْمُنْتَسِبِينَ إلَيْهِ لَا يُظْهِرُونَ إلَّا خِلَافَ هَذَا الْقَوْلِ وَلِكَوْنِهِمْ اتَّهَمُوهُ بِالتَّقِيَّةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ انْتَصَرَ لِلْمَسَائِلِ الْمَشْهُورَةِ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ الَّتِي خَالَفَهُمْ فِيهَا الْمُعْتَزِلَةُ؛ كَمَسْأَلَةِ " الرُّؤْيَةِ " وَ " الْكَلَامِ " وَإِثْبَاتِ " الصِّفَاتِ " وَنَحْوِ ذَلِكَ؛ لَكِنْ كَانَتْ خِبْرَتُهُ بِالْكَلَامِ خِبْرَةٌ مُفَصَّلَةٌ وَخِبْرَتُهُ بِالسُّنَّةِ خِبْرَةٌ مُجْمَلَةٌ؛ فَلِذَلِكَ وَافَقَ الْمُعْتَزِلَةَ فِي بَعْضِ أُصُولِهِمْ الَّتِي الْتَزَمُوا لِأَجْلِهَا خِلَافَ السُّنَّةِ وَاعْتَقَدَ أَنَّهُ يُمْكِنُهُ الْجَمْعُ بَيْنَ تِلْكَ الْأُصُولِ وَبَيْنَ الِانْتِصَارِ
(12/204)

لِلسُّنَّةِ كَمَا فَعَلَ فِي مَسْأَلَةِ الرُّؤْيَةِ وَالْكَلَامِ وَالصِّفَاتِ الْخَبَرِيَّةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَالْمُخَالِفُونَ لَهُ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ وَمِنْ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْفَلَاسِفَةِ يَقُولُونَ: إنَّهُ مُتَنَاقِضٌ وَإِنَّ مَا وَافَقَ فِيهِ الْمُعْتَزِلَةَ يُنَاقِضُ مَا وَافَقَ فِيهِ أَهْلَ السُّنَّةِ كَمَا أَنَّ الْمُعْتَزِلَةَ يَتَنَاقَضُونَ فِيمَا نَصَرُوا فِيهِ دِينَ الْإِسْلَامِ فَإِنَّهُمْ بَنَوْا كَثِيرًا مِنْ الْحُجَجِ عَلَى أُصُولٍ تُنَاقِضُ كَثِيرًا مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ؛ بَلْ جُمْهُورُ الْمُخَالِفِينَ لِلْأَشْعَرِيِّ مِنْ الْمُثْبِتَةِ والْنُّفَاةِ يَقُولُونَ: إنَّمَا قَالَهُ فِي مَسْأَلَةِ الرُّؤْيَةِ وَالْكَلَامِ: مَعْلُومُ الْفَسَادِ بِضَرُورَةِ الْعَقْلِ. وَلِهَذَا يَقُولُ أَتْبَاعُهُ: إنَّهُ لَمْ يُوَافِقْنَا أَحَدٌ مِنْ الطَّوَائِفِ عَلَى قَوْلِنَا فِي " مَسْأَلَةِ الرُّؤْيَةِ وَالْكَلَامِ "؛ فَلَمَّا كَانَ فِي كَلَامِهِ شَوْبٌ مِنْ هَذَا وَشَوْبٌ مِنْ هَذَا: صَارَ يَقُولُ مَنْ يَقُولُ إنَّ فِيهِ نَوْعًا مِنْ التَّجَهُّمِ. وَأَمَّا مَنْ قَالَ: إنَّ قَوْلَهُ قَوْلُ جَهْمٍ فَقَدْ قَالَ الْبَاطِلَ. وَمَنْ قَالَ: إنَّهُ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ قَوْلِ جَهْمٍ فَقَدْ قَالَ الْبَاطِلَ وَاَللَّهُ يُحِبُّ الْكَلَامَ بِعِلْمِ وَعَدْلٍ وَإِعْطَاءَ كُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ وَتَنْزِيلَ النَّاسِ مَنَازِلَهُمْ. وَقَوْلُ جَهْمٍ هُوَ النَّفْيُ الْمَحْضُ لِصِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ حَقِيقَةُ قَوْلِ الْقَرَامِطَةِ الْبَاطِنِيَّةِ وَمُنْحَرِفِي الْمُتَفَلْسِفَةِ: كالفارابي وَابْنِ سِينَا. وَأَمَّا مُقْتَصِدَةُ الْفَلَاسِفَةِ كَأَبِي الْبَرَكَاتِ صَاحِبِ الْمُعْتَبَرِ وَابْنِ رُشْدٍ الْحَفِيدِ - فَفِي قَوْلِهِمْ مِنْ الْإِثْبَاتِ مَا هُوَ خَيْرٌ مِنْ قَوْلِ جَهْمٍ؛ فَإِنَّ الْمَشْهُورَ عَنْهُمْ إثْبَاتُ الْأَسْمَاءِ
(12/205)

الْحُسْنَى وَإِثْبَاتُ أَحْكَامِ الصِّفَاتِ فَفِي الْجُمْلَةِ قَوْلُهُمْ خَيْرٌ مِنْ قَوْلِ جَهْمٍ وَقَوْلُ ضِرَارِ بْنِ عَمْرٍو الْكُوفِيِّ خَيْرٌ مِنْ قَوْلِهِمْ. وَأَمَّا ابْنُ كُلَّابٍ والقلانسي وَالْأَشْعَرِيُّ فَلَيْسُوا مِنْ هَذَا الْبَابِ بَلْ هَؤُلَاءِ مَعْرُوفُونَ بالصفاتية مَشْهُورُونَ بِمَذْهَبِ الْإِثْبَاتِ؛ لَكِنْ فِي أَقْوَالِهِمْ شَيْءٌ مِنْ أُصُولِ الْجَهْمِيَّة وَمَا يَقُولُ النَّاسُ إنَّهُ يُلْزِمُهُمْ بِسَبَبِهِ التَّنَاقُضُ وَإِنَّهُمْ جَمَعُوا بَيْنَ الضِّدَّيْنِ وَإِنَّهُمْ قَالُوا مَا لَا يُعْقَلُ وَيَجْعَلُونَهُمْ مُذَبْذَبِينَ لَا إلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إلَى هَؤُلَاءِ فَهَذَا وَجْهُ مَنْ يَجْعَلُ فِي قَوْلِهِمْ شَيْئًا مِنْ أَقْوَالِ الْجَهْمِيَّة كَمَا أَنَّ الْأَئِمَّةَ - كَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِ - كَانُوا يَقُولُونَ: افْتَرَقَتْ الْجَهْمِيَّة عَلَى " ثَلَاثِ فِرَقٍ ": فِرْقَةٌ يَقُولُونَ: الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ. وَفِرْقَةٌ تَقِفُ وَلَا تَقُولُ مَخْلُوقٌ وَلَا غَيْرُ مَخْلُوقٍ. وَفِرْقَةٌ تَقُولُ: أَلْفَاظُنَا بِالْقُرْآنِ مَخْلُوقَةٌ. وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّهُمْ إنَّمَا أَرَادُوا بِذَلِكَ افْتِرَاقَهُمْ فِي " مَسْأَلَةِ الْقُرْآنِ " خَاصَّةً وَإِلَّا فَكَثِيرٌ مِنْ هَؤُلَاءِ يُثْبِتُ الصِّفَاتِ وَالرُّؤْيَةَ وَالِاسْتِوَاءَ عَلَى الْعَرْشِ وَجَعَلُوهُ مِنْ الْجَهْمِيَّة فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ: أَيْ أَنَّهُ وَافَقَ الْجَهْمِيَّة فِيهَا؛ لِيَتَبَيَّنَ ضَعْفُ قَوْلِهِ لَا أَنَّهُ مِثْلُ الْجَهْمِيَّة وَلَا أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُهُمْ؛ فَإِنَّ هَذَا لَا يَقُولُهُ مَنْ يَعْرِفُ مَا يَقُولُ. وَلِهَذَا عَامَّةُ كَلَامِ أَحْمَد إنَّمَا هُوَ يُجَهِّمُ اللَّفْظِيَّةَ لَا يَكَادُ يُطْلِقُ الْقَوْلَ بِتَكْفِيرِهِمْ كَمَا يُطْلِقُهُ بِتَكْفِيرِ المخلوقية وَقَدْ نُسِبَ إلَى هَذَا الْقَوْلِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْمَعْرُوفِينَ بِالسُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ: كَالْحُسَيْنِ الكرابيسي وَنُعَيْمِ
(12/206)

ابْنِ حَمَّادٍ الخزاعي والبويطي وَالْحَارِثِ الْمُحَاسِبِيَّ وَمِنْ النَّاسِ مَنْ نَسَبَ إلَيْهِ الْبُخَارِيَّ.
وَالْقَوْلُ بِأَنَّ " اللَّفْظَ غَيْرُ مَخْلُوقٍ " نُسِبَ إلَى مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الذهلي وَأَبِي حَاتِمٍ الرَّازِي؛ بَلْ وَبَعْضُ النَّاسِ يَنْسُبُهُ إلَى أَبِي زُرْعَةَ أَيْضًا وَيَقُولُ إنَّهُ هُوَ وَأَبُو حَاتِمٍ هَجَرَا الْبُخَارِيَّ لَمَّا هَجَرَهُ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الذهلي وَالْقِصَّةُ فِي ذَلِكَ مَشْهُورَةٌ. وَبَعْدَ مَوْتِ أَحْمَد " وَقَعَ بَيْنَ بَعْضِ أَصْحَابِهِ وَبَعْضِهِمْ وَبَيْنَ طَوَائِفَ مِنْ غَيْرِهِمْ بِهَذَا السَّبَبِ وَكَانَ أَهْلُ الثَّغْرِ مَعَ مُحَمَّدِ بْنِ دَاوُد المصيصي شَيْخِ أَبِي دَاوُد يَقُولُونَ بِهَذَا. فَلَمَّا وَلِيَ صَالِحُ بْنُ أَحْمَد قَضَاءَ الثَّغْرِ: طَلَبَ مِنْهُ أَبُو بَكْرٍ المروذي أَنْ يُظْهِرَ لِأَهْلِ الثَّغْرِ " مَسْأَلَةَ أَبِي طَالِبٍ " فَإِنَّهُ قَدْ شَهِدَهَا صَالِحٌ وَعَبْدُ اللَّهِ ابْنَا أَحْمَد والمروذي وفوران وَغَيْرُهُمْ. وَصَنَّفَ المروذي كِتَابًا فِي الْإِنْكَارِ عَلَى مَنْ قَالَ: إنَّ لَفْظِي بِالْقُرْآنِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ وَأَرْسَلَ فِي ذَلِكَ إلَى الْعُلَمَاءِ بِمَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَالْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ وَخُرَاسَانَ وَغَيْرِهِمْ؛ فَوَافَقُوهُ. وَقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ أَبُو بَكْرٍ الْخَلَّالُ فِي " كِتَابِ السُّنَّةِ " وَبَسَطَ الْقَوْلَ فِي ذَلِكَ. وَمَعَ هَذَا فَطَوَائِفُ مِنْ الْمُنْتَسِبِينَ إلَى السُّنَّةِ وَإِلَى اتِّبَاعِ أَحْمَد كَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ منده وَأَبِي نَصْرٍ السجزي وَأَبِي إسْمَاعِيلَ الْأَنْصَارِيِّ
(12/207)

وَأَبِي الْعَلَاءِ الهمداني وَغَيْرِهِمْ يَقُولُونَ: لَفْظُنَا بِالْقُرْآنِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ. وَيَقُولُونَ: إنَّ هَذَا قَوْلُ أَحْمَد. وَيُكَذِّبُونَ - أَوْ مِنْهُمْ مَنْ يُكَذِّبُ - بِرِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ وَيَقُولُونَ: إنَّهَا مُفْتَعَلَةٌ عَلَيْهِ أَوْ يَقُولُونَ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ أَبُو نَصْرٍ السجزي فِي كِتَابِهِ " الْإِبَانَةِ " الْمَشْهُورِ. وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا قَالَهُ هَؤُلَاءِ؛ فَإِنَّ أَعْلَمَ النَّاسِ بِأَحْمَدَ وَأَخَصَّ النَّاسِ وَأَصْدَقَ النَّاسِ فِي النَّقْلِ عَنْهُ هُمْ الَّذِينَ رَوَوْا ذَلِكَ عَنْهُ؛ وَلَكِنَّ أَهْلَ خُرَاسَانَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْعِلْمِ بِأَقْوَالِ أَحْمَد مَا لِأَهْلِ الْعِرَاقِ الَّذِينَ هُمْ أَخَصُّ بِهِ. وَأَعْظَمُ مَا وَقَعَتْ فِتْنَةُ " اللَّفْظِ " بِخُرَاسَانَ وَتَعَصَّبَ فِيهَا عَلَى الْبُخَارِيِّ - مَعَ جَلَالَتِهِ وَإِمَامَتِهِ - وَإِنْ كَانَ الَّذِينَ قَامُوا عَلَيْهِ أَيْضًا أَئِمَّةٌ أَجِلَّاءٌ فَالْبُخَارِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مِنْ أَجَلِّ النَّاسِ. وَإِذَا حَسُنَ قَصْدُهُمْ وَاجْتَهَدَ هُوَ وَهْم أَثَابَهُ اللَّهُ وَإِيَّاهُمْ عَلَى حُسْنِ الْقَصْدِ وَالِاجْتِهَادِ. وَإِنْ كَانَ قَدْ وَقَعَ مِنْهُ أَوْ مِنْهُمْ بَعْضُ الْغَلَطِ وَالْخَطَأِ فَاَللَّهُ يَغْفِرُ لَهُمْ كُلِّهِمْ؛ لَكِنَّ مِنْ الْجُهَّالِ مَنْ لَا يَدْرِي كَيْفَ وَقَعَتْ الْأُمُورُ حَتَّى رَأَيْت بِخَطِّ بَعْضَ الشُّيُوخِ الَّذِينَ لَهُمْ عِلْمٌ وَدِينٌ يَقُولُ: مَاتَ الْبُخَارِيُّ بِقَرْيَةِ خرتنك فَأَرْسَلَ أَحْمَد إلَى أَهْلِ الْقَرْيَةِ يَأْمُرُهُمْ أَنْ لَا يُصَلُّوا عَلَيْهِ لِأَجْلِ قَوْلِهِ فِي " مَسْأَلَةِ اللَّفْظِ " وَهَذَا مِنْ أَبْيَنِ الْكَذِبِ عَلَى أَحْمَد وَالْبُخَارِيِّ وَكَاذِبُهُ جَاهِلٌ بِحَالِهِمَا. فَإِنَّ الْبُخَارِيَّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - تُوُفِّيَ سَنَةَ سِتٍّ وَخَمْسِينَ بَعْدَ مَوْتِ أَحْمَد بخمسة عَشَرَ
(12/208)

سَنَةً فَإِنَّ أَحْمَد تُوَفِّي سَنَةَ إحْدَى وَأَرْبَعِينَ وَكَانَ أَحْمَد مُكْرِمًا لِلْبُخَارِيِّ مُعَظِّمًا. وَأَمَّا تَعْظِيمُ الْبُخَارِيِّ وَأَمْثَالِهِ لَأَحْمَدَ فَهَذَا أَظْهَرُ مِنْ أَنْ يُذْكَرَ. وَالْبُخَارِيُّ ذَكَرَ فِي كِتَابِهِ فِي " خَلْقِ الْأَفْعَالِ " أَنَّ كِلْتَا الطَّائِفَتَيْنِ لَا تَفْهَمُ كَلَامَ أَحْمَد. وَمِنْ الطَّائِفَةِ الْأُخْرَى الْمُنْتَسِبَةِ إلَى السُّنَّةِ وَأَتْبَاعِ أَحْمَد: أَبُو نُعَيْمٍ الأصبهاني وَأَبُو بَكْرٍ البيهقي وَغَيْرُهُمَا مِمَّنْ يَقُولُ: إنَّهُمْ مُتَّبِعُونَ لَأَحْمَدَ وَإِنَّ قَوْلَهُمْ فِي " مَسْأَلَةِ اللَّفْظِ " مُوَافِقٌ لِقَوْلِ أَحْمَد. وَوَقَعَ بَيْنَ ابْنِ منده وَأَبِي نُعَيْمٍ بِسَبَبِ ذَلِكَ مُشَاجَرَةٌ حَتَّى صَنَّفَ أَبُو نُعَيْمٍ كِتَابَهُ فِي " الرَّدِّ عَلَى الحروفية الْحُلُولِيَّةِ " وَصَنَّفَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ كِتَابَهُ فِي الرَّدِّ عَلَى " اللَّفْظِيَّةِ ". وَالْمُنْتَصِرُونَ لِلسُّنَّةِ - مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ وَالْفِقْهِ: كَالْأَشْعَرِيِّ وَالْقَاضِي أَبِي بَكْرِ بْنِ الطَّيِّبِ وَالْقَاضِي أَبِي يَعْلَى وَغَيْرِهِمْ - يُوَافِقُونَ أَحْمَد عَلَى الْإِنْكَارِ عَلَى الطَّائِفَتَيْنِ عَلَى مَنْ يَقُولُ: لَفْظِي بِالْقُرْآنِ مَخْلُوقٌ وَعَلَى مَنْ يَقُولُ: لَفْظِي بِالْقُرْآنِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ وَلَكِنْ يَجْعَلُونَ سَبَبَ الْكَرَاهَةِ كَوْنَ الْقُرْآنِ لَا يُلْفَظُ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ الطَّرْحُ وَالرَّمْيُ. ثُمَّ هَؤُلَاءِ مِنْهُمْ مَنْ يُنْكِرُ تَكَلُّمَ اللَّهِ بِالصَّوْتِ. وَمِنْهُمْ مَنْ يُقِرُّ بِذَلِكَ؛ بَلْ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ إنَّ الصَّوْتَ الْمَسْمُوعَ هُوَ الصَّوْتُ الْقَدِيمُ وَيُنْكِرُونَ مَعَ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَقُولُ: لَفْظِي بِالْقُرْآنِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ لِظَنِّهِمْ أَنَّ الْكَرَاهَةَ
(12/209)

فِي ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ الطَّرْحِ وَالرَّمْيِ وَلَيْسَ الْأَمْرُ عَلَى مَا ظَنُّوهُ. فَإِنَّ الْإِمَامَ أَحْمَد وَغَيْرَهُ مِنْ الْأَئِمَّةِ لَمْ يُنْكِرُوا قَوْلَ الْقَائِلِ: لَفْظِي بِالْقُرْآنِ مَخْلُوقٌ أَوْ غَيْرُ مَخْلُوقٍ لِكَوْنِ اللَّفْظِ الطَّرْحَ فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمَا أَنْكَرُوا إلَّا مُجَرَّدَ مَا يَتَصَرَّفُ مِنْ حُرُوفِ لَفَظَ يُلْفَظُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ بَلْ أَنْكَرُوا عَلَى مَنْ قَالَ التِّلَاوَةُ وَالْقِرَاءَةُ مَخْلُوقَةٌ وَعَلَى مَنْ قَالَ: تِلَاوَتِي وَقِرَاءَتِي غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ مَعَ جَوَازِ قَوْلِ الْمُسْلِمِينَ: قَرَأْت الْقُرْآنَ وَتَلَوْته. وَ " أَيْضًا " فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: لَفَظْت الْكَلَامَ وَتَلَفَّظْت بِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ وَلَكِنَّ الْإِمَامَ أَحْمَد وَغَيْرُهُ مِنْ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ قَالُوا: مَنْ قَالَ: لَفْظِي بِالْقُرْآنِ وَتِلَاوَتِي أَوْ قِرَاءَتِي مَخْلُوقَةٌ فَهُوَ جهمي. وَمَنْ قَالَ: إنَّهُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ فَهُوَ مُبْتَدِعٌ لِأَنَّ " اللَّفْظَ " وَ " التِّلَاوَةَ " وَ " الْقِرَاءَةَ " يُرَادُ بِهِ مَصْدَرُ لَفَظَ يَلْفِظُ لَفْظًا وَمَصْدَرُ قَرَأَ يَقْرَأُ قِرَاءَةً وَتَلَا يَتْلُو تِلَاوَةً وَمُسَمَّى الْمَصْدَرِ هُوَ فِعْلُ الْعَبْدِ وَحَرَكَاتُهُ لَيْسَ هُوَ بِقَدِيمِ بِاتِّفَاقِ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا حَتَّى الْقَدَرِيَّةِ الْقَائِلُونَ بِأَنَّ أَفْعَالَ الْعِبَادِ غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ. يَقُولُونَ: إنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِقَدِيمِ. وَيَقُولُونَ إنَّهُ مَخْلُوقٌ لِلَّهِ. وَالسَّلَفُ وَالْأَئِمَّةُ - كَحَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ وَالْمُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ وَأَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ وَغَيْرِهِمْ - أَنْكَرُوا عَلَى مَنْ قَالَ: إنَّ
(12/210)

أَقْوَالَ الْعِبَادِ وَأَفْعَالَهُمْ غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ وَقَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ: مَا زِلْت أَسْمَعُ أَصْحَابَنَا يَقُولُونَ: إنَّ أَفْعَالَ الْعِبَادِ مَخْلُوقَةٌ. وَقَالَ بَعْضُ هَؤُلَاءِ: مَنْ قَالَ إنَّ هَذَا غَيْرُ مَخْلُوقٍ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ قَالَ: إنَّ سَمَاءَ اللَّهِ وَأَرْضَهُ غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ. وَقَدْ يُرَادُ بِالتِّلَاوَةِ وَالْقِرَاءَةِ وَاللَّفْظِ نَفْسُ الْقُرْآنِ الَّذِي أَنْزَلَهُ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي هُوَ كَلَامُ اللَّهِ.
وَمَنْ قَالَ إنَّ كَلَامَ اللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَى نَبِيِّهِ مَخْلُوقٌ فَهُوَ جهمي؛ وَلِهَذَا قَالَ أَحْمَد وَغَيْرُهُ مِنْ السَّلَفِ: الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ حَيْثُ تَصَرَّفَ غَيْرُ مَخْلُوقٍ وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ إنَّ أَصْوَاتَ الْعِبَادِ بِالْقُرْآنِ غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ أَوْ قَدِيمَةٌ وَلَا قَالَ أَيْضًا أَحَدٌ مِنْهُمْ: إنَّ الْمِدَادَ الَّذِي يُكْتَبُ بِهِ الْقُرْآنُ قَدِيمٌ أَوْ غَيْرُ مَخْلُوقٍ. فَمَنْ قَالَ إنَّ شَيْئًا مِنْ أَصْوَاتِ الْعِبَادِ أَوْ أَفْعَالِهِمْ أَوْ حَرَكَاتِهِمْ أَوْ مِدَادِهِمْ: قَدِيمٌ أَوْ غَيْرُ مَخْلُوقٍ فَهُوَ مُبْتَدِعٌ ضَالٌّ مُخَالِفٌ لِإِجْمَاعِ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ. وَقَدْ بَدَّعَ أَحْمَد بْنُ حَنْبَلٍ مَنْ هُوَ أَحْسَنُ حَالًا مِنْ هَؤُلَاءِ وَأَمَرَ بِهَجْرِهِمْ إنْ لَمْ يَرْجِعُوا عَنْ بِدْعَتِهِمْ. وَ " مَسْأَلَةُ الْقُرْآنِ " قَدْ كَثُرَ فِيهَا اضْطِرَابُ النَّاسِ حَتَّى قَالَ بَعْضُهُمْ: مَسْأَلَةُ الْكَلَامِ حَيَّرَتْ عُقُولَ الْأَنَامِ. وَغَالِبُهُمْ يَقْصِدُونَ وَجْهًا مِنْ
(12/211)

الْحَقِّ وَيَعْزُبُ عَنْهُمْ وَجْهٌ آخَرُ وَكَلَامُ الْأَئِمَّةِ مَنْ أَشَدِّ الْكَلَامِ كَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَمَنْ قَبْلَهُ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانِ وَسَائِر الْأَئِمَّةِ الَّذِينَ لَهُمْ فِي الْأُمَّةِ لِسَانُ صِدْقٍ: مِثْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَعَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ وَعَلْقَمَةَ وَالْأُسُودِ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَابْنِ سِيرِين وَغَيْرِهِمْ مِنْ التَّابِعِينَ. وَمِثْلُ مَالِكٍ وَالثَّوْرِيِّ وَالْأَوْزَاعِي وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ وَحَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ وَحَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى وَشَرِيكٍ وَأَمْثَالِهِمْ مِنْ تَابِعِي التَّابِعِينَ وَمِثْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقَ بْنِ إبْرَاهِيمَ وَأَبِي عُبَيْدٍ وَأَمْثَالُهُمْ مِنْ أَتْبَاعِ تَابِعِي التَّابِعِينَ. وَهُمْ أَئِمَّةُ أَهْلِ الْقُرُونِ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ دَخَلُوا فِي ثَنَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَيْثُ قَالَ: {خَيْرُ الْقُرُونِ الْقَرْنُ الَّذِي بُعِثْت فِيهِمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ} . وَمَنْ تَدَبَّرَ كَلَامَ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ فِي هَذَا الْبَابِ وَغَيْرِهِمْ وَجَدَهُ أَشَدَّ الْكَلَامِ الْمُطَابِقِ لِصَرِيحِ الْمَعْقُولِ وَصَحِيحِ الْمَنْقُولِ. وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ لَا تَحْتَمِلُ الْبَسْطَ هُنَا فَقَدْ بُسِطَتْ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ وَبُيِّنَ أَنَّ " الْكَلَامَ الْمَذْمُومَ " الَّذِي ذَمَّهُ السَّلَفُ هُوَ الْكَلَامُ الْبَاطِلُ الْمُخَالِفُ لِصَحِيحِ الْمَنْقُول وَصَرِيحِ الْمَعْقُولِ؛ وَأَنَّ مَا ثَبَتَ بِالْأَدِلَّةِ الْقَطْعِيَّةِ لَا يَتَعَارَضُ وَلَا يَتَنَاقَضُ أَصْلًا فَلَا يَتَعَارَضُ دَلِيلَانِ يَقِينِيَّانِ أَصْلًا سَوَاءً كَانَا عَقْلِيَّيْنِ
(12/212)

أَوْ سَمْعِيَّيْنِ أَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا عَقْلِيًّا وَالْآخَرُ سَمْعِيًّا وَمَنْ ظَنَّ أَنَّهُمَا يَتَعَارَضَانِ كَانَ ذَلِكَ خَطَأً مِنْهُ؛ لِاعْتِقَادِهِ فِي أَحَدِهِمَا أَنَّهُ يَقِينِيٌّ وَلَا يَكُونُ كَذَلِكَ وَلَا سِيَّمَا إذَا كَانَا جَمِيعًا غَيْرَ يَقِينِيَّيْنِ. وَاخْتِلَافُ النَّاسِ فِي هَذَا الْبَابِ وَغَيْرِهِ كَثِيرٌ مِنْهُ يَكُونُ " اخْتِلَافُ تَنَوُّعٍ " مِثْلُ أَنْ يَقْصِدَ هَذَا حَقًّا فِيمَا يُثْبِتُهُ وَالْآخَرُ يَقْصِدُ حَقًّا فِيمَا نَقَضَهُ وَكِلَاهُمَا صَادِقٌ. لَكِنْ يَظُنَّانِ أَنَّ بَيْنَهُمَا نِزَاعًا مَعْنَوِيًّا وَلَا يَكُونُ الْأَمْرُ كَذَلِكَ وَكَثِيرٌ مِنْ النِّزَاعِ يَعُودُ إلَى إطْلَاقَاتٍ لَفْظِيَّةٍ لَا إلَى مَعَانٍ عَقْلِيَّةٍ وَأَحْسَنُ النَّاسِ طَرِيقَةً مَنْ كَانَ إطْلَاقُهُ مُوَافِقًا لِلْإِطْلَاقَاتِ الشَّرْعِيَّةِ وَالْمَعَانِي الَّتِي يَقْصِدُهَا مَعَانٍ صَحِيحَةٌ تُطَابِقُ الشَّرْعَ وَالْعَقْلَ. . . (1) .
وَأَصْلُ مَنْشَأِ نِزَاعِ الْمُسْلِمِينَ فِي هَذَا الْبَابِ: أَنَّ الْمُتَكَلِّمِينَ - مِنْ الْجَهْمِيَّة وَالْمُعْتَزِلَةِ وَمَنْ اتَّبَعَهُمْ - سَلَكُوا فِي إثْبَاتِ حُدُوثِ الْعَالَمِ وَإِثْبَاتِ الصَّانِعِ طَرِيقًا مُبْتَدَعَةً فِي الشَّرْعِ مُضْطَرِبَةً فِي الْعَقْلِ وَأَوْجَبُوهَا وَزَعَمُوا أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ مَعْرِفَةُ الصَّانِعِ إلَّا بِهَا وَتِلْكَ الطَّرِيقُ فِيهَا مُقَدِّمَاتٌ مُجْمَلَةٌ لَهَا نَتَائِجُ مُجْمَلَةٌ فَغَلِطَ كَثِيرٌ مِنْ سَالِكِيهَا فِي مَقْصُودِ الشَّارِعِ وَمُقْتَضَى الْعَقْلِ فَلَمْ يَفْهَمُوا مَا جَاءَتْ بِهِ النُّصُوصُ النَّبَوِيَّةُ وَلَمْ يُحَرِّرُوا مَا اقْتَضَتْهُ الدَّلَائِلُ الْعَقْلِيَّةُ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ قَالُوا: لَا يُمْكِنُ مَعْرِفَةُ
__________

[تعليق مُعِدّ الكتاب للشاملة]
(1) بياض بالأصل
(12/213)

الصَّانِعِ إلَّا بِإِثْبَاتِ حُدُوثِ الْعَالَمِ وَلَا يُمْكِنُ إثْبَاتُ حُدُوثِ الْعَالَمِ إلَّا بِإِثْبَاتِ حُدُوثِ الْأَجْسَامِ. قَالُوا: وَالطَّرِيقُ إلَى ذَلِكَ هُوَ الِاسْتِدْلَالُ بِحُدُوثِ الْأَعْرَاضِ عَلَى حُدُوثِ مَا قَامَتْ بِهِ الْأَعْرَاضُ فَمِنْهُمْ مَنْ اسْتَدَلَّ بِالْحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ فَقَطْ وَمِنْهُمْ مَنْ احْتَجَّ بِالْأَكْوَانِ الَّتِي هِيَ عِنْدَهُمْ الِاجْتِمَاعُ وَالِافْتِرَاقُ وَالْحَرَكَةُ وَالسُّكُونُ. وَمِنْهُمْ مَنْ احْتَجَّ بِالْأَعْرَاضِ مُطْلَقًا. وَمَبْنَى الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ مَا لَا يَخْلُو مِنْ الْحَوَادِثِ فَهُوَ حَادِثٌ؛ لِامْتِنَاعِ حَوَادِثَ لَا أَوَّلَ لَهَا. فَيَقُولُ لَهُمْ الْمُعَارِضُونَ - مِنْ أَهْلِ الْمِلَلِ وَغَيْرِهِمْ الْقَائِلُونَ بِأَنَّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ مُحْدَثَةٌ عَنْ عَدَمٍ وَالْقَائِلُونَ بِأَنَّ الْأَفْلَاكَ قَدِيمَةٌ أَزَلِيَّةٌ - حُدُوثُ الْحَوَادِثِ بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُنْ أَمْرٌ حَادِثٌ. فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ سَبَبٍ حَادِثٍ وَإِلَّا لَزِمَ تَرْجِيحُ أَحَدِ طَرَفَيْ الْمُمْكِنِ بِلَا مُرَجِّحٍ. وَقَالَ لَهُمْ الْقَائِلُونَ بِحُدُوثِ الْأَفْلَاكِ مِنْ أَهْلِ الْمِلَلِ وَغَيْرِهِمْ: أَنْتُمْ أَثْبَتُّمْ حُدُوثَ الْعَالَمِ بِطَرِيقِ وَحُدُوثُ الْعَالَمِ لَا يَتِمُّ إلَّا مَعَ نَقِيضِ مَا أَثْبَتُّمُوهُ. فَمَا جَعَلْتُمُوهُ دَلِيلًا عَلَى حُدُوثِ الْعَالَمِ لَا يَدُلُّ عَلَى حُدُوثِهِ؛ بَلْ وَلَا يَسْتَلْزِمُ حُدُوثَهُ. وَالدَّلِيلُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مُسْتَلْزِمًا الْمَدْلُولَ؛ بِحَيْثُ يَلْزَمُ مِنْ تَحَقُّقِ الدَّلِيلِ تَحَقُّقُ الْمَدْلُولِ؛ بَلْ هُوَ مُنَافٍ لِحُدُوثِ الْعَالَمِ مُنَاقِضٌ لَهُ وَهُوَ يَقْتَضِي امْتِنَاعَ حُدُوثِ الْعَالَمِ بَلْ امْتِنَاعِ حُدُوثِ
(12/214)

شَيْءٍ مِنْ الْأَشْيَاءِ. وَهَذَا يَقْتَضِي بُطْلَانَهُ فِي نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَوْ صَحَّ لَمْ يَدُلَّ إلَّا عَلَى نَقِيضِ الْمَطْلُوبِ وَنَقِيضِ مَا يَقُولُهُ كُلُّ عَاقِلٍ. فَإِنَّ كُلَّ عَاقِلٍ يَعْلَمُ حُدُوثَ الْحَوَادِثِ فِي الْجُمْلَةِ سَوَاءٌ قِيلَ بِقِدَمِ الْأَفْلَاكِ أَمْ لَمْ يَقُلْ بِذَلِكَ؛ وَذَلِكَ أَنَّ مَبْنَى دَلِيلِكُمْ عَلَى أَنَّ الْقَادِرَ يُرَجِّحُ أَحَدَ مَقْدُورَيْهِ عَلَى الْآخَرِ بِلَا مُرَجِّحٍ وَأَنَّ الْإِرَادَةَ الْأَزَلِيَّةَ - الَّتِي نِسْبَتُهَا إلَى جَمِيعِ الْمُرَادَاتِ عَلَى السَّوَاءِ - رَجَّحَتْ مُرَادًا عَلَى مُرَادٍ بِلَا مُرَجِّحٍ غَيْرِ الْمُرَجِّحِ الَّذِي نِسْبَتُهُ إلَى جَمِيعِ الْمُرَجِّحَاتِ نِسْبَةٌ وَاحِدَةٌ لَا يَتَفَاضَلُ. وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْقَوْلَ بِتَرْجِيحِ وُجُودِ الْمُمْكِنِ عَلَى عَدَمِهِ بِلَا مُرَجِّحٍ أَوْ تَرْجِيحُ أَحَدِ الْمُتَمَاثِلَيْنِ عَلَى الْآخَرِ بِلَا سَبَبٍ يَقْتَضِي ذَلِكَ بَاطِلٌ فِي بَدِيهَةِ الْعَقْلِ. وَلَوْ قِيلَ: إنَّ ذَلِكَ صَحِيحٌ لَبَطَلَ الدَّلِيلُ الَّذِي يَسْتَدِلُّ بِهِ عَلَى ثُبُوتِ الصَّانِعِ وَحُدُوثِ الْعَالَمِ فَإِنَّ مَبْنَى الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ الْمُحْدَثَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُحْدِثٍ وَذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ أَنَّ تَرْجِيحَ الْحُدُوثِ عَلَى الْعَدَمِ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُرَجِّحٍ وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْمُحْدِثُ الْمُرَجِّحُ قَدْ حَدَثَ مِنْهُ مَا يَسْتَلْزِمُ وُجُودَ الْمُحْدَثِ الَّذِي جَعَلَهُ مَوْجُودًا وَإِذَا لَمْ يَلْزَمْ وُجُودُهُ كَانَ وُجُودُهُ جَائِزًا مُمْكِنًا: فَكَانَ مُحْتَمِلًا لِلْوُجُودِ وَالْعَدَمِ. فَتَرْجِيحُ الْوُجُودِ عَلَى الْعَدَمِ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُرَجِّحٍ مُحْدِثٍ لَهُ فَكَلُّ
(12/215)

مَا أَمْكَنَ حُدُوثُهُ إنْ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ مَا يَسْتَلْزِمُ حُدُوثَهُ لَمْ يَحْصُلْ فَمَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ لَا مَحَالَةَ وَوَجَبَ وُجُودُهُ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ؛ بَلْ يَمْتَنِعُ وُجُودُهُ مَعَ عَدَمِ مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى لَهُ فَمَا شَاءَ اللَّهُ حُدُوثَهُ كَانَ لَازِمَ الْحُدُوثِ وَاجِبَ الْحُدُوثِ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ لَا بِنَفْسِهِ وَمَا لَمْ يَشَأْ حُدُوثَهُ كَانَ مُمْتَنِعَ الْحُدُوثِ لَازَمَ الْعَدَمِ وَاجِبَ الْعَدَمِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ تُوجَدْ مَشِيئَةُ اللَّهِ الْمُسْتَلْزِمَةُ لِحُدُوثِهِ. ثُمَّ إنَّ الْفَلَاسِفَةَ الدَّهْرِيَّةَ الْقَائِلِينَ بِقِدَمِ الْعَالَمِ قَالُوا: مَا ذَكَرْتُمُوهُ مِنْ الدَّلِيلِ لَا يَدُلُّ عَلَى الْحُدُوثِ؛ بَلْ يَقْتَضِي عَدَمَ الْحُدُوثِ؛ لِأَنَّ حُدُوثَ الْحَوَادِثِ بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُنْ عَنْ ذَاتٍ لَمْ تَزَلْ مُعَطَّلَةً مِنْ الْفِعْلِ بَاطِلٌ فَيَكُونُ الْعَالَمُ قَدِيمًا وَعَبَّرُوا عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ جَمِيعَ الْأُمُورِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي كَوْنِهِ فَاعِلًا إنْ وُجِدَتْ فِي الْأَزَلِ لَزِمَ وُجُودُ الْفِعْلِ فِي الْأَزَلِ وَإِلَّا لَزِمَ تَخَلُّفُ الْمُقْتَضَى عَنْ الْمُقْتَضِي التَّامِّ. وَحِينَئِذٍ فَإِذَا وُجِدَتْ بَعْدَ ذَلِكَ لَزِمَ التَّرْجِيحُ بِلَا مُرَجِّحٍ وَإِنْ لَمْ تُوجَدْ فِي الْأَزَلِ فَوُجُودُهَا بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرٌ حَادِثٌ؛ فَيَقْتَضِي أَمْرًا حَادِثًا وَإِلَّا لَزِمَ الْحُدُوثُ بِلَا مُحْدِثٍ وَحِينَئِذٍ فَيَلْزَمُ تَسَلْسُلُ الْحَوَادِثِ فَإِنَّ الْقَوْلَ فِي هَذَا الْحَادِثِ كَالْقَوْلِ فِي غَيْرِهِ. وَهَذَا مِمَّا تُنْكِرُهُ الْمُعْتَزِلَةُ وَمُوَافِقُوهُمْ الْمُتَكَلِّمُونَ. قَالُوا: فَأَنْتُمْ بَيْنَ أَمْرَيْنِ: إمَّا إثْبَاتِ التَّسَلْسُلِ فِي الْحَوَادِثِ وَإِمَّا إثْبَاتِ التَّرْجِيحِ بِلَا مُرَجِّحٍ وَكِلَاهُمَا مُمْتَنِعٌ عِنْدَكُمْ.
(12/216)

ثُمَّ زَعَمَ هَؤُلَاءِ الْفَلَاسِفَةُ أَنَّ الْعَالَمَ قَدِيمٌ بِنَاءً عَلَى هَذِهِ الْحُجَّةِ وَمَنْ سَلَكَ سَبِيلَ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ أَثْبَتَ مَا أَثْبَتَتْهُ الرُّسُلُ مِنْ حُدُوثِ الْعَالَمِ بِالدَّلِيلِ الْعَقْلِيِّ الَّذِي لَا يَحْتَمِلُ النَّقِيضَ وَبَيَّنَ خَطَأَ الْمُتَكَلِّمِينَ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ وَنَحْوِهِمْ الَّذِينَ خَالَفُوا السَّلَفَ وَالْأَئِمَّةَ بِابْتِدَاعِ بِدْعَةٍ مُخَالِفَةٍ لِلشَّرْعِ وَالْعَقْلِ وَبَيَّنَ أَنَّ ضَلَالَ الْفَلَاسِفَةِ - الْقَائِلِينَ بِقِدَمِ الْعَالَمِ وَمُخَالَفَتَهُمْ الْعَقْلَ وَالشَّرْعَ - أَعْظَمُ مِنْ ضَلَالِ أُولَئِكَ وَبَيَّنَ أَنَّ الِاسْتِدْلَالَ عَلَى حُدُوثِ الْعَالَمِ لَا يَحْتَاجُ إلَى الطَّرِيقِ الَّتِي سَلَكَهَا أُولَئِكَ الْمُتَكَلِّمُونَ بَلْ يُمْكِنُ إثْبَاتُ حُدُوثِهِ بِطُرُقِ أُخْرَى عَقْلِيَّةٍ صَحِيحَةٍ لَا يُعَارِضُهَا عَقْلٌ صَرِيحٌ وَلَا نَقْلٌ صَحِيحٌ. وَثَبَتَ بِذَلِكَ أَنَّ مَا سِوَى اللَّهِ فَإِنَّهُ مُحْدَثٌ كَائِنٌ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ سَوَاءٌ سُمِّيَ جِسْمًا أَوْ عَقْلًا أَوْ نَفْسًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ. فَإِنَّ أُولَئِكَ الْمُتَكَلِّمِينَ مَنَّ الْمُعْتَزِلَةِ وَأَتْبَاعِهِمْ لَمَّا لَمْ يَكُنْ فِي حُجَّتِهِمْ إلَّا إثْبَاتُ حُدُوثِ أَجْسَامِ الْعَالَمِ قَالَتْ الْفَلَاسِفَةُ وَمَنْ وَافَقَهُمْ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ - كالشَّهْرَستَانِي وَالرَّازِيَّ وَالْآمِدِيَّ وَغَيْرِهِمْ - إنَّكُمْ لَمْ تُقِيمُوا دَلِيلًا عَلَى نَفْيِ مَا سِوَى الْأَجْسَامِ. وَحِينَئِذٍ فَإِثْبَاتُ حُدُوثِ أَجْسَامِ الْعَالَمِ لَا يَقْتَضِي حُدُوثَ مَا سِوَى اللَّهِ إنْ لَمْ تُثْبِتُوا أَنَّ كُلَّ مَا سِوَاهُ جِسْمٌ وَأَنْتُمْ لَمْ تُثْبِتُوا ذَلِكَ؛ وَلِهَذَا صَارَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ - كالأرموي وَمَنْ وَافَقَهُ مِنْ أَهْل مِصْرَ كَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ القشيري - إلَى أَنَّ أَجْسَامَ الْعَالَمِ مُحْدَثَةٌ. وَأَمَّا الْعُقُولُ وَالنُّفُوسُ فَتَوَقَّفُوا عَنْ حُدُوثِهَا وَقَالُوا بِقِدَمِهَا
(12/217)

وَإِنْ كَانَ حَقِيقَةُ قَوْلِهِمْ إنَّهُ مُوجِبٌ بِالذَّاتِ لَهَا وَإِنَّهُ مُحْدِثٌ لِلْأَجْسَامِ بِسَبَبِ حُدُوثِ بَعْضِ التَّصَوُّرَاتِ وَالْإِرَادَاتِ الَّتِي تَحْدُثُ لِلنُّفُوسِ فَيَصِيرُ ذَلِكَ سَبَبًا لِحُدُوثِ الْأَجْسَامِ وَهَذَا الْقَوْلُ كَمَا أَنَّهُ مَعْلُومُ الْبُطْلَانِ فِي الشَّرْعِ: فَهُوَ أَيْضًا مَعْلُومُ الْبُطْلَانِ فِي الْعَقْلِ كَمَا سَنُبَيِّنُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. فَنَقُولُ: الدَّلِيلُ الدَّالُّ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَا سِوَى اللَّهِ مُحْدَثٌ يَتَنَاوَلُ هَذَا وَهَذَا. وَ " أَيْضًا " فَإِذَا كَانَ مُوجِبًا بِالذَّاتِ كَانَ اخْتِصَاصُ حُدُوثِ أَجْسَامِ الْعَالَمِ بِذَلِكَ الْوَقْتِ دُونَ مَا قَبْلَهُ وَمَا بَعْدَهُ يَفْتَقِرُ إلَى مُخَصِّصٍ وَالْمُوجِبُ بِذَاتِهِ لَا يَصْدُرُ عَنْهُ مَا يَخْتَصُّ بِوَقْتِ دُونَ وَقْتٍ؛ إذْ لَوْ جَازَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مُوجِبًا بِذَاتِهِ؛ وَلَجَازَ حُدُوثُ الْعَالَمِ عَنْهُ وَلِأَنَّ النُّفُوسَ الَّتِي تُثْبِتُهَا الْفَلَاسِفَةُ هِيَ عِنْدَ جُمْهُورِهِمْ عَرَضٌ قَائِمٌ بِجِسْمِ الْفَلَكِ؛ فَيَمْتَنِعُ وُجُودُهَا بِهِ بِدُونِ الْفَلَكِ وَعِنْدَ ابْنِ سِينَا وَطَائِفَةٍ أَنَّهَا جَوْهَرٌ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ لَكِنَّهَا مُتَعَلِّقَةٌ بِالْجِسْمِ تَعَلُّقَ التَّدْبِيرِ وَالتَّصْرِيفِ. وَحِينَئِذٍ فَلَوْ وُجِدَتْ وَلَا تَعَلُّقَ لَهَا بِالْجِسْمِ لَمْ تَكُنْ نَفْسًا؛ بَلْ كَانَتْ عَقْلًا فَعُلِمَ أَنَّ وُجُود النَّفْسِ مُسْتَلْزِمٌ لِوُجُودِ الْجِسْمِ. فَإِذَا قَالَ هَؤُلَاءِ: إنَّ النَّفْسَ أَزَلِيَّةٌ دُونَ الْأَجْسَامِ كَانَ هَذَا الْقَوْلُ
(12/218)

بَاطِلًا بِصَرِيحِ الْعَقْلِ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَعْرِفْ بِهِ قَائِلٌ مِنْ الْعُقَلَاءِ قَبْلَ هَؤُلَاءِ. وَإِنَّمَا أَلْجَأَ هَؤُلَاءِ إلَى هَذَا ظَنُّهُمْ صِحَّةَ دَلِيلِ الْمُتَكَلِّمِينَ عَلَى حُدُوثِ الْأَجْسَامِ وَصِحَّةَ قَوْلِ الْفَلَاسِفَةِ بِوُجُودِ مَوْجُودٍ وَمُمْكِنٍ غَيْرِ الْأَجْسَامِ وَإِثْبَاتَ الْمُوجِبِ بِالذَّاتِ؛ فَلَمَّا بَنَوْا قَوْلَهُمْ عَلَى الْأَصْلِ الْفَاسِدِ لِهَؤُلَاءِ وَلِهَؤُلَاءِ: لَزِمَ هَذَا مَعَ أَنَّهُمْ مُتَنَاقِضُونَ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ هَذَيْنِ؛ فَإِنَّ عُمْدَةَ الْمُتَكَلِّمِينَ عَلَى إبْطَالِ حَوَادِثَ لَا أَوَّلَ لَهَا. وَعُمْدَةُ الْفَلَاسِفَةِ عَلَى أَنْ المؤثرية مِنْ لَوَازِمَ الْوَاجِبِ بِنَفْسِهِ فَإِذَا قَالُوا بِقِدَمِ نَفْسٍ لَهَا تَصَوُّرَاتٌ وَإِرَادَاتُ لَا تَتَنَاهَى: لَزِمَ جَوَازُ حَوَادِثَ لَا تَتَنَاهَى؛ فَبَطَلَ أَصْلُ قَوْلِ الْمُتَكَلِّمِينَ الَّذِي بَنَوْا عَلَيْهِ حُدُوثَ الْأَجْسَامِ؛ فَكَانَ حِينَئِذٍ مُوَافَقَتُهُمْ الْمُتَكَلِّمِينَ بِلَا حُجَّةٍ عَقْلِيَّةٍ فَعُلِمَ أَنَّهُمْ جَمَعُوا بَيْنَ الْمُتَنَاقَضَيْنِ. وَأَبُو عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ الْخَطِيبِ وَأَمْثَالُهُ كَانُوا أَفْضَلَ مِنْ هَؤُلَاءِ وَعَرَفُوا أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ هَذَا وَهَذَا فَلَمْ يَقُولُوا هَذَا الْقَوْلَ الْمُتَنَاقِضَ وَلَمْ يَهْتَدُوا إلَى مَذْهَبِ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ وَإِنْ كَانُوا يَذْكُرُونَ أُصُولَهُ فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ وَيُثْبِتُونَ أَنَّ جُمْهُورَ الْعُقَلَاءِ يَلْتَزِمُونَهَا فَلَوْ تَفَطَّنُوا لِمَا يَقُومُ بِذَاتِ اللَّهِ مِنْ كَلَامِهِ وَأَفْعَالِهِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ وَدَوَامِ اتِّصَافِهِ بِصِفَةِ الْكَمَالِ خَلَصُوا مِنْ هَذِهِ الْمَحَارَاتِ.
(12/219)

وَنَحْنُ نُنَبِّهُ عَلَى بَعْضِ الطُّرُقِ الْعَقْلِيَّةِ الَّتِي يُعْلَمُ بِهَا حُدُوثُ كُلِّ مَا سِوَى اللَّهِ تَعَالَى. فَنَقُولُ: مِنْ " الطُّرُقِ " الَّتِي يُعْلَمُ بِهَا حُدُوثُ كُلِّ مَا سِوَى اللَّهِ هِيَ أَنْ يُقَالَ: لَوْ كَانَ فِيمَا سِوَى اللَّهِ شَيْءٌ قَدِيمٌ لَكَانَ صَادِرًا عَنْ عِلَّةٍ تَامَّةٍ مُوجِبَةٍ بِذَاتِهَا مُسْتَلْزِمَةٍ لِمَعْلُولِهَا سَوَاءً ثَبَتَ لَهُ مَشِيئَةٌ أَوْ اخْتِيَارٌ أَوْ لَمْ يَثْبُتْ؛ فَإِنَّ الْقَدِيمَ الْأَزَلِيَّ الْمُمْكِنَ الَّذِي لَا يُوجَدُ بِنَفْسِهِ لَا يُتَصَوَّرُ وُجُودُهُ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي الْأَزَلِ مُقْتَضٍ تَامٌّ يَسْتَلْزِمُ ثُبُوتَهُ. وَهَذَا كَمَا أَنَّهُ مَعْلُومٌ بِضَرُورَةِ الْعَقْلِ فَلَا نِزَاعَ فِيهِ بَيْنَ الْعُقَلَاءِ فَلَا يَقُولُ أَحَدٌ: إنَّ الْقَدِيمَ الْأَزَلِيَّ صَادِرٌ عَنْ مُؤَثِّرٍ لَا يَلْزَمُهُ أَثَرُهُ فَلَا يَقُولُ: إنَّهُ صَادِرٌ عَنْ عِلَّةٍ غَيْرِ تَامَّةٍ مُسْتَلْزِمَةٍ لِغَيْرِ مَعْلُولِهَا وَلَا يَقُولُ: إنَّهُ صَادِرٌ عَنْ مُوجِبٍ بِذَاتِهِ لَا يُقَارِنُهُ مُوجَبُهُ وَمُقْتَضَاهُ وَلَا يَقُولُ: إنَّهُ صَادِرٌ عَنْ فَاعِلٍ بِالِاخْتِيَارِ يُمْكِنُ أَنْ يَتَأَخَّرَ مَفْعُولُهُ؛ فَإِنَّهُ إذَا أَمْكَنَ تَأَخُّرُ مَفْعُولِهِ أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْقَدِيمُ الْأَزَلِيُّ قَدِيمًا أَزَلِيًّا فَيَكُونُ ثُبُوتُهُ فِي الْأَزَلِ مُمْكِنًا وَلَيْسَ فِي الْأَزَلِ مَا يَسْتَلْزِمُ ثُبُوتَهُ فِي الْأَزَلِ فَيَمْتَنِعُ ثُبُوتُهُ فِي الْأَزَلِ. فَإِنَّ ثُبُوتَ الْمُمْكِنِ الْأَزَلِيِّ بِدُونِ مُقْتَضٍ تَامٍّ مُسْتَلْزِمٍ لَهُ مُمْتَنِعٌ بِضَرُورَةِ الْعَقْلِ. إذْ قَدْ عُلِمَ بِصَرِيحِ الْعَقْلِ أَنَّ شَيْئًا مِنْ الْمُمْكِنَاتِ لَا يَكُونُ حَتَّى يَحْصُلَ الْمُقْتَضِي التَّامُّ الْمُسْتَلْزِمُ لِثُبُوتِهِ.
(12/220)

وَمَنْ نَازَعَ فِي هَذَا مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ وَقَالَ إنَّهُ لَا يَنْتَهِي إلَى حَدِّ الْوُجُوبِ؛ بَلْ يَكُونُ الْعَقْلُ بِالْوُجُودِ أَوْلَى مِنْهُ بِالْعَدَمِ فَإِنَّهُ لَمْ يُنَازِعْ فِي أَنَّ الْقَادِرَ الْمُخْتَارَ يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ مَقْدُورُهُ الْمُعَيَّنُ أَزَلِيًّا مُقَارِنًا لَهُ؛ بَلْ هَذَا مِمَّا لَمْ يُنَازِعْ فِيهِ لَا هَؤُلَاءِ وَلَا غَيْرُهُمْ. فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ شَيْءٌ مِمَّا سِوَى اللَّهِ أَزَلِيًّا لَلَزِمَ أَنْ يَكُونَ لَهُ مُؤَثِّرٌ تَامٌّ مُسْتَلْزِمٌ لَهُ فِي الْأَزَلِ؛ سَوَاءٌ سُمِّيَ عِلَّةً تَامَّةً أَوْ مُوجِبًا بِالذَّاتِ أَوْ قُدِّرَ أَنَّهُ فَاعِلٌ بِالْإِرَادَةِ وَأَنَّ مُرَادَهُ الْمُعَيَّنَ يَكُونُ أَزَلِيًّا مُقَارِنًا لَهُ. وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَنَقُولُ: ثُبُوتُ عِلَّةٍ تَامَّةٍ أَزَلِيَّةٍ مُمْتَنِعٌ فَإِنَّ الْعِلَّةَ التَّامَّةَ الْأَزَلِيَّةَ تَسْتَلْزِمُ مَعْلُولَهَا لَا يَتَخَلَّفُ عَنْهَا شَيْءٌ مِنْ مَعْلُولِهَا؛ فَإِنَّهُ إنْ تَخَلَّفَ عَنْهَا لَمْ تَكُنْ عِلَّةً تَامَّةً لِمَعْلُولِهَا؛ فَيَمْتَنِعُ فِي الشَّيْءِ الْوَاحِدِ أَنْ يَكُونَ مُوجِبًا بِذَاتِهِ وَأَنْ يَتَخَلَّفَ عَنْهُ مُوجَبَهُ أَوْ شَيْءٌ مِنْ مُوجَبِهِ؛ فَإِنَّ الْمُوجِبَ بِالذَّاتِ لِشَيْءِ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْمُوجَبُ جَمِيعُهُ مُقَارِنًا لِذَاتِهِ وَالْعِلَّةُ التَّامَّةُ هِيَ الَّتِي يُقَارِنُهَا مَعْلُولُهَا. وَلَا يَتَأَخَّرُ عَنْهَا شَيْءٌ مِنْ مَعْلُولِهَا فَلَوْ تَأَخَّرَ عَنْهَا شَيْءٌ مِنْ مَعْلُولِهَا لَمْ تَكُنْ عِلَّةً تَامَّةً لِذَلِكَ الْمُسْتَأْخَرِ. وَالْفَلَاسِفَةُ يُسَلِّمُونَ أَنْ لَيْسَ عِلَّةٌ تَامَّةٌ فِي الْأَزَلِ لِجَمِيعِ الْحَوَادِثِ الَّتِي تَحْدُثُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ فَإِنَّ ذَلِكَ جَمْعٌ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ. إذْ يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ عِلَّةٌ تَامَّةٌ أَزَلِيَّةٌ لِأَمْرِ حَادِثٍ عَنْهُ غَيْرِ أَزَلِيٍّ.
(12/221)

وَإِنْ شِئْت قُلْت: يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ مُوجِبًا بِذَاتِهِ فِي الْأَزَلِ لِأَمْرِ حَادِثٍ لَيْسَ بِأَزَلِيِّ؛ سَوَاءٌ كَانَ إيجَابُهُ بِوَاسِطَةِ أَوْ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ فَإِنَّ تِلْكَ الْوَاسِطَةَ إنْ كَانَتْ أَزَلِيَّةً كَانَ اللَّازِمُ لَهَا أَزَلِيًّا وَإِنْ كَانَتْ حَادِثَةً كَانَ الْقَوْلُ فِيهَا كَالْقَوْلِ فِي الْحَادِثِ بِتَوَسُّطِهَا وَهَذَا الَّذِي سَلَّمُوهُ مَعْلُومٌ أَيْضًا بِصَرِيحِ الْعَقْلِ فَالْمُقَدِّمَةُ بُرْهَانِيَّةٌ مُسَلَّمَةٌ؛ لَكِنْ يَقُولُونَ: إنَّهُ عِلَّةٌ تَامَّةٌ؛ لِمَا هُوَ قَدِيمٌ كَالْأَفْلَاكِ عِنْدَهُمْ. وَلَيْسَ عِلَّةً تَامَّةً لِلْحَوَادِثِ وَهَذَا أَيْضًا بَاطِلٌ. وَذَلِكَ أَنَّ كُلَّ مَا يُقَالُ: إنَّهُ قَدِيمٌ كَالْأَفْلَاكِ إمَّا أَنْ يَجِبَ أَنْ يَكُونَ مُقَارِنًا لِلْحَوَادِثِ كَمَا يَقُولُونَ فِي الْفَلَكِ: إنَّهُ يَجِبُ لَهُ لُزُومُ الْحَرَكَةِ وَإِنَّهُ لَمْ يَزَلْ مُتَحَرِّكًا وَإِمَّا أَنَّهُ لَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُقَارِنًا لِشَيْءِ مِنْ الْحَوَادِثِ؛ فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ عِلَّةً تَامَّةً لِلْحَوَادِثِ وَكَوْنُهُ عِلَّةً تَامَّةً لِلْحَوَادِثِ مُحَالٌ؛ لِأَنَّ مَا قَارَنَتْهُ الْحَوَادِثُ وَلَمْ يَخْلُ مِنْهَا بَلْ هِيَ لَازِمَةٌ لَهُ امْتَنَعَ صُدُورُهُ عَنْ الْمُوجِبِ بِدُونِهَا وَوُجُودُ الْمَلْزُومِ بِدُونِ اللَّازِمِ مُحَالٌ وَإِذَا كَانَتْ الْحَرَكَةُ لَازِمَةً لِلْفَلَكِ كَمَا يَقُولُونَ: فَوُجُودُ الْفَلَكِ بِدُونِ الْحَرَكَةِ مُحَالٌ فَالْمُوجِبُ بِذَاتِهِ الَّذِي هُوَ عِلَّةٌ تَامَّةٌ لِلْفَلَكِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ عِلَّةً تَامَّةً مُوجِبَةً لِلَوَازِمِهِ وَعِلَّةً تَامَّةً فِي الْأَزَلِ بِحَرَكَتِهِ لَكِنَّ الْعِلَّةَ التَّامَّةَ الْأَزَلِيَّةَ لَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ عِلَّةً تَامَّةً أَزَلِيَّةً لِلْحَوَادِثِ لَا الْحَرَكَةِ وَلَا غَيْرِهَا لِأَنَّهُ يَجِبُ وُجُودُ مَعْلُولِهَا الَّذِي هُوَ مُوجَبُهَا وَمُقْتَضَاهَا
(12/222)

فِي الْأَزَلِ وَأَلَّا يَتَأَخَّرَ عَنْهَا شَيْءٌ مِنْ مُوجَبِهَا وَمُقْتَضَاهَا وَمَعْلُولِهَا. وَالْحَرَكَةُ الَّتِي تُوجَدُ شَيْئًا فَشَيْئًا هِيَ وَغَيْرُهَا مِنْ الْحَوَادِثِ الَّتِي تَحْدُثُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ لَيْسَ وَاحِدٌ مِنْهَا قَدِيمًا؛ بَلْ كُلٌّ مِنْهَا حَادِثٌ مَسْبُوقٌ بِآخَرَ؛ فَيَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِنْهَا مَعْلُولًا لِلْعِلَّةِ التَّامَّةِ الْأَزَلِيَّةِ؛ لِامْتِنَاعِ أَنْ يَكُونَ حَادِثٌ مِنْ الْحَوَادِثِ قَدِيمًا وَيَمْتَنِعُ وُجُودُ مَجْمُوعِ الْحَوَادِثِ فِي الْأَزَلِ وَيَمْتَنِعُ وُجُودُ الْمُسْتَلْزِمِ لِلْحَوَادِثِ إلَّا مَعَ حَادِثٍ مِنْ الْحَوَادِثِ أَوْ مَعَ مَجْمُوعِ الْحَوَادِثِ وَإِذَا كَانَ كِلَاهُمَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ قَدِيمًا امْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِمَّا يَسْتَلْزِمُ الْحَوَادِثَ قَدِيمًا فَامْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ لِشَيْءِ مِنْ الْحَوَادِثِ أَوْ مَا يَسْتَلْزِمُ الْحَوَادِثَ عِلَّةٌ تَامَّةٌ قَدِيمَةٌ؛ فَامْتَنَعَ صُدُورُ الْحَوَادِثِ أَوْ شَيْءٍ مِنْهَا أَوْ مِنْ مَلْزُومَاتِهَا عَنْ عِلَّةٍ تَامَّةٍ قَدِيمَةٍ؛ فَامْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ لَا يَخْلُو عَنْ الْحَوَادِثِ صَادِرًا عَنْ عِلَّةٍ تَامَّةٍ أَزَلِيَّةٍ؛ فَامْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ الْفَلَكُ الْمُقَارِنُ لِلْحَوَادِثِ عِلَّةً تَامَّةً أَزَلِيَّةً قَدِيمَةً. وَلَوْ كَانَ قَدِيمًا لَصَدَرَ عَنْ عِلَّةٍ تَامَّةٍ قَدِيمَةٍ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ قَدِيمًا إلَّا إذَا كَانَ الْمُقْتَضِي التَّامُّ ثَابِتًا فِي الْأَزَلِ وَثُبُوتُ الْمُقْتَضِي التَّامِّ لَهُ مُمْتَنِعٌ كَمَا أَنَّ قِدَمَهُ مُمْتَنِعٌ. وَأَمَّا إنْ قِيلَ: أَنَّ الْقَدِيمَ شَيْءٌ غَيْرُ مُقَارِنٍ لِلْحَوَادِثِ وَلَا مُسْتَلْزِمٍ لَهَا مِثْلُ أَنْ يُقَالَ: الْقَدِيمُ أَعْيَانٌ سَاكِنَةٌ هِيَ الْمَعْلُولُ الْأَوَّلُ فَيُقَالُ ذَلِكَ الْمَعْلُولُ إمَّا أَنْ يَجُوزَ حُدُوثُ حَالٍ مِنْ الْأَحْوَالِ إمَّا فِيهِ أَوْ عَنْهُ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ. وَإِمَّا أَلَّا يَجُوزَ.
(12/223)

فَإِنْ جَازَ حُدُوثُ حَالٍ مِنْ الْأَحْوَالِ لَهُ امْتَنَعَ حُدُوثُ ذَلِكَ الْحَادِثِ عَنْ عِلَّةٍ تَامَّةٍ أَزَلِيَّةٍ - وَهُوَ الْمُوجِبُ بِالذَّاتِ كَمَا تَقَدَّمَ وَكَمَا هُوَ مَعْلُومٌ وَمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْعُقَلَاءِ - وَلَا بُدَّ مِنْ مُحْدِثٍ وَالْمُحْدِثُ إنْ كَانَ سِوَى اللَّهِ فَالْقَوْلُ فِي حُدُوثِهِ إنْ كَانَ مُحْدَثًا أَوْ فِي حُدُوثِ ذَلِكَ الْإِحْدَاثِ لَهُ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ كَالْقَوْلِ فِي حُدُوثِ ذَلِكَ الْحَادِثِ وَإِنْ كَانَ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى امْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ مُوجِبًا بِالذَّاتِ لَهُ؛ إذْ الْقَدِيمُ لَا يَكُونُ مُوجِبًا بِالذَّاتِ لِحَادِثِ - كَمَا بُيِّنَ - فَامْتَنَعَ ثُبُوتُ الْعِلَّةِ الْقَدِيمَةِ. وَإِذَا لَمْ يَكُنْ الصَّانِعُ مُوجِبًا بِالذَّاتِ - فَلَا يَكُونُ عِلَّةً تَامَّةً - امْتَنَعَ قِدَمُ شَيْءٍ مِنْ الْعَالَمِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ قَدِيمٌ إلَّا عَنْ عِلَّةٍ تَامَّةٍ وَإِنْ قِيلَ إنَّهُ لَا يَجُوزُ حُدُوثٌ لِمَا فُرِضَ قَدِيمًا مَعْلُولًا لِلْأَوَّلِ؛ فَهَذَا مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ مِنْ الْعُقَلَاءِ فَهُوَ بَاطِلٌ؛ لِوُجُوهِ: " أَحَدُهَا " أَنَّ وَاجِبَ الْوُجُودِ تَحْدُثُ لَهُ النِّسَبُ وَالْإِضَافَاتُ بِاتِّفَاقِ الْعُقَلَاءِ. فَحُدُوثُ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ أَوْلَى. " الثَّانِي " أَنَّ الْحَوَادِثَ مَشْهُودَةٌ فِي الْعَالَمِ الْعُلْوِيِّ وَالسُّفْلِيِّ وَهَذِهِ الْحَوَادِثُ صَادِرَةٌ عَنْ اللَّهِ: إمَّا بِوَسَطِ أَوْ بِغَيْرِ وَسَطٍ فَإِذَا كَانَتْ بِوَسَطِ فَتِلْكَ الْوَسَائِطُ حَدَثَتْ عَنْهَا أُمُورٌ بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُنْ. فَلَزِمَ حُدُوثُ الْأَحْوَالِ لِلْقَدِيمِ سَوَاءٌ كَانَ هُوَ الصَّانِعَ أَوْ كَانَ هُوَ الْوَسَائِطَ لِلصَّانِعِ.
(12/224)

وَإِنْ قِيلَ: الْقَدِيمُ هُوَ شَيْءٌ لَيْسَ بِوَاسِطَةِ فِي شَيْءٍ آخَرَ. قِيلَ: لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَابِلًا لِحُدُوثِ الْأَحْوَالِ فَإِنَّهُ يُمْكِنُ حُدُوثُ النِّسَبِ وَالْإِضَافَاتِ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِالضَّرُورَةِ وَاتِّفَاقِ الْعُقَلَاءِ فَإِمْكَانُ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ أَوْلَى وَإِذَا كَانَ قَابِلًا لَهَا أَمْكَنَ أَنْ تَحْدُثَ لَهُ الْأَحْوَالُ كَمَا تَحْدُثُ لِغَيْرِهِ مِنْ الْمُمْكِنَاتِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَمْتَنِعُ حُدُوثُ الْحَوَادِثِ عَنْهُ: إمَّا بِوَسَطِ وَإِمَّا بِغَيْرِ وَسَطٍ؛ فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ قَابِلًا وَصُدُورُ مِثْلِ ذَلِكَ عَنْ الصَّانِعِ مُمْكِنٌ أَمْكَنَ حُدُوثُ الْحَوَادِثِ عَنْهُ أَوْ فِيهِ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ. وَحِينَئِذٍ فَالْقَوْلُ فِي حُدُوثِهَا كَالْقَوْلِ فِي حُدُوثِ سَائِر مَا يَحْدُثُ عَنْهُ وَذَلِكَ مُحَالٌ مِنْ الْعِلَّةِ التَّامَّةِ الْمُسْتَلْزِمَةِ لِمَعْلُومِهَا فَقَدْ بَيَّنَ هَذَا الْبُرْهَانُ الْبَاهِرُ أَنَّ كَوْنَ الْأَوَّلِ عِلَّةً تَامَّةً لِشَيْءِ مِنْ الْعَالَمِ - مُحَالٌ لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْفَلَكِ وَغَيْرِهِ؛ سَوَاءٌ قُدِّرَ ذَلِكَ الْغَيْرُ جِسْمًا أَوْ غَيْرَ جِسْمٍ وَسَوَاءٌ قُدِّرَ مُسْتَلْزِمًا لِلْحَوَادِثِ فِيهِ أَوْ عَنْهُ - كَمَا يَقُولُهُ الْفَلَاسِفَةُ الدَّهْرِيَّةُ: كالفارابي وَابْنِ سِينَا وَأَمْثَالُهُمَا وَسَلَفُهُمَا مِنْ الْيُونَانِ. فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ: الْفَلَكُ مُسْتَلْزِمٌ لِلْحَوَادِثِ الْقَدِيمَةِ وَالْعُقُولُ وَالنُّفُوسُ مُسْتَلْزِمَةٌ لِلْحَوَادِثِ الَّتِي تَحْدُثُ عَنْهَا فَكُلٌّ مِنْهَا مُقَارِنٌ لِلْحَوَادِثِ لَا يَجُوزُ تَقَدُّمُهُ عَلَيْهَا مَعَ كَوْنِ ذَلِكَ جَمِيعِهِ مَعْلُولًا لِلْمُوجِبِ بِذَاتِهِ فَإِذَا تَبَيَّنَ أَنَّ الْمُوجِبَ بِذَاتِهِ يَمْتَنِعُ أَنْ يَصْدُرَ عَنْهُ فِي الْأَزَلِ حَادِثٌ أَوْ مُسْتَلْزِمٌ لِحَادِثِ بَطَلَ كَوْنُ صَانِعِ الْعَالَمِ عِلَّةً تَامَّةً فِي الْأَزَلِ وَمَتَى بَطَلَ كَوْنُهُ عِلَّةً تَامَّةً فِي الْأَزَلِ امْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ فِيمَا سِوَاهُ شَيْءٌ قَدِيمٌ بِعَيْنِهِ فَهَذَا بَيَانُ أَنَّ كُلَّ مَا سِوَى اللَّهِ مُحْدَثٌ كَائِنٌ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ سَوَاءً قِيلَ
(12/225)

بِجَوَازِ دَوَامِ الْحَوَادِثِ أَوْ قِيلَ بِامْتِنَاعِ ذَلِكَ. فَإِنَّهُ إنْ قِيلَ بِامْتِنَاعِ دَوَامِ الْحَوَادِثِ لَزِمَ حُدُوثُ كُلِّ مَا لَا يَخْلُو عَنْ الْحَوَادِثِ وَإِنْ قِيلَ بِجَوَازِ دَوَامِ الْحَوَادِثِ فَكُلٌّ مِنْهَا حَادِثٌ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ مَسْبُوقًا بِالْعَدَمِ وَكُلٌّ مِنْ الْعَالَمِ مُسْتَلْزِمٌ لِحَادِثِ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ مَسْبُوقًا بِالْعَدَمِ وَكُلٌّ مِنْ الْعَالَمِ وَكُلُّ مَا كَانَ مَصْنُوعًا وَهُوَ مُسْتَلْزِمٌ لِلْحَوَادِثِ امْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ صَانِعُهُ عِلَّةً تَامَّةً قَدِيمَةً مُوجِبَةً لَهُ؛ فَإِذَا امْتَنَعَ ذَلِكَ امْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ قَدِيمًا فَامْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ مِنْ الْعَالَمِ مَا هُوَ قَدِيمٌ بِعَيْنِهِ. وَأَمَّا كَوْنُ الرَّبِّ لَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّمًا إذَا شَاءَ أَوْ لَمْ يَزَلْ فَاعِلًا تَقُومُ بِهِ الْأَفْعَالُ بِمَشِيئَتِهِ وَنَحْوُ ذَلِكَ - فَهَذَا هُوَ الَّذِي قَالَهُ السَّلَفُ وَالْأَئِمَّةُ؛ فَتَبَيَّنَ أَنَّ الَّذِي قَالَهُ السَّلَفُ وَالْأَئِمَّةُ هُوَ الْحَقُّ الْمُطَابِقُ لِلْمَنْقُولِ وَالْمَعْقُولِ. وَأَمَّا كَوْنُ قَوْلِ الْفَلَاسِفَةِ أَبْطَلَ مِنْ قَوْلِ الْمُعْتَزِلَةِ فَإِنَّهُ يُقَالُ لَهُمْ: أُولَئِكَ جَوَّزُوا حُدُوثَ الْحَوَادِثِ عَنْ ذَاتٍ لَمْ تَزَلْ غَيْرَ فَاعِلَةٍ وَلَا يَقُومُ بِهَا حَادِثٌ وَلَا يَصْدُرُ عَنْهَا حَادِثٌ وَأَنْتُمْ قُلْتُمْ الْحَوَادِثُ الدَّائِمَةُ الْمُخْتَلِفَةُ تَصْدُرُ عَنْ هَذِهِ الذَّاتِ وَزِدْتُمْ فِي نَفْيِ الصِّفَاتِ عَنْهَا فَجَعَلْتُمُوهَا وُجُودًا مُطْلَقًا بِشَرْطِ الْإِطْلَاقِ أَوْ مَا يُشْبِهُ ذَلِكَ فَقَوْلُكُمْ فِي نَفْيِ الصِّفَاتِ عَنْهَا أَعْظَمُ مِنْ قَوْلِ الْمُعْتَزِلَة.
(12/226)

وَقُلْتُمْ: هُوَ مُوجِبٌ بِذَاتِهِ عِلَّةٌ تَامَّةٌ أَزَلِيَّةٌ يُقَارِنُهَا الْمَعْلُولُ الْأَزَلِيُّ فَلَا يَتَأَخَّرُ عَنْهَا. وَمَعْلُومٌ أَنَّ صُدُورَ الْحَوَادِثِ الْمُخْتَلِفَةِ عَنْ الْعِلَّةِ التَّامَّةِ الْبَسِيطَةِ الْأَزَلِيَّةِ الَّتِي لَا يَتَخَلَّفُ عَنْهَا مُقْتَضَاهَا وَمَعْلُولُهَا أَشَدُّ امْتِنَاعًا مِنْ صُدُورِ الْحَوَادِثِ عَنْ قَادِرٍ مُخْتَارٍ بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُنْ صَادِرَةً عَنْهُ فَإِنْ كَانَ حُدُوثُ الْحَوَادِثِ عَنْ الْقَدِيمِ الَّذِي لَمْ يَقُمْ بِهِ حَادِثٌ مُمْتَنِعًا فَقَوْلُكُمْ أَشَدُّ امْتِنَاعًا وَإِنْ كَانَ مُمْكِنًا فَقَوْلُ الْمُعْتَزِلَةِ أَقْرَبُ؛ فَإِنَّ قَوْلَهُمْ: إنْ اقْتَضَى أَنْ لَا يَكُونُ لِلْحَوَادِثِ سَبَبٌ حَادِثٌ فَقَوْلُكُمْ يَقْتَضِي أَنْ لَا يَكُونَ لِلْحَوَادِثِ مُحْدَثٌ أَصْلًا وَالْحَوَادِثُ مَشْهُودَةٌ وَالْمُحْدِثُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا عِنْدَ وُجُودِهَا وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ كُلُّ مَا يُعْتَبَرُ فِي الْأَحْدَاثِ مَوْجُودًا عِنْدَ الْإِحْدَاثِ وَذَلِكَ يَمْتَنِعُ صُدُورُهُ عَنْ عِلَّةٍ تَامَّةٍ. فَتَبَيَّنَ أَنَّ الْمُقَدَّمَاتِ الَّتِي احْتَجَّ بِهَا الْفَلَاسِفَةُ عَلَى الْمُعْتَزِلَةِ وَأَتْبَاعِهِمْ عَلَى قِدَمِ الْعَالَمِ يُحْتَجُّ بِهَا بِعَيْنِهَا عَلَى حُدُوثِ الْعَالَمِ؛ فَإِنَّ مَبْنَى دَلِيلِهِمْ عَلَى أَنَّ الْعِلَّةَ التَّامَّةَ الْأَزَلِيَّةَ تَسْتَلْزِمُ مَعْلُولَهَا وَأَنَّ الْبَارِي إنْ لَمْ يَكُنْ عِلَّةً تَامَّةً أَزَلِيَّةً لَزِمَ الْحُدُوثُ بِلَا سَبَبٍ وَإِنْ كَانَ عِلَّةً تَامَّةً أَزَلِيَّةً لَزِمَ مُقَارَنَةُ مَعْلُولِهِ؛ فَيَلْزَمُ قِدَمُ الْعَالَمِ. أَمَّا كَوْنُهُ عِلَّةً تَامَّةً فَمُمْتَنِعٌ؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ التَّامَّةَ الْأَزَلِيَّةَ يُقَارِنُهَا مَعْلُولُهَا كُلُّهُ لَا يَتَأَخَّرُ عَنْهَا شَيْءٌ مِنْ مَعْلُولِهَا وَالْعَالَمُ لَا يَنْفَكُّ مِنْ حَوَادِثَ مُقَارَنَةٍ لَهُ بِالضَّرُورَةِ وَاتِّفَاقُ جَمَاهِيرِ الْعُقَلَاءِ وَمَا كَانَ مُسْتَلْزِمًا لِلْحَوَادِثِ امْتَنَعَ كَوْنُهُ مَعْلُولَ الْعِلَّةِ التَّامَّةِ الْأَزَلِيَّةِ؛ لِامْتِنَاعِ كَوْنِ الْحَوَادِثِ حَادِثَةً
(12/227)

عَنْ عِلَّةٍ تَامَّةٍ أَزَلِيَّةٍ فَإِنَّهُ مَا مِنْ حَادِثٍ إلَّا وَهُوَ مَسْبُوقٌ بِالْعَدَمِ فَلَيْسَ هُوَ عِلَّةً تَامَّةً لِشَيْءِ مِنْهَا وَمَا مِنْ زَمَنٍ يُقَدَّرُ إلَّا وَفِيهِ حَادِثٌ فَلَيْسَ هُوَ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَوْقَاتِ عِلَّةً تَامَّةً لَا فِي الْمَاضِي وَلَا الْمُسْتَقْبَلَ؛ فَامْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ عِلَّةً تَامَّةً وَهُوَ الْمَطْلُوبُ؛ فَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ كَوْنُ كُلِّ مَا سِوَاهُ مُحْدَثًا سَوَاءً قِيلَ بِتَسَلْسُلِ الْحَادِثَةِ أَوْ لَمْ يُقَلْ. وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: إنْ لَمْ يَكُنْ عِلَّةً تَامَّةً أَزَلِيَّةً لَزِمَ الْحُدُوثُ بِلَا سَبَبٍ. فَيُقَالُ لَهُمْ: هَذَا إنَّمَا يَلْزَمُ إذَا لَمْ يَكُنْ مُتَكَلِّمًا إذَا شَاءَ - تَقُومُ بِهِ الْأَفْعَالُ الِاخْتِيَارِيَّةُ بِقُدْرَتِهِ تَعَالَى - وَإِلَّا فَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ لَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَالُ قَادِرًا عَلَى الْفِعْلِ مُتَكَلِّمًا إذَا شَاءَ وَحِينَئِذٍ فَمَا حَصَلَ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ مِنْ أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ يَكُونُ هُوَ السَّبَبَ لِمَا بَعْدَهُ. وَإِنْ قَالُوا: هَذَا يَسْتَلْزِمُ قِيَامَ الْحَوَادِثِ بِهِ قِيلَ لَهُمْ أَوَّلًا: قِيَامُ الْحَوَادِثِ بِالْقَدِيمِ جَائِزٌ عِنْدَكُمْ وَمَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ فَإِنَّمَا أَنْكَرَهُ لِاعْتِقَادِهِ أَنَّ مَا قَامَتْ بِهِ الْحَوَادِثُ فَهُوَ حَادِثٌ فَإِنْ كَانَ هَذَا الِاعْتِقَادُ صَحِيحًا بَطَلَ قَوْلُكُمْ بِقِدَمِ الْأَفْلَاكِ وَإِنْ كَانَ بَاطِلًا بَطَلَتْ حُجَّةُ مَنْ قَالَ: إنَّ الْقَدِيمَ لَا تَقُومُ بِهِ الْحَوَادِثُ؛ فَلَا يُمْكِنُكُمْ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ أَنْ تَقُولُوا إنَّهُ لَا تَقُومُ بِهِ الْحَوَادِثُ؛ لَكِنْ أَنْتُمْ نَفَيْتُمْ ذَلِكَ بِنَاءً عَلَى نَفْيِ الصِّفَاتِ وَقَوْلُكُمْ فِي نَفْيِ الصِّفَاتِ فِي غَايَةِ الْفَسَادِ وَدَلِيلُكُمْ عَلَيْهِ قَدْ بُيِّنَ فَسَادُهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ وَبُيِّنَ بُطْلَانُ مَا ذَكَرْتُمُوهُ.
(12/228)

وَ " بِالْجُمْلَةِ " فَإِذَا كَانَ الْقَوْلُ بِحُدُوثِ الْعَالَمِ مُسْتَلْزِمًا لِإِثْبَاتِ الصِّفَاتِ وَقِيَامِ الْأَفْعَالِ بِاَللَّهِ كَانَ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ دَلِيلِ حُدُوثِهِ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ الْعَالَمَ مُحْدَثٌ وَأَنَّ مُحْدِثَهُ مَوْصُوفٌ بِالصِّفَاتِ الْقَائِمَةِ بِهِ فَاعِلُ الْأَفْعَالِ الِاخْتِيَارِيَّةِ الْقَائِمَةِ بِهِ كَمَا دَلَّتْ عَلَى ذَلِكَ النُّصُوصُ الْإِلَهِيَّةُ الْمُتَوَاتِرَةُ عَنْ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ الْقُرْآنِ وَالتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ. وَذَلِكَ مَا بَيْنَ مُوَافَقَةِ الْعَقْلِ الصَّرِيحِ لِلنَّقْلِ الصَّحِيحِ وَالْقَضَايَا الْعَقْلِيَّةِ الَّتِي هِيَ أُصُولُ فِطَرِ الْعُقَلَاءِ وَمُنْتَهَى عَقْلِهِمْ تُوَافِقُ ذَلِكَ وَاعْتُبِرَ ذَلِكَ بِمَا ذَكَرَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ الْخَطِيبِ الرَّازِي فِي كِتَابِهِ " الْأَرْبَعِينَ " فِي ضَبْطِ الْمُقَدِّمَاتِ الَّتِي يُمْكِنُ الرُّجُوعُ إلَيْهَا فِي إثْبَاتِ الْمَطَالِبِ الْعَقْلِيَّةِ. قَالَ: وَاعْلَمْ أَنَّ هَهُنَا " مُقَدِّمَتَيْنِ " يُفَرِّعُ الْمُتَكَلِّمُونَ وَالْفَلَاسِفَةُ أَكْثَرَ مَبَاحِثِهِمْ عَلَيْهِمَا. " الْمُقَدِّمَةُ الْأُولَى " مُقَدِّمَةُ الْكَمَالِ وَالنُّقْصَانِ كَقَوْلِهِمْ هَذِهِ الصِّفَةُ مِنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ فَيَجِبُ إثْبَاتُهَا لِلَّهِ وَهَذِهِ الصِّفَةُ مِنْ صِفَاتِ النُّقْصَانِ فَيَجِبُ نَفْيُهَا عَنْ اللَّهِ وَأَكْثَرُ مَذَاهِبِ الْمُتَكَلِّمِينَ مُفَرَّعَةٌ عَلَى هَذِهِ الْمُقَدِّمَةِ. إلَى أَنْ قَالَ: " أَمَّا الْمُقَدِّمَةُ الثَّانِيَةُ " وَهِيَ مُقَدِّمَةُ الْوُجُوبِ؛ وَالْإِمْكَانِ وَهَذِهِ
(12/229)

الْمُقَدِّمَةُ فِي غَايَةِ الشَّرَفِ وَالْعُلُوِّ وَهِيَ غَايَةُ عُقُولِ الْعُقَلَاءِ. قَالُوا: الْوُجُودُ إمَّا وَاجِبٌ وَإِمَّا مُمْكِنٌ وَالْمُمْكِنُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ وَاجِبٍ وَكَذَلِكَ الْوَاجِبُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ وَاجِبًا فِي ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ: إذْ لَوْ كَانَ مُمْكِنًا لَافْتَقَرَ إلَى مُؤَثِّرٍ آخَرَ.
[" أَمَّا الْمُقَدِّمَةُ الْأُولَى " وَهِيَ أَنَّهُ وَاجِبٌ لِذَاتِهِ: فَهَذَا لَهُ لَازِمَانِ: الْأَوَّلُ أَنْ يَكُونَ مُنَزَّهًا عَنْ الْكَثْرَةِ فِي حَقِيقَتِهِ ثُمَّ يَلْزَمُ فِي ذَاتِهِ أُمُورٌ: " أَحَدُهَا " أَنْ لَا يَكُونَ مُتَحَيِّزًا؛ لِأَنَّ كُلَّ مُتَحَيِّزٍ مُنْقَسِمٌ وَالْمُنْقَسِمُ لَا يَكُونُ فَرْدًا وَإِذَا لَمْ يَكُنْ مُتَحَيِّزًا لَمْ يَكُنْ فِي جِهَةٍ. وَ " ثَانِيهَا " أَنْ لَا يَكُونَ وَاجِبُ الْوُجُودِ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ وَلَوْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ لَاشْتَرَكَا فِي الْوُجُوبِ وَتَبَايَنَا فِي التَّعْيِينِ وَمَا بِهِ الِاشْتِرَاكُ غَيْرُ مَا بِهِ الِامْتِيَازُ؛ فَيَلْزَمُ كَوْنُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُرَكَّبًا فِي نَفْسِهِ وَقَدْ فَرَضْنَاهُ فَرْدًا هَذَا خَالَفَ اللَّازِمَ الثَّانِيَ؛ لِكَوْنِهِ وَاجِبَ الْوُجُودِ لِذَاتِهِ أَنْ لَا يَكُونُ حَالًّا وَلَا مَحَلًّا وَالْأَفْعَالُ الِافْتِقَارُ هِيَ. . . (1)
قُلْت: وَلِقَائِلِ أَنْ يَقُولَ: هَذَا هُوَ أَصْلُ الْفَلَاسِفَةِ فِي التَّوْحِيدِ الَّذِي نَفَوْا بِهِ صِفَاتِهِ تَعَالَى وَهُوَ ضَعِيفٌ جِدًّا] (*) .
_________

[تعليق مُعِدّ الكتاب للشاملة]
(1) هكذا بالأصل
(*) قال الشيخ ناصر بن حمد الفهد (ص 105) :
وقد وقع اضطراب وتصحيف في آخر النقل عن الرازي، وصحة هذا النقل كما في (الأربعين) 2 / 326:
(أما المقدمة الأولى) وهي أنه واجب لذاته:
فهذا له لازمان:
الأول: أن يكون منزها عن الكثرة في حقيقته ثم يلزم من فردانيته في ذاته أمران:
أحدهما: أن لا يكون متحيزا؛ لأن كل متحيز منقسم، والمنقسم لا يكون فردا، ولما لم يكن متحيزا لم يكن في جهة.
وثانيهما: أن لا يكون واجب الوجود أكثر من واحد، إذ لو كان أكثر من واحد لاشتركا في الوجوب وتباينا في التعين، وما به الاشتراك غير ما به الامتياز؛ فيلزم كون كل واحد منهما مركبه في نفسه، وقد قرضناه فردا، هذا خلف.
اللازم الثاني: كون واجب الوجود لذاته لا يكون حالا ولا محلا، وإلا لعاد الافتقار. اه (1) .

(1) لا يخفى وقوع التصحيف في بعض العبارات المنقولة، وآخرها تصحيف علامة انتهاء النقل (اه) إلى (هي) كما يظهر.
(12/230)

وَالْأَصْلُ الَّذِي بَنَوْا عَلَيْهِ ذَلِكَ ضَعِيفٌ جِدًّا وَإِنْ كَانَ اشْتَبَهَ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ: وَقَوْلُهُمْ: إنَّ الْوَاجِبَ لَا يَكُونُ إلَّا وَاحِدًا. قَصَدُوا بِهِ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ عِلْمٌ وَلَا قُدْرَةٌ وَلَا حَيَاةٌ وَلَا كَلَامٌ يَقُومُ بِهِ وَلَا شَيْءٌ مِنْ الصِّفَاتِ الْقَائِمَةِ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَكَانَ الْوَاجِبُ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ كَمَا يَقُولُهُ الْمُعْتَزِلَةُ إنَّهُ لَيْسَ لَهُ صِفَاتٌ قَدِيمَةٌ قَائِمَةٌ بِذَاتِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَكَانَ الْقَدِيمُ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ. وَلَفْظُ " الْوَاجِبُ وَالْقَدِيمُ " يُرَادُ بِهِ الْإِلَهُ الْخَالِقُ سُبْحَانَهُ الْوَاجِبُ الْوُجُودِ الْقَدِيمُ فَهَذَا لَيْسَ إلَّا وَاحِدًا وَيُرَادُ بِهِ صِفَاتُهُ الْأَزَلِيَّةُ وَهِيَ قَدِيمَةٌ وَاجِبَةٌ بِتَقَدُّمِ الْمَوْصُوفِ وَوُجُوبِهِ لَمْ يَجِبْ أَنْ تَكُونَ مُمَاثِلَةً لَهُ وَلَا تَكُونُ إلَهًا كَمَا أَنَّ صِفَةَ النَّبِيِّ لَيْسَتْ بِنَبِيِّ وَصِفَةَ الْإِنْسَانِ وَالْحَيَوَانِ لَيْسَتْ بِإِنْسَانِ وَلَا حَيَوَانٍ وَكَمَا أَنَّ صِفَةَ الْمُحْدَثِ إنْ كَانَتْ مُحْدَثَةً فَمُوَافَقَتُهَا لَهُ فِي الْحُدُوثِ لَا يَقْتَضِي مُمَاثَلَتَهَا لَهُ وَمَا ذَكَرُوا مِنْ الْحُجَّةِ عَلَى ذَلِكَ ضَعِيفَةٌ. فَإِذَا قَالُوا: لَوْ كَانَ لَهُ عِلْمٌ وَاجِبٌ بِوُجُوبِ الْعَالِمِ لَكَانَ الْوَاجِبُ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ. قِيلَ لَهُ: وَلِمَ قُلْتُمْ بِامْتِنَاعِ كَوْنِ الْوَاجِبِ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ؛ إذْ كَانَتْ الذَّاتُ الْوَاجِبَةُ إلَهًا وَاحِدًا مَوْصُوفًا بِصِفَاتِ الْكَمَالِ.
(12/231)

قَوْلُهُمْ: لَوْ كَانَ أَكْثَرُ مِنْ وَاحِدٍ لَاشْتَرَكَا فِي الْوُجُوبِ وَتَبَايَنَا فِي التَّعْيِينِ وَمَا بِهِ الِاشْتِرَاكُ غَيْرُ مَا بِهِ الِامْتِيَازُ؛ فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْهُمَا مُرَكَّبًا فِي نَفْسِهِ؛ وَقَدْ فَرَضْنَاهُ؛ فَرَدَّ هَذَا خَلْقٌ. يُقَالُ لَهُ فِي جَوَابِهِ قَوْلُ الْقَائِلِ اشْتَرَكَا فِي الْوُجُوبِ وَتَبَايَنَا فِي التَّعْيِينِ تُرِيدُ بِهِ أَنَّ الْوُجُوبَ الَّذِي يَخْتَصُّ كُلًّا مِنْهُمَا شَارَكَهُ الْآخَرُ فِيهِ أَمْ تُرِيدُ أَنَّهُمَا اشْتَرَكَا فِي الْوُجُوبِ الْمُطْلَقِ الْكُلِّيِّ. وَالْأَوَّلُ بَاطِلٌ لَا يُرِيدُهُ عَاقِلٌ. وَأَمَّا الثَّانِي فَيُقَالُ: اشْتِرَاكُهُمَا فِي الْمُطْلَقِ الْكُلِّيِّ كَاشْتِرَاكِهِمَا فِي التَّعْيِينِ الْمُطْلَقِ الْكُلِّيِّ. فَإِنَّ هَذَا لَهُ تَعْيِينٌ يَخُصُّهُ وَالتَّعْيِينَانِ يَشْتَرِكَانِ فِي مُطْلَقِ التَّعْيِينِ. وَكَذَلِكَ هَذَا لَهُ حَقِيقَةٌ تَخُصُّهُ وَهَذَا لَهُ حَقِيقَةٌ تَخُصُّهُ وَهُمَا يَشْتَرِكَانِ فِي مُطْلَقِ الْحَقِيقَةِ وَكَذَلِكَ لِهَذَا ذَاتٌ تَخُصُّهُ وَلِهَذَا ذَاتٌ تَخُصُّهُ وَهُمَا يَشْتَرِكَانِ فِي مُطْلَقِ الذَّاتِ. وَكَذَلِكَ سَائِر الْأَسْمَاءِ الَّتِي تَعُمُّ بِالْإِطْلَاقِ وَتَخُصُّ بِالتَّقْيِيدِ كَاسْمِ الْمَوْجُودِ وَالنَّفْسِ وَالْمَاهِيَّةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَمَعْلُومٌ أَنَّهُمَا اشْتَرَكَا فِي الْوُجُوبِ الْمُطْلَقِ وَامْتَازَ كُلٌّ مِنْهُمَا بِوُجُوبِهِ بِتَعْيِينِ يَخُصُّهُ. وَحِينَئِذٍ: فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْوُجُوبِ وَالتَّعْيِينِ. فَقَوْلُ الْقَائِلِ: اشْتَرَكَا فِي الْوُجُوبِ الْمُطْلَقِ وَتَبَايَنَا بِالتَّعْيِينِ الْخَاصِّ.
(12/232)

كَقَوْلِ الْقَائِلِ اشْتَرَكَا فِي التَّعْيِينِ الْمُطْلَقِ وَتَبَايَنَا بِالْوُجُوبِ الْخَاصِّ. وَمَعْلُومُ أَنَّ مِثْلَ هَذَا لَا مَنْدُوحَةَ عَنْهُ سَوَاءٌ سُمِّيَ تَرْكِيبًا أَوْ لَمْ يُسَمَّ فَلَا يُمْكِنُ مَوْجُودٌ يَخْلُو عَنْ مِثْلِ هَذِهِ الْمُشَارَكَةِ وَالْمُبَايَنَةِ لَا وَاجِبٌ وَلَا غَيْرُهُ وَمَا كَانَ مِنْ لَوَازِمِ الْوُجُودِ كَانَ نَفْيُهُ عَنْ الْوُجُودِ الْوَاجِبِ مُمْتَنِعًا. وَ " أَيْضًا " فَالْمُشْتَرَكُ الْمُطْلَقُ الْكُلِّيُّ لَا يَكُونُ كُلِّيًّا مُشْتَرَكًا إلَّا فِي الْأَذْهَانِ لَا فِي الْأَعْيَانِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَيْسَ فِي أَحَدِهِمَا شَيْءٌ يُشَارِكُهُ الْآخَرُ فِيهِ فِي الْخَارِجِ؛ بَلْ كُلُّ مَا اتَّصَفَ بِهِ أَحَدُهُمَا لَمْ يَتَّصِفْ الْآخَرُ بِعَيْنِهِ وَلَمْ يُشَارِكْهُ فِيهِ؛ بَلْ لَا يُشَابِهُهُ فِيهِ أَوْ يُمَاثِلُهُ فِيهِ. وَإِذَا كَانَ الِاشْتِرَاكُ لَيْسَ إلَّا فِي مَا فِي الْأَذْهَانِ لَمْ يَكُنْ أَحَدُهُمَا مُرَكَّبًا فِي مُشْتَرَكٍ وَمُمَيَّزٍ؛ بَلْ يَكُونُ كُلٌّ مِنْهُمَا مَوْصُوفًا بِصِفَةِ تَخُصُّهُ لَا يُشَابِهُهُ الْآخَرُ فِيهَا وَبِصِفَةِ يُشَابِهُهُ الْآخَرُ فِيهَا وَهَذَا لَا مَحْذُورَ فِيهِ. وَأَيْضًا فَيُقَالُ: هَذَا مَنْقُوضٌ بِالْوُجُودِ فَإِنَّ الْوُجُودَ الْوَاجِبَ وَالْمُمْكِنَ يَشْتَرِكَانِ فِي مُسَمَّى الْوُجُودِ وَيُبَايِنُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ بِخُصُوصِهِ؛ فَيَلْزَمُ تَرْكِيبُ الْوُجُودِ الْوَاجِبِ مِمَّا بِهِ الِاشْتِرَاكُ وَمِمَّا بِهِ الِامْتِيَازُ؛ فَمَا كَانَ الْجَوَابُ عَنْ هَذَا كَانَ الْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ. وَ " أَيْضًا " فَيُقَالُ: هَبْ أَنَّكُمْ سَمَّيْتُمْ هَذَا تَرْكِيبًا. فَلِمَ قُلْتُمْ إنَّ
(12/233)

هَذَا مُمْتَنِعٌ عَلَى مَوْجُودٍ مِنْ الْمَوْجُودَاتِ وَاجِبًا كَانَ أَوْ مُمْكِنًا؟ مَعَ أَنَّ الْمُنَازِعَ يَقُولُ هَذَا الْمَعْنَى الَّذِي نَفَيْتُمُوهُ وَسَمَّيْتُمُوهُ تَرْكِيبًا هُوَ لَازِمٌ لِكُلِّ مَوْجُودٍ. قَوْلُهُمْ: وَقَدْ فَرَضْنَاهُ فَرْدًا. قِيلَ: هَبْ أَنَّكُمْ فَرَضْتُمُوهُ كَذَلِكَ؛ لَكِنَّ مُجَرَّدَ فَرْضِكُمْ لَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ فَرْدًا بِالْمَعْنَى الَّذِي ادَّعَيْتُمُوهُ إنْ لَمْ يَقُمْ عَلَى ذَلِكَ دَلِيلٌ.
(12/234)

وَسُئِلَ - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ -: (*)
عَنْ بَيَانِ مَا يَجِبُ عَلَى الْإِنْسَانِ أَنْ يَعْتَقِدَهُ وَيَصِيرُ بِهِ مُسْلِمًا؛ بِأَوْضَحِ عِبَارَةٍ وَأَبْيَنِهَا مِنْ أَنَّ مَا فِي الْمَصَاحِفِ هَلْ هُوَ كَلَامُ اللَّهِ الْقَدِيمُ؟ أَمْ هُوَ عِبَارَةٌ عَنْهُ لَا نَفْسُهُ وَأَنَّهُ حَادِثٌ أَوْ قَدِيمٌ وَأَنَّ كَلَامَ اللَّهِ حَرْفٌ وَصَوْتٌ؟ أَمْ كَلَامُهُ صِفَةٌ قَائِمَةٌ بِهِ لَا تُفَارِقُهُ؟ وَأَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} حَقِيقَةٌ أَمْ لَا؟ وَأَنَّ الْإِنْسَانَ إذَا أَجْرَى الْقُرْآنَ عَلَى ظَاهِرِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَأَوَّلَ شَيْئًا مِنْهُ وَيَقُولُ أُؤمِنُ (1) بِهِ كَمَا أُنْزِلَ هَلْ يَكْفِيهِ ذَلِكَ فِي الِاعْتِقَادِ أَمْ يَجِبُ عَلَيْهِ التَّأْوِيلُ؟
فَأَجَابَ:
الَّذِي يَجِبُ عَلَى الْإِنْسَانِ اعْتِقَادُهُ فِي ذَلِكَ وَغَيْرِهِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ كِتَابُ اللَّهِ وَسُنَّةُ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ سَلَفُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ أَثْنَى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ وَعَلَى مَنْ اتَّبَعَهُمْ وَذَمَّ مَنْ اتَّبَعَ غَيْرَ سَبِيلِهِمْ وَهُوَ أَنَّ الْقُرْآنَ الَّذِي أَنْزَلَهُ اللَّهُ عَلَى عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى وَأَنَّهُ مُنَزَّلٌ غَيْرُ مَخْلُوقٍ مِنْهُ بَدَأَ وَإِلَيْهِ يَعُودُ وَأَنَّهُ قُرْآنٌ كَرِيمٌ. فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ. لَا يَمَسُّهُ إلَّا الْمُطَهَّرُونَ وَأَنَّهُ
__________

[تعليق مُعِدّ الكتاب للشاملة]
(*) قال الشيخ ناصر بن حمد الفهد (ص 107) :
هذه الفتيا سماها الشيخ رحمه الله: (جواب الفتيا المصرية) ، وهي مذكورة في (التسعينية) (12 / 529 - 544) .
وقد بقي جزاءان من إجابة السؤال لم تذكر في المجموع وأعني الكلام على (الاستواء وهل هو حقيقة، وإجراء القرآن على ظاهره بلا تأويل) ، وهي مذكورة في (التسعينية) 2 / 544 - 547.
ويظهر أن نص الفتيا المصرية الكامل هو الموجود في (الفتاوى) ؛ لأن الشيخ رحمه الله ذكرها في (التسعينية) بهذا اللفظ، ثم قال في نهايتها (هذا لفظ الجواب في الفتيا المصرية) ، ثم قال بعد ذلك: قلت: وأما سؤال السائل عن قوله عز وجل: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) . . . الخ
فيبدو أنه استدرك باقي الاجابة فيما بعد، والله تعالى أعلم.
(1) في الأصل (أو من) . (صيانة مجموع الفتاوى من السقط والتصحيف - ص 106: هامش 2)
(12/235)

{قُرْآنٌ مَجِيدٌ} {فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ} . وَأَنَّهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ} وَأَنَّهُ فِي الصُّدُورِ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {اسْتَذْكِرُوا الْقُرْآنَ فَلَهُوَ أَشَدُّ تَفَصِّيًا مِنْ صُدُورِ الرِّجَالِ مِنْ النَّعَمِ فِي عُقُلِهَا} وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {الْجَوْفُ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ الْقُرْآنِ كَالْبَيْتِ الْخَرِبِ} وَأَنَّ مَا بَيْنَ لَوْحَيْ الْمُصْحَفِ الَّذِي كَتَبَتْهُ الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ كَلَامُ اللَّهِ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {لَا تُسَافِرُوا بِالْقُرْآنِ إلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ؛ مَخَافَةَ أَنْ تَنَالَهُ أَيْدِيهِمْ} . فَهَذِهِ " الْجُمْلَةُ " تَكْفِي الْمُسْلِمَ فِي هَذَا الْبَابِ. وَأَمَّا تَفْصِيلُ مَا وَقَعَ فِي ذَلِكَ مِنْ النِّزَاعِ فَكَثِيرٌ مِنْهُ يَكُونُ كِلَا الْإِطْلَاقَيْنِ خَطَأً وَيَكُونُ الْحَقُّ فِي التَّفْصِيلِ وَمِنْهُ مَا يَكُونُ مَعَ كُلٍّ مِنْ الْمُتَنَازِعَيْنِ نَوْعٌ مِنْ الْحَقِّ وَيَكُونُ كُلٌّ مِنْهُمَا يُنْكِرُ حَقَّ صَاحِبِهِ. وَهَذَا مِنْ التَّفَرُّقِ وَالِاخْتِلَافِ الَّذِي ذَمَّهُ اللَّهُ تَعَالَى وَنَهَى عَنْهُ فَقَالَ: {وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ} وَقَالَ: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ} وَقَالَ: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} وَقَالَ: {وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ} .
(12/236)

فَالْوَاجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يَلْزَمَ سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسُنَّةَ خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ وَالسَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ مَنَّ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَاَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانِ. وَمَا تَنَازَعَتْ فِيهِ الْأُمَّةُ وَتَفَرَّقَتْ فِيهِ إنْ أَمْكَنَهُ أَنْ يَفْصِلَ النِّزَاعَ بِالْعِلْمِ وَالْعَدْلِ وَإِلَّا اسْتَمْسَكَ بِالْجُمَلِ الثَّابِتَةِ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ وَأَعْرَضَ عَنْ الَّذِينَ فَرَّقُوا دَيْنَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا فَإِنَّ مَوَاضِعَ التَّفَرُّقِ وَالِاخْتِلَافِ عَامَّتُهَا تَصْدُرُ عَنْ اتِّبَاعِ الظَّنِّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمْ الْهُدَى. وَقَدْ بَسَطْت الْقَوْلَ فِي جِنْسِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ بِبَيَانِ مَا كَانَ عَلَيْهِ سَلَفُ الْأُمَّةِ الَّذِي اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْعَقْلُ وَالسَّمْعُ. وَبَيَانُ مَا يَدْخُلُ فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ الِاشْتِرَاكِ وَالِاشْتِبَاهِ وَالْغَلَطِ فِي مَوَاضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ وَلَكِنْ نَذْكُرُ مِنْهَا جُمْلَةً مُخْتَصَرَةً بِحَسَبِ حَالِ السَّائِلِ. وَالْوَاجِبُ أَمْرُ الْعَامَّةِ بِالْجُمَلِ الثَّابِتَةِ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ وَمَنْعُهُمْ مِنْ الْخَوْضِ فِي التَّفْصِيلِ الَّذِي يُوقِعُ بَيْنَهُمْ الْفُرْقَةَ وَالِاخْتِلَافَ فَإِنَّ الْفُرْقَةَ وَالِاخْتِلَافَ مِنْ أَعْظَمِ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ وَرَسُولُهُ. وَالتَّفْصِيلُ الْمُخْتَصَرُ أَنْ نَقُولَ: مَنْ اعْتَقَدَ أَنَّ الْمِدَادَ الَّذِي فِي الْمُصْحَفِ وَأَصْوَاتَ الْعِبَادِ قَدِيمَةٌ أَزَلِيَّةٌ فَهُوَ ضَالٌّ مُخْطِئٌ مُخَالِفٌ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ وَسَائِر عُلَمَاءِ الْإِسْلَامِ وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ قَطُّ مِنْ
(12/237)

عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ إنَّ ذَلِكَ قَدِيمٌ لَا مِنْ أَصْحَابِ الْإِمَامِ أَحْمَد وَلَا مَنْ غَيْرِهِمْ وَمَنْ نَقَلَ قِدَمَ ذَلِكَ عَنْ أَحَدٍ مِنْ عُلَمَاءِ أَصْحَابِ الْإِمَامِ أَحْمَد وَنَحْوِهِمْ فَهُوَ مُخْطِئٌ فِي هَذَا النَّقْلِ أَوْ مُتَعَمِّدٌ لِلْكَذِبِ؛ بَلْ الْمَنْصُوصُ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَد وَعَامَّةِ أَصْحَابِهِ تَبْدِيعُ مَنْ قَالَ: لَفْظِي بِالْقُرْآنِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ كَمَا جَهَّمُوا مَنْ قَالَ: اللَّفْظُ بِالْقُرْآنِ مَخْلُوقٌ. وَقَدْ صَنَّفَ أَبُو بَكْرٍ المروذي - أَخَصُّ أَصْحَابِ الْإِمَامِ أَحْمَد بِهِ - فِي ذَلِكَ رِسَالَةً كَبِيرَةً مَبْسُوطَةً وَنَقَلَهَا عَنْهُ أَبُو بَكْرٍ الْخَلَّالُ فِي " كِتَابِ السُّنَّةِ " الَّذِي جَمَعَ فِيهِ كَلَامَ الْإِمَامِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ مِنْ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ فِي أَبْوَابِ الِاعْتِقَادِ وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْحَدِيثِ إذْ ذَاكَ أَطْلَقَ الْقَوْلَ بِأَنَّ لَفْظِي بِالْقُرْآنِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ مُعَارَضَةً لِمَنْ قَالَ: لَفْظِي بِالْقُرْآنِ مَخْلُوقٌ فَبَلَغَ ذَلِكَ الْإِمَامَ أَحْمَد فَأَنْكَرَ ذَلِكَ إنْكَارًا شَدِيدًا وَبَدَّعَ مَنْ قَالَ ذَلِكَ وَأَخْبَرَ أَنَّ أَحَدًا مِنْ الْعُلَمَاءِ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ فَكَيْفَ بِمَنْ يَزْعُمُ أَنَّ صَوْتَ الْعَبْدِ قَدِيمٌ وَأَقْبَحُ مِنْ ذَلِكَ مَنْ يَحْكِي عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الْمِدَادَ الَّذِي فِي الْمُصْحَفِ قَدِيمٌ وَجَمِيعُ أَئِمَّةِ أَصْحَابِ الْإِمَامِ أَحْمَد وَغَيْرُهُمْ أَنْكَرُوا ذَلِكَ وَمَا عَلِمْت أَنَّ عَالِمًا يَقُولُ ذَلِكَ إلَّا مَا يَبْلُغُنَا عَنْ بَعْضِ الْجُهَّالِ: مِنْ الْأَكْرَادِ وَنَحْوِهِمْ ". وَقَدْ مَيَّزَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ بَيْنَ الْكَلَامِ وَالْمِدَادِ فَقَالَ تَعَالَى: {قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ
(12/238)

جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا} فَهَذَا خَطَأٌ مِنْ هَذَا الْجَانِبِ وَكَذَلِكَ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْقُرْآنَ مَحْفُوظٌ فِي الصُّدُورِ كَمَا أَنَّ اللَّهَ مَعْلُومٌ بِالْقُلُوبِ وَأَنَّهُ مَتْلُوٌّ بِالْأَلْسُنِ كَمَا أَنَّ اللَّهَ مَذْكُورٌ بِالْأَلْسُنِ وَأَنَّهُ مَكْتُوبٌ فِي الْمُصْحَفِ كَمَا أَنَّ اللَّهَ مَكْتُوبٌ. وَجَعْلُ ثُبُوتِ الْقُرْآنِ فِي الصُّدُورِ وَالْأَلْسِنَةِ وَالْمَصَاحِفِ مِثْلَ ثُبُوتِ ذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ؛ فَهَذَا - أَيْضًا - مُخْطِئٌ فِي ذَلِكَ فَإِنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ ثُبُوتِ الْأَعْيَانِ فِي الْمُصْحَفِ وَبَيْنَ ثُبُوتِ الْكَلَامِ فِيهَا بَيِّنٌ وَاضِحٌ؛ فَإِنَّ الْمَوْجُودَاتِ لَهَا أَرْبَعُ مَرَاتِبَ: مَرْتَبَةٌ فِي الْأَعْيَانِ وَمَرْتَبَةٌ فِي الْأَذْهَانِ وَمَرْتَبَةٌ فِي اللِّسَانِ وَمَرْتَبَةٌ فِي الْبَنَانِ. فَالْعِلْمُ يُطَابِقُ الْعَيْنَ وَاللَّفْظُ يُطَابِقُ الْعِلْمَ وَالْخَطُّ يُطَابِقُ اللَّفْظَ. فَإِذَا قِيلَ: إنَّ الْعَيْنَ فِي كِتَابِ اللَّهِ كَمَا فِي قَوْلِهِ: {وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ} فَقَدْ عُلِمَ أَنَّ الَّذِي فِي الزُّبُرِ إنَّمَا هُوَ الْخَطُّ الْمُطَابِقُ لِلَّفْظِ الْمُطَابِقِ لِلْعِلْمِ فَبَيْنَ الْأَعْيَانِ وَبَيْنَ الْمُصْحَفِ مَرْتَبَتَانِ وَهِيَ اللَّفْظُ وَالْخَطُّ وَأَمَّا الْكَلَامُ نَفْسُهُ فَلَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُصْحَفِ مَرْتَبَةٌ بَلْ نَفْسُ الْكَلَامِ يُجْعَلُ فِي الْكِتَابِ وَإِنْ كَانَ بَيْنَ الْحَرْفِ الْمَلْفُوظِ وَالْحَرْفِ الْمَكْتُوبِ فَرْقٌ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ إلَّا إذَا أُرِيدَ أَنَّ الَّذِي فِي الْمُصْحَفِ هُوَ ذِكْرُهُ وَالْخَبَرُ عَنْهُ مِثْلُ قَوْله تَعَالَى {وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ} {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ}
(12/239)

{عَلَى قَلْبِكَ} إلَى قَوْلِهِ: {وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ} . {أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إسْرَائِيلَ} . فَاَلَّذِي فِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ لَيْسَ هُوَ نَفْسُ الْقُرْآنِ الْمُنَزَّلِ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ لَمْ يَنْزِلْ عَلَى أَحَدٍ قَبْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَكِنْ فِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ ذِكْرُ الْقُرْآنِ وَخَبَرُهُ كَمَا فِيهَا ذِكْرُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَخَبَرُهُ كَمَا أَنَّ أَفْعَالَ الْعِبَادِ فِي الزُّبُرِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ} فَيَجِبُ الْفَرْقُ بَيْنَ كَوْنِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ فِي الزُّبُرِ وَبَيْنَ كَوْنِ الْكَلَامِ نَفْسِهِ فِي الزُّبُرِ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: {إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ} {فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ} وَقَالَ تَعَالَى: {يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً} {فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ} . فَمَنْ قَالَ إنَّ الْمِدَادَ قَدِيمٌ فَقَدْ أَخْطَأَ وَمَنْ قَالَ لَيْسَ فِي الْمُصْحَفِ كَلَامُ اللَّهِ وَإِنَّمَا فِيهِ الْمِدَادُ الَّذِي هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ كَلَامِ اللَّهِ فَقَدْ أَخْطَأَ؛ بَلْ الْقُرْآنُ فِي الْمُصْحَفِ كَمَا أَنَّ سَائِر الْكَلَامِ فِي الْوَرَقِ كَمَا أَنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَيْهِ وَكَمَا هُوَ فِي فِطَرِ الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّ كُلَّ مَرْتَبَةٍ لَهَا حُكْمٌ يَخُصُّهَا وَلَيْسَ وُجُودُ الْكَلَامِ فِي الْكِتَابِ كَوُجُودِ الصِّفَةِ فِي الْمَوْصُوفِ مِثْلُ وُجُودِ الْعِلْمِ وَالْحَيَاةِ فِي مَحَلِّهِمَا حَتَّى يُقَالَ: إنَّ صِفَةَ اللَّهِ حَلَّتْ بِغَيْرِهِ أَوْ فَارَقَتْهُ وَلَا الْوُجُودُ فِيهِ كَالدَّلِيلِ الْمَحْضِ مِثْلُ وُجُودِ الْعَالَمِ الدَّالِّ عَلَى الْبَارِي تَعَالَى حَتَّى يُقَالَ: لَيْسَ فِيهِ إلَّا مَا هُوَ عَلَامَةٌ عَلَى كَلَامِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ؛
(12/240)

بَلْ هُوَ قِسْمٌ آخَرُ وَمَنْ لَمْ يُعْطِ كُلَّ مَرْتَبَةٍ مِمَّا يُسْتَعْمَلُ فِيهَا أَدَاةُ الظَّرْفِ حَقَّهَا فَيُفَرِّقُ بَيْنَ وُجُودِ الْجِسْمِ فِي الْحَيِّزِ وَفِي الْمَكَانِ وَوُجُودِ الْعَرَضِ بِالْجِسْمِ وَوُجُودِ الصُّورَةِ بِالْمِرْآةِ وَيُفَرِّقُ بَيْنَ رُؤْيَةِ الشَّيْءِ بِالْعَيْنِ يَقَظَةً وَبَيْنَ رُؤْيَتِهِ بِالْقَلْبِ يَقِظَةً وَمَنَامًا وَنَحْوَ ذَلِكَ وَإِلَّا اضْطَرَبَتْ عَلَيْهِ الْأُمُورُ. وَكَذَلِكَ سُؤَالُ السَّائِلِ عَمَّا فِي الْمُصْحَفِ هَلْ هُوَ حَادِثٌ أَوْ قَدِيمٌ؟ سُؤَالٌ مُجْمَلٌ؛ فَإِنَّ لَفْظَ الْقَدِيمِ أَوَّلًا لَيْسَ مَأْثُورًا عَنْ السَّلَفِ وَإِنَّمَا الَّذِي اتَّفَقُوا عَلَيْهِ أَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ وَهُوَ كَلَامُ اللَّهِ حَيْثُ تُلِيَ وَحَيْثُ كُتِبَ وَهُوَ قُرْآنٌ وَاحِدٌ وَكَلَامٌ وَاحِدٌ وَإِنْ تَنَوَّعَتْ الصُّوَرُ الَّتِي يُتْلَى فِيهَا وَيُكْتَبُ مِنْ أَصْوَاتِ الْعِبَادِ وَمِدَادِهِمْ. فَإِنَّ الْكَلَامَ كَلَامُ مَنْ قَالَهُ مُبْتَدِئًا لَا كَلَامُ مَنْ بَلَّغَهُ مُؤَدِّيًا فَإِذَا سَمِعْنَا مُحَدِّثًا يُحَدِّثُ بِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ} قُلْنَا: هَذَا كَلَامُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَفْظُهُ وَمَعْنَاهُ مَعَ عِلْمِنَا أَنَّ الصَّوْتَ صَوْتُ الْمُبَلِّغِ لَا صَوْتُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهَكَذَا كُلُّ مَنْ بَلَّغَ كَلَامَ غَيْرِهِ مَنْ نَظْمٍ وَنَثْرٍ. وَنَحْنُ إذَا قُلْنَا: هَذَا كَلَامُ اللَّهِ لِمَا نَسْمَعُهُ مِنْ الْقَارِئِ وَنَرَى فِي الْمُصْحَفِ فَالْإِشَارَةُ إلَى الْكَلَامِ مِنْ حَيْثُ هُوَ هُوَ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَمَّا اقْتَرَنَ بِهِ الْبَلَاغُ مِنْ صَوْتِ الْمُبَلِّغِ وَمِدَادِ الْكَاتِبِ.
(12/241)

فَمَنْ قَالَ: صَوْتُ الْقَارِئِ وَمِدَادُ الْكَاتِبِ كَلَامُ اللَّهِ الَّذِي لَيْسَ بِمَخْلُوقِ فَقَدْ أَخْطَأَ وَهَذَا الْفَرْقُ الَّذِي بَيَّنَهُ الْإِمَامُ أَحْمَد لِمَنْ سَأَلَهُ وَقَدْ قَرَأَ: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} فَقَالَ: هَذَا كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ فَقَالَ: نَعَمْ. فَنَقَلَ السَّائِلُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: لَفْظِي بِالْقُرْآنِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ فَدَعَا بِهِ وَزَبَرَهُ زَبْرًا شَدِيدًا وَطَلَبَ عُقُوبَتَهُ وَتَعْزِيرَهُ وَقَالَ: أَنَا قُلْت لَك لَفْظِي بِالْقُرْآنِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ فَقَالَ: لَا وَلَكِنْ قُلْت لِي لَمَّا قَرَأْت {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} هَذَا كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ. قَالَ: فَلِمَ تَنْقُلُ عَنِّي مَا لَمْ أَقُلْهُ. فَبَيَّنَ الْإِمَامُ أَحْمَد أَنَّ الْقَائِلَ إذَا قَالَ لِمَا سَمِعَهُ مِنْ الْمُبَلِّغِينَ الْمُؤَدِّينَ: هَذَا كَلَامُ اللَّهِ. فَالْإِشَارَةُ إلَى حَقِيقَتِهِ الَّتِي تَكَلَّمَ اللَّهُ بِهَا وَإِنْ كُنَّا إنَّمَا سَمِعْنَاهَا بِبَلَاغِ الْمُبَلِّغِ وَحَرَكَتِهِ وَصَوْتِهِ؛ فَإِذَا أَشَارَ إلَى شَيْءٍ مِنْ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِ لَفْظِهِ أَوْ صَوْتِهِ أَوْ فِعْلِهِ وَقَالَ: هَذَا غَيْرُ مَخْلُوقٍ فَقَدْ ضَلَّ وَأَخْطَأَ. فَالْوَاجِبُ أَنْ يُقَالَ: الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ. فَالْقُرْآنُ فِي الْمَصَاحِفِ كَمَا أَنَّ سَائِر الْكَلَامِ فِي الصُّحُفِ وَلَا يُقَالُ: إنَّ شَيْئًا مِنْ الْمِدَادِ وَالْوَرَقِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ؛ بَلْ كُلُّ وَرَقٍ وَمِدَادٍ فِي الْعَالَمِ فَهُوَ مَخْلُوقٌ وَيُقَالُ أَيْضًا: الْقُرْآنُ الَّذِي فِي الْمُصْحَفِ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ وَالْقُرْآنُ الَّذِي يَقْرَؤُهُ الْمُسْلِمُونَ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ. وَيَتَبَيَّنُ هَذَا الْجَوَابُ بِالْكَلَامِ عَلَى " الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ " وَهِيَ قَوْلُهُ:
(12/242)

إنَّ كَلَامَ اللَّهِ هَلْ هُوَ حَرْفٌ وَصَوْتٌ أَمْ لَا؟ فَإِنَّ إطْلَاقَ الْجَوَابِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ نَفْيًا وَإِثْبَاتًا خَطَأٌ وَهِيَ مِنْ الْبِدَعِ الْمُوَلَّدَةِ الْحَادِثَةِ بَعْدَ الْمِائَةِ الثَّالِثَةِ لَمَّا قَالَ قَوْمٌ مِنْ مُتَكَلِّمَةِ الصفاتية: إنَّ كَلَامَ اللَّهِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى أَنْبِيَائِهِ - كَالتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَاَلَّذِي لَمْ يُنَزِّلْهُ وَالْكَلِمَاتِ الَّتِي كَوَّنَ بِهَا الْكَائِنَاتِ وَالْكَلِمَاتِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ وَخَبَرِهِ لَيْسَتْ إلَّا مُجَرَّدَ مَعْنًى وَاحِدٍ هُوَ صِفَةٌ وَاحِدَةٌ قَامَتْ بِاَللَّهِ إنْ عُبِّرَ عَنْهَا بالعبرانية كَانَتْ التَّوْرَاةَ وَإِنْ عُبِّرَ عَنْهَا بِالْعَرَبِيَّةِ كَانَتْ الْقُرْآنَ وَإِنَّ الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ وَالْخَبَرَ صِفَاتٌ لَهَا لَا أَقْسَامٌ لَهَا وَإِنَّ حُرُوفَ الْقُرْآنِ مَخْلُوقَةٌ خَلَقَهَا اللَّهُ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ بِهَا وَلَيْسَتْ مِنْ كَلَامِهِ؛ إذْ كَلَامُهُ لَا يَكُونُ بِحَرْفِ وَصَوْتٍ. عَارَضَهُمْ آخَرُونَ مِنْ الْمُثْبِتَةِ فَقَالُوا: بَلْ الْقُرْآنُ هُوَ الْحُرُوفُ وَالْأَصْوَاتُ وَتَوَهَّمَ قَوْمٌ أَنَّهُمْ يَعْنُونَ بِالْحُرُوفِ الْمِدَادَ وَبِالْأَصْوَاتِ أَصْوَاتَ الْعِبَادِ وَهَذَا لَمْ يَقُلْهُ عَالِمٌ. وَالصَّوَابُ الَّذِي عَلَيْهِ سَلَفُ الْأُمَّةِ - كَالْإِمَامِ أَحْمَد وَالْبُخَارِيِّ صَاحِبِ الصَّحِيحِ فِي " كِتَابِ خَلْقِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ " وَغَيْرِهِ وَسَائِر الْأَئِمَّةِ قَبْلَهُمْ وَبَعْدَهُمْ - أَتْبَاعُ النُّصُوصِ الثَّابِتَةِ وَإِجْمَاعِ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَهُوَ
(12/243)

أَنَّ الْقُرْآنَ جَمِيعَهُ كَلَامُ اللَّهِ حُرُوفُهُ وَمَعَانِيهِ لَيْسَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ كَلَامًا لِغَيْرِهِ؛ وَلَكِنْ أَنْزَلَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَلَيْسَ الْقُرْآنُ اسْمًا لِمُجَرَّدِ الْمَعْنَى وَلَا لِمُجَرَّدِ الْحَرْفِ؛ بَلْ لِمَجْمُوعِهِمَا وَكَذَلِكَ سَائِر الْكَلَامِ لَيْسَ هُوَ الْحُرُوفَ فَقَطْ؛ وَلَا الْمَعَانِي فَقَطْ. كَمَا أَنَّ الْإِنْسَانَ الْمُتَكَلِّمَ النَّاطِقَ لَيْسَ هُوَ مُجَرَّدَ الرُّوحِ وَلَا مُجَرَّدَ الْجَسَدِ؛ بَلْ مَجْمُوعُهُمَا. وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَتَكَلَّمُ بِصَوْتِ كَمَا جَاءَتْ بِهِ الْأَحَادِيثُ الصِّحَاحُ وَلَيْسَ ذَلِكَ كَأَصْوَاتِ الْعِبَادِ لَا صَوْتِ الْقَارِئِ وَلَا غَيْرِهِ. وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ لَا فِي ذَاتِهِ وَلَا فِي صِفَاتِهِ وَلَا فِي أَفْعَالِهِ. فَكَمَا لَا يُشْبِهُ عِلْمُهُ وَقُدْرَتُهُ وَحَيَاتُهُ عِلْمَ الْمَخْلُوقِ وَقُدْرَتَهُ وَحَيَاتَهُ: فَكَذَلِكَ لَا يُشْبِهُ كَلَامُهُ كَلَامَ الْمَخْلُوقِ وَلَا مَعَانِيهِ تُشْبِهُ مَعَانِيَهُ وَلَا حُرُوفُهُ تُشْبِهُ حُرُوفَهُ وَلَا صَوْتُ الرَّبِّ يُشْبِهُ صَوْتَ الْعَبْدِ فَمَنْ شَبَّهَ اللَّهَ بِخَلْقِهِ فَقَدْ أَلْحَدَ فِي أَسْمَائِهِ وَآيَاتِهِ وَمَنْ جَحَدَ مَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ فَقَدْ أَلْحَدَ فِي أَسْمَائِهِ وَآيَاتِهِ. وَقَدْ كَتَبْت فِي الْجَوَابِ الْمَبْسُوطِ الْمُسْتَوْفِي: مَرَاتِبَ مَذَاهِبِ أَهْلِ الْأَرْضِ فِي ذَلِكَ وَأَنَّ الْمُتَفَلْسِفَةَ تَزْعُمُ أَنَّ كَلَامَ اللَّهِ لَيْسَ لَهُ وُجُودٌ إلَّا فِي نُفُوسِ الْأَنْبِيَاءِ تُفِيضُ عَلَيْهِمْ الْمَعَانِيَ مِنْ الْعَقْلِ الْفَعَّالِ فَيَصِيرُ فِي نُفُوسِهِمْ حُرُوفًا كَمَا أَنَّ مَلَائِكَةَ اللَّهِ عِنْدَهُمْ مَا يَحْدُثُ فِي نُفُوسِ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ الصُّوَرِ النُّورَانِيَّةِ وَهَذَا مِنْ جِنْسِ قَوْلِ فَيْلَسُوفِ قُرَيْشٍ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ: {إنْ هَذَا إلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ} فَحَقِيقَةُ قَوْلِهِمْ إنَّ الْقُرْآنَ تَصْنِيفُ
(12/244)

الرَّسُولِ الْكَرِيمِ؛ لَكِنَّهُ كَلَامٌ شَرِيفٌ صَادِرٌ عَنْ نَفْسٍ صَافِيَةٍ. وَهَؤُلَاءِ هُمْ الصَّابِئَةُ؛ فَتَقَرَّبَتْ مِنْهُمْ الْجَهْمِيَّة. فَقَالُوا: إنَّ اللَّهَ لَمْ يَتَكَلَّمْ وَلَا يَتَكَلَّمُ وَلَا قَامَ بِهِ كَلَامٌ وَإِنَّمَا كَلَامُهُ مَا يَخْلُقُهُ فِي الْهَوَاءِ أَوْ غَيْرِهِ فَأَخَذَ بِبَعْضِ ذَلِكَ قَوْمٌ مِنْ مُتَكَلِّمَةِ الصفاتية. فَقَالُوا: بَلْ نِصْفُهُ وَهُوَ الْمَعْنَى كَلَامُ اللَّهِ وَنِصْفُهُ وَهُوَ الْحُرُوفُ لَيْسَ هُوَ كَلَامَ اللَّهِ بَلْ هُوَ خَلْقٌ مِنْ خَلْقِهِ. وَقَدْ تَنَازَعَ الصفاتية الْقَائِلُونَ بِأَنَّ الْقُرْآنَ غَيْرُ مَخْلُوقٍ. هَلْ يُقَالُ: إنَّهُ قَدِيمٌ لَمْ يَزَلْ وَلَا يَتَعَلَّقُ بِمَشِيئَتِهِ؟ أَمْ يُقَالُ: يَتَكَلَّمُ إذَا شَاءَ وَيَسْكُتُ إذَا شَاءَ؟ . عَلَى قَوْلَيْنِ مَشْهُورَيْنِ فِي ذَلِكَ وَفِي السَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَنَحْوِهِمَا ذَكَرَهُمَا الْحَارِثُ الْمُحَاسِبِيَّ عَنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَذَكَرَهُمَا أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ عَنْ أَهْلِ السُّنَّةِ مِنْ أَصْحَابِ الْإِمَامِ أَحْمَد وَغَيْرِهِمْ. وَكَذَلِكَ النِّزَاعُ بَيْنَ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالصُّوفِيَّةِ وَفِرَقِ الْفُقَهَاءِ: مِنْ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنْبَلِيَّةِ؛ بَلْ وَبَيْنَ فِرَقِ الْمُتَكَلِّمِينَ وَالْفَلَاسِفَةِ فِي جِنْسِ هَذَا الْبَابِ. وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعًا لِبَسْطِ ذَلِكَ. هَذَا لَفْظُ الْجَوَابِ فِي الْفُتْيَا الْمِصْرِيَّةِ.
(12/245)

وَقَالَ الْإِمَامُ الْعَلَّامَةُ الْمُحَقِّقُ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَد بْنُ تَيْمِيَّة - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَرَضِيَ عَنْهُ -
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أَمَّا بَعْدُ فَهَذَا " فَصْلٌ فِي نُزُولِ الْقُرْآنِ " وَلَفْظُ " النُّزُولِ " حَيْثُ ذُكِرَ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ فَسَّرُوا النُّزُولَ فِي مَوَاضِعَ مِنْ الْقُرْآنِ بِغَيْرِ مَا هُوَ مَعْنَاهُ الْمَعْرُوفُ لِاشْتِبَاهِ الْمَعْنَى فِي تِلْكَ الْمَوَاضِعِ وَصَارَ ذَلِكَ حُجَّةً لِمَنْ فَسَّرَ نُزُولَ الْقُرْآنِ بِتَفْسِيرِ أَهْلِ الْبِدَعِ. فَمِنْ الْجَهْمِيَّة مَنْ يَقُولُ: أَنْزَلَ بِمَعْنَى خَلَقَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ} أَوْ يَقُولُ: خَلَقَهُ فِي مَكَانٍ عَالٍ ثُمَّ أَنْزَلَهُ مِنْ ذَلِكَ الْمَكَانِ.
(12/246)

وَمِنْ الْكُلَّابِيَة مَنْ يَقُولُ نُزُولُهُ بِمَعْنَى الْإِعْلَامِ بِهِ وَإِفْهَامِهِ لِلْمَلَكِ أَوْ نُزُولِ الْمَلَكِ بِمَا فَهِمَهُ. وَهَذَا الَّذِي قَالُوهُ بَاطِلٌ فِي اللُّغَةِ وَالشَّرْعِ وَالْعَقْلِ. وَ " الْمَقْصُودُ هُنَا " ذِكْرُ النُّزُولِ. فَنَقُولُ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ: النُّزُولُ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ " ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ ": نُزُولٌ مُقَيَّدٌ بِأَنَّهُ مِنْهُ وَنُزُولٌ مُقَيَّدٌ بِأَنَّهُ مِنْ السَّمَاءِ وَنُزُولٌ غَيْرُ مُقَيَّدٍ لَا بِهَذَا وَلَا بِهَذَا. فَالْأَوَّلُ لَمْ يَرِدْ إلَّا فِي الْقُرْآنِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ} وَقَالَ تَعَالَى {نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ} وَقَالَ تَعَالَى: {تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} وَفِيهَا قَوْلَانِ: " أَحَدُهُمَا " لَا حَذْفَ فِي الْكَلَامِ بَلْ قَوْلُهُ: {تَنْزِيلُ الْكِتَابِ} مُبْتَدَأٌ وَخَبَرُهُ {مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} وَ " الثَّانِي " أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَيْ هَذَا {تَنْزِيلُ الْكِتَابِ} وَعَلَى كِلَا الْقَوْلَيْنِ فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْهُ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ:
(12/247)

{حم} {تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} وَكَذَلِكَ {حم} {تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} {حم} {تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} وَالتَّنْزِيلُ بِمَعْنَى الْمُنَزَّلِ تَسْمِيَةً لِلْمَفْعُولِ بِاسْمِ الْمَصْدَرِ وَهُوَ كَثِيرٌ؛ وَلِهَذَا قَالَ السَّلَفُ: الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ لَيْسَ بِمَخْلُوقِ مِنْهُ بَدَأَ. قَالَ أَحْمَد وَغَيْرُهُ: وَإِلَيْهِ يَعُودُ أَيْ: هُوَ الْمُتَكَلِّمُ بِهِ. وَقَالَ كَلَامُ اللَّهِ مِنْ اللَّهِ لَيْسَ بِبَائِنِ مِنْهُ أَيْ لَمْ يَخْلُقْهُ فِي غَيْرِهِ فَيَكُونُ مُبْتَدَأً مُنَزَّلًا مِنْ ذَلِكَ الْمَخْلُوقِ؛ بَلْ هُوَ مُنَزَّلٌ مِنْ اللَّهِ كَمَا أَخْبَرَ بِهِ وَمِنْ اللَّهِ بَدَأَ لَا مِنْ مَخْلُوقٍ فَهُوَ الَّذِي تَكَلَّمَ بِهِ لِخَلْقِهِ. وَأَمَّا النُّزُولُ " الْمُقَيَّدُ " بِالسَّمَاءِ فَقَوْلُهُ: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ} وَالسَّمَاءُ اسْمُ جِنْسٍ لِكُلِّ مَا عَلَا فَإِذَا قُيِّدَ بِشَيْءِ مُعَيَّنٍ تَقَيَّدَ بِهِ، فَقَوْلُهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ السَّمَاءِ مُطْلَقٌ أَيْ فِي الْعُلُوِّ؛ ثُمَّ قَدْ بَيَّنَهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ بِقَوْلِهِ {أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ} وَقَوْلُهُ {فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ} أَيْ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ السَّحَابِ وَمِمَّا يُشْبِهُ نُزُولَ الْقُرْآنِ قَوْلُهُ: {يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ} فَنُزُولُ الْمَلَائِكَةِ هُوَ نُزُولُهُمْ بِالْوَحْيِ مَنْ أَمْرِهِ الَّذِي هُوَ كَلَامُهُ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: {تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا} يُنَاسِبُ قَوْلَهُ: {فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} {أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ} فَهَذَا شَبِيهٌ بِقَوْلِهِ: {قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ}
(12/248)

وَأَمَّا " الْمُطْلَقُ " فَفِي مَوَاضِعَ. مِنْهَا: مَا ذَكَرَهُ مِنْ إنْزَالِ السَّكِينَةِ؛ بِقَوْلِهِ: {فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ} وَقَوْلِهِ: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ} إلَى غَيْرِ ذَلِكَ. وَمِنْ ذَلِكَ " إنْزَالُ الْمِيزَانِ " ذَكَرَهُ مَعَ الْكِتَابِ فِي مَوْضِعَيْنِ وَجُمْهُورُ الْمُفَسِّرِينَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْعَدْلُ وَعَنْ مُجَاهِدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - هُوَ مَا يُوزَنُ بِهِ وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ. وَكَذَلِكَ الْعَدْلُ وَمَا يُعْرَفُ بِهِ الْعَدْلُ مُنَزَّل فِي الْقُلُوبِ وَالْمَلَائِكَةُ قَدْ تَنْزِلُ عَلَى قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ؛ كَقَوْلِهِ: {إذْ يُوحِي رَبُّكَ إلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا} فَذَلِكَ الثَّبَاتُ نَزَلَ فِي الْقُلُوبِ بِوَاسِطَةِ الْمَلَائِكَةِ وَهُوَ السِّكِّينَةُ. قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {مَنْ طَلَبَ الْقَضَاءَ وَاسْتَعَانَ عَلَيْهِ وُكِّلَ إلَيْهِ وَمَنْ لَمْ يَطْلُبْ الْقَضَاءَ وَلَمْ يَسْتَعِنْ عَلَيْهِ أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ مَلَكًا يُسَدِّدُهُ} فَاَللَّهُ يُنَزِّلُ عَلَيْهِ مَلَكًا وَذَلِكَ الْمَلَكُ يُلْهِمُهُ السَّدَادَ وَهُوَ يَنْزِلُ فِي قَلْبِهِ. وَمِنْهُ حَدِيثُ حُذَيْفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الَّذِي فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: {إنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ الْأَمَانَةَ فِي جَذْرِ قُلُوبِ الرِّجَالِ فَعَلِمُوا مِنْ الْقُرْآنِ وَعَلِمُوا مِنْ السُّنَّةِ} وَالْأَمَانَةُ هِيَ الْإِيمَانُ أَنْزَلَهَا فِي أَصْلِ قُلُوبِ الرِّجَالِ وَهُوَ كَإِنْزَالِ الْمِيزَانِ وَالسِّكِّينَةِ وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: {مَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ} الْحَدِيثَ إلَى آخِرِهِ فَذَكَرَ أَرْبَعَةً غِشْيَانَ
(12/249)

الرَّحْمَةِ وَهِيَ أَنْ تَغْشَاهُمْ كَمَا يَغْشَى اللِّبَاسُ لَابِسَهُ وَكَمَا يَغْشَى الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ وَاللَّيْلُ النَّهَارَ. ثُمَّ قَالَ: {وَنَزَلَتْ عَلَيْهِمْ السِّكِّينَةُ} وَهُوَ إنْزَالُهَا فِي قُلُوبِهِمْ {وَحَفَّتْهُمْ الْمَلَائِكَةُ} أَيْ جَلَسَتْ حَوْلَهُمْ {وَذَكَرَهُمْ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ} مِنْ الْمَلَائِكَةِ. وَذَكَرَ اللَّهُ الْغِشْيَانَ فِي مَوَاضِعَ مِثْلِ قَوْله تَعَالَى {يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ} وَقَوْلِهِ: {فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا} وَقَوْلِهِ: {وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى} {فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى} وَقَوْلِهِ: {أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ} هَذَا كُلُّهُ فِيهِ إحَاطَةٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ. وَذَكَرَ تَعَالَى إنْزَالَ النُّعَاسِ فِي قَوْلِهِ: {ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ} هَذَا يَوْمَ أُحُدٍ. وَقَالَ فِي يَوْمِ بَدْرٍ: {إذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ} وَالنُّعَاسُ يَنْزِلُ فِي الرَّأْسِ بِسَبَبِ نُزُولِ الْأَبْخِرَةِ الَّتِي تَدْخُلُ فِي الدِّمَاغِ فَتَنْعَقِدُ فَيَحْصُلُ مِنْهَا النُّعَاسُ. وَطَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ - مِنْهُمْ أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ وَمَنْ اتَّبَعَهُ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد - جَعَلُوا النُّزُولَ وَالْإِتْيَانَ وَالْمَجِيءَ حَدَثًا يُحْدِثُهُ مُنْفَصِلًا عَنْهُ فَذَاكَ هُوَ إتْيَانُهُ وَاسْتِوَاؤُهُ عَلَى الْعَرْشِ فَقَالُوا اسْتِوَاؤُهُ فِعْلٌ يَفْعَلُهُ فِي الْعَرْشِ يَصِيرُ بِهِ مُسْتَوِيًا عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ فِعْلٍ
(12/250)

يَقُومُ بِالرَّبِّ لَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ خَالَفُوهُمْ. وَقَالُوا: الْمَعْرُوفُ أَنَّهُ لَا يَجِيءُ شَيْءٌ مِنْ الصِّفَاتِ وَالْأَعْرَاضِ إلَّا بِمَجِيءِ شَيْءٍ فَإِذَا قَالُوا: جَاءَ الْبَرْدُ أَوْ جَاءَ الْحَرُّ فَقَدْ جَاءَ الْهَوَاءُ الَّذِي يَحْمِلُ الْحَرَّ وَالْبَرْدَ وَهُوَ عَيْنٌ قَائِمَةٌ بِنَفْسِهَا. وَإِذَا قَالُوا: جَاءَتْ الْحُمَّى فَالْحُمَّى حَرٌّ أَوْ بَرْدٌ تَقُومُ بِعَيْنِ قَائِمَةٍ بِسَبَبِ أَخْلَاطٍ تَتَحَرَّكُ وَتَتَحَوَّلُ مِنْ حَالٍ إلَى حَالٍ فَيَحْدُثُ الْحَرُّ وَالْبَرْدُ بِذَلِكَ وَهَذَا بِخِلَافِ الْعَرَضِ الَّذِي يَحْدُثُ بِلَا تَحَوُّلٍ مِنْ حَامِلٍ مِثْلُ لَوْنِ الْفَاكِهَةِ فَإِنَّهُ لَا يُقَالُ فِي هَذَا: جَاءَتْ الْحُمْرَةُ وَالصُّفْرَةُ وَالْخُضْرَةُ بَلْ يُقَالُ: أَحْمَرُ وَأَصْفَرُ وَأَخْضَرُ. وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَإِنْزَالُهُ تَعَالَى الْعَدْلَ وَالسَّكِينَةَ وَالنُّعَاسَ وَالْأَمَانَةَ - وَهَذِهِ صِفَاتٌ تَقُومُ بِالْعِبَادِ - إنَّمَا تَكُونُ إذَا أَفْضَى بِهَا إلَيْهِمْ فَالْأَعْيَانُ الْقَائِمَةُ تُوصَفُ بِالنُّزُولِ كَمَا تُوصَفُ الْمَلَائِكَةُ بِالنُّزُولِ بِالْوَحْيِ وَالْقُرْآنِ فَإِذَا نَزَلَ بِهَا الْمَلَائِكَةُ قِيلَ إنَّهَا نَزَلَتْ. وَكَذَلِكَ لَوْ نَزَلَ غَيْرُ الْمَلَائِكَةِ كَالْهَوَاءِ الَّذِي نَزَلَ بِالْأَسْبَابِ فَيُحْدِثُ اللَّهُ مِنْهُ الْبُخَارَ الَّذِي يَكُونُ مِنْهُ النُّعَاسُ فَكَانَ قَدْ أَنْزَلَ النُّعَاسَ سُبْحَانَهُ بِإِنْزَالِ مَا يَحْمِلُهُ. وَقَدْ ذَكَرَ سُبْحَانَهُ إنْزَالَ الْحَدِيدِ وَالْحَدِيدُ يُخْلَقُ فِي الْمَعَادِنِ. وَمَا يُذْكَرُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ
(12/251)

نَزَلَ مِنْ الْجَنَّةِ وَمَعَهُ خَمْسَةُ أَشْيَاءَ مِنْ حَدِيدٍ السِّنْدَانُ وَالْكَلْبَتَانِ وَالْمِنْقَعَةُ وَالْمِطْرَقَةُ وَالْإِبْرَةُ فَهُوَ كَذِبٌ لَا يَثْبُتُ مِثْلُهُ. وَكَذَلِكَ الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ الثَّعْلَبِيُّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ أَرْبَعَ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ إلَى الْأَرْضِ فَأَنْزَلَ الْحَدِيدَ وَالْمَاءَ وَالنَّارَ وَالْمِلْحَ} حَدِيثٌ مَوْضُوعٌ مَكْذُوبٌ فِي إسْنَادِهِ سَيْفُ بْنُ مُحَمَّدٍ ابْنُ أُخْتِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ وَهُوَ مِنْ الْكَذَّابِينَ الْمَعْرُوفِينَ بِالْكَذِبِ. قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: هُوَ سَيْفُ بْنُ مُحَمَّدٍ ابْنُ أُخْتِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ يَرْوِي عَنْ الثَّوْرِيِّ وَعَاصِمٍ الْأَحْوَلِ وَالْأَعْمَشِ قَالَ أَحْمَد رَحِمَهُ اللَّهُ هُوَ كَذَّابٌ يَضَعُ الْحَدِيثَ وَقَالَ مَرَّةً: لَيْسَ بِشَيْءِ وَقَالَ يَحْيَى: كَانَ كَذَّابًا خَبِيثًا وَقَالَ مَرَّةً لَيْسَ بِثِقَةِ وَقَالَ أَبُو دَاوُد كَذَّابٌ وَقَالَ زَكَرِيَّا السَّاجِي يَضَعُ الْحَدِيثَ وَقَالَ النِّسَائِيُّ: لَيْسَ بِثِقَةِ وَلَا مَأْمُونٍ وَقَالَ الدارقطني ضَعِيفٌ مَتْرُوكٌ. وَالنَّاسُ يَشْهَدُونَ أَنَّ هَذِهِ الْآلَاتِ تُصْنَعُ مِنْ حَدِيدِ الْمَعَادِنِ. فَإِنْ قِيلَ: إنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ نَزَلَ مَعَهُ جَمِيعُ الْآلَاتِ فَهَذِهِ مُكَابَرَةٌ لِلْعِيَانِ. وَإِنْ قِيلَ بَلْ نَزَلَ مَعَهُ آلَةٌ وَاحِدَةٌ وَتِلْكَ لَا تُعْرَفُ فَأَيُّ فَائِدَةٍ فِي هَذَا لِسَائِرِ النَّاسِ ثُمَّ مَا يَصْنَعُ بِهَذِهِ الْآلَاتِ إذَا لَمْ يَكُنْ ثَمَّ حَدِيدٌ مَوْجُودٌ يُطْرَقُ بِهَذِهِ الْآلَاتِ وَإِذَا خَلَقَ اللَّهُ الْحَدِيدَ صُنِعَتْ مِنْهُ هَذِهِ الْآلَاتُ مَعَ أَنَّ
(12/252)

الْمَأْثُورَ: {أَنَّ أَوَّلَ مَنْ خَطَّ وَخَاطَ إدْرِيسُ عَلَيْهِ السَّلَامُ} وَآدَمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمْ يَخِطْ ثَوْبًا فَمَا يَصْنَعُ بِالْإِبْرَةِ. ثُمَّ أَخْبَرَ أَنَّهُ أَنْزَلَ الْحَدِيدَ فَكَانَ الْمَقْصُودُ الْأَكْبَرُ بِذِكْرِ الْحَدِيدِ هُوَ اتِّخَاذُ آلَاتِ الْجِهَادِ مِنْهُ كَالسَّيْفِ وَالسِّنَانِ وَالنَّصْلِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ الَّذِي بِهِ يُنْصَرُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهَذِهِ لَمْ تَنْزِلْ مِنْ السَّمَاءِ. فَإِنْ قِيلَ نَزَلَتْ الْآلَةُ الَّتِي يُطْبَعُ بِهَا قِيلَ فَاَللَّهُ أَخْبَرَ أَنَّهُ أَنْزَلَ الْحَدِيدَ لِهَذِهِ الْمَعَانِي الْمُتَقَدِّمَةِ وَالْآلَةُ وَحْدَهَا لَا تَكْفِي بَلْ لَا بُدَّ مِنْ مَادَّةٍ يُصْنَعُ بِهَا آلَاتُ الْجِهَادِ؛ لَكِنَّ لَفْظَ النُّزُولِ أَشْكَلَ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ حَتَّى قَالَ قُطْرُبُ رَحِمَهُ اللَّهُ مَعْنَاهُ جَعَلَهُ نُزُلًا كَمَا يُقَالُ أَنْزَلَ الْأَمْرَ عَلَى فُلَانٍ نُزُلًا حَسَنًا أَيْ جَعَلَهُ نُزُلًا. قَالَ وَمِثْلُهُ قَوْله تَعَالَى {وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ} وَهَذَا ضَعِيفٌ؛ فَإِنَّ النُّزُلَ إنَّمَا يُطْلَقُ عَلَى مَا يُؤْكَلُ لَا عَلَى مَا يُقَاتَلُ بِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ} وَالضِّيَافَةُ سُمِّيَتْ نُزُلًا لِأَنَّ الْعَادَةَ أَنَّ الضَّيْفَ يَكُونُ رَاكِبًا فَيَنْزِلُ فِي مَكَانٍ يُؤْتَى إلَيْهِ بِضِيَافَتِهِ فِيهِ فَسُمِّيَتْ نُزُلًا لِأَجْلِ نُزُولِهِ وَنَزَلَ بِبَنِي فُلَانٍ ضَيْفٌ؛ وَلِهَذَا قَالَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ {رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ} لِأَنَّهُ كَانَ رَاكِبًا فِي السَّفِينَةِ وَسُمِّيَتْ الْمَوَاضِعُ الَّتِي يَنْزِلُ بِهَا الْمُسَافِرُونَ مَنَازِلَ لِأَنَّهُمْ يَكُونُونَ رُكْبَانًا فَيَنْزِلُونَ وَالْمُشَاةُ تَبَعٌ لِلرُّكْبَانِ وَتُسَمَّى الْمَسَاكِنُ مَنَازِلَ.
(12/253)

وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ نُزُولَ الْحَدِيدِ بِمَعْنَى الْخَلْقِ لِأَنَّهُ أَخْرَجَهُ مِنْ الْمَعَادِنِ وَعَلَّمَهُمْ صَنْعَتَهُ فَإِنَّ الْحَدِيدَ إنَّمَا يُخْلَقُ فِي الْمَعَادِنِ وَالْمَعَادِنُ إنَّمَا تَكُونُ فِي الْجِبَالِ فَالْحَدِيدُ يُنَزِّلُهُ اللَّهُ مِنْ مَعَادِنِهِ الَّتِي فِي الْجِبَالِ لِيَنْتَفِعَ بِهِ بَنُو آدَمَ وَقَالَ تَعَالَى: {وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ} . وَهَذَا مِمَّا أَشْكَلَ أَيْضًا. فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: جَعَلَ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: خَلَقَ لِكَوْنِهَا تُخْلَقُ مِنْ الْمَاءِ فَإِنَّ بِهِ يَكُونُ النَّبَاتُ الَّذِي يَنْزَلُ أَصْلُهُ مِنْ السَّمَاءِ وَهُوَ الْمَاءُ وَقَالَ قُطْرُبُ: جَعَلْنَاهُ نُزُلًا. وَلَا حَاجَةَ إلَى إخْرَاجِ اللَّفْظِ عَنْ مَعْنَاهُ الْمَعْرُوفِ لُغَةً؛ فَإِنَّ الْأَنْعَامَ تَنْزِلُ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِهَا وَمِنْ أَصْلَابِ آبَائِهَا تَأْتِي بُطُونَ أُمَّهَاتِهَا وَيُقَالُ لِلرَّجُلِ: قَدْ أَنْزَلَ الْمَاءَ وَإِذَا أَنْزَلَ وَجَبَ عَلَيْهِ الْغُسْلُ مَعَ أَنَّ الرَّجُلَ غَالِبُ إنْزَالِهِ وَهُوَ عَلَى جَنْبٍ إمَّا وَقْتَ الْجِمَاعِ وَإِمَّا بِالِاحْتِلَامِ فَكَيْفَ بِالْأَنْعَامِ الَّتِي غَالِبُ إنْزَالِهَا مَعَ قِيَامِهَا عَلَى رِجْلَيْهَا وَارْتِفَاعِهَا عَلَى ظُهُورِ الْإِنَاثِ وَمِمَّا يُبَيِّنُ هَذَا أَنَّهُ لَمْ يَسْتَعْمِلْ النُّزُولَ فِيمَا خَلَقَ مِنْ السُّفْلَيَاتِ فَلَمْ يَقُلْ أَنَزَلَ النَّبَاتَ وَلَا أَنْزَلَ الْمَرْعَى وَإِنَّمَا اسْتَعْمَلَ فِيمَا يُخْلَقُ فِي مَحَلٍّ عَالٍ وَأَنْزَلَهُ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ الْمَحَلِّ كَالْحَدِيدِ وَالْأَنْعَامِ. وَقَالَ تَعَالَى {يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا} الْآيَةَ وَفِيهَا قِرَاءَتَانِ إحْدَاهُمَا بِالنَّصْبِ فَيَكُونُ لِبَاسُ التَّقْوَى أَيْضًا
(12/254)

مُنَزَّلًا. وَإِمَّا عَلَى قِرَاءَةِ الرَّفْعِ فَلَا وَكِلَاهُمَا حَقٌّ وَقَدْ قِيلَ فِيهِ خَلَقْنَاهُ وَقِيلَ أَنْزَلْنَا أَسْبَابَهُ وَقِيلَ أَلْهَمْنَاهُمْ كَيْفِيَّةَ صَنْعَتِهِ وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ ضَعِيفَةٌ؛ فَإِنَّ النَّبَاتَ الَّذِي ذَكَرُوا لَمْ يَجِئْ فِيهِ لَفْظُ أَنْزَلْنَا وَلَمْ يُسْتَعْمَلْ فِي كُلِّ مَا يُصْنَعُ أَنْزَلْنَا فَلَمْ يَقُلْ: أَنْزَلْنَا الدُّورَ وَأَنْزَلْنَا الطَّبْخَ وَنَحْوَ ذَلِكَ وَهُوَ لَمْ يَقُلْ إنَّا أَنْزَلْنَا كُلَّ لِبَاسٍ وَرِيَاشٍ وَقَدْ قِيلَ: إنَّ الرِّيشَ وَالرِّيَاشَ الْمُرَادُ بِهِ اللِّبَاسُ الْفَاخِرُ كِلَاهُمَا بِمَعْنَى وَاحِدٍ مِثْلُ اللُّبْسِ وَاللِّبَاسِ وَقَدْ قِيلَ: هُمَا الْمَالُ وَالْخِصْبُ وَالْمَعَاشُ وَارْتَاشَ فُلَانٌ حَسُنَتْ حَالَتُهُ. وَالصَّحِيحُ أَنَّ " الرِّيشَ " هُوَ الْأَثَاثُ وَالْمَتَاعُ قَالَ أَبُو عُمَرَ وَالْعَرَبُ تَقُولُ: أَعْطَانِي فُلَانٌ رِيشَهُ أَيْ كُسْوَتَهُ وَجِهَازَهُ. وَقَالَ غَيْرُهُ: الرِّيَاشُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ الْأَثَاثُ وَمَا ظَهَرَ مِنْ الْمَتَاعِ وَالثِّيَابِ وَالْفُرُشِ وَنَحْوِهَا وَبَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ أَطْلَقَ عَلَيْهِ لَفْظَ الْمَالِ وَالْمُرَادُ بِهِ مَالٌ مَخْصُوصٌ قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: جَمَالًا؛ وَهَذَا لِأَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ رِيشِ الطَّائِرِ وَهُوَ مَا يَرُوشُ بِهِ وَيَدْفَعُ عَنْهُ الْحَرَّ وَالْبَرْدَ وَجَمَالُ الطَّائِرِ رِيشُهُ وَكَذَلِكَ مَا يَبِيتُ فِيهِ الْإِنْسَانُ مِنْ الْفُرُشِ وَمَا يَبْسُطُهُ تَحْتَهُ وَنَحْوُ ذَلِكَ وَالْقُرْآنُ مَقْصُودُهُ جِنْسُ اللِّبَاسِ الَّذِي يُلْبَسُ عَلَى الْبَدَنِ وَفِي الْبُيُوتِ كَمَا قَالَ تَعَالَى {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا} الْآيَةَ فَامْتَنَّ سُبْحَانَهُ عَلَيْهِمْ بِمَا يَنْتَفِعُونَ بِهِ مِنْ الْأَنْعَامِ فِي اللِّبَاسِ وَالْأَثَاثِ وَهَذَا - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - مَعْنَى إنْزَالِهِ؛ فَإِنَّهُ يُنَزِّلُهُ
(12/255)

مِنْ ظُهُورِ الْأَنْعَامِ وَهُوَ كُسْوَةُ الْأَنْعَامِ مِنْ الْأَصْوَافِ وَالْأَوْبَارِ وَالْأَشْعَارِ وَيَنْتَفِعُ بِهِ بَنُو آدَمَ مِنْ اللِّبَاسِ وَالرِّيَاشِ. فَقَدْ أَنْزَلَهَا عَلَيْهِمْ وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْأَرْضِ كِسْوَتُهُمْ مِنْ جُلُودِ الدَّوَابِّ فَهِيَ لِدَفْعِ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ وَأَعْظَمُ مِمَّا يُصْنَعُ مِنْ الْقُطْنِ وَالْكَتَّانِ وَاَللَّهُ تَعَالَى ذَكَرَ فِي سُورَةِ النَّحْلِ إنْعَامَهُ عَلَى عِبَادِهِ فَذَكَرَ فِي أَوَّلِ السُّورَةِ أُصُولَ النِّعَمِ الَّتِي لَا يَعِيشُ بَنُو آدَمَ إلَّا بِهَا وَذَكَرَ فِي أَثْنَائِهَا تَمَامَ النِّعَمِ الَّتِي لَا يَطِيبُ عَيْشُهُمْ إلَّا بِهَا فَذَكَرَ فِي أَوَّلِهَا الرِّزْقَ الَّذِي لَا بُدَّ لَهُمْ مِنْهُ وَذَكَرَ مَا يَدْفَعُ الْبَرْدَ مِنْ الْكُسْوَةِ بِقَوْلِهِ: {وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ} ثُمَّ فِي أَثْنَاءِ السُّورَةِ ذَكَرَ لَهُمْ الْمَسَاكِنَ وَالْمَنَافِعَ الَّتِي يَسْكُنُونَهَا: مَسَاكِنُ الْحَاضِرَةِ وَالْبَادِيَةِ وَمَسَاكِنُ الْمُسَافِرِينَ فَقَالَ تَعَالَى: {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا} الْآيَةَ ثُمَّ ذَكَرَ إنْعَامَهُ بِالظِّلَالِ الَّتِي تَقِيهِمْ الْحَرَّ وَالْبَأْسَ فَقَالَ: {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا} إلَى قَوْلِهِ: {كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ} . وَلَمْ يَذْكُرْ هُنَا مَا يَقِي مِنْ الْبَرْدِ لِأَنَّهُ قَدْ ذَكَرَهُ فِي أَوَّلِ السُّورَةِ وَذَلِكَ فِي أُصُولِ النِّعَمِ؛ لِأَنَّ الْبَرْدَ يَقْتُلُ فَلَا يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَعِيشَ فِي الْبِلَادِ الْبَارِدَةِ بِلَا دِفْءٍ بِخِلَافِ الْحَرِّ فَإِنَّهُ أَذًى لَكِنَّهُ لَا يَقْتُلُ كَمَا يَقْتُلُ الْبَرْدُ فَإِنَّ الْحَرَّ قَدْ يُتَّقَى بِالظِّلَالِ وَاللِّبَاسِ وَغَيْرِهِمَا وَأَهْلُهُ أَيْضًا لَا يَحْتَاجُونَ إلَى وِقَايَةٍ كَمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْبَرْدُ؛ بَلْ أَدْنَى وِقَايَةٍ تَكْفِيهِمْ وَهُمْ فِي اللَّيْلِ وَطَرَفَيْ النَّهَارِ
(12/256)

لَا يَتَأَذَّوْنَ بِهِ تَأَذِّيًا كَثِيرًا؛ بَلْ لَا يَحْتَاجُونَ إلَيْهِ أَحْيَانًا حَاجَةً قَوِيَّةً فَجَمَعَ بَيْنَهُمَا فِي قَوْلِهِ {سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ} . وَلَا حَذْفٌ فِي اللَّفْظِ وَلَا قُصُورٌ فِي الْمَعْنَى كَمَا يَظُنُّهُ مَنْ لَمْ يُحْسِنْ حَقَائِقَ مَعَانِي الْقُرْآنِ؛ بَلْ لَفْظُهُ أَتَمُّ لَفْظٍ وَمَعْنَاهُ أَكْمَلُ الْمَعَانِي؛ فَإِذَا كَانَ اللِّبَاسُ وَالرِّيَاشُ يَنْزِلُ مِنْ ظُهُورِ الْأَنْعَامِ وَكُسْوَةُ الْأَنْعَامِ مُنَزَّلَةً مِنْ الْأَصْلَابِ وَالْبُطُونِ كَمَا تَقَدَّمَ فَهُوَ مُنَزَّلٌ مِنْ الْجِهَتَيْنِ فَإِنَّهُ عَلَى ظُهُورِ الْأَنْعَامِ لَا يَنْتَفِعُ بِهِ بَنُو آدَمَ حَتَّى يَنْزِلَ. فَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ وَلَا فِي السُّنَّةِ لَفْظُ نُزُولٍ إلَّا وَفِيهِ مَعْنَى النُّزُولِ الْمَعْرُوفِ وَهَذَا هُوَ اللَّائِقُ بِالْقُرْآنِ فَإِنَّهُ نَزَلَ بِلُغَةِ الْعَرَبِ وَلَا تَعْرِفُ الْعَرَبُ نُزُولًا إلَّا بِهَذَا الْمَعْنَى وَلَوْ أُرِيدُ غَيْرُ هَذَا الْمَعْنَى لَكَانَ خِطَابًا بِغَيْرِ لُغَتِهَا ثُمَّ هُوَ اسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ الْمَعْرُوفِ لَهُ مَعْنًى فِي مَعْنًى آخَرَ بِلَا بَيَانٍ وَهَذَا لَا يَجُوزُ بِمَا ذَكَرْنَا؛ وَبِهَذَا يَحْصُلُ مَقْصُودُ الْقُرْآنِ وَاللُّغَةِ الَّذِي أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ بَيَّنَهُ وَجَعَلَهُ هُدًى لِلنَّاسِ وَلْيَكُنْ هَذَا آخِرَهُ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَحْدَهُ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.
(12/257)

وَسُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
عَنْ قَوْله تَعَالَى {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ} فَسَمَّاهُ هُنَا كَلَامَ اللَّهِ وَقَالَ فِي مَكَانٍ آخَرَ: {إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ} فَمَا مَعْنَى ذَلِكَ؟ فَإِنَّ طَائِفَةً مِمَّنْ يَقُولُ بِالْعِبَارَةِ يَدَّعُونَ أَنَّ هَذَا حُجَّةٌ لَهُمْ ثُمَّ يَقُولُونَ: أَنْتُمْ تَعْتَقِدُونَ أَنَّ مُوسَى - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ - سَمِعَ كَلَامَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ حَقِيقَةً مِنْ اللَّهِ مِنْ غَيْرِ وَاسِطَةٍ وَتَقُولُونَ: إنَّ الَّذِي تَسْمَعُونَهُ كَلَامُ اللَّهِ حَقِيقَةً وَتَسْمَعُونَهُ مِنْ وَسَائِطَ بِأَصْوَاتِ مُخْتَلِفَةٍ فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا وَهَذَا؟ وَتَقُولُونَ: إنَّ الْقُرْآنَ صِفَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى وَأَنَّ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى قَدِيمَةٌ؛ فَإِنْ قُلْتُمْ إنَّ هَذَا نَفْسُ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى فَقَدْ قُلْتُمْ بِالْحُلُولِ وَأَنْتُمْ تُكَفِّرُونَ الْحُلُولِيَّةَ والاتحادية وَإِنْ قُلْتُمْ: غَيْرَ ذَلِكَ قُلْتُمْ بِمَقَالَتِنَا وَنَحْنُ نَطْلُبُ مِنْكُمْ فِي ذَلِكَ جَوَابًا نَعْتَمِدُ عَلَيْهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
فَأَجَابَ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، هَذِهِ الْآيَةُ حَقٌّ كَمَا ذَكَرَ اللَّهُ وَلَيْسَتْ
(12/258)

إحْدَى الْآيَتَيْنِ مُعَارِضَةً لِلْأُخْرَى بِوَجْهِ مِنْ الْوُجُوهِ وَلَا فِي وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا حُجَّةٌ لِقَوْلِ بَاطِلٍ وَإِنْ كَانَ كُلٌّ مِنْ الْآيَتَيْنِ قَدْ يَحْتَجُّ بِهَا بَعْضُ النَّاسِ عَلَى قَوْلٍ بَاطِلٍ وَذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ} فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ يَسْمَعُ كَلَامَ اللَّهِ مِنْ التَّالِي الْمُبَلِّغِ وَأَنَّ مَا يَقْرَؤُهُ الْمُسْلِمُونَ هُوَ كَلَامُ اللَّهِ كَمَا فِي حَدِيثِ جَابِرٍ فِي السُّنَنِ: {أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَعْرِضُ نَفْسَهُ عَلَى النَّاسِ فِي الْمَوْقِفِ وَيَقُولُ: أَلَا رَجُلٌ يَحْمِلُنِي إلَى قَوْمِهِ لَأُبَلِّغَ كَلَامَ رَبِّي؟ فَإِنَّ قُرَيْشًا مَنَعُونِي أَنْ أُبَلِّغَ كَلَامَ رَبِّي} وَفِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ الصَّدِيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ لَمَّا خَرَجَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ فَقَرَأَ عَلَيْهِمْ: {الم} {غُلِبَتِ الرُّومُ} {فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ} قَالُوا لَهُ هَذَا كَلَامُك أَمْ كَلَامُ صَاحِبِك؟ فَقَالَ: لَيْسَ بِكَلَامِي وَلَا بِكَلَامِ صَاحِبِي؛ وَلَكِنَّهُ كَلَامُ اللَّهِ. وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا} {وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا} {وَبَنِينَ شُهُودًا} {وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا} {ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ} {كَلَّا إنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا} {سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا} {إنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ} {فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ} {ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ} {ثُمَّ نَظَرَ} {ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ} {ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ} {فَقَالَ إنْ هَذَا إلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ} {إنْ هَذَا إلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ} " فَمَنْ قَالَ: إنَّ هَذَا الْقُرْآنَ قَوْلُ الْبَشَرِ كَانَ قَوْلُهُ مُضَاهِيًا لِقَوْلِ الْوَحِيدِ الَّذِي أَصْلَاهُ اللَّهُ سَقَرَ. وَمِنْ الْمَعْلُومِ لِعَامَّةِ الْعُقَلَاءِ أَنَّ مَنْ بَلَّغَ كَلَامَ غَيْرِهِ كَالْمُبَلِّغِ لِقَوْلِ
(12/259)

النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى} إذَا سَمِعَهُ النَّاسُ مِنْ الْمُبَلِّغِ قَالُوا: هَذَا حَدِيثُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهَذَا كَلَامُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَلَوْ قَالَ الْمُبَلِّغُ هَذَا كَلَامِي وَقَوْلِي لَكَذَّبَهُ النَّاسُ لِعِلْمِهِمْ بِأَنَّ الْكَلَامَ كَلَامٌ لِمَنْ قَالَهُ مُبْتَدِئًا مُنْشِئًا؛ لَا لِمَنْ أَدَّاهُ رَاوِيًا مُبَلِّغًا. فَإِذَا كَانَ مِثْلُ هَذَا مَعْلُومًا فِي تَبْلِيغِ كَلَامِ الْمَخْلُوقِ فَكَيْفَ لَا يُعْقَلُ فِي تَبْلِيغِ كَلَامِ الْخَالِقِ الَّذِي هُوَ أَوْلَى أَنْ لَا يُجْعَلَ كَلَامًا لِغَيْرِ الْخَالِقِ جَلَّ وَعَلَا. وَقَدْ أَخْبَرَ تَعَالَى بِأَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْهُ فَقَالَ: {وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ} وَقَالَ: {حم} {تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} {حم} {تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} . فَجِبْرِيلُ رَسُولِ اللَّهِ مِنْ الْمَلَائِكَةِ جَاءَ بِهِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْبَشَرِ وَاَللَّهُ يَصْطَفِي مِنْ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنْ النَّاسِ وَكِلَاهُمَا مُبَلِّغٌ لَهُ كَمَا قَالَ: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ} وَقَالَ: {إلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا} {لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ} وَهُوَ مَعَ هَذَا كَلَامُ اللَّهِ لَيْسَ لِجِبْرِيلَ وَلَا لِمُحَمَّدِ فِيهِ إلَّا التَّبْلِيغُ وَالْأَدَاءُ كَمَا أَنَّ الْمُعَلِّمِينَ لَهُ فِي هَذَا الزَّمَانِ وَالتَّالِينَ لَهُ فِي الصَّلَاةِ أَوْ خَارِجَ الصَّلَاةِ لَيْسَ لَهُمْ فِيهِ إلَّا ذَلِكَ لَمْ يُحْدِثُوا شَيْئًا مِنْ حُرُوفِهِ وَلَا مَعَانِيهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ
(12/260)

الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} إلَى قَوْلِهِ: {وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} {قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ} . كَانَ بَعْضُ الْمُشْرِكِينَ يَزْعُمُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَعَلَّمَهُ مِنْ بَعْضِ الْأَعَاجِمِ الَّذِينَ بِمَكَّةَ إمَّا عَبْدٌ ابْنُ الْحَضْرَمِيِّ وَإِمَّا غَيْرُهُ كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ الْمُفَسِّرُونَ فَقَالَ تَعَالَى: {لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إلَيْهِ} أَيْ يُضِيفُونَ إلَيْهِ التَّعْلِيمَ لِسَانٌ {أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ} فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ أَنْ يُعَلِّمَهُ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا الْكَلَامُ عَرَبِيٌّ؟ وَقَدْ أَخْبَرَ أَنَّهُ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّك بِالْحَقِّ فَهَذَا بَيَانُ أَنَّ هَذَا الْقُرْآنَ الْعَرَبِيَّ الَّذِي تَعَلَّمَهُ مَنْ غَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ هُوَ الْمُحْدِثَ لِحُرُوفِهِ وَنَظْمِهِ؛ إذْ يُمْكِنُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ أَنْ يَكُونَ تَلَقَّى مِنْ الْأَعْجَمِيِّ مَعَانِيَهُ وَأَلَّفَ هُوَ حُرُوفَهُ وَبَيَانُ أَنَّ هَذَا الَّذِي تَعَلَّمَهُ مِنْ غَيْرِهِ نَزَلَ بِهِ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّك بِالْحَقِّ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ جَمِيعَهُ مُنَزَّلٌ مِنْ الرَّبِّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَمْ يُنَزِّلْ مَعْنَاهُ دُونَ حُرُوفِهِ. وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ مَنْ بَلَّغَ كَلَامَ غَيْرِهِ كَمَنْ بَلَّغَ كَلَامَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ النَّاسِ أَوْ أَنْشَدَ شِعْرَ غَيْرِهِ كَمَا لَوْ أَنْشَدَ مُنْشِدٌ قَوْلَ لَبِيَدِ:
(12/261)

أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللَّهَ بَاطِلٌ أَوْ قَوْلَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ حَيْثُ قَالَ: شَهِدْت بِأَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ النَّارَ مَثْوَى الْكَافِرِينَا وَأَنَّ الْعَرْشَ فَوْقَ الْمَاءِ طَافٍ وَفَوْقَ الْعَرْشِ رَبُّ الْعَالَمِينَا أَوْ قَوْلَهُ: وَفِينَا رَسُولُ اللَّهِ يَتْلُو كِتَابَهُ إذَا انْشَقَّ مَعْرُوفٌ مِنْ الْفَجْرِ سَاطِعٌ يَبِيتُ يُجَافِي جَنْبَهُ عَنْ فِرَاشِهِ إذَا اُسْتُثْقِلَتْ بِالْمُشْرِكِينَ الْمَضَاجِعُ أَرَانَا الْهُدَى بَعْدَ الْعَمَى فَقُلُوبُنَا بِهِ مُوقِنَاتٌ أَنَّ مَا قَالَ وَاقِعٌ وَهَذَا الشِّعْرُ قَالَهُ مَنْشَئِهِ لَفْظَهُ وَمَعْنَاهُ وَهُوَ كَلَامُهُ لَا كَلَامُ غَيْرِهِ بِحَرَكَتِهِ وَصَوْتِهِ وَمَعْنَاهُ الْقَائِمِ بِنَفْسِهِ ثُمَّ إذَا أَنْشَدَهُ الْمُنْشِدُ وَبَلَّغَهُ عَنْهُ عُلِمَ أَنَّهُ شَعْرُ ذَلِكَ الْمُنْشِئِ وَكَلَامُهُ وَنَظْمُهُ وَقَوْلُهُ مَعَ أَنَّ هَذَا الثَّانِيَ أَنْشَدَهُ بِحَرَكَةِ نَفْسِهِ وَصَوْتِ نَفْسِهِ وَقَامَ بِقَلْبِهِ مِنْ الْمَعْنَى نَظِيرُ مَا قَامَ بِقَلْبِ الْأَوَّلِ وَلَيْسَ الصَّوْتُ الْمَسْمُوعُ مِنْ الْمُنْشِدِ هُوَ الصَّوْتَ الْمَسْمُوعَ مِنْ الْمُنْشِئِ وَالشِّعْرُ شِعْرُ الْمُنْشِئِ لَا شِعْرُ الْمُنْشِدِ - وَالْمُحَدِّثُ عَنْ النَّبِيِّ
(12/262)

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا رَوَى قَوْلَهُ: {إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ} بَلَّغَهُ بِحَرَكَتِهِ وَصَوْتِهِ مَعَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَكَلَّمَ بِهِ بِحَرَكَتِهِ وَصَوْتِهِ وَلَيْسَ صَوْتُ الْمُبَلِّغِ صَوْتَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا حَرَكَتُهُ كَحَرَكَتِهِ وَالْكَلَامُ كَلَامُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا كَلَامُ الْمُبَلِّغِ لَهُ عَنْهُ. فَإِذَا كَانَ هَذَا مَعْلُومًا مَعْقُولًا فَكَيْفَ لَا يُعْقَلُ أَنْ يَكُونَ مَا يَقْرَأُ الْقَارِئُ إذَا قَرَأَ {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} أَنْ يُقَالَ هَذَا الْكَلَامُ كَلَامُ الْبَارِئِ وَإِنْ كَانَ الصَّوْتُ صَوْتَ الْقَارِئِ. فَمَنْ ظَنَّ أَنَّ الْأَصْوَاتَ الْمَسْمُوعَةَ مِنْ الْقُرَّاءِ صَوْتُ اللَّهِ فَهُوَ ضَالٌّ مُفْتَرٍ مُخَالِفٌ لِصَرِيحِ الْمَعْقُولِ وَصَحِيحِ الْمَنْقُولِ قَائِلٌ قَوْلًا لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ؛ بَلْ قَدْ أَنْكَرَ الْإِمَامُ أَحْمَد وَغَيْرُهُ عَلَى مَنْ قَالَ: لَفْظِي بِالْقُرْآنِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ وَبَدَّعُوهُ كَمَا جَهَّمُوا مَنْ قَالَ: لَفْظِي بِالْقُرْآنِ مَخْلُوقٌ. وَقَالُوا الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ كَيْفَ تَصَرَّفَ فَكَيْفَ مَنْ قَالَ لَفْظِي بِهِ قَدِيمٌ أَوْ صَوْتِي بِهِ قَدِيمٌ؟ فَابْتِدَاعُ هَذَا وَضَلَالُهُ أَوْضَحُ. فَمَنْ قَالَ إنَّ لَفْظَهُ بِالْقُرْآنِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ أَوْ صَوْتَهُ أَوْ فِعْلَهُ أَوْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ ضَالٌّ مُبْتَدِعٌ. وَهَؤُلَاءِ قَدْ يَحْتَجُّونَ بِقَوْلِهِ {حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ} وَيَقُولُونَ هَذَا كَلَامُ اللَّهِ وَكَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ فَهَذَا غَيْرُ مَخْلُوقٍ وَنَحْنُ لَا نَسْمَعُ
(12/263)

إلَّا صَوْتَ الْقَارِئِ وَهَذَا جَهْلٌ مِنْهُمْ فَإِنَّ سَمَاعَ كَلَامِ اللَّهِ بَلْ وَسَمَاعَ كُلِّ كَلَامٍ يَكُونُ تَارَةً مِنْ الْمُتَكَلِّمِ بِهِ بِلَا وَاسِطَةٍ وَيَكُونُ بِوَاسِطَةِ الرَّسُولِ الْمُبَلِّغِ لَهُ قَالَ تَعَالَى: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ} وَمَنْ قَالَ: إنَّ اللَّهَ كَلَّمَنَا بِالْقُرْآنِ كَمَا كَلَّمَ مُوسَى بْنَ عِمْرَانَ أَوْ إنَّا نَسْمَعُ كَلَامَهُ كَمَا سَمِعَهُ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ فَهُوَ مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ جَهْلًا وَضَلَالًا. وَلَوْ قَالَ قَائِلٌ: إنَّا نَسْمَعُ كَلَامَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا سَمِعَهُ الصَّحَابَةُ مِنْهُ لَكَانَ ضَلَالُهُ وَاضِحًا فَكَيْفَ مَنْ يَقُولُ أَنَا أَسْمَعُ كَلَامَ اللَّهِ مِنْهُ كَمَا سَمِعَهُ مُوسَى وَإِنْ كَانَ اللَّهُ كَلَّمَ مُوسَى تَكْلِيمًا بِصَوْتِ سَمِعَهُ مُوسَى فَلَيْسَ صَوْتُ الْمَخْلُوقِينَ صَوْتًا لِلْخَالِقِ. وَكَذَلِكَ مُنَادَاتُهُ لِعِبَادِهِ بِصَوْتِ يَسْمَعُهُ مَنْ بَعُدَ كَمَا يَسْمَعُهُ مَنْ قُرِبَ وَتَكَلُّمُهُ بِالْوَحْيِ حَتَّى يَسْمَعَ أَهْلُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ صَوْتَهُ كَجَرِّ السِّلْسِلَةِ عَلَى الصَّفَا وَأَمْثَالُ ذَلِكَ مِمَّا جَاءَتْ بِهِ النُّصُوصُ وَالْآثَارُ كُلُّهَا لَيْسَ فِيهَا أَنَّ صِفَةَ الْمَخْلُوقِ هِيَ صِفَةُ الْخَالِقِ؛ بَلْ وَلَا مِثْلُهَا بَلْ فِيهَا الدَّلَالَةُ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ صِفَةِ الْخَالِقِ وَبَيْنَ صِفَةِ الْمَخْلُوقِ فَلَيْسَ كَلَامُهُ مِثْلَ كَلَامِهِ وَلَا مَعْنَاهُ مِثْلُ مَعْنَاهُ وَلَا حَرْفُهُ مِثْلُ حَرْفِهِ وَلَا صَوْتُهُ مِثْلُ صَوْتِهِ كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ عِلْمُهُ مِثْلَ عِلْمِهِ وَلَا قُدْرَتُهُ مِثْلَ قُدْرَتِهِ وَلَا سَمْعُهُ مِثْلَ سَمْعِهِ وَلَا بَصَرُهُ مِثْلَ بَصَرِهِ فَإِنَّ اللَّهَ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ لَا فِي ذَاتِهِ وَلَا فِي صِفَاتِهِ وَلَا فِي أَفْعَالِهِ.
(12/264)

وَلَمَّا اسْتَقَرَّ فِي فِطَرِ الْخَلْقِ كُلِّهِمْ الْفَرْقُ بَيْنَ سَمَاعِ الْكَلَامِ مِنْ الْمُتَكَلِّمِ بِهِ ابْتِدَاءً وَبَيْنَ سَمَاعِهِ مِنْ الْمُبَلِّغِ عَنْهُ كَانَ ظُهُورُ هَذَا الْفَرْقِ فِي سَمَاعِ كَلَامِ اللَّهِ مِنْ الْمُبَلِّغِينَ عَنْهُ أَوْضَحَ مِنْ أَنْ يَحْتَاجَ إلَى الْإِطْنَابِ. وَقَدْ بَيَّنَ أَئِمَّةُ السُّنَّةِ وَالْعِلْمِ - كَالْإِمَامِ أَحْمَد وَالْبُخَارِيِّ صَاحِبِ الصَّحِيحِ فِي كِتَابِهِ فِي خَلْقِ الْأَفْعَالِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ - مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَ صَوْتِ اللَّهِ الْمَسْمُوعِ مِنْهُ وَصَوْتِ الْعِبَادِ بِالْقُرْآنِ وَغَيْرِهِ مَا لَا يُخَالِفُهُمْ فِيهِ أَحَدٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ أَهْلِ الْعَقْلِ وَالدِّينِ.
فَصْلٌ:
وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى {إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ} فَهَذَا قَدْ ذَكَرَهُ فِي مَوْضِعَيْنِ. فَقَالَ فِي الْحَاقَّةِ {إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ} {وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ} {وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ} فَالرَّسُولُ هُنَا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ فِي التَّكْوِيرِ: {إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ} {ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ} {مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ} {وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ} {وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ} فَالرَّسُولُ هُنَا جِبْرِيلُ فَأَضَافَهُ إلَى الرَّسُولِ مِنْ الْبَشَرِ تَارَةً وَإِلَى الرَّسُولِ مِنْ الْمَلَائِكَةِ تَارَةً بِاسْمِ الرَّسُولِ وَلَمْ يَقُلْ: إنَّهُ لَقَوْلُ مَلَكٍ وَلَا نَبِيٍّ لِأَنَّ لَفْظَ الرَّسُولِ يُبَيِّنُ أَنَّهُ مُبَلِّغٌ
(12/265)

عَنْ غَيْرِهِ لَا مُنْشِئٌ لَهُ مِنْ عِنْدِهِ {مَا عَلَى الرَّسُولِ إلَّا الْبَلَاغُ} فَكَانَ قَوْلُهُ: {إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ} بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ لَتَبْلِيغُ رَسُولٍ أَوْ مُبَلَّغٌ مِنْ رَسُولٍ كَرِيمٍ أَوْ جَاءَ بِهِ رَسُولٌ كَرِيمٌ أَوْ مَسْمُوعٌ عَنْ رَسُولٍ كَرِيمٍ؛ وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ أَنْشَأَهُ أَوْ أَحْدَثَهُ أَوْ أَنْشَأَ شَيْئًا مِنْهُ أَوْ أَحْدَثَهُ رَسُولٌ كَرِيمٌ إذْ لَوْ كَانَ مُنْشِئًا لَمْ يَكُنْ رَسُولًا فِيمَا أَنْشَأَهُ وَابْتَدَأَهُ وَإِنَّمَا يَكُونُ رَسُولًا فِيمَا بَلَّغَهُ وَأَدَّاهُ وَمَعْلُومٌ أَنَّ الضَّمِيرَ عَائِدٌ إلَى الْقُرْآنِ مُطْلَقًا. وَ (أَيْضًا فَلَوْ كَانَ أَحَدُ الرَّسُولَيْنِ أَنْشَأَ حُرُوفَهُ وَنَظْمَهُ امْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ الرَّسُولُ الْآخَرُ هُوَ الْمُنْشِئَ الْمُؤَلِّفَ لَهَا فَبَطَلَ أَنْ تَكُونَ إضَافَتُهُ إلَى الرَّسُولِ لِأَجْلِ إحْدَاثِ لَفْظِهِ وَنَظْمِهِ. وَلَوْ جَازَ أَنْ تَكُونَ الْإِضَافَةُ هُنَا لِأَجْلِ إحْدَاثِ الرَّسُولِ لَهُ أَوْ لِشَيْءِ مِنْهُ لَجَازَ أَنْ نَقُولَ إنَّهُ قَوْلُ الْبَشَرِ وَهَذَا قَوْلُ الْوَحِيدِ الَّذِي أَصْلَاهُ اللَّهُ سَقَرَ. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَالْوَحِيدُ جَعَلَ الْجَمِيعَ قَوْلَ الْبَشَرِ وَنَحْنُ نَقُولُ إنَّ الْكَلَامَ الْعَرَبِيَّ قَوْلُ الْبَشَرِ وَأَمَّا مَعْنَاهُ فَهُوَ كَلَامُ اللَّهِ. فَيُقَالُ لَهُمْ: هَذَا نِصْفُ قَوْلِ الْوَحِيدِ ثُمَّ هَذَا بَاطِلٌ مِنْ وُجُوهٍ أُخْرَى. وَهُوَ أَنَّ مَعَانِيَ هَذَا النَّظْمِ مَعَانٍ مُتَعَدِّدَةٌ مُتَنَوِّعَةٌ وَأَنْتُمْ تَجْعَلُونَ
(12/266)

ذَلِكَ الْمَعْنَى مَعْنًى وَاحِدًا هُوَ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ وَالْخَبَرُ وَالِاسْتِخْبَارُ وَتَجْعَلُونَ ذَلِكَ الْمَعْنَى إذَا عُبِّرَ عَنْهُ بِالْعَرَبِيَّةِ كَانَ قُرْآنًا وَإِذَا عُبِّرَ عَنْهُ بالعبرانية كَانَ تَوْرَاةً وَإِذَا عُبِّرَ عَنْهُ بالسريانية كَانَ إنْجِيلًا وَهَذَا مِمَّا يُعْلَمُ بُطْلَانُهُ بِالضَّرُورَةِ مِنْ الْعَقْلِ وَالدِّينِ؛ فَإِنَّ التَّوْرَاةَ إذَا عَرَّبْنَاهَا لَمْ يَكُنْ مَعْنَاهَا مَعْنَى الْقُرْآنِ وَالْقُرْآنُ إذَا تَرْجَمْنَاهُ بالعبرانية لَمْ يَكُنْ مَعْنَاهُ مَعْنَى التَّوْرَاةِ. وَ (أَيْضًا فَإِنَّ مَعْنَى آيَةِ الْكُرْسِيِّ لَيْسَ هُوَ مَعْنَى آيَةِ الدَّيْنِ وَإِنَّمَا يَشْتَرِكَانِ فِي مُسَمَّى الْكَلَامِ وَمُسَمَّى كَلَامِ اللَّهِ كَمَا تَشْتَرِكُ الْأَعْيَانُ فِي مُسَمَّى النَّوْعِ فَهَذَا الْكَلَامُ وَهَذَا الْكَلَامُ وَهَذَا الْكَلَامُ كُلُّهُ يَشْتَرِكُ فِي أَنَّهُ كَلَامُ اللَّهِ اشْتِرَاكَ الْأَشْخَاصِ فِي أَنْوَاعِهَا كَمَا أَنَّ الْإِنْسَانَ وَهَذَا الْإِنْسَانُ وَهَذَا الْإِنْسَانُ يَشْتَرِكُونَ فِي مُسَمَّى الْإِنْسَانِ وَلَيْسَ فِي الْخَارِجِ شَخْصٌ بِعَيْنِهِ هُوَ هَذَا وَهَذَا وَهَذَا وَكَذَلِكَ لَيْسَ فِي الْخَارِجِ كَلَامٌ وَاحِدٌ هُوَ مَعْنَى التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَهُوَ مَعْنَى آيَةِ الدَّيْنِ وَآيَةِ الْكُرْسِيِّ. وَمَنْ خَالَفَ هَذَا كَانَ فِي مُخَالَفَتِهِ لِصَرِيحِ الْمَعْقُولِ مِنْ جِنْس مَنْ قَالَ: إنَّ أَصْوَاتَ الْعِبَادِ وَأَفْعَالَهُمْ قَدِيمَةٌ أَزَلِيَّةٌ. فَاضْرِبْ بِكَلَامِ الْبِدْعَتَيْنِ رَأْسَ قَائِلِهِمَا وَأَلْزِمْ الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ: صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ.
(12/267)

وَبِسَبَبِ هَاتَيْنِ الْبِدْعَتَيْنِ الْحَمْقَاوَيْنِ ثَارَتْ الْفِتَنُ وَعَظُمَتْ الْإِحَنُ وَإِنْ كَانَ كُلٌّ مِنْ أَصْحَابِ الْقَوْلَيْنِ قَدْ يُفَسِّرُونَهُمَا بِمَا قَدْ يَلْتَبِسُ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ كَمَا فَسَّرَ مَنْ قَالَ: إنَّ الصَّوْتَ الْمَسْمُوعَ مِنْ الْعَبْدِ أَوْ بَعْضَهُ قَدِيمٌ: أَنَّ الْقَدِيمَ ظَهَرَ فِي الْمُحْدَثِ مِنْ غَيْرِ حُلُولٍ فِيهِ. وَأَمَّا " أَفْعَالُ الْعِبَادِ " فَرَأَيْت بَعْضَ الْمُتَأَخِّرِينَ يَزْعُمُ أَنَّهَا قَدِيمَةٌ خَيْرُهَا وَشَرُّهَا وَفَسَّرَ ذَلِكَ بِأَنَّ الشَّرْعَ قَدِيمٌ وَالْقَدَرَ قَدِيمٌ وَهِيَ مَشْرُوعَةٌ مُقَدَّرَةٌ وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الشَّرْعِ الَّذِي هُوَ كَلَامُ اللَّهِ وَالْمَشْرُوعِ الَّذِي هُوَ الْمَأْمُورُ بِهِ وَالْمَنْهِيُّ عَنْهُ وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الْقَدَرِ الَّذِي هُوَ عِلْمُ اللَّهِ وَكَلَامُهُ وَبَيْنَ الْمَقْدُورِ الَّذِي هُوَ مَخْلُوقَاتُهُ. وَالْعُقَلَاءُ كُلُّهُمْ يَعْلَمُونَ بِالِاضْطِرَارِ أَنَّ الْأَمْرَ وَالْخَبَرَ نَوْعَانِ لِلْكَلَامِ لَفْظُهُ وَمَعْنَاهُ لَيْسَ الْأَمْرُ وَالْخَبَرُ صِفَاتٍ لِمَوْصُوفِ وَاحِدٍ - فَمَنْ جَعَلَ الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ وَالْخَبَرَ صِفَاتٍ لِلْكَلَامِ لَا أَنْوَاعًا لَهُ فَقَدْ خَالَفَ ضَرُورَةَ الْعَقْلِ؛ وَهَؤُلَاءِ فِي هَذَا بِمَنْزِلَةِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْوُجُودَ وَاحِدٌ؛ إذْ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الْوَاحِدِ بِالنَّوْعِ وَالْوَاحِدِ بِالْعَيْنِ؛ فَإِنَّ انْقِسَامَ " الْمَوْجُودِ " إلَى الْقَدِيمِ وَالْمُحْدَثِ وَالْوَاجِبِ وَالْمُمْكِنِ وَالْخَالِقِ وَالْمَخْلُوقِ وَالْقَائِمِ بِنَفْسِهِ وَالْقَائِمِ بِغَيْرِهِ كَانْقِسَامِ " الْكَلَامِ " إلَى الْأَمْرِ وَالْخَبَرِ أَوْ إلَى الْإِنْشَاءِ وَالْإِخْبَارِ أَوْ إلَى الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْخَبَرِ - فَمَنْ قَالَ الْكَلَامُ مَعْنًى وَاحِدٌ هُوَ الْأَمْرُ وَالْخَبَرُ فَهُوَ كَمَنْ قَالَ الْوُجُودُ وَاحِدٌ هُوَ الْخَالِقُ وَالْمَخْلُوقُ أَوْ الْوَاجِبُ وَالْمُمْكِنُ. وَكَمَا أَنَّ حَقِيقَةً هَذَا تَؤُولُ إلَى تَعْطِيلِ الْخَالِقِ فَحَقِيقَةُ
(12/268)

هَذَا تَؤُولُ إلَى تَعْطِيلِ كَلَامِهِ وَتَكْلِيمِهِ. وَهَذَا حَقِيقَةُ قَوْلِ فِرْعَوْنَ الَّذِي أَنْكَرَ الْخَالِقَ وَتَكْلِيمَهُ لِمُوسَى؛ وَلِهَذَا آلَ الْأَمْرُ بِمُحَقِّقِ هَؤُلَاءِ إلَى تَعْظِيمِ فِرْعَوْنَ وَتَوَلِّيهِ وَتَصْدِيقِهِ فِي قَوْلِهِ: {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} بَلْ إلَى تَعْظِيمِهِ عَلَى مُوسَى وَإِلَى الِاسْتِحْقَارِ بِتَكْلِيمِ اللَّهِ لِمُوسَى كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ. (وَأَيْضًا فَيُقَالُ: مَا تَقُولُ فِي كَلَامِ كُلِّ مُتَكَلِّمٍ إذَا نَقَلَهُ عَنْهُ غَيْرُهُ - كَمَا قَدْ يُنْقَلُ كَلَامُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالصَّحَابَةِ وَالْعُلَمَاءِ وَالشُّعَرَاءِ وَغَيْرِهِمْ وَيُسْمَعُ مِنْ الرُّوَاةِ أَوْ الْمُبَلِّغِينَ - إنَّ ذَلِكَ الْمَسْمُوعَ مِنْ الْمُبَلِّغِ بِصَوْتِ الْمُبَلِّغِ هُوَ كَلَامُ الْمُبَلِّغِ أَوْ كَلَامُ الْمُبَلَّغِ عَنْهُ؟ فَإِنْ قَالَ: كَلَامُ الْمُبَلِّغِ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ الْقُرْآنُ كَلَامًا لِكُلِّ مَنْ سُمِعَ مِنْهُ فَيَكُونُ الْقُرْآنُ الْمَسْمُوعُ كَلَامَ أَلْفِ أَلْفِ قَارِئٍ لَا كَلَامَ اللَّهِ تَعَالَى وَأَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: {إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ} وَنَظَائِرُهُ كَلَامَ كُلِّ مَنْ رَوَاهُ لَا كَلَامَ الرَّسُولِ وَحِينَئِذٍ فَلَا فَضِيلَةَ لِلْقُرْآنِ فِي {إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ} فَإِنَّهُ عَلَى قَوْلِ هَؤُلَاءِ قَوْلُ كُلِّ مُنَافِقٍ قَرَأَهُ وَالْقُرْآنُ يَقْرَؤُهُ الْمُؤْمِنُ وَالْمُنَافِقُ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: {مَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ مَثَلُ الْأُتْرُجَّةِ طَعْمُهَا طَيِّبٌ وَرِيحُهَا طَيِّبٌ وَمَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ مَثَلُ التَّمْرَةِ طَعْمُهَا طَيِّبٌ وَلَا رِيحَ لَهَا؛ وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ مَثَلُ الرَّيْحَانَةِ رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا مُرٌّ وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ
(12/269)

مَثَلُ الْحَنْظَلَةِ طَعْمُهَا مُرٌّ وَلَا رِيحَ لَهَا} وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ فَلَا يَكُونُ الْقُرْآنُ قَوْلَ بَشَرٍ وَاحِدٍ بَلْ قَوْلَ أَلْفِ أَلْفِ بَشَرٍ وَأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ. وَفَسَادُ هَذَا فِي الْعَقْلِ وَالدِّينِ وَاضِحٌ. وَإِنْ قَالَ: كَلَامُ الْمُبَلَّغِ عَنْهُ عُلِمَ أَنَّ الرَّسُولَ الْمُبَلِّغَ لِلْقُرْآنِ لَيْسَ الْقُرْآنُ كَلَامَهُ وَلَكِنَّهُ كَلَامُ اللَّهِ؛ وَلَكِنْ لَمَّا كَانَ الرَّسُولُ الْمَلَكُ قَدْ يُقَالُ إنَّهُ شَيْطَانٌ بَيَّنَ اللَّهُ أَنَّهُ تَبْلِيغُ مَلَكٍ كَرِيمٍ؛ لَا تَبْلِيغُ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ؛ وَلِهَذَا قَالَ: {إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ} {ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ} إلَى قَوْلِهِ: {وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ} . وَبَيَّنَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ الرَّسُولَ الْبَشَرِيَّ الَّذِي صَحِبْنَاهُ وَسَمِعْنَاهُ مِنْهُ لَيْسَ بِمَجْنُونٍ وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِمُتَّهَمِ. وَذَكَرَهُ بِاسْمِ " الصَّاحِبِ " لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ النِّعْمَةِ بِهِ عَلَيْنَا إذْ كُنَّا لَا نُطِيقُ أَنْ نَتَلَقَّى إلَّا عَمَّنْ صَحِبْنَاهُ وَكَانَ مِنْ جِنْسِنَا كَمَا قَالَ تَعَالَى {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ} وَقَالَ {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ} كَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: {وَالنَّجْمِ إذَا هَوَى} {مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى} وَبَيَّنَ أَنَّ الرَّسُولَ الَّذِي مِنْ أَنْفُسِنَا وَالرَّسُولَ الْمَلَكِيَّ أَنَّهُمَا مُبَلِّغَانِ فَكَانَ فِي هَذَا تَحْقِيقُ أَنَّهُ كَلَامُ اللَّهِ. فَلَمَّا كَانَ الرَّسُولُ الْبَشَرِيُّ يُقَالُ: إنَّهُ مَجْنُونٌ أَوْ مُفْتَرٍ نَزَّهَهُ عَنْ هَذَا وَهَذَا وَكَذَلِكَ فِي السُّورَةِ الْأُخْرَى قَالَ: {إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ} {وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ} {وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا
(12/270)

مَا تَذَكَّرُونَ} {تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ} وَهَذَا مِمَّا يُبَيِّنُ أَنَّهُ أَضَافَهُ إلَيْهِ لِأَنَّهُ بَلَّغَهُ وَأَدَّاهُ لَا لِأَنَّهُ أَحْدَثَهُ وَأَنْشَأَهُ فَإِنَّهُ قَالَ: {وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ} {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ} فَجَمَعَ بَيْنَ قَوْلِهِ: {إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ} وَبَيْنَ قَوْلِهِ: {وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ} وَالضَّمِيرَانِ عَائِدَانِ إلَى وَاحِدٍ فَلَوْ كَانَ الرَّسُولُ أَحْدَثَهُ وَأَنْشَأَهُ لَمْ يَكُنْ تَنْزِيلًا مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ؛ بَلْ كَانَ يَكُونُ تَنْزِيلًا مِنْ الرَّسُولِ. وَمَنْ جَعَلَ الضَّمِيرَ فِي هَذَا عَائِدًا إلَى غَيْرِ مَا يَعُودُ إلَيْهِ الضَّمِيرُ الْآخَرُ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْكَلَامِ مَا يَقْتَضِي اخْتِلَافَ الضَّمِيرَيْنِ وَمَنْ قَالَ إنَّ هَذَا عِبَارَةٌ عَنْ كَلَامِ اللَّهِ - فَقُلْ لَهُ: هَذَا الَّذِي تَقْرَؤُهُ أَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ الْعِبَارَةِ الَّتِي أَحْدَثَهَا الرَّسُولُ الْمَلَكُ أَوْ الْبَشَرُ عَلَى زَعْمِك؟ أَمْ هُوَ نَفْسُ تِلْكَ الْعِبَارَةِ؟ فَإِنْ جَعَلْت هَذَا عِبَارَةً عَنْ تِلْكَ الْعِبَارَةِ جَازَ أَنْ تَكُونَ عِبَارَةُ جِبْرِيلَ أَوْ الرَّسُولِ عِبَارَةً عَنْ عِبَارَةِ اللَّهِ وَحِينَئِذٍ فَيَبْقَى النِّزَاعُ لَفْظِيًّا؛ فَإِنَّهُ مَتَى قَالَ إنَّ مُحَمَّدًا سَمِعَهُ مِنْ جِبْرِيلَ جَمِيعَهُ وَجِبْرِيلَ سَمِعَهُ مِنْ اللَّهِ جَمِيعَهُ وَالْمُسْلِمُونَ سَمِعُوهُ مِنْ الرَّسُولِ جَمِيعَهُ فَقَدْ قَالَ الْحَقَّ - وَبَعْدَ هَذَا فَقَوْلُهُ عِبَارَةٌ لِأَجْلِ التَّفْرِيقِ بَيْنَ التَّبْلِيغِ وَالْمُبَلَّغِ عَنْهُ كَمَا سَنُبَيِّنُهُ. وَإِنْ قُلْت: لَيْسَ هَذَا عِبَارَةً عَنْ تِلْكَ الْعِبَارَةِ بَلْ هُوَ نَفْسُ تِلْكَ الْعِبَارَةِ فَقَدْ جَعَلْت مَا يُسْمَعُ مِنْ الْمُبَلِّغِ هُوَ بِعَيْنِهِ مَا يُسْمَعُ مِنْ الْمُبَلَّغِ
(12/271)

عَنْهُ إذْ جَعَلْت هَذِهِ الْعِبَارَةَ هِيَ بِعَيْنِهَا عِبَارَةَ جِبْرِيلَ فَحِينَئِذٍ هَذَا يُبْطِلُ أَصْلَ قَوْلِك. وَاعْلَمْ أَنَّ أَصْلَ الْقَوْلِ بِالْعِبَارَةِ " أَنَّ أَبَا مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدِ بْنِ كُلَّابٍ " هُوَ أَوَّلُ مَنْ قَالَ فِي الْإِسْلَامِ: إنَّ مَعْنَى الْقُرْآنِ كَلَامُ اللَّهِ. وَحُرُوفُهُ لَيْسَتْ كَلَامَ اللَّهِ فَأَخَذَ بِنِصْفِ قَوْلِ الْمُعْتَزِلَة وَنِصْفِ قَوْلِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ وَكَانَ قَدْ ذَهَبَ إلَى إثْبَاتِ الصِّفَاتِ لِلَّهِ تَعَالَى وَخَالَفَ الْمُعْتَزِلَةَ فِي ذَلِكَ وَأَثْبَتَ الْعُلُوَّ لِلَّهِ عَلَى الْعَرْشِ وَمُبَايَنَتَهُ الْمَخْلُوقَاتِ وَقَرَّرَ ذَلِكَ تَقْرِيرًا هُوَ أَكْمَلُ مِنْ تَقْرِيرِ أَتْبَاعِهِ بَعْدَهُ. وَكَانَ النَّاسُ قَدْ تَكَلَّمُوا فِيمَنْ بَلَّغَ كَلَامَ غَيْرِهِ هَلْ يُقَالُ لَهُ حِكَايَةٌ عَنْهُ أَمْ لَا؟ وَأَكْثَرُ الْمُعْتَزِلَةِ قَالُوا: هُوَ حِكَايَةٌ عَنْهُ فَقَالَ ابْنُ كُلَّابٍ: الْقُرْآنُ الْعَرَبِيُّ حِكَايَةٌ عَنْ كَلَامِ اللَّهِ؛ لَيْسَ بِكَلَامِ اللَّهِ. فَجَاءَ بَعْدَهُ " أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ " فَسَلَكَ مَسْلَكَهُ فِي إثْبَاتِ أَكْثَرِ الصِّفَاتِ وَفِي مَسْأَلَةِ الْقُرْآنِ أَيْضًا وَاسْتَدْرَكَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ إنَّ هَذَا حِكَايَةٌ وَقَالَ: الْحِكَايَةُ إنَّمَا تَكُونُ مِثْلَ الْمَحْكِيِّ فَهَذَا يُنَاسِبُ قَوْلَ الْمُعْتَزِلَةِ؛ وَإِنَّمَا يُنَاسِبُ قَوْلَنَا أَنْ نَقُولَ هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ كَلَامِ اللَّهِ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ الْعِبَارَةِ فَأَنْكَرَ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ عَلَيْهِمْ عِدَّةَ أُمُورٍ.
(12/272)

أَحَدُهَا قَوْلُهُمْ: إنَّ الْمَعْنَى كَلَامُ اللَّهِ وَإِنَّ الْقُرْآنَ الْعَرَبِيَّ لَيْسَ كَلَامَ اللَّهِ وَكَانَتْ الْمُعْتَزِلَةُ تَقُولُ: هُوَ كَلَامُ اللَّهِ وَهُوَ مَخْلُوقٌ فَقَالَ: هَؤُلَاءِ هُوَ مَخْلُوقٌ وَلَيْسَ بِكَلَامِ اللَّهِ؛ لِأَنَّ مِنْ أُصُولِ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّ الصِّفَةَ إذَا قَامَتْ بِمَحَلِّ عَادَ حُكْمُهَا عَلَى ذَلِكَ الْمَحَلِّ فَإِذَا قَامَ الْكَلَامُ بِمَحَلِّ كَانَ هُوَ الْمُتَكَلِّمَ بِهِ كَمَا أَنَّ الْعِلْمَ وَالْقُدْرَةَ إذَا قَامَا بِمَحَلِّ كَانَ هُوَ الْعَالِمَ الْقَادِرَ وَكَذَلِكَ " الْحَرَكَةُ ". وَهَذَا مِمَّا احْتَجُّوا بِهِ عَلَى الْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ الْجَهْمِيَّة فِي قَوْلِهِمْ: إنَّ كَلَامَ اللَّهِ مَخْلُوقٌ خَلَقَهُ فِي بَعْضِ الْأَجْسَامِ - قَالُوا لَهُمْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَكَانَ الْكَلَامُ كَلَامَ ذَلِكَ الْجِسْمِ الَّذِي خَلَقَهُ فِيهِ فَكَانَتْ الشَّجَرَةُ هِيَ الْقَائِلَةَ: {إنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} فَقَالَ أَئِمَّةُ الْكُلَّابِيَة إذَا كَانَ الْقُرْآنُ الْعَرَبِيُّ مَخْلُوقًا لَمْ يَكُنْ كَلَامَ اللَّهِ فَقَالَ طَائِفَةٌ مِنْ مُتَأَخِّرِيهِمْ: بَلْ نَقُولُ الْكَلَامُ مَقُولٌ بِالِاشْتِرَاكِ بَيْنَ الْمَعْنَى الْمُجَرَّدِ وَبَيْنَ الْحُرُوفِ الْمَنْظُومَةِ فَقَالَ لَهُمْ الْمُحَقِّقُونَ: فَهَذَا يُبْطِلُ أَصْلَ حُجَّتِكُمْ عَلَى الْمُعْتَزِلَةِ؛ فَإِنَّكُمْ إذَا سَلَّمْتُمْ أَنَّ مَا هُوَ كَلَامُ اللَّهِ حَقِيقَةً لَا يُمْكِنُ قِيَامُهُ بِهِ بَلْ بِغَيْرِهِ أَمْكَنَ الْمُعْتَزِلَةَ أَنْ يَقُولُوا لَيْسَ كَلَامُهُ إلَّا مَا خَلَقَهُ فِي غَيْرِهِ. (الثَّانِي قَوْلُهُمْ: إنَّ ذَلِكَ الْمَعْنَى هُوَ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ وَالْخَبَرُ وَهُوَ مَعْنَى التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَقَالَ أَكْثَرُ الْعُقَلَاءِ: هَذَا الَّذِي قَالُوهُ مَعْلُومُ الْفَسَادِ بِضَرُورَةِ الْعَقْلِ.
(12/273)

الثَّالِثُ أَنَّ مَا نَزَلَ بِهِ جِبْرِيلُ مِنْ الْمَعْنَى وَاللَّفْظِ وَمَا بَلَّغَهُ مُحَمَّدٌ لِأُمَّتِهِ مِنْ الْمَعْنَى وَاللَّفْظِ لَيْسَ هُوَ كَلَامَ اللَّهِ. وَ " مَسْأَلَةُ الْقُرْآنِ " لَهَا طَرَفَانِ (أَحَدُهُمَا تَكَلُّمُ اللَّهِ بِهِ وَهُوَ أَعْظَمُ الطَّرَفَيْنِ (وَالثَّانِي تَنْزِيلُهُ إلَى خَلْقِهِ وَالْكَلَامُ فِي هَذَا سَهْلٌ بَعْدَ تَحْقِيقِ الْأَوَّلِ. وَقَدْ بَسَطْنَا الْكَلَامَ فِي ذَلِكَ فِي عِدَّةِ مَوَاضِعَ وَبَيَّنَّا مَقَالَاتِ أَهْلِ الْأَرْضِ كُلِّهِمْ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ وَمَا دَخَلَ فِي ذَلِكَ مِنْ الِاشْتِبَاهِ وَمَأْخَذَ كُلِّ طَائِفَةٍ وَمَعْنَى قَوْلِ السَّلَفِ: الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ وَأَنَّهُمْ قَصَدُوا بِهِ إبْطَالَ قَوْلِ مَنْ يَقُولُ: إنَّ اللَّهَ لَمْ يَقُمْ بِذَاتِهِ كَلَامٌ؛ وَلِهَذَا قَالَ الْأَئِمَّةُ كَلَامُ اللَّهِ مِنْ اللَّهِ لَيْسَ بِبَائِنِ عَنْهُ وَذَكَرْنَا اخْتِلَافَ الْمُنْتَسِبِينَ إلَى السُّنَّةِ هَلْ يَتَعَلَّقُ الْكَلَامُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ أَمْ لَا؟ وَقَوْلُ مَنْ قَالَ مِنْ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ لَمْ يَزَلْ اللَّهُ مُتَكَلِّمًا إذَا شَاءَ وَأَنَّ قَوْلَ السَّلَفِ مِنْهُ بَدَأَ لَمْ يُرِيدُوا بِهِ أَنَّهُ فَارَقَ ذَاتَه وَحَلَّ فِي غَيْرِهِ؛ فَإِنَّ كَلَامَ الْمَخْلُوقِ بَلْ وَسَائِر صِفَاتِهِ لَا تُفَارِقُهُ وَتَنْتَقِلُ إلَى غَيْرِهِ فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يُفَارِقَ ذَاتَ اللَّهِ كَلَامُهُ أَوْ غَيْرُهُ مِنْ صِفَاتِهِ بَلْ قَالُوا: مِنْهُ بَدَأَ أَيْ: هُوَ الْمُتَكَلِّمُ بِهِ رَدًّا عَلَى الْمُعْتَزِلَةِ وَالْجَهْمِيَّة وَغَيْرِهِمْ الَّذِينَ قَالُوا بَدَأَ مِنْ الْمَخْلُوقِ الَّذِي خُلِقَ فِيهِ. وَقَوْلُهُمْ: إلَيْهِ يَعُودُ. أَيْ: يُسْرَى عَلَيْهِ فَلَا يَبْقَى فِي الْمَصَاحِفِ مِنْهُ حَرْفٌ وَلَا فِي الصُّدُورِ مِنْهُ آيَةٌ.
(12/274)

وَالْمَقْصُودُ هُنَا الْجَوَابُ عَنْ مَسَائِلِ السَّائِلِ.
فَصْلٌ:
وَأَمَّا قَوْلُ الْقَائِلِ: أَنْتُمْ تَعْتَقِدُونَ أَنَّ مُوسَى سَمِعَ كَلَامَ اللَّهِ مِنْهُ حَقِيقَةً مِنْ غَيْرِ وَاسِطَةٍ وَتَقُولُونَ إنَّ الَّذِي تَسْمَعُونَهُ كَلَامُ اللَّهِ حَقِيقَةً وَتَسْمَعُونَهُ مِنْ وَسَائِطَ بِأَصْوَاتِ مُخْتَلِفَةٍ فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ ذَلِكَ؟ فَيُقَالُ لَهُ بَيْنَ هَذَا وَهَذَا مِنْ الْفَرْقِ أَعْظَمُ مِمَّا بَيْنَ الْقَدَمِ وَالْفَرْقِ. فَإِنَّ كُلَّ عَاقِلٍ يُفَرِّقُ بَيْنَ سَمَاعِ كَلَامِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ - كَسَمَاعِ الصَّحَابَةِ مِنْهُ - وَبَيْنَ سَمَاعِهِ مِنْهُ بِوَاسِطَةِ الْمُبَلِّغِينَ عَنْهُ كَأَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ وَابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَكُلٌّ مِنْ السَّامِعِينَ سَمِعَ كَلَامَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَقِيقَةً وَكَذَلِكَ مَنْ سَمِعَ شِعْرَ حَسَّانِ بْنِ ثَابِتٍ أَوْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ أَوْ غَيْرِهِمَا مِنْ الشُّعَرَاءِ مِنْهُ بِلَا وَاسِطَةٍ وَمَنْ سَمِعَهُ مِنْ الرُّوَاةِ عَنْهُ يَعْلَمُ الْفَرْقَ بَيْنَ هَذَا وَهَذَا وَهُوَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ شِعْرُ حَسَّانٍ لَا شِعْرُ غَيْرِهِ وَالْإِنْسَانُ إذَا تَعَلَّمَ شِعْرَ غَيْرِهِ فَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ ذَلِكَ الشَّاعِرَ أَنْشَأَ مَعَانِيَهُ وَنَظَمَ حُرُوفَهُ بِأَصْوَاتِهِ الْمُقَطَّعَةِ وَإِنْ كَانَ الْمُبَلِّغُ يَرْوِيهِ بِحَرَكَةِ نَفْسِهِ وَأَصْوَاتِ نَفْسِهِ.
(12/275)

فَإِذَا كَانَ هَذَا الْفَرْقُ مَعْقُولًا فِي كَلَامِ الْمَخْلُوقِينَ بَيْنَ سَمَاعِ الْكَلَامِ مِنْ الْمُتَكَلِّمِ بِهِ ابْتِدَاءً وَسَمَاعِهِ بِوَاسِطَةِ الرَّاوِي عَنْهُ أَوْ الْمُبَلَّغِ عَنْهُ فَكَيْفَ لَا يُعْقَلُ ذَلِكَ فِي سَمَاعِ كَلَامِ اللَّهِ؟ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ مَنْ ظَنَّ أَنَّ الْمَسْمُوعَ مِنْ الْقُرَّاءِ هُوَ صَوْتُ الرَّبِّ فَهُوَ إلَى تَأْدِيبِ الْمَجَانِينِ أَقْرَبُ مِنْهُ إلَى خِطَابِ الْعُقَلَاءِ وَكَذَلِكَ مَنَّ تَوَهَّمَ أَنَّ الصَّوْتَ قَدِيمٌ أَوْ أَنَّ الْمِدَادَ قَدِيمٌ فَهَذَا لَا يَقُولُهُ ذُو حِسٍّ سَلِيمٍ؛ بَلْ مَا بَيْنَ لَوْحَيْ الْمُصْحَفِ كَلَامُ اللَّهِ وَكَلَامُ اللَّهِ ثَابِتٌ فِي مَصَاحِفِ الْمُسْلِمِينَ لَا كَلَامُ غَيْرِهِ فَمَنْ قَالَ: إنَّ الَّذِي فِي الْمُصْحَفِ لَيْسَ كَلَامَ اللَّهِ بَلْ كَلَامُ غَيْرِهِ فَهُوَ مُلْحِدٌ مَارِقٌ. وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ كَلَامَ اللَّهِ فَارَقَ ذَاتَه وَانْتَقَلَ إلَى غَيْرِهِ كَمَا كُتِبَ فِي الْمَصَاحِفِ أَوْ أَنَّ الْمِدَادَ قَدِيمٌ أَزَلِيٌّ فَهُوَ أَيْضًا مُلْحِدٌ مَارِقٌ؛ بَلْ كَلَامُ الْمَخْلُوقِينَ يُكْتَبُ فِي الْأَوْرَاقِ وَهُوَ لَمْ يُفَارِقْ ذَوَاتَهُمْ فَكَيْفَ لَا يُعْقَلُ مِثْل هَذَا فِي كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى وَ " الشُّبْهَةُ " تَنْشَأَ فِي مِثْلِ هَذَا مِنْ جِهَةِ أَنَّ بَعْضَ النَّاسِ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَ الْمُطْلَقِ مِنْ الْكَلَامِ وَالْمُقَيَّدِ. مِثَالُ ذَلِكَ أَنَّ الْإِنْسَانَ يَقُولُ رَأَيْت الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالْهِلَالَ إذَا رَآهُ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ " وَهَذِهِ الرُّؤْيَةُ الْمُطْلَقَةُ " وَقَدْ يَرَاهُ فِي مَاءٍ أَوْ مِرْآةٍ فَهَذِهِ " رُؤْيَةٌ مُقَيَّدَةٌ " فَإِذَا أَطْلَقَ قَوْلَهُ رَأَيْته أَوْ مَا رَأَيْته حُمِلَ عَلَى مَفْهُومِ اللَّفْظِ الْمُطْلَقِ وَإِذَا قَالَ: لَقَدْ رَأَيْت الشَّمْسَ فِي الْمَاءِ وَالْمِرْآةِ فَهُوَ كَلَامٌ صَحِيحٌ مَعَ التَّقْيِيدِ وَاللَّفْظُ يَخْتَلِفُ مَعْنَاهُ
(12/276)

بِالْإِطْلَاقِ وَالتَّقْيِيدِ فَإِذَا وَصَلَ بِالْكَلَامِ مَا يُغَيِّرُ مَعْنَاهُ كَالشَّرْطِ وَالِاسْتِثْنَاءِ وَنَحْوِهِمَا مِنْ التَّخْصِيصَاتِ الْمُتَّصِلَةِ كَقَوْلِهِ: {أَلْفَ سَنَةٍ إلَّا خَمْسِينَ عَامًا} كَانَ هَذَا الْمَجْمُوعُ دَالًّا عَلَى تِسْعِمِائَةٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ عِنْدَ جَمَاهِيرِ النَّاسِ. وَمَنْ قَالَ إنَّ هَذَا مَجَازٌ فَقَدْ غَلِطَ؛ فَإِنَّ هَذَا الْمَجْمُوعَ لَمْ يُسْتَعْمَلْ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ وَمَا يَقْتَرِنُ بِاللَّفْظِ مِنْ الْقَرَائِنِ اللَّفْظِيَّةِ الْمَوْضُوعَةِ هِيَ مِنْ تَمَامِ الْكَلَامِ؛ وَلِهَذَا لَا يَحْتَمِلُ الْكَلَامُ مَعَهَا مَعْنَيَيْنِ وَلَا يَجُوزُ نَفْيُ مَفْهُومِهِمَا بِخِلَافِ اسْتِعْمَالِ لَفْظِ الْأَسَدِ فِي الرَّجُلِ الشُّجَاعِ مَعَ أَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ: هَذَا اللَّفْظُ حَقِيقَةٌ وَهَذَا مَجَازٌ نِزَاعٌ لَفْظِيٌّ وَهُوَ مُسْتَنَدُ مَنْ أَنْكَرَ الْمَجَازَ فِي اللُّغَةِ أَوْ فِي الْقُرْآنِ وَلَمْ يَنْطِقْ بِهَذَا أَحَدٌ مِنْ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ وَلَمْ يُعْرَفْ لَفْظُ الْمَجَازِ فِي كَلَامِ أَحَدٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ إلَّا فِي كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَد فَإِنَّهُ قَالَ فِيمَا كَتَبَهُ مِنْ " الرَّدِّ عَلَى الزَّنَادِقَةِ وَالْجَهْمِيَّة " هَذَا مِنْ مَجَازِ الْقُرْآنِ. وَأَوَّلُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ مُطْلَقًا أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى فِي كِتَابِهِ الَّذِي صَنَّفَهُ فِي " مَجَازِ الْقُرْآنِ " ثُمَّ إنَّ هَذَا كَانَ مَعْنَاهُ عِنْدَ الْأَوَّلِينَ مِمَّا يَجُوزُ فِي اللُّغَةِ وَيَسُوغُ فَهُوَ مُشْتَقٌّ عِنْدَهُمْ مِنْ الْجَوَازِ كَمَا يَقُولُ الْفُقَهَاءُ عَقْدٌ لَازِمٌ وَجَائِزٌ وَكَثِيرٌ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ جَعَلَهُ مِنْ الْجَوَازِ الَّذِي هُوَ الْعُبُورُ مِنْ مَعْنَى الْحَقِيقَةِ إلَى مَعْنَى الْمَجَازِ ثُمَّ إنَّهُ لَا رَيْبَ أَنَّ الْمَجَازَ قَدْ يَشِيعُ وَيَشْتَهِرُ حَتَّى يَصِيرَ حَقِيقَةً.
(12/277)

وَالْمَقْصُودُ أَنَّ الْقَائِلَ إذَا قَالَ: رَأَيْت الشَّمْسَ أَوْ الْقَمَرَ أَوْ الْهِلَالَ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ فِي الْمَاءِ وَالْمِرْآةِ فَالْعُقَلَاءُ مُتَّفِقُونَ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ هَذِهِ الرُّؤْيَةِ وَبَيْنَ رُؤْيَةِ ذَلِكَ بِلَا وَاسِطَةٍ وَإِذَا قَالَ قَائِلٌ: مَا رَأَى ذَلِكَ؛ بَلْ رَأَى مِثَالَهُ أَوْ خَيَالَهُ أَوْ رَأَى الشُّعَاعَ الْمُنْعَكِسَ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ هَذَا مَانِعًا لِمَا يَعْلَمُهُ النَّاسُ وَيَقُولُونَهُ مِنْ أَنَّهُ رَآهُ فِي الْمَاءِ أَوْ الْمِرْآةِ وَهَذِهِ الرُّؤْيَةُ فِي الْمَاءِ أَوْ الْمِرْآةِ حَقِيقَةٌ مُقَيَّدَةٌ وَكَذَلِكَ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَقَدْ رَآنِي حَقًّا فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَمَثَّلُ فِي صُورَتِي} هُوَ كَمَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَآهُ فِي الْمَنَامِ حَقًّا فَمَنْ قَالَ: مَا رَآهُ فِي الْمَنَامِ حَقًّا فَقَدْ أَخْطَأَ وَمَنْ قَالَ: إنَّ رُؤْيَتَهُ فِي الْيَقَظَةِ بِلَا وَاسِطَةٍ كَالرُّؤْيَةِ بِالْوَاسِطَةِ الْمُقَيَّدَةِ بِالنَّوْمِ فَقَدْ أَخْطَأَ؛ وَلِهَذَا يَكُونُ لِهَذِهِ تَأْوِيلٌ وَتَعْبِيرٌ دُونَ تِلْكَ. وَكَذَلِكَ مَا سَمِعَهُ مِنْهُ مِنْ الْكَلَامِ فِي الْمَنَامِ هُوَ سَمَاعٌ مِنْهُ فِي الْمَنَامِ وَلَيْسَ هَذَا كَالسَّمَاعِ مِنْهُ فِي الْيَقَظَةِ وَقَدْ يَرَى الرَّائِي فِي الْمَنَامِ أَشْخَاصًا وَيُخَاطِبُونَهُ وَالْمَرْئِيُّونَ لَا شُعُورَ لَهُمْ بِذَلِكَ وَإِنَّمَا رَأَى مِثَالَهُمْ وَلَكِنْ يُقَالُ: رَآهُمْ فِي الْمَنَامِ حَقِيقَةً فَيُحْتَرَزُ بِذَلِكَ عَنْ الرُّؤْيَا الَّتِي هِيَ حَدِيثُ النَّفْسِ. فَإِنَّ " الرُّؤْيَا ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ " رُؤْيَا بُشْرَى مِنْ اللَّهِ وَرُؤْيَا تَحْزِينٌ مِنْ الشَّيْطَانِ وَرُؤْيَا مِمَّا يُحَدِّثُ بِهِ الْمَرْءُ نَفْسَهُ فِي الْيَقَظَةِ فَيَرَاهُ فِي الْمَنَامِ. وَقَدْ ثَبَتَ هَذَا التَّقْسِيمُ فِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ،
(12/278)

وَلَكِنَّ الرُّؤْيَا يَظْهَرُ لِكُلِّ أَحَدٍ مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْيَقَظَةِ مَا لَا يَظْهَرُ فِي غَيْرِهَا فَكَمَا أَنَّ الرُّؤْيَةَ تَكُونُ مُطْلَقَةً وَتَكُونُ مُقَيَّدَةً بِوَاسِطَةِ الْمِرْآةِ وَالْمَاءِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ حَتَّى إنَّ الْمَرْئِيَّ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْمِرْآةِ فَإِذَا كَانَتْ كَبِيرَةً مُسْتَدِيرَةً رَأَى كَذَلِكَ وَإِنْ كَانَتْ صَغِيرَةً أَوْ مُسْتَطِيلَةً رَأَى كَذَلِكَ فَكَذَلِكَ فِي " السَّمَاعِ " يُفَرَّقُ بَيْنَ مَنْ سَمِعَ كَلَامَ غَيْرِهِ مِنْهُ وَمَنْ سَمِعَهُ بِوَاسِطَةِ الْمُبَلِّغِ فَفِي الْمَوْضِعَيْنِ الْمَقْصُودُ سَمَاعُ كَلَامِهِ كَمَا أَنَّ هُنَاكَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ يَقْصِدُ رُؤْيَةَ نَفْسِ النَّبِيِّ؛ لَكِنْ إذَا كَانَ بِوَاسِطَةِ اخْتَلَفَ بِاخْتِلَافِ الْوَاسِطَةِ فَيَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ أَصْوَاتِ الْمُبَلِّغِينَ كَمَا يَخْتَلِفُ الْمَرْئِيُّ بِاخْتِلَافِ الْمَرَايَا - قَالَ تَعَالَى: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ} . فَجَعَلَ " التَّكْلِيمَ ثَلَاثَةَ أَنْوَاعٍ " الْوَحْيُ الْمُجَرَّدُ وَالتَّكْلِيمُ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ كَمَا كَلَّمَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَالتَّكْلِيمُ بِوَاسِطَةِ إرْسَالِ الرَّسُولِ كَمَا كَلَّمَ الرُّسُلَ بِإِرْسَالِ الْمَلَائِكَةِ وَكَمَا نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِ الْمُنَافِقِينَ بِإِرْسَالِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُسْلِمُونَ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ اللَّهَ أَمَرَهُمْ بِمَا أَمَرَهُمْ بِهِ فِي الْقُرْآنِ وَنَهَاهُمْ عَمَّا نَهَاهُمْ عَنْهُ فِي الْقُرْآنِ وَأَخْبَرَهُمْ بِمَا أَخْبَرَهُمْ بِهِ فِي الْقُرْآنِ فَأَمْرُهُ وَنَهْيُهُ وَإِخْبَارُهُ بِوَاسِطَةِ الرَّسُولِ فَهَذَا فِي تَكْلِيمٍ مُقَيَّدٍ بِالْإِرْسَالِ وَسَمَاعُنَا لِكَلَامِهِ سَمَاعٌ مُقَيَّدٌ بِسَمَاعِهِ مِنْ الْمُبَلِّغِ لَا مِنْهُ وَهَذَا الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ مُبَلَّغًا عَنْهُ مُؤَدًّى عَنْهُ وَمُوسَى سَمِعَ كَلَامَهُ مَسْمُوعًا مِنْهُ لَا مُبَلَّغًا
(12/279)

عَنْهُ وَلَا مُؤَدًّى عَنْهُ وَإِذَا عُرِفَ هَذَا الْمَعْنَى زَاحَتْ الشُّبْهَةُ. وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْوِي عَنْ رَبِّهِ وَيُخْبِرُ عَنْ رَبِّهِ وَيَحْكِي عَنْ رَبِّهِ فَهَذَا يَذْكُرُ مَا يَذْكُرُهُ عَنْ رَبِّهِ مِنْ كَلَامِهِ الَّذِي قَالَهُ رَاوِيًا حَاكِيًا عَنْهُ. فَلَوْ قَالَ مَنْ قَالَ: إنَّ الْقُرْآنَ " حِكَايَةٌ ": إنَّ مُحَمَّدًا حَكَاهُ عَنْ اللَّهِ كَمَا يُقَالُ بَلَّغَهُ عَنْ اللَّهِ وَأَدَّاهُ عَنْ اللَّهِ لَكَانَ قَدْ قَصَدَ مَعْنًى صَحِيحًا؛ لَكِنْ يَقْصِدُونَ - مَا يَقْصِدُهُ الْقَائِلُ بِقَوْلِهِ فُلَانٌ يَحْكِي فُلَانًا أَيْ يَفْعَلُ مِثْلَ فِعْلِهِ وَهُوَ - أَنَّهُ يَتَكَلَّمُ بِمِثْلِ كَلَامِ اللَّهِ فَهَذَا بَاطِلٌ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} . وَنُكْتَةُ الْأَمْرِ أَنَّ الْعِبْرَةَ بِالْحَقِيقَةِ الْمَقْصُودَةِ لَا بِالْوَسَائِلِ الْمَطْلُوبَةِ لِغَيْرِهَا. فَلَمَّا كَانَ مَقْصُودُ الرَّائِي أَنْ يَرَى الْوَجْهَ مَثَلًا فَرَآهُ فِي الْمِرْآةِ حَصَلَ مَقْصُودُهُ وَقَالَ رَأَيْت الْوَجْهَ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بِوَاسِطَةِ انْعِكَاسِ الشُّعَاعِ فِي الْمِرْآةِ - وَكَذَلِكَ مَنْ كَانَ مَقْصُودُهُ أَنْ يَسْمَعَ الْقَوْلَ الَّذِي قَالَهُ غَيْرُهُ الَّذِي أَلَّفَ أَلْفَاظَهُ وَقَصَدَ مَعَانِيَهُ فَإِذَا سَمِعَهُ مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ حَصَلَ هَذَا الْمَقْصُودُ وَإِنْ كَانَ سَمَاعُهُ مَنْ غَيْرِهِ هُوَ بِوَاسِطَةِ صَوْتِ ذَلِكَ الْغَيْرِ الَّذِي يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الصَّائِتِينَ. وَالْقُلُوبُ إنَّمَا تُشِيرُ إلَى الْمَقْصُودِ لَا إلَى مَا ظَهَرَ بِهِ الْمَقْصُودُ كَمَا فِي " الِاسْمِ وَالْمُسَمَّى " فَإِنَّ الْقَائِلَ إذَا قَالَ جَاءَ زَيْدٌ وَذَهَبَ عَمْرٌو لَمْ يَكُنْ مَقْصُودُهُ إلَّا الْإِخْبَارَ بِالْمَجِيءِ عَنْ " الْمُسَمَّى "
(12/280)

وَلَكِنْ بِذِكْرِ الِاسْمِ أَظْهَرَ ذَلِكَ. فَمَنْ ظَنَّ أَنَّ الْمَوْصُوفَ بِالْمَجِيءِ وَالْإِتْيَانِ هُوَ لَفْظُ زَيْدٍ أَوْ لَفْظُ عَمْرٍو كَانَ مُبْطِلًا فَكَذَلِكَ إذَا قَالَ الْقَائِلُ: هَذَا كَلَامُ اللَّهِ وَكَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ فَالْمَقْصُودُ هُنَا الْكَلَامُ نَفْسُهُ مِنْ حَيْثُ هُوَ هُوَ وَإِنْ كَانَ إنَّمَا ظَهَرَ وَسُمِعَ بِوَاسِطَةِ حَرَكَةِ التَّالِي وَصَوْتِهِ فَمَنْ ظَنَّ أَنَّ الْمُشَارَ إلَيْهِ هُوَ صَوْتُ الْقَارِئِ وَحَرَكَتُهُ كَانَ مُبْطِلًا؛ وَلِهَذَا لَمَّا قَرَأَ أَبُو طَالِبٍ الْمَكِّيُّ عَلَى الْإِمَامِ أَحْمَد رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} وَسَأَلَهُ هَلْ هَذَا كَلَامُ اللَّهِ وَهَلْ هُوَ مَخْلُوقٌ؟ فَأَجَابَهُ بِأَنَّهُ كَلَامُ اللَّهِ وَأَنَّهُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ فَنَقَلَ عَنْهُ أَبُو طَالِبٍ - خَطَأً مِنْهُ - أَنَّهُ قَالَ لَفْظِي بِالْقُرْآنِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ فَاسْتَدْعَاهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَقَالَ أَنَا قُلْت لَك: لَفْظِي بِالْقُرْآنِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ؟ قَالَ: لَا وَلَكِنْ قَرَأْت عَلَيْك: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} وَقُلْت لَك: هَذَا غَيْرُ مَخْلُوقٍ فَقُلْت: نَعَمْ قَالَ فَلِمَ تَحْكِي عَنِّي مَا لَمْ أَقُلْ؟ لَا تَقُلْ هَذَا؛ فَإِنَّ هَذَا لَمْ يَقُلْهُ عَالِمٌ - وَقِصَّتُهُ مَشْهُورَةٌ حَكَاهَا عَبْدُ اللَّهِ وَصَالِحٌ وَحَنْبَلٌ والْمَرْوَزِي وفوران وَبَسَطَهَا الْخَلَّالُ فِي " كِتَابِ السُّنَّةِ " وَصَنَّفَ الْمَرْوَزِي فِي " مَسْأَلَةِ اللَّفْظِ " مُصَنَّفًا ذَكَرَ فِيهِ أَقْوَالَ الْأَئِمَّةِ. وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ أَحْمَد مِنْ أَحْسَنِ الْكَلَامِ وَأَدَقِّهِ؛ فَإِنَّ الْإِشَارَةَ إذَا أَطُلِقَتْ انْصَرَفَتْ إلَى الْمَقْصُودِ وَهُوَ كَلَامُ اللَّهِ الَّذِي تَكَلَّمَ بِهِ؛ لَا إلَى
(12/281)

مَا وَصَلَ بِهِ إلَيْنَا مِنْ أَفْعَالِ الْعِبَادِ وَأَصْوَاتِهِمْ. فَإِذَا قِيلَ: لَفْظِي جَعَلَ نَفْسَ الْوَسَائِطِ غَيْرَ مَخْلُوقَةٍ وَهَذَا بَاطِلٌ كَمَا أَنَّ مَنْ رَأَى وَجْهًا فِي مِرْآةٍ فَقَالَ أَكْرَمَ اللَّهُ هَذَا الْوَجْهَ وَحَيَّاهُ أَوْ قَبَّحَهُ كَانَ دُعَاؤُهُ عَلَى الْوَجْهِ الْمَوْجُودِ فِي الْحَقِيقَةِ الَّذِي رَأَى بِوَاسِطَةِ الْمِرْآةِ لَا عَلَى الشُّعَاعِ الْمُنْعَكِسِ فِيهَا وَكَذَلِكَ إذَا رَأَى الْقَمَرَ فِي الْمَاءِ فَقَالَ: قَدْ أَبْدَرَ أَوْ لَمْ يُبْدِرْ فَإِنَّمَا مَقْصُودُهُ الْقَمَرُ الَّذِي فِي السَّمَاءِ لَا خَيَالُهُ وَكَذَلِكَ مَنْ سَمِعَهُ يَذْكُرُ رَجُلًا فَقَالَ هَذَا رَجُلٌ صَالِحٌ أَوْ رَجُلٌ فَاسِقٌ عُلِمَ أَنَّ الْمُشَارَ إلَيْهِ هُوَ الشَّخْصُ الْمُسَمَّى بِالِاسْمِ؛ لَا نَفْسُ الصَّوْتِ الْمَسْمُوعِ مِنْ النَّاطِقِ - فَلَوْ قَالَ: هَذَا الصَّوْتُ أَوْ صَوْتِي بِفُلَانِ صَالِحٌ أَوْ فَاسِقٌ فَسَدَ الْمَعْنَى وَكَانَ بَعْضُهُمْ يَقُولُ: لَفْظِي بِالْقُرْآنِ مَخْلُوقٌ فَرَأَى فِي مَنَامِهِ وَضَارِبٌ يَضْرِبُهُ وَعَلَيْهِ فَرْوَةٌ فَأَوْجَعَهُ بِالضَّرْبِ فَقَالَ لَهُ: لَا تَضْرِبْنِي فَقَالَ: أَنَا مَا أَضْرِبُك وَإِنَّمَا أَضْرِبُ الْفَرْوَةَ فَقَالَ: إنَّمَا يَقَعُ الضَّرْبُ عَلَيَّ فَقَالَ هَكَذَا إذَا قُلْت: لَفْظِي بِالْقُرْآنِ مَخْلُوقٌ فَالْخَلْقُ إنَّمَا يَقَعُ عَلَى الْقُرْآنِ. يَقُولُ: كَمَا أَنَّ الْمَقْصُودَ بِالضَّرْبِ بَدَنُك وَاللِّبَاسُ وَاسِطَةٌ فَهَكَذَا الْمَقْصُودُ بِالتِّلَاوَةِ كَلَامُ اللَّهِ وَصَوْتُك وَاسِطَةٌ فَإِذَا قُلْت: مَخْلُوقٌ وَقَعَ ذَلِكَ عَلَى الْمَقْصُودِ كَمَا إذَا سَمِعْت قَائِلًا يَذْكُرُ رَجُلًا فَقُلْت: أَنَا أُحِبُّ هَذَا وَأَنَا أُبْغِضُ هَذَا انْصَرَفَ الْكَلَامُ إلَى الْمُسَمَّى الْمَقْصُودِ بِالِاسْمِ لَا إلَى صَوْتِ الذَّاكِرِ؛ وَلِهَذَا قَالَ الْأَئِمَّةُ: الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ كَيْفَمَا
(12/282)

تَصَرَّفَ؛ بِخِلَافِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ وَأَصْوَاتِهِمْ. فَإِنَّهُ مَنْ نَفَى عَنْهَا الْخَلْقَ كَانَ مُبْتَدِعًا ضَالًّا.
فَصْلٌ:
وَأَمَّا قَوْلُ الْقَائِلِ: تَقُولُونَ إنَّ الْقُرْآنَ صِفَةُ اللَّهِ وَإِنَّ صِفَاتِ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ فَإِنْ قُلْتُمْ إنَّ هَذَا نَفْسُ كَلَامِ اللَّهِ فَقَدْ قُلْتُمْ بِالْحُلُولِ وَأَنْتُمْ تُكَفِّرُونَ الْحُلُولِيَّةَ والاتحادية وَإِنْ قُلْتُمْ غَيْرَ ذَلِكَ قُلْتُمْ بِمَقَالَتِنَا. فَمَنْ تَبَيَّنَ لَهُ مَا نَبَّهْنَا عَلَيْهِ سَهُلَ عَلَيْهِ الْجَوَابُ عَنْ هَذَا وَأَمْثَالِهِ فَإِنَّ مَنْشَأَ الشُّبْهَةِ أَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ: هَذَا كَلَامُ اللَّهِ يَجْعَلُ أَحْكَامَهُ وَاحِدَةً سَوَاءٌ كَانَ كَلَامُهُ مَسْمُوعًا مِنْهُ أَوْ كَلَامُهُ مُبَلَّغًا عَنْهُ. وَمِنْ هُنَا تَخْتَلِفُ طَوَائِفُ مِنْ النَّاسِ. " طَائِفَةٌ " قَالَتْ هَذَا كَلَامُ اللَّهِ وَهَذَا حُرُوفٌ وَأَصْوَاتٌ مَخْلُوقَةٌ فَكَلَامُ اللَّهِ مَخْلُوقٌ. وَ " طَائِفَةٌ " قَالَتْ هَذَا مَخْلُوقٌ وَكَلَامُ اللَّهِ لَيْسَ بِمَخْلُوقِ فَهَذَا لَيْسَ كَلَامَ اللَّهِ. وَ " طَائِفَةٌ " قَالَتْ هَذَا كَلَامُ اللَّهِ وَكَلَامُ اللَّهِ لَيْسَ بِمَخْلُوقِ وَهَذَا أَلْفَاظُنَا وَتِلَاوَتُنَا؛ فَأَلْفَاظُنَا وَتِلَاوَتُنَا غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ.
(12/283)

وَمَنْشَأُ ضَلَالِ الْجَمِيعِ مِنْ عَدَمِ الْفَرْقِ فِي الْمُشَارِ إلَيْهِ فِي هَذَا. فَأَنْتَ تَقُولُ هَذَا الْكَلَامُ الَّذِي تَسْمَعُهُ مِنْ قَائِلِهِ صِدْقٌ وَحَقٌّ وَصَوَابٌ وَهُوَ كَلَامُ حَكِيمٍ وَكَذَلِكَ إذَا سَمِعْته مِنْ نَاقِلِهِ تَقُولُ هَذَا الْكَلَامُ صِدْقٌ وَحَقٌّ وَصَوَابٌ وَهُوَ كَلَامُ حَكِيمٍ فَالْمُشَارُ إلَيْهِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَاحِدٌ وَتَقُولُ أَيْضًا: إنَّ هَذَا صَوْتٌ حَسَنٌ وَهَذَا كَلَامٌ مِنْ وَسَطِ الْقَلْبِ ثُمَّ إذَا سَمِعْته مِنْ النَّاقِلِ تَقُولُ: هَذَا صَوْتٌ حَسَنٌ أَوْ كَلَامٌ مِنْ وَسَطِ الْقَلْبِ فَالْمُشَارُ إلَيْهِ هُنَا لَيْسَ هُوَ الْمُشَارَ إلَيْهِ هُنَاكَ بَلْ أَشَارَ إلَى مَا يَخْتَصُّ بِهِ هَذَا مِنْ صَوْتِهِ وَقَلْبِهِ وَإِلَى مَا يَخْتَصُّ بِهِ هَذَا مِنْ صَوْتِهِ وَقَلْبِهِ وَإِذَا كُتِبَ الْكَلَامُ فِي صَفْحَتَيْنِ كَالْمُصْحَفَيْنِ تَقُولُ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا هَذَا قُرْآنٌ كَرِيمٌ وَهَذَا كِتَابٌ مَجِيدٌ وَهَذَا كَلَامُ اللَّهِ فَالْمُشَارُ إلَيْهِ وَاحِدٌ ثُمَّ تَقُولُ هَذَا خَطٌّ حَسَنٌ وَهَذَا قَلَمُ النَّسْخِ أَوْ الثُّلُثِ وَهَذَا الْخَطُّ أَحْمَرُ أَوْ أَصْفَرُ وَالْمُشَارُ إلَيْهِ هُنَا مَا يَخْتَصُّ بِهِ كُلٌّ مِنْ الْمُصْحَفَيْنِ عَنْ الْآخَرِ. فَإِذَا مَيَّزَ الْإِنْسَانُ فِي الْمُشَارِ إلَيْهِ بِهَذَا وَهَذَا تَبَيَّنَ الْمُتَّفَقَ وَالْمُفْتَرِقَ وَعَلِمَ أَنَّ مَنْ قَالَ هَذَا الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ وَكَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ أَنَّ الْمُشَارَ إلَيْهِ الْكَلَامُ مِنْ حَيْثُ هُوَ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَمَّا بِهِ وَصَلَ إلَيْنَا مِنْ حَرَكَاتِ الْعِبَادِ وَأَصْوَاتِهِمْ وَمَنْ قَالَ: هَذَا مَخْلُوقٌ وَأَشَارَ بِهِ إلَى مُجَرَّدِ صَوْتِ الْعَبْدِ وَحَرَكَتِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي هَذَا حُجَّةٌ عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ نَفْسَهُ حُرُوفَهُ وَمَعَانِيَهُ الَّذِي تَعَلَّمَ هَذَا الْقَارِئُ مِنْ غَيْرِهِ وَبَلَّغَهُ بِحَرَكَتِهِ وَصَوْتِهِ مَخْلُوقٌ مَنْ اعْتَقَدَ ذَلِكَ فَقَدْ أَخْطَأَ وَضَلَّ.
(12/284)

وَيُقَالُ لِهَذَا: هَذَا الْكَلَامُ الَّذِي أَشَرْت إلَيْهِ كَانَ مَوْجُودًا قَبْلَ أَنْ يُخْلَقَ هَذَا الْقَارِئُ فَهَبْ أَنَّ الْقَارِئَ لَمْ تُخْلَقْ نَفْسُهُ وَلَا وُجِدَتْ لَا أَفْعَالُهُ وَلَا أَصْوَاتُهُ فَمِنْ أَيْنَ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الْكَلَامُ نَفْسُهُ الَّذِي كَانَ مَوْجُودًا قَبْلَهُ يَعْدَمُ بِعَدَمِهِ وَيَحْدُثُ بِحُدُوثِهِ؟ فَإِشَارَتُهُ بِالْخَلْقِ إنْ كَانَتْ إلَى مَا يَخْتَصُّ بِهِ هَذَا الْقَارِئُ مِنْ أَفْعَالِهِ وَأَصْوَاتِهِ فَالْقُرْآنُ غَنِيٌّ عَنْ هَذَا الْقَارِئِ وَمَوْجُودٌ قَبْلَهُ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَدِمِ هَذَا عَدَمُهُ وَإِنْ كَانَتْ إلَى الْكَلَامِ الَّذِي يَتَعَلَّمُهُ النَّاسُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ فَهَذَا هُوَ الْكَلَامُ الْمُنَزَّلُ مِنْ اللَّهِ الَّذِي جَاءَ بِهِ جِبْرِيلُ إلَى مُحَمَّدٍ وَبَلَّغَهُ مُحَمَّدٌ لِأُمَّتِهِ وَهُوَ كَلَامُ اللَّهِ الَّذِي تَكَلَّمَ بِهِ فَذَاكَ يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ مَخْلُوقًا فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ مَخْلُوقًا لَكَانَ كَلَامًا لِمَحَلِّهِ الَّذِي خُلِقَ فِيهِ وَلَمْ يَكُنْ كَلَامًا لِلَّهِ وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ سُبْحَانَهُ إذَا خَلَقَ كَلَامًا كَانَ كَلَامَهُ كَانَ مَا أَنَطَقَ بِهِ كُلَّ نَاطِقٍ كَلَامَهُ مِثْلُ تَسْبِيحِ الْجِبَالِ وَالْحَصَى وَشَهَادَةِ الْجُلُودِ بَلْ كُلُّ كَلَامٍ فِي الْوُجُودِ وَهَذَا قَوْلُ الْحُلُولِيَّةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: وَكُلُّ كَلَامٍ فِي الْوُجُودِ كَلَامُهُ سَوَاءٌ عَلَيْنَا نَثْرُهُ وَنِظَامُهُ وَمِنْ قَالَ: الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ فَهُوَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ - إمَّا أَنْ يَجْعَلَ كُلَّ كَلَامٍ فِي الْوُجُودِ كَلَامَهُ وَبَيْنَ أَنْ يَجْعَلَهُ غَيْرَ مُتَكَلِّمٍ بِشَيْءِ أَصْلًا فَيَجْعَلُ الْعِبَادَ الْمُتَكَلِّمِينَ أَكْمَلَ مِنْهُ وَشَبَّهَهُ بِالْأَصْنَامِ وَالْجَمَادَاتِ وَالْمَوَاتِ: كَالْعِجْلِ الَّذِي لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا فَيَكُونُ قَدْ فَرَّ عَنْ إثْبَاتِ
(12/285)

صِفَاتِ الْكَمَالِ لَهُ حَذَرًا فِي زَعْمِهِ مِنْ التَّشْبِيهِ فَوَصَفَهُ بِالنَّقْصِ وَشَبَّهَهُ بِالْجَامِدِ وَالْمَوَاتِ. وَكَذَلِكَ قَوْلُ الْقَائِلِ: هَذَا نَفْسُ كَلَامِ اللَّهِ وَعَيْنُ كَلَامِ اللَّهِ وَهَذَا الَّذِي فِي الْمُصْحَفِ هُوَ عَيْنُ كَلَامِ اللَّهِ وَنَفْسُ كَلَامِ اللَّهِ وَأَمْثَالَ هَذِهِ الْعِبَارَاتِ. هَذِهِ مَفْهُومُهَا عِنْدَ الْإِطْلَاقِ فِي فِطَرِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُ كَلَامُهُ لَا كَلَامُ غَيْرِهِ وَأَنَّهُ لَا زِيَادَةَ فِيهِ وَلَا نُقْصَانَ؛ فَإِنَّ مَنْ يَنْقُلُ كَلَامَ غَيْرِهِ وَيَكْتُبُهُ فِي كِتَابٍ قَدْ يَزِيدُ فِيهِ وَيَنْقُصُ كَمَا جَرَتْ عَادَةُ النَّاسِ فِي كَثِيرٍ مِنْ مُكَاتَبَاتِ الْمُلُوكِ وَغَيْرِهَا - فَإِذَا جَاءَ كِتَابُ السُّلْطَانِ فَقِيلَ: هَذَا الَّذِي فِيهِ كَلَامُ السُّلْطَانِ بِعَيْنِهِ بِلَا زِيَادَةٍ وَلَا نَقْصٍ: يَعْنِي لَمْ يَزِدْ فِيهِ الْكَاتِبُ وَلَا نَقَصَ. وَكَذَلِكَ مَنْ نَقَلَ كَلَامَ بَعْضِ الْأَئِمَّةِ فِي مَسْأَلَةٍ مِنْ تَصْنِيفِهِ قِيلَ: هَذَا الْكَلَامُ كَلَامُ فُلَانٍ بِعَيْنِهِ: يَعْنِي لَمْ يَزِدْ فِيهِ وَلَمْ يَنْقُصْ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {: نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا فَبَلَّغَهُ كَمَا سَمِعَهُ} . فَقَوْلُهُ فَبَلَّغَهُ كَمَا سَمِعَهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ أَنَّهُ يُبَلِّغُهُ بِحَرَكَاتِهِ وَأَصْوَاتِهِ الَّتِي سَمِعَهُ بِهَا وَلَكِنْ أَرَادَ أَنَّهُ يَأْتِي بِالْحَدِيثِ عَلَى وَجْهِهِ لَا يَزِيدُ فِيهِ وَلَا يَنْقُصُ فَيَكُونُ قَدْ بَلَّغَهُ كَمَا سَمِعَهُ. فَالْمُسْتَمِعُ لَهُ مِنْ الْمُبَلِّغِ يَسْمَعُهُ كَمَا قَالَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَكُونُ قَدْ سَمِعَ كَلَامَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا قَالَهُ. وَذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِهِمْ هَذَا كَلَامُهُ بِعَيْنِهِ وَهَذَا نَفْسُ كَلَامِهِ
(12/286)

لَا يُرِيدُونَ أَنَّ هَذَا هُوَ صَوْتُهُ وَحَرَكَاتُهُ وَهَذَا لَا يَقُولُهُ عَاقِلٌ وَلَا يَخْطُرُ بِبَالِ عَاقِلٍ ابْتِدَاءً وَلَكِنَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسِ يُلْجِئُ أَصْحَابَهُ إلَى " الْقَرْمَطَةِ " فِي السَّمْعِيَّاتِ وَ " السَّفْسَطَةِ " فِي الْعَقْلِيَّاتِ. وَلَوْ تُرِكَ النَّاسُ عَلَى فِطْرَتِهِمْ لَكَانَتْ صَحِيحَةً سَلِيمَةً فَإِذَا رَأَى النَّاسُ كَلَامًا صَحِيحًا فَإِنَّ مَنْ تَكَلَّمَ بِكَلَامِ وَسُمِعَ مِنْهُ وَنُقِلَ عَنْهُ أَوْ كَتَبَهُ فِي كِتَابٍ لَا يَقُولُ عَاقِلٌ إنَّ نَفْسَ مَا قَامَ بِالْمُتَكَلِّمِ مِنْ الْمَعَانِي الَّتِي فِي قَلْبِهِ وَالْأَلْفَاظِ الْقَائِمَةِ بِلِسَانِهِ فَارَقَتْهُ وَانْتَقَلَتْ عَنْهُ إلَى الْمُسْتَمِعِ وَالْمُبَلِّغِ عَنْهُ وَلَا فَارَقَتْهُ وَحَلَّتْ فِي الْوَرَقِ؛ بَلْ وَلَا يَقُولُ إنَّ نَفْسَ مَا قَامَ بِهِ مِنْ الْمَعَانِي وَالْأَلْفَاظِ هُوَ نَفْسُ الْمِدَادِ الَّذِي فِي الْوَرَقِ؛ بَلْ وَلَا يَقُولُ إنَّ نَفْسَ أَلْفَاظِهِ الَّتِي هِيَ أَصْوَاتُهُ هِيَ أَصْوَاتُ الْمُبَلِّغِ عَنْهُ فَهَذِهِ الْأُمُورُ كُلُّهَا ظَاهِرَةٌ لَا يَقُولُهَا عَاقِلٌ فِي كَلَامِ الْمَخْلُوقِ إذَا سُمِعَ وَبُلِّغَ أَوْ كُتِبَ فِي كِتَابٍ فَكَيْفَ يُقَالُ ذَلِكَ فِي كَلَامِ اللَّهِ الَّذِي سُمِعَ مِنْهُ وَبُلِّغَ عَنْهُ أَوْ كَتَبَهُ سُبْحَانَهُ كَمَا كَتَبَ التَّوْرَاةَ لِمُوسَى وَكَمَا كَتَبَ الْقُرْآنَ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ وَكَمَا كَتَبَهُ الْمُسْلِمُونَ فِي مَصَاحِفِهِمْ. وَإِذَا كَانَ مَنْ سَمِعَ كَلَامَ مَخْلُوقٍ فَبَلَّغَهُ عَنْهُ بِلَفْظِهِ وَمَعْنَاهُ؛ بَلْ شِعْرُ مَخْلُوقٍ كَمَا يُبَلَّغُ شِعْرُ حَسَّانٍ وَابْنِ رَوَاحَةَ وَلَبِيدٍ وَأَمْثَالِهِمْ مِنْ الشُّعَرَاءِ وَيَقُولُ النَّاسُ: هَذَا شِعْرُ حَسَّانٍ بِعَيْنِهِ وَهَذَا هُوَ نَفْسُ شِعْرِ حَسَّانٍ. وَهَذَا شِعْرُ لَبِيَدِ بِعَيْنِهِ كَقَوْلِهِ:
(12/287)

أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللَّهَ بَاطِلٌ
وَمَعَ هَذَا فَيَعْلَمُ كُلُّ عَاقِلٍ أَنَّ رُوَاةَ الشِّعْرِ وَمُنْشِدِيهِ لَمْ يَسْلُبُوا الشُّعَرَاءَ نَفْسَ صِفَاتِهِمْ حَتَّى حَلَّتْ بِهِمْ بَلْ وَلَا نَفْسُ مَا قَامَ بِأُولَئِكَ مِنْ صِفَاتِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ كَأَصْوَاتِهِمْ وَحَرَكَاتِهِمْ حَلَّتْ بِالرُّوَاةِ وَالْمُنْشِدِينَ فَكَيْفَ يَتَوَهَّمُ مُتَوَهِّمٌ أَنَّ صِفَاتِ الْبَارِي كَلَامَهُ أَوْ غَيْرَ كَلَامِهِ فَارَقَ ذَاتَه وَحَلَّ فِي مَخْلُوقَاتِهِ وَأَنَّ مَا قَامَ بِالْمَخْلُوقِ مِنْ صِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ كَحَرَكَاتِهِ وَأَصْوَاتِهِ هِيَ صِفَاتُ الْبَارِي حَلَّتْ فِيهِ وَهُمْ لَا يَقُولُونَ مِثْلَ ذَلِكَ فِي الْمَخْلُوقِ بَلْ يُمَثِّلُونَ الْعِلْمَ بِنُورِ السَّرَّاجِ يَقْتَبِسُ مِنْهُ الْمُتَعَلِّمُ وَلَا يَنْقُصُ مَا عِنْدَ الْعَالِمِ كَمَا يَقْتَبِسُ الْمُقْتَبِسُ ضَوْءَ السِّرَاجِ فَيُحْدِثُ اللَّهُ لَهُ ضَوْءًا كَمَا يُقَالُ: إنَّ الْهَوَى يَنْقَلِبُ نَارًا بِمُجَاوَرَةِ الْفَتِيلَةِ لِلْمِصْبَاحِ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَتَغَيَّرَ تِلْكَ النَّارُ الَّتِي فِي الْمِصْبَاحِ وَالْمُقْرِئُ وَالْمُعَلِّمُ يُقْرِئُ الْقُرْآنَ وَيُعَلِّمُ الْعِلْمَ وَلَمْ يَنْقُصْ مِمَّا عِنْدَهُ شَيْءٌ؛ بَلْ يَصِيرُ عِنْدَ الْمُتَعَلِّمِ مِثْلَ مَا عِنْدَهُ. وَلِهَذَا يُقَالُ: فُلَانٌ يَنْقُلُ عِلْمَ فُلَانٍ وَيَنْقُلُ كَلَامَهُ وَيُقَالُ: الْعِلْمُ الَّذِي كَانَ عِنْدَ فُلَانٍ صَارَ إلَى فُلَانٍ وَأَمْثَالُ ذَلِكَ كَمَا يُقَالُ: نَقَلْت مَا فِي الْكِتَابِ وَنَسَخْت مَا فِي الْكِتَابِ أَوْ نَقَلْت الْكِتَابَ أَوْ نَسَخْته وَهُمْ لَا يُرِيدُونَ أَنَّ نَفْسَ الْحُرُوفِ الَّتِي فِي الْكِتَابِ الْأَوَّلِ عَدِمَتْ مِنْهُ وَحَلَّتْ فِي الثَّانِي؛ بَلْ لَمَّا كَانَ الْمَقْصُودُ مِنْ نَسْخِ الْكِتَابِ مِنْ الْكُتُبِ وَنَقْلِهَا مِنْ جِنْسِ نَقْلِ الْعِلْمِ وَالْكَلَامِ وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِأَنْ يُجْعَلَ فِي الثَّانِي
(12/288)

مِثْلُ مَا فِي الْأَوَّلِ فَيَبْقَى الْمَقْصُودُ بِالْأَوَّلِ مَنْقُولًا مَنْسُوخًا وَإِنْ كَانَ لَمْ يَتَغَيَّرْ الْأَوَّلُ بِخِلَافِ نَقْلِ الْأَجْسَامِ وَتَوَابِعِهَا فَإِنَّ ذَلِكَ إذَا نُقِلَ مِنْ مَوْضِعٍ إلَى مَوْضِعٍ زَالَ عَنْ الْأَوَّلِ. وَذَلِكَ لِأَنَّ الْأَشْيَاءَ لَهَا وُجُودٌ فِي أَنْفُسِهَا وَهُوَ وُجُودُهَا الْعَيْنِيُّ وَلَهَا ثُبُوتُهَا فِي الْعِلْمِ ثُمَّ فِي اللَّفْظِ الْمُطَابِقِ لِلْعِلْمِ ثُمَّ فِي الْخَطِّ. وَهَذَا الَّذِي يُقَالُ: وُجُودٌ فِي الْأَعْيَانِ وَوُجُودٌ فِي الْأَذْهَانِ وَوُجُودٌ فِي اللِّسَانِ وَوُجُودٌ فِي الْبَنَانِ: وُجُودٌ عَيْنِيٌّ وَوُجُودٌ عِلْمِيُّ وَلَفْظِيٌّ وَرَسْمِيٌّ؛ وَلِهَذَا افْتَتَحَ اللَّهُ كِتَابَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} {خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ} {اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ} {الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ} {عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} فَذَكَرَ الْخَلْقَ عُمُومًا وَخُصُوصًا ثُمَّ ذَكَرَ التَّعْلِيمَ عُمُومًا وَخُصُوصًا فَالْخَطُّ يُطَابِقُ اللَّفْظَ وَاللَّفْظُ يُطَابِقُ الْعِلْمَ وَالْعِلْمُ هُوَ الْمُطَابِقُ لِلْمَعْلُومِ. وَمِنْ هُنَا غَلِطَ مَنْ غَلِطَ فَظَنَّ أَنَّ الْقُرْآنَ فِي الْمُصْحَفِ كَالْأَعْيَانِ فِي الْوَرَقِ فَظَنَّ أَنَّ قَوْلَهُ: {إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ} {فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ} كَقَوْلِهِ: {الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ} فَجَعَلَ إثْبَاتَ الْقُرْآنِ الَّذِي هُوَ كَلَامُ اللَّهِ فِي الْمَصَاحِفِ كَإِثْبَاتِ الرَّسُولِ فِي الْمَصَاحِفِ وَهَذَا غَلَطٌ: إثْبَاتُ الْقُرْآنِ كَإِثْبَاتِ اسْمِ الرَّسُولِ هَذَا كَلَامٌ وَهَذَا كَلَامٌ وَأَمَّا إثْبَاتُ اسْمِ الرَّسُولِ فَهَذَا كَإِثْبَاتِ الْأَعْمَالِ أَوْ كَإِثْبَاتِ الْقُرْآنِ فِي
(12/289)

زُبُرِ الْأَوَّلِينَ قَالَ تَعَالَى {وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ} وَقَالَ تَعَالَى: {وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ} فَثُبُوتُ الْأَعْمَالِ فِي الزُّبُرِ وَثُبُوتُ الْقُرْآنِ فِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ هُوَ مِثْلُ كَوْنِ الرَّسُولِ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ؛ وَلِهَذَا قَيَّدَ سُبْحَانَهُ هَذَا بِلَفْظِ " الزُّبُرِ " وَ " الْكُتُبُ " زُبُرٌ. يُقَالُ زَبَرْت الْكِتَابَ إذَا كَتَبْته وَالزَّبُورُ بِمَعْنَى الْمَزْبُورِ أَيْ الْمَكْتُوبُ فَالْقُرْآنُ نَفْسُهُ لَيْسَ عِنْدَ بَنِي إسْرَائِيلَ وَلَكِنْ ذِكْرُهُ كَمَا أَنَّ مُحَمَّدًا نَفْسُهُ لَيْسَ عِنْدَهُمْ وَلَكِنْ ذِكْرُهُ فَثُبُوتُ الرَّسُولِ فِي كُتُبِهِمْ كَثُبُوتِ الْقُرْآنِ فِي كُتُبِهِمْ؛ بِخِلَافِ ثُبُوتِ الْقُرْآنِ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ وَفِي الْمَصَاحِفِ؛ فَإِنَّ نَفْسَ الْقُرْآنِ أُثْبِتَ فِيهَا فَمَنْ جَعَلَ هَذَا مِثْلَ هَذَا كَانَ ضَلَالُهُ بَيِّنًا وَهَذَا مَبْسُوطٌ فِي مَوْضِعِهِ. وَ (الْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّ نَفْسَ الْمَوْجُودَاتِ وَصِفَاتِهَا إذَا انْتَقَلَتْ مِنْ مَحَلٍّ إلَى مَحَلٍّ حَلَّتْ فِي ذَلِكَ الْمَحَلِّ الثَّانِي وَأَمَّا الْعِلْمُ بِهَا وَالْخَبَرُ عَنْهَا فَيَأْخُذُهُ الثَّانِي عَنْ الْأَوَّلِ مَعَ بَقَائِهِ فِي الْأَوَّلِ وَإِنْ كَانَ الَّذِي عِنْدَ الثَّانِي هُوَ نَظِيرُ ذَلِكَ وَمِثْلُهُ؛ لَكِنْ لَمَّا كَانَ الْمَقْصُودُ بِالْعِلْمَيْنِ وَاحِدًا فِي نَفْسِهِ صَارَتْ وَحْدَةُ الْمَقْصُودِ تُوجِبُ وَحْدَةَ التَّابِعِ لَهُ وَالدَّلِيلِ عَلَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ لِلنَّاسِ غَرَضٌ فِي تَعَدُّدِ التَّابِعِ كَمَا فِي الِاسْمِ مَعَ الْمُسَمَّى؛ فَإِنَّ اسْمَ الشَّخْصِ وَإِنْ ذَكَرَهُ أُنَاسٌ مُتَعَدِّدُونَ وَدَعَا بِهِ أُنَاسٌ مُتَعَدِّدُونَ فَالنَّاسُ يَقُولُونَ إنَّهُ اسْمٌ وَاحِدٌ لِمُسَمَّى وَاحِدٍ فَإِذَا قَالَ الْمُؤَذِّنُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ
(12/290)

أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَقَالَ ذَلِكَ هَذَا الْمُؤَذِّنُ وَهَذَا الْمُؤَذِّنُ وَقَالَهُ غَيْرُ الْمُؤَذِّنِ فَالنَّاسُ يَقُولُونَ إنَّ هَذَا الْمَكْتُوبَ هُوَ اسْمُ اللَّهِ وَاسْمُ رَسُولِهِ كَمَا أَنَّ الْمُسَمَّى هُوَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ. وَإِذَا قَالَ: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} وَقَالَ: {ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ} وَقَالَ: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} وَقَالَ: {بِسْمِ اللَّهِ} فَفِي الْجَمِيعِ الْمَذْكُورِ هُوَ اسْمُ اللَّهِ وَإِنَّ تَعَدُّدَ الذِّكْرِ وَالذَّاكِرِ فَالْخَبَرُ الْوَاحِدُ مِنْ الْمُخْبِرِ الْوَاحِدِ مِنْ مُخْبِرِهِ وَالْأَمْرُ الْوَاحِدُ بِالْمَأْمُورِ بِهِ مِنْ الْآمِرِ الْوَاحِدِ بِمَنْزِلَةِ الِاسْمِ الْوَاحِدِ لِمُسَمَّاهُ هَذَا فِي الْمُرَكَّبِ نَظِيرُ هَذَا فِي الْمُفْرَدِ وَهَذَا هُوَ وَاحِدٌ بِاعْتِبَارِ الْحَقِيقَةِ وَبِاعْتِبَارِ اتِّحَادِ الْمَقْصُودِ وَإِنْ تَعَدَّدَ مَنْ يَذْكُرُ ذَلِكَ الِاسْمَ وَالْخَبَرَ وَتَعَدَّدَتْ حَرَكَاتُهُمْ وَأَصْوَاتُهُمْ وَسَائِر صِفَاتِهِمْ. وَأَمَّا قَوْلُ الْقَائِلِ: إنْ قُلْتُمْ: إنَّ هَذَا نَفْسُ كَلَامِ اللَّهِ فَقَدْ قُلْتُمْ بِالْحُلُولِ وَأَنْتُمْ تُكَفِّرُونَ الْحُلُولِيَّةَ والاتحادية فَهَذَا قِيَاسٌ فَاسِدٌ. مِثَالُهُ مِثَالُ رَجُلٍ ادَّعَى أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحِلُّ بِذَاتِهِ فِي بَدَنِ الَّذِي يَقْرَأُ حَدِيثَهُ فَأَنْكَرَ النَّاسُ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَقَالُوا إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَحِلُّ فِي بَدَنِ غَيْرِهِ فَقَالَ: أَنْتُمْ تَقُولُونَ: إنَّ الْمُحَدِّثَ يَقْرَأُ كَلَامَهُ وَإِنَّ مَا يَقْرَؤُهُ هُوَ كَلَامُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِذَا قُلْتُمْ ذَلِكَ فَقَدْ قُلْتُمْ بِالْحُلُولِ وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا فِي غَايَةِ الْفَسَادِ.
(12/291)

وَالنَّاسُ مُتَّفِقُونَ عَلَى إطْلَاقِ الْقَوْلِ بِأَنَّ كَلَامَ زَيْدٍ فِي هَذَا الْكِتَابِ وَهَذَا الَّذِي سَمِعْنَاهُ كَلَامُ زَيْدٍ وَلَا يَسْتَجِيزُ الْعَاقِلُ إطْلَاقَ الْقَوْلِ بِأَنَّهُ هُوَ نَفْسُهُ فِي هَذَا الْمُتَكَلِّمِ أَوْ فِي هَذَا الْوَرَقِ. وَقَدْ نَطَقَتْ النُّصُوصُ بِأَنَّ الْقُرْآنَ فِي الصُّدُورِ كَقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {اسْتَذْكِرُوا الْقُرْآنَ فَلَهُوَ أَشَدُّ تَفَلُّتًا مِنْ صُدُورِ الرِّجَالِ مِنْ النَّعَمِ فِي عُقُلِهَا} وَقَوْلِهِ: {الْجَوْفُ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ الْقُرْآنِ كَالْبَيْتِ الْخَرِبِ} وَأَمْثَالِ ذَلِكَ وَلَيْسَ هَذَا عِنْدَ عَاقِلٍ مِثْلَ أَنْ يُقَالَ اللَّهُ فِي صُدُورِنَا وَأَجْوَافِنَا وَلِهَذَا لَمَّا ابْتَدَعَ شَخْصٌ يُقَالُ لَهُ الصُّورِيُّ بِأَنَّ مَنْ قَالَ الْقُرْآنُ فِي صُدُورِنَا فَقَدْ قَالَ بِقَوْلِ النَّصَارَى فَقِيلَ لَأَحْمَدَ قَدْ جَاءَتْ جهمية رَابِعَةٌ أَيْ: جهمية الخلقية وَاللَّفْظِيَّةِ والواقفية وَهَذِهِ الرَّابِعَةُ - اشْتَدَّ نَكِيرُهُ لِذَلِكَ وَقَالَ هَذَا أَعْظَمُ مِنْ الْجَهْمِيَّة. وَهُوَ كَمَا قَالَ. فَإِنَّ " الْجَهْمِيَّة " لَيْسَ فِيهِمْ مَنْ يَنْكَرُ أَنْ يُقَالَ الْقُرْآنُ فِي الصُّدُورِ وَلَا يُشَبِّهُ هَذَا بِقَوْلِ النَّصَارَى بِالْحُلُولِ إلَّا مَنْ هُوَ فِي غَايَةِ الضَّلَالَةِ وَالْجَهَالَةِ؛ فَإِنَّ النَّصَارَى يَقُولُونَ؛ الْأَبُ وَالِابْنُ وَرُوحُ الْقُدُسِ إلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّ الْكَلِمَةَ الَّتِي هِيَ اللَّاهُوتُ تَدَرَّعَتْ النَّاسُوتَ وَهُوَ عِنْدُهُمْ إلَهٌ يَخْلُقُ وَيَرْزُقُ؛ وَلِهَذَا كَانُوا يَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَيَقُولُونَ: الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ؛ وَلِهَذَا كَانُوا مُتَنَاقِضِينَ فَإِنَّ الَّذِي تَدَرَّعَ الْمَسِيحَ إنْ كَانَ هُوَ الْإِلَهَ الْجَامِعَ لِلْأَقَالِيمِ فَهُوَ الْأَبُ نَفْسُهُ وَإِنْ كَانَ هُوَ صِفَةً مِنْ
(12/292)

صِفَاتِهِ فَالصِّفَةُ لَا تَخْلُقُ وَلَا تَرْزُقُ وَلَيْسَتْ إلَهًا وَالْمَسِيحُ عِنْدَهُمْ إلَهٌ وَلَوْ قَالَ النَّصَارَى إنَّ كَلَامَ اللَّهِ فِي صَدْرِ الْمَسِيحِ كَمَا هُوَ فِي صُدُورِ سَائِر الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُؤْمِنِينَ لَمْ يَكُنْ فِي قَوْلِهِمْ مَا يُنْكَرُ. فَالْحُلُولِيَّةُ الْمَشْهُورُونَ بِهَذَا الِاسْمِ مَنْ يَقُولُ بِحُلُولِ اللَّهِ فِي الْبَشَرِ كَمَا قَالَتْ النَّصَارَى وَالْغَالِيَةُ مِنْ الرَّافِضَةِ وَغُلَاةُ أَتْبَاعِ الْمَشَايِخِ أَوْ يَقُولُونَ بِحُلُولِهِ فِي كُلِّ شَيْءٍ كَمَا قَالَتْ الْجَهْمِيَّة إنَّهُ بِذَاتِهِ فِي كُلِّ مَكَانٍ وَهُوَ سُبْحَانَهُ لَيْسَ فِي مَخْلُوقَاتِهِ شَيْءٌ مِنْ ذَاتِهِ وَلَا فِي ذَاتِهِ شَيْءٌ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ وَكَذَلِكَ مَنْ قَالَ بِاتِّحَادِهِ بِالْمَسِيحِ أَوْ غَيْرِهِ أَوْ قَالَ بِاتِّحَادِهِ بِالْمَخْلُوقَاتِ كُلِّهَا أَوْ قَالَ: وُجُودُهُ وُجُودُ الْمَخْلُوقَاتِ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ. فَأَمَّا قَوْلُ الْقَائِلِ: إنَّ كَلَامَ اللَّهِ فِي قُلُوبِ أَنْبِيَائِهِ وَعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ وَإِنَّ الرُّسُلَ بَلَّغَتْ كَلَامَ اللَّهِ وَاَلَّذِي بَلَّغَتْهُ هُوَ كَلَامُ اللَّهِ وَإِنَّ الْكَلَامَ فِي الصَّحِيفَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَهَذَا لَا يُسَمَّى حُلُولًا وَمَنْ سَمَّاهُ حُلُولًا لَمْ يَكُنْ بِتَسْمِيَتِهِ لِذَلِكَ مُبْطِلًا لِلْحَقَائِقِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَقْتَضِي مُفَارَقَةَ صِفَةِ الْمَخْلُوقِ لَهُ وَانْتِقَالَهَا إلَى غَيْرِهِ فَكَيْفَ صِفَةُ الْخَالِقِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَلَكِنْ لَمَّا كَانَ فِيهِ شُبْهَةُ الْحُلُولِ تَنَازَعَ النَّاسُ فِي إثْبَاتِ لَفْظِ الْحُلُولِ وَنَفْيِهِ عَنْهُ هَلْ يُقَالُ: إنَّ كَلَامَ اللَّهِ حَالٌّ فِي الْمُصْحَفِ أَوْ حَالٌّ فِي الصُّدُورِ؟ وَهَلْ يُقَالُ: كَلَامُ النَّاسِ الْمَكْتُوبُ حَالٌّ فِي الْمُصْحَفِ أَوْ حَالٌّ فِي قُلُوبِ حَافِظِيهِ وَنَحْوُ ذَلِكَ؟ فَمِنْهُمْ طَائِفَةٌ نَفَتْ الْحُلُولَ كَالْقَاضِي
(12/293)

أَبِي يَعْلَى وَأَمْثَالِهِ وَقَالُوا: ظَهَرَ كَلَامُ اللَّهِ فِي ذَلِكَ وَلَا نَقُولُ: حَلَّ؛ لِأَنَّ حُلُولَ صِفَةِ الْخَالِقِ فِي الْمَخْلُوقِ أَوْ حُلُولَ الْقَدِيمِ فِي الْمُحْدَثِ مُمْتَنِعٌ. وَطَائِفَةٌ أَطْلَقَتْ الْقَوْلَ بِأَنَّ كَلَامَ اللَّهِ حَالٌّ فِي الْمُصْحَفِ كَأَبِي إسْمَاعِيلَ الْأَنْصَارِيِّ الهروي - الْمُلَقَّبِ بِشَيْخِ الْإِسْلَامِ - وَغَيْرِهِ وَقَالُوا: لَيْسَ هَذَا هُوَ الْحُلُولُ الْمَحْذُورُ الَّذِي نَفَيْنَاهُ. بَلْ نُطْلِقُ الْقَوْلَ بِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الصَّحِيفَةِ وَلَا يُقَالُ بِأَنَّ اللَّهَ فِي الصَّحِيفَةِ أَوْ فِي صَدْرِ الْإِنْسَانِ كَذَلِكَ نُطْلِقُ الْقَوْلَ بِأَنَّ كَلَامَهُ حَالٌّ فِي ذَلِكَ دُونَ حُلُولِ ذَاتِهِ وَطَائِفَةٌ ثَالِثَةٌ كَأَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي مُوسَى وَغَيْرِهِ قَالُوا: لَا نُطْلِقُ الْحُلُولَ نَفْيًا وَلَا إثْبَاتًا لِأَنَّ إثْبَاتَ ذَلِكَ يُوهِمُ انْتِقَالَ صِفَةِ الرَّبِّ إلَى الْمَخْلُوقَاتِ وَنَفْيُ ذَلِكَ يُوهِمُ نَفْيَ نُزُولِ الْقُرْآنِ إلَى الْخَلْقِ فَنُطْلِقُ مَا أَطْلَقَتْهُ النُّصُوصُ وَنُمْسِكُ عَمَّا فِي إطْلَاقِهِ مَحْذُورٌ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْإِجْمَالِ. وَأَمَّا قَوْلُ الْقَائِلِ إنْ قُلْتُمْ إنَّ هَذَا نَفْسُ كَلَامِ اللَّهِ فَقَدْ قُلْتُمْ بِالْحُلُولِ وَإِنْ قُلْتُمْ غَيْرَ ذَلِكَ قُلْتُمْ بِمَقَالَتِنَا فَجَوَابُ ذَلِكَ أَنَّ الْمَقَالَةَ الْمُنْكَرَةَ هُنَا تَتَضَمَّنُ ثَلَاثَةَ أُمُورٍ فَإِذَا زَالَتْ لَمْ يَبْقَ مُنْكَرٌ.
أَحَدُهَا: مَنْ يَقُولُ إنَّ الْقُرْآنَ الْعَرَبِيَّ لَمْ يَتَكَلَّمْ اللَّهُ بِهِ وَإِنَّمَا أَحْدَثَهُ غَيْرُ اللَّهِ كَجِبْرِيلَ وَمُحَمَّدٍ وَاَللَّهُ خَلَقَهُ فِي غَيْرِهِ.
الثَّانِي: قَوْلُ مَنْ يَقُولُ إنَّ كَلَامَ اللَّهِ لَيْسَ إلَّا مَعْنًى وَاحِدًا هُوَ
(12/294)

الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ وَالْخَبَرُ وَإِنَّ الْكُتُبَ الْإِلَهِيَّةَ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْعِبَارَاتِ لَا بِاخْتِلَافِ الْمَعَانِي فَيُجْعَلُ مَعْنَى التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَاحِدًا وَكَذَلِكَ مَعْنَى آيَةِ الدَّيْنِ وَآيَةِ الْكُرْسِيِّ كَمَنْ يَقُولُ إنَّ مَعَانِيَ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى بِمَعْنَى وَاحِدٍ فَمَعْنَى الْعَلِيمِ وَالْقَدِيرِ وَالرَّحِيمِ وَالْحَكِيمِ مَعْنًى وَاحِدٌ فَهَذَا إلْحَادٌ فِي أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَآيَاتِهِ. (الثَّالِثُ قَوْلُ مَنْ يَقُولُ إنَّ مَا بَلَّغَتْهُ الرُّسُلُ عَنْ اللَّهِ مِنْ الْمَعْنَى وَالْأَلْفَاظِ لَيْسَ هُوَ كَلَامَ اللَّهِ وَإِنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ التَّالِينَ لَا كَلَامُ رَبِّ الْعَالَمِينَ. فَهَذِهِ الْأَقْوَالُ الثَّلَاثَةُ بَاطِلَةٌ بِأَيِّ عِبَارَةٍ عُبِّرَ عَنْهَا. وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ: إنَّ الْقُرْآنَ الْعَرَبِيَّ كَلَامُ اللَّهِ بَلَّغَهُ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَّهُ تَارَةً يُسْمَعُ مِنْ اللَّهِ وَتَارَةً مِنْ رُسُلِهِ مُبَلِّغِينَ عَنْهُ وَهُوَ كَلَامُ اللَّهِ حَيْثُ تَصَرَّفَ وَكَلَامُ اللَّهِ تَكَلَّمَ بِهِ لَمْ يَخْلُقْهُ فِي غَيْرِهِ وَلَا يَكُونُ كَلَامُ اللَّهِ مَخْلُوقًا وَلَوْ قَرَأَهُ النَّاسُ وَكَتَبُوهُ وَسَمِعُوهُ. وَقَالَ مَعَ ذَلِكَ: إنَّ أَفْعَالَ الْعِبَادِ وَأَصْوَاتَهُمْ وَسَائِر صِفَاتِهِمْ مَخْلُوقَةٌ فَهَذَا لَا يُنْكَرُ عَلَيْهِ وَإِذَا نَفَى الْحُلُولَ وَأَرَادَ بِهِ أَنَّ صِفَةَ الْمَوْصُوفِ لَا تُفَارِقُهُ وَتَنْتَقِلُ إلَى غَيْرِهِ فَقَدْ أَصَابَ فِي هَذَا الْمَعْنَى؛ لَكِنْ عَلَيْهِ مَعَ ذَلِكَ أَنْ يُؤْمِنَ أَنَّ الْقُرْآنَ الْعَرَبِيَّ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى وَلَيْسَ هُوَ وَلَا شَيْءٌ مِنْهُ كَلَامًا لِغَيْرِهِ وَلَكِنْ بَلَّغَتْهُ عَنْهُ رُسُلُهُ وَإِذَا كَانَ كَلَامُ الْمَخْلُوقِ يُبَلَّغُ عَنْهُ مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّهُ كَلَامُهُ حُرُوفُهُ وَمَعَانِيهِ وَمَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّ شَيْئًا مِنْ صِفَاتِهِ لَمْ تُفَارِقْ ذَاتَه فَالْعِلْمُ بِمِثْلِ هَذَا فِي كَلَامِ الْخَالِقِ أَوْلَى وَأَظْهَرُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(12/295)

وَقَالَ أَيْضًا شَيْخُ الْإِسْلَامِ - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ -:
فَصْلٌ:
قَالَ تَعَالَى: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ} وَهُوَ مُنَزَّلٌ مِنْ اللَّهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ} . فَأَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ ذَلِكَ وَالْعِلْمُ لَا يَكُونُ إلَّا حَقًّا. وَقَالَ تَعَالَى: {تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} {حم} {تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} {حم} {تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} وَقَالَ تَعَالَى: {وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} وَقَالَ تَعَالَى: {وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى} وَنَحْوَ ذَلِكَ وَقَالَ تَعَالَى: {قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ
(12/296)

مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ} . فَأَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ اللَّهِ وَلَمْ يُخْبِرْ عَنْ شَيْءٍ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ اللَّهِ إلَّا كَلَامُهُ؛ بِخِلَافِ نُزُولِ الْمَلَائِكَةِ وَالْمَطَرِ وَالْحَدِيدِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَلِهَذَا كَانَ الْقَوْلُ الْمَشْهُورُ عَنْ السَّلَفِ أَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ مِنْهُ بَدَأَ وَإِلَيْهِ يَعُودُ؛ فَإِنَّ مَنْ قَالَ إنَّهُ مَخْلُوقٌ يَقُولُ إنَّهُ خُلِقَ فِي بَعْضِ الْمَخْلُوقَاتِ الْقَائِمَةِ بِنَفْسِهَا فَمِنْ ذَلِكَ الْمَخْلُوقِ نَزَلَ وَبَدَأَ لَمْ يَنْزِلْ مِنْ اللَّهِ فَإِخْبَارُ اللَّهِ تَعَالَى أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ اللَّهِ يُنَاقِضُ أَنْ يَكُونَ قَدْ نَزَلَ مِنْ غَيْرِ اللَّهِ؛ وَلِهَذَا فَسَّرَ الْإِمَامُ أَحْمَد قَوْلَهُ " مِنْهُ بَدَأَ " أَيْ هُوَ الْمُتَكَلِّمُ بِهِ وَقَالَ أَحْمَد: كَلَامُ اللَّهِ مِنْ اللَّهِ لَيْسَ بِبَائِنِ عَنْهُ. وَ " أَيْضًا " فَلَوْ كَانَ مَخْلُوقًا فِي غَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ كَلَامُهُ؛ بَلْ كَانَ يَكُونُ كَلَامًا لِذَلِكَ الْمَخْلُوقِ فِيهِ وَكَذَلِكَ سَائِر مَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ مِنْ الْإِرَادَةِ وَالْمَحَبَّةِ وَالْمَشِيئَةِ وَالرِّضَى وَالْغَضَبِ وَالْمَقْتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأُمُورِ لَوْ كَانَ مَخْلُوقًا فِي غَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ الرَّبُّ تَعَالَى مُتَّصِفًا بِهِ بَلْ كَانَ يَكُونُ صِفَةً لِذَلِكَ الْمَحَلِّ؛ فَإِنَّ الْمَعْنَى إذَا قَامَ بِمَحَلِّ كَانَ صِفَةً لِذَلِكَ الْمَحَلِّ وَلَمْ يَكُنْ صِفَةً لِغَيْرِهِ فَيَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ الْمَخْلُوقُ أَوْ الْخَالِقُ مَوْصُوفًا بِصِفَةِ مَوْجُودَةٍ قَائِمَةٍ بِغَيْرِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ فِطْرِيٌّ فَمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ مِنْ الْأَفْعَالِ اللَّازِمَةِ يَمْتَنِعُ أَنْ يُوصَفَ الْمَوْصُوفُ بِأَمْرِ لَمْ يَقُمْ بِهِ. وَهَذَا مَبْسُوطٌ فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ.
(12/297)

وَلَمْ يَقُلْ السَّلَفُ: إنَّ النَّبِيَّ سَمِعَهُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى كَمَا يَقُولُ ذَلِكَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ} وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ {ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ لِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اقْرَأْ عَلَيَّ الْقُرْآنَ قُلْت: أَقْرَأُ عَلَيْك وَعَلَيْك أُنْزِلَ؟ قَالَ إنِّي أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي فَقَرَأْت عَلَيْهِ سُورَةَ النِّسَاءِ حَتَّى بَلَغْت إلَى هَذِهِ الْآيَةِ {فَكَيْفَ إذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا} قَالَ: حَسْبُك فَنَظَرْت فَإِذَا عَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ مِنْ الْبُكَاءِ} . وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَمِعَهُ مِنْ جِبْرِيلَ وَهُوَ الَّذِي نَزَلَ عَلَيْهِ بِهِ وَجِبْرِيلُ سَمِعَهُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى كَمَا نَصَّ عَلَى ذَلِكَ أَحْمَد وَغَيْرُهُ مِنْ الْأَئِمَّةِ قَالَ تَعَالَى: {قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ} وَقَالَ تَعَالَى: {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ} {عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ} {بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ} وَقَالَ تَعَالَى {وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} {قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ} فَأَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ - وَهُوَ الرُّوحُ الْأَمِينُ وَهُوَ جِبْرِيلُ - مِنْ اللَّهِ بِالْحَقِّ وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْ السَّلَفِ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَمِعَهُ مِنْ اللَّهِ وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ.
(12/298)

وقَوْله تَعَالَى {إنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ} {فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ} {ثُمَّ إنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} هُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ} وَقَوْلِهِ: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ} وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يَكُونُ الرَّبُّ فَعَلَهُ بِمَلَائِكَتِهِ. فَإِنَّ لَفْظَ (نَحْنُ هُوَ لِلْوَاحِدِ الْمُطَاعِ الَّذِي لَهُ أَعْوَانٌ يُطِيعُونَهُ فَالرَّبُّ تَعَالَى خَلَقَ الْمَلَائِكَةَ وَغَيْرَهَا تُطِيعُهُ الْمَلَائِكَةُ أَعْظَمَ مِمَّا يُطِيعُ الْمَخْلُوقُ أَعْوَانَهُ فَهُوَ سُبْحَانَهُ أَحَقُّ بِاسْمِ " نَحْنُ " وَ " فَعَلْنَا " وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنْ كُلِّ مَا يُسْتَعْمَلُ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ {ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعَالِجُ مِنْ التَّنْزِيلِ شِدَّةً وَكَانَ يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَنَا أُحَرِّكُهُمَا لَك كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحَرِّكُهُمَا} . وَقَالَ سَعِيد بْنُ جُبَيْرٍ: أَنَا أُحَرِّكُهُمَا كَمَا رَأَيْت ابْنَ عَبَّاسٍ يُحَرِّكُهُمَا فَحَرَّكَ شَفَتَيْهِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ {لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ} {إنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ} قَالَ: جَمْعُهُ لَك فِي صَدْرِك وَتَقْرَؤُهُ {فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ} فَإِذَا قَرَأَهُ رَسُولُنَا وَفِي لَفْظٍ: فَإِذَا قَرَأَهُ جِبْرِيلُ فَاسْتَمِعْ لَهُ وَأَنْصِتْ {ثُمَّ إنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} أَيْ نَقْرَؤُهُ. فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ إذَا أَتَاهُ جِبْرِيلُ اسْتَمَعَ فَإِذَا انْطَلَقَ جِبْرِيلُ قَرَأَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا قَرَأَهُ ".
(12/299)

وَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْوَاعَ تَكْلِيمِهِ لِعِبَادِهِ فِي قَوْلِهِ {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ} فَبَيَّنَ سُبْحَانَهُ أَنَّ التَّكْلِيمَ تَارَةً يَكُونُ وَحْيًا وَتَارَةً مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ كَمَا كَلَّمَ مُوسَى وَتَارَةً يُرْسِلُ رَسُولًا فَيُوحِي الرَّسُولُ بِإِذْنِ اللَّهِ مَا يَشَاءُ وَقَالَ تَعَالَى: {اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ} فَإِذَا أَرْسَلَ اللَّهُ تَعَالَى رَسُولًا كَانَ ذَلِكَ مِمَّا يُكَلِّمُ بِهِ عِبَادَهُ فَيَتْلُوهُ عَلَيْهِمْ وَيُنَبِّئُهُمْ بِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ} وَإِنَّمَا نَبَّأَهُمْ بِوَاسِطَةِ الرَّسُولِ وَالرَّسُولُ مُبَلِّغٌ بِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ} وَقَالَ تَعَالَى: {لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ} وَقَالَ تَعَالَى: {وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} وَالرَّسُولُ أَمَرَ أُمَّتَهُ بِالتَّبْلِيغِ عَنْهُ. فَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: {بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ} وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا خَطَبَ الْمُسْلِمِينَ: {لِيُبَلِّغْ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ} وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا فَبَلَّغَهُ إلَى مَنْ لَمْ يَسْمَعْهُ فَرُبَّ حَامِلٍ غَيْرُ فَقِيهٍ وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ}
(12/300)

وَفِي السُّنَنِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ {كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْرِضُ نَفْسَهُ عَلَى النَّاسِ بِالْمَوْسِمِ فَيَقُولُ أَلَا رَجُلٌ يَحْمِلُنِي إلَى قَوْمِهِ لِأُبَلِّغَ كَلَامَ رَبِّي فَإِنَّ قُرَيْشًا مَنَعُونِي أَنْ أُبَلِّغَ كَلَامَ رَبِّي} وَكَمَا لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْ السَّلَفِ إنَّهُ مَخْلُوقٌ فَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ إنَّهُ قَدِيمٌ لَمْ يَقُلْ وَاحِدًا مِنْ الْقَوْلَيْنِ أَحَدٌ مِنْ الصَّحَابَةِ وَلَا التَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانِ وَلَا مَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ " الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ " وَلَا غَيْرِهِمْ؛ بَلْ الْآثَارُ مُتَوَاتِرَةٌ عَنْهُمْ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ وَلَمَّا ظَهَرَ مَنْ قَالَ إنَّهُ مَخْلُوقٌ قَالُوا رَدًّا لِكَلَامِهِ: إنَّهُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ وَلَمْ يُرِيدُوا بِذَلِكَ أَنَّهُ مُفْتَرًى كَمَا ظَنَّهُ بَعْضُ النَّاسِ فَإِنَّ أَحَدًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَقُلْ إنَّهُ مُفْتَرًى بَلْ هَذَا كُفْرٌ ظَاهِرٌ يَعْلَمُهُ كُلُّ مُسْلِمٍ وَإِنَّمَا قَالُوا إنَّهُ مَخْلُوقٌ خَلَقَهُ اللَّهُ فِي غَيْرِهِ فَرَدَّ السَّلَفُ هَذَا الْقَوْلَ كَمَا تَوَاتَرَتْ الْآثَارُ عَنْهُمْ بِذَلِكَ وَصَنَّفُوا فِي ذَلِكَ مُصَنَّفَاتٍ مُتَعَدِّدَةً وَقَالُوا: مِنْهُ بَدَأَ وَإِلَيْهِ يَعُودُ. وَأَوَّلُ مَنْ عُرِفَ أَنَّهُ قَالَ مَخْلُوقٌ: الْجَعْدُ بْنُ دِرْهَمٍ وَصَاحِبُهُ الْجَهْمُ بْنُ صَفْوَانَ وَأَوَّل مَنْ عُرِفَ أَنَّهُ قَالَ هُوَ قَدِيمٌ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدِ بْنِ كُلَّابٍ ثُمَّ افْتَرَقَ الَّذِينَ شَارَكُوهُ فِي هَذَا الْقَوْلِ. فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: الْكَلَامُ مَعْنًى وَاحِدٌ قَائِمٌ بِذَاتِ الرَّبِّ وَمَعْنَى الْقُرْآنِ كُلِّهِ وَالتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَسَائِر كُتُبِ اللَّهِ وَكَلَامُهُ هُوَ ذَلِكَ الْمَعْنَى الْوَاحِدُ الَّذِي لَا يَتَعَدَّدُ وَلَا يَتَبَعَّضُ وَالْقُرْآنُ الْعَرَبِيُّ لَمْ يَتَكَلَّمْ اللَّهُ بِهِ
(12/301)

بَلْ هُوَ مَخْلُوقٌ خَلَقَهُ فِي غَيْرِهِ. وَقَالَ جُمْهُورُ الْعُقَلَاءِ: هَذَا الْقَوْلُ مَعْلُومُ الْفَسَادِ بِالِاضْطِرَارِ فَإِنَّهُ مِنْ الْمَعْلُومِ بِصَرِيحِ الْعَقْلِ أَنَّ مَعْنَى " آيَةِ الْكُرْسِيِّ " لَيْسَ مَعْنَى " آيَةِ الدَّيْنِ " وَلَا مَعْنَى {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} مَعْنَى {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ} فَكَيْفَ بِمَعَانِي كَلَامِ اللَّهِ كُلِّهِ فِي الْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ وَخِطَابِهِ لِمَلَائِكَتِهِ وَحِسَابِهِ لِعِبَادِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِهِ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هُوَ حُرُوفٌ أَوْ حُرُوفٌ وَأَصْوَاتٌ قَدِيمَةٌ أَزَلِيَّةٌ لَازِمَةٌ لِذَاتِهِ لَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَالُ مَوْصُوفًا بِهَا. وَكِلَا الْحِزْبَيْنِ يَقُولُ: إنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَتَكَلَّمُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ وَإِنَّهُ لَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَالُ يَقُولُ: يَا نُوحُ يَا إبْرَاهِيمُ يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ كَمَا قَدْ بَسَطْت أَقْوَالَهُمْ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْ السَّلَفِ بِوَاحِدِ مِنْ الْقَوْلَيْنِ وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْ السَّلَفِ: إنَّ هَذَا الْقُرْآنَ عِبَارَةٌ عَنْ كَلَامِ اللَّهِ وَلَا حِكَايَةٌ لَهُ وَلَا قَالَ أَحَدٌ مِنْهُمْ إنَّ لَفْظِي بِالْقُرْآنِ قَدِيمٌ أَوْ غَيْرُ مَخْلُوقٍ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَقُولَ: إنَّ صَوْتِي بِهِ قَدِيمٌ أَوْ غَيْرُ مَخْلُوقٍ؛ بَلْ كَانُوا يَقُولُونَ بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ مِنْ أَنَّ هَذَا الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ وَالنَّاسُ يَقْرَءُونَهُ بِأَصْوَاتِهِمْ وَيَكْتُبُونَهُ بِمِدَادِهِمْ وَمَا بَيْنَ اللَّوْحَيْنِ كَلَامُ اللَّهِ وَكَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: {لَا تُسَافِرُوا
(12/302)

بِالْقُرْآنِ إلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ} وَقَالَ تَعَالَى: {بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ} {فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ} وَالْمِدَادُ الَّذِي يُكْتَبُ بِهِ الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ وَالصَّوْتُ الَّذِي يُقْرَأُ بِهِ هُوَ صَوْتُ الْعَبْدِ وَالْعَبْدُ وَصَوْتُهُ وَحَرَكَاتُهُ وَسَائِر صِفَاتِهِ مَخْلُوقَةٌ فَالْقُرْآنُ الَّذِي يَقْرَؤُهُ الْمُسْلِمُونَ كَلَامُ الْبَارِي وَالصَّوْتُ الَّذِي يَقْرَأُ بِهِ الْعَبْدُ صَوْتُ الْقَارِئِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ} وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " زَيِّنُوا الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ " فَبَيَّنَ أَنَّ الْأَصْوَاتَ الَّتِي يُقْرَأُ بِهَا الْقُرْآنُ أَصْوَاتُنَا وَالْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ وَلِهَذَا قَالَ أَحْمَد بْنُ حَنْبَلٍ وَغَيْرُهُ مِنْ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ: يُحَسِّنُهُ الْإِنْسَانُ بِصَوْتِهِ كَمَا قَالَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {لَوْ عَلِمْت إنَّك تَسْمَعُ لَحَبَّرْته لَك تَحْبِيرًا} . فَكَانَ مَا قَالَهُ أَحْمَد وَغَيْرُهُ مِنْ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ مِنْ أَنَّ الصَّوْتَ صَوْتُ الْعَبْدِ مُوَافِقًا لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ} وَقَالَ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ} وَقَالَ تَعَالَى: {إنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى} وَقَالَ تَعَالَى: " {قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا} فَفَرَّقَ سُبْحَانَهُ بَيْنَ الْمِدَادِ الَّذِي يُكْتَب بِهِ كَلِمَاتُهُ وَبَيْنَ كَلِمَاتِهِ فَالْبَحْرُ وَغَيْرُهُ مِنْ الْمِدَادِ الَّذِي يُكْتَبُ بِهِ الْكَلِمَاتُ
(12/303)

مَخْلُوقٌ وَكَلِمَاتُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ. وَقَالَ تَعَالَى: {وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ} فَالْأَبْحُرُ إذَا قُدِّرَتْ مِدَادًا تَنْفَدُ وَكَلِمَاتُ اللَّهِ لَا تَنْفَدُ؛ وَلِهَذَا قَالَ أَئِمَّةُ السُّنَّةِ لَمْ يَزَلْ اللَّهُ مُتَكَلِّمًا كَيْفَ شَاءَ وَبِمَا شَاءَ كَمَا ذَكَرَتْ الْآثَارُ بِهَذِهِ الْمَعَانِي عَنْ ابْنِ الْمُبَارَكِ وَأَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ وَغَيْرِهِمَا. هَذَا وَقَدْ أَخْبَرَ سُبْحَانَهُ عَنْ نَفْسِهِ بِالنِّدَاءِ فِي أَكْثَرِ مِنْ عَشَرَةِ مَوَاضِعَ فَقَالَ تَعَالَى: {فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ} وَقَالَ تَعَالَى: {وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ} {وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ} وَذَكَرَ سُبْحَانَهُ نِدَاءَهُ لِمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي سُورَةِ " طَه " وَ " مَرْيَمَ " وَ " اُلْطُسْ الثَّلَاثِ " وَفِي سُورَةِ " وَالنَّازِعَاتِ " وَأَخْبَرَ أَنَّهُ نَادَاهُ فِي وَقْتٍ بِعَيْنِهِ فَقَالَ تَعَالَى {فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِي الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} وَقَالَ تَعَالَى: {هَلْ أتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى} {إذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِي الْمُقَدَّسِ طُوًى} وَقَالَ تَعَالَى: {وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إذْ نَادَيْنَا} وَاسْتَفَاضَتْ الْآثَارُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ يُنَادِي بِصَوْتِ: نَادَى مُوسَى
(12/304)

وَيُنَادِي عِبَادَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَوْتِ وَيَتَكَلَّمُ بِالْوَحْيِ بِصَوْتِ وَلَمْ يُنْقَلُ عَنْ أَحَدٍ مِنْ السَّلَفِ أَنَّهُ قَالَ: إنَّ اللَّهَ يَتَكَلَّمُ بِلَا صَوْتٍ أَوْ بِلَا حَرْفٍ وَلَا أَنَّهُ أَنْكَرَ أَنْ يَتَكَلَّمَ اللَّهُ بِصَوْتِ أَوْ بِحَرْفِ كَمَا لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ إنَّ الصَّوْتَ الَّذِي سَمِعَهُ مُوسَى قَدِيمٌ وَلَا إنَّ ذَلِكَ النِّدَاءَ قَدِيمٌ وَلَا قَالَ أَحَدٌ مِنْهُمْ: إنَّ هَذِهِ الْأَصْوَاتَ الْمَسْمُوعَةَ مِنْ الْقُرَّاءِ هِيَ الصَّوْتُ الَّذِي تَكَلَّمَ اللَّهُ بِهِ؛ بَلْ الْآثَارُ مُسْتَفِيضَةٌ عَنْهُمْ بِالْفَرْقِ بَيْنَ الصَّوْتِ الَّذِي يَتَكَلَّمُ اللَّهُ بِهِ وَبَيْنَ أَصْوَاتِ الْعِبَادِ. وَكَانَ أَئِمَّةُ السُّنَّةِ يَعُدُّونَ مَنْ أَنْكَرَ تَكَلُّمَهُ بِصَوْتِ مِنْ الْجَهْمِيَّة كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَد لَمَّا سُئِلَ عَمَّنْ قَالَ إنَّ اللَّهَ لَا يَتَكَلَّمُ بِصَوْتِ فَقَالَ: هَؤُلَاءِ جهمية إنَّمَا يَدُورُونَ عَلَى التَّعْطِيلِ. وَذَكَرَ بَعْضَ الْآثَارِ الْمَرْوِيَّةِ فِي أَنَّهُ سُبْحَانَهُ يَتَكَلَّمُ بِصَوْتِ. وَقَدْ ذَكَرَ مَنْ صَنَّفَ فِي السُّنَّةِ. . . (1) مِنْ ذَلِكَ قِطْعَةً وَعَلَى ذَلِكَ تَرْجَمَ عَلَيْهِ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {حَتَّى إذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ} وَقَدْ ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ فِي " كِتَابِ خَلْقِ الْأَفْعَالِ " مِمَّا يُبَيِّنُ بِهِ الْفَرْقَ بَيْنَ الصَّوْتَيْنِ آثَارًا مُتَعَدِّدَةً. وَكَانَتْ مِحْنَةُ الْبُخَارِيِّ مَعَ أَصْحَابِهِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الذهلي وَغَيْرِهِ بَعْدَ مَوْتِ أَحْمَد بِسِنِينَ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ أَحْمَد فِي الْبُخَارِيِّ إلَّا بِالثَّنَاءِ عَلَيْهِ. وَمَنْ نَقَلَ عَنْ أَحْمَد أَنَّهُ تَكَلَّمَ فِي الْبُخَارِيِّ بِسُوءِ فَقَدْ افْتَرَى عَلَيْهِ.
__________

[تعليق مُعِدّ الكتاب للشاملة]
(1) بياض بالأصل
(12/305)

وَقَدْ ذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الكرجي فِي كِتَابِهِ الَّذِي سَمَّاهُ (الْفُصُولُ فِي الْأُصُولِ قَالَ سَمِعْت الْإِمَامَ أَبَا مَنْصُورٍ مُحَمَّدَ بْنَ أَحْمَد يَقُولُ: سَمِعْت أَبَا حَامِدٍ الإسفراييني يَقُولُ: مَذْهَبِي وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَفُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ أَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ وَمَنْ قَالَ: مَخْلُوقٌ فَهُوَ كَافِرٌ وَالْقُرْآنُ حَمَلَهُ جِبْرِيلُ مَسْمُوعًا مِنْ اللَّهِ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَمِعَهُ مِنْ جِبْرِيلَ وَالصَّحَابَةُ سَمِعُوهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ الَّذِي نَتْلُوهُ نَحْنُ بِأَلْسِنَتِنَا وَفِيمَا بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ وَمَا فِي صُدُورِنَا: مَسْمُوعًا وَمَكْتُوبًا وَمَحْفُوظًا وَكُلُّ حَرْفٍ مِنْهُ كَالْبَاءِ وَالتَّاءِ كُلُّهُ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ وَمَنْ قَالَ: مَخْلُوقٌ فَهُوَ كَافِرٌ عَلَيْهِ لَعَائِنُ اللَّهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ. وَقَدْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالْمُنْتَسِبِينَ إلَى السُّنَّةِ تَنَازَعُوا فِي اللَّفْظِ بِالْقُرْآنِ هَلْ يُقَالُ إنَّهُ مَخْلُوقٌ؟ وَلَمَّا حَدَثَ الْكَلَامُ فِي ذَلِكَ أَنْكَرَتْ أَئِمَّةُ السُّنَّةِ كَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَغَيْرِهِ أَنْ يُقَالَ: لَفْظِي بِالْقُرْآنِ مَخْلُوقٌ أَوْ غَيْرُ مَخْلُوقٍ وَقَالُوا: مَنْ قَالَ: إنَّهُ مَخْلُوقٌ فَهُوَ جهمي وَمَنْ قَالَ إنَّهُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ فَهُوَ مُبْتَدِعٌ. وَأَمَّا صَوْتُ الْعَبْدِ فَلَمْ يَتَنَازَعُوا أَنَّهُ مَخْلُوقٌ فَإِنَّ الْمُبَلِّغَ لِكَلَامِ غَيْرِهِ بِلَفْظِ صَاحِبِ الْكَلَامِ إنَّمَا بَلَّغَ غَيْرَهُ كَمَا يُقَالُ: رَوَى الْحَدِيثَ بِلَفْظِهِ وَإِنَّمَا يُبَلِّغُهُ بِصَوْتِ نَفْسِهِ لَا بِصَوْتِ صَاحِبِ الْكَلَامِ. وَ " اللَّفْظُ " فِي الْأَصْلِ مَصْدَرُ لَفَظَ يَلْفِظُ لَفْظًا وَكَذَلِكَ " التِّلَاوَةُ "
(12/306)

وَالْقِرَاءَةُ " مَصْدَرَانِ؛ لَكِنْ شَاعَ اسْتِعْمَالُ ذَلِكَ فِي نَفْسِ الْكَلَامِ الْمَلْفُوظِ الْمَقْرُوءِ الْمَتْلُوِّ وَهُوَ الْمُرَادُ بِاللَّفْظِ فِي إطْلَاقِهِمْ فَإِذَا قِيلَ: لَفْظِي أَوْ اللَّفْظُ بِالْقُرْآنِ مَخْلُوقٌ أَشْعَرَ أَنَّ هَذَا الْقُرْآنَ الَّذِي يَقْرَؤُهُ وَيَلْفِظُ بِهِ مَخْلُوقٌ وَإِذَا قِيلَ: لَفْظِي غَيْرُ مَخْلُوقٍ أَشْعَرَ أَنَّ شَيْئًا مِمَّا يُضَافُ إلَيْهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ وَصَوْتُهُ وَحَرَكَتُهُ مَخْلُوقَانِ لَكِنَّ كَلَامَ اللَّهِ الَّذِي يَقْرَؤُهُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ وَ " التِّلَاوَةُ " قَدْ يُرَادُ بِهَا نَفْسُ الْكَلَامِ الَّذِي يُتْلَى وَقَدْ يُرَادُ بِهَا نَفْسُ حَرَكَةِ الْعَبْدِ وَقَدْ يُرَادُ بِهَا مَجْمُوعُهُمَا. فَإِذَا أُرِيدَ بِهَا الْكَلَامُ نَفْسُهُ الَّذِي يُتْلَى فَالتِّلَاوَةُ هِيَ الْمَتْلُوُّ وَإِذَا أُرِيدَ بِهَا حَرَكَةُ الْعَبْدِ فَالتِّلَاوَةُ لَيْسَتْ هِيَ الْمَتْلُوُّ وَإِذَا أُرِيدَ بِهَا الْمَجْمُوعُ فَهِيَ مُتَنَاوِلَةٌ لِلْفِعْلِ وَالْكَلَامِ فَلَا يُطْلَقُ عَلَيْهَا أَنَّهَا الْمَتْلُوُّ وَلَا أَنَّهَا غَيْرُهُ. وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْ السَّلَفِ يُرِيدُ بِالتِّلَاوَةِ مُجَرَّدَ قِرَاءَةِ الْعِبَادِ وَبِالْمَتْلُوِّ مُجَرَّدَ مَعْنًى وَاحِدٍ يَقُومُ بِذَاتِ الْبَارِي تَعَالَى؛ بَلْ الَّذِي كَانُوا عَلَيْهِ أَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ تَكَلَّمَ اللَّهُ بِهِ بِحُرُوفِهِ وَمَعَانِيهِ لَيْسَ شَيْءٌ مِنْهُ كَلَامًا لِغَيْرِهِ لَا لِجِبْرِيلَ وَلَا لِمُحَمَّدِ وَلَا لِغَيْرِهِمَا؛ بَلْ قَدْ كَفَّرَ اللَّهُ مَنْ جَعَلَهُ قَوْلَ الْبَشَرِ مَعَ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ أَضَافَهُ تَارَةً إلَى رَسُولٍ مِنْ الْبَشَرِ وَتَارَةً إلَى رَسُولٍ مِنْ الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ تَعَالَى: {إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ} {وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ} {وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ} {تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ} فَالرَّسُولُ هُنَا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ تَعَالَى:
(12/307)

{إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ} {ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ} {مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ} {وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ} {وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ} {وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ} {وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ} {فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ} {إنْ هُوَ إلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ} فَالرَّسُولُ هُنَا جِبْرِيلُ. وَأَضَافَهُ سُبْحَانَهُ إلَى كُلٍّ مِنْهُمَا بِاسْمِ رَسُولٍ لِأَنَّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مُبَلِّغٌ لَهُ عَنْ غَيْرِهِ وَأَنَّهُ رَسُولٌ فِيهِ لَمْ يُحْدِثْ هُوَ شَيْئًا مِنْهُ. إذْ لَوْ كَانَ قَدْ أَحْدَثَ مِنْهُ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ رَسُولًا فِيمَا أَحْدَثَهُ بَلْ كَانَ مُنْشِئًا لَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ وَهُوَ سُبْحَانَهُ يُضِيفُهُ إلَى رَسُولٍ مِنْ الْمَلَائِكَةِ تَارَةً وَمِنْ الْبَشَرِ تَارَةً فَلَوْ كَانَتْ الْإِضَافَةُ لِكَوْنِهِ أَنْشَأَ حُرُوفَهُ لَتَنَاقَضَ الْخَبَرَانِ فَإِنَّ إنْشَاءَ أَحَدِهِمَا لَهُ يُنَاقِضُ إنْشَاءَ الْآخَرِ لَهُ. وَقَدْ كَفَّرَ اللَّهُ تَعَالَى مَنْ قَالَ: إنَّهُ قَوْلُ الْبَشَرِ فَمَنْ قَالَ إنَّ الْقُرْآنَ أَوْ شَيْئًا مِنْهُ قَوْلُ بِشْرٍ أَوْ مَلَكٍ فَقَدْ كَذَبَ وَمَنْ قَالَ إنَّهُ قَوْلُ رَسُولٍ مِنْ الْبَشَرِ وَمِنْ الْمَلَائِكَةِ بَلَّغَهُ عَنْ مُرْسِلِهِ لَيْسَ قَوْلًا أَنْشَأَهُ فَقَدْ صَدَقَ وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْ السَّلَفِ: إنَّ جِبْرِيلَ أَحْدَثَ أَلْفَاظَهُ وَلَا مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا إنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَهَا فِي الْهَوَاءِ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الْمَخْلُوقَاتِ وَلَا إنَّ جِبْرِيلَ أَخَذَهَا مِنْ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ بَلْ هَذِهِ الْأَقْوَالُ هِيَ مِنْ أَقْوَالِ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ. وَقَدْ بُسِطَ الْكَلَامُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ عَلَى تَنَازُعِ الْمُبْتَدِعِينَ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ وَبُيِّنَ فَسَادُ أَقْوَالِهِمْ وَأَنَّ الْقَوْلَ السَّدِيدَ هُوَ قَوْلُ
(12/308)

السَّلَفِ وَهُوَ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ النَّقْلُ الصَّحِيحُ وَالْعَقْلُ الصَّرِيحُ وَإِنْ كَانَ عَامَّةُ هَؤُلَاءِ الْمُخْتَلِفِينَ فِي الْكِتَابِ لَمْ يَعْرِفُوا الْقَوْلَ السَّدِيدَ قَوْلَ السَّلَفِ؛ بَلْ وَلَا سَمِعُوهُ وَلَا وَجَدُوهُ فِي كِتَابٍ مِنْ الْكُتُبِ الَّتِي يَتَدَاوَلُونَهَا؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَتَدَاوَلُونَ الْآثَارَ السَّلَفِيَّةَ وَلَا مَعَانِيَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ إلَّا بِتَحْرِيفِ بَعْضِ الْمُحَرِّفِينَ لَهَا وَلِهَذَا إنَّمَا يَذْكُرُ أَحَدُهُمْ أَقْوَالًا مُبْتَدَعَةً: إمَّا قَوْلَيْنِ وَإِمَّا ثَلَاثَةً وَإِمَّا أَرْبَعَةً وَإِمَّا خَمْسَةً وَالْقَوْلُ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ السَّلَفُ وَدَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ لَا يَذْكُرُهُ لِأَنَّهُ لَا يَعْرِفُهُ؛ وَلِهَذَا تَجِدُ الْفَاضِلَ مِنْ هَؤُلَاءِ حَائِرًا مُقِرًّا بِالْحَيْرَةِ عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَى مَنْ سَبَقَهُ مِنْ هَؤُلَاءِ الْمُخْتَلِفِينَ لِأَنَّهُ لَمْ يَجِدْ فِيمَا قَالُوهُ قَوْلًا صَحِيحًا. وَكَانَ أَوَّلُ مَنْ ابْتَدَعَ الْأَقْوَالَ " الْجَهْمِيَّة الْمَحْضَةُ الْنُّفَاةِ " الَّذِينَ لَا يُثْبِتُونَ الْأَسْمَاءَ وَالصِّفَاتِ فَكَانُوا يَقُولُونَ أَوَّلًا: إنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَتَكَلَّمُ بَلْ خَلَقَ كَلَامًا فِي غَيْرِهِ وَجَعَلَ غَيْرَهُ يُعَبِّرُ عَنْهُ وَإِنَّ قَوْله تَعَالَى {وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى} وَقَوْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {إنَّ اللَّهَ يَنْزِلُ إلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا كُلَّ لَيْلَةٍ إذَا بَقِيَ ثُلْثُ اللَّيْلِ فَيَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ؟ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ؟} مَعْنَاهُ أَنَّ مَلَكًا يَقُولُ ذَلِكَ عَنْهُ كَمَا يُقَالُ: نَادَى السُّلْطَانُ أَيْ أَمَرَ مُنَادِيًا يُنَادِي عَنْهُ فَإِذَا تُلِيَ عَلَيْهِمْ مَا أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ عَنْ نَفْسِهِ مِنْ أَنَّهُ يَقُولُ وَيَتَكَلَّمُ. قَالُوا هَذَا مَجَازٌ؛ كَقَوْلِ الْعَرَبِيِّ:
(12/309)

امْتَلَأَ الْحَوْضُ وَقَالَ قطني.
وَقَالَتْ (1) : اتِّسَاعُ بَطْنِهِ وَنَحْوَ ذَلِكَ. فَلَمَّا عَرَفَ السَّلَفُ حَقِيقَتَهُ وَأَنَّهُ مُضَاهٍ لِقَوْلِ الْمُتَفَلْسِفَةِ الْمُعَطِّلَةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ إنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَتَكَلَّمْ وَإِنَّمَا أَضَافَتْ الرُّسُلُ إلَيْهِ الْكَلَامَ بِلِسَانِ الْحَالِ كَفَّرُوهُمْ وَبَيَّنُوا ضَلَالَهُمْ وَمِمَّا قَالُوا لَهُمْ: إنَّ الْمُنَادِيَ عَنْ غَيْرِهِ - كَمُنَادِي السُّلْطَانِ - يَقُولُ: أَمَرَ السُّلْطَانُ بِكَذَا خَرَجَ مَرْسُومُهُ بِكَذَا لَا يَقُولُ إنِّي آمُرُكُمْ بِكَذَا وَأَنْهَاكُمْ عَنْ كَذَا وَاَللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ فِي تَكْلِيمِهِ لِمُوسَى {إنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إلَهَ إلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي} وَيَقُولُ تَعَالَى إذَا نَزَلَ ثُلْثَ اللَّيْلِ الْغَابِرُ {مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ؟} وَإِذَا كَانَ الْقَائِلُ مَلِكًا قَالَ - كَمَا فِي الْحَدِيثِ الَّذِي فِي الصَّحِيحَيْنِ - {إذَا أَحَبَّ اللَّهَ الْعَبْدَ نَادَى فِي السَّمَاءِ يَا جِبْرِيلُ إنِّي أُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبَّهُ فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ وَيُنَادِي فِي السَّمَاءِ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ وَيُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي الْأَرْضِ} فَقَالَ جِبْرِيلُ فِي نِدَائِهِ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى: {إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ} وَفِي نِدَاءِ الرَّبِّ يَقُولُ {مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ؟ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ؟} .
__________

[تعليق مُعِدّ الكتاب للشاملة]
(1) هكذا بالأصل
قال الشيخ ناصر بن حمد الفهد (ص 107) :
وقد ذكر الجامع في الحاشية بعد (قالت) : كذا بالأصل، ولا أدري ما الذي استنكره رحمه الله، هل هو لفظ (قالت) ، أو لفظ (اتساع بطنه) ، وأياً كان، فقد وردت هذه الجملة مرة أخرى في المجلد نفسه ص 405، كما وردت أيضاً في الدرء (10 / 201) .
والذي يظهر أنه مثل، أو نحو ذلك، وقد ورد في الفتاوى في الموضعين المذكورين بلفظ (اتساع) بالتاء، وفي (الدرء) بلفظ (انساع) بالنون وهو الآظهر، فإن العرب تقول (انساع الماء إذا جرى على وجه الأرض، وانساع الجامد إذا ذاب) ، فلعل المقصود بهذا استطلاق البطن، والله أعلم.
(12/310)

فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ يَأْمُرُ مُنَادِيًا فَيُنَادِي قِيلَ هَذَا لَيْسَ فِي الصَّحِيحِ فَإِنْ صَحَّ أَمْكَنَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْخَبَرَيْنِ بِأَنْ يُنَادِيَ هُوَ وَيَأْمُرَ مُنَادِيًا يُنَادِي. أَمَّا أَنْ يُعَارَضَ بِهَذَا النَّقْلِ النَّقْلُ الصَّحِيحُ الْمُسْتَفِيضُ الَّذِي اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ عَلَى صِحَّتِهِ وَتَلَقِّيه بِالْقَبُولِ مَعَ أَنَّهُ صَرِيحٌ فِي أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى هُوَ الَّذِي يَقُولُ: {مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ؟} فَلَا يَجُوزُ. وَكَذَلِكَ جَهْمٌ كَانَ يُنْكِرُ أَسْمَاءَ اللَّهِ تَعَالَى فَلَا يُسَمِّيهِ شَيْئًا وَلَا حَيًّا وَلَا غَيْرَ ذَلِكَ إلَّا عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ. قَالَ: لِأَنَّهُ إذَا سُمِّيَ بِاسْمِ تَسَمَّى بِهِ الْمَخْلُوقُ كَانَ تَشْبِيهًا وَكَانَ جَهْمٌ " مُجْبِرًا " يَقُولُ: إنَّ الْعَبْدَ لَا يَفْعَلُ شَيْئًا فَلِهَذَا نُقِلَ عَنْهُ أَنَّهُ سَمَّى اللَّهَ قَادِرًا؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ عِنْدَهُ لَيْسَ بِقَادِرِ. ثُمَّ إنَّ الْمُعْتَزِلَةَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا عَمْرَو بْنَ عُبَيْدٍ عَلَى قَوْلِهِ فِي الْقَدَرِ وَالْوَعِيدِ دَخَلُوا فِي مَذْهَبِ جَهْمٍ فَأَثْبَتُوا أَسْمَاءَ اللَّهِ تَعَالَى وَلَمْ يُثْبِتُوا صِفَاتِهِ وَقَالُوا نَقُولُ إنَّ اللَّهَ مُتَكَلِّمٌ حَقِيقَةً وَقَدْ يَذْكُرُونَ إجْمَاعَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّ اللَّهَ مُتَكَلِّمٌ حَقِيقَةً لِئَلَّا يُضَافُ إلَيْهِمْ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إنَّهُ غَيْرُ مُتَكَلِّمٍ لَكِنْ مَعْنَى كَوْنِهِ سُبْحَانَهُ مُتَكَلِّمًا عِنْدَهُمْ أَنَّهُ خَلَقَ الْكَلَامَ فِي غَيْرِهِ فَمَذْهَبُهُمْ وَمَذْهَبُ الْجَهْمِيَّة فِي الْمَعْنَى سَوَاءٌ لَكِنَّ هَؤُلَاءِ يَقُولُونَ هُوَ مُتَكَلِّمٌ حَقِيقَةً وَأُولَئِكَ يَنْفُونَ أَنْ يَكُونَ مُتَكَلِّمًا حَقِيقَةً. وَحَقِيقَةُ قَوْلِ الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهُ غَيْرُ
(12/311)

مُتَكَلِّمٍ فَإِنَّهُ لَا يُعْقَلُ مُتَكَلِّمٌ إلَّا مَنْ قَامَ بِهِ الْكَلَامُ وَلَا مُرِيدٌ إلَّا مَنْ قَامَتْ بِهِ الْإِرَادَةُ وَلَا مُحِبٌّ وَلَا رَاضٍ وَلَا مُبْغِضٌ وَلَا رَحِيمٌ إلَّا مَنْ قَامَتْ بِهِ الْإِرَادَةُ وَالْمَحَبَّةُ وَالرِّضَى وَالْبُغْضُ وَالرَّحْمَةُ وَقَدْ وَافَقَهُمْ عَلَى ذَلِكَ كَثِيرٌ مِمَّنْ انْتَسَبَ فِي الْفِقْهِ إلَى أَبِي حَنِيفَةَ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ. وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ لَيْسَ فِيهِمْ مَنْ يَقُولُ بِقَوْلِ الْمُعْتَزِلَةِ لَا فِي نَفْيِ الصِّفَاتِ وَلَا فِي الْقَدْرِ وَلَا الْمَنْزِلَةِ بَيْنَ الْمَنْزِلَتَيْنِ وَلَا إنْفَاذِ الْوَعِيدِ. ثُمَّ تَنَازَعَ الْمُعْتَزِلَةُ والْكُلَّابِيَة فِي حَقِيقَةِ " الْمُتَكَلِّمِ " فَقَالَتْ الْمُعْتَزِلَةُ: الْمُتَكَلِّمُ مَنْ فَعَلَ الْكَلَامَ وَلَوْ أَنَّهُ أَحْدَثَهُ فِي غَيْرِهِ لِيَقُولُوا إنَّ اللَّهَ يَخْلُقُ الْكَلَامَ فِي غَيْرِهِ وَهُوَ مُتَكَلِّمٌ بِهِ. وَقَالَتْ الْكُلَّابِيَة: الْمُتَكَلِّمُ مَنْ قَامَ بِهِ الْكَلَامُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُتَكَلِّمًا بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ وَلَا فَعَلَ فِعْلًا أَصْلًا بَلْ جَعَلُوا الْمُتَكَلِّمَ بِمَنْزِلَةِ الْحَيِّ الَّذِي قَامَتْ بِهِ الْحَيَاةُ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ حَيَاتُهُ بِمَشِيئَتِهِ وَلَا قُدْرَتِهِ وَلَا حَاصِلَةً بِفِعْلِ مِنْ أَفْعَالِهِ. وَأَمَّا السَّلَفُ وَأَتْبَاعُهُمْ وَجُمْهُورُ الْعُقَلَاءِ فَالْمُتَكَلِّمُ الْمَعْرُوفُ عِنْدَهُمْ مَنْ قَامَ بِهِ الْكَلَامُ وَتَكَلَّمَ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ. لَا يُعْقَلُ مُتَكَلِّمٌ لَمْ يَقُمْ بِهِ الْكَلَامُ وَلَا يُعْقَلُ مُتَكَلِّمٌ بِغَيْرِ مَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ فَكَانَ كُلٌّ مِنْ تينك الطَّائِفَتَيْنِ الْمُبْتَدِعَتَيْن أَخَذَتْ بَعْضَ وَصْفِ الْمُتَكَلِّمِ: الْمُعْتَزِلَةُ أَخَذُوا أَنَّهُ فَاعِلٌ والْكُلَّابِيَة أَخَذُوا أَنَّهُ مَحَلُّ الْكَلَامِ ثُمَّ زَعَمَتْ الْمُعْتَزِلَةُ أَنَّهُ يَكُونُ فَاعِلًا لِلْكَلَامِ فِي غَيْرِهِ وَزَعَمُوا هُمْ وَمَنْ وَافَقَهُمْ مِنْ أَتْبَاعِ الْكُلَّابِيَة كَأَبِي الْحَسَنِ
(12/312)

وَغَيْرِهِ أَنَّ الْفَاعِلَ لَا يَقُومُ بِهِ الْفِعْلُ وَكَانَ هَذَا مِمَّا أَنْكَرَهُ السَّلَفُ وَجُمْهُورُ الْعُقَلَاءِ وَقَالُوا لَا يَكُونُ الْفَاعِلُ إلَّا مَنْ قَامَ بِهِ الْفِعْلُ وَأَنَّهُ يُفَرَّقُ بَيْنَ الْفَاعِلِ وَالْفِعْلِ وَالْمَفْعُولِ وَذَكَرَ الْبُخَارِيُّ فِي " كِتَابِ خَلْقِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ " إجْمَاعَ الْعُلَمَاءِ عَلَى ذَلِكَ. وَاَلَّذِينَ قَالُوا إنَّ الْفَاعِلَ لَا يَقُومُ بِهِ الْفِعْلُ وَقَالُوا مَعَ ذَلِكَ إنَّ اللَّهَ فَاعِلُ أَفْعَالِ الْعِبَادِ كَأَبِي الْحَسَنِ وَغَيْرِهِ وَأَنَّ الْعَبْدَ لَمْ يَفْعَلْ شَيْئًا وَإِنَّ جَمِيعَ مَا يَخْلُقُهُ الْعَبْدُ فِعْلٌ لَهُ وَهُمْ يَصِفُونَهُ بِالصِّفَاتِ الْفِعْلِيَّةِ الْمُنْفَصِلَةِ عَنْهُ وَيُقَسِّمُونَ صِفَاتِهِ إلَى صِفَاتِ ذَاتٍ وَصَفَاتِ أَفْعَالٍ مَعَ أَنَّ الْأَفْعَالَ عِنْدَهُمْ هِيَ الْمَفْعُولَاتُ الْمُنْفَصِلَةُ عَنْهُ فَلَزِمَهُمْ أَنْ يُوصَفَ بِمَا خَلَقَهُ مِنْ الظُّلْمِ وَالْقَبَائِحِ مَعَ قَوْلِهِمْ إنَّهُ لَا يُوصَفُ بِمَا خَلَقَهُ مِنْ الْكَلَامِ وَغَيْرِهِ فَكَانَ هَذَا تَنَاقُضًا مِنْهُمْ تَسَلَّطَتْ بِهِ عَلَيْهِمْ الْمُعْتَزِلَةُ. وَلَمَّا قَرَّرُوا مَا هُوَ مِنْ أُصُولِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَهُوَ أَنَّ الْمَعْنَى إذَا قَامَ بِمَحَلِّ اُشْتُقَّ لَهُ مِنْهُ اسْمٌ وَلَمْ يُشْتَقَّ لِغَيْرِهِ مِنْهُ اسْمٌ كَاسْمِ الْمُتَكَلِّمِ نَقَضَ عَلَيْهِمْ الْمُعْتَزِلَةُ ذَلِكَ بِاسْمِ الْخَالِقِ وَالْعَادِلِ فَلَمْ يُجِيبُوا عَنْ النَّقْضِ بِجَوَابِ سَدِيدٍ. وَأَمَّا السَّلَفُ وَالْأَئِمَّةُ فَأَصْلُهُمْ مُطَّرِدٌ. وَمِمَّا احْتَجُّوا بِهِ عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ غَيْرُ مَخْلُوقٍ مَا احْتَجَّ بِهِ الْإِمَامُ أَحْمَد وَغَيْرُهُ مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ} . قَالُوا وَالْمَخْلُوقُ لَا يُسْتَعَاذُ بِهِ فَعُورِضُوا بِقَوْلِهِ {أَعُوذُ بِرِضَاك مِنْ سَخَطِك وَبِمُعَافَاتِك مِنْ عُقُوبَتِك وَبِك
(12/313)

مِنْك} فَطَرَدَ السَّلَفُ وَالْأَئِمَّةُ أَصْلَهُمْ وَقَالُوا مُعَافَاتُهُ فِعْلُهُ الْقَائِمُ بِهِ وَأَمَّا الْعَافِيَةُ الْمَوْجُودَةُ فِي النَّاسِ فَهِيَ مَفْعُولُهُ. وَكَذَلِكَ قَالُوا: إنَّ اللَّهَ خَالِقُ أَفْعَالِ الْعِبَادِ فَأَفْعَالُ الْعِبَادِ الْقَائِمَةُ بِهِمْ مُفَعْوِلَةٌ لَهُ لَا نَفْسُ فِعْلِهِ وَهِيَ نَفْسُ فِعْلِ الْعَبْدِ وَكَانَ حَقِيقَةُ قَوْلِ أُولَئِكَ نَفْيَ فِعْلِ الرَّبِّ وَنَفْيَ فِعْلِ الْعَبْدِ. فَتَسَلَّطَتْ عَلَيْهِمْ الْمُعْتَزِلَةُ فِي " مَسْأَلَةِ الْكَلَامِ وَالْقَدْرِ " تَسَلُّطًا بَيَّنُوا بِهِ تَنَاقُضَهُمْ كَمَا بَيَّنُوا هُمْ تَنَاقُضَ الْمُعْتَزِلَةِ. وَهَذَا أَعْظَمُ مَا يُسْتَفَادُ مِنْ أَقْوَالِ الْمُخْتَلِفِينَ الَّذِينَ أَقْوَالُهُمْ بَاطِلَةٌ فَإِنَّهُ يُسْتَفَادُ مِنْ قَوْلِ كُلِّ طَائِفَةٍ بَيَانُ فَسَادِ قَوْلِ الطَّائِفَةِ الْأُخْرَى فَيَعْرِفُ الطَّالِبُ فَسَادَ تِلْكَ الْأَقْوَالِ وَيَكُونُ ذَلِكَ دَاعِيًا لَهُ إلَى طَلَبِ الْحَقِّ وَلَا تَجِدُ الْحَقَّ إلَّا مُوَافِقًا لِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا تَجِدُ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ إلَّا مُوَافِقًا لِصَرِيحِ الْمَعْقُولِ فَيَكُونُ مِمَّنْ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ وَمِمَّنْ لَهُ قَلْبٌ يَعْقِلُ بِهِ وَأُذُنٌ يَسْمَعُ بِهَا بِخِلَافِ الَّذِينَ قَالُوا: {لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ} . وَقَدْ وَافَقَ الْكُلَّابِيَة عَلَى قَوْلِهِمْ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالتَّصَوُّفِ وَمِنْ أَهْلِ الْفِقْهِ الْمُنْتَسِبِينَ إلَى الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَلَيْسَ مِنْ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ
(12/314)

وَأَمْثَالِهِمْ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ مَنْ يَقُولُ بِقَوْلِهِمْ. وَحَدَثَ مَعَ الْكُلَّابِيَة وَنَحْوِهِمْ طَوَائِفُ أُخْرَى مَنْ الكَرَّامِيَة وَغَيْرِ الكَرَّامِيَة مِنْ أَهْلِ الْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ وَالْكَلَامِ فَقَالُوا: إنَّهُ سُبْحَانَهُ مُتَكَلِّمٌ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ كَلَامًا قَائِمًا بِذَاتِهِ وَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِحُرُوفِ وَأَصْوَاتٍ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ لِيَتَخَلَّصُوا بِذَلِكَ مِنْ بِدْعَتَيْ الْمُعْتَزِلَةِ والْكُلَّابِيَة؛ لَكِنْ قَالُوا إنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُمْكِنُهُ فِي الْأَزَلِ أَنْ يَتَكَلَّمَ؛ بَلْ صَارَ الْكَلَامُ مُمْكِنًا لَهُ بَعْدَ أَنْ كَانَ مُمْتَنِعًا عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ حُدُوثِ سَبَبٍ أَوْجَبَ إمْكَانَ الْكَلَامِ وَقُدْرَتَهُ عَلَيْهِ وَهَذَا الْقَوْلُ مِمَّا وَافَقَ الكَرَّامِيَة عَلَيْهِ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ وَالْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ؛ لَكِنْ لَيْسَ مِنْ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَنَحْوِهِمْ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ مَنْ نُقِلَ عَنْهُ مِثْلُ قَوْلِهِمْ. وَهَذَا مِمَّا شَارَكُوا فِيهِ الْجَهْمِيَّة وَالْمُعْتَزِلَةَ؛ فَإِنَّ هَؤُلَاءِ كُلَّهُمْ يَقُولُونَ: إنَّهُ لَمْ يَكُنْ الْكَلَامُ مُمْكِنًا لَهُ فِي الْأَزَلِ ثُمَّ صَارَ مُمْكِنًا لَهُ بَعْدَ أَنْ كَانَ مُمْتَنِعًا عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ حُدُوثِ سَبَبٍ أَوْجَبَ إمْكَانَهُ؛ لَكِنْ الْجَهْمِيَّة وَالْمُعْتَزِلَةَ يَقُولُونَ إنَّهُ خَلَقَ كَلَامًا فِي غَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقُومَ بِهِ كَلَامٌ؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَامَ بِهِ كَلَامٌ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ لَقَامَتْ بِهِ الْحَوَادِثُ قَالُوا: وَلَا تَقُومُ بِهِ الْحَوَادِثُ. قَالَتْ الْجَهْمِيَّة. وَالْمُعْتَزِلَةُ. لِأَنَّ الْحَوَادِثَ هِيَ مِنْ جُمْلَةِ الصِّفَاتِ الَّتِي يُسَمُّونَهَا الْأَعْرَاضَ. وَعِنْدَهُمْ لَا يَقُومُ بِهِ شَيْءٌ مِنْ الصِّفَاتِ قَالُوا لِأَنَّ الصِّفَاتِ أَعْرَاضٌ وَالْعَرَضُ لَا يَقُومُ إلَّا بِجِسْمِ وَلَيْسَ هُوَ بِجِسْمِ؛ لِأَنَّ الْجِسْمَ لَا يَخْلُو مِنْ الْحَوَادِثِ وَمَا لَا يَخْلُو مِنْ الْحَوَادِثِ فَهُوَ حَادِثٌ.
(12/315)

وَقَالَتْ الْكُلَّابِيَة: بَلْ تَقُومُ بِهِ الصِّفَاتُ وَلَا تَقُومُ بِهِ الْحَوَادِثُ وَنَحْنُ لَا نُسَمِّي الصِّفَاتِ أَعْرَاضًا؛ لِأَنَّ الْعَرَضَ عِنْدَنَا لَا يَبْقَى زَمَانَيْنِ وَصِفَاتُ اللَّهِ تَعَالَى بَاقِيَةٌ. وَقَالُوا: وَأَمَّا الْحَوَادِثُ فَلَوْ قَامَتْ بِهِ لَمْ يَخْلُ مِنْهَا؛ لِأَنَّ الْقَابِلَ لِلشَّيْءِ لَا يَخْلُو مِنْهُ وَمِنْ ضِدِّهِ وَمَا لَا يَخْلُو عَنْ الْحَوَادِثِ فَهُوَ حَادِثٌ. فَقَالَ الْجُمْهُورُ الْمُنَازِعُونَ لِلطَّائِفَتَيْنِ: أَمَّا قَوْلُ أُولَئِكَ: إنَّهُ لَا تَقُومُ بِهِ الصِّفَاتُ؛ لِأَنَّهَا أَعْرَاضٌ وَالْعَرَضُ لَا يَقُومُ إلَّا بِجِسْمِ وَلَيْسَ بِجِسْمِ فَتَسْمِيَةُ مَا يَقُومُ بِغَيْرِهِ عَرَضًا اصْطِلَاحٌ حَادِثٌ وَكَذَلِكَ تَسْمِيَةُ مَا يُشَارُ إلَيْهِ جِسْمًا اصْطِلَاحٌ حَادِثٌ أَيْضًا وَ " الْجِسْمُ " فِي لُغَةِ الْعَرَبِ هُوَ الْبَدَنُ وَهُوَ الْجَسَدُ كَمَا قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ مِنْهُمْ الْأَصْمَعِيُّ وَأَبُو عَمْرٍو فَلَفْظُ الْجِسْمِ يُشْبِهُ لَفْظَ الْجَسَدِ وَهُوَ الْغَلِيظُ الْكَثِيفُ. وَالْعَرَبُ تَقُولُ هَذَا جَسِيمٌ وَهَذَا أَجْسَمُ مِنْ هَذَا أَيْ أَغْلَظُ مِنْهُ. قَالَ تَعَالَى {وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ} وَقَالَ تَعَالَى {وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ} ثُمَّ قَدْ يُرَادُ بِالْجِسْمِ نَفْسُ الْغِلَظِ وَالْكَثَافَةِ وَيُرَادُ بِهِ الْغَلِيظُ الْكَثِيفُ. وَكَذَلِكَ النُّظَّارُ يُرِيدُونَ بِلَفْظِ " الْجِسْمِ " تَارَةً الْمِقْدَارَ وَقَدْ يُسَمُّونَهُ الْجِسْمَ التَّعْلِيمِيَّ وَتَارَةً يُرِيدُونَ بِهِ الشَّيْءَ الْمُقَدَّرَ وَهُوَ الْجِسْمِيُّ الطَّبِيعِيُّ وَالْمِقْدَارُ الْمُجَرَّدُ عَنْ الْمُقَدَّرِ كَالْعَدَدِ الْمُجَرَّدِ عَنْ الْمَعْدُودِ وَذَلِكَ لَا يُوجَدُ إلَّا
(12/316)

فِي الْأَذْهَانِ دُونَ الْأَعْيَانِ. وَكَذَلِكَ السَّطْحُ وَالْخَطُّ وَالنُّقْطَةُ الْمُجَرَّدَةُ عَنْ الْمَحَلِّ الَّذِي تَقُومُ بِهِ لَا يُوجَدُ إلَّا فِي الذِّهْنِ. قَالُوا وَإِذَا كَانَ هَذَا مَعْنَى الْجِسْمِ بِلُغَةِ الْعَرَبِ فَهُوَ أَخَصُّ مِنْ الْمُشَارِ إلَيْهِ فَإِنَّ الرُّوحَ الْقَائِمَةَ بِنَفْسِهَا لَا يُسَمُّونَهَا جِسْمًا بَلْ يَقُولُونَ خَرَجَتْ رُوحه مِنْ جِسْمِهِ وَيَقُولُونَ إنَّهُ جِسْمٌ وَرُوحٌ وَلَا يُسَمُّونَ الرُّوحَ جِسْمًا وَلَا النَّفَسَ الْخَارِجَ مِنْ الْإِنْسَانِ جِسْمًا لَكِنْ أَهْلُ الْكَلَامِ اصْطَلَحُوا عَلَى أَنَّ كُلَّ مَا يُشَارُ إلَيْهِ يُسَمَّى جِسْمًا كَمَا اصْطَلَحُوا عَلَى أَنَّ كُلَّ مَا يَقُومُ بِنَفْسِهِ يُسَمَّى جَوْهَرًا ثُمَّ تَنَازَعُوا فِي أَنَّ كُلَّ مَا يُشَارُ إلَيْهِ هَلْ هُوَ مُرَكَّبٌ مِنْ الْجَوَاهِرِ الْفَرْدَةِ أَوْ مِنْ الْمَادَّةِ وَالصُّورَةِ أَوْ لَيْسَ مُرَكَّبًا لَا مِنْ هَذَا وَلَا مِنْ هَذَا عَلَى أَقْوَالٍ ثَلَاثَةٍ قَدْ بُسِطَتْ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ؛ وَلِهَذَا كَانَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ يَقُولُونَ الْجِسْمُ عِنْدَنَا هُوَ الْقَائِمُ بِنَفْسِهِ أَوْ هُوَ الْمَوْجُودُ لَا الْمُرَكَّبُ. قَالَ أَهْلُ الْعِلْمِ وَالسُّنَّةِ فَإِذَا قَالَتْ الْجَهْمِيَّة وَغَيْرُهُمْ مِنْ نفاة الصِّفَاتِ: إنَّ الصِّفَاتِ لَا تَقُومُ إلَّا بِجِسْمِ وَاَللَّهُ تَعَالَى لَيْسَ بِجِسْمِ قِيلَ لَهُمْ: إنْ أَرَدْتُمْ بِالْجِسْمِ مَا هُوَ مُرَكَّبٌ مِنْ جَوَاهِرَ فَرْدَةٍ أَوْ مَا هُوَ مُرَكَّبٌ مِنْ الْمَادَّةِ وَالصُّورَةِ لَمْ نُسَلِّمْ لَكُمْ " الْمُقَدِّمَةَ الْأُولَى " وَهِيَ قَوْلُكُمْ: إنَّ الصِّفَاتِ لَا تَقُومُ إلَّا بِمَا هُوَ كَذَلِكَ قِيلَ لَكُمْ إنَّ الرَّبَّ تَعَالَى قَائِمٌ بِنَفْسِهِ وَالْعِبَادُ يَرْفَعُونَ أَيْدِيَهُمْ إلَيْهِ فِي الدُّعَاءِ وَيَقْصِدُونَهُ بِقُلُوبِهِمْ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْأَعْلَى سُبْحَانَهُ وَيَرَاهُ الْمُؤْمِنُونَ بِأَبْصَارِهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِيَانًا كَمَا يَرَوْنَ الْقَمَرَ لَيْلَةَ
(12/317)

الْبَدْرِ فَإِنْ قُلْتُمْ: إنَّ مَا هُوَ كَذَلِكَ فَهُوَ جِسْمٌ وَهُوَ مُحْدَثٌ - كَانَ هَذَا بِدْعَةً مُخَالِفَةً لِلُّغَةِ وَالشَّرْعِ وَالْعَقْلِ وَإِنْ قُلْتُمْ: نَحْنُ نُسَمِّي مَا هُوَ كَذَلِكَ جِسْمًا وَنَقُولُ إنَّهُ مُرَكَّبٌ قِيلَ تَسْمِيَتُكُمْ الَّتِي ابْتَدَعْتُمُوهَا هِيَ مِنْ الْأَسْمَاءِ الَّتِي مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ وَمَنْ عَمِدَ إلَى الْمَعَانِي الْمَعْلُومَةِ بِالشَّرْعِ وَالْعَقْلِ وَسَمَّاهَا بِأَسْمَاءِ مُنْكَرَةٍ لِيُنَفِّرَ النَّاسَ عَنْهَا قِيلَ لَهُ: النِّزَاعُ فِي الْمَعَانِي لَا فِي الْأَلْفَاظِ وَلَوْ كَانَتْ الْأَلْفَاظُ مُوَافَقَةً لِلُّغَةِ فَكَيْفَ إذَا كَانَتْ مِنْ ابْتِدَاعِهِمْ؟ وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمَعَانِيَ الَّتِي يُعْلَمُ ثُبُوتُهَا بِالشَّرْعِ وَالْعَقْلِ لَا تُدْفَعُ بِمِثْلِ هَذَا النِّزَاعِ اللَّفْظِيِّ الْبَاطِلِ. وَأَمَّا قَوْلُهُمْ إنَّ كُلَّ مَا كَانَ تَقُومُ بِهِ الصِّفَاتُ وَتُرْفَعُ الْأَيْدِي إلَيْهِ وَيُمْكِنُ أَنْ يَرَاهُ النَّاسُ بِأَبْصَارِهِمْ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مُرَكَّبًا مِنْ الْجَوَاهِرِ الْمُفْرَدَةِ أَوْ مِنْ الْمَادَّةِ وَالصُّورَةِ فَهَذَا مَمْنُوعٌ؛ بَلْ هُوَ بَاطِلٌ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُقَلَاءِ: مِنْ النُّظَّارِ وَالْفُقَهَاءِ وَغَيْرِهِمْ كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي مَوْضِعِهِ. قَالَ الْجُمْهُورُ: وَأَمَّا تَفْرِيقُ الْكُلَّابِيَة بَيْنَ الْمَعَانِي الَّتِي لَا تَتَعَلَّقُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ وَالْمَعَانِي الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ - الَّتِي تُسَمِّي الْحَوَادِثَ وَمِنْهُمْ مَنْ يُسَمِّي الصِّفَاتِ أَعْرَاضًا لِأَنَّ الْعَرَضَ لَا يَبْقَى زَمَانَيْنِ - فَيُقَالُ: قَوْلُ الْقَائِلِ: إنَّ الْعَرَضَ الَّذِي هُوَ السَّوَادُ وَالْبَيَاضُ وَالطُّولُ وَالْقِصَرُ وَنَحْوُ ذَلِكَ لَا يَبْقَى زَمَانَيْنِ قَوْلٌ مُحْدَثٌ فِي الْإِسْلَامِ لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ مِنْ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ وَهُوَ قَوْلٌ مُخَالِفٌ لِمَا عَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْعُقَلَاءِ مِنْ جَمِيعِ
(12/318)

الطَّوَائِفِ؛ بَلْ مِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ إنَّهُ مَعْلُومُ الْفَسَادِ بِالِاضْطِرَارِ كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ. وَأَمَّا تَسْمِيَةُ الْمُسَمِّي لِلصِّفَاتِ أَعْرَاضًا فَهَذَا أَمْرٌ اصْطِلَاحِيٌّ لِمَنْ قَالَهُ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ لَيْسَ هُوَ عُرْفَ أَهْلِ اللُّغَةِ وَلَا عُرْفَ سَائِر أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْحَقَائِقُ الْمَعْلُومَةُ بِالسَّمْعِ وَالْعَقْلِ لَا يُؤَثِّرُ فِيهَا اخْتِلَافُ الِاصْطِلَاحَاتِ بَلْ يُعَدُّ هَذَا مِنْ النِّزَاعَاتِ اللَّفْظِيَّةِ وَالنِّزَاعَاتُ اللَّفْظِيَّةُ أَصْوَبُهَا مَا وَافَقَ لُغَةَ الْقُرْآنِ وَالرَّسُولِ وَالسَّلَفِ فَمَا نَطَقَ بِهِ الرَّسُولُ وَالصَّحَابَةُ جَازَ النُّطْقُ بِهِ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ وَمَا لَمْ يَنْطِقُوا بِهِ فَفِيهِ نِزَاعٌ وَتَفْصِيلٌ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَهُ. وَأَمَّا قَوْلُ " الْكُلَّابِيَة " مَا يَقْبَلُ الْحَوَادِثَ لَا يَخْلُو مِنْهَا وَمَا لَمْ يَخْلُ مِنْ الْحَوَادِثِ فَهُوَ حَادِثٌ. فَقَدْ نَازَعَهُمْ جُمْهُورُ الْعُقَلَاءِ فِي كِلَا الْمُقَدِّمَتَيْنِ حَتَّى أَصْحَابُهُمْ الْمُتَأَخِّرُونَ نَازَعُوهُمْ فِي ذَلِكَ وَاعْتَرَفُوا بِبُطْلَانِ الْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ الَّتِي ذَكَرَهَا سَلَفُهُمْ عَلَى نَفْيِ حُلُولِ الْحَوَادِثِ بِهِ وَاعْتَرَفَ بِذَلِكَ الْمُتَأَخِّرُونَ مِنْ أَئِمَّةِ الْأَشْعَرِيَّةِ وَالشِّيعَةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ. وَحَدَثَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى مَنْ السالمية وَغَيْرِهِمْ - مِمَّنْ هُوَ مَنْ أَهْلِ الْكَلَامِ وَالْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ وَالتَّصَوُّفِ وَمِنْهُمْ كَثِيرٌ مِمَّنْ هُوَ يَنْتَسِبُ إلَى
(12/319)

مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ وَكَثُرَ هَذَا فِي بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ الْمُنْتَسِبِينَ إلَى أَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ - فَقَالُوا بِقَوْلِ الْمُعْتَزِلَة وَبِقَوْلِ الْكُلَّابِيَة: وَافَقُوا هَؤُلَاءِ فِي قَوْلِهِمْ إنَّهُ قَدِيمٌ وَوَافَقُوا أُولَئِكَ فِي قَوْلِهِمْ إنَّهُ حُرُوفٌ وَأَصْوَاتٌ وَأَحْدَثُوا قَوْلًا مُبْتَدَعًا - كَمَا أَحْدَثَ غَيْرُهُمْ - فَقَالُوا: الْقُرْآنُ قَدِيمٌ وَهُوَ حُرُوفٌ وَأَصْوَاتٌ قَدِيمَةٌ أَزَلِيَّةٌ لَازِمَةٌ لِنَفْسِ اللَّهِ تَعَالَى أَزَلًا وَأَبَدًا. وَاحْتَجُّوا عَلَى أَنَّهُ قَدِيمٌ بِحُجَجِ الْكُلَّابِيَة وَعَلَى أَنَّهُ حُرُوفٌ وَأَصْوَاتٌ بِحُجَجِ الْمُعْتَزِلَةِ. فَلَمَّا قِيلَ لَهُمْ: الْحُرُوفُ مَسْبُوقَةٌ بَعْضُهَا بِبَعْضِ فَالْبَاءُ قَبْلَ السِّينِ وَالسِّينُ قَبْلَ الْمِيمِ وَالْقَدِيمُ لَا يُسْبَقُ بِغَيْرِهِ وَالصَّوْتُ لَا يُتَصَوَّرُ بَقَاؤُهُ فَضْلًا عَنْ قِدَمِهِ قَالُوا: الْكَلَامُ لَهُ وُجُودٌ وَمَاهِيَّةٌ كَقَوْلِ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الْوُجُودِ وَالْمَاهِيَّةِ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ. قَالُوا: وَالْكَلَامُ لَهُ تَرْتِيبٌ فِي وُجُودِهِ وَتَرْتِيبٌ مَاهِيَّةٌ الْبَاءُ لِلسِّينِ بِالزَّمَانِ هِيَ فِي وُجُودِهِ وَهِيَ مُقَارِنَةٌ لَهَا فِي مَاهِيَّتِهَا لَمْ تَتَقَدَّمْ عَلَيْهَا بِالزَّمَانِ وَإِنْ كَانَتْ مُتَقَدِّمَةً بِالْمَرْتَبَةِ كَتَقَدُّمِ بَعْضِ الْحُرُوفِ الْمَكْتُوبَةِ عَلَى بَعْضٍ. فَإِنَّ الْكَاتِبَ قَدْ يُكْتَبُ آخِرُ الْمُصْحَفِ قَبْلَ أَوَّلِهِ وَمَعَ هَذَا فَإِذَا كَتَبَهُ كَانَ أَوَّلُهُ مُتَقَدِّمًا بِالْمَرْتَبَةِ عَلَى آخِرِهِ. فَقَالَ لَهُمْ جُمْهُورُ الْعُقَلَاءِ هَذَا مِمَّا يُعْلَمُ فَسَادُهُ بِالِاضْطِرَارِ؛ فَإِنَّ الصَّوْتَ لَا يُتَصَوَّرُ بَقَاؤُهُ وَدَعْوَى وُجُودِ مَاهِيَّةِ غَيْرِ الْمَوْجُودِ فِي الْخَارِجِ دَعْوَى
(12/320)

فَاسِدَةٌ كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ وَالتَّرْتِيبُ الَّذِي فِي الْمُصْحَفِ هُوَ تَرْتِيبٌ لِلْحُرُوفِ الْمِدَادِيَّةِ وَالْمِدَادُ أَجْسَامٌ فَهُوَ كَتَرْتِيبِ الدَّارِ وَالْإِنْسَانِ وَهَذَا أَمْرٌ يُوجَدُ الْجُزْءُ الْأَوَّلُ مِنْهُ مَعَ الثَّانِي بِخِلَافِ الصَّوْتِ فَإِنَّهُ لَا يُوجَدُ الْجُزْءُ الثَّانِيَ مِنْهُ حَتَّى يُعْدَمَ الْأَوَّلُ كَالْحَرَكَةِ فَقِيَاسُ هَذَا بِهَذَا قِيَاسٌ بَاطِلٌ وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يُطْلِقُ لَفْظَ الْقَدِيمِ وَلَا يَتَصَوَّرُ مَعْنَاهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ يَعْنِي بِالْقَدِيمِ إنَّهُ بَدَأَ مِنْ اللَّهِ وَإِنَّهُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ وَهَذَا الْمَعْنَى صَحِيحٌ؛ لَكِنَّ الَّذِينَ نَازَعُوا هَلْ هُوَ قَدِيمٌ أَوْ لَيْسَ بِقَدِيمِ لَمْ يَعْنُوا هَذَا الْمَعْنَى فَمَنْ قَالَ لَهُمْ: إنَّهُ قَدِيمٌ وَأَرَادَ هَذَا الْمَعْنَى قَدْ أَرَادَ مَعْنًى صَحِيحًا لَكِنَّهُ جَاهِلٌ بِمَقَاصِدِ النَّاسِ مُضِلٌّ لِمَنْ خَاطَبَهُ بِهَذَا الْكَلَامِ مُبْتَدِعٌ فِي الشَّرْعِ وَاللُّغَةِ. ثُمَّ كَثِيرٌ مِنْ هَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: إنَّ الْحُرُوفَ الْقَدِيمَةَ وَالْأَصْوَاتَ لَيْسَتْ هِيَ الْأَصْوَاتَ الْمَسْمُوعَةَ مِنْ الْقُرَّاءِ وَلَا الْمِدَادَ الَّذِي فِي الْمُصْحَفِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ بَلْ الْأَصْوَاتُ الْمَسْمُوعَةُ مِنْ الْقُرَّاءِ هُوَ الصَّوْتُ الْقَدِيمُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ بَلْ يُسْمَعُ مِنْ الْقَارِئِ شَيْئَانِ: الصَّوْتُ الْقَدِيمُ وَهُوَ مَا لَا بُدَّ مِنْهُ فِي وُجُودِ الْكَلَامِ. وَالصَّوْتُ الْمُحْدَثُ وَهُوَ مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ الْمِدَادُ الَّذِي فِي الْمُصْحَفِ مَخْلُوقٌ؛ لَكِنَّ الْحُرُوفَ الْقَدِيمَةَ لَيْسَتْ هِيَ الْمِدَادَ؛ بَلْ الْأَشْكَالُ وَالْمَقَادِيرُ الَّتِي تَظْهَرُ بِالْمِدَادِ وَقَدْ تُنْقَشُ فِي حَجَرٍ وَقَدْ تُخْرَقُ فِي وَرَقٍ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْنَعُ أَنْ يُقَالَ فِي الْمِدَادِ إنَّهُ قَدِيمٌ أَوْ
(12/321)

مَخْلُوقٌ وَقَدْ يَقُولُ لَا أَمْنَعُ عَنْ ذَلِكَ بَلْ أَعْلَمُ أَنَّهُ مَخْلُوقٌ لَكِنْ أَسَدُّ بَابَ الْخَوْضِ فِي هَذَا وَهُوَ مَعَ هَذَا يَهْجُرُ مَنْ يَتَكَلَّمُ بِالْحَقِّ وَمَنْ يُبَيِّنُ الصَّوَابَ الْمُوَافِقَ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ سَلَفِ الْأُمَّةِ مَعَ مُوَافَقَتِهِ لِصَرِيحِ الْمَعْقُولِ وَمَعَ دَفْعِهِ لِلشَّنَاعَاتِ الَّتِي يُشَنِّعُ بِهَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ. وَخَوْضُ النَّاسِ وَتَنَازُعُهُمْ فِي هَذَا الْبَابِ كَثِيرٌ قَدْ بَسَطْنَاهُ فِي مَوَاضِعَ. وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ هُنَا ذِكْرُ قَوْلٍ مُخْتَصَرٍ جَامِعٍ يُبَيِّنُ الْأَقْوَالَ السَّدِيدَةَ الَّتِي دَلَّ عَلَيْهَا الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَكَانَ عَلَيْهَا سَلَفُ الْأُمَّةِ فِي مَسْأَلَةِ الْكَلَامِ الَّتِي حَيَّرَتْ عُقُولَ الْأَنَامِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(12/322)

سُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ مُفْتِي الْأَنَامِ تَقِيُّ الدِّينِ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَد بْنُ تَيْمِيَّة:
عَنْ قَوْمٍ يَقُولُونَ: كَلَامُ النَّاسِ وَغَيْرِهِمْ قَدِيمٌ - سَوَاءٌ كَانَ صِدْقًا أَوْ كَذِبًا فُحْشًا أَوْ غَيْرَ فُحْشٍ نَظْمًا أَوْ نَثْرًا - وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَلَامِ اللَّهِ وَكَلَامِهِمْ فِي الْقِدَمِ إلَّا مِنْ جِهَةِ الثَّوَابِ. وَقَالَ قَوْمٌ مِنْهُمْ - بَلْ أَكْثَرُهُمْ -: أَصْوَاتُ الْحَمِيرِ وَالْكِلَابِ كَذَلِكَ وَلَمَّا قُرِئَ عَلَيْهِمْ مَا نُقِلَ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَد رَدًّا عَلَى قَوْلِهِمْ تَأَوَّلُوا ذَلِكَ وَقَالُوا: بِأَنَّ أَحْمَد إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ خَوْفًا مِنْ النَّاسِ فَهَلْ هَؤُلَاءِ مُصِيبُونَ أَوْ مُخْطِئُونَ؟ وَهَلْ عَلَى وَلِيِّ الْأَمْرِ وَفَّقَهُ اللَّهُ تَعَالَى زَجْرُهُمْ عَنْ ذَلِكَ أَمْ لَا؟ وَهَلْ يَكْفُرُونَ بِالْإِصْرَارِ عَلَى ذَلِكَ أَمْ لَا؟ وَهَلْ الَّذِي نُقِلَ عَنْ أَحْمَد حُقٌّ كَمَا زَعَمُوا أَمْ لَا؟.
فَأَجَابَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -:
الْحَمْدُ لِلَّهِ، بَلْ هَؤُلَاءِ مُخْطِئُونَ فِي ذَلِكَ خَطَأً مُحَرَّمًا بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ وَقَدْ قَالُوا مُنْكِرًا مِنْ الْقَوْلِ وَزُورًا؛ بَلْ كُفْرًا وَمُحَالًا يَجِبُ نَهْيُهُمْ عَنْهُ وَيَجِبُ عَلَى وُلَاةِ الْأُمُورِ عُقُوبَةُ مَنْ لَمْ يَنْتَهِ مِنْهُمْ عَنْ ذَلِكَ جَزَاءً بِمَا
(12/323)

كَسَبُوا نَكَالًا مِنْ اللَّهِ؛ فَإِنَّ هَذَا الْقَوْلَ مُخَالِفٌ لِلْعَقْلِ وَالدِّينِ مُنَاقِضٌ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الْمُؤْمِنِينَ وَهِيَ " بِدْعَةٌ شَنِيعَةٌ " لَمْ يَقُلْهَا أَحَدٌ قَطُّ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ: لَا عُلَمَاءُ السُّنَّةِ وَلَا عُلَمَاءُ الْبِدْعَةِ وَلَا يَقُولُهَا عَاقِلٌ يَفْهَمُ مَا يَقُولُ؛ وَلَكِنْ عَرَضَ لِمَنْ قَالَهَا شُبْهَةٌ وَنَحْنُ نُبَيِّنُهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَلَا يُحْتَاجُ فِي مِثْلِ هَذَا الْكَلَامِ الَّذِي فَسَادُهُ مَعْلُومٌ ببداءة الْعُقُولِ أَنْ يُحْتَجَّ لَهُ بِنَقْلِ عَنْ إمَامٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ إلَّا مِنْ جِهَةِ بَيَانِ أَنَّ رَدَّهُ وَإِنْكَارَهُ مَنْقُولٌ عَنْ الْأَئِمَّةِ وَأَنَّ قَائِلَهُ مُخَالِفٌ لِلْأُمَّةِ مُبْتَدِعٌ فِي الدِّينِ؛ وَلِتَزُولَ بِذَلِكَ شُبْهَةُ مَنْ يَتَوَهَّمُ أَنَّ قَوْلَهُمْ مِنْ لَوَازِمَ قَوْلِ أَحَدٍ مِنْ السَّلَفِ وَيَعْلَمُ أَنَّهُمْ مُخَالِفُونَ لِمَذَاهِبِ الْأَئِمَّةِ الْمُقْتَدَى بِهِمْ الْمُعَظَّمِينَ؛ وَلِيَتَبَيَّنَ أَنَّ نَقِيضَ قَوْلِهِمْ مَنْصُوصٌ عَنْ الْأَئِمَّةِ الْمُتَّبَعِينَ فِي السُّنَّةِ وَلَيْسَ ذَلِكَ مِمَّا سَكَتُوا عَنْهُ نَفْيًا وَإِثْبَاتًا. وَأَنَّهُ لَا رَيْبَ أَنَّ الْإِمَامَ أَحْمَد بْنَ حَنْبَلٍ وَمَنْ قَبْلَهُ وَبَعْدَهُ مِنْ الْأَئِمَّةِ نَصُّوا عَلَى أَنَّ كَلَامَ الْآدَمِيِّينَ مَخْلُوقٌ - نَصًّا مُطْلَقًا - بَلْ نَصَّ أَحْمَد وَكَثِيرٌ مِنْ الْأَئِمَّةِ عَلَى " أَفْعَالِ الْعِبَادِ " عُمُومًا وَعَلَى " كَلَامِ الْآدَمِيِّينَ " خُصُوصًا وَلَمْ يَمْتَنِعُوا عَنْ هَذَا الْإِطْلَاقِ لِأَجْلِ الشُّبْهَةِ الَّتِي عَرَضَتْ لِهَؤُلَاءِ الْمُبْتَدِعَةِ الْمُخَالِفِينَ حَتَّى لَا يَقُولَ قَائِلٌ مِنْهُمْ أَوْ مِنْ غَيْرِهِمْ: إنَّهُ لَا يُقَالُ مَخْلُوقٌ وَلَا غَيْرُ مَخْلُوقٍ لِأَجْلِ شُبْهَتِهِمْ أَوْ لِكَوْنِ الْكَلَامِ فِي
(12/324)

ذَلِكَ بِدْعَةً بَلْ الْقَوْلُ بِأَنَّ كَلَامَ الْآدَمِيِّينَ مَخْلُوقٌ غَيْرُ قَدِيمٍ مَنْصُوصٌ عَنْ الْأَئِمَّةِ الْمُتَّفَقِ عَلَى إمَامَتِهِمْ فِي الدِّينِ وَالسُّنَّةِ. فَمِنْهُمْ مَنْ نَصَّ عَلَيْهِ لَمَّا تَكَلَّمَ فِي " مَسَائِلِ الْقَدَرِ " وَ " خَلْقِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ " وَمِنْهُمْ مَنْ نَصَّ عَلَيْهِ لَمَّا تَكَلَّمَ فِي " مَسْأَلَةِ تِلَاوَةِ الْعِبَادِ لِلْقُرْآنِ وَاللَّفْظِ بِهِ " وَمِنْهُمْ مَنْ نَصَّ عَلَيْهِ مُحْتَجًّا بِهِ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ كَلَامِ الْخَالِقِ وَكَلَامِ الْمَخْلُوقِ. فَرَوَى أَبُو بَكْرٍ أَحْمَد بْنُ هَارُونَ الْخَلَّالُ - وَهُوَ الَّذِي جَمَعَ نُصُوصَ أَحْمَد فِي أُصُولِ الدِّينِ وَأُصُولِ الْفِقْهِ وَفِي أَبْوَابِ الْفِقْهِ كُلِّهَا وَفِي الْآدَابِ وَالْأَخْلَاقِ وَالزُّهْدِ وَالرَّقَائِقِ وَفِي عِلَلِ الْحَدِيثِ وَفِي التَّارِيخِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ عُلُومِ الْإِسْلَامِ. رُوِيَ - فِي " كِتَابِ السُّنَّةِ " فِي الْكَلَامِ عَلَى اللَّفْظِيَّةِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ ابْنِ زنجويه قَالَ: سَمِعْت أَحْمَد بْنَ حَنْبَلٍ يَقُولُ: مَنْ قَالَ لَفْظِي بِالْقُرْآنِ مَخْلُوقٌ فَهُوَ جهمي وَمَنْ قَالَ غَيْرُ مَخْلُوقٍ فَهُوَ مُبْتَدِعٌ لَا يُكَلَّمُ. قَالَ الْخَلَّالُ: وَأَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُد السجستاني قَالَ: سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَتَكَلَّمُ فِي " اللَّفْظِيَّةِ " وَيُنْكِرُ عَلَيْهِمْ كَلَامَهُمْ وَسَمِعْت إسْحَاقَ بْنَ رَاهَوَيْه ذَكَرَ " اللَّفْظِيَّةَ " وَبِدَعَهُمْ وَقَالَ الْخَلَّالُ: سَمِعْت ابْنَ صَدَقَةَ قَالَ سَمِعْت يَحْيَى بْنَ حَبِيبِ بْنِ عَرَبِيٍّ قَالَ سَمِعْت رَجُلًا سَأَلَ مُعْتَمِرَ بْنَ سُلَيْمَانَ أَنَّ لَنَا
(12/325)

إمَامًا قَدَرِيًّا أُصَلِّي خَلْفَهُ قَالَ: مَنْ زَعَمَ أَنَّ لَفْظَهُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ بِمَنْزِلَةِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ سَمَاءَ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ قَالَ الْخَلَّالُ: وَأَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرٍ الْمَرْوَزِي حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الأزدي حَدَّثَنِي مُسَدَّدُ قَالَ: كُنْت عِنْدَ يَحْيَى الْقَطَّانِ وَجَاءَ يَحْيَى بْنُ إسْحَاقَ بْنِ تَوْبَةَ الْعَنْبَرِيُّ فَقَالَ لَهُ يَحْيَى حَدِّثْ هَذَا يَعْنِي مُسَدَّدًا كَيْفَ قَالَ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ فِيهَا؟ - أَيْ " مَسْأَلَتِنَا " - فَقَالَ سَأَلْت حَمَّادَ بْنَ زَيْدٍ عَمَّنْ قَالَ: كَلَامُ النَّاسِ لَيْسَ بِمَخْلُوقِ فَقَالَ هَذَا كَلَامُ أَهْلِ الْكُفْرِ وَقَالَ يَحْيَى بْنُ إسْحَاقَ سَأَلْت مُعْتَمِرَ بْنَ سُلَيْمَانَ عَمَّنْ قَالَ كَلَامُ النَّاسِ لَيْسَ بِمَخْلُوقِ فَقَالَ هَذَا كُفْرٌ. فَهَذِهِ الْآثَارُ وَنَحْوُهَا مِمَّا اعْتَمَدَ عَلَيْهَا الْمَشْهُورُونَ بِالسُّنَّةِ كالمروذي وَالْخَلَّالِ وَغَيْرِهِمَا وَكَذَلِكَ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ابْنُ بَطَّةَ يَعْتَمِدُ فِي كِتَابِهِ " الْإِبَانَةِ الْكَبِيرِ " عَلَى هَذِهِ الْآثَارِ وَنَحْوِهِمَا. قُلْت: حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ أَحَدُ الْأَئِمَّةِ الْأَعْلَامِ فِي السُّنَّةِ فِي طَبَقَةِ مَالِكٍ وَالثَّوْرِيِّ وَالْأَوْزَاعِي وَحَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ فِي الزَّمَانِ وَالْإِمَامَةِ بَلْ هُوَ عِنْدَ عُلَمَاءِ السُّنَّةِ أَقْعَدُ بِالسُّنَّةِ مِنْ الثَّوْرِيِّ وَإِنْ كَانَ الثَّوْرِيُّ أَكْثَرُ عِلْمًا مِنْهُ وَزُهْدًا وَعِنْدَ عُلَمَاءِ الْحَدِيثِ أَحْفَظُ لِلْحَدِيثِ مِنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ وَإِنْ كَانَ حَمَّادُ أَشْهَرَ بِالزُّهْدِ وَأَكْثَرَ دُعَاءً إلَى السُّنَّةِ وَهُوَ إمَامُ الْبَصْرَةِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ الَّذِي كَانَتْ الْبَصْرَةُ فِيهِ مَجْمَعَ عِلْمِ الْإِسْلَامِ وَكَانَ عُلَمَاءُ الْأُمَّةِ وَوَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ وَخُلَفَاءُ الرُّسُلِ فِي ذَلِكَ الْعَصْرِ
(12/326)

الَّذِي هُوَ عَصْرُ تَابِعِي التَّابِعِينَ هَؤُلَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَنَحْوِهِمْ وَهُمْ مِنْ الْقَرْنِ الثَّالِثِ الْمَمْدُوحِ. وَالْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ " أَحَدُ الْأَئِمَّةِ الْأَعْلَامِ أَيْضًا وَهُوَ دُونَ حَمَّادِ ابْنِ زَيْدٍ وَقَدْ أَدْرَكَهُ الْإِمَامُ أَحْمَد وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْه وَغَيْرُهُمَا وَهُوَ أَحَدُ شُيُوخِ الْإِمَامِ أَحْمَد وَأَمَّا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ " فَفَاتَ الْإِمَامَ أَحْمَد فَقَالَ: فَاتَنِي حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ فَعَوَّضَنِي اللَّهُ بِإِسْمَاعِيلَ بْنَ عُلَيَّةَ وَفَاتَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ فَعَوَّضَنِي اللَّهُ سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَة. وَأَمَّا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ " فَهُوَ أَحَدُ عُلَمَاءِ السُّنَّةِ وَهُوَ إمَامُ أَهْلِ الْحَدِيثِ فِي مَعْرِفَةِ صِحَّتِهِ وَعِلَلِهِ وَرِجَالِهِ وَضَبْطِهِ حَتَّى قَالَ أَحْمَد: مَا رَأَيْت بِعَيْنِي مِثْلَهُ يَعْنِي فِي ذَلِكَ الْفَنِّ وَعَنْهُ أَخَذَ ذَلِكَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ وَعَنْ عَلِيٍّ أَخَذَ ذَلِكَ الْبُخَارِيُّ صَاحِبُ الصَّحِيحِ وَقَدْ ذَكَرَ التِّرْمِذِيُّ أَنَّهُ لَمْ يَرَ فِي مَعْرِفَةِ عِلَلِ الْحَدِيثِ مِثْلَ مُحَمَّدِ بْنِ إسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيِّ. وَهَؤُلَاءِ الْعُلَمَاءُ الْأَئِمَّةُ أَنْكَرُوا عَلَى مَنْ قَالَ كَلَامُ الْآدَمِيِّينَ وَلَفْظُهُمْ غَيْرُ مَخْلُوقٍ لَمَّا نَبَغَتْ " الْقَدَرِيَّةُ " الْمُبْتَدِعَةُ وَزَعَمُوا أَنَّ أَفْعَالَ الْعِبَادِ غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ لِلَّهِ: لَا أَقْوَالُهُمْ وَلَا سَائِر أَعْمَالِهِمْ: لَا خَيْرُهَا وَلَا شَرُّهَا؛ بَلْ يَقُولُونَ: هِيَ مُحْدَثَةٌ أَحْدَثَهَا الْعَبْدُ وَلَيْسَتْ مَخْلُوقَةً لِأَحَدِ أَوْ يَقُولُونَ: الْعَبْدُ خَلَقَهَا كَمَا أَنَّهُ أَحْدَثَهَا؛ فَإِنَّهُمْ قَدْ يَتَنَازَعُونَ فِي إثْبَاتِ
(12/327)

خَلْقٍ لِغَيْرِ اللَّهِ وَمَعَ هَذَا فَلَمْ يَكُنْ بَيْنَ الْأُمَّةِ نِزَاعٌ فِي أَنَّهَا مُحْدَثَةٌ كَائِنَةٌ بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُنْ وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ: إنَّهَا قَدِيمَةٌ؛ وَلَكِنَّ " الْقَدَرِيَّةَ " مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ اعْتَقَدُوا أَنَّ الْأَفْعَالَ الِاخْتِيَارِيَّةَ وَمَا يَتَوَلَّدُ عَنْهَا مِنْ أَفْعَالِ الْمَلَائِكَةِ وَالْجِنِّ وَالْإِنْسِ - الطَّاعَاتِ وَالْمَعَاصِي - لَمْ يَخْلُقْهَا اللَّهُ. قَالُوا: لِأَنَّهُ لَوْ خَلَقَهَا لَلَزِمَ أَنْ يَكُونَ الْعَبْدُ مَجْبُورًا وَأَنْ يَرْتَفِعَ التَّكْلِيفُ وَالْوَعْدُ وَالْوَعِيدُ وَالثَّوَابُ وَالْعِقَابُ؛ وَلِأَنَّ الْعَبْدَ يَعْلَمُ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي يُحْدِثُ أَفْعَالَهُ عِلْمًا ضَرُورِيًّا وَعَلَّلُوا ذَلِكَ بِأَدِلَّةِ نَظَرِيَّةٍ. فَلَمَّا ابْتَدَعُوا هَذِهِ " الْمَقَالَةَ " أَنْكَرَهَا أَئِمَّةُ السُّنَّةِ كَمَا أَنْكَرَ الصَّحَابَةُ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَوَّلَ هَذِهِ الْبِدْعَةِ لَمَّا نَبَغَتْ الْقَدَرِيَّةُ فِي أَوَاخِرِ عَصْرِ الصَّحَابَةِ فَرَدَّ عَلَيْهِمْ ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَوَاثِلَةُ بْنُ الْأَسْقَعِ وَغَيْرُهُمْ مِنْ الصَّحَابَةِ. وَبَيْنَ الْأَئِمَّةِ أَنَّ مَنْ جَعَلَ شَيْئًا مِنْ الْمُحْدَثَاتِ كَأَفْعَالِ الْعِبَادِ وَغَيْرِهَا لَيْسَ مَخْلُوقًا لِلَّهِ فَهُوَ مِثْلُ مَنْ أَنْكَرَ خَلْقَ اللَّهِ لِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمُحْدَثَاتِ كَالسَّمَاءِ وَالْأَرْضِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ رَبُّ الْعَالَمِينَ وَمَالِكُ الْمُلْكِ وَخَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْ الْعَالَمِينَ خَارِجًا عَنْ رُبُوبِيَّتِهِ وَلَا شَيْءٌ مِنْ الْمُلْكِ خَارِجًا عَنْ مُلْكِهِ وَلَا شَيْءٌ مِنْ الْمُحْدَثَاتِ خَارِجًا عَنْ خَلْقِهِ قَالَ تَعَالَى: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} {لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} وَقَالَ تَعَالَى: {أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ
(12/328)

الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} وَقَالَ تَعَالَى: {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} {ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إلَهَ إلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ} وَقَالَ تَعَالَى: {ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَا إلَهَ إلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ} وَقَالَ تَعَالَى: {الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا} وَقَالَ تَعَالَى: {إنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} وَقَالَ تَعَالَى: {أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} {وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ} {وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ} {أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ} وَلِهَذَا كَانَ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ وَالْحَدِيثِ هُمْ الْمُتَّبِعِينَ كِتَابَ اللَّهِ الْمُعْتَقِدِينَ لِمُوجَبِ هَذِهِ النُّصُوصِ حَيْثُ جَعَلُوا كُلَّ مُحْدَثٍ مِنْ الْأَعْيَانِ وَالصِّفَاتِ وَالْأَفْعَالِ الْمُبَاشِرَةِ وَالْمُتَوَلِّدَةِ وَكُلَّ حَرَكَةٍ طَبْعِيَّةٍ أَوْ إرَادِيَّةٍ أَوْ قَسْرِيَّةٍ فَإِنَّ اللَّهَ خَالِقُ كُلِّ ذَلِكَ جَمِيعَهُ وَرَبُّهُ وَمَالِكُهُ وَمَلِيكُهُ وَوَكِيلٌ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَبِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ فَآمَنُوا بِعِلْمِهِ الْمُحِيطِ وَقُدْرَتِهِ الْكَامِلَةِ وَمَشِيئَتِهِ الشَّامِلَةِ وَرُبُوبِيَّتِهِ التَّامَّةِ؛ وَلِهَذَا
(12/329)

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْإِيمَانُ بِالْقَدَرِ نِظَامُ التَّوْحِيدِ فَمَنْ وَحَّدَ اللَّهَ وَآمَنَ بِالْقَدَرِ تَمَّ تَوْحِيدُهُ وَمَنْ وَحَّدَ اللَّهَ وَكَذَّبَ بِالْقَدَرِ نَقَضَ تَكْذِيبَهُ تَوْحِيدَهُ.
وَأَمَّا صِفَةُ اللَّهِ تَعَالَى فَهِيَ دَاخِلَةٌ فِي مُسَمَّى أَسْمَائِهِ الظَّاهِرَةِ وَالْمُضْمَرَةِ فَإِذَا قُلْت: عَبَدْت اللَّهَ وَدَعَوْت اللَّهَ و {إيَّاكَ نَعْبُدُ} فَهَذَا الِاسْمُ لَا يَخْرُجُ عَنْهُ شَيْءٌ مِنْ صِفَاتِهِ مِنْ عِلْمِهِ وَرَحْمَتِهِ وَكَلَامِهِ وَسَائِر صِفَاتِهِ؛ وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {: مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاَللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ} وَقَالَ: {مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ أَشْرَكَ} وَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُ: " الْحَلِفُ بِعِزَّةِ اللَّهِ " وَالْحِلْفُ بِقَوْلِهِ: " لَعَمْرُ اللَّهِ " فَعُلِمَ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ حَلِفًا بِغَيْرِ اللَّهِ فَأَعْطَوْا هَذِهِ الْآيَاتِ الْمَنْصُوصَةَ حَقَّهَا فِي اتِّبَاعِ عُمُومِهَا الَّذِي قَدْ صَرَّحَتْ بِهِ فِي أَنَّ اللَّهَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ؛ إذْ قَدْ عُلِمَ أَنَّ اللَّهَ لَيْسَ هُوَ دَاخِلًا فِي الْمَخْلُوقِ وَعُلِمَ أَنَّ صِفَاتِهِ لَيْسَتْ خَارِجَةً عَنْ مُسَمَّى اسْمِهِ. وَأَمَّا " الْمُعْتَزِلَةُ " الَّذِينَ جَمَعُوا التَّجَهُّمَ وَالْقَدَرَ فَأَخْرَجُوا عَنْهَا مَا يَتَنَاوَلُهُ الِاسْمُ يَقِينًا مِنْ أَفْعَالِ الْمَلَائِكَةِ وَالْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالْبَهَائِمِ: طَاعَاتُهَا وَغَيْرُ طَاعَاتِهَا وَذَلِكَ قِسْطٌ كَبِيرٌ مِنْ مُلْكِ اللَّهِ وَآيَاتِهِ؛ بَلْ هِيَ مِنْ مَحَاسِنِ مُلْكِهِ وَأَعْظَمِ آيَاتِهِ وَمَخْلُوقَاتِهِ وَأَدْخَلُوا فِي ذَلِكَ كَلَامَهُ لِكَوْنِهِ يُسَمَّى " شَيْئًا " فِي مِثْلِ قَوْلِهِ: {إذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى} وَلَمْ يَنْظُرُوا فِي أَنَّ ذَلِكَ مِثْلَ تَسْمِيَةِ عَلِمَهُ " شَيْئًا " فِي قَوْلِهِ: {وَلَا يُحِيطُونَ
(12/330)

بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إلَّا بِمَا شَاءَ} وَتَسْمِيَةِ نَفْسِهِ شَيْئًا فِي قَوْلِهِ: {قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ} وَأَنَّ قَوْلَهُ: {كُلِّ شَيْءٍ} يَعُمُّ بِحَسَبِ مَا اتَّصَلَ بِهِ مِنْ الْكَلَامِ. فَإِنَّ الِاسْمَ تَتَنَوَّعُ دَلَالَتُهُ بِحَسَبِ قُيُودِهِ. فَفِي قَوْلِهِ: {وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} دَخَلَ فِي ذَلِكَ نَفْسُهُ لِأَنَّهَا تَصْلُحُ أَنْ تُعْلَمَ وَفِي قَوْلِهِ: {وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} دَخَلَ فِي ذَلِكَ مَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مَقْدُورًا وَذَلِكَ يَتَنَاوَلُ كُلَّ مَا كَانَتْ ذَاتُهُ مُمْكِنَةَ الْوُجُودِ وَقَدْ يُقَالُ: دَخَلَ فِي ذَلِكَ كُلُّ مَا يُسَمَّى شَيْئًا بِمَعْنَى " مَشِيئًا " فَإِنَّ " الشَّيْءَ " فِي الْأَصْلِ مَصْدَرٌ وَهُوَ بِمَعْنَى الْمَشِيءِ فَكُلُّ مَا يَصْلُحُ أَنْ يُشَاءَ فَهُوَ عَلَيْهِ قَدِيرٌ وَإِنْ شِئْت قُلْت: قَدِيرٌ عَلَى كُلِّ مَا يَصْلُحُ أَنْ يُقْدَرَ عَلَيْهِ وَالْمُمْتَنِعُ لِذَاتِهِ لَيْسَ شَيْئًا بِاتِّفَاقِ الْعُقَلَاءِ. وَفِي قَوْلِهِ: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} قَدْ عُلِمَ أَنَّ الْخَالِقَ لَيْسَ هُوَ الْمَخْلُوقَ وَأَنَّهُ لَا يَتَنَاوَلُهُ الِاسْمُ وَإِنَّمَا دَخَلَ فِيهِ كُلُّ شَيْءٍ مَخْلُوقٍ: وَهِيَ الْحَادِثَاتُ جَمِيعُهَا. هَذَا مَعَ أَنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ يَقُولُونَ إنَّ الْعَبْدَ لَهُ مَشِيئَةٌ وَقُدْرَةٌ وَإِرَادَةٌ وَهُوَ فَاعِلٌ لِفِعْلِهِ حَقِيقَةً وَيَنْهَوْنَ عَنْ إطْلَاقِ " الْجَبْرِ " فَإِنَّ لَفْظَ " الْجَبْرِ " يُشْعِرُ أَنَّ اللَّهَ أَجْبَرَ الْعَبْدَ عَلَى خِلَافِ مُرَادِ الْعَبْد كَمَا تُجْبَرُ الْمَرْأَةُ عَلَى النِّكَاحِ؛ وَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ بَلْ الْعَبْدُ مُخْتَارٌ يَفْعَلُ بِاخْتِيَارِهِ وَمَشِيئَتِهِ وَرِضَاهُ وَمَحَبَّتِهِ لَيْسَ مَجْبُورًا عَدِيمَ الْإِرَادَةِ وَاَللَّهُ خَالِقُ هَذَا
(12/331)

كُلَّهُ؛ فَإِنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ مِنْ الْمُحْدَثَاتِ الْمُمْكِنَاتِ فَالدَّلَالَةُ عَلَى أَنَّ اللَّهَ خَالِقُهَا كَالدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّهُ خَالِقُ غَيْرِهَا مِنْ الْمُحْدَثَاتِ وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ الْكَلَامِ عَلَى هَذَا فَإِنَّ ذَلِكَ لَهُ مَوْضِعٌ آخَرُ. وَإِنَّمَا الْغَرَضُ هُنَا أَنَّ الْأَئِمَّةَ رَدُّوا عَلَى مَنْ جَعَلَ أَقْوَالَ الْعِبَادِ وَأَفْعَالَهُمْ خَارِجَةً عَنْ خَلْقِ اللَّهِ وَجَعَلُوا ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ جَعَلَ السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ لَيْسَ مَخْلُوقَةً لِلَّهِ. هَذَا مَعَ أَنَّ أُولَئِكَ الْمُبْتَدِعِينَ كَانُوا يَقُولُونَ إنَّهَا مُحْدَثَةٌ لَيْسَتْ قَدِيمَةً فَكَيْفَ إذَا قِيلَ: إنَّهَا قَدِيمَةٌ فَإِنَّ ذَلِكَ يَصِيرُ ضلالين بَلْ ثَلَاثَ ضَلَالَاتٍ.
أَحَدُهَا: جَعْلُ الْمُحْدَثِ الْمَصْنُوعِ صِفَةً لِلَّهِ قَدِيمَةً مُضَاهَاةً لِلنَّصَارَى وَنَحْوِهِمْ.
وَالثَّانِي: إخْرَاجُ مَخْلُوقِ اللَّهِ وَمَقْدُورِهِ عَنْ خَلْقِهِ وَقُدْرَتِهِ كَمَا قَالَتْهُ الْقَدَرِيَّةُ مُضَاهَاةً لِلْمَجُوسِ وَنَحْوِهِمْ.
وَالثَّالِثُ: إخْرَاجُ فِعْلِ الْعَبْدِ وَمَقْدُورِهِ وَكَسْبِهِ عَنْ أَنْ يَكُونَ مَقْدُورًا لَهُ وَكَسْبًا وَفِعْلًا مُضَاهَاةً لِلْجَبْرِيَّةِ الْقَدَرِيَّةِ المشركية فَهَذَا كَانَ وَجْهَ كَلَامِ أُولَئِكَ الْأَئِمَّةِ فِي هَذَا. ثُمَّ لَمَّا حَدَثَتْ بِدْعَةُ " اللَّفْظِيَّةِ " احْتَجَّ أَئِمَّةُ ذَلِكَ الْعَصْرِ فِي جُمْلَةِ
(12/332)

مَا احْتَجُّوا بِهِ بِكَلَامِ أُولَئِكَ السَّلَفِ مِثْلِ الْبُخَارِيِّ الْإِمَامِ صَاحِبِ " الصَّحِيحِ " وَمِثْلِ أَبِي بَكْرٍ الْمَرْوَزِي الْإِمَامِ صَاحِبِ الْإِمَامِ أَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ وَخَلْقٍ كَثِيرٍ فِي زَمَنِهِ وَمَثَلِ أَبِي بَكْرٍ الْخَلَّالِ وَنَحْوِهِ. فَاسْتَدَلَّ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةُ وَغَيْرُهُمْ عَلَى بُطْلَانِ قَوْلِ مَنْ يَقُولُ: إنَّ فِعْلَ الْعَبْدِ أَوْ صِفَاتُهُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِصِفَاتِ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ بِمَا دَلَّ عَلَى أَنَّ أَفْعَالَ الْعِبَادِ وَصِفَاتِهِمْ مَخْلُوقَةٌ. فَرَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي قدامة عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ قَالَ مَا زِلْت أَسْمَعُ أَصْحَابَنَا يَقُولُونَ: أَفْعَالُ الْعِبَادِ مَخْلُوقَةٌ. وَرَوَى الْمَرْوَزِي صَاحِبُ الْإِمَامِ أَحْمَد وَالْخَلَّالُ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ كَلَامِ الْأَئِمَّةِ مِنْ النَّصِّ عَلَى خَلْقِ كَلَامِ الْآدَمِيِّينَ وَأَفْعَالِهِمْ. وَسَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ نُصُوصُ الْإِمَامِ أَحْمَد فِي ذَلِكَ فَإِنَّ الْقَصْدَ هُنَا التَّنْبِيهُ عَلَى الْأَصْلِ الَّذِي تَشَعَّبَ مِنْهُ تَفَرُّقُ الْأُمَّةِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ وَهُوَ " مَسْأَلَةُ اللَّفْظِ ".
فَصْلٌ:
وَ " مَسْأَلَةُ اللَّفْظِ بِالْقُرْآنِ " قَدْ اضْطَرَبَ فِيهَا أَقْوَامٌ لَهُمْ عِلْمٌ وَفَضْلٌ وَدِينٌ وَعَقْلٌ وَجَرَتْ بِسَبَبِهَا مُخَاصَمَاتٌ وَمُهَاجَرَاتٌ بَيْنَ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالسُّنَّةِ حَتَّى قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ كَلَامًا مَعْنَاهُ لَمْ يَخْتَلِفْ أَهْلُ الْحَدِيثِ فِي شَيْءٍ مِنْ
(12/333)

مَذَاهِبِهِمْ إلَّا فِي " مَسْأَلَةِ اللَّفْظِ ". وَبَيَّنَ أَنَّ سَبَبَ ذَلِكَ لِمَا وَقَعَ فِيهَا مِنْ الْغُمُوضِ وَالنِّزَاعِ بَيْنَهُمْ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْمَوَاضِعِ لَفْظِيٌّ وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَ النَّاسِ نِزَاعٌ فِي أَنَّ كَلَامَ الْعِبَادِ الَّذِي لَمْ يُنَزِّلْهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ مُحْدَثٌ مَخْلُوقٌ وَإِنْ كَانَ الْكَلَامُ فِي " حُرُوفِ الْهِجَاءِ " وَفِي " أَسْمَاءِ الْمُحْدَثَاتِ " فِيهِ نِزَاعٌ هُوَ الَّذِي أَوْقَعَ هَؤُلَاءِ الْجُهَّالَ فِي مَا ارْتَكَبُوهُ مِنْ الْمُحَالِ كَمَا سَنُنَبِّهُ عَلَيْهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَلَا يَتَّسِعُ هَذَا الْجَوَابُ لِشَرْحِ " مَسْأَلَةِ اللَّفْظِ " مَبْسُوطًا؛ وَلَكِنْ نُنَبِّهُ عَلَيْهِ مُخْتَصَرًا فَنَقُولُ: إنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَرْسَلَ رُسُلَهُ وَأَنْزَلَ عَلَيْهِمْ كُتُبَهُ وَأَمَرَهُمْ أَنْ يُبَلِّغُوا إلَى النَّاسِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ وَحْيِهِ وَكَلَامِهِ فَمِنْ النَّاسِ مَنْ آمَنَ بِاَللَّهِ وَرُسُلِهِ وَصَدَّقَهُمْ فِيمَا جَاءُوا بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَأَطَاعَهُمْ فِيمَا أَمَرُوا بِهِ. وَهَؤُلَاءِ هُمْ الْمُؤْمِنُونَ فِي كُلِّ وَقْتٍ وَزَمَانٍ وَهُمْ أَهْلُ الْجَنَّةِ وَالسَّعَادَةِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {سَابِقُوا إلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ} وَقَالَ تَعَالَى: {إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} . وَمِنْ النَّاسِ مَنْ كَفَرَ بِهِمْ وَكَذَّبَ: مِثْلُ الْأُمَمِ الَّذِينَ قَصَّ اللَّهُ عَلَيْنَا أَخْبَارَهُمْ مِنْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ لُوطٍ وَأَصْحَابِ الْأَيْكَةِ وَفِرْعَوْنَ
(12/334)

وَمُشْرِكِي الْعَرَبِ وَكُلُّ مَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِأَصْلِ الرِّسَالَةِ مِنْ الْهِنْدِ والبراهمة وَغَيْرِهِمْ وَالتُّرْكِ وَالسُّودَانِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ الْأُمَمِ الْأُمِّيِّينَ الَّذِينَ لَا كِتَابَ لَهُمْ - سَوَاءٌ كَانُوا مُكَذِّبِينَ لِلرُّسُلِ أَوْ مُعْرِضِينَ عَنْ اتِّبَاعِهِمْ؛ فَإِنَّ الْكُفْرَ عَدَمُ الْإِيمَانِ بِاَللَّهِ وَرُسُلِهِ سَوَاءٌ كَانَ مَعَهُ تَكْذِيبٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ تَكْذِيبٌ بَلْ شَكٌّ وَرَيْبٌ أَوْ إعْرَاضٌ عَنْ هَذَا كُلِّهِ حَسَدًا أَوْ كِبَرًا أَوْ اتِّبَاعًا لِبَعْضِ الْأَهْوَاءِ الصَّارِفَةِ عَنْ اتِّبَاعِ الرِّسَالَةِ وَإِنْ كَانَ الْكَافِرُ الْمُكَذِّبُ أَعْظَمَ كُفْرًا وَكَذَلِكَ الْجَاحِدُ الْمُكَذِّبُ حَسَدًا مَعَ اسْتِيقَانِ صِدْقِ الرُّسُلِ وَالسُّوَرُ الْمَكِّيَّةُ كُلُّهَا خِطَابٌ مَعَ هَؤُلَاءِ. وَلِهَذَا يَقُولُ سُبْحَانَهُ: {كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ} لِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا جَمِيعَ الرُّسُلِ وَلَمْ يُؤْمِنُوا بِأَصْلِ الرِّسَالَةِ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى لَمَّا أَهْبَطَ أَبَاهُمْ آدَمَ: {قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى} {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} {قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا} {قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى} {وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى} . فَأَخْبَرَ أَنَّهُ إذَا أَتَاهُمْ هُدًى مِنْهُ وَهُوَ مَا أَنْزَلَهُ عَلَى رُسُلِهِ مِنْ الذِّكْرِ فَمَنْ اتَّبَعَهُ اهْتَدَى وَسَعِدَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ شَقِيَ وَعَمِيَ
(12/335)

وَلِهَذَا قَالَ فِي أَوَائِلِ الْبَقَرَةِ فِي نَعْتِ الْمُؤْمِنِينَ: {أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} كَمَا قَالَ هُنَا: {فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى} فَإِنَّ الْهُدَى ضِدُّ الضَّلَالِ وَالْفَلَاحَ ضِدُّ الشَّقَاءِ وَقَالَ تَعَالَى: {يَا بَنِي آدَمَ إمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} {وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} . وَمِنْ النَّاسِ مَنْ آمَنَ بِبَعْضِ مَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ وَكَفَرَ بِبَعْضٍ كَمَنْ آمَنَ بِبَعْضِ الْمُرْسَلِينَ دُونَ بَعْضٍ وَالْيَهُودُ وَالنَّصَارَى حَيْثُ آمَنُوا بِمُوسَى أَوْ مُوسَى وَالْمَسِيحِ مَعَهُ دُونَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِهَذَا يُخَاطِبُ اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ الْأُمِّيِّينَ الَّذِينَ لَمْ يَتَّبِعُوا رَسُولًا وَأَهْلَ الْكِتَابِ الْمُصَدِّقِينَ بِبَعْضِ الرُّسُلِ كَمَا فِي قَوْلِهِ: {وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ} وَفِي قَوْلِهِ: {لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ} . وَكَمَنْ آمَنَ بِبَعْضِ صِفَاتِ الرِّسَالَةِ وَكَفَرَ بِبَعْضٍ: مِنْ الصَّابِئِينَ الْفَلَاسِفَةِ وَنَحْوِهِمْ: الَّذِينَ قَدْ يُقِرُّونَ بِأَصْلِ الرِّسَالَةِ؛ لَكِنْ يَجْعَلُونَ الرَّسُولَ بِمَنْزِلَةِ الْمَلِكِ الْعَادِلِ: الَّذِي قَدْ وَضَعَ قَانُونًا لِقَوْمِهِ أَوْ يَقُولُونَ: إنَّ الرِّسَالَةَ لِلْعَامَّةِ دُونَ الْخَاصَّةِ أَوْ فِي الْأُمُورِ الْعَمَلِيَّةِ دُونَ الْعِلْمِيَّةِ أَوْ فِي الْأُمُورِ الَّتِي يَشْتَرِكُ فِيهَا النَّاسُ دُونَ الْخَصَائِصِ الَّتِي يَمْتَازُ بِهَا الكمل
(12/336)

وَيُقِرُّونَ بِرِسَالَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ وَيُعَظِّمُونَهُ وَيَقُولُونَ: اتَّفَقَ فَلَاسِفَةُ الْعَالَمِ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَرِدْ إلَى الْأَرْضِ نَامُوسٌ أَعْظَمُ مِنْ نَامُوسِهِ؛ لَكِنَّهُمْ مَعَ هَذَا يَكْفُرُونَ بِبَعْضِ مَا جَاءَ بِهِ: مِثْلَ أَنْ يُسَوِّغُوا اتِّبَاعَ غَيْرِ دِينِهِ مِنْ الْيَهُودِيَّةِ والنصرانية وَقَدْ يُسَوِّغُونَ الشِّرْكَ أَيْضًا لِلْعَامَّةِ أَوْ لِلْخَاصَّةِ: مِثْلَ أَنْ يُسَوِّغُوا دَعْوَةَ الْكَوَاكِبِ وَعِبَادَتَهَا وَالسُّجُودَ لَهَا وَقَدْ يُكَذِّبُونَ فِي الْبَاطِنِ بِأَشْيَاءَ مِمَّا أَخْبَرَ بِهَا وَيَزْعُمُونَ أَنَّ مَا أَخْبَرَ بِهِ مِنْ أُمُورِ الْإِيمَانِ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ إنَّمَا هِيَ أَمْثَالٌ مَضْرُوبَةٌ لِتَفْهِيمِ الْعَامَّةِ مَا لَا يَجُوزُ إظْهَارُهُ وَإِبَانَةُ حَقِيقَتِهِ؛ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ يُجَوِّزُونَ كَذِبَهُ لِمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ بِزَعْمِهِمْ. وَقَدْ يَزْعُمُونَ أَنَّ حَقِيقَةَ الْعِلْمِ بِاَللَّهِ تُؤْخَذُ مِنْ غَيْرِ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ وَأَنَّ مِنْ النَّاسِ مَنْ يَكُونُ أَعْلَمَ بِاَللَّهِ مِنْهُ أَوْ أَفْضَلَ مِنْهُ وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنْ الْمَقَالَاتِ وَهَذَا الضَّرْبُ مَا زَالَ مَوْجُودًا لَا سِيَّمَا مَعَ الْقَرَامِطَةِ الْبَاطِنِيَّةِ: مِنْ الْإِسْمَاعِيلِيَّة وَالْنُصَيْرِيَّة وَالْمُلُوكِ العبيدية: الَّذِينَ كَانُوا يَدَّعُونَ الْخِلَافَةَ وَمَعَ الخرمية والمزدكية وَأَمْثَالِهِمْ مِنْ الطَّوَائِفِ وَهَؤُلَاءِ خَوَّاصُهُمْ أَكْفَرُ مِنْ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَمِنْ الْغَالِيَةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ بِإِلَهِيَّةِ عَلِيٍّ وَنَحْوِهِ مِنْ الْبَشَرِ أَوْ نُبُوَّتِهِ وَهُمْ مُنَافِقُونَ زَنَادِقَةٌ؛ لَكِنَّ فِي كَثِيرٍ مِنْ أَتْبَاعِهِمْ
(12/337)

مَنْ يَظُنُّ أَنَّهُ مُؤْمِنٌ بِالْكُتُبِ وَالرُّسُلِ لَمَّا لَبَّسُوا عَلَيْهِ أَصْلَ قَوْلِهِمْ أَوْ وَافَقَهُمْ فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ دُونَ بَعْضٍ وَأَكْثَرُ هَؤُلَاءِ يَمِيلُونَ إلَى الرَّافِضَةِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَسِبُ إلَى التَّصَوُّفِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَسِبُ إلَى الْكَلَامِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَدْخُلُ مَعَ الْفُقَهَاءِ فِي مَذَاهِبِهِمْ. وَهَذَا الضَّرْبُ يَكْثُرُ فِي الدُّوَلِ الْجَاهِلِيَّةِ الْبَعِيدِينَ عَنْ مَعْرِفَةِ الْإِسْلَامِ وَالْتِزَامِهِ كَمَا كَانُوا كَثِيرِينَ فِي دَوْلَةِ الدَّيْلَمِ والعبيديين وَنَحْوِهِمْ وَكَمَا يَكْثُرُونَ فِي دَوْلَةِ الْجُهَّالِ مَنْ التُّرْكِ وَنَحْوِهِمْ مِنْ الْجُهَّالِ الَّذِينَ آمَنُوا بِالرِّسَالَةِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ مِنْ غَيْرِ عِلْمٍ بِتَفَاصِيلِ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ لِأَنَّ الْجُهَّالَ مِنْ التُّرْكِ وَغَيْرِهِمْ بِهَذَا الضَّرْبِ أَشْبَهُ مِنْهُمْ بِغَيْرِهِمْ؛ فَإِنَّ هَؤُلَاءِ لَا يُوجِبُونَ اتِّبَاعَ الرَّسُولِ عَلَى جَمِيعِ أَهْلِ الْأَرْضِ؛ لَكِنَّهُمْ قَدْ يَرَوْنَ اتِّبَاعَهُ أَحْسَنَ مِنْ اتِّبَاعَ غَيْرِهِ فَيَتَّبِعُونَهُ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِحْبَابِ أَوْ يَتَّبِعُونَ بَعْضَ مَا جَاءَ بِهِ أَوْ لَا يَتَّبِعُونَهُ بِحَالِ. وَهُمْ فِي ذَلِكَ مُقِرُّونَ لَهُ وَلِأَتْبَاعِهِ. وَالْمُؤْمِنُ بِبَعْضِ الرِّسَالَةِ دُونَ بَعْضٍ كَافِرٌ أَيْضًا كَمَا قَالَ تَعَالَى: {إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا} {أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا} {وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} وَقَالَ تَعَالَى - يُخَاطِبُ أَهْلَ الْكِتَابِ -: {ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ
(12/338)

وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} وَقَالَ تَعَالَى: {أَلَمْ تَرَ إلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا} {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا} وَقَالَ تَعَالَى: {أَلَمْ تَرَ إلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا} {أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا} . فَذَمَّ الَّذِينَ أُوتُوا قِسْطًا مِنْ الْكِتَابِ لَمَّا آمَنُوا بِمَا خَرَجَ عَنْ الرِّسَالَةِ وَفَضَّلُوا الْخَارِجِينَ عَنْ الرِّسَالَةِ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ بِهَا كَمَا يُفَضِّلُ ذَلِكَ بَعْضُ مَنْ يُفَضِّلُ الصَّابِئَةَ مِنْ الْفَلَاسِفَةِ وَالدُّوَلِ الْجَاهِلِيَّةِ - جَاهِلِيَّةِ التُّرْكِ وَالدَّيْلَمِ وَالْعَرَبِ وَالْفُرْسِ وَغَيْرِهِمْ - عَلَى الْمُؤْمِنِينَ بِاَللَّهِ وَكِتَابِهِ وَرَسُولِهِ وَكَمَا ذَمَّ الْمُدَّعِينَ الْإِيمَانَ بِالْكُتُبِ كُلِّهَا وَهُمْ يَتْرُكُونَ التَّحَاكُمَ إلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَيَتَحَاكَمُونَ إلَى بَعْضِ الطَّوَاغِيتِ الْمُعَظَّمَةِ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَمَا يُصِيبُ ذَلِكَ كَثِيرًا مِمَّنْ يَدَّعِي الْإِسْلَامَ وَيَنْتَحِلُهُ فِي تَحَاكُمِهِمْ إلَى مَقَالَاتِ الصَّابِئَةِ الْفَلَاسِفَةِ أَوْ غَيْرِهِمْ أَوْ إلَى سِيَاسَةِ بَعْضِ الْمُلُوكِ الْخَارِجِينَ عَنْ شَرِيعَةِ
(12/339)

الْإِسْلَامِ مِنْ مُلُوكِ التُّرْكِ وَغَيْرِهِمْ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ: تَعَالَوْا إلَى كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ أَعْرَضُوا عَنْ ذَلِكَ إعْرَاضًا وَإِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ فِي عُقُولِهِمْ وَدِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ بِالشُّبُهَاتِ وَالشَّهَوَاتِ أَوْ فِي نُفُوسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ عُقُوبَةً عَلَى نِفَاقِهِمْ قَالُوا إنَّمَا أَرَدْنَا أَنْ نُحْسِنَ بِتَحْقِيقِ الْعِلْمِ بِالذَّوْقِ وَنُوَفِّقَ بَيْنَ " الدَّلَائِلِ الشَّرْعِيَّةِ " وَ " الْقَوَاطِعِ الْعَقْلِيَّةِ " الَّتِي هِيَ فِي الْحَقِيقَةِ ظُنُونٌ وَشُبُهَاتٌ أَوْ " الذَّوْقِيَّةُ " الَّتِي هِيَ فِي الْحَقِيقَةِ أَوْهَامُ وَخَيَالَاتُ {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا} إلَى قَوْلِهِ: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} وَقَالَ تَعَالَى: {وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ} {وَإِذَا دُعُوا إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ} إلَى قَوْلِهِ: {إنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إذَا دُعُوا إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} الْآيَةَ وَقَالَ تَعَالَى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ} . وَقَدْ ذَمَّ اللَّهُ سُبْحَانَهُ أَهْلَ التَّفَرُّقِ وَالِاخْتِلَافِ فِي الْكِتَابِ الَّذِينَ يُؤْمِنُ كُلٌّ مِنْهُمْ بِبَعْضِهِ دُونَ بَعْضٍ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ
(12/340)

بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} وَقَالَ تَعَالَى: {إنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ} وَقَالَ تَعَالَى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} وَقَالَ تَعَالَى: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تَبْيَضُّ وُجُوهُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ وَتَسْوَدُّ وُجُوهُ أَهْلِ الْبِدْعَةِ وَالْفُرْقَةِ. وَقَالَ تَعَالَى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} {مُنِيبِينَ إلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} {مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} وَقَالَ تَعَالَى: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ} {وَمَا تَفَرَّقُوا إلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ} {فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ
(12/341)

وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ} . فَأَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ أَنْ يُؤْمِنَ بِجَمِيعِ الْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ وَأَنْ يَعْدِلَ بَيْنَ النَّاسِ كُلِّهِمْ فَيُعْطِي كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ وَيَمْنَعَ كُلَّ مُبْطِلٍ عَنْ بَاطِلِهِ؛ فَإِنَّ الْقِسْطَ وَالْعَدْلَ فِي جَمِيعِ أُمُورِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا فِيمَا جَاءَ بِهِ وَهُوَ الْمَقْصُودُ بِإِرْسَالِ الرُّسُلِ وَإِنْزَالِ الْكُتُبِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ} وَقَالَ تَعَالَى: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} إلَخْ السُّورَةِ. وَهَاتَانِ الْآيَتَانِ قَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ {أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُعْطِيهِمَا مِنْ كَنْزٍ تَحْتَ الْعَرْشِ وَأَنَّهُ لَمْ يَقْرَأْ بِشَيْءِ مِنْهُمَا إلَّا أُعْطِيَهُ} وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ {أَنَّهُ مَنْ قَرَأَهُمَا فِي لَيْلَةٍ كَفَتَاهُ} وَقَالَ تَعَالَى: {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إلَى إبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} {فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} .
(12/342)

فَصْلٌ:
فَلَمَّا كَانَ فِي الْأُمَمِ كُفَّارٌ وَمُنَافِقُونَ يَكْفُرُونَ بِبَعْضِ الرِّسَالَةِ دُونَ بَعْضٍ إمَّا فِي الْقَدْرِ وَإِمَّا فِي الْوَصْفِ كَمَا أَنَّ فِيهِمْ كُفَّاراً وَمُنَافِقِينَ يَكْفُرُونَ بِأَصْلِ الرِّسَالَةِ وَكَانَ فِي الْكُفَّارِ بِأَصْلِ الرِّسَالَةِ مَنْ قَالَ: إنَّ الرَّسُولَ شَاعِرٌ وَسَاحِرٌ وَكَاهِنٌ وَمُعَلَّمٌ وَمَجْنُونٌ وَمُفْتِرٍ كَمَا كَانَ رَئِيسُ قُرَيْشٍ وَفَيْلَسُوفُهَا وَحَكِيمُهَا الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ الْوَحِيدُ الْمَذْكُورُ فِي قَوْله تَعَالَى {ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا} {وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا} {وَبَنِينَ شُهُودًا} {وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا} {ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ} {كَلَّا إنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا} {سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا} {إنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ} {فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ} {ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ} {ثُمَّ نَظَرَ} {ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ} {ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ} {فَقَالَ إنْ هَذَا إلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ} {إنْ هَذَا إلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ} . فَإِنَّهُ صَنَعَ صُنْعَ الْفَيْلَسُوفِ الْمُخَالِفِ لِلرُّسُلِ فِي تَفْكِيرِهِ أَوَّلًا: الَّذِي هُوَ طَلَبُ الِانْتِقَالِ مِنْ تَصَوُّرِ طَرَفَيْ الْقَضِيَّةِ إلَى الْمَبَادِئِ الْمُوجِبَةِ لِلتَّصْدِيقِ لِيَظْفَرَ بِالْحَدِّ الْأَوْسَطِ ثُمَّ قَدَّرَ ثَانِيًا وَالتَّقْدِيرُ هُوَ " الْقِيَاسُ " وَهُوَ الِانْتِقَالُ مِنْ الْمَبَادِئِ إلَى الْمَطْلُوبِ بِالْقِيَاسِ الْمَنْطِقِيِّ الشُّمُولِيِّ؛ وَلَعَمْرِي
(12/343)

إنَّهُ لَصَوَابٌ إذَا صَحَّتْ مُقَدِّمَاتُهُ وَإِنْ كَانَتْ النَّتِيجَةُ فِي الْأَغْلَبِ أُمُورًا كُلِّيَّةً ذِهْنِيَّةً ثُبُوتُهَا فِي الْأَذْهَانِ لَا فِي الْأَعْيَانِ كَالْعُلُومِ الرِّيَاضِيَّةِ مِنْ الْأَعْدَادِ وَالْمَقَادِيرِ؛ فَإِنَّ الْعَدَدَ الْمُجَرَّدَ عَنْ الْمَعْدُودِ وَالْمِقْدَارَ الْمُجَرَّدَ عَنْ الْأَجْسَامِ إنَّمَا يُوجَدُ فِي الذِّهْنِ لَكِنْ أَنَّى وَأَكْثَرُ مُقَدِّمَاتِهِ فِي الْإِلَهِيَّاتِ دَعَاوَى يُدَع