Advertisement

مجموع الفتاوى 016

الْجُزْءُ الْسَادِسِ عَشَرَ
كِتَابُ الْتَفْسِيرِ
الْجُزْءُ الْثَالِثُ
من سُورَةِ الزُّمَرِ إِلَى سُورَةِ الْإِخْلَاصِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ وَحْدَهُ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنْ لَا نَبِيَّ بَعْدَهُ.
سُورَةُ الزُّمَرِ
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَحْمَد بْنُ تَيْمِيَّة - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ -:
فَصْلٌ:
قَدْ قَالَ تَعَالَى: {الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ} وَالْمُرَادُ بِالْقَوْلِ الْقُرْآنُ كَمَا فَسَّرَهُ بِذَلِكَ سَلَفُ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتُهَا كَمَا قَالَ تَعَالَى: {أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ} وَاللَّامُ لِتَعْرِيفِ الْقَوْلِ الْمَعْهُودِ؛ فَإِنَّ السُّورَةَ كُلَّهَا إنَّمَا تَضَمَّنَتْ مَدْحَ الْقُرْآنِ وَاسْتِمَاعَهُ وَقَدْ بَسَطْنَا هَذَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ وَبَيَّنَّا فَسَادَ قَوْلِ مَنْ اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ عَلَى سَمَاعِ الْغِنَاءِ وَغَيْرِهِ وَجَعَلَهَا عَامَّةً وَبَيَّنَّا أَنَّ تَعْمِيمَهَا فِي كُلِّ قَوْلٍ بَاطِلٌ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ. وَهُنَا سُؤَالٌ مَشْهُورٌ وَهُوَ أَنَّهُ قَالَ: {يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ
(16/5)

أَحْسَنَهُ} فَقَدْ قَسَّمَ الْقَوْلَ إلَى حَسَنٍ وَأَحْسَنَ وَالْقُرْآنُ كُلُّهُ مُتَّبَعٌ وَهَذَا حُجَّتُهُمْ. فَيُقَالُ: الْجَوَابُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: إلْزَامٌ وَحَلٌّ. " الْأَوَّلُ " أَنَّ هَذَا مِثْلُ قَوْلِهِ: {وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ} وَمِثْلُ قَوْلِهِ: {وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا} فَقَدْ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِاتِّبَاعِ أَحْسَنِ مَا أُنْزِلَ إلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَرَ بَنِي إسْرَائِيلَ أَنْ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِ التَّوْرَاةِ وَهَذَا أَبْلَغُ مِنْ تِلْكَ الْآيَةِ؛ فَإِنَّ تِلْكَ إنَّمَا فِيهَا مَدْحٌ بِاتِّبَاعِ الْأَحْسَنِ وَلَا رَيْبَ أَنَّ الْقُرْآنَ فِيهِ الْخَبَرُ وَالْأَمْرُ بِالْحَسَنِ وَالْأَحْسَنِ وَاتِّبَاعُ الْقَوْلِ إنَّمَا هُوَ الْعَمَلُ بِمُقْتَضَاهُ وَمُقْتَضَاهُ فِيهِ حَسَنٌ وَأَحْسَنُ لَيْسَ كُلُّهُ أَحْسَنَ وَإِنْ كَانَ الْقُرْآنُ فِي نَفْسِهِ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ؛ فَفَرَّقَ بَيْنَ حَسَنِ الْكَلَامِ بِالنِّسْبَةِ إلَى غَيْرِهِ مِنْ الْكَلَامِ وَبَيْنَ حَسَنِهِ بِالنِّسْبَةِ إلَى مُقْتَضَاهُ الْمَأْمُورِ وَالْمُخْبِرِ عَنْهُ. " الْوَجْهُ الثَّانِي " أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ قَالَ: {فَبَشِّرْ عِبَادِ} {الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ} وَالْقُرْآنُ تَضَمَّنَ خَبَرًا وَأَمْرًا فَالْخَبَرُ عَنْ الْأَبْرَارِ وَالْمُقَرَّبِينَ وَعَنْ الْكُفَّارِ وَالْفُجَّارِ؛ فَلَا رَيْبَ أَنَّ اتِّبَاعَ الصِّنْفَيْنِ حَسَنٌ
(16/6)

وَاتِّبَاعَ الْمُقَرَّبِينَ أَحْسَنُ وَالْأَمْرُ يَتَضَمَّنُ الْأَمْرَ بِالْوَاجِبَاتِ والمستحبات. وَلَا رَيْبَ أَنَّ الِاقْتِصَارَ عَلَى فِعْلِ الْوَاجِبَاتِ حَسَنٌ وَفِعْلُ الْمُسْتَحَبَّاتِ مَعَهَا أَحْسَنُ وَمَنْ اتَّبَعَ الْأَحْسَنَ فَاقْتَدَى بِالْمُقَرَّبِينَ وَتَقَرَّبَ إلَى اللَّهِ بِالنَّوَافِلِ بَعْدَ الْفَرَائِضِ كَانَ أَحَقَّ بِالْبُشْرَى. وَعَلَى هَذَا فَقَوْلُهُ: {وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ} {وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا} هُوَ أَيْضًا أَمْرٌ بِذَلِكَ؛ لَكِنَّ الْأَمْرَ يَعُمُّ أَمْرَ الْإِيجَابِ وَالِاسْتِحْبَابِ. فَهُمْ مَأْمُورُونَ بِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ وَاجِبٍ أَمْرَ إيجَابٍ وَبِمَا فِيهِ مِنْ مُسْتَحَبٍّ أَمْرَ اسْتِحْبَابٍ كَمَا هُمْ مَأْمُورُونَ مِثْلَ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: {إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى} وَقَوْلِهِ: {يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ} وَالْمَعْرُوفُ يَتَنَاوَلُ الْقِسْمَيْنِ وَقَوْلِهِ: {وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} وَهُوَ يَعُمُّ الْقِسْمَيْنِ: وَقَوْلِهِ: {ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا} وَأَمْثَالِ ذَلِكَ.
(16/7)

وَقَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ:
فَصْلٌ:
فِي السَّمَاعِ
أَصْلُ السَّمَاعِ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ بِهِ هُوَ سَمَاعُ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَمَاعُ فِقْهٍ وَقَبُولٍ؛ وَلِهَذَا انْقَسَمَ النَّاسُ فِيهِ أَرْبَعَةَ أَصْنَافٍ: صِنْفٌ مُعْرِضٌ مُمْتَنِعٌ عَنْ سَمَاعِهِ وَصِنْفٌ سَمِعَ الصَّوْتَ وَلَمْ يَفْقَهْ الْمَعْنَى وَصِنْفٌ فَقِهَهُ وَلَكِنَّهُ لَمْ يَقْبَلْهُ وَالرَّابِعُ الَّذِي سَمِعَهُ سَمَاعَ فِقْهٍ وَقَبُولٍ. ف " الْأَوَّلُ " كَاَلَّذِينَ قَالَ فِيهِمْ: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ} و " الصِّنْفُ الثَّانِي " مَنْ سَمِعَ الصَّوْتَ بِذَلِكَ لَكِنْ لَمْ يَفْقَهْ الْمَعْنَى. قَالَ تَعَالَى: {وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ} وَقَالَ تَعَالَى: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ
(16/8)

إلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذَا إلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ} وَقَالَ تَعَالَى: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ} {وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ} {إنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} وَقَالَ تَعَالَى: {وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا} {وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا} {نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إذْ يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى إذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إنْ تَتَّبِعُونَ إلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا} وَقَالَ تَعَالَى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إذًا أَبَدًا} . وَقَوْلُهُ: {أَنْ يَفْقَهُوهُ} يَتَنَاوَلُ مَنْ لَمْ يَفْهَمْ مِنْهُ تَفْسِيرَ اللَّفْظِ كَمَا يَفْهَمُ بِمُجَرَّدِ الْعَرَبِيَّةِ وَمَنْ فَهِمَ ذَلِكَ لَكِنْ لَمْ يَعْلَمْ نَفْسَ الْمُرَادِ فِي الْخَارِجِ وَهُوَ: " الْأَعْيَانُ " و " الْأَفْعَالُ " و " الصِّفَاتُ " الْمَقْصُودَةُ بِالْأَمْرِ وَالْخَبَرِ؛ بِحَيْثُ يَرَاهَا وَلَا يَعْلَمُ أَنَّهَا مَدْلُولُ الْخِطَابِ: مِثْلُ مَنْ يَعْلَمُ وَصْفًا مَذْمُومًا وَيَكُونُ هُوَ مُتَّصِفًا بِهِ أَوْ بَعْضًا مِنْ جِنْسِهِ وَلَا يَعْلَمُ أَنَّهُ دَاخِلٌ فِيهِ. وَقَالَ تَعَالَى:
(16/9)

{إنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ} {وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ} قَالَ ذَلِكَ بَعْدَ قَوْلِهِ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ} {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ} فَقَوْلُهُ: {وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ} لَمْ يُرِدْ بِهِ مُجَرَّدَ إسْمَاعِ الصَّوْتِ لِوَجْهَيْنِ. " أَحَدِهِمَا " أَنَّ هَذَا السَّمَاعَ لَا بُدَّ مِنْهُ وَلَا تَقُومُ الْحُجَّةُ عَلَى الْمَدْعُوِّينَ إلَّا بِهِ. كَمَا قَالَ {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ} وَقَالَ {لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ} وَقَالَ: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} . وَالثَّانِي أَنَّهُ وَحْدَهُ لَا يَنْفَعُ؛ فَإِنَّهُ قَدْ حَصَلَ لِجَمِيعِ الْكُفَّارِ الَّذِينَ اسْتَمَعُوا الْقُرْآنَ وَكَفَرُوا بِهِ كَمَا تَقَدَّمَ بِخِلَافِ إسْمَاعِ الْفِقْهِ فَإِنَّ ذَلِكَ هُوَ الَّذِي يُعْطِيهِ اللَّهُ لِمَنْ فِيهِ خَيْرٌ وَهَذَا نَظِيرُ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: {مَنْ يُرِدْ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ} وَهَذِهِ الْآيَةُ وَالْحَدِيثُ يَدُلَّانِ عَلَى أَنَّ مَنْ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ السَّمَاعُ الَّذِي يَفْقَهُ مَعَهُ الْقَوْلَ فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَعْلَمْ فِيهِ خَيْرًا وَلَمْ يُرِدْ بِهِ خَيْرًا وَأَنَّ مَنْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا أَوْ أَرَادَ بِهِ خَيْرًا فَلَا بُدَّ أَنْ يُسْمِعَهُ وَيُفَقِّهَهُ؛ إذْ الْحَدِيثُ قَدْ بَيَّنَ أَنَّ كُلَّ مَنْ يُرِدْ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهُهُ: فَالْأَوَّلُ مُسْتَلْزِمٌ لِلثَّانِي وَالصِّيغَةُ عَامَّةٌ فَمَنْ لَمْ يُفَقِّهْهُ لَمْ يَكُنْ دَاخِلًا فِي الْعُمُومِ فَلَا يَكُونُ اللَّهُ
(16/10)

أَرَادَ بِهِ خَيْرًا وَقَدْ انْتَفَى فِي حَقِّهِ اللَّازِمُ فَيَنْتَفِي الْمَلْزُومُ. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: {وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ} بَيَّنَ أَنَّ الْأَوَّلَ شَرْطٌ لِلثَّانِي: شَرْطًا نَحْوِيًّا وَهُوَ مَلْزُومٌ وَسَبَبٌ فَيَقْتَضِي أَنَّ كُلَّ مَنْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا أَسْمَعَهُ هَذَا الْإِسْمَاعَ فَمَنْ لَمْ يُسْمِعْهُ إيَّاهُ لَمْ يَكُنْ قَدْ عَلِمَ فِيهِ خَيْرًا فَتَدَبَّرْ كَيْفَ وَجَبَ هَذَا السَّمَاعُ وَهَذَا الْفِقْهُ وَهَذَا حَالُ الْمُؤْمِنِينَ بِخِلَافِ الَّذِينَ يَقُولُونَ بِسَمَاعِ لَا فِقْهَ مَعَهُ أَوْ فِقْهٍ لَا سَمَاعَ مَعَهُ أَعْنِي هَذَا السَّمَاعَ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: {وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ} فَقَدْ يُشْكِلُ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ. لِظَنِّهِمْ أَنَّ هَذَا السَّمَاعَ الْمَشْرُوطَ هُوَ السَّمَاعُ الْمَنْفِيُّ فِي الْجُمْلَةِ الْأُولَى الَّذِي كَانَ يَكُونُ لَوْ عَلِمَ فِيهِمْ خَيْرًا وَلَيْسَ فِي الْآيَةِ مَا يَقْتَضِي ذَلِكَ؛ بَلْ ظَاهِرُهَا وَبَاطِنُهَا يُنَافِي ذَلِكَ؛ فَإِنَّ الضَّمِيرَ فِي قَوْلِهِ: {وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ} عَائِدٌ إلَى الضَّمِيرَيْنِ فِي قَوْلِهِ: {وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ} وَهَؤُلَاءِ قَدْ دَلَّ الْكَلَامُ عَلَى أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَعْلَمْ فِيهِمْ خَيْرًا فَلَمْ يُسْمِعْهُمْ إذْ " لَوْ " يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الشَّرْطِ دَائِمًا: وَإِذَا كَانَ اللَّهُ مَا عَلِمَ فِيهِمْ خَيْرًا فَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ. بِمَنْزِلَةِ الْيَهُودِ الَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَهُمْ " الصِّنْفُ الثَّالِثُ ". وَدَلَّتْ الْآيَةُ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِكُلِّ مَنْ سَمِعَ وَفَقِهَ يَكُونُ فِيهِ خَيْرٌ؛
(16/11)

بَلْ قَدْ يَفْقَهُ وَلَا يَعْمَلُ بِعِلْمِهِ فَلَا يَنْتَفِعُ بِهِ فَلَا يَكُونُ فِيهِ خَيْرًا وَدَلَّتْ أَيْضًا عَلَى أَنَّ إسْمَاعَ التَّفْهِيمِ إنَّمَا يُطْلَبُ لِمَنْ فِيهِ خَيْرٌ فَإِنَّهُ هُوَ الَّذِي يَنْتَفِعُ بِهِ فَأَمَّا مَنْ لَيْسَ يَنْتَفِعُ بِهِ فَلَا يُطْلَبُ تَفْهِيمُهُ. و " الصِّنْفُ الثَّالِثُ " مَنْ سَمِعَ الْكَلَامَ وَفَقِهَهُ؛ لَكِنَّهُ لَمْ يَقْبَلْهُ وَلَمْ يُطِعْ أَمْرَهُ: كَالْيَهُودِ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ فِيهِمْ: {مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إلَّا قَلِيلًا} وَقَالَ تَعَالَى: {أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} إلَى قَوْلِهِ: {وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إلَّا أَمَانِيَّ} أَيْ تِلَاوَةً. فَهَؤُلَاءِ مِنْ " الصِّنْفِ الْأَوَّلِ " الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَيَقْرَءُونَ وَلَا يَفْقَهُونَ وَيَعْقِلُونَ - إلَى قَوْلِهِ: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إحْسَانًا} إلَى قَوْلِهِ: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ} {وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ} كَمَا
(16/12)

قَالَ فِي تِلْكَ الْآيَةِ: {وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إلَّا قَلِيلًا} وَقَالَ فِي النِّسَاءِ: {فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إلَّا قَلِيلًا} {وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا} إلَى آخِرِ الْقِصَّةِ فَأَخْبَرَ بِذُنُوبِهِمْ الَّتِي اسْتَحَقُّوا بِهَا مَا اسْتَحَقُّوهُ. وَمِنْهَا قَوْلُهُمْ: {قُلُوبُنَا غُلْفٌ} . فَعَلِمَ أَنَّهُمْ كَاذِبُونَ فِي هَذَا الْقَوْلِ قَاصِدُونَ بِهِ الِامْتِنَاعَ مِنْ الْوَاجِبِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: {بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ} وَ {طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ} فَهِيَ وَإِنْ سَمِعَتْ الْخِطَابَ وَفَقِهَتْهُ لَا تَقْبَلُهُ وَلَا تُؤْمِنُ بِهِ لَا تَصْدِيقًا لَهُ وَلَا طَاعَةً وَإِنْ عَرَفُوهُ كَمَا قَالَ: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ} . ف (غُلْفٌ جَمْعُ أَغْلَفَ. وَأَمَّا " غَلَّفَ " بِالتَّحْرِيكِ فَجَمْعُ غِلَافٍ وَالْقَلْبُ الْأَغْلَفُ بِمَنْزِلَةِ الْأَقْلَفِ. فَهُمْ ادَّعَوْا ذَلِكَ وَهُمْ كَاذِبُونَ فِي ذَلِكَ وَاللَّعْنَةُ الْإِبْعَادُ عَنْ الرَّحْمَةِ فَلَوْ عَمِلُوا بِهِ لَرُحِمُوا؛ وَلَكِنْ لَمْ يَعْمَلُوا بِهِ فَكَانُوا مَغْضُوبًا عَلَيْهِمْ مَلْعُونِينَ وَهَذَا جَزَاءُ مَنْ عَرَفَ الْحَقَّ وَلَمْ يَتَّبِعْهُ وَفَقِهَ كَلَامَ الرُّسُلِ وَلَمْ يَكُنْ مُوَافِقًا لَهُ بِالْإِقْرَارِ تَصْدِيقًا وَعَمَلًا. و " الصِّنْفُ الرَّابِعُ " الَّذِينَ سَمِعُوا سَمَاعَ فِقْهٍ وَقَبُولٍ فَهَذَا هُوَ السَّمَاعُ الْمَأْمُورُ بِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ} وَقَالَ تَعَالَى: {قُلْ
(16/13)

أُوحِيَ إلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا} {يَهْدِي إلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا} وَقَالَ تَعَالَى: {وَإِذْ صَرَفْنَا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ} {قَالُوا يَا قَوْمَنَا إنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ} {يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ} الْآيَاتِ. وَقَالَ تَعَالَى: {إنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا} {وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا} الْآيَةَ: وَقَالَ تَعَالَى: {إنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إيمَانًا} وَقَالَ تَعَالَى: {وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} {وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ} وَقَالَ تَعَالَى: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إلَّا خَسَارًا} وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: {قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى} وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ: {هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ} فَالْبَيَانُ يَعُمُّ كُلَّ مَنْ فَقِهَهُ وَالْهُدَى وَالْمَوْعِظَةُ لِلْمُتَّقِينَ. وَقَوْلُهُ: {هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ
(16/14)

لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} وَقَوْلُهُ: {الم} {ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} . وَهُنَا لَطِيفَةٌ تُزِيلُ إشْكَالًا يُفْهَمُ هُنَا وَهُوَ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَرْطِ هَذَا الْمُتَّقِي الْمُؤْمِنِ أَنْ يَكُونَ كَانَ مِنْ الْمُتَّقِينَ الْمُؤْمِنِينَ قَبْلَ سَمَاعِ الْقُرْآنِ فَإِنَّ هَذَا أَوَّلًا مُمْتَنِعٌ؛ إذْ لَا يَكُونُ مُؤْمِنًا مُتَّقِيًا مَنْ لَمْ يَسْمَعْ شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ. وَثَانِيًا أَنَّ الشَّرْطَ إنَّمَا يَجِبُ أَنْ يُقَارِنَ الْمَشْرُوطَ لَا يَجِبُ أَنْ يَتَقَدَّمَهُ تَقَدُّمًا زَمَانِيًّا كَاسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ فِي الصَّلَاةِ. وَثَالِثًا أَنَّ الْمَقْصُودَ أَنْ يَبِينَ شَيْئَانِ: " أَحَدُهُمَا " أَنَّ الِانْتِفَاعَ بِهِ بِالِاهْتِدَاءِ وَالِاتِّعَاظِ وَالرَّحْمَةِ هُوَ وَإِنْ كَانَ مُوجِبًا لَهُ؛ لَكِنْ لَا بُدَّ مَعَ الْفَاعِلِ مِنْ الْقَابِلِ إذْ الْكَلَامُ لَا يُؤَثِّرُ فِيمَنْ لَا يَكُونُ قَابِلًا لَهُ وَإِنْ كَانَ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَهْدِيَ وَيَعِظَ وَيَرْحَمَ وَهَذَا حَالُ كُلِّ كَلَامٍ. " الثَّانِي " أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ الْمُهْتَدِينَ بِهَذَا هُمْ الْمُؤْمِنُونَ الْمُتَّقُونَ وَيُسْتَدَلُّ بِعَدَمِ الِاهْتِدَاءِ بِهِ عَلَى عَدَمِ الْإِيمَانِ وَالتَّقْوَى كَمَا يُقَالُ الْمُتَعَلِّمُونَ لِكِتَابِ بقراط هُمْ الْأَطِبَّاءُ وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا أَطِبَّاءَ قَبْلَ تَعَلُّمِهِ بَلْ بِتَعَلُّمِهِ وَكَمَا يُقَالُ: كِتَابُ سِيبَوَيْهِ كِتَابٌ عَظِيمُ الْمَنْفَعَةِ لِلنُّحَاةِ وَإِنْ كَانُوا إنَّمَا صَارُوا نُحَاةً بِتَعَلُّمِهِ وَكَمَا يُقَالُ: هَذَا مَكَانٌ مُوَافِقٌ لِلرُّمَاةِ وَالرِّكَابِ.
(16/15)

قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
فَصْلٌ:
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ} . فَأَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ يَسْلُكُ الْمَاءَ النَّازِلَ مِنْ السَّمَاءِ يَنَابِيعَ وَالْيَنَابِيعُ جَمْعُ يَنْبُوعٍ وَهُوَ مَنْبَعُ الْمَاءِ كَالْعَيْنِ وَالْبِئْرِ فَدَلَّ الْقُرْآنُ عَلَى أَنَّ مَاءَ السَّمَاءِ تَنْبُعُ مِنْهُ الْأَرْضُ وَالِاعْتِبَارُ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ فَإِنَّهُ إذَا كَثُرَ مَاءُ السَّمَاءِ كَثُرَتْ الْيَنَابِيعُ وَإِذَا قَلَّ قَلَّتْ. وَمَاءُ السَّمَاءِ يَنْزِلُ مِنْ السَّحَابِ وَاَللَّهُ يُنْشِئُهُ مِنْ الْهَوَاءِ الَّذِي فِي الْجَوِّ وَمَا يَتَصَاعَدُ مِنْ الْأَبْخِرَةِ. وَلَيْسَ فِي الْقُرْآنِ أَنَّ جَمِيعَ مَا يَنْبُعُ يَكُونُ مِنْ مَاءِ السَّمَاءِ وَلَا هَذَا أَيْضًا مَعْلُومًا بِالِاعْتِبَارِ فَإِنَّ الْمَاءَ قَدْ يَنْبُعُ مِنْ بُطُونِ الْجِبَالِ،
(16/16)

وَيَكُونُ فِيهَا أَبْخِرَةٌ يَخْلُقُ مِنْهَا الْمَاءَ وَالْأَبْخِرَةُ وَغَيْرُهَا مِنْ الْأَهْوِيَةِ قَدْ تَسْتَحِيلُ كَمَا إذَا أُخِذَ إنَاءٌ فَوُضِعَ فِيهِ ثَلْجٌ فَإِنَّهُ يَبْقَى مَا أَحَاطَ بِهِ مَاءٌ وَهُوَ هَوَاءٌ اسْتَحَالَ مَاءً وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ مَاءِ السَّمَاءِ فَعُلِمَ أَنَّهُ مُمْكِنٌ أَنْ يَكُونَ فِي الْأَرْضِ مَاءٌ لَيْسَ مِنْ السَّمَاءِ فَلَا يُجْزَمُ بِأَنَّ جَمِيعَ الْمِيَاهِ مِنْ مَاءِ السَّمَاءِ وَإِنْ كَانَ غَالِبُهَا مِنْ مَاءِ السَّمَاءِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(16/17)

وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ تَقِيُّ الدِّينِ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَد بْنُ عَبْدِ الْحَلِيمِ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ بْنِ تَيْمِيَّة الْحَرَّانِي - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ -:
فَصْلٌ:
فِي قَوْله تَعَالَى {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} {وَأَنِيبُوا إلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ} . وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ فِي حَقِّ التَّائِبِينَ وَأَمَّا آيَتَا النِّسَاءِ قَوْلُهُ: {إنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} فَلَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ فِي حَقِّ التَّائِبِينَ كَمَا يَقُولُهُ مَنْ يَقُولُهُ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ فَإِنَّ التَّائِبَ مِنْ الشِّرْكِ يُغْفَرُ لَهُ الشِّرْكُ أَيْضًا بِنُصُوصِ الْقُرْآنِ وَاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ. وَهَذِهِ الْآيَةُ فِيهَا تَخْصِيصٌ وَتَقْيِيدٌ وَتِلْكَ الْآيَةُ فِيهَا تَعْمِيمٌ وَإِطْلَاقٌ هَذِهِ خَصَّ فِيهَا الشِّرْكَ بِأَنَّهُ لَا يَغْفِرُهُ وَمَا عَدَاهُ لَمْ يَجْزِمْ بِمَغْفِرَتِهِ؛ بَلْ عَلَّقَهُ بِالْمَشِيئَةِ فَقَالَ: {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} .
(16/18)

وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ أَنَّ هَذِهِ كَمَا تَرُدُّ عَلَى الوعيدية مِنْ الْخَوَارِجِ وَالْمُعْتَزِلَةِ فَهِيَ تَرُدُّ أَيْضًا عَلَى الْمُرْجِئَةِ الواقفية الَّذِينَ يَقُولُونَ: يَجُوزُ أَنْ يُعَذِّبَ كُلَّ فَاسِقٍ فَلَا يَغْفِرُ لِأَحَدِ وَيَجُوزُ أَنْ يَغْفِرَ لِلْجَمِيعِ فَإِنَّهُ قَدْ قَالَ: {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} فَأَثْبَتَ أَنَّ مَا دُونَ ذَلِكَ هُوَ مَغْفُورٌ لَكِنْ لِمَنْ يَشَاءُ فَلَوْ كَانَ لَا يَغْفِرُهُ لِأَحَدِ بَطَلَ قَوْلُهُ: {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ} وَلَوْ كَانَ يَغْفِرُهُ لِكُلِّ أَحَدٍ بَطَلَ قَوْلُهُ: {لِمَنْ يَشَاءُ} فَلَمَّا أَثْبَتَ أَنَّهُ يَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ وَأَنَّ الْمَغْفِرَةَ هِيَ لِمَنْ يَشَاءُ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى وُقُوعِ الْمَغْفِرَةِ الْعَامَّةِ مِمَّا دُونَ الشِّرْكِ؛ لَكِنَّهَا لِبَعْضِ النَّاسِ. وَحِينَئِذٍ فَمَنْ غُفِرَ لَهُ لَمْ يُعَذَّبْ وَمَنْ لَمْ يُغْفَرْ لَهُ عُذِّبَ وَهَذَا مَذْهَبُ الصَّحَابَةِ وَالسَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ وَهُوَ الْقَطْعُ بِأَنَّ بَعْضَ عُصَاةِ الْأُمَّةِ يَدْخُلُ النَّارَ وَبَعْضَهُمْ يُغْفَرُ لَهُ: لَكِنْ هَلْ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الْمُوَازَنَةِ وَالْحِكْمَةِ أَوْ لَا اعْتِبَارَ بِالْمُوَازَنَةِ؟ فِيهِ قَوْلَانِ لِلْمُنْتَسِبِينَ إلَى السُّنَّةِ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ بِنَاءً عَلَى أَصْلِ الْأَفْعَالِ الْإِلَهِيَّةِ هَلْ يُعْتَبَرُ فِيهَا الْحِكْمَةُ وَالْعَدْلُ. وَأَيْضًا فَمَسْأَلَةُ الْجَزَاءِ فِيهَا نُصُوصٌ كَثِيرَةٌ دَلَّتْ عَلَى الْمُوَازَنَةِ كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ. وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّ قَوْلَهُ: {يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا} فِيهِ نَهْيٌ عَنْ الْقُنُوطِ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَإِنْ عَظُمَتْ الذُّنُوبُ وَكَثُرَتْ فَلَا يَحِلُّ لِأَحَدِ أَنْ يَقْنَطَ مِنْ
(16/19)

رَحْمَةِ اللَّهِ وَإِنْ عَظُمَتْ ذُنُوبُهُ وَلَا أَنْ يُقَنِّطَ النَّاسَ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ. قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ إنَّ الْفَقِيهَ كُلَّ الْفَقِيهِ الَّذِي لَا يُؤَيِّسُ النَّاسَ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ وَلَا يُجَرِّئُهُمْ عَلَى مَعَاصِي اللَّهِ.
وَالْقُنُوطُ يَكُونُ بِأَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ لَهُ. إمَّا لِكَوْنِهِ إذَا تَابَ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ تَوْبَتَهُ وَيَغْفِرُ ذُنُوبَهُ وَإِمَّا بِأَنْ يَقُولَ نَفْسُهُ لَا تُطَاوِعُهُ عَلَى التَّوْبَةِ؛ بَلْ هُوَ مَغْلُوبٌ مَعَهَا وَالشَّيْطَانُ قَدْ اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِ فَهُوَ يَيْأَسُ مِنْ تَوْبَةِ نَفْسِهِ وَإِنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ إذَا تَابَ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ وَهَذَا يَعْتَرِي كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ. وَالْقُنُوطُ يَحْصُلُ بِهَذَا تَارَةً وَبِهَذَا تَارَةً: فَالْأَوَّلُ {كَالرَّاهِبِ الَّذِي أَفْتَى قَاتِلَ تِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ أَنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ لَهُ فَقَتَلَهُ وَكَمَّلَ بِهِ مِائَةً ثُمَّ دُلَّ عَلَى عَالِمٍ فَأَتَاهُ فَسَأَلَهُ فَأَفْتَاهُ بِأَنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ تَوْبَتَهُ} . وَالْحَدِيثُ فِي الصَّحِيحَيْنِ. وَالثَّانِي كَاَلَّذِي يَرَى لِلتَّوْبَةِ شُرُوطًا كَثِيرَةً وَيُقَالُ لَهُ لَهَا شُرُوطٌ كَثِيرَةٌ يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ فِعْلُهَا فَيَيْأَسُ مِنْ أَنْ يَتُوبَ.
وَقَدْ تَنَازَعَ النَّاسُ فِي الْعَبْدِ هَلْ يَصِيرُ فِي حَالٍ تَمْتَنِعُ مِنْهُ التَّوْبَةُ إذَا أَرَادَهَا. وَالصَّوَابُ الَّذِي عَلَيْهِ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجُمْهُورُ أَنَّ التَّوْبَةَ مُمْكِنَةٌ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ وَمُمْكِنٌ أَنَّ اللَّهَ يَغْفِرُهُ وَقَدْ فَرَضُوا فِي ذَلِكَ مَنْ تَوَسَّطَ أَرْضًا مَغْصُوبَةً وَمَنْ تَوَسَّطَ جَرْحَى فَكَيْفَمَا تَحَرَّكَ قَتَلَ بَعْضَهُمْ. فَقِيلَ هَذَا لَا طَرِيقَ لَهُ إلَى التَّوْبَةِ. وَالصَّحِيحُ أَنَّ هَذَا إذَا تَابَ قَبِلَ اللَّهُ تَوْبَتَهُ.
(16/20)

أَمَّا مَنْ تَوَسَّطَ الْأَرْضَ الْمَغْصُوبَةَ فَهَذَا خُرُوجُهُ بِنِيَّةِ تَخْلِيَةِ الْمَكَانِ وَتَسْلِيمِهِ إلَى مُسْتَحَقِّهِ لَيْسَ مَنْهِيًّا عَنْهُ وَلَا مُحَرَّمًا؛ بَلْ الْفُقَهَاءُ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ مَنْ غَصَبَ دَارًا وَتَرَكَ فِيهَا قُمَاشَهُ وَمَالَهُ إذَا أُمِرَ بِتَسْلِيمِهَا إلَى مُسْتَحِقِّهَا فَإِنَّهُ يُؤْمَرُ بِالْخُرُوجِ مِنْهَا وَبِإِخْرَاجِ أَهْلِهِ وَمَالِهِ مِنْهَا وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ نَوْعُ تَصَرُّفٍ فِيهَا لَكِنَّهُ لِأَجْلِ إخْلَائِهَا. وَالْمُشْرِكُ إذَا دَخَلَ الْحَرَمَ أُمِرَ بِالْخُرُوجِ مِنْهُ وَإِنْ كَانَ فِيهِ مُرُورٌ فِيهِ وَمِثْلُ هَذَا حَدِيثُ الْأَعْرَابِيِّ الْمُتَّفَقُ عَلَى صِحَّتِهِ لَمَّا بَالَ فِي الْمَسْجِدِ فَقَامَ النَّاسُ إلَيْهِ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {لَا تَزْرِمُوهُ أَيْ لَا تَقْطَعُوا عَلَيْهِ بَوْلَهُ وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَصُبُّوا عَلَى بَوْلِهِ دَلْوًا مِنْ مَاءٍ} . فَهُوَ لَمَّا بَدَأَ بِالْبَوْلِ كَانَ إتْمَامُهُ خَيْرًا مِنْ أَنْ يَقْطَعُوهُ فَيُلَوِّثَ ثِيَابَهُ وَبَدَنَهُ وَلَوْ زَنَى رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ ثُمَّ تَابَ لِنَزْعِ وَلَمْ يَكُنْ مُذْنِبًا بِالنَّزْعِ وَهَلْ هُوَ وَطْءٌ؟ فِيهِ قَوْلَانِ هُمَا رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَد. فَلَوْ حَلَفَ أَنْ لَا يَطَأَ امْرَأَتَهُ بِالطَّلَاقِ الثَّلَاثِ فَاَلَّذِينَ يَقُولُونَ: إنَّهُ يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ الثَّلَاثُ إذَا وَطِئَهَا تَنَازَعُوا هَلْ يَجُوزُ لَهُ وَطْؤُهَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ: هُمَا رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَد. " أَحَدُهُمَا " يَجُوزُ كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ. و " الثَّانِي " لَا يَجُوزُ كَقَوْلِ مَالِكٍ فَإِنَّهُ يَقُولُ: إذَا أَجَزْت الْوَطْءَ لَزِمَ أَنْ يُبَاشِرَهَا فِي حَالِ النَّزْعِ وَهِيَ مُحَرَّمَةٌ وَهَذَا إنَّمَا يُجَوَّزُ لِلضَّرُورَةِ لَا يُجَوِّزُهُ ابْتِدَاءً وَذَلِكَ يَقُولُ النَّزْعُ لَيْسَ بِمُحَرَّمِ.
(16/21)

وَكَذَلِكَ الَّذِينَ يَقُولُونَ إذَا طَلَعَ عَلَيْهِ الْفَجْرُ وَهُوَ مُولِجٌ فَقَدْ جَامَعَ لَهُمْ فِي النَّزْعِ قَوْلَانِ: فِي مَذْهَبِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ وَأَمَّا عَلَى مَا نَصَرْنَاهُ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْمَسَائِلِ فَإِنَّ الْحَالِفَ إذَا حَنِثَ يُكَفِّرُ يَمِينَهُ وَلَا يَلْزَمُهُ الطَّلَاقُ الثَّلَاثُ وَمَا فَعَلَهُ النَّاسُ حَالَ التَّبَيُّنِ مِنْ أَكْلٍ وَجِمَاعٍ فَلَا بَأْسَ بِهِ لِقَوْلِهِ: (حَتَّى) . وَالْمَقْصُودُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَقْنَطَ أَحَدٌ وَلَا يُقَنِّطَ أَحَدًا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ نَهَى عَنْ ذَلِكَ وَأَخْبَرَ أَنَّهُ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا. فَإِنْ قِيلَ قَوْلُهُ: {إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا} مَعَهُ عُمُومٌ عَلَى وَجْهِ الْإِخْبَارِ فَدَلَّ أَنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ كُلَّ ذَنْبٍ؛ وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ أَنَّ مَنْ أَذْنَبَ مِنْ كَافِرٍ وَغَيْرِهِ فَإِنَّهُ يَغْفِرُ لَهُ وَلَا يُعَذِّبُهُ لَا فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ فَإِنَّ هَذَا خِلَافُ الْمَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ وَالتَّوَاتُرِ وَالْقُرْآنِ وَالْإِجْمَاعِ؛ إذْ كَانَ اللَّهُ أَهْلَكَ أُمَمًا كَثِيرَةً بِذُنُوبِهَا وَمِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ مَنْ عُذِّبَ بِذُنُوبِهِ إمَّا قَدَرًا وَإِمَّا شَرْعًا فِي الدُّنْيَا قَبْلَ الْآخِرَةِ. وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ} وَقَالَ: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ} {وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} فَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ لَيْسَتْ عَلَى ظَاهِرِهَا؛ بَلْ الْمُرَادُ أَنَّ اللَّهَ قَدْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا. أَيْ ذَلِكَ مِمَّا قَدْ يَفْعَلُهُ أَوْ أَنَّهُ يَغْفِرُهُ لِكُلِّ تَائِبٍ لَكِنْ يُقَالُ: فَلِمَ أَتَى بِصِيغَةِ الْجَزْمِ وَالْإِطْلَاقِ فِي مَوْضِعِ التَّرَدُّدِ وَالتَّقْيِيدِ؟ قِيلَ بَلْ
(16/22)

الْآيَةُ عَلَى مُقْتَضَاهَا فَإِنَّ اللَّهَ أَخْبَرَ أَنَّهُ يَغْفِرُ جَمِيعَ الذُّنُوبِ وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ يَغْفِرُ لِكُلِّ مُذْنِبٍ؛ بَلْ قَدْ ذَكَرَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ أَنَّهُ لَا يَغْفِرُ لِمَنْ مَاتَ كَافِرًا فَقَالَ: {إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ} . وَقَالَ فِي حَقِّ الْمُنَافِقِينَ: {سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ} لَكِنَّ هَذَا اللَّفْظَ الْعَامَّ فِي الذُّنُوبِ هُوَ مُطْلَقٌ فِي الْمُذْنِبِينَ. فَالْمُذْنِبُ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ بِنَفْيِ وَلَا إثْبَاتٍ؛ لَكِنْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَغْفُورًا لَهُ وَيَجُوزُ أَنْ لَا يَكُونَ مَغْفُورًا لَهُ. إنْ أَتَى بِمَا يُوجِبُ الْمَغْفِرَةَ غَفَرَ لَهُ وَإِنْ أَصَرَّ عَلَى مَا يُنَاقِضُهَا لَمْ يَغْفِرْ لَهُ. وَأَمَّا جِنْسُ الذَّنْبِ فَإِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُهُ فِي الْجُمْلَةِ: الْكُفْرُ وَالشِّرْكُ وَغَيْرُهُمَا؛ يَغْفِرُهَا لِمَنْ تَابَ مِنْهَا لَيْسَ فِي الْوُجُودِ ذَنْبٌ لَا يَغْفِرُهُ الرَّبُّ تَعَالَى؛ بَلْ مَا مِنْ ذَنَبٍ إلَّا وَاَللَّهُ تَعَالَى يَغْفِرُهُ فِي الْجُمْلَةِ.
وَهَذِهِ آيَةٌ عَظِيمَةٌ جَامِعَةٌ مِنْ أَعْظَمِ الْآيَاتِ نَفْعًا وَفِيهَا رَدٌّ عَلَى طَوَائِفَ رَدٌّ عَلَى مَنْ يَقُولُ إنَّ الدَّاعِيَ إلَى الْبِدْعَةِ لَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ وَيَحْتَجُّونَ بِحَدِيثِ إسْرَائِيلِيٍّ فِيهِ: {أَنَّهُ قِيلَ لِذَلِكَ الدَّاعِيَةِ فَكَيْفَ بِمَنْ أَضْلَلْت؟} وَهَذَا يَقُولُهُ طَائِفَةٌ مِمَّنْ يَنْتَسِبُ إلَى السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ وَلَيْسُوا مِنْ الْعُلَمَاءِ بِذَلِكَ كَأَبِي عَلِيٍّ الْأَهْوَازِيِّ وَأَمْثَالِهِ مِمَّنْ لَا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ
(16/23)

الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ وَالْمَوْضُوعَةِ وَمَا يُحْتَجُّ بِهِ وَمَا لَا يُحْتَجُّ بِهِ؛ بَلْ يَرْوُونَ كُلَّ مَا فِي الْبَابِ مُحْتَجِّينَ بِهِ. وَقَدْ حَكَى هَذَا طَائِفَةٌ قَوْلًا فِي مَذْهَبِ أَحْمَد أَوْ رِوَايَةً عَنْهُ وَظَاهِرُ مَذْهَبِهِ مَعَ مَذَاهِبِ سَائِرِ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُ تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ كَمَا تُقْبَلُ تَوْبَةُ الدَّاعِي إلَى الْكُفْرِ وَتَوْبَةُ مَنْ فَتَنَ النَّاسَ عَنْ دِينِهِمْ. وَقَدْ تَابَ قَادَةُ الْأَحْزَابِ: مِثْلُ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ وَالْحَارِثِ ابْنِ هِشَامٍ وَسُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو وَصَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ وَعِكْرِمَةَ بْنِ أَبِي جَهْلٍ وَغَيْرِهِمْ بَعْدَ أَنْ قُتِلَ عَلَى الْكُفْرِ بِدُعَائِهِمْ مَنْ قُتِلَ وَكَانُوا مَنْ أَحْسَنِ النَّاسِ إسْلَامًا وَغَفَرَ اللَّهُ لَهُمْ. قَالَ تَعَالَى: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ} . وَعَمْرُو بْنُ العاص كَانَ مِنْ أَعْظَمِ الدُّعَاةِ إلَى الْكُفْرِ وَالْإِيذَاءِ لِلْمُسْلِمِينَ وَقَدْ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا أَسْلَمَ {يَا عَمْرُو أَمَا عَلِمْت أَنَّ الْإِسْلَامَ يَجُبُّ مَا كَانَ قَبْلَهُ} وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي قَوْلِهِ: {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ} قَالَ كَانَ نَاسٌ مِنْ الْإِنْسِ يَعْبُدُونَ نَاسًا مِنْ الْجِنِّ فَأَسْلَمَ أُولَئِكَ الْجِنُّ وَالْإِنْسُ يَعْبُدُونَهُمْ. فَفِي هَذَا أَنَّهُ لَمْ يَضُرَّ الَّذِينَ أَسْلَمُوا عِبَادَةَ غَيْرِهِمْ بَعْدَ الْإِسْلَامِ لَهُمْ وَإِنْ كَانُوا هُمْ أَضَلُّوهُمْ أَوَّلًا.
(16/24)

وَأَيْضًا فَالدَّاعِي إلَى الْكُفْرِ وَالْبِدْعَةِ وَإِنْ كَانَ أَضَلَّ غَيْرَهُ فَذَلِكَ الْغَيْرُ يُعَاقَبُ عَلَى ذَنْبِهِ؛ لِكَوْنِهِ قَبِلَ مِنْ هَذَا وَاتَّبَعَهُ وَهَذَا عَلَيْهِ وِزْرُهُ وَوِزْرُ مَنْ اتَّبَعَهُ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَعَ بَقَاءِ أَوْزَارِ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ فَإِذَا تَابَ مِنْ ذَنْبِهِ لَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ وِزْرُهُ وَلَا مَا حَمَلَهُ هُوَ لِأَجْلِ إضْلَالِهِمْ وَأَمَّا هُمْ فَسَوَاءٌ تَابَ أَوْ لَمْ يَتُبْ حَالُهُمْ وَاحِدٌ؛ وَلَكِنَّ تَوْبَتَهُ قَبْلَ هَذَا تَحْتَاجُ إلَى ضِدِّ مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ الدُّعَاءِ إلَى الْهُدَى كَمَا تَابَ كَثِيرٌ مِنْ الْكُفَّارِ وَأَهْلُ الْبِدَعِ وَصَارُوا دُعَاةً إلَى الْإِسْلَامِ وَالسُّنَّةِ. وَسَحَرَةُ فِرْعَوْنَ كَانُوا أَئِمَّةً فِي الْكُفْرِ ثُمَّ أَسْلَمُوا وَخَتَمَ اللَّهُ لَهُمْ بِخَيْرِ. وَمِنْ ذَلِكَ تَوْبَةُ قَاتِلِ النَّفْسِ. وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهَا مَقْبُولَةٌ؛ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لَا تُقْبَلُ؛ وَعَنْ أَحْمَد رِوَايَتَانِ. وَحَدِيثُ قَاتِلِ التِّسْعَةِ وَالتِّسْعِينَ فِي الصَّحِيحَيْنِ دَلِيلٌ عَلَى قَبُولِ تَوْبَتِهِ وَهَذِهِ الْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ وَآيَةُ النِّسَاءِ إنَّمَا فِيهَا وَعِيدٌ فِي الْقُرْآنِ كَقَوْلِهِ: {إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا} وَمَعَ هَذَا فَهَذَا إذَا لَمْ يَتُبْ. وَكُلُّ وَعِيدٍ فِي الْقُرْآنِ فَهُوَ مَشْرُوطٌ بِعَدَمِ التَّوْبَةِ بِاتِّفَاقِ النَّاسِ فَبِأَيِّ وَجْهٍ يَكُونُ وَعِيدُ الْقَاتِلِ لَاحِقًا بِهِ وَإِنْ تَابَ؟ هَذَا فِي غَايَةِ الضَّعْفِ؟ وَلَكِنْ قَدْ يُقَالُ لَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَسْقُطُ حَقُّ الْمَظْلُومِ بِالْقَتْلِ؛ بَلْ التَّوْبَةُ تُسْقِطُ حَقَّ اللَّهِ وَالْمَقْتُولُ مُطَالِبُهُ بِحَقِّهِ وَهَذَا صَحِيحٌ فِي جَمِيعِ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ حَتَّى الدَّيْنِ فَإِنَّ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ
(16/25)

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: {الشَّهِيدُ يُغْفَرُ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ إلَّا الدَّيْنُ} لَكِنَّ حَقَّ الْآدَمِيِّ يُعْطَاهُ مِنْ حَسَنَاتِ الْقَاتِلِ. فَمِنْ تَمَامِ التَّوْبَةِ أَنْ يَسْتَكْثِرَ مِنْ الْحَسَنَاتِ حَتَّى يَكُونَ لَهُ مَا يُقَابِلُ حَقَّ الْمَقْتُولِ وَلَعَلَّ ابْنَ عَبَّاسٍ رَأَى أَنَّ الْقَتْلَ أَعْظَمُ الذُّنُوبِ بَعْدَ الْكُفْرِ فَلَا يَكُونُ لِصَاحِبِهِ حَسَنَاتٌ تُقَابِلُ حَقَّ الْمَقْتُولِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَبْقَى لَهُ سَيِّئَاتٌ يُعَذَّبُ بِهَا وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ قَدْ يَقَعُ مِنْ بَعْضِ النَّاسِ فَيَبْقَى الْكَلَامُ فِيمَنْ تَابَ وَأَخْلَصَ: وَعَجَزَ عَنْ حَسَنَاتٍ تُعَادِلُ حَقَّ الْمَظْلُومِ هَلْ يُجْعَلُ عَلَيْهِ مِنْ سَيِّئَاتِ الْمَقْتُولِ مَا يُعَذَّبُ بِهِ؟ وَهَذَا مَوْضِعٌ دَقِيقٌ عَلَى مِثْلِهِ يُحْمَلُ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ لَكِنَّ هَذَا كُلَّهُ لَا يُنَافِي مُوجَبَ الْآيَةِ وَهُوَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَغْفِرُ كُلَّ ذَنْبٍ الشِّرْكَ وَالْقَتْلَ وَالزِّنَا وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ فَهِيَ عَامَّةٌ فِي الْأَفْعَالِ مُطْلَقَةٌ فِي الْأَشْخَاصِ. وَمِثْلُ هَذَا قَوْلُهُ: {اُقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} عَامٌّ فِي الْأَشْخَاصِ مُطْلَقٌ فِي أَحْوَالِ. . . (1) الْأَرْجُلِ؛ إذْ قَدْ تَكُونُ مَسْتُورَةً بِالْخُفِّ وَاللَّفْظُ لَمْ يَتَعَرَّضْ إلَى الْأَحْوَالِ. وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ} عَامٌّ فِي الْأَوْلَادِ عَامٌّ فِي الْأَحْوَالِ؟ إذْ قَدْ يَكُونُ الْوَلَدُ مُوَافِقًا فِي الدِّينِ وَمُخَالِفًا وَحُرًّا وَعَبْدًا. وَاللَّفْظُ لَمْ يَتَعَرَّضْ إلَى الْأَحْوَالِ.
_________

[تعليق مُعِدّ الكتاب للشاملة]
(1) سقط بالأصل
قال الشيخ ناصر بن حمد الفهد (ص 137) :
والذي يظهر أن العبارة مع السقط هي: (" فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ " عام في الأشخاص مطلق في أحوال [المشركين، وكذلك قوله تعالى: " وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ " فهذا عام في الأرجل مطلق في أحوال] الأرجل، إذ قد تكون مستورة بالخف. . .) (1) .
تنبيه:
بعد هذا بسطر قال (وكذلك قوله: " يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ " عام في الأولاد عام في الأحوال) ، وهو - والله أعلم - وهم من الناسخ، وصوابه (عام في الأولاد مطلق في الأحوال) .

(1) انظر المنهاج: 4 / 179.
(16/26)

وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: {يَغْفِرُ الذُّنُوبَ} عَامٌّ فِي الذُّنُوبِ مُطْلَقٌ فِي أَحْوَالِهَا؛ فَإِنَّ الذَّنْبَ قَدْ يَكُونُ صَاحِبُهُ تَائِبًا مِنْهُ وَقَدْ يَكُونُ مُصِرًّا وَاللَّفْظُ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِذَلِكَ بَلْ الْكَلَامُ يُبَيِّنُ أَنَّ الذَّنْبَ يُغْفَرُ فِي حَالٍ دُونَ حَالٍ فَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ بِفِعْلِ مَا تُغْفَرُ بِهِ الذُّنُوبُ وَنَهَى عَمَّا بِهِ يَحْصُلُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِلَا مَغْفِرَةٍ فَقَالَ: {وَأَنِيبُوا إلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ} {وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ} {أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ} {أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} {أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} {بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ} فَهَذَا إخْبَارٌ أَنَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُعَذِّبُ نُفُوسًا لَمْ يَغْفِرْ لَهَا كَاَلَّتِي كَذَّبَتْ بِآيَاتِهِ وَاسْتَكْبَرَتْ وَكَانَتْ مِنْ الْكَافِرِينَ وَمِثْلُ هَذِهِ الذُّنُوبِ غَفَرَهَا اللَّهُ لِآخَرِينَ لِأَنَّهُمْ تَابُوا مِنْهَا. فَإِنْ قِيلَ فَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ} وَقَالَ تَعَالَى: {إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا} ؟ قِيلَ: إنَّ الْقُرْآنَ قَدْ بَيَّنَ تَوْبَةَ الْكَافِرِ وَإِنْ كَانَ قَدْ ارْتَدَّ ثُمَّ عَادَ إلَى الْإِسْلَامِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ
(16/27)

وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ. أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} {خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ} {إلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} وَقَوْلُهُ: {كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ} أَيْ أَنَّهُ لَا يَهْدِيهِمْ مَعَ كَوْنِهِمْ مُرْتَدِّينَ ظَالِمِينَ؛ وَلِهَذَا قَالَ: {وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} فَمَنْ ارْتَدَّ عَنْ دِينِ الْإِسْلَامِ لَمْ يَكُنْ إلَّا ضَالًّا لَا يَحْصُلُ لَهُ الْهُدَى إلَى أَيِّ دِينٍ ارْتَدَّ. " وَالْمَقْصُودُ " أَنَّ هَؤُلَاءِ لَا يَهْدِيهِمْ اللَّهُ وَلَا يَغْفِرُ لَهُمْ إلَّا أَنْ يَتُوبُوا. وَكَذَلِكَ قَالَ فِي قَوْلِهِ: {مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إيمَانِهِ إلَّا مَنْ أُكْرِهَ} وَمَنْ كَفَرَ بِاَللَّهِ مِنْ بَعْدِ إيمَانِهِ مِنْ غَيْرِ إكْرَاهٍ فَهُوَ مُرْتَدٌّ قَالَ: {ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} . وَهُوَ سُبْحَانَهُ فِي آلِ عِمْرَانَ ذَكَرَ الْمُرْتَدِّينَ ثُمَّ ذَكَرَ التَّائِبِينَ مِنْهُمْ ثُمَّ ذَكَرَ مَنْ لَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ وَمَنْ مَاتَ كَافِرًا؛ فَقَالَ: {إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ} {إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ} . وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ لَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُمْ قَدْ ذَكَرُوا فِيهِمْ أَقْوَالًا: قِيلَ لِنِفَاقِهِمْ وَقِيلَ
(16/28)

لِأَنَّهُمْ تَابُوا مِمَّا دُونَ الشِّرْكِ وَلَمْ يَتُوبُوا مِنْهُ وَقِيلَ لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ بَعْدَ الْمَوْتِ وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ كَالْحَسَنِ وقتادة وَعَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ والسدي: لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ حِينَ يَحْضُرُهُمْ الْمَوْتُ فَيَكُونُ هَذَا كَقَوْلِهِ: {وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ} . وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: {إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا} قَالَ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُ مِنْ الْمُفَسِّرِينَ: ازْدَادُوا كُفْرًا ثَبَتُوا عَلَيْهِ حَتَّى مَاتُوا. قُلْت: وَذَلِكَ لِأَنَّ التَّائِبَ رَاجِعٌ عَنْ الْكُفْرِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَإِنَّهُ مُسْتَمِرٌّ يَزْدَادُ كُفْرًا بَعْدَ كُفْرٍ فَقَوْلُهُ: {ثُمَّ ازْدَادُوا} بِمَنْزِلَةِ قَوْلِ الْقَائِلِ ثُمَّ أَصَرُّوا عَلَى الْكُفْرِ وَاسْتَمَرُّوا عَلَى الْكُفْرِ وَدَامُوا عَلَى الْكُفْرِ فَهُمْ كَفَرُوا بَعْدَ إسْلَامِهِمْ ثُمَّ زَادَ كُفْرُهُمْ مَا نَقَصَ فَهَؤُلَاءِ لَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُمْ وَهِيَ التَّوْبَةُ عِنْدَ حُضُورِ الْمَوْتِ؛ لِأَنَّ مَنْ تَابَ قَبْلَ حُضُورِ الْمَوْتِ فَقَدْ تَابَ مِنْ قَرِيبٍ وَرَجَعَ عَنْ كُفْرِهِ فَلَمْ يَزْدَدْ بَلْ نَقَصَ؛ بِخِلَافِ الْمُصِرِّ إلَى حِينِ الْمُعَايَنَةِ فَمَا بَقِيَ لَهُ زَمَانٌ يَقَعُ لِنَقْصِ كُفْرِهِ فَضْلًا عَنْ هَدْمِهِ. وَفِي الْآيَةِ الْأُخْرَى قَالَ: {لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ} وَذَكَرَ أَنَّهُمْ
(16/29)

آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا قِيلَ لِأَنَّ الْمُرْتَدَّ إذَا تَابَ غُفِرَ لَهُ كُفْرُهُ فَإِذَا كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ وَمَاتَ كَافِرًا حَبِطَ إيمَانُهُ فَعُوقِبَ بِالْكُفْرِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: {قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنُؤَاخَذُ بِمَا عَمِلْنَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ؟ فَقَالَ: مَنْ أَحْسَنَ فِي الْإِسْلَامِ لَمْ يُؤَاخَذْ بِمَا عَمِلَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَمَنْ أَسَاءَ فِي الْإِسْلَامِ أُخِذَ بِالْأَوَّلِ وَالْآخِرِ} فَلَوْ قَالَ: إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنْ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ كَانَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ ذَكَرَهُمْ فِي آلِ عِمْرَانَ فَقَالَ: {إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ} بَلْ ذَكَرَ أَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا بَعْدَ ذَلِكَ وَهُوَ الْمُرْتَدُّ التَّائِبُ؛ فَهَذَا إذَا كَفَرَ وَازْدَادَ كُفْرًا لَمْ يُغْفَرْ لَهُ كُفْرُهُ السَّابِقُ أَيْضًا فَلَوْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا لَمْ يَكُونُوا قَدْ ازْدَادُوا كُفْرًا فَلَا يَدْخُلُونَ فِي الْآيَةِ. وَالْفُقَهَاءُ إذَا تَنَازَعُوا فِي قَبُولِ تَوْبَةِ مَنْ تَكَرَّرَتْ رِدَّتُهُ أَوْ قَبُولِ تَوْبَةِ الزِّنْدِيقِ فَذَاكَ إنَّمَا هُوَ فِي الْحُكْمِ الظَّاهِرِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُوثَقُ بِتَوْبَتِهِ أَمَّا إذَا قُدِّرَ أَنَّهُ أَخْلَصَ التَّوْبَةَ لِلَّهِ فِي الْبَاطِنِ فَإِنَّهُ يَدْخُلُ فِي قَوْلِهِ: {يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} . وَنَحْنُ حَقِيقَةُ قَوْلِنَا أَنَّ التَّائِبَ لَا يُعَذَّبُ لَا فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ
(16/30)

لَا شَرْعًا وَلَا قَدَرًا وَالْعُقُوبَاتُ الَّتِي تُقَامُ مِنْ حَدٍّ أَوْ تَعْزِيرٍ إمَّا أَنْ يَثْبُتَ سَبَبُهَا بِالْبَيِّنَةِ مِثْلَ قِيَامِ الْبَيِّنَةِ بِأَنَّهُ زَنَى أَوْ سَرَقَ أَوْ شَرِبَ فَهَذَا إذَا أَظْهَرَ التَّوْبَةَ لَمْ يُوثَقْ بِهَا وَلَوْ دُرِئَ الْحَدُّ بِإِظْهَارِ هَذَا لَمْ يَقُمْ حَدٌّ فَإِنَّهُ كُلُّ مَنْ تُقَامُ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ يَقُولُ قَدْ تُبْت وَإِنْ كَانَ تَائِبًا فِي الْبَاطِنِ كَانَ الْحَدُّ مُكَفِّرًا وَكَانَ مَأْجُورًا عَلَى صَبْرِهِ وَأَمَّا إذَا جَاءَ هُوَ بِنَفْسِهِ فَاعْتَرَفَ وَجَاءَ تَائِبًا فَهَذَا لَا يَجِبُ أَنْ يُقَامَ عَلَيْهِ الْحَدُّ فِي ظَاهِرِ مَذْهَبِ أَحْمَد نَصَّ عَلَيْهِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ وَهِيَ مِنْ مَسَائِلِ التَّعْلِيقِ وَاحْتَجَّ عَلَيْهَا الْقَاضِي بِعِدَّةِ أَحَادِيثَ وَحَدِيثِ الَّذِي قَالَ: {أَصَبْت حَدًّا فَأَقِمْهُ عَلَيَّ فَأُقِيمَتْ الصَّلَاةُ} يَدْخُلُ فِي هَذَا لِأَنَّهُ جَاءَ تَائِبًا وَإِنْ شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ كَمَا شَهِدَ بِهِ مَاعِزٌ والغامدية وَاخْتَارَ إقَامَةَ الْحَدِّ أُقِيمَ عَلَيْهِ وَإِلَّا فَلَا. كَمَا فِي حَدِيثِ مَاعِزٍ: {فَهَلَّا تَرَكْتُمُوهُ؟} والغامدية رَدَّهَا مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ. فَالْإِمَامُ وَالنَّاسُ لَيْسَ عَلَيْهِمْ إقَامَةُ الْحَدِّ عَلَى مِثْلِ هَذَا؛ وَلَكِنْ هُوَ إذَا طَلَبَ ذَلِكَ أُقِيمَ عَلَيْهِ كَاَلَّذِي يُذْنِبُ سِرًّا وَلَيْسَ عَلَى أَحَدٍ أَنْ يُقِيمَ عَلَيْهِ حَدًّا: لَكِنْ إذَا اخْتَارَ هُوَ أَنْ يَعْتَرِفَ وَيُقَامَ عَلَيْهِ الْحَدُّ أُقِيمَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَائِبًا وَهَذَا كَقَتْلِ الَّذِي يَنْغَمِسُ فِي الْعَدُوِّ هُوَ مِمَّا يَرْفَعُ اللَّهُ بِهِ دَرَجَتَهُ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ تَابَهَا صَاحِبُ مُكْسٍ لَغُفِرَ لَهُ وَهَلْ وَجَدْت أَفْضَلَ مِنْ أَنْ جَادَتْ بِنَفْسِهَا لِلَّهِ} . وَقَدْ قِيلَ فِي مَاعِزٍ إنَّهُ رَجَعَ عَنْ الْإِقْرَارِ وَهَذَا هُوَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ
(16/31)

فِيهِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ؛ وَهُوَ ضَعِيفٌ وَالْأَوَّلُ أَجْوَدُ. وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: سَقَطَ الْحَدُّ لِكَوْنِهِ رَجَعَ عَنْ الْإِقْرَارِ وَيَقُولُونَ رُجُوعُهُ عَنْ الْإِقْرَارِ مَقْبُولٌ وَهُوَ ضَعِيفٌ؛ بَلْ فَرْقٌ بَيْنَ مَنْ أَقَرَّ تَائِبًا وَمَنْ أَقَرَّ غَيْرَ تَائِبٍ فَإِسْقَاطُ الْعُقُوبَةِ بِالتَّوْبَةِ - كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ النُّصُوصُ - أَوْلَى مِنْ إسْقَاطِهَا بِالرُّجُوعِ عَنْ الْإِقْرَارِ؛ وَالْإِقْرَارُ شَهَادَةٌ مِنْهُ عَلَى نَفْسِهِ؛ وَلَوْ قَبِلَ الرُّجُوعَ لَمَا قَامَ حَدٌّ بِإِقْرَارِ فَإِذَا لَمْ تُقْبَلْ التَّوْبَةُ بَعْدَ الْإِقْرَارِ مَعَ أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ صَادِقًا فَالرُّجُوعُ الَّذِي هُوَ فِيهِ كَاذِبٌ أَوْلَى. آخِرُهُ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا إلَى يَوْمِ الدِّينِ.
(16/32)

وَسُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
عَنْ قَوْله تَعَالَى {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ} . قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: مَاتَ مِنْ الْفَزَعِ وَشِدَّةِ الصَّوْتِ {مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إلَّا مَنْ شَاءَ} (*) . أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَتْحِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْكُوفِيُّ الصُّوفِيُّ أَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ التَّمِيمِيُّ ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إسْحَاقَ الرَّمْلِيُّ ثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ ثَنَا إسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ {رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ سَأَلَ جِبْرِيلَ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ} مِنْ الَّذِي لَمْ يَشَأْ اللَّهُ أَنْ يَصْعَقَهُمْ؟ قَالَ: هُمْ الشُّهَدَاءُ مُتَقَلِّدِينَ سُيُوفَهُمْ حَوْلَ الْعَرْشِ} وَهَذَا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَعَطَاءٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ والسدي وَالْكَلْبِيُّ: هُوَ جِبْرِيلُ وميكائيل وَإِسْرَافِيلُ وَمَلَكُ الْمَوْتِ. {ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ} يَعْنِي الْخَلْقَ كُلُّهُمْ قِيَامٌ عَلَى أَرْجُلِهِمْ {يُنْظَرُونَ} مَا يُقَالُ لَهُمْ وَمَا يُؤْمَرُونَ بِهِ. هَذَا كَلَامُ الْوَاحِدِيِّ فِي " كِتَابِ الْوَسِيطِ ". بَيِّنُوا لَنَا
__________

[تعليق مُعِدّ الكتاب للشاملة]
(*) قال الشيخ ناصر بن حمد الفهد (ص 138) :
هنا ثلاثة أمور:
الأول: أن هذه فتوى مكررة، سبق أن ذكرت في: (4 / 259 - 261) ، ولكن اختصر السؤال هناك، وفصله هنا.
الثاني: أنه حصل بعض السقط هنا: ويتضح بمقابلة الفتوى هناك، والسقط في موضعين:
1 - في ص 34: السطر السابع: (أتباع أرسطوا ممن زعم أن الملائكة هي العقول) ، حصل هنا سقط بسبب انتقال النظر، والعبارة كاملة كما في 4 / 259:
(أتباع أرسطو وأمثالهم، [ومن دخل معهم من المنتسبين إلى الإسلام، أو اليهود، والنصارى، كأصحاب رسائل إخوان الصفا] وأمثالهم ممن زعم أن الملائكة هي العقول) .
2 - في ص 35: السطر السابع: بعد قوله (فإذا فزع عن قلوبهم) سقط تفسير ذلك وهو قوله: (أي أزال الفزع عن قلوبهم) كما في 4 / 260.
الثالث: في آخر الفتوى ورد قوله: (لم يمكنا أن نجزم بذلك، وصار هذا مثل العلم بقرب الساعة وأعيان الأنبياء وأمثال ذلك مما لم يخبر به) ، وعبارة (بقرب الساعة) هنا تصحيف والصواب (بوقت الساعة) كما في 4 / 261، وذلك لأن قرب الساعة معلوم، والمجهول وقتها.
(16/33)

حَقِيقَةَ الصعوق هَلْ يُطْلَقُ عَلَى الْمَوْتِ فِي حَقِّ الْمَذْكُورِينَ؟ . وَحَقِيقَةَ الِاسْتِثْنَاءِ؟
فَأَجَابَ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ، الَّذِي عَلَيْهِ أَكْثَرُ النَّاسِ أَنَّ جَمِيعَ الْخَلْقِ يَمُوتُونَ حَتَّى الْمَلَائِكَةُ وَحَتَّى عِزْرَائِيلُ مَلَكُ الْمَوْتِ. وَرُوِيَ فِي ذَلِكَ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَالْمُسْلِمُونَ وَالْيَهُودُ وَالنَّصَارَى مُتَّفِقُونَ عَلَى إمْكَانِ ذَلِكَ وَقُدْرَةِ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا يُخَالِفُ فِي ذَلِكَ طَوَائِفُ مِنْ الْمُتَفَلْسِفَةِ أَتْبَاعِ أَرِسْطُو وَأَمْثَالِهِمْ مِمَّنْ زَعَمَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ هِيَ الْعُقُولُ وَالنُّفُوسُ وَأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ مَوْتُهَا بِحَالِ؛ بَلْ هِيَ عِنْدَهُمْ آلِهَةُ وَأَرْبَابُ هَذَا الْعَالَمِ. وَالْقُرْآنُ وَسَائِرُ الْكُتُبِ تَنْطِقُ بِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ عَبِيدٌ مدبرون كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ: {لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إلَيْهِ جَمِيعًا} . وَقَالَ تَعَالَى: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ} {لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ} {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إلَّا لِمَنِ ارْتَضَى} وَقَالَ تَعَالَى: {وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى} . وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُمِيتَهُمْ ثُمَّ يُحْيِيَهُمْ كَمَا هُوَ قَادِرٌ
(16/34)

عَلَى إمَاتَةِ الْبَشَرِ وَالْجِنِّ ثُمَّ إحْيَائِهِمْ وَقَدْ قَالَ سُبْحَانَهُ: {وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} وَقَدْ ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ وَعَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ أَنَّهُ قَالَ: {إنَّ اللَّهَ إذَا تَكَلَّمَ بِالْوَحْيِ أَخَذَ الْمَلَائِكَةَ غَشْيٌ} وَفِي رِوَايَةٍ: {إذَا سَمِعَتْ الْمَلَائِكَةُ كَلَامَهُ صُعِقُوا} وَفِي رِوَايَةٍ {سَمِعَتْ الْمَلَائِكَةُ كَجَرِّ السِّلْسِلَةِ عَلَى صَفْوَانٍ فَيُصْعَقُونَ فَإِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا: مَاذَا قَالَ: رَبُّكُمْ؟ قَالُوا: الْحَقَّ فَيُنَادُونَ: الْحَقَّ الْحَقَّ} . فَقَدْ أَخْبَرَ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ أَنَّهُمْ يُصْعَقُونَ صعوق الْغَشْيِ فَإِذَا جَازَ عَلَيْهِمْ صعوق الْغَشْيِ جَازَ عَلَيْهِمْ صعوق الْمَوْتِ وَهَؤُلَاءِ الْمُتَفَلْسِفَةُ لَا يُجَوِّزُونَ لَا هَذَا وَلَا هَذَا وصعوق الْغَشْيِ هُوَ مِثْلُ صعوق مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ. قَالَ تَعَالَى: {فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا} وَالْقُرْآنُ قَدْ أَخْبَرَ بِثَلَاثِ نَفَخَاتٍ: نَفْخَةِ الْفَزَعِ ذَكَرَهَا فِي سُورَةِ النَّمْلِ فِي قَوْلِهِ: {وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ} . وَنَفْخَةِ الصَّعْقِ وَالْقِيَامِ ذَكَرَهُمَا فِي قَوْلِهِ: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ
(16/35)

فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ} . وَأَمَّا الِاسْتِثْنَاءُ فَهُوَ مُتَنَاوِلٌ لِمَنْ فِي الْجَنَّةِ مِنْ الْحُورِ الْعِينِ فَإِنَّ الْجَنَّةَ لَيْسَ فِيهَا مَوْتٌ وَمُتَنَاوِلٌ لِغَيْرِهِمْ وَلَا يُمْكِنُ الْجَزْمُ بِكُلِّ مَنْ اسْتَثْنَاهُ اللَّهُ فَإِنَّ اللَّهَ أَطْلَقَ فِي كِتَابِهِ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: {إنَّ النَّاسَ يُصْعَقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُفِيقُ فَأَجِدُ مُوسَى آخِذًا بِسَاقِ الْعَرْشِ فَلَا أَدْرِي هَلْ أَفَاقَ قَبْلِي أَمْ كَانَ مِمَّنْ اسْتَثْنَاهُ اللَّهُ؟} وَهَذِهِ الصَّعْقَةُ قَدْ قِيلَ إنَّهَا رَابِعَةٌ وَقِيلَ إنَّهَا مِنْ الْمَذْكُورَاتِ فِي الْقُرْآنِ؛ وَبِكُلِّ حَالٍ النَّبِيُّ: صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ تَوَقَّفَ فِي مُوسَى هَلْ هُوَ دَاخِلٌ فِي الِاسْتِثْنَاءِ فِيمَنْ اسْتَثْنَاهُ اللَّهُ أَمْ لَا؟ فَإِذَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَجْزِمْ بِكُلِّ مَنْ اسْتَثْنَاهُ اللَّهُ لَمْ يُمْكِنَّا أَنْ نَجْزِمَ بِذَلِكَ وَصَارَ هَذَا مِثْلُ الْعِلْمِ بِقُرْبِ السَّاعَةِ وَأَعْيَانِ الْأَنْبِيَاءِ وَأَمْثَالُ ذَلِكَ مِمَّا لَمْ يُخْبِرْ بِهِ وَهَذَا الْعِلْمُ لَا يُنَالُ إلَّا بِالْخَبَرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا.
(16/36)

سُورَةُ الشُّورَى
وَقَالَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
قَدْ كَتَبْت بَعْضَ مَا يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} إلَى قَوْلِهِ: {وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} فَمَدَحَهُمْ عَلَى الِانْتِصَارِ تَارَةً وَعَلَى الصَّبْرِ أُخْرَى. و " الْمَقْصُودُ هُنَا " أَنَّ اللَّهَ لَمَّا حَمِدَهُمْ عَلَى هَذِهِ الصِّفَاتِ مِنْ الْإِيمَانِ وَالتَّوَكُّلِ وَمُجَانَبَةِ الْكَبَائِرِ وَالِاسْتِجَابَةِ لِرَبِّهِمْ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَالِاشْتِوَارِ فِي أَمْرِهِمْ وَانْتِصَارِهِمْ إذَا أَصَابَهُمْ الْبَغْيُ وَالْعَفْوُ وَالصَّبْرُ وَنَحْوُ ذَلِكَ كَانَ هَذَا دَلِيلًا عَلَى أَنَّ ضِدَّ هَذِهِ الصِّفَاتِ لَيْسَ مَحْمُودًا بَلْ مَذْمُومًا فَإِنَّ هَذِهِ الصِّفَاتِ مُسْتَلْزِمَةٌ لِعَدَمِ ضِدِّهَا؛ فَلَوْ كَانَ ضِدُّهَا مَحْمُودًا لَكَانَ عَدَمُ الْمَحْمُودِ مَحْمُودًا وَعَدَمُ الْمَحْمُودِ لَا يَكُونُ مَحْمُودًا إلَّا أَنْ يَخْلُفَهُ مَا هُوَ مَحْمُودٌ؛ وَلِأَنَّ حَمْدَهَا وَالثَّنَاءَ عَلَيْهَا طَلَبٌ لَهَا وَأَمْرٌ بِهَا وَلَوْ أَنَّهُ أَمْرُ اسْتِحْبَابٍ وَالْأَمْرُ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ قَصْدًا أَوْ لُزُومًا وَضِدُّ الِانْتِصَارِ الْعَجْزُ وَضِدُّ الصَّبْرِ الْجَزَعُ؛ فَلَا خَيْرَ فِي الْعَجْزِ وَلَا فِي الْجَزَعِ كَمَا نَجِدُهُ فِي حَالِ كَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ حَتَّى بَعْضُ الْمُتَدَيِّنِينَ إذَا ظَلَمُوا أَوْ
(16/37)

أَرَادُوا مُنْكَرًا فَلَا هُمْ يَنْتَصِرُونَ وَلَا يَصْبِرُونَ؛ بَلْ يَعْجِزُونَ وَيَجْزَعُونَ. وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد مِنْ رِوَايَةِ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ {أَنَّ رَجُلَيْنِ تَحَاكَمَا إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ الْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ: حَسْبِي اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ. فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّ اللَّهَ يَلُومُ عَلَى الْعَجْزِ وَلَكِنْ عَلَيْك بِالْكَيْسِ فَإِذَا غَلَبَك أَمْرٌ فَقُلْ: حَسْبِي اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} . وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: {الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إلَى اللَّهِ مِنْ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُك وَاسْتَعِنْ بِاَللَّهِ وَلَا تَعْجِزْ وَإِنْ غَلَبَك أَمْرٌ فَلَا تَقُلْ لَوْ أَنِّي فَعَلْت لَكَانَ كَذَا وَكَذَا وَلَكِنْ قُلْ قَدَّرَ اللَّهُ وَمَا شَاءَ فَعَلَ فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ} . لَا تَعْجِزْ عَنْ مَأْمُورٍ وَلَا تَجْزَعْ مِنْ مَقْدُورٍ وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَجْمَعُ كِلَا الشَّرَّيْنِ؛ فَأَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْحِرْصِ عَلَى النَّافِعِ وَالِاسْتِعَانَةِ بِاَللَّهِ وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ وَإِلَّا فَالِاسْتِحْبَابُ. وَنَهَى عَنْ الْعَجْزِ وَقَالَ: {إنَّ اللَّهَ يَلُومُ عَلَى الْعَجْزِ} وَالْعَاجِزُ ضِدُّ الَّذِينَ هُمْ يَنْتَصِرُونَ وَالْأَمْرُ بِالصَّبْرِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْجَزَعِ مَعْلُومٌ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ. وَذَلِكَ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ: أَمْرٍ أُمِرَ بِفِعْلِهِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَفْعَلَهُ
(16/38)

وَيَحْرِصَ عَلَيْهِ وَيَسْتَعِينَ اللَّهَ وَلَا يَعْجِزُ وَأَمْرٍ أُصِيبَ بِهِ مِنْ غَيْرِ فِعْلِهِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَصْبِرَ عَلَيْهِ وَلَا يَجْزَعَ مِنْهُ؛ وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُ الْعُقَلَاءِ ابْنُ الْمُقَفَّعِ أَوْ غَيْرُهُ الْأَمْرُ أَمْرَانِ: أَمْرٌ فِيهِ حِيلَةٌ فَلَا تَعْجِزْ عَنْهُ وَأَمْرٌ لَا حِيلَةَ فِيهِ فَلَا تَجْزَعْ مِنْهُ. وَهَذَا فِي جَمِيعِ الْأُمُورِ؛ لَكِنْ عِنْدَ الْمُؤْمِنِ الَّذِي فِيهِ حِيلَةٌ هُوَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَأَحَبَّهُ لَهُ؛ فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَأْمُرْهُ إلَّا بِمَا فِيهِ حِيلَةٌ لَهُ إذْ لَا يُكَلِّفُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا وَقَدْ أَمَرَهُ بِكُلِّ خَيْرٍ فِيهِ لَهُ حِيلَةٌ وَمَا لَا حِيلَةَ فِيهِ هُوَ مَا أُصِيبَ بِهِ مِنْ غَيْرِ فِعْلِهِ. وَاسْمُ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ يَتَنَاوَلُ الْقِسْمَيْنِ فَالْأَفْعَالُ مِثْلُ قَوْله تَعَالَى {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إلَّا مِثْلَهَا} وَمِثْلُ قَوْله تَعَالَى {إنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا} وَمِثْلُ قَوْلِهِ: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} وَمِثْلُ قَوْله تَعَالَى {بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ} وَالْمَصَائِبُ الْمُقَدَّرَةُ خَيْرُهَا وَشَرُّهَا مِثْلُ قَوْلِهِ: {وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} . إلَى آيَاتٍ كَثِيرَةٍ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(16/39)

سُورَةُ الزُّخْرُفِ
وَقَالَ:
فَصْلٌ:
قَوْلُهُ: {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ} يُشْبِهُ قَوْلَهُ: {وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ} {وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ} فَيُشْبِهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنْ يَكُونَ ضَرْبُ الْمَثَلِ أَنَّهُمْ جَعَلُوا الْمَسِيحَ ابْنَهُ. وَالْمَلَائِكَةَ بَنَاتَه وَالْوَلَدُ يُشْبِهُ أَبَاهُ فَجَعَلُوهُ لِلَّهِ شَبِيهًا وَنَظِيرًا. أَوْ يَكُونُ الْمَعْنَى فِي الْمَسِيحِ أَنَّهُ مَثَلٌ لِآلِهَتِهِمْ؛ لِأَنَّهُ عُبِدَ مِنْ دُونِ اللَّهِ. فَعَلَى الْأَوَّلِ يَكُونُ ضَارِبُهُ كَضَارِبِ الْمَثَلِ لِلرَّحْمَنِ وَهُمْ النَّصَارَى وَالْمُشْرِكُونَ وَعَلَى الثَّانِي يَكُونُ ضَارِبُهُ هُوَ الَّذِي عَارَضَ بِهِ قَوْلَهُ: {إنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ} فَلَمَّا قَالَ ابْنُ الزبعرى: لَأَخْصِمَن مُحَمَّدًا. فَعَارَضَهُ بِالْمَسِيحِ وَنَاقَضَهُ بِهِ كَانَ قَدْ ضَرَبَهُ مَثَلًا قَاسَ الْآلِهَةَ عَلَيْهِ وَيَتَرَجَّحُ هَذَا بِقَوْلِهِ: {مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إلَّا جَدَلًا} فَعُلِمَ أَنَّهُمْ هُمْ الَّذِينَ
(16/40)

ضَرَبُوهُ لَا النَّصَارَى. فَإِنَّ " الْمَثَلَ " يُقَالُ عَلَى الْأَصْلِ وَعَلَى الْفَرْعِ " وَالْمَثَلُ " يُقَالُ عَلَى الْمُفْرَدِ وَيُقَالُ عَلَى الْجُمْلَةِ الَّتِي هِيَ الْقِيَاسُ كَمَا قَدْ ذَكَرْت فِيمَا تَقَدَّمَ أَنَّ ضَرْبَ الْمَثَلِ هُوَ الْقِيَاسُ أَمَّا قِيَاسُ التَّمْثِيلِ فَيَكُونُ الْمَثَلُ هُوَ الْمُفْرَدُ وَأَمَّا قِيَاسُ الشُّمُولِ فَيَكُونُ تَسْمِيَتُهُ ضَرْبَ مِثْلٍ كَتَسْمِيَتِهِ قِيَاسًا كَمَا بَيَّنْته فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ مِنْ جِهَةِ مُطَابَقَةِ الْمَعَانِي الذِّهْنِيَّةِ لِلْأَعْيَانِ الْخَارِجِيَّةِ وَمُمَاثَلَتِهَا لَهَا وَمِنْ جِهَةِ مُطَابِقَةِ ذَلِكَ الْمُفْرَدِ الْمُعَيَّنِ لِلْمَعْنَى الْعَامِّ الشَّامِلِ لِلْأَفْرَادِ وَلِسَائِرِ الْأَفْرَادِ؛ فَإِنَّ الذِّهْنَ يَرْتَسِمُ فِيهِ مَعْنًى عَامٌّ يُمَاثِلُ الْفَرْدَ الْمُعَيَّنُ وَكُلُّ فَرْدٍ يُمَاثِلُ الْآخَرَ فَصَارَ هَذَا الْمَعْنَى يُمَاثِلُ هَذَا وَكُلٌّ مِنْهُمَا يُمَاثِلُ الْمَعْنَى الْعَامَّ الشَّامِلَ لَهُمَا. وَبِهَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ سُمِّيَ ضَرْبَ مَثَلٍ وَسُمِّيَ قِيَاسًا فَإِنَّ الضَّرْبَ الْجَمْعُ وَالْجَمْعُ فِي الْقَلْبِ وَاللِّسَانِ وَهُوَ الْعُمُومُ وَالشُّمُولُ فَالْجَمْعُ وَالضَّرْبُ وَالْعُمُومُ وَالشُّمُولُ فِي النَّفْسِ مَعْنًى وَلَفْظًا فَإِذَا ضَرَبَ مَثَلًا فَقَدْ صِيغَ عُمُومًا مُطَابِقًا أَوْ صِيغَ مُفْرَدًا مُشَابِهًا؛ فَتَدَبَّرْ هَذَا فَإِنَّهُ حَسَنٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ. وَلَك أَنْ تَقُولَ: كُلُّ إخْبَارٍ بِمَثَلِ صَوَّرَهُ الْمُخْبِرُ فِي النَّفْسِ فَهُوَ ضَرْبُ
(16/41)

مَثَلٍ؛ لِأَنَّ الْمُتَكَلِّمَ جَمَعَ مَثَلًا فِي نَفْسِهِ وَنَفْسِ الْمُسْتَمِعِ بِالْخَبَرِ الْمُطَابِقِ لِلْمُخْبِرِ فَيَكُونُ الْمَثَلُ هُوَ الْخَبَرُ وَهُوَ الْوَصْفُ كَقَوْلِهِ: {مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ} وَقَوْلِهِ: {ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ} . وَبَسْطُ هَذَا اللَّفْظِ وَاشْتِمَالُهُ عَلَى مَحَاسِنِ الْأَحْكَامِ وَالْأَدِلَّةِ قَدْ ذَكَرْته فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
(16/42)

سُورَةُ الْأَحْقَافِ
سَأَلَ رَجُلٌ آخَرُ:
عَنْ قَوْله تَعَالَى {وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إمَامًا وَرَحْمَةً} فَقَالَ: مَا سَمِعْنَا بِنَصِّ الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ أَنَّ مَا قَبْلَ كِتَابِنَا إلَّا الْإِنْجِيلَ فَقَالَ الْآخَرُ: عِيسَى إنَّمَا كَانَ تَبَعًا لِمُوسَى وَالْإِنْجِيلُ إنَّمَا فِيهِ تَوَسُّعٌ فِي الْأَحْكَامِ تَيْسِيرٌ مِمَّا فِي التَّوْرَاةِ فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ رَجُلٌ وَقَالَ: كَانَ لِعِيسَى شَرْعٌ غَيْرُ شَرْعِ مُوسَى وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} قَالَ: فَمَا الْحُكْمُ فِي قَوْلِهِ: {وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إسْرَائِيلَ إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ} ؟ فَقَالَ: لَيْسَتْ هَذِهِ حُجَّةً.
فَأَجَابَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
قَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ أَنَّ عِيسَى قَالَ لَهُمْ: {وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ} فَعُلِمَ أَنَّهُ أَحَلَّ الْبَعْضَ دُونَ الْجَمِيعِ وَأَخْبَرَ عَنْ الْمَسِيحِ أَنَّهُ عَلَّمَهُ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ بِقَوْلِهِ: {وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ} وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّهُ لَوْلَا أَنَّهُ مُتَّبِعٌ لِبَعْضِ مَا فِي التَّوْرَاةِ لَمْ يَكُنْ تَعَلُّمُهَا
(16/43)

لَهُ مِنَّةً أَلَا تَرَى أَنَّا نَحْنُ لَمْ نُؤْمَرْ بِحِفْظِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَإِنْ كَانَ كَثِيرٌ مِنْ شَرَائِعِ الْكِتَابَيْنِ يُوَافِقُ شَرِيعَةَ الْقُرْآنِ فَهَذَا وَغَيْرُهُ يُبَيِّنُ مَا ذَكَرَهُ عُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَنَّ الْإِنْجِيلَ لَيْسَ فِيهِ إلَّا أَحْكَامٌ قَلِيلَةٌ وَأَكْثَرُ الْأَحْكَامِ يَتْبَعُ فِيهَا مَا فِي التَّوْرَاةِ؛ وَبِهَذَا يَحْصُلُ التَّغَايُرُ بَيْنَ الشرعتين. وَلِهَذَا كَانَ النَّصَارَى مُتَّفِقِينَ عَلَى حِفْظِ التَّوْرَاةِ وَتِلَاوَتِهَا كَمَا يَحْفَظُونَ الْإِنْجِيلَ؛ وَلِهَذَا لَمَّا سَمِعَ النَّجَاشِيُّ الْقُرْآنَ قَالَ: إنَّ هَذَا وَاَلَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى لَيَخْرُجُ مِنْ مِشْكَاةٍ وَاحِدَةٍ وَكَذَلِكَ وَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا ذَكَرَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا يَأْتِيهِ قَالَ هَذَا هُوَ النَّامُوسُ الَّذِي كَانَ يَأْتِي مُوسَى. وَكَذَلِكَ قَالَتْ الْجِنُّ: {إنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى} وَقَالَ تَعَالَى: {فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ} قَالُوا سَاحِرَانِ تَظَاهَرَا أَيْ مُوسَى وَمُحَمَّدٌ وَفِي الْقِرَاءَةِ الْأُخْرَى: {سِحْرَانِ تَظَاهَرَا} أَيْ التَّوْرَاةُ وَالْقُرْآنُ. وَكَذَلِكَ قَالَ: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ
(16/44)

مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ} إلَى قَوْلِهِ: {وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ} فَهَذَا وَمَا أَشْبَهَهُ مِمَّا فِيهِ اقْتِرَانُ التَّوْرَاةِ بِالْقُرْآنِ وَتَخْصِيصُهَا بِالذِّكْرِ يُبَيِّنُ مَا ذَكَرُوهُ مِنْ أَنَّ التَّوْرَاةَ هِيَ الْأَصْلُ وَالْإِنْجِيلَ تَبَعٌ لَهَا فِي كَثِيرٍ مِنْ الْأَحْكَامِ وَإِنْ كَانَ مُغَايِرًا لِبَعْضِهَا. فَلِهَذَا يَذْكُرُ الْإِنْجِيلَ مَعَ التَّوْرَاةِ وَالْقُرْآنِ فِي مِثْلِ قَوْلِهِ: {نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ} {مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ} وَقَالَ: {وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ} فَيَذْكُرُ الثَّلَاثَةَ تَارَةً وَيَذْكُرُ الْقُرْآنَ مَعَ التَّوْرَاةِ وَحْدَهَا تَارَةً لِسِرِّ: وَهُوَ أَنَّ الْإِنْجِيلَ مِنْ وَجْهٍ أَصْلٌ وَمِنْ وَجْهٍ تَبَعٌ؛ بِخِلَافِ الْقُرْآنِ مَعَ التَّوْرَاةِ فَإِنَّهُ أَصْلٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ بَلْ هُوَ مُهَيْمِنٌ عَلَى مَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ الْكِتَابِ وَإِنْ كَانَ مُوَافِقًا لِلتَّوْرَاةِ فِي أُصُولِ الدِّينِ وَكُتُبِهِ مِنْ الشَّرَائِعِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(16/45)

سُورَةُ ق
سُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
عَنْ قَوْلِهِ: {يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ} مَا الْمَزِيدُ؟
فَأَجَابَ:
قَدْ قِيلَ إنَّهَا تَقُولُ: {هَلْ مِنْ مَزِيدٍ} أَيْ لَيْسَ فِيَّ مُحْتَمَلٌ لِلزِّيَادَةِ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا تَقُولُ: {هَلْ مِنْ مَزِيدٍ} عَلَى سَبِيلِ الطَّلَبِ أَيْ هَلْ مِنْ زِيَادَةٍ تُزَادُ فِيَّ وَالْمَزِيدُ مَا يَزِيدُهُ اللَّهُ فِيهَا مِنْ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: {لَا تَزَالُ جَهَنَّمَ يُلْقَى فِيهَا وَتَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ حَتَّى يَضَعَ رَبُّ الْعِزَّةِ فِيهَا قَدَمَهُ وَيُرْوَى عَلَيْهَا قَدَمُهُ فَيَنْزَوِي بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ وَتَقُولُ: قَطْ قَطْ} . فَإِذَا قَالَتْ حَسْبِي حَسْبِي كَانَتْ قَدْ اكْتَفَتْ بِمَا أُلْقِيَ فِيهَا وَلَمْ تَقُلْ بَعْدَ ذَلِكَ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ بَلْ تَمْتَلِئُ بِمَا فِيهَا لِانْزِوَاءِ بَعْضِهَا إلَى بَعْضٍ؛ فَإِنَّ اللَّهَ يُضَيِّقُهَا عَلَى مَنْ فِيهَا لِسِعَتِهَا فَإِنَّهُ قَدْ وَعَدَهَا لَيَمْلَأَنهَا
(16/46)

مِنْ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ وَهِيَ وَاسِعَةٌ فَلَا تَمْتَلِئُ حَتَّى يُضَيِّقَهَا عَلَى مَنْ فِيهَا. قَالَ: " وَأَمَّا الْجَنَّةُ فَإِنَّ اللَّهَ يُنْشِئُ لَهَا خَلْقًا فَيُدْخِلُهُمْ الْجَنَّةَ. فَبَيَّنَ أَنَّ الْجَنَّةَ لَا يُضَيِّقُهَا سُبْحَانَهُ بَلْ يُنْشِئُ لَهَا خَلْقًا فَيُدْخِلُهُمْ الْجَنَّةَ لِأَنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الْجَنَّةَ مَنْ لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الْإِحْسَانِ. وَأَمَّا الْعَذَابُ بِالنَّارِ فَلَا يَكُونُ إلَّا لِمَنْ عَصَى فَلَا يُعَذِّبُ أَحَدًا بِغَيْرِ ذَنْبٍ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(16/47)

سُورَةُ الْمُجَادَلَةِ
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
فَصْلٌ:
قَوْله تَعَالَى {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} خَصَّ سُبْحَانَهُ رَفْعَهُ بِالْأَقْدَارِ وَالدَّرَجَاتِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ وَهُمْ الَّذِينَ اسْتَشْهَدَ بِهِمْ فِي قَوْله تَعَالَى {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إلَهَ إلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ} وَأَخْبَرَ أَنَّهُمْ هُمْ الَّذِينَ يَرَوْنَ مَا أُنْزِلَ إلَى الرَّسُولِ هُوَ الْحَقُّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ} فَدَلَّ عَلَى أَنَّ تَعَلُّمَ الْحُجَّةِ وَالْقِيَامَ بِهَا يَرْفَعُ دَرَجَاتِ مَنْ يَرْفَعُهَا كَمَا قَالَ تَعَالَى: {نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ} قَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ: بِالْعِلْمِ. فَرَفْعُ الدَّرَجَاتِ وَالْأَقْدَارِ عَلَى قَدْرِ مُعَامَلَةِ الْقُلُوبِ بِالْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ فَكَمْ مِمَّنْ يَخْتِمُ الْقُرْآنَ فِي الْيَوْمِ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ وَآخَرُ لَا يَنَامُ اللَّيْلَ وَآخَرُ لَا يُفْطِرُ وَغَيْرُهُمْ أَقَلُّ عِبَادَةً
(16/48)

مِنْهُمْ وَأَرْفَعُ قَدْرًا فِي قُلُوبِ الْأُمَّةِ فَهَذَا كُرْزُ بْنُ وَبَرَةَ وكهمس وَابْنُ طَارِقٍ يَخْتِمُونَ الْقُرْآنَ فِي الشَّهْرِ تِسْعِينَ مَرَّةً وَحَالُ ابْنِ الْمُسَيِّبِ وَابْنِ سِيرِين وَالْحَسَنِ وَغَيْرِهِمْ فِي الْقُلُوبِ أَرْفَعُ. وَكَذَلِكَ تَرَى كَثِيرًا مِمَّنْ لَبِسَ الصُّوفَ وَيَهْجُرُ الشَّهَوَاتِ وَيَتَقَشَّفُ وَغَيْرُهُ مِمَّنْ لَا يُدَانِيهِ فِي ذَلِكَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ أَعْظَمُ فِي الْقُلُوبِ وَأَحْلَى عِنْدَ النُّفُوسِ وَمَا ذَاكَ إلَّا لِقُوَّةِ الْمُعَامَلَةِ الْبَاطِنَةِ وَصَفَائِهَا وَخُلُوصِهَا مِنْ شَهَوَاتِ النُّفُوسِ وَأَكْدَارِ الْبَشَرِيَّةِ وَطَهَارَتِهَا مِنْ الْقُلُوبِ الَّتِي تُكَدِّرُ مُعَامَلَةَ أُولَئِكَ وَإِنَّمَا نَالُوا ذَلِكَ بِقُوَّةِ يَقِينِهِمْ بِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ وَكَمَالِ تَصْدِيقِهِ فِي قُلُوبِهِمْ وَوُدِّهِ وَمَحَبَّتِهِ وَأَنْ يَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنَّ أَرْفَعَ دَرَجَاتِ الْقُلُوبِ فَرَحُهَا التَّامُّ بِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَابْتِهَاجُهَا وَسُرُورُهَا كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إلَيْكَ} وَقَالَ تَعَالَى: {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا} الْآيَةَ. فَفَضْلُ اللَّهِ وَرَحْمَتُهُ الْقُرْآنُ وَالْإِيمَانُ مَنْ فَرِحَ بِهِ فَقَدْ فَرِحَ بِأَعْظَمِ مَفْرُوحٍ بِهِ وَمَنْ فَرِحَ بِغَيْرِهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَوَضَعَ الْفَرَحَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ. فَإِذَا اسْتَقَرَّ فِي الْقَلْبِ وَتَمَكَّنَ فِيهِ الْعِلْمُ بِكِفَايَتِهِ لِعَبْدِهِ وَرَحْمَتِهِ لَهُ وَحِلْمِهِ عِنْدَهُ وَبِرِّهِ بِهِ وَإِحْسَانِهِ إلَيْهِ عَلَى الدَّوَامِ أَوْجَبَ لَهُ الْفَرَحَ وَالسُّرُورَ أَعْظَمَ مِنْ فَرَحِ كُلِّ مُحِبٍّ بِكُلِّ مَحْبُوبٍ سِوَاهُ. فَلَا يَزَالُ مُتَرَقِّيًا
(16/49)

فِي دَرَجَاتِ الْعُلُوِّ وَالِارْتِفَاعِ بِحَسَبِ رُقِيِّهِ فِي هَذِهِ الْمَعَارِفِ. هَذَا فِي " بَابِ مَعْرِفَةِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ " وَأَمَّا فِي " بَابِ فَهْمِ الْقُرْآنِ " فَهُوَ دَائِمُ التَّفَكُّرِ فِي مَعَانِيهِ وَالتَّدَبُّرِ لِأَلْفَاظِهِ وَاسْتِغْنَائِهِ بِمَعَانِي الْقُرْآنِ وَحُكْمِهِ عَنْ غَيْرِهِ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ وَإِذَا سَمِعَ شَيْئًا مِنْ كَلَامِ النَّاسِ وَعُلُومِهِمْ عَرَضَهُ عَلَى الْقُرْآنِ فَإِنْ شَهِدَ لَهُ بِالتَّزْكِيَةِ قَبِلَهُ وَإِلَّا رَدَّهُ وَإِنْ لَمْ يَشْهَدْ لَهُ بِقَبُولِ وَلَا رَدٍّ وَقَفَهُ وَهِمَّتُهُ عَاكِفَةٌ عَلَى مُرَادِ رَبِّهِ مِنْ كَلَامِهِ. وَلَا يَجْعَلُ هِمَّتَهُ فِيمَا حُجِبَ بِهِ أَكْثَرُ النَّاسِ مِنْ الْعُلُومِ عَنْ حَقَائِقِ الْقُرْآنِ إمَّا بِالْوَسْوَسَةِ فِي خُرُوجِ حُرُوفِهِ وَتَرْقِيقِهَا وَتَفْخِيمِهَا وَإِمَالَتِهَا وَالنُّطْقِ بِالْمَدِّ الطَّوِيلِ وَالْقَصِيرِ وَالْمُتَوَسِّطِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. فَإِنَّ هَذَا حَائِلٌ لِلْقُلُوبِ قَاطِعٌ لَهَا عَنْ فَهْمِ مُرَادِ الرَّبِّ مِنْ كَلَامِهِ وَكَذَلِكَ شَغْلُ النُّطْقِ بـ {أَأَنْذَرْتَهُمْ} وَضَمُّ الْمِيمِ مِنْ (عَلَيْهِمْ وَوَصْلُهَا بِالْوَاوِ وَكَسْرُ الْهَاءِ أَوْ ضَمُّهَا وَنَحْوُ ذَلِكَ. وَكَذَلِكَ مُرَاعَاةُ النَّغَمِ وَتَحْسِينُ الصَّوْتِ. وَكَذَلِكَ تَتَبُّعُ وُجُوهِ الْإِعْرَابِ وَاسْتِخْرَاجُ التَّأْوِيلَاتِ الْمُسْتَكْرَهَةِ الَّتِي هِيَ بِالْأَلْغَازِ وَالْأَحَاجِيِّ أَشْبَهُ مِنْهَا بِالْبَيَانِ.
(16/50)

وَكَذَلِكَ صَرْفُ الذِّهْنِ إلَى حِكَايَةِ أَقْوَالِ النَّاسِ وَنَتَائِجِ أَفْكَارِهِمْ. وَكَذَلِكَ تَأْوِيلُ الْقُرْآنِ عَلَى قَوْلِ مَنْ قَلَّدَ دِينَهُ أَوْ مَذْهَبَهُ فَهُوَ يَتَعَسَّفُ بِكُلِّ طَرِيقٍ حَتَّى يَجْعَلَ الْقُرْآنَ تَبَعًا لِمَذْهَبِهِ وَتَقْوِيَةً لِقَوْلِ إمَامِهِ وَكُلٌّ مَحْجُوبُونَ بِمَا لَدَيْهِمْ عَنْ فَهْمِ مُرَادِ اللَّهِ مِنْ كَلَامِهِ فِي كَثِيرٍ مِنْ ذَلِكَ أَوْ أَكْثَرِهِ. وَكَذَلِكَ يَظُنُّ مَنْ لَمْ يُقَدِّرْ الْقُرْآنَ حَقَّ قَدْرِهِ أَنَّهُ غَيْرُ كَافٍ فِي مَعْرِفَةِ التَّوْحِيدِ وَالْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ وَمَا يَجِبُ لِلَّهِ وَيُنَزَّهُ عَنْهُ؛ بَلْ الْكَافِي فِي ذَلِكَ عُقُولُ الْحَيَارَى والمتهوكين الَّذِينَ كُلٌّ مِنْهُمْ قَدْ خَالَفَ صَرِيحَ الْقُرْآنِ مُخَالَفَةً ظَاهِرَةً. وَهَؤُلَاءِ أَغْلَظُ النَّاسِ حِجَابًا عَنْ فَهْمِ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.
(16/51)

سُورَةُ الطَّلَاقِ
وَقَالَ:
فَصْلٌ:
وَأَمَّا قَوْلُهُ: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا} {وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} فَقَدْ بَيَّنَ فِيهَا أَنَّ الْمُتَّقِيَ يَدْفَعُ اللَّهُ عَنْهُ الْمَضَرَّةَ بِمَا يَجْعَلُهُ لَهُ مِنْ الْمَخْرَجِ وَيَجْلِبُ لَهُ مِنْ الْمَنْفَعَةِ بِمَا يُيَسِّرُهُ لَهُ مِنْ الرِّزْقِ وَالرِّزْقُ اسْمٌ لِكُلِّ مَا يُغْتَذَى بِهِ الْإِنْسَانُ؛ وَذَلِكَ يَعُمُّ رِزْقَ الدُّنْيَا وَرِزْقَ الْآخِرَةِ. وَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ: مَا افْتَقَرَ تَقِيٌّ قَطُّ قَالُوا: وَلِمَ؟ قَالَ: لِأَنَّ اللَّهَ يَقُولُ: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا} {وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} . وَقَوْلُ الْقَائِلِ: قَدْ نَرَى مَنْ يَتَّقِي وَهُوَ مَحْرُومٌ. وَمَنْ هُوَ بِخِلَافِ ذَلِكَ وَهُوَ مَرْزُوقٌ. فَجَوَابُهُ: أَنَّ الْآيَةَ اقْتَضَتْ أَنَّ الْمُتَّقِيَ يُرْزَقُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَلَمْ تَدُلَّ عَلَى أَنَّ غَيْرَ الْمُتَّقِي لَا يُرْزَقُ؛ بَلْ لَا بُدَّ لِكُلِّ مَخْلُوقٍ مِنْ الرِّزْقِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا} حَتَّى
(16/52)

إنَّ مَا يَتَنَاوَلُهُ الْعَبْدُ مِنْ الْحَرَامِ هُوَ دَاخِلٌ فِي هَذَا الرِّزْقِ فَالْكُفَّارُ قَدْ يُرْزَقُونَ بِأَسْبَابِ مُحَرَّمَةٍ وَيُرْزَقُونَ رِزْقًا حَسَنًا وَقَدْ لَا يُرْزَقُونَ إلَّا بِتَكَلُّفِ وَأَهْلُ التَّقْوَى يَرْزُقُهُمْ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُونَ وَلَا يَكُونُ رِزْقُهُمْ بِأَسْبَابِ مُحَرَّمَةٍ وَلَا يَكُونُ خَبِيثًا وَالتَّقِيُّ لَا يُحْرَمُ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ الرِّزْقِ وَإِنَّمَا يُحْمَى مِنْ فُضُولِ الدُّنْيَا رَحْمَةً بِهِ وَإِحْسَانًا إلَيْهِ؛ فَإِنَّ تَوْسِيعَ الرِّزْقِ قَدْ يَكُونُ مَضَرَّةً عَلَى صَاحِبِهِ وَتَقْدِيرَهُ يَكُونُ رَحْمَةً لِصَاحِبِهِ. قَالَ تَعَالَى: {فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ} {وَأَمَّا إذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ} {كُلًّا} أَيْ: لَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَلَيْسَ كُلُّ مَنْ وُسِّعَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ يَكُونُ مُكْرَمًا وَلَا كُلُّ مَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ يَكُونُ مُهَانًا؛ بَلْ قَدْ يُوَسَّعُ عَلَيْهِ رِزْقُهُ إمْلَاءً وَاسْتِدْرَاجًا وَقَدْ يُقَدَّرُ عَلَيْهِ رِزْقُهُ حِمَايَةً وَصِيَانَةً لَهُ وَضِيقُ الرِّزْقِ عَلَى عَبْدٍ مِنْ أَهْلِ الدِّينِ قَدْ يَكُونُ لِمَا لَهُ مِنْ ذُنُوبٍ وَخَطَايَا كَمَا قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: إنَّ الْعَبْدَ لَيُحْرَمُ الرِّزْقَ بِالذَّنْبِ يُصِيبُهُ وَفِي الْحَدِيثِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {مَنْ أَكْثَرَ الِاسْتِغْفَارَ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا وَمِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} . وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ وَالِاسْتِغْفَارُ سَبَبٌ لِلرِّزْقِ وَالنِّعْمَةِ وَأَنَّ الْمَعَاصِيَ سَبَبٌ لِلْمَصَائِبِ وَالشَّدَّةِ فَقَالَ تَعَالَى:
(16/53)

{الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ} إلَى قَوْلِهِ: {وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ} وَقَالَ تَعَالَى: {اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إنَّهُ كَانَ غَفَّارًا} إلَى قَوْلِهِ: {وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا} وَقَالَ تَعَالَى: {وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا} {لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ} وَقَالَ تَعَالَى: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} وَقَالَ تَعَالَى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ} وَقَالَ تَعَالَى: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} وَقَالَ تَعَالَى: {وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ} وَقَالَ تَعَالَى: {مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ} وَقَالَ تَعَالَى: {فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ} {فَلَوْلَا إذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} . وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ أَنَّهُ يَبْتَلِي عِبَادَهُ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ؛ فَالْحَسَنَاتُ هِيَ النِّعَمُ وَالسَّيِّئَاتُ هِيَ الْمَصَائِبُ؛ لِيَكُونَ الْعَبْدُ صَبَّارًا شَكُورًا. وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: {وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَقْضِي اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِ قَضَاءً إلَّا كَانَ خَيْرًا لَهُ وَلَيْسَ ذَلِكَ لِأَحَدِ إلَّا لِلْمُؤْمِنِ إنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ} .
(16/54)

وَقَالَ أَيْضًا:
فَصْلٌ:
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا} {وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا} قَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: لَوْ أَخَذَ النَّاسُ كُلُّهُمْ بِهَذِهِ الْآيَةِ لَكَفَتْهُمْ} وَقَوْلُهُ: (مَخْرَجًا) عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ: أَيْ مِنْ كُلِّ مَا ضَاقَ عَلَى النَّاسِ وَهَذِهِ الْآيَةُ مُطَابِقَةٌ لِقَوْلِهِ: {إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} الْجَامِعَةِ لِعِلْمِ الْكُتُبِ الْإِلَهِيَّةِ كُلِّهَا؛ وَذَلِكَ أَنَّ التَّقْوَى هِيَ الْعِبَادَةُ الْمَأْمُورُ بِهَا فَإِنَّ تَقْوَى اللَّهِ وَعِبَادَتَهُ وَطَاعَتَهُ أَسْمَاءٌ مُتَقَارِبَةٌ مُتَكَافِئَةٌ مُتَلَازِمَةٌ وَالتَّوَكُّلَ عَلَيْهِ هُوَ الِاسْتِعَانَةُ بِهِ فَمَنْ يَتَّقِي اللَّهَ مِثَالُ: {إيَّاكَ نَعْبُدُ} وَمَنْ يَتَوَكَّلُ عَلَى اللَّهِ مِثَالُ {إيَّاكَ نَسْتَعِينُ} كَمَا قَالَ: {فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ} وَقَالَ: {عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا} وَقَالَ: {عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} . ثُمَّ جَعَلَ لِلتَّقْوَى فَائِدَتَيْنِ: أَنْ يَجْعَلَ لَهُ مَخْرَجًا وَأَنْ يَرْزُقَهُ مِنْ
(16/55)

حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ. وَالْمَخْرَجُ هُوَ مَوْضِعُ الْخُرُوجِ وَهُوَ الْخُرُوجُ وَإِنَّمَا يُطْلَبُ الْخُرُوجُ مِنْ الضِّيقِ وَالشِّدَّةِ وَهَذَا هُوَ الْفَرَجُ وَالنَّصْرُ وَالرِّزْقُ فَبَيَّنَ أَنَّ فِيهَا النَّصْرَ وَالرِّزْقَ كَمَا قَالَ: {أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ} وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {وَهَلْ تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُونَ إلَّا بِضُعَفَائِكُمْ؟ بِدُعَائِهِمْ وَصِلَاتِهِمْ وَاسْتِغْفَارِهِمْ} هَذَا لِجَلْبِ الْمَنْفَعَةِ وَهَذَا لِدَفْعِ الْمَضَرَّةِ. وَأَمَّا التَّوَكُّلُ فَبَيَّنَ أَنَّ اللَّهَ حَسْبُهُ أَيْ كَافِيهِ وَفِي هَذَا بَيَانُ التَّوَكُّلِ عَلَى اللَّهِ مِنْ حَيْثُ إنَّ اللَّهَ يَكْفِي الْمُتَوَكِّلَ عَلَيْهِ كَمَا قَالَ: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ} ؟ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ: لَيْسَ فِي التَّوَكُّلِ إلَّا التَّفْوِيضُ وَالرِّضَا. ثُمَّ إنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ لَيْسَ هُوَ كَالْعَاجِزِ. {قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا} وَقَدْ فَسَّرُوا الْآيَةَ بِالْمَخْرَجِ مِنْ ضِيقِ الشُّبُهَاتِ بِالشَّاهِدِ الصَّحِيحِ وَالْعِلْمِ الصَّرِيحِ وَالذَّوْقِ. كَمَا قَالُوا يُعَلِّمُهُ مِنْ غَيْرِ تَعْلِيمِ بَشَرٍ وَيُفَطِّنُهُ مِنْ غَيْرِ تَجْرِبَةٍ؛ ذَكَرَهُ أَبُو طَالِبٍ الْمَكِّيُّ كَمَا قَالُوا فِي قَوْلِهِ: {إنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا} إنَّهُ نُورٌ يُفَرِّقُ بِهِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ كَمَا قَالُوا: بَصَرًا وَالْآيَةُ تَعُمُّ الْمَخْرَجَ مِنْ الضِّيقِ الظَّاهِرِ وَالضِّيقِ الْبَاطِنِ قَالَ تَعَالَى: {فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ} وَتَعُمُّ ذَوْقَ الْأَجْسَادِ وَذَوْقَ الْقُلُوبِ مِنْ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ كَمَا قِيلَ مِثْلُ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} وَكَمَا قَالَ: {أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً} وَهُوَ الْقُرْآنُ وَالْإِيمَانُ.
(16/56)

سُورَةُ التَّحْرِيمِ
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
عَنْ قَوْله تَعَالَى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا} هَلْ هَذَا اسْمُ رَجُلٍ كَانَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمْ لَا؟ وإيش مَعْنَى قَوْلِهِ {نَصُوحًا} ؟
فَأَجَابَ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ، قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَغَيْرُهُ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ التَّوْبَةُ النَّصُوحُ: أَنْ يَتُوبَ مِنْ الذَّنْبِ ثُمَّ لَا يَعُودُ إلَيْهِ و " نَصُوحٌ " هِيَ صِفَةٌ لِلتَّوْبَةِ وَهِيَ مُشْتَقَّةٌ مِنْ النُّصْحِ وَالنَّصِيحَةِ. وَأَصْلُ ذَلِكَ هُوَ الْخُلُوصُ. يُقَالُ: فُلَانٌ يَنْصَحُ لِفُلَانِ إذَا كَانَ يُرِيدُ لَهُ الْخَيْرَ إرَادَةً خَالِصَةً لَا غِشَّ فِيهَا وَفُلَانٌ يَغُشُّهُ إذَا كَانَ بَاطِنُهُ يُرِيدُ السُّوءَ وَهُوَ يُظْهِرُ إرَادَةَ الْخَيْرِ كَالدِّرْهَمِ الْمَغْشُوشِ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى {لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ} أَيْ أَخْلَصُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ قَصْدَهُمْ وَحُبَّهُمْ. وَمِنْهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ
(16/57)

{الدِّينُ النَّصِيحَةُ ثَلَاثًا قَالُوا: لِمَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ} فَإِنَّ أَصْلَ الدِّينِ هُوَ حُسْنُ النِّيَّةِ وَإِخْلَاصُ الْقَصْدِ؛ وَلِهَذَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {ثَلَاثٌ لَا يَغُلُّ عَلَيْهِنَّ قَلْبُ مُسْلِمٍ إخْلَاصُ الْعَمَلِ لِلَّهِ وَمُنَاصَحَةُ وُلَاةِ الْأُمُورِ وَلُزُومُ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّ دَعْوَتَهُمْ تُحِيطُ مِنْ وَرَائِهِمْ} أَيْ هَذِهِ الْخِصَالُ الثَّلَاثُ لَا يَحْقِدُ عَلَيْهَا قَلْبُ مُسْلِمٍ بَلْ يُحِبُّهَا وَيَرْضَاهَا. فَالتَّوْبَةُ النَّصُوحُ هِيَ الْخَالِصَةُ مِنْ كُلِّ غِشٍّ وَإِذَا كَانَتْ كَذَلِكَ كَائِنَةً فَإِنَّ الْعَبْدَ إنَّمَا يَعُودُ إلَى الذَّنْبِ لِبَقَايَا فِي نَفْسِهِ فَمَنْ خَرَجَ مِنْ قَلْبِهِ الشُّبْهَةُ وَالشَّهْوَةُ لَمْ يَعُدْ إلَى الذَّنْبِ فَهَذِهِ التَّوْبَةُ النَّصُوحُ وَهِيَ وَاجِبَةٌ بِمَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى؛ وَلَوْ تَابَ الْعَبْدُ ثُمَّ عَادَ إلَى الذَّنْبِ قَبِلَ اللَّهُ تَوْبَتَهُ الْأُولَى ثُمَّ إذَا عَادَ اسْتَحَقَّ الْعُقُوبَةَ فَإِنْ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ أَيْضًا. وَلَا يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ إذَا تَابَ ثُمَّ عَادَ أَنْ يُصِرَّ؛ بَلْ يَتُوبُ وَلَوْ عَادَ فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ فَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَد فِي مُسْنَدِهِ عَنْ عَلِيٍّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: {إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْعَبْدَ المفتن التَّوَّابَ} وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ: {لَا صَغِيرَةَ مَعَ إصْرَارٍ وَلَا كَبِيرَةَ مَعَ اسْتِغْفَارٍ} وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ: {مَا أَصَرَّ مَنْ اسْتَغْفَرَ وَلَوْ عَادَ فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ}
(16/58)

وَمَنْ قَالَ مِنْ الْجُهَّالِ: إنَّ " نَصُوحَ " اسْمُ رَجُلٍ كَانَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ النَّاسَ أَنْ يَتُوبُوا كَتَوْبَتِهِ: فَهَذَا رَجُلٌ مُفْتَرٍ كَذَّابٌ جَاهِلٌ بِالْحَدِيثِ وَالتَّفْسِيرِ جَاهِلٌ بِاللُّغَةِ وَمَعَانِي الْقُرْآنِ؛ فَإِنَّ هَذَا امْرُؤٌ لَمْ يَخْلُقْهُ اللَّهُ تَعَالَى وَلَا كَانَ فِي الْمُتَقَدِّمِينَ أَحَدٌ اسْمُهُ نَصُوحٌ وَلَا ذَكَرَ هَذِهِ الْقِصَّةَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَلَوْ كَانَ كَمَا زَعَمَ الْجَاهِلُ لَقِيلَ تُوبُوا إلَى اللَّهِ تَوْبَةَ نَصُوحٍ وَإِنَّمَا قَالَ: {تَوْبَةً نَصُوحًا} وَالنَّصُوحُ هُوَ التَّائِبُ. وَمَنْ قَالَ: إنَّ الْمُرَادَ بِهَذِهِ الْآيَةِ رَجُلٌ أَوْ امْرَأَةٌ اسْمُهُ نَصُوحٌ وَإِنْ كَانَ عَلَى عَهْدِ عِيسَى أَوْ غَيْرِهِ فَإِنَّهُ كَاذِبٌ يَجِبُ أَنْ يَتُوبَ مِنْ هَذِهِ فَإِنْ لَمْ يَتُبْ وَجَبَتْ عُقُوبَتُهُ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(16/59)

سُورَةُ الْمُلْكِ
وَقَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -:
قَوْلُهُ تَعَالَى {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} دَلَّتْ عَلَى عِلْمِهِ بِالْأَشْيَاءِ مِنْ وُجُوهٍ تَضَمَّنَتْ الْبَرَاهِينَ الْمَذْكُورَةَ لِأَهْلِ النَّظَرِ الْعَقْلِيِّ: " أَحَدُهَا " أَنَّهُ خَالِقٌ لَهَا وَالْخَلْقُ هُوَ الْإِبْدَاعُ بِتَقْدِيرِ فَتَضَمَّنَ تَقْدِيرُهَا فِي الْعِلْمِ قَبْلَ تَكْوِينِهَا. " الثَّانِي " أَنَّهُ مُسْتَلْزِمٌ لِلْإِرَادَةِ وَالْمَشِيئَةِ؛ فَيَلْزَمُ تَصَوُّرُ الْمُرَادِ وَهَذِهِ الطَّرِيقَةُ الْمَشْهُورَةُ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْكَلَامِ. " الثَّالِثُ " أَنَّهَا صَادِرَةٌ عَنْهُ وَهُوَ سَبَبُهَا التَّامُّ وَالْعِلْمُ بِالْأَصْلِ يُوجِبُ الْعِلْمَ بِالْفَرْعِ فَعِلْمُهُ بِنَفْسِهِ يَسْتَلْزِمُ عِلْمَ كُلِّ مَا يَصْدُرُ عَنْهُ. " الرَّابِعُ " أَنَّهُ لَطِيفٌ يُدْرِكُ الدَّقِيقَ خَبِيرٌ يُدْرِكُ الْخَفِيَّ وَهَذَا هُوَ الْمُقْتَضِي لِلْعِلْمِ بِالْأَشْيَاءِ فَيَجِبُ وُجُودُ الْمُقْتَضِي لِوُجُودِ السَّبَبِ التَّامِّ.
(16/60)

سُورَةُ الْقَلَمِ
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
فَصْلٌ:
سُورَةُ (ن) هِيَ سُورَةُ " الْخُلُقِ " الَّذِي هُوَ جِمَاعُ الدِّينِ الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ بِهِ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهَا: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: عَلَى دِينٍ عَظِيمٍ. وَقَالَهُ ابْنُ عُيَيْنَة وَأَخَذَهُ أَحْمَد عَنْ ابْنِ عُيَيْنَة. فَإِنَّ الدِّينَ وَالْعَادَةَ وَالْخُلُقَ أَلْفَاظٌ مُتَقَارِبَةُ الْمَعْنَى فِي الذَّاتِ وَإِنْ تَنَوَّعَتْ فِي الصِّفَاتِ كَمَا قِيلَ فِي لَفْظِ الدِّينِ: فَهَذَا دِينُهُ أَبَدًا وَدِينِي. وَجَمَعَ بَعْضُ الزَّنَادِقَةِ بَيْنَهُمَا فِي قَوْلِهِ:
مَا الْأَمْرُ إلَّا نَسَقٌ وَاحِدٌ ... مَا فِيهِ مِنْ مَدْحٍ وَلَا ذَمِّ
وَإِنَّمَا الْعَادَةُ قَدْ خَصَّصَتْ ... وَالطَّبْعُ وَالشَّارِعُ بِالْحُكْمِ
(16/61)

(ن) أَقْسَمَ سُبْحَانَهُ بِالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ؛ فَإِنَّ الْقَلَمَ بِهِ يَكُونُ الْكِتَابُ السَّاطِرُ لِلْكَلَامِ: الْمُتَضَمِّنِ لِلْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْإِرَادَةِ وَالْعِلْمِ الْمُحِيطِ بِكُلِّ شَيْءٍ؛ فَالْإِقْسَامُ وَقَعَ بِقَلَمِ التَّقْدِيرِ وَمَسْطُورِهِ فَتَضَمَّنَ أَمْرَيْنِ عَظِيمَيْنِ تَنَاسُبَ الْمُقْسَمِ عَلَيْهِ. " أَحَدَهُمَا " الْإِحَاطَةُ بِالْحَوَادِثِ قَبْلَ كَوْنِهَا وَأَنَّ مَنْ عَلِمَ بِالشَّيْءِ قَبْلَ كَوْنِهِ أَبْلَغُ مِمَّنْ عَلِمَهُ بَعْدَ كَوْنِهِ فَإِخْبَارُهُ عَنْهُ أَحْكَمُ وَأَصْدَقُ. " الثَّانِي " أَنَّ حُصُولَهُ فِي الْكِتَابَةِ وَالتَّقْدِيرِ يَتَضَمَّنُ حُصُولَهُ فِي الْكَلَامِ وَالْقَوْلِ وَالْعِلْمِ مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ؛ فَإِقْسَامُهُ بِآخِرِ الْمَرَاتِبِ الْعِلْمِيَّةِ يَتَضَمَّنُ أَوَّلَهَا مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ؛ وَذَلِكَ غَايَةُ الْمَعْرِفَةِ وَاسْتِقْرَارُ الْعِلْمِ إذَا صَارَ مَكْتُوبًا. فَلَيْسَ كُلُّ مَعْلُومٍ مَقُولًا وَلَا كُلُّ مَقُولٍ مَكْتُوبًا وَهَذَا يُبَيِّنُ لَك حِكْمَةَ الْإِخْبَارِ عَنْ الْقَدْرِ السَّابِقِ بِالْكِتَابِ دُونَ الْكَلَامِ فَقَطْ أَوْ دُونَ الْعِلْمِ فَقَطْ. وَالْمُقْسَمُ عَلَيْهِ ثَلَاثُ جُمَلٍ: {مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ} {وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ} {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} سَلَبَ عَنْهُ النَّقْصَ الَّذِي يَقْدَحُ فِيهِ وَأَثْبَتَ لَهُ الْكَمَالَ الْمَطْلُوبَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَذَلِكَ أَنَّ الَّذِي أَتَى بِهِ إمَّا أَنْ يَكُونَ حَقًّا أَوْ بَاطِلًا وَإِذَا كَانَ بَاطِلًا فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مَعَ الْعَقْلِ أَوْ عَدَمِهِ فَهَذِهِ الْأَقْسَامُ الْمُمْكِنَةُ فِي نَظَائِرِ هَذَا.
(16/62)

" الْأَوَّلُ " أَنْ يَكُونَ بَاطِلًا وَلَا عَقْلَ لَهُ. فَهَذَا مَجْنُونٌ لَا ذَمَّ عَلَيْهِ وَلَا يُتَّبَعُ. " الثَّانِي " أَنْ يَكُونَ بَاطِلًا وَلَهُ عَقْلٌ فَهَذَا يَسْتَحِقُّ الذَّمَّ وَالْعِقَابَ. " الثَّالِثُ " أَنْ يَكُونَ حَقًّا مَعَ الْعَقْلِ فَنَفَى عَنْهُ الْجُنُونَ أَوَّلًا ثُمَّ أَثْبَتَ لَهُ الْأَجْرَ الدَّائِمَ الَّذِي هُوَ ضِدُّ الْعِقَابِ ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّهُ عَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ؛ وَذَلِكَ يُبَيِّنُ عِظَمَ الْحَقِّ الَّذِي هُوَ عَلَيْهِ بَعْدَ أَنْ نَفَى عَنْهُ الْبُطْلَانَ. وَأَيْضًا: فَالنَّاسُ نَوْعَانِ: إمَّا مُعَذَّبٌ وَإِمَّا سَلِيمٌ مِنْهُ. وَالسَّلِيمُ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: إمَّا غَيْرُ مُكَلَّفٍ وَإِمَّا مُكَلَّفٌ قَدْ عَمِلَ صَالِحًا: مُقْتَصِدًا وَإِمَّا سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ. فَجَعَلَ الْقَسَمَ مُرَتَّبًا عَلَى الْأَحْوَالِ الثَّلَاثَةِ لِيُبَيِّنَ أَنَّهُ أَفْضَلُ قَسْمِ السُّعَدَاءِ وَهَذَا غَايَةُ كَمَالِ السَّابِقِينَ بِالْخَيْرَاتِ وَهَذَا تَرْكِيبٌ بَدِيعٌ فِي غَايَةِ الْإِحْكَامِ. ثُمَّ قَالَ {فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ} الْآيَاتِ؛ فَتَضَمَّنَ أَصْلَيْنِ: " أَحَدَهُمَا " أَنَّهُ نَهَاهُ عَنْ طَاعَةِ هَذَيْنِ الضَّرْبَيْنِ فَكَانَ فِيهِ فَوَائِدُ: " مِنْهَا " أَنَّ النَّهْيَ عَنْ طَاعَةِ الْمَرْءِ نَهْيٌ عَنْ التَّشَبُّهِ بِهِ بِالْأَوْلَى، فَلَا
(16/63)

يُطَاعُ الْمُكَذِّبُ وَالْحَلَّافُ وَلَا يُعْمَلُ بِمِثْلِ عَمَلِهِمَا كَقَوْلِهِ: {وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ} وَأَمْثَالِهِ فَإِنَّ النَّهْيَ عَنْ قَبُولِ قَوْلِ مَنْ يَأْمُرُ بِالْخُلُقِ النَّاقِصِ أَبْلَغُ فِي الزَّجْرِ مِنْ النَّهْيِ عَنْ التَّخَلُّقِ بِهِ. " وَمِنْهَا " أَنَّ ذَلِكَ أَبْلَغُ فِي الْإِكْرَامِ. وَالِاحْتِرَامِ فَإِنَّ قَوْلَهُ: لَا تَكْذِبْ وَلَا تَحْلِفْ وَلَا تَشْتُمْ وَلَا تَهْمِزْ: لَيْسَ هُوَ مِثْلَ قَوْلِهِ لَا تُطِعْ مَنْ يَكُونُ مُتَلَبِّسًا بِهَذِهِ الْأَخْلَاقِ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ تَشْرِيفِهِ وَبَرَاءَتِهِ. " وَمِنْهَا " أَنَّ الْأَخْلَاقَ مُكْتَسَبَةٌ بِالْمُعَاشَرَةِ؛ فَفِيهِ تَحْذِيرٌ عَنْ اكْتِسَابِ شَيْءٍ مِنْ أَخْلَاقِهِمْ بِالْمُخَالَطَةِ لَهُمْ؛ فَلْيَأْخُذْ حِذْرَهُ فَإِنَّهُ مُحْتَاجٌ إلَى مُخَالَطَتِهِمْ لِأَجْلِ دَعْوَتِهِمْ إلَى اللَّهِ تَعَالَى. " وَمِنْهَا " أَنَّهُمْ يُبْدُونَ مَصَالِحَ فِيمَا يَأْمُرُونَ بِهِ فَلَا تُطِعْ مَنْ كَانَ هَكَذَا وَلَوْ أَبْدَاهَا فَإِنَّ الْبَاعِثَ لَهُمْ عَلَى مَا يَأْمُرُونَ بِهِ هُوَ مَا فِي نُفُوسِهِمْ مِنْ الْجَهْلِ وَالظُّلْمِ وَإِذَا كَانَ الْأَصْلُ الْمُقْتَضِي لِلْأَمْرِ فَاسِدًا لَمْ يُقْبَلْ مِنْ الْآمِرِ فَإِنَّ الْأَمْرَ مَدَارُهُ عَلَى الْعِلْمِ بِالْمَصْلَحَةِ وَإِرَادَتِهَا فَإِذَا كَانَ جَاهِلًا لَمْ يَعْلَمْ الْمَصْلَحَةَ وَإِذَا كَانَ الْخُلُقُ فَاسِدًا لَمْ يَرُدَّهَا؛ وَهَذَا مَعْنًى بَلِيغٌ. "
(16/64)

الْأَصْلُ الثَّانِي " أَنَّهُ ذَكَرَ قِسْمَيْنِ الْمُكَذِّبِينَ وَذَوِي الْأَخْلَاقِ الْفَاسِدَةِ وَذَلِكَ لِوُجُوهِ: " أَحَدُهَا " أَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ هُوَ الْإِيمَانُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ فَضِدُّهُ التَّكْذِيبُ وَالْعَمَلُ الْفَاسِدُ. و " الثَّانِي " أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ مَأْمُورُونَ بِالتَّوَاصِي بِالْحَقِّ وَالتَّوَاصِي بِالصَّبْرِ فَكَمَا أَنَّا مَأْمُورُونَ بِقَبُولِ هَذِهِ الْوَصِيَّةِ وَالْإِيصَاءِ بِهَا: فَقَدْ نُهِينَا عَنْ قَبُولِ ضِدِّهَا. وَهُوَ التَّكْذِيبُ بِالْحَقِّ وَالتَّرْكُ لِلصَّبْرِ فَإِنَّ هَذِهِ الْأَخْلَاقَ إنَّمَا تَحْصُلُ لِعَدَمِ الصَّبْرِ وَالصَّبْرُ ضَابِطُ الْأَخْلَاقِ الْمَأْمُورِ بِهَا؛ وَلِهَذَا خَتَمَ السُّورَةَ بِهِ وَقَالَ: {وَمَا يُلَقَّاهَا إلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا} فَكَانَ فِي سُورَةِ الْعَصْرِ مَا بُيِّنَ هُنَا. فَنَهَاهُ عَنْ طَاعَةِ الَّذِي فِي خُسْرٍ ضِدَّ الَّذِي لِلْمُؤْمِنِينَ الْآمِرِينَ بِالْحَقِّ وَالصَّبْرِ وَاَلَّذِي فِي خُسْرٍ هُوَ الْكَذَّابُ الْمَهِينُ فَهُوَ تَارِكٌ لِلْحَقِّ وَالصَّبْرِ.
" الْأَصْلُ الثَّالِثُ " (1) : أَنَّ صَلَاحَ الْإِنْسَانِ فِي الْعِلْمِ النَّافِعِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ وَهُوَ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ الَّذِي يَصْعَدُ إلَى اللَّهِ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ جِمَاعُ الْعَدْلِ وَجِمَاعُ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ النَّاسَ: هُوَ الظُّلْمُ. كَمَا قَرَّرَ فِي غَيْرِ هَذَا. قَالَ تَعَالَى: {وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} وَالتَّكْذِيبُ بِالْحَقِّ صَادِرٌ إمَّا عَنْ جَهْلٍ وَإِمَّا عَنْ ظُلْمٍ وَهُوَ الْجَاحِدُ
__________

[تعليق مُعِدّ الكتاب للشاملة]
(1) هكذا بالأصل. مع أنه ذكر أن الآيات تتضمن أصلين
(16/65)

الْمُعَانِدُ وَصَاحِبُ الْأَخْلَاقِ الْفَاسِدَةِ إنَّمَا يُوقِعُهُ فِيهَا أَحَدُ أَمْرَيْنِ: إمَّا الْجَهْلُ بِمَا فِيهَا وَمَا فِي ضِدِّهَا فَهَذَا جَاهِلٌ وَإِمَّا الْمَيْلُ وَالْعُدْوَانُ وَهُوَ الظُّلْمُ فَلَا يَفْعَلُ السَّيِّئَاتِ إلَّا جَاهِلٌ بِهَا أَوْ مُحْتَاجٌ إلَيْهَا مُتَلَذِّذٌ بِهَا وَهُوَ الظَّالِمُ. فَنَهَاهُ عَنْ طَاعَةِ الْجَاهِلِينَ وَالظَّالِمِينَ. وَقَوْلُهُ: {وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ} الْآيَةَ أَخْبَرَ أَنَّهُمْ يُحِبُّونَ ادِّهَانَهُ لِيَدَّهِنُوا فَهُمْ لَا يَأْمُرُونَهُ نُصْحًا؛ بَلْ يُرِيدُونَ مِنْهُ الِادِّهَانَ وَيَتَوَسَّلُونَ بِادِّهَانِهِ إلَى ادِّهَانِهِمْ ويستعملونه لِأَغْرَاضِهِمْ فِي صُورَةِ النَّاصِحِ؛ وَذَلِكَ لِمَا نَشَأَ مِنْ تَكْذِيبِهِمْ بِالْحَقِّ فَإِنَّهُ لَمْ يَبْقَ فِي قُلُوبِهِمْ غَايَةٌ يَنْتَهُونَ إلَيْهَا مِنْ الْحَقِّ؛ لَا فِي الْحَقِّ الْمَقْصُودِ وَلَا الْحَقِّ الْمَوْجُودِ لَا خَبَرًا عَنْهُ وَلَا أَمْرًا بِهِ وَلَا اعْتِقَادًا وَلَا اقْتِصَادًا. ثُمَّ قَالَ: {وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ} إلَخْ. ذَكَرَ أَرْبَعَ آيَاتٍ كُلَّ آيَتَيْنِ جَمَعَتْ نَوْعًا مِنْ الْأَخْلَاقِ الْفَاسِدَةِ الْمَذْمُومَةِ وَجَمَعَ فِي كُلِّ آيَةٍ بَيْنَ النَّوْعِ الْمُتَشَابِهِ خَبَرًا وَطَلَبًا فَالْحَلَّافُ مَقْرُونٌ بِالْمَهِينِ؛ لِأَنَّ الْحَلَّافَ هُوَ كَثِيرُ الْحَلِفِ وَإِنَّمَا يَكُونُ عَلَى الْخَبَرِ أَوْ الطَّلَبِ فَهُوَ إمَّا تَصْدِيقٌ أَوْ تَكْذِيبٌ أَوْ حَضٌّ أَوْ مَنْعٌ؛ وَإِنَّمَا يُكْثِرُ الرَّجُلُ ذَلِكَ فِي خَبَرِهِ إذَا احْتَاجَ أَنْ يَصَدَّقَ وَيُوثَقَ بِخَبَرِهِ. وَمَنْ كَانَ كَثِيرَ الْحَلِفِ كَانَ كَثِيرَ الْكَذِبِ فِي الْعَهْدِ مُحْتَاجًا إلَى النَّاسِ فَهُوَ مِنْ أَذَلِّ النَّاسِ {حَلَّافٍ مَهِينٍ} حَلَّافٌ فِي أَقْوَالِهِ. مَهِينٌ فِي أَفْعَالِهِ.
(16/66)

وَأَمَّا الْهَمَّازُ الْمَشَّاءُ بِنَمِيمِ: فَالْهَمْزُ أَقْوَى مِنْ اللَّمْزِ وَأَشَدُّ - سَوَاءٌ كَانَ هَمْزَ الصَّوْتِ أَوْ هَمْزَ حَرَكَةٍ - وَمِنْهُ " الْهَمْزَةُ " وَهِيَ نَبْرَةٌ مِنْ الْحَلْقِ مِثْلُ التَّهَوُّعِ وَمِنْهُ الْهَمْزُ بِالْعَقِبِ كَمَا فِي حَدِيثِ زَمْزَمَ: {أَنَّهُ هَمْزُ جِبْرِيلَ بِعَقِبِهِ} وَالْفَعَّالُ: مُبَالَغَةٌ فِي الْفَاعِلِ. فَالْهَمَّازُ الْمُبَالِغُ فِي الْعَيْبِ نَوْعًا وَقَدْرًا. الْقُدْرَةُ مِنْ صُورَةِ اللَّفْظِ وَهُوَ الْفَعَّالُ. وَالنَّوْعُ مِنْ مَادَّةِ اللَّفْظِ وَهُوَ الْهَمْزَةُ. وَالْمَشَّاءُ بِنَمِيمِ هُوَ مِنْ الْعَيْبِ وَلَكِنَّهُ عَيْبٌ فِي الْقَفَا فَهُوَ عَيْبُ الضَّعِيفِ الْعَاجِزِ. فَذَكَرَ الْعَيَّابَ بِالْقُوَّةِ وَالْعَيَّابَ بِالضَّعْفِ وَالْعَيَّابَ فِي مَشْهَدٍ وَالْعَيَّابَ فِي مَغِيبٍ. وَأَمَّا {مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ} فَإِنَّ الظُّلْمَ نَوْعَانِ: تَرْكُ الْوَاجِبِ وَهُوَ مَنْعُ الْخَيْرِ وَتَعَدٍّ عَلَى الْغَيْرِ وَهُوَ الْمُعْتَدِي. وَأَمَّا الْأَثِيمُ مَعَ الْمُعْتَدِي فَكَقَوْلِهِ: {وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} . وَأَمَّا الْعُتُلُّ الزَّنِيمُ: فَهُوَ الْجَبَّارُ الْفَظُّ الْغَلِيظُ الَّذِي قَدْ صَارَ مِنْ شِدَّةِ تَجَبُّرِهِ وَغِلَظِهِ مَعْرُوفًا بِالشَّرِّ مَشْهُورًا بِهِ لَهُ زَنَمَةٌ كَزَنَمَةِ الشَّاةِ. وَيُشْبِهُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنْ يَكُونَ الْحَلَّافُ الْمَهِينُ الْهَمَّازُ الْمَشَّاءُ بِنَمِيمِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ وَهُوَ فِي الْأَقْوَالِ وَمَا يَتْبَعُهَا مِنْ الْأَفْعَالِ وَالْمَنَّاعُ الْمُعْتَدِي الْأَثِيمُ الْعُتُلُّ الزَّنِيمُ مِنْ جِنْسٍ وَهُوَ فِي الْأَفْعَالِ وَمَا يَتْبَعُهَا مِنْ الْأَقْوَالِ. فَالْأَوَّلُ الْغَالِبُ عَلَى جَانِبِ الْأَعْرَاضِ وَالثَّانِي الْغَالِبُ عَلَى جَانِبِ
(16/67)

الْحُقُوقِ فِي الْأَحْوَالِ وَالْمَنَافِعِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَوَصَفَهُ بِالظُّلْمِ وَالْبُخْلِ وَالْكِبْرِ كَمَا فِي قَوْلِهِ: {إنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا} {الَّذِينَ يَبْخَلُونَ} الْآيَةَ. وَقَوْلُهُ: {سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ} فِيهِ إطْلَاقٌ يَتَضَمَّنُ الْوَسْمَ فِي الْآخِرَةِ وَفِي الدُّنْيَا أَيْضًا. فَإِنَّ اللَّهَ جَعَلَ لِلصَّالِحِينَ سيما وَجَعَلَ لِلْفَاجِرِينَ سيما. قَالَ تَعَالَى: {سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ} وَقَالَ يَظْهَرُ: {وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ} الْآيَةَ. فَجَعَلَ الْإِرَادَةَ وَالتَّعْرِيفَ بِالسِّيمَا الَّذِي يُدْرَكُ بِالْبَصَرِ مُعَلَّقًا عَلَى الْمَشِيئَةِ وَأَقْسَمَ عَلَى التَّعْرِيفِ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَهُوَ الصَّوْتُ الَّذِي يُدْرَكُ بِالسَّمْعِ. فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا بُدَّ أَنْ يُعْرَفُوا فِي أَصْوَاتِهِمْ وَكَلَامِهِمْ الَّذِي يَظْهَرُ فِيهِ لَحْنُ قَوْلِهِمْ وَهَذَا ظَاهِرٌ بَيِّنٌ لِمَنْ تَأَمَّلَهُ فِي النَّاسِ مِنْ أَهْلِ الْفِرَاسَةِ فِي الْأَقْوَالِ وَغَيْرِهَا مِمَّا يَظْهَرُ فِيهَا مِنْ النَّوَاقِضِ وَالْفُحْشِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَأَمَّا ظُهُورُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ عَلَى وُجُوهِهِمْ فَقَدْ يَكُونُ وَقَدْ لَا يَكُونُ وَدَلَّ عَلَى أَنَّ ظُهُورَ مَا فِي بَاطِنِ الْإِنْسَانِ عَلَى فَلَتَاتِ لِسَانِهِ أَقْوَى مِنْ ظُهُورِهِ عَلَى صَفَحَاتِ وَجْهِهِ؛ لِأَنَّ اللِّسَانَ تُرْجُمَانُ الْقَلْبِ فَإِظْهَارُهُ لِمَا أَكَنَّهُ أَوْكَدُ؛ وَلِأَنَّ دَلَالَةَ اللِّسَانِ قَالِيَةٌ وَدَلَالَةَ الْوَجْهِ حَالِيَّةٌ. وَالْقَوْلُ أَجْمَعُ وَأَوْسَعُ لِلْمَعَانِي الَّتِي فِي الْقَلْبِ مِنْ الْحَالِ؛ وَلِهَذَا فَضَّلَ مَنْ فَضَّلَ كَابْنِ قُتَيْبَةَ وَغَيْرِهِ السَّمْعَ عَلَى الْبَصَرِ.
(16/68)

وَالتَّحْقِيقُ: أَنَّ السَّمْعَ أَوْسَعُ وَالْبَصَرَ أَخَصُّ وَأَرْفَعُ وَإِنْ كَانَ إدْرَاكُ السَّمْعِ أَكْثَرَ فَإِدْرَاكُ الْبَصَرِ أَكْمَلُ؛ وَلِهَذَا أَقْسَمَ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يُدْرِكَهُمْ بِسَمْعِهِ وَأَمَّا إدْرَاكُهُ إيَّاهُمْ بِالْبَصَرِ بِسِيمَاهُمْ فَقَدْ يَكُونُ وَقَدْ لَا يَكُونُ. فَأَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَسِمَ صَاحِبَ هَذِهِ الْأَخْلَاقِ الْخَبِيثَةِ عَلَى خُرْطُومِهِ وَهُوَ أَنْفُهُ الَّذِي هُوَ عُضْوُهُ الْبَارِزُ الَّذِي يَسْبِقُ الْبَصَرَ إلَيْهِ عِنْدَ مُشَاهَدَتِهِ؛ لِتَكُونَ السِّيمَا ظَاهِرَةً مِنْ أَوَّلِ مَا يَرَى وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي الْفَجَرَةِ الظَّلَمَةِ الَّذِينَ وَدَعَهُمْ النَّاسُ اتِّقَاءَ شَرِّهِمْ وَفُحْشِهِمْ فَإِنَّ لَهُمْ سِيمَا مِنْ شَرٍّ يُعْرَفُونَ بِهَا. وَكَذَلِكَ الْفَسَقَةُ وَأَهْلُ الرِّيَبِ. وَقَوْلُهُ: {إنَّا بَلَوْنَاهُمْ} إلَخْ. فِيهِ بَيَانُ حَالِ الْبُخَلَاءِ وَمَا يُعَاقَبُونَ بِهِ فِي الدُّنْيَا قَبْلَ الْآخِرَةِ مِنْ تَلَفِ الْأَمْوَالِ إمَّا إغْرَاقًا وَإِمَّا إحْرَاقًا وَإِمَّا نَهْبًا وَإِمَّا مُصَادَرَةً وَإِمَّا فِي شَهَوَاتِ الْغَيِّ وَإِمَّا فِي غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُعَاقَبُ بِهِ الْبُخَلَاءُ الَّذِينَ يَمْنَعُونَ الْحَقَّ. وَلَيْسَ إقْدَامٌ فِي صَنَائِعِ الْمَعْرُوفِ وَهُوَ قَوْلُهُ {مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ} وَهُوَ أَحَدُ نَوْعَيْ الظُّلْمِ كَمَا أَخْبَرُوا بِهِ عَنْ نُفُوسِهِمْ فِي قَوْلِهِمْ: {يَا وَيْلَنَا إنَّا كُنَّا طَاغِينَ} وَكَمَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ} . وَتَضَمُّنُ عُقُوبَةِ الظَّالِمِ الْمَانِعِ لِلْحَقِّ أَوْ مُتَعَدِّي الْحَقِّ كَمَا يُعَاقِبُ اللَّهُ مَانِعَ الزَّكَاةِ وَهُوَ مَنَّاعٌ الْخَيْرَ وَآكِلَ الرِّبَا وَالْمَيْسِرِ: الَّذِي هُوَ أَكْلُ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ وَكُلٌّ مِنْهُمَا أَخْبَرَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ أَنَّهُ يُعَاقِبُهُ بِنَقِيضِ
(16/69)

قَصْدِهِ فَهُنَا أَخْبَرَ بِعُقُوبَةِ تَارِكِ الْحُقُوقِ وَفِي الْبَقَرَةِ بِعُقُوبَةِ الْمُرَابِي وَهَذِهِ الْعُقُوبَةُ تَتَنَاوَلُ مَنْ يَتْرُكُ هَذَا الْوَاجِبَ وَفَعَلَ هَذَا الْمُحَرَّمَ مِنْ الْمُحْتَالِينَ كَمَا أَخْبَرَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ وَكَمَا هُوَ الْمُشَاهَدُ فِي أَهْلِ مَنْعِ الْحُقُوقِ الْمَالِيَّةِ وَالْحِيَلِ الرِّبَوِيَّةِ مِنْ الْعُقُوبَاتِ وَالْمَثُلَاتِ. فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ إذَا أَنْعَمَ عَلَى عَبْدٍ بِبَابِ مِنْ الْخَيْرِ وَأَمَرَهُ بِالْإِنْفَاقِ فِيهِ فَبَخِلَ عَاقَبَهُ بِبَابِ مِنْ الشَّرِّ يَذْهَبُ فِيهِ أَضْعَافُ مَا بَخِلَ بِهِ وَعُقُوبَتُهُ فِي الْآخِرَةِ مُدَّخَرَةٌ ثُمَّ أَتْبَعَ ذَلِكَ بِعُقُوبَةِ الْمُتَكَبِّرِ الَّذِي هُوَ مِنْ نَوْعِ الْعُتُلِّ الزَّنِيمِ الَّذِي يُدْعَى إلَى السُّجُودِ وَالطَّاعَةِ فَيَأْبَى؛ فَفِيهَا عُقُوبَةُ تَارِكِ الصَّلَاةِ وَتَارِكِ الزَّكَاةِ. فَتَارِكُ الصَّلَاةِ هُوَ الْمُعْتَدِي الْأَثِيمُ الْعُتُلُّ الزَّنِيمُ. وَتَارِكُ الزَّكَاةِ الظَّالِمُ الْبَخِيلُ. وَخَتَمَهَا بِالْأَمْرِ بِالصَّبْرِ الَّذِي هُوَ جِمَاعُ الْخُلُقِ الْعَظِيمِ فِي قَوْلِهِ: {فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ} وَذَلِكَ نَصٌّ فِي الصَّبْرِ عَلَى مَا يَنَالُهُ مِنْ أَذَى الْخَلْقِ وَعَلَى الْمَصَائِبِ السَّمَاوِيَّةِ. وَالصَّبْرُ عَلَى الْأَوَّلِ أَشَدُّ وَصَاحِبُ الْحُوتِ ذَهَبَ مُغَاضِبًا لِرَبِّهِ لِأَجْلِ الْأَمْرِ السَّمَاوِيِّ وَلِهَذَا قَالَ: {وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ} إلَخْ فَآخِرُهَا مُنْعَطِفٌ عَلَى أَوَّلِ مَا فِي قَوْلِهِ: {مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ} وَقَوْلِهِ: {وَيَقُولُونَ إنَّهُ لَمَجْنُونٌ} وَالْإِزْلَاقُ بِالْبَصَرِ هُوَ الْغَايَةُ فِي الْبُغْضِ وَالْغَضَبِ وَالْأَذَى. فَالصَّبْرُ
(16/70)

عَلَى ذَلِكَ نَوْعٌ مِنْ الْحِلْمِ وَهُوَ احْتِمَالُ أَذَى الْخَلْقِ وَفِي ذَلِكَ مَا يَدْفَعُ كَيْدَهُمْ وَشَرَّهُمْ. وَمَا ذَكَرَهُ فِي قِصَّةِ أَهْلِ الْجَنَّةِ مِنْ أَمْرِ السَّخَاءِ وَالْجُودِ وَمَا ذَكَرَهُ هُنَا مِنْ الْحِلْمِ وَالصَّبْرِ: هُوَ جِمَاعُ الْخُلُقِ الْحَسَنِ كَمَا جَمَعَ بَيْنَهُمَا فِي قَوْلِهِ: {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ} الْآيَةَ كَمَا قِيلَ:
بِحِلْمِ وَبَذْلٍ سَادَ فِي قَوْمِهِ الْفَتَى ... وَكَوْنُك إيَّاهُ عَلَيْك يَسِيرُ
فَالْإِحْسَانُ إلَى النَّاسِ بِالْمَالِ وَالْمَنْفَعَةِ وَاحْتِمَالُ أَذَاهُمْ كَالسَّخَاءِ الْمَحْمُودِ كَمَا جَمَعَ بَيْنَهُمَا فِي قَوْلِهِ: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} فَفِي أَخْذِهِ الْعَفْوَ مِنْ أَخْلَاقِهِمْ احْتِمَالُ أَذَاهُمْ وَهُوَ نَوْعَانِ: تَرْكُ مَا لَك مِنْ الْحَقِّ عَلَيْهِمْ فَأَخْذُ الْعَفْوِ أَنْ لَا تُطْلَبَ مَا تَرَكُوهُ مِنْ حَقِّك وَأَنْ لَا تَنْهَاهُمْ فِيمَا تَعَدَّوْا فِيهِ الْحَدَّ فِيك وَإِذَا لَمْ تَأْمُرْهُمْ وَلَمْ تَنْهَهُمْ فِيمَا يَتَعَلَّقُ (1) .
__________

[تعليق مُعِدّ الكتاب للشاملة]
(1) آخر ما وجد من الأصل
(16/71)

وَقَالَ: هَذِهِ تَفْسِيرُ آيَاتٍ أُشْكِلَتْ حَتَّى لَا يُوجَدُ فِي طَائِفَةٍ مِنْ كُتُبِ التَّفْسِيرِ إلَّا مَا هُوَ خَطَأٌ فِيهَا.
مِنْهَا قَوْلُهُ: {بِأَيِّيكُمُ الْمَفْتُونُ} حَارَ فِيهَا كَثِيرٌ وَالصَّوَابُ الْمَأْثُورُ عَنْ السَّلَفِ. قَالَ مُجَاهِدٌ: الشَّيْطَانُ. وَقَالَ الْحَسَنُ: هُمْ أَوْلَى بِالشَّيْطَانِ مِنْ نَبِيِّ اللَّهِ. فَبَيَّنَ الْمُرَادَ فَإِنَّهُ يَتَكَلَّمُ عَلَى اللَّفْظِ كَعَادَةِ السَّلَفِ فِي الِاخْتِصَارِ مَعَ الْبَلَاغَةِ وَفَهْمِ الْمَعْنَى. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: الْمَجْنُونُ. فَإِنَّ مَنْ كَانَ بِهِ الشَّيْطَانُ فَفِيهِ الْجُنُونُ. وَعَنْ الْحَسَنِ: الضَّالُّ. وَذَلِكَ أَنَّهُمْ لَمْ يُرِيدُوا بِالْمَجْنُونِ الَّذِي يَخْرِقُ ثِيَابَهُ وَيَهْذِي؛ بَلْ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَالَفَ أَهْلَ الْعَقْلِ فِي نَظَرِهِمْ كَمَا يُقَالُ مَا لِفُلَانِ عَقْلٌ. وَمِثْلُ هَذَا رَمَوْا بِهِ أَتْبَاعَ الْأَنْبِيَاءِ كَقَوْلِهِ: {وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ} وَمِثْلُهُ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ كَثِيرٌ يَسْخَرُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَيَرْمُونَهُمْ بِالْجُنُونِ وَالْعَظَائِمِ الَّتِي هُمْ أَوْلَى بِهَا مِنْهُمْ. قَالَ الْحَسَنُ لَقَدْ رَأَيْت رِجَالًا لَوْ رَأَيْتُمُوهُمْ لَقُلْتُمْ مَجَانِينَ وَلَوْ رَأَوْكُمْ لَقَالُوا هَؤُلَاءِ شَيَاطِينُ وَلَوْ رَأَوْا خِيَارَكُمْ لَقَالُوا هَؤُلَاءِ لَا خَلَاقَ لَهُمْ وَلَوْ رَأَوْا شِرَارَكُمْ لَقَالُوا هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ
(16/72)

بِيَوْمِ الْحِسَابِ. وَهَذَا كَثِيرٌ فِي كَلَامِ السَّلَفِ؛ يَصِفُونَ أَهْلَ زَمَانِهِمْ وَمَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ مُخَالَفَةِ مَنْ تَقَدَّمَ فَمَا الظَّنُّ بِأَهْلِ زَمَانِنَا. وَاَلَّذِينَ لَمْ يَفْهَمُوا هَذَا. قَالُوا الْبَاءُ زَائِدَةٌ قَالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ وَغَيْرُهُ. وَهَذَا كَثِيرٌ كَقَوْلِهِ: {سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ} {هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ} الْآيَاتِ. {إنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ} {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ} الْآيَةَ.
(16/73)

وَقَالَ:
فَصْلٌ
وَلِجَمَاعَةِ مِنْ الْفُضَلَاءِ كَلَامٌ فِي قَوْله تَعَالَى {يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ} {وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ} لِمَ ابْتَدَأَ بِالْأَخِ وَمِنْ عَادَة الْعَرَبِ أَنْ يُبْدَأَ بِالْأَهَمِّ؟
فَلَمَّا سُئِلْت عَنْ هَذَا قُلْت: إنَّ الِابْتِدَاءَ يَكُونُ فِي كُلِّ مَقَامٍ بِمَا يُنَاسِبُهُ فَتَارَةً يَقْتَضِي الِابْتِدَاءَ بِالْأَعْلَى وَتَارَةً بِالْأَدْنَى وَهُنَا الْمُنَاسَبَةُ تَقْتَضِي الِابْتِدَاءَ بِالْأَدْنَى لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بَيَانُ فِرَارِهِ عَنْ أَقَارِبِهِ مُفَصَّلًا شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ فَلَوْ ذَكَرَ الْأَقْرَبَ أَوَّلًا لَمْ يَكُنْ فِي ذِكْرِ الْأَبْعَدِ فَائِدَةٌ طَائِلَةٌ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّهُ إذَا فَرَّ مِنْ الْأَقْرَبِ فَرَّ مِنْ الْأَبْعَدِ وَلَمَا حَصَلَ لِلْمُسْتَمِعِ اسْتِشْعَارُ الشِّدَّةِ مُفَصَّلَةً فَابْتُدِئَ بِنَفْيِ الْأَبْعَدِ مُنْتَقِلًا مِنْهُ إلَى الْأَقْرَبِ فَقِيلَ أَوَّلًا. {يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ} فَعُلِمَ أَنَّ ثَمَّ شِدَّةً تُوجِبُ ذَلِكَ. وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَفِرَّ مِنْ غَيْرِهِ وَيَجُوزُ أَنْ لَا يَفِرَّ. فَقِيلَ {وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ} فَعُلِمَ أَنَّ الشِّدَّةَ أَكْبَرُ مِنْ ذَلِكَ بِحَيْثُ تُوجِبُ الْفِرَارَ مِنْ الْأَبَوَيْنِ. ثُمَّ قِيلَ {وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ} فَعُلِمَ أَنَّهَا طَامَّةٌ بِحَيْثُ تُوجِبُ الْفِرَارَ
(16/74)

مِمَّا لَا يَفِرُّ مِنْهُمْ إلَّا فِي غَايَةِ الشِّدَّةِ وَهِيَ الزَّوْجَةُ وَالْبَنُونَ وَلَفْظُ صَاحِبَتِهِ أَحْسَنُ مِنْ زَوْجَتِهِ. قُلْت: فَهَذَا فِي الْخَبَرِ وَنَظِيرُهُ فِي الْأَمْرِ قَوْلُهُ: {فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} وَقَوْلُهُ: {فَكَفَّارَتُهُ إطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ} فَإِنَّ الْوَاجِبَاتِ نَوْعَانِ عَلَى التَّرْتِيبِ. فَيُقَدَّمُ فِيهِ الْأَعْلَى فَالْأَعْلَى كَمَا فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ وَالْقَتْلِ وَالْيَمِينِ وَعَلَى التَّخْيِيرِ فَابْتَدَأَ فِيهَا بِأَخَفِّهَا لِيُبَيِّنَ أَنَّهُ كَانَ مُجْزِيًا لَا نَقْصَ فِيهِ وَإِنْ ذَكَرَ الْأَعْلَى بَعْدَهُ لِلتَّرْغِيبِ فِيهِ لَا لِلْإِيجَابِ فَانْتِقَالُ الْقَلْبِ مِنْ الْعَمَلِ الْأَدْنَى إلَى الْأَعْلَى أَوْلَى مِنْ أَنْ يُؤْمَرَ بِالْأَعْلَى ثُمَّ يُذْكَرُ لَهُ الْأَدْنَى فَيَزْدَرِيَهُ الْقَلْبُ. وَلِهَذَا لَمَّا ذَكَرَ فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ الْأَعْلَى ابْتِدَاءً كَانَ لَنَا فِي تَرْتِيبِهِ رِوَايَتَانِ وَإِذَا نَصَرْنَا الْمَشْهُورَ قُلْنَا قَدَّمَ فِيهِ الْأَعْلَى لِأَنَّ الْأَدْنَى بِقُدْرَتِهِ فِي قَوْلِهِ: {أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا} . وَلِهَذَا لَمَّا ابْتَدَأَ بِالْأَثْقَلِ فِي حُدُودِ الْمُحَارِبِينَ لَمْ يَكُنْ عِنْدَنَا عَلَى التَّخْيِيرِ وَلَا عَلَى التَّرْتِيبِ؛ بَلْ بِحَسَبِ الْجَرَائِمِ وَلَيْسَ فِي لَفْظِ الْآيَةِ مَا يَقْتَضِي التَّخْيِيرَ كَمَا يَتَوَهَّمُهُ طَائِفَةٌ مِنْ النَّاسِ فَإِنَّهُ لَمْ يَقُلْ الْوَاجِبُ أَوْ الْجَزَاءُ هَذَا
(16/75)

أَوْ هَذَا أَوْ هَذَا كَمَا قَالَ: فَكَفَّارَتُهُ هَذَا أَوْ هَذَا أَوْ هَذَا وَكَمَا قَالَ: {فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} وَإِنَّمَا قَالَ: إنَّمَا جَزَاؤُهُمْ هَذَا أَوْ هَذَا أَوْ هَذَا فَالْكَلَامُ فِيهِ نَفْيٌ وَإِثْبَاتٌ: تَقْدِيرُهُ: مَا جَزَاؤُهُمْ إلَّا أَحَدُ الثَّلَاثَةِ كَمَا قَالَ فِي آيَةِ الصَّدَقَاتِ: {إنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ} أَيْ مَا هِيَ إلَّا لِهَؤُلَاءِ. وَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ مِثْلَ هَذَا الْخِطَابِ يُثْبِتُ لِلْمَذْكُورِ مَا نَفَاهُ عَنْ غَيْرِهِ فَلَمَّا نَفَى الْجَوَازَ لِغَيْرِ الْأَصْنَافِ أَثْبَتَ الْجَوَازَ لَا الْوُجُوبَ وَلَا الِاسْتِحْقَاقَ كَمَا فَهِمَهُ مَنْ اعْتَقَدَ وُجُوبَ الِاسْتِيعَابِ مِنْ ظَاهِرِ الْخِطَابِ وَهُنَا نَفَى أَنْ يَكُونَ مَا سِوَى أَحَدِ هَذِهِ جَزَاءً فَأَثْبَتَ أَنْ يَكُونَ جَزَاءُ الْمُحَارِبِ أَحَدَ هَذِهِ الْعُقُوبَاتِ. وَالْمُحَارِبُونَ جُمْلَةً لَيْسُوا وَاحِدًا فَظَهَرَ الْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ. الْآيَةِ وَبَيْنَ الْآيَتَيْنِ مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ الْمُحَارِبِينَ ذُكِرُوا بِاسْمِ الْجَمْعِ وَمُقَابَلَةُ الْجَمْعِ بِالْجَمْعِ تَقْتَضِي تَوْزِيعَ الْأَفْرَادِ عَلَى الْأَفْرَادِ فَلَوْ قِيلَ: جَزَاءُ الْمُعْتَدِينَ إمَّا الْقَتْلُ وَإِمَّا الْقَطْعُ وَإِمَّا الْجَلْدُ وَإِمَّا الصَّلْبُ وَإِمَّا الْحَبْسُ: لَمْ يَقْتَضِ هَذَا التَّخْيِيرَ فِي كُلِّ مُعْتَدٍ بَيْنَ هَذِهِ الْعُقُوبَاتِ بَلْ تَوْزِيعُ الْعُقُوبَاتِ عَلَى أَنْوَاعِهِمْ كَذَلِكَ إذَا قِيلَ: جَزَاءُ الْمُحَارِبِينَ كَذَا أَوْ كَذَا أَوْ كَذَا أَوْ كَذَا بِخِلَافِ قَوْلِهِ: {فَكَفَّارَتُهُ} وَقَوْلُهُ: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ}
(16/76)

الثَّانِي: أَنَّ الْمَقْصُودَ نَفْيُ جَوَازِ مَا سِوَى [ذَلِكَ] (1) وَإِثْبَاتُ ضِدِّهِ وَهِيَ جَوَازُ الْمَذْكُورِ فِي الْجُمْلَةِ وَذَلِكَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُخَيَّرًا أَوْ مُعَيَّنًا بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَكُنْ الْمَقْصُودُ إلَّا مُجَرَّدَ الْإِثْبَاتِ؛ فَإِنَّ إثْبَاتَهُ بِصِيغَةِ التَّخْيِيرِ يَدُلُّ عَلَيْهِ. وَهَذَا مَعْرُوفٌ فِي مَوَادِّ الْإِثْبَاتِ الْمَحْضِ أَوْ مَوَادِّ الْحَصْرِ كَمَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْخَصْمِ الْمُدَّعِي: {شَاهِدَاك أَوْ يَمِينُهُ} وَفِي لَفْظٍ: {لَيْسَ لَك مِنْهُ إلَّا ذَلِكَ} فَحَصَرَ طَرِيقَ الْحَقِّ وَلَيْسَ الْغَرَضُ التَّخْيِيرَ. وَكَذَلِكَ يُقَالُ: الْوَاجِبُ فِي الْقَتْلِ الْقِصَاصُ أَوْ الدِّيَةُ وَلَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ إلَّا بِوُضُوءِ أَوْ تَيَمُّمٍ وَلَا بُدَّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ مِنْ الظُّهْرِ أَوْ الْجُمُعَةِ وَلَا يُتْرَكُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ إلَّا مُسْلِمٌ أَوْ مُعَاهَدٌ وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا كَانَ بَعْضُ الْمَقْصُودِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ نَفْسَ مَا سِوَى الْأُمُورِ الْمَذْكُورَةِ كَانَ مَدْلُولُهُ إثْبَاتًا يَقْتَضِي النَّفْيَ وَهُوَ الْوُجُودُ الْمُشْتَرَكُ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ وَالْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَهَا أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُعَيَّنًا أَوْ مُخَيَّرًا وَأَمَّا إذَا أُثْبِتَتْ ابْتِدَاءً فَلَوْ لَمْ تَكُنْ مُخَيَّرَةً بَلْ مُعَيَّنَةً وَلَمْ يَدُلَّ اللَّفْظُ عَلَيْهِ كَانَ تَلْبِيسًا. " الْوَجْهُ الثَّالِثُ " وَهُوَ لَطِيفٌ أَنْ يُقَالَ: مَفْهُومُ (أَوْ) إثْبَاتُ التَّقْسِيمِ الْمُطْلَقِ كَمَا قُلْنَا: إنَّ الْوَاوَ مَفْهُومُهَا التَّشْرِيكُ الْمُطْلَقُ بَيْنَ الْمَعْطُوفِ وَالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ فَأَمَّا التَّرْتِيبُ: فَلَا يَنْفِيهِ وَلَا يُثْبِتُهُ؛ إذْ الدَّالُّ
_________

[تعليق مُعِدّ الكتاب للشاملة]
(1) ما بين معقوفتين غير موجود في المطبوع، ولم أقف عليه في كتاب صيانة مجموع الفتاوى من السقط والتصحيف

أسامة بن الزهراء - منسق الكتاب للموسوعة الشاملة
(16/77)

عَلَى مُجَرَّدِ الْمُشْتَرِكِ لَا يَدُلُّ عَلَى الْمُمَيَّزِ فَكَذَلِكَ (أَوْ) هِيَ لِلتَّقْسِيمِ الْمُطْلَقِ وَهُوَ ثُبُوتُ أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ مُطْلَقًا وَذَلِكَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَثْبُتَ عَلَى سَبِيلِ التَّخْيِيرِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْآخَرِ. أَوْ عَلَى سَبِيلِ التَّرْتِيبِ أَوْ عَلَى سَبِيلِ التَّوْزِيعِ وَهُوَ ثُبُوتُ هَذَا فِي حَالٍ وَهَذَا فِي حَالٍ كَمَا أَنَّهُمْ قَالُوا: هِيَ فِي الطَّلَبِ يُرَادُ بِهَا الْإِبَاحَةُ تَارَةً كَقَوْلِهِمْ: تَعَلَّمْ النَّحْوَ أَوْ الْفِقْهَ وَالتَّخْيِيرُ أُخْرَى. كَقَوْلِهِمْ: كُلْ السُّمْكَ أَوْ اللَّبَنَ وَأَرَادُوا بِالْإِبَاحَةِ جَوَازَ الْجَمْعِ. وَهِيَ فِي نَفْسِهَا تُثْبِتُ الْقَدْرَ الْمُشْتَرَكَ وَهُوَ أَحَدُ الِاثْنَيْنِ. إمَّا مَعَ إبَاحَةِ الْآخَرِ أَوْ حَظْرِهِ فَلَا تَدُلُّ عَلَيْهِ بِنَفْسِهَا بَلْ مِنْ جِهَةِ الْمَادَّةِ الْخَاصَّةِ؛ وَلِهَذَا جَمَعْنَا بَيْنَ الْقَتْلِ وَالصَّلْبِ وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقَطْعِ عَلَى رِوَايَةٍ فَإِنَّ (أَوْ لَا تَنْفِي ذَلِكَ فَإِذَا كَانَ حَرْفٌ أَوْ يَدُلُّ عَلَى مُجَرَّدِ إثْبَاتِ أَحَدِ الْمَذْكُورَاتِ فَهُنَا مَسْلَكَانِ: " أَحَدُهُمَا " أَنْ يُقَالَ: إذَا كَانَتْ فِي مَادَّةِ الْإِيجَابِ أَفَادَتْ التَّخْيِيرَ وَإِذَا كَانَتْ فِي مَادَّةِ الْجَوَازِ أَفَادَتْ الْقَدْرَ الْمُشْتَرِكَ كَمَا هُوَ مَشْهُورٌ عَنْ النُّحَاةِ الْمُتَكَلِّمِينَ فِي مَعَانِي الْحُرُوفِ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: يُرَادُ بِهَا تَارَةً الْإِذْنَ فِي أَحَدِ الشَّيْئَيْنِ مَعَ حَظْرِ الْآخَرِ وَتَارَةً الْإِذْنَ فِي أَحَدِهِمَا وَإِنْ ضَمَّ إلَيْهِ الْآخَرَ كَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ الْأَمْثِلَةِ. وَحِينَئِذٍ فَهَذِهِ الْآيَةُ فِي مَادَّةِ الْجَوَازِ لِأَنَّ الْمَنْفِيَّ هُوَ الْجَوَازُ. فَيَكُونُ
(16/78)

الْمُثْبَتُ هُوَ الْجَوَازَ كَمَا ذَكَرْنَاهُ فِي آيَةِ الصَّدَقَاتِ بِخِلَافِ آيَةِ الْكَفَّارَةِ؛ فَإِنَّهَا فِي مَادَّةِ الْوُجُوبِ. " الْمَسْلَكُ الثَّانِي " أَنْ يُقَالَ: لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَادَّتَيْنِ الْجَوَازِ وَالْوُجُوبِ؛ بَلْ وَفِي الْوُجُوبِ قَدْ يُبَاحُ الْجَمْعُ. كَمَا لَوْ كَفَرَ بِالْجَمِيعِ مَعَ الْغِنَى؛ لَكِنْ يُقَالُ: دَلَالَتُهَا فِي الْجَمِيعِ عَلَى التَّفْرِيقِ الْمُطْلَقِ ضِدُّ دَلَالَةِ (الْوَاوِ. ثُمَّ إنْ لَمْ يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلَى تَرْتِيبٍ وَلَا تَعْيِينٍ: جَازِ فِعْلُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْخِصَالِ لِعَدَمِ مَا يَدُلُّ عَلَى التَّعْيِينِ وَالتَّرْتِيبِ لَا لِلدَّلِيلِ الْمُنَافِي لِذَلِكَ كَمَا فِي قَوْلِهِ: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} فَإِنَّ الرَّقَبَةَ الْمُعَيَّنَةَ يَجْزِي عِتْقُهَا؛ كَثُبُوتِ الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ فِيهَا وَعَدَمِ مَا يُوجِبُ الْمُعَيَّنَ لَا لِدَلِيلِ دَلَّ عَلَى نَفْسِ الْمُعَيَّنِ؛ وَإِنْ دَلَّ دَلِيلٌ عَلَى التَّعْيِينِ وَالتَّرْتِيبِ: قُلْنَا بِهِ كَمَا نَقُولُ بِتَقْيِيدِ الْمُطْلَقِ وَلَيْسَ تَقْيِيدُ الْمُطْلَقِ رَفْعًا لِظَاهِرِ اللَّفْظِ بَلْ ضَمُّ حُكْمٍ آخَرَ إلَيْهِ وَهَذَا مَسْلَكٌ حَسَنٌ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ وَنَظَائِرِهِ؛ فَإِنَّهُ يَجِبُ الْفَرْقُ بَيْنَ مَا يُثْبِتُهُ اللَّفْظُ وَبَيْنَ مَا يَنْفِيهِ فَإِذَا قُلْنَا فِي الْمُحَارِبِينَ بِالتَّعْيِينِ لِدَلِيلِ خَبَرِيٍّ أَوْ قِيَاسِيٍّ كَانَ كَالْقَوْلِ بِالتَّرْتِيبِ فِي الْوُضُوءِ وَالْإِيمَانِ فِي الرَّقَبَةِ وَنَحْوِهِمَا.
(16/79)

سُورَةُ التَّكْوِيرِ
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ:
فَصْلٌ:
قَوْلُهُ: {وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ} {بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ} دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ قَتْلُ النَّفْسِ إلَّا بِذَنْبِ مِنْهَا فَلَا يَجُوزُ قَتْلُ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ؛ لِأَنَّ الْقَلَمَ مَرْفُوعٌ عَنْهُمَا فَلَا ذَنْبَ لَهُمَا وَهَذِهِ الْعِلَّةُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُشَكَّ فِيهَا فِي النَّهْيِ عَنْ قَتْلِ صِبْيَانِ أَهْلِ الْحَرْبِ وَأَمَّا الْعِلَّةُ الْمُشْتَرَكَةُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ النِّسَاءِ فَكَوْنُهُمْ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ الْقِتَالِ عَلَى الصَّحِيحِ الَّذِي هُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ أَوْ كَوْنُهُمْ يَصِيرُونَ لِلْمُسْلِمِينَ. فَأَمَّا التَّعْلِيلُ بِهَذَا وَحْدَهُ فِي الصَّبِيِّ فَلَا وَالْآيَةُ تَقْتَضِي ذَمَّ قَتْلِ كُلِّ مَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ مِنْ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ وَسُؤَالَهَا تَوْبِيخَ قَاتِلِهَا وَقَوْلُهُ فِي السُّورَةِ: {إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ} إلَى قَوْلِهِ: {وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ} هُوَ جِبْرِيلُ وَهُوَ نَظِيرُ مَا فِي سُورَةِ الشُّعَرَاءِ أَنَّهُ تَنَزَّلَتْ بِهِ الْمَلَائِكَةُ لَا الشَّيَاطِينُ؛ بِخِلَافِ الْإِفْكِ وَنَحْوِهِ فَإِنَّهُ تَنْزِلُ بِهِ الشَّيَاطِينُ فَوَقَعَ الْفَرْقُ بَيْنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْأَفَّاكِ وَالشَّاعِرِ وَالْكَاهِنِ وَبَيْنَ الْمَلَكِ وَالشَّيْطَانِ وَالْعُلَمَاءِ وَرَثَةِ الْأَنْبِيَاءِ.
(16/80)

وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ:
فِي قَوْله تَعَالَى {وَمَا تَشَاءُونَ إلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} أَخْبَرَ أَنَّ مَشِيئَتَهُمْ مَوْقُوفَةٌ عَلَى مَشِيئَتِهِ وَمَعَ هَذَا فَلَا يُوجِبُ ذَلِكَ وُجُودَ الْفِعْلِ مِنْهُمْ؛ إذْ أَكْثَرُ مَا فِيهِ أَنَّهُ جَعَلَهُمْ شَائِينَ وَلَا يَقَعُ الْفِعْلُ مِنْهُمْ حَتَّى يَشَاؤُهُ مِنْهُمْ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ} {وَمَا يَذْكُرُونَ إلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} وَمَعَ هَذَا فَلَا بُدَّ مِنْ إرَادَةِ الْفِعْلِ مِنْهُمْ حَتَّى يُرِيدَ مِنْ نَفْسِهِ إعَانَتَهُمْ وَتَوْفِيقَهُمْ. فَهُنَا أَرْبَعُ إرَادَاتٍ: إرَادَةُ الْبَيَانِ وَإِرَادَةُ الْمَشِيئَةِ وَإِرَادَةُ الْفِعْلِ وَإِرَادَةُ الْإِعَانَةِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(16/81)

سُورَةُ الْأَعْلَى
قَالَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
فَصْلٌ:
قَالَ ابْنُ فورك فِي كِتَابِهِ الَّذِي كَتَبَهُ إلَى أَبِي إسْحَاقَ الإسفراييني يَحْكِي مَا جَرَى لَهُ قَالَ: وَجَرَى فِي كَلَامِ السُّلْطَانِ: أَلَيْسَ تَقُولُ: إنَّهُ يُرَى لَا فِي جِهَةٍ؟ فَقُلْت: " نَعَمْ يُرَى لَا فِي جِهَةٍ كَمَا أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ يَرَى نَفْسَهُ لَا فِي جِهَةٍ وَلَا مِنْ جِهَةٍ وَيَرَاهُ غَيْرُهُ عَلَى مَا يَرَى وَرَأَى نَفْسَهُ وَالْجِهَةُ لَيْسَتْ بِشَرْطِ فِي الرُّؤْيَةِ. وَقُلْت أَيْضًا: " الْمَرْئِيَّاتُ الْمَعْقُولَةُ فِيمَا بَيْنَنَا هَكَذَا نَرَاهَا فِي جِهَةٍ وَمَحَلٍّ. وَالْقَضَاءُ بِمُجَرَّدِ الْمَعْهُودِ لَا يُمْكِنُ دُونَ السَّيْرِ وَالْبَحْثِ لِأَنَّا كَمَا لَا نَرَى إلَّا فِي جِهَةٍ وَمَحَلٍّ كَذَلِكَ لَمْ نَرَ إلَّا مُتَلَوِّنًا ذَا قَدْرٍ وَحَجْمٍ يَحْتَمِلُ الْمِسَاحَةَ وَالثِّقَلَ وَلَا يَخْلُو مِنْ
(16/82)

حَرَارَةٍ وَرُطُوبَةٍ أَوْ يُبُوسَةٍ إذَا لَمْ يَكُنْ عَرْضًا لَا يَقْبَلُ التَّثْنِيَةَ وَالتَّأْلِيفَ وَغَيْرَ ذَلِكَ. وَمَعَ هَذَا فَلَا عِبْرَةَ بِشَيْءٍ مِنْ هَذَا ". قَالَ: ثُمَّ بَلَغَنِي أَنَّ السُّلْطَانَ ذَلِكَ الْيَوْمَ وَاللَّيْلَةَ وَثَانِي يَوْمٍ يُكَرِّرُ عَلَى نَفْسِهِ فِي مَجْلِسِهِ: " كَيْفَ يُعْقَلُ شَيْءٌ لَا فِي جِهَةٍ؟ ". وَمَا شَغَلَ الْقَلْبَ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ وَتَرَبَّى عَلَيْهِ فَإِنَّ قَلْعَهُ صَعْبٌ وَاَللَّهُ الْمُعِينُ. غَيْرَ أَنَّهُ فَرِحَتْ الكَرَّامِيَة بِمَا كَانَ مِنْهُ فِي ذَلِكَ. فَلَمَّا رَجَعْت إلَى الْبَيْتِ فَإِذَا أَنَا بِرُقْعَةِ فِيهَا مَكْتُوبٌ: " الْأُسْتَاذُ أَدَامَ اللَّهُ سَلَامَتَهُ عَلَى مَذْهَبِهِ إنَّ الْبَارِيَ لَيْسَ فِي جِهَةٍ فَكَيْفَ يُرَى لَا فِي جِهَةٍ؟ " فَكَتَبْت: " خَبَرُ الرُّؤْيَةِ صَحِيحٌ وَهِيَ وَاجِبَةٌ كَمَا بَشَّرَهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ اللَّهَ يُرَى لَا فِي جِهَةٍ لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ {لَا تضامون فِي رُؤْيَتِهِ} وَمَعْنَاهُ: لَا تضمكم جِهَةٌ وَاحِدَةٌ فِي رُؤْيَتِهِ فَإِنَّهُ لَا فِي جِهَةٍ " وَكَلَامًا طَوِيلًا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ مَلَأْت ظَهْرَ الرُّقْعَةِ وَبَطْنَهَا مِنْهُ. فَلَمَّا رُدَّتْ إلَيْهِ أَنْفَذَهَا إلَى حَاكِمِ الْبَلَدِ وَهُوَ أَبُو مُحَمَّدٍ الناصحي وَاسْتَفْتَاهُ فِيمَا قُلْته. فَجَمَعَ قَوْمًا مِنْ الْحَنَفِيَّةِ والكَرَّامِيَة فَكَتَبَ هُوَ أَعَزَّك اللَّهُ بِأَنَّ مَنْ قَالَ بِأَنَّ اللَّهَ لَا يُرَى فِي جِهَةٍ مُبْتَدَعٌ ضَالُّ وَكَتَبَ أَبُو حَامِدٍ الْمُعْتَزِلِيُّ مِثْلَهُ وَكَتَبَ إنْسَانٌ بسطامي مُؤَدَّبٌ فِي دَارِ
(16/83)

صَاحِبِ الْجَيْشِ مِثْلَهُ فَرَدُّوا عَلَيْهِ. فَأَنْفِذْ إلَيَّ مَا فِي ذَلِكَ الْمَحْضَرِ الَّذِي فِيهِ خُطُوطُهُمْ وَكَتَبَ إلَيَّ رُقْعَةً وَقَالَ فِيهَا: " إنَّهُمْ كَتَبُوا هَكَذَا فَمَا تَقُولُ فِي هَذِهِ الْفَتَاوَى؟ " فَقُلْت: إنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ يَجِبُ أَنْ يَسْأَلُوا عَنْ مَسَائِلِ الْفِقْهِ الَّتِي يُقَالُ فِيهَا بِتَقْلِيدِ الْعَامِّيِّ لِلْعَالِمِ. فَأَمَّا مَعْرِفَةُ الْأُصُولِ وَالْفَتَاوَى فِيهَا فَلَيْسَ مِنْ شَأْنِهِمْ وَهُمْ يَقُولُونَ: إنَّا لَا نُحْسِنُ ذَلِكَ. قُلْت: قَوْلُ هَؤُلَاءِ: " إنَّ اللَّهَ يُرَى مِنْ غَيْرِ مُعَايَنَةٍ وَمُوَاجَهَةٍ " قَوْلٌ انْفَرَدُوا بِهِ دُونَ سَائِرِ طَوَائِفِ الْأُمَّةِ وَجُمْهُورِ الْعُقَلَاءِ عَلَى أَنَّ فَسَادَ هَذَا مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ. وَالْأَخْبَارُ الْمُتَوَاتِرَةُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَرُدُّ عَلَيْهِمْ كَقَوْلِهِ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ: {إنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ} {وَقَوْلِهِ لَمَّا سَأَلَهُ النَّاسُ: هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ: هَلْ تَرَوْنَ الشَّمْسَ صَحْوًا لَيْسَ دُونَهَا سَحَابٌ؟ . قَالُوا: نَعَمْ. وَهَلْ تَرَوْنَ الْقَمَرَ صَحْوًا لَيْسَ دُونَهُ سَحَاب؟ قَالُوا نَعَمْ. قَالَ: فَإِنَّكُمْ تَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ} . فَشَبَّهَ الرُّؤْيَةَ بِالرُّؤْيَةِ وَلَمْ يُشَبِّهْ الْمَرْئِيَّ بِالْمَرْئِيِّ؛ فَإِنَّ الْكَافَ - حَرْفَ
(16/84)

التَّشْبِيهِ - دَخَلَ عَلَى الرُّؤْيَةِ. وَفِي لَفْظٍ لِلْبُخَارِيِّ {يَرَوْنَهُ عِيَانًا} . وَمَعْلُومٌ أَنَّا نَرَى الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ عِيَانًا مُوَاجَهَةً فَيَجِبُ أَنْ نَرَاهُ كَذَلِكَ. وَأَمَّا رُؤْيَةُ مَا لَا نُعَايِنُ وَلَا نُوَاجِهُهُ فَهَذِهِ غَيْرُ مُتَصَوَّرَةٍ فِي الْعَقْلِ فَضْلًا عَنْ أَنْ تَكُونَ كَرُؤْيَةِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ. وَلِهَذَا صَارَ حُذَّاقُهُمْ إلَى إنْكَارِ الرُّؤْيَةِ وَقَالُوا: قَوْلُنَا هُوَ قَوْلُ الْمُعْتَزِلَةِ فِي الْبَاطِنِ؛ فَإِنَّهُمْ فَسَّرُوا الرُّؤْيَةَ بِزِيَادَةِ انْكِشَافٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا لَا نُنَازِعُ فِيهِ الْمُعْتَزِلَةَ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: إنَّ الْخَبَرَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ يَرَوْنَهُ لَا فِي جِهَةٍ وَقَوْلُهُ: " لَا تضامون " مَعْنَاهُ لَا تضمكم جِهَةٌ وَاحِدَةٌ فِي رُؤْيَتِهِ فَإِنَّهُ لَا فِي جِهَةٍ فَهَذَا تَفْسِيرٌ لِلْحَدِيثِ بِمَا لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ وَلَا قَالَهُ أَحَدٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْعِلْمِ؛ بَلْ هُوَ تَفْسِيرٌ مُنْكَرٌ عَقْلًا وَشَرْعًا وَلُغَةً. فَإِنَّ قَوْلَهُ " لَا تُضَامُونَ " يُرْوَى بِالتَّخْفِيفِ. أَيْ: لَا يَلْحَقُكُمْ ضَيْمٌ فِي رُؤْيَتِهِ كَمَا يَلْحَقُ النَّاسَ عِنْدَ رُؤْيَةِ الشَّيْءِ الْحَسَنِ كَالْهِلَالِ فَإِنَّهُ قَدْ يَلْحَقُهُمْ ضَيْمٌ فِي طَلَبِ رُؤْيَتِهِ حِينَ يُرَى؛ وَهُوَ سُبْحَانَهُ يَتَجَلَّى تَجَلِّيًا ظَاهِرًا فَيَرَوْنَهُ كَمَا تُرَى الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِلَا ضَيْمٍ يَلْحَقُكُمْ فِي رُؤْيَتِهِ. وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ الْمَشْهُورَةُ. وَقِيلَ " لَا تضامون " بِالتَّشْدِيدِ أَيْ: لَا يَنْضَمُّ بَعْضُكُمْ إلَى بَعْضٍ
(16/85)

كَمَا يتضام النَّاسُ عِنْدَ رُؤْيَةِ الشَّيْءِ الْخَفِيِّ كَالْهِلَالِ. وَكَذَلِكَ " تُضَارُّونَ " و " تُضَارُونَ ". فَإِمَّا أَنْ يُرْوَى بِالتَّشْدِيدِ وَيُقَالَ: " لَا تضامون " أَيْ لَا تَضُمُّكُمْ جِهَةٌ وَاحِدَةٌ فَهَذَا بَاطِلٌ لِأَنَّ التَّضَامَّ انْضِمَامُ بَعْضِهِمْ إلَى بَعْضٍ. فَهُوَ " تَفَاعُلٌ " كَالتَّمَاسِّ وَالتَّرَادِّ وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَقَدْ يُرْوَى " لَا تضامون " بِالضَّمِّ وَالتَّشْدِيدِ أَيْ لَا يُضَامُّ بَعْضُكُمْ بَعْضًا. وَبِكُلِّ حَالٍ فَهُوَ مِنْ " التَّضَامِّ " الَّذِي هُوَ مُضَامَّةُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا لَيْسَ هُوَ أَنَّ شَيْئًا آخَرَ لَا يَضُمُّكُمْ فَإِنَّ هَذَا الْمَعْنَى لَا يُقَالُ فِيهِ " لَا تضامون " فَإِنَّهُ لَمْ يَقُلْ " لَا يَضُمُّكُمْ شَيْءٌ " ثُمَّ يُقَالُ: الرَّاءُونَ كُلُّهُمْ فِي جِهَةٍ وَاحِدَةٍ عَلَى الْأَرْضِ. وَإِنْ قُدِّرَ أَنَّ الْمَرْئِيَّ لَيْسَ فِي جِهَةٍ فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: " لَا تَضُمُّكُمْ جِهَةٌ وَاحِدَةٌ " وَهُمْ كُلُّهُمْ عَلَى الْأَرْضِ أَرْضِ الْقِيَامَةِ أَوْ فِي الْجَنَّةِ وَكُلُّ ذَلِكَ جِهَةٌ وَوُجُودُهُمْ نَفْسُهُمْ لَا فِي جِهَةٍ وَمَكَانٍ مُمْتَنِعٌ حِسًّا وَعَقْلًا. وَأَمَّا قَوْلُهُ: " هُوَ يُرَى لَا فِي جِهَةٍ فَكَذَلِكَ يَرَاهُ غَيْرُهُ فَهَذَا تَمْثِيلٌ بَاطِلٌ. فَإِنَّ الْإِنْسَانَ يُمْكِنُ أَنْ يَرَى بَدَنَهُ وَلَا يُمْكِنَ أَنْ يَرَى غَيْرَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ بِجِهَةِ مِنْهُ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ أَمَامَهُ سَوَاءٌ كَانَ عَالِيًا أَوْ سَافِلًا.
(16/86)

وَقَدْ تُخْرَقُ لَهُ الْعَادَةُ فَيَرَى مَنْ خَلْفَهُ. كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {إنِّي لَأَرَاكُمْ مِنْ بَعْدِي} وَفِي رِوَايَةٍ {مِنْ بَعْدِ ظَهْرِي} وَفِي لَفْظٍ لِلْبُخَارِيِّ {إنِّي لَأَرَاكُمْ مِنْ وَرَائِي} وَفِي لَفْظٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ {إنِّي وَاَللَّهِ لَأُبْصِرُ مِنْ وَرَائِي كَمَا أُبْصِرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ} . لَكِنْ هُمْ بِجِهَةِ مِنْهُ وَهُمْ خَلْفَهُ. فَكَيْفَ تُقَاسُ رُؤْيَةُ الرَّائِي لِغَيْرِهِ عَلَى رُؤْيَتِهِ لِنَفْسِهِ؟ ثُمَّ تَشْبِيهُ رُؤْيَتِهِ هُوَ بِرُؤْيَتِنَا نَحْنُ تَشْبِيهٌ بَاطِلٌ. فَإِنَّ بَصَرَهُ يُحِيطُ بِمَا رَآهُ بِخِلَافِ أَبْصَارِنَا. وَهَؤُلَاءِ الْقَوْمُ أَثْبَتُوا مَا لَا يُمْكِنُ رُؤْيَتُهُ وَأَحَبُّوا نَصْرَ مَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ وَالْحَدِيثِ فَجَمَعُوا بَيْنَ أَمْرَيْنِ مُتَنَاقِضَيْنِ. فَإِنَّ مَا لَا يَكُونُ دَاخِلَ الْعَالَمِ وَلَا خَارِجَهُ وَلَا يُشَارُ إلَيْهِ يَمْتَنِعُ أَنْ يُرَى بِالْعَيْنِ لَوْ كَانَ وُجُودُهُ فِي الْخَارِجِ مُمْكِنًا فَكَيْفَ وَهُوَ مُمْتَنِعٌ؟ وَإِنَّمَا يُقَدَّرُ فِي الْأَذْهَانِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ لَهُ وُجُودٌ فِي الْأَعْيَانِ فَهُوَ مِنْ بَابِ الْوَهْمِ وَالْخَيَالِ الْبَاطِلِ. وَلِهَذَا فَسَّرُوا " الْإِدْرَاكَ " بِالرُّؤْيَةِ فِي قَوْلِهِ: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ} كَمَا فَسَّرَتْهَا الْمُعْتَزِلَةُ. لَكِنْ عِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ هَذَا خَرَجَ مَخْرَجَ الْمَدْحِ فَلَا يُرَى بِحَالِ وَهَؤُلَاءِ قَالُوا: لَا يُرَى فِي الدُّنْيَا دُونَ الْآخِرَةِ. وَالْآيَةُ تَنْفِي الْإِدْرَاكَ مُطْلَقًا دُونَ الرُّؤْيَةِ كَمَا قَالَ ابْنُ كِلَابٍ
(16/87)

وَهَذَا أَصَحُّ. وَحِينَئِذٍ فَتَكُونُ الْآيَةُ دَالَّةً عَلَى إثْبَاتِ الرُّؤْيَةِ وَهُوَ أَنَّهُ يُرَى وَلَا يُدْرَكُ فَيُرَى مِنْ غَيْرِ إحَاطَةٍ وَلَا حَصْرٍ. وَبِهَذَا يَحْصُلُ الْمَدْحُ فَإِنَّهُ وَصْفٌ لِعَظَمَتِهِ أَنَّهُ لَا تُدْرِكُهُ أَبْصَارُ الْعِبَادِ وَإِنْ رَأَتْهُ وَهُوَ يُدْرِكُ أَبْصَارَهُمْ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعِكْرِمَةُ بِحَضْرَتِهِ لِمَنْ عَارَضَ بِهَذِهِ الْآيَةِ: " أَلَسْت تَرَى السَّمَاءَ؟ ". قَالَ: " بَلَى " قَالَ: " أَفَكُلَّهَا تَرَى؟ " وَكَذَلِكَ قَالَ: {وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إلَّا بِمَا شَاءَ} وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: عِلْمُهُ شَيْءٌ وَاحِدٌ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُحَاطَ بِشَيْءٍ مِنْهُ دُونَ شَيْءٍ فَقَالُوا: وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ مَعْلُومِهِ. وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ بَلْ نَفْسُ الْعِلْمِ جِنْسٌ يُحِيطُونَ مِنْهُ بِمَا شَاءَ وَسَائِرُهُ لَا يُحِيطُونَ بِهِ. وَقَالَ: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} وَالرَّاجِحُ مِنْ الْقَوْلَيْنِ أَنَّ الضَّمِيرَ عَائِدٌ إلَى {مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ} وَإِذَا لَمْ يُحِيطُوا بِهَذَا عِلْمًا وَهُوَ بَعْضُ مَخْلُوقَاتِ الرَّبِّ فَأَنْ لَا يُحِيطُوا عِلْمًا بِالْخَالِقِ أَوْلَى وَأَحْرَى. قَالَ تَعَالَى: {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلَّا هُوَ} وَقَالَ: {أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إلَّا اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ} - الْآيَةَ فَإِذَا قِيلَ {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ} . أَيْ لَا تُحِيطُ بِهِ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ
(16/88)

يُوصَفُ بِنَفْيِ الْإِحَاطَةِ بِهِ مَعَ إثْبَاتِ الرُّؤْيَةِ. وَهَذَا مُمْتَنِعٌ عَلَى قَوْلِ هَؤُلَاءِ فَإِنَّ هَذَا إنَّمَا يَكُونُ بِزَعْمِهِمْ فِيمَا يَنْقَسِمُ فَيُرَى بَعْضُهُ مِنْ بَعْضٍ. فَتَكُونُ هُنَاكَ رُؤْيَةٌ بِلَا إدْرَاكٍ وَإِحَاطَةٍ وَعِنْدَهُمْ لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يُرَى إلَّا رُؤْيَةً وَاحِدَةً مُتَمَاثِلَةً كَمَا يَقُولُونَهُ فِي كَلَامِهِ: إنَّهُ شَيْءٌ وَاحِدٌ لَا يَتَبَعَّضُ وَلَا يَتَعَدَّدُ. وَفِي الْإِيمَانِ بِهِ. إنَّهُ شَيْءٌ وَاحِدٌ لَا يَقْبَلُ الزِّيَادَةَ وَالنُّقْصَانَ. وَأَمَّا الْإِدْرَاكُ وَالْإِحَاطَةُ الزَّائِدُ عَلَى مُطْلَقِ الرُّؤْيَةِ فَلَيْسَ انْتِفَاؤُهُ لِعَظَمَةِ الرَّبِّ عِنْدَهُمْ بَلْ لِأَنَّ ذَاتَه لَا تَقْبَلُ ذَاكَ كَمَا قَالَتْ الْمُعْتَزِلَةُ: إنَّهَا لَا تَقْبَلُ الرُّؤْيَةَ. وَأَيْضًا فَهُمْ وَالْمُعْتَزِلَةُ لَا يُرِيدُونَ أَنْ يَجْعَلُوا لِلْأَبْصَارِ إدْرَاكًا غَيْرَ الرُّؤْيَةِ. سَوَاءٌ أُثْبِتَتْ الرُّؤْيَةُ أَوْ نُفِيَتْ. فَإِنَّ هَذَا يُبْطِلُ قَوْلَ الْمُعْتَزِلَةِ بِنَفْيِ الرُّؤْيَةِ وَيُبْطِلُ قَوْلَ هَؤُلَاءِ بِإِثْبَاتِ رُؤْيَةٍ بِلَا مُعَايَنَةٍ وَمُوَاجَهَةٍ.
فَصْلٌ:
هَذَا مَعَ أَنَّ ابْنَ فورك هُوَ مِمَّنْ يُثْبِتُ الصِّفَاتِ الْخَبَرِيَّةَ كَالْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ وَكَذَلِكَ الْمَجِيءُ وَالْإِتْيَانُ. مُوَافَقَةً لِأَبِي الْحَسَنِ فَإِنَّ هَذَا قَوْلُهُ وَقَوْلُ مُتَقَدِّمِي أَصْحَابِهِ.
(16/89)

فَقَالَ ابْنُ فورك فِيمَا صَنَّفَ فِي أُصُولِ الدِّينِ: فَإِنْ سَأَلَتْ الْجَهْمِيَّة عَنْ الدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ الْقَدِيمَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ قِيلَ لَهُمْ: قَدْ اتَّفَقْنَا عَلَى أَنَّهُ حَيٌّ تَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ الْآفَاتُ وَالْحَيُّ إذَا لَمْ يَكُنْ مأووفا بِآفَاتِ تَمْنَعُهُ مِنْ إدْرَاكِ الْمَسْمُوعَاتِ وَالْمُبْصِرَاتِ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا. وَإِنْ سَأَلْت فَقُلْت: " أَيْنَ هُوَ؟ " فَجَوَابُنَا " إنَّهُ فِي السَّمَاءِ " كَمَا أَخْبَرَ فِي التَّنْزِيلِ عَنْ نَفْسِهِ بِذَلِكَ فَقَالَ عَزَّ مَنْ قَائِلٍ {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ} وَإِشَارَةُ الْمُسْلِمِينَ بِأَيْدِيهِمْ عِنْدَ الدُّعَاءِ فِي رَفْعِهَا إلَيْهِ. وَأَنَّك لَوْ سَأَلْت صَغِيرَهُمْ وَكَبِيرَهُمْ فَقُلْت: " أَيْنَ اللَّهُ؟ " لَقَالُوا: " إنَّهُ فِي السَّمَاءِ " وَلَمْ يُنْكِرُوا لَفْظَ السُّؤَالِ بـ " أَيْنَ ". {لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَأَلَ الْجَارِيَةَ الَّتِي عُرِضَتْ لِلْعِتْقِ فَقَالَ أَيْنَ اللَّهُ؟ فَقَالَتْ فِي السَّمَاءِ مُشِيرَةً بِهَا. فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ} وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ قَوْلًا مُنْكَرًا لَمْ يَحْكُمْ بِإِيمَانِهَا وَلَأَنْكَرَهُ عَلَيْهَا. وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ فَوْقَ السَّمَاءِ لِأَنَّ " فِي " بِمَعْنَى فَوْقُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ} أَيْ فَوْقَهَا. قَالَ: وَإِنْ سَأَلْت " كَيْفَ هُوَ؟ " قُلْنَا لَهُ: " كَيْفَ " سُؤَالٌ عَنْ صِفَتِهِ. وَهُوَ ذُو الصِّفَاتِ الْعُلَى هُوَ الْعَالِمُ الَّذِي لَهُ الْعِلْمُ وَالْقَادِرُ
(16/90)

الَّذِي لَهُ الْقُدْرَةُ وَالْحَيُّ الَّذِي لَهُ الْحَيَاةُ الَّذِي لَمْ يَزَلْ مُنْفَرِدًا بِهَذِهِ الصِّفَاتِ لَا يُشْبِهُ شَيْئًا وَلَا يُشْبِهُهُ شَيْءٌ. (قُلْت: فَهَذَا الْكَلَامُ هُوَ مُوَافِقٌ لِمَا ذَكَرَهُ الْأَشْعَرِيُّ فِي كِتَابِ " الْإِبَانَةِ " وَلِمَا ذَكَرَهُ ابْنُ كِلَابٍ كَمَا حَكَاهُ عَنْهُ ابْنُ فورك. لَكِنَّ ابْنَ كِلَابٍ يَقُولُ: إنَّ الْعُلُوَّ وَالْمُبَايَنَةَ مِنْ الصِّفَاتِ الْعَقْلِيَّةِ. وَأَمَّا هَؤُلَاءِ فَيَقُولُونَ: كَوْنُهُ فِي السَّمَاءِ صِفَةٌ خَبَرِيَّةٌ كَالْمَجِيءِ وَالْإِتْيَانِ وَيُطْلِقُونَ الْقَوْلَ بِأَنَّهُ بِذَاتِهِ فَوْقَ الْعَرْشِ وَذَلِكَ صِفَةٌ ذَاتِيَّةٌ عِنْدَهُمْ. وَالْأَشْعَرِيُّ يُبْطِلُ تَأْوِيلَ مَنْ تَأَوَّلَ الِاسْتِوَاءَ بِمَعْنَى الِاسْتِيلَاءِ وَالْقَهْرِ بِأَنَّهُ لَمْ يَزَلْ مُسْتَوْلِيًا عَلَى الْعَرْشِ وَعَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَالِاسْتِوَاءُ مُخْتَصٌّ بِالْعَرْشِ. فَلَوْ كَانَ بِمَعْنَى الِاسْتِيلَاءِ لَجَازَ أَنْ يُقَالَ: " هُوَ مُسْتَوٍ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَعَلَى الْأَرْضِ وَغَيْرِهَا " كَمَا يُقَالُ " إنَّهُ مُسْتَوْلٍ عَلَيْهَا " وَلِمَا اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ الِاسْتِوَاءَ مُخْتَصٌّ بِالْعَرْشِ. فَهَذَا الِاسْتِوَاءُ الْخَاصُّ لَيْسَ بِمَعْنَى الِاسْتِيلَاءِ الْعَامِّ. وَأَيْنَ لِلسُّلْطَانِ جَعْلُ الِاسْتِوَاءِ بِمَعْنَى الْقَهْرِ وَالْغَلَبَةِ وَهُوَ الِاسْتِيلَاءُ؟ . فَيُشْبِهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنْ يَكُونَ اجْتِهَادُهُ مُخْتَلِفًا فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ كَمَا اخْتَلَفَ اجْتِهَادُ غَيْرِهِ. فَأَبُو الْمَعَالِي كَانَ يَقُولُ بِالتَّأْوِيلِ ثُمَّ حَرَّمَهُ وَحَكَى إجْمَاعَ السَّلَفِ عَلَى تَحْرِيمِهِ. وَابْنُ عَقِيلٍ لَهُ أَقْوَالٌ مُخْتَلِفَةٌ وَكَذَلِكَ
(16/91)

لِأَبِي حَامِدٍ وَالرَّازِي وَغَيْرِهِمْ. وَمِمَّا يُبَيِّنُ اخْتِلَافَ كَلَامِ ابْنِ فورك أَنَّهُ فِي مُصَنَّفٍ آخَرَ قَالَ؛ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: " أَيْنَ هُوَ؟ " قِيلَ: لَيْسَ بِذِي كَيْفِيَّةٍ فَنُخْبِرُ عَنْهَا إلَّا أَنْ يَقُولَ " كَيْفَ صَنَعَهُ؟ " فَمَنْ صَنَعَهُ أَنَّهُ يُعِزُّ مَنْ يَشَاءُ وَيُذِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الصَّانِعُ لِلْأَشْيَاءِ كُلِّهَا. فَهُنَا أَبْطَلَ السُّؤَالَ عَنْ الْكَيْفِيَّةِ وَهُنَاكَ جَوَّزَهُ وَقَالَ؛ الْكَيْفِيَّةُ هِيَ الصِّفَةُ وَهُوَ ذُو الصِّفَاتِ وَكَذَلِكَ السُّؤَالُ عَنْ الْمَاهِيَّةِ قَالَ فِي ذَلِكَ الْمُصَنَّفِ: وَإِنْ سَأَلَتْ الْجَهْمِيَّة فَقَالَتْ " مَا هُوَ؟ " يُقَالُ لَهُمْ: " مَا " يَكُونُ اسْتِفْهَامًا عَنْ جِنْسٍ أَوْ صِفَةٍ فِي ذَاتِ الْمُسْتَفْهِمِ. فَإِنْ أَرَدْت بِذَلِكَ سُؤَالًا عَنْ صِفَتِهِ فَهُوَ الْعِلْمُ وَالْقُدْرَةُ وَالْكَلَامُ وَالْعِزَّةُ وَالْعَظَمَةُ. وَقَالَ فِي الْآخَرِ: فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ " حَدِّثُونَا عَنْ الْوَاحِدِ الَّذِي تَعْبُدُونَهُ مَا هُوَ؟ " قِيلَ: إنْ أَرَدْت بِقَوْلِك " مَا جِنْسُهُ؟ ". فَلَيْسَ بِذِي جِنْسٍ. وَإِنْ أَرَدْت بِقَوْلِك " مَا هُوَ؟ " أَيْ: أَشِيرُوا إلَيْهِ حَتَّى أُدْرِكَهُ بِحَوَاسِّي فَلَيْسَ بِحَاضِرِ لِلْحَوَاسِّ. وَإِنْ أَرَدْت بِقَوْلِك: " مَا هُوَ؟ " أَيْ دُلُّونِي عَلَيْهِ بِعَجَائِبِ صَنْعَتِهِ وَآثَارِ حِكْمَتِهِ فَالدِّلَالَةُ عَلَيْهِ قَائِمَةٌ. وَإِنْ أَرَدْت بِقَوْلِك " مَا اسْمُهُ؟ " فَنَقُولُ: هُوَ اللَّهُ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ الْقَادِرُ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ.
(16/92)

وَهُوَ فِي هَذَا الْمُصَنَّفِ أَثْبَتَ أَنَّهُ عَلَى الْعَرْشِ بِخِلَافِ مَا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ الْعَرْشِ. فَقَالَ: فَإِنْ قَالَ " فَحَدِّثُونَا عَنْهُ أَيْنَ كَانَ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ؟ " قِيلَ " أَيْنَ؟ " تَقْتَضِي مَكَانًا وَالْأَمْكِنَةُ مَخْلُوقَاتٌ وَهُوَ سُبْحَانَهُ لَمْ يَزَلْ قَبْلَ الْخَلْقِ وَالْأَمَاكِنُ لَا فِي مَكَانٍ وَلَا يَجْرِي عَلَيْهِ وَقْتٌ وَلَا زَمَانٌ. فَإِنْ قَالَ: " فَعَلَى مَا هُوَ الْيَوْمَ؟ " قِيلَ لَهُ: مُسْتَوٍ عَلَى الْعَرْشِ كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} . وَقَالَ: فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: " لَمْ يَزَلْ الْبَارِي قَادِرًا عَالِمًا حَيًّا سَمِيعًا بَصِيرًا؟ " قِيلَ: نَعَمْ. فَإِنْ قَالَ فَلِمَ أَنْكَرْتُمْ أَنْ يَكُونَ لَمْ يَزَلْ خَالِقًا؟ " قِيلَ لَهُ: إنْ أَرَدْت بِقَوْلِك " لَمْ يَزَلْ خَالِقًا أَيْ لَمْ يَزَلْ الْخَلْقُ مَعَهُ فِي قَدَمِهِ فَهَذَا خَطَأٌ لِأَنَّ مَعْنَى الْخَلْقِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ ثُمَّ كَانَ. فَكَيْفَ يَكُونُ مَا لَمْ يَكُنْ ثُمَّ كَانَ لَمْ يَزَلْ مَوْجُودًا وَإِنْ أَرَدْت بِقَوْلِك أَنَّ الْخَالِقَ لَمْ يَزَلْ وَكَانَ قَادِرًا عَلَى أَنْ يَخْلُقَ الْخَلْقَ فَكَذَلِكَ نَقُولُ لِأَنَّ الْخَالِقَ لَمْ يَزَلْ وَالْخَلْقَ لَمْ يَكُنْ ثُمَّ كَانَ وَقَدْ كَانَ لَمْ يَزَلْ قَادِرًا عَلَى أَنْ يَخْلُقَ الْخَلْقَ فَهَذَا الْجَوَابُ. قَالَ: فَإِنْ قِيلَ " إذَا قُلْتُمْ إنَّهُ الْآنَ خَالِقٌ فَمَا أَنْكَرْتُمْ أَنْ يَكُونَ لَمْ يَزَلْ خَالِقًا "؟ قِيلَ لَهُ: لَا يَلْزَمُ ذَلِكَ. وَذَلِكَ أَنَّهُ الْآنَ مُسْتَوٍ عَلَى
(16/93)

عَرْشِهِ فَلَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ لَمْ يَزَلْ مُسْتَوِيًا عَلَى عَرْشِهِ. فَكَذَلِكَ مَا قُلْنَاهُ يُنَاسِبُهُ. فَإِنْ قِيلَ " الِاسْتِوَاءُ مِنْهُ فِعْلٌ وَيَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ الْفِعْلُ لَمْ يَزَلْ " قَالَ قِيل: وَالْخَلْقُ مِنْهُ فِعْلٌ وَيَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ الْخَلْقُ لَمْ يَزَلْ. فَهَذَا الْكَلَامُ لَيْسَ إلَّا بِبَيَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: إنَّهُ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ وَيَقُولُونَ بِقِدَمِ صِفَةِ التَّكْوِينِ وَالْخَلْقِ وَأَنَّهُ لَمْ يَزَلْ خَالِقًا. فَأَلْزَمَهُمْ: " أَنَّا نَقُولُ فِي الْخَلْقِ مَا نَقُولُهُ نَحْنُ وَأَنْتُمْ فِي الِاسْتِوَاءِ ". وَهَذَا جَوَابٌ ضَعِيفٌ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ فِي الْحَقِيقَةِ لَيْسَ عِنْدَهُ أَنَّهُ اسْتَوَى بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ كَمَا قَدْ بَحَثَهُ مَعَ السُّلْطَانِ بَلْ هُوَ الْآنَ كَمَا كَانَ. فَلَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ عَلَيْهِ. الثَّانِي: أَنَّهُ قَدْ سَلَّمَ أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ قَادِرًا عَلَى أَنْ يَخْلُقَ الْخَلْقَ وَهَذَا يَقْتَضِي إمْكَانَ وُجُودِ الْمَقْدُورِ فِي الْأَزَلِ. فَإِنَّهُ إذَا كَانَ الْمَقْدُورُ مُمْتَنِعًا لَمْ تَكُنْ هُنَاكَ قُدْرَةٌ فَكَيْفَ يَجْعَلُهُ لَمْ يَزَلْ قَادِرًا مَعَ امْتِنَاعِ أَنْ يَكُونَ الْمَقْدُورُ لَمْ يَزَلْ مُمْكِنًا؟ بَلْ الْمَقْدُورُ عِنْدَهُ كَانَ مُمْتَنِعًا ثُمَّ صَارَ مُمْكِنًا بِلَا سَبَبٍ حَادِثٍ اقْتَضَى ذَلِكَ.
(16/94)

الثَّالِثُ: أَنَّ قَوْلَهُ: " لِأَنَّ مَعْنَى الْخَلْقِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ ثُمَّ كَانَ فَكَيْفَ يَكُونُ مَا لَمْ يَكُنْ ثُمَّ كَانَ لَمْ يَزَلْ مَوْجُودًا؟ " فَيُقَالُ: بَلْ كُلُّ مَخْلُوقٍ فَهُوَ مُحْدَثٌ مَسْبُوقٌ بِعَدَمِ نَفْسِهِ وَمَا ثَمَّ قَدِيمٌ أَزَلِيٌّ إلَّا اللَّهَ وَحْدَهُ. وَإِذَا قِيلَ: " لَمْ يَزَلْ خَالِقًا " فَإِنَّمَا يَقْتَضِي قِدَمَ نَوْعِ الْخَلْقِ و " دَوَامُ خالقيته " لَا يَقْتَضِي قِدَمَ شَيْءٍ مِنْ الْمَخْلُوقَاتِ. فَيَجِبُ الْفَرْقُ بَيْنَ أَعْيَانِ الْمَخْلُوقَاتِ الْحَادِثَةِ بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُنْ فَإِنَّ هَذِهِ لَا يَقُولُ عَاقِلٌ إنَّ مِنْهَا شَيْئًا أَزَلِيًّا. وَمَنْ قَالَ بِقِدَمِ شَيْءٍ مِنْ الْعَالَمِ - كَالْفُلْكِ أَوْ مَادَّتِهِ - فَإِنَّهُ يَجْعَلُهُ مَخْلُوقًا بِمَعْنَى أَنَّهُ كَانَ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ؛ وَلَكِنْ إذْ أَوْجَدَهُ الْقَدِيمُ. وَلَكِنْ لَمْ يَزَلْ فَعَّالًا خَالِقًا وَدَوَامُ خالقيته مِنْ لَوَازِمَ وُجُودِهِ. فَهَذَا لَيْسَ قَوْلًا بِقِدَمِ شَيْءٍ مِنْ الْمَخْلُوقَاتِ بَلْ هَذَا مُتَضَمِّنٌ لِحُدُوثِ كُلِّ مَا سِوَاهُ. وَهَذَا مُقْتَضَى سُؤَالِ السَّائِلِ لَهُ. الْوَجْهُ الرَّابِعُ أَنْ يُقَالَ: الْعَرْشُ حَادِثٌ كَائِنٌ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ لَمْ يَزَلْ مُسْتَوِيًا عَلَيْهِ بَعْدَ وُجُودِهِ. وَأَمَّا الْخَلْقُ فَالْكَلَامُ فِي نَوْعِهِ وَدَلِيلِهِ عَلَى امْتِنَاعِ حَوَادِثَ لَا أَوَّلَ لَهَا قَدْ عُرِفَ ضِعْفُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَكَانَ ابْنُ فورك فِي مُخَاطَبَةِ السُّلْطَانِ قَصَدَ إظْهَارَ مُخَالِفَةِ الكَرَّامِيَة كَمَا قَصَدَ بِنَيْسَابُورَ الْقِيَامَ عَلَى الْمُعْتَزِلَةِ فِي اسْتِتَابَتِهِمْ وَكَمَا كَفَّرَهُمْ عِنْدَ
(16/95)

السُّلْطَانِ. وَمَنْ لَمْ يَعْدِلْ فِي خُصُومِهِ وَمُنَازَعِيهِ وَيَعْذُرْهُمْ بِالْخَطَأِ فِي الِاجْتِهَادِ بَلْ ابْتَدَعَ بِدْعَةً وَعَادَى مَنْ خَالَفَهُ فِيهَا أَوْ كَفَّرَهُ فَإِنَّهُ هُوَ ظَلَمَ نَفْسَهُ. وَأَهْلُ السُّنَّةِ وَالْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ يَعْلَمُونَ الْحَقَّ وَيَرْحَمُونَ الْخَلْقَ؛ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ فَلَا يَبْتَدِعُونَ. وَمَنْ اجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ خَطَأً يَعْذُرُهُ فِيهِ الرَّسُولُ عَذَرُوهُ. وَأَهْلُ الْبِدَعِ مِثْلُ الْخَوَارِجِ يَبْتَدِعُونَ بِدْعَةً وَيُكَفِّرُونَ مَنْ خَالَفَهُمْ وَيَسْتَحِلُّونَ دَمَهُ. وَهَؤُلَاءِ كُلٌّ مِنْهُمْ يَرُدُّ بِدْعَةَ الْآخَرِينَ وَلَكِنْ هُوَ أَيْضًا مُبْتَدِعٌ فَيَرُدُّ بِدْعَةً بِبِدْعَةِ وَبَاطِلًا بِبَاطِلِ. وَكَذَلِكَ مَا حَكَاهُ مِنْ مُنَاظَرَاتِهِمْ لَهُ عِنْدَ الْوَزِيرِ مَجْلِسًا بَعْدَ مَجْلِسٍ هُوَ مِنْ هَذَا الْبَابِ. فَإِنَّ الْمُعْتَزِلَةَ والكَرَّامِيَة يَقُولُونَ حَقًّا وَبَاطِلًا وَسُنَّةً وَبِدْعَةً كَمَا أَنَّهُ هُوَ أَيْضًا كَذَلِكَ يَقُولُ حَقًّا وَبَاطِلًا مُوَافَقَةً لِأَبِي الْحَسَنِ. وَأَبُو الْحَسَنِ سَلَكَ فِي مَسْأَلَةِ الْأَسْمَاءِ وَالْأَحْكَامِ وَالْقَدَرِ مَسْلَكَ الْجَهْمِ بْنِ صَفْوَان - مَسْلَكَ الْمُجْبِرَةِ وَمَسْلَكَ غُلَاةِ الْمُرْجِئَةِ. فَهَؤُلَاءِ قَدَرِيَّةٌ مُجْبِرَةٌ وَالْمُعْتَزِلَةُ قَدَرِيَّةٌ نَافِيَةٌ. فَوَقَعَ بَيْنَهُمْ غَايَةُ التَّضَادِّ فِي مَسَائِلِ التَّعْدِيلِ وَالتَّجْوِيرِ وَنَحْوِهَا. وَاَللَّهُ يُحِبُّ الْكَلَامَ بِعِلْمِ وَعَدْلٍ وَيَكْرَهُ الْكَلَامَ بِجَهْلِ وَظُلْمٍ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {الْقُضَاةُ ثَلَاثَةٌ: قَاضِيَانِ فِي النَّارِ وَقَاضٍ
(16/96)

فِي الْجَنَّةِ - رَجُلٌ قَضَى لِلنَّاسِ عَلَى جَهْلٍ فَهُوَ فِي النَّارِ وَرَجُلٌ عَلِمَ الْحَقَّ وَقَضَى بِخِلَافِهِ فَهُوَ فِي النَّارِ. وَرَجُلٌ عَلِمَ الْحَقَّ وَقَضَى بِهِ فَهُوَ فِي الْجَنَّةِ} . وَقَدْ حَرَّمَ سُبْحَانَهُ الْكَلَامَ بِلَا عِلْمٍ مُطْلَقًا وَخَصَّ الْقَوْلَ عَلَيْهِ بِلَا عِلْمٍ بِالنَّهْيِ فَقَالَ تَعَالَى: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} وَقَالَ تَعَالَى: {قُلْ إنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} . وَأَمَرَ بِالْعَدْلِ عَلَى أَعْدَاءِ الْمُسْلِمِينَ. فَقَالَ: {كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} .
فَصْلٌ:
وَهُوَ سُبْحَانَهُ وَصَفَ نَفْسَهُ بِالْعُلُوِّ. وَهُوَ مِنْ صِفَاتِ الْمَدْحِ لَهُ بِذَلِكَ وَالتَّعْظِيمِ لِأَنَّهُ مِنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ كَمَا مَدَحَ نَفْسَهُ بِأَنَّهُ الْعَظِيمُ وَالْعَلِيمُ وَالْقَدِيرُ وَالْعَزِيزُ وَالْحَلِيمُ وَنَحْوُ ذَلِكَ. وَأَنَّهُ الْحَيُّ
(16/97)

الْقَيُّومُ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنْ مَعَانِي أَسْمَائِهِ الْحُسْنَى. فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَّصِفَ بِأَضْدَادِ هَذِهِ. فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُوصَفَ بِضِدِّ الْحَيَاةِ والقيومية وَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ مِثْلِ الْمَوْتِ وَالنَّوْمِ وَالْجَهْلِ وَالْعَجْزِ وَاللُّغُوبِ. وَلَا بِضِدِّ الْعِزَّةِ وَهُوَ الذُّلُّ وَلَا بِضِدِّ الْحِكْمَةِ وَهُوَ السَّفَهُ. فَكَذَلِكَ لَا يُوصَفُ بِضِدِّ الْعُلُوِّ وَهُوَ السُّفُولُ وَلَا بِضِدِّ الْعَظِيمِ وَهُوَ الْحَقِيرُ. بَلْ هُوَ سُبْحَانَهُ مُنَزَّهٌ عَنْ هَذِهِ النَّقَائِصِ الْمُنَافِيَةِ لِصِفَاتِ الْكَمَالِ الثَّابِتَةِ لَهُ. فَثُبُوتُ صِفَاتِ الْكَمَالِ لَهُ يَنْفِي اتِّصَافَهُ بِأَضْدَادِهَا وَهِيَ النَّقَائِصُ. وَهُوَ سُبْحَانَهُ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ فِيمَا يُوصَفُ بِهِ مِنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ. فَهُوَ مُنَزَّهٌ عَنْ النَّقْصِ الْمُضَادِّ لِكَمَالِهِ وَمُنَزَّهٌ عَنْ أَنْ يَكُونَ لَهُ مِثْلٌ فِي شَيْءٍ مِنْ صِفَاتِهِ. وَمَعَانِي التَّنْزِيهِ تَرْجِعُ إلَى هَذَيْنِ الْأَصْلَيْنِ. وَقَدْ دَلَّ عَلَيْهِمَا سُورَةُ الْإِخْلَاصِ الَّتِي تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ بِقَوْلِهِ: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} {اللَّهُ الصَّمَدُ} . فَاسْمُهُ " الصَّمَدُ " يَجْمَعُ مَعَانِي صِفَاتِ الْكَمَالِ كَمَا قَدْ بُسِطَ ذَلِكَ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ السُّورَةِ وَفِي غَيْرِ مَوْضِعٍ. وَهُوَ كَمَا فِي تَفْسِيرِ ابْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ الْمُسْتَوْجِبُ لِصِفَاتِ السُّؤْدُدِ الْعَلِيمُ
(16/98)

الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي عِلْمِهِ الْحَكِيمُ الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي حِكْمَتِهِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا قَدْ بُيِّنَ. وَقَوْلُهُ " الْأَحَدُ " يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا مِثْلَ لَهُ وَلَا نَظِيرَ {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} . وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ أَنَّ مَا وَصَفَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ نَفْسَهُ مِنْ الصِّفَاتِ السَّلْبِيَّةِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَتَضَمَّنَ مَعْنًى ثُبُوتِيًّا. فَالْكَمَالُ هُوَ فِي الْوُجُودِ وَالثُّبُوتِ وَالنَّفْيُ مَقْصُودُهُ نَفْيُ مَا يُنَاقِضُ ذَلِكَ. فَإِذَا نُفِيَ النَّقِيضُ الَّذِي هُوَ الْعَدَمُ وَالسَّلْبُ لَزِمَ ثُبُوتُ النَّقِيضِ الْآخَرِ الَّذِي هُوَ الْوُجُودُ وَالثُّبُوتُ. وَبَيَّنَّا هَذَا فِي آيَةِ الْكُرْسِيِّ وَغَيْرِهَا مِمَّا فِي الْقُرْآنِ كَقَوْلِهِ: {لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ} فَإِنَّهُ يَتَضَمَّنُ كَمَالَ الْحَيَاةِ والقيومية. وَقَوْلُهُ: {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلَّا بِإِذْنِهِ} يَتَضَمَّنُ كَمَالَ الْمُلْكِ. وَقَوْلُهُ: {وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ} يَقْتَضِي اخْتِصَاصَهُ بِالتَّعْلِيمِ دُونَ مَا سِوَاهُ. والوحدانية تَقْتَضِي الْكَمَالَ وَالشَّرِكَةُ تَقْتَضِي النَّقْصَ. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: {وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا} {وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ} {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ} {لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ} . وَأَمْثَالُ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مَبْسُوطٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
(16/99)

وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّ عُلُوَّهُ مِنْ صِفَاتِ الْمَدْحِ اللَّازِمَةِ لَهُ. فَلَا يَجُوزُ اتِّصَافُهُ بِضِدِّ الْعُلُوِّ أَلْبَتَّةَ. وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: {أَنْتَ الْأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَك شَيْءٌ وَأَنْتَ الْآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَك شَيْءٌ وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَك شَيْءٌ وَأَنْتَ الْبَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَك شَيْءٌ} وَلَمْ يَقُلْ " تَحْتَك ". وَقَدْ تَكَلَّمْنَا عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ. وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَالْمُخَالِفُونَ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَمَا كَانَ عَلَيْهِ السَّلَفُ لَا يَجْعَلُونَهُ مُتَّصِفًا بِالْعُلُوِّ دُونَ السُّفُولِ. بَلْ إمَّا أَنْ يَصِفُوهُ بِالْعُلُوِّ وَالسُّفُولِ أَوْ بِمَا يَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ وَإِمَّا أَنْ يَنْفُوا عَنْهُ الْعُلُوَّ وَالسُّفُولَ. وَهُمْ نَوْعَانِ. فالْجَهْمِيَّة الْقَائِلُونَ بِأَنَّهُ بِذَاتِهِ فِي كُلِّ مَكَانٍ أَوْ بِأَنَّهُ لَا دَاخِلَ الْعَالَمِ وَلَا خَارِجَهُ لَا يَصِفُونَهُ بِالْعُلُوِّ دُونَ السُّفُولِ. فَإِنَّهُ إذَا كَانَ فِي مَكَانٍ فَالْأَمْكِنَةُ مِنْهَا عَالٍ وَسَافِلٌ. فَهُوَ فِي الْعَالِي عَالٍ وَفِي السَّافِلِ سَافِلٌ. بَلْ إذَا قَالُوا إنَّهُ فِي كُلِّ مَكَانٍ فَجَعَلُوا الْأَمْكِنَةَ كُلَّهَا مَحَالّ لَهُ - ظُرُوفًا وَأَوْعِيَةً جَعَلُوهَا فِي الْحَقِيقَةِ أَعْلَى مِنْهُ. فَإِنَّ الْمَحَلَّ يَحْوِي الْحَالَّ وَالظَّرْفَ وَالْوِعَاءَ يَحْوِي الْمَظْرُوفَ الَّذِي فِيهِ وَالْحَاوِيَ فَوْقَ المحوى. وَالسَّلَفُ وَالْأَئِمَّةُ وَسَائِرُ عُلَمَاءِ السُّنَّةِ إذَا قَالُوا " إنَّهُ فَوْقَ الْعَرْشِ
(16/100)

وَإِنَّهُ فِي السَّمَاءِ فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ " لَا يَقُولُونَ إنَّ هُنَاكَ شَيْئًا يَحْوِيهِ أَوْ يَحْصُرُهُ أَوْ يَكُونُ مَحَلًّا لَهُ أَوْ ظَرْفًا وَوِعَاءً سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَنْ ذَلِكَ بَلْ هُوَ فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ مُسْتَغْنٍ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ وَكُلُّ شَيْءٍ مُفْتَقِرٌ إلَيْهِ. وَهُوَ عَالٍ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْحَامِلُ لِلْعَرْشِ وَلِحَمَلَةِ الْعَرْشِ بِقُوَّتِهِ وَقُدْرَتِهِ. وَكُلُّ مَخْلُوقٍ مُفْتَقِرٌ إلَيْهِ وَهُوَ غَنِيٌّ عَنْ الْعَرْشِ وَعَنْ كُلِّ مَخْلُوقٍ. وَمَا فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مِنْ قَوْلِهِ {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ} وَنَحْوِ ذَلِكَ قَدْ يَفْهَمُ مِنْهُ بَعْضُهُمْ أَنَّ " السَّمَاءِ " هِيَ نَفْسُ الْمَخْلُوقِ الْعَالِي الْعَرْشُ فَمَا دُونَهُ. فَيَقُولُونَ: قَوْلُهُ {فِي السَّمَاءِ} بِمَعْنَى " عَلَى السَّمَاءِ " كَمَا قَالَ: {وَلَأُصَلِّبَنَّكُم فِي جُذُوعِ النَّخْلِ} أَيْ " عَلَى جُذُوعِ النَّخْلِ " وَكَمَا قَالَ: {فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ} أَيْ " عَلَى الْأَرْضِ ". وَلَا حَاجَةَ إلَى هَذَا بَلْ " السَّمَاءِ " اسْمُ جِنْسٍ لِلْعَالِي لَا يَخُصُّ شَيْئًا. فَقَوْلُهُ {فِي السَّمَاءِ} أَيْ " فِي الْعُلُوِّ دُونَ السُّفْلِ ". وَهُوَ الْعَلِيُّ الْأَعْلَى فَلَهُ أَعْلَى الْعُلُوِّ وَهُوَ مَا فَوْقَ الْعَرْشِ وَلَيْسَ هُنَاكَ غَيْرُهُ الْعَلِيُّ الْأَعْلَى سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. وَالْقَائِلُونَ بِأَنَّهُ فِي كُلِّ مَكَانٍ هُوَ عِنْدَهُمْ فِي الْمَخْلُوقَاتِ السُّفْلِيَّةِ الْقَذِرَةِ الْخَبِيثَةِ كَمَا هُوَ فِي الْمَخْلُوقَاتِ الْعَالِيَةِ. وَغُلَاةُ هَؤُلَاءِ الِاتِّحَادِيَّةُ الَّذِينَ يَقُولُونَ " الْوُجُودُ وَاحِدٌ " كَابْنِ عَرَبِيٍّ الطَّائِيِّ صَاحِبِ " فُصُوصِ
(16/101)

الْحِكَمِ " و " الْفُتُوحَاتِ الْمَكِّيَّةِ " يَقُولُونَ " الْمَوْجُودُ الْوَاجِبُ الْقَدِيمُ هُوَ الْمَوْجُودُ الْمُحْدَثُ الْمُمْكِنُ ". وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ عَرَبِيٍّ فِي " فُصُوصِ الْحِكَمِ ": " وَمِنْ أَسْمَائِهِ الْحُسْنَى " الْعَلِيُّ ". عَلَى مَنْ وَمَا ثَمَّ إلَّا هُوَ؟ وَعَنْ مَاذَا وَمَا هُوَ إلَّا هُوَ؟ . فَعُلُوُّهُ لِنَفْسِهِ وَهُوَ مِنْ حَيْثُ الْوُجُودُ عَيْنُ الْمَوْجُودَاتِ فَالْمُسَمَّى " مُحْدَثَاتٌ " هِيَ الْعَلِيَّةُ لِذَاتِهَا وَلَيْسَتْ إلَّا هُوَ. إلَى أَنْ قَالَ: " فَالْعَلِيُّ لِنَفْسِهِ هُوَ الَّذِي يَكُونُ لَهُ جَمِيعُ الْأَوْصَافِ الْوُجُودِيَّةِ وَالنِّسَبِ الْعَدَمِيَّةِ سَوَاءٌ كَانَتْ مَحْمُودَةً عُرْفًا وَعَقْلًا وَشَرْعًا أَوْ مَذْمُومَةً عُرْفًا وَعَقْلًا وَشَرْعًا. وَلَيْسَ ذَلِكَ إلَّا الْمُسَمَّى اللَّهُ ". فَهُوَ عِنْدُهُ الْمَوْصُوفُ بِكُلِّ ذَمٍّ كَمَا هُوَ الْمَوْصُوفُ بِكُلِّ مَدْحٍ. وَهَؤُلَاءِ يُفَضِّلُونَ عَلَيْهِ بَعْضَ الْمَخْلُوقَاتِ فَإِنَّ فِي الْمَخْلُوقَاتِ مَا يُوصَفُ بِالْعُلُوِّ دُونَ السُّفُولِ كَالسَّمَوَاتِ. وَمَا كَانَ مَوْصُوفًا بِالْعُلُوِّ دُونَ السُّفُولِ كَانَ أَفْضَلَ مِمَّا لَا يُوصَفُ بِالْعُلُوِّ أَوْ يُوصَفُ بِالْعُلُوِّ وَالسُّفُولِ. وَقَدْ قَالَ فِرْعَوْنُ: {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} . قَالَ ابْنُ عَرَبِيٍّ:
(16/102)

" وَلَمَّا كَانَ فِرْعَوْنُ فِي مَنْصِبِ التَّحَكُّمِ وَالْخَلِيفَةِ بِالسَّيْفِ جَازَ فِي الْعُرْفِ الناموسي أَنْ قَالَ {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} . أَيْ وَإِنْ كَانَ أَنَّ الْكُلَّ أَرْبَابًا بِنِسْبَةِ مَا فَأَنَا الْأَعْلَى مِنْهُمْ بِمَا أُعْطِيته مِنْ الْحُكْمِ فِيكُمْ. وَلَمَّا عَلِمَتْ السَّحَرَةُ صِدْقَهُ فِيمَا قَالَ لَمْ يُنْكِرُوهُ بَلْ أَقَرُّوا لَهُ بِذَلِكَ وَقَالُوا لَهُ: {فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} فَالدَّوْلَةُ لَك. فَصَحَّ قَوْلُ فِرْعَوْنَ: {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} . فَبِهَذَا وَأَمْثَالِهِ يُصَحِّحُونَ قَوْلَ فِرْعَوْنَ: {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} وَيَنْكَرُونَ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ عَالِيًا فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْأَعْلَى وَيَقُولُونَ: " عَلَى مَنْ يَكُونُ أَعْلَى أَوْ عَمَّا ذَا يَكُونُ أَعْلَى؟ ". وَهَكَذَا سَائِرُ الْجَهْمِيَّة يَصِفُونَ بِالْعُلُوِّ عَلَى وَجْه الْمَدْحِ مَا هُوَ عَالٍ مِنْ الْمَخْلُوقَاتِ كَالسَّمَاءِ وَالْجَنَّةِ وَالْكَوَاكِبِ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ الْعَالِيَ أَفْضَلُ مِنْ السَّافِلِ وَهُمْ لَا يَصِفُونَ رَبَّهُمْ بِأَنَّهُ الْأَعْلَى وَلَا الْعَلِيُّ بَلْ يَجْعَلُونَهُ فِي السَّافِلَاتِ كَمَا هُوَ فِي الْعَالِيَاتِ. وَالْجَهْمِيَّة الَّذِينَ يَقُولُونَ " لَيْسَ هُوَ دَاخِلَ الْعَالَمِ وَلَا خَارِجَهُ وَلَا يُشَارُ إلَيْهِ أَلْبَتَّةَ هُمْ أَقْرَبُ إلَى التَّعْطِيلِ وَالْعَدَمِ كَمَا أَنَّ أُولَئِكَ أَقْرَبُ إلَى الْحُلُولِ وَالِاتِّحَادِ بِالْمَخْلُوقَاتِ. فَهَؤُلَاءِ يُثْبِتُونَ مَوْجُودًا لَكِنَّهُ فِي الْحَقِيقَةِ الْمَخْلُوقُ لَا الْخَالِقُ؛ وَأُولَئِكَ يَنْفُونَ فَلَا يُثْبِتُونَ وُجُودًا أَلْبَتَّةَ لَكِنَّهُمْ
(16/103)

يُثْبِتُونَ وُجُودَ الْمَخْلُوقَاتِ وَيَقُولُونَ إنَّهُمْ يُثْبِتُونَ وُجُودَ الْخَالِقِ. وَإِذَا قَالُوا: نَحْنُ نَقُولُ: " هُوَ عَالٍ بِالْقُدْرَةِ أَوْ بِالْقَدْرِ " قِيلَ: هَذَا فَرْعُ ثُبُوتِ ذَاتِهِ وَأَنْتُمْ لَمْ تُثْبِتُوا مَوْجُودًا يُعْرَفُ وُجُودُهُ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ قَادِرًا أَوْ عَظِيمَ الْقَدْرِ. وَإِذَا قَالُوا: كَانَ اللَّهُ قَبْلَ خَلْقِ الْأَمْكِنَةِ وَالْمَخْلُوقَاتِ مَوْجُودًا وَهُوَ الْآنَ عَلَى مَا عَلَيْهِ كَانَ لَمْ يَتَغَيَّرْ وَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ فَوْقَ شَيْءٍ وَلَا عَالِيًا عَلَى شَيْءٍ فَكَذَلِكَ هُوَ الْآنَ قِيلَ: هَذَا غَلَطٌ وَيَظْهَرُ فَسَادُهُ بِالْمُعَارَضَةِ ثُمَّ بِالْحَلِّ وَبَيَان فَسَادِهِ. أَمَّا " الْأَوَّلُ " فَيَلْزَمُهُمْ أَنْ لَا يَكُونَ الْآنَ عَالِيًا بِالْقُدْرَةِ وَلَا بِالْقَدْرِ كَمَا كَانَ فِي الْأَزَلِ. فَإِنَّهُ إذَا قُدِّرَ وُجُودُهُ وَحْدَهُ فَلَيْسَ هُنَاكَ مَوْجُودٌ يَكُونُ قَادِرًا عَلَيْهِ وَلَا قَاهِرًا لَهُ وَلَا مُسْتَوْلِيًا عَلَيْهِ وَلَا مَوْجُودًا يَكُونُ هُوَ أَعْظَمَ قَدْرًا مِنْهُ. فَإِنْ كَانَ مَعَ وُجُودِ الْمَخْلُوقَاتِ لَمْ يَتَجَدَّدْ لَهُ عُلُوٌّ عَلَيْهَا كَمَا زَعَمُوا فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ بَعْدَهَا لَيْسَ قَادِرًا لِشَيْءِ وَلَا مُسْتَوْلِيًا عَلَيْهِ وَلَا قَاهِرًا لِعِبَادِهِ وَلَا قَدْرُهُ أَعْظَمُ مِنْ قَدْرِهَا. وَإِذَا كَانُوا يَقُولُونَ هُمْ وَجَمِيعُ الْعُقَلَاءِ إنَّهُ مَعَ وُجُودِ الْمَخْلُوقِ يُوصَفُ بِأُمُورِ إضَافِيَّةٍ لَا يُوصَفُ
(16/104)

بِهَا إذَا قَدَّرَ مَوْجُودًا وَحْدَهُ عَلِمَ أَنَّ التَّسْوِيَةَ بَيْنَ الْحَالَيْنِ خَطَأٌ مِنْهُمْ. وقد اتَّفَقَ الْعُقَلَاءُ عَلَى جَوَازِ تُجَدِّدُ النِّسَبِ وَالْإِضَافَاتِ مِثْلِ الْمَعِيَّةِ وإنما النِّزَاعُ فِي تَجَدُّدِ مَا يَقُومُ بِذَاتِهِ مِنْ الْأُمُورِ الِاخْتِيَارِيَّةِ. وَقَدْ بُيِّنَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ أَنَّ النِّسَبَ وَالْإِضَافَاتِ مُسْتَلْزِمَةٌ لِأُمُورِ ثُبُوتِيَّةٍ وَأَنَّ وُجُودَهَا بِدُونِ الْأُمُورِ الثُّبُوتِيَّةِ مُمْتَنِعٌ. وَالْإِنْسَانُ إذَا كَانَ جَالِسًا فَتَحَوَّلَ الْمُتَحَوِّلُ عَنْ يَمِينِهِ بَعْدَ أَنْ كَانَ عَنْ شِمَالِهِ قِيلَ " إنَّهُ عَنْ شِمَالِهِ ". فَقَدْ تَجَدَّدَ مِنْ هَذَا فِعْلٌ بِهِ تَغَيَّرَتْ النِّسْبَةُ وَالْإِضَافَةُ. وَكَذَلِكَ مَنْ كَانَ تَحْتَ السَّطْحِ فَصَارَ فَوْقَهُ فَإِنَّ النِّسْبَةَ بِالتَّحْتِيَّةِ وَالْفَوْقِيَّةِ تَجَدَّدَ لَمَّا تَجَدَّدَ فِعْلُ هَذَا. وَإِذَا قِيلَ " نَفْسُ السَّقْفِ لَمْ يَتَغَيَّرْ " قِيلَ قَدْ يُمْنَعُ هَذَا وَيُقَالُ: لَيْسَ حُكْمُهُ إذَا لَمْ يَكُنْ فَوْقَهُ شَيْءٌ كَحُكْمِهِ إذَا كَانَ فَوْقَهُ شَيْءٌ. وَإِذَا قِيلَ عَنْ الْجَالِسِ " إنَّهُ لَمْ يَتَغَيَّرْ " قِيلَ: قَدْ يُمْنَعُ هَذَا وَيُقَالُ: لَيْسَ حُكْمُهُ إذَا كَانَ الشَّخْصُ عَنْ يَسَارِهِ كَحُكْمِهِ إذَا كَانَ عَنْ يَمِينِهِ فَإِنَّهُ يَحْجُبُ هَذَا الْجَانِبَ وَيُوجِبُ مِنْ الْتِفَاتِ الشَّخْصِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مَا لَمْ يَكُنْ قَبْلَ ذَلِكَ. وَكَذَلِكَ مَنْ تَجَدَّدَ لَهُ أَخٌ أَوْ ابْنُ أَخ بِإِيلَادِ أَبِيهِ أَوْ أَخِيهِ قَدْ وُجِدَ هُنَا أُمُورٌ ثُبُوتِيَّةٌ. وَهَذَا الشَّخْصُ يَصِيرُ فِيهِ مِنْ الْعَطْفِ وَالْحُنُوِّ عَلَى هَذَا الْوَلَدِ الْمُتَجَدِّدِ مَا لَمْ يَكُنْ قَبْلَ ذَلِكَ وَهِيَ الرَّحِمُ وَالْقَرَابَةُ.
(16/105)

وَبِهَذَا يَظْهَرُ الْجَوَابُ الثَّانِي وَهُوَ أَنْ يُقَالَ: الْعُلُوُّ وَالسُّفُولُ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنْ الصِّفَاتِ الْمُسْتَلْزِمَةِ لِلْإِضَافَةِ وَكَذَلِكَ الِاسْتِوَاءُ وَالرُّبُوبِيَّةُ والخالقية وَنَحْوُ ذَلِكَ. فَإِذَا كَانَ غَيْرُهُ مَوْجُودًا فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ عَالِيًا عَلَيْهِ وَإِمَّا أَنْ لَا يَكُونَ كَمَا يَقُولُونَ هُمْ: إمَّا أَنْ يَكُونَ عَالِيًا عَلَيْهِ بِالْقَهْرِ أَوْ بِالْقَدْرِ أَوْ لَا يَكُونَ خِلَافُ مَا إذَا قَدَّرَ وَحْدَهُ فَإِنَّهُمْ لَا يَقُولُونَ إنَّهُ حِينَئِذٍ قَاهِرٌ أَوْ قَادِرٌ أَوْ مُسْتَوْلٍ عَلَيْهِ فَلَا يُقَالُ إنَّهُ عَالٍ عَلَيْهِ. وَإِنْ قَالُوا: " إنَّهُ قَادِرٌ وَقَاهِرٌ " كَانَ ذَلِكَ مَشْرُوطًا بِالْغَيْرِ وَكَذَلِكَ عُلُوُّ الْقَدْرِ قِيلَ: وَكَذَلِكَ عُلُوُّ ذَاتِهِ مَا زَالَ عَالِيًا بِذَاتِهِ لَكِنَّ ظُهُورَ ذَلِكَ مَشْرُوطٌ بِوُجُودِ الْغَيْرِ. وَالْإِلْزَامَاتُ مُفْحِمَةٌ لَهُمْ. وَحَقِيقَةُ قَوْلِهِمْ إنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَادِرًا فِي الْأَزَلِ ثُمَّ صَارَ قَادِرًا. يَقُولُونَ لَمْ يَزَلْ قَادِرًا مَعَ امْتِنَاعِ الْمَقْدُورِ وَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ الْفِعْلُ مُمْكِنًا فَصَارَ مُمْكِنًا. فَيَجْمَعُونَ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ.
فَصْلٌ:
وَأَمَّا الَّذِينَ يَصِفُونَهُ بِالْعُلُوِّ وَالسُّفُولِ فَاَلَّذِينَ يَقُولُونَ: هُوَ فَوْقَ الْعَرْشِ وَهُوَ أَيْضًا فِي كُلِّ مَكَانٍ وَاَلَّذِينَ يَقُولُونَ: إذَا نَزَلَ كُلَّ لَيْلَةٍ فَإِنَّهُ
(16/106)

يَخْلُو مِنْهُ الْعَرْشُ أَوْ غَيْرُهُ مِنْ الْمَخْلُوقَاتِ أَكْبَرُ مِنْهُ وَيَقُولُونَ: لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ الْخَالِقُ أَصْغَرَ مِنْ الْمَخْلُوقِ كَمَا يَقُولُ شُيُوخُهُمْ: إنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ الْخَالِقُ أَسْفَلَ مِنْ الْمَخْلُوقِ فَهَؤُلَاءِ لَا يَصِفُونَهُ بِأَنَّهُ أَكْبَرُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ بَلْ وَلَا هُوَ عَلَى قَوْلِهِمْ الْكَبِيرُ المتعال وَلَا هُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ. وَقَدْ بَسَطَ الرَّدَّ عَلَى هَؤُلَاءِ فِي " مَسْأَلَةِ النُّزُولِ " لَمَّا ذَكَرَ قَوْلَ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ مِثْلِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْه وَغَيْرِهِمَا: " إنَّهُ يَنْزِلُ وَلَا يَخْلُو مِنْهُ الْعَرْشُ " ذَكَرَ قَوْلَ مَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ الْمُنْتَسِبِينَ إلَى الْحَدِيثِ وَالسُّنَّةِ وَبَيَّنَ فَسَادَ قَوْلِهِمْ شَرْعًا وَعَقْلًا. وَهَؤُلَاءِ فِي مُقَابَلَةِ الَّذِينَ يَنْفُونَ النُّزُولَ. وَإِذَا قِيلَ: حَدِيثُ النُّزُولِ وَنَحْوِهِ ظَاهِرُهُ لَيْسَ يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ فَهَذَا صَحِيحٌ إذَا أُرِيدَ بِالظَّاهِرِ مَا يَظْهَرُ لِهَؤُلَاءِ وَنَحْوِهِمْ مِنْ أَنَّهُ يَنْزِلُ إلَى أَسْفَلَ فَيَصِيرُ تَحْتَ الْعَرْشِ كَمَا يَنْزِلُ الْإِنْسَانُ مِنْ سَطْحِ دَارِهِ إلَى أَسْفَلُ. وَعَلَى قَوْلِ هَؤُلَاءِ وَلَا يَبْقَى حِينَئِذٍ الْعَلِيُّ وَلَا الْأَعْلَى بَلْ يَكُونُ تَارَةً أَعْلَى وَتَارَةً أَسْفَلَ - تَعَالَى اللَّه عَمَّا يَقُولُ الظَّالِمُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا. وَكَذَلِكَ مَا وَرَدَ مِنْ نُزُولِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي ظُلَلٍ مِنْ الْغَمَامِ وَمِنْ نُزُولِهِ
(16/107)

إلَى الْأَرْضِ لَمَّا خَلَقَهَا وَمِنْ نُزُولِهِ لِتَكْلِيمِ مُوسَى وَغَيْرِ ذَلِكَ كُلِّهِ مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {هَلْ يَنْظُرُونَ إلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ} وَقَوْلِهِ: {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} وَقَوْلِهِ: {هَلْ يَنْظُرُونَ إلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ} والْنُّفَاةِ الْمُعَطِّلَةُ يَنْفُونَ الْمَجِيءَ وَالْإِتْيَانَ بِالْكُلِّيَّةِ وَيَقُولُونَ: مَا ثَمَّ إلَّا مَا يَحْدُثُ فِي الْمَخْلُوقَاتِ وَالْحُلُولِيَّةُ يَقُولُونَ: إنَّهُ يَأْتِي وَيَجِيءُ بِحَيْثُ يَخْلُو مِنْهُ مَكَانٌ وَيُشْغَلُ آخَرُ فَيَخْلُو مِنْهُ مَا فَوْقَ الْعَرْشِ وَيَصِيرُ بَعْضُ الْمَخْلُوقَاتِ فَوْقَهُ. فَإِذَا أَتَى وَجَاءَ لَمْ يَصِرْ عَلَى قَوْلِهِمْ الْعَلِيُّ الْأَعْلَى وَلَا كَانَ هُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ. لَا سِيَّمَا إذَا قَالُوا: إنَّهُ يَحْوِيهِ بَعْضُ الْمَخْلُوقَاتِ فَتَكُونُ أَكْبَرَ مِنْهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ عُلُوًّا عَظِيمًا. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ} إنْ كَانَ قَدْ قَالَ أَحَدٌ: إنَّهُ فِي جَوْفِ السَّمَاءِ فَهُوَ شَرٌّ قَوْلًا مِنْ هَؤُلَاءِ وَلَكِنَّ هَذَا مَا عَلِمْت بِهِ قَائِلًا مُعَيَّنًا مَنْسُوبًا إلَى عِلْمٍ حَتَّى أَحْكِيَهُ قَوْلًا. وَمَنْ قَالَ: " إنَّهُ فِي السَّمَاءِ " فَمُرَادُهُ أَنَّهُ فِي الْعُلُوِّ لَيْسَ مُرَادُهُ أَنَّهُ فِي جَوْفِ الْأَفْلَاكِ إلَّا أَنَّ بَعْضَ الْجُهَّالِ يَتَوَهَّمُ ذَلِكَ. وَقَدْ ظَنَّ طَائِفَةٌ أَنَّ هَذَا ظَاهِرُ اللَّفْظِ.
(16/108)

الظَّاهِرُ وَلَا رَيْبَ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى خِلَافِ هَذَا بِالِاتِّفَاقِ؛ لَكِنَّ هَذَا هُوَ الَّذِي يَظْهَرُ لِعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ يُطْلِقُونَ هَذَا الْقَوْلَ وَيَسْمَعُونَهُ أَوْ هُوَ مَدْلُولُ اللَّفْظِ فِي اللُّغَةِ هُوَ مِمَّا لَا يَسْلَمُ لَهُمْ كَمَا قَدْ يُبْسَطُ فِي مَوَاضِعَ. وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إلَّا اللَّهُ} فَاسْتَثْنَى نَفْسَهُ وَالْعَالِمُ " مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ " وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ هَذَا اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ لِأَنَّ الْمُسْتَثْنَى مَرْفُوعٌ وَلَوْ كَانَ مُنْقَطِعًا لَكَانَ مَنْصُوبًا. وَالْمَرْفُوعُ عَلَى الْبَدَلِ وَالْعَامِلُ فِيهِ هُوَ الْعَامِلُ فِي الْمُبْدَلِ مِنْهُ وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمُفَرَّغِ كَأَنَّهُ قَالَ " لَا يَعْلَمُ الْغَيْبَ إلَّا اللَّهُ ". فَيَلْزَمُ أَنَّهُ دَاخِلٌ فِي " مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ ". وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ لَفْظَ " السَّمَاءِ " يَتَنَاوَلُ كُلَّ مَا سَمَا وَيَدْخُلُ فِيهِ السَّمَوَاتُ وَالْكُرْسِيُّ وَالْعَرْشُ وَمَا فَوْقَ ذَلِكَ. لِأَنَّ هَذَا فِي جَانِبِ النَّفْيِ وَهُوَ لَمْ يَقُلْ هُنَا: " السَّمَوَاتِ السَّبْعَ " بَلْ عَمَّ بِلَفْظِ " السَّمَوَاتِ ". وَإِذَا كَانَ لَفْظُ " السَّمَاءِ " قَدْ يُرَادُ بِهِ السَّحَابُ وَيُرَادُ بِهِ الْفُلْكُ وَيُرَادُ بِهِ مَا فَوْقَ الْعَالَمِ وَيُرَادُ بِهِ الْعُلُوُّ مُطْلَقًا فـ " السَّمَوَاتُ " جَمْعُ " سَمَاءٍ " وَكُلُّ مَنْ فِيمَا يُسَمَّى " سَمَاءً " وَكُلُّ مَنْ فِيمَا يُسَمَّى " أَرْضًا " لَا يَعْلَمُ الْغَيْبَ إلَّا اللَّهُ.
(16/109)

وَهُوَ سُبْحَانَهُ قَالَ {قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ} وَلَمْ يَقُلْ " مَا " فَإِنَّهُ لَمَّا اجْتَمَعَ مَا يَعْقِلُ وَمَا لَا يَعْقِلُ غَلَبَ مَا يَعْقِلُ وَعَبَّرَ عَنْهُ بـ " مَنْ " لِتَكُونَ أَبْلَغَ فَإِنَّهُمْ مَعَ كَوْنِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْمَعْرِفَةِ لَا يَعْلَمُ أَحَدٌ مِنْهُمْ الْغَيْبَ إلَّا اللَّهَ. وَهَذَا هُوَ الْغَيْبُ الْمُطْلَقُ عَنْ جَمِيعِ الْمَخْلُوقِينَ الَّذِي قَالَ فِيهِ {فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا} .
وَالْغَيْبُ الْمُقَيَّدُ مَا عَلِمَهُ بَعْضُ الْمَخْلُوقَاتِ مِنْ الْمَلَائِكَةِ أَوْ الْجِنِّ أَوْ الْإِنْسِ وَشَهِدُوهُ فَإِنَّمَا هُوَ غَيْبٌ عَمَّنْ غَابَ عَنْهُ لَيْسَ هُوَ غَيْبًا عَمَّنْ شَهِدَهُ. وَالنَّاسُ كُلُّهُمْ قَدْ يَغِيبُ عَنْ هَذَا مَا يَشْهَدُهُ هَذَا فَيَكُونُ غَيْبًا مُقَيَّدًا أَيْ غَيْبًا عَمَّنْ غَابَ عَنْهُ مِنْ الْمَخْلُوقِينَ لَا عَمَّنْ شَهِدَهُ لَيْسَ غَيْبًا مُطْلَقًا غَابَ عَنْ الْمَخْلُوقِينَ قَاطِبَةً. وَقَوْلُهُ: {عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ} أَيْ عَالِمُ مَا غَابَ عَنْ الْعِبَادِ مُطْلَقًا وَمُعَيَّنًا وَمَا شَهِدُوهُ فَهُوَ سُبْحَانَهُ يَعْلَمُ ذَلِكَ كُلَّهُ.
والْنُّفَاةِ لِلْعُلُوِّ وَنَحْوِهِ مِنْ الصِّفَاتِ مُعْتَرِفُونَ بِأَنَّهُ لَيْسَ مُسْتَنَدُهُمْ خَبَرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا الْكِتَابَ وَلَا السُّنَّةَ وَلَا أَقْوَالَ السَّلَفِ وَلَا مُسْتَنَدُهُمْ فِطْرَةَ الْعَقْلِ وَضَرُورَتَهُ وَلَكِنْ يَقُولُونَ: مَعَنَا النَّظَرُ الْعَقْلِيُّ. وَأَمَّا أَهْلُ السُّنَّةِ الْمُثْبِتُونَ لِلْعُلُوِّ فَيَقُولُونَ: إنَّ ذَلِكَ ثَابِتٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ مَعَ فِطْرَةِ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ الْعِبَادَ عَلَيْهَا وَضَرُورَةُ الْعَقْلِ وَمَعَ نَظَرِ الْعَقْلِ وَاسْتِدْلَالِهِ.
(16/110)

لَكِنَّ الَّذِينَ يَقُولُونَ بِأَنَّهُ يَنْزِلُ وَلَا يَبْقَى فَوْقَ الْعَرْشِ وَأَنَّهُ يَكُونُ فِي جَوْفِ الْمَخْلُوقَاتِ وَنَحْوُ هَؤُلَاءِ قَدْ يَقُولُونَ إنَّ مُسْتَنَدَهُمْ فِي ذَلِكَ السَّمْعُ وَهُوَ مَا فَهِمُوهُ مِنْ الْقُرْآنِ أَوْ مِنْ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ أَوْ غَيْرِ الصَّحِيحَةِ أَوْ مِنْ أَقْوَالِ السَّلَفِ وَهُمْ أَخْطَئُوا مِنْ حَيْثُ نَظَرُوا اقْتَصَرُوا عَلَى فَهْمِهِ مِنْ نَصٍّ وَاحِدٍ كَفَهْمِهِمْ مِنْ حَدِيثِ النُّزُولِ وَلَمْ يَتَدَبَّرُوا مَا فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مِمَّا يَصِفُهُ بِالْعُلُوِّ وَالْعَظَمَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يُنَافِي أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ أَعْلَى مِنْهُ أَوْ أَكْبَرَ مِنْهُ.
وَيَتَدَبَّرُوا أَيْضًا دَلَالَةَ النَّصِّ مِثْلُ نُزُولِهِ إلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرِ بِأَنَّ اللَّيْلَ يَخْتَلِفُ فَيَكُونُ لَيْلُ أَهْلِ الْمَشْرِقِ وَنِصْفُهُ وَثُلُثُهُ الْآخِرُ قَبْلَ ذَلِكَ فِي الْمَغْرِبِ بِقَرِيبِ مِنْ يَوْمٍ. فَيَلْزَمُ عَلَى قَوْلِهِمْ أَنَّهُ لَا يَزَالُ تَحْتَ الْعَرْشِ وَهُوَ قَدْ أَخْبَرَ أَنَّهُ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ بَعْدَ خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ. وَمَا ذَكَرُوهُ يُنَافِي اسْتِوَاءَهُ عَلَى الْعَرْشِ وَأَنَّهُ لَيْسَ فَوْقَ الْعَرْشِ كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي مَوَاضِعَ.
فَصْلٌ:
" الْأَعْلَى " عَلَى وَزْنِ أَفْعَلْ التَّفْضِيلِ مِثْلُ الْأَكْرَمِ وَالْأَكْبَرِ وَالْأَجَلِّ. وَلِهَذَا {قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا قَالَ أَبُو سُفْيَانَ
(16/111)

اُعْلُ هُبَلُ اُعْلُ هُبَلُ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَلَا تُجِيبُونَهُ؟ قَالُوا: وَمَا نَقُولُ؟ قَالَ: قُولُوا: اللَّهُ أَعْلَى وَأَجَلُّ} . . وَهُوَ مَذْكُورٌ بِأَدَاةِ التَّعْرِيفِ " الْأَعْلَى " مِثْلُ {وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ} بِخِلَافِ مَا إذَا قِيلَ " اللَّهُ أَكْبَرُ " فَإِنَّهُ مُنَكَّرٌ. وَلِهَذَا مَعْنًى يَخُصُّهُ يَتَمَيَّزُ بِهِ وَلِهَذَا مَعْنًى يَخُصُّهُ يَتَمَيَّزُ بِهِ كَمَا بَيْنَ الْعُلُوِّ وَالْكِبْرِيَاءِ وَالْعَظَمَةِ. فَإِنَّ هَذِهِ الصِّفَاتِ وَإِنْ كَانَتْ مُتَقَارِبَةً بَلْ مُتَلَازِمَةً فَبَيْنَهَا فُرُوقٌ لَطِيفَةٌ؛ وَلِهَذَا {قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا يَرْوِي عَنْ رَبِّهِ تَعَالَى: الْعَظَمَةُ إزَارِي وَالْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا عَذَّبْته} . فَجَعَلَ الْكِبْرِيَاءَ بِمَنْزِلَةِ الرِّدَاءِ وَهُوَ أَعْلَى مِنْ الْإِزَارِ.
وَلِهَذَا كَانَ شَعَائِرُ الصَّلَاةِ وَالْأَذَانُ وَالْأَعْيَادِ وَالْأَمَاكِنِ الْعَالِيَةِ هُوَ التَّكْبِيرَ. وَهُوَ أَحَدُ الْكَلِمَاتِ الَّتِي هِيَ أَفْضَلُ الْكَلَامِ بَعْدَ الْقُرْآنِ سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ كَمَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي الصَّحِيح عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَلَمْ يَجِئْ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَثَرِ بَدَلَ قَوْلِ " اللَّهُ أَكْبَرُ " " اللَّهُ أَعْظَمُ " وَلِهَذَا كَانَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَنْعَقِدُ إلَّا بِلَفْظِ التَّكْبِيرِ. فَلَوْ قَالَ: " اللَّهُ أَعْظَمُ " لَمْ تَنْعَقِدْ بِهِ الصَّلَاةُ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {مِفْتَاحُ الصَّلَاةِ الطَّهُورُ وَتَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ} . وَهَذَا
(16/112)

قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد وَأَبِي يُوسُفَ ودَاوُد وَغَيْرِهِمْ. وَلَوْ أَتَى بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَذْكَارِ مِثْلَ سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ لَمْ تَنْعَقِدْ بِهِ الصَّلَاةُ.
وَلِأَنَّ التَّكْبِيرَ مُخْتَصٌّ بِالذِّكْرِ فِي حَالِ الِارْتِفَاعِ كَمَا أَنَّ التَّسْبِيحَ مُخْتَصٌّ بِحَالِ الِانْخِفَاضِ كَمَا فِي السُّنَنِ {عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا عَلَوْنَا كَبَّرْنَا وَإِذَا هَبَطْنَا سَبَّحْنَا فَوُضِعَتْ الصَّلَاةُ عَلَى ذَلِكَ} . {وَلَمَّا نَزَلَ قَوْلُهُ: {فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ} قَالَ: اجْعَلُوهَا فِي رُكُوعِكُمْ} {وَلَمَّا نَزَلَ {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} قَالَ: اجْعَلُوهَا فِي سُجُودِكُمْ} . {وَثَبَتَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيمِ وَفِي سُجُودِهِ سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى} وَلَمْ يَكُنْ يُكَبِّرْ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ. لَكِنْ قَدْ كَانَ يَقْرِنُ بِالتَّسْبِيحِ التَّحْمِيدَ وَالتَّهْلِيلَ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {كَانَ يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ سُبْحَانَك اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِك اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي يَتَأَوَّلُ الْقُرْآنَ} أَيْ يَتَأَوَّلُ قَوْلَهُ: {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إنَّهُ كَانَ تَوَّابًا} . فَكَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ التَّسْبِيحِ وَالتَّحْمِيدِ.
(16/113)

وَكَذَلِكَ قَدْ كَانَ يَقْرِنُ بِالتَّسْبِيحِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ التَّهْلِيلَ كَمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ {عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: افْتَقَدْت النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَظَنَنْت أَنَّهُ ذَهَبَ إلَى بَعْضِ نِسَائِهِ فَتَحَسَّسْت ثُمَّ رَجَعْت فَإِذَا هُوَ رَاكِعٌ أَوْ سَاجِدٌ يَقُولُ سُبْحَانَك وَبِحَمْدِك لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ. فَقُلْت: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي إنِّي لَفِي شَأْنٍ وَإِنَّك لَفِي شَأْنٍ} . فَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ كُلِّهَا أَنَّهُ كَانَ يُسَبِّحُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ لَكِنْ قَدْ يَقْرِنُ بِالتَّسْبِيحِ التَّحْمِيدَ وَالتَّهْلِيلَ وَقَدْ يَقْرِنُ بِهِ الدُّعَاءَ. وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ كَبَّرَ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ. وَأَمَّا قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ فِيهِمَا فَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: {إنِّي نُهِيت أَنْ أَقْرَأَ الْقُرْآنَ رَاكِعًا وَسَاجِدًا} رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ وَمِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَذَلِكَ أَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ فَلَا يُتْلَى إلَّا فِي حَالِ الِارْتِفَاعِ وَالتَّكْبِيرِ أَيْضًا مَحَلُّهُ حَالَ الِارْتِفَاعِ. وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهُ يُشْرَعُ التَّسْبِيحُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ كَرِهَ الْمُدَاوَمَةَ عَلَى ذَلِكَ لِئَلَّا يُظَنَّ وُجُوبُهُ. ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِهِ. فَالْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَد وَإِسْحَاقَ ودَاوُد وَغَيْرِهِمْ وُجُوبُهُ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ اسْتِحْبَابُهُ. وَالْقَائِلُونَ بِالْوُجُوبِ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: يَتَعَيَّنُ " سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيمِ "
(16/114)

و " سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى " لِلْأَمْرِ بِهِمَا وَهُوَ قَوْلُ كَثِيرٍ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَد: وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: بَلْ يَذْكُرُ بَعْضَ الْأَذْكَارِ الْمَأْثُورَةِ. وَالْأَقْوَى أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ التَّسْبِيحُ إمَّا بِلَفْظِ " سُبْحَانَ " وَإِمَّا بِلَفْظِ " سُبْحَانَك " وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَذَلِكَ أَنَّ الْقُرْآنَ سَمَّاهَا " تَسْبِيحًا " فَدَلَّ عَلَى وُجُوبِ التَّسْبِيحِ فِيهَا وَقَدْ بَيَّنَتْ السُّنَّةُ أَنَّ مَحَلَّ ذَلِكَ الرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ كَمَا سَمَّاهَا اللَّهُ " قُرْآنًا " وَقَدْ بَيَّنَتْ السُّنَّةُ أَنَّ مَحَلَّ ذَلِكَ الْقِيَامُ. وَسَمَّاهَا " قِيَامًا " و " سُجُودًا " و " رُكُوعًا " وَبَيَّنَتْ السُّنَّةُ عِلَّةَ ذَلِكَ وَمَحَلَّهُ. وَكَذَلِكَ التَّسْبِيحُ يُسَبِّحُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ. وَقَدْ نُقِلَ {عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيمِ وسُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى؛ وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سُبْحَانَك اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي؛ وسُبْحَانَك وَبِحَمْدِك لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ} . وَفِي بَعْضِ رِوَايَاتِ أَبِي دَاوُد {سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيمِ وَبِحَمْدِهِ} وَفِي اسْتِحْبَابِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ عَنْ أَحْمَد رِوَايَتَانِ. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ {أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ رَبُّ الْمَلَائِكَةِ وَالرُّوحِ} وَفِي السُّنَنِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ {سُبْحَانَ ذِي الْجَبَرُوتِ وَالْمَلَكُوت وَالْكِبْرِيَاءِ وَالْعَظَمَةِ} . فَهَذِهِ كُلُّهَا تَسْبِيحَاتٌ.
(16/115)

وَالْمَنْقُولُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ الْمُدَاوَمَةَ عَلَى ذَلِكَ. فَإِنْ كَانَ كَرَاهَةُ الْمُدَاوَمَةِ عَلَى " سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى وَالْعَظِيمِ " فَلَهُ وَجْهٌ وَإِنْ كَانَ كَرَاهَةُ الْمُدَاوَمَةِ عَلَى جِنْسِ التَّسْبِيحِ فَلَا وَجْهَ لَهُ وَأَظُنُّهُ الْأَوَّلَ. وَكَذَلِكَ الْمَنْقُولُ عَنْهُ إنَّمَا هُوَ كَرَاهَةُ الْمُدَاوَمَةِ عَلَى " سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيمِ " لِئَلَّا يُظَنَّ أَنَّهَا فَرْضٌ؛ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ مَالِكًا أَنْكَرُ أَنْ تَكُونَ فَرْضًا وَاجِبًا. وَهَذَا قَوِيٌّ ظَاهِرٌ بِخِلَافِ جِنْسِ التَّسْبِيحِ فَإِنَّ أَدِلَّةَ وُجُوبِهِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ كَثِيرَةٌ جِدًّا. وَقَدْ عُلِمَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُدَاوِمُ عَلَى التَّسْبِيحِ بِأَلْفَاظِ مُتَنَوِّعَةٍ. وَقَوْلُهُ " اجْعَلُوهَا فِي رُكُوعِكُمْ وَفِي سُجُودِكُمْ " يَقْتَضِي أَنَّ هَذَا مَحَلٌّ لِامْتِثَالِ هَذَا الْأَمْرِ لَا يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يُقَالُ إلَّا هِيَ مَعَ مَا قَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ غَيْرَهَا. وَالْجَمْعُ بَيْنَ صِيغَتَيْ تَسْبِيحٍ بَعِيدٍ بِخِلَافِ الْجَمْعِ بَيْنَ التَّسْبِيحِ وَالتَّحْمِيدِ وَالتَّهْلِيلِ وَالدُّعَاءِ. فَإِنَّ هَذِهِ أَنْوَاعٌ وَالتَّسْبِيحَ نَوْعٌ وَاحِدٌ فَلَا يُجْمَعُ فِيهِ بَيْنَ صِيغَتَيْنِ. وَأَيْضًا قَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ قَالَ: {أَفْضَلُ الْكَلَامِ بَعْدَ الْقُرْآنِ
(16/116)

أَرْبَعٌ وَهُنَّ مِنْ الْقُرْآنِ سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ} . فَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهَا. فَإِنْ جُعِلَ التَّسْبِيحُ نَوْعًا وَاحِدًا ف " سُبْحَانَ اللَّهِ " و " سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى " سَوَاءٌ وَإِنْ جُعِلَ مُتَفَاضِلًا ف " سُبْحَانَ اللَّهِ " أَفْضَلُ بِهَذَا الْحَدِيثِ. وَأَيْضًا فَقَوْلُهُ: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} و {فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ} أَمْرٌ بِتَسْبِيحِ رَبِّهِ لَيْسَ أَمْرًا بِصِيغَةِ مُعَيَّنَةٍ. فَإِذَا قَالَ " سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ " " سُبْحَانَك اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك " فَقَدْ سَبَّحَ رَبَّهُ الْأَعْلَى وَالْعَظِيمَ. فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَظِيمُ وَاسْمُهُ " اللَّهُ " يَتَنَاوَلُ مَعَانِيَ سَائِرِ الْأَسْمَاءِ بِطَرِيقِ التَّضَمُّن وَإِنْ كَانَ التَّصْرِيحُ بِالْعُلُوِّ وَالْعَظَمَةِ لَيْسَ هُوَ فِيهِ. فَفِي اسْمِهِ " اللَّهُ " التَّصْرِيحُ بِالْإِلَهِيَّةِ وَاسْمُهُ " اللَّهُ " أَعْظَمَ مِنْ اسْمِهِ " الرَّبُّ ". وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي ذَرٍّ {أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ: أَيُّ الْكَلَامِ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ: مَا اصْطَفَى اللَّهُ لِمَلَائِكَتِهِ أَوْ لِعِبَادِهِ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ} . فَالْقِيَامُ فِيهِ التَّحْمِيدُ وَفِي الِاعْتِدَالِ مِنْ الرُّكُوعِ وَفِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ التَّسْبِيحُ وَفِي الِانْتِقَالِ التَّكْبِيرُ وَفِي الْقُعُودِ التَّشَهُّدُ وَفِيهِ التَّوْحِيدُ. فَصَارَتْ الْأَنْوَاعُ الْأَرْبَعَةُ فِي الصَّلَاةِ.
(16/117)

وَالْفَاتِحَةِ أَيْضًا فِيهَا التَّحْمِيدُ وَالتَّوْحِيدُ. فَالتَّحْمِيدُ وَالتَّوْحِيدُ رُكْنٌ يَجِبُ فِي الْقِرَاءَةِ؛ وَالتَّكْبِيرُ رُكْنٌ فِي الِافْتِتَاحِ؛ وَالتَّشَهُّدُ الْآخِرُ رُكْنٌ فِي الْقُعُودِ كَمَا هُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَد وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَفِيهِ التَّشَهُّدُ الْمُتَضَمِّنُ لِلتَّوْحِيدِ. يَبْقَى التَّسْبِيحُ وَأَحْمَد يُوجِبُهُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ رُكْنٌ وَهُوَ قَوِيٌّ لِثُبُوتِ الْأَمْرِ بِهِ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ. فَكَيْفَ يُوجِبُ الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَجِئْ أَمْرٌ بِهَا فِي الصَّلَاةِ خُصُوصًا وَلَا يُوجِبُ التَّسْبِيحَ مَعَ الْأَمْرِ بِهِ فِي الصَّلَاةِ وَمَعَ كَوْنِ الصَّلَاةِ تُسَمَّى " تَسْبِيحًا "؟ وَكُلُّ مَا سُمِّيَتْ بِهِ الصَّلَاة مِنْ أَبْعَاضِهَا فَهُوَ رَكْنٌ فِيهَا كَمَا سُمِّيَتْ " قِيَامًا " و " رُكُوعًا " و " سُجُودًا " " وَقِرَاءَةً " وَسُمِّيَتْ أَيْضًا " تَسْبِيحًا ". وَلَمْ يَأْتِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا يَنْفِي وُجُوبَهُ فِي حَالِ السَّهْوِ كَمَا وَرَدَ فِي التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ لَمَّا تَرَكَهُ سَجَدَ لِلسَّهْوِ؛ لَكِنْ قَدْ يُقَالُ: لَمَّا لَمْ يَأْمُرْ بِهِ الْمُسِيءَ فِي صَلَاتِهِ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ وَاجِبٌ لَيْسَ بِرُكْنِ. وَبَسْطُ هَذِهِ الْمَسَائِلِ لَهُ مَوْضِعٌ آخَرُ. وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّ التَّسْبِيحَ قَدْ خُصَّ بِهِ حَالُ الِانْخِفَاضِ كَمَا خُصَّ حَالُ الِارْتِفَاعِ بِالتَّكْبِيرِ. فَذَكَّرَ الْعَبْدَ فِي حَالِ انْخِفَاضِهِ وَذُلِّهِ مَا يَتَّصِفُ بِهِ
(16/118)

الرَّبُّ مُقَابِلَ ذَلِكَ. فَيَقُولُ فِي السُّجُودِ " سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى " وَفِي الرُّكُوعِ " سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيمِ ".
و" الْأَعْلَى " يَجْمَعُ مَعَانِي الْعُلُوِّ جَمِيعهَا وَأَنَّهُ الْأَعْلَى بِجَمِيعِ مَعَانِي الْعُلُوِّ. وَقَدْ اتَّفَقَ النَّاسُ عَلَى أَنَّهُ عَلَا عَلَى كُلِّ شَيْءٍ بِمَعْنَى أَنَّهُ قَاهِرٌ لَهُ قَادِرٌ عَلَيْهِ مُتَصَرِّفٌ فِيهِ كَمَا قَالَ: {إذًا لَذَهَبَ كُلُّ إلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ} وَعَلَا أَنَّهُ عَالٍ عَنْ كُلِّ عَيْبٍ وَنَقْصٍ فَهُوَ عَالٍ عَنْ ذَلِكَ مُنَزَّهٌ عَنْهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا} {أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إنَاثًا إنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا} {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَمَا يَزِيدُهُمْ إلَّا نُفُورًا} {قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إذًا لَابْتَغَوْا إلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا} {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا} فَقَرَنَ تَعَالِيَهُ عَنْ ذَلِكَ بِالتَّسْبِيحِ. وَقَالَ تَعَالَى: {مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إلَهٍ إذًا لَذَهَبَ كُلُّ إلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ} {عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} وَقَالَتْ الْجِنُّ: {وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا} .
(16/119)

وَفِي دُعَاءِ الِاسْتِفْتَاحِ: " سُبْحَانَك اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك وَتَبَارَكَ اسْمُك وَتَعَالَى جَدُّك ". وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي آخِرِ اسْتِفْتَاحِهِ: {تَبَارَكْت وَتَعَالَيْت أَسْتَغْفِرُك وَأَتُوبُ إلَيْك} فَقَدْ بَيَّنَ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ تَعَالَى عَمَّا يَقُولُ الْمُبْطِلُونَ وَعَمَّا يُشْرِكُونَ. فَهُوَ مُتَعَالٍ عَنْ الشُّرَكَاءِ وَالْأَوْلَادِ كَمَا أَنَّهُ مُسَبَّحٌ عَنْ ذَلِكَ. وَتَعَالِيهِ سُبْحَانَهُ عَنْ الشَّرِيكِ هُوَ تَعَالِيهِ عَنْ السَّمِيِّ وَالنِّدِّ وَالْمِثْلِ فَلَا يَكُونُ شَيْءٌ مِثْلَهُ. وَقَدْ ذَكَرُوا مِنْ مَعَانِي الْعُلُوِّ الْفَضِيلَةَ كَمَا يُقَالُ: الذَّهَبُ أَعْلَى مِنْ الْفِضَّةِ. وَنَفْيُ الْمِثْلِ عَنْهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ أَعْلَى مِنْ كُلِّ شَيْءٍ فَلَا شَيْءَ مِثْلَهُ. وَهُوَ يَتَضَمَّنُ أَنَّهُ أَفْضَلُ وَخَيْرٌ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ كَمَا أَنَّهُ أَكْبَرُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ. وَفِي الْقُرْآنِ: {قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمْ مَا يُشْرِكُونَ} . وَيَقُولُ: {أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} وَيَقُولُ: {أَفَمَنْ يَهْدِي إلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إلَّا أَنْ يُهْدَى} وَقَالَتْ السَّحَرَةُ: {وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى} وَهُوَ سُبْحَانَهُ يُبَيِّنُ أَنَّ الْمَعْبُودِينَ دُونَهُ لَيْسُوا مِثْلَهُ فِي مَوَاضِعَ كَقَوْلِهِ: {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ
(16/120)

وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ} {فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ} {كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} {قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ} {قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} {وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إلَّا ظَنًّا إنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ} . وَقَالَ تَعَالَى: {أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} {وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ} {وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ} {أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ} وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ فِي أَثْنَاءِ السُّورَةِ {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} فَهُوَ سُبْحَانَهُ يُبَيِّنُ أَنَّهُ هُوَ الْمُسْتَحِقُّ لِلْعِبَادَةِ دُونَ مَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِهِ
(16/121)

وَأَنَّهُ لَا مِثْلَ لَهُ. وَيُبَيِّنُ مَا اخْتَصَّ بِهِ مِنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ وَانْتِفَائِهَا عَمَّا يُعْبَدُ مِنْ دُونِهِ. وَيُبَيِّنُ أَنَّهُ يَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ وَعَمَّا يَقُولُونَ مِنْ إثْبَاتِ الْأَوْلَادِ وَالشُّرَكَاءِ لَهُ. وَقَالَ: {قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إذًا لَابْتَغَوْا إلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا} وَهْم كَانُوا يَقُولُونَ إنَّهُمْ يَشْفَعُونَ لَهُمْ وَيَتَقَرَّبُونَ بِهِمْ. لَكِنْ كَانُوا يُثْبِتُونَ الشَّفَاعَةَ بِدُونِ إذْنِهِ فَيَجْعَلُونَ الْمَخْلُوقَ يَمْلِكُ الشَّفَاعَةَ وَهَذَا نَوْعٌ مِنْ الشِّرْكِ. فَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: {وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ} فَالشَّفَاعَةُ لَا يَمْلِكُهَا أَحَدٌ غَيْرَ اللَّهِ. كَمَا رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ السدي فِي قَوْلِهِ: {إذًا لَابْتَغَوْا إلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا} يَقُولُ: لَابْتَغَتْ الْحَوَائِجُ مِنْ اللَّهِ. وَعَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قتادة: {لَابْتَغَوْا إلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا} لَابْتَغَوْا التَّقَرُّبَ إلَيْهِ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ كَمَا يَقُولُونَ. وَعَنْ سَعِيدٍ عَنْ قتادة: {لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ} يَقُولُ: لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ إذًا لَعَرَفُوا لَهُ فَضْلَهُ وَمَزِيَّتَهُ عَلَيْهِمْ وَلَابْتَغَوْا إلَيْهِ مَا يُقَرِّبُهُمْ إلَيْهِ. وَرُوِيَ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ: لَتَعَاطَوْا سُلْطَانَهُ. وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ الهذلي عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: سَبِيلًا إلَى أَنْ يُزِيلُوا مُلْكَهُ والهذلي ضَعِيفٌ.
(16/122)

فَقَدْ تَضَمَّنَ الْعُلُوَّ الَّذِي يَنْعَتُ بِهِ نَفْسَهُ فِي كِتَابِهِ أَنَّهُ مُتَعَالٍ عَمَّا لَا يَلِيقُ بِهِ مِنْ الشُّرَكَاءِ وَالْأَوْلَادِ فَلَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ. وَهَذَا يَقْتَضِي ثُبُوتَ صِفَاتِ الْكَمَالِ لَهُ دُونَ مَا سِوَاهُ. وَأَنَّهُ لَا يُمَاثِلُهُ غَيْرُهُ فِي شَيْءٍ مِنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ بَلْ هُوَ مُتَعَالٍ عَنْ أَنْ يُمَاثِلَهُ شَيْءٌ. وَتَضَمَّنَ أَنَّهُ عَالٍ عَلَى كُلِّ مَا سِوَاهُ قَاهِرٌ لَهُ قَادِرٌ عَلَيْهِ نَافِذَةٌ مَشِيئَتُهُ فِيهِ وَأَنَّهُ عَالٍ عَلَى الْجَمِيعِ فَوْقَ عَرْشِهِ. فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ أُمُورٌ فِي اسْمِهِ " الْعَلِيِّ ". وَإِثْبَاتُ عُلُوِّهِ عُلُوُّهُ عَلَى مَا سِوَاهُ وَقُدْرَتُهُ عَلَيْهِ وَقَهْرُهُ يَقْتَضِي رُبُوبِيَّتَهُ لَهُ وَخَلْقَهُ لَهُ وَذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ ثُبُوتَ الْكَمَالِ. وَعُلُوُّهُ عَنْ الْأَمْثَالِ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا مِثْلَ لَهُ فِي صِفَاتِ الْكَمَالِ. وَهَذَا وَهَذَا يَقْتَضِي جَمِيعَ مَا يُوصَفُ بِهِ فِي الْإِثْبَاتِ وَالنَّفْيِ. فَفِي الْإِثْبَاتِ يُوصَفُ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ وَفِي النَّفْيِ يُنَزَّهُ عَنْ النَّقْصِ الْمُنَاقِضِ لِلْكَمَالِ وَيُنَزَّهُ عَنْ أَنْ يَكُونَ لَهُ مِثْلٌ فِي صِفَاتِ الْكَمَالِ. كَمَا قَدْ دَلَّتْ عَلَى هَذَا وَهَذَا سُورَةُ الْإِخْلَاصِ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} {اللَّهُ الصَّمَدُ} . وَتَعَالِيهِ عَنْ الشُّرَكَاءِ يَقْتَضِي اخْتِصَاصَهُ بِالْإِلَهِيَّةِ وَأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ
(16/123)

الْعِبَادَةَ إلَّا هُوَ وَحْدَهُ كَمَا قَالَ: {قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إذًا لَابْتَغَوْا إلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا} أَيْ وَإِنْ كَانُوا كَمَا يَقُولُونَ يَشْفَعُونَ عِنْدَهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَيُقَرِّبُونَكُمْ إلَيْهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَهُوَ الرَّبُّ وَالْإِلَهُ دُونَهُمْ وَكَانُوا يَبْتَغُونَ إلَيْهِ سَبِيلًا بِالْعِبَادَةِ لَهُ وَالتَّقَرُّبِ إلَيْهِ. هَذَا أَصَحُّ الْقَوْلَيْنِ. كَمَا قَالَ: {إنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إلَى رَبِّهِ سَبِيلًا} {وَمَا تَشَاءُونَ إلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} وَقَالَ {إنَّهُ تَذْكِرَةٌ} {فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ} وَقَالَ: {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ} ثُمَّ قَالَ: {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا} فَتَعَالَى عَنْ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ إلَهٌ غَيْرُهُ أَوْ أَحَدٌ يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلَّا بِإِذْنِهِ أَوْ يَتَقَرَّبُ إلَيْهِ أَحَدٌ إلَّا بِإِذْنِهِ. فَهَذَا هُوَ الَّذِي كَانُوا يَقُولُونَ. وَلَمْ يَكُونُوا يَقُولُونَ إنَّ آلِهَتَهُمْ تَقْدِرُ أَنْ تُمَانَعَهُ أَوْ تُغَالِبَهُ. بَلْ هَذَا يَلْزَمُ مِنْ فَرْضِ إلَهٍ آخَرَ يَخْلُقُ كَمَا يَخْلُقُ وَإِنْ كَانُوا هُمْ لَمْ يَقُولُوا ذَلِكَ كَمَا قَالَ: {مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إلَهٍ إذًا لَذَهَبَ كُلُّ إلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ} فَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ اسْمَهُ " الْأَعْلَى " يَتَضَمَّنُ اتِّصَافَهُ بِجَمِيعِ صِفَاتِ الْكَمَالِ وَتَنْزِيهَهُ عَمَّا يُنَافِيهَا مِنْ صِفَاتِ النَّقْصِ وَعَنْ أَنْ يَكُونَ لَهُ مِثْلٌ وَأَنَّهُ لَا إلَهَ إلَّا هُوَ وَلَا رَبَّ سِوَاهُ.
(16/124)

فَصْلٌ:
وَالْأَمْرُ بِتَسْبِيحِهِ يَقْتَضِي أَيْضًا تَنْزِيهَهُ عَنْ كُلِّ عَيْبٍ وَسُوءٍ وَإِثْبَاتَ صِفَاتِ الْكَمَالِ لَهُ. فَإِنَّ التَّسْبِيحَ يَقْتَضِي التَّنْزِيهَ وَالتَّعْظِيمَ وَالتَّعْظِيمَ يَسْتَلْزِمُ إثْبَاتَ الْمَحَامِدِ الَّتِي يُحْمَدُ عَلَيْهَا. فَيَقْتَضِي ذَلِكَ تَنْزِيهَهُ وَتَحْمِيدَهُ وَتَكْبِيرَهُ وَتَوْحِيدَهُ. قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي ثَنَا ابْنُ نفيل الْحَرَّانِي ثَنَا النَّضْرُ ابْنُ عَرَبِيٍّ قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ مَيْمُونَ بْنَ مهران عَنْ " سُبْحَانَ اللَّهِ ". فَقَالَ: " اسْمٌ يُعَظَّمُ اللَّهُ بِهِ وَيُحَاشَى بِهِ مِنْ السُّوءِ ". وَقَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ ثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ عَنْ حَجَّاجٍ عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَة عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ " سُبْحَانَ " قَالَ: تَنْزِيهُ اللَّهِ نَفْسِهِ مِنْ السُّوءِ. وَعَنْ الضَّحَّاكِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا} قَالَ عَجَبٌ. وَعَنْ أَبِي الْأَشْهَبِ عَنْ الْحَسَنِ قَالَ: " سُبْحَانَ " اسْمٌ لَا يَسْتَطِيعُ النَّاسُ أَنْ يَنْتَحِلُوهُ. وَقَدْ جَاءَ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ السَّلَفِ مِثْلُ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: إنَّهُ
(16/125)

تَنْزِيهُ نَفْسِهِ مِنْ السُّوءِ " وَرُوِيَ فِي ذَلِكَ حَدِيثٌ مُرْسَلٌ وَهُوَ يَقْتَضِي تَنْزِيهَ نَفْسِهِ مِنْ فِعْلِ السَّيِّئَاتِ كَمَا يَقْتَضِي تَنْزِيهَهُ عَنْ الصِّفَاتِ الْمَذْمُومَةِ. وَنَفْيُ النَّقَائِصِ يَقْتَضِي ثُبُوتَ صِفَاتِ الْكَمَالِ وَفِيهَا التَّعْظِيمُ كَمَا قَالَ مَيْمُونُ بْنُ مهران " اسْمٌ يُعَظَّمُ اللَّهُ بِهِ وَيُحَاشَى بِهِ مِنْ السُّوءِ ". وَرَوَى عَبْدُ بْنُ حميد: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ ثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ موهب عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ قَالَ: {سُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ التَّسْبِيحِ فَقَالَ: إنزاهه عَنْ السُّوءِ} . وَقَالَ حَدَّثَنَا الضَّحَّاكُ بْنُ مخلد عَنْ شَبِيبٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: " سُبْحَانَ اللَّهِ " قَالَ: تَنْزِيهُهُ. حَدَّثَنَا كَثِيرُ بْنُ هِشَامٍ ثَنَا جَعْفَرُ بْنُ بُرْقَانٍ ثَنَا يَزِيدُ بْنُ الْأَصَمِّ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ: " لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ " نَعْرِفُهَا أَنَّهُ لَا إلَهَ غَيْرُهُ و " الْحَمْدُ لِلَّهِ " نَعْرِفُهَا أَنَّ النِّعَمَ كُلَّهَا مِنْهُ وَهُوَ الْمَحْمُودُ عَلَيْهَا و " اللَّهُ أَكْبَرُ " نَعْرِفُهَا أَنَّهُ لَا شَيْءَ أَكْبَرَ مِنْهُ فَمَا " سُبْحَانَ اللَّهِ "؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَمَا يُنْكَرُ مِنْهَا؟ هِيَ كَلِمَةٌ رَضِيَهَا اللَّهُ لِنَفْسِهِ وَأَمَرَ بِهَا مَلَائِكَتَهُ وَفَزِعَ إلَيْهَا الْأَخْيَارُ مِنْ خَلْقِهِ.
(16/126)

فَصْلٌ:
قَوْلُهُ: {الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى} {وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى} الْعَطْفُ يَقْتَضِي اشْتِرَاكَ الْمَعْطُوفِ وَالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ فِيمَا ذَكَرَ وَأَنَّ بَيْنَهُمَا مُغَايِرَةٌ إمَّا فِي الذَّاتِ وَإِمَّا فِي الصِّفَاتِ. وَهُوَ فِي الذَّاتِ كَثِيرٌ كَقَوْلِهِ: {إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا} . وَأَمَّا فِي الصِّفَاتِ فَمِثْلُ هَذِهِ الْآيَةِ. فَإِنَّ الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى هُوَ الَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى؛ لَكِنَّ هَذَا الِاسْمَ وَالصِّفَةَ لَيْسَ هُوَ ذَاكَ الِاسْمُ وَالصِّفَةُ. وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ: {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ} وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ} إلَى قَوْلِهِ {وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ} . وَقَوْلُهُ: {لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} وَقَوْلُهُ: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ} {الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ} {وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ} وَقَوْلُهُ: {إلَّا الْمُصَلِّينَ} {الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ}
(16/127)

{وَاَلَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ} الْآيَاتِ. وَقَوْلُهُ: {إنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} الْآيَاتِ فَإِنَّهُ مَنْ صَدَقَ وصَبَرَ وَلَمْ يُسْلِمْ وَلَمْ يُؤْمِنْ لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا. وَكَثِيرًا مَا تَأْتِي الصِّفَاتُ بِلَا عَطْفٍ كَقَوْلِهِ: {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ} وَقَوْلُهُ: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ} {مَلِكِ النَّاسِ} {إلَهِ النَّاسِ} . وَقَدْ تَجِيءُ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ كَقَوْلِهِ: {وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ} {ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ} {فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ} . وَلَوْ كَانَ " فَعَّالٌ " صِفَةً لَكَانَ مُعَرَّفًا بَلْ هُوَ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ. وَقَوْلُهُ: {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ} خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ لَكِنْ بِالْعَطْفِ بِكُلِّ مِنْ الصِّفَاتِ. وَأَخْبَارُ الْمُبْتَدَأِ قَدْ تَجِيءُ بِعَطْفِ وَبِغَيْرِ عَطْفٍ. وَإِذَا ذُكِرَ بِالْعَطْفِ كَانَ كُلُّ اسْمٍ مُسْتَقِلًّا بِالذِّكْرِ وَبِلَا عِطْفٍ يَكُونُ الثَّانِي مِنْ تَمَامِ الْأَوَّلِ بِمَعْنَى. وَمَعَ الْعَطْفِ لَا تَكُونُ الصِّفَاتُ إلَّا لِلْمَدْحِ وَالثَّنَاءِ أَوْ لِلْمَدْحِ وَأَمَّا بِلَا عَطْفٍ فَهُوَ فِي النَّكِرَاتِ لِلتَّمْيِيزِ وَفِي الْمَعَارِفِ قَدْ يَكُونُ لِلتَّوْضِيحِ.
(16/128)

{وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى} وُصِفَ بِكُلِّ صِفَةٍ مِنْ هَذِهِ الصِّفَاتِ وَمُدِحَ بِهَا وَأُثْنِيَ عَلَيْهِ بِهَا. وَكَانَتْ كُلُّ صِفَةٍ مِنْ هَذِهِ الصِّفَاتِ مُسْتَوْجِبَةً لِذَلِكَ.
فَصْلٌ:
قَالَ تَعَالَى: {الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى} . فَأَطْلَقَ الْخَلْقَ وَالتَّسْوِيَةَ وَلَمْ يَخُصَّ بِذَلِكَ الْإِنْسَانَ كَمَا أَطْلَقَ قَوْلَهُ بَعْدَ {وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى} لَمْ يُقَيِّدْهُ. فَكَانَ هَذَا الْمُطْلَقَ لَا يَمْنَعُ شُمُولَهُ لِشَيْءِ مِنْ الْمَخْلُوقَاتِ. وَقَدْ بَيَّنَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ شُمُولَهُ فِي قَوْلِهِ: {رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} . وَقَدْ ذَكَرَ الْمُقَيَّدَ بِالْإِنْسَانِ فِي قَوْلِهِ: {يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ} {الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ} . وَقَدْ ذَكَرَ الْمُطْلَقَ وَالْمُقَيَّدَ فِي أَوَّلِ مَا نَزَّلَ مِنْ الْقُرْآنِ وَهُوَ قَوْلُهُ: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} {خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ} {اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ} {الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ} {عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} . وَفِي جَمِيعِ هَذِهِ الْآيَاتِ مُطْلَقِهَا وَمُقَيَّدِهَا وَالْجَامِعِ بَيْنَ الْمُطْلَقِ وَالْمُقَيَّدِ قَدْ ذَكَرَ خَلْقَهُ وَذَكَرَ هِدَايَتَهُ وَتَعْلِيمَهُ بَعْدَ الْخَلْقِ كَمَا قَالَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ: {الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى} {وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى} .
(16/129)

لِأَنَّ جَمِيعَ الْمَخْلُوقَاتِ خُلِقَتْ لِغَايَةِ مَقْصُودَةٍ بِهَا فَلَا بُدَّ أَنْ تُهْدَى إلَى تِلْكَ الْغَايَةِ الَّتِي خُلِقَتْ لَهَا. فَلَا تَتِمُّ مَصْلَحَتُهَا وَمَا أُرِيدَتْ لَهُ إلَّا بِهِدَايَتِهَا لِغَايَاتِهَا. وَهَذَا مِمَّا يُبَيِّنُ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْأَشْيَاءَ لِحِكْمَةِ وَغَايَةٍ تَصِلُ إلَيْهَا كَمَا قَالَ ذَلِكَ السَّلَفُ وَجُمْهُورُ الْمُسْلِمِينَ وَجُمْهُورُ الْعُقَلَاءِ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ كَجَهْمِ وَأَتْبَاعِهِ إنَّهُ لَمْ يَخْلُقْ شَيْئًا لِشَيْءِ وَوَافَقَهُ أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ وَمَنْ اتَّبَعَهُ مِنْ الْفُقَهَاءِ أَتْبَاعِ الْأَئِمَّةِ. وَهُمْ يُثْبِتُونَ أَنَّهُ مُرِيدٌ وَيُنْكِرُونَ أَنْ تَكُونَ لَهُ حِكْمَةٌ يُرِيدُهَا. وَطَائِفَةٌ مِنْ الْمُتَفَلْسِفَةِ يُثْبِتُونَ عِنَايَتَهُ وَحِكْمَتَهُ وَيُنْكِرُونَ إرَادَتَهُ. وَكِلَاهُمَا تَنَاقُضٌ. وَقَدْ بُسِطَ الْكَلَامُ عَلَى فَسَادِ قَوْلِ هَؤُلَاءِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ وَأَنَّ مُنْتَهَاهُمْ جَحْدُ الْحَقَائِقِ. فَإِنَّ هَذَا يَقُولُ: " لَوْ كَانَ لَهُ حِكْمَةٌ يَفْعَلُ لِأَجْلِهَا لَكَانَ يَجِبُ أَنْ يُرِيدَ الْحِكْمَةَ وَيَنْتَفِعَ بِهَا وَهُوَ مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ ". وَذَاكَ يَقُولُ: " لَوْ كَانَ لَهُ إرَادَةٌ لَكَانَ يَفْعَلُ لِجَرِّ مَنْفَعَةٍ؛ فَإِنَّ الْإِرَادَةَ لَا تُعْقَلُ إلَّا كَذَلِكَ ". وَأَرِسْطُو وَأَتْبَاعُهُ يَقُولُونَ: " لَوْ فَعَلَ شَيْئًا لَكَانَ الْفِعْلُ لِغَرَضِ وَهُوَ مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ ".
(16/130)

فَيُقَالُ لِهَؤُلَاءِ: هَذِهِ الْحَوَادِثُ الْمَشْهُودَةُ أَلَهَا مُحْدِثٌ أَمْ لَا؟ فَإِنْ قَالُوا " لَا " فَهُوَ غَايَةُ الْمُكَابَرَةِ. وَإِذَا جَوَّزُوا حُدُوثَ الْحَوَادِثِ بِلَا مُحْدِثٍ فَتَجْوِيزُهَا بِمُحْدِثِ لَا إرَادَةَ لَهُ أَوْلَى. وَإِنْ قَالُوا " لَهَا مُحْدِثٌ " ثَبَتَ الْفَاعِلُ. وَإِذَا ثَبَتَ الْخَالِقُ الْمُحْدِثُ فَإِمَّا أَنْ يَفْعَلَ بِإِرَادَةِ أَوْ بِغَيْرِ إرَادَةٍ. فَإِنْ قَالُوا " يَفْعَلُ بِغَيْرِ إرَادَةٍ " كَانَ ذَلِكَ أَيْضًا مُكَابَرَةٌ. فَإِنَّ كُلَّ حَرَكَةٍ فِي الْعَالَمِ إنَّمَا صَدَرَتْ عَنْ إرَادَةٍ. فَإِنَّ الْحَرَكَاتِ إمَّا طَبْعِيَّةٌ وَإِمَّا قَسْرِيَّةٌ وَإِمَّا إرَادِيَّةٌ. لِأَنَّ مَبْدَأَ الْحَرَكَةِ إمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ الْمُتَحَرِّكِ أَوْ مِنْ سَبَبٍ خَارِجٍ. وَمَا كَانَ مِنْهَا فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مَعَ الشُّعُورِ أَوْ بِدُونِ الشُّعُورِ. فَمَا كَانَ سَبَبُهُ مِنْ خَارِجٍ فَهُوَ الْقَسْرِيُّ وَمَا كَانَ سَبَبُهُ مِنْهَا بِلَا شُعُورٍ فَهُوَ الطَّبْعِيُّ وَمَا كَانَ مَعَ الشُّعُورِ فَهُوَ الْإِرَادِيُّ. فَالْقَسْرِيُّ تَابِعٌ لِلْقَاسِرِ وَاَلَّذِي يَتَحَرَّكُ بِطَبْعِهِ كَالْمَاءِ وَالْهَوَاءِ وَالْأَرْضِ هُوَ سَاكِنٌ فِي مَرْكَزِهِ؛ لَكِنْ إذَا خَرَجَ عَنْ مَرْكَزِهِ قَسْرًا طَلَب الْعَوْدَ إلَى مَرْكَزِهِ فَأَصْلُ حَرَكَتِهِ الْقَسْرُ. وَلَمْ تَبْقَ حَرَكَةٌ أَصْلِيَّةٌ إلَّا الْإِرَادِيَّةُ. فَكُلُّ حَرَكَةٍ فِي الْعَالَمِ فَهِيَ عَنْ إرَادَةٍ. فَكَيْفَ تَكُونُ جَمِيعُ الْحَوَادِثِ وَالْحَرَكَاتِ بِلَا إرَادَةٍ؟ . وَأَيْضًا فَإِذَا جَوَّزُوا أَنْ تَحْدُثَ الْحَوَادِثُ الْعَظِيمَةُ عَنْ فَاعِلٍ غَيْرِ مُرِيدٍ فَجَوَازُ ذَلِكَ عَنْ فَاعِلٍ مُرِيدٍ أَوْلَى.
(16/131)

وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ مُرِيدٌ قِيلَ: إمَّا أَنْ يَكُونَ أَرَادَهَا لِحِكْمَةِ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ أَرَادَهَا لِغَيْرِ حِكْمَةٍ. فَإِنْ قَالُوا " لِغَيْرِ حِكْمَةٍ " كَانَ مُكَابَرَةً. فَإِنَّ الْإِرَادَةَ لَا تُعْقَلُ إلَّا إذَا كَانَ الْمُرِيدُ قَدْ فَعَلَ لِحِكْمَةِ يَقْصِدُهَا بِالْفِعْلِ. وَأَيْضًا فَإِذَا جَوَّزُوا أَنْ يَكُونَ فَاعِلًا مُرِيدًا بِلَا حِكْمَةٍ فَكَوْنُهُ فَاعِلًا مُرِيدًا لِحِكْمَةِ أَوْلَى بِالْجَوَازِ. وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: " هَذَا لَا يُعْقَلُ إلَّا فِي حَقِّ مَنْ يَنْتَفِعُ وَذَلِكَ يُوجِبُ الْحَاجَةَ وَاَللَّهُ مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ ". فَإِنْ أَرَادُوا أَنَّهُ يُوجِبُ احْتِيَاجَهُ إلَى غَيْرِهِ أَوْ شَيْءٍ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ فَهُوَ مَمْنُوعٌ وَبَاطِلٌ؛ فَإِنَّ كُلَّ مَا سِوَاهُ مُحْتَاجٌ إلَيْهِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ. وَهُوَ الصَّمَدُ الْغَنِيُّ عَنْ كُلِّ مَا سِوَاهُ وَكُلُّ مَا سِوَاهُ مُحْتَاجٌ إلَيْهِ وَهُوَ الْقَيُّومُ الْقَائِمُ بِنَفْسِهِ الْمُقِيمُ لِكُلِّ مَا سِوَاهُ. فَكَيْفَ يَكُونُ مُحْتَاجًا إلَى غَيْرِهِ؟ وَإِنْ أَرَادُوا أَنَّهُ تَحْصُلُ لَهُ بِالْخَلْقِ حِكْمَةٌ هِيَ أَيْضًا حَاصِلَةٌ بِمَشِيئَتِهِ فَهَذَا لَا مَحْذُورَ فِيهِ بَلْ هُوَ الْحَقُّ. وَإِذَا قَالُوا " الْحِكْمَةُ هِيَ اللَّذَّةُ " قِيلَ: لَفْظُ " اللَّذَّةِ " لَمْ يَرِدْ بِهِ الشَّرْعُ وَهُوَ مُوهِمٌ وَمُجْمَلٌ. لَكِنْ جَاءَ الشَّرْعُ بِأَنَّهُ " يُحِبُّ " و " يَرْضَى "
(16/132)

و " يَفْرَحُ بِتَوْبَةِ التَّائِبِينَ " وَنَحْوِ ذَلِكَ. فَإِذَا أُرِيدَ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الشَّرْعُ وَالْعَقْلُ فَهُوَ حَقٌّ. وَإِنْ قَالُوا: " الْحِكْمَةَ إمَّا أَنْ تُرَادَ لِنَفْسِهَا أَوْ لِحِكْمَةِ " قِيلَ: الْمُرَادَاتُ نَوْعَانِ مَا يُرَادُ لِنَفْسِهِ وَمَا يُرَادُ لِغَيْرِهِ. وَقَدْ يَكُونُ الشَّيْءُ غَايَةً وَحِكْمَةً بِالنِّسْبَةِ إلَى مَخْلُوقٍ وَهُوَ مَخْلُوقٌ لِحِكْمَةِ أُخْرَى. فَلَا بُدَّ أَنْ يَنْتَهِيَ الْأَمْرُ إلَى حِكْمَةٍ يُرِيدُهَا الْفَاعِلُ لِذَاتِهَا. وَالْمُعْتَزِلَةُ وَمَنْ وَافَقَهُمْ كَابْنِ عَقِيلٍ وَغَيْرِهِ تُثْبِتُ حِكْمَةً لَا تَعُودُ إلَى ذَاتِهِ. وَأَمَّا السَّلَفُ فَإِنَّهُمْ يُثْبِتُونَ حِكْمَةً تَعُودُ إلَيْهِ كَمَا قَدْ بُيِّنَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ. وَالْمَقْصُودُ هُنَا ذِكْرُ قَوْله تَعَالَى {الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى} {وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى} . وَالتَّسْوِيَةُ: جَعْلُ الشَّيْئَيْنِ سَوَاءً كَمَا قَالَ: {وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ} وقَوْله تَعَالَى {تَعَالَوْا إلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ} و {سَوَاءٌ} وَسَطٌ لِأَنَّهُ مُعْتَدِلٌ بَيْنَ الْجَوَانِبِ. وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي الْخَلْقِ وَالْأَمْرِ مِنْ الْعَدْلِ. فَلَا بُدَّ مِنْ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الْمُتَمَاثِلَيْنِ فَإِذَا فُضِّلَ أَحَدُهُمَا فَسَدَ الْمَصْنُوعُ كَمَا فِي مَصْنُوعَاتِ الْعِبَادِ إذَا بَنَوْا بُنْيَانًا فَلَا بُدَّ مِنْ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الْحِيطَانِ إذْ لَوْ رُفِعَ
(16/133)

حَائِطٌ عَلَى حَائِطٍ رَفْعًا كَثِيرًا فَسَدَ. وَلَا بُدَّ مِنْ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ جُذُوعِ السَّقْفِ فَلَوْ كَانَ بَعْضُ الْجُذُوعِ قَصِيرًا عَنْ الْغَايَةِ وَبَعْضُهَا فَوْقَ الْغَايَةِ فَسَدَ. وَكَذَلِكَ إذَا بُنِيَ صَفٌّ فَوْقَ صَفٍّ لَا بُدَّ مِنْ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الصُّفُوفِ وَكَذَلِكَ الدَّرَجُ الْمَبْنِيَّةُ. وَكَذَلِكَ إذَا صُنِعَ لِسَقْيِ الْمَاءِ جَدَاوِلُ وَمَسَاكِبُ فَلَا بُدَّ مِنْ الْعَدْلِ وَالتَّسْوِيَةِ فِيهَا. وَكَذَلِكَ إذَا صُنِعَتْ مَلَابِسُ لِلْآدَمِيِّينَ فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ تَكُونَ مُقَدَّرَةً عَلَى أَبْدَانِهِمْ لَا تَزِيدُ وَلَا تَنْقُصُ. وَكَذَلِكَ مَا يُصْنَعُ مِنْ الطَّعَامِ لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ أَخْلَاطُهُ عَلَى وَجْهِ الِاعْتِدَالِ وَالنَّارُ الَّتِي تَطْبُخُهُ كَذَلِكَ. وَكَذَلِكَ السُّفُنُ الْمَصْنُوعَةُ. وَلِهَذَا قَالَ اللَّهُ لدَاوُد: {وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ} أَيْ لَا تَدُقَّ الْمِسْمَارَ فَيُقْلِقْ وَلَا تُغْلِظْهُ فَيُفْصَمْ وَاجْعَلْهُ بِقَدْرِ. فَإِذَا كَانَ هَذَا فِي مَصْنُوعَاتِ الْعِبَادِ وَهِيَ جُزْءٌ مِنْ مَصْنُوعَاتِ الرَّبِّ فَكَيْفَ بِمَخْلُوقَاتِهِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي لَا صُنْعَ فِيهَا لِلْعِبَادِ كَخَلْقِ الْإِنْسَانِ وَسَائِرِ الْبَهَائِمِ وَخَلْقِ النَّبَاتِ وَخَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْمَلَائِكَةِ. فَالْفُلْكُ الَّذِي خَلَقَهُ وَجَعَلَهُ مُسْتَدِيرًا مَا لَهُ مِنْ فُرُوجٍ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ} {ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ} وَقَالَ تَعَالَى: {وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ} وَقَالَ:
(16/134)

{أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ} فَهُوَ سُبْحَانَهُ سَوَّاهَا كَمَا سَوَّى الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنْ الْمَخْلُوقَاتِ فَعَدَلَ بَيْنَ أَجْزَائِهَا. وَلَوْ كَانَ أَحَدُ جَانِبَيْ السَّمَاءِ دَاخِلًا أَوْ خَارِجًا لَكَانَ فِيهَا فُرُوجٌ وَهِيَ الْفُتُوقُ وَالشُّقُوقُ وَلَمْ يَكُنْ سَوَّاهَا كَمَنْ بَنَى قُبَّةً وَلَمْ يُسَوِّهَا. وَكَذَلِكَ لَوْ جَعَلَ أَحَدَ جَانِبَيْهَا أَطْوَلَ أَوْ أَنْقَصَ وَنَحْوَ ذَلِكَ. فَالْعَدْلُ وَالتَّسْوِيَةُ لَازِمٌ لِجَمِيعِ الْمَخْلُوقَاتِ وَالْمَصْنُوعَاتِ. فَمَتَى لَمْ تُصْنَعْ بِالْعَدْلِ وَالتَّسْوِيَةِ بَيْنَ الْمُتَمَاثِلَيْنِ وَقَعَ فِيهَا الْفَسَادُ. وَهُوَ سُبْحَانَهُ {الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى} . قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ فِي قَوْلِهِ: {خَلَقَ فَسَوَّى} قَالَ: سَوَّى خَلْقَهُنَّ وَهَذَا كَمَا قَالَ تَعَالَى: {فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ} .
فَصْلٌ:
ثُمَّ إذَا خَلَقَ الْمَخْلُوقَ فَسَوَّى فَإِنْ لَمْ يَهْدِهِ إلَى تَمَامِ الْحِكْمَةِ الَّتِي خُلِقَ لَهَا فَسَدَ. فَلَا بُدَّ أَنْ يُهْدَى بَعْدَ ذَلِكَ إلَى مَا خُلِقَ لَهُ.
(16/135)

وَتِلْكَ الْغَايَةُ لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ مَعْلُومَةً لِلْخَالِقِ. فَإِنَّ الْعِلَّةَ الغائية هِيَ أَوَّلٌ فِي الْعِلْمِ وَالْإِرَادَةِ وَهِيَ آخِرٌ فِي الْوُجُودِ وَالْحُصُولِ. وَلِهَذَا كَانَ الْخَالِقُ لَا بُدَّ أَنْ يَعْلَمَ مَا خَلَقَ. فَإِنَّهُ قَدْ أَرَادَهُ وَأَرَادَ الْغَايَةَ الَّتِي خَلَقَهُ لَهَا وَالْإِرَادَةُ مُسْتَلْزِمَةٌ لِلْعِلْمِ. فَيَمْتَنِعُ أَنْ يُرِيدَ الْحَيُّ مَا لَا شُعُورَ لَهُ بِهِ. وَالصَّانِعُ إذَا أَرَادَ أَنْ يَصْنَعَ شَيْئًا فَقَدْ عَلِمَهُ وَأَرَادَهُ وَقَدَّرَ فِي نَفْسِهِ مَا يَصْنَعُهُ وَالْغَايَةَ الَّتِي يَنْتَهِي إلَيْهَا وَمَا الَّذِي يُوَصِّلُهُ إلَى تِلْكَ الْغَايَةِ. وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ قَدَّرَ وَكَتَبَ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَهُمْ كَمَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: {قَدَّرَ اللَّهُ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ} . وَفِي الْبُخَارِيِّ عَنْ عُمْرَانَ بْن حُصَيْنٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: {كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ قَبْلَهُ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ وَكَتَبَ فِي الذِّكْرِ كُلَّ شَيْءٍ وَخَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَفِي رِوَايَةٍ ثُمَّ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ} .
(16/136)

فَقَدْ قَدَّرَ سُبْحَانَهُ مَا يُرِيدُ أَنْ يَخْلُقَهُ مِنْ هَذَا الْعَالَمِ حِين كَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كَمَا فِي السُّنَنِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: {أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمَ فَقَالَ: اُكْتُبْ. فَقَالَ مَا أَكْتُبُ؟ فَقَالَ: اُكْتُبْ مَا يَكُونُ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} . وَأَحَادِيثُ تَقْدِيرِهِ سُبْحَانَهُ وَكِتَابَتِهِ لِمَا يُرِيدُ أَنْ يَخْلُقَهُ كَثِيرَةٌ جِدًّا. رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ الضَّحَّاكِ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: {إنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} فَقَالَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إنَّ اللَّهَ قَدَّرَ الْمَقَادِيرَ بِقُدْرَتِهِ وَدَبَّرَ الْأُمُورَ بِحِكْمَتِهِ وَعَلِمَ مَا الْعِبَادُ صَائِرُونَ إلَيْهِ وَمَا هُوَ خَالِقٌ وَكَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ فَخَلَقَ اللَّهُ لِذَلِكَ جَنَّةً وَنَارًا فَجَعَلَ الْجَنَّةَ لِأَوْلِيَائِهِ وَعَرَّفَهُمْ وَأَحَبَّهُمْ وَتَوَلَّاهُمْ وَوَفَّقَهُمْ وَعَصَمَهُمْ وَتَرَكَ أَهْلَ النَّارِ اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمْ إبْلِيسُ وَأَضَلَّهُمْ وَأَزَلَّهُمْ. فَخَلَقَ لِكُلِّ شَيْءٍ مَا يُشَاكِلُهُ فِي خَلْقِهِ مَا يُصْلِحُهُ مِنْ رِزْقِهِ فِي بَرٍّ أَوْ فِي بَحْرٍ. فَجَعَلَ لِلْبَعِيرِ خَلْقًا لَا يَصْلُحُ شَيْءٌ مِنْ خَلْقِهِ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ الدَّوَابِّ. وَكَذَلِكَ كَلُّ دَابَّةٍ خَلَقَ اللَّهُ لَهُ مِنْهَا مَا يُشَاكِلُهَا فِي خَلْقِهَا فَخَلْقُهُ مُؤْتَلِفٌ لِمَا خَلَقَهُ لَهُ غَيْرُ مُخْتَلِفٍ. قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: ثَنَا أَبِي ثَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا بْنِ مهران الْقَزَّازُ
(16/137)

نا حِبَّانُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ: سَأَلْت الضَّحَّاكَ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ {إنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} قَالَ الضَّحَّاكُ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَذَكَرَهُ. وَقَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ ثَنَا طَلْحَةُ بْنُ سِنَانٍ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ الْحَسَنِ قَالَ: مَنْ كَذَّبَ بِالْقَدَرِ فَقَدْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ. خَلَقَ اللَّهُ خَلْقًا وَأَجَّلَ أَجَلًا وَقَدَّرَ رِزْقًا وَقَدَّرَ مُصِيبَةً وَقَدَّرَ بَلَاءً وَقَدَّرَ عَافِيَةً. فَمَنْ كَفَرَ بِالْقَدَرِ فَقَدْ كَفَرَ بِالْقُرْآنِ. وَقَالَ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ ثَنَا مَرْوَانُ بْنُ شُجَاعٍ الجزري عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ جريح عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ قَالَ: أَتَيْت ابْنَ عَبَّاسٍ وَهُوَ يَنْزِعُ مِنْ زَمْزَمَ وَقَدْ ابْتَلَّتْ أَسَافِلُ ثِيَابِهِ فَقُلْت لَهُ: قَدْ تُكُلِّمَ فِي الْقَدَرِ. فَقَالَ: أو قَدْ فَعَلُوهَا؟ قُلْت: نَعَمْ. قَالَ: فَوَاَللَّهِ مَا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ إلَّا فِيهِمْ: {ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ} {إنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} أُولَئِكَ شِرَارُ هَذِهِ الْأُمَّةِ فَلَا تَعُودُوا مَرْضَاهُمْ وَلَا تُصَلُّوا عَلَى مَوْتَاهُمْ. إنْ رَأَيْت أَحَدًا مِنْهُمْ فَقَأْت عَيْنَيْهِ بِأُصْبُعَيَّ هَاتَيْنِ. وَقَالَ أَيْضًا: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ الْجُنَيْد حَدَّثَنَا سَهْلٌ الْخَيَّاطُ ثَنَا أَبُو صَالِحٍ الحداني نا حِبَّانُ بْنُ عُبَيْدٍ اللَّهِ قَالَ: سَأَلْت
(16/138)

الضَّحَّاكَ عَنْ قَوْلِهِ: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا} . قَالَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْعَرْشَ فَاسْتَوَى عَلَيْهِ ثُمَّ خَلَقَ الْقَلَمَ فَأَمَرَهُ لِيَجْرِيَ بِإِذْنِهِ وَعِظَمُ الْقَلَمِ كَقَدْرِ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ فَقَالَ الْقَلَمُ: بِمَا يَا رَبِّ أُجْرِي؟ فَقَالَ. " بِمَا أَنَا خَالِقٌ وَكَائِنٌ فِي خَلْقِي مِنْ قُطْرٍ أَوْ نَبَاتٍ أَوْ نَفْسٍ أَوْ أَثَرٍ يَعْنِي بِهِ الْعَمَلَ أَوْ رِزْقٍ أَوْ أَجَلٍ ". فَجَرَى الْقَلَمُ بِمَا هُوَ كَائِنٌ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. فَأَثْبَتَهُ اللَّهُ فِي الْكِتَابِ الْمَكْنُونِ عِنْدَهُ تَحْتَ الْعَرْشِ.
فَصْلٌ:
فَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: {وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى} يَتَضَمَّنُ أَنَّهُ قَدَّرَ مَا سَيَكُونُ لِلْمَخْلُوقَاتِ وَهَدَاهَا إلَيْهِ. عَلِمَ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ النَّاسُ وَالدَّوَابُّ مِنْ الرِّزْقِ فَخَلَقَ ذَلِكَ الرِّزْقَ وَسَوَّاهُ وَخَلَقَ الْحَيَوَانَ وَسَوَّاهُ وَهَدَاهُ إلَى ذَلِكَ الرِّزْقِ. وَهَدَى غَيْرَهُ مِنْ الْأَحْيَاءِ أَنْ يَسُوقَ إلَيْهِ ذَلِكَ الرِّزْقَ. وَخَلَقَ الْأَرْضَ وَقَدَّرَ حَاجَتِهَا إلَى الْمَطَرِ وَقَدَّرَ السَّحَابَ وَمَا يَحْمِلُهُ مِنْ الْمَطَرِ. وَخَلَقَ مَلَائِكَةً هَدَاهُمْ لِيَسُوقُوا ذَلِكَ السَّحَابَ إلَى تِلْكَ الْأَرْضِ
(16/139)

فَيُمْطِرَ الْمَطَرَ الَّذِي قَدَّرَهُ. وَقَدَّرَ مَا نَبَتَ بِهَا مِنْ الرِّزْقِ وَقَدَّرَ حَاجَةَ الْعِبَادِ إلَى ذَلِكَ الرِّزْقِ. وَهَدَاهُمْ إلَى ذَلِكَ الرِّزْقِ وَهَدَى مَنْ يَسُوقُ ذَلِكَ الرِّزْقَ إلَيْهِمْ. وَقَدْ ذَكَرَ الْمُفَسِّرُونَ أَنْوَاعًا مِنْ تَقْدِيرِهِ وَهِدَايَتِهِ: فَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَغَيْرُهُمَا بِالْإِسْنَادِ الثَّابِتِ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: {قَدَّرَ فَهَدَى} قَالَ: الْإِنْسَانَ لِلشَّقَاوَةِ وَالسَّعَادَةِ وَهَدَى الْأَنْعَامَ لِمَرَاتِعِهَا. وَكَذَلِكَ رَوَاهُ عَبْدُ بْنُ حميد فِي تَفْسِيرِهِ قَالَ: هَدَى الْإِنْسَانَ لِلسَّعَادَةِ وَالشَّقَاوَةِ وَهَدَى الْأَنْعَامَ لِمَرَاتِعِهَا. وَقَالَ حَدَّثَنَا يُونُسُ عَنْ شيبان عَنْ قتادة: {قَدَّرَ فَهَدَى} قَالَ: " لَا وَاَللَّهِ مَا أَكْرَهَ اللَّهُ عَبْدًا عَلَى مَعْصِيَةٍ قَطُّ وَلَا عَلَى ضَلَالَةٍ وَلَا رَضِيَهَا لَهُ وَلَا أَمَرَهُ وَلَكِنْ رَضِيَ لَكُمْ الطَّاعَةَ فَأَمَرَكُمْ بِهَا وَنَهَاكُمْ عَنْ مَعْصِيَتِهِ ". قُلْت: قتادة ذَكَرَ هَذَا عِنْدَ هَذِهِ الْآيَةِ لِيُبَيِّنَ أَنَّ اللَّهَ قَدَّرَ مَا قَدَّرَهُ مِنْ السَّعَادَةِ وَالشَّقَاوَةِ كَمَا قَالَ الْحَسَنُ وقتادة وَغَيْرُهُمَا مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا مُتَنَازِعِينَ. فَمَا سَبَقَ مِنْ سَبْقِ تَقْدِيرِ اللَّهِ وَإِنَّمَا كَانَ نِزَاعُ بَعْضِهِمْ فِي الْإِرَادَةِ وَخَلْقِ الْأَفْعَالِ.
(16/140)

وَإِنَّمَا نَازَعَ فِي التَّقْدِيرِ السَّابِقِ وَالْكِتَابِ أُولَئِكَ الَّذِينَ تَبَرَّأَ مِنْهُمْ الصَّحَابَةُ كَابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِمَا. وَذَكَرَ قتادة أَنَّ اللَّهَ لَمْ يُكْرَهْ أَحَدًا عَلَى مَعْصِيَةٍ. وَهَذَا صَحِيحٌ فَإِنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ الْمُثْبِتِينَ لِلْقَدَرِ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ اللَّهَ لَا يُكْرِهُ أَحَدًا عَلَى مَعْصِيَةٍ كَمَا يُكْرِهُ الْوَالِي وَالْقَاضِي وَغَيْرُهُمَا لِلْمَخْلُوقِ عَلَى خِلَافِ مُرَادِهِ يُكْرِهُونَهُ بِالْعُقُوبَةِ وَالْوَعِيدِ. بَلْ هُوَ سُبْحَانَهُ يَخْلُقُ إرَادَةَ الْعَبْدِ لِلْعَمَلِ وَقُدْرَتَهُ وَعَمَلَهُ وَهُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ. وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ قتادة قَدْ يُظَنُّ فِيهِ أَنَّهُ مِنْ قَوْلِ الْقَدَرِيَّةِ وَأَنَّهُ لِسَبَبِ مِثْلِ هَذَا اُتُّهِمَ قتادة بِالْقَدَرِ حَتَّى قِيلَ: إنَّ مَالِكًا كَرِهَ لِمَعْمَرٍ أَنْ يَرْوِيَ عَنْهُ التَّفْسِيرَ لِكَوْنِهِ اُتُّهِمَ بِالْقَدَرِ. وَهَذَا الْقَوْلُ حَقٌّ وَلَمْ يُعْرَفْ أَحَدٌ مِنْ السَّلَفِ قَالَ " إنَّ اللَّهَ أَكْرَهَ أَحَدًا عَلَى مَعْصِيَةٍ ". بَلْ أَبْلَغُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ لَفْظَ " الْجَبْرِ " مَنَعُوا مِنْ إطْلَاقِهِ كالأوزاعي وَالثَّوْرِيِّ وَالزُّبَيْدِيِّ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ وَأَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ وَغَيْرِهِمْ. نَهَوْا عَنْ أَنْ يُقَالَ " إنَّ اللَّهَ جَبَرَ الْعِبَادَ " وَقَالُوا: إنَّ هَذَا بِدْعَةٌ فِي الشَّرْعِ وَهُوَ مُفْهِمٌ لِلْمَعْنَى الْفَاسِدِ.
(16/141)

قَالَ الأوزاعي وَغَيْرُهُ: إنَّ السَّنَةَ جَاءَتْ بـ " جَبَلَ " وَلَمْ تَأْتِ بـ " جَبَرَ " {فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِأَشَجَّ عَبْدِ الْقَيْسِ: إنَّ فِيك لَخُلُقَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللَّهُ الْحِلْمَ وَالْأَنَاةَ. فَقَالَ: أَخُلُقَيْنِ تَخَلَّقْت بِهِمَا أَمْ خُلُقَيْنِ جُبِلْت عَلَيْهِمَا؟ فَقَالَ: بَلْ خُلُقَيْنِ جُبِلْت عَلَيْهِمَا. قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَبَلَنِي عَلَى خُلُقَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللَّهُ} . وَقَالَ الزُّبَيْدِيُّ وَغَيْرُهُ: إنَّمَا يُجْبَرُ الْعَاجِزُ يَعْنِي الْجَبْرَ الَّذِي هُوَ بِمَعْنَى الْإِكْرَاهِ كَمَا تُجْبَرُ الْمَرْأَةُ عَلَى النِّكَاحِ. وَاَللَّهُ أَجَلُّ وَأَعْظَمُ مِنْ أَنْ يُجْبِرَ أَحَدًا يَعْنِي أَنَّهُ يَخْلُقُ إرَادَةَ الْعَبْدِ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى إجْبَارِهِ. فَالزُّبَيْدِيُّ وَطَائِفَةٌ نَفَوْا " الْجَبْرَ " وَكَانَ مَفْهُومُهُ عِنْدَهُمْ هَذَا. وَأَمَّا الأوزاعي وَأَحْمَد بْنُ حَنْبَلٍ وَغَيْرُهُمَا فَكَرِهُوا أَنْ يُقَالَ " جَبَرَ " وَأَنْ يُقَالَ " لَمْ يُجْبِرْ " لِأَنَّ " الْجَبْرَ " قَدْ يُرَادُ بِهِ الْإِكْرَاهُ وَاَللَّهُ لَا يُكْرِهُ أَحَدًا. وَقَدْ يُرَادُ بِهِ أَنَّهُ خَالِقُ الْإِرَادَةِ كَمَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: " الْجَبَّارُ هُوَ الَّذِي جَبَرَ الْعِبَادَ عَلَى مَا أَرَادَ ". و " الْجَبْرُ " بِهَذَا الْمَعْنَى صَحِيحٌ. وَقَوْلُ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: {قَدَّرَ فَهَدَى} " هَدَى الْإِنْسَانَ لِلسَّعَادَةِ وَالشَّقَاوَةِ " يُبَيِّنُ أَنَّ هَذَا عِنْدَهُ مِمَّا دَخَلَ فِي قَوْلِهِ: {قَدَّرَ فَهَدَى}
(16/142)

أَيْ هَدَى السُّعَدَاءِ إلَى السَّعَادَةِ الَّتِي قَدَّرَهَا وَهَدَى الْأَشْقِيَاءَ إلَى الشَّقَاءِ الَّذِي قَدَّرَهُ. وَهَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ فِي قَوْلِهِ: {إنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ} قَالَ: السَّعَادَةُ وَالشَّقَاوَةَ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: سَبِيلَ الْهُدَى. رَوَاهُمَا عَبْدُ بْنُ حميد. وَكَذَلِكَ رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} قَالَ: الشَّقَاوَةَ وَالسَّعَادَةَ. وَقَدْ قَالَ هُوَ وَجَمَاهِيرُ السَّلَفِ: {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} : أَيْ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ. ثُمَّ قَالَ: وَرُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ فِي إحْدَى. . . (1) وَشَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ وَأَبِي صَالِحٍ وَمُجَاهِدٍ وَالْحَسَنِ وَمُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ وَعِكْرِمَةَ وَشُرَحْبِيلَ بْنِ سَعِيدٍ وَابْنِ سِنَانٍ الرَّازِي وَالضَّحَّاكِ وَعَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ وَعَمْرِو بْنِ قَيْسٍ الملائي نَحْوِ ذَلِكَ. وَرُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القرظي قَالَ: الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ.
_________

[تعليق مُعِدّ الكتاب للشاملة]
(1) بياض بالأصل
قال الشيخ ناصر بن حمد الفهد (ص 139) :
ويظهر أن موضع البياض: (الروايات) ، فتكون العبارة (وابن عباس في إحدى [الروايات] ) ، وذلك لأنه روي عنه في تفسير النجدين أكثر من رواية (1)

(1) انظر تفسير (ابن أبي حاتم) 10 / 3434 - وليس فيه هذا النص - وانظر (تفسير ابن كثير) 4 / 513.
(16/143)

وَهَذَا كَلَامٌ مُجْمَلٌ فِيهِ مَا هُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَهُوَ أَنَّهُ يُبَيِّنُ لِلنَّاسِ مَا أَرْسَلَهُ مِنْ الرُّسُلِ وَنَصَبَهُ مِنْ الدَّلَائِلِ وَالْآيَاتِ وَأَعْطَاهُمْ مِنْ الْعُقُولِ طَرِيقَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ كَمَا فِي قَوْلِهِ: {وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ} . وَأَمَّا إدْخَالُ الْهُدَى الَّذِي هُوَ الْإِلْهَامُ فِي ذَلِكَ بِمَعْنَى أَنَّهُ هَدَى الْمُؤْمِنَ إلَى أَنْ يُؤْمِنَ وَيَعْمَلَ صَالِحًا إلَى أَنْ يَسْعَدَ بِذَلِكَ وَهَدَى الْكَافِرَ إلَى مَا يَعْمَلُهُ إلَى أَنْ يَشْقَى بِذَلِكَ فَهَذَا مِنْهُمْ مَنْ يُدْخِلُهُ فِي الْآيَةِ كَمُجَاهِدِ وَغَيْرِهِ وَيُدْخِلُهُ فِي قَوْلِهِ: {إنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ} . وَعِكْرِمَةُ وَغَيْرُهُ يُخْرِجُونَ ذَلِكَ عَنْ مَعْنَى هَذِهِ الْآيَةِ وَإِنْ كَانُوا مُقِرِّينَ بِالْقَدَرِ. وَمَنْ قَالَ: " هَدَى " بِمَعْنَى بَيَّنَ فَقَطْ فَقَدْ هَدَى كُلَّ عَبْدٍ إلَى نَجْدِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ جَمِيعًا أَيْ بَيَّنَ لَهُ طَرِيقَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ. وَمَنْ أَدْخَلَ فِي ذَلِكَ السَّعَادَةَ وَالشَّقَاوَةَ يَقُولُ: فِي هَذَا تَقْسِيمٌ أَيْ هَذِهِ الْهِدَايَةُ عَامَّةٌ مُشْتَرَكَةٌ وَخَصَّ الْمُؤْمِنَ بِهِدَايَةِ إلَى نَجْدِ الْخَيْرِ وَخَصَّ الْكَافِرَ بِهِدَايَةِ إلَى نَجْدِ الشَّرِّ. وَمَنْ لَمْ يُدْخِلْ ذَلِكَ فِي الْآيَةِ قَدْ يَحْتَجُّونَ بِحَدِيثِ مِنْ مَرَاسِيلِ الْحَسَنِ قَالَ: ذَكَرَ لَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ: إنَّمَا هُمَا النَّجْدَانِ نَجْدُ الْخَيْرِ وَنَجْدُ الشَّرِّ. فَمَا يُجْعَلُ نَجْدُ الشَّرِّ أَحَبُّ إلَيْكُمْ مِنْ نَجْدِ الْخَيْرِ؟} .
(16/144)

وَيَحْتَجُّونَ بِأَنَّ إلْهَامَ الْفَاجِرِ طَرِيقَ الْفُجُورِ لَمْ يُسَمِّهِ هُدًى بَلْ سَمَّاهُ ضَلَالًا وَاَللَّهُ امْتَنَّ بِأَنَّهُ هَدَى. وَقَدْ يُجِيبُ الْآخَرُ بِأَنْ يَقُولَ: هُوَ لَا يَدْخُلُ فِي الْهُدَى الْمُطْلَقِ لَكِنْ يَدْخُلُ فِي الْهُدَى الْمُقَيَّدِ كَقَوْلِهِ: {فَاهْدُوهُمْ إلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ} وَكَمَا فِي لَفْظِ الْبِشَارَةِ قَالَ: {فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} وَلَفْظُ الْإِيمَانِ فَقَالَ: {يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ} . وَهَذَانِ الْقَوْلَانِ فِي قَوْلِهِ: {فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} قِيلَ: هُوَ الْبَيَانُ الْعَامُّ وَقِيلَ: بَلْ أَلْهَمَ الْفَاجِرَ الْفُجُورَ وَالتَّقِيَّ التَّقْوَى. وَهَذَا فِي تِلْكَ الْآيَةِ أَظْهَرُ لِأَنَّ الْإِلْهَامَ اسْتِعْمَالُهُ مَشْهُورٌ فِي إلْهَامِ الْقُلُوبِ لَا فِي التَّبْيِينِ الظَّاهِرِ الَّذِي تَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ. وَقَدْ {عَلَّمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُصَيْنًا الخزاعي لَمَّا أَسْلَمَ أَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ أَلْهِمْنِي رُشْدِي وَقِنِي شَرَّ نَفْسِي} . وَلَوْ كَانَ الْإِلْهَامُ بِمَعْنَى الْبَيَانِ الظَّاهِرِ لَكَانَ هَذَا حَاصِلًا لِلْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: و {سُوًى} مَعْنَاهُ عَدَّلَ وَأَتْقَنَ حَتَّى صَارَتْ الْأُمُورُ مُسْتَوِيَةً دَالَّةً عَلَى قُدْرَتِهِ وَوَحْدَانِيِّتِهِ. وَقَرَأَ جُمْهُورُ الْقُرَّاءِ {قَدَرٍ} بِتَشْدِيدِ الدَّالِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ
(16/145)

مِنْ الْقَدَرِ وَالْقَضَاءِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ التَّقْدِيرِ وَالْمُوَازَنَةِ بَيْنَ الْأَشْيَاءِ. قُلْت: هُمَا مُتَلَازِمَانِ لِأَنَّ التَّقْدِيرَ الْأَوَّلَ يُسَمَّى تَقْدِيرًا؛ لِأَنَّ مَا يَجْرِي بَعْدَ ذَلِكَ يَجْرِي عَلَى قَدَرِهِ فَهُوَ مُوَازِنٌ لَهُ وَمُعَادِلٌ لَهُ. قَالَ: وَقَرَأَ الْكِسَائِيُّ وَحْدَهُ بِتَخْفِيفِ الدَّالِّ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى الْقُدْرَةِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ التَّقْدِيرِ وَالْمُوَازَنَةِ ". قُلْت: وَهَذَا قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ أَنَّهُمَا بِمَعْنَى وَاحِدٍ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَقَوْلُهُ {فَهَدَى} عَامٌّ لِوُجُوهِ الْهِدَايَاتِ فِي الْإِنْسَانِ وَالْحَيَوَانِ. وَقَدْ خَصَّصَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ أَشْيَاءَ مِنْ الْهِدَايَاتِ فَقَالَ الْفَرَّاءُ: مَعْنَاهُ هَدَى وَأَضَلَّ وَاكْتَفَى بِالْوَاحِدِ لِدَلَالَتِهَا عَلَى الْأُخْرَى. قَالَ وَقَالَ مُقَاتِلٌ وَالْكَلْبِيُّ: هَدَى إلَى وَطْءِ الذُّكُورِ لِلْإِنَاثِ. وَقِيلَ هَدَى الْمَوْلُودَ عِنْدَ وَضْعِهِ إلَى مَصِّ الثَّدْيِ. وَقَالَ مُجَاهِد: هَدَى النَّاسَ لِلْخَيْرِ وَالشَّرِّ وَالْبَهَائِمَ لِلْمَرَاتِعِ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: " وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ مثالات وَالْعُمُومُ فِي الْآيَةِ أَصْوَبُ فِي كُلِّ تَقْدِيرٍ وَفِي كُلِّ هِدَايَةٍ ". وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو الْفَرَجِ بْنُ الْجَوْزِيِّ هَذِهِ الْأَقْوَالَ وَغَيْرَهَا فَذَكَرَ
(16/146)

سَبْعَةَ أَقْوَالٍ: قَدَّرَ السَّعَادَةَ وَالشَّقَاوَةَ وَهَدَى لِلرُّشْدِ وَالضَّلَالَةِ قَالَهُ مُجَاهِدٌ. وَقِيلَ: جَعَلَ لِكُلِّ دَابَّةٍ مَا يُصْلِحُهَا وَهَدَاهَا إلَيْهِ قَالَهُ عَطَاءٌ. وَقِيلَ: قَدَّرَ مُدَّةَ الْجَنِينِ فِي الرَّحِمِ ثُمَّ هَدَاهُ لِلْخُرُوجِ قَالَهُ السدي. وَقِيلَ: قَدَّرَهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَهَدَى الذُّكُورَ لِإِتْيَانِ الْإِنَاثِ قَالَهُ مُقَاتِلٌ. وَقِيلَ: قَدَّرَ فَهَدَى وَأَضَلَّ فَحَذَفَ " وَأَضَلَّ " لِأَنَّ فِي الْكَلَامِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ حَكَاهُ الزَّجَّاجُ. وَقِيلَ: قَدَّرَ الْأَرْزَاقَ وَهَدَى إلَى طَلَبِهَا؛ وَقِيلَ قَدَّرَ الذُّنُوبَ فَهَدَى إلَى التَّوْبَةِ حَكَاهُمَا الثَّعْلَبِيُّ. قُلْت: الْقَوْلُ الَّذِي حَكَاهُ الزَّجَّاجُ هُوَ قَوْلُ الْفَرَّاءِ وَهُوَ مِنْ جِنْسِ قَوْلِهِ: " إنْ نَفَعَتْ وَإِنْ لَمْ تَنْفَعْ " وَمِنْ جِنْسِ قَوْلِهِ " سَرَابِيلَ تَقِيكُمْ الْحَرَّ وَالْبَرْدَ ". وَقَدْ تَقَدَّمَ ضَعْفُ مِثْلِ هَذَا وَلِهَذَا لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ مِنْ الْمُفَسِّرِينَ. وَالْأَقْوَالُ الصَّحِيحَةُ هِيَ مِنْ بَابِ المثالات كَمَا قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ. وَهَكَذَا كَثِيرٌ مِنْ تَفْسِيرِ السَّلَفِ يَذْكُرُونَ مِنْ النَّوْعِ مِثَالًا لِيُنَبِّهُوا بِهِ عَلَى غَيْرِهِ أَوْ لِحَاجَةِ الْمُسْتَمِعِ إلَى مَعْرِفَتِهِ أَوْ لِكَوْنِهِ هُوَ الَّذِي يَعْرِفُهُ كَمَا يَذْكُرُونَ مِثْلَ ذَلِكَ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ. كَقَوْلِهِ: {سَتُدْعَوْنَ إلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ} وَقَوْلِهِ: {وَآخَرِينَ مِنْهُمْ} وَقَوْلِهِ: {فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} وَقَوْلِهِ: {فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ}
(16/147)

وَكَذَلِكَ تَفْسِيرُ: {وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ} و {وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ} وَغَيْرِ ذَلِكَ وَقَوْلِهِ: {وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ} وَأَمْثَالِ ذَلِكَ كَثِيرٌ مِنْ تَفْسِيرِهِمْ هُوَ مِنْ بَابِ الْمِثَالِ. وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ: إنَّ " هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي فُلَانٍ وَفُلَانٍ " فَبِهَذَا يُمَثِّلُ بِمَنْ نَزَلَتْ فِيهِ نَزَلَتْ فِيهِ أَوَّلًا وَكَانَ سَبَبُ نُزُولِهَا لَا يُرِيدُونَ بِهِ أَنَّهَا آيَةٌ مُخْتَصَّةٌ بِهِ كَآيَةِ اللِّعَانِ وَآيَةِ الْقَذْفِ وَآيَةِ الْمُحَارَبَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. لَا يَقُولُ مُسْلِمٌ إنَّهَا مُخْتَصَّةٌ بِمَنْ كَانَ نُزُولُهَا بِسَبَبِهِ. وَاللَّفْظُ الْعَامُّ وَإِنْ قَالَ طَائِفَةٌ إنَّهُ يُقْصَرُ عَلَى سَبَبِهِ فَمُرَادُهُمْ عَلَى النَّوْعِ الَّذِي هُوَ سَبَبُهُ لَمْ يُرِيدُوا بِذَلِكَ أَنَّهُ يَقْتَصِرُ عَلَى شَخْصٍ وَاحِدٍ مِنْ ذَلِكَ النَّوْعِ. فَلَا يَقُولُ مُسْلِمٌ إنَّ آيَةَ الظِّهَارِ لَمْ يَدْخُلْ فِيهَا إلَّا أَوْسُ بْنُ الصَّامِتِ وَآيَةَ اللِّعَانِ لَمْ يَدْخُلْ فِيهَا إلَّا عَاصِمُ بْنُ عَدِيٍّ أَوْ هِلَالُ بْنُ أُمَيَّةَ: وَأَنَّ ذَمَّ الْكُفَّارِ لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ إلَّا كُفَّارُ قُرَيْشٍ؛ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَقُولُهُ مُسْلِمٌ وَلَا عَاقِلٌ. فَإِنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ عَرَفَ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ دِينِهِ أَنَّهُ مَبْعُوثٌ إلَى جَمِيعِ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ وَاَللَّهُ تَعَالَى خَاطَبَ بِالْقُرْآنِ جَمِيعَ
(16/148)

الثَّقَلَيْنِ كَمَا قَالَ: {لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ} . فَكُلُّ مَنْ بَلَغَهُ الْقُرْآنُ مِنْ إنْسِيٍّ وَجِنِّيٍّ فَقَدْ أَنْذَرَهُ الرَّسُولُ بِهِ. وَالْإِنْذَارُ هُوَ الْإِعْلَامُ بِالْمَخُوفِ وَالْمَخُوفُ هُوَ الْعَذَابُ يَنْزِلُ بِمَنْ عَصَى أَمْرَهُ وَنَهْيَهُ. فَقَدْ أَعْلَمَ كُلَّ مَنْ وَصَلَ إلَيْهِ الْقُرْآنَ أَنَّهُ إنْ لَمْ يُطِعْهُ وَإِلَّا عَذَّبَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَأَنَّهُ إنْ أَطَاعَهُ أَكْرَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى. وَهُوَ قَدْ مَاتَ فَإِنَّمَا طَاعَتُهُ بِاتِّبَاعِ مَا فِي الْقُرْآنِ مِمَّا أَوْجَبَهُ اللَّهُ وَحَرَّمَهُ وَكَذَلِكَ مَا أَوْجَبَهُ الرَّسُولُ وَحَرَّمَهُ بِسُنَّتِهِ. فَإِنَّ الْقُرْآنَ قَدْ بَيَّنَ وُجُوبَ طَاعَتِهِ وَبَيَّنَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَقَالَ لِأَزْوَاجِ نَبِيِّهِ {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ}
فَصْلٌ:
ثُمَّ قَالَ: {وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى} {فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى} هُوَ سُبْحَانَهُ لَمَّا ذَكَرَ قَوْلَهُ: {قَدَّرَ فَهَدَى} دَخَلَ فِي ذَلِكَ مَا قَدَّرَهُ مِنْ أَرْزَاقِ الْعِبَادِ وَالْبَهَائِمِ وَهَدَاهُمْ إلَيْهَا فَهَدَى مَنْ يَأْتِي بِهَا إلَيْهِمْ. وَذَلِكَ مِنْ تَمَامِ إنْعَامِهِ عَلَى عِبَادِهِ كَمَا جَاءَ فِي الْأَثَرِ: {إنَّ اللَّهَ يَقُولُ:
(16/149)

إنِّي وَالْجِنُّ وَالْإِنْسُ لَفِي نَبَأٍ عَظِيمٍ أَخْلُقُ وَيَعْبُدُونَ غَيْرِي وَأَرْزُقُ وَيَشْكُرُونَ سِوَايَ} وَهَذَا الْمَعْنَى قَدْ رُوِيَ فِي قَوْلِهِ: {وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ} أَيْ تَجْعَلُونَ شُكْرَكُمْ وَشُكْرَ رَبِّكُمْ التَّكْذِيبَ بِإِنْعَامِ اللَّهِ وَإِضَافَةِ الرِّزْقِ إلَى غَيْرِهِ كَالْأَنْوَاءِ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: {مُطِرَ النَّاسُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصْبَحَ مِنْ النَّاسِ شَاكِرٌ وَمِنْهُمْ كَافِرٌ قَالُوا: هَذِهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَقَدْ صَدَقَ نَوْءُ كَذَا وَكَذَا قَالَ: فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ {فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ} حَتَّى بَلَغَ {وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ} } وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: {مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ السَّمَاءِ مِنْ بَرَكَةٍ إلَّا أَصْبَحَ فَرِيقٌ مِنْ النَّاسِ بِهَا كَافِرِينَ يُنَزِّلُ اللَّهُ الْغَيْثَ فَيَقُولُونَ: الْكَوْكَبُ كَذَا وَكَذَا وَفِي رِوَايَةٍ بِكَوْكَبِ كَذَا وَكَذَا} . وَرَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ فِي تَفْسِيرِهِ: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ يَعْنِي الصَّائِغَ ثَنَا سَعِيدٌ هُوَ ابْنُ مَنْصُورٍ ثَنَا هشيم عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ " وَتَجْعَلُونَ شُكْرَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ "،
(16/150)

يَعْنِي الْأَنْوَاءَ. وَمَا مُطِرَ قَوْمٌ إلَّا أَصْبَحَ بَعْضُهُمْ كَافِرًا وَكَانُوا يَقُولُونَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ {وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ} وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ عَنْ عِكْرِمَةَ فِي قَوْلِ اللَّهِ: {وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ} قَالَ: تَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ تَكْذِيبًا وَشُكْرًا لِغَيْرِهِ.
لَكِنَّ قَوْلَهُ: {وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى} خَصَّ بِهِ إخْرَاجَ الْمَرْعَى وَهُوَ مَا تَرْعَاهُ الدَّوَابُّ وَذَكَرَ أَنَّهُ جَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى. وَهَذَا فِيهِ ذِكْرُ أَقْوَاتِ الْبَهَائِمِ لَكِنَّ أَقْوَاتَ الْآدَمِيِّينَ أَجَلُّ مِنْ ذَلِكَ وَقَدْ دَخَلَتْ هِيَ وَأَقْوَاتُ الْبَهَائِمِ فِي قَوْلِهِ {قَدَّرَ فَهَدَى} . وَأَيْضًا فَاَلَّذِي يَصِيرُ غُثَاءً أَحْوَى لَمْ تَقْتَتْ بِهِ الْبَهَائِمُ وَإِنَّمَا تَقْتَاتُ بِهِ قَبْلَ ذَلِكَ. فَهُوَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ خَصَّ هَذَا بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُ مِثْلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا. إذْ كَانَتْ هَذِهِ السُّورَةُ تَضَمَّنَتْ أُصُولَ الْإِيمَانِ الْإِيمَانِ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْإِيمَانِ بِالرُّسُلِ وَالْكُتُبِ الَّتِي جَاءُوا بِهَا وَذَلِكَ يَتَضَمَّنُ الْإِيمَانَ بِالْمَلَائِكَةِ. وَفِيهَا الْعَمَلُ الصَّالِحُ الَّذِي يَنْفَعُ فِي الْآخِرَةِ وَالْفَاسِدُ الَّذِي يَضُرُّ فِيهَا.
(16/151)

فَذَكَرَ سُبْحَانَهُ الْمَرْعَى عَقِبَ مَا ذِكْرِهِ مِنْ الْخَلْقِ وَالْهُدَى لِيُبَيِّنَ مَآلَ بَعْضِ الْمَخْلُوقَاتِ وَأَنَّ الدُّنْيَا هَذَا مَثَلُهَا. وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ ذَلِكَ فِي الْكَهْفِ وَيُونُسَ وَالْحَدِيدِ. قَالَ تَعَالَى: {وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا} وَقَالَ تَعَالَى: {إنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} {وَاللَّهُ يَدْعُو إلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} وَقَالَ تَعَالَى: {اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ} وَقَدْ جَعَلَ إهْلَاكَ الْمُهْلَكِينَ حَصَادًا لَهُمْ فَقَالَ: {ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ
(16/152)

الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ} وَقَالَ: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} {ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ} {إلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ} فَقَوْلُهُ: {وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى} {فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى} هُوَ مَثَلٌ لِلْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَعَاقِبَةُ الْكُفَّارِ وَمَنْ اغْتَرَّ بِالدُّنْيَا فَإِنَّهُمْ يَكُونُونَ فِي نَعِيمٍ وَزِينَةٍ وَسَعَادَةٍ ثُمَّ يَصِيرُونَ إلَى شَقَاءٍ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. كَالْمَرْعَى الَّذِي جَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى.
فَصْلٌ:
قَوْلُهُ: {فَذَكِّرْ إنْ نَفَعَتْ الذِّكْرَى. سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى. الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى} فَقَوْلُهُ: إنْ نَفَعَتْ الذِّكْرَى كَقَوْلِهِ: إنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ. وَقَوْلُهُ: إنْ نَفَعَتْ الذِّكْرَى وَ " إنْ " هِيَ الشَّرْطِيَّةُ.
(16/153)

وَحَكَى الماوردي أَنَّهَا بِمَعْنَى " مَا ".
وَهَذِهِ تَكُونُ " مَا " الْمَصْدَرِيَّةُ. وَهِيَ بِمَعْنَى الظَّرْفِ، أَيْ: ذَكِّرْ مَا نَفَعَتْ، مَا دَامَتْ تَنْفَعُ. وَمَعْنَاهَا قَرِيبٌ مِنْ مَعْنَى الشَّرْطِيَّةِ. وَأَمَّا إنْ ظَنَّ ظَانٌّ أَنَّهَا نَافِيَةٌ فَهَذَا غَلَطٌ بَيِّنٌ. فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَنْفِي نَفْعَ الذِّكْرَى مُطْلَقًا وَهُوَ الْقَائِلُ {فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومِ وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ} ثُمَّ قَالَ {الْمُؤْمِنِينَ} . . . (1) .
وَعَنْ. . . (2) فَذَكِّرْ إنْ نَفَعَتْ الذِّكْرَى: إنْ قَبِلْت الذِّكْرَى. وَعَنْ مُقَاتِلٍ: فَذَكِّرْ وَقَدْ نَفَعَتْ الذِّكْرَى. وَقِيلَ: ذَكِّرْ إنْ نَفَعَتْ الذِّكْرَى وَإِنْ لَمْ تَنْفَعْ. قَالَهُ طَائِفَةٌ، أَوَّلُهُمْ الْفَرَّاءُ، وَاتَّبَعَهُ جَمَاعَةٌ، مِنْهُمْ النَّحَّاسُ، وَالزَّهْرَاوِيُّ. وَالْوَاحِدِيُّ. والبغوي وَلَمْ يَذْكُرْ غَيْرَهُ. قَالُوا: وَإِنَّمَا لَمْ يَذْكُرْ الْحَالَ الثَّانِيَةَ كَقَوْلِهِ: سَرَابِيلَ تَقِيكُمْ الْحَرَّ وَأَرَادَ الْحَرَّ وَالْبَرْدَ. وَإِنَّمَا قَالُوا هَذَا لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ تَبْلِيغُ جَمِيعِ الْخَلْقِ وَتَذْكِيرُهُمْ سَوَاءٌ آمَنُوا أَوْ كَفَرُوا. فَلَمْ يَكُنْ وُجُوبُ التَّذْكِيرِ مُخْتَصًّا بِمَنْ
__________

[تعليق مُعِدّ الكتاب للشاملة]
(1، 2) بياض بالأصل
(16/154)

تَنْفَعُهُ الذِّكْرَى كَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: {فَذَكِّرْ إنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ} {لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ} وَقَالَ: {وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ} وَقَالَ: {وَيَقُولُونَ إنَّهُ لَمَجْنُونٌ} {وَمَا هُوَ إلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ} وَقَالَ: {لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا} . وَهَذَا الَّذِي قَالُوهُ لَهُ مَعْنًى صَحِيحٌ وَهُوَ قَوْلُ الْفَرَّاءِ وَأَمْثَالِهِ لَكِنْ لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ مِنْ مُفَسِّرِي السَّلَفِ. وَلِهَذَا كَانَ أَحْمَد بْنُ حَنْبَلٍ يُنْكِرُ عَلَى الْفَرَّاءِ وَأَمْثَالِهِ مَا يُنْكِرُهُ وَيَقُولُ: كُنْت أَحْسَبُ الْفَرَّاءَ رَجُلًا صَالِحًا حَتَّى رَأَيْت كِتَابَهُ فِي مَعَانِي الْقُرْآنِ. وَهَذَا الْمَعْنَى الَّذِي قَالُوهُ مَدْلُولٌ عَلَيْهِ بِآيَاتِ أُخَرٍ. وَهُوَ مَعْلُومٌ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ أَمْرِ الرَّسُولِ فَإِنَّ اللَّهَ بَعَثَهُ مُبَلِّغًا وَمُذَكِّرًا لِجَمِيعِ الثَّقَلَيْنِ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ. لَكِنْ لَيْسَ هُوَ مَعْنَى هَذِهِ الْآيَةِ. بَلْ مَعْنَى هَذِهِ يُشْبِهُ قَوْلَهُ: {فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ} وَقَوْلَهُ: {إنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا} وَقَوْلَهُ: {إنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ} وَقَوْلَهُ {إنْ هُوَ إلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ} {لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ} فَالْقُرْآنُ جَاءَ بِالْعَامِّ وَالْخَاصِّ. وَهَذَا كَقَوْلِهِ: {هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} وَنَحْوِ ذَلِكَ.
(16/155)

وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ التَّعْلِيمَ وَالتَّذْكِيرَ وَالْإِنْذَارَ وَالْهُدَى وَنَحْوَ ذَلِكَ لَهُ فَاعِلٌ وَلَهُ قَابِلٌ. فَالْمُعَلِّمُ الْمُذَكِّرُ يُعَلِّمُ غَيْرَهُ ثُمَّ ذَلِكَ الْغَيْرُ قَدْ يَتَعَلَّمُ وَيَتَذَكَّرُ وَقَدْ لَا يَتَعَلَّمُ وَلَا يَتَذَكَّرُ. فَإِنْ تَعَلَّمَ وَتَذَكَّرَ فَقَدْ تَمَّ التَّعْلِيمُ وَالتَّذْكِيرُ وَإِنْ لَمْ يَتَعَلَّمْ وَلَمْ يَتَذَكَّرْ فَقَدْ وُجِدَ أَحَدُ طَرَفَيْهِ وَهُوَ الْفَاعِلُ دُونَ الْمَحَلِّ الْقَابِلِ. فَيُقَالُ فِي مِثْلِ هَذَا: عَلَّمْته فَمَا تَعَلَّمَ وَذَكَّرْته فَمَا تَذَكَّرَ وَأَمَرْته فَمَا أَطَاعَ. وَقَدْ يُقَالُ " مَا عَلَّمْته وَمَا ذَكَّرْته " لِأَنَّهُ لَمْ يُحَصِّلْ تَامًّا وَلَمْ يُحَصِّلْ مَقْصُودَهُ فَيُنْفَى لِانْتِفَاءِ كَمَالِهِ وَتَمَامِهِ. وَانْتِفَاءِ فَائِدَتِهِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمُخَاطَبِ السَّامِعِ وَإِنْ كَانَتْ الْفَائِدَةُ حَاصِلَةً لِلْمُتَكَلِّمِ الْقَائِلِ الْمُخَاطَبِ. فَحَيْثُ خُصَّ بِالتَّذْكِيرِ وَالْإِنْذَارِ وَنَحْوِهِ الْمُؤْمِنُونَ فَهُمْ مَخْصُوصُونَ بِالتَّامِّ النَّافِعِ الَّذِي سَعِدُوا بِهِ. وَحَيْثُ عُمِّمَ فَالْجَمِيعُ مُشْتَرِكُونَ فِي الْإِنْذَارِ الَّذِي قَامَتْ بِهِ الْحُجَّةُ عَلَى الْخَلْقِ سَوَاءٌ قَبِلُوا أَوْ لَمْ يَقْبَلُوا.
وَهَذَا هُوَ الْهُدَى الْمَذْكُورُ فِي قَوْلِهِ: {وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى} فَالْهُدَى هُنَا هُوَ الْبَيَانُ وَالدَّلَالَةُ وَالْإِرْشَادُ الْعَامُّ الْمُشْتَرَكُ. وَهُوَ كَالْإِنْذَارِ الْعَامِّ وَالتَّذْكِيرِ الْعَامِّ. وَهُنَا قَدْ هَدَى الْمُتَّقِينَ وَغَيْرَهُمْ كَمَا قَالَ: {وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ} وَأَمَّا قَوْلُهُ: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} فَالْمَطْلُوبُ الْهُدَى الْخَاصُّ
(16/156)

التَّامُّ الَّذِي يَحْصُلُ مَعَهُ الِاهْتِدَاءُ كَقَوْلِهِ: {هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} وَقَوْلِهِ: {فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ} وَقَوْلِهِ: {فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ} وَقَوْلِهِ: {يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ} وَهَذَا كَثِيرٌ فِي الْقُرْآنِ. وَكَذَلِكَ الْإِنْذَارُ قَدْ قَالَ: {فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا} وَقَالَ تَعَالَى: {أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا} وَقَالَ فِي الْخَاصِّ: {إنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا} {إنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ} فَهَذَا الْإِنْذَارُ الْخَاصُّ وَهُوَ التَّامُّ النَّافِعُ الَّذِي انْتَفَعَ بِهِ الْمُنْذِرُ. وَالْإِنْذَارُ هُوَ الْإِعْلَامُ بِالْمَخُوفِ فَعَلِمَ الْمَخُوفُ فَخَافَ فَآمَنَ وَأَطَاعَ. وَكَذَلِكَ التَّذْكِيرُ عَامٌّ وَخَاصٌّ. فَالْعَامُّ هُوَ تَبْلِيغُ الرِّسَالَةِ إلَى كُلِّ أَحَدٍ وَهَذَا يَحْصُلُ بِإِبْلَاغِهِمْ مَا أُرْسِلَ بِهِ مِنْ الرِّسَالَةِ. قَالَ تَعَالَى: {قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ} {إنْ هُوَ إلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ} . وَقَالَ تَعَالَى: {وَمَا هِيَ إلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ} . وَقَالَ تَعَالَى: {إنْ هُوَ إلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ} . ثُمَّ قَالَ: {لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ} فَذَكَرَ الْعَامَّ وَالْخَاصَّ.
(16/157)

وَالتَّذَكُّرُ هُوَ الذِّكْرُ التَّامُّ الَّذِي يَذْكُرُهُ الْمُذَكَّرُ بِهِ وَيَنْتَفِعُ بِهِ. وَغَيْرُ هَؤُلَاءِ قَالَ تَعَالَى فِيهِمْ: {مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ} {لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ} وَقَالَ تَعَالَى: {وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ} فَقَدْ أَتَاهُمْ وَقَامَتْ بِهِ الْحُجَّةُ وَلَكِنْ لَمْ يَصْغَوْا إلَيْهِ بِقُلُوبِهِمْ فَلَمْ يَفْهَمُوهُ أَوْ فَهِمُوهُ فَلَمْ يَعْمَلُوا بِهِ كَمَا قَالَ: {وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ} وَالْخَاصُّ هُوَ التَّامُّ النَّافِعُ وَهُوَ الَّذِي حَصَلَ مَعَهُ تَذَكُّرٌ لِمُذَكَّرِ فَإِنَّ هَذَا ذِكْرَى كَمَا قَالَ: {فَذَكِّرْ إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى} {سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى} {وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى} أَيْ يُجَنَّبُ الذِّكْرَى وَهُوَ إنَّمَا جُنِّبَ الذِّكْرَى الْخَاصَّةَ. وَأَمَّا الْمُشْتَرَكُ الَّذِي تَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ فَقَدْ ذُكِّرَ هُوَ وَغَيْرُهُ بِذَلِكَ وَقَامَتْ الْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ. وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} وَقَالَ: {لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} وَقَالَ عَنْ أَهْلِ النَّارِ: {كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ} {قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ} وَقَالَ تَعَالَى: {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ
(16/158)

يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا} . وَأَمَّا تَمْثِيلُهُمْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ {سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ} أَيْ وَتَقِيَكُمْ الْبَرْد فَعَنْهُ جَوَابَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَيْسَ هُنَاكَ حَرْفُ شَرْطٍ عُلِّقَ بِهِ الْحُكْمُ بِخِلَافِ هَذَا الْمَوْضِعِ. فَإِنَّهُ إذَا عُلِّقَ الْأَمْرُ بِشَرْطِ وَكَانَ مَأْمُورًا بِهِ فِي حَالِ وُجُودِ الشَّرْطِ كَمَا هُوَ مَأْمُورٌ بِهِ فِي حَالِ عَدَمِهِ كَانَ ذِكْرُ الشَّرْطِ تَطْوِيلًا لِلْكَلَامِ تَقْلِيلًا لِلْفَائِدَةِ وَإِضْلَالًا لِلسَّامِعِ. وَجُمْهُورُ النَّاسِ عَلَى أَنَّ مَفْهُومَ الشَّرْطِ حُجَّةٌ وَمَنْ نَازَعَ فِيهِ يَقُولُ: سَكَتَ عَنْ غَيْرِ الْمُعَلَّقِ لَا يَقُولُ: إنَّ اللَّفْظَ دَلَّ عَلَى الْمَسْكُوتِ كَمَا دَلَّ عَلَى الْمَنْطُوقِ. فَهَذَا لَا يَقُولُهُ أَحَدٌ. الثَّانِي: أَنَّ قَوْلَهُ {تَقِيكُمُ الْحَرَّ} عَلَى بَابِهِ وَلَيْسَ فِي الْآيَةِ ذِكْرُ الْبَرْدِ. وَإِنَّمَا يَقُولُ " إنَّ الْمَعْطُوفَ مَحْذُوفٌ " هُوَ الْفَرَّاءُ وَأَمْثَالُهُ مِمَّنْ أَنْكَرَ عَلَيْهِمْ الْأَئِمَّةُ حَيْثُ يُفَسِّرُونَ الْقُرْآنَ بِمُجَرَّدِ ظَنِّهِمْ وَفَهْمِهِمْ لِنَوْعِ مِنْ عِلْمِ الْعَرَبِيَّةِ عِنْدَهُمْ. وَكَثِيرًا لَا يَكُونُ مَا فَسَّرُوا بِهِ مُطَابِقًا. وَلَيْسَ فِي الْكَلَامِ مَا يَدُلُّ عَلَى ذِكْرِ الْبَرْدِ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذَكَرَ فِي
(16/159)

هَذِهِ السُّورَةِ إنْعَامَهُ عَلَى عِبَادِهِ وَتُسَمَّى " سُورَةُ النِّعَمِ " فَذَكَرَ فِي أَوَّلِهَا أُصُولَ النِّعَمِ الَّتِي لَا بُدَّ مِنْهَا وَلَا تَقُومُ الْحَيَاةُ إلَّا بِهَا وَذَكَرَ فِي أَثْنَائِهَا تَمَامَ النِّعَمِ. وَكَانَ مَا يَقِي الْبَرْدَ مِنْ أُصُولِ النِّعَمِ فَذَكَرَ فِي أَوَّلِ السُّورَةِ فِي قَوْلِهِ {وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ} . فَالدِّفْءُ مَا يُدْفِئُ وَيَدْفَعُ الْبَرْدَ. وَالْبَرْدُ الشَّدِيدُ يُوجِبُ الْمَوْتَ بِخِلَافِ الْحَرِّ. فَقَدْ مَاتَ خَلْقٌ مِنْ الْبَرْدِ بِخِلَافِ الْحَرِّ فَإِنَّ الْمَوْتَ مِنْهُ غَيْرُ مُعْتَادٍ. وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُ الْعَرَبِ الْبَرْدُ بُؤْسٌ وَالْحَرُّ أَذًى. فَلَمَّا ذَكَرَ فِي أَثْنَائِهَا تَمَامَ النِّعَمِ ذَكَرَ الظِّلَالَ وَمَا يَقِي الْحَرَّ وَذَكَرَ الْأَسْلِحَةَ وَمَا يَقِي الْقَتْلَ فَقَالَ: {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ} . فَذَكَرَ أَنَّهُ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ كَمَا بَيَّنَ ذَلِكَ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ فَقَالَ: {كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ} . وَفَرْقٌ بَيْنَ الظِّلَالِ وَالْأَكْنَانِ؛ فَإِنَّ الظِّلَالَ يَكُونُ بِالشَّجَرِ
(16/160)

وَنَحْوِهِ مِمَّا يُظِلُّ وَلَا يُكِنُّ بِخِلَافِ مَا فِي الْجِبَالِ مِنْ الْغَيْرَانِ فَإِنَّهُ يُظِلُّ وَيُكَنُّ. فَهَذَا فِي الْأَمْكِنَةِ ثُمَّ قَالَ فِي اللِّبَاسِ: {وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ} فَهَذَا فِي اللِّبَاسِ. وَاللِّبَاسُ وَالْمَسَاكِنُ كِلَاهُمَا تَقِي النَّاسَ مَا يُؤْذِيهِمْ مِنْ حَرٍّ وَبَرْدٍ وَعَدُوٍّ وَكِلَاهُمَا تَسْتُرُهُمْ عَنْ أَعْيُنِ النَّاظِرِينَ. وَفِي الْبُيُوتِ خَاصَّةً يَسْكُنُونَ كَمَا قَالَ: {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إقَامَتِكُمْ} . فَلَمَّا ذَكَرَ الْبُيُوتَ الْمَسْكُونَةَ امْتَنَّ بِكَوْنِهِ جَعَلَهَا سَكَنًا يَسْكُنُونَ فِيهَا مِنْ تَعَبِ الْحَرَكَاتِ. وَذَكَرَ أَنَّهُ جَعَلَ لَهُمْ بُيُوتًا أُخْرَى يَحْمِلُونَهَا مَعَهُمْ ويستخفونها يَوْمَ ظَعْنِهِمْ وَيَوْمَ إقَامَتِهِمْ. فَذَكَرَ الْبُيُوتَ الثَّقِيلَةَ الَّتِي لَا تُحْمَلُ وَالْخَفِيَّةَ الَّتِي تُحْمَلُ. فَتَبَيَّنَ أَنَّ مَا مَثَّلُوا بِهِ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ. فَقَوْلُهُ: {إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى} - كَمَا قَالَ مُفَسِّرُو السَّلَفِ وَالْجُمْهُورِ - عَلَى بَابِهَا قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: تَذْكِرَةٌ لِلْمُؤْمِنِ وَحُجَّةٌ عَلَى الْكَافِرِ.
(16/161)

وَعَلَى هَذَا فَقَوْلُهُ تَعَالَى: {إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى} لَا يَمْنَعُ كَوْنَ الْكَافِرِ يُبَلِّغُ الْقُرْآنَ لِوُجُوهِ. أَحَدُهَا: أَنَّهُ لَمْ يَخُصَّ قَوْمًا دُونَ قَوْمٍ لَكِنْ قَالَ: {فَذَكِّرْ} وَهَذَا مُطْلَقٌ بِتَذْكِيرِ كُلِّ أَحَدٍ. وَقَوْلُهُ: {إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى} لَمْ يَقُلْ " إنْ نَفَعَتْ كُلَّ أَحَدٍ ". بَلْ أَطْلَقَ النَّفْعَ. فَقَدْ أَمَرَ بِالتَّذْكِيرِ إنْ كَانَ يَنْفَعُ. وَالتَّذْكِيرُ الْمُطْلَقُ الْعَامُّ يَنْفَعُ. فَإِنَّ مِنْ النَّاسِ مَنْ يَتَذَكَّرُ فَيَنْتَفِعُ بِهِ وَالْآخَرُ تَقُومُ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ وَيَسْتَحِقُّ الْعَذَابَ عَلَى ذَلِكَ فَيَكُونُ عِبْرَةً لِغَيْرِهِ فَيَحْصُلُ بِتَذْكِيرِهِ نَفْعٌ أَيْضًا. وَلِأَنَّهُ بِتَذْكِيرِهِ تَقُومُ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ فَتَجُوزُ عُقُوبَتُهُ بَعْدَ هَذَا بِالْجِهَادِ وَغَيْرِهِ فَتَحْصُلُ بِالذِّكْرَى مَنْفَعَةٌ. فَكُلُّ تَذْكِيرٍ ذَكَّرَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْمُشْرِكِينَ حَصَلَ بِهِ نَفْعٌ فِي الْجُمْلَةِ وَإِنْ كَانَ النَّفْعُ لِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ قَبِلُوهُ وَاعْتَبَرُوا بِهِ وَجَاهَدُوا الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ قَامَتْ عَلَيْهِمْ الْحُجَّةُ. فَإِنْ قِيلَ: فَعَلَى هَذَا كُلُّ تَذْكِيرٍ قَدْ حَصَلَ بِهِ نَفْعٌ فَأَيُّ فَائِدَةٍ فِي التَّقْيِيدِ؟
(16/162)

قِيلَ: بَلْ مِنْهُ مَا لَمْ يَنْفَعْ أَصْلًا وَهُوَ مَا لَمْ يُؤْمَرْ بِهِ. وَذَلِكَ كَمَنْ أَخْبَرَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا يُؤْمِنُ كَأَبِي لَهَبٍ فَإِنَّهُ بَعْدَ أَنْ أَنْزَلَ اللَّهُ قَوْلَهُ {سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ} فَإِنَّهُ لَا يُخَصُّ بِتَذْكِيرِ بَلْ يُعْرَضُ عَنْهُ. وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ لَمْ يَصْغَ إلَيْهِ وَلَمْ يَسْتَمِعْ لِقَوْلِهِ فَإِنَّهُ يُعْرَضُ عَنْهُ كَمَا قَالَ: {فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ} ثُمَّ قَالَ: {وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ} فَهُوَ إذَا بَلَّغَ قَوْمًا الرِّسَالَةَ فَقَامَتْ الْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ امْتَنَعُوا مِنْ سَمَاعِ كَلَامِهِ أَعْرَضَ عَنْهُمْ. فَإِنَّ الذِّكْرَى حِينَئِذٍ لَا تَنْفَعُ أَحَدًا. وَكَذَلِكَ مَنْ أَظْهَرَ أَنَّ الْحُجَّةَ قَامَتْ عَلَيْهِ وَأَنَّهُ لَا يَهْتَدِي فَإِنَّهُ لَا يُكَرِّرُ التَّبْلِيغَ عَلَيْهِ. الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْأَمْرَ بِالتَّذْكِيرِ أَمْرٌ بِالتَّذْكِيرِ التَّامِّ النَّافِعِ كَمَا هُوَ أَمْرٌ بِالتَّذْكِيرِ الْمُشْتَرَكِ. وَهَذَا التَّامُّ النَّافِعُ يَخُصُّ بِهِ الْمُؤْمِنِينَ الْمُنْتَفِعِينَ. فَهُمْ إذَا آمَنُوا ذَكَّرَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ وَكُلَّمَا أُنْزِلَ شَيْءٌ مِنْ الْقُرْآنِ ذَكَّرَهُمْ بِهِ وَيُذَكِّرُهُمْ بِمَعَانِيهِ وَيُذَكِّرُهُمْ بِمَا نَزَلَ قَبْلَ ذَلِكَ. بِخِلَافِ الَّذِينَ قَالَ فِيهِمْ: {فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ} {كَأَنَّهُمْ
(16/163)

حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ} {فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ} . فَإِنَّ هَؤُلَاءِ لَا يُذَكِّرُهُمْ كَمَا يُذَكِّرُ الْمُؤْمِنِينَ إذَا كَانَتْ الْحُجَّةُ قَدْ قَامَتْ عَلَيْهِمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ عَنْ التَّذْكِرَةِ لَا يَسْمَعُونَ. وَلِهَذَا قَالَ. {عَبَسَ وَتَوَلَّى} {أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى} {وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى} {أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى} {أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى} {فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى} {وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى} {وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى} {وَهُوَ يَخْشَى} {فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى} فَأَمَرَهُ أَنْ يُقْبِلَ عَلَى مَنْ جَاءَهُ يَطْلُبُ أَنْ يَتَزَكَّى وَأَنْ يَتَذَكَّرَ. وَقَالَ: {سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى} إلَى قَوْلِهِ {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى} فَذَكَرَ التَّذَكُّرَ وَالتَّزَكِّي كَمَا ذَكَرَهُمَا هُنَاكَ. وَأَمَرَهُ أَنْ يُقْبِلَ عَلَى مَنْ أَقْبَلَ عَلَيْهِ دُونَ مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّ هَذَا يَنْتَفِعُ بِالذِّكْرَى دُونَ ذَاكَ. فَيَكُونُ مَأْمُورًا أَنْ يُذَكِّرَ الْمُنْتَفِعِينَ بِالذِّكْرَى تَذْكِيرًا يَخُصُّهُمْ بِهِ غَيْرَ التَّبْلِيغِ الْعَامِّ الَّذِي تَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ كَمَا قَالَ: {فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ} {وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ} . وَقَالَ: {وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا} وَفِي الصَّحِيحَيْنِ {عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا قَرَأَ الْقُرْآنَ سَمِعَهُ الْمُشْرِكُونَ فَسَبُّوا الْقُرْآنَ وَمَنْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ وَمَنْ جَاءَ بِهِ فَقَالَ اللَّهُ لَهُ: وَلَا تَجْهَرْ بِهِ فَيَسْمَعَهُ الْمُشْرِكُونَ وَلَا تُخَافِتْ
(16/164)

بِهِ عَنْ أَصْحَابِك} . فَنَهَى عَنْ أَنْ يُسْمِعَهُمْ إسْمَاعًا يَكُونُ ضَرَرُهُ أَعْظَمَ مِنْ نَفْعِهِ. وَهَكَذَا كُلُّ مَا يَأْمُرُ اللَّهُ بِهِ لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ مَصْلَحَتُهُ رَاجِحَةً عَلَى مَفْسَدَتِهِ وَالْمَصْلَحَةُ هِيَ الْمَنْفَعَةُ وَالْمَفْسَدَةُ هِيَ الْمَضَرَّةُ. فَهُوَ إنَّمَا يُؤْمَرُ بِالتَّذْكِيرِ إذَا كَانَتْ الْمَصْلَحَةُ رَاجِحَةً وَهُوَ أَنْ تَحْصُلَ بِهِ مَنْفَعَةٌ رَاجِحَةٌ عَلَى الْمَضَرَّةِ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي. فَحَيْثُ كَانَ الضَّرَرُ رَاجِحًا فَهُوَ مَنْهِيٌّ عَمَّا يَجْلِبُ ضَرَرًا رَاجِحًا. وَالنَّفْعُ أَعَمُّ فِي قَبُولِ جَمِيعِهِمْ فَقَبُولُ بَعْضِهِمْ نَفْعٌ وَقِيَامُ الْحُجَّةِ عَلَى مَنْ لَمْ يَقْبَلْ نَفْعٌ وَظُهُورُ كَلَامِهِ حَتَّى يُبَلِّغَ الْبَعِيدَ نَفْعٌ وَبَقَاؤُهُ عِنْدَ مَنْ سَمِعَهُ حَتَّى بَلَّغَهُ إلَى مَنْ لَمْ يَسْمَعْهُ نَفْعٌ. فَهُوَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا ذَكَّرَ قَطُّ إلَّا ذِكْرَى نَافِعَةً لَمْ يُذَكِّرْ ذِكْرَى قَطُّ يَكُونُ ضَرَرُهَا رَاجِحًا. وَهَذَا مَذْهَبُ جُمْهُورِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ أَنَّ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ مَصْلَحَتُهُ رَاجِحَةً وَمَنْفَعَتُهُ رَاجِحَةً. وَأَمَّا مَا كَانَتْ مُضَرَّتُهُ رَاجِحَةً فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِهِ. وَأَمَّا جَهْمٌ وَمَنْ وَافَقَهُ مِنْ الْجَبْرِيَّةِ فَيَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ قَدْ يَأْمُرُ بِمَا لَيْسَ فِيهِ مَنْفَعَةٌ وَلَا مَصْلَحَةٌ أَلْبَتَّةَ بَلْ يَكُونُ ضَرَرًا مَحْضًا إذَا فَعَلَهُ
(16/165)

الْمَأْمُورُ بِهِ وَقَدْ وَافَقَهُمْ عَلَى ذَلِكَ طَائِفَةٌ مِنْ مُتَأَخِّرِي أَتْبَاعِ الْأَئِمَّةِ مِمَّنْ سَلَكَ مَسْلَكَ الْمُتَكَلِّمِينَ - أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ وَغَيْرِهِ فِي مَسَائِلِ الْقَدَرِ فَنَصَرَ مَذْهَبَ جَهْمٍ وَالْجَبْرِيَّةِ. الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ قَوْلَهُ: {الذِّكْرَى} يَتَنَاوَلُ التَّذَكُّرَ وَالتَّذْكِيرَ. فَإِنَّهُ قَالَ: {فَذَكِّرْ إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى} . فَلَا بُدَّ أَنْ يَتَنَاوَلَ ذَلِكَ تَذْكِيرَهُ.
ثُمَّ قَالَ: {سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى} {وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى} . وَاَلَّذِي يَتَجَنَّبُهُ الْأَشْقَى هُوَ الَّذِي فَعَلَهُ مَنْ يَخْشَى وَهُوَ التَّذَكُّرُ. فَضَمِيرُ الذِّكْرَى هُنَا يَتَنَاوَلُ التَّذَكُّرَ وَإِلَّا فَمُجَرَّدُ التَّذْكِيرِ الَّذِي قَامَتْ بِهِ الْحُجَّةُ لَمْ يَتَجَنَّبْهُ أَحَدٌ. لَكِنْ قَدْ يُرَادُ بِتَجَنُّبِهَا أَنَّهُ لَمْ يَسْتَمِعْ إلَيْهَا وَلَمْ يُصْغِ كَمَا قَالَ: {لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ} . وَالْحُجَّةُ قَامَتْ بِوُجُودِ الرَّسُولِ الْمُبَلِّغِ وَتَمَكُّنِهِمْ مِنْ الِاسْتِمَاعِ وَالتَّدَبُّرِ لَا بِنَفْسِ الِاسْتِمَاعِ. فَفِي الْكُفَّارِ مَنْ تَجَنَّبَ سَمَاعَ الْقُرْآنِ وَاخْتَارَ غَيْرَهُ كَمَا يَتَجَنَّبُ كَثِيرٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ سَمَاعَ أَقْوَالِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَغَيْرِهِمْ وَإِنَّمَا يَنْتَفِعُونَ إذَا ذُكِّرُوا فَتَذَّكَّرُوا كَمَا قَالَ: {سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى} . فَلَمَّا قَالَ: {فَذَكِّرْ إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى} فَقَدْ يُرَادُ بِالذِّكْرَى نَفْسُ
(16/166)

تَذْكِيرِهِ تَذَكَّرَ أَوْ لَمْ يَتَذَكَّرْ. وَتَذْكِيرُهُ نَافِعٌ لَا مَحَالَةَ كَمَا تَقَدَّمَ وَهَذَا يُنَاسِبُ الْوَجْهَ الْأَوَّلَ. وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ هَذَا يُرَادُ بِهِ تَوْبِيخَ مِنْ لَمْ يَتَذَكَّرْ مِنْ قُرَيْشٍ قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: {فَذَكِّرْ إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى} فَقَالَ الْفَرَّاءُ وَالنَّحَّاسُ وَالزَّهْرَاوِيُّ: مَعْنَاهُ " وَإِنْ لَمْ تَنْفَعْ " فَاقْتَصَرَ عَلَى الِاسْمِ الْوَاحِدِ لِدَلَالَتِهِ عَلَى الثَّانِي. قَالَ وَقَالَ بَعْضُ الْحُذَّاقِ: قَوْلُهُ: {إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى} اعْتِرَاضٌ بَيْنَ الْكَلَامَيْنِ عَلَى جِهَةِ التَّوْبِيخِ لِقُرَيْشِ. أَيْ إنْ نَفَعَتْ الذِّكْرَى فِي هَؤُلَاءِ الطُّغَاةِ الْعُتَاةِ. وَهَذَا كَنَحْوِ قَوْلِ الشَّاعِرِ:
لَقَدْ أَسْمَعْت لَوْ نَادَيْت حَيًّا ... وَلَكِنْ لَا حَيَاةَ لِمَنْ تُنَادِي
وَهَذَا كُلُّهُ كَمَا تَقُولُ لِرَجُلِ: " قُلْ لِفُلَانِ وَاعْذُلْهُ إنْ سَمِعَك " إنَّمَا هُوَ تَوْبِيخٌ لِلْمُشَارِ إلَيْهِ.
قُلْت: هَذَا الْقَائِلُ هُوَ الزمخشري وَهَذَا الْقَوْلُ فِيهِ بَعْضُ الْحَقِّ. لَكِنَّهُ أَضْعَفُ مِنْ ذَاكَ الْقَوْلِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. فَإِنَّ مَضْمُونَ هَذَا الْقَوْلِ أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِتَذْكِيرِ مَنْ لَا يَقْبَلُ وَلَا يَنْفَعُ بِالذِّكْرَى دُونَ مَنْ يَقْبَلُ كَمَا قَالَ: " إنْ نَفَعَتْ الذِّكْرَى فِي هَؤُلَاءِ الطُّغَاةِ الْعُتَاةِ " وَكَمَا أَنْشَدَهُ فِي الْبَيْتِ.
(16/167)

ثُمَّ الْبَيْتُ الَّذِي أَنْشَدَهُ خَبَرٌ عَنْ شَخْصٍ خَاطَبَ آخَرَ. فَيَقُولُ: لَقَدْ أَسْمَعْت لَوْ كَانَ مَنْ تُنَادِيهِ حَيًّا. وَهَذَا كَقَوْلِهِ: {إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} وَقَوْلِهِ: {إنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ} وَقَوْلِهِ: {قُلْ إنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إذَا مَا يُنْذَرُونَ} . فَهَذَا يُنَاسِبُ مَعْنَى الْبَيْتِ وَهُوَ خَبَرٌ خَاصٌّ. وَأَمَّا الْأَمْرُ بِالْإِنْذَارِ فَهُوَ مُطْلَقٌ عَامٌّ. وَإِنْ كَانَ مَخْصُوصًا فَالْمُؤْمِنُونَ أَحَقُّ بِالتَّخْصِيصِ كَمَا قَالَ: {فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ} وَقَالَ: {وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ} . لَيْسَ الْأَمْرُ مُخْتَصًّا بِمَنْ لَا يَسْمَعُ. كَيْفَ وَقَدْ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: {سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى} {وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى} فَهَذَا الَّذِي يَخْشَى هُوَ مِمَّنْ أَمَرَهُ بِتَذْكِيرِهِ وَهُوَ يَنْتَفِعُ بِالذِّكْرَى. فَكَيْفَ لَا يَكُونُ لِهَذَا الشَّرْطِ فَائِدَةٌ إلَّا ذَمَّ مَنْ لَمْ يَسْمَعْ؟ وَأَمَّا قَوْلُ الْقَائِلِ " قُلْ لِفُلَانِ وَاعْذِلْهُ إنْ سَمِعَك " فَهَذَا وَأَمْثَالُهُ يَقُولُهُ النَّاسُ لِمَنْ يَظُنُّونَ أَنَّهُ لَا يَقْبَلُ وَلَكِنْ يَرْجُونَ قَبُولَهُ. فَهُمْ يَقْصِدُونَ تَوْبِيخَهُ عَلَى تَقْدِيرِ الرَّدِّ لَا عَلَى تَقْدِيرِ الْقَبُولِ. فَيَقُولُونَ: " قُلْ لَهُ إنْ كَانَ يَسْمَعُ مِنْك " و " قُلْ لَهُ إنْ كَانَ يَقْبَلُ " و " انْصَحْهُ إنْ
(16/168)

كَانَ يَقْبَلُ النَّصِيحَةَ " وَهُوَ كُلُّهُ مِنْ هَذَا الْبَابِ. فَهُوَ أَمْرٌ بِالنَّصِيحَةِ التَّامَّةِ الْمَقْبُولَةِ إنْ كَانَ يَقْبَلُهَا وَأَمْرٌ بِأَصْلِ النُّصْحِ وَإِنْ رَدَّهُ وَذَمَّ لَهُ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: {فَذَكِّرْ إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى} أَمَرَ بِتَذْكِيرِ كُلِّ أَحَدٍ فَإِنْ انْتَفَعَ كَانَ تَذَكُّرُهُ تَامًّا نَافِعًا. وَإِلَّا حَصَلَ أَصْلُ التَّذْكِيرِ الَّذِي قَامَتْ بِهِ الْحُجَّةُ وَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى ذَمِّهِ وَاسْتِحْقَاقِهِ التَّوْبِيخَ. مَعَ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ إنَّمَا قَالَ: {إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى} وَلَمْ يَقُلْ " ذَكِّرْ مَنْ تَنْفَعُهُ الذِّكْرَى فَقَطْ ". كَمَا فِي قَوْلِهِ: {فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ} فَهُنَاكَ الْأَمْرُ بِالتَّذْكِيرِ خَاصٌّ. وَقَدْ جَاءَ عَامًّا وَخَاصًّا كَخِطَابِ الْقُرْآنِ بـ {يَا أَيُّهَا النَّاسُ} وَهُوَ عَامٌّ وب {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} خَاصٌّ لِمَنْ آمَنَ بِالْقُرْآنِ. فَهُنَاكَ قَالَ: {فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ} وَهُنَا قَالَ: {سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى} {وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى} . وَلَمْ يَقُلْ " سَيَنْتَفِعُ مَنْ يَخْشَى ". فَإِنَّ النَّفْعَ الْحَاصِلَ بِالتَّذْكِيرِ أَعَمُّ مِنْ تَذَكُّرِ مَنْ يَخْشَى. فَإِنَّهُ إذَا ذَكَّرَ قَامَتْ الْحُجَّةُ عَلَى الْجَمِيعِ. وَالْأَشْقَى الَّذِي تَجَنَّبَهَا حَصَلَ بِتَذْكِيرِهِ قِيَامُ الْحُجَّةِ عَلَيْهِ وَاسْتِحْقَاقُهُ لِعَذَابِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
(16/169)

وَفِي ذَلِكَ لِلَّهِ حِكَمٌ وَمَنَافِعُ هِيَ نِعَمٌ عَلَى عِبَادِهِ. فَكُلُّ مَا يَقْضِيهِ اللَّهُ تَعَالَى هُوَ مِنْ نِعْمَتِهِ عَلَى عِبَادِهِ: وَلِهَذَا يَقُولُ عَقِبَ تَعْدِيدِ مَا يَذْكُرُهُ: {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} وَلَمَّا ذَكَرَ مَا ذَكَرَهُ فِي سُورَةِ النَّجْمِ وَذَكَرَ إهْلَاكَ مُكَذِّبِي الرُّسُلِ قَالَ: {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى} فَإِهْلَاكُهُمْ مِنْ آلَاءِ رَبِّنَا. وَآلَاؤُهُ نِعَمُهُ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى رَحْمَتِهِ وَعَلَى حِكْمَتِهِ وَعَلَى مَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ وَرُبُوبِيَّتِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. وَمِنْ نَفْعِ تَذْكِيرِ الَّذِي يَتَجَنَّبُهَا أَنَّهُ لَمَّا قَامَتْ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ وَاسْتَحَقَّ الْعَذَابَ خَفَّ بِذَلِكَ شَرٌّ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ فَإِنَّ اللَّهَ يُهْلِكُهُمْ بِعَذَابِ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِيهِمْ. وَبِهَلَاكِهِ يَنْتَصِرُ الْإِيمَانُ وَيَنْتَشِرُ وَيَعْتَبِرُ بِهِ غَيْرُهُ وَذَلِكَ نَفْعٌ عَظِيمٌ. وَهُوَ أَيْضًا يَتَعَجَّلُ مَوْتَهُ فَيَكُونُ أَقَلَّ لِكُفْرِهِ. فَإِنَّ اللَّهَ أَرْسَلَ مُحَمَّدًا رَحْمَةً لِلْعَالِمِينَ فَبِهِ تَصِلُ الرَّحْمَةُ إلَى كُلِّ أَحَدٍ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ. وَأَيْضًا فَإِنَّ الَّذِي يَتَجَنَّبُهَا بِتَجَنُّبِهِ اسْتَحَقَّ هَذَا الْوَعِيدَ الْمَذْكُورَ فَصَارَ ذَلِكَ تَحْذِيرًا لِغَيْرِهِ مِنْ أَنْ يَفْعَلَ مِثْلَ فِعْلِهِ. قَالَ تَعَالَى: {فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا} وَقَالَ تَعَالَى عَنْ فِرْعَوْنَ: {فَجَعَلْنَاهُمْ
(16/170)

سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ} وَقَالَ تَعَالَى: {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ}
فَصْلٌ:
وَقَوْلُهُ: {سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى} يَقْتَضِي أَنَّ كُلَّ مَنْ يَخْشَى يَتَذَكَّرُ. وَالْخَشْيَةُ قَدْ تَحْصُلُ عَقِبَ الذِّكْرِ وَقَدْ تَحْصُلُ قَبْلَ الذِّكْرِ وَقَوْلُهُ: {مَنْ يَخْشَى} مُطْلَقٌ. وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَظُنُّ أَنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ قَدْ خَشِيَ أَوَّلًا حَتَّى يَذَّكَّرَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ. بَلْ هَذَا كَقَوْلِهِ: {هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} وَقَوْلُهُ: {إنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا} وَقَوْلُهُ: {فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ} وَقَوْلُهُ: {إنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ} وَهُوَ إنَّمَا خَافَ الْوَعِيدَ بَعْدَ أَنْ سَمِعَهُ لَمْ يَكُنْ وَعِيدٌ قَبْلَ سَمَاعِ الْقُرْآنِ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: {إنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ} وَهُوَ إنَّمَا اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بَعْدَ أَنْ أَنْذَرَهُ الرَّسُولُ. وَقَدْ لَا يَكُونُونَ خَافُوهَا قَبْلَ الْإِنْذَارِ وَلَا كَانُوا مُتَّقِينَ قَبْلَ سَمَاعِ
(16/171)

الْقُرْآنِ بَلْ بِهِ صَارُوا مُتَّقِينَ. وَهَذَا كَمَا يَقُولُ الْقَائِلُ: مَا يَسْمَعُ هَذَا إلَّا سَعِيدٌ وَإِلَّا مُفْلِحٌ وَإِلَّا مَنْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وَمَا يَدْخُلُ فِي الْإِسْلَامِ إلَّا مَنْ هَدَاهُ اللَّهُ وَنَحْوُ ذَلِكَ. وَإِنْ كَانَتْ هَذِهِ الْحَسَنَاتُ وَالنِّعَمُ تَحْصُلُ بَعْدَ الْإِسْلَامِ وَسَمَاعِ الْقُرْآنِ. وَمِثْلُ هَذَا قَوْلُهُ: {هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} وَقَدْ قَالَ فِي نَظِيرِهِ {وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى} وَإِنَّمَا يَشْقَى بِتَجَنُّبِهَا. وَهَذَا كَمَا يُقَالُ: إنَّمَا يُحَذِّرُ مَنْ يَقْبَلُ وَإِنَّمَا يَنْتَفِعُ بِالْعِلْمِ مَنْ عَمِلَ بِهِ. فَمَنْ اسْتَمَعَ الْقُرْآنَ فَآمَنَ بِهِ وَعَمِلَ بِهِ صَارَ مِنْ الْمُتَّقِينَ الَّذِينَ هُوَ هُدًى لَهُمْ. وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِهِ وَلَمْ يَعْمَلْ بِهِ لَمْ يَكُنْ مِنْ الْمُتَّقِينَ؛ وَلَمْ يَكُنْ مِمَّنْ اهْتَدَى بِهِ. بَلْ هُوَ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى} وَلَمْ يُرِدْ أَنَّهُمْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ. فَلَمَّا سَمِعُوهُ صَارَ هُدًى وَشِفَاءٌ؛ بَلْ إذَا سَمِعَهُ الْكَافِرُ فَآمَنَ بِهِ صَارَ فِي حَقِّهِ هُدًى وَشِفَاءٌ وَكَانَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ بِهِ بَعْدَ سَمَاعِهِ.
(16/172)

وَهَذَا كَقَوْلِهِ فِي النَّوْعِ الْمَذْمُومِ: {يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إلَّا الْفَاسِقِينَ} {الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ} وَلَا يَجِبَ أَنْ يَكُونُوا فَاسِقِينَ قَبْلَ ضَلَالِهِمْ؛ بَلْ مَنْ سَمِعَهُ فَكَذَّبَ بِهِ صَارَ فَاسِقًا وَضَلَّ. وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَغَيْرُهُ أَدْخَلُوا فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَهْلَ الْأَهْوَاءِ كَالْخَوَارِجِ. وَكَانَ سَعْدٌ يَقُولُ: هُمْ مِنْ {الْفَاسِقِينَ} {الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ} وَلَمْ يَكُنْ عَلِيٌّ وَسَعْدٌ وَغَيْرُهُمَا مِنْ الصَّحَابَةِ يُكَفِّرُونَهُمْ. وَسَعْدٌ أَدْخَلَهُمْ فِي هَذِهِ الْآيَةِ لِقَوْلِهِ: {وَمَا يُضِلُّ بِهِ إلَّا الْفَاسِقِينَ} وَهْم ضَلُّوا بِهِ بِسَبَبِ تَحْرِيفِهِمْ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَتَأْوِيلِهِ عَلَى غَيْرِ مَا أَرَادَ اللَّهُ. فَتَمَسَّكُوا بِمُتَشَابِهِهِ وَأَعْرَضُوا عَنْ مُحْكَمِهِ وَعَنْ السُّنَّةِ الثَّابِتَةِ الَّتِي تُبَيِّنُ مُرَادَ اللَّهِ بِكِتَابِهِ. فَخَالَفُوا السُّنَّةَ وَإِجْمَاعَ الصَّحَابَةِ مَعَ مَا خَالَفُوهُ مِنْ مُحْكَمِ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى. وَلِهَذَا أَدْخَلَهُمْ كَثِيرٌ مِنْ السَّلَفِ فِي الَّذِينَ {يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ} {الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا} وَبَسْطُ هَذَا لَهُ مَوْضِعٌ آخَرُ. وَالْمَقْصُودُ الْآيَةُ وَقَدْ دَلَّتْ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَنْ يَخْشَى فَلَا بُدَّ أَنْ
(16/173)

يَتَذَكَّرَ. فَقَدْ يَتَذَكَّرُ فَتَحْصُلُ لَهُ بِالتَّذَكُّرِ خَشْيَةٌ وَقَدْ يَخْشَى فَتَدْعُوهُ الْخَشْيَةُ إلَى التَّذَكُّرِ. وَهَذَا الْمَعْنَى ذَكَرَهُ قتادة: فَقَالَ: وَاَللَّهِ مَا خَشِيَ اللَّهَ عَبْدٌ قَطُّ إلَّا ذَكَرَهُ. {وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى} قَالَ قتادة: فَلَا وَاَللَّهِ لَا يَتَنَكَّبُ عَبْدٌ هَذَا الذِّكْرَ زُهْدًا فِيهِ وَبُغْضًا لَهُ وَلِأَهْلِهِ إلَّا شَقِيًّا بَيْنَ الشَّقَاءِ. وَالْخَشْيَةُ فِي الْقُرْآنِ مُطْلَقَةٌ تَتَنَاوَلُ خَشْيَةَ اللَّهِ وَخَشْيَةَ عَذَابِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا} {فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا} {إلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا} {إنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا} وَقَالَ تَعَالَى: {فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ} وَقَالَ تَعَالَى: {اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ} {يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ} وَقَالَ: {قَالُوا إنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ} {فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ}
(16/174)

فَصْلٌ:
الْكَلَامُ عَلَى قَوْلِهِ {مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ} وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ قَالَ: {سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى} وَقَالَ فِي قِصَّةِ فِرْعَوْنَ: {فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} فَعَطَفَ الْخَشْيَةَ عَلَى التَّذَكُّرِ. وَقَالَ: {لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا} وَفِي قِصَّةِ الرَّجُلِ الصَّالِحِ الْمُؤْمِنِ الْأَعْمَى قَالَ: {وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى} {أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى} وَقَالَ فِي {حم} الْمُؤْمِنِ: {ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ} {هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إلَّا مَنْ يُنِيبُ} فَقَالَ {وَمَا يَتَذَكَّرُ إلَّا مَنْ يُنِيبُ}
(16/175)

وَالْإِنَابَةُ جَعَلَهَا مَعَ الْخَشْيَةِ فِي قَوْلِهِ: {هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ} {مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ} {ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ} وَذَلِكَ لِأَنَّ الَّذِي يَخْشَى اللَّهَ لَا بُدَّ أَنْ يَرْجُوَهُ وَيَطْمَعَ فِي رَحْمَتِهِ فَيُنِيبَ إلَيْهِ وَيُحِبَّهُ وَيُحِبَّ عِبَادَتَهُ وَطَاعَتَهُ فَإِنَّ ذَلِكَ هُوَ الَّذِي يُنَجِّيهِ مِمَّا يَخْشَاهُ وَيَحْصُلُ بِهِ مَا يُحِبُّهُ. وَالْخَشْيَةُ لَا تَكُونُ مِمَّنْ قَطَعَ بِأَنَّهُ مُعَذَّبٌ؛ فَإِنَّ هَذَا قَطْعٌ بِالْعَذَابِ يَكُونُ مَعَهُ الْقُنُوطُ وَالْيَأْسُ وَالْإِبْلَاسُ. لَيْسَ هَذَا خَشْيَةً وَخَوْفًا. وَإِنَّمَا يَكُونُ الْخَشْيَةُ وَالْخَوْفُ مَعَ رَجَاءِ السَّلَامَةِ. وَلِهَذَا قَالَ: {تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ} فَصَاحِبُ الْخَشْيَةِ لِلَّهِ يُنِيبُ إلَى اللَّهِ كَمَا قَالَ: {وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ} {هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ} {مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ} {ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ} وَهَذَا يَكُونُ مَعَ تَمَامِ الْخَشْيَةِ وَالْخَوْفِ. فَأَمَّا فِي مُبَادِيهَا فَقَدْ يَحْصُلُ لِلْإِنْسَانِ خَوْفٌ مِنْ الْعَذَابِ وَالذَّنْبِ
(16/176)

الَّذِي يَقْتَضِيهِ فَيَشْتَغِلُ بِطَلَبِ النَّجَاةِ وَالسَّلَامِ وَيُعْرِضُ عَنْ طَلَبِ الرَّحْمَةِ وَالْجَنَّةِ. وَقَدْ يَفْعَلُ مَعَ سَيِّئَاتِهِ حَسَنَاتٍ تُوَازِيهَا وَتُقَابِلُهَا فَيَنْجُو بِذَلِكَ مِنْ النَّارِ وَلَا يَسْتَحِقُّ الْجَنَّةَ بَلْ يَكُونُ مِنْ أَصْحَابِ الْأَعْرَافِ. وَإِنْ كَانَ مَآلُهُمْ إلَى الْجَنَّةِ فَلَيْسُوا مِمَّنْ أُزْلِفَتْ لَهُمْ الْجَنَّةُ أَيْ قُرِّبَتْ لَهُمْ إذْ كَانُوا لَمْ يَأْتُوا بِخَشْيَةِ اللَّهِ وَالْإِنَابَةِ إلَيْهِ. وَاسْتَجْمَلَ بَعْدَ ذَلِكَ.
فَصْلٌ:
وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي قِصَّةِ فِرْعَوْنَ: {لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} وَقَوْلُهُ: {وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى} {أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى} فَلَا يُنَاقِضُ هَذِهِ الْآيَةَ. لِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ فِي هَذِهِ الْآيَةِ " سَيَخْشَى مَنْ يَذَّكَّرُ " بَلْ ذَكَرَ أَنَّ كُلَّ مَنْ خَشِيَ فَإِنَّهُ يَتَذَكَّرُ إمَّا أَنْ يَتَذَكَّرَ فَيَخْشَى وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ يَتَذَكَّرُ فَلَا يَخْشَى؛ وَإِمَّا أَنْ تَدْعُوَهُ الْخَشْيَةُ إلَى التَّذَكُّرِ. فَالْخَشْيَةُ مُسْتَلْزِمَةٌ لِلتَّذَكُّرِ. فَكُلُّ خَاشٍ مُتَذَكِّرٌ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: {إنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} فَلَا يَخْشَاهُ إلَّا
(16/177)

عَالِمٌ فَكُلُّ خَاشٍ لِلَّهِ فَهُوَ عَالِمٌ. هَذَا مَنْطُوقُ الْآيَةِ. وَقَالَ السَّلَفُ وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ إنَّهَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ كُلَّ عَالِمٍ فَإِنَّهُ يَخْشَى اللَّهَ كَمَا دَلَّ غَيْرُهَا عَلَى أَنَّ كُلَّ مَنْ عَصَى اللَّهَ فَهُوَ جَاهِلٌ. كَمَا قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: سَأَلْت أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ عَنْ قَوْلِهِ: {إنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ} فَقَالُوا لِي: " كُلُّ مَنْ عَصَى اللَّهَ فَهُوَ جَاهِلٌ ". وَكَذَلِكَ قَالَ مُجَاهِدٌ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَغَيْرُهُمْ مِنْ الْعُلَمَاءِ التَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ. وَذَلِكَ أَنَّ الْحَصْرَ فِي مَعْنَى الِاسْتِثْنَاءِ وَالِاسْتِثْنَاءُ مِنْ النَّفْيِ إثْبَاتٌ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ. فَنَفَى الْخَشْيَةَ عَمَّنْ لَيْسَ مِنْ الْعُلَمَاءِ؛ وَهُمْ الْعُلَمَاءُ بِهِ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ يَخَافُونَهُ. قَالَ تَعَالَى: {أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} وَأَثْبَتَهَا لِلْعُلَمَاءِ. فَكُلُّ عَالِمٍ يَخْشَاهُ. فَمَنْ لَمْ يَخْشَ اللَّهَ فَلَيْسَ مِنْ الْعُلَمَاءِ بَلْ مِنْ الْجُهَّالِ كَمَا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: " كَفَى بِخَشْيَةِ اللَّهِ عِلْمًا وَكَفَى
(16/178)

بِالِاغْتِرَارِ بِاَللَّهِ جَهْلًا ". وَقَالَ رَجُلٌ لِلشَّعْبِيِّ " أَيُّهَا الْعَالِمُ " فَقَالَ: " إنَّمَا الْعَالِمُ مَنْ يَخْشَى اللَّهَ " فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: {سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى} يَقْتَضِي أَنَّ كُلَّ مَنْ يَخْشَاهُ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ تَذَكَّرَ. وَقَدْ ذَكَرَ أَنَّ الْأَشْقَى يَتَجَنَّبُ الذِّكْرَى فَصَارَ الَّذِي يَخْشَى ضِدَّ الْأَشْقَى. فَلِذَلِكَ يُقَالُ " كُلُّ مَنْ تَذَكَّرَ خَشِيَ ". وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ التَّذَكُّرَ سَبَبُ الْخَشْيَةِ فَإِنْ كَانَ تَامًّا أَوْجَبَ الْخَشْيَةَ؛ كَمَا أَنَّ الْعِلْمَ سَبَبُ الْخَشْيَةِ فَإِنْ كَانَ تَامًّا أَوْجَبَ الْخَشْيَةَ.
وَعَلَى هَذَا فَقَوْلُهُ فِي قِصَّةِ فِرْعَوْنَ {لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} جَعَلَ ذَلِكَ نَوْعَيْنِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْفَوَائِدِ. أَحَدُهَا: أَنَّهُ إذَا تَذَكَّرَ أَنَّهُ مَخْلُوقٌ وَأَنَّ اللَّهَ خَالِقُهُ وَلَيْسَ هُوَ إلَهًا وَرَبًّا كَمَا ذُكِّرَ وَذَكَرَ إحْسَانَ اللَّهِ إلَيْهِ. فَهَذَا التَّذَكُّرُ يَدْعُوهُ إلَى اعْتِرَافِهِ بِرُبُوبِيَّةِ اللَّهِ وَتَوْحِيدِهِ وَإِنْعَامِهِ عَلَيْهِ. فَيَقْتَضِي الْإِيمَانَ وَالشُّكْرَ وَإِنْ قَدَّرَ أَنَّ اللَّهَ لَا يُعَذِّبُهُ. فَإِنَّ مُجَرَّدَ كَوْنِ الشَّيْءِ حَقًّا وَنَافِعًا يَقْتَضِي طَلَبَهُ وَإِنْ لَمْ يَخَفْ ضَرَرًا
(16/179)

بِعَدَمِهِ. كَمَا يُسَارِعُ الْمُؤْمِنُونَ إلَى فِعْلِ التَّطَوُّعَاتِ وَالنَّوَافِلِ لِمَا فِيهَا مِنْ النَّفْعِ وَإِنْ كَانَ لَا عُقُوبَةَ فِي تَرْكِهَا. كَمَا يُحِبُّ الْإِنْسَانُ عُلُومًا نَافِعَةً وَإِنْ لَمْ يَتَضَرَّرْ بِتَرْكِهَا. وَكَمَا قَدْ يُحِبُّ مَحَاسِنَ الْأَخْلَاقِ وَمَعَالِيَ الْأُمُورِ لِمَا فِيهَا مِنْ الْمَنْفَعَةِ وَاللَّذَّةِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَإِنْ لَمْ يَخَفْ ضَرَرًا بِتَرْكِهَا. فَهُوَ إذَا تَذَكَّرَ آلَاء اللَّهِ وَتَذَكَّرَ إحْسَانَهُ إلَيْهِ فَهَذَا قَدْ يُوجِبُ اعْتِرَافَهُ بِحَقِّ اللَّهِ وَتَوْحِيدِهِ وَإِحْسَانِهِ إلَيْهِ وَيَقْتَضِي شُكْرَهُ لِلَّهِ وَتَسْلِيمَ قَوْمِ مُوسَى إلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَخَفْ عَذَابًا. فَهَذَا قَدْ حَصَلَ بِمُجَرَّدِ التَّذَكُّرِ. قَالَ {أَوْ يَخْشَى} . وَنَفْسُ الْخَشْيَةِ إذَا ذَكَرَ لَهُ مُوسَى مَا تَوَعَّدَهُ اللَّهُ بِهِ مِنْ عَذَابِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَإِنَّ هَذَا الْخَوْفَ قَدْ يَحْمِلُهُ عَلَى الطَّاعَةِ وَالِانْقِيَادِ وَلَوْ لَمْ يَتَذَكَّرْ. وَقَدْ يَحْصُلُ تَذَكُّرٌ بِلَا خَشْيَةٍ وَقَدْ يَحْصُلُ خَشْيَةٌ بِلَا تَذَكُّرٍ وَقَدْ يَحْصُلَانِ جَمِيعًا وَهُوَ الْأَغْلَبُ. قَالَ تَعَالَى: {لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} . وَأَيْضًا فَذِكْرُ الْإِنْسَانِ يَحْصُلُ بِمَا عَرَفَهُ مِنْ الْعُلُومِ قَبْلَ هَذَا فَيَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ عَقْلِهِ وَخَشْيَتُهُ تَكُونُ بِمَا سَمِعَهُ مِنْ الْوَعِيدِ. فَبِالْأَوَّلِ يَكُونُ مِمَّنْ لَهُ قَلْبٌ يَعْقِلُ بِهِ وَالثَّانِي يَكُونُ مِمَّنْ لَهُ أُذُنٌ يَسْمَعُ بِهَا.
(16/180)

وَقَدْ تَحْصُلُ الذِّكْرَى الْمُوجِبَةُ لِلْخَيْرِ بِهَذَا وَبِهَذَا كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ} {إنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} . الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةَ: أَنَّ التَّذَكُّرَ سَبَبُ الْخَشْيَةِ وَالْخَشْيَةُ حَاصِلَةٌ عَنْ التَّذَكُّرِ. فَذَكَرَ التَّذَكُّرَ الَّذِي هُوَ السَّبَبُ وَذَكَرَ الْخَشْيَةَ الَّتِي هِيَ النَّتِيجَةُ وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا مُسْتَلْزِمًا لِلْآخَرِ كَمَا قَالَ {إنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} وَكَمَا قَالَ أَهْلُ النَّارِ: {لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ} وَقَالَ: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} فَكُلٌّ مِنْ النَّوْعَيْنِ يَحْصُلُ بِهِ النَّجَاةُ لِأَنَّهُ مُسْتَلْزِمٌ لِلْآخَرِ. فَاَلَّذِي يَسْمَعُ مَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ سَمْعًا يَعْقِلُ بِهِ مَا قَالُوهُ يَنْجُو. وَإِلَّا فَالسَّمْعُ بِلَا عَقْلٍ لَا يَنْفَعُهُ كَمَا قَالَ: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إلَيْكَ حَتَّى إذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ} وَقَالَ: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ} وَقَالَ: {إنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} .
(16/181)

وَكَذَلِكَ الْعَقْلُ بِلَا سَمْعٍ لِمَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ لَا يَنْفَعُ. وَقَدْ اعْتَرَفَ أَهْلُ النَّارِ بِمَجِيءِ الرُّسُلِ فَقَالُوا: {بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ} . وَكَذَلِكَ الْمُعْتَبِرِينَ بِآثَارِ الْمُعَذَّبِينَ الَّذِينَ قَالَ فِيهِمْ: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا} . إنَّمَا يَنْتَفِعُونَ إذَا سَمِعُوا أَخْبَارَ الْمُعَذَّبِينَ الْمُكَذِّبِينَ لِلرُّسُلِ وَالنَّاجِينَ الَّذِينَ صَدَّقُوهُمْ فَسَمِعُوا قَوْلَ الرُّسُلِ وَصَدَّقُوهُمْ. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أَنَّ الْخَشْيَةَ أَيْضًا سَبَبٌ لِلتَّذَكُّرِ كَمَا تَقَدَّمَ. فَكُلٌّ مِنْهُمَا قَدْ يَكُونُ سَبَبًا لِلْآخَرِ. فَقَدْ يَخَافُ الْإِنْسَانُ فَيَتَذَكَّرُ وَقَدْ يَتَذَكَّرُ الْأُمُورَ الْمَخُوفَةَ فَيَطْلُبُ النَّجَاةَ مِنْهَا وَيَتَذَكَّرُ مَا يَرْجُو بِهِ النَّجَاةَ مِنْهَا فَيَفْعَلُهُ. فَإِنْ قِيلَ: مُجَرَّدُ ظَنِّ الْخَوْفِ قَدْ يُوجِبُ الْخَوْفَ فَكَيْفَ قَالَ: {إنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} ؟ . قِيلَ: النَّفْسُ لَهَا هَوًى غَالِبٌ قَاهِرٌ لَا يَصْرِفُهُ مُجَرَّدُ الظَّنِّ وَإِنَّمَا يَصْرِفُهُ الْعِلْمُ بِأَنَّ الْعَذَابَ وَاقِعٌ لَا مَحَالَةَ. وَأَمَّا مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنَّ الْعَذَابَ يَقَعُ وَلَا يُوقِنُ بِذَلِكَ فَلَا يَتْرُكُ هَوَاهُ. وَلِهَذَا قَالَ: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى} .
(16/182)

وَقَالَ تَعَالَى فِي ذَمِّ الْكُفَّارِ: {وَإِذَا قِيلَ إنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إنْ نَظُنُّ إلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ} وَوَصَفَ الْمُتَّقِينَ بِأَنَّهُمْ بِالْآخِرَةِ يُوقِنُونَ. وَلِهَذَا أَقْسَمَ الرَّبُّ عَلَى وُقُوعِ الْعَذَابِ وَالسَّاعَةِ. وَأَمَرَ نَبِيَّهُ أَنْ يُقْسِمَ عَلَى وُقُوعِ السَّاعَةِ وَعَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ حَقٌّ فَقَالَ: {زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ} وَقَالَ: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ} وَقَالَ: {وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إي وَرَبِّي إنَّهُ لَحَقٌّ} .
فَصْلٌ:
وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى {وَمَا يَتَذَكَّرُ إلَّا مَنْ يُنِيبُ} فَهُوَ حَقٌّ كَمَا قَالَ. فَإِنَّ الْمُتَذَكِّرَ إمَّا أَنْ يَتَذَكَّرَ مَا يَدْعُوا إلَى الرَّحْمَةِ وَالنِّعْمَةِ وَالثَّوَابِ كَمَا يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا يَدْعُوهُ إلَى السُّؤَالِ فَيُنِيبُ وَإِمَّا أَنْ يَتَذَكَّرَ مَا يَقْتَضِي الْخَوْفَ وَالْخَشْيَةَ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ الْإِنَابَةِ حِينَئِذٍ لِيَنْجُوَ مِمَّا يَخَافُ. وَلِهَذَا قِيلَ فِي فِرْعَوْنَ {لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ} فَيُنِيبُ {أَوْ يَخْشَى}
(16/183)

وَكَذَلِكَ قَالَ لَهُ مُوسَى {هَلْ لَكَ إلَى أَنْ تَزَكَّى} {وَأَهْدِيَكَ إلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى} فَجَمَعَ مُوسَى: بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ لِتَلَازُمِهِمَا. وَقَالَ فِي حَقِّ الْأَعْمَى: {وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى} {أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى} . فَذَكَرَ الِانْتِفَاعَ بِالذِّكْرَى كَمَا قَالَ {وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ} . وَالنَّفْعُ نَوْعَانِ: حُصُولُ النِّعْمَةِ وَانْدِفَاعُ النِّقْمَةِ. وَنَفْسُ انْدِفَاعِ النِّقْمَةِ نَفْعٌ وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ مَعَهُ نَفْعٌ آخَرُ وَنَفْسُ الْمَنَافِعِ الَّتِي يُخَافُ مَعَهَا عَذَابٌ نَفْعٌ وَكِلَاهُمَا نَفْعٌ. فَالنَّفْعُ تَدْخُلُ فِيهِ الثَّلَاثَةُ وَالثَّلَاثَةُ تَحْصُلُ بِالذِّكْرَى كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ} وَقَالَ: {وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى} {أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى} . وَأَمَّا ذِكْرُ التَّزَكِّي مَعَ التَّذَكُّرِ فَهُوَ كَمَا ذَكَرَ فِي قِصَّةِ فِرْعَوْنَ الْخَشْيَةَ مَعَ التَّذَكُّرِ. وَذَلِكَ أَنَّ التَّزَكِّيَ هُوَ الْإِيمَانُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ الَّذِي تَصِيرُ بِهِ نَفْسُ الْإِنْسَانِ زَكِيَّةً كَمَا قَالَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى} {وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى} وَقَالَ {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا} {وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا}
(16/184)

وَقَالَ: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ} وَقَالَ {وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ} {الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ} وَقَالَ مُوسَى لِفِرْعَوْنَ: {هَلْ لَكَ إلَى أَنْ تَزَكَّى} {وَأَهْدِيَكَ إلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى} . وَعَطَفَ عَلَيْهِ {أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى} لِوُجُوهِ: أَحَدُهَا: أَنْ التَّزَكِّيَ يَحْصُلُ بِامْتِثَالِ أَمْرِ الرَّسُولِ وَإِنْ كَانَ صَاحِبُهُ لَا يَتَذَكَّرُ عُلُومًا عَنْهُ كَمَا قَالَ: {يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ} ثُمَّ قَالَ: {وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} . فَالتِّلَاوَةُ عَلَيْهِمْ وَالتَّزْكِيَةُ عَامٌّ لِجَمِيعِ الْمُؤْمِنِينَ وَتَعْلِيمُ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ خَاصٌّ بِبَعْضِهِمْ. وَكَذَلِكَ التَّزَكِّي عَامٌّ لِكُلِّ مَنْ آمَنَ بِالرَّسُولِ وَأَمَّا التَّذَكُّرُ فَهُوَ مُخْتَصٌّ لِمَنْ لَهُ عُلُومٌ يَذَّكَّرُهَا فَعَرَفَ بِتَذَكُّرِهِ مَا لَمْ يَعْلَمْهُ غَيْرُهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ. الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ قَوْلَهُ {أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى} يَدْخُلُ فِيهِ النَّفْعُ قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ وَالتَّزَكِّي أَخَصُّ مِنْ ذَلِكَ. الثَّالِثُ: أَنَّ التَّذَكُّرَ سَبَبُ التَّزَكِّي. فَإِنَّهُ إذَا تَذَكَّرَ خَافَ وَرَجَا فَتَزَكَّى. فَذَكَرَ الْحُكْمَ وَذَكَرَ سَبَبَهُ. ذَكَرَ الْعَمَلَ وَذَكَرَ الْعِلْمَ وَكُلٌّ مِنْهُمَا مُسْتَلْزِمٌ لِلْآخَرِ.
(16/185)

فَإِنَّهُ لَا يَتَزَكَّى حَتَّى يَتَذَكَّرَ مَا يَسْمَعُهُ مِنْ الرَّسُولِ كَمَا قَالَ: {سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى} . فَلَا بُدَّ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ مِنْ خَشْيَةٍ وَتَذَكُّرٍ. وَهُوَ إذَا تَذَكَّرَ فَإِنَّهُ يَنْتَفِعُ وَقَدْ تَتِمُّ الْمَنْفَعَةُ فَيَتَزَكَّى. وَقَوْلُهُ: {لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا} فِيهِ أَيْضًا نَحْوَ هَذِهِ الْوُجُوهِ. فَإِنَّ الشَّاكِرَ قَدْ يَشْكُرُ اللَّهَ عَلَى نِعَمِهِ وَإِنْ لَمْ يَخَفْ وَالتَّذَكُّرُ قَدْ يَقْتَضِي الْخَشْيَةَ. وَأَيْضًا فَإِنَّ التَّذَكُّرَ يَقْتَضِي الْخَوْفَ مِنْ الْعِقَابِ وَطَلَبَ الثَّوَابِ فَيَعْمَلُ لِلْمُسْتَقْبَلِ وَالشُّكْرِ عَلَى النِّعَمِ الْمَاضِيَةِ. وَأَيْضًا فَالتَّذَكُّرُ تَذَكُّرُ عُلُومٍ سَابِقَةٍ وَمِنْهَا تَذَكُّرُ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِ فَهُوَ سَبَبٌ لِلشُّكْرِ. تَذَكُّرُ السَّبَبِ وَالْمُسَبِّبِ. وَأَيْضًا فَإِنَّ الشُّكْرَ يَقْتَضِي الْمَزِيدَ مِنْ النِّعَمِ وَالتَّذَكُّرَ قَدْ يَكُونُ لِهَذَا وَقَدْ يَكُونُ خَوْفًا مِنْ الْعَذَابِ. وَقَدْ يَكُونُ الْأَمْرُ بِالْعَكْسِ فَالشَّاكِرُ قَدْ يَشْكُرُ الشُّكْرَ الْوَاجِبَ لِئَلَّا يَكُونَ كَفُورًا فَيُعَاقَبُ عَلَى تَرْكِ الشُّكْرِ بِسَلْبِ النِّعْمَةِ وَعُقُوبَاتٍ أُخَرٍ
(16/186)

وَالْمُتَذَكِّرُ قَدْ يَتَذَكَّرُ مَا أَعَدَّهُ اللَّهُ لِمَنْ أَطَاعَهُ فَيُطِيعُهُ طَلَبًا لِرَحْمَتِهِ. وَأَيْضًا فَالتَّذَكُّرُ قَدْ يَكُونُ لِفِعْلِ الْوَاجِبَاتِ الَّتِي يَدْفَعُ بِهَا الْعُقَابَ وَالشَّكُورُ يَكُونُ لِلْمَزِيدِ مِنْ فَضْلِهِ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ {أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ حَتَّى تَوَرَّمَتْ قَدَمَاهُ. فَقِيلَ لَهُ: أَتَفْعَلُ هَذَا وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَك مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِك وَمَا تَأَخَّرَ؟ فَقَالَ: أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا؟} . {وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَتَمَنَّيَن أَحَدُكُمْ الْمَوْتَ: إمَّا مُحْسِنٌ فَيَزْدَادُ إحْسَانًا وَإِمَّا مُسِيءٌ فَلَعَلَّهُ أَنْ يُسْتَعْتَبَ} . فَالْمُؤْمِنُ دَائِمًا فِي نِعْمَةٍ مِنْ رَبِّهِ تَقْتَضِي شُكْرًا وَفِي ذَنْبٍ يَحْتَاجُ إلَى اسْتِغْفَارٍ. وَهُوَ فِي سَيِّدِ الِاسْتِغْفَارِ يَقُولُ {أَبُوءُ لَك بِنِعْمَتِك عَلَيَّ وَأَبُوءُ بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا أَنْتَ} . وَقَدْ عَلِمَ تَحْقِيقَ قَوْلِهِ: {مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ} فَمَا أَصَابَهُ مِنْ الْحَسَنَاتِ هِيَ نِعَمُ اللَّهِ فَتَقْتَضِي شُكْرًا وَمَا أَصَابَهُ مِنْ الْمَصَائِبِ فَبِذُنُوبِهِ تَقْتَضِي تَذَكُّرًا لِذُنُوبِهِ يُوجِبُ تَوْبَةً وَاسْتِغْفَارًا. وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ {اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ} فَيَتُوبَ
(16/187)

وَيَسْتَغْفِرَ مِنْ ذُنُوبِهِ {أَوْ أَرَادَ شُكُورًا} لِرَبِّهِ عَلَى نِعَمِهِ. وَكُلُّ مَا يَفْعَلُهُ اللَّهُ بِالْعَبْدِ مِنْ نِعْمَةٍ وَكُلُّ مَا يُخْلِفُهُ اللَّه فَهُوَ نِعْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ. فَكُلَّمَا نَظَرَ إلَى مَا فَعَلَهُ رَبُّهُ شَكَرَ وَإِذَا نَظَرَ إلَى نَفْسِهِ اسْتَغْفَرَ. وَالتَّذَكُّرُ قَدْ يَكُونُ تَذَكُّرَ ذُنُوبِهِ وَعِقَابِ رَبِّهِ. وَقَدْ يَدْخُلُ فِيهِ تَذَكُّرُ آلَائِهِ وَنِعَمِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ يَدْعُو إلَى الشُّكْرِ. قَالَ تَعَالَى {اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ} فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ فَقَدْ أَمَرَ بِذِكْرِ نِعَمِهِ. فَالْمُتَذَكِّرُ يَتَذَكَّرُ نِعَمَ رَبِّهِ وَيَتَذَكَّرُ ذُنُوبَهُ. وَأَيْضًا فَهُوَ ذَكَرَ الشَّكُورِ لِأَنَّهُ مَقْصُودٌ لِنَفْسِهِ فَإِنَّ الشُّكْرَ ثَابِتٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. وَذَكَرَ التَّذَكُّرَ لِأَنَّهُ أَصْلٌ لِلِاسْتِغْفَارِ وَالشُّكْرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. فَذَكَرَ الْمَبْدَأَ وَذَكَرَ النِّهَايَةَ. وَهَذَا الْمَعْنَى يَجْمَعُ مَا قِيلَ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ:
وَالتَّذَكُّرُ اسْمٌ جَامِعٌ لِكُلِّ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِتَذَكُّرِهِ كَمَا قَالَ: {أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ} أَيْ قَامَتْ الْحُجَّةُ عَلَيْكُمْ بِالنَّذِيرِ الَّذِي جَاءَكُمْ وَبِتَعْمِيرِكُمْ عُمْرًا يَتَّسِعُ لِلتَّذَكُّرِ.
(16/188)

وَقَدْ أَمَرَ سُبْحَانَهُ بِذِكْرِ نِعَمِهِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ كَقَوْلِهِ: {وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ} . وَالْمَطْلُوبُ بِذِكْرِهَا شُكْرَهَا كَمَا قَالَ: {وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} {وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ} {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ} . وَقَوْلُهُ: {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ} يَتَنَاوَلُ كُلَّ مَنْ خُوطِبَ بِالْقُرْآنِ. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} . فَالرَّسُولُ مِنْ أَنْفَسِ مَنْ خُوطِبَ بِهَذَا الْكَلَامِ إذْ هِيَ كَافُ الْخِطَابِ. وَلَمَّا خُوطِبَ بِهِ أَوَّلًا قُرَيْشٌ ثُمَّ الْعَرَبُ ثُمَّ سَائِرُ الْأُمَمِ صَارَ يَخُصُّ وَيَعُمُّ بِحَسَبِ ذَلِكَ. وَفِيهِ مَا يَخُصُّ قُرَيْشًا كَقَوْلِهِ: {لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ} {إيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ
(16/189)

وَالصَّيْفِ} . وَقَوْلِهِ: {وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ} . وَفِيهِ مَا يَعُمُّ الْعَرَبَ وَيَخُصُّهُمْ كَقَوْلِهِ: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ} وَالْأُمِّيُّونَ يَتَنَاوَلُ الْعَرَبَ قَاطِبَةً دُونَ أَهْلِ الْكِتَابِ. ثُمَّ قَالَ: {وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ} . فَهَذَا يَتَنَاوَلُ كُلَّ مَنْ دَخَلَ فِي الْإِسْلَامِ بَعْدَ دُخُولِ الْعَرَبِ فِيهِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كَمَا قَالَ ذَلِكَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ وَغَيْرُهُمَا. فَإِنَّ قَوْلَهُ {وَآخَرِينَ مِنْهُمْ} أَيْ فِي الدِّينِ دُونَ النَّسَبِ إذْ لَوْ كَانُوا مِنْهُمْ فِي النَّسَبِ لَكَانُوا مِنْ الْأُمِّيِّينَ. وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ} . وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ لَمَّا نَزَلَتْ سُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهُمْ فَقَالَ: {لَوْ كَانَ الْإِيمَانُ مُعَلَّقًا بِالثُّرَيَّا لَتَنَاوَلَهُ رِجَالٌ مِنْ أَبْنَاءِ فَارِسَ} . فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى دُخُولِ هَؤُلَاءِ لَا يَمْنَعُ دُخُولَ غَيْرِهِمْ مِنْ الْأُمَمِ. وَإِذَا كَانُوا هُمْ مِنْهُمْ فَقَدْ دَخَلُوا فِي قَوْلِهِ: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى
(16/190)

الْمُؤْمِنِينَ إذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ} . فَالْمِنَّةُ عَلَى جَمِيعِ الْمُؤْمِنِينَ عَرِبِهِمْ وَعَجَمِهِمْ سَابِقِهِمْ وَلَاحِقِهِمْ. وَالرَّسُولُ مِنْهُمْ لِأَنَّهُ إنْسِيٌّ مُؤْمِنٌ. وَهُوَ مِنْ الْعَرَب أَخَصُّ لِكَوْنِهِ عَرَبِيًّا جَاءَ بِلِسَانِهِمْ وَهُوَ مِنْ قُرَيْشٍ أَخَصَّ. وَالْخُصُوصُ يُوجِبُ قِيَامَ الْحُجَّةِ لَا يُوجِبُ الْفَضْلَ إلَّا بِالْإِيمَانِ وَالتَّقْوَى لِقَوْلِهِ: {إنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} . وَلِهَذَا كَانَ الْأَنْصَارُ أَفْضَلَ مِنْ الطُّلَقَاءِ مِنْ قُرَيْشٍ وَهُمْ لَيْسُوا مِنْ رَبِيعَةَ وَلَا مُضَرَ بَلْ مِنْ قَحْطَانَ. وَأَكْثَرُ النَّاسِ عَلَى أَنَّهُمْ مِنْ وَلَدِ هُودٍ لَيْسُوا مِنْ وَلَدِ إبْرَاهِيمَ. وَقِيلَ إنَّهُمْ مِنْ وَلَدِ إسْمَاعِيلَ لِحَدِيثِ أَسْلَمَ لَمَّا قَالَ {ارْمُوا فَإِنَّ أَبَاكُمْ كَانَ رَامِيًا} وَأَسْلَمَ مِنْ خُزَاعَةَ وَخُزَاعَةُ مِنْ وَلَدِ إبْرَاهِيمَ. وَفِي هَذَا كَلَامٌ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَهُ إذْ الْمَقْصُودُ أَنَّ الْأَنْصَارَ أَبْعَدُ نَسَبًا مِنْ كُلِّ رَبِيعَةَ وَمُضَرَ مَعَ كَثْرَةِ هَذِهِ الْقَبَائِلِ. وَمَعَ هَذَا هُمْ أَفْضَلُ مِنْ جُمْهُورِ قُرَيْشٍ إلَّا مِنْ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَفِيهِمْ قُرَشِيٌّ وَغَيْرُ قُرَشِيٍّ. وَمَجْمُوعُ السَّابِقِينَ أَلْفٌ وَأَرْبَعُمِائَةِ غَيْرُ مُهَاجِرِي الْحَبَشَةِ.
(16/191)

فَقَوْلُهُ: {لَقَدْ جَاءَكُمْ} يَخُصُّ قُرَيْشًا وَالْعَرَبَ ثُمَّ يَعُمُّ سَائِرَ الْبَشَرِ لِأَنَّ الْقُرْآنَ خِطَابٌ لَهُمْ. وَالرَّسُولُ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَالْمَعْنَى لَيْسَ بِمَلَكِ لَا يُطِيقُونَ الْأَخْذَ مِنْهُ وَلَا جِنِّيٍّ. ثُمَّ يَعُمُّ الْجِنَّ لِأَنَّ الرَّسُولَ أُرْسِلَ إلَى الْإِنْسِ وَالْجِنِّ وَالْقُرْآنِ خِطَاب لِلثَّقَلَيْنِ وَالرَّسُولُ مِنْهُمْ جَمِيعًا كَمَا قَالَ: {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ} فَجَعَلَ الرُّسُلَ الَّتِي أَرْسَلَهَا مِنْ النَّوْعَيْنِ مَعَ أَنَّهُمْ مِنْ الْإِنْسِ. فَإِنَّ الْإِنْسَ وَالْجِنَّ مُشْتَرِكُونَ مَعَ كَوْنِهِمْ أَحْيَاءً نَاطِقِينَ مَأْمُورِينَ مَنْهِيِّينَ. فَإِنَّهُمْ يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ وَيَنْكِحُونَ وَيَنْسِلُونَ وَيَغْتَذُونَ وَيَنْمُونَ بِالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ. وَهَذِهِ الْأُمُورُ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَهُمْ. وَهُمْ يَتَمَيَّزُونَ بِهَا عَنْ الْمَلَائِكَةِ فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا تَأْكُلُ وَلَا تَشْرَبُ وَلَا تَنْكِحُ وَلَا تَنْسِلُ. فَصَارَ الرَّسُولُ مِنْ أَنْفَسِ الثَّقَلَيْنِ بِاعْتِبَارِ الْقَدْر الْمُشْتَرِك بَيْنَهُمْ الَّذِي تَمَيَّزُوا بِهِ عَنْ الْمَلَائِكَةِ حَتَّى كَانَ الرَّسُولُ مَبْعُوثًا إلَى الثَّقَلَيْنِ دُونَ الْمَلَائِكَةِ. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ
(16/192)

أَنْفُسِهِمْ} هُوَ كَقَوْلِهِ: {وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ} وَقَوْلِهِ: {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ} . ثُمَّ قَالَ: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ} . وَالْمَقْصُودُ أَنَّهُ أَمَرَ بِذِكْرِ النِّعَمِ وَشُكْرِهَا. وَقَالَ: {يَا بَنِي إسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ} فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ. وَقَالَ لِلْمُؤْمِنِينَ: {وَاذْكُرُوا إذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ} فَذِكْرُ النِّعَمِ مِنْ الذِّكْرِ الَّذِي أُمِرُوا بِهِ. وَمِمَّا أُمِرُوا بِهِ تَذْكِرَةُ قِصَصِ الْأَنْبِيَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ كَمَا قَالَ: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إبْرَاهِيمَ} {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى} {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إسْمَاعِيلَ} {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إدْرِيسَ} وَقَالَ {وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الْأَيْدِ} {وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ} {وَاذْكُرْ إسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ} . وَمِمَّا أُمِرُوا بِهِ تَذْكِرَةُ مَا وُعِدُوا بِهِ مِنْ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ. قَالَ تَعَالَى: {إنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ} .
(16/193)

وَمِمَّا أُمِرُوا بِتَذَكُّرِهِ آيَاتُ اللَّهِ الَّتِي يَسْتَدِلُّونَ بِهَا عَلَى قُدْرَتِهِ وَعَلَى الْمَعَادِ كَقَوْلِهِ: {وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا} {أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا} . وَقَدْ قَالَ لِمُوسَى: {وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ} وَهِيَ تَتَنَاوَلُ أَيَّامَ نِعَمِهِ وَأَيَّامَ نِقَمِهِ لِيَشْكُرُوا وَيَعْتَبِرُوا. وَلِهَذَا قَالَ: {إنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} . فَإِنَّ ذِكْرَ النِّعَمِ يَدْعُو إلَى الشُّكْرِ؛ وَذِكْرَ النِّقَمِ يَقْتَضِي الصَّبْرَ عَلَى فِعْلِ الْمَأْمُورِ وَإِنْ كَرِهَتْهُ النَّفْسُ. وَعَنْ الْمَحْظُورِ وَإِنْ أَحَبَّتْهُ النَّفْسُ لِئَلَّا يُصِيبَهُ مَا أَصَابَ غَيْرَهُ مِنْ النِّقْمَةِ.
فَصْلٌ:
وَقَوْلُهُ: {وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى} {الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى} {ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَا} . وَقَدْ ذَكَرَ فِي سُورَةِ اللَّيْلِ قَوْلَهُ: {فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى} {لَا يَصْلَاهَا إلَّا الْأَشْقَى} {الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى} . وَهَذَا الصَّلْيُ قَدْ فَسَّرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ
(16/194)

الَّذِي أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخدري قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {أَمَّا أَهْلُ النَّارِ الَّذِينَ هُمْ أَهْلُهَا فَإِنَّهُمْ لَا يَمُوتُونَ فِيهَا وَلَا يَحْيَوْنَ وَلَكِنْ نَاسٌ أَصَابَتْهُمْ النَّارُ بِذُنُوبِهِمْ أَوْ قَالَ: بِخَطَايَاهُمْ فَأَمَاتَهُمْ إمَاتَةً حَتَّى إذَا كَانُوا فَحْمًا أُذِنَ بِالشَّفَاعَةِ فَجِيءَ بِهِمْ ضَبَائِرَ ضَبَائِرَ. فَبُثُّوا عَلَى أَنْهَارِ الْجَنَّةِ ثُمَّ قِيلَ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ أَفِيضُوا عَلَيْهِمْ. فَيَنْبُتُونَ نَبَاتَ الْحِبَّةِ تَكُونُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ. فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ: كَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ كَانَ بِالْبَادِيَةِ} . وَفِي رِوَايَةٍ ذَكَرَهَا ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فَقَالَ: ذُكِرَ عَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ عَبْدِ الْوَارِثِ ثَنَا أَبِي ثَنَا سُلَيْمَانَ التيمي عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ {أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ فَأَتَى عَلَى هَذِهِ {ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَا} فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَّا أَهْلُهَا الَّذِينَ هُمْ أَهْلُهَا فَلَا يَمُوتُونَ فِيهَا وَلَا يَحْيَوْنَ. وَأَمَّا الَّذِينَ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَإِنَّ النَّارَ تُمِيتُهُمْ ثُمَّ يَقُومُ الشُّفَعَاءُ فَيُشَفَّعُونَ فِيهِمْ فَيَشْفَعُونَ فَيُؤْتَى بِهِمْ إلَى نَهْرٍ يُقَالُ لَهُ الْحَيَاةُ أَوْ الْحَيَوَانُ فَيَنْبُتُونَ كَمَا يَنْبُتُ الْغُثَاءُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ} . فَقَدْ بَيَّنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ هَذَا الصَّلْيَ لِأَهْلِ النَّارِ الَّذِينَ هُمْ أَهْلُهَا وَأَنَّ الَّذِينَ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِهَا فَإِنَّهَا تُصِيبُهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ يُمِيتُهُمْ فِيهَا حَتَّى يَصِيرُوا فَحْمًا ثُمَّ يُشَفَّعُ فِيهِمْ فَيَخْرُجُونَ وَيُؤْتَى
(16/195)

بِهِمْ إلَى نَهْرِ الْحَيَاةِ فَيَنْبُتُونَ كَمَا تَنْبُتُ الْحِبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ. وَهَذَا الْمَعْنَى مُسْتَفِيضٌ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَلْ مُتَوَاتِرٌ فِي أَحَادِيثَ كَثِيرَةٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَغَيْرِهِمَا. وَفِيهَا الرَّدُّ عَلَى طَائِفَتَيْنِ. عَلَى الْخَوَارِجِ وَالْمُعْتَزِلَةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ " إنَّ أَهْلَ التَّوْحِيدِ يُخَلَّدُونَ فِيهَا " وَهَذِهِ الْآيَةُ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ وَعَلَى مَنْ حُكِيَ عَنْهُ مِنْ غُلَاةِ الْمُرْجِئَةِ " أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ النَّارَ مِنْ أَهْلِ التَّوْحِيدِ أَحَدٌ ". فَإِنَّ إخْبَارَهُ بِأَنَّ أَهْلَ التَّوْحِيدِ يَخْرُجُونَ مِنْهَا بَعْدَ دُخُولِهَا تَكْذِيبٌ لِهَؤُلَاءِ وَأُولَئِكَ. وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ يَقُولُ " يَجُوزُ أَنْ لَا يُدْخِلَ اللَّهُ مِنْ أَهْلِ التَّوْحِيدِ أَحَدًا النَّارَ " كَمَا يَقُولُهُ طَائِفَةٌ مِنْ الْمُرْجِئَةِ الشِّيعَةِ وَمُرْجِئَةِ أَهْلِ الْكَلَامِ الْمُنْتَسِبِينَ إلَى السُّنَّةِ وَهُمْ الْوَاقِفَةُ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي الْحَسَنِ وَغَيْرِهِمْ كَالْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ وَغَيْرِهِ. فَإِنَّ النُّصُوصَ الْمُتَوَاتِرَةَ تَقْتَضِي دُخُولَ بَعْضِ أَهْلِ التَّوْحِيدِ وَخُرُوجِهِمْ. وَالْقَوْلُ بـ " أَنَّ أَحَدًا لَا يَدْخُلُهَا مِنْ أَهْلِ التَّوْحِيدِ " مَا أَعْلَمُهُ ثَابِتًا عَنْ شَخْصٍ مُعَيَّنٍ فَأَحْكِيَهُ عَنْهُ. لَكِنْ حُكِيَ عَنْ مُقَاتِلِ بْنِ سُلَيْمَانَ
(16/196)

وَقَالَ: احْتَجَّ مَنْ قَالَ ذَلِكَ بِهَذِهِ الْآيَةِ. وَقَدْ أُجِيبُوا بِجَوَابَيْنِ. أَحَدِهِمَا: جَوَابُ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ الزَّجَّاجُ قَالُوا. هَذِهِ نَارٌ مَخْصُوصَةٌ. لَكِنَّ قَوْلَهُ بَعْدَهَا {وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى} لَا يَبْقَى فِيهِ كَبِيرُ وَعْدٍ فَإِنَّهُ إذَا جُنِّبَ تِلْكَ النَّارَ جَازَ أَنْ يُدَخِّلَ غَيْرَهَا. وَجَوَابُ آخَرِينَ قَالُوا: لَا يَصْلَوْنَهَا صَلْيَ خُلُودٍ. وَهَذَا أَقْرَبُ. وَتَحْقِيقُهُ أَنَّ الصَّلْيَ هُنَا هُوَ الصَّلْيُ الْمُطْلَقُ وَهُوَ الْمُكْثُ فِيهَا وَالْخُلُودُ عَلَى وَجْهٍ يَصِلُ الْعَذَابُ إلَيْهِمْ دَائِمًا. فَأَمَّا مَنْ دَخَلَ وَخَرَجَ فَإِنَّهُ نَوْعٌ مِنْ الصَّلْيِ لَيْسَ هُوَ الصَّلْيُ الْمُطْلَقُ لَا سِيَّمَا إذَا كَانَ قَدْ مَاتَ فِيهَا وَالنَّارُ لَمْ تَأْكُلْهُ كُلَّهُ فَإِنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أَنَّهَا لَا تَأْكُلُ مَوَاضِعَ السُّجُودِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ:
جَمَعَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بَيْنَ إبْرَاهِيمَ وَمُوسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمَا وَعَلَى سَائِرِ الْمُرْسَلِينَ فِي أُمُورٍ مِثْلُ قَوْلِهِ: {إنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى} {صُحُفِ إبْرَاهِيمَ وَمُوسَى} .
(16/197)

وَفِي حَدِيثِ {أَبِي ذَرٍّ الطَّوِيلِ قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَمْ كِتَابًا أَنْزَلَ اللَّهُ؟ قَالَ: مِائَةَ كِتَابٍ وَأَرْبَعَةَ كُتُبٍ: ثَلَاثِينَ صَحِيفَةً عَلَى شيث وَخَمْسِينَ عَلَى إدْرِيسَ وَعَشْرٍ عَلَى إبْرَاهِيمَ. وَعَشْرٍ عَلَى مُوسَى قَبْلَ التَّوْرَاةِ. وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَالزَّبُورَ وَالْفُرْقَانَ. وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ: فَهَلْ عِنْدَنَا شَيْءٌ مِمَّا فِي صُحُفِ إبْرَاهِيمَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ وَقَرَأَ قَوْلَهُ: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى} {وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى} {بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} {وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى} {إنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى} {صُحُفِ إبْرَاهِيمَ وَمُوسَى} } . فَإِنَّ التَّزَكِّي هُوَ التَّطَهُّرُ وَالتَّبَرُّكُ بِتَرْكِ السَّيِّئَاتِ الْمُوجِبِ زَكَاةَ النَّفْسِ كَمَا قَالَ: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا} وَلِهَذَا تُفَسَّرُ الزَّكَاةُ تَارَةً بِالنَّمَاءِ وَالزِّيَادَةِ وَتَارَةً بِالنَّظَافَةِ وَالْإِمَاطَةِ. وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الزَّكَاةَ تَجْمَعُ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ إزَالَةِ الشَّرِّ وَزِيَادَةِ الْخَيْرِ. وَهَذَا هُوَ الْعَمَلُ الصَّالِحُ وَهُوَ الْإِحْسَانُ. وَذَلِكَ لَا يَنْفَعُ إلَّا بِالْإِخْلَاصِ لِلَّهِ وَعِبَادَتِهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ الَّذِي هُوَ أَصْلُ الْإِيمَانِ. وَهُوَ قَوْلُ {وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى} . فَهَذِهِ الثَّلَاثُ قَدْ يُقَالُ تُشْبِهُ الثَّلَاثَ الَّتِي يَجْمَعُ اللَّهُ بَيْنَهَا فِي الْقُرْآنِ فِي مَوَاضِعَ مِثْلَ قَوْلِهِ فِي أَوَّلِ الْبَقَرَةِ {هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} . وَمِثْلُ قَوْلِهِ:
(16/198)

{فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ} {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ} . وَقَدْ يُقَالُ: تُشْبِهُ الثِّنْتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ فِي قَوْلِهِ {مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا} الْآيَةَ وَقَوْلِهِ: {وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ} . لَكِنَّ هُنَا التَّزَكِّيَ فِي الْآيَةِ أَعَمُّ مِنْ الْإِنْفَاقِ. فَإِنَّهُ تَرْكُ السَّيِّئَاتِ الَّذِي أَصْلُهُ بِتَرْكِ الشِّرْكِ. فَأَوَّلُ التَّزَكِّي التَّزَكِّي مِنْ الشِّرْكِ كَمَا قَالَ: {وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ} {الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ} وَقَالَ: {يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ} . وَالتَّزَكِّي مِنْ الْكَبَائِرِ الَّذِي هُوَ تَمَامُ التَّقْوَى كَمَا قَالَ {فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى} وَقَالَ: {أَلَمْ تَرَ إلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا} . فَعُلِمَ أَنَّ التَّزْكِيَةَ هُوَ الْإِخْبَارُ بِالتَّقْوَى. وَمِنْهُ التَّزَكِّي بِالطَّهَارَةِ وَبِالصَّدَقَةِ وَالْإِحْسَانِ كَمَا قَالَ {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} . و {ذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ} قَدْ يَعْنِي بِهِ الْإِيمَانَ بِاَللَّهِ و " الصَّلَاةَ ":
(16/199)

الْعَمَلَ. فَقَدْ يَذْكُرُ اسْمَ رَبِّهِ مَنْ لَا يُصَلِّي. وَمِنْ الْفُقَهَاءِ مَنْ يَقُولُ: هُوَ ذِكْرُ اسْمِهِ فِي أَوَّلِ الصَّلَاةِ. وَلِهَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ قَدَّمَ التَّزَكِّي فِي هَذِهِ الْآيَةِ. وَكَانَ طَائِفَةٌ مِنْ السَّلَفِ إذَا أَدَّوْا صَدَقَةَ الْفِطْرِ قَبْلَ صَلَاةِ الْعِيدِ يَتَأَوَّلُونَ بِهَذِهِ الْآيَةِ. وَكَانَ بَعْضُ السَّلَفِ أَظُنُّهُ يَزِيدَ بْنَ أَبِي حَبِيبٍ يَسْتَحِبُّ أَنْ يَتَصَدَّقَ أَمَامَ كُلِّ صَلَاةٍ لِهَذَا الْمَعْنَى. وَلَمَّا قَدَّمَ اللَّهُ الصَّلَاةَ عَلَى النَّحْرِ فِي قَوْلِهِ: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} وَقَدَّمَ التَّزَكِّي عَلَى الصَّلَاةِ فِي قَوْلِهِ: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى} {وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى} كَانَتْ السُّنَّةُ أَنَّ الصَّدَقَةَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فِي عِيدِ الْفِطْرِ وَأَنَّ الذَّبْحَ بَعْدَ الصَّلَاةِ فِي عِيدِ النَّحْرِ. وَيُشْبِهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنْ يَكُونَ الصَّوْمُ مِنْ التَّزَكِّي الْمَذْكُورِ فِي الْآيَةِ. فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} . فَمَقْصُودُ الصَّوْمِ التَّقْوَى وَهُوَ مِنْ مَعْنَى التَّزَكِّي. وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: {فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَدَقَةَ الْفِطْرِ طهرة لِلصَّائِمِ مِنْ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ وَطُعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ} .
(16/200)

فَالصَّدَقَةُ مِنْ تَمَامِ طهرة الصَّوْمِ. وَكِلَاهُمَا تَزَكٍّ مُتَقَدِّمٌ عَلَى صَلَاةِ الْعِيدِ. فَجَمَعَتْ هَاتَانِ الْكَلِمَتَانِ التَّرْغِيبَ فِيمَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ مِنْ الْإِيمَانِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ. وَفِي قَوْلِهِ: {بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} {وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى} الْإِيمَانُ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ. وَهَذِهِ الْأُصُولُ الْمَذْكُورَةُ فِي قَوْلِهِ: {إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} . وَقَالَ: {إنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى} {صُحُفِ إبْرَاهِيمَ وَمُوسَى} . وَقَالَ: أَيْضًا {أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى} {وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى} {أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى} {أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى} {وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى} {أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إلَّا مَا سَعَى} {وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى} {ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى} وَأَيْضًا فَإِنَّ إبْرَاهِيمَ صَاحِبَ الْمِلَّةِ وَإِمَامُ الْأُمَّةِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {ثُمَّ أَوْحَيْنَا إلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} وَقَالَ: {وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إبْرَاهِيمَ إلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ} . وَقَالَ: {وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إبْرَاهِيمَ
(16/201)

حَنِيفًا} وَقَالَ: {إنَّ إبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا} وَقَالَ {إنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إمَامًا} . وَمُوسَى صَاحِبُ الْكِتَابِ وَالْكَلَامِ وَالشَّرِيعَةِ الَّذِي لَمْ يَنْزِلْ مِنْ السَّمَاءِ كِتَابٌ أَهْدَى مِنْهُ وَمِنْ الْقُرْآنِ. وَلِهَذَا قَرَنَ بَيْنَهُمَا فِي مَوَاضِعَ كَقَوْلِهِ: {قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا} إلَى قَوْلِهِ {وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ} وَقَوْلِهِ {قَالُوا سِحْرَانِ} إلَى قَوْلِهِ {قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ} وَقَوْلِ الْجِنِّ: {إنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} وَقَوْلِهِ: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ} وَقَوْلِ النَّجَاشِيِّ " إنَّ هَذَا وَاَلَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى لَيَخْرُجُ مِنْ مِشْكَاةٍ وَاحِدَةٍ ". وَقِيلَ فِي مُوسَى: {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} وَفِي إبْرَاهِيمَ {وَاتَّخَذَ اللَّهُ إبْرَاهِيمَ خَلِيلًا} وَأَصْلُ الْخُلَّةِ عِبَادَةُ اللَّهِ وَحْدَهُ وَالْعِبَادَةُ غَايَةُ الْحُبِّ وَالذُّلِّ. وَمُوسَى صَاحِبُ الْكِتَابِ وَالْكَلَامِ. وَلِهَذَا كَانَ الْكُفَّارُ بِالرُّسُلِ يُنْكِرُونَ حَقِيقَةَ خُلَّةِ إبْرَاهِيمَ وَتَكْلِيمِ مُوسَى. وَلَمَّا نَبَغَتْ الْبِدَعُ الشَّرِكِيَّة فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ أَنْكَرَ ذَلِكَ الْجَعْدُ بْنُ دِرْهَمٍ
(16/202)

فَقَتَلَهُ الْمُسْلِمُونَ لَمَّا ضَحَّى بِهِ أَمِيرُ الْعِرَاقِ خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَقَالَ: " ضَحُّوا تَقَبَّلَ اللَّهُ ضَحَايَاكُمْ فَإِنِّي مُضَحٍّ بِالْجَعْدِ بْنِ دِرْهَمٍ إنَّهُ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَتَّخِذْ إبْرَاهِيمَ خَلِيلًا وَلَمْ يُكَلِّمْ مُوسَى تَكْلِيمًا ". ثُمَّ نَزَلَ فَذَبَحَهُ. وَلَمَّا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَهُ إلَى أَهْلِ الْأَرْضِ. وَهُمْ فِي الْأَصْلِ صِنْفَانِ - أُمِّيُّونَ وَكِتَابِيُّونَ. وَالْأُمِّيُّونَ كَانُوا يَنْتَسِبُونَ إلَى إبْرَاهِيمَ فَإِنَّهُمْ ذُرِّيَّتُهُ وخزان بَيْتِهِ وَعَلَى بَقَايَا مِنْ شَعَائِرِهِ. وَالْكِتَابِيُّونَ أَصْلُهُمْ كِتَابُ مُوسَى. وَكِلَا الطَّائِفَتَيْنِ قَدْ بَدَّلَتْ وَغَيَّرَتْ. فَأَقَامَ مِلَّةَ إبْرَاهِيمَ بَعْدَ اعْوِجَاجِهَا وَجَاءَ بِالْكِتَابِ الْمُهَيْمِنِ الْمُصَدِّقِ لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ الْمُبَيِّنِ لِمَا اُخْتُلِفَ فِيهِ وَمَا حُرِّفَ وَكُتِمَ مِنْ الْكِتَابِ الْأَوَّلِ.
فَصْلٌ:
وَإِبْرَاهِيمُ وَمُوسَى قَامَا بِأَصْلِ الدِّينِ الَّذِي هُوَ الْإِقْرَارُ بِاَللَّهِ وَعِبَادَتِهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَمُخَاصِمَةُ مَنْ كَفَرَ بِاَللَّهِ. فَأَمَّا إبْرَاهِيمُ فَقَالَ اللَّهُ فِيهِ {أَلَمْ تَرَ إلَى الَّذِي حَاجَّ إبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ
(16/203)

أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إذْ قَالَ إبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} وَذَكَرَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ طَلَبَ مِنْهُ إرَادَةَ إحْيَاءِ الْمَوْتَى فَأَمَرَهُ اللَّهُ بِأَخْذِ أَرْبَعَةٍ مِنْ الطَّيْرِ. فَقَرَّرَ أَمْرُ الْخَلْقِ وَالْبَعْثِ الْمَبْدَأِ وَالْمَعَادِ الْإِيمَانَ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ. وَهُمَا اللَّذَانِ يَكْفُرُ بِهِمَا أَوْ بِأَحَدِهِمَا كُفَّارُ الصَّابِئَةِ وَالْمُشْرِكِينَ مِنْ الْفَلَاسِفَةِ وَنَحْوِهِمْ الَّذِينَ بُعِثَ الْخَلِيلُ إلَى نَوْعِهِمْ. فَإِنَّ مِنْهُمْ مَنْ يُنْكِرُ وُجُودَ الصَّانِعِ؛ وَفِيهِمْ مَنْ يُنْكِرُ صِفَاتِهِ؛ وَفِيهِمْ مَنْ يُنْكِرُ خَلْقَهُ وَيَقُولُ: إنَّهُ عِلَّةٌ؛ وَأَكْثَرُهُمْ يُنْكِرُونَ إحْيَاءَ الْمَوْتَى. وَهُمْ مُشْرِكُونَ يَعْبُدُونَ الْكَوَاكِبَ الْعُلْوِيَّةَ وَالْأَصْنَامَ السُّفْلِيَّةَ. وَالْخَلِيلُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ رَدَّ هَذَا جَمِيعَهُ. فَقَرَّرَ رُبُوبِيَّةَ رَبِّهِ كَمَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ. وَقَرَّرَ الْإِخْلَاصَ لَهُ وَنَفَى الشِّرْكَ كَمَا فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ وَغَيْرِهَا. وَقَرَّرَ الْبَعْثَ بَعْدَ الْمَوْتِ. وَاسْتَقَرَّ فِي مِلَّتِهِ مَحَبَّتُهُ لِلَّهِ وَمَحَبَّةُ اللَّهِ لَهُ بِاِتِّخَاذِ اللَّهِ لَهُ خَلِيلًا.
(16/204)

ثُمَّ إنَّهُ نَاظَرَ الْمُشْرِكِينَ بِعِبَادَةِ مَنْ لَا يُوصَفُ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ. فَقَالَ لِأَبِيهِ: {يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا} . وَقَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ: {مَا تَعْبُدُونَ} {قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ} {قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إذْ تَدْعُونَ} {أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ} إلَى قَوْلِهِ {فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ} {الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ} {وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ} {وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ} {وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ} إلَى آخَرِ الْكَلَامِ. وَقَالَ: {إنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} وَقَالَ: {إنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ} {إلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ} {وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} فَإِبْرَاهِيمُ دَعَا إلَى الْفِطْرَةِ. وَهُوَ عِبَادَةُ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ. وَهُوَ الْإِسْلَامُ الْعَامُّ وَالْإِقْرَارُ بِصِفَاتِ الْكَلِمَاتِ لِلَّهِ وَالرَّدِّ عَلَى مَنْ عَبَدَ مَنْ سَلَبَهَا. فَلَمَّا عَابَهُمْ بِعِبَادَةِ مِنْ لَا عِلْمَ لَهُ وَلَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ قَالَ: {رَبَّنَا إنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ} {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ}
(16/205)

وَلَمَّا عَابَهُمْ بِعِبَادَةِ مَنْ لَا يُغْنِي شَيْئًا فَلَا يَنْفَعُ وَلَا يَضُرُّ قَالَ: {الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ} {وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ} {وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ} {وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ} {وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ} فَإِنَّ الْإِنْسَانَ يَحْتَاجُ إلَى جَلْبِ الْمَنْفَعَةِ لِقَلْبِهِ وَجِسْمِهِ وَدَفْعِ الْمَضَرَّةِ عَنْ ذَلِكَ. وَهُوَ أَمْرُ الدِّينِ وَالدُّنْيَا. فَمَنْفَعَةُ الدِّينِ الْهُدَى؛ وَمَضَرَّتُهُ الذُّنُوبُ وَدَفْعُ الْمَضَرَّةِ الْمَغْفِرَةُ. وَلِهَذَا جَمَعَ بَيْنَ التَّوْحِيدِ وَالِاسْتِغْفَارِ فِي مَوَاضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ. وَمَنْفَعَةُ الْجَسَدِ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ؛ وَمَضَرَّتُهُ الْمَرَضُ وَدَفْعُ الْمَضَرَّةِ الشِّفَاءُ. وَأَخْبَرَ أَنَّ رَبَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَأَنَّهُ فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ. وَإِحْيَاؤُهُ فَوْقَ كَمَالِهِ بِأَنَّهُ حَيٌّ. وَأَنَّهُ فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ يَقْتَضِي إمْسَاكَهَا وَقِيَامَهَا الَّذِي هُوَ فَوْقَ كَمَالِهِ بِأَنَّهُ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ حَيْثُ قَالَ عَنْ النُّجُومِ {لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ} فَإِنَّ الْآفِلَ هُوَ الَّذِي يَغِيبُ تَارَةً وَيَظْهَرُ تَارَةً فَلَيْسَ هُوَ قَائِمًا عَلَى
(16/206)

عَبْدِهِ فِي كُلِّ وَقْتٍ. وَاَلَّذِينَ يَعْبُدُونَ مَا سِوَى اللَّه مِنْ الْكَوَاكِبِ وَنَحْوِهَا وَيَتَّخِذُونَهَا أَوْثَانًا يَكُونُونَ فِي وَقْتِ الْبُزُوغِ طَالِبِينَ سَائِلِينَ وَفِي وَقْتِ الْأُفُولِ لَا يَحْصُلُ مَقْصُودُهُمْ وَلَا مُرَادُهُمْ. فَلَا يَجْتَلِبُونَ مَنْفَعَةً وَلَا يَدْفَعُونَ مَضَرَّةً وَلَا يَنْتَفِعُونَ إذْ ذَاكَ بِعِبَادَةِ. فَبَيَّنَ مَا فِي الْآلِهَةِ الَّتِي تُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ النَّقْصِ وَبَيَّنَّ مَا لِرَبِّهِ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ مِنْ الْكَمَالِ بِأَنَّهُ الْخَالِقُ الْفَاطِرُ الْعَلِيمُ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ الْهَادِي الرَّازِقُ الْمُحْيِي الْمُمِيتُ. وَسَمَّى رَبَّهُ بِالْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى الدَّالَّةِ عَلَى نُعُوتِ كَمَالِهِ فَقَالَ: {يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} وَقَالَ: {فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} وَقَالَ: {سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا} فَوَصَفَ رَبَّهُ بِالْحِكْمَةِ وَالرَّحْمَةِ الْمُنَاسِبِ لِمَعْنَى الْخُلَّةِ كَمَا قَالَ {إنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا} وَمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ خَاصَمَ فِرْعَوْنَ الَّذِي جَحَدَ الرُّبُوبِيَّةَ وَالرِّسَالَةَ وَقَالَ: {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} و {مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إلَهٍ غَيْرِي} . وَقِصَّتُهُ فِي الْقُرْآنِ مُثَنَّاةٌ مَبْسُوطَةٌ لَا يَحْتَاجُ هَذَا الْمَوْضِعُ إلَى بَسْطِهَا. وَقَرَّرَ أَيْضًا أَمْرَ الرُّبُوبِيَّةِ وَصِفَاتِ الْكَمَالِ لِلَّهِ وَنَفَى الشِّرْكَ.
(16/207)

وَلَمَّا اتَّخَذَ قَوْمُهُ الْعِجْلَ بَيَّنَ اللَّهُ لَهُمْ صِفَاتِ النَّقْصِ الَّتِي تُنَافِي الْأُلُوهِيَّةَ فَقَالَ: {وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ} . وَقَالَ: {فَقَالُوا هَذَا إلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ} {أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا} {وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَا قَوْمِ إنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ} فَوَصَفَهُ بِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ قَدْ صَوَّتَ صَوْتًا هُوَ خُوَارٌ فَإِنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَرْجِعُ إلَيْهِمْ قَوْلًا وَأَنَّهُ لَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا. وَكَذَلِكَ ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ فِي الشِّرْكِ عُمُومًا وَخُصُوصًا فَقَالَ: {أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ} {وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ} {وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إلَى الْهُدَى لَا يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ} {إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} {أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ}
(16/208)

وَاسْتَفْهَمَ اسْتِفْهَامَ إنْكَارٍ وَجُحُودٍ لِطُرُقِ الْإِدْرَاكِ التَّامِّ وَهُوَ السَّمْعُ وَالْبَصَرُ. وَالْعَمَلُ التَّامُّ وَهُوَ الْيَدُ وَالرِّجْلُ كَمَا أَنَّهُ سُبْحَانَهُ لَمَّا أَخْبَرَ فِيمَا رَوَى عَنْهُ رَسُولُهُ عَنْ أَحْبَابِهِ الْمُتَقَرِّبِينَ إلَيْهِ بِالنَّوَافِلِ فَقَالَ: {وَلَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ. فَإِذَا أَحْبَبْته كُنْت سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا} .
فَصْلٌ:
وَأَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ الْمُتَّبِعُونَ لِإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَمُحَمَّدٍ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ يُثْبِتُونَ مَا أَثْبَتُوهُ مِنْ تَكْلِيمِ اللَّهِ وَمَحَبَّتِهِ وَرَحْمَتِهِ وَسَائِرَ مَا لَهُ مِنْ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى وَالْمَثَلِ الْأَعْلَى. وَيُنَزِّهُونَهُ عَنْ مُشَابَهَةِ الْأَجْسَادِ الَّتِي لَا حَيَاةَ فِيهَا. فَإِنَّ اللَّهَ قَالَ: {وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ} وَقَالَ: {وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ} . وَقَالَ: {عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ} فَوَصَفَ الْجَسَدَ بِعَدَمِ الْحَيَاةِ فَإِنَّ الْمَوْتَانِ لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يَنْطِقُ وَلَا يُغْنِي شَيْئًا. وَأَمَّا أَهْلُ الْبِدَعِ وَالضَّلَالَةِ مِنْ الْجَهْمِيَّة وَنَحْوِهِمْ فَإِنَّهُمْ سَلَكُوا
(16/209)

سَبِيلَ أَعْدَاءِ إبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَمُحَمَّدٍ الَّذِينَ أَنْكَرُوا أَنْ يَكُونَ اللَّهُ كَلَّمَ مُوسَى تَكْلِيمًا وَاِتَّخَذَ إبْرَاهِيمَ خَلِيلًا. وَقَدْ كَلَّمَ اللَّهُ مُحَمَّدًا وَاِتَّخَذَهُ خَلِيلًا كَمَا اتَّخَذَ إبْرَاهِيمَ خَلِيلًا وَرَفَعَهُ فَوْقَ ذَلِكَ دَرَجَاتٍ: وَتَابَعُوا فِرْعَوْنَ الَّذِي قَالَ: {يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ} {أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إلَى إلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا} وَتَابَعُوا الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا} وَاتَّبَعُوا الَّذِينَ أَلْحَدُوا فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ. فَهُمْ يَجْحَدُونَ حَقِيقَةَ كَوْنِهِ الرَّحْمَنَ أَوْ أَنَّهُ يَرْحَمُ أَوْ يُكَلِّمُ أَوْ يَوَدُّ عِبَادَهُ أَوْ يَوَدُّونَهُ أَوْ أَنَّهُ فَوْقَ السَّمَوَاتِ. وَيَزْعُمُونَ أَنَّ مَنْ أَثْبَتَ لَهُ هَذِهِ الصِّفَاتِ فَقَدْ شَبَّهَهُ بِالْأَجْسَامِ الْحِسِّيَّةِ وَهِيَ الْحَيَوَانُ كَالْإِنْسَانِ وَأَنَّ هَذَا تَشْبِيهٌ لِلَّهِ بِخَلْقِهِ. فَهُمْ قَدْ شَبَّهُوهُ بِالْأَجْسَادِ الْمَيِّتَةِ فِيمَا هُوَ نَقْصٌ وَعَيْبٌ وَتَشْبِيهٌ دَلَّتْ الْكُتُبُ الْإِلَهِيَّةُ وَالْفِطْرَةُ الْعَقْلِيَّةُ أَنَّهُ عَيْبٌ وَنَقْصٌ بَلْ يَقْتَضِي عَدَمُهُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْإِثْبَاتِ فَلَوْ فُرِضَ أَنَّ فِيمَا قَالُوهُ تَشْبِيهًا مَا فَلَيْسَ هُوَ تَشْبِيهًا بِمَنْقُوصِ مَعِيبٍ وَلَا هُوَ فِي صِفَةِ نَقْصٍ أَوْ عَيْبٍ بَلْ فِي غَايَةِ مَا يُعْلَمُ أَنَّهُ الْكَمَالُ وَأَنَّ لِصَاحِبِهِ الْجَلَالَ وَالْإِكْرَامَ.
(16/210)

فَصَارَ أَهْلُ السُّنَّةِ يَصِفُونَهُ بِالْوُجُودِ وَكَمَالِ الْوُجُودِ وَأُولَئِكَ يَصِفُونَهُ بِعَدَمِ كَمَالِ الْوُجُودِ أَوْ بِعَدَمِ الْوُجُودِ بِالْكُلِّيَّةِ. فَهُمْ مُمَثِّلَةٌ مُعَطِّلَةٌ مُمَثِّلَةٌ فِي الْعَقْلِ وَالشَّرْعِ مُعَطِّلَةٌ فِي الْعَقْلِ وَالشَّرْعِ. أَمَّا فِي الْعَقْلِ فَلِأَنَّهُمْ مَثَّلُوهُ بِالْعَدَمِ وَالْأَجْسَادِ الْمَوْتَانِ. وَأَمَّا فِي الشَّرْعِ فَإِنَّهُمْ مَثَّلُوا مَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ مِنْ صِفَاتِهِ بِنَفْسِ صِفَاتِ الْمَخْلُوقَاتِ وَإِنْ كَانَ هَذَا التَّمْثِيلُ الَّذِي ادَّعَوْا أَنَّهُ مَعْنَى النُّصُوصِ أَقَلَّ تَمْثِيلًا مِنْ تَمْثِيلِهِمْ الَّذِي ادَّعَوْهُ. وَأَمَّا تَعْطِيلُهُمْ فِي الْعَقْلِ فَإِنَّهُ تَعْطِيلٌ لِلصِّفَاتِ تَعْطِيلٌ مُسْتَلْزِمٌ لِعَدَمِ الذَّاتِ. وَلِهَذَا أُلْجِئُ كَثِيرٌ مِنْهُمْ إلَى نَفْيِ الذَّاتِ بِالْكُلِّيَّةِ وَصَارُوا عَلَى طَرِيقَةِ فِرْعَوْنَ لَا يُقِرُّونَ إلَّا بِوُجُودِ الْمَخْلُوقَاتِ وَإِنْ كَانُوا قَدْ يُنَافِقُونَ فَيُقِرُّونَ بِأَلْفَاظٍ لَا مَعْنَى لَهَا أَوْ بِعِبَادَاتٍ لَا مَعْبُودَ لَهَا. وَأَمَّا تَعْطِيلُهُمْ لِلشَّرْعِ فَإِنَّهُمْ جَحَدُوا مَا فِي كُتُبِ اللَّهِ مِنْ الْمَعَانِي وَحَرَّفُوا الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ أَوْ قَالُوا: نَحْنُ كَالْأُمِّيِّينَ لَا نَعْلَمُ الْكِتَابَ إلَّا أَمَانِيَّ أَوْ: قُلُوبُنَا غُلْفٌ. وَقَالُوا لِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ نَظِيرَ مَا قَالَتْهُ الْكُفَّارُ
(16/211)

{قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ} و ( {قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ} . وَهَكَذَا قَالَ هَؤُلَاءِ: لَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا يَقُولُ الرَّسُولُ وَقَالُوا كَمَا قَالَ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ لِلرَّسُولِ فَإِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِهِ {قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا} . وَصَارُوا كَاَلَّذِينَ قِيلَ فِيهِمْ: {وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا} {وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا} . فَتَدَبَّرْ مَا ذَكَرَهُ اللَّهُ عَنْ أَعْدَاءِ الرُّسُلِ مِنْ نَفْيِ فِقْهِهِمْ وَتَكْذِيبِهِمْ تَجِدْ بَعْضَ ذَلِكَ فِيمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنْ تَدَبُّرِ كِتَابِهِ وَاتَّبَعَ مَا تَتْلُوهُ الشَّيَاطِينُ وَمَا تُوحِيهِ إلَى أَوْلِيَائِهَا وَاَللَّهُ يَهْدِينَا صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا. وَلِهَذَا كَانَتْ هَذِهِ الْجَهْمِيَّة الْمُعَطِّلَةُ الْمُشَابِهُونَ لِلْكُفَّارِ وَالْمُشْرِكِينَ مِنْ الصَّابِئَةِ وَغَيْرِهِمْ الْجَاحِدَةِ لِوُجُودِ الصَّانِعِ أَوْ صِفَاتِهِ تَرْمِي أَهْلَ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ وَالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ تَارَةً بِأَنَّهُمْ يُشْبِهُونَ الْيَهُودَ لِمَا فِي التَّوْرَاةِ
(16/212)

وَكُتُبِ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ الصِّفَاتِ وَلِمَا ابْتَدَعَهُ بَعْضُ الْيَهُودِ مِنْ التَّشْبِيهِ الْمَنْفِيِّ عَنْ اللَّهِ؛ وَتَارَةً بِأَنَّهُمْ يُشْبِهُونَ النَّصَارَى لِمَا أَثْبَتَتْهُ النَّصَارَى مِنْ صِفَةِ الْحَيَاةِ وَالْعِلْمِ وَلِمَا ابْتَدَعَتْهُ مِنْ أَنَّ الْأَقَانِيمَ جَوَاهِرُ وَأَنَّ أُقْنُومَ الْكَلِمَةِ اتَّحَدَ بِالنَّاسُوتِ. وَهَذَا الرَّمْيُ مَوْجُودٌ فِي كَلَامِهِمْ قَبْلَ الْإِمَامِ أَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ وَفِي زَمَنِهِ وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي كَلَامِهِ وَكَلَامِ أَصْحَابِهِ حِكَايَةُ ذَلِكَ. ذَكَرَهُ فِي كِتَابِ " الرَّدِّ عَلَى الْجَهْمِيَّة وَالزَّنَادِقَةِ " وَأَنَّهُمْ قَالُوا " إذَا أَثْبَتُّمْ الصِّفَاتِ فَقَدْ قُلْتُمْ بِقَوْلِ النَّصَارَى " وَرَدَّ ذَلِكَ. وَفِي " مَسَائِلِهِ ": أَنَّ طَائِفَةً قَالُوا لَهُ: مَنْ قَالَ " الْقُرْآنُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ أَوْ هُوَ فِي الصُّدُورِ " فَقَدْ قَالَ بِقَوْلِ النَّصَارَى. وَهَكَذَا الْجَهْمِيَّة تَرْمِي الصفاتية بِأَنَّهُمْ يَهُودُ هَذِهِ الْأُمَّةِ. وَهَذَا مَوْجُودٌ فِي كَلَامِ مُتَقَدِّمِي الْجَهْمِيَّة وَمُتَأَخَّرِيهِمْ مِثْلُ مَا ذَكَرَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الرَّازِي الجهمي الْجَبْرِيُّ وَإِنْ كَانَ قَدْ يَخْرُجُ إلَى حَقِيقَةِ الشِّرْكِ وَعِبَادَةِ الْكَوَاكِبِ وَالْأَوْثَانِ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ. وَصَنَّفَ فِي ذَلِكَ كِتَابَهُ الْمَعْرُوفَ فِي السِّحْرِ وَعِبَادَةِ الْكَوَاكِبِ وَالْأَوْثَانِ. مَعَ أَنَّهُ كَثِيرًا مَا يُحَرِّمُ ذَلِكَ وَيَنْهَى عَنْهُ مُتَّبِعًا لِلْمُسْلِمِينَ وَأَهْلِ الْكُتُبِ وَالرِّسَالَةِ. وَيَنْصُرُ الْإِسْلَامَ وَأَهْلَهُ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ كَمَا يُشَكِّكُ أَهْلَهُ وَيُشَكِّكُ غَيْرَ
(16/213)

أَهْلِهِ فِي أَكْثَرِ الْمَوَاضِعِ. وَقَدْ يَنْصُرُ غَيْرَ أَهْلِهِ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ. فَإِنَّ الْغَالِبَ عَلَيْهِ التَّشْكِيكُ وَالْحَيْرَةُ أَكْثَرُ مِنْ الْجَزْمِ وَالْبَيَانِ. وَهَؤُلَاءِ لَهُمْ أَجْوِبَةٌ. أَحَدُهَا: أَنَّ مُشَابَهَةَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى لَيْسَتْ مَحْذُورًا إلَّا فِيمَا خَالَفَ دِينَ الْإِسْلَامِ وَنُصُوصَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةَ وَالْإِجْمَاعَ. وَإِلَّا فَمَعْلُومٌ أَنَّ دِينَ الْمُرْسَلِينَ وَاحِدٌ وَأَنَّ التَّوْرَاةَ وَالْقُرْآنَ خَرَجَا مِنْ مِشْكَاةٍ وَاحِدَةٍ. وَقَدْ اسْتَشْهَدَ اللَّهُ بِأَهْلِ الْكِتَابِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ حَتَّى قَالَ: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ} . فَإِذَا أَشْهَدَ أَهْلَ الْكِتَابِ عَلَى مِثْلِ قَوْلِ الْمُسْلِمِينَ كَانَ هَذَا حُجَّةً وَدَلِيلًا وَهُوَ مِنْ حِكْمَةِ إقْرَارِهِمْ بِالْجِزْيَةِ. فَيَفْرَحُ بِمُوَافَقَةِ الْمَقَالَةِ الْمَأْخُوذَةِ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ لِمَا يَأْثُرُهُ أَهْلُ الْكِتَابِ عَنْ الْمُرْسَلِينَ قَبْلَهُمْ. وَيَكُونُ هَذَا مِنْ أَعْلَامِ النُّبُوَّةِ وَمِنْ حُجَجِ الرِّسَالَةِ وَمِنْ الدَّلِيلِ عَلَى اتِّفَاقِ الرُّسُلِ. الثَّانِي: أَنَّ الْمُشَابَهَةَ الَّتِي يَدْعُونَهَا لَيْسَتْ صَحِيحَةً. فَإِنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ
(16/214)

لَا يُوَافِقُونَ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى فِيمَا ابْتَدَعُوهُ مِنْ الدِّينِ وَالِاعْتِقَاد. وَلِهَذَا قُلْت فِي بَيَانِ فَسَادِ قَوْلِ ابْنِ الْخَطِيبِ: إنَّهُ لَمْ يَفْهَمْ مَقَالَةَ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالسُّنَّةِ مِنْ الْحَنْبَلِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ وَلَمْ يَفْهَمْ مَقَالَةَ النَّصَارَى. وَأَوْضَحْت ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ كَمَا بَيَّنَ الْإِمَامُ أَحْمَد الْفَرْقَ بَيْنَ مَقَالَةِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَبَيْنَ مَقَالَةِ النَّصَارَى الْمُبْتَدَعَةِ وَكَمَا يُبَيِّنُ الْفَرْقَ بَيْنَ مَقَالَةِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَمَقَالَةِ الْيَهُودِ الْمُبْتَدَعَةِ. الثَّالِثُ: أَنَّهُ إذَا فُرِضَ مُشَابَهَةُ أَهْلِ الْإِثْبَاتِ لِلْيَهُودِ أَوْ النَّصَارَى فَأَهْلُ النَّفْيِ وَالتَّعْطِيلِ مُشَابِهُونَ لِلْكُفَّارِ وَالْمُشْرِكِينَ مِنْ النَّصَارَى وَغَيْرِهِمْ. وَمَعْلُومٌ قَطْعًا أَنَّ مُشَابَهَةَ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ خَيْرٌ مِنْ مُشَابَهَةِ مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ الْكُفَّارِ بِالرُّبُوبِيَّةِ وَالنُّبُوَّاتِ وَنَحْوِهِمْ. وَلِهَذَا قِيلَ: الْمُشَبِّهُ أَعْشَى وَالْمُعَطِّلُ أَعْمَى. وَلِهَذَا فَرِحَ الْمُؤْمِنُونَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِانْتِصَارِ النَّصَارَى عَلَى الْمَجُوسِ كَمَا فَرِحَ الْمُشْرِكُونَ بِانْتِصَارِ الْمَجُوسِ عَلَى النَّصَارَى. فَتَدَبَّرْ هَذَا فَإِنَّهُ نَافِعٌ فِي مَوَاضِعَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَلِهَذَا كَانَ الْمُعْتَزِلَةُ وَنَحْوُهُمْ مِنْ الْقَدَرِيَّةِ مَجُوسَ هَذِهِ الْأُمَّةِ. وَهُمْ يَجْعَلُونَ الصفاتية نَصَارَى الْأُمَّةِ وَيَمِيلُونَ إلَى الْيَهُودِ لِمُوَافَقَتِهِمْ
(16/215)

لَهُمْ فِي أُمُورٍ كَثِيرَةٍ أَكْثَرَ مِنْ النَّصَارَى كَمَا يَمِيلُ طَائِفَةٌ مِنْ الْمُتَصَوِّفَةِ وَالْمُتَفَقِّرَةِ إلَى النَّصَارَى أَكْثَرَ مِنْ الْيَهُودِ. فَإِذَا كَانَ الصفاتية إلَى النَّصَارَى أَقْرَبَ وَضِدُّهُمْ إلَى الْمَجُوسِ وَالْمُشْرِكِينَ أَقْرَبَ تَبَيَّنَ أَنَّ الصفاتية أَتْبَاعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ الَّذِينَ فَرِحُوا بِانْتِصَارِ الرُّومِ النَّصَارَى عَلَى فَارِسَ الْمَجُوسِ وَأَنَّ الْمُعَطِّلَةَ هُمْ إلَى الْمُشْرِكِينَ أَقْرَبُ الَّذِينَ فَرِحُوا بِانْتِصَارِ الْمَجُوسِ عَلَى النَّصَارَى.
(16/216)

سُورَةُ الْغَاشِيَةِ
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ:
فَصْلٌ:
قَوْلُهُ: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ} {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ} {عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ} {تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً} {تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ} فِيهَا قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ الْمَعْنَى وُجُوهٌ فِي الدُّنْيَا خَاشِعَةٌ عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ تَصْلَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ نَارًا حَامِيَةً وَيَعْنِي بِهَا عِبَادَ الْكُفَّارِ كَالرُّهْبَانِ وَعِبَادَ البدود وَرُبَّمَا تُؤُوِّلَتْ فِي أَهْلِ الْبِدَعِ كَالْخَوَارِجِ. و " الْقَوْلُ الثَّانِي " أَنَّ الْمَعْنَى أَنَّهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ تَخْشَعُ أَيْ تَذِلُّ وَتَعْمَلُ وَتَنْصَبُ قُلْت هَذَا هُوَ الْحَقُّ لِوُجُوهِ: " أَحَدُهَا " أَنَّهُ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ يَتَعَلَّقُ الظَّرْفُ بِمَا يَلِيهِ أَيْ: وُجُوهٌ يَوْمَ الْغَاشِيَةِ خَاشِعَةٌ عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ صَالِيَةٌ. وَعَلَى الْأَوَّلِ لَا يَتَعَلَّقُ إلَّا
(16/217)

بِقَوْلِهِ (تَصْلَى) وَيَكُونُ قَوْلُهُ (خَاشِعَةٌ) صِفَةً لِلْوُجُوهِ قَدْ فَصَلَ بَيْنَ الصِّفَةِ وَالْمَوْصُوفِ بِأَجْنَبِيٍّ مُتَعَلِّقٍ بِصِفَةٍ أُخْرَى مُتَأَخِّرَةٍ وَالتَّقْدِيرُ: وُجُوهٌ خَاشِعَةٌ عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ يَوْمَئِذٍ تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً. وَالتَّقْدِيمُ وَالتَّأْخِيرُ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ؛ فَالْأَصْلُ إقْرَارُ الْكَلَامِ عَلَى نَظْمِهِ وَتَرْتِيبِهِ تَغْيِيرُ تَرْتِيبِهِ. ثُمَّ إنَّمَا يَجُوزُ فِيهِ التَّقْدِيمُ وَالتَّأْخِيرُ مَعَ الْقَرِينَةِ أَمَّا مَعَ اللَّبْسِ فَلَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ يَلْتَبِسُ عَلَى الْمُخَاطَبِ وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَيْسَ هُنَا قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَى التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ؛ بَلْ الْقَرِينَةُ تَدُلُّ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ فَإِرَادَةُ التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ بِمِثْلِ هَذَا الْخِطَابِ خِلَافُ الْبَيَانِ وَأَمْرُ الْمُخَاطَبِ بِفَهْمِهِ تَكْلِيفٌ لِمَا لَا يُطَاقُ. " الْوَجْهُ الثَّانِي " أَنَّ اللَّهَ قَدْ ذَكَرَ وُجُوهَ الْأَشْقِيَاءِ وَوُجُوهَ السُّعَدَاءِ فِي السُّورَةِ فَقَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ} {لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ} {فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ} وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ إنَّمَا وَصَفَهَا بِالنِّعْمَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا فِي الدُّنْيَا؛ إذْ هَذَا لَيْسَ بِمَدْحِ فَالْوَاجِبُ تَشَابُهُ الْكَلَامِ وَتَنَاظُرُ الْقِسْمَيْنِ لَا اخْتِلَافُهُمَا وَحِينَئِذٍ فَيَكُونُ الْأَشْقِيَاءُ وُصِفَتْ وُجُوهُهُمْ بِحَالِهَا فِي الْآخِرَةِ. " الثَّالِثُ " أَنَّ نَظِيرَ هَذَا التَّقْسِيمِ قَوْلُهُ: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ}
(16/218)

{إلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} {وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ} {تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ} وَقَوْلُهُ: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ} {ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ} {وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ} {تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ} {أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ} وَهَذَا كُلُّهُ وَصْفٌ لِلْوُجُوهِ لِحَالِهَا فِي الْآخِرَةِ لَا فِي الدُّنْيَا. " الرَّابِعُ " أَنَّ وَصْفَ الْوُجُوهِ بِالْأَعْمَالِ لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ وَإِنَّمَا فِي الْقُرْآنِ ذِكْرُ الْعَلَامَةِ كَقَوْلِهِ: {سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ} وَقَوْلِهِ: {وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ} وَقَوْلِهِ: {تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا} وَذَلِكَ لِأَنَّ الْعَمَلَ وَالنَّصْبَ لَيْسَ قَائِمًا بِالْوُجُوهِ فَقَطْ؛ بِخِلَافِ السِّيمَا وَالْعَلَامَةِ. " الْخَامِسُ " أَنَّ قَوْلَهُ: {خَاشِعَةً} {عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ} لَوْ جُعِلَ صِفَةً لَهُمْ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَكُنْ فِي هَذَا اللَّفْظِ ذَمٌّ فَإِنَّ هَذَا إلَى الْمَدْحِ أَقْرَبُ وَغَايَتُهُ أَنَّهُ وَصْفٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ عِبَادِ الْمُؤْمِنِينَ وَعِبَادِ الْكُفَّارِ وَالذَّمُّ لَا يَكُونُ بِالْوَصْفِ الْمُشْتَرَكِ وَلَوْ أُرِيدَ الْمُخْتَصَّ لَقِيلَ خَاشِعَةٌ لِلْأَوْثَانِ مَثَلًا عَامِلَةُ لِغَيْرِ اللَّهِ نَاصِبَةٌ فِي طَاعَةِ الشَّيْطَانِ وَلَيْسَ فِي الْكَلَامِ مَا يَقْتَضِي كَوْنَ هَذَا الْوَصْفِ مُخْتَصًّا بِالْكُفَّارِ وَلَا كَوْنَهُ مَذْمُومًا. وَلَيْسَ فِي الْقُرْآنِ ذَمٌّ لِهَذَا الْوَصْفِ مُطْلَقًا وَلَا وَعِيدَ عَلَيْهِ فَحَمْلُهُ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى خُرُوجٌ عَنْ الْخِطَابِ الْمَعْرُوفِ فِي الْقُرْآنِ.
(16/219)

" السَّادِسُ " أَنَّ هَذَا الْوَصْفَ مُخْتَصٌّ بِبَعْضِ الْكُفَّارِ وَلَا مُوجِبَ لِلتَّخْصِيصِ فَإِنَّ الَّذِينَ لَا يَتَعَبَّدُونَ مِنْ الْكُفَّارِ أَكْثَرُ وَعُقُوبَةَ فُسَّاقِهِمْ فِي دِينِهِمْ أَشَدُّ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَإِنَّ مَنْ كَفَّ مِنْهُمْ عَنْ الْمُحَرَّمَاتِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا وَأَدَّى الْوَاجِبَاتِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا لَمْ تَكُنْ عُقُوبَتُهُ كَعُقُوبَةِ الَّذِينَ يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ وَيَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلَّا بِالْحَقِّ وَيَزْنُونَ. فَإِذَا كَانَ الْكُفْرُ وَالْعَذَابُ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ فِي الْقِسْمِ الْمَتْرُوكِ أَكْثَرَ وَأَكْبَرَ كَانَ هَذَا التَّخْصِيصُ عَكْسَ الْوَاجِبِ. " السَّابِعُ " أَنَّ هَذَا الْخِطَابَ فِيهِ تَنْفِيرٌ عَنْ الْعِبَادَةِ وَالنُّسُكِ ابْتِدَاءً ثُمَّ إذَا قُيِّدَ ذَلِكَ بِعِبَادَةِ الْكُفَّارِ وَالْمُبْتَدِعَةِ وَلَيْسَ فِي الْخِطَابِ تَقْيِيدٌ كَانَ هَذَا سَعْيًا فِي إصْلَاحِ الْخِطَابِ بِمَا لَمْ يُذْكَرْ فِيهِ.
(16/220)

سُورَةُ الْبَلَدِ
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
قَوْلُهُ تَعَالَى: {أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ} {وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ} {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} الْهِدَايَةُ مَحِلُّهَا الْقَلْبُ وَهَذِهِ الْأَعْضَاءُ الثَّلَاثَةُ الَّتِي هِيَ دَائِمَةُ الْحَرَكَةِ وَالْكَسْبِ إمَّا لِلْإِنْسَانِ وَإِمَّا عَلَيْهِ بِخِلَافِ مَا يَتَحَرَّكُ مِنْ دَاخِلٍ فَإِنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ ثَوَابٌ وَلَا عِقَابٌ وَبِخِلَافِ بَقِيَّةِ الْأَعْضَاءِ الظَّاهِرَةِ فَإِنَّ السُّكُونَ أَغْلَبُ وَحَرَكَتَهَا قَلِيلَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى هَذِهِ وَهَذِهِ الثَّلَاثَةِ الَّتِي يُرْوَى {عَنْ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ كَانَ صَمْتُهُ فِكْرًا وَنُطْقُهُ ذِكْرًا وَنَظَرُهُ عِبْرَةً} . وَفِي حَدِيثٍ عِنْدَ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ فِي صِفَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ كَثِيرَ الصَّمْتِ دَائِمَ الْفِكْرِ مُتَوَاصِلَ الْأَحْزَانِ فَالصَّمْتُ وَالْفِكْرُ لِلِّسَانِ وَالْقَلْبِ وَأَمَّا الْحُزْنُ فَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ الْحُزْنَ الَّذِي هُوَ الْأَلَمُ عَلَى فَوْتِ مَطْلُوبٍ أَوْ حُصُولِ مَكْرُوهٍ فَإِنَّ ذَلِكَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ وَلَمْ يَكُنْ مِنْ حَالِهِ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الِاهْتِمَامَ وَالتَّيَقُّظَ لِمَا يَسْتَقْبِلُهُ مِنْ الْأُمُورِ وَهَذَا مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْقَلْبِ وَالْعَيْنِ.
(16/221)

وَفِيهِ أَيْضًا فِي الصَّحِيحَيْنِ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ {أَنَّهُ كَانَ إذَا قَامَ مِنْ اللَّيْلِ يُصَلِّي يَنْظُرُ إلَى السَّمَاءِ وَيَقْرَأُ الْآيَاتِ الْعَشْرِ مِنْ أَوَاخِرِ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ} فَيَجْمَعُ بَيْنَ الذِّكْرِ وَالنَّظَرِ وَالْفِكْرِ فَالنَّظَرُ أَيْ نَظَرُ الْقَلْبِ وَنَظَرُ الْعَيْنِ وَالذِّكْرُ أَيْضًا لَا بُدَّ مَعَ ذِكْرِ اللِّسَانِ مِنْ ذِكْرِ الْقَلْبِ. وَلَمَّا كَانَ النَّظَرُ مَبْدَأً وَالذِّكْرُ مُنْتَهًى لِأَنَّ النَّظَرَ يَتَقَدَّمُ الْإِدْرَاكَ وَالْعِلْمَ وَالذِّكْرَ يَتَأَخَّرُ عَنْ الْإِدْرَاكِ وَالْعِلْمِ؛ وَلِهَذَا كَانَ الْمُتَكَلِّمَةُ فِي النَّظَرِ الْمُقْتَضِي لِلْعِلْمِ وَكَانَ الْمُتَصَوِّفَةُ فِي الذِّكْرِ الْمُقَرِّرِ لِلْعِلْمِ قَدَّمَ آلَةَ النَّظَرِ عَلَى آلَةِ الذِّكْرِ وَخَتَمَ بِهِدَايَةِ الْمَلِكِ الْجَامِعِ الَّذِي هُوَ النَّاظِرُ الذَّاكِرُ. وَذَكَرَ سُبْحَانَهُ اللِّسَانَ وَالشَّفَتَيْنِ لِأَنَّهُمَا الْعُضْوَانِ النَّاطِقَانِ. فَأَمَّا الْهَوَاءُ وَالْحَلْقُ وَالنِّطْعُ وَاللَّهَوَاتُ وَالْأَسْنَانُ فَمُتَّصِلَةٌ حَرَكَةُ بَعْضِهَا مُرْتَبِطَةٌ بِحَرَكَةِ الْبَعْضِ بِمَنْزِلَةِ غَيْرِهَا مِنْ أَجْزَاءِ الْحَنَكِ فَأَمَّا اللِّسَانُ وَالشَّفَتَانِ فَمُنْفَصِلَةٌ. ثُمَّ الشَّفَتَانِ لَمَّا كَانَا النِّهَايَةَ حَمَلَا الْحُرُوفَ الْجَوَامِعَ: الْبَاءَ وَالْفَاءَ وَالْمِيمَ وَالْوَاوَ. فَأَمَّا الْبَاءُ وَالْفَاءُ فَهُمَا الْحَرْفَانِ السَّبَبِيَّانِ فَإِنَّ الْبَاءَ أَبَدًا تُفِيدُ الْإِلْصَاقَ وَالسَّبَبُ وَكَذَلِكَ الْفَاءُ تُفِيدُ التَّعْقِيبَ وَالسَّبَبَ؛ وَبِالْأَسْبَابِ تَجْتَمِعُ الْأُمُورُ بَعْضُهَا بِبَعْضِ.
(16/222)

وَأَمَّا الْمِيمُ وَالْوَاوُ فَلَهُمَا الْجَمْعُ وَالْإِحَاطَةُ أَلَا تَرَى أَنَّ الْمِيمَ ضَمِيرٌ لِجَمْعِ الْمُخَاطَبِينَ فِي الْأَنْوَاعِ الْخَمْسَةِ: ضَمِيرَيْ الرَّفْعِ وَالنَّصْبِ الْمُتَّصِلَيْنِ والمنفصلين وَضَمِيرُ الْخَفْضِ فِي مِثْلِ قَوْلِهِ: (أَنْتُمْ) و (عَلِمْتُمْ) و (إيَّاكُمْ) و (عِلْمُكُمْ) و (بِكُمْ) وَضَمِيرٌ لِجَمْعِ الْغَائِبِينَ فِي الْأَنْوَاعِ الْخَمْسَةِ أَيْضًا وَالْمُضْمَرُ أَيًّا كَانَ إمَّا مُتَكَلِّمٌ أَوْ مُخَاطَبٌ أَوْ غَائِبٌ وَاحِدٌ أَوْ اثْنَانِ أَوْ جَمْعٌ مَرْفُوعٌ أَوْ مَنْصُوبٌ أَوْ مَجْرُورٌ. فَقَدْ أَحَاطَتْ بِالْجَمِيعِ مُطْلَقًا. أَمَّا الْجَمْعُ الْمُطْلَقُ فَبِنَفْسِهَا وَأَمَّا الْجَمْعُ الْمُقَدَّرُ بِاثْنَيْنِ فَبِزِيَادَةِ عَلَمِ التَّثْنِيَة وَهُوَ الْأَلِفُ فِي مِثْلِ أَنْتُمَا وَعَلِمْتُمَا وَكَذَلِكَ الْبَاقِي. وَلِهَذَا زِيدَتْ الْوَاوُ فِي الْجَمْعِ الْمُطْلَقِ فَقِيلَ عليهموا وأنتموا كَمَا زِيدَتْ الْأَلِفُ فِي التَّثْنِيَةِ وَمَنْ حَذَفَهَا حَذَفَهَا تَخْفِيفًا؛ وَلِأَنَّ تَرْكَ الْعَلَامَةِ عَلَامَةٌ فَصَارَتْ الْمِيمُ مُشْتَرَكَةً ثُمَّ الْفَارِقُ الْأَلِفُ أَوْ عَدَمُهَا مَعَ الْوَاوِ. وَأَمَّا الْوَاوُ فَلَهَا جُمُوعُ الضَّمَائِرِ الْغَائِبَةِ فِي مِثْلِ قَالُوا وَنَحْوِهَا وَأَمَّا الْمُتَّصِلَةُ مِثْلُ إيَّاكُمْ وَهُمْ فَعَلَى اللُّغَتَيْنِ؛ فَلَمَّا صَارَتْ الْوَاوُ تَمَامَ الْمُضْمَرِ الْمَرْفُوعِ الْمُنْفَصِلِ وَالْيَاءُ تَمَامَ الْمُؤَنَّثِ: صَارَتْ لِلْمُؤَنَّثِ مُطْلَقًا فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِ؛ لِأَنَّهُ تِلْوَ الْمُذَكَّرِ وَالْمُفْرَدُ مُذَكَّرُهُ وَمُؤَنَّثُهُ قَبْلَ الْمُثَنَّى وَالْمَجْمُوعِ فَإِنَّ الْمُفْرَدَ قَبْلَ الْمُرَكَّبِ ثُمَّ الْأَلِفُ صَارَتْ عَلَمَ التَّثْنِيَةِ مُطْلَقًا فِي الْمُظْهَرِ وَالْمُضْمَرِ كَمَا أَنَّ الْوَاوَ عَلَمٌ لِجَمْعِ الْمُذَكَّرِ وَجَعْلُ الْيَاءِ عَلَمَيْ النَّصْبِ وَالْجَرِّ
(16/223)

فِي الْمُظْهَرِ مِنْ الْمُثَنَّى وَالْمَجْمُوعِ؛ لِأَنَّ الْمُظْهَرَ قَبْلَ الْمُضْمَرِ وَأَقْوَى مِنْهُ فَكَانَتْ أَحَقَّ أَنْ تَكُونَ فِيهِ مِنْ الْأَلِفِ فَحِينَ مَا كَانَ أَقْوَى كَانَتْ الْوَاوَ وَحِينَ مَا كَانَ أَوْسَطَ كَانَ الْيَاءَ. وَأَمَّا الْجُمُوعُ الظَّاهِرَةُ فَالْوَاوُ هِيَ عَلَمُ الْجَمْعِ الْمُذَكِّرِ الصَّحِيحِ كَمَا أَنَّ الْأَلِفَ عَلَمُ التَّثْنِيَةِ؛ وَلِهَذَا يُنْطَقُ بِهَا حَيْثُ لَا إعْرَابَ لَكِنْ فِي حَالِ النَّصْبِ وَالْخَفْضِ قُلِبَتَا يَاءَيْنِ لِأَجْلِ الْفَرْقِ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْأَسْمَاءَ الظَّاهِرَةَ لَهَا الْغَيْبَةُ دُونَ الْخِطَابِ فِي جَمِيعِ الْعَرَبِيَّةِ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْوَاوَ أَقْوَى حُرُوفِ الْعِلَّةِ وَالضَّمَّةُ بَعْضُهَا وَهِيَ أَقْوَى الْحَرَكَاتِ لِمَا فِيهَا مِنْ الْجَمْعِ وَكَوْنِهَا آخِرًا فَجُعِلَتْ لِلْجَمْعِ وَالْأَلِفُ أَخَفُّ حُرُوفِ الْعِلَّةِ فَجُعِلَتْ لِلِاثْنَيْنِ لِأَنَّ الْيَاءَ كَانَتْ قَدْ صَارَتْ لِلْمُؤَنَّثِ فِي الْمُفْرَدِ الْمَرْفُوعِ الَّذِي هُوَ الْأَصْلُ فِي قَوْلِك. . . (1) ، وَجَاءَتْ الْمِيمُ فِي مِثْلِ اللَّهُمَّ إشْعَارٌ بِجَمِيعِ الْأَسْمَاءِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ حَرْفَ الشَّفَةِ لَمَّا كَانَ جَامِعًا لِلْقُوَّةِ مِنْ مَبْدَإِ مَخَارِجِ الْحُرُوفِ إلَى مُنْتَهَاهَا بِمَنْزِلَةِ الْخَاتَمِ الْآخَرِ الَّذِي حَوَى مَا فِي الْمُتَقَدِّمِ وَزِيَادَةٍ كَانَ جَامِعًا لِقَوِيِّ الْحُرُوفِ فَجُعِلَ جَامِعًا لِلْأَسْمَاءِ مُظْهَرِهَا وَمُضْمَرِهَا وَجَامِعًا بَيْنَ الْمُفْرَدَاتِ وَالْجُمَلِ فَالْوَاوُ وَالْفَاءُ عَاطِفَانِ وَالْفَاءُ رَابِطَةُ جُمْلَةٍ بِجُمْلَةِ. وَلَمَّا كَانَتْ النُّونُ قَرِيبَةً مِنْ الْفِيهَةِ فَهِيَ أَنْفِيَّةٌ جُعِلَتْ لِجَمْعِ الْمُؤَنَّثِ
__________

[تعليق مُعِدّ الكتاب للشاملة]
(1) بياض بالأصل
(16/224)

لِأَنَّهُ دُونَ جَمْعِ الْمُذَكِّرِ وَثَنَّى الْعَيْنَيْنِ وَالشَّفَتَيْنِ لِأَنَّ الْعَيْنَيْنِ هُمَا رَبِيئَةُ الْقَلْبِ وَلَيْسَ مِنْ الْأَعْضَاءِ أَشَدُّ ارْتِبَاطًا بِالْقَلْبِ مِنْ الْعَيْنَيْنِ؛ وَلِهَذَا جَمَعَ بَيْنِهِمَا فِي قَوْلِهِ: {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ} {تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ} {وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ} {قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ} {أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ} وَلِأَنَّ كِلَيْهِمَا لَهُ النَّظَرُ؛ فَنَظَرُ الْقَلْبِ الظَّاهِرُ بِالْعَيْنَيْنِ وَالْبَاطِنُ بِهِ وَحْدَهُ وَكَذَلِكَ اللِّسَانُ هُوَ الذَّكَرُ وَالشَّفَتَانِ أُنْثَاهُ.
(16/225)

سُورَةُ الشَّمْسِ
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَحْمَد بْنُ تَيْمِيَّة - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ -:
فَصْلٌ:
فِي قَوْله تَعَالَى {وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا} {وَالْقَمَرِ إذَا تَلَاهَا} {وَالنَّهَارِ إذَا جَلَّاهَا} {وَاللَّيْلِ إذَا يَغْشَاهَا} . وَضَمِيرُ التَّأْنِيثِ فِي {جَلَّاهَا} و {يَغْشَاهَا} لَمْ يَتَقَدَّمْ مَا يَعُودُ عَلَيْهِ إلَّا الشَّمْسُ فَيَقْتَضِي أَنَّ النَّهَارَ يُجَلِّي الشَّمْسَ وَأَنَّ اللَّيْلَ يَغْشَاهَا و " التَّجْلِيَةُ " الْكَشْفُ وَالْإِظْهَارُ و " الْغَشَيَانُ " التَّغْطِيَةُ وَاللَّبْسُ وَمَعْلُومٌ أَنَّ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ظَرْفَا الزَّمَانِ وَالْفِعْلُ إذَا أُضِيفَ إلَى الزَّمَانِ فَقِيلَ هَذَا الزَّمَانُ أَوْ هَذَا الْيَوْمُ يُبْرِدُ أَوْ يُبَرِّدُ أَوْ يُنْبِتُ الْأَرْضَ وَنَحْوُ ذَلِكَ فَالْمَقْصُودُ أَنَّ ذَلِكَ يَكُونُ فِيهِ كَمَا يُوصَفُ الزَّمَانُ بِأَنَّهُ عَصِيبٌ وَشَدِيدٌ وَنَحْسٌ وَبَارِدٌ وَحَارٌّ وَطَيِّبٌ وَمَكْرُوهٌ وَالْمُرَادُ وَصْفُ مَا فِيهِ. فَكَوْنُ الشَّيْءِ فَاعِلًا وَمَوْصُوفًا هُوَ بِحَسَبِ مَا يَلِيقُ بِهِ كُلُّ شَيْءٍ بِحَسَبِهِ.
(16/226)

فَالنَّهَارُ يُجَلِّي الشَّمْسَ وَاللَّيْلُ يَغْشَاهَا وَإِنْ كَانَ ظُهُورُ الشَّمْسِ هُوَ سَبَبُ النَّهَارِ وَمَغِيبُهَا سَبَبُ اللَّيْلِ. وَقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: {وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا} فَأَضَافَ الضُّحَى إلَيْهَا. وَالضُّحَى يَعُمُّ النَّهَارَ كُلَّهُ كَمَا قَالَ {أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا} {رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا} {وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا} وَقَالَ {وَالضُّحَى} {وَاللَّيْلِ إذَا سَجَى} . وَقَوْلِهِ: {وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا} {وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا} {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا} {فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} فَقَدْ قِيلَ: إنَّ " مَا " مَصْدَرِيَّةٌ وَالتَّقْدِيرُ: وَالسَّمَاءِ وَبِنَاءِ اللَّهِ إيَّاهَا وَالْأَرْضِ وَطَحْوِ اللَّهِ إيَّاهَا وَنَفْسٍ وَتَسْوِيَةِ اللَّهِ إيَّاهَا. لَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ الْفَاعِلِ فِي الْجُمْلَةِ لَا يَصْلُحُ أَنْ يُقَدَّرَ الْمَصْدَرُ هُنَا مُضَافًا إلَى الْفِعْلِ فَقَطْ فَيُقَالُ " وَبِنَائِهَا " لِأَنَّ الْفَاعِلَ مَذْكُورٌ فِي الْجُمْلَةِ فِي قَوْلِهِ {وَمَا بَنَاهَا} {وَمَا طَحَاهَا} فَإِنَّ الْفِعْلَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ فَاعِلٍ فِي الْجُمْلَةِ وَمَفْعُولٍ أَيْضًا. فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ فِي التَّقْدِيرِ الْفَاعِلُ وَالْمَفْعُولُ. لَكِنْ إذَا كَانَتْ مَصْدَرِيَّةً كَانَتْ " مَا " حَرْفًا لَيْسَ فِيهَا ضَمِيرٌ فَيَكُونُ ضَمِيرُ الْفَاعِلِ فِي " بَنَاهَا " عَائِدًا عَلَى غَيْرِ مَذْكُورٍ بَلْ إلَى مَعْلُومٍ وَالتَّقْدِيرُ: وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا اللَّهُ وَهَذَا خِلَافُ الْأَصْلِ؛ وَخِلَافُ الظَّاهِرِ.
(16/227)

وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهَا مَوْصُولَةٌ وَالتَّقْدِيرُ: الَّذِي بَنَاهَا وَاَلَّذِي طَحَاهَا. و " مَا " فِيهَا عُمُومٌ وَإِجْمَالٌ يَصْلُحُ لِمَا لَا يُعْلَمُ وَلِصِفَاتِ مَنْ يَعْلَمُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ} {وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ} وَقَوْلِهِ {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} . وَهَذَا الْمَعْنَى يَجِيءُ فِي قَوْلِهِ: {وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى} . وَهَذَا الْمَعْنَى كَمَا أَنَّهُ ظَاهِرُ الْكَلَامِ وَأَصْلُهُ هُوَ أَكْمَلُ فِي الْمَعْنَى أَيْضًا. فَإِنَّ الْقَسَمَ بِالْفَاعِلِ يَتَضَمَّنُ الْإِقْسَامَ بِفِعْلِهِ بِخِلَافِ الْإِقْسَامِ بِمُجَرَّدِ الْفِعْلِ. وَأَيْضًا فَالْأَقْسَامُ الَّتِي فِي الْقُرْآنِ عَامَّتُهَا بِالذَّوَاتِ الْفَاعِلَةِ وَغَيْرِ الْفَاعِلَةِ. يُقْسِمُ بِنَفْسِ الْفِعْلِ كَقَوْلِهِ: {وَالصَّافَّاتِ صَفًّا} {فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا} {فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا} وَكَقَوْلِهِ: {وَالنَّازِعَاتِ} {وَالْمُرْسَلَاتِ} وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَهُوَ سُبْحَانَهُ تَارَةً يُقْسِمُ بِنَفْسِ الْمَخْلُوقَاتِ؛ وَتَارَةً بِرَبِّهَا وَخَالِقِهَا كَقَوْلِهِ {فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ} وَكَقَوْلِهِ {وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى} وَتَارَةً يُقْسِمُ بِهَا وَبِرَبِّهَا. وَفِي هَذِهِ السُّورَةِ أَقَسَمَ بِمَخْلُوقٍ وَبِفِعْلِهِ؛ وَأَقْسَمَ بِمَخْلُوقٍ دُونَ فِعْلِهِ فَأَقْسَمَ بِفَاعِلِهِ.
(16/228)

فَإِنَّهُ قَالَ: {وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا} {وَالْقَمَرِ إذَا تَلَاهَا} {وَالنَّهَارِ إذَا جَلَّاهَا} {وَاللَّيْلِ إذَا يَغْشَاهَا} . فَأَقْسَمَ بِالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَآثَارِهَا وَأَفْعَالِهَا كَمَا فَرَّقَ بَيْنَهُمَا فِي قَوْلِهِ: {وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ} وَقَالَ: {وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} فَإِنَّهُ بِأَفْعَالِ هَذِهِ الْأُمُورِ وَآثَارِهَا تَقُومُ مَصَالِحُ بَنِي آدَمَ وَسَائِرُ الْحَيَوَانِ. وَقَالَ: {وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا} وَلَمْ يَقُلْ: " وَنَهَارِهَا " وَلَا " ضِيَائِهَا " لِأَنَّ " الضُّحَى " يَدُلُّ عَلَى النُّورِ وَالْحَرَارَةِ جَمِيعًا وَبِالْأَنْوَارِ وَالْحَرَارَةِ تَقُومُ مَصَالِحُ الْعِبَادِ. ثُمَّ أَقْسَمَ بِالسَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَبِالنَّفْسِ وَلَمْ يَذْكُرْ مَعَهَا فِعْلًا فَذَكَرَ فَاعِلَهَا فَقَالَ: {وَمَا بَنَاهَا} {وَمَا طَحَاهَا} {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا} . فَلَمْ يَصْلُحْ أَنْ يُقْسِمَ بِفِعْلِ النَّفْسِ لِأَنَّهَا تَفْعَلُ الْبِرَّ وَالْفُجُورَ وَهُوَ سُبْحَانَهُ لَا يُقْسِمُ إلَّا بِمَا هُوَ مُعَظَّمٌ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ. لَكِنْ ذَكَرَ فِي ضَمِيرِ الْقَسَمِ أَنَّهُ خَالِقُ أَفْعَالِهَا بِقَوْلِهِ: {وَمَا سَوَّاهَا} {فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} . فَإِذَا كَانَ قَدْ بَيَّنَ أَنَّهُ خَالِقُ فِعْلِ الْعَبْدِ الَّذِي هُوَ أَظْهَرُ الْأَشْيَاءِ فِعْلًا وَاخْتِيَارًا وَقُدْرَةً فَلَأَنْ يَكُونَ خَالِقَ فِعْلِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَالْأَحْرَى.
(16/229)

وَأَمَّا السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ فَلَيْسَ لَهُمَا فِعْلٌ ظَاهِرٌ يُعَظَّمُ فِي النُّفُوسِ حَتَّى يُقْسِمَ بِهَا إلَّا مَا يَظْهَرُ مِنْ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ. وَالسَّمَاءُ وَالْأَرْضُ أَعْظَمُ مِنْ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالنَّفْسُ أَشْرَفُ الْحَيَوَانِ الْمَخْلُوقِ. فَكَانَ الْقَسَمُ بِصَانِعِ هَذِهِ الْأُمُورِ الْعَظِيمَةِ مُنَاسِبًا وَكَانَ إقْسَامُهُ بِصَانِعِهَا تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّهُ صَانِعٌ مَا فِيهَا مِنْ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ. فَتَضَمَّنَ الْكَلَامُ الْإِقْسَامَ بِصَانِعِ هَذِهِ الْمَخْلُوقَاتِ وَبِأَعْيَانِهَا وَمَا فِيهَا مِنْ الْآثَارِ وَالْمَنَافِعِ لِبَنِي آدَمَ. وَخَتَمَ الْقَسَمَ بِالنَّفْسِ الَّتِي هِيَ آخِرُ الْمَخْلُوقَاتِ فَإِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ آخِرَ الْمَخْلُوقَاتِ. وَبَيَّنَ أَنَّهُ خَالِقٌ جَمِيعَ أَفْعَالِهَا وَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ خَالِقٌ جَمِيعَ أَفْعَالِ مَا سِوَاهَا. وَهُوَ سُبْحَانَهُ مَعَ مَا ذَكَرَ مِنْ عُمُومِ خَلْقِهِ لِجَمِيعِ الْمَوْجُودَاتِ عَلَى مَرَاتِبِهَا حَتَّى أَفْعَالِ الْعَبْدِ الْمُنْقَسِمَةِ إلَى التَّقْوَى وَالْفُجُورِ وبَيْنَ انْقِسَامِ الْأَفْعَالِ إلَى الْخَيْرِ وَالشَّرِّ وَانْقِسَامِ الْفَاعِلِينَ إلَى مُفْلِحٍ وَخَائِبٍ سَعِيدٍ وَشَقِيٍّ. وَهَذَا يَتَضَمَّنُ الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ وَالْوَعْدَ وَالْوَعِيدَ. فَكَانَ فِي ذَلِكَ رَدٌّ عَلَى الْقَدَرِيَّةِ الْمَجُوسِيَّةِ الَّذِينَ يُخْرِجُونَ أَفْعَالَ الْعِبَادِ عَنْ خَلْقِهِ وَإِلْهَامِهِ وَعَلَى الْقَدَرِيَّةِ المشركية الَّذِينَ يُبْطِلُونَ أَمْرَهُ وَنَهْيَهُ وَوَعْدَهُ وَوَعِيدَهُ. احْتِجَاجًا بِقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ.
(16/230)

وَقَدْ قِيلَ فِي قَوْلِهِ: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا} {وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} إنَّ الضَّمِيرَ عَائِدٌ إلَى " اللَّهِ " أَيْ " قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا اللَّهُ وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا اللَّهُ ". وَهَذَا مُخَالِفٌ لِلظَّاهِرِ بَعِيدٌ عَنْ نَهْجِ الْبَيَانِ الَّذِي أَلَّفَ عَلَيْهِ الْقُرْآنَ إذْ كَانَ الْأَحْسَنُ " قَدْ أَفْلَحَتْ مَنْ زَكَّاهَا اللَّهُ وَقَدْ خَابَتْ مَنْ دَسَّاهَا " وَهَذَا ضَعِيفٌ. وَأَيْضًا فَقَوْلُهُ {فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} بَيَانٌ لِلْقَدَرِ فَلَا حَاجَةَ إلَى ذِكْرِهِ. مَرَّةً ثَانِيَةً عَقِبَ ذَلِكَ فِي مِثْلِ هَذِهِ السُّورَةِ الْقَصِيرَةِ. وَلِهَذَا لَمْ يُذْكَرْ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي إثْبَاتِ الْقَدَرِ إلَّا هَذِهِ الْآيَةُ دُونَ الثَّانِيَةِ كَمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي الْأُسُودِ الدؤلي قَالَ قَالَ لِي عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ: أَرَأَيْت مَا يَعْمَلُ النَّاسُ الْيَوْمَ وَيَكْدَحُونَ فِيهِ أَشَيْءٌ قُضِيَ عَلَيْهِمْ وَمَضَى عَلَيْهِمْ مِنْ قَدَرٍ قَدْ سُبِقَ أَوْ فِيمَا يَسْتَقْبِلُونَ بِهِ مِمَّا أَتَاهُمْ بِهِ نَبِيُّهُمْ وَثَبَتَتْ الْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ؟ فَقُلْت: بَلْ شَيْءٌ قُضِيَ عَلَيْهِمْ وَمَضَى عَلَيْهِمْ. قَالَ فَقَالَ: أَفَلَا يَكُونُ ذَلِكَ ظُلْمًا؟ قَالَ: فَفَزِعْت مِنْ ذَلِكَ فَزَعًا شَدِيدًا وَقُلْت: كُلُّ شَيْءٍ خَلْقُ اللَّهِ وَمِلْكُ يَدِهِ فَلَا يُسْأَل عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ. فَقَالَ لِي: يَرْحَمُك اللَّهُ: إنِّي لَمْ أُرِدْ بِمَا سَأَلْتُك إلَّا لِأُحْرِزَ عَقْلَك. فَإِنَّ {رَجُلَيْنِ مِنْ مزينة أَتَيَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْت مَا يَعْمَلُ النَّاسُ الْيَوْمَ وَيَكْدَحُونَ فِيهِ أَشَيْءٌ قُضِيَ عَلَيْهِمْ وَمَضَى فِيهِمْ مِنْ قَدَرٍ
(16/231)

قَدْ سُبِقَ أَوْ فِيمَا يَسْتَقْبِلُونَ بِهِ مِمَّا أَتَاهُمْ بِهِ نَبِيُّهُمْ وَثَبَتَتْ الْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ؟ فَقَالَ: لَا بَلْ شَيْءٌ قُضِيَ عَلَيْهِمْ وَمَضَى فِيهِمْ} وَتَصْدِيقُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا} {فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} فَبَيَّنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ تَصْدِيقَ مَا أَخْبَرَ بِهِ مِنْ الْقَضَاءِ قَوْلُهُ {فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} وَاَلَّذِي فِي الْحَدِيثِ هُوَ الْقَدَرُ السَّابِقُ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ وَكِتَابِهِ وَكَلَامِهِ؛ وَهَذَا إنَّمَا تُنْكِرُهُ غَالِيَةُ الْقَدَرِيَّةِ. وَأَمَّا الَّذِي فِي الْقُرْآنِ فَهُوَ خَلْقُ اللَّهِ أَفْعَالَ الْعِبَادِ وَهَذَا أَبْلَغُ. فَإِنَّ الْقَدَرِيَّةَ الْمَجُوسِيَّةَ تُنْكِرُهُ. فَاَلَّذِي فِي الْقُرْآنِ يَدُلُّ عَلَى مَا فِي الْحَدِيثِ وَزِيَادَةٌ وَلِهَذَا جَعَلَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُصَدِّقًا لَهُ. وَذَلِكَ مِنْ وُجُوهٍ. أَحَدُهَا: أَنَّهُ إذَا عَلِمَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْمُلْهِمُ لِلْفُجُورِ وَالتَّقْوَى وَلَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ ظُلْمٌ كَمَا تَقُولُهُ الْقَدَرِيَّةُ الإبليسية وَلَا مُخَالَفَةَ لِلْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ كَمَا تَقُولُهُ الْقَدَرِيَّةُ المشركية فالْإِقْرَارُ بِأَنَّ اللَّهَ كَتَبَ ذَلِكَ وَقَدَّرَهُ قَبْلَ وُجُودِهِ مِمَّا لَا نِزَاعَ فِيهِ عِنْدَ الْإِنْسَانِ مِنْ جِهَةِ الْقَدَرِ. وَلِهَذَا قَدْ أَقَرَّ بِالْقَدَرِ السَّابِقِ جُمْهُورُ الْقَدَرِيَّةِ الَّذِينَ يُنْكِرُونَ خَلْقَ الْأَفْعَالِ. وَلَمْ يُثْبِتْ أَحَدٌ مِنْ الْقَدَرِيَّةِ أَنَّ اللَّهَ خَالِقُ أَفْعَالِ الْعِبَادِ وَيُنْكِرُهُ مِنْ جِهَةِ الْقَدَرِ أَنَّ اللَّهَ خَالِقُ ذَلِكَ.
(16/232)

الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ إذَا ثَبَتَ أَنَّ اللَّهَ خَالِقُ فِعْلِ الْعَبْدِ وَأَنَّهُ الْمُلْهِمُ الْفُجُورَ وَالتَّقْوَى كَانَ ذَلِكَ مِنْ جُمْلَةِ مَصْنُوعَاتِهِ وَالشُّبْهَةُ الَّتِي عَرَضَتْ لِلْقَدَرِيَّةِ الَّتِي سَأَلَ المزنيان النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّمَا هِيَ فِي أَعْمَالِ الْعِبَادِ الَّتِي عَلَيْهَا الثَّوَابُ وَالْعِقَابُ خَاصَّةً وَلَمْ يُنْكِرُوا مِنْ جِهَةِ الْقَدَرِ أَنَّ اللَّهَ قَدَّرَ مَا يَخْلُقُهُ هُوَ قَبْلَ وُجُودِهِ. وَإِنَّمَا أَنْكَرَ مَنْ أَنْكَرَ مِنْهُمْ إذَا اشْتَبَهَ أَمْرُ أَفْعَالِ الْعِبَادِ. وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ إنَّ اللَّهَ يُقَدِّرُ الْأُمُورَ قَبْلَ وُجُودِهَا إلَّا أَفْعَالَ الْعِبَادِ وَالسَّعَادَةَ وَالشَّقَاوَةَ. فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَعْلَمَهُ حَتَّى يَكُونَ لِأَنَّ أَمْرَ الْأَمِيرِ بِمَا يَعْلَمُ أَنَّ الْمُكَلَّفَ لَا يُطِيعُهُ فِيهِ بَلْ يَكُونُ ضَرَرًا عَلَيْهِ مُسْتَقْبَحٌ عِنْدَهُمْ. وَقَدْ حَكَى طَوَائِفُ مِنْ الْمُصَنَّفِينَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ وَغَيْرِهِمْ الْخِلَافَ فِي ذَلِكَ عَنْ الْمُعْتَزِلَةِ. وَقَالُوا: يَجُوزُ أَنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ الْعَبْدَ بِمَا يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَفْعَلُهُ خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ. لِأَنَّ فِي جِنْسِ الْمُعْتَزِلَةِ مَنْ يُخَالِفُ فِي ذَلِكَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يُخَالِفُ فِي ذَلِكَ؛ وَإِنَّمَا يُخَالِفُ فِيهِ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ. فَإِذَا كَانَ الْقُرْآنُ قَدْ أَثْبَتَ أَنَّهُ الْمُلْهِمُ لِلنَّفْسِ فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا كَانَ ذَلِكَ مِنْ جُمْلَةِ مَفْعُولَاتِهِ. فَلَا تَبْقَى شُبْهَةُ الْقَدَرِيَّةِ أَنَّهُ قَدَّرَ ذَلِكَ قَبْلَ وُجُودِهِ كَمَا لَا شُبْهَةَ عِنْدِهِمْ فِي تَقْدِيرِهِ لِمَا يَخْلُقُهُ مِنْ الْأَعْيَانِ وَالصِّفَاتِ. وَأَمَّا مَنْ أَنْكَرَ تَقْدِيرَهُ الْعِلْمَ مِنْ مُنْكِرَةِ الصِّفَاتِ أَوْ بَعْضِهَا فَأُولَئِكَ
(16/233)

لَهُمْ مَأْخَذٌ آخَرُ لَيْسَ مَأْخَذُهُمْ أَمْرَ الصِّفَاتِ. الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ قَدْ كَانَ أَلْهَمَ الْفُجُورَ وَالتَّقْوَى وَهُوَ خَالِقُ فِعْلِ الْعَبْدِ. فَلَا بُدَّ أَنْ يَعْلَمَ مَا خَلَقَهُ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَهُ كَمَا قَالَ {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ} لِأَنَّ الْفَاعِلَ الْمُخْتَارَ يُرِيدُ مَا يَفْعَلُهُ وَالْإِرَادَةُ مُسْتَلْزِمَةٌ لِتَصَوُّرِ الْمُرَادِ. وَذَلِكَ هُوَ الْعِلْمُ بِالْمُرَادِ الْمَفْعُولِ. وَإِذَا كَانَ خُلُقُهُ لِلشَّيْءِ مُسْتَلْزِمًا لِعِلْمِهِ بِهِ فَذَلِكَ أَصْلُ الْقَدَرِ السَّابِقِ وَمَا عَلِمَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِقَوْلِهِ وَبِكُتُبِهِ فَلَا نِزَاعَ فِيهِ. وَهَذَا بَيِّنٌ فِي جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ فِي هَذَا وَغَيْرِهِ. فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ إذَا أَلْهَمَ الْفُجُورَ وَالتَّقْوَى فَالْمُلْهَمُ إنْ لَمْ يُمَيِّزْ بَيْنَ الْفُجُورِ وَالتَّقْوَى وَيَعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْفِعْلَ الَّذِي يُرِيدُ أَنْ يَفْعَلَهُ هَذَا فُجُورٌ وَاَلَّذِي يُرِيدُ أَنْ يَفْعَلَهُ هَذَا تَقْوَى لَمْ يَصِحَّ مِنْهُ إلْهَامُ الْفُجُورِ وَالتَّقْوَى. فَظَهَرَ بِهَذَا حُسْنُ مَا ذَكَرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ تَصْدِيقِ الْآيَةِ لِمَا أَخْبَرَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْقَدَرِ السَّابِقِ. وَقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ {فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} كَمَا يَدُلُّ عَلَى الْقَدَرِ فَيَدُلُّ عَلَى الشَّرْعِ. فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ " فَأَلْهَمَهَا أَفْعَالَهَا " كَمَا يَقُولُ النَّاسُ
(16/234)

" خَالِقُ أَفْعَالِ الْعِبَادِ " لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ تَمْيِيزٌ بَيْنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ وَالْمَحْبُوبِ وَالْمَكْرُوهِ وَالْمَأْمُورِ بِهِ وَالْمَنْهِيِّ عَنْهُ. بَلْ كَانَ فِيهِ حُجَّةٌ لِلْمُشْرِكِينَ مِنْ المباحية وَالْجَبْرِيَّةِ الَّذِينَ يَدْفَعُونَ الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ وَالْحُسْنَ وَالْقُبْحَ؛ فَإِنَّهُ خَلَقَ أَفْعَالَ الْعِبَادِ. فَلَمَّا قَالَ {فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} كَانَ الْكَلَامُ تَفْرِيقًا بَيْنَ الْحَسَنِ الْمَأْمُورِ بِهِ وَالْقَبِيحِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ وَأَنَّ الْأَفْعَالَ مُنْقَسِمَةٌ إلَى حَسَنٍ وَسَيِّئٍ مَعَ كَوْنِهِ تَعَالَى خَالِقَ الصِّنْفَيْنِ. وَهَذِهِ طَرِيقَةُ الْقُرْآنِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ يَذْكُرُ الْمُؤْمِنَ وَالْكَافِرَ وَأَفْعَالَهُمَا الْحَسَنَةَ وَالسَّيِّئَةَ ووَعْدَهُ وَوَعِيدَهُ؛ وَيَذْكُرُ أَنَّهُ خَالِقُ الصِّنْفَيْنِ كَقَوْلِهِ {يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} وَنَحْوَ ذَلِكَ. وَهَذَا الْأَصْلُ ضَلَّتْ فِيهِ الْجَبْرِيَّةُ وَالْقَدَرِيَّةُ: فَإِنَّ الْقَدَرِيَّةَ الْمَجُوسِيَّةَ قَالُوا: إنَّ الْأَفْعَالَ تَنْقَسِمُ إلَى حَسَنٍ وَقَبِيحٍ لِصِفَاتٍ قَائِمَةٍ بِهَا وَالْعَبْدُ هُوَ الْمُحْدِثُ لَهَا بِدُونِ قُدْرَةِ اللَّهِ وَبِدُونِ خَلْقِهِ. فَقَالَتْ الْجَبْرِيَّةُ: بَلْ الْعَبْدُ مَجْبُورٌ عَلَى فِعْلِهِ وَالْجَبْرُ حَقٌّ يُوجِبُ وُجُودَ أَفْعَالِهِ عِنْدَ وُجُودِ الْأَسْبَابِ الَّتِي يَخْلُقُهَا اللَّهُ وَامْتِنَاعُ وَجُودِهَا عِنْدَ عَدَمِ شَيْءٍ مِنْ الْأَسْبَابِ. وَإِذَا كَانَ مَجْبُورًا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ الْفِعْلُ حَسَنًا أَوْ قَبِيحًا لِمَعْنَى يَقُومُ بِهِ.
(16/235)

وَهَذِهِ طَرِيقَةُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الرَّازِي وَنَحْوِهِ مِنْ الْجَبْرِيَّةِ النَّافِينَ لِانْقِسَامِ الْفِعْلِ فِي نَفْسِهِ إلَى حَسَنٍ وَقَبِيحٍ. وَالْأُولَى طَرِيقَةُ أَبِي الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيِّ وَنَحْوِهِ مِنْ الْقَدَرِيَّةِ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ فِعْلَ الْعَبْدِ لَمْ يُحْدِثْهُ إلَّا هُوَ وَالْعِلْمُ بِذَلِكَ ضَرُورِيٌّ أَوْ نَظَرِيٌّ؛ وَأَنَّ الْفِعْلَ يَنْقَسِمُ فِي نَفْسِهِ إلَى حَسَنٍ وَقَبِيحٍ وَالْعِلْمُ بِذَلِكَ ضَرُورِيٌّ. وَأَبُو الْحُسَيْنِ هُوَ إمَامُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ وَلَهُ مِنْ الْعَقْلِ وَالْفَضْلِ مَا لَيْسَ لِأَكْثَرِ نُظَرَائِهِ. لَكِنْ هُوَ قَلِيلُ الْمَعْرِفَةِ بِالسُّنَنِ وَمَعَانِي الْقُرْآنِ وَطَرِيقَةِ السَّلَفِ. وَهُوَ وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ الرَّازِي فِي هَذَا الْبَابِ فِي طَرَفَيْ نَقِيضٍ وَمَعَ كُلٍّ مِنْهُمَا مِنْ الْحَقِّ مَا لَيْسَ مَعَ الْآخَرِ. فَأَبُو الْحُسَيْنِ يَدَّعِي أَنَّ الْعِلْمَ بِأَنَّ الْعَبْدَ يُحْدِثُ فِعْلَهُ ضَرُورِيٌّ وَالرَّازِي يَدَّعِي أَنَّ الْعِلْمَ بِأَنَّ افْتِقَارَ الْفِعْلِ الْمُحْدَثِ الْمُمْكِنِ إلَى مُرَجَّحٍ يَجِبُ وَجُودُهُ عِنْدَهُ وَيَمْتَنِعُ عِنْدَ عَدَمِهِ ضَرُورِيٌّ كَذَلِكَ. بَلْ كِلَاهُمَا صَادِقٌ فِيمَا ذَكَرَهُ مِنْ الْعِلْمِ الضَّرُورِيِّ. ثُمَّ يَعْتَقِدُ كُلُّ فَرِيقٍ أَنَّ هَذَا الْعِلْمَ الضَّرُورِيَّ يُبْطِلُ مَا ادَّعَاهُ الْآخَرُ مِنْ الضَّرُورَةِ وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ. بَلْ كِلَاهُمَا صَادِقٌ فِيمَا ذَكَرَهُ مِنْ الْعِلْمِ الضَّرُورِيِّ وَمُصِيبٌ فِي ذَلِكَ وَإِنَّمَا وَقَعَ غَلَطُهُ فِي إنْكَارِهِ مَا مَعَ الْآخَرِ مِنْ الْخَلْقِ. فَإِنَّهُ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ كَوْنِ الْعَبْدِ مُحْدِثًا لِفِعْلِهِ وَكَوْنِ
(16/236)

هَذَا الْإِحْدَاثِ مُمْكِنُ الْوُجُودِ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى. وَلِهَذَا كَانَ مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ الْمَحْضَةِ أَنَّ الْعَبْدَ فَاعِلٌ لِفِعْلِهِ حَقِيقَةً كَمَا ادَّعَاهُ أَبُو الْحُسَيْنِ مِنْ الضَّرُورَةِ؛ لَا يَقُولُونَ: لَيْسَ بِفَاعِلِ حَقِيقَةً أَوْ لَيْسَ بِفَاعِلِ كَمَا يَقُولُهُ الْمَائِلُونَ إلَى الْجَبْرِ مِثْلُ طَائِفَةِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الرَّازِي. يَقُولُونَ مَعَ ذَلِكَ: إنَّ اللَّهَ هُوَ الْخَالِقُ لِهَذَا الْفَاعِلِ وَلِفِعْلِهِ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَهُ فَاعِلًا حَقِيقَةً وَهُوَ خَالِقُ أَفْعَالِ الْعِبَادِ كَمَا يَقُولُهُ أَهْلُ الْإِثْبَاتِ مِنْ الْأَشْعَرِيَّةِ طَائِفَةِ الرَّازِي وَغَيْرِهِمْ؛ لَا كَمَا يَقُولُهُ الْقَدَرِيَّةُ مِثْلُ أَبِي الْحُسَيْنِ وَطَائِفَتِهِ: إنَّ اللَّه لَمْ يَخْلُقْ أَفْعَالَ الْعِبَادِ. وَلِهَذَا نَصَّ الْأَئِمَّةُ كَالْإِمَامِ أَحْمَد وَمَنْ قَبْلَهُ مِنْ الْأَئِمَّةِ كالأوزاعي وَغَيْرِهِ عَلَى إنْكَارِ إطْلَاقِ الْقَوْلِ بِالْجَبْرِ نَفْيًا وَإِثْبَاتًا فَلَا يُقَالُ " إنَّ اللَّهَ جَبَرَ الْعِبَادَ " وَلَا يُقَالُ " لَمْ يَجْبُرْهُمْ ". فَإِنَّ لَفْظَ " الْجَبْرِ " فِيهِ اشْتِرَاكٌ وَإِجْمَالٌ. فَإِذَا قِيلَ " جَبَرَهُمْ " أَشْعَرَ بِأَنَّ اللَّهَ يُجْبِرُهُمْ عَلَى فِعْلِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِمْ وَإِذَا قِيلَ " لَمْ يُجْبِرْهُمْ " أَشْعَرَ بِأَنَّهُمْ يَفْعَلُونَ مَا يَشَاءُونَ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ وَكِلَاهُمَا خَطَأٌ. وَقَدْ بَسَطْنَا الْقَوْلَ فِي هَذَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ. وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّ هَذَيْنِ الْفَرِيقَيْنِ اعْتَقَدُوا تَنَافِي الْقَدَرِ وَالشَّرْعِ كَمَا اعْتَقَدَ ذَلِكَ الْمَجُوسُ وَالْمُشْرِكُونَ فَقَالُوا: إذَا كَانَ خَالِقًا لِلْفِعْلِ امْتَنَعَ
(16/237)

أَنْ يَكُونَ الْفِعْلُ فِي نَفْسِهِ حَسَنًا لَهُ ثَوَابٌ أَوْ قَبِيحًا عَلَيْهِ عِقَابٌ. ثُمَّ قَالَتْ الْقَدَرِيَّةُ: لَكِنَّ الْفِعْلَ مُنْقَسِمٌ فَلَيْسَ خَالِقًا لِلْفِعْلِ. وَقَالَتْ الْجَبْرِيَّةُ: لَكِنَّهُ خَالِقٌ فَلَيْسَ الْفِعْلُ مُنْقَسِمًا. وَلَكِنَّ الْجَبْرِيَّةَ الْمُقِرُّونَ بِالرُّسُلِ يُقِرُّونَ بِالِانْقِسَامِ مِنْ جِهَةِ أَمْرِ الشَّارِعِ وَنَهْيِهِ فَقَطْ وَيَقُولُونَ: لَهُ أَنْ يَأْمُرَ بِمَا شَاءَ لَا لِمَعْنَى فِيهِ وَيَنْهَى عَمَّا يَشَاءُ لَا لِأَجْلِ مَعْنًى فِيهِ وَيَقُولُونَ فِي خَلْقِهِ وَفِي أَمْرِهِ جَمِيعًا: يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ وَيَحْكُمُ مَا يُرِيدُ. وَأَمَّا مَنْ غَلَبَ عَلَيْهِ رَأْيٌ أَوْ هَوًى فَإِنَّهُ يَنْحَلُّ عَنْ رِبْقَةِ الشَّارِعِ إذَا عَايَنَ الْجَبْرَ وَيَقُولُونَ مَا يَقُولُهُ الْمُشْرِكُونَ {لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ} وَمَنْ أَقَرَّ بِالشَّرْعِ وَالْأَمْرِ وَالنَّهْي وَالْحُسْنِ وَالْقُبْحِ دُونَ الْقَدَرِ وَخَلْقِ الْأَفْعَالِ كَمَا عَلَيْهِ الْمُعْتَزِلَةُ فَهُوَ مِنْ الْقَدَرِيَّةِ الْمَجُوسِيَّةِ الَّذِينَ شَابَهُوا الْمَجُوسَ. وَلِلْمُعْتَزِلَةِ مِنْ مُشَابَهَةِ الْمَجُوسِ وَالْيَهُودِ نَصِيبٌ وَافِرٌ. وَمَنْ أَقَرَّ بِالْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ وَخَلْقِ الْأَفْعَالِ وَعُمُومِ الرُّبُوبِيَّةِ وَأَنْكَرَ الْمَعْرُوفَ وَالْمُنْكِرَ وَالْهُدَى وَالضَّلَالَ وَالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ فَفِيهِ شَبَهٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَالصَّابِئَةِ.
(16/238)

وَكَانَ الْجَهْمُ بْنُ صَفْوَانَ وَمَنْ اتَّبَعَهُ كَذَلِكَ لَمَّا نَاظَرَ أَهْلَ الْهِنْدِ كَمَا كَانَ الْمُعْتَزِلَةُ كَذَلِكَ لَمَّا نَاظَرُوا الْمَجُوسَ الْفُرْسَ وَالْمَجُوسُ أَرْجَحُ مِنْ الْمُشْرِكِينَ. فَإِنَّ مَنْ أَنْكَرَ الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ أَوْ لَمْ يُقِرَّ بِذَلِكَ فَهُوَ مُشْرِكٌ صَرِيحٌ كَافِرٌ أَكْفَرُ مِنْ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسِ كَمَا يُوجَدُ ذَلِكَ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْمُتَكَلِّمَةِ وَالْمُتَصَوِّفَةِ أَهْلِ الْإِبَاحَةِ وَنَحْوِهِمْ. وَلِهَذَا لَمْ يَظْهَرْ هَؤُلَاءِ وَنَحْوُهُمْ فِي عَصْرِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لِقُرْبِ عَهْدِهِمْ بِالنُّبُوَّةِ. وَإِنَّمَا ظَهَرَ أُولَئِكَ الْقَدَرِيَّةُ الْمَجُوسِيَّةُ لِأَنَّ مَذْهَبَهُمْ فِيهِ تَعْظِيمٌ لِلْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ. فَهُمْ أَقْرَبُ إلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالرَّسُولِ وَالدِّينِ مِنْ هَؤُلَاءِ الْمُعَطِّلَةِ لِلْأَمْرِ وَالنَّهْيِ فَإِنَّ هَؤُلَاءِ مِنْ شَرِّ الْخَلْقِ. وَأَمَّا الْقَدَرِيَّةُ الإبليسية فَهَمّ الَّذِينَ يُقِرُّونَ بِوُجُودِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ مِنْ اللَّهِ وَيُقِرُّونَ مَعَ ذَلِكَ بِوُجُودِ الْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ مِنْهُ لَكِنْ يَقُولُونَ: هَذَا فِيهِ جَهْلٌ وَظُلْمٌ. فَإِنَّهُ بِتَنَاقُضِهِ يَكُونُ جَهْلًا وَسَفَهًا وَبِمَا فِيهِ مِنْ عُقُوبَةِ الْعَبْدِ بِمَا خَلَقَ فِيهِ يَكُونُ ظُلْمًا. وَهَذَا حَالُ إبْلِيسَ. فَإِنَّهُ قَالَ {بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ
(16/239)

وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} . فَأَقَرَّ بِأَنَّ اللَّهَ أَغْوَاهُ ثُمَّ جَعَلَ ذَلِكَ عِنْدَهُ دَاعِيًا يَقْتَضِي أَنْ يُغْوِيَ هُوَ ذَرِّيَّةَ آدَمَ. وَإِبْلِيسٌ هُوَ أَوَّلُ مَنْ عَادَى اللَّهَ وَطَغَى فِي خَلْقِهِ وَأَمْرِهِ وَعَارَضَ النَّصَّ بِالْقِيَاسِ. وَلِهَذَا يَقُولُ بَعْضُ السَّلَفِ: أَوَّلُ مَنْ قَاسَ إبْلِيسُ. فَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَهُ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ فَاعْتَرَضَ عَلَى هَذَا الْأَمْرِ بِأَنِّي خَيْرٌ مِنْهُ وَامْتَنَعَ مِنْ السُّجُودِ. فَهُوَ أَوَّلُ مَنْ عَادَى اللَّهَ وَهُوَ الْجَاهِلُ الظَّالِمُ الْجَاهِلُ بِمَا فِي أَمْرِ اللَّهِ مِنْ الْحِكْمَةِ الظَّالِمُ بِاسْتِكْبَارِهِ الَّذِي جَمَعَ فِيهِ بَيْنَ بَطَرِ الْحَقِّ وَغَمْطِ النَّاسِ. ثُمَّ قَوْلُهُ لِرَبِّهِ " فَبِمَا أَغْوَيْتِنِي لَأَفْعَلَنَّ " جَعَلَ فِعْلَ اللَّهِ الَّذِي هُوَ إغْوَاؤُهُ لَهُ حُجَّةً لَهُ وَدَاعِيًا إلَى أَنْ يُغْوِيَ ابْنَ آدَمَ. وَهَذَا طَعْنٌ مِنْهُ فِي فِعْلِ اللَّهِ وَأَمْرِهِ وَزَعْمٌ مِنْهُ أَنَّهُ قَبِيحٌ فَأَنَا أَفْعَلُ الْقَبِيحَ أَيْضًا. فَقَاسَ نَفْسَهُ عَلَى رَبِّهِ وَمَثَّلَ نَفْسَهُ بِرَبِّهِ. وَلِهَذَا كَانَ مُضَاهِيًا لِلرُّبُوبِيَّةِ كَمَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ جَابِرِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {: إنَّ إبْلِيسَ يَنْصِبُ عَرْشَهُ عَلَى الْبَحْرِ ثُمَّ يَبْعَثُ سَرَايَاهُ فَأَعْظَمُهُمْ فِتْنَةً أَقْرَبُهُمْ إلَيْهِ مَنْزِلَةً. فَيَجِيءُ الرَّجُلُ فَيَقُولُ: مَا زِلْت بِهِ حَتَّى فَعَلَ كَذَا. ثُمَّ يَجِيءُ الْآخَرُ فَيَقُولُ: مَا زِلْت بِهِ حَتَّى فَرَّقْت بَيْنَهُ وَبَيْنَ زَوْجَتِهِ فَيَلْتَزِمُهُ وَيُدْنِيهِ مِنْهُ وَيَقُولُ: أَنْتَ أَنْتَ} .
(16/240)

وَالْقَدَرِيَّةُ قَصَدُوا تَنْزِيهَ اللَّهِ عَنْ السَّفَهِ وَأَحْسَنُوا فِي هَذَا الْقَصْدِ. فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ مُقَدَّسٌ عَمَّا يَقُولُ الظَّالِمُونَ مِنْ إبْلِيسَ وَجُنُودِهِ عُلُوًّا كَبِيرًا حَكَمٌ عَدْلٌ. لَكِنْ ضَاقَ ذَرْعُهُمْ وَحَصَلَ عِنْدَهُمْ نَوْعُ جَهْلٍ اعْتَقَدُوا مَعَهُ أَنَّ هَذَا التَّنْزِيهَ لَا يَتِمُّ إلَّا بِأَنْ يَسْلُبُوهُ قُدْرَتَهُ عَلَى أَفْعَالِ الْعِبَادِ وَخَلْقِهِ لَهَا وَشُمُولِ إرَادَتِهِ لِكُلِّ شَيْءٍ. فَنَاظَرُوا إبْلِيسَ وَحِزْبَهُ فِي شَيْءٍ وَاسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمْ إبْلِيسُ مِنْ نَاحِيَةٍ أُخْرَى. وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ آفَاتِ الْجِدَالِ فِي الدِّينِ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَوْ بِغَيْرِ الْحَقِّ. وَهُوَ الْكَلَامُ الَّذِي ذَمَّهُ السَّلَفُ فَإِنَّ صَاحِبَهُ يَرُدُّ بَاطِلًا بِبَاطِلِ وَبِدْعَةً بِبِدْعَةِ. فَجَاءَ طَوَائِفُ مِمَّنْ نَاظَرَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْإِثْبَاتِ لِيُقَرِّرُوا أَنَّ اللَّهَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ مَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. فَضَاقَ ذَرْعُهُمْ وَعِلْمُهُمْ وَاعْتَقَدُوا أَنَّ هَذَا لَا يَتِمُّ إنْ لَمْ نُنْكِرْ مَحَبَّةَ اللَّهِ وَرِضَاهُ وَمَا خَصَّ بِهِ بَعْضَ الْأَفْعَالِ دُونَ بَعْضٍ مِنْ الصِّفَاتِ الْحَسَنَةِ وَالسَّيِّئَةِ؛ وَنُنْكِرُ حِكْمَتَهُ وَرَحْمَتَهُ فَيَجُوزُ عَلَيْهِ كُلُّ فِعْلٍ لَا يُنَزَّهُ عَنْ ظُلْمٍ وَلَا غَيْرِهِ مِنْ الْأَفْعَالِ. وَزَادَ قَوْمٌ فِي ذَلِكَ حَتَّى عَطَّلُوا الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ وَالْوَعْدَ وَالْوَعِيدَ رَأْسًا. وَمَالَ هَؤُلَاءِ إلَى الْإِرْجَاءِ كَمَا مَالَ الْأَوَّلُونَ إلَى الْوَعِيدِ. فَقَالَتْ الوعيدية:
(16/241)

كُلُّ فَاسِقٍ خَالِدٌ فِي النَّارِ لَا يَخْرُجُ مِنْهَا أَبَدًا؛ وَقَالَتْ الْخَوَارِجُ: هُوَ كَافِرٌ. وَغَالِيَةُ الْمُرْجِئَةِ أَنْكَرَتْ عِقَابَ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ. وَمَنْ صَرَّحَ بِالْكُفْرِ أَنْكَرَ الْوَعِيدَ فِي الْآخِرَةِ رَأْسًا كَمَا يَفْعَلُهُ طَوَائِفُ مِنْ الِاتِّحَادِيَّةِ والمتفلسفة وَالْقَرَامِطَةِ وَالْبَاطِنِيَّةِ. وَكَانَ هَؤُلَاءِ الْجَبْرِيَّةُ الْمُرْجِئَةُ أَكْفَرُ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ الوعيدية الْقَدَرِيَّةِ. وَأَمَّا مُقْتَصِدَةُ الْمُرْجِئَةِ الْجَبْرِيَّةِ الَّذِينَ يُقِرُّونَ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ وَأَنَّ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ مَنْ يَدْخُلُ النَّارَ فَهَؤُلَاءِ أَقْرَبُ النَّاسِ إلَى أَهْلِ السُّنَّةِ. وَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ {عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: لُعِنَتْ الْقَدَرِيَّةُ وَالْمُرْجِئَةُ عَلَى لِسَانِ سَبْعِينَ نَبِيًّا أَنَا آخِرُهُمْ} . لَكِنَّ الْمُعْتَزِلَةَ مِنْ الْقَدَرِيَّةِ أَصْلَحُ مِنْ الْجَبْرِيَّةِ وَالْمُرْجِئَةِ وَنَحْوِهِمْ فِي الشَّرِيعَةِ عِلْمَهَا وَعَمَلَهَا. فَكَلَامُهُمْ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ وَفِي اتِّبَاعِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ خَيْرٌ مِنْ كَلَامِ الْمُرْجِئَةِ مِنْ الْأَشْعَرِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ. فَإِنَّ كَلَامَ هَؤُلَاءِ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ قَاصِرٌ جِدًّا وَكَذَلِكَ هُمْ مُقَصِّرُونَ فِي تَعْظِيمِ الطَّاعَاتِ وَالْمَعَاصِي. وَلَكِنْ هُمْ فِي أُصُولِ الدِّينِ أَصْلَحُ مِنْ أُولَئِكَ فَإِنَّهُمْ يُؤْمِنُونَ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ وَقُدْرَتِهِ وَخَلْقِهِ بِمَا لَا يُؤْمِنُ بِهِ أُولَئِكَ. وَهَذَا الصِّنْفُ أَعْلَى.
(16/242)

فَلِهَذَا كَانَتْ الْمُرْجِئَةُ فِي الْجُمْلَةِ خَيْرًا مِنْ الْقَدَرِيَّةِ حَتَّى إنَّ الْإِرْجَاءَ دَخَلَ فِيهِ الْفُقَهَاءُ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ وَغَيْرِهِمْ بِخِلَافِ الِاعْتِزَالِ. فَإِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ أَحَدٌ مِنْ فُقَهَاءِ السَّلَفِ وَأَئِمَّتِهِمْ.
فَصْلٌ:
فَإِذَا كَانَ الضَّلَالُ فِي الْقَدَرِ حَصَلَ تَارَةً بِالتَّكْذِيبِ بِالْقَدَرِ وَالْخَلْقِ. وَتَارَةً بِالتَّكْذِيبِ بِالشَّرْعِ وَالْوَعِيدِ وَتَارَةً بِتَظْلِيمِ الرَّبِّ كَانَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ رَدًّا عَلَى هَذِهِ الطَّوَائِفِ كُلِّهَا. فَقَوْلُهُ تَعَالَى {فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} إثْبَاتٌ لِلْقَدَرِ بِقَوْلِهِ " فَأَلْهَمَهَا "؛ وَإِثْبَاتٌ لِفِعْلِ الْعَبْدِ بِإِضَافَةِ الْفُجُورِ وَالتَّقْوَى إلَى نَفْسِهِ لِيَعْلَمَ أَنَّهَا هِيَ الْفَاجِرَةُ وَالْمُتَّقِيَةُ؛ وَإِثْبَاتٌ لِلتَّفْرِيقِ بَيْنَ الْحَسَنِ وَالْقَبِيحِ وَالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ بِقَوْلِهِ {فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} . وَقَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا} {وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} إثْبَاتٌ لِفِعْلِ الْعَبْدِ وَالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ بِفَلَاحِ مَنْ زَكَّى نَفْسَهُ وَخَيْبَةِ مَنْ دَسَّاهَا. وَهَذَا صَرِيحٌ فِي الرَّدِّ عَلَى الْقَدَرِيَّةِ الْمَجُوسِيَّةِ وَعَلَى الْجَبْرِيَّةِ لِلشَّرْعِ أَوْ لِفِعْلِ الْعَبْدِ وَهُمْ الْمُكَذِّبُونَ بِالْحَقِّ.
(16/243)

وَأَمَّا الْمُظْلِمُونَ لِلْخَالِقِ فَإِنَّهُ قَدْ دَلَّ عَلَى عَدْلِهِ بِقَوْلِهِ {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا} وَالتَّسْوِيَةُ: التَّعْدِيلُ. فَبَيَّنَ أَنَّهُ عَادِلٌ فِي تَسْوِيَةِ النَّفْسِ الَّتِي أَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا. وَذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ عُقُوبَةَ مَنْ كَذَّبَ رُسُلَهُ وَطَغَى وَأَنَّهُ لَا يَخَافُ عَاقِبَةَ انْتِقَامِهِ مِمَّنْ خَالَفَ رُسُلَهُ لِيُبَيِّنَ أَنَّ مَنْ كَذَّبَ بِهَذَا أَوْ بِهَذَا فَإِنَّ اللَّهَ يَنْتَقِمُ مِنْهُ وَلَا يَخَافُ عَاقِبَةَ انْتِقَامِهِ كَمَا انْتَقَمَ مِنْ إبْلِيسِ وَجُنُودِهِ وَأَنَّ تَظَلُّمَهُ مِنْ رَبِّهِ وَتَسْفِيهَهُ لَهُ إنَّمَا يُهْلِكُ بِهِ نَفْسَهُ وَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا. " فَإِنَّ الْعِبَادَ لَنْ يَبْلُغُوا ضُرَّ اللَّهِ فَيَضُرُّوهُ وَلَنْ يَبْلُغُوا نَفْعَهُ فَيَنْفَعُوهُ وَلَوْ أَنَّ أَوَّلَهُمْ وَآخِرَهُمْ وَإِنْسَهُمْ وَجِنَّهُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ مِنْهُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِهِ شَيْئًا وَلَوْ أَنَّ أَوَّلَهُمْ وَآخِرَهُمْ وَإِنْسَهُمْ وَجِنَّهُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ مِنْهُمْ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِهِ شَيْئًا ". وَلِهَذَا لَمَّا سَأَلَ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ أَبَا الْأُسُودِ الدؤلي عَنْ ذَلِكَ لِيَحْزِرَ عَقْلَهُ " هَلْ يَكُونُ ذَلِكَ ظُلْمًا؟ " فَذَكَرَ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْهُ ظُلْمًا وَخَافَ مِنْ قَوْلِهِ {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا} وَذَكَرَ حَدِيثَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاسْتِشْهَادَهُ بِهَذِهِ الْآيَةِ. وَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ الْقَدَرِيَّةَ الْخَائِضِينَ بِالْبَاطِلِ إمَّا أَنْ يَكُونُوا مُكَذِّبِينَ لِمَا
(16/244)

أَخْبَرَ بِهِ الرَّبُّ مِنْ خَلْقِهِ أَوْ أَمْرِهِ وَإِمَّا أَنْ يَكُونُوا مُظْلِمِينَ لَهُ فِي حُكْمِهِ. وَهُوَ سُبْحَانَهُ الصَّادِقُ الْعَدْلُ كَمَا قَالَ تَعَالَى {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} . فَإِنَّ الْكَلَامَ إمَّا إنْشَاءٌ وَإِمَّا إخْبَارٌ. فَالْإِخْبَارُ صِدْقٌ لَا كَذِبٌ؛ وَالْإِنْشَاءُ أَمْرُ التَّكْوِينِ وَأَمْرُ التَّشْرِيعِ عَدْلٌ لَا ظُلْمٌ. وَالْقَدَرِيَّةُ الْمَجُوسِيَّةُ كَذَّبُوا بِمَا أَخْبَرَ بِهِ عَنْ خَلْقِهِ وَشَرْعِهِ مِنْ أَمْرِ الدِّينِ والإبليسية جَعَلُوهُ ظَالِمًا فِي مَجْمُوعِهِمَا أَوْ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا. وَقَدْ ظَهَرَ بِذَلِكَ أَنَّ الْمُفْتَرِقِينَ الْمُخْتَلِفِينَ مِنْ الْأُمَّةِ إنَّمَا ذَلِكَ بِتَرْكِهِمْ بَعْضَ الْحَقِّ الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ بِهِ نَبِيَّهُ وَأَخْذِهِمْ بَاطِلًا يُخَالِفُهُ وَاشْتِرَاكِهِمْ فِي بَاطِلٍ يُخَالِفُ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ. وَهُوَ مِنْ جِنْسِ مُخَالِفَةِ الْكُفَّارِ لِلْمُؤْمِنِينَ كَمَا قَالَ تَعَالَى {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ} إلَى قَوْلِهِ {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ} . فَإِذَا اشْتَرَكُوا فِي بَاطِلٍ خَالَفُوا بِهِ الْمُؤْمِنِينَ الْمُتَّبِعِينَ لِلرُّسُلِ نَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَلْقَى بَيْنَهُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ وَاخْتَلَفُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ فِي حَقٍّ آخَرَ جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ فَآمَنِ هَؤُلَاءِ بِبَعْضِهِ وَكَفَرُوا بِبَعْضِهِ وَالْآخَرُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا كَفَرَ بِهِ هَؤُلَاءِ وَيَكْفُرُونَ بِمَا يُؤْمِنُ بِهِ هَؤُلَاءِ. وَهُنَا كِلَا الطَّائِفَتَيْنِ الْمُخْتَلِفَتَيْن الْمُفْتَرِقَتَيْن مَذْمُومَةٌ. وَهَذَا شَأْنُ عَامَّةِ
(16/245)

الِافْتِرَاقِ وَالِاخْتِلَافِ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ وَغَيْرِهَا. وَهَذَا مِنْ ذَلِكَ. فَإِنَّهُمْ اشْتَرَكُوا فِي أَنَّ كَوْنَ الرَّبِّ خَالِقًا لِفِعْلِ الْعَبْدِ يُنَافِي كَوْنَ فِعْلِهِ مُنْقَسِمًا إلَى حَسَنٍ وَقَبِيحٍ. وَهَذِهِ الْمُقَدِّمَةُ اشْتَرَكُوا فِيهَا جَدَلًا مِنْ غَيْرِ أَنْ تَكُونَ حَقًّا فِي نَفْسِهَا أَوْ عَلَيْهَا حُجَّةٌ مُسْتَقِيمَةٌ. وَهِيَ إحْدَى الْمُقَدِّمَتَيْنِ الَّتِي يَعْتَمِدُهَا الرَّازِي فِي مَسْأَلَةِ التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ. فَإِنَّهُ اعْتَقَدَ فِي " مَحْصُولِهِ " وَغَيْرِهِ عَلَى أَنَّ الْعَبْدَ مَجْبُورٌ عَلَى فِعْلِهِ وَالْمَجْبُورُ لَا يَكُونُ فِعْلُهُ قَبِيحًا فَلَا يَكُونُ شَيْءٌ مِنْ أَفْعَالِ الْعِبَادِ قَبِيحًا. وَهَذِهِ الْحُجَّةُ بِنَفْيٍ ذَلِكَ أَصْلُهَا حُجَّةُ الْمُشْرِكِينَ الْمُكَذِّبِينَ لِلرُّسُلِ الَّذِينَ قَالُوا {لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ} فَإِنَّهُمْ نَفَوْا قُبْحَ الشِّرْكِ وَتَحْرِيمَ مَا لَمْ يُحَرِّمْهُ اللَّهُ مِنْ الطَّيِّبَاتِ بِإِثْبَاتِ الْقَدَرِ. لَكِنَّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَحْتَجُّونَ بِالْجَبْرِ عَلَى نَفْيِ الْأَحْكَامِ إذَا أَقَرُّوا بِالشَّرْعِ لَمْ يَكُونُوا مِثْلَ الْمُشْرِكِينَ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ. وَلِهَذَا لَمْ يَكُنْ الْمُتَكَلِّمُونَ الْمُقِرُّونَ بِالشَّرِيعَةِ كَالْمُشْرِكِينَ وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ جُزْءٌ مِنْ بَاطِلٍ الْمُشْرِكِينَ. لَكِنْ يُوجَدُ فِي الْمُتَكَلِّمِينَ وَالْمُتَصَوِّفَةِ طَوَائِفُ يَغْلِبُ عَلَيْهِمْ الْجَبْرُ حَتَّى
(16/246)

يَكْفُرُوا حِينَئِذٍ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ وَالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ إمَّا قَوْلًا وَإِمَّا حَالًا وَعَمَلًا. وَأَكْثَرُ مَا يَقَعُ ذَلِكَ فِي الْأَفْعَالِ الَّتِي تُوَافِقُ أَهْوَاءَهُمْ يَطْلُبُونَ بِذَلِكَ إسْقَاطَ اللَّوْمِ وَالْعِقَابِ عَنْهُمْ وَلَا يَزِيدُهُمْ ذَلِكَ إلَّا ذَمًّا وَعِقَابًا كَالْمُسْتَجِيرِ مِنْ الرَّمْضَاءِ بِالنَّارِ. فَإِنَّ هَذَا الْقَوْلَ لَا يُطَرَّدُ الْعَمَلُ بِهِ لِأَحَدِ إذْ لَا غِنَى لِبَنِي آدَمَ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ مِنْ إرَادَةِ شَيْءٍ وَالْأَمْرِ بِهِ وَبُغْضِ شَيْءٍ وَالنَّهْيِ عَنْهُ. فَمَنْ طَلَبَ أَنْ يُسَوَّى بَيْنَ الْمَحْبُوبِ وَالْمَكْرُوهِ وَالْمَرْضِيِّ وَالْمَسْخُوطِ وَالْعَدْلِ وَالظُّلْمِ وَالْعِلْمِ وَالْجَهْلِ وَالضَّلَالِ وَالْهُدَى وَالرُّشْدِ وَالْغَيِّ فَإِنَّهُ لَا يَسْتَمِرُّ عَلَى ذَلِكَ أَبَدًا. بَلْ إذَا حَصَلَ لَهُ مَا يَكْرَهُهُ وَيُؤْذِيهِ فَرَّ إلَى دَفْعِ ذَلِكَ وَعُقُوبَةُ فَاعِلِهِ بِمَا قَدَرَ عَلَيْهِ حَتَّى يَعْتَدِيَ فِي ذَلِكَ. فَهُمْ مِنْ أَظْلَمِ الْخَلْقِ فِي تَفْرِيقِهِمْ بَيْنَ الْقَبِيحِ مِنْ الظُّلْمِ وَالْفَوَاحِشِ مِنْهُمْ وَمِنْ غَيْرِهِمْ وَمِمَّنْ يَهْوُونَهُ وَمَنْ لَا يَهْوُونَهُ وَاحْتِجَاجُهُمْ بِالْقَدَرِ لِأَنْفُسِهِمْ دُونَ خُصُومِهِمْ. وَتَجِدُ أَحَدَهُمْ عِنْدَ فِعْلِ مَا يُحْمَدُ عَلَيْهِ يَغْلِبُ عَلَى قَلْبِهِ حَالُ أَهْلِ الْقَدَرِ فَيَجْعَلُ نَفْسَهُ هُوَ الْمُحْدِثُ لِذَلِكَ دُونَ اللَّهِ وَيَنْسَى نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ
(16/247)

فِي إلْهَامِهِ إيَّاهُ تَقْوَاهُ. وَهَذَا مِنْ أَظْلَمِ الْخَلْقِ كَمَا قَالَ أَبُو الْفَرَجِ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: أَنْتَ عِنْدَ الطَّاعَةِ قَدَرِيٌّ وَعِنْدَ الْمَعْصِيَةِ جَبْرِيٌّ أَيُّ مَذْهَبٍ وَافَقَ هَوَاك تَمَذْهَبْت بِهِ. وَأَهْلُ الْعَدْلِ ضِدُّ ذَلِكَ. إذَا فَعَلُوا حَسَنَةً شَكَرُوا اللَّهَ عَلَيْهَا لِعِلْمِهِمْ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الَّذِي حَبَّبَ إلَيْهِمْ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِهِمْ وَأَنَّهُ هُوَ الَّذِي كَرَّهَ إلَيْهِمْ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ؛ {وَالَّذِينَ إذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ} . فَاتَّبَعُوا أَبَاهُمْ حَيْثُ أَذْنَبَ: {فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} وَقَالَ {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} . وَيَقُولُ أَحَدُهُمْ " أَبُوءُ لَك بِنِعْمَتِك عَلَيَّ وَأَبُوءُ بِذَنْبِي " كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {: سَيِّدُ الِاسْتِغْفَارِ أَنْ يَقُولَ الْعَبْدُ اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ. خَلَقْتِنِي وَأَنَا عَبْدُك وَأَنَا عَلَى عَهْدِك وَوَعْدِك مَا اسْتَطَعْت أَعُوذُ بِك مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْت. أَبُوءُ لَك بِنِعْمَتِك عَلَيَّ؛ وَأَبُوءُ بِذَنْبِي. فَاغْفِرْ لِي فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا أَنْتَ} . وَكَمَا فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَيْضًا {إنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: يَا عِبَادِي إنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ تُرَدُّ
(16/248)

عَلَيْكُمْ فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدْ اللَّهَ وَمَنْ وَجَدَ شَرًّا فَلَا يَلُومَن إلَّا نَفْسَهُ} . وَيَقُولُونَ بِمُوجَبِ قَوْله تَعَالَى {مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ} .
قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
ذَكَرَ سُبْحَانَهُ فِي هَذِهِ السُّورَةِ ثَمُودَ دُونَ غَيْرِهِمْ مِنْ الْأُمَمِ الْمُكَذِّبَةِ فَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَبُو الْعَبَّاسِ تَقِيُّ الدِّينِ ابْنُ تَيْمِيَّة:
هَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ مِنْ بَابِ التَّنْبِيهِ بِالْأَدْنَى عَلَى الْأَعْلَى. فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي الْأُمَمِ الْمُكَذِّبَةِ أَخَفُّ ذَنْبًا وَعَذَابًا مِنْهُمْ (*) إذْ لَمْ يَذْكُرُ عَنْهُمْ مِنْ الذُّنُوبِ مَا ذَكَرَ عَنْ عَادٍ وَمَدْيَنَ وَقَوْمِ لُوطٍ وَغَيْرِهِمْ. وَلِهَذَا لَمَّا ذَكَرَهُمْ وَعَادًا قَالَ {فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ} {وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى} وَكَذَلِكَ إذَا ذَكَرَهُمْ مَعَ الْأُمَمِ الْمُكَذِّبَةِ لَمْ يَذْكُرْ عَنْهُمْ مَا يَذْكُرُ عَنْ أُولَئِكَ مِنْ التَّجَبُّرِ وَالتَّكَبُّرِ وَالْأَعْمَالِ السَّيِّئَةِ كَاللِّوَاطِ وَبَخْسِ الْمِكْيَالِ وَالْمِيزَانِ وَالْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ كَمَا فِي سُورَةِ هُودٍ وَالشُّعَرَاءِ وَغَيْرِهِمَا. فَكَانَ فِي قَوْمِ لُوطٍ مَعَ الشِّرْكِ إتْيَانُ الْفَوَاحِشِ الَّتِي
__________

[تعليق مُعِدّ الكتاب للشاملة]
قال الشيخ ناصر بن حمد الفهد (ص 139) :
وهذا ذكره ابن القيم رحمه الله في كتابه (التبيان في أقسام القرآن) ص 19، 20.
(16/249)

لَمْ يُسْبَقُوا إلَيْهَا؛ وَفِي عَادٍ مَعَ الشِّرْكِ التَّجَبُّرُ وَالتَّكَبُّرُ وَالتَّوَسُّعُ فِي الدُّنْيَا وَشِدَّةُ الْبَطْشِ وَقَوْلُهُمْ {مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً} وَفِي أَصْحَابِ مَدْيَنَ مَعَ الشِّرْكِ الظُّلْمُ فِي الْأَمْوَالِ؛ وَفِي قَوْمِ فِرْعَوْنَ الْفَسَادُ فِي الْأَرْضِ وَالْعُلُوُّ.
وَكَانَ عَذَابُ كُلِّ أُمَّةٍ بِحَسَبِ ذُنُوبِهِمْ وَجَرَائِمِهِمْ. فَعُذِّبَ قَوْمُ عَادٍ بِالرِّيحِ الشَّدِيدَةِ الْعَاتِيَةِ الَّتِي لَا يَقُومُ لَهَا شَيْءٌ؛ وَعُذِّبَ قَوْمُ لُوطٍ بِأَنْوَاعٍ مِنْ الْعَذَابِ لَمْ يُعَذَّبْ بِهَا أُمَّةٌ غَيْرُهُمْ. فَجَمَعَ لَهُمْ بَيْنَ الْهَلَاكِ وَالرَّجْمِ بِالْحِجَارَةِ مِنْ السَّمَاءِ وَطَمْسِ الْأَبْصَارِ وَقَلْبِ دِيَارِهِمْ عَلَيْهِمْ بِأَنْ جَعَلَ عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَالْخَسْفِ بِهِمْ إلَى أَسْفَلَ سَافِلِينَ. وَعَذَّبَ قَوْمَ شُعَيْبٍ بِالنَّارِ الَّتِي أَحْرَقَتْهُمْ وَأَحْرَقَتْ تِلْكَ الْأَمْوَالَ الَّتِي اكْتَسَبُوهَا بِالظُّلْمِ وَالْعُدْوَانِ. وَأَمَّا ثَمُودُ فَأَهْلَكَهُمْ بِالصَّيْحَةِ فَمَاتُوا فِي الْحَالِ. فَإِذَا كَانَ هَذَا عَذَابَهُ لِهَؤُلَاءِ وَذَنْبُهُمْ مَعَ الشِّرْكَ عَقْرُ النَّاقَةِ الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ آيَةً لَهُمْ فَمَنْ انْتَهَكَ مَحَارِمَ اللَّهِ وَاسْتَخَفَّ بِأَوَامِرِهِ وَنَوَاهِيهِ وَعَقَرَ عِبَادَهُ وَسَفَكَ دِمَاءَهُمْ كَانَ أَشَدَّ عَذَابًا. وَمَنْ اعْتَبَرَ أَحْوَالَ الْعَالَمِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا وَمَا يُعَاقَبُ بِهِ مَنْ يَسْعَى فِي الْأَرْضِ بِالْفَسَادِ وَسَفْكِ الدِّمَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَأَقَامَ الْفِتَنَ وَاسْتَهَانَ بِحُرُمَاتِ اللَّهِ عَلِمَ أَنَّ النَّجَاةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ.
(16/250)

سُورَةُ الْعَلَقِ
وَقَالَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
فَصْلٌ:
فِي بَيَانِ أَنَّ الرَّسُولَ صَلَّى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوَّلَ مَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ بَيَانُ أُصُولِ الدِّينِ وَهِيَ الْأَدِلَّةُ الْعَقْلِيَّةُ الدَّالَّةُ عَلَى ثُبُوتِ الصَّانِعِ وَتَوْحِيدِهِ وَصِدْقِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَى الْمُعَادِ إمْكَانًا وَوُقُوعًا. وَقَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ هَذَا الْأَصْلَ غَيْرَ مَرَّةٍ وَأَنَّ الرَّسُولَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيَّنَ الْأَدِلَّةَ الْعَقْلِيَّةَ وَالسَّمْعِيَّةَ الَّتِي يَهْتَدِي بِهَا النَّاسُ إلَى دِينِهِمْ وَمَا فِيهِ نَجَاتُهُمْ وَسَعَادَتُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَنَّ الَّذِينَ ابْتَدَعُوا أُصُولًا تُخَالِفُ بَعْضَ مَا جَاءَ بِهِ هِيَ أُصُولُ دِينِهِمْ لَا أُصُولُ دِينِهِ. وَهِيَ بَاطِلَةٌ عَقْلًا وَسَمْعًا كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ. وَبَيَّنَ أَنَّ كَثِيرًا مِنْ الْمُنْتَسِبِينَ إلَى الْعِلْمِ وَالدِّينِ قَاصِرُونَ أَوْ مُقَصِّرُونَ فِي مَعْرِفَةِ مَا جَاءَ بِهِ مِنْ
(16/251)

الدَّلَائِلِ السَّمْعِيَّةِ وَالْعَقْلِيَّةِ. فَطَائِفَةٌ قَدْ ابْتَدَعَتْ أُصُولًا تُخَالِفُ مَا جَاءَ بِهِ مِنْ هَذَا وَهَذَا. وَطَائِفَةٌ رَأَتْ أَنَّ ذَلِكَ بِدْعَةً فَأَعْرَضَتْ عَنْهُ وَصَارُوا يَنْتَسِبُونَ إلَى السُّنَّةِ لِسَلَامَتِهِمْ مِنْ بِدْعَةِ أُولَئِكَ. وَلَكِنْ هُمْ مَعَ ذَلِكَ لَمْ يَتَّبِعُوا السُّنَّةَ عَلَى وَجْهِهَا وَلَا قَامُوا بِمَا جَاءَ بِهِ مِنْ الدَّلَائِلِ السَّمْعِيَّةِ وَالْعَقْلِيَّةِ. بَلْ الَّذِي يُخْبِرُ بِهِ مِنْ السَّمْعِيَّاتِ مِمَّا يُخْبِرُ بِهِ عَنْ رَبِّهِ وَعَنْ الْيَوْمِ الْآخِرِ غَايَتُهُمْ أَنْ يُؤْمِنُوا بِلَفْظِهِ مِنْ غَيْرِ تَصَوُّرٍ لِمَا أَخْبَرَ بِهِ. بَلْ قَدْ يَقُولُونَ مَعَ هَذَا إنَّهُ نَفْسُهُ لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ مَعْنَى مَا أَخْبَرَ بِهِ لِأَنَّ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ هُوَ تَأْوِيلُ الْمُتَشَابِهِ الَّذِي لَا يَعْلَمُهُ إلَّا اللَّهُ. وَأَمَّا الْأَدِلَّةُ الْعَقْلِيَّةُ فَقَدْ لَا يَتَصَوَّرُونَ أَنَّهُ أَتَى بِالْأُصُولِ الْعَقْلِيَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى مَا يُخْبِرُ بِهِ كَالْأَدِلَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى التَّوْحِيدِ وَالصِّفَاتِ. وَمِنْهُمْ مَنْ يُقِرُّ بِأَنَّهُ جَاءَ بِهَذَا مُجْمَلًا وَلَا يَعْرِفُ أَدِلَّتَهُ. بَلْ قَدْ يَظُنُّ أَنَّ مَا يَسْتَدِلُّ بِهِ كَالِاسْتِدْلَالِ بِخَلْقِ الْإِنْسَانِ عَلَى حُدُوثِ جَوَاهِرِهِ هُوَ دَلِيلُ الرَّسُولِ. وَكَثِيرٌ مِنْ هَؤُلَاءِ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ فِي ذَلِكَ مَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُعْلَمَ بِالْعَقْلِ كَالْمُعَادِ وَحُسْنِ التَّوْحِيدِ وَالْعَدْلِ وَالصِّدْقِ وَقُبْحِ الشِّرْكِ وَالظُّلْمِ
(16/252)

وَالْكَذِبِ. وَالْقُرْآنُ يُبَيِّنُ الْأَدِلَّةَ الْعَقْلِيَّةَ الدَّالَّةَ عَلَى ذَلِكَ. وَيُنْكِرُ عَلَى مَنْ لَمْ يَسْتَدِلَّ بِهَا. وَيُبَيِّنُ أَنَّهُ بِالْعَقْلِ يَعْرِفُ الْمُعَادَ وَحُسْنَ عِبَادَتِهِ وَحْدَهُ وَحُسْنَ شُكْرِهِ وَقُبْحَ الشِّرْكِ وَكُفْرَ نِعَمِهِ كَمَا قَدْ بَسَطْت الْكَلَامَ عَلَى ذَلِكَ فِي مَوَاضِعَ. وَكَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ يَكُونُ هَذَا فِي فِطْرَتِهِ وَهُوَ يُنْكِرُ تَحْسِينَ الْعَقْلِ وَتَقْبِيحَهُ إذَا صُنِّفَ فِي أُصُولِ الدِّينِ عَلَى طَرِيقَةِ الْنُّفَاةِ الْجَبْرِيَّةِ أَتْبَاعِ جَهْمٍ. وَهَذَا مَوْجُودٌ فِي عَامَّةِ مَا يَقُولُهُ الْمُبْطِلُونَ يَقُولُونَ بِفِطْرَتِهِمْ مَا يُنَاقِضُ مَا يَقُولُونَهُ فِي اعْتِقَادِهِمْ الْبِدْعِيِّ. وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ابْنُ الْجَدِّ الْأَعْلَى أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا الْفَرَجِ ابْنَ الْجَوْزِيِّ يُنْشِدُ فِي مَجْلِسِ وَعْظِهِ الْبَيْتَيْنِ الْمَعْرُوفَيْنِ:
هَبْ الْبَعْثَ لَمْ تَأْتِنَا رُسُلُهُ ... وَجَاحِمَةُ النَّارِ لَمْ تُضْرَمْ
أَلَيْسَ مِنْ الْوَاجِبِ الْمُسْتَحَقِّ ... حَيَاءُ الْعِبَادِ مِنْ الْمُنْعِمِ؟
فَقَدْ صَرَّحَ فِي هَذَا بِأَنَّهُ مِنْ الْوَاجِبِ الْمُسْتَحَقِّ حَيَاءُ الْخَلْقِ مِنْ الْخَالِقِ الْمُنْعِمِ. وَهَذَا تَصْرِيحٌ بِأَنَّ شُكْرَهُ وَاجِبٌ مُسْتَحَقٌّ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ وَعِيدٌ وَلَا
(16/253)

رِسَالَةٌ أَخْبَرَتْ بِجَزَاءِ. وَهُوَ يُبَيِّنُ ثُبُوتَ الْوُجُوبِ وَالِاسْتِحْقَاقِ وَإِنْ قُدِّرَ أَنَّهُ لَا عَذَابَ. وَهَذَا فِيهِ نِزَاعٌ قَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ وَبَيَّنَّا أَنَّ هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ. وَنَتِيجَةُ فِعْلِ الْمَنْهِيِّ انْخِفَاضُ الْمَنْزِلَةِ وَسَلْبُ كَثِيرٍ مِنْ النِّعَمِ الَّتِي كَانَ فِيهَا وَإِنْ كَانَ لَا يُعَاقَبُ بِالضَّرَرِ. وَيُبَيِّنُ أَنَّ الْوُجُوبَ وَالِاسْتِحْقَاقَ يُعْلَمُ بِالْبَدِيهَةِ. فَتَارِكُ الْوَاجِبِ وَفَاعِلُ الْقَبِيحِ وَإِنْ لَمْ يُعَذَّبْ بِالْآلَامِ كَالنَّارِ فَيُسْلَبُ مِنْ النِّعَمِ وَأَسْبَابِهِ مَا يَكُونُ جَزَاءَهُ. وَهَذَا جَزَاءُ مَنْ لَمْ يَشْكُرْ النِّعْمَةَ بَلْ كَفَرَهَا أَنْ يُسْلَبَهَا. فَالشُّكْرُ قَيْدُ النِّعَمِ وَهُوَ مُوجِبٌ لِلْمَزِيدِ. وَالْكُفْرُ بَعْدَ قِيَامِ الْحُجَّةِ مُوجِبٌ لِلْعَذَابِ وَقَبْلَ ذَلِكَ يُنْقِصُ النِّعْمَةَ وَلَا يَزِيدُ. مَعَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ إرْسَالِ رَسُولٍ يَسْتَحِقُّ مَعَهُ النَّعِيمَ أَوْ الْعَذَابَ فَإِنَّهُ مَا ثَمَّ دَارٌ إلَّا الْجَنَّةُ أَوْ النَّارُ. قَالَ تَعَالَى {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} {ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ} {إلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ} وَهَذَا مَبْسُوطٌ فِي مَوَاضِعَ.
وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّ بَيَانَ هَذِهِ الْأُصُولِ وَقَعَ فِي أَوَّلِ مَا أُنْزِلَ مِنْ الْقُرْآنِ. فَإِنَّ أَوَّلَ مَا أُنْزِلَ مِنْ الْقُرْآنِ {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} عِنْدَ جَمَاهِيرِ
(16/254)

الْعُلَمَاءِ. وَقَدْ قِيلَ {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ} رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ جَابِرٍ. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ. فَإِنَّ مَا فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ الَّذِي فِي الصَّحِيحَيْنِ يُبَيِّنُ أَنَّ أَوَّلَ مَا نَزَلَ {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} نَزَلَتْ عَلَيْهِ وَهُوَ فِي غَارِ حِرَاءٍ وَأَنَّ " الْمُدَّثِّرَ " نَزَلَتْ بَعْدُ. وَهَذَا هُوَ الَّذِي يَنْبَغِي. فَإِنَّ قَوْلَهُ {اقْرَأْ} أَمْرٌ بِالْقِرَاءَةِ لَا بِتَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ وَبِذَلِكَ صَارَ نَبِيًّا. وَقَوْلُهُ {قُمْ فَأَنْذِرْ} أَمْرٌ بِالْإِنْذَارِ وَبِذَلِكَ صَارَ رَسُولًا مُنْذِرًا. فَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ {عَائِشَةَ قَالَتْ: أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ فِي النَّوْمِ. فَكَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا إلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ. ثُمَّ حُبِّبَ إلَيْهِ الْخَلَاءُ فَكَانَ يَأْتِي غَارَ حِرَاءٍ فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ وَهُوَ التَّعَبُّدُ اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ الْعَدَدِ قَبْلَ أَنْ يَنْزِعَ إلَى أَهْلِهِ وَيَتَزَوَّدَ لِذَلِكَ. ثُمَّ يَرْجِعُ إلَى خَدِيجَةَ فَيَتَزَوَّدُ لِمِثْلِهَا حَتَّى جَاءَهُ الْحَقُّ وَهُوَ فِي غَارِ حِرَاءٍ. فَجَاءَهُ الْمَلَكُ فَقَالَ: اقْرَأْ. قَالَ: مَا أَنَا بِقَارِئِ. قَالَ: فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ: اقْرَأْ.
(16/255)

فَقُلْت: مَا أَنَا بِقَارِئِ. فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ: اقْرَأْ. فَقُلْت: مَا أَنَا بِقَارِئِ. فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّالِثَةُ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} {خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ} {اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ} {الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ} {عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} . فَرَجَعَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْجُفُ فُؤَادُهُ. فَدَخَلَ عَلَى خَدِيجَةَ بِنْتِ خويلد فَقَالَ: " زَمِّلُونِي. زَمِّلُونِي " فَزَمَّلُوهُ حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ. فَقَالَ لِخَدِيجَةَ وَأَخْبَرَهَا الْخَبَرَ لَقَدْ خَشِيت عَلَى نَفْسِي. فَقَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ: كَلَّا وَاَللَّهِ لَا يُخْزِيك اللَّهُ أَبَدًا إنَّك لَتَصِلُ الرَّحِمَ وَتَحْمِلُ الْكَلَّ وَتَقْرِي الضَّيْفَ وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ وَتُعِينَ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ. فَانْطَلَقَتْ بِهِ خَدِيجَةُ حَتَّى أَتَتْ بِهِ وَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ
(16/256)

الْعُزَّى ابْنِ عَمِّ خَدِيجَةَ. وَكَانَ امْرَأً تَنَصَّرَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَكَانَ يَكْتُبُ الْكِتَابَ الْعِبْرِيَّ فَيَكْتُبُ مِنْ الْإِنْجِيلِ بِالْعَرَبِيَّةِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكْتُبَ وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ عَمِيَ. فَقَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ: يَا ابْنَ عَمٍّ اسْمَعْ مِنْ ابْنِ أَخِيك. فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: يَا ابْنَ أَخِي مَاذَا تَرَى؟ . فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَبَرَ مَا رَأَى. فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: هَذَا النَّامُوسُ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى مُوسَى. يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا لَيْتَنِي أَكُونُ حَيًّا إذْ يُخْرِجُك قَوْمُك. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوَمُخْرِجِيَّ هُمْ؟ . قَالَ: نَعَمْ لَمْ يَأْتِ أَحَدٌ قَطُّ بِمِثْلِ مَا جِئْت بِهِ إلَّا عُودِي. وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُك أَنْصُرْك نَصْرًا مُؤَزَّرًا.} ثُمَّ لَمْ يَنْشَبْ وَرَقَةُ أَنْ تُوَفِّيَ وَفَتَرَ الْوَحْيُ. قَالَ ابْنُ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ سَمِعْت أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ أَخْبَرَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحَدِّثُ
(16/257)

عَنْ فَتْرَةِ الْوَحْيِ: {فَبَيْنَمَا أَنَا أَمْشِي سَمِعْت صَوْتًا فَرَفَعْت بَصَرِي قِبَلَ السَّمَاءِ فَإِذَا الْمَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي بِحِرَاءِ قَاعِدٌ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ فَجِئْت حَتَّى هَوَيْت إلَى الْأَرْضِ. فَجِئْت أَهْلِي فَقُلْت: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي فَزَمَّلُونِي. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ} {قُمْ فَأَنْذِرْ} إلَى قَوْلِهِ {وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ} } . فَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّ " الْمُدَّثِّرَ " نَزَلَتْ بَعْدَ تِلْكَ الْفَتْرَةِ وَأَنَّ ذَلِكَ كَانَ بَعْدَ أَنْ عَايَنَ الْمَلَكَ الَّذِي جَاءَهُ بِحِرَاءِ أَوَّلًا. فَكَانَ قَدْ رَأَى الْمَلَكَ مَرَّتَيْنِ. وَهَذَا يُفَسِّرُ حَدِيثَ جَابِرٍ الَّذِي رُوِيَ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ كَمَا أَخْرَجَاهُ مِنْ حَدِيثِ {يَحْيَى بْن أَبِي كَثِيرٍ قَالَ: سَأَلْت أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَوَّلِ مَا نَزَلَ مِنْ الْقُرْآنِ. قَالَ: {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ} . قُلْت: يَقُولُونَ {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} . فَقَالَ أَبُو سَلَمَةَ: سَأَلْت جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ ذَلِكَ وَقُلْت لَهُ مِثْلَ مَا قُلْت فَقَالَ جَابِرٌ: لَا أُحَدِّثُك إلَّا مَا حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: جَاوَرْت بِحِرَاءِ؛ فَلَمَّا قَضَيْت جِوَارِي هَبَطْت فَنُودِيت فَنَظَرْت عَنْ يَمِينِي فَلَمْ أَرَ شَيْئًا وَنَظَرْت عَنْ شَمَالِي فَلَمْ أَرَ شَيْئًا وَنَظَرْت أَمَامِي فَلَمْ أَرَ شَيْئًا وَنَظَرْت خَلْفِي فَلَمْ أَرَ شَيْئًا. فَرَفَعْت رَأْسِي فَرَأَيْت شَيْئًا. فَأَتَيْت خَدِيجَةَ فَقُلْت دَثِّرُونِي وَصُبُّوا عَلَيَّ مَاءً بَارِدًا فَدَثَّرُونِي وَصَبُّوا عَلَيَّ مَاءً بَارِدًا.
(16/258)

قَالَ: فَنَزَلَتْ {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ} {قُمْ فَأَنْذِرْ} {وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ} } . فَهَذَا الْحَدِيثُ يُوَافِقُ الْمُتَقَدِّمَ وَإِنَّ " الْمُدَّثِّرَ " نَزَلَتْ بَعْدَ أَنْ هَبَطَ مِنْ الْجَبَلِ وَهُوَ يَمْشِي وَبَعْدَ أَنْ نَادَاهُ الْمَلَكُ حِينَئِذٍ. وَقَدْ بَيَّنَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى أَنَّ هَذَا الْمَلَكَ هُوَ الَّذِي جَاءَهُ بِحِرَاءِ وَقَدْ بَيَّنَتْ عَائِشَةُ أَنَّ {اقْرَأْ} نَزَلَتْ حِينَئِذٍ فِي غَارِ حِرَاءٍ. لَكِنْ كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَلِمَ أَنَّ {اقْرَأْ} نَزَلَتْ حِينَئِذٍ بَلْ عَلِمَ أَنَّهُ رَأَى الْمَلَكَ قَبْلَ ذَلِكَ وَقَدْ يَرَاهُ وَلَا يَسْمَعُ مِنْهُ. لَكِنَّ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ زِيَادَةَ عَلِمَ وَهُوَ أَمْرُهُ بِقِرَاءَةِ {اقْرَأْ} . وَفِي حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ سَمَّى هَذَا " فَتْرَةَ الْوَحْيِ " وَكَذَلِكَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ " فَتْرَةُ الْوَحْيِ ". فَقَدْ يَكُونُ الزُّهْرِيُّ رَوَى حَدِيثَ جَابِرٍ بِالْمَعْنَى وَسَمَّى مَا بَيْنَ الرُّؤْيَتَيْنِ " فَتْرَةَ الْوَحْيِ " كَمَا بَيَّنَتْهُ عَائِشَةُ؛ وَإِلَّا فَإِنْ كَانَ جَابِرٌ سَمَّاهُ " فَتْرَةَ الْوَحْيِ " فَكَيْفَ يَقُولُ إنَّ الْوَحْيَ لَمْ يَكُنْ نَزَلَ؟ . وَبِكُلِّ حَالٍ فَالزُّهْرِيُّ عِنْدَهُ حَدِيثُ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ؛ وَحَدِيثُ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ جَابِرٍ؛ وَهُوَ أَوْسَعُ عِلْمًا وَأَحْفَظُ مِنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ لَوْ اخْتَلَفَا. لَكِنْ يَحْيَى ذَكَرَ أَنَّهُ سَأَلَ أَبَا سَلَمَةَ عَنْ الْأُولَى فَأَخْبَرَ جَابِرٌ بِعِلْمِهِ وَلَمْ يَكُنْ عَلِمَ مَا نَزَلَ قَبْلَ ذَلِكَ وَعَائِشَةُ أَثْبَتَتْ وَبَيَّنَتْ.
(16/259)

وَالْآيَاتُ آيَاتُ " اقْرَأْ " و " الْمُدَّثِّرُ " تُبَيِّنُ ذَلِكَ وَالْحَدِيثَانِ مُتَصَادِقَانِ مَعَ الْقُرْآنِ وَمَعَ دَلَالَةِ الْعَقْلِ عَلَى أَنَّ هَذَا التَّرْتِيبَ هُوَ الْمُنَاسِبُ. وَإِذَا كَانَ أَوَّلُ مَا أُنْزِلَ {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} {خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ} {اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ} {الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ} {عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} فَفِي الْآيَةِ الْأُولَى إثْبَاتُ الْخَالِقِ تَعَالَى وَكَذَلِكَ فِي الثَّانِيَةِ. وَفِيهَا وَفِي الثَّانِيَةِ الدَّلَالَةُ عَلَى إمْكَانِ النُّبُوَّةِ وَعَلَى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. أَمَّا الْأُولَى فَإِنَّهُ قَالَ {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} ثُمَّ قَالَ {خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ} . فَذَكَرَ الْخَلْقَ مُطْلَقًا ثُمَّ خَصَّ خَلْقَ الْإِنْسَانِ أَنَّهُ خَلَقَهُ مِنْ عَلَقٍ. وَهَذَا أَمْرٌ مَعْلُومٌ لِجَمِيعِ النَّاسِ كُلِّهِمْ يَعْلَمُونَ أَنَّ الْإِنْسَانَ يَحْدُثُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ وَأَنَّهُ يَكُونُ مِنْ عَلَقٍ. وَهَؤُلَاءِ بَنُو آدَمَ. وَقَوْلُهُ الْإِنْسَانُ هُوَ اسْمُ جِنْسٍ يَتَنَاوَلُ جَمِيعَ النَّاسِ وَلَمْ يَدْخُلْ فِيهِ آدَمَ الَّذِي خُلِقَ مِنْ طِينٍ. فَإِنَّ الْمَقْصُودَ بِهَذِهِ الْآيَةِ بَيَانُ الدَّلِيلِ عَلَى الْخَالِقِ تَعَالَى وَالِاسْتِدْلَالُ إنَّمَا يَكُونُ بِمُقَدِّمَاتِ
(16/260)

يَعْلَمُهَا الْمُسْتَدِلُّ. وَالْمَقْصُودُ بَيَانُ دَلَالَةِ النَّاسِ وَهِدَايَتِهِمْ وَهُمْ كُلُّهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّ النَّاسَ يُخْلَقُونَ مِنْ الْعَلَقِ. فَأَمَّا خَلْقُ آدَمَ مِنْ طِينٍ فَذَاكَ إنَّمَا عُلِمَ بِخَبَرِ الْأَنْبِيَاءِ أَوْ بِدَلَائِلَ أُخَرَ. وَلِهَذَا يُنْكِرُهُ طَائِفَةٌ مِنْ الْكُفَّارِ الدَّهْرِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ الَّذِينَ لَا يُقِرُّونَ بِالنُّبُوَّاتِ. وَهَذَا بِخِلَافِ ذِكْرِ خَلْقِهِ فِي غَيْرِ هَذِهِ السُّورَةِ. فَإِنَّ ذَاكَ ذِكْرُهُ لِمَا يُثْبِتُ النُّبُوَّةَ وَهَذِهِ السُّورَةُ أَوَّلُ مَا نَزَلَ وَبِهَا تَثْبُتُ النُّبُوَّةُ فَلَمْ يَذْكُرْ فِيهَا مَا عُلِمَ بِالْخَبَرِ بَلْ ذَكَرَ فِيهَا الدَّلِيلَ الْمَعْلُومَ بِالْعَقْلِ وَالْمُشَاهَدَةِ وَالْأَخْبَارِ الْمُتَوَاتِرَةِ لِمَنْ لَمْ يَرَ الْعَلَقَ. وَذَكَرَ سُبْحَانَهُ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ الْعَلَقِ وَهُوَ جَمْعُ " عَلَقَةٍ " وَهِيَ الْقِطْعَةُ الصَّغِيرَةُ مِنْ الدَّمِ لِأَنَّ مَا قَبْلَ ذَلِكَ كَانَ نُطْفَةً وَالنُّطْفَةُ قَدْ تَسْقُطُ فِي غَيْرِ الرَّحِمِ كَمَا يَحْتَلِمُ الْإِنْسَانُ وَقَدْ تَسْقُطُ فِي الرَّحِمِ ثُمَّ يَرْمِيهَا الرَّحِمُ قَبْلَ أَنْ تَصِيرَ عَلَقَةً. فَقَدْ صَارَ مَبْدَأً لِخَلْقِ الْإِنْسَانِ وَعُلِمَ أَنَّهَا صَارَتْ عَلَقَةً لِيُخْلَقَ مِنْهَا الْإِنْسَانُ. وَقَدْ قَالَ فِي سُورَةِ الْقِيَامَةِ {أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى} {ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى} {فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى} {أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ
(16/261)

عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى} فَهُنَا ذَكَرَ هَذَا عَلَى إمْكَانِ النَّشْأَةِ الثَّانِيَةِ الَّتِي تَكُونُ مِنْ التُّرَابِ. وَلِهَذَا قَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ} فَفِي الْقِيَامَةِ اسْتَدَلَّ بِخَلْقِهِ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِنَّهُ مَعْلُومٌ لِجَمِيعِ الْخَلْقِ وَفِي الْحَجِّ ذَكَرَ خَلْقَهُ مِنْ تُرَابٍ فَإِنَّهُ قَدْ عُلِمَ بِالْأَدِلَّةِ الْقَطْعِيَّةِ. وَذِكْرُ أَوَّلِ الْخَلْقِ أَدَلُّ عَلَى إمْكَانِ الْإِعَادَةِ. وَأَمَّا هُنَا فَالْمَقْصُودُ ذِكْرُ مَا يَدُلُّ عَلَى الْخَالِقِ تَعَالَى ابْتِدَاءً فَذَكَرَ أَنَّهُ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ وَهُوَ مِنْ الْعَلَقَةِ الدَّمُ يَصِيرُ مُضْغَةً وَهُوَ قِطْعَةُ لَحْمٍ كَاللَّحْمِ الَّذِي يُمْضَغُ بِالْفَمِ ثُمَّ تَخَلَّقَ فَتُصُوِّرَ كَمَا قَالَ تَعَالَى {ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ} فَإِنَّ الرَّحِمَ قَدْ يَقْذِفُهَا غَيْرَ مُخَلَّقَةٍ. فَبَيَّنَ لِلنَّاسِ مَبْدَأَ خَلْقِهِمْ وَيَرَوْنَ ذَلِكَ بِأَعْيُنِهِمْ. وَهَذَا الدَّلِيلُ وَهُوَ خَلْقُ الْإِنْسَانِ مِنْ عَلَقٍ يَشْتَرِكُ فِيهِ جَمِيعُ النَّاسِ. فَإِنَّ النَّاسَ هُمْ الْمُسْتَدِلُّونَ وَهُمْ أَنْفُسُهُمْ الدَّلِيلُ وَالْبُرْهَانُ وَالْآيَةُ. فَالْإِنْسَانُ هُوَ الدَّلِيلُ وَهُوَ الْمُسْتَدِلُّ كَمَا قَالَ تَعَالَى {وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ} وَقَالَ {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ} . وَهَذَا كَمَا قَالَ فِي آيَةٍ أُخْرَى {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ} .
(16/262)

وَهُوَ دَلِيلٌ يَعْلَمُهُ الْإِنْسَانُ مِنْ نَفْسِهِ وَيَذْكُرُهُ كُلَّمَا تَذَكَّرَ فِي نَفْسِهِ وَفِيمَنْ يَرَاهُ مِنْ بَنِي جِنْسِهِ. فَيَسْتَدِلُّ بِهِ عَلَى الْمَبْدَأِ وَالْمُعَادِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا} {أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا} وَقَالَ تَعَالَى {وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ} {قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ} . وكذلك قَالَ زَكَرِيَّا لَمَّا تَعَجَّبَ مِنْ حُصُولِ وَلَدٍ عَلَى الْكِبَرِ فَقَالَ {أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا} {قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا} وَلَمْ يُقَلْ " إنَّهُ أَهْوَنَ عَلَيْهِ " كَمَا قَالَ فِي الْمَبْدَأِ وَالْمُعَادِ {وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} . وقال سُبْحَانَهُ {خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ} بَعْدَ أَنْ قَالَ {الَّذِي خَلَقَ} . فَأَطْلَقَ الْخَلْقَ الَّذِي يَتَنَاوَلُ كُلَّ مَخْلُوقٍ ثُمَّ عَيَّنَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ فَكَانَ كُلُّ مَا يُعْلَمُ حُدُوثُهُ دَاخِلًا فِي قَوْلِهِ {الَّذِي خَلَقَ} . وذكر بَعْدَ الْخَلْقِ التَّعْلِيمَ الَّذِي هُوَ التَّعْلِيمُ بِالْقَلَمِ وَتَعْلِيمُ الْإِنْسَانِ مَا لَمْ يَعْلَمْ. فَخَصَّ هَذَا التَّعْلِيمَ الَّذِي يَسْتَدِلُّ بِهِ عَلَى إمْكَانِ النُّبُوَّةِ. وَلَمْ يُقَلْ هُنَا " هُدَى " فَيَذْكُرُ الْهُدَى الْعَامَّ الْمُتَنَاوَلَ لِلْإِنْسَانِ
(16/263)

وَسَائِرِ الْحَيَوَانِ كَمَا قَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} {الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى} {وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى} وَكَمَا قَالَ مُوسَى {رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} لِأَنَّ هَذَا التَّعْلِيمَ الْخَاصَّ يَسْتَلْزِمُ الْهُدَى الْعَامَّ وَلَا يَنْعَكِسُ. وَهَذَا أَقْرَبُ إلَى إثْبَاتِ النُّبُوَّةِ فَإِنَّ النُّبُوَّةَ نَوْعٌ مِنْ التَّعْلِيمِ. وَلَيْسَ جَعْلُ الْإِنْسَانِ نَبِيًّا بِأَعْظَمَ مِنْ جَعْلِهِ الْعَلَقَةَ إنْسَانًا حَيًّا عَالِمًا نَاطِقًا سَمِيعًا بَصِيرًا مُتَكَلِّمًا قَدْ عَلِمَ أَنْوَاعَ الْمَعَارِفِ؛ كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ أَوَّلُ الْخَلْقِ بِأَهْوَنَ عَلَيْهِ مِنْ إعَادَتِهِ. وَالْقَادِرُ عَلَى الْمَبْدَأِ كَيْفَ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْمُعَادِ؟ وَالْقَادِرُ عَلَى هَذَا التَّعْلِيمِ كَيْفَ لَا يَقْدِرُ عَلَى ذَاكَ التَّعْلِيمِ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ وَلَا يُحِيطُ أَحَدٌ مِنْ عِلْمِهِ إلَّا بِمَا شَاءَ؟ وَقَالَ سُبْحَانَهُ أَوَّلًا {عَلَّمَ بِالْقَلَمِ} فَأَطْلَقَ التَّعْلِيمَ وَالْمُعَلِّمَ فَلَمْ يَخُصَّ نَوْعًا مِنْ الْمُعَلِّمِينَ. فَيَتَنَاوَلُ تَعْلِيمَ الْمَلَائِكَةِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ كَمَا تَنَاوَلَ الْخَلْقَ لَهُمْ كُلَّهُمْ. وَذَكَرَ التَّعْلِيمَ بِالْقَلَمِ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي تَعْلِيمَ الْخَطِّ وَالْخَطُّ يُطَابِقُ اللَّفْظَ وَهُوَ الْبَيَانُ وَالْكَلَامُ. ثُمَّ اللَّفْظُ يَدُلُّ عَلَى الْمَعَانِي الْمَعْقُولَةِ الَّتِي فِي الْقَلْبِ فَيَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ عِلْمٍ فِي الْقُلُوبِ. وَكُلُّ شَيْءٍ لَهُ حَقِيقَةٌ فِي نَفْسِهِ ثَابِتَةٌ فِي الْخَارِجِ عَنْ الذِّهْنِ ثُمَّ
(16/264)

يَتَصَوَّرُهُ الذِّهْنُ وَالْقَلْبُ ثُمَّ يُعَبِّرُ عَنْهُ اللِّسَانُ ثُمَّ يَخُطُّهُ الْقَلَمُ. فَلَهُ وُجُودٌ عَيْنِيٌّ وَذِهْنِيٌّ وَلَفْظِيٌّ وَرَسْمِيٌّ وُجُودٌ فِي الْأَعْيَانِ وَالْأَذْهَانِ وَاللِّسَانِ وَالْبَنَانِ. لَكِنَّ الْأَوَّلَ هُوَ هُوَ وَأَمَّا الثَّلَاثُ فَإِنَّهَا مِثَالٌ مُطَابِقٌ لَهُ. فَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَخْلُوقُ وَالثَّلَاثَةُ مُعَلِّمَةٌ. فَذَكَرَ الْخَلْقَ وَالتَّعْلِيمَ لِيَتَنَاوَلَ الْمَرَاتِبَ الْأَرْبَعَ فَقَالَ {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} {خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ} {اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ} {الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ} {عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} وَقَدْ تَنَازَعَ النَّاسُ فِي الْمَاهِيَّاتِ هَلْ هِيَ مَجْعُولَةٌ أَمْ لَا؟ وَهَلْ مَاهِيَّةُ كُلِّ شَيْءٍ زَائِدَةٌ عَلَى وُجُودِهِ؟ كَمَا قَدْ بُسِطَ هَذَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ وَبَيْنَ الصَّوَابِ فِي ذَلِكَ وَأَنَّهُ لَيْسَ إلَّا مَا يُتَصَوَّرُ فِي الذِّهْنِ وَيُوجَدُ فِي الْخَارِجِ. فَإِنْ أُرِيدَ الْمَاهِيَّةَ مَا يُتَصَوَّرُ فِي الذِّهْنِ. وَبِالْوُجُودِ مَا فِي الْخَارِجِ أَوْ بِالْعَكْسِ فَالْمَاهِيَّةُ غَيْرُ الْوُجُودِ إذَا كَانَ مَا فِي الْأَعْيَانِ مُغَايِرًا لِمَا فِي الْأَذْهَانِ. وَإِنْ أُرِيدَ بِالْمَاهِيَّةِ مَا فِي الذِّهْنِ أَوْ الْخَارِجِ أَوْ كِلَاهُمَا وَكَذَلِكَ بِالْوُجُودِ فَاَلَّذِي فِي الْخَارِجِ مِنْ الْوُجُودِ هُوَ الْمَاهِيَّةُ الْمَوْجُودَةُ فِي الْخَارِجِ وَكَذَلِكَ مَا فِي الذِّهْنِ مِنْ هَذَا هُوَ هَذَا لَيْسَ فِي الْخَارِجِ شَيْئَانِ.
(16/265)

وَهُوَ سُبْحَانَهُ عَلِمَ مَا فِي الْأَذْهَانِ وَخَلَقَ مَا فِي الْأَعْيَانِ وَكِلَاهُمَا مَجْعُول لَهُ. لَكِنَّ الَّذِي فِي الْخَارِجِ جَعَلَهُ جَعْلًا خِلْقِيًّا. وَاَلَّذِي فِي الذِّهْنِ جَعَلَهُ جَعْلًا تَعْلِيمِيًّا. فَهُوَ الَّذِي {خَلَقَ} {خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ} وَهُوَ {الْأَكْرَمُ} {الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ} {عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} . وَقَوْلُهُ {عَلَّمَ بِالْقَلَمِ} يَدْخُلُ فِيهِ تَعْلِيمُ الْمَلَائِكَةِ الْكَاتِبِينَ وَيَدْخُلُ فِيهِ تَعْلِيمُ كُتُبِ الْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ. فَعَلَّمَ بِالْقَلَمِ أَنْ يَكْتُبَ كَلَامَهُ الَّذِي أَنْزَلَهُ كَالتَّوْرَاةِ وَالْقُرْآنِ بَلْ هُوَ كَتَبَ التَّوْرَاةَ لِمُوسَى. وَكَوْنُ مُحَمَّدٍ كَانَ نَبِيًّا أُمِّيًّا هُوَ مِنْ تَمَامِ كَوْنِ مَا أَتَى بِهِ مُعْجِزًا خَارِقًا لِلْعَادَةِ وَمِنْ تَمَامِ بَيَانِ أَنَّ تَعْلِيمَهُ أَعْظَمُ مِنْ كُلِّ تَعْلِيمٍ كَمَا قَالَ تَعَالَى {وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ} فَغَيْرُهُ يَعْلَمُ مَا كَتَبَهُ غَيْرُهُ وَهُوَ عِلْمُ النَّاسِ مَا يَكْتُبُونَهُ وَعَلَّمَهُ اللَّهُ ذَلِكَ بِمَا أَوْحَاهُ إلَيْهِ. وَهَذَا الْكَلَامُ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ هُوَ آيَةٌ وَبُرْهَانٌ عَلَى نُبُوَّتِهِ فَإِنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ. {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} وَفِي الْآيَةِ الْأُخْرَى {فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ
(16/266)

مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} {فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إلَهَ إلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}
فَصْلٌ:
وَقَدْ بَسَطْنَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ طُرُقَ النَّاسِ فِي إثْبَاتِ الصَّانِعِ وَالنُّبُوَّةِ وَأَنَّ كُلَّ طَرِيقٍ تَتَضَمَّنُ مَا يُخَالِفُ السُّنَّةَ فَإِنَّهَا بَاطِلَةٌ فِي الْعَقْلِ كَمَا هِيَ مُخَالِفَةٌ لِلشَّرْعِ. وَالطَّرِيقُ الْمَشْهُورَةُ عِنْدَ الْمُتَكَلِّمِينَ هُوَ الِاسْتِدْلَالُ بِحُدُوثِ الْأَعْرَاضِ عَلَى حُدُوثِ الْأَجْسَامِ. وَقَدْ بَيَّنَّا الْكَلَامَ عَلَى هَذِهِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ وَأَنَّهَا مُخَالِفَةٌ لِلشَّرْعِ وَالْعَقْلِ. وَكَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ يَعْلَمُ أَنَّهَا بِدْعَةٌ فِي الشَّرْعِ لَكِنْ لَا يَعْلَمُ فَسَادَهَا فِي الْعَقْلِ. وَبَعْضُهُمْ يَظُنُّ أَنَّهَا صَحِيحَةٌ فِي الْعَقْلِ وَالشَّرْعِ وَأَنَّهَا طَرِيقَةُ إبْرَاهِيمَ الْخَلِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَقَدْ بُيِّنَ فَسَادُ هَذَا فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ. وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّ طَائِفَةً مِنْ النُّظَّارِ مُثْبِتَةِ الصِّفَاتِ أَرَادُوا
(16/267)

سُلُوكَ سَبِيلِ السُّنَّةِ وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ إلَّا هَذِهِ الطَّرِيقُ. فَاسْتَدَلُّوا بِخَلْقِ الْإِنْسَانِ لَكِنْ لَمْ يَجْعَلُوا خَلْقَهُ دَلِيلًا كَمَا فِي الْآيَةِ؛ بَلْ جَعَلُوهُ مُسْتَدَلًّا عَلَيْهِ. وَظَنُّوا أَنَّهُ يُعْرَفُ بِالْبَدِيهَةِ وَالْحِسِّ حُدُوثَ أَعْرَاضِ النُّطْفَةِ. وَأَمَّا جَوَاهِرُهَا فَاعْتَقَدُوا أَنَّ الْأَجْسَامَ كُلَّهَا مُرَكَّبَةٌ مِنْ الْجَوَاهِرِ الْمُنْفَرِدَةِ وَأَنَّ خَلْقَ الْإِنْسَانِ وَغَيْرِهِ إنَّمَا هُوَ إحْدَاثُ أَعْرَاضٍ فِي تِلْكَ الْجَوَاهِرِ بِجَمْعِهَا وَتَفْرِيقِهَا لَيْسَ هُوَ إحْدَاثَ عَيْنٍ. فَصَارُوا يُرِيدُونَ أَنْ يَسْتَدِلُّوا عَلَى أَنَّ الْإِنْسَانَ مَخْلُوقٌ. ثُمَّ إذَا ثَبَتَ أَنَّهُ مَخْلُوقٌ قَالُوا: إنَّ لَهُ خَالِقًا. وَاسْتَدَلُّوا عَلَى أَنَّهُ مَخْلُوقٌ بِدَلِيلِ الْأَعْرَاضِ وَأَنَّ النُّطْفَةَ وَالْعَلَقَةَ وَالْمُضْغَةَ لَا تَنْفَكُّ مِنْ أَعْرَاضٍ حَادِثَةٍ. إذْ كَانَ عِنْدَهُمْ جَوَاهِرُ تُجْمَعُ تَارَةً وَتُفَرَّقُ أُخْرَى فَلَا تَخْلُو عَنْ اجْتِمَاعٍ وَافْتِرَاقٍ وَهُمَا حَادِثَانِ. فَلَمْ يَخْلُ الْإِنْسَانُ عَنْ الْحَوَادِثِ وَمَا لَمْ يَخْلُ مِنْ الْحَوَادِثِ فَهُوَ حَادِثٌ لِامْتِنَاعِ حَوَادِثَ لَا أَوَّلَ لَهَا. وَهَذِهِ هِيَ الطَّرِيقَةُ الَّتِي سَلَكَهَا الْأَشْعَرِيُّ فِي " اللُّمَعِ فِي الرَّدِّ عَلَى أَهْلِ الْبِدَعِ " وَشَرَحَهُ أَصْحَابُهُ شُرُوحًا كَثِيرَةً. وَكَذَلِكَ فِي " رِسَالَتِهِ إلَى أَهْلِ الثَّغْرِ ". وَذَكَرَ قَوْله تَعَالَى {أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ} {أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ
(16/268)

نَحْنُ الْخَالِقُونَ} فَاسْتَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْإِنْسَانَ مَخْلُوقٌ بِأَنَّهُ مُرَكَّبٌ مِنْ الْجَوَاهِرِ الَّتِي لَا تَخْلُو مِنْ اجْتِمَاعٍ وَافْتِرَاقٍ فَلَمْ تَخْلُ مِنْ الْحَوَادِثِ فَهِيَ حَادِثَةٌ. وَهَذِهِ الطَّرِيقَةُ هِيَ مُقْتَضِيَةٌ مِنْ كَوْنِ الْأَجْسَامِ كُلِّهَا كَذَلِكَ. وَتِلْكَ هِيَ الطَّرِيقَةُ الْمَشْهُورَةُ الَّتِي يَسْلُكُهَا الْجَهْمِيَّة وَالْمُعْتَزِلَةُ وَمَنْ اتَّبَعَهُمْ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ الْمُنْتَسِبِينَ إلَى الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد كَمَا ذَكَرَهَا الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُمَا. وَذَكَرَهَا أَبُو الْمَعَالِي الجُوَيْنِي وَصَاحِبُ " التَّتِمَّةِ " وَغَيْرُهُمَا. وَذَكَرَهَا أَبُو الْوَلِيدِ الباجي وَأَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيّ وَغَيْرُهُمَا. وَذَكَرَهَا أَبُو مَنْصُورٍ الماتريدي وَالصَّابُونِيّ. وَغَيْرُهُمَا. لَكِنَّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ اسْتَدَلُّوا بِخَلْقِ الْإِنْسَانِ فَرَضُوا ذَلِكَ فِي الْإِنْسَانِ ظَنًّا أَنَّ هَذِهِ طَرِيقَةُ الْقُرْآنِ. وَطَوَّلُوا فِي ذَلِكَ وَدَقَّقُوا حَتَّى اسْتَدَلُّوا عَلَى كَوْنِ عَيْنِ الْإِنْسَانِ وَجَوَاهِرِهِ مَخْلُوقَةً لِظَنِّهِمْ أَنَّ الْمَعْلُومَ بِالْحِسِّ وَبَدِيهَةِ الْعَقْلِ إنَّمَا هُوَ حُدُوثُ أَعْرَاضٍ لَا حُدُوثُ جَوَاهِرَ. وَزَعَمُوا أَنَّ كُلَّ مَا يُحْدِثُهُ اللَّهُ مِنْ السَّحَابِ وَالْمَطَرِ وَالزَّرْعِ وَالثَّمَرِ وَالْإِنْسَانِ وَالْحَيَوَانِ فَإِنَّمَا يُحْدِثُ فِيهِ أَعْرَاضًا وَهِيَ جَمْعُ الْجَوَاهِرِ الَّتِي كَانَتْ مَوْجُودَةً وَتَفْرِيقُهَا.
(16/269)

وَزَعَمُوا أَنَّ أَحَدًا لَا يَعْلَمُ حُدُوثَ غَيْرِهِ مِنْ الْأَعْيَانِ بِالْمُشَاهَدَةِ وَلَا بِضَرُورَةِ الْعَقْلِ وَإِنَّمَا يَعْلَمُ ذَلِكَ إذَا اسْتَدَلَّ كَمَا اسْتَدَلُّوا. فَقَالُوا: هَذِهِ أَعْرَاضٌ حَادِثَةٌ فِي جَوَاهِرَ وَتِلْكَ الْجَوَاهِرُ لَمْ تَخْلُ مِنْ الْأَعْرَاضِ لِامْتِنَاعِ خُلُوِّ الْجَوَاهِرِ مِنْ الْأَعْرَاضِ. ثُمَّ قَالُوا: وَمَا لَمْ يَخْلُ مِنْ الْحَوَادِثِ فَهُوَ حَادِثٌ. وَهَذَا بَنَوْهُ عَلَى أَنَّ الْأَجْسَامَ مُرَكَّبَةٌ مِنْ الْجَوَاهِرِ الْمُنْفَرِدَةِ الَّتِي لَا تَقْبَلُ الْقِسْمَةَ وَقَالُوا: إنَّ الْأَجْسَامَ لَا يَسْتَحِيلُ بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ. وَجُمْهُورُ الْعُقَلَاءِ مِنْ السَّلَفِ وَأَنْوَاعِ الْعُلَمَاءِ وَأَكْثَرِ النُّظَّارِ يُخَالِفُونَ هَؤُلَاءِ فِيمَا يُثْبِتُونَ مِنْ الْجَوْهَرِ الْفَرْدِ وَيُثْبِتُونَ اسْتِحَالَةَ الْأَجْسَامِ بَعْضِهَا إلَى بَعْضٍ وَيَقُولُونَ بِأَنَّ الرَّبَّ لَا يَزَالُ يُحْدِثُ الْأَعْيَانَ كَمَا دَلَّ عَلَى ذَلِكَ الْقُرْآنُ. وَلِهَذَا كَانَتْ هَذِهِ الطَّرِيقُ بَاطِلَةً عَقْلًا وَشَرْعًا وَهِيَ مُكَابَرَةٌ لِلْعَقْلِ. فَإِنَّ كَوْنَ الْإِنْسَانِ مَخْلُوقًا مُحْدَثًا كَائِنًا بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ أَمْرَ مَعْلُومٍ بِالضَّرُورَةِ لِجَمِيعِ النَّاسِ. وَكُلُّ أَحَدٍ يَعْلَمُ أَنَّهُ حَدَثَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ وَأَنَّ عَيْنَهُ حَدَثَتْ كَمَا قَالَ تَعَالَى {وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا} وَقَالَ تَعَالَى {أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا}
(16/270)

لَيْسَ هَذَا مِمَّا يُسْتَدَلُّ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ أَبْيَنُ وَأَوْضَحُ مِمَّا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَيْهِ لَوْ كَانَ صَحِيحًا. فَكَيْفَ إذَا كَانَ بَاطِلًا. وَقَوْلُهُمْ: إنَّ الْحَادِثَ أَعْرَاضٌ فَقَطْ وَإِنَّهُ مُرَكَّبٌ مِنْ الْجَوَاهِرِ الْفَرْدَةِ قَوْلَانِ بَاطِلَانِ لَا يُعْلَمُ صِحَّتُهُمَا. بَلْ يُعْلَمُ بُطْلَانُهُمَا. وَيُعْلَمُ حُدُوثُ جَوْهَرِ الْإِنْسَانِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْمَادَّةِ الَّتِي خُلِقَ مِنْهَا وَهِيَ الْعَلَقُ كَمَا قَالَ {خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ} . وَكَوْنُهُ مُرَكَّبًا مِنْ جَوَاهِرَ فَرِدَّةٌ لَيْسَ صَحِيحًا. وَلَوْ كَانَ صَحِيحًا لَمْ يَكُنْ مَعْلُومًا إلَّا بِأَدِلَّةِ دَقِيقَةٍ لَا تَكُونُ هِيَ أَصْلَ الدِّينِ الَّذِي هُوَ مُقَدِّمَاتٌ أَوَّلِيَّةٌ. فَإِنَّ تِلْكَ الْمُقَدِّمَاتِ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ بَيِّنَةً أَوَّلِيَّةً مَعْلُومَةً بِالْبَدِيهَةِ. فَطَرِيقُهُمْ تَضْمَنُ جَحْدَ الْمَعْلُومِ وَهُوَ حُدُوثُ الْأَعْيَانِ الْحَادِثَةِ وَهَذَا مَعْلُومٌ لِلْخَلْقِ؛ وَإِثْبَاتُ مَا لَيْسَ بِمَعْلُومِ بَلْ هُوَ بَاطِلٌ؛ وَأَنَّ الْأَحْدَاثَ لَهَا إنَّمَا هُوَ جَمْعٌ وَتَفْرِيقٌ لِلْجَوَاهِرِ وَأَنَّهُ إحْدَاثُ أَعْرَاضٍ فَقَطْ. وَلِهَذَا كَانَ اسْتِدْلَالُهُمْ بِطَرِيقَةِ الْجَوَاهِرِ وَالْأَعْرَاضِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ مِمَّا أَنْكَرَهُ عَلَيْهِمْ أَئِمَّةُ الدِّينِ وَبَيَّنُوا أَنَّهُمْ مُبْتَدِعُونَ فِي ذَلِكَ بَلْ
(16/271)

بَيَّنُوا ضَلَالَهُمْ شَرْعًا وَعَقْلًا كَمَا بُسِطَ كَلَامُ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ عَلَيْهِمْ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ إذْ هُوَ كَثِيرٌ. فَالْقُرْآنُ اسْتَدَلَّ بِمَا هُوَ مَعْلُومٌ لِلْخَلْقِ مِنْ أَنَّهُ {خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ} . وَهَؤُلَاءِ جَاءُوا إلَى هَذَا الْمَعْلُومِ فَزَعَمُوا أَنَّهُ غَيْرُ مَعْلُومٍ بَلْ هُوَ مَشْكُوكٌ فِيهِ. ثُمَّ زَعَمُوا أَنَّهُمْ يَذْكُرُونَ الدَّلِيلَ الَّذِي بِهِ يَصِيرُ مَعْلُومًا. فَذَكَرُوا دَلِيلًا بَاطِلًا لَا يَدُلُّ عَلَى حُدُوثِهِ بَلْ يُظَنُّ أَنَّهُ دَلِيلٌ وَهُوَ شُبْهَةٌ وَلَهَا لَوَازِمُ فَاسِدَةٌ. فَأَنْكَرُوا الْمَعْلُومَ بِالْعَقْلِ ثُمَّ الشَّرْعِ وَادَّعَوْا طَرِيقًا مَعْلُومَةً بِالْعَقْلِ وَهِيَ بَاطِلَةٌ فِي الْعَقْلِ وَالشَّرْعِ. فَضَاهَوْا الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ فِيهِمْ {لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ} . وَكَذَلِكَ فِي إثْبَاتِ النُّبُوَّاتِ وَإِمْكَانِهَا وَفِي إثْبَاتِ الْمُعَادِ وَإِمْكَانِهِ عَدَلُوا عَنْ الطَّرِيقِ الْهَادِيَةِ الَّتِي تُوجِبُ الْعِلْمَ الْيَقِينِيَّ الَّتِي هَدَى اللَّهُ بِهَا عِبَادَهُ إلَى طَرِيقٍ تُورِثُ الشَّكَّ وَالشُّبْهَةَ وَالْحَيْرَةَ. وَلِهَذَا قِيلَ: غَايَةُ الْمُتَكَلِّمِينَ الْمُبْتَدِعِينَ الشَّكُّ وَغَايَةُ الصُّوفِيَّةِ الْمُبْتَدِعِينَ الشَّطْحُ. ثُمَّ لَهَا لَوَازِمُ بَاطِلَةٌ مُخَالِفَةٌ لِلْعَقْلِ وَالشَّرْعِ فَأَلْزَمُوا لَوَازِمَهَا الَّتِي أَوْجَبَتْ لَهُمْ السَّفْسَطَةَ فِي الْعَقْلِيَّاتِ وَالْقَرْمَطَةِ فِي السَّمْعِيَّاتِ. وَتَكَلَّمُوا
(16/272)

فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ وَالْمُعَادِ وَدَلَائِلِ الرُّبُوبِيَّةِ بِأُمُورِ وَزَعَمُوا أَنَّهَا أَدِلَّةٌ وَهِيَ عِنْدُ التَّحْقِيقِ لَيْسَتْ بِأَدِلَّةِ. وَلِهَذَا يَطْعَنُ بَعْضُهُمْ فِي أَدِلَّةِ بَعْضٍ. وَإِذَا اسْتَدَلُّوا بِدَلِيلِ صَحِيحٍ فَهُوَ مُطَابِقٌ لِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ إنْ تَنَوَّعَتْ الْعِبَارَاتُ. وَلِهَذَا قَدْ يَسْتَدِلُّ بَعْضُهُمْ بِدَلِيلِ إمَّا صَحِيحٌ وَإِمَّا غَيْرُ صَحِيحٍ فَيَطْعَنُ فِيهِ آخَرُ وَيَزْعُمُ أَنَّهُ يَذْكُرُ مَا هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ وَيَكُونُ الَّذِي يَذْكُرُهُ دُونَ مَا ذَكَرَهُ ذَاكَ. وَهَذَا يُصِيبُهُمْ كَثِيرًا فِي الْحُدُودِ يَطْعَنُ هَؤُلَاءِ فِي حَدِّ هَؤُلَاءِ وَيَذْكُرُونَ حَدًّا مِثْلَهُ أَوْ دُونَهُ. وَتَكُونُ الْحُدُودُ كُلُّهَا مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ وَهِيَ صَحِيحَةٌ إذَا أُرِيدَ بِهَا التَّمْيِيزُ بَيْنَ الْمَحْدُودِ وَغَيْرِهِ. وَأَمَّا مَنْ قَالَ: إنَّ الْحُدُودَ تُفِيدُ تَصْوِيرَ مَاهِيَّةِ الْمَحْدُودِ كَمَا يَقُولُهُ أَهْلُ الْمَنْطِقِ فَهَؤُلَاءِ غالطون ضَالُّونَ كَمَا قَدْ بُسِطَ هَذَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ. وَإِنَّمَا الْحَدُّ مُعَرَّفٌ لِلْمَحْدُودِ وَدَلِيلٌ عَلَيْهِ بِمَنْزِلَةِ الِاسْمِ لَكِنَّهُ يَفْصِلُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الِاسْمُ بِالْإِجْمَالِ. فَهُوَ نَوْعٌ مِنْ الْأَدِلَّةِ كَمَا قَدْ بُسِطَ هَذَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ. إذْ الْمَقْصُودُ هُنَا التَّنْبِيهُ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الطَّرِيقِ الْمُفِيدِ لِلْعِلْمِ وَالْيَقِينِ كَاَلَّتِي بَيَّنَّهَا الْقُرْآنُ وَبَيَّنَ مَا لَيْسَ كَذَلِكَ مِنْ طُرُقِ أَهْلِ الْبِدَعِ الْبَاطِلَةِ شَرْعًا وَعَقْلًا.
(16/273)

فَصْلٌ:
وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ بَنَوْا أَصْلَ دِينِهِمْ عَلَى طَرِيقَةِ الْأَعْرَاضِ وَالِاسْتِدْلَالِ بِهَا عَلَى حُدُوثِ الْأَجْسَامِ اضْطَرَبُوا كَثِيرًا كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي مَوَاضِعَ. وَلَا بُدَّ لِكُلِّ مِنْهُمْ مَعَ مُخَالَفَتِهِ لِلشَّرْعِ الْمُنَزَّلِ مِنْ السَّمَاءِ إلَى أَنْ يُخَالِفَ أَيْضًا صَرِيحَ الْعَقْلِ وَيُكَابِرَ: فَيَكُونُ مِمَّنْ لَا يَسْمَعُ وَلَا يَعْقِلُ. فَإِنَّ الْقَوْلَ لَهُ لَوَازِمُ فَإِذَا كَانَ بَاطِلًا فَقَدْ يَسْتَلْزِمُ أُمُورًا بَاطِلَةً ظَاهِرَةَ الْبُطْلَانِ. وَصَاحِبُهُ يُرِيدُ إثْبَاتَ تِلْكَ اللَّوَازِمِ فَيُظْهِرُ مُخَالَفَتَهُ لِلْحِسِّ وَالْعَقْلِ. كَاَلَّذِينَ أَثْبَتُوا الْجَوَاهِرَ الْمُنْفَرِدَةَ وَقَالُوا إنَّ الْحَرَكَاتِ فِي نَفْسِهَا لَا تَنْقَسِمُ إلَى سَرِيعٍ وَبَطِيءٍ إذْ كَانَتْ الْحَرَكَةُ عِنْدَهُمْ مُنْقَسِمَةً كَانْقِسَامِ الْمُتَحَرِّكِ وَكَذَلِكَ الزَّمَانُ وَأَجْزَاءُ الزَّمَانِ. وَالْحَرَكَةُ وَالْمُتَحَرِّكُ عِنْدَهُمْ وَاحِدٌ لَا يَنْقَسِمُ فَإِذَا كَانَ الْمُتَحَرِّكَانِ سَوَاءً وَحَرَكَةُ أَحَدِهِمَا أَسْرَعَ قَالُوا: إنَّمَا ذَاكَ لِتَخَلُّلِ السَّكَنَاتِ. وَادَّعَوْا أَنَّ الرَّحَا وَالدُّولَابَ وَكُلَّ مُسْتَدِيرٍ إذَا تَحَرَّكَ فَإِنَّ زَمَانَ حَرَكَةِ الْمُحِيطِ وَالطَّوْقِ الصَّغِيرِ وَاحِدٌ مَعَ كَثْرَةِ أَجْزَاءِ الْمُحِيطِ فَيَجِبُ أَنْ تَكُونَ حَرَكَتُهَا أَكْثَرَ فَيَكُونُ زَمَنُهَا أَكْثَرَ وَلَيْسَ هُوَ بِأَكْثَرَ؛
(16/274)

فَادَّعَوْا أَنَّهَا تَنْفَكُّ ثُمَّ تَتَّصِلُ. وَهَذِهِ مُكَابَرَةٌ مِنْ جِنْسِ " طَفْرَةِ النِّظَامِ ". وَكَذَلِكَ الَّذِينَ قَالُوا بِأَنَّ الْعَرْضَ لَا يَبْقَى زَمَانَيْنِ خَالَفُوا الْحِسَّ وَمَا يَعْلَمُهُ الْعُقَلَاءُ بِضَرُورَةِ عُقُولِهِمْ. فَإِنَّ كُلَّ أَحَدٍ يَعْلَمُ أَنَّ لَوْنَ جَسَدِهِ الَّذِي كَانَ لَحْظَةً هُوَ هَذَا اللَّوْنُ. وَكَذَلِكَ لَوْنُ السَّمَاءِ وَالْجِبَالِ وَالْخَشَبِ وَالْوَرَقِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَمِمَّا أَلْجَأَهُمْ إلَى هَذَا ظَنُّهُمْ أَنَّهُمَا لَوْ كَانَا بَاقِيَيْنِ لَمْ يُمْكِنْ إعْدَامُهُمَا. فَإِنَّهُمْ حَارُوا فِي إفْنَاءِ اللَّهِ الْأَشْيَاءَ إذَا أَرَادَ أَنْ يُفْنِيَهَا كَمَا حَارُوا فِي إحْدَاثِهَا. وَحَيْرَتُهُمْ فِي الْإِفْنَاءِ أَظْهَرُ. هَذَا يَقُولُ: يَخْلُقُ فَنَاءً لَا فِي مَحَلٍّ فَيَكُونُ ضِدًّا لَهَا فَتَفْنَى بِضِدِّهَا. وَهَذَا يَقُولُ: يَقْطَعُ عَنْهَا الْأَعْرَاضَ مُطْلَقًا أَوْ الْبَقَاءَ الَّذِي لَا تَبْقَى إلَّا بِهِ فَيَكُونُ فَنَاؤُهَا لِفَوَاتِ شَرْطِهَا. وَمِنْ أَسْبَابِ ذَلِكَ ظَنُّهُمْ أَوْ ظَنُّ مَنْ ظَنَّ مِنْهُمْ أَنَّ الْحَوَادِثَ لَا تَحْتَاجُ إلَى اللَّهِ إلَّا حَالَ إحْدَاثِهَا لَا حَالَ بَقَائِهَا وَقَدْ قَالُوا إنَّهُ قَادِرٌ عَلَى إفْنَائِهَا. فَتَكَلَّفُوا هَذِهِ الْأَقْوَالَ الْبَاطِلَةَ. وَهَؤُلَاءِ لَا يَحْتَجُّونَ عَلَى بَقَاءِ الرَّبِّ بِافْتِقَارِ الْعَالَمِ إلَيْهِ بَلْ بِأَنَّهُ قَدِيمٌ وَمَا وَجَبَ قِدَمُهُ امْتَنَعَ عَدَمُهُ. وَإِلَّا فَالْبَاقِي حَالَ بَقَائِهِ لَا يَحْتَاجُ إلَى الرَّبِّ عِنْدَهُمْ.
(16/275)

وَهَؤُلَاءِ شَرٌّ مِنْ الَّذِينَ سَأَلُوا مُوسَى: هَلْ يَنَامُ رَبُّك؟ فَضَرَبَ اللَّهُ لَهُمْ الْمَثَلَ بالقارورتين لَمَّا أَرِقَ مُوسَى لَيَالِيَ ثُمَّ أَمَرَهُ بِإِمْسَاكِ الْقَارُورَتَيْنِ فَلَمَّا أَمْسَكَهُمَا غَلَبَهُ النَّوْمُ فَتَكَسَّرَتَا. فَبَيَّنَ اللَّهُ لَهُ لَوْ أَخَذَتْهُ سِنَةٌ أَوْ نَوْمٌ لَتَدَكْدَكَ الْعَالَمُ. وَعَلَى رَأْيِ هَؤُلَاءِ لَوْ أَخَذَتْهُ سِنَةٌ أَوْ نَوْمٌ لَمْ يَعْدَمْ الْبَاقِيَ. لَكِنَّ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: هُوَ مُحْتَاجٌ إلَى إحْدَاثِ الْأَعْرَاضِ مُتَوَالِيَةً لِأَنَّ الْعَرْضَ عِنْدَهُ لَا يَبْقَى زَمَانَيْنِ. فَمِنْ هَذَا الْوَجْهِ يَقُولُ: إذْ لَوْ أَخَذَتْهُ سِنَةٌ أَوْ نَوْمٌ لَمْ تَحْدُثْ الْأَعْرَاضُ الَّتِي تَبْقَى بِهَا الْأَجْسَامُ لَا لِأَنَّ الْأَجْسَامَ فِي نَفْسِهَا مُفْتَقِرَةٌ إلَيْهِ فِي حَالِ بَقَائِهَا عِنْدَهُ. وَكَذَلِكَ يَقُولُونَ: إنَّ الْإِرَادَةَ لَا تَتَعَلَّقُ بِالْقَدِيمِ وَلَا بِالْبَاقِي. وَكَذَلِكَ الْقُدْرَةُ عِنْدَهُمْ لَا تَتَعَلَّقُ بِالْبَاقِي وَلَا الْعَجُزُ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ عَجْزًا عَنْ الْبَاقِي وَالْقَدِيمِ عِنْدَهُمْ. لِأَنَّ الْعَجْزَ عِنْدَهُمْ إنَّمَا يَكُونُ عَجْزًا عَمَّا تَصِحُّ الْقُدْرَةُ عَلَيْهِ. وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: عِلَّةُ الِافْتِقَارِ إلَى الْخَالِقِ مُجَرَّدُ الْحُدُوثِ. وَآخَرُونَ مِنْ الْمُتَفَلْسِفَةِ يَقُولُونَ: هُوَ مُجَرَّدُ الْإِمْكَانِ وَيَدَّعُونَ أَنَّ الْقَدِيمَ الْأَزَلِيَّ الَّذِي لَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَالُ هُوَ مُفْتَقِرٌ إلَى الصَّانِعِ. فَهَذَا يَدَّعِي أَنَّ الْبَاقِيَ الْمُحْدَثَ لَا يَفْتَقِرُ وَهَذَا يَدَّعِي أَنَّ الْبَاقِيَ الْقَدِيمَ يَفْتَقِرُ. وَكِلَا الْقَوْلَيْنِ
(16/276)

فَاسِدٌ كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي مَوَاضِعَ. وَالْحَقُّ أَنَّ كُلَّ مَا سِوَى اللَّهِ حَادِثٌ وَهُوَ مُفْتَقِرٌ إلَيْهِ دَائِمًا. وَهُوَ يُبْقِيه وَيَعْدَمُهُ كَمَا يُنْشِئُهُ وَيُحْدِثُهُ كَمَا يُحْدِثُ الْحَوَادِثَ مِنْ التُّرَابِ وَغَيْرِهِ ثُمَّ يُفْنِيهَا وَيُحِيلُهَا إلَى التُّرَابِ وَغَيْرِهِ. وَهَؤُلَاءِ ادَّعَى كَثِيرٌ مِنْهُمْ أَنَّ كُلَّ مَا سِوَى اللَّهِ يَعْدَمُ ثُمَّ يُعَادُ. وَبَعْضُهُمْ قَالَ: هَذَا مُمْكِنٌ لَكِنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى الْخَبَرِ وَالْخَبَرُ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِذَلِكَ بِنَفْيِ وَلَا إثْبَاتٍ. وَهَذَا هُوَ الْمُعَادُ عِنْدَهُمْ. وَهَذَا لَمْ يَأْتِ بِهِ كِتَابٌ وَلَا سُنَّةٌ وَلَا دَلَّ عَلَيْهِ عَقْلٌ. بَلْ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ يُبَيِّنُ أَنَّ اللَّهَ يُحِيلُ الْعَالَمَ مِنْ حَالٍ إلَى حَالٍ كَمَا يَشُقُّ السَّمَاءَ وَيَجْعَلُ الْجِبَالَ كَالْعِهْنِ وَيُكَوِّرُ الشَّمْسَ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا أَخْبَرَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ لَمْ يُخْبِرْ أَنَّ جَمِيعَ الْأَشْيَاءِ تَعْدَمُ ثُمَّ تُعَادُ. ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: إنَّهَا تَعْدَمُ بَعْدَ ذَلِكَ لِامْتِنَاعِ وُجُودِ حَوَادِثَ لَا آخِرَ لَهَا كَمَا تَقُولُهُ الْجَهْمِيَّة. وَهَذَا مِمَّا أَنْكَرَهُ عَلَيْهِمْ السَّلَفُ وَالْأَئِمَّةُ كَمَا قَدْ ذُكِرَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ. وَهَؤُلَاءِ إنَّمَا قَالُوا هَذَا طَرْدًا لِقَوْلِهِمْ بِامْتِنَاعِ دَوَامِ جِنْسِ الْحَوَادِثِ وَقَالُوا: مَا وَجَبَ أَنْ يَكُونَ لَهُ ابْتِدَاءٌ وَجَبَّ أَنْ يَكُونَ لَهُ انْتِهَاءٌ كَمَا قَدْ بُسِطَ هَذَا وَبَيَّنَ فَسَادَ هَذَا الْأَصْلِ.
(16/277)

فَصْلٌ:
وَهُوَ سُبْحَانَهُ تَارَةً يَذْكُرُ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مُجْمَلًا وَتَارَةً يَذْكُرُهُ مُفَصَّلًا كَقَوْلِهِ {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ} {ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ} {ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً} {فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً} {فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا} {فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا} {ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ} {فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} . ثُمَّ ذَكَرَ الْمُعَادَيْنِ الْأَصْغَرَ وَالْأَكْبَرَ فَقَالَ {ثُمَّ إنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ} {ثُمَّ إنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ} . وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ: لِمَ دَخَلَتْ لَامُ التَّوْكِيدِ فِي الْمَوْتِ وَهُوَ مُشَاهَدٌ وَلَمْ تَدْخُلْ فِي الْبَعْثِ وَهُوَ غَيْبٌ فَيَحْتَاجُ إلَى التَّوْكِيدِ؟ وَذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ الْمَقْصُودَ بِذِكْرِ الْمَوْتِ وَالْبَعْثِ هُوَ الْإِخْبَارُ بِالْجَزَاءِ وَالْمُعَادِ وَأَوَّلُ ذَلِكَ هُوَ الْمَوْتُ. فَنَبَّهَ عَلَى الْإِيمَانِ بِالْمُعَادِ وَالِاسْتِعْدَادِ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ. وَهُوَ إنَّمَا قَالَ " تُبْعَثُونَ " فَقَطْ وَلَمْ يَقُلْ " تُجَازُونَ " لَكِنْ قَدْ عُلِمَ أَنَّ الْبَعْثَ لِلْجَزَاءِ. وَأَيْضًا فَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى قَهْرِ الْإِنْسَانِ وَإِذْلَالِهِ يَقُولُ: بَعْدَ هَذَا
(16/278)

كُلِّهِ إنَّك تَمُوتُ فَتُرَدُّ إلَى أَسْفَلَ سَافِلِينَ إلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَمَا قَالَ {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} {ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ} {إلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ} . وَهَذَا الرَّدُّ هُوَ بِالْمَوْتِ. فَإِنَّهُ يَصِيرُ فِي أَسْفَلَ سَافِلِينَ إلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَمَا قَالَ {كَلَّا إنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ} وَقَالَ {إنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ} . وَفِي قَوْلِهِ {أَسْفَلَ سَافِلِينَ} قَوْلَانِ. قِيلَ: الْهَرَمُ. وَقِيلَ: الْعَذَابُ بَعْدَ الْمَوْتِ وَهَذَا هُوَ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ الْآيَةُ قَطْعًا. فَإِنَّهُ جَعَلَهُ فِي أَسْفَلِ سَافِلِينَ إلَّا الْمُؤْمِنِينَ. وَالنَّاسُ نَوْعَانِ: فَالْكَافِرُ بَعْدَ الْمَوْتِ يُعَذَّبُ فِي أَسْفَلِ سَافِلِينَ وَالْمُؤْمِنُ فِي عِلِّيِّينَ. وَأَمَّا الْقَوْلُ الْأَوَّلُ فَفِيهِ نَظَرٌ. فَإِنَّهُ لَيْسَ كُلُّ مَنْ سِوَى الْمُؤْمِنِينَ يَهْرَمُ فَيُرَدُّ إلَى أَسْفَلِ سَافِلِينَ. بَلْ كَثِيرٌ مِنْ الْكُفَّارِ يَمُوتُ قَبْلَ الْهَرَمِ وَكَثِيرٌ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ يَهْرَمُ وَإِنْ كَانَ حَالُ الْمُؤْمِنِ فِي الْهَرَمِ أَحْسَنَ حَالًا مِنْ الْكَافِرِ فَكَذَلِكَ فِي الشَّبَابِ حَالُ الْمُؤْمِنِ أَحْسَنُ مِنْ حَالِ الْكَافِرِ فَجُعِلَ الرَّدُّ إلَى أَسْفَلِ سَافِلِينَ فِي آخِرِ الْعُمُرِ وَتَخْصِيصُهُ بِالْكُفَّارِ ضَعِيفٌ. وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُهُمْ إنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مُنْقَطِعٌ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ وَهُوَ أَيْضًا
(16/279)

ضَعِيفٌ. فَإِنَّ الْمُنْقَطِعَ لَا يَكُونُ فِي الْمُوجَبِ وَلَوْ جَازَ هَذَا لَجَازَ لِكُلِّ أَحَدٍ أَنْ يَدَّعِيَ فِي أَيِّ اسْتِثْنَاءٍ شَاءَ أَنَّهُ مُنْقَطِعٌ. وَأَيْضًا فَالْمُنْقَطِعُ لَا يَكُونُ الثَّانِيَ مِنْهُ بَعْضَ الْأَوَّلِ وَالْمُؤْمِنُونَ بَعْضُ نَوْعِ الْإِنْسَانِ. وَقَدْ فَسَّرَ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ بِأَنَّ الْمُؤْمِنَ يَكْتُبُ لَهُ مَا كَانَ يَعْمَلُهُ إذَا عَجَزَ. قَالَ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِي: إذَا بَلَغَ الْمُؤْمِنُ مِنْ الْكِبَرِ مَا يَعْجِزُ عَنْ الْعَمَلِ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ مَا كَانَ يَعْمَلُ وَهُوَ قَوْلُهُ {فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ} . وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الْمَعْنَى {إلَّا الَّذِينَ آمَنُوا} فِي وَقْتِ الْقُوَّةِ وَالْقُدْرَةِ فَإِنَّهُمْ فِي حَالِ الْكِبَرِ غَيْرَ مَنْقُوصِينَ وَإِنْ عَجَزُوا عَنْ الطَّاعَاتِ. فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ لَوْ لَمْ يَسْلُبْهُمْ الْقُوَّةَ لَمْ يَنْقَطِعُوا عَنْ أَفْعَالِ الْخَيْرِ فَهُوَ يَجْرِي لَهُمْ أَجْرُ ذَلِكَ. فَيُقَالُ: وَهَذَا أَيْضًا ثَابِتٌ فِي حَالِ الشَّبَابِ إذَا عَجَزَ الشَّابُّ لِمَرَضِ أَوْ سِفْرٍ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي مُوسَى عَنْ {النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إذَا مَرِضَ الْعَبْدُ أَوْ سَافَرَ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ مِنْ الْعَمَلِ مَا كَانَ يَعْمَلُ وَهُوَ صَحِيحٌ مُقِيمٌ} . وَفَسَّرَهُ بَعْضُهُمْ بِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فَإِنَّهُ لَا يُرَدُّ إلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ. فَيُقَالُ: هَذَا مَخْصُوصٌ بِقَارِئِ الْقُرْآنِ وَالْآيَةُ اسْتَثْنَتْ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءٌ قَرَؤُوا الْقُرْآنَ أَوْ لَمْ
(16/280)

يَقْرَؤُوهُ وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: {مَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ الْأُتْرُجَّةِ طَعْمُهَا طَيِّبٌ وَرِيحُهَا طَيِّبٌ وَمَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ التَّمْرَةِ طَعْمُهَا طَيِّبٌ وَلَا رِيحَ لَهَا} . وَأَيْضًا فَيُقَالُ: هَرَمُ الْحَيَوَانِ لَيْسَ مَخْصُوصًا بِالْإِنْسَانِ بَلْ غَيْرُهُ مِنْ الْحَيَوَانِ إذَا كَبِرَ هَرِمَ. وَأَيْضًا فَالشَّيْخُ وَإِنْ ضَعُفَ بَدَنُهُ فَعَقْلُهُ أَقْوَى مِنْ عَقْلِ الشَّابِّ. وَلَوْ قُدِّرَ أَنَّهُ يَنْقُصُ بَعْضُ قُوَاهُ فَلَيْسَ هَذَا رَدًّا إلَى أَسْفَلَ سَافِلِينَ. فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ إنَّمَا يَصِفُ الْهَرَمَ بِالضَّعْفِ كَقَوْلِهِ {ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً} وَقَوْلِهِ {وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ} فَهُوَ يُعِيدُهُ إلَى حَالِ الضَّعْفِ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ الطِّفْلَ لَيْسَ هُوَ فِي أَسْفَلِ سَافِلِينَ فَالشَّيْخُ كَذَلِكَ وَأَوْلَى. وَإِنَّمَا فِي أَسْفَلِ سَافِلِينَ مَنْ يَكُونُ فِي سِجِّينٍ لَا فِي عِلِّيِّينَ كَمَا قَالَ تَعَالَى {إنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ} . وَمِمَّا يُبَيِّنُ ذَلِكَ قَوْلُهُ {فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ} . فَإِنَّهُ يَقْتَضِي ارْتِبَاطَ هَذَا بِمَا قَبِلَهُ لِذِكْرِهِ بِحَرْفِ الْفَاءِ. وَلَوْ كَانَ الْمَذْكُورُ إنَّمَا هُوَ رَدُّهُ إلَى الْهَرَمِ دُونَ مَا بَعْدَ الْمَوْتِ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ تَعَرُّضٌ لِلدِّينِ وَالْجَزَاءِ بِخِلَافِ
(16/281)

مَا إذَا كَانَ الْمَذْكُورُ أَنَّهُ بَعْدَ الْمَوْتِ يُرَدُّ إلَى أَسْفَلِ سَافِلِينَ غَيْرَ الْمُؤْمِنِ الْمُصْلِحِ. فَإِنَّ هَذَا يَتَضَمَّنُ الْخَبَرَ بِأَنَّ اللَّهَ يَدِينُ الْعِبَادُ بَعْدَ الْمَوْتِ فَيُكْرِمُ الْمُؤْمِنِينَ وَيُهِينُ الْكَافِرِينَ. وَأَيْضًا فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ أَقْسَمَ عَلَى ذَلِكَ بِأَقْسَامِ عَظِيمَةٍ بِالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ وَطُورِ سِينِينَ وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ. وَهِيَ الْمَوَاضِعُ الَّتِي جَاءَ مِنْهَا مُحَمَّدٌ وَالْمَسِيحُ وَمُوسَى وَأَرْسَلَ اللَّهُ بِهَا هَؤُلَاءِ الرُّسُلَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ. وَهَذَا الْإِقْسَامُ لَا يَكُونُ عَلَى مُجَرَّدِ الْهَرَمِ الَّذِي يَعْرِفُهُ كُلُّ أَحَدٍ بَلْ عَلَى الْأُمُورِ الْغَائِبَةِ الَّتِي تُؤَكَّدُ بِالْأَقْسَامِ. فَإِنَّ إقْسَامَ اللَّهِ هُوَ عَلَى أَنْبَاءِ الْغَيْبِ. وَفِي نَفْسِ الْمُقْسِمِ بِهِ وَهُوَ إرْسَالُ هَؤُلَاءِ الرُّسُلِ تَحْقِيقٌ لِلْمُقْسِمِ عَلَيْهِ وَهُوَ الثَّوَابُ وَالْعِقَابُ بَعْدَ الْمَوْتِ لِأَنَّ الرُّسُلَ أَخْبَرُوا بِهِ. وَهُوَ يَتَضَمَّنُ أَيْضًا الْجَزَاءَ فِي الدُّنْيَا كَإِهْلَاكِ مَنْ أَهْلَكَهُمْ مِنْ الْكُفَّارِ. فَإِنَّهُ رَدَّهُمْ إلَى أَسْفَلِ سَافِلِينَ بِهَلَاكِهِمْ فِي الدُّنْيَا. وَهُوَ تَنْبِيهٌ عَلَى زَوَالِ النِّعَمِ إذَا حَصَلَتْ الْمَعَاصِي كَمَنْ رُدَّ فِي الدُّنْيَا إلَى أَسْفَلِ جَزَاءٍ عَلَى ذُنُوبِهِ.
(16/282)

وَقَوْلُهُ {فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ} أَيْ بِالْجَزَاءِ يَتَنَاوَلُ جَزَاءَهُ عَلَى الْأَعْمَالِ فِي الدُّنْيَا وَالْبَرْزَخِ وَالْآخِرَةِ. إذْ كَانَ قَدْ أَقْسَمَ بِأَمَاكِنِ هَؤُلَاءِ الْمُرْسَلِينَ الَّذِينَ أُرْسِلُوا بِالْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى أَمْرِ اللَّهِ وَنَهْيِهِ وَوَعْدِهِ وَوَعِيدِهِ مُبَشِّرِينَ لِأَهْلِ الْإِيمَانِ مُنْذِرِينَ لِأَهْلِ الْكُفْرِ. وَقَدْ أَقْسَمَ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْإِنْسَانَ بَعْدَ أَنْ جُعِلَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ إنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا كَانَ لَهُ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ وَإِلَّا كَانَ فِي أَسْفَلِ سَافِلِينَ. فَتَضَمَّنَتْ السُّورَةُ بَيَانَ مَا بُعِثَ بِهِ هَؤُلَاءِ الرُّسُلُ الَّذِينَ أَقْسَمَ بِأَمَاكِنِهِمْ. وَالْإِقْسَامُ بِمَوَاضِعِ مِحَنِهِمْ تَعْظِيمٌ لَهُمْ. فَإِنَّ مَوْضِعَ الْإِنْسَانِ إذَا عَظُمَ لِأَجْلِهِ كَانَ هُوَ أَحَقَّ بِالتَّعْظِيمِ. وَلِهَذَا يُقَالُ فِي الْمُكَاتَبَاتِ " إلَى الْمَجْلِسِ وَالْمَقَرِّ وَنَحْوَ ذَلِكَ السَّامِي وَالْعَالِي " وَيُذْكَرُ بِخُضُوعِ لَهُ وَتَعْظِيمٍ وَالْمُرَادُ صَاحِبُهُ. فَلَمَّا قَالَ {فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ} دُلَّ عَلَى أَنَّ مَا تَقَدَّمَ قَدْ بُيِّنَ فِيهِ مَا يَمْنَعُ التَّكْذِيبَ بِالدِّينِ. وَفِي قَوْلِهِ {يُكَذِّبُكَ} قَوْلَانِ. قِيلَ: هُوَ خِطَابٌ لِلْإِنْسَانِ كَمَا قَالَ مُجَاهِدٌ وَعِكْرِمَةُ وَمُقَاتِلٌ وَلَمْ يَذْكُرْ البغوي غَيْرَهُ. قَالَ عِكْرِمَةُ يَقُولُ: فَمَا يُكَذِّبُك بَعْدُ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي فَعَلْت بِك. وَعَنْ مُقَاتِلٍ:
(16/283)

فَمَا الَّذِي يَجْعَلُك مُكَذِّبًا بِالْجَزَاءِ وَزَعَمَ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي عَيَّاشِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ. وَالثَّانِي أَنَّهُ خِطَابٌ لِلرَّسُولِ وَهَذَا أَظْهَرُ. فَإِنَّ الْإِنْسَانَ إنَّمَا ذُكِرَ مُخْبِرًا عَنْهُ لَمْ يُخَاطَبْ. وَالرَّسُولُ هُوَ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ وَالْخِطَابُ فِي هَذِهِ السُّوَرِ لَهُ كَقَوْلِهِ {مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى} وَقَوْلِهِ {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ} وَقَوْلِهِ {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} . وَالْإِنْسَانُ إذَا خُوطِبَ قِيلَ لَهُ {يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ} {يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إنَّكَ كَادِحٌ إلَى رَبِّكَ كَدْحًا} . وَأَيْضًا فَبِتَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ خِطَابًا لِلْإِنْسَانِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ خِطَابًا لِلْجِنْسِ كَقَوْلِهِ {يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إنَّكَ كَادِحٌ} وَعَلَى قَوْلِ هَؤُلَاءِ إنَّمَا هُوَ خِطَابٌ لِلْكَافِرِ خَاصَّةً الْمُكَذِّب بِالدِّينِ. وَأَيْضًا فَإِنَّ قَوْلَهُ {يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ} أَيْ يَجْعَلُك كَاذِبًا هَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ مِنْ لُغَةِ الْعَرَبِ. فَإِنَّ اسْتِعْمَالَ " كَذَّبَ غَيْرَهُ أَيْ نَسَبَهُ إلَى الْكَذِبِ وَجَعَلَهُ كَاذِبًا " مَشْهُورٌ وَالْقُرْآنُ مَمْلُوءٌ مِنْ هَذَا. وَحَيْثُ ذَكَرَ اللَّهُ تَكْذِيبَ الْمُكَذِّبِينَ لِلرُّسُلِ أَوْ التَّكْذِيبَ بِالْحَقِّ وَنَحْوَ ذَلِكَ فَهَذَا مُرَادُهُ.
(16/284)

لَكِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ فِيهَا غُمُوضٌ مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ قَالَ {يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ} . فَذَكَرَ الْمُكَذِّبَ بِالدِّينِ فَذَكَرَ الْمُكَذِّبَ وَالْمُكَذِّبُ بِهِ جَمِيعًا. وَهَذَا قَلِيلٌ جَاءَ نَظِيرُهُ فِي قَوْلِهِ {فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ} فَأَمَّا أَكْثَرُ الْمَوَاضِعِ فَإِنَّمَا يَذْكُرُ أَحَدَهُمَا إمَّا الْمُكَذِّبُ كَقَوْلِهِ {كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ} وَإِمَّا الْمُكَذِّبُ بِهِ كَقَوْلِهِ {بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ} . وَأَمَّا الْجَمْعُ بَيَّنَ ذِكْرِ الْمُكَذِّبِ وَالْمُكَذَّبِ بِهِ فَقَلِيلٌ. وَمِنْ هُنَا اشْتَبَهَتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى مَنْ جَعَلَ الْخِطَابَ فِيهَا لِلْإِنْسَانِ وَفَسَّرَ مَعْنَى قَوْلِهِ {فَمَا يُكَذِّبُكَ} فَمَا يَجْعَلُك مُكَذِّبًا. وَعِبَارَةُ آخَرِينَ: فَمَا يَجْعَلُك كَذَّابًا. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَقَالَ جُمْهُورٌ مِنْ الْمُفَسِّرِينَ: الْمُخَاطَبُ الْإِنْسَانُ الْكَافِرُ أَيْ مَا الَّذِي يَجْعَلُك كَذَّابًا بِالدِّينِ تَجْعَلُ لِلَّهِ أَنْدَادًا وَتَزْعُمُ أَنْ لَا بَعْثَ بَعْدَ هَذِهِ الدَّلَائِلِ؟ . (قُلْت وَكِلَا الْقَوْلَيْنِ غَيْرُ مَعْرُوفٍ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ أَنْ يَقُولَ " كَذَّبَك أَيْ جَعَلَك مُكَذَّبًا " بَلْ " كَذَّبَك: جَعَلَك كَذَّابًا ". وَإِذَا قِيلَ " جَعَلَك كَذَّابًا " أَيْ كَاذِبًا فِيمَا يُخْبِرُ بِهِ كَمَا جَعَلَ الْكُفَّارُ الرُّسُلَ كَاذِبِينَ فِيمَا أَخْبَرُوا بِهِ فَكَذَّبُوهُمْ وَهَذَا يَقُولُ:
(16/285)

جَعَلَك كَاذِبًا بِالدِّينِ فَجَعَلَ كَذِبَهُ أَنَّهُ أَشْرَكَ وَأَنَّهُ أَنْكَرَ الْمُعَادَ وَهَذَا ضِدُّ الَّذِي يُنْكِرُ. ذَاكَ جَعَلَهُ مُكَذِّبًا بِالدِّينِ وَهَذَا جَعَلَهُ كَاذِبًا بِالدِّينِ. وَالْأَوَّلُ فَاسِدٌ مِنْ جِهَةِ الْعَرَبِيَّةِ وَالثَّانِي فَاسِدٌ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى. فَإِنَّ الدِّينَ هُوَ الْجَزَاءُ الَّذِي كَذَّبَ بِهِ الْكَافِرُ. وَالْكَافِرُ كَذَّبَ بِهِ لَمْ يُكَذِّبْ هُوَ بِهِ. وَأَيْضًا فَلَا يُعْرَفُ فِي الْمُخْبِرِ أَنْ يُقَالَ " كَذَبْت بِهِ " بَلْ يُقَالُ " كَذَّبْته ". وَأَيْضًا فَالْمَعْرُوفُ فِي " كَذِبِهِ " أَيْ نَسَبَهُ إلَى الْكَذِبِ لَا أَنَّهُ جَعَلَ الْكَذِبَ فِيهِ. فَهَذَا كُلُّهُ تَكَلُّفٌ لَا يُعْرَفُ فِي اللُّغَةِ بَلْ الْمَعْرُوفُ خِلَافُهُ. وَهُوَ لَمْ يَقُلْ " فَمَا يُكَذِّبُك " وَلَا قَالَ " فَمَا كَذَّبَك ". وَلِهَذَا كَانَ عُلَمَاءُ الْعَرَبِيَّةِ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَاخْتُلِفَ فِي الْمُخَاطَبِ بِقَوْلِهِ {فَمَا يُكَذِّبُكَ} فَقَالَ قتادة وَالْفَرَّاءُ وَالْأَخْفَشُ: هُوَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَالَ اللَّهُ لَهُ: " فَمَا الَّذِي يُكَذِّبُك فِيمَا تُخْبِرُ بِهِ مِنْ الْجَزَاءِ وَالْبَعْثِ وَهُوَ الدِّينُ بَعْدَ هَذِهِ الْعِبْرَةِ الَّتِي يُوجِبُ النَّظَرَ فِيهَا صِحَّةُ مَا قُلْت "؟ . قَالَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الدِّينُ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ جَمِيعَ شَرْعِهِ وَدِينِهِ.
(16/286)

قُلْت: وَعَلَى أَنَّ الْمُخَاطَبَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَعْنَى قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا قَوْلُ قتادة قَالَ: {فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ} أَيْ اسْتَيْقِنْ فَقَدْ جَاءَك الْبَيَانُ مِنْ اللَّهِ. وَهَكَذَا رَوَاهُ عَنْهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بِإِسْنَادِ ثَابِتٍ. وَكَذَلِكَ ذَكَرَهُ المهدوي: {فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ} أَيْ اسْتَيْقِنْ مَعَ مَا جَاءَك مِنْ اللَّهِ أَنَّهُ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ. فَالْخِطَابُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ: مَعْنَاهُ عَنْ قتادة. قَالَ: وَقِيلَ الْمَعْنَى: فَمَا يُكَذِّبُك أَيُّهَا الشَّاكُّ يَعْنِي الْكُفَّارَ فِي قُدْرَةِ اللَّهِ؟ أَيُّ شَيْءٍ يَحْمِلُك عَلَى ذَلِكَ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ لَك مِنْ قُدْرَتِهِ؟ قَالَ وَقَالَ الْفَرَّاءُ: فَمَنْ يُكَذِّبُك بِالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ؟ وَهُوَ اخْتِيَارُ الطبري. (قُلْت: هَذَا الْقَوْلُ الْمَنْقُولُ عَنْ قتادة هُوَ الَّذِي أَوْجَبَ نُفُورَ مُجَاهِدٍ عَنْ أَنْ يَكُونَ الْخِطَابُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا رَوَى النَّاسُ وَمِنْهُمْ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: عَنْ الثَّوْرِيّ: عَنْ مَنْصُورٍ قَالَ قُلْت لِمُجَاهِدِ: {فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ} عَنَى بِهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ: مَعَاذَ اللَّهِ عَنَى بِهِ الْإِنْسَانَ. وَقَدْ أَحْسَنَ مُجَاهِدٌ فِي تَنْزِيهِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُقَالَ لَهُ {فَمَا يُكَذِّبُكَ} أَيْ اسْتَيْقِنْ وَلَا تُكَذِّبْ. فَإِنَّهُ لَوْ قِيلَ لَهُ " لَا تُكَذِّبْ "
(16/287)

لَكَانَ هَذَا مِنْ جِنْسِ أَمْرِهِ بِالْإِيمَانِ وَالتَّقْوَى وَنَهْيِهِ عَمَّا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ. وَأَمَّا إذَا قِيلَ {فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ} فَهُوَ لَمْ يُكَذِّبْ بِالدِّينِ بَلْ هُوَ الَّذِي أَخْبَرَ بِالدِّينِ وَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ {الَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ} فَكَيْفَ يُقَالُ لَهُ. {مَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ} ؟ فَهَذَا الْقَوْلُ فَاسِدٌ لَفْظًا وَمَعْنًى. وَاللَّفْظُ الَّذِي رَأَيْته مَنْقُولًا بِالْإِسْنَادِ عَنْ قتادة لَيْسَ صَرِيحًا فِيهِ بَلْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِهِ خِطَابَ الْإِنْسَانِ. فَإِنَّهُ قَالَ {فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ} قَالَ: " اسْتَيْقِنْ فَقَدْ جَاءَك الْبَيَانُ ". وَكُلُّ إنْسَانٍ مُخَاطَبٌ بِهَذَا. فَإِنْ كَانَ قتادة أَرَادَ هَذَا فَالْمَعْنَى صَحِيحٌ. لَكِنْ هُمْ حَكَوْا عَنْهُ أَنَّ هَذَا خِطَابٌ لِلرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَى هَذَا فَهَذَا الْمَعْنَى بَاطِلٌ. فَلَا يُقَالُ لِلرَّسُولِ " فَأَيُّ شَيْءٍ يَجْعَلُك مُكَذِّبًا بِالدِّينِ؟ " وَإِنْ ارْتَأَتْ بِهِ النَّفْسُ لِأَنَّ هَذَا فِيهِ دَلَائِلُ تَدُلُّ عَلَى فَسَادِهِ. وَلِهَذَا اسْتَعَاذَ مِنْهُ مُجَاهِدٌ. وَالصَّوَابُ مَا قَالَهُ الْفَرَّاءُ وَالْأَخْفَشُ وَغَيْرُهُمَا. وَهُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطبري وَغَيْرُهُ مِنْ الْعُلَمَاءِ كَمَا تَقَدَّمَ. وَكَذَلِكَ ذَكَرَهُ أَبُو الْفَرَجِ ابْنُ الْجَوْزِيِّ عَنْ الْفَرَّاءِ فَقَالَ: إنَّهُ خِطَابٌ
(16/288)

لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمَعْنَى: فَمَنْ يَقْدِرُ عَلَى تَكْذِيبِك بِالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ عَلَى مَا وَصَفْنَا قَالَهُ الْفَرَّاءُ. قَالَ: وَأَمَّا " الدِّينُ " فَهُوَ الْجَزَاءُ. (قُلْت: وَكَذَلِكَ قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ كَمَا رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ النَّضِرِ بْنِ عَرَبِيٍّ: {فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ} أَيْ بِالْحِسَابِ. وَمِنْ تَفْسِيرِ العوفي عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَيْ بِحُكْمِ اللَّهِ. قُلْت: قَالَ " بِحُكْمِ اللَّهِ " لِقَوْلِهِ {أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ} . وَهَوِّ سُبْحَانَهُ يَحْكُمُ بَيْنَ الْمُصَدِّقِ بِالدِّينِ وَالْمُكَذِّبِ بِهِ. وَعَلَى هَذَا قَوْلُهُ (فَمَا وَصْفٌ لِلْأَشْخَاصِ. وَلَمْ يَقُلْ " فَمَنْ " لِأَنَّ " مَا " يُرَادُ بِهِ الصِّفَاتُ دُونَ الْأَعْيَانِ وَهُوَ الْمَقْصُودُ كَقَوْلِهِ {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} وَقَوْلِهِ {لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ} وَقَوْلِهِ {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا} . كَأَنَّهُ قِيلَ: فَمَا الْمُكَذِّبُ بِالدِّينِ بَعْدَ هَذَا؟ أَيْ مَنْ هَذِهِ صِفَتُهُ وَنَعْتُهُ هُوَ جَاهِلٌ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَاَللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِهِ فِيمَا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ مِنْ هَذَا النَّبَإِ الْعَظِيمِ. وَقَوْلُهُ (بَعْدُ قَدْ قِيلَ إنَّهُ " بَعْدَ مَا ذَكَرَ مِنْ دَلَائِلَ الدِّينِ "
(16/289)

وَقَدْ يُقَالُ: لَمْ يَذْكُرْ إلَّا الْإِخْبَارَ بِهِ. وَأَنَّ النَّاسَ نَوْعَانِ: فِي أَسْفَلِ سَافِلِينَ وَنَوْعٌ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ؟ فَقَدْ ذَكَرَ الْبِشَارَةَ وَالنِّذَارَةَ وَالرُّسُلُ بُعِثُوا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ. فَمَنْ كَذَّبَك بَعْدَ هَذَا فَحُكْمُهُ إلَى اللَّهِ أَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ وَأَنْتَ قَدْ بَلَّغْت مَا وَجَبَ عَلَيْك تَبْلِيغُهُ. وَقَوْلُهُ {فَمَا يُكَذِّبُكَ} لَيْسَ نَفْيًا لِلتَّكْذِيبِ فَقَدْ وَقَعَ. بَلْ قَدْ يُقَالُ إنَّهُ تَعَجُّبٌ مِنْهُ كَمَا قَالَ {وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ} وَقَدْ يُقَالُ إنَّ هَذَا تَحْقِيرٌ لِشَأْنِهِ وَتَصْغِيرٌ لِقَدْرِهِ لِجَهْلِهِ وَظُلْمِهِ كَمَا يُقَالُ " مَنْ فُلَانٌ؟ " و " مَنْ يَقُولُ هَذَا إلَّا جَاهِلٌ؟ ". لَكِنَّهُ ذَكَرَهُ بِصِيغَةِ " مَا " فَإِنَّهَا تَدُلُّ عَلَى صِفَتِهِ وَهِيَ الْمَقْصُودَةُ إذْ لَا غَرَضَ فِي عَيْنِهِ. كَأَنَّهُ قِيلَ " فَأَيُّ صِنْفٍ وَأَيُّ جَاهِلٍ يُكَذِّبُك بَعْدُ بِالدِّينِ؟ فَإِنَّهُ مِنْ الَّذِينَ يردون إلَى أَسْفَلِ سَافِلِينَ " وَقَوْلُهُ {أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ} يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ الْحَاكِمُ بَيْنَ الْمُكَذِّبِ بِالدِّينِ وَالْمُؤْمِنِ بِهِ. وَالْأَمْرُ فِي ذَلِكَ لَهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
(16/290)

وَالْقُرْآنُ لَا تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ. وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ بَيَّنَ مُرَادَهُ بَيَانًا أَحْكَمَهُ لَكِنَّ الِاشْتِبَاهَ يَقَعُ عَلَى مَنْ لَمْ يَرْسَخْ فِي عِلْمِ الدَّلَائِلِ الدَّالَّةِ. فَإِنَّ هَذِهِ السُّورَةَ وَغَيْرَهَا فِيهَا عَجَائِبُ لَا تَنْقَضِي. مِنْهَا أَنَّ قَوْلَهُ {فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ} ذَكَرَ فِيهِ الرَّسُولَ الْمُكَذَّبَ وَالدِّينَ الْمُكَذَّبَ بِهِ جَمِيعًا. فَإِنَّ السُّورَةَ تَضَمَّنَتْ الْأَمْرَيْنِ. تَضَمَّنَتْ الْإِقْسَامَ بِأَمَاكِنِ الرُّسُلِ الْمُبَيِّنَةِ لِعَظَمَتِهِمْ وَمَا أُتُوا بِهِ مِنْ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى صِدْقِهِمْ الْمُوجِبَةِ لِلْإِيمَانِ. وَهُمْ قَدْ أَخْبَرُوا بِالْمَعَادِ الْمَذْكُورِ فِي هَذِهِ السُّورَةِ. وَقَدْ أَقْسَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ كَمَا يُقْسِمُ عَلَيْهِ فِي غَيْرِ مَوْضِع وَكَمَا أَمَرَ نَبِيَّهُ أَنْ يُقْسِمَ عَلَيْهِ فِي مِثْلِ قَوْلِهِ {زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ} وَقَوْلِهِ {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ} . فَلَمَّا تَضَمَّنَتْ هَذَا وَهَذَا ذَكَرَ نَوْعِيَّ التَّكْذِيبِ فَقَالَ {فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ} وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ. وَأَيْضًا فَإِنَّهُ لَا ذَنَبَ لَهُ فِي ذَلِكَ وَالْقُرْآنُ مُرَادُهُ أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ هَذَا الرَّدَّ جَزَاءٌ عَلَى ذُنُوبِهِ. وَلِهَذَا قَالَ {إلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا
(16/291)

الصَّالِحَاتِ} كَمَا قَالَ {إنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ} {إلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} لَكِنَّ هُنَا ذَكَرَ الْخُسْرَ فَقَطْ فَوَصَفَ الْمُسْتَثْنِينَ بِأَنَّهُمْ تَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ مَعَ الْإِيمَانِ وَالصَّلَاحِ. وَهُنَاكَ ذَكَرَ أَسْفَلَ سَافِلِينَ وَهُوَ الْعَذَابُ وَالْمُؤْمِنُ الْمُصْلِحُ لَا يُعَذَّبُ وَإِنْ كَانَ قَدْ ضَيَّعَ أُمُورًا خَسِرَهَا لَوْ حَفِظَهَا لَكَانَ رَابِحًا غَيْرَ خَاسِرٍ. وَبَسْطُ هَذَا لَهُ مَوْضِعٌ آخَرُ. وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّهُ سُبْحَانَهُ يَذْكُرُ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مُجْمَلًا وَمُفَصَّلًا. وَتَارَةً يَذْكُرُ إحْيَاءَهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ} وَهُوَ كَقَوْلِ الْخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلَامُ {رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ} فَإِنَّ خَلْقَ الْحَيَاةِ وَلَوَازِمَهَا وَمَلْزُومَاتِهَا أَعْظَمُ وَأَدَلُّ عَلَى الْقُدْرَةِ وَالنِّعْمَةِ وَالْحِكْمَةِ.
(16/292)

فَصْلٌ:
قَوْلُهُ {اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ} {الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ} {عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} . سَمَّى وَوَصَفَ نَفْسَهُ بِالْكَرَمِ وَبِأَنَّهُ الْأَكْرَمُ بَعْدَ إخْبَارِهِ أَنَّهُ خَلَقَ لِيَتَبَيَّنَ أَنَّهُ يُنْعِمُ عَلَى الْمَخْلُوقِينَ وَيُوصِلُهُمْ إلَى الْغَايَاتِ الْمَحْمُودَةِ كَمَا قَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ {الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى} {وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى} وَكَمَا قَالَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ {رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} وَكَمَا قَالَ الْخَلِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ {الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ} فَالْخَلْقُ يَتَضَمَّنُ الِابْتِدَاءَ وَالْكَرَمُ تَضَمَّنَ الِانْتِهَاءَ كَمَا قَالَ فِي أُمِّ الْقُرْآنِ {رَبِّ الْعَالَمِينَ} ثُمَّ قَالَ {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} وَلَفْظُ الْكَرَمِ لَفْظٌ جَامِعٌ لِلْمَحَاسِنِ وَالْمَحَامِدِ. لَا يُرَادُ بِهِ مُجَرَّدَ الْإِعْطَاءِ بَلْ الْإِعْطَاءُ مِنْ تَمَامِ مَعْنَاهُ فَإِنَّ الْإِحْسَانَ إلَى الْغَيْرِ تَمَامُ الْمَحَاسِنِ. وَالْكَرَمُ كَثْرَةُ الْخَيْرِ وَيَسْرَتُهُ. وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {لَا تُسَمُّوا الْعِنَبَ الْكَرْمَ فَإِنَّمَا الْكَرْمُ قَلْبُ الْمُؤْمِنِ} .
(16/293)

وَهُمْ سَمَّوْا الْعِنَبَ " الْكَرْمَ " لِأَنَّهُ أَنْفَعُ الْفَوَاكِهِ يُؤْكَلُ رَطْبًا وَيَابِسًا وَيُعْصَرُ فَيُتَّخَذُ مِنْهُ أَنْوَاعٌ. وَهُوَ أَعَمُّ وُجُودًا مِنْ النَّخْلِ يُوجَدُ فِي عَامَّةِ الْبِلَادِ وَالنَّخْلُ لَا يَكُونُ إلَّا فِي الْبِلَادِ الْحَارَّةِ. وَلِهَذَا قَالَ فِي رِزْقِ الْإِنْسَانِ {فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إلَى طَعَامِهِ} {أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا} {ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا} {فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا} {وَعِنَبًا وَقَضْبًا} {وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا} {وَحَدَائِقَ غُلْبًا} {وَفَاكِهَةً وَأَبًّا} {مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ} فَقَدَّمَ الْعِنَبَ. وَقَالَ فِي صِفَةِ الْجَنَّةِ {إنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا} {حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا} وَمَعَ هَذَا نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ تَسْمِيَتِهِ بِالْكَرْمِ وَقَالَ: {الْكَرْمُ قَلْبُ الْمُؤْمِنِ} . فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي الدُّنْيَا أَكْثَرُ وَلَا أَعْظَمُ خَيْرًا مِنْ قَلْبِ الْمُؤْمِنِ. وَالشَّيْءُ الْحَسَنُ الْمَحْمُودُ يُوصَفُ بِالْكَرْمِ. قَالَ تَعَالَى {أَوَلَمْ يَرَوْا إلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ} . قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مِنْ كُلِّ جِنْسٍ حَسَنٍ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: الزَّوْجُ النَّوْعُ وَالْكَرِيمُ الْمَحْمُودُ. وَقَالَ غَيْرُهُمَا {مِنْ كُلِّ زَوْجٍ} صِنْفٌ وَضَرْبٌ {كَرِيمٌ} حَسَنٌ مِنْ النَّبَاتِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ. يُقَالُ: " نَخْلَةٌ كَرِيمَةٌ " إذَا طَابَ حَمْلُهَا و " نَاقَةٌ كَرِيمَةٌ " إذَا كَثُرَ لَبَنُهَا.
(16/294)

وَعَنْ الشَّعْبِيّ: النَّاسُ مِنْ نَبَاتِ الْأَرْضِ فَمَنْ دَخَلَ الْجَنَّةَ فَهُوَ كَرِيمٌ وَمَنْ دَخَلَ النَّارَ فَهُوَ لَئِيمٌ. وَالْقُرْآنُ قَدْ دَلَّ عَلَى أَنَّ النَّاسَ فِيهِمْ كَرِيمٌ عَلَى اللَّهِ يُكْرِمُهُ وَفِيهِمْ مَنْ يُهِينُهُ. قَالَ تَعَالَى {إنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} وَقَالَ تَعَالَى {وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ} وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ: {وَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ} . وَكَرَائِمُ الْأَمْوَالِ: الَّتِي تَكْرُمُ عَلَى أَصْحَابِهَا لِحَاجَتِهِمْ إلَيْهَا وَانْتِفَاعِهِمْ بِهَا مِنْ الْأَنْعَامِ وَغَيْرِهَا. وَهُوَ سُبْحَانَهُ أَخْبَرَ أَنَّهُ الْأَكْرَمُ بِصِيغَةِ التَّفْضِيلِ وَالتَّعْرِيفِ لَهَا. فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ الْأَكْرَمُ وَحْدَهُ بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ " وَرَبُّك أَكْرَمُ ". فَإِنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى الْحَصْرِ وَقَوْلُهُ {الْأَكْرَمُ} يَدُلُّ عَلَى الْحَصْرِ. وَلَمْ يَقُلْ " الْأَكْرَمُ مِنْ كَذَا " بَلْ أَطْلَقَ الِاسْمَ لِيُبَيِّنَ أَنَّهُ الْأَكْرَمُ مُطْلَقًا غَيْرَ مُقَيَّدٍ. فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ مُتَّصِفٌ بِغَايَةِ الْكَرَمِ الَّذِي لَا شَيْءَ فَوْقَهُ وَلَا نَقْصَ فِيهِ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ثُمَّ قَالَ لَهُ تَعَالَى {اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ} عَلَى
(16/295)

جِهَةَ التَّأْنِيسِ كَأَنَّهُ يَقُولُ: امْضِ لِمَا أُمِرْت بِهِ وَرَبُّك لَيْسَ كَهَذِهِ الْأَرْبَابِ بَلْ هُوَ الْأَكْرَمُ الَّذِي لَا يَلْحَقُهُ نَقْصٌ فَهُوَ يَنْصُرُك وَيُظْهِرُك. قُلْت وَقَدْ قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: " لَا يَهْدِيَنَّ أَحَدُكُمْ لِلَّهِ مَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَهْدِيَهُ لِكَرِيمِهِ فَإِنَّ اللَّهَ أَكْرَمُ الْكُرَمَاءِ ". أَيْ هُوَ أَحَقُّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ بِالْإِكْرَامِ إذْ كَانَ أَكْرَمَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ. وَهُوَ سُبْحَانَهُ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ. فَهُوَ الْمُسْتَحِقُّ لَأَنْ يُجَلَّ وَلَأَنْ يُكْرَمَ. وَالْإِجْلَالُ يَتَضَمَّنُ التَّعْظِيمَ وَالْإِكْرَامُ يَتَضَمَّنُ الْحَمْدَ وَالْمَحَبَّةَ. وَهَذَا كَمَا قِيلَ فِي صِفَةِ الْمُؤْمِنِ: إنَّهُ رُزِقَ حَلَاوَةً وَمَهَابَةً. وَفِي حَدِيثِ هِنْدِ بْنِ أَبِي هَالَةَ فِي صِفَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {مَنْ رَآهُ بَدِيهَةً هَابَهُ وَمَنْ خَالَطَهُ مَعْرِفَةً أَحَبَّهُ} وَهَذَا لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ. وَقَدْ بُسِطَ الْكَلَامُ عَلَى هَذَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ وَبَيَّنَ أَنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ يَصِفُونَهُ بِالْقُدْرَةِ الْإِلَهِيَّةِ وَالْحِكْمَةِ وَالرَّحْمَةِ. وَهُمْ الَّذِينَ يَعْبُدُونَهُ وَيَحْمَدُونَهُ وَأَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمُسْتَحِقُّ لَأَنْ يُعْبَدَ دُونَ مَا سِوَاهُ وَالْعِبَادَةُ تَتَضَمَّنُ غَايَةَ الذُّلِّ وَغَايَةَ الْحُبِّ.
(16/296)

وَأَنَّ الْمُنْكِرِينَ لِكَوْنِهِ يُحِبُّ مِنْ الْجَهْمِيَّة وَمَنْ وَافَقَهُمْ حَقِيقَةُ قَوْلِهِمْ أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ أَنْ يُعْبَدَ كَمَا أَنَّ قَوْلَهُمْ إنَّهُ يَفْعَلُ بِلَا حِكْمَةٍ وَلَا رَحْمَةٍ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يُحْمَدُ. فَهُمْ إنَّمَا يَصِفُونَهُ بِالْقُدْرَةِ وَالْقَهْرِ. وَهَذَا إنَّمَا يَقْتَضِي الْإِجْلَالَ فَقَطْ لَا يَقْتَضِي الْإِكْرَامَ وَالْمَحَبَّةَ وَالْحَمْدَ. وَهُوَ سُبْحَانَهُ الْأَكْرَمُ. قَالَ تَعَالَى {إنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ} {إنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ} ثُمَّ قَالَ {وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ} {ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ} {فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ} وَقَالَ شُعَيْبٌ {وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ إنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ} وَفِي أَوَّلِ مَا نَزَّلَ وَصَفَ نَفْسَهُ بِأَنَّهُ الَّذِي خَلَقَ وَبِأَنَّهُ الْأَكْرَمُ. وَالْجَهْمِيَّة لَيْسَ عِنْدَهُمْ إلَّا كَوْنُهُ خَالِقًا مَعَ تَقْصِيرِهِمْ فِي إثْبَاتِ كَوْنِهِ خَالِقًا لَا يَصِفُونَهُ بِالْكَرَمِ وَلَا الرَّحْمَةِ وَلَا الْحِكْمَةِ. وَإِنْ أَطْلَقُوا أَلْفَاظَهَا فَلَا يَعْنُونَ بِهَا مَعْنَاهَا بَلْ يُطْلِقُونَهَا لِأَجْلِ مَجِيئِهَا فِي الْقُرْآنِ ثُمَّ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ وَيُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ. فَتَارَةً يَقُولُونَ: الْحِكْمَةُ هِيَ الْقُدْرَةُ وَتَارَةً يَقُولُونَ: هِيَ الْمَشِيئَةُ وَتَارَةً يَقُولُونَ: هِيَ الْعِلْمُ. وَأَنَّ الْحِكْمَةَ وَإِنْ تَضَمَّنَتْ ذَلِكَ وَاسْتَلْزَمَتْهُ فَهِيَ أَمْرٌ زَائِدٌ
(16/297)

عَلَى ذَلِكَ. فَلَيْسَ كُلُّ مَنْ كَانَ قَادِرًا أَوْ مُرِيدًا كَانَ حَكِيمًا؛ وَلَا كُلُّ مَنْ كَانَ لَهُ عِلْمٌ يَكُونُ حَكِيمًا حَتَّى يَكُونَ عَامِلًا بِعِلْمِهِ. قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ وَغَيْرُهُ: الْحِكْمَةُ هِيَ الْعِلْمُ وَالْعَمَلُ بِهِ وَهِيَ أَيْضًا: الْقَوْلُ الصَّوَابُ. فَتَتَنَاوَلُ الْقَوْلَ السَّدِيدَ وَالْعَمَلَ الْمُسْتَقِيمَ الصَّالِحَ. وَالرَّبُّ تَعَالَى أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ وَأَحْكَمُ الْحُكَمَاءِ. وَالْإِحْكَامُ الَّذِي فِي مَخْلُوقَاتِهِ دَلِيلٌ عَلَى عِلْمِهِ. وَهُمْ مَعَ سَائِرِ الطَّوَائِفِ يَسْتَدِلُّونَ بِالْإِحْكَامِ عَلَى الْعِلْمِ وَإِنَّمَا يَدُلُّ إذَا كَانَ الْفَاعِلُ حَكِيمًا يَفْعَلُ لِحِكْمَةِ. وَهُمْ يَقُولُونَ إنَّهُ لَا يَفْعَلُ لِحِكْمَةِ وَإِنَّمَا يَفْعَلُ بِمَشِيئَةِ تَخُصُّ أَحَدَ الْمُتَمَاثِلَيْنِ بِلَا سَبَبٍ يُوجِبُ التَّخْصِيصَ. وَهَذَا مُنَاقِضٌ لِلْحِكْمَةِ بَلْ هَذَا سَفَهٌ. وَهُوَ قَدْ نَزَّهَ نَفْسَهُ عَنْهُ فِي قَوْلِهِ {لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إنْ كُنَّا فَاعِلِينَ} {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ} وَقَدْ أَخْبَرَ أَنَّهُ إنَّمَا خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بِالْحَقِّ وَأَنَّهُ
(16/298)

لَمْ يَخْلُقْهُمَا بَاطِلًا وَأَنَّ ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا. وَقَالَ {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا} وَقَالَ {أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى} أَيْ مُهْمَلًا لَا يُؤْمَرُ وَلَا يُنْهَى. وَهَذَا اسْتِفْهَامُ إنْكَارٍ عَلَى مَنْ جَوَّزَ ذَلِكَ عَلَى الرَّبِّ. وَالْجَهْمِيَّة الْمُجْبِرَةُ تُجَوِّزُ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَلَا تُنَزِّهُهُ عَنْ فِعْلٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ مُنْكَرَاتِ الْأَفْعَالِ. وَلَا تَنْعَتُهُ بِلَوَازِمِ كَرَمِهِ وَرَحْمَتِهِ وَحِكْمَتِهِ وَعَدْلِهِ فَيُعْلَمُ أَنَّهُ يَفْعَلُ مَا هُوَ اللَّائِقُ بِذَلِكَ وَلَا يَفْعَلُ مَا يُضَادُّ ذَلِكَ. بَلْ تُجَوِّزُ كُلَّ مَقْدُورٍ أَنْ يَكُونَ وَأَنْ لَا يَكُونَ وَإِنَّمَا يَجْزِمُ بِأَحَدِهِمَا لِأَجْلِ خَبَرٍ سَمْعِيٍّ أَوْ عَادَةٍ مُطَّرِدَةٍ مَعَ تُنَاقِضُهُمْ فِي الِاسْتِدْلَالِ بِالْخَبَرِ أَخْبَارِ الرُّسُلِ وَعَادَاتِ الرَّبِّ. كَمَا بُسِطَ هَذَا فِي مَوَاضِعَ مِثْلُ الْكَلَامِ عَلَى مُعْجِزَاتِ الْأَنْبِيَاءِ وَعَلَى إرْسَالِ الرُّسُلِ وَالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَعَلَى الْمَعَادِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِأَفْعَالِهِ وَأَحْكَامِهِ الصَّادِرَةِ عَنْ مَشِيئَتِهِ. فَإِنَّهَا صَادِرَةٌ عَنْ حِكْمَتِهِ وَعَنْ رَحْمَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ مُسْتَلْزِمَةٌ لِهَذَا وَهَذَا لَا يَشَاءُ إلَّا مَشِيئَةً مُتَضَمِّنَةً لِلْحِكْمَةِ وَهُوَ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ الْوَالِدَةِ بِوَلَدِهَا كَمَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: {لَلَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ الْوَالِدَةِ بِوَلَدِهَا} .
(16/299)

فَهُمْ فِي الْحَقِيقَةِ لَا يُقِرُّونَ بِأَنَّهُ الْأَكْرَمُ. وَالْإِرَادَةُ الَّتِي يُثْبِتُونَهَا لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهَا سَمْعٌ وَلَا عَقْلٌ. فَإِنَّهُ لَا تُعْرَفُ إرَادَةٌ تُرَجِّحُ مُرَادًا عَلَى مُرَادٍ بِلَا سَبَبٍ يَقْتَضِي التَّرْجِيحَ. وَمَنْ قَالَ مِنْ الْجَهْمِيَّة وَالْمُعْتَزِلَةِ " إنَّ الْقَادِرَ يُرَجِّحُ أَحَدَ مَقْدُورَيْهِ عَلَى الْآخَرِ بِلَا مُرَجِّحٍ " فَهُوَ مُكَابِرٌ. وَتَمْثِيلُهُمْ ذَلِكَ بِالْجَائِعِ إذَا أَخَذَ أَحَدَ الرَّغِيفَيْنِ وَالْهَارِبِ إذَا سَلَكَ أَحَدَ الطَّرِيقَيْنِ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ. فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَقَعُ إلَّا مَعَ رُجْحَانِ أَحَدِهِمَا إمَّا لِكَوْنِهِ أَيْسَرَ فِي الْقُدْرَةِ وَإِمَّا لِأَنَّهُ الَّذِي خَطَرَ بِبَالِهِ وَتَصَوَّرَهُ أَوْ ظَنَّ أَنَّهُ أَنْفَعُ. فَلَا بُدَّ مِنْ رُجْحَانِ أَحَدِهِمَا بِنَوْعِ مَا إمَّا مِنْ جِهَةِ الْقُدْرَةِ وَإِمَّا مِنْ جِهَةِ التَّصَوُّرِ وَالشُّعُورِ. وَحِينَئِذٍ يُرَجِّحُ إرَادَتَهُ وَالْآخَرُ لَمْ يُرِدْهُ. فَكَيْفَ يُقَالُ إنَّ إرَادَتَهُ رَجَّحَتْ أَحَدَهُمَا بِلَا مُرَجِّحٍ؟ أَوْ أَنَّهُ رَجَّحَ إرَادَةَ هَذَا عَلَى إرَادَةِ ذَاكَ بِلَا مُرَجِّحٍ؟ وَهَذَا مُمْتَنِعٌ يُعْرَفُ امْتِنَاعُهُ مِنْ تَصَوُّرِهِ حَقَّ التَّصَوُّرِ. وَلَكِنْ لَمَّا تَكَلَّمُوا فِي مَبْدَأِ الْخَلْقِ بِكَلَامِ ابْتَدَعُوهُ خَالَفُوا بِهِ الشَّرْعَ وَالْعَقْلَ احْتَاجُوا إلَى هَذِهِ الْمُكَابَرَةِ كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ. وَبِذَلِكَ تَسَلَّطَ عَلَيْهِمْ الْفَلَاسِفَةُ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى. فَلَا لِلْإِسْلَامِ نَصَرُوا وَلَا لِلْفَلَاسِفَةِ كَسَرُوا.
(16/300)

وَمَعْلُومٌ بِصَرِيحِ الْعَقْل أَنَّ الْقَادِرَ إذَا لَمْ يَكُنْ مُرِيدًا لِلْفِعْلِ وَلَا فَاعِلًا ثُمَّ صَارَ مُرِيدًا فَاعِلًا فَلَا بُدَّ مِنْ حُدُوثِ أَمْرٍ اقْتَضَى ذَلِكَ. وَالْكَلَامُ هُنَا فِي مَقَامَيْنِ. أَحَدِهِمَا فِي جِنْسِ الْفِعْلِ وَالْقَوْلِ هَلْ صَارَ فَاعِلًا مُتَكَلِّمًا بِمَشِيئَتِهِ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ أَوْ مَا زَالَ فَاعِلًا مُتَكَلِّمًا بِمَشِيئَتِهِ. وَهَذَا مَبْسُوطٌ فِي مَسَائِلِ الْكَلَامِ وَالْأَفْعَالِ فِي مَسْأَلَةِ الْقُرْآنِ وَحُدُوثِ الْعَالَمِ. وَالثَّانِي إرَادَةُ الشَّيْءِ الْمُعَيَّنِ وَفِعْلُهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى {إنَّمَا أَمْرُهُ إذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} وَقَوْلِهِ {فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا} وَقَوْلِهِ {وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا} وَقَوْلِهِ {وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ} وَقَوْلِهِ {وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ} وَقَوْلِهِ {قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ} . وَهُوَ سُبْحَانَهُ إذَا أَرَادَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَلِلنَّاسِ فِيهَا أَقْوَالٌ. قِيلَ: الْإِرَادَةُ قَدِيمَةٌ أَزَلِيَّةٌ وَاحِدَةٌ وَإِنَّمَا يَتَجَدَّدُ تَعَلُّقُهَا بِالْمُرَادِ
(16/301)

وَنِسْبَتُهَا إلَى الْجَمِيعِ وَاحِدَةٌ وَلَكِنْ مِنْ خَوَاصِّ الْإِرَادَةِ أَنَّهَا تُخَصَّصُ بِلَا مُخَصِّصٍ. فَهَذَا قَوْلُ ابْنِ كِلَابٍ وَالْأَشْعَرِيِّ. وَمَنْ تَابَعَهُمَا. وَكَثِيرٌ مِنْ الْعُقَلَاءِ يَقُولُ: إنَّ هَذَا فَسَادُهُ مَعْلُومٌ بِالِاضْطِرَارِ حَتَّى قَالَ أَبُو الْبَرَكَاتِ: لَيْسَ فِي الْعُقَلَاءِ مَنْ قَالَ بِهَذَا. وَمَا عُلِمَ أَنَّهُ قَوْلُ طَائِفَةٍ كَبِيرَةٍ مِنْ أَهْل النَّظَرِ وَالْكَلَامِ. وَبُطْلَانُهُ مِنْ جِهَاتٍ: مِنْ جِهَةِ جَعْلِ إرَادَةِ هَذَا غَيْرِ إرَادَةِ ذَاكَ وَمِنْ جِهَةٍ أَنَّهُ جَعَلَ الْإِرَادَةَ تُخَصَّصُ لِذَاتِهَا. وَمِنْ جِهَةٍ أَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ عِنْدَ وُجُودِ الْحَوَادِثِ شَيْئًا حَدَثَ حَتَّى تَخَصَّصَ أَوْ لَا تَخَصَّصَ. بَلْ تَجَدَّدَتْ نِسْبَةٌ عَدَمِيَّةٌ لَيْسَتْ وُجُودًا وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءِ فَلَمْ يَتَجَدَّدْ شَيْءٌ. فَصَارَتْ الْحَوَادِثُ تَحْدُثُ وَتَتَخَصَّصُ بِلَا سَبَبٍ حَادِثٍ وَلَا مُخَصِّصٍ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: قَوْلُ مَنْ يَقُولُ بِإِرَادَةِ وَاحِدَةٍ قَدِيمَةٍ مِثْلُ هَؤُلَاءِ لَكِنْ يَقُولُ: تَحْدُثُ عِنْدَ تَجَدُّدِ الْأَفْعَالِ إرَادَاتٍ فِي ذَاتِهِ بِتِلْكَ الْمَشِيئَةِ الْقَدِيمَةِ كَمَا تَقُولُهُ الكَرَّامِيَة وَغَيْرُهُمْ. وَهَؤُلَاءِ أَقْرَبُ مِنْ حَيْثُ أَثْبَتُوا إرَادَاتِ الْأَفْعَالِ. وَلَكِنْ يَلْزَمُهُمْ مَا لَزِمَ أُولَئِكَ مِنْ حَيْثُ أَثْبَتُوا حَوَادِثَ بِلَا سَبَبٍ حَادِثٍ وَتَخْصِيصَاتٍ بِلَا مُخَصِّصٍ وَجَعَلُوا تِلْكَ الْإِرَادَةَ وَاحِدَةً تَتَعَلَّقُ بِجَمِيعِ الْإِرَادَاتِ الْحَادِثَةِ
(16/302)

وَجَعَلُوهَا أَيْضًا تُخَصَّصُ لِذَاتِهَا وَلَمْ يَجْعَلُوا عِنْدَ وُجُودِ الْإِرَادَاتِ الْحَادِثَةِ شَيْئًا حَدَثَ حَتَّى تُخَصِّصَ تِلْكَ الْإِرَادَاتُ الْحُدُوثَ. وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ قَوْلُ الْجَهْمِيَّة وَالْمُعْتَزِلَةِ الَّذِينَ يَنْفُونَ قِيَامَ الْإِرَادَةِ بِهِ. ثُمَّ إمَّا أَنْ يَقُولُوا بِنَفْيِ الْإِرَادَةِ أَوْ يُفَسِّرُونَهَا بِنَفْسِ الْأَمْرِ وَالْفِعْلِ أَوْ يَقُولُوا بِحُدُوثِ إرَادَةٍ لَا فِي مَحَلٍّ كَقَوْلِ الْبَصْرِيِّينَ. وَكُلُّ هَذِهِ الْأَقْوَالِ قَدْ عُلِمَ أَيْضًا فَسَادُهَا. وَالْقَوْلُ الرَّابِعُ: أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ مُرِيدًا بِإِرَادَاتِ مُتَعَاقِبَةٍ. فَنَوْعُ الْإِرَادَةِ قَدِيمٌ وَأَمَّا إرَادَةُ الشَّيْءِ الْمُعَيَّنِ فَإِنَّمَا يُرِيدُهُ فِي وَقْتِهِ. وَهُوَ سُبْحَانَهُ يُقَدِّرُ الْأَشْيَاءَ وَيَكْتُبُهَا ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يَخْلُقُهَا. فَهُوَ إذَا قَدَّرَهَا عَلِمَ مَا سَيَفْعَلُهُ وَأَرَادَ فِعْلَهُ فِي الْوَقْتِ الْمُسْتَقْبَلِ لَكِنْ لَمْ يُرِدْ فِعْلَهُ فِي تِلْكَ الْحَالِ فَإِذَا جَاءَ وَقْتُهُ أَرَادَ فِعْلَهُ فَالْأَوَّلُ عَزْمٌ وَالثَّانِي قَصْدٌ. وَهَلْ يَجُوزُ وَصْفُهُ بِالْعَزْمِ فِيهِ قَوْلَانِ. أَحَدُهُمَا الْمَنْعُ كَقَوْلِ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ وَالْقَاضِي أَبِي يَعْلَى؛ وَالثَّانِي الْجَوَازُ وَهُوَ أَصَحُّ. فَقَدْ قَرَأَ جَمَاعَةٌ مِنْ السَّلَفِ {فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} بِالضَّمِّ. وَفِي الْحَدِيثِ
(16/303)

الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ: {ثُمَّ عَزَمَ اللَّهُ لِي} . وَكَذَلِكَ فِي خُطْبَةِ مُسْلِمٍ: {فَعَزَمَ لِي} . وَسَوَاءٌ سُمِّيَ " عَزْمًا " أَوْ لَمْ يُسَمَّ فَهُوَ سُبْحَانَهُ إذَا قَدَّرَهَا عَلِمَ أَنَّهُ سَيَفْعَلُهَا فِي وَقْتِهَا وَأَرَادَ أَنْ يَفْعَلَهَا فِي وَقْتِهَا. فَإِذَا جَاءَ الْوَقْتُ فَلَا بُدَّ مِنْ إرَادَةِ الْفِعْلِ الْمُعَيَّنِ وَنَفْسِ الْفِعْلِ وَلَا بُدَّ مِنْ عِلْمِهِ بِمَا يَفْعَلُهُ. ثُمَّ الْكَلَامُ فِي عِلْمِهِ بِمَا يَفْعَلُهُ هَلْ هُوَ الْعِلْمُ الْمُتَقَدِّمُ بِمَا سَيَفْعَلُهُ وَعِلْمُهُ بِأَنَّ قَدْ فَعَلَهُ هَلْ هُوَ الْأَوَّلُ فِيهِ قَوْلَانِ مَعْرُوفَانِ. وَالْعَقْلُ وَالْقُرْآنُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ قَدْرٌ زَائِدٌ كَمَا قَالَ {لِنَعْلَمَ} فِي بِضْعَةَ عَشَرَ مَوْضِعًا وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إلَّا لِنَرَى. وَحِينَئِذٍ فَإِرَادَةُ الْمُعَيَّنِ تَتَرَجَّحُ لِعِلْمِهِ بِمَا فِي الْمُعَيَّنِ مِنْ الْمَعْنَى الْمُرَجِّحِ لِإِرَادَتِهِ. فَالْإِرَادَةُ تَتْبَعُ الْعِلْمَ. وَكَوْنُ ذَلِكَ الْمُعَيَّنِ مُتَّصِفًا بِتِلْكَ الصِّفَاتِ الْمُرَجَّحَةِ إنَّمَا هُوَ فِي الْعِلْمِ وَالتَّصَوُّرِ لَيْسَ فِي الْخَارِجِ شَيْءٌ. وَمِنْ هُنَا غَلِطَ مَنْ قَالَ " الْمَعْدُومُ شَيْءٌ " حَيْثُ أَثْبَتُوا ذَلِكَ الْمُرَادَ فِي الْخَارِجِ. وَمَنْ لَمْ يُثْبِتْهُ شَيْئًا فِي الْعِلْمِ أَوْ كَانَ لَيْسَ عِنْدَهُ إلَّا إرَادَةٌ
(16/304)

وَاحِدَةٌ وَعِلْمٌ وَاحِدٌ لَيْسَ لِلْمَعْلُومَاتِ وَالْمُرَادَاتِ صُورَةٌ عِلْمِيَّةٌ عِنْدَ هَؤُلَاءِ. فَهَؤُلَاءِ نَفَوْا كَوْنَهُ شَيْئًا فِي الْعِلْمِ وَالْإِرَادَةِ وَأُولَئِكَ أَثْبَتُوا كَوْنَهُ شَيْئًا فِي الْخَارِجِ. وَتِلْكَ الصُّورَةُ الْعِلْمِيَّةُ الْإِرَادِيَّةُ حَدَثَتْ بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُنْ. وَهِيَ حَادِثَةٌ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ كَمَا يُحْدِثُ الْحَوَادِثَ الْمُنْفَصِلَةَ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ. فَيُقَدِّرُ مَا يَفْعَلُهُ ثُمَّ يَفْعَلُهُ. فَتَخْصِيصُهَا بِصِفَةِ دُونَ صِفَةٍ وَقَدَرٍ دُونَ قَدَرٍ هُوَ لِلْأُمُورِ الْمُقْتَضِيَةِ لِذَلِكَ فِي نَفْسِهِ. فَلَا يُرِيدُ إلَّا مَا تَقْتَضِي نَفْسُهُ إرَادَتَهُ بِمَعْنَى يَقْتَضِي ذَلِكَ وَلَا يُرَجِّحُ مُرَادًا عَلَى مُرَادٍ إلَّا لِذَلِكَ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُرَجِّحَ شَيْئًا لِمُجَرَّدِ كَوْنِهِ قَادِرًا. فَإِنَّهُ كَانَ قَادِرًا قَبْلَ إرَادَتِهِ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى غَيْرِهِ. فَتَخْصِيصُ هَذَا بِالْإِرَادَةِ لَا يَكُونُ بِالْقُدْرَةِ الْمُشْتَرَكَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ وَلَا يَجُوزُ أَيْضًا أَنْ تَكُونَ الْإِرَادَةُ تُخَصِّصُ مِثْلًا عَلَى مِثْلٍ بِلَا مُخَصِّصٍ. بَلْ إنَّمَا يُرِيدُ الْمُرِيدُ أَحَدَ الشَّيْئَيْنِ دُونَ الْآخَرِ لِمَعْنَى فِي الْمُرِيدِ وَالْمُرَادِ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْمُرِيدُ إلَى ذَلِكَ أَمْيَلَ وَأَنْ يَكُونَ فِي الْمُرَادِ مَا أَوْجَبَ رُجْحَانَ ذَلِكَ الْمَيْلِ.
(16/305)

وَالْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ تُثْبِتُ الْقَدَرَ وَتَقْدِيرَ الْأُمُورِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَهَا وَأَنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ وَهَذَا أَصْلٌ عَظِيمٌ يُثْبِتُ الْعِلْمَ وَالْإِرَادَةَ لِكُلِّ مَا سَيَكُونُ وَيُزِيلُ إشْكَالَاتٍ كَثِيرَةً ضَلَّ بِسَبَبِهَا طَوَائِفُ فِي هَذَا الْمَكَانِ فِي مَسَائِلِ الْعِلْمِ وَالْإِرَادَةِ. فَالْإِيمَانُ بِالْقَدَرِ مِنْ أُصُولِ الْإِيمَانِ كَمَا ذَكَرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ جِبْرِيلَ قَالَ: {الْإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاَللَّهِ. وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَبِالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ. وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ} وَقَدْ تَبَرَّأَ ابْنُ عُمَرَ وَغَيْرُهُ مِنْ الصَّحَابَةِ مِنْ الْمُكَذِّبِينَ بِالْقَدَرِ. وَمَعَ هَذَا فَطَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ وَغَيْرِهِمْ لَا تُثْبِتُ الْقَدَرَ إلَّا عِلْمًا أَزَلِيًّا وَإِرَادَةً أَزَلِيَّةً فَقَطْ. وَإِذَا أَثْبَتُوا الْكِتَابَةَ قَالُوا إنَّهَا كِتَابَةٌ لِبَعْضِ ذَاكَ. وَأَمَّا مَنْ يَقُولُ إنَّهُ قَدَّرَهَا حِينَئِذٍ كَمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: {قَدَّرَ اللَّهُ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ} فَقَدْ بُسِطَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
(16/306)

وَهُوَ كَقَوْلِهِ {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ} وَقَوْلِهِ {لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ} وَقَوْلِهِ {وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى} وَقَوْلِهِ {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ} {إنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ} {وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ} وَقَوْلِهِ {لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} . وَالْكِتَابُ فِي نَفْسِهِ لَا يَكُونُ أَزَلِيًّا. وَفِي حَدِيثٍ رَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ الْأَشْعَثِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الجَرْمِي عَنْ أَبِي قِلاَبَة عَنْ أَبِي الْأَشْعَثِ الصَّنْعَانِي عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: {إنَّ اللَّهَ كَتَبَ كِتَابًا قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ بِأَلْفَيْ سَنَةٍ أَنْزَلَ مِنْهُ آيَتَيْنِ خَتَمَ بِهِمَا سُورَةَ الْبَقَرَةِ} رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ غَرِيبٌ. وَهُوَ سُبْحَانَهُ أَنْزَلَ الْقُرْآنَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ مِنْ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ إلَى بَيْتِ الْعِزَّةِ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا. وَكَثِيرٌ مِنْ الْكُتُبِ الْمُصَنَّفَةِ فِي أُصُولِ الدِّينِ وَالْكَلَامِ يُوجَدُ فِيهَا الْأَقْوَالُ الْمُبْتَدَعَةُ دُونَ الْقَوْلِ الَّذِي جَاءَ بِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ. فَالشَّهْرَستَانِي مَعَ تَصْنِيفِهِ فِي الْمِلَلِ وَالنِّحَلِ يَذْكُرُ فِي مَسْأَلَةِ الْكَلَامِ
(16/307)

وَالْإِرَادَةِ وَغَيْرِهِمَا أَقْوَالًا لَيْسَ فِيهَا الْقَوْلُ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَإِنْ كَانَ بَعْضُهَا أَقْرَبَ.
وَقَبِلَهُ أَبُو الْحَسَنِ كِتَابُهُ فِي اخْتِلَافِ الْمُصَلِّينَ مِنْ أَجْمَعِ الْكُتُبِ وَقَدْ اسْتَقْصَى فِيهِ أَقَاوِيلَ أَهْلِ الْبِدَعِ. وَلَمَّا ذَكَرَ قَوْلَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ ذَكَرَهُ مُجْمَلًا غَيْرَ مُفَصَّلٍ. وَتَصَرَّفَ فِي بَعْضِهِ فَذَكَرَهُ بِمَا اعْتَقَدَهُ هُوَ أَنَّهُ قَوْلُهُمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَنْقُولًا عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ.
وَأَقْرَبُ الْأَقْوَالِ إلَيْهِ قَوْلُ ابْنُ كِلَابٍ. فَأَمَّا ابْنُ كِلَابٍ فَقَوْلُهُ مَشُوبٌ بِقَوْلِ الْجَهْمِيَّة وَهُوَ مُرَكَّبٌ مِنْ قَوْلِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَقَوْلِ الْجَهْمِيَّة وَكَذَلِكَ مَذْهَبُ الْأَشْعَرِيِّ فِي الصِّفَاتِ. وَأَمَّا فِي الْقَدَرِ وَالْإِيمَانِ فَقَوْلُهُ قَوْلُ جَهْمٍ. وَأَمَّا مَا حَكَاهُ عَنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ وَقَالَ " وَبِكُلِّ مَا ذَكَرْنَا مِنْ قَوْلِهِمْ نَقُولُ وَإِلَيْهِ نَذْهَبُ " فَهُوَ أَقْرَبُ مَا ذَكَرَهُ. وَبَعْضُهُ ذَكَرَهُ عَنْهُمْ عَلَى وَجْهِهِ وَبَعْضُهُ تَصَرَّفَ فِيهِ وَخَلَطَهُ بِمَا هُوَ مِنْ أَقْوَالِ جَهْمٍ فِي الصِّفَاتِ وَالْقَدَرِ إذْ كَانَ هُوَ نَفْسُهُ يَعْتَقِدُ صِحَّةَ تِلْكَ الْأُصُولِ. وَهُوَ يُحِبُّ الِانْتِصَارَ لِأَهْلِ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ وَمُوَافَقَتَهُمْ فَأَرَادَ أَنْ
(16/308)

يَجْمَعُ بَيْنَ مَا رَآهُ مِنْ رَأْيِ أُولَئِكَ وَبَيْنَ مَا نَقَلَهُ عَنْ هَؤُلَاءِ. وَلِهَذَا يَقُولُ فِيهِ طَائِفَةٌ إنَّهُ خَرَجَ مِنْ التَّصْرِيحِ إلَى التَّمْوِيهِ. كَمَا يَقُولُهُ طَائِفَةٌ: إنَّهُمْ الْجَهْمِيَّة الْإِنَاثُ وَأُولَئِكَ الْجَهْمِيَّة الذُّكُورُ. وَأَتْبَاعُهُ الَّذِينَ عَرَفُوا رَأْيَهُ فِي تِلْكَ الْأُصُولِ وَوَافَقُوهُ أَظْهَرُوا مِنْ مُخَالَفَةِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ مَا هُوَ لَازِمٌ لِقَوْلِهِمْ وَلَمْ يَهَابُوا أَهْلَ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ وَيُعَظِّمُوا وَيَعْتَقِدُوا صِحَّةَ مَذَاهِبِهِمْ كَمَا كَانَ هُوَ يَرَى ذَلِكَ. وَالطَّائِفَتَانِ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَهْمِيَّة يَقُولُونَ إنَّهُ تَنَاقُضٌ لَكِنَّ السُّنِّيَّ يُحْمَدُ مُوَافَقَتُهُ لِأَهْلِ الْحَدِيثِ وَيُذَمُّ مُوَافَقَتُهُ للجهمية والجهمي يُذَمُّ مُوَافَقَتُهُ لِأَهْلِ الْحَدِيثِ وَيُحْمَدُ مُوَافَقَتُهُ للجهمية. وَلِهَذَا كَانَ مُتَأَخِّرُو أَصْحَابِهِ كَأَبِي الْمَعَالِي وَنَحْوِهِ أَظْهَرَ تَجَهُّمًا وَتَعْطِيلًا مِنْ مُتَقَدِّمِيهِمْ. وَهِيَ مَوَاضِعُ دَقِيقَةٌ يَغْفِرُ اللَّهُ لِمَنْ أَخْطَأَ فِيهَا بَعْدَ اجْتِهَادِهِ. لَكِنَّ الصَّوَابَ مَا أَخْبَرَ بِهِ الرَّسُولُ فَلَا يَكُونُ الْحَقُّ فِي خِلَافِ ذَلِكَ قَطُّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَمِنْ أَعْظَمِ الْأُصُولِ الَّتِي دَلَّ عَلَيْهَا الْقُرْآنُ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ جِدًّا وَكَذَلِكَ الْأَحَادِيثُ وَسَائِرُ كُتُبِ اللَّهِ وَكَلَامِ السَّلَفِ وَعَلَيْهَا تَدُلُّ
(16/309)

الْمَعْقُولَاتُ الصَّرِيحَةُ هُوَ إثْبَاتُ الصِّفَاتِ الِاخْتِيَارِيَّةِ مِثْلُ أَنَّهُ يَتَكَلَّمُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ كَلَامًا يَقُومُ بِذَاتِهِ وَكَذَلِكَ يَقُومُ بِذَاتِهِ فِعْلُهُ الَّذِي يَفْعَلُهُ بِمَشِيئَتِهِ. فَإِثْبَاتُ هَذَا الْأَصْلِ يَمْنَعُ ضُلَّالَ الطَّوَائِفِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِهِ وَالْقُرْآنُ وَالْحَدِيثُ مَمْلُوءٌ وَكَلَامُ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ مَمْلُوءٌ مِنْ إثْبَاتِهِ. فَالْحَقُّ الْمَحْضُ مَا أَخْبَرَ بِهِ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَا يَكُونُ الْحَقُّ فِي خِلَافِ ذَلِكَ. لَكِنَّ الْهُدَى التَّامَّ يَحْصُلُ بِمَعْرِفَةِ ذَلِكَ وَتَصَوُّرِهِ. فَإِنَّ الِاخْتِلَافَ تَارَةً يَنْشَأُ مِنْ سُوءِ الْفَهْمِ وَنَقْصِ الْعِلْمِ وَتَارَةً مِنْ سُوءِ الْقَصْدِ. وَالنَّاسُ يَخْتَلِفُونَ فِي الْعِلْمِ وَالْإِرَادَةِ فِي تَعَدُّدٍ ذَلِكَ وَإِيجَادِهِ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَا يَقُومُ بِالنَّفْسِ مِنْ إرَادَةِ الْأُمُورِ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ فِيهِ. الْعِلْمُ بِهَذَا هُوَ الْعِلْمُ بِهَذَا وَلَا إرَادَةُ هَذَا هُوَ إرَادَةُ هَذَا. فَإِنَّ هَذَا مُكَابَرَةٌ وَعِنَادٌ. وَلَيْسَ تَمْيِيزُ الْعِلْمِ عَنْ الْعِلْمِ وَالْإِرَادَةِ عَنْ الْإِرَادَةِ تَمْيِيزًا مَعَ انْفِصَالِ أَحَدِهِمَا عَنْ الْآخَرِ. بَلْ نَفْسُ الصِّفَاتِ الْمُتَنَوِّعَةِ كَالْعِلْمِ
(16/310)

وَالْقُدْرَةِ وَالْإِرَادَةِ إذَا قَامَتْ بِمَحَلِّ وَاحِدٍ لَمْ يَنْفَصِلْ بَعْضُهَا عَنْ بَعْضٍ بَلْ مَحَلُّ هَذَا هُوَ مَحَلُّ هَذَا كَالطَّعْمِ وَاللَّوْنِ وَالرَّائِحَةِ الْقَائِمَةِ بِالْأُتْرُجَّةِ الْوَاحِدَةِ وَأَمْثَالِهَا مِنْ الْفَاكِهَةِ وَغَيْرِهَا. فَإِذَا قِيلَ " هِيَ عُلُومٌ وَإِرَادَاتٌ " لَمْ يَنْفَصِلْ هَذَا عَنْ هَذَا بِفَصْلِ حِسِّيٍّ بَلْ هُوَ نَوْعٌ وَاحِدٌ قَائِمٌ بِالنَّفْسِ. وَإِذَا عَلِمَ هَذَا بَعْدَ عِلْمِهِ بِذَلِكَ فَقَدْ زَادَ هَذَا النَّوْعُ وَكَثُرَ وَإِنْ شِئْت قُلْت: عَظُمَ. فَلَا يَزِيدُ فِيهِ زِيَادَةَ الْكَمِّيَّةِ عَنْ زِيَادَةِ الْكَيْفِيَّةِ. بَلْ يُقَالُ " عِلْمٌ كَثِيرٌ وَعِلْمٌ عَظِيمٌ " بِأَنْ تَكُونَ الْعَظَمَةُ تَرْجِعُ إلَى قُوَّتِهِ وَشَرَفِ مَعْلُومِهِ. وَنَحْوِ ذَلِكَ. كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأبي بْنِ كَعْبٍ: {أَتَدْرِي أَيَّ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ مَعَك أَعْظَمُ؟ قَالَ: {اللَّهُ لَا إلَهَ إلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} . فَقَالَ: ليهنك الْعِلْمُ أَبَا الْمُنْذِرِ} وَكَتَبَ سَلْمَانُ إلَى أَبِي الدَّرْدَاءِ: لَيْسَ الْخَيْرُ أَنْ يَكْثُرَ مَالُك وَوَلَدُك وَلَكِنَّ الْخَيْرَ أَنْ يَكْثُرَ عِلْمُك وَيَعْظُمَ حِلْمُك. وَانْضِمَامُ الْعِلْمِ إلَى الْعِلْمِ وَالْإِرَادَةِ إلَى الْإِرَادَةِ وَالْقُدْرَةِ إلَى الْقُدْرَةِ هُوَ شَبِيهٌ بِانْضِمَامِ الْأَجْسَامِ الْمُتَّصِلَةِ كَالْمَاءِ إذَا زِيدَ فِيهِ مَاءٌ فَإِنَّهُ يَكْثُرُ قَدْرُهُ. لَكِنْ هُوَ كَمٌّ مُتَّصِلٌ لَا مُنْفَصِلٍ بِخِلَافِ الدَّرَاهِمِ.
(16/311)

فَإِذَا قِيلَ " تَعَدَّدَتْ الْعُلُومُ وَالْإِرَادَاتُ " فَهُوَ إخْبَارٌ عَنْ كَثْرَةِ قَدْرِهَا وَأَنَّهَا أَكْثَرُ وَأَعْظَمُ مِمَّا كَانَتْ لَا أَنَّ هُنَاكَ مَعْدُودَاتٍ مُنْفَصِلَةٍ كَمَا قَدْ يَفْهَمُ بَعْضُ النَّاسِ. وَلِهَذَا كَانَ الْعِلْمُ اسْمَ جِنْسٍ. فَلَا يَكَادُ يَجْمَعُ فِي الْقُرْآنِ بَلْ يُقَالُ {فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ} فَيَذْكُرُ الْجِنْسَ. وَكَذَلِكَ الْمَاءُ لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ ذِكْرُ مِيَاهٍ بَلْ إنَّمَا يَذْكُرُ جِنْسَ الْمَاءِ: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} وَنَحْوَ ذَلِكَ. وَالْعِلْمُ يُشَبَّهُ بِالْمَاءِ كَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {إنَّ مَثَلَ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ مِنْ الْهُدَى وَالْعِلْمِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَصَابَ أَرْضًا. . . الْحَدِيثَ} . وَقَدْ قَالَ: {أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا} إلَى قَوْلِهِ {كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ} . وما خَلَقَهُ الرَّبُّ تَعَالَى فَإِنَّهُ يَرَاهُ وَيَسْمَعُ أَصْوَاتَ عِبَادِهِ. وَالْمَعْدُومُ لَا يَرَى بِاتِّفَاقِ الْعُقَلَاءِ. والسالمية كَأَبِي طَالِبٍ الْمَكِّيِّ وَغَيْرِهِ لَمْ يَقُولُوا: إنَّهُ يُرَى قَائِمًا بِنَفْسِهِ وَإِنَّمَا قَالُوا: يَرَاهُ الرَّبُّ فِي نَفْسِهِ وَإِنْ كَانَ هُوَ مَعْدُومًا فِي ذَاتِ الشَّيْءِ الْمَعْدُومِ. فَهُمْ يَجْعَلُونَ الرُّؤْيَةَ لِمَا يَقُومُ بِنَفْسِ الْعَالَمِ مِنْ صُورَتِهِ الْعِلْمِيَّةِ
(16/312)

مَا هُوَ عَدَمٌ مَحْضٌ. وَهُمْ وَإِنْ كَانُوا غَلِطُوا فِي بَعْضِ مَا قَالُوهُ فَلَمْ يَقُولُوا: إنَّ الْعَدَمَ الْمَحْضَ الَّذِي لَيْسَ بِشَيْءِ يُرَى فَإِنَّ هَذَا لَا يَقُولُهُ عَاقِلٌ. وَفِي الْحَقِيقَةِ إذَا رُئِيَ شَيْءٌ فَإِنَّمَا رُئِيَ مِثَالُهُ الْعِلْمِيُّ لَا عَيْنُهُ. وَأَبُو الشَّيْخِ الأصبهاني لَمَّا ذُكِرَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ أَمَرَ بِالْإِمْسَاكِ عَنْهَا. فَقَبْلَ أَنْ يُوجَدَ لَمْ يَكُنْ يُرَى وَبَعْدَ أَنْ يُعْدَمَ لَا يُرَى وَإِنَّمَا يُرَى حَالَ وُجُودِهِ. وَهَذَا هُوَ الْكَمَالُ فِي الرُّؤْيَةِ. وَكَذَلِكَ سَمْعُ أَصْوَاتِ الْعِبَادِ هُوَ عِنْدَ وُجُودِهَا لَا بَعْدَ فَنَائِهَا. وَلَا قَبْلَ حُدُوثِهَا. قَالَ تَعَالَى {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ} وَقَالَ {ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} .
فَصْلٌ:
الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَهُ اللَّهُ تَعَالَى هُدًى وَرَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ. فَإِنَّهُ كَمَا أَرْسَلَهُ بِالْعِلْمِ وَالْهُدَى وَالْبَرَاهِينِ الْعَقْلِيَّةِ وَالسَّمْعِيَّةِ فَإِنَّهُ أَرْسَلَهُ بِالْإِحْسَانِ إلَى النَّاسِ وَالرَّحْمَةِ لَهُمْ بِلَا عِوَضٍ وَبِالصَّبْرِ عَلَى أَذَاهُمْ
(16/313)

وَاحْتِمَالِهِ. فَبَعَثَهُ بِالْعِلْمِ وَالْكَرَمِ وَالْحِلْمِ عَلِيمٌ هَادٍ كَرِيمٌ مُحْسِنٌ حَلِيمٌ صَفُوحٌ. قَالَ تَعَالَى {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} {صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ} . وَقَالَ تَعَالَى {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} . وَقَالَ تَعَالَى {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا} وَنَظَائِرُهُ كَثِيرَةٌ. وَقَالَ {قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ} . وَقَالَ {قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إنْ أَجْرِيَ إلَّا عَلَى اللَّهِ} . وَقَالَ {قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا} . فَهُوَ يَعْلَمُ وَيَهْدِي وَيُصْلِحُ الْقُلُوبَ وَيَدُلُّهَا عَلَى صَلَاحِهَا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ بِلَا عِوَضٍ. وَهَذَا نَعْتُ الرُّسُلِ كُلِّهِمْ كُلٌّ يَقُولُ {مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ} . وَلِهَذَا قَالَ صَاحِبُ يس {يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ} {اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ} . وَهَذِهِ سَبِيلُ مَنْ اتَّبَعَهُ كَمَا قَالَ {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي} .
(16/314)

وَأَمَّا الْمُخَالِفُونَ لَهُمْ فَقَدْ قَالَ عَنْ الْمُنْتَسِبِينَ إلَيْهِمْ مَعَ بِدْعَةٍ {إنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} . فَهَؤُلَاءِ أَخَذُوا أَمْوَالَهُمْ وَمَنَعُوهُمْ سَبِيلَ اللَّهِ ضِدَّ الرَّسُولِ فَكَيْفَ بِمَنْ هُوَ شَرٌّ مِنْ هَؤُلَاءِ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُشْرِكِينَ وَالسَّحَرَةِ وَالْكُهَّانِ؟ فَهُمْ أوكل لِأَمْوَالِهِمْ بِالْبَاطِلِ وأصد عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مِنْ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ. وَهُوَ سُبْحَانَهُ قَالَ {إنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ} فَلَيْسَ كُلُّهُمْ كَذَلِكَ؛ بَلْ قَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ {وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ} . وَقَدْ قَالَ فِي وَصْفِ الرَّسُولِ {وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ} .
وَفِيهَا قِرَاءَتَانِ، فَمَنْ قَرَأَ (بِظَنِينِ) أَيْ مَا هُوَ بِمُتَّهَمِ عَلَى الْغَيْبِ بَلْ هُوَ صَادِقٌ أَمِينٌ فِيمَا يُخْبِرُ بِهِ. وَمَنْ قَرَأَ (بِضَنِينٍ أَيْ مَا هُوَ بِبَخِيلِ لَا يَبْذُلُهُ إلَّا بِعِوَضِ كَاَلَّذِينَ يَطْلُبُونَ الْعِوَضَ عَلَى مَا يَعْلَمُونَهُ. فَوَصَفَهُ بِأَنَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ فَلَا يَكْذِبُ وَلَا يَكْتُمُ. وَقَدْ وَصَفَ أَهْلَ الْكِتَابِ بِأَنَّهُمْ يَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ يُبْدُونَهَا وَيُخْفُونَ كَثِيرًا وَأَنَّهُمْ يَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا.
(16/315)

وَمَعَ هَذَا وَهَذَا قَدْ أَمَدَّهُ بِالصَّبْرِ عَلَى أَذَاهُمْ. وَجَعَلَهُ كَذَلِكَ يُعْطِيهِمْ مَا هُمْ مُحْتَاجُونَ إلَيْهِ غَايَةَ الْحَاجَةِ بِلَا عِوَضٍ وَهُمْ يُكْرِهُونَهُ وَيُؤْذُونَهُ عَلَيْهِ. وَهَذَا أَعْظَمُ مِنْ الَّذِي يَبْذُلُ الدَّوَاءَ النَّافِعَ لِلْمَرْضَى وَيَسْقِيهِمْ إيَّاهُ بِلَا عِوَضٍ وَهُمْ يُؤْذُونَهُ كَمَا يَصْنَعُ الْأَبُ الشَّفِيقُ. وَهُوَ أَبُو الْمُؤْمِنِينَ. وَكَذَلِكَ نَعَتَ أُمَّتَهُ بِقَوْلِهِ {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: كُنْتُمْ خَيْرَ النَّاسِ لِلنَّاسِ تَأْتُونَ بِهِمْ فِي السَّلَاسِلِ حَتَّى تُدْخِلُوهُمْ الْجَنَّةَ. فَيُجَاهِدُونَ يَبْذُلُونَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ لِمَنْفَعَةِ الْخَلْقِ وَصَلَاحِهِمْ وَهُمْ يَكْرَهُونَ ذَلِكَ لِجَهْلِهِمْ كَمَا قَالَ أَحْمَد فِي خُطْبَتِهِ: " الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ فِي كُلِّ زَمَانٍ فَتْرَةً مِنْ الرُّسُلِ بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَدْعُونَ مَنْ ضَلَّ إلَى الْهُدَى وَيَصْبِرُونَ مِنْهُمْ عَلَى الْأَذَى يُحْيُونَ بِكِتَابِ اللَّهِ الْمَوْتَى وَيُبَصِّرُونَ بِنُورِ اللَّهِ أَهْلَ الْعَمَى. فَكَمْ مِنْ قَتِيلٍ لإبليس قَدْ أَحْيَوْهُ وَكَمْ مِنْ ضَالٍّ تَائِهٍ قَدْ هَدَوْهُ فَمَا أَحْسَنَ أَثَرِهِمْ عَلَى النَّاسِ وَأَقْبَحَ أَثَرِ النَّاسِ عَلَيْهِمْ " إلَى آخِرِ كَلَامِهِ. فَهَذَا هَذَا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ. وَهُوَ سُبْحَانَهُ يَجْزِي النَّاسَ بِأَعْمَالِهِمْ وَاَللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ
(16/316)

فَهُوَ يُنْعِمُ عَلَى الرَّسُولِ بِإِنْعَامِهِ جَزَاءً عَلَى إحْسَانِهِمْ وَالْجَمِيعُ مِنْهُ. فَهُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ الْجَوَادُ الْكَرِيمُ الْحَنَّانُ الْمَنَّانُ لَهُ النِّعْمَةُ وَلَهُ الْفَضْلُ وَلَهُ الثَّنَاءُ الْحَسَنُ وَلَهُ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ. وَهُوَ سُبْحَانَهُ يُحِبُّ مَعَالِيَ الْأَخْلَاقِ وَيَكْرَهُ سَفْسَافَهَا. وَهُوَ يُحِبُّ الْبَصَرَ النَّافِذَ عِنْدَ وُرُودِ الشُّبُهَاتِ وَيُحِبُّ الْعَقْلَ الْكَامِلَ عِنْدَ حُلُولِ الشَّهَوَاتِ. وَقَدْ قِيلَ أَيْضًا: وَقَدْ يُحِبُّ الشَّجَاعَةَ وَلَوْ عَلَى قَتْلِ الْحَيَّاتِ وَيُحِبُّ السَّمَاحَةَ وَلَوْ بِكَفِّ مِنْ تَمَرَاتٍ. وَالْقُرْآنُ أَخْبَرَ أَنَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ وَيُحِبُّ الصَّابِرِينَ. وَهَذَا هُوَ الْكَرَمُ وَالشَّجَاعَةُ.
فَصْلٌ:
وَقَوْلُهُ {الْأَكْرَمُ} يَقْتَضِي اتِّصَافَهُ بِالْكَرَمِ فِي نَفْسِهِ وَأَنَّهُ الْأَكْرَمُ وَأَنَّهُ مُحْسِنٌ إلَى عِبَادِهِ فَهُوَ مُسْتَحِقٌّ لِلْحَمْدِ لِمَحَاسِنِهِ وَإِحْسَانِهِ. وَقَوْلُهُ {ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} . فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ. قِيلَ: أَهْلٌ أَنْ يُجِلَّ وَأَنْ يُكْرِمَ. كَمَا يُقَالُ إنَّهُ {أَهْلُ التَّقْوَى} أَيْ الْمُسْتَحِقُّ لِأَنْ
(16/317)

يُتَّقَى. وَقِيلَ: أَهْلٌ أَنْ يُجَلَّ فِي نَفْسِهِ وَأَنْ يُكْرِمَ أَهْلَ وِلَايَتِهِ وَطَاعَتِهِ. وَقِيلَ: أَهْلٌ أَنْ يُجَلَّ فِي نَفْسِهِ وَأَهْلٌ أَنْ يُكْرِمَ. ذَكَرَ الخطابي الِاحْتِمَالَاتِ الثَّلَاثَةِ وَنَقَلَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ كَلَامَهُ فَقَالَ: قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ الخطابي: الْجَلَالُ مَصْدَرُ الْجَلِيلِ يُقَالُ: جَلِيلٌ بَيْنَ الْجَلَالَةِ وَالْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ مَصْدَرُ أَكْرَمَ يُكْرِمُ إكْرَامًا. وَالْمَعْنَى أَنَّهُ يُكْرِمُ أَهْلَ وِلَايَتِهِ وَطَاعَتِهِ وَأَنَّ اللَّهَ يَسْتَحِقُّ أَنْ يُجَلَّ وَيُكْرَمَ وَلَا يُجْحَدَ وَلَا يُكْفَرَ بِهِ قَالَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى: يُكْرِمُ أَهْلَ وِلَايَتِهِ وَيَرْفَعُ دَرَجَاتِهِمْ. (قُلْت: وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ البغوي فَقَالَ: {ذُو الْجَلَالِ} الْعَظْمَةِ وَالْكِبْرِيَاءِ وَالْإِكْرَامِ يُكْرِمُ أَنْبِيَاءَهُ وَأَوْلِيَاءَهُ بِلُطْفِهِ مَعَ جَلَالِهِ وَعَظَمَتِهِ. قَالَ الخطابي: وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ وَهُوَ الْجَلَالُ مُضَافًا إلَى اللَّهِ بِمَعْنَى الصِّفَةِ لَهُ وَالْآخَرُ مُضَافًا إلَى الْعَبْدِ بِمَعْنَى الْفِعْلِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى {هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ} فَانْصَرَفَ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ إلَى اللَّهِ وَهُوَ الْمَغْفِرَةُ وَالْآخَرُ إلَى الْعِبَادِ وَهِيَ التَّقْوَى. قُلْت: الْقَوْلُ الْأَوَّلُ هُوَ أَقْرَبُهَا إلَى الْمُرَادِ مَعَ أَنَّ الْجَلَالَ هُنَا
(16/318)

لَيْسَ مَصْدَرَ جَلَّ جَلَالًا بَلْ هُوَ اسْمُ مَصْدَرٍ أَجَلَّ إجْلَالًا. كَقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {إنَّ مِنْ إجْلَالِ اللَّهِ إكْرَامُ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ وَحَامِلِ الْقُرْآنِ غَيْرِ الْغَالِي فِيهِ وَلَا الْجَافِي عَنْهُ وَإكْرَامِ ذِي السُّلْطَانِ الْمُقْسِطِ} . فَجَعَلَ إكْرَامَ هَؤُلَاءِ مِنْ جَلَالِ اللَّهِ أَيْ مِنْ إجْلَالِ اللَّهِ كَمَا قَالَ {وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا} . وَكَمَا يُقَالُ: كَلَّمَهُ كَلَامًا وَأَعْطَاهُ عَطَاءً وَالْكَلَامُ وَالْعَطَاءُ اسْمُ مَصْدَرِ التَّكْلِيمِ وَالْإِعْطَاءِ. وَالْجَلَالُ قُرِنَ بِالْإِكْرَامِ وَهُوَ مَصْدَرُ الْمُتَعَدِّي فَكَذَلِكَ الْإِكْرَامُ. وَمِنْ كَلَامِ السَّلَفِ: " أَجِلُّوا اللَّهَ أَنْ تَقُولُوا كَذَا ". وَفِي حَدِيثِ مُوسَى: يَا رَبِّ إنِّي أَكُونُ عَلَى الْحَالِ الَّتِي أُجِلُّك أَنْ أَذْكُرَك عَلَيْهَا. قَالَ: " اُذْكُرْنِي عَلَى كُلِّ حَالٍ ". وَإِذَا كَانَ مُسْتَحِقًّا لِلْإِجْلَالِ وَالْإِكْرَامِ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ مُتَّصِفًا فِي نَفْسِهِ بِمَا يُوجِبُ ذَلِكَ كَمَا إذَا قَالَ: الْإِلَهُ هُوَ الْمُسْتَحِقُّ لِأَنْ يُؤَلَّهَ أَيْ يُعْبَدُ كَانَ هُوَ فِي نَفْسِهِ مُسْتَحِقًّا لِمَا يُوجِبُ ذَلِكَ. وَإِذَا قِيلَ {هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى} كَانَ هُوَ فِي نَفْسِهِ مُتَّصِفًا بِمَا يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمُتَّقَى. وَمِنْهُ {قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ بَعْدَ
(16/319)

مَا يَقُولُ رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ: مِلْءَ السَّمَوَاتِ وَمِلْءَ الْأَرْضِ وَمِلْءَ مَا بَيْنَهُمَا وَمِلْءَ مَا شِئْت مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ أَهْلَ الثَّنَاءِ وَالْمَجْدِ أَحَقُّ مَا قَالَ الْعَبْدُ وَكُلُّنَا لَك عَبْدٌ. اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْت وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْت وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْك الْجَدُّ} . أَيْ هُوَ مُسْتَحِقٌّ لَأَنْ يُثْنَى عَلَيْهِ وَتُمَجَّدُ نَفْسُهُ. وَالْعِبَادُ لَا يُحْصُونَ ثَنَاءً عَلَيْهِ وَهُوَ كَمَا أَثْنَى عَلَى نَفْسِهِ كَذَلِكَ هُوَ أَهْلُ أَنْ يُجَلَّ وَأَنْ يُكْرَمَ. وَهُوَ سُبْحَانَهُ يُجِلُّ نَفْسَهُ وَيُكْرِمُ نَفْسَهُ. وَالْعِبَادُ لَا يُحْصُونَ إجْلَالَهُ وَإِكْرَامَهُ. وَالْإِجْلَالُ مِنْ جِنْسِ التَّعْظِيمِ وَالْإِكْرَامِ مِنْ جِنْسِ الْحُبِّ وَالْحَمْدِ وَهَذَا كَقَوْلِهِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ. فَلَهُ الْإِجْلَالُ وَالْمُلْكُ وَلَهُ الْإِكْرَامُ وَالْحَمْدُ. وَالصَّلَاةُ مَبْنَاهَا عَلَى التَّسْبِيحِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالتَّحْمِيدِ وَالتَّوْحِيدِ فِي الْقِيَامِ وَالْقُعُودِ وَالتَّكْبِيرِ فِي الِانْتِقَالَاتِ كَمَا قَالَ جَابِرٌ {كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكُنَّا إذَا عَلَوْنَا كَبَّرْنَا وَإِذَا هَبَطْنَا سَبَّحْنَا فَوُضِعَتْ الصَّلَاةُ عَلَى ذَلِكَ} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَفِي الرُّكُوعِ يَقُولُ " سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيمِ ". وَقَالَ النَّبِيُّ
(16/320)

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {إنِّي نُهِيت أَنْ أَقْرَأَ الْقُرْآنَ رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا. أَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ وَأَمَّا السُّجُودُ فَاجْتَهِدُوا فِيهِ فِي الدُّعَاءِ فَقَمِنَ أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ} . وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ حَمِدَ فَقَالَ {سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ} . فَيَحْمَدُهُ فِي هَذَا الْقِيَامِ كَمَا يَحْمَدُهُ فِي الْقِيَامِ الْأَوَّلِ إذَا قَرَأَ أُمَّ الْقُرْآنِ. فَالتَّحْمِيدُ وَالتَّوْحِيدُ مُقَدَّمٌ عَلَى مُجَرَّدِ التَّعْظِيمِ. وَلِهَذَا اشْتَمَلَتْ الْفَاتِحَةُ عَلَى هَذَا أَوَّلُهَا تَحْمِيدٌ وَأَوْسَطُهَا تَمْجِيدٌ. ثُمَّ فِي الرُّكُوعِ تَعْظِيمُ الرَّبِّ. وَفِي الْقِيَامِ يَحْمَدُهُ وَيُثْنِي عَلَيْهِ وَيُمَجِّدُهُ. فَدَلَّ عَلَى أَنَّ التَّعْظِيمَ الْمُجَرَّدَ تَابِعٌ لِكَوْنِهِ مَحْمُودًا وَكَوْنِهِ مَعْبُودًا. فَإِنَّهُ يُحِبُّ أَنْ يُحْمَدَ وَيُعْبَدَ وَلَا بُدَّ مَعَ ذَلِكَ مِنْ التَّعْظِيمِ فَإِنَّ التَّعْظِيمَ لَازِمٌ لِذَلِكَ. وَأَمَّا التَّعْظِيمُ فَقَدْ يَتَجَرَّدُ عَلَى الْحَمْدِ وَالْعِبَادَةِ عَلَى أَصْلِ الْجَهْمِيَّة. فَلَيْسَ ذَلِكَ بِمَأْمُورِ بِهِ وَلَا يَصِيرُ الْعَبْدُ بِهِ لَا مُؤْمِنًا وَلَا عَابِدًا وَلَا مُطِيعًا. وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ الْخَطِيبِ الرَّازِي يَجْعَلُ الْجَلَالَ لِلصِّفَاتِ السَّلْبِيَّةِ وَالْإِكْرَامَ لِلصِّفَاتِ الثُّبُوتِيَّةِ فَيُسَمِّي هَذِهِ " صِفَاتِ الْجَلَالِ " وَهَذِهِ " صِفَاتِ الْإِكْرَامِ " وَهَذَا اصْطِلَاحٌ لَهُ وَلَيْسَ الْمُرَادُ هَذَا فِي قَوْلِهِ
(16/321)

{وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} . وقوله: {تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} وَهُوَ فِي مُصْحَفِ أَهْلِ الشَّامِ تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّك ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ وَهِيَ قِرَاءَةُ ابْنِ عَامِرٍ فَالِاسْمُ نَفْسُهُ يُذْوَى بِالْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ. وَفِي سَائِرِ الْمَصَاحِفِ وَفِي قِرَاءَةِ الْجُمْهُورِ {ذِي الْجَلَالِ} فَيَكُونُ الْمُسَمَّى نَفْسَهُ. وَفِي الْأُولَى {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} . فَالْمُذْوَى وَجْهُهُ سُبْحَانَهُ وَذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ أَنَّهُ هُوَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ. فَإِنَّهُ إذَا كَانَ وَجْهُهُ ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ كَانَ هَذَا تَنْبِيهًا كَمَا أَنَّ اسْمَهُ إذَا كَانَ ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ كَانَ تَنْبِيهًا عَلَى الْمُسَمَّى. وَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ أَنْ يُجَلَّ وَيُكْرَمَ. فَإِنَّ الِاسْمَ نَفْسَهُ يُسَبِّحُ وَيَذْكُرُ وَيُرَادُ بِذَلِكَ الْمُسَمَّى وَالِاسْمُ نَفْسُهُ لَا يَفْعَلُ شَيْئًا لَا إكْرَامًا وَلَا غَيْرَهُ. وَلِهَذَا لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ إضَافَةُ شَيْءٍ مِنْ الْأَفْعَالِ وَالنِّعَمِ إلَى الِاسْمِ. وَلَكِنْ يُقَالُ: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} {تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ} وَنَحْوُ ذَلِكَ. فَإِنَّ اسْمَ اللَّهِ مُبَارَكٌ تُنَالُ مَعَهُ الْبَرَكَةُ وَالْعَبْدُ يُسَبِّحُ اسْمَ رَبِّهِ الْأَعْلَى فَيَقُولُ " سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى " {وَلَمَّا نَزَلَ قَوْلُهُ {سَبِّحِ اسْمَ
(16/322)

رَبِّكَ الْأَعْلَى} قَالَ: اجْعَلُوهَا فِي سُجُودِكُمْ؛ فَقَالُوا سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى} . فَكَذَلِكَ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَقُولُ " سُبْحَانَ اسْمِ رَبِّي الْأَعْلَى ". لَكِنَّ قَوْلَهُ " سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى " هُوَ تَسْبِيحٌ لِاسْمِهِ يُرَادُ بِهِ تَسْبِيحُ الْمُسَمَّى لَا يُرَادُ بِهِ تَسْبِيحُ مُجَرَّدِ الِاسْمِ كَقَوْلِهِ {قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} . فَالدَّاعِي يَقُولُ " يَا اللَّهُ " " يَا رَحْمَنُ " وَمُرَادُهُ الْمُسَمَّى. وَقَوْلُهُ {أَيَّا مَا} أَيُّ الِاسْمَيْنِ تَدْعُو وَدُعَاءُ الِاسْمِ هُوَ دُعَاءُ مُسَمَّاهُ.
وَهَذَا هُوَ الَّذِي أَرَادَهُ مَنْ قَالَ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ: إنَّ الِاسْمَ هُوَ الْمُسَمَّى. أَرَادُوا بِهِ أَنَّ الِاسْمَ إذَا دُعِيَ وَذُكِرَ يُرَادُ بِهِ الْمُسَمَّى. فَإِذَا قَالَ الْمُصَلِّي " اللَّهُ أَكْبَرُ " فَقَدْ ذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ وَمُرَادَهُ الْمُسَمَّى. لَمْ يُرِيدُوا بِهِ أَنَّ نَفْسَ اللَّفْظِ هُوَ الذَّاتُ الْمَوْجُودَةُ فِي الْخَارِجِ. فَإِنَّ فَسَادَ هَذَا لَا يَخْفَى عَلَى مَنْ تَصَوَّرَهُ وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ كَانَ مَنْ قَالَ " نَارًا " احْتَرَقَ لِسَانُهُ. وَبَسْطُ هَذَا لَهُ مَوْضِعٌ آخَرُ. وَالْمَقْصُودُ أَنَّ الْجَلَالَ وَالْإِكْرَامَ مِثْلُ الْمُلْكِ وَالْحَمْدِ كَالْمَحَبَّةِ وَالتَّعْظِيمِ. وَهَذَا يَكُونُ فِي الصِّفَاتِ الثُّبُوتِيَّةِ وَالسَّلْبِيَّةِ. فَإِنَّ كُلَّ سَلْبٍ فَهُوَ مُتَضَمِّنٌ
(16/323)

لِلثُّبُوتِ. وَأَمَّا السَّلْبُ الْمَحْضُ فَلَا مَدْحَ فِيهِ. وَهَذَا مِمَّا يَظْهَرُ بِهِ فَسَادُ قَوْلِ مَنْ جَعَلَ أَحَدَهُمَا لِلسَّلْبِ وَالْآخِرَ لِلْإِثْبَاتِ لَا سِيَّمَا إذَا كَانَ مِنْ الْجَهْمِيَّة الَّذِينَ يُنْكِرُونَ مَحَبَّتَهُ وَلَا يُثْبِتُونَ لَهُ صِفَاتٍ تُوجِبُ الْمَحَبَّةَ وَالْحَمْدَ. بَلْ إنَّمَا يُثْبِتُونَ مَا يُوجِبُ الْقَهْرَ كَالْقُدْرَةِ. فَهَؤُلَاءِ آمَنُوا بِبَعْضِ وَكَفَرُوا بِبَعْضِ وَأَلْحَدُوا فِي أَسْمَائِهِ وَآيَاتِهِ بِقَدْرِ مَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ الْحَقِّ كَمَا بُسِطَ هَذَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
فَصْلٌ:
قَوْله تَعَالَى فِي أَوَّلِ مَا أَنْزَلَ {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} وَقَوْلُهُ {اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ} . ذَكَرَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ بِالْإِضَافَةِ الَّتِي تُوجِبُ التَّعْرِيفَ وَأَنَّهُ مَعْرُوفٌ عِنْدَ الْمُخَاطَبِينَ إذْ الرَّبُّ تَعَالَى مَعْرُوفٌ عِنْدَ الْعَبْدِ بِدُونِ الِاسْتِدْلَالِ بِكَوْنِهِ خَلَقَ. وَأَنَّ الْمَخْلُوقَ مَعَ أَنَّهُ دَلِيلٌ وَأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى الْخَالِقِ لَكِنْ هُوَ مَعْرُوفٌ فِي الْفِطْرَةِ قَبْلَ هَذَا الِاسْتِدْلَالِ؛ وَمَعْرِفَتُهُ فِطْرِيَّةٌ مَغْرُوزَةٌ فِي الْفِطْرَةِ؛ ضَرُورِيَّةٌ بَدِيهِيَّةٌ أَوَّلِيَّةٌ. وَقَوْلُهُ {اقْرَأْ} وَإِنْ كَانَ خِطَابًا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوَّلًا، فَهُوَ
(16/324)

خِطَابٌ لِكُلِّ أَحَدٍ سَوَاءٌ كَانَ قَوْلُهُ {اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ} هُوَ خِطَابٌ لِلْإِنْسَانِ مُطْلَقًا وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوَّلُ مَنْ سَمِعَ هَذَا الْخِطَابَ أَوْ مِنْ النَّوْعِ أَوْ هُوَ خِطَابٌ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خُصُوصًا كَمَا قَدْ قِيلَ فِي نَظَائِرِ ذَلِكَ. مِثْلُ قَوْلِهِ {مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ} قِيلَ خِطَابٌ لَهُ وَقِيلَ خِطَابٌ لِلْجِنْسِ؛ وَأَمْثَالُ ذَلِكَ. فَإِنَّهُ وَإِنْ قِيلَ إنَّهُ خِطَابٌ لَهُ فَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ مَا خُوطِبَ بِهِ مِنْ أَمْرٍ وَنَهْيٍ فَالْأُمَّةُ مُخَاطَبَةٌ بِهِ مَا لَمْ يَقُمْ دَلِيلُ التَّخْصِيصِ. وَبِهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّ قَوْله تَعَالَى {فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ} يَتَنَاوَلُ غَيْرَهُ حَتَّى قَالَ كَثِيرٌ مِنْ الْمُفَسِّرِينَ: الْخِطَابُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُرَادُ بِهِ غَيْرُهُ. أَيْ هُمْ الَّذِينَ أُرِيدَ مِنْهُمْ أَنْ يَسْأَلُوا لِمَا عِنْدَهُمْ مِنْ الشَّكِّ وَهُوَ لَمْ يُرَدْ مِنْهُ السُّؤَالُ إذْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ شَكٌّ. وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا لَا يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ هُوَ مُخَاطَبًا وَمُرَادًا بِالْخِطَابِ بَلْ هَذَا صَرِيحُ اللَّفْظِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ إنَّ الْخِطَابَ لَمْ يَتَنَاوَلْهُ. وَلِأَنَّ لَيْسَ فِي الْخِطَابِ أَنَّهُ أُمِرَ بِالسُّؤَالِ مُطْلَقًا بَلْ أُمِرَ بِهِ إنْ كَانَ عِنْدَهُ شَكٌّ وَهَذَا لَا يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ شَكٌّ. وَلَا أَنَّهُ أُمِرَ بِهِ
(16/325)

مُطْلَقًا بَلْ أُمِرَ بِهِ إنْ كَانَ هَذَا مَوْجُودًا وَالْحُكْمُ الْمُعَلَّقُ بِشَرْطِ عُدِمَ عِنْدَ عَدَمِهِ. وَكَذَلِكَ كَثِيرٌ مِنْ الْمُفَسِّرِينَ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ {الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ} وَفِي قَوْلِهِ {وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ} وَنَحْوِ ذَلِكَ: إنَّ الْخِطَابَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُرَادَ بِهِ غَيْرُهُ. أَيْ غَيْرُهُ قَدْ يَكُونُ مُمْتَرِيًا وَمُطِيعًا لِأُولَئِكَ فَنُهِيَ وَهُوَ لَا يَكُونُ مُمْتَرِيًا وَلَا مُطِيعًا لَهُمْ. وَلَكِنْ بِتَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَهُوَ أَيْضًا مُخَاطَبٌ بِهَذَا وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْ هَذَا. فَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ قَدْ نَهَاهُ عَمَّا حَرَّمَهُ مِنْ الشِّرْكِ وَالْقَوْلِ عَلَيْهِ بِلَا عِلْمٍ وَالظُّلْمِ وَالْفَوَاحِشِ. وَبِنَهْيِ اللَّهِ لَهُ عَنْ ذَلِكَ وَطَاعَتِهِ لِلَّهِ فِي هَذَا اسْتَحَقَّ عَظِيمَ الثَّوَابِ وَلَوْلَا النَّهْيُ وَالطَّاعَةُ لَمَا اسْتَحَقَّ ذَلِكَ. وَلَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْمَأْمُورُ الْمَنْهِيُّ مِمَّنْ يُشَكُّ فِي طَاعَتِهِ وَيَجُوزُ عَلَيْهِ أَنْ يَعْصِيَ الرَّبَّ أَوْ يَعْصِيَهُ مُطْلَقًا وَلَا يُطِيعَهُ. بَلْ اللَّهُ أَمَرَ الْمَلَائِكَةَ مَعَ عِلْمِهِ أَنَّهُمْ يُطِيعُونَهُ وَيَأْمُرُ الْأَنْبِيَاءَ مَعَ عِلْمِهِ أَنَّهُمْ يُطِيعُونَهُ وَكَذَلِكَ الْمُؤْمِنُونَ كُلُّ مَا أَطَاعُوهُ فِيهِ قَدْ أَمَرَهُمْ بِهِ مَعَ عِلْمِهِ أَنَّهُمْ يُطِيعُونَهُ.
(16/326)

وَلَا يُقَالُ: لَا يَحْتَاجُ إلَى الْأَمْرِ بَلْ بِالْأَمْرِ صَارَ مُطِيعًا مُسْتَحِقًّا لِعَظِيمِ الثَّوَابِ. وَلَكِنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي قُدْرَتَهُ عَلَى الْمَنْهِيِّ عَنْهُ وَأَنَّهُ لَوْ شَاءَ لَفَعَلَهُ لِيُثَابَ عَلَى ذَلِكَ إذَا تَرَكَهُ. وَقَدْ يَقْتَضِي قِيَامَ السَّبَبِ الدَّاعِي إلَى فِعْلِهِ فَيُنْهَى عَنْهُ فَإِنَّهُ بِالنَّهْيِ وَإِعَانَةِ اللَّهِ لَهُ عَلَى الِامْتِثَالِ يَمْتَنِعُ مِمَّا نُهِيَ عَنْهُ إذَا قَامَ السَّبَبُ الدَّاعِي لَهُ إلَيْهِ. وَكَذَلِكَ قَدْ قِيلَ فِي قَوْلِهِ {سَلْ بَنِي إسْرَائِيلَ} إنَّهُ أَمْرٌ لِلرَّسُولِ وَالْمُرَادُ بِهِ هُوَ وَالْمُؤْمِنُونَ؛ وَقِيلَ هُوَ أَمْرٌ لِكُلِّ مُكَلَّفٍ. فَقَوْلُهُ فِي هَذِهِ السُّورَةِ {اقْرَأْ} كَقَوْلِهِ فِي آخِرِهَا {وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ} وَقَوْلِهِ {فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ} {وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ} {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} هَذَا مُتَنَاوِلٌ لِجَمِيعِ الْأُمَّةِ. وَقَوْلُهُ {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ} {قُمِ اللَّيْلَ إلَّا قَلِيلًا} فَإِنَّهُ كَانَ خِطَابًا لِلْمُؤْمِنِينَ كُلِّهِمْ. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ} {قُمْ فَأَنْذِرْ} لَمَّا أُمِرَ بِتَبْلِيغِ مَا أُنْزِلَ إلَيْهِ مِنْ الْإِنْذَارِ. وَهَذَا فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ. فَوَاجِبٌ عَلَى الْأُمَّةِ أَنْ يُبَلِّغُوا مَا أُنْزِلَ إلَيْهِ وَيُنْذِرُوا كَمَا أَنْذَرَ. قَالَ تَعَالَى {فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إذَا رَجَعُوا إلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ
(16/327)

يَحْذَرُونَ} وَالْجِنُّ لَمَّا سَمِعُوا الْقُرْآنَ {وَلَّوْا إلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ} وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَكُلُّ إنْسَانٍ فِي قَلْبِهِ مَعْرِفَةٌ بِرَبِّهِ. فَإِذَا قِيلَ لَهُ {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} عَرَفَ رَبَّهُ الَّذِي هُوَ مَأْمُورٌ أَنْ يَقْرَأَ بِاسْمِهِ كَمَا يَعْرِفُ أَنَّهُ مَخْلُوقٌ وَالْمَخْلُوقُ يَسْتَلْزِمُ الْخَالِقَ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ. وَقَدْ بُسِطَ هَذَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ وَبَيَّنَ أَنَّ الْإِقْرَارَ وَالِاعْتِرَافَ بِالْخَالِقِ فِطْرِيٌّ ضَرُورِيٌّ فِي نُفُوسِ النَّاسِ وَإِنْ كَانَ بَعْضُ النَّاسِ قَدْ يَحْصُلُ لَهُ مَا يُفْسِدُ فِطْرَتَهُ حَتَّى يَحْتَاجَ إلَى نَظَرٍ تَحْصُلُ لَهُ بِهِ الْمَعْرِفَةُ. وَهَذَا قَوْلُ جُمْهُورِ النَّاسِ وَعَلَيْهِ حُذَّاقُ النُّظَّارِ أَنَّ الْمَعْرِفَةَ تَارَةً تَحْصُلُ بِالضَّرُورَةِ وَتَارَةً بِالنَّظَرِ كَمَا اعْتَرَفَ بِذَلِكَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُتَكَلِّمِينَ. وَهَذِهِ الْآيَةُ أَيْضًا تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ النَّظَرُ أَوَّلَ وَاجِبٍ بَلْ أَوَّلُ مَا أَوْجَبَ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} لَمْ يَقُلْ " اُنْظُرْ وَاسْتَدِلَّ حَتَّى تَعْرِفَ الْخَالِقَ " وَكَذَلِكَ هُوَ أَوَّلُ مَا بَلَّغَ هَذِهِ السُّورَةَ. فَكَانَ الْمُبَلِّغُونَ مُخَاطَبِينَ بِهَذِهِ الْآيَةِ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ وَلَمْ يُؤْمَرُوا فِيهَا بِالنَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ. وَقَدْ ذَهَبَ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ إلَى أَنَّ اعْتِرَاف النَّفْسِ بِالْخَالِقِ وَإِثْبَاتَهَا لَهُ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِالنَّظَرِ.
(16/328)

ثُمَّ كَثِيرٌ مِنْهُمْ جَعَلُوا ذَلِكَ نَظَرًا مَخْصُوصًا وَهُوَ النَّظَرُ فِي الْأَعْرَاضِ وَأَنَّهَا لَازِمَةٌ لِلْأَجْسَامِ فَيَمْتَنِعُ وُجُودُ الْأَجْسَامِ بِدُونِهَا. قَالُوا: وَمَا لَا يَخْلُو عَنْ الْحَوَادِثِ أَوْ مَا لَا يَسْبِقُ الْحَوَادِثَ فَهُوَ حَادِثٌ. ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ اعْتَقَدَ أَنَّ هَذِهِ الْمُقَدِّمَةَ بَيِّنَةٌ بِنَفْسِهَا بَلْ ضَرُورِيَّةٌ وَلَمْ يُمَيِّزْ بَيْنَ الْحَادِثِ الْمُعَيَّنِ وَالْمَحْدُودِ وَبَيْنَ الْجِنْسِ الْمُتَّصِلِ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ إمَّا لِظَنِّهِ أَنَّ هَذَا مُمْتَنِعٌ أَوْ لِعَدَمِ خُطُورِهِ بِقَلْبِهِ. لَكِنْ وَإِنْ قِيلَ هُوَ مُمْتَنِعٌ فَلَيْسَ الْعِلْمُ بِذَلِكَ بَدِيهِيًّا. وَإِنَّمَا الْعِلْمُ الْبَدِيهِيُّ أَنَّ الْحَادِثَ الَّذِي لَهُ مَبْدَأٌ مَحْدُودٌ كَالْحَادِثِ. وَالْحَوَادِثُ الْمُقَدَّرَةُ مِنْ حِينٍ مَحْدُودٌ فَتِلْكَ مَا لَا يَسْبِقُهَا فَهُوَ حَادِثٌ. وَمَا لَا يَخْلُو مِنْهَا لَمْ يَسْبِقْهَا فَهُوَ حَادِثٌ. فَإِنَّهُ إذَا لَمْ يَسْبِقْهَا كَانَ مَعَهَا أَوْ مُتَأَخِّرًا عَنْهَا. وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ فَهُوَ حَادِثٌ. وَأَمَّا إذَا قَدَّرَ حَوَادِثَ دَائِمَةً شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ فَهَذَا إمَّا أَنْ يُقَالَ هُوَ مُمْكِنٌ وَإِمَّا أَنْ يُقَالَ هُوَ مُمْتَنِعٌ. لَكِنَّ الْعِلْمَ بِامْتِنَاعِهِ يَحْتَاجُ إلَى دَلِيلٍ وَلَمْ تَعَلُّمِ طَائِفَةٍ مَعْرُوفَةٍ مِنْ الْعُقَلَاءِ قَالُوا: إنَّ الْعِلْمَ بِامْتِنَاعِ هَذَا بَدِيهِيٌّ ضَرُورِيٌّ وَلَا يَفْتَقِرُ إلَى دَلِيلٍ.
(16/329)

بَلْ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ لَا يَتَصَوَّرُ هَذَا تَصَوُّرًا تَامًّا. بَلْ مَتَى تَصَوَّرَ الْحَادِثَ قَدَّرَ فِي ذِهْنِهِ مَبْدَأً ثُمَّ يَتَقَدَّمُ فِي ذِهْنِهِ شَيْءٌ قَبْلَ ذَلِكَ ثُمَّ شَيْءٌ قَبْلَ ذَلِكَ لَكِنْ إلَى غَايَاتٍ مَحْدُودَةٍ بِحَسَبِ تَقْدِيرِ ذِهْنِهِ؛ كَمَا يُقَدِّرُ الذِّهْنُ عَدَدًا بَعْدَ عَدَدٍ. وَلَكِنْ كُلُّ مَا يُقَدِّرُهُ الذِّهْنُ فَهُوَ مُنْتَهٍ. وَمِنْ النَّاسِ مَنْ إذَا قِيلَ لَهُ " الْأَزَلُ " أَوْ " كَانَ هَذَا مَوْجُودًا فِي الْأَزَلِ " تَصَوَّرَ ذَلِكَ. وَهَذَا غَلَطٌ بَلْ " الْأَزَلُ " مَا لَيْسَ لَهُ أَوَّلٌ كَمَا أَنَّ " الْأَبَدَ " لَيْسَ لَهُ آخِرٌ وَكُلُّ مَا يُومِئُ إلَيْهِ الذِّهْنُ مِنْ غَايَةٍ ف " الْأَزَلُ " وَرَاءَهَا وَهَذَا لِبَسْطِهِ مَوْضِعٌ آخَرُ. وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ قَالُوا: مَعْرِفَةُ الرَّبِّ لَا تَحْصُلُ إلَّا بِالنَّظَرِ ثُمَّ قَالُوا: لَا تَحْصُلُ إلَّا بِهَذَا النَّظَرِ هُمْ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ الْجَهْمِيَّة الْقَدَرِيَّةِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ. وَقَدْ اتَّفَقَ سَلَفُ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتُهَا وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ وَغَيْرِهِمْ عَلَى خَطَأِ هَؤُلَاءِ فِي إيجَابِهِمْ هَذَا النَّظَرَ الْمُعَيَّنَ وَفِي دَعْوَاهُمْ أَنَّ الْمَعْرِفَةَ مَوْقُوفَةٌ عَلَيْهِ. إذْ قَدْ عُلِمَ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ دِينِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ لَمْ يُوجِبْ هَذَا عَلَى الْأُمَّةِ وَلَا أَمَرَهُمْ بِهِ بَلْ وَلَا سَلَكَهُ هُوَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ سَلَفِ الْأُمَّةِ فِي تَحْصِيلِ هَذِهِ الْمَعْرِفَةِ. ثُمَّ هَذَا النَّظَرُ هَذَا الدَّلِيلُ لِلنَّاسِ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ.
(16/330)

قِيلَ: إنَّهُ وَاجِبٌ وَإِنَّ الْمَعْرِفَةَ مَوْقُوفَةٌ عَلَيْهِ كَمَا يَقُولُهُ هَؤُلَاءِ. وَقِيلَ: بَلْ يُمْكِنُ حُصُولُ الْمَعْرِفَةِ بِدُونِهِ لَكِنَّهُ طَرِيقٌ آخَرُ إلَى الْمَعْرِفَةِ. وَهَذَا يَقُولُهُ كَثِيرٌ مِنْ هَؤُلَاءِ مِمَّنْ يَقُولُ بِصِحَّةِ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ لَكِنْ لَا يُوجِبُهَا كالخطابي وَالْقَاضِي أَبِي يَعْلَى وَأَبِي جَعْفَرٍ السمناني قَاضِي الْمَوْصِلِ شَيْخِ أَبِي الْوَلِيدِ الباجي وَكَانَ يَقُولُ: إيجَابُ النَّظَرِ بَقِيَّةٌ بَقِيَتْ عَلَى الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ مِنْ الِاعْتِزَالِ. وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ لَا يُوجِبُونَ هَذَا النَّظَرَ. وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُوجِبُ النَّظَرَ مُطْلَقًا كالسمناني وَابْنِ حَزْمٍ وَغَيْرِهِمَا. وَمِنْهُمْ مَنْ يُوجِبُهُ فِي الْجُمْلَةِ كالخطابي وَأَبِي الْفَرَجِ المقدسي. وَالْقَاضِي أَبُو يُعْلَى يَقُولُ بِهَذَا تَارَةً وَبِهَذَا تَارَةً بَلْ وَيَقُولُ تَارَةً بِإِيجَابِ النَّظَرِ الْمُعَيَّنِ كَمَا يَقُولُهُ أَبُو الْمَعَالِي وَغَيْرُهُ. ثُمَّ مِنْ الْمُوجِبِينَ لِلنَّظَرِ مَنْ يَقُولُ: هُوَ أَوَّلُ الْوَاجِبَاتِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: بَلْ الْمَعْرِفَةُ الْوَاجِبَةُ بِهِ وَهُوَ نِزَاعٌ لَفْظِيٌّ. كَمَا أَنَّ بَعْضَهُمْ قَالَ: أَوَّلُ الْوَاجِبَاتِ الْقَصْدُ إلَى النَّظَرِ كَعِبَارَةِ أَبِي الْمَعَالِي. وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ قَالَ: بَلْ الشَّكُّ الْمُتَقَدِّمُ كَمَا قَالَهُ أَبُو هَاشِمٍ. وَقَدْ بُسِطَ الْكَلَامُ عَلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ وَغَيْرِهَا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ.
(16/331)

وَبَيَّنَ أَنَّهَا كُلَّهَا غَلَطٌ مُخَالِفٌ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ بَلْ وَبَاطِلَةٌ فِي الْعَقْلِ أَيْضًا. وَهَذِهِ الْآيَةُ مِمَّا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى ذَلِكَ. فَإِنَّ أَوَّلَ مَا أَوْجَبَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ هُوَ مَا أَمَرَ بِهِ فِي قَوْلِهِ {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} . وَاَلَّذِينَ قَالُوا: الْمَعْرِفَةُ لَا تَحْصُلُ إلَّا بِالنَّظَرِ قَالُوا: لَوْ حَصَلَتْ بِغَيْرِهِ لَسَقَطَ التَّكْلِيفُ بِهَا كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ وَغَيْرُهُ. فَيُقَالُ لَهُمْ: وَلَيْسَ فِيمَا قَصَّ اللَّهُ عَلَيْنَا مِنْ أَخْبَارِ الرُّسُلِ أَنَّ مِنْهُمْ أَحَدًا أَوْجَبَهَا بَلْ هِيَ حَاصِلَةٌ عِنْدَ الْأُمَمِ جَمِيعِهِمْ.
وَلَكِنَّ أَكْثَرَ الرُّسُلِ افْتَتَحُوا دَعْوَتَهُمْ بِالْأَمْرِ بِعِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ دُونَ مَا سِوَاهُ كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْ نُوحٍ وَهُودٍ وَصَالِحٍ وَشُعَيْبٍ. وَقَوْمُهُمْ كَانُوا مُقِرِّينَ بِالْخَالِقِ لَكِنْ كَانُوا مُشْرِكِينَ يَعْبُدُونَ غَيْرَهُ كَمَا كَانَتْ الْعَرَبُ الَّذِينَ بُعِثَ فِيهِمْ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَمِنْ الْكُفَّار مَنْ أَظْهَرَ جَحُودَ الْخَالِقِ كَفِرْعَوْنَ حَيْثُ قَالَ {يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إلَى إلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ
(16/332)

الْكَاذِبِينَ} وَقَالَ {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} وَقَالَ لِمُوسَى {لَئِنِ اتَّخَذْتَ إلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ} وَقَالَ {يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ} {أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إلَى إلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا} . وَمَعَ هَذَا فَمُوسَى أَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ مَا ذَكَرَهُ اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ قَالَ {وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} {قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ} {قَالَ رَبِّ إنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ} {وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إلَى هَارُونَ} {وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ} {قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ} {فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ} {أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إسْرَائِيلَ} {قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا} {وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ} {وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ} {قَالَ فَعَلْتُهَا إذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ} {فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ} . قال فِرْعَوْنُ إنْكَارًا وَجَحْدًا {وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ} قَالَ مُوسَى {رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ} {قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ} {قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ} {قَالَ إنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ} {قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا} الْآيَاتِ.
(16/333)

وَقَدْ ظَنَّ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ سُؤَالَ فِرْعَوْنَ {وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ} هُوَ سُؤَالٌ عَنْ مَاهِيَّةِ الرَّبِّ كَاَلَّذِي يَسْأَلُ عَنْ حُدُودِ الْأَشْيَاءِ فَيَقُولُ " مَا الْإِنْسَانُ؟ مَا الْمَلَكُ؟ مَا الْجِنِّيُّ؟ " وَنَحْوُ ذَلِكَ. قَالُوا: وَلَمَّا لَمْ يَكُنْ لِلْمَسْئُولِ عَنْهُ مَاهِيَّةٌ عَدَلَ مُوسَى عَنْ الْجَوَابِ إلَى بَيَانِ مَا يُعْرَفُ بِهِ وَهُوَ قَوْلُهُ {رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} وَهَذَا قَوْلٌ قَالَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ وَهُوَ بَاطِلٌ. فَإِنَّ فِرْعَوْنَ إنَّمَا اسْتَفْهَمَ اسْتِفْهَامَ إنْكَارٍ وَجَحْدٍ لَمْ يَسْأَلْ عَنْ مَاهِيَّةِ رَبٍّ أَقَرَّ بِثُبُوتِهِ بَلْ كَانَ مُنْكِرًا لَهُ جَاحِدًا. وَلِهَذَا قَالَ فِي تَمَامِ الْكَلَامِ {لَئِنِ اتَّخَذْتَ إلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ} وَقَالَ {وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا} . فَاسْتِفْهَامُهُ كَانَ إنْكَارًا وَجَحْدًا يَقُولُ: لَيْسَ لِلْعَالِمِينَ رَبٌّ يُرْسِلُك فَمَنْ هُوَ هَذَا؟ إنْكَارًا لَهُ. فَبَيَّنَ مُوسَى أَنَّهُ مَعْرُوفٌ عِنْدَهُ وَعِنْدَ الْحَاضِرِينَ وَأَنَّ آيَاتِهِ ظَاهِرَةٌ بَيِّنَةٌ لَا يُمْكِنُ مَعَهَا جَحْدُهُ. وَأَنَّكُمْ إنَّمَا تَجْحَدُونَ بِأَلْسِنَتِكُمْ مَا تَعْرِفُونَهُ بِقُلُوبِكُمْ كَمَا قَالَ مُوسَى فِي مَوْضِعٍ آخَرَ لِفِرْعَوْنَ {لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ} وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ}
(16/334)

وَلَمْ يَقُلْ فِرْعَوْنُ " وَمَنْ رَبُّ الْعَالَمِينَ " فَإِنَّ " مَنْ " سُؤَالٌ عَنْ عَيْنِهِ يَسْأَلُ بِهَا مَنْ عَرَفَ جِنْسَ الْمَسْئُولِ عَنْهُ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَقَدْ شَكَّ فِي عَيْنِهِ كَمَا يُقَالُ لِرَسُولِ عَرَفَ أَنَّهُ جَاءَ مِنْ عِنْدِ إنْسَانٍ " مَنْ أَرْسَلَك؟ ". وَأَمَّا " مَا؟ " فَهِيَ سُؤَالٌ عَنْ الْوَصْفِ. يَقُولُ: أَيُّ شَيْءٍ هُوَ هَذَا؟ وَمَا هُوَ هَذَا الَّذِي سَمَّيْته " رَبَّ الْعَالَمِينَ "؟ قَالَ ذَلِكَ مُنْكِرًا لَهُ جَاحِدًا. فَلَمَّا سَأَلَ جَحْدًا أَجَابَهُ مُوسَى بِأَنَّهُ أَعْرَفُ مِنْ أَنْ يُنْكَرَ وَأَظْهَرُ مِنْ أَنْ يُشَكَّ فِيهِ وَيُرْتَابَ. فَقَالَ {رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ} . وَلِمَ يَقُلْ " مُوقِنِينَ بِكَذَا وَكَذَا " بَلْ أَطْلَقَ فَأَيُّ يَقِينٍ كَانَ لَكُمْ بِشَيْءِ مِنْ الْأَشْيَاءِ فَأَوَّلُ الْيَقِينِ الْيَقِينُ بِهَذَا الرَّبِّ كَمَا قَالَتْ الرُّسُلُ لِقَوْمِهِمْ {أَفِي اللَّهِ شَكٌّ} . وَإِنْ قُلْتُمْ: لَا يَقِينَ لَنَا بِشَيْءِ مِنْ الْأَشْيَاءِ بَلْ سُلِبْنَا كُلَّ عِلْمٍ فَهَذِهِ دَعْوَى السَّفْسَطَةِ الْعَامَّةِ وَمُدَّعِيهَا كَاذِبٌ ظَاهِرُ الْكَذِبِ. فَإِنَّ الْعُلُومَ مِنْ لَوَازِمَ كُلِّ إنْسَانٍ فَكُلُّ إنْسَانٍ عَاقِلٍ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ عِلْمٍ. وَلِهَذَا
(16/335)

قِيلَ فِي حَدِّ " الْعَقْلِ ": إنَّهُ عُلُومٌ ضَرُورِيَّةٌ وَهِيَ الَّتِي لَا يَخْلُو مِنْهَا عَاقِلٌ. فَلَمَّا قَالَ فِرْعَوْنُ {إنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ} وَهَذَا مِنْ افْتِرَاءِ الْمُكَذِّبِينَ عَلَى الرَّسُولِ لَمَّا خَرَجُوا عَنْ عَادَاتِهِمْ الَّتِي هِيَ مَحْمُودَةٌ عِنْدَهُمْ نَسَبُوهُمْ إلَى الْجُنُونِ. وَلَمَّا كَانُوا مُظْهِرِينَ لِلْجَحْدِ بِالْخَالِقِ أَوْ لِلِاسْتِرَابَةِ وَالشَّكِّ فِيهِ هَذِهِ حَالُ عَامَّتِهِمْ وَدِينِهِمْ وَهَذَا عِنْدَهُمْ دِينٌ حَسَنٌ وَإِنَّمَا إلَهُهُمْ الَّذِي يُطِيعُونَهُ فِرْعَوْنُ قَالَ {إنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ} . فَبَيَّنَ لَهُ مُوسَى أَنَّكُمْ الَّذِينَ سُلِبْتُمْ الْعَقْلَ النَّافِعَ وَأَنْتُمْ أَحَقُّ بِهَذَا الْوَصْفِ فَقَالَ {رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ} . فَإِنَّ الْعَقْلَ مُسْتَلْزِمٌ لِعُلُومِ ضَرُورِيَّةٍ يَقِينِيَّةٍ وَأَعْظَمُهَا فِي الْفِطْرَةِ الْإِقْرَارُ بِالْخَالِقِ. فَلَمَّا ذَكَرَ أَوَّلًا أَنَّ مَنْ أَيْقَنَ بِشَيْءِ فَهُوَ مُوقِنٌ بِهِ وَالْيَقِينُ بِشَيْءِ هُوَ مِنْ لَوَازِمِ الْعَقْلِ بَيَّنَ ثَانِيًا أَنَّ الْإِقْرَارَ بِهِ مِنْ لَوَازِمِ الْعَقْلِ. وَلَكِنَّ الْمَحْمُودَ هُوَ الْعِلْمُ النَّافِعُ الَّذِي يَعْمَلُ بِهِ صَاحِبُهُ فَإِنْ لَمْ يَعْمَلْ بِهِ صَاحِبُهُ قِيلَ: إنَّهُ لَيْسَ لَهُ عَقْلٌ. وَيُقَالُ أَيْضًا لِمَنْ لَمْ يَتَّبِعْ مَا أَيْقَنَ بِهِ:
(16/336)

إنَّهُ لَيْسَ لَهُ يَقِينٌ. فَإِنَّ الْيَقِينَ أَيْضًا يُرَادُ بِهِ الْعِلْمُ الْمُسْتَقِرُّ فِي الْقَلْبِ وَيُرَادُ بِهِ الْعَمَلُ بِهَذَا الْعِلْمِ. فَلَا يُطْلَقُ " الْمُوقِنُ " إلَّا عَلَى مَنْ اسْتَقَرَّ فِي قَلْبِهِ الْعِلْمُ وَالْعَمَلُ. وَقَوْمُ فِرْعَوْنَ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ اتِّبَاعٌ لِمَا عَرَفُوهُ فَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ عَقْلٌ وَلَا يَقِينٌ. وَكَلَامُ مُوسَى يَقْتَضِي الْأَمْرَيْنِ: إنْ كَانَ لَك يَقِينٌ فَقَدْ عَرَفْته وَإِنْ كَانَ لَك عَقْلٌ فَقَدْ عَرَفْته. وَإِنْ ادَّعَيْت أَنَّهُ لَا يَقِينَ لَك وَلَا عَقْلَ لَك فَكَذَلِكَ قَوْمُك فَهَذَا إقْرَارٌ مِنْكُمْ بِسَلْبِكُمْ خَاصِّيَّةِ الْإِنْسَانِ. وَمَنْ يَكُونُ هَكَذَا لَا يَصْلُحُ لَهُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ دَعْوَى الْإِلَهِيَّةِ. مَعَ أَنَّ هَذَا بَاطِلٌ مِنْكُمْ فَإِنَّكُمْ مُوقِنُونَ بِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا} . وَلَكُمْ عَقْلٌ تَعْرِفُونَهُ بِهِ وَلَكِنَّ هَوَاكُمْ يَصُدُّكُمْ عَنْ اتِّبَاعِ مُوجَبِ الْعَقْلِ وَهُوَ إرَادَةُ الْعُلُوِّ فِي الْأَرْضِ وَالْفَسَادِ. فَأَنْتُمْ لَا عَقْلَ لَكُمْ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ كَمَا قَالَ أَصْحَابُ النَّارِ {لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ} . وَقَالَ تَعَالَى عَنْ الْكُفَّارِ {أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إنْ هُمْ إلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا} . قَالَ تَعَالَى عَنْ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ {فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا
(16/337)

فَاسِقِينَ} وَالْخَفِيفُ هُوَ السَّفِيهُ الَّذِي لَا يَعْمَلُ بِعِلْمِهِ بَلْ يَتَّبِعُ هَوَاهُ وَبَسْطُ هَذَا لَهُ مَوْضِعٌ آخَرُ. وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّهُ لَيْسَ فِي الرُّسُلِ مَنْ قَالَ أَوَّلَ مَا دَعَا قَوْمَهُ: إنَّكُمْ مَأْمُورُونَ بِطَلَبِ مَعْرِفَةِ الْخَالِقِ فَانْظُرُوا وَاسْتَدِلُّوا حَتَّى تَعْرِفُوهُ. فَلَمْ يُكَلَّفُوا أَوَّلًا بِنَفْسِ الْمَعْرِفَةِ وَلَا بِالْأَدِلَّةِ الْمُوَصِّلَةِ إلَى الْمَعْرِفَةِ إذْ كَانَتْ قُلُوبُهُمْ تَعْرِفُهُ وَتُقِرُّ بِهِ وَكُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ لَكِنْ عَرَضَ لِلْفِطْرَةِ مَا غَيَّرَهَا وَالْإِنْسَانُ إذَا ذُكِّرَ ذَكَرَ مَا فِي فِطْرَتِهِ. وَلِهَذَا قَالَ اللَّهُ فِي خِطَابِهِ لِمُوسَى {فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ} مَا فِي فِطْرَتِهِ مِنْ الْعِلْمِ الَّذِي بِهِ يَعْرِفُ رَبَّهُ وَيَعْرِفُ إنْعَامَهُ عَلَيْهِ وَإِحْسَانَهُ إلَيْهِ وَافْتِقَارَهُ إلَيْهِ فَذَلِكَ يَدْعُوهُ إلَى الْإِيمَانِ {أَوْ يَخْشَى} مَا يُنْذِرُهُ بِهِ مِنْ الْعَذَابِ فَذَلِكَ أَيْضًا يَدْعُوهُ إلَى الْإِيمَانِ. كَمَا قَالَ تَعَالَى {ادْعُ إلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ} . فَالْحِكْمَةُ تَعْرِيفُ الْحَقِّ فَيَقْبَلُهَا مِنْ قِبَلِ الْحَقِّ بِلَا مُنَازَعَةً. وَمَنْ نَازَعَهُ هَوَاهُ وُعِظَ بِالتَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ. فَالْعِلْمُ بِالْحَقِّ يَدْعُو صَاحِبَهُ إلَى اتِّبَاعِهِ. فَإِنَّ الْحَقَّ مَحْبُوبٌ فِي الْفِطْرَةِ. وَهُوَ أَحَبُّ إلَيْهَا. وَأَجَلُّ فِيهَا وَأَلَذُّ عِنْدِهَا مِنْ الْبَاطِلِ الَّذِي لَا حَقِيقَةَ لَهُ فَإِنَّ الْفِطْرَةَ لَا تُحِبُّ ذَاكَ.
(16/338)

فَإِنْ لَمْ يَدْعُهُ الْحَقُّ وَالْعِلْمُ بِهِ خُوِّفَ عَاقِبَةَ الْجُحُودِ وَالْعِصْيَانِ وَمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْعَذَابِ فَالنَّفْسُ تَخَافُ الْعَذَابَ بِالضَّرُورَةِ. فَكُلُّ حَيٍّ يَهْرُبُ مِمَّا يُؤْذِيهِ بِخِلَافِ النَّافِعِ. فَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَتَّبِعُ هَوَاهُ فَيَتَّبِعُ الْأَدْنَى دُونَ الْأَعْلَى. كَمَا أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ يُكَذِّبُ بِمَا خُوِّفَ بِهِ أَوْ يَتَغَافَلُ عَنْهُ حَتَّى يَفْعَلَ مَا يَهْوَاهُ. فَإِنَّهُ إذَا صَدَّقَ بِهِ وَاسْتَحْضَرَهُ لَمْ يَبْعَثْ نَفْسُهُ إلَى هَوَاهَا بَلْ لَا بُدَّ مِنْ نَوْعٍ مِنْ الْغَفْلَةِ وَالْجَهْلِ حَتَّى يَتَّبِعَهُ. وَلِهَذَا كَانَ كُلُّ عَاصٍ لِلَّهِ جَاهِلًا كَمَا قَدْ بُسِطَ هَذَا فِي مَوَاضِعَ. إذْ الْمَقْصُودُ هُنَا التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ الرَّبَّ مَعْرُوفٌ عِنْدَ الْمُخَاطَبِينَ وَأَنَّ الْفِطْرَةَ مُقِرَّةٌ بِهِ. وَعَلَى ذَلِكَ دَلَّ قَوْلُهُ {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ} الْآيَةَ كَمَا قَدْ بُسِطَ الْكَلَامُ عَلَيْهَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ. وَكَذَلِكَ قَوْلُ الرُّسُلِ {أَفِي اللَّهِ شَكٌّ} هُوَ نَفْيٌ أَيْ لَيْسَ فِي اللَّهِ شَكٌّ. وَهُوَ اسْتِفْهَامُ تَقْرِيرٍ يَتَضَمَّنُ تَقْرِيرَ الْأُمَمِ عَلَى مَا هُمْ مُقِرُّونَ بِهِ مِنْ أَنَّهُ لَيْسَ فِي اللَّهِ شَكٌّ فَهَذَا اسْتِفْهَامُ تَقْرِيرٍ.
(16/339)

فَإِنَّ حَرْفَ الِاسْتِفْهَامِ إذَا دَخَلَ عَلَى حَرْفِ النَّفْيِ كَانَ تَقْرِيرًا كَقَوْلِهِ: {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ} {أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ} {أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} وَمِثْلُهُ كَثِيرٌ. بِخِلَافِ اسْتِفْهَامِ فِرْعَوْنَ فَإِنَّهُ اسْتِفْهَامُ إنْكَارٍ لَا تَقْرِيرَ إذْ لَيْسَ هُنَاكَ إلَّا أَدَاةُ الِاسْتِفْهَامِ فَقَطْ وَدَلَّ سِيَاقُ الْكَلَامِ عَلَى أَنَّهُ إنْكَارٌ.
فَإِنْ قِيلَ: إذَا كَانَتْ مَعْرِفَتُهُ وَالْإِقْرَارُ بِهِ ثَابِتًا فِي كُلِّ فِطْرَةٍ فَكَيْفَ يُنْكِرُ ذَلِكَ كَثِيرٌ مِنْ النُّظَّارِ نُظَّارِ الْمُسْلِمِينَ وَغَيْرِهِمْ وَهُمْ يَدَّعُونَ أَنَّهُمْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الْأَدِلَّةَ الْعَقْلِيَّةَ عَلَى الْمَطَالِبِ الْإِلَهِيَّةِ؟ فَيُقَالُ أَوَّلًا: أَوَّلُ مَنْ عُرِفَ فِي الْإِسْلَامِ بِإِنْكَارِ هَذِهِ الْمَعْرِفَةِ هُمْ أَهْلُ الْكَلَامِ الَّذِي اتَّفَقَ السَّلَفُ عَلَى ذَمِّهِ مِنْ الْجَهْمِيَّة وَالْقَدَرِيَّةِ. وَهُمْ عِنْدَ سَلَفِ الْأُمَّةِ مِنْ أَضَلِّ الطَّوَائِفِ وَأَجْهَلِهِمْ. وَلَكِنْ انْتَشَرَ كَثِيرٌ مِنْ أُصُولِهِمْ فِي الْمُتَأَخِّرِينَ الَّذِينَ يُوَافِقُونَ السَّلَفَ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّا خَالَفَهُمْ فِيهِ سَلَفُهُمْ الْجَهْمِيَّة. فَصَارَ بَعْضُ النَّاسِ يَظُنُّ أَنَّ هَذَا قَوْلٌ صَدَرَ فِي الْأَصْلِ عَنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ إنَّمَا صَدَرَ أَوَّلًا عَمَّنْ ذَمَّهُ أَئِمَّةُ الدِّينِ وَعُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ.
الثَّانِي: أَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَقُومُ بِنَفْسِهِ مِنْ الْعُلُومِ وَالْإِرَادَاتِ وَغَيْرِهَا مِنْ الصِّفَاتِ مَا لَا يَعْلَمُ أَنَّهُ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ فَإِنَّ قِيَامَ الصِّفَةِ بِالنَّفْسِ غَيْرُ
(16/340)

شُعُورِ صَاحِبِهَا بِأَنَّهَا قَامَتْ بِهِ. فَوُجُودُ الشَّيْءِ فِي الْإِنْسَانِ وَغَيْرِهِ غَيْرُ عِلْمِ الْإِنْسَانِ بِهِ. وَهَذَا كَصِفَاتِ بَدَنِهِ فَإِنَّ مِنْهَا مَا لَا يَرَاهُ كَوَجْهِهِ وَقَفَاهُ. وَمِنْهَا مَا يَرَاهُ إذَا تَعَمَّدَ النَّظَرَ إلَيْهِ كَبَطْنِهِ وَفَخِذِهِ وَعَضُدَيْهِ. وَقَدْ يَكُونُ بِهِمَا آثَارٌ مِنْ خِيلَانٍ وَغَيْرِ خِيلَانٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَحْوَالِ وَهُوَ لَمْ يَرَهُ وَلَمْ يَعْرِفْهُ لَكِنَّ لَوْ تَعَمَّدَ رُؤْيَتَهُ لَرَآهُ. وَمِنْ النَّاسِ مَنْ لَا يَسْتَطِيعُ رُؤْيَةَ ذَلِكَ لِعَارِضِ عَرَضَ لِبَصَرِهِ مِنْ العشى أَوْ الْعَمَى أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ. كَذَلِكَ صِفَاتُ نَفْسِهِ قَدْ يَعْرِفُ بَعْضَهَا وَبَعْضُهَا لَا يَعْرِفُهُ. لَكِنَّ لَوْ تَعَمَّدَ تَأَمُّلَ حَالِ نَفْسِهِ لَعَرَفَهُ. وَمِنْهَا مَا لَا يَعْرِفُهُ وَلَوْ تَأَمَّلَ لِفَسَادِ بَصِيرَتِهِ وَمَا عَرَضَ لَهَا. وَاَلَّذِي يُبَيِّنُ ذَلِكَ أَنَّ الْأَفْعَالَ الِاخْتِيَارِيَّةَ لَا تُتَصَوَّرُ إلَّا بِإِرَادَةِ تَقُومُ بِنَفْسِ الْإِنْسَانِ. وَكُلُّ مَنْ فَعَلَ فِعْلًا اخْتِيَارِيًّا وَهُوَ يَعْرِفُهُ فَلَا بُدَّ أَنْ يُرِيدَهُ كَاَلَّذِي يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ وَيَلْبَسُ وَهُوَ يَعْرِفُ أَنَّهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ فَلَا بُدَّ أَنْ يُرِيدَهُ. فَالْفِعْلُ الِاخْتِيَارِيُّ يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ بِغَيْرِ إرَادَةٍ. وَإِذَا تَصَوَّرَ الْفِعْلَ الَّذِي يَفْعَلُهُ وَقَدْ فَعَلَهُ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ مُرِيدًا لَهُ وَقَدْ تَصَوَّرَهُ. وَإِذَا كَانَ مُرِيدًا لَهُ وَقَدْ تَصَوَّرَهُ امْتَنَعَ أَنْ لَا يُرِيدَ مَا تَصَوَّرَهُ وَفَعَلَهُ.
(16/341)

فَالْإِنْسَانُ إذَا قَامَ إلَى صَلَاةٍ يَعْلَمُ أَنَّهَا الظُّهْرُ فَمِنْ الْمُمْتَنِعِ أَنْ يُصَلِّيَ الظُّهْرَ وَهُوَ يَعْلَمُ هَذَا لَمْ يَنْسَهُ وَلَا يُرِيدُ صَلَاةَ الظُّهْرِ. وَكَذَلِكَ الصِّيَامُ إذَا تَصَوَّرَ أَنَّ غَدًا مِنْ رَمَضَانَ وَهُوَ مُرِيدٌ لِصَوْمِ رَمَضَانَ امْتَنَعَ أَنْ لَا يَنْوِيَ صَوْمَهُ. وَكَذَلِكَ إذَا أَهَلَّ بِالْحَجِّ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ مُهِلٌّ بِهِ امْتَنَعَ أَنْ لَا يَكُونَ مُرِيدًا لِلْحَجِّ. وَكَذَلِكَ الْوُضُوءُ إذَا عَلِمَ أَنَّهُ يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ امْتَنَعَ أَنْ لَا يَكُونَ مُرِيدًا لِلْوُضُوءِ. وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ نَجِدُ خَلْقًا كَثِيرًا مِنْ الْعُلَمَاءِ دَعْ الْعَامِّيَّةَ يَسْتَدْعُونَ النِّيَّةَ بِأَلْفَاظِ يَقُولُونَهَا وَيَتَكَلَّفُونَ أَلْفَاظًا وَيَشُكُّونَ فِي وُجُودِهَا مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ وَيَخْرُجُونَ إلَى ضَرْبٍ مِنْ الْوَسْوَسَةِ الَّتِي يُشْبِهُ أَصْحَابُهَا الْمَجَانِينَ. وَالنِّيَّةُ هِيَ الْإِرَادَةُ. وَهِيَ الْقَصْدُ وَهِيَ مَوْجُودَةٌ فِي نُفُوسِهِمْ لِوُجُودِهَا فِي نَفْسِ كُلِّ مَنْ يُصَلِّي فِي ذَلِكَ الْمَسْجِدِ وَالْجَامِعِ وَمَنْ تَوَضَّأَ فِي تِلْكَ الْمَطْهَرَةِ. أُولَئِكَ يَعْلَمُونَ هَذَا مِنْ نُفُوسِهِمْ وَلَمْ يَحْصُلْ لَهُمْ وَسْوَاسٌ وَهَؤُلَاءِ ظَنُّوا أَنَّ النِّيَّةَ لَمْ تَكُنْ فِي قُلُوبِهِمْ يَطْلُبُونَ حُصُولَهَا مِنْ قُلُوبِهِمْ.
(16/342)

وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّ التَّلَفُّظَ بِهَا لَيْسَ بِوَاجِبِ وَإِنَّمَا الْفَرْضُ وُجُودُ الْإِرَادَةِ فِي الْقَلْبِ. وَهِيَ مَوْجُودَةٌ وَمَعَ هَذَا يَعْتَقِدُونَ أَنَّهَا لَيْسَتْ مَوْجُودَةً. وَإِذَا قِيلَ لِأَحَدِهِمْ " النِّيَّةُ حَاصِلَةٌ فِي قَلْبِك " لَمْ يَقْبَلْ لِمَا قَامَ بِهِ مِنْ الِاعْتِقَادِ الْفَاسِدِ الْمُنَاقِضِ لِفِطْرَتِهِ. وَكَذَلِكَ حَبُّ اللَّهِ وَرَسُولِهِ مَوْجُودٌ فِي قَلْبِ كُلِّ مُؤْمِنٍ لَا يُمْكِنُهُ دَفْعُ ذَلِكَ مِنْ قَلْبِهِ إذَا كَانَ مُؤْمِنًا. وَتَظْهَرُ عَلَامَاتُ حُبِّهِ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ إذَا أَخَذَ أَحَدٌ يَسُبُّ الرَّسُولَ وَيَطْعَنُ عَلَيْهِ أَوْ يَسُبُّ اللَّهَ وَيَذْكُرُهُ بِمَا لَا يَلِيقُ بِهِ. فَالْمُؤْمِنُ يَغْضَبُ لِذَلِكَ أَعْظَمَ مِمَّا يَغْضَبُ لَوْ سُبَّ أَبُوهُ وَأُمُّهُ. وَمَعَ هَذَا فَكَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ وَالرَّأْيِ أَنْكَرُوا مَحَبَّةَ اللَّهِ وَقَالُوا: يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ مُحِبًّا أَوْ مَحْبُوبًا وَجَعَلُوا هَذَا مِنْ أُصُولِ الدِّينِ وَقَالُوا: خِلَافًا لِلْحُلُولِيَّةِ كَأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ بِأَنَّ اللَّهَ يُحِبُّ إلَّا الْحُلُولِيَّةَ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا دِينُ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ وَالصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَأَهْلِ الْإِيمَانِ أَجْمَعِينَ. وَقَدْ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ كَمَا قَدْ بَسَطْنَاهُ فِي مَوَاضِعَ. فَهَذِهِ الْمَحَبَّةُ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَوْجُودَةٌ فِي قُلُوبِ أَكْثَرِ الْمُنْكِرِينَ لَهَا بَلْ فِي قَلْبِ كُلِّ مُؤْمِنٍ وَإِنْ أَنْكَرَهَا لِشُبْهَةِ عَرَضَتْ لَهُ.
(16/343)

وَهَكَذَا الْمَعْرِفَةُ مَوْجُودَةٌ فِي قُلُوبٍ هَؤُلَاءِ. فَإِنَّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَنْكَرُوا مَحَبَّتَهُ هُمْ الَّذِينَ قَالُوا: مَعْرِفَتُهُ لَا تَحْصُلُ إلَّا بِالنَّظَرِ فَأَنْكَرُوا مَا فِي فِطَرِهِمْ وَقُلُوبِهِمْ مِنْ مَعْرِفَتِهِ وَمَحَبَّتِهِ. ثُمَّ قَدْ يَكُونُ ذَلِكَ الْإِنْكَارُ سَبَبًا إلَى امْتِنَاعِ مَعْرِفَةِ ذَلِكَ فِي نُفُوسِهِمْ وَقَدْ يَزُولُ عَنْ قَلْبِ أَحَدِهِمْ مَا كَانَ فِيهِ مِنْ الْمَعْرِفَةِ وَالْمَحَبَّةِ فَإِنَّ الْفِطْرَةَ قَدْ تَفْسُدُ فَقَدْ تَزُولُ وَقَدْ تَكُونُ مَوْجُودَةً وَلَا تُرَى {فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} . وَقَدْ قَالَ تَعَالَى {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} {مُنِيبِينَ إلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: {كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ وَيُمَجِّسَانِهِ كَمَا تُنْتِجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ} . ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: اقْرَءُوا إنْ شِئْتُمْ {فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} . وَالْفِطْرَةُ تَسْتَلْزِمُ مَعْرِفَةَ اللَّهِ وَمَحَبَّتَهُ وَتَخْصِيصَهُ بِأَنَّهُ أَحَبُّ الْأَشْيَاءِ
(16/344)

إلَى الْعَبْدِ وَهُوَ التَّوْحِيدُ. وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ " لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ " كَمَا جَاءَ مُفَسَّرًا: {كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى هَذِهِ الْمِلَّةِ} وَرُوِيَ {عَلَى مِلَّةِ الْإِسْلَامِ} . وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: {إنِّي خَلَقْت عِبَادِي حُنَفَاءَ فَاجْتَالَتْهُمْ الشَّيَاطِينُ وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْت لَهُمْ وَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يُشْرِكُوا بِي مَا لَمْ أُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا} . فأخبر أَنَّهُ خَلَقَهُمْ حُنَفَاءَ وَذَلِكَ يَتَضَمَّنُ مَعْرِفَةَ الرَّبِّ وَمَحَبَّتَهُ وَتَوْحِيدَهُ. فَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ تَضَمَّنَتْهَا الْحَنِيفِيَّةُ وَهِيَ مَعْنَى قَوْلِ " لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ". فَإِنَّ فِي هَذِهِ الْكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ الَّتِي هِيَ {كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ} فِيهَا إثْبَاتُ مَعْرِفَتِهِ وَالْإِقْرَارِ بِهِ. وَفِيهَا إثْبَاتُ مَحَبَّتِهِ فَإِنَّ الْإِلَهَ هُوَ الْمَأْلُوهُ الَّذِي يَسْتَحِقُّ أَنْ يَكُونَ مَأْلُوهًا؛ وَهَذَا أَعْظَمُ مَا يَكُونُ مِنْ الْمَحَبَّةِ. وَفِيهَا أَنَّهُ لَا إلَهَ إلَّا هُوَ. فَفِيهَا الْمَعْرِفَةُ وَالْمَحَبَّةُ وَالتَّوْحِيدُ. وَكُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ وَهِيَ الْحَنِيفِيَّةُ الَّتِي خَلَقَهُمْ عَلَيْهَا. وَلَكِنَّ أَبَوَاهُ يُفْسِدَانِ ذَلِكَ فَيُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ وَيُمَجِّسَانِهِ وَيُشْرِكَانِهِ.
(16/345)

كَذَلِكَ يُجَهِّمَانِهِ فَيَجْعَلَانِهِ مُنْكِرًا لِمَا فِي قَلْبِهِ مِنْ مَعْرِفَةِ الرَّبِّ وَمَحَبَّتِهِ وَتَوْحِيدِهِ. ثُمَّ الْمَعْرِفَةُ يَطْلُبُهَا بِالدَّلِيلِ وَالْمَحَبَّةُ يُنْكِرُهَا بِالْكُلِّيَّةِ. وَالتَّوْحِيدُ الْمُتَضَمِّنُ لِلْمَحَبَّةِ يُنْكِرُهُ مَنْ لَا يَعْرِفُهُ وَإِنَّمَا ثَبَتَ تَوْحِيدُ الْخَلْقِ وَالْمُشْرِكُونَ كَانُوا يُقِرُّونَ بِهَذَا التَّوْحِيدِ وَهَذَا الشِّرْكُ. فَهُمَا يُشْرِكَانِهِ وَيُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ وَيُمَجِّسَانِهِ. وَقَدْ بُسِطَ الْكَلَامُ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ وَأَقْوَالُ النَّاسِ فِيهِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ. وَأَيْضًا مِمَّا يُبَيِّنُ أَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَخْفَى عَلَيْهِ كَثِيرٌ مِنْ أَحْوَالِ نَفْسِهِ فَلَا يَشْعُرُ بِهَا أَنَّ كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ يَكُونُ فِي نَفْسِهِ حُبُّ الرِّيَاسَةِ كَامِنٌ لَا يَشْعُرُ بِهِ بَلْ إنَّهُ مُخْلِصٌ فِي عِبَادَتِهِ وَقَدْ خَفِيَتْ عَلَيْهِ عُيُوبُهُ. وَكَلَامُ النَّاسِ فِي هَذَا كَثِيرٌ مَشْهُورٌ. وَلِهَذَا سُمِّيَتْ هَذِهِ " الشَّهْوَةُ الْخَفِيَّةُ ". قَالَ شَدَّادُ بْنُ أَوْسٍ: يَا بَقَايَا الْعَرَبِ إنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ الرِّيَاءُ وَالشَّهْوَةُ الْخَفِيَّةُ. قِيلَ لِأَبِي دَاوُد السجستاني: مَا الشَّهْوَةُ الْخَفِيَّةُ؟ قَالَ: حُبُّ الرِّيَاسَةِ. فَهِيَ خَفِيَّةٌ تَخْفَى عَلَى النَّاسِ وَكَثِيرًا مَا تَخْفَى عَلَى صَاحِبِهَا. بَلْ كَذَلِكَ حُبُّ الْمَالِ وَالصُّورَةِ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يُحِبُّ ذَلِكَ وَلَا يَدْرِي. بَلْ نَفْسُهُ سَاكِنَةٌ مَا دَامَ ذَلِكَ مَوْجُودًا فَإِذَا فَقَدَهُ ظَهَرَ مِنْ
(16/346)

جَزَعِ نَفْسِهِ وَتَلَفِهَا مَا دَلَّ عَلَى الْمَحَبَّةِ الْمُتَقَدِّمَةِ. وَالْحُبُّ مُسْتَلْزِمٌ لِلشُّعُورِ فَهَذَا شُعُورٌ مِنْ النَّفْسِ بِأُمُورِ وَجَبَ لَهَا. وَالْإِنْسَانُ قَدْ يَخْفَى ذَلِكَ عَلَيْهِ مِنْ نَفْسِهِ لَا سِيَّمَا وَالشَّيْطَانُ يُغَطِّي عَلَى الْإِنْسَانِ أُمُورًا. وَذُنُوبُهُ أَيْضًا تَبْقَى رَيْنًا عَلَى قَلْبِهِ قَالَ تَعَالَى {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} {كَلَّا إنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ} . وَفِي التِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِ عَنْ الْقَعْقَاعِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: {إذَا أَذْنَبَ الْعَبْدُ نُكِتَتْ فِي قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ. فَإِنْ تَابَ وَنَزَعَ وَاسْتَغْفَرَ صُقِلَ قَلْبُهُ وَإِنْ زَادَ زِيدَ فِيهَا حَتَّى تَعْلُوَ قَلْبَهُ. فَذَلِكَ الران الَّذِي قَالَ اللَّهُ {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} } . قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى {وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ} . وَقَالَ {إنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ} . فَالْمُتَّقُونَ إذَا أَصَابَهُمْ هَذَا الطَّيْفُ الَّذِي يَطِيفُ بِقُلُوبِهِمْ يَتَذَكَّرُونَ مَا عَلِمُوهُ قَبْلَ ذَلِكَ فَيَزُولُ الطَّيْفُ وَيُبْصِرُونَ الْحَقَّ الَّذِي كَانَ مَعْلُومًا وَلَكِنَّ الطَّيْفَ يَمْنَعُهُمْ عَنْ رُؤْيَتِهِ. قَالَ تَعَالَى {وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ} . فَإِخْوَانُ
(16/347)

الشَّيَاطِينِ تَمُدُّهُمْ الشَّيَاطِينُ فِي غَيِّهِمْ " {ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ} لَا تَقْصُرُ الشَّيَاطِينُ عَنْ الْمَدَدِ وَالْإِمْدَادِ وَلَا الْإِنْسُ عَنْ الْغَيِّ. فَلَا يُبْصِرُونَ مَعَ ذَلِكَ الْغَيِّ مَا هُوَ مَعْلُومٌ لَهُمْ مُسْتَقِرٌّ فِي فِطَرِهِمْ لَكِنَّهُمْ يَنْسَوْنَهُ. وَلِهَذَا كَانَتْ الرُّسُلُ إنَّمَا تَأْتِي بِتَذْكِيرِ الْفِطْرَةِ مَا هُوَ مَعْلُومٌ لَهَا وَتَقْوِيَتِهِ وَإِمْدَادِهِ وَنَفْيِ الْمُغَيِّرِ لِلْفِطْرَةِ. فَالرُّسُلُ بُعِثُوا بِتَقْرِيرِ الْفِطْرَةِ وَتَكْمِيلِهَا لَا بِتَغْيِيرِ الْفِطْرَةِ وَتَحْوِيلِهَا. وَالْكَمَالُ يَحْصُلُ بِالْفِطْرَةِ الْمُكَمَّلَةِ بِالشِّرْعَةِ الْمُنَزَّلَةِ.
فَصْلٌ:
وَهَذَا النِّسْيَانُ نِسْيَانُ الْإِنْسَانِ لِنَفْسِهِ وَلِمَا فِي نَفْسِهِ حَصَلَ بِنِسْيَانِهِ لِرَبِّهِ وَلِمَا أَنْزَلَهُ. قَالَ تَعَالَى {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} . وَقَالَ تَعَالَى فِي حَقِّ الْمُنَافِقِينَ {نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ} . وَقَالَ {كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى} . وَقَوْلُهُ {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ} يَقْتَضِي أَنَّ نِسْيَانَ اللَّهِ كَانَ سَبَبًا لِنِسْيَانِهِمْ أَنْفُسَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَمَّا نَسُوا اللَّهَ عَاقَبَهُمْ بِأَنْ أَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ.
(16/348)

وَنِسْيَانُهُمْ أَنْفُسَهُمْ يَتَضَمَّنُ إعْرَاضَهُمْ وَغَفْلَتَهُمْ وَعَدَمَ مَعْرِفَتِهِمْ بِمَا كَانُوا عَارِفِينَ بِهِ قَبْلَ ذَلِكَ مِنْ حَالِ أَنْفُسِهِمْ كَمَا أَنَّهُ يَقْتَضِي تَرْكَهُمْ لِمَصَالِحَ أَنْفُسِهِمْ. فَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّهُمْ لَا يَذْكُرُونَ أَنْفُسَهُمْ ذِكْرًا يَنْفَعُهَا وَيُصْلِحُهَا وَأَنَّهُمْ لَوْ ذَكَرُوا اللَّهَ لَذَكَرُوا أَنْفُسَهُمْ. وَهَذَا عَكْسُ مَا يُقَالُ " مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ عَرَفَ رَبَّهُ ". وَبَعْضُ النَّاسِ يَرْوِي هَذَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَيْسَ هَذَا مِنْ كَلَامِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا هُوَ فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِ الْحَدِيثِ وَلَا يُعْرَفُ لَهُ إسْنَادٌ. وَلَكِنْ يُرْوَى فِي بَعْضِ الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ إنْ صَحَّ " يَا إنْسَانُ اعْرَفْ نَفْسَك تَعْرِفْ رَبَّك ". وَهَذَا الْكَلَامُ سَوَاءٌ كَانَ مَعْنَاهُ صَحِيحًا أَوْ فَاسِدًا لَا يُمْكِنُ الِاحْتِجَاجُ بِلَفْظِهِ فَإِنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عَنْ قَائِلٍ مَعْصُومٍ. لَكِنْ إنْ فُسِّرَ بِمَعْنَى صَحِيحٍ عُرِفَ صِحَّةَ ذَلِكَ الْمَعْنَى سَوَاءٌ دَلَّ عَلَيْهِ هَذَا اللَّفْظُ أَوْ لَمْ يَدُلَّ. وَإِنَّمَا الْقَوْلُ الثَّابِتُ مَا فِي الْقُرْآنِ وَهُوَ قَوْلُهُ {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ} . فَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ نِسْيَانَ الرَّبِّ مُوجِبٌ لِنِسْيَانِ النَّفْسِ. وَحِينَئِذٍ فَمَنْ ذَكَرَ اللَّهَ وَلَمْ يَنْسَهُ يَكُونُ ذَاكِرًا لِنَفْسِهِ فَإِنَّهُ لَوْ
(16/349)

كَانَ نَاسِيًا لَهَا سَوَاءٌ ذَكَرَ اللَّهَ أَوْ نَسِيَهُ لَمْ يَكُنْ نِسْيَانُهَا مُسَبَّبًا عَنْ نِسْيَانِ الرَّبِّ. فَلَمَّا دَلَّتْ الْآيَةُ عَلَى أَنَّ نِسْيَانَ الْإِنْسَانِ نَفْسَهُ مُسَبَّبٌ عَنْ نِسْيَانِهِ لِرَبِّهِ دَلَّ عَلَى أَنَّ الذَّاكِرَ لِرَبِّهِ لَا يَحْصُلُ لَهُ هَذَا النِّسْيَانُ لِنَفْسِهِ. وَالذِّكْرُ يَتَضَمَّنُ ذِكْرَ مَا قَدْ عَلِمَهُ. فَمَنْ ذَكَرَ مَا يَعْلَمُهُ مِنْ رَبِّهِ ذَكَرَ مَا يَعْلَمُهُ مِنْ نَفْسِهِ. وَهُوَ قَدْ وُلِدَ عَلَى الْفِطْرَةِ الَّتِي تَقْتَضِي أَنَّهُ يَعْرِفُ رَبَّهُ وَيُحِبُّهُ وَيُوَحِّدُهُ. فَإِذَا لَمْ يُنْسَ رَبَّهُ الَّذِي عَرَفَهُ بَلْ ذَكَرَهُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَقْتَضِي مَحَبَّتَهُ وَمَعْرِفَتَهُ وَتَوْحِيدَهُ ذَكَرَ نَفْسَهُ فَأَبْصَرَ مَا كَانَ فِيهَا قَبْلُ مِنْ مَعْرِفَةِ اللَّهِ وَمَحَبَّتِهِ وَتَوْحِيدِهِ. وَأَهْلُ الْبِدَعِ الْجَهْمِيَّة وَنَحْوُهُمْ لَمَّا أَعْرَضُوا عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ الذِّكْرَ الْمَشْرُوعَ الَّذِي كَانَ فِي الْفِطْرَةِ وَجَاءَتْ بِهِ الشِّرْعَةُ الَّذِي يَتَضَمَّنُ مَعْرِفَتَهُ وَمَحَبَّتَهُ وَتَوْحِيدَهُ نَسُوا اللَّهَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ فَنَسُوا مَا كَانَ فِي أَنْفُسِهِمْ مِنْ الْعِلْم الْفِطْرِيِّ وَالْمَحَبَّةِ الْفِطْرِيَّةِ وَالتَّوْحِيدِ الْفِطْرِيِّ. وَقَدْ قَالَ طَائِفَةٌ مِنْ الْمُفَسِّرِينَ: {نَسُوا اللَّهَ} أَيْ تَرَكُوا أَمْرَ اللَّهِ {فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ} أَيْ حُظُوظَ أَنْفُسِهِمْ حَيْثُ لَمْ يُقَدِّمُوا لَهَا خَيْرًا هَذَا لَفْظُ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ البغوي. وَلَفْظُ آخَرِينَ مِنْهُمْ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: حِينَ لَمْ يَعْمَلُوا بِطَاعَتِهِ. وَكِلَاهُمَا قَالَ: {نَسُوا اللَّهَ} أَيْ تَرَكُوا أَمْرَ اللَّهِ.
(16/350)

وَمِثْلُ هَذَا التَّفْسِيرِ يَقَعُ كَثِيرًا فِي كَلَامِ مَنْ يَأْتِي بِمُجْمَلِ مِنْ الْقَوْلِ يُبَيِّنُ مَعْنًى دَلَّتْ عَلَيْهِ الْآيَةُ وَلَا يُفَسِّرُهَا بِمَا يَسْتَحِقُّهُ مِنْ التَّفْسِيرِ. فَإِنَّ قَوْلَهُمْ " تَرَكُوا أَمْرَ اللَّهِ ". هُوَ تَرْكُهُمْ لِلْعَمَلِ بِطَاعَتِهِ فَصَارَ الْأَوَّلُ هُوَ الثَّانِي. وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ قَالَ {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ} . فَهُنَا شَيْئَانِ: نِسْيَانُهُمْ لِلَّهِ ثُمَّ نِسْيَانُهُمْ لِأَنْفُسِهِمْ الَّذِي عُوقِبُوا بِهِ. فَإِنْ قِيلَ: هَذَا الثَّانِي هُوَ الْأَوَّلُ لَكِنَّهُ تَفْصِيلٌ مُجْمَلٌ كَقَوْلِهِ {وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ} وَهَذَا هُوَ هَذَا؛ قِيلَ: هُوَ لَمْ يَقُلْ " نَسُوا اللَّهَ فَنَسُوا حَظَّ أَنْفُسِهِمْ " حَتَّى يُقَالَ: هَذَا هُوَ هَذَا بَلْ قَالَ {نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ} فَثَمَّ إنْسَاءٌ مِنْهُ لَهُمْ أَنْفُسَهُمْ وَلَوْ كَانَ هَذَا هُوَ الْأَوَّلُ لَكَانَ قَدْ ذَكَرَ مَا يَعْذُرُهُمْ بِهِ لَا مَا يُعَاقِبُهُمْ بِهِ. فَلَوْ كَانَ الثَّانِي هُوَ الْأَوَّلُ لَكَانَ: {نَسُوا اللَّهَ} أَيْ تَرَكُوا الْعَمَلَ بِطَاعَتِهِ فَهُوَ الَّذِي أَنْسَاهُمْ ذَلِكَ. وَمَعْلُومٌ فَسَادُ هَذَا الْكَلَامِ لَفْظًا وَمَعْنًى. وَلَوْ قِيلَ: {نَسُوا اللَّهَ} أَيْ نَسُوا أَمْرَهُ {فَأَنْسَاهُمْ} الْعَمَلَ بِطَاعَتِهِ أَيْ تَذَكُّرَهَا لَكَانَ أَقْرَبَ وَيَكُونُ النِّسْيَانُ الْأَوَّلُ عَلَى بَابِهِ. فَإِنَّ مَنْ نَسِيَ نَفْسَ أَمْرِ اللَّهِ لَمْ يُطِعْهُ.
(16/351)

وَلَكِنَّ هُمْ فَسَّرُوا نِسْيَانَ اللَّهِ بِتَرْكِ أَمْرِهِ. وَأَمْرُهُ الَّذِي هُوَ كَلَامُهُ لَيْسَ مَقْدُورًا لَهُمْ حَتَّى يَتْرُكُوهُ إنَّمَا يَتْرُكُونَ الْعَمَلَ بِهِ فَالْأَمْرُ بِمَعْنَى الْمَأْمُورِ بِهِ. إلَّا أَنْ يُقَالَ: مُرَادُهُمْ بِتَرْكِ أَمْرِهِ هُوَ تَرْكُ الْإِيمَانِ بِهِ. فَلَمَّا تَرَكُوا الْإِيمَانَ أَعْقَبَهُمْ بِتَرْكِ الْعَمَلِ. وَهَذَا أَيْضًا ضَعِيفٌ فَإِنَّ الْإِيمَانَ الَّذِي تَرَكُوهُ إنْ كَانَ هُوَ تَرْكُ التَّصْدِيقِ فَقَطْ فَكَفَى بِهَذَا كُفْرًا وَذَنْبًا. فَلَا تُجْعَلُ الْعُقُوبَةُ تَرْكَ الْعَمَلِ بِهِ بَلْ هَذَا أَشَدُّ. وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِتَرْكِ الْإِيمَانِ تَرْكَ الْإِيمَانِ تَصْدِيقًا وَعَمَلًا فَهَذَا هُوَ تَرْكُ الطَّاعَةِ كَمَا تَقَدَّمَ. وَهَؤُلَاءِ أَتَوْا مِنْ حَيْثُ أَرَادُوا أَنْ يُفَسِّرُوا نِسْيَانَ الْعَبْدِ بِمَا قِيلَ فِي نِسْيَانِ الرَّبِّ وَذَاكَ قَدْ فُسِّرَ بِالتَّرْكِ. فَفَسَّرُوا هَذَا بِالتَّرْكِ. وَهَذَا لَيْسَ بِجَيِّدِ فَإِنَّ النِّسْيَانَ الْمُنَاقِضَ لِلذِّكْرِ جَائِزٌ عَلَى الْعَبْدِ بِلَا رَيْبٍ. وَالْإِنْسَانُ يُعْرِضُ عَمَّا أُمِرَ بِهِ حَتَّى يَنْسَاهُ فَلَا يَذْكُرُهُ. فَلَا يَحْتَاجُ أَنْ يَجْعَلَ نِسْيَانَهُ تَرْكًا مَعَ اسْتِحْضَارٍ وَعِلْمٍ. وَأَمَّا الرَّبُّ تَعَالَى فَلَا يَجُوزُ عَلَيْهِ مَا يُنَاقِضُ صِفَاتِ كَمَالِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. وَفِي تَفْسِيرِ نِسْيَانِهِ الْكُفَّارَ بِمُجَرَّدِ التَّرْكِ نَظَرٌ. ثُمَّ هَذَا قِيلَ فِي قَوْله تَعَالَى {كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا}
(16/352)

أَيْ تَرَكْت الْعَمَلَ بِهَا. وَهُنَا قَالَ {نَسُوا اللَّهَ} وَلَا يُقَالُ فِي حَقِّ اللَّهِ " تَرَكُوهُ ".
فَصْلٌ:
قَوْلُهُ {الَّذِي خَلَقَ} {خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ} بَيَانٌ لِتَعْرِيفِهِ بِمَا قَدْ عُرِفَ مِنْ الْخَلْقِ عُمُومًا وَخَلْقِ الْإِنْسَانِ خُصُوصًا وَإِنَّ هَذَا مِمَّا تَعْرِفُ بِهِ الْفِطْرَةُ كَمَا تَقَدَّمَ. ثُمَّ إذَا عَرَفَ أَنَّهُ الْخَالِقُ فَمِنْ الْمَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أَنَّ الْخَالِقَ لَا يَكُونُ إلَّا قَادِرًا. بَلْ كُلُّ فِعْلٍ يَفْعَلُهُ فَاعِلٌ لَا يَكُونُ إلَّا بِقُوَّةِ وَقُدْرَةٍ حَتَّى أَفْعَالُ الْجَمَادَاتِ. كَهُبُوطِ الْحَجَرِ وَالْمَاءِ وَحَرَكَةِ النَّارِ هُوَ بِقُوَّةِ فِيهَا. وَكَذَلِكَ حَرَكَةُ النَّبَاتِ هِيَ بِقُوَّةِ فِيهِ. وَكَذَلِكَ فِعْلُ كُلِّ حَيٍّ مِنْ الدَّوَابِّ وَغَيْرِهَا هُوَ بِقُوَّةِ فِيهَا. وَكَذَلِكَ الْإِنْسَانُ وَغَيْرُهُ. وَالْخَلْقُ أَعْظَمُ الْأَفْعَالِ فَإِنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلَّا اللَّهُ. فَالْقُدْرَةُ عَلَيْهِ أَعْظَمُ مِنْ كُلِّ قُدْرَةٍ وَلَيْسَ لَهَا نَظِيرٌ مِنْ قَدْرِ الْمَخْلُوقِينَ. وَأَيْضًا فَالتَّعْلِيمُ بِالْقَلَمِ يَسْتَلْزِمُ الْقُدْرَةَ. فَكُلٌّ مِنْ الْخَلْقِ وَالتَّعْلِيمِ يَسْتَلْزِمُ الْقُدْرَةَ.
(16/353)

وَكَذَلِكَ كَلٌّ مِنْهُمَا يَسْتَلْزِمُ الْعِلْمَ. فَإِنَّ الْمُعَلِّمَ لِغَيْرِهِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ هُوَ عَالِمًا بِمَا عَلَّمَهُ إيَّاهُ وَإِلَّا فَمِنْ الْمُمْتَنِعُ أَنْ يُعَلِّمَ غَيْرَهُ مَا لَا يَعْلَمُهُ هُوَ. فَمَنْ عَلَّمَ كُلَّ شَيْءٍ الْإِنْسَانَ وَغَيْرَهُ مَا لَمْ يَعْلَمْ أَوْلَى أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِمَا عَلَّمَهُ. وَالْخُلُق أَيْضًا يَسْتَلْزِمُ الْعِلْمَ كَمَا قَالَ تَعَالَى {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} . وَذَلِكَ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْخَلْقَ يَسْتَلْزِمُ الْإِرَادَةَ. فَإِنَّ فِعْلَ الشَّيْءِ عَلَى صِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ وَمِقْدَارٍ مَخْصُوصٍ دُونَ مَا هُوَ خِلَافُ ذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا بِإِرَادَةِ تُخَصِّصُ هَذَا عَنْ ذَاكَ. وَالْإِرَادَةُ تَسْتَلْزِمُ الْعِلْمَ. فَلَا يُرِيدُ الْمُرِيدُ إلَّا مَا شَعَرَ بِهِ وَتَصَوَّرَ فِي نَفْسِهِ وَالْإِرَادَةُ بِدُونِ الشُّعُورِ مُمْتَنِعَةٌ. وَأَيْضًا فَنَفْسُ الْخَلْقِ خَلْقُ الْإِنْسَانِ هُوَ فِعْلٌ لِهَذَا الْإِنْسَانِ الَّذِي هُوَ مِنْ عَجَائِبِ الْمَخْلُوقَاتِ. وَفِيهِ مِنْ الْإِحْكَامِ وَالْإِتْقَانِ مَا قَدْ بَهَرَ الْعُقُولَ. وَالْفِعْلُ الْمُحْكَمُ الْمُتْقَنُ لَا يَكُونُ إلَّا مِنْ عَالِمٍ بِمَا فَعَلَ. وَهَذَا مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ. فَالْخَلْقُ يَدُلُّ عَلَى الْعِلْمِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَمِنْ هَذَا الْوَجْهِ. وَقَدْ قَالَ فِي سُورَةِ الْمُلْكِ {وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} . وَهُوَ بَيَانُ مَا فِي الْمَخْلُوقَاتِ مِنْ لُطْفِ الْحِكْمَةِ الَّتِي تَتَضَمَّنُ إيصَالَ الْأُمُورِ إلَى غَايَاتِهَا بِأَلْطَفِ الْوُجُوهِ كَمَا قَالَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلَامُ {إنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا
(16/354)

يَشَاءُ} . وَهَذَا يَسْتَلْزِمُ الْعِلْمَ بِالْغَايَةِ الْمَقْصُودَةِ وَالْعِلْمَ بِالطَّرِيقِ الْمُوَصِّلِ. وَكَذَلِكَ الْخِبْرَةُ. وَبَسْطُ هَذَا يَطُولُ إذْ الْمَقْصُودُ هُنَا التَّنْبِيهُ عَلَى مَا فِي الْآيَاتِ الَّتِي هِيَ أَوَّلُ مَا أَنْزَلَ. ثُمَّ إذَا ثَبَتَ أَنَّهُ قَادِرٌ عَالِمٌ فَذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ كَوْنَهُ حَيًّا. وَكَذَلِكَ الْإِرَادَةُ تَسْتَلْزِمُ الْحَيَاةَ. وَالْحَيُّ إذَا لَمْ يَكُنْ سَمِيعًا بَصِيرًا مُتَكَلِّمًا كَانَ مُتَّصِفًا بِضِدِّ ذَلِكَ مِنْ الْعَمَى وَالصَّمَمِ وَالْخَرَسِ وَهَذَا مُمْتَنِعٌ فِي حَقِّ الرَّبِّ تَعَالَى. فَيَجِبُ أَنْ يَتَّصِفَ بِكَوْنِهِ سَمِيعًا بَصِيرًا مُتَكَلِّمًا. وَالْإِرَادَةُ إمَّا أَنْ تَكُونَ لِغَايَةِ حَكِيمَةٍ أَوْ لَا. فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لِغَايَةِ حَكِيمَةٍ كَانَتْ سَفَهًا وَهُوَ مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ حَكِيمًا. وَهُوَ إمَّا أَنْ يَقْصِدَ نَفْعَ الْخَلْقِ وَالْإِحْسَانَ إلَيْهِمْ أَوْ يَقْصِدَ مُجَرَّدَ ضَرَرِهِمْ وَتَعْذِيبِهِمْ أَوْ لَا يَقْصِدَ وَاحِدًا مِنْهُمَا بَلْ يُرِيدُ مَا يُرِيدُ سَوَاءٌ كَانَ كَذَا وَكَذَا. وَالثَّانِي شِرِّيرٌ ظَالِمٌ يَتَنَزَّهُ الرَّبُّ عَنْهُ وَالثَّالِثُ سَفِيهٌ عَابِثٌ. فَتَعَيَّنَ أَنَّهُ تَعَالَى رَحِيمٌ كَمَا أَنَّهُ حَكِيمٌ كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي مَوَاضِعَ.
(16/355)

فَصْلٌ:
إثْبَاتُ صِفَاتِ الْكَمَالِ لَهُ طُرُقٌ. أَحَدُهَا مَا نَبَّهْنَا عَلَيْهِ مِنْ أَنَّ الْفِعْلَ مُسْتَلْزِمٌ لِلْقُدْرَةِ وَلِغَيْرِهَا. فَمِنْ النُّظَّارِ مَنْ يُثْبِتُ أَوَّلًا الْقُدْرَةَ وَمِنْهُمْ مَنْ يُثْبِتُ أَوَّلًا الْعِلْمَ وَمِنْهُمْ مَنْ يُثْبِتُ أَوَّلًا الْإِرَادَةَ. وَهَذِهِ طُرُقٌ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ. وَهَذِهِ يُسْتَدَلُّ عَلَيْهَا بِجِنْسِ الْفِعْلِ وَهِيَ طَرِيقَةُ مَنْ لَا يُمَيِّزُ بَيْنَ مَفْعُولٍ وَمَفْعُولٍ كَجَهْمِ بْنِ صَفْوَان وَمَنْ اتَّبَعَهُ. وَهَؤُلَاءِ لَا يُثْبِتُونَ حِكْمَةً وَلَا رَحْمَةً إذْ كَانَ جِنْسُ الْفِعْلِ لَا يَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ. لَكِنْ هُمْ أَثْبَتُوا بِالْفِعْلِ الْمُحْكَمِ الْمُتْقَنِ الْعِلْمَ. وَكَذَلِكَ تَثْبُتُ بِالْفِعْلِ النَّافِعِ الرَّحْمَةُ وَبِالْغَايَاتِ الْمَحْمُودَةِ الْحِكْمَةُ. وَلَكِنَّ هُمْ مُتَنَاقِضُونَ فِي الِاسْتِدْلَالِ بِالْإِحْكَامِ وَالْإِتْقَانِ عَلَى الْعِلْمِ إذْ كَانَ ذَلِكَ إنَّمَا يَدُلُّ إذَا كَانَ فَاعِلًا لِغَايَةِ يَقْصِدُهَا. وَهُمْ يَقُولُونَ إنَّهُ يَفْعَلُ لَا لِحِكْمَةِ ثُمَّ يَسْتَدِلُّونَ بِالْإِحْكَامِ عَلَى الْعِلْمِ وَهُوَ تَنَاقُضٌ. كَمَا تَنَاقَضُوا فِي الْمُعْجِزَاتِ حَيْثُ جَعَلُوهَا دَالَّةً عَلَى صِدْقِ النَّبِيِّ إمَّا
(16/356)

لِلْعِلْمِ الضَّرُورِيِّ بِذَلِكَ؛ وَإِمَّا لِكَوْنِهِ لَوْ لَمْ تَدُلَّ لَزِمَ الْعَجْزُ. وَهِيَ إنَّمَا تَدُلُّ إذَا كَانَ الْفَاعِلُ يَقْصِدُ إظْهَارَهَا لِيَدُلَّ بِهَا عَلَى صِدْقِ الْأَنْبِيَاءِ. فَإِذَا قَالُوا إنَّهُ لَا يَفْعَلُ شَيْئًا لِشَيْءِ تَنَاقَضُوا.
وَأَمَّا الطَّرِيقُ الْأُخْرَى فِي إثْبَاتِ الصِّفَاتِ وَهِيَ: الِاسْتِدْلَالُ بِالْأَثَرِ عَلَى الْمُؤَثِّرِ وَأَنَّ مَنْ فَعَلَ الْكَامِلَ فَهُوَ أَحَقُّ بِالْكَمَالِ. وَالثَّالِثَةُ طَرِيقَةُ قِيَاسِ الْأَوْلَى وَهِيَ التَّرْجِيحُ وَالتَّفْضِيلُ وَهُوَ أَنَّ الْكَمَالَ إذَا ثَبَتَ لِلْمُحْدِثِ الْمُمْكِنِ الْمَخْلُوقِ فَهُوَ لِلْوَاجِبِ الْقَدِيمِ الْخَالِقِ أَوْلَى. وَالْقُرْآنُ يَسْتَدِلُّ بِهَذِهِ وَهَذِهِ وَهَذِهِ. فَالِاسْتِدْلَالُ بِالْأَثَرِ عَلَى الْمُؤَثِّرِ أَكْمَلُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى {وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً} قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً.} وَهَكَذَا كُلُّ مَا فِي الْمَخْلُوقَاتِ مِنْ قُوَّةٍ وَشِدَّةٍ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ أَقْوَى وَأَشَدُّ وَمَا فِيهَا مِنْ عِلْمٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ أَعْلَمُ وَمَا فِيهَا مِنْ عِلْمٍ وَحَيَاةٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ أَوْلَى بِالْعِلْمِ وَالْحَيَاةِ.
(16/357)

وَهَذِهِ طَرِيقَةٌ يُقِرُّ بِهَا عَامَّةُ الْعُقَلَاءِ حَتَّى الْفَلَاسِفَةُ يَقُولُونَ: كُلُّ كَمَالٍ فِي الْمَعْلُولِ فَهُوَ مِنْ الْعِلَّةِ. وَأَمَّا الِاسْتِدْلَالُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى فَكَقَوْلِهِ {وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى} وَمِثْلِ قَوْلِهِ: {ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ} وَأَمْثَالُ ذَلِكَ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ كُلَّ كَمَالٍ لَا نَقْصَ فِيهِ يَثْبُتُ لِلْمُحْدِثِ الْمَخْلُوقِ الْمُمْكِنِ فَهُوَ لِلْقَدِيمِ الْوَاجِبِ الْخَالِقِ أَوْلَى مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ أَحَقُّ بِالْكَمَالِ لِأَنَّهُ أَفْضَلُ. وَذَاكَ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ هُوَ جَعَلَهُ كَامِلًا وَأَعْطَاهُ تِلْكَ الصِّفَاتِ.
وَاسْمُهُ " الْعَلِيُّ " يُفَسَّرُ بِهَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ يُفَسَّرُ بِأَنَّهُ أَعْلَى مِنْ غَيْرِهِ قَدْرًا فَهُوَ أَحَقُّ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ؛ وَيُفَسَّرُ بِأَنَّهُ الْعَالِي عَلَيْهِمْ بِالْقَهْرِ وَالْغَلَبَةِ فَيَعُودُ إلَى أَنَّهُ الْقَادِرُ عَلَيْهِمْ وَهُمْ الْمَقْدُورُونَ. وَهَذَا يَتَضَمَّنُ كَوْنَهُ خَالِقًا لَهُمْ وَرَبًّا لَهُمْ. وَكِلَاهُمَا يَتَضَمَّنُ أَنَّهُ نَفْسَهُ فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ فَلَا شَيْءَ فَوْقَهُ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {أَنْتَ الْأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَك شَيْءٌ وَأَنْتَ الْآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَك شَيْءٌ. وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَك شَيْءٌ وَأَنْتَ الْبَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَك شَيْءٌ}
(16/358)

فَلَا يَكُونُ شَيْءٌ قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ وَلَا فَوْقَهُ وَلَا دُونَهُ كَمَا أَخْبَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَثْنَى بِهِ عَلَى رَبِّهِ. وَإِلَّا فَلَوْ قَدَّرَ أَنَّهُ تَحْتَ بَعْضِ الْمَخْلُوقَاتِ كَانَ ذَلِكَ نَقْصًا وَكَانَ ذَلِكَ أَعْلَى مِنْهُ. وَإِنْ قِيلَ: إنَّهُ لَا دَاخِلَ الْعَالَمِ وَلَا خَارِجَهُ كَانَ ذَلِكَ تَعْطِيلًا لَهُ فَهُوَ مُنَزَّهٌ عَنْ هَذَا. وَهَذَا هُوَ الْعَلِيُّ الْأَعْلَى مَعَ أَنَّ لَفْظَ " الْعَلِيِّ " و " الْعُلُوِّ " لَمْ يُسْتَعْمَلْ فِي الْقُرْآنِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ إلَّا فِي هَذَا وَهُوَ مُسْتَلْزِمٌ لِذَيْنِك لَمْ يُسْتَعْمَلْ فِي مُجَرَّدِ الْقُدْرَةِ وَلَا فِي مُجَرَّدِ الْفَضِيلَةِ. وَلَفْظُ " الْعُلُوِّ " يَتَضَمَّنُ الِاسْتِعْلَاءَ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنْ الْأَفْعَالِ إذَا عُدِّيَ بِحَرْفِ الِاسْتِعْلَاءِ دَلَّ عَلَى الْعُلُوِّ كَقَوْلِهِ {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} فَهُوَ يَدُلُّ عَلَى عُلُوِّهِ عَلَى الْعَرْشِ. وَالسَّلَفُ فَسَّرُوا " الِاسْتِوَاءَ " بِمَا يَتَضَمَّنُ الِارْتِفَاعَ فَوْقَ الْعَرْشِ كَمَا ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ فِي قَوْلِهِ {ثُمَّ اسْتَوَى} قَالَ: ارْتَفَعَ. وَكَذَلِكَ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَغَيْرُهُ بِأَسَانِيدِهِمْ رَوَاهُ مِنْ حَدِيثِ آدَمَ بْنِ أَبِي إيَاسٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عَنْ أَبِي الرَّبِيعِ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ: {ثُمَّ اسْتَوَى} قَالَ: ارْتَفَعَ.
(16/359)

وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: وَقَالَ مُجَاهِدٌ فِي قَوْلِهِ {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} عَلَا عَلَى الْعَرْشِ. وَلَكِنْ يُقَالُ: " عَلَا عَلَى كَذَا " و " عَلَا عَنْ كَذَا " وَهَذَا الثَّانِي جَاءَ فِي الْقُرْآنِ فِي مَوَاضِعَ لَكِنْ بِلَفْظِ " تَعَالَى " كَقَوْلِهِ {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا} {عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} وَبَسْطُ هَذَا لَهُ مَوْضِعٌ آخَرُ. وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مَنْ ذَكَرَ أَنَّهُ خَلَقَ وَأَنَّهُ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ يَدُلُّ عَلَى هَاتَيْنِ الطَّرِيقَتَيْنِ مِنْ إثْبَاتِ الصِّفَاتِ كَمَا دَلَّنَا عَلَى الطَّرِيقَةِ الْأُولَى طَرِيقَةِ الِاسْتِدْلَالِ بِالْفِعْلِ. فَإِنَّ قَوْلَهُ {الْأَكْرَمُ} يَقْتَضِي أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهِ فِي الْكَرَمِ وَالْكَرَمُ اسْمٌ جَامِعٌ لِجَمِيعِ الْمَحَاسِنِ. فَيَقْتَضِي أَنَّهُ أَحَقُّ بِجَمِيعِ الْمَحَامِدِ وَالْمَحَامِدِ هِيَ صِفَاتُ الْكَمَالِ فَيَقْتَضِي أَنَّهُ أَحَقُّ بِالْإِحْسَانِ إلَى الْخَلْقِ وَالرَّحْمَةِ وَأَحَقُّ بِالْحِكْمَةِ وَأَحَقُّ بِالْقُدْرَةِ وَالْعِلْمِ وَالْحَيَاةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ {خَلَقَ} . فَإِنَّ الْخَالِقَ قَدِيمٌ أَزَلِيٌّ مُسْتَغْنٍ بِنَفْسِهِ وَاجِبُ الْوُجُودِ بِنَفْسِهِ قَيُّومٌ. وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ أَحَقُّ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ مِنْ الْمَخْلُوقِ الْمُحْدِثُ الْمُمْكِنُ. فَهَذَا مِنْ جِهَةِ قِيَاسِ الْأَوْلَى. وَمِنْ جِهَةِ الْأَثَرِ فَإِنَّ الْخَالِقَ لِغَيْرِهِ
(16/360)

الَّذِي جَعَلَهُ حَيًّا عَالِمًا قَادِرًا سَمِيعًا بَصِيرًا هُوَ أَوْلَى بِأَنْ يَكُونَ حَيًّا عَالِمًا قَدِيرًا سَمِيعًا بَصِيرًا. و {الْأَكْرَمُ} {الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ} {عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} . فَجَعَلَهُ عَلِيمًا وَالْعَلِيمُ لَا يَكُونُ إلَّا حَيًّا. وَكَرَّمَهُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ قَدِيرًا سَمِيعًا بَصِيرًا. وَالْأَكْرَمُ الَّذِي جَعَلَ غَيْرَهُ عَلِيمًا هُوَ أَوْلَى أَنْ يَكُونَ عَلِيمًا. وَكَذَلِكَ فِي سَائِرِ صِفَاتِ الْكَمَالِ وَالْمَحَامِدِ. فَهَذَا اسْتِدْلَالٌ بِالْمَخْلُوقِ الْخَاصِّ وَالْأَوَّلُ اسْتِدْلَالٌ بِجِنْسِ الْخَلْقِ. وَلِهَذَا دَلَّ هَذَا عَلَى ثُبُوتِ الصِّفَاتِ بِالضَّرُورَةِ مِنْ غَيْرِ تَكَلُّفٍ وَكَذَلِكَ طَرِيقَةُ التَّفْضِيلِ وَالْأَوْلَى وَأَنْ يَكُونَ الرَّبُّ أَوْلَى بِالْكَمَالِ مِنْ الْمَخْلُوقِ. وَهَذِهِ الطُّرُقُ لِظُهُورِهَا يَسْلُكُهَا غَيْرَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَهْلِ الْمِلَلِ وَغَيْرِهِمْ كَالنَّصَارَى فَإِنَّهُمْ أَثْبَتُوا أَنَّ اللَّهَ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ حَتَّى يَتَكَلَّمَ بِهَذِهِ الطَّرِيقِ لَكِنْ سَمَّوْهُ " جَوْهَرًا " وَضَلُّوا فِي جَعَلَ الصِّفَاتِ ثَلَاثَةً وَهِيَ الْأَقَانِيمُ. فَقَالُوا: وَجَدْنَا الْأَشْيَاءَ تَنْقَسِمُ إلَى جَوْهَرٍ وَغَيْرِ جَوْهَرٍ وَالْجَوْهَرُ أَعْلَى النَّوْعَيْنِ فَقُلْنَا: هُوَ جَوْهَرٌ. ثُمَّ وَجَدْنَا الْجَوْهَرَ يَنْقَسِمُ إلَى حَيٍّ وَغَيْرِ حَيٍّ وَوَجَدْنَا الْحَيَّ أَكْمَلَ فَقُلْنَا: هُوَ حَيٌّ. وَوَجَدْنَا الْحَيَّ يَنْقَسِمُ إلَى نَاطِقٍ وَغَيْرِ نَاطِقٍ فَقُلْنَا: هُوَ نَاطِقٌ.
(16/361)

وَكَذَلِكَ يُقَالُ لَهُمْ فِي سَائِرِ صِفَاتِ الْكَمَالِ: إنَّ الْأَشْيَاءَ تَنْقَسِمُ إلَى قَادِرٍ وَغَيْرِ قَادِرٍ وَالْقَادِرُ أَكْمَلُ. وَقَدْ بُسِطَ مَا فِي كَلَامِهِمْ مِنْ صَوَابٍ وَخَطَأٍ فِي الْكِتَابِ الَّذِي سَمَّيْنَاهُ " الْجَوَابُ الصَّحِيحُ لِمَنْ بَدَّلَ دِينَ الْمَسِيحِ ". وَالْمَقْصُودُ هُنَا التَّنْبِيهُ عَلَى دَلَالَةِ هَذِهِ الْآيَةِ وَهَذِهِ الْآيَاتِ الَّتِي هِيَ أَوَّلُ مَا نَزَلَ عَلَى أُصُولِ الدِّينِ.
وَقَوْلُهُ {عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} يَدُلُّ عَلَى قُدْرَتِهِ عَلَى تَعْلِيمِ الْإِنْسَانِ مَا قَدْ عَلَّمَهُ مَعَ كَوْنِ جِنْسِ الْإِنْسَانِ فِيهِ أَنْوَاعٌ مِنْ النَّقْصِ. فَإِذَا كَانَ قَادِرًا عَلَى ذَلِكَ التَّعْلِيمِ فَقُدْرَتُهُ عَلَى تَعْلِيمِ الْأَنْبِيَاءِ مَا عَلَّمَهُمْ أَوْلَى وَأَحْرَى. وَذَلِكَ يَدْخُلُ فِي قَوْلِهِ {عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} فَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ مِنْ النَّاسِ. فَقَدْ دَلَّتْ هَذِهِ الْآيَاتُ عَلَى جَمِيعِ الْأُصُولِ الْعَقْلِيَّةِ فَإِنَّ إمْكَانَ النُّبُوَّاتِ هُوَ آخِرُ مَا يُعْلَمُ بِالْعَقْلِ. وَأَمَّا وُجُودُ الْأَنْبِيَاءِ وَآيَاتِهِمْ فَيُعْلَمُ بِالسَّمْعِ الْمُتَوَاتِرِ مَعَ أَنَّ قَوْلَهُ {عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} يَدْخُلُ فِيهِ إثْبَاتُ تَعْلِيمِهِ لِلْأَنْبِيَاءِ مَا عَلَّمَهُمْ فَهِيَ تَدُلُّ عَلَى الْإِمْكَانِ وَالْوُقُوعِ.
(16/362)

وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي مَوَاضِعَ أَنَّ تَنْزِيهَهُ يَرْجِعُ إلَى أَصْلَيْنِ. تَنْزِيهُهُ عَنْ النَّقْصِ الْمُنَاقِضِ لِكَمَالِهِ. فَمَا دَلَّ عَلَى ثُبُوتِ الْكَمَالِ لَهُ فَهُوَ يَدُلُّ عَلَى تَنَزُّهِهِ عَنْ النَّقْصِ الْمُنَاقِضِ لِكَمَالِهِ. وَهَذَا مِمَّا يُبَيِّنُ أَنَّ تَنَزُّهَهُ عَنْ النَّقْصِ مَعْلُومٌ بِالْعَقْلِ بِخِلَافِ مَا قَالَ طَائِفَةٌ مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ إنَّ ذَلِكَ لَا يُعْلَمُ إلَّا بِالسَّمْعِ. وَقَدْ بَيَّنَّا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ أَنَّ الطُّرُقَ الْعَقْلِيَّةَ الَّتِي سَلَكُوهَا مِنْ الِاسْتِدْلَالِ بِالْإِعْرَاضِ عَلَى حُدُوثِ الْأَجْسَامِ لَا تَدُلُّ عَلَى إثْبَاتِهِ وَلَا عَلَى إثْبَاتِ شَيْءٍ مِنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ وَلَا عَلَى تَنَزُّهِهِ عَنْ شَيْءٍ مِنْ النَّقَائِصِ. فَلَيْسَ عِنْدَ الْقَوْمِ مَا يُحِيلُونَ بِهِ عَنْهُ شَيْئًا مِنْ النَّقَائِصِ. وَهُمْ مُعْتَرِفُونَ بِأَنَّ الْأَفْعَالَ يَجُوزُ عَلَيْهِ مِنْهَا كُلُّ شَيْءٍ بِخِلَافِ الصِّفَاتِ. لَكِنَّ طَرِيقَهُمْ فِي الصِّفَاتِ فَاسِدٌ مُتَنَاقِضٌ كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ. الثَّانِي: أَنَّهُ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ فِي صِفَاتِ الْكَمَالِ. وَالْقُرْآنُ مَمْلُوءٌ بِإِثْبَاتِ هَذَيْنِ الْأَصْلَيْنِ بِإِثْبَاتِ صِفَاتِ الْكَمَالِ عَلَى وَجْهِ التَّفْصِيلِ وَتَنْزِيهِهِ عَنْ التَّمْثِيلِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُ الظَّالِمُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا.
(16/363)

فَصْلٌ:
وَقَوْلُهُ {بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} وَقَوْلُهُ {عَلَّمَ بِالْقَلَمِ} {عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} يَدُلُّ عَلَى إثْبَاتِ أَفْعَالِهِ وَأَقْوَالِهِ. فَالْخَلْقُ فِعْلُهُ وَالتَّعْلِيمُ يَتَنَاوَلُ تَعْلِيمَ مَا أَنْزَلَهُ كَمَا قَالَ {الرَّحْمَنِ} {عَلَّمَ الْقُرْآنَ} {خَلَقَ الْإِنْسَانَ} {عَلَّمَهُ الْبَيَانَ} وَقَوْلُهُ {بِالْقَلَمِ} يَتَنَاوَلُ تَعْلِيمَ كَلَامِهِ الَّذِي يُكْتَبُ بِالْقَلَمِ. وَنُزُولُهُ فِي أَوَّلِ السُّورَةِ الَّتِي أَنْزَلَ فِيهَا كَلَامَهُ وَعَلَّمَ نَبِيَّهُ كَلَامَهُ الَّذِي يُكْتَبُ بِالْقَلَمِ دَلِيلٌ عَلَى شُمُولِ الْآيَةِ لِذَلِكَ فَإِنَّ سَبَبَ اللَّفْظِ الْمُطْلَقِ وَالْعَامِّ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مُنْدَرِجًا فِيهِ. وَإِذَا دَلَّ عَلَى أَنَّهُ خَلَقَ وَتَكَلَّمَ. وَقَدْ قَالَ {خَلَقَ الْإِنْسَانَ} . وَمَعْلُومٌ بِالْعَقْلِ وَبِالْخِطَابِ أَنَّ الْإِنْسَانَ الْمَخْلُوقَ غَيْرُ خَلْقِ الرَّبِّ لَهُ وَكَذَلِكَ خَلْقُهُ لِغَيْرِهِ. وَاَلَّذِينَ نَازَعُوا فِي ذَلِكَ إنَّمَا نَازَعُوا لِشُبْهَةِ عَرَضَتْ لَهُمْ كَمَا قَدْ ذُكِرَ بَعْدَ هَذَا وَفِي مَوَاضِعَ. وَإِلَّا فَهُمْ لَا يَتَنَازَعُونَ أَنَّ " خَلَقَ " فِعْلٌ لَهُ مَصْدَرٌ يُقَالُ: خَلَقَ يَخْلُقُ خَلْقًا. وَالْإِنْسَانُ مَفْعُولُ الْمَصْدَرِ " الْمَخْلُوقُ " لَيْسَ هُوَ الْمَصْدَرُ.
(16/364)

وَلَكِنْ قَدْ يُطْلَقُ لَفْظُ الْمَصْدَرِ عَلَى الْمَفْعُولِ كَمَا يُقَالُ " دِرْهَمٌ ضَرْبُ الْأَمِيرِ ". وَمِنْهُ قَوْلُهُ {هَذَا خَلْقُ اللَّهِ} وَالْمُرَادُ هُنَاكَ: هَذَا مَخْلُوقُ اللَّهِ. وَلَيْسَ الْكَلَامُ فِي لَفْظِ " خَلْقُ " الْمُرَادُ بِهِ " الْمَخْلُوقُ " بَلْ فِي لَفْظِ " الْخَلْقِ " الْمُرَادِ بِهِ " الْفِعْلَ " الَّذِي يُسَمَّى الْمَصْدَرُ كَمَا يُقَالُ: خَلَقَ يَخْلُقُ خَلْقًا وَكَقَوْلِهِ {مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ} وَقَوْلِهِ {يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ} وَقَوْلِهِ {مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ} وَإِذَا كَانَ الْخَلْقُ فِعْلَهُ فَهُوَ بِمَشِيئَتِهِ إذْ يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ فِعْلُهُ بِغَيْرِ مَشِيئَةٍ. وَمَا كَانَ بِالْمَشِيئَةِ امْتَنَعَ قِدَمُ عَيْنِهِ بَلْ يَجُوزُ قِدَمُ نَوْعِهِ. وَإِذَا كَانَ الْخَلْقُ لِلْحَادِثِ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُؤَثِّرٍ تَامٍّ أَوْجَبَ حُدُوثَهُ لَزِمَ أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ مُتَّصِفًا بِمَا يَقُومُ بِهِ مِنْ الْأُمُورِ الِاخْتِيَارِيَّةِ لَكِنْ إنْ يَثْبُتْ أَنَّهُ كَانَ قَبْلَ هَذَا الْمَخْلُوقِ مَخْلُوقٌ آخَرُ ثَبَتَ أَنَّهُ مُتَّصِفٌ بِخَلْقِ بَعْدَ خَلْقٍ. وَكَذَلِكَ الْكَلَامُ هُوَ مُتَكَلِّمٌ بِمَشِيئَتِهِ. وَيَمْتَنِعُ أَنْ لَا يَكُونَ مُتَكَلِّمًا ثُمَّ يَصِيرُ مُتَكَلِّمًا لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ سَلْبٌ لِكَمَالِهِ وَالْكَلَامُ صِفَةُ كَمَالٍ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ يَمْتَنِعُ حُدُوثُ ذَلِكَ. فَإِنَّ مَنْ لَا يَكُونُ مُتَكَلِّمًا يَمْتَنِعُ
(16/365)

أَنْ يَجْعَلَ نَفْسَهُ مُتَكَلِّمًا وَمَنْ لَا يَكُونُ عَالِمًا يَمْتَنِعُ أَنْ يَجْعَلَ نَفْسَهُ عَالِمًا وَمَنْ لَا يَكُونُ حَيًّا يَمْتَنِعُ أَنْ يَجْعَلَ نَفْسَهُ حَيَّا. فَهَذِهِ الصِّفَاتُ مِنْ لَوَازِمِ ذَاتِهِ. وَكَذَلِكَ مَنْ لَا يَكُونُ خَالِقًا يَمْتَنِعُ أَنْ يَجْعَلَ نَفْسَهُ خَالِقًا. فَإِنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ قَادِرًا عَلَى أَنْ يَخْلُقَ فَجَعْلُهُ نَفْسَهُ خَالِقَةً أَعْظَمُ؛ فَيَكُونُ هَذَا مُمْتَنِعًا بِطَرِيقِ الْأَوْلَى فَإِنَّ جَعْلَ نَفْسِهِ خَالِقَةً يَسْتَلْزِمُ وُجُودَ الْمَخْلُوقِ. وَلِهَذَا لَمَّا كَانَ قَادِرًا عَلَى جَعْلِ الْإِنْسَانِ فَاعِلًا كَانَ هُوَ الْخَالِقُ لِمَا يَفْعَلُهُ الْإِنْسَانُ. فَلَوْ جَعَلَ نَفْسَهُ خَالِقَةً كَانَ هُوَ الْخَالِقُ لِمَا جَعَلَهَا تَخْلُقُهُ. فَإِذَا فُرِضَ أَنَّهُ يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ خَالِقًا فِي الْأَزَلِ امْتَنَعَ أَنْ يَجْعَلَ نَفْسَهُ خَالِقَةً بِوَجْهِ مِنْ الْوُجُوهِ. وَيُلْزَمُ مِنْ الْقَوْلِ بِامْتِنَاعِ الْفِعْلِ عَلَيْهِ فِي الْأَزَلِ امْتِنَاعُهُ دَائِمًا. وَقَدْ دَلَّتْ الْآيَةُ عَلَى أَنَّهُ خَلَقَ. فَعُلِمَ أَنَّهُ مَا زَالَ قَادِرًا عَلَى الْخَلْقِ مَا زَالَ يُمْكِنُهُ أَنْ يُخْلَقَ وَمَا زَالَ الْخَلْقُ مُمْكِنًا مَقْدُورًا. وَهَذَا يُبْطِلُ أَصْلَ الْجَهْمِيَّة. بَلْ وَإِذَا كَانَ قَادِرًا عَلَيْهِ فَالْمُوجِبُ لَهُ لَيْسَ شَيْئًا بَائِنًا مِنْ خَارِجٍ بَلْ هُوَ مِنْ نَفْسِهِ. فَيَمْتَنِعُ أَنْ يَجْعَلَ نَفْسَهُ مُرِيدَةً بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُنْ فَيَلْزَمُ أَنَّهُ مَا زَالَ مُرِيدًا قَادِرًا. وَإِذَا حَصَلَتْ الْقُدْرَةُ وَالْإِرَادَةُ وَجَبَ وُجُودُ الْمَقْدُورِ.
(16/366)

وَأَهْلُ الْكَلَامِ الَّذِينَ يُنَازِعُونَ فِي هَذَا يَقُولُونَ لَمْ يَزَلْ قَادِرًا عَلَى مَا سَيَكُونُ. فَيُقَالُ لَهُمْ: الْقُدْرَةُ لَا تَكُونُ إلَّا مَعَ إمْكَانِ الْمَقْدُورِ إذَا كَانَتْ الْقُدْرَةُ دَائِمَةً؛ فَهَلْ كَانَ يُمْكِنُهُ أَنْ يَفْعَلَ الْمَقْدُورَ دَائِمًا؟ وَهُمْ يَقُولُونَ: لَا بَلْ الْإِمْكَانُ إمْكَانُ الْفِعْلِ حَادِثٌ. وَهَذَا يُنَاقِضُ إثْبَاتَ الْقُدْرَةِ وَإِنْ قَالُوا: بَلْ الْإِمْكَانُ حَاصِلٌ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ الْفِعْلُ مُمْكِنًا فَثَبَتَ إمْكَانُ وُجُودِ مَا لَا يَتَنَاهَى مِنْ مَقْدُورِ الرَّبِّ. وَحِينَئِذٍ؛ فَإِذَا كَانَ لَمْ يَزَلْ قَادِرًا وَالْفِعْلُ مُمْكِنًا وَهَذَا الْمُمْكِنُ قَدْ وُجِدَ فَمَا لَا يَزَالُ فَالْمُوجِبُ لِوُجُودِ جِنْسِ الْمَقْدُورِ كَالْإِرَادَةِ مَثَلًا إمَّا أَنْ يَكُونَ وُجُودُهَا فِي الْأَزَلِ مُمْتَنِعًا فَيَلْزَمُ امْتِنَاعُ الْفِعْلِ وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ مُمْكِنٌ. وَأَيْضًا إذَا كَانَ وُجُودُهَا مُمْتَنِعًا لَمْ يَزَلْ مُمْتَنِعًا لِأَنَّهُ لَا شَيْءَ هُنَاكَ يَجْعَلُهَا مُمْكِنَةً فَضْلًا عَنْ أَنْ تَكُونَ مَوْجُودَةً. وَمَعْلُومٌ أَنَّ وُجُودَهَا بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُنْ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُوجِبٍ. وَإِذَا كَانَ وُجُودُهَا فِي الْأَزَلِ مُمْكِنًا فَوُجُودُ هَذَا الْمُمْكِنِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى غَيْرِ ذَاتِهِ وَذَاتُهُ كَافِيَةٌ فِي حُصُولِهِ. فَيَلْزَمُ أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ مُرِيدًا. وَهَكَذَا فِي جَمِيعِ صِفَاتِ الْكَمَالِ مَتَى ثَبَتَ إمْكَانُهَا فِي الْأَزَلِ لَزِمَ
(16/367)

وُجُودُهَا فِي الْأَزَلِ. فَإِنَّهَا لَوْ لَمْ تُوجَدْ لَكَانَتْ مُمْتَنِعَةً إذْ لَيْسَ فِي الْأَزَلِ شَيْءٌ سِوَى نَفْسِهِ يُوجِبُ وُجُودَهَا. فَإِذَا كَانَتْ مُمْكِنَةً وَالْمُقْتَضِي التَّامُّ لَهَا نَفْسُهُ لَزِمَ وُجُوبُهَا فِي الْأَزَلِ. وَهَذَا مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ حَيًّا عَلِيمًا قَدِيرًا مُرِيدًا مُتَكَلِّمًا فَاعِلًا إذْ لَا مُقْتَضِي لِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ إلَّا ذَاتُهُ وَذَاتُهُ وَحْدُهَا كَافِيَةٌ فِي ذَلِكَ. فَيَلْزَمُ قِدَمُ النَّوْعِ وَأَنَّهُ لَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّمًا إذَا شَاءَ لَكِنَّ أَفْرَادَ النَّوْعِ تَحْصُلُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ وَالْحِكْمَةِ. وَلِهَذَا قَدْ بُيِّنَ فِي مَوَاضِعَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ مُمْكِنٌ يَسْتَوِي طَرَفَا وُجُودِهِ وَعَدَمِهِ بَلْ إمَّا أَنْ يَحْصُلَ الْمُقْتَضَيْ لِوُجُودِهِ فَيَجِبُ أَوْ لَا يَحْصُلُ فَيَمْتَنِعُ. فَمَا اتَّصَفَ بِهِ الرَّبُّ فَاتِّصَافُهُ بِهِ وَاجِبٌ وَمَا لَمْ يَتَّصِفْ بِهِ فَاتِّصَافُهُ بِهِ مُمْتَنِعٌ. وَمَا شَاءَ كَانَ وَوَجَبَ وُجُودُهُ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ وَامْتَنَعَ وُجُودُهُ. فَالْمُمْكِنُ مَعَ مُرَجِّحِهِ التَّامِّ وَاجِبٌ وَبِدُونِهِ مُمْتَنِعٌ. فَفِي قَوْله تَعَالَى {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} {خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ} وَفِي قَوْلِهِ {اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ} {الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ} دَلَالَةٌ عَلَى ثُبُوتِ صِفَاتِ الْكَمَالِ لَهُ وَأَنَّهُ لَمْ يَزَلْ مُتَّصِفًا بِهَا. وَأَقْوَالُ السَّلَفِ فِي ذَلِكَ كَثِيرَةٌ. وَبِهَذَا فَسَّرُوا قَوْلَهُ {وَكَانَ اللَّهُ
(16/368)

عَزِيزًا حَكِيمًا} وَنَحْوَهُ كَمَا ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ عِدَّةِ طُرُقٍ لَمَّا قِيلَ لَهُ: قَوْلُهُ {وَكَانَ اللَّهُ} كَأَنَّهُ كَانَ شَيْءٌ ثُمَّ مَضَى؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ سَمَّى نَفْسَهُ بِذَلِكَ وَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ. هَذَا لَفْظُ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مُعَاوِيَةَ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ الْمِنْهَالِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَذَلِكَ كَانَ وَلَمْ يَزَلْ. وَمِنْ رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ أَبِي قَيْسٍ عَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ الْمِنْهَالِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ. قَالَ: أَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: سَمِعْت اللَّهَ يَقُولُ {وَكَانَ اللَّهُ} كَأَنَّهُ شَيْءٌ كَانَ؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَمَّا قَوْلُهُ {كَانَ} فَإِنَّهُ لَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَالُ و {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} . وَمِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مغرا عَنْ مُجَمِّعِ بْنِ يَحْيَى عَنْ عَمِّهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ. قَالَ قَالَ يَهُودِيٌّ: إنَّكُمْ تَزْعُمُونَ أَنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا فَكَيْفَ هُوَ الْيَوْمَ؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إنَّهُ كَانَ فِي نَفْسِهِ. عَزِيزًا حَكِيمًا. وَهَذِهِ أَقْوَالُ ابْنِ عَبَّاسٍ تُبَيِّنُ أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ مُتَّصِفًا بِخَبَرِ " كَانَ " وَلَا
(16/369)

يَزَالُ كَذَلِكَ وَأَنَّ ذَلِكَ حَصَلَ لَهُ مِنْ نَفْسِهِ. فَلَمْ يَزَلْ مُتَّصِفًا فِي نَفْسِهِ إذَا كَانَ مِنْ لَوَازِمِ نَفْسِهِ وَلِهَذَا لَا يَزَالُ لِأَنَّهُ مِنْ نَفْسِهِ. وَقَالَ أَحْمَد بْنُ حَنْبَلٍ: لَمْ يَزَلْ اللَّهُ عَالِمًا مُتَكَلِّمًا غَفُورًا. وَقَالَ أَيْضًا: لَمْ يَزَلْ اللَّهُ مُتَكَلِّمًا إذَا شَاءَ.
فَصْلٌ:
وَكَمَا أَنَّهُ أَوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ مِنْ الْقُرْآنِ تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ فَأَعْظَمُ آيَةٍ فِي الْقُرْآنِ تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ لَكِنْ مَبْسُوطًا دَلَالَةً أَتَمَّ مِنْ هَذَا. وَهِيَ آيَةُ الْكُرْسِيِّ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ {أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لأبي بْنِ كَعْبٍ: يَا أَبَا الْمُنْذِرِ أَتَدْرِي أَيُّ آيَةٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَعَك أَعْظَمُ؟ فَقَالَ: {اللَّهُ لَا إلَهَ إلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} فَقَالَ: ليهنك الْعِلْمُ أَبَا الْمُنْذِرِ} . وَهُنَا افْتَتَحَهَا بِقَوْلِهِ {اللَّهِ} وَهُوَ أَعْظَمُ مِنْ قَوْلِهِ {وَرَبِّكَ} وَلِهَذَا افْتَتَحَ بِهِ أَعْظَمَ سُورَةٍ فِي الْقُرْآنِ فَقَالَ {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} .
(16/370)

وَقَالَ {اللَّهُ لَا إلَهَ إلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} إذَا كَانَ الْمُشْرِكُونَ قَدْ اتَّخَذُوا إلَهَا غَيْرَهُ وَإِنْ قَالُوا بِأَنَّهُ الْخَالِقُ. فَفِي قَوْلِهِ {خَلَقَ} لَمْ يَذْكُرْ نَفْيَ خَالِقٍ آخَرَ إذْ كَانَ ذَلِكَ مَعْلُومًا. فَلَمْ يُثْبِتْ أَحَدٌ مِنْ النَّاسِ خَالِقًا آخَرَ مُطْلَقًا خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَخَلَقَ الْإِنْسَانَ وَغَيْرَهُ بِخِلَافِ الْإِلَهِيَّةِ. قَالَ تَعَالَى {قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ} وَقَالَ تَعَالَى {وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ} وَقَالَ تَعَالَى {أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إنَّمَا هُوَ إلَهٌ وَاحِدٌ} وَقَالَ تَعَالَى {قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إذًا لَابْتَغَوْا إلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا} . فَابْتَغَوْا مَعَهُ آلِهَةً أُخْرَى وَلَمْ يُثْبِتُوا مَعَهُ خَالِقًا آخَرَ. فَقَالَ فِي أَعْظَمِ الْآيَاتِ {اللَّهُ لَا إلَهَ إلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} . ذَكَرَهُ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ مِنْ الْقُرْآنِ كُلُّ مَوْضِعٍ فِيهِ أَحَدُ أُصُولِ الدِّينِ الثَّلَاثَةِ وَهِيَ التَّوْحِيدُ وَالرُّسُلُ وَالْآخِرَةُ. هَذِهِ الَّتِي بَعَثَ بِهَا جَمِيعَ الْمُرْسَلِينَ وَأَخْبَرَ عَنْ الْمُشْرِكِينَ أَنَّهُمْ يَكْفُرُونَ بِهَا فِي مِثْلِ قَوْلِهِ {وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} .
(16/371)

فَقَالَ هُنَا {اللَّهُ لَا إلَهَ إلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} قَرَنَهَا بِأَنَّهُ لَا إلَهَ إلَّا هُوَ. وَزَادَ فِي آلِ عِمْرَانَ {نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ} {مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ} وَهَذَا إيمَانٌ بِالْكُتُبِ وَالرُّسُلِ. وَقَالَ فِي طَه: {يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا} {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} {وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا} .
فَصْلٌ:
وَمِنْ أَعْظَمِ الْأُصُولِ مَعْرِفَةُ الْإِنْسَانِ بِمَا نَعَتَ اللَّهُ بِهِ نَفْسَهُ مِنْهُ الصِّفَاتُ الْفِعْلِيَّةُ كَقَوْلِهِ فِي هَذِهِ السُّورَةِ {الَّذِي خَلَقَ} {خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ} و " الْخَلْقُ " مَذْكُورٌ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ وَكَذَلِكَ غَيْرُهُ مِنْ الْأَفْعَالِ. وَهُوَ نَوْعَانِ. فِعْلٌ مُتَعَدٍّ إلَى مَفْعُولٍ بِهِ مِثْلُ " خَلَقَ " فَإِنَّهُ يَقْتَضِي مَخْلُوقًا وَكَذَلِكَ " رَزَقَ " كَقَوْلِهِ {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ
(16/372)

هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ} . وَكَذَلِكَ الْهُدَى وَالْإِضْلَالُ وَالتَّعْلِيمُ وَالْبَعْثُ وَالْإِرْسَالُ وَالتَّكْلِيمُ. وَكَذَلِكَ مَا أَخْبَرَ بِهِ مِنْ قَوْلِهِ {فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ} {فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ} وَقَوْلِهِ {وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ} وَقَوْلِهِ {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ} وَقَوْلِهِ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ} وَهَذَا فِي الْقُرْآنِ كَثِيرٌ جِدًّا. وَالْأَفْعَالُ اللَّازِمَةُ كَقَوْلِهِ {ثُمَّ اسْتَوَى إلَى السَّمَاءِ} {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} {هَلْ يَنْظُرُونَ إلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ} {هَلْ يَنْظُرُونَ إلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ} وَقَوْلِهِ {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} . فَأَمَّا النَّوْعُ الْأَوَّلُ فَالْمُسْلِمُونَ مُتَّفِقُونَ عَلَى إضَافَتِهِ إلَى اللَّهِ وَأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يَخْلُقُ وَيَرْزُقُ لَيْسَ ذَلِكَ صِفَةً لِشَيْءِ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ. لَكِنْ هَلْ قَامَ بِهِ فِعْلٌ هُوَ الْخَلْقُ أَوْ الْفِعْلُ هُوَ الْمَفْعُولُ وَالْخَلْقُ هُوَ الْمَخْلُوقُ؟ وَهَذَا فِيهِ قَوْلَانِ لِمَنْ يَثْبُتُ اتِّصَافُهُ بِالصِّفَاتِ. فَأَمَّا
(16/373)

مَنْ يَنْفِي الصِّفَاتِ مِنْ الْجَهْمِيَّة وَالْمُعْتَزِلَةِ فَهُمْ يَنْفُونَ قِيَامَ الْفِعْلِ بِهِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى. لَكِنَّ مِنْهُمْ مَنْ يَجْعَلُ الْخَلْقَ غَيْرَ الْمَخْلُوقِ وَيَجْعَلُ الْخَلْقَ إمَّا مَعْنًى قَامَ بِالْمَخْلُوقِ أَوْ الْمَعَانِي الْمُتَسَلْسِلَةِ كَمَا يَقُولُهُ مَعْمَرُ بْنُ عَبَّادٍ؛ أَوْ يَجْعَلُ الْخَلْقَ قَائِمًا لَا فِي مَحَلٍّ كَقَوْلِ بَعْضِهِمْ: إنَّهُ قَوْلُ " كُنْ " لَا فِي مَحَلٍّ وَقَوْلِ الْبَصْرِيِّينَ: إنَّهُ إرَادَةٌ لَا فِي مَحَلٍّ. وَهَذَا فِرَارٌ مِنْهُمْ عَنْ قِيَامِ الْحَوَادِثِ بِهِ مَعَ أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ يَلْتَزِمُ ذَلِكَ كَمَا الْتَزَمَهُ أَبُو الْحُسَيْنِ وَغَيْرُهُ. وَالْجُمْهُورُ الْمُثْبِتُونَ لِلصِّفَاتِ هُمْ فِي الْأَفْعَالِ عَلَى قَوْلَيْنِ. مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: لَا يَقُومُ بِهِ فِعْلٌ وَإِنَّمَا الْفِعْلُ هُوَ الْمَفْعُولُ وَهَذَا قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ الْأَشْعَرِيُّ وَمَنْ وَافَقَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ وَغَيْرِ أَصْحَابِهِ كَابْنِ عَقِيلٍ وَغَيْرِهِ وَهُوَ أَوَّلُ قَوْلَيْ الْقَاضِي أَبِي يَعْلَى. وَهَؤُلَاءِ يُقَسِّمُونَ الصِّفَاتِ إلَى ذَاتِيَّةٍ وَمَعْنَوِيَّةٍ وَفِعْلِيَّةٍ. وَهَذَا تَقْسِيمٌ لَا حَقِيقَةَ لَهُ. فَإِنَّ الْأَفْعَالَ عِنْدَهُمْ لَا تَقُومُ بِهِ فَلَا يَتَّصِفُ بِهَا. لَكِنْ يُخْبِرُ عَنْهُ بِهَا. وَهَذَا التَّقْسِيمُ يُنَاسِبُ قَوْلَ مَنْ قَالَ: الصِّفَاتُ هِيَ الْأَخْبَارُ الَّتِي
(16/374)

يُخْبِرُ بِهَا عَنْهُ لَا مَعَانِيَ تَقُومُ بِهِ كَمَا تَقُولُ ذَلِكَ الْجَهْمِيَّة وَالْمُعْتَزِلَةُ. فَهَؤُلَاءِ إذَا قَالُوا: الصِّفَاتُ تَنْقَسِمُ إلَى ذَاتِيَّةٍ وَفِعْلِيَّةٍ أَرَادُوا بِذَلِكَ مَا يُخْبِرُ بِهِ عَنْهُ مِنْ الْكَلَامِ تَارَةً يَكُونُ خَبَرًا عَنْ ذَاتِهِ وَتَارَةً عَنْ الْمَخْلُوقَاتِ لَيْسَ عِنْدَهُمْ صِفَاتٌ تَقُومُ بِهِ. فَمَنْ فَسَّرَ الصِّفَاتِ بِهَذَا أَمْكَنَهُ أَنْ يَجْعَلَهَا ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ ذَاتِيَّةً وَمَعْنَوِيَّةً وَفِعْلِيَّةً. وَأَمَّا مَنْ كَانَ مُرَادُهُ بِالصِّفَاتِ مَا يَقُومُ بِهِ فَهَذَا التَّقْسِيمُ لَا يَصْلُحُ عَلَى أَصْلِهِمْ وَلَكِنْ أَخَذُوا التَّقْسِيمَ عَنْ أُولَئِكَ وَهُمْ مُخَالِفُونَ لَهُمْ فِي الْمُرَادِ بِالصِّفَاتِ. وَهَذَا التَّقْسِيمُ مَوْجُودٌ فِي كَلَامِ أَبِي الْحَسَنِ وَمَنْ وَافَقَهُ كَالْقَاضِي أَبِي يَعْلَى وَأَبِي الْمَعَالِي والباجي وَغَيْرِهِمْ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ تَقُومُ بِهِ الْأَفْعَالُ. وَهَذَا قَوْلُ السَّلَفِ وَجُمْهُورِ مُثْبِتَةِ الصِّفَاتِ. ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ " خَلْقِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ " أَنَّ هَذَا إجْمَاعُ الْعُلَمَاءِ خَالِقٌ وَخَلْقٌ وَمَخْلُوقٌ. وَذَكَرَهُ البغوي قَوْلُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَذَكَرَهُ أَبُو نَصْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحَاقَ الكلاباذي فِي كِتَابِ " التَّعَرُّفُ بِمَذَاهِبِ التَّصَوُّفِ " أَنَّهُ قَوْلُ الصُّوفِيَّةِ. وَهُوَ قَوْلُ الْحَنَفِيَّةِ مَشْهُورٌ عِنْدَهُمْ يُسَمُّونَهُ
(16/375)

" التَّكْوِينُ " وَهُوَ قَوْلُ الكَرَّامِيَة والهشامية وَنَحْوِهِمَا وَهُوَ قَوْلُ الْقُدَمَاءِ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد. وَهُوَ آخِرُ قَوْلَيْ الْقَاضِي أَبِي يَعْلَى. ثُمَّ إذَا قِيلَ: الْخَلْقُ غَيْرُ الْمَخْلُوقِ وَإِنَّهُ قَائِمٌ بِالرَّبِّ فَهَلْ هُوَ خَلْقٌ قَدِيمٌ لَازِمٌ لِذَاتِ الرَّبِّ مَعَ حُدُوثِ الْمَخْلُوقَاتِ كَمَا يَقُولُهُ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ وَغَيْرُهُمْ؟ أَوْ هُوَ خَلْقٌ حَادِثٌ بِذَاتِهِ حَدَثَ لَمَّا حَدَثَ جِنْسُ الْمَخْلُوقَاتِ؟ أَمْ خَلْقٌ بَعْدَ خَلْقٍ؟ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ. وَهَذَا أَوْ هَذَا هُوَ الَّذِي عَلَيْهِ أَئِمَّةُ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ وَجُمْهُورُهُمْ. وَهُوَ قَوْلُ طَوَائِفَ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ مِنْ الكَرَّامِيَة والهشامية وَغَيْرِهِمْ. فَمَنْ قَالَ " إنَّهُ يَتَكَلَّمُ بِمَشِيئَتِهِ وَاخْتِيَارِهِ كَلَامًا يَقُومُ بِذَاتِهِ يُمْكِنُهُ أَنْ يَقُولَ: إنَّهُ يَفْعَلُ بِاخْتِيَارِهِ وَمَشِيئَتِهِ فِعْلًا يَقُومُ بِذَاتِهِ ". وَاَلَّذِينَ يَقُولُونَ بِقِيَامِ الْأُمُورِ الِاخْتِيَارِيَّةِ بِذَاتِهِ مِنْهُمْ مَنْ يُصَحِّحُ دَلِيلَ الْأَعْرَاضِ وَالِاسْتِدْلَالِ بِهِ عَلَى حُدُوثِ الْأَجْسَامِ كالكَرَّامِيَة وَمُتَأَخِّرِي الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنْبَلِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ. وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُصَحِّحُهُ كَأَئِمَّةِ السَّلَفِ وَأَئِمَّةِ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ. وَأَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ وَالْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِمْ
(16/376)

وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ يُعَبَّرُ عَنْهَا بـ " مَسْأَلَةِ التَّأْثِيرِ " هَلْ هُوَ أَمْرٌ وُجُودِيٌّ أَمْ لَا؟ وَهَلْ التَّأْثِيرُ زَائِدٌ عَلَى الْمُؤَثِّرِ وَالْأَثَرِ أَمْ لَا؟ وَكَلَامُ الرَّازِي فِي ذَلِكَ مُخْتَلِفٌ كَمَا قَدْ بُسِطَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ فِي مَوَاضِعَ. وَعُمْدَةُ الَّذِينَ قَالُوا: إنَّ الْخَلْقَ هُوَ الْمَخْلُوقُ وَالتَّأْثِيرَ هُوَ وُجُودُ الْأَثَرِ لَمْ يُثْبِتُوا زَائِدًا أَنْ قَالُوا: لَوْ كَانَ الْخَلْقُ وَالتَّأْثِيرُ زَائِدًا عَلَى ذَاتِ الْمَخْلُوقِ وَالْأَثَرِ لَكَانَ إمَّا أَنْ يَقُومَ بِمَحَلِّ أَوْ لَا وَالثَّانِي بَاطِلٌ فَإِنَّ الْمَعَانِيَ لَا تَقُومُ بِأَنْفُسِهَا. وَهَذَا رَدٌّ عَلَى طَائِفَةٍ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ قَالُوا: يَقُومُ بِنَفْسِهِ. قَالُوا: وَإِذَا قَامَ بِمَحَلِّ فَإِمَّا أَنْ يَقُومَ بِالْخَالِقِ أَوْ بِغَيْرِهِ وَالثَّانِي بَاطِلٌ لِأَنَّهُ لَوْ قَامَ بِغَيْرِهِ لَكَانَ ذَلِكَ الْغَيْرُ هُوَ الْخَالِقَ لَا هُوَ. وَهَذَا رَدٌّ عَلَى طَائِفَةٍ ثَانِيَةٍ يَقُولُونَ: إنَّهُ يَقُومُ بِالْمَخْلُوقِ. وَإِذَا قَامَ بِالْخَالِقِ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ قَدِيمًا أَوْ مُحْدَثًا وَلَوْ كَانَ قَدِيمًا لَلَزِمَ قِدَمُ الْمَخْلُوقِ فَإِنَّ الْخَلْقَ وَالْمَخْلُوقَ مُتَلَازِمَانِ. فَوُجُودُ خَلْقٍ بِلَا مَخْلُوقٍ مُمْتَنِعٌ وَكَذَلِكَ وُجُودُ تَأْثِيرٍ بِلَا أَثَرٍ. وَإِنْ كَانَ مُحْدِثًا فَهُوَ بَاطِلٌ لِوَجْهَيْنِ. أَحَدُهُمَا أَنَّهُ يَلْزَمُ قِيَامُ الْحَوَادِثِ بِهِ. وَالثَّانِي أَنَّ ذَلِكَ الْخَلْقَ الْحَادِثَ يَفْتَقِرُ إلَى خَلْقٍ آخَرَ وَيَلْزَمُ التَّسَلْسُلُ وَمَعْمَرُ بْنُ عَبَّادٍ الْتَزَمَ التَّسَلْسُلَ وَجَعَلَ لِلْخَلْقِ خَلْقًا وَلِلْخَلْقِ خَلْقًا
(16/377)

لَكِنْ لَا فِي ذَاتِ اللَّهِ وَجَعَلَ ذَلِكَ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ. فَهَذِهِ عُمْدَةُ هَؤُلَاءِ. وَكُلُّ طَائِفَةٍ تُخَالِفُهُمْ مَنَعَتْ مُقَدِّمَةً مِنْ مُقَدِّمَاتِ دَلِيلِهِمْ. فَمَنْ جَوَّزَ أَنْ يَقُومَ بِنَفْسِهِ أَوْ بِالْمَخْلُوقِ مَنَعَ تينك الْمُقْدِمَتَيْنِ. وَأَمَّا الْجُمْهُورُ فَكُلٌّ أَجَابَ بِحَسَبِ قَوْلِهِ. مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: بَلْ الْخَلْقُ وَالتَّكْوِينُ قَدِيمٌ كَمَا أَنَّ الْإِرَادَةَ عِنْدَكُمْ قَدِيمَةً. وَمَعَ الْقَوْلِ بِقِدَمِهَا لَمْ يَلْزَمْ تَقَدُّمَ الْمُرَادِ كَذَلِكَ الْخَلْقُ وَالتَّكْوِينُ قَدِيمٌ وَلَا يَلْزَمُ تَقَدُّمُ الْمَخْلُوقِ. وَهَذَا لَازِمٌ للكلابية مِنْ الْأَشْعَرِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ لَا جَوَابَ لَهُمْ عَنْهُ. لَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ قِدَمِ إرَادَةٍ مُعَيَّنَةٍ بَلْ نَفْيُ قِدَمِ الْإِرَادَةِ كَمَا يَقُولُهُ الْجَهْمِيَّة وَالْمُعْتَزِلَةُ. أَوْ يَقُولُ بِقِدَمِ نَوْعِ الْإِرَادَةِ كَمَا يَقُولُهُ أَئِمَّةُ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَمَنْ وَافَقَهُمْ مِنْ الْفَلَاسِفَةِ وَالْمُتَكَلِّمِين وَغَيْرِهِمْ. لَكِنَّ صَاحِبَ هَذَا الْقَوْلِ يُقَالُ لَهُ: التَّكْوِينُ الْقَدِيمُ إمَّا أَنْ يَكُونَ بِمَشِيئَتِهِ وَإِمَّا أَنْ لَا يَكُونَ بِمَشِيئَتِهِ. فَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ مَشِيئَتِهِ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ قَدْ خَلَقَ الْخَلْقَ بِلَا مَشِيئَتِهِ. وَإِنْ كَانَ بِمَشِيئَتِهِ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ الْقَدِيمُ مُرَادًا وَهَذَا بَاطِلٌ. وَلَوْ صَحَّ لَأَمْكَنَ كَوْنُ الْعَالَمِ قَدِيمًا مَعَ كَوْنِهِ مَخْلُوقًا
(16/378)

بِخَلْقِ قَدِيمٍ بِإِرَادَةِ قَدِيمَةٍ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا بَاطِلٌ. وَلِهَذَا كَانَ كُلُّ مَنْ قَالَ " الْقُرْآنُ قَدِيمٌ " يَقُولُونَ: تَكَلَّمَ بِغَيْرِ مَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ. فَالْمَفْعُولُ الْمُرَادُ لَا يَكُونُ إلَّا حَادِثًا وَكَذَلِكَ الْفِعْلُ الْمُرَادُ لَا يَكُونُ إلَّا حَادِثًا. وَأَيْضًا فَهَؤُلَاءِ الْمُنَازِعُونَ لَهُمْ يَقُولُونَ: الْإِرَادَةُ مُسْتَلْزِمَةٌ لِلْمُرَادِ وَالْخَلْقُ مُسْتَلْزِمٌ لِلْمَخْلُوقِ. وَمَا ذُكِرَ حُجَّةٌ عَلَى هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ. فَإِنَّ الْإِرَادَةَ وَالْخَلْقَ مِنْ الْأُمُورِ الْإِضَافِيَّةِ وَثُبُوتُ إرَادَةٍ بِلَا مُرَادٍ وَخَلْقٌ بِلَا مَخْلُوقٍ مُمْتَنِعٌ. لَكِنَّ الْمُنَازِعَ يَقُولُ: تُوجَدُ الْإِرَادَةُ وَالْخَلْقُ وَيَتَأَخَّرُ الْمُرَادُ الْمَخْلُوقُ فَيُقَالُ لِهَؤُلَاءِ تَقُولُونَ: تُوجَدُ الْإِرَادَةُ أَوْ الْخَلْقُ مَعَ الْإِرَادَةِ وَلَا يُوجَدُ لَا الْمُرَادُ وَلَا الْمَخْلُوقُ. ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ بِمَا لَا يَتَنَاهَى مِنْ تَقْدِيرِ الْأَوْقَاتِ يُوجَدُ الْمُرَادُ الْمَخْلُوقُ مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ. وَهَذَا مَعْلُومُ الْبُطْلَانِ فِي بِدَايَةِ الْعُقُولِ. فَإِنَّ الْإِرَادَةَ أَوْ الْخَلْقَ كَانَ مَوْجُودًا مَعَ الْقُدْرَةِ. فَإِنْ كَانَ هَذَا مُؤَثِّرًا تَامًّا اسْتَلْزَمَ وُجُودَ الْأَثَرِ وَلَزِمَ وُجُودُ الْأَثَرِ عِنْدَ وُجُودِ الْمُؤَثِّرِ التَّامِّ. فَإِنَّ الْأَثَرَ " مُمْكِنٌ " وَالْمُمْكِنُ يَجِبُ وُجُودُهُ عِنْدَ وُجُودِ الْمُرَجِّحِ
(16/379)

التَّامِّ إذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ كَانَ جَائِزًا بَعْدَ وُجُودِ الْمُرَجِّحِ يَقْبَلُ الْوُجُودَ وَالْعَدَمَ وَحِينَئِذٍ فَيَفْتَقِرُ إلَى مُرَجِّحٍ. وَهَذَا يَسْتَلْزِمُ التَّسَلْسُلَ. وَلَا يَنْقَطِعُ التَّسَلْسُلُ إلَّا إذَا وُجِدَ الْمُرَجِّحُ التَّامُّ الْمُوجِبُ.
وَهُنَا تَنَازَعَ النَّاسُ فَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِثْلُ مُحَمَّدِ بْنِ الْهَيْصَمِ الكرامي وَمَحْمُودٍ الْخَوَارِزْمِيّ يَكُونُ الْمُمْكِنُ أَوْلَى بِالْوُقُوعِ لَكِنْ لَا يَنْتَهِي إلَى حَدِّ الْوُجُوبِ. وَقَالَ أَكْثَرُ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْأَشْعَرِيَّةِ: بَلْ لَا يَصِيرُ أَوْلَى وَلَكِنَّ الْقَادِرَ أَوْ الْقَادِرَ الْمُرِيدَ يُرَجِّحُ أَحَدَ الْمُتَمَاثِلَيْنِ بِلَا مُرَجِّحٍ. وَآخَرُونَ عَرَفُوا أَنَّ هَذَا لَازِمٌ فَاعْتَرَفُوا بِأَنَّهُ عِنْدَ وُجُودِ الْمُرَجِّحِ التَّامِّ يَجِبُ وُجُودُ الْأَثَرِ وَعِنْدَ الدَّاعِي التَّامِّ مَعَ الْقُدْرَةِ يَجِبُ وُجُودُ الْفِعْلِ كَمَا اعْتَرَفَ بِذَلِكَ أَبُو الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيُّ وَالرَّازِي والطوسي وَغَيْرُهُمْ. وَكَثِيرٌ مِنْ قُدَمَاءِ الْمُتَكَلِّمِينَ يَقُولُونَ بِالْإِرَادَةِ الْمُوجِبَةِ وَأَنَّ الْإِرَادَةَ تَسْتَلْزِمُ وُجُودَ الْمُرَادِ. والمتفلسفة أَوْرَدُوا هَذَا عَلَى الْمُتَكَلِّمِينَ لَكِنْ بِأَنَّ الْأَثَرَ يُقَارِنُ وُجُودَ التَّأْثِيرِ فَيَكُونُ مَعَهُ بِالزَّمَنِ. وَكَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ لَا يَعْرِفُ إلَّا هَذَا الْقَوْلَ وَذَاكَ الْقَوْلُ
(16/380)

كالرَّازِي وَغَيْرِهِ فَيَبْقَوْنَ حَيَارَى فِي هَذَا الْأَصْلِ الْعَظِيمِ الَّذِي هُوَ مِنْ أَعْظَمِ أُصُولِ الْعِلْمِ وَالدِّينِ وَالْكَلَامِ. وَقَدْ بَسَطْنَا الْكَلَامَ عَلَى هَذَا فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ وَبَيَّنَّا أَنَّ قَوْلًا ثَالِثًا هُوَ الصَّوَابُ الَّذِي عَلَيْهِ أَئِمَّةُ الْعِلْمِ. وَهُوَ أَنَّ التَّأْثِيرَ التَّامَّ يَسْتَلْزِمُ وُجُودَ الْأَثَرِ عَقِبَهُ لَا مَعَهُ فِي الزَّمَانِ وَلَا مُتَرَاخِيًا عَنْهُ. فَمَنْ قَالَ بِالتَّرَاخِي مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ فَقَدْ غَلِطَ وَمَنْ قَالَ بِالِاقْتِرَانِ كالمتفلسفة فَهُمْ أَعْظَمُ غَلَطًا. وَيَلْزَمُ قَوْلُهُمْ مِنْ الْمُحَالَاتِ مَا قَدْ بَيَّنَّاهُ فِي مَوَاضِعَ. وَأَمَّا هَذَا الْقَوْلُ فَعَلَيْهِ يَدُلُّ السَّمْعُ وَالْعَقْلُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {إنَّمَا أَمْرُهُ إذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} . وَالْعُقَلَاءُ يَقُولُونَ " قَطَّعْته فَانْقَطَعَ وَكَسَّرْته فَانْكَسَرَ " و " طَلَّقَ الْمَرْأَةَ فَطَلَقَتْ وَأَعْتَقَ الْعَبْدَ فَعَتَقَ ". فَالْعِتْقُ وَالطَّلَاقُ يَقَعَانِ عَقِبَ الْإِعْتَاقِ وَالتَّطْلِيقِ لَا يَتَرَاخَى الْأَثَرُ وَلَا يُقَارَنُ. وَكَذَلِكَ الِانْكِسَارُ وَالِانْقِطَاعُ مَعَ الْقَطْعِ وَالْكَسْرِ. وَهَذَا مِمَّا يُبَيِّنُ أَنَّهُ إذَا وُجِدَ الْخَلْقُ لَزِمَ وُجُودُ الْمَخْلُوقِ عَقِبَهُ كَمَا يُقَالُ: كَوْنُ اللَّهِ الشَّيْءَ فَتَكُونُ. فَتَكُونُهُ عَقِبَ تَكْوِينِ اللَّهِ لَا مَعَ التَّكْوِينِ وَلَا مُتَرَاخِيًا.
(16/381)

وَكَذَلِكَ الْإِرَادَةُ التَّامَّةُ مَعَ الْقُدْرَةِ تَسْتَلْزِمُ وُجُودَ الْمُرَادِ الْمَقْدُورِ. فَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَخْلُقَ فَيُوجَدُ الْخَلْقُ بِإِرَادَتِهِ وَقُدْرَتِهِ. ثُمَّ الْخَلْقُ يَسْتَلْزِمُ وُجُودَ الْمَخْلُوقِ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الْخَلْقُ حَادِثًا بِسَبَبِ آخَرَ يَكُونُ هَذَا عَقِبَهُ. فَإِنَّمَا فِي ذَلِكَ وُجُودُ الْأَثَرِ عَقِبَ الْمُؤَثِّرِ التَّامِّ وَالتَّسَلْسُلِ فِي الْآثَارِ. وَكِلَاهُمَا حَقٌّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَمَّا الْمَخْلُوقُ فَلَا يَكُونُ إلَّا بَائِنًا عَنْهُ لَا يَقُومُ بِهِ مَخْلُوقٌ. بَلْ نَفْسُ الْإِرَادَةِ مَعَ الْقُدْرَةِ تَقْتَضِي وُجُودَ الْخَلْقِ كَمَا تَقْتَضِي وُجُودَ الْكَلَامِ. وَلَا يَفْتَقِرُ الْخَلْقُ إلَى خَلْقٍ آخَرَ بَلْ يَفْتَقِرُ إلَى مَا بِهِ يَحْصُلُ وَهُوَ الْإِرَادَةُ الْمُتَقَدِّمَةُ. وَإِذَا خَلَقَ شَيْئًا أَرَادَ خَلْقَ شَيْءٍ آخَرَ وَمَا شَاءَ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ. وَمَنْ قَالَ: إنَّ الْخَلْقَ حَادِثٌ كالهشامية والكَرَّامِيَة قَالَ: نَحْنُ نَقُولُ بِقِيَامِ الْحَوَادِثِ. وَلَا دَلِيلَ عَلَى بُطْلَانِ ذَلِكَ. بَلْ الْعَقْلُ وَالنَّقْلُ وَالْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَإِجْمَاعُ السَّلَفِ يَدُلُّ عَلَى تَحْقِيقِ ذَلِكَ كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي مَوْضِعِهِ.
(16/382)

وَلَا يُمْكِنُ الْقَوْلُ بِأَنَّ اللَّهَ يُدَبِّرُ هَذَا الْعَالَمَ إلَّا بِذَلِكَ كَمَا اعْتَرَفَ بِذَلِكَ أَقْرَبُ الْفَلَاسِفَةِ إلَى الْحَقِّ كَأَبِي الْبَرَكَاتِ صَاحِبِ " الْمُعْتَبَرِ " وَغَيْرِهِ. وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: يَلْزَمُ أَنَّ لِلْخَلْقِ خَلْقًا آخَرَ فَقَدْ أَجَابَهُمْ مَنْ يَلْتَزِمُ ذَلِكَ كالكَرَّامِيَة وَغَيْرِهِمْ بِأَنَّكُمْ تَقُولُونَ: إنَّ الْمَخْلُوقَاتِ الْمُنْفَصِلَةَ تَحْدُثُ بِلَا حُدُوثِ سَبَبٍ أَصْلًا. وَحِينَئِذٍ فَالْقَوْلُ بِحُدُوثِ الْخَلْقِ الَّذِي تَحْصُلُ بِهِ الْمَخْلُوقَاتُ بِلَا حُدُوثِ سَبَبٍ أَقْرَبُ إلَى الْعَقْلِ وَالنَّقْلِ. وَهَذَا جَوَابٌ لَازِم عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ تَقْدِيرِ قِيَامِ الْأُمُورِ الِاخْتِيَارِيَّةِ. والكَرَّامِيَة يُسَمُّونَ مَا قَامَ بِهِ " حَادِثًا " وَلَا يُسَمُّونَهُ " مُحْدَثًا " كَالْكَلَامِ الَّذِي يَتَكَلَّمُ بِهِ الْقُرْآنُ أَوْ غَيْرُهُ يَقُولُونَ: هُوَ حَادِثٌ وَيَمْنَعُونَ أَنْ يُقَالَ: هُوَ مُحْدَثٌ لِأَنَّ " الْحَادِثَ " يَحْدُثُ بِقُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ ك " الْفِعْلِ ". وَأَمَّا " الْمُحْدَثُ " فَيَفْتَقِرُ إلَى إحْدَاثٍ فَيَلْزَمُ أَنْ يَقُومَ بِذَاتِهِ إحْدَاثُ غَيْرِ الْمُحْدَثِ وَذَلِكَ الْإِحْدَاثُ يَفْتَقِرُ إلَى إحْدَاثٍ فَيَلْزَمُ التَّسَلْسُلُ. وَأَمَّا غَيْرُ الكَرَّامِيَة مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ وَالسُّنَّةِ وَالْكَلَامِ فَيُسَمُّونَ ذَلِكَ " مُحْدَثًا " كَمَا قَالَ {مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ}
(16/383)

وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ. {إنَّ اللَّهَ يُحْدِثُ مِنْ أَمْرِهِ مَا يَشَاءُ وَإِنَّ مِمَّا أَحْدَثَ أَنْ لَا تَكَلَّمُوا فِي الصَّلَاةِ} . وَاَلَّذِي أَحْدَثَهُ هُوَ النَّهْيُ عَنْ تَكَلُّمِهِمْ فِي الصَّلَاةِ. وَقَوْلُهُمْ " إنَّ الْمُحْدَثَ يَفْتَقِرُ إلَى إحْدَاثٍ وَهَلُمَّ جَرًّا " هَذَا يَسْتَلْزِمُ التَّسَلْسُلَ فِي الْآثَارِ مِثْلُ كَوْنِهِ مُتَكَلِّمًا بِكَلَامِ بَعْدَ كَلَامٍ وَكَلِمَاتُ اللَّهِ لَا نِهَايَةَ لَهَا وَأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّمًا إذَا شَاءَ. وَهَذَا قَوْلُ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ وَهُوَ الْحَقُّ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ النَّقْلُ وَالْعَقْلُ. وَكَذَلِكَ أَفْعَالُهُ فَإِنَّ الْفِعْلَ وَالْكَلَامَ صِفَةُ كَمَالٍ. فَإِنَّ مَنْ يَتَكَلَّمُ أَكْمَلُ مِمَّنْ لَا يَتَكَلَّمُ وَمَنْ يَخْلُقُ أَكْمَلُ مِمَّنْ لَا يَخْلُقُ. قَالَ تَعَالَى {أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} . وَحِينَئِذٍ فَهُوَ مَا زَالَ مُتَّصِفًا بِصِفَاتِ الْكَمَالِ مَنْعُوتًا بِنُعُوتِ الْإِكْرَامِ وَالْجَلَالِ. وَبِهَذَا تَزُولُ أَنْوَاعُ الْإِشْكَالِ وَيُعْلَمُ أَنَّ مَا أَخْبَرَتْ بِهِ الرُّسُلُ عَنْ اللَّهِ مِنْ أَصْدَقِ الْأَقْوَالِ وَأَنَّ دَلَائِلَ الْعُقُولِ لَا تَدُلُّ إلَّا عَلَى مَا يُوَافِقُ أَخْبَارَ الرَّسُولِ. وَلَكِنْ نَشَأَ الْغَلَطُ مِنْ جَهْلِ كَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ بِمَا أَخْبَرَ بِهِ الرَّسُولُ
(16/384)

وَسُلُوكِهِمْ أَدِلَّةً بِرَأْيِهِمْ ظَنُّوهَا عَقْلِيَّةً وَهِيَ جهلية. فَغَلِطُوا فِي الدَّلَائِلِ السَّمْعِيَّةِ وَالْعَقْلِيَّةِ فَاخْتَلَفُوا {وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ} . وَقَدْ بُسِطَ الْكَلَامُ عَلَى هَذَا فِي مَوَاضِعَ فِي مَسْأَلَةِ الْكَلَامِ وَالْأَفْعَالِ وَذُكِرَ مَا تَيَسَّرَ مِنْ كَلَامِ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ فِي هَذَا الْأَصْلِ وَالْمَقْصُودُ هُنَا التَّنْبِيهُ عَلَى مَآخِذَ الْأَقْوَالِ. وَهَذَا الْمَوْضِعُ مِمَّا بَيَّنَهُ أَئِمَّةُ السُّنَّةِ كَالْإِمَامِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ. فَتَكَلَّمَ فِي " الرَّدِّ عَلَى الْجَهْمِيَّة " عَلَى قَوْلِهِ {إنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا} . وَبَيَّنَ أَنْ " الْجَعْلَ " مِنْ اللَّهِ قَدْ يَكُونُ " خَلْقًا " كَقَوْلِهِ {وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ} وَقَدْ يَكُونُ " فِعْلًا لَيْسَ بِخَلْقِ " وَقَوْلِهِ {إنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا} مِنْ هَذَا الْبَابِ. وَذَلِكَ أَنَّ الْخَلْقَ وَنَحْوَهُ مِنْ الْأَفْعَالِ الَّتِي لَيْسَتْ خَلْقًا مِثْلُ تَكَلُّمِهِ بِالْقُرْآنِ وَغَيْرِهِ وَتَكَلُّمِهِ لِمُوسَى وَغَيْرِهِ وَمِثْلُ النُّزُولِ وَالْإِتْيَانِ وَالْمَجِيءِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَهَذِهِ إنَّمَا تَكُونُ بِقُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ وَبِأَفْعَالِ أُخَرٍ تَقُومُ بِذَاتِهِ لَيْسَتْ خَلْقًا. وَبِهَذَا يُجِيبُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ للكرامية إذَا قَالُوا: " الْمُحْدَثُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ إحْدَاثٍ؟ " فَيَقُولُ: " نَعَمْ وَذَلِكَ الْإِحْدَاثُ
(16/385)

فِعْلٌ لَيْسَ بِخَلْقِ " و " التَّسَلْسُلُ " نَلْتَزِمُهُ. فَإِنَّ التَّسَلْسُلَ الْمُمْتَنِعَ هُوَ وُجُودُ الْمُتَسَلْسِلَاتِ فِي آنٍ وَاحِدٍ؛ كَوُجُودِ خَالِقٍ لِلْخَالِقِ وَخَالِقٍ لِلْخَالِقِ أَوْ لِلْخَلْقِ خَلْقٌ وَلِلْخَلْقِ خَلْقٌ فِي آنٍ وَاحِدٍ. وَهَذَا مُمْتَنِعٌ مِنْ وُجُوهٍ. مِنْهَا وُجُودُ مَا لَا يَتَنَاهَى فِي آنٍ وَاحِدٍ وَهَذَا مُمْتَنِعٌ مُطْلَقًا. وَمِنْهَا أَنَّ كُلَّ مَا ذُكِرَ يَكُونُ " مُحْدَثًا " لَا " مُمْكِنًا " وَلَيْسَ فِيهَا مَوْجُودٌ بِنَفْسِهِ يَنْقَطِعُ بِهِ التَّسَلْسُلُ وَإِذَا كَانَ أَوْلَى بِالِامْتِنَاعِ. بِخِلَافِ مَا إذَا قِيلَ " كَانَ قَبْلَ هَذَا الْكَلَامِ كَلَامٌ وَقَبْلَ هَذَا الْفِعْلِ فِعْلٌ " جَائِزٌ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُقَلَاءِ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ وَأَئِمَّةِ الْفَلَاسِفَةِ وَغَيْرِهِمْ. فَإِذَا قِيلَ " هَذَا الْكَلَامُ الْمُحْدَثُ أَحْدَثَهُ فِي نَفْسِهِ " كَانَ هَذَا مَعْقُولًا. وَهُوَ مِثْلُ قَوْلِنَا " تَكَلَّمَ بِهِ ". وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ {إنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا} أَيْ تَكَلَّمْنَا بِهِ عَرَبِيًّا وَأَنْزَلْنَاهُ عَرَبِيًّا. وَكَذَلِكَ فَسَّرَهُ السَّلَفُ كَإِسْحَاقِ بْنِ رَاهَوَيْه وَذَكَرَهُ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: {جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا} قُلْنَاهُ عَرَبِيًّا ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ إسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْه قَالَ: ذُكِرَ لَنَا عَنْ مُجَاهِدٍ وَغَيْرِهِ مِنْ التَّابِعِينَ {إنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا} إنَّا قُلْنَاهُ وَوَصَفْنَاهُ. وَذَكَرَهُ
(16/386)

عَنْ أَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ عَنْ الأشجعي عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ فِي قَوْلِهِ {جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا} بَيَّنَّاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا. وَالْإِنْسَانُ يُفَرِّقُ بَيْنَ تَكَلُّمِهِ وَتَحَرُّكِهِ فِي نَفْسِهِ وَبَيْنَ تَحْرِيكِهِ لِغَيْرِهِ. وَقَدْ احْتَجَّ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَة وَغَيْرُهُ مِنْ السَّلَفِ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ بِأَنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْأَشْيَاءَ بـ " كُنْ ". فَلَوْ كَانَتْ " كُنْ " مَخْلُوقَةً لَزِمَ أَنْ يَكُونَ خَلَقَ مَخْلُوقًا بِمَخْلُوقِ فَيَلْزَمُ التَّسَلْسُلُ الْبَاطِلُ. وَذَلِكَ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَخْلُقُ إلَّا بـ " كُنْ " فَلَوْ كَانَتْ " كُنْ " مَخْلُوقَةً لَزِمَ أَنْ لَا يَخْلُقَ شَيْئًا. وَهُوَ الدَّوْرُ الْمُمْتَنِعُ. فَإِنَّهُ لَا يَخْلُقُ شَيْئًا حَتَّى يَقُولَ " كُنْ " وَلَا يَقُولُ " كُنْ " حَتَّى يَخْلُقَهَا فَلَا يَخْلُقُ شَيْئًا. وَهَذَا تَسَلْسُلٌ فِي أَصْلِ التَّأْثِيرِ وَالْفِعْلِ مِثْلُ أَنْ يُقَالَ: لَا يَفْعَلُ حَتَّى يَفْعَلَ فَيَلْزَمُ أَنْ لَا يَفْعَلَ؛ وَلَا يَخْلُقُ حَتَّى يَخْلُقَ فَيَلْزَمُ أَنْ لَا يَخْلُقَ. وَأَمَّا إذَا قِيلَ: قَالَ " كُنْ " وَقَبْلَ " كُنْ " " كُنْ " وَقَبْلَ " كُنْ " " كُنْ " فَهَذَا لَيْسَ بِمُمْتَنِعِ. فَإِنَّ هَذَا تَسَلْسُلٌ فِي آحَادِ التَّأْثِيرِ لَا فِي جِنْسِهِ. كَمَا أَنَّهُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ يَقُولُ " كُنْ " بَعْدَ " كُنْ " وَيَخْلُقُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ إلَى غَيْرِ نِهَايَةٍ. فَالْمَخْلُوقَاتُ التَّامَّةُ يَخْلُقُهَا بِخَلْقِهِ وَخَلْقُهُ فِعْلُهُ الْقَائِمُ بِهِ وَذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ بِقُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ.
(16/387)

وَإِذَا قِيلَ: هَذَا الْفِعْلُ الْقَائِمُ بِهِ يَفْتَقِرُ إلَى فِعْلٍ آخَرَ يَكُونُ هُوَ الْمُؤَثِّرُ فِي وُجُودِهِ غَيْرُ الْقُدْرَةِ وَالْإِرَادَةِ فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ مُجَرَّدُ ذَلِكَ كَافِيًا كَفَى فِي وُجُودِ الْمَخْلُوقِ فَلَمَّا كَانَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ خَلْقٍ فَهَذَا الْخَلْقُ أَمْرٌ حَادِثٌ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ وَهُوَ فِعْلٌ قَائِمٌ بِهِ. فَالْمُؤَثِّرُ التَّامُّ فِيهِ يَكُونُ مُسْتَلْزِمًا لَهُ مُسْتَعْقِبًا لَهُ كَالْمُؤَثِّرِ التَّامِّ فِي وُجُودِ الْكَلَامِ الْحَادِثِ بِذَاتِهِ. وَالْمُتَكَلِّمُ مِنْ النَّاسِ إذَا تَكَلَّمَ فَوُجُودُ الْكَلَامِ لَفْظِهِ وَمَعْنَاهُ مَسْبُوقٌ بِفِعْلِ آخَرَ. فَلَا بُدَّ مِنْ حَرَكَةٍ تَسْتَعْقِبُ وُجُودَ الْحُرُوفِ الَّتِي هِيَ الْكَلَامُ. فَتِلْكَ الْحَرَكَةُ هِيَ الَّتِي تَجْعَلُ الْكَلَامَ عَرَبِيًّا أَوْ عَجَمِيًّا وَهُوَ فِعْلٌ يَقُومُ بِالْفَاعِلِ. وَذَلِكَ الْجَعْلُ الْحَادِثُ حَدَثَ بِمُؤَثِّرِ تَامٍّ قَبْلَهُ أَيْضًا. وَذَاتُ الرَّبِّ هِيَ الْمُقْتَضِيَةُ لِذَلِكَ كُلِّهِ. فَهِيَ تَقْتَضِي الثَّانِي بِشَرْطِ انْقِضَاءِ الْأَوَّلِ لَا مَعَهُ. وَاقْتِضَاؤُهَا لِلثَّانِي فِعْلٌ يَقُومُ بِهَا بَعْدَ الْأَوَّلِ. وَهِيَ مُقْتَضِيَةٌ لِهَذَا التَّأْثِيرِ وَهَذَا التَّأْثِيرِ. ثُمَّ هَذَا التَّأْثِيرِ وَكُلُّ تَأْثِيرٍ هُوَ مُسَبَّبٌ عَمَّا قَبْلَهُ وَشَرْطٌ لِمَا بَعْدَهُ. وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ مَخْلُوقٌ وَإِنْ كَانَتْ " حَادِثَةً ". وَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: أَنَا أُسَمِّي هَذَا " خَلْقًا " كَانَ نِزَاعُهُ لَفْظِيًّا وَقِيلَ لَهُ: الَّذِينَ قَالُوا " الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ " لَمْ يَكُنْ مُرَادُهُمْ هَذَا وَلَا رَدَّ السَّلَفُ وَالْأَئِمَّةُ هَذَا. إنَّمَا رَدُّوا قَوْلَ مَنْ جَعَلَهُ مَخْلُوقًا بَائِنًا عَنْ اللَّهِ كَمَا قَالَ
(16/388)

الْإِمَامُ أَحْمَد: كَلَامُ اللَّه مِنْ اللَّهِ لَيْسَ بَائِنًا عَنْهُ. وَقَالُوا: الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ مِنْهُ بَدَأَ. قَالَ أَحْمَد: مِنْهُ بَدَأَ هُوَ الْمُتَكَلِّمُ بِهِ لَمْ يَبْدَأْ مِنْ مَخْلُوقٍ كَمَا قَالَ مَنْ قَالَ: إنَّهُ مَخْلُوقٌ. قَالَ تَعَالَى {وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ} . وَلِهَذَا لَا يَقُولُ أَحَدٌ إنَّهُ خَلَقَ نُزُولَهُ وَاسْتِوَاءَهُ وَمَجِيئَهُ. وَكَذَلِكَ تَكْلِيمُهُ لِمُوسَى وَنِدَاؤُهُ لَهُ نَادَاهُ وَكَلَّمَهُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ. وَالتَّكْلِيمُ فِعْلٌ قَامَ بِذَاتِهِ وَلَيْسَ هُوَ الْخَلْقُ كَمَا أَنَّ الْإِنْسَانَ إذَا تَكَلَّمَ فَقَدْ فَعَلَ كَلَامًا وَأَحْدَثَ كَلَامًا وَلَكِنْ فِي نَفْسِهِ لَا مُبَايِنًا لَهُ. وَلِهَذَا كَانَ الْكَلَامُ صِفَةَ فِعْلٍ وَهُوَ صِفَةُ ذَاتٍ أَيْضًا عَلَى مَذْهَبِ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ. وَمَنْ قَالَ إنَّهُ مَخْلُوقٌ يَقُولُ: إنَّهُ صِفَةُ فِعْلٍ وَيُجْعَلُ الْفِعْلُ بَائِنًا عَنْهُ وَالْكَلَامُ بَائِنًا عَنْهُ. وَمَنْ قَالَ صِفَةَ ذَاتٍ يَقُولُ: إنَّهُ يَتَكَلَّمُ بِلَا مَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ. وَمَذْهَبُ السَّلَفِ أَنَّهُ يَتَكَلَّمُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ وَكَلَامُهُ قَائِمٌ بِهِ. فَهُوَ صِفَةُ
(16/389)

ذَاتٍ وَصْفَةُ فِعْلٍ. وَلَكِنَّ الْفِعْلَ هُنَا لَيْسَ هُوَ الْخَلْقُ بَلْ كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَد: الْجَعْلُ جعلان جَعْلٌ هُوَ خَلْقٌ وَجَعْلٌ لَيْسَ بِخَلْقِ. وَهَذَا كُلُّهُ يَسْتَلْزِمُ قِيَامَ الْأَفْعَالِ بِذَاتِهِ وَأَنَّهَا تَنْقَسِمُ إلَى قِسْمَيْنِ أَفْعَالٌ مُتَعَدِّيَةٌ كَالْخَلْقِ وَأَفْعَالٌ لَازِمَةٌ كَالتَّكَلُّمِ وَالنُّزُولِ. وَالسَّلَفُ يُثْبِتُونَ النَّوْعَيْنِ هَذَا وَغَيْرَهُ. وَأَمَّا جَعْلُ الْقُرْآنِ عَرَبِيًّا وَإِنْ كَانَ مُتَعَدِّيًا فِي صِنَاعَةِ الْعَرَبِيَّةِ بِمَعْنَى أَنَّهُ نَصَبَ مَفْعُولًا فَفِي " الْكَلَامِ " الْفِعْلُ الَّذِي هُوَ " التَّكَلُّمُ " مُتَّصِلًا بِالْمَفْعُولِ الَّذِي هُوَ " الْكَلَامُ " كِلَاهُمَا قَائِمٌ بِالْمُتَكَلِّمِ. وَلِهَذَا قَدْ يُرَادُ بِالْمَفْعُولِ الْمَصْدَرُ. إذَا قُلْت " قَالَ قَوْلًا حَسَنًا " فَقَدْ يُرَادُ بـ " الْقَوْلِ " الْمَصْدَرُ فَقَطْ وَقَدْ يُرَادُ بِهِ " الْكَلَامُ " فَقَطْ فَيَكُونُ الْمَفْعُولَ وَقَدْ يُرَادُ بِهِ الْمَجْمُوعُ فَيَكُونُ مَفْعُولًا بِهِ وَمَصْدَرًا. وَكَذَلِكَ " الْقُرْآنُ " هُوَ فِي الْأَصْلِ " قَرَأَ قُرْآنًا " وَهُوَ الْفِعْلُ وَالْحَرَكَةُ ثُمَّ سُمِّيَ الْكَلَامُ الْمَقْرُوءُ " قُرْآنًا ". قَالَ تَعَالَى فِي الْأَوَّلِ {إنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ} {فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ} وَقَالَ فِي الثَّانِي {إنَّ هَذَا الْقُرْآنَ} .
وَقَدْ بُسِطَ هَذَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ وَبَيَّنَ أَنَّ التِّلَاوَةَ وَالْقِرَاءَةَ فِي
(16/390)

الْأَصْلِ مَصْدَرُ " تَلَا تِلَاوَةً وَقَرَأَ قِرَاءَةً كَالْقُرْآنِ " لَكِنْ يُسَمَّى بِهِ الْكَلَامُ كَمَا يُسَمَّى بِالْقُرْآنِ. وَحِينَئِذٍ فَتَكُونُ الْقِرَاءَةُ هِيَ الْمَقْرُوءَ وَالتِّلَاوَةُ هِيَ الْمَتْلُوَّ. وَقَدْ يُرَادُ بِالتِّلَاوَةِ وَالْقِرَاءَةِ الْمَصْدَرُ الَّذِي هُوَ الْفِعْلُ فَلَا تَكُونُ الْقِرَاءَةُ وَالتِّلَاوَةُ هِيَ الْمَقْرُوءَ الْمَتْلُوَّ بَلْ تَكُونُ مُسْتَلْزِمَةً لَهُ. وَقَدْ يُرَادُ بِالتِّلَاوَةِ وَالْقِرَاءَةِ مَجْمُوعُ الْأَمْرَيْنِ فَلَا تَكُونُ هِيَ الْمَتْلُوَّ لِأَنَّ فِيهَا الْفِعْلَ وَلَا تَكُونُ مُبَايِنَةً مُغَايِرَةً لِلْمَتْلُوِّ لِأَنَّ الْمَتْلُوَّ جُزْؤُهَا. هَذَا إذَا أُرِيدَ بِالْقِرَاءَةِ وَالْمَقْرُوءِ شَيْءٌ وَاحِدٌ مُعَيَّنٌ مِثْلُ قِرَاءَةِ الرَّبِّ وَمَقْرُوئِهِ أَوْ قِرَاءَةِ الْعَبْدِ وَمَقْرُوئِهِ. وَأَمَّا إذَا أُرِيدَ بِالْقِرَاءَةِ قِرَاءَةُ الْعَبْدِ وَهِيَ حَرَكَتُهُ وَبِالْمَقْرُوءِ صِفَةُ الرَّبِّ فَلَا رَيْبَ أَنَّ حَرَكَةَ الْعَبْدِ لَيْسَتْ صِفَةَ الرَّبِّ. وَلَكِنْ هَذَا تَكَلُّفٌ. بَلْ قِرَاءَةُ الْعَبْدِ مَقْرُوءُهُ كَمَقْرُوئِهِ. وَقِرَاءَتُهُ لِلْقُرْآنِ إذَا عَنَى بِهَا نَفْسَ الْقُرْآنِ فَهِيَ مَقْرُوءُهُ. وَإِنْ عَنَى بِهَا حَرَكَتَهُ فَلَيْسَتْ مَقْرُوءَهُ. وَإِنْ عَنَى بِهَا الْأَمْرَانِ فَلَا يُطْلَقُ أَحَدُهُمَا. وَلِهَذَا كَانَ مِنْ الْمُنْتَسِبِينَ إلَى السُّنَّةِ مَنْ يَقُولُ: الْقِرَاءَةُ هِيَ الْمَقْرُوءُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: الْقِرَاءَةُ غَيْرُ الْمَقْرُوءِ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُطْلِقُ وَاحِدًا
(16/391)

مِنْهُمَا وَلِكُلِّ قَوْلٍ وَجْهٌ مِنْ الصَّوَابِ عِنْدَ التَّصَوُّرِ التَّامِّ وَالْإِنْصَافِ. وَلَيْسَ فِيهَا قَوْلٌ يُحِيطُ بِالصَّوَابِ بَلْ كُلُّ قَوْلٍ فِيهِ صَوَابٌ مِنْ وَجْهٍ وَقَدْ يَكُونُ خَطَأً مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَالْبُخَارِيُّ إنَّمَا يُثْبِتُ خَلْقَ أَفْعَالِ الْعِبَادِ حَرَكَاتِهِمْ وَأَصْوَاتِهِمْ. وَهَذِهِ الْقِرَاءَةُ هِيَ فِعْلُ الْعَبْدِ يُؤْمَرُ بِهِ وَيُنْهَى عَنْهُ. وَأَمَّا الْكَلَامُ نَفْسُهُ فَهُوَ كَلَامُ اللَّهِ. وَلَمْ يَقُلْ الْبُخَارِيُّ إنَّ لَفْظَ الْعَبْدِ مَخْلُوقٌ وَلَا غَيْرَ مَخْلُوقٍ كَمَا نَهَى أَحْمَد عَنْ هَذَا وَهَذَا. وَاَلَّذِي قَالَ الْبُخَارِيُّ إنَّهُ مَخْلُوقٌ مِنْ أَفْعَالِ الْعِبَادِ وَصِفَاتِهِمْ لَمْ يَقُلْ أَحْمَد وَلَا غَيْرُهُ مِنْ السَّلَفِ إنَّهُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ وَإِنْ سَكَتُوا عَنْهُ لِظُهُورِ أَمْرِهِ وَلِكَوْنِهِمْ كَانُوا يَقْصِدُونَ الرَّدَّ عَلَى الْجَهْمِيَّة. وَاَلَّذِي قَالَ أَحْمَد إنَّهُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ هُوَ كَلَامُ اللَّهِ لَا صِفَةُ الْعِبَادِ لَمْ يَقُلْ الْبُخَارِيُّ إنَّهُ مَخْلُوقٌ. وَلَكِنَّ أَحْمَد كَانَ مَقْصُودُهُ الرَّدَّ عَلَى مَنْ يَجْعَلُ كَلَامَ اللَّهِ مَخْلُوقًا إذَا بُلِّغَ عَنْ اللَّهِ وَالْبُخَارِيَّ كَانَ مَقْصُودُهُ الرَّدَّ عَلَى مَنْ يَقُولُ: أَفْعَالُ الْعِبَادِ وَأَصْوَاتُهُمْ غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ. وَكِلَا الْقَصْدِينَ صَحِيحٌ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُمَا. وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ ابْنُ قُتَيْبَةَ فِي
(16/392)

مَسْأَلَةِ اللَّفْظِ وَلَكِنَّ الْمُنْحَرِفُونَ إلَى أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ يُنْكِرُونَ عَلَى الْآخَرِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ:
وَأَمَّا الْأَفْعَالُ اللَّازِمَةُ كَالِاسْتِوَاءِ وَالْمَجِيءِ فَالنَّاسُ مُتَنَازِعُونَ فِي نَفْسِ إثْبَاتِهَا. لِأَنَّ هَذِهِ لَيْسَ فِيهَا مَفْعُولٌ مَوْجُودٌ يَعْلَمُونَهُ حَتَّى يَسْتَدِلُّوا بِثُبُوتِ الْمَخْلُوقِ عَلَى الْخَلْقِ وَإِنَّمَا عُرِفَتْ بِالْخَبَرِ. فَالْأَصْلُ فِيهَا الْخَبَرُ لَا الْعَقْلُ. وَلِهَذَا كَانَ الَّذِينَ يَنْفُونَ الصِّفَاتِ الْخَبَرِيَّةَ يَنْفُونَهَا مِمَّنْ يَقُولُ " الْخَلْقُ غَيْرُ الْمَخْلُوقِ ". وَمِمَّنْ يَقُولُ " الْخَلْقُ هُوَ الْمَخْلُوقُ " وَمَنْ يُثْبِتُ الصِّفَاتِ الْخَبَرِيَّةَ مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ يُثْبِتُهَا.
وَاَلَّذِينَ أَثْبَتُوا الصِّفَاتِ الْخَبَرِيَّةَ لَهُمْ فِي هَذِهِ قَوْلَانِ:
مِنْهُمْ مَنْ يَجْعَلُهَا مِنْ جِنْسِ الْفِعْلِ الْمُتَعَدِّي بِجَعْلِهَا أُمُورًا حَادِثَةً فِي غَيْرِهَا. وَهَذَا قَوْلُ الْأَشْعَرِيِّ وَأَئِمَّةِ أَصْحَابِهِ وَمَنْ وَافَقَهُمْ كَالْقَاضِي أَبِي يَعْلَى وَابِنّ الزَّاغُونِي وَابْنِ عَقِيلٍ فِي كَثِيرٍ مِنْ أَقْوَالِهِ. فَالْأَشْعَرِيُّ يَقُولُ: الِاسْتِوَاءُ فِعْلٌ فَعَلَهُ فِي الْعَرْشِ فَصَارَ بِهِ
(16/393)

مُسْتَوِيًا عَلَى الْعَرْشِ. وَكَذَلِكَ يَقُولُ فِي الْإِتْيَانِ وَالنُّزُولِ. وَيَقُولُ: هَذِهِ الْأَفْعَالُ لَيْسَتْ مِنْ خَصَائِصِ الْأَجْسَامِ بَلْ تُوصَفُ بِهَا الْأَجْسَامُ وَالْأَعْرَاضُ فَيُقَالُ " جَاءَتْ الْحُمَّى وَجَاءَ الْبَرْدُ وَجَاءَ الْحُرُّ " وَنَحْوُ ذَلِكَ. وَهَذَا أَيْضًا قَوْلُ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ وَالْقَاضِي أَبِي يَعْلَى وَغَيْرِهِمَا. وَحَمَلُوا مَا رُوِيَ عَنْ السَّلَفِ كالأوزاعي وَغَيْرِهِ أَنَّهُمْ قَالُوا فِي النُّزُولِ: يَفْعَلُ اللَّه فَوْقَ الْعَرْشِ بِذَاتِهِ كَمَا حَكَاهُ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ عَنْ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ وَكَمَا حَكَوْهُ عَنْ الْأَشْعَرِيِّ وَغَيْرِهِ كَمَا ذُكِرَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كُتُبِهِ. وَلَكِنْ عِنْدَهُمْ هَذَا مِنْ الصِّفَاتِ الْخَبَرِيَّةِ. وَهَذَا قَوْلُ البيهقي وَطَائِفَةٍ وَهُوَ أَوَّلُ قَوْلَيْ الْقَاضِي أَبِي يَعْلَى. وَكُلُّ مَنْ قَالَ إنَّ الرَّبَّ لَا تَقُومُ بِهِ الصِّفَاتُ الِاخْتِيَارِيَّةُ فَإِنَّهُ يَنْفِي أَنْ يَقُومَ بِهِ فِعْلٌ شَاءَهُ سَوَاءٌ كَانَ لَازِمًا أَوْ مُتَعَدِّيًا. لَكِنْ مَنْ أَثْبَتَ مِنْ هَؤُلَاءِ فِعْلًا قَدِيمًا كَمَنْ يَقُولُ بِالتَّكْوِينِ وَبِهَذَا فَإِنَّهُ يَقُولُ: ذَلِكَ الْقَدِيمُ قَامَ بِهِ بِغَيْرِ مَشِيئَتِهِ كَمَا يَقُولُونَ فِي إرَادَتِهِ الْقَدِيمَةِ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي أَنَّهَا كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ أَفْعَالٌ تَقُومُ بِذَاتِهِ بِمَشِيئَتِهِ
(16/394)

وَاخْتِيَارِهِ كَمَا قَالُوا مِثْلَ ذَلِكَ فِي الْأَفْعَالِ الْمُتَعَدِّيَةِ. وَهَذَا قَوْلُ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ وَالتَّصَوُّفِ. وَكَثِيرٍ مِنْ أَصْنَافِ أَهْلِ الْكَلَامِ كَمَا تَقَدَّمَ. وَعَلَى هَذَا يَنْبَنِي نِزَاعُهُمْ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ {ثُمَّ اسْتَوَى إلَى السَّمَاءِ} وَقَوْلِهِ {هَلْ يَنْظُرُونَ إلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ} وَقَوْلِهِ: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} وَنَحْوِ ذَلِكَ فَمَنْ نَفَى هَذِهِ الْأَفْعَالَ يَتَأَوَّلُ إتْيَانَهُ بِإِتْيَانِ أَمْرِهِ أَوْ بَأْسِهِ وَالِاسْتِوَاءَ عَلَى الْعَرْشِ بِجَعْلِهِ الْقُدْرَةَ وَالِاسْتِيلَاءَ أَوْ بِجَعْلِهِ عُلُوَّ الْقَدْرِ. فَإِنَّ الِاسْتِوَاءَ لِلنَّاسِ فِيهِ قَوْلَانِ هَلْ هُوَ مِنْ صِفَاتِ الْفِعْلِ أَوْ الذَّاتِ عَلَى قَوْلَيْنِ. وَالْقَائِلُونَ بِأَنَّهُ صِفَةُ ذَاتٍ يَتَأَوَّلُونَهُ بِأَنَّهُ قَدَرَ عَلَى الْعَرْشِ. وَهُوَ مَا زَالَ قَادِرًا وَمَا زَالَ عَالِيَ الْقَدْرِ؛ فَلِهَذَا ظَهَرَ ضَعْفُ هَذَا الْقَوْلِ مِنْ وُجُوهٍ. مِنْهَا قَوْلُهُ {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} فَأَخْبَرَ أَنَّهُ اسْتَوَى بِحَرْفِ " ثُمَّ ".
(16/395)

وَمِنْهَا أَنَّهُ عَطَفَ فِعْلًا عَلَى فِعْلٍ فَقَالَ: خَلَقَ ثُمَّ اسْتَوَى. وَمِنْهَا أَنَّ مَا ذَكَرُوهُ لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ الْعَرْشِ وَغَيْرِهِ. وَإِذَا قِيلَ إنَّ الْعَرْشَ أَعْظَمُ الْمَخْلُوقَاتِ فَهَذَا لَا يَنْفِي ثُبُوتَ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ كَمَا فِي قَوْلِهِ {رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} . لَمَّا ذَكَرَ رُبُوبِيَّتَهُ لِلْعَرْشِ لِعَظْمَتِهِ وَالرُّبُوبِيَّةُ عَامَّةٌ جَازَ أَنْ يُقَالَ " رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ " وَيُقَالُ {رَبِّ الْعَالَمِينَ} {رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ} وَالِاسْتِوَاءُ مُخْتَصٌّ بِالْعَرْشِ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ مَعَ أَنَّهُ مُسْتَوْلٍ مُقْتَدِرٌ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا. فَلَوْ كَانَ اسْتِوَاؤُهُ عَلَى الْعَرْشِ هُوَ قُدْرَتُهُ عَلَيْهِ جَازَ أَنْ يُقَالَ: عَلَى السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا. وَهَذَا مِمَّا احْتَجَّ بِهِ طَوَائِفُ مِنْهُمْ الْأَشْعَرِيُّ. قَالَ: فِي إجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّ الِاسْتِوَاءَ مُخْتَصٌّ بِالْعَرْشِ دَلِيلٌ عَلَى فَسَادِ هَذَا الْقَوْلِ. وَأَيْضًا فَإِنَّهُ مَا زَالَ مُقْتَدِرًا عَلَيْهِ مِنْ حِينِ خَلَقَهُ. وَمِنْهَا كَوْنُ لَفْظِ " الِاسْتِوَاءِ " فِي لُغَةِ الْعَرَبِ يُقَالُ عَلَى الْقُدْرَةِ أَوْ عُلُوِّ الْقَدْرِ مَمْنُوعٌ عِنْدَهُمْ. وَالِاسْتِعْمَالُ الْمَوْجُودُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَكَلَامِ الْعَرَبِ يَمْنَعُ هَذَا كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي مَوْضِعِهِ. وَتَكَلَّمَ عَلَى الْبَيْتِ الَّذِي يَحْتَجُّونَ بِهِ:
(16/396)

ثُمَّ اسْتَوَى بِشْرٌ عَلَى الْعِرَاقِ ... مِنْ غَيْرِ سَيْفٍ وَدَمٍ مِهْرَاقِ
وَأَنَّهُ لَوْ كَانَ صَحِيحًا لَمْ يَكُنْ فِيهِ حُجَّةٌ. فَإِنَّهُمْ لَمْ يَقُولُوا: اسْتَوَى عُمَرُ عَلَى الْعِرَاقِ لَمَّا فَتَحَهَا وَلَا اسْتَوَى عُثْمَانُ عَلَى خُرَاسَانَ وَلَا اسْتَوَى رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْيَمَنِ. وَإِنَّمَا قِيلَ هَذَا الْبَيْتُ إنْ صَحَّ فِي بِشْرِ بْنِ مَرْوَانَ لَمَّا دَخَلَ الْعِرَاقَ وَاسْتَوَى عَلَى كُرْسِيِّ مَلِكِهَا. فَقِيلَ هَذَا كَمَا يُقَالُ: جَلَسَ عَلَى سَرِيرِ الْمُلْكِ أَوْ تَحْتَ الْمُلْكِ وَيُقَالُ: قَعَدَ عَلَى الْمُلْكِ وَالْمُرَادُ هَذَا. وَأَيْضًا فَالْآيَاتُ الْكَثِيرَةُ وَالْأَحَادِيثُ الْكَثِيرَةُ وَإِجْمَاعُ السَّلَفِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ فَوْقَ الْعَرْشِ كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي مَوَاضِعَ. وَأَمَّا الَّذِينَ قَالُوا: الِاسْتِوَاءُ صِفَةُ فِعْلٍ فَهَؤُلَاءِ لَهُمْ قَوْلَانِ هُنَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ هَلْ هُوَ فِعْلٌ بَائِنٌ عَنْهُ لِأَنَّ الْفِعْلَ بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ أَمْ فِعْلٌ قَائِمٌ بِهِ يَحْصُلُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ. الْأَوَّلُ قَوْلُ ابْنِ كِلَابٍ وَمَنْ اتَّبَعَهُ كَالْأَشْعَرِيِّ وَغَيْرِهِ. وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي وَابْنِ عَقِيلٍ وَابْنِ الزَّاغُونِي وَغَيْرِهِمْ.
(16/397)

وَالثَّانِي قَوْلُ أَئِمَّةِ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالسُّنَّةِ وَكَثِيرٍ مِنْ طَوَائِفِ الْكَلَامِ كَمَا تَقَدَّمَ. وَلِهَذَا صَارَ لِلنَّاسِ فِيمَا ذَكَرَ اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ مِنْ الِاسْتِوَاءِ وَالْمَجِيءِ وَنَحْوِ ذَلِكَ سِتَّةُ أَقْوَالٍ. طَائِفَةٌ يَقُولُونَ: تَجْرِي عَلَى ظَاهِرِهَا وَيَجْعَلُونَ إتْيَانَهُ مِنْ جِنْسِ إتْيَانِ الْمَخْلُوقِ وَنُزُولَهُ مِنْ جِنْسِ نُزُولِهِمْ. وَهَؤُلَاءِ الْمُشَبِّهَةُ الْمُمَثِّلَةُ وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يَقُولُ: إذَا نَزَلَ خَلَا مِنْهُ الْعَرْشُ فَلَمْ يَبْقَ فَوْقَ الْعَرْشِ. وَطَائِفَةٌ يَقُولُونَ: بَلْ النُّصُوصُ عَلَى ظَاهِرِهَا اللَّائِقِ بِهِ كَمَا فِي سَائِرِ مَا وُصِفَ بِهِ فِي نَفْسِهِ وَهُوَ {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} لَا فِي ذَاتِهِ وَلَا فِي صِفَاتِهِ وَلَا فِي أَفْعَالِهِ. وَيَقُولُونَ: نَزَلَ نُزُولًا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ وَكَذَلِكَ يَأْتِي إتْيَانًا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ. وَهُوَ عِنْدُهُمْ يَنْزِلُ وَيَأْتِي وَلَمْ يَزَلْ عَالِيًا وَهُوَ فَوْقَ الْعَرْشِ كَمَا قَالَ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ: هُوَ فَوْقَ الْعَرْشِ يَقْرُبُ مِنْ خَلْقِهِ كَيْفَ شَاءَ. وَقَالَ إسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْه: يَنْزِلُ وَلَا يَخْلُو مِنْهُ الْعَرْشُ وَنُقِلَ ذَلِكَ عَنْ أَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ فِي رِسَالَتِهِ إلَى مُسَدَّدٍ. وَتَفْسِيرُ النُّزُولِ بِفِعْلِ يَقُومُ بِذَاتِهِ هُوَ قَوْلُ عُلَمَاءِ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَهُوَ الَّذِي حَكَاهُ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْهُمْ وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ الْقُدَمَاءِ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَد وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ ابْنُ حَامِدٍ وَغَيْرُهُ.
(16/398)

وَالْأَوَّلُ نَفْيُ قِيَامِ الْأُمُورِ الِاخْتِيَارِيَّةِ هُوَ قَوْلُ التَّمِيمِيِّ مُوَافَقَةً مِنْهُ لِابْنِ كِلَابٍ وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي أَبِي يَعْلَى وَأَتْبَاعِهِ. وَطَائِفَتَانِ يَقُولَانِ: بَلْ لَا يَنْزِلُ وَلَا يَأْتِي كَمَا تَقَدَّمَ ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ يَتَأَوَّلُ ذَلِكَ وَمِنْهُمْ مَنْ يُفَوِّضُ مَعْنَاهُ. وَطَائِفَتَانِ وَاقِفَتَانِ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: مَا نَدْرِي مَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَزِيدُ عَلَى تِلَاوَةِ الْقُرْآنِ. وَعَامَّةُ الْمُنْتَسِبِينَ إلَى السُّنَّةِ وَأَتْبَاعُ السَّلَفِ يُبْطِلُونَ تَأْوِيلَ مَنْ تَأَوَّلَ ذَلِكَ بِمَا يَنْفِي أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمُسْتَوِي الْآتِي لَكِنْ كَثِيرٌ مِنْهُمْ يَرُدُّ التَّأْوِيلَ الْبَاطِلَ وَيَقُولُ: مَا أَعِرْفُ مُرَادَ اللَّهِ بِهَذَا. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: هَذَا مِمَّا نُهِيَ عَنْ تَفْسِيرِهِ أَوْ مِمَّا يُكْتَمُ تَفْسِيرُهُ. وَمِنْهُمْ مَنْ يُقَرِّرُهُ كَمَا جَاءَتْ بِهِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ وَالْآثَارُ الْكَثِيرَةُ عَنْ السَّلَفِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ البغوي الْحُسَيْنُ بْنُ مَسْعُودٍ الْفَرَّاءُ الْمُلَقَّبُ بـ مُحْيِي السُّنَّةِ فِي تَفْسِيرِهِ: {ثُمَّ اسْتَوَى إلَى السَّمَاءِ} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَكْثَرُ مُفَسِّرِي السَّلَفِ: أَيْ ارْتَفَعَ إلَى السَّمَاءِ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ وَابْنُ كيسان
(16/399)

وَجَمَاعَةٌ مِنْ النَّحْوِيِّينَ: أَيْ أَقْبَلَ عَلَى خَلْقِ السَّمَاءِ. وَقِيلَ: قَصَدَ. وَهَذَا هُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي تَفْسِيرِهِ. قَالَ: {ثُمَّ اسْتَوَى إلَى السَّمَاءِ} أَيْ عَمَدَ إلَى خَلْقِهَا. وَكَذَلِكَ هُوَ يُرَجِّحُ قَوْلَ مَنْ يُفَسِّرُ الْإِتْيَانَ بِإِتْيَانِ أَمْرِهِ وَقَوْلَ مَنْ يَتَأَوَّلُ الِاسْتِوَاءَ. وَقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ فِي كُتُبٍ أُخْرَى وَوَافَقَ بَعْضَ أَقْوَالِ ابْنِ عَقِيلٍ. قَالَ: ابْنُ عَقِيلٍ لَهُ فِي هَذَا الْبَابِ أَقْوَالٌ مُخْتَلِفَةٌ وَتَصَانِيفُ يَخْتَلِفُ فِيهَا رَأْيُهُ وَاجْتِهَادُهُ. وَقَالَ البغوي فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} : قَالَ الْكَلْبِيُّ وَمُقَاتِلٌ: اسْتَقَرَّ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: صَعِدَ. وَأَوَّلَتْ الْمُعْتَزِلَةُ الِاسْتِوَاءَ بِالِاسْتِيلَاءِ. وَأَمَّا أَهْلُ السُّنَّةِ فَيَقُولُونَ: الِاسْتِوَاءُ عَلَى الْعَرْشِ صِفَةٌ لِلَّهِ بِلَا كَيْفٍ يَجِبُ عَلَى الرَّجُلِ الْإِيمَانُ بِهِ وَيَكِلُ الْعِلْمَ فِيهِ إلَى اللَّهِ. وَسَأَلَ رَجُلٌ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ عَنْ قَوْلِهِ {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} كَيْفَ اسْتَوَى؟ فَأَطْرَقَ مَالِكٌ رَأْسَهُ مَلِيًّا وَعَلَاهُ الرُّحَضَاءُ ثُمَّ قَالَ. الِاسْتِوَاءُ غَيْرُ مَجْهُولٍ وَالْكَيْفُ غَيْرُ مَعْقُولٍ وَالْإِيمَانُ بِهِ وَاجِبٌ وَالسُّؤَالُ عَنْهُ بِدْعَةٌ وَمَا أُرَاك إلَّا ضَالًّا. ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَأُخْرِجَ.
(16/400)

قَالَ: رُوِيَ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَالْأَوْزَاعِي وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ وَسُفْيَانِ بْنِ عُيَيْنَة وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ عُلَمَاءِ السُّنَّةِ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ الَّتِي جَاءَتْ فِي الصِّفَاتِ الْمُتَشَابِهَةِ: أَمَرُّوهَا كَمَا جَاءَتْ بِلَا كَيْفٍ. وَقَالَ فِي قَوْلِهِ {هَلْ يَنْظُرُونَ إلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ} الْأَوْلَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَفِيمَا شَاكَلَهَا أَنْ يُؤْمِنَ الْإِنْسَانُ بِظَاهِرِهَا وَيَكِلَ عِلْمَهَا إلَى اللَّهِ وَيَعْتَقِدَ أَنَّ اللَّهَ مُنَزَّهٌ عَنْ سِمَاتِ الْحَدَثِ. عَلَى ذَلِكَ مَضَتْ أَئِمَّةُ السَّلَفِ وَعُلَمَاءُ السُّنَّةِ. قَالَ الْكَلْبِيُّ: هَذَا مِنْ الْمَكْتُومِ الَّذِي لَا يُفَسَّرُ. (قُلْت: وَقَدْ حُكِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ {ثُمَّ اسْتَوَى} اسْتَقَرَّ. فَفَسَّرَ ذَاكَ وَجَعَلَ هَذَا مِنْ الْمَكْتُومِ الَّذِي لَا يُفَسَّرُ. لِأَنَّ ذَاكَ فِيهِ وَصْفُهُ بِأَنَّهُ فَوْقَ الْعَرْشِ وَهَذَا فِيهِ إتْيَانُهُ فِي ظُلَلٍ مِنْ الْغَمَامِ. قَالَ البغوي: وَكَانَ مَكْحُولٌ وَالزَّهْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِي وَمَالِكٌ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَأَحْمَد وَإِسْحَاقُ يَقُولُونَ فِيهِ وَفِي أَمْثَالِهِ: أَمَرُّوهَا كَمَا جَاءَتْ بِلَا كَيْفٍ. قَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَة: كُلُّ مَا وَصَفَ اللَّهُ بِهِ نَفْسَهُ فِي كِتَابِهِ فَتَفْسِيرُهُ قِرَاءَتُهُ وَالسُّكُوتُ عَنْهُ؛ لَيْسَ لِأَحَدِ أَنْ يُفَسِّرَهُ إلَّا اللَّهُ وَرَسُولُهُ.
(16/401)

وَهَذِهِ الْآيَةُ أغمض مِنْ آيَةِ الِاسْتِوَاءِ. وَلِهَذَا كَانَ أَبُو الْفَرَجِ يَمِيلُ إلَى تَأْوِيلِ هَذَا وَيُنْكِرُ قَوْلَ مَنْ تَأَوَّلَ الِاسْتِوَاءَ بِالِاسْتِيلَاءِ. قَالَ فِي تَفْسِيرِهِ قَالَ الْخَلِيلُ بْنُ أَحْمَد: " الْعَرْشُ " السَّرِيرُ وَكُلُّ سَرِيرٍ لِلْمُلْكِ يُسَمَّى " عَرْشًا " وَقَلَّمَا يُجْمَعُ الْعَرْشُ إلَّا فِي الِاضْطِرَارِ. قُلْت: وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ أَبِي رَوْقٍ عَنْ الضَّحَّاكِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: يُسَمَّى " عَرْشًا " لِارْتِفَاعِهِ. قُلْت: وَالِاشْتِقَاقُ يَشْهَدُ لِهَذَا كَقَوْلِهِ {وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ} وَقَوْلِهِ {مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ} . وَقَوْلُ سَعْدٍ: وَهَذَا كَافِرٌ بِالْعَرْشِ. وَمَقْعَدُ الْمَلِكِ يَكُونُ أَعْلَى مِنْ غَيْرِهِ. فَهَذَا بِالنِّسْبَةِ إلَى غَيْرِهِ عَالٍ عَلَيْهِ وَبِالنِّسْبَةِ إلَى مَا فَوْقَهُ هُوَ دُونَهُ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: {إذَا سَأَلْتُمْ اللَّهَ فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ فَإِنَّهُ أَعْلَى الْجَنَّةِ وَأَوْسَطُ الْجَنَّةِ وَسَقْفُهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ} . فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْعَرْشَ أَعْلَى الْمَخْلُوقَاتِ كَمَا بُسِطَ فِي مَوَاضِعَ أُخَرٍ. قَالَ أَبُو الْفَرَجِ: وَاعْلَمْ أَنَّ ذِكْرَ الْعَرْشِ مَشْهُورٌ عِنْدَ الْعَرَبِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالْإِسْلَامِ. قَالَ أُمَيَّةُ بْنُ أَبِي الصَّلْتِ:
مَجِّدُوا اللَّهَ فَهُوَ لِلْمَجْدِ أَهْلٌ ... رَبُّنَا فِي السَّمَاءِ أَمْسَى كَبِيرًا
(16/402)

بِالْبِنَاءِ الْأَعْلَى الَّذِي سَبَقَ النَّا ... س وَسَوَّى فَوْقَ السَّمَاءِ سَرِيرًا
شَرْجَعًا لَا يَنَالُهُ بَصَرُ الْعَيْـ ... نِ تَرَى دُونَهُ الْمَلَائِكُ صُوَرًا
قُلْت: يُرِيدُ أَنَّهُ ذَكَرَهُ مِنْ الْعَرَبِ مَنْ لَمْ يَكُنْ مُسْلِمًا أَخَذَهُ عَنْ أَهْلِ الْكِتَابِ. فَإِنَّ أُمِّيَّةَ وَنَحْوَهُ إنَّمَا أَخَذَ هَذَا عَنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَإِلَّا فَالْمُشْرِكُونَ لَمْ يَكُونُوا يَعْرِفُونَ هَذَا. قَالَ أَبُو الْفَرَجِ ابْنُ الْجَوْزِيِّ وَقَالَ كَعْبٌ: إنَّ السَّمَوَاتِ فِي الْعَرْشِ كَقِنْدِيلِ مُعَلَّقٍ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ. قَالَ: وَإِجْمَاعُ السَّلَفِ مُنْعَقِدٌ عَلَى أَنْ لَا يَزِيدُوا عَلَى قِرَاءَةِ الْآيَةِ. وَقَدْ شَذَّ قَوْمٌ فَقَالُوا: الْعَرْشُ بِمَعْنَى الْمُلْكِ وَهُوَ عُدُولٌ عَنْ الْحَقِيقَةِ إلَى التَّجَوُّزِ مَعَ مُخَالَفَةِ الْأَثَرِ. أَلَمْ يَسْمَعُوا قَوْلَهُ {وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ} أَفَتُرَاهُ كَانَ الْمُلْكُ عَلَى الْمَاءِ؟ . قَالَ وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: اسْتَوَى بِمَعْنَى اسْتَوْلَى وَيَسْتَدِلُّ بِقَوْلِ الشَّاعِرِ:
حَتَّى اسْتَوَى بِشْرٌ عَلَى الْعِرَاقِ ... مِنْ غَيْرِ سَيْفٍ وَدَمٍ مِهْرَاقِ
وَقَالَ الشَّاعِرُ أَيْضًا:
(16/403)

قَدْ قَلَّمَا اسْتَوَيَا بِفَضْلِهِمَا جَمِيعًا ... عَلَى عَرْشِ الْمُلُوكِ بِغَيْرِ زُورِ
قَالَ: وَهُوَ مُنْكَرٌ عِنْدَ اللُّغَوِيِّينَ. قَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: إنَّ الْعَرَبَ لَا تَعْلَمُ اسْتَوَى بِمَعْنَى اسْتَوْلَى وَمَنْ قَالَ ذَلِكَ فَقَدْ أَعْظَمَ. قَالَ: وَإِنَّمَا يُقَالُ " اسْتَوْلَى فُلَانٌ عَلَى كَذَا " إذَا كَانَ بَعِيدًا عَنْهُ غَيْرَ مُتَمَكِّنٍ ثُمَّ تَمَكَّنَ مِنْهُ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَمْ يَزَلْ مُسْتَوْلِيًا عَلَى الْأَشْيَاءِ. وَالْبَيْتَانِ لَا يُعْرَفُ قَائِلَهُمَا كَذَا قَالَ ابْنُ فَارِسٍ اللُّغَوِيُّ. وَلَوْ صَحَّا لَمْ يَكُنْ حُجَّةً فِيهِمَا لِمَا بَيَّنَّا مِنْ اسْتِيلَاءِ مَنْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَوْلِيًا نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ تَعْطِيلِ الْمُلْحِدَةِ وَتَشْبِيهِ الْمُجَسِّمَةِ. قُلْت: فَقَدْ تَأَوَّلَ قَوْلَهُ {ثُمَّ اسْتَوَى إلَى السَّمَاءِ} . وَأَنْكَرَ تَأْوِيلَ {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} . وَهُوَ فِي لَفْظِ " الْإِتْيَانِ " قَدْ ذَكَرَ الْقَوْلَيْنِ فَقَالَ: قَوْلُهُ {أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ} كَانَ جَمَاعَةٌ مِنْ السَّلَفِ يُمْسِكُونَ عَنْ مِثْلِ هَذَا. وَقَدْ ذَكَرَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى عَنْ أَحْمَد أَنَّهُ قَالَ: الْمُرَادُ بِهِ قُدْرَتُهُ وَأَمْرُهُ. قَالَ: وَقَدْ بَيَّنَهُ فِي قَوْلِهِ {أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ} . قُلْت: هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ أَنَّ حَنْبَلًا نَقَلَهُ عَنْ
(16/404)

أَحْمَد فِي كِتَابِ " الْمِحْنَةِ " أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ فِي الْمُنَاظَرَةِ لَهُمْ يَوْمَ الْمِحْنَةِ لَمَّا احْتَجُّوا عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ " تَجِيءُ الْبَقَرَةُ وَآلُ عِمْرَانَ " قَالُوا: وَالْمَجِيءُ لَا يَكُونُ إلَّا لِمَخْلُوقِ. فَعَارَضَهُمْ أَحْمَد بِقَوْلِهِ {وَجَاءَ رَبُّكَ} {أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ} وَقَالَ: الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ " تَجِيءُ الْبَقَرَةُ وَآلُ عِمْرَانَ ": ثَوَابُهُمَا كَمَا فِي قَوْلِهِ {وَجَاءَ رَبُّكَ} أَمْرُهُ وَقُدْرَتُهُ. وَقَدْ اخْتَلَفَ أَصْحَابُ أَحْمَد فِيمَا نَقَلَهُ حَنْبَلٌ. فَإِنَّهُ لَا رَيْبَ أَنَّهُ خِلَافُ النُّصُوصِ الْمُتَوَاتِرَةِ عَنْ أَحْمَد فِي مَنْعِهِ مِنْ تَأْوِيلِ هَذَا وَتَأْوِيلِ النُّزُولِ وَالِاسْتِوَاءِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ الْأَفْعَالِ. وَلَهُمْ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ. قِيلَ: إنَّ هَذَا غَلَطٌ مِنْ حَنْبَلٍ انْفَرَدَ بِهِ دُونَ الَّذِينَ ذَكَرُوا عَنْهُ الْمُنَاظَرَةَ مِثْلَ صَالِحٍ وَعَبْدِ اللَّهِ والمروذي وَغَيْرِهِمْ. فَإِنَّهُمْ لَمْ يَذْكُرُوا هَذَا وَحَنْبَلٌ يَنْفَرِدُ بِرِوَايَاتِ يُغَلِّطُهُ فِيهَا طَائِفَةٌ كَالْخَلَّالِ وَصَاحِبِهِ. قَالَ أَبُو إسْحَاقَ ابْنُ شاقلا: هَذَا غَلَطٌ مِنْ حَنْبَلٍ لَا شَكَّ فِيهِ. وَكَذَلِكَ نُقِلَ عَنْ مَالِكٍ رِوَايَةٌ أَنَّهُ تَأَوَّلَ " يَنْزِلُ إلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا " أَنَّهُ يَنْزِلُ أَمْرُهُ. لَكِنَّ هَذَا مِنْ رِوَايَةِ حَبِيبٍ كَاتِبِهِ وَهُوَ كَذَّابٌ بِاتِّفَاقِهِمْ. وَقَدْ رُوِيَتْ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ لَكِنَّ الْإِسْنَادَ مَجْهُولٌ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: قَالَ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَد: هَذَا قَالَهُ إلْزَامًا لِلْخَصْمِ
(16/405)

عَلَى مَذْهَبِهِ لِأَنَّهُمْ فِي يَوْمِ الْمِحْنَةِ لَمَّا احْتَجُّوا عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ " تَأْتِي الْبَقَرَةُ وَآلُ عِمْرَانَ " أَجَابَهُمْ بِأَنَّ مَعْنَاهُ: يَأْتِي ثَوَابُ الْبَقَرَةِ وَآلِ عِمْرَانَ كَقَوْلِهِ {أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ} أَيْ أَمْرُهُ وَقُدْرَتُهُ عَلَى تَأْوِيلِهِمْ لَا أَنَّهُ يَقُولُ بِذَلِكَ. فَإِنَّ مَذْهَبَهُ تَرْكُ التَّأْوِيلِ. وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنَّهُمْ جَعَلُوا هَذَا رِوَايَةً عَنْ أَحْمَد وَقَدْ يَخْتَلِفُ كَلَامُ الْأَئِمَّةِ فِي مَسَائِلَ مِثْلِ هَذِهِ لَكِنَّ الصَّحِيحَ الْمَشْهُورَ عَنْهُ رِدُّ التَّأْوِيلِ. وَقَدْ ذَكَرَ الرِّوَايَتَيْنِ ابْنُ الزَّاغُونِي وَغَيْرُهُ وَذَكَرَ أَنَّ تَرْكَ التَّأْوِيلِ هِيَ الرِّوَايَةُ الْمَشْهُورَةُ الْمَعْمُولُ عَلَيْهَا عِنْدَ عَامَّةِ الْمَشَايِخِ مِنْ أَصْحَابِنَا. وَرِوَايَةُ التَّأْوِيلِ فَسَّرَ ذَلِكَ بِالْعَمْدِ وَالْقَصْدِ لَمْ يُفَسِّرْهُ بِالْأَمْرِ وَالْقُدْرَةِ كَمَا فَسَّرُوا {ثُمَّ اسْتَوَى إلَى السَّمَاءِ} . فَعَلَى هَذَا فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ إذَا قِيلَ بِهِ وَجْهَانِ. وَابْنُ الزَّاغُونِي وَالْقَاضِي أَبُو يَعْلَى وَنَحْوُهُمَا وَإِنْ كَانُوا يَقُولُونَ بِإِمْرَارِ الْمَجِيءِ وَالْإِتْيَانِ عَلَى ظَاهِرِهِ فَقَوْلُهُمْ فِي ذَلِكَ مِنْ جِنْسِ قَوْلِ ابْنِ كِلَابٍ وَالْأَشْعَرِيِّ. فَإِنَّهُ أَيْضًا يَمْنَعُ تَأْوِيلَ النُّزُولِ وَالْإِتْيَانِ وَالْمَجِيءِ وَيَجْعَلُهُ مِنْ الصِّفَاتِ الْخَبَرِيَّةِ وَيَقُولُ: إنَّ هَذِهِ الْأَفْعَالَ لَا تَسْتَلْزِمُ الْأَجْسَامَ بَلْ يُوصَفُ بِهَا غَيْرُ الْأَجْسَامِ. وَكَلَامُ ابْنِ الزَّاغُونِي فِي هَذَا
(16/406)

النَّوْعِ وَفِي اسْتِوَاءِ الرَّبِّ عَلَى الْعَرْشِ هُوَ مُوَافِقٌ لِقَوْلِ أَبِي الْحَسَنِ نَفْسِهِ. هَذَا قَوْلُهُمْ فِي الصِّفَاتِ الْخَبَرِيَّةِ الْوَارِدَةِ فِي هَذِهِ الْأَفْعَالِ.
وَأَمَّا عُلُوُّ الرَّبِّ نَفْسِهِ فَوْقَ الْعَالَمِ فَعِنْدَ ابْنِ كِلَابٍ أَنَّهُ مَعْلُومٌ بِالْعَقْلِ كَقَوْلِ أَكْثَرِ الْمُثْبِتَةِ كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ الخطابي وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرُهُمَا. وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الزَّاغُونِي وَهُوَ آخِرُ قَوْلَيْ الْقَاضِي أَبِي يَعْلَى وَكَانَ الْقَاضِي أَوَّلًا يَقُولُ بِقَوْلِ الْأَشْعَرِيِّ: إنَّهُ مِنْ الصِّفَاتِ الْخَبَرِيَّةِ. وَهَذَا قَوْلُ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ وَالْبَيْهَقِي وَنَحْوِهِمَا.
وَأَمَّا أَبُو الْمَعَالِي الجُوَيْنِي وَأَتْبَاعُهُ فَهَؤُلَاءِ خَالَفُوا الْأَشْعَرِيَّ وَقُدَمَاءَ أَصْحَابِهِ فِي الصِّفَاتِ الْخَبَرِيَّةِ فَلَمْ يُثْبِتُوهَا. لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ نَفَاهَا فَتَأَوَّلَ الِاسْتِوَاءَ بِالِاسْتِيلَاءِ وَهَذَا أَوَّلُ قَوْلَيْ أَبِي الْمَعَالِي؛ وَمِنْهُمْ مَنْ تَوَقَّفَ فِي إثْبَاتِهَا وَنَفْيِهَا كالرَّازِي والآمدي. وَآخِرُ قَوْلَيْ أَبِي الْمَعَالِي الْمَنْعُ مِنْ تَأْوِيلِ الصِّفَاتِ الْخَبَرِيَّةِ وَذَكَرَ أَنَّ هَذَا إجْمَاعُ السَّلَفِ وَأَنَّ التَّأْوِيلَ لَوْ كَانَ مُسَوَّغًا أَوْ مَحْتُومًا لَكَانَ اهْتِمَامُهُمْ بِهِ أَعْظَمَ مِنْ اهْتِمَامِهِمْ بِغَيْرِهِ. فَاسْتَدَلَّ بِإِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّأْوِيلُ وَجَعَلَ الْوَقْفَ التَّامَّ عَلَى
(16/407)

قَوْلِهِ {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلَّا اللَّهُ} . ذَكَرَ ذَلِكَ فِي " النِّظَامِيَّةِ فِي الْأَرْكَانِ الْإِسْلَامِيَّةِ ". وَهَذِهِ طَرِيقَةُ عَامَّةِ الْمُنْتَسِبِينَ إلَى السُّنَّةِ يَرَوْنَ التَّأْوِيلَ مُخَالِفًا لِطَرِيقَةِ السَّلَفِ. وَقَدْ بُسِطَ الْكَلَامُ عَلَى هَذَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ وَذَكَرَ لَفْظَ " التَّأْوِيلِ " وَمَا فِيهِ مِنْ الْإِجْمَالِ وَالْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلَّا اللَّهُ} وَأَنَّ كِلَا الْقَوْلَيْنِ حَقٌّ. فَمَنْ قَالَ: لَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلَّا اللَّهُ فَأَرَادَ بِهِ مَا يُؤَوَّلُ إلَيْهِ الْكَلَامُ مِنْ الْحَقَائِقِ الَّتِي لَا يَعْلَمُهَا إلَّا اللَّهُ. وَمَنْ قَالَ: إنَّ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ يَعْلَمُونَ التَّأْوِيلَ فَالْمُرَادُ بِهِ تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ الَّذِي بَيَّنَهُ الرَّسُولُ وَالصَّحَابَةُ. وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي لَفْظِ " التَّأْوِيلِ " عَلَى الْمَعْنَى الْمَرْجُوحِ وَأَنَّهُ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَى الِاحْتِمَالِ الْمَرْجُوحِ دُونَ الرَّاجِحِ دَلِيلٌ يَقْتَرِنُ بِهِ. فَهَذَا اصْطِلَاحُ مُتَأَخِّرٌ وَهُوَ التَّأْوِيلُ الَّذِي أَنْكَرَهُ السَّلَفُ وَالْأَئِمَّةُ تَأْوِيلَاتُ أَهْلِ الْبِدَعِ. وَكَذَلِكَ يَقُولُ أَحْمَد فِي " رَدِّهِ عَلَى الْجَهْمِيَّة ": الَّذِينَ تَأَوَّلُوا الْقُرْآنَ عَلَى غَيْرِ تَأْوِيلِهِ. وَقَدْ تَكَلَّمَ أَحْمَد عَلَى مُتَشَابِهِ الْقُرْآنِ وَفَسَّرَهُ كُلَّهُ.
(16/408)

وَمِنْهُ تَفْسِيرٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ عِنْدَ السَّلَفِ وَمِنْهُ تَفْسِ