Advertisement

مجموع الفتاوى 018

الْجُزْءُ الْثَّامِنِ عَشَرَ
كِتَابُ الْحَدِيثِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ وَحْدَهُ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنْ لَا نَبِيَّ بَعْدَهُ.
سُؤَالٌ وَرَدَ عَلَى الشَّيْخِ رَحِمَهُ اللَّهُ.
قَالَ السَّائِلُ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
يَا مُتْقِنًا عِلْمَ الْحَدِيثِ وَمَنْ رَوَى ... سُنَنَ النَّبِيِّ الْمُصْطَفَى الْمُخْتَارِ
أَصْبَحْت فِي الْإِسْلَامِ طَوْدًا رَاسِخًا ... يَهْدِي بِهِ وَعُدِدْت فِي الْأَحْبَارِ
هذي مَسَائِلُ أُشْكِلَتْ فَتَصَدَّقُوا ... بِبَيَانِهَا يَا نَاقِلِي الْأَخْبَارِ
فَالْمُسْتَعَانُ عَلَى الْأُمُورِ بِأَهْلِهَا ... إنْ أُشْكِلَتْ قَدْ جَاءَ فِي الْآثَارِ
[وَلَكُمْ كَأَجْرِ الْعَامِلِينَ بِسُنَّتِهِ ... حِينَ سُئِلْتُمُو يَا أُولِي الْأَبْصَارِ] (*)
__________

[تعليق مُعِدّ الكتاب للشاملة]
(*) قال الشيخ ناصر بن حمد الفهد (ص 142) :
وهذا البيت من الكامل، وهو مكسور، ولعله:
وَلَكُمْ كَأَجْرِ الْعَامِلِينَ بِسُنَّةٍ ... حِينَ الْسُؤَالِ يَا أُولِي الْأَبْصَارِ
أو نحو ذلك، والله تعالى أعلم.
(18/5)

الْأُولَى: مَا حَدُّ الْحَدِيثِ النَّبَوِيِّ؟ أَهُوَ مَا قَالَهُ فِي عُمْرِهِ أَوْ بَعْدَ الْبَعْثَةِ أَوْ تَشْرِيعًا؟ . الثَّانِيَةُ: مَا حَدُّ الْحَدِيثِ الْوَاحِدِ؟ وَهَلْ هُوَ كَالسُّورَةِ أَوْ كَالْآيَةِ أَوْ كَالْجُمْلَةِ؟ . الثَّالِثَةُ: إذَا صَحَّ الْحَدِيثُ هَلْ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ صِدْقًا أَمْ لَا؟ . الرَّابِعَةُ: تَقْسِيمُ الْحَدِيثِ إلَى صَحِيحٍ وَحَسَنٍ وَضَعِيفٍ تَسْمِيَةً صَحِيحَةً أَوْ مُتَدَاخِلَةً؟ . الْخَامِسَةُ: مَا الْحَدِيثُ الْمُكَرَّرُ الْمُعَادُ بِغَيْرِ لَفْظِهِ وَمَعْنَاهُ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَلَا نَقْصٍ؟ وَهَلْ هُوَ كَالْقِصَصِ الْمُكَرَّرَةِ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ؟ . السَّادِسَةُ: كَمْ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ حَدِيثٌ بِالْمُكَرَّرِ؟ وَكَمْ دُونَهُ؟ وَكَمْ فِي مُسْلِمٍ حَدِيثٌ بِهِ وَدُونَهُ؟ وَعَلَى كَمْ حَدِيثٍ اتَّفَقَا؟ وَبِكَمْ انْفَرَدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ الْآخَرِ؟ .
فَأَجَابَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَبُو الْعَبَّاسِ ابْنُ تَيْمِيَّة - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، الْحَدِيثُ النَّبَوِيُّ هُوَ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ يَنْصَرِفُ
(18/6)

إلَى مَا حُدِّثَ بِهِ عَنْهُ بَعْدَ النُّبُوَّةِ: مِنْ قَوْلِهِ وَفِعْلِهِ وَإِقْرَارِهِ؛ فَإِنَّ سُنَّتَهُ ثَبَتَتْ مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ. فَمَا قَالَهُ إنْ كَانَ خَبَرًا وَجَبَ تَصْدِيقُهُ بِهِ وَإِنْ كَانَ تَشْرِيعًا إيجَابًا أَوْ تَحْرِيمًا أَوْ إبَاحَةً وَجَبَ اتِّبَاعُهُ فِيهِ؛ فَإِنَّ الْآيَاتِ الدَّالَّةَ عَلَى نُبُوَّةِ الْأَنْبِيَاءِ دَلَّتْ عَلَى أَنَّهُمْ مَعْصُومُونَ فِيمَا يُخْبِرُونَ بِهِ عَنْ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَلَا يَكُونُ خَبَرُهُمْ إلَّا حَقًّا وَهَذَا مَعْنَى النُّبُوَّةِ وَهُوَ يَتَضَمَّنُ أَنَّ اللَّهَ يُنَبِّئُهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّهُ يُنَبِّئُ النَّاسَ بِالْغَيْبِ وَالرَّسُولُ مَأْمُورٌ بِدَعْوَةِ الْخَلْقِ وَتَبْلِيغِهِمْ رِسَالَاتِ رَبِّهِ. وَلِهَذَا كَانَ كُلُّ رَسُولٍ نَبِيًّا وَلَيْسَ كُلُّ نَبِيٍّ رَسُولًا وَإِنْ كَانَ قَدْ يُوصَفُ بِالْإِرْسَالِ الْمُقَيَّدِ فِي مِثْلِ قَوْلِهِ: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إلَّا إذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} وَقَدْ اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَسْتَقِرُّ فِيمَا بَلَغَهُ بَاطِلٌ سَوَاءٌ قِيلَ: إنَّهُ لَمْ يَجْرِ عَلَى لِسَانِهِ مِنْ هَذَا الْإِلْقَاءِ مَا يَنْسَخُهُ اللَّهُ أَوْ قِيلَ: إنَّهُ جَرَى مَا يَنْسَخُهُ اللَّهُ فَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ قَدْ نَسَخَ اللَّهُ مَا أَلْقَاهُ الشَّيْطَانُ وَأَحْكَمَ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاَللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ وَلِهَذَا كَانَ كُلُّ مَا يَقُولُهُ فَهُوَ حَقٌّ. وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ {عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو كَانَ يَكْتُبُ مَا سَمِعَ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهُ بَعْضُ النَّاسِ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَكَلَّمُ فِي الْغَضَبِ فَلَا تَكْتُبُ كُلَّمَا تَسْمَعُ فَسَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
(18/7)

عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: اُكْتُبْ فَوَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا خَرَجَ مِنْ بَيْنِهِمَا إلَّا حَقٌّ - يَعْنِي شَفَتَيْهِ الْكَرِيمَتَيْنِ -} . وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْفَظُ مِنِّي إلَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو؛ فَإِنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ بِيَدِهِ وَيَعِي بِقَلْبِهِ وَكُنْت أَعِي بِقَلْبِي وَلَا أَكْتُبُ بِيَدِي وَكَانَ عِنْدَ آلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاص نُسْخَةٌ كَتَبَهَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِهَذَا طَعَنَ بَعْضُ النَّاسِ فِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ شُعَيْبٍ عَنْ جَدِّهِ وَقَالُوا: هِيَ نُسْخَةٌ. - وَشُعَيْبٌ هُوَ: شُعَيْبُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاص - وَقَالُوا عَنْ جَدِّهِ الْأَدْنَى مُحَمَّدٍ: فَهُوَ مُرْسَلٌ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنْ عَنَى جَدَّهُ الْأَعْلَى فَهُوَ مُنْقَطِعٌ؛ فَإِنَّ شُعَيْبًا لَمْ يُدْرِكْهُ. وَأَمَّا أَئِمَّةُ الْإِسْلَامِ وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ فَيَحْتَجُّونَ بِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ إذَا صَحَّ النَّقْلُ إلَيْهِ مِثْلَ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ وَسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَة وَنَحْوِهِمَا وَمِثْلَ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْه وَغَيْرِهِمْ قَالُوا: الْجَدُّ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ؛ فَإِنَّهُ يَجِيءُ مُسَمًّى وَمُحَمَّدٌ أَدْرَكَهُ قَالُوا: وَإِذَا كَانَتْ نُسْخَةٌ مَكْتُوبَةٌ مِنْ عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ هَذَا أَوْكَدَ لَهَا وَأَدَلَّ عَلَى صِحَّتِهَا؛ وَلِهَذَا كَانَ فِي نُسْخَةِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ
(18/8)

مِنْ الْأَحَادِيثِ الْفِقْهِيَّةِ الَّتِي فِيهَا مُقَدَّرَاتُ مَا احْتَاجَ إلَيْهِ عَامَّةُ عُلَمَاءِ الْإِسْلَامِ. وَالْمَقْصُودُ: أَنَّ حَدِيثَ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا أَطُلِقَ دَخَلَ فِيهِ ذِكْرُ مَا قَالَهُ بَعْدَ النُّبُوَّةِ وَذِكْرُ مَا فَعَلَهُ؛ فَإِنَّ أَفْعَالَهُ الَّتِي أَقَرَّ عَلَيْهَا حُجَّةٌ لَا سِيَّمَا إذَا أَمَرَنَا أَنْ نَتَّبِعَهَا كَقَوْلِهِ: {صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي وَقَوْلِهِ: لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ} وَكَذَلِكَ مَا أَحَلَّهُ اللَّهُ لَهُ فَهُوَ حَلَالٌ لِلْأُمَّةِ مَا لَمْ يَقُمْ دَلِيلُ التَّخْصِيصِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: {فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا} وَلَمَّا أَحَلَّ لَهُ الْمَوْهُوبَةَ قَالَ: {وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} . وَلِهَذَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا سُئِلَ عَنْ الْفِعْلِ يَذْكُرُ لِلسَّائِلِ أَنَّهُ يَفْعَلُهُ لِيُبَيِّنَ لِلسَّائِلِ أَنَّهُ مُبَاحٌ وَكَانَ إذَا قِيلَ لَهُ: قَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَك مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِك وَمَا تَأَخَّرَ قَالَ: {إنِّي أَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَعْلَمُكُمْ بِحُدُودِهِ} وَمِمَّا يَدْخُلُ فِي مُسَمَّى حَدِيثِهِ: مَا كَانَ يُقِرُّهُمْ عَلَيْهِ مِثْلَ: إقْرَارِهِ عَلَى الْمُضَارَبَةِ الَّتِي كَانُوا يَعْتَادُونَهَا وَإِقْرَارِهِ لِعَائِشَةَ عَلَى اللَّعِبِ بِالْبَنَاتِ وَإِقْرَارِهِ فِي الْأَعْيَادِ عَلَى مِثْلِ غِنَاءِ الْجَارِيَتَيْنِ وَمِثْلَ لَعِبِ الْحَبَشَةِ بِالْحِرَابِ فِي الْمَسْجِدِ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَإِقْرَارِهِ لَهُمْ عَلَى أَكْلِ الضَّبِّ عَلَى مَائِدَتِهِ وَإِنْ
(18/9)

كَانَ قَدْ صَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ لَيْسَ بِحَرَامِ. إلَى أَمْثَالِ ذَلِكَ فَهَذَا كُلُّهُ يَدْخُلُ فِي مُسَمَّى الْحَدِيثِ وَهُوَ الْمَقْصُودُ بِعِلْمِ الْحَدِيثِ؛ فَإِنَّهُ إنَّمَا يَطْلُبُ مَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى الدِّينِ وَذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ بِقَوْلِهِ أَوْ فِعْلِهِ أَوْ إقْرَارِهِ. وَقَدْ يَدْخُلُ فِيهَا بَعْضُ أَخْبَارِهِ قَبْلَ النُّبُوَّةِ وَبَعْضُ سِيرَتِهِ قَبْلَ النُّبُوَّةِ مِثْلَ: تَحَنُّثِهِ بِغَارِ حِرَاءٍ وَمِثْلَ: حُسْنِ سِيرَتِهِ؛ لِأَنَّ الْحَالَ يُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ النُّبُوَّةِ: مِنْ كَرَائِمِ الْأَخْلَاقِ وَمَحَاسِنِ الْأَفْعَالِ كَقَوْلِ خَدِيجَةَ لَهُ: كَلَّا وَاَللَّهِ لَا يُخْزِيك اللَّهُ أَبَدًا: إنَّك لَتَصِلُ الرَّحِمَ وَتَحْمِلُ الْكَلَّ وَتَقْرِي الضَّيْفَ وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ وَتُعِينَ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ وَمِثْلُ الْمَعْرِفَةِ فَإِنَّهُ كَانَ أُمِّيًّا لَا يَكْتُبُ وَلَا يَقْرَأُ وَأَنَّهُ لَمْ يَجْمَعْ مُتَعَلِّمٌ مِثْلَهُ وَإِنْ كَانَ مَعْرُوفًا بِالصِّدْقِ وَالْأَمَانَةِ وَأَمْثَالِ ذَلِكَ مِمَّا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى أَحْوَالِهِ الَّتِي تَنْفَعُ فِي الْمَعْرِفَةِ بِنُبُوَّتِهِ وَصِدْقِهِ فَهَذِهِ الْأُمُورُ يُنْتَفَعُ بِهَا فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ كَثِيرًا؛ وَلِهَذَا يُذْكَرُ مِثْلُ ذَلِكَ مِنْ كُتُبِ سِيرَتِهِ كَمَا يُذْكَرُ فِيهَا نَسَبُهُ وَأَقَارِبُهُ وَغَيْرُ ذَلِكَ بِمَا يُعْلَمُ أَحْوَالُهُ وَهَذَا أَيْضًا قَدْ يَدْخُلُ فِي مُسَمَّى الْحَدِيثِ. وَالْكُتُبُ الَّتِي فِيهَا أَخْبَارُهُ مِنْهَا كُتُب التَّفْسِيرِ وَمِنْهَا كُتُبُ السِّيرَةِ وَالْمَغَازِي وَمِنْهَا كُتُبُ الْحَدِيثِ. وَكُتُبُ الْحَدِيثِ هِيَ مَا كَانَ بَعْدَ النُّبُوَّةِ أَخَصُّ وَإِنْ كَانَ فِيهَا أُمُورٌ جَرَتْ قَبْلَ النُّبُوَّةِ؛ فَإِنَّ تِلْكَ لَا تُذْكَرُ لِتُؤْخَذَ وَتَشْرَعَ فِعْلَهُ قَبْلَ النُّبُوَّةِ بَلْ قَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ الَّذِي
(18/10)

فَرَضَ عَلَى عِبَادِهِ الْإِيمَانَ بِهِ وَالْعَمَلَ هُوَ مَا جَاءَ بِهِ بَعْدَ النُّبُوَّةِ. وَلِهَذَا كَانَ عِنْدَهُمْ مَنْ تَرَكَ الْجُمُعَةَ وَالْجَمَاعَةَ وَتَخَلَّى فِي الْغِيرَانِ وَالْجِبَالِ حَيْثُ لَا جُمُعَةَ وَلَا جَمَاعَةَ وَزَعَمَ أَنَّهُ يَقْتَدِي بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِكَوْنِهِ كَانَ مُتَحَنِّثًا فِي غَارِ حِرَاءٍ قَبْلَ النُّبُوَّةِ فِي تَرْكِ مَا شُرِعَ لَهُ مِنْ الْعِبَادَاتِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ بِهَا رَسُولَهُ وَاقْتَدَى بِمَا كَانَ يَفْعَلُ قَبْلَ النُّبُوَّةِ كَانَ مُخْطِئًا؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ أَنْ أَكْرَمَهُ اللَّه بِالنُّبُوَّةِ لَمْ يَكُنْ يَفْعَلُ مَا فَعَلَهُ قَبْلَ ذَلِكَ مِنْ التَّحَنُّثِ فِي غَارِ حِرَاءٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ وَقَدْ أَقَامَ بِمَكَّةَ بَعْدَ النُّبُوَّةِ بِضْعَ عَشْرَةَ سَنَةً وَأَتَاهَا بَعْدَ الْهِجْرَةِ فِي عُمْرَةِ الْقَضِيَّةِ وَفِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ وَفِي عُمْرَةِ الْجِعْرَانَةِ وَلَمْ يَقْصِدْ غَارَ حِرَاءٍ وَكَذَلِكَ أَصْحَابُهُ مِنْ بَعْدِهِ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْهُمْ يَأْتِي غَارَ حِرَاءٍ وَلَا يَتَخَلَّوْنَ عَنْ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ فِي الْأَمَاكِنِ الْمُنْقَطِعَةِ وَلَا عَمَلَ أَحَدٌ مِنْهُمْ خَلْوَةً أَرْبَعِينِيَّةً كَمَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ اللَّهَ بِالْعِبَادَاتِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي شَرَعَهَا لَهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ الْإِيمَانَ بِهِ وَاتِّبَاعَهُ؛ مِثْلَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَغَيْرَهُمَا مِنْ الصَّلَوَاتِ وَمِثْلَ الصِّيَامِ وَالِاعْتِكَافِ فِي الْمَسَاجِدِ وَمِثْلَ أَنْوَاعِ الْأَذْكَارِ وَالْأَدْعِيَةِ وَالْقِرَاءَةِ وَمِثْلَ الْجِهَادِ.
وَقَوْلُ السَّائِلِ: مَا قَالَهُ فِي عُمُرِهِ أَوْ بَعْدَ النُّبُوَّةِ أَوْ تَشْرِيعًا فَكُلُّ مَا قَالَهُ بَعْدَ النُّبُوَّةِ وَأَقَرَّ عَلَيْهِ وَلَمْ يُنْسَخْ فَهُوَ تَشْرِيعٌ لَكِنَّ التَّشْرِيعَ
(18/11)


يَتَضَمَّنُ الْإِيجَابَ وَالتَّحْرِيمَ وَالْإِبَاحَةَ وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ مَا دَلَّ عَلَيْهِ مِنْ الْمَنَافِعِ فِي الطِّبِّ. فَإِنَّهُ يَتَضَمَّنُ إبَاحَةَ ذَلِكَ الدَّوَاءِ وَالِانْتِفَاعَ بِهِ فَهُوَ شَرْعٌ لِإِبَاحَتِهِ وَقَدْ يَكُونُ شَرْعًا لِاسْتِحْبَابِهِ؛ فَإِنَّ النَّاسَ قَدْ تَنَازَعُوا فِي التَّدَاوِي هَلْ هُوَ مُبَاحٌ أَوْ مُسْتَحَبٌّ أَوْ وَاجِبٌ؟ . وَالتَّحْقِيقُ: أَنَّ مِنْهُ مَا هُوَ مُحَرَّمٌ وَمِنْهُ مَا هُوَ مَكْرُوهٌ وَمِنْهُ مَا هُوَ مُبَاحٌ؛ وَمِنْهُ مَا هُوَ مُسْتَحَبٌّ وَقَدْ يَكُونُ مِنْهُ مَا هُوَ وَاجِبٌ وَهُوَ: مَا يُعْلَمُ أَنَّهُ يَحْصُلُ بِهِ بَقَاءُ النَّفْسِ لَا بِغَيْرِهِ كَمَا يَجِبُ أَكْلُ الْمَيْتَةِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ فَإِنَّهُ وَاجِبٌ عِنْد الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَجُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ وَقَدْ قَالَ مَسْرُوقٌ. مَنْ اُضْطُرَّ إلَى أَكْلِ الْمَيْتَةِ فَلَمْ يَأْكُلْ حَتَّى مَاتَ دَخَلَ النَّارَ فَقَدْ يَحْصُلُ أَحْيَانًا لِلْإِنْسَانِ إذَا اسْتَحَرَّ الْمَرَضَ مَا إنْ لَمْ يَتَعَالَجْ مَعَهُ مَاتَ وَالْعِلَاجُ الْمُعْتَادُ تَحْصُلُ مَعَهُ الْحَيَاةُ كَالتَّغْذِيَةِ لِلضَّعِيفِ وَكَاسْتِخْرَاجِ الدَّمِ أَحْيَانًا. وَالْمَقْصُودُ: أَنَّ جَمِيعَ أَقْوَالِهِ يُسْتَفَادُ مِنْهَا شَرْعٌ وَهُوَ {صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا رَآهُمْ يُلَقِّحُونَ النَّخْلَ قَالَ لَهُمْ: مَا أَرَى هَذَا - يَعْنِي شَيْئًا - ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: إنَّمَا ظَنَنْت ظَنًّا فَلَا تُؤَاخِذُونِي بِالظَّنِّ وَلَكِنْ إذَا حَدَّثْتُكُمْ عَنْ اللَّهِ فَلَنْ أَكْذِبَ عَلَى اللَّهِ} وَقَالَ: {أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأُمُورِ دُنْيَاكُمْ فَمَا كَانَ مِنْ أَمْرِ دِينِكُمْ فَإِلَيَّ} وَهُوَ لَمْ يَنْهَهُمْ عَنْ التَّلْقِيحِ لَكِنْ هُمْ غَلِطُوا فِي ظَنِّهِمْ أَنَّهُ نَهَاهُمْ كَمَا غَلِطَ مَنْ غَلِطَ فِي ظَنِّهِ أَنَّ (الْخَيْطَ الْأَبْيَضَ) و (الْخَيْطَ الْأَسْوَدَ) هُوََ الْحَبْلُ الْأَبْيَضُ وَالْأَسْوَدُ.
(18/12)

فَصْلٌ:
وَأَمَّا الْحَدِيثُ الْوَاحِدُ فَيُرَادُ بِهِ مَا رَوَاهُ الصَّاحِبُ مَنْ الْكَلَامِ الْمُتَّصِلِ بَعْضُهُ بِبَعْضِ وَلَوْ كَانَ جُمَلًا كَثِيرَةً مِثْلَ حَدِيثِ تَوْبَةِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ وَحَدِيثِ بَدْءِ الْوَحْيِ وَحَدِيثِ الْإِفْكِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مَنْ الْأَحَادِيثِ الطِّوَالِ؛ فَإِنَّ الْوَاحِدَ مِنْهَا يُسَمَّى حَدِيثًا وَمَا رَوَاهُ الصَّاحِبُ أَيْضًا مَنْ جُمْلَةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ جُمْلَتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ مَنْ ذَلِكَ مُتَّصِلًا بَعْضُهُ بِبَعْضِ فَإِنَّهُ يُسَمَّى حَدِيثًا كَقَوْلِهِ: {لَا صَلَاةَ إلَّا بِأُمِّ الْقُرْآنِ} {الْجَارُ أَحَقُّ بِسَقْبِهِ} {لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ أَحَدِكُمْ إذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ} وَقَوْلِهِ: {إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى} إلَى آخِرِهِ فَإِنَّهُ يُسَمَّى حَدِيثًا. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: {لَا تَقَاطَعُوا وَلَا تَدَابَرُوا وَلَا تَبَاغَضُوا وَلَا تَحَاسَدُوا وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إخْوَانًا} وَقَوْلُهُ فِي الْبَحْرِ: {هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ} وَقَدّ أُكْمِلَ مَنْ أَجْنَاسٍ مُخْتَلِفَةٍ لَكِنْ فِي الْأَمْرِ الْعَامِّ تَكُونُ مُشْتَرِكَةً فِي مَعْنًى عَامٍّ كَقَوْلِهِ: {لَا يَخْطُبُ الرَّجُلُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ وَلَا يَبِيعُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ وَلَا يَسْتَامُ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ وَلَا
(18/13)

تَسْأَلُ الْمَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا لِتَكْفَأَ مَا فِي صَحْفَتِهَا وَلِتُنْكَحَ فَإِنَّ لَهَا مَا قُدِّرَ لَهَا} فَإِنَّ هَذَا يَتَضَمَّنُ النَّهْيَ عَنْ مُزَاحَمَةِ الْمُسْلِمِ فِي الْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ وَفِي الْبَيْعِ لَا يَسْتَامُ عَلَى سَوْمِهِ وَلَا يَبِيعُ عَلَى بَيْعِهِ وَإِذَا نَهَاهُ عَنْ السَّوْمِ فَنَهْيُهُ الْمُشْتَرِي عَلَى شِرَائِهِ عَلَيْهِ حَرَامٌ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَنَهَاهُ أَنْ يَخْطُبَ عَلَى خِطْبَتِهِ. وَهَذَا نَهْيٌ عَنْ إخْرَاجِ امْرَأَتِهِ مَنْ مِلْكِهِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَنَهْيُ الْمَرْأَةِ أَنْ تَسْأَلَ طَلَاقَ أُخْتِهَا لِتَنْفَرِدَ هِيَ بِالزَّوْجِ فَهَذِهِ وَإِنْ تَعَلَّقَتْ بِالْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ فَقَدْ اشْتَرَكَتْ فِي مَعْنًى عَامٍّ. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: {ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: شَيْخٌ زَانٍ وَمَلِكٌ كَذَّابٌ وَعَائِلٌ مُسْتَكْبِرٌ} فَهَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةُ اشْتَرَكُوا فِي هَذَا الْوَعِيدِ وَاشْتَرَكُوا فِي فِعْلِ هَذِهِ الذُّنُوبِ مَعَ ضَعْفِ دَوَاعِيهِمْ؛ فَإِنَّ دَاعِيَةَ الزِّنَا فِي الشَّيْخِ ضَعِيفَةٌ وَكَذَلِكَ دَاعِيَةُ الْكَذِبِ فِي الْمَلِكِ ضَعِيفَةٌ؛ لِاسْتِغْنَائِهِ عَنْهُ وَكَذَلِكَ دَاعِيَةُ الْكِبْرِ فِي الْفَقِيرِ فَإِذَا أَتَوْا بِهَذِهِ الذُّنُوبِ مَعَ ضَعْفِ الدَّاعِي دَلَّ عَلَى أَنَّ فِي نُفُوسِهِمْ مِنْ الشَّرِّ الَّذِي يَسْتَحِقُّونَ بِهِ مَنْ الْوَعِيدِ مَا لَا يَسْتَحِقُّهُ غَيْرُهُمْ. وَقَلَّ أَنْ يَشْتَمِلَ الْحَدِيثُ الْوَاحِدُ عَلَى جُمَلٍ إلَّا لِتَنَاسُبِ بَيْنَهُمَا وَإِنْ كَانَ قَدْ يَخْفَى التَّنَاسُبُ فِي بَعْضِهَا عَلَى بَعْضِ النَّاسِ فَالْكَلَامُ الْمُتَّصِلُ بَعْضُهُ بِبَعْضِ يُسَمَّى حَدِيثًا وَاحِدًا.
(18/14)

وَأَمَّا إذَا رَوَى الصَّاحِبُ كَلَامًا فَرَغَ مِنْهُ ثُمَّ رَوَى كَلَامًا آخَرَ وَفَصَلَ بَيْنَهُمَا: بِأَنْ قَالَ: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ بِأَنْ طَالَ الْفَصْلُ بَيْنَهُمَا فَهَذَانِ حَدِيثَانِ وَهَذَا بِمَنْزِلَةِ مَا يَتَّصِلُ بِالْكَلَامِ فِي الْإِنْسَانِ وَالْإِقْرَارَاتِ وَالشَّهَادَاتِ كَمَا يَتَّصِلُ بِعَقْدِ النِّكَاحِ وَالْبَيْعِ وَالْإِقْرَارِ وَالْوَقْفِ فَإِذَا اتَّصَلَ بِهِ الِاتِّصَالَ الْمُعْتَادَ كَانَ شَيْئًا وَاحِدًا يَرْتَبِطُ بَعْضُهُ بِبَعْضِ وَانْقَضَى كَلَامُهُ ثُمَّ بَعْدَ طُولِ الْفَصْلِ أَنْشَأَ كَلَامًا آخَرَ بِغَيْرِ حُكْمِ الْأَوَّلِ كَانَ كَلَامًا ثَانِيًا فَالْحَدِيثُ الْوَاحِدُ لَيْسَ كَالْجُمْلَةِ الْوَاحِدَةِ؛ إذْ قَدْ يَكُونُ جُمُلًا وَلَا كَالسُّورَةِ الْوَاحِدَةِ فَإِنَّ السُّورَةَ قَدْ يَكُونُ بَعْضُهَا نَزَلَ قَبْلَ بَعْضٍ أَوْ بَعْدَ بَعْضٍ وَيَكُونُ أَجْنَبِيًّا مِنْهُ بَلْ يُشْبِهُ الْآيَةَ الْوَاحِدَةَ أَوْ الْآيَاتِ الْمُتَّصِلَ بَعْضُهَا بِبَعْضِ كَمَا أَنْزِلُ فِي أَوَّلِ الْبَقَرَةِ أَرْبَعُ آيَاتٍ فِي صِفَةِ الْمُؤْمِنِينَ وَآيَتَيْنِ فِي صِفَةِ الْكَافِرِينَ وَبِضْعَ عَشْرَةَ آيَةً فِي صِفَةِ الْمُنَافِقِينَ؛ وَكَمَا فِي قَوْلِهِ: {إنَّا أَنْزَلْنَا إلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا} فَإِنَّ هَذَا يَتَّصِلُ بَعْضُهُ بِبَعْضِ وَهُوَ نَزَلَ بِسَبَبِ قِصَّةِ بَنِي أبيرق إلَى تَمَامِ الْكَلَامِ. وَقَدْ يُسَمَّى الْحَدِيثُ وَاحِدًا وَإِنْ اشْتَمَلَ عَلَى قِصَصٍ مُتَعَدِّدَةٍ إذَا حَدَّثَ بِهِ الصَّحَابِيُّ مُتَّصِلًا بَعْضُهُ بِبَعْضِ فَيَكُونُ وَاحِدًا بِاعْتِبَارِ اتِّصَالِهِ فِي كَلَامِ الصَّحَابِيِّ مِثْلَ حَدِيثِ جَابِرٍ الطَّوِيلِ الَّذِي يَقُولُ فِيهِ: " كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " وَذَكَرَ فِيهِ مَا يَتَعَلَّقُ بِمُعْجِزَاتِهِ وَمَا
(18/15)

يَتَعَلَّقُ بِالصَّلَاةِ وَبِغَيْرِ ذَلِكَ فَهَذَا يُسَمَّى حَدِيثًا بِهَذَا الِاعْتِبَارِ وَقَدْ يَكُونُ الْحَدِيثُ طَوِيلًا وَأَخَذَ يُفَرِّقُهُ بَعْضُ الرُّوَاةِ فَجَعَلَهُ أَحَادِيثَ كَمَا فَعَلَ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ أَبِي بَكْرٍ فِي الصَّدَقَةِ وَهَذَا يَجُوزُ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ تَغْيِيرُ الْمَعْنَى.
فَصْلٌ:
وَأَمَّا قَوْلُ السَّائِلِ: إذَا صَحَّ الْحَدِيثُ هَلْ يَكُونُ صِدْقًا؟ .
فَجَوَابُهُ: أَنَّ الصَّحِيحَ أَنْوَاعٌ وَكَوْنُهُ صِدْقًا يَعْنِي بِهِ شَيْئَانِ. فَمِنْ الصَّحِيحِ مَا تَوَاتَرَ لَفْظُهُ كَقَوْلِهِ: {مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مَنْ النَّارِ} . وَمِنْهُ مَا تَوَاتَرَ مَعْنَاهُ: كَأَحَادِيثِ الشَّفَاعَةِ وَأَحَادِيثِ الرُّؤْيَةِ. وَأَحَادِيثِ الْحَوْضِ وَأَحَادِيثِ نَبْعِ الْمَاءِ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. فَهَذَا يُفِيدُ الْعِلْمَ وَيَجْزِمُ بِأَنَّهُ صِدْقٌ؛ لِأَنَّهُ مُتَوَاتِرٌ إمَّا لَفْظًا وَإِمَّا مَعْنًى وَمِنْ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ مَا تَلَقَّاهُ الْمُسْلِمُونَ بِالْقَبُولِ فَعَمِلُوا بِهِ كَمَا عَمِلُوا بِحَدِيثِ الْغُرَّةِ فِي الْجَنِينِ وَكَمَا عَمِلُوا بِأَحَادِيثِ الشُّفْعَةِ وَأَحَادِيثِ سُجُودِ السَّهْوِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. فَهَذَا يُفِيدُ الْعِلْمَ وَيَجْزِمُ بِأَنَّهُ صِدْقٌ؛ لِأَنَّ الْأُمَّةَ تَلَقَّتْهُ بِالْقَبُولِ تَصْدِيقًا وَعَمَلًا بِمُوجِبِهِ وَالْأُمَّةُ لَا تَجْتَمِعُ عَلَى ضَلَالَةٍ؛ فَلَوْ كَانَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ كَذِبًا لَكَانَتْ الْأُمَّةُ قَدْ اتَّفَقَتْ عَلَى تَصْدِيقِ الْكَذِبِ وَالْعَمَلِ
(18/16)

بِهِ وَهَذَا لَا يَجُوزُ عَلَيْهَا. وَمِنْ الصَّحِيحِ مَا تَلَقَّاهُ بِالْقَبُولِ وَالتَّصْدِيقِ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ كَجُمْهُورِ أَحَادِيثِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ؛ فَإِنَّ جَمِيعَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ يَجْزِمُونَ بِصِحَّةِ جُمْهُورِ أَحَادِيثِ الْكِتَابَيْنِ وَسَائِرِ النَّاسِ تَبَعٌ لَهُمْ فِي مَعْرِفَةِ الْحَدِيثِ فَإِجْمَاعُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ هَذَا الْخَبَرَ صِدْقٌ كَإِجْمَاعِ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّ هَذَا الْفِعْلَ حَلَالٌ أَوْ حَرَامٌ أَوْ وَاجِبٌ وَإِذَا أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى شَيْءٍ فَسَائِرُ الْأُمَّةِ تَبَعٌ لَهُمْ؛ فَإِجْمَاعُهُمْ مَعْصُومٌ لَا يَجُوزُ أَنْ يُجْمِعُوا عَلَى خَطَأٍ. وَمِمَّا قَدْ يُسَمَّى صَحِيحًا مَا يُصَحِّحُهُ بَعْضُ عُلَمَاءِ الْحَدِيثِ وَآخَرُونَ يُخَالِفُونَهُمْ فِي تَصْحِيحِهِ فَيَقُولُونَ: هُوَ ضَعِيفٌ لَيْسَ بِصَحِيحِ مِثْلَ أَلْفَاظٍ رَوَاهَا مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ وَنَازَعَهُ فِي صِحَّتِهَا غَيْرُهُ مَنْ أَهْلِ الْعِلْمِ إمَّا مِثْلَهُ أَوْ دُونَهُ أَوْ فَوْقَهُ فَهَذَا لَا يُجْزَمُ بِصِدْقِهِ إلَّا بِدَلِيلِ مِثْلَ: حَدِيثِ ابْنِ وَعْلَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ {أَيُّمَا إهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ} فَإِنَّ هَذَا انْفَرَدَ بِهِ مُسْلِمٌ عَنْ الْبُخَارِيِّ وَقَدْ ضَعَّفَهُ الْإِمَامُ أَحْمَد وَغَيْرُهُ وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَمِثْلَ مَا رَوَى مُسْلِمٌ أَنَّ {النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى الْكُسُوفَ ثَلَاثَ ركوعات وَأَرْبَعَ ركوعات} انْفَرَدَ بِذَلِكَ عَنْ الْبُخَارِيِّ فَإِنَّ هَذَا ضَعَّفَهُ حُذَّاقُ أَهْلِ الْعِلْمِ وَقَالُوا: إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُصَلِّ الْكُسُوفَ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً يَوْمَ مَاتَ ابْنُهُ إبْرَاهِيمُ وَفِي نَفْسِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الَّتِي فِيهَا الصَّلَاةُ بِثَلَاثِ ركوعات
(18/17)

وَأَرْبَعِ ركوعات أَنَّهُ إنَّمَا صَلَّى ذَلِكَ يَوْمَ مَاتَ إبْرَاهِيمُ وَمَعْلُومٌ أَنَّ إبْرَاهِيمَ لَمْ يَمُتْ مَرَّتَيْنِ وَلَا كَانَ لَهُ إبْرَاهِيمَانِ وَقَدْ تَوَاتَرَ عَنْهُ أَنَّهُ صَلَّى الْكُسُوفَ يَوْمَئِذٍ رُكُوعَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ كَمَا رَوَى ذَلِكَ عَنْهُ عَائِشَةُ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ عَمْرٍو وَغَيْرُهُمْ؛ فَلِهَذَا لَمْ يَرْوِ الْبُخَارِيُّ إلَّا هَذِهِ الْأَحَادِيثَ وَهَذَا حَذْفٌ مِنْ مُسْلِمٍ؛ وَلِهَذَا ضَعَّفَ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ أَحَادِيثَ الثَّلَاثَةِ وَالْأَرْبَعَةِ وَلَمْ يَسْتَحِبُّوا ذَلِكَ وَهَذَا أَصَحُّ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَد وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَجُوزُ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَتَبَيَّنَ لَهُ ضَعْفُ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ. وَمِثْلُهُ حَدِيثُ مُسْلِمٍ: {إنَّ اللَّهَ خَلَقَ التُّرْبَةَ يَوْمَ السَّبْتِ وَخَلَقَ الْجِبَالَ يَوْمَ الْأَحَدِ وَخَلَقَ الشَّجَرَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَخَلَقَ الْمَكْرُوهَ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ وَخَلَقَ النُّورَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ وَبَثَّ فِيهَا الدَّوَابَّ يَوْمَ الْخَمِيسِ وَخَلَقَ آدَمَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ} فَإِنَّ هَذَا طَعْنٌ فِيهِ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْ مُسْلِمٍ مِثْلَ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ وَمِثْلَ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِمَا وَذَكَرَ الْبُخَارِيُّ أَنَّ هَذَا مِنْ كَلَامِ كَعْبِ الْأَحْبَارِ وَطَائِفَةٌ اعْتَبَرَتْ صِحَّتَهُ مِثْلَ أَبِي بَكْرٍ ابْنِ الْأَنْبَارِيِّ وَأَبِي الْفَرَجِ ابْنِ الْجَوْزِيِّ وَغَيْرِهِمَا وَالْبَيْهَقِي وَغَيْرُهُ وَافَقُوا الَّذِينَ ضَعَّفُوهُ وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ بِالتَّوَاتُرِ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَثَبَتَ أَنَّ آخِرَ الْخَلْقِ كَانَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ أَوَّلُ الْخَلْقِ يَوْمَ الْأَحَدِ وَهَكَذَا هُوَ عِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ وَعَلَى ذَلِكَ تَدُلُّ أَسْمَاءُ الْأَيَّامِ وَهَذَا هُوَ الْمَنْقُولُ الثَّابِتُ فِي أَحَادِيثَ وَآثَارٍ أُخَرَ؛
(18/18)

وَلَوْ كَانَ أَوَّلُ الْخَلْقِ يَوْمَ السَّبْتِ وَآخِرُهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لَكَانَ قَدْ خُلِقَ فِي الْأَيَّامِ السَّبْعَةِ وَهُوَ خِلَافُ مَا أَخْبَرَ بِهِ الْقُرْآنُ مَعَ أَنَّ حُذَّاقَ أَهْلِ الْحَدِيثِ يُثْبِتُونَ عِلَّةَ هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ غَيْرِ هَذِهِ الْجِهَةِ وَأَنَّ رِوَايَةَ فُلَانٍ غَلَطٌ فِيهِ لِأُمُورِ يَذْكُرُونَهَا وَهَذَا الَّذِي يُسَمَّى مَعْرِفَةَ عِلَلِ الْحَدِيثِ بِكَوْنِ الْحَدِيثِ إسْنَادُهُ فِي الظَّاهِرِ جَيِّدًا وَلَكِنْ عُرِفَ مَنْ طَرِيقٍ آخَرَ: أَنَّ رَاوِيَهُ غَلِطَ فَرَفَعَهُ وَهُوَ مَوْقُوفٌ أَوْ أَسْنَدَهُ وَهُوَ مُرْسَلٌ أَوْ دَخَلَ عَلَيْهِ حَدِيثٌ فِي حَدِيثٍ وَهَذَا فَنٌّ شَرِيفٌ وَكَانَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ ثُمَّ صَاحِبُهُ عَلِيُّ بْنِ الْمَدِينِيّ ثُمَّ الْبُخَارِيُّ مِنْ أَعْلَمِ النَّاسِ بِهِ وَكَذَلِكَ الْإِمَامُ أَحْمَد وَأَبُو حَاتِمٍ وَكَذَلِكَ النَّسَائِي وَالدَّارَقُطْنِي وَغَيْرُهُمْ. وَفِيهِ مُصَنَّفَاتٌ مَعْرُوفَةٌ. وَفِي الْبُخَارِيِّ نَفْسِهِ ثَلَاثَةُ أَحَادِيثَ نَازَعَهُ بَعْضُ النَّاسِ فِي صِحَّتِهَا مِثْلَ: حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ عَنْ الْحَسَنِ: {إنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ وَسَيُصْلِحُ اللَّهُ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ} فَقَدْ نَازَعَهُ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَبُو الْوَلِيدِ الباجي وَزَعَمُوا أَنَّ الْحَسَنَ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ أَبِي بَكْرَةَ لَكِنْ الصَّوَابُ مَعَ الْبُخَارِيِّ وَأَنَّ الْحَسَنَ سَمِعَهُ مِنْ أَبِي بَكْرَةَ كَمَا قَدْ بُيِّنَ ذَاكَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ وَقَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ. وَالْبُخَارِيُّ أَحْذَقُ وَأَخْبَرُ بِهَذَا الْفَنِّ مِنْ مُسْلِمٍ؛ وَلِهَذَا لَا يَتَّفِقَانِ عَلَى
(18/19)

حَدِيثٍ إلَّا يَكُونُ صَحِيحًا لَا رَيْبَ فِيهِ قَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى صِحَّتِهِ ثُمَّ يَنْفَرِدُ مُسْلِمٌ فِيهِ بِأَلْفَاظِ يُعْرِضُ عَنْهَا الْبُخَارِيُّ وَيَقُولُ بَعْضُ أَهْلِ الْحَدِيثِ. إنَّهَا ضَعِيفَةٌ ثُمَّ قَدْ يَكُونُ الصَّوَابُ مَعَ مَنْ ضَعَّفَهَا: كَمِثْلِ صَلَاةِ الْكُسُوفِ بِثَلَاثِ رَكَعَاتٍ وَأَرْبَعٍ وَقَدْ يَكُونُ الصَّوَابُ مَعَ مُسْلِمٍ وَهَذَا أَكْثَرُ مِثْلَ قَوْلِهِ فِي حَدِيثِ أَبِي مُوسَى: {إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا وَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا} فَإِنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ صَحَّحَهَا مُسْلِمٌ وَقَبِلَهُ أَحْمَد بْنُ حَنْبَلٍ وَغَيْرُهُ وَضَعَّفَهَا الْبُخَارِيُّ وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ مُطَابِقَةٌ لِلْقُرْآنِ فَلَوْ لَمْ يُرَدْ بِهَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ لَوَجَبَ الْعَمَلُ بِالْقُرْآنِ فَإِنَّ فِي قَوْلِهِ: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} أَجْمَعَ النَّاسُ عَلَى أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي الصَّلَاةِ وَأَنَّ الْقِرَاءَةَ فِي الصَّلَاةِ مُرَادَةٌ مِنْ هَذَا النَّصِّ. وَلِهَذَا كَانَ أَعْدَلُ الْأَقْوَالِ فِي الْقِرَاءَةِ خَلْفَ الْإِمَامِ أَنَّ الْمَأْمُومَ إذَا سَمِعَ قِرَاءَةَ الْإِمَامِ يَسْتَمِعُ لَهَا وَيُنْصِتُ لَا يَقْرَأُ بِالْفَاتِحَةِ وَلَا غَيْرِهَا وَإِذَا لَمْ يَسْمَعْ قِرَاءَتَهُ بِهَا يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ وَمَا زَادَ وَهَذَا قَوْلُ جُمْهُورِ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ وَأَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ وَجُمْهُورِ أَصْحَابِهِ وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ وَاخْتَارَهُ طَائِفَةٌ مِنْ مُحَقِّقِي أَصْحَابِهِ وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ وَغَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ. وَأَمَّا قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ كَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ: أَنَّهُ
(18/20)

لَا يَقْرَأُ خَلْفَ الْإِمَامِ لَا بِالْفَاتِحَةِ وَلَا غَيْرِهَا لَا فِي السِّرِّ وَلَا فِي الْجَهْرِ؛ فَهَذَا يُقَابِلُهُ قَوْلَ مَنْ أَوْجَبَ قِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ وَلَوْ كَانَ يَسْمَعُ قِرَاءَةَ الْإِمَامِ كَالْقَوْلِ الْآخَرِ لِلشَّافِعِيِّ وَهُوَ الْجَدِيدُ وَهُوَ قَوْلُ الْبُخَارِيِّ وَابْنِ حَزْمٍ وَغَيْرِهِمَا. وَفِيهَا قَوْلٌ ثَالِثٌ: أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ الْقِرَاءَةُ بِالْفَاتِحَةِ إذَا سَمِعَ قِرَاءَةَ الْإِمَامِ وَهَذَا مَرْوِيٌّ عَنْ اللَّيْثِ وَالْأَوْزَاعِي وَهُوَ اخْتِيَارُ جَدِّي أَبِي الْبَرَكَاتِ. وَلَكِنْ أَظْهَرُ الْأَقْوَالِ قَوْلُ الْجُمْهُورِ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ يَدُلَّانِ عَلَى وُجُوبِ الْإِنْصَاتِ عَلَى الْمَأْمُومِ إذَا سَمِعَ قِرَاءَةَ الْإِمَامِ وَقَدْ تَنَازَعُوا فِيمَا إذَا قَرَأَ الْمَأْمُومُ وَهُوَ يَسْمَعُ قِرَاءَةَ الْإِمَامِ: هَلْ تُبْطِلُ صَلَاتَهُ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ وَقَدْ ذَكَرَهُمَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ حَامِدٍ عَلَى وَجْهَيْنِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد. وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ فِيمَا زَادَ عَلَى الْفَاتِحَةِ كَوْنُهُ مُسْتَمِعًا لِقِرَاءَةِ إمَامِهِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَقْرَأَ مَعَهُ فَعُلِمَ أَنَّ الْمُسْتَمِعَ يَحْصُلُ لَهُ أَفْضَلُ مِمَّا يَحْصُلُ لِلْقَارِئِ مَعَ الْإِمَامِ وَعَلَى هَذَا فَاسْتِمَاعُهُ لِقِرَاءَةِ إمَامِهِ بِالْفَاتِحَةِ يَحْصُلُ لَهُ بِهِ مَقْصُودُ الْقِرَاءَةِ وَزِيَادَةٌ تُغْنِي عَنْ الْقِرَاءَةِ مَعَهُ الَّتِي نُهِيَ عَنْهَا وَهَذَا خِلَافُ إذَا لَمْ يَسْمَعْ فَإِنَّ كَوْنَهُ تَالِيًا لِكِتَابِ اللَّهِ يُثَابُ بِكُلِّ حَرْفٍ عَشْرُ حَسَنَاتٍ خَيْرًا مِنْ كَوْنِهِ سَاكِتًا بِلَا فَائِدَةٍ؛ بَلْ يَكُونُ عُرْضَةً لِلْوَسْوَاسِ وَحَدِيثِ النَّفْسِ الَّذِي لَا ثَوَابَ فِيهِ فَقِرَاءَةٌ يُثَابُ عَلَيْهَا خَيْرًا مِنْ حَدِيثِ نَفْسٍ لَا ثَوَابَ عَلَيْهِ. وَبَسْطُ هَذَا لَهُ مَوْضِعٌ آخَرُ.
(18/21)

وَالْمَقْصُودُ هُنَا: التَّمْثِيلُ بِالْحَدِيثِ الَّذِي يُرْوَى فِي الصَّحِيحِ وَيُنَازِعُ فِيهِ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ وَأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ الرَّاجِحُ تَارَةً وَتَارَةً الْمَرْجُوحُ وَمِثْلُ هَذَا مِنْ مَوَارِدِ الِاجْتِهَادِ فِي تَصْحِيحِ الْحَدِيثِ كَمَوَارِدِ الِاجْتِهَادِ فِي فِي الْأَحْكَامِ وَأَمَّا مَا اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى صِحَّتِهِ فَهُوَ مِثْلُ مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْعُلَمَاءُ فِي الْأَحْكَامِ وَهَذَا لَا يَكُونُ إلَّا صِدْقًا وَجُمْهُورُ مُتُونِ الصَّحِيحِ مِنْ هَذَا الضَّرْبِ وَعَامَّةُ هَذِهِ الْمُتُونِ تَكُونُ مَرْوِيَّةً عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ عِدَّةِ وُجُوهٍ رَوَاهَا هَذَا الصَّاحِبُ وَهَذَا الصَّاحِبُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَوَاطَآ وَمِثْلُ هَذَا يُوجِبُ الْعِلْمَ الْقَطْعِيَّ؛ فَإِنَّ الْمُحَدِّثَ إذَا رَوَى حَدِيثًا طَوِيلًا سَمِعَهُ وَرَوَاهُ آخَرُ ذَكَرَ أَنَّهُ سَمِعَهُ وَقَدْ عُلِمَ أَنَّهُمَا لَمْ يَتَوَاطَآ عَلَى وَضْعِهِ عُلِمَ أَنَّهُ صِدْقٌ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ صِدْقًا لَكَانَ كَذِبًا إمَّا عَمْدًا وَإِمَّا خَطَأً؛ فَإِنَّ الْمُحَدِّثَ إذَا حَدَّثَ بِخِلَافِ الصِّدْقِ: إمَّا أَنْ يَكُونَ مُتَعَمِّدًا لِلْكَذِبِ؛ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مُخْطِئًا غالطا. فَإِذَا قُدِّرَ أَنَّهُ لَمْ يَتَعَمَّدْ الْكَذِبَ وَلَمْ يَغْلَطْ لَمْ يَكُنْ حَدِيثُهُ إلَّا صِدْقًا وَالْقِصَّةُ الطَّوِيلَةُ يَمْتَنِعُ فِي الْعَادَةِ أَنْ يَتَّفِقَ الِاثْنَانِ عَلَى وَضْعِهَا مِنْ غَيْرِ مُوَاطَأَةِ مِنْهُمَا وَهَذَا يُوجَدُ كَثِيرًا فِي الْحَدِيثِ يَرْوِيه أَبُو هُرَيْرَةَ وَأَبُو سَعِيدٍ أَوْ أَبُو هُرَيْرَةَ وَعَائِشَةُ أَوْ أَبُو هُرَيْرَةَ وَابْنُ عُمَرَ أَوْ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ أَحَدَهُمَا لَمْ يَأْخُذْهُ مِنْ الْآخَرِ مِثْلَ حَدِيثِ التَّجَلِّي يَوْمَ الْقِيَامَةِ الطَّوِيلِ: حَدَّثَ بِهِ أَبُو هُرَيْرَةَ وَأَبُو سَعِيدٍ سَاكِتٌ لَا يُنْكِرُ مِنْهُ حَرْفًا بَلْ وَافَقَ أَبَا هُرَيْرَةَ عَلَيْهِ جَمِيعِهِ إلَّا عَلَى لَفْظٍ وَاحِدٍ فِي آخِرِهِ.
(18/22)

وَقَدْ يَكُونُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدَّثَ بِهِ فِي مَجْلِسٍ وَسَمِعَهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي مَجْلِسٍ فَقَالَ هَذَا مَا سَمِعَهُ مِنْهُ فِي مَجْلِسٍ وَهَذَا مَا سَمِعَهُ مِنْهُ فِي الْآخَرِ وَجَمِيعُهُ فِي حَدِيثِ الزِّيَادَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ:
وَأَمَّا قِسْمَةُ الْحَدِيثِ إلَى صَحِيحٍ وَحَسَنٍ وَضَعِيفٍ فَهَذَا أَوَّلُ مَنْ عُرِفَ أَنَّهُ قَسَمَهُ هَذِهِ الْقِسْمَةَ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ وَلَمْ تُعْرَفْ هَذِهِ الْقِسْمَةُ عَنْ أَحَدٍ قَبْلَهُ وَقَدْ بَيَّنَ أَبُو عِيسَى مُرَادَهُ بِذَلِكَ. فَذَكَرَ: أَنَّ الْحَسَنَ مَا تَعَدَّدَتْ طُرُقُهُ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ مُتَّهَمٌ بِالْكَذِبِ وَلَمْ يَكُنْ شَاذًّا وَهُوَ دُونَ الصَّحِيحِ الَّذِي عُرِفَتْ عَدَالَةُ نَاقِلِيهِ وَضَبْطُهُمْ. وَقَالَ: الضَّعِيفُ الَّذِي عُرِفَ أَنَّ نَاقِلَهُ مُتَّهَمٌ بِالْكَذِبِ رَدِيءُ الْحِفْظِ؛ فَإِنَّهُ إذَا رَوَاهُ الْمَجْهُولُ خِيفَ أَنْ يَكُونَ كَاذِبًا أَوْ سَيِّئَ الْحِفْظِ فَإِذَا وَافَقَهُ آخَرُ لَمْ يَأْخُذْ عَنْهُ عُرِفَ أَنَّهُ لَمْ يَتَعَمَّدْ كَذِبَهُ وَاتِّفَاقُ الِاثْنَيْنِ عَلَى لَفْظٍ وَاحِدٍ طَوِيلٍ قَدْ يَكُونُ مُمْتَنِعًا وَقَدْ يَكُونُ بَعِيدًا وَلَمَّا كَانَ تَجْوِيزُ اتِّفَاقِهِمَا فِي ذَلِكَ مُمْكِنًا نَزَلَ مِنْ دَرَجَةِ الصَّحِيحِ. وَقَدْ أَنْكَرَ بَعْضُ النَّاسِ عَلَى التِّرْمِذِيِّ هَذِهِ الْقِسْمَةَ وَقَالُوا: إنَّهُ يَقُولُ: حَسَنٌ غَرِيبٌ. وَالْغَرِيبُ الَّذِي انْفَرَدَ بِهِ الْوَاحِدُ وَالْحَدِيثُ قَدْ
(18/23)

يَكُونُ صَحِيحًا غَرِيبًا كَحَدِيثِ {إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ} وَحَدِيثِ {نَهَى عَنْ بَيْعِ الْوَلَاءِ وَهِبَتِهِ} وَحَدِيثِ {دَخَلَ مَكَّةَ وَعَلَى رَأْسِهِ الْمِغْفَرُ} فَإِنَّ هَذِهِ صَحِيحَةٌ مُتَلَقَّاةٌ بِالْقَبُولِ وَالْأَوَّلُ: لَا يُعْرَفُ ثَابِتًا عَنْ غَيْرِ عُمَرَ وَالثَّانِي: لَا يُعْرَفُ عَنْ غَيْرَ ابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ وَالثَّالِثُ: لَا يُعْرَفُ إلَّا مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَنَسٍ وَلَكِنَّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ طَعَنُوا عَلَى التِّرْمِذِيِّ لَمْ يَفْهَمُوا مُرَادَهُ فِي كَثِيرٍ مِمَّا قَالَهُ؛ فَإِنَّ أَهْلَ الْحَدِيثِ قَدْ يَقُولُونَ: هَذَا الْحَدِيثُ غَرِيبٌ أَيْ: مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَقَدْ يُصَرِّحُونَ بِذَلِكَ فَيَقُولُونَ: غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ فَيَكُونُ الْحَدِيثُ عِنْدَهُمْ صَحِيحًا مَعْرُوفًا مِنْ طَرِيقٍ وَاحِدٍ فَإِذَا رُوِيَ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ كَانَ غَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ الْوَجْهِ وَإِنْ كَانَ الْمَتْنُ صَحِيحًا مَعْرُوفًا فَالتِّرْمِذِيُّ إذَا قَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ قَدْ يَعْنِي بِهِ أَنَّهُ غَرِيبٌ مِنْ ذَلِكَ الطَّرِيقِ؛ وَلَكِنَّ الْمَتْنَ لَهُ شَوَاهِدُ صَارَ بِهَا مِنْ جُمْلَةِ الْحُسْنِ. وَبَعْضُ مَا يُصَحِّحُهُ التِّرْمِذِيُّ يُنَازِعُهُ غَيْرُهُ فِيهِ كَمَا قَدْ يُنَازِعُونَهُ فِي بَعْضِ مَا يُضَعِّفُهُ وَيُحَسِّنُهُ فَقَدْ يُضَعِّفُ حَدِيثًا وَيُصَحِّحُهُ الْبُخَارِيُّ؛ {كَحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ لَمَّا قَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ابْغِنِي أَحْجَارًا أستنفض بِهِنَّ قَالَ: فَأَتَيْته بِحَجَرَيْنِ وَرَوْثَةٍ قَالَ: فَأَخَذَ الْحَجَرَيْنِ وَتَرَكَ الرَّوْثَةَ وَقَالَ: إنَّهَا رِجْسٌ} فَإِنَّ هَذَا قَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى أَبِي إسْحَاقَ السبيعي فَجَعَلَ التِّرْمِذِيُّ هَذَا الِاخْتِلَافَ
(18/24)

عِلَّةً وَرَجَّحَ رِوَايَتَهُ لَهُ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ وَهُوَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِيهِ وَأَمَّا الْبُخَارِيُّ فَصَحَّحَهُ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى؛ لِأَنَّ أَبَا إسْحَاقَ كَانَ الْحَدِيثُ يَكُونُ عِنْدَهُ عَنْ جَمَاعَةٍ يَرْوِيه عَنْ هَذَا تَارَةً وَعَنْ هَذَا تَارَةً كَمَا كَانَ الزُّهْرِيُّ يَرْوِي الْحَدِيثَ تَارَةً عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَتَارَةً عَنْ أَبِي سَلَمَةَ وَتَارَةً يَجْمَعُهُمَا فَمَنْ لَا يَعْرِفُهُ فَيُحَدِّثُ بِهِ تَارَةً عَنْ هَذَا وَتَارَةً عَنْ هَذَا يَظُنُّ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ ذَلِكَ غَلَطٌ وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ. وَهَذَا بَابٌ يَطُولُ وَصْفُهُ. وَأَمَّا مَنْ قِبَلَ التِّرْمِذِيِّ مِنْ الْعُلَمَاءِ فَمَا عُرِفَ عَنْهُمْ هَذَا التَّقْسِيمُ الثُّلَاثِيُّ لَكِنْ كَانُوا يُقَسِّمُونَهُ إلَى صَحِيحٍ وَضَعِيفٍ وَالضَّعِيفُ عِنْدَهُمْ نَوْعَانِ: ضَعِيفٌ ضَعْفًا لَا يَمْتَنِعُ الْعَمَلُ بِهِ وَهُوَ يُشْبِهُ الْحَسَنَ فِي اصْطِلَاحِ التِّرْمِذِيِّ. وَضَعِيفٌ ضَعْفًا يُوجِبُ تَرْكَهُ وَهُوَ الْوَاهِي وَهَذَا بِمَنْزِلَةِ مَرَضِ الْمَرِيضِ قَدْ يَكُونُ قَاطِعًا بِصَاحِبِهِ فَيَجْعَلُ التَّبَرُّعَ مِنْ الثُّلُثِ وَقَدْ لَا يَكُونُ قَاطِعًا بِصَاحِبِهِ وَهَذَا مَوْجُودٌ فِي كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ؛ وَلِهَذَا يَقُولُونَ: هَذَا فِيهِ لِينٌ، فِيهِ ضَعْفٌ، وَهَذَا عِنْدَهُمْ مَوْجُودٌ فِي الْحَدِيثِ.
(18/25)

وَمِنْ الْعُلَمَاءِ الْمُحَدِّثِينَ أَهْلَ الْإِتْقَانَ: مِثْلُ شُعْبَةُ وَمَالِكٍ وَالثَّوْرِيّ وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ هُمْ فِي غَايَةِ الْإِتْقَانِ وَالْحِفْظِ؛ بِخِلَافِ مَنْ هُوَ دُونَ هَؤُلَاءِ وَقَدْ يَكُونُ الرَّجُلُ عِنْدَهُمْ ضَعِيفًا لِكَثْرَةِ الْغَلَطِ فِي حَدِيثِهِ وَيَكُونُ حَدِيثُهُ إذَا الْغَالِبُ عَلَيْهِ الصِّحَّةُ لِأَجْلِ الِاعْتِبَارِ بِهِ وَالِاعْتِضَادِ بِهِ؛ فَإِنَّ تَعَدُّدَ الطُّرُقِ وَكَثْرَتَهَا يُقَوِّي بَعْضَهَا بَعْضًا حَتَّى قَدْ يَحْصُلُ الْعِلْمُ بِهَا وَلَوْ كَانَ النَّاقِلُونَ فُجَّارًا فُسَّاقًا فَكَيْفَ إذَا كَانُوا عُلَمَاءَ عُدُولًا وَلَكِنْ كَثُرَ فِي حَدِيثِهِمْ الْغَلَطُ. وَمِثْلُ هَذَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ لَهِيعَةَ فَإِنَّهُ مِنْ أَكَابِرِ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَكَانَ قَاضِيًا بِمِصْرِ كَثِيرَ الْحَدِيثِ لَكِنْ احْتَرَقَتْ كُتُبُهُ فَصَارَ يُحَدِّثُ مَنْ حَفِظَهُ فَوَقَعَ فِي حَدِيثِهِ غَلَطٌ كَثِيرٌ مَعَ أَنَّ الْغَالِبَ عَلَى حَدِيثِهِ الصِّحَّةُ قَالَ أَحْمَد: قَدْ أَكْتُبُ حَدِيثَ الرَّجُلِ لِلِاعْتِبَارِ بِهِ: مِثْلَ ابْنِ لَهِيعَةَ. وَأَمَّا مَنْ عُرِفَ مِنْهُ أَنَّهُ يَتَعَمَّدُ الْكَذِبَ فَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَرْوِي عَنْ هَذَا شَيْئًا وَهَذِهِ طَرِيقَةُ أَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ وَغَيْرِهِ لَمْ يَرْوِ فِي مُسْنَدِهِ عَمَّنْ يَعْرِفُ أَنَّهُ يَتَعَمَّدُ الْكَذِبَ؛ لَكِنْ يَرْوِي عَمَّنْ عَرَفَ مِنْهُ الْغَلَطَ لِلِاعْتِبَارِ بِهِ وَالِاعْتِضَادِ. وَمِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ كَانَ يَسْمَعُ حَدِيثَ مَنْ يُكَذِّبُ وَيَقُولُ: إنَّهُ
(18/26)

يُمَيِّزُ بَيْنَ مَا يُكَذِّبُهُ وَبَيْنَ مَا لَا يُكَذِّبُهُ وَيُذْكَرُ عَنْ الثَّوْرِيّ أَنَّهُ كَانَ يَأْخُذُ عَنْ الْكَلْبِيِّ وَيَنْهَى عَنْ الْأَخْذِ عَنْهُ وَيُذْكَرُ أَنَّهُ يَعْرِفُ وَمِثْلُ هَذَا قَدْ يَقَعُ لِمَنْ كَانَ خَبِيرًا بِشَخْصِ إذَا حَدَّثَهُ بِأَشْيَاءَ يُمَيِّزُ بَيْنَ مَا صَدَقَ فِيهِ وَمَا كَذَبَ فِيهِ بِقَرَائِنَ لَا يُمْكِنُ ضَبْطُهَا. وَخَبَرُ الْوَاحِدِ قَدْ يَقْتَرِنُ بِهِ قَرَائِنُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ صَدَقَ أَوْ تَقْتَرِنُ بِهِ الْقَرَائِنُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَذَبَ (1) .
__________

[تعليق مُعِدّ الكتاب للشاملة]
(1) إلى هنا آخر ما وجد
(18/27)

وَقَالَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
فَصْلٌ:
فِي أَنْوَاعِ الرِّوَايَةِ وَأَسْمَاءِ الْأَنْوَاعِ مِثْلَ: حَدَّثَنَا وَأَخْبَرَنَا وَأَنْبَأَنَا وَسَمِعْت وَقَرَأْت وَالْمُشَافَهَةِ وَالْمُنَاوَلَةِ وَالْمُكَاتَبَةِ وَالْإِجَازَةِ وَالْوِجَادَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَنَقُولُ: الْكَلَامُ فِي شَيْئَيْنِ: أَحَدُهُمَا: مِمَّا تَصِحُّ الرِّوَايَةُ بِهِ وَيَثْبُتُ بِهِ الِاتِّصَالُ. وَالثَّانِي: فِي التَّعْبِيرِ عَنْ ذَلِكَ وَذَلِكَ أَنْوَاعٌ: أَحَدُهَا أَنْ يَسْمَعَ مِنْ لَفْظِ الْمُحَدِّثِ سَوَاءٌ رَآهُ أَوْ لَمْ يَرَهُ كَمَا سَمِعَ الصَّحَابَةُ الْقُرْآنَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْحَدِيثَ أَيْضًا وَكَمَا كَانَ يَقْرَؤُهُ عَلَيْهِمْ وَقَرَأَ عَلَى أُبَيْ (سُورَةَ لَمْ يَكُنْ) فَإِنَّ هَذَا لَمْ يُفَرِّقْ النَّاسُ بَيْنَهُمَا كَمَا فَرَّقَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ فِي الشَّهَادَةِ ثُمَّ ذَلِكَ
(18/28)

الْقَائِلُ تَارَةً يَقْصِدُ التَّحْدِيثَ لِذَلِكَ الشَّخْصِ وَحْدَهُ أَوْ لِأَقْوَامِ مُعَيَّنِينَ هُوَ أَحَدُهُمْ؛ وَتَارَةً يَقْصِدُ التَّحْدِيثَ الْمُطْلَقَ لِكُلِّ مَنْ سَمِعَهُ مِنْهُ فَيَكُونُ هُوَ أَحَدَ السَّامِعِينَ؛ وَتَارَةً يَقْصِدُ تَحْدِيثَ غَيْرِهِ فَيَسْمَعُ هُوَ؛ فَفِي جَمِيعِ هَذِهِ الْمَوَاضِعِ إذَا قَالَ؛ سَمِعْت فُلَانًا يَقُولُ فَقَدْ أَصَابَ وَإِنْ قَالَ: حَدَّثَنَا أَوْ حَدَّثَنِي - وَكَانَ الْمُحَدِّثُ قَدْ قَصَدَ التَّحْدِيثَ لَهُ مُعَيَّنًا أَوْ مُطْلَقًا - فَقَدْ أَصَابَ كَمَا يَقُولُ الشَّاهِدُ فِيمَا أُشْهِدَ عَلَيْهِ مِنْ الْحُكْمِ وَالْإِقْرَارِ وَالشَّهَادَاتِ: أَشْهَدَنِي وَأَشْهَدَنَا وَإِنْ كَانَ قَدْ قَصَدَ تَحْدِيثَ غَيْرِهِ فَسَمِعَ هُوَ فَهُوَ كَمَا لَوْ اسْتَرْعَى الشَّهَادَةَ غَيْرُهُ فَسَمِعَهَا فَإِنَّهُ تَصِحُّ الشَّهَادَةُ لَكِنْ لَفْظُ أَشْهَدَنِي وَحَدَّثَنَا فِيهِ نَظَرٌ بَلْ لَوْ قَالَ: حَدَّثَ وَأَنَا أَسْمَعُ كَانَ حَسَنًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ يُحَدِّثُ أَحَدًا وَإِنَّمَا سَمِعَهُ يَتَكَلَّمُ بِالْحَدِيثِ فَهُوَ يُشْبِهُ الشَّهَادَةَ مِنْ غَيْرِ اسْتِرْعَاءٍ وَيُشْبِهُ الشَّهَادَةَ عَلَى الْإِقْرَارِ مِنْ غَيْرِ إشْهَادٍ وَالشَّهَادَةُ عَلَى الْحُكْمِ بِخِلَافِ الشَّهَادَةِ عَلَى الْإِثْبَاتِ كَالسَّمْعِ وَنَحْوِهِ فَإِنَّهَا تَصِحُّ بِدُونِ التَّحْمِيلِ بِالِاتِّفَاقِ. وَأَمَّا الشَّهَادَةُ عَلَى الإخبارات كَالشَّهَادَاتِ وَالْإِقْرَارَاتِ فَفِيهَا نِزَاعٌ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَهُ وَبَابُ الرِّوَايَةِ أَوْسَعُ لَكِنْ لَيْسَ مَنْ قَصَدَ تَحْدِيثَ غَيْرِهِ بِمَنْزِلَةِ مَنْ تَكَلَّمَ لِنَفْسِهِ. فَإِنَّ الرَّجُلَ يَتَكَلَّمُ مَعَ نَفْسِهِ بِأَشْيَاءَ وَيَسْتَرْسِلُ فِي الْحَدِيثِ فَإِذَا عَرَفَ أَنَّ الْغَيْرَ يَتَحَمَّلُ ذَلِكَ تَحَفَّظَ؛ وَلِهَذَا كَانُوا لَا يَرْوُونَ أَحَادِيثَ الْمُذَاكَرَةِ بِذَاكَ.
(18/29)

وَكَانَ الْإِمَامُ أَحْمَد يُذَاكِرُ بِأَشْيَاءَ مِنْ حِفْظِهِ فَإِذَا طَلَبَ الْمُسْتَمِعُ الرِّوَايَةَ أَخْرَجَ كِتَابَهُ فَحَدَّثَ مِنْ الْكِتَابِ. فَهُنَا ثَلَاثُ مَرَاتِبَ: أَنْ يَقْصِدَ اسْتِرْعَاءَهُ الْحَدِيثَ وَتَحْمِيلَهُ لِيَرْوِيَهُ عَنْهُ وَأَنْ يَقْصِدَ مُحَادَثَتَهُ بِهِ لَا لِيَرْوِيَهُ عَنْهُ وَأَنْ لَا يَقْصِدَ إلَّا التَّكَلُّمَ بِهِ مَعَ نَفْسِهِ.
(وَالنَّوْعُ الثَّانِي) أَنْ يَقْرَأَ عَلَى الْمُحَدِّثِ فَيُقِرُّ بِهِ كَمَا يَقْرَأُ الْمُتَعَلِّمُ الْقُرْآنَ عَلَى الْمُعَلِّمِ وَيُسَمِّيه الْحِجَازِيُّونَ الْعَرْضَ؛ لِأَنَّ الْمُتَحَمِّلَ يَعْرِضُ الْحَدِيثَ عَلَى الْمُحَمِّلِ كَعَرْضِ الْقِرَاءَةِ وَعَرْضِ مَا يَشْهَدُ بِهِ مِنْ الْإِقْرَارِ وَالْحُكْمِ وَالْعُقُودِ وَالشَّهَادَةِ عَلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ: مِنْ الْحَاكِمِ وَالشَّاهِدِ وَالْمُقِرِّ وَالْعَاقِدِ وَعَرَضَ ضِمَامُ بْنُ ثَعْلَبَةَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا جَاءَ بِهِ رَسُولُهُ فَيَقُولُ نَعَمْ وَهَذَا عِنْدَ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَجُمْهُورِ السَّلَفِ كَاللَّفْظِ. وَلِهَذَا قُلْنَا: إذَا قَالَ الْخَاطِبُ لِلْوَلِيِّ: أَزَوَّجْت؟ فَقَالَ: نَعَمْ وَلِلزَّوْجِ أَقَبِلْت؟ فَقَالَ: نَعَمْ انْعَقَدَ النِّكَاحُ وَكَانَ ذَلِكَ صَرِيحًا؛ فَإِنَّ نَعَمْ تَقُومُ مَقَامَ التَّكَلُّمِ بِالْجُمْلَةِ الْمُسْتَفْهِمِ عَنْهَا؛ فَإِنَّهُ إذَا قِيلَ لَهُمْ: هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا؟ وَاَللَّهُ أَمَرَكُمْ بِذَلِكَ؟ وأحدثك فُلَانٌ بِكَذَا؟ وأزوجت فُلَانًا بِكَذَا؟ فَقَالَ: نَعَمْ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ: وَجَدْت مَا وَعَدَنِي رَبِّي وَاَللَّهُ أَمَرَنِي بِكَذَا وَكَذَا وَحَدَّثَنِي فُلَانٌ بِكَذَا وَكَذَا وَزَوَّجْت فُلَانًا كَذَا لَكِنْ هَذَا جَوَابُ الِاسْتِفْهَامِ وَذَاكَ خَبَرُ مُبْتَدَإِ وَنَعَمْ كَلِمَةٌ مُخْتَصَرَةٌ تُغْنِي عَنْ التَّفْصِيلِ.
(18/30)

وَقَدْ يَقُولُ الْعَارِضُ: حَدَّثَك بِلَا اسْتِفْهَامٍ بَلْ إخْبَارٍ فَيَقُولُ: نَعَمْ ثُمَّ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَغَيْرِهِمْ مَنْ يُرَجِّحُ هَذَا الْعَرْضَ لِمَا فِيهِ مِنْ كَوْنِ الْمُتَحَمِّلِ ضَبَطَ الْحَدِيثَ وَأَنَّ الْمُحَمِّلَ يَرُدُّ عَلَيْهِ وَيُصَحِّحُهُ لَهُ وَيُذْكَرُ هَذَا عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ. وَمِنْهُمْ مَنْ يُرَجِّحُ السَّمَاعَ وَهُوَ يُشْبِهُ قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ. وَمِنْهُمْ مَنْ يُجِيزُ فِيهِ أَخْبَرَنَا وَحَدَّثَنَا كَقَوْلِ الْحِجَازِيِّينَ. وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَقُولُ فِيهِ إلَّا أَخْبَرَنَا كَقَوْلِ جَمَاعَاتٍ وَعَنْ أَحْمَد رِوَايَتَانِ. ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا فَرْقَ فِي اللُّغَةِ وَإِنَّمَا فَرَّقَ مَنْ فَرَّقَ اصْطِلَاحًا؛ وَلِهَذَا يُقَالُ فِي الشَّهَادَةِ الْمَعْرُوضَةِ مِنْ الْحُكْمِ وَالْإِقْرَارِ وَالْعُقُودِ أَشْهَدَنِي بِكَذَا وَقَدْ يُقَالُ: الْخَبَرُ فِي الْأَصْلِ عَنْ الْأُمُورِ الْبَاطِنَةِ وَمِنْهُ الْخِبْرَةُ بِالْأَشْيَاءِ وَهُوَ الْعِلْمُ بِبَوَاطِنِهَا وَفُلَانٌ مِنْ أَهْلِ الْخِبْرَةِ بِكَذَا وَالْخَبِيرُ بِالْأُمُورِ الْمُطَّلِعُ عَلَى بَوَاطِنِهَا وَمِنْهُ الْخَبِيرُ. وَهُوَ الْفَلَاحُ الَّذِي يَجْعَلُ بَاطِنَ الْأَرْضِ ظَاهِرًا وَالْأَرْضَ الْخَبَارَ اللَّيِّنَةَ الَّتِي تَتَقَلَّبُ وَالْمُخَابَرَةَ مِنْ ذَلِكَ. فَقَوْلُ الْمُبَلِّغِ: نَعَمْ لَمْ يَدُلَّ بِمُجَرَّدِ ظَاهِرِ لَفْظِهِ عَلَى الْكَلَامِ الْمَعْرُوفِ وَإِنَّمَا دَلَّ بِبَاطِنِ مَعْنَاهُ وَهُوَ أَنَّ لَفْظَهَا يَدُلُّ عَلَى مُوَافَقَةِ السَّائِلِ وَالْمُخْبِرِ فَإِذَا قَالَ: أَحَدَّثَك؟ وأنكحت؟ فَقَالَ: نَعَمْ فَهُوَ مُوَافِقٌ لِقَوْلِهِ حَدَّثَنِي وَأَنْكَحْت وَهَذِهِ الدَّلَالَةُ حَصَلَتْ مِنْ مَجْمُوعِ لَفْظِ نَعَمْ وَسُؤَالِ السَّائِلِ كَمَا أَنَّ أَسْمَاءَ الْإِشَارَةِ وَالْمُضْمَرَاتِ إنَّمَا تُعَيِّنُ الْمُشَارَ إلَيْهِ وَالظَّاهِرَ
(18/31)

بِلَفْظِهَا وَلَمَّا اقْتَرَنَ بِذَلِكَ مِنْ الدَّلَالَةِ عَلَى الْمُشَارِ إلَيْهِ وَالظَّاهِرِ الْمُفَسَّرِ لِلْمُضْمَرِ. وَأَحْسَنُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ: حَدَّثَنِي أَنَّ فُلَانًا قَالَ وَأَخْبَرَنِي أَنَّ فُلَانًا قَالَ فِي الْعَرْضِ أَحْسَنُ مِنْ أَنْ يَقُولَ: أَخْبَرَنَا فُلَانٌ قَالَ: أَخْبَرَنَا وَحَدَّثَنَا فُلَانٌ قَالَ: حَدَّثَنَا كَمَا أَنَّ هَذَا هُوَ الَّذِي يُقَالُ فِي الشَّهَادَةِ فَيَقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّ فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ أَقَرَّ وَأَنَّهُ حَكَمَ وَأَنَّهُ وَقَفَ كَمَا فَرَّقَ طَائِفَةٌ مِنْ الْحُفَّاظِ بَيْنَ الْإِجَازَةِ وَغَيْرِهَا فَيَقُولُونَ فِيهَا: أنا فُلَانٌ أَنَّ فُلَانًا حَدَّثَهُمْ؛ بِخِلَافِ السَّمَاعِ. وَقَدْ اعْتَقَدَ طَائِفَةٌ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا بَلْ رُبَّمَا رَجَّحُوا " أَنَّ "؛ لِأَنَّهُمْ زَعَمُوا فِيهَا تَوْكِيدًا وَلَيْسَ كَمَا تَوَهَّمُوا؛ فَإِنَّ " أَنَّ " الْمَفْتُوحَةَ وَمَا فِي خَبَرِهَا بِمَنْزِلَةِ الْمَصْدَرِ فَإِذَا قَالَ: حَدَّثَنِي أَنَّهُ قَالَ فَهُوَ فِي التَّقْدِيرِ حَدَّثَنِي بِقَوْلِهِ؛ وَلِهَذَا اتَّفَقَ النُّحَاةُ عَلَى أَنَّ " إنَّ " الْمَكْسُورَةُ تَكُونُ فِي مَوْضِعِ الْجُمَلِ وَالْمَفْتُوحَةُ فِي مَوْضِعِ الْمُفْرَدَاتِ فَقَوْلُهُ: {فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ} - عَلَى قِرَاءَةِ الْفَتْحِ - فِي تَقْدِيرِ قَوْلِهِ: فَنَادَتْهُ بِبِشَارَتِهِ وَهُوَ ذِكْرٌ لِمَعْنَى مَا نَادَتْهُ بِهِ وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ اللَّفْظِ. وَمَنْ قَرَأَ (إنَّ اللَّهَ) فَقَدْ حَكَى لَفْظَهُ وَكَذَلِكَ الْفَرْقُ بَيْنَ قَوْلِهِ أَوَّلُ مَا أَقُولُ: أَحْمَدُ اللَّهَ وَأَوَّلُ مَا أَقُولُ: إنِّي أَحْمَدُ اللَّهَ.
(18/32)

وَإِذَا كَانَ مَعَ الْفَتْحِ هُوَ مَصْدَرٌ فَقَوْلُك: حَدَّثَنِي بِقَوْلِهِ وَبِخَبَرِهِ لَمْ تَذْكُرْ فِيهِ لَفْظَ الْقَوْلِ وَالْخَبَرِ وَإِنَّمَا عَبَّرْت عَنْ جُمْلَةِ لَفْظِهِ؛ فَإِنَّهُ قَوْلٌ وَخَبَرٌ فَهُوَ مِثْلُ قَوْلِك: سَمِعْت كَلَامَ فُلَانٍ وَخُطْبَةَ فُلَانٍ لَمْ تَحْكِ لَفْظَهَا. وَأَمَّا إذَا قُلْت: قَالَ: كَذَا فَهُوَ إخْبَارٌ عَنْ عَيْنِ قَوْلِهِ؛ وَلِهَذَا لَا يَنْبَغِي أَنْ يُوجِبَ اللَّفْظَ فِي هَذَا أَحَدٌ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ فَإِنَّهُ إنَّمَا يَسُوغُ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يُجَوِّزُ الرِّوَايَةَ بِالْمَعْنَى فَإِذَا سَمِعْت لَفْظَهُ وَقُلْت: حَدَّثَنِي فُلَانٌ قَالَ: حَدَّثَنِي فُلَانٌ بِكَذَا وَكَذَا فَقَدْ أَتَيْت بِاللَّفْظِ؛ فَإِنَّك سَمِعْته يَقُولُ: حَدَّثَنِي فُلَانٌ بِكَذَا وَإِذَا عَرَضْت عَلَيْهِ فَقُلْت: حَدَّثَك فُلَانٌ بِكَذَا؟ فَقَالَ: نَعَمْ وَقُلْت: حَدَّثَنِي أَنَّ فُلَانًا حَدَّثَهُ بِكَذَا فَأَنْتَ صَادِقٌ عَلَى الْمَذْهَبَيْنِ؛ لِأَنَّك ذَكَرْت أَنَّهُ حَدَّثَك بِتَحْدِيثِ فُلَانٍ إيَّاهُ بِكَذَا وَالتَّحْدِيثُ لَفْظٌ مُجْمَلٌ يَنْتَظِمُ لِذَلِكَ كَمَا أَنَّ قَوْلَهُ: نَعَمْ لَفْظٌ مُجْمَلٌ يَنْتَظِمُ لِذَلِكَ فَقَوْلُهُ: نَعَمْ تَحْدِيثٌ لَك بِأَنَّهُ حَدَّثَهُ. وَأَمَّا إذَا قُلْت: حَدَّثَنِي قَالَ: حَدَّثَنِي فَأَنْتَ لَمْ تَسْمَعْهُ يَقُولُ: حَدَّثَنِي وَإِنَّمَا سَمِعْته يَقُولُ: نَعَمْ وَهِيَ مَعْنَاهَا لَكِنْ هَذَا مِنْ الْمَعَانِي الْمُتَدَاوَلَةِ وَهَذَا الْعَرْضُ إذَا كَانَ الْمُحَمِّلُ يَدْرِي مَا يَقْرَؤُهُ عَلَيْهِ الْعَارِضُ كَمَا يَدْرِي الْمُقْرِئُ فَأَمَّا إذَا كَانَ لَا يَدْرِي فَالسَّمَاعُ أَجْوَدُ بِلَا رَيْبٍ كَمَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْمُتَأَخِّرُونَ؛ لِغَلَبَةِ الْفِعْلِ عَلَى الْقَارِئِ لِلْحَدِيثِ دُونَ الْمَقْرُوءِ عَلَيْهِ وَالتَّفْصِيلُ فِي الْعَرْضِ بَيْنَ أَنْ يَقْصِدَ الْمُحَمِّلُ الْإِخْبَارَ أَوْ لَا يَقْصِدُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي التَّحْدِيثِ وَالسَّمَاعِ.
(18/33)

(النَّوْعُ الثَّالِثُ) " الْمُنَاوَلَةُ وَالْمُكَاتَبَةُ ": وَكِلَاهُمَا إنَّمَا أَعْطَاهُ كِتَابًا لَا خِطَابًا لَكِنْ الْمُنَاوَلَةُ مُبَاشِرَةٌ وَالْمُكَاتَبَةُ بِوَاسِطَةِ. فَالْمُنَاوَلَةُ أَرْجَحُ إذَا اتَّفَقَا مِنْ غَيْرِ هَذِهِ الْجِهَةِ مِثْلَ أَنْ يُنَاوِلَهُ أَحَادِيثَ مُعَيَّنَةً يَعْرِفُهَا الْمُنَاوِلُ أَوْ يَكْتُبُ إلَيْهِ بِهَا وَالْمُنَاوَلَةُ عَرْضُ الْعَرْضِ فَإِنَّ قَوْلَهُ لِمَا مَعَهُ (1) .
فَأَمَّا إذَا كَتَبَ إلَيْهِ بِأَحَادِيثَ مُعَيَّنَةٍ وَنَاوَلَهُ كِتَابًا مُجْمَلًا تَرَجَّحَتْ الْمُكَاتَبَةُ. ثُمَّ الْمُكَاتَبَةُ يَكْفِي فِيهَا الْعِلْمُ بِأَنَّهُ خَطُّهُ وَلَمْ يُنَازِعْ فِي هَذَا مَنْ نَازَعَ فِي كِتَابِ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي وَالشَّهَادَةِ بِالْكِتَابَةِ؛ فَإِنَّهُ هُنَاكَ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ هَلْ يَفْتَقِرُ إلَى الشَّهَادَةِ عَلَى الْكِتَابِ؟ وَإِذَا افْتَقَرَ فَهَلْ يَفْتَقِرُ إلَى الشَّهَادَةِ عَلَى نَفْسِ مَا فِي الْكِتَابِ؟ أَوْ تَكْفِي الشَّهَادَةُ عَلَى الْكِتَابِ؟ وَمَنْ اشْتَرَطَ الشَّهَادَةَ جَعَلَ الِاعْتِمَادَ عَلَى الشُّهُودِ الشَّاهِدِينَ عَلَى الْحَاكِمِ الْكَاتِبِ حَتَّى يَعْمَلَ بِالْكِتَابِ غَيْرُ الْحَاكِمِ الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ. ثُمَّ " الْمُكَاتَبَةُ " هِيَ مَعَ قَصْدِ الْإِخْبَارِ بِمَا فِي الْكِتَابِ ثُمَّ إنْ كَانَ لِلْمَكْتُوبِ إلَيْهِ فَقَدْ صَحَّ قَوْلُهُ كَتَبَ إلَيَّ أَوْ أَرَانِي كِتَابَهُ وَإِنْ كَتَبَ إلَى غَيْرِهِ فَقَرَأَ هُوَ الْكِتَابَ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ أَنْ يُحَدِّثَ غَيْرَهُ فَيَسْمَعُ
__________

[تعليق مُعِدّ الكتاب للشاملة]
(1) خرم بالأصل
(18/34)

الْخِطَابَ وَلَوْ لَمْ يُكَاتِبْ أَحَدًا بَلْ كَتَبَ بِخَطِّهِ فَقِرَاءَةُ الْخَطِّ كَسَمَاعِ اللَّفْظِ وَهُوَ الَّذِي يُسَمُّونَهُ " وِجَادَةً ". وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْمُحَدِّثَ لَمْ يُحَدِّثْ بِهَذَا وَلَمْ يَرُدَّهُ وَإِنْ كَانَ قَدْ قَالَهُ وَكَتَبَهُ؛ فَلَيْسَ كُلُّ مَا يَقُولُهُ الْمَرْءُ وَيَكْتُبُهُ يَرَى أَنْ يُحَدِّثَ بِهِ وَيُخْبِرَ بِهِ غَيْرَهُ أَوْ أَنَّهُ يُؤْخَذُ عَنْهُ.
(الرَّابِعُ) الْإِجَازَةُ: فَإِذَا كَانَتْ لِشَيْءِ مُعَيَّنٍ قَدْ عَرَفَهُ الْمُجِيزُ فَهِيَ كَالْمُنَاوَلَةِ وَهِيَ: عَرْضُ الْعَرْضِ؛ فَإِنَّ الْعَارِضَ تَكَلَّمَ بِالْمَعْرُوضِ مُفَصَّلًا فَقَالَ الشَّيْخُ: نَعَمْ وَالْمُسْتَجِيزُ قَالَ: أَجَزْت لِي أَنْ أُحَدِّثَ بِمَا فِي هَذَا الْكِتَابِ فَقَالَ الْمُجِيزُ: نَعَمْ؛ فَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ فِي الْعَرْضِ سَمِعَ الْحَدِيثَ كُلَّهُ وَهُنَا سَمِعَ لَفْظًا يَدُلُّ عَلَيْهِ وَقَدْ عَلِمَ مَضْمُونَ اللَّفْظِ بِرُؤْيَةِ مَا فِي الْكِتَابِ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَهَذِهِ الْإِجَازَةُ تَحْدِيثٌ وَإِخْبَارٌ وَمَا رُوِيَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ الْمَدَنِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ: الْإِجَازَةُ كَالسَّمَاعِ وَأَنَّهُمْ قَالُوا: حَدَّثَنَا وَأَخْبَرَنَا وَأَنْبَأَنَا وَسَمِعْت وَاحِدًا فَإِنَّمَا أَرَادُوا - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - هَذِهِ الْإِجَازَةَ مِثْلُ مَنْ جَاءَ إلَى مَالِكٍ فَقَالَ: هَذَا الْمُوَطَّأُ أَجِزْهُ لِي فَأَجَازَهُ لَهُ. فَأَمَّا الْمُطْلَقَةُ فِي الْمُجَازِ فَهِيَ شِبْهُ الْمُطْلَقَةِ فِي الْمُجَازِ لَهُ؛ فَإِنَّهُ إذَا قَالَ: أَجَزْت لَك مَا صَحَّ عِنْدَك مِنْ أَحَادِيثِي صَارَتْ الرِّوَايَةُ بِذَلِكَ مَوْقُوفَةً عَلَى أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ حَدِيثِهِ فَإِنْ عُلِمَ ذَلِكَ مِنْ جِهَتِهِ اسْتَغْنَى عَنْ الْإِجَازَةِ وَإِنْ عُرِفَ ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ غَيْرِهِ فَذَلِكَ الْغَيْرُ هُوَ الَّذِي حَدَّثَهُ بِهِ عَنْهُ
(18/35)

وَالْإِجَازَةُ لَمْ تَعْرِفْهُ الْحَدِيثُ وَتُفِيدُهُ عِلْمُهُ كَمَا عَرَّفَهُ ذَلِكَ السَّمَاعُ مِنْهُ وَالْعَرْضُ عَلَيْهِ؛ وَلِهَذَا لَا يُوجَدُ مِثْلُ هَذِهِ فِي الشَّهَادَاتِ. وَأَمَّا نَظِيرُ الْمُكَاتَبَةِ وَالْمُنَاوَلَةِ فَقَدْ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِهَا فِي الشَّهَادَاتِ لَكِنْ قَدْ ذَكَرْت فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ أَنَّ الرِّوَايَةَ لَهَا مَقْصُودَانِ: الْعِلْمُ وَالسِّلْسِلَةُ فَأَمَّا الْعِلْمُ فَلَا يَحْصُلُ بِالْإِجَازَةِ وَأَمَّا السِّلْسِلَةُ فَتَحْصُلُ بِهَا كَمَا أَنَّ الرَّجُلَ إذَا قَرَأَ الْقُرْآنَ الْيَوْمَ عَلَى شَيْخٍ فَهُوَ فِي الْعِلْمِ بِمَنْزِلَةِ مَنْ قَرَأَهُ مِنْ خَمْسمِائَةِ سَنَةً وَأَمَّا فِي السِّلْسِلَةِ فَقِرَاءَتُهُ عَلَى الْمُقْرِئِ الْقَرِيبِ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْلَى فِي السِّلْسِلَةِ وَكَذَلِكَ الْأَحَادِيثُ الَّتِي قَدْ تَوَاتَرَتْ عَنْ مَالِكٍ وَالثَّوْرِيّ وَابْنِ عُلَيَّةَ كَتَوَاتُرِ الْمُوَطَّأِ عَنْ مَالِكٍ وَسُنَنِ أَبِي دَاوُد عَنْهُ وَصَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْهُ لَا فَرْقَ فِي الْعِلْمِ وَالْمَعْرِفَةِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الْبُخَارِيِّ وَبَيْنَ الْإِنْسَانِ وَاحِدٌ أَوْ اثْنَانِ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَ مُتَوَاتِرٌ عَنْهُ فَأَمَّا السِّلْسِلَةُ فَالْعُلُوّ أَشْرَفُ مِنْ النُّزُولِ فَفَائِدَةُ الْإِجَازَةِ الْمُطْلَقَةِ مِنْ جِنْسِ فَائِدَةِ الْإِسْنَادِ الْعَالِي بِالنِّسْبَةِ إلَى النَّازِلِ إذَا لَمْ يَفِدْ زِيَادَةً فِي الْعِلْمِ. وَهَلْ هَذَا الْمَقْصُودُ دِينٌ مُسْتَحَبٌّ؟ هَذَا يُتَلَقَّى مِنْ الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ وَقَدْ قَالَ أَحْمَد: طَلَبُ الْإِسْنَادِ الْعَالِي سُنَّةٌ عَمَّنْ مَضَى كَانَ أَصْحَابُ عَبْدِ اللَّهِ يَرْحَلُونَ مِنْ الْكُوفَةِ إلَى الْمَدِينَةِ لِيُشَافِهُوا الصَّحَابَةَ فَنَقُولُ: كُلَّمَا قَرُبَ الْإِسْنَادُ كَانَ أَيْسَرَ مَئُونَةً وَأَقَلَّ كُلْفَةً وَأَسْهَلَ فِي الرِّوَايَةِ وَإِذَا كَانَ الْحَدِيثُ قَدْ عُلِمَتْ صِحَّتُهُ وَأَنَّ
(18/36)

فُلَانًا رَوَاهُ وَأَنَّ مَا يُرْوَى عَنْهُ لِاتِّصَالِ الرِّوَايَةِ فَالْقُرْبُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ الْبُعْدِ فَهَذَا فَائِدَةُ الْإِجَازَةِ. وَمَنَاطُ الْأَمْرِ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ الْإِسْنَادِ الْمُفِيدِ لِلصِّحَّةِ وَالرِّوَايَةِ الْمُحَصِّلَةِ لِلْعِلْمِ وَبَيْنَ الْإِسْنَادِ الْمُفِيدِ لِلرِّوَايَةِ وَالرِّوَايَةِ الْمُفِيدَةِ لِلْإِسْنَادِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(18/37)

وَسُئِلَ:
عَنْ مَعْنَى قَوْلِهِمْ: حَدِيثٌ حَسَنٌ أَوْ مُرْسَلٌ أَوْ غَرِيبٌ وَجَمْعِ التِّرْمِذِيِّ بَيْنَ الْغَرِيبِ وَالصَّحِيحِ فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ؟ وَهَلْ فِي الْحَدِيثِ مُتَوَاتِرٌ لَفْظًا وَمَعْنًى؟ وَهَلْ جُمْهُورُ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ تُفِيدُ الْيَقِينَ أَوْ الظَّنَّ؟ وَمَا هُوَ شَرْطُ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ؛ فَإِنَّهُمْ فَرَّقُوا بَيْنَ شَرْطِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ فَقَالُوا: عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ؟
فَأَجَابَ: أَمَّا الْمُرْسَلُ مِنْ الْحَدِيثِ: أَنْ يَرْوِيَهُ مِنْ دُونِ الصَّحَابَةِ وَلَا يَذْكُرُ عَمَّنْ أَخَذَهُ مِنْ الصَّحَابَةِ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ غَيْرِهِمْ. ثُمَّ مِنْ النَّاسِ مَنْ لَا يُسَمِّي مُرْسَلًا إلَّا مَا أَرْسَلَهُ التَّابِعِيَّ وَمِنْهُمْ مَنْ يَعُدُّ مَا أَرْسَلَهُ غَيْرُ التَّابِعِيِّ مُرْسَلًا. وَكَذَلِكَ مَا يَسْقُطُ مِنْ إسْنَادِهِ رَجُلٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَخُصُّهُ بِاسْمِ الْمُنْقَطِعِ وَمِنْهُمْ مَنْ يُدْرِجُهُ فِي اسْمِ الْمُرْسَلِ كَمَا أَنَّ فِيهِمْ مَنْ يُسَمِّي كُلَّ مُرْسَلٍ مُنْقَطِعًا وَهَذَا كُلُّهُ سَائِغٌ فِي اللُّغَةِ.
(18/38)

وَأَمَّا الْغَرِيبُ: فَهُوَ الَّذِي لَا يُعْرَفُ إلَّا مِنْ طَرِيقٍ وَاحِدٍ ثُمَّ قَدْ يَكُونُ صَحِيحًا كَحَدِيثِ: {إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ} {ونَهْيِهِ عَنْ بَيْعِ الْوَلَاءِ وَهِبَتِهِ} وَحَدِيثِ {أَنَّهُ دَخَلَ مَكَّةَ وَعَلَى رَأْسِهِ الْمِغْفَرُ} فَهَذِهِ صِحَاحٌ فِي الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ وَهِيَ غَرِيبَةٌ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ فَالْأَوَّلُ إنَّمَا ثَبَتَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ التيمي عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ الليثي عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَالثَّانِي إنَّمَا يُعْرَفُ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَالثَّالِثُ إنَّمَا يُعْرَفُ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَنَسٍ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ الْغَرَائِبِ ضَعِيفَةٌ.
وَأَمَّا الْحَسَنُ فِي اصْطِلَاحِ التِّرْمِذِيِّ فَهُوَ: مَا رُوِيَ مِنْ وَجْهَيْنِ وَلَيْسَ فِي رُوَاتِهِ مَنْ هُوَ مُتَّهَمٌ بِالْكَذِبِ وَلَا هُوَ شَاذٌّ مُخَالِفٌ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ. فَهَذِهِ الشُّرُوطُ هِيَ الَّتِي شَرَطَهَا التِّرْمِذِيُّ فِي الْحَسَنِ لَكِنْ مِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ: قَدْ سُمِّيَ حَسَنًا مَا لَيْسَ كَذَلِكَ مِثْلَ حَدِيثٍ يَقُولُ فِيهِ: حَسَنٌ غَرِيبٌ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يُرْوَ إلَّا مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ وَقَدْ سَمَّاهُ حَسَنًا وَقَدْ أُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ غَرِيبًا. لَمْ يُرْوَ إلَّا عَنْ تَابِعِيٍّ وَاحِدٍ لَكِنْ رُوِيَ عَنْهُ مِنْ وَجْهَيْنِ فَصَارَ حَسَنًا لِتَعَدُّدِ طُرُقِهِ عَنْ ذَلِكَ الشَّخْصِ وَهُوَ فِي أَصْلِهِ غَرِيبٌ. وَكَذَلِكَ الصَّحِيحُ الْحَسَنُ الْغَرِيبُ قَدْ يَكُونُ لِأَنَّهُ رُوِيَ بِإِسْنَادِ صَحِيحٍ غَرِيبٍ ثُمَّ رُوِيَ عَنْ الرَّاوِي الْأَصْلِيِّ بِطْرِيقٍ صَحِيحٍ وَطَرِيقٍ آخَرَ
(18/39)

فَيَصِيرُ بِذَلِكَ حَسَنًا مَعَ أَنَّهُ صَحِيحٌ غَرِيبٌ؛ لِأَنَّ الْحَسَنَ مَا تَعَدَّدَتْ طُرُقُهُ وَلَيْسَ فِيهَا مُتَّهَمٌ فَإِنْ كَانَ صَحِيحًا مِنْ الطَّرِيقَيْنِ فَهَذَا صَحِيحٌ مَحْضٌ وَإِنْ كَانَ أَحَدَ الطَّرِيقَيْنِ لَمْ تُعْلَمْ صِحَّتُهُ فَهَذَا حَسَنٌ وَقَدْ يَكُونُ غَرِيبَ الْإِسْنَادِ فَلَا يُعْرَفُ بِذَلِكَ الْإِسْنَادِ إلَّا مِنْ ذَلِكَ الْوَجْهِ وَهُوَ حَسَنُ الْمَتْنِ؛ لِأَنَّ الْمَتْنَ رُوِيَ مِنْ وَجْهَيْنِ؛ وَلِهَذَا يَقُولُ: وَفِي الْبَابِ عَنْ فُلَانٍ وَفُلَانٍ فَيَكُونُ لِمَعْنَاهُ شَوَاهِدُ تُبَيِّنُ أَنَّ مَتْنَهُ حَسَنٌ وَإِنْ كَانَ إسْنَادُهُ غَرِيبًا. وَإِذَا قَالَ مَعَ ذَلِكَ: إنَّهُ صَحِيحٌ؛ فَيَكُونُ قَدْ ثَبَتَ مِنْ طَرِيقٍ صَحِيحٍ وَرُوِيَ مِنْ طَرِيقٍ حَسَنٍ فَاجْتَمَعَ فِيهِ الصِّحَّةُ وَالْحُسْنُ وَقَدْ يَكُونُ غَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ الْوَجْهِ لَا يُعْرَفُ بِذَلِكَ الْإِسْنَادِ إلَّا مِنْ ذَلِكَ الْوَجْهِ. وَإِنْ كَانَ هُوَ صَحِيحًا مِنْ ذَلِكَ الْوَجْهِ فَقَدْ يَكُونُ صَحِيحًا غَرِيبًا وَهَذَا لَا شُبْهَةَ فِيهِ وَإِنَّمَا الشُّبْهَةُ فِي اجْتِمَاعِ الْحَسَنِ وَالْغَرِيبِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ غَرِيبًا حَسَنًا ثُمَّ صَارَ حَسَنًا وَقَدْ يَكُونُ حَسَنًا غَرِيبًا كَمَا ذُكِرَ مِنْ الْمَعْنَيَيْنِ. وَأَمَّا الْمُتَوَاتِرُ فَالصَّوَابُ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ: أَنَّ الْمُتَوَاتِرَ لَيْسَ لَهُ عَدَدٌ مَحْصُورٌ بَلْ إذَا حَصَلَ الْعِلْمُ عَنْ إخْبَارِ الْمُخْبِرِينَ كَانَ الْخَبَرُ مُتَوَاتِرًا وَكَذَلِكَ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَنَّ الْعِلْمَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ حَالِ الْمُخْبِرِينَ بِهِ. فَرُبَّ عَدَدٌ قَلِيلٌ أَفَادَ خَبَرُهُمْ الْعِلْمَ بِمَا يُوجِبُ صِدْقَهُمْ وَأَضْعَافُهُمْ لَا يُفِيدُ خَبَرُهُمْ الْعِلْمَ؛ وَلِهَذَا كَانَ الصَّحِيحُ أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ قَدْ يُفِيدُ الْعِلْمَ إذَا احْتَفَتْ بِهِ قَرَائِنُ تُفِيدُ الْعِلْمَ.
(18/40)

وَعَلَى هَذَا فَكَثِيرٌ مِنْ مُتُونِ الصَّحِيحَيْنِ مُتَوَاتِرُ اللَّفْظِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ غَيْرُهُمْ أَنَّهُ مُتَوَاتِرٌ؛ وَلِهَذَا كَانَ أَكْثَرُ مُتُونِ الصَّحِيحَيْنِ مِمَّا يَعْلَمُ عُلَمَاءُ الْحَدِيثِ عِلْمًا قَطْعِيًّا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَهُ تَارَةً لِتَوَاتُرِهِ عِنْدَهُمْ وَتَارَةً لِتَلَقِّي الْأُمَّةِ لَهُ بِالْقَبُولِ. وَخَبَرُ الْوَاحِدِ الْمُتَلَقَّى بِالْقَبُولِ يُوجِبُ الْعِلْمَ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَصْحَابِ الْأَشْعَرِيِّ كالإسفراييني وَابْنِ فورك؛ فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ فِي نَفْسِهِ لَا يُفِيدُ إلَّا الظَّنَّ؛ لَكِنْ لَمَّا اقْتَرَنَ بِهِ إجْمَاعُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ عَلَى تَلَقِّيهِ بِالتَّصْدِيقِ كَانَ بِمَنْزِلَةِ إجْمَاعِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْفِقْهِ عَلَى حُكْمٍ مُسْتَنِدِينَ فِي ذَلِكَ إلَى ظَاهِرٍ أَوْ قِيَاسٍ أَوْ خَبَرِ وَاحِدٍ فَإِنَّ ذَلِكَ الْحُكْمَ يَصِيرُ قَطْعِيًّا عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَإِنْ كَانَ بِدُونِ الْإِجْمَاعِ لَيْسَ بِقَطْعِيِّ؛ لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ مَعْصُومٌ فَأَهْلُ الْعِلْمِ بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ لَا يَجْمَعُونَ عَلَى تَحْلِيلِ حَرَامٍ وَلَا تَحْرِيمِ حَلَالٍ كَذَلِكَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ لَا يُجْمِعُونَ عَلَى التَّصْدِيقِ بِكَذِبِ وَلَا التَّكْذِيبِ بِصِدْقِ. وَتَارَةً يَكُونُ عِلْمُ أَحَدِهِمْ لِقَرَائِنَ تَحْتَفِ بِالْأَخْبَارِ تُوجِبُ لَهُمْ الْعِلْمَ وَمَنْ عَلِمَ مَا عَلِمُوهُ حَصَلَ لَهُ مِنْ الْعِلْمِ مَا حَصَلَ لَهُمْ.
(18/41)

فَصْلٌ:
وَأَمَّا " شَرْطُ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ " فَلِهَذَا رِجَالٌ يُرْوَى عَنْهُمْ يَخْتَصُّ بِهِمْ وَلِهَذَا رِجَالٌ يُرْوَى عَنْهُمْ يَخْتَصُّ بِهِمْ وَهُمَا مُشْتَرِكَانِ فِي رِجَالٍ آخَرِينَ وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ اتَّفَقَا عَلَيْهِمْ عَلَيْهِمْ مَدَارُ الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ. وَقَدْ يَرْوِي أَحَدُهُمْ عَنْ رَجُلٍ فِي الْمُتَابَعَاتِ وَالشَّوَاهِدِ دُونَ الْأَصْلِ وَقَدْ يَرْوِي عَنْهُ مَا عَرَفَهُ مِنْ طَرِيقِ غَيْرِهِ وَلَا يَرْوِي مَا انْفَرَدَ بِهِ وَقَدْ يَتْرُكُ مِنْ حَدِيثِ الثِّقَةِ مَا عَلِمَ أَنَّهُ أَخْطَأَ فِيهِ فَيَظُنُّ مَنْ لَا خِبْرَةَ لَهُ أَنَّ كُلَّ مَا رَوَاهُ ذَلِكَ الشَّخْصُ يَحْتَجُّ بِهِ أَصْحَابُ الصَّحِيحِ وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ؛ فَإِنَّ مَعْرِفَةَ عِلَلِ الْحَدِيثِ عِلْمٌ شَرِيفٌ يَعْرِفُهُ أَئِمَّةُ الْفَنِّ: كَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ وَعَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيّ وَأَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ وَالْبُخَارِيِّ صَاحِبِ الصَّحِيحِ وَالدَّارَقُطْنِي وَغَيْرِهِمْ. وَهَذِهِ عُلُومٌ يَعْرِفُهَا أَصْحَابُهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(18/42)

وَسُئِلَ:
مَا مَعْنَى قَوْلِ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ: هَذَا حَدِيثٌ ضَعِيفٌ أَوْ لَيْسَ بِصَحِيحِ؟ وَإِذَا كَانَ فِي الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَانِ أَوْ وَجْهَانِ فَهَلْ يُبَاحُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يُقَلِّدَ أَحَدَهُمَا؟ أَمْ كَيْفَ الِاعْتِمَادُ فِي ذَلِكَ؟ .
فَأَجَابَ:
الْعَالِمُ قَدْ يَقُولُ: لَيْسَ بِصَحِيحِ أَيْ: هَذَا الْقَوْلُ ضَعِيفٌ فِي الدَّلِيلِ وَإِنْ كَانَ قَدْ قَالَ بِهِ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ وَالْحَدِيثُ الضَّعِيفُ مِثْلُ الَّذِي رَوَاهُ مَنْ لَيْسَ بِثِقَةِ: إمَّا لِسُوءِ حِفْظِهِ وَإِمَّا لِعَدَمِ عَدَالَتِهِ وَإِذَا كَانَ فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ فَإِنْ كَانَ الْإِنْسَانُ يَظْهَرُ لَهُ رُجْحَانُ أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ وَإِلَّا قَلَّدَ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ يَعْتَمِدُ عَلَيْهِمْ فِي بَيَانِ أَرْجَحِ الْقَوْلَيْنِ.
(18/43)

قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
الْخَبَرُ إمَّا أَنْ يُعْلَمَ صِدْقُهُ أَوْ كَذِبُهُ أَوَّلًا:
الْأَوَّلُ: مَا عَلِمَ صِدْقُهُ وَهُوَ فِي غَالِبِ الْأَمْرِ بِانْضِمَامِ الْقَرَائِنِ إلَيْهِ: إمَّا رِوَايَةُ مَنْ لَا يَقْتَضِي الْعَقْلُ تَعَمُّدَهُمْ وَتَوَاطُؤَهُمْ عَلَى الْكَذِبِ أَوْ احْتِفَافُ قَرَائِنَ بِهِ وَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: ضَرُورِيٌّ لَيْسَ لِلنَّفْسِ فِي حُصُولِهِ كَسْبٌ وَ. . . (1) وَمِنْهُ مَا تَلَقَّتْهُ الْأُمَّةُ بِالْقَبُولِ وَأَجْمَعُوا عَلَى الْعَمَلِ بِهِ أَوْ اسْتَنَدُوا إلَيْهِ فِي الْعَمَلِ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ بَاطِلًا [لَمْ يَعْمَلُوا بِهِ لِامْتِنَاعِ] (2) اجْتِمَاعِهِمْ عَلَى الْخَطَأِ وَهُوَ. . . (3) وَلَا يَضُرُّهُ كَوْنُهُ بِنَفْسِهِ لَا يُفِيدُ الْعِلْمَ كَالْحُكْمِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ الْمُسْتَنِدِ إلَى قِيَاسٍ وَاجْتِهَادٍ وَرَأْيٍ و. . . (4) الْمُخْتَلَفُ هُوَ فِي نَفْسِهِ ظَنِّيٌّ فَكَيْفَ يَنْقَلِبُ قَطْعِيًّا وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ الظَّنَّ وَالْقَطْعَ مِنْ عَوَارِضِ اعْتِقَادِ النَّاظِرِ بِحَسَبِ مَا يَظْهَرُ لَهُ مِنْ الْأَدِلَّةِ وَالْخَبَرُ فِي نَفْسِهِ لَمْ يَكْتَسِبْ صِفَةً. الثَّانِي: مَا يُعْلَمُ كَذِبُهُ أَوْ بِتَكْذِيبِ الْعَقْلِ الصَّرِيحِ أَوْ الْكِتَابِ أَوْ
__________

[تعليق مُعِدّ الكتاب للشاملة]
(1) بياض بالأصل
(2) بياض بالأصل
قلت - أسامة بن الزهراء -: ما بين معقوفتين من نسخة شركة حرف الإلكترونية وأثبته للفائدة.
(3، 4) بياض بالأصل
(18/44)

السُّنَّةِ أَوْ الْإِجْمَاعِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ عِنْدَ أَقْسَامِ تِلْكَ التَّأْوِيلَاتِ وَهُوَ كَثِيرٌ أَوْ بِقَرَائِنَ وَالْقَرَائِنُ فِي الْبَابَيْنِ لَا تَحْصُلُ مُحَقَّقَةً إلَّا لِذِي دِرَايَةٍ بِهَذَا الشَّأْنِ وَإِلَّا فَغَيْرُهُمْ جَهَلَةٌ بِهِ. الثَّالِثُ: الْمُحْتَمَلُ وَيَنْقَسِمُ إلَى مُسْتَفِيضٍ وَغَيْرِهِ وَلَهُ دَرَجَاتٌ فَالْخَبَرُ الَّذِي رَوَاهُ الصِّدِّيقُ وَالْفَارُوقُ لَا يُسَاوِي مَا رَوَاهُ غَيْرُهُمَا مِنْ أَصَاغِرِ الصَّحَابَةِ وَقَلِيلِ الصُّحْبَةِ.
فَصْلٌ:
الْخَطَأُ فِي الْخَبَرِ يَقَعُ مِنْ الرَّاوِي إمَّا عَمْدًا أَوْ سَهْوًا؛ وَلِهَذَا اُشْتُرِطَ فِي الرَّاوِي الْعَدَالَةُ لِنَأْمَنَ مِنْ تَعَمُّدِ الْكَذِبِ وَالْحِفْظِ وَالتَّيَقُّظِ لِنَأْمَنَ مِنْ السَّهْوِ. وَالسُّهُولَةُ أَسْبَابٌ: أَحَدُهَا: الِاشْتِغَالُ عَنْ هَذَا الشَّأْنِ بِغَيْرِهِ فَلَا يَنْضَبِطُ لَهُ كَكَثِيرِ مِنْ أَهْلِ الزُّهْدِ وَالْعِبَادَةِ. وَثَانِيهَا: الْخُلُوُّ عَنْ مَعْرِفَةِ هَذَا الشَّأْنِ.
(18/45)

وَثَالِثُهَا: التَّحْدِيثُ مِنْ الْحِفْظِ؛ فَلَيْسَ كُلُّ أَحَدٍ يَضْبِطُ ذَلِكَ. وَرَابِعُهَا: أَنْ يُدْخِلَ فِي حَدِيثِهِ مَا لَيْسَ مِنْهُ وَيُزَوِّرَ عَلَيْهِ. وَخَامِسُهَا: أَنْ يَرْكَنَ إلَى الطَّلَبَةِ فَيُحَدِّثُ بِمَا يَظُنُّ أَنَّهُ مِنْ حَدِيثِهِ. وَسَادِسُهَا: الْإِرْسَالُ وَرُبَّمَا كَانَ الرَّاوِي لَهُ غَيْرِ مَرْضِيٍّ. وَسَابِعُهَا: التَّحْدِيثُ مِنْ كِتَابٍ؛ لِإِمْكَانِ اخْتِلَافِهِ. فَلِهَذِهِ الْأَسْبَابِ وَغَيْرِهَا اُشْتُرِطَ أَنْ يَكُونَ الرَّاوِي حَافِظًا ضَابِطًا مَعَهُ مِنْ الشَّرَائِطِ مَا يُؤْمَنُ مَعَهُ كَذِبُهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُ وَرُبَّمَا كَانَ لَا يَسْهُو ثُمَّ وَقَعَ لَهُ السَّهْوُ فِي الْآخَرِ مِنْ حَدِيثِهِ فَسُبْحَانَ مَنْ لَا يَزِلُّ وَلَا يَسْهُو وَذَلِكَ يَعْرِفُهُ أَرْبَابُ هَذَا الشَّأْنِ بِرِوَايَةِ النُّظَرَاءِ وَالْأَقْرَانِ وَرُبَّمَا كَانَ مُغَفَّلًا وَاقْتَرَنَ بِحَدِيثِهِ مَا يُصَحِّحُهُ كَقَرَائِنَ تُبَيِّنُ أَنَّهُ حَفِظَ مَا حَدَّثَ بِهِ وَإِنَّهُ لَمْ يَخْلِطْ فِي الْجَمِيعِ. وَتَعَمُّدُ الْكَذِبِ لَهُ أَسْبَابٌ: أَحَدُهَا: الزَّنْدَقَةُ وَالْإِلْحَادُ فِي دِينِ اللَّهِ {وَيَأْبَى اللَّهُ إلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} . وَثَانِيهَا: نُصْرَةُ الْمَذَاهِبِ وَالْأَهْوَاءِ وَهُوَ كَثِيرٌ فِي الْأُصُولِ وَالْفُرُوعُ وَالْوَسَائِطِ.
(18/46)

وَثَالِثُهَا: التَّرْغِيبُ وَالتَّرْهِيبُ لِمَنْ يَظُنُّ جَوَازَ ذَلِكَ. وَرَابِعُهَا: الْأَغْرَاضُ الدُّنْيَوِيَّةُ لِجَمْعِ الْحُطَامِ. وَخَامِسُهَا: حُبُّ الرِّيَاسَةِ بِالْحَدِيثِ الْغَرِيبِ.
فَصْلٌ:
الرَّاوِي إمَّا أَنْ تُقْبَلَ رِوَايَتُهُ مُطْلَقًا أَوْ مُقَيَّدًا فَأَمَّا الْمَقْبُولُ إطْلَاقًا فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مَأْمُونَ الْكَذِبِ بِالْمَظِنَّةِ وَشَرْطُ ذَلِكَ الْعَدَالَةُ وَخُلُوُّهُ عَنْ الْأَغْرَاضِ وَالْعَقَائِدِ الْفَاسِدَةِ الَّتِي يُظَنُّ مَعَهَا جَوَازُ الْوَضْعِ وَأَنْ يَكُونَ مَأْمُونَ السَّهْوِ بِالْحِفْظِ وَالضَّبْطِ وَالْإِتْقَانِ وَأَمَّا الْمُقَيَّدُ فَيَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْقَرَائِنِ وَلِكُلِّ حَدِيثٍ ذَوْقٌ وَيَخْتَصُّ بِنَظَرِ لَيْسَ لِلْآخَرِ.
فَصْلٌ:
كَمْ مِنْ حَدِيثٍ صَحِيحِ الِاتِّصَالِ ثُمَّ يَقَعُ فِي أَثْنَائِهِ الزِّيَادَةُ وَالنُّقْصَانُ فَرُبَّ زِيَادَةِ لَفْظَةٍ تُحِيلُ الْمَعْنَى وَنَقْصِ أُخْرَى كَذَلِكَ وَمَنْ مَارَسَ هَذَا الْفَنَّ لَمْ يَكَدْ يَخْفَى عَلَيْهِ مَوَاقِعُ ذَلِكَ وَلِتَصْحِيحِ الْحَدِيثِ وَتَضْعِيفِهِ أَبْوَابَ تَدْخُلُ وَطُرُقٌ تُسْلَكُ وَمَسَالِكُ تُطْرَقُ.
(18/47)

قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
فَصْلٌ:
وَأَمَّا عِدَّةُ الْأَحَادِيثِ الْمُتَوَاتِرَةِ الَّتِي فِي الصَّحِيحَيْنِ فَلَفْظُ الْمُتَوَاتِرِ: يُرَادُ بِهِ مَعَانٍ؛ إذْ الْمَقْصُودُ مِنْ الْمُتَوَاتِرِ مَا يُفِيدُ الْعِلْمَ لَكِنْ مِنْ النَّاسِ مَنْ لَا يُسَمِّي مُتَوَاتِرًا إلَّا مَا رَوَاهُ عَدَدٌ كَثِيرٌ يَكُونُ الْعِلْمُ حَاصِلًا بِكَثْرَةِ عَدَدِهِمْ فَقَطْ وَيَقُولُونَ: إنَّ كُلَّ عَدَدٍ أَفَادَ الْعِلْمَ فِي قَضِيَّةٍ أَفَادَ مِثْلُ ذَلِكَ الْعَدَدِ الْعِلْمَ فِي كُلِّ قَضِيَّةٍ وَهَذَا قَوْلٌ ضَعِيفٌ. وَالصَّحِيحُ مَا عَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ: أَنَّ الْعِلْمَ يَحْصُلُ بِكَثْرَةِ الْمُخْبِرِينَ تَارَةً وَقَدْ يَحْصُلُ بِصِفَاتِهِمْ لِدِينِهِمْ وَضَبْطِهِمْ وَقَدْ يَحْصُلُ بِقَرَائِنَ تَحْتَفُّ بِالْخَبَرِ يَحْصُلُ الْعِلْمُ بِمَجْمُوعِ ذَلِكَ وَقَدْ يَحْصُلُ الْعِلْمُ بِطَائِفَةِ دُونَ طَائِفَةٍ. وَأَيْضًا فَالْخَبَرُ الَّذِي تَلَقَّاهُ الْأَئِمَّةُ بِالْقَبُولِ تَصْدِيقًا لَهُ أَوْ عَمَلًا بِمُوجَبِهِ يُفِيدُ الْعِلْمَ عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْخَلَفِ وَالسَّلَفِ وَهَذَا فِي مَعْنَى الْمُتَوَاتِرِ؛ لَكِنْ مِنْ النَّاسِ مَنْ يُسَمِّيه الْمَشْهُورَ وَالْمُسْتَفِيضَ وَيُقَسِّمُونَ الْخَبَرَ إلَى مُتَوَاتِرٍ
(18/48)

وَمَشْهُورٍ وَخَبَرٍ وَاحِدٍ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَأَكْثَرُ مُتُونِ الصَّحِيحَيْنِ مَعْلُومَةٌ مُتْقَنَةٌ تَلَقَّاهَا أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ بِالْقَبُولِ وَالتَّصْدِيقِ وَأَجْمَعُوا عَلَى صِحَّتِهَا وَإِجْمَاعُهُمْ مَعْصُومٌ مِنْ الْخَطَأِ كَمَا أَنَّ إجْمَاعَ الْفُقَهَاءِ عَلَى الْأَحْكَامِ مَعْصُومٌ مِنْ الْخَطَأِ وَلَوْ أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى حُكْمٍ كَانَ إجْمَاعُهُمْ حُجَّةً وَإِنْ كَانَ مُسْتَنَدُ أَحَدِهِمْ خَبَرَ وَاحِدٍ أَوْ قِيَاسًا أَوْ عُمُومًا فَكَذَلِكَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ إذَا أَجْمَعُوا عَلَى صِحَّةِ خَبَرٍ أَفَادَ الْعِلْمَ وَإِنْ كَانَ الْوَاحِدُ مِنْهُمْ يَجُوزُ عَلَيْهِ الْخَطَأُ؛ لَكِنَّ إجْمَاعَهُمْ مَعْصُومُ عَنْ الْخَطَأِ. ثُمَّ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ الَّتِي أَجْمَعُوا عَلَى صِحَّتِهَا قَدْ تَتَوَاتَرُ وَتَسْتَفِيضُ عِنْدَ بَعْضِهِمْ دُونَ بَعْضٍ وَقَدْ يَحْصُلُ الْعِلْمُ بِصِدْقِهَا لِبَعْضِهِمْ لِعِلْمِهِ بِصِفَاتِ الْمُخْبِرِينَ وَمَا اقْتَرَنَ بِالْخَبَرِ مِنْهُ الْقَرَائِنُ الَّتِي تُفِيدُ الْعِلْمَ كَمَنْ سَمِعَ خَبَرًا مِنْ الصِّدِّيقِ أَوْ الْفَارُوقِ يَرْوِيه بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَقَدْ كَانُوا شَهِدُوا مِنْهُ مَا شَهِدَ وَهُمْ مُصَدِّقُونَ لَهُ فِي ذَلِكَ وَهُمْ مُقِرُّونَ لَهُ عَلَى ذَلِكَ وَقَوْلُهُ: {إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ} هُوَ مِمَّا تَلَقَّاهُ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْقَبُولِ وَالتَّصْدِيقِ وَلَيْسَ هُوَ فِي أَصْلِهِ مُتَوَاتِرًا؛ بَلْ هُوَ مِنْ غَرَائِبِ الصَّحِيحِ لَكِنْ لَمَّا تَلَقَّوْهُ بِالْقَبُولِ وَالتَّصْدِيقِ صَارَ مَقْطُوعًا بِصِحَّتِهِ. وَفِي السُّنَنِ أَحَادِيثُ تَلَقَّوْهَا بِالْقَبُولِ وَالتَّصْدِيقِ كَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثِ} فَإِنَّ هَذَا مِمَّا تَلَقَّتْهُ الْأُمَّةُ بِالْقَبُولِ وَالْعَمَلِ بِمُوجِبِهِ وَهُوَ فِي السُّنَنِ لَيْسَ فِي الصَّحِيحِ.
(18/49)

وَأَمَّا عَدَدُ مَا يَحْصُلُ بِهِ التَّوَاتُرُ فَمِنْ النَّاسِ مَنْ جَعَلَ لَهُ عَدَدًا مَحْصُورًا ثُمَّ يُفَرِّقُ هَؤُلَاءِ فَقِيلَ: أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَقِيلَ: اثْنَا عَشَرَ وَقِيلَ: أَرْبَعُونَ وَقِيلَ: سَبْعُونَ وَقِيلَ: ثَلَاثُمِائَةٍ وَثَلَاثَةَ عَشَرَ وَقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ. وَكُلُّ هَذِهِ الْأَقْوَالِ بَاطِلَةٌ لِتَكَافُئِهَا فِي الدَّعْوَى. وَالصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ: أَنَّ التَّوَاتُرَ لَيْسَ لَهُ عَدَدٌ مَحْصُورٌ وَالْعِلْمُ الْحَاصِلُ بِخَبَرِ مِنْ الْأَخْبَارِ يَحْصُلُ فِي الْقَلْبِ ضَرُورَةً كَمَا يَحْصُلُ الشِّبَعُ عَقِيبَ الْأَكْلِ وَالرِّيِّ عِنْدَ الشُّرْبِ وَلَيْسَ لَمَّا يَشْبَعُ كُلُّ وَاحِدٍ وَيَرْوِيه قَدْرٌ مُعَيَّنٌ؛ بَلْ قَدْ يَكُونُ الشِّبَعُ لِكَثْرَةِ الطَّعَامِ وَقَدْ يَكُونُ لِجَوْدَتِهِ كَاللَّحْمِ وَقَدْ يَكُونُ لِاسْتِغْنَاءِ الْآكِلِ بِقَلِيلِهِ؛ وَقَدْ يَكُونُ لِاشْتِغَالِ نَفْسِهِ بِفَرَحِ أَوْ غَضَبٍ؛ أَوْ حُزْنٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ. كَذَلِكَ الْعِلْمُ الْحَاصِلُ عَقِيبَ الْخَبَرِ تَارَةً يَكُونُ لِكَثْرَةِ الْمُخْبِرِينَ وَإِذَا كَثُرُوا فَقَدْ يُفِيدُ خَبَرُهُمْ الْعِلْمَ وَإِنْ كَانُوا كُفَّارًا. وَتَارَةً يَكُونُ لِدِينِهِمْ وَضَبْطِهِمْ. فَرُبَّ رَجُلَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ يَحْصُلُ مِنْ الْعِلْمِ بِخَبَرِهِمْ مَا لَا يَحْصُلُ بِعَشَرَةِ وَعِشْرِينَ لَا يُوثَقُ بِدِينِهِمْ وَضَبْطِهِمْ وَتَارَةً قَدْ يَحْصُلُ الْعِلْمُ بِكَوْنِ كُلٍّ مِنْ الْمُخْبِرِينَ أَخْبَرَ بِمِثْلِ مَا أَخْبَرَ بِهِ الْآخَرُ مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّهُمَا لَمْ يَتَوَاطَآ وَأَنَّهُ يَمْتَنِعُ فِي الْعَادَةِ الِاتِّفَاقُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ مِثْلَ مَنْ يَرْوِي حَدِيثًا طَوِيلًا فِيهِ فُصُولٌ وَيَرْوِيه آخَرُ لَمْ يَلْقَهُ. وَتَارَةً يَحْصُلُ الْعِلْمُ بِالْخَبَرِ لِمَنْ عِنْدُهُ الْفِطْنَةُ وَالذَّكَاءُ وَالْعِلْمُ بِأَحْوَالِ الْمُخْبِرِينَ وَبِمَا أَخْبَرُوا بِهِ
(18/50)

مَا لَيْسَ لِمَنْ لَهُ مِثْلُ ذَلِكَ. وَتَارَةً يَحْصُلُ الْعِلْمُ بِالْخَبَرِ لِكَوْنِهِ رُوِيَ بِحَضْرَةِ جَمَاعَةٍ كَثِيرَةٍ شَارَكُوا الْمُخْبِرَ فِي الْعِلْمِ وَلَمْ يُكَذِّبْهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ؛ فَإِنَّ الْجَمَاعَةَ الْكَثِيرَةَ قَدْ يَمْتَنِعُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكِتْمَانِ كَمَا يَمْتَنِعُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ. وَإِذَا عُرِفَ أَنَّ الْعِلْمَ بِأَخْبَارِ الْمُخْبِرِينَ لَهُ أَسْبَابٌ غَيْرَ مُجَرَّدِ الْعَدَدِ عُلِمَ أَنَّ مَنْ قَيَّدَ الْعِلْمَ بِعَدَدِ مُعَيَّنٍ وَسَوَّى بَيْنَ جَمِيعِ الْأَخْبَارِ فِي ذَلِكَ فَقَدْ غَلِطَ غَلَطًا عَظِيمًا؛ وَلِهَذَا كَانَ التَّوَاتُرُ يَنْقَسِمُ إلَى: عَامٍّ؛ وَخَاصٍّ فَأَهْلُ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ قَدْ تَوَاتَرَ عِنْدَهُمْ مِنْ السُّنَّةِ مَا لَمْ يَتَوَاتَرْ عِنْدَ الْعَامَّةِ كَسُجُودِ السَّهْوِ وَوُجُوبِ الشُّفْعَةِ وَحَمْلِ الْعَاقِلَةِ الْعَقْلَ وَرَجْمِ الزَّانِي الْمُحْصَنِ؛ وَأَحَادِيثِ الرُّؤْيَةِ وَعَذَابِ الْقَبْرِ؛ وَالْحَوْضِ وَالشَّفَاعَةِ؛ وَأَمْثَالِ ذَلِكَ. وَإِذَا كَانَ الْخَبَرُ قَدْ تَوَاتَرَ عِنْدَ قَوْمٍ دُونَ قَوْمٍ وَقَدْ يَحْصُلُ الْعِلْمُ بِصِدْقِهِ لِقَوْمِ دُونَ قَوْمٍ فَمَنْ حَصَلَ لَهُ الْعِلْمُ بِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ التَّصْدِيقُ بِهِ وَالْعَمَلُ بِمُقْتَضَاهُ كَمَا يَجِبُ ذَلِكَ فِي نَظَائِرِهِ وَمَنْ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ الْعِلْمُ بِذَلِكَ فَعَلَيْهِ أَنْ يُسَلِّمَ ذَلِكَ لِأَهْلِ الْإِجْمَاعِ الَّذِينَ أَجْمَعُوا عَلَى صِحَّتِهِ كَمَا عَلَى النَّاسِ أَنْ يُسَلِّمُوا الْأَحْكَامَ الْمُجْمَعَ عَلَيْهَا إلَى مَنْ أَجْمَعَ عَلَيْهَا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ عَصَمَ هَذِهِ الْأُمَّةَ أَنْ تَجْتَمِعَ عَلَى ضَلَالَةٍ وَإِنَّمَا يَكُونُ إجْمَاعُهَا بِأَنْ يُسَلِّمَ غَيْرُ الْعَالِمِ لِلْعَالِمِ؛ إذْ غَيْرُ الْعَالِمِ لَا يَكُونُ لَهُ قَوْلٌ وَإِنَّمَا الْقَوْلُ لِلْعَالِمِ فَكَمَا أَنَّ مَنْ لَا يَعْرِفُ أَدِلَّةَ الْأَحْكَامِ لَا يُعْتَدُّ بِقَوْلِهِ فَمَنْ لَا يَعْرِفُ طُرُقَ الْعِلْمِ بِصِحَّةِ الْحَدِيثِ لَا يُعْتَدُّ بِقَوْلِهِ بَلْ عَلَى كُلِّ مَنْ لَيْسَ بِعَالِمِ أَنْ يَتْبَعَ إجْمَاعَ أَهْلِ الْعِلْمِ.
(18/51)

وَقَالَ أَيْضًا: (*)
فِي الرَّدِّ عَلَى بَعْضِ أَئِمَّةِ أَهْلِ الْكَلَامِ لَمَّا تَكَلَّمُوا فِي الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَذَمُّوهُمْ بِقِلَّةِ الْفَهْمِ وَأَنَّهُمْ لَا يَفْهَمُونَ مَعَانِيَ الْحَدِيثِ وَلَا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ صَحِيحِهِ مِنْ ضَعِيفِهِ وَيَفْتَخِرُونَ عَلَيْهِمْ بِحِذْقِهِمْ وَدِقَّةِ عُلُومِهِمْ فِيهَا فَقَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -:
لَا رَيْبَ أَنَّ هَذَا مَوْجُودٌ فِي بَعْضِهِمْ يَحْتَجُّونَ بِأَحَادِيثَ مَوْضُوعَةٍ فِي مَسَائِلِ الْفُرُوعِ وَالْأُصُولِ وَآثَارٍ مُفْتَعَلَةٍ وَحِكَايَاتٍ غَيْرِ صَحِيحَةٍ وَيَذْكُرُونَ مِنْ الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ مَا لَا يَفْهَمُونَ مَعْنَاهُ وَقَدْ رَأَيْت مِنْ هَذَا عَجَائِبَ؛ لَكِنَّهُمْ بِالنِّسْبَةِ إلَى غَيْرِهِمْ فِي ذَلِكَ كَالْمُسْلِمِينَ بِالنِّسْبَةِ إلَى بَقِيَّةِ الْمِلَلِ فَكُلُّ شَرٍّ فِي بَعْضِ الْمُسْلِمِينَ فَهُوَ فِي غَيْرِهِمْ أَكْثَرُ وَكُلُّ خَيْرٍ يَكُونُ فِي غَيْرِهِمْ فَهُوَ فِيهِمْ أَعْظَمُ وَهَكَذَا أَهْلُ الْحَدِيثِ بِالنِّسْبَةِ إلَى غَيْرِهِمْ وَبِإِزَاءِ تَكَلُّمِ أُولَئِكَ بِأَحَادِيثَ لَا يَفْهَمُونَ مَعْنَاهَا تَكَلَّفَ هَؤُلَاءِ مِنْ الْقَوْلِ بِغَيْرِ عِلْمٍ مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ وَأَكْثَرُ وَمَا أَحْسَنَ قَوْلَ الْإِمَامِ أَحْمَد: ضَعِيفُ الْحَدِيثِ خَيْرٌ مِنْ الرَّأْيِ وَقَدْ أَمَرَ الشَّيْخُ أَبُو عَمْرِو ابْنُ الصَّلَاحِ بِانْتِزَاعِ مَدْرَسَةٍ مَعْرُوفَةٍ
_________

[تعليق مُعِدّ الكتاب للشاملة]
(*) قال الشيخ ناصر بن حمد الفهد (ص 142) :
هذه الرسالة ملفقة - مع اختصار - من كتاب (نقض المنطق) للشيخ رحمه الله، وهو في الفتاوى كالتالي:
1 - الجزء الأول من (نقض المنطق) في: 4 / 1 - 190.
2 - الجزء الثاني من (نقض المنطق) في: 9 / 5 - 82:
وسأذكر الرسالة فيما يلي، وأحيل كل نقل إلى مصدره:

ثم نقل الشيخ - وفقه الله - نص الرسالة وأحال في الهوامش إلى مصدر كل نص، وأكتفي هنا بنقل الاحالات التي ذكرها الشيخ لتعذر نقل نص الرسالة كاملة، وينبغي الرجوع إلى الكتاب للإطلاع على الرسالة:
- النص الأول: 4 / 24: من قوله: (لا يب أن هذا موجود في بعضهم، يحتجون بأحاديث موضوعة. . .) إلى قوله: (. . . وما أحسن قول الإمام أحمد ضعيف الحديث خير من الرأي)
- النص الثاني: 9 / 7، 8: من قوله: (وقد أمر الشيخ أبو عمرو بن الصلاح بانتزاع مدرسة معروفة. . .) إلى قوله: (. . . فلهؤلاء من عجائب الجهل والظلم والكذب والكفر والنفاق والضلال ما لا يتسع لذكره مقال) .
- النص الثالث: 4 / 45، 55: من قوله: (وإذا كان في المقالات الخفية، فقد يقال أنه فيها. . .) إلى قوله: (. . . وهذه ردة عن الإسلام باتفاق المسلمين، وإن كان قد يكون عاد إلى الإسلام)
- النص الرابع: 9 / 28 - 30: من قوله: (وجميع ما يأمرون به من العلوم والأعمال والأخلاق لا يكفي. . .) إلى قوله: (. . . ولهذا يجمع بينهما في مثل قوله: " وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ") .
- النص الخامس: 9 / 31: قوله: (وأخبر في غير موضع أن الرسالة عمت جميع بني آدم)
- النص السادس: 9 / 32: قوله: (فهذه الأصول الثلاثة: توحيد الله، والإيمان برسله، واليوم الآخر أمور متلازمة)
- النص السابع: 9 / آخر صفحة 32 - 35: من قوله: (ولهذا قال سبحانه: " وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ ". . .) إلى قوله: (. . . وقد جعل الله لكل شيء قدرا) .
- النص الثامن: 9 / 38 - 40: من قوله: (والقوم وإن كان لهم ذكاء وفطنة وفيهم. . .) إلى قوله: (. . . وأنهم أشد في أنفسهم وفي آثارهم في الأرض) .
- النص التاسع: 9 / 41 - 42: من قوله: (وقد قال سبحانه عن أتباع هؤلاء الأئمة من أهل الملك والعلم المخالفين للرسل. . .) إلى قوله: (فبين أن في الذين يقرأون القرآن مؤمنين ومنافقين) .
- النص العاشر: 4 / 26: من قوله: (وإذا كان سعادة الأولين والآخرين هي اتباع المرسلين. . .) إلى قوله: (. . . أعظمهم إتباعا له وموافقة علما وعملا، والله سبحانه وتعالى أعلم) .
(18/52)

مِنْ أَبِي الْحَسَنِ الْآمِدِيَّ وَقَالَ: أَخْذُهَا مِنْهُ أَفْضَلُ مِنْ أَخْذِ عَكَّا. مَعَ أَنَّ الْآمِدِيَّ لَمْ يَكُنْ فِي وَقْتِهِ أَكْثَرَ تَبَحُّرًا فِي الْفُنُونِ الْكَلَامِيَّةِ وَالْفَلْسَفِيَّةِ مِنْهُ وَكَانَ مِنْ أَحْسَنِهِمْ إسْلَامًا وَأَمْثَلِهِمْ اعْتِقَادًا وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْأُمُورَ الدَّقِيقَةَ - سَوَاءٌ كَانَتْ حَقًّا أَوْ بَاطِلًا؛ إيمَانًا أَوْ كُفْرًا - لَا تُدْرَكُ إلَّا بِذَكَاءِ وَفِطْنَةٍ؛ فَلِذَلِكَ يستجهلون مَنْ لَمْ يُشْرِكْهُمْ فِي عِلْمِهِمْ وَإِنْ كَانَ إيمَانُهُ أَحْسَنَ مِنْ إيمَانِهِمْ؛ إذَا كَانَ مِنْهُ قُصُورٌ فِي الذَّكَاءِ وَالْبَيَانِ وَهُمْ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {إنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ} {وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ} الْآيَاتِ. فَإِذَا تَقَلَّدُوا عَنْ طَوَاغِيتِهِمْ أَنَّ كُلَّ مَا لَمْ يَحْصُلْ بِهَذِهِ الطُّرُقِ الْقِيَاسِيَّةِ لَيْسَ بِعِلْمِ وَقَدْ لَا يَحْصُلُ لِكَثِيرِ مِنْهُمْ مِنْهَا مَا يَسْتَفِيدُ بِهِ الْإِيمَانَ الْوَاجِبَ فَيَكُونُ كَافِرًا زِنْدِيقًا؛ مُنَافِقًا جَاهِلًا؛ ضَالًّا مُضِلًّا ظَلُومًا كَفُورًا وَيَكُونُ مِنْ أَكَابِرِ أَعْدَاءِ الرُّسُلِ وَمُنَافِقِي الْمِلَّةِ مِنْ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ فِيهِمْ: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ} وَقَدْ يَحْصُلُ لِبَعْضِهِمْ إيمَانٌ وَنِفَاقٌ وَيَكُونُ مُرْتَدًّا: إمَّا عَنْ أَصْلِ الدِّينِ أَوْ بَعْضِ شَرَائِعِهِ إمَّا رِدَّةَ نِفَاقٍ وَإِمَّا رِدَّةَ كُفْرٍ وَهَذَا كَثِيرٌ غَالِبٌ؛ لَا سِيَّمَا فِي الْأَعْصَارِ وَالْأَمْصَارِ الَّتِي تَغْلِبُ فِيهَا الْجَاهِلِيَّةُ وَالْكُفْرُ وَالنِّفَاقُ فَهَؤُلَاءِ مِنْ عَجَائِبِ الْجَهْلِ وَالظُّلْمِ وَالْكَذِبِ وَالْكُفْرِ وَالنِّفَاقِ وَالضَّلَالِ مَا لَا يَتَّسِعُ لِذِكْرِهِ الْمَقَالُ.
(18/53)

وَإِذَا كَانَ فِي الْمَقَالَاتِ الْخَفِيَّةِ فَقَدْ يُقَالُ: إنَّهُ فِيهَا مُخْطِئٌ ضَالٌّ لَمْ تَقُمْ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ الَّتِي يَكْفُرُ صَاحِبُهَا لَكِنْ ذَلِكَ يَقَعُ فِي طَوَائِفَ مِنْهُمْ فِي الْأُمُورِ الظَّاهِرَةِ الَّتِي يَعْلَمُ الْخَاصَّةُ وَالْعَامَّةُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهَا مِنْ دِينِ الْمُسْلِمِينَ بَلْ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى وَالْمُشْرِكُونَ يَعْلَمُونَ أَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بُعِثَ بِهَا وَكَفَرَ مَنْ خَالَفَهَا مِثْلَ أَمْرِهِ بِعِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَنَهْيِهِ عَنْ عِبَادَةِ أَحَدٍ سِوَى اللَّهِ: مِنْ الْمَلَائِكَةِ وَالنَّبِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ فَإِنَّ هَذَا أَظْهَرُ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ وَمِثْلَ مُعَادَاةِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمُشْرِكِينَ وَمِثْلَ تَحْرِيمِ الْفَوَاحِشِ وَالرِّبَا وَالْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. ثُمَّ تَجِدُ كَثِيرًا مِنْ رُءُوسِهِمْ وَقَعُوا فِي هَذِهِ الْأَنْوَاعِ فَكَانُوا مُرْتَدِّينَ وَإِنْ كَانُوا قَدْ يَتُوبُونَ مِنْ ذَلِكَ وَيَعُودُونَ كَرُءُوسِ الْقَبَائِل مِثْلَ: الْأَقْرَعِ وعُيَيْنَة وَنَحْوِهِمْ مِمَّنْ ارْتَدَّ عَنْ الْإِسْلَامِ ثُمَّ دَخَلَ فِيهِ فَفِيهِمْ مَنْ كَانَ يُتَّهَمُ بِالنِّفَاقِ وَمَرَضِ الْقَلْبِ وَفِيهِمْ مَنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَكَثِيرٌ مِنْ رُءُوسِ هَؤُلَاءِ هَكَذَا تَجِدُهُ تَارَةً يَرْتَدُّ عَنْ الْإِسْلَامِ رِدَّةً صَرِيحَةً وَتَارَةً يَعُودُ إلَيْهَا وَلَكِنْ مَعَ مَرَضٍ فِي قَلْبِهِ وَنِفَاقٍ وَقَدْ يَكُونُ لَهُ حَالٌ ثَالِثَةٌ يَغْلِبُ الْإِيمَانُ فِيهَا النِّفَاقَ لَكِنْ قَلَّ أَنْ يَسْلَمُوا مِنْ نَوْعِ نِفَاقٍ وَالْحِكَايَاتُ عَنْهُمْ بِذَلِكَ مَشْهُورَةٌ. وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ قُتَيْبَةَ عَنْ ذَلِكَ طَرَفًا فِي أَوَّلِ " مُخْتَلَفِ الْحَدِيثِ " وَقَدْ حَكَى أَهْلُ الْمَقَالَاتِ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ مِنْ ذَلِكَ طَرَفًا كَمَا يَذْكُرُهُ
(18/54)

أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ وَالْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْبَاقِلَانِي وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ الشَّهْرَستَانِي وَغَيْرُهُمْ. وَأَبْلَغُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ يُصَنِّفُ فِي دِينِ الْمُشْرِكِينَ وَالرِّدَّةِ عَنْ الْإِسْلَامِ كَمَا صَنَّفَ الرَّازِي كِتَابَهُ فِي عِبَادَةِ الْكَوَاكِبِ وَأَقَامَ الْأَدِلَّةَ عَلَى حُسْنٍ ذَلِكَ وَمَنْفَعَتِهِ وَرَغَّبَ فِيهِ وَهَذِهِ رِدَّةٌ عَنْ الْإِسْلَامِ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ وَإِنْ كَانَ قَدْ يَكُونُ عَادَ إلَى الْإِسْلَامِ وَجَمِيعُ مَا يَأْمُرُونَ بِهِ مِنْ الْعُلُومِ وَالْأَعْمَالِ وَالْأَخْلَاقِ لَا يَكْفِي فِي النَّجَاةِ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ فَضْلًا أَنْ يَكُونَ مُوَصِّلًا لِنَعِيمِ الْآخِرَةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ} الْآيَتَيْنِ وَقَالَ تَعَالَى: {فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ} إلَى آخِرِ السُّورَةِ فَأَخْبَرَ هُنَا بِمِثْلِ مَا أَخْبَرَ بِهِ فِي الْأَعْرَافِ وَأَنَّ هَؤُلَاءِ الْمُعْرِضِينَ عَمَّا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَ اللَّهِ وَحَّدُوا اللَّهَ وَتَرَكُوا الشِّرْكَ فَلَمْ يَنْفَعْهُمْ ذَلِكَ وَكَذَلِكَ أَخْبَرَ عَنْ فِرْعَوْنَ. وَهُوَ كَافِرٌ بِالتَّوْحِيدِ وَالرِّسَالَةِ: أَنَّهُ لَمَّا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ: {قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إلَهَ إلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ} الْآيَةُ. وَقَالَ تَعَالَى: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ} الْآيَتَيْنِ. وَهَذَا فِي الْقُرْآنِ فِي مَوَاضِعَ يُبَيِّنُ أَنَّ الرُّسُلَ أُمِرُوا بِعِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَنُهُوا عَنْ عِبَادَةِ شَيْءٍ مِنْ الْمَخْلُوقَاتِ سِوَاهُ وَأَنَّ
(18/55)

أَهْل السَّعَادَةِ هُمْ أَهْلُ التَّوْحِيدِ وَأَنَّ الْمُشْرِكِينَ هَمّ أَهْلُ الشَّقَاوَةِ وَيُبَيِّنُ أَنَّ الَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا بِالرُّسُلِ مُشْرِكُونَ فَعُلِمَ أَنَّ التَّوْحِيدَ وَالْإِيمَانَ بِالرُّسُلِ مُتَلَازِمَانِ وَكَذَلِكَ الْإِيمَانُ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ فَالثَّلَاثَةُ مُتَلَازِمَةٌ؛ وَلِهَذَا يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا فِي مِثْلِ قَوْلِهِ: {وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} . وَأَخْبَرَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ أَنَّ الرِّسَالَةَ عَمَّتْ جَمِيعَ بَنِي آدَمَ؛ فَهَذِهِ الْأُصُولُ الثَّلَاثَةُ: تَوْحِيدُ اللَّهِ وَالْإِيمَانُ بِرُسُلِهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ أُمُورٌ مُتَلَازِمَةٌ؛ وَلِهَذَا قَالَ - سُبْحَانَهُ -: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ} إلَى قَوْلِهِ: {وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ} فَأَخْبَرَ أَنَّ جَمِيعَ الْأَنْبِيَاءِ لَهُمْ أَعْدَاءٌ وَهُمْ شَيَاطِينُ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ الْمُزَخْرَفَ وَهُوَ: الْمُزَيَّنُ الْمُحَسَّنُ يُغْرُونَ بِهِ وَالْغُرُورُ: التَّلْبِيسُ وَالتَّمْوِيهُ وَهَذَا شَأْنُ كُلِّ كَلَامٍ وَكُلِّ عَمَلٍ يُخَالِفُ مَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ مِنْ أَمْرِ الْمُتَكَلِّمَةِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ الْأَوَّلِينَ والآخرين ثُمَّ قَالَ: {وَلِتَصْغَى إلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ} فَعَلِمَ أَنَّ مُخَالَفَةَ الرُّسُلِ وَتَرْكَ الْإِيمَانِ بِالْآخِرَةِ مُتَلَازِمَانِ فَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِالْآخِرَةِ أَصْغَى إلَى زُخْرُفِ أَعْدَائِهِمْ فَخَالَفَ الرُّسُلَ كَمَا هُوَ مَوْجُودٌ فِي أَصْنَافِ الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ وَغَيْرِهَا؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: {وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ} إلَى قَوْلِهِ: {هَلْ يَنْظُرُونَ إلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ
(18/56)

يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ} فَأَخْبَرَ أَنَّ الَّذِينَ تَرَكُوا الْكِتَابَ وَهُوَ الرِّسَالَةُ يَقُولُونَ إذَا جَاءَ تَأْوِيلُهُ - وَهُوَ مَا أَخْبَرَ بِهِ - جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ. وَهَذَا كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا} . . الْآيَتَيْنِ أَخْبَرَ أَنَّ الَّذِينَ تَرَكُوا اتِّبَاعَ آيَاتِهِ يُصِيبُهُمْ مَا ذَكَرَ فَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ أَصْلَ السَّعَادَةِ وَالنَّجَاةِ مِنْ الْعَذَابِ هُوَ تَوْحِيدُ اللَّهِ بِعِبَادَتِهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَالْإِيمَانُ بِرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ؛ وَهَذِهِ الْأُمُورُ لَيْسَتْ فِي حِكْمَتِهِمْ لَيْسَ فِيهَا الْأَمْرُ بِعِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَالنَّهْيُ عَنْ عِبَادَةِ الْمَخْلُوقَاتِ بَلْ كُلُّ شِرْكٍ فِي الْعَالَمِ إنَّمَا حَدَثَ بِرَأْيِ جِنْسِهِمْ فَهُمْ الْآمِرُونَ بِالشِّرْكِ وَالْفَاعِلُونَ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَأْمُرْ بِالشِّرْكِ مِنْهُمْ فَلَمْ يَنْهَ عَنْهُ بَلْ يُقِرُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ وَإِنْ رَجَّحَ الْمُوَحِّدِينَ تَرْجِيحًا مَا فَقَدْ يُرَجِّحُ غَيْرُهُ الْمُشْرِكِينَ وَقَدْ يُعْرِضُ عَنْ الْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا. فَتَدَبَّرْ هَذَا فَإِنَّهُ نَافِعٌ جِدًّا. وَقَدْ رَأَيْت مِنْ مُصَنَّفَاتِهِمْ فِي عِبَادَةِ الْكَوَاكِبِ وَالْمَلَائِكَةِ وَعِبَادَةِ الْأَنْفُسِ الْمُفَارِقَةِ: أَنْفُسِ الْأَنْبِيَاءِ وَغَيْرِهِمْ مَا هُوَ أَصْلُ الشِّرْكِ وَهُمْ إذَا ادَّعَوْا التَّوْحِيدَ فَإِنَّمَا تَوْحِيدُهُمْ بِالْقَوْلِ لَا بِالْعِبَادَةِ وَالْعَمَلِ وَالتَّوْحِيدِ الَّذِي جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ التَّوْحِيدِ بِإِخْلَاصِ الدِّينِ لِلَّهِ وَعِبَادَتِهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ؛ وَهَذَا شَيْءٌ لَا يَعْرِفُونَهُ.
(18/57)

وَالتَّوْحِيدُ الَّذِي يَدَّعُونَهُ إنَّمَا هُوَ تَعْطِيلُ حَقَائِقِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ وَفِيهِ مِنْ الْكُفْرِ وَالضَّلَالِ مَا هُوَ مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ الْإِشْرَاكِ؛ فَلَوْ كَانُوا مُوَحِّدِينَ بِالْقَوْلِ وَالْكَلَامِ وَهُوَ: أَنْ يَصِفُوا اللَّهَ بِمَا وَصَفَتْهُ بِهِ رُسُلُهُ لَكَانَ مَعَهُمْ التَّوْحِيدُ دُونَ الْعَمَلِ وَذَلِكَ لَا يَكْفِي فِي السَّعَادَةِ وَالنَّجَاةِ بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ وَحْدَهُ وَيَتَّخِذُوهُ إلَهًا دُونَ مَا سِوَاهُ وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ: " لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ " فَكَيْفَ وَهُمْ فِي الْقَوْلِ وَالْكَلَامِ مُعَطِّلُونَ جَاحِدُونَ لَا مُوَحِّدُونَ وَلَا مُخْلِصُونَ فَإِذَا كَانَ مَا تَحْصُلُ بِهِ السَّعَادَةُ وَالنَّجَاةُ مِنْ الشَّقَاوَةِ لَيْسَ عِنْدَهُمْ أَصْلًا كَانَ مَا يَأْمُرُونَ بِهِ مِنْ الْأَخْلَاقِ وَالْأَعْمَالِ وَالسِّيَاسَاتِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ} وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا. وَالْقَوْمُ وَإِنْ كَانَ لَهُمْ ذَكَاءٌ وَفِطْنَةٌ وَفِيهِمْ زُهْدٌ وَأَخْلَاقٌ فَهَذَا الْقَوْلُ لَا يُوجِبُ السَّعَادَةَ وَالنَّجَاةَ مِنْ الْعَذَابِ إلَّا بِالْأُصُولِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَإِنَّمَا قُوَّةُ الذَّكَاءِ بِمَنْزِلَةِ قُوَّةِ الْبَدَنِ وَالْإِرَادَةِ فَاَلَّذِي يُؤْتَى فَضَائِلَ عِلْمِيَّةٍ وَإِرَادِيَّةٍ بِدُونِ هَذِهِ الْأُصُولِ بِمَنْزِلَةِ مَنْ يُؤْتَى قُوَّةً فِي جِسْمِهِ وَبَدَنِهِ بِدُونِ هَذِهِ الْأُصُولِ وَأَهْلُ الرَّأْيِ وَالْعِلْمِ بِمَنْزِلَةِ أَهْلِ الْمُلْكِ وَالْإِمَارَةِ وَكُلٌّ مِنْ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ شَيْئًا إلَّا أَنْ يَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَيُؤْمِنُ بِرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ. وَلَمَّا كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْمُلْكِ وَالْعِلْمِ قَدْ يُعَارِضُونَ الرُّسُلَ،
(18/58)

وَقَدْ يُتَابِعُونَهُمْ ذَكَرَ اللَّهُ ذَلِكَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ فَذَكَرَ فِرْعَوْنَ؛ وَاَلَّذِي حَاجَّ إبْرَاهِيمَ لَمَّا آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ؛ وَالْمَلَأَ مِنْ قَوْمٍ نُوحٍ وَعَادٍ وَغَيْرَهُمْ وَذَكَرَ قَوْلَ عُلَمَائِهِمْ كَقَوْلِهِ: {فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ} وَقَالَ: {مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا} إلَى قَوْلِهِ: {وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ} إلَى قَوْلِهِ: {الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ} الْآيَةَ. وَالسُّلْطَانُ: هُوَ الْوَحْيُ الْمُنَزَّلُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ. وَقَدْ ذَكَرَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ: " حم غَافِرُ " مِنْ حَالِ مُخَالِفِي الرُّسُلِ مِنْ الْمُلُوكِ وَالْعُلَمَاءِ وَمُجَادَلَتِهِمْ مَا فِيهِ عِبْرَةٌ مِثْلَ قَوْلِهِ: {إنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إنْ فِي صُدُورِهِمْ إلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ} وَمِثْلَ قَوْلِهِ: {أَلَمْ تَرَ إلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ} إلَى قَوْلِهِ: {ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ} . وَكَذَلِكَ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ وَالْأَعْرَافِ وَعَامَّةِ السُّوَرِ الْمَكِّيَّةِ وَطَائِفَةٍ مِنْ السُّوَرِ الْمَدَنِيَّةِ؛ فَإِنَّهَا تَشْتَمِلُ عَلَى خِطَابِ هَؤُلَاءِ وَضَرْبِ الْمَقَايِيسِ وَالْأَمْثَالِ لَهُمْ وَذِكْرِ قَصَصِهِمْ وَقَصَصِ الْأَنْبِيَاءِ وَأَتْبَاعِهِمْ مَعَهُمْ؛ وَلِهَذَا قَالَ - سُبْحَانَهُ -: {وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً} . . الْآيَةَ. فَأَخْبَرَ بِمَا مُكِّنُوا فِيهِ مِنْ أَصْنَافِ
(18/59)

الْإِدْرَاكَاتِ وَالْحَرَكَاتِ وَأَخْبَرَ أَنَّ ذَلِكَ لَمْ يُغْنِ عَنْهُمْ شَيْئًا حَيْثُ جَحَدُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَالرِّسَالَةِ؛ وَلِهَذَا حَدَّثَنِي ابْنُ الشَّيْخِ الْفَقِيه الْخُضَرِيّ (*) عَنْ وَالِدِهِ شَيْخِ الْحَنَفِيَّةِ فِي زَمَنِهِ قَالَ: كَانَ فُقَهَاءُ بخارى يَقُولُونَ فِي ابْنِ سِينَا: {كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ} الْآيَةَ وَالْقُوَّةُ تَعُمُّ قُوَّةَ الْإِدْرَاكِ النَّظَرِيَّةِ وَقُوَّةَ الْحَرَكَةِ الْعَمَلِيَّةِ وَقَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: {كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً} فَأَخْبَرَ بِفَضْلِهِمْ فِي الْكُمِّ وَالْكَيْفِ وَأَنَّهُمْ أَشَدَّ فِي أَنْفُسِهِمْ وَفِي آثَارِهِمْ فِي الْأَرْضِ. وَقَدْ قَالَ - سُبْحَانَهُ - عَنْ أَتْبَاعِ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ مِنْ أَهْلِ الْمُلْكِ وَالْعِلْمِ الْمُخَالِفِينَ لِلرُّسُلِ: {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا} إلَى قَوْلِهِ: {وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا} وَقَالَ تَعَالَى: {وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ} وَمِثْلُ هَذَا فِي الْقُرْآنِ كَثِيرٌ يُذْكَرُ فِيهِ قَوْلُ أَعْدَاءِ الرُّسُلِ وَأَفْعَالُهُمْ وَمَا أُوتُوهُ مِنْ قُوَى الْإِدْرَاكَاتِ وَالْحَرَكَاتِ الَّتِي لَمْ تَنْفَعْهُمْ لَمَّا خَالَفُوا الرُّسُلَ. وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ مَا فِي الْمُنْتَسِبِينَ إلَى أَتْبَاعِ الرُّسُلِ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَالْعِبَادِ وَالْمُلُوكِ مِنْ النِّفَاقِ وَالضَّلَالِ فِي مِثْلِ قَوْلِهِ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ} الْآيَةَ و (يَصُدُّونَ) يُسْتَعْمَلُ لَازِمًا؛ يُقَالُ: صَدَّ صُدُودًا
__________

[تعليق مُعِدّ الكتاب للشاملة]
(*) قال الشيخ ناصر بن حمد الفهد (ص 78) :
وقد وقع في (18 / 60) : (الشيخ الخضيري) ، ووقع في نسخة (نقض المنطق) المفردة ص 181 كذلك، وعلقوا عليها هناك بأن الصواب (الحصيري) نسبة لمحلة ببخارى يعمل فيها الحصير، والابن اسمه أحمد بن محمود ت 698، والله أعلم.
(18/60)

أَعْرَضَ كَقَوْلِهِ: {رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا} وَيُقَالُ: صَدَّ غَيْرَهُ يَصُدُّهُ وَالْوَصْفَانِ يَجْتَمِعَانِ فِيهِمْ. وَمِثْلَ قَوْله تَعَالَى {أَلَمْ تَرَ إلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ} الْآيَةَ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي مُوسَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {مَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ مَثَلُ الْأُتْرُجَّةِ طَعْمُهَا طَيِّبٌ وَرِيحُهَا طَيِّبٌ وَمَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ مَثَلُ التَّمْرَةِ طَعْمُهَا طَيِّبٌ وَلَا رِيحَ لَهَا وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ مَثَلُ الرَّيْحَانَةِ: رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا مُرٌّ وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ مَثَلُ الْحَنْظَلَةِ طَعْمُهَا مُرٌّ وَلَا رِيحَ لَهَا} فَبَيَّنَ أَنَّ فِي الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ مُؤْمِنِينَ وَمُنَافِقِينَ وَإِذَا كَانَ سَعَادَةُ الْأَوَّلِينَ والآخرين هِيَ اتِّبَاعُ الْمُرْسَلِينَ فَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ أَحَقَّ النَّاسِ بِذَلِكَ أَعْلَمُهُمْ بِآثَارِ الْمُرْسَلِينَ وَأَتْبَعُهُمْ لِذَلِكَ فَالْعَالِمُونَ بِأَقْوَالِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ الْمُتَّبِعُونَ لَهَا هُمْ أَهْلُ السَّعَادَةِ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ وَهُمْ الطَّائِفَةُ النَّاجِيَةُ مِنْ أَهْلِ كُلِّ مِلَّةٍ وَهُمْ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَالرُّسُلُ عَلَيْهِمْ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ وَقَدْ بَلَّغُوا الْبَلَاغَ الْمُبِينَ. وَخَاتَمُ الرُّسُلِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَزَلَ إلَيْهِ [الْلَّهُ] (1) كِتَابًا مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَهُوَ الْأَمِينُ عَلَى جَمِيعِ الْكُتُبِ وَقَدْ
_________

[تعليق مُعِدّ الكتاب للشاملة]
(1) ما بين معقوفتين غير موجود في المطبوع

أسامة بن الزهراء - منسق الكتاب للشاملة
(18/61)

بَلَّغَ أَبْيَنَ الْبَلَاغِ وَأَتَمَّهُ وَأَكْمَلَهُ وَكَانَ أَنْصَحَ الْخَلْقِ لِعِبَادِ اللَّهِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفًا رَحِيمًا بَلَّغَ الرِّسَالَةَ وَأَدَّى الْأَمَانَةَ وَجَاهَدَ فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ وَعَبَدَ اللَّهَ حَتَّى أَتَاهُ الْيَقِينُ فَأَسْعَدُ الْخَلْقِ وَأَعْظَمُهُمْ نَعِيمًا وَأَعْلَاهُمْ دَرَجَةً أَعْظَمُهُمْ اتِّبَاعًا لَهُ وَمُوَافَقَةً عِلْمًا وَعَمَلًا وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.
(18/62)

وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
فَصْلٌ:
فِي أَحَادِيثَ يَحْتَجُّ بِهَا بَعْضُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَشْيَاءَ وَهِيَ بَاطِلَةٌ:
مِنْهَا: قَوْلُهُمْ: إنَّهُ {نَهَى عَنْ بَيْعٍ وَشَرْطٍ} فَإِنَّ هَذَا حَدِيثٌ بَاطِلٌ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِ الْمُسْلِمِينَ وَإِنَّمَا يُرْوَى فِي حِكَايَةٍ مُنْقَطِعَةٍ. وَمِنْهَا: قَوْلُهُمْ: {نَهَى عَنْ قَفِيزِ الطَّحَّانِ} وَهَذَا أَيْضًا بَاطِلٌ. وَمِنْهَا: حَدِيثُ مُحَلِّلِ السِّبَاقِ إذَا أَدْخَلَ فَرَسًا بَيْنَ فَرَسَيْنِ فَإِنَّ هَذَا مَعْرُوفٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ مِنْ قَوْلِهِ: هَكَذَا رَوَاهُ الثِّقَاتُ مِنْ أَصْحَابِ الزُّهْرِيِّ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدٍ وَغَلِطَ سُفْيَانُ بْنُ حُسَيْنٍ فَرَوَاهُ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا وَأَهْلُ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ يَعْرِفُونَ أَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ أَبُو دَاوُد السجستاني وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ.
(18/63)

وَهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ سُفْيَانَ بْنَ حُسَيْنٍ هَذَا يَغْلَطُ فِيمَا يَرْوِيه عَنْ الزُّهْرِيِّ وَأَنَّهُ لَا يَحْتَجُّ بِمَا يَنْفَرِدُ بِهِ وَمُحَلِّلُ السِّبَاق لَا أَصْلَ لَهُ فِي الشَّرِيعَةِ وَلَمْ يَأْمُرْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمَّتَهُ بِمُحَلِّلِ السِّبَاقِ وَقَدْ رَوَى عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ وَغَيْرِهِ: أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَسَابَقُونَ بِجُعْلِ وَلَا يُدْخِلُونَ بَيْنَهُمْ مُحَلِّلًا وَاَلَّذِينَ قَالُوا: هَذَا مِنْ الْفُقَهَاءِ ظَنُّوا أَنَّهُ يَكُونُ قِمَارًا ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ قَالَ بِالْمُحَلِّلِ يَخْرُجُ عَنْ شَبَهِ الْقِمَارِ وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا قَالُوهُ بَلْ بِالْمُحَلِّلِ مِنْ. . . (1) الْمُخَاطَرَةِ وَفِي الْمُحَلِّلِ ظُلْمٌ لِأَنَّهُ إذَا سَبَقَ أَخَذَ؛ وَإِذَا سَبَقَ لَمْ يُعْطَ وَغَيْرُهُ إذَا سَبَقَ أُعْطِيَ فَدُخُولُ الْمُحَلِّلِ ظُلْمٌ لَا تَأْتِي بِهِ الشَّرِيعَةُ. وَالْكَلَامُ عَلَى هَذَا مَبْسُوطٌ فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ وَاَللَّهِ أَعْلَمُ.
__________

[تعليق مُعِدّ الكتاب للشاملة]
(1) بياض بالأصل
قال الشيخ ناصر بن حمد الفهد (ص 151 - 152) :
والعبارة كما في (الكبرى) 1 / 495 (. . .، بل بالمحلل [مؤد إلى] المخاطرة. . .) ، ولعله الصواب أو ما في معناه، والله أعلم.
(18/64)

قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
فَصْلٌ:
قَوْلُ أَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ: إذَا جَاءَ الْحَلَالُ وَالْحَرَامُ شَدَّدْنَا فِي الْأَسَانِيدِ؛ وَإِذَا جَاءَ التَّرْغِيبُ وَالتَّرْهِيبُ تَسَاهَلْنَا فِي الْأَسَانِيدِ؛ وَكَذَلِكَ مَا عَلَيْهِ الْعُلَمَاءُ مِنْ الْعَمَلِ بِالْحَدِيثِ الضَّعِيفِ فِي فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ: لَيْسَ مَعْنَاهُ إثْبَاتُ الِاسْتِحْبَابِ بِالْحَدِيثِ الَّذِي لَا يُحْتَجُّ بِهِ؛ فَإِنَّ الِاسْتِحْبَابَ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ فَلَا يَثْبُتُ إلَّا بِدَلِيلِ شَرْعِيٍّ وَمَنْ أَخْبَرَ عَنْ اللَّهِ أَنَّهُ يُحِبُّ عَمَلًا مِنْ الْأَعْمَالِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ فَقَدْ شَرَعَ مِنْ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ كَمَا لَوْ أَثْبَتَ الْإِيجَابَ أَوْ التَّحْرِيمَ؛ وَلِهَذَا يَخْتَلِفُ الْعُلَمَاءُ فِي الِاسْتِحْبَابِ كَمَا يَخْتَلِفُونَ فِي غَيْرِهِ بَلْ هُوَ أَصْلُ الدِّينِ الْمَشْرُوعِ. وَإِنَّمَا مُرَادُهُمْ بِذَلِكَ: أَنْ يَكُونَ الْعَمَلُ مِمَّا قَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ مِمَّا يُحِبُّهُ اللَّهُ أَوْ مِمَّا يَكْرَهُهُ اللَّهُ بِنَصِّ أَوْ إجْمَاعٍ كَتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ؛ وَالتَّسْبِيحِ وَالدُّعَاءِ؛ وَالصَّدَقَةِ وَالْعِتْقِ؛ وَالْإِحْسَانِ إلَى النَّاسِ؛ وَكَرَاهَةِ الْكَذِبِ وَالْخِيَانَةِ؛ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَإِذَا رُوِيَ حَدِيثٌ فِي فَضْلِ بَعْضِ الْأَعْمَالِ
(18/65)

الْمُسْتَحَبَّةِ وَثَوَابِهَا وَكَرَاهَةِ بَعْضِ الْأَعْمَالِ وَعِقَابِهَا: فَمَقَادِيرُ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ وَأَنْوَاعُهُ إذَا رُوِيَ فِيهَا حَدِيثٌ لَا نَعْلَمُ أَنَّهُ مَوْضُوعٌ جَازَتْ رِوَايَتُهُ وَالْعَمَلُ بِهِ بِمَعْنَى: أَنَّ النَّفْسَ تَرْجُو ذَلِكَ الثَّوَابَ أَوْ تَخَافُ ذَلِكَ الْعِقَابَ كَرَجُلِ يَعْلَمُ أَنَّ التِّجَارَةَ تَرْبَحُ لَكِنْ بَلَغَهُ أَنَّهَا تَرْبَحُ رِبْحًا كَثِيرًا فَهَذَا إنْ صَدَقَ نَفَعَهُ وَإِنْ كَذَبَ لَمْ يَضُرَّهُ؛ وَمِثَالُ ذَلِكَ التَّرْغِيبُ وَالتَّرْهِيبُ بالإسرائيليات؛ وَالْمَنَامَاتِ وَكَلِمَاتِ السَّلَفِ وَالْعُلَمَاءِ؛ وَوَقَائِعِ الْعُلَمَاءِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَجُوزُ بِمُجَرَّدِهِ إثْبَاتُ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ؛ لَا اسْتِحْبَابٍ وَلَا غَيْرِهِ وَلَكِنْ يَجُوزُ أَنْ يُذْكَرَ فِي التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ؛ وَالتَّرْجِيَةِ وَالتَّخْوِيفِ. فَمَا عُلِمَ حُسْنُهُ أَوْ قُبْحُهُ بِأَدِلَّةِ الشَّرْعِ فَإِنَّ ذَلِكَ يَنْفَعُ وَلَا يَضُرُّ وَسَوَاءٌ كَانَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ حَقًّا أَوْ بَاطِلًا فَمَا عُلِمَ أَنَّهُ بَاطِلٌ مَوْضُوعٌ لَمْ يُجَزْ الِالْتِفَاتُ إلَيْهِ؛ فَإِنَّ الْكَذِبَ لَا يُفِيدُ شَيْئًا وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ صَحِيحٌ أُثْبِتَتْ بِهِ الْأَحْكَامُ وَإِذَا احْتَمَلَ الْأَمْرَيْنِ رُوِيَ لِإِمْكَانِ صِدْقِهِ وَلِعَدَمِ الْمَضَرَّةِ فِي كَذِبِهِ وَأَحْمَد إنَّمَا قَالَ: إذَا جَاءَ التَّرْغِيبُ وَالتَّرْهِيبُ تَسَاهَلْنَا فِي الْأَسَانِيدِ. وَمَعْنَاهُ: أَنَّا نَرْوِي فِي ذَلِكَ بِالْأَسَانِيدِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُحْدِثُوهَا مِنْ الثِّقَاتِ الَّذِينَ يُحْتَجُّ بِهِمْ. فِي ذَلِكَ قَوْلُ مَنْ قَالَ: يُعْمَلُ بِهَا فِي فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ إنَّمَا الْعَمَلُ بِهَا الْعَمَلُ بِمَا فِيهَا مِنْ
(18/66)

الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ مِثْلَ التِّلَاوَةِ وَالذِّكْرِ وَالِاجْتِنَابِ لِمَا كُرِهَ فِيهَا مِنْ الْأَعْمَالِ السَّيِّئَةِ. وَنَظِيرُ هَذَا قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو: {بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ} مَعَ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: {إذَا حَدَّثَكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ فَلَا تُصَدِّقُوهُمْ وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ} فَإِنَّهُ رَخَّصَ فِي الْحَدِيثِ عَنْهُمْ وَمَعَ هَذَا نَهَى عَنْ تَصْدِيقِهِمْ وَتَكْذِيبِهِمْ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي التَّحْدِيثِ الْمُطْلَقِ عَنْهُمْ فَائِدَةٌ لِمَا رَخَّصَ فِيهِ وَأَمَرَ بِهِ وَلَوْ جَازَ تَصْدِيقُهُمْ بِمُجَرَّدِ الْإِخْبَارِ لَمَا نَهَى عَنْ تَصْدِيقِهِمْ؛ فَالنُّفُوسُ تَنْتَفِعُ بِمَا تَظُنُّ صِدْقَهُ فِي مَوَاضِعَ. فَإِذَا تَضَمَّنَتْ أَحَادِيثُ الْفَضَائِلِ الضَّعِيفَةِ تَقْدِيرًا وَتَحْدِيدًا مِثْلَ صَلَاةٍ فِي وَقْتٍ مُعَيَّنٍ بِقِرَاءَةِ مُعَيَّنَةٍ أَوْ عَلَى صِفَةٍ مُعَيَّنَةٍ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ اسْتِحْبَابَ هَذَا الْوَصْفِ الْمُعَيَّنَ لَمْ يَثْبُتْ بِدَلِيلِ شَرْعِيٍّ بِخِلَافِ مَا لَوْ رُوِيَ فِيهِ مَنْ دَخَلَ السُّوقَ فَقَالَ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ كَانَ لَهُ كَذَا وَكَذَا فَإِنَّ ذِكْرَ اللَّهِ فِي السُّوقِ مُسْتَحَبٌّ لِمَا فِيهِ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ بَيْنَ الْغَافِلِينَ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الْمَعْرُوفِ: {ذَاكِرُ اللَّهِ فِي الْغَافِلِينَ كَالشَّجَرَةِ الْخَضْرَاءِ بَيْنَ الشَّجَرِ الْيَابِسِ} .
(18/67)

فَأَمَّا تَقْدِيرُ الثَّوَابِ الْمَرْوِيِّ فِيهِ فَلَا يَضُرُّ ثُبُوتُهُ وَلَا عَدَمُ ثُبُوتِهِ وَفِي مِثْلِهِ جَاءَ الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ: {مَنْ بَلَغَهُ عَنْ اللَّهِ شَيْءٌ فِيهِ فَضْلٌ فَعَمِلَ بِهِ رَجَاءَ ذَلِكَ الْفَضْلِ أَعْطَاهُ اللَّهُ ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ كَذَلِكَ} . فَالْحَاصِلُ: أَنَّ هَذَا الْبَابَ يُرْوَى وَيُعْمَلُ بِهِ فِي التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ لَا فِي الِاسْتِحْبَابِ ثُمَّ اعْتِقَادُ مُوجِبِهِ وَهُوَ مَقَادِيرُ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ يَتَوَقَّفُ عَلَى الدَّلِيلِ الشَّرْعِيِّ.
(18/68)

وَسُئِلَ:
عَنْ قَوْمٍ اجْتَمَعُوا عَلَى أُمُورٍ مُتَنَوِّعَةٍ فِي الْفَسَادِ؛ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: لَمْ يَثْبُتْ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدِيثٌ وَاحِدٌ بِالتَّوَاتُرِ؛ إذْ التَّوَاتُرُ نَقْلُ الْجَمِّ الْغَفِيرِ عَنْ الْجَمِّ الْغَفِيرِ؟
فَأَجَابَ:
أَمَّا مَنْ أَنْكَرَ تَوَاتُرَ حَدِيثٍ وَاحِدٍ فَيُقَالُ لَهُ: التَّوَاتُرُ نَوْعَانِ: تَوَاتُرٌ عَنْ الْعَامَّةِ؛ وَتَوَاتُرٌ عَنْ الْخَاصَّةِ وَهُمْ أَهْلُ عِلْمِ الْحَدِيثِ. وَهُوَ أَيْضًا قِسْمَانِ: مَا تَوَاتَرَ لَفْظُهُ؛ وَمَا تَوَاتَرَ مَعْنَاهُ. فَأَحَادِيثُ الشَّفَاعَةِ وَالصِّرَاطِ وَالْمِيزَانِ وَالرُّؤْيَةِ وَفَضَائِلِ الصَّحَابَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مُتَوَاتِرٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ وَهِيَ مُتَوَاتِرَةُ الْمَعْنَى وَإِنْ لَمْ يَتَوَاتَرْ لَفْظٌ بِعَيْنِهِ وَكَذَلِكَ مُعْجِزَاتُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْخَارِجَةُ عَنْ الْقُرْآنِ مُتَوَاتِرَةٌ أَيْضًا وَكَذَلِكَ سُجُودُ السَّهْوِ مُتَوَاتِرٌ أَيْضًا عِنْدَ الْعُلَمَاءِ وَكَذَلِكَ الْقَضَاءُ بِالشُّفْعَةِ وَنَحْوُ ذَلِكَ. وَعُلَمَاءُ الْحَدِيثِ يَتَوَاتَرُ عِنْدَهُمْ مَا لَا يَتَوَاتَرُ عِنْدَ غَيْرِهِمْ؛ لِكَوْنِهِمْ
(18/69)

سَمِعُوا مَا لَمْ يَسْمَعْ غَيْرُهُمْ وَعَلِمُوا مِنْ أَحْوَالِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا لَمْ يَعْلَمْ غَيْرُهُمْ وَالتَّوَاتُرُ لَا يُشْتَرَطُ لَهُ عَدَدٌ مُعَيَّنٌ؛ بَلْ مِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ ادَّعَى أَنَّ لَهُ عَدَدًا يَحْصُلُ لَهُ بِهِ الْعِلْمُ مِنْ كُلِّ مَا أَخْبَرَ بِهِ كُلُّ مُخْبِرٍ وَنَفَوْا ذَلِكَ عَنْ الْأَرْبَعَةِ وَتَوَقَّفُوا فِيمَا زَادَ عَلَيْهَا وَهَذَا غَلَطٌ فَالْعِلْمُ يَحْصُلُ تَارَةً بِالْكَثْرَةِ؛ وَتَارَةً بِصِفَاتِ الْمُخْبِرِينَ؛ وَتَارَةً بِقَرَائِنَ تَقْتَرِنُ بِأَخْبَارِهِمْ وَبِأُمُورِ أُخَرَ. وَأَيْضًا فَالْخَبَرُ الَّذِي رَوَاهُ الْوَاحِدُ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالِاثْنَانِ: إذَا تَلَقَّتْهُ الْأُمَّةُ بِالْقَبُولِ وَالتَّصْدِيقِ أَفَادَ الْعَلَمَ عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُسَمِّي هَذَا: الْمُسْتَفِيضَ. وَالْعِلْمُ هُنَا حَصَلَ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ عَلَى صِحَّتِهِ؛ فَإِنَّ الْإِجْمَاعَ لَا يَكُونُ عَلَى خَطَإِ؛ وَلِهَذَا كَانَ أَكْثَرُ مُتُونِ الصَّحِيحَيْنِ مِمَّا يُعْلَمُ صِحَّتُهُ عِنْدَ عُلَمَاءِ الطَّوَائِفِ: مِنْ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنْبَلِيَّةِ وَالْأَشْعَرِيَّةِ وَإِنَّمَا خَالَفَ فِي ذَلِكَ فَرِيقٌ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي مَوْضِعِهِ.
(18/70)

وَسُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ:
عَنْ رَجُلٍ سَمِعَ كُتُبَ الْحَدِيثِ وَالتَّفْسِيرِ وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِ " كِتَابُ الْحِلْيَةِ " لَمْ يَسْمَعْهُ فَقِيلَ لَهُ: لِمَ لَا تَسْمَعُ أَخْبَارَ السَّلَفِ؟ فَقَالَ: لَا أَسْمَعُ مِنْ كِتَابِ أَبِي نُعَيْمٍ شَيْئًا. فَقِيلَ: هُوَ إمَامٌ ثِقَةٌ شَيْخُ الْمُحَدِّثِينَ فِي وَقْتِهِ فَلِمَ لَا تَسْمَعُ وَلَا تَثِقُ بِنَقْلِهِ؟ فَقِيلَ لَهُ: بَيْنَنَا وَبَيْنَك عَالِمُ الزَّمَانِ وَشَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّة فِي حَالِ أَبِي نُعَيْمٍ؟ فَقَالَ: أَنَا أَسْمَعُ مَا يَقُولُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ وَأَرْجِعُ إلَيْهِ. فَأَرْسَلَ هَذَا السُّؤَالَ مِنْ دِمَشْقَ
فَأَجَابَ فِيهِ الشَّيْخُ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، أَبُو نُعَيْمٍ أَحْمَد بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأصبهاني صَاحِبُ كِتَابِ " حِلْيَةِ الْأَوْلِيَاءِ " " وَتَارِيخِ أصبهان " " وَالْمُسْتَخْرَجِ عَلَى الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ " و " كِتَابِ الطِّبِّ " " وَعَمَلِ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ " و " فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ " و " دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ " و " صِفَةِ الْجَنَّةِ " و " مَحَجَّةِ الْوَاثِقِينَ " وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمُصَنَّفَاتِ: مِنْ أَكْبَرِ حُفَّاظِ الْحَدِيثِ وَمِنْ أَكْثَرِهِمْ تَصْنِيفَاتٍ وَمِمَّنْ انْتَفَعَ النَّاسُ بِتَصَانِيفِهِ وَهُوَ أَجَلُّ مِنْ أَنْ يُقَالَ لَهُ: ثِقَةٌ؛ فَإِنَّ دَرَجَتَهُ فَوْقَ ذَلِكَ وَكِتَابَهُ " كِتَابُ الْحِلْيَةِ " مِنْ أَجْوَدِ
(18/71)

الْكُتُبِ الْمُصَنَّفَةِ فِي أَخْبَارِ الزُّهَّادِ وَالْمَنْقُولُ فِيهِ أَصَحُّ مِنْ الْمَنْقُولِ فِي رِسَالَةِ القشيري وَمُصَنَّفَاتِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِي شَيْخِهِ وَمَنَاقِبِ الْأَبْرَارِ لِابْنِ خَمِيسٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ؛ فَإِنَّ أَبَا نُعَيْمٍ أَعْلَمُ بِالْحَدِيثِ وَأَكْثَرُ حَدِيثًا وَأَثْبَتُ رِوَايَةً وَنَقْلًا مِنْ هَؤُلَاءِ وَلَكِنْ كِتَابُ الزُّهْدِ لِلْإِمَامِ أَحْمَد وَالزُّهْدِ لِابْنِ الْمُبَارَكِ وَأَمْثَالِهِمَا أَصَحُّ نَقْلًا مِنْ الْحِلْيَةِ. وَهَذِهِ الْكُتُبُ وَغَيْرُهَا لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ أَحَادِيثَ ضَعِيفَةٍ وَحِكَايَاتٍ ضَعِيفَةٍ بَلْ بَاطِلَةٍ وَفِي الْحِلْيَةِ مِنْ ذَلِكَ قَطْعٌ وَلَكِنَّ الَّذِي فِي غَيْرِهَا مِنْ هَذِهِ الْكُتُبِ أَكْثَرُ مِمَّا فِيهَا؛ فَإِنَّ فِي مُصَنَّفَاتِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِي؛ وَرِسَالَةِ القشيري؛ وَمَنَاقِبِ الْأَبْرَارِ؛ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ الْحِكَايَاتِ الْبَاطِلَةِ بَلْ وَمِنْ الْأَحَادِيثِ الْبَاطِلَةِ: مَا لَا يُوجَدُ مِثْلُهُ فِي مُصَنَّفَاتِ أَبِي نُعَيْمٍ وَلَكِنْ " صَفْوَةُ الصَّفْوَةِ " لِأَبِي الْفَرَجِ ابْنِ الْجَوْزِيِّ نَقَلَهَا مِنْ جِنْسِ نَقْلِ الْحِلْيَةِ وَالْغَالِبُ عَلَى الْكِتَابَيْنِ الصِّحَّةُ وَمَعَ هَذَا فَفِيهِمَا أَحَادِيثُ وَحِكَايَاتٌ بَاطِلَةٌ وَأَمَّا الزُّهْدُ لِلْإِمَامِ أَحْمَد وَنَحْوَهُ فَلَيْسَ فِيهِ مِنْ الْأَحَادِيثِ وَالْحِكَايَاتِ الْمَوْضُوعَةِ مِثْلُ مَا فِي هَذِهِ؛ فَإِنَّهُ لَا يَذْكُرُ فِي مُصَنَّفَاتِهِ عَمَّنْ هُوَ مَعْرُوفٌ بِالْوَضْعِ بَلْ قَدْ يَقَعُ فِيهَا مَا هُوَ ضَعِيفٌ بِسُوءِ حِفْظِ نَاقِلِهِ وَكَذَلِكَ الْأَحَادِيثُ الْمَرْفُوعَةُ لَيْسَ فِيهَا مَا يُعْرَفُ أَنَّهُ مَوْضُوعٌ قُصِدَ الْكَذِبُ فِيهِ كَمَا لَيْسَ ذَلِكَ فِي مُسْنَدِهِ لَكِنْ فِيهِ مَا يُعْرَفُ أَنَّهُ غَلَطٌ غَلِطَ فِيهِ رُوَاتُهُ وَمِثْلُ هَذَا يُوجَدُ فِي غَالِبِ كُتُبِ الْإِسْلَامِ فَلَا يَسْلَمُ كِتَابٌ مِنْ الْغَلَطِ إلَّا الْقُرْآنُ.
(18/72)

وَأَجَلُّ مَا يُوجَدُ فِي الصِّحَّةِ " كِتَابُ الْبُخَارِيِّ " وَمَا فِيهِ مَتْنٌ يُعْرَفُ أَنَّهُ غَلَطٌ عَلَى الصَّاحِبِ لَكِنْ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِ الْحَدِيثِ مَا هُوَ غَلَطٌ وَقَدْ بَيَّنَ الْبُخَارِيُّ فِي نَفْسِ صَحِيحِهِ مَا بَيَّنَ غَلَطَ ذَلِكَ الرَّاوِي كَمَا بَيَّنَ اخْتِلَافَ الرُّوَاةِ فِي ثَمَنِ بَعِيرِ جَابِرٍ وَفِيهِ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ مَا يُقَالُ: إنَّهُ غَلَطٌ كَمَا فِيهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: {أَنَّ رَسُولَ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ} وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ أَكْثَرِ النَّاسِ أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا حَلَالًا. وَفِيهِ عَنْ أُسَامَةَ: {أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُصَلِّ فِي الْبَيْتِ} . وَفِيهِ عَنْ بِلَالٍ: أَنَّهُ صَلَّى فِيهِ وَهَذَا أَصَحُّ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ. وَأَمَّا مُسْلِمٌ فَفِيهِ أَلْفَاظٌ عُرِفَ أَنَّهَا غَلَطٌ كَمَا فِيهِ: {خَلَقَ اللَّهُ التُّرْبَةَ يَوْمَ السَّبْتِ} وَقَدْ بَيَّنَ الْبُخَارِيُّ أَنَّ هَذَا غَلَطٌ وَأَنَّ هَذَا مِنْ كَلَامِ كَعْبٍ وَفِيهِ أَنَّ {النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى الْكُسُوفَ بِثَلَاثِ رَكَعَاتٍ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ} وَالصَّوَابُ: أَنَّهُ لَمْ يُصَلِّ الْكُسُوفَ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً وَفِيهِ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ سَأَلَهُ التَّزَوُّجَ بِأُمِّ حَبِيبَةَ وَهَذَا غَلَطٌ. وَهَذَا مِنْ أَجَلِّ فُنُونِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ يُسَمَّى: عِلْمَ " عِلَلِ الْحَدِيثِ " وَأَمَّا كِتَابُ حِلْيَةِ الْأَوْلِيَاءِ فَمِنْ أَجْوَدِ مُصَنَّفَاتِ الْمُتَأَخِّرِينَ فِي أَخْبَارِ الزُّهَّادِ وَفِيهِ مِنْ الْحِكَايَاتِ مَا لَمْ يَكُنْ بِهِ حَاجَةٌ إلَيْهِ وَالْأَحَادِيثُ الْمَرْوِيَّةُ فِي أَوَائِلِهَا أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ ضَعِيفَةٌ بَلْ مَوْضُوعَةٌ.
(18/73)

وَسُئِلَ:
عَمَّنْ نَسَخَ بِيَدِهِ صَحِيحَ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ وَالْقُرْآنَ وَهُوَ نَاوٍ كِتَابَةَ الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِ وَإِذَا نَسَخَ لِنَفْسِهِ أَوْ لِلْبَيْعِ هَلْ يُؤْجَرُ؟ إلَخْ.
فَأَجَابَ: وَأَمَّا كُتُبُ الْحَدِيثِ الْمَعْرُوفَةُ: مِثْلَ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ. فَلَيْسَ تَحْتَ أَدِيمِ السَّمَاءِ كِتَابٌ أَصَحُّ مِنْ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ بَعْدَ الْقُرْآنِ وَمَا جُمِعَ بَيْنَهُمَا: مِثْلَ الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ لِلْحَمِيدِيِّ وَلِعَبْدِ الْحَقِّ الإشبيلي وَبَعْدَ ذَلِكَ كُتُبُ السُّنَنِ: كَسُنَنِ أَبِي دَاوُد؛ وَالنَّسَائِي؛ وَجَامِعِ التِّرْمِذِيِّ؛ وَالْمَسَانِدِ: كَمُسْنَدِ الشَّافِعِيِّ؛ وَمُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَد. وَمُوَطَّأِ مَالِكٍ فِيهِ الْأَحَادِيثُ وَالْآثَارُ وَغَيْرُ ذَلِكَ وَهُوَ مِنْ أَجَلِّ الْكُتُبِ حَتَّى قَالَ الشَّافِعِيُّ: لَيْسَ تَحْتَ أَدِيمِ السَّمَاءِ بَعْدَ كِتَابِ اللَّهِ أَصَحُّ مِنْ مُوَطَّأِ مَالِكٍ يَعْنِي بِذَلِكَ مَا صُنِّفَ عَلَى طَرِيقَتِهِ؛ فَإِنَّ الْمُتَقَدِّمِينَ كَانُوا يَجْمَعُونَ فِي الْبَابِ بَيْن الْمَأْثُورِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَلَمْ تَكُنْ وَضِعَتْ كُتُبُ الرَّأْيِ الَّتِي تُسَمَّى " كُتُبَ
(18/74)

الْفِقْهِ " وَبَعْدَ هَذَا جُمِعَ الْحَدِيثُ الْمُسْنَدُ فِي جَمْعِ الصَّحِيحِ لِلْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ وَالْكُتُب الَّتِي تُحَبُّ وَيُؤْجَرُ الْإِنْسَانُ عَلَى كِتَابَتِهَا سَوَاءٌ كَتَبَهَا لِنَفْسِهِ أَوْ كَتَبَهَا لِيَبِيعَهَا كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {إنَّ اللَّه يُدْخِلُ بِالسَّهْمِ الْوَاحِدِ الْجَنَّةَ ثَلَاثَةً: صَانِعَهُ؛ وَالرَّامِيَ بِهِ؛ وَالْمُمِدَّ بِهِ} فَالْكِتَابَةُ كَذَلِكَ؛ لِيَنْتَفِعَ بِهِ أَوْ لِيَنْفَعَ بِهِ غَيْرَهُ. كِلَاهُمَا يُثَابُ عَلَيْهِ.
(18/75)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
رَبِّ أَعِنْ أَخْبَرَنَا الزَّيْنُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْعِمَادِ أَبِي بَكْرٍ ابْنِ زُرَيْقٍ الْحَنْبَلِيُّ فِي كِتَابِهِ إلَيَّ غَيْرَ مَرَّةٍ أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَد بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَحْمَد ابْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ المقدسي سَمَاعًا فِي يَوْمِ السَّبْتِ 24 صَفَرَ سَنَةَ 797 (ح) وَكَتَبَ إلَيَّ الْأَشْيَاخُ الثَّلَاثَةُ: أَبُو إسْحَاقَ الحرملي وَأَبُو مُحَمَّدٍ الْبَقَرِيُّ وَأَبُو الْعَبَّاسِ الرسلاني قَالُوا: أَخْبَرَنَا الْحَافِظُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَد بْنِ عُثْمَانَ الذَّهَبِيُّ إذْنًا مُطْلَقًا قَالَا: أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْعَالِمُ الْعَلَّامَةُ الْبَارِعُ الْأَوْحَدُ الْقُدْوَةُ الْحَافِظُ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَد بْنُ عَبْدِ الْحَلِيمِ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّة قَالَ الذَّهَبِيُّ: بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ سَنَةَ 721. قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَهْدِيه وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ
(18/76)

شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضَلِّلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ. وَنَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَنَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ أَرْسَلَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ. وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا.
الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ:
أَخْبَرَنَا الْإِمَامُ زَيْنُ الدِّينِ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَد بْنُ عَبْدِ الدَّائِمِ بْنِ نِعْمَةَ ابْنِ أَحْمَد المقدسي قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَأَنَا أَسْمَعُ سَنَةَ 667 أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَرَجِ عَبْدُ الْمُنْعِمِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ سَعْدِ بْنِ كُلَيْبٍ قِرَاءَةً عَلَيْهِ أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَد بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ بَيَانٍ الرَّزَّازُ قِرَاءَةً عَلَيْهِ أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ مخلد الْبَزَّازُ أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ إسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إسْمَاعِيلَ الصَّفَّارُ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ بْنِ يَزِيدَ العبدي حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ عَنْ أَبِي إسْحَاقَ السبيعي عَنْ الْبَرَاءِ ابْنِ عَازِبٍ قَالَ: {خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ فَأَحْرَمْنَا بِالْحَجِّ.
(18/77)

قَالَ: فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ قَالَ: اجْعَلُوا حَجَّكُمْ عُمْرَةً قَالَ: فَقَالَ النَّاسُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ أَحْرَمْنَا بِالْحَجِّ فَكَيْفَ نَجْعَلُهَا عُمْرَةً؟ . قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اُنْظُرُوا الَّذِي آمُرُكُمْ بِهِ فَافْعَلُوا قَالَ: فَرَدُّوا عَلَيْهِ الْقَوْلَ فَغَضِبَ ثُمَّ انْطَلَقَ حَتَّى دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا غَضْبَانَ فَرَأَتْ الْغَضَبَ فِي وَجْهِهِ فَقَالَتْ: مَنْ أَغْضَبَك أَغْضَبَهُ اللَّهُ قَالَ: وَمَالِي لَا أَغْضَبُ وَأَنَا آمِرٌ بِالْأَمْرِ وَلَا أُتْبَعُ} . رَوَاهُ النَّسَائِي وَابْنُ مَاجَه مِنْ حَدِيث أَبِي بَكْرِ ابْنِ عَيَّاشٍ مَوْلِدُهُ فِي صَفَرَ سَنَةَ 575. وَتُوُفِّيَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ ثَامِنَ رَجَبٍ سَنَةَ 668.
الْحَدِيثُ الثَّانِي:
أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ الْمُسْنَدُ كَمَالُ الدِّينِ أَبُو نَصْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنِ عَبْدِ الْمُنْعِمِ ابْنِ الْخَضِرِ بْنِ شِبْلِ بْنِ عَبْدِ الْحَارِثِيِّ قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَأَنَا أَسْمَعُ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ سَادِسَ شَعْبَانَ سَنَةَ 669 بِجَامِعِ دِمَشْقَ أَخْبَرَنَا الْحَافِظُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْقَاسِمُ بْنُ الْحَافِظِ أَبِي الْقَاسِمِ عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ هِبَةِ اللَّهِ بْنِ عَسَاكِرَ
(18/78)

قِرَاءَةً عَلَيْهِ فِي رَبِيعِ الْآخِرِ سَنَةَ 596 أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَضَائِلِ نَاصِرُ بْنُ مَحْمُودِ ابْنِ عَلِيٍّ الْقُدْسِيِّ الصَّائِغُ وَأَبُو الْقَاسِمِ نَصْرُ بْنُ أَحْمَد بْنِ مُقَاتِلٍ السوسي؛ قِرَاءَةً عَلَيْهِمَا قَالَا: أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَد بْنِ زُهَيْرٍ الْمَالِكِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شُجَاعٍ الربعي الْمَالِكِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ الْقَطَّانُ حَدَّثَنَا خيثمة حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا عُقْبَةُ بْنُ عَلْقَمَةَ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ عَطِيَّةَ بْنِ قَيْسٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {إنِّي رَأَيْت عَمُودَ الْكِتَابِ اُنْتُزِعَ مِنْ تَحْتِ وِسَادَتِي فَنَظَرْت فَإِذَا هُوَ نُورٌ سَاطِعٌ عَمَدَ بِهِ إلَى الشَّامِ أَلَا إنَّ الْإِيمَانَ - إذَا وَقَعَتْ الْفِتَنُ - بِالشَّامِ} . مَوْلِدُهُ سَنَةَ 589. وَتُوُفِّيَ فِي شَعْبَانَ سَنَةَ 672.
الْحَدِيثُ الثَّالِثُ:
أَخْبَرَنَا الْإِمَامُ تَقِيُّ الدِّينِ أَبُو مُحَمَّدٍ إسْمَاعِيلُ بْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي الْيُسْرِ التنوخي قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَأَنَا أَسْمَعُ فِي سَنَةِ 669 أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ بَرَكَاتُ بْنُ إبْرَاهِيمَ الخشوعي قِرَاءَةً عَلَيْهِ أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ حَمْزَةَ بْنِ
(18/79)

الْخَضِرِ السُّلَمِي أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ طَاهِرُ بْنُ أَحْمَد بْنِ عَلِيِّ بْنِ مَحْمُودٍ الْمَحْمُودِيِّ الْعَانِي أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَضْلِ مَنْصُورُ بْنُ نَصْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحِيمِ بْنِ بِنْتِ الكاغدي حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرِو الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ الْعَطَّارُ حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ بكير بْنِ الْحَارِثِ الْقَيْسِيُّ حَدَّثَنَا وَكِيعُ ابْنُ الْجَرَّاحِ بْنِ مُلَيْحٍ الرواسي عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخدري قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {يُدْعَى نُوحٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُقَالُ لَهُ: هَلْ بَلَّغْت؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ فَيُدْعَى قَوْمُهُ فَيُقَالُ لَهُمْ: هَلْ بَلَّغَكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: مَا أَتَانَا مِنْ نَذِيرٍ وَمَا أَتَانَا مِنْ أَحَدٍ فَيُقَالُ لِنُوحِ: مَنْ يَشْهَدُ لَك؟ فَيَقُولُ: مُحَمَّدٌ وَأُمَّتُهُ} فَذَلِكَ قَوْلُهُ: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} . قَالَ: الْوَسَطُ الْعَدْلُ ". مَوْلِدُهُ سَنَةَ 589. تُوُفِّيَ فِي صَفَرَ سَنَةَ 672.
الْحَدِيثُ الرَّابِعُ:
أَخْبَرَنَا الْفَقِيهُ سَيْفُ الدِّينِ أَبُو زَكَرِيَّا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَجْمِ ابْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ الْحَنْبَلِيُّ قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَأَنَا
(18/80)

أَسْمَعُ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ عَاشِرَ شَوَّالٍ سَنَةَ 669 وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمُنْعِمِ بْنِ الْقَوَّاسِ وَالْمُؤَمِّلُ بْنُ مُحَمَّدٍ البالسي وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْعَامِرِيُّ فِي التَّارِيخِ وَأَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَد بْنُ شيبان وَأَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدِ الهروي وَأَبُو زَكَرِيَّا يَحْيَى ابْنُ أَبِي مَنْصُورِ بْنِ الصَّيْرَفِيِّ وَأَبُو الْفَرَجِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سُلَيْمَانَ الْبَغْدَادِيُّ وَالشَّمْسُ بْنُ الزَّيْنِ وَالْكَمَالُ عَبْدُ الرَّحِيمِ وَابْنُ الْعَسْقَلَانِيِّ وَزَيْنَبُ بِنْتُ مَكِّيٍّ وَسِتُّ الْعَرَبِ. قَالَ الْأَوَّلُ وَابْنُ شيبان وَزَيْنَبُ: أَخْبَرَنَا أَبُو حَفْصٍ عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ ابْنِ طبرزذ. وَقَالَ الْبَاقُونَ وَابْنُ شيبان: أَخْبَرَنَا زَيْدُ بْنُ الْحَسَنِ الْكِنْدِيُّ زَادَ ابْنُ الصَّيْرَفِيِّ فَقَالَ: وَأَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مَعَالِي بْنِ غُنَيْمَةَ بْنِ مَنِيّنَا قِرَاءَةً عَلَيْهِ قَالُوا: أَخْبَرَنَا الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو إسْحَاقَ إبْرَاهِيمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَحْمَد الْبَرْمَكِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ أَيُّوبَ بْنِ مَاسِيّ حَدَّثَنَا أَبُو مُسْلِمٍ إبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْلِمٍ الكجي حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ حَدَّثَنِي حميد عَنْ {أَنَسٍ: أَنَّ الربيع بِنْتَ النَّضِرِ عَمَّتَهُ لَطَمَتْ جَارِيَةً فَكَسَرَتْ سِنَّهَا
(18/81)

فَعَرَضُوا عَلَيْهِمْ الْأَرْشَ فَأَبَوْا فَطَلَبُوا الْعَفْوَ فَأَبَوْا فَأَتَوْا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَمَرَهُمْ بِالْقِصَاصِ فَجَاءَ أَخُوهَا أَنَسُ بْنُ النَّضِرِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ انْكَسَرَ سِنُّ الربيع؟ وَاَلَّذِي بَعَثَك بِالْحَقِّ لَا تُكْسَرُ سِنُّهَا - قَالَ: - يَا أَنَسُ كِتَابُ اللَّهِ الْقِصَاصُ فَعَفَا الْقَوْمُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّه مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّه لَأَبَرَّهُ.} . أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ الْأَنْصَارِيِّ. مَوْلِدُهُ سَنَةَ 592. وَتُوُفِّيَ فِي شَوَّالٍ سَنَةَ 672.
الْحَدِيثُ الْخَامِسُ:
أَخْبَرَنَا الْحَاجُّ الْمُسْنَدُ أَبُو مُحَمَّدٍ أَبُو بَكْرِ ابْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الْوَاسِعِ الهروي فِي رَابِعِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ 668 وَالْمَذْكُورُونَ بِسَنَدِهِمْ إلَى الْأَنْصَارِيِّ قَالَ حَدَّثَنِي حميد عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {اُنْصُرْ أَخَاك ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا قَالَ: قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّه أَنْصُرُهُ مَظْلُومًا فَكَيْفَ أَنْصُرُهُ. ظَالِمًا؟ قَالَ: تَمْنَعُهُ مِنْ الظُّلْمِ فَذَاكَ نَصْرُك إيَّاهُ} . أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عُثْمَانَ بْن أَبِي شَيْبَةَ عَنْ هشيم. وَأَخْرَجَهُ
(18/82)

التِّرْمِذِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَاتِمٍ عَنْ الْأَنْصَارِيِّ - كَمَا أَخْرَجْنَاهُ - وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَأَخْبَرَنَا بِهِ الشَّيْخُ شَمْسُ الدِّينِ بْنُ أَبِي عُمَرَ قِرَاءَةً عَلَيْهِ أَخْبَرَنَا أَبُو الْيَمَنِ الْكِنْدِيُّ (فَذَكَرَهُ. مَوْلِدُهُ سَنَةَ 594. وَتُوُفِّيَ فِي رَجَبٍ سَنَةَ 673.
الْحَدِيثُ السَّادِسُ:
أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ الْمُسْنَدُ زَيْنُ الدِّينِ أَبُو الْعَبَّاسِ الْمُؤَمِّلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ ابْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مَنْصُورِ بْنِ الْمُؤَمِّلِ البالسي قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَأَنَا أَسْمَعُ سَنَةَ 669 وَالْمَذْكُورُونَ بِسَنَدِهِمْ إلَى الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ التيمي عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ.} . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ بِمَعْنَاهُ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صهيب عَنْ أَنَسٍ. مَوْلِدُهُ سَنَةَ 602 وَقِيلَ ثَلَاثٍ. وَتُوُفِّيَ فِي رَجَبٍ سَنَةَ 677.
(18/83)

الْحَدِيثُ السَّابِعُ:
أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ الْعَدْلُ رَشِيدُ الدِّينِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْعَامِرِيُّ قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَأَنَا أَسْمَعُ سَنَةَ 669 وَالْمَذْكُورُونَ بِسَنَدِهِمْ إلَى الْأَنْصَارِيِّ حَدَّثَنِي التيمي حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ: {عَطَسَ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلَانِ فَشَمَّتَ - أَوْ فَشَمَّتَ - أَحَدَهُمَا وَلَمْ يُشَمِّتْ الْآخَرَ - أَوْ فَشَمَّتَهُ وَلَمْ يُشَمِّتْ الْآخَرَ - فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ عَطَسَ عِنْدَك رَجُلَانِ فَشَمَّتَ أَحَدَهُمَا وَلَمْ تُشَمِّتْ الْآخَرَ - أَوْ فَشَمَّتَهُ وَلَمْ تُشَمِّتْ الْآخَرَ - فَقَالَ: إنَّ هَذَا حَمِدَ اللَّهَ فَشَمَّتّه وَأَنَّ هَذَا لَمْ يَحْمَدْ اللَّهَ فَلَمْ أُشَمِّتْهُ.} . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَثِيرٍ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيّ. وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ عَنْ حَفْصِ بْنِ غِيَاث. كِلَاهُمَا عَنْ التيمي. تُوُفِّيَ فِي ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ 682.
(18/84)

الْحَدِيثُ الثَّامِنُ:
أَخْبَرَنَا الْإِمَامُ الْعَالِمُ الزَّاهِدُ كَمَالُ الدِّينِ أَبُو زَكَرِيَّا يَحْيَى بْنُ أَبِي مَنْصُورِ بْنِ أَبِي الْفَتْحِ بْنِ رَافِعِ بْنِ عَلِيٍّ الْحَرَّانِي ابْنِ الصَّيْرَفِيِّ قِرَاءَةً عَلَيْهِ فِي شَوَّالٍ سَنَةَ 668 أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَد بْنُ يَحْيَى بْنِ بَرَكَةَ ابْنِ الديبقي قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَأَنَا أَسْمَعُ أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ الْحَسَنِ الْقَزَّازُ قِرَاءَةً عَلَيْهِ فِي حَادِيَ عِشْرِينَ جُمَادَى الْأُولَى سَنَةَ 534 أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَد بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ ابْنِ الْمُسْلِمِ الْمُعَدِّلُ إمْلَاءً مِنْ لَفْظِهِ بِاسْتِمْلَاءِ شَيْخِنَا أَبِي بَكْرٍ الْخَطِيبِ فِي صَفَرَ سَنَةَ 463 أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَضْلِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدِ الزُّهْرِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْمُسْتَفَاضِ الفريابي حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا إسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِي سُهَيْلٍ نَافِعُ بْنُ مَالِكِ بْنِ أَبِي عَامِرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: {آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثَةٌ: إذَا حَدَّثَ كَذَبَ وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ وَإِذَا اُؤْتُمِنَ خَانَ} .
(18/85)

الْحَدِيثُ التَّاسِعُ:
أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ الْفَقِيهُ الْإِمَامُ الْعَالِمُ الْبَارِعُ جَمَالُ الدِّينِ أَبُو الْفَرَجِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْبَغْدَادِيُّ قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَأَنَا أَسْمَعُ سَنَةَ 668 أَخْبَرَنَا أَبُو الْيَمَنِ زَيْدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ زَبَدٍ الْكِنْدِيُّ قِرَاءَةً عَلَيْهِ أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَد بْنِ الْمُقْرِي أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ أَحْمَد بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَد بْنِ النقور أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْعَبَّاسِ الْمُخْلِصُ سَنَةَ 390 حَدَّثَنَا يَحْيَى حَدَّثَنَا يُونُسُ حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ عَنْ أَشْعَثَ بْنِ أَبِي الشَّعْثَاءِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: {نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعَتَيْنِ وَعَنْ لُبْسَتَيْنِ: أَنْ يَلْبَسَ الرَّجُلُ الثَّوْبَ الْوَاحِدَ وَيَشْتَمِلَ بِهِ وَيَطْرَحَ أَحَدَ جَانِبَيْهِ عَلَى مَنْكِبِهِ وَيَحْتَبِي فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ. وَأَنْ يَقُولَ: انْبِذْ إلَيَّ ثَوْبَك وَأَنْبِذُ إلَيْك ثَوْبِي مِنْ غَيْرِ أَنْ يُقَلِّبَا} . مَوْلِدُهُ سَنَةَ 585 بِحَرَّانَ. وَتُوُفِّيَ فِي شَعْبَانَ سَنَةَ 670 بِدِمَشْقَ.
(18/86)

الْحَدِيثُ الْعَاشِرُ:
أَخْبَرَنَا شَرَفُ الدِّينِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمُنْعِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ غدير بْنِ الْقَوَّاسِ الطَّائِيُّ قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَأَنَا أَسْمَعُ سَنَةَ 675 وَأَبُو الْحَسَنِ ابْنُ الْبُخَارِيِّ قَالَا: أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْخَضِرُ بْنُ كَامِلِ ابْنِ سَالِمٍ السروجي قِرَاءَةً عَلَيْهِ أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ بْنِ أَحْمَد الْمُقْرِي. وَقَالَ الْفَخْرُ الْبُخَارِيُّ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْيَمَنِ الْكِنْدِيُّ أَيْضًا أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ إسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَد بْنِ عُمَرَ السَّمَرْقَنْدِيُّ قَالَا: أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ أَحْمَد بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَد بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ النقور أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ هَارُونَ ابْنِ أَخِي مِيمِيِّي الدَّقَّاقُ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ حَدَّثَنَا دَاوُد حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي غَسَّانَ مُحَمَّدِ بْنِ مُطَرِّفٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ مرجانة عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: {مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً أَعْتَقَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهَا عُضْوًا مِنْهُ
(18/87)

مِنْ النَّارِ حَتَّى فَرْجَهُ بِفَرْجِهِ} رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحِيمِ عَنْ دَاوُد بْنِ رَشِيدٍ وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ دَاوُد نَفْسِهِ. وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ قُتَيْبَةَ عَنْ اللَّيْثِ عَنْ ابْنِ الْهَادِّ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ مرجانة. وُلِدَ سَنَةَ 602 وَتُوُفِّيَ فِي رَبِيعٍ الْآخَرِ سَنَةَ 682.
الْحَدِيثُ الْحَادِيَ عَشَرَ:
أَخْبَرَنَا الْمَشَايِخُ الصُّلَحَاءُ الْمُسْنِدُونَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ بَدْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَعِيشَ الْجَزْرِيُّ وَأَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَد بْنُ شيبان وَأَبُو الْفَضْلِ إسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَسْقَلَانِيُّ وَزَيْنَبُ بِنْتُ أَحْمَد بْنِ كَامِلٍ قِرَاءَةً عَلَيْهِمْ وَأَنَا أَسْمَعُ فِي شَعْبَانَ سَنَةَ 675 بقاسيون قَالُوا: أَخْبَرَنَا أَبُو حَفْصٍ عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ طبرزذ الْبَغْدَادِيُّ قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَنَحْنُ نَسْمَعُ أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَد بْنِ عَبْدِ الْقَادِرِ بْنِ يُوسُفَ وَأَبُو مَنْصُورٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ الْقَزَّازُ وَأَبُو الْفَتْحِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْبَيْضَاوِيُّ؛ قِرَاءَةً عَلَيْهِمْ وَأَنَا أَسْمَعُ قَالُوا: أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَد بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُسْلِمِ الْمُعَدِّلُ أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ
(18/88)

عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْعَبَّاسِ الْمُخْلِصُ أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ ابْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ البغوي حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُطِيعٍ حَدَّثَنَا إسْمَاعِيلُ ابْنُ جَعْفَرٍ. قَالَ البغوي: وَحَدَّثَنِي صَالِحُ بْنُ مَالِكٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ البغوي: وَحَدَّثَنِي جَدِّي حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ. كُلُّهُمْ عَنْ حميد. عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: {دَخَلْت الْجَنَّةَ فَإِذَا أَنَا بِقَصْرِ مِنْ ذَهَبٍ فَقُلْت: لِمَنْ هَذَا الْقَصْرُ؟ فَقَالُوا: لِشَابِّ مِنْ قُرَيْشٍ فَظَنَنْت أَنِّي أَنَا هُوَ فَقُلْت: وَمَنْ هُوَ؟ قَالُوا: عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ} . وَاللَّفْظُ لِابْنِ مُطِيعٍ. تُوُفِّيَ فِي شَعْبَانَ سَنَةَ 675.
الْحَدِيثُ الثَّانِيَ عَشَرَ:
أَخْبَرَنَا الْفَقِيهُ الْإِمَامُ الْعَالِمُ الْعَامِلُ زَيْنُ الدِّينِ أَبُو إسْحَاقَ إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَد بْنِ أَبِي الْفَرَجِ بْنِ أَبِي طَاهِرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ نَصْرِ عُرِفَ بِابْنِ السَّدِيدِ
(18/89)

الْأَنْصَارِيِّ الْحَنَفِيِّ قِرَاءَةً عَلَيْهِ فِي رَجَبٍ سَنَةَ 675 أَخْبَرَنَا أَبُو الْيَمَنِ زَيْدُ ابْنُ الْحَسَنِ بْنِ زَيْدٍ الْكِنْدِيُّ قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَأَخْبَرَتْنَا زَيْنَبُ بِنْتُ مَكِّيٍّ قَالَتْ: أَخْبَرَنَا أَبُو حَفْصِ ابْنُ طبرزذ. قَالَا: أَخْبَرَنَا الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَنْصَارِيِّ أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ عِيسَى الْبَاقِلَانِي حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَد بْنُ جَعْفَرِ بْنِ حَمْدَانَ بْنِ مَالِكٍ القطيعي حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الْقُرَشِيُّ حَدَّثَنَا عَوْنُ بْنُ عِمَارَةَ حَدَّثَنَا حميد الطَّوِيلُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {الصَّائِمُ بِالْخِيَارِ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ نِصْفِ النَّهَارِ} . تُوُفِّيَ فِي جُمَادَى الْأُولَى سَنَةَ 677 وَلَهُ ثَلَاثٌ وَسَبْعُونَ سَنَةً
الْحَدِيثُ الثَّالِثَ عَشَرَ:
أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْمُقْرِئُ الرَّئِيسُ الْفَاضِلُ كَمَالُ الدِّينِ أَبُو إسْحَاقَ إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَد بْنِ إسْمَاعِيلَ بْنِ فَارِسً التَّمِيمِيُّ السَّعْدِيُّ قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَأَنَا أَسْمَعُ فِي رَمَضَانَ سَنَةَ 674 أَخْبَرَنَا أَبُو الْيَمَنِ زَيْدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ زَيْدٍ
(18/90)

الْكِنْدِيُّ أَخْبَرَنَا الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي الْأَنْصَارِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَد بْنِ حَسَنُونَ النرسي سَنَةَ 455 أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُخْلِصُ حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ البغوي حَدَّثَنَا شريح بْنُ يُونُسَ وَمُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ الْآدَمِيُّ وَابْنُ الْبَزَّارِ وَهَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالُوا: حَدَّثَنَا مَعْنٌ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ عَنْ بَحِيرِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ خَالِدِ بْنِ معدان عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الجهني قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {الْمُسِرُّ بِالْقُرْآنِ كَالْمُسِرِّ بِالصَّدَقَةِ وَالْجَاهِرُ بِالْقُرْآنِ كَالْجَاهِرِ بِالصَّدَقَةِ} . أَخْبَرَنَاهُ عَالِيًا بِدَرَجَةِ وَيُوَافِقُهُ أَحْمَد بْنُ عَبْدِ الدَّائِمِ أَخْبَرَنَا ابْنُ كُلَيْبٍ أَخْبَرَنَا ابْنُ بَيَانٍ حَدَّثَنَا ابْنُ مخلد أَخْبَرَنَا الصَّفَّارُ حَدَّثَنَا ابْنُ عَرَفَةَ حَدَّثَنَا إسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ عَنْ بَحِيرٍ (فَذَكَرَهُ. مَوْلِدُهُ سَنَةَ 596. وَتُوُفِّيَ فِي صَفَرَ سَنَةَ 676.
الْحَدِيثُ الرَّابِعَ عَشَرَ:
أَخْبَرَنَا الْإِمَامُ الْمُسْنِدُ زَيْنُ الدِّينِ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَد بْنُ أَبِي الْخَيْرِ سَلَامَةُ بْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ سَلَامَةَ بْنِ الْحَدَّادِ الدِّمَشْقِيُّ بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ وَأَنَا
(18/91)

أَسْمَعُ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ 675 قُلْت لَهُ: أَخْبَرَك أَبُو سَعِيدٍ خَلِيلُ ابْنُ أَبِي الرَّجَاءِ بْنِ أَبِي الْفَتْحِ الراراني إجَازَةً وَقُرِئَ عَلَى وَالِدِي وَأَنَا أَسْمَعُ بِحَرَّانَ سَنَةَ 666 أَخْبَرَك يُوسُفُ بْنُ خَلِيلٍ أَخْبَرَنَا الراراني أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَد بْنِ الْحَسَنِ الْحَدَّادُ أَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْمٍ أَحْمَد بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَد بْنِ إسْحَاقَ الْحَافِظُ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَد بْنُ يُوسُفَ بْنِ خلاد حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَكْرٍ حَدَّثَنَا حميد عَنْ أَنَسٍ قَالَ: {رَأَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَبْلًا مَمْدُودًا بَيْن سَارِيَتَيْنِ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ. قَالَ: مَا هَذَا الْحَبْلُ؟ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ فُلَانَةُ تُصَلِّي مَا عَقَلَتْ؛ فَإِذَا غَلَبَتْ أَخَذَتْ بِهِ قَالَ: فَلْتُصَلِّ مَا عَقَلَتْ؛ فَإِذَا غَلَبَتْ فَلْتَنَمْ} . مَوْلِدُهُ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ 609 وَتُوُفِّيَ فِي يَوْمِ عَاشُورَاءَ سَنَةَ 678
الْحَدِيثُ الْخَامِسَ عَشَرَ:
أَخْبَرَنَا الْعَدْلُ الْمُسْنَدُ أَمِينُ الدِّينِ أَبُو مُحَمَّدٍ الْقَاسِمُ بْنُ أَبِي بَكْرِ ابْنِ قَاسِمِ بْنِ غُنَيْمَةَ الإربلي وَأَبُو بَكْرِ ابْنُ عُمَرَ بْنِ يُونُسَ الْمَزِيّ الْحَنَفِيُّ
(18/92)

وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْعَامِرِيُّ؛ قِرَاءَةً عَلَيْهِمْ وَأَنَا أَسْمَعُ سَنَةَ 677. قَالَ الْأَوَّلُ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الْمُؤَيَّدُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ بْنِ أَحْمَد الفراوي. وَقَالَ الْآخَرَانِ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ الحرستاني قِرَاءَةً عَلَيْهِ أَخْبَرَنَا الفراوي إجَازَةً أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ عَبْدُ الْغَافِرِ ابْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْغَافِرِ الْفَارِسِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو أَحْمَد مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى ابْنِ عمرويه الجلودي أَخْبَرَنَا أَبُو إسْحَاقَ إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُفْيَانَ حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ القشيري حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ وَأَبُو الرَّبِيعِ الزهراني وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ كُلُّهُمْ عَنْ حَمَّادٍ. قَالَ خَلَفٌ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {أَمَا يَخْشَى الَّذِي يَرْفَعُ رَأْسَهُ قَبْلَ الْإِمَامِ أَنْ يُحَوِّلَ اللَّهُ رَأْسَهُ رَأْسَ حِمَارٍ} وُلِدَ الإربلي فِي سَنَةِ 595 أَوْ قَبْلَهَا بإربل وَتُوُفِّيَ فِي جُمَادَى الْأُولَى سَنَةَ 680 وَوُلِدَ الْمَزِيّ سَنَةَ 593 وَتُوُفِّيَ فِي شَعْبَانَ سَنَةَ 680.
(18/93)

الْحَدِيثُ السَّادِسَ عَشَرَ:
أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْعَالِمُ قَاضِي الْقُضَاةِ شَمْسُ الدِّينِ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَطَاءِ بْنِ حَسَنٍ الْحَنَفِيُّ قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَأَنَا أَسْمَعُ فِي سَنَةِ 667 وَأَبُو الْعَبَّاسِ ابْنُ علان وَأَبُو الْعَبَّاسِ ابْنُ شيبان قَالُوا: أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ حَنْبَلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَرَجِ الرصافي قِرَاءَةً عَلَيْهِ أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ هِبَةُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ الْحُصَيْنِ الشيباني أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمَذْهَبِ التَّمِيمِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَد بْنُ جَعْفَرِ بْنِ حَمْدَانَ بْنِ مَالِكٍ القطيعي حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْإِمَامِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَد بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ الشيباني رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَدَّثَنِي أَبِي أَحْمَد بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ سَمِعْت عُمَرَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {مَنْ اقْتَنَى كَلْبًا - إلَّا كَلْبَ مَاشِيَةٍ أَوْ كَلْبَ قَنْصٍ - نَقَصَ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطَانِ} .
(18/94)

مَوْلِدُهُ سَنَةَ 595. وَتُوُفِّيَ فِي جُمَادَى الْأُولَى سَنَةَ 673.
الْحَدِيثُ السَّابِعَ عَشَرَ:
أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْعَالِمُ الْعَلَّامَةُ الزَّاهِدُ قَاضِي الْقُضَاةِ شَمْسُ الدِّينِ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي عُمَرَ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَد بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ قدامة المقدسي الْحَنْبَلِيُّ قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَأَنَا أَسْمَعُ فِي شَعْبَانَ سَنَةَ 667 بقاسيون وَابْنُ شيبان وَابْنُ الْعَسْقَلَانِيِّ وَابْنُ الحموي قَالُوا: أَخْبَرَنَا أَبُو حَفْصٍ عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ طبرزذ أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ هِبَةُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ ابْنِ الْحُصَيْنِ أَخْبَرَنَا أَبُو طَالِبٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ غَيْلَانَ الْبَزَّازُ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إبْرَاهِيمَ الشَّافِعِيُّ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْوَاسِطِيَّ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ التيمي عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النهدي عَنْ {أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ الْقَوْمُ يَصْعَدُونَ عَقَبَةً أَوْ ثَنْيَةً فَإِذَا صَعِدَ الرَّجُلُ قَالَ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ - قَالَ: أَحْسَبُهُ قَالَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ - وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى بَغْلَتِهِ يَعْرِضُهَا فِي الْجَبَلِ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَا أَبَا مُوسَى
(18/95)

إنَّكُمْ لَا تُنَادُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا. ثُمَّ قَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ - أَوْ يَا أَبَا مُوسَى - أَلَا أَدُلَّك عَلَى كَلِمَةٍ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ. قَالَ قُلْت: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: قُلْ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ} مَوْلِدُهُ سَنَةَ 597. وَتُوُفِّيَ فِي سَنَةِ 682.
الْحَدِيثُ الثَّامِنَ عَشَرَ:
أَخْبَرَنَا الْمُسْنَدُ الْأَصِيلُ الْعَدْلُ مَجْدُ الدِّينِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ الْمُظَفَّرِ بْنِ هِبَةِ اللَّهِ بْنِ عَسَاكِرَ الدِّمَشْقِيُّ قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَأَنَا أَسْمَعُ فِي شَعْبَانَ سَنَةَ 667 أَخْبَرَنَا الْحَافِظُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْقَاسِمُ بْنُ عَلِيِّ ابْنِ الْحَسَنِ بْنِ هِبَةِ اللَّهِ بْنِ عَسَاكِرَ قِرَاءَةً عَلَيْهِ أَخْبَرَنَا أَبُو الدُّرِّ يَاقُوتُ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ الرُّومِيُّ التَّاجِرُ مَوْلَى ابْنِ الْبُخَارِيِّ قِرَاءَةً عَلَيْهِ. وَأَخْبَرَتْنَا زَيْنَبُ بِنْتُ مَكِّيٍّ وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ الْعَسْقَلَانِيِّ قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ طبرزذ أَخْبَرَنَا الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْأَنْصَارِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ أَحْمَد بْنُ الْأَشْقَرِ الدَّلَّالُ وَأَبُو غَالِبٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَد بْنِ قُرَيْشٍ وَأَبُو بَكْرٍ أَحْمَد بْنُ دحروج. قَالُوا جَمِيعُهُمْ: أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
(18/96)

هزار مرد الصريفيني قِرَاءَةً عَلَيْهِ حَدَّثَنَا أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْعَبَّاسِ الْمُخْلِصُ إمْلَاءً فِي شَعْبَانَ سَنَةَ 393 حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ البغوي حَدَّثَنَا شيبان بْنُ فَرُّوخٍ حَدَّثَنَا مُبَارَكُ ابْنُ فَضَالَةَ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: {كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إلَى جَانِبِ خَشَبَةٍ مُسْنِدًا ظَهْرَهُ إلَيْهَا. فَلَمَّا كَثُرَ النَّاسُ قَالَ: ابْنُوا لِي مِنْبَرًا لَهُ عَتَبَتَانِ فَلَمَّا قَامَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَخْطُبُ حَنَّتْ الْخَشَبَةُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَالَ أَنَسٌ: وَأَنَا فِي الْمَسْجِدِ فَسَمِعْت الْخَشَبَةَ تَحِنُّ حَنِينَ الْوَالِهِ فَمَا زَالَتْ تَحِنُّ حَتَّى نَزَلَ إلَيْهَا فَاحْتَضَنَهَا فَسَكَتَتْ وَكَانَ الْحَسَنُ إذَا حَدَّثَ بِهَذَا الْحَدِيثِ بَكَى ثُمَّ قَالَ: يَا عِبَادَ اللَّهِ الْخَشَبَةُ تَحِنُّ إلَى رَسُولِ اللَّهِ شَوْقًا إلَيْهِ لِمَكَانِهِ مِنْ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَأَنْتُمْ أَحَقُّ أَنْ تَشْتَاقُوا إلَى لِقَائِهِ} . مَوْلِدُهُ سَنَةَ 587. وَتُوُفِّيَ فِي ذِي الْقِعْدَةِ سَنَةَ 699.
الْحَدِيثُ التَّاسِعَ عَشَرَ:
أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ الْإِمَامُ الصَّدْرُ الرَّئِيسُ شَمْسُ الدِّينِ أَبُو الْغَنَائِمِ الْمُسْلِمُ ابْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُسْلِمِ بْنِ علان الْقَيْسِيُّ قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَأَنَا أَسْمَعُ فِي سَنَةِ
(18/97)

680، وَأَبُو الْحَسَنِ بْنُ الْبُخَارِيِّ قَالَا: أَخْبَرَنَا أَبُو الْيَمَنِ زَيْدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ زَيْدٍ الْكِنْدِيُّ قِرَاءَةً عَلَيْهِ أَخْبَرَنَا الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي بْنِ مُحَمَّدٍ الْأَنْصَارِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْجَوْهَرِيُّ إمْلَاءً أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَد بْنُ جَعْفَرِ بْنِ حَمْدَانَ بْنِ مَالِكٍ القطيعي حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُوسَى حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: الصَّوْمُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَأَكْلَهُ وَشُرْبَهُ مِنْ أَجْلِي وَالصَّوْمُ جُنَّةٌ وَلِلصَّائِمِ فرحتان: فَرْحَةٌ حِينَ يُفْطِرُ وَفَرْحَةٌ حِينَ يَلْقَى اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَلَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ} . وُلِدَ سَنَةَ 594. وَتُوُفِّيَ فِي سَادِسِ ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ 680.
الْحَدِيثُ الْعِشْرُونَ:
أَخْبَرَنَا الرَّئِيسُ عِمَادُ الدِّينِ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الصُّعْرِ بْنِ السَّيِّدِ بْنِ الصَّانِعِ الْأَنْصَارِيُّ قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَأَنَا أَسْمَعُ فِي سَنَةِ 676
(18/98)

وَأَبُو الْعِزِّ يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ الْمُجَاوِرِ وَالْمُسْلِمُ بْنُ علان قَالُوا: أَخْبَرَنَا أَبُو الْيَمَنِ زَيْدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ زَيْدٍ الْكِنْدِيُّ قِرَاءَةً عَلَيْهِ أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زُرَيْقٍ الْقَزَّازُ الشيباني قِرَاءَةً عَلَيْهِ أَخْبَرَنَا الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَد بْنُ عَلِيِّ بْنِ ثَابِتٍ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو عُمَرَ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَهْدِيٍّ حَدَّثَنَا الْقَاضِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ إسْمَاعِيلَ المحاملي حَدَّثَنَا أَبُو مُوسَى مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَة عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا {أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا جَاءَ إلَى مَكَّةَ دَخَلَهَا مِنْ أَعْلَاهَا وَخَرَجَ مِنْ أَسْفَلِهَا} . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِي وَالنَّسَائِي عَنْ أَبِي مُوسَى. تُوُفِّيَ فِي رَمَضَانَ سَنَةَ 679.
الْحَدِيثُ الْحَادِيَ وَالْعِشْرُونَ:
أَخْبَرَنَا أَبُو إسْحَاقَ إبْرَاهِيمُ بْنُ إسْمَاعِيلَ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ يَحْيَى بْنِ عُلْوِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ الدرجي الْقُرَشِيُّ قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَأَنَا أَسْمَعُ فِي رَجَبٍ سَنَةَ 680
(18/99)

أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَد بْنِ نَصْرِ بْنِ أَبِي الْفَتْحِ الصَّيْدَلَانِيُّ إجَازَةً أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَد بْنِ الْحَسَنِ الْحَدَّادُ أَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْمٍ أَحْمَد بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَد بْنِ إسْحَاقَ الْحَافِظُ أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ بْنِ أَحْمَد بْنِ فَارِسٍ قَالَ سَمِعْت سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَة يَقُولُ: حَدَّثَنَا عَاصِمٌ عَنْ {زِرٍّ قَالَ: أَتَيْت صَفْوَانَ بْنَ عَسَّالٍ الْمُرَادِيَّ فَقَالَ لِي: مَا جَاءَ بِك؟ قُلْت: جِئْت ابْتِغَاءَ الْعِلْمِ. قَالَ: فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ رِضًا بِمَا يَطْلُبُ. قُلْت: حَكَّ فِي نَفْسِي - أَوْ صَدْرِي - الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ بَعْدَ الْغَائِطِ وَالْبَوْلِ فَهَلْ سَمِعْت مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ شَيْئًا؟ قَالَ: نَعَمْ كَانَ يَأْمُرُنَا إذَا كُنَّا سَفَرًا - أَوْ مُسَافِرِينَ - أَنْ لَا نَنْزِعَ خِفَافَنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ إلَّا مِنْ جَنَابَةٍ؛ وَلَكِنْ مِنْ غَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ أَوْ نَوْمٍ. قُلْت: هَلْ سَمِعْته يَذْكُرُ الْهُدَى؟ قَالَ: نَعَمْ بينا نَحْنُ مَعَهُ فِي مَسِيرٍ إذْ نَادَاهُ أَعْرَابِيٌّ بِصَوْتِ لَهُ جَهْوَرِيٍّ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ فَأَجَابَهُ عَلَى نَحْوٍ مِنْ كَلَامِهِ: هَاؤُمُ قَالَ: أَرَأَيْت رَجُلًا يُحِبُّ قَوْمًا وَلَمْ يَلْحَقْ بِهِمْ؟ قَالَ: الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ. ثُمَّ لَمْ يَزَلْ يُحَدِّثُنَا أَنَّ مِنْ قِبَلِ الْمَغْرِبِ بَابًا يَفْتَحُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِلتَّوْبَةِ مَسِيرَةَ عَرْضِهِ أَرْبَعُونَ سَنَةً وَلَا يُغْلَقُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ قِبَلِهِ وَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ: {يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمَانُهَا} } . . الْآيَةَ. وُلِدَ سَنَةَ 599. وَتُوُفِّيَ فِي صَفَرٍ سَنَةَ 671.
(18/100)

الْحَدِيثُ الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ:
أَخْبَرَنَا نَجِيبُ الدِّينِ أَبُو الْمُرْهَفِ الْمِقْدَادُ بْنُ أَبِي الْقَاسِمِ هِبَةُ اللَّهِ ابْنُ الْمِقْدَادِ بْنِ عَلِيٍّ الْقَيْسِيُّ قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَأَنَا أَسْمَعُ أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مَحْمُودِ بْنِ الْمُبَارَكِ بْنِ الْأَخْضَرِ قِرَاءَةً عَلَيْهِ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي الْأَنْصَارِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو إسْحَاقَ الْبَرْمَكِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ مَاسِيّ حَدَّثَنَا أَبُو مُسْلِمٍ الكجي حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ التيمي عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {لَا هِجْرَةَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ - أَوْ قَالَ ثَلَاثَ لَيَالٍ} -.
الْحَدِيثُ الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ:
أَخْبَرَنَا الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَامِرِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الغسولي بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ فِي سَنَةِ 682 أَخْبَرَنَا أَبُو الْبَرَكَاتِ دَاوُد بْنُ أَحْمَد بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مُلَاعِبٍ قِرَاءَةً عَلَيْهِ أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَضْلِ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ يُوسُفَ
(18/101)

الأرموي قِرَاءَةً عَلَيْهِ أَخْبَرَنَا أَبُو الْغَنَائِمِ عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمَأْمُونِ أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَحْمَد بْنِ مَهْدِيٍّ الدارقطني حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ البغوي حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ وَرْدَانَ حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ {عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَعْطَيْت فُلَانًا وَفُلَانًا وَمَنَعْت فُلَانًا وَهُوَ مُؤْمِنٌ. قَالَ: أَوْ مُسْلِمٌ} . تُوُفِّيَ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ سَنَةَ 684 وَقَدْ قَارَبَ الثَّمَانِينَ.
الْحَدِيثُ الرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ:
أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ فَخْرُ الدِّينِ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَد بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ أَحْمَد بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إسْمَاعِيلَ بْنِ مَنْصُورِ بْنِ الْبُخَارِيِّ المقدسي قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَأَنَا أَسْمَعُ سَنَةَ 681 وَالشَّيْخُ شَمْسُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي عُمَرَ سَنَةَ 667 أَخْبَرَنَا أَبُو الْمَحَاسِنِ مُحَمَّدُ بْنُ كَامِلِ بْنِ أَحْمَد التنوخي قِرَاءَةً عَلَيْهِ أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ طَاهِرُ بْنُ سَهْلِ بْنِ بِشْرٍ الإسفراييني أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ الْحُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ الحنائي
(18/102)

حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ مُوسَى بْنِ رَاشِدِ بْنِ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الكلابي مِنْ لَفْظِهِ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ خَرِيمِ بْنِ مَرْوَانَ العقيلي قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَأَنَا أَسْمَعُ أَخْبَرَنَا أَبُو الْوَلِيدِ هِشَامُ بْنُ عَمَّارِ بْنِ نُصَيْرِ بْنِ مَيْسَرَةَ السُّلَمِي حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ حَدَّثَنَا إسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: {الرُّؤْيَا الْحَسَنَةُ مِنْ الرَّجُلِ الصَّالِحِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ} . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ القعنبي عَنْ مَالِكٍ. وُلِدَ فِي سَلْخٍ سَنَةَ 595. وَتُوُفِّيَ فِي رَبِيعٍ الْآخَرِ سَنَةَ 690.
الْحَدِيثُ الْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ:
أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَد بْنُ شيبان بْنِ تَغْلِبَ بْنِ حيدرة الشيباني قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَأَنَا أَسْمَعُ سَنَةَ 684 أَخْبَرَنَا أَبُو حَفْصٍ عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ طبرزذ الْبَغْدَادِيُّ قِرَاءَةً عَلَيْهِ أَخْبَرَنَا أَبُو غَالِبٍ أَحْمَد بْنُ الْحَسَنِ بْنِ أَحْمَد بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْبَنَّاءِ قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَنَحْنُ نَسْمَعُ أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْجَوْهَرِيُّ قِرَاءَةً عَلَيْهِ
(18/103)

فِي رَمَضَانَ سَنَةَ 452 أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَد بْنُ جَعْفَرِ بْنِ حَمْدَانَ بْنِ مَالِكٍ القطيعي قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَأَنَا حَاضِرٌ أَسْمَعُ حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ بِشْرُ بْنُ مُوسَى بْنِ صَالِحٍ الأسدي حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ قَالَ: قَالَ {عَبْدُ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كُنَّا إذَا صَلَّيْنَا خَلْفَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُلْنَا: السَّلَامُ عَلَى اللَّهِ دُونَ عِبَادِ اللَّهِ السَّلَامُ عَلَى جِبْرِيلَ وميكائيل السَّلَامُ عَلَى فُلَانٍ وَعَلَى فُلَانٍ. فَالْتَفَتَ إلَيْنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: اللَّهُ هُوَ السَّلَامُ فَإِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ. السَّلَامُ عَلَيْك أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ. السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ} . أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْ ابْنِ الْمُثَنَّى عَنْ غُنْدُرٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ مَنْصُورٍ كِلَاهُمَا عَنْ شَقِيقٍ. مَوْلِدُهُ سَنَةَ 599. وَتُوُفِّيَ فِي صَفَرٍ سَنَةَ 685.
(18/104)

الْحَدِيثُ السَّادِسُ وَالْعِشْرُونَ:
أَخْبَرَنَا أَبُو يَحْيَى إسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَمَّادِ بْنِ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْعَسْقَلَانِيُّ بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ فِي سَنَةِ 681 وَأَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ شيبان وَالْجَمَّالُ أَحْمَد بْنُ أَبِي بَكْرٍ الحموي وَأَبُو الْحَسَنِ بْنُ الْبُخَارِيِّ وَعَلِيُّ بْنُ مَحْمُودِ بْنِ شِهَابٍ قَالُوا: أَخْبَرَنَا أَبُو حَفْصٍ عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ طبرزذ الْبَغْدَادِيُّ قِرَاءَةً عَلَيْهِ أَخْبَرَنَا هِبَةُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُصَيْنِ الشيباني أَخْبَرَنَا أَبُو طَالِبٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ غَيْلَانَ الْبَزَّارُ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إبْرَاهِيمَ الشَّافِعِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عبدويه الْجَرَّارُ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَكْرٍ السَّهْمِيُّ حَدَّثَنَا حميد عَنْ أَنَسٍ قَالَ: {كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي طَرِيقٍ وَمَعَهُ أُنَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فَعَرَضَتْ لَهُ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لِي إلَيْك حَاجَةٌ فَقَالَ: يَا أُمَّ فُلَانٍ؛ اجْلِسِي فِي أَدْنَى نَوَاحِي السِّكَك حَتَّى أَجْلِسَ إلَيْك فَفَعَلَتْ؛ فَجَلَسَ إلَيْهَا حَتَّى قَصَّتْ حَاجَتَهَا} . رَوَاهُ أَحْمَد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَكْرٍ.
(18/105)

سَمِعَ ابْنَ الْعَسْقَلَانِيِّ فِي الرَّابِعَةِ سَنَةَ 599. وَتُوُفِّيَ فِي رَمَضَانَ سَنَةَ 682 وَمَوْلِدُ ابْنِ شِهَابٍ فِي سَنَةِ 595 وَتُوُفِّيَ فِي رَمَضَانَ سَنَةَ 680.
الْحَدِيثُ السَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ:
أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ الْجَلِيلُ الصَّالِحُ كَمَالُ الدِّينِ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ يُوسُفَ بْنِ قدامة المقدسي قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَأَنَا أَسْمَعُ فِي صَفَرٍ سَنَةَ 680 وَأَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ شيبان أَخْبَرَنَا أَبُو حَفْصٍ عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ طبرزذ الْبَغْدَادِيُّ قِرَاءَةً عَلَيْهِ أَخْبَرَنَا الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي بْنِ مُحَمَّدٍ الْبَزَّارُ وَأَبُو الْمَوَاهِبِ أَحْمَد بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مُلُوكٍ الْوَرَّاقُ قَالَا: أَخْبَرَنَا الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ طَاهِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الطبري أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَد بْنِ الْغِطْرِيفِ حَدَّثَنَا أَبُو خَلِيفَةَ حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إبْرَاهِيمَ عَنْ هِشَامٍ وَشُعْبَةَ عَنْ قتادة عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْعَائِدِ فِي قَيْئِهِ} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وُلِدَ فِي حُدُودِ سَنَةِ 598. وَتُوُفِّيَ فِي جُمَادَى الْأُولَى سَنَةَ 680.
(18/106)

الْحَدِيثُ الثَّامِنُ وَالْعِشْرُونَ:
أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ الثِّقَةُ زَيْنُ الدِّينِ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي طَاهِرٍ إسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُحْسِنِ الأنماطي قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَأَنَا أَسْمَعُ فِي رَجَبٍ سَنَةَ 668 وَأَبُو حَامِدٍ ابْنُ الصَّابُونِيِّ وَالرَّشِيدُ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعَامِرِيُّ قَالُوا أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الْفَضْلِ الحرستاني أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ طَاهِرُ بْنُ سَهْلِ بْنِ بِشْرٍ الإسفراييني أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرِ بْنِ عُثْمَانَ الأزدي أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَد بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زُرَيْقٍ بِانْتِقَاءِ خَلَفٍ الْحَافِظِ حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنُ بْنُ أَحْمَد بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَجَّاجِ بْنِ رشدين الْمَهْدِيُّ قِرَاءَةً عَلَيْهِ حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرٍو الْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَة عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ. أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: {اُقْتُلُوا الْحَيَّاتِ وَذَا الطُّفْيَتَيْنِ وَالْأَبْتَرَ. فَإِنَّهُمَا يَلْتَمِسَانِ الْبَصَرَ وَيُسْقِطَانِ الْحَبَلَ} . وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقْتُلُ كُلَّ حَيَّةٍ فَرَآهُ أَبُو لَبَابَةَ - أَوْ زَيْدُ بْنُ الْخَطَّابِ - وَهُوَ يُطَارِدُ حَيَّةً فَقَالَ لَهُ: قَدْ نُهِيَ عَنْ دَوَابِّ الْبُيُوتِ.
(18/107)

أَخْبَرَنَا بِهِ هِبَةُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَارِثِيُّ وَالشَّيْخُ شَمْسُ الدِّينِ بْنُ أَبِي عُمَرَ وَأَحْمَد بْنُ شيبان قَالُوا: أَخْبَرَنَا ابْنُ مُلَاعِبٍ أَخْبَرَنَا الأرموي أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ البسري أَخْبَرَنَا أَبُو أَحْمَد الْفَرْضِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْمَطِيرِيَّ أَخْبَرَنَا بِشْرُ بْنُ مَطَرٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ فَذَكَرَهُ. وُلِدَ سَنَةَ 609 وَتُوُفِّيَ فِي ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ 684 بِالْقَاهِرَةِ.
الْحَدِيثُ التَّاسِعُ وَالْعِشْرُونَ:
أَخْبَرَنَا الْإِمَامُ شَمْسُ الدِّينِ أَبُو الْفَرَجِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَحْمَد بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ المقدسي سَنَةَ 681 وَأَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ شيبان وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ الْعَسْقَلَانِيِّ قَالَ الْأَوَّلَانِ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْيَمَنِ زَيْدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ زَيْدٍ الْكِنْدِيُّ وَقَالَ الْآخَرَانِ: أَخْبَرَنَا أَبُو حَفْصٍ ابْن طبرزذ. قَالَا: أَخْبَرَنَا الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي بْنِ مُحَمَّدٍ الْأَنْصَارِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عُمَرُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْخَفَّافُ قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَأَنَا أَسْمَعُ سَنَةَ 447 أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَضْلِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ الزُّهْرِيُّ قِرَاءَةً عَلَيْهِ فِي سَنَةِ 373 حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ
(18/108)

بْنُ هَارُونَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ حَبِيبٍ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ رَاشِدٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ: عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: {لَا يُقِيمُ إلَّا مَنْ أَذَّنَ} . مَوْلِدُهُ سَنَةَ 606. وَتُوُفِّيَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ سَنَةَ 689.
الْحَدِيثُ الثَّلَاثُونَ:
أَخْبَرَنَا الْأَصِيلُ الْمُسْنَدُ نَجْمُ الدِّينِ أَبُو الْعِزِّ يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْمُجَاوِرُ الشيباني قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَأَنَا أَسْمَعُ فِي الْمُحَرَّمِ سَنَةَ 680 وَالْمُسْلِمُ بْنُ علان قَالَا: أَخْبَرَنَا أَبُو الْيَمَنِ زَيْدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ زَيْدٍ الْكِنْدِيُّ قِرَاءَةً عَلَيْهِ أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ زُرَيْقٍ الْقَزَّازُ الشيباني أَخْبَرَنَا الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَد بْنُ عَلِيِّ بْنِ ثَابِتٍ الْخَطِيبُ أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْمُؤَدَّبُ حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ الْمُثَنَّى الْعَنْبَرِيُّ بأستراباد حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ سَعِيدٍ الْجَوْهَرِيُّ الْبَغْدَادِيُّ بأرجان حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ. قَالَ الْخَطِيبُ. وَأَخْبَرَنَا أَبُو عُمَرَ بْنُ مَهْدِيٍّ وَجَمَاعَةٌ قَالُوا: أَخْبَرَنَا إسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّفَّارُ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ حَدَّثَنَا إسْمَاعِيلُ بْنُ
(18/109)

عَيَّاشٍ حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {لَا يَقْرَأُ الْجُنُبُ وَلَا الْحَائِضُ شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ} . لَفْظُ حَدِيثِ الْجَوْهَرِيِّ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ ابْنِ عَرَفَةَ وَابْنِ حَجَرٍ. وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَه عَنْ هِشَامِ بْنِ عَمَّارٍ. كُلُّهُمْ عَنْ إسْمَاعِيلَ. وَأَخْبَرَنَا عَالِيَا أَحْمَد بْنُ عَبْدِ الدَّائِمِ قِرَاءَةً عَلَيْهِ أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَرَجِ بْنُ كُلَيْبٍ أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ بَيَانٍ أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ بْنُ مخلد أَخْبَرَنَا الصَّفَّارُ (فَذَكَرَهُ) . مَوْلِدُهُ فِي سَنَةِ 601. وَتُوُفِّيَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ سَنَةَ 690
الْحَدِيثُ الْحَادِي وَالثَّلَاثُونَ:
أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْحَافِظُ جَمَالُ الدِّينِ أَبُو حَامِدٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مَحْمُودِ بْنِ أَحْمَد بْنِ عَلِيِّ بْنِ الصَّابُونِيِّ قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَأَنَا أَسْمَعُ فِي رَمَضَانَ سَنَةَ 668 أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الْفَضْلِ
(18/110)

الحرستاني قِرَاءَةً عَلَيْهِ أَخْبَرَنَا جَمَالُ الْإِسْلَامِ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ الْمُسْلِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْفَتْحِ السُّلَمِي سَنَةَ 526 أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَد بْنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الْحَدِيدِ أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُوسَى بْنِ الْحُسَيْنِ أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَلِيُّ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي الصَّعْبِ حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَفْوَانَ الْبَصْرِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ الأوزاعي قَالَ: سَأَلْت الزُّهْرِيَّ عَنْ الَّتِي اسْتَعَاذَتْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ عَنْ عَائِشَةَ: {أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا أَتَى بِابْنَةِ الْجَوْنِ فَدَنَا مِنْهَا قَالَتْ: أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْك قَالَ: الْحَقِي بِأَهْلِك تَطْلِيقَةٌ} . قَالَ أَبُو زُرْعَةَ: لَمْ يَرْوِهِ مِنْ الْأَئِمَّةِ فِي الْحَدِيثِ غَيْرُ الأوزاعي. مَوْلِدُهُ سَنَةَ 604. وَتُوُفِّيَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ سَنَةَ 680.
الْحَدِيثُ الثَّانِي وَالثَّلَاثُونَ:
أَخْبَرَنَا الْجَمَّالُ أَحْمَد بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْوَاعِظُ بْنِ الحموي بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ وَأَنَا أَسْمَعُ فِي رَجَبٍ سَنَةَ 680 وَقِرَاءَةً عَلَيْهِ فِي سَنَةِ 681 أَيْضًا
(18/111)

أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْجَلِيلِ بْنُ أَبِي غَالِبِ بْنِ أَبِي الْمَعَالِي بْنِ مندويه قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَأَنَا أَسْمَعُ فِي سَنَةِ 610 أَخْبَرَنَا أَبُو الْمَحَاسِنِ أَحْمَد بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ النقور الْبَزَّارُ قِرَاءَةً عَلَيْهِ أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحَاقَ بْنِ حَبَّابَةَ حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ البغوي فِي سَنَةِ 315 حَدَّثَنَا أَبُو عُثْمَانَ طَالُوتُ بْنُ عَبَّادٍ الصَّيْرَفِيُّ مِنْ كِتَابِهِ حَدَّثَنَا فضال بْنُ جُبَيْرٍ سَمِعْت أَبَا أمامة الْبَاهِلِيَّ يَقُولُ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: {اُكْفُلُوا لِي بِسِتِّ أَكْفُلُ لَكُمْ بِالْجَنَّةِ: إذَا حَدَّثَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَكْذِبْ وَإِذَا اُؤْتُمِنَ فَلَا يَخُنْ وَإِذَا وَعَدَ فَلَا يُخْلِفْ. غُضُّوا أَبْصَارَكُمْ وَكُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَاحْفَظُوا فُرُوجَكُمْ} . وُلِدَ فِي حُدُودِ سَنَةِ سِتِّمِائَةٍ وَتُوُفِّيَ فِي ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ 687.
الْحَدِيثُ الثَّالِثُ وَالثَّلَاثُونَ:
أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ الْأَمِينُ الصَّدُوقُ شَمْسُ الدِّينِ أَبُو غَالِبٍ الْمُظَفَّرُ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ خَلِيلٍ الْأَنْصَارِيُّ قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَأَنَا أَسْمَعُ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ سَنَةَ 684 وَأَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَحْمَد بْنِ عَبَّاسٍ الفاقوسي وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْعَامِرِيُّ أَخْبَرَنَا الْقَاضِي أَبُو الْقَاسِمِ
(18/112)

عَبْدُ الصَّمَدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الْفَضْلِ ابْنِ الحرستاني أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ طَاهِرُ بْنُ سَهْلِ بْنِ بِشْرِ بْنِ أَحْمَد الإسفراييني أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ مَكِّيِّ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الأزدي الْمِصْرِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَد بْنِ الْعَبَّاسِ الأخميمي بِانْتِقَاءِ عَبْدِ الْغَنِيِّ بْنِ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ أَحْمَد بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَامَةَ حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ حَدَّثَنِي طَلْحَةُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّ سَعِيدًا المقبري حَدَّثَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: {مَنْ احْتَبَسَ فَرَسًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ إيمَانًا بِاَللَّهِ وَتَصْدِيقَ مَوْعُودِ اللَّهِ كَانَ شِبَعُهُ وَرِيُّهُ وَرَوْثُهُ وَبَوْلُهُ حَسَنَاتٍ فِي مِيزَانِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} . تُوُفِّيَ فِي جُمَادَى الْأُولَى سَنَةَ 688 وَعُمُرُهُ اثْنَانِ وَثَمَانُونَ سَنَةً. وَتُوُفِّيَ الفاقوسي فِي شَعْبَانَ سَنَةَ 682 وَلَهُ خَمْسٌ وَسَبْعُونَ سَنَةً.
الْحَدِيثُ الرَّابِعُ وَالثَّلَاثُونَ:
أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ الْإِمَامُ مُحْيِي الدِّينِ أَبُو حَفْصٍ عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عصرون التَّمِيمِيُّ بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ وَأَنَا أَسْمَعُ سَنَةَ 682
(18/113)

وَأَبُو حَامِدٍ الصَّابُونِيُّ. قَالَا: أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الصَّمَدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الْفَضْلِ الحرستاني أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ طَاهِرُ بْنُ سَهْلٍ الإسفراييني أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ مَكِّيٍّ الأزدي أَخْبَرَنَا الْقَاضِي أَبُو الْحُسَيْنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحَاقَ بْنِ يَزِيدَ الْحَلَبِيُّ سَنَةَ 390 حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الصَّمَدِ
بْنُ سَعِيدٍ الْقَاضِي حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جَابِرٍ الكلاعي حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ الوحاظي حَدَّثَنَا الْعَلَاءُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ الزُّهْرِيُّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {إنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنْ النَّاسِ وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعُلَمَاءَ. فَإِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤَسَاءَ جُهَّالًا فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّو} وَأَخْبَرْنَاهُ عَالِيَا أَبُو الْحَسَنِ بْنُ الْبُخَارِيِّ أَخْبَرَنَا ابْنُ طبرزذ أَخْبَرَنَا الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ إبْرَاهِيمَ الْبَاقِلَانِي حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ الْوَرَّاقُ إمْلَاءً حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْوَاسِطِيَّ حَدَّثَنَا سويد بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ وَحَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو (فَذَكَرَهُ) .
(18/114)

أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ هِشَامٍ. مَوْلِدُهُ سَنَةَ 599. وَتُوُفِّيَ فِي ثَالِثِ ذِي الْقَعْدَةِ سَنَةَ 682.
الْحَدِيثُ الْخَامِسُ وَالثَّلَاثُونَ:
أَخْبَرَنَا أَقْضَى الْقُضَاةِ نَفِيسُ الدِّينِ أَبُو الْقَاسِمِ هِبَةُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ جَرِيرٍ الْحَارِثِيُّ الشَّافِعِيُّ قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَأَنَا أَسْمَعُ فِي سَنَةِ 679 وَالشَّيْخُ شَمْسُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عُمَرَ وَأَحْمَد بْنُ شيبان. قَالُوا: أَخْبَرَنَا أَبُو الْبَرَكَاتِ دَاوُد بْنُ أَحْمَد بْنِ مُلَاعِبٍ الْبَغْدَادِيُّ قِرَاءَةً عَلَيْهِ أَخْبَرَنَا الْإِمَامُ أَبُو الْفَضْلِ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ يُوسُفَ الأرموي قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَأَنَا أَسْمَعُ سَنَةَ 546 أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَد بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ البسري سَنَةَ 465 أَخْبَرَنَا أَبُو أَحْمَد عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَد بْنِ أَبِي مُسْلِمٍ الْفَرْضِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ أَحْمَد الْمَطِيرِيَّ سَنَةَ 333 أَخْبَرَنَا أَبُو أَحْمَد بِشْرُ بْنُ مَطَرٍ الْوَاسِطِيَّ بِسِرِّ مَنْ رَأَى حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَة عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ:
(18/115)

عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: {لَا حَسَدَ إلَّا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْقُرْآنَ فَهُوَ يَقُومُ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ وَرَجُل آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَهُوَ يُنْفِقُهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ فِي حَقِّهِ} . تُوُفِّيَ فِي صَفَرٍ سَنَةَ 680 وَلَهُ ثَلَاثٌ وَسَبْعُونَ سَنَةً.
الْحَدِيثُ السَّادِسُ وَالثَّلَاثُونَ:
أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ الْإِمَامُ الزَّاهِدُ شَمْسُ الدِّينِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْكَمَالِ عَبْدِ الرَّحِيمِ بْنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ أَحْمَد بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَشَمْسُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الزَّيْنِ أَحْمَد بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ المقدسيان؛ قِرَاءَةً عَلَيْهِمَا وَأَنَا أَسْمَعُ فِي سَنَةِ 681. قَالَا: أَخْبَرَنَا الشَّرِيفُ أَبُو الْفُتُوحِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عمرون الْبَكْرِيُّ قِرَاءَةً عَلَيْهِ أَخْبَرَنَا أَبُو الْأَسْعَدِ هِبَةُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ أَبِي الْقَاسِمِ عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ هَوَازِنَ القشيري أَخْبَرَنَا جَدِّي أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ الْخَفَّافُ أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ السَّرَّاجُ حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
(18/116)

{إنَّ الَّذِي تَفُوتُهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ فَكَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلُهُ وَمَالُهُ} . وُلِدَ فِي سَنَةِ 607. وَتُوُفِّيَ فِي جُمَادَى الْأُولَى سَنَةَ 688.
الْحَدِيثُ السَّابِعُ وَالثَّلَاثُونَ:
أَخْبَرَتْنَا الشَّيْخَةُ الصَّالِحَةُ أُمُّ الْخَيْرِ سِتُّ الْعَرَبِ بِنْتُ يَحْيَى بْنِ قايماز بْنِ عَبْدِ اللَّهِ التَّاجِيَّةُ الْكِنْدِيَّةُ قِرَاءَةً عَلَيْهَا وَأَنَا أَسْمَعُ فِي رَمَضَانَ سَنَةَ 681 وَأَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ شيبان وَابْنُ الْعَسْقَلَانِيِّ وَأَبُو الْحَسَنِ بْنُ الْبُخَارِيِّ. قَالُوا: أَخْبَرَنَا أَبُو حَفْصٍ عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ طبرزذ قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَنَحْنُ نَسْمَعُ أَخْبَرَنَا أَبُو غَالِبٍ أَحْمَد بْنُ الْحَسَنِ بْنِ أَحْمَد بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْبَنَّاءُ قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَأَنَا أَسْمَعُ سَنَةَ 524 أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْجَوْهَرِيُّ قِرَاءَةً عَلَيْهِ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَد بْنُ جَعْفَرِ بْنِ حَمْدَانَ بْنِ مَالِكٍ القطيعي حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُونُسَ بْنِ مُوسَى حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ النَّبِيلُ عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ الْقَاسِمِ عَنْ عَائِشَةَ: {أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَغْتَسِلُ مِنْ جَنَابَةٍ فَيَأْخُذُ
(18/117)

حَفْنَةً لِشِقِّ رَأْسِهِ الْأَيْمَنِ ثُمَّ يَأْخُذُ حَفْنَةً لِشِقِّ رَأْسِهِ الْأَيْسَرِ} . أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِي عَنْ أَبِي مُوسَى الزَّمِنِ عَنْ أَبِي عَاصِمٍ. وُلِدَتْ فِي سَنَةِ 599. وَتُوُفِّيَتْ سَنَةَ 684.
الْحَدِيثُ الثَّامِنُ وَالثَّلَاثُونَ:
أَخْبَرَتْنَا الشَّيْخَةُ الْجَلِيلَةُ الْأَصِيلَةُ أُمُّ الْعَرَبِ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي الْقَاسِمِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي مُحَمَّدِ الْقَاسِمِ بْنِ أَبِي الْقَاسِمِ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ هِبَةِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَسَاكِرَ قِرَاءَةً عَلَيْهَا وَأَنَا أَسْمَعُ فِي رَمَضَانَ سَنَةَ 681 وَأَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ شيبان وَسِتُّ الْعَرَبِ بِنْتُ يَحْيَى بْنُ قايماز. قَالُوا: أَخْبَرَنَا أَبُو حَفْصٍ عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ طبرزذ قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَنَحْنُ نَسْمَعُ أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ هِبَةُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ أَحْمَد بْنِ الْحُصَيْنِ الشيباني قِرَاءَةً عَلَيْهِ أَخْبَرَنَا أَبُو طَالِبٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ غَيْلَانَ قِرَاءَةً عَلَيْهِ أَخْبَرَنَا أَبُو إسْحَاقَ إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الْمُزَكِّي النَّيْسَابُورِيُّ قِرَاءَةً عَلَيْهِ فِي سَنَةِ 354 أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ مُحَمَّدُ بْنُ
(18/118)

إسْحَاقَ حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ {أَنَسٍ قَالَ: مُطِرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَحَسَرَ عَنْ رَأْسِهِ حَتَّى أَصَابَهُ الْمَطَرُ فَقُلْت لَهُ: لِمَ صَنَعْت هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: إنَّهُ حَدِيثُ عَهْدٍ بِرَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ} وُلِدَتْ سَنَةَ 598. وَتُوُفِّيَتْ فِي شَعْبَانَ سَنَةَ 683.
الْحَدِيثُ التَّاسِعُ وَالثَّلَاثُونَ:
أَخْبَرَتْنَا الصَّالِحَةُ الْعَابِدَةُ الْمُجْتَهِدَةُ أُمُّ أَحْمَد زَيْنَبُ بِنْتُ مَكِّيِّ بْنِ عَلِيِّ بْنِ كَامِلٍ الْحَرَّانِي وَأَحْمَد بْنُ شيبان وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ الْعَسْقَلَانِيِّ وَفَاطِمَةُ بِنْتُ عَلِيِّ بْنِ عَسَاكِرَ؛ قِرَاءَةً عَلَيْهِمْ. قَالُوا: أَخْبَرَنَا أَبُو حَفْصٍ عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ طبرزذ الْبَغْدَادِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو غَالِبٍ أَحْمَد بْنُ الْحَسَنِ بْنِ أَحْمَد بْنِ الْبَنَّاءُ أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الْجَوْهَرِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَد بْنُ جَعْفَرِ بْنِ حَمْدَانَ بْنِ مَالِكٍ القطيعي قِرَاءَةً عَلَيْهِ حَدَّثَنَا أَبُو مُسْلِمٍ إبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
(18/119)

مُسْلِمٍ الْبَصْرِيُّ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ سَمِعْت {الْبَرَاءَ قَالَ: لَمَّا مَاتَ إبْرَاهِيمُ بْنُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ مُرضِعٌ فِي الْجَنَّةِ} . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ سَلْمَانَ بْنِ حَرْبٍ. وُلِدَتْ فِي سَنَةِ 598. وَتُوُفِّيَتْ فِي شَوَّالٍ سَنَةَ 688.
الْحَدِيثُ الْأَرْبَعُونَ:
أَخْبَرَتْنَا الشَّيْخَةُ الصَّالِحَةُ أُمُّ مُحَمَّدٍ زَيْنَبُ بِنْتُ أَحْمَد بْنِ عُمَرَ بْنِ كَامِلٍ المقدسية قِرَاءَةً عَلَيْهَا وَأَنَا أَسْمَعُ سَنَةَ 684 وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ بَدْرٍ وَأَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ شيبان وَابْنُ الْعَسْقَلَانِيِّ. قَالُوا أَخْبَرَنَا ابْنُ طبرزذ أَخْبَرَنَا ابْنُ الْبَيْضَاوِيِّ وَالْقَزَّازُ وَابْنُ يُوسُفَ قَالُوا أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُسْلِمَةِ أَخْبَرَنَا الْمُخَلِّصُ أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ إسْرَائِيلَ النهرتيرى حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أُمِّ
(18/120)

سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ: {كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصْبِحُ جُنُبًا مِنْ غَيْرِ احْتِلَامٍ ثُمَّ يُتِمُّ صَوْمَهُ} . وُلِدَتْ سَنَةَ 601 وَتُوُفِّيَتْ فِي شَوَّالٍ سَنَةَ 687.
(18/121)

سُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ:
عَمَّا يُرْوَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ: {مَا وَسِعَنِي لَا سَمَائِي وَلَا أَرْضِي وَلَكِنْ وَسِعَنِي قَلْبُ عَبْدِي الْمُؤْمِنِ}
فَأَجَابَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، هَذَا مَا ذَكَرُوهُ فِي الإسرائيليات لَيْسَ لَهُ إسْنَادٌ مَعْرُوفٌ (*) عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعْنَاهُ: وَسِعَ قَلْبُهُ مَحَبَّتِي وَمَعْرِفَتِي. وَمَا يُرْوَى: {الْقَلْبُ بَيْتُ الرَّبِّ} هَذَا مِنْ جِنْسِ الْأَوَّلِ فَإِنَّ الْقَلْبَ بَيْتُ الْإِيمَانِ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَمَعْرِفَتِهِ وَمَحَبَّتِهِ. وَمَا يَرْوُونَهُ {كُنْت كَنْزًا لَا أُعْرَفَ فَأَحْبَبْت أَنْ أُعْرَفَ فَخَلَقْت خَلْقًا فَعَرَّفْتهمْ بِي فَبِي عَرَفُونِي} هَذَا لَيْسَ مِنْ كَلَامِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا أَعْرِفُ لَهُ إسْنَادًا صَحِيحًا وَلَا ضَعِيفًا. وَمَا يَرْوُونَهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {إنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْعَقْلَ فَقَالَ لَهُ: أَقْبِلْ فَأَقْبَلَ ثُمَّ قَالَ لَهُ: أَدْبِرْ فَأَدْبَرَ فَقَالَ: وَعِزَّتِي
__________

[تعليق مُعِدّ الكتاب للشاملة]
(*) قال الشيخ ناصر بن حمد الفهد (ص 52) :
قد ذكر الشيخ رحمه الله في هذه الصفحات مجموعة من الأحاديث الضعيفة والموضوعة، ولكن وقع فيها بعض التصحيف، حيث ورد في هذه الفتوى قبل كل حديث لفظ (وما يرووه) في خمسة وعشرين موضعا ً، وهو تصحيف ظاهر مخالف للغة، وصوابه إما (وما رووه) ، وإما (وما يروونه) ، وكما هو المعروف في اللغة، والثاني أصوب، لأنه ورد كذلك في (الكبرى) 2 / 231، وهي أصل الفتوى على ما يظهر، والله تعالى أعلم.
(18/122)

وَجَلَالِي مَا خَلَقْت خَلْقًا أَشْرَفَ مِنْك فَبِك آخُذُ وَبِك أُعْطِي} هذا الْحَدِيثُ بَاطِلٌ مَوْضُوعٌ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ. وَمَا يَرْوُونَهُ {حُبُّ الدُّنْيَا رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ} هَذَا مَعْرُوفٌ عَنْ جُنْدُبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ البجلي وَأَمَّا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَيْسَ لَهُ إسْنَادٌ مَعْرُوفٌ. وَمَا يَرْوُونَهُ: {الدُّنْيَا خُطْوَةُ رَجُلٍ مُؤْمِنٍ} هَذَا لَا يُعْرَفُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا غَيْرِهِ مِنْ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَلَا أَئِمَّتِهَا. وَمَا يَرْوُونَهُ {مَنْ بُورِكَ لَهُ فِي شَيْءٍ فَلْيَلْزَمْهُ وَمَنْ أَلْزَمَ نَفْسَهُ شَيْئًا لَزِمَهُ} الْأَوَّلُ يُؤْثَرُ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ وَالثَّانِي بَاطِلٌ فَإِنَّ مَنْ أَلْزَمَ نَفْسَهُ شَيْئًا قَدْ يَلْزَمُهُ وَقَدْ لَا يَلْزَمُهُ بِحَسَبِ مَا يَأْمُرُ بِهِ اللَّهُ وَرَسُولُهُ. وَمَا يَرْوُوهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {اتَّخِذُوا مَعَ الْفُقَرَاءِ أَيَادِي فَإِنَّ لَهُمْ فِي غَد دَوْلَةً وَأَيُّ دَوْلَةٍ} {الْفَقْرُ فَخْرِي وَبِهِ افْتَخَرَ} كِلَاهُمَا كَذِبٌ لَا يُعْرَفُ فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِ الْمُسْلِمِينَ الْمَعْرُوفَةِ. وَمَا يَرْوُونَهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {أَنَا مَدِينَةُ الْعِلْمِ وَعَلِيٌّ بَابُهَا} هَذَا الْحَدِيثُ ضَعِيفٌ بَلْ مَوْضُوعٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ
(18/123)

وَلَكِنْ قَدْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ وَرَفَعَ هَذَا وَهُوَ كَذِبٌ. وَمَا يَرْوُوهُ: {أَنَّهُ يَقْعُدُ الْفُقَرَاءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَقُولُ: وَعِزَّتِي وَجَلَالِي مَا زَوَيْت الدُّنْيَا عَنْكُمْ لِهَوَانِكُمْ عَلَيَّ وَلَكِنْ أَرَدْت أَنْ أَرْفَعَ قَدْرَكُمْ فِي هَذَا الْيَوْمِ انْطَلِقُوا إلَى الْمَوْقِفِ فَمَنْ أَحْسَنَ إلَيْكُمْ بِكِسْرَةٍ أَوْ سَقَاكُمْ شَرْبَةَ مَاءٍ أَوْ كَسَاكُمْ خِرْقَةً انْطَلِقُوا بِهِ إلَى الْجَنَّةِ} قَالَ الشَّيْخُ: الثَّانِي كَذِبٌ لَمْ يَرْوِهِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ وَهُوَ بَاطِلٌ خِلَافَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ. وَمَا يَرْوُونَهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {لَمَّا قَدِمَ إلَى الْمَدِينَةِ خَرَجْنَ بَنَاتُ النَّجَّارِ بِالدُّفُوفِ وَهُنَّ يَقُلْنَ: طَلَعَ الْبَدْرُ عَلَيْنَا مِنْ ثَنِيَّاتٍ الْوَدَاعِ إلَى آخِرِ الشِّعْرِ فَقَالَ لَهُنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُزُّوا غَرَابِيلَكُمْ بَارَكَ اللَّهُ فِيكُمْ} حَدِيثُ النِّسْوَةِ وَضَرْبِ الدُّفِّ فِي الْأَفْرَاحِ صَحِيحٌ؛ فَقَدْ كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: {هُزُّوا غَرَابِيلَكُمْ} هَذَا لَا يُعْرَفُ عَنْهُ.
وَمَا يَرْوُونَهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: {اللَّهُمَّ إنَّك أَخْرَجْتَنِي مِنْ أَحَبِّ الْبِقَاعِ إلَيَّ فَأَسْكِنِّي فِي أَحَبِّ الْبِقَاعِ إلَيْك} هَذَا
(18/124)

حَدِيثٌ بَاطِلٌ كَذِبٌ وَقَدْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ بَلْ إنَّهُ {قَالَ لِمَكَّةَ: إنَّك أَحَبُّ بِلَادِ اللَّهِ إلَيَّ} وَقَالَ {إنَّك لَأَحَبُّ الْبِلَادِ إلَى اللَّهِ} . وَمَا يَرْوُونَهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {مَنْ زَارَنِي وَزَارَ أَبِي إبْرَاهِيمَ فِي عَامٍ دَخَلَ الْجَنَّةَ} هَذَا كَذِبٌ مَوْضُوعٌ وَلَمْ يَرْوِهِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ. وَمَا يَرْوُونَهُ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ أَعْرَابِيًّا صَلَّى وَنَقَرَ صَلَاتَهُ فَقَالَ عَلِيٌّ: لَا تَنْقُرُ صَلَاتَك فَقَالَ الْأَعْرَابِيُّ يَا عَلِيُّ لَوْ نَقَرَهَا أَبُوك مَا دَخَلَ النَّارَ. هَذَا كَذِبٌ. وَمَا يَرْوُونَهُ عَنْ عُمَرَ: أَنَّهُ قَتَلَ أَبَاهُ هَذَا كَذِبٌ؛ فَإِنَّ أَبَاهُ مَاتَ قَبْلَ مَبْعَثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَمَا يَرْوُونَهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {كُنْت نَبِيًّا وَآدَمُ بَيْنَ الْمَاءِ وَالطِّينِ} . {وَكُنْت وَآدَمُ لَا مَاءَ وَلَا طِينَ} هَذَا اللَّفْظُ كَذِبٌ بَاطِلٌ. وَمَا يَرْوُونَهُ: {الْعَازِبُ فِرَاشُهُ مِنْ نَارٍ مِسْكِينٌ رَجُلٌ بِلَا امْرَأَةٍ وَمِسْكِينَةٌ امْرَأَةٌ بِلَا رَجُلٍ} هَذَا لَيْسَ مِنْ كَلَامِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
(18/125)

وَلَمْ يَثْبُتْ عَنْ {إبْرَاهِيمَ الْخَلِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا بَنَى الْبَيْتَ صَلَّى فِي كُلِّ رُكْنٍ أَلْفَ رَكْعَةٍ؛ فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إلَيْهِ: يَا إبْرَاهِيمُ مَا هَذَا سَدُّ جَوْعَةٍ أَوْ سَتْرُ عَوْرَةٍ} هَذَا كَذِبٌ ظَاهِرٌ لَيْسَ هُوَ فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِ الْمُسْلِمِينَ. وَمَا يَرْوُونَهُ: {لَا تَكْرَهُوا الْفِتْنَةَ؛ فَإِنَّ فِيهَا حَصَادَ الْمُنَافِقِينَ} هَذَا لَيْسَ مَعْرُوفًا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَمَا يَرْوُونَهُ: {مَنْ عَلَّمَ أَخَاهُ آيَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ مَلَكَ رِقَّهُ} هَذَا كَذِبٌ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَمَا يَرْوُونَهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {اطَّلَعْت عَلَى ذُنُوبِ أُمَّتِي فَلَمْ أَجِدْ أَعْظَمَ ذَنْبًا مِمَّنْ تَعَلَّمَ آيَةً ثُمَّ نَسِيَهَا} . إذَا صَحَّ هَذَا الْحَدِيثُ فَهَذَا عَنِيَ بِالنِّسْيَانِ التِّلَاوَةَ. وَلَفْظُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ قَالَ: {يُوجَدُ مِنْ سَيِّئَاتِ أُمَّتِي الرَّجُلُ يُؤْتِيهِ اللَّهُ آيَةً مِنْ الْقُرْآنِ فَيَنَامُ عَنْهَا حَتَّى يَنْسَاهَا} وَالنِّسْيَانُ الَّذِي هُوَ بِمَعْنَى الْإِعْرَاضِ عَنْ الْقُرْآنِ وَتَرْكِ الْإِيمَانِ وَالْعَمَلِ بِهِ وَأَمَّا إهْمَالُ دَرْسِهِ حَتَّى يُنْسَى فَهُوَ مِنْ الذُّنُوبِ.
وَمَا يَرْوُونَهُ: {أَنَّ آيَةً مِنْ الْقُرْآنِ خَيْرٌ مِنْ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ مُنَزَّلٌ غَيْرُ مَخْلُوقٍ فَلَا يُشَبَّهُ بِغَيْرِهِ} اللَّفْظُ الْمَذْكُورُ غَيْرُ مَأْثُورٍ.
(18/126)

وَمَا يَرْوُونَهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {مَنْ عَلِمَ عِلْمًا نَافِعًا وَأَخْفَاهُ عَنْ الْمُسْلِمِينَ أَلْجَمَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِلِجَامِ مِنْ نَارٍ} هَذَا مَعْنَاهُ مَعْرُوفٌ فِي السُّنَنِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ يَعْلَمُهُ فَكَتَمَهُ أَلْجَمَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِلِجَامِ مِنْ نَارٍ} وَمَا يَرْوُونَهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {إذَا وَصَلْتُمْ إلَى مَا شَجَرَ بَيْنَ أَصْحَابِي فَأَمْسِكُوا وَإِذَا وَصَلْتُمْ إلَى الْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ فَأَمْسِكُوا} هَذَا مَأْثُورٌ بِأَسَانِيدَ مُنْقَطِعَةٍ. وَمَا يَرْوُونَهُ عَنْ {النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ لِسَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ - وَهُوَ يَأْكُلُ الْعِنَبَ - دَوٍ دَوٍ يَعْنِي: عِنَبَتَيْنِ عِنَبَتَيْنِ} هَذَا لَيْسَ مِنْ كَلَامِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ بَاطِلٌ. وَمَا يَرْوُونَهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {مَنْ زَنَى بِامْرَأَةٍ فَجَاءَتْ مِنْهُ بِبِنْتٍ فَلِلزَّانِي أَنْ يَتَزَوَّجَ بِابْنَتِهِ مِنْ الزِّنَا} هَذَا يَقُولُهُ مَنْ لَيْسَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَبَعْضُهُمْ يَنْقُلُهُ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَمِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ مَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ عَنْهُ وَقَالَ: إنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ بِتَحْلِيلِ ذَلِكَ وَلَكِنْ صَرَّحَ بِحِلِّ ذَلِكَ مِنْ الرَّضَاعَةِ إذَا رَضَعَ مِنْ لَبَنِ الْمَرْأَةِ الْحَامِلِ مِنْ الزِّنَا. وَعَامَّةُ الْعُلَمَاءِ كَأَحْمَدَ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَغَيْرِهِمَا مُتَّفِقُونَ عَلَى تَحْرِيمِ ذَلِكَ وَهَذَا أَظْهَرُ الْقَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ.
(18/127)

وَمَا يَرْوُونَهُ: {أَحَقُّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أُجْرَةً كِتَابُ اللَّهِ} نَعَمْ ثَبَتَ ذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ: {أَحَقُّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أُجْرَةً كِتَابُ اللَّهِ} لَكِنَّهُ فِي حَدِيثِ الرُّقْيَةِ وَكَانَ الْجُعْلُ عَلَى عَافِيَةِ مَرِيضِ الْقَوْمِ لَا عَلَى التِّلَاوَةِ. وَهَلْ يَحْرُمُ اتِّخَاذُ أَبْرَاجِ الْحَمَامِ إذَا طَارَتْ مِنْ الْأَبْرَاجِ تَحُطُّ عَلَى زِرَاعَاتِ النَّاسِ وَتَأْكُلُ الْحَبَّ. فَهَلْ يَحْرُمُ اتِّخَاذُ أَبْرَاجِ الْحَمَامِ فِي الْقُرَى وَالْبُلْدَانِ لِهَذَا السَّبَبِ؟ نَعَمْ إذَا كَانَ يَضُرُّ بِالنَّاسِ مُنِعَ مِنْهُ. وَمَا يَرْوُونَهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {مَنْ ظَلَمَ ذِمِّيًّا كَانَ اللَّهُ خَصْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَوْ كُنْت خَصْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} هَذَا ضَعِيفٌ لَكِنْ الْمَعْرُوفُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: {مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا بِغَيْرِ حَقٍّ لَمْ يُرِحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ} . وَمَا يَرْوُونَهُ عَنْهُ: {مَنْ أَسْرَجَ سِرَاجًا فِي مَسْجِدٍ لَمْ تَزَلْ الْمَلَائِكَةُ وَحَمَلَةُ الْعَرْشِ تَسْتَغْفِرُ لَهُ مَا دَامَ فِي الْمَسْجِدِ ضَوْءُ ذَلِكَ السِّرَاجِ} هَذَا لَا أَعْرِفُ لَهُ إسْنَادًا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
(18/128)

وَسُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ:
عَنْ {قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا يَرْوِي عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ: وَمَا تَرَدَّدْت عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ قَبْضِ نَفْسِ عَبْدِي الْمُؤْمِنِ يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَكْرَهُ مُسَاءَتَهُ} " مَا مَعْنَى تَرَدُّدِ اللَّهِ؟
فَأَجَابَ: هَذَا حَدِيثٌ شَرِيفٌ قَدْ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَهُوَ أَشْرَفُ حَدِيثٍ رُوِيَ فِي صِفَةِ الْأَوْلِيَاءِ وَقَدْ رَدَّ هَذَا الْكَلَامَ طَائِفَةٌ وَقَالُوا: إنَّ اللَّهَ لَا يُوصَفُ بِالتَّرَدُّدِ وَإِنَّمَا يَتَرَدَّدُ مَنْ لَا يَعْلَمُ عَوَاقِبَ الْأُمُورِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالْعَوَاقِبِ. وَرُبَّمَا قَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ اللَّهَ يُعَامَلُ مُعَامَلَةَ الْمُتَرَدِّدِ. وَالتَّحْقِيقُ: أَنَّ كَلَامَ رَسُولِهِ حَقٌّ وَلَيْسَ أَحَدٌ أَعْلَمَ بِاَللَّهِ مِنْ رَسُولِهِ وَلَا أَنْصَحَ لِلْأُمَّةِ مِنْهُ وَلَا أَفْصَحَ وَلَا أَحْسَنَ بَيَانًا مِنْهُ فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ الْمُتَحَذْلِقُ وَالْمُنْكِرُ عَلَيْهِ مِنْ أَضَلِّ النَّاسِ؛ وَأَجْهَلِهِمْ وَأَسْوَئِهِمْ أَدَبًا بَلْ يَجِبُ تَأْدِيبُهُ وَتَعْزِيرُهُ وَيَجِبُ أَنْ يُصَانَ كَلَامُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
(18/129)

عَنْ الظُّنُونِ الْبَاطِلَةِ؛ وَالِاعْتِقَادَاتِ الْفَاسِدَةِ وَلَكِنَّ الْمُتَرَدِّدَ مِنَّا وَإِنْ كَانَ تَرَدُّدُهُ فِي الْأَمْرِ لِأَجْلِ كَوْنِهِ مَا يَعْلَمُ عَاقِبَةَ الْأُمُورِ لَا يَكُونُ مَا وَصَفَ اللَّهُ بِهِ نَفْسَهُ بِمَنْزِلَةِ مَا يُوصَفُ بِهِ الْوَاحِدُ مِنَّا فَإِنَّ اللَّهَ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ لَا فِي ذَاتِهِ وَلَا فِي صِفَاتِهِ وَلَا فِي أَفْعَالِهِ ثُمَّ هَذَا بَاطِلٌ؛ فَإِنَّ الْوَاحِدَ مِنَّا يَتَرَدَّدُ تَارَةً لِعَدَمِ الْعِلْمِ بِالْعَوَاقِبِ وَتَارَةً لِمَا فِي الْفِعْلَيْنِ مِنْ الْمَصَالِحِ وَالْمَفَاسِدِ فَيُرِيدُ الْفِعْلَ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَصْلَحَةِ وَيَكْرَهُهُ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَفْسَدَةِ لَا لِجَهْلِهِ مِنْهُ بِالشَّيْءِ الْوَاحِدِ الَّذِي يُحِبُّ مِنْ وَجْهٍ وَيَكْرَهُ مِنْ وَجْهٍ كَمَا قِيلَ: الشَّيْبُ كُرْهٌ وَكُرْهٌ أَنْ أُفَارِقَهُ فَاعْجَبْ لِشَيْءِ عَلَى الْبَغْضَاءِ مَحْبُوبُ وَهَذَا مِثْلُ إرَادَةِ الْمَرِيضِ لِدَوَائِهِ الْكَرِيهِ بَلْ جَمِيعُ مَا يُرِيدُهُ الْعَبْدُ مِنْ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ الَّتِي تَكْرَهُهَا النَّفْسُ هُوَ مِنْ هَذَا الْبَابِ وَفِي الصَّحِيحِ {حُفَّتْ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ وَحُفَّتْ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ} وَقَالَ تَعَالَى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ} الْآيَةَ. وَمِنْ هَذَا الْبَابِ يَظْهَرُ مَعْنَى التَّرَدُّدِ الْمَذْكُورِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَإِنَّهُ قَالَ: {لَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ} . فَإِنَّ الْعَبْدَ الَّذِي هَذَا حَالُهُ صَارَ مَحْبُوبًا لِلْحَقِّ مُحِبًّا لَهُ يَتَقَرَّبُ إلَيْهِ أَوَّلًا بِالْفَرَائِضِ وَهُوَ
(18/130)

يُحِبُّهَا ثُمَّ اجْتَهَدَ فِي النَّوَافِلِ الَّتِي يُحِبُّهَا وَيُحِبُّ فَاعِلَهَا فَأَتَى بِكُلِّ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنْ مَحْبُوبِ الْحَقِّ؛ فَأَحَبَّهُ الْحَقُّ لِفِعْلِ مَحْبُوبِهِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ بِقَصْدِ اتِّفَاقِ الْإِرَادَةِ بِحَيْثُ يُحِبُّ مَا يُحِبُّهُ مَحْبُوبُهُ وَيَكْرَهُ مَا يَكْرَهُهُ مَحْبُوبُهُ وَالرَّبُّ يَكْرَهُ أَنْ يَسُوءَ عَبْدَهُ وَمَحْبُوبَهُ فَلَزِمَ مِنْ هَذَا أَنْ يَكْرَهَ الْمَوْتَ لِيَزْدَادَ مِنْ محاب مَحْبُوبِهِ. وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قَدْ قَضَى بِالْمَوْتِ فَكُلُّ مَا قَضَى بِهِ فَهُوَ يُرِيدُهُ وَلَا بُدَّ مِنْهُ فَالرَّبُّ مُرِيدٌ لِمَوْتِهِ لِمَا سَبَقَ بِهِ قَضَاؤُهُ وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ كَارِهٌ لِمُسَاءَةِ عَبْدِهِ؛ وَهِيَ الْمُسَاءَةُ الَّتِي تَحْصُلُ لَهُ بِالْمَوْتِ فَصَارَ الْمَوْتُ مُرَادًا لِلْحَقِّ مِنْ وَجْهٍ مَكْرُوهًا لَهُ مِنْ وَجْهٍ وَهَذَا حَقِيقَةُ التَّرَدُّدِ وَهُوَ: أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ الْوَاحِدُ مُرَادًا مِنْ وَجْهٍ مَكْرُوهًا مِنْ وَجْهٍ وَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ مِنْ تَرَجُّحِ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ كَمَا تَرَجَّحَ إرَادَةُ الْمَوْتِ؛ لَكِنْ مَعَ وُجُودِ كَرَاهَةِ مُسَاءَةِ عَبْدِهِ وَلَيْسَ إرَادَتُهُ لِمَوْتِ الْمُؤْمِنِ الَّذِي يُحِبُّهُ وَيَكْرَهُ مُسَاءَتَهُ كَإِرَادَتِهِ لِمَوْتِ الْكَافِرِ الَّذِي يُبْغِضُهُ وَيُرِيدُ مُسَاءَتَهُ. ثُمَّ قَالَ بَعْدَ كَلَامٍ سَبَقَ ذِكْرَهُ: وَمِنْ هَذَا الْبَابِ مَا يَقَعُ فِي الْوُجُودِ مِنْ الْكُفْرِ وَالْفُسُوقِ وَالْعِصْيَانِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَبْغَضُ ذَلِكَ وَيَسْخَطُهُ وَيَكْرَهُهُ وَيَنْهَى عَنْهُ وَهُوَ سُبْحَانَهُ قَدْ قَدَّرَهُ وَقَضَاهُ وَشَاءَهُ بِإِرَادَتِهِ الْكَوْنِيَّةِ وَإِنْ لَمْ يُرِدْهُ بِإِرَادَةِ دِينِيَّةٍ هَذَا هُوَ فَصْلُ الْخِطَابِ فِيمَا تَنَازَعَ فِيهِ النَّاسُ: مِنْ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ هَلْ يَأْمُرُ بِمَا لَا يُرِيدُهُ.
(18/131)

فَالْمَشْهُورُ عِنْدَ مُتَكَلِّمَةِ أَهْلِ الْإِثْبَاتِ وَمَنْ وَافَقَهُمْ مِنْ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ يَأْمُرُ بِمَا لَا يُرِيدُهُ وَقَالَتْ الْقَدَرِيَّةُ وَالْمُعْتَزِلَةُ وَغَيْرُهُمْ: إنَّهُ لَا يَأْمُرُ إلَّا بِمَا يُرِيدُهُ. وَالتَّحْقِيقُ: أَنَّ الْإِرَادَةَ فِي كِتَابِ اللَّهِ نَوْعَانِ: إرَادَةٌ دِينِيَّةٌ شَرْعِيَّةٌ وَإِرَادَةٌ كَوْنِيَّةٌ قَدَرِيَّةٌ: فَالْأَوَّلُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} وقَوْله تَعَالَى {وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ} وقَوْله تَعَالَى {يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} إلَى قَوْلِهِ: {وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ} فَإِنَّ الْإِرَادَةَ هُنَا بِمَعْنَى الْمَحَبَّةِ وَالرِّضَى وَهِيَ الْإِرَادَةُ الدِّينِيَّةُ. وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إلَّا لِيَعْبُدُونِ} . وَأَمَّا الْإِرَادَةُ الْكَوْنِيَّةُ الْقَدَرِيَّةُ فَمِثْلُ قَوْله تَعَالَى {فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ} وَمِثْلُ قَوْلِ الْمُسْلِمِينَ: مَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ. فَجَمِيعُ الْكَائِنَاتِ دَاخِلَةٌ فِي هَذِهِ الْإِرَادَةِ وَالْمَشِيئَةِ لَا يَخْرُجُ عَنْهَا خَيْرٌ وَلَا شَرٌّ وَلَا عُرْفٌ وَلَا نُكْرٌ وَهَذِهِ الْإِرَادَةُ وَالْمَشِيئَةُ تَتَنَاوَلُ مَا لَا يَتَنَاوَلُهُ الْأَمْرُ الشَّرْعِيُّ وَأَمَّا الْإِرَادَةُ الدِّينِيَّةُ فَهِيَ مُطَابِقَةٌ لِلْأَمْرِ الشَّرْعِيِّ لَا يَخْتَلِفَانِ وَهَذَا التَّقْسِيمُ الْوَارِدُ فِي اسْمِ الْإِرَادَةِ يُرَدُّ مِثْلُهُ فِي اسْمِ الْأَمْرِ وَالْكَلِمَاتِ؛ وَالْحُكْمِ
(18/132)

وَالْقَضَاءِ وَالْكِتَابِ وَالْبَعْثِ وَالْإِرْسَالِ وَنَحْوِهِ؛ فَإِنَّ هَذَا كُلَّهُ يَنْقَسِمُ إلَى كَوْنِيٍّ قَدَرِيٍّ وَإِلَى دِينِيٍّ شَرْعِيٍّ. وَالْكَلِمَاتُ الْكَوْنِيَّةُ هِيَ: الَّتِي لَا يَخْرُجُ عَنْهَا بَرٌّ وَلَا فَاجِرٌ وَهِيَ الَّتِي اسْتَعَانَ بِهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ: {أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ الَّتِي لَا يُجَاوِزُهُنَّ بَرٌّ وَلَا فَاجِرٌ} قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {إنَّمَا أَمْرُهُ إذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} . وَأَمَّا الدِّينِيَّةُ فَهِيَ: الْكُتُبُ الْمُنَزَّلَةُ الَّتِي قَالَ فِيهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} وَقَالَ تَعَالَى: {وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ} . وَكَذَلِكَ الْأَمْرُ الدِّينِيُّ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إلَى أَهْلِهَا} وَالْكَوْنِيَّةُ: {إنَّمَا أَمْرُهُ إذَا أَرَادَ شَيْئًا} . وَالْبَعْثُ الدِّينِيُّ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ} وَالْبَعْثُ الْكَوْنِيُّ: {بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا} وَالْإِرْسَالُ الدِّينِيُّ كَقَوْلِهِ: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ} . وَالْكَوْنِيُّ: {أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا} .
(18/133)

وَهَذَا مَبْسُوطٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ. فَمَا يَقَعُ فِي الْوُجُودِ مِنْ الْمُنْكَرَاتِ هِيَ مُرَادَةٌ لِلَّهِ إرَادَةً كَوْنِيَّةً دَاخِلَةً فِي كَلِمَاتِهِ الَّتِي لَا يُجَاوِزُهُنَّ بَرٌّ وَلَا فَاجِرٌ وَهُوَ سُبْحَانَهُ مَعَ ذَلِكَ لَمْ يُرِدْهَا إرَادَةً دِينِيَّةً وَلَا هِيَ مُوَافِقَةٌ لِكَلِمَاتِهِ الدِّينِيَّةِ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَلَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ فَصَارَتْ لَهُ مِنْ وَجْهٍ مَكْرُوهَةً. وَلَكِنَّ هَذِهِ لَيْسَتْ بِمَنْزِلَةِ قَبْضِ الْمُؤْمِنِ فَإِنَّ ذَلِكَ يَكْرَهُهُ؛ وَالْكَرَاهَةُ مُسَاءَةُ الْمُؤْمِنِ وَهُوَ يُرِيدُهُ لِمَا سَبَقَ فِي قَضَائِهِ لَهُ بِالْمَوْتِ فَلَا بُدَّ مِنْهُ وَإِرَادَتُهُ لِعَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ خَيْرٌ لَهُ وَرَحْمَةٌ بِهِ؛ فَإِنَّهُ قَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ: {أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَقْضِي لِلْمُؤْمِنِ قَضَاءً إلَّا كَانَ خَيْرًا لَهُ إنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ} . وَأَمَّا الْمُنْكَرَاتُ فَإِنَّهُ يُبْغِضُهَا وَيَكْرَهُهَا؛ فَلَيْسَ لَهَا عَاقِبَةٌ مَحْمُودَةٌ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ إلَّا أَنْ يَتُوبُوا مِنْهَا فَيُرْحَمُوا بِالتَّوْبَةِ وَإِنْ كَانَتْ التَّوْبَةُ لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ مَسْبُوقَةً بِمَعْصِيَةِ؛ وَلِهَذَا يُجَابُ عَنْ قَضَاءِ الْمَعَاصِي عَلَى الْمُؤْمِنِ بِجَوَابَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ لَمْ يَتَنَاوَلْهَا وَإِنَّمَا تَنَاوَلَ الْمَصَائِبَ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ إذَا تَابَ مِنْهَا كَانَ مَا تَعْقُبُهُ التَّوْبَةُ خَيْرًا فَإِنَّ التَّوْبَةَ حَسَنَةٌ وَهِيَ مِنْ أَحَبِّ الْحَسَنَاتِ إلَى اللَّهِ وَاَللَّهُ يَفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ إذَا تَابَ إلَيْهِ أَشَدُّ مَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنْ الْفَرَحِ وَأَمَّا الْمَعَاصِي الَّتِي لَا يُتَابَا مِنْهَا فَهِيَ شَرٌّ. عَلَى صَاحِبِهَا وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ قَدَّرَ كُلَّ شَيْءٍ وَقَضَاهُ؛ لِمَا لَهُ فِي ذَلِكَ مِنْ
(18/134)

الْحِكْمَةِ كَمَا قَالَ: {صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ} وَقَالَ تَعَالَى: {الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ} فَمَا مِنْ مَخْلُوقٍ إلَّا وَلِلَّهِ فِيهِ حِكْمَةٌ. وَلَكِنَّ هَذَا بَحْرٌ وَاسِعٌ قَدْ بَسَطْنَاهُ فِي مَوَاضِعَ وَالْمَقْصُودُ هُنَا: التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّ الشَّيْءَ. الْمُعَيَّنَ يَكُونُ مَحْبُوبًا مِنْ وَجْهٍ مَكْرُوهًا مِنْ وَجْهٍ وَأَنَّ هَذَا حَقِيقَةُ التَّرَدُّدِ وَكَمَا أَنَّ هَذَا فِي الْأَفْعَالِ فَهُوَ فِي الْأَشْخَاصِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(18/135)

سُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ:
عَنْ مَعْنَى حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا يُرْوَى عَنْ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ قَالَ: " {يَا عِبَادِي إنِّي حَرَّمْت الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْته بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تظالموا يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ إلَّا مَنْ هَدَيْته فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ جَائِعٌ إلَّا مَنْ أَطْعَمْته فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ عَارٍ إلَّا مَنْ كَسَوْته فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ يَا عِبَادِي إنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ يَا عِبَادِي إنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضُرِّي فَتَضُرُّونِي وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا يَا عِبَادِي: لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْت كُلَّ إنْسَانٍ مِنْهُمْ مَسْأَلَتَهُ؛ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمَخِيطُ إذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ يَا عِبَادِي إنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ
(18/136)

إيَّاهَا فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدْ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَن إلَّا نَفْسَهُ} .
فَأَجَابَ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ، أَمَّا قَوْله تَعَالَى " {يَا عِبَادِي إنِّي حَرَّمْت الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي} " فَفِيهِ مَسْأَلَتَانِ كَبِيرَتَانِ كُلٌّ مِنْهُمَا ذَاتُ شُعَبٍ وَفُرُوعٍ: (إحْدَاهُمَا: فِي الظُّلْمِ الَّذِي حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى نَفْسِهِ وَنَفَاهُ عَنْ نَفْسِهِ بِقَوْلِهِ: {وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ} وَقَوْلِهِ: {وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} وَقَوْلِهِ: {وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} وَقَوْلِهِ: {إنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا} وَقَوْلِهِ: {قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا} . وَنَفَى إرَادَتَهُ بِقَوْلِهِ: {وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ} وَقَوْلِهِ: {وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ} . وَنَفَى خَوْفَ الْعِبَادِ لَهُ بِقَوْلِهِ: {وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا} فَإِنَّ النَّاسَ تَنَازَعُوا فِي مَعْنَى هَذَا الظُّلْمِ تَنَازُعًا صَارُوا فِيهِ بَيْنَ طَرَفَيْنِ مُتَبَاعِدَيْنِ وَوَسَطٍ بَيْنَهُمَا وَخِيَارُ الْأُمُورِ أَوْسَاطُهَا وَذَلِكَ بِسَبَبِ الْبَحْثِ فِي الْقَدَرِ وَمُجَامَعَتِهِ لِلشَّرْعِ؛ إذْ الْخَوْضُ فِي ذَلِكَ بِغَيْرِ عِلْمٍ تَامٍّ أَوْجَبَ ضَلَالَ عَامَّةِ الْأُمَمِ وَلِهَذَا نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصْحَابَهُ عَنْ التَّنَازُعِ فِيهِ.
(18/137)

فَذَهَبَ الْمُكَذِّبُونَ بِالْقَدَرِ الْقَائِلُونَ: بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَخْلُقْ أَفْعَالَ الْعِبَادِ وَلَمْ يُرِدْ أَنْ يَكُونَ إلَّا مَا أَمَرَ بِأَنْ يَكُونَ. وَغُلَاتُهُمْ الْمُكَذِّبُونَ بِتَقَدُّمِ عِلْمِ اللَّهِ وَكِتَابِهِ بِمَا سَيَكُونُ مِنْ أَفْعَالِ الْعِبَادِ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ إلَى أَنَّ الظُّلْمَ مِنْهُ هُوَ نَظِيرُ الظُّلْمِ مِنْ الْآدَمِيِّينَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضِ وَشَبَّهُوهُ وَمَثَّلُوهُ فِي الْأَفْعَالِ بِأَفْعَالِ الْعِبَادِ حَتَّى كَانُوا هُمْ مُمَثِّلَةَ الْأَفْعَالِ وَضَرَبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ وَلَمْ يَجْعَلُوا لَهُ الْمَثَلَ الْأَعْلَى بَلْ أَوْجَبُوا عَلَيْهِ وَحَرَّمُوا مَا رَأَوْا أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْعِبَادِ وَيَحْرُمُ بِقِيَاسِهِ عَلَى الْعِبَادِ وَإِثْبَاتِ الْحُكْمِ فِي الْأَصْلِ بِالرَّأْيِ وَقَالُوا عَنْ هَذَا: إذَا أَمَرَ الْعَبْدَ وَلَمْ يَعْنِهِ بِجَمِيعِ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنْ وُجُوهِ الْإِعَانَةِ كَانَ ظَالِمًا لَهُ وَالْتَزَمُوا أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَهْدِيَ ضَالًّا كَمَا قَالُوا: إنَّهُ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَضِلَّ مُهْتَدِيًا وَقَالُوا مِنْ هَذَا: إذَا أَمَرَ اثْنَيْنِ بِأَمْرِ وَاحِدٍ وَخَصَّ أَحَدَهُمَا بِإِعَانَتِهِ عَلَى فِعْلِ الْمَأْمُورِ كَانَ ظَالِمًا إلَى أَمْثَالِ ذَلِكَ مِنْ الْأُمُورِ الَّتِي هِيَ مِنْ بَابِ الْفَضْلِ وَالْإِحْسَانِ جَعَلُوا تَرْكَهُ لَهَا ظُلْمًا. وَكَذَلِكَ ظَنُّوا أَنَّ التَّعْذِيبَ لِمَنْ كَانَ فِعْلُهُ مُقَدَّرًا ظُلْمٌ لَهُ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ التَّعْذِيبِ لِمَنْ قَامَ بِهِ سَبَبُ اسْتِحْقَاقِ ذَلِكَ وَمَنْ لَمْ يَقُمْ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الِاسْتِحْقَاقُ خَلَقَهُ لِحِكْمَةِ أُخْرَى عَامَّةٍ أَوْ خَاصَّةٍ. وَهَذَا الْمَوْضِعُ زَلَّتْ فِيهِ أَقْدَامٌ وَضَلَّتْ فِيهِ أَفْهَامٌ فَعَارَضَ هَؤُلَاءِ آخَرُونَ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ الْمُثْبِتِينَ لِلْقَدَرِ فَقَالُوا: لَيْسَ لِلظُّلْمِ مِنْهُ حَقِيقَةٌ
(18/138)

يُمْكِنُ وُجُودُهَا بَلْ هُوَ مِنْ الْأُمُورِ الْمُمْتَنِعَةِ لِذَاتِهَا فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَقْدُورًا وَلَا أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ هُوَ تَارِكٌ لَهُ بِاخْتِيَارِهِ وَمَشِيئَتِهِ وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ بَابِ الْجَمْعِ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ وَجَعْلِ الْجِسْمِ الْوَاحِدِ فِي مَكَانَيْنِ وَقَلْبِ الْقَدِيمِ مُحْدَثًا وَالْمُحْدَثِ قَدِيمًا وَإِلَّا فَمَهْمَا قُدِّرَ فِي الذِّهْنِ وَكَانَ وُجُودُهُ مُمْكِنًا وَاَللَّهُ قَادِرٌ عَلَيْهِ فَلَيْسَ بِظُلْمِ مِنْهُ؛ سَوَاءٌ فَعَلَهُ أَوْ لَمْ يَفْعَلْهُ. وَتَلَقَّى هَذَا الْقَوْلَ عَنْ هَؤُلَاءِ طَوَائِفُ مِنْ أَهْلِ الْإِثْبَاتِ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَأَهْلِ الْحَدِيثِ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد وَغَيْرِهِمْ وَمِنْ شُرَّاحِ الْحَدِيثِ وَنَحْوِهِمْ وَفَسَّرُوا هَذَا الْحَدِيثَ بِمَا يَنْبَنِي عَلَى هَذَا الْقَوْلِ وَرُبَّمَا تَعَلَّقُوا بِظَاهِرِ مِنْ أَقْوَالٍ مَأْثُورَةٍ كَمَا رَوَيْنَا عَنْ إيَاسِ بْنِ مُعَاوِيَةَ أَنَّهُ قَالَ: مَا نَاظَرْت بِعَقْلِي كُلِّهِ أَحَدًا إلَّا الْقَدَرِيَّةُ قُلْت لَهُمْ: مَا الظُّلْمُ؟ قَالُوا: أَنْ تَأْخُذَ مَا لَيْسَ لَك أَوْ أَنْ تَتَصَرَّفَ فِيمَا لَيْسَ لَك. قُلْت: فَلِلَّهِ كُلُّ شَيْءٍ. وَلَيْسَ هَذَا مِنْ إيَاسٍ إلَّا لِيُبَيِّنَ أَنَّ التَّصَرُّفَاتِ الْوَاقِعَةَ هِيَ فِي مِلْكِهِ فَلَا يَكُونُ ظُلْمًا بِمُوجِبِ حَدِّهِمْ وَهَذَا مِمَّا لَا نِزَاعَ بَيْنَ أَهْلِ الْإِثْبَاتِ فِيهِ؛ فَإِنَّهُمْ مُتَّفِقُونَ مَعَ أَهْلِ الْإِيمَانِ بِالْقَدَرِ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَا فَعَلَهُ اللَّهُ فَهُوَ عَدْلٌ. وَفِي حَدِيثِ الْكُرَبِ الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " {مَا أَصَابَ عَبْدًا قَطُّ هَمٌّ وَلَا حُزْنٌ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إنِّي عَبْدُك ابْنُ عَبْدِك ابْنُ أُمَّتِك نَاصِيَتِي بِيَدِك
(18/139)

مَاضٍ فِيَّ حُكْمُك عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُك أَسْأَلُك بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَك سَمَّيْت بِهِ نَفْسَك أَوْ أَنْزَلْته فِي كِتَابِك أَوْ عَلَّمْته أَحَدًا مِنْ خَلْقِك أَوْ اسْتَأْثَرْت بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَك أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي وَنُورَ صَدْرِي وَجَلَاءَ حُزْنِي وَذَهَابَ هَمِّي وَغَمِّي إلَّا أَذْهَبَ اللَّهُ هَمَّهُ وَغَمَّهُ وَأَبْدَلَهُ مَكَانَهُ فَرَحًا. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلَا نَتَعَلَّمُهُنَّ؟ قَالَ: بَلَى يَنْبَغِي لِمَنْ سَمِعَهُنَّ أَنْ يَتَعَلَّمَهُنَّ} " فَقَدْ بَيَّنَ أَنَّ كُلَّ قَضَائِهِ فِي عَبْدِهِ عَدْلٌ؛ وَلِهَذَا يُقَالُ: كُلُّ نِعْمَةٍ مِنْهُ فَضْلٌ وَكُلُّ نِقْمَةِ مِنْهُ عَدْلٌ. وَيُقَالُ: أَطَعْتُك بِفَضْلِك وَالْمِنَّةُ لَك وَعَصَيْتُك بِعِلْمِك - أَوْ بِعَدْلِك - وَالْحُجَّةُ لَك فَأَسْأَلُك بِوُجُوبِ حُجَّتِك عَلَيَّ وَانْقِطَاعِ حُجَّتِي إلَّا مَا غَفَرْت لِي. وَهَذِهِ الْمُنَاظَرَةُ مِنْ إيَاسٍ كَمَا قَالَ رَبِيعَةُ بْنُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ لِغَيْلَان حِينَ قَالَ لَهُ غَيْلَانُ: نَشَدْتُك اللَّهَ أَتَرَى اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ يُعْصَى؟ فَقَالَ: نَشَدْتُك اللَّهَ أَتَرَى اللَّهَ يُعْصَى قَسْرًا؟ يَعْنِي: قَهْرًا. فَكَأَنَّمَا أَلْقَمَهُ حَجَرًا؛ فَإِنَّ قَوْلَهُ: يُحِبُّ أَنْ يُعْصَى لَفْظٌ فِيهِ إجْمَالٌ وَقَدْ لَا يَتَأَتَّى فِي الْمُنَاظَرَةِ تَفْسِيرُ الْمُجْمَلَاتِ خَوْفًا مِنْ لَدَدِ الْخَصْمِ فَيُؤْتَى بِالْوَاضِحَاتِ فَقَالَ: أَفَتَرَاهُ يُعْصَى قَسْرًا؟ فَإِنَّ هَذَا إلْزَامٌ لَهُ بِالْعَجْزِ الَّذِي هُوَ لَازِمٌ لِلْقَدَرِيَّةِ وَلِمَنْ هُوَ شَرٌّ مِنْهُمْ مِنْ الدَّهْرِيَّةِ الْفَلَاسِفَةِ وَغَيْرِهِمْ. وَكَذَلِكَ إيَاسُ رَأَى أَنَّ هَذَا الْجَوَابَ الْمُطَابِقَ لِحَدِّهِمْ خَاصِمٌ لَهُمْ وَلَمْ يَدْخُلْ مَعَهُمْ فِي التَّفْصِيلِ الَّذِي يَطُولُ.
(18/140)

وَبِالْجُمْلَةِ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا} قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ مِنْ السَّلَفِ: لَا يَخَافُ أَنْ يُظْلَمَ فَيُحْمَلَ عَلَيْهِ سَيِّئَاتُ غَيْرِهِ وَلَا يُهْضَمَ فَيُنْقَصَ مِنْ حَسَنَاتِهِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الظُّلْمُ هُوَ شَيْءٌ مُمْتَنِعٌ غَيْرُ مَقْدُورٍ عَلَيْهِ فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ لَا يَخَافُ مَا هُوَ مُمْتَنِعٌ لِذَاتِهِ خَارِجٌ عَنْ الْمُمْكِنَاتِ وَالْمَقْدُورَاتِ؛ فَإِنَّ مِثْلَ هَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ وُجُودُهُ مُمْكِنًا حَتَّى يَقُولُوا: أَنَّهُ غَيْرُ مَقْدُورٍ وَلَوْ أَرَادَهُ كَخَلْقِ الْمِثْلِ لَهُ فَكَيْفَ يُعْقَلُ وُجُودُهُ؟ فَضْلًا أَنْ يُتَصَوَّرَ خَوْفُهُ حَتَّى يَنْفِيَ خَوْفَهُ ثُمَّ أَيُّ فَائِدَةٍ فِي نَفْيِ خَوْفِ هَذَا؟ وَقَدْ عُلِمَ مِنْ سِيَاقِ الْكَلَامِ أَنَّ الْمَقْصُودَ بَيَانُ أَنَّ هَذَا الْعَامِلَ الْمُحْسِنَ لَا يُجْزَى عَلَى إحْسَانِهِ بِالظُّلْمِ وَالْهَضْمِ. فَعُلِمَ أَنَّ الظُّلْمَ وَالْهَضْمَ الْمَنْفِيَّ يَتَعَلَّقُ بِالْجَزَاءِ كَمَا ذَكَرَهُ أَهْلُ التَّفْسِيرِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَجْزِيهِ إلَّا بِعَمَلِهِ؛ وَلِهَذَا كَانَ الصَّوَابُ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ النُّصُوصُ: أَنَّ اللَّهَ لَا يُعَذِّبُ فِي الْآخِرَةِ إلَّا مَنْ أَذْنَبَ؛ كَمَا قَالَ: {لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ} فَلَوْ دَخَلَهَا أَحَدٌ مِنْ غَيْرِ أَتْبَاعِهِ لَمْ تَمْتَلِئْ مِنْهُمْ؛ وَلِهَذَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ فِي حَدِيثِ تَحَاجِّ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَنَسٍ: " {إنَّ النَّارَ لَا تَمْتَلِئُ مِمَّنْ كَانَ أُلْقِيَ فِيهَا حَتَّى يَنْزَوِيَ بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ وَتَقُولَ قَطْ قَطْ بَعْدَ قَوْلِهَا: {هَلْ مِنْ مَزِيدٍ} وَأَمَّا الْجَنَّةُ فَيَبْقَى فِيهَا فَضْلٌ عَمَّنْ يَدْخُلُهَا مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا فَيُنْشِئُ اللَّهُ لَهَا خَلْقًا آخَرَ} ".
(18/141)

وَلِهَذَا كَانَ الصَّوَابُ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَئِمَّةُ فِيمَنْ لَمْ يُكَلَّفْ فِي الدُّنْيَا مِنْ أَطْفَالِ الْمُشْرِكِينَ وَنَحْوِهِمْ مَا صَحَّ بِهِ الْحَدِيثُ وَهُوَ: أَنَّ اللَّه أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ فَلَا نَحْكُمُ لِكُلِّ مِنْهُمْ بِالْجَنَّةِ وَلَا لِكُلِّ مِنْهُمْ بِالنَّارِ بَلْ هُمْ يَنْقَسِمُونَ بِحَسَبِ مَا يَظْهَرُ مِنْ الْعِلْمِ إذَا كُلِّفُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي الْعَرَصَاتِ كَمَا جَاءَتْ بِذَلِكَ الْآثَارُ. وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} يَدُلُّ الْكَلَامُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَظْلِمُ مُحْسِنًا فَيُنْقِصُهُ مِنْ إحْسَانِهِ أَوْ يَجْعَلُهُ لِغَيْرِهِ وَلَا يَظْلِمُ مُسِيئًا فَيَجْعَلُ عَلَيْهِ سَيِّئَاتِ غَيْرِهِ بَلْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ. وَهَذَا كَقَوْلِهِ: {أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى} {وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى} {أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إلَّا مَا سَعَى} فَأَخْبَرَ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى أَحَدٍ مِنْ وِزْرِ غَيْرِهِ شَيْءٌ وَأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ إلَّا مَا سَعَاهُ وَكِلَا الْقَوْلَيْنِ حَقٌّ عَلَى ظَاهِرِهِ وَإِنْ ظَنَّ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ تَعْذِيبَ الْمَيِّتِ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ يُنَافِي الْأَوَّلَ فَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ إذْ ذَلِكَ النَّائِحُ يُعَذَّبُ بِنَوْحِهِ لَا يُحَمَّلُ الْمَيِّتُ وِزْرَهُ وَلَكِنَّ الْمَيِّتَ يَنَالُهُ أَلَمٌ مِنْ فِعْلِ هَذَا كَمَا يَتَأَلَّمُ الْإِنْسَانُ مِنْ أُمُورٍ خَارِجَةٍ عَنْ كَسْبِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ جَزَاءَ الْكَسْبِ. وَالْعَذَابُ أَعَمُّ مِنْ الْعِقَابِ كَمَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " {السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنْ الْعَذَابِ} ".
(18/142)

وَكَذَلِكَ ظَنَّ قَوْمٌ أَنَّ انْتِفَاعَ الْمَيِّتِ بِالْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةِ مِنْ الْحَيِّ يُنَافِي قَوْلَهُ: {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إلَّا مَا سَعَى} فَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ؛ فَإِنَّ انْتِفَاعَ الْمَيِّتِ بِالْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةِ مِنْ الْحَيِّ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْآيَةِ كَانْتِفَاعِهِ بِالْعِبَادَاتِ الْمَالِيَّةِ وَمَنْ ادَّعَى أَنَّ الْآيَةَ تُخَالِفُ أَحَدَهُمَا دُونَ الْآخَرِ فَقَوْلُهُ ظَاهِرُ الْفَسَادِ بَلْ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْآيَةِ كَانْتِفَاعِهِ بِالدُّعَاءِ وَالِاسْتِغْفَارِ وَالشَّفَاعَةِ وَقَدْ بَيَّنَّا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ نَحْوًا مِنْ ثَلَاثِينَ دَلِيلًا شَرْعِيًّا يُبَيِّنُ انْتِفَاعَ الْإِنْسَانِ بِسَعْيِ غَيْرِهِ؛ إذْ الْآيَةُ إنَّمَا نَفَتْ اسْتِحْقَاقَ السَّعْيِ وَمِلْكَهُ؛ وَلَيْسَ كُلُّ مَا لَا يَسْتَحِقُّهُ الْإِنْسَانُ وَلَا يَمْلِكُهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُحْسِنَ إلَيْهِ مَالِكُهُ وَمُسْتَحِقُّهُ بِمَا يَنْتَفِعُ بِهِ مِنْهُ فَهَذَا نَوْعٌ وَهَذَا نَوْعٌ وَكَذَلِكَ لَيْسَ كُلُّ مَا لَا يَمْلِكُهُ الْإِنْسَانُ لَا يَحْصُلُ لَهُ مِنْ جِهَتِهِ مَنْفَعَةٌ؛ فَإِنَّ هَذَا كَذِبٌ فِي الْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ. وَهَذِهِ النُّصُوصُ النَّافِيَةُ لِلظُّلْمِ تُثْبِتُ الْعَدْلَ فِي الْجَزَاءِ؛ وَأَنَّهُ لَا يُبْخَسُ عَامِلٌ عَمَلَهُ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ فِيمَنْ عَاقَبَهُمْ: {وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ} وَقَوْلُهُ {وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ} بَيَّنَ أَنَّ عِقَابَ الْمُجْرِمِينَ عَدْلًا لِذُنُوبِهِمْ لَا لِأَنَّا ظَلَمْنَاهُمْ فَعَاقَبْنَاهُمْ بِغَيْرِ ذَنْبٍ. وَالْحَدِيثُ الَّذِي فِي السُّنَنِ: " {لَوْ عَذَّبَ اللَّهُ أَهْلَ سَمَاوَاتِهِ وَأَهْلَ أَرْضِهِ لَعَذَّبَهُمْ وَهُوَ غَيْرُ ظَالِمٍ لَهُمْ وَلَوْ رَحِمَهُمْ لَكَانَتْ رَحْمَتُهُ لَهُمْ خَيْرًا مِنْ أَعْمَالِهِمْ} " يُبَيِّنُ أَنَّ الْعَذَابَ لَوْ وَقَعَ لَكَانَ لِاسْتِحْقَاقِهِمْ ذَلِكَ؛ لَا لِكَوْنِهِ بِغَيْرِ ذَنْبٍ وَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّ مِنْ
(18/143)

الظُّلْمِ الْمَنْفِيِّ عُقُوبَةَ مَنْ لَمْ يُذْنِبْ. وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى {وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ} {مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ} يُبَيِّنُ أَنَّ هَذَا الْعِقَابَ لَمْ يَكُنْ ظُلْمًا؛ لِاسْتِحْقَاقِهِمْ ذَلِكَ وَإِنَّ اللَّهَ لَا يُرِيدُ الظُّلْمَ؛ وَالْأَمْرُ الَّذِي لَا يُمْكِنُ الْقُدْرَةُ عَلَيْهِ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَمْدَحَ الْمَمْدُوحَ بِعَدَمِ إرَادَتِهِ وَإِنَّمَا يَكُونُ الْمَدْحُ بِتَرْكِ الْأَفْعَالِ إذَا كَانَ الْمَمْدُوحُ قَادِرًا عَلَيْهَا فَعَلِمَ أَنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى مَا نَزَّهَ نَفْسَهُ عَنْهُ مِنْ الظُّلْمِ وَأَنَّهُ لَا يَفْعَلُهُ وَبِذَلِكَ يَصِحُّ قَوْلُهُ: " {إنِّي حَرَّمْت الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي} " وَأَنَّ التَّحْرِيمَ هُوَ الْمَنْعُ وَهَذَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِيمَا هُوَ مُمْتَنِعٌ لِذَاتِهِ فَلَا يَصْلُحُ أَنْ يُقَالَ: حَرَّمْت عَلَى نَفْسِي أَوْ مَنَعْت نَفْسِي مِنْ خَلْقِ مِثْلِي؛ أَوْ جَعْلِ الْمَخْلُوقَاتِ خَالِقَةً؛ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ الْمُحَالَاتِ. وَأَكْثَرُ مَا يُقَالُ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ مَا يَكُونُ مَعْنَاهُ: إنِّي أَخْبَرْت عَنْ نَفْسِي بِأَنَّ مَا لَا يَكُونُ مَقْدُورًا لَا يَكُونُ مِنِّي. وَهَذَا الْمَعْنَى مِمَّا يَتَيَقَّنُ الْمُؤْمِنُ أَنَّهُ لَيْسَ مُرَادَ الرَّبِّ؛ وَأَنَّهُ يَجِبُ تَنْزِيهُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ عَنْ إرَادَة مِثْلِ هَذَا الْمَعْنَى الَّذِي لَا يَلِيقُ الْخِطَابُ بِمِثْلِهِ إذْ هُوَ مَعَ كَوْنِهِ شِبْهَ التَّكْرِيرِ وَإِيضَاحَ الْوَاضِحِ: لَيْسَ فِيهِ مَدْحٌ وَلَا ثَنَاءٌ وَلَا مَا يَسْتَفِيدُهُ الْمُسْتَمِعُ فَعُلِمَ أَنَّ الَّذِي حَرَّمَهُ عَلَى نَفْسِهِ هُوَ أَمْرٌ مَقْدُورٌ عَلَيْهِ لَكِنَّهُ لَا يَفْعَلُهُ؛ لِأَنَّهُ حَرَّمَهُ عَلَى نَفْسِهِ؛ وَهُوَ سُبْحَانَهُ مُنَزَّهٌ عَنْ فِعْلِهِ مُقَدَّسٌ عَنْهُ.
(18/144)

يُبَيِّنُ ذَلِكَ أَنَّ مَا قَالَهُ النَّاسُ فِي حُدُودِ الظُّلْمِ يَتَنَاوَلُ هَذَا دُونَ ذَلِكَ كَقَوْلِ بَعْضِهِمْ: الظُّلْمُ وَضْعُ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ كَقَوْلِهِمْ: مَنْ أَشْبَهَ أَبَاهُ فَمَا ظَلَمَ. أَيْ: فَمَا وَضَعَ الشَّبَهَ غَيْرَ مَوْضِعِهِ وَمَعْلُومٌ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ حَكَمٌ عَدْلٌ لَا يَضَعُ الْأَشْيَاءَ إلَّا مَوَاضِعَهَا وَوَضْعُهَا غَيْرَ مَوَاضِعِهَا لَيْسَ مُمْتَنِعًا لِذَاتِهِ؛ بَلْ هُوَ مُمْكِنٌ لَكِنَّهُ لَا يَفْعَلُهُ لِأَنَّهُ لَا يُرِيدُهُ؛ بَلْ يَكْرَهُهُ وَيُبْغِضُهُ؛ إذْ قَدْ حَرَّمَهُ عَلَى نَفْسِهِ. وَكَذَلِكَ مَنْ قَالَ: الظُّلْمُ إضْرَارٌ غَيْرُ مُسْتَحَقٍّ؛ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُعَاقِبُ أَحَدًا بِغَيْرِ حَقٍّ. وَكَذَلِكَ مَنْ قَالَ: هُوَ نَقْصُ الْحَقِّ؛ وَذَكَرَ أَنَّ أَصْلَهُ النَّقْصُ كَقَوْلِهِ: {كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا} . وَأَمَّا مَنْ قَالَ: هُوَ التَّصَرُّفُ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ فَهَذَا لَيْسَ بِمُطَّرِدِ وَلَا مُنْعَكِسٍ فَقَدْ يَتَصَرَّفُ الْإِنْسَانُ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ بِحَقِّ وَلَا يَكُونُ ظَالِمًا وَقَدْ يَتَصَرَّفُ فِي مِلْكِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ فَيَكُونُ ظَالِمًا وَظُلْمُ الْعَبْدِ نَفْسَهُ كَثِيرٌ فِي الْقُرْآنِ. وَكَذَلِكَ مَنْ قَالَ: فِعْلُ الْمَأْمُورِ خِلَافُ مَا أَمَرَ بِهِ وَنَحْوُ ذَلِكَ إنْ سَلِمَ صِحَّةُ مِثْلِ هَذَا الْكَلَامِ فَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ قَدْ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ وَحَرَّمَ عَلَى نَفْسِهِ الظُّلْمَ فَهُوَ لَا يَفْعَلُ خِلَافَ مَا كَتَبَ وَلَا يَفْعَلُ مَا حَرَّمَ. وَلَيْسَ هَذَا الْجَوَابُ مَوْضِعَ بَسْطِ هَذِهِ الْأُمُورِ الَّتِي نَبَّهْنَا عَلَيْهَا فِيهِ
(18/145)

وَإِنَّمَا نُشِيرُ إلَى النُّكَتِ وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ الْقَوْلُ الْمُتَوَسِّطُ وَهُوَ: أَنَّ الظُّلْمَ الَّذِي حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى نَفْسِهِ مِثْلَ: أَنْ يَتْرُكَ حَسَنَاتِ الْمُحْسِنِ فَلَا يَجْزِيهِ بِهَا؛ وَيُعَاقِبَ الْبَرِيءَ عَلَى مَا لَمْ يَفْعَلْ مِنْ السَّيِّئَاتِ؛ وَيُعَاقِبَ هَذَا بِذَنْبِ غَيْرِهِ؛ أَوْ يَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِغَيْرِ الْقِسْطِ؛ وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنْ الْأَفْعَالِ الَّتِي يُنَزَّهُ الرَّبُّ عَنْهَا لِقِسْطِهِ وَعَدْلِهِ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَيْهَا وَإِنَّمَا اسْتَحَقَّ الْحَمْدَ وَالثَّنَاءَ لِأَنَّهُ تَرَكَ هَذَا الظُّلْمَ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَيْهِ. وَكَمَا أَنَّ اللَّهَ مُنَزَّهٌ عَنْ صِفَاتِ النَّقْصِ وَالْعَيْبِ فَهُوَ أَيْضًا مُنَزَّهٌ عَنْ أَفْعَالِ النَّقْصِ وَالْعَيْبِ. وَعَلَى قَوْلِ الْفَرِيقِ الثَّانِي مَا ثَمَّ فَعَلَ يَجِبُ تَنْزِيهُ اللَّهِ عَنْهُ أَصْلًا وَالْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَإِجْمَاعُ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا يَدُلُّ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ وَلَكِنَّ مُتَكَلِّمِي أَهْلِ الْإِثْبَاتِ لَمَّا نَاظَرُوا مُتَكَلِّمَةَ النَّفْيِ أَلْزَمُوهُمْ لَوَازِمَ لَمْ يَنْفَصِلُوا عَنْهَا إلَّا بِمُقَابَلَةِ الْبَاطِلِ بِالْبَاطِلِ وَهَذَا مِمَّا عَابَهُ الْأَئِمَّةُ وَذَمُّوهُ كَمَا عَابَ الأوزاعي وَالزُّبَيْدِيُّ وَالثَّوْرِيّ وَأَحْمَد بْنُ حَنْبَلٍ وَغَيْرُهُمْ مُقَابَلَةَ الْقَدَرِيَّةِ بِالْغُلُوِّ فِي الْإِثْبَاتِ وَأَمَرُوا بِالِاعْتِصَامِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَكَمَا عَابُوا أَيْضًا عَلَى مَنْ قَابَلَ الْجَهْمِيَّة نفاة الصِّفَاتِ بِالْغُلُوِّ فِي الْإِثْبَاتِ حَتَّى دَخَلَ فِي تَمْثِيلِ الْخَالِقِ بِالْمَخْلُوقِ. وَقَدْ بَسَطْنَا الْكَلَامَ فِي هَذَا وَهَذَا وَذَكَرْنَا كَلَامَ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ فِي هَذَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ. وَلَوْ قَالَ قَائِلٌ: هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى " مَسْأَلَةِ تَحْسِينِ الْعَقْلِ وَتَقْبِيحِهِ " فَمَنْ قَالَ: الْعَقْلُ يُعْلَمُ بِهِ حُسْنُ الْأَفْعَالِ وَقُبْحُهَا فَإِنَّهُ يُنَزِّهُ الرَّبَّ عَنْ بَعْضِ
(18/146)

الْأَفْعَالِ وَمَنْ قَالَ: لَا يُعْلَمُ ذَلِكَ إلَّا بِالسَّمْعِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ جَمِيعُ الْأَفْعَالِ عَلَيْهِ لِعَدَمِ النَّهْيِ فِي حَقِّهِ قِيلَ لَهُ: لَيْسَ بِنَاءُ هَذِهِ عَلَى تِلْكَ بِلَازِمِ وَبِتَقْدِيرِ لُزُومِهَا فَفِي تِلْكَ تَفْصِيلٌ وَتَحْقِيقٌ قَدْ بَسَطْنَاهُ فِي مَوْضِعِهِ وَذَلِكَ أَنَّا فَرَضْنَا أَنَّا نَعْلَمُ بِالْعَقْلِ حُسْنَ بَعْضِ الْأَفْعَالِ وَقُبْحَهَا؛ لَكِنَّ الْعَقْلَ لَا يَقُولُ: إنَّ الْخَالِقَ كَالْمَخْلُوقِ؛ حَتَّى يَكُونَ مَا جَعَلَهُ حَسَنًا لِهَذَا أَوْ قَبِيحًا لَهُ جَعَلَهُ حَسَنًا لِلْآخَرِ أَوْ قَبِيحًا لَهُ؛ كَمَا يَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ الْقَدَرِيَّةُ؛ لِمَا بَيْنَ الرَّبِّ وَالْعَبْدِ مِنْ الْفُرُوقِ الْكَثِيرَةِ. وَإِنْ فَرَضْنَا أَنَّ حُسْنَ الْأَفْعَالِ وَقُبْحَهَا لَا يُعْلَمُ إلَّا بِالشَّرْعِ فَالشَّرْعُ قَدْ دَلَّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ قَدْ نَزَّهَ نَفْسَهُ عَنْ أَفْعَالٍ وَأَحْكَامٍ - فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَفْعَلَهَا - تَارَةً بِخَبَرِهِ مُثْنِيًا عَلَى نَفْسِهِ بِأَنَّهُ لَا يَفْعَلُهَا؛ وَتَارَةً بِخَبَرِهِ أَنَّهُ حَرَّمَهَا عَلَى نَفْسِهِ. وَهَذَا يُبَيِّنُ الْمَسْأَلَةَ الثَّانِيَةَ. فَنَقُولُ: النَّاسُ لَهُمْ فِي أَفْعَالِ اللَّهِ بِاعْتِبَارِ مَا يَصْلُحُ مِنْهُ وَيَجُوزُ وَمَا لَا يَجُوزُ مِنْهُ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: طَرَفَانِ وَوَسَطٌ. فَالطَّرَفُ الْوَاحِدُ: طَرَفُ الْقَدَرِيَّةِ وَهُمْ الَّذِينَ حَجَرُوا عَلَيْهِ أَنْ يَفْعَلَ إلَّا مَا ظَنُّوا بِعَقْلِهِمْ أَنَّهُ الْجَائِزُ لَهُ حَتَّى وَضَعُوا لَهُ شَرِيعَةَ التَّعْدِيلِ وَالتَّجْوِيزِ فَأَوْجَبُوا عَلَيْهِ بِعَقْلِهِمْ أُمُورًا كَثِيرَةً وَحَرَّمُوا عَلَيْهِ بِعَقْلِهِمْ أُمُورًا كَثِيرَةً؛ لَا بِمَعْنَى: أَنَّ الْعَقْلَ آمِرٌ لَهُ وَنَاهٍ؛ فَإِنَّ هَذَا لَا يَقُولُهُ عَاقِلٌ بَلْ بِمَعْنَى: أَنَّ تِلْكَ الْأَفْعَالَ مِمَّا
(18/147)

عُلِمَ بِالْعَقْلِ وُجُوبُهَا وَتَحْرِيمُهَا وَلَكِنْ أَدْخَلُوا فِي ذَلِكَ [مِنْ] (1) الْمُنْكَرَاتِ مَا بَنَوْهُ عَلَى بِدْعَتِهِمْ فِي التَّكْذِيبِ بِالْقَدَرِ وَتَوَابِعِ ذَلِكَ. وَالطَّرَفُ الثَّانِي: طَرَفُ الْغُلَاةِ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِمْ وَهُمْ الَّذِينَ قَالُوا: لَا يُنَزَّهُ الرَّبُّ عَنْ فِعْلٍ مِنْ الْأَفْعَالِ وَلَا نَعْلَمُ وَجْهَ امْتِنَاعِ الْفِعْلِ مِنْهُ إلَّا مِنْ جِهَةِ خَبَرِهِ أَنَّهُ لَا يَفْعَلُهُ الْمُطَابِقِ لِعِلْمِهِ بِأَنَّهُ لَا يَفْعَلُهُ. وَهَؤُلَاءِ مَنَعُوا حَقِيقَةَ مَا أَخْبَرَ بِهِ مِنْ أَنَّهُ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ وَحَرَّمَ عَلَى نَفْسِهِ الظُّلْمَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ} . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " {إنَّ اللَّهَ لَمَّا قَضَى الْخَلْقَ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ كِتَابًا فَهُوَ مَوْضُوعٌ عِنْدَهُ فَوْقَ الْعَرْشِ: إنَّ رَحْمَتِي تَغْلِبُ غَضَبِي} " وَلَمْ يَعْلَمْ هَؤُلَاءِ أَنَّ الْخَبَرَ الْمُجَرَّدَ الْمُطَابِقَ لِلْعِلْمِ لَا يُبَيِّنُ وَجْهَ فِعْلِهِ وَتَرْكِهِ؛ إذْ الْعِلْمُ يُطَابِقُ الْمَعْلُومَ؛ فَعِلْمُهُ بِأَنَّهُ يَفْعَلُ هَذَا وَأَنَّهُ لَا يَفْعَلُ هَذَا لَيْسَ فِيهِ تَعَرُّضٌ لِأَنَّهُ كَتَبَ هَذَا عَلَى نَفْسِهِ وَحَرَّمَ هَذَا عَلَى نَفْسِهِ كَمَا لَوْ أَخْبَرَ عَنْ كَائِنٍ مَنْ كَانَ أَنَّهُ يَفْعَلُ كَذَا وَلَا يَفْعَلُ كَذَا لَمْ يَكُنْ فِي هَذَا بَيَانٌ لِكَوْنِهِ مَحْمُودًا مَمْدُوحًا عَلَى فِعْلِ هَذَا وَتَرْكِ هَذَا؛ وَلَا فِي ذَلِكَ مَا يُبَيِّنُ قِيَامَ الْمُقْتَضِي لِهَذَا وَالْمَانِعِ مِنْ هَذَا؛ فَإِنَّ الْخَبَرَ الْمَحْضَ كَاشِفٌ عَنْ الْمُخْبِرِ عَنْهُ؛ لَيْسَ فِيهِ بَيَانُ مَا يَدْعُو إلَى الْفِعْلِ وَلَا إلَى التَّرْكِ بِخِلَافِ قَوْلِهِ: {كَتَبَ
_________

[تعليق مُعِدّ الكتاب للشاملة]
(1) ما بين معقوفتين غير موجود في المطبوع

أسامة بن الزهراء - منسق الكتاب للشاملة
(18/148)

عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ} {وَحَرَّمَ عَلَى نَفْسِهِ الظُّلْمَ} فَإِنَّ التَّحْرِيمَ مَانِعٌ مِنْ الْفِعْلِ وَكِتَابَتُهُ عَلَى نَفْسِهِ دَاعِيَةٌ إلَى الْفِعْلِ؛ وَهَذَا بَيِّنٌ وَاضِحٌ؛ إذْ لَيْسَ الْمُرَادُ بِذَلِكَ مُجَرَّدَ كِتَابَتِهِ أَنَّهُ يَفْعَلُ وَهُوَ كِتَابَةُ التَّقْدِيرِ كَمَا قَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ: " {أَنَّهُ قَدَّرَ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ} "؛ فَإِنَّهُ قَالَ: {كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ} وَلَوْ أُرِيدَ كِتَابَةُ التَّقْدِيرِ لَكَانَ قَدْ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الْغَضَبَ كَمَا كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ؛ إذْ كَانَ الْمُرَادُ مُجَرَّدَ الْخَبَرِ عَمَّا سَيَكُونُ وَلَكَانَ قَدْ حَرَّمَ عَلَى نَفْسِهِ كُلَّ مَا لَمْ يَفْعَلْهُ مِنْ الْإِحْسَانِ كَمَا حَرَّمَ الظُّلْمَ. وَكَمَا أَنَّ الْفَرْقَ ثَابِتٌ فِي حَقِّنَا بَيْنَ قَوْله [تَعَالَى] (1) : {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى} وَبَيْنَ قَوْلِهِ: {وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ} وَقَوْلِهِ: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا} وَقَوْلِهِ [صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ] (2) : " {فَيُبْعَثُ إلَيْهِ الْمَلَكُ فَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ فَيُقَالُ لَهُ: اُكْتُبْ رِزْقَهُ وَأَجَلَهُ وَعَمَلَهُ وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ} ". فَهَكَذَا الْفَرْقُ أَيْضًا ثَابِتٌ فِي حَقِّ اللَّهِ. وَنَظِيرُ مَا ذَكَرَهُ مِنْ كِتَابَتِهِ عَلَى نَفْسِهِ كَمَا تَقَدَّمَ قَوْله تَعَالَى {وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} وَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: " {يَا مُعَاذُ أَتَدْرِي مَا حَقُّ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ؟ قُلْت: اللَّهُ
_________

[تعليق مُعِدّ الكتاب للشاملة]
(1، 2) ما بين معقوفتين غير موجود في المطبوع، ولم أقف عليه في كتاب صيانة مجموع الفتاوى من السقط والتصحيف

أسامة بن الزهراء - منسق الكتاب للموسوعة الشاملة
(18/149)

وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ: حَقُّهُ عَلَيْهِمْ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا. أَتَدْرِي مَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ إذَا فَعَلُوا ذَلِكَ قُلْت؟ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: حَقُّهُمْ عَلَيْهِ أَلَّا يُعَذِّبَهُمْ} " وَمِنْهُ قَوْلُهُ فِي غَيْرِ حَدِيثٍ: " كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يَفْعَلَ بِهِ كَذَا ". فَهَذَا الْحَقُّ الَّذِي عَلَيْهِ هُوَ أَحَقَّهُ عَلَى نَفْسِهِ بِقَوْلِهِ. وَنَظِيرُ تَحْرِيمِهِ عَلَى نَفْسِهِ وَإِيجَابِهِ عَلَى نَفْسِهِ مَا أَخْبَرَ بِهِ مِنْ قَسَمِهِ لَيَفْعَلَن وَكَلِمَتُهُ السَّابِقَةُ كَقَوْلِهِ: {وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ} وَقَوْلِهِ: {لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ} {لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ} ؟ {فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} {فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ} وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ صِيَغِ الْقَسَمِ الْمُتَضَمِّنَةِ مَعْنَى الْإِيجَابِ وَالْمَعْنَى بِخِلَافِ الْقَسَمِ الْمُتَضَمِّنِ لِلْخَبَرِ الْمَحْضِ. وَلِهَذَا قَالَ الْفُقَهَاءُ: الْيَمِينُ إمَّا أَنْ تُوجِبَ حَقًّا؛ أَوْ مَنْعًا؛ أَوْ تَصْدِيقًا؛ أَوْ تَكْذِيبًا. وَإِذَا كَانَ مَعْقُولًا فِي الْإِنْسَانِ أَنَّهُ يَكُونُ آمِرًا مَأْمُورًا كَقَوْلِهِ: {إنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ} وَقَوْلِهِ: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى} مَعَ أَنَّ الْعَبْدَ لَهُ آمِرٌ وَنَاهٍ فَوْقَهُ وَالرَّبُّ الَّذِي لَيْسَ فَوْقَهُ أَحَدٌ لَأَنْ يَتَصَوَّرَ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْآمِرَ الْكَاتِبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ وَالنَّاهِي الْمُحَرَّمَ عَلَى نَفْسِهِ الظُّلْمَ أَوْلَى
(18/150)

وَأَحْرَى وَكِتَابَتُهُ عَلَى نَفْسِهِ ذَلِكَ تَسْتَلْزِمُ إرَادَتَهُ لِذَلِكَ وَمَحَبَّتَهُ لَهُ وَرِضَاهُ بِذَلِكَ وَتَحْرِيمُهُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِهِ يَسْتَلْزِمُ بُغْضَهُ لِذَلِكَ وَكَرَاهَتَهُ لَهُ وَإِرَادَتَهُ وَمَحَبَّتُهُ لِلْفِعْلِ تُوجِبُ وُقُوعَهُ مِنْهُ وَبُغْضَهُ لَهُ وَكَرَاهَتَهُ لِأَنْ يَفْعَلَهُ يَمْنَعُ وُقُوعَهُ مِنْهُ. فَأَمَّا مَا يُحِبُّهُ وَيُبْغِضُهُ مِنْ أَفْعَالِ عِبَادِهِ فَذَلِكَ نَوْعٌ آخَرُ فَفَرْقٌ بَيْنَ فِعْلِهِ هُوَ وَبَيْنَ مَا هُوَ مَفْعُولٌ مَخْلُوقٌ لَهُ وَلَيْسَ فِي مَخْلُوقِهِ مَا هُوَ ظُلْمٌ مِنْهُ وَإِنْ كَانَ بِالنِّسْبَةِ إلَى فَاعِلِهِ الَّذِي هُوَ الْإِنْسَانُ هُوَ ظُلْمٌ كَمَا أَنَّ أَفْعَالَ الْإِنْسَانِ هِيَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ تَكُونُ سَرِقَةً وَزِنًا وَصَلَاةً وَصَوْمًا وَاَللَّهُ تَعَالَى خَالِقُهَا بِمَشِيئَتِهِ وَلَيْسَتْ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ كَذَلِكَ إذْ هَذِهِ الْأَحْكَامُ هِيَ لِلْفَاعِلِ الَّذِي قَامَ بِهِ هَذَا الْفِعْلُ كَمَا أَنَّ الصِّفَاتِ هِيَ صِفَاتٌ لِلْمَوْصُوفِ الَّذِي قَامَتْ بِهِ لَا لِلْخَالِقِ الَّذِي خَلَقَهَا وَجَعَلَهَا صِفَاتٍ وَاَللَّهُ تَعَالَى خَلَقَ كُلَّ صَانِعٍ وَصَنْعَتَهُ كَمَا جَاءَ ذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ وَهُوَ خَالِقُ كُلِّ مَوْصُوفٍ وَصِفَتَهُ. ثُمَّ صِفَاتُ الْمَخْلُوقَاتِ لَيْسَتْ صِفَاتٍ لَهُ: كَالْأَلْوَانِ وَالطُّعُومِ وَالرَّوَائِحِ لِعَدَمِ قِيَامِ ذَلِكَ بِهِ. وَكَذَلِكَ حَرَكَاتُ الْمَخْلُوقَاتِ لَيْسَتْ حَرَكَاتٍ لَهُ وَلَا أَفْعَالًا لَهُ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ؛ لِكَوْنِهَا مَفْعُولَاتٍ هُوَ خَلَقَهَا. وَبِهَذَا الْفَرْقُ تَزُولُ شُبَهٌ كَثِيرَةٌ وَالْأَمْرُ الَّذِي كَتَبَهُ عَلَى نَفْسِهِ يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ الْحَمْدَ وَالثَّنَاءَ وَهُوَ مُقَدَّسٌ عَنْ تَرْكِ هَذَا الَّذِي لَوْ تُرِكَ لَكَانَ تَرْكُهُ نَقْصًا وَكَذَلِكَ الْأَمْرُ الَّذِي حَرَّمَهُ عَلَى نَفْسِهِ يَسْتَحِقُّ الْحَمْدَ وَالثَّنَاءَ عَلَى تَرْكِهِ وَهُوَ مُقَدَّسٌ عَنْ فِعْلِهِ الَّذِي لَوْ كَانَ لَأَوْجَبَ نَقْصًا.
(18/151)

وَهَذَا كُلُّهُ بَيِّنٌ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ عِنْدَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ وَهُوَ أَيْضًا مُسْتَقِرٌّ فِي قُلُوبِ عُمُومِ الْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْقَدَرِيَّةَ شَبَّهُوا عَلَى النَّاسِ بِشُبَهِهِمْ فَقَابَلَهُمْ مَنْ قَابَلَهُمْ بِنَوْعِ مِنْ الْبَاطِلِ كَالْكَلَامِ الَّذِي كَانَ السَّلَفُ وَالْأَئِمَّةُ يَذُمُّونَهُ وَذَلِكَ أَنَّ الْمُعْتَزِلَةَ قَالُوا: قَدْ حَصَلَ الِاتِّفَاقُ عَلَى أَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَالِمِ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالظَّالِمُ مَنْ فَعَلَ الظُّلْمَ كَمَا أَنَّ الْعَادِلَ مَنْ فَعَلَ الْعَدْلَ هَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ عِنْدَ النَّاسِ مِنْ مُسَمَّى هَذَا الِاسْمِ سَمْعًا وَعَقْلًا قَالُوا: وَلَوْ كَانَ اللَّهُ خَالِقًا لِأَفْعَالِ الْعِبَادِ الَّتِي هِيَ الظُّلْمُ لَكَانَ ظَالِمًا. فَعَارَضَهُمْ هَؤُلَاءِ بِأَنْ قَالُوا: لَيْسَ الظَّالِمُ مَنْ فَعَلَ الظُّلْمَ بَلْ الظَّالِمُ مَنْ قَامَ بِهِ الظُّلْمُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الظَّالِمُ مَنْ اكْتَسَبَ الظُّلْمَ وَكَانَ مَنْهِيًّا عَنْهُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الظَّالِمُ مَنْ فَعَلَ مُحَرَّمًا عَلَيْهِ أَوْ مَا نُهِيَ عَنْهُ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: مَنْ فَعَلَ الظُّلْمَ لِنَفْسِهِ. وَهَؤُلَاءِ يَعْنُونَ: أَنْ يَكُونَ النَّاهِي لَهُ وَالْمُحَرَّمُ عَلَيْهِ غَيْرَهُ الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِ طَاعَتُهُ؛ وَلِهَذَا كَانَ تَصَوُّرُ الظُّلْمِ مِنْهُ مُمْتَنِعًا عِنْدَهُمْ لِذَاتِهِ؛ كَامْتِنَاعِ أَنْ يَكُونَ فَوْقَهُ آمِرٌ لَهُ وَنَاهٍ. وَيَمْتَنِعُ عِنْدَ الطَّائِفَتَيْنِ أَنْ يَعُودَ إلَى الرَّبِّ مِنْ أَفْعَالِهِ حُكْمٌ لِنَفْسِهِ. وَهَؤُلَاءِ لَمْ يُمْكِنْهُمْ أَنْ يُنَازِعُوا أُولَئِكَ فِي أَنَّ الْعَادِلَ مَنْ فَعَلَ الْعَدْلَ بَلْ سَلَّمُوا ذَلِكَ لَهُمْ وَإِنْ نَازَعَهُمْ بَعْضُ النَّاسِ مُنَازَعَةً عنادية.
(18/152)

وَاَلَّذِي يَكْشِفُ تَلْبِيسَ الْمُعْتَزِلَةِ أَنْ يُقَالَ لَهُمْ: الظَّالِمُ وَالْعَادِلُ الَّذِي يَعْرِفُهُ النَّاسُ وَإِنْ كَانَ فَاعِلًا لِلظُّلْمِ وَالْعَدْلِ فَذَلِكَ يَأْثَمُ بِهِ أَيْضًا وَلَا يَعْرِفُ النَّاسُ مَنْ يُسَمَّى ظَالِمًا وَلَمْ يَقُمْ بِهِ الْفِعْلُ الَّذِي بِهِ صَارَ ظَالِمًا بَلْ لَا يَعْرِفُونَ ظَالِمًا إلَّا مَنْ قَامَ بِهِ الْفِعْلُ الَّذِي فَعَلَهُ وَبِهِ صَارَ ظَالِمًا؛ وَإِنْ كَانَ فِعْلُهُ مُتَعَلِّقًا بِغَيْرِهِ وَلَهُ مَفْعُولٌ مُنْفَصِلٌ عَنْهُ. لَكِنْ لَا يَعْرِفُونَ الظَّالِمَ إلَّا بِأَنْ يَكُونَ قَدْ قَامَ بِهِ ذَلِكَ فَكَوْنُكُمْ أَخَذْتُمْ فِي حَدِّ الظَّالِمِ أَنَّهُ مَنْ فَعَلَ الظُّلْمَ وَعَنَيْتُمْ بِذَلِكَ مَنْ فَعَلَهُ فِي غَيْرِهِ. فَهَذَا تَلْبِيسٌ وَإِفْسَادٌ لِلشَّرْعِ وَالْعَقْلِ وَاللُّغَةِ كَمَا فَعَلْتُمْ فِي مُسَمَّى الْمُتَكَلِّمِ حَيْثُ قُلْتُمْ: هُوَ مِنْ فِعْلِ الْكَلَامِ وَلَوْ فِي غَيْرِهِ. وَجَعَلْتُمْ مَنْ أَحْدَثَ كَلَامًا مُنْفَصِلًا عَنْهُ قَائِمًا بِغَيْرِهِ مُتَكَلِّمًا وَإِنْ لَمْ يَقُمْ بِهِ هُوَ كَلَامٌ أَصْلًا. وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ الْبُهْتَانِ وَالْقَرْمَطَةِ وَالسَّفْسَطَةِ. وَلِهَذَا أَلْزَمَهُمْ السَّلَفُ أَنْ يَكُونَ مَا أَحْدَثَهُ مِنْ الْكَلَامِ فِي الْجَمَادَاتِ وَكَذَلِكَ أَيْضًا مَا خَلَقَهُ فِي الْحَيَوَانَاتِ وَلَا يُفَرِّقُ حِينَئِذٍ بَيْنَ نَطَقَ وَأَنْطَقَ وَإِنَّمَا قَالَتْ الْجُلُودُ: {أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ} وَلَمْ تَقُلْ نَطَقَ اللَّهُ بِذَلِكَ وَلِهَذَا قَالَ مَنْ قَالَ مِنْ السَّلَفِ كَسُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُد الْهَاشِمِيِّ وَغَيْرِهِ مَا مَعْنَاهُ: أَنَّهُ عَلَى هَذَا يَكُونُ الْكَلَامُ الَّذِي خُلِقَ فِي فِرْعَوْنَ حَتَّى قَالَ: {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} كَالْكَلَامِ الَّذِي خُلِقَ فِي الشَّجَرَةِ حَتَّى قَالَتْ: {إنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إلَهَ إلَّا أَنَا} فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ فِرْعَوْنُ مُحِقًّا أَوْ
(18/153)

تَكُونُ الشَّجَرَةُ كَفِرْعَوْنَ. وَإِلَى هَذَا الْمَعْنَى بِنَحْوِ الِاتِّحَادِيَّةِ مِنْ الْجَهْمِيَّة وَيُنْشِدُونَ: وَكُلُّ كَلَامٍ فِي الْوُجُودِ كَلَامُهُ سَوَاءٌ عَلَيْنَا نَثْرُهُ وَنِظَامُهُ وَهَذَا يَسْتَوْعِبُ أَنْوَاعَ الْكُفْرِ وَلِهَذَا كَانَ مِنْ الْأَمْرِ الْبَيِّنِ لِلْخَاصَّةِ وَالْعَامَّةِ أَنَّ مَنْ قَالَ: الْمُتَكَلِّمُ لَا يَقُومُ بِهِ كَلَامٌ أَصْلًا. فَإِنَّ حَقِيقَةَ قَوْلِهِ أَنَّهُ لَيْسَ بِمُتَكَلِّمِ؛ إذْ لَيْسَ الْمُتَكَلِّمُ إلَّا هَذَا وَلِهَذَا كَانَ أَوَّلُوهُمْ يَقُولُونَ: لَيْسَ بِمُتَكَلِّمِ. ثُمَّ قَالُوا: هُوَ مُتَكَلِّمٌ بِطَرِيقِ الْمَجَازِ وَذَلِكَ لِمَا اسْتَقَرَّ فِي الْفِطَرِ أَنَّ الْمُتَكَلِّمَ لَا بُدَّ أَنْ يَقُومَ بِهِ كَلَامٌ وَإِنْ كَانَ مَعَ ذَلِكَ فَاعِلًا لَهُ كَمَا يَقُومُ بِالْإِنْسَانِ كَلَامُهُ وَهُوَ كَاسِبٌ لَهُ. أَمَّا أَنْ يَجْعَلَ مُجَرَّدَ إحْدَاثِ الْكَلَامِ فِي غَيْرِهِ كَلَامًا لَهُ: فَهَذَا هُوَ الْبَاطِلُ. وَهَكَذَا الْقَوْلُ فِي الظُّلْمِ فَهَبْ أَنَّ الظَّالِمَ مَنْ فَعَلَ الظُّلْمَ فَلَيْسَ هُوَ مَنْ فَعَلَهُ فِي غَيْرِهِ وَلَمْ يَقُمْ بِهِ فِعْلٌ أَصْلًا بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ قَدْ قَامَ بِهِ فِعْلٌ وَإِنْ كَانَ مُتَعَدِّيًا إلَى غَيْرِهِ فَهَذَا جَوَابٌ. ثُمَّ يُقَالُ لَهُمْ: الظُّلْمُ فِيهِ نِسْبَةٌ وَإِضَافَةٌ فَهُوَ ظُلْمٌ مِنْ الظَّالِمِ بِمَعْنَى: أَنَّهُ عُدْوَانٌ وَبَغْيٌ مِنْهُ وَهُوَ ظُلْمٌ لِلْمَظْلُومِ بِمَعْنَى أَنَّهُ بَغْيٌ وَاعْتِدَاءٌ عَلَيْهِ. وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَكُنْ مُتَعَدًّى عَلَيْهِ بِهِ وَلَا هُوَ مِنْهُ عُدْوَانٌ عَلَى غَيْرِهِ فَهُوَ فِي حَقِّهِ لَيْسَ بِظُلْمِ لَا مِنْهُ وَلَا لَهُ.
(18/154)

وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ إذَا خَلَقَ أَفْعَالَ الْعِبَادِ فَذَلِكَ مِنْ جِنْسِ خَلْقِهِ لِصِفَاتِهِمْ فَهُمْ الْمَوْصُوفُونَ بِذَلِكَ فَهُوَ سُبْحَانَهُ إذَا جَعَلَ بَعْضَ الْأَشْيَاءِ أَسْوَدَ وَبَعْضَهَا أَبْيَضَ أَوْ طَوِيلًا أَوْ قَصِيرًا أَوْ مُتَحَرِّكًا أَوْ سَاكِنًا أَوْ عَالِمًا أَوْ جَاهِلًا أَوْ قَادِرًا أَوْ عَاجِزًا أَوْ حَيًّا أَوْ مَيِّتًا أَوْ مُؤْمِنًا أَوْ كَافِرًا أَوْ سَعِيدًا أَوْ شَقِيًّا أَوْ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا: كَانَ ذَلِكَ الْمَخْلُوقُ هُوَ الْمَوْصُوفَ بِأَنَّهُ الْأَبْيَضُ وَالْأَسْوَدُ وَالطَّوِيلُ وَالْقَصِيرُ وَالْحَيُّ وَالْمَيِّتُ وَالظَّالِمُ وَالْمَظْلُومُ وَنَحْوُ ذَلِكَ. وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ لَا يُوصَفُ بِشَيْءِ مِنْ ذَلِكَ وَإِنَّمَا إحْدَاثُهُ لِلْفِعْلِ الَّذِي هُوَ ظُلْمٌ مِنْ شَخْصٍ وَظُلْمٌ لِآخَرَ بِمَنْزِلَةِ إحْدَاثِهِ الْأَكْلَ وَالشُّرْبَ الَّذِي هُوَ أَكْلٌ مِنْ شَخْصٍ وَأَكْلٌ لِآخَرَ وَلَيْسَ هُوَ بِذَلِكَ آكِلًا وَلَا مَأْكُولًا. وَنَظَائِرُ هَذَا كَثِيرَةٌ. وَإِنْ كَانَ فِي خَلْقِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ لَازِمِهَا وَمُتَعَدِّيهَا حِكَمٌ بَالِغَةٌ كَمَا لَهُ حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فِي خَلْقِ صِفَاتِهِمْ وَسَائِرِ الْمَخْلُوقَاتِ؛ لَكِنْ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ تَفْصِيلِ ذَلِكَ. وَقَدْ ظَهَرَ بِهَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ تَدْلِيسُ الْقَدَرِيَّةِ. وَأَمَّا تِلْكَ الْحُدُودُ الَّتِي عُورِضُوا بِهَا فَهِيَ دَعَاوٍ وَمُخَالِفَةٌ أَيْضًا لِلْمَعْلُومِ مِنْ الشَّرْعِ وَاللُّغَةِ وَالْعَقْلِ أَوْ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى نَوْعٍ مِنْ الْإِجْمَالِ فَإِنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ: الظَّالِمُ مَنْ قَامَ بِهِ الظُّلْمُ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَقُومَ بِهِ لَكِنْ يُقَالُ لَهُ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَاعِلًا لَهُ آمِرًا لَهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ فَاعِلًا لَهُ
(18/155)

مَعَ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَ الْأَوَّلَ كَانَ اقْتِصَارُهُ عَلَى تَفْسِيرِ الظَّالِمِ بِمَنْ قَامَ بِهِ الظُّلْمُ كَاقْتِصَارِ أُولَئِكَ عَلَى تَفْسِيرِ الظَّالِمِ فِي فِعْلِ الظُّلْمِ وَاَلَّذِي يَعْرِفُهُ النَّاسُ عَامُّهُمْ وَخَاصُّهُمْ أَنَّ الظَّالِمَ فَاعِلٌ لِلظُّلْمِ وَظُلْمُهُ فِعْلٌ قَائِمٌ بِهِ وَكُلٌّ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ جَحَدَ بَعْضَ الْحَقِّ. وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: مَنْ فَعَلَ مُحَرَّمًا عَلَيْهِ أَوْ مَنْهِيًّا عَنْهُ وَنَحْوَ ذَلِكَ فَالْإِطْلَاقُ صَحِيحٌ. لَكِنْ يُقَالُ: قَدْ دَلَّ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ وَكَانَ حَقًّا عَلَيْهِ نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ وَكَانَ حَقًّا عَلَيْهِ أَنْ يَجْزِيَ الْمُطِيعِينَ وَأَنَّهُ حَرَّمَ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِهِ فَهُوَ سُبْحَانَهُ الَّذِي حَرَّمَ بِنَفْسِهِ عَلَى نَفْسِهِ الظُّلْمَ كَمَا أَنَّهُ هُوَ الَّذِي كَتَبَ بِنَفْسِهِ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ غَيْرُهُ مُحَرَّمًا عَلَيْهِ أَوْ مُوجِبًا عَلَيْهِ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَعْلَمَ ذَلِكَ بِعَقْلِ أَوْ غَيْرِهِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَهَذَا الظُّلْمُ الَّذِي حَرَّمَهُ عَلَى نَفْسِهِ هُوَ ظُلْمٌ بِلَا رَيْبٍ وَهُوَ أَمْرٌ مُمْكِنٌ مَقْدُورٌ عَلَيْهِ وَهُوَ سُبْحَانَهُ يَتْرُكُهُ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ بِمَشِيئَتِهِ وَاخْتِيَارِهِ لِأَنَّهُ عَادِلٌ لَيْسَ بِظَالِمِ كَمَا يَتْرُكُ عُقُوبَةَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَكَمَا يَتْرُكُ أَنْ يَحْمِلَ الْبَرِيءُ ذُنُوبَ الْمُعْتَدِينَ.
فَصْلٌ:
قَوْلُهُ: " {وَجَعَلْته بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تظالموا} " يَنْبَغِي أَنْ يُعْرَفَ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ شَرِيفُ الْقَدْرِ عَظِيمُ الْمَنْزِلَةِ وَلِهَذَا كَانَ الْإِمَامُ أَحْمَد
(18/156)

يَقُولُ: هُوَ أَشْرَفُ حَدِيثٍ لِأَهْلِ الشَّامِ وَكَانَ أَبُو إدْرِيسَ الخولاني إذَا حَدَّثَ بِهِ جَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ. وَرَاوِيهِ أَبُو ذَرٍّ الَّذِي مَا أَظَلَّتْ الْخَضْرَاءُ وَلَا أَقَلَّتْ الْغَبْرَاءُ أَصْدَقَ لَهْجَةً مِنْهُ وَهُوَ مِنْ الْأَحَادِيثِ الْإِلَهِيَّةِ الَّتِي رَوَاهَا الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ رَبِّهِ وَأَخْبَرَ أَنَّهَا مِنْ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى وَإِنْ لَمْ تَكُنْ قُرْآنًا وَقَدْ جَمَعَ فِي هَذَا الْبَابِ زَاهِرٌ الشحامي وَعَبْدُ الْغَنِيِّ المقدسي وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ المقدسي وَغَيْرُهُمْ. وَهَذَا الْحَدِيثُ قَدْ تَضَمَّنَ مِنْ قَوَاعِدِ الدِّينِ الْعَظِيمَةِ فِي الْعُلُومِ وَالْأَعْمَالِ وَالْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ؛ فَإِنَّ تِلْكَ الْجُمْلَةَ الْأُولَى وَهِيَ قَوْلُهُ: " {حَرَّمْت الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي} " يَتَضَمَّنُ جُلَّ مَسَائِلِ الصِّفَاتِ وَالْقَدَرِ إذَا أُعْطِيَتْ حَقَّهَا مِنْ التَّفْسِيرِ وَإِنَّمَا ذَكَرْنَا فِيهَا مَا لَا بُدَّ مِنْ التَّنْبِيهِ عَلَيْهِ مِنْ أَوَائِلِ النُّكَتِ الْجَامِعَةِ. وَأَمَّا هَذِهِ الْجُمْلَةُ الثَّانِيَةُ وَهِيَ قَوْلُهُ: " {وَجَعَلْته بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تظالموا} " فَإِنَّهَا تَجْمَعُ الدِّينَ كُلَّهُ؛ فَإِنَّ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ رَاجِعٌ إلَى الظُّلْمِ وَكُلُّ مَا أَمَرَ بِهِ رَاجِعٌ إلَى الْعَدْلِ. وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ} فَأَخْبَرَ أَنَّهُ أَرْسَلَ الرُّسُلَ وَأَنْزَلَ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِأَجْلِ قِيَامِ النَّاسِ بِالْقِسْطِ. وَذَكَرَ أَنَّهُ أَنْزَلَ الْحَدِيدَ الَّذِي بِهِ يَنْصُرُ هَذَا الْحَقَّ
(18/157)

فَالْكِتَابُ يَهْدِي وَالسَّيْفُ يَنْصُرُ وَكَفَى بِرَبِّك هَادِيًا وَنَصِيرًا. وَلِهَذَا كَانَ قِوَامُ النَّاسِ بِأَهْلِ الْكِتَابِ وَأَهْلِ الْحَدِيدِ كَمَا قَالَ مَنْ قَالَ مِنْ السَّلَفِ: صِنْفَانِ إذَا صَلَحُوا صَلَحَ النَّاسُ: الْأُمَرَاءُ وَالْعُلَمَاءُ. وَقَالُوا فِي قَوْله تَعَالَى {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} أَقْوَالًا تَجْمَعُ الْعُلَمَاءَ وَالْأُمَرَاءَ وَلِهَذَا نَصَّ الْإِمَامُ أَحْمَد وَغَيْرُهُ عَلَى دُخُولِ الصِّنْفَيْنِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ؟ إذْ كُلٌّ مِنْهُمَا تَجِبُ طَاعَتُهُ فِيمَا يَقُومُ بِهِ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ وَكَانَ نُوَّابُ رَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَيَاتِهِ كَعَلِيِّ وَمُعَاذٍ وَأَبِي مُوسَى وَعَتَّابِ بْنِ أسيد وَعُثْمَانَ بْنِ أَبِي العاص وَأَمْثَالِهِمْ يَجْمَعُونَ الصِّنْفَيْنِ. وَكَذَلِكَ خُلَفَاؤُهُ مِنْ بَعْدِهِ كَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَنُوَّابِهِمْ. وَلِهَذَا كَانَتْ السُّنَّةُ أَنَّ الَّذِي يُصَلِّي بِالنَّاسِ صَاحِبُ الْكِتَابِ وَاَلَّذِي يَقُومُ بِالْجِهَادِ صَاحِبُ الْحَدِيدِ. إلَى أَنْ تَفَرَّقَ الْأَمْرُ بَعْدَ ذَلِكَ فَإِذَا تَفَرَّقَ صَارَ كُلُّ مَنْ قَامَ بِأَمْرِ الْحَرْبِ مِنْ جِهَادِ الْكُفَّارِ وَعُقُوبَاتِ الْفُجَّارِ يَجِبُ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا يَأْمُرُ بِهِ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ فِي ذَلِكَ وَكَذَلِكَ مَنْ قَامَ بِجَمْعِ الْأَمْوَالِ وَقَسْمِهَا يَجِبُ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا يَأْمُرُ بِهِ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ فِي ذَلِكَ وَكَذَلِكَ مَنْ قَامَ بِالْكِتَابِ بِتَبْلِيغِ أَخْبَارِهِ وَأَوَامِرِهِ وَبَيَانِهَا يَجِبُ أَنْ يُصَدَّقَ وَيُطَاعَ فِيمَا أَخْبَرَ بِهِ مِنْ الصِّدْقِ فِي ذَلِكَ وَفِيمَا يَأْمُرُ بِهِ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ فِي ذَلِكَ.
(18/158)

وَالْمَقْصُودُ هُنَا: أَنَّ الْمَقْصُودَ بِذَلِكَ كُلِّهِ هُوَ أَنْ يَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ؛ وَلِهَذَا لَمَّا كَانَ الْمُشْرِكُونَ يُحَرِّمُونَ أَشْيَاءَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ وَيَأْمُرُونَ بِأَشْيَاءَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ أَنْزَلَ اللَّهُ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ وَالْأَعْرَافِ وَغَيْرِهِمَا يَذُمُّهُمْ عَلَى ذَلِكَ وَذَكَرَ مَا أَمَرَ بِهِ هُوَ وَمَا حَرَّمَهُ هُوَ فَقَالَ: {قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} وَقَالَ تَعَالَى: {قُلْ إنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} . وَهَذِهِ الْآيَةُ تَجْمَعُ أَنْوَاعَ الْمُحَرَّمَاتِ كَمَا قَدْ بَيَّنَّاهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ وَتِلْكَ الْآيَةُ تَجْمَعُ أَنْوَاعَ الْوَاجِبَاتِ كَمَا بَيَّنَّاهُ أَيْضًا وَقَوْلُهُ: {أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} أَمَرَ مَعَ الْقِسْطِ بِالتَّوْحِيدِ الَّذِي هُوَ عِبَادَةُ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَهَذَا أَصْلُ الدِّينِ وَضِدُّهُ هُوَ الذَّنْبُ الَّذِي لَا يُغْفَرُ قَالَ تَعَالَى: {إنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} وَهُوَ الدِّينُ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ بِهِ جَمِيعَ الرُّسُلِ وَأَرْسَلَهُمْ بِهِ إلَى جَمِيعِ الْأُمَمِ قَالَ تَعَالَى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إلَّا نُوحِي إلَيْهِ أَنَّهُ لَا إلَهَ إلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} وَقَالَ تَعَالَى: {وَاسْأَلْ مَنْ
(18/159)

أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ} وَقَالَ تَعَالَى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} وَقَالَ تَعَالَى: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} . وَقَالَ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} {وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ} . وَلِهَذَا تَرْجَمَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ " بَابَ مَا جَاءَ فِي أَنَّ دِينَ الْأَنْبِيَاءِ وَاحِدٌ " وَذَكَرَ الْحَدِيثَ الصَّحِيحَ فِي ذَلِكَ وَهُوَ الْإِسْلَامُ الْعَامُّ الَّذِي اتَّفَقَ عَلَيْهِ جَمِيعُ النَّبِيِّينَ. قَالَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ {وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ} وَقَالَ تَعَالَى فِي قِصَّةِ إبْرَاهِيمَ: {إذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} {وَوَصَّى بِهَا إبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} {وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ} وَقَالَ تَعَالَى: {قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} . وَقَالَ فِي قِصَّة بلقيس: {رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} وَقَالَ: {إنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا} .
(18/160)

وَهَذَا التَّوْحِيدُ الَّذِي هُوَ أَصْلُ الدِّينِ هُوَ أَعْظَمُ الْعَدْلِ وَضِدُّهُ وَهُوَ الشِّرْكُ أَعْظَمُ الظُّلْمِ كَمَا أَخْرَجَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ {عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ} شَقَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالُوا: أَيُّنَا لَمْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ؟ فَقَالَ: أَلَمْ تَسْمَعُوا إلَى قَوْلِ الْعَبْدِ الصَّالِحِ: {إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} } "؟ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ {ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ؟ قَالَ: أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَك قُلْت: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: ثُمَّ أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَك خَشْيَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَك قُلْت: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: أَنْ تُزَانِيَ بِحَلِيلَةِ جَارك فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَصْدِيقَ ذَلِكَ: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ} الْآيَةَ} . وَقَدْ جَاءَ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ السَّلَفِ. وَرُوِيَ مَرْفُوعًا {الظُّلْمُ ثَلَاثَةُ دَوَاوِينَ: فَدِيوَانٌ لَا يَغْفِرُ اللَّهُ مِنْهُ شَيْئًا وَدِيوَانٌ لَا يَتْرُكُ اللَّهُ مِنْهُ شَيْئًا وَدِيوَانٌ لَا يَعْبَأُ اللَّهُ بِهِ شَيْئًا. فَأَمَّا الدِّيوَانُ الَّذِي لَا يَغْفِرُ اللَّهُ مِنْهُ شَيْئًا فَهُوَ الشِّرْكُ؛ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ. وَأَمَّا الدِّيوَانُ الَّذِي لَا يَتْرُكُ اللَّهُ مِنْهُ شَيْئًا فَهُوَ ظُلْمُ الْعِبَادِ بَعْضُهُمْ بَعْضًا؛ فَإِنَّ اللَّهَ لَا بُدَّ أَنْ يُنْصِفَ الْمَظْلُومَ مِنْ الظَّالِمِ. وَأَمَّا الدِّيوَانُ الَّذِي لَا يَعْبَأُ اللَّهُ بِهِ شَيْئًا فَهُوَ ظُلْمُ الْعَبْدِ نَفْسَهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ
(18/161)

رَبِّهِ} أَيْ: مَغْفِرَةُ هَذَا الضَّرْبِ مُمْكِنَةٌ بِدُونِ رِضَى الْخَلْقِ؛ فَإِنْ شَاءَ عَذَّبَ هَذَا الظَّالِمَ لِنَفْسِهِ وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ. وَقَدْ بَسَطْنَا الْكَلَامَ فِي هَذِهِ الْأَبْوَابِ الشَّرِيفَةِ وَالْأُصُولِ الْجَامِعَةِ فِي الْقَوَاعِدِ وَبَيَّنَّا أَنْوَاعَ الظُّلْمِ وَبَيَّنَّا كَيْفَ كَانَ الشِّرْكُ أَعْظَمَ أَنْوَاعِ الظُّلْمِ وَمُسَمَّى الشِّرْكِ جَلِيلِهِ وَدَقِيقِهِ؟ فَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: " {الشِّرْكُ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ} ". وَرُوِيَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي أَهْلِ الرِّيَاءِ {فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} وَكَانَ شَدَّادُ بْنُ أَوْسٍ يَقُولُ: يَا بَقَايَا الْعَرَبِ يَا بَقَايَا الْعَرَبِ إنَّمَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ الرِّيَاءُ وَالشَّهْوَةُ الْخَفِيَّةُ. قَالَ أَبُو دَاوُد السجستاني صَاحِبُ السُّنَنِ الْمَشْهُورَةِ: الْخَفِيَّةُ حُبُّ الرِّيَاسَةِ. وَذَلِكَ أَنَّ حُبَّ الرِّيَاسَةِ هُوَ أَصْلُ الْبَغْيِ وَالظُّلْمِ كَمَا أَنَّ الرِّيَاءَ هُوَ مِنْ جِنْسِ الشِّرْكِ أَوْ مَبْدَأُ الشِّرْكِ. وَالشِّرْكُ أَعْظَمُ الْفَسَادِ كَمَا أَنَّ التَّوْحِيدَ أَعْظَمُ الصَّلَاحِ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: {إنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ} إلَى أَنْ خَتَمَ السُّورَةَ بِقَوْلِهِ: {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا} وَقَالَ: {وَقَضَيْنَا إلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا} وَقَالَ:
(18/162)

{مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا} وَقَالَتْ الْمَلَائِكَةُ: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ} . فَأَصْلُ الصَّلَاحِ: التَّوْحِيدُ وَالْإِيمَانُ وَأَصْلُ الْفَسَادِ: الشِّرْكُ وَالْكُفْرُ. كَمَا قَالَ عَنْ الْمُنَافِقِينَ: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} {أَلَا إنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ} وَذَلِكَ أَنَّ صَلَاحَ كُلِّ شَيْءٍ أَنْ يَكُونَ بِحَيْثُ يَحْصُلُ لَهُ وَبِهِ الْمَقْصُودُ الَّذِي يُرَادُ مِنْهُ؛ وَلِهَذَا يَقُولُ الْفُقَهَاءُ: الْعَقْدُ الصَّحِيحُ مِمَّا تَرَتَّبَ عَلَيْهِ أَثَرُهُ وَحَصَلَ بِهِ مَقْصُودُهُ. وَالْفَاسِدُ مَا لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ أَثَرُهُ وَلَمْ يَحْصُلْ بِهِ مَقْصُودٌ وَالصَّحِيحُ الْمُقَابِلُ لِلْفَاسِدِ فِي اصْطِلَاحِهِمْ هُوَ الصَّالِحُ. وَكَانَ يَكْثُرُ فِي كَلَامِ السَّلَفِ: هَذَا لَا يَصْلُحُ أَوْ يَصْلُحُ كَمَا كَثُرَ فِي كَلَامِ الْمُتَأَخِّرِينَ يَصِحُّ وَلَا يَصِحُّ وَاَللَّهُ تَعَالَى إنَّمَا خَلَقَ الْإِنْسَانَ لِعِبَادَتِهِ وَبَدَنُهُ تَبَعٌ لِقَلْبِهِ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: " {أَلَا إنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إذَا صَلَحَتْ صَلَحَ لَهَا سَائِرُ الْجَسَدِ. وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ لَهَا سَائِرُ الْجَسَدِ أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ} " وَصَلَاحُ الْقَلْبِ: فِي أَنْ يَحْصُلَ لَهُ وَبِهِ الْمَقْصُودُ الَّذِي خُلِقَ لَهُ مِنْ
(18/163)

مَعْرِفَةِ اللَّهِ وَمَحَبَّتِهِ وَتَعْظِيمِهِ وَفَسَادِهِ فِي ضِدِّ ذَلِكَ. فَلَا صَلَاحَ لِلْقُلُوبِ بِدُونِ ذَلِكَ قَطُّ. وَالْقَلْبُ لَهُ قُوَّتَانِ: الْعِلْمُ؛ وَالْقَصْدُ كَمَا أَنَّ لِلْبَدَنِ الْحِسَّ؛ وَالْحَرَكَةَ الْإِرَادِيَّةَ فَكَمَا أَنَّهُ مَتَى خَرَجَتْ قُوَى الْحِسِّ وَالْحَرَكَةِ عَنْ الْحَالِ الْفِطْرِيِّ الطَّبِيعِيِّ فَسَدَتْ. فَإِذَا خَرَجَ الْقَلْبُ عَنْ الْحَالِ الْفِطْرِيَّةِ الَّتِي يُولَدُ عَلَيْهَا كُلُّ مَوْلُودٍ وَهِيَ أَنْ يَكُونَ مُقِرًّا لِرَبِّهِ مُرِيدًا لَهُ فَيَكُونُ هُوَ مُنْتَهَى قَصْدِهِ وَإِرَادَتِهِ. وَذَلِكَ هِيَ الْعِبَادَةُ؛ إذْ الْعِبَادَةُ: كَمَالُ الْحُبِّ بِكَمَالِ الذُّلِّ فَمَتَى لَمْ تَكُنْ حَرَكَةُ الْقَلْبِ وَوَجْهُهُ وَإِرَادَتُهُ لِلَّهِ تَعَالَى كَانَ فَاسِدًا؛ إمَّا بِأَنْ يَكُونَ مُعْرِضًا عَنْ اللَّهِ وَعَنْ ذَكَرَهُ غَافِلًا عَنْ ذَلِكَ مَعَ تَكْذِيبٍ أَوْ بِدُونِ تَكْذِيبٍ أَوْ بِأَنْ يَكُونَ لَهُ ذِكْرٌ وَشُعُورٌ وَلَكِنْ قَصْدُهُ وَإِرَادَتُهُ غَيْرَهُ لِكَوْنِ الذِّكْرِ ضَعِيفًا لَمْ يَجْتَذِبْ الْقَلْبَ إلَى إرَادَةِ اللَّهِ وَمَحَبَّتِهِ وَعِبَادَتِهِ. وَإِلَّا فَمَتَى قَوِيَ عِلْمُ الْقَلْبِ وَذِكْرُهُ أَوْجَبَ قَصْدَهُ وَعِلْمَهُ قَالَ تَعَالَى: {فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} {ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ} فَأَمَرَ نَبِيَّهُ بِأَنْ يُعْرِضَ عَمَّنْ كَانَ مُعْرِضًا عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مُرَادٌ إلَّا مَا يَكُونُ فِي الدُّنْيَا. وَهَذِهِ حَالُ مَنْ فَسَدَ قَلْبُهُ؛ وَلَمْ يَذْكُرْ رَبَّهُ؛ وَلَمْ يُنِبْ إلَيْهِ فَيُرِيدُ وَجْهَهُ وَيُخْلِصُ لَهُ الدِّينَ. ثُمَّ قَالَ: {ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ} فَأَخْبَرَ أَنَّهُمْ
(18/164)

لَمْ يَحْصُلْ لَهُمْ عِلْمٌ فَوْقَ مَا يَكُونُ فِي الدُّنْيَا؛ فَهِيَ أَكْبَرُ هَمِّهِمْ وَمَبْلَغُ عِلْمِهِمْ. وَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَأَكْبَرُ هَمِّهِ هُوَ اللَّهُ وَإِلَيْهِ انْتَهَى عِلْمُهُ وَذِكْرُهُ. وَهَذَا الْآنُ بَابٌ وَاسِعٌ عَظِيمٌ قَدْ تَكَلَّمْنَا عَلَيْهِ فِي مَوَاضِعِهِ. وَإِذَا كَانَ التَّوْحِيدُ أَصْلَ صَلَاحِ النَّاسِ وَالْإِشْرَاكُ أَصْلَ فَسَادِهِمْ وَالْقِسْطُ مَقْرُونٌ بِالتَّوْحِيدِ؛ إذْ التَّوْحِيدُ أَصْلُ الْعَدْلِ؛ وَإِرَادَةُ الْعُلُوِّ مَقْرُونَةٌ بِالْفَسَادِ؛ إذْ هُوَ أَصْلُ الظُّلْمِ فَهَذَا مَعَ هَذَا وَهَذَا مَعَ هَذَا كَالْمَلْزُوزِينَ فِي قَرْنٍ فَالتَّوْحِيدُ وَمَا يَتْبَعُهُ مِنْ الْحَسَنَاتِ هُوَ صَلَاحٌ وَعَدْلٌ؛ وَلِهَذَا كَانَ الرَّجُلُ الصَّالِحُ هُوَ الْقَائِمَ بِالْوَاجِبَاتِ؛ وَهُوَ الْبِرُّ؛ وَهُوَ الْعَدْلُ. وَالذُّنُوبُ الَّتِي فِيهَا تَفْرِيطٌ أَوْ عُدْوَانٌ فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى وَحُقُوقِ عِبَادِهِ هِيَ فَسَادٌ وَظُلْمٌ؛ وَلِهَذَا سُمِّيَ قُطَّاعُ الطَّرِيقِ مُفْسِدِينَ وَكَانَتْ عُقُوبَتُهُمْ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى لِاجْتِمَاعِ الْوَصْفَيْنِ وَاَلَّذِي يُرِيدُ الْعُلُوَّ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ أَبْنَاءِ جِنْسِهِ هُوَ ظَالِمٌ لَهُ بَاغٍ؛ إذْ لَيْسَ كَوْنُك عَالِيًا عَلَيْهِ بِأَوْلَى مِنْ كَوْنِهِ عَالِيًا عَلَيْك وَكِلَاكُمَا مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ فَالْقِسْطُ وَالْعَدْلُ أَنْ يَكُونُوا إخْوَةً كَمَا وَصَفَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ بِذَلِكَ. وَالتَّوْحِيدُ وَإِنْ كَانَ أَصْلَ الصَّلَاحِ فَهُوَ أَعْظَمُ الْعَدْلِ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} وَلِهَذَا كَانَ تَخْصِيصُهُ
(18/165)

بِالذِّكْرِ فِي مِثْلِ قَوْلِهِ: {قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} لَا يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ دَاخِلًا فِي الْقِسْطِ كَمَا أَنَّ ذِكْرَ الْعَمَلِ الصَّالِحِ بَعْدَ الْإِيمَانِ لَا يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ دَاخِلًا فِي الْإِيمَانِ كَمَا فِي قَوْلِهِ: {وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ} و {مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ} هَذَا إذَا قِيلَ: إنَّ اسْمَ الْإِيمَانِ يَتَنَاوَلُهُ. سَوَاءٌ قِيلَ: إنَّهُ فِي مِثْلِ هَذَا يَكُونُ دَاخِلًا فِي الْأَوَّلِ فَيَكُونُ مَذْكُورًا مَرَّتَيْنِ أَوْ قِيلَ: بَلْ عَطْفُهُ عَلَيْهِ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَيْسَ دَاخِلًا فِيهِ هُنَا وَإِنْ كَانَ دَاخِلًا فِيهِ مُنْفَرِدًا كَمَا قِيلَ مِثْلُ ذَلِكَ فِي لَفْظِ الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَأَمْثَالِ ذَلِكَ مِمَّا تَتَنَوَّعُ دَلَالَتُهُ بِالْإِفْرَادِ وَالِاقْتِرَانِ. لَكِنَّ الْمَقْصُودَ: أَنَّ كُلَّ خَيْرٍ فَهُوَ دَاخِلٌ فِي الْقِسْطِ وَالْعَدْلِ وَكُلَّ شَرٍّ فَهُوَ دَاخِلٌ فِي الظُّلْمِ. وَلِهَذَا كَانَ الْعَدْلُ أَمْرًا وَاجِبًا فِي كُلِّ شَيْءٍ وَعَلَى كُلِّ أَحَدٍ وَالظُّلْمُ مُحَرَّمًا فِي كُلِّ شَيْءٍ وَلِكُلِّ أَحَدٍ فَلَا يَحِلُّ ظُلْمُ أَحَدٍ أَصْلًا سَوَاءٌ كَانَ مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا أَوْ كَانَ ظَالِمًا بَلْ الظُّلْمُ إنَّمَا يُبَاحُ أَوْ يَجِبُ فِيهِ الْعَدْلُ عَلَيْهِ أَيْضًا قَالَ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ} أَيْ: لَا يَحْمِلَنكُمْ شَنَآنُ أَيْ: بُغْضُ قَوْمٍ - وَهُمْ الْكُفَّارُ - عَلَى عَدَمِ الْعَدْلِ؛ {قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} وَقَالَ تَعَالَى: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} وَقَالَ تَعَالَى: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ
(18/166)

مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} وَقَالَ تَعَالَى: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} . وَقَدْ دَلَّ عَلَى هَذَا قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ: " {يَا عِبَادِي إنِّي حَرَّمْت الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْته بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تظالموا} " فَإِنَّ هَذَا خِطَابٌ لِجَمِيعِ الْعِبَادِ أَنْ لَا يَظْلِمَ أَحَدٌ أَحَدًا وَأَمْرُ الْعَالِمِ فِي الشَّرِيعَةِ مَبْنِيٌّ عَلَى هَذَا وَهُوَ الْعَدْلُ فِي الدِّمَاءِ وَالْأَمْوَالِ؛ وَالْأَبْضَاعِ وَالْأَنْسَابِ؛ وَالْأَعْرَاضِ. وَلِهَذَا جَاءَتْ السُّنَّةُ بِالْقِصَاصِ فِي ذَلِكَ وَمُقَابَلَةِ الْعَادِي بِمِثْلِ فِعْلِهِ. لَكِنَّ الْمُمَاثَلَةَ قَدْ يَكُونُ عِلْمُهَا أَوْ عَمَلُهَا مُتَعَذِّرًا أَوْ مُتَعَسِّرًا؛ وَلِهَذَا يَكُونُ الْوَاجِبُ مَا يَكُونُ أَقْرَبَ إلَيْهَا بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ وَيُقَالُ: هَذَا أَمْثَلُ؛ وَهَذَا أَشْبَهُ. وَهَذِهِ الطَّرِيقَةُ الْمُثْلَى لِمَا كَانَ أَمْثَلَ بِمَا هُوَ الْعَدْلُ وَالْحَقُّ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ؛ إذْ ذَاكَ مَعْجُوزٌ عَنْهُ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: {وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا} فَذَكَرَ أَنَّهُ لَمْ يُكَلِّفْ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا حِينَ أَمَرَ بِتَوْفِيَةِ الْكَيْلِ وَالْمِيزَانِ بِالْقِسْطِ؛ لِأَنَّ الْكَيْلَ لَا بُدَّ لَهُ أَنْ يُفَضِّلَ أَحَدَ الْمَكِيلَيْنِ عَلَى الْآخَرِ وَلَوْ بِحَبَّةِ أَوْ حَبَّاتٍ وَكَذَلِكَ التَّفَاضُلُ فِي الْمِيزَانِ قَدْ يَحْصُلُ بِشَيْءِ يَسِيرٍ لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ فَقَالَ تَعَالَى: {لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا} . وَلِهَذَا كَانَ الْقِصَاصُ مَشْرُوعًا إذَا أَمْكَنَ اسْتِيفَاؤُهُ مِنْ غَيْرِ جَنَفٍ كَالِاقْتِصَاصِ فِي الْجُرُوحِ الَّتِي تَنْتَهِي إلَى عَظْمٍ. وَفِي الْأَعْضَاءِ الَّتِي تَنْتَهِي إلَى مَفْصِلٍ فَإِذَا كَانَ الْجَنَفُ وَاقِعًا فِي الِاسْتِيفَاءِ عُدِلَ إلَى بَدَلِهِ وَهُوَ
(18/167)

الدِّيَةُ؛ لِأَنَّهُ أَشْبَهُ بِالْعَدْلِ مِنْ إتْلَافِ زِيَادَةٍ فِي الْمُقْتَصِّ مِنْهُ وَهَذِهِ حُجَّةُ مَنْ رَأَى مِنْ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ لَا قَوَدَ إلَّا بِالسَّيْفِ فِي الْعُنُقِ قَالَ: لِأَنَّ الْقَتْلَ بِغَيْرِ السَّيْفِ وَفِي غَيْرِ الْعُنُقِ لَا نَعْلَمُ فِيهِ الْمُمَاثَلَةَ بَلْ قَدْ يَكُونُ التَّحْرِيقُ وَالتَّغْرِيقُ وَالتَّوْسِيطُ وَنَحْوُ ذَلِكَ أَشَدَّ إيلَامًا؛ لَكِنْ الَّذِينَ قَالُوا: يُفْعَلُ بِهِ مِثْلُ مَا فَعَلَ قَوْلُهُمْ أَقْرَبُ إلَى الْعَدْلِ؛ فَإِنَّهُ مَعَ تَحَرِّي التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الْفِعْلَيْنِ يَكُونُ الْعَبْدُ قَدْ فَعَلَ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنْ الْعَدْلِ وَمَا حَصَلَ مِنْ تَفَاوُتِ الْأَلَمِ خَارِجٌ عَنْ قُدْرَتِهِ. وَأَمَّا إذَا قَطَعَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ ثُمَّ وَسَطَهُ فَقُوبِلَ ذَلِكَ بِضَرْبِ عُنُقِهِ بِالسَّيْفِ؛ أَوْ رَضَّ رَأْسَهُ بَيْنَ حَجَرَيْنِ فَضُرِبَ بِالسَّيْفِ فَهُنَا قَدْ تَيَقَّنَّا عَدَمَ الْمُعَادَلَةِ وَالْمُمَاثَلَةِ. وَكُنَّا قَدْ فَعَلْنَا مَا تَيَقَّنَّا انْتِفَاءَ الْمُمَاثَلَةِ فِيهِ وَأَنَّهُ يَتَعَذَّرُ مَعَهُ وُجُودُهَا بِخِلَافِ الْأَوَّلِ فَإِنَّ الْمُمَاثَلَةَ قَدْ تَقَعُ؛ إذْ التَّفَاوُتُ فِيهِ غَيْرُ مُتَيَقَّنٍ. وَكَذَلِكَ الْقِصَاصُ فِي الضَّرْبَةِ وَاللَّطْمَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ عَدَلَ عَنْهُ طَائِفَةٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ إلَى التَّعْزِيرِ؛ لِعَدَمِ إمْكَانِ الْمُمَاثَلَةِ فِيهِ. وَاَلَّذِي عَلَيْهِ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ وَغَيْرُهُمْ مِنْ الصَّحَابَةِ وَهُوَ مَنْصُوصُ أَحْمَد: مَا جَاءَتْ بِهِ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ ثُبُوتِ الْقِصَاصِ بِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَقْرَبُ إلَى الْعَدْلِ وَالْمُمَاثَلَةِ. فَإِنَّا إذَا تَحَرَّيْنَا أَنْ نَفْعَلَ بِهِ مِنْ جِنْسِ فِعْلِهِ وَنُقَرِّبَ
(18/168)

الْقَدْرَ مِنْ الْقَدْرِ كَانَ هَذَا أَمْثَلَ مِنْ أَنْ نَأْتِيَ بِجِنْسِ مِنْ الْعُقُوبَةِ تُخَالِفُ عُقُوبَتُهُ جِنْسًا وَقَدْرًا وَصِفَةً. وَهَذَا النَّظَرُ أَيْضًا فِي ضَمَانِ الْحَيَوَانِ وَالْعَقَارِ وَنَحْوِ ذَلِكَ بِمِثْلِهِ تَقْرِيبًا أَوْ بِالْقِيمَةِ كَمَا نَصَّ أَحْمَد عَلَى ذَلِكَ فِي مَوَاضِعِ ضَمَانِ الْحَيَوَانِ وَغَيْرِهِ. وَنَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِيمَنْ خَرَّبَ حَائِطَ غَيْرِهِ: أَنَّهُ يَبْنِيهِ كَمَا كَانَ. وَبِهَذَا قَضَى سُلَيْمَانُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي حُكُومَةِ الْحَرْثِ الَّتِي حَكَمَ فِيهَا هُوَ وَأَبُوهُ؛ كَمَا قَدْ بُيِّنَ ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ. فَجَمِيعُ هَذِهِ الْأَبْوَابِ الْمَقْصُودُ لِلشَّرِيعَةِ فِيهَا تَحَرِّي الْعَدْلِ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ وَهُوَ مَقْصُودُ الْعُلَمَاءِ لَكِنْ أَفْهَمُهُمْ مَنْ قَالَ بِمَا هُوَ أَشْبَهُ بِالْعَدْلِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَإِنْ كَانَ كُلٌّ مِنْهُمْ قَدْ أُوتِيَ عِلْمًا وَحُكْمًا؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ اللَّهُ بِهِ الْكُتُبَ وَأَرْسَلَ بِهِ الرُّسُلَ وَضِدُّهُ الظُّلْمُ كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ: " {يَا عِبَادِي إنِّي حَرَّمْت الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْته بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تظالموا} ". وَلَمَّا كَانَ الْعَدْلُ لَا بُدَّ أَنْ يَتَقَدَّمَهُ عِلْمٌ - إذْ مَنْ لَا يَعْلَمُ لَا يَدْرِي مَا الْعَدْلُ؟ وَالْإِنْسَانُ ظَالِمٌ جَاهِلٌ إلَّا مَنْ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ فَصَارَ عَالِمًا عَادِلًا - صَارَ النَّاسُ مِنْ الْقُضَاةِ وَغَيْرِهِمْ ثَلَاثَةَ أَصْنَافٍ: الْعَالِمُ الْجَائِرُ وَالْجَاهِلُ الظَّالِمُ؛ فَهَذَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(18/169)

" {الْقُضَاةُ ثَلَاثَةٌ: قَاضِيَانِ فِي النَّارِ وَقَاضٍ فِي الْجَنَّةِ: رَجُلٌ عَلِمَ الْحَقَّ وَقَضَى بِهِ فَهُوَ فِي الْجَنَّةِ؛ وَرَجُلٌ قَضَى لِلنَّاسِ عَلَى جَهْلٍ فَهُوَ فِي النَّارِ؛ وَرَجُلٌ عَلِمَ الْحَقَّ وَقَضَى بِخِلَافِهِ فَهُوَ فِي النَّارِ} " فَهَذَانِ الْقِسْمَانِ كَمَا قَالَ: " {مَنْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ بِرَأْيِهِ فَأَصَابَ فَقَدْ أَخْطَأَ وَمَنْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ بِرَأْيِهِ فَأَخْطَأَ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ} ". وَكُلُّ مَنْ حَكَمَ بَيْنَ اثْنَيْنِ فَهُوَ قَاضٍ سَوَاءٌ كَانَ صَاحِبَ حَرْبٍ أَوْ مُتَوَلِّي دِيوَانٍ أَوْ مُنْتَصِبًا لِلِاحْتِسَابِ بِالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ حَتَّى الَّذِي يَحْكُمُ بَيْنَ الصِّبْيَانِ فِي الْخُطُوطِ فَإِنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا يَعُدُّونَهُ مِنْ الْحُكَّامِ. وَلَمَّا كَانَ الْحُكَّامُ مَأْمُورِينَ بِالْعَدْلِ وَالْعِلْمِ وَكَانَ الْمَفْرُوضُ إنَّمَا هُوَ بِمَا يَبْلُغُهُ جُهْدُ الرَّجُلِ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " {إذَا اجْتَهَدَ الْحَاكِمُ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ وَإِذَا اجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ} ".
فَصْلٌ:
فَلَمَّا ذَكَرَ فِي أَوَّلِ الْحَدِيثِ مَا أَوْجَبَهُ مِنْ الْعَدْلِ وَحَرَّمَهُ مِنْ الظُّلْمِ عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَى عِبَادِهِ: ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ إحْسَانَهُ إلَى عِبَادِهِ مَعَ غِنَاهُ عَنْهُمْ وَفَقْرِهِمْ إلَيْهِ وَأَنَّهُمْ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى جَلْبِ مَنْفَعَةٍ لِأَنْفُسِهِمْ وَلَا دَفْعِ مَضَرَّةٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمُيَسِّرَ لِذَلِكَ. وَأَمَرَ الْعِبَادَ أَنْ يَسْأَلُوهُ ذَلِكَ وَأَخْبَرَ
(18/170)

أَنَّهُمْ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى نَفْعِهِ وَلَا ضَرِّهِ مَعَ عِظَمِ مَا يُوصِلُ إلَيْهِمْ مِنْ النَّعْمَاءِ؛ وَيَدْفَعُ عَنْهُمْ مِنْ الْبَلَاءِ. وَجَلْبُ الْمَنْفَعَةِ وَدَفْعُ الْمَضَرَّةِ إمَّا أَنْ يَكُونَ فِي الدِّينِ أَوْ فِي الدُّنْيَا؛ فَصَارَتْ أَرْبَعَةَ أَقْسَامٍ: الْهِدَايَةُ: وَالْمَغْفِرَةُ؛ وَهُمَا: جَلْبُ الْمَنْفَعَةِ وَدَفْعُ الْمَضَرَّةِ فِي الدِّينِ وَالطَّعَامِ؛ وَالْكُسْوَةِ وَهُمَا: جَلْبُ الْمَنْفَعَةِ وَدَفْعُ الْمَضَرَّةِ فِي الدُّنْيَا. وَإِنْ شِئْت قُلْت: الْهِدَايَةُ وَالْمَغْفِرَةُ يَتَعَلَّقَانِ بِالْقَلْبِ الَّذِي هُوَ مَلِكُ الْبَدَنِ وَهُوَ الْأَصْلُ فِي الْأَعْمَالِ الْإِرَادِيَّةِ. وَالطَّعَامُ وَالْكُسْوَةُ يَتَعَلَّقَانِ بِالْبَدَنِ: الطَّعَامُ لِجَلْبِ مَنْفَعَتِهِ وَاللِّبَاسُ لِدَفْعِ مَضَرَّتِهِ. وَفَتْحُ الْأَمْرِ بِالْهِدَايَةِ فَإِنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ الْهِدَايَةُ النَّافِعَةُ هِيَ الْمُتَعَلِّقَةَ بِالدِّينِ فَكُلُّ أَعْمَالِ النَّاسِ تَابِعَةٌ لِهُدَى اللَّهِ إيَّاهُمْ كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} {الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى} {وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى} وَقَالَ مُوسَى: {رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} وَقَالَ تَعَالَى: {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} وَقَالَ: {إنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا} . وَلِهَذَا قِيلَ: الْهُدَى أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: الْهِدَايَةُ إلَى مَصَالِحِ الدُّنْيَا؛ فَهَذَا مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْحَيَوَانِ النَّاطِقِ وَالْأَعْجَمِ؛ وَبَيْنَ الْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ.
(18/171)

وَالثَّانِي الْهُدَى بِمَعْنَى دُعَاءِ الْخَلْقِ إلَى مَا يَنْفَعُهُمْ وَأَمْرِهِمْ بِذَلِكَ وَهُوَ نَصْبُ الْأَدِلَّةِ وَإِرْسَالُ الرُّسُلِ وَإِنْزَالُ الْكُتُبِ فَهَذَا أَيْضًا يَشْتَرِكُ فِيهِ جَمِيعُ الْمُكَلَّفِينَ سَوَاءٌ آمَنُوا أَوْ كَفَرُوا كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى} وَقَالَ تَعَالَى: {إنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ} وَقَالَ تَعَالَى: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} فَهَذَا مَعَ قَوْلِهِ: {إنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} يُبَيِّنُ أَنَّ الْهُدَى الَّذِي أَثْبَتَهُ هُوَ الْبَيَانُ وَالدُّعَاءُ؛ وَالْأَمْرُ وَالنَّهْيُ؛ وَالتَّعْلِيمُ وَمَا يَتْبَعُ ذَلِكَ لَيْسَ هُوَ الْهُدَى الَّذِي نَفَاهُ وَهُوَ الْقِسْمُ الثَّالِثُ الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلَّا اللَّهُ. وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: الْهُدَى الَّذِي هُوَ جَعْلُ الْهُدَى فِي الْقُلُوبِ. وَهُوَ الَّذِي يُسَمِّيهِ بَعْضُهُمْ بِالْإِلْهَامِ وَالْإِرْشَادِ وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: هُوَ خَلْقُ الْقُدْرَةِ عَلَى الْإِيمَانِ؛ كَالتَّوْفِيقِ عِنْدَهُمْ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَهُوَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الِاسْتِطَاعَةَ لَا تَكُونُ إلَّا مَعَ الْفِعْلِ فَمَنْ قَالَ ذَلِكَ مِنْ أَهْلِ الْإِثْبَاتِ جَعَلَ التَّوْفِيقَ وَالْهُدَى وَنَحْوَ ذَلِكَ خَلْقَ الْقُدْرَةِ عَلَى الطَّاعَةِ. وَأَمَّا مَنْ قَالَ: إنَّهُمَا اسْتِطَاعَتَانِ: إحْدَاهُمَا: قَبْلَ الْفِعْلِ وَهِيَ الِاسْتِطَاعَةُ الْمَشْرُوطَةُ فِي التَّكْلِيفِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إلَيْهِ سَبِيلًا}
(18/172)

وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعِمْرَان بْنِ حُصَيْنٍ: " {صَلِّ قَائِمًا فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ} " وَهَذِهِ الِاسْتِطَاعَةُ يَقْتَرِنُ بِهَا الْفِعْلُ تَارَةً وَالتَّرْكُ أُخْرَى وَهِيَ الِاسْتِطَاعَةُ الَّتِي لَمْ تَعْرِفْ الْقَدَرِيَّةُ غَيْرَهَا كَمَا أَنَّ أُولَئِكَ الْمُخَالِفِينَ لَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْإِثْبَاتِ لَمْ يَعْرِفُوا إلَّا الْمُقَارَنَةَ. وَأَمَّا الَّذِي عَلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ مِنْ أَئِمَّةِ الْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ وَالْكَلَامِ وَغَيْرِهِمْ فَإِثْبَاتُ النَّوْعَيْنِ جَمِيعًا كَمَا قَدْ بَسَطْنَاهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ؛ فَإِنَّ الْأَدِلَّةَ الشَّرْعِيَّةَ وَالْعَقْلِيَّةَ تُثْبِتُ النَّوْعَيْنِ جَمِيعًا. وَالثَّانِيَةُ: الْمُقَارِنَةُ لِلْفِعْلِ؛ وَهِيَ الْمُوجِبَةُ لَهُ وَهِيَ الْمَنْفِيَّةُ عَمَّنْ لَمْ يَفْعَلْ فِي مِثْلِ قَوْلِهِ: {مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ} وَفِي قَوْلِهِ: {لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا} وَهَذَا الْهُدَى الَّذِي يَكْثُرُ ذَكَرَهُ فِي الْقُرْآنِ فِي مِثْلِ قَوْلِهِ: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} وَقَوْلِهِ: {فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا} وَفِي قَوْلِهِ: {مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا} وَأَمْثَالِ ذَلِكَ. وَهَذَا هُوَ الَّذِي تُنْكِرُ الْقَدَرِيَّةُ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ هُوَ الْفَاعِلَ لَهُ وَيَزْعُمُونَ أَنَّ الْعَبْدَ هُوَ الَّذِي يَهْدِي نَفْسَهُ. وَهَذَا الْحَدِيثُ وَأَمْثَالُهُ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ؛ حَيْثُ قَالَ: " {يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ إلَّا مَنْ هَدَيْته فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ} فَأَمَرَ الْعِبَادَ بِأَنْ يَسْأَلُوهُ الْهِدَايَةَ كَمَا أَمَرَهُمْ بِذَلِكَ فِي أُمِّ
(18/173)

الْكِتَابِ فِي قَوْلِهِ: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} وَعِنْدَ الْقَدَرِيَّةِ أَنَّ اللَّهَ لَا يُقَدِّرُ مِنْ الْهُدَى إلَّا عَلَى مَا فَعَلَهُ مِنْ: إرْسَالِ الرُّسُلِ وَنَصْبِ الْأَدِلَّةِ وَإِزَاحَةِ الْعِلَّةِ وَلَا مِزْيَةَ عِنْدَهُمْ لِلْمُؤْمِنِ عَلَى الْكَافِرِ فِي هِدَايَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا نِعْمَةَ لَهُ عَلَى الْمُؤْمِنِ أَعْظَمُ مِنْ نِعْمَتِهِ عَلَى الْكَافِرِ فِي بَابِ الْهُدَى. وَقَدْ بَيَّنَ الِاخْتِصَاصَ فِي هَذِهِ بَعْدَ عُمُومِ الدَّعْوَةِ فِي قَوْلِهِ: {وَاللَّهُ يَدْعُو إلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} فَقَدْ جَمَعَ الْحَدِيثَ: تَنْزِيهُهُ عَنْ الظُّلْمِ الَّذِي يُجَوِّزُهُ عَلَيْهِ بَعْضُ الْمُثْبِتَةِ وَبَيَانُ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي يَهْدِي عِبَادَهُ رَدًّا عَلَى الْقَدَرِيَّةِ. فَأَخْبَرَ هُنَاكَ بِعَدْلِهِ الَّذِي يَذْكُرُهُ بَعْضُ الْمُثْبِتَةِ وَأَخْبَرَ هُنَا بِإِحْسَانِهِ وَقُدْرَتِهِ الَّذِي تُنْكِرُهُ الْقَدَرِيَّةُ وَإِنْ كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا قَصَدَهُ تَعْظِيمًا لَا يَعْرِفُ مَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ. وَالْقِسْمُ الرَّابِعُ: الْهُدَى فِي الْآخِرَةِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {إنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ} {وَهُدُوا إلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ} وَقَالَ: {إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ} فَقَوْلُهُ: {يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ} كَقَوْلِهِ:
(18/174)

{وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ} عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فِي الْآيَةِ. وَهَذَا الْهُدَى ثَوَابُ الِاهْتِدَاءِ فِي الدُّنْيَا كَمَا أَنَّ ضَلَالَ الْآخِرَةِ جَزَاءُ ضَلَالِ الدُّنْيَا؛ وَكَمَا أَنَّ قَصْدَ الشَّرِّ فِي الدُّنْيَا جَزَاؤُهُ الْهُدَى إلَى طَرِيقِ النَّارِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ} {مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ} . وَقَالَ: {وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا} وَقَالَ: {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى} {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} {قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا} {قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى} وَقَالَ: {وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا} الْآيَةَ فَأَخْبَرَ أَنَّ الضَّالِّينَ فِي الدُّنْيَا يُحْشَرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا فَإِنَّ الْجَزَاءَ أَبَدًا مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ كَمَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " {الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمْ الرَّحْمَنُ ارْحَمُوا مَنْ فِي الْأَرْضِ يَرْحَمُكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ} " وَقَالَ: " {مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إلَى الْجَنَّةِ وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا
(18/175)

وَالْآخِرَةِ وَاَللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ} ". وَقَالَ: " {مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ يَعْلَمُهُ فَكَتَمَهُ أَلْجَمَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِلِجَامِ مِنْ نَارٍ} ". وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ} وَقَالَ: {إنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا} وَأَمْثَالُ هَذَا كَثِيرٌ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. وَلِهَذَا أَيْضًا يَجْزِي الرَّجُلَ فِي الدُّنْيَا عَلَى مَا فَعَلَهُ مِنْ خَيْرِ الْهُدَى بِمَا يَفْتَحُ عَلَيْهِ مِنْ هُدًى آخَرَ وَلِهَذَا قِيلَ: مَنْ عَمِلَ بِمَا عَلِمَ وَرَّثَهُ اللَّهُ عِلْمَ مَا لَمْ يَعْلَمْ. وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا} إلَى قَوْلِهِ: {مُسْتَقِيمًا} وَقَالَ: {قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ} {يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ} . وَقَالَ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ} . وَقَالَ: {إنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا} فَسَّرُوهُ بِالنَّصْرِ وَالنَّجَاةِ كَقَوْلِهِ: {يَوْمَ الْفُرْقَانِ} . وَقَدْ قِيلَ: نُورٌ يُفَرِّقُ بِهِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ. وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا} {وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} وَعَدَ الْمُتَّقِينَ بِالْمَخَارِجِ مِنْ الضِّيقِ وَبِرِزْقِ الْمَنَافِعِ. وَمِنْ هَذَا الْبَابِ قَوْلُهُ: {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ
(18/176)

تَقْوَاهُمْ} وَقَوْلُهُ: {إنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى} . وَمِنْهُ قَوْلُهُ: {إنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا} {لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا} {وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا} . وَبِإِزَاءِ ذَلِكَ أَنَّ الضَّلَالَ وَالْمَعَاصِيَ تَكُونُ بِسَبَبِ الذُّنُوبِ الْمُتَقَدِّمَةِ كَمَا قَالَ اللَّهُ: {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ} {وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ} وَقَالَ: {فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً} . وَقَالَ: {وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ} إلَى قَوْلِهِ: {لَا يُؤْمِنُونَ} إلَى قَوْلِهِ: {يَعْمَهُونَ} . وَهَذَا بَابٌ وَاسِعٌ. وَلِهَذَا قَالَ مَنْ قَالَ مِنْ السَّلَفِ: أَنَّ مِنْ ثَوَابِ الْحَسَنَةِ الْحَسَنَةَ بَعْدَهَا وَأَنَّ مِنْ عُقُوبَةِ السَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ بَعْدَهَا. وَقَدْ شَاعَ فِي لِسَانِ الْعَامَّةِ أَنَّ قَوْلَهُ: {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ} مِنْ الْبَابِ الْأَوَّلِ؛ حَيْثُ يَسْتَدِلُّونَ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّ التَّقْوَى سَبَبُ تَعْلِيمِ اللَّهِ وَأَكْثَرُ الْفُضَلَاءِ يَطْعَنُونَ فِي هَذِهِ الدَّلَالَةِ لِأَنَّهُ لَمْ يَرْبُطْ الْفِعْلَ الثَّانِيَ بِالْأَوَّلِ رَبْطَ الْجَزَاءِ بِالشَّرْطِ فَلَمْ يَقُلْ؛ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمْ وَلَا قَالَ فَيُعَلِّمُكُمْ. وَإِنَّمَا أَتَى بِوَاوِ الْعَطْفِ وَلَيْسَ مِنْ الْعَطْفِ مَا يَقْتَضِي أَنَّ الْأَوَّلَ سَبَبُ الثَّانِي وَقَدْ يُقَالُ الْعَطْفُ قَدْ يَتَضَمَّنُ مَعْنَى الِاقْتِرَانِ وَالتَّلَازُمِ كَمَا يُقَالُ: زُرْنِي وَأَزُورُك؛ وَسَلِّمْ عَلَيْنَا وَنُسَلِّمُ
(18/177)

عَلَيْك وَنَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا يَقْتَضِي اقْتِرَانَ الْفِعْلَيْنِ وَالتَّعَاوُضَ مِنْ الطَّرَفَيْنِ كَمَا لَوْ قَالَ لِسَيِّدِهِ: أَعْتِقْنِي وَلَك عَلَيَّ أَلْفٌ؛ أَوْ قَالَتْ الْمَرْأَةُ لِزَوْجِهَا طَلِّقْنِي وَلَك أَلْفٌ؛ أَوْ اخْلَعْنِي وَلَك أَلْفٌ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهَا بِأَلْفِ أَوْ عَلَيَّ أَلْفٌ. وَكَذَلِكَ أَيْضًا لَوْ قَالَ: أَنْتَ حُرٌّ وَعَلَيْك أَلْفٌ أَوْ أَنْتِ طَالِقٌ وَعَلَيْك أَلْفٌ؛ فَإِنَّهُ كَقَوْلِهِ: عَلَيَّ أَلْفٌ أَوْ بِأَلْفِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ. وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا قَوْلٌ شَاذٌّ وَيَقُولُ أَحَدُ الْمُتَعَاوِضَيْنِ لِلْآخَرِ: أُعْطِيك هَذَا وَآخُذُ هَذَا وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنْ الْعِبَارَاتِ فَيَقُولُ الْآخَرُ: نَعَمْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَحَدُهُمَا هُوَ السَّبَبَ لِلْآخَرِ دُونَ الْعَكْسِ. فَقَوْلُهُ: {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ} قَدْ يَكُونُ مِنْ هَذَا الْبَابِ فَكُلٌّ مِنْ تَعْلِيمِ الرَّبِّ وَتَقْوَى الْعَبْدِ يُقَارِبُ الْآخَرَ وَيُلَازِمُهُ وَيَقْتَضِيهِ فَمَتَى عَلَّمَهُ اللَّهُ الْعِلْمَ النَّافِعَ اقْتَرَنَ بِهِ التَّقْوَى بِحَسَبِ ذَلِكَ وَمَتَى اتَّقَاهُ زَادَهُ مِنْ الْعِلْمِ وَهَلُمَّ جَرَّا.
فَصْلٌ:
وَأَمَّا قَوْلُهُ: " {يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ جَائِعٌ إلَّا مَنْ أَطْعَمْته فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ وَكُلّكُمْ عَارٍ إلَّا مَنْ كَسَوْته فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ} " فَيَقْتَضِي أَصْلَيْنِ عَظِيمَيْنِ:
(18/178)

أَحَدُهُمَا: وُجُوبُ التَّوَكُّلِ عَلَى اللَّهِ فِي الرِّزْقِ الْمُتَضَمِّنِ جَلْبَ الْمَنْفَعَةِ كَالطَّعَامِ وَدَفْعَ الْمَضَرَّةِ كَاللِّبَاسِ وَأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ غَيْرُ اللَّهِ عَلَى الْإِطْعَامِ وَالْكُسْوَةِ قُدْرَةً مُطْلَقَةً. وَإِنَّمَا الْقُدْرَةُ الَّتِي تَحْصُلُ لِبَعْضِ الْعِبَادِ تَكُونُ عَلَى بَعْضِ أَسْبَابِ ذَلِكَ؛ وَلِهَذَا قَالَ: {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} وَقَالَ: {وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ} فَالْمَأْمُورُ بِهِ هُوَ الْمَقْدُورُ لِلْعِبَادِ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: {أَوْ إطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ} {يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ} {أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ} وَقَوْلُهُ: {وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ} وَقَوْلُهُ: {فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ} وَقَالَ: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ} فَذَمَّ مَنْ يَتْرُكُ الْمَأْمُورَ بِهِ اكْتِفَاءً بِمَا يَجْرِي بِهِ الْقَدَرُ. وَمِنْ هُنَا يُعْرَفُ أَنَّ السَّبَبَ الْمَأْمُورَ بِهِ أَوْ الْمُبَاحَ لَا يُنَافِي وُجُوبَ التَّوَكُّلِ عَلَى اللَّهِ فِي وُجُودِ السَّبَبِ؛ بَلْ الْحَاجَةُ وَالْفَقْرُ إلَى اللَّهِ ثَابِتَةٌ مَعَ فِعْلِ السَّبَبِ؛ إذْ لَيْسَ فِي الْمَخْلُوقَاتِ مَا هُوَ وَحْدَهُ سَبَبٌ تَامٌّ لِحُصُولِ الْمَطْلُوبِ؛ وَلِهَذَا لَا يَجِبُ أَنْ تَقْتَرِنَ الْحَوَادِثُ بِمَا قَدْ يُجْعَلُ سَبَبًا إلَّا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى؛ فَإِنَّهُ مَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ. فَمَنْ ظَنَّ الِاسْتِغْنَاءَ بِالسَّبَبِ عَنْ التَّوَكُّلِ فَقَدْ تَرَكَ مَا أَوْجَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنْ التَّوَكُّلِ؛ وَأَخَلَّ بِوَاجِبِ التَّوْحِيدِ وَلِهَذَا يُخْذَلُ أَمْثَالُ هَؤُلَاءِ
(18/179)

إذَا اعْتَمَدُوا عَلَى الْأَسْبَابِ. فَمَنْ رَجَا نَصْرًا أَوْ رِزْقًا مِنْ غَيْرِ اللَّهِ خَذَلَهُ اللَّهُ كَمَا قَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَا يَرْجُوَن عَبْدٌ إلَّا رَبَّهُ وَلَا يَخَافَن إلَّا ذَنْبَهُ. وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} وَقَالَ تَعَالَى: {وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ} وَقَالَ: {قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ} .
وَهَذَا كَمَا أَنَّ مَنْ أَخَذَ يَدْخُلُ فِي التَّوَكُّلِ تَارِكًا لِمَا أُمِرَ بِهِ مِنْ الْأَسْبَابِ فَهُوَ أَيْضًا جَاهِلٌ ظَالِمٌ؛ عَاصٍ لِلَّهِ بِتَرْكِ مَا أَمَرَهُ؛ فَإِنَّ فِعْلَ الْمَأْمُورِ بِهِ عِبَادَةٌ لِلَّهِ. وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ} وَقَالَ: {إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} وَقَالَ: {قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ} وَقَالَ شُعَيْبٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ {عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} وَقَالَ: {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} . وَقَالَ: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ
(18/180)

وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إلَّا قَوْلَ إبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} فَلَيْسَ مَنْ فَعَلَ شَيْئًا أُمِرَ بِهِ وَتَرَكَ مَا أُمِرَ بِهِ مِنْ التَّوَكُّلِ بِأَعْظَمَ ذَنْبًا مِمَّنْ فَعَلَ تَوَكُّلًا أُمِرَ بِهِ وَتَرَكَ فِعْلَ مَا أُمِرَ بِهِ مِنْ السَّبَبِ؛ إذْ كِلَاهُمَا مُخِلٌّ بِبَعْضِ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ وَهُمَا مَعَ اشْتِرَاكِهِمَا فِي جِنْسِ الذَّنْبِ فَقَدْ يَكُونُ هَذَا ألوم وَقَدْ يَكُونُ الْآخَرَ مَعَ أَنَّ التَّوَكُّلَ فِي الْحَقِيقَةِ مِنْ جُمْلَةِ الْأَسْبَابِ. وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ {أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ. فَقَالَ الْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ: حَسْبِي اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّ اللَّهَ يَلُومُ عَلَى الْعَجْزِ وَلَكِنْ عَلَيْك بِالْكَيْسِ فَإِنْ غَلَبَك أَمْرٌ فَقُلْ: حَسْبِي اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} ". وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: " {الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إلَى اللَّهِ مِنْ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُك وَاسْتَعِنْ بِاَللَّهِ وَلَا تَعْجِزْ فَإِنْ أَصَابَك شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْت لَكَانَ كَذَا وَكَذَا وَلَكِنْ قُلْ: قَدَّرَ اللَّهُ وَمَا شَاءَ فَعَلَ فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ} " فَفِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " {احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُك وَاسْتَعِنْ بِاَللَّهِ وَلَا تَعْجِزْ} " أَمْرٌ بِالتَّسَبُّبِ الْمَأْمُورِ بِهِ وَهُوَ الْحِرْصُ عَلَى الْمَنَافِعِ. وَأَمَرَ مَعَ
(18/181)

ذَلِكَ بِالتَّوَكُّلِ وَهُوَ الِاسْتِعَانَةُ بِاَللَّهِ فَمَنْ اكْتَفَى بِأَحَدِهِمَا فَقَدْ عَصَى أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ وَنَهَى عَنْ الْعَجْزِ الَّذِي هُوَ ضِدُّ الْكَيْسِ. كَمَا قَالَ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: " {إنَّ اللَّهَ يَلُومُ عَلَى الْعَجْزِ وَلَكِنْ عَلَيْك بِالْكَيْسِ} " وَكَمَا فِي الْحَدِيثِ الشَّامِيِّ: " {الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ وَالْعَاجِزُ مَنْ اتَّبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ} " فَالْعَاجِزُ فِي الْحَدِيثِ مُقَابِلُ الْكَيْسِ وَمَنْ قَالَ: الْعَاجِزُ هُوَ مُقَابِلُ الْبَرِّ فَقَدْ حَرَّفَ الْحَدِيثَ وَلَمْ يَفْهَمْ مَعْنَاهُ. وَمِنْهُ الْحَدِيثُ: " {كُلُّ شَيْءٍ بِقَدَرِ حَتَّى الْعَجْزِ وَالْكَيْسِ} ". وَمِنْ ذَلِكَ مَا رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ أَهْلُ الْيَمَنِ يَحُجُّونَ وَلَا يَتَزَوَّدُونَ يَقُولُونَ: نَحْنُ الْمُتَوَكِّلُونَ فَإِذَا قَدِمُوا سَأَلُوا النَّاسَ؛ فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} فَمَنْ فَعَلَ مَا أُمِرَ بِهِ مِنْ التَّزَوُّدِ فَاسْتَعَانَ بِهِ عَلَى طَاعَةِ اللَّه وَأَحْسَنَ مِنْهُ إلَى مَنْ يَكُونُ مُحْتَاجًا كَانَ مُطِيعًا لِلَّهِ فِي هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ بِخِلَافِ مَنْ تَرَكَ ذَلِكَ مُلْتَفِتًا إلَى أَزْوَادِ الْحَجِيجِ كَلًّا عَلَى النَّاسِ؛ وَإِنْ كَانَ مَعَ هَذَا قَلْبُهُ غَيْرَ مُلْتَفِتٍ إلَى مُعَيَّنٍ فَهُوَ مُلْتَفِتٌ إلَى الْجُمْلَةِ لَكِنْ إنْ كَانَ الْمُتَزَوِّدُ غَيْرَ قَائِمٍ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ التَّوَكُّلِ عَلَى اللَّهِ وَمُوَاسَاةِ الْمُحْتَاجِ فَقَدْ يَكُونُ فِي تَرْكِهِ لِمَا أُمِرَ بِهِ مِنْ جِنْسِ هَذَا التَّارِكِ لِلتَّزَوُّدِ الْمَأْمُورِ بِهِ.
(18/182)

وَفِي هَذِهِ النُّصُوصِ بَيَانُ غَلَطِ طَوَائِفَ: طَائِفَةٌ تُضْعِفُ أَمْرَ السَّبَبِ الْمَأْمُورِ بِهِ فَتَعُدُّهُ نَقْصًا أَوْ قَدْحًا فِي التَّوْحِيدِ وَالتَّوَكُّلِ وَإِنَّ تَرْكَهُ مِنْ كَمَالِ التَّوَكُّلِ وَالتَّوْحِيدِ وَهُمْ فِي ذَلِكَ مَلْبُوسٌ عَلَيْهِمْ وَقَدْ يَقْتَرِنُ بِالْغَلَطِ اتِّبَاعُ الْهَوَى فِي إخْلَادِ النَّفْسِ إلَى الْبِطَالَةِ وَلِهَذَا تَجِدُ عَامَّةَ هَذَا الضَّرْبِ التَّارِكِينَ لِمَا أُمِرُوا بِهِ مِنْ الْأَسْبَابِ يَتَعَلَّقُونَ بِأَسْبَابِ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِمَّا أَنْ يُعَلِّقُوا قُلُوبَهُمْ بِالْخَلْقِ رَغْبَةً وَرَهْبَةً وَإِمَّا أَنْ يَتْرُكُوا لِأَجْلِ مَا تَبَتَّلُوا لَهُ مِنْ الْغُلُوِّ فِي التَّوَكُّلِ وَاجِبَاتٍ أَوْ مُسْتَحَبَّاتٍ أَنْفَعَ لَهُمْ مِنْ ذَلِكَ كَمَنْ يَصْرِفُ هِمَّتَهُ فِي تَوَكُّلِهِ إلَى شِفَاءِ مَرَضِهِ بِلَا دَوَاءٍ أَوْ نَيْلِ رِزْقِهِ بِلَا سَعْيٍ فَقَدْ يَحْصُلُ ذَلِكَ لَكِنْ كَانَ مُبَاشَرَةُ الدَّوَاءِ الْخَفِيفِ وَالسَّعْيُ الْيَسِيرُ وَصَرْفُ تِلْكَ الْهِمَّةِ وَالتَّوَجُّهُ فِي عَمَلٍ صَالِحٍ: أَنْفَعَ لَهُ بَلْ قَدْ يَكُونُ أَوْجَبَ عَلَيْهِ مِنْ تَبَتُّلِهِ لِهَذَا الْأَمْرِ الْيَسِيرِ الَّذِي قَدْرُهُ دِرْهَمٌ أَوْ نَحْوُهُ. وَفَوْقَ هَؤُلَاءِ مَنْ يَجْعَلُ التَّوَكُّلَ وَالدُّعَاءَ أَيْضًا نَقْصًا وَانْقِطَاعًا عَنْ الْخَاصَّةِ ظَنًّا أَنَّ مُلَاحَظَةَ مَا فَرَغَ مِنْهُ فِي الْقَدْرِ هُوَ حَالُ الْخَاصَّةِ. وَقَدْ قَالَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: " {كُلُّكُمْ جَائِعٌ إلَّا مَنْ أَطْعَمْته فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ} " وَقَالَ: " {فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ} " وَفِي الطَّبَرَانِي أَوْ غَيْرِهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَالَ: " {لِيَسْأَلْ أَحَدُكُمْ رَبَّهُ حَاجَتَهُ كُلَّهَا حَتَّى شِسْعَ نَعْلِهِ إذَا انْقَطَعَ فَإِنَّهُ إنْ لَمْ يُيَسِّرْهُ لَمْ يَتَيَسَّرْ} ". وَهَذَا قَدْ يَلْزَمُهُ أَنْ يَجْعَلَ أَيْضًا اسْتِهْدَاءَ اللَّهِ وَعَمَلَهُ بِطَاعَتِهِ مِنْ ذَلِكَ
(18/183)

وَقَوْلُهُمْ يُوجِبُ دَفْعَ الْمَأْمُورِ بِهِ مُطْلَقًا؛ بَلْ دَفْعُ الْمَخْلُوقِ وَالْمَأْمُورِ وَإِنَّمَا غَلِطُوا مِنْ حَيْثُ ظَنُّوا أَنَّ سَبْقَ التَّقْدِيرِ يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ بِالسَّبَبِ الْمَأْمُورِ بِهِ كَمَنْ يَتَزَنْدَقُ فَيَتْرُكُ الْأَعْمَالَ الْوَاجِبَةَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْقَدَرَ قَدْ سَبَقَهُ بِأَهْلِ السَّعَادَةِ وَأَهْلِ الشَّقَاوَةِ وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ الْقَدَرَ سَبَقَ بِالْأُمُورِ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ فَمَنْ قَدَّرَهُ اللَّهُ مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ كَانَ مِمَّا قَدَّرَهُ اللَّهُ تَيْسِيرُهُ لِعَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ وَمَنْ قَدَّرَهُ مِنْ أَهْلِ الشَّقَاءِ كَانَ مِمَّا قَدَّرَهُ أَنْ يُيَسِّرَهُ لِعَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاءِ كَمَا قَدْ أَجَابَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ هَذَا السُّؤَالِ فِي حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ وَسُرَاقَةَ بْنِ جَعْشَمَ وَغَيْرِهِمْ. وَمِنْهُ حَدِيثُ التِّرْمِذِيِّ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ {أَبِي خِزَامَةَ عَنْ أَبِيهِ. قَالَ: سَأَلْت النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْت أَدْوِيَةً نَتَدَاوَى بِهَا وَرُقًى نسترقي بِهَا وَتُقَاةً نَتَّقِيهَا هَلْ تَرُدُّ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ شَيْئًا؟ فَقَالَ: هِيَ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ} ". وَطَائِفَةٌ تَظُنُّ أَنَّ التَّوَكُّلَ إنَّمَا هُوَ مِنْ مَقَامَاتِ الْخَاصَّةِ الْمُتَقَرِّبِينَ إلَى اللَّهِ بِالنَّوَافِلِ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُمْ فِي أَعْمَالِ الْقُلُوبِ وَتَوَابِعهَا كَالْحُبِّ وَالرَّجَاءِ وَالْخَوْفِ وَالشُّكْرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَهَذَا ضَلَالٌ مُبِينٌ بَلْ جَمِيعُ هَذِهِ الْأُمُورِ فُرُوضٌ عَلَى الْأَعْيَانِ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْإِيمَانِ وَمَنْ تَرَكَهَا بِالْكُلِّيَّةِ
(18/184)

فَهُوَ: إمَّا كَافِرٌ وَإِمَّا مُنَافِقٌ لَكِنَّ النَّاسَ هُمْ فِيهَا كَمَا هُمْ فِي الْأَعْمَالِ الظَّاهِرَةِ فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ؛ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ وَنُصُوصُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ طَافِحَةٌ بِذَلِكَ وَلَيْسَ هَؤُلَاءِ الْمُعْرِضُونَ عَنْ هَذِهِ الْأُمُورِ عِلْمًا وَعَمَلًا بِأَقَلَّ لَوْمًا مِنْ التَّارِكِينَ لِمَا أُمِرُوا بِهِ مِنْ أَعْمَالٍ ظَاهِرَةٍ مَعَ تَلَبُّسِهِمْ بِبَعْضِ هَذِهِ الْأَعْمَالِ بَلْ اسْتِحْقَاقُ الذَّمِّ وَالْعِقَابِ يَتَوَجَّهُ إلَى مَنْ تَرَكَ الْمَأْمُورَ مِنْ الْأُمُورِ الْبَاطِنَةِ وَالظَّاهِرَةِ وَإِنْ كَانَتْ الْأُمُورُ الْبَاطِنَةُ مُبْتَدَأَ الْأُمُورِ الظَّاهِرَةِ وَأُصُولَهَا وَالْأُمُورُ الظَّاهِرَةُ كَمَالَهَا وَفُرُوعَهَا الَّتِي لَا تَتِمُّ إلَّا بِهَا.
فَصْلٌ:
وَأَمَّا قَوْلُهُ: " {يَا عِبَادِي إنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا} " وَفِي رِوَايَةٍ: " {وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ وَلَا أُبَالِي فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ} " فَالْمَغْفِرَةُ الْعَامَّةُ لِجَمِيعِ الذُّنُوبِ نَوْعَانِ:
أَحَدُهُمَا: الْمَغْفِرَةُ لِمَنْ تَابَ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ} إلَى قَوْلِهِ: {ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ} فَهَذَا السِّيَاقُ مَعَ سَبَبِ نُزُولِ الْآيَةِ يُبَيِّنُ أَنَّ الْمَعْنَى لَا يَيْأَسُ مُذْنِبٌ مِنْ مَغْفِرَةِ اللَّه وَلَوْ كَانَتْ ذُنُوبُهُ مَا كَانَتْ فَإِنَّ اللَّهَ
(18/185)

سُبْحَانَهُ لَا يَتَعَاظَمُهُ ذَنْبٌ أَنْ يَغْفِرَهُ لِعَبْدِهِ التَّائِبِ. وَقَدْ دَخَلَ فِي هَذَا الْعُمُومِ الشِّرْكُ وَغَيْرُهُ مِنْ الذُّنُوبِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَغْفِرُ ذَلِكَ لِمَنْ تَابَ مِنْهُ قَالَ تَعَالَى: {فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} إلَى قَوْلِهِ: {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ} وَقَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ} وَقَالَ: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ} إلَى قَوْلِهِ {أَفَلَا يَتُوبُونَ إلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} وَهَذَا الْقَوْلُ الْجَامِعُ بِالْمَغْفِرَةِ لِكُلِّ ذَنْبٍ لِلتَّائِبِ مِنْهُ - كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ وَالْحَدِيثُ - هُوَ الصَّوَابُ عِنْدَ جَمَاهِيرِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَإِنْ كَانَ مِنْ النَّاسِ مَنْ يَسْتَثْنِي بَعْضَ الذُّنُوبِ كَقَوْلِ بَعْضِهِمْ: أَنَّ تَوْبَةَ الدَّاعِيَةِ إلَى الْبِدَعِ لَا تُقْبَلُ بَاطِنًا لِلْحَدِيثِ الْإِسْرَائِيلِيِّ الَّذِي فِيهِ: " {فَكَيْفَ مَنْ أَضْلَلْت} ". وَهَذَا غَلَطٌ؛ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ بَيَّنَ فِي كِتَابِهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ أَنَّهُ يَتُوبُ عَلَى أَئِمَّةِ الْكُفْرِ الَّذِينَ هُمْ أَعْظَمُ مِنْ أَئِمَّةِ الْبِدَعِ. وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ} قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: اُنْظُرُوا إلَى هَذَا الْكَرَمِ عَذَّبُوا أَوْلِيَاءَهُ وَفَتَنُوهُمْ ثُمَّ هُوَ يَدْعُوهُمْ إلَى التَّوْبَةِ.
(18/186)

وَكَذَلِكَ تَوْبَةُ الْقَاتِلِ وَنَحْوِهِ وَحَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ فِي الَّذِي قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا يَدُلُّ عَلَى قَبُولِ تَوْبَتِهِ وَلَيْسَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مَا يُنَافِي ذَلِكَ وَلَا نُصُوصَ الْوَعِيدِ - فِيهِ وَفِي غَيْرِهِ مِنْ الْكَبَائِرِ - بِمُنَافِيَةٍ لِنُصُوصِ قَبُولِ التَّوْبَةِ فَلَيْسَتْ آيَةُ الْفُرْقَانِ بِمَنْسُوخَةٍ بِآيَةِ النِّسَاءِ؛ إذْ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُمَا فَإِنَّهُ قَدْ عَلِمَ يَقِينًا أَنَّ كُلَّ ذَنْبٍ فِيهِ وَعِيدٌ فَإِنَّ لُحُوقَ الْوَعِيدِ مَشْرُوطٌ بِعَدَمِ التَّوْبَةِ؛ إذْ نُصُوصُ التَّوْبَةِ مُبَيِّنَةٌ لِتِلْكَ النُّصُوصِ كَالْوَعِيدِ فِي الشِّرْكِ وَأَكْلِ الرِّبَا وَأَكْلِ مَالِ الْيَتِيمِ وَالسِّحْرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الذُّنُوبِ. وَمَنْ قَالَ مِنْ الْعُلَمَاءِ: تَوْبَتُهُ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ. فَحَقِيقَةُ قَوْلِهِ الَّتِي تُلَائِمُ أُصُولَ الشَّرِيعَةِ أَنْ يُرَادَ بِذَلِكَ أَنَّ التَّوْبَةَ الْمُجَرَّدَةَ تُسْقِطُ حَقَّ اللَّهِ مِنْ الْعِقَابِ. وَأَمَّا حَقُّ الْمَظْلُومِ فَلَا يَسْقُطُ بِمُجَرَّدِ التَّوْبَةِ وَهَذَا حَقٌّ. وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْقَاتِلِ وَسَائِرِ الظَّالِمِينَ. فَمَنْ تَابَ مِنْ ظُلْمٍ لَمْ يَسْقُطْ بِتَوْبَتِهِ حَقُّ الْمَظْلُومِ لَكِنْ مِنْ تَمَامِ تَوْبَتِهِ أَنْ يُعَوِّضَهُ بِمِثْلِ مَظْلِمَتِهِ. وَإِنْ لَمْ يُعَوِّضْهُ فِي الدُّنْيَا فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ الْعِوَضِ فِي الْآخِرَةِ فَيَنْبَغِي لِلظَّالِمِ التَّائِبِ أَنْ يَسْتَكْثِرَ مِنْ الْحَسَنَاتِ حَتَّى إذَا اسْتَوْفَى الْمَظْلُومُونَ حُقُوقَهُمْ لَمْ يَبْقَ مُفْلِسًا. وَمَعَ هَذَا فَإِذَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يُعَوِّضَ الْمَظْلُومَ مِنْ عِنْدِهِ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ كَمَا إذَا شَاءَ أَنْ يَغْفِرَ مَا دُونَ الشِّرْكِ لِمَنْ يَشَاءُ. وَلِهَذَا فِي حَدِيثِ الْقِصَاصِ الَّذِي رَكِبَ فِيهِ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ إلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
(18/187)

أنيس شَهْرًا حَتَّى شَافَهَهُ بِهِ وَقَدْ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَد وَغَيْرُهُ وَاسْتَشْهَدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ؛ وَهُوَ مِنْ جِنْسِ حَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ صِحَاحِهِ أَوْ حِسَانِهِ؛ قَالَ فِيهِ: " {إذَا كَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَإِنَّ اللَّهَ يَجْمَعُ الْخَلَائِقَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ؛ يُسْمِعُهُمْ الدَّاعِيَ وينفذهم الْبَصَرَ. ثُمَّ يُنَادِيهِمْ بِصَوْتِ يَسْمَعُهُ مِنْ بَعْدُ كَمَا يَسْمَعُهُ مِنْ قُرْبٍ: أَنَا الْمَلِكُ أَنَا الدَّيَّانُ لَا يَنْبَغِي لِأَحَدِ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ وَلَا لِأَحَدِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ قِبَلَهُ مَظْلِمَةٌ وَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ أَنْ يَدْخُلَ النَّارَ وَلَا لِأَحَدِ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى أَقُصَّهُ مِنْهُ} ". فَبَيَّنَ فِي الْحَدِيثِ الْعَدْلَ وَالْقِصَاصَ بَيْنَ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَأَهْلِ النَّارِ. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ: " {أَنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ إذَا عَبَرُوا الصِّرَاطَ وَقَفُوا عَلَى قَنْطَرَةٍ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ فَيَقْتَصُّ لِبَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ فَإِذَا هُذِّبُوا وَنُقُّوا أُذِنَ لَهُمْ فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ} " وَقَدْ قَالَ سُبْحَانَهُ لَمَّا قَالَ: {وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا} - وَالِاغْتِيَابُ مِنْ ظُلْمِ الْأَعْرَاضِ - قَالَ: {أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ} . فَقَدْ نَبَّهَهُمْ عَلَى التَّوْبَةِ مِنْ الِاغْتِيَابِ وَهُوَ مِنْ الظُّلْمِ. وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: " {مَنْ كَانَ عِنْدَهُ لِأَخِيهِ مَظْلِمَةٌ فِي دَمٍ أَوْ مَالٍ أَوْ عَرَضٍ فَلْيَأْتِهِ فَلْيَسْتَحِلَّ مِنْهُ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَيْسَ فِيهِ دِرْهَمٌ
(18/188)

وَلَا دِينَارٌ إلَّا الْحَسَنَاتُ وَالسَّيِّئَاتُ. فَإِنْ كَانَ لَهُ حَسَنَاتٌ وَإِلَّا أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ يُلْقَى فِي النَّارِ} " أَوْ كَمَا قَالَ. وَهَذَا فِيمَا عَلِمَهُ الْمَظْلُومُ مِنْ الْعِوَضِ فَأَمَّا إذَا اغْتَابَهُ أَوْ قَذَفَهُ وَلَمْ يَعْلَمْ بِذَلِكَ فَقَدْ قِيلَ: مِنْ شَرْطِ تَوْبَتِهِ إعْلَامُهُ وَقِيلَ: لَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ وَهَذَا قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ وَهُمَا رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَد. لَكِنَّ قَوْلَهُ مِثْلَ هَذَا أَنْ يَفْعَلَ مَعَ الْمَظْلُومِ حَسَنَاتٍ كَالدُّعَاءِ لَهُ وَالِاسْتِغْفَارِ وَعَمَلٍ صَالِحٍ يَهْدِي إلَيْهِ يَقُومُ مَقَامَ اغْتِيَابِهِ وَقَذْفِهِ. قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: كَفَّارَةُ الْغِيبَةِ أَنْ تَسْتَغْفِرَ لِمَنْ اغْتَبْته. وَأَمَّا الذُّنُوبُ الَّتِي يُطْلِقُ الْفُقَهَاءُ فِيهَا نَفْيَ قَبُولِ التَّوْبَةِ مِثْلَ قَوْلِ أَكْثَرِهِمْ: لَا تُقْبَلُ تَوْبَةُ الزِّنْدِيقِ وَهُوَ الْمُنَافِقُ وَقَوْلُهُمْ: إذَا تَابَ الْمُحَارِبُ قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ تَسْقُطُ عَنْهُ حُدُودُ اللَّهِ وَكَذَلِكَ قَوْلُ كَثِيرٍ مِنْهُمْ أَوْ أَكْثَرِهِمْ فِي سَائِرِ الْجَرَائِمِ كَمَا هُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ وَأَصَحُّ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَد وَقَوْلُهُمْ فِي هَؤُلَاءِ: إذَا تَابُوا بَعْدَ الرَّفْعِ إلَى الْإِمَامِ لَمْ تُقْبَلْ تَوْبَتُهُمْ. فَهَذَا إنَّمَا يُرِيدُونَ بِهِ رَفْعَ الْعُقُوبَةِ الْمَشْرُوعَةِ عَنْهُمْ أَيْ: لَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُمْ بِحَيْثُ يُخَلَّى بِلَا عُقُوبَةٍ بَلْ يُعَاقَبُ: إمَّا لِأَنَّ تَوْبَتَهُ غَيْرُ مَعْلُومَةِ الصِّحَّةِ بَلْ يُظَنُّ بِهِ الْكَذِبُ فِيهَا وَأَمَّا لِأَنَّ رَفْعَ الْعُقُوبَةِ بِذَلِكَ يُفْضِي إلَى انْتِهَاكِ الْمَحَارِم وَسَدِّ بَابِ الْعُقُوبَةِ عَلَى الْجَرَائِمِ وَلَا يُرِيدُونَ بِذَلِكَ أَنَّ مَنْ تَابَ مِنْ هَؤُلَاءِ تَوْبَةً صَحِيحَةً فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ تَوْبَتَهُ فِي الْبَاطِنِ؛ إذْ
(18/189)

لَيْسَ هَذَا قَوْلَ أَحَدٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْفُقَهَاءِ بَلْ هَذِهِ التَّوْبَةُ لَا تُمْنَعُ إلَّا إذَا عَايَنَ أَمْرَ الْآخِرَةِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {إنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} {وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ} الْآيَةَ. قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: سَأَلْت أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالُوا لِي: كُلُّ مَنْ عَصَى اللَّهَ فَهُوَ جَاهِلٌ وَكُلُّ مَنْ تَابَ قَبْلَ الْمَوْتِ فَقَدْ تَابَ مِنْ قَرِيبٍ. وَأَمَّا مَنْ تَابَ عِنْدَ مُعَايَنَةِ الْمَوْتِ فَهَذَا كَفِرْعَوْنَ الَّذِي قَالَ: أَنَا اللَّهُ {حَتَّى إذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إلَهَ إلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ} قَالَ اللَّهُ: {آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ} وَهَذَا اسْتِفْهَامُ إنْكَارٍ بَيَّنَ بِهِ أَنَّ هَذِهِ التَّوْبَةَ لَيْسَتْ هِيَ التَّوْبَةُ الْمَقْبُولَةُ الْمَأْمُورُ بِهَا؛ فَإِنَّ اسْتِفْهَامَ الْإِنْكَارِ: إمَّا بِمَعْنَى النَّفْيِ إذَا قَابَلَ الْإِخْبَارَ وَإِمَّا بِمَعْنَى الذَّمِّ وَالنَّهْيِ إذَا قَابَلَ الْإِنْشَاءَ وَهَذَا مِنْ هَذَا. وَمِثْلُهُ قَوْله تَعَالَى {فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} {فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ} {فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إيمَانُهُمْ لَمَّا
(18/190)

رَأَوْا بَأْسَنَا} الْآيَةَ. بَيَّنَ أَنَّ التَّوْبَةَ بَعْدَ رُؤْيَةِ الْبَأْسِ لَا تَنْفَعُ وَأَنَّ هَذِهِ سُنَّةُ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ؛ كَفِرْعَوْنَ وَغَيْرِهِ وَفِي الْحَدِيثِ: " {أَنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ الْعَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ} " وَرُوِيَ: " {مَا لَمْ يُعَايِنْ} ". وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ {أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَرَضَ عَلَى عَمِّهِ التَّوْحِيدَ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ} وَقَدْ {عَادَ يَهُودِيًّا كَانَ يَخْدِمُهُ فَعَرَضَ عَلَيْهِ الْإِسْلَامَ فَأَسْلَمَ فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ بِي مِنْ النَّارِ ثُمَّ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: آوُوا أَخَاكُمْ} ". وَمِمَّا يُبَيِّنُ أَنَّ الْمَغْفِرَةَ الْعَامَّةَ فِي الزُّمَرِ هِيَ لِلتَّائِبِينَ أَنَّهُ قَالَ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ: {إنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} فَقَيَّدَ الْمَغْفِرَةَ بِمَا دُونَ الشِّرْكِ وَعَلَّقَهَا عَلَى الْمَشِيئَةِ وَهُنَاكَ أَطْلَقَ وَعَمَّمَ فَدَلَّ هَذَا التَّقْيِيدُ وَالتَّعْلِيقُ عَلَى أَنَّ هَذَا فِي حَقِّ غَيْرِ التَّائِبِ؛ وَلِهَذَا اسْتَدَلَّ أَهْلُ السُّنَّةِ بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى جَوَازِ الْمَغْفِرَةِ لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ فِي الْجُمْلَةِ خِلَافًا لِمَنْ أَوْجَبَ نُفُوذَ الْوَعِيدِ بِهِمْ مِنْ الْخَوَارِجِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَإِنْ كَانَ الْمُخَالِفُونَ لَهُمْ قَدْ أَسْرَفَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ الْمُرْجِئَةِ حَتَّى تَوَقَّفُوا فِي لُحُوقِ الْوَعِيدِ بِأَحَدِ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ كَمَا يُذْكَرُ عَنْ غَلَّاتِهِمْ أَنَّهُمْ نَفَوْهُ مُطْلَقًا وَدِينُ اللَّهِ وَسَطٌ بَيْنَ الْغَالِي فِيهِ وَالْجَافِي عَنْهُ وَنُصُوصُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مَعَ اتِّفَاقِ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا مُتَطَابِقَةٌ عَلَى أَنَّ مِنْ أَهْلِ الْكَبَائِرِ
(18/191)

مَنْ يُعَذَّبُ وَأَنَّهُ لَا يَبْقَى فِي النَّارِ مَنْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ إيمَانٍ. النَّوْعُ الثَّانِي: مِنْ الْمَغْفِرَةِ الْعَامَّةِ الَّتِي دَلَّ عَلَيْهَا قَوْلُهُ: {يَا عِبَادِي إنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا} الْمَغْفِرَةُ بِمَعْنَى تَخْفِيفِ الْعَذَابِ؛ أَوْ بِمَعْنَى تَأْخِيرِهِ إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَهَذَا عَامٌّ مُطْلَقًا؛ وَلِهَذَا شَفَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَبِي طَالِبٍ مَعَ مَوْتِهِ عَلَى الشِّرْكِ فَنُقِلَ مِنْ غَمْرَةٍ مِنْ نَارٍ حَتَّى جُعِلَ فِي ضِحْضَاحٍ مِنْ نَارٍ فِي قَدَمَيْهِ نَعْلَانِ مِنْ نَارٍ يَغْلِي مِنْهُمَا دِمَاغُهُ. قَالَ: " {وَلَوْلَا أَنَا لَكَانَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ} " وَعَلَى هَذَا الْمَعْنَى دَلَّ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: {وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ} {وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ} {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} .
فَصْلٌ:
وَأَمَّا قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: " {يَا عِبَادِي إنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضُرِّي فَتَضُرُّونِي وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي} " فَإِنَّهُ هُوَ بَيَّنَ بِذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ هُوَ فِيمَا يُحْسِنُ بِهِ إلَيْهِمْ مِنْ إجَابَةِ الدَّعَوَاتِ وَغُفْرَانِ الزَّلَّاتِ بِالْمُسْتَعِيضِ
(18/192)

بِذَلِكَ مِنْهُمْ جَلْبَ مَنْفَعَةٍ أَوْ دَفْعَ مَضَرَّةٍ كَمَا هِيَ عَادَةُ الْمَخْلُوقِ الَّذِي يُعْطِي غَيْرَهُ نَفْعًا لِيُكَافِئَهُ عَلَيْهِ بِنَفْعِ أَوْ يَدْفَعَ عَنْهُ ضَرَرًا لِيَتَّقِيَ بِذَلِكَ ضَرَرَهُ فَقَالَ: " {إنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي وَلَنْ تَبْلُغُوا ضُرِّي فَتَضُرُّونِي} " فَلَسْت إذَا أَخُصُّكُمْ بِهِدَايَةِ الْمُسْتَهْدِي وَكِفَايَةِ الْمُسْتَكْفِي الْمُسْتَطْعِمِ وَالْمُسْتَكْسِي بِاَلَّذِي أَطْلُبُ أَنْ تَنْفَعُونِي وَلَا أَنَا إذَا غَفَرْت خَطَايَاكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَتَّقِي بِذَلِكَ أَنْ تَضُرُّونِي؛ فَإِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي وَلَنْ تَبْلُغُوا ضُرِّي فَتَضُرُّونِي؛ إذْ هُمْ عَاجِزُونَ عَنْ ذَلِكَ بَلْ مَا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ مِنْ الْفِعْلِ لَا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ إلَّا بِتَقْدِيرِهِ وَتَدْبِيرِهِ فَكَيْفَ بِمَا لَا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ؟ فَكَيْفَ بِالْغَنِيِّ الصَّمَدِ الَّذِي يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَحِقَّ مِنْ غَيْرِهِ نَفْعًا أَوْ ضُرًّا؟ وَهَذَا الْكَلَامُ كَمَا بُيِّنَ أَنَّ مَا يَفْعَلُهُ بِهِمْ مِنْ جَلْبِ الْمَنَافِعِ وَدَفْعِ الْمَضَارِّ فَإِنَّهُمْ لَنْ يَبْلُغُوا أَنْ يَفْعَلُوا بِهِ مِثْلَ ذَلِكَ فَكَذَلِكَ يَتَضَمَّنُ أَنَّ مَا يَأْمُرُهُمْ بِهِ مِنْ الطَّاعَاتِ وَمَا يَنْهَاهُمْ عَنْهُ مِنْ السَّيِّئَاتِ فَإِنَّهُ لَا يَتَضَمَّنُ اسْتِجْلَابَ نَفْعِهِمْ كَأَمْرِ السَّيِّدِ لِعَبْدِهِ؛ أَوْ الْوَالِدِ لِوَلَدِهِ؛ وَالْأَمِيرِ لِرَعِيَّتِهِ؛ وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَلَا دَفْعِ مَضَرَّتِهِمْ: كَنَهْيِ هَؤُلَاءِ أَوْ غَيْرِهِمْ لِبَعْضِ النَّاسِ عَنْ مَضَرَّتِهِمْ. فَإِنَّ الْمَخْلُوقِينَ يَبْلُغُ بَعْضُهُمْ نَفْعَ بَعْضٍ وَمَضَرَّةَ بَعْضٍ وَكَانُوا فِي أَمْرِهِمْ وَنَهْيِهِمْ قَدْ يَكُونُونَ كَذَلِكَ وَالْخَالِقُ سُبْحَانَهُ مُقَدَّسٌ عَنْ ذَلِكَ فَبَيَّنَ تَنْزِيهَهُ عَنْ لُحُوقِ نَفْعِهِمْ وَضُرِّهِمْ فِي إحْسَانِهِ إلَيْهِمْ بِمَا يَكُونُ مِنْ
(18/193)

أَفْعَالِهِ بِهِمْ وَأَوَامِرِهِ لَهُمْ قَالَ قتادة: إنَّ اللَّهَ لَمْ يَأْمُرْ الْعِبَادَ بِمَا أَمَرَهُمْ بِهِ لِحَاجَتِهِ إلَيْهِمْ وَلَا نَهَاهُمْ عَمَّا نَهَاهُمْ عَنْهُ بُخْلًا بِهِ عَلَيْهِمْ وَلَكِنْ أَمَرَهُمْ بِمَا فِيهِ صَلَاحُهُمْ وَنَهَاهُمْ عَمَّا فِيهِ فَسَادُهُمْ.
فَصْلٌ:
وَلِهَذَا ذَكَرَ هَذَيْنِ الْأَصْلَيْنِ بَعْدَ هَذَا فَذَكَرَ أَنَّ بِرَّهُمْ وَفُجُورَهُمْ الَّذِي هُوَ طَاعَتُهُمْ وَمَعْصِيَتُهُمْ لَا يَزِيدُ فِي مِلْكِهِ وَلَا يَنْقُصُ وَأَنَّ إعْطَاءَهُ إيَّاهُمْ غَايَةُ مَا يَسْأَلُونَهُ نِسْبَتَهُ إلَى مَا عِنْدَهُ أَدْنَى نِسْبَةٍ وَهَذَا بِخِلَافِ الْمُلُوكِ وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ يَزْدَادُ مِلْكُهُ بِطَاعَةِ الرَّعِيَّةِ وَيَنْقُصُ مِلْكُهُ بِالْمَعْصِيَةِ. وَإِذَا أَعْطَى النَّاسَ مَا يَسْأَلُونَهُ أَنْفَدَ مَا عِنْدَهُ وَلَمْ يُغْنِهِمْ وَهُمْ فِي ذَلِكَ يَبْلُغُونَ مَضَرَّتَهُ وَمَنْفَعَتَهُ وَهُوَ يَفْعَلُ مَا يَفْعَلُهُ مِنْ إحْسَانٍ وَعَفْوٍ وَأَمْرٍ وَنَهْيٍ لِرَجَاءِ الْمَنْفَعَةِ وَخَوْفِ الْمَضَرَّةِ. فَقَالَ: " {يَا عِبَادِي؛ لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ مِنْكُمْ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا} " إذْ مُلْكُهُ هُوَ قُدْرَتُهُ عَلَى التَّصَرُّفِ. فَلَا تَزْدَادُ بِطَاعَتِهِمْ وَلَا تَنْقُصُ بِمَعْصِيَتِهِمْ كَمَا تَزْدَادُ قُدْرَةُ الْمُلُوكِ بِكَثْرَةِ الْمُطِيعِينَ لَهُمْ وَتَنْقُصُ بِقِلَّةِ الْمُطِيعِينَ لَهُمْ؛ فَإِنَّ مُلْكَهُ مُتَعَلِّقٌ
(18/194)

بِنَفْسِهِ وَهُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَرَبُّهُ وَمَلِيكُهُ وَهُوَ الَّذِي يُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ يَشَاءُ وَيَنْزِعُ الْمُلْك مِمَّنْ يَشَاءُ. وَالْمُلْكُ قَدْ يُرَادُ بِهِ الْقُدْرَةُ عَلَى التَّصَرُّفِ وَالتَّدْبِيرِ وَيُرَادُ بِهِ نَفْسُ التَّدْبِيرِ وَالتَّصَرُّفِ وَيُرَادُ بِهِ الْمَمْلُوكُ نَفْسُهُ الَّذِي هُوَ مَحَلُّ التَّدْبِيرِ وَيُرَادُ بِهِ ذَلِكَ كُلُّهُ. وَبِكُلِّ حَالٍ فَلَيْسَ بِرُّ الْأَبْرَارِ وَفُجُورُ الْفُجَّارِ مُوجِبًا لِزِيَادَةِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَلَا نَقْصِهِ؛ بَلْ هُوَ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ فَلَوْ شَاءَ أَنْ يَخْلُقَ مَعَ فُجُورِ الْفُجَّارِ مَا شَاءَ لَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ ذَلِكَ مَانِعٌ كَمَا يَمْنَعُ الْمُلُوكَ فُجُورُ رَعَايَاهُمْ الَّتِي تُعَارِضُ أَوَامِرَهُمْ عَمَّا يَخْتَارُونَهُ مِنْ ذَلِكَ. وَلَوْ شَاءَ أَنْ لَا يَخْلُقَ مَعَ بِرِّ الْأَبْرَارِ شَيْئًا مِمَّا خَلَقَهُ لَمْ يَكُنْ بِرُّهُمْ مُحْوِجًا لَهُ إلَى ذَلِكَ وَلَا مُعِينًا لَهُ كَمَا يَحْتَاجُ الْمُلُوكُ وَيَسْتَعِينُونَ بِكَثْرَةِ الرَّعَايَا الْمُطِيعِينَ.
فَصْلٌ:
ثُمَّ ذَكَرَ حَالَهُمْ فِي النَّوْعَيْنِ سُؤَالَ بِرِّهِ وَطَاعَةِ أَمْرِهِ. الَّلَذَيْنِ ذَكَرَهُمَا فِي الْحَدِيثِ حَيْثُ ذَكَرَ الِاسْتِهْدَاءَ وَالِاسْتِطْعَامَ وَالِاسْتِكْسَاءَ وَذَكَرَ الْغُفْرَانَ وَالْبِرَّ وَالْفُجُورَ فَقَالَ: " {لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْت كُلَّ إنْسَانٍ مِنْهُمْ مَسْأَلَتَهُ
(18/195)

مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمَخِيطُ إذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ} " وَالْخَيَّاطُ وَالْمَخِيطُ: مَا يُخَاطُ بِهِ إذْ الْفَعَّالُ وَالْمُفْعِل والمفعال مِنْ صِيَغِ الْآلَاتِ الَّتِي يَفْعَلُ بِهَا كَالْمُسَعَّرِ والمخلاب وَالْمِنْشَارُ. فَبَيَّنَ أَنَّ جَمِيعَ الْخَلَائِقِ إذَا سَأَلُوا وَهُمْ فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ وَزَمَانٍ وَاحِدٍ فَأُعْطِيَ كُلُّ إنْسَانٍ مِنْهُمْ مَسْأَلَتَهُ لَمْ يَنْقُصْهُ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدَهُ إلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْخَيَّاطُ " وَهِيَ الْإِبْرَةُ " إذَا غُمِسَ فِي الْبَحْرِ. وَقَوْلُهُ: " {لَمْ يَنْقُصْ مِمَّا عِنْدِي} " فِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عِنْدَهُ أُمُورًا مَوْجُودَةً يُعْطِيهِمْ مِنْهَا مَا سَأَلُوهُ إيَّاهُ وَعَلَى هَذَا فَيُقَالُ: لَفْظُ النَّقْصِ عَلَى حَالِهِ لِأَنَّ الْإِعْطَاءَ مِنْ الْكَثِيرِ وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا فَلَا بُدَّ أَنْ يُنْقِصَهُ شَيْئًا مَا. وَمَنْ رَوَاهُ: " {لَمْ يَنْقُصْ مِنْ مُلْكِي} " يُحْمَلُ عَلَى مَا عِنْدَهُ كَمَا فِي هَذَا اللَّفْظِ؛ فَإِنَّ قَوْلَهُ: " مِمَّا عِنْدِي " فِيهِ تَخْصِيصٌ لَيْسَ هُوَ فِي قَوْلِهِ: " مِنْ مُلْكِي ". وَقَدْ يُقَالُ: الْمُعْطَى: إمَّا أَنْ يَكُونَ أَعْيَانًا قَائِمَةً بِنَفْسِهَا؛ أَوْ صِفَاتٍ قَائِمَةً بِغَيْرِهَا. فَأَمَّا الْأَعْيَانُ فَقَدْ تُنْقَلُ مِنْ مَحَلٍّ إلَى مَحَلٍّ فَيَظْهَرُ النَّقْصُ فِي الْمَحَلِّ الْأَوَّلِ. وَأَمَّا الصِّفَاتُ فَلَا تُنْقَلُ مِنْ مَحَلِّهَا وَإِنْ وُجِدَ نَظِيرُهَا فِي مَحَلٍّ آخَرَ كَمَا يُوجَدُ نَظِيرُ عِلْمِ الْمُعَلِّمِ فِي قَلْبِ الْمُتَعَلِّمِ مِنْ غَيْرِ زَوَالِ عِلْمِ الْمُعَلِّمِ وَكَمَا يَتَكَلَّمُ الْمُتَكَلِّمُ بِكَلَامِ الْمُتَكَلِّمِ قَبْلَهُ مِنْ غَيْرِ انْتِقَالِ كَلَامِ الْمُتَكَلِّمِ الْأَوَّلِ إلَى
(18/196)

الثَّانِي. وَعَلَى هَذَا فَالصِّفَاتُ لَا تُنْقِصُ مِمَّا عِنْدَهُ شَيْئًا وَهِيَ مِنْ الْمَسْئُولِ كَالْهُدَى. وَقَدْ يُجَابُ عَنْ هَذَا بِأَنَّهُ مِنْ الْمُمْكِنِ فِي بَعْضِ الصِّفَاتِ أَلَّا يَثْبُتَ مِثْلُهَا فِي الْمَحَلِّ الثَّانِي حَتَّى تَزُولَ عَنْ الْأَوَّلِ: كَاللَّوْنِ الَّذِي يَنْقُصُ وَكَالرَّوَائِحِ الَّتِي تَعْبَقُ بِمَكَانِ وَتَزُولُ؛ كَمَا دَعَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حُمَّى الْمَدِينَةِ أَنْ تُنْقَلَ إلَى مهيعة وَهِيَ الْجُحْفَةُ وَهَلْ مِثْلُ هَذَا الِانْتِقَالِ بِانْتِقَالِ عَيْنِ الْعَرَضِ الْأَوَّلِ أَوْ بِوُجُودِ مِثْلِهِ مِنْ غَيْرِ انْتِقَالِ عَيْنِهِ؟ فِيهِ لِلنَّاسِ قَوْلَانِ: إذْ مِنْهُمْ مَنْ يُجَوِّزُ انْتِقَالَ الْأَعْرَاضِ بَلْ مَنْ يُجَوِّزُ أَنْ تُجْعَلَ الْأَعْرَاضُ أَعْيَانًا؛ كَمَا هُوَ قَوْلُ ضِرَارٍ وَالنَّجَّارِ وَأَصْحَابِهِمَا كَبُرْغُوثِ وَحَفْصٍ الْفَرْدِ؛ لَكِنْ إنْ قِيلَ: هُوَ بِوُجُودِ مِثْلِهِ مِنْ غَيْرِ انْتِقَالِ عَيْنِهِ فَذَلِكَ يَكُونُ مَعَ اسْتِحَالَةِ الْعَرَضِ الْأَوَّلِ وَفَنَائِهِ فَيُعْدَمُ عَنْ ذَلِكَ الْمَحَلُّ وَيُوجَدُ مِثْلُهُ فِي الْمَحَلِّ الثَّانِي. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ لَفْظَ النَّقْصِ هُنَا كَلَفْظِ النَّقْصِ فِي حَدِيثِ مُوسَى وَالْخَضِرِ الَّذِي فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ عَنْ أبي بْنِ كَعْبٍ؛ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِيهِ: " {أَنَّ الْخَضِرَ قَالَ لِمُوسَى لَمَّا وَقَعَ عُصْفُورٌ عَلَى قَارِبِ السَّفِينَةِ فَنَقَرَ فِي الْبَحْرِ فَقَالَ: يَا مُوسَى مَا نَقَصَ عِلْمِي وَعِلْمُك مِنْ عِلْمِ اللَّهِ إلَّا كَمَا نَقَصَ هَذَا الْعُصْفُورُ مِنْ هَذَا الْبَحْرِ} " وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ نَفْسَ عِلْمِ اللَّهِ الْقَائِمِ بِنَفْسِهِ لَا يَزُولُ مِنْهُ
(18/197)

شَيْءٌ بِتَعَلُّمِ الْعِبَادِ وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ أَنَّ نِسْبَةَ عِلْمِي وَعِلْمِك إلَى عِلْمِ اللَّهِ كَنِسْبَةِ مَا عَلِقَ بِمِنْقَارِ الْعُصْفُورِ إلَى الْبَحْرِ. وَمِنْ هَذَا الْبَابِ كَوْنُ الْعِلْمِ يُورَثُ كَقَوْلِهِ: {الْعُلَمَاءُ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ} وَمِنْهُ قَوْلُهُ: {وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ} وَمِنْهُ تَوْرِيثُ الْكِتَابِ أَيْضًا كَقَوْلِهِ: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا} وَمِثْلُ هَذِهِ الْعِبَارَةِ مِنْ النَّقْصِ وَنَحْوِهِ تُسْتَعْمَلُ فِي هَذَا وَإِنْ كَانَ الْعِلْمُ الْأَوَّلُ ثَابِتًا. كَمَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ لقتادة وَقَدْ أَقَامَ عِنْدَهُ أُسْبُوعًا سَأَلَهُ فِيهِ مَسَائِلَ عَظِيمَةً حَتَّى عَجِبَ مِنْ حِفْظِهِ وَقَالَ: نَزَفْتنِي يَا أَعْمَى وَإِنْزَافُ الْقَلِيبِ وَنَحْوُهُ هُوَ رَفْعُ مَا فِيهِ بِحَيْثُ لَا يَبْقَى فِيهِ شَيْءٌ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ قتادة لَوْ تَعَلَّمَ جَمِيعَ عِلْمِ سَعِيدٍ لَمْ يَزُلْ عِلْمُهُ مِنْ قَلْبِهِ كَمَا يَزُولُ الْمَاءُ مِنْ الْقَلِيبِ لَكِنْ قَدْ يُقَالُ: التَّعْلِيمُ إنَّمَا يَكُونُ بِالْكَلَامِ وَالْكَلَامُ يَحْتَاجُ إلَى حَرَكَةٍ وَغَيْرِهَا مِمَّا يَكُونُ بِالْمَحَلِّ وَيَزُولُ عَنْهُ؛ وَلِهَذَا يُوصَفُ بِأَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ الْمُتَكَلِّمِ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إنْ يَقُولُونَ إلَّا كَذِبًا} . وَيُقَالُ: قَدْ أَخْرَجَ الْعَالِمُ هَذَا الْحَدِيثَ وَلَمْ يُخَرِّجْ هَذَا فَإِذَا كَانَ تَعْلِيمُ الْعِلْمِ بِالْكَلَامِ الْمُسْتَلْزَمِ زَوَالَ بَعْضِ مَا يَقُومُ بِالْمَحَلِّ وَهَذَا نَزِيفٌ وَخُرُوجٌ: كَانَ كَلَامُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَلَى حَقِيقَتِهِ. وَمَضْمُونُهُ: أَنَّهُ فِي تِلْكَ السَّبْعِ اللَّيَالِي مِنْ كَثْرَةِ مَا أَجَابَهُ وَكَلَّمَهُ فَارَقَهُ أُمُورٌ قَامَتْ بِهِ مِنْ حَرَكَاتٍ وَأَصْوَاتٍ؛
(18/198)

بَلْ وَمِنْ صِفَاتٍ قَائِمَةٍ بِالنَّفْسِ كَانَ ذَلِكَ نَزِيفًا وَمِمَّا يُقَوِّي هَذَا الْمَعْنَى أَنَّ الْإِنْسَانَ وَإِنْ كَانَ عِلْمُهُ فِي نَفْسِهِ فَلَيْسَ هُوَ أَمْرًا لَازِمًا لِلنَّفْسِ لُزُومَ الْأَلْوَانِ لِلْمُتَلَوِّنَاتِ بَلْ قَدْ يَذْهَلُ الْإِنْسَانُ عَنْهُ وَيَغْفُلُ وَقَدْ يَنْسَاهُ ثُمَّ يَذْكُرُهُ فَهُوَ شَيْءٌ يَحْضُرُ تَارَةً وَيَغِيبُ أُخْرَى. وَإِذَا تَكَلَّمَ بِهِ الْإِنْسَانُ وَعَلِمَهُ فَقَدْ تَكِلُ النَّفْسُ وَتَعِي حَتَّى لَا يَقْوَى عَلَى اسْتِحْضَارِهِ إلَّا بَعْدَ مُدَّةٍ فَتَكُونُ فِي تِلْكَ الْحَالِ خَالِيَةً عَنْ كَمَالِ تَحَقُّقِهِ وَاسْتِحْضَارِهِ الَّذِي يَكُونُ بِهِ الْعَالِمُ عَالِمًا بِالْفِعْلِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ نَفْسُ مَا زَالَ هُوَ بِعَيْنِهِ الْقَائِمُ فِي نَفْسِ السَّائِلِ وَالْمُسْتَمِعِ وَمَنْ قَالَ هَذَا يَقُولُ: كَوْنُ التَّعْلِيمِ يُرَسِّخُ الْعِلْمَ مِنْ وَجْهٍ لَا يُنَافِي مَا ذَكَرْنَاهُ وَإِذَا كَانَ مِثْلُ هَذَا النَّقْصِ وَالنَّزِيفِ مَعْقُولًا فِي عِلْمِ الْعِبَادِ كَانَ اسْتِعْمَالُ لَفْظِ النَّقْصِ فِي عِلْمِ اللَّهِ بِنَاءً عَلَى اللُّغَةِ الْمُعْتَادَةِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ هُوَ سُبْحَانَهُ مُنَزَّهًا عَنْ اتِّصَافِهِ بِضِدِّ الْعِلْمِ بِوَجْهِ مِنْ الْوُجُوهِ أَوْ عَنْ زَوَالِ عِلْمِهِ عَنْهُ لَكِنْ فِي قِيَامِ أَفْعَالٍ بِهِ وَحَرَكَاتِ نِزَاعٍ بَيْنَ النَّاسِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَغَيْرِهِمْ. وَتَحْقِيقُ الْأَمْرِ: أَنَّ الْمُرَادَ مَا أَخَذَ عِلْمِي وَعِلْمُك مِنْ عِلْمِ اللَّهِ وَمَا نَالَ عِلْمِي وَعِلْمُك مِنْ عِلْمِ اللَّهِ وَمَا أَحَاطَ عِلْمِي وَعِلْمَك مِنْ عِلْمِ اللَّهِ كَمَا قَالَ: {وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إلَّا بِمَا شَاءَ} إلَّا كَمَا نَقَصَ أَوْ أَخَذَ أَوْ نَالَ هَذَا الْعُصْفُورُ مِنْ هَذَا الْبَحْرِ أَيْ: نِسْبَةُ هَذَا إلَى هَذَا كَنِسْبَةِ هَذَا إلَى هَذَا وَإِنْ كَانَ الْمُشَبَّهُ بِهِ جِسْمًا يَنْتَقِلُ مِنْ مَحَلٍّ إلَى مَحَلٍّ وَيَزُولُ
(18/199)

عَنْ الْمَحَلِّ الْأَوَّلِ وَلَيْسَ الْمُشَبَّهُ كَذَلِكَ؛ فَإِنَّ هَذَا الْفَرْقَ هُوَ فَرْقٌ ظَاهِرٌ يَعْلَمُهُ الْمُسْتَمِعُ مِنْ غَيْرِ الْتِبَاسٍ كَمَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " {إنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ} " فَشَبَّهَ الرُّؤْيَةَ بِالرُّؤْيَةِ وَهِيَ وَإِنْ كَانَتْ مُتَعَلِّقَةً بِالْمَرْئِيِّ فِي الرُّؤْيَةِ الْمُشَبَّهَةِ وَالرُّؤْيَةِ الْمُشَبَّهِ بِهَا؛ لَكِنْ قَدْ عَلِمَ الْمُسْتَمِعُونَ أَنَّ الْمَرْئِيَّ لَيْسَ مِثْلَ الْمَرْئِيِّ فَكَذَلِكَ هُنَا شَبَّهَ النَّقْصَ بِالنَّقْصِ؛ وَإِنْ كَانَ كُلٌّ مِنْ النَّاقِصِ وَالْمَنْقُوصِ وَالْمَنْقُوصِ مِنْهُ الْمُشَبَّهِ بِهِ لَيْسَ مِثْلَ النَّاقِصِ وَالْمَنْقُوصِ وَالْمَنْقُوصُ مِنْهُ الْمُشَبَّهُ بِهِ. وَلِهَذَا كُلُّ أَحَدٍ يَعْلَمُ أَنَّ الْمُعَلِّمَ لَا يَزُولُ عِلْمُهُ بِالتَّعْلِيمِ بَلْ يُشَبِّهُونَهُ بِضَوْءِ السِّرَاجِ الَّذِي يَحْدُثُ: يَقْتَبِسُ مِنْهُ كُلُّ أَحَدٍ وَيَأْخُذُونَ مَا شَاءُوا مِنْ الشُّهُبِ وَهُوَ بَاقٍ بِحَالِهِ وَهَذَا تَمْثِيلٌ مُطَابِقٌ؛ فَإِنَّ الْمُسْتَوْقِدَ مِنْ السِّرَاجِ يُحْدِثُ اللَّهُ فِي فَتِيلَتِهِ أَوْ وَقُودِهِ نَارًا مِنْ جِنْسِ تِلْكَ النَّارِ وَإِنْ كَانَ قَدْ يُقَالُ: إنَّهَا تَسْتَحِيلُ عَنْ ذَلِكَ الْهَوَاءِ مَعَ أَنَّ النَّارَ الْأُولَى بَاقِيَةٌ كَذَلِكَ الْمُتَعَلِّمُ يَجْعَلُ فِي قَلْبِهِ مِثْلَ عِلْمِ الْمُعَلِّمِ مَعَ بَقَاءِ عِلْمِ الْمُعَلِّمِ وَلِهَذَا قَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الْعِلْمُ يَزْكُو عَلَى الْعَمَلِ أَوْ قَالَ: عَلَى التَّعْلِيمِ؛ وَالْمَالُ يُنْقِصُهُ النَّفَقَةُ. وَعَلَى هَذَا فَيُقَالُ فِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ: إنَّ قَوْلَهُ " مِمَّا عِنْدِي "؛ وَقَوْلَهُ: " مِنْ مُلْكِي " هُوَ مِنْ هَذَا الْبَابِ وَحِينَئِذٍ فَلَهُ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مَا أَعْطَاهُمْ خَارِجًا عَنْ مُسَمَّى مُلْكِهِ وَمُسَمَّى مَا
(18/200)

عِنْدَهُ كَمَا أَنَّ عِلْمَ اللَّهِ لَا يَدْخُلُ فِيهِ نَفْسُ عِلْمِ مُوسَى وَالْخَضِرِ.
وَالثَّانِي أَنْ يُقَالَ: بَلْ لَفْظُ الْمُلْكِ وَمَا عِنْدَهُ يَتَنَاوَلُ كُلَّ شَيْءٍ وَمَا أَعْطَاهُمْ فَهُوَ جُزْءٌ مِنْ مُلْكِهِ وَمِمَّا عِنْدَهُ وَلَكِنَّ نِسْبَتَهُ إلَى الْجُمْلَةِ هَذِهِ النِّسْبَةُ الْحَقِيرَةُ. وَمِمَّا يُحَقِّقُ هَذَا الْقَوْلَ الثَّانِيَ: أَنَّ التِّرْمِذِيَّ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غُنْمٍ؛ عَنْ أَبِي ذَرٍّ مَرْفُوعًا فِيهِ: " {لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ؛ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ؛ وَرَطْبَكُمْ وَيَابِسَكُمْ؛ سَأَلُونِي حَتَّى تَنْتَهِيَ مَسْأَلَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فَأَعْطَيْتهمْ مَا سَأَلُونِي؛ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي كَمَغْرَزِ إبْرَةٍ لَوْ غَمَسَهَا أَحَدُكُمْ فِي الْبَحْرِ وَذَلِكَ إنِّي جَوَادٌ مَاجِدٌ وَاجِدٌ عَطَائِي كَلَامٌ وَعَذَابِي كَلَامٌ إنَّمَا أَمْرِي لِشَيْءِ إذَا أَرَدْته أَنْ أَقُولَ لَهُ: كُنْ؛ فَيَكُونُ} " فَذِكْرُهُ سُبْحَانَهُ: أَنَّ عَطَاءَهُ كَلَامٌ وَعَذَابَهُ كَلَامٌ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ هُوَ أَرَادَ بِقَوْلِهِ: " مِنْ مُلْكِي " وَ " مِمَّا عِنْدِي " أَيْ: مِنْ مَقْدُورِي فَيَكُونُ هَذَا فِي الْقُدْرَةِ كَحَدِيثِ الْخَضِرِ فِي الْعِلْمِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّ فِي اللَّفْظِ الْآخَرِ الَّذِي فِي نُسْخَةِ أَبِي مُسْهِرٍ: {لَمْ يَنْقُصْ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا إلَّا كَمَا يَنْقُصْ الْبَحْرُ} " وَهَذَا قَدْ يُقَالُ فِيهِ: إنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ أَيْ: لَمْ يَنْقُصْ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا لَكِنْ يَكُونُ حَالُهُ حَالَ هَذِهِ النِّسْبَةِ وَقَدْ يُقَالُ: بَلْ هُوَ تَامٌّ وَالْمَعْنَى عَلَى مَا سَبَقَ.
(18/201)

فَصْلٌ
ثُمَّ خَتَمَهُ بِتَحْقِيقِ مَا بَيَّنَهُ فِيهِ مِنْ عَدْلِهِ وَإِحْسَانِهِ فَقَالَ: " {يَا عِبَادِي إنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إيَّاهَا فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدْ اللَّهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَن إلَّا نَفْسَهُ} " فَبَيَّنَ أَنَّهُ مُحْسِنٌ إلَى عِبَادِهِ فِي الْجَزَاءِ عَلَى أَعْمَالِهِمْ الصَّالِحَةِ إحْسَانًا يَسْتَحِقُّ بِهِ الْحَمْدَ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُنْعِمُ بِالْأَمْرِ بِهَا؛ وَالْإِرْشَادِ إلَيْهَا وَالْإِعَانَةِ عَلَيْهَا ثُمَّ إحْصَائِهَا ثُمَّ تَوْفِيَةِ جَزَائِهَا. فَكُلُّ ذَلِكَ فَضْلٌ مِنْهُ وَإِحْسَانٌ؛ إذْ كُلُّ نِعْمَةٍ مِنْهُ فَضْلٌ وَكُلُّ نِقْمَةٍ مِنْهُ عَدْلٌ وَهُوَ وَإِنْ كَانَ قَدْ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ وَكَانَ حَقًّا عَلَيْهِ نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ - كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ - فَلَيْسَ وُجُوبُ ذَلِكَ كَوُجُوبِ حُقُوقِ النَّاسِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ الَّذِي يَكُونُ عَدْلًا لَا فَضْلًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ لِكَوْنِ بَعْضِ النَّاسِ أَحْسَنَ إلَى الْبَعْضِ فَاسْتَحَقَّ الْمُعَاوَضَةَ وَكَانَ إحْسَانُهُ إلَيْهِ بِقُدْرَةِ الْمُحْسِنِ دُونَ الْمُحْسَنِ إلَيْهِ؛ وَلِهَذَا لَمْ يَكُنْ الْمُتَعَاوِضَانِ لِيَخُصَّ أَحَدُهُمَا بِالتَّفَضُّلِ عَلَى الْآخَرِ لِتَكَافُئِهِمَا وَهُوَ قَدْ بَيَّنَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ الْعِبَادَ لَنْ يَبْلُغُوا ضُرَّهُ فَيَضُرُّوهُ وَلَنْ يَبْلُغُوا نَفْعَهُ فَيَنْفَعُوهُ فَامْتَنَعَ حِينَئِذٍ أَنْ يَكُونَ لِأَحَدِ مِنْ جِهَةِ نَفْسِهِ عَلَيْهِ حَقٌّ بَلْ هُوَ الَّذِي أَحَقَّ الْحَقَّ عَلَى نَفْسِهِ بِكَلِمَاتِهِ فَهُوَ الْمُحْسِنُ بِالْإِحْسَانِ وَبِإِحْقَاقِهِ
(18/202)

وَكِتَابَتِهِ عَلَى نَفْسِهِ فَهُوَ فِي كِتَابَةِ الرَّحْمَةِ عَلَى نَفْسِهِ وَإِحْقَاقِهِ نَصْرَ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ وَنَحْوِ ذَلِكَ مُحْسِنٌ إحْسَانًا مَعَ إحْسَانٍ. فَلْيَتَدَبَّرْ اللَّبِيبُ هَذِهِ التَّفَاصِيلَ الَّتِي يَتَبَيَّنُ بِهَا فَصْلَ الْخِطَابِ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ الَّتِي عَظُمَ فِيهَا الِاضْطِرَابُ فَمِنْ بَيْنِ مُوجِبٍ عَلَى رَبِّهِ بِالْمَنْعِ أَنْ يَكُونَ مُحْسِنًا مُتَفَضِّلًا؛ وَمِنْ بَيْنِ مُسَوٍّ بَيْنَ عَدْلِهِ وَإِحْسَانِهِ وَمَا تَنَزَّهَ عَنْهُ مِنْ الظُّلْمِ وَالْعُدْوَانِ. وَجَاعِلُ الْجَمِيعِ نَوْعًا وَاحِدًا. وَكُلُّ ذَلِكَ حَيْدٌ عَنْ سُنَنِ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ وَاَللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ. وَكَمَا بَيَّنَ أَنَّهُ مُحْسِنٌ فِي الْحَسَنَاتِ؛ مُتِمٌّ إحْسَانَهُ بِإِحْصَائِهَا وَالْجَزَاءِ عَلَيْهَا؛ بَيَّنَ أَنَّهُ عَادِلٌ فِي الْجَزَاءِ عَلَى السَّيِّئَاتِ فَقَالَ: " {وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَن إلَّا نَفْسَهُ} كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي مِثْلِ قَوْلِهِ: {وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ} . وَعَلَى هَذَا الْأَصْلِ اسْتَقَرَّتْ الشَّرِيعَةُ الْمُوَافِقَةُ لِفِطْرَةِ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا كَمَا فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الَّذِي رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ؛ عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ؛ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: " {سَيِّدُ الِاسْتِغْفَارِ أَنْ يَقُولَ الْعَبْدُ: اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي؛ لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ. خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُك؛ وَأَنَا عَلَى عَهْدِك وَوَعْدِك مَا اسْتَطَعْت. أَعُوذُ بِك مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْت؛ أَبُوءُ لَك بِنِعْمَتِك عَلَيَّ؛ وَأَبُوءُ بِذَنْبِي؛ فَاغْفِرْ لِي؛ فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا أَنْتَ} " فَفِي قَوْلِهِ: " {أَبُوءُ لَك بِنِعْمَتِك عَلَيَّ} " اعْتِرَافٌ بِنِعْمَتِهِ عَلَيْهِ فِي الْحَسَنَاتِ وَغَيْرِهَا. وَقَوْلُهُ: " {وَأَبُوءُ بِذَنْبِي} "
(18/203)

اعْتِرَافٌ مِنْهُ بِأَنَّهُ مُذْنِبٌ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَبِهَذَا يَصِيرُ الْعَبْدُ شَكُورًا لِرَبِّهِ مُسْتَغْفِرًا لِذَنْبِهِ فَيَسْتَوْجِبُ مَزِيدَ الْخَيْرِ وَغُفْرَانَ الشَّرِّ مِنْ الشَّكُورِ الْغَفُورِ الَّذِي يَشْكُرُ الْيَسِيرَ مِنْ الْعَمَلِ وَيَغْفِرُ الْكَثِيرَ مِنْ الزَّلَلِ. وَهُنَا انْقَسَمَ النَّاسُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ فِي إضَافَةِ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ الَّتِي هِيَ الطَّاعَاتُ وَالْمَعَاصِي إلَى رَبِّهِمْ وَإِلَى نُفُوسِهِمْ فَشَرُّهُمْ الَّذِي إذَا أَسَاءَ أَضَافَ ذَلِكَ إلَى الْقَدَرِ وَاعْتَذَرَ بِأَنَّ الْقَدَرَ سُبِقَ بِذَلِكَ وَأَنَّهُ لَا خُرُوجَ لَهُ عَلَى الْقَدَرِ فَرَكِبَ الْحُجَّةَ عَلَى رَبِّهِ فِي ظُلْمِهِ لِنَفْسِهِ وَإِنْ أَحْسَنَ أَضَافَ ذَلِكَ إلَى نَفْسِهِ وَنَسِيَ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ فِي تَيْسِيرِهِ لِلْيُسْرَى. وَهَذَا لَيْسَ مَذْهَبَ طَائِفَةٍ مِنْ بَنِي آدَمَ وَلَكِنَّهُ حَالُ شِرَارِ الْجَاهِلِينَ الظَّالِمِينَ الَّذِينَ لَا حَفِظُوا حُدُودَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَلَا شَهِدُوا حَقِيقَةَ الْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ كَمَا قَالَ فِيهِمْ الشَّيْخُ أَبُو الْفَرَجِ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: أَنْتَ عِنْدَ الطَّاعَةِ قَدَرِيٌّ؛ وَعِنْدَ الْمَعْصِيَةِ جَبْرِيٌّ أَيُّ مَذْهَبٍ وَافَقَ هَوَاك تَمَذْهَبْت بِهِ. وَخَيْرُ الْأَقْسَامِ وَهُوَ الْقِسْمُ الْمَشْرُوعُ وَهُوَ الْحَقُّ الَّذِي جَاءَتْ بِهِ الشَّرِيعَةُ: أَنَّهُ إذَا أَحْسَنَ شُكْرَ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِ وَحَمْدَهُ؛ إذْ أَنْعَمَ عَلَيْهِ بِأَنْ جَعَلَهُ مُحْسِنًا وَلَمْ يَجْعَلْهُ مُسِيئًا؛ فَإِنَّهُ فَقِيرٌ مُحْتَاجٌ فِي ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ وَجَمِيعِ حَرَكَاتِهِ وَسَكَنَاتِهِ إلَى رَبِّهِ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِهِ فَلَوْ لَمْ يَهْدِهِ لَمْ يَهْتَدِ كَمَا قَالَ أَهْلُ الْجَنَّةِ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ} وَإِذَا
(18/204)

أَسَاءَ اعْتَرَفَ بِذَنْبِهِ وَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَتَابَ مِنْهُ وَكَانَ كَأَبِيهِ آدَمَ الَّذِي قَالَ: {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} وَلَمْ يَكُنْ كإبليس الَّذِي قَالَ: {رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} {إلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} . وَلَمْ يَحْتَجَّ بِالْقَدَرِ عَلَى تَرْكِ مَأْمُورٍ وَلَا فِعْلِ مَحْظُورٍ؛ مَعَ إيمَانِهِ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ وَإِنَّ اللَّهَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَرَبُّهُ وَمَلِيكُهُ وَأَنَّهُ مَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ وَأَنَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَيُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَنَحْوُ ذَلِكَ. وَهَؤُلَاءِ هُمْ الَّذِينَ أَطَاعُوا اللَّهَ فِي قَوْلِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: {فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدْ اللَّهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَن إلَّا نَفْسَهُ} " وَلَكِنَّ بَسْطَ ذَلِكَ وَتَحْقِيقَ نِسْبَةِ الذَّنْبِ إلَى النَّفْسِ مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّ اللَّهَ خَالِقُ أَفْعَالِ الْعِبَادِ فِيهِ أَسْرَارٌ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَهَا وَمَعَ هَذَا فَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا} {مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ} لَيْسَ الْمُرَادُ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الطَّاعَاتِ وَالْمَعَاصِيَ كَمَا يَظُنُّهُ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ حَتَّى يُحَرِّفَ بَعْضُهُمْ الْقُرْآنَ وَيَقْرَأَ (فَمَنْ نَفْسُك؟ وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَعْنَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ يُنَاقِضُ الْقِرَاءَةَ الْمُتَوَاتِرَةَ وَحَتَّى يُضْمِرَ بَعْضُهُمْ الْقَوْلَ عَلَى وَجْهِ الْإِنْكَارِ لَهُ وَهُوَ قَوْلُ
(18/205)

اللَّهِ الْحَقِّ فَيَجْعَلُ قَوْلَ اللَّهِ الصِّدْقَ الَّذِي يَحْمَدُ وَيَرْضَى قَوْلًا لِلْكُفَّارِ يُكَذِّبُ بِهِ وَيَذُمُّ وَيَسْخَطُ بِالْإِضْمَارِ الْبَاطِلِ الَّذِي يَدَّعِيهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ فِي السِّيَاقِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ. ثُمَّ إنَّ مِنْ جَهْلِ هَؤُلَاءِ ظَنَّهُمْ أَنَّ فِي هَذِهِ الْآيَةِ حُجَّةً لِلْقَدَرِيَّةِ وَاحْتِجَاجُ بَعْضِ الْقَدَرِيَّةِ بِهَا وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنَ النَّاسِ فِي أَنَّ الطَّاعَاتِ وَالْمَعَاصِيَ سَوَاءٌ مِنْ جِهَةِ الْقَدَرِ. فَمَنْ قَالَ: إنَّ الْعَبْدَ هُوَ الْمُوجِدُ لِفِعْلِهِ دُونَ اللَّهِ؛ أَوْ هُوَ الْخَالِقُ لِفِعْلِهِ؛ وَأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَخْلُقْ أَفْعَالَ الْعِبَادِ فَلَا فَرْقَ عِنْدَهُ بَيْنَ الطَّاعَةِ وَالْمَعْصِيَةِ. وَمَنْ أَثْبَتَ خَلْقَ الْأَفْعَالِ وَأَثْبَتَ الْجَبْرَ أَوْ نَفَاهُ؛ أَوْ أَمْسَكَ عَنْ نَفْيِهِ وَإِثْبَاتِهِ مُطْلَقًا؛ وَفَصَلَ الْمَعْنَى أَوْ لَمْ يَفْصِلْهُ: فَلَا فَرْقَ عِنْدَهُ بَيْنَ الطَّاعَةِ وَالْمَعْصِيَةِ. فَتَبَيَّنَ أَنَّ إدْخَالَ هَذِهِ الْآيَةِ فِي الْقَدَرِ فِي غَايَةِ الْجَهَالَةِ وَذَلِكَ أَنَّ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ فِي الْآيَةِ الْمُرَادُ بِهَا المسار وَالْمَضَارُّ دُونَ الطَّاعَاتِ وَالْمَعَاصِي كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} وَهُوَ الشَّرُّ وَالْخَيْرُ فِي قَوْلِهِ: {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً} . وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: {إنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا} وقَوْله تَعَالَى {وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي} وقَوْله تَعَالَى {وَمَا أَرْسَلْنَا فِي
(18/206)

قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ} {ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} وَقَالَ تَعَالَى: {فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ} . فَهَذِهِ حَالُ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ مَعَ مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ كَحَالِ الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ وَالظَّالِمِينَ مَعَ مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ إذَا أَصَابَهُمْ نِعْمَةٌ وَخَيْرٌ قَالُوا: لَنَا هَذِهِ أَوْ قَالُوا: هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ أَصَابَهُمْ عَذَابٌ وَشَرٌّ تَطَيَّرُوا بِالنَّبِيِّ وَالْمُؤْمِنِينَ وَقَالُوا: هَذِهِ بِذُنُوبِهِمْ وَإِنَّمَا هِيَ بِذُنُوبِ أَنْفُسِهِمْ لَا بِذُنُوبِ الْمُؤْمِنِينَ وَهُوَ سُبْحَانَهُ ذَكَرَ هَذَا فِي بَيَانِ حَالِ النَّاكِلِينَ عَنْ الْجِهَادِ الَّذِينَ يَلُومُونَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْجِهَادِ فَإِذَا أَصَابَهُمْ نَصْرٌ وَنَحْوُهُ قَالُوا: هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُمْ مِحْنَةٌ قَالُوا: هَذِهِ مِنْ عِنْدِ هَذَا الَّذِي جَاءَنَا بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْجِهَادِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ} إلَى قَوْلِهِ: {وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ} إلَى قَوْلِهِ: {أَلَمْ تَرَ إلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ} إلَى قَوْلِهِ: {أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ} أَيْ هَؤُلَاءِ الْمَذْمُومِينَ {يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ} أَيْ بِسَبَبِ أَمْرِك وَنَهْيِك
(18/207)

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا} {مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ} أَيْ: مِنْ نِعْمَةٍ {فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ} أَيْ: فَبِذَنْبِك. كَمَا قَالَ: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ} وَقَالَ: {وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ} . وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ فِي هَذَا الْبَابِ: فَهُمْ قَوْمٌ لَبَّسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَهُمْ بَيْنَ أَهْلِ الْإِيمَانِ أَهْلِ الْخَيْرِ وَبَيْنَ شِرَارِ النَّاسِ وَهُمْ الْخَائِضُونَ فِي الْقَدَرِ بِالْبَاطِلِ فَقَوْمٌ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ هُمْ الَّذِينَ يَهْدُونَ أَنْفُسَهُمْ وَيُضِلُّونَهَا وَيُوجِبُونَ لَهَا فِعْلَ الطَّاعَةِ وَفِعْلَ الْمَعْصِيَةِ بِغَيْرِ إعَانَةٍ مِنْهُ وَتَوْفِيقٍ لِلطَّاعَةِ وَلَا خِذْلَانٍ مِنْهُ فِي الْمَعْصِيَةِ. وَقَوْمٌ لَا يُثْبِتُونَ لِأَنْفُسِهِمْ فِعْلًا وَلَا قُدْرَةً وَلَا أَمْرًا. ثُمَّ مِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يَنْحَلُّ عَنْ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ فَيَكُونُ أَكْفَرَ الْخَلْقِ وَهُمْ فِي احْتِجَاجِهِمْ بِالْقَدَرِ مُتَنَاقِضُونَ؛ إذْ لَا بُدَّ مِنْ فِعْلٍ يُحِبُّونَهُ وَفِعْلٍ يُبْغِضُونَهُ وَلَا بُدَّ لَهُمْ وَلِكُلِّ أَحَدٍ مِنْ دَفْعِ الضَّرَرِ الْحَاصِلِ بِأَفْعَالِ الْمُعْتَدِينَ فَإِذَا جَعَلُوا الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ سَوَاسِيَةً لَمْ يُمْكِنْهُمْ أَنْ يَذُمُّوا أَحَدًا وَلَا يَدْفَعُوا ظَالِمًا وَلَا يُقَابِلُوا مُسِيئًا وَإِنْ يُبِيحُوا لِلنَّاسِ مِنْ أَنْفُسِهِمْ كُلَّ مَا يَشْتَهِيهِ مُشْتَهٍ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنْ الْأُمُورِ الَّتِي لَا يَعِيشُ
(18/208)

عَلَيْهَا بَنُو آدَمَ؛ إذْ هُمْ مُضْطَرُّونَ إلَى شَرْعٍ فِيهِ أَمْرٌ وَنَهْيٌ أَعْظَمُ مِنْ اضْطِرَارِهِمْ إلَى الْأَكْلِ وَاللِّبَاسِ. وَهَذَا بَابٌ وَاسِعٌ لِشَرْحِهِ مَوْضِعٌ غَيْرُ هَذَا. وَإِنَّمَا نَبَّهْنَا عَلَى مَا فِي الْحَدِيثِ مِنْ الْكَلِمَاتِ الْجَامِعَةِ وَالْقَوَاعِدِ النَّافِعَةِ بِنُكَتِ مُخْتَصَرَةٍ تُنَبِّهُ الْفَاضِلَ عَلَى مَا فِي الْحَقَائِقِ مِنْ الْجَوَامِعِ وَالْفَوَارِقِ؛ الَّتِي تَفْصِلُ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ فِي هَذِهِ الْمَضَايِقِ. بِحَسَبِ مَا احْتَمَلَتْهُ أَوْرَاقُ السَّائِلِ وَاَللَّهُ يَنْفَعُنَا وَسَائِرَ إخْوَانِنَا الْمُؤْمِنِينَ بِمَا عَلِمْنَاهُ، وَيُعَلِّمُنَا مَا يَنْفَعُنَا وَيَزِيدُنَا عِلْمًا وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ وَلَا مَلْجَأَ مِنْهُ إلَّا إلَيْهِ لَهُ النِّعْمَةُ وَلَهُ الْفَضْلُ وَلَهُ الثَّنَاءُ الْحَسَنُ وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الْعَظِيمَ لِي وَلِجَمِيعِ إخْوَانِنَا الْمُؤْمِنِينَ. وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا.
(18/209)

وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ نَسْتَعِينهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَنَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ. وَنَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا.
فَصْلٌ:
فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ مِنْ حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " {يَا بَنِي تَمِيمٍ اقْبَلُوا الْبُشْرَى قَالُوا: قَدْ بَشَّرْتنَا فَأَعْطِنَا فَأَقْبَلَ عَلَى أَهْلِ الْيَمَنِ فَقَالَ: يَا أَهْلَ
(18/210)

الْيَمَنِ اقْبَلُوا الْبُشْرَى؛ إذْ لَمْ يَقْبَلْهَا بَنُو تَمِيمٍ فَقَالُوا: قَدْ قَبِلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالُوا: جِئْنَاك لِنَتَفَقَّهَ فِي الدِّينِ وَلِنَسْأَلَك عَنْ أَوَّلِ هَذَا الْأَمْرِ فَقَالَ: كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ قَبْلَهُ وَفِي لَفْظٍ مَعَهُ وَفِي لَفْظٍ غَيْرُهُ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ وَكَتَبَ فِي الذِّكْرِ كُلَّ شَيْءٍ وَخَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ} " وَفِي لَفْظٍ: " {ثُمَّ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ} " ثُمَّ جَاءَنِي رَجُلٌ فَقَالَ: أَدْرِكْ نَاقَتَك فَذَهَبْت فَإِذَا السَّرَابُ يَنْقَطِعُ دُونَهَا فَوَاَللَّهِ لَوَدِدْت إنِّي تَرَكْتهَا وَلَمْ أَقُمْ. قَوْلُهُ: {كَتَبَ فِي الذِّكْرِ} يَعْنِي: اللَّوْحَ الْمَحْفُوظَ كَمَا قَالَ: {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ} أَيْ: مِنْ بَعْد اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ يُسَمَّى مَا يُكْتَبُ فِي الذِّكْرِ ذِكْرًا كَمَا يُسَمَّى مَا يُكْتَبُ فِيهِ كِتَابًا كَقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: {إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ} {فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ} . وَالنَّاسُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى قَوْلَيْنِ: مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إنَّ مَقْصُودَ الْحَدِيثِ إخْبَارُهُ بِأَنَّ اللَّهَ كَانَ مَوْجُودًا وَحْدَهُ ثُمَّ إنَّهُ ابْتَدَأَ إحْدَاثَ جَمِيعِ الْحَوَادِثِ وَإِخْبَارُهُ بِأَنَّ الْحَوَادِثَ لَهَا ابْتِدَاءٌ بِجِنْسِهَا وَأَعْيَانِهَا مَسْبُوقَةٌ بِالْعَدَمِ وَإِنَّ جِنْسَ الزَّمَانِ حَادِثٌ لَا فِي زَمَانٍ وَجِنْسِ الْحَرَكَاتِ والمتحركات حَادِثٌ وَإِنَّ اللَّهَ صَارَ فَاعِلًا بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ يَفْعَلُ شَيْئًا مِنْ الْأَزَلِ إلَى حِينِ ابْتَدَأَ الْفِعْلَ؛ وَلَا كَانَ الْفِعْلُ مُمْكِنًا. ثُمَّ هَؤُلَاءِ عَلَى قَوْلَيْنِ: مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: وَكَذَلِكَ صَارَ مُتَكَلِّمًا بَعْدَ
(18/211)

أَنْ لَمْ يَكُنْ يَتَكَلَّمُ بِشَيْءِ بَلْ وَلَا كَانَ الْكَلَامُ مُمْكِنًا لَهُ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: الْكَلَامُ أَمْرٌ يُوصَفُ بِهِ بِأَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَيْهِ لَا أَنَّهُ يَتَكَلَّمُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ بَلْ هُوَ أَمْرٌ لَازِمٌ لِذَاتِهِ بِدُونِ قُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ. ثُمَّ هَؤُلَاءِ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: هُوَ الْمَعْنَى دُونَ اللَّفْظِ الْمَقْرُوءِ عَبَّرَ عَنْهُ بِكُلِّ مِنْ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالزَّبُورِ وَالْفُرْقَانِ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: بَلْ هُوَ حُرُوفٌ وَأَصْوَاتٌ لَازِمَةٌ لِذَاتِهِ لَمْ تَزَلْ وَلَا تَزَالُ وَكُلُّ أَلْفَاظِ الْكُتُبِ الَّتِي أَنْزَلَهَا وَغَيْرُ ذَلِكَ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي فِي مَعْنَى الْحَدِيثِ: إنَّهُ لَيْسَ مُرَادُ الرَّسُولِ هَذَا؛ بَلْ إنَّ الْحَدِيثَ يُنَاقِضُ هَذَا وَلَكِنَّ مُرَادَهُ. إخْبَارُهُ عَنْ خَلْقِ هَذَا الْعَالَمِ الْمَشْهُودِ الَّذِي خَلَقَهُ اللَّهُ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ كَمَا أَخْبَرَ الْقُرْآنُ الْعَظِيمُ بِذَلِكَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ فَقَالَ تَعَالَى: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ} وَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو؛ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: {قَدَّرَ اللَّهُ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ} " فَأَخْبَرَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ تَقْدِيرَ خَلْقِ هَذَا الْعَالَمِ الْمَخْلُوقِ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ حِينَئِذٍ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ. كَمَا أَخْبَرَ بِذَلِكَ الْقُرْآنُ وَالْحَدِيثُ الْمُتَقَدِّمُ الَّذِي رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ؛ عَنْ عِمْرَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
(18/212)

وَمِنْ هَذَا: الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِي وَغَيْرُهُمَا عَنْ عبادة بْنِ الصَّامِتِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: " {أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمَ فَقَالَ لَهُ: اُكْتُبْ قَالَ: وَمَا أَكْتُبُ. قَالَ: مَا هُوَ كَائِنٌ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} " فَهَذَا الْقَلَمُ خَلَقَهُ لِمَا أَمَرَهُ بِالتَّقْدِيرِ الْمَكْتُوبِ قَبْلَ خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ وَكَانَ مَخْلُوقًا قَبْلَ خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ أَوَّلُ مَا خُلِقَ مِنْ هَذَا الْعَالَمِ وَخَلَقَهُ بَعْدَ الْعَرْشِ كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ النُّصُوصُ وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ السَّلَفِ كَمَا ذَكَرْتُ أَقْوَالَ السَّلَفِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَالْمَقْصُودُ هُنَا: بَيَانُ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ نُصُوصُ الْكِتَاب وَالسُّنَّةِ. وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ الثَّانِي وُجُوهٌ:
أَحَدُهَا: أَنَّ قَوْلَ أَهْلِ الْيَمَنِ: " {جِئْنَاك لِنَسْأَلَك عَنْ أَوَّلِ هَذَا الْأَمْرِ} " إمَّا أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ الْمُشَارُ إلَيْهِ هَذَا الْعَالَمُ أَوْ جِنْسُ الْمَخْلُوقَاتِ فَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ هُوَ الْأَوَّلَ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أَجَابَهُمْ؛ لِأَنَّهُ أَخْبَرَهُمْ عَنْ أَوَّلِ خَلْقِهِ هَذَا الْعَالَمِ وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ الثَّانِيَ لَمْ يَكُنْ قَدْ أَجَابَهُمْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ أَوَّلَ الْخَلْقِ مُطْلَقًا؛ بَلْ قَالَ: " {كَانَ اللَّهُ وَلَا شَيْءَ قَبْلَهُ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ وَكَتَبَ فِي الذِّكْرِ كُلَّ شَيْءٍ ثُمَّ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ} " فَلَمْ يَذْكُرْ إلَّا خَلْقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ
(18/213)

لَمْ يَذْكُرْ خَلْقَ الْعَرْشِ مَعَ أَنَّ الْعَرْشَ مَخْلُوقٌ أَيْضًا فَإِنَّهُ يَقُولُ: " وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ " وَهُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ: الْعَرْشُ وَغَيْرُهُ وَرَبُّ كُلِّ شَيْءٍ: الْعَرْشُ وَغَيْرُهُ. وَفِي حَدِيثِ أَبِي رَزِينٍ قَدْ أَخْبَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخَلْقِ الْعَرْشِ. وَأَمَّا فِي حَدِيثِ عِمْرَانَ فَلَمْ يُخْبِرْ بِخَلْقِهِ؛ بَلْ أَخْبَرَ بِخَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ فَعُلِمَ أَنَّهُ أَخْبَرَ بِأَوَّلِ خَلْقِ هَذَا الْعَالَمِ لَا بِأَوَّلِ الْخَلْقِ مُطْلَقًا. وَإِذَا كَانَ إنَّمَا أَجَابَهُمْ بِهَذَا عُلِمَ أَنَّهُمْ إنَّمَا سَأَلُوهُ عَنْ هَذَا لَمْ يَسْأَلُوهُ عَنْ أَوَّلِ الْخَلْقِ مُطْلَقًا فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَجَابَهُمْ عَمَّا لَمْ يَسْأَلُوهُ عَنْهُ وَلَمْ يُجِبْهُمْ عَمَّا سَأَلُوا عَنْهُ بَلْ هُوَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ مَعَ أَنَّ لَفْظَهُ إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى هَذَا؛ لَا يَدُلُّ عَلَى ذَكَرَهُ أَوَّلَ الْخَلْقِ وَإِخْبَارِهِ بِخَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ بَعْدَ أَنْ كَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ يَقْصِدُ بِهِ الْإِخْبَارَ عَنْ تَرْتِيبِ بَعْضِ الْمَخْلُوقَاتِ عَلَى بَعْضٍ فَإِنَّهُمْ لَمْ يَسْأَلُوهُ عَنْ مُجَرَّدِ التَّرْتِيبِ وَإِنَّمَا سَأَلُوهُ عَنْ أَوَّلِ هَذَا الْأَمْرِ فَعُلِمَ أَنَّهُمْ سَأَلُوهُ عَنْ مَبْدَأِ خَلْقِ هَذَا الْعَالَمِ فَأَخْبَرَهُمْ بِذَلِكَ كَمَا نَطَقَ فِي أَوَّلِهَا فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ " {خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ} ". وَبَعْضُهُمْ يَشْرَحُهَا فِي الْبَدْءِ أَوْ فِي الِابْتِدَاءِ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ. وَالْمَقْصُودُ أَنَّ فِيهَا الْإِخْبَارَ بِابْتِدَاءِ خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَنَّهُ كَانَ الْمَاءُ غَامِرًا لِلْأَرْضِ وَكَانَتْ الرِّيحُ تَهُبُّ عَلَى الْمَاءِ فَأَخْبَرَ أَنَّهُ
(18/214)

حِينَئِذٍ كَانَ هَذَا مَاءً وَهَوَاءً وَتُرَابًا وَأَخْبَرَ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ أَنَّهُ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ وَفِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: {ثُمَّ اسْتَوَى إلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ} وَقَدْ جَاءَتْ الْآثَارُ عَنْ السَّلَفِ بِأَنَّ السَّمَاءَ خُلِقَتْ مِنْ بُخَارِ الْمَاءِ وَهُوَ الدُّخَانُ. وَالْمَقْصُودُ هُنَا: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجَابَهُمْ عَمَّا سَأَلُوهُ عَنْهُ وَلَمْ يَذْكُرْ إلَّا ابْتِدَاءَ خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُمْ: " {جِئْنَا لِنَسْأَلَك عَنْ أَوَّلِ هَذَا الْأَمْرِ} " كَانَ مُرَادُهُمْ خَلْقَ هَذَا الْعَالَمِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ قَوْلَهُمْ: " هَذَا الْأَمْرِ " إشَارَةٌ إلَى حَاضِرٍ مَوْجُودٍ وَالْأَمْرُ يُرَادُ بِهِ الْمَصْدَرُ وَيُرَادُ بِهِ الْمَفْعُولُ بِهِ وَهُوَ الْمَأْمُورُ الَّذِي كَوَّنَهُ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَهَذَا مُرَادُهُمْ فَإِنَّ الَّذِي هُوَ قَوْلُهُ: كُنْ لَيْسَ مَشْهُودًا مُشَارًا إلَيْهِ بَلْ الْمَشْهُودُ الْمُشَارُ إلَيْهِ هَذَا الْمَأْمُورُ بِهِ قَالَ تَعَالَى: {وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا} وَقَالَ تَعَالَى: {أَتَى أَمْرُ اللَّهِ} وَنَظَائِرُهُ مُتَعَدِّدَةٌ. وَلَوْ سَأَلُوهُ عَنْ أَوَّلِ الْخَلْقِ مُطْلَقًا لَمْ يُشِيرُوا إلَيْهِ بِهَذَا؛ فَإِنَّ ذَاكَ لَمْ يَشْهَدُوهُ. فَلَا يُشِيرُونَ إلَيْهِ بِهَذَا بَلْ لَمْ يَعْلَمُوهُ أَيْضًا؛ فَإِنَّ ذَاكَ لَا يُعْلَمُ إلَّا بِخَبَرِ الْأَنْبِيَاءِ وَالرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُخْبِرْهُمْ بِذَلِكَ وَلَوْ كَانَ قَدْ أَخْبَرَهُمْ بِهِ لَمَا سَأَلُوهُ عَنْهُ فَعُلِمَ أَنَّ سُؤَالَهُمْ كَانَ
(18/215)

عَنْ أَوَّلِ هَذَا الْعَالَمِ الْمَشْهُودِ.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ قَالَ: " {كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ قَبْلَهُ} " وَقَدْ رُوِيَ: " مَعَهُ " وَرُوِيَ: " غَيْرُهُ " وَالْأَلْفَاظُ الثَّلَاثَةُ فِي الْبُخَارِيِّ وَالْمَجْلِسُ كَانَ وَاحِدًا وَسُؤَالُهُمْ وَجَوَابُهُ كَانَ فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ وَعِمْرَانُ الَّذِي رَوَى الْحَدِيثَ لَمْ يَقُمْ مِنْهُ حِينَ انْقَضَى الْمَجْلِسُ؛ بَلْ قَامَ لَمَّا أُخْبِرَ بِذَهَابِ رَاحِلَتِهِ قَبْلَ فَرَاغِ الْمَجْلِسِ وَهُوَ الْمُخْبِرُ بِلَفْظِ الرَّسُولِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا قَالَ أَحَدُ الْأَلْفَاظِ وَالْآخَرَانِ رَوَيَا بِالْمَعْنَى. وَحِينَئِذٍ فَاَلَّذِي ثَبَتَ عَنْهُ لَفْظُ " الْقَبْلِ "؛ فَإِنَّهُ قَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي دُعَائِهِ: " {أَنْتَ الْأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَك شَيْءٌ وَأَنْتَ الْآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَك شَيْءٌ وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَك شَيْءٌ وَأَنْتَ الْبَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَك شَيْءٌ} " وَهَذَا مُوَافِقٌ وَمُفَسِّرٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ} . وَإِذَا ثَبَتَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ لَفْظُ الْقَبْلِ فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ الرَّسُولَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَهُ، وَاللَّفْظَانِ الْآخَرَانِ لَمْ يَثْبُتْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا أَبَدًا وَكَانَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْحَدِيثِ إنَّمَا يَرْوُونَهُ بِلَفْظِ الْقَبْلِ: " {كَانَ اللَّهُ وَلَا شَيْءَ قَبْلَهُ} " مِثْلُ الحميدي والبغوي وَابْنُ الْأَثِيرِ وَغَيْرُهُمْ. وَإِذَا كَانَ إنَّمَا قَالَ: " {كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ قَبْلَهُ} " لَمْ يَكُنْ فِي هَذَا اللَّفْظِ تَعَرُّضٌ لِابْتِدَاءِ الْحَوَادِثِ وَلَا لِأَوَّلِ مَخْلُوقٍ.
(18/216)

الْوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنَّهُ قَالَ فِيهِ: " {كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ قَبْلَهُ أَوْ مَعَهُ أَوْ غَيْرُهُ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ وَكَتَبَ فِي الذِّكْرِ كُلَّ شَيْءٍ} " فَأَخْبَرَ عَنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ بِلَفْظِ الْوَاوِ لَمْ يَذْكُرْ فِي شَيْءٍ مِنْهَا ثُمَّ وَإِنَّمَا جَاءَ ثُمَّ فِي قَوْلِهِ؛ " خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ ". وَبَعْضُ الرُّوَاةِ ذَكَرَ فِيهِ خَلْقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ بِثُمَّ وَبَعْضُهُمْ ذَكَرَهَا بِالْوَاوِ. فَأَمَّا الْجُمَلُ الثَّلَاثُ الْمُتَقَدِّمَةُ فَالرُّوَاةُ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّهُ ذَكَرَهَا بِلَفْظِ الْوَاوِ وَمَعْلُومٌ أَنَّ لَفْظَ الْوَاوِ لَا يُفِيدُ التَّرْتِيبَ عَلَى الصَّحِيحِ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ فَلَا يُفِيدُ الْإِخْبَارَ بِتَقْدِيمِ بَعْضِ ذَلِكَ عَلَى بَعْضٍ وَإِنْ قُدِّرَ أَنَّ التَّرْتِيبَ مَقْصُودٌ إمَّا مِنْ تَرْتِيبِ الذِّكْرِ لِكَوْنِهِ قَدَّمَ بَعْضَ ذَلِكَ عَلَى بَعْضٍ وَإِمَّا مِنْ الْوَاوِ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِهِ فَإِنَّمَا فِيهِ تَقْدِيمُ كَوْنِهِ عَلَى كَوْنِ الْعَرْشِ عَلَى الْمَاءِ وَتَقْدِيمُ كَوْنِ الْعَرْشِ عَلَى الْمَاءِ عَلَى كِتَابَتِهِ فِي الذِّكْرِ كُلَّ شَيْءٍ وَتَقْدِيمُ كِتَابَتِهِ فِي الذِّكْرِ كُلَّ شَيْءٍ عَلَى تَقْدِيمِ خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَيْسَ فِي هَذَا ذِكْرُ أَوَّلِ الْمَخْلُوقَاتِ مُطْلَقًا بَلْ وَلَا فِيهِ الْإِخْبَارُ بِخَلْقِ الْعَرْشِ وَالْمَاءِ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ كُلَّهُ مَخْلُوقًا كَمَا أَخْبَرَ بِهِ فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ لَكِنْ فِي جَوَابِ أَهْلِ الْيَمَنِ إنَّمَا كَانَ مَقْصُودُهُ إخْبَارَهُ إيَّاهُمْ عَنْ بَدْءِ خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَهِيَ الْمَخْلُوقَاتُ الَّتِي خُلِقَتْ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ لَا بِابْتِدَاءِ مَا خَلَقَهُ اللَّهُ قَبْلَ ذَلِكَ. الْوَجْهُ الْخَامِسُ أَنَّهُ ذَكَرَ تِلْكَ الْأَشْيَاءَ بِمَا يَدُلُّ عَلَى كَوْنِهَا وَوُجُودِهَا
(18/217)

وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِابْتِدَاءِ خَلْقِهَا وَذَكَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ بِمَا يَدُلُّ عَلَى خَلْقِهَا وَسَوَاءٌ كَانَ قَوْلُهُ: " وَخَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ " أَوْ " ثُمَّ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ " فَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ أَخْبَرَ بِخَلْقِ ذَلِكَ وَكُلُّ مَخْلُوقٍ مُحْدَثٌ كَائِنٌ بَعْدَ إنْ لَمْ يَكُنْ وَإِنْ كَانَ قَدْ خُلِقَ مِنْ مَادَّةٍ كَمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: " {خَلَقَ اللَّهُ الْمَلَائِكَةَ مِنْ نُورٍ وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ وَخَلَقَ آدَمَ مِمَّا وُصِفَ لَكُمْ} ". فَإِنْ كَانَ لَفْظُ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " ثُمَّ خَلَقَ " فَقَدْ دَلَّ عَلَى أَنَّ خَلْقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ بَعْدَ مَا تَقَدَّمَ ذَكَرَهُ مِنْ كَوْنِ عَرْشِهِ عَلَى الْمَاءِ وَمِنْ كِتَابَتِهِ فِي الذِّكْرِ وَهَذَا اللَّفْظُ أَوْلَى بِلَفْظِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَا فِيهِ مِنْ تَمَامِ الْبَيَانِ وَحُصُولِ الْمَقْصُودِ بِلَفْظَةِ التَّرْتِيبِ وَإِنْ كَانَ لَفْظُهُ الْوَاوَ فَقَدْ دَلَّ سِيَاقُ الْكَلَامِ عَلَى أَنَّ مَقْصُودَهُ إنَّهُ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ؛ وَكَمَا دَلَّ عَلَى ذَلِكَ سَائِرُ النُّصُوصِ؛ فَإِنَّهُ قَدْ عُلِمَ إنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَقْصُودُهُ. الْإِخْبَارَ بِخَلْقِ الْعَرْشِ وَلَا الْمَاءِ؛ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَقْصِدَ إنَّ خَلْقَ ذَلِكَ كَانَ مُقَارِنًا لِخَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِي اللَّفْظِ مَا يَدُلُّ عَلَى خَلْقِ ذَلِكَ إلَّا مُقَارَنَةَ خَلْقِهِ لِخَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ - وَقَدْ أَخْبَرَ عَنْ خَلْقِ السَّمَوَاتِ مَعَ كَوْنِ ذَلِكَ - عَلِمَ أَنَّ مَقْصُودَهُ أَنَّهُ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ حِينَ كَانَ
(18/218)

الْعَرْشُ عَلَى الْمَاءِ كَمَا أَخْبَرَ بِذَلِكَ فِي الْقُرْآنِ وَحِينَئِذٍ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْعَرْشُ كَانَ عَلَى الْمَاءِ قَبْلَ خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ كَمَا أَخْبَرَ بِذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ حَيْثُ قَالَ: " {قَدَّرَ اللَّهُ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ} " فَأَخْبَرَ أَنَّ هَذَا التَّقْدِيرَ السَّابِقَ لِخَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ حِينَ كَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ. (الْوَجْهُ السَّادِسُ إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إمَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ قَالَ: " {كَانَ وَلَمْ يَكُنْ قَبْلَهُ شَيْءٌ} "؛ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ قَالَ: " وَلَا شَيْءَ مَعَهُ "؛ " أَوْ غَيْرُهُ ". فَإِنْ كَانَ إنَّمَا قَالَ اللَّفْظُ الْأَوَّلُ لَمْ يَكُنْ فِيهِ تَعَرُّضٌ لِوُجُودِهِ تَعَالَى قَبْلَ جَمِيعِ الْحَوَادِثِ. وَإِنْ كَانَ قَدْ قَالَ الثَّانِي أَوْ الثَّالِثَ فَقَوْلُهُ: " {وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مَعَهُ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ وَكَتَبَ فِي الذِّكْرِ} ": إمَّا أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ أَنَّهُ حِينَ كَانَ لَا شَيْءَ مَعَهُ كَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ؛ أَوْ كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ كَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ. فَإِنْ أَرَادَ الْأَوَّلَ كَانَ مَعْنَاهُ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ شَيْءٌ " مِنْ هَذَا الْأَمْرِ الْمَسْئُولِ عَنْهُ وَهُوَ هَذَا الْعَالَمُ وَيَكُونُ الْمُرَادُ أَنَّهُ كَانَ اللَّهُ قَبْلَ هَذَا الْعَالَمِ الْمَشْهُودِ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ. وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ؛ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ كَانَ لَا شَيْءَ مَعَهُ وَبَعْدَ ذَلِكَ كَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ وَكَتَبَ فِي الذِّكْرِ ثُمَّ خَلَقَ السَّمَوَاتِ
(18/219)

وَالْأَرْضَ فَلَيْسَ فِي هَذَا إخْبَارٌ بِأَوَّلِ مَا خَلَقَهُ اللَّهُ مُطْلَقًا بَلْ وَلَا فِيهِ إخْبَارُهُ بِخَلْقِ الْعَرْشِ وَالْمَاءِ بَلْ إنَّمَا فِيهِ إخْبَارُهُ بِخَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا صَرَّحَ فِيهِ بِأَنَّ كَوْنَ عَرْشِهِ عَلَى الْمَاءِ كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ بَلْ ذَكَرَهُ بِحَرْفِ الْوَاوِ وَالْوَاوِ لِلْجَمْعِ الْمُطْلَقِ وَالتَّشْرِيكِ بَيْنَ الْمَعْطُوفِ وَالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ. وَإِذَا كَانَ لَمْ يُبَيِّنْ الْحَدِيثَ أَوَّلَ الْمَخْلُوقَاتِ وَلَا ذَكَرَ مَتَى كَانَ خَلْقُ الْعَرْشِ الَّذِي أَخْبَرَ أَنَّهُ كَانَ عَلَى الْمَاءِ مَقْرُونًا بِقَوْلِهِ: {كَانَ اللَّهُ وَلَا شَيْءَ مَعَهُ} " دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَقْصِدْ الْإِخْبَارَ بِوُجُودِ اللَّهِ وَحْدَهُ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ وَبِابْتِدَاءِ الْمَخْلُوقَاتِ بَعْدَ ذَلِكَ؛ إذَا لَمْ يَكُنْ لَفْظُهُ دَالًّا عَلَى ذَلِكَ وَإِنَّمَا قَصَدَ الْإِخْبَارَ بِابْتِدَاءِ خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ. (الْوَجْهُ السَّابِعُ أَنْ يُقَالَ: لَا يَجُوزُ أَنْ يَجْزِمَ بِالْمَعْنَى الَّذِي أَرَادَهُ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَّا بِدَلِيلِ يَدُلُّ عَلَى مُرَادِهِ فَلَوْ قُدِّرَ أَنَّ لَفْظَهُ يَحْتَمِلُ هَذَا الْمَعْنَى وَهَذَا الْمَعْنَى لَمْ يُجْزِ الْجَزْمَ بِأَحَدِهِمَا إلَّا بِدَلِيلِ فَيَكُونُ إذَا كَانَ الرَّاجِحُ هُوَ أَحَدُهُمَا فَمَنْ جَزَمَ بِأَنَّ الرَّسُولَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرَادَ ذَلِكَ الْمَعْنَى الْآخَرَ فَهُوَ مُخْطِئٌ. (الْوَجْهُ الثَّامِنُ: أَنْ يُقَالَ: هَذَا الْمَطْلُوبُ لَوْ كَانَ حَقًّا لَكَانَ أَجَلَّ مِنْ أَنْ يُحْتَجَّ عَلَيْهِ بِلَفْظِ مُحْتَمَلٍ فِي خَبَرٍ لَمْ يَرْوِهِ إلَّا وَاحِدٌ وَلَكَانَ ذِكْرُ هَذَا فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ مِنْ أَهَمِّ الْأُمُورِ؛ لِحَاجَةِ النَّاسِ إلَى مَعْرِفَةِ
(18/220)

ذَلِكَ؛ لِمَا وَقَعَ فِيهِ مِنْ الِاشْتِبَاهِ وَالنِّزَاعِ وَاخْتِلَافِ النَّاسِ. فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ فِي السُّنَّةِ مَا يَدُلُّ عَلَى هَذَا الْمَطْلُوبِ؛ لَمْ يَجُزْ إثْبَاتُهُ بِمَا يَظُنُّ أَنَّهُ مَعْنَى الْحَدِيثِ بِسِيَاقِهِ وَإِنَّمَا سَمِعُوا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " {كَانَ اللَّهُ وَلَا شَيْءَ مَعَهُ} " فَظَنُّوهُ لَفْظًا ثَابِتًا مَعَ تَجَرُّدِهِ عَنْ سَائِرِ الْكَلَامِ الصَّادِرِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَظَنُّوا مَعْنَاهُ الْإِخْبَارَ بِتَقَدُّمِهِ تَعَالَى عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَبَنَوْا عَلَى هَذَيْنِ الظَّنَّيْنِ نِسْبَةَ ذَلِكَ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَيْسَ عِنْدَهُمْ بِوَاحِدَةٍ مِنْ الْمُقَدِّمَتَيْنِ عِلْمٌ بَلْ وَلَا ظَنٌّ يَسْتَنِدُ إلَى أَمَارَةٍ. وَهَبْ أَنَّهُمْ لَمْ يَجْزِمُوا بِأَنَّ مُرَادَهُ الْمَعْنَى الْآخَرُ فَلَيْسَ عِنْدَهُمْ مَا يُوجِبُ الْجَزْمَ بِهَذَا الْمَعْنَى وَجَاءَ بَيْنَهُمْ الشَّكُّ وَهُمْ يَنْسُبُونَ إلَى الرَّسُولِ مَا لَا عِلْمَ عِنْدَهُمْ بِأَنَّهُ قَالَهُ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} وَقَالَ تَعَالَى: {قُلْ إنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} . وَهَذَا كُلُّهُ لَا يَجُوزُ. (الْوَجْهُ الْعَاشِرُ أَنَّهُ قَدْ زَادَ فِيهِ بَعْضُ النَّاسِ: " وَهُوَ الْآنَ عَلَى مَا عَلَيْهِ كَانَ " وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ إنَّمَا زَادَهَا بَعْضُ النَّاسِ مِنْ عِنْدِهِ وَلَيْسَتْ فِي شَيْءٍ مِنْ الرِّوَايَاتِ. ثُمَّ إنَّ مِنْهُمْ مَنْ يَتَأَوَّلُهَا عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ مَعَهُ الْآنَ مَوْجُودٌ بَلْ وُجُودُهُ عَيْنُ وُجُودِ الْمَخْلُوقَاتِ كَمَا يَقُولُهُ أَهْلُ
(18/221)

وَحْدَةِ الْوُجُودِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: عَيْنُ وُجُودِ الْخَالِقِ هُوَ عَيْنُ وُجُودِ الْمَخْلُوقِ. كَمَا يَقُولُهُ ابْنُ عَرَبِيٍّ؛ وَابْنُ سَبْعِينَ؛ والقونوي؛ والتلمساني؛ وَابْنُ الْفَارِضِ؛ وَنَحْوُهُمْ. وَهَذَا الْقَوْلُ مِمَّا يُعْلَمُ بِالِاضْطِرَارِ شَرْعًا وَعَقْلًا أَنَّهُ بَاطِلٌ. (الْوَجْهُ الْحَادِي عَشَرَ أَنَّ كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ يَجْعَلُونَ هَذَا عُمْدَتَهُمْ مِنْ جِهَةِ السَّمْعِ: أَنَّ الْحَوَادِثَ لَهَا ابْتِدَاءٌ وَأَنَّ جِنْسَ الْحَوَادِثِ مَسْبُوقٌ بِالْعَدَمِ إذْ لَمْ يَجِدُوا فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مَا يَنْطِقُ بِهِ؛ مَعَ أَنَّهُمْ يَحْكُونَ هَذَا عَنْ الْمُسْلِمِينَ وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى كَمَا يُوجَدُ مِثْلُ هَذَا فِي كُتُبِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْكَلَامِ الْمُبْتَدَعِ فِي الْإِسْلَامِ الَّذِي ذَمَّهُ السَّلَفُ؛ وَخَالَفُوا بِهِ الشَّرْعَ وَالْعَقْلَ. وَبَعْضُهُمْ يَحْكِيهِ إجْمَاعًا لِلْمُسْلِمِينَ وَلَيْسَ مَعَهُمْ بِذَلِكَ نَقْلٌ لَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانِ وَلَا عَنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ هُوَ قَوْلَ جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ. وَبَعْضُهُمْ يَظُنُّ أَنَّ مَنْ خَالَفَ ذَلِكَ فَقَدْ قَالَ بِقِدَمِ الْعَالَمِ وَوَافَقَ الْفَلَاسِفَةَ الدَّهْرِيَّةَ؛ لِأَنَّهُ نَظَرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ كُتُبِ الْكَلَامِ فَلَمْ يَجِدْ فِيهَا إلَّا قَوْلَيْنِ: قَوْلَ الْفَلَاسِفَةِ الْقَائِلِينَ بِقِدَمِ الْعَالَمِ إمَّا صُورَتُهُ وَإِمَّا مَادَّتُهُ سَوَاءٌ قِيلَ: هُوَ مَوْجُودٌ بِنَفْسِهِ؛ أَوْ مَعْلُولٌ لِغَيْرِهِ. وَقَوْلَ مَنْ رَدَّ عَلَى هَؤُلَاءِ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ: الْجَهْمِيَّة؛ وَالْمُعْتَزِلَةِ؛ والكَرَّامِيَة؛ الَّذِينَ يَقُولُونَ: إنَّ
(18/222)

الرَّبَّ لَمْ يَزَلْ لَا يَفْعَلُ شَيْئًا وَلَا يَتَكَلَّمُ بِشَيْءِ ثُمَّ أَحْدَثَ الْكَلَامَ وَالْفِعْلَ بِلَا سَبَبٍ أَصْلًا. وَطَائِفَةٌ أُخْرَى كَالْكُلَّابِيَة وَمَنْ وَافَقَهُمْ يَقُولُونَ: بَلْ الْكَلَامُ قَدِيمُ الْعَيْنِ إمَّا مَعْنًى وَاحِدٌ وَإِمَّا أَحْرُفٌ وَأَصْوَاتٌ قَدِيمَةٌ أَزَلِيَّةٌ قَدِيمَةُ الْأَعْيَانِ وَيَقُولُ هَؤُلَاءِ: إنَّ الرَّبَّ لَمْ يَزَلْ لَا يَفْعَلُ شَيْئًا وَلَا يَتَكَلَّمُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ ثُمَّ حَدَثَ مَا يَحْدُثُ بِقُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ إمَّا قَائِمًا بِذَاتِهِ أَوْ مُنْفَصِلًا عَنْهُ عِنْدَ مَنْ يُجَوِّزُ ذَلِكَ وَإمَّا مُنْفَصِلًا عَنْهُ عِنْدَ مَنْ لَمْ يُجَوِّزْ قِيَامَ ذَلِكَ بِذَاتِهِ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ أَشْبَهُ بِمَا أَخْبَرَتْ بِهِ الرُّسُلُ مِنْ أَنَّ اللَّهَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَأَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ فَمَنْ ظَنَّ أَنَّهُ لَيْسَ لِلنَّاسِ إلَّا هَذَانِ الْقَوْلَانِ وَكَانَ مُؤْمِنًا بِأَنَّ الرُّسُلَ لَا يَقُولُونَ إلَّا حَقًّا يَظُنُّ أَنَّ هَذَا قَوْلَ الرُّسُلِ وَمَنْ اتَّبَعَهُمْ. ثُمَّ إذَا طُولِبَ بِنَقْلِ هَذَا الْقَوْلِ عَنْ الرُّسُلِ لَمْ يُمْكِنْهُ ذَلِكَ وَلَمْ يُمْكِنْ لِأَحَدِ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةِ وَلَا حَدِيثٍ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ لَا نَصًّا وَلَا ظَاهِرًا بَلْ وَلَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَنْقُلَ ذَلِكَ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانِ. وَقَدْ جَعَلُوا ذَلِكَ مَعْنَى حُدُوثِ الْعَالَمِ الَّذِي هُوَ أَوَّلُ مَسَائِلِ أُصُولِ
(18/223)

الدِّينِ عِنْدَهُمْ. فَيَبْقَى أَصْلُ الدِّينِ الَّذِي هُوَ دِينُ الرُّسُلِ عِنْدَهُمْ لَيْسَ عِنْدَهُمْ مَا يَعْلَمُونَ بِهِ أَنَّ الرَّسُولَ قَالَهُ وَلَا فِي الْعَقْلِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ؛ بَلْ الْعَقْلُ وَالسَّمْعُ يَدُلُّ عَلَى خِلَافِهِ. وَمَنْ كَانَ أَصْلُ دِينِهِ الَّذِي هُوَ عِنْدَهُ دِينُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ لَا يَعْلَمُ أَنَّ الرَّسُولَ جَاءَ بِهِ كَانَ مِنْ أَضَلِّ النَّاسِ فِي دِينِهِ.الْوَجْهُ الثَّانِي عَشَرَ أَنَّهُمْ لَمَّا اعْتَقَدُوا أَنَّ هَذَا هُوَ دِينُ الْإِسْلَامِ أَخَذُوا يَحْتَجُّونَ عَلَيْهِ بِالْحَجِّ الْعَقْلِيَّةِ الْمَعْرُوفَةِ لَهُمْ وَعُمْدَتُهُمْ الَّتِي هِيَ أَعْظَمُ الْحُجَجِ مَبْنَاهَا عَلَى امْتِنَاعِ حَوَادِثَ لَا أَوَّلَ لَهَا وَبِهَا أَثْبَتُوا حُدُوثَ كُلِّ مَوْصُوفٍ بِصِفَةِ وَسَمَّوْا ذَلِكَ إثْبَاتًا لِحُدُوثِ الْأَجْسَامِ فَلَزِمَهُمْ عَلَى ذَلِكَ نَفْيُ صِفَاتِ الرَّبِّ عَزَّ وَجَلَّ وَأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ عِلْمٌ وَلَا قُدْرَةٌ وَلَا كَلَامٌ يَقُومُ بِهِ بَلْ كَلَامُهُ مَخْلُوقٌ مُنْفَصِلٌ عَنْهُ وَكَذَلِكَ رِضَاهُ وَغَضَبُهُ وَالْتَزَمُوا عَلَى ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ لَا يُرَى فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّهُ لَيْسَ فَوْقَ الْعَرْشِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ اللَّوَازِمِ الَّتِي نَفَوْا بِهَا مَا أَثَبَتَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَكَانَ حَقِيقَةُ قَوْلِهِمْ تَكْذِيبًا لِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَسَلَّطَ أَهْلُ الْعُقُولِ عَلَى تِلْكَ الْحُجَجِ الَّتِي لَهُمْ فَبَيَّنُوا فَسَادَهَا. وَكَانَ ذَلِكَ مِمَّا سُلِّطَ لِلدَّهْرِيَّةِ الْقَائِلِينَ بِقِدَمِ الْعَالَمِ لَمَّا عَلِمُوا حَقِيقَةَ قَوْلِهِمْ وَأَدِلَّتِهِمْ وَنَسَوْا فَسَادَهُ. ثُمَّ لَمَّا ظَنُّوا أَنَّ هَذَا قَوْلُ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاعْتَقَدُوا أَنَّهُ بَاطِلٌ قَالُوا: إنَّ الرَّسُولَ لَمْ يُبَيِّنْ
(18/224)

الْحَقَائِقَ سَوَاءٌ عَلِمَهَا أَوْ لَمْ يَعْلَمْهَا وَإِنَّمَا خَاطَبَ الْجُمْهُورَ بِمَا يُخَيَّلُ لَهُمْ وَمَا يَنْتَفِعُونَ بِهِ. فَصَارَ أُولَئِكَ الْمُتَكَلِّمُونَ الْنُّفَاةِ مُخْطِئِينَ فِي السَّمْعِيَّاتِ وَالْعَقْلِيَّاتِ وَصَارَ خَطَؤُهُمْ مِنْ أَكْبَرِ أَسْبَابِ تَسَلُّطِ الْفَلَاسِفَةِ لَمَّا ظَنَّ أُولَئِكَ الْفَلَاسِفَةُ الدَّهْرِيَّةُ أَنَّهُ لَيْسَ فِي هَذَا الْمَطْلُوبِ إلَّا قَوْلَانِ: قَوْلُ أُولَئِكَ الْمُتَكَلِّمِينَ وَقَوْلُهُمْ. وَقَدْ رَأَوْا أَنَّ قَوْلَ أُولَئِكَ بَاطِلٌ فَجَعَلُوا ذَلِكَ حُجَّةً فِي تَصْحِيحِ قَوْلِهِمْ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ لِلْفَلَاسِفَةِ الدَّهْرِيَّةِ عَلَى قَوْلِهِمْ بِقِدَمِ الْأَفْلَاكِ حُجَّةٌ عَقْلِيَّةٌ أَصْلًا وَكَانَ مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ هَذَا أَنَّهُمْ لَمْ يُحَقِّقُوا مَعْرِفَةَ مَا بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
الْوَجْهُ الثَّالِثَ عَشَرَ: أَنَّ الْغَلَطَ فِي مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ هُوَ مِنْ عَدَمِ الْمَعْرِفَةِ بِنُصُوصِ الْكِتَاب وَالسُّنَّةِ بَلْ وَالْمَعْقُولِ الصَّرِيحِ؛ فَإِنَّهُ أَوْقَعَ كَثِيرًا مِنْ النُّظَّارِ وَأَتْبَاعَهُمْ فِي الْحَيْرَةِ وَالضَّلَالِ فَإِنَّهُمْ لَمْ يَعْرِفُوا إلَّا قَوْلَيْنِ: قَوْلَ الدَّهْرِيَّةِ الْقَائِلِينَ بِالْقِدَمِ وَقَوْلَ الْجَهْمِيَّة الْقَائِلِينَ بِأَنَّهُ لَمْ يَزَلْ مُعَطَّلًا عَنْ أَنْ يَفْعَلَ أَوْ يَتَكَلَّمَ بِقُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ وَرَأَوْا لَوَازِمَ كُلِّ قَوْلٍ تَقْتَضِي فَسَادَهُ وَتَنَاقُضَهُ فَبَقُوا حَائِرِينَ مُرْتَابِينَ جَاهِلِينَ وَهَذِهِ حَالُ مَنْ لَا يُحْصَى مِنْهُمْ وَمِنْهُمْ مَنْ صَرَّحَ بِذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الرَّازِيَّ وَغَيْرُهُ. وَمِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ ذَلِكَ أَنَّهُمْ نَظَرُوا فِي حَقِيقَةِ قَوْلِ الْفَلَاسِفَةِ فَوَجَدُوا أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ الْمَفْعُولُ الْمُعَيَّنُ مُقَارِنًا لِلْفَاعِلِ أَزَلًا وَأَبَدًا وَصَرِيحُ
(18/225)

الْعَقْلِ يَقْتَضِي بِأَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَتَقَدَّمَ الْفَاعِلُ عَلَى فِعْلِهِ وَأَنَّ تَقْدِيرَ مَفْعُولِ الْفَاعِلِ مَعَ تَقْدِيرِ أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ مُقَارِنًا لَهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ الْفَاعِلُ عَلَيْهِ؛ بَلْ هُوَ مَعَهُ أَزَلًا وَأَبَدًا: أَمْرٌ يُنَاقِضُ صَرِيحَ الْعَقْلِ. وَقَدْ اسْتَقَرَّ فِي الْفِطَرِ أَنَّ كَوْنَ الشَّيْءِ الْمَفْعُولِ مَخْلُوقًا يَقْتَضِي أَنَّهُ كَانَ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ. وَلِهَذَا كَانَ مَا أَخْبَرَ اللَّهُ بِهِ فِي كِتَابِهِ مِنْ أَنَّهُ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ مِمَّا يُفْهِمُ جَمِيعَ الْخَلَائِقِ أَنَّهُمَا حَدَثَتَا بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُونَا وَأَمَّا تَقْدِيرُ كَوْنِهِمَا لَمْ يَزَالَا مَعَهُ مَعَ كَوْنِهِمَا مَخْلُوقَيْنِ لَهُ فَهَذَا تُنْكِرُهُ الْفِطَرُ وَلَمْ يَقُلْهُ إلَّا شِرْذِمَةٌ قَلِيلَةٌ مِنْ الدَّهْرِيَّةِ كَابْنِ سِينَا وَأَمْثَالِهِ. وَأَمَّا جُمْهُورُ الْفَلَاسِفَةِ الدَّهْرِيَّةِ كَأَرِسْطُو وَأَتْبَاعِهِ فَلَا يَقُولُونَ: إنَّ الْأَفْلَاكَ مَعْلُولَةٌ لِعِلَّةِ فَاعِلَةٍ كَمَا يَقُولُهُ هَؤُلَاءِ؛ بَلْ قَوْلُهُمْ وَإِنْ كَانَ أَشَدَّ فَسَادًا مِنْ قَوْلِ مُتَأَخِّرِيهِمْ فَلَمْ يُخَالِفُوا صَرِيحَ الْمَعْقُولِ فِي هَذَا الْمَقَامِ الَّذِي خَالَفَهُ هَؤُلَاءِ. وَإِنْ كَانُوا خَالَفُوهُ مِنْ جِهَاتٍ أُخْرَى وَنَظَرُوا فِي حَقِيقَةِ قَوْلِ أَهْلِ الْكَلَامِ الْجَهْمِيَّة وَالْقَدَرِيَّةِ وَمَنْ اتَّبَعَهُمْ فَوَجَدُوا أَنَّ الْفَاعِلَ صَارَ فَاعِلًا بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ فَاعِلًا مِنْ غَيْرِ حُدُوثِ شَيْءٍ أَوْجَبَ كَوْنَهُ فَاعِلًا وَرَأَوْا صَرِيحَ الْعَقْلِ يَقْتَضِي بِأَنَّهُ إذَا صَارَ فَاعِلًا بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ فَاعِلًا فَلَا بُدَّ مِنْ حُدُوثِ شَيْءٍ وَأَنَّهُ يَمْتَنِعُ فِي الْعَقْلِ أَنْ يَصِيرَ مُمْكِنًا بَعْد أَنْ كَانَ مُمْتَنِعًا بِلَا حُدُوثٍ وَأَنَّهُ لَا سَبَبَ يُوجِبُ حُصُولَ وَقْتَ حَدَثَ وَقْتَ الْحُدُوثِ؛ وَأَنَّ حُدُوثَ جِنْسِ الْوَقْتِ مُمْتَنِعٌ فَصَارُوا
(18/226)

يَظُنُّونَ إذَا جَمَعُوا بَيْنَ هَؤُلَاءِ أَنَّهُ يَلْزَمُ الْجَمْعُ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْفَاعِلُ قَبْلَ الْفِعْلِ وَأَنَّهُ يَمْتَنِعُ أَنْ يَصِيرَ فَاعِلًا بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ فَيَكُونُ الْفِعْلُ مَعَهُ فَيَكُونُ الْفِعْلُ مُقَارِنًا غَيْرَ مُقَارَنٍ بِأَنْ كَانَ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ حَادِثًا مَسْبُوقًا بِالْعَدَمِ فَامْتَنَعَ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ فِعْلُ الْفَاعِلِ مَسْبُوقًا بِالْعَدَمِ وَوَجَبَ عَلَى التَّقْدِيرِ الْأَوَّلِ أَنْ يَكُونَ فِعْلُ الْفَاعِلِ مَسْبُوقًا بِالْعَدَمِ وَوَجَدُوا عُقُولَهُمْ تَقْصُرُ عَمَّا يُوجِبُ هَذَا الْإِثْبَاتَ وَمَا يُوجِبُ هَذَا النَّفْيَ وَالْجَمْعُ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ مُمْتَنِعٌ فَأَوْقَعَهُمْ ذَلِكَ فِي الْحَيْرَةِ وَالشَّكِّ. وَمِنْ أَسْبَابِ ذَلِكَ أَنَّهُمْ لَمْ يَعْرِفُوا حَقِيقَةَ السَّمْعِ وَالْعَقْلِ فَلَمْ يَعْرِفُوا مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَلَمْ يُمَيِّزُوا فِي الْمَعْقُولَاتِ بَيْنَ الْمُشْتَبِهَاتِ وَذَلِكَ أَنَّ الْعَقْلَ يُفَرِّقُ بَيْنَ كَوْنِ الْمُتَكَلِّمِ مُتَكَلِّمًا بِشَيْءِ بَعْدَ شَيْءٍ دَائِمًا وَكَوْنِ الْفَاعِلِ يَفْعَلُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ دَائِمًا وَبَيْنَ آحَادِ الْفِعْلِ وَالْكَلَامِ فَيَقُولُ: كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ أَفْعَالِهِ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مَسْبُوقًا بِالْفَاعِلِ وَأَنْ يَكُونَ مَسْبُوقًا بِالْعَدَمِ وَيَمْتَنِعُ كَوْنُ الْفِعْلِ الْمُعَيَّنِ مَعَ الْفَاعِلِ أَزَلًا وَأَبَدًا وَأَمَّا كَوْنُ الْفَاعِلِ لَمْ يَزَلْ يَفْعَلُ فِعْلًا بَعْدَ فِعْلٍ فَهَذَا مِنْ كَمَالِ الْفَاعِلِ فَإِذَا كَانَ الْفَاعِلُ حَيًّا وَقِيلَ: إنَّ الْحَيَاةَ مُسْتَلْزِمَةٌ الْفِعْلَ وَالْحَرَكَةَ كَمَا قَالَ ذَلِكَ أَئِمَّةُ أَهْلِ الْحَدِيثِ كَالْبُخَارِيِّ وَالدَّارِمِي وَغَيْرِهِمَا وَأَنَّهُ لَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّمًا إذَا شَاءَ وَبِمَا شَاءَ وَنَحْوَ ذَلِكَ كَمَا قَالَهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ وَأَحْمَد وَغَيْرُهُمَا
(18/227)

مِنْ أَئِمَّةِ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالسُّنَّةِ: كَانَ كَوْنُهُ مُتَكَلِّمًا أَوْ فَاعِلًا مِنْ لَوَازِمِ حَيَاتِهِ وَحَيَاتُهُ لَازِمَةٌ لَهُ فَلَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّمًا فَعَّالًا؛ مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّ الْحَيَّ يَتَكَلَّمُ وَيَفْعَلُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ وَأَنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ وُجُودَ كَلَامٍ بَعْدَ كَلَامٍ وَفِعْلٍ بَعْدَ فِعْلٍ فَالْفَاعِلُ يَتَقَدَّمُ عَلَى كُلِّ فِعْلٍ مِنْ أَفْعَالِهِ وَذَلِكَ يُوجِبُ أَنَّ كُلَّ مَا سِوَاهُ مُحْدَثٌ مَخْلُوقٌ وَلَا نَقُولُ: إنَّهُ كَانَ فِي وَقْتٍ مِنْ الْأَوْقَاتِ وَلَا قُدْرَةَ حَتَّى خُلِقَ لَهُ قُدْرَةٌ وَاَلَّذِي لَيْسَ لَهُ قُدْرَةٌ هُوَ عَاجِزٌ وَلَكِنْ نَقُولُ: لَمْ يَزَلْ اللَّهُ عَالِمًا قَادِرًا مَالِكًا لَا شِبْهَ لَهُ وَلَا كَيْفَ. فَلَيْسَ مَعَ اللَّهِ شَيْءٌ مِنْ مَفْعُولَاتِهِ قَدِيمٌ مَعَهُ. لَا بَلْ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَكُلُّ مَا سِوَاهُ مَخْلُوقٌ لَهُ وَكُلُّ مَخْلُوقٍ مُحْدَثٌ كَائِنٌ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ وَإِنْ قُدِّرَ إنَّهُ لَمْ يَزَلْ خَالِقًا فَعَّالًا. وَإِذَا قِيلَ: إنَّ الْخَلْقَ صِفَةُ كَمَالٍ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ} أَمْكَنَ أَنْ تَكُونَ خالقيته دَائِمَةً وَكُلُّ مَخْلُوقٍ لَهُ مُحْدَثٌ مَسْبُوقٌ بِالْعَدَمِ وَلَيْسَ مَعَ اللَّهِ شَيْءٌ قَدِيمٌ؟ وَهَذَا أَبْلَغُ فِي الْكَمَالِ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُعَطِّلًا غَيْرَ قَادِرٍ عَلَى الْفِعْلِ ثُمَّ يَصِيرَ قَادِرًا وَالْفِعْلُ مُمْكِنًا لَهُ بِلَا سَبَبٍ. وَأَمَّا جَعْلُ الْمَفْعُولِ الْمُعَيَّنِ مُقَارِنًا لَهُ أَزَلًا وَأَبَدًا فَهَذَا فِي الْحَقِيقَةِ تَعْطِيلٌ لِخَلْقِهِ وَفِعْلِهِ فَإِنَّ كَوْنَ الْفَاعِلِ مُقَارِنًا لِمَفْعُولِهِ أَزَلًا وَأَبَدًا مُخَالِفٌ لِصَرِيحِ الْمَعْقُولِ.
(18/228)

فَهَؤُلَاءِ الْفَلَاسِفَةُ الدَّهْرِيَّةُ وَإِنْ ادَّعَوْا أَنَّهُمْ يُثْبِتُونَ دَوَامَ الْفَاعِلِيَّةِ فَهُمْ فِي الْحَقِيقَةِ مُعَطِّلُونَ لِلْفَاعِلِيَّةِ وَهِيَ الصِّفَةُ الَّتِي هِيَ أَظْهَرُ صِفَاتِ الرَّبِّ تَعَالَى وَلِهَذَا وَقَعَ الْإِخْبَارُ بِهَا فِي أَوَّلِ مَا أُنْزِلَ عَلَى الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّ أَوَّلَهُ: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} {خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ} {اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ} {الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ} {عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} . فَأَطْلَقَ الْخَلْقَ. ثُمَّ خَصَّ الْإِنْسَانَ وَأَطْلَقَ التَّعْلِيمَ ثُمَّ خَصَّ التَّعْلِيمَ بِالْقَلَمِ وَالْخَلْقُ يَتَضَمَّنُ فِعْلَهُ وَالتَّعْلِيمُ يَتَضَمَّنُ قَوْلَهُ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ بِتَكْلِيمِهِ وَتَكْلِيمُهُ بِالْإِيحَاءِ؛ وَبِالتَّكَلُّمِ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ وَبِإِرْسَالِ رَسُولٍ يُوحِي بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ قَالَ تَعَالَى: {وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ} وَقَالَ تَعَالَى: {فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ} وَقَالَ تَعَالَى: {وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا} وَقَالَ تَعَالَى: {الرَّحْمَنِ} {عَلَّمَ الْقُرْآنَ} {خَلَقَ الْإِنْسَانَ} {عَلَّمَهُ الْبَيَانَ} {الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ} . وَهَؤُلَاءِ الْفَلَاسِفَةُ يَتَضَمَّنُ قَوْلُهُمْ فِي الْحَقِيقَةِ أَنَّهُ لَمْ يَخْلُقْ وَلَمْ يُعَلِّمْ فَإِنَّ مَا يُثْبِتُونَهُ مِنْ الْخَلْقِ وَالتَّعْلِيمِ إنَّمَا يَتَضَمَّنُ التَّعْطِيلَ فَإِنَّهُ عَلَى قَوْلِهِمْ لَمْ يَزَلْ الْفَلَكُ مُقَارِنًا لَهُ أَزَلًا وَأَبَدًا فَامْتَنَعَ حِينَئِذٍ أَنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لَهُ فَإِنَّ الْفَاعِلَ لَا بُدَّ أَنْ يَتَقَدَّمَ عَلَى فِعْلِهِ وَعِنْدَهُمْ أَنَّهُ لَا يُعَلِّمُ شَيْئًا مِنْ جُزْئِيَّاتِ الْعِلْمِ وَالتَّعْلِيمُ فَرْعُ الْعِلْمِ فَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ الْجُزْئِيَّاتِ يَمْتَنِعُ
(18/229)

أَنْ يُعَلِّمَهَا غَيْرَهُ وَكُلُّ مَوْجُودٍ فَهُوَ جُزْئِيٌّ لَا كُلِّيٌّ كَذَا الْكُلِّيَّاتُ إنَّمَا وُجُودُهَا فِي الْأَذْهَانِ لَا فِي الْأَعْيَانِ فَإِذْ لَمْ يَعْلَمْ شَيْئًا مِنْ الْجُزْئِيَّاتِ لَمْ يَعْلَمْ شَيْئًا مِنْ الْمَوْجُودَاتِ فَامْتَنَعَ أَنْ يُعَلِّمَ غَيْرَهُ شَيْئًا مِنْ الْعِلْمِ بِالْمَوْجُودَاتِ الْمُعَيَّنَةِ. وَمَنْ قَالَ مِنْهُمْ: لَا يَعْلَمُ لَا كُلِّيًّا وَلَا جُزْئِيًّا فَقَوْلُهُ أَقْبَحُ. وَمَنْ قَالَ: يَعْلَمُ الْكُلِّيَّاتِ الثَّابِتَةَ دُونَ الْمُتَغَيِّرَةِ فَهُوَ عِنْدَهُمْ لَا يَعْلَمُ شَيْئًا مِنْ الْحَوَادِثِ وَلَا يَعْلَمُهَا لِأَحَدِ مِنْ خَلْقِهِ كَمَا يَقْتَضِي قَوْلُهُمْ أَنَّهُ لَمْ يَخْلُقْهَا فَعَلَى قَوْلِهِمْ لَا خَلْقَ وَلَا عِلْمَ وَهَذَا حَقِيقَةُ قَوْلِ مُقَدِّمِهِمْ أَرِسْطُو فَإِنَّهُ لَمْ يُثْبِتْ أَنَّ الرَّبَّ مُبْدِعٌ لِلْعَالَمِ وَلَا جَعَلَهُ عِلَّةً فَاعِلَةً بَلْ الَّذِي أَثْبَتَهُ أَنَّهُ عِلَّةٌ غائية يَتَحَرَّكُ الْفَلَكُ لِتَشَبُّهِهِ بِهِ كَتَحْرِيكِ الْمَعْشُوقِ لِلْعَاشِقِ وَصَرَّحَ بِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ الْأَشْيَاءَ فَعِنْدَهُ لَا خَلْقَ وَلَا عِلْمَ. وَأَوَّلُ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} {خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ} {اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ} {الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ} {عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} .
الْوَجْهُ الرَّابِعَ عَشَرَ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَرْسَلَ الرُّسُلَ وَأَنْزَلَ الْكُتُبَ لِدَعْوَةِ الْخَلْقِ إلَى عِبَادَتِهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَذَلِكَ يَتَضَمَّنُ مَعْرِفَتَهُ لِمَا أَبْدَعَهُ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ وَهِيَ الْمَخْلُوقَاتُ الْمَشْهُودَةُ الْمَوْجُودَةُ: مِنْ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَأَخْبَرَ فِي الْكِتَابِ الَّذِي لَمْ يَأْتِ مِنْ عِنْدِهِ كِتَابٍ
(18/230)

أَهْدَى مِنْهُ بِأَنَّهُ خَلَقَ أُصُولَ هَذِهِ الْمَخْلُوقَاتِ الْمَوْجُودَةِ الْمَشْهُودَةِ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ. وَشَرَعَ لِأَهْلِ الْإِيمَانِ أَنْ يَجْتَمِعُوا كُلَّ أُسْبُوعٍ يَوْمًا يَعْبُدُونَ اللَّهَ فِيهِ وَيَحْتَفِلُونَ بِذَلِكَ وَيَكُونُ ذَلِكَ آيَةً عَلَى الْأُسْبُوعِ الْأَوَّلِ الَّذِي خَلَقَ اللَّهُ فِيهِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ. وَلَمَّا لَمْ يُعْرَفْ الْأُسْبُوعُ إلَّا بِخَبَرِ الْأَنْبِيَاءِ فَقَدْ جَاءَ فِي لُغَتِهِمْ عَلَيْهِمْ السَّلَامُ أَسْمَاءُ أَيَّامِ الْأُسْبُوعِ فَإِنَّ التَّسْمِيَةَ تَتْبَعُ النُّصُوصَ فَالِاسْمُ يُعَبِّرُ عَمَّا تَصَوَّرَهُ فَلَمَّا كَانَ تَصَوُّرُ الْيَوْمِ وَالشَّهْرِ وَالْحَوْلِ مَعْرُوفًا بِالْعَقْلِ تَصَوَّرَتْ ذَلِكَ الِاسْمَ وَعَبَّرَتْ عَنْ ذَلِكَ وَأَمَّا الْأُسْبُوعُ فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ فِي مُجَرَّدِ الْعَقْلِ مَا يُوجِبُ مَعْرِفَتَهُ فَإِنَّمَا عَرَفَ بِالسَّمْعِ صَارَتْ مَعْرِفَتُهُ عِنْدَ أَهْلِ السَّمْعِ الْمُتَلَقِّينَ عَنْ الْأَنْبِيَاءِ دُونَ غَيْرِهِمْ وَحِينَئِذٍ فَأَخْبَرُوا النَّاسَ بِخَلْقِ هَذَا الْعَالَمِ الْمَوْجُودِ الْمَشْهُودِ وَابْتِدَاءِ خَلْقِهِ وَأَنَّهُ خَلَقَهُ فِي سِتَّةِ أَيَّامِ وَإِمَّا مَا خَلَقَهُ قَبْلَ ذَلِكَ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ فَهَذَا بِمَنْزِلَةِ مَا سَيَخْلُقُهُ بَعْدَ قِيَامِ الْقِيَامَةِ وَدُخُولِ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَأَهْلِ النَّارِ مَنَازِلَهُمَا. وَهَذَا مِمَّا لَا سَبِيلَ لِلْعِبَادِ إلَى مَعْرِفَتِهِ تَفْصِيلًا. وَلِهَذَا قَالَ {عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَقَامًا فَأَخْبَرَنَا عَنْ بَدْءِ الْخَلْقِ حَتَّى دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ مَنَازِلَهُمْ وَأَهْلُ النَّارِ مَنَازِلَهُمْ} " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. فَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَهُمْ بِبَدْءِ الْخَلْقِ إلَى دُخُولِ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ مَنَازِلَهُمَا.
(18/231)

وَقَوْلُهُ: " بَدَأَ الْخَلْقَ " مِثْلُ قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: " {قَدَّرَ اللَّهُ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ} " فَإِنَّ الْخَلَائِقَ هُنَا الْمُرَادُ بِهَا الْخَلَائِقُ الْمَعْرُوفَةُ الْمَخْلُوقَةُ بَعْدَ خَلْقِ الْعَرْشِ وَكَوْنِهِ عَلَى الْمَاءِ. وَلِهَذَا كَانَ التَّقْدِيرُ لِلْمَخْلُوقَاتِ هُوَ التَّقْدِيرُ لِخَلْقِ هَذَا الْعَالَمِ كَمَا فِي حَدِيثِ الْقَلَمِ: {إنَّ اللَّهَ لَمَّا خَلَقَهُ قَالَ: اُكْتُبْ قَالَ: وَمَاذَا أَكْتُبُ؟ قَالَ: اُكْتُبْ مَا هُوَ كَائِنٌ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} . وَكَذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: " {إنَّ اللَّهَ قَدَّرَ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ} " وَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ الصَّحِيحِ: " {كَانَ اللَّهُ وَلَا شَيْءَ قَبْلَهُ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ وَكَتَبَ فِي الذِّكْرِ كُلَّ شَيْءٍ ثُمَّ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ} " يُرَادُ بِهِ أَنَّهُ كَتَبَ كُلَّ مَا أَرَادَ خَلْقَهُ مِنْ ذَلِكَ؛ فَإِنَّ لَفْظَ كُلِّ شَيْءٍ يَعُمُّ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ بِحَسَبِ مَا سِيقَتْ لَهُ كَمَا فِي قَوْلِهِ: {بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} و {عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} وَقَوْلِهِ: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} وَ {تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ} {وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ} وَ {فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ} {وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ} وَأَخْبَرَتْ الرُّسُلُ بِتَقَدُّمِ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ كَمَا فِي قَوْلِهِ: {وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا} . {سَمِيعًا بَصِيرًا} . {غَفُورًا رَحِيمًا} وَأَمْثَالَ ذَلِكَ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: " كَانَ وَلَا يَزَالُ ". وَلَمْ يُقَيِّدْ كَوْنَهُ بِوَقْتِ دُونَ وَقْتٍ
(18/232)

وَيَمْتَنِعُ أَنْ يُحْدِثَ لَهُ غَيْرُهُ صِفَةً بَلْ يَمْتَنِعُ تَوَقُّفُ شَيْءٍ مِنْ لَوَازِمِهِ عَلَى غَيْرِهِ سُبْحَانَهُ فَهُوَ الْمُسْتَحِقُّ لِغَايَةِ الْكَمَالِ وَذَاتُهُ هِيَ الْمُسْتَوْجِبَةُ لِذَلِكَ. فَلَا يَتَوَقَّفُ شَيْءٌ مِنْ كَمَالِهِ وَلَوَازِمِ كَمَالِهِ عَلَى غَيْرِهِ بَلْ نَفْسُهُ الْمُقَدَّسَةُ وَهُوَ الْمَحْمُودُ عَلَى ذَلِكَ أَزَلًا وَأَبَدًا وَهُوَ الَّذِي يَحْمَدُ نَفْسَهُ وَيُثْنِي عَلَيْهَا بِمَا يَسْتَحِقُّهُ. وَأَمَّا غَيْرُهُ فَلَا يُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْهِ بَلْ هُوَ نَفْسُهُ كَمَا أَثْنَى عَلَى نَفْسِهِ كَمَا قَالَ سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: {اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِرِضَاك مِنْ سَخَطِك وَبِمُعَافَاتِك مِنْ عُقُوبَتِك وَأَعُوذُ بِك مِنْك لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْك؛ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْت عَلَى نَفْسِك} . وَإِذَا قِيلَ: لَمْ يَكُنْ مُتَكَلِّمًا ثُمَّ تَكَلَّمَ أَوْ قِيلَ: كَانَ الْكَلَامُ مُمْتَنِعًا ثُمَّ صَارَ مُمْكِنًا لَهُ كَانَ هَذَا مَعَ وَصْفِهِ لَهُ بِالنَّقْصِ فِي الْأَزَلِ وَأَنَّهُ تَجَدَّدَ لَهُ الْكَمَالُ وَمَعَ تَشْبِيهِهِ لَهُ بِالْمَخْلُوقِ الَّذِي يَنْتَقِلُ مِنْ النَّقْصِ إلَى الْكَمَالِ: مُمْتَنِعًا؛ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْمُمْتَنِعَ لَا يَصِيرُ مُمْكِنًا بِلَا سَبَبٍ وَالْعَدَمُ الْمَحْضُ لَا شَيْءَ فِيهِ فَامْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ الْمُمْتَنِعُ فِيهِ يَصِيرُ مُمْكِنًا بِلَا سَبَبٍ حَادِثٍ. وَكَذَلِكَ إذَا قِيلَ: كَلَامُهُ كُلُّهُ مَعْنًى وَاحِدٌ لَازِمٌ لِذَاتِهِ لَيْسَ لَهُ فِيهِ قُدْرَةٌ وَلَا مَشِيئَةٌ كَانَ هَذَا فِي الْحَقِيقَةِ تَعْطِيلًا لِلْكَلَامِ وَجَمْعًا بَيْنَ الْمُتَنَاقِضَيْنِ إذْ هُوَ إثْبَاتٌ لِمَوْجُودِ لَا حَقِيقَةَ لَهُ بَلْ يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا مَعَ أَنَّهُ لَا مَدْحَ فِيهِ وَلَا كَمَالَ.
(18/233)

وَكَذَلِكَ إذَا قِيلَ: كَلَامُهُ كُلُّهُ قَدِيمُ الْعَيْنِ وَهُوَ حُرُوفٌ وَأَصْوَاتٌ قَدِيمَةٌ لَازِمَةٌ لِذَاتِهِ لَيْسَ لَهُ فِيهِ قُدْرَةٌ وَلَا مَشِيئَةٌ. كَانَ هَذَا مَعَ مَا يَظْهَرُ مِنْ تَنَاقُضِهِ وَفَسَادِهِ فِي الْمَعْقُولِ لَا كَمَالَ فِيهِ إذْ لَا يَتَكَلَّمُ بِمَشِيئَتِهِ وَلَا قُدْرَتِهِ وَلَا إذَا شَاءَهُ. أَمَّا قَوْلُ مَنْ يَقُولُ: لَيْسَ كَلَامُهُ إلَّا مَا يَخْلُقُهُ فِي غَيْرِهِ. فَهَذَا تَعْطِيلٌ لِلْكَلَامِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَحَقِيقَتُهُ أَنَّهُ لَا يَتَكَلَّمُ كَمَا قَالَ ذَلِكَ قُدَمَاءُ الْجَهْمِيَّة وَهُوَ سَلْبٌ لِلصِّفَاتِ؛ إذْ فِيهِ مِنْ التَّنَاقُضِ وَالْفَسَادِ حَيْثُ أَثْبَتُوا الْكَلَامَ الْمَعْرُوفَ وَنَفَوْا لَوَازِمَهُ - مَا يَظْهَرُ بِهِ أَنَّهُ مِنْ أَفْسَدِ أَقْوَالِ الْعَالَمِينَ بِأَنَّهُمْ أَثْبَتُوا أَنَّهُ يَأْمُرُ وَيُنْهِي؛ وَيُخْبِرُ وَيُبَشِّرُ؛ وَيُنْذِرُ وَيُنَادِي؛ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقُومَ بِهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ كَمَا قَالُوا: إنَّهُ يُرِيدُ وَيُحِبُّ وَيُبْغِضُ؛ وَيَغْضَبُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقُومَ بِهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ وَفِي هَذَا مِنْ مُخَالَفَةِ صَرِيحِ الْمَعْقُولِ وَصَحِيحِ الْمَنْقُولِ مَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ. وَأَمَّا الْقَائِلُونَ بِقِدَمِ هَذَا الْعَالَمِ فَهُمْ أَبْعَدُ عَنْ الْمَعْقُولِ وَالْمَنْقُولِ مِنْ جَمِيعِ الطَّوَائِفِ؛ وَلِهَذَا أَنْكَرُوا الْكَلَامَ الْقَائِمَ بِذَاتِهِ وَاَلَّذِي يَخْلُقُهُ فِي غَيْرِهِ وَلَمْ يَكُنْ كَلَامُهُ عِنْدَهُمْ إلَّا مَا يَحْدُثُ فِي النُّفُوسِ مِنْ الْمَعْقُولَاتِ والمتخيلات وَهَذَا مَعْنَى تَكْلِيمِهِ لِمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ عِنْدَهُمْ فَعَادَ التَّكْلِيمُ إلَى مُجَرَّدِ عِلْمِ الْمُكَلِّمِ. ثُمَّ إذَا قَالُوا مَعَ ذَلِكَ: إنَّهُ لَا يَعْلَمُ الْجُزْئِيَّاتِ فَلَا عِلْمَ وَلَا إعْلَامَ وَهَذَا غَايَةُ التَّعْطِيلِ وَالنَّقْصِ وَهُمْ لَيْسَ لَهُمْ دَلِيلٌ قَطُّ
(18/234)

عَلَى قِدَمِ شَيْءٍ مِنْ الْعَالَمِ بَلْ حُجَجُهُمْ إنَّمَا تَدُلُّ عَلَى قِدَمِ نَوْعِ الْفِعْلِ؛ وَأَنَّهُ لَمْ يَزَلْ الْفَاعِلُ فَاعِلًا أَوْ لَمْ يَزَلْ لِفِعْلِهِ مُدَّةٌ؛ أَوْ أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ لِلْمَادَّةِ مَادَّةٌ وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَدِلَّتِهِمْ مَا يَدُلُّ عَلَى قِدَمِ الْفَلَكِ وَلَا قِدَمَ شَيْءٍ مِنْ حَرَكَاتِهِ؛ وَلَا قِدَمَ الزَّمَانِ الَّذِي هُوَ مِقْدَارُ حَرَكَةِ الْفَلَكِ. وَالرُّسُلُ أَخْبَرَتْ بِخَلْقِ الْأَفْلَاكِ وَخَلْقِ الزَّمَانِ الَّذِي هُوَ مِقْدَارُ حَرَكَتِهَا مَعَ إخْبَارِهَا بِأَنَّهَا خُلِقَتْ مِنْ مَادَّةٍ قَبْلَ ذَلِكَ وَفِي زَمَانٍ قَبْلَ هَذَا الزَّمَانِ؛ فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ أَخْبَرَ أَنَّهُ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَسَوَاءٍ قِيلَ: أَنَّ تِلْكَ الْأَيَّامَ بِمِقْدَارِ هَذِهِ الْأَيَّامِ الْمُقَدَّرَةِ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ وَغُرُوبِهَا؛ أَوْ قِيلَ: إنَّهَا أَكْبَرُ مِنْهَا كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ كُلَّ يَوْمٍ قَدْرُهُ أَلْفُ سَنَةٍ فَلَا رَيْبَ أَنَّ تِلْكَ الْأَيَّامَ الَّتِي خُلِقَتْ فِيهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ غَيْرُ هَذِهِ الْأَيَّامِ وَغَيْرُ الزَّمَانِ الَّذِي هُوَ مِقْدَارُ حَرَكَةِ هَذِهِ الْأَفْلَاكِ. وَتِلْكَ الْأَيَّامُ مُقَدَّرَةٌ بِحَرَكَةِ أَجْسَامٍ مَوْجُودَةٍ قَبْلَ خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ. وَقَدْ أَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ {اسْتَوَى إلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ} فَخُلِقَتْ مِنْ الدُّخَانِ وَقَدْ جَاءَتْ الْآثَارُ عَنْ السَّلَفِ إنَّهَا خُلِقَتْ مِنْ بُخَارِ الْمَاءِ؛ وَهُوَ الْمَاءُ الَّذِي كَانَ الْعَرْشُ عَلَيْهِ الْمَذْكُورُ فِي قَوْلِهِ: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ} فَقَدْ أَخْبَرَ أَنَّهُ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي مُدَّةٍ وَمِنْ مَادَّةٍ وَلَمْ يَذْكُرْ الْقُرْآنُ خَلْقَ شَيْءٍ
(18/235)

مِنْ لَا شَيْءٍ بَلْ ذَكَرَ أَنَّهُ خَلَقَ الْمَخْلُوقَ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا كَمَا قَالَ: {وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا} مَعَ إخْبَارِهِ أَنَّهُ خَلَقَهُ مِنْ نُطْفَةٍ. وَقَوْلُهُ: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ} فِيهَا قَوْلَانِ. فَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ خَالِقٍ بَلْ مِنْ الْعَدَمِ الْمَحْضِ؟ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ} وَكَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ} وَقَالَ تَعَالَى: {وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ} . وَقِيلَ: أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ مَادَّةٍ؟ وَهَذَا ضَعِيفٌ لِقَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ: {أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ} فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ التَّقْسِيمَ أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ خَالِقٍ أَمْ هُمْ الْخَالِقُونَ؟ وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ مِنْ غَيْرِ مَادَّةٍ لَقَالَ: أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ؟ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ أَنَا خَالِقُهُمْ لَا مَادَّتُهُمْ. وَلِأَنَّ كَوْنَهُمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ مَادَّةٍ لَيْسَ فِيهِ تَعْطِيلُ وُجُودِ الْخَالِقِ فَلَوْ ظَنُّوا ذَلِكَ لَمْ يَقْدَحْ فِي إيمَانِهِمْ بِالْخَالِقِ بَلْ دَلَّ عَلَى جَهْلِهِمْ وَلِأَنَّهُمْ لَمْ يَظُنُّوا ذَلِكَ وَلَا يُوَسْوِسُ الشَّيْطَانُ لِابْنِ آدَمَ بِذَلِكَ بَلْ كُلُّهُمْ يَعْرِفُونَ
(18/236)

أَنَّهُمْ خُلِقُوا مِنْ آبَائِهِمْ وَأُمَّهَاتِهِمْ وَلِأَنَّ اعْتِرَافَهُمْ بِذَلِكَ لَا يُوجِبُ إيمَانَهُمْ وَلَا يَمْنَعُ كُفْرَهُمْ. وَالِاسْتِفْهَامُ اسْتِفْهَامُ إنْكَارٍ مَقْصُودُهُ تَقْرِيرُهُمْ إنَّهُمْ لَمْ يُخْلَقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ فَإِذَا أَقَرُّوا بِأَنَّ خَالِقًا خَلَقَهُمْ نَفَعَهُمْ ذَلِكَ وَأَمَّا إذَا أَقَرُّوا بِأَنَّهُمْ خُلِقُوا مِنْ مَادَّةٍ لَمْ يُغْنِ ذَلِكَ عَنْهُمْ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا.
الْوَجْهُ الْخَامِسَ عَشَرَ: أَنَّ الْإِقْرَارَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَزَلْ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ وَيَتَكَلَّمُ بِمَا يَشَاءُ هُوَ وَصْفُ الْكَمَالِ الَّذِي يَلِيقُ بِهِ؛ وَمَا سِوَى ذَلِكَ نَقْصٌ يَجِبُ نَفْيُهُ عَنْهُ فَإِنَّ كَوْنَهُ لَمْ يَكُنْ قَادِرًا ثُمَّ صَارَ قَادِرًا عَلَى الْكَلَامِ أَوْ الْفِعْلِ مَعَ أَنَّهُ وَصْفٌ لَهُ؛ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ كَانَ نَاقِصًا عَنْ صِفَةِ الْقُدْرَةِ الَّتِي هِيَ مِنْ لَوَازِمِ ذَاتِهِ وَاَلَّتِي هِيَ مِنْ أَظْهَرِ صِفَاتِ الْكَمَالِ فَهُوَ مُمْتَنِعٌ فِي الْعَقْلِ بِالْبُرْهَانِ الْيَقِينِيِّ فَإِنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ قَادِرًا ثُمَّ صَارَ قَادِرًا فَلَا بُدَّ مِنْ أَمْرٍ جَعَلَهُ قَادِرًا بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ إلَّا الْعَدَمُ الْمَحْضُ امْتَنَعَ أَنْ يَصِيرَ قَادِرًا بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ وَكَذَلِكَ يَمْتَنِعُ أَنْ يَصِيرَ عَالِمًا بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ قَبْلَ هَذَا بِخِلَافِ الْإِنْسَانِ فَإِنَّهُ كَانَ غَيْرَ عَالِمٍ وَلَا قَادِرٍ ثُمَّ جَعَلَهُ غَيْرُهُ عَالِمًا قَادِرًا وَكَذَلِكَ إذَا قَالُوا: كَانَ غَيْرَ مُتَكَلِّمٍ ثُمَّ صَارَ مُتَكَلِّمًا. وَهَذَا مِمَّا أَوْرَدَهُ الْإِمَامُ أَحْمَد عَلَى الْجَهْمِيَّة؛ إذْ جَعَلُوهُ كَانَ غَيْرَ مُتَكَلِّمٍ ثُمَّ صَارَ مُتَكَلِّمًا. قَالُوا: كَالْإِنْسَانِ قَالَ: فَقَدْ جَمَعْتُمْ بَيْنَ تَشْبِيهٍ وَكُفْرٍ. وَقَدْ حَكَيْت أَلْفَاظَهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
(18/237)

وَإِذَا قَالَ الْقَائِلُ: كَانَ فِي الْأَزَلِ قَادِرًا عَلَى أَنْ يَخْلُقَ فِيمَا لَا يَزَالُ كَانَ هَذَا كَلَامًا مُتَنَاقِضًا لِأَنَّهُ فِي الْأَزَلِ عِنْدَهُمْ لَمْ يَكُنْ يُمْكِنُهُ أَنْ يَفْعَلَ وَمَنْ لَمْ يُمْكِنْهُ الْفِعْلُ فِي الْأَزَلِ امْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ قَادِرًا فِي الْأَزَلِ؛ فَإِنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ كَوْنِهِ قَادِرًا وَبَيْنَ كَوْنِ الْمَقْدُورِ مُمْتَنِعًا جَمْعٌ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ فَإِنَّهُ فِي حَالِ امْتِنَاعِ الْفِعْلِ لَمْ يَكُنْ قَادِرًا. وَأَيْضًا يَكُونُ الْفِعْلُ يَنْتَقِلُ مِنْ كَوْنِهِ مُمْتَنِعًا إلَى كَوْنِهِ مُمْكِنًا بِغَيْرِ سَبَبٍ مُوجِبٍ يُحَدِّدُ ذَلِكَ وَعَدَمٍ مُمْتَنِعٍ. وَأَيْضًا فَمَا مِنْ حَالٍ يُقَدِّرُهَا الْعَقْلُ إلَّا وَالْفِعْل فِيهَا مُمْكِنٌ وَهُوَ قَادِرٌ وَإِذَا قُدِّرَ قَبْلَ ذَلِكَ شَيْئًا شَاءَهُ اللَّهُ فَالْأَمْرُ كَذَلِكَ فَلَمْ يَزَلْ قَادِرًا وَالْفِعْلُ مُمْكِنًا؛ وَلَيْسَ لِقُدْرَتِهِ وَتَمَكُّنِهِ مِنْ الْفِعْلِ أَوَّلَ فَلَمْ يَزَلْ قَادِرًا يُمْكِنُهُ أَنْ يَفْعَلَ فَلَمْ يَكُنْ الْفِعْلُ مُمْتَنِعًا عَلَيْهِ قَطُّ. وَأَيْضًا فَإِنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ يَمْتَنِعُ فِي الْأَزَلِ وَالْأَزَلُ لَيْسَ شَيْئًا مَحْدُودًا يَقِفُ عِنْدَهُ الْعَقْلُ بَلْ مَا مِنْ غَايَةٍ يَنْتَهِي إلَيْهَا تَقْدِيرُ الْفِعْلِ إلَّا وَالْأَزَلُ قَبْلَ ذَلِكَ بِلَا غَايَةٍ مَحْدُودَةٍ حَتَّى لَوْ فُرِضَ وُجُودُ مَدَائِنَ أَضْعَافِ مَدَائِنِ الْأَرْضِ فِي كُلِّ مَدِينَةٍ مِنْ الْخَرْدَلِ مَا يَمْلَؤُهَا؛ وَقُدِّرَ إنَّهُ كُلَّمَا مَضَتْ أَلْفُ أَلْفُ سَنَةٍ فَنِيَتْ خَرْدَلَةٌ فَنَى الْخَرْدَلُ كُلُّهُ وَالْأَزَلُ لَمْ يَنْتَهِ وَلَوْ قُدِّرَ أَضْعَافُ ذَلِكَ أَضْعَافًا لَا يَنْتَهِي. فَمَا مِنْ وَقْتٍ يُقَدَّرُ إلَّا وَالْأَزَلُ قَبْلَ ذَلِكَ.
(18/238)

وَمَا مِنْ وَقْتٍ صَدَرَ فِيهِ الْفِعْلُ إلَّا وَقَدْ كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ مُمْكِنًا. وَإِذَا كَانَ مُمْكِنًا فَمَا الْمُوجِبُ لِتَخْصِيصِ حَالِ الْفِعْلِ بِالْخَلْقِ دُونَ مَا قَبْلَ ذَلِكَ فِيمَا لَا يَتَنَاهَى؟ . وَأَيْضًا فَالْأَزَلُ مَعْنَاهُ: عَدَمُ الْأَوَّلِيَّةِ لَيْسَ الْأَزَلُ شَيْئًا مَحْدُودًا فَقَوْلُنَا: لَمْ يَزَلْ قَادِرًا بِمَنْزِلَةِ قَوْلِنَا: هُوَ قَادِرٌ دَائِمًا وَكَوْنُهُ قَادِرًا وَصْفٌ دَائِمٌ لَا ابْتِدَاءَ لَهُ فَكَذَلِكَ إذَا قِيلَ: لَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّمًا إذَا شَاءَ وَلَمْ يَزَلْ يَفْعَلُ مَا شَاءَ يَقْتَضِي دَوَامَ كَوْنِهِ مُتَكَلِّمًا وَفَاعِلًا بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ وَإِذَا ظَنَّ الظَّانُّ أَنَّ هَذَا يَقْتَضِي قِدَمَ شَيْءٍ مَعَهُ كَانَ مِنْ فَسَادِ تَصَوُّرِهِ فَإِنَّهُ إذَا كَانَ خَالِقَ كُلِّ شَيْءٍ فَكُلُّ مَا سِوَاهُ مَخْلُوقٌ مَسْبُوقٌ بِالْعَدَمِ فَلَيْسَ مَعَهُ شَيْءٌ قَدِيمٌ بِقِدَمِهِ. وَإِذَا قِيلَ: لَمْ يَزَلْ يَخْلُقُ كَانَ مَعْنَاهُ لَمْ يَزَلْ يَخْلُقُ مَخْلُوقًا بَعْدَ مَخْلُوقٍ كَمَا لَا يَزَالُ فِي الْأَبَدِ يَخْلُقُ مَخْلُوقًا بَعْدَ مَخْلُوقٍ نَنْفِي مَا نَنْفِيهِ مِنْ الْحَوَادِثِ وَالْحَرَكَاتِ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ. وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ إلَّا وَصْفُهُ بِدَوَامِ الْفِعْلِ لَا بِأَنَّ مَعَهُ مَفْعُولًا مِنْ الْمَفْعُولَاتِ بِعَيْنِهِ. وَإِنْ قُدِّرَ أَنَّ نَوْعَهَا لَمْ يَزَلْ مَعَهُ فَهَذِهِ الْمَعِيَّةُ لَمْ يَنْفِهَا شَرْعٌ وَلَا عَقْلٌ بَلْ هِيَ مِنْ كَمَالِهِ قَالَ تَعَالَى: {أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} وَالْخَلْقُ لَا يَزَالُونَ مَعَهُ وَلَيْسَ فِي كَوْنِهِمْ لَا يَزَالُونَ مَعَهُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ مَا يُنَافِي كَمَالِهِ وَبَيْنَ الْأَزَلِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ مَعَ أَنَّهُ فِي الْمَاضِي حَدَثَ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ إذْ كَانَ كُلُّ مَخْلُوقٍ فَلَهُ ابْتِدَاءٌ وَلَا نَجْزِمُ أَنْ يَكُونَ لَهُ انْتِهَاءٌ.
(18/239)

وَهَذَا فَرْقٌ فِي أَعْيَانِ الْمَخْلُوقَاتِ وَهُوَ فَرْقٌ صَحِيحٌ لَكِنْ يَشْتَبِهُ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ النَّوْعُ بِالْعَيْنِ كَمَا اشْتَبَهَ ذَلِكَ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ فِي الْكَلَامِ فَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ كَوْنِ كَلَامِهِ قَدِيمًا بِمَعْنَى إنَّهُ لَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّمًا إذَا شَاءَ وَبَيْنَ كَوْنِ الْكَلَامِ الْمُعَيَّنِ قَدِيمًا. وَكَذَلِكَ لَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ كَوْنِ الْفِعْلِ الْمُعَيَّنِ قَدِيمًا وَبَيْنَ كَوْنِ نَوْعِ الْفِعْلِ الْمُعَيَّنِ قَدِيمًا كَالْفَلَكِ مُحْدَثٌ مَخْلُوقٌ مَسْبُوقٌ بِالْعَدَمِ وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا سِوَاهُ وَهَذَا الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْآثَارُ وَهُوَ الَّذِي تَدُلُّ عَلَيْهِ الْمَعْقُولَاتُ الصَّرِيحَةُ الْخَالِصَةُ مِنْ الشُّبَهِ كَمَا قَدْ بَسَطْنَا الْكَلَامَ عَلَيْهَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ وَبَيَّنَّا مُطَابَقَةَ الْعَقْلِ الصَّرِيحِ لِلنَّقْلِ الصَّحِيحِ. وَإِنْ غَلِطَ أَهْلُ الْفَلْسَفَةِ وَالْكَلَامِ أَوْ غَيْرِهِمْ فِيهِمَا أَوْ فِي أَحَدِهِمَا وَإِلَّا فَالْقَوْلُ الصِّدْقُ الْمَعْلُومُ بِعَقْلِ أَوْ سَمْعٍ يَصْدُقُ بَعْضُهُ بَعْضًا لَا يُكَذِّبُ بَعْضُهُ بَعْضًا قَالَ تَعَالَى. {وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} بَعْدَ قَوْلِهِ: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ} وَإِنَّمَا مَدَحَ مَنْ جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِالْحَقِّ الَّذِي جَاءَهُ. وَهَذِهِ حَالُ مَنْ لَمْ يَقْبَلْ إلَّا الصِّدْقَ وَلَمْ يَرُدَّ مَا يَجِيئُهُ بِهِ غَيْرُهُ مِنْ الصِّدْقِ بَلْ قَبِلَهُ وَلَمْ يُعَارِضْ بَيْنَهُمَا وَلَمْ يَدْفَعْ أَحَدَهُمَا بِالْآخَرِ
(18/240)

[بِخِلَافِ] (1) حَالِ مَنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَنَسَبَ إلَيْهِ بِالسَّمْعِ أَوْ الْعَقْلِ مَا لَا يَصِحُّ نِسْبَتُهُ إلَيْهِ أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ فَكَذَّبَ مَنْ جَاءَ بِحَقِّ مَعْلُومٍ مِنْ سَمْعٍ أَوْ عَقْلٍ وَقَالَ تَعَالَى عَنْ أَهْلِ النَّارِ: {لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ} فَأَخْبَرَ أَنَّهُ لَوْ حَصَلَ لَهُمْ سَمْعٌ أَوْ عَقْلٌ مَا دَخَلُوا النَّارَ وَقَالَ تَعَالَى: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} وَقَالَ تَعَالَى: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ} أَيْ: أَنَّ الْقُرْآنَ حَقٌّ فَأَخْبَرَ أَنَّهُ سَيُرِي عِبَادَهُ الْآيَاتِ الْمَشْهُودَةَ الْمَخْلُوقَةَ حَتَّى يَتَبَيَّنَ أَنَّ الْآيَاتِ الْمَتْلُوَّةَ الْمَسْمُوعَةَ حَقٌّ. وَمِمَّا يُعْرَفُ بِهِ مَنْشَأُ غَلَطِ هَاتَيْنِ الطَّائِفَتَيْنِ غَلَطُهُمْ فِي الْحَرَكَةِ وَالْحُدُوثِ وَمُسَمَّى ذَلِكَ. فَطَائِفَةٌ - كَأَرِسْطُو وَأَتْبَاعِهِ - قَالَتْ: لَا يُعْقَلُ أَنْ يَكُونَ جِنْسُ الْحَرَكَةِ وَالزَّمَانِ وَالْحَوَادِثِ حَادِثًا؛ وَأَنْ يَكُونَ مَبْدَأَ كُلِّ حَرَكَةٍ وَحَادِثٍ صَارَ فَاعِلًا لِذَلِكَ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ وَأَنْ يَكُونَ الزَّمَانُ حَادِثًا بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ حَادِثًا مَعَ أَنَّ قَبْلَ وَبَعْدَ لَا يَكُونُ إلَّا فِي زَمَانٍ وَهَذِهِ الْقَضَايَا كُلُّهَا إنَّمَا تَصْدُقُ كُلِّيَّةً لَا تَصْدُقُ مُعَيَّنَةً ثُمَّ ظَنُّوا أَنَّ الْحَرَكَةَ الْمُعَيَّنَةَ وَهِيَ حَرَكَةُ الْفَلَكِ هِيَ
_________

[تعليق مُعِدّ الكتاب للشاملة]
(1) ما بين معقوفتين غير موجود في المطبوع

أسامة بن الزهراء - منسق الكتاب للشاملة
(18/241)

الْقَدِيمَةُ الْأَزَلِيَّةُ وَزَمَانُهَا قَدِيمٌ فَضَلُّوا ضَلَالًا مُبِينًا مُخَالِفًا لِصَحِيحِ الْمَنْقُولِ الْمُتَوَاتِرِ عَنْ الْأَنْبِيَاءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَسَلَّمَ مَعَ مُخَالَفَتِهِ لِصَرِيحِ الْمَعْقُولِ الَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْعُقَلَاءِ مِنْ الْأَوَّلِينَ والآخرين. وَطَائِفَةٌ ظَنُّوا أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ جِنْسَ الْحَرَكَةِ وَالْحَوَادِثِ وَالْفِعْلِ إلَّا بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ أَوْ أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ فَاعِلُ الْجَمِيعِ لَمْ يَزَلْ مُعَطَّلًا ثُمَّ حَدَثَتْ الْحَوَادِثُ بِلَا سَبَبٍ أَصْلًا وَانْتَقَلَ الْفِعْلُ مِنْ الِامْتِنَاعِ إلَى الْإِمْكَانِ بِلَا سَبَبٍ وَصَارَ قَادِرًا بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ بِلَا سَبَبٍ وَكَانَ الشَّيْءُ بَعْدَ مَا لَمْ يَكُنْ فِي غَيْرِ زَمَانٍ وَأَمْثَالِ ذَلِكَ مِمَّا يُخَالِفُ صَرِيحَ الْعَقْلِ. وَهُمْ يَظُنُّونَ مَعَ ذَلِكَ أَنَّ هَذَا قَوْلُ أَهْلِ الْمِلَلِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَلَيْسَ هَذَا الْقَوْلُ مَنْقُولًا عَنْ مُوسَى؛ وَلَا عِيسَى؛ وَلَا مُحَمَّدٍ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وَسَلَامُهُ؛ وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِهِمْ إنَّمَا هُوَ مِمَّا أَحْدَثَهُ بَعْضُ أَهْلِ الْبِدَعِ وَانْتَشَرَ عِنْدَ الْجُهَّالِ بِحَقِيقَةِ أَقْوَالِ الرُّسُلِ وَأَصْحَابِهِمْ فَظَنُّوا أَنَّ هَذَا قَوْلُ الرُّسُلِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَسَلَّمَ وَصَارَ نِسْبَةُ هَذَا الْقَوْلِ إلَى الرُّسُلِ وَأَتْبَاعِهِمْ يُوجِبُ الْقَدْحَ فِيهِمْ: إمَّا بِعَدَمِ الْمَعْرِفَةِ بِالْحَقِّ فِي هَذِهِ الْمَطَالِبِ الْعَالِيَةِ وَإِمَّا بِعَدَمِ بَيَانِ الْحَقِّ. وَكُلٌّ مِنْهُمَا يُوجِبُ عِنْدَ هَؤُلَاءِ أَنْ يَعْزِلُوا الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَآثَارَ السَّلَفِ عَنْ الِاهْتِدَاءِ.
(18/242)

وَإِنَّمَا ضَلُّوا لِعَدَمِ عِلْمِهِمْ بِمَا كَانَ عَلَيْهِ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَالتَّابِعُونَ لَهُمْ بِإِحْسَانِ. فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَرْسَلَ رَسُولَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاَللَّهِ شَهِيدًا.
(18/243)

وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ الْمُسْتَوْجِبِ لِصِفَاتِ الْمَدْحِ وَالْكَمَالِ الْمُسْتَحِقِّ لِلْحَمْدِ عَلَى كُلِّ حَالٍ لَا يُحْصِي أَحَدٌ ثَنَاءً عَلَيْهِ بَلْ هُوَ كَمَا أَثْنَى عَلَى نَفْسِهِ بِأَكْمَلِ الثَّنَاءِ وَأَحْسَنِ الْمَقَالِ فَهُوَ الْمُنْعِمُ عَلَى الْعِبَادِ بِالْخَلْقِ وَبِإِرْسَالِ الرُّسُلِ إلَيْهِمْ وَبِهِدَايَةِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُمْ لِصَالِحِ الْأَعْمَالِ. وَهُوَ الْمُتَفَضِّلُ عَلَيْهِمْ بِالْعَفْوِ عَنْهُمْ وَبِالثَّوَابِ الدَّائِمِ بِلَا انْقِطَاعٍ وَلَا زَوَالٍ. لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ مُتَّصِلًا بِلَا انْفِصَالٍ. وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ؛ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ. وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الَّذِي هَدَى بِهِ مِنْ الضَّلَالِ وَأَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَاهُمْ عَنْ الْمُنْكَرِ؛ وَأَحَلَّ لَهُمْ الطَّيِّبَاتِ وَحَرَّمَ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ وَوَضَعَ عَنْهُمْ الْآصَارَ وَالْأَغْلَالَ فَصَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ خَيْرَ
(18/244)

آلٍ وَعَلَى أَصْحَابِهِ الَّذِينَ كَانُوا نُصْرَةً لِلدِّينِ حَتَّى ظَهَرَ الْحَقُّ وَانْطَمَسَتْ أَعْلَامُ الضَّلَالِ.
أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ الْخَلْقَ لِمَا شَاءَ مِنْ حِكْمَتِهِ وَأَسْبَغَ عَلَيْهِمْ مَا لَا يُحْصُونَهُ مِنْ نِعْمَتِهِ وَكَرَّمَ بَنِي آدَمَ بِأَصْنَافِ كَرَامَتِهِ وَخَصَّ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ بِاصْطِفَائِهِ وَهِدَايَتِهِ وَجَعَلَ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ مِنْ بَرِيَّتِهِ. وَبَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَعْلَمُونَ صِدْقَهُ وَأَمَانَتَهُ وَجَمِيلَ سِيرَتِهِ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ لِيُخْرِجَهُمْ مِنْ ظُلْمَةِ الْكُفْرِ وَحَيْرَتِهِ وَيَهْدِيهِمْ إلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ وَيَدْعُوهُمْ إلَى عِبَادَتِهِ. وَأَنْزَلَ عَلَيْهِمْ أَفْضَلَ كِتَابٍ أَنْزَلَهُ إلَى خَلِيقَتِهِ وَجَعَلَهُ آيَةً بَاقِيَةً إلَى قِيَامِ سَاعَتِهِ مُعْجِزَةً بَاهِرَةً مُبْدِيَةً عَنْ حُجَّتِهِ وَبَيِّنَة ظَاهِرَةً مُوَضِّحَةً لِدَعْوَتِهِ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنْ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَدُلُّهُمْ عَلَى طَرِيقِ جَنَّتِهِ فَالسَّعِيدُ مَنْ اعْتَصَمَ بِكِتَابِ اللَّهِ وَاتَّبَعَ الرَّسُولَ فِي سُنَّتِهِ وَشَرِيعَتِهِ. وَالْمُهْتَدِي بِمَنَارِهِ الْمُقْتَفِي لِآثَارِهِ هُوَ أَفْضَلُ الْخَلْقِ فِي دُنْيَاهُ وَآخِرَتِهِ وَالْمُحْيِي لِشَيْءِ مِنْ سُنَّتِهِ لَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ غَيْرِ نُقْصَانٍ فِي أَجْرِ طَاعَتِهِ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ؛ بَلْ يُضَاعِفُ الْحَسَنَاتِ بِفَضْلِهِ وَرَحْمَتِهِ.
(18/245)

وَإِحْيَاءُ سُنَّتِهِ يَشْمَلُ أَنْوَاعًا مِنْ الْبِرِّ لِسِعَةِ فَضْلِ اللَّهِ وَكَرَامَتِهِ فَيَكُونُ بِالتَّبْلِيغِ لَهَا وَالْبَيَانِ لِأَجْلِ ظُهُورِ الْحَقِّ وَنُصْرَتِهِ وَيَكُونُ بِالْإِعَانَةِ عَلَيْهَا بِإِنْفَاقِ الْمَالِ وَالْجِهَادِ إعَانَةً عَلَى دِينِ اللَّهِ وَعُلُوِّ كَلِمَتِهِ فَالْجِهَادُ بِالْمَالِ مَقْرُونٌ بِالْجِهَادِ بِالنَّفْسِ قَدْ ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى قَبْلَهُ وَفِي غَيْرِ مَوْضِعٍ لِعِظَمِ مَنْزِلَتِهِ وَثَمَرَتِهِ وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " {مَنْ جَهَّزَ غَازِيًا فَقَدْ غَزَا وَمَنْ خَلَفَهُ فِي أَهْلِهِ بِخَيْرِ فَقَدْ غَزَا} " وَقَالَ: " {مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ} " وَمَثُوبَتِهِ؛ لَا سِيَّمَا مَا يَبْقَى نَفْعُهُ بَعْدَ مَوْتِ الْإِنْسَانِ وَمَصِيرِهِ إلَى تُرْبَتِهِ كَمَا قَالَ فِي الْحَدِيثِ: " {إذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إلَّا مِنْ ثَلَاثٍ} " فَهَذِهِ الثَّلَاثُ هِيَ مِنْ أَعْمَالِهِ الْبَاقِيَةِ بَعْدَ مِيتَتِهِ بِخِلَافِ مَا يَنْفَعُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ مِنْ أَعْمَالِ غَيْرِهِ مِنْ الدُّعَاءِ وَالصَّدَقَةِ وَالْعِتْقِ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ سَعْيِهِ بَلْ مِنْ سَعْيِ غَيْرِهِ وَشَفَاعَتِهِ وَكَمَا يَلْحَقُ بِالْمُؤْمِنِ مَنْ يُدْخِلُهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ. وَأَصْلُ الْعَمَلِ الصَّالِحِ هُوَ إخْلَاصُ الْعَبْدِ لِلَّهِ فِي نِيَّتِهِ فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ إنَّمَا أَنْزَلَ الْكُتُبَ وَأَرْسَلَ الرُّسُلَ وَخَلَقَ الْخَلْقَ لِعِبَادَتِهِ وَهِيَ دَعْوَةُ الرُّسُلِ لِكَافَّةِ بَرِيَّتِهِ كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ فِي كِتَابِهِ عَلَى أَلْسِنَةِ رُسُلِهِ بِأَوْضَحِ دَلَالَتِهِ؛ وَلِهَذَا كَانَ السَّلَفُ يَسْتَحِبُّونَ أَنْ يَفْتَتِحُوا مَجَالِسَهُمْ وَكُتُبَهُمْ وَغَيْرَ ذَلِكَ بِحَدِيثِ: " {إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ} " فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ وَبِدَايَتِهِ. فَنَجْرِي فِي ذَلِكَ عَلَى مِنْهَاجِهِمْ إذْ كَانُوا أَفْضَلَ جَيْشِ الْإِسْلَامِ وَمُقَدِّمَتَهُ فَنَقُولُ
(18/246)

مُسْتَعِينِينَ بِاَللَّهِ عَلَى سُلُوكِ سَبِيلِ أَهْلِ وِلَايَتِهِ وَأَحِبَّتِهِ:
" عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ؛ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ التيمي؛ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ الليثي؛ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " {إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ؛ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى؛ فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا فَهِجْرَتُهُ إلَى مَا هَاجَرَ إلَيْهِ} ". هذا حَدِيثٌ صَحِيحٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ؛ تَلَقَّتْهُ الْأُمَّةُ بِالْقَبُولِ وَالتَّصْدِيقِ مَعَ أَنَّهُ مِنْ غَرَائِبِ الصَّحِيحِ؛ فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ قَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ طُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ كَمَا جَمَعَهَا ابْنُ منده وَغَيْرُهُ مِنْ الْحُفَّاظِ فَأَهْلُ الْحَدِيثِ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ مِنْهَا إلَّا مِنْ طَرِيقِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ هَذِهِ الْمَذْكُورَةِ وَلَمْ يَرْوِهِ عَنْهُ إلَّا عَلْقَمَةُ بْنُ وَقَّاصٍ الليثي؛ وَلَا عَنْ عَلْقَمَةَ إلَّا مُحَمَّدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ؛ وَلَا عَنْ مُحَمَّدٍ إلَّا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ قَاضِي الْمَدِينَةِ. وَرَوَاهُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَئِمَّةُ الْإِسْلَامِ يُقَالُ: إنَّهُ رَوَاهُ عَنْهُ نَحْوُ مِنْ مِائَتَيْ عَالِمٍ مِثْلُ مَالِكٍ؛ وَالثَّوْرِيّ؛ وَابْنِ عُيَيْنَة وَحَمَّادٍ وَحَمَّادٍ؛ وَعَبْدِ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيِّ؛ وَأَبِي خَالِدٍ الْأَحْمَرِ؛ وَزَائِدَةَ؛ وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ
(18/247)

الْقَطَّانِ؛ وَيَزِيدَ بْنِ هَارُونَ؛ وَغَيْرِ هَؤُلَاءِ خَلْقٌ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَالْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ وَالشَّامِ وَغَيْرِهَا مِنْ شُيُوخِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد وَإِسْحَاقَ وَطَبَقَتِهِمْ وَيَحْيَى بْنِ مَعِينٍ وَعَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيّ وَأَبِي عُبَيْدٍ. وَلِهَذَا الْحَدِيثِ نَظَائِرُ مِنْ غَرَائِبِ الصِّحَاحِ مِثْلَ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ؛ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {: أَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْوَلَاءِ وَهِبَتِهِ} أَخْرَجَاهُ؛ تَفَرَّدَ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ. وَمِثْلُ حَدِيثِ أَنَسٍ: " {أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ مَكَّةَ وَعَلَى رَأْسِهِ الْمِغْفَرُ فَقِيلَ: إنَّ ابْنَ خَطَلٍ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ فَقَالَ: اُقْتُلُوهُ} أَخْرَجَاهُ تَفَرَّدَ بِهِ الزُّهْرِيُّ عَنْ أَنَسٍ وَقِيلَ: تَفَرَّدَ بِهِ مَالِكٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ فَالْحَدِيثُ الْغَرِيبُ: مَا تَفَرَّدَ بِهِ وَاحِدٌ وَقَدْ يَكُونُ غَرِيبَ الْمَتْنِ أَوْ غَرِيبَ الْإِسْنَادِ وَمِثْلَ أَنْ يَكُونَ مَتْنُهُ صَحِيحًا مِنْ طَرِيقٍ مَعْرُوفَةٍ وَرُوِيَ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى غَرِيبَةٍ. وَمِنْ الْغَرَائِبِ مَا هُوَ صَحِيحٌ وَغَالِبُهَا غَيْرُ صَحِيحٍ كَمَا قَالَ أَحْمَد: اتَّقُوا هَذِهِ الْغَرَائِبَ فَإِنَّ عَامَّتَهَا عَنْ الْكَذَّابِينَ؛ وَلِهَذَا يَقُولُ التِّرْمِذِيُّ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ: إنَّهُ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. وَالتِّرْمِذِي أَوَّلُ مَنْ قَسَّمَ الْأَحَادِيثَ إلَى صَحِيحٍ وَحَسَنٍ وَغَرِيبٍ
(18/248)

وَضَعِيفٍ وَلَمْ يُعْرَفْ قَبْلَهُ هَذَا التَّقْسِيمُ عَنْ أَحَدٍ لَكِنْ كَانُوا يُقَسِّمُونَ الْأَحَادِيثَ إلَى صَحِيحٍ وَضَعِيفٍ كَمَا يُقَسِّمُونَ الرِّجَالَ إلَى ضَعِيفٍ وَغَيْرِ ضَعِيفٍ وَالضَّعِيفُ عِنْدَهُمْ نَوْعَانِ: ضَعِيفٌ لَا يُحْتَجُّ بِهِ وَهُوَ الضَّعِيفُ فِي اصْطِلَاحِ التِّرْمِذِيِّ وَالثَّانِي ضَعِيفٌ يُحْتَجُّ بِهِ وَهُوَ الْحَسَنُ فِي اصْطِلَاحِ التِّرْمِذِيِّ كَمَا أَنَّ ضَعْفَ الْمَرَضِ فِي اصْطِلَاحِ الْفُقَهَاءِ نَوْعَانِ: نَوْعٌ يَجْعَلُ تَبَرُّعَاتِ صَاحِبِهِ مِنْ الثُّلُثِ كَمَا إذَا صَارَ صَاحِبَ فَرَاشٍ وَنَوْعٌ يَكُونُ تَبَرُّعَاتُ صَاحِبِهِ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ كَالْمَرَضِ الْيَسِيرِ الَّذِي لَا يَقْطَعُ صَاحِبَهُ وَلِهَذَا يُوجَدُ فِي كَلَامِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ مِنْ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِالْحَدِيثِ الضَّعِيفِ؛ كَحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ وَإِبْرَاهِيمَ الْهِجْرِيِّ وَغَيْرِهِمَا؛ فَإِنَّ ذَلِكَ الَّذِي سَمَّاهُ أُولَئِكَ ضَعِيفًا هُوَ أَرْفَعُ مِنْ كَثِيرٍ مِنْ الْحَسَنِ؛ بَلْ هُوَ مِمَّا يَجْعَلُهُ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ صَحِيحًا وَالتِّرْمِذِي قَدْ فَسَّرَ مُرَادَهُ بِالْحَسَنِ أَنَّهُ: مَا تَعَدَّدَتْ طُرُقُهُ وَلَمْ يَكُنْ فِيهَا مُتَّهَمٌ؛ وَلَمْ يَكُنْ شَاذًّا.
فَصْلٌ:
وَالْمَعْنَى الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ هَذَا الْحَدِيثُ أَصْلٌ عَظِيمٌ مِنْ أُصُولِ الدِّينِ بَلْ هُوَ أَصْلُ كُلِّ عَمَلٍ وَلِهَذَا قَالُوا: مَدَارُ الْإِسْلَامِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَحَادِيثَ فَذَكَرُوهُ مِنْهَا كَقَوْلِ أَحْمَد حَدِيثَ: " {إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ} " وَ " {مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ} " " {وَالْحَلَالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ
(18/249)

بَيِّنٌ} " وَوَجْهُ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الدِّينَ فِعْلُ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَتَرْكُ مَا نَهَى عَنْهُ. فَحَدِيثُ الْحَلَالِ بَيِّنٌ فِيهِ بَيَانُ مَا نَهَى عَنْهُ. وَاَلَّذِي أَمَرَ اللَّهُ بِهِ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا الْعَمَلُ الظَّاهِرُ وَهُوَ مَا كَانَ وَاجِبًا أَوْ مُسْتَحَبًّا وَالثَّانِي الْعَمَلُ الْبَاطِنُ وَهُوَ إخْلَاصُ الدِّينِ لِلَّهِ. فَقَوْلُهُ: " {مَنْ عَمِلَ عَمَلًا} " إلَخْ يَنْفِي التَّقَرُّبَ إلَى اللَّهِ بِغَيْرِ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَمْرَ إيجَابٍ أَوْ أَمْرَ اسْتِحْبَابٍ. وَقَوْلُهُ: {إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ} إلَخْ يُبَيِّنُ الْعَمَلَ الْبَاطِنَ وَأَنَّ التَّقَرُّبَ إلَى اللَّهِ إنَّمَا يَكُونُ بِالْإِخْلَاصِ فِي الدِّينِ لِلَّهِ؛ كَمَا قَالَ الْفُضَيْل فِي قَوْله تَعَالَى {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} قَالَ: أَخْلَصُهُ وَأَصْوَبُهُ قَالَ: فَإِنَّ الْعَمَلَ إذَا كَانَ خَالِصًا وَلَمْ يَكُنْ صَوَابًا لَمْ يُقْبَلْ وَإِذَا كَانَ صَوَابًا وَلَمْ يَكُنْ خَالِصًا لَمْ يُقْبَلْ حَتَّى يَكُونَ خَالِصًا صَوَابًا وَالْخَالِصُ أَنْ يَكُونَ لِلَّهِ وَالصَّوَابُ أَنْ يَكُونَ عَلَى السُّنَّةِ وَعَلَى هَذَا دَلَّ قَوْله تَعَالَى {فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} فَالْعَمَلُ الصَّالِحُ هُوَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ أَمْرَ إيجَابٍ أَوْ أَمْرَ اسْتِحْبَابٍ وَأَنْ لَا يُشْرِكَ الْعَبْدُ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا؛ وَهُوَ إخْلَاصُ الدِّينِ لِلَّهِ. وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى {بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ} الْآيَةَ. وَقَوْلُهُ: {وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ
(18/250)

لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إبْرَاهِيمَ حَنِيفًا} وَقَوْلُهُ: {وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى} فَإِنَّ إسْلَامَ الْوَجْهِ لِلَّهِ يَتَضَمَّنُ إخْلَاصَ الْعَمَلِ لِلَّهِ وَالْإِحْسَانُ هُوَ إحْسَانُ الْعَمَلِ لِلَّهِ وَهُوَ فِعْلُ مَا أَمَرَ بِهِ فِيهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {إنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا} فَإِنَّ الْإِسَاءَةَ فِي الْعَمَلِ الصَّالِحِ تَتَضَمَّنُ الِاسْتِهَانَةَ بِالْأَمْرِ بِهِ وَالِاسْتِهَانَةَ بِنَفْسِ الْعَمَلِ وَالِاسْتِهَانَةَ بِمَا وَعَدَهُ اللَّهُ مِنْ الثَّوَابِ فَإِذَا أَخْلَصَ الْعَبْدُ دِينَهُ لِلَّهِ وَأَحْسَنَ الْعَمَلَ لَهُ كَانَ مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَكَانَ مِنْ الَّذِينَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ.
فَصْلٌ:
لَفْظُ " النِّيَّةِ " فِي كَلَامِ الْعَرَبِ مِنْ جِنْسِ لَفْظِ الْقَصْدِ وَالْإِرَادَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ تَقُولُ الْعَرَبُ: نَوَاك اللَّهُ بِخَيْرِ أَيْ: أَرَادَك بِخَيْرِ وَيَقُولُونَ: نَوَى مَنْوِيَّهُ وَهُوَ الْمَكَانُ الَّذِي يَنْوِيهِ يُسَمُّونَهُ نَوَى كَمَا يَقُولُونَ: قَبْضَ بِمَعْنَى مَقْبُوضٍ وَالنِّيَّةُ يُعَبَّرُ بِهَا عَنْ نَوْعٍ مِنْ إرَادَةٍ وَيُعَبَّرُ بِهَا عَنْ نَفْسِ الْمُرَادِ كَقَوْلِ الْعَرَب: هَذِهِ نِيَّتِي يَعْنِي: هَذِهِ الْبُقْعَةُ هِيَ الَّتِي نَوَيْت إتْيَانَهَا وَيَقُولُونَ: نِيَّتُهُ قَرِيبَةٌ أَوْ بَعِيدَةٌ أَيْ: الْبُقْعَةُ الَّتِي
(18/251)

نَوَى قَصْدَهَا لَكِنْ مِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ: إنَّهَا أَخَصُّ مِنْ الْإِرَادَةِ؛ فَإِنَّ إرَادَةَ الْإِنْسَانِ تَتَعَلَّقُ بِعَمَلِهِ وَعَمَلِ غَيْرِهِ وَالنِّيَّةُ لَا تَكُونُ إلَّا لِعَمَلِهِ فَإِنَّك تَقُولُ: أَرَدْت مِنْ فُلَانٍ كَذَا وَلَا تَقُولُ نَوَيْت مِنْ فُلَانٍ كَذَا.
فَصْلٌ:
وَقَدْ تَنَازَعَ النَّاسُ فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " {إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ} ": هَلْ فِيهِ إضْمَارٌ أَوْ تَخْصِيصٌ؟ أَوْ هُوَ عَلَى ظَاهِرِهِ وَعُمُومِهِ؟ فَذَهَبَ طَائِفَةٌ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ إلَى الْأَوَّلِ قَالُوا: لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالنِّيَّاتِ الْأَعْمَالُ الشَّرْعِيَّةُ الَّتِي تَجِبُ أَوْ تُسْتَحَبُّ وَالْأَعْمَالُ كُلُّهَا لَا تُشْتَرَطُ فِي صِحَّتِهَا هَذِهِ النِّيَّاتُ فَإِنَّ قَضَاءَ الْحُقُوقِ الْوَاجِبَةِ مِنْ الغصوب وَالْعَوَارِيِّ وَالْوَدَائِعِ وَالدُّيُونِ تَبْرَأُ ذِمَّةُ الدَّافِعِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي ذَلِكَ نِيَّةٌ شَرْعِيَّةٌ. بَلْ تَبْرَأُ ذِمَّتُهُ مِنْهَا مِنْ غَيْرِ فِعْلٍ مِنْهُ كَمَا لَوْ تَسَلَّمَ الْمُسْتَحِقُّ عَيْنَ مَالِهِ أَوْ أَطَارَتْ الرِّيحُ الثَّوْبَ الْمُودَعَ أَوْ الْمَغْصُوبَ فَأَوْقَعَتْهُ فِي يَدِ صَاحِبِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. ثُمَّ قَالَ بَعْضُ هَؤُلَاءِ: تَقْدِيرُهُ إنَّمَا ثَوَابُ الْأَعْمَالِ الْمُتَرَتِّبَةِ عَلَيْهَا بِالنِّيَّاتِ أَوْ إنَّمَا تُقْبَلُ بِالنِّيَّاتِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: تَقْدِيرُهُ إنَّمَا الْأَعْمَالُ الشَّرْعِيَّةُ
(18/252)

أَوْ إنَّمَا صِحَّتُهَا أَوْ إنَّمَا أَجْزَاؤُهَا وَنَحْوُ ذَلِكَ. وَقَالَ الْجُمْهُورُ: بَلْ الْحَدِيثُ عَلَى ظَاهِرِهِ وَعُمُومِهِ فَإِنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِالنِّيَّاتِ فِيهِ الْأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ وَحْدَهَا بَلْ أَرَادَ النِّيَّةَ الْمَحْمُودَةَ وَالْمَذْمُومَةَ وَالْعَمَلَ الْمَحْمُودَ وَالْمَذْمُومَ وَلِهَذَا قَالَ فِي تَمَامِهِ: " {فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ} " إلَخْ فَذَكَرَ النِّيَّةَ الْمَحْمُودَةَ بِالْهِجْرَةِ إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَقَطْ وَالنِّيَّةَ الْمَذْمُومَةَ وَهِيَ الْهِجْرَةُ إلَى امْرَأَةٍ أَوْ مَالٍ وَهَذَا ذَكَرَهُ تَفْصِيلًا بَعْدَ إجْمَالٍ فَقَالَ: " {إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى} " ثُمَّ فَصَلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: " {فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ} " إلَخْ. وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ سَبَبَ هَذَا الْحَدِيثِ: أَنَّ رَجُلًا كَانَ قَدْ هَاجَرَ مِنْ مَكَّةَ إلَى الْمَدِينَةِ لِأَجْلِ امْرَأَةٍ كَانَ يُحِبُّهَا تُدْعَى أُمَّ قَيْسٍ فَكَانَتْ هِجْرَتُهُ لِأَجْلِهَا فَكَانَ يُسَمَّى مُهَاجِرَ أُمِّ قَيْسٍ فَلِهَذَا ذَكَرَ فِيهِ " {أَوْ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا - وَفِي رِوَايَةٍ - يَنْكِحُهَا} " فَخَصَّ الْمَرْأَةَ بِالذِّكْرِ لِاقْتِضَاءِ سَبَبِ الْحَدِيثِ لِذَلِكَ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَالسَّبَبُ الَّذِي خَرَجَ عَلَيْهِ اللَّفْظُ الْعَامُّ لَا يَجُوزُ إخْرَاجُهُ مِنْهُ بِاتِّفَاقِ النَّاسِ وَالْهِجْرَةُ فِي الظَّاهِرِ هِيَ: سَفَرٌ مِنْ مَكَانٍ إلَى مَكَانٍ وَالسَّفَرُ جِنْسٌ تَحْتَهُ أَنْوَاعٌ مُخْتَلِفَةٌ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ نِيَّةِ صَاحِبِهِ فَقَدْ يَكُونُ سَفَرًا وَاجِبًا كَحَجِّ أَوْ جِهَادٍ مُتَعَيَّنٍ وَقَدْ يَكُونُ مُحَرَّمًا كَسَفَرِ الْعَادِي لِقَطْعِ
(18/253)

الطَّرِيقِ وَالْبَاغِي عَلَى جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ وَالْعَبْدِ الْآبِقِ. وَالْمَرْأَةِ النَّاشِزِ. وَلِهَذَا تَكَلَّمَ الْفُقَهَاءُ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الْعَاصِي بِسَفَرِهِ وَالْعَاصِي فِي سَفَرِهِ فَقَالُوا: إذَا سَافَرَ سَفَرًا مُبَاحًا كَالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَالْجِهَادِ جَازَ لَهُ فِيهِ الْقَصْرُ وَالْفِطْرُ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَإِنْ عَصَى فِي ذَلِكَ السَّفَرِ. وَأَمَّا إذَا كَانَ عَاصِيًا بِسَفَرِهِ كَقَطْعِ الطَّرِيقِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَهَلْ يَجُوزُ لَهُ التَّرَخُّصُ بِرُخَصِ السَّفَرِ كَالْفِطْرِ وَالْقَصْرِ؟ فِيهِ نِزَاعٌ: فَمَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ الْقَصْرُ وَالْفِطْرُ وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ وَإِذَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ ذَكَرَ هَذَا السَّفَرَ وَهَذَا السَّفَرَ عُلِمَ أَنَّ مَقْصُودَهُ ذِكْرُ جِنْسِ الْأَعْمَالِ مُطْلَقًا لَا نَفْسُ الْعَمَلِ الَّذِي هُوَ قُرْبَةٌ بِنَفْسِهِ كَالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَمَقْصُودُهُ ذِكْرُ جِنْسِ النِّيَّةِ وَحِينَئِذٍ يَتَبَيَّنُ أَنَّ قَوْلَهُ: " {إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ} " مِمَّا خَصَّهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ مِنْ جَوَامِعِ الْكَلِمِ كَمَا قَالَ: " {بُعِثْت بِجَوَامِعِ الْكَلِمِ} " وَهَذَا الْحَدِيثُ مِنْ أَجْمَعِ الْكَلِمِ الْجَوَامِعِ الَّتِي بُعِثَ بِهَا فَإِنَّ كُلَّ عَمَلٍ يَعْمَلُهُ عَامِلٌ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ هُوَ بِحَسَبِ مَا نَوَاهُ فَإِنْ قَصَدَ بِعَمَلِهِ مَقْصُودًا حَسَنًا كَانَ لَهُ ذَلِكَ الْمَقْصُودُ الْحَسَنُ وَإِنْ قَصَدَ بِهِ مَقْصُودًا سَيِّئًا كَانَ لَهُ مَا نَوَاهُ.
(18/254)

فَصْلٌ:
وَلَفْظُ النِّيَّةِ يُرَادُ بِهَا النَّوْعُ مِنْ الْمَصْدَرِ وَيُرَادُ بِهَا الْمَنْوِيُّ وَاسْتِعْمَالُهَا فِي هَذَا لَعَلَّهُ أَغْلَبُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ فَيَكُونُ الْمُرَادُ إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِحَسَبِ مَا نَوَاهُ الْعَامِلُ أَيْ: بِحَسَبِ مَنْوِيِّهِ وَلِهَذَا قَالَ فِي تَمَامِهِ {فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ} فَذَكَرَ مَا يَنْوِيهِ الْعَامِلُ وَيُرِيدُهُ بِعَمَلِهِ وَهُوَ الْغَايَةُ الْمَطْلُوبَةُ لَهُ. فَإِنَّ كُلَّ مُتَحَرِّكٍ بِالْإِرَادَةِ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُرَادٍ. وَلِهَذَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {أَحَبُّ الْأَسْمَاءِ إلَى اللَّهِ عَبْدُ اللَّهِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ وَأَقْبَحُهَا حَرْبٌ وَمُرَّةُ وَأَصْدَقُهَا حَارِثٌ وَهَمَّامٌ} فَإِنَّ كُلَّ آدَمِيٍّ حَارِثٌ وَهَمَّامٌ وَالْحَارِثُ هُوَ الْعَامِلُ الْكَاسِبُ وَالْهَمَّامُ الَّذِي يَهُمُّ وَيُرِيدُ. قَالَ تَعَالَى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ} فَقَوْلُهُ حَرْثَ الدُّنْيَا أَيْ كَسْبَهَا وَعَمَلَهَا وَلِهَذَا وَضَعَ الْحَرِيرِيُّ مَقَامَاتِهِ عَلَى لِسَان الْحَارِثِ بْنِ هَمَّامٍ لِصِدْقِ هَذَا الْوَصْفِ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ.
(18/255)

فَصْلٌ:
وَلَفْظُ النِّيَّةِ يَجْرِي فِي كَلَامِ الْعُلَمَاءِ عَلَى نَوْعَيْنِ: فَتَارَةً يُرِيدُونَ بِهَا تَمْيِيزَ عَمَلٍ مِنْ عَمَلٍ وَعِبَادَةٍ مِنْ عِبَادَةٍ وَتَارَةً يُرِيدُونَ بِهَا تَمْيِيزَ مَعْبُودٍ عَنْ مَعْبُودٍ وَمَعْمُولٍ لَهُ عَنْ مَعْمُولٍ لَهُ. فَالْأَوَّلُ كَلَامُهُمْ فِي النِّيَّةِ: هَلْ هِيَ شَرْطٌ فِي طَهَارَةِ الْأَحْدَاثِ؟ وَهَلْ تُشْتَرَطُ نِيَّةُ التَّعْيِينِ وَالتَّبْيِيتِ فِي الصِّيَامِ؟ وَإِذَا نَوَى بِطَهَارَتِهِ مَا يُسْتَحَبُّ لَهَا هَلْ تَجْزِيهِ عَنْ الْوَاجِبِ؟ أَوْ أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي الصَّلَاةِ مِنْ نِيَّةِ التَّعْيِينِ؟ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَالثَّانِي كَالتَّمْيِيزِ بَيْنَ إخْلَاصِ الْعَمَلِ لِلَّهِ وَبَيْنَ أَهْلِ الرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ كَمَا سَأَلُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الرَّجُلِ يُقَاتِلُ شَجَاعَةً وَحَمِيَّةً وَرِيَاءً فَأَيُّ ذَلِكَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ فَقَالَ: {مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} وَهَذَا الْحَدِيثُ يَدْخُلُ فِيهِ سَائِرُ الْأَعْمَالِ وَهَذِهِ النِّيَّةُ تُمَيِّزُ بَيْنَ مَنْ يُرِيدُ اللَّهَ بِعَمَلِهِ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ وَبَيْنَ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا: مَالًا وَجَاهًا وَمَدْحًا وَثَنَاءً وَتَعْظِيمًا وَغَيْرَ ذَلِكَ وَالْحَدِيثُ دَلَّ عَلَى هَذِهِ النِّيَّةِ بِالْقَصْدِ وَإِنْ كَانَ قَدْ يُقَالُ: أَنَّ عُمُومَهُ يَتَنَاوَلُ
(18/256)

النَّوْعَيْنِ فَإِنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ مَنْ يُرِيدُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَبَيْنَ مَنْ يُرِيدُ دُنْيَا أَوْ امْرَأَةً فَفَرَّقَ بَيْنَ مَعْمُولٍ لَهُ وَمَعْمُولٍ لَهُ وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ عَمَلٍ وَعَمَلٍ. وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى الْإِخْلَاصَ فِي كِتَابِهِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا أُمِرُوا إلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} وَقَوْلِهِ: {فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ} {أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ} وَقَوْلِهِ: {قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي} وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْآيَاتِ. وَإِخْلَاصُ الدِّينِ هُوَ أَصْلُ دِينِ الْإِسْلَامِ وَلِذَلِكَ ذَمَّ الرِّيَاءَ فِي مِثْلِ قَوْلِهِ: {فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ} {الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ} {الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ} وَقَوْلِهِ: {وَإِذَا قَامُوا إلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إلَّا قَلِيلًا} وَقَالَ تَعَالَى: {كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ} الْآيَةَ وقَوْله تَعَالَى {وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ} الْآيَةَ.
فَصْلٌ:
وَقَدْ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْعِبَادَةَ الْمَقْصُودَةَ لِنَفْسِهَا كَالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالْحَجِّ لَا تَصِحُّ إلَّا بِنِيَّةِ وَتَنَازَعُوا فِي الطَّهَارَةِ مِثْلَ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِ جَنَابَةٌ فَيَنْسَاهَا وَيَغْتَسِلُ لِلنَّظَافَةِ فَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَد: النِّيَّةُ
(18/257)

شَرْطٌ لِطَهَارَةِ الْأَحْدَاثِ كُلِّهَا وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا تُشْتَرَطُ فِي الطَّهَارَةِ بِالْمَاءِ بِخِلَافِ التَّيَمُّمِ وَقَالَ زُفَرُ لَا تُشْتَرَطُ لَا فِي هَذَا وَلَا فِي هَذَا وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد: تُشْتَرَطُ لِإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ وَهَذَا الْقَوْلُ شَاذٌّ فَإِنَّ إزَالَةَ النَّجَاسَةِ لَا يُشْتَرَطُ فِيهَا عَمَلُ الْعَبْدِ بَلْ تَزُولُ بِالْمَطَرِ النَّازِلِ وَالنَّهْرِ الْجَارِي وَنَحْوِ ذَلِكَ فَكَيْفَ تُشْتَرَطُ لَهَا النِّيَّةُ وَأَيْضًا فَإِنَّ إزَالَةَ النَّجَاسَةِ مِنْ بَابِ التروك لَا مِنْ بَابِ الْأَعْمَالِ وَلِهَذَا لَوْ لَمْ يَخْطُرْ بِقَلْبِهِ فِي الصَّلَاةِ أَنَّهُ مُجْتَنِبٌ النَّجَاسَةَ صَحَّتْ صَلَاتُهُ إذَا كَانَ مُجْتَنِبًا لَهَا وَلِهَذَا قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَد فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ: لَوْ صَلَّى وَعَلَيْهِ نَجَاسَةٌ لَمْ يَعْلَمْ بِهَا إلَّا بَعْدَ الصَّلَاةِ لَمْ يُعِدْ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ التروك وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ قَوْلَهُمْ: {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} وَثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ قَدْ فَعَلْت} فَمَنْ فَعَلَ مَا نُهِيَ عَنْهُ نَاسِيًا أَوْ مُخْطِئًا فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ بِخِلَافِ مَنْ تَرَكَ مَا أُمِرَ بِهِ كَمَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ فَلَا بُدَّ مِنْ قَضَائِهَا. وَلِهَذَا فَرَّقَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ فِي الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالْإِحْرَامِ بَيْنَ مَنْ فَعَلَ الْمَحْظُورَ نَاسِيًا وَبَيْنَ مَنْ تَرَكَ الْوَاجِبَ نَاسِيًا كَمَنْ تَكَلَّمَ فِي الصَّلَاةِ نَاسِيًا وَمَنْ أَكَلَ فِي الصِّيَامِ نَاسِيًا وَمَنْ تَطَيَّبَ أَوْ لَبِسَ نَاسِيًا فِي الْإِحْرَامِ وَاَلَّذِينَ يُوجِبُونَ النِّيَّةَ فِي طَهَارَةِ الْأَحْدَاثِ يَحْتَجُّونَ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى
(18/258)

أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبُو حَنِيفَةَ يُسَلِّمُ أَنَّ الطَّهَارَةَ غَيْرَ الْمَنْوِيَّةِ لَيْسَتْ عِبَادَةً وَلَا ثَوَابَ فِيهَا وَإِنَّمَا النِّزَاعُ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ بِهَا فَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ " لَا يَدُلُّ عَلَى مَحَلِّ النِّزَاعِ إلَّا إذَا ضُمَّتْ إلَيْهِ مُقَدِّمَةٌ أُخْرَى وَهُوَ أَنَّ الطَّهَارَةَ لَا تَكُونُ إلَّا عِبَادَةً وَالْعِبَادَةُ لَا تَصِحُّ إلَّا بِنِيَّةِ وَهَذِهِ الْمُقَدِّمَةُ إذَا سَلِمَتْ لَمْ تَحْتَجْ إلَى الِاسْتِدْلَالِ بِهَذَا فَإِنَّ النَّاسَ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ مَا لَا يَكُونُ إلَّا عِبَادَةً لَا يَصِحُّ إلَّا بِنِيَّةِ بِخِلَافِ مَا يَقَعُ عِبَادَةً وَغَيْرَ عِبَادَةٍ كَأَدَاءِ الْأَمَانَاتِ وَقَضَاءِ الدُّيُونِ. وَحِينَئِذٍ فَالْمَسْأَلَةُ مَدَارُهَا عَلَى أَنَّ الْوُضُوءَ هَلْ يَقَعُ غَيْرَ عِبَادَةٍ؟ وَالْجُمْهُورُ يَحْتَجُّونَ بِالنُّصُوصِ الْوَارِدَةِ فِي ثَوَابِهِ كَقَوْلِهِ: {إذَا تَوَضَّأَ الْعَبْدُ الْمُسْلِمُ خَرَجَتْ خَطَايَاهُ مَعَ الْمَاءِ أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ} وَأَمْثَالُ ذَلِكَ فَيَقُولُونَ: فَفِيهِ الثَّوَابُ لِعُمُومِ النُّصُوصِ وَالثَّوَابُ لَا يَكُونُ إلَّا مَعَ النِّيَّةِ فَالْوُضُوءُ لَا يَكُونُ إلَّا بِنِيَّةِ. وَأَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ: الطَّهَارَةُ شَرْطٌ مِنْ شَرَائِطِ الصَّلَاةِ فَلَا تُشْتَرَطُ لَهَا النِّيَّةُ كَاللِّبَاسِ وَإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ وَأُولَئِكَ يَقُولُونَ: اللِّبَاسُ وَالْإِزَالَةُ يَقَعَانِ عِبَادَةً وَغَيْرَ عِبَادَةٍ وَلِهَذَا لَمْ يَرِدْ نَصٌّ بِثَوَابِ الْإِنْسَانِ عَلَى جِنْسِ اللِّبَاسِ وَالْإِزَالَةِ وَقَدْ وَرَدَتْ النُّصُوصُ بِالثَّوَابِ عَلَى جِنْسِ الْوُضُوءِ. وَأَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ: النُّصُوصُ وَرَدَتْ بِالثَّوَابِ عَلَى الْوُضُوءِ الْمُعْتَادِ
(18/259)

وَعَامَّةُ الْمُسْلِمِينَ إنَّمَا يَتَوَضَّئُونَ بِالنِّيَّةِ وَالْوُضُوءُ الْخَالِي عَنْ النِّيَّةِ نَادِرٌ لَا يَقَعُ إلَّا لِمِثْلِ مَنْ أَرَادَ تَعْلِيمَ غَيْرِهِ وَنَحْوَ ذَلِكَ وَالْجُمْهُورُ يَقُولُونَ: هَذَا الْوُضُوءُ الَّذِي اعْتَادَهُ الْمُسْلِمُونَ هُوَ الْوُضُوءُ الشَّرْعِيُّ الَّذِي تَصِحُّ بِهِ الصَّلَاةُ وَمَا سِوَى هَذَا لَا يَدْخُلُ فِي نُصُوصِ الشَّارِعِ كَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {لَا تُقْبَلُ صَلَاةُ أَحَدِكُمْ إذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ} فَإِنَّ الْمُخَاطَبِينَ لَا يَعْرِفُونَ الْوُضُوءَ الْمَأْمُورَ بِهِ إلَّا الْوُضُوءَ الَّذِي أَثْنَى عَلَيْهِ وَحَثَّ عَلَيْهِ وَغَيْرُ هَذَا لَا يَعْرِفُونَهُ فَلَا يَقْصِدُ إدْخَالَهُ فِي عُمُومِ كَلَامِهِ وَلَا يَتَنَاوَلُهُ النَّصُّ.
فَصْلٌ:
وَأَمَّا النِّيَّةُ الَّتِي هِيَ إخْلَاصُ الدِّينِ لِلَّهِ فَقَدْ تَكَلَّمَ النَّاسُ فِي حَدِّهَا وَحَدِّ الْإِخْلَاصِ كَقَوْلِ بَعْضِهِمْ: الْمُخْلِصُ هُوَ الَّذِي لَا يُبَالِي لَوْ خَرَجَ كُلُّ قَدْرٍ لَهُ فِي قُلُوبِ النَّاسِ مِنْ أَجْلِ صَلَاحِ قَلْبِهِ مَعَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَلَا يُحِبُّ أَنْ يَطَّلِعَ النَّاسُ عَلَى مَثَاقِيلِ الذَّرِّ مِنْ عَمَلِهِ وَأَمْثَالِ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِهِمْ الْحَسَنِ. لَكِنَّ كَلَامَهُمْ يَتَضَمَّنُ الْإِخْلَاصَ فِي سَائِرِ الْأَعْمَالِ وَهَذَا لَا يَقَعُ مِنْ سَائِرِ النَّاسِ بَلْ لَا يَقَعُ مِنْ أَكْثَرِهِمْ بَلْ غَالِبُ الْمُسْلِمِينَ يُخْلِصُونَ لِلَّهِ فِي كَثِيرٍ مِنْ أَعْمَالِهِمْ كَإِخْلَاصِهِمْ فِي الْأَعْمَالِ الْمُشْتَرَكَةِ بَيْنَهُمْ
(18/260)

مِثْلَ صَوْمِ شَهْرِ رَمَضَانَ فَغَالِبُ الْمُسْلِمِينَ يَصُومُونَهُ لِلَّهِ وَكَذَلِكَ مَنْ دَاوَمَ عَلَى الصَّلَوَاتِ فَإِنَّهُ لَا يُصَلِّي إلَّا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِخِلَافِ مَنْ لَمْ يُحَافِظْ عَلَيْهَا فَإِنَّمَا يُصَلِّي حَيَاءً أَوْ رِيَاءً أَوْ لِعِلَّةِ دُنْيَوِيَّةٍ؛ وَلِهَذَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ: {إذَا رَأَيْتُمْ الرَّجُلَ يَعْتَادُ الْمَسْجِدَ فَاشْهَدُوا لَهُ بِالْإِيمَانِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: {إنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إلَّا اللَّهَ} الْآيَةَ} . وَمَنْ لَمْ يُصَلِّ إلَّا بِوُضُوءِ وَاغْتِسَالٍ فَإِنَّهُ لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ إلَّا لِلَّهِ وَلِهَذَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا رَوَاهُ أَحْمَد. وَابْنُ مَاجَه مِنْ حَدِيثِ ثوبان عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: {اسْتَقِيمُوا وَلَنْ تَحْصُوا وَاعْلَمُوا أَنَّ خَيْرَ أَعْمَالِكُمْ الصَّلَاةُ وَلَا يُحَافِظُ عَلَى الْوُضُوءِ إلَّا مُؤْمِنٌ فَإِنَّ الْوُضُوءَ سِرٌّ بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ} وَقَدْ يَنْتَقِضُ وُضُوءُهُ وَلَا يَدْرِي بِهِ أَحَدٌ فَإِذَا حَافَظَ عَلَيْهِ لَمْ يُحَافِظْ عَلَيْهِ إلَّا لِلَّهِ سُبْحَانَهُ وَمَنْ كَانَ كَذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا مُؤْمِنًا وَالْإِخْلَاصُ فِي النَّفْعِ الْمُتَعَدِّي أَقَلُّ مِنْهُ فِي الْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةِ وَلِهَذَا قَالَ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَى صِحَّتِهِ: {سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمْ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إلَّا ظِلُّهُ} الْحَدِيثَ.
(18/261)

فَصْلُ:
وَالنِّيَّةُ مَحَلُّهَا الْقَلْبُ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ؛ فَإِنْ نَوَى بِقَلْبِهِ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ بِلِسَانِهِ أَجْزَأَتْهُ النِّيَّةُ بِاتِّفَاقِهِمْ وَقَدْ خَرَّجَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَجْهًا مِنْ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ غَلِطَ فِيهِ عَلَى الشَّافِعِيِّ؛ فَإِنَّ الشَّافِعِيَّ إنَّمَا ذَكَرَ الْفَرْقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالْإِحْرَامِ بِأَنَّ الصَّلَاةَ فِي أَوَّلِهَا كَلَامٌ فَظَنَّ بَعْضُ الغالطين أَنَّهُ أَرَادَ التَّكَلُّمَ بِالنِّيَّةِ وَإِنَّمَا أَرَادَ التَّكْبِيرَ وَالنِّيَّةُ تَتْبَعُ الْعِلْمَ فَمَنْ عَلِمَ مَا يُرِيدُ فِعْلَهُ فَلَا بُدَّ أَنْ يَنْوِيَهُ ضَرُورَةً كَمَنْ قَدَّمَ بَيْنَ يَدَيْهِ طَعَامًا لِيَأْكُلَهُ فَإِذَا عَلِمَ أَنَّهُ يُرِيدُ الْأَكْلَ فَلَا بُدَّ أَنْ يَنْوِيَهُ وَكَذَلِكَ الرُّكُوبُ وَغَيْرُهُ؛ بَلْ لَوْ كَلَّفَ الْعِبَادَ أَنْ يَعْمَلُوا عَمَلًا بِغَيْرِ نِيَّةٍ كُلِّفُوا مَا لَا يُطِيقُونَ؛ فَإِنَّ كُلَّ أَحَدٍ إذَا أَرَادَ أَنْ يَعْمَلَ عَمَلًا مَشْرُوعًا أَوْ غَيْرَ مَشْرُوعٍ فَعِلْمُهُ سَابِقٌ إلَى قَلْبِهِ وَذَلِكَ هُوَ النِّيَّةُ وَإِذَا عَلِمَ الْإِنْسَانُ أَنَّهُ يُرِيدُ الطَّهَارَةَ وَالصَّلَاةَ وَالصَّوْمَ فَلَا بُدَّ أَنْ يَنْوِيَهُ إذَا عَلِمَهُ ضَرُورَةً وَإِنَّمَا يَتَصَوَّرُ عَدَمَ النِّيَّةِ إذَا لَمْ يَعْلَمْ مَا يُرِيدُ مِثْلَ مَنْ نَسِيَ الْجَنَابَةَ وَاغْتَسَلَ لِلنَّظَافَةِ أَوْ لِلتَّبَرُّدِ أَوْ مَنْ يُرِيدُ أَنْ يُعَلِّمَ غَيْرَهُ الْوُضُوءَ وَلَمْ يُرِدْ أَنَّهُ يَتَوَضَّأُ لِنَفْسِهِ أَوْ مَنْ لَا يَعْلَمُ أَنَّ غَدًا مِنْ رَمَضَانَ فَيُصْبِحُ غَيْرَ نَاوٍ لِلصَّوْمِ.
(18/262)

وَأَمَّا الْمُسْلِمُ الَّذِي يَعْلَمُ أَنَّ غَدًا مِنْ رَمَضَانَ وَهُوَ يُرِيدُ صَوْمَ رَمَضَانَ فَهَذَا لَا بُدَّ أَنْ يَنْوِيَهُ ضَرُورَةً وَلَا يَحْتَاجَ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ وَأَكْثَرُ مَا يَقَعُ عَدَمُ التَّبْيِيتِ وَالتَّعْيِينِ فِي رَمَضَانَ عِنْدَ الِاشْتِبَاهِ مِثْلَ مَنْ لَا يَعْلَمُ أَنَّ غَدًا مِنْ رَمَضَانَ أَمْ لَا فَيَنْوِي صَوْمًا رَمَضَانَ مُطْلَقًا أَوْ يَقْصِدُ تَطَوُّعًا ثُمَّ يَتَبَيَّنُ أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ وَلَوْ تَكَلَّمَ بِلِسَانِهِ بِشَيْءِ وَفِي قَلْبِهِ خِلَافُهُ كَانَتْ الْعِبْرَةُ بِمَا فِي قَلْبِهِ لَا بِمَا لَفَظَ بِهِ وَلَوْ اعْتَقَدَ بَقَاءَ الْوَقْتِ فَنَوَى الصَّلَاةَ أَدَاءً ثُمَّ تَبَيَّنَ خُرُوجُ الْوَقْتِ أَوْ اعْتَقَدَ خُرُوجَهُ فَنَوَاهَا قَضَاءً ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ بَقَاؤُهُ أَجْزَأَتْهُ صَلَاتُهُ بِالِاتِّفَاقِ. وَمَنْ عَرَفَ هَذَا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ النِّيَّةَ مَعَ الْعِلْمِ فِي غَايَةِ الْيُسْرِ لَا تَحْتَاجُ إلَى وَسْوَسَةٍ وَآصَارٍ وَأَغْلَالٍ؛ وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: الْوَسْوَسَةُ إنَّمَا تَحْصُلُ لِعَبْدِ مِنْ جَهْلٍ بِالشَّرْعِ أَوْ خَبَلٍ فِي الْعَقْلِ. وَقَدْ تَنَازَعَ النَّاسُ: هَلْ يُسْتَحَبُّ التَّلَفُّظُ بِالنِّيَّةِ؟ فَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد: يُسْتَحَبُّ لِيَكُونَ أَبْلَغَ؛ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَأَحْمَد: لَا يُسْتَحَبُّ لِيَكُونَ بَلْ التَّلَفُّظُ بِهَا بِدْعَةٌ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابَهُ وَالتَّابِعِينَ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ تَكَلَّمَ بِلَفْظِ النِّيَّةِ لَا فِي صَلَاةٍ وَلَا طَهَارَةٍ وَلَا صِيَامٍ قَالُوا: لِأَنَّهَا تَحْصُلُ مَعَ الْعِلْمِ بِالْفِعْلِ ضَرُورَةً فَالتَّكَلُّمُ بِهَا نَوْعُ هَوَسٍ وَعَبَثٍ وَهَذَيَانٍ وَالنِّيَّةُ تَكُونُ فِي قَلْبِ الْإِنْسَانِ وَيَعْتَقِدُ أَنَّهَا لَيْسَتْ فِي قَلْبِهِ فَيُرِيدُ
(18/263)

تَحْصِيلَهَا بِلِسَانِهِ وَتَحْصِيلُ الْحَاصِلِ مُحَالٌ فَلِذَلِكَ يَقَعُ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ فِي أَنْوَاعٍ مِنْ الْوَسْوَاسِ. وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَسُوغُ الْجَهْرُ بِالنِّيَّةِ لَا لِإِمَامِ وَلَا لِمَأْمُومِ وَلَا لِمُنْفَرِدِ وَلَا يُسْتَحَبُّ تَكْرِيرُهَا وَإِنَّمَا النِّزَاعُ بَيْنَهُمْ فِي التَّكَلُّمِ بِهَا سِرًّا: هَلْ يُكْرَهُ أَوْ يُسْتَحَبُّ؟ .
فَصْلٌ:
لَفْظَةُ " إنَّمَا " لِلْحَصْرِ عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ وَهَذَا مِمَّا يُعْرَفُ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ لُغَةِ الْعَرَبِ كَمَا تَعْرِفُ مَعَانِيَ حُرُوفِ النَّفْيِ وَالِاسْتِفْهَامِ وَالشَّرْطِ وَغَيْرِ ذَلِكَ لَكِنْ تَنَازَعَ النَّاسُ: هَلْ دَلَالَتُهَا عَلَى الْحَصْرِ بِطَرِيقِ الْمَنْطُوقِ أَوْ الْمَفْهُومِ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ بِطَرِيقِ الْمَنْطُوقِ وَالْقَوْلُ الْآخَرُ قَوْلُ بَعْضِ مُثْبِتِي الْمَفْهُومِ كَالْقَاضِي أَبِي يَعْلَى فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ وَبَعْضِ الْغُلَاةِ مِنْ نفاته وَهَؤُلَاءِ زَعَمُوا أَنَّهَا تُفِيدُ الْحَصْرَ وَاحْتَجُّوا بِمِثْلِ قَوْلِهِ: {إنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ} . وَقَدْ احْتَجَّ طَائِفَةٌ مِنْ الْأُصُولِيِّينَ عَلَى أَنَّهَا لِلْحَصْرِ بِأَنَّ حَرْفَ " إنْ " لِلْإِثْبَاتِ وَحَرْفَ " مَا " لِلنَّفْيِ فَإِذَا اجْتَمَعَا حَصَلَ النَّفْيُ وَالْإِثْبَاتُ جَمِيعًا
(18/264)

وَهَذَا خَطَأٌ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ بِالْعَرَبِيَّةِ؛ فَإِنَّ " مَا " هُنَا هِيَ مَا الْكَافَّةُ لَيْسَتْ مَا النَّافِيَةُ وَهَذِهِ الْكَافَّةُ تَدْخُلُ عَلَى أَنَّ وَأَخَوَاتِهَا فَتَكُفُّهَا عَنْ الْعَمَلِ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْحُرُوفَ الْعَامِلَةَ أَصْلُهَا أَنْ تَكُونَ لِلِاخْتِصَاصِ؛ فَإِذَا اخْتَصَّتْ بِالِاسْمِ أَوْ بِالْفِعْلِ وَلَمْ تَكُنْ كَالْجُزْءِ مِنْهُ عَمِلَتْ فِيهِ فَأَنَّ وَأَخَوَاتِهَا اخْتَصَّتْ بِالِاسْمِ فَعَمِلَتْ فِيهِ وَتُسَمَّى الْحُرُوفُ الْمُشْبِهَةُ لِلْأَفْعَالِ؛ لِأَنَّهَا عَمِلَتْ نَصْبًا وَرَفْعًا وَكَثُرَتْ حُرُوفُهَا وَحُرُوفُ الْجَرِّ اخْتَصَّتْ بِالِاسْمِ فَعَمِلَتْ فِيهِ وَحُرُوفُ الشَّرْطِ اخْتَصَّتْ بِالْفِعْلِ فَعَمِلَتْ فِيهِ بِخِلَافِ أَدَوَاتِ الِاسْتِفْهَامِ فَإِنَّهَا تَدْخُلُ عَلَى الْجُمْلَتَيْنِ وَلَمْ تَعْمَلْ وَكَذَلِكَ مَا الْمَصْدَرِيَّةُ. وَلِهَذَا الْقِيَاسِ فِي مَا النَّافِيَةُ أَنْ لَا تَعْمَلَ أَيْضًا عَلَى لُغَةِ تَمِيمٍ وَلَكِنْ تَعْمَلُ عَلَى اللُّغَةِ الْحِجَازِيَّةِ الَّتِي نَزَلَ بِهَا الْقُرْآنُ. فِي مِثْلِ قَوْله تَعَالَى {مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ} و {مَا هَذَا بَشَرًا} اسْتِحْسَانًا لِمُشَابَهَتِهَا " لَيْسَ " هُنَا لَمَّا دَخَلَتْ مَا الْكَافَّةُ عَلَى إنْ أَزَالَتْ اخْتِصَاصَهَا فَصَارَتْ تَدْخُلُ عَلَى الْجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ وَالْجُمْلَةِ الْفِعْلِيَّةِ فَبَطَلَ عَمَلُهَا كَقَوْلِهِ: {إنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ} وَقَوْلِهِ: {إنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} . وَقَدْ تَكُونُ مَا الَّتِي بَعْدَ أَنَّ اسْمًا لَا حَرْفًا كَقَوْلِهِ: {إنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ} بِالرَّفْعِ أَيْ: أَنَّ الَّذِي صَنَعُوهُ كَيْدُ سَاحِرٍ خِلَافَ قَوْلِهِ: {إنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} فَإِنَّ الْقِرَاءَةَ بِالنَّصْبِ لَا تَسْتَقِيمُ إذَا كَانَتْ مَا بِمَعْنَى الَّذِي وَفِي كُلِّ الْمَعْنَيَيْنِ الْحَصْرُ مَوْجُودٌ لَكِنْ إذَا
(18/265)

كَانَتْ مَا بِمَعْنَى الَّذِي فَالْحَصْرُ جَاءَ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْمَعَارِفَ هِيَ مِنْ صِيَغِ الْعُمُومِ فَإِنَّ الْأَسْمَاءَ إمَّا مَعَارِفُ وَإِمَّا نَكِرَاتٌ وَالْمَعَارِفُ مِنْ صِيَغِ الْعُمُومِ وَالنَّكِرَةُ فِي غَيْرِ الْمُوجِبِ كَالنَّفْيِ وَغَيْرِهِ مِنْ صِيَغِ الْعُمُومِ فَقَوْلُهُ: {إنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ} تَقْدِيرُهُ: أَنَّ الَّذِي صَنَعُوهُ كَيْدُ سَاحِرٍ. وَأَمَّا الْحَصْرُ فِي " إنَّمَا " فَهُوَ مِنْ جِنْسِ الْحَصْرِ بِالنَّفْيِ وَالِاسْتِثْنَاءِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {مَا أَنْتَ إلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا} {وَمَا مُحَمَّدٌ إلَّا رَسُولٌ} . وَالْحَصْرُ قَدْ يُعَبَّرُ عَنْهُ بِأَنَّ الْأَوَّلَ مَحْصُورٌ فِي الثَّانِي وَقَدْ يُعَبَّرُ عَنْهُ بِالْعَكْسِ وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ وَهُوَ أَنَّ الثَّانِيَ أَثْبَتَهُ الْأَوَّلُ وَلَمْ يَثْبُتْ لَهُ غَيْرُهُ مِمَّا يُتَوَهَّمُ أَنَّهُ ثَابِتٌ لَهُ وَلَيْسَ الْمُرَادُ إنَّك تَنْفِي عَنْ الْأَوَّلِ كُلَّ مَا سِوَى الثَّانِي فَقَوْلُهُ: {إنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ} أَيْ: إنَّك لَسْت رَبًّا لَهُمْ؛ وَلَا مُحَاسِبًا؛ وَلَا مُجَازِيًا؛ وَلَا وَكِيلًا عَلَيْهِمْ؛ كَمَا قَالَ: {لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ} وَكَمَا قَالَ: {فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ} {مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ} لَيْسَ هُوَ إلَهًا وَلَا أُمُّهُ إلَهَةً بَلْ غَايَتُهُ أَنْ يَكُونَ رَسُولًا كَمَا غَايَةُ مُحَمَّدٍ أَنْ يَكُونَ رَسُولًا وَغَايَةُ مَرْيَمَ أَنْ تَكُونَ صِدِّيقَةً. وَهَذَا مِمَّا اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى بُطْلَانِ قَوْلِ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ: أَنَّهَا نَبِيَّةٌ وَقَدْ حَكَى الْإِجْمَاعَ عَلَى عَدَمِ نُبُوَّةِ أَحَدٍ مِنْ النِّسَاءِ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ
(18/266)

ابْنُ الطَّيِّبِ وَالْقَاضِي أَبُو يَعْلَى وَالْأُسْتَاذُ أَبُو الْمَعَالِي الجُوَيْنِي وَغَيْرُهُمْ. وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى {وَمَا مُحَمَّدٌ إلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ} أَيْ: لَيْسَ مُخَلَّدًا فِي الدُّنْيَا لَا يَمُوتُ وَلَا يُقْتَلُ بَلْ يَجُوزُ عَلَيْهِ مَا جَازَ عَلَى إخْوَانِهِ الْمُرْسَلِينَ مِنْ الْمَوْتِ أَوْ الْقَتْلِ {أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ} نَزَلَتْ يَوْمَ أُحُدٍ لَمَّا قِيلَ أَنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ وَتَلَاهَا الصِّدِّيقُ يَوْمَ مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: مَنْ كَانَ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا فَإِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ مَاتَ وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ وَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ فَكَأَنَّ النَّاسَ لَمْ يَسْمَعُوهَا حَتَّى تَلَاهَا أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فَكَانَ لَا يُوجَدُ أَحَدٌ إلَّا يَتْلُوهَا.
فَصْلٌ:
وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى {إنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} الْآيَةَ فَهَذِهِ الْآيَةُ أَثْبَتَ فِيهَا الْإِيمَانَ لِهَؤُلَاءِ وَنَفَاهُ عَنْ غَيْرِهِمْ كَمَا نَفَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَمَّنْ نَفَاهُ عَنْهُ فِي الْأَحَادِيثِ مِثْلَ قَوْلِهِ: {لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ وَلَا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَإِيَّاكُمْ وَإِيَّاكُمْ} وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: {لَا إيمَانَ لِمَنْ لَا أَمَانَةَ لَهُ وَلَا دِينَ لِمَنْ لَا عَهْدَ لَهُ} وَمِنْ هَذَا
(18/267)

الْبَابِ قَوْله تَعَالَى {إنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا} الْآيَةَ. وَقَوْلُهُ: {إنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ} الْآيَةَ. وَهَذِهِ الْمَوَاضِعُ قَدْ تَنَازَعَ النَّاسُ فِي نَفْيِهَا وَاَلَّذِي عَلَيْهِ جَمَاهِيرُ السَّلَفِ وَأَهْلُ الْحَدِيثِ وَغَيْرُهُمْ: أَنَّ نَفْيَ الْإِيمَانِ لِانْتِفَاءِ بَعْضِ الْوَاجِبَاتِ فِيهِ وَالشَّارِعُ دَائِمًا لَا يَنْفِي الْمُسَمَّى الشَّرْعِيَّ إلَّا لِانْتِفَاءِ وَاجِبٍ فِيهِ وَإِذَا قِيلَ: الْمُرَادُ بِذَلِكَ نَفْيُ الْكَمَالِ فَالْكَمَالُ نَوْعَانِ وَاجِبٌ وَمُسْتَحَبٌّ فَالْمُسْتَحَبُّ كَقَوْلِ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ: الْغُسْلُ يَنْقَسِمُ إلَى كَامِلٍ وَمُجْزِئٍ أَيْ: كَامِلُ الْمُسْتَحَبَّاتِ وَلَيْسَ هَذَا الْكَمَالُ هُوَ الْمَنْفِيَّ فِي لَفْظِ الشَّارِعِ بَلْ الْمَنْفِيُّ هُوَ الْكَمَالُ الْوَاجِبُ وَإِلَّا فَالشَّارِعُ لَمْ يَنْفِ الْإِيمَانَ وَلَا الصَّلَاةَ وَلَا الصِّيَامَ وَلَا الطَّهَارَةَ وَلَا نَحْوَ ذَلِكَ مِنْ الْمُسَمَّيَاتِ الشَّرْعِيَّةِ لِانْتِفَاءِ بَعْضِ مُسْتَحَبَّاتِهَا؛ إذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَانْتَفَى الْإِيمَانُ عَنْ جَمَاهِيرِ الْمُؤْمِنِينَ بَلْ إنَّمَا نَفَاهُ لِانْتِفَاءِ الْوَاجِبَاتِ كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ {لَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يُبَيِّتْ النِّيَّةَ} وَ {لَا صَلَاةَ إلَّا بِأُمِّ الْقُرْآنِ} . وَقَدْ رُوِيَتْ عَنْهُ أَلْفَاظٌ تَنَازَعَ النَّاسُ فِي ثُبُوتِهَا عَنْهُ مِثْلَ قَوْلِهِ: {لَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يُبَيِّتْ الصِّيَامَ مِنْ اللَّيْلِ} {وَلَا صَلَاةَ إلَّا بِوُضُوءِ وَلَا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ} {لَا صَلَاةَ لِجَارِ الْمَسْجِدِ إلَّا فِي الْمَسْجِدِ} مَنْ ثَبَتَتْ عِنْدَهُ هَذِهِ الْأَلْفَاظُ فَعَلَيْهِ أَنْ يَقُولَ بِمُوجِبِهَا
(18/268)

فَيُوجِبُ مَا تَضَمَّنَتْهُ مِنْ: التَّبْيِيتِ؛ وَذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ؛ وَإِجَابَةِ الْمُؤَذِّنِ؛ وَنَحْوِ ذَلِكَ. ثُمَّ إذَا تَرَكَ الْإِنْسَانُ بَعْضَ وَاجِبَاتِ الْعِبَادَةِ: هَلْ يُقَالُ: بَطَلَتْ كُلُّهَا فَلَا ثَوَابَ لَهُ عَلَيْهَا؟ أَمْ يُقَالُ: يُثَابُ عَلَى مَا فَعَلَهُ وَيُعَاقَبُ عَلَى مَا تَرَكَهُ؟ وَهَلْ عَلَيْهِ إعَادَةُ ذَلِكَ؟ هَذَا يَكُونُ بِحَسَبِ الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ فَمِنْ الْوَاجِبَاتِ فِي الْعِبَادَةِ مَا لَا تَبْطُلُ الْعِبَادَةُ بِتَرْكِهِ وَلَا إعَادَةَ عَلَى تَارِكِهِ بَلْ يُجْبِرُ الْمَتْرُوكَ؛ كَالْوَاجِبَاتِ فِي الْحَجِّ الَّتِي لَيْسَتْ أَرْكَانًا مِثْلَ رَمْيِ الْجِمَارِ وَأَنْ يَحْرِمَ مِنْ غَيْرِ الْمِيقَاتِ وَنَحْوَ ذَلِكَ. وَكَذَلِكَ الصَّلَاةُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ كَمَالِكِ؛ وَأَحْمَد وَغَيْرِهِمْ فِيهَا وَاجِبٌ لَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِتَرْكِهِ عِنْدَهُمْ كَمَا يَقُولُ أَبُو حَنِيفَةَ فِي الْفَاتِحَةِ وَالطُّمَأْنِينَةِ. وَكَمَا يَقُولُ مَالِكٌ وَأَحْمَد فِي التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ؛ لَكِنْ مَالِكٌ وَأَحْمَد يَقُولَانِ: مَا تَرَكَهُ مِنْ هَذَا سَهْوًا فَعَلَيْهِ أَنْ يَسْجُدَ لِلسَّهْوِ وَأَمَّا إذَا تَرَكَهُ عَمْدًا فَتَبْطُلُ صَلَاتُهُ كَمَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِتَرْكِ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ عَمْدًا فِي الْمَشْهُورِ مِنْ مَذْهَبَيْهِمَا لَكِنْ أَصْحَابُ مَالِكٍ يُسَمَّوْنَ هَذَا سُنَّةً مُؤَكَّدَةً وَمَعْنَاهُ مَعْنَى الْوَاجِبِ عِنْدَهُمْ. وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَيَقُولُ: مَنْ تَرَكَ الْوَاجِبَ الَّذِي لَيْسَ بِفَرْضِ عَمْدًا أَسَاءَ وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ وَالْجُمْهُورُ يَقُولُونَ: لَا نَعْهَدُ فِي الْعِبَادَةِ وَاجِبًا فِيمَا يَتْرُكُهُ الْإِنْسَانُ إلَى غَيْرِ بَدَلٍ وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ فَلَا بُدَّ مِنْ وُجُوبِ الْبَدَلِ لِلْإِعَادَةِ. وَلَكِنْ مَعَ هَذَا اتَّفَقَتْ الْأَئِمَّةُ عَلَى أَنَّ مَنْ تَرَكَ
(18/269)

وَاجِبًا فِي الْحَجِّ لَيْسَ بِرُكْنِ وَلَمْ يَجْبُرْهُ بِالدَّمِ الَّذِي عَلَيْهِ لَمْ يَبْطُلْ حَجُّهُ وَلَا تَجِبُ إعَادَتُهُ فَهَكَذَا يَقُولُ جُمْهُورُ السَّلَفِ وَأَهْلُ الْحَدِيثِ: أَنَّ مَنْ تَرَكَ وَاجِبًا مِنْ وَاجِبَاتِ الْإِيمَانِ الَّذِي لَا يُنَاقِضُ أُصُولَ الْإِيمَانِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَجْبُرَ إيمَانَهُ إمَّا بِالتَّوْبَةِ؛ وَإِمَّا بِالْحَسَنَاتِ الْمُكَفِّرَةِ. فَالْكَبَائِرُ يَتُوبُ مِنْهَا وَالصَّغَائِرُ تُكَفِّرُهَا الصَّلَاةُ وَالصِّيَامُ وَالصَّدَقَةُ وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ لَمْ يَحْبَطْ إيمَانُهُ جُمْلَةً. وَأَصْلُهُمْ أَنَّ الْإِيمَانَ يَتَبَعَّضُ فَيَذْهَبُ بَعْضُهُ وَيَبْقَى بَعْضُهُ كَمَا فِي قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ {يَخْرُجُ مِنْ النَّارِ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ إيمَانٍ} وَلِهَذَا مَذْهَبُهُمْ أَنَّ الْإِيمَانَ يَتَفَاضَلُ وَيَتَبَعَّضُ هَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد وَغَيْرِهِمْ. وَأَمَّا الَّذِينَ أَنْكَرُوا تَبَعُّضَهُ وَتَفَاضُلَهُ كَأَنَّهُمْ قَالُوا: مَتَى ذَهَبَ بَعْضُهُ ذَهَبَ سَائِرُهُ ثُمَّ انْقَسَمُوا قِسْمَيْنِ: فَقَالَتْ الْخَوَارِجُ وَالْمُعْتَزِلَةُ: فِعْلُ الْوَاجِبَاتِ وَتَرْكُ الْمُحَرَّمَاتِ مِنْ الْإِيمَانِ فَإِذَا ذَهَبَ بَعْضُ ذَلِكَ ذَهَبَ الْإِيمَانُ كُلُّهُ فَلَا يَكُونُ مَعَ الْفَاسِقِ إيمَانٌ أَصْلًا بِحَالِ. ثُمَّ قَالَتْ الْخَوَارِجُ: هُوَ كَافِرٌ وَقَالَتْ الْمُعْتَزِلَةُ: لَيْسَ بِكَافِرِ وَلَا مُؤْمِنٍ. بَلْ هُوَ فَاسِقٌ نُنْزِلُهُ مَنْزِلَةً بَيْنَ الْمَنْزِلَتَيْنِ فَخَالَفُوا الْخَوَارِجَ فِي الِاسْمِ وَوَافَقُوهُمْ فِي الْحُكْمِ وَقَالُوا: إنَّهُ مُخَلَّدٌ فِي النَّارِ لَا يَخْرُجُ مِنْهَا
(18/270)

بِشَفَاعَةِ وَلَا غَيْرِهَا. وَالْحِزْبُ الثَّانِي وَافَقُوا أَهْلَ السُّنَّةِ عَلَى أَنَّهُ لَا يُخَلَّدُ فِي النَّارِ مِنْ أَهْلِ التَّوْحِيدِ أَحَدٌ ثُمَّ ظَنُّوا أَنَّ هَذَا لَا يَكُونُ إلَّا مَعَ وُجُودِ كَمَالِ الْإِيمَانِ؛ لِاعْتِقَادِهِمْ أَنَّ الْإِيمَانَ لَا يَتَبَعَّضُ فَقَالُوا: كُلُّ فَاسِقٍ فَهُوَ كَامِلُ الْإِيمَانِ وَإِيمَانُ الْخَلْقِ مُتَمَاثِلٌ لَا مُتَفَاضِلٌ وَإِنَّمَا التَّفَاضُلُ فِي غَيْرِ الْإِيمَانِ مِنْ الْأَعْمَالِ وَقَالُوا: الْأَعْمَالُ لَيْسَتْ مِنْ الْإِيمَانِ لِأَنَّ اللَّهَ فَرَّقَ بَيْنَ الْإِيمَانِ وَالْأَعْمَالِ فِي كِتَابِهِ. ثُمَّ قَالَ الْفُقَهَاءُ الْمُعْتَبِرُونَ مِنْ أَهْلِ هَذَا الْقَوْلِ: إنَّ الْإِيمَانَ هُوَ تَصْدِيقُ الْقَلْبِ وَقَوْلُ اللِّسَانِ وَهَذَا الْمَنْقُولُ عَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ وَمَنْ وَافَقَهُ كَأَبِي حَنِيفَةَ وَغَيْرِهِ وَقَالَ جَهْمٌ وَالصَّالِحِيَّ وَمَنْ وَافَقَهُمَا مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ كَأَبِي الْحَسَنِ وَغَيْرِهِ: إنَّهُ مُجَرَّدُ تَصْدِيقِ الْقَلْبِ.
وَفَصْلُ الْخِطَابِ فِي هَذَا الْبَابِ: أَنَّ اسْمَ الْإِيمَانِ قَدْ يُذْكَرُ مُجَرَّدًا؛ وَقَدْ يُذْكَرُ مَقْرُونًا بِالْعَمَلِ أَوْ بِالْإِسْلَامِ. فَإِذَا ذُكِرَ مُجَرَّدًا تَنَاوَلَ الْأَعْمَالَ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ: {الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسِتُّونَ أَوْ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً أَعْلَاهَا قَوْلُ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَأَدْنَاهَا إمَاطَةُ الْأَذَى عَنْ الطَّرِيقِ} وَفِيهِمَا أَنَّهُ قَالَ لِوَفْدِ عَبْدِ الْقَيْسِ: {آمُرُكُمْ بِالْإِيمَانِ بِاَللَّهِ أَتَدْرُونَ مَا الْإِيمَانُ بِاَللَّهِ؟ شَهَادَةُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَإِقَامُ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ وَأَنْ تُؤَدُّوا خُمُسَ مَا غَنِمْتُمْ} وَإِذَا ذَكَرَ مَعَ الْإِسْلَامِ - كَمَا فِي حَدِيثِ {جِبْرِيلَ أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ
(18/271)

الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ وَالْإِحْسَانِ - فَرَّقَ بَيْنَهُمَا فَقَالَ: الْإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاَللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ} إلَى آخِرِهِ. . وَفِي الْمُسْنَدِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {الْإِسْلَامُ عَلَانِيَةٌ وَالْإِيمَانُ فِي الْقَلْبِ} فَلَمَّا ذَكَرَهُمَا جَمِيعًا ذَكَرَ أَنَّ الْإِيمَانَ فِي الْقَلْبِ وَالْإِسْلَامِ مَا يَظْهَرُ مِنْ الْأَعْمَالِ. وَإِذَا أَفْرَدَ الْإِيمَانَ أَدْخَلَ فِيهِ الْأَعْمَالَ الظَّاهِرَةَ لِأَنَّهَا لَوَازِمُ مَا فِي الْقَلْبِ؛ لِأَنَّهُ مَتَى ثَبَتَ الْإِيمَانُ فِي الْقَلْبِ وَالتَّصْدِيقُ بِمَا أَخْبَرَ بِهِ الرَّسُولُ وَجَبَ حُصُولُ مُقْتَضِي ذَلِكَ ضَرُورَةً؛ فَإِنَّهُ مَا أَسَرَّ أَحَدٌ سَرِيرَةً إلَّا أَبْدَاهَا اللَّهُ عَلَى صَفَحَاتِ وَجْهِهِ وَفَلَتَاتِ لِسَانِهِ فَإِذَا ثَبَتَ التَّصْدِيقُ فِي الْقَلْبِ لَمْ يَتَخَلَّفْ الْعَمَلُ بِمُقْتَضَاهُ أَلْبَتَّةَ فَلَا تَسْتَقِرُّ مَعْرِفَةٌ تَامَّةٌ وَمَحَبَّةٌ صَحِيحَةٌ وَلَا يَكُونُ لَهَا أَثَرٌ فِي الظَّاهِرِ. وَلِهَذَا يَنْفِي اللَّهُ الْإِيمَانَ عَمَّنْ انْتَفَتْ عَنْهُ لَوَازِمُهُ؛ فَإِنَّ انْتِفَاءَ اللَّازِمِ يَقْتَضِي انْتِفَاءَ الْمَلْزُومِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ} وَقَوْلِهِ: {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} الْآيَةَ وَنَحْوَهَا فَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ مُتَلَازِمَانِ لَا يَكُونُ الظَّاهِرُ مُسْتَقِيمًا إلَّا مَعَ اسْتِقَامَةِ الْبَاطِنِ وَإِذَا اسْتَقَامَ الْبَاطِنُ فَلَا بُدَّ أَنْ يَسْتَقِيمَ الظَّاهِرُ وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {أَلَا إنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إذَا صَلَحَتْ صَلَحَ لَهَا سَائِرُ الْجَسَدِ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ لَهَا سَائِرُ الْجَسَدِ أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ}
(18/272)

وَقَالَ عُمَرُ لِمَنْ رَآهُ يَعْبَثُ فِي صَلَاتِهِ: لَوْ خَشَعَ قَلْبُ هَذَا لَخَشَعَتْ جَوَارِحُهُ وَفِي الْحَدِيثِ: {لَا يَسْتَقِيمُ إيمَانُ عَبْدٍ حَتَّى يَسْتَقِيمَ لِسَانُهُ وَلَا يَسْتَقِيمُ لِسَانُهُ حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ} . وَلِهَذَا كَانَ الظَّاهِرُ لَازِمًا لِلْبَاطِنِ مِنْ وَجْهٍ وَمَلْزُومًا لَهُ مِنْ وَجْهٍ وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَيْهِ مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ مَلْزُومًا لَا مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ لَازِمًا؛ فَإِنَّ الدَّلِيلَ مَلْزُومُ الْمَدْلُولِ يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِ الدَّلِيلِ وُجُودُ الْمَدْلُولِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِ الشَّيْءِ وُجُودُ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ وَالدَّلِيلُ يَطَّرِدُ وَلَا يَنْعَكِسُ بِخِلَافِ الْحَدِّ فَإِنَّهُ يَطَّرِدُ وَيَنْعَكِسُ. وَتَنَازَعُوا فِي الْعِلَّةِ هَلْ يَجِبُ طَرْدُهَا بِحَيْثُ تَبْطُلُ بِالتَّخْصِيصِ وَالِانْتِقَاضِ؟ وَالصَّوَابُ أَنَّ لَفْظَ الْعِلَّةِ يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ الْعِلَّةِ التَّامَّةِ وَهُوَ مَجْمُوعُ مَا يَسْتَلْزِمُ الْحُكْمَ فَهَذِهِ يَجِبُ طَرْدُهَا وَيُعَبَّرُ بِهِ عَنْ الْمُقْتَضِي لِلْحُكْمِ الَّذِي يَتَوَقَّفُ اقْتِضَاؤُهُ عَلَى ثُبُوتِ الشُّرُوطِ وَانْتِفَاءِ الْمَوَانِعِ فَهَذِهِ إذَا تَخَلَّفَ الْحُكْمُ عَنْهَا لِغَيْرِ ذَلِكَ بَطَلَتْ. وَكَذَلِكَ تَنَازَعُوا فِي انْعِكَاسِهَا وَهُوَ أَنَّهُ هَلْ يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ الْحُكْمِ عَدَمُهَا؟ فَقِيلَ: لَا يَجِبُ انْعِكَاسُهَا؛ لِجَوَازِ تَعْلِيلِ الْحُكْمِ بِعِلَّتَيْنِ. وَقِيلَ: يَجِبُ الِانْعِكَاسُ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ مَتَى ثَبَتَ مَعَ عَدَمِهَا لَمْ تَكُنْ مُؤَثِّرَةً فِيهِ بَلْ كَانَ غَنِيًّا عَنْهَا وَعَدَمُ التَّأْثِيرِ مُبْطِلٌ لِلْعِلَّةِ. وَكَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ يَقُولُ
(18/273)

بِأَنَّ عَدَمَ التَّأْثِيرِ يُبْطِلُ الْعِلَّةَ وَيَقُولُ بِأَنَّ الْعَكْسَ لَيْسَ بِشَرْطِ فِيهَا وَآخَرُونَ يَقُولُونَ: هَذَا تَنَاقُضٌ. وَالتَّحْقِيقُ فِي هَذَا: أَنَّ الْعِلَّةَ إذَا عُدِمَتْ عُدِمَ الْحُكْمُ الْمُتَعَلِّقُ بِهَا بِعَيْنِهِ كَمَنْ يُجَوِّزُ وُجُودَ مِثْلِ ذَلِكَ الْحُكْمِ بِعِلَّةِ أُخْرَى فَإِذَا وُجِدَ ذَلِكَ الْحُكْمُ بِدُونِ عِلَّةٍ أُخْرَى عُلِمَ أَنَّهَا عَدِيمَةُ التَّأْثِيرِ وَبَطَلَتْ وَأَمَّا إذَا وُجِدَ نَظِيرُ ذَلِكَ الْحُكْمِ بِعِلَّةِ أُخْرَى كَانَ نَوْعُ ذَلِكَ الْحُكْمِ مُعَلَّلًا بِعِلَّتَيْنِ وَهَذَا جَائِزٌ كَمَا إذَا قِيلَ فِي الْمَرْأَةِ الْمُرْتَدَّةِ: كَفَرَتْ بَعْدَ إسْلَامِهَا فَتُقْتَلُ قِيَاسًا عَلَى الرَّجُلِ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ إلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: رَجُلٌ كَفَرَ بَعْدَ إسْلَامِهِ أَوْ زَنَى بَعْدَ إحْصَانِهِ؛ أَوْ قَتَلَ نَفْسًا فَقُتِلَ بِهَا} . فَإِذَا قِيلَ لَهُ: لَا تَأْثِيرَ لِقَوْلِك: كَفَرَ بَعْدَ إسْلَامِهِ فَإِنَّ الرَّجُلَ يُقْتَلُ بِمُجَرَّدِ الْكُفْرِ وَحِينَئِذٍ فَالْمَرْأَةُ لَا تُقْتَلُ بِمُجَرَّدِ الْكُفْرِ؛ فَيَقُولُ: هَذِهِ عِلَّةٌ ثَابِتَةٌ بِالنَّصِّ وَبِقَوْلِهِ: {مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ} وَأَمَّا الرَّجُلُ فَمَا قَتَلْته لِمُجَرَّدِ كُفْرِهِ بَلْ لِكُفْرِهِ وَجَرَاءَتِهِ وَلِهَذَا لَا أَقْتُلُ مَنْ كَانَ عَاجِزًا عَنْ الْقِتَالِ كَالشَّيْخِ الْهَرِمِ وَنَحْوِهِ. وَأَمَّا الْكُفْرُ بَعْدَ الْإِسْلَامِ فَعِلَّةٌ أُخْرَى مُبِيحَةٌ لِلدَّمِ؛ وَلِهَذَا قُتِلَ بِالرِّدَّةِ مَنْ كَانَ عَاجِزًا عَنْ الْقِتَالِ كَالشَّيْخِ الْكَبِيرِ. وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَأَحْمَد وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَرَى أَنَّ مُجَرَّدَ الْكُفْرِ
(18/274)

يُبِيحُ الْقِتَالَ كَالشَّافِعِيِّ؛ قَالَ: الْكُفْرُ وَحْدَهُ عِلَّةٌ؛ وَالْكُفْرُ بَعْدَ الْإِسْلَامِ عِلَّةٌ أُخْرَى. وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ بَسْطِ هَذِهِ الْأُمُورِ وَإِنَّمَا نُنَبِّهُ عَلَيْهَا. وَالْمَقْصُودُ: أَنَّ لَفْظَ الْإِيمَانِ تَخْتَلِفُ دَلَالَتُهُ بِالْإِطْلَاقِ وَالِاقْتِرَانِ فَإِذَا ذُكِرَ مَعَ الْعَمَلِ أُرِيدَ بِهِ أَصْلُ الْإِيمَانِ الْمُقْتَضِي لِلْعَمَلِ وَإِذَا ذُكِرَ وَحْدَهُ دَخَلَ فِيهِ لَوَازِمُ ذَلِكَ الْأَصْلِ. وَكَذَلِكَ إذَا ذُكِرَ بِدُونِ الْإِسْلَامِ كَانَ الْإِسْلَامُ جُزْءًا مِنْهُ وَكَانَ كُلُّ مُسْلِمٍ مُؤْمِنًا فَإِذَا ذَكَرَ لَفْظَ الْإِسْلَامِ مَعَ الْإِيمَانِ تَمَيَّزَ أَحَدُهُمَا عَنْ الْآخَرِ كَمَا فِي حَدِيثِ جِبْرِيلَ وَكَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {إنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} وَلِهَذَا نَظَائِرُ كَلَفْظِ الْمَعْرُوفِ وَالْمُنْكَرِ وَالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَفِي قَوْلِهِ: {يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ} يَدْخُلُ فِي لَفْظِ الْمَعْرُوفِ كُلُّ مَأْمُورٍ بِهِ وَفِي لَفْظِ الْمُنْكَرِ كُلُّ مَنْهِيٍّ عَنْهُ وَفِي قَوْله تَعَالَى {إنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} جَعَلَ الْفَحْشَاءَ غَيْرَ الْمُنْكَرِ وَقَوْلِهِ: {وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ} جَعَلَ الْفَحْشَاءَ وَالْبَغْيَ غَيْرَ الْمُنْكَرِ. وَإِذَا قِيلَ: هَذَا مِنْ بَابِ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ وَالْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ
(18/275)

فَلِلنَّاسِ هُنَا قَوْلَانِ: مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: الْخَاصُّ دَخَلَ فِي الْعَامِّ وَخُصَّ بِالذِّكْرِ فَقَدْ ذُكِرَ مَرَّتَيْنِ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: تَخْصِيصُهُ بِالذِّكْرِ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ فِي الْعَامِّ وَقَدْ يَعْطِفُ الْخَاصَّ عَلَى الْعَامِّ كَمَا فِي قَوْلِهِ: {وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ} وَقَوْلِهِ: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ} الْآيَةَ وَقَدْ يَعْطِفُ الْعَامَّ عَلَى الْخَاصِّ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُووهَا} . وَأَصْلُ الشُّبْهَةِ فِي الْإِيمَانِ أَنَّ الْقَائِلِينَ: أَنَّهُ لَا يَتَبَعَّضُ قَالُوا: إنَّ الْحَقِيقَةَ الْمُرَكَّبَةَ مِنْ أُمُورٍ مَتَى ذَهَبَ بَعْضُ أَجْزَائِهَا انْتَفَتْ تِلْكَ الْحَقِيقَةُ كَالْعَشَرَةِ الْمُرَكَّبَةِ مِنْ آحَادٍ فَلَوْ قُلْنَا: إنَّهُ يَتَبَعَّضُ لَزِمَ زَوَالُ بَعْضِ الْحَقِيقَةِ مَعَ بَقَاءِ بَعْضِهَا فَيُقَالُ لَهُمْ.: إذَا زَالَ بَعْضُ أَجْزَاءِ الْمُرَكَّبِ تَزُولُ الْهَيْئَةُ الِاجْتِمَاعِيَّةُ الْحَاصِلَةُ بِالتَّرْكِيبِ لَكِنْ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَزُولَ سَائِرُ الْأَجْزَاءِ وَالْإِيمَانُ الْمُؤَلَّفُ مِنْ الْأَقْوَالِ الْوَاجِبَةِ وَالْأَعْمَالِ الْوَاجِبَةِ الْبَاطِنَةِ وَالظَّاهِرَةِ هُوَ الْمَجْمُوعُ الْوَاجِبُ الْكَامِلُ وَهَذِهِ الْهَيْئَةُ الِاجْتِمَاعِيَّةُ تَزُولُ بِزَوَالِ بَعْضِ الْأَجْزَاءِ وَهَذِهِ هِيَ الْمَنْفِيَّةُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فِي مِثْلِ قَوْلِهِ: {لَا يَزْنِي الزَّانِي} إلَخْ وَعَلَى ذَلِكَ جَاءَ قَوْله تَعَالَى {إنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا} الْآيَاتِ وَلَكِنْ لَا يَلْزَمُ أَنْ تَزُولَ سَائِرُ الْأَجْزَاءِ؛ وَلَا أَنَّ سَائِرَ الْأَجْزَاءِ الْبَاقِيَةِ لَا تَكُونُ مِنْ الْإِيمَانِ بَعْدَ زَوَالِ بَعْضِهِ. كَمَا أَنَّ وَاجِبَاتِ الْحَجِّ مِنْ الْحَجِّ الْوَاجِبِ الْكَامِلِ وَإِذَا زَالَتْ زَالَ
(18/276)

هَذَا الْكَمَالُ وَلَمْ يَزَلْ سَائِرُ الْحَجِّ. وَكَذَلِكَ الْإِنْسَانُ الْكَامِلُ يَدْخُلُ فِي مُسَمَّاهُ أَعْضَاؤُهُ كُلُّهَا ثُمَّ لَوْ قُطِعَتْ يَدَاهُ وَرِجْلَاهُ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ اسْمِ الْإِنْسَانِ وَإِنْ كَانَ قَدْ زَالَ مِنْهُ بَعْضُ مَا يَدْخُلُ فِي الِاسْمِ الْكَامِلِ. وَكَذَلِكَ لَفْظُ الشَّجَرَةِ وَالْبَابِ وَالْبَيْتِ وَالْحَائِطِ وَغَيْرِ ذَلِكَ يَتَنَاوَلُ الْمُسَمَّى فِي حَالِ كَمَالِ أَجْزَائِهِ بَعْدَ ذَهَابِ بَعْضِ أَجْزَائِهِ. وَبِهَذَا تَزُولُ الشُّبْهَةُ الَّتِي أَوْرَدَهَا الرَّازِيَّ وَمَنْ اتَّبَعَهُ كالأصبهاني وَغَيْرِهِ عَلَى الشَّافِعِيِّ؛ فَإِنَّ مَذْهَبَهُ فِي ذَلِكَ مَذْهَبُ جُمْهُورِ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالسَّلَفِ وَقَدْ اعْتَرَضَ هَؤُلَاءِ بِهَذِهِ الشُّبْهَةِ الْفَاسِدَةِ عَلَى السَّلَفِ. وَالْإِيمَانُ يَتَفَاضَلُ مِنْ جِهَةِ الشَّارِعِ فَلَيْسَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ كُلَّ عَبْدٍ هُوَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ غَيْرَهُ وَلَا الْإِيمَانُ الَّذِي يَجِبُ عَلَى كُلِّ عَبْدٍ يَجِبُ عَلَى غَيْرِهِ بَلْ كَانُوا فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ يَكُونُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا كَامِلَ الْإِيمَانِ مُسْتَحِقًّا لِلثَّوَابِ إذَا فَعَلَ مَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ وَرَسُولُهُ وَإِنْ كَانَ لَمْ يَقَعْ مِنْهُ التَّصْدِيقُ الْمُفَضَّلُ بِمَا لَمْ يَنْزِلْ مِنْ الْقُرْآنِ وَلَمْ يَصُمْ رَمَضَانَ وَلَمْ يَحُجَّ الْبَيْتَ كَمَا أَنَّ مَنْ آمَنَ فِي زَمَنِنَا هَذَا إيمَانًا تَامًّا وَمَاتَ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِ صَلَاةٍ عَلَيْهِ مَاتَ مُسْتَكْمِلًا لِلْإِيمَانِ الَّذِي وَجَبَ عَلَيْهِ كَمَا أَنَّهُ مُسْتَحِقٌّ لِلثَّوَابِ عَلَى إيمَانِهِ ذَلِكَ.
(18/277)

وَأَمَّا بَعْدَ نُزُولِ مَا نَزَلَ مِنْ الْقُرْآنِ وَإِيجَابِ مَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ الْوَاجِبَاتِ وَتَمَكَّنَ مِنْ فِعْلِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ مُسْتَحِقًّا لِلثَّوَابِ بِمُجَرَّدِ مَا كَانَ يَسْتَحِقُّ بِهِ الثَّوَابَ قَبْلَ ذَلِكَ فَلِذَلِكَ يَقُولُ هَؤُلَاءِ: لَمْ يَكُنْ هَذَا مُؤْمِنًا بِمَا كَانَ بِهِ مُؤْمِنًا قَبْلَ ذَلِكَ وَهَذَا لِأَنَّ الْإِيمَانَ الَّذِي شُرِعَ لِهَذَا أَعْظَمُ مِنْ الْإِيمَانِ الَّذِي شُرِعَ لِهَذَا وَكَذَلِكَ الْمُسْتَطِيعُ الْحَجَّ يَجِبُ عَلَيْهِ مَا لَا يَجِبُ عَلَى الْعَاجِزِ عَنْهُ وَصَاحِبُ الْمَالِ يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ الزَّكَاةِ مَا لَا يَجِبُ عَلَى الْفَقِيرِ وَنَظَائِرُهُ مُتَعَدِّدَةٌ. وَأَمَّا تَفَاصِيلُهُ مِنْ جِهَةِ الْعَبْدِ فَتَارَةً يَقُومُ هَذَا مِنْ الْإِقْرَارِ وَالْعَمَلِ بِأَعْظَمَ مِمَّا يَقُومُ بِهِ هَذَا. وَكُلُّ أَحَدٍ يَعْلَمُ أَنَّ مَا فِي الْقَلْبِ مِنْ الْأُمُورِ يَتَفَاضَلُ حَتَّى إنَّ الْإِنْسَانَ يَجِدُ نَفْسَهُ أَحْيَانًا أَعْظَمَ حُبًّا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَخَشْيَةً لِلَّهِ وَرَجَاءً لِرَحْمَتِهِ وَتَوَكُّلًا عَلَيْهِ؛ وَإِخْلَاصًا مِنْهُ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ. وَكَذَلِكَ الْمَعْرِفَةُ وَالتَّصْدِيقُ تَتَفَاضَلُ فِي أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ وَهَذَا أَصَحُّ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَد وَقَدْ قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ كَعُمَرِ بْنِ حَبِيبٍ الخطمي وَغَيْرِهِ: الْإِيمَانُ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ فَإِذَا ذَكَرْنَا اللَّهَ وَحَمِدْنَاهُ وَسَبَّحْنَاهُ فَتِلْكَ زِيَادَتُهُ وَإِذَا غَفَلْنَا وَنَسِينَا وَضَيَّعْنَا فَذَلِكَ نُقْصَانُهُ. وَلِهَذَا سُنَّ الِاسْتِثْنَاءُ فِي الْإِيمَانِ فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ السَّلَفِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَغَيْرِهِمْ اسْتَثْنَوْا فِي الْإِيمَانِ وَآخَرُونَ أَنْكَرُوا الِاسْتِثْنَاءَ فِيهِ
(18/278)

وَقَالُوا: هَذَا شَكٌّ. وَاَلَّذِينَ اسْتَثْنَوْا فِيهِ مِنْهُمْ مَنْ أَوْجَبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُوجِبْهُ بَلْ جَوَّزَ تَرْكَهُ بِاعْتِبَارِ حَالَتَيْنِ وَهَذَا أَصَحُّ الْأَقْوَالِ وَهَذَانِ الْقَوْلَانِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ فَمَنْ اسْتَثْنَى لِعَدَمِ عِلْمِهِ بِأَنَّهُ غَيْرُ قَائِمٍ بِالْوَاجِبَاتِ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ فَقَدْ أَحْسَنَ وَكَذَلِكَ مَنْ اسْتَثْنَى لِعَدَمِ عِلْمِهِ بِالْعَاقِبَةِ وَكَذَلِكَ مَنْ اسْتَثْنَى تَعْلِيقًا لِلْأَمْرِ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى لَا شَكًّا وَمَنْ جَزَمَ بِمَا هُوَ فِي نَفْسِهِ فِي هَذِهِ الْحَالِ كَمَنْ يَعْلَمُ مِنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ شَهِدَ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ فَجَزَمَ بِمَا هُوَ مُتَيَقِّنٌ حُصُولَهُ فِي نَفْسِهِ فَهُوَ مُحْسِنٌ فِي ذَلِكَ. وَكَثِيرٌ مِنْ مُنَازَعَاتِ النَّاسِ فِي مَسَائِلِ الْإِيمَانِ وَمَسَائِلِ الْأَسْمَاءِ وَالْأَحْكَامِ هِيَ مُنَازَعَاتٌ لَفْظِيَّةٌ فَإِذَا فُصِلَ الْخِطَابُ زَالَ الِارْتِيَابُ. وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
فَصْلٌ:
قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ} لَيْسَ هُوَ تَحْصِيلٌ لِلْحَاصِلِ لَكِنَّهُ إخْبَارٌ بِأَنَّ مَنْ نَوَى بِعَمَلِهِ شَيْئًا فَقَدْ حَصَلَ لَهُ مَا نَوَاهُ أَيْ: مَنْ قَصَدَ بِهِجْرَتِهِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ حَصَلَ لَهُ مَا قَصَدَهُ وَمَنْ كَانَ قَصْدُهُ الْهِجْرَةَ إلَى دُنْيَا أَوْ امْرَأَةٍ فَلَيْسَ لَهُ إلَّا ذَلِكَ فَهَذَا تَفْصِيلٌ لِقَوْلِهِ: {إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ}
(18/279)

وَلَمَّا أَخْبَرَ أَنَّ لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى ذَكَرَ أَنَّ لِهَذَا مَا نَوَاهُ وَلِهَذَا مَا نَوَاهُ. وَالْهِجْرَةُ مُشْتَقَّةٌ مِنْ الْهَجْرِ وَقَدْ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: {الْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ وَالْمُجَاهِدُ مَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ فِي ذَاتِ اللَّهِ} كَمَا قَالَ: {الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ وَالْمُؤْمِنُ مَنْ أَمِنَهُ النَّاسُ عَلَى دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ} وَهَذَا بَيَانٌ مِنْهُ لِكَمَالِ مُسَمَّى هَذَا الِاسْمِ كَمَا قَالَ: {لَيْسَ الْمِسْكِينُ بِهَذَا الطَّوَّافُ} إلَخْ وَقَدْ يُشْبِهُ هَذَا قَوْلَهُ: {مَا تَعُدُّونَ الْمُفْلِسَ فِيكُمْ؟ قَالُوا: مَنْ لَيْسَ لَهُ دِرْهَمٌ وَلَا دِينَارٌ. قَالَ: لَيْسَ هَذَا الْمُفْلِسُ وَلَكِنَّ الْمُفْلِسَ مَنْ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتِ أَمْثَالِ الْجِبَالِ فَيَأْتِي وَقَدْ ضَرَبَ هَذَا؛ وَشَتَمَ هَذَا؛ وَأَخَذَ مَالَ هَذَا؛ فَيُعْطِي هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ؛ وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ؛ فَإِذَا لَمْ يَبْقَ لَهُ حَسَنَةٌ أَخَذَ مِنْ سَيِّئَاتِهِمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ؛ ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ} . وَقَالَ: {مَا تَعُدُّونَ الرَّقُوبَ فِيكُمْ؟ قَالُوا: مَنْ لَا يُولَدُ لَهُ. قَالَ: الرَّقُوبُ مَنْ لَمْ يُقَدِّمْ مِنْ وَلَدِهِ شَيْئًا} وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ: {لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصَّرْعَةِ وَإِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ} . لَكِنْ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ مَقْصُودٌ وَبَيَانُ مَا هُوَ أَحَقُّ بِأَسْمَاءِ الْمَدْحِ وَالذَّمِّ مِمَّا يَظُنُّونَهُ. فَإِنَّ الْإِفْلَاسَ حَاجَةٌ وَذَلِكَ مَكْرُوه فَبَيَّنَ أَنَّ حَقِيقَةَ الْحَاجَةِ إنَّمَا تَكُونُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَكَذَلِكَ عَدَمُ الْوَلَدِ تَكْرَهُهُ النُّفُوسُ لِعَدَمِ الْوَلَدِ النَّافِعِ فَبَيَّنَ أَنَّ الِانْتِفَاعَ بِالْوَلَدِ حَقِيقَةً إنَّمَا يَكُونُ فِي الْآخِرَةِ لِمَنْ
(18/280)

قَدَّمَ أَوْلَادَهُ بَيْن يَدَيْهِ وَكَذَلِكَ الشِّدَّةُ وَالْقُوَّةُ مَحْبُوبَةٌ فَبَيَّنَ أَنَّ قُوَّةَ النُّفُوسِ أَحَقُّ بِالْمَدْحِ مِنْ قُوَّةِ الْبَدَنِ وَهُوَ أَنْ يَمْلِكَ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ كَمَا قِيلَ لِبَعْضِ سَادَاتِ الْعَرَبِ: مَا بَالُ عَبِيدِك أَصْبَرُ مِنْكُمْ عِنْدَ الْحَرْبِ وَعَلَى الْأَعْمَالِ؟ قَالَ: هُمْ أَصْبَرُ أَجْسَادًا وَنَحْنُ أَصْبَرُ نُفُوسًا. وَأَمَّا قَوْلُهُ: فِي اسْمِ الْمُسْلِمِينَ فَهُوَ مِنْ جِنْسِ قَوْلِهِ: فِي الْمُسْلِمِ وَالْمُؤْمِنِ وَالْمُهَاجِرِ وَالْمُجَاهِدِ وَهَذَا مُطَابِقٌ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الشَّارِعَ لَا يَنْفِي مُسَمَّى اسْمٍ شَرْعِيٍّ إلَّا لِانْتِفَاءِ كَمَالِهِ الْوَاجِبِ؛ فَإِنَّ هَجْرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ وَاجِبٌ؛ وَسَلَامَةُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ عُدْوَانِ الْإِنْسَانِ بِلِسَانِهِ وَيَدِهِ وَاجِبٌ وَالْمُؤْمِنُ عَلَى دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ لَا يَكُونُ مَنْ أَمِنَهُ النَّاسُ إلَّا إذَا كَانَ أَمِينًا وَالْأَمَانَةُ وَاجِبَةٌ وَالْمِسْكِينُ الَّذِي لَا يَسْأَلُ وَلَا يُعْرَفُ هُوَ أَحَقُّ بِالْإِعْطَاءِ مِمَّنْ أَظْهَرَ حَاجَتَهُ وَسُؤَالَهُ وَعَطَاؤُهُ وَاجِبٌ وَتَخْصِيصُ السَّائِلِ بِالْعَطَاءِ دُونَ هَذَا لَا يَجُوزُ بَلْ تَخْصِيصُ الَّذِي لَا يَسْأَلُ أَوْلَى وَأَوْجَبُ وَأَحَبُّ. وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ؛ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ؛ وَإِذَا اسْتَنْفَرْتُمْ فَانْفِرُوا} وَقَالَ {لَا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ مَا قُوتِلَ الْعَدُوُّ} وَكِلَاهُمَا حَقٌّ. فَالْأَوَّلُ أَرَادَ بِهِ الْهِجْرَةَ الْمَعْهُودَةَ فِي زَمَانِهِ وَهِيَ الْهِجْرَةُ إلَى الْمَدِينَةِ مِنْ مَكَّةَ وَغَيْرِهَا مِنْ أَرْضِ الْعَرَبِ فَإِنَّ هَذِهِ الْهِجْرَةَ كَانَتْ مَشْرُوعَةً لَمَّا كَانَتْ مَكَّةُ وَغَيْرُهَا دَارَ كُفْرٍ وَحَرْبٍ وَكَانَ الْإِيمَانُ بِالْمَدِينَةِ فَكَانَتْ الْهِجْرَةُ مِنْ دَارِ الْكُفْرِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ وَاجِبَةً لِمَنْ قَدَرَ عَلَيْهَا فَلَمَّا فُتِحَتْ مَكَّةُ وَصَارَتْ دَارَ الْإِسْلَامِ وَدَخَلَتْ الْعَرَبُ فِي الْإِسْلَامِ
(18/281)

صَارَتْ هَذِهِ الْأَرْضُ كُلُّهَا دَارَ الْإِسْلَامِ فَقَالَ: {لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ} وَكَوْنُ الْأَرْضِ دَارَ كُفْرٍ وَدَارَ إيمَانٍ أَوْ دَارَ فَاسِقِينَ لَيْسَتْ صِفَةً لَازِمَةً لَهَا؛ بَلْ هِيَ صِفَةٌ عَارِضَةٌ بِحَسَبِ سُكَّانِهَا فَكُلُّ أَرْضٍ سُكَّانُهَا الْمُؤْمِنُونَ الْمُتَّقُونَ هِيَ دَارُ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَكُلُّ أَرْضٍ سُكَّانُهَا الْكُفَّارُ فَهِيَ دَارُ كُفْرٍ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَكُلُّ أَرْضٍ سُكَّانُهَا الْفُسَّاقُ فَهِيَ دَارُ فُسُوقٍ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ فَإِنْ سَكَنَهَا غَيْرَ مَا ذَكَرْنَا وَتَبَدَّلَتْ بِغَيْرِهِمْ فَهِيَ دَارُهُمْ. وَكَذَلِكَ الْمَسْجِدُ إذَا تَبَدَّلَ بِخَمَّارَةٍ أَوْ صَارَ دَارَ فِسْقٍ أَوْ دَارَ ظُلْمٍ أَوْ كَنِيسَةً يُشْرِكُ فِيهَا بِاَللَّهِ كَانَ بِحَسَبِ سُكَّانِهِ؛ وَكَذَلِكَ دَارُ الْخَمْرِ وَالْفُسُوقِ وَنَحْوُهَا إذَا جُعِلَتْ مَسْجِدًا يُعْبَدُ اللَّهُ فِيهِ جَلَّ وَعَزَّ كَانَ بِحَسَبِ ذَلِكَ وَكَذَلِكَ الرَّجُلُ الصَّالِحُ يَصِيرُ فَاسِقًا وَالْكَافِرُ يَصِيرُ مُؤْمِنًا أَوْ الْمُؤْمِنُ يَصِيرُ كَافِرًا أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ كُلٌّ بِحَسَبِ انْتِقَالِ الْأَحْوَالِ مِنْ حَالٍ إلَى حَالٍ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً} الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي مَكَّةَ لَمَّا كَانَتْ دَارَ كُفْرٍ وَهِيَ مَا زَالَتْ فِي نَفْسِهَا خَيْرَ أَرْضِ اللَّهِ وَأَحَبَّ أَرْضِ اللَّهِ إلَيْهِ وَإِنَّمَا أَرَادَ سُكَّانَهَا. فَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ مَرْفُوعًا: {أَنَّهُ قَالَ لِمَكَّةَ وَهُوَ وَاقِفٌ بِالْحَزْوَرَةِ: وَاَللَّهِ إنَّك لَخَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ وَأَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ إلَى اللَّهِ وَلَوْلَا أَنَّ قَوْمِي أَخْرَجُونِي مِنْك لَمَا خَرَجْت} وَفِي رِوَايَةٍ: {خَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ وَأَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ إلَيَّ} فَبَيَّنَ أَنَّهَا أَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَكَانَ مَقَامُهُ بِالْمَدِينَةِ وَمَقَامُ
(18/282)

مَنْ مَعَهُ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَفْضَلُ مِنْ مَقَامِهِمْ بِمَكَّةَ لِأَجْلِ أَنَّهَا دَارُ هِجْرَتِهِمْ؛ وَلِهَذَا كَانَ الرِّبَاطُ بِالثُّغُورِ أَفْضَلُ مِنْ مُجَاوَرَةِ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ: {رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ وَمَنْ مَاتَ مُرَابِطًا مَاتَ مُجَاهِدًا وَجَرَى عَلَيْهِ عَمَلُهُ وَأُجْرِيَ رِزْقُهُ مِنْ الْجَنَّةِ وَأَمِنَ الْفَتَّانَ} وَفِي السُّنَنِ عَنْ عُثْمَانَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: {رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ يَوْمٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنْ الْمَنَازِلِ} وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: لَأَنْ أُرَابِطَ لَيْلَةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَقُومَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ عِنْدَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ؛ وَلِهَذَا كَانَ أَفْضَلُ الْأَرْضِ فِي حَقِّ كُلِّ إنْسَانٍ أَرْضٌ يَكُونُ فِيهَا أَطْوَعَ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَهَذَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ وَلَا تَتَعَيَّنُ أَرْضٌ يَكُونُ مُقَامُ الْإِنْسَانِ فِيهَا أَفْضَلَ وَإِنَّمَا يَكُونُ الْأَفْضَلُ فِي حَقِّ كُلِّ إنْسَانٍ بِحَسَبِ التَّقْوَى وَالطَّاعَةِ وَالْخُشُوعِ وَالْخُضُوعِ وَالْحُضُورِ وَقَدْ كَتَبَ أَبُو الدَّرْدَاءِ إلَى سَلْمَانَ: هَلُمَّ إلَى الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ فَكَتَبَ إلَيْهِ سَلْمَانُ: أَنَّ الْأَرْضَ لَا تُقَدِّسُ أَحَدًا وَإِنَّمَا يُقَدِّسُ الْعَبْدَ عَمَلُهُ. {وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ آخَى بَيْنَ سَلْمَانَ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ} وَكَانَ سَلْمَانُ أَفْقَهَ مِنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ فِي أَشْيَاءَ مِنْ جُمْلَتِهَا هَذَا. وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ {سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ} وَهِيَ الدَّارُ الَّتِي كَانَ بِهَا أُولَئِكَ الْعَمَالِقَةُ ثُمَّ صَارَتْ بَعْدَ هَذَا دَارَ الْمُؤْمِنِينَ وَهِيَ الدَّارُ الَّتِي دَلَّ عَلَيْهَا الْقُرْآنُ مِنْ الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ
(18/283)

وَأَرْضِ مِصْرَ الَّتِي أَوْرَثَهَا اللَّهُ بَنِي إسْرَائِيلَ فَأَحْوَالُ الْبِلَادِ كَأَحْوَالِ الْعِبَادِ فَيَكُونُ الرَّجُلُ تَارَةً مُسْلِمًا وَتَارَةً كَافِرًا وَتَارَةً مُؤْمِنًا؛ وَتَارَةً مُنَافِقًا وَتَارَةً بَرًّا تَقِيًّا وَتَارَةً فَاسِقًا وَتَارَةً فَاجِرًا شَقِيًّا. وَهَكَذَا الْمَسَاكِنُ بِحَسَبِ سُكَّانِهَا فَهِجْرَةُ الْإِنْسَانِ مِنْ مَكَانِ الْكُفْرِ وَالْمَعَاصِي إلَى مَكَانِ الْإِيمَانِ وَالطَّاعَةِ كَتَوْبَتِهِ وَانْتِقَالِهِ مِنْ الْكُفْرِ وَالْمَعْصِيَةِ إلَى الْإِيمَانِ وَالطَّاعَةِ وَهَذَا أَمْرٌ بَاقٍ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَاَللَّهُ تَعَالَى قَالَ: {وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ} . قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ السَّلَفِ: هَذَا يَدْخُلُ فِيهِ مَنْ آمَنَ وَهَاجَرَ وَجَاهَدَ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهَكَذَا قَوْله تَعَالَى {لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} يَدْخُلُ فِي مَعْنَاهَا كُلُّ مَنْ فَتَنَهُ الشَّيْطَانُ عَنْ دِينِهِ أَوْ أَوْقَعَهُ فِي مَعْصِيَةٍ ثُمَّ هَجَرَ السَّيِّئَاتِ وَجَاهَدَ نَفْسَهُ وَغَيْرَهَا مِنْ الْعَدُوِّ وَجَاهَدَ الْمُنَافِقِينَ بِالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَصَبَرَ عَلَى مَا أَصَابَهُ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ. وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.
(18/284)

وَقَالَ:
فَصْلٌ:
الْأَذْكَارُ الثَّلَاثَةُ الَّتِي اشْتَمَلَتْ عَلَيْهَا خُطْبَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ وَغَيْرِهِ وَهِيَ الْحَمْدُ لِلَّهِ نَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ: هِيَ الَّتِي يُرْوَى عَنْ الشَّيْخِ عَبْدِ الْقَادِرِ ثُمَّ أَبِي الْحَسَنِ الشاذلي أَنَّهَا جَوَامِعُ الْكَلَامِ النَّافِعِ. وَهِيَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ وَذَلِكَ أَنَّ الْعَبْدَ بَيْن أَمْرَيْنِ أَمْرٍ يَفْعَلُهُ اللَّهُ بِهِ فَهِيَ نِعَمُ اللَّهِ الَّتِي تَنْزِلُ عَلَيْهِ فَتَحْتَاجُ إلَى الشُّكْرِ. وَأَمْرٍ يَفْعَلُهُ هُوَ: إمَّا خَيْرٌ وَإِمَّا شَرٌّ فَالْخَيْرُ يَفْتَقِرُ إلَى مَعُونَةِ اللَّهِ لَهُ فَيَحْتَاجُ إلَى الِاسْتِعَانَةِ وَالشَّرُّ يَفْتَقِرُ إلَى الِاسْتِغْفَارِ لِيَمْحُوَ أَثَرَهُ. وَجَاءَ فِي حَدِيثِ ضِمَادٍ الأزدي: {الْحَمْدُ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ} فَقَطْ وَهَذَا مُوَافِقٌ لِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ حَيْثُ قُسِّمَتْ نِصْفَيْنِ: نِصْفًا لِلرَّبِّ وَنِصْفًا لِلْعَبْدِ فَنِصْفُ الرَّبِّ مُفْتَتَحٌ بِالْحَمْدِ لِلَّهِ وَنِصْفُ الْعَبْدِ مُفْتَتَحٌ بِالِاسْتِعَانَةِ بِهِ فَقَالَ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَقَدْ يُقْرَنُ بَيْنَ الْحَمْدِ وَالِاسْتِغْفَارِ كَمَا فِي الْأَثَرِ الَّذِي رَوَاهُ أَحْمَد فِي الزُّهْدِ " أَنَّ رَجُلًا كَانَ عَلَى عَهْدِ
(18/285)

الْحَسَنِ فَقِيلَ لَهُ: تَلَقَّيْنَا هَذِهِ الْخُطْبَةَ عَنْ الْوَالِدِ عَنْ وَالِدِهِ كَمَا يَقُولُهَا كَثِيرٌ مَنْ النَّاسِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَهْدِيهِ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا " فَأَمَّا نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ فَفِي حَدِيثِ ضِمَادٍ {وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ} فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ. وَأَمَّا نَسْتَهْدِيهِ فَفِي فَاتِحَةِ الْكِتَابِ لِأَنَّ نِصْفَهَا لِلرَّبِّ وَهُوَ الْحَمْدُ وَنِصْفَهَا لِلْعَبْدِ وَهُوَ الِاسْتِعَانَةُ وَالِاسْتِهْدَاءُ وَلَيْسَ فِيهَا الِاسْتِغْفَارُ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ إلَّا مَعَ الذَّنْبِ وَالسُّورَةُ أَصْلُ الْإِيمَانِ وَالْفَاتِحَةُ بَابُ السَّعَادَةِ الْمَانِعَةُ مِنْ الذُّنُوبِ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: {إنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} {وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ ضِمَادًا قَدِمَ مَكَّةَ وَكَانَ مِنْ أزدشنوءة. وَكَانَ يَرْقِي مِنْ هَذِهِ الرِّيحِ فَسَمِعَ سُفَهَاءَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ يَقُولُونَ: إنَّ مُحَمَّدًا مَجْنُونٌ فَقَالَ لَوْ أَنِّي رَأَيْت هَذَا الرَّجُلَ لَعَلَّ اللَّهَ يَشْفِيهِ عَلَى يَدَيَّ قَالَ فَلَقِيَهُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ إنِّي أَرْقِي مِنْ هَذِهِ الرِّيحِ وَإِنَّ اللَّهَ يَشْفِي عَلَى يَدَيَّ مَنْ شَاءَ اللَّهُ فَهَلْ لَك؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ أَمَّا بَعْدُ قَالَ: فَقَالَ أَعِدْ عَلَيَّ كَلِمَاتِك هَؤُلَاءِ فَأَعَادَهُنَّ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ قَالَ: فَقَالَ:
(18/286)

لَقَدْ سَمِعْت قَوْلَ الْكَهَنَةِ وَقَوْلَ السَّحَرَةِ وَقَوْلَ الشُّعَرَاءِ فَمَا سَمِعْت بِمِثْلِ كَلِمَاتِك هَؤُلَاءِ وَلَقَدْ بَلَغْت ناعوس الْبَحْرِ قَالَ: فَقَالَ هَاتِ يَدَك أُبَايِعْك عَلَى الْإِسْلَامِ قَالَ: فَبَايَعَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَى قَوْمِك فَقَالَ وَعَلَى قَوْمِي} رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ. وَلِهَذَا اُسْتُحِبَّتْ وَفُعِلَتْ فِي مُخَاطَبَةِ النَّاسِ بِالْعِلْمِ عُمُومًا وَخُصُوصًا: مِنْ تَعْلِيمِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْفِقْهِ فِي ذَلِكَ. وَمَوْعِظَةِ النَّاسِ وَمُجَادَلَتِهِمْ أَنْ يَفْتَتِحَ بِهَذِهِ الْخُطْبَةِ الشَّرْعِيَّةِ النَّبَوِيَّةِ وَكَانَ الَّذِي عَلَيْهِ شُيُوخُ زَمَانِنَا الَّذِينَ أَدْرَكْنَاهُمْ وَأَخَذْنَا عَنْهُمْ وَغَيْرِهِمْ يَفْتَتِحُونَ مَجْلِسَ التَّفْسِيرِ أَوْ الْفِقْهِ فِي الْجَوَامِعِ وَالْمَدَارِسِ وَغَيْرِهَا بِخُطْبَةِ أُخْرَى. مِثْلَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ خَاتَمِ الْمُرْسَلِينَ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ وَرَضِيَ اللَّهُ عَنَّا وَعَنْكُمْ وَعَنْ مَشَايِخِنَا وَعَنْ جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ وَعَنْ السَّادَةِ الْحَاضِرِينَ وَجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ؛ كَمَا رَأَيْت قَوْمًا يَخْطُبُونَ لِلنِّكَاحِ بِغَيْرِ الْخُطْبَةِ الْمَشْرُوعَةِ وَكُلُّ قَوْمٍ لَهُمْ نَوْعٌ غَيْرَ نَوْعِ الْآخَرِينَ فَإِنَّ حَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ لَمْ يَخُصَّ النِّكَاحَ وَإِنَّمَا هِيَ خُطْبَةٌ لِكُلِّ حَاجَةٍ فِي مُخَاطَبَةِ الْعِبَادِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا وَالنِّكَاحُ مِنْ جُمْلَةِ ذَلِكَ فَإِنَّ مُرَاعَاةَ السُّنَنِ الشَّرْعِيَّةِ فِي الْأَقْوَالِ وَالْأَعْمَالِ فِي جَمِيعِ الْعِبَادَاتِ وَالْعَادَاتِ هُوَ كَمَالُ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ وَمَا سِوَى ذَلِكَ إنْ لَمْ يَكُنْ
(18/287)

مَنْهِيًّا عَنْهُ فَإِنَّهُ مَنْقُوصٌ مَرْجُوحٌ إذْ خَيْرُ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ قَوْلَهُ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ نَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ} هِيَ الْجَوَامِعُ " كَمَا فِي الْحَدِيثِ النَّبَوِيِّ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ذَكَرَ ذَلِكَ وَأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُوتِيَ جَوَامِعَ الْكَلِمِ وَخَوَاتِمَهُ وَفَوَاتِحَهُ كَمَا فِي سُورَتَيْ " أَبِي " فَإِنَّ الِاسْتِهْدَاءَ يَدْخُلُ فِي الِاسْتِعَانَةِ وَتَكْرِيرَ نَحْمَدُهُ قَدْ اُسْتُغْنِيَ بِهِ بِقَوْلِهِ " الْحَمْدَ لِلَّهِ " فَإِذَا فَصَلْت جَازَ كَمَا فِي دُعَاءِ الْقُنُوتِ: {اللَّهُمَّ إنَّا نَسْتَعِينُك وَنَسْتَهْدِيك وَنَسْتَغْفِرُك وَنُؤْمِنُ بِك وَنَتَوَكَّلُ عَلَيْك وَنُثْنِي عَلَيْك الْخَيْرَ كُلَّهُ وَنَشْكُرُك وَلَا نُكَفِّرُك وَنَخْلَعُ وَنَتْرُكُ مَنْ يفجرك} . فَهَذِهِ إحْدَى سُورَتَيْ أَبِي. وَهِيَ مُفْتَتَحَةٌ بِالِاسْتِعَانَةِ الَّتِي هِيَ نِصْفُ الْعَبْدِ مَعَ مَا بَعْدَهَا مَنْ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَفِي السُّورَةِ الثَّانِيَةِ: {اللَّهُمَّ إيَّاكَ نَعْبُدُ وَلَك نُصَلِّي وَنَسْجُدُ وَإِلَيْك نَسْعَى وَنَحْفِدُ نَرْجُو رَحْمَتَك وَنَخْشَى عَذَابَك إنَّ عَذَابَك الْجَدَّ بِالْكُفَّارِ مُلْحِقٌ} . فَهَذَا مُفْتَتَحٌ بِالْعِبَادَةِ الَّتِي هِيَ نِصْفُ الرَّبِّ مَعَ مَا قَبْلَهَا مَنْ الْفَاتِحَةِ فَفِي سُورَتَيْ الْقُنُوتِ مُنَاسَبَةٌ لِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَفِيهِمَا جَمِيعًا مُنَاسَبَةٌ لِخُطْبَةِ الْحَاجَةِ وَذَلِكَ جَمِيعُهُ مِنْ فَوَاتِحِ الْكَلِمِ وَجَوَامِعِهِ وَخَوَاتِمِهِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: {وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا} فَإِنَّ الْمُسْتَعَاذَ مِنْهُ نَوْعَانِ: فَنَوْعٌ مَوْجُودٌ يُسْتَعَاذُ مِنْ ضَرَرِهِ الَّذِي لَمْ
(18/288)

يُوجَدْ بَعْدُ وَنَوْعٌ مَفْقُودٌ يُسْتَعَاذُ مِنْ وُجُودِهِ؛ فَإِنَّ نَفْسَ وُجُودِهِ ضَرَرٌ مِثَالُ الْأَوَّلِ: " أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ " وَمِثْلُ الثَّانِي: {رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ} {وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ} و {اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك أَنْ أَضِلَّ أَوْ أُضَلَّ أَوْ أَزِلَّ أَوْ أزل} . وَأَمَّا قَوْلُهُ: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ} {مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ} {وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إذَا وَقَبَ} {وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ} {وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إذَا حَسَدَ} فَيَشْتَرِكُ فِيهِ النَّوْعَانِ فَإِنَّهُ يُسْتَعَاذُ مِنْ الشَّرِّ الْمَوْجُودِ أَنْ لَا يُضَرَّ وَيُسْتَعَاذُ مِنْ الشَّرِّ الضَّارِّ الْمَفْقُودِ أَنْ لَا يُوجَدَ فَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ: {وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا} يَحْتَمِلُ الْقِسْمَيْنِ: يَحْتَمِلُ نَعُوذُ بِاَللَّهِ أَنْ يَكُونَ مِنْهَا شَرٌّ وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ أَنْ يُصِيبَنَا شَرَّهَا وَهَذَا أَشَبَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَوْلُهُ: " وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا " السَّيِّئَاتُ هِيَ عُقُوبَاتُ الْأَعْمَالِ كَقَوْلِهِ: {سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا} فَإِنَّ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ يُرَادُ بِهَا النِّعَمُ وَالنِّقَمُ كَثِيرًا كَمَا يُرَادُ بِهَا الطَّاعَاتُ وَالْمَعَاصِي وَإِنْ حُمِلَتْ عَلَى السَّيِّئَاتِ الَّتِي هِيَ الْمَعَاصِي فَيَكُونُ قَدْ اسْتَعَاذَ أَنْ يَعْمَلَ السَّيِّئَاتِ أَوْ أَنْ تَضُرَّهُ وَعَلَى الْأَوَّلِ وَهُوَ أَشْبَهُ فَقَدْ اسْتَعَاذَ مِنْ عُقُوبَةِ أَعْمَالِهِ أَنْ تُصِيبَهُ وَهَذَا أَشْبَهُ.
(18/289)

فَيَكُونُ الْحَدِيثُ قَدْ اشْتَمَلَ عَلَى الِاسْتِعَاذَةِ مِنْ الضَّرَرِ الْفَاعِلِيِّ وَالضَّرَرِ الغائي فَإِنَّ سَبَبَ الضَّرَرِ هُوَ شَرُّ النَّفْسِ وَغَايَتُهُ عُقُوبَةُ الذَّنْبِ وَعَلَى هَذَا فَيَكُونُ قَدْ اسْتَعَاذَ مِنْ الضَّرَرِ الْمَفْقُودِ الَّذِي انْعَقَدَ سَبَبُهُ أَنْ لَا يَكُونَ فَإِنَّ النَّفْسَ مُقْتَضِيَةٌ لِلشَّرِّ وَالْأَعْمَالَ مُقْتَضِيَةٌ لِلْعُقُوبَةِ فَاسْتَعَاذَ أَنْ يَكُونَ شَرَّ نَفْسِهِ أَوْ أَنْ تَكُونَ عُقُوبَةَ عَمَلِهِ وَقَدْ يُقَالُ: بَلْ الشَّرُّ هُوَ الصِّفَةُ الْقَائِمَةُ بِالنَّفْسِ الْمُوجِبَةِ لِلذُّنُوبِ وَتِلْكَ مَوْجُودَةٌ كَوُجُودِ الشَّيْطَانِ فَاسْتَعَاذَ مِنْهَا أَنْ تَضُرَّهُ أَوْ تُصِيبَهُ كَمَا يُقَالُ: " أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ " وَإِنْ حَمَلَ عَلَى الشُّرُورِ الْوَاقِعَةِ وَهِيَ الذُّنُوبُ مِنْ النَّفْسِ فَهَذَا قِسْمٌ ثَالِثٌ.
(18/290)

وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
فَصْلٌ:
فِي قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ. {بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ} . لَا يَقْتَضِي هَذَا أَنَّهُ إذَا صَارَ غَرِيبًا يَجُوزُ تَرْكُهُ - وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ بَلْ الْأَمْرُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} وَقَالَ تَعَالَى: {إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} وَقَالَ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} وَقَالَ تَعَالَى: {وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إبْرَاهِيمَ إلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ} {إذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} {وَوَصَّى بِهَا إبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} .
(18/291)

وَقَدْ بَسَطْنَا الْكَلَامَ عَلَى هَذَا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ. وَبَيَّنَّا أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ كُلَّهُمْ كَانَ دِينُهُمْ الْإِسْلَامَ مِنْ نُوحٍ إلَى الْمَسِيحِ. وَلِهَذَا لَمَّا بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيبًا لَمْ يَكُنْ غَيْرُهُ مِنْ الدِّينِ مَقْبُولًا بَلْ قَدْ ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ - حَدِيثِ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ - عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: {إنَّ اللَّهَ نَظَرَ إلَى أَهْلِ الْأَرْضِ فَمَقَتَهُمْ - عَرَبَهُمْ وَعَجَمَهُمْ - إلَّا بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ} الْحَدِيثَ. وَلَا يَقْتَضِي هَذَا أَنَّهُ إذَا صَارَ غَرِيبًا أَنَّ الْمُتَمَسِّكَ بِهِ يَكُونُ فِي شَرٍّ بَلْ هُوَ أَسْعَدُ النَّاسِ كَمَا قَالَ فِي تَمَامِ الْحَدِيثِ {فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ} . و " طُوبَى " مِنْ الطِّيبِ قَالَ تَعَالَى {طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ} فَإِنَّهُ يَكُونُ مِنْ جِنْسِ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ لِمَا كَانَ غَرِيبًا. وَهُمْ أَسْعَدُ النَّاسِ. أَمَّا فِي الْآخِرَةِ فَهُمْ أَعْلَى النَّاسِ دَرَجَةً بَعْدَ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمْ السَّلَامُ. وَأَمَّا فِي الدُّنْيَا فَقَدْ قَالَ تَعَالَى {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} أَيْ أَنَّ اللَّهَ حَسْبُك وَحَسْبُ مُتَّبِعِك. وَقَالَ تَعَالَى {إنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ} وَقَالَ تَعَالَى {أَلَيْسَ
(18/292)

اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ} وَقَالَ {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا} {وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} . فَالْمُسْلِمُ الْمُتَّبِعُ لِلرَّسُولِ: اللَّهُ تَعَالَى حَسْبُهُ وَكَافِيهِ وَهُوَ وَلِيُّهُ حَيْثُ كَانَ وَمَتَى كَانَ. وَلِهَذَا يُوجَدُ الْمُسْلِمُونَ الْمُتَمَسِّكُونَ بِالْإِسْلَامِ فِي بِلَادِ الْكُفْرِ لَهُمْ السَّعَادَةُ كُلَّمَا كَانُوا أَتَمَّ تَمَسُّكًا بِالْإِسْلَامِ فَإِنْ دَخَلَ عَلَيْهِمْ شَرٌّ كَانَ بِذُنُوبِهِمْ؛ حَتَّى إنَّ الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلَ الْكِتَابِ إذَا رَأَوْا الْمُسْلِمَ الْقَائِمَ بِالْإِسْلَامِ عَظَّمُوهُ وَأَكْرَمُوهُ وَأَعْفَوْهُ مِنْ الْأَعْمَالِ الَّتِي يَسْتَعْمِلُونَ بِهَا الْمُنْتَسِبِينَ إلَى ظَاهِرِ الْإِسْلَامِ مِنْ غَيْرِ عَمَلٍ بِحَقِيقَتِهِ لَمْ يُكْرِمْ. وَكَذَلِكَ كَانَ الْمُسْلِمُونَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ وَفِي كُلِّ وَقْتٍ. فَإِنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَحْصُلَ لِلنَّاسِ فِي الدُّنْيَا شَرٌّ وَلِلَّهِ عَلَى عِبَادِهِ نِعَمٌ لَكِنْ الشَّرُّ الَّذِي يُصِيبُ الْمُسْلِمَ أَقَلُّ وَالنِّعَمُ الَّتِي تَصِلُ إلَيْهِ أَكْثَرُ. فَكَانَ الْمُسْلِمُونَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ وَإِنْ اُبْتُلُوا بِأَذَى الْكُفَّارِ وَالْخُرُوجِ مِنْ الدِّيَارِ فَاَلَّذِي حَصَلَ لِلْكُفَّارِ مِنْ الْهَلَاكِ كَانَ أَعْظَمَ بِكَثِيرِ وَاَلَّذِي كَانَ يَحْصُلُ لِلْكُفَّارِ مِنْ عِزٍّ أَوْ مَالٍ كَانَ يَحْصُلُ لِلْمُسْلِمِينَ أَكْثَرُ مِنْهُ حَتَّى مِنْ الْأَجَانِبِ.
(18/293)

فَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَ مَا كَانَ الْمُشْرِكُونَ يَسْعَوْنَ فِي أَذَاهُ بِكُلِّ طَرِيقٍ - كَانَ اللَّهُ يَدْفَعُ عَنْهُ وَيُعِزُّهُ وَيَمْنَعُهُ وَيَنْصُرُهُ مِنْ حَيْثُ كَانَ أَعَزَّ قُرَيْشٍ مَا مِنْهُمْ إلَّا مَنْ كَانَ يَحْصُلُ لَهُ مَنْ يُؤْذِيه وَيُهِينُهُ مَنْ لَا يُمْكِنُهُ دَفْعُهُ إذْ لِكُلِّ كَبِيرٍ كَبِيرٌ يُنَاظِرُهُ ويناويه وَيُعَادِيهِ. وَهَذِهِ حَالُ مَنْ لَمْ يَتَّبِعْ الْإِسْلَامَ - يَخَافُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَيَرْجُو بَعْضُهُمْ بَعْضًا. وَأَتْبَاعُهُ الَّذِينَ هَاجَرُوا إلَى الْحَبَشَةِ أَكْرَمَهُمْ مَلِكُ الْحَبَشَةِ وَأَعَزَّهُمْ غَايَةَ الْإِكْرَامِ وَالْعِزِّ وَاَلَّذِينَ هَاجَرُوا إلَى الْمَدِينَةِ فَكَانُوا أَكْرَمَ وَأَعَزَّ. وَاَلَّذِي كَانَ يَحْصُلُ لَهُمْ مِنْ أَذَى الدُّنْيَا كَانُوا يُعَوَّضُونَ عَنْهُ عَاجِلًا مِنْ الْإِيمَانِ وَحَلَاوَتِهِ وَلَذَّتِهِ مَا يَحْتَمِلُونَ بِهِ ذَلِكَ الْأَذَى. وَكَانَ أَعْدَاؤُهُمْ يَحْصُلُ لَهُمْ مِنْ الْأَذَى وَالشَّرِّ أَضْعَافُ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ لَا آجِلًا وَلَا عَاجِلًا إذْ كَانُوا مُعَاقِبِينَ بِذُنُوبِهِمْ. وَكَانَ الْمُؤْمِنُونَ مُمْتَحِنِينَ لِيَخْلُصَ إيمَانُهُمْ وَتُكَفَّرَ سَيِّئَاتُهُمْ. وَذَلِكَ أَنَّ الْمُؤْمِنَ يَعْمَلُ لِلَّهِ فَإِنْ أُوذِيَ احْتَسَبَ أَذَاهُ عَلَى اللَّهِ وَإِنْ بَذَلَ سَعْيًا أَوْ مَالًا بَذَلَهُ لِلَّهِ فَاحْتَسَبَ أَجْرَهُ عَلَى اللَّهِ.
(18/294)

وَالْإِيمَانُ لَهُ حَلَاوَةٌ فِي الْقَلْبِ وَلَذَّةٌ لَا يَعْدِلُهَا شَيْءٌ أَلْبَتَّةَ. وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بِهِنَّ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ: مَنْ كَانَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا وَمَنْ كَانَ يُحِبُّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إلَّا لِلَّهِ وَمَنْ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ إذْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنْهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ} أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: {ذَاقَ طَعْمَ الْإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاَللَّهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدِ نَبِيًّا} . وَكَمَا أَنَّ اللَّهَ نَهَى نَبِيَّهُ أَنْ يُصِيبَهُ حَزَنٌ أَوْ ضِيقٌ مِمَّنْ لَمْ يَدْخُلْ فِي الْإِسْلَامِ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ فَكَذَلِكَ فِي آخِرِهِ. فَالْمُؤْمِنُ مَنْهِيٌّ أَنْ يَحْزَنَ عَلَيْهِمْ أَوْ يَكُونَ فِي ضَيْقٍ مِنْ مَكْرِهِمْ. وَكَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ إذَا رَأَى الْمُنْكَرَ أَوْ تَغَيَّرَ كَثِيرٌ مِنْ أَحْوَالِ الْإِسْلَامِ جَزِعَ وَكَلَّ وَنَاحَ كَمَا يَنُوحُ أَهْلُ الْمَصَائِبِ وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْ هَذَا؛ بَلْ هُوَ مَأْمُورٌ بِالصَّبْرِ وَالتَّوَكُّلِ وَالثَّبَاتِ عَلَى دِينِ الْإِسْلَامِ وَأَنْ يُؤْمِنَ بِاَللَّهِ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَاَلَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ وَأَنَّ الْعَاقِبَةَ لِلتَّقْوَى. وَأَنَّ مَا يُصِيبُهُ فَهُوَ بِذُنُوبِهِ فَلْيَصْبِرْ إنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلْيَسْتَغْفِرْ لِذَنْبِهِ وَلْيُسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّهِ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ. وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {ثُمَّ يَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ} يَحْتَمِلُ شَيْئَيْنِ:
(18/295)

أَحَدُهُمَا أَنَّهُ فِي أَمْكِنَةٍ وَأَزْمِنَةٍ يَعُودُ غَرِيبًا بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَظْهَرُ كَمَا كَانَ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ غَرِيبًا ثُمَّ ظَهَرَ. وَلِهَذَا قَالَ {سَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ} . وَهُوَ لَمَّا بَدَأَ كَانَ غَرِيبًا لَا يُعْرَفُ ثُمَّ ظَهَرَ وَعُرِفَ فَكَذَلِكَ يَعُودُ حَتَّى لَا يُعْرَفَ ثُمَّ يَظْهَرُ وَيُعْرَفُ. فَيَقِلُّ مَنْ يَعْرِفُهُ فِي أَثْنَاءِ الْأَمْرِ كَمَا كَانَ مَنْ يَعْرِفُهُ أَوَّلًا. وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ فِي آخِرِ الدُّنْيَا لَا يَبْقَى مُسْلِمًا إلَّا قَلِيلٌ. وَهَذَا إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ الدَّجَّالِ وَيَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ عِنْدَ قُرْبِ السَّاعَةِ. وَحِينَئِذٍ يَبْعَثُ اللَّهُ رِيحًا تَقْبِضُ رُوحَ كُلِّ مُؤْمِنٍ وَمُؤْمِنَةٍ ثُمَّ تَقُومُ الْقِيَامَةُ. وَأَمَّا قَبْلَ ذَلِكَ فَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ وَلَا مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ} . وَهَذَا الْحَدِيثُ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَمِثْلُهُ مِنْ عِدَّةِ أَوْجُهٍ. فَقَدْ أَخْبَرَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ أَنَّهُ لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مُمْتَنِعَةٌ مِنْ أُمَّتِهِ عَلَى الْحَقِّ أَعِزَّاءٌ لَا يَضُرُّهُمْ الْمُخَالِفُ وَلَا خِلَافُ الْخَاذِلِ. فَأَمَّا بَقَاءُ الْإِسْلَامِ غَرِيبًا ذَلِيلًا فِي الْأَرْضِ كُلِّهَا قَبْلَ السَّاعَةِ فَلَا يَكُونُ هَذَا. وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {ثُمَّ يَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ} أَعْظَمُ
(18/296)

مَا تَكُونُ غُرْبَتُهُ إذَا ارْتَدَّ الدَّاخِلُونَ فِيهِ عَنْهُ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى {مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةً عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةً عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ} . فَهَؤُلَاءِ يُقِيمُونَهُ إذَا ارْتَدَّ عَنْهُ أُولَئِكَ. وَكَذَلِكَ بَدَأَ غَرِيبًا وَلَمْ يَزَلْ يَقْوَى حَتَّى انْتَشَرَ. فَهَكَذَا يَتَغَرَّبُ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْأَمْكِنَةِ وَالْأَزْمِنَةِ ثُمَّ يَظْهَرُ حَتَّى يُقِيمَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ كَمَا كَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ لَمَّا وُلِّيَ قَدْ تَغَرَّبَ كَثِيرٌ مِنْ الْإِسْلَامِ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ حَتَّى كَانَ مِنْهُمْ مَنْ لَا يَعْرِفُ تَحْرِيمَ الْخَمْرِ. فَأَظْهَرَ اللَّهُ بِهِ فِي الْإِسْلَامِ مَا كَانَ غَرِيبًا. وَفِي السُّنَنِ: {إنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ فِي رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا} . وَالتَّجْدِيدُ إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ الدُّرُوسِ وَذَاكَ هُوَ غُرْبَةُ الْإِسْلَامِ. وَهَذَا الْحَدِيثُ يُفِيدُ الْمُسْلِمَ أَنَّهُ لَا يَغْتَمُّ بِقِلَّةِ مَنْ يَعْرِفُ حَقِيقَةَ الْإِسْلَامِ وَلَا يَضِيقُ صَدْرُهُ بِذَلِكَ وَلَا يَكُونُ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ كَمَا كَانَ الْأَمْرُ حِينَ بَدَأَ. قَالَ تَعَالَى {فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ} إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْآيَاتِ
(18/297)

وَالْبَرَاهِينِ الدَّالَّةِ عَلَى صِحَّةِ الْإِسْلَامِ. وَكَذَلِكَ إذَا تَغَرَّبَ يَحْتَاجُ صَاحِبُهُ مِنْ الْأَدِلَّةِ وَالْبَرَاهِينِ إلَى نَظِيرِ مَا احْتَاجَ إلَيْهِ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ. وَقَدْ قَالَ لَهُ {أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ} {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} {وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إنْ يَتَّبِعُونَ إلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إلَّا يَخْرُصُونَ} وَقَالَ تَعَالَى {أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إنْ هُمْ إلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا} . وَقَدْ تَكُونُ الْغُرْبَةُ فِي بَعْضِ شَرَائِعِهِ وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ فِي بَعْضِ الْأَمْكِنَةِ. فَفِي كَثِيرٍ مِنْ الْأَمْكِنَةِ يَخْفَى عَلَيْهِمْ مِنْ شَرَائِعِهِ مَا يَصِيرُ بِهِ غَرِيبًا بَيْنَهُمْ لَا يَعْرِفُهُ مِنْهُمْ إلَّا الْوَاحِدُ بَعْدَ الْوَاحِدِ. وَمَعَ هَذَا فَطُوبَى لِمَنْ تَمَسَّكَ بِتِلْكَ الشَّرِيعَةِ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ. فَإِنَّ إظْهَارَهُ وَالْأَمْرَ بِهِ وَالْإِنْكَارَ عَلَى مَنْ خَالَفَهُ هُوَ بِحَسَبِ الْقُوَّةِ وَالْأَعْوَانِ. وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ
(18/298)

لَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنْ الْإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ} . وَإِذَا قُدِّرَ أَنَّ فِي النَّاسِ مَنْ حَصَلَ لَهُ سُوءٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ بِخِلَافِ مَا وَعَدَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ وَأَتْبَاعَهُ فَهَذَا مِنْ ذُنُوبِهِ وَنَقْصِ إسْلَامِهِ كَالْهَزِيمَةِ الَّتِي أَصَابَتْهُمْ يَوْمَ أُحُدٍ. وَإِلَّا فَقَدْ قَالَ تَعَالَى {إنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ} وَقَالَ تَعَالَى {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ} {إنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ} {وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ} . وَفِيمَا قَصَّهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ قَصَصِ الْأَنْبِيَاءِ وَأَتْبَاعِهِمْ وَنَصْرِهِمْ وَنَجَاتِهِمْ وَهَلَاكِ أَعْدَائِهِمْ عِبْرَةً وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. فَإِنْ قِيلَ: قَوْلُهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى {مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} هُوَ خِطَابٌ لِذَلِكَ الْقَرْنِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} . وَلِهَذَا بَيَّنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُمْ أَهْلُ الْيَمَنِ الَّذِينَ دَخَلُوا فِي الْإِسْلَامِ لَمَّا ارْتَدَّ مَنْ ارْتَدَّ مِنْ الْعَرَبِ: وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ فِي آخِرِ الْأَمْرِ لَا يَبْقَى مُؤْمِنٌ. قِيلَ: قَوْلُهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} خِطَابٌ لِكُلِّ مَنْ
(18/299)

بَلَغَهُ الْقُرْآنُ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ كَسَائِرِ أَنْوَاعِ هَذَا الْخِطَابِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلَاةِ} وَأَمْثَالِهَا. وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ} . وَكِلَاهُمَا وَقَعَ وَيَقَعُ كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ. فَإِنَّهُ مَا ارْتَدَّ عَنْ الْإِسْلَامِ طَائِفَةٌ إلَّا أَتَى اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ يُجَاهِدُونَ عَنْهُ وَهُمْ الطَّائِفَةُ الْمَنْصُورَةُ إلَى قِيَامِ السَّاعَةِ. يَبِينُ ذَلِكَ أَنَّهُ ذَكَرَ هَذَا فِي سِيَاقِ النَّهْيِ عَنْ مُوَالَاةِ الْكُفَّارِ فَقَالَ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} {فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ} - إلَى قَوْلِهِ - {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} . فَالْمُخَاطَبُونَ بِالنَّهْيِ عَنْ مُوَالَاةِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى هَمّ الْمُخَاطَبُونَ بِآيَةِ الرِّدَّةِ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا يَتَنَاوَلُ جَمِيعَ قُرُونِ الْأُمَّةِ. وَهُوَ لَمَّا نَهَى عَنْ مُوَالَاةِ الْكُفَّارِ وَبَيَّنَ أَنَّ مَنْ تَوَلَّاهُمْ مِنْ الْمُخَاطَبِينَ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ بَيَّنَ أَنَّ مَنْ تَوَلَّاهُمْ وَارْتَدَّ عَنْ دِينِ الْإِسْلَامِ لَا يَضُرُّ الْإِسْلَامَ شَيْئًا.
(18/300)

بَلْ سَيَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ فَيَتَوَلَّوْنَ الْمُؤْمِنِينَ دُونَ الْكُفَّارِ وَيُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ كَمَا قَالَ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ {فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ} . فَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ لَمْ يَدْخُلُوا فِي الْإِسْلَامِ وَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْهُ بَعْدَ الدُّخُولِ فِيهِ - لَا يَضُرُّونَ الْإِسْلَامَ شَيْئًا. بَلْ يُقِيمُ اللَّهُ مَنْ يُؤْمِنُ بِمَا جَاءَ بِهِ رَسُولُهُ وَيَنْصُرُ دِينَهُ إلَى قِيَامِ السَّاعَةِ. وَأَهْلُ الْيَمَنِ هُمْ مِمَّنْ جَاءَ اللَّهُ بِهِمْ لَمَّا ارْتَدَّ مَنْ ارْتَدَّ إذْ ذَاكَ. وَلَيْسَتْ الْآيَةُ مُخْتَصَّةً بِهِمْ وَلَا فِي الْحَدِيثِ مَا يُوجِبُ تَخْصِيصَهُمْ. بَلْ قَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ أَنَّهُ يَأْتِي بِغَيْرِ أَهْلِ الْيَمَنِ كَأَبْنَاءِ فَارِسَ لَا يَخْتَصُّ الْوَعْدُ بِهِمْ. بَلْ قَدْ قَالَ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إلَّا قَلِيلٌ} {إلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} وَهَذَا أَيْضًا خِطَابٌ لِكُلِّ قَرْنٍ وَقَدْ أَخْبَرَ فِيهِ أَنَّهُ مَنْ نَكَلَ عَنْ الْجِهَادِ الْمَأْمُورِ بِهِ عَذَّبَهُ وَاسْتَبْدَلَ بِهِ مَنْ يَقُومُ بِالْجِهَادِ. وَهَذَا هُوَ الْوَاقِعُ. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: {هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ
(18/301)

الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ} . فَقَدْ أَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّهُ مَنْ يَتَوَلَّ عَنْ الْجِهَادِ بِنَفْسِهِ أَوْ عَنْ الْإِنْفَاقِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ اُسْتُبْدِلَ بِهِ. فَهَذِهِ حَالُ الْجَبَانِ الْبَخِيلِ يَسْتَبْدِلُ اللَّهُ بِهِ مَنْ يَنْصُرُ الْإِسْلَامَ وَيُنْفِقُ فِيهِ. فَكَيْفَ تَكُونُ حَالُ أَصْلِ الْإِسْلَامِ مَنْ ارْتَدَّ عَنْهُ؟ أَتَى اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّه وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ. وَهَذَا مَوْجُودٌ فِي أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْعِبَادَةِ وَالْقِتَالِ وَالْمَالِ؛ مَعَ الطَّوَائِفِ الْأَرْبَعَةِ مُؤْمِنُونَ مُجَاهِدُونَ مَنْصُورُونَ إلَى قِيَامِ السَّاعَةِ كَمَا مِنْهُمْ مَنْ يَرْتَدُّ أَوْ مَنْ يَنْكُلُ عَنْ الْجِهَادِ وَالْإِنْفَاقِ. وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ} . فَهَذَا الْوَعْدُ مُنَاسِبٌ لِكُلِّ مَنْ اتَّصَفَ بِهَذَا الْوَصْفِ. فَلَمَّا اتَّصَفَ بِهِ الْأَوَّلُونَ اسْتَخْلَفَهُمْ اللَّهُ كَمَا وَعَدَ. وَقَدْ اتَّصَفَ بَعْدَهُمْ بِهِ قَوْمٌ بِحَسَبِ إيمَانِهِمْ وَعَمَلِهِمْ الصَّالِحِ. فَمَنْ كَانَ أَكْمَلَ إيمَانًا وَعَمِلَ صَالِحًا كَانَ اسْتِخْلَافُهُ الْمَذْكُورُ أَتَمَّ. فَإِنْ كَانَ فِيهِ نَقْصٌ وَخَلَلٌ كَانَ فِي تَمْكِينِهِ خَلَلٌ وَنَقْصٌ. وَذَلِكَ أَنَّ هَذَا جَزَاءُ هَذَا الْعَمَلِ فَمَنْ قَامَ بِذَلِكَ الْعَمَلِ اسْتَحَقَّ ذَلِكَ الْجَزَاءَ.
(18/302)

لَكِنْ مَا بَقِيَ قَرْنٌ مِثْلَ الْقَرْنِ الْأَوَّلِ فَلَا جَرَمَ مَا بَقِيَ قَرْنٌ يَتَمَكَّنُ تَمَكُّنَ الْقَرْنِ الْأَوَّلِ. قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {خَيْرُ الْقُرُونِ الْقَرْنُ الَّذِينَ بُعِثْت فِيهِمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ} . وَلَكِنْ قَدْ يَكُونُ هَذَا لِبَعْضِ أَهْلِ الْقَرْنِ كَمَا يَحْصُلُ هَذَا لِبَعْضِ الْمُسْلِمِينَ فِي بَعْضِ الْجِهَاتِ كَمَا هُوَ مَعْرُوفٌ فِي كُلِّ زَمَانٍ. وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {إنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ رِيحًا تَقْبِضُ رُوحَ كُلِّ مُؤْمِنٍ} فَذَاكَ لَيْسَ فِيهِ رِدَّةٌ بَلْ فِيهِ مَوْتُ الْمُؤْمِنِينَ. وَهُوَ لَمْ يَقُلْ " إذَا مَاتَ كُلُّ مُؤْمِنٍ أَنْ يَسْتَبْدِلَ اللَّهُ مَوْضِعَهُ آخَرَ وَإِنَّمَا وَعَدَ بِهَذَا إذَا ارْتَدَّ بَعْضُهُمْ عَنْ دِينِهِ. وَهُوَ مِمَّا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْأُمَّةَ لَا تَجْتَمِعُ عَلَى ضَلَالَةٍ وَلَا تَرْتَدُّ جَمِيعُهَا بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يُبْقِيَ اللَّهُ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ مَنْ هُوَ ظَاهِرٌ إلَى قِيَامِ السَّاعَةِ. فَإِذَا مَاتَ كُلُّ مُؤْمِنٍ فَقَدْ جَاءَتْ السَّاعَةُ. وَهَذَا كَمَا فِي حَدِيثِ الْعِلْمِ {إنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنْ النَّاسِ وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ. فَإِذَا لَمْ يَبْقَ عَالِمٌ اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤَسَاءَ جُهَّالًا فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَّلُوا وَأَضَلُّوا} . وَالْحَدِيثُ مَشْهُورٌ فِي الصِّحَاحِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
(18/303)

فَإِنْ قِيلَ: فَفِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ قَالَ {يَسْرِي عَلَى الْقُرْآنِ فَلَا يَبْقَى فِي الْمَصَاحِفِ مِنْهُ آيَةٌ وَلَا فِي الصُّدُورِ مِنْهُ آيَةٌ} وَهَذَا يُنَاقِضُ هَذَا. قِيلَ: لَيْسَ كَذَلِكَ. فَإِنَّ قَبْضَ الْعِلْمِ لَيْسَ قَبْضَ الْقُرْآنِ بِدَلِيلِ الْحَدِيثِ الْآخَرِ {هَذَا أَوَانٌ يُقْبَضُ الْعِلْمُ. فَقَالَ بَعْضُ الْأَنْصَارِ: وَكَيْفَ يُقْبَضُ وَقَدْ قَرَأْنَا الْقُرْآنَ وَأَقْرَأْنَاهُ نِسَاءَنَا وَأَبْنَاءَنَا؟ فَقَالَ: ثَكِلَتْك أُمُّك إنْ كُنْت لَأَحْسِبُك لَمِنْ أَفْقَهِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَوْ لَيْسَتْ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ عِنْدَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى؟ فَمَاذَا يُغْنِي عَنْهُمْ؟} . فَتَبَيَّنَ أَنَّ مُجَرَّدَ بَقَاءِ حِفْظِ الْكِتَابِ لَا يُوجِبُ هَذَا الْعِلْمَ لَا سِيَّمَا أَنَّ الْقُرْآنَ يَقْرَؤُهُ الْمُنَافِقُ وَالْمُؤْمِنُ وَيَقْرَؤُهُ الْأُمِّيُّ الَّذِي لَا يَعْلَمُ الْكِتَابَ إلَّا أَمَانِيَّ. وَقَدْ قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: " الْعِلْمُ عِلْمَانِ: عِلْمٌ فِي الْقَلْبِ وَعِلْمٌ عَلَى اللِّسَانِ. فَعِلْمُ الْقَلْبِ هُوَ الْعِلْمُ النَّافِعُ وَعِلْمُ اللِّسَانِ حُجَّةُ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ ". فَإِذَا قَبَضَ اللَّهُ الْعُلَمَاءَ بَقِيَ مَنْ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ بِلَا عِلْمٍ فَيَسْرِي عَلَيْهِ مِنْ الْمَصَاحِفِ وَالصُّدُورِ. فَإِنْ قِيلَ: فَفِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ الَّذِي فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ حَدَّثَهُمْ عَنْ قَبْضِ الْأَمَانَةِ وَأَنَّ {الرَّجُلَ يَنَامُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ الْأَمَانَةُ مِنْ قَلْبِهِ فَيَظَلُّ أَثَرُهَا مِثْلَ الْوَكْتِ. ثُمَّ يَنَامُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ الْأَمَانَةُ مِنْ قَلْبِهِ فَيَظَلُّ
(18/304)

أَثَرُهَا مِثْلَ أَثَرِ الْمَجْلِ كَجَمْرِ دَحْرَجْته عَلَى رِجْلِك فَتَرَاهُ مُنْتَبِرًا وَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ} . قِيلَ: وَقَبْضُ الْأَمَانَةِ وَالْإِيمَانِ لَيْسَ هُوَ قَبْضِ الْعِلْمِ. فَإِنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يُؤْتَى إيمَانًا مَعَ نَقْصِ عِلْمِهِ. فَمِثْلُ هَذَا الْإِيمَانِ قَدْ يُرْفَعُ مِنْ صَدْرِهِ كَإِيمَانِ بَنِي إسْرَائِيلَ لَمَّا رَأَوْا الْعِجْلَ. وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ الْعِلْمَ مَعَ الْإِيمَانِ فَهَذَا لَا يُرْفَعُ مِنْ صَدْرِهِ. وَمِثْلُ هَذَا لَا يَرْتَدُّ عَنْ الْإِسْلَامِ قَطُّ بِخِلَافِ مُجَرَّدِ الْقُرْآنِ أَوْ مُجَرَّدِ الْإِيمَانِ فَإِنَّ هَذَا قَدْ يَرْتَفِعُ. فَهَذَا هُوَ الْوَاقِعُ. لَكِنْ أَكْثَرُ مَا نَجِدُ الرِّدَّةَ فِيمَنْ عِنْدَهُ قُرْآنٌ بِلَا عِلْمٍ وَإِيمَانٍ أَوْ مَنْ عِنْدَهُ إيمَانٌ بِلَا عِلْمٍ وَقُرْآنٍ. فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ الْقُرْآنَ وَالْإِيمَانَ فَحَصَلَ فِيهِ الْعِلْمُ فَهَذَا لَا يُرْفَعُ مِنْ صَدْرِهِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(18/305)

وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
فَصْل:
وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {مِثْل أُمَّتِي كَمَثَلِ الْغَيْث لَا يَدْرِي أَوَّله خَيْر أَوْ آخِره} فَهَذَا قَدْ رَوَاهُ أَحْمَد فِي الْمُسْنَد وَقَدْ ضَعَّفَهُ بَعْضُ النَّاسِ وَبَعْضهمْ لَمْ يُضْعِفْهُ لَكِنْ قَالَ مَعْنَاهُ: أَنَّهُ يَكُونُ فِي آخِرِ الْأُمَّةِ مِنْ يُقَارِبُ أَوَّلهمْ فِي الْفَضْلِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ حَتَّى يُشْتَبَهَ عَلَى النَّاظِرِ أَيّهمَا أَفْضَل وَإِنْ كَانَ اللَّه يَعْلَمُ أَنَّ الْأَوَّل أَفْضَلَ كَمَا يُقَالُ فِي الثَّوْبِ الْمُتَشَابِهِ الطَّرَفَيْنِ: هَذَا الثَّوْبُ لَا يَدْرِي أَيّ طَرَفَيْهِ خَيْر مَعَ الْعِلْم بِأَنَّ أَحَدَ طَرَفَيْهِ خَيْر مِنْ الْآخَرِ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ قَالَ: لَا يَدْرِي أَوَّله خَيْر أَوْ آخِره وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ اللَّه يَعْلَمُ أَيّهمَا خَيْر إذَا كَانَ الْأَمْر كَذَلِكَ وَإِنَّمَا يَنْفِي الْعِلْم عَنْ الْمَخْلُوقِ لَا عَنْ الْخَالِقِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ التَّشَابُه وَالتَّقَارُب وَمَا كَانَ كَذَلِكَ اشْتَبَهَ عَلَى الْمَخْلُوقِ أَيّهمَا خَيْر.
(18/306)

وَسُئِلَ:
عَنْ حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: {سَبْعَةٌ لَا تَمُوتُ وَلَا تَفْنَى وَلَا تَذُوقُ الْفَنَاءَ: النَّارُ وَسُكَّانُهَا وَاللَّوْحُ وَالْقَلَمُ وَالْكُرْسِيُّ وَالْعَرْشُ} فَهَلْ هَذَا الْحَدِيثُ صَحِيحٌ أَمْ لَا؟ .
فَأَجَابَ: هَذَا الْخَبَرُ بِهَذَا اللَّفْظِ لَيْسَ مِنْ كَلَامِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ كَلَامِ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ. وَقَدْ اتَّفَقَ سَلَفُ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتُهَا وَسَائِرُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ عَلَى أَنَّ مِنْ الْمَخْلُوقَاتِ مَا لَا يَعْدَمُ وَلَا يَفْنَى بِالْكُلِّيَّةِ كَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَالْعَرْشِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَلَمْ يَقُلْ بِفَنَاءِ جَمِيعِ الْمَخْلُوقَاتِ إلَّا طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ الْمُبْتَدِعِينَ كَالْجَهْمِ بْنِ صَفْوَانَ وَمَنْ وَافَقَهُ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ وَنَحْوِهِمْ وَهَذَا قَوْلٌ بَاطِلٌ يُخَالِفُ كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ رَسُولِهِ وَإِجْمَاعَ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا. كَمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الدَّلَالَةِ عَلَى بَقَاءِ الْجَنَّةِ وَأَهْلِهَا وَبَقَاءِ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَا تَتَّسِعُ هَذِهِ الْوَرَقَةُ لِذِكْرِهِ. وَقَدْ اسْتَدَلَّ طَوَائِفُ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ والمتفلسفة عَلَى امْتِنَاعِ فَنَاءِ جَمِيعِ الْمَخْلُوقَاتِ بِأَدِلَّةِ عَقْلِيَّةٍ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(18/307)

وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ:
فَصْلٌ:
قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {أُعْطِيت جَوَامِعَ الْكَلِمِ - وَرُوِيَ - وَخَوَاتِمَهُ - وَرُوِيَ وَفَوَاتِحَهُ وَخَوَاتِمَهُ} وَقَالَ فِي حَدِيثٍ: {أُعْطِيَ نَبِيُّكُمْ جَوَامِعَ الْكَلِمِ وَفَوَاتِحَهُ وَخَوَاتِمَهُ} . وَهَذَا حَدِيثٌ شَرِيفٌ جَامِعٌ وَذَلِكَ أَنَّ الْكَلِمَ نَوْعَانِ: إنْشَائِيَّةٌ فِيهَا الطَّلَبُ وَالْإِرَادَةُ وَالْعَمَلُ. وَإِخْبَارِيَّةٌ فِيهَا الِاعْتِقَادُ وَالْعِلْمُ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْعِلْمِ وَالْإِرَادَةِ الَّذِي هُوَ الْخَبَرُ وَالطَّلَبُ فِيهِ فُرُوعٌ كَثِيرَةٌ وَلَهُ أُصُولٌ مُحِيطَةٌ. وَهِيَ نَوْعَانِ: كُلِّيَّةٌ جَامِعَةٌ عَامَّةٌ وَأَوَّلِيَّةٌ عَلِيَّةٌ فَالْعُلُومُ الْكُلِّيَّةُ وَالْأَوَّلِيَّةُ وَالْإِرَادَاتُ وَالتَّدَابِيرُ وَالْأَوَامِرُ الْكُلِّيَّةُ وَالْأَوَّلِيَّةُ هِيَ جِمَاعُ أَمْرِ الْوُجُودِ كُلِّهِ. وَالْخَبَرُ الْمَطْلُوبُ كُلُّهُ الْحَقُّ الْمَوْجُودُ وَالْحَقُّ الْمَقْصُودُ؛ وَلِهَذَا كَانَ الْقِيَاسُ الْعَقْلِيِّ وَالشَّرْعِيِّ وَغَيْرِهِمَا نَوْعَيْنِ: قِيَاسُ شُمُولٍ وَقِيَاسُ تَعْلِيلٍ. فَإِنَّ قِيَاسَ التَّمْثِيلِ مُنْدَرِجٌ فِي أَحَدِهِمَا؛ لِأَنَّ الْقَدْرَ الْمُشْتَرَكَ بَيْن الْمَثَلَيْنِ إنْ كَانَ هُوَ مَحَلَّ الْحُكْمِ فَهُوَ قِيَاسُ شُمُولٍ
(18/308)

وَإِنْ كَانَ مَنَاطَ الْحُكْمِ فَهُوَ قِيَاسُ تَعْلِيلٍ. وَذَلِكَ أَنَّ الْعُلُومَ وَالْإِرَادَاتِ وَمَا يَظْهَرُ ذَلِكَ مِنْ الْكَلِمَةِ الْخَبَرِيَّةِ وَالطَّلَبِيَّةِ إذَا كَانَتْ عَامَّةً جَامِعَةً كُلِّيَّةً فَقَدْ دَخَلَ فِيهَا كُلُّ مَطْلُوبٍ فَلَمْ يَبْقَ مِمَّا يَطْلُبُ عِلْمَهُ شَيْءٌ وَكُلُّ مَقْصُودٍ مِنْ الْخَبَرِ فَلَمْ يَبْقَ فِيهَا مِمَّا يَطْلُبُ قَصْدَهُ شَيْءٌ ثُمَّ ذَلِكَ عِلْمٌ وَإِرَادَةٌ لِنَفْسِهَا وَذَاتِهَا سَوَاءٌ كَانَتْ مُفْرَدَةً أَوْ مُرَكَّبَةً. ثُمَّ لَا بُدَّ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِهَا عِلَّتَانِ: إحْدَاهُمَا السَّبَبُ وَهِيَ الْعِلَّةُ الْفَاعِلَةُ وَالثَّانِي الْحِكْمَةُ: وَهِيَ الْعِلَّةُ الغائية. فَذَلِكَ هُوَ الْعِلْمُ وَالْإِرَادَةُ لِلْأُمُورِ الْأَوَّلِيَّةِ. فَإِنَّ السَّبَبَ وَالْفَاعِلَ أَدَلُّ فِي الْوُجُودِ الْعَيْنِيِّ. وَالْحِكْمَةُ وَالْغَايَةُ أَدَلُّ فِي الْوُجُودِ الْعِلْمِيِّ الْإِرَادِيِّ؛ وَلِهَذَا كَانَتْ الْعِلَّةُ الغائية عِلَّةً فَاعِلِيَّةً لِلْعِلَّةِ الْفَاعِلِيَّةِ. وَكَانَتْ هِيَ فِي الْحَقِيقَةِ عِلَّةَ الْعِلَلِ لِتَقَدُّمِهَا عِلْمًا وَقَصْدًا وَأَنَّهَا قَدْ تَسْتَغْنِي عَنْ الْمَعْلُولِ وَالْمَعْلُولُ لَا يَسْتَغْنِي عَنْهَا وَأَنَّ الْفَاعِلَ لَا يَكُونُ فَاعِلًا إلَّا بِهَا وَأَنَّهَا هِيَ كَمَالُ الْوُجُودِ وَتَمَامُهُ؛ وَلِهَذَا قُدِّمَتْ فِي قَوْلِهِ: {إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} . فَإِذَا كَانَتْ الْحِكَمُ الْمُظْهِرَةُ لِلْعَلَمِ وَالطَّلَبِ فِيهَا الْفَوَاتِحُ وَفِيهَا الْخَوَاتِمُ جَمَعَتْ نَوْعَيْ الْعِلَّتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ. وَإِذَا كَانَتْ جَامِعَةً كَانَتْ عِلَّةً عَامَّةً.
(18/309)

وَقَالَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ الْكُرَبِ الَّذِي رَوَاهُ أَحْمَد مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ: {اللَّهُمَّ إنِّي عَبْدُك ابْنُ عَبْدِك ابْنُ أَمَتِك نَاصِيَتِي بِيَدِك أَسْأَلُك بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَك سَمَّيْت بِهِ نَفْسَك أَوْ أَنْزَلْته فِي كِتَابِك أَوْ عَلَّمْته أَحَدًا مِنْ خَلْقِك أَوْ اسْتَأْثَرْت بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَك أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي وَنُورَ صَدْرِي وَجَلَاءَ حُزْنِي وَذَهَابَ هَمِّي وَغَمِّي إلَّا أَذْهَبَ اللَّهُ هَمَّهُ وَغَمَّهُ وَأَبْدَلَهُ بِهِ فَرَحًا} . الرَّبِيعُ: هُوَ الْمَطَرُ الْمُنْبِتُ لِلرَّبِيعِ وَمِنْهُ قَوْلُهُ فِي دُعَاءِ الِاسْتِسْقَاءِ: {اللَّهُمَّ اسْقِنَا غَيْثًا مُغِيثًا رَبِيعًا مُرْبِعًا} وَهُوَ الْمَطَرُ الوسمي الَّذِي يَسِمُ الْأَرْضَ بِالنَّبَاتِ وَمِنْهُ قَوْلُهُ: {الْقُرْآنُ رَبِيعٌ لِلْمُؤْمِنِ} . فَسَأَلَ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَهُ مَاءً يُحْيِ بِهِ قَلْبَهُ كَمَا يُحْيِ الْأَرْضَ بِالرَّبِيعِ. وَنُورًا لِصَدْرِهِ. وَالْحَيَاةُ وَالنُّورُ جِمَاعُ الْكَمَالِ كَمَا قَالَ: {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ} وَفِي خُطْبَةِ أَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ: يُحْيُونَ بِكِتَابِ اللَّهِ الْمَوْتَى وَيُبَصِّرُونَ بِنُورِ اللَّهِ أَهْلَ الْعَمَى؛ لِأَنَّهُ
(18/310)

بِالْحَيَاةِ يَخْرُجُ عَنْ الْمَوْتِ وَبِالنُّورِ يَخْرُجُ عَنْ ظُلْمَةِ الْجَهْلِ فَيَصِيرُ حَيًّا عَالِمًا نَاطِقًا وَهُوَ كَمَالُ الصِّفَاتِ فِي الْمَخْلُوقِ. وَكَذَلِكَ قَدْ قِيلَ فِي الْخَالِقِ حَتَّى النَّصَارَى فَسَّرُوا الْأَبَ وَالِابْنَ وَرُوحَ الْقُدُسِ بِالْمَوْجُودِ الْحَيِّ الْعَالِمِ. وَالْغَزَالِيُّ رَدَّ صِفَاتِ اللَّهِ إلَى الْحَيِّ الْعَالِمِ وَهُوَ مُوَافِقٌ فِي الْمَعْنَى لِقَوْلِ الْفَلَاسِفَةِ: عَاقِلٌ وَمَعْقُولٌ وَعَقْلٌ؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ يَتْبَعُ الْكَلَامَ الْخَبَرِيَّ وَيَسْتَلْزِمُ الْإِرَادَةَ وَالْكَلَامَ الطَّلَبِيَّ؛ لِأَنَّ كُلَّ حَيٍّ عَالِمٌ فَلَهُ إرَادَةٌ وَكَلَامٌ وَيَسْتَلْزِمُ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ لَكِنْ هَذَا لَيْسَ بِجَيِّدِ لِأَنَّهُ يُقَالُ: فَالْحَيُّ نَفْسُهُ مُسْتَلْزِمٌ لِجَمِيعِ الصِّفَاتِ وَهُوَ أَصْلُهَا؛ وَلِهَذَا كَانَ أَعْظَمَ آيَةٍ فِي الْقُرْآنِ: {اللَّهُ لَا إلَهَ إلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} . وَهُوَ الِاسْمُ الْأَعْظَمُ؛ لِأَنَّهُ مَا مِنْ حَيٍّ إلَّا وَهُوَ شَاعِرٌ مُرِيدٌ فَاسْتَلْزَمَ جَمِيعَ الصِّفَاتِ فَلَوْ اكْتَفَى فِي الصِّفَاتِ بِالتَّلَازُمِ لَاكْتَفَى بِالْحَيِّ وَهَذَا يَنْفَعُ فِي الدَّلَالَةِ وَالْوُجُودِ لَكِنْ لَا يَصِحُّ أَنْ يُجْعَلَ مَعْنَى الْعَالِمِ هُوَ مَعْنَى الْمُرِيدِ فَإِنَّ الْمَلْزُومَ لَيْسَ هُوَ عَيْنَ اللَّازِمِ وَإِلَّا فَالذَّاتُ الْمُقَدَّسَةُ مُسْتَلْزِمَةٌ لِجَمِيعِ الصِّفَاتِ. فَإِنْ قِيلَ: فَلِمَ جَمَعَ فِي الْمَطْلُوبِ لَنَا بَيْنَ مَا يُوجِبُ الْحَيَاةَ وَالنُّورَ فَقَطْ دُونَ الِاقْتِصَارِ عَلَى الْحَيَاةِ أَوْ الِازْدِيَادِ مِنْ الْقُدْرَةِ وَغَيْرِهَا؟ قِيلَ: لِأَنَّ الْأَحْيَاءَ الْآدَمِيِّينَ فِيهِمْ مَنْ يَهْتَدِي إلَى الْحَقِّ وَفِيهِمْ مَنْ لَا يَهْتَدِي. فَالْهِدَايَةُ كَمَالُ الْحَيَاةِ وَأَمَّا الْقُدْرَةُ فَشَرْطٌ فِي
(18/311)

التَّكْلِيفِ لَا فِي السَّعَادَةِ فَلَا يَضُرُّ فَقْدُهَا وَنُورُ الصَّدْرِ يَمْنَعُ أَنْ يُرِيدَ سِوَاهُ. ثُمَّ قَوْلُهُ: {رَبِيعَ قَلْبِي وَنُورَ صَدْرِي} لِأَنَّهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ: الْحَيَا لَا يَتَعَدَّى مَحَلَّهُ؛ بَلْ إذَا نَزَلَ الرَّبِيعُ بِأَرْضِ أَحْيَاهَا. أَمَّا النُّورُ فَإِنَّهُ يَنْتَشِرُ ضَوْءُهُ عَنْ مَحَلِّهِ. فَلَمَّا كَانَ الصَّدْرُ حَاوِيًا لِلْقَلْبِ جَعَلَ الرَّبِيعَ فِي الْقَلْبِ وَالنُّورَ فِي الصَّدْرِ لِانْتِشَارِهِ كَمَا فَسَّرَتْهُ الْمِشْكَاةُ؛ فِي قَوْلِهِ: {مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ} وَهُوَ الْقَلْبُ.
(18/312)

وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ:
فَصْلٌ:
وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ} فَهُوَ مِنْ أَصَحِّ الْأَحَادِيثِ وَقَالَ أَنَسٌ فَمَا فَرِحَ الْمُسْلِمُونَ بِشَيْءِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ فَرَحَهُمْ بِهَذَا الْحَدِيثِ فَأَنَا أُحِبُّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَأَرْجُو أَنْ يَحْشُرَنِي اللَّهُ مَعَهُمْ وَإِنْ لَمْ أَعْمَلْ مِثْلَ أَعْمَالِهِمْ وَكَذَلِكَ (*) {أَوْثَقُ عُرَى الْإِسْلَامِ الْحُبُّ فِي اللَّهِ وَالْبُغْضُ فِي اللَّهِ} لَكِنْ هَذَا بِحَيْثُ أَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ مَا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَمَنْ يُحِبُّهُ اللَّهُ فَيُحِبُّ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ كُلَّهُمْ؛ لِأَنَّ اللَّهَ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّ كُلَّ مَنْ عَلِمَ أَنَّهُ مَاتَ عَلَى الْإِيمَانِ وَالتَّقْوَى فَإِنَّ هَؤُلَاءِ أَوْلِيَاءُ اللَّهِ وَاَللَّهُ يُحِبُّهُمْ كَاَلَّذِينَ يَشْهَدُ لَهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْجَنَّةِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ وَأَهْلِ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ. فَمَنْ شَهِدَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْجَنَّةِ شَهِدْنَا لَهُ بِالْجَنَّةِ وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَشْهَدْ لَهُ بِالْجَنَّةِ فَقَدْ قَالَ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ: لَا نَشْهَدُ لَهُ بِالْجَنَّةِ
__________

[تعليق مُعِدّ الكتاب للشاملة]
(*) قال الشيخ ناصر بن حمد الفهد (ص 153) :
هذا الفصل مستل من مجموعة فصول سبقت في المجلد الحادي عشر، وهذا الفصل موجود هناك في (11 / 517 - 530) ، وبين الموضعين فروق نبهت على بعضها في المجلد الحادي عشر، إلا أنه سقط هنا بعض المواضع تم استدراكها كما يلي:
1 - 18 / 319: (قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث الصحيح: " يقول الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي [نصفين، ولعبدي ما سأل، فإذا قال: " الحمد لله رب العالمين " قال: حمدني عبدي] ، فإذا قال: " الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ "، قال: أثني عليّ عبدي. . .) ، وما بين المعقوفتين سقط من الحديث، وهو في 11 / 524.
2 - 18 / 321: (فتقبل الله عمل أبي بكر وأنزل فيه: " وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَي الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّي وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَي إِلَّا ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعلى وَلَسَوْفَ يَرْضَي ". وأما أبو طالب فلم يتقبل منه [بل أدخله الله النار، لأنه كان مشركا عاملاً لغير الله، وأبو بكر لم يطلب أجره] وجزاءه من الخلق؛ لا من النبي صلى الله عليه وسلم، ولا غيره، بل آمن به وأحبه وكَلأَهُ وأعانه بنفسه وماله، متقربًا بذلك إلى الله، وطالبًا الأجر من الله) . وما بين المعقوفتين ساقط من هذا الموضع وهو في: 11 / 526، وقد تنبه الجامع رحمه الله إلى هذا السقط فأضاف بين معقوفتين [فأبو بكر لم يطلب أجره] ، وهو بعض السقط.
3 - 18 / 322: (ويستغيث به، ولا يستغيث بالحي الذي لا يموت [ويقوي الوهم عنده أنه لولا استغاثته بالشيخ الميت لما قضيت حاجته، فهذا حرام فعله] فيقول أحدهم: إذا كانت لك حاجة. . .) ، وما بين المعقوفتين ساقط من هذا الموضع، وهو في: 11 / 527.
4 - 18 / 325: (فعلى المسلم أن يفرق بين محبة [المؤمنين ودينهم، ومحبة] النصاري والمشركين ودينهم، ويتبع أهل التوحيد والإيمان) ، وما بين المعقوفتين ساقط من هذا الموضع، وهو في: 11 / 530.
(18/313)

وَلَا نَشْهَدُ أَنَّ اللَّهَ يُحِبُّهُ. وَقَالَ طَائِفَةٌ: بَلْ مَنْ اسْتَفَاضَ مِنْ بَيْنِ النَّاسِ إيمَانُهُ وَتَقْوَاهُ وَاتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى الثَّنَاءِ عَلَيْهِ كَعُمَرِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد والْفُضَيْل بْنِ عِيَاضٍ وَأَبِي سُلَيْمَانَ الداراني وَمَعْرُوفٍ الْكَرْخِي وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - وَغَيْرِهِمْ شَهِدْنَا لَهُ بِالْجَنَّةِ؛ لِأَنَّ فِي الصَّحِيحِ: {أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرَّ عَلَيْهِ بِجِنَازَةِ فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا خَيْرًا فَقَالَ: وَجَبَتْ وَجَبَتْ وَمُرَّ عَلَيْهِ بِجِنَازَةِ فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا شَرًّا. فَقَالَ: وَجَبَتْ وَجَبَتْ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ مَا قَوْلُك وَجَبَتْ وَجَبَتْ؟ . قَالَ: هَذِهِ الْجِنَازَةُ أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهَا خَيْرًا فَقُلْت وَجَبَتْ لَهَا الْجَنَّةُ وَهَذِهِ الْجِنَازَةُ أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهَا شَرًّا فَقُلْت: وَجَبَتْ لَهَا النَّارُ: قِيلَ بِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: بِالثَّنَاءِ الْحَسَنِ وَالثَّنَاءِ السَّيِّئِ} . وَإِذَا عُلِمَ هَذَا فَكَثِيرٌ مِنْ الْمَشْهُورِينَ بِالْمَشْيَخَةِ فِي هَذِهِ الْأَزْمَانِ قَدْ يَكُونُ فِيهِمْ مِنْ الْجَهْلِ وَالضَّلَالِ وَالْمَعَاصِي وَالذُّنُوبِ مَا يَمْنَعُ شَهَادَةَ النَّاسِ لَهُمْ بِذَلِكَ؛ بَلْ قَدْ يَكُونُ فِيهِمْ الْمُنَافِقُ وَالْفَاسِقُ كَمَا أَنَّ فِيهِمْ مَنْ هُوَ مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ الْمُتَّقِينَ وَعِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ وَحِزْبِ اللَّهِ الْمُفْلِحِينَ كَمَا أَنَّ غَيْرَ الْمَشَايِخِ فِيهِمْ هَؤُلَاءِ - وَهَؤُلَاءِ فِي الْجَنَّةِ - كَالتُّجَّارِ وَالْفَلَّاحِينَ وَغَيْرِهِمْ مِنْ الْأَصْنَافِ.
(18/314)

وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَمَنْ طَلَبَ أَنْ يُحْشَرَ مَعَ شَيْخٍ لَمْ يَعْلَمْ عَاقِبَتَهُ كَانَ ضَالًّا بَلْ عَلَيْهِ أَنْ يَأْخُذَ فَيَطْلُبَ بِمَا يَعْلَمُ أَنْ يَحْشُرَهُ اللَّهُ مَعَ نَبِيِّهِ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِهِ. كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ} وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {إنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ} {وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ} . وَعَلَى هَذَا فَمَنْ أَحَبَّ شَيْخًا مُخَالِفًا لِلشَّرِيعَةِ كَانَ مَعَهُ فَإِذَا أُدْخِلَ الشَّيْخُ النَّارَ كَانَ مَعَهُ وَمَعْلُومٌ أَنَّ الشُّيُوخَ الْمُخَالِفِينَ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ أَهْلُ الضَّلَالِ وَالْجَهَالَةِ فَمَنْ كَانَ مَعَهُمْ كَانَ مَصِيرُهُ مَصِيرَ أَهْلِ الضَّلَالَةِ وَالْجَهَالَةِ وَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ الْمُتَّقِينَ كَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَغَيْرِهِمْ فَمَحَبَّةُ هَؤُلَاءِ مِنْ أَوْثَقِ عُرَى الْإِيمَانِ وَأَعْظَمِ حَسَنَاتِ الْمُتَّقِينَ وَلَوْ أَحَبَّ الرَّجُلَ لِمَا ظَهَرَ لَهُ مِنْ الْخَيْرِ الَّذِي يُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَثَابَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى مَحَبَّةِ مَا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ حَقِيقَةَ بَاطِنِهِ فَإِنَّ الْأَصْلَ هُوَ حُبُّ اللَّهِ وَحُبُّ مَا يُحِبُّهُ اللَّهُ فَمَنْ أَحَبَّ اللَّهَ وَأَحَبَّ مَا يُحِبُّهُ اللَّهُ كَانَ مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ. لَكِنَّ كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ يَدَّعِي الْمَحَبَّةَ مِنْ غَيْرِ تَحْقِيقٍ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} . قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: ادَّعَى قَوْمٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُمْ
(18/315)

يُحِبُّونَ اللَّهَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ فَمَحَبَّةُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَعِبَادِهِ الْمُتَّقِينَ تَقْتَضِي فِعْلَ مَحْبُوبَاتِهِ وَتَرْكَ مَكْرُوهَاتِهِ وَالنَّاسُ يَتَفَاضَلُونَ فِي هَذَا تَفَاضُلًا عَظِيمًا فَمَنْ كَانَ أَعْظَمَ نَصِيبًا مِنْ ذَلِكَ كَانَ أَعْظَمَ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأَمَّا مَنْ أَحَبَّ شَخْصًا لِهَوَاهُ مِثْلَ أَنْ يُحِبَّهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا مِنْهُ أَوْ لِحَاجَةِ يَقُومُ لَهُ بِهَا أَوْ لِمَالِ يتأكله بِهِ أَوْ بِعَصَبِيَّةٍ فِيهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ الْأَشْيَاءِ فَهَذِهِ لَيْسَتْ مَحَبَّةً لِلَّهِ بَلْ هَذِهِ مَحَبَّةٌ لِهَوَى النَّفْسِ وَهَذِهِ الْمَحَبَّةُ هِيَ الَّتِي تُوقِعُ أَصْحَابَهَا فِي الْكُفْرِ وَالْفُسُوقِ وَالْعِصْيَانِ. وَمَا أَكْثَرُ مَنْ يَدَّعِي حُبَّ مَشَايِخَ لِلَّهِ وَلَوْ كَانَ يُحِبُّهُمْ لِلَّهِ لَأَطَاعَ اللَّهَ الَّذِي أَحَبَّهُمْ لِأَجْلِهِ فَإِنَّ الْمَحْبُوبَ لِأَجْلِ غَيْرِهِ تَكُونُ مَحَبَّتُهُ تَابِعَةً لِمَحَبَّةِ ذَلِكَ الْغَيْرِ وَكَيْفَ يُحِبُّ شَخْصًا لِلَّهِ مَنْ لَا يَكُونُ مُحِبًّا لِلَّهِ؟ وَكَيْفَ يَكُونُ مُحِبًّا لِلَّهِ مَنْ يَكُونُ مُعْرِضًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَسَبِيلِ اللَّهِ؟ وَمَا أَكْثَرُ مَنْ يُحِبُّ شُيُوخًا أَوْ مُلُوكًا وَغَيْرَهُمْ فَيَتَّخِذُهُمْ أَنْدَادًا يُحِبُّهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمَحَبَّةِ لِلَّهِ وَالْمَحَبَّةِ مَعَ اللَّهِ ظَاهِرٌ فَأَهْلُ الشِّرْكِ يَتَّخِذُونَ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَاَلَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَأَهْلُ الْإِيمَانِ يُحِبُّونَ وَذَلِكَ أَنَّ أَهْلَ الْإِيمَانِ أَصْلُ حُبِّهِمْ هُوَ حُبُّ اللَّهِ وَمَنْ أَحَبَّ اللَّهَ أَحَبَّ مَنْ يُحِبُّهُ اللَّهُ وَمَنْ أَحَبَّهُ اللَّهُ أَحَبَّ اللَّهَ فَمَحْبُوبُ الْمَحْبُوبِ مَحْبُوبٌ لِلَّهِ يُحِبُّ اللَّهَ فَمَنْ أَحَبَّ اللَّهَ أَحَبَّهُ اللَّهُ فَيُحِبُّ مَنْ أَحَبَّ اللَّهَ.
(18/316)

وَأَمَّا أَهْلُ الشِّرْكِ فَيَتَّخِذُونَ أَنْدَادًا وَشُفَعَاءَ يَدْعُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ} وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} {أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ} {إنِّي إذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} {إنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ} وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ} {وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} . وَاَللَّهُ تَعَالَى بَعَثَ الرُّسُلَ وَأَنْزَلَ الْكُتُبَ لِيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: {إنَّا مَعْشَرَ الْأَنْبِيَاءِ دِينُنَا وَاحِدٌ} . فَالدِّينُ وَاحِدٌ وَإِنْ تَفَرَّقَتْ الشِّرْعَةُ وَالْمِنْهَاجُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إلَّا نُوحِي إلَيْهِ أَنَّهُ لَا إلَهَ إلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ} وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا
(18/317)

أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} وَمِنْ حِينِ بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا يَقْبَلُ مِنْ أَحَدٍ بَلَغَتْهُ الدَّعْوَةُ إلَّا الدِّينَ الَّذِي بَعَثَهُ بِهِ فَإِنَّ دَعْوَتَهُ عَامَّةٌ لِجَمِيعِ الْخَلَائِقِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ} وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {لَا يَسْمَعُ بِي مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ ثُمَّ لَا يُؤْمِنُ بِي إلَّا دَخَلَ النَّارَ} . وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ} {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إلَهَ إلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} . فَعَلَى الْخَلْقِ كُلِّهِمْ اتِّبَاعُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَا يَعْبُدُونَ إلَّا اللَّهَ وَيَعْبُدُونَهُ بِشَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا بِغَيْرِهَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} {إنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ
(18/318)

أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ} وَيَجْتَمِعُونَ عَلَى ذَلِكَ وَلَا يَتَفَرَّقُونَ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: {إنَّ اللَّهَ يَرْضَى لَكُمْ ثَلَاثًا: أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَأَنْ تَنَاصَحُوا مَنْ وَلَّاهُ اللَّهُ أَمْرَكُمْ} وَعِبَادَةُ اللَّهِ تَتَضَمَّنُ كَمَالَ مَحَبَّةِ اللَّهِ وَكَمَالُ الذُّلِّ لِلَّهِ فَاصِلُ الدِّينِ وَقَاعِدَتُهُ يَتَضَمَّنُ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ هُوَ الْمَعْبُودُ الَّذِي تُحِبُّهُ الْقُلُوبَ وَتَخْشَاهُ وَلَا يَكُونُ لَهَا إلَهٌ سِوَاهُ و " الْإِلَهُ " مَا تَأْلَهُهُ الْقُلُوبُ بِالْمَحَبَّةِ وَالتَّعْظِيمِ وَالرَّجَاءِ وَالْخَوْفِ وَالْإِجْلَالِ وَالْإِعْظَامِ وَنَحْوَ ذَلِكَ. وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَرْسَلَ الرُّسُلَ بِأَنَّهُ لَا إلَهَ إلَّا هُوَ فَتَخْلُو الْقُلُوبُ عَنْ مَحَبَّةٍ مَا سِوَاهُ بِمَحَبَّتِهِ وَبِرَجَائِهِ وَعَنْ سُؤَالِ مَا سِوَاهُ بِسُؤَالِهِ وَعَنْ الْعَمَلِ لِمَا سِوَاهُ بِالْعَمَلِ لَهُ وَعَنْ الِاسْتِعَانَةِ بِمَا سِوَاهُ بِالِاسْتِعَانَةِ بِهِ. وَلِهَذَا كَانَ وَسَطَ الْفَاتِحَةِ {إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: {قَسَمْت الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي فَإِذَا قَالَ: {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قَالَ. أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي وَإِذَا قَالَ: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} قَالَ: مَجَّدَنِي عَبْدِي وَإِذَا قَالَ: {إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} قَالَ: هَذِهِ الْآيَةُ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ وَإِذَا قَالَ: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ}
(18/319)

{صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} قَالَ: هَؤُلَاءِ لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ} فَوَسَطُ السُّورَةِ: {إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} فَالدِّينُ أَنْ لَا يُعْبَدَ إلَّا اللَّهُ وَلَا يُسْتَعَانُ إلَّا إيَّاهُ. وَالْمَلَائِكَةُ وَالْأَنْبِيَاءُ وَغَيْرُهُمْ عِبَادُ اللَّهِ. كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إلَيْهِ جَمِيعًا} {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا} فَالْحُبُّ لِغَيْرِ اللَّهِ كَحُبِّ النَّصَارَى لِلْمَسِيحِ وَحُبِّ الْيَهُودِ لِمُوسَى وَحُبِّ الرَّافِضَةِ لِعَلِيِّ وَحُبِّ الْغُلَاةِ لِشُيُوخِهِمْ وَأَئِمَّتِهِمْ مِثْلَ مَنْ يُوَالِي شَيْخًا أَوْ إمَامًا وَيُنَفِّرُ عَنْ نَظِيرِهِ وَهُمَا مُتَقَارِبَانِ أَوْ مُتَسَاوِيَانِ فِي الرُّتْبَةِ فَهَذَا مِنْ جِنْسِ أَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِينَ آمَنُوا بِبَعْضِ الرُّسُلِ وَكَفَرُوا بِبَعْضِ وَحَالُ الرَّافِضَةِ الَّذِينَ يُوَالُونَ بَعْضَ الصَّحَابَةِ وَيُعَادُونَ بَعْضَهُمْ وَحَالُ أَهْلِ الْعَصَبِيَّةِ مِنْ الْمُنْتَسِبِينَ إلَى فِقْهٍ وَزُهْدٍ: الَّذِينَ يُوَالُونَ الشُّيُوخَ وَالْأَئِمَّةَ دُونَ الْبَعْضِ. وَإِنَّمَا الْمُؤْمِنُ مَنْ يُوَالِي جَمِيعَ أَهْلِ الْإِيمَانِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {إنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ} وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا - وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ -} وَقَالَ: {مَثَلُ
(18/320)

الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ كَمَثَلِ الْجَسَدِ إذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالْحُمَّى وَالسَّهَرِ} وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ {لَا تَقَاطَعُوا؛ وَلَا تَدَابَرُوا وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إخْوَانًا} . وَمِمَّا يُبَيِّنُ الْحُبَّ لِلَّهِ وَالْحَبَّ لِغَيْرِ اللَّهِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَانَ يُحِبُّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُخْلِصًا لِلَّهِ وَأَبُو طَالِبٍ عَمُّهُ كَانَ يُحِبُّهُ وَيَنْصُرُهُ لِهَوَاهُ لَا لِلَّهِ فَتَقَبَّلَ اللَّهُ عَمَلَ أَبِي بَكْرٍ وَأَنْزَلَ فِيهِ: {وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى} {الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى} {وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى} {إلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى} {وَلَسَوْفَ يَرْضَى} . وَأَمَّا أَبُو طَالِبٍ فَلَمْ يَتَقَبَّلْ مِنْهُ - فَأَبُو بَكْرٍ لَمْ يَطْلُبْ أَجْرَهُ وَجَزَاءَهُ مِنْ الْخَلْقِ: لَا مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا غَيْرِهِ؛ بَلْ آمَنَ بِهِ وَأَحَبَّهُ وَكَلَأَهُ وَأَعَانَهُ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ مُتَقَرِّبًا بِذَلِكَ إلَى اللَّهِ وَطَالِبًا الْأَجْرَ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ: يُبَلِّغُ عَنْ اللَّهِ أَمْرَهُ وَنَهْيَهُ وَوَعْدَهُ وَوَعِيدَهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ} . وَاَللَّهُ هُوَ الَّذِي يَخْلُقُ وَيُرْزَقُ وَيُعْطِي وَيَمْنَعُ وَيَخْفِضُ وَيَرْفَعُ وَيَعِزُّ وَيُذِلُّ وَهُوَ - سُبْحَانَهُ - مُسَبِّبُ الْأَسْبَابِ وَرَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَمَلِيكُهُ وَالْأَسْبَابُ الَّتِي يَفْعَلُهَا الْعِبَادُ مِنْهَا مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَأَبَاحَهُ فَهَذَا يُسْلَكُ وَمِنْهَا مَا نَهَى عَنْهُ نَهْيًا خَالِصًا أَوْ كَانَ مِنْ الْبِدَعِ الَّتِي لَمْ يَأْذَنْ اللَّهُ بِهَا فَهَذَا لَا يُسْلَكُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى. {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ
(18/321)

مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ} {وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ} . بَيَّنَ سُبْحَانَهُ ضَلَالَ الَّذِينَ يَدَعُونَ الْمَخْلُوقَ مِنْ الْمَلَائِكَةِ وَالْأَنْبِيَاءِ وَغَيْرِهِمْ فَبَيَّنَ أَنَّ الْمَخْلُوقِينَ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّهُ لَا شَرِكَةَ لَهُمْ ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّهُ لَا عَوْنَ لَهُ وَلَا ظَهِيرَ؛ لِأَنَّ أَهْلَ الشِّرْكِ يُشَبِّهُونَ الْخَالِقَ بِالْمَخْلُوقِ كَمَا يَقُولُ بَعْضُهُمْ إذَا كَانَتْ لَك حَاجَةٌ: اسْتَوْحِ الشَّيْخَ فُلَانًا فَإِنَّك تَجِدُهُ أَوْ تَوَجَّهْ إلَى ضَرِيحِهِ خُطُوَاتٍ وَنَادِ: يَا شَيْخَ تُقْضَى حَاجَتُك وَهَذَا غَلَطٌ لَا يَحِلُّ فِعْلُهُ وَإِنْ كَانَ مِنْ هَؤُلَاءِ الدَّاعِينَ لِغَيْرِ اللَّهِ مَنْ يَرَى صُورَةَ الْمَدْعُوِّ أَحْيَانًا فَذَلِكَ شَيْطَانٌ يُمَثَّلُ لَهُ كَمَا وَقَعَ مِثْلُ هَذَا لِعَدَدِ كَثِيرٍ وَنَظِيرٌ هَذَا قَوْلُ بَعْضِ الْجُهَّالِ مِنْ أَتْبَاعِ الشَّيْخِ عَدِيٍّ وَغَيْرِهِ: كُلُّ رِزْقٍ لَا يَجِيءُ عَلَى يَدِ الشَّيْخِ لَا أُرِيدُهُ. وَالْعَجَبُ مِنْ ذِي عَقْلٍ سَلِيمٍ يَسْتَوْحِي مَنْ هُوَ مَيِّتٌ وَيَسْتَغِيثُ بِهِ - وَلَا يَسْتَغِيثُ بِالْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ - فَيَقُولُ أَحَدُهُمْ: إذَا كَانَتْ لَك حَاجَةٌ إلَى مَلِكٍ تَوَسَّلْت إلَيْهِ بِأَعْوَانِهِ فَهَكَذَا يَتَوَسَّلُ إلَيْهِ بِالشُّيُوخِ وَهَذَا كَلَامُ أَهْلِ الشِّرْكِ وَالضَّلَالِ فَإِنَّ الْمَلِكَ لَا يَعْلَمُ حَوَائِجَ رَعِيَّتِهِ وَلَا يَقْدِرُ عَلَى قَضَائِهَا وَحْدَهُ وَلَا يُرِيدُ ذَلِكَ إلَّا لِغَرَضِ يَحْصُلُ
(18/322)

لَهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِكُلِّ شَيْءٍ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فَالْأَسْبَابُ مِنْهُ وَإِلَيْهِ. وَمَا مِنْ سَبَبٍ مِنْ الْأَسْبَابِ إلَّا دَائِرٌ مَوْقُوفٌ عَلَى أَسْبَابٍ أُخْرَى وَلَهُ مُعَارَضَاتٌ فَالنَّارُ لَا تُحْرِقُ إلَّا إذَا كَانَ الْمَحَلُّ قَابِلًا فَلَا تُحْرِقُ السمندل وَإِذَا شَاءَ اللَّهُ مَنَعَ أَثَرَهَا كَمَا فَعَلَ بِإِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَأَمَّا مَشِيئَةُ الرَّبِّ فَلَا تَحْتَاجُ إلَى غَيْرِهِ وَلَا مَانِعَ لَهَا بَلْ مَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ وَهُوَ سُبْحَانَهُ أَرْحَمُ مِنْ الْوَالِدَةِ بِوَلَدِهَا يُحْسِنُ إلَيْهِمْ وَيَرْحَمُهُمْ وَيَكْشِفُ ضُرَّهُمْ مَعَ غِنَاهُ عَنْهُمْ وَافْتِقَارِهِمْ إلَيْهِ {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} فَنَفَى الرَّبَّ هَذَا كُلَّهُ فَلَمْ يُبْقِ إلَّا الشَّفَاعَةَ فَقَالَ. {وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ} وَقَالَ: {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلَّا بِإِذْنِهِ} فَهُوَ الَّذِي يَأْذَنُ فِي الشَّفَاعَةِ وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُهَا فَالْجَمِيعُ مِنْهُ وَحْدَهُ. وَكُلَّمَا كَانَ الرَّجُلُ أَعْظَمَ إخْلَاصًا لِلَّهِ كَانَتْ شَفَاعَةُ الرَّسُولِ أَقْرَبَ إلَيْهِ {قَالَ لَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ: مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِك يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: مَنْ قَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ يَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ} . وَأَمَّا الَّذِينَ يَتَوَكَّلُونَ عَلَى فُلَانٍ لِيَشْفَعَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ تَعَالَى وَيَتَعَلَّقُونَ بِفُلَانِ فَهَؤُلَاءِ مِنْ جَنْسِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ اتَّخَذُوا شُفَعَاءَ مِنْ
(18/323)

دُونِ اللَّهِ تَعَالَى قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ} {قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا} وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ} وَقَالَ: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا} {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا} قَالَ طَائِفَةٌ مِنْ السَّلَفِ كَانَ أَقْوَامٌ يَدْعُونَ الْمَسِيحَ وَالْعُزَيْرَ وَالْمَلَائِكَةَ فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ هَؤُلَاءِ الْأَنْبِيَاءَ وَالْمَلَائِكَةَ عِبَادُهُ كَمَا أَنَّ هَؤُلَاءِ عِبَادُهُ هَؤُلَاءِ يَتَقَرَّبُونَ إلَى اللَّهِ وَهَؤُلَاءِ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ وَهَؤُلَاءِ يَخَافُونَ عَذَابَ اللَّهِ فَالْمُشْرِكُونَ اتَّخَذُوا مَعَ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ؛ وَاِتَّخَذُوا شُفَعَاءَ يَشْفَعُونَ لَهُمْ عِنْدَ اللَّهِ فَفِيهِمْ مَحَبَّةٌ لَهُمْ وَإِشْرَاكٌ بِهِمْ وَفِيهِمْ مِنْ جِنْسِ مَا فِي النَّصَارَى مِنْ حُبِّ الْمَسِيحِ وَإِشْرَاكٍ بِهِ. وَالْمُؤْمِنُونَ أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ فَلَا يَعْبُدُونَ إلَّا اللَّهَ وَحْدَهُ وَلَا يَجْعَلُونَ مَعَهُ شَيْئًا يُحِبُّونَهُ كَحُبِّهِ لَا أَنْبِيَاءَهُ وَلَا غَيْرَهُمْ بَلْ أَحَبُّوا مَا أَحَبَّهُ بِمَحَبَّتِهِمْ لِلَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ وَعَلِمُوا أَنَّ أَحَدًا لَا يَشْفَعُ لَهُمْ إلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ فَأَحَبُّوا عَبْدَ اللَّهِ وَرَسُولَهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَحُبِّ اللَّهِ وَعَلِمُوا أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ الْمُبَلِّغُ عَنْ اللَّهِ فَأَطَاعُوهُ فِيمَا أَمَرَ وَصَدَّقُوهُ فِيمَا أَخْبَرَ وَلَمْ يَرْجُوَا إلَّا اللَّهَ وَلَمْ يَخَافُوا إلَّا اللَّهَ وَلَمْ يَسْأَلُوا إلَّا اللَّهَ وَشَفَاعَتُهُ لِمَنْ
(18/324)

يَشْفَعُ لَهُ هُوَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَا يَنْفَعُ رَجَاؤُنَا لِلشَّفِيعِ وَلَا مَخَافَتُنَا لَهُ وَإِنَّمَا يَنْفَعُ تَوْحِيدُنَا وَإِخْلَاصُنَا لِلَّهِ وَتَوَكُّلُنَا عَلَيْهِ فَهُوَ الَّذِي يَأْذَنُ لِلشَّفِيعِ. فَعَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ مَحَبَّةِ النَّصَارَى وَالْمُشْرِكِينَ وَدِينِهِمْ وَيَتَّبِعَ أَهْلَ التَّوْحِيدِ وَالْإِيمَانِ وَيَخْرُجُ عَنْ مُشَابَهَةِ الْمُشْرِكِينَ وَعَبَدَةِ الصُّلْبَانِ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: {ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ: مَنْ كَانَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا وَمَنْ كَانَ يُحِبُّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إلَّا لِلَّهِ وَمَنْ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ إذْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنْهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ} {قُلْ إنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} . وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةً عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةً عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} وَهَذَا بَابٌ وَاسِعٌ وَدِينُ الْإِسْلَامِ مَبْنِيٌّ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ وَالْقُرْآنُ يَدُورُ عَلَيْهِ.
(18/325)

وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
عَنْ " الْمَسْكَنَةِ " وَعَنْ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مِسْكِينًا وَأَمِتْنِي مِسْكِينًا وَاحْشُرْنِي فِي زُمْرَةِ الْمَسَاكِينِ}
فَأَجَابَ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ، هَذَا الْحَدِيثُ قَدْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَدْ ذَكَرَهُ أَبُو الْفَرَجِ فِي الْمَوْضُوعَاتِ وَسَوَاءٌ صَحَّ لَفْظُهُ أَوْ لَمْ يَصِحَّ: فَالْمِسْكِينُ الْمَحْمُودُ هُوَ الْمُتَوَاضِعُ الْخَاشِعُ لِلَّهِ؛ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالْمَسْكَنَةِ عَدَمَ الْمَالِ بَلْ قَدْ يَكُونُ الرَّجُلُ فَقِيرًا مِنْ الْمَالِ وَهُوَ جَبَّارٌ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: {ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: مَلِكٌ كَذَّابٌ وَفَقِيرٌ مُخْتَالٌ وَشَيْخٌ زَانٍ} وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: {أَنَا عَبْدٌ آكُلُ كَمَا يَأْكُلُ الْعَبْدُ وَأَجْلِسُ كَمَا يَجْلِسُ الْعَبْدُ} فَالْمَسْكَنَةُ خُلُقٌ فِي النَّفْسِ وَهُوَ التَّوَاضُعُ وَالْخُشُوعُ وَاللِّينُ ضِدُّ الْكِبْرِ. كَمَا قَالَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ {وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا} وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
(18/326)

مَسَاكِينُ أَهْلِ الْحُبِّ حَتَّى قُبُورُهُمْ ... عَلَيْهَا تُرَابُ الذُّلِّ بَيْنَ الْمَقَابِرِ
أَيْ أَذِلَّاءُ فَالْحُبُّ يُعْطِي الذُّلَّ وَعِبَادَةُ اللَّهِ تَجْمَعُ كَمَالَ الْحُبِّ لَهُ وَكَمَالَ الذُّلِّ لَهُ فَمَنْ كَانَ مُحِبًّا شَيْئًا وَلَمْ يَكُنْ ذَلِيلًا لَهُ لَمْ يَكُنْ عَابِدًا وَمَنْ كَانَ ذَلِيلًا لَهُ وَهُوَ مُبْغِضٌ لَمْ يَكُنْ عَابِدًا وَالْحُبُّ دَرَجَاتٌ: أَعْلَاهُ التتيم وَهُوَ التَّعَبُّدُ وَتَيَّمَ اللَّهَ عَبَدَ اللَّهَ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا} الْآيَاتِ. وَشَوَاهِدُ هَذَا الْأَصْلُ كَثِيرَةٌ.
(18/327)

وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ:
فَصْلٌ:
جَمَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ الْعِفَّةِ وَالْغِنَى فِي عِدَّةِ أَحَادِيثَ مِنْهَا قَوْلُهُ فِي حَدِيث أَبِي سَعِيدٍ الْمُخَرَّجُ فِي الصَّحِيحَيْنِ: {مَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللَّهُ} وَمِنْهَا قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: {أَهْلُ الْجَنَّةِ ثَلَاثَةٌ: ذُو سُلْطَانٍ مُقْسِطٌ وَرَجُلٌ غَنِيٌّ عَفِيفٌ مُتَصَدِّقٌ} وَمِنْهَا قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ الْخَيْلِ الَّذِي فِي الصَّحِيحِ: {وَرَجُلٌ ارْتَبَطَهَا تَغَنِّيًا وَتَعَفُّفًا. وَلَمْ يَنْسَ حَقَّ اللَّهَ فِي رِقَابِهَا وَظُهُورِهَا فَهِيَ لَهُ سِتْرٌ} وَمِنْهَا مَا رُوِيَ عَنْهُ: {مَنْ طَلَبَ الْمَالَ اسْتِغْنَاءً عَنْ النَّاسِ وَاسْتِعْفَافًا عَنْ الْمَسْأَلَةِ لَقِيَ اللَّهَ وَوَجْهُهُ كَالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ} . وَمِنْهَا قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ عُمَرَ وَغَيْرِهِ: {مَا أَتَاك مِنْ هَذَا الْمَالِ وَأَنْتَ غَيْرُ سَائِلٍ وَلَا مُشْرِفٍ فَخُذْهُ} فَالسَّائِلُ بِلِسَانِهِ وَهُوَ ضِدُّ الْمُتَعَفِّفِ وَالْمُشْرِفُ بِقَلْبِهِ وَهُوَ ضِدُّ الْغِنَى. قَالَ فِي حَقِّ الْفُقَرَاءِ: {يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ}
(18/328)

أَيْ عَنْ السُّؤَالِ لِلنَّاسِ. وَقَالَ: {لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ الْعَرَضِ وَإِنَّمَا الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ} فَغِنَى النَّفْسِ الَّذِي لَا يَسْتَشْرِفُ إلَى الْمَخْلُوقِ فَإِنَّ الْحُرَّ عَبْدٌ مَا طَمِعَ وَالْعَبْدُ حُرٌّ مَا قَنِعَ. وَقَدْ قِيلَ: أَطَعْت مَطَامِعِي فَاسْتَعْبَدَتْنِي. فَكَرِهَ أَنْ يَتَّبِعَ نَفْسَهُ مَا اسْتَشْرَفَتْ لَهُ لِئَلَّا يَبْقَى فِي الْقَلْبِ فَقْرٌ وَطَمَعٌ إلَى الْمَخْلُوقِ؛ فَإِنَّهُ خِلَافَ التَّوَكُّلِ الْمَأْمُورِ بِهِ وَخِلَافَ غِنَى النَّفْسِ.
(18/329)

وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ:
فَصْلٌ:
جَاءَ فِي حَدِيثٍ {إنَّ أَكْبَرَ الْكَبَائِرِ الْكُفْرُ وَالْكِبْرُ} وَهَذَا صَحِيحٌ فَإِنَّ هَذَيْنِ الذَّنَبَيْنِ أَسَاسُ كُلِّ ذَنْبٍ فِي الْإِنْسِ وَالْجِنِّ فَإِنَّ إبْلِيسَ هُوَ الَّذِي فَعَلَ ذَلِكَ أَوَّلًا وَهُوَ أَصْلُ ذَلِكَ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {إلَّا إبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ} وَقَالَ: {إلَّا إبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ} وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {لَا يَدْخُلُ النَّارَ مَنْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ إيمَانٍ وَلَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ} فَجَعَلَ الْكِبْرَ يُضَادُّ الْإِيمَانَ. وَكَذَلِكَ الشِّرْكُ فِي مِثْلِ قَوْلِهِ: {إنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {مَنْ مَاتَ وَهُوَ لَا يُشْرِكُ بِاَللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ} قَالَ: وَأَنَا أَقُولُ: مَنْ مَاتَ وَهُوَ يُشْرِكُ بِاَللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ النَّارَ.
(18/330)

ثُمَّ مِنْ النَّاسِ مَنْ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْفَرِدُ لَهُ أَحَدُهُمَا وَالْمُؤْمِنُ الصَّالِحُ عَافَاهُ اللَّهُ مِنْهُمَا فَإِنَّ الْإِنْسَانَ إمَّا أَنْ يَخْضَعَ لِلَّهِ وَحْدَهُ أَوْ يَخْضَعَ لِغَيْرِهِ مَعَ خُضُوعِهِ لَهُ أَوْ لَا يَخْضَعُ لَا لِلَّهِ وَلَا لِغَيْرِهِ فَالْأَوَّلُ هُوَ الْمُؤْمِنُ وَالثَّانِي هُوَ الْمُشْرِكُ وَالثَّالِثُ هُوَ الْمُتَكَبِّرُ الْكَافِرُ وَقَدْ لَا يَكُونُ كَافِرًا فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ وَالنَّصَارَى آفَتُهُمْ الشِّرْكُ وَالْيَهُودُ آفَتُهُمْ الْكِبْرُ كَمَا قَالَ تَعَالَى عَنْ النَّصَارَى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إلَّا لِيَعْبُدُوا إلَهًا وَاحِدًا لَا إلَهَ إلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} وَقَالَ عَنْ الْيَهُودِ: {سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ} وَلِهَذَا عُوقِبَتْ الْيَهُودُ بِضَرْبِ الذِّلَّةِ وَالْمَسْكَنَةِ عَلَيْهِمْ وَالنَّصَارَى بِالضَّلَالِ وَالْبِدَعِ وَالْجَهَالَةِ.
(18/331)

وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ:
فَصْلٌ:
وَمِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالثَّلَاثِ الْمُهْلِكَاتِ وَالْمُنْجِيَاتِ الَّتِي ذَكَرَ أَنَّهُ عِنْدَ الْمُهْلِكَاتِ عَلَيْك بخويصة نَفْسِك. أَنَّهُ قَالَ: {شُحٌّ مُطَاعٌ وَهَوًى مُتَّبَعٌ} فَجَعَلَ هَذَا مُطَاعًا وَهَذَا مُتَّبَعًا وَهَذَا - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - لِأَنَّ الْهَوَى هَوَى النَّفْسِ وَهُوَ مَحَبَّتُهَا لِلشَّيْءِ وَشَهْوَتُهَا لَهُ سَوَاءٌ أُرِيدَ بِهِ الْمَصْدَرُ أَوْ الْمَفْعُولُ. فَصَاحِبُ الْهَوَى يَأْمُرُهُ هَوَاهُ وَيَدْعُوهُ فَيَتْبَعُهُ كَمَا تَتْبَعُ حَرَكَاتُ الْجَوَارِحِ إرَادَةَ الْقَلْبِ وَلِهَذَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا} وَقَالَ: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ} وَهَذَا يَعُمُّ الْهَوَى فِي الدِّين كَالنَّصَارَى وَأَهْلِ الْبِدَعِ فِي الْمَقَالِ وَالْقَدَرِ. كَمَا كَانَ السَّلَفُ يُسَمُّونَهُمْ أَهْلَ الْأَهْوَاءِ: مِنْ الرَّافِضَةِ وَالْخَوَارِجِ وَهَذَا الْهَوَى مَوْجُودٌ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْفُقَرَاءِ وَالْفُقَهَاءِ إلَّا مَنْ عَصَمَهُ اللَّهُ.
(18/332)

وَقَدْ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا هَلْ يَدْخُلُ الْفُقَهَاءُ الْمُخْتَلِفُونَ فِي اسْمِ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ. عَلَى وَجْهَيْنِ أَدْخَلَهُمْ فِي التَّقْسِيمِ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى وَكَذَلِكَ قَبِلَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ الإسفراييني فِيمَا أَظُنُّ وَأَنْكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ. وَأَمَّا " الشُّحُّ الْمُطَاعُ " فَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَفْسَدَتَهُ عَائِدَةٌ إلَى مَنْعِ الْخَيْرِ وَهَذَا فِي الْأَصْلِ لَيْسَ هُوَ مَحْبُوبًا وَإِنَّمَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ الْحِرْصُ عَلَى الْمَشْحُوحِ بِهِ فَإِنَّهُ مِنْ بَابِ النَّفْرَةِ وَالْبُغْضِ فَهُوَ يَأْمُرُ صَاحِبَهُ فَيُطِيعُهُ وَلَيْسَ كُلُّ مُطَاعٍ مُتَّبَعًا وَإِنْ كَانَ كُلُّ مُتَّبِعٍ مُطَاعًا فَإِنَّ الْإِنْسَانَ يُطِيعُ الطَّبِيبَ وَالْأَمِيرَ وَغَيْرَهُمَا فِي أُمُورٍ خَاصَّةٍ وَلَيْسَ مُتَّبِعًا لَهُمْ أَمَّا التَّابِعُ لِغَيْرِهِ فَهُوَ مُطِيعٌ وَزِيَادَةٌ فَإِنَّهُ يَذْهَبُ مَعَهُ حَيْثُمَا ذَهَبَ. وَفَرْقٌ ثَانٍ أَنَّ الْمُتَّبِعَ الَّذِي يَطْلُبُ فِي نَفْسِهِ فَغَايَةُ الْمُتَّبَعِ إدْرَاكُهُ وَنَيْلُهُ وَهَذَا شَأْنُ الْهَوَى. وَأَمَّا الْمُطَاعُ فَغَايَةٌ لِغَيْرِهِ وَهَذَا شَأْنُ الشُّحِّ. وَتَحْقِيقُ مَعْنَى الشُّحِّ أَنَّهُ شِدَّةُ الْمَنْعِ الَّتِي تَقُومُ فِي النَّفْسِ. كَمَا يُقَالُ شَحِيحٌ بِدِينِهِ وَضَنِينٌ بِدِينِهِ فَهُوَ خُلُقٌ فِي النَّفْسِ وَالْبُخْلُ مِنْ فُرُوعِهِ. كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: {إيَّاكُمْ وَالشُّحَّ فَإِنَّ الشُّحَّ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ أَمَرَهُمْ بِالْبُخْلِ فَبَخِلُوا وَأَمَرَهُمْ بِالظُّلْمِ فَظَلَمُوا وَأَمَرَهُمْ بِالْقَطِيعَةِ فَقَطَعُوا} وَكَذَلِكَ فِي حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي طَوَافِهِ: رَبِّ قِنِي
(18/333)

شُحَّ نَفْسِي. فَقِيلَ لَهُ: مَا أَكْثَرُ مَا تَسْتَعِيذُ مِنْ ذَلِكَ فَقَالَ: إذَا وُقِيت شُحَّ نَفْسِي وُقِيت الظُّلْمَ وَالْبُخْلَ وَالْقَطِيعَةَ أَوْ كَمَا قَالَ؛ وَلِهَذَا بَيَّنَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ أَنَّ الشُّحَّ وَالْحَسَدَ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ فِي قَوْلِهِ: {وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} فَأَخْبَرَ عَنْهُمْ بِأَنَّهُمْ يَبْذُلُونَ مَا عِنْدَهُمْ مِنْ الْخَيْرِ مَعَ الْحَاجَةِ وَأَنَّهُمْ لَا يَكْرَهُونَ مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَى إخْوَانِهِمْ وَضِدُّ الْأَوَّلِ الْبُخْلُ وَضِدُّ الثَّانِي الْحَسَدُ. وَلِهَذَا كَانَ الْبُخْلُ وَالْحَسَدُ مِنْ نَوْعٍ وَاحِدٍ فَإِنَّ الْحَاسِدَ يَكْرَهُ عَطَاءَ غَيْرِهِ وَالْبَاخِلُ لَا يُحِبُّ عَطَاءَ نَفْسِهِ ثُمَّ قَالَ: {وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} فَإِنَّ الشُّحَّ أَصْلٌ لِلْبُخْلِ وَأَصْلٌ لِلْحَسَدِ وَهُوَ ضِيقُ النَّفْسِ وَعَدَمُ إرَادَتِهَا وَكَرَاهَتِهَا لِلْخَيْرِ عَلَى الْغَيْرِ فَيَتَوَلَّدُ عَنْ ذَلِكَ امْتِنَاعُهُ مِنْ النَّفْعِ وَهُوَ الْبُخْلُ وَإِضْرَارُ الْمُنْعِمِ عَلَيْهِ وَهُوَ الظُّلْمُ وَإِذَا كَانَ فِي الْأَقَارِبِ كَانَ قَطِيعَةً. وَلِهَذَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي رَوَاهُ. . . (1) النَّسَائِي مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: {لَا يَجْتَمِعُ فِي النَّارِ
__________

[تعليق مُعِدّ الكتاب للشاملة]
(1) خرم بالأصل
وقع في هاتين الصفحتين سقط - أشار إليه الجامع رحمه الله - وتصحيف أيضاً، في ثلاثة مواضع، ولعل صواب ما ورد هو:
(ولهذا في حديث أبي هريرة الذي رواه [أحمد و] النسائي من حديث محمد بن عَجْلان، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا يجتمع في النار مسلم قتل كافرًا ثم سدد وقارب، ولا يجتمعان في جوف مؤمن: غبار في سبيل الله وفَيْحُ جهنم، ولا يجتمعان في قلب عبد: الإيمان والحسد " ورواه النسائي أيضًا من حديث جرير، عن سهيل [عن صفوان] بن أبي يزيد، عن القعقاع بن [اللجلاج] ، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم في جوف عبد أبدًا، ولا يجتمع الشح والإيمان في قلب عبد أبدًا ".)
(18/334)

مُسْلِمٌ قَتَلَ كَافِرًا ثُمَّ سَدَّدَ وَقَارَبَ وَلَا يَجْتَمِعَانِ فِي جَوْفِ مُؤْمِنٍ غُبَارٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَفِيحُ جَهَنَّمَ وَلَا يَجْتَمِعَانِ فِي قَلْبِ عَبْدٍ الْإِيمَانُ وَالْحَسَدُ} وَرَوَاهُ النَّسَائِي أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ جَريرٍ عَنْ سُهَيْلِ عَنْ صَفْوَانِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ عَنْ الْقَعْقَاعِ بْنِ اللَّجْلَاجِ (*) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {لَا يَجْتَمِعُ غُبَارٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَدُخَانُ جَهَنَّمَ فِي جَوْفِ عَبْدٍ أَبَدًا وَلَا يَجْتَمِعُ الشُّحُّ وَالْإِيمَانُ فِي قَلْبِ عَبْدٍ أَبَدًا} . . . (1) فَانْظُرْ كَيْفَ ذَكَرَ الشُّحَّ فِي الرِّوَايَاتِ الْمَشْهُورَةِ وَفِي الْأُخْرَى وَالْحَسَدَ وَاللَّفْظُ الْأَوَّلُ أَجْمَعَ وَكَيْفَ قَرَنَ فِي الْحَدِيثِ السَّمَاحَةَ وَالشَّجَاعَةَ كَمَا قَالَ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: {شَرُّ مَا فِي الْمَرْءِ: شُحٌّ هَالِعٌ وَجُبْنٌ خَالِعٌ} فَمَدْحُ الشَّجَاعَةِ فِي سَبِيلِ اللَّه وَذَمُّ الشُّحِّ. وَنَظِيرُ هَذَا قَوْلُهُ: {إنَّ مِنْ الْخُيَلَاءِ مَا يُحِبُّهَا اللَّهُ وَهُوَ اخْتِيَالُ الرَّجُلِ بِنَفْسِهِ عِنْدَ الْحَرْبِ وَعِنْدَ الصَّدَقَةِ} وَقُصِدَ مِنْ الْحَدِيثِ قَوْلُهُ: {وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} فَحَصَرَ الْمُفْلِحِينَ فِيمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ وَالشَّحِيحُ الَّذِي لَا يُحِبُّ فِعْلَ الْخَيْرِ وَاَلَّذِي يَضُرُّ نَفْسَهُ وَيَكْرَهُ النِّعْمَةَ عَلَى غَيْرِهِ.
__________

[تعليق مُعِدّ الكتاب للشاملة]
(1) بياض بالأصل
(*) قال الشيخ ناصر بن حمد الفهد (ص 154 - هامش 2) :
ورد في الفتاوى: القعقاع واللحلاح، وهو تصحيف، والتصحيح من النسائي: (3110) .
(18/335)

وَسُئِلَ:
عَنْ أَحَادِيثَ: هَلْ هِيَ صَحِيحَةٌ؟ وَهَلْ رَوَاهَا أَحَدٌ مِنْ الْمُعْتَبَرِينَ بِإِسْنَادِ صَحِيحٍ؟ وَهِيَ قَوْلُهُ: {أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْعَقْلَ قَالَ لَهُ: أَقْبِلْ فَأَقْبَلَ. ثُمَّ قَالَ لَهُ: أَدْبِرْ فَأَدْبَرَ. ثُمَّ قَالَ: وَعِزَّتِي وَجَلَالِي مَا خَلَقْت خَلْقًا أَكْرَمَ عَلَيَّ مِنْك: بِك آخُذُ وَبِك أُعْطِي؛ وَبِك أُثِيبُ وَبِك أُعَاقِبُ} . وَقَوْلُهُ: {أُمِرْت أَنْ أُخَاطِبَ النَّاسَ عَلَى قَدْرِ عُقُولِهِمْ} وَهَلْ هَذَا اللَّفْظُ هُوَ لَفْظٌ حَدِيثٌ؟ أَوْ فِيهِ تَحْرِيفٌ؟ أَوْ زِيَادَةٌ أَوْ نَقْصٌ؟ وَقَوْلُهُ: {إنَّ اللَّهَ مَنَّ عَلَيَّ فِيمَا مَنْ عَلَيَّ: أَنْ أَعْطَيْتُك فَاتِحَةَ الْكِتَابِ وَهِيَ مِنْ كُنُوزِ عَرْشِي قَسَمْتهَا بَيْنِي وَبَيْنَك نِصْفَيْنِ} وَقَوْلُهُ: {النَّاسُ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثٍ: الْمَاءِ وَالْكَلَأِ وَالنَّارِ} .
فَأَجَابَ:
أَمَّا الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ فَهُوَ كَذِبٌ مَوْضُوعٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ لَيْسَ هُوَ فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِ الْإِسْلَامِ الْمُعْتَمَدَةِ وَإِنَّمَا يَرْوِيه مِثْلُ دَاوُد ابْنِ الْمُحَبِّرِ وَأَمْثَالِهِ مِنْ الْمُصَنِّفِينَ فِي الْعَقْلِ وَيَذْكُرُهُ أَصْحَابُ " رَسَائِلِ إخْوَانِ الصَّفَا " وَنَحْوُهُمْ مِنْ الْمُتَفَلْسِفَةِ وَقَدْ ذَكَرَهُ أَبُو حَامِدٍ فِي بَعْضِ
(18/336)

كُتُبِهِ وَابْنُ عَرَبِيٍّ وَابْنُ سَبْعِينَ وَأَمْثَالُ هَؤُلَاءِ وَهُوَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ كَذِبٌ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيَّ وَأَبُو الْفَرَجِ ابْنُ الْجَوْزِيِّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ الْمُصَنِّفِينَ فِي عِلْمِ الْحَدِيثِ. وَمَعَ هَذَا فَلَفْظُ الْحَدِيثِ: {أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْعَقْلَ قَالَ لَهُ: أَقْبِلْ فَأَقْبَلَ وَقَالَ لَهُ أَدْبِرْ فَأَدْبَرَ قَالَ مَا خَلَقْت خَلْقًا أَكْرَمَ عَلَيَّ مِنْك فَبِك آخُذُ. وَبِك أُعْطِي وَبِك الثَّوَابُ وَبِك الْعِقَابُ} وَفِي لَفْظٍ {لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الْعَقْلَ قَالَ لَهُ: كَذَلِكَ} وَمَعْنَى هَذَا اللَّفْظِ أَنَّهُ قَالَ لِلْعَقْلِ فِي أَوَّلِ أَوْقَاتِ خَلْقِهِ؛ لَيْسَ فِيهِ أَنَّ الْعَقْلَ أَوَّلُ الْمَخْلُوقَاتِ لَكِنْ الْمُتَفَلْسِفَةُ الْقَائِلُونَ بِقِدَمِ الْعَالَمِ أَتْبَاعُ أَرِسْطُو هُمْ وَمَنْ سَلَكَ سَبِيلَهُمْ مِنْ بَاطِنِيَّةِ الشِّيعَةِ وَالْمُتَصَوِّفَةِ وَالْمُتَكَلِّمَةِ رَوَوْهُ أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْعُقُلَ بِالضَّمِّ لِيَكُونَ ذَلِكَ حُجَّةً لِمَذْهَبِهِمْ فِي أَنَّ أَوَّلَ الْمُبْدِعَاتِ هُوَ الْعَقْلُ الْأَوَّلُ وَهَذَا اللَّفْظُ لَمْ يَرْوِهِ بِهِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ بَلْ اللَّفْظُ الْمَرْوِيُّ مَعَ ضَعْفِهِ يَدُلُّ عَلَى نَقِيضِ هَذَا الْمَعْنَى فَإِنَّهُ قَالَ: {مَا خَلَقْت خَلْقًا أَكْرَمَ عَلَيَّ مِنْك} فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ قَدْ خَلَقَ قَبْلَهُ غَيْرَهُ وَاَلَّذِي يُسَمِّيه الْفَلَاسِفَةُ الْعَقْلَ الْأَوَّلَ لَيْسَ قَبْلَهُ مَخْلُوقٌ عِنْدَهُمْ. وَأَيْضًا فَإِنَّهُ قَالَ: {بِك آخُذُ وَبِك أُعْطِي وَبِك الثَّوَابُ وَبِك الْعِقَابُ} فَجَعَلَ بِهِ هَذِهِ الْأَعْرَاضَ الْأَرْبَعَةَ وَعِنْدَ أُولَئِكَ الْمُتَفَلْسِفَةِ الْبَاطِنِيَّةِ:
(18/337)

أَنَّ جَمِيعَ الْعَالَمِ صَدَرَ عَنْ الْعَقْلِ الْأَوَّلِ وَهُوَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا عِنْدَهُمْ وَإِنْ كَانَ مَرْبُوبًا لِلْوَاجِبِ بِنَفْسِهِ وَهُوَ عِنْدَهُمْ مُتَوَلِّدٌ عَنْ اللَّهِ لَازِمٌ لِذَاتِهِ وَلَيْسَ هَذَا قَوْلَ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْمِلَلِ لَا الْمُسْلِمِينَ وَلَا الْيَهُودِ وَلَا النَّصَارَى إلَّا مَنْ أَلْحَدَ مِنْهُمْ وَلَا هُوَ قَوْلُ الْمَجُوسِ وَلَا جُمْهُورِ الصَّابِئِينَ وَلَا أَكْثَرِ الْمُشْرِكِينَ وَلَا جُمْهُورِ الْفَلَاسِفَةِ بَلْ هُوَ قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ. وَأَيْضًا فَإِنَّ الْعَقْلَ فِي لُغَةِ الْمُسْلِمِينَ عَرَضٌ مِنْ الْأَعْرَاضِ قَائِمٌ بِغَيْرِهِ وَهُوَ غَرِيزَةٌ أَوْ عِلْمٌ أَوْ عَمَلٌ بِالْعِلْمِ؛ لَيْسَ الْعَقْلُ فِي لُغَتِهِمْ جَوْهَرًا قَائِمًا بِنَفْسِهِ فَيَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ أَوَّلَ الْمَخْلُوقَاتِ عَرَضًا قَائِمًا بِغَيْرِهِ فَإِنَّ الْعَرَضَ لَا يَقُومُ إلَّا بِمَحَلِّ فَيَمْتَنِعُ وُجُودُهُ قَبْلَ وُجُودِ شَيْءٍ مِنْ الْأَعْيَانِ وَأَمَّا أُولَئِكَ الْمُتَفَلْسِفَةُ: فَفِي اصْطِلَاحِهِمْ أَنَّهُ جَوْهَرٌ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ وَلَيْسَ هَذَا الْمَعْنَى هُوَ مَعْنَى الْعَقْلِ فِي لُغَةِ الْمُسْلِمِينَ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاطَبَ الْمُسْلِمِينَ بِلُغَةِ الْعَرَبِ لَا بِلُغَةِ الْيُونَانِ فَعَلِمَ أَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي أَرَادَهُ الْمُتَفَلْسِفَةُ لَمْ يَقْصِدْهُ الرَّسُولُ لَوْ كَانَ تَكَلَّمَ بِهَذَا اللَّفْظِ فَكَيْفَ إذَا لَمْ يَتَكَلَّمْ بِهِ.
وَأَمَّا الْحَدِيثُ الثَّانِي وَهُوَ قَوْلُهُ: {أُمِرْت أَنْ أُخَاطِبَ النَّاسَ عَلَى قَدْرِ عُقُولِهِمْ} فَهَذَا لَمْ يَرْوِهِ أَحَدٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِمْ فِي الرِّوَايَةِ وَلَيْسَ هُوَ فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِهِمْ وَخِطَابُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِلنَّاسِ
(18/338)

عَامٌّ يَتَنَاوَلُ جَمِيعَ الْمُكَلَّفِينَ كَقَوْلِهِ: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ} {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} {يَا عِبَادِيَ} {يَا بَنِي إسْرَائِيلَ} وَكَذَلِكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُخَاطِبُ النَّاسَ عَلَى مِنْبَرِهِ بِكَلَامِ وَاحِدٍ يَسْمَعُهُ كُلُّ أَحَدٍ؛ لَكِنْ النَّاسُ يَتَفَاضَلُونَ فِي فَهْمِ الْكَلَامِ بِحَسَبِ مَا يَخُصُّ اللَّهُ بِهِ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِنْ قُوَّةِ الْفَهْمِ وَحُسْنِ الْعَقِيدَةِ. وَلِهَذَا كَانَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ أَعْلَمَهُمْ بِمُرَادِهِ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: {أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فَقَالَ: إنَّ عَبْدًا خَيَّرَهُ اللَّهُ بَيْنَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَاخْتَارَ ذَلِكَ الْعَبْدُ مَا عِنْدَ اللَّهِ قَالَ: فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ وَقَالَ: نَفْدِيك بِأَنْفُسِنَا وَأَمْوَالِنَا فَجَعَلَ النَّاسُ يَعْجَبُونَ مِنْهُ وَيَقُولُونَ: عَجَبًا لِهَذَا الشَّيْخِ؛ بَكَى أَنْ ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَبْدًا خَيَّرَهُ اللَّهُ بَيْنَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ قَالَ: فَكَانَ رَسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ الْمُخَيَّرَ وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ أَعْلَمَنَا بِهِ} فَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَرَ عَبْدًا مُطْلَقًا لَمْ يُعَيِّنْهُ وَلَكِنْ أَبُو بَكْرٍ عَرَفَ عَيْنَهُ. وَمَا يَرْوِيه بَعْضُ النَّاسِ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: {كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ يَتَحَدَّثَانِ وَكُنْت كَالزِّنْجِيِّ بَيْنَهُمَا} فَهَذَا كَذِبٌ مُخْتَلَقٌ وَكَذَلِكَ مَا يُرْوَى أَنَّهُ أَجَابَ أَبَا بَكْرٍ بِجَوَابِ وَأَجَابَ عَائِشَةَ بِجَوَابِ فَهَذَا كَذِبٌ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
(18/339)

سُئِلَ:
عَنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ: {مَنْ طَافَ بِهَذَا الْبَيْتِ أُسْبُوعًا إيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا قَدْ سَلَفَ} وَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {مَنْ وَقَفَ بِعَرَفَاتِ وَظَنَّ أَنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ لَهُ لَا غَفَرَ اللَّهُ لَهُ} وَأَيْضًا: {لَوْ مَرَّ بِعَرَفَاتِ رَاعِي غَنَمٍ - وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ يَوْمُ عَرَفَةَ - غُفِرَ لَهُ} وَقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ {مَنْ حَجَّ وَلَمْ يَزُرْنِي فَقَدْ جَفَانِي وَمَنْ زَارَنِي فَقَدْ وَجَبَتْ لَهُ شَفَاعَتِي} هَلْ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ فِي الصَّحِيحِ أَمْ لَا؟ وَمَا مَعْنَى قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: {مَقَامُ إبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا} ؟ .
فَأَجَابَ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَيْسَ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ حَدِيثٌ - لَا فِي الصَّحِيحِ وَلَا فِي السُّنَنِ وَفِيهَا مَا مَعْنَاهُ مُخَالِفٌ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فَإِنَّهُ لَوْ وَقَفَ الرَّجُلُ بِعَرَفَاتِ خَائِفًا مِنْ اللَّهِ أَنْ لَا يَغْفِرَ لَهُ ذُنُوبَهُ؛ لِكَوْنِهَا كَبَائِرَ لَمْ يُقَلْ: إنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ لَهُ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرَ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ فَمَا دُونَ الشِّرْكِ إنْ شَاءَ اللَّهُ غَفَرَهُ لِصَاحِبِهِ وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَغْفِرْهُ لَكِنْ إذَا تَابَ الْعَبْدُ مِنْ الذَّنْبِ غَفَرَهُ اللَّهُ لَهُ شِرْكًا كَانَ أَوْ غَيْرَ شِرْكٍ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: {يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى
(18/340)

أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا} فَهَذَا فِي حَقِّ التَّائِبِ. وَأَيْضًا فَالْوَاقِفُ بِعَرَفَاتِ لَا يَسْقُطُ عَنْهُ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ مِنْ صَلَاةٍ وَزَكَاةٍ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ بَلْ هُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ أَوْكَدُ مِنْ الْحَجِّ بِمَا لَا نِسْبَةَ بَيْنَهُمَا. فَإِنَّ الْحَجَّ يَجِبُ مَرَّةً فِي الْعُمُرِ عَلَى الْمُسْتَطِيعِ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَحُجَّ بَعْدَ الْهِجْرَةِ إلَّا حَجَّةً وَاحِدَةً وَأَمَّا الصَّلَاةُ فَإِنَّهَا فَرْضٌ عَلَى كُلِّ عَاقِلٍ بَالِغٍ - إلَّا الْحَائِضَ وَالنُّفَسَاءَ - سَوَاءٌ كَانَ صَحِيحًا أَوْ مَرِيضًا آمِنًا أَوْ خَائِفًا غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ نَحْوَ أَرْبَعِينَ رَكْعَةً سَبْعَةَ عَشَرَ فَرِيضَةً وَالسُّنَنُ الرَّوَاتِبُ عَشْرُ رَكَعَاتٍ أَوْ اثْنَتَا عَشْرَةَ رَكْعَةً وَقِيَامُ اللَّيْلِ أَحَدَ عَشَرَ رَكْعَةً أَوْ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً وَكَذَلِكَ حُقُوقُ الْعِبَادِ مِنْ الذُّنُوبِ وَالْمَظَالِمِ وَغَيْرِهَا لَا تَسْقُطُ بِالْحَجِّ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ. وَالْحَدِيثُ الَّذِي يُرْوَى فِي سُقُوطِ الْمَظَالِمِ وَغَيْرِهَا بِذَلِكَ فِي حَدِيثِ عَبَّاسِ بْنِ مِرْدَاسٍ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: {الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ وَالْجُمُعَةُ إلَى الْجُمُعَةِ وَرَمَضَانُ إلَى رَمَضَانَ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ إذَا اُجْتُنِبَتْ الْكَبَائِرُ} فَهَذِهِ الْأُمُورُ الَّتِي هِيَ أَعْظَمُ مِنْ الْحَجِّ وَلَكِنَّ الْكَبَائِرَ تُكَفِّرُهَا التَّوْبَةُ مِنْهَا بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ.
(18/341)

وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: {مَنْ حَجَّ وَلَمْ يَزُرْنِي فَقَدْ جَفَانِي} كَذِبٌ فَإِنَّ جَفَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَرَامٌ وَزِيَارَةُ قَبْرِهِ لَيْسَتْ وَاجِبَةً بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ وَلَمْ يَثْبُتْ عَنْهُ حَدِيثٌ فِي زِيَارَةِ قَبْرِهِ بَلْ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ الَّتِي تُرْوَى - مَنْ زَارَنِي وَزَارَ أَبِي فِي عَامٍ وَاحِدٍ ضَمِنْت لَهُ عَلَى اللَّهِ الْجَنَّةَ - وَأَمْثَالُ ذَلِكَ كَذِبٌ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ. وَقَدْ رَوَى الدارقطني وَغَيْرُهُ فِي زِيَارَةِ قَبْرِهِ أَحَادِيثَ وَهِيَ ضَعِيفَةٌ. وَقَدْ كَرِهَ الْإِمَامُ مَالِكٌ - وَهُوَ مِنْ أَعْلَمِ النَّاسِ بِحُقُوقِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِالسُّنَّةِ الَّتِي عَلَيْهَا أَهْلُ مَدِينَتِهِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَتَابِعِيهِمْ - كَرِهَ أَنْ يُقَالَ: زُرْت قَبْرَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَوْ كَانَ هَذَا اللَّفْظُ ثَابِتًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعْرُوفًا عِنْدَ عُلَمَاءِ الْمَدِينَةِ لَمْ يَكْرَهْ مَالِكٌ ذَلِكَ. وَأَمَّا إذَا قَالَ سَلَّمْت عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَهَذَا لَا يُكْرَهُ بِالِاتِّفَاقِ كَمَا فِي السُّنَنِ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: {مَا مِنْ رَجُلٍ يُسَلِّمُ عَلَيَّ إلَّا رَدَّ اللَّهُ عَلَيَّ رُوحِي حَتَّى أَرُدَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ} وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيْك يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ السَّلَامُ عَلَيْك يَا أَبَا بَكْرٍ السَّلَامُ عَلَيْك يَا أَبَتِ. وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: {أَكْثِرُوا عَلَيَّ مِنْ الصَّلَاةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَلَيْلَةَ الْجُمُعَةِ فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَلَيَّ قَالُوا وَكَيْفَ تُعْرَضُ صَلَاتُنَا عَلَيْك وَقَدْ أَرَمْت قَالَ: إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَى
(18/342)

الْأَرْضِ أَنْ تَأْكُلَ لُحُومَ الْأَنْبِيَاءِ} .
وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى {وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا} فَهَذَا مِنْ بَابِ الْبَيْتِ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ} وَقَالَ تَعَالَى: {فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ} {الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ} وَقَالَ تَعَالَى: {أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ} فَكَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَقْتُلُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا خَارِجَ الْحَرَمِ فَإِذَا دَخَلُوا الْحَرَمَ أَوْ لَقِيَ الرَّجُلُ قَاتِلَ أَبِيهِ لَمْ يَهْجُهُ وَكَانَ هَذَا مِنْ الْآيَاتِ الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ فِيهِ كَمَا قَالَ: {فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا} وَالْإِسْلَامُ زَادَ حُرْمَتَهُ. فَمَذْهَبُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ أَنَّ مَنْ أَصَابَ حَدًّا خَارِجَ الْحَرَمِ ثُمَّ لَجَأَ إلَى الْحَرَمِ لَمْ يَقُمْ عَلَيْهِ الْحَدُّ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْهُ كَمَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ. وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَد وَغَيْرِهِمَا؛ لِمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: {إنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللَّهُ وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ فَلَا يَحِلُّ لِأَحَدِ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا وَلَا يَعْضِدَ بِهَا شَجَرًا وَأَنَّهَا لَمْ تَحِلَّ لِأَحَدِ قَبْلِي وَلَا تَحِلُّ لِأَحَدِ بَعْدِي وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ ثُمَّ قَدْ عَادَتْ حُرْمَتُهَا الْيَوْمَ كَحُرْمَتِهَا بِالْأَمْسِ} .
(18/343)

وَمَنْ ظَنَّ أَنَّ مَنْ دَخَلَ الْحَرَمَ كَانَ آمِنًا مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ مَعَ تَرْكِ الْفَرَائِضِ مِنْ الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا وَمَعَ ارْتِكَابِ الْمَحَارِمِ فَقَدْ خَالَفَ إجْمَاعَ الْمُسْلِمِينَ فَقَدْ دَخَلَ الْبَيْتَ مِنْ الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ وَالْفَاسِقِينَ مَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(18/344)

سُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ: {مَنْ عَلَّمَك آيَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَكَأَنَّمَا مَلَكَ رِقَّك إنْ شَاءَ بَاعَك وَإِنْ شَاءَ أَعْتَقَك} فَهَلْ هَذَا فِي الْكُتُبِ السِّتَّةِ أَوْ هُوَ كَذِبٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فَأَجَابَ:
لَيْسَ هَذَا فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِ الْمُسْلِمِينَ؛ لَا فِي السِّتَّةِ وَلَا فِي غَيْرِهَا؛ بَلْ مُخَالِفٌ لِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ؛ فَإِنَّ مَنْ عَلَّمَ غَيْرَهُ لَا يَصِيرُ بِهِ مَالِكًا إنْ شَاءَ بَاعَهُ وَإِنْ شَاءَ أَعْتَقَهُ وَمَنْ اعْتَقَدَ هَذَا فَإِنَّهُ يُسْتَتَابُ فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ. وَالْحُرُّ الْمُسْلِمُ لَا يُسْتَرَقُّ وَسَيِّدُ مُعَلِّمِ النَّاسِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَّمَهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَهُوَ أَوْلَى بِهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمَعَ هَذَا فَهُمْ أَحْرَارٌ لَمْ يَسْتَرِقَّهُمْ وَلَمْ يَسْتَعْبِدْهُمْ بَلْ كَانَ حُكْمُهُ فِي أُمَّتِهِ الْأَحْرَارِ خِلَافَ حُكْمِهِ فِيمَا مَلَكَتْهُ يَمِينُهُ وَلَوْ كَانَ الْمُؤْمِنَاتُ مِلْكًا لَهُ لَجَازَ أَنْ يَطَأَ كُلَّ مُؤْمِنَةٍ بِلَا عَقْدِ نِكَاحٍ وَلَكَانَ لِمَنْ عَلَّمَ امْرَأَةً آيَةً مِنْ الْقُرْآنِ أَنْ يَطَأَهَا بِلَا نِكَاحٍ وَهَذَا لَا يَقُولُهُ مُسْلِمٌ.
(18/345)

سُئِلَ:
عَنْ مَعْنَى قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {مَنْ انْتَهَرَ صَاحِبَ بِدْعَةٍ مَلَأَ اللَّهُ قَلْبَهُ أَمْنًا وَإِيمَانًا وَأَمَّنَهُ يَوْمَ الْفَزَعِ الْأَكْبَرِ} ؟ .
فَأَجَابَ:
أَمَّا قَوْلُهُ: {مَنْ انْتَهَرَ صَاحِبَ بِدْعَةٍ مَلَأَ اللَّهُ قَلْبَهُ أَمْنًا وَإِيمَانًا} وَقَوْلُهُ: {مَنْ وَقَّرَ صَاحِبَ بِدْعَةٍ أَعَانَ عَلَى هَدْمِ الْإِسْلَامِ} وَنَحْوَ ذَلِكَ فَهَذَا الْكَلَامُ مَعْرُوفٌ عَنْ الْفُضَيْل بْنِ عِيَاضٍ. وَالْبِدْعَةُ: مَا خَالَفَتْ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ أَوْ إجْمَاعَ سَلَفِ الْأُمَّةِ مِنْ الِاعْتِقَادَاتِ وَالْعِبَادَاتِ. كَأَقْوَالِ الْخَوَارِجِ وَالرَّوَافِضِ وَالْقَدَرِيَّةِ وَالْجَهْمِيَّة وَكَاَلَّذِينَ يَتَعَبَّدُونَ بِالرَّقْصِ وَالْغِنَاءِ فِي الْمَسَاجِدِ وَاَلَّذِينَ يَتَعَبَّدُونَ بِحَلْقِ اللِّحَى وَأَكْلِ الْحَشِيشَةِ وَأَنْوَاعِ ذَلِكَ مِنْ الْبِدَعِ الَّتِي يَتَعَبَّدُ بِهَا طَوَائِفُ مِنْ الْمُخَالِفِينَ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(18/346)

سُئِلَ:
عَمَّنْ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: لَوْ كُنْت فَعَلْت كَذَا لَمْ يَجْرِ عَلَيْك شَيْءٌ مِنْ هَذَا. فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ آخَرُ سَمِعَهُ: هَذِهِ الْكَلِمَةُ قَدْ نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهَا وَهِيَ كَلِمَةٌ تُؤَدِّي قَائِلَهَا إلَى الْكُفْرِ فَقَالَ رَجُلٌ آخَرُ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قِصَّةِ مُوسَى مَعَ الْخَضَرِ: {يَرْحَمُ اللَّهُ مُوسَى وَدِدْنَا لَوْ كَانَ صَبَرَ حَتَّى يَقُصَّ اللَّهُ عَلَيْنَا مِنْ أَمْرِهِمَا} وَاسْتَدَلَّ الْآخَرُ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إلَى اللَّهِ مِنْ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ} - إلَى أَنْ قَالَ: - {فَإِنَّ كَلِمَةَ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ} فَهَلْ هَذَا نَاسِخٌ لِهَذَا أَمْ لَا؟
فَأَجَابَ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ، جَمِيعُ مَا قَالَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ حَقٌّ و " لَوْ " تُسْتَعْمَلُ عَلَى وَجْهَيْنِ: (أَحَدُهُمَا عَلَى وَجْهِ الْحُزْنِ عَلَى الْمَاضِي وَالْجَزَعِ مِنْ الْمَقْدُورِ فَهَذَا هُوَ الَّذِي نَهَى عَنْهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا
(18/347)

كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ} وَهَذَا هُوَ الَّذِي نَهَى عَنْهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَيْثُ قَالَ: {وَإِنْ أَصَابَك شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْت لَكَانَ كَذَا وَكَذَا وَلَكِنْ قُلْ: قَدَّرَ اللَّهُ وَمَا شَاءَ فَعَلَ فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ} أَيْ: تَفْتَحُ عَلَيْك الْحُزْنَ وَالْجَزَعَ وَذَلِكَ بِضُرِّ وَلَا يَنْفَعُ بَلْ اعْلَمْ أَنَّ مَا أَصَابَك لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَك وَمَا أَخْطَأَك لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَك كَمَا قَالَ تَعَالَى: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ} قَالُوا: هُوَ الرَّجُلُ تُصِيبُهُ الْمُصِيبَةُ فَيَعْلَمُ أَنَّهَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَيَرْضَى وَيُسَلِّمُ. (وَالْوَجْهُ الثَّانِي أَنْ يُقَالَ: " لَوْ " لِبَيَانِ عِلْمٍ نَافِعٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} وَلِبَيَانِ مَحَبَّةِ الْخَيْرِ وَإِرَادَتِهِ كَقَوْلِهِ: " لَوْ أَنَّ لِي مِثْلَ مَا لِفُلَانِ لَعَمِلْت مِثْلَ مَا يَعْمَلُ " وَنَحْوُهُ جَائِزٌ. وَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {وَدِدْت لَوْ أَنَّ مُوسَى صَبَرَ لِيَقُصَّ اللَّهُ عَلَيْنَا مِنْ خَبَرِهِمَا} هُوَ مِنْ هَذَا الْبَابِ كَقَوْلِهِ: {وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ} فَإِنَّ نَبِيَّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَبَّ أَنْ يَقُصَّ اللَّهُ خَبَرَهُمَا فَذَكَرَهُمَا لِبَيَانِ مَحَبَّتِهِ لِلصَّبْرِ الْمُتَرَتِّبِ عَلَيْهِ فَعَرَّفَهُ مَا يَكُونُ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْمَنْفَعَةِ وَلَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ جَزَعٌ وَلَا حُزْنٌ وَلَا تَرْكٌ لِمَا
(18/348)

يُحِبُّ مِنْ الصَّبْرِ عَلَى الْمَقْدُورِ. وَقَوْلُهُ: {وَدِدْت لَوْ أَنَّ مُوسَى صَبَرَ} قَالَ النُّحَاةُ: تَقْدِيرُ وَدِدْت أَنَّ مُوسَى صَبَرَ. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: {وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ} تَقْدِيرُهُ وَدُّوا أَنْ تُدْهِنَ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ هِيَ " لَوْ " شَرْطِيَّةٌ وَجَوَابُهَا مَحْذُوفٌ وَالْمَعْنَى عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ: مَعْلُومٌ وَهُوَ مَحَبَّةُ ذَلِكَ الْفِعْلِ وَإِرَادَتُهُ وَمَحَبَّةُ الْخَيْرِ وَإِرَادَتُهُ مَحْمُودٌ وَالْحُزْنُ وَالْجَزَعُ وَتَرْكُ الصَّبْرِ مَذْمُومٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(18/349)

وَسُئِلَ:
عَنْ قِصَّةِ إبْلِيسَ وَإِخْبَارِهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ مَعَ جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ وَسُؤَالِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ عَنْ أُمُورٍ كَثِيرَةٍ وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ إلَى صُورَتِهِ عِيَانًا وَيَسْمَعُونَ كَلَامَهُ جَهْرًا فَهَلْ ذَلِكَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ أَمْ كَذِبٌ مُخْتَلَقٌ؟ وَهَلْ جَاءَ ذَلِكَ فِي شَيْءٍ مِنْ الصِّحَاحِ وَالْمَسَانِيدِ وَالسُّنَنِ أَمْ لَا؟ وَهَلْ يَحِلُّ لِأَحَدِ أَنْ يَرْوِيَ ذَلِكَ؟ وَمَاذَا يَجِبُ عَلَى مَنْ يَرْوِي ذَلِكَ وَيُحَدِّثُهُ لِلنَّاسِ وَيَزْعُمُ أَنَّهُ صَحِيحٌ شَرْعِيٌّ؟
فَأَجَابَ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ، بَلْ هَذَا حَدِيثٌ مَكْذُوبٌ مُخْتَلَقٌ لَيْسَ هُوَ فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِ الْمُسْلِمِينَ الْمُعْتَمَدَةِ لَا الصِّحَاحِ وَلَا السُّنَنِ وَلَا الْمَسَانِيدِ. وَمَنْ عَلِمَ أَنَّهُ كَذِبٌ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَحِلَّ لَهُ أَنْ يَرْوِيَهُ عَنْهُ وَمَنْ قَالَ: إنَّهُ صَحِيحٌ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ بِحَالِهِ فَإِنْ أَصَرَّ عُوقِبَ عَلَى ذَلِكَ وَلَكِنْ فِيهِ كَلَامٌ كَثِيرٌ قَدْ جُمِعَ مِنْ أَحَادِيثَ نَبَوِيَّةٍ فَاَلَّذِي كَذَبَهُ وَاخْتَلَقَهُ جَمَعَهُ مِنْ أَحَادِيثَ بَعْضُهَا كَذِبٌ وَبَعْضُهَا صِدْقٌ فَلِهَذَا يُوجَدُ فِيهِ كَلِمَاتٌ مُتَعَدِّدَةٌ صَحِيحَةٌ؛ وَإِنْ كَانَ أَصْلُ الْحَدِيثِ وَهُوَ مَجِيءُ إبْلِيسَ عِيَانًا إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحَضْرَةِ أَصْحَابِهِ وَسُؤَالُهُ لَهُ كَذِبًا مُخْتَلَقًا لَمْ يَنْقُلْهُ أَحَدٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.
(18/350)

وَقَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -:
إنَّ كِتَابَ " تَنَقُّلَاتِ الْأَنْوَارِ " الْمَنْسُوبُ إلَى " أَحْمَد بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَكْرِيِّ " مِنْ أَعْظَمِ الْكُتُبِ كَذِبًا وَافْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَعَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ افْتَرَى فِيهِ مِنْ الْأُمُورِ مِنْ جِنْسِ مَا افْتَرَاهُ الْمُفْتَرُونَ فِي سِيرَةِ دلهمة وَالْبَطَّالِ وَسِيرَةِ عَنْتَرَةَ وَحِكَايَاتِ الرَّشِيدِ وَوَزِيرِهِ جَعْفَرٍ الْبَرْمَكِيِّ؛ وَحِكَايَاتِ الْعَيَّارِينَ: مِثْلَ الزِّئْبَقِ الْمِصْرِيِّ. وَأَحْمَد الدنق؛ وَنَحْوَ ذَلِكَ. لَكِنْ هَؤُلَاءِ يَفْتَرُونَ الْكَذِبَ عَلَى مَنْ لَيْسَ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ؛ وَصَاحِبُ الْكِتَابِ الَّذِي سَمَّاهُ " تَنَقُّلَاتِ الْأَنْوَارِ " يَفْتَرِي الْكَذِبَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَى أَصْحَابِهِ وَيَكْذِبُ عَلَيْهِ كَذِبًا لَا يُعْرَفُ أَنَّ أَحَدًا كَذَبَ مِثْلَهُ فِي كِتَابٍ وَإِنْ كَانَ فِي بَعْضِ مَا يَذْكُرُهُ صِدْقٌ قَلِيلٌ جِدًّا فَهُوَ مِنْ جِنْسِ مَا فِي سِيرَةِ عَنْتَرَةَ وَالْبَطَّالِ فَإِنَّ عَنْتَرَةَ كَانَ شَاعِرًا فَارِسًا مِنْ فُرْسَانِ الْجَاهِلِيَّةِ وَلَهُ شِعْرٌ مَعْرُوفٌ وَقَصِيدَتُهُ إحْدَى السَّبْعِ الْمُعَلَّقَاتِ لَكِنْ افْتَرَوْا عَلَيْهِ مِنْ الْكَذِبِ مَا لَا يُحْصِيه إلَّا اللَّهُ وَكُلُّ مَنْ جَاءَ زَادَ مَا فِيهَا مِنْ الْأَكَاذِيبِ.
(18/351)

وَكَذَلِكَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْبَطَّالُ كَانَ مِنْ أُمَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ الْمَعْرُوفِينَ وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ قَدْ غَزَوْا القسطنطينية غَزْوَتَيْنِ: الْأُولَى فِي خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ أَمَرَ فِيهَا ابْنَهُ يَزِيدَ وَغَزَا مَعَهُ أَبُو أَيُّوبٍ الْأَنْصَارِيُّ الَّذِي نَزَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي دَارِهِ لَمَّا قَدِمَ مُهَاجِرًا إلَى الْمَدِينَةِ وَمَاتَ أَبُو أَيُّوبٍ فِي تِلْكَ الْغَزْوَةِ وَدُفِنَ إلَى جَانِبِ القسطنطينية وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: {أَوَّلُ جَيْشٍ يَغْزُو القسطنطينية مَغْفُورٌ لَهُ} . وَالْغَزْوَةُ الثَّانِيَةُ فِي خِلَافَةِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ أَمَرَ ابْنَهُ مسلمة أَوْ خَلَّفَ الْوَلِيدَ ابْنَهُ وَأَرْسَلَ مَعَهُ جَيْشًا عَظِيمًا وَحَاصَرُوهَا وَأَقَامُوا عَلَيْهَا مُدَّةَ سِنِينَ ثُمَّ صَالَحُوهُمْ عَلَى أَنْ يَدْخُلُوهَا وَبَنَوْا فِيهَا مَسْجِدًا وَذَلِكَ الْمَسْجِدُ بَاقٍ إلَى الْيَوْمِ فَجَاءَ الْكَذَّابُونَ فَزَادُوا فِي سِيرَةِ الْبَطَّالِ وَعَبْدِ الْوَهَّابِ مِنْ الْأَكَاذِيبِ مَا لَا يُحْصِيه إلَّا اللَّهُ وَذَكَرَ دلهمة وَالْقَاضِيَ عَقِبَهُ وَأَشْيَاءَ لَا حَقِيقَةَ لَهَا. وَالْبَكْرِيُّ صَاحِبُ " تَنَقُّلَاتِ الْأَنْوَارِ " سَلَكَ مَسْلَكَ هَؤُلَاءِ الْمُفْتَرِينَ الْكَذَّابِينَ لَكِنْ كَذِبُهُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَى أَصْحَابِهِ أَفْضَلِ الْخَلْقِ بَعْدَ النَّبِيِّينَ أَكْثَرُ وَفِيهِ مِنْ أَنْوَاعِ الْأَكَاذِيبِ الْمُفْتَرِيَاتِ وَغَرَائِبِ الْمَوْضُوعَاتِ: مَا يَجِلُّ عَنْ الْوَصْفِ مِثْلَ حَدِيثِ السَّبْعِ حُصُونٍ
(18/352)

وَهَضَّامِ بْنِ جِحَافٍ وَمِثْلَ حَدِيثِ الدَّهْرِ وَرَأْسِ الْغُولِ وكلندجة وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ كُتُبِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ ذِكْرِ أَمَاكِنَ لَا وُجُودَ لَهَا وَغَزَوَاتٍ لَا حَقِيقَةَ لَهَا وَأَسْمَاءٍ وَمُسَمَّيَاتٍ لَا يَعْرِفُهَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَرِوَايَةِ أَحَادِيثَ تُخَالِفُ كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ رَسُولِهِ وَإِجْمَاعَ الْمُسْلِمِينَ وَتُخَالِفُ مَا تَوَاتَرَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَفِيهَا مِنْ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ الْمُضَافَةِ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ مَا بَرَّأَهُ اللَّهُ مِنْهُ وَهِيَ مِنْ جِنْسِ أَحَادِيثِ الزَّنَادِقَةِ الْنُصَيْرِيَّة وَأَشْبَاهِهِمْ الَّذِينَ يَخْتَلِقُونَ مَا فِيهِ غُلُوٌّ فِي عَلِيٍّ وَغَيْرِهِ وَفِيهِ مِنْ الْقَدْحِ فِي دِينِ الْإِسْلَامِ وَالْإِفْسَادِ لَهُ مَا يُوجِبُ إبَاحَةَ دَمِ مَنْ يَقُولُ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ جَاهِلًا اُسْتُتِيبَ فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ. وَأَقَلُّ مَا يُفْعَلُ بِمَنْ يَرْوِي مِثْلَ هَذَا أَنْ يُعَاقَبَ عُقُوبَةً تَرْدَعُهُ عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ وَكَذَلِكَ يَسْتَحِقُّ الْعُقُوبَةَ مَنْ يُكْرِيهَا لِمَنْ يَقْرَؤُهَا وَيُصَدِّقُ مَا فِيهَا وَمَنْ يَنْسَخُهَا أَيْضًا كَذَلِكَ. وَيَجِبُ عَلَى أَهْلِ الْعِلْمِ إظْهَارُ مَا يَعْلَمُونَ مِنْ كَذِبِ هَذِهِ وَأَمْثَالِهَا فَكَمَا يَجِبُ بَيَانُ كَذِبِ مَا نُقِلَ عَنْهُ فِي الْأَحَادِيثِ كَأَحَادِيثِ الْبُخَارِيِّ: يَجِبُ بَيَانُ كَذِبِ مَا كَذَبَ عَلَيْهِ مِنْ الْأَحَادِيثِ الْمَوْضُوعَةِ الَّتِي يَعْلَمُ أَنَّهَا كَذِبٌ كَمَا بَيَّنَ أَهْلُ الْعِلْمِ مِنْ حَالِ مَنْ كَانَ يَكْذِبُ عَلَيْهِ مِنْ الرُّوَاةِ
(18/353)

وَبَيَانِ مَا نُقِلَ عَنْهُ مِنْ الْكَذِبِ الَّذِي يَعْلَمُونَ أَنَّهُ كَذِبٌ وَكَثِيرٌ مِنْ الْمَوْضُوعَاتِ إنَّمَا يَعْلَمُ أَنَّهَا مَوْضُوعَةٌ خَوَاصُّ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْأَحَادِيثِ وَأَمَّا مِثْلُ مَا فِي " تَنَقُّلَاتِ الْأَنْوَارِ " مِنْ الْأَحَادِيثِ فَهُوَ مِمَّا يَعْلَمُهُ مَنْ لَهُ أَدْنَى عِلْمٍ بِأَحْوَالِ الرَّسُولِ وَمَغَازِيهِ أَنَّهُ كَذِبٌ. وَعَلَى وُلَاةِ الْأُمُورِ عُقُوبَةُ مَنْ يَرْوِي هَذِهِ أَوْ يُعِينُ عَلَى ذَلِكَ بِنَوْعِ مِنْ أَنْوَاعِ الْإِعَانَةِ وَلِوَلِيِّ الْأَمْرِ أَنْ يُحْرِقَهَا فَقَدْ حَرَقَ عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كُتُبًا هَذِهِ أَوْلَى بِالتَّحْرِيقِ مِنْهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(18/354)

مَا تَقُولُهُ السَّادَةُ الْعُلَمَاءُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - أَجْمَعِينَ:
فِي أُنَاسٍ قَصَّاصِينَ؟ يَنْقُلُونَ مَغَازِيَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَصَصَ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ السَّلَامُ - تَحْتَ الْقَلْعَةِ وَفِي الْجَوَامِعِ وَالْأَسْوَاقِ وَيَقُولُونَ: إنَّ النَّبِيَّ أَتَى إلَيْهِ مَلَكٌ يُقَالُ لَهُ: حَبِيبٌ فَقَالَ لَهُ: إنْ كُنْت رَسُولَ اللَّهِ فَإِنَّا نُرِيدُ أَنَّ الْقَمَرَ لَيْلَةَ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ يَعُودُ وَيَنْزِلُ مِنْ طَوْقِك وَيَطْلُعُ مِنْ أَكْمَامِك فَأَرَاهُمْ ذَلِكَ فَآمَنُوا بِهِ جَمِيعُهُمْ وَقَالَ: كَانُوا الرَّبَّ. وَيَقُولُونَ: إنَّهُ أَتَى إلَيْهِ مَلِكٌ يُقَالُ لَهُ: بَشِيرُ بْنُ غَنَّامٍ عَمِلَ عَلَيْهِ حِيلَةً وَأَخَذَ مِنْهُ تِسْعَ أَنْفُسٍ عَلَّقَهُمْ عَلَى النَّخْلِ فَبَعَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِيًّا فَخَلَّصَهُمْ وَكَانَ مِنْ جُمْلَتِهِمْ خَالِدٌ. وَأَتَى إلَيْهِ مَلِكٌ وَهُوَ فِي مَكَّةَ يُقَالُ لَهُ: الْمَلِكُ الدِّحَاقُ وَكَانَتْ لَهُ بِنْتٌ اسْمُهَا حمانة فَكَسَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَزَوْجُ بِنْتِهِ لِبِلَالِ فَقَتَلَهُ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ فَحَطَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بُرْدَتَهُ فَأَحْيَاهُ اللَّهُ لَهُ.
(18/355)

وَأَنَّهُ بُعِثَ الْمِقْدَادُ إلَى مَلِكٍ يُقَالُ لَهُ: الْمَلِكُ الْخَطَّارُ فَالْتَقَى فِي طَرِيقِهِ مَلِكَةً يُقَالُ لَهَا: رَوْضَةَ فَتَزَوَّجَ بِهَا وَرَاحَ إلَى الْمَلِكِ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْهِ فَاقْتَتَلَ هُوَ وَإِيَّاهُ فَأَسَرَهُ وَجَاءَ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَاتَلَ فِي غُزَاةِ تَبُوكَ بولص بْنُ عَبْدِ الصَّلِيبِ وَأَنَّهُ قَاتَلَ فِي الْأَحْزَابِ وَكَانُوا أُلُوفًا وَانْكَسَرَتْ الْأَحْزَابُ قُدَّامَ عَلِيٍّ سَبْعَ عَشْرَةَ فِرْقَةً وَخَلْفَ كُلِّ وَاحِدَةٍ رَجُلٌ يَضْرِبُ بِالسَّيْفِ وَيَقُولُ: أَنَا عَلِيٌّ - وَلِيُّهُ - ضَرَبَ عَمْرَو بْنَ الْعَامِرِيِّ فَقَطَعَ فَخْذَهُ فَأَخَذَ عَمْرٌو فَخِذَهُ وَضَرَبَ بِهَا فِي الْمُسْلِمِينَ فَقَلَعَ شَجَرَةً وَقَتَلَ بِهَا جَمَاعَةً مِنْهُمْ وَالْمَلَائِكَةُ ضَجَّتْ عِنْدَ ذَلِكَ وَقَالُوا: لَا سَيْفَ إلَّا ذُو الْفَقَارِ وَلَا فَتَى إلَّا عَلِيٌّ. وَأَنَّ عَلِيًّا قَاتَلَ الْجِنَّ فِي الْبِئْرِ وَرَمَاهُ بِالْمَنْجَنِيقِ إلَى حِصْنِ الْغُرَابِ وَجَاءَتْ رَمْيَتُهُ نَاقِصَةً فَمَشَى فِي الْهَوَاءِ وَأَنَّهُ ضَرَبَ مَرْحَبًا الْيَهُودِيَّ وَكَانَ عَلَى رَأْسِهِ جُرْنٌ رُخَامٌ فَقُسِمَ لَهُ وَلِلْفَرَسِ نِصْفَيْنِ وَأَنَّهُ عَبَرَ الْعَسْكَرُ عَلَى زَنْدِهِ إلَى خَيْبَرَ وَهَدَّ الْحِصْنَ وَأَنَّ ذُو الْفَقَارِ أُنْزِلَ إلَيْهِ مِنْ السَّمَاءِ فَإِنَّ اللَّهَ سَمَّاهُ مِنْ السَّمَاءِ وَقَالَ: عَلِيٌّ أَسْبَقُ مِنْ الْعَجَلِ وَأَنَّهُ بُعِثَ مَعَ كُلِّ نَبِيٍّ سِرًّا وَبُعِثَ مَعَ النَّبِيِّ جَهْرًا وَأَنَّهُ كَانَ عَصَا مُوسَى وَسَفِينَةَ نُوحٍ وَخَاتَمَ سُلَيْمَانَ وَأَنَّهُ شَرِبَ مِنْ سُرَّةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا مَاتَ فَوَزَنَ عِلْمَ الْأَوَّلِينَ والآخرين. وَأَنَّ مَلَكَ الْمَوْتِ جَاءَ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي زِيِّ أَعْرَابِيٍّ
(18/356)

فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ: قَابِضٌ أَمْ زَائِرٌ؟ فَقَالَ لَهُ: مَا زُرْت أَحَدًا مِنْ قَبْلِك حَتَّى أَزُورَك فَأَعْطَاهُ تُفَّاحَةً فَشَمَّهَا فَخَرَجَتْ رُوحُهُ فِيهَا وَأَنَّ فَاطِمَةَ بَكَتْ عَلَيْهِ حَتَّى أَقْلَقَتْ أَهْلَ الْمَدِينَةِ حَتَّى أَخْرَجُوهَا إلَى بُيُوتِ الْأَحْزَانِ وَيَنْقُلُونَ قَصَصَ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ جِنْسِ هَذَا السُّؤَالِ وَيُفَسِّرُونَهَا بِآيَاتِ لَمْ تُسْمَعْ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَكُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْ هَذِهِ تَحَزَّبُوا فِيهَا لَيْلَةً. وَكَانَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ قَدْ مَنَعَهُمْ مِنْ هَذَا النَّقْلِ وَأَنَّهُمْ لَا يَنْقُلُونَ إلَّا مَنْ كَتَبَ عَلَيْهَا سَمَّاعَاتِ الْمَشَايِخِ أَهْلِ الْعِلْمِ فَاعْتَمَدُوا عَلَى كُتُبٍ فِيهَا مِنْ جِنْسِ مَا ذُكِرَ مِنْ تَصْنِيفِ رَجُلٍ يُقَالُ لَهُ: الْبَكْرِيُّ فَمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْأُمُورِ؟ لِأَنَّهُمْ يَنْقُلُونَ مَا يُخَالِفُ مَا ثَبَتَ عَنْ الرُّسُلِ عَلَيْهِمْ السَّلَامُ وَيَنْقُلُونَ فِي بَعْضِ الْأَشْيَاءِ مَا هُوَ تَنْقِيصٌ بِهِمْ وَهَلْ يُثَابُ مَنْ أَمَرَ بِمَنْعِهِمْ. وَيَنْقُلُونَ أَيْضًا: أَنَّ اللَّهَ قَبَضَ مِنْ نُورِ وَجْهِهِ قَبْضَةً وَنَظَرَ إلَيْهَا فَعَرِقَتْ وَدَلَقَتْ فَخَلَقَ اللَّهُ مِنْ كُلِّ قَطْرَةٍ نَبِيًّا وَكَانَتْ الْقَبْضَةُ النَّبِيَّ وَبَقِيَ كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ وَكَانَ نُورًا مَنْقُولًا مِنْ أَصْلَابِ الرِّجَالِ إلَى بُطُونِ النِّسَاءِ.
فَأَجَابَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ قُدْوَةُ الْإِيمَانِ تَقِيُّ الدِّينِ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَد بْنُ عَبْدِ الْحَلِيمِ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّة الْحَرَّانِي فَقَالَ:
(18/357)

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، هَذِهِ الْأَحَادِيثُ مِنْ الْأَحَادِيثِ الْمُفْتَرَاةِ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَإِنَّمَا تُؤْخَذُ مِثْلُ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ مِنْ مِثْلِ " تَنَقُّلَاتِ الْأَنْوَارِ " لِلْبَكْرِيِّ وَأَمْثَالِهِ مِمَّنْ رَوَى الْأَكَاذِيبَ الْكَثِيرَةَ. أَمَّا الْأَوَّلُ فَإِنَّ الْقَمَرَ لَمْ يَدْخُلْ فِي طَوْقِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَلَا ثِيَابِهِ وَلَا بَاشَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَكِنْ انْشَقَّ فِرْقَتَيْنِ: فِرْقَةً دُونَ الْجَبَلِ وَفِرْقَةً فَوْقَ الْجَبَلِ. وَكَذَلِكَ حَبِيبُ أَبِي مَالِكٍ لَا وُجُودَ لَهُ وَالْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ عَنْ بَشِيرِ بْنِ غَنَّامٍ أَيْضًا كَذِبٌ وَهَذَا الِاسْمُ غَيْرُ مَعْرُوفٍ. وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ لَمْ يُؤْسَرْ أَصْلًا بَلْ أَسْلَمَ بَعْدَ الْحُدَيْبِيَةِ وَمَا زَالَ مَنْصُورًا فِي حُرُوبِهِ. وَكَذَلِكَ مَا ذُكِرَ عَنْ الْمُسَمَّى بِالْمَلِكِ الدِّحَاقِ كَذِبٌ وَهَذَا الِاسْمُ لَا وُجُودَ لَهُ فِيمَنْ حَارَبَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَاشَ وَلَكِنْ الَّذِينَ عَاشُوا بَعْدَ الْمَوْتِ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ كَانَ بَيْنَهُمْ طَائِفَةٌ فِي زَمَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَأَمَّا مَنْ أَحْيَا اللَّهَ لَهُ دَابَّتَهُ بَعْدَ الْمَوْتَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ فَهَؤُلَاءِ بَعْضُهُمْ كَانَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ بَعْدَ مَوْتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
(18/358)

وَكَذَلِكَ مَا ذُكِرَ عَنْ الْمَلِكِ الْمُسَمَّى بِالْخِطَارِ هُوَ مِنْ الْأَكَاذِيبِ وَلَا وُجُودَ لَهُ. وَأَمَّا غُزَاةُ تَبُوكَ فَلَمْ يَكُنْ بِهَا قِتَالٌ؛ بَلْ قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالشَّامِ رُومِهِمْ وَعَرَبِهِمْ وَغَيْرِهِمْ وَلَمْ يَجْتَمِعْ الْمُسْلِمُونَ فِي غُزَاةٍ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَكْثَرَ مِمَّا اجْتَمَعَ مَعَهُ عَامَ تَبُوكَ وَهِيَ آخِرُ الْمُغَازِي وَأَقَامَ بِتَبُوكَ عِشْرِينَ يَوْمًا فَلَمْ تَقْدَمْ عَلَيْهِ النَّصَارَى. وَكَذَلِكَ الْأَحْزَابُ لَمْ يَكُنْ فِيهَا اقْتِتَالٌ بَيْنَ الْجَيْشَيْنِ بَلْ كَانَ الْأَحْزَابُ مُحَاصِرِينَ لِلْمُسْلِمِينَ خَارِجَ الْخَنْدَقِ الَّذِي حَفَرَهُ الْمُسْلِمُونَ حَوْلَ الْمَدِينَةِ وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ دَاخِلَ الْخَنْدَقِ وَكَانَ فِيهَا مُنَاوَشَةٌ قَلِيلَةٌ بَيْنَ بَعْضِ الْمُسْلِمِينَ وَبَعْضِ الْكُفَّارِ بِمَنْزِلَةِ الْمُبَارَزَةِ أَوْ مَا يُشْبِهُهَا وَقَتَلَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَمْرَو بْنَ عَبْدِ وُدٍّ الْعَامِرِيَّ وَلَمْ تَنْكَسِرْ الْأَحْزَابُ بِقِتَالِ وَلَا قُتِلَ مِنْهُمْ وَلَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَدَدٌ لَهُ قَدْرٌ بَلْ أَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ الرِّيحَ - رِيحَ الصِّبَا - وَأَرْسَلَ الْمَلَائِكَةَ كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي قِصَّةِ الْأَحْزَابِ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا} الْآيَاتِ وَمَا ذُكِرَ مِنْ كَيْفِيَّةِ قَتْلِ عَمْرٍو فِي عَبْدِ وُدٍّ الْعَامِرِيِّ فَهُوَ كَذِبٌ وَكَذَلِكَ ضَرْبُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ وُدٍّ الشَّجَرَةَ بِفَخْذِهِ وَقَلْعِهَا كَذِبٌ وَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ شَجَرٌ وَإِنَّمَا النَّخِيلُ كَانَ بَعِيدًا مِنْ الْعَسْكَرِ. وَكَذَلِكَ مَا ذُكِرَ مِنْ مُنَادَاةِ الْمُنَادِي بِقَوْلِهِ: " لَا سَيْفَ إلَّا ذُو
(18/359)

الْفَقَارِ وَلَا فَتَى إلَّا عَلِيٌّ " كَذِبٌ مُفْتَرًى. وَكَذَلِكَ مَنْ نَقَلَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ يَوْمَ بَدْرٍ أَوْ غَيْرَهُ وَذُو الْفَقَارِ لَمْ يَكُنْ سَيْفًا لِعَلِيِّ وَلَكِنْ كَانَ سَيْفًا لِأَبِي جَهْلٍ غَنِمَهُ الْمُسْلِمُونَ مِنْهُ يَوْمَ بَدْرٍ وَكَانَ سَيْفًا مِنْ السُّيُوفِ الْمَعْدِنِيَّةِ وَلَمْ يَنْزِلْ مِنْ السَّمَاءِ سَيْفٌ وَلَمْ يَكُنْ سَيْفٌ يَطُولُ لَا هُوَ وَلَا غَيْرُهُ. وَكَذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ مِنْ قِتَالِ الْجِنِّ وَأَنَّ عَلِيًّا أَوْ غَيْرَهُ مِنْ الْإِنْسِ قَاتَلَهُمْ فِي بِئْرِ ذَاتِ العلم أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الْإِنْسِ فَهَذَا كُلُّهُ كَذِبٌ وَالْجِنُّ لَمْ تَكُنْ لِتُقَاتِلَ الصَّحَابَةَ أَصْلًا وَلَكِنَّ الْجِنَّ الْكُفَّارَ كَانُوا يُقَاتِلُونَ الْجِنَّ الْمُؤْمِنِينَ وَأَمَّا عَلِيٌّ وَأَمْثَالُهُ مِنْ الصَّحَابَةِ فَهُمْ أَجَلُّ قَدْرًا مِنْ أَنْ يَثْبُتَ الْجِنُّ لِقِتَالِهِمْ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ {أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِعُمَرِ بْنِ الْخَطَّابِ: مَا رَآك الشَّيْطَانُ سَالِكًا فَجًّا إلَّا سَلَكَ فَجًّا غَيْرَ فَجِّك} . وَمَا ذُكِرَ مِنْ رَمْيِ عَلِيٍّ فِي الْمَنْجَنِيقِ وَمُحَاصَرَةِ الْمُسَمَّى بِحِصْنِ الْغُرَابِ: كُلُّهُ كَذِبٌ مُفْتَرًى وَلَمْ يَرْمِ الْمُسْلِمُونَ قَطُّ أَحَدًا فِي مَنْجَنِيقٍ إلَى الْكُفَّارِ لَا عَلِيًّا وَلَا غَيْرَهُ بَلْ وَلَمْ يَنْصِبْ الْمُسْلِمُونَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْجَنِيقًا إلَّا عَلَى الطَّائِفِ لَمَّا حَاصَرَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ وَقْعَةِ حنين وَهَزِيمَةِ هَوَازِنَ حَاصَرَ الطَّائِفَ وَنَصَبَ الْمَنْجَنِيقَ وَأَقَامَ عَلَيْهَا شَهْرًا وَلَمْ تُفْتَحْ حَتَّى أَسْلَمَ أَهْلُ الطَّائِفِ بَعْدَ ذَلِكَ طَوْعًا وَلَمَّا كَانَ
(18/360)

الْمُسْلِمُونَ يُقَاتِلُونَ مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابَ وَأَصْحَابَهُ أَلْجَئُوهُمْ إلَى حَدِيقَتِهِمْ فَحَمَلَ النَّاسُ الْبَرَاءَ بْنَ مَالِكٍ حَتَّى أَلْقَوْهُ إلَيْهِمْ دَاخِلَ السُّورِ فَفَتَحَ لَهُمْ الْبَابَ. وَأَمَّا قِصَّةُ مَرْحَبٍ فَقَدْ رُوِيَ فِي الصَّحِيحِ: أَنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَتَلَ مَرْحَبًا وَرُوِيَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ مسلمة قَتَلَ مَرْحَبًا وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ غَلَطٌ. وَأَمَّا كَوْنُ الْبَيْضَةِ الَّتِي عَلَى رَأْسِهِ كَانَتْ جُرْنَ رُخَامٍ فَكَذِبٌ وَكَذَلِكَ كَوْنُ الضَّرْبَةِ قَسَمَتْ الْفَارِسَ وَفَرَسَهُ وَنَزَلَتْ إلَى الْأَرْضِ؛ فَهَذَا كُلُّهُ كَذِبٌ؛ وَلَمْ يَنْقُلْ مِثْلَ هَذَا أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْمَغَازِي وَالسِّيَرِ وَإِنَّمَا يَنْقُلُهُ الْجُهَّالُ وَالْكَذَّابُونَ. وَأَظْهَرُ مِنْ ذَلِكَ عُبُورُ الْعَسْكَرِ عَلَى سَاعِدِ عَلِيٍّ وَمُرُورُ الْبَغْلَةِ وَدُعَاءُ عَلِيٍّ عَلَيْهَا بِقَطْعِ النَّسْلِ؛ فَإِنَّ هَذَا وَأَمْثَالَهُ إنَّمَا يَرْوِيه مَنْ هُوَ مِنْ أَجْهَلِ النَّاسِ بِأَحْوَالِ الصَّحَابَةِ وَمَنْ هُوَ مِنْ أَجْهَلِ النَّاسِ بِأَحْوَالِ الْوُجُودِ؛ فَإِنَّ الْبَغْلَةَ مَا زَالَتْ عَقِيمًا؛ وَعَسْكَرُ خَيْبَرَ لَمْ يَكُنْ فِيهِ بَغْلَةٌ أَصْلًا وَلَمْ يَكُنْ مَعَ الْمُسْلِمِينَ بَغْلَةٌ وَلَا فِي الْمَدِينَةِ بَغْلَةٌ وَلَا حَوْلَهَا مِنْ أَرْضِ الْعَرَبِ بَغْلَةٌ إلَّا الْبَغْلَةَ الَّتِي أَهْدَاهَا الْمُقَوْقِسُ صَاحِبُ مِصْرَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ أَهْدَاهَا لَهُ بَعْدَ خَيْبَرَ؛ فَإِنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا صَالَحَ أَهْلَ الْحُدَيْبِيَةِ رَجَعَ مُنْصَرِفًا
(18/361)

فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ خَيْبَرَ ثُمَّ رَجَعَ وَأَرْسَلَ إلَى الْمُلُوكِ رُسُلَهُ فَأَرْسَلَ إلَى كِسْرَى وَقَيْصَرَ وَالْمُقَوْقِسَ وَمُلُوكِ الْعَرَبِ بِالشَّامِ وَالْيَمَنِ وَالْيَمَامَةِ وَالْمَشْرِقِ وَلَكِنَّ الْمَعْرُوفَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ عَلِيًّا قَلَعَ بَابَ خَيْبَرَ. وَمَا ذُكِرَ مِنْ نُزُولِ ذُو الْفَقَارِ مِنْ السَّمَاءِ كَذِبٌ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ كَانَ سَيْفًا مِنْ سُيُوفِ أَبِي جَهْلٍ غَنِمَهُ الْمُسْلِمُونَ يَوْمَ بَدْرٍ مِنْهُ فَأَمَّا عَلِيٌّ فَقَدْ سَمَّاهُ أَبُوهُ بِهَذَا الِاسْمِ قَبْلَ أَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا بِالنُّبُوَّةِ وَقَبْلَ أَنْ يَثْبُتَ لِأَحَدِ حُكْمَ الْإِسْلَامِ: لَا مِنْ الرِّجَالِ وَلَا مِنْ الصِّبْيَانِ. وَأَمَّا قَوْلُ الْقَائِلِ: إنَّهُ كَانَ عَصَى مُوسَى وَسَفِينَةُ نُوحٍ وَخَاتَمُ سُلَيْمَانَ فَهَذَا لَا يَقُولُهُ عَاقِلٌ يَتَصَوَّرُ مَا يَقُولُ وَهُوَ بِكَلَامِ الْمَجَانِينِ أَشْبَهُ مِنْهُ بِكَلَامِ الْعُقَلَاءِ وَهَذَا لَا يَقْصِدُ أَحَدٌ مَدْحَ عَلِيٍّ بِهِ إلَّا لِفَرْطِ فِي الْجَهْلِ فَإِنَّ عَلِيًّا هُوَ وَمَنْ دُونَهُ مِنْ الصَّحَابَةِ أَشْرَفُ قَدْرًا عِنْدَ اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الْجَمَادَاتِ وَإِنْ كَانَتْ الْعَصَا آيَةً لِمُوسَى فَلَيْسَ كُلُّ مَا كَانَ مُعْجِزَةً لِنَبِيِّ أَفْضَلَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ بَلْ الْمُؤْمِنُونَ أَفْضَلُ مِنْ الطَّيْرِ الَّذِي كَانَ الْمَسِيحُ يُصَوِّرُهُ مِنْ الطِّينِ فَيَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأَفْضَلُ مِنْ الْجَرَادِ وَالْقَمْلِ وَالضَّفَادِعِ وَالدَّمِ الَّذِي كَانَ آيَةً لِمُوسَى وَأَفْضَلُ مِنْ الْعَصَا وَالْحَيَّةَ وَأَفْضَلُ مِنْ نَاقَةِ صَالِحٍ. فَمَنْ ظَنَّ أَنَّهُ بِهَذَا الْكَذِبِ وَالْجَهْلِ يَمْدَحُ عَلِيًّا كَانَ جَهْلُهُ مِنْ الْمَدْحِ وَالثَّنَاءِ مِنْ جِنْسِ جَهْلِهِ بِأَنَّ هَذِهِ الْجَمَادَاتِ لَمْ تَكُنْ آدَمِيِّينَ قَطُّ.
(18/362)

وَأَمَّا قَوْلُ الْقَائِلِ: أَنَّهُ شَرِبَ مِنْ سُرَّةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَدَرَى عِلْمَ الْأَوَّلِينَ والآخرين فَهُوَ أَيْضًا مِنْ الْأَكَاذِيبِ فَإِنَّ الْعِلْمَ الَّذِي تَعَلَّمَ عَلِيٌّ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ حَاصِلًا قَبْلَ مَوْتِهِ وَمَا رَزَقَهُ اللَّهُ مِنْ الْفَهْمِ وَالسَّمَاعِ وَزِيَادَةِ الْعِلْمِ بَعْدَ مَوْتِهِ فَلَمْ يَكُنْ سَبَبُهُ شُرْبَ مَاءِ السُّرَّةِ وَلَا شُرْبَ أَحَدٍ عَلَى نَبِيٍّ وَلَا غَيْرِ نَبِيٍّ فَحَصَلَ لَهُ بِذَلِكَ عِلْمٌ أَصْلًا وَلَا كَانَ أَحَدٌ مِنْ الصَّحَابَةِ لَا أَبُو بَكْرٍ وَلَا عُمَرُ وَلَا عُثْمَانُ وَلَا عَلِيٌّ وَلَا غَيْرُهُمْ يَعْلَمُ عِلْمَ الْأَوَّلِينَ والآخرين. وَقَدْ ثَبَتَ لِلصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ مِنْ الْفَضَائِلِ الثَّابِتَةِ فِي الصِّحَاحِ مَا أَغْنَى اللَّهُ بِهَا عَنْ أَكَاذِيبِ الْمُفْتَرِينَ مِثْلَ قَوْلِهِ الَّذِي صَحَّ عَنْهُ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ: {لَوْ كُنْت مُتَّخِذًا مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ خَلِيلًا لَاِتَّخَذْت أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا} وَقَوْلِهِ: {لَا يَبْقَيْنَ فِي الْمَسْجِدِ خَوْخَةٌ إلَّا سُدَّتْ إلَّا خَوْخَةُ أَبِي بَكْرٍ} وَقَوْلِهِ: {إنَّ آمَنَ النَّاسِ عَلَيْنَا فِي صُحْبَتِهِ وَذَاتِ يَدِهِ أَبُو بَكْرٍ} وَقَوْلِهِ: {أَيُّهَا النَّاسُ إنِّي أَتَيْت إلَيْكُمْ فَقُلْت: إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكُمْ فَقُلْتُمْ: كَذَبْت وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: صَدَقْت فَهَلْ أَنْتُمْ تَارِكُوا لِي صَاحِبِي؟ فَهَلْ أَنْتُمْ تَارِكُوا لِي صَاحِبِي؟ فَهَلْ أَنْتُمْ تَارِكُوا لِي صَاحِبِي} وَقَوْلِهِ فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ: {مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ} مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ وَمِثْلَ {قَوْلِهِ لِعَائِشَةَ: اُدْعِي لِي أَبَاك وَأَخَاك حَتَّى أَكْتُبَ كِتَابًا لِأَبِي بَكْرٍ لَا يَخْتَلِفُ النَّاسُ مِنْ بَعْدِي ثُمَّ قَالَ: يَأْبَى اللَّهُ
(18/363)

وَالْمُؤْمِنُونَ إلَّا أَبَا بَكْرٍ} وَأَمْثَالِ ذَلِكَ. وَمِثْلَ قَوْلِهِ: {إنَّهُ كَانَ فِي الْأُمَمِ قَبْلَكُمْ مُحَدِّثُونَ؛ فَإِنْ يَكُنْ فِي أُمَّتِي أَحَدٌ فَعُمُرُ} {وَقَوْلِهِ لِعُمَرِ: مَا رَآك الشَّيْطَانُ سَالِكًا فَجًّا إلَّا سَلَكَ فَجًّا غَيْرِ فَجِّك} وَقَوْلِهِ: {رَأَيْت كَأَنِّي أُتِيت بِإِنَاءِ مِنْ لَبَنٍ فَشَرِبْت ثُمَّ نَاوَلْت فَضْلِي عُمَرَ قَالُوا: فَمَا أَوَّلْته؟ قَالَ: الْعِلْمُ} وَقَوْلِهِ: {رَأَيْت كَأَنَّ النَّاسَ يُعْرَضُونَ عَلَيَّ وَعَلَيْهِمْ قمص مِنْهَا مَا بَلَغَ الثَّدْيَ وَمِنْهَا مَا يَبْلُغُ دُونَ ذَلِكَ وَعُرِضَ عَلَيَّ عُمَرُ وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ يَجُرُّهُ قَالُوا: فَمَا أَوَّلْته؟ قَالَ: الدِّينُ} وَقَوْلُهُ: {رَأَيْت كَأَنِّي عَلَى قَلِيبٍ أَنْتَزِعُ مِنْهَا فَأَخَذَهَا ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ فَنَزَعَ ذَنُوبًا أَوْ ذَنُوبَيْنِ وَفِي نَزْعِهِ ضَعْفٌ وَاَللَّهُ يَغْفِرُ لَهُ ثُمَّ أَخَذَهَا ابْنُ الْخَطَّابِ فَاسْتَحَالَتْ غَرْبًا فَلَمْ أَرَ عَبْقَرِيًّا يَفْرِي فَرِيَّهُ حَتَّى صَدَرَ النَّاسُ بِعَطَنِ} . وَأَمْثَالِ ذَلِكَ مِثْلَ {قَوْلِهِ عَنْ عُثْمَانَ: أَلَا أَسْتَحِي مِمَّنْ تَسْتَحْيِي مِنْهُ مَلَائِكَةُ السَّمَاءِ} وَقَوْلِهِ: {مَنْ يَشْتَرِي بِئْرَ رُومَةَ وَلَهُ الْجَنَّةُ فَاشْتَرَاهَا عُثْمَانُ} {وَقَوْلِهِ فِي عُثْمَانَ لَمَّا جَهَّزَ جَيْشَ الْعُسْرَةِ: مَا ضَرَّ عُثْمَانَ مَا فَعَلَ بَعْدَ الْيَوْمِ} {وَقَوْلِهِ يَوْمَ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ لَمَّا بَايَعَ الْمُسْلِمِينَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ: هَذِهِ يَدِي عَنْ يَمِينِ عُثْمَانَ} وَكَانَ قَدْ بَعَثَهُ رَسُولًا إلَى أَهْلِ مَكَّةَ وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: كُنَّا نَقُولُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ ثُمَّ عُمَرُ؛ ثُمَّ عُثْمَانُ. وَأَمْثَالَ ذَلِكَ.
(18/364)

وَمِثْلَ قَوْلِهِ عَامَ خَيْبَرَ: {لَأُعْطِيَن الرَّايَةَ غَدًا رَجُلًا يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ} وَكَانَ عَلِيٌّ غَائِبًا بِالْمَدِينَةِ لِأَنَّهُ كَانَ أَرْمَدَ فَلَحِقَ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا أَصْبَحَ قَدِمَ عَلِيٌّ فَأَعْطَاهُ الرَّايَةَ حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ {وَلَمَّا خَرَجَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ بِجَمِيعِ النَّاسِ وَلَمْ يَأْذَنْ فِي التَّخَلُّفِ إلَّا لِأَهْلِ الْعُذْرِ وَاسْتَخْلَفَ عَلِيًّا عَلَى الْمَدِينَةِ فَطَعَنَ فِيهِ بَعْضُ الْمُنَافِقِينَ فَلَحِقَهُ عَلِيٌّ وَهُوَ يَبْكِي وَقَالَ: أَتُخَلِّفُنِي مَعَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ؟ فَقَالَ: أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى؟ غَيْرً أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي وَأَدَارَ كِسَاءَهُ عَلَى عَلِيٍّ وَفَاطِمَةَ وَحَسَنٍ وَحُسَيْنٍ فَقَالَ: اللَّهُمَّ هَؤُلَاءِ أَهْلُ بَيْتِي فَأَذْهِبْ عَنْهُمْ الرِّجْسَ وَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيرًا} {وَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يُبَاهِلَ أَهْلَ نَجْرَانَ أَخَذَ عَلِيًّا وَفَاطِمَةَ وَحَسَنًا وَحُسَيْنًا وَخَرَجَ لِيُبَاهِلَ بِهِمْ} {وَلَمَّا تَنَازَعَ عَلِيٌّ وَجَعْفَرٌ وَزَيْدٌ فِي حَضَانَةِ ابْنَةِ حَمْزَةَ قَضَى بِهَا لِخَالَتِهَا وَكَانَتْ تَحْتَ جَعْفَرٍ وَقَالَ لِجَعْفَرِ: أَشْبَهْت خَلْقِي وَخُلُقِي وَقَالَ لِعَلِيِّ: أَنْتَ مِنِّي وَأَنَا مِنْك وَقَالَ لِزَيْدِ: أَنْتَ أَخُونَا وَمَوْلَانَا} . وَكَذَلِكَ قَالَ: {إنَّ الْأَشْعَرِيِّينَ إذَا أَرْمَلُوا فِي السَّفَرِ أَوْ قَلَّتْ نَفَقَةُ عِيَالِهِمْ بِالْمَدِينَةِ جَمَعُوا مَا كَانَ مَعَهُمْ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ ثُمَّ قَسَمُوهُ بِالسَّوِيَّةِ هُمْ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُمْ} . وَقَالَ: {إنَّ لِكُلِّ أَمَةٍ أَمِينًا وَأَمِينُ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَبُو عُبَيْدَةَ ابْنِ الْجَرَّاحِ} .
(18/365)

وَقَالَ: {إنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَارِيِّينَ وَحَوَارِيِّي الزُّبَيْرُ} . فَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ وَأَمْثَالُهَا فِي الصِّحَاحِ فِيهَا غَنِيَّةٌ عَنْ الْكَذِبِ. وَكَذَلِكَ مَا ذُكِرَ مِنْ إتْيَانِ مَلَك الْمَوْتِ فِي صُورَةِ أَعْرَابِيٍّ وَإِعْطَاؤُهُ إيَّاهُ تُفَّاحَةً فَشَمَّهَا هُوَ أَيْضًا مِنْ الْكَذِبِ. بَلْ الْحَدِيثُ الطَّوِيلُ الَّذِي رُوِيَ فِي قِصَّةِ مَوْتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَّهُ طَرَقَ الْبَابَ فَخَرَجَ إلَيْهِ وَاحِدٌ بَعْدَ وَاحِدٍ وَأَنَّهُمْ لَمَّا عَرَفُوا أَنَّهُ مَلَكُ الْمَوْتِ خَضَعُوا لَهُ؛ هُوَ أَيْضًا مِنْ الْكَذِبِ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِالْحَدِيثِ. مَعَ أَنَّهُ قَدْ رَوَاهُ الطَّبَرَانِي مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الْمُنْعِمِ بْنِ إدْرِيسَ عَنْ أَبِيهِ مِنْ حَدِيثِ وَهْبِ ابْنِ مُنَبِّهٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَبْدِ الْمُنْعِمِ هَذَا مَعْرُوفٌ بِالْأَكَاذِيبِ. وَكَذَلِكَ مَا ذُكِرَ مِنْ بُكَاءِ فَاطِمَة عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى أَقْلَقَتْ أَهْل الْمَدِينَة وَأَخْرَجُوهَا إلَى بُيُوتِ الْأَحْزَانِ هَذَا أَيْضًا مِنْ الْأَكَاذِيبِ الْمُفْتَرَاةِ وَمَا يَرْوِي مِثْل هَذَا إلَّا جَاهِل أَوْ مِنْ قَصْدِهِ أَنْ يَسُبَّ فَاطِمَةَ وَالصَّحَابَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ يَنْقُلُ مِثْلَ هَذَا الْفِعْلِ الَّذِي نَزَّهَ اللَّهُ فَاطِمَةَ وَالصَّحَابَةَ عَنْهُ. وَكَذَلِكَ مَا ذُكِرَ مِنْ " أَنَّ اللَّهَ قَبَضَ مِنْ نُورِ وَجْهِهِ قَبْضَةً وَنَظَرَ إلَيْهَا فَعَرِقَتْ وَدَلَقَتْ فَخَلَقَ مِنْ كُلِّ قَطْرَةٍ نَبِيًّا وَأَنَّ الْقَبْضَةَ كَانَتْ
(18/366)

هِيَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَّهُ بَقِيَ كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ " فَهَذَا أَيْضًا كَذِبٌ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ. بِحَدِيثِهِ. وَكَذَلِكَ مَا يُشْبِهُ هَذَا مِثْلُ أَحَادِيثَ يَذْكُرُهَا شيرويه الديلمي فِي كِتَابِهِ " الْفِرْدَوْسُ " وَيَذْكُرُهَا ابْنُ حَمَوَيْهِ فِي حَقَائِقِهِ مِثْلَ كِتَابِ " الْمَحْبُوبُ " وَنَحْوَ ذَلِكَ مِثْلَ مَا يَذْكُرُونَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ كَوْكَبًا أَوْ أَنَّ الْعَالَمَ كُلَّهُ خُلِقَ مِنْهُ أَوْ أَنَّهُ كَانَ مَوْجُودًا قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ أَبَوَاهُ أَوْ أَنَّهُ كَانَ يَحْفَظُ الْقُرْآنَ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَهُ بِهِ جِبْرِيلُ؛ وَأَمْثَالُ هَذِهِ الْأُمُورِ فَكُلُّ ذَلِكَ كَذِبٌ مُفْتَرًى بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْم بِسِيرَتِهِ. وَالْأَنْبِيَاءُ كُلُّهُمْ لَمْ يُخْلَقُوا مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَلْ خُلِقَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ أَبَوَيْهِ وَنَفَخَ اللَّهُ فِيهِ الرُّوحَ وَلَا كَانَ كُلَّمَا يُعَلِّمُ اللَّهُ لِرُسُلِهِ وَأَنْبِيَائِهِ بِوَحْيِهِ يَأْخُذُونَهُ بِوَاسِطَةِ سِوَى جِبْرِيلَ بَلْ تَارَةً يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ وَحْيًا يُوحِيه إلَيْهِمْ وَتَارَةً يُكَلِّمُهُمْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ كَمَا كَلَّمَ مُوسَى بْنَ عِمْرَانَ وَتَارَةً يَبْعَثُ مَلِكًا فَيُوحِي بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ. . وَمِنْ الْأَنْبِيَاءِ مَنْ يَكُونُ عَلَى شَرِيعَةِ غَيْرِهِ كَمَا كَانَ أَنْبِيَاءُ بَنِي إسْرَائِيلَ عَلَى شَرِيعَةِ التَّوْرَاةِ. وَأَمَّا كَوْنُهُمْ كُلُّهُمْ يَأْخُذُونَ مِنْ وَاحِدٍ فَهَذَا يَقُولُهُ وَنَحْوَهُ أَهْلُ
(18/367)

الْإِلْحَادِ مِنْ أَهْلِ الْوَحْدَةِ وَالِاتِّحَادِ: كَابْنِ عَرَبِيٍّ صَاحِبِ " الْفُتُوحَاتِ الْمَكِّيَّةِ " و " الْفُصُوصِ " وَأَمْثَالِهِمَا؛ فَإِنَّهُ لَمَّا ذُكِرَ مَذْهَبُهُ الَّذِي مَضْمُونُهُ أَنَّ الْوُجُودَ وَاحِدٌ وَأَنَّ الْوُجُودَ الْخَالِقَ هُوَ الْوُجُودُ الْمَخْلُوقُ وَإِنْ تَعَدَّدَتْ الْأَعْيَانُ الثَّابِتَةُ فِي الْعَدَمِ. قَالَ: وَلَيْسَ هَذَا الْعِلْمُ إلَّا لِخَاتَمِ الرُّسُلِ وَخَاتَمِ الْأَوْلِيَاءِ وَمَا يَرَاهُ أَحَدٌ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ إلَّا مِنْ مِشْكَاةِ الرَّسُولِ الْخَاتَمِ وَمَا يَرَاهُ أَحَدٌ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ إلَّا مِنْ مِشْكَاةِ الْوَلِيِّ الْخَاتَمِ حَتَّى أَنَّ الرُّسُلَ لَا يَرَوْنَهُ إذَا رَأَوْهُ إلَّا مِنْ مِشْكَاةٍ خَاتَمِ الْأَوْلِيَاءِ فَإِنَّ الرِّسَالَةَ وَالنُّبُوَّةَ أَعْنِي نُبُوَّةَ التَّشْرِيعِ وَرِسَالَتِهِ يَنْقَطِعَانِ وَأَمَّا الْوِلَايَةُ فَلَا تَنْقَطِعُ أَبَدًا فَالْمُرْسَلُونَ مِنْ كَوْنِهِمْ أَوْلِيَاءَ لَا يَرَوْنَهُ إلَّا مِنْ مِشْكَاةِ خَاتَمِ الْأَوْلِيَاءِ. وَسَاقَ الْكَلَامَ إلَى أَنْ ذَكَرَ أَنَّ خَاتَمَ الْأَنْبِيَاءِ مَوْضِعُ لَبِنَةِ فِضَّةٍ وَأَنَّ خَاتَمَ الْأَوْلِيَاءِ مَوْضِعُ لِبِنْتَيْنِ: لَبِنَةِ ذَهَبٍ وَلَبِنَةِ فِضَّةٍ فَهُوَ مَوْضِعُ اللَّبِنَةِ الْفِضِّيَّةِ وَهُوَ ظَاهِرُهُ وَمَا يَتْبَعُهُ مِنْ الْأَحْكَامِ لِأَنَّهُ يَرَى الْأَمْرَ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَرَاهُ هَكَذَا وَهُوَ مَوْضِعُ اللَّبِنَةِ الذَّهَبِيَّةِ فِي الْبَاطِنِ؛ فَإِنَّهُ يَأْخُذُ مِنْ الْمَعْدِنِ الَّذِي يَأْخُذُ مِنْهُ الْمُلْكَ الَّذِي يُوحِي بِهِ إلَى الرُّسُلِ. فَهَذَا الْكَلَامُ وَنَحْوُهُ فِيهِ كَثِيرٌ مِنْ الضَّلَالِ مِثْلَ دَعْوَاهُ أَنَّ جَمِيعَ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ يَسْتَفِيدُونَ مَعْرِفَةَ اللَّهِ مِنْ خَاتَمِ الْأَنْبِيَاءِ؛ فَإِنَّ هَذَا كَذِبٌ.
(18/368)

وَمَنْ قَالَ: إنَّ إبْرَاهِيمَ الْخَلِيلَ وَمُوسَى وَعِيسَى وَغَيْرَهُمْ إنَّمَا اسْتَفَادُوا مَعْرِفَةَ اللَّهِ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَدْ كَذَّبَ بَلْ اللَّهُ أَوْحَى إلَيْهِمْ وَعَلَّمَهُمْ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا حِينَ خُلِقُوا وَالْمُتَقَدِّمُ لَا يَسْتَفِيدُ مِنْ الْمُتَأَخِّرِ. {وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُنْت نَبِيًّا وَآدَمُ بَيْنَ الرُّوحِ وَالْجَسَدِ} وَفِي لَفْظٍ {كُتِبْت نَبِيًّا} كَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {إنِّي عِنْدَ اللَّه لَمَكْتُوبٌ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ وَإِنَّ آدَمَ لَمُنْجَدِلٌ فِي طِينَتِهِ} فَإِنَّ اللَّهَ خَلَقَ جَسَدَ آدَمَ وَقَبْلَ نَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ كَتَبَ وَأَظْهَرَ مَا سَيَكُونُ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ فَكَتَبَ نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ وَأَظْهَرَهَا كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: {يُجْمَعُ خَلْقُ أَحَدِكُمْ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا نُطْفَةً ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ يُبْعَثُ إلَيْهِ مَلَكًا فَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ فَيُقَالُ: اُكْتُبْ رِزْقَهُ وَأَجَلَهُ؛ وَعَمَلَهُ؛ وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ} فَقَدْ أَخْبَرَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ بَعْدَ أَنْ يَخْلُقَ بَدَنَ الْجَنِينِ فِي بَطْنِ أُمِّهِ وَقَبْلَ نَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ يُكْتَبُ رِزْقُهُ وَأَجَلُهُ وَعَمَلُهُ وَشَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ؟ فَهَكَذَا كُتِبَ خَبَرُ سَيِّدِ وَلَدِ آدَمَ وَآدَمُ مُنْجَدِلٌ فِي طِينَتِهِ قَبْل أَنْ يُنْفَخَ الرُّوحُ فِيهِ. وَأَمَّا قَوْلُ بَعْضِهِمْ: {كُنْت نَبِيًّا وَآدَمُ بَيْنَ الْمَاءِ وَالطِّينِ} فَهَذَا نَقْلٌ بَاطِلٌ نَقْلًا وَعَقْلًا؛ فَإِنَّ آدَمَ لَيْسَ بَيْنَ الْمَاءِ وَالطِّينِ؛ بَلْ الطِّينُ مَاءٌ وَتُرَابٌ؛ وَلَكِنْ كَانَ بَيْنَ الرُّوحِ وَالْجَسَدِ. فَهَذَا وَنَحْوُهُ فِيهِ
(18/369)

عِلْمُ اللَّهِ بِالْأَشْيَاءِ قَبْلَ كَوْنِهَا وَكِتَابَتِهِ إيَّاهَا وَإِخْبَارِهِ بِهَا وَذَلِكَ غَيْرُ وُجُودِ أَعْيَانِهَا؛ لِأَنَّهَا لَا تُوجَدُ أَعْيَانُهَا حَتَّى تُخْلَقَ وَمَنْ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ ثُبُوتِ الشَّيْءِ فِي الْعِلْمِ وَالْكَلَامِ وَالْكِتَابِ وَبَيْنَ حَقِيقَتِهِ فِي الْخَارِجِ وَكَذَلِكَ بَيْنَ الْوُجُودِ الْعِلْمِيِّ وَالْعَيْنِيِّ: عَظُمَ جَهْلُهُ وَضَلَالُهُ. وَأَهْلُ الْعِلْمِ قَدْ أَعْظَمُوا النَّكْبَةَ عَلَى مَنْ يَقُولُ: الْمَعْدُومُ شَيْءٌ ثَابِتٌ فِي الْخَارِجِ وَإِنْ كَانَ لِهَؤُلَاءِ شُبْهَةٌ عَقْلِيَّةٌ لِكَوْنِهِمْ ظَنُّوا أَنَّ تَمَيُّزَهُ فِي الْعِلْمِ وَالْإِرَادَةِ يَقْتَضِي تَمْيِيزَهُ فِي الْخَارِجِ فَإِنَّهُمْ أَخْطَئُوا فِي ذَلِكَ وَالتَّحْقِيقُ الْفَرْقُ بَيْنَ الثُّبُوتِ الْعِلْمِيِّ وَالْعَيْنِيِّ وَأَمَّا وُجُودُ الْأَشْيَاءِ قَبْلَ خَلْقِهَا فَهَذَا أَعْظَمُ فِي الْجَهْلِ وَالضَّلَالِ. وَأَمَّا دَعْوَاهُ أَنَّ الْأَوْلِيَاءَ كُلَّهُمْ حَتَّى الْأَنْبِيَاءُ يَسْتَفِيدُونَ مِنْ خَاتَمِ الْأَوْلِيَاءِ فَهَذَا مُخَالِفٌ لِلْعَقْلِ وَالشَّرْعِ؛ فَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ أَفْضَلُ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ وَخِيَارُ الْأَوْلِيَاءِ أَتْبَعُهُمْ لِلْأَنْبِيَاءِ كَمَا كَانَ أَبُو بَكْرٍ أَفْضَلُ مَنْ طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ بَعْدَ النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ. وَكَذَلِكَ دَعْوَاهُ أَنَّ خَاتَمَ الْأَوْلِيَاءِ يَأْخُذُ الْعِلْمَ الظَّاهِرَ مِنْ حَيْثُ يَأْخُذُهُ النَّبِيُّ؛ وَيَأْخُذُ الْعِلْمَ الْبَاطِنَ مِنْ الْمَعْدِنِ الَّذِي يَأْخُذُ مِنْهُ الْمُلْكَ مَا يُوحِيه إلَى النَّبِيِّ؛ فَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ الْكُفْرِ وَالضَّلَالِ وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى قَوْلِ الْمُتَفَلْسِفَةِ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ النُّبُوَّةَ فَيْضًا يَفِيضُ عَلَى عَقْلِ النَّبِيِّ وَيَقُولُونَ: إنَّ الْمُلْكَ
(18/370)

هُوَ مَا يَتَمَثَّلُ فِي نَفْسِ النَّبِيِّ مِنْ الْأَشْكَالِ النُّورَانِيَّةِ فَيَقُولُونَ: إنَّ النَّبِيَّ يَأْخُذُ عَنْ تِلْكَ الصُّوَرِ الْخَيَالِيَّةِ وَهِيَ الْمُلْكُ عِنْدَهُمْ فَمَنْ أَخَذَ الْمَعَانِيَ الْعَقْلِيَّةَ عَنْ الْعَقْلِ الْمُجَرَّدِ كَانَ أَعْظَمَ وَأَكْمَلَ مِمَّنْ يَأْخُذُ عَنْ الْأَمْثِلَةِ الْخَيَالِيَّةِ فَهَؤُلَاءِ اعْتَقَدُوا أَقْوَالَ هَؤُلَاءِ الْفَلَاسِفَةِ الْمُلْحِدِينَ وَسَلَكُوا مَسْلَكَ الرِّيَاضَةِ فَأَخَذُوا يَتَكَلَّمُونَ بِتِلْكَ الْأُمُورِ الْإِلْحَادِيَّةِ الْفَلْسَفِيَّةِ وَيُخْرِجُونَهَا فِي قَالَبِ الْمُكَاشَفَاتِ وَالْمُخَاطَبَاتِ. وَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ خَاتَمِ الْأَوْلِيَاءِ لَا حَقِيقَةَ لَهُ وَإِنْ كَانَ قَدْ ذَكَرَهُ الْحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ فِي كِتَابِ " خَاتَمِ الْأَوْلِيَاءِ " فَقَدْ غَلِطَ فِي ذَلِكَ الْكِتَابِ غَلَطًا مَعْرُوفًا عِنْدَ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ وَالْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ. وَهَذِهِ الْأُمُورُ مَبْسُوطَةٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ. فَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ وَأَمْثَالُهَا مِمَّا هُوَ كَذِبٌ وَفِرْيَةٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ لَا سِيَّمَا إذَا كَانَتْ مَعْلُومَةَ الْبُطْلَانِ بِالْعَقْلِ؛ بَلْ مُتَخَيَّلَةٌ فِي الْعَقْلِ لَيْسَ لِأَحَدِ أَنْ يَرْوِيَهَا وَيُحَدِّثَ بِهَا إلَّا عَلَى وَجْهِ الْبَيَانِ لِكَوْنِهَا كَذِبًا كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: {مَنْ رَوَى عَنِّي حَدِيثًا وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ كَذِبٌ فَهُوَ أَحَدُ الْكَاذِبِينَ} . وَعَلَى وُلَاةِ الْأُمُورِ أَنْ يَمْنَعُوا مِنْ التَّحَدُّثِ بِهَا فِي كُلِّ مَكَانٍ وَمَنْ أَصَرَّ عَلَى ذَلِكَ فَإِنَّهُ يُعَاقَبُ الْعُقُوبَةَ الْبَلِيغَةَ الَّتِي تَزْجُرُهُ وَأَمْثَالَهُ عَنْ الْكَذِبِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ؛ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالدِّينِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(18/371)

وَقَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي مُوسَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: {عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ قِيلَ: أَرَأَيْت إنْ لَمْ يَجِدْ؟ قَالَ: يَعْتَمِلُ بِيَدَيْهِ فَيَنْفَعُ نَفْسَهُ وَيَتَصَدَّقُ قَالَ: أَرَأَيْت إنْ لَمْ يَسْتَطِعْ؟ قَالَ: يُعِينُ ذَا الْحَاجَةِ الْمَلْهُوفِ قَالَ: قِيلَ لَهُ: أَرَأَيْت إنْ لَمْ يَسْتَطِعْ؟ قَالَ: يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ أَوْ الْخَيْرِ قَالَ: أَرَأَيْت؟ إنْ لَمْ يَفْعَلْ قَالَ: يُمْسِكُ عَنْ الشَّرِّ فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ} . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ {عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: الْإِيمَانُ بِاَللَّهِ وَالْجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ قَالَ: قُلْت: أَيُّ الرِّقَابِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: أَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا وَأَكْثَرُهَا ثَمَنًا قَالَ: قُلْت: فَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ قَالَ: تُعِينُ صَانِعًا أَوْ تَصْنَعُ لِأَخْرِقَ قَالَ: قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْت إنْ ضَعُفْت عَنْ بَعْضِ الْعَمَلِ؟ قَالَ: تَكُفُّ شَرَّك عَنْ النَّاسِ فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ مِنْك عَلَى نَفْسِك} . فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ أَوْجَبَ الصَّدَقَةَ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ وَجَعَلَهَا خَمْسَ مَرَاتِبَ عَلَى الْبَدَلِ: الْأُولَى الصَّدَقَةُ بِمَالِهِ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ اكْتَسَبَ الْمَالَ
(18/372)

فَنَفَعَ وَتَصَدَّقَ. وَفِيهِ دَلِيلُ وُجُوبِ الْكَسْبِ؛ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَيُعِينُ الْمُحْتَاجَ بِبَدَنِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَيَكُفُّ عَنْ الشَّرِّ. فَالْأُولَيَانِ تَقَعُ بِمَالِ إمَّا بِمَوْجُودِ أَوْ بِمَكْسُوبِ وَالْأُخْرَيَانِ تَقَعُ بِبَدَنِ إمَّا بِيَدِ وَإِمَّا بِلِسَانِ. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: {يُصْبِحُ عَلَى كُلِّ سُلَامَى مِنْ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ فَكُلُّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةٌ وَكُلُّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةٌ وَكُلُّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةٌ وَكُلُّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةٌ وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ وَنَهْيٌ عَنْ الْمُنْكَرِ صَدَقَةٌ وَيُجْزِئُ مِنْ ذَلِكَ رَكْعَتَانِ يَرْكَعُهُمَا مِنْ الضُّحَى} فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ جَعَلَ الصَّدَقَةَ الْكَلِمَاتِ الْأَرْبَعَ. وَالْأَمْرُ وَالنَّهْيُ وَرَكْعَتَا الضُّحَى كَافِيَتَانِ. وَفِيهِ عَنْهُ {أَنَّ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالُوا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ بِالْأُجُورِ يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ وَيَتَصَدَّقُونَ بِفُضُولِ أَمْوَالِهِمْ قَالَ: أو لَيْسَ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ مَا تَصْدُقُونَ؟ إنَّ بِكُلِّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةً وَكُلِّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةً وَكُلِّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةً وَكُلِّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةً وَأَمْرٍ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةً وَنَهْيٍ عَنْ مُنْكَرٍ صَدَقَةً وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةً قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيَأْتِي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ وَيَكُونُ لَهُ فِيهَا أَجْرٌ؟ قَالَ:
(18/373)

أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي حَرَامٍ أَكَانَ عَلَيْهِ وِزْرٌ؟ فَكَذَلِكَ إذَا وَضَعَهَا فِي الْحَلَالِ كَانَ لَهُ أَجْرٌ} . قُلْت: يُشْبِهُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: صَدَقَةٌ أَيْ: تَقُومُ مَقَامَ الصَّدَقَةِ الَّتِي لِلْأَغْنِيَاءِ فَيَكُونُ الْحَدِيثُ الثَّانِي مُفَسِّرًا لِلْأَوَّلِ بِخِلَافِ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى فَإِنَّهُ مُوجِبٌ لِلصَّدَقَةِ أَوْ تَكُونُ صَدَقَةُ نَفْسِهِ عَلَى نَفْسِهِ كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ الْمُتَقَدِّمِ تَكُفُّ شَرَّك عَنْ النَّاسِ.
(18/374)

وَسُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
عَنْ أَحَادِيثَ يَرْوِيهَا الْقُصَّاصُ وَغَيْرُهُمْ بِالطُّرُقِ وَغَيْرِهَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ .
فَأَجَابَ عَنْهَا:
مِنْهَا مَا يَرْوُونَ أَنَّهُ قَالَ: {أَدَّبَنِي رَبِّي فَأَحْسَنَ تَأْدِيبِي} .
فَأَجَابَ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ، الْمَعْنَى صَحِيحٌ لَكِنْ لَا يُعْرَفُ لَهُ إسْنَادٌ ثَابِتٌ.
وَمِمَّا يَرْوُونَهُ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: {لَوْ كَانَ الْمُؤْمِنُ فِي ذُرْوَةِ جَبَلٍ قَيَّضَ اللَّهُ لَهُ مَنْ يُؤْذِيه أَوْ شَيْطَانًا يُؤْذِيه} .
فَأَجَابَ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ، لَيْسَ هَذَا مَعْرُوفًا مِنْ كَلَامِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَمِمَّا يَرْوُونَهُ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: {لَوْ كَانَتْ الدُّنْيَا دَمًا عَبِيطًا كَانَ قُوتُ الْمُؤْمِنِ مِنْهَا حَلَالًا} . فَأَجَابَ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ، لَيْسَ هَذَا مِنْ كَلَامِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا يُعْرَفُ عَنْهُ بِإِسْنَادِ وَلَكِنَّ الْمُؤْمِنَ لَا بُدَّ أَنْ يُتِيحَ اللَّهُ لَهُ مِنْ الرِّزْقِ مَا يُغْنِيه وَيَمْتَنِعُ فِي الشَّرْعِ أَنْ يَحْرُمَ عَلَى الْمُؤْمِنِ مَا لَا بُدَّ مِنْهُ: فَإِنَّ اللَّهَ
(18/375)

لَمْ يُوجِبْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ مَا لَا يَسْتَطِيعُونَهُ وَلَا حَرَّمَ عَلَيْهِمْ مَا يَضْطَرُّونَ إلَيْهِ مِنْ غَيْرِ مَعْصِيَةٍ مِنْهُمْ. قَالَهُ وَكَتَبَهُ أَحْمَد ابْنُ تَيْمِيَّة.
وَمِمَّا يَرْوُونَهُ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ اللَّهِ: {مَا وَسِعَنِي سَمَائِي وَلَا أَرْضِي وَلَكِنْ وَسِعَنِي قَلْبُ عَبْدِي الْمُؤْمِنِ} . فَأَجَابَ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ، هَذَا مَذْكُورٌ فِي الإسرائيليات لَيْسَ لَهُ إسْنَادٌ مَعْرُوفٌ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعْنَى " وَسِعَنِي قَلْبُهُ " الْإِيمَانُ بِي وَمَحَبَّتِي وَمَعْرِفَتِي وَلَا مَنْ قَالَ: إنَّ ذَاتَ اللَّهِ تَحِلُّ فِي قُلُوبِ النَّاسِ فَهَذَا مِنْ النَّصَارَى خَصُّوا ذَلِكَ بِالْمَسِيحِ وَحْدَهُ.
وَمِمَّا يَرْوُونَهُ عَنْهُ أَيْضًا: {الْقَلْبُ بَيْتُ الرَّبِّ} .
فَأَجَابَ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ، هَذَا كَلَامٌ مِنْ جِنْسِ الْأَوَّلِ فَإِنَّ الْقَلْبَ بَيْتُ الْإِيمَانِ بِاَللَّهِ وَمَعْرِفَتُهُ وَمَحَبَّتُهُ وَلَيْسَ هَذَا مِنْ كَلَامِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَمِمَّا يَرْوُونَهُ عَنْهُ أَيْضًا: {كُنْت كَنْزًا لَا أَعْرِفُ فَأَحْبَبْت أَنْ أَعْرِفَ فَخُلِقْت خَلْقًا فَعَرَفْتهمْ بِي فَعَرَفُونِي} . فَأَجَابَ: لَيْسَ هَذَا مِنْ كَلَامِ اللَّهِ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا يُعْرَفُ لَهُ إسْنَادٌ صَحِيحٌ وَلَا ضَعِيفٌ.
وَمِمَّا يَرْوُونَهُ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا تَكَلَّمَ مَعَ أَبِي بَكْرٍ كُنْت كَالزِّنْجِيِّ بَيْنَهُمَا} الَّذِي لَا يَفْهَمُ.
(18/376)

فَأَجَابَ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ، هَذَا كَذِبٌ ظَاهِرٌ لَمْ يَنْقُلْهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ وَلَمْ يَرْوِهِ إلَّا جَاهِلٌ أَوْ مُلْحِدٌ.
وَمِمَّا يَرْوُونَهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: {أَنَا مَدِينَةُ الْعِلْمِ وَعَلِيٌّ بَابُهَا} .
فَأَجَابَ: هَذَا حَدِيثٌ ضَعِيفٌ بَلْ مَوْضُوعٌ عِنْدَ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِالْحَدِيثِ لَكِنْ قَدْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ وَمَعَ هَذَا فَهُوَ كَذِبٌ.
وَمِمَّا يَرْوُونَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {أَنَّ اللَّهَ يَعْتَذِرُ لِلْفُقَرَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَقُولُ وَعِزَّتِي وَجَلَالِي مَا زُوِيَتْ الدُّنْيَا عَنْكُمْ لِهَوَانِكُمْ عَلَيَّ لَكِنْ أَرَدْت أَنْ أَرْفَعَ قَدْرَكُمْ فِي هَذَا الْيَوْمِ انْطَلِقُوا إلَى الْمَوْقِفِ فَمَنْ أَحْسَنَ إلَيْكُمْ بِكِسْرَةِ أَوْ سَقَاكُمْ شَرْبَةً مِنْ الْمَاءِ أَوْ كَسَاكُمْ خِرْقَةً انْطَلِقُوا بِهِ إلَى الْجَنَّةِ} .
فَأَجَابَ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ، هَذَا الشَّأْنُ كَذِبٌ لَمْ يَرْوِهِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ وَهُوَ بَاطِلٌ مُخَالِفٌ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ بِالْإِجْمَاعِ.
وَمِمَّا يَرْوُونَ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {أَنَّهُ لَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ فِي الْهِجْرَةِ خَرَجَتْ بَنَاتُ النَّجَّارِ بِالدُّفُوفِ وَهُنَّ يَقُلْنَ: طَلَعَ الْبَدْرُ عَلَيْنَا ... مِنْ ثَنِيَّاتِ الْوَدَاعِ إلَى آخِرِ الشِّعْرِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُزُّوا كَرَابِيلَكُمْ بَارَكَ اللَّهُ فِيكُمْ} . فَأَجَابَ: أَمَّا ضَرْبُ النِّسْوَةِ الدُّفَّ فِي الزَّوَاجِ فَقَدْ كَانَ مَعْرُوفًا عَلَى عَهْدِ
(18/377)

رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَمَّا قَوْلُهُ: {هُزُّوا كَرَابِيلَكُم