Advertisement

مجموع الفتاوى 027

الْجُزْءُ الْسَابِعُ وَالْعِشْرُونَ
كِتَابُ الفِقْهِ
الْجُزْءُ السَابِعُ: الزِيَارَةُ
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَهْدِيهِ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.
فَصْلٌ:
فِي " زِيَارَةِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ " ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ {لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى وَمَسْجِدِي هَذَا} وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَقَدْ رُوِيَ مِنْ طُرُقٍ أُخْرَى وَهُوَ حَدِيثٌ مُسْتَفِيضٌ
(27/5)

مُتَلَقًّى بِالْقَبُولِ. أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى صِحَّتِهِ وَتَلَقِّيه بِالْقَبُولِ وَالتَّصْدِيقِ. وَاتَّفَقَ عُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى اسْتِحْبَابِ السَّفَرِ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ لِلْعِبَادَةِ الْمَشْرُوعَةِ فِيهِ: كَالصَّلَاةِ وَالدُّعَاءِ وَالذِّكْرِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَالِاعْتِكَافِ وَقَدْ رُوِيَ مِنْ حَدِيثٍ رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي صَحِيحِهِ {أَنَّ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ سَأَلَ رَبَّهُ ثَلَاثًا: مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدِ مِنْ بَعْدِهِ وَسَأَلَهُ حُكْمًا يُوَافِقُ حُكْمَهُ وَسَأَلَهُ أَنَّهُ لَا يَؤُمُّ أَحَدٌ هَذَا الْبَيْتَ لَا يُرِيدُ إلَّا الصَّلَاةَ فِيهِ إلَّا غُفِرَ لَهُ} وَلِهَذَا كَانَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَأْتِي إلَيْهِ فَيُصَلِّي فِيهِ وَلَا يَشْرَبُ فِيهِ مَاءً لِتُصِيبَهُ دَعْوَةُ سُلَيْمَانَ لِقَوْلِهِ " لَا يُرِيدُ إلَّا الصَّلَاةَ فِيهِ " فَإِنَّ هَذَا يَقْتَضِي إخْلَاصَ النِّيَّةِ فِي السَّفَرِ إلَيْهِ وَلَا يَأْتِيهِ لِغَرَضِ دُنْيَوِيٍّ وَلَا بِدْعَةٍ.
وَتَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ فِيمَنْ نَذَرَ السَّفَرَ إلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ فِيهِ أَوْ الِاعْتِكَافِ فِيهِ هَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْوَفَاءُ بِنَذْرِهِ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ مَشْهُورَيْنِ وَهُمَا قَوْلَانِ لِلشَّافِعِيِّ. أَحَدُهُمَا: يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهَذَا النَّذْرِ وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ: مِثْلِ مَالِكٍ وَأَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ وَغَيْرِهِمَا. وَالثَّانِي: لَا يَجِبُ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ فَإِنَّ مِنْ أَصْلِهِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ بِالنَّذْرِ إلَّا مَا كَانَ جِنْسُهُ وَاجِبًا بِالشَّرْعِ فَلِهَذَا يُوجِبُ نَذْرَ
(27/6)

الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالصَّدَقَةِ وَالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فَإِنَّ جِنْسَهَا وَاجِبٌ بِالشَّرْعِ وَلَا يُوجِبُ نَذْرَ الِاعْتِكَافِ فَإِنَّ الِاعْتِكَافَ لَا يَصِحُّ عِنْدَهُ إلَّا بِصَوْمِ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَحْمَد فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ. وَأَمَّا الْأَكْثَرُونَ فَيَحْتَجُّونَ بِمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ {مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ فَلَا يَعْصِهِ} فَأَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْوَفَاءِ بِالنَّذْرِ لِكُلِّ مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ وَلَمْ يَشْتَرِطْ أَنْ تَكُونَ الطَّاعَةُ مِنْ جِنْسِ الْوَاجِبِ بِالشَّرْعِ وَهَذَا الْقَوْلُ أَصَحُّ. وَهَكَذَا النِّزَاعُ لَوْ نَذَرَ السَّفَرَ إلَى مَسْجِدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى وَأَمَّا لَوْ نَذَرَ إتْيَانَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ لِحَجِّ أَوْ عُمْرَةٍ وَجَبَ عَلَيْهِ الْوَفَاءُ بِنَذْرِهِ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ. وَالْمَسْجِدُ الْحَرَامُ أَفْضَلُ الْمَسَاجِدِ وَيَلِيهِ مَسْجِدُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَلِيهِ الْمَسْجِدُ الْأَقْصَى وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ {عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنْ الْمَسَاجِدِ إلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ} . وَاَلَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الصَّلَاةَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْهَا فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ رَوَى أَحْمَد وَالنَّسَائِي وَغَيْرُهُمَا
(27/7)

عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {أَنَّ الصَّلَاةَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ بِمِائَةِ أَلْفِ صَلَاةٍ} وَأَمَّا فِي الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى فَقَدْ رُوِيَ " أَنَّهَا بِخَمْسِينَ صَلَاةٍ " وَقِيلَ " بِخَمْسِمِائَةِ صَلَاةٍ " وَهُوَ أَشْبَهُ.
وَلَوْ نَذَرَ السَّفَرَ إلَى " قَبْرِ الْخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلَامُ " أَوْ قَبْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ إلَى " الطُّورِ " الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ أَوْ إلَى " جَبَلِ حِرَاءَ " الَّذِي كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَعَبَّدُ فِيهِ وَجَاءَهُ الْوَحْيُ فِيهِ أَوْ الْغَارِ الْمَذْكُورِ فِي الْقُرْآنِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمَقَابِرِ وَالْمَقَامَاتِ وَالْمَشَاهِدِ الْمُضَافَةِ إلَى بَعْضِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمَشَايِخِ أَوْ إلَى بَعْضِ الْمَغَارَاتِ أَوْ الْجِبَالِ: لَمْ يَجِبْ الْوَفَاءُ بِهَذَا النَّذْرِ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ فَإِنَّ السَّفَرَ إلَى هَذِهِ الْمَوَاضِعِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ؛ لِنَهْيِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ} فَإِذَا كَانَتْ الْمَسَاجِدُ الَّتِي هِيَ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ الَّتِي أَمَرَ فِيهَا بِالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ قَدْ نَهَى عَنْ السَّفَرِ إلَيْهَا - حَتَّى مَسْجِدِ قُبَاء الَّذِي يُسْتَحَبُّ لِمَنْ كَانَ بِالْمَدِينَةِ أَنْ يَذْهَبَ إلَيْهِ لِمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ {عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يَأْتِي قُبَاء كُلَّ سَبْتٍ رَاكِبًا وَمَاشِيًا} وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: {مَنْ تَطَهَّرَ فِي بَيْتِهِ فَأَحْسَنَ الطُّهُورَ ثُمَّ أَتَى مَسْجِدَ قُبَاء لَا يُرِيدُ إلَّا الصَّلَاةَ فِيهِ: كَانَ لَهُ كَعُمْرَةِ} قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
(27/8)

فَإِذَا كَانَ مِثْلُ هَذَا يَنْهَى عَنْ السَّفَرِ إلَيْهِ وَيَنْهَى عَنْ السَّفَرِ إلَى الطُّورِ الْمَذْكُورِ فِي الْقُرْآنِ وَكَمَا ذَكَرَ مَالِكٌ الْمَوَاضِعَ الَّتِي لَمْ تُبْنَ لِلصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ؛ بَلْ يُنْهَى عَنْ اتِّخَاذِهَا مَسَاجِدَ فَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ {لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا آثَارَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ يُحَذِّرُ مَا فَعَلُوا قَالَتْ عَائِشَةُ وَلَوْلَا ذَلِكَ لَأُبْرِزَ قَبْرُهُ وَلَكِنْ كُرِهَ أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا} . وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: {إنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ الْقُبُورَ مَسَاجِدَ أَلَّا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ فَإِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ} وَلِهَذَا لَمْ يَكُنْ الصَّحَابَةُ يُسَافِرُونَ إلَى شَيْءٍ مِنْ مَشَاهِدِ الْأَنْبِيَاءِ لَا مَشْهَدِ إبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَلَا غَيْرِهِ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ صَلَّى فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ رَكْعَتَيْنِ كَمَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ وَلَمْ يُصَلِّ فِي غَيْرِهِ وَأَمَّا مَا يَرْوِيهِ بَعْضُ النَّاسِ مِنْ حَدِيثِ الْمِعْرَاجِ {أَنَّهُ صَلَّى فِي الْمَدِينَةِ وَصَلَّى عِنْدَ قَبْرِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَصَلَّى عِنْدَ قَبْرِ الْخَلِيلِ} فَكُلُّ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ مَكْذُوبَةٌ مَوْضُوعَةٌ. وَقَدْ رَخَّصَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ فِي السَّفَرِ إلَى الْمَشَاهِدِ وَلَمْ يَنْقُلُوا ذَلِكَ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ وَلَا احْتَجُّوا بِحُجَّةِ شَرْعِيَّةٍ.
(27/9)

فَصْلٌ:
وَالْعِبَادَاتُ الْمَشْرُوعَةُ فِي الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى هِيَ مِنْ جِنْسِ الْعِبَادَاتِ الْمَشْرُوعَةِ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَغَيْرِهِ مِنْ سَائِرِ الْمَسَاجِدِ إلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ فَإِنَّهُ يُشْرَعُ فِيهِ زِيَادَةٌ عَلَى سَائِرِ الْمَسَاجِدِ الطَّوَافُ بِالْكَعْبَةِ وَاسْتِلَامُ الرُّكْنَيْنِ الْيَمَانِيَّيْنِ وَتَقْبِيلُ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ وَأَمَّا مَسْجِدُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمَسْجِدُ الْأَقْصَى وَسَائِرُ الْمَسَاجِدِ فَلَيْسَ فِيهَا مَا يُطَافُ بِهِ وَلَا فِيهَا مَا يُتَمَسَّحُ بِهِ وَلَا مَا يُقَبَّلُ. فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدِ أَنْ يَطُوفَ بِحُجْرَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ مَقَابِرِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَلَا بِصَخْرَةِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَلَا بِغَيْرِ هَؤُلَاءِ: كَالْقُبَّةِ الَّتِي فَوْقَ جَبَلِ عَرَفَاتٍ وَأَمْثَالِهَا؛ بَلْ لَيْسَ فِي الْأَرْضِ مَكَانٌ يُطَافُ بِهِ كَمَا يُطَافُ بِالْكَعْبَةِ. وَمَنْ اعْتَقَدَ أَنَّ الطَّوَافَ بِغَيْرِهَا مَشْرُوعٌ فَهُوَ شَرٌّ مِمَّنْ يَعْتَقِدُ جَوَازَ الصَّلَاةِ إلَى غَيْرِ الْكَعْبَةِ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا هَاجَرَ مِنْ مَكَّةَ إلَى الْمَدِينَةِ صَلَّى بِالْمُسْلِمِينَ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ شَهْرًا إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَكَانَتْ قِبْلَةُ الْمُسْلِمِينَ هَذِهِ الْمُدَّةَ ثُمَّ إنَّ اللَّهَ حَوَّلَ الْقِبْلَةَ إلَى الْكَعْبَةِ وَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ الْقُرْآنَ
(27/10)

كَمَا ذُكِرَ فِي " سُورَةِ الْبَقَرَةِ " وَصَلَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُسْلِمُونَ إلَى الْكَعْبَةِ وَصَارَتْ هِيَ الْقِبْلَةَ وَهِيَ قِبْلَةُ إبْرَاهِيمَ وَغَيْرِهِ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ. فَمَنْ اتَّخَذَ الصَّخْرَةَ الْيَوْمَ قِبْلَةً يُصَلِّي إلَيْهَا فَهُوَ كَافِرٌ مُرْتَدٌّ يُسْتَتَابُ فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ؛ مَعَ أَنَّهَا كَانَتْ قِبْلَةً لَكِنْ نُسِخَ ذَلِكَ فَكَيْفَ بِمَنْ يَتَّخِذُهَا مَكَانًا يُطَافُ بِهِ كَمَا يُطَافُ بِالْكَعْبَةِ؟ وَالطَّوَافُ بِغَيْرِ الْكَعْبَةِ لَمْ يَشْرَعْهُ اللَّهُ بِحَالِ وَكَذَلِكَ مَنْ قَصَدَ أَنْ يَسُوقَ إلَيْهَا غَنَمًا أَوْ بَقَرًا لِيَذْبَحَهَا هُنَاكَ وَيَعْتَقِدُ أَنَّ الْأُضْحِيَّةَ فِيهَا أَفْضَلُ وَأَنْ يَحْلِقَ فِيهَا شَعْرَهُ فِي الْعِيدِ أَوْ أَنْ يُسَافِرَ إلَيْهَا لِيَعْرِفَ بِهَا عَشِيَّةَ عَرَفَةَ. فَهَذِهِ الْأُمُورُ الَّتِي يُشَبَّهُ بِهَا بَيْتُ الْمَقْدِسِ فِي الْوُقُوفِ وَالطَّوَافِ وَالذَّبْحِ وَالْحَلْقِ مِنْ الْبِدَعِ وَالضَّلَالَاتِ وَمَنْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ مُعْتَقِدًا أَنَّ هَذَا قُرْبَةٌ إلَى اللَّهِ فَإِنَّهُ يُسْتَتَابُ فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ كَمَا لَوْ صَلَّى إلَى الصَّخْرَةِ مُعْتَقِدًا أَنَّ اسْتِقْبَالَهَا فِي الصَّلَاةِ قُرْبَةٌ كَاسْتِقْبَالِ الْكَعْبَةِ؛ وَلِهَذَا بَنَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مُصَلَّى الْمُسْلِمِينَ فِي مُقَدِّمِ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى. فَإِنَّ " الْمَسْجِدَ الْأَقْصَى " اسْمٌ لِجَمِيعِ الْمَسْجِدِ الَّذِي بَنَاهُ سُلَيْمَانُ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَقَدْ صَارَ بَعْضُ النَّاسِ يُسَمِّي الْأَقْصَى الْمُصَلَّى الَّذِي بَنَاهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي مُقَدِّمِهِ وَالصَّلَاةُ فِي هَذَا الْمُصَلَّى الَّذِي بَنَاهُ عُمَرُ لِلْمُسْلِمِينَ أَفْضَلَ مِنْ الصَّلَاةِ فِي سَائِرِ الْمَسْجِدِ؛ فَإِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ لَمَّا
(27/11)

فَتَحَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ وَكَانَ عَلَى الصَّخْرَةِ زُبَالَةٌ عَظِيمَةٌ لِأَنَّ النَّصَارَى كَانُوا يَقْصِدُونَ إهَانَتَهَا مُقَابَلَةً لِلْيَهُودِ الَّذِينَ يُصَلُّونَ إلَيْهَا فَأَمَرَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ عَنْهَا وَقَالَ لِكَعْبِ الْأَحْبَارِ: أَيْنَ تَرَى أَنْ نَبْنِيَ مُصَلَّى الْمُسْلِمِينَ؟ فَقَالَ: خَلْفَ الصَّخْرَةِ فَقَالَ: يَا ابْنَ الْيَهُودِيَّةِ خَالَطَتْك يَهُودِيَّةٌ بَلْ أَبْنِيهِ أَمَامَهَا. فَإِنَّ لَنَا صُدُورَ الْمَسَاجِدِ وَلِهَذَا كَانَ أَئِمَّةُ الْأُمَّةِ إذَا دَخَلُوا الْمَسْجِدَ قَصَدُوا الصَّلَاةَ فِي الْمُصَلَّى الَّذِي بَنَاهُ عُمَرُ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ صَلَّى فِي مِحْرَابِ دَاوُد. وَأَمَّا " الصَّخْرَةُ " فَلَمْ يُصَلِّ عِنْدَهَا عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَلَا الصَّحَابَةُ وَلَا كَانَ عَلَى عَهْدِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ عَلَيْهَا قُبَّةٌ بَلْ كَانَتْ مَكْشُوفَةً فِي خِلَافَةِ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَمُعَاوِيَةَ وَيَزِيدَ وَمَرْوَانَ؛ وَلَكِنْ لَمَّا تَوَلَّى ابْنُهُ عَبْدُ الْمَلِكِ الشَّامَ وَوَقَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ابْنِ الزُّبَيْرِ الْفِتْنَةُ كَانَ النَّاسُ يَحُجُّونَ فَيَجْتَمِعُونَ بِابْنِ الزُّبَيْرِ فَأَرَادَ عَبْدُ الْمَلِكِ أَنْ يَصْرِفَ النَّاسَ عَنْ ابْنِ الزُّبَيْرِ فَبَنَى الْقُبَّةَ عَلَى الصَّخْرَةِ وَكَسَاهَا فِي الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ لِيُرَغِّبَ النَّاسَ فِي " زِيَارَةِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ " وَيَشْتَغِلُوا بِذَلِكَ عَنْ اجْتِمَاعِهِمْ بِابْنِ الزُّبَيْرِ وَأَمَّا أَهْلُ الْعِلْمِ مَنَّ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانِ فَلَمْ يَكُونُوا يُعَظِّمُونَ الصَّخْرَةَ فَإِنَّهَا قِبْلَةٌ مَنْسُوخَةٌ كَمَا أَنَّ يَوْمَ السَّبْتِ كَانَ عِيدًا فِي شَرِيعَةِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ ثُمَّ نُسِخَ فِي شَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَوْمِ الْجُمْعَةِ فَلَيْسَ لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَخُصُّوا يَوْمَ السَّبْتِ وَيَوْمَ الْأَحَدِ بِعِبَادَةِ كَمَا تَفْعَلُ الْيَهُودُ
(27/12)

وَالنَّصَارَى وَكَذَلِكَ الصَّخْرَةُ إنَّمَا يُعَظِّمُهَا الْيَهُودُ وَبَعْضُ النَّصَارَى. وَمَا يَذْكُرُهُ بَعْضُ الْجُهَّالِ فِيهَا مِنْ أَنَّ هُنَاكَ أَثَرُ قَدَمِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَثَرُ عِمَامَتِهِ وَغَيْرُ ذَلِكَ: فَكُلُّهُ كَذِبٌ. وَأَكْذَبُ مِنْهُ مَنْ يَظُنُّ أَنَّهُ مَوْضِعُ قَدَمِ الرَّبِّ وَكَذَلِكَ الْمَكَانُ الَّذِي يُذْكَرُ أَنَّهُ مَهْدُ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ كَذِبٌ وَإِنَّمَا كَانَ مَوْضِعَ مَعْمُودِيَّةِ النَّصَارَى وَكَذَا مَنْ زَعَمَ أَنَّ هُنَاكَ الصِّرَاطُ وَالْمِيزَانُ أَوْ أَنَّ السُّورَ الَّذِي يُضْرَبُ بِهِ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ هُوَ ذَلِكَ الْحَائِطُ الْمَبْنِيُّ شَرْقِيِّ الْمَسْجِدِ وَكَذَلِكَ تَعْظِيمُ السِّلْسِلَةِ أَوْ مَوْضِعِهَا لَيْسَ مَشْرُوعًا.
فَصْلٌ:
وَلَيْسَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ مَكَانٌ يُقْصَدُ لِلْعِبَادَةِ سِوَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى لَكِنْ إذَا زَارَ قُبُورَ الْمَوْتَى وَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ وَتَرَحَّمَ عَلَيْهِمْ كَمَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعَلِّمُ أَصْحَابَهُ فَحَسَنٌ فَإِنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ {كَانَ يُعَلِّمُ أَصْحَابَهُ إذَا زَارُوا الْقُبُورَ أَنْ يَقُولَ أَحَدُهُمْ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الدِّيَارِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَإِنَّا إنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ وَيَرْحَمُ اللَّهُ الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنَّا وَمِنْكُمْ وَالْمُسْتَأْخِرِين نَسْأَلُ اللَّهَ لَنَا وَلَكُمْ الْعَافِيَةَ اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُمْ وَلَا تَفْتِنَّا بَعْدَهُمْ وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُمْ} .
(27/13)

فَصْلٌ:
وَأَمَّا زِيَارَةُ " مَعَابِدِ الْكُفَّارِ " مِثْلَ الْمَوْضِعِ الْمُسَمَّى " بِالْقُمَامَةِ " أَوْ " بَيْتِ لَحْمٍ " أَوْ " صَهْيُون " أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ؛ مِثْلُ " كَنَائِسِ النَّصَارَى " فَمَنْهِيٌّ عَنْهَا. فَمَنْ زَارَ مَكَانًا مِنْ هَذِهِ الْأَمْكِنَةِ مُعْتَقِدًا أَنَّ زِيَارَتَهُ مُسْتَحَبَّةٌ وَالْعِبَادَةَ فِيهِ أَفْضَلُ مِنْ الْعِبَادَةِ فِي بَيْتِهِ: فَهُوَ ضَالٌّ خَارِجٌ عَنْ شَرِيعَةِ الْإِسْلَامِ يُسْتَتَابُ فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ. وَأَمَّا إذَا دَخَلَهَا الْإِنْسَانُ لِحَاجَةِ وَعَرَضَتْ لَهُ الصَّلَاةُ فِيهَا فَلِلْعُلَمَاءِ فِيهَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ قِيلَ: تُكْرَهُ الصَّلَاةُ فِيهَا مُطْلَقًا وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَهُوَ مَنْقُولٌ عَنْ مَالِكٍ. وَقِيلَ: تُبَاحُ مُطْلَقًا. وَقِيلَ: إنْ كَانَ فِيهَا صُوَرٌ نُهِيَ عَنْ الصَّلَاةِ وَإِلَّا فَلَا وَهَذَا مَنْصُوصٌ عَنْ أَحْمَد وَغَيْرِهِ وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَغَيْرِهِ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: {لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ صُورَةٌ} وَلَمَّا فَتَحَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَّةَ كَانَ فِي الْكَعْبَة تَمَاثِيلُ فَلَمْ يَدْخُلْ الْكَعْبَةَ حَتَّى مُحِيَتْ تِلْكَ الصُّوَرُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ:
وَلَيْسَ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ مَكَانٌ يُسَمَّى " حَرَمًا " وَلَا بِتُرْبَةِ الْخَلِيلِ وَلَا
(27/14)

بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْبِقَاعِ إلَّا ثَلَاثَةَ أَمَاكِنَ: أَحَدُهَا هُوَ حَرَمٌ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ وَهُوَ حَرَمُ مَكَّةَ شَرَّفَهَا اللَّهُ تَعَالَى. وَالثَّانِي حَرَمٌ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ وَهُوَ حَرَمُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ عِيرٍ إلَى ثَوْرٍ بَرِيدٌ فِي بَرِيدٍ؛ فَإِنَّ هَذَا حَرَمٌ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ كَمَالِكِ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد وَفِيهِ أَحَادِيثُ صَحِيحَةٌ مُسْتَفِيضَةٌ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَالثَّالِثُ " وَجُّ " وَهُوَ وَادٍ بِالطَّائِفِ. فَإِنَّ هَذَا رُوِيَ فِيهِ حَدِيثٌ رَوَاهُ أَحْمَد فِي الْمُسْنَدِ وَلَيْسَ فِي الصِّحَاحِ وَهَذَا حَرَمٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ لِاعْتِقَادِهِ صِحَّةَ الْحَدِيثِ وَلَيْسَ حَرَمًا عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ وَأَحْمَد ضَعَّفَ الْحَدِيثَ الْمَرْوِيَّ فِيهِ فَلَمْ يَأْخُذْ بِهِ. وَأَمَّا مَا سِوَى هَذِهِ الْأَمَاكِنِ الثَّلَاثَةِ فَلَيْسَ حَرَمًا عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّ الْحَرَمَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ صَيْدَهُ وَنَبَاتَهُ وَلَمْ يُحَرِّمْ اللَّهُ صَيْدَ مَكَانٍ وَنَبَاتَهُ خَارِجًا عَنْ هَذِهِ الْأَمَاكِنِ الثَّلَاثَةِ.
فَصْلٌ:
وَأَمَّا " زِيَارَةُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ " فَمَشْرُوعَةٌ فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ؛ وَلَكِنْ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُؤْتَى فِي الْأَوْقَاتِ الَّتِي تَقْصِدُهَا الضُّلَّالُ: مِثْلَ وَقْتِ عِيدِ النَّحْرِ؛ فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ الضُّلَّالِ يُسَافِرُونَ إلَيْهِ لِيَقِفُوا هُنَاكَ وَالسَّفَرُ إلَيْهِ لِأَجْلِ التَّعْرِيفِ بِهِ مُعْتَقِدًا أَنَّ هَذَا قُرْبَةٌ مُحَرَّمٌ بِلَا رَيْبٍ وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُتَشَبَّهَ بِهِمْ وَلَا يُكَثَّرُ سَوَادُهُمْ.
(27/15)

وَلَيْسَ السَّفَرُ إلَيْهِ مَعَ الْحَجِّ قُرْبَةً. وَقَوْلُ الْقَائِلِ: قَدَّسَ اللَّهُ حُجَّتَك. قَوْلٌ بَاطِلٌ لَا أَصْلَ لَهُ كَمَا يُرْوَى: {مَنْ زَارَنِي وَزَارَ أَبِي فِي عَامٍ وَاحِدٍ ضَمِنْت لَهُ الْجَنَّةَ} فَإِنَّ هَذَا كَذِبٌ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِالْحَدِيثِ بَلْ وَكَذَلِكَ كُلُّ حَدِيثٍ يُرْوَى فِي زِيَارَةِ قَبْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّهُ ضَعِيفٌ بَلْ مَوْضُوعٌ وَلَمْ يَرْوِ أَهْلُ الصِّحَاحِ وَالسُّنَنِ وَالْمَسَانِيدِ كَمُسْنَدِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا؛ وَلَكِنَّ الَّذِي فِي السُّنَنِ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: {مَا مِنْ رَجُلٍ يُسَلِّمُ عَلَيَّ إلَّا رَدَّ اللَّهُ عَلَيَّ رُوحِي حَتَّى أَرُدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ} فَهُوَ يَرُدُّ السَّلَامَ عَلَى مَنْ سَلَّمَ عَلَيْهِ عِنْدَ قَبْرِهِ وَيُبَلَّغُ سَلَامَ مَنْ سَلَّمَ عَلَيْهِ مِنْ الْبَعِيدِ كَمَا فِي النَّسَائِي عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: {إنَّ اللَّهَ وَكَّلَ بِقَبْرِي مَلَائِكَةً يُبَلِّغُونِي عَنْ أُمَّتِي السَّلَامَ} وَفِي السُّنَنِ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: {أَكْثِرُوا عَلَيَّ مِنْ الصَّلَاةِ يَوْمَ الْجُمْعَةِ وَلَيْلَةَ الْجُمْعَةِ فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَلَيَّ قَالُوا: وَكَيْفَ تُعْرَضُ صَلَاتُنَا عَلَيْك وَقَدْ أَرَمْت؟ فَقَالَ: إنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ عَلَى الْأَرْضِ أَنْ تَأْكُلَ لُحُومَ الْأَنْبِيَاءِ} فَبَيَّنَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ الصَّلَاةَ وَالسَّلَامَ تُوصَلُ إلَيْهِ مِنْ الْبَعِيدِ. وَاَللَّهُ قَدْ أَمَرَنَا أَنْ نُصَلِّيَ عَلَيْهِ وَنُسَلِّمَ. وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ قَالَ: {مَنْ صَلَّى عَلَيَّ مَرَّةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا} صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.
(27/16)

فَصْلٌ:
وَأَمَّا السَّفَرُ إلَى " عَسْقَلَانَ " فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ فَلَيْسَ مَشْرُوعًا لَا وَاجِبًا وَلَا مُسْتَحَبًّا؛ وَلَكِنَّ عَسْقَلَانَ كَانَ لِسُكْنَاهَا وَقَصْدِهَا فَضِيلَةٌ لَمَّا كَانَتْ ثَغْرًا لِلْمُسْلِمِينَ يُقِيمُ بِهَا الْمُرَابِطُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنَّهُ قَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ سَلْمَانَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: {رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ وَمَنْ مَاتَ مُرَابِطًا مَاتَ مُجَاهِدًا وَأُجْرِيَ عَلَيْهِ عَمَلُهُ وَأُجْرِيَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ مِنْ الْجَنَّةِ وَأَمِنَ الْفَتَّانَ} وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: لَأَنْ أُرَابِطَ لَيْلَةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَقُومَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ عِنْدَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ. وَكَانَ أَهْلُ الْخَيْرِ وَالدِّينِ يَقْصِدُونَ ثُغُورَ الْمُسْلِمِينَ لِلرِّبَاطِ فِيهَا. ثُغُورَ الشَّامَ: كَعَسْقَلَانَ وَعَكَّةَ وطرسوس وَجَبَلِ لُبْنَانَ وَغَيْرِهَا. وَثُغُورَ مِصْرَ: كالإسكندرية وَغَيْرِهَا وَثُغُورِ الْعِرَاقِ: كعبادان وَغَيْرِهَا. فَمَا خَرَبَ مِنْ هَذِهِ الْبِقَاعِ وَلَمْ يَبْقَ بُيُوتًا كَعَسْقَلَانَ لَمْ يَكُنْ ثُغُورًا وَلَا فِي السَّفَرِ إلَيْهِ فَضِيلَةٌ وَكَذَلِكَ جَبَلُ لُبْنَانَ وَأَمْثَالُهُ مِنْ الْجِبَالِ لَا يُسْتَحَبُّ السَّفَرُ إلَيْهِ وَلَيْسَ فِيهِ أَحَدٌ مِنْ الصَّالِحِينَ الْمُتَّبِعِينَ لِشَرِيعَةِ الْإِسْلَامِ وَلَكِنْ فِيهِ كَثِيرٌ مِنْ الْجِنِّ وَهُمْ " رِجَالُ الْغَيْبِ " الَّذِينَ يُرَوْنَ أَحْيَانًا فِي هَذِهِ الْبِقَاعِ قَالَ تَعَالَى: {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ
(27/17)

الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا} وَكَذَلِكَ الَّذِينَ يَرَوْنَ الْخَضِرَ أَحْيَانًا هُوَ جِنِّيٌّ رَآهُ وَقَدْ رَآهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِمَّنْ أَعْرِفُهُ وَقَالَ إنَّنِي الْخَضِرُ وَكَانَ ذَلِكَ جِنِّيًّا لَبَّسَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ رَأَوْهُ؛ وَإِلَّا فَالْخَضِرُ الَّذِي كَانَ مَعَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ مَاتَ وَلَوْ كَانَ حَيًّا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَوَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيُؤْمِنَ بِهِ وَيُجَاهِدَ مَعَهُ؛ فَإِنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ أَدْرَكَ مُحَمَّدًا - وَلَوْ كَانَ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ - أَنْ يُؤْمِنُوا بِهِ وَيُجَاهِدُوا مَعَهُ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمْ يَبْعَثْ اللَّهُ نَبِيًّا إلَّا أَخَذَ عَلَيْهِ الْمِيثَاقَ لَئِنْ بُعِثَ مُحَمَّدٌ وَهُوَ حَيٌّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ وَلَيَنْصُرَنَّهُ وَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْمِيثَاقَ عَلَى أُمَّتِهِ لَئِنْ بَعَثَ مُحَمَّدًا وَهْم أَحْيَاءُ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ وَلَيَنْصُرَنَّهُ. وَلَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ مِنْ الصَّحَابَةِ أَنَّهُ رَأَى الْخَضِرَ وَلَا أَنَّهُ أَتَى إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا أَعْلَمَ وَأَجَلَّ قَدْرًا مِنْ أَنْ يُلَبِّسُ الشَّيْطَانُ عَلَيْهِمْ؛ وَلَكِنْ لَبَّسَ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ بَعْدَهُمْ فَصَارَ يَتَمَثَّلُ لِأَحَدِهِمْ فِي صُورَةِ النَّبِيِّ وَيَقُولُ: أَنَا الْخَضِرُ وَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ كَمَا أَنَّ كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ يَرَى مَيِّتَهُ خَرَجَ وَجَاءَ إلَيْهِ وَكَلَّمَهُ فِي أُمُورٍ وَقَضَى حَوَائِجَ فَيَظُنُّهُ الْمَيِّتَ نَفْسَهُ وَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ تَصَوَّرَ بِصُورَتِهِ وَكَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ يَسْتَغِيثُ بِمَخْلُوقِ إمَّا نَصْرَانِيٍّ كجرجس أَوْ غَيْرِ
(27/18)

نَصْرَانِيٍّ فَيَرَاهُ قَدْ جَاءَهُ وَرُبَّمَا يُكَلِّمُهُ وَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ تَصَوَّرَ بِصُورَةِ ذَلِكَ الْمُسْتَغَاثِ بِهِ لَمَّا أَشْرَكَ بِهِ الْمُسْتَغِيثُ تَصَوَّرَ لَهُ كَمَا كَانَتْ الشَّيَاطِينُ تَدْخُلُ فِي الْأَصْنَامِ وَتُكَلِّمُ النَّاسَ وَمِثْلُ هَذَا مَوْجُودٌ كَثِيرٌ فِي هَذِهِ الْأَزْمَانِ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْبِلَادِ وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ تَحْمِلُهُ الشَّيَاطِينُ فَتَطِيرُ بِهِ فِي الْهَوَاءِ إلَى مَكَانٍ بَعِيدٍ وَمِنْهُمْ مَنْ تَحْمِلُهُ إلَى عَرَفَةَ فَلَا يَحُجُّ حَجًّا شَرْعِيًّا وَلَا يُحْرِمُ وَلَا يُلَبِّي وَلَا يَطُوفُ وَلَا يَسْعَى؛ وَلَكِنْ يَقِفُ بِثِيَابِهِ مَعَ النَّاسِ ثُمَّ يَحْمِلُونَهُ إلَى بَلَدِهِ. وَهَذَا مِنْ تَلَاعُبِ الشَّيَاطِينِ بِكَثِيرِ مِنْ النَّاسِ كَمَا قَدْ بُسِطَ الْكَلَامُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.
(27/19)

وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
عَنْ زِيَارَةِ " الْقُدْسِ " و " قَبْرِ الْخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلَامُ " وَمَا فِي أَكْلِ الْخُبْزِ وَالْعَدْسِ مِنْ الْبَرَكَةِ وَنَقْلِهِ مِنْ بَلَدٍ إلَى بَلَدٍ لِلْبَرَكَةِ وَمَا فِي ذَلِكَ مِنْ السُّنَّةِ وَالْبِدْعَةِ.
فَأَجَابَ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ، أَمَّا السَّفَرُ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ لِلصَّلَاةِ فِيهِ وَالِاعْتِكَافِ أَوْ الْقِرَاءَةِ أَوْ الذِّكْرِ أَوْ الدُّعَاءِ: فَمَشْرُوعٌ مُسْتَحَبٌّ بِاتِّفَاقِ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ أَنَّهُ قَالَ: {لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى وَمَسْجِدِي هَذَا} . وَالْمَسْجِدُ الْحَرَامِ وَمَسْجِدُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَفْضَلُ مِنْهُ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: {صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ} . وَأَمَّا السَّفَرُ: إلَى مُجَرَّدِ زِيَارَةِ " قَبْرِ الْخَلِيلِ " أَوْ غَيْرِهِ مِنْ مَقَابِرِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَمَشَاهِدِهِمْ وَآثَارِهِمْ فَلَمْ يَسْتَحِبَّهُ أَحَدٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ لَا الْأَرْبَعَةُ وَلَا غَيْرُهُمْ؛ بَلْ لَوْ نَذَرَ ذَلِكَ نَاذِرٌ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْوَفَاءُ بِهَذَا
(27/20)

النَّذْرِ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ؛ بِخِلَافِ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ فَإِنَّهُ إذَا نَذَرَ السَّفَرَ إلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ لِحَجِّ أَوْ عُمْرَةٍ لَزِمَهُ ذَلِكَ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ وَإِذَا نَذَرَ السَّفَرَ إلَى الْمَسْجِدَيْنِ الْآخَرَيْنِ لَزِمَهُ السَّفَرُ عِنْدَ أَكْثَرِهِمْ كَمَالِكِ وَأَحْمَد وَالشَّافِعِيِّ فِي أَظْهَرِ قَوْلَيْهِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ فَلَا يَعْصِهِ} رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَإِنَّمَا يَجِبُ الْوَفَاءُ بِنَذْرِ كُلِّ مَا كَانَ طَاعَةً: مِثْلَ مَنْ نَذَرَ صَلَاةً أَوْ صَوْمًا أَوْ اعْتِكَافًا أَوْ صَدَقَةً لِلَّهِ أَوْ حَجًّا. وَلِهَذَا لَا يَجِبُ بِالنَّذْرِ السَّفَرُ إلَى غَيْرِ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِطَاعَةِ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ} فَمَنَعَ مِنْ السَّفَرِ إلَى مَسْجِدٍ غَيْرِ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ فَغَيْرُ الْمَسَاجِدِ أَوْلَى بِالْمَنْعِ؛ لِأَنَّ الْعِبَادَةَ فِي الْمَسَاجِدِ أَفْضَلُ مِنْهَا فِي غَيْرِ الْمَسَاجِدِ وَغَيْرِ الْبُيُوتِ بِلَا رَيْبٍ وَلِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: {أَحَبُّ الْبِقَاعِ إلَى اللَّهِ الْمَسَاجِدُ} مَعَ أَنَّ قَوْلَهُ {لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ} يَتَنَاوَلُ الْمَنْعَ مِنْ السَّفَرِ إلَى كُلِّ بُقْعَةٍ مَقْصُودَةٍ؛ بِخِلَافِ السَّفَرِ لِلتِّجَارَةِ وَطَلَبِ الْعِلْمِ وَنَحْوِ ذَلِكَ: فَإِنَّ السَّفَرَ لِطَلَبِ تِلْكَ الْحَاجَةِ حَيْثُ كَانَتْ وَكَذَلِكَ السَّفَرُ لِزِيَارَةِ الْأَخِ فِي اللَّهِ فَإِنَّهُ هُوَ الْمَقْصُودُ حَيْثُ كَانَ. وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ الْعُلَمَاءِ: أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِالسَّفَرِ
(27/21)

إلَى الْمَشَاهِدِ وَاحْتَجُّوا {بِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَأْتِي قُبَاء كُلَّ سَبْتٍ رَاكِبًا وَمَاشِيًا} أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ؛ لِأَنَّ قُبَاء لَيْسَتْ مَشْهَدًا؛ بَلْ مَسْجِدٌ وَهِيَ مَنْهِيٌّ عَنْ السَّفَرِ إلَيْهَا بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِسَفَرِ مَشْرُوعٍ؛ بَلْ لَوْ سَافَرَ إلَى قُبَاء مِنْ دويرة أَهْلِهِ لَمْ يَجُزْ وَلَكِنْ لَوْ سَافَرَ إلَى الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ ثُمَّ ذَهَبَ مِنْهُ إلَى قُبَاء فَهَذَا يُسْتَحَبُّ كَمَا يُسْتَحَبُّ زِيَارَةُ قُبُورِ أَهْلِ الْبَقِيعِ وَشُهَدَاءِ أُحُدٍ. وَأَمَّا أَكْلُ الْخُبْزِ وَالْعَدْسِ الْمَصْنُوعِ عِنْدَ " قَبْرِ الْخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلَامُ " فَهَذَا لَمْ يَسْتَحِبَّهُ أَحَدٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ؛ لَا الْمُتَقَدِّمِينَ وَلَا الْمُتَأَخِّرِينَ وَلَا كَانَ هَذَا مَصْنُوعًا لَا فِي زَمَنِ الصَّحَابَةِ وَلَا التَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانِ وَلَا بَعْدَ ذَلِكَ إلَى خَمْسمِائَةِ سَنَةٍ مِنْ الْبَعْثَةِ حَتَّى أَخَذَ النَّصَارَى تِلْكَ الْبِلَادَ وَلَمْ تَكُنْ الْقُبَّةُ الَّتِي عَلَى قَبْرِهِ مَفْتُوحَةً؛ بَلْ كَانَتْ مَسْدُودَةً وَلَا كَانَ السَّلَفُ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ يُسَافِرُونَ إلَى قَبْرِهِ وَلَا قَبْرِ غَيْرِهِ؛ لَكِنْ لَمَّا أَخَذَ النَّصَارَى تِلْكَ الْبِلَادَ فَسَوَّوْا حُجْرَتَهُ وَاِتَّخَذُوهَا كَنِيسَةً فَلَمَّا أَخَذَ الْمُسْلِمُونَ الْبِلَادَ بَعْدَ ذَلِكَ اتَّخَذَ ذَلِكَ مَنْ اتَّخَذَهُ مَسْجِدًا وَذَلِكَ بِدْعَةٌ مَنْهِيٌّ عَنْهَا لِمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: {لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ} يُحَذِّرُ مَا فَعَلُوا. وَفِي الصَّحِيحِ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِخَمْسِ: {إنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا
(27/22)

يَتَّخِذُونَ الْقُبُورَ مَسَاجِدَ أَلَا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ فَإِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ} . ثُمَّ وَقَفَ بَعْضُ النَّاسِ وَقْفًا لِلْعَدْسِ وَالْخُبْزِ وَلَيْسَ هَذَا وَقْفًا مِنْ الْخَلِيلِ وَلَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ وَلَا مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا مِنْ خُلَفَائِهِ؛ بَلْ قَدْ رُوِيَ {عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ أَطْلَقَ تِلْكَ الْقَرْيَةَ للدارميين} وَلَمْ يَأْمُرْهُمْ أَنْ يُطْعِمُوا عِنْدَ مَشْهَدِ الْخَلِيلِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَا خُبْزًا وَلَا عَدْسًا وَلَا غَيْرَ ذَلِكَ. فَمَنْ اعْتَقَدَ أَنَّ الْأَكْلَ مِنْ هَذَا الْخُبْزِ وَالْعَدْسِ مُسْتَحَبٌّ شَرَعَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهُوَ مُبْتَدِعٌ ضَالٌّ بَلْ مَنْ اعْتَقَدَ أَنَّ الْعَدْسَ مُطْلَقًا فِيهِ فَضِيلَةٌ فَهُوَ جَاهِلٌ. وَالْحَدِيثُ الَّذِي يُرْوَى: {كُلُوا الْعَدْسَ فَإِنَّهُ يُرِقُّ الْقَلْبَ وَقَدْ قُدِّسَ فِيهِ سَبْعُونَ نَبِيًّا} حَدِيثٌ مَكْذُوبٌ مُخْتَلَقٌ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَلَكِنَّ الْعَدْسَ هُوَ مِمَّا اشْتَهَاهُ الْيَهُودُ. وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُمْ: {أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ} . وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَتَقَرَّبُ إلَى الْجِنِّ بِالْعَدْسِ فَيَطْبُخُونَ عَدْسًا وَيَضَعُونَهُ فِي الْمَرَاحِيضِ أَوْ يُرْسِلُونَهُ وَيَطْلُبُونَ مِنْ الشَّيَاطِينِ بَعْضَ مَا يُطْلَبُ مِنْهُمْ كَمَا يَفْعَلُونَ مِثْلَ ذَلِكَ فِي الْحَمَّامِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَهَذَا مِنْ الْإِيمَانِ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ. و " جِمَاعُ دِينِ الْإِسْلَامِ ": أَنْ يُعْبَدَ اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَيُعْبَدَ
(27/23)

بِمَا شَرَعَهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْوَاجِبَاتِ والمستحبات وَالْمَنْدُوبَاتِ. فَمَنْ تَعَبَّدَ بِعِبَادَةِ لَيْسَتْ وَاجِبَةً وَلَا مُسْتَحَبَّةً فَهُوَ ضَالٌّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسُئِلَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
هَلْ الْأَفْضَلُ الْمُجَاوَرَةُ بِمَكَّةَ؟ أَوْ بِمَسْجِدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ أَوْ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى؟ أَوْ بِثَغْرِ مِنْ الثُّغُورِ لِأَجْلِ الْغَزْوِ؟ وَفِيمَا يُرْوَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {مَنْ زَارَ قَبْرِي وَجَبَتْ لَهُ شَفَاعَتِي} . و {مَنْ زَارَ الْبَيْتَ وَلَمْ يَزُرْنِي فَقَدْ جَفَانِي} وَهَلْ زِيَارَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِحْبَابِ أَمْ لَا؟ أَفْتُونَا مَأْجُورِينَ.
الْجَوَابُ
فَأَجَابَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. الْمُرَابَطَةُ بِالثُّغُورِ أَفْضَلُ مِنْ الْمُجَاوَرَةِ فِي الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ كَمَا نَصَّ عَلَى ذَلِكَ أَئِمَّةُ الْإِسْلَامِ عَامَّةً؛ بَلْ قَدْ اخْتَلَفُوا فِي الْمُجَاوَرَةِ: فَكَرِهَهَا أَبُو حَنِيفَةَ وَاسْتَحَبَّهَا مَالِكٌ وَأَحْمَد وَغَيْرُهُمَا؛ وَلَكِنَّ الْمُرَابَطَةَ عِنْدَهُمْ أَفْضَلُ مِنْ الْمُجَاوَرَةِ وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْن السَّلَف حَتَّى قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَأَنْ أُرَابِطَ لَيْلَةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَقُومَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ عِنْدَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ. وَذَلِكَ أَنَّ الرِّبَاطَ مِنْ جِنْسِ الْجِهَادِ وَجِنْسُ الْجِهَادِ مُقَدَّمٌ عَلَى جِنْسِ الْحَجِّ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ {عَنْ النَّبِيِّ
(27/24)

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: الْإِيمَانُ بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: جِهَادٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ حَجٌّ مَبْرُورٌ} وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} {الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ} إلَى قَوْلِهِ: {إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} . وَأَمَّا قَوْلُهُ: {مَنْ زَارَ قَبْرِي وَجَبَتْ لَهُ شَفَاعَتِي} فَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ الدارقطني فِيمَا قِيلَ بِإِسْنَادِ ضَعِيفٍ وَلِهَذَا ذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْمَوْضُوعَاتِ وَلَمْ يَرْوِهِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْكُتُبِ الْمُعْتَمَدِ عَلَيْهَا مَنْ كُتُبِ الصِّحَاحِ وَالسُّنَنِ وَالْمَسَانِيدِ. وَأَمَّا الْحَدِيثُ الْآخَرُ قَوْلُهُ: {مَنْ حَجَّ الْبَيْتَ وَلَمْ يَزُرْنِي فَقَدْ جَفَانِي} فَهَذَا لَمْ يَرْوِهِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ؛ بَلْ هُوَ مَوْضُوعٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعْنَاهُ مُخَالِفٌ لِلْإِجْمَاعِ؛ فَإِنَّ جَفَاءَ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْكَبَائِرِ؛ بَلْ هُوَ كُفْرٌ وَنِفَاقٌ؛ بَلْ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ أَحَبَّ إلَيْنَا مِنْ أَهْلِينَا وَأَمْوَالِنَا كَمَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} .
(27/25)

وَأَمَّا " زِيَارَتُهُ " فَلَيْسَتْ وَاجِبَةً بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ؛ بَلْ لَيْسَ فِيهَا أَمْرٌ فِي الْكِتَابِ وَلَا فِي السُّنَّةِ وَإِنَّمَا الْأَمْرُ الْمَوْجُودُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَالتَّسْلِيمِ. فَصَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا. وَأَكْثَرُ مَا اعْتَمَدَهُ الْعُلَمَاءُ فِي " الزِّيَارَةِ " قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ أَبُو دَاوُد: {مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُسَلِّمُ عَلَيَّ إلَّا رَدَّ اللَّهُ عَلَيَّ رُوحِي حَتَّى أَرُدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ} . وَقَدْ كَرِهَ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ أَنْ يُقَالَ: زُرْت قَبْرَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقَدْ كَانَ الصَّحَابَةُ كَابْنِ عُمَرَ وَأَنَسٍ وَغَيْرِهِمَا يُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَى صَاحِبَيْهِ كَمَا فِي الْمُوَطَّأِ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ إذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ يَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيْك يَا رَسُولَ اللَّهِ السَّلَامُ عَلَيْك يَا أَبَا بَكْرٍ السَّلَامُ عَلَيْك يَا أَبَتِ. وَشَدُّ الرَّحْلِ إلَى مَسْجِدِهِ مَشْرُوعٌ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: {لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى وَمَسْجِدِي هَذَا} . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: {صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنْ الْمَسَاجِدِ إلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ} . فَإِذَا أَتَى مَسْجِدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّهُ يُسَلِّمُ عَلَيْهِ وَعَلَى صَاحِبَيْهِ كَمَا كَانَ الصَّحَابَةُ يَفْعَلُونَ. وَأَمَّا إذَا كَانَ قَصْدُهُ بِالسَّفَرِ زِيَارَةَ قَبْرِ النَّبِيِّ دُونَ الصَّلَاةِ فِي مَسْجِدِهِ فَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِيهَا خِلَافٌ. فَاَلَّذِي عَلَيْهِ الْأَئِمَّةُ وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ أَنَّ هَذَا غَيْرُ
(27/26)

مَشْرُوعٍ وَلَا مَأْمُورٍ بِهِ؛ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِي هَذَا وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى} وَلِهَذَا لَمْ يَذْكُرْ الْعُلَمَاءُ أَنَّ مِثْلَ هَذَا السَّفَرِ إذَا نَذَرَهُ يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ؛ بِخِلَافِ السَّفَرِ إلَى الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ لَا لِلصَّلَاةِ فِيهَا وَالِاعْتِكَافِ فَقَدْ ذَكَرَ الْعُلَمَاءُ وُجُوبَ ذَلِكَ فِي بَعْضِهَا - فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ - وَتَنَازَعُوا فِي الْمَسْجِدَيْنِ الْآخَرَيْنِ. فَالْجُمْهُورُ يُوجِبُونَ الْوَفَاءَ بِهِ فِي الْمَسْجِدَيْنِ الْآخَرَيْنِ: كَمَالِكِ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد؛ لِكَوْنِ السَّفَرِ إلَى الْفَاضِلِ لَا يُغْنِي عَنْ السَّفَرِ إلَى الْمَفْضُولِ. وَأَبُو حَنِيفَةَ إنَّمَا يُوجِبُ السَّفَرَ إلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ؛ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا يُوجِبُ بِالنَّذْرِ مَا كَانَ جِنْسُهُ وَاجِبًا بِالشَّرْعِ وَالْجُمْهُورُ يُوجِبُونَ الْوَفَاءَ بِكُلِّ مَا هُوَ طَاعَةٌ؛ لِمَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: {مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ فَلَا يَعْصِهِ} . بَلْ قَدْ صَرَّحَ طَائِفَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ كَابْنِ عَقِيلٍ وَغَيْرِهِ بِأَنَّ الْمُسَافِرَ لِزِيَارَةِ قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمْ السَّلَامُ وَغَيْرِهَا لَا يَقْصُرُ الصَّلَاةَ فِي هَذَا السَّفَرِ؛ لِأَنَّهُ مَعْصِيَةٌ لِكَوْنِهِ مُعْتَقِدًا أَنَّهُ طَاعَةٌ وَلَيْسَ بِطَاعَةِ وَالتَّقَرُّبُ إلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِمَا لَيْسَ بِطَاعَةِ هُوَ مَعْصِيَةٌ؛ وَلِأَنَّهُ نَهَى عَنْ ذَلِكَ وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ. وَرَخَّصَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ فِي السَّفَرِ لِزِيَارَةِ الْقُبُورِ كَمَا ذَكَرَ أَبُو
(27/27)

حَامِدٍ فِي " الْإِحْيَاءِ " وَأَبُو الْحَسَنِ بْنُ عبدوس وَأَبُو مُحَمَّدٍ المقدسي وَقَدْ رَوَى حَدِيثًا رَوَاهُ الطَّبَرَانِي مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {مَنْ جَاءَنِي زَائِرًا لَا تَنْزِعُهُ إلَّا زِيَارَتِي كَانَ حَقًّا عَلَيَّ أَنْ أَكُونَ لَهُ شَفِيعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ} لَكِنَّهُ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بْن عُمَرَ الْعُمَرِيِّ وَهُوَ مُضَعَّفٌ. وَلِهَذَا لَمْ يَحْتَجَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَحَدٌ مِنْ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ. وَبِمِثْلِهِ لَا يَجُوزُ إثْبَاتُ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ بِاتِّفَاقِ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(27/28)

وَقَالَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
فَصْلٌ:
وَأَمَّا قَوْلُهُ: {مَنْ زَارَ قَبْرِي فَقَدْ وَجَبَتْ لَهُ شَفَاعَتِي} وَأَمْثَالُ هَذَا الْحَدِيثِ مِمَّا رُوِيَ فِي زِيَارَةِ قَبْرِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَيْسَ مِنْهَا شَيْءٌ صَحِيحٌ وَلَمْ يَرْوِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْكُتُبِ الْمُعْتَمَدَةِ مِنْهَا شَيْئًا: لَا أَصْحَابُ الصَّحِيحِ: كَالْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ. وَلَا أَصْحَابُ السُّنَنِ: كَأَبِي دَاوُد وَالنَّسَائِي. وَلَا الْأَئِمَّةُ مِنْ أَهْلِ الْمَسَانِيدِ: كَالْإِمَامِ أَحْمَد وَأَمْثَالِهِ وَلَا اعْتَمَدَ عَلَى ذَلِكَ أَحَدٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْفِقْهِ: كَمَالِكِ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْه وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيِّ وَالْأَوْزَاعِي وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ وَأَمْثَالِهِمْ؛ بَلْ عَامَّةُ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ مِمَّا يُعْلَمُ أَنَّهَا كَذِبٌ مَوْضُوعَةٌ كَقَوْلِهِ: {مَنْ زَارَنِي وَزَارَ أَبِي فِي عَامٍ وَاحِدٍ ضَمِنْت لَهُ عَلَى اللَّهِ الْجَنَّةَ} وَقَوْلِهِ: {مَنْ حَجَّ وَلَمْ يَزُرْنِي فَقَدْ جَفَانِي} فَإِنَّ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ وَنَحْوَهَا كَذِبٌ. وَالْحَدِيثُ الْأَوَّلُ رَوَاهُ الدارقطني وَالْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ وَمَدَارُهُ عَلَى
(27/29)

عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بْنِ عُمَرَ الْعُمَرِيِّ وَهُوَ ضَعِيفٌ وَلَيْسَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي زِيَارَةِ قَبْرِهِ وَلَا قَبْرِ الْخَلِيلِ حَدِيثٌ ثَابِتٌ أَصْلًا؛ بَلْ إنَّمَا اعْتَمَدَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَحَادِيثِ السَّلَامِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ كَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {مَا مِنْ رَجُلٍ يُسَلِّمُ عَلَيَّ إلَّا رَدَّ اللَّهُ عَلَيَّ رُوحِي حَتَّى أَرُدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {إنَّ اللَّهَ وَكَّلَ بِقَبْرِي مَلَائِكَةً يُبَلِّغُونِي عَنْ أُمَّتِي السَّلَامَ} رَوَاهُ النَّسَائِي وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {أَكْثِرُوا عَلَيَّ مِنْ الصَّلَاةِ يَوْمَ الْجُمْعَةِ وَلَيْلَةَ الْجُمْعَةِ: فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَلَيَّ قَالُوا: كَيْفَ تُعْرَضُ صَلَاتُنَا عَلَيْك وَقَدْ أَرَمْت؟ فَقَالَ إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَى الْأَرْضِ أَنْ تَأْكُلَ لُحُومَ الْأَنْبِيَاءِ} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ. وَقَدْ كَرِهَ مَالِكٌ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلَ: زُرْت قَبْرَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَالُوا: لِأَنَّ لَفْظَ الزِّيَارَةِ قَدْ صَارَتْ فِي عُرْفِ النَّاسِ تَتَضَمَّنُ مَا نُهِيَ عَنْهُ فَإِنَّ زِيَارَةَ الْقُبُورِ عَلَى وَجْهَيْنِ: وَجْهٌ شَرْعِيٌّ وَوَجْهٌ بِدْعِيٌّ. " فَالزِّيَارَةُ الشَّرْعِيَّةُ " مَقْصُودُهَا السَّلَامُ عَلَى الْمَيِّتِ وَالدُّعَاءُ لَهُ سَوَاءٌ كَانَ نَبِيًّا أَوْ غَيْرَ نَبِيٍّ. وَلِهَذَا كَانَ الصَّحَابَةُ إذَا زَارُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ وَيَدْعُونَ لَهُ ثُمَّ يَنْصَرِفُونَ وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْهُمْ يَقِفُ عِنْدَ قَبْرِهِ لِيَدْعُوَ لِنَفْسِهِ؛ وَلِهَذَا كَرِهَ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ ذَلِكَ وَقَالُوا: إنَّهُ مِنْ الْبِدَعِ الْمُحْدَثَةِ. وَلِهَذَا قَالَ الْفُقَهَاءُ: إذَا سَلَّمَ الْمُسَلِّمُ عَلَيْهِ
(27/30)

وَأَرَادَ الدُّعَاءَ لِنَفْسِهِ لَا يَسْتَقْبِلُ الْقَبْرَ بَلْ يَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ وَتَنَازَعُوا وَقْتَ السَّلَامِ عَلَيْهِ: هَلْ يَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ أَوْ يَسْتَقْبِلُ الْقَبْرَ؟ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَد: يَسْتَقْبِلُ الْقَبْرَ. وَهَذَا لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَدُ} وَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {لَا تَتَّخِذُوا قَبْرِي عِيدًا} وَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ يُحَذِّرُ مَا فَعَلُوا} وَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {: إنَّ مَنْ كَانَ قَبْلكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ الْقُبُورَ مَسَاجِدَ أَلَّا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ فَإِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ} . وَلِهَذَا اتَّفَقَ السَّلَفُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَسْتَلِمُ قَبْرًا مِنْ قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ وَغَيْرِهِمْ وَلَا يَتَمَسَّحُ بِهِ وَلَا يُسْتَحَبُّ الصَّلَاةُ عِنْدَهُ وَلَا قَصْدُهُ لِلدُّعَاءِ عِنْدَهُ أَوْ بِهِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ كَانَتْ مِنْ أَسْبَابِ الشِّرْكِ وَعِبَادَةِ الْأَوْثَانِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا} قَالَ طَائِفَةٌ مِنْ السَّلَفِ: هَؤُلَاءِ كَانُوا قَوْمًا صَالِحِينَ فِي قَوْمِ نُوحٍ فَلَمَّا مَاتُوا عَكَفُوا عَلَى قُبُورِهِمْ ثُمَّ صَوَّرُوا تَمَاثِيلَهُمْ فَعَبَدُوهُمْ. وَهَذِهِ الْأُمُورُ وَنَحْوُهَا هِيَ مِنْ " الزِّيَارَةِ الْبِدْعِيَّةِ " وَهِيَ مِنْ جِنْسِ دِينِ النَّصَارَى وَالْمُشْرِكِينَ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ قَصْدُ الزَّائِرِ أَنْ يُسْتَجَابَ دُعَاؤُهُ عِنْدَ الْقَبْرِ أَوْ أَنْ يَدْعُوَ الْمَيِّتَ وَيَسْتَغِيثَ بِهِ وَيَطْلُبَ مِنْهُ أَوْ
(27/31)

يُقْسِمُ بِهِ عَلَى اللَّهِ فِي طَلَبِ حَاجَاتِهِ وَتَفْرِيجِ كُرُبَاتِهِ. فَهَذِهِ كُلُّهَا مِنْ الْبِدَعِ الَّتِي لَمْ يَشْرَعْهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا فَعَلَهَا أَصْحَابُهُ. وَقَدْ نَصَّ الْأَئِمَّةُ عَلَى النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ. وَلِهَذَا لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْ الصَّحَابَةِ يَقْصِدُ زِيَارَةَ " قَبْرِ الْخَلِيلِ " بَلْ كَانُوا يَأْتُونَ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَقَطْ طَاعَةً لِلْحَدِيثِ الَّذِي ثَبَتَ فِي الصَّحِيح عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ أَنَّهُ قَالَ: {لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى وَمَسْجِدِي هَذَا} . وَلِهَذَا اتَّفَقَ أَئِمَّةُ الدِّينِ عَلَى أَنَّ الْعَبْدَ لَوْ نَذَرَ السَّفَرَ إلَى زِيَارَةِ " قَبْرِ الْخَلِيلِ " و " الطُّورِ " الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ أَوْ " جَبَلِ حِرَاءَ " وَنَحْوِ ذَلِكَ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْوَفَاءُ بِنَذْرِهِ وَهَلْ عَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: {مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ فَلَا يَعْصِهِ} وَالسَّفَرُ إلَى هَذِهِ الْبِقَاعِ مَعْصِيَةٌ فِي أَظْهَرِ الْقَوْلَيْنِ حَتَّى صَرَّحَ مَنْ يَقُولُ: إنَّ الصَّلَاةَ لَا تُقْصَرُ فِي سَفَرِ الْمَعْصِيَةِ بِأَنَّ صَاحِبَ هَذَا السَّفَرِ لَا يَقْصُرُ الصَّلَاةَ وَلَوْ نَذَرَ إتْيَانَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ لَوَجَبَ عَلَيْهِ الْوَفَاءُ بِالِاتِّفَاقِ. وَلَوْ نَذَرَ إتْيَانَ مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ أَوْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ: فَفِيهِ قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ. أَظْهَرُهُمَا وُجُوبُ الْوَفَاءِ بِهِ كَقَوْلِ مَالِكٍ وَأَحْمَد وَالشَّافِعِيِّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ. وَالثَّانِي
(27/32)

لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْوَفَاءُ بِهِ كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ فِي قَوْلِهِ الْآخَرِ وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ بِالنَّذْرِ إلَّا مَا كَانَ مِنْ جِنْسِهِ وَاجِبًا بِالشَّرْعِ وَالصَّحِيحُ وُجُوبُ الْوَفَاءِ بِكُلِّ نَذْرٍ هُوَ طَاعَةٌ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ} وَلَمْ يَسْتَثْنِ طَاعَةً مِنْ طَاعَةٍ. وَالْمَقْصُودُ هُنَا: أَنَّ الصَّحَابَةَ لَمْ يَكُونُوا يَسْتَحِبُّونَ السَّفَرَ لِشَيْءِ مِنْ زِيَارَاتِ الْبِقَاعِ: لَا آثَارِ الْأَنْبِيَاءِ وَلَا قُبُورِهِمْ وَلَا مَسَاجِدِهِمْ؛ إلَّا الْمَسَاجِدَ الثَّلَاثَةَ؛ بَلْ إذَا فَعَلَ بَعْضُ النَّاسِ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ أَنْكَرَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ كَمَا أَنْكَرُوا عَلَى مَنْ زَارَ الطُّورَ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مُوسَى حَتَّى إنَّ " غَارَ حِرَاءَ " الَّذِي كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَعَبَّدُ فِيهِ قَبْلَ الْمَبْعَثِ لَمْ يَزُرْهُ هُوَ بَعْدَ الْمَبْعَثِ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ وَكَذَا الدُّعَاءُ الْمَأْثُورُ فِي الْقُرْآنِ. وَثَبَتَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَانَ فِي بَعْضِ الْأَسْفَارِ: فَرَأَى قَوْمًا يَتَنَاوَبُونَ مَكَانًا يُصَلُّونَ فِيهِ فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالُوا: مَكَانٌ صَلَّى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَقَالَ: وَمَكَانٌ صَلَّى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَتَّخِذُوا أَثَرَ الْأَنْبِيَاءِ لَكُمْ مَسَاجِدَ إنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلكُمْ بِهَذَا: مَنْ أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ وَإِلَّا فَلْيَمْضِ. وَهَذَا لِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَشْرَعْ لِلْمُسْلِمِينَ مَكَانًا يَتَنَاوَبُونَهُ لِلْعِبَادَةِ إلَّا الْمَسَاجِدَ خَاصَّةً فَمَا لَيْسَ بِمَسْجِدِ لَمْ يَشْرَعْ قَصْدَهُ
(27/33)

لِلْعِبَادَةِ وَإِنْ كَانَ مَكَانَ نَبِيٍّ أَوْ قَبْرَ نَبِيٍّ. ثُمَّ إنَّ الْمَسَاجِدَ حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تُتَّخَذَ عَلَى قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ كَمَا قَالَ: {لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ أَلَا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ فَإِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ} وَهَذَانِ حَدِيثَانِ فِي الصَّحِيحِ. وَفِي الْمُسْنَدِ وَصَحِيحِ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: {إنَّ مِنْ شِرَارِ النَّاسِ مَنْ تُدْرِكُهُمْ السَّاعَةُ وَهُمْ أَحْيَاءٌ وَاَلَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْقُبُورَ مَسَاجِدَ} بَلْ قَدْ كَرِهَ الصَّلَاةَ فِي الْمَقْبَرَةِ عُمُومًا؛ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ التَّشَبُّهِ بِمَنْ يَتَّخِذُ الْقُبُورَ مَسَاجِدَ كَمَا فِي السُّنَنِ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: {الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدٌ؛ إلَّا الْمَقْبَرَةَ وَالْحَمَّامَ} وَهَذِهِ الْمَعَانِي قَدْ نَصَّ عَلَيْهَا أَئِمَّةُ الدِّينِ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد وَأَهْلِ الْعِرَاقِ وَغَيْرِهِمْ؛ بَلْ ذَلِكَ مَنْقُولٌ عَنْ أَنَسٍ.
(27/34)

وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
عَنْ قَوْله {مَنْ حَجَّ فَلَمْ يَزُرْنِي فَقَدْ جَفَانِي} ؟
فَأَجَابَ:
قَوْلُهُ: {مَنْ حَجَّ وَلَمْ يَزُرْنِي فَقَدْ جَفَانِي} كَذِبٌ؛ فَإِنَّ جَفَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَرَامٌ وَزِيَارَةَ قَبْرِهِ لَيْسَتْ وَاجِبَةً بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ وَلَمْ يَثْبُتْ عَنْهُ حَدِيثٌ فِي زِيَارَةِ قَبْرِهِ بَلْ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ الَّتِي تُرْوَى {مَنْ زَارَنِي وَزَارَ أَبِي فِي عَامٍ وَاحِدٍ ضَمِنْت لَهُ عَلَى اللَّهِ الْجَنَّةَ} وَأَمْثَالُ ذَلِكَ كَذِبٍ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ. وَقَدْ رَوَى الدارقطني وَغَيْرُهُ فِي زِيَارَةِ قَبْرِهِ أَحَادِيثَ وَهِيَ ضَعِيفَةٌ. وَقَدْ كَرِهَ مَالِكٌ - وَهُوَ مِنْ أَعْلَمِ النَّاسِ بِحُقُوقِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِالسُّنَّةِ الَّتِي عَلَيْهَا أَهْلُ مَدِينَتِهِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَتَابِعِيهِمْ كَرِهَ - أَنْ يُقَالَ: زُرْت قَبْرَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَلَوْ كَانَ هَذَا اللَّفْظُ ثَابِتًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعْرُوفًا عِنْدَ عُلَمَاءِ الْمَدِينَةِ لَمْ يَكْرَهْ مَالِكٌ ذَلِكَ. وَأَمَّا إذَا قَالَ: سَلَّمْت عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهَذَا لَا يُكْرَهُ بِالِاتِّفَاقِ كَمَا فِي السُّنَنِ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ {: مَا مِنْ رَجُلٍ يُسَلِّمُ عَلَيَّ إلَّا رَدَّ اللَّهُ عَلَيَّ رُوحِي حَتَّى أَرُدّ عَلَيْهِ السَّلَامُ} . وَكَانَ
(27/35)

ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيْك يَا رَسُولَ اللَّهِ: السَّلَامُ عَلَيْك يَا أَبَا بَكْرٍ السَّلَامُ عَلَيْك يَا أَبَتِ وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: {أَكْثِرُوا عَلَيَّ مِنْ الصَّلَاةِ يَوْم الْجُمْعَةِ وَلَيْلَةَ الْجُمْعَةِ فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَلَيَّ. قَالُوا وَكَيْفَ تُعْرَضُ صَلَاتُنَا عَلَيْك وَقَدْ أَرَمْت. قَالَ إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَى الْأَرْضِ أَنْ تَأْكُلَ لُحُومَ الْأَنْبِيَاءِ} .
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
عَنْ مَكَّةَ هَلْ هِيَ أَفْضَلُ مَنْ الْمَدِينَةِ؟ أَمْ بِالْعَكْسِ؟ .
فَأَجَابَ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ، مَكَّةُ أَفْضَلُ لِمَا ثَبَتَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الْحَمْرَاءِ {عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ لِمَكَّةَ وَهُوَ وَاقِفٌ بِالْحَزْوَرَةِ: وَاَللَّهِ إنَّك لَخَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ وَأَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ إلَى اللَّهِ وَلَوْلَا أَنَّ قَوْمِي أَخْرَجُونِي مِنْك مَا خَرَجْت} قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ صَحِيحٌ. وَفِي رِوَايَةٍ: {إنَّك لَخَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ وَأَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ إلَى اللَّهِ} فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهَا خَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ وَأَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ إلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ. وَهَذَا صَرِيحٌ فِي فَضْلِهَا. وَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي يُرْوَى: {أَخْرَجْتنِي مِنْ أَحَبِّ الْبِقَاعِ إلَيَّ فأسكنى أَحَبَّ الْبِقَاعِ إلَيْك} فَهَذَا حَدِيثٌ مَوْضُوعٌ كَذِبٌ لَمْ يَرَوْهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(27/36)

وَسُئِلَ:
عَنْ التُّرْبَةِ الَّتِي دُفِنَ فِيهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَلْ هِيَ أَفْضَلُ مَنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ؟ .
فَأَجَابَ:
وَأَمَّا " التُّرْبَةُ " الَّتِي دُفِنَ فِيهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ النَّاسِ قَالَ إنَّهَا أَفْضَلُ مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَوْ الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ أَوْ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى؛ إلَّا الْقَاضِي عِيَاضٌ. فَذَكَرَ ذَلِكَ إجْمَاعًا وَهُوَ قَوْلٌ لَمْ يَسْبِقْهُ إلَيْهِ أَحَدٌ فِيمَا عَلِمْنَاهُ. وَلَا حُجَّةَ عَلَيْهِ بَلْ بَدَنُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَفْضَلُ مِنْ الْمَسَاجِدِ. وَأَمَّا مَا فِيهِ خَلْقٌ أَوْ مَا فِيهِ دَفْنٌ فَلَا يَلْزَمُ إذَا كَانَ هُوَ أَفْضَلَ أَنْ يَكُونَ مَا مِنْهُ خُلِقَ أَفْضَلَ. فَإِنَّ أَحَدًا لَا يَقُولُ إنَّ بَدَنَ عَبْدِ اللَّهِ أَبِيهِ أَفْضَلُ مِنْ أَبْدَانِ الْأَنْبِيَاءِ فَإِنَّ اللَّهَ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنْ الْمَيِّتِ وَالْمَيِّتَ مِنْ الْحَيِّ. وَنُوحٌ نَبِيٌّ كَرِيمٌ وَابْنُهُ الْمُغْرَقُ كَافِرٌ وَإِبْرَاهِيمُ خَلِيلُ الرَّحْمَنِ وَأَبُوهُ آزَرُ كَافِرٌ. وَالنُّصُوصُ الدَّالَّةُ عَلَى تَفْضِيلِ الْمَسَاجِدِ مُطْلَقَةٌ لَمْ يُسْتَثْنَ مِنْهَا قُبُورُ
(27/37)

الْأَنْبِيَاءِ وَلَا قُبُورُ الصَّالِحِينَ. وَلَوْ كَانَ مَا ذَكَرَهُ حَقًّا لَكَانَ مَدْفِنُ كُلِّ نَبِيٍّ بَلْ وَكُلُّ صَالِحٍ أَفْضَلَ مِنْ الْمَسَاجِدِ الَّتِي هِيَ بُيُوتُ اللَّهِ فَيَكُونُ بُيُوتُ الْمَخْلُوقِينَ أَفْضَلَ مِنْ بُيُوتِ الْخَالِقِ الَّتِي أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَهَذَا قَوْلٌ مُبْتَدَعٌ فِي الدِّينِ مُخَالِفٌ لِأُصُولِ الْإِسْلَامِ.
وَسُئِلَ أَيْضًا:
عَنْ رَجُلَيْنِ تَجَادَلَا فَقَالَ أَحَدُهُمَا: إنَّ تُرْبَةَ مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَفْضَلُ مِنْ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَقَالَ الْآخَرُ: الْكَعْبَةُ أَفْضَلُ. فَمَعَ مَنْ الصَّوَابُ؟
فَأَجَابَ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ، أَمَّا نَفْسُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَا خَلَقَ اللَّهُ خَلْقًا أَكْرَمَ عَلَيْهِ مِنْهُ. وَأَمَّا نَفْسُ التُّرَابِ فَلَيْسَ هُوَ أَفْضَلَ مِنْ الْكَعْبَةِ البيت الْحَرَامِ بَلْ الْكَعْبَةُ أَفْضَلُ مِنْهُ وَلَا يُعْرَفُ أَحَدٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ فَضَّلَ تُرَابَ الْقَبْرِ عَلَى الْكَعْبَةِ إلَّا الْقَاضِي عِيَاضٌ وَلَمْ يَسْبِقْهُ أَحَدٌ إلَيْهِ وَلَا وَافَقَهُ أَحَدٌ عَلَيْهِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(27/38)

وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
مَا تَقُولُ السَّادَةُ الْفُقَهَاءُ أَئِمَّةُ الدِّينِ؟ هَلْ تُفَضَّلُ الْإِقَامَةُ فِي الشَّامِ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ الْبِلَادِ؟ وَهَلْ جَاءَ فِي ذَلِكَ نَصٌّ فِي الْقُرْآنِ أَوْ الْأَحَادِيثِ أَمْ لَا؟ أَجِيبُونَا مَأْجُورِينَ.
فَأَجَابَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ نَاصِرُ السُّنَّةِ تَقِيُّ الدِّينِ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ، الْإِقَامَةُ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ تَكُونُ الْأَسْبَابُ فِيهِ أَطْوَعَ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَفْعَلَ لِلْحَسَنَاتِ وَالْخَيْرِ بِحَيْثُ يَكُونُ أَعْلَمَ بِذَلِكَ وَأَقْدَرَ عَلَيْهِ وَأَنْشَطَ لَهُ أَفْضَلُ مِنْ الْإِقَامَةِ فِي مَوْضِعٍ يَكُونُ حَالُهُ فِيهِ فِي طَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ دُونَ ذَلِكَ. هَذَا هُوَ الْأَصْلُ الْجَامِعُ. فَإِنَّ أَكْرَمَ الْخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاهُمْ. " وَالتَّقْوَى " هِيَ: مَا فَسَّرَهَا اللَّهُ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ: {وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} إلَى قَوْلِهِ: {أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} وَجِمَاعُهَا فِعْلُ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ وَتَرْكُ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ وَرَسُولُهُ. وَإِذَا كَانَ هَذَا هُوَ الْأَصْلَ فَهَذَا يَتَنَوَّعُ بِتَنَوُّعِ حَالِ الْإِنْسَانِ. فَقَدْ يَكُونُ مُقَامُ الرَّجُلِ فِي أَرْضِ الْكُفْرِ وَالْفُسُوقِ مِنْ أَنْوَاعِ الْبِدَعِ وَالْفُجُورِ أَفْضَلَ: إذَا كَانَ مُجَاهِدًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِيَدِهِ أَوْ لِسَانِهِ آمِرًا
(27/39)

بِالْمَعْرُوفِ نَاهِيًا عَنْ الْمُنْكَرِ بِحَيْثُ لَوْ انْتَقَلَ عَنْهَا إلَى أَرْضِ الْإِيمَانِ وَالطَّاعَةِ لَقَلَّتْ حَسَنَاتُهُ وَلَمْ يَكُنْ فِيهَا مُجَاهِدًا وَإِنْ كَانَ أَرْوَحَ قَلْبًا. وَكَذَلِكَ إذَا عَدِمَ الْخَيْرَ الَّذِي كَانَ يَفْعَلُهُ فِي أَمَاكِنِ الْفُجُورِ وَالْبِدَعِ. وَلِهَذَا كَانَ الْمُقَامُ فِي الثُّغُورِ بِنِيَّةِ الْمُرَابَطَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى أَفْضَلَ مِنْ الْمُجَاوَرَةِ بِالْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ؛ فَإِنَّ جِنْسَ الْجِهَادِ أَفْضَلُ مِنْ جِنْسِ الْحَجِّ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} {الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} الْآيَةُ {وَسُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: إيمَانٌ بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٌ فِي سَبِيلِهِ قَالَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: حَجٌّ مَبْرُورٌ} . وَهَكَذَا لَوْ كَانَ عَاجِزًا عَنْ الْهِجْرَةِ وَالِانْتِقَالِ إلَى الْمَكَانِ الْأَفْضَلِ الَّتِي لَوْ انْتَقَلَ إلَيْهَا لَكَانَتْ الطَّاعَةُ عَلَيْهِ أَهْوَنَ وَطَاعَةُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَاحِدَةٌ؛ لَكِنَّهَا هُنَاكَ أَشَقُّ عَلَيْهِ. فَإِنَّهُ إذَا اسْتَوَتْ الطَّاعَتَانِ فَأَشَقُّهُمَا أَفْضَلُهُمَا؛ وَبِهَذَا نَاظَرَ مُهَاجِرَةُ الْحَبَشَةِ الْمُقِيمُونَ بَيْنَ الْكُفَّارِ لِمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْهُمْ فَقَالُوا: كُنَّا عِنْدَ الْبَغْضَاءِ الْبُعَدَاءَ وَأَنْتُمْ عِنْدُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْلَمُ جَاهِلَكُمْ وَيُطْعِمُ جَائِعَكُمْ وَذَلِكَ فِي ذَاتِ اللَّهِ.
(27/40)

وَأَمَّا إذَا كَانَ دِينُهُ هُنَاكَ أَنْقَصَ فَالِانْتِقَالُ أَفْضَلُ لَهُ وَهَذَا حَالُ غَالِبِ الْخَلْقِ؛ فَإِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يُدَافِعُونَ؛ بَلْ يَكُونُونَ عَلَى دِينِ الْجُمْهُورِ. وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ: فَدِينُ الْإِسْلَامِ بِالشَّامِ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ وَشَرَائِعُهُ أَظْهَرُ مِنْهُ بِغَيْرِهِ. هَذَا أَمْرٌ مَعْلُومٌ بِالْحِسِّ وَالْعَقْلِ وَهُوَ كَالْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ الْعُقَلَاءِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ وَقَدْ دَلَّتْ النُّصُوصُ عَلَى ذَلِكَ: مِثْلُ مَا رَوَى أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {سَتَكُونُ هِجْرَةٌ بَعْدَ هِجْرَةٍ فَخِيَارُ أَهْلِ الْأَرْضِ أَلْزَمُهُمْ مُهَاجَرَ إبْرَاهِيمَ} وَفِي سُنَنِهِ أَيْضًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَوْلَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: {إنَّكُمْ سَتُجَنِّدُونَ أَجْنَادًا: جُنْدًا بِالشَّامِ وَجُنْدًا بِالْيَمَنِ وَجُنْدًا بِالْعِرَاقِ فَقَالَ ابْنُ خَوْلَةَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ اخْتَرْ لِي فَقَالَ: عَلَيْك بِالشَّامِ؛ فَإِنَّهَا خِيرَةُ اللَّهِ مَنْ أَرْضِهِ يَجْتَبِي إلَيْهَا خِيرَتُهُ مَنْ خَلْقِهِ فَمَنْ أَبَى فَلْيَلْحَقْ بِيَمَنِهِ وَلْيَتَّقِ مِنْ غَدْرِهِ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ تَكَفَّلَ لِي بِالشَّامِ وَأَهْلِهِ} . وَكَانَ الْخَوَالِي يَقُولُ: مَنْ تَكَفَّلَ اللَّهُ بِهِ فَلَا ضَيْعَةَ عَلَيْهِ. وَهَذَانِ نَصَّانِ فِي تَفْضِيلِ الشَّامِ. وَفِي مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: {لَا يَزَالُ أَهْلُ الْمَغْرِبِ ظَاهِرِينَ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ وَلَا مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ} قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَد: أَهْلُ الْمَغْرِبِ هُمْ أَهْلُ الشَّامِ وَهُوَ كَمَا قَالَ؛ فَإِنَّ هَذِهِ لُغَةُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ فِي ذَاكَ
(27/41)

الزَّمَانِ كَانُوا يُسَمُّونَ أَهْلَ نَجْدٍ وَالْعِرَاقِ أَهْلَ الْمَشْرِقِ وَيُسَمُّونَ أَهْلَ الشَّامِ أَهْلَ الْمَغْرِبِ؛ لِأَنَّ التَّغْرِيبَ وَالتَّشْرِيقَ مِنْ الْأُمُورِ النِّسْبِيَّةِ فَكُلُّ مَكَانٍ لَهُ غَرْبٌ وَشَرْقٌ؛ فَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَكَلَّمَ بِذَلِكَ فِي الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ فَمَا تَغَرَّبَ عَنْهَا فَهُوَ غُرْبَةٌ وَمَا تَشَرَّقَ عَنْهَا فَهُوَ شرقة. وَمَنْ عَلِمَ حِسَابَ الْبِلَادِ - أَطْوَالَهَا وَعُرُوضَهَا - عَلِمَ أَنَّ الْمَعَاقِلَ الَّتِي بِشَاطِئِ الْفُرَاتِ - كَالْبِيرَةِ وَنَحْوِهَا - هِيَ مُحَاذِيَةٌ لِلْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ كَمَا أَنَّ مَا شَرَّقَ عَنْهَا بِنَحْوِ مِنْ مَسَافَةِ الْقَصْرِ كَحَرَّانَ وَمَا سَامَتَهَا مِثْلُ الرَّقَّةِ وسميساط فَإِنَّهُ مُحَاذٍ أُمَّ الْقُرَى مَكَّةَ. شَرَّفَهَا اللَّهُ. وَلِهَذَا كَانَتْ قِبْلَتُهُ هُوَ أَعْدَلَ الْقِبَلِ فَمَا شَرَّقَ عَمَّا حَاذَى الْمَدِينَةَ النَّبَوِيَّةَ فَهُوَ شَرْقُهَا وَمَا يَغْرُبُ ذَلِكَ فَهُوَ غَرْبُهَا. وَفِي الْكُتُبِ الْمُعْتَمَدِ عَلَيْهَا مِثْلُ " مُسْنَدِ أَحْمَد " وَغَيْرِهِ عِدَّةُ آثَارٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْأَصْلِ: مِثْلُ وَصْفِهِ أَهْلَ الشَّامِ " بِأَنَّهُ لَا يَغْلِبُ مُنَافِقُوهُمْ مُؤْمِنِيهِمْ ". وَقَوْلِهِ {رَأَيْت كَأَنَّ عَمُودَ الْكِتَابِ - وَفِي رِوَايَةٍ - عَمُودَ الْإِسْلَامِ أُخِذَ مِنْ تَحْتِ رَأْسِي فَأَتْبَعْته نَظَرِي فَذُهِبَ بِهِ إلَى الشَّامِ} وَعَمُودُ الْكِتَابِ وَالْإِسْلَامِ مَا يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ وَهُمْ حَمَلَتُهُ الْقَائِمُونَ بِهِ. وَمِثْلُ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {عُقْرُ دَارِ الْمُؤْمِنِينَ الشَّامُ} وَمِثْلُ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
(27/42)

أَنَّهُ قَالَ: {لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ وَلَا مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ} . وَفِيهِمَا أَيْضًا عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: " وَهُمْ بِالشَّامِ " وَفِي تَارِيخِ الْبُخَارِيِّ قَالَ: " وَهُمْ بِدِمَشْقَ " وَرُوِيَ: " وَهُمْ بِأَكْنَافِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ " وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَيْضًا عَنْ ابْنِ عُمَرَ {عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ أَخْبَرَ أَنَّ مَلَائِكَةَ الرَّحْمَنِ مُظِلَّةٌ أَجْنِحَتَهَا بِالشَّامِ} . وَالْآثَارُ فِي هَذَا الْمَعْنَى مُتَعَاضِدَةٌ وَلَكِنَّ الْجَوَابَ - لَيْسَ عَلَى الْبَدِيهَةِ - عَلَى عَجَلٍ. وَقَدْ دَلَّ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَمَا رُوِيَ عَنْ الْأَنْبِيَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ عَلَيْهِمْ السَّلَامُ مَعَ مَا عُلِمَ بِالْحِسِّ وَالْعَقْلِ وَكُشُوفَاتِ الْعَارِفِينَ: أَنَّ الْخَلْقَ وَالْأَمْرَ ابْتَدَآ مِنْ مَكَّةَ أُمِّ الْقُرَى فَهِيَ أُمُّ الْخَلْقِ وَفِيهَا اُبْتُدِئَتْ الرِّسَالَةُ الْمُحَمَّدِيَّةُ الَّتِي طَبَقَ نُورُهَا الْأَرْضَ وَهِيَ جَعَلَهَا اللَّهُ قِيَامًا لِلنَّاسِ: إلَيْهَا يُصَلُّونَ وَيَحُجُّونَ وَيَقُومُ بِهَا مَا شَاءَ اللَّهُ مِنْ مَصَالِحِ دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ. فَكَانَ الْإِسْلَامُ فِي الزَّمَانِ الْأَوَّلِ ظُهُورُهُ بِالْحِجَازِ أَعْظَمَ وَدَلَّتْ الدَّلَائِلُ الْمَذْكُورَةُ عَلَى أَنَّ " مُلْكَ النُّبُوَّةِ " بِالشَّامِ وَالْحَشْرَ إلَيْهَا. فَإِلَى بَيْت الْمَقْدِسِ وَمَا حَوْلَهُ يَعُودُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ. وَهُنَاكَ يُحْشَرُ الْخَلْقُ. وَالْإِسْلَامُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ يَكُونُ أَظْهَرَ بِالشَّامِ. وَكَمَا أَنَّ مَكَّةَ أَفْضَلُ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَأَوَّلُ الْأُمَّةِ خَيْرٌ مِنْ آخِرِهَا. وَكَمَا أَنَّهُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ يَعُودُ الْأَمْرُ إلَى
(27/43)

الشَّامِ كَمَا أُسْرِيَ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى. فَخِيَارُ أَهْلِ الْأَرْضِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ أَلْزَمُهُمْ مُهَاجَرَ إبْرَاهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَهُوَ بِالشَّامِ. فَالْأَمْرُ مِسَاسُهُ كَمَا هُوَ الْمَوْجُودُ وَالْمَعْلُومُ. وَقَدْ دَلَّ الْقُرْآنُ الْعَظِيمُ عَلَى بَرَكَةِ الشَّامِ فِي خَمْسِ آيَاتٍ: قَوْلُهُ: {وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا} وَاَللَّهُ تَعَالَى إنَّمَا أَوْرَثَ بَنِي إسْرَائِيلَ أَرْضَ الشَّامِ. وَقَوْلُهُ: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ} وَقَوْلُهُ: {وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا} وَقَوْلُهُ: {وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا} وقَوْله تَعَالَى {وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً} الْآيَةُ. فَهَذِهِ خَمْسُ آيَاتٍ نُصُوصٍ. و " الْبَرَكَةُ " تَتَنَاوَلُ الْبَرَكَةَ فِي الدِّينِ وَالْبَرَكَةَ فِي الدُّنْيَا. وَكِلَاهُمَا مَعْلُومٌ لَا رَيْبَ فِيهِ. فَهَذَا مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةِ وَالْغَالِبِ. وَأَمَّا كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ فَقَدْ يَكُونُ مُقَامُهُ فِي غَيْرِ الشَّامِ أَفْضَلَ لَهُ كَمَا تَقَدَّمَ. وَكَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ لَوْ خَرَجُوا عَنْهَا إلَى مَكَانٍ يَكُونُونَ فِيهِ أَطْوَعَ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ لَكَانَ أَفْضَلَ لَهُمْ. وَقَدْ كَتَبَ أَبُو الدَّرْدَاءِ إلَى سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - يَقُولُ لَهُ: هَلُمَّ إلَى الْأَرْضِ
(27/44)

الْمُقَدَّسَةِ فَكَتَبَ إلَيْهِ سَلْمَانُ: إنَّ الْأَرْضَ لَا تُقَدِّسُ أَحَدًا وَإِنَّمَا يُقَدِّسُ الرَّجُلَ عَمَلُهُ. وَهُوَ كَمَا قَالَ سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ؛ فَإِنَّ مَكَّةَ - حَرَسَهَا اللَّهُ تَعَالَى - أَشْرَفُ الْبِقَاعِ وَقَدْ كَانَتْ فِي غُرْبَةِ الْإِسْلَامِ دَارَ كُفْرٍ وَحَرْبٍ يَحْرُمُ الْمُقَامُ بِهَا وَحَرَّمَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ أَنْ يَرْجِعَ إلَيْهَا الْمُهَاجِرُونَ فَيُقِيمُوا بِهَا وَقَدْ كَانَتْ الشَّامُ فِي زَمَنِ مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَبْلَ خُرُوجِهِ بِبَنِي إسْرَائِيلَ دَارَ الصَّابِئَةِ الْمُشْرِكِينَ الْجَبَابِرَةِ الْفَاسِقِينَ وَفِيهَا قَالَ تَعَالَى لِبَنِي إسْرَائِيلَ: {سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ} . فَإِنَّ كَوْنَ الْأَرْضِ " دَارَ كُفْرٍ " أَوْ " دَارَ إسْلَامٍ أَوْ إيمَانٍ " أَوْ " دَارَ سِلْمٍ " أَوْ " حَرْبٍ " أَوْ " دَارَ طَاعَةٍ " أَوْ مَعْصِيَةٍ " أَوْ " دَارَ الْمُؤْمِنِينَ " أَوْ " الْفَاسِقِينَ " أَوْصَافٌ عَارِضَةٌ؛ لَا لَازِمَةٌ. فَقَدْ تَنْتَقِلُ مِنْ وَصْفٍ إلَى وَصْفٍ كَمَا يَنْتَقِلُ الرَّجُلُ بِنَفْسِهِ مِنْ الْكُفْرِ إلَى الْإِيمَانِ وَالْعِلْمِ وَكَذَلِكَ بِالْعَكْسِ. وَأَمَّا الْفَضِيلَةُ الدَّائِمَةُ فِي كُلِّ وَقْتٍ وَمَكَانٍ فَفِي الْإِيمَانِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ} الْآيَةُ. وَقَالَ تَعَالَى: {وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} {بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ} الْآيَةُ. وَقَالَ تَعَالَى: {وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إبْرَاهِيمَ
(27/45)

حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إبْرَاهِيمَ خَلِيلًا} . وَإِسْلَامُ الْوَجْهِ لِلَّهِ تَعَالَى هُوَ إخْلَاصُ الْقَصْدِ وَالْعَمَلِ لَهُ وَالتَّوَكُّلُ عَلَيْهِ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: {إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} وَقَالَ: {فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ} وَقَالَ تَعَالَى: {عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} . وَمُنْذُ أَقَامَ اللَّهُ حُجَّتَهُ عَلَى أَهْلِ الْأَرْضِ بِخَاتَمِ رُسُلِهِ مُحَمَّدٍ عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَبَ عَلَى أَهْلِ الْأَرْضِ الْإِيمَانُ بِهِ وَطَاعَتُهُ وَاتِّبَاعُ شَرِيعَتِهِ وَمِنْهَاجِهِ. فَأَفْضَلُ الْخَلْقِ أَعْلَمُهُمْ وَأَتْبَعُهُمْ لِمَا جَاءَ بِهِ: عِلْمًا وَحَالًا وَقَوْلًا وَعَمَلًا وَهُمْ أَتْقَى الْخَلْقِ. وَأَيُّ مَكَانٍ وَعَمَلٍ كَانَ أَعْوَنَ لِلشَّخْصِ عَلَى هَذَا الْمَقْصُودِ كَانَ أَفْضَلَ فِي حَقِّهِ؛ وَإِنْ كَانَ الْأَفْضَلُ فِي حَقِّ غَيْرِهِ شَيْئًا آخَرَ. ثُمَّ إذَا فَعَلَ كُلُّ شَخْصٍ مَا هُوَ أَفْضَلُ فِي حَقِّهِ فَإِنْ تَسَاوَتْ الْحَسَنَاتُ وَالْمَصَالِحُ الَّتِي حَصَلَتْ لَهُ مَعَ مَا حَصَلَ لِلْآخَرِ فَهُمَا سَوَاءٌ وَإِلَّا فَإِنَّ أَرْجَحَهُمَا فِي ذَلِكَ هُوَ أَفْضَلُهُمَا. وَهَذِهِ الْأَوْقَاتُ يَظْهَرُ فِيهَا مِنْ النَّقْصِ فِي خَرَابِ " الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ " عِلْمًا وَإِيمَانًا مَا يَتَبَيَّنُ بِهِ فَضْلُ كَثِيرٍ مِمَّنْ بِأَقْصَى الْمَغْرِبِ عَلَى أَكْثَرِهِمْ. فَلَا يَنْبَغِي لِلرَّجُلِ أَنْ يَلْتَفِتَ إلَى فَضْلِ الْبُقْعَةِ فِي فَضْلِ أَهْلِهَا مُطْلَقًا؛ بَلْ يُعْطَى كُلُّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ وَلَكِنَّ الْعِبْرَةَ بِفَضْلِ الْإِنْسَانِ فِي إيمَانِهِ وَعَمَلِهِ الصَّالِحِ وَالْكَلِمِ الطَّيِّبِ ثُمَّ قَدْ يَكُونُ بَعْضُ الْبِقَاعِ أَعْوَنَ عَلَى بَعْضِ الْأَعْمَالِ كَإِعَانَةِ مَكَّةَ حَرَسَهَا اللَّهُ تَعَالَى عَلَى الطَّوَافِ وَالصَّلَاةِ الْمُضَعَّفَةِ وَنَحْوِ
(27/46)

ذَلِكَ. وَقَدْ يَحْصُلُ فِي الْأَفْضَلِ مُعَارِضٌ رَاجِحٌ يَجْعَلُهُ مَفْضُولًا: مِثْلُ مَنْ يُجَاوِرُ بِمَكَّةَ مَعَ السُّؤَالِ وَالِاسْتِشْرَافِ وَالْبِطَالَةِ عَنْ كَثِيرٍ مِنْ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ وَكَذَلِكَ مَنْ يَطْلُبُ الْإِقَامَةَ بِالشَّامِ لِأَجْلِ حِفْظِ مَالِهِ وَحُرْمَةِ نَفْسِهِ لَا لِأَجْلِ عَمَلٍ صَالِحٍ. فَالْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ. وَهَذَا الْحَدِيثُ الشَّرِيفُ إنَّمَا قَالَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَبَبِ الْهِجْرَةِ فَقَالَ: {إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا فَهِجْرَتُهُ إلَى مَا هَاجَرَ إلَيْهِ} قَالَ ذَلِكَ بِسَبَبِ أَنَّ رَجُلًا كَانَ قَدْ هَاجَرَ يَتَزَوَّجُ امْرَأَةً يُقَالُ لَهَا: أُمُّ قَيْسٍ وَكَانَ يُقَالُ لَهُ: مُهَاجِرُ أُمِّ قَيْسٍ. وَإِذَا فَضَّلْت جُمْلَةً عَلَى جُمْلَةٍ لَمْ يَسْتَلْزِمْ ذَلِكَ تَفْضِيلَ الْأَفْرَادِ عَلَى الْأَفْرَادِ كَتَفْضِيلِ الْقَرْنِ الثَّانِي عَلَى الثَّالِثِ وَتَفْضِيلِ الْعَرَبِ عَلَى مَا سِوَاهُمْ وَتَفْضِيلِ قُرَيْشٍ عَلَى مَا سِوَاهُمْ. فَهَذَا هَذَا. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(27/47)

وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
عَنْ رَجُلَيْنِ اخْتَلَفَا فِي الصَّلَاةِ فِي جَامِعِ بَنِي أُمَيَّةَ هَلْ هِيَ بِتِسْعِينَ صَلَاةٍ كَمَا زَعَمُوا أَمْ لَا؟ وَقَدْ ذَكَرُوا: " أَنَّ فِيهِ ثَلَاثَمِائَةِ نَبِيٍّ مَدْفُونِينَ " فَهَلْ ذَلِكَ صَحِيحٌ أَمْ لَا؟ وَقَدْ ذَكَرُوا: " أَنَّ النَّائِمَ بِالشَّامِ كَالْقَائِمِ بِاللَّيْلِ بِالْعِرَاقِ " وَذَكَرُوا: " أَنَّ الصَّائِمَ الْمُتَطَوِّعَ بِالْعِرَاقِ كَالْمُفْطِرِ بِالشَّامِ " وَذَكَرُوا: " أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْبَرَكَةَ وَاحِدًا وَسَبْعِينَ جُزْءًا. مِنْهَا جُزْءٌ وَاحِدٌ بِالْعِرَاقِ وَسَبْعُونَ بِالشَّامِ ". فَهَلْ ذَلِكَ صَحِيحٌ أَمْ لَا؟ .
فَأَجَابَ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ، لَمْ يَرِدْ فِي " جَامِعِ دِمَشْقَ حَدِيثٌ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَضْعِيفِ الصَّلَاةِ فِيهِ وَلَكِنْ هُوَ مِنْ أَكْثَرِ الْمَسَاجِدِ ذِكْرًا لِلَّهِ تَعَالَى. وَلَمْ يَثْبُتْ أَنَّ فِيهِ عَدَدَ الْأَنْبِيَاءِ الْمَذْكُورِينَ. وَأَمَّا الْقَائِمُ بِالشَّامِ أَوْ غَيْرُهُ فَالْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ. فَإِنْ أَقَامَ فِيهِ بِنْيَةٍ صَالِحَةٍ فَإِنَّهُ يُثَابُ عَلَى ذَلِكَ. وَكُلُّ مَكَانٍ يَكُونُ فِيهِ الْعَبْدُ أَطْوَعَ لِلَّهِ فَمُقَامُهُ فِيهِ أَفْضَلُ [وَقَدْ جَاءَ فِي فَضْلِ الشَّامَ وَأَهْلِهِ أَحَادِيثُ صَحِيحَةٌ وَدَلَّ
(27/48)

الْقُرْآنُ عَلَى أَنَّ الْبَرَكَةَ فِي أَرْبَعِ مَوَاضِعَ] (*) وَلَا رَيْبَ أَنَّ ظُهُورَ الْإِسْلَامِ وَأَعْوَانِهِ فِيهِ بِالْقَلْبِ وَالْيَدِ وَاللِّسَانِ أَقْوَى مِنْهُ فِي غَيْرِهِ وَفِيهِ مِنْ ظُهُورِ الْإِيمَانِ وَقَمْعِ الْكُفْرِ وَالنِّفَاقِ مَا لَا يُوجَدُ فِي غَيْرِهِ. وَأَمَّا مَا ذُكِرَ: مِنْ حَدِيثِ الْفِطْرِ وَالصِّيَامِ وَأَنَّ الْبَرَكَةَ وَاحِدٌ وَسَبْعُونَ جُزْءًا بِالشَّامِ وَالْعِرَاقِ عَلَى مَا ذُكِرَ: فَهَذَا لَمْ نَسْمَعْهُ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسُئِلَ أَيْضًا:
هَلْ دَخَلَتْ عَائِشَةُ زَوْجُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى دِمَشْقَ وَكَانَتْ تُحَدِّثُ النَّاسَ بِجَامِعِ دِمَشْقَ أَمْ لَا؟
فَأَجَابَ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ، لَمْ يَدْخُلْ دِمَشْقَ أَحَدٌ مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ لَا عَائِشَةُ وَلَا غَيْرُهَا. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
__________

[تعليق مُعِدّ الكتاب للشاملة]
قال الشيخ ناصر بن حمد الفهد (ص 211) :
هنا تنبيهان:
الأول: أنه قد حصل سقط، وصواب العبارة (ودل القرآن على أن البركة فيها) أو نحوها.
الثاني: قد ذكر الشيخ رحمه الله في 27 / 44، وفي 27 / 505 أن بركة الشام مذكورة في خمس مواضع من القرآن، وهو الصحيح الموافق للقرآن، فلعل ما هنا سبق قلم، والله أعلم.
(27/49)

وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -:
عَنْ " جَبَلِ لُبْنَانَ " هَلْ وَرَدَ فِي فَضْلِهِ نَصٌّ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى؟ أَوْ حَدِيثٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ وَهَلْ يَحِلُّ فِي دِينِ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يَصْقَعَ النَّاسُ إلَيْهِ بِرُءُوسِهِمْ إذَا أَبْصَرُوهُ؟ وَحَتَّى مَنْ أَبْصَرَهُ صَبَاحًا أَوْ مَسَاءً يَرَى أَنَّ ذَلِكَ بَرَكَةٌ عَظِيمَةٌ؟ وَهَلْ ثَبَتَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ فِيهِ أَرْبَعِينَ مِنْ الْأَبْدَالِ؟ أَوْ كَانَ فِيهِ رِجَالٌ عَلَيْهِمْ شَعْرٌ مِثْلُ شَعْرِ الْمَاعِزِ؟ وَهَلْ هَذِهِ صِفَةُ الصَّالِحِينَ؟ وَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يَعْقِدَ لَهُ نِيَّةَ الزِّيَارَةِ؟ أَوْ يَعْتَقِدَ أَنَّ مَنْ وَطَّأَ أَرْضَهُ فَقَدَ وَطِئَ بَعْضَ الْجَبَلِ الْمَخْصُوصِ بِالرَّحْمَةِ؟ وَهَلْ ثَبَتَ أَنَّ فِيهِ نَبِيًّا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ مَدْفُونٌ أَوْ فِي أَذْيَالِهِ؟ أَوْ قَالَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ: إنَّ فِيهِ رِجَالُ الْغَيْبِ؟ وَكَيْفَ صِفَةُ رِجَالِ الْغَيْبِ الَّذِينَ يَعْتَقِدُ الْعَوَامُّ فِيهِمْ؟ وَهَلْ يَحِلُّ فِي دِينِ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يَعْتَقِدَ الْمُسْلِمُونَ شَيْئًا مِنْ هَذَا؟ وَهَلْ يَكُونُ كُلُّ مَنْ كَابَرَ فِيهِ وَحَسَّنَهُ أَوْ دَاهَنَ فِيهِ مُخْطِئًا آثِمًا؟ وَهَلْ يَكُونُ الْمُنْكِرُ لِهَذَا كُلِّهِ مِنْ الْآمِرِينَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهِينَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَالْحَالَةُ هَذِهِ أَمْ لَا؟
فَأَجَابَ:
لَيْسَ فِي فَضْلِ " جَبَلِ لُبْنَانَ " وَأَمْثَالِهِ نَصٌّ لَا عَنْ اللَّهِ
(27/50)

وَلَا عَنْ رَسُولِهِ؛ بَلْ هُوَ وَأَمْثَالُهُ مِنْ الْجِبَالِ الَّتِي خَلَقَهَا اللَّهُ وَجَعَلَهَا أَوْتَادًا لِلْأَرْضِ وَآيَةً مِنْ آيَاتِهِ وَفِيهَا مِنْ مَنَافِعَ خَلْقِهِ مَا هُوَ نِعَمٌ لِلَّهِ عَلَى عِبَادِهِ. وَسَوْفَ يَفْعَلُ بِهَا مَا أَخْبَرَ بِهِ فِي قَوْلِهِ: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا} {فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا} {لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا} . وَأَمَّا مَا ذُكِرَ فِي بَعْضِ الْحِكَايَاتِ عَنْ بَعْضِ النَّاسِ مِنْ الِاجْتِمَاعِ بِبَعْضِ الْعِبَادِ فِي جَبَلِ لُبْنَانَ وَجَبَلِ اللِّكَامِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَمَا يُؤْثَرُ عَنْ بَعْضِ هَؤُلَاءِ مِنْ جَمِيعِ الْمَقَالِ وَالْفِعَالِ. فَأَصْلُ ذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ الْأَمْكِنَةَ كَانَتْ ثُغُورًا يُرَابِطُ بِهَا الْمُسْلِمُونَ لِجِهَادِ الْعَدُوِّ؛ لَمَّا كَانَ الْمُسْلِمُونَ قَدْ فَتَحُوا الشَّامَ كُلَّهُ وَغَيْرَ الشَّامِ فَكَانَتْ غَزَّةُ وَعَسْقَلَانُ وَعَكَّةُ وَبَيْرُوتُ وَجَبَلُ لُبْنَانَ وَطَرَابُلُسُ ومصيصة وسيس وطرسوس وَأُذُنَة وَجَبَلُ اللِّكَامِ وملطية وَآمِدُ وَجَبَلُ ليسون إلَى قَزْوِينَ إلَى الشَّاشِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ الْبِلَادِ؛ كَانَتْ ثُغُورًا كَمَا كَانَتْ الإسكندرية وَنَحْوُهَا ثُغُورًا وَكَذَلِكَ عبادان وَنَحْوُهَا مِنْ أَرْضِ الْعِرَاقِ. وَكَانَ الصَّالِحُونَ يَتَنَاوَبُونَ الثُّغُورَ لِأَجْلِ الْمُرَابَطَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنَّ الْمُقَامَ بِالثُّغُورِ لِأَجْلِ الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَفْضَلُ مِنْ الْمُجَاوَرَةِ بِمَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ مَا أَعْلَمُ فِي ذَلِكَ خِلَافًا بَيْنَ الْعُلَمَاءِ. وَثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ
(27/51)

رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ وَمَنْ مَاتَ مُرَابِطًا مَاتَ مُجَاهِدًا وَجَرَى عَلَيْهِ عَمَلُهُ وَأُجْرِيَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ مِنْ الْجَنَّةِ وَأَمِنَ الْفَتَّانَ} وَفِي السُّنَنِ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عفان رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: {رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ يَوْمٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنْ الْمَنَازِلِ} وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: لَأَنْ أُرَابِطَ لَيْلَةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَقُومَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ عِنْدَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ. وَذَلِكَ لِأَنَّ الرِّبَاطَ هُوَ مِنْ جِنْسِ الْجِهَادِ وَالْمُجَاوَرَةَ مِنْ جِنْسِ النُّسُكِ وَجِنْسُ الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَفْضَلُ مَنْ جِنْسِ النُّسُكِ: بِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} {الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ} {يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ} {خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} . وَفَضَائِلُ الْجِهَادِ وَالرِّبَاطِ كَثِيرَةٌ. فَلِذَلِكَ كَانَ صَالِحُو الْمُؤْمِنِينَ يُرَابِطُونَ فِي الثُّغُورِ: مِثْلُ مَا كَانَ الأوزاعي وَأَبُو إسْحَاقَ الفزاري ومخلد بْنُ الْحُسَيْنِ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ
(27/52)

أَدْهَمَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ وَحُذَيْفَةُ المرعشي وَيُوسُفُ بْنُ أَسْبَاطَ وَغَيْرُهُمْ: يُرَابِطُونَ بِالثُّغُورِ الشَّامِيَّةِ. وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَجِيءُ مِنْ خُرَاسَانَ وَالْعِرَاقِ وَغَيْرِهِمَا لِلرِّبَاطِ فِي الثُّغُورِ الشَّامِيَّةِ؛ لِأَنَّ أَهْلَ الشَّامِ هُمْ الَّذِينَ كَانُوا يُقَاتِلُونَ النَّصَارَى أَهْلَ الْكِتَابِ. وَفِي السُّنَنِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: {مَنْ قَتَلَهُ أَهْلُ الْكِتَابِ فَلَهُ أَجْرُ شَهِيدَيْنِ} وَذَلِكَ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ يُقَاتِلُونَ عَلَى دِينٍ. وَأَمَّا الْكُفَّارُ التُّرْكُ وَنَحْوُهُمْ فَلَا يُقَاتِلُونَ عَلَى دِينٍ فَإِذَا غَلَبَ أُولَئِكَ أَفْسَدُوا الدِّينَ وَالْمُلْكَ. وَأَمَّا التُّرْكُ فَيُفْسِدُونَ الْمُلْكَ وَمَا يَتْبَعُ ذَلِكَ مِنْ الدِّينِ؛ وَلَا يُقَاتِلُونَ عَلَى الدِّينِ. وَلِهَذَا كَثُرَ ذِكْرُ " طرسوس " فِي كُتُبِ الْعِلْمِ وَالْفِقْهِ الْمُصَنَّفَةِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ لِأَنَّهَا كَانَتْ ثَغْرَ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى كَانَ يَقْصِدُهَا أَحْمَد بْنُ حَنْبَلٍ وَالسَّرِيُّ السقطي؛ وَغَيْرُهُمَا مِنْ الْعُلَمَاءِ وَالْمَشَايِخِ لِلرِّبَاطِ وَتُوُفِّيَ الْمَأْمُونُ قَرِيبًا مِنْهَا. فَعَامَّةُ مَا يُوجَدُ فِي كَلَامِ الْمُتَقَدِّمِينَ مِنْ فَضْلِ عَسْقَلَانَ والإسكندرية أَوْ عَكَّةَ أَوْ قَزْوِينَ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ. وَمَا يُوجَدُ مِنْ أَخْبَارِ الصَّالِحِينَ الَّذِينَ بِهَذِهِ الْأَمْكِنَةِ وَنَحْوَ ذَلِكَ: فَهُوَ لِأَجْلِ كَوْنِهَا كَانَتْ ثُغُورًا؛ لَا لِأَجْلِ خَاصِّيَّةِ ذَلِكَ الْمَكَانِ. وَكَوْنُ الْبُقْعَةِ ثَغْرًا لِلْمُسْلِمِينَ أَوْ غَيْرَ ثَغْرٍ هُوَ مِنْ الصِّفَاتِ الْعَارِضَةِ لَهَا لَا اللَّازِمَةِ لَهَا؛ بِمَنْزِلَةِ كَوْنِهَا دَارَ إسْلَامٍ أَوْ دَارَ كُفْرٍ أَوْ دَارَ حَرْبٍ أَوْ دَارَ سِلْمٍ أَوْ دَارَ عِلْمٍ وَإِيمَانٍ أَوْ دَارَ
(27/53)

جَهْلٍ وَنِفَاقٍ. فَذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ سُكَّانِهَا وَصِفَاتِهِمْ؛ بِخِلَافِ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ فَإِنَّ مَزِيَّتَهَا صِفَةٌ لَازِمَةٌ لَهَا؛ لَا يُمْكِنُ إخْرَاجُهَا عَنْ ذَلِكَ. وَأَمَّا سَائِرُ الْمَسَاجِدِ فَبَيْنَ الْعُلَمَاءِ نِزَاعٌ فِي جَوَازِ تَغْيِيرِهَا لِلْمَصْلَحَةِ وَجَعْلِهَا غَيْرَ مَسْجِدٍ كَمَا فَعَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِمَسْجِدِ الْكُوفَةِ لَمَّا بَدَّلَهُ وَجَعَلَ الْمَسْجِدَ مَكَانًا آخَرَ وَصَارَ الْأَوَّلُ حَوَانِيتَ التَّمَارِينِ. وَهَذَا مَذْهَبُ الْإِمَامِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ.
فَصْلٌ:
إذَا عُرِفَ ذَلِكَ فَهَذِهِ السَّوَاحِلُ الشَّامِيَّةُ كَانَتْ ثُغُورًا لِلْإِسْلَامِ إلَى أَثْنَاءِ الْمِائَةِ الرَّابِعَةِ وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ قَدْ فَتَحُوا " قُبْرُصَ " فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَتَحَهَا مُعَاوِيَةُ فَلَمَّا كَانَ فِي أَثْنَاءِ الْمِائَةِ الرَّابِعَةِ اضْطَرَبَ أَمْرُ الْخِلَافَةِ وَصَارَ لِلرَّافِضَةِ وَالْمُنَافِقِينَ وَغَيْرِهِمْ دَوْلَةٌ وَمُلْكٌ بِالْبِلَادِ الْمِصْرِيَّةِ وَالْمَغْرِبِ وَبِالْبِلَادِ الشَّرْقِيَّةِ وَبِأَرْضِ الشَّامِ وَغَلَبَ هَؤُلَاءِ عَلَى مَا غَلَبُوا عَلَيْهِ مِنْ الشَّامِ: سَوَاحِلِهِ وَغَيْرِ سَوَاحِلِهِ وَهُمْ أُمَّةٌ مَخْذُولَةٌ لَيْسَ لَهُمْ عَقْلٌ وَلَا نَقْلٌ وَلَا دِينٌ صَحِيحٌ وَلَا دُنْيَا مَنْصُورَةٌ. فَغَلَبَتْ النَّصَارَى عَلَى عَامَّةِ سَوَاحِلَ الشَّامِ؛ بَلْ وَأَكْثَرِ بِلَادِ الشَّامِ وَقَهَرُوا الرَّوَافِضَ وَالْمُنَافِقِينَ وَغَيْرَهُمْ وَأَخَذُوا مِنْهُمْ مَا أَخَذُوا إلَى أَنْ يَسَّرَ
(27/54)

اللَّهُ تَعَالَى بِوِلَايَةِ مُلُوكِ السُّنَّةِ مِثْلُ " نُورِ الدِّينِ " " وَصَلَاحِ الدِّينِ " وَغَيْرِهِمَا: فَاسْتَنْقَذُوا عَامَّةَ الشَّامِ مِنْ النَّصَارَى. وَبَقِيَتْ بَقَايَا الرَّوَافِضِ وَالْمُنَافِقِينَ فِي جَبَلِ لُبْنَانَ وَغَيْرِهِ وَرُبَّمَا غَلَبَهُمْ النَّصَارَى عَلَيْهِ حَتَّى يَصِيرَ هَؤُلَاءِ الرَّافِضَةُ وَالْمُنَافِقُونَ فَلَّاحِينَ لِلنَّصَارَى. وَصَارَ جَبَلُ لُبْنَانَ وَنَحْوُهُ دَوْلَةً بَيْنَ النَّصَارَى وَالرَّوَافِضِ لَيْسَ فِيهِ مِنْ الْفَضِيلَةِ شَيْءٌ وَلَا يُشْرَعُ بَلْ وَلَا يَجُوزُ الْمُقَامُ بَيْنَ نَصَارَى أَوْ رَوَافِضَ يَمْنَعُونَ الْمُسْلِمَ عَنْ إظْهَارِ دِينِهِ. وَلَكِنْ صَارَ طَوَائِفُ مِمَّنْ يُؤْثِرُ التَّخَلِّي عَنْ النَّاسِ - زُهْدًا وَنُسُكًا - يَحْسَبُ أَنَّ فَضْلَ هَذَا الْجَبَلِ وَنَحْوِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْخَلْوَةِ عَنْ النَّاسِ وَأَكْلِ الْمُبَاحَاتِ مِنْ الثِّمَارِ الَّتِي فِيهِ. فَيَقْصِدُونَهُ لِأَجْلِ ذَلِكَ غَلَطًا مِنْهُمْ وَخَطَأً فَإِنَّ سُكْنَى الْجِبَالِ وَالْغِيرَانِ وَالْبَوَادِي لَيْسَ مَشْرُوعًا لِلْمُسْلِمِينَ؛ إلَّا عِنْدَ الْفِتْنَةِ فِي الْأَمْصَارِ الَّتِي تحوج الرَّجُلَ إلَى تَرْكِ دِينِهِ: مِنْ فِعْلِ الْوَاجِبَاتِ وَتَرْكِ الْمُحَرَّمَاتِ فَيُهَاجِرُ الْمُسْلِمُ حِينَئِذٍ مَنْ أَرْضٍ يَعْجِزُ عَنْ إقَامَةِ دِينِهِ إلَى أَرْضٍ يُمْكِنُهُ فِيهَا إقَامَةُ دِينِهِ؛ فَإِنَّ الْمُهَاجِرَ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ. وَرُبَّمَا كَانَ بَعْضُ الْأَوْقَاتِ مِنْ هَؤُلَاءِ النُّسَّاكِ الزُّهَّادِ طَائِفَةٌ إمَّا ظَالِمُونَ لِأَنْفُسِهِمْ وَإِمَّا مُقْتَصِدُونَ مُخْطِئُونَ مَغْفُورٌ لَهُمْ خَطَؤُهُمْ فَأَمَّا السَّابِقُونَ
(27/55)

الْمُقَرَّبُونَ فَهُمْ الَّذِينَ تَقَرَّبُوا إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِالنَّوَافِلِ بَعْدَ الْفَرَائِضِ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الَّذِي رَوَاهُ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى: {مَا تَقَرَّبَ إلَيَّ عَبْدِي بِمِثْلِ أَدَاءِ مَا افْتَرَضْت عَلَيْهِ وَلَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ فَإِذَا أَحْبَبْته كُنْت سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا فَبِي يَسْمَعُ وَبِي يُبْصِرُ وَبِي يَبْطِشُ وَبِي يَمْشِي وَلَئِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ وَمَا تَرَدَّدْت عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ قَبْضِ نَفْسِ عَبْدِي الْمُؤْمِنِ يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ} . وَلَا خِلَافَ بَيْنِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ جِنْسَ النُّسَّاكِ الزُّهَّادِ السَّاكِنِينَ فِي الْأَمْصَارِ أَفْضَلُ مِنْ جِنْسِ سَاكِنِي الْبَوَادِي وَالْجِبَالِ كَفَضِيلَةِ الْقَرَوِيِّ عَلَى الْبَدَوِيِّ وَالْمُهَاجِرِ عَلَى الْأَعْرَابِيِّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ} وَفِي الْحَدِيثِ: {إنَّ مِنْ الْكَبَائِرِ أَنْ يَرْتَدَّ الرَّجُلُ أَعْرَابِيًّا بَعْدَ الْهِجْرَةِ} هَذَا لِمَنْ هُوَ سَاكِنٌ فِي الْبَادِيَةِ بَيْنَ الْجَمَاعَةِ فَكَيْفَ بِالْمُقِيمِ وَحْدَهُ دَائِمًا فِي جَبَلٍ أَوْ بَادِيَةٍ فَإِنَّ هَذَا يَفُوتُهُ مِنْ مَصَالِحِ الدِّينِ نَظِيرُ مَا يَفُوتُهُ مِنْ مَصَالِحَ الدُّنْيَا أَوْ قَرِيبٌ مِنْهُ؛ فَإِنَّ يَدَ اللَّهِ عَلَى الْجَمَاعَةِ وَالشَّيْطَانُ مَعَ الْوَاحِدِ وَهُوَ مِنْ الِاثْنَيْنِ أَبْعَدُ.
(27/56)

فَصْلٌ:
وَأَمَّا اعْتِقَادُ بَعْضِ الْجُهَّالِ أَنَّ بِهِ " الْأَرْبَعِينَ الْأَبْدَالَ " فَهَذَا جَهْلٌ وَضَلَالٌ مَا اجْتَمَعَ بِهِ الْأَبْدَالُ الْأَرْبَعُونَ قَطُّ وَلَا هَذَا مَشْرُوعٌ لَهُمْ وَلَا فَائِدَةَ فِي ذَلِكَ وَاعْتِقَادُ جُهَّالِ الْجُمْهُورِ هَذَا يُشْبِهُ اعْتِقَادَ الرَّافِضَةِ فِي الْخَلِيفَةِ الْحُجَّةِ صَاحِبِ الزَّمَانِ عِنْدَهُمْ الَّذِي يَقُولُونَ: إنَّهُ غَائِبٌ عَنْ الْأَبْصَارِ حَاضِرٌ فِي الْأَمْصَارِ. وَيُعَظِّمُونَ قَدْرَهُ وَيَرْجُونَ بَرَكَتَهُ. وَهُوَ مَعْدُومٌ لَا حَقِيقَةَ لَهُ فَكُلُّ مَنْ عَلَّقَ دِينَهُ بِالْمَجْهُولَاتِ وَأَعْرَضَ عَمَّا بَعَثَ اللَّهُ بِهِ نَبِيَّهُ مِنْ الْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ: فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الضَّلَالِ الْخَارِجِ عَنْ شَرِيعَةِ الْإِسْلَامِ بَلْ فِيهِ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ الْمُتَأَخِّرَةِ أَهْلُ الضَّلَالِ مَنَّ النَّصَارَى وَالْنُصَيْرِيَّة وَالرَّافِضَةِ: الَّذِينَ غَزَاهُمْ الْمُسْلِمُونَ. وَكَذَلِكَ قَوْلُ كَثِيرٍ مِنْ الْجُهَّالِ وَأَهْلِ الْإِفْكِ وَالْمُحَالِ: إنَّ بِهِ أَوْ بِغَيْرِهِ " رِجَالُ الْغَيْبِ ". وَتَعْظِيمُهُمْ لِهَؤُلَاءِ هُوَ نَوْعٌ مِنْ الضَّلَالِ الَّذِي اسْتَحْوَذُوا بِهِ عَلَى الْجُهَّالِ: مِنْ الْأَتْرَاكِ وَالْأَعْرَابِ وَالْفَلَّاحِينَ وَالْعَامَّةِ أَضَلُّوهُمْ بِذَلِكَ عَنْ حَقِيقَةِ الدِّينِ وَأَكَلُوا بِهِ أَمْوَالَهُمْ بِالْبَاطِلِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {إنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ
(27/57)

وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} . وَلَمْ يَكُنْ مِنْ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ وَأَوْلِيَائِهِ مَنْ كَانَ غَائِبَ الْجَسَدِ عَنْ أَبْصَارِ النَّاسِ؛ وَلَكِنْ كَثِيرٌ مِنْهُمْ قَدْ تَغِيبُ عَنْ النَّاسِ حَقِيقَةُ قَلْبِهِ وَمَا فِي بَاطِنِهِ مِنْ وِلَايَةِ اللَّه وَعَظِيمِ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ وَالْأَحْوَالِ الزَّكِيَّةِ: فَيَكُونُ فِي الْأَمْصَارِ وَالْمَسَاجِدِ وَبَيْنَ النَّاسِ مَنْ يَكُونُ مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ وَأَكْثَرُ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ حَالَهُ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {رُبَّ أَشْعَثَ أَغْبَرَ ذِي طِمْرَيْنِ مَدْفُوعٍ بِالْأَبْوَابِ: لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ} أَيْ قَدْ يَكُونُ فِيمَنْ تَنْبُو عَنْهُ الْأَبْصَارُ لِرَثَاثَةِ حَالِهِ مَنْ يَبَرُّ اللَّهُ قَسَمَهُ وَلَيْسَ هَذَا وَصْفًا لَازِمًا؛ بَلْ وِلَايَةُ اللَّهِ هِيَ مَا ذَكَرْنَا فِي قَوْلِهِ: {أَلَا إنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} {الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ} فَأَوْلِيَاءُ اللَّهِ هُمْ الْمُؤْمِنُونَ الْمُتَّقُونَ فِي جَمِيعِ الْأَصْنَافِ الْمُبَاحَةِ. وَكَذَلِكَ خَبَرُ الرَّجُلِ الَّذِي نَبَتَ الشَّعْرُ عَلَى جَمِيعِ بَدَنِهِ كَالْمَاعِزِ بَاطِلٌ وَمُحَالٌ. نَعَمْ يَكُونُ فِي الضُّلَّالِ مِنْ الزُّهَّادِ مَنْ يَتْرُكُ السُّنَّةَ حَتَّى يَنْبُتَ الشَّعْرُ وَيَكْثُرَ عَلَى جَسَدِهِ وَهَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُؤْمَرَ بِمَا أُمِرَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ إحْفَاءِ الشَّوَارِبِ وَنَتْفِ الْإِبِطِ وَحَلْقِ الْعَانَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. فَإِنَّ ظَنَّ أَنَّ غَيْرَ هَدْيِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَكْمَلُ مِنْ هَدْيِهِ
(27/58)

أَوْ أَنَّ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ مَنْ يَسَعُهُ الْخُرُوجُ عَنْ شَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا وَسِعَ الْخَضِرَ الْخُرُوجُ عَنْ شَرِيعَةِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَهَذَا كَافِرٌ يَجِبُ قَتْلُهُ بَعْدَ اسْتِتَابَتِهِ؛ لِأَنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمْ تَكُنْ دَعْوَتُهُ عَامَّةً وَلَمْ يَكُنْ يَجِبُ عَلَى الْخَضِرِ اتِّبَاعُ مُوسَى - عَلَيْهِمَا السَّلَامُ - بَلْ قَالَ الْخَضِرُ لِمُوسَى: إنِّي عَلَى عِلْمٍ مِنْ اللَّهِ عَلَّمَنِيهِ اللَّهُ لَا تَعْلَمُهُ وَأَنْتَ عَلَى عِلْمٍ مِنْ اللَّهِ عَلَّمَكَهُ اللَّهُ لَا أَعْلَمُهُ. فَأَمَّا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَهُوَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى جَمِيعِ الثَّقَلَيْنِ: الْجِنِّ وَالْإِنْسِ: عَرَبِهِمْ وَعَجَمِهِمْ دَانِيهِمْ وَقَاصِيهمْ مُلُوكِهِمْ وَرَعِيَّتِهِمْ زُهَّادِهِمْ وَغَيْرِ زُهَّادِهِمْ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا} وَقَالَ تَعَالَى: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {كَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْت إلَى النَّاسِ عَامَّةً} وَهُوَ خَاتَمُ الرُّسُلِ لَيْسَ بَعْدَهُ نَبِيٌّ يُنْتَظَرُ وَلَا كِتَابٌ يُرْتَقَبُ؛ بَلْ هُوَ آخِرُ الْأَنْبِيَاءِ وَالْكِتَابُ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ مُصَدِّقٌ لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنٌ عَلَيْهِ. فَمَنْ اعْتَقَدَ أَنَّ لِأَحَدِ مِنْ جَمِيعِ الْخَلْقِ عُلَمَائِهِمْ وَعُبَّادِهِمْ وَمُلُوكِهِمْ خُرُوجًا عَنْ اتِّبَاعِهِ وَطَاعَتِهِ وَأَخْذَ مَا بُعِثَ بِهِ مِنْ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ فَهُوَ كَافِرٌ. وَيَجِبُ التَّفْرِيقُ بَيْنَ الْعِبَادَاتِ الْإِسْلَامِيَّةِ الْإِيمَانِيَّةِ النَّبَوِيَّةِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي
(27/59)

يُحِبُّهَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَعِبَادُهُ الْمُؤْمِنُونَ وَبَيْنَ الْعِبَادَاتِ الْبِدْعِيَّةِ الضلالية الْجَاهِلِيَّةِ الَّتِي قَالَ اللَّهُ فِيهَا: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ} . وَإِنْ اُبْتُلِيَ بِشَيْءِ مِنْهَا بَعْضُ أَكَابِرِ النُّسَّاكِ وَالزُّهَّادِ. فَفِي الصِّحَاحِ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ {أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَلَغَهُ أَنَّ بَعْضَ أَصْحَابِهِ قَالَ: أَمَّا أَنَا فَأَصُومُ لَا أُفْطِرُ وَقَالَ الْآخَرُ: أَمَّا أَنَا فَأَقْوَمُ لَا أَنَامُ وَقَالَ الْآخَرُ: أَمَّا أَنَا فَلَا أَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ وَقَالَ الْآخَرُ: أَمَّا أَنَا فَلَا آكُلُ اللَّحْمَ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ وَأَقُومُ وَأَنَامُ وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ وَآكُلُ اللَّحْمَ. فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي} . وَالرَّاغِبُ عَنْ الشَّيْءِ الَّذِي لَا يُحِبُّهُ وَلَا يُرِيدُهُ؛ بَلْ يُحِبُّ وَيُرِيدُ مَا يُنَافِي الْمَشْرُوعَ الَّذِي أَحَبَّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ فَقَدْ تَبَرَّأَ مِنْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلُ الَّذِي يَتَعَرَّى دَائِمًا. أَوْ يَصْمُتُ دَائِمًا أَوْ يَسْكُنُ وَحْدَهُ فِي الْبَرِيَّةِ دَائِمًا أَوْ يَتْرُكُ أَكْلَ الْخُبْزِ وَاللَّحْمِ دَائِمًا أَوْ يَتَرَهَّبُ دَائِمًا؛ مُتَعَبِّدًا بِذَلِكَ ظَانًّا أَنَّ هَذَا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ؛ دُونَ ضِدِّهِ مِنْ اللِّبَاسِ بِالْمَعْرُوفِ وَالْكَلَامِ بِالْمَعْرُوفِ وَالْأَكْلِ بِالْمَعْرُوفِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَإِذَا عُرِفَ هَذَا فَكُلُّ مَا ذُكِرَ مِنْ الِانْحِنَاءِ لِلْجَبَلِ الْمَذْكُورِ وَنَحْوِهِ أَوْ لِمَنْ فِيهِ أَوْ زِيَارَتِهِ بِلَا قَصْدٍ لِلْجِهَادِ أَوْ لِأَمْرِ مَشْرُوعٍ: فَهُوَ مِنْ الْجَهَالَاتِ وَالضَّلَالَاتِ. وَكَذَلِكَ التَّبَرُّكُ بِمَا يُحْمَلُ مِنْهُ مِنْ الثِّمَارِ هُوَ مِنْ
(27/60)

الْبِدَعِ الْجَاهِلِيَّةِ الْمُضَاهِيَةِ لِلضَّلَالَاتِ النَّصْرَانِيَّةِ والشركية وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الْمَعْرُوفِ: أَنَّ بَصْرَةَ بْنَ أَبِي بَصْرَةَ الْغِفَارِيَّ رَأَى أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَقَدْ سَافَرَ إلَى الطُّورِ - الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى عَلَيْهِ - فَقَالَ: لَوْ رَأَيْتُك قَبْلَ أَنْ تَذْهَبَ إلَيْهِ لَمْ أَدَعْك تَذْهَبُ إلَيْهِ؛ لَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: {لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى وَمَسْجِدِي هَذَا} . فَإِذَا كَانَ السَّفَرُ لِزِيَارَةِ الطُّورِ - الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مُوسَى وَسَمَّاهُ " الْوَادِيَ الْمُقَدَّسَ " و " الْبُقْعَةَ الْمُبَارَكَةَ " - لَا يُشْرَعُ؛ فَكَيْفَ بِالسَّفَرِ لِزِيَارَةِ غَيْرِهِ مِنْ الْأَطْوَارِ فَإِنَّ " الطُّورَ " هُوَ الْجَبَلُ وَالْأَطْوَارَ الْجِبَالُ.
وَأَمَّا الْقَبْرُ الْمَشْهُورُ فِي سَفْحِهِ بالكرك الَّذِي يُقَالُ إنَّهُ " قَبْرُ نُوحٍ " فَهُوَ بَاطِلٌ مُحَالٌ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِمَّنْ لَهُ عِلْمٌ وَمَعْرِفَةٌ: إنَّ هَذَا قَبْرُ نُوحٍ وَلَا قَبْرُ أَحَدٍ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ أَوْ الصَّالِحِينَ وَلَا كَانَ لِهَذَا الْقَبْرِ ذِكْرٌ وَلَا خَبَرٌ أَصْلًا؛ بَلْ كَانَ ذَلِكَ الْمَكَانُ حَاكُورَةً يُزْرَعُ فِيهَا وَيَكُونُ بِهَا الْحَاكَةُ إلَى مُدَّةِ قَرِيبَةٍ. رَأَوْا هُنَاكَ قَبْرًا فِيهِ عَظْمٌ كَبِيرٌ وَشَمُّوا فِيهِ رَائِحَةً فَظَنَّ الْجُهَلَاءُ أَنَّهُ لِأَجْلِ تِلْكَ الرَّائِحَةِ يَكُونُ قَبْرَ نَبِيٍّ. وَقَالُوا مَنْ كَانَ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ كَبِيرًا؟ فَقَالُوا: نُوحٌ. فَقَالُوا: هُوَ قَبْرُ نُوحٍ وَبَنَوْا عَلَيْهِ فِي دَوْلَةِ الرَّافِضَةِ الَّذِينَ كَانُوا مَعَ النَّاصِرِ صَاحِبِ حَلَبَ ذَلِكَ الْقَبْرَ وَزِيدَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي دَوْلَةِ الظَّاهِرِ فَصَارَ وَثَنًا يُشْرِكُ بِهِ الْجَاهِلُونَ
(27/61)

وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: {إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَى الْأَرْضِ أَنْ تَأْكُلَ لُحُومَ الْأَنْبِيَاءِ} فَلَوْ كَانَ قَبْرَ نَبِيٍّ لَمْ يَتَجَرَّدْ الْعَظْمُ. وَقَدْ حَدَّثَنِي مِنْ ثِقَاتِ أَهْلِ الْمَكَانِ عَنْ آبَائِهِمْ مَنْ ذَكَرَ: أَنَّهُمْ رَأَوْا تِلْكَ الْعِظَامَ الْكَبِيرَةَ فِيهِ وَشَاهَدُوهُ قَبْلَ ذَلِكَ مَكَانًا لِلزَّرْعِ وَالْحِيَاكَةِ. وَحَدَّثَنِي مِنْ الثِّقَاتِ مَنْ شَاهَدَ فِي الْمَقَابِرِ الْقَرِيبَةِ مِنْهُ رُءُوسًا عَظِيمَةً جِدًّا تُنَاسِبُ تِلْكَ الْعِظَامَ. فَعُلِمَ أَنَّ هَذَا وَأَمْثَالَهُ مِنْ عِظَامِ الْعَمَالِقَةِ: الَّذِينَ كَانُوا فِي الزَّمَنِ الْقَدِيمِ أَوْ نَحْوِهِمْ. وَلَوْ كَانَ قَبْرَ نَبِيٍّ أَوْ رَجُلٍ صَالِحٍ لَمْ يُشْرَعْ أَنْ يُبْنَى عَلَيْهِ مَسْجِدٌ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ وَبِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُسْتَفِيضَةِ عَنْهُ كَمَا قَالَ فِي الصِّحَاحِ: {لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ} وَقَالَ: {إنَّ مَنْ كَانَ قَبْلكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ الْقُبُورَ مَسَاجِدَ أَلَا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ فَإِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ} . وَلَا تُسْتَحَبُّ الصَّلَاةُ؛ لَا الْفَرْضُ وَلَا النَّفْلُ عِنْدَ قَبْرِ نَبِيٍّ وَلَا غَيْرِهِ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ؛ بَلْ يُنْهَى عَنْهُ وَكَثِيرٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ يَقُولُ: هِيَ بَاطِلَةٌ؛ لِمَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ مِنْ النُّصُوصِ وَإِنَّمَا الْبِقَاعُ الَّتِي يُحِبُّهَا اللَّهُ وَيُحِبُّ الصَّلَاةَ وَالْعِبَادَةَ فِيهَا هِيَ الْمَسَاجِدُ الَّتِي قَالَ اللَّهُ فِيهَا: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ} وَقَالَ تَعَالَى: {إنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى
(27/62)

الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ} . {وَسُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُّ الْبِقَاعِ أَحَبُّ إلَى اللَّهِ؟ قَالَ: الْمَسَاجِدُ. قِيلَ: فَأَيُّ الْبِقَاعِ أَبْغَضُ إلَى اللَّهِ؟ قَالَ: الْأَسْوَاقُ} وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {مَنْ غَدَا إلَى الْمَسْجِدِ أَوْ رَاحَ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُ نُزُلًا كُلَّمَا غَدَا أَوْ رَاحَ} وَقَالَ: {إنَّ الْعَبْدَ إذَا تَطَهَّرَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ثُمَّ خَرَجَ إلَى الْمَسْجِدِ لَا يُخْرِجُهُ إلَّا الصَّلَاةُ كَانَتْ خُطْوَتَاهُ إحْدَاهُمَا تَرْفَعُ دَرَجَةً وَالْأُخْرَى تَحُطُّ خَطِيئَةً} . فَدِينُ الْإِسْلَامِ هُوَ اتِّبَاعُ مَا بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ مِنْ أَنْوَاعِ الْمَحْبُوبَاتِ وَاجْتِنَابُ مَا كَرِهَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ الْبِدَعِ وَالضَّلَالَاتِ وَأَنْوَاعِ الْمَنْهِيَّاتِ. فَالْعِبَادَاتُ الْإِسْلَامِيَّةُ: مِثْلُ الصَّلَوَاتِ الْمَشْرُوعَةِ وَالْجَمَاعَاتِ وَالْجُمُعَاتِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَذِكْرِ اللَّهِ الَّذِي شَرَعَهُ لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ وَدُعَائِهِ وَمَا يَتْبَعُ ذَلِكَ مِنْ أَحْوَالِ الْقُلُوبِ وَأَعْمَالِ الْأَبْدَانِ. وَكَذَلِكَ أَنْوَاعُ الزَّكَوَاتِ: مِنْ الصَّدَقَاتِ وَسَائِرِ الْإِحْسَانِ إلَى الْخَلْقِ فَإِنَّ كُلَّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ. وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْعِبَادَاتِ الْمَشْرُوعَةِ. فَنَسْأَلُ اللَّهَ الْعَظِيمَ أَنْ يُثَبِّتَنَا عَلَيْهَا وَسَائِرَ إخْوَانِنَا الْمُؤْمِنِينَ. وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
(27/63)

وَسُئِلَ أَحْمَد ابْنُ تَيْمِيَّة - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -:
عَمَّنْ يَزُورُ الْقُبُورَ وَيَسْتَنْجِدُ بِالْمَقْبُورِ فِي مَرَضٍ بِهِ أَوْ بِفَرَسِهِ أَوْ بِعِيرِهِ: يَطْلُبُ إزَالَةَ الْمَرَضِ الَّذِي بِهِمْ وَيَقُولُ: يَا سَيِّدِي أَنَا فِي جِيرَتِك أَنَا فِي حَسْبِك فُلَانٌ ظَلَمَنِي فُلَانٌ قَصَدَ أَذِيَّتِي وَيَقُولُ: إنَّ الْمَقْبُورَ يَكُونُ وَاسِطَةً بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى وَفِيمَنْ يَنْذِرُ لِلْمَسَاجِدِ وَالزَّوَايَا وَالْمَشَايِخِ - حَيِّهِمْ وَمَيِّتِهِمْ - الدَّرَاهِمَ وَالْإِبِلَ وَالْغَنَمَ وَالشَّمْعَ وَالزَّيْتَ وَغَيْرَ ذَلِكَ يَقُولُ: إنْ سَلِمَ وَلَدِي فَلِلشَّيْخِ عَلَيَّ كَذَا وَكَذَا وَأَمْثَالُ ذَلِكَ. وَفِيمَنْ يَسْتَغِيثُ بِشَيْخِهِ يَطْلُبُ تَثْبِيتَ قَلْبِهِ مِنْ ذَاكَ الْوَاقِعِ؟ وَفِيمَنْ يَجِيءُ إلَى شَيْخِهِ وَيَسْتَلِمُ الْقَبْرَ وَيُمَرِّغُ وَجْهَهُ عَلَيْهِ وَيَمْسَحُ الْقَبْرَ بِيَدَيْهِ وَيَمْسَحُ بِهِمَا وَجْهَهُ وَأَمْثَالُ ذَلِكَ؟ وَفِيمَنْ يَقْصِدُهُ بِحَاجَتِهِ وَيَقُولُ: يَا فُلَانٌ بِبَرَكَتِك أَوْ يَقُولُ: قُضِيَتْ حَاجَتِي بِبَرَكَةِ اللَّهِ وَبَرَكَةِ الشَّيْخِ؟ وَفِيمَنْ يُعْمِلُ السَّمَاعَ وَيَجِيءُ إلَى الْقَبْرِ فَيَكْشِفُ وَيَحُطُّ وَجْهَهُ بَيْنَ يَدَيْ شَيْخِهِ عَلَى الْأَرْضِ سَاجِدًا. وَفِيمَنْ قَالَ: إنَّ ثَمَّ قُطْبًا غَوْثًا جَامِعًا فِي الْوُجُودِ؟ أَفْتُونَا مَأْجُورِينَ وَابْسُطُوا الْقَوْلَ فِي ذَلِكَ.
فَأَجَابَ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، الدِّينُ الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رُسُلَهُ
(27/64)

وَأَنْزَلَ بِهِ كُتُبَهُ هُوَ عِبَادَةُ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَاسْتِعَانَتُهُ وَالتَّوَكُّلُ عَلَيْهِ وَدُعَاؤُهُ لِجَلْبِ الْمَنَافِعِ وَدَفْعِ الْمَضَارِّ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} {إنَّا أَنْزَلْنَا إلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ} {أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إلَّا لِيُقَرِّبُونَا إلَى اللَّهِ زُلْفَى إنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} وَقَالَ تَعَالَى: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} وَقَالَ تَعَالَى: {قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} وَقَالَ تَعَالَى: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا} {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا} قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ السَّلَفِ: كَانَ أَقْوَامٌ يَدْعُونَ الْمَسِيحَ وَعُزَيْرًا وَالْمَلَائِكَةَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ تَدْعُونَهُمْ عِبَادِي كَمَا أَنْتُمْ عِبَادِي وَيَرْجُونَ رَحْمَتِي كَمَا تَرْجُونَ رَحْمَتِي وَيَخَافُونَ عَذَابِي كَمَا تَخَافُونَ عَذَابِي وَيَتَقَرَّبُونَ إلَيَّ كَمَا تَتَقَرَّبُونَ إلَيَّ. فَإِذَا كَانَ هَذَا حَالُ مَنْ يَدْعُو الْأَنْبِيَاءَ وَالْمَلَائِكَةَ فَكَيْفَ بِمَنْ دُونَهُمْ؟ . وَقَالَ تَعَالَى: {أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ إنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا} وَقَالَ تَعَالَى: {قُلِ ادْعُوا
(27/65)

الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ} {وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ} . فَبَيَّنَ سُبْحَانَهُ أَنَّ مَنْ دُعِيَ مَنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ جَمِيعِ الْمَخْلُوقَاتِ مِنْ الْمَلَائِكَةِ وَالْبَشَرِ وَغَيْرِهِمْ أَنَّهُمْ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي مُلْكِهِ وَأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ شَرِيكٌ فِي مُلْكِهِ بَلْ هُوَ سُبْحَانَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ عَوْنٌ يُعَاوِنُهُ كَمَا يَكُونُ لِلْمَلِكِ أَعْوَانٌ وظهراء وَأَنَّ الشُّفَعَاءَ عِنْدَهُ لَا يَشْفَعُونَ إلَّا لِمَنْ ارْتَضَى فَنَفَى بِذَلِكَ وُجُوهَ الشِّرْكِ. وَذَلِكَ أَنَّ مَنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إمَّا أَنْ يَكُونَ مَالِكًا وَإِمَّا أَنْ لَا يَكُونُ مَالِكًا وَإِذَا لَمْ يَكُنْ مَالِكًا فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ شَرِيكًا وَإِمَّا أَنْ لَا يَكُونَ شَرِيكًا وَإِذَا لَمْ يَكُنْ شَرِيكًا فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مُعَاوِنًا وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ سَائِلًا طَالِبًا فَالْأَقْسَامُ الْأُوَلُ الثَّلَاثَةُ وَهِيَ: الْمِلْكُ وَالشَّرِكَةُ وَالْمُعَاوَنَةُ مُنْتَفِيَةٌ وَأَمَّا الرَّابِعُ فَلَا يَكُونُ إلَّا مِنْ بَعْدِ إذْنِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلَّا بِإِذْنِهِ} وَكَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى} وَقَالَ تَعَالَى: {أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ} {قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} وَقَالَ تَعَالَى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ
(27/66)

وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ} وَقَالَ تَعَالَى {وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} وَقَالَ تَعَالَى: {مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ} {وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} فَإِذَا جُعِلَ مَنْ اتَّخَذَ الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا كَافِرًا فَكَيْفَ مَنْ اتَّخَذَ مَنْ دُونَهُمْ مِنْ الْمَشَايِخِ وَغَيْرِهِمْ أَرْبَابًا وَتَفْصِيلُ الْقَوْلِ: أَنَّ مَطْلُوبَ الْعَبْدِ إنْ كَانَ مِنْ الْأُمُورُ الَّتِي لَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا إلَّا اللَّهُ تَعَالَى: مِثْلُ أَنْ يَطْلُبَ شِفَاءَ مَرِيضِهِ مِنْ الْآدَمِيِّينَ وَالْبَهَائِمِ أَوْ وَفَاءَ دَيْنِهِ مِنْ غَيْرِ جِهَةٍ مُعَيَّنَةٍ أَوْ عَافِيَةَ أَهْلِهِ وَمَا بِهِ مِنْ بَلَاءِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَانْتِصَارَهُ عَلَى عَدُوِّهِ وَهِدَايَةَ قَلْبِهِ وَغُفْرَانَ ذَنْبِهِ أَوْ دُخُولَهُ الْجَنَّةَ أَوْ نَجَاتَهُ مِنْ النَّارِ أَوْ أَنْ يَتَعَلَّمَ الْعِلْمَ وَالْقُرْآنَ أَوْ أَنْ يُصْلِحَ قَلْبَهُ وَيُحَسِّنَ خُلُقَهُ وَيُزَكِّيَ نَفْسَهُ وَأَمْثَالَ ذَلِكَ: فَهَذِهِ الْأُمُورُ كُلُّهَا لَا يَجُوزُ أَنْ تُطْلَبَ إلَّا مِنْ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ لِمَلِكِ وَلَا نَبِيٍّ وَلَا شَيْخٍ - سَوَاءٌ كَانَ حَيًّا أَوْ مَيِّتًا - اغْفِرْ ذَنْبِي وَلَا اُنْصُرْنِي عَلَى عَدُوِّي وَلَا اشْفِ مَرِيضِي وَلَا عَافِنِي أَوْ عَافِ أَهْلِي أَوْ دَابَّتِي
(27/67)

وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ. وَمَنْ سَأَلَ ذَلِكَ مَخْلُوقًا كَائِنًا مَنْ كَانَ فَهُوَ مُشْرِكٌ بِرَبِّهِ مَنْ جِنْسِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ الْمَلَائِكَةَ وَالْأَنْبِيَاءَ وَالتَّمَاثِيلَ الَّتِي يُصَوِّرُونَهَا عَلَى صُوَرِهِمْ وَمِنْ جِنْسِ دُعَاءِ النَّصَارَى لِلْمَسِيحِ وَأُمِّهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ} الْآيَةُ وَقَالَ تَعَالَى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إلَّا لِيَعْبُدُوا إلَهًا وَاحِدًا لَا إلَهَ إلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} . وَأَمَّا مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ الْعَبْدُ فَيَجُوزُ أَنْ يُطْلَبَ مِنْهُ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ دُونَ بَعْضٍ؛ فَإِنَّ " مَسْأَلَةَ الْمَخْلُوقِ " قَدْ تَكُونُ جَائِزَةً وَقَدْ تَكُونُ مَنْهِيًّا عَنْهَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ} {وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ} وَأَوْصَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ ابْنَ عَبَّاسٍ: " {إذَا سَأَلْت فَاسْأَلْ اللَّهَ وَإِذَا اسْتَعَنْت فَاسْتَعِنْ بِاَللَّهِ} " وَأَوْصَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ طَائِفَةً مِنْ أَصْحَابِهِ: أَنْ لَا يَسْأَلُوا النَّاسَ شَيْئًا فَكَانَ سَوْطُ أَحَدِهِمْ يَسْقُطُ مِنْ كَفِّهِ فَلَا يَقُولُ لِأَحَدِ نَاوِلْنِي إيَّاهُ وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " {يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ وَهُمْ الَّذِينَ لَا يسترقون وَلَا يَكْتَوُونَ وَلَا يَتَطَيَّرُونَ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} " وَالِاسْتِرْقَاءُ طَلَبُ الرُّقْيَةِ وَهُوَ مِنْ أَنْوَاعِ الدُّعَاءِ وَمَعَ هَذَا فَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: " {مَا مِنْ
(27/68)

رَجُلٍ يَدْعُو لَهُ أَخُوهُ بِظَهْرِ الْغَيْبِ دَعْوَةً إلَّا وَكَّلَ اللَّهُ بِهَا مَلَكًا كُلَّمَا دَعَا لِأَخِيهِ دَعْوَةً قَالَ الْمَلَكُ: وَلَك مِثْلُ ذَلِكَ} .
وَمِنْ الْمَشْرُوعِ فِي الدُّعَاءِ دُعَاءُ غَائِبٍ لِغَائِبِ وَلِهَذَا أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَطَلَبِنَا الْوَسِيلَةَ لَهُ وَأَخْبَرَ بِمَا لَنَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْأَجْرِ إذَا دَعَوْنَا بِذَلِكَ فَقَالَ فِي الْحَدِيثِ: " {إذَا سَمِعْتُمْ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ فَإِنَّ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ مَرَّةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ عَشْرًا ثُمَّ سَلُوا اللَّهَ لِي الْوَسِيلَةَ فَإِنَّهَا دَرَجَةٌ فِي الْجَنَّةِ لَا يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ إلَّا لِعَبْدِ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا ذَلِكَ الْعَبْدَ. فَمَنْ سَأَلَ اللَّهَ لِي الْوَسِيلَةَ حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ} .
وَيُشْرَعُ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَطْلُبَ الدُّعَاءَ مِمَّنْ هُوَ فَوْقَهُ وَمِمَّنْ هُوَ دُونَهُ فَقَدْ رُوِيَ طَلَبُ الدُّعَاءِ مِنْ الْأَعْلَى وَالْأَدْنَى؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ وَدَّعَ عُمَرَ إلَى الْعُمْرَةِ وَقَالَ: " {لَا تَنْسَنَا مِنْ دُعَائِك يَا أَخِي} لَكِنَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ لَمَّا أَمَرَنَا بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَطَلَبِ الْوَسِيلَةِ لَهُ ذَكَرَ أَنَّ مَنْ صَلَّى عَلَيْهِ مَرَّةً صَلَّى اللَّهُ بِهَا عَلَيْهِ عَشْرًا وَأَنَّ مَنْ سَأَلَ لَهُ الْوَسِيلَةَ حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَكَانَ طَلَبُهُ مِنَّا لِمَنْفَعَتِنَا فِي ذَلِكَ وَفَرْقٌ بَيْنَ مَنْ طَلَبَ مَنْ غَيْرِهِ شَيْئًا لِمَنْفَعَةِ الْمَطْلُوبِ مِنْهُ وَمَنْ يَسْأَلُ غَيْرَهُ لِحَاجَتِهِ إلَيْهِ فَقَطْ وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ ذَكَرَ أُوَيْسًا القرني وَقَالَ لِعُمَرِ: " {إنْ اسْتَطَعْت أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَك فَافْعَلْ}
(27/69)

وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ كَانَ بَيْنَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا شَيْءٌ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ لِعُمَرِ اسْتَغْفِرْ لِي لَكِنْ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ذَكَرَ أَنَّهُ حَنِقَ عَلَى عُمَرَ وَثَبَتَ أَنَّ أَقْوَامًا كَانُوا يسترقون وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ يَرْقِيهِمْ. وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ {أَنَّ النَّاسَ لَمَّا أَجْدَبُوا سَأَلُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَسْتَسْقِيَ لَهُمْ فَدَعَا اللَّهَ لَهُمْ فَسُقُوا} وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَيْضًا: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - اسْتَسْقَى بِالْعَبَّاسِ فَدَعَا فَقَالَ اللَّهُمَّ إنَّا كُنَّا إذَا أَجْدَبْنَا نَتَوَسَّلُ إلَيْك بِنَبِيِّنَا فَتَسْقِيَنَا وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إلَيْك بِعَمِّ نَبِيِّنَا فَاسْقِنَا فَيُسْقَوْنَ. وَفِي السُّنَنِ {أَنَّ أَعْرَابِيًّا قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ جَهَدَتْ الْأَنْفُسُ وَجَاعَ الْعِيَالُ وَهَلَكَ الْمَالُ فَادْعُ اللَّهَ لَنَا فَإِنَّا نَسْتَشْفِعُ بِاَللَّهِ عَلَيْك وَبِك عَلَى اللَّهِ. فَسَبَّحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ حَتَّى عُرِفَ ذَلِكَ فِي وُجُوهِ أَصْحَابِهِ وَقَالَ: وَيْحَك إنَّ اللَّهَ لَا يُسْتَشْفَعُ بِهِ عَلَى أَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ شَأْنُ اللَّهِ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ} . فَأَقَرَّهُ عَلَى قَوْلِهِ إنَّا نَسْتَشْفِعُ بِك عَلَى اللَّهِ وَأَنْكَرَ عَلَيْهِ نَسْتَشْفِعُ بِاَللَّهِ عَلَيْك؛ لِأَنَّ الشَّافِعَ يَسْأَلُ الْمَشْفُوعَ إلَيْهِ وَالْعَبْدَ يَسْأَلُ رَبَّهُ وَيَسْتَشْفِعُ إلَيْهِ وَالرَّبُّ تَعَالَى لَا يَسْأَلُ الْعَبْدَ وَلَا يَسْتَشْفِعُ بِهِ.
وَأَمَّا " زِيَارَةُ الْقُبُورِ الْمَشْرُوعَةُ " فَهُوَ أَنْ يُسَلِّمَ عَلَى الْمَيِّتِ وَيَدْعُوَ لَهُ بِمَنْزِلَةِ الصَّلَاةِ عَلَى جِنَازَتِهِ كَمَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ
(27/70)

يُعَلِّمُ أَصْحَابَهُ إذَا زَارُو الْقُبُورَ أَنْ يَقُولُوا: " {سَلَامٌ عَلَيْكُمْ أَهْلَ دَارِ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وَإِنَّا إنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ وَيَرْحَمُ اللَّهُ الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنَّا وَمِنْكُمْ وَالْمُسْتَأْخِرِين نَسْأَلُ اللَّهَ لَنَا وَلَكُمْ الْعَافِيَةَ اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُمْ وَلَا تَفْتِنَّا بَعْدَهُمْ} وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: " {مَا مِنْ رَجُلٍ يَمُرُّ بِقَبْرِ رَجُلٍ كَانَ يَعْرِفُهُ فِي الدُّنْيَا فَيُسَلِّمُ عَلَيْهِ إلَّا رَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ رُوحَهُ حَتَّى يَرُدَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ} . وَاَللَّهُ تَعَالَى يُثِيبُ الْحَيَّ إذَا دَعَا لِلْمَيِّتِ الْمُؤْمِنِ كَمَا يُثِيبُهُ إذَا صَلَّى عَلَى جِنَازَتِهِ: وَلِهَذَا نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُفْعَلَ ذَلِكَ بِالْمُنَافِقِينَ. فَقَالَ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ: {وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ} فَلَيْسَ فِي الزِّيَارَةِ الشَّرْعِيَّةِ حَاجَةُ الْحَيِّ إلَى الْمَيِّتِ وَلَا مَسْأَلَتُهُ وَلَا تَوَسُّلُهُ بِهِ؛ بَلْ فِيهَا مَنْفَعَةُ الْحَيِّ لِلْمَيِّتِ كَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَاَللَّهُ تَعَالَى يَرْحَمُ هَذَا بِدُعَاءِ هَذَا وَإِحْسَانِهِ إلَيْهِ وَيُثِيبُ هَذَا عَلَى عَمَلِهِ فَإِنَّهُ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: " {إذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إلَّا مِنْ ثَلَاثٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ مِنْ بَعْدِهِ أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ} .
(27/71)

فَصْلٌ:
وَأَمَّا مَنْ يَأْتِي إلَى قَبْرِ نَبِيٍّ أَوْ صَالِحٍ أَوْ مَنْ يَعْتَقِدُ فِيهِ أَنَّهُ قَبْرُ نَبِيٍّ أَوْ رَجُلٍ صَالِحٍ وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَيَسْأَلُهُ وَيَسْتَنْجِدُهُ فَهَذَا عَلَى ثَلَاثِ دَرَجَاتٍ:
إحْدَاهَا: أَنْ يَسْأَلَهُ حَاجَتَهُ مِثْلُ أَنْ يَسْأَلَهُ أَنْ يُزِيلَ مَرَضَهُ أَوْ مَرَضَ دَوَابِّهِ أَوْ يَقْضِيَ دَيْنَهُ أَوْ يَنْتَقِمَ لَهُ مِنْ عَدُوِّهِ أَوْ يُعَافِيَ نَفْسَهُ وَأَهْلَهُ وَدَوَابَّهُ وَنَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلَّا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: فَهَذَا شِرْكٌ صَرِيحٌ يَجِبُ أَنْ يُسْتَتَابَ صَاحِبُهُ فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ. وَإِنْ قَالَ أَنَا أَسْأَلُهُ لِكَوْنِهِ أَقْرَبَ إلَى اللَّهِ مِنِّي لِيَشْفَعَ لِي فِي هَذِهِ الْأُمُورِ؛ لِأَنِّي أَتَوَسَّلُ إلَى اللَّهِ بِهِ كَمَا يُتَوَسَّلُ إلَى السُّلْطَانِ بِخَوَاصِّهِ وَأَعْوَانِهِ فَهَذَا مِنْ أَفْعَالِ الْمُشْرِكِينَ وَالنَّصَارَى فَإِنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ يَتَّخِذُونَ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ شُفَعَاءَ يَسْتَشْفِعُونَ بِهِمْ فِي مَطَالِبِهِمْ وَكَذَلِكَ أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْ الْمُشْرِكِينَ أَنَّهُمْ قَالُوا: {مَا نَعْبُدُهُمْ إلَّا لِيُقَرِّبُونَا إلَى اللَّهِ زُلْفَى} وَقَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ} {قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ
(27/72)

وَالْأَرْضِ ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ} وَقَالَ تَعَالَى: {مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ} وَقَالَ تَعَالَى: {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلَّا بِإِذْنِهِ} فَبَيَّنَ الْفَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَلْقِهِ. فَإِنَّ مِنْ عَادَةِ النَّاسِ أَنْ يَسْتَشْفِعُوا إلَى الْكَبِيرِ مِنْ كُبَرَائِهِمْ بِمَنْ يُكَرَّمُ عَلَيْهِ فَيَسْأَلُهُ ذَلِكَ الشَّفِيعُ فَيَقْضِي حَاجَتَهُ: إمَّا رَغْبَةً وَإِمَّا رَهْبَةً وَإِمَّا حَيَاءً وَإِمَّا مَوَدَّةً وَإِمَّا غَيْرَ ذَلِكَ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ لَا يَشْفَعُ عِنْدَهُ أَحَدٌ حَتَّى يَأْذَنَ هُوَ لِلشَّافِعِ فَلَا يَفْعَلُ إلَّا مَا شَاءَ وَشَفَاعَةُ الشَّافِعِ مِنْ إذْنِهِ فَالْأَمْرُ كُلُّهُ لَهُ. وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ " {لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إنْ شِئْت اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي إنْ شِئْت وَلَكِنْ لِيَعْزِمْ الْمَسْأَلَةَ فَإِنَّ اللَّهَ لَا مُكْرِهَ لَهُ} . فَبَيَّنَ أَنَّ الرَّبَّ سُبْحَانَهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ لَا يُكْرِهُهُ أَحَدٌ عَلَى مَا اخْتَارَهُ كَمَا قَدْ يُكْرِهُ الشَّافِعُ الْمَشْفُوعَ إلَيْهِ وَكَمَا يُكْرِهُ السَّائِلُ الْمَسْئُولَ إذَا أَلَحَّ عَلَيْهِ وَآذَاهُ بِالْمَسْأَلَةِ. فَالرَّغْبَةُ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ إلَيْهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ} {وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ} وَالرَّهْبَةُ تَكُونُ مِنْ اللَّهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ} وَقَالَ تَعَالَى: {فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ} وَقَدْ أَمَرَنَا أَنْ نُصَلِّيَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ فِي الدُّعَاءِ وَجَعَلَ ذَلِكَ مِنْ أَسْبَابِ إجَابَةِ دُعَائِنَا.
(27/73)

وَقَوْلُ كَثِيرٍ مِنْ الضُّلَّالِ: هَذَا أَقْرَبُ إلَى اللَّهِ مِنِّي وَأَنَا بَعِيدٌ مِنْ اللَّهِ لَا يُمْكِنُنِي أَنْ أَدْعُوَهُ إلَّا بِهَذِهِ الْوَاسِطَةِ وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنْ أَقْوَالِ الْمُشْرِكِينَ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إذَا دَعَانِ} وَقَدْ رُوِيَ: أَنَّ الصَّحَابَةَ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ: رَبُّنَا قَرِيبٌ فَنُنَاجِيه أَمْ بَعِيدٌ فَنُنَادِيه؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ. وَفِي الصَّحِيحِ أَنَّهُمْ كَانُوا فِي سَفَرٍ وَكَانُوا يَرْفَعُونَ أَصْوَاتَهُمْ بِالتَّكْبِيرِ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ " {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَرْبِعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ فَإِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا بَلْ تَدْعُونَ سَمِيعًا قَرِيبًا إنَّ الَّذِي تَدْعُونَهُ أَقْرَبُ إلَى أَحَدِكُمْ مِنْ عُنُقِ رَاحِلَتِهِ} وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى الْعِبَادَ كُلَّهُمْ بِالصَّلَاةِ لَهُ وَمُنَاجَاتِهِ وَأَمَرَ كُلًّا مِنْهُمْ أَنْ يَقُولَ: {إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} وَقَدْ أَخْبَرَ عَنْ الْمُشْرِكِينَ أَنَّهُمْ قَالُوا {مَا نَعْبُدُهُمْ إلَّا لِيُقَرِّبُونَا إلَى اللَّهِ زُلْفَى} . ثُمَّ يُقَالُ لِهَذَا الْمُشْرِكِ أَنْتَ إذَا دَعَوْت هَذَا فَإِنْ كُنْت تَظُنُّ أَنَّهُ أَعْلَمُ بِحَالِك وَأَقْدَرُ عَلَى عَطَاءِ سُؤَالِك أَوْ أَرْحَمُ بِك فَهَذَا جَهْلٌ وَضَلَالٌ وَكُفْرٌ وَإِنْ كُنْت تَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ أَعْلَمُ وَأَقْدَرُ وَأَرْحَمُ فَلِمَ عَدَلْت عَنْ سُؤَالِهِ إلَى سُؤَالِ غَيْرِهِ؟ أَلَا تَسْمَعُ إلَى مَا خَرَّجَهُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: " {كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ يُعَلِّمُنَا الِاسْتِخَارَةَ فِي الْأُمُورِ كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنْ الْقُرْآنِ يَقُولُ: إذَا هَمَّ أَحَدُكُمْ بِأَمْرِ
(27/74)

فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الْفَرِيضَةِ ثُمَّ لِيَقُلْ: اللَّهُمَّ: إنِّي أَسْتَخِيرُك بِعِلْمِك وَأَسْتَقْدِرُك بِقُدْرَتِك وَأَسْأَلُك مِنْ فَضْلِك الْعَظِيمِ فَإِنَّك تَقْدِرُ وَلَا أَقْدِرُ وَتَعْلَمُ وَلَا أَعْلَمُ وَأَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ اللَّهُمَّ: إنْ كُنْت تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ خَيْرٌ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي فَاقْدُرْهُ لِي وَيَسِّرْهُ لِي ثُمَّ بَارِكْ لِي فِيهِ وَإِنْ كُنْت تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ شَرٌّ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي فَاصْرِفْهُ عَنِّي وَاصْرِفْنِي عَنْهُ وَاقْدُرْ لِي الْخَيْرَ حَيْثُ كَانَ ثُمَّ أَرْضِنِي بِهِ - قَالَ - وَيُسَمِّي حَاجَتَهُ} أَمَرَ الْعَبْدَ أَنْ يَقُولَ: أَسْتَخِيرُك بِعِلْمِك وَأَسْتَقْدِرُك بِقُدْرَتِك وَأَسْأَلُك مِنْ فَضْلِك الْعَظِيمِ. وَإِنْ كُنْت تَعْلَمُ أَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى اللَّهِ مِنْك وَأَعْلَى دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ مِنْك فَهَذَا حَقٌّ؛ لَكِنْ كَلِمَةُ حَقٍّ أُرِيدَ بِهَا بَاطِلٌ؛ فَإِنَّهُ إذَا كَانَ أَقْرَبَ مِنْك وَأَعْلَى دَرَجَةً مِنْك فَإِنَّمَا مَعْنَاهُ أَنْ يُثِيبَهُ وَيُعْطِيَهُ أَكْثَرَ مِمَّا يُعْطِيك لَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّك إذَا دَعَوْته كَانَ اللَّهُ يَقْضِي حَاجَتَك أَعْظَمَ مِمَّا يَقْضِيهَا إذَا دَعَوْت أَنْتَ اللَّهَ تَعَالَى: فَإِنَّك إنْ كُنْت مُسْتَحِقًّا لِلْعِقَابِ وَرَدِّ الدُّعَاءِ - مَثَلًا لِمَا فِيهِ مِنْ الْعُدْوَانِ - فَالنَّبِيُّ وَالصَّالِحُ لَا يُعِينُ عَلَى مَا يَكْرَهُهُ اللَّهُ وَلَا يَسْعَى فِيمَا يُبْغِضُهُ اللَّهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَاَللَّهُ أَوْلَى بِالرَّحْمَةِ وَالْقَبُولِ. وَإِنْ قُلْت: هَذَا إذَا دَعَا اللَّهَ أَجَابَ دُعَاءَهُ أَعْظَمَ مِمَّا يُجِيبُهُ إذَا دَعَوْته. فَهَذَا هُوَ " الْقِسْمُ الثَّانِي " وَهُوَ أَلَّا تَطْلُبَ مِنْهُ الْفِعْلَ وَلَا
(27/75)

تَدْعُوَهُ وَلَكِنْ تَطْلُبُ أَنْ يَدْعُوَ لَك. كَمَا تَقُولُ لِلْحَيِّ: اُدْعُ لِي وَكَمَا كَانَ الصَّحَابَةُ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - يَطْلُبُونَ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ الدُّعَاءَ فَهَذَا مَشْرُوعٌ فِي الْحَيِّ كَمَا تَقَدَّمَ وَأَمَّا الْمَيِّتُ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَغَيْرِهِمْ فَلَمْ يُشْرَعْ لَنَا أَنْ نَقُولَ: اُدْعُ لَنَا وَلَا اسْأَلْ لَنَا رَبَّك وَلَمْ يَفْعَلْ هَذَا أَحَدٌ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَلَا أَمَرَ بِهِ أَحَدٌ مِنْ الْأَئِمَّةِ وَلَا وَرَدَ فِيهِ حَدِيثٌ بَلْ الَّذِي ثَبَتَ فِي الصَّحِيح أَنَّهُمْ لَمَّا أَجْدَبُوا زَمَنَ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - اسْتَسْقَى بِالْعَبَّاسِ وَقَالَ: اللَّهُمَّ إنَّا كُنَّا إذَا أَجْدَبْنَا نَتَوَسَّلُ إلَيْك بِنَبِيِّنَا فَتَسْقِيَنَا وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إلَيْك بِعَمِّ نَبِيِّنَا فَاسْقِنَا فَيُسْقَوْنَ. وَلَمْ يَجِيئُوا إلَى قَبْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ قَائِلِينَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ اُدْعُ اللَّهَ لَنَا وَاسْتَسْقِ لَنَا وَنَحْنُ نَشْكُو إلَيْك مِمَّا أَصَابَنَا وَنَحْوَ ذَلِكَ. لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ أَحَدٌ مِنْ الصَّحَابَةِ قَطُّ بَلْ هُوَ بِدْعَةٌ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ بَلْ كَانُوا إذَا جَاءُوا عِنْدَ قَبْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ يُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ فَإِذَا أَرَادُوا الدُّعَاءَ لَمْ يَدْعُوَا اللَّهَ مُسْتَقْبِلِي الْقَبْرَ الشَّرِيفَ بَلْ يَنْحَرِفُونَ وَيَسْتَقْبِلُونَ الْقِبْلَةَ وَيَدْعُونَ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ كَمَا يَدْعُونَهُ فِي سَائِرِ الْبِقَاعِ. وَذَلِكَ أَنَّ فِي " الْمُوَطَّأِ " وَغَيْرِهِ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " {اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَدُ اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى قَوْمٍ اتَّخَذُوا
(27/76)

قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ} وَفِي السُّنَنِ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ " {لَا تَتَّخِذُوا قَبْرِي عِيدًا وَصَلُّوا عَلَيَّ حَيْثُمَا كُنْتُمْ فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ تَبْلُغُنِي} وَفِي الصَّحِيحِ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ فِي مَرَضِهِ الَّذِي لَمْ يَقُمْ مِنْهُ: " {لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ} يُحَذِّرُ مَا فَعَلُوا. قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا وَعَنْ أَبَوَيْهَا: وَلَوْلَا ذَلِكَ لَأُبْرِزَ قَبْرُهُ وَلَكِنْ كُرِهَ أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِخَمْسِ: " {إنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ الْقُبُورَ مَسَاجِدَ أَلَا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ فَإِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ} وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد عَنْهُ قَالَ: " {لَعَنَ اللَّهُ زَوَّارَاتِ الْقُبُورَ وَالْمُتَّخِذِينَ عَلَيْهَا الْمَسَاجِدَ وَالسُّرُجَ} . وَلِهَذَا قَالَ عُلَمَاؤُنَا: لَا يَجُوزُ بِنَاءُ الْمَسْجِدِ عَلَى الْقُبُورِ وَقَالُوا: إنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُنْذَرَ لِقَبْرِ وَلَا لِلْمُجَاوِرِينَ عِنْدَ الْقَبْرِ شَيْئًا مِنْ الْأَشْيَاءِ لَا مِنْ دِرْهَمٍ وَلَا مَنْ زَيْتٍ وَلَا مَنْ شَمْعٍ وَلَا مِنْ حَيَوَانٍ وَلَا غَيْرِ ذَلِكَ كُلِّهِ نَذْرَ مَعْصِيَةٍ وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: " {مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ فَلَا يَعْصِهِ} وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ: هَلْ عَلَى النَّاذِرِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ وَلِهَذَا لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْ أَئِمَّةِ السَّلَفِ: إنَّ الصَّلَاةَ عِنْدَ الْقُبُورِ وَفِي مَشَاهِدِ الْقُبُورِ مُسْتَحَبَّةٌ أَوْ فِيهَا فَضِيلَةٌ وَلَا إنَّ
(27/77)

الصَّلَاةَ هُنَاكَ وَالدُّعَاءَ أَفْضَلُ مِنْ الصَّلَاةِ فِي غَيْرِ تِلْكَ الْبُقْعَةِ وَالدُّعَاءِ؛ بَلْ اتَّفَقُوا كُلُّهُمْ عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ فِي الْمَسَاجِدِ وَالْبُيُوتِ أَفْضَلُ مِنْ الصَّلَاةِ عِنْدَ الْقُبُورِ - قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ - سَوَاءٌ سُمِّيَتْ " مَشَاهِدَ " أَوْ لَمْ تُسَمَّ وَقَدْ شَرَعَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ فِي الْمَسَاجِدِ دُونَ الْمَشَاهِدِ أَشْيَاءَ. فَقَالَ تَعَالَى {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا} وَلَمْ يَقُلْ: الْمَشَاهِدَ. وَقَالَ تَعَالَى: {وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} وَلَمْ يَقُلْ فِي الْمَشَاهِدِ وَقَالَ تَعَالَى: {قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} وَقَالَ تَعَالَى: {إنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ} وَقَالَ تَعَالَى: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ {صَلَاةُ الرَّجُلِ فِي الْمَسْجِدِ تَفْضُلُ عَلَى صَلَاتِهِ فِي بَيْتِهِ وَسُوقِهِ بِخَمْسِ وَعِشْرِينَ ضِعْفًا} وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ {مَنْ بَنَى لِلَّهِ مَسْجِدًا بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ} . وَأَمَّا الْقُبُورُ فَقَدْ وَرَدَ نَهْيُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ عَنْ اتِّخَاذِهَا مَسَاجِدَ وَلَعَنَ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ وَقَدْ ذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ كَمَا ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ والطَّبَرِي وَغَيْرُهُ فِي تَفَاسِيرِهِمْ وَذَكَرَهُ وَثِيمَةُ وَغَيْرُهُ فِي " قَصَصِ الْأَنْبِيَاءِ " فِي قَوْله تَعَالَى {وَقَالُوا
(27/78)

لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا} قَالُوا: هَذِهِ أَسْمَاءُ قَوْمٍ صَالِحِينَ كَانُوا مِنْ قَوْمِ نُوحٍ فَلَمَّا مَاتُوا عَكَفُوا عَلَى قُبُورِهِمْ ثُمَّ طَالَ عَلَيْهِمْ الْأَمَدُ فَاِتَّخَذُوا تَمَاثِيلَهُمْ أَصْنَامًا؟ وَكَانَ الْعُكُوفُ عَلَى الْقُبُورِ وَالتَّمَسُّحُ بِهَا وَتَقْبِيلُهَا وَالدُّعَاءُ عِنْدَهَا وَفِيهَا وَنَحْوُ ذَلِكَ هُوَ أَصْلَ الشِّرْكِ وَعِبَادَةِ الْأَوْثَانِ؛ وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ " {اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَدُ} . وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ مَنْ زَارَ قَبْرَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ أَوْ قَبْرَ غَيْرِهِ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ - الصَّحَابَةُ وَأَهْلُ الْبَيْتِ وَغَيْرُهُمْ - أَنَّهُ لَا يَتَمَسَّحُ بِهِ وَلَا يُقَبِّلُهُ؛ بَلْ لَيْسَ فِي الدُّنْيَا مِنْ الْجَمَادَاتِ مَا يُشْرَعُ تَقْبِيلُهَا إلَّا الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ: أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: وَاَللَّهِ إنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّك حَجَرٌ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ يُقَبِّلُك مَا قَبَّلْتُك. وَلِهَذَا لَا يُسَنُّ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ أَنْ يُقَبِّلَ الرَّجُلُ أَوْ يَسْتَلِمَ رُكْنَيْ الْبَيْتِ - اللَّذَيْنِ يَلِيَانِ الْحَجَرَ - وَلَا جُدْرَانَ الْبَيْتِ وَلَا مَقَامَ إبْرَاهِيمَ وَلَا صَخْرَةَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَلَا قَبْرَ أَحَدٍ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ. حَتَّى تَنَازَعَ الْفُقَهَاءُ فِي وَضْعِ الْيَدِ عَلَى مِنْبَرِ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ لَمَّا كَانَ مَوْجُودًا فَكَرِهَهُ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ؛ لِأَنَّهُ بِدْعَةٌ وَذُكِرَ أَنَّ مَالِكًا لَمَّا رَأَى عَطَاءً فَعَلَ ذَلِكَ لَمْ يَأْخُذْ عَنْهُ الْعِلْمَ وَرَخَّصَ
(27/79)

فِيهِ أَحْمَد وَغَيْرُهُ؛ لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فَعَلَهُ. وَأَمَّا التَّمَسُّحُ بِقَبْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ وَتَقْبِيلُهُ فَكُلُّهُمْ كَرِهَ ذَلِكَ وَنَهَى عَنْهُ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ عَلِمُوا مَا قَصَدَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ مِنْ حَسْمِ مَادَّةِ الشِّرْكِ وَتَحْقِيقِ التَّوْحِيدِ وَإِخْلَاصِ الدِّينِ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. وَهَذَا مَا يُظْهِرُ الْفَرْقَ بَيْنَ سُؤَالِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ وَالرَّجُلِ الصَّالِحِ فِي حَيَاتِهِ وَبَيْنَ سُؤَالِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ وَفِي مَغِيبِهِ؛ وَذَلِكَ أَنَّهُ فِي حَيَاتِهِ لَا يَعْبُدُهُ أَحَدٌ بِحُضُورِهِ فَإِذَا كَانَ الْأَنْبِيَاءُ - رِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ - وَالصَّالِحُونَ أَحْيَاءً لَا يَتْرُكُونَ أَحَدًا يُشْرِكُ بِهِمْ بِحُضُورِهِمْ؛ بَلْ يَنْهَوْنَهُمْ عَنْ ذَلِكَ وَيُعَاقِبُونَهُمْ عَلَيْهِ وَلِهَذَا قَالَ الْمَسِيحُ عَلَيْهِ السَّلَامُ {مَا قُلْتُ لَهُمْ إلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} {وَقَالَ رَجُلٌ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ مَا شَاءَ اللَّهُ وَشِئْت فَقَالَ: أَجَعَلْتَنِي لِلَّهِ نِدًّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَحْدَهُ} وَقَالَ: " {لَا تَقُولُوا مَا شَاءَ اللَّهُ وَشَاءَ مُحَمَّدٌ وَلَكِنْ قُولُوا مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ شَاءَ مُحَمَّدٌ} وَلَمَّا قَالَتْ الجويرية: {وَفِينَا رَسُولُ اللَّهِ يَعْلَمُ مَا فِي غَد. قَالَ: دَعِي هَذَا قُولِي بِاَلَّذِي كُنْت تَقُولِينَ} . وَقَالَ لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتْ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ؛ إنَّمَا أَنَا عَبْدٌ فَقُولُوا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ " {وَلَمَّا صُفُّوا خَلْفَهُ قِيَامًا قَالَ: لَا تُعَظِّمُونِي كَمَا تُعَظِّمُ الْأَعَاجِمُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا} وَقَالَ
(27/80)

أَنَسٌ لَمْ يَكُنْ شَخْصٌ أَحَبَّ إلَيْهِمْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ وَكَانُوا إذَا رَأَوْهُ لَمْ يَقُومُوا لَهُ؛ لِمَا يَعْلَمُونَ مِنْ كَرَاهَتِهِ لِذَلِكَ. وَلَمَّا سَجَدَ لَهُ مُعَاذٌ نَهَاهُ وَقَالَ: " {إنَّهُ لَا يَصْلُحُ السُّجُودُ إلَّا لِلَّهِ وَلَوْ كُنْت آمِرًا أَحَدًا أَنْ يَسْجُدَ لِأَحَدِ لَأَمَرْت الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا - مَنْ عِظَمِ حَقِّهِ عَلَيْهَا} وَلَمَّا أُتِيَ عَلِيٌّ بِالزَّنَادِقَةِ الَّذِينَ غَلَوْا فِيهِ وَاعْتَقَدُوا فِيهِ الْإِلَهِيَّةَ أَمَرَ بِتَحْرِيقِهِمْ بِالنَّارِ. فَهَذَا شَأْنُ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ وَأَوْلِيَائِهِ وَإِنَّمَا يُقِرُّ عَلَى الْغُلُوِّ فِيهِ وَتَعْظِيمِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ مَنْ يُرِيدُ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَفَسَادًا كَفِرْعَوْنَ وَنَحْوِهِ وَمَشَايِخِ الضَّلَالِ الَّذِينَ غَرَضُهُمْ الْعُلُوُّ فِي الْأَرْضِ وَالْفَسَادُ وَالْفِتْنَةُ بِالْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَاِتِّخَاذُهُمْ أَرْبَابًا وَالْإِشْرَاكُ بِهِمْ مِمَّا يَحْصُلُ فِي مَغِيبِهِمْ وَفِي مَمَاتِهِمْ كَمَا أُشْرِكُ بِالْمَسِيحِ وَعُزَيْرٍ. فَهَذَا مِمَّا يُبَيِّنُ الْفَرْقَ بَيْنَ سُؤَالِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ وَالصَّالِحِ فِي حَيَاتِهِ وَحُضُورِهِ وَبَيْنَ سُؤَالِهِ فِي مَمَاتِهِ وَمَغِيبِهِ وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْ سَلَفِ الْأُمَّةِ فِي عَصْرِ الصَّحَابَةِ وَلَا التَّابِعِينَ وَلَا تَابِعِي التَّابِعِينَ يَتَحَرَّوْنَ الصَّلَاةَ وَالدُّعَاءَ عِنْدَ قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ وَيَسْأَلُونَهُمْ وَلَا يَسْتَغِيثُونَ بِهِمْ؛ لَا فِي مَغِيبِهِمْ وَلَا عِنْدَ قُبُورِهِمْ وَكَذَلِكَ الْعُكُوفُ.
وَمِنْ أَعْظَمِ الشِّرْكِ أَنْ يَسْتَغِيثَ الرَّجُلُ بِمَيِّتِ أَوْ غَائِبٍ كَمَا ذَكَرَهُ
(27/81)

السَّائِلُ وَيَسْتَغِيثُ بِهِ عِنْدَ الْمَصَائِبِ يَقُولُ: يَا سَيِّدِي فُلَانٌ كَأَنَّهُ يَطْلُبُ مِنْهُ إزَالَةَ ضُرِّهِ أَوْ جَلْبَ نَفْعِهِ وَهَذَا حَالُ النَّصَارَى فِي الْمَسِيحِ وَأُمِّهِ وَأَحْبَارِهِمْ وَرُهْبَانِهِمْ وَمَعْلُومٌ أَنَّ خَيْرَ الْخَلْقِ وَأَكْرَمَهُمْ عَلَى اللَّهِ نَبِيُّنَا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ وَأَعْلَمُ النَّاسِ بِقَدْرِهِ وَحَقِّهِ أَصْحَابُهُ: وَلَمْ يَكُونُوا يَفْعَلُونَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ؛ لَا فِي مَغِيبِهِ وَلَا بَعْدَ مَمَاتِهِ. وَهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ يَضُمُّونَ إلَى الشِّرْكِ الْكَذِبَ؛ فَإِنَّ الْكَذِبَ مَقْرُونٌ بِالشِّرْكِ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ} {حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ} وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ {عَدَلَتْ شَهَادَةُ الزُّورِ الْإِشْرَاكَ بِاَللَّهِ. مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا} وَقَالَ تَعَالَى: {إنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ} وَقَالَ الْخَلِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ {أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ} {فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ} . فَمِنْ كَذِبِهِمْ أَنَّ أَحَدَهُمْ يَقُولُ عَنْ شَيْخِهِ إنَّ الْمُرِيدَ إذَا كَانَ بِالْمَغْرِبِ وَشَيْخُهُ بِالْمَشْرِقِ وَانْكَشَفَ غِطَاؤُهُ رَدَّهُ عَلَيْهِ وَإِنَّ الشَّيْخَ إنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ شَيْخًا. وَقَدْ تُغْوِيهِمْ الشَّيَاطِينُ كَمَا تُغْوِي عُبَّادَ الْأَصْنَامِ كَمَا كَانَ يَجْرِي فِي الْعَرَبِ فِي أَصْنَامِهِمْ وَلِعُبَّادِ الْكَوَاكِبِ وَطَلَاسِمِهَا: مِنْ الشِّرْكِ وَالسِّحْرِ كَمَا يَجْرِي لِلتَّتَارِ وَالْهِنْدِ وَالسُّودَانِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَصْنَافِ الْمُشْرِكِينَ: مِنْ إغْوَاءِ الشَّيَاطِينِ وَمُخَاطَبَتِهِمْ وَنَحْوِ ذَلِكَ
(27/82)

فَكَثِيرٌ مِنْ هَؤُلَاءِ قَدْ يَجْرِي لَهُ نَوْعٌ مِنْ ذَلِكَ لَا سِيَّمَا عِنْدَ سَمَاعِ الْمُكَاءِ وَالتَّصْدِيَةِ؛ فَإِنَّ الشَّيَاطِينَ قَدْ تَنْزِلُ عَلَيْهِمْ وَقَدْ يُصِيبُ أَحَدَهُمْ كَمَا يُصِيبُ الْمَصْرُوعَ: مِنْ الْإِرْغَاءِ وَالْإِزْبَادِ وَالصِّيَاحِ الْمُنْكَرِ وَيُكَلِّمُهُ بِمَا لَا يَعْقِلُ هُوَ وَالْحَاضِرُونَ وَأَمْثَالُ ذَلِكَ مِمَّا يُمْكِنُ وُقُوعُهُ فِي هَؤُلَاءِ الضَّالِّينَ.
وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ وَهُوَ أَنْ يَقُولُ: اللَّهُمَّ بِجَاهِ فُلَانٍ عِنْدَك أَوْ بِبَرَكَةِ فُلَانٍ أَوْ بِحُرْمَةِ فُلَانٍ عِنْدَك: افْعَلْ بِي كَذَا وَكَذَا. فَهَذَا يَفْعَلُهُ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ؛ لَكِنْ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَسَلَفِ الْأُمَّةِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَدْعُونَ بِمِثْلِ هَذَا الدُّعَاءِ وَلَمْ يَبْلُغْنِي عَنْ أَحَدٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ مَا أَحْكِيهِ؛ إلَّا مَا رَأَيْت فِي فَتَاوَى الْفَقِيهِ أَبِي مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ. فَإِنَّهُ أَفْتَى: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدِ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ؛ إلَّا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - إنْ صَحَّ الْحَدِيثُ فِي النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - وَمَعْنَى الِاسْتِفْتَاءِ: قَدْ رَوَى النَّسَائِي وَالتِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ عَلَّمَ بَعْضَ أَصْحَابِهِ أَنْ يَدْعُوَ فَيَقُولَ: " {اللَّهُمَّ: إنِّي أَسْأَلُك وَأَتَوَسَّلُ إلَيْك بِنَبِيِّك نَبِيِّ الرَّحْمَةِ. يَا مُحَمَّدُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أَتَوَسَّلُ بِك إلَى رَبِّي فِي حَاجَتِي لِيَقْضِيَهَا لِي. اللَّهُمَّ: فَشَفِّعْهُ فِيَّ} فَإِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ قَدْ اسْتَدَلَّ بِهِ طَائِفَةٌ عَلَى جَوَازِ التَّوَسُّلِ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ فِي حَيَاتِهِ وَبَعْدَ مَمَاتِهِ. قَالُوا: وَلَيْسَ فِي التَّوَسُّلِ دُعَاءُ
(27/83)

الْمَخْلُوقِينَ وَلَا اسْتِغَاثَةٌ بِالْمَخْلُوقِ وَإِنَّمَا هُوَ دُعَاءٌ وَاسْتِغَاثَةٌ بِاَللَّهِ؛ لَكِنْ فِيهِ سُؤَالٌ بِجَاهِهِ كَمَا فِي سُنَنِ ابْنِ مَاجَه عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ ذَكَرَ فِي دُعَاءِ الْخَارِجِ لِلصَّلَاةِ أَنْ يَقُولَ: " {اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك بِحَقِّ السَّائِلِينَ عَلَيْك وَبِحَقِّ مَمْشَايَ هَذَا فَإِنِّي لَمْ أَخْرُجْ أَشَرًا وَلَا بَطَرًا وَلَا رِيَاءً وَلَا سُمْعَةً. خَرَجْت اتِّقَاءَ سَخَطِك وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِك أَسْأَلُك أَنْ تُنْقِذَنِي مِنْ النَّارِ وَأَنْ تَغْفِرَ لِي ذُنُوبِي فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا أَنْتَ} . قَالُوا فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ سَأَلَ بِحَقِّ السَّائِلِينَ عَلَيْهِ وَبِحَقِّ مَمْشَاهُ إلَى الصَّلَاةِ وَاَللَّهُ تَعَالَى قَدْ جَعَلَ عَلَى نَفْسِهِ حَقًّا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} وَنَحْوَ قَوْلِهِ: {كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا} وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ: " {يَا مُعَاذُ أَتَدْرِي مَا حَقُّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ؟ قَالَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ. حَقُّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا. أَتَدْرِي مَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ إذَا فَعَلُوا ذَلِكَ؟ فَإِنَّ حَقَّهُمْ عَلَيْهِ أَنْ لَا يُعَذِّبَهُمْ} وَقَدْ جَاءَ فِي غَيْرِ حَدِيثٍ: " {كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ كَذَا وَكَذَا} كَقَوْلِهِ: " {مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ يَوْمًا فَإِنْ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ فَإِنْ عَادَ فَشَرِبَهَا فِي الثَّالِثَةِ أَوْ الرَّابِعَةِ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يَسْقِيَهُ مِنْ طِينَةِ الْخَبَالِ - قِيلَ: وَمَا طِينَةُ الْخَبَالِ؟ قَالَ:
(27/84)

{عُصَارَةُ أَهْلِ النَّارِ} . وَقَالَتْ طَائِفَةٌ لَيْسَ فِي هَذَا جَوَازُ التَّوَسُّلِ بِهِ بَعْدَ مَمَاتِهِ وَفِي مَغِيبِهِ؛ بَلْ إنَّمَا فِيهِ التَّوَسُّلُ فِي حَيَاتِهِ بِحُضُورِهِ كَمَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ اسْتَسْقَى بِالْعَبَّاسِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إنَّا كُنَّا إذَا أَجْدَبْنَا نَتَوَسَّلُ إلَيْك بِنَبِيِّنَا فَتَسْقِيَنَا وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إلَيْك بِعَمِّ نَبِيِّنَا فَاسْقِنَا فَيُسْقَوْنَ. وَقَدْ بَيَّنَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَوَسَّلُونَ بِهِ فِي حَيَاتِهِ فَيُسْقَوْنَ. وَذَلِكَ التَّوَسُّلُ بِهِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَسْأَلُونَهُ أَنْ يَدْعُوَ اللَّهُ لَهُمْ فَيَدْعُو لَهُمْ وَيَدْعُونَ مَعَهُ وَيَتَوَسَّلُونَ بِشَفَاعَتِهِ وَدُعَائِهِ كَمَا فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - {أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ الْمَسْجِدَ يَوْمَ الْجُمْعَةِ مِنْ بَابٍ كَانَ بِجِوَارِ دَارِ الْقَضَاءِ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ قَائِمٌ يَخْطُبُ فَاسْتَقْبَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ قَائِمًا فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكَتْ الْأَمْوَالُ وَانْقَطَعَتْ السُّبُلُ. فَادْعُ اللَّهَ لَنَا أَنْ يُمْسِكَهَا عَنَّا قَالَ: فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ يَدَيْهِ ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ: حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا. اللَّهُمَّ عَلَى الْآكَامِ وَالظِّرَابِ وَبُطُونِ الْأَوْدِيَةِ وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ قَالَ: وَأَقْلَعَتْ فَخَرَجْنَا نَمْشِي فِي الشَّمْسِ} فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ قَالَ: اُدْعُ اللَّهَ لَنَا أَنْ يُمْسِكَهَا عَنَّا. وَفِي الصَّحِيحِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ: إنِّي
(27/85)

لَأَذْكُرُ قَوْلَ أَبِي طَالِبٍ فِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ حَيْثُ يَقُولُ:
وَأَبْيَضُ يُسْتَسْقَى الْغَمَامُ بِوَجْهِهِ ... ثِمَالُ الْيَتَامَى عِصْمَةٌ لِلْأَرَامِلِ
فَهَذَا كَانَ تَوَسُّلَهُمْ بِهِ فِي الِاسْتِسْقَاءِ وَنَحْوِهِ. وَلَمَّا مَاتَ تَوَسَّلُوا بِالْعَبَّاسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَمَا كَانُوا يَتَوَسَّلُونَ بِهِ وَيَسْتَسْقُونَ. وَمَا كَانُوا يَسْتَسْقُونَ بِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ وَلَا فِي مَغِيبِهِ وَلَا عِنْدَ قَبْرِهِ وَلَا عِنْدَ قَبْرِ غَيْرِهِ وَكَذَلِكَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ اسْتَسْقَى بيزيد بْنِ الْأَسْوَدِ الجرشي وَقَالَ: اللَّهُمَّ إنَّا نَسْتَشْفِعُ إلَيْك بِخِيَارِنَا يَا يَزِيدُ ارْفَعْ يَدَيْك إلَى اللَّهِ فَرَفَعَ يَدَيْهِ وَدَعَا وَدَعَوْا فَسُقُوا. فَلِذَلِكَ قَالَ الْعُلَمَاءُ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يُسْتَسْقَى بِأَهْلِ الصَّلَاحِ وَالْخَيْرِ فَإِذَا كَانُوا مِنْ أَهْلِ بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ كَانَ أَحْسَنَ. وَلَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ يُشْرَعُ التَّوَسُّلُ وَالِاسْتِسْقَاءُ بِالنَّبِيِّ وَالصَّالِحِ بَعْدَ مَوْتِهِ وَلَا فِي مَغِيبِهِ وَلَا اسْتَحَبُّوا ذَلِكَ فِي الِاسْتِسْقَاءِ وَلَا فِي الِاسْتِنْصَارِ وَلَا غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَدْعِيَةِ. وَالدُّعَاءُ مُخُّ الْعِبَادَةِ. وَالْعِبَادَةُ مَبْنَاهَا عَلَى السُّنَّةِ وَالِاتِّبَاعِ لَا عَلَى الْأَهْوَاءِ وَالِابْتِدَاعِ وَإِنَّمَا يُعْبَدُ اللَّهُ بِمَا شَرَعَ لَا يُعْبَدُ بِالْأَهْوَاءِ وَالْبِدَعِ قَالَ تَعَالَى: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ} وَقَالَ تَعَالَى: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} وَقَالَ
(27/86)

النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: إنَّهُ سَيَكُونُ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ قَوْمٌ يَعْتَدُونَ فِي الدُّعَاءِ وَالطَّهُورِ.
وَأَمَّا الرَّجُلُ إذَا أَصَابَتْهُ نَائِبَةٌ أَوْ خَافَ شَيْئًا فَاسْتَغَاثَ بِشَيْخِهِ يَطْلُبُ تَثْبِيتَ قَلْبِهِ مِنْ ذَلِكَ الْوَاقِعِ فَهَذَا مِنْ الشِّرْكِ وَهُوَ مِنْ جِنْسِ دِين النَّصَارَى فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الَّذِي يُصِيبُ بِالرَّحْمَةِ وَيَكْشِفُ الضُّرَّ قَالَ تَعَالَى: {وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ} وَقَالَ تَعَالَى: {مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ} وَقَالَ تَعَالَى: {قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} {بَلْ إيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إلَيْهِ إنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ} وَقَالَ تَعَالَى: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا} {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا} فَبَيَّنَ أَنَّ مَنْ يُدْعَى مِنْ الْمَلَائِكَةِ وَالْأَنْبِيَاءِ وَغَيْرِهِمْ لَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْهُمْ وَلَا تَحْوِيلًا.
فَإِذَا قَالَ قَائِلٌ: أَنَا أَدْعُو الشَّيْخَ لِيَكُونَ شَفِيعًا لِي فَهُوَ مِنْ جِنْسِ دُعَاءِ النَّصَارَى لِمَرْيَمَ وَالْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ. وَالْمُؤْمِنُ يَرْجُو رَبَّهُ وَيَخَافُهُ وَيَدْعُوهُ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ وَحَقُّ شَيْخِهِ أَنْ يَدْعُوَ لَهُ وَيَتَرَحَّمَ عَلَيْهِ؛ فَإِنَّ أَعْظَمَ الْخَلْقِ
(27/87)

قَدْرًا هُوَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ أَعْلَمُ النَّاسِ بِأَمْرِهِ وَقَدْرِهِ وَأَطْوَعُ النَّاسِ لَهُ وَلَمْ يَكُنْ يَأْمُرُ أَحَدًا مِنْهُمْ عِنْدَ الْفَزَعِ وَالْخَوْفِ أَنْ يَقُولَ: يَا سَيِّدِي يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلَمْ يَكُونُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ فِي حَيَاتِهِ وَلَا بَعْدَ مَمَاتِهِ؛ بَلْ كَانَ يَأْمُرُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ وَدُعَائِهِ وَالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} {فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ} وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَنَّ هَذِهِ الْكَلِمَةَ قَالَهَا إبْرَاهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - حِينَ أُلْقِيَ فِي النَّارِ وَقَالَهَا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - يَعْنِي وَأَصْحَابُهُ - حِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ: إنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ. وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ {أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ عِنْدَ الْكَرْبِ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ عَلَّمَ نَحْوَ هَذَا الدُّعَاءِ بَعْضَ أَهْلِ بَيْتِهِ وَفِي السُّنَنِ {أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ كَانَ إذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ قَالَ: يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ بِرَحْمَتِك أَسْتَغِيثُ} وَرُوِيَ {أَنَّهُ عَلَّمَ ابْنَتَهُ فَاطِمَةَ أَنْ تَقُولَ: يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ يَا بَدِيعَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ بِرَحْمَتِك أَسْتَغِيثُ
(27/88)

أَصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلَّهُ وَلَا تَكِلْنِي إلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ وَلَا إلَى أَحَدٍ مِنْ خَلْقِك} . وَفِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَد وَصَحِيحِ أَبِي حَاتِمٍ البستي عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: " {مَا أَصَابَ عَبْدًا قَطُّ هَمٌّ وَلَا حَزَنٌ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إنِّي عَبْدُك وَابْنُ عَبْدِك وَابْنُ أَمَتِك نَاصِيَتِي بِيَدِك مَاضٍ فِيَّ حُكْمُك عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُك أَسْأَلُك بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَك سَمَّيْت بِهِ نَفْسَك أَوْ أَنْزَلْته فِي كِتَابِك أَوْ عَلَّمْته أَحَدًا مِنْ خَلْقِك أَوْ اسْتَأْثَرْت بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَك: أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ رَبِيعَ قَلْبِي وَنُورَ صَدْرِي وَجَلَاءَ حُزْنِي وَذَهَابَ هَمِّي وَغَمِّي: إلَّا أَذْهَبُ اللَّهُ هَمَّهُ وَغَمَّهُ وَأَبْدَلَهُ مَكَانَهُ فَرَحًا: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَفَلَا نَتَعَلَّمُهُنَّ؟ قَالَ: يَنْبَغِي لِمَنْ سَمِعَهُنَّ أَنْ يَتَعَلَّمَهُنَّ} . وَقَالَ لِأُمَّتِهِ: " {إنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُخَوِّفُ بِهِمَا عِبَادَهُ فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَافْزَعُوا إلَى الصَّلَاةِ وَذِكْرِ اللَّهِ وَالِاسْتِغْفَارِ} فَأَمَرَهُمْ عِنْدَ الْكُسُوفِ بِالصَّلَاةِ وَالدُّعَاءِ وَالذِّكْرِ وَالْعِتْقِ وَالصَّدَقَةِ وَلَمْ يَأْمُرْهُمْ أَنْ يَدْعُوَا مَخْلُوقًا وَلَا مَلَكًا وَلَا نَبِيًّا وَلَا غَيْرَهُمْ ". وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ فِي سُنَّتِهِ: لَمْ يُشْرَعْ لِلْمُسْلِمِينَ عِنْدَ الْخَوْفِ إلَّا مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ: مِنْ دُعَاءِ اللَّهِ وَذِكْرِهِ وَالِاسْتِغْفَارِ وَالصَّلَاةِ وَالصَّدَقَةِ
(27/89)

وَنَحْوِ ذَلِكَ. فَكَيْفَ يَعْدِلُ الْمُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ عَمَّا شَرَعَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ إلَى بِدْعَةٍ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ تُضَاهِي دِينَ الْمُشْرِكِينَ وَالنَّصَارَى؟ . فَإِنْ زَعَمَ أَحَدٌ أَنَّ حَاجَتَهُ قُضِيَتْ بِمِثْلِ ذَلِكَ؛ وَأَنَّهُ مُثِّلَ لَهُ شَيْخُهُ وَنَحْوُ ذَلِكَ فَعُبَّادُ الْكَوَاكِبِ وَالْأَصْنَامِ وَنَحْوُهُمْ مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ يَجْرِي لَهُمْ مِثْلُ هَذَا كَمَا قَدْ تَوَاتَرَ ذَلِكَ عَمَّنْ مَضَى مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَعَنْ الْمُشْرِكِينَ فِي هَذَا الزَّمَانِ. فَلَوْلَا ذَلِكَ مَا عُبِدَتْ الْأَصْنَامُ وَنَحْوُهَا قَالَ الْخَلِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ {وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ} {رَبِّ إنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ} . وَيُقَالُ: إنَّ أَوَّلَ مَا ظَهَرَ الشِّرْكُ فِي أَرْضِ مَكَّةَ بَعْدَ إبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ مِنْ جِهَةِ " عَمْرِو بْنِ لحي الخزاعي " الَّذِي رَآهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ يَجُرُّ أَمْعَاءَهُ فِي النَّارِ وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ سَيَّبَ السَّوَائِبَ وَغَيَّرَ دِينَ إبْرَاهِيمَ قَالُوا: إنَّهُ وَرَدَ الشَّامَ فَوَجَدَ فِيهَا أَصْنَامًا بِالْبَلْقَاءِ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ يَنْتَفِعُونَ بِهَا فِي جَلْبِ مَنَافِعِهِمْ وَدَفْعِ مَضَارِّهِمْ فَنَقَلَهَا إلَى مَكَّةَ وَسَنَّ لِلْعَرَبِ الشِّرْكَ وَعِبَادَةَ الْأَصْنَامِ. وَالْأُمُورُ الَّتِي حَرَّمَهَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ: مِنْ الشِّرْكِ وَالسِّحْرِ وَالْقَتْلِ وَالزِّنَا وَشَهَادَةِ الزُّورِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ: قَدْ يَكُونُ لِلنَّفْسِ فِيهَا حَظٌّ مِمَّا تَعُدُّهُ مَنْفَعَةً أَوْ دَفْعَ مَضَرَّةٍ وَلَوْلَا ذَلِكَ مَا أَقْدَمَتْ النُّفُوسُ عَلَى الْمُحَرَّمَاتِ الَّتِي لَا خَيْرَ فِيهَا بِحَالِ وَإِنَّمَا يُوقِعُ النُّفُوسَ فِي الْمُحَرَّمَاتِ الْجَهْلُ
(27/90)

أَوْ الْحَاجَةُ فَأَمَّا الْعَالِمُ بِقُبْحِ الشَّيْءِ وَالنَّهْيِ عَنْهُ فَكَيْفَ يَفْعَلُهُ وَاَلَّذِينَ يَفْعَلُونَ هَذِهِ الْأُمُورَ جَمِيعَهَا قَدْ يَكُونُ عِنْدَهُمْ جَهْلٌ بِمَا فِيهِ مِنْ الْفَسَادِ وَقَدْ تَكُونُ بِهِمْ حَاجَةٌ إلَيْهَا: مِثْلُ الشَّهْوَةِ إلَيْهَا وَقَدْ يَكُونُ فِيهَا مِنْ الضَّرَرِ أَعْظَمُ مِمَّا فِيهَا مِنْ اللَّذَّةِ وَلَا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ لِجَهْلِهِمْ أَوْ تَغْلِبُهُمْ أَهْوَاؤُهُمْ حَتَّى يَفْعَلُوهَا وَالْهَوَى غَالِبًا يَجْعَلُ صَاحِبَهُ كَأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ مِنْ الْحَقِّ شَيْئًا فَإِنَّ حُبَّك لِلشَّيْءِ يُعْمِي وَيُصِمُّ. وَلِهَذَا كَانَ الْعَالِمُ يَخْشَى اللَّهَ وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ سَأَلْت أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: {إنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ} الْآيَةُ فَقَالُوا: كُلُّ مَنْ عَصَى اللَّهَ فَهُوَ جَاهِلٌ وَكُلُّ مَنْ تَابَ قَبْلَ الْمَوْتِ فَقَدْ تَابَ مِنْ قَرِيبٍ. وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ الْبَسْطِ لِبَيَانِ مَا فِي الْمَنْهِيَّاتِ مِنْ الْمَفَاسِدِ الْغَالِبَةِ وَمَا فِي الْمَأْمُورَاتِ مِنْ الْمَصَالِحِ الْغَالِبَةِ بَلْ يَكْفِي الْمُؤْمِنَ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ فَهُوَ لِمَصْلَحَةِ مَحْضَةٍ أَوْ غَالِبَةٍ وَمَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ فَهُوَ مَفْسَدَةٌ مَحْضَةٌ أَوْ غَالِبَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ الْعِبَادَ بِمَا أَمَرَهُمْ بِهِ لِحَاجَتِهِ إلَيْهِمْ وَلَا نَهَاهُمْ عَمَّا نَهَاهُمْ بِخِلَابَةِ عَلَيْهِمْ بَلْ أَمَرَهُمْ بِمَا فِيهِ صَلَاحُهُمْ وَنَهَاهُمْ عَمَّا فِيهِ فَسَادُهُمْ وَلِهَذَا وَصَفَ نَبِيَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَنَّهُ {يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} .
وَأَمَّا التَّمَسُّحُ بِالْقَبْرِ - أَيَّ قَبْرٍ كَانَ - وَتَقْبِيلُهُ وَتَمْرِيغُ الْخَدِّ عَلَيْهِ
(27/91)

فَمَنْهِيٌّ عَنْهُ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ وَلَمْ يَفْعَلْ هَذَا أَحَدٌ مِنْ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا بَلْ هَذَا مِنْ الشِّرْكِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا} {وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا} وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ هَؤُلَاءِ أَسْمَاءُ قَوْمٍ صَالِحِينَ كَانُوا مِنْ قَوْمِ نُوحٍ وَأَنَّهُمْ عَكَفُوا عَلَى قُبُورِهِمْ مُدَّةً ثُمَّ طَالَ عَلَيْهِمْ الْأَمَدُ فَصَوَّرُوا تَمَاثِيلَهُمْ. لَا سِيَّمَا إذَا اقْتَرَنَ بِذَلِكَ دُعَاءُ الْمَيِّتِ وَالِاسْتِغَاثَةُ بِهِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ وَبَيَانُ مَا فِيهِ مِنْ الشِّرْكِ وَبَيَّنَّا الْفَرْقَ بَيْنَ " الزِّيَارَةِ الْبِدْعِيَّةِ " الَّتِي تَشَبَّهَ أَهْلُهَا بِالنَّصَارَى و " الزِّيَارَةِ الشَّرْعِيَّةِ ". وَأَمَّا وَضْعُ الرَّأْسِ عِنْدَ الْكُبَرَاءِ مِنْ الشُّيُوخِ وَغَيْرِهِمْ أَوْ تَقْبِيلُ الْأَرْضِ وَنَحْوُ ذَلِكَ فَإِنَّهُ مِمَّا لَا نِزَاعَ فِيهِ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ فِي النَّهْيِ عَنْهُ بَلْ مُجَرَّدُ الِانْحِنَاءِ بِالظَّهْرِ لِغَيْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مَنْهِيٌّ عَنْهُ. فَفِي الْمُسْنَدِ وَغَيْرِهِ " {أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمَّا رَجَعَ مِنْ الشَّامِ سَجَدَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: مَا هَذَا يَا مُعَاذُ؟ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ رَأَيْتهمْ فِي الشَّامِ يَسْجُدُونَ لِأَسَاقِفَتِهِمْ وَبَطَارِقَتِهِمْ وَيَذْكُرُونَ ذَلِكَ عَنْ أَنْبِيَائِهِمْ فَقَالَ: كَذَبُوا يَا مُعَاذُ لَوْ كُنْت آمِرًا أَحَدًا أَنْ يَسْجُدَ لِأَحَدِ لَأَمَرْت الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا مَنْ عِظَمِ حَقِّهِ عَلَيْهَا يَا مُعَاذُ أَرَأَيْت إنْ مَرَرْت بِقَبْرِي أَكُنْت سَاجِدًا؟ قَالَ لَا - قَالَ: - لَا تَفْعَلْ هَذَا} أَوْ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ.
(27/92)

بَلْ قَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ: {أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ صَلَّى بِأَصْحَابِهِ قَاعِدًا مِنْ مَرَضٍ كَانَ بِهِ فَصَلَّوْا قِيَامًا فَأَمَرَهُمْ بِالْجُلُوسِ وَقَالَ: لَا تُعَظِّمُونِي كَمَا تُعَظِّمُ الْأَعَاجِمُ بَعْضَهَا بَعْضًا} وَقَالَ " {مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَتَمَثَّلَ لَهُ النَّاسُ قِيَامًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ} فَإِذَا كَانَ قَدْ نَهَاهُمْ مَعَ قُعُودِهِ - وَإِنْ كَانُوا قَامُوا فِي الصَّلَاةِ - حَتَّى لَا يَتَشَبَّهُوا بِمَنْ يَقُومُونَ لِعُظَمَائِهِمْ وَبَيَّنَ أَنَّ مَنْ سَرَّهُ الْقِيَامُ لَهُ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَكَيْفَ بِمَا فِيهِ مِنْ السُّجُودِ لَهُ وَمِنْ وَضْعِ الرَّأْسِ وَتَقْبِيلِ الْأَيَادِي وَقَدْ كَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَهُوَ خَلِيفَةُ اللَّهِ عَلَى الْأَرْضِ - قَدْ وَكَّلَ أَعْوَانًا يَمْنَعُونَ الدَّاخِلَ مِنْ تَقْبِيلِ الْأَرْضِ وَيُؤَدِّبُهُمْ إذَا قَبَّلَ أَحَدٌ الْأَرْضَ. وَبِالْجُمْلَةِ فَالْقِيَامُ وَالْقُعُودُ وَالرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ حَقٌّ لِلْوَاحِدِ الْمَعْبُودِ: خَالِقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا كَانَ حَقًّا خَالِصًا لِلَّهِ لَمْ يَكُنْ لِغَيْرِهِ فِيهِ نَصِيبٌ: مِثْلُ الْحَلِفِ بِغَيْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: " {مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاَللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَقَالَ أَيْضًا: " {مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ أَشْرَكَ} . فَالْعِبَادَةُ كُلُّهَا لِلَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ {وَمَا أُمِرُوا إلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: " {إنَّ
(27/93)

اللَّه يَرْضَى لَكُمْ ثَلَاثًا: أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا. وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَأَنْ تناصحوا مَنْ وَلَّاهُ اللَّهُ أَمْرَكُمْ} وَإِخْلَاصُ الدِّينِ لِلَّهِ هُوَ أَصْلُ الْعِبَادَةِ. وَنَبِيُّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ الشِّرْكِ دِقَّهُ وَجُلَّهُ وَحَقِيرَهُ وَكَبِيرَهُ. حَتَّى إنَّهُ قَدْ تَوَاتَرَ عَنْهُ أَنَّهُ نَهَى عَنْ الصَّلَاةِ وَقْتَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَوَقْتَ غُرُوبِهَا بِأَلْفَاظِ مُتَنَوِّعَةٍ: تَارَةً يَقُولُ: " {لَا تَحَرَّوْا بِصَلَاتِكُمْ طُلُوعَ الشَّمْسِ وَلَا غُرُوبَهَا} . وَتَارَةً يَنْهَى عَنْ الصَّلَاةِ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ وَبَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ وَتَارَةً: يَذْكُرُ أَنَّ الشَّمْسَ إذَا طَلَعَتْ طَلَعَتْ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ وَحِينَئِذٍ يَسْجُدُ لَهَا الْكُفَّارُ وَنَهَى عَنْ الصَّلَاةِ فِي هَذَا الْوَقْتِ لِمَا فِيهِ مِنْ مُشَابَهَةِ الْمُشْرِكِينَ فِي كَوْنِهِمْ يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ فِي هَذَا الْوَقْتِ وَأَنَّ الشَّيْطَانَ يُقَارِنُ الشَّمْسَ حِينَئِذٍ لِيَكُونَ السُّجُودُ لَهُ فَكَيْفَ بِمَا هُوَ أَظْهَرُ شِرْكًا وَمُشَابَهَةً لِلْمُشْرِكِينَ مِنْ هَذَا. وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِيمَا أَمَرَ رَسُولَهُ أَنْ يُخَاطِبَ بِهِ أَهْلَ الْكِتَابِ: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} وَذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ مُشَابَهَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ اتِّخَاذِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَنَحْنُ مَنْهِيُّونَ عَنْ مِثْلِ هَذَا؛ وَمَنْ
(27/94)

عَدَلَ عَنْ هَدْيِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ وَهَدْيِ أَصْحَابِهِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانِ إلَى مَا هُوَ مِنْ جِنْسُ هَدْيِ النَّصَارَى فَقَدْ تَرَكَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ.
وَأَمَّا قَوْلُ الْقَائِلِ: انْقَضَتْ حَاجَتِي بِبَرَكَةِ اللَّهِ وَبَرَكَتِك. فَمُنْكَرٌ مِنْ الْقَوْلِ؛ فَإِنَّهُ لَا يُقْرَنُ بِاَللَّهِ فِي مِثْلِ هَذَا غَيْرُهُ حَتَّى إنَّ قَائِلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ مَا شَاءَ اللَّهُ وَشِئْت فَقَالَ: " {أَجَعَلْتَنِي لِلَّهِ نِدًّا بَلْ مَا شَاءَ اللَّهُ وَحْدَهُ} وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: " {لَا تَقُولُوا مَا شَاءَ اللَّهُ وَشَاءَ مُحَمَّدٌ وَلَكِنْ قُولُوا مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ شَاءَ مُحَمَّدٌ} وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ بَعْضَ الْمُسْلِمِينَ رَأَى قَائِلًا يَقُولُ: نِعْمَ الْقَوْمُ أَنْتُمْ لَوْلَا أَنَّكُمْ تُنَدِّدُونَ. أَيْ تَجْعَلُونَ لِلَّهِ نِدًّا. يَعْنِي تَقُولُونَ: مَا شَاءَ اللَّهُ وَشَاءَ مُحَمَّدٌ. فَنَهَاهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ قَالَ: {صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ صَلَاةَ الْفَجْرِ بِالْحُدَيْبِيَةِ فِي إثْرِ سَمَاءٍ مِنْ اللَّيْلِ فَقَالَ: أَتَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ اللَّيْلَةَ؟ قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ: قَالَ: أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ. فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالْكَوَاكِبِ وَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالْكَوَاكِبِ} . وَالْأَسْبَابِ الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ أَسْبَابًا لَا تُجْعَلُ مَعَ اللَّهِ شُرَكَاءَ وَأَنْدَادًا وَأَعْوَانًا.
(27/95)

وَقَوْلُ الْقَائِلِ: بِبَرَكَةِ الشَّيْخِ قَدْ يَعْنِي بِهَا دُعَاءَهُ. وَأَسْرَعُ الدُّعَاءِ إجَابَةُ دُعَاءِ غَائِبٍ لِغَائِبِ. وَقَدْ يَعْنِي بِهَا بَرَكَةَ مَا أَمَرَهُ بِهِ وَعَلَّمَهُ مِنْ الْخَيْرِ. وَقَدْ يَعْنِي بِهَا بَرَكَةَ مُعَاوَنَتِهِ لَهُ عَلَى الْحَقِّ وَمُوَالَاتِهِ فِي الدِّينِ وَنَحْوَ ذَلِكَ. وَهَذِهِ كُلُّهَا مَعَانٍ صَحِيحَةٌ. وَقَدْ يَعْنِي بِهَا دُعَاءَهُ لِلْمَيِّتِ وَالْغَائِبِ؛ إذْ اسْتِقْلَالُ الشَّيْخِ بِذَلِكَ التَّأْثِيرِ أَوْ فِعْلُهُ لِمَا هُوَ عَاجِزٌ عَنْهُ أَوْ غَيْرُ قَادِرٍ عَلَيْهِ أَوْ غَيْرُ قَاصِدٍ لَهُ: مُتَابَعَتُهُ أَوْ مُطَاوَعَتُهُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ الْبِدَعِ الْمُنْكَرَاتِ وَنَحْوِ هَذِهِ الْمَعَانِي الْبَاطِلَةِ. وَاَلَّذِي لَا رَيْبَ فِيهِ: أَنَّ الْعَمَلَ بِطَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَدُعَاءِ الْمُؤْمِنِينَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضِ وَنَحْوَ ذَلِكَ: هُوَ نَافِعٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَذَلِكَ بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ.
وَأَمَّا سُؤَالُ السَّائِلِ عَنْ " الْقُطْبِ الْغَوْثِ الْفَرْدِ الْجَامِعِ ". فَهَذَا قَدْ يَقُولُهُ طَوَائِفُ مِنْ النَّاسِ وَيُفَسِّرُونَهُ بِأُمُورِ بَاطِلَةٍ فِي دِينِ الْإِسْلَامِ: مِثْلُ تَفْسِيرِ بَعْضِهِمْ: أَنَّ " الْغَوْثَ " هُوَ الَّذِي يَكُونُ مَدَدُ الْخَلَائِقِ بِوَاسِطَتِهِ فِي نَصْرِهِمْ وَرِزْقِهِمْ حَتَّى يَقُولَ: إنَّ مَدَدَ الْمَلَائِكَةِ وَحِيتَانِ الْبَحْرِ بِوَاسِطَتِهِ. فَهَذَا مِنْ جِنْسِ قَوْلِ النَّصَارَى فِي الْمَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَالْغَالِيَةِ فِي عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وَهَذَا كُفْرٌ صَرِيحٌ يُسْتَتَابُ مِنْهُ صَاحِبُهُ فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْمَخْلُوقَاتِ لَا مَلَكٌ وَلَا بَشَرٌ يَكُونُ إمْدَادُ الْخَلَائِقِ بِوَاسِطَتِهِ وَلِهَذَا كَانَ مَا يَقُولُهُ الْفَلَاسِفَةُ فِي " الْعُقُولِ الْعَشْرَةِ " الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهَا الْمَلَائِكَةُ وَمَا يَقُولُهُ النَّصَارَى فِي الْمَسِيحِ
(27/96)

وَنَحْوَ ذَلِكَ كُفْرٌ صَرِيحٌ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ. وَكَذَلِكَ عَنَى بِالْغَوْثِ مَا يَقُولُهُ بَعْضُهُمْ مِنْ أَنَّ فِي الْأَرْضِ ثَلَاثَمِائَةٍ وَبِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا يُسَمُّونَهُمْ " النُّجَبَاءَ " فَيُنْتَقَى مِنْهُمْ سَبْعُونَ هُمْ " النُّقَبَاءُ " وَمِنْهُمْ أَرْبَعُونَ هُمْ " الْأَبْدَالُ " وَمِنْهُمْ سَبْعَةٌ هُمْ " الْأَقْطَابُ " وَمِنْهُمْ أَرْبَعَةٌ هُمْ " الْأَوْتَادُ " وَمِنْهُمْ وَاحِدٌ هُوَ " الْغَوْثُ " وَأَنَّهُ مُقِيمٌ بِمَكَّةَ وَأَنَّ أَهْلَ الْأَرْضِ إذَا نَابَهُمْ نَائِبَةٌ فِي رِزْقِهِمْ وَنَصْرِهِمْ فَزِعُوا إلَى الثَّلَاثِمِائَةِ وَبِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا وَأُولَئِكَ يَفْزَعُونَ إلَى السَّبْعِينَ وَالسَّبْعُونَ إلَى الْأَرْبَعِينَ وَالْأَرْبَعُونَ إلَى السَّبْعَةِ وَالسَّبْعَةُ إلَى الْأَرْبَعَةِ وَالْأَرْبَعَةُ إلَى الْوَاحِدِ. وَبَعْضُهُمْ قَدْ يَزِيدُ فِي هَذَا وَيُنْقِصُ فِي الْأَعْدَادِ وَالْأَسْمَاءِ وَالْمَرَاتِبِ؛ فَإِنَّ لَهُمْ فِيهَا مَقَالَاتٍ مُتَعَدِّدَةً حَتَّى يَقُولَ بَعْضُهُمْ إنَّهُ يَنْزِلُ مِنْ السَّمَاءِ عَلَى الْكَعْبَةِ وَرَقَةٌ خَضْرَاءُ بِاسْمِ غَوْثِ الْوَقْتِ وَاسْمِ خَضِرِهِ - عَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ مِنْهُمْ: إنَّ الْخَضِرَ هُوَ مَرْتَبَةٌ وَإِنَّ لِكُلِّ زَمَانٍ خَضِرًا فَإِنَّ لَهُمْ فِي ذَلِكَ قَوْلَيْنِ - وَهَذَا كُلُّهُ بَاطِلٌ لَا أَصْلَ لَهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَلَا سُنَّةِ رَسُولِهِ وَلَا قَالَهُ أَحَدٌ مِنْ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَلَا أَئِمَّتِهَا وَلَا مِنْ الْمَشَايِخِ الْكِبَارِ الْمُتَقَدِّمِينَ الَّذِينَ يَصْلُحُونَ لِلِاقْتِدَاءِ بِهِمْ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ سَيِّدَنَا رَسُولَ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - كَانُوا خَيْرَ الْخَلْقِ فِي زَمَنِهِمْ وَكَانُوا بِالْمَدِينَةِ وَلَمْ يَكُونُوا بِمَكَّةَ. وَقَدْ رَوَى بَعْضُهُمْ حَدِيثًا فِي " هِلَالٍ " غُلَامِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ
(27/97)

وَأَنَّهُ أَحَدُ السَّبْعَةِ. وَالْحَدِيثُ بَاطِلٌ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ وَإِنْ كَانَ قَدْ رَوَى بَعْضَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ أَبُو نُعَيْمٍ فِي " حِلْيَة الْأَوْلِيَاءِ " وَالشَّيْخُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِي فِي بَعْضِ مُصَنَّفَاتِهِ فَلَا تَغْتَرَّ بِذَلِكَ. فَإِنَّ فِيهِ الصَّحِيحَ وَالْحَسَنَ وَالضَّعِيفَ وَالْمَوْضُوعَ وَالْمَكْذُوبَ الَّذِي لَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي أَنَّهُ كَذِبٌ مَوْضُوعٌ. وَتَارَةً يَرْوِيهِ عَلَى عَادَةِ بَعْضِ أَهْلِ الْحَدِيثِ الَّذِينَ يَرْوُونَ مَا سَمِعُوا وَلَا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ صَحِيحِهِ وَبَاطِلِهِ وَكَانَ أَهْلُ الْحَدِيثِ لَا يَرْوُونَ مِثْلَ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ؛ لِمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: " {مَنْ حَدَّثَ عَنِّي بِحَدِيثِ وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ كَذِبٌ فَهُوَ أَحَدُ الْكَاذِبِينَ} . وَبِالْجُمْلَةِ فَقَدْ عَلِمَ الْمُسْلِمُونَ كُلُّهُمْ أَنَّ مَا يَنْزِلُ بِالْمُسْلِمِينَ مِنْ النَّوَازِلِ فِي الرَّغْبَةِ وَالرَّهْبَةِ: مِثْلُ دُعَائِهِمْ عِنْدَ الِاسْتِسْقَاءِ لِنُزُولِ الرِّزْقِ وَدُعَائِهِمْ عِنْدَ الْكُسُوفِ وَالِاعْتِدَادِ لِرَفْعِ الْبَلَاءِ وَأَمْثَالِ ذَلِكَ إنَّمَا يَدْعُونَ فِي ذَلِكَ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَا يُشْرِكُونَ بِهِ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ لِلْمُسْلِمِينَ قَطُّ أَنْ يَرْجِعُوا بِحَوَائِجِهِمْ إلَى غَيْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ؛ بَلْ كَانَ الْمُشْرِكُونَ فِي جَاهِلِيَّتِهِمْ يَدْعُونَهُ بِلَا وَاسِطَةٍ فَيُجِيبُهُمْ اللَّهُ أَفَتَرَاهُمْ بَعْدَ التَّوْحِيدِ وَالْإِسْلَامِ لَا يُجِيبُ دُعَاءَهُمْ إلَّا بِهَذِهِ الْوَاسِطَةِ الَّتِي مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ؟ قَالَ تَعَالَى: {وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إلَى ضُرٍّ مَسَّهُ} وَقَالَ تَعَالَى:
(27/98)

{وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إلَّا إيَّاهُ} وَقَالَ تَعَالَى: {قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} {بَلْ إيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إلَيْهِ إنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ} وَقَالَ {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ} {فَلَوْلَا إذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} . وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ اسْتَسْقَى لِأَصْحَابِهِ بِصَلَاةِ وَبِغَيْرِ صَلَاةٍ وَصَلَّى بِهِمْ لِلِاسْتِسْقَاءِ وَصَلَاةَ الْكُسُوفِ وَكَانَ يَقْنُتُ فِي صَلَاتِهِ فَيَسْتَنْصِرُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ وَكَذَلِكَ خُلَفَاؤُهُ الرَّاشِدُونَ بَعْدَهُ وَكَذَلِكَ أَئِمَّةُ الدِّينِ وَمَشَايِخُ الْمُسْلِمِينَ وَمَا زَالُوا عَلَى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ. وَلِهَذَا يُقَالُ: ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ مَا لَهَا مِنْ أَصْلٍ (بَابُ الْنُصَيْرِيَّة و (مُنْتَظَرُ الرَّافِضَةِ و (غَوْثُ الْجُهَّالِ: فَإِنَّ الْنُصَيْرِيَّة تَدَّعِي فِي الْبَابِ الَّذِي لَهُمْ مَا هُوَ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ أَنَّهُ الَّذِي يُقِيمُ الْعَالَمَ فَذَاكَ شَخْصُهُ مَوْجُودٌ؛ وَلَكِنَّ دَعْوَى الْنُصَيْرِيَّة فِيهِ بَاطِلَةٌ. وَأَمَّا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الْمُنْتَظَرُ وَالْغَوْثُ الْمُقِيمُ بِمَكَّةَ وَنَحْوُ هَذَا: فَإِنَّهُ بَاطِلٌ لَيْسَ لَهُ وُجُودٌ. وَكَذَلِكَ مَا يَزْعُمُهُ بَعْضُهُمْ مِنْ أَنَّ الْقُطْبَ الْغَوْثَ الْجَامِعَ يَمُدُّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ وَيَعْرِفُهُمْ كُلَّهُمْ وَنَحْوَ هَذَا؛ فَهَذَا بَاطِلٌ. فَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ
(27/99)

- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - لَمْ يَكُونَا يَعْرِفَانِ جَمِيعَ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ وَلَا يَمُدَّانِهِمْ فَكَيْفَ بِهَؤُلَاءِ الضَّالِّينَ الْمُغْتَرِّينَ الْكَذَّابِينَ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ إنَّمَا عَرَفَ الَّذِينَ لَمْ يَكُنْ رَآهُمْ مَنْ أُمَّتِهِ بِسِيمَاءِ الْوُضُوءِ وَهُوَ الْغُرَّةُ وَالتَّحْجِيلُ وَمِنْ هَؤُلَاءِ مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ مَنْ لَا يُحْصِيهِ إلَّا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ. وَأَنْبِيَاءُ اللَّهِ الَّذِينَ هُوَ إمَامُهُمْ وَخَطِيبُهُمْ لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ أَكْثَرَهُمْ؛ بَلْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ} وَمُوسَى لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ الْخَضِرَ وَالْخَضِرُ لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ مُوسَى؛ بَلْ لَمَّا سَلَّمَ عَلَيْهِ مُوسَى قَالَ لَهُ الْخَضِرُ: وَأَنَّى بِأَرْضِك السَّلَامُ؟ فَقَالَ لَهُ: أَنَا مُوسَى قَالَ: مُوسَى بَنِي إسْرَائِيلَ؟ قَالَ: نَعَمْ. وَقَدْ كَانَ بَلَغَهُ اسْمُهُ وَخَبَرُهُ وَلَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ عَيْنَهُ. وَمَنْ قَالَ إنَّهُ نَقِيبُ الْأَوْلِيَاءِ أَوْ أَنَّهُ يُعَلِّمُهُمْ كُلَّهُمْ فَقَدْ قَالَ الْبَاطِلَ. وَالصَّوَابُ الَّذِي عَلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ أَنَّهُ مَيِّتٌ وَأَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ الْإِسْلَامَ وَلَوْ كَانَ مَوْجُودًا فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ لَوَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يُؤْمِنَ بِهِ وَيُجَاهِدَ مَعَهُ كَمَا أَوْجَبَ اللَّهُ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَعَلَى غَيْرِهِ وَلَكَانَ يَكُونُ فِي مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَلَكَانَ يَكُونُ حُضُورُهُ مَعَ الصَّحَابَةِ لِلْجِهَادِ مَعَهُمْ وَإِعَانَتِهِمْ عَلَى الدِّينِ أَوْلَى بِهِ مِنْ حُضُورِهِ عِنْدَ قَوْمٍ كُفَّارٍ لِيُرَقِّعَ لَهُمْ سَفِينَتَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ مُخْتَفِيًا عَنْ خَيْرِ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ وَهُوَ
(27/100)

قَدْ كَانَ بَيْنَ الْمُشْرِكِينَ وَلَمْ يَحْتَجِبْ عَنْهُمْ. ثُمَّ لَيْسَ لِلْمُسْلِمِينَ بِهِ وَأَمْثَالِهِ حَاجَةٌ لَا فِي دِينِهِمْ وَلَا فِي دُنْيَاهُمْ؛ فَإِنَّ دِينَهُمْ أَخَذُوهُ عَنْ الرَّسُولِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - الَّذِي عَلَّمَهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ: " {لَوْ كَانَ مُوسَى حَيًّا ثُمَّ اتَّبَعْتُمُوهُ وَتَرَكْتُمُونِي لَضَلَلْتُمْ} وَعِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - إذَا نَزَلَ مِنْ السَّمَاءِ إنَّمَا يَحْكُمُ فِيهِمْ بِكِتَابِ رَبِّهِمْ وَسُنَّةِ نَبِيَّهُمْ. فَأَيُّ حَاجَةٍ لَهُمْ مَعَ هَذَا إلَى الْخَضِرِ وَغَيْرِهِ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ قَدْ أَخْبَرَهُمْ بِنُزُولِ عِيسَى مِنْ السَّمَاءِ وَحُضُورِهِ مَعَ الْمُسْلِمِينَ وَقَالَ: " {كَيْفَ تَهْلِكُ أُمَّةٌ أَنَا فِي أَوَّلِهَا وَعِيسَى فِي آخِرِهَا} . فَإِذَا كَانَ النَّبِيَّانِ الْكَرِيمَانِ اللَّذَانِ هُمَا مَعَ إبْرَاهِيمَ مُوسَى وَنُوحٌ أَفْضَلَ الرُّسُلِ وَمُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ وَلَمْ يَحْتَجِبُوا عَنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ لَا عَوَامُّهُمْ وَلَا خَوَاصُّهُمْ فَكَيْفَ يَحْتَجِبُ عَنْهُمْ مَنْ لَيْسَ مِثْلَهُمْ. وَإِذَا كَانَ الْخَضِرُ حَيًّا دَائِمًا فَكَيْفَ لَمْ يَذْكُرْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ قَطُّ وَلَا أَخْبَرَ بِهِ أُمَّتَهُ وَلَا خُلَفَاؤُهُ الرَّاشِدُونَ. وَقَوْلُ الْقَائِلِ: إنَّهُ نَقِيبُ الْأَوْلِيَاءِ. فَيُقَالُ لَهُ مَنْ وَلَّاهُ النِّقَابَةَ وَأَفْضَلُ الْأَوْلِيَاءِ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ؟ وَلَيْسَ فِيهِمْ الْخَضِرُ. وَعَامَّةُ مَا يُحْكَى فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ الْحِكَايَاتِ بَعْضُهَا كَذِبٌ وَبَعْضُهَا مَبْنِيٌّ عَلَى ظَنِّ رَجُلٍ: مِثْلُ شَخْصٍ رَأَى رَجُلًا ظَنَّ أَنَّهُ الْخَضِرُ
(27/101)

وَقَالَ: إنَّهُ الْخَضِرُ كَمَا أَنَّ الرَّافِضَةَ تَرَى شَخْصًا تَظُنُّ أَنَّهُ الْإِمَامُ الْمُنْتَظَرُ الْمَعْصُومُ أَوْ تَدَّعِي ذَلِكَ وَرُوِيَ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ أَنَّهُ قَالَ - وَقَدْ ذُكِرَ لَهُ الْخَضِرُ - مَنْ أَحَالَك عَلَى غَائِبٍ فَمَا أَنْصَفَك. وَمَا أَلْقَى هَذَا عَلَى أَلْسِنَةِ النَّاسِ إلَّا الشَّيْطَانُ. وَقَدْ بَسَطْنَا الْكَلَامَ عَلَى هَذَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ. وَأَمَّا إنْ قَصَدَ الْقَائِلُ بِقَوْلِهِ " الْقُطْبُ الْغَوْثُ الْفَرْدُ الْجَامِعُ " أَنَّهُ رَجُلٌ يَكُونُ أَفْضَلَ أَهْلِ زَمَانِهِ فَهَذَا مُمْكِنٌ لَكِنْ مِنْ الْمُمْكِنِ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ فِي الزَّمَانِ اثْنَانِ مُتَسَاوِيَانِ فِي الْفَضْلِ وَثَلَاثَةٌ وَأَرْبَعَةٌ وَلَا يُجْزَمُ بِأَلَا يَكُونَ فِي كُلِّ زَمَانٍ أَفْضَلُ النَّاسِ إلَّا وَاحِدًا وَقَدْ تَكُونُ جَمَاعَةٌ بَعْضُهُمْ أَفْضَلُ مِنْ بَعْضٍ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ وَتِلْكَ الْوُجُوهُ إمَّا مُتَقَارِبَةٌ وَإِمَّا مُتَسَاوِيَةٌ. ثُمَّ إذَا كَانَ فِي الزَّمَانِ رَجُلٌ هُوَ أَفْضَلُ أَهْلِ الزَّمَانِ فَتَسْمِيَتُهُ " بِالْقُطْبِ الْغَوْثِ الْجَامِعِ " بِدْعَةٌ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ وَلَا تَكَلَّمَ بِهَذَا أَحَدٌ مِنْ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا وَمَا زَالَ السَّلَفُ يَظُنُّونَ فِي بَعْضِ النَّاسِ أَنَّهُ أَفْضَلُ أَوْ مِنْ أَفْضَلِ أَهْلِ زَمَانِهِ وَلَا يُطْلِقُونَ عَلَيْهِ هَذِهِ الْأَسْمَاءَ الَّتِي مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ؛ لَا سِيَّمَا أَنَّ مِنْ الْمُنْتَحِلِينَ لِهَذَا الِاسْمِ مَنْ يَدَّعِي أَنَّ أَوَّلَ الْأَقْطَابِ هُوَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - ثُمَّ يَتَسَلَّلُ الْأَمْرُ إلَى مَا دُونَهُ إلَى بَعْضِ مَشَايِخِ
(27/102)

الْمُتَأَخِّرِينَ وَهَذَا لَا يَصِحُّ لَا عَلَى مَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَلَا عَلَى مَذْهَبِ الرَّافِضَةِ. فَأَيْنَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ؟ وَالْحَسَنُ عِنْدَ وَفَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ كَانَ قَدْ قَارَبَ سِنَّ التَّمْيِيزِ وَالِاحْتِلَامِ. وَقَدْ حُكِيَ عَنْ بَعْضِ الْأَكَابِرِ مِنْ الشُّيُوخِ الْمُنْتَحِلِينَ لِهَذَا: أَنَّ " الْقُطْبَ الْفَرْدَ الْغَوْثَ الْجَامِعَ " يَنْطَبِقُ عِلْمُهُ عَلَى عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى وَقُدْرَتُهُ عَلَى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى فَيَعْلَمُ مَا يَعْلَمُهُ اللَّهُ وَيَقْدِرُ عَلَى مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ اللَّهُ. وَزَعَمَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ كَانَ كَذَلِكَ وَأَنَّ هَذَا انْتَقَلَ عَنْهُ إلَى الْحَسَنِ وَتَسَلْسَلَ إلَى شَيْخِهِ. فَبَيَّنْت أَنَّ هَذَا كُفْرٌ صَرِيحٌ وَجَهْلٌ قَبِيحٌ وَأَنَّ دَعْوَى هَذَا فِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ؛ كُفْرٌ دَعْ مَا سِوَاهُ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إنِّي مَلَكٌ} وَقَالَ تَعَالَى: {قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ} الْآيَةُ وَقَالَ تَعَالَى: {يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا} الْآيَةُ وَقَالَ تَعَالَى: {يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ} وَقَالَ تَعَالَى: {لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ} {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ} وَقَالَ
(27/103)

تَعَالَى: {إنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} . وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَمَرَنَا أَنْ نُطِيعَ رَسُولَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} وَأَمَرَنَا أَنْ نَتَّبِعَهُ فَقَالَ تَعَالَى: {قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} وَأَمَرَنَا أَنْ نُعَزِّرَهُ وَنُوَقِّرَهُ وَنَنْصُرَهُ وَجَعَلَ لَهُ مِنْ الْحُقُوقِ مَا بَيَّنَهُ فِي كِتَابِهِ وَسُنَّةِ رَسُولُهُ حَتَّى أَوْجَبَ عَلَيْنَا أَنْ يَكُونَ أَحَبَّ النَّاسِ إلَيْنَا مِنْ أَنْفُسِنَا وَأَهْلِينَا فَقَالَ تَعَالَى: {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ} وَقَالَ تَعَالَى: {قُلْ إنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ} وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ {وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إلَيْهِ مِنْ وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ وَقَالَ لَهُ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَأَنْتَ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إلَّا مِنْ نَفْسِي فَقَالَ: لَا يَا عُمَرُ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إلَيْك مِنْ نَفْسِك - قَالَ: فَلَأَنْتَ أَحَبَّ إلَيَّ مِنْ نَفْسِي قَالَ: الْآنَ يَا عُمَرُ} وَقَالَ: " {ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بِهِنَّ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ مَنْ كَانَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا وَمَنْ كَانَ يُجِبُّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إلَّا لِلَّهِ وَمَنْ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ
(27/104)

يَرْجِعَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ إذْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنْهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ} . وَقَدْ بَيَّنَ فِي كِتَابِهِ حُقُوقَهُ الَّتِي لَا تَصْلُحُ إلَّا لَهُ وَحُقُوقَ رُسُلِهِ وَحُقُوقَ الْمُؤْمِنِينَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ كَمَا بَسَطْنَا الْكَلَامَ عَلَى ذَلِكَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ وَذَلِكَ مِثْلُ قَوْله تَعَالَى {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ} فَالطَّاعَةُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ وَالْخَشْيَةُ وَالتَّقْوَى لِلَّهِ وَحْدَهُ وَقَالَ تَعَالَى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إنَّا إلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ} فَالْإِيتَاءُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ وَالرَّغْبَةُ لِلَّهِ وَحْدَهُ وَقَالَ تَعَالَى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} لِأَنَّ الْحَلَالَ مَا أَحَلَّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالْحَرَامَ مَا حَرَّمَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَأَمَّا الحسب فَهُوَ لِلَّهِ وَحْدَهُ كَمَا قَالَ: {وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ} وَلَمْ يَقُلْ: حَسْبُنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالَ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} أَيْ يَكْفِيك اللَّهُ وَيَكْفِي مَنْ اتَّبَعَك مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ الْمَقْطُوعُ بِهِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ؛ وَلِهَذَا كَانَتْ كَلِمَةُ إبْرَاهِيمَ وَمُحَمَّدٍ - عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ. وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى خَيْرِ خَلْقِهِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.
(27/105)

وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
عَنْ هَؤُلَاءِ " الزَّائِرِينَ قُبُورَ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ " كَقَبْرِ الْخَلِيلِ وَغَيْرِهِ فَيَأْتُونَ إلَى الضَّرِيحِ وَيُقَبِّلُونَهُ وَالْقُوَّامُ بِذَلِكَ الْمَكَانِ أَيْ مَنْ جَاءَ يَأْتُونَهُ وَيَجِيئُونَ بِهِ إلَى الضَّرِيحِ فَيُعَلِّمُونَهُمْ ذَلِكَ وَيُقِرُّونَهُمْ عَلَيْهِ. فَهَلْ هَذَا مِمَّا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ وَرَسُولُهُ أَمْ لَا؟ وَهَلْ فِي ذَلِكَ ثَوَابٌ وَأَجْرٌ أَمْ لَا؟ وَهَلْ هُوَ مِنْ الدِّينِ الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِهِ رَسُولَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمْ لَا؟ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ وَكَانَ أُنَاسٌ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ هَذَا مِنْ الدِّينِ وَيَفْعَلُونَهُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ فَهَلْ يَجِبُ أَنْ يُنْهَوْا عَنْ ذَلِكَ أَمْ لَا؟ وَهَلْ اسْتَحَبَّ هَذَا أَحَدٌ مِنْ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ أَمْ لَا؟ وَهَلْ كَانَتْ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ أَمْ لَا؟ وَإِذَا كَانَ فِي الْقُوَّامِ أَوْ غَيْرِهِمْ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ أَوْ يَأْمُرُ بِهِ أَوْ يُقِرُّ عَلَيْهِ لِأَجْلِ جُعْلٍ يَأْخُذُهُ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ فَهَلْ يُثَابُ وَلِيُّ الْأَمْرِ عَلَى مَنْعِ هَؤُلَاءِ أَمْ لَا؟ وَهَلْ إذَا لَمْ يَنْتَهُوا عَنْ ذَلِكَ فَهَلْ لِوَلِيِّ الْأَمْرِ أَنْ يَصْرِفَ عَنْ الْوِلَايَةِ مَنْ لَمْ يَنْتَهِ مِنْهُمْ أَمْ لَا؟ وَالْكَسْبُ الَّذِي يَكْسِبُهُ النَّاسُ مِنْ مِثْلِ هَذَا الْأَمْرِ هَلْ هُوَ كَسْبٌ طَيِّبٌ أَوْ خَبِيثٌ؟ وَهَلْ يَسْتَحِقُّونَ مِثْلَ هَذَا الْكَسْبِ. أَمْ يُؤْخَذُ مِنْهُمْ وَيُصْرَفُ فِي
(27/106)

مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ؟ وَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يُقَامَ إلَى جَانِبِ " مَسْجِدِ الْخَلِيلِ " السَّمَاعُ الَّذِي يُسَمُّونَهُ " النَّوْبَةُ الْخَلِيلِيَّةُ " وَيُقَامُ عِنْدَ ذَلِكَ سَمَاعٌ يَجْتَمِعُونَ لَهُ - الْفُقَرَاءُ وَغَيْرُهُمْ وَفِيهِ الشَّبَّابَةُ أَمْ لَا؟ وَاَلَّذِي يُصَفِّرُ بِالشَّبَّابَةِ مُؤْذِنًا بِالْمَكَانِ الْمَذْكُورِ هَلْ يَفْسُقُ أَمْ لَا؟ وَهَلْ إذَا لَمْ يَنْتَهِ يَصْرِفُهُ وَلِيُّ الْأَمْرِ أَمْ لَا؟ وَإِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ وَلِيُّ الْأَمْرِ أَنْ يُزِيلَ ذَلِكَ فَهَلْ لَهُ أَنْ يَنْقُلَ هَذِهِ النَّوْبَةَ الْمَذْكُورَةَ إلَى مَكَانٍ لَا يُمْكِنُ الرَّقْصُ فِيهِ لِضِيقِ الْمَكَانِ أَمْ لَا؟ .
فَأَجَابَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -:
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَمْ يَأْمُرْ اللَّهُ وَلَا رَسُولَهُ وَلَا أَئِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ بِتَقْبِيلِ شَيْءٍ مِنْ قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَلَا التَّمَسُّحِ بِهِ لَا قَبْرِ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا قَبْرِ الْخَلِيلِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا قَبْرِ غَيْرِهِمَا؛ بَلْ وَلَا بِالتَّقْبِيلِ وَالِاسْتِلَامِ لِصَخْرَةِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَلَا الرُّكْنَيْنِ الشَّامِيَّيْنِ مِنْ الْبَيْتِ الْعَتِيقِ بَلْ إنَّمَا يُسْتَلَمُ الرُّكْنَانِ الْيَمَانِيَّانِ فَقَطْ؛ اتِّبَاعًا لِسُنَّةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّهُ لَمْ يَسْتَلِمْ إلَّا الْيَمَانِيَّيْنِ " وَلَمْ يُقَبِّلْ إلَّا الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ. وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الشَّامِيَّيْنِ لَا يُسْتَلَمَانِ وَلَا يُقَبَّلَانِ. وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْيَمَانِيَّيْنِ يُسْتَلَمَانِ. وَاتَّفَقُوا عَلَى تَقْبِيلِ الْأَسْوَدِ. وَتَنَازَعُوا فِي تَقْبِيلِ الْيَمَانِيِّ؟ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ مَعْرُوفَةٍ. قِيلَ:
(27/107)

يُقَبَّلُ. وَقِيلَ: يُسْتَلَمُ وَتُقَبَّلُ الْيَدُ. وَقِيلَ يُسْتَلَمُ وَلَا تُقَبَّلُ الْيَدُ. وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ فَإِنَّ الثَّابِتَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ اسْتَلَمَهُ وَلَمْ يُقَبِّلْهُ وَلَمْ يُقَبِّلْ يَدَهُ لَمَّا اسْتَلَمَهُ وَلَا أَجْرَ وَلَا ثَوَابَ فِيمَا لَيْسَ بِوَاجِبِ وَلَا مُسْتَحَبٍّ؛ فَإِنَّ الْأَجْرَ وَالثَّوَابَ إنَّمَا يَكُونُ عَلَى الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ وَالْأَعْمَالُ الصَّالِحَةُ إمَّا وَاجِبَةٌ وَإِمَّا مُسْتَحَبَّةٌ. فَإِذَا كَانَ الِاسْتِلَامُ وَالتَّقْبِيلُ لِهَذِهِ الْأَجْسَامِ لَيْسَ بِوَاجِبِ وَلَا مُسْتَحَبٍّ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ أَجْرٌ وَلَا ثَوَابٌ وَمَنْ اعْتَقَدَ أَنَّهُ يُؤْجَرُ عَلَى ذَلِكَ وَيُثَابُ فَهُوَ جَاهِلٌ ضَالٌّ مُخْطِئٌ كَاَلَّذِي يَعْتَقِدُ: أَنَّهُ يُؤْجَرُ وَيُثَابُ إذَا سَجَدَ لِقُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ: وَاَلَّذِي يَعْتَقِدُ أَنَّهُ يُؤْجَرُ وَيُثَابُ إذَا دَعَاهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَاَلَّذِي يَعْتَقِدُ أَنَّهُ يُؤْجَرُ وَيُثَابُ إذَا صَوَّرَ صُوَرَهُمْ - كَمَا يَفْعَلُ النَّصَارَى - وَدَعَا تِلْكَ الصُّوَرَ وَسَجَدَ لَهَا وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنْ الْبِدَعِ الَّتِي لَيْسَتْ وَاجِبَةً وَلَا مُسْتَحَبَّةً بَلْ هِيَ إمَّا كُفْرٌ وَإِمَّا جَهْلٌ وَضَلَالٌ. وَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْ هَذَا مِنْ الدِّينِ الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ بِهِ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ. وَمَنْ اعْتَقَدَ أَنَّ هَذَا مِنْ الدِّينِ وَفَعَلَهُ وَجَبَ أَنْ يُنْهَى عَنْهُ وَلَمْ يَسْتَحِبَّ هَذَا أَحَدٌ مِنْ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَلَا فَعَلَهُ أَحَدٌ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانِ. وَمَنْ أَمَرَ النَّاسَ بِشَيْءِ مِنْ ذَلِكَ أَوْ رَغَّبَهُمْ فِيهِ أَوْ أَعَانَهُمْ عَلَيْهِ
(27/108)

مِنْ الْقُوَّامِ أَوْ غَيْرِ الْقُوَّامِ فَإِنَّهُ يَجِبُ نَهْيُهُ عَنْ ذَلِكَ وَمَنْعُهُ مِنْهُ. وَيُثَابُ وَلِيُّ الْأَمْرِ عَلَى مَنْعِ هَؤُلَاءِ وَمَنْ لَمْ يَنْتَهِ عَنْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يُعَزَّرُ تَعْزِيرًا يَرْدَعُهُ. وَأَقَلُّ ذَلِكَ أَنْ يُعْزَلَ عَنْ الْقِيَامَةِ وَلَا يُتْرَكُ مَنْ يَأْمُرُ النَّاسَ بِمَا لَيْسَ مِنْ دِينِ الْمُسْلِمِينَ.
وَالْكَسْبُ الَّذِي يَكْسِبُ بِمِثْلِ ذَلِكَ خَبِيثٌ مِنْ جِنْسِ كَسْبِ الَّذِينَ يَكْذِبُونَ عَلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَيَأْخُذُونَ عَلَى ذَلِكَ جُعْلًا وَمِنْ جِنْسِ كَسْبِ سَدَنَةِ الْأَصْنَامِ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالشِّرْكِ وَيَأْخُذُونَ عَلَى ذَلِكَ جُعْلًا؛ فَإِنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ مِنْ جُمْلَةِ مَا نُهِيَ عَنْهُ مِنْ أَسْبَابِ الشِّرْكِ وَدَوَاعِيهِ وَأَجْزَائِهِ وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " {اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَدُ} رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ وَغَيْرِهِ وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " {لَا تَتَّخِذُوا قَبْرِي عِيدًا وَصَلُّوا عَلَيَّ حَيْثُمَا كُنْتُمْ فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ تَبْلُغُنِي} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: " {لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ} يُحَذِّرُ مَا فَعَلُوا؛ قَالَتْ عَائِشَةُ: وَلَوْلَا ذَلِكَ لَأُبْرِزَ قَبْرُهُ؛ وَلَكِنْ كَرِهَ أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا. وَفِي الصَّحِيحِ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِخَمْسِ: " {إنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ الْقُبُورَ مَسَاجِدَ أَلَا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ فَإِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ} وَفِي الْمُسْنَدِ وَصَحِيحِ أَبِي حَاتِمٍ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: " {إنَّ مِنْ شِرَارِ النَّاسِ مَنْ
(27/109)

تُدْرِكُهُمْ السَّاعَةُ وَهُمْ أَحْيَاءٌ وَاَلَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْقُبُورَ مَسَاجِدَ} . وَالْأَحَادِيثُ وَالْآثَارُ فِي ذَلِكَ كَثِيرَةٌ. وَلِهَذَا لَمْ يَكُنْ الصَّحَابَةُ يُسَافِرُونَ إلَى " قَبْرِ الْخَلِيلِ " وَلَا غَيْرِهِ مِنْ قُبُورِ الصَّالِحِينَ وَلَا سَافَرُوا إلَى زِيَارَةِ " جَبَلِ طُورِ سَيْنَاءَ وَهُوَ الْبُقْعَةُ الْمُبَارَكَةُ وَالْوَادِي الْمُقَدَّسُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ وَكَلَّمَ عَلَيْهِ كَلِيمَهُ مُوسَى بَلْ وَلَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ فِي حَيَاتِهِ وَبَعْدَ مَمَاتِهِ يَزُورُونَ " جَبَلَ حِرَاءَ " الَّذِي نَزَلَ الْوَحْيُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ وَلَمْ يَكُونُوا يَزُورُونَ بِمَكَّةَ غَيْرَ الْمَشَاعِرِ - كَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمِنًى وَمُزْدَلِفَةَ وَعَرَفَةَ - فِي الْحَجِّ. وَكَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْصِدُ الدُّعَاءَ عِنْدَ قَبْرِ أَحَدٍ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ؛ لَا قَبْرِ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا قَبْرِ الْخَلِيلِ وَلَا غَيْرِهِمَا. وَلِهَذَا ذَكَرَ الْأَئِمَّةُ كَمَالِكِ وَغَيْرِهِ أَنَّ هَذَا بِدْعَةٌ " بَلْ كَانُوا إذَا أَتَوْا إلَى قَبْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ وَيُصَلُّونَ عَلَيْهِ كَمَا ذَكَرَ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ إذَا أَتَى قَبْرَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى عَلَيْهِ وَعَلَى أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ. وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: كَانَ يَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيْك يَا رَسُولَ اللَّهِ: السَّلَامُ عَلَيْك يَا أَبَا بَكْرٍ السَّلَامُ عَلَيْك يَا أَبَتْ - ثُمَّ يَنْصَرِفُ. وَمَنْ اكْتَسَبَ مَالًا خَبِيثًا: مِثْلُ هَذَا الَّذِي يَأْمُرُ النَّاسَ بِالْبِدَعِ
(27/110)

وَيَأْخُذُ عَلَى ذَلِكَ جُعْلًا فَإِنَّهُ لَا يَمْلِكُهُ فَإِذَا تَعَذَّرَ رَدُّهُ عَلَى صَاحِبِهِ فَإِنَّ وُلَاةَ الْأُمُورِ يَأْخُذُونَهُ مِنْ هَذَا الَّذِي أَكَلَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَصَدَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ؛ وَيَصْرِفُونَهَا فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ الَّتِي يُحِبُّهَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ فَيُؤْخَذُ الْمَالُ الَّذِي أُنْفِقَ فِي طَاعَةِ الشَّيْطَانِ فَيُنْفَقُ فِي طَاعَةِ الرَّحْمَنِ. " وَأَمَّا السَّمَاعُ " الَّذِي يُسَمُّونَهُ: نَوْبَةَ الْخَلِيلِ فَبِدْعَةٌ بَاطِلَةٌ لَا أَصْلَ لَهَا وَلَمْ يَكُنْ الْخَلِيلُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَفْعَلُ شَيْئًا مِنْ هَذَا وَلَا الصَّحَابَةُ لَمَّا فَتَحُوا الْبِلَادَ فَعَلُوا عِنْدَ الْخَلِيلِ شَيْئًا مِنْ هَذَا وَلَا فَعَلَ شَيْئًا مِنْ هَذَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا خُلَفَاؤُهُ بَلْ هَذَا إمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ إحْدَاثِ النَّصَارَى؛ فَإِنَّهُمْ هُمْ الَّذِينَ نَقَبُوا حُجْرَةَ الْخَلِيلِ بَعْدَ أَنْ كَانَتْ مَسْدُودَةً لَا يَدْخُلُ أَحَدٌ إلَيْهَا. وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ إحْدَاثِ بَعْضِ جُهَّالِ الْمُسْلِمِينَ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَامَ هُنَاكَ رَقْصٌ وَلَا شَبَّابَةٌ وَلَا مَا يُشْبِهُ ذَلِكَ بَلْ يَجِبُ النَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ وَمَنْ أَصَرَّ عَلَى حُضُورِ ذَلِكَ مِنْ مُؤَذِّنٍ وَغَيْرِهِ قَدَحَ ذَلِكَ فِي عَدَالَتِهِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(27/111)

وَسُئِلَ - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ -:
عَنْ حُكْمِ قَوْلِ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ وَالْفُقَرَاءِ: إنَّ الدُّعَاءَ مُسْتَجَابٌ عِنْدَ قُبُورِ أَرْبَعَةٍ - مِنْ أَصْحَابِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ " قَبْرُ الفندلاوي " مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ و " قَبْرُ الْبُرْهَانِ البلخي " مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ و " قَبْرُ الشَّيْخِ نَصْرٍ المقدسي " مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ. و " قَبْرُ الشَّيْخِ أَبِي الْفَرَجِ " مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَد رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ؟ وَمَنْ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ عِنْدَ قُبُورِهِمْ وَدَعَا اُسْتُجِيبَ لَهُ؟ وَقَوْلُ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ عَنْ بَعْضِ الْمَشَايِخِ يُوصِيهِ: إذَا نَزَلَ بِك حَادِثٌ أَوْ أَمْرٌ تَخَافُهُ اسْتَوْحِنِي يَنْكَشِفُ عَنْك مَا تَجِدُهُ مِنْ الشِّدَّةِ: حَيًّا كُنْت أَوْ مَيِّتًا؟ وَمَنْ قَرَأَ آيَةَ الْكُرْسِيِّ وَاسْتَقْبَلَ جِهَةَ الشَّيْخِ عَبْدِ الْقَادِرِ الجيلاني وَسَلَّمَ عَلَيْهِ سَبْعَ مَرَّاتٍ يَخْطُو مَعَ كُلِّ تَسْلِيمَةٍ خَطْوَةً إلَى قَبْرِهِ قُضِيَتْ حَاجَتُهُ أَوْ كَانَ فِي سَمَاعٍ فَإِنَّهُ يَطِيبُ وَيَكْثُرُ التَّوَاجُدُ وَقَوْلُ الْفُقَرَاءِ: إنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَنْظُرُ إلَى الْفُقَرَاءِ بِتَجَلِّيهِ عَلَيْهِمْ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاطِنَ: عِنْدَ مَدِّ السِّمَاطِ وَعِنْدَ قِيَامِهِمْ فِي الِاسْتِغْفَارِ أَوْ الْمُجَارَاةِ الَّتِي بَيْنَهُمْ وَعِنْدَ السَّمَاعِ؟ وَمَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ الْمُتَعَبِّدِينَ مِنْ الدُّعَاءِ عِنْدَ قَبْرِ زَكَرِيَّا وَقَبْرِ هُودٍ وَالصَّلَاةِ عِنْدَهُمَا وَالْمَوْقِفِ بَيْنَ شَرْقِيِّ رِوَاقِ الْجَامِعِ بِبَابِ الطَّهَارَةِ بِدِمَشْقَ
(27/112)

وَالدُّعَاءِ عِنْدَ الْمُصْحَفِ الْعُثْمَانِيِّ وَمَنْ أَلْصَقَ ظَهْرَهُ الْمَوْجُوعَ بِالْعَمُودِ الَّذِي عِنْدَ رَأْسِ قَبْرِ مُعَاوِيَةَ عِنْدَ الشُّهَدَاءِ بِبَابِ الصَّغِيرِ. فَهَلْ لِلدُّعَاءِ خُصُوصِيَّةُ قَبُولٍ أَوْ سُرْعَةُ إجَابَةٍ بِوَقْتِ مَخْصُوصٍ أَوْ مَكَانٍ مُعَيَّنٍ: عِنْدَ قَبْرِ نَبِيٍّ أَوْ وَلِيٍّ أَوْ يَجُوزُ أَنْ يَسْتَغِيثَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي الدُّعَاءِ بِنَبِيِّ مُرْسَلٍ أَوْ مَلَكٍ مُقَرَّبٍ أَوْ بِكَلَامِهِ تَعَالَى أَوْ بِالْكَعْبَةِ أَوْ بِالدُّعَاءِ الْمَشْهُورِ بِاحْتِيَاطِ قَافٍ أَوْ بِدُعَاءِ أُمِّ دَاوُد أَوْ الْخَضِرِ؟ ؟ . وَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يُقْسِمَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي السُّؤَالِ بِحَقِّ فُلَانٍ بِحُرْمَةِ فُلَانٍ بِجَاهِ الْمُقَرَّبِينَ بِأَقْرَبَ الْخَلْقِ أَوْ يُقْسِمَ بِأَفْعَالِهِمْ وَأَعْمَالِهِمْ؟ وَهَلْ يَجُوزُ تَعْظِيمُ مَكَانٍ فِيهِ خَلُوقٌ وَزَعْفَرَانٌ وَسَرْجٌ؛ لِكَوْنِهِ رَأَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَنَامِ عِنْدَهُ أَوْ يَجُوزُ تَعْظِيمُ شَجَرَةٍ يُوجَدُ فِيهَا خِرَقٌ مُعَلَّقَةٌ وَيُقَالُ: هَذِهِ مُبَارَكَةٌ يَجْتَمِعُ إلَيْهَا الرِّجَالُ الْأَوْلِيَاءُ؟ وَهَلْ يَجُوزُ تَعْظِيمُ جَبَلٍ أَوْ زِيَارَتُهُ أَوْ زِيَارَةُ مَا فِيهِ مِنْ الْمَشَاهِدِ وَالْآثَارِ وَالدُّعَاءُ فِيهَا وَالصَّلَاةُ كَمَغَارَةِ الدَّمِ وَكَهْفِ آدَمَ وَالْآثَارِ. وَمَغَارَةِ الْجُوعِ وَقَبْرِ شيث وَهَابِيلَ وَنُوحٍ وَإِلْيَاسَ وحزقيل وشيبال الرَّاعِي وَإِبْرَاهِيمَ بْنِ أَدْهَمَ بِجِبِلَّةِ وَعُشِّ الْغُرَابِ بِبَعْلَبَكَّ وَمَغَارَةِ الْأَرْبَعِينَ وَحَمَّامِ طبرية وَزِيَارَةُ عَسْقَلَانَ وَمَسْجِدِ صَالِحٍ بعكا - وَهُوَ مَشْهُورٌ بِالْحُرُمَاتِ وَالتَّعْظِيمِ وَالزِّيَارَاتِ؟ .
(27/113)

وَهَلْ يَجُوزُ تَحَرِّي الدُّعَاءِ عِنْدَ الْقُبُورِ وَأَنْ تُقَبَّلَ أَوْ يُوقَدَ عِنْدَهَا الْقَنَادِيلُ وَالسُّرُجُ؟ وَهَلْ يَحْصُلُ لِلْأَمْوَاتِ بِهَذِهِ الْأَفْعَالِ مِنْ الْأَحْيَاءِ مَنْفَعَةٌ أَوْ مَضَرَّةٌ؟ وَهَلْ الدُّعَاءُ عِنْدَ " الْقَدَمِ النَّبَوِيِّ " بِدَارِ الْحَدِيثِ الأشرفية بِدِمَشْقَ وَغَيْرِهِ وَقَدَمِ مُوسَى وَمَهْدِ عِيسَى " وَمَقَامِ إبْرَاهِيمَ وَرَأْسِ الْحُسَيْنِ وصهيب الرُّومِيِّ وَبِلَالٍ الْحَبَشِيِّ وَأُوَيْسٍ القرني وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ - كُلَّهُ فِي سَائِرِ الْبِلَادِ وَالْقُرَى وَالسَّوَاحِلِ وَالْجِبَالِ وَالْمَشَاهِدِ وَالْمَسَاجِدِ وَالْجَوَامِعِ؟ . وَكَذَلِكَ قَوْلُهُمْ: الدُّعَاءُ مُسْتَجَابٌ عِنْدَ بُرْجِ " بَابِ كيسان " بَيْنَ بَابَيْ الصَّغِيرِ وَالشَّرْقِيِّ مُسْتَدْبِرًا لَهُ مُتَوَجِّهًا إلَى الْقِبْلَةِ وَالدُّعَاءُ عِنْدَ دَاخِلِ بَابِ الْفَرَّادِينَ؟ فَهَلْ ثَبَتَ شَيْءٌ فِي إجَابَةِ الْأَدْعِيَةِ فِي هَذِهِ الْأَمَاكِنِ أَمْ لَا؟ وَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يُسْتَغَاثَ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى بِأَنْ يَقُولَ: يَا جَاهَ مُحَمَّدٍ أَوْ يَا لَسِتِّ نَفِيسَةَ أَوْ يَا سَيِّدِي أَحْمَد أَوْ إذَا عَثَرَ أَحَدٌ وَتَعَسَّرَ أَوْ قَفَزَ مِنْ مَكَانٍ إلَى مَكَانٍ يَقُولُ: يال عَلِيٍّ أَوْ يال الشَّيْخِ فُلَانٍ: أَمْ لَا؟ وَهَلْ تَجُوزُ النُّذُورُ لِلْأَنْبِيَاءِ أَوْ لِلْمَشَايِخِ: مِثْلُ الشَّيْخِ جاكير أَوْ أَبِي الْوَفَاءِ أَوْ نُورِ الدِّينِ الشَّهِيدِ أَوْ غَيْرِهِمْ أَمْ لَا؟ وَكَذَلِكَ هَلْ تَجُوزُ النُّذُورُ لِقُبُورِ أَحَدٍ مِنْ آلِ بَيْتِ النُّبُوَّةِ وَمُدْرِكِهِ وَالْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَمَشَايِخِ الْعِرَاقِ وَالْعَجَمِ وَمِصْرَ وَالْحِجَازِ وَالْيَمَنِ وَالْهِنْدِ وَالْمَغْرِبِ وَجَمِيعِ الْأَرْضِ وَجَبَلِ قَانٍ وَغَيْرِهَا أَمْ لَا؟ .
(27/114)

فَأَجَابَ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، أَمَّا قَوْلُ الْقَائِلِ: إنَّ الدُّعَاءَ مُسْتَجَابٌ عِنْدَ قُبُورِ الْمَشَايِخِ الْأَرْبَعَةِ الْمَذْكُورِينَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - فَهُوَ مِنْ جِنْسِ قَوْلِ غَيْرِهِ: قَبْرُ فُلَانٍ هُوَ التِّرْيَاقُ الْمُجَرَّبُ وَمِنْ جِنْسِ مَا يَقُولُهُ أَمْثَالُ هَذَا الْقَائِلِ: مِنْ أَنَّ الدُّعَاءَ مُسْتَجَابٌ عِنْدَ قَبْرِ فُلَانٍ وَفُلَانٍ. فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ يَقُولُ مِثْلَ هَذَا الْقَوْلِ عِنْدَ بَعْضِ الْقُبُورِ ثُمَّ قَدْ يَكُونُ ذَلِكَ الْقَبْرُ قَدْ عُلِمَ أَنَّهُ قَبْرُ رَجُلٍ صَالِحٍ مِنْ الصَّحَابَةِ أَوْ أَهْلِ الْبَيْتِ أَوْ غَيْرِهِمْ مِنْ الصَّالِحِينَ وَقَدْ يَكُونُ نِسْبَةُ ذَلِكَ الْقَبْرِ إلَى ذَلِكَ كَذِبًا أَوْ مَجْهُولَ الْحَالِ: مِثْلُ أَكْثَرِ مَا يُذْكَرُ مِنْ قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ وَقَدْ يَكُونُ صَحِيحًا وَالرَّجُلِ لَيْسَ بِصَالِحِ فَإِنَّ هَذِهِ الْأَقْسَامَ مَوْجُودَةٌ فِيمَنْ يَقُولُ مِثْلَ هَذَا الْقَوْلِ أَوْ مَنْ يَقُولُ: إنَّ الدُّعَاءَ مُسْتَجَابٌ عِنْدَ قَبْرٍ بِعَيْنِهِ وَأَنَّهُ اُسْتُجِيبَ لَهُ الدُّعَاءُ عِنْدَهُ وَالْحَالُ أَنَّ ذَاكَ إمَّا قَبْرُ مَعْرُوفٍ بِالْفِسْقِ وَالِابْتِدَاعِ وَإِمَّا قَبْرُ كَافِرٍ كَمَا رَأَيْنَا مَنْ دَعَا فَكُشِفَ لَهُ حَالُ الْقُبُورِ فَبُهِتَ لِذَلِكَ وَرَأَيْنَا مِنْ ذَلِكَ أَنْوَاعًا. وَأَصْلُ هَذَا: أَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ: إنَّ الدُّعَاءَ مُسْتَجَابٌ عِنْدَ قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ قَوْلٌ لَيْسَ لَهُ أَصْلٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَلَا سُنَّةِ رَسُولِهِ وَلَا قَالَهُ أَحَدٌ مِنْ الصَّحَابَةِ وَلَا التَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانِ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ الْمَشْهُورِينَ بِالْإِمَامَةِ فِي الدِّينِ؛ كَمَالِكِ وَالثَّوْرِيِّ وَالْأَوْزَاعِي وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقَ
(27/115)

بْنِ رَاهَوَيْه وَأَبِي عُبَيْدَةَ وَلَا مَشَايِخِهِمْ الَّذِينَ يُقْتَدَى بِهِمْ: كالْفُضَيْل بْنِ عِيَاضٍ وَإِبْرَاهِيمَ بْنِ أَدْهَمَ؟ وَأَبِي سُلَيْمَانَ الداراني وَأَمْثَالِهِمْ. وَلَمْ يَكُنْ فِي الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَالْأَئِمَّةِ وَالْمَشَايِخِ الْمُتَقَدِّمِينَ مَنْ يَقُولُ: إنَّ الدُّعَاءَ مُسْتَجَابٌ عِنْدَ قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ لَا مُطْلَقًا وَلَا مُعَيَّنًا. وَلَا فِيهِمْ مَنْ قَالَ: إنَّ دُعَاءَ الْإِنْسَانِ عِنْدَ قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ أَفْضَلُ مِنْ دُعَائِهِ فِي غَيْرِ تِلْكَ الْبُقْعَةِ وَلَا إنَّ الصَّلَاةَ فِي تِلْكَ الْبُقْعَةِ أَفْضَلُ مِنْ الصَّلَاةِ فِي غَيْرِهَا. وَلَا فِيهِمْ مَنْ كَانَ يَتَحَرَّى الدُّعَاءَ وَلَا الصَّلَاةَ عِنْدَ هَذِهِ الْقُبُورِ؛ بَلْ أَفْضَلُ الْخَلْقِ وَسَيِّدُهُمْ هُوَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَيْسَ فِي الْأَرْضِ قَبْرٌ اتَّفَقَ النَّاسُ عَلَى أَنَّهُ قَبْرُ نَبِيٍّ غَيْرَ قَبْرِهِ وَقَدْ اخْتَلَفُوا فِي قَبْرِ الْخَلِيلِ وَغَيْرِهِ - وَاتَّفَقَ الْأَئِمَّةُ عَلَى أَنَّهُ يُسَلَّمُ عَلَيْهِ عِنْدَ زِيَارَتِهِ وَعَلَى صَاحِبَيْهِ لِمَا فِي السُّنَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ. " {مَا مِنْ رَجُلٍ يُسَلِّمُ عَلَيَّ إلَّا رَدَّ اللَّهُ عَلَيَّ رُوحِي حَتَّى أَرُدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ} وَهُوَ حَدِيثٌ جَيِّدٌ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَالدَّارَقُطْنِي عَنْهُ: " {مَنْ سَلَّمَ عَلَيَّ عِنْدَ قَبْرِي سَمِعْته وَمَنْ صَلَّى عَلَيَّ نَائِيًا أُبْلِغْته} وَفِي إسْنَادِهِ لَيِّنٌ. لَكِنْ لَهُ شَوَاهِدُ ثَابِتَةٌ؛ فَإِنَّ إبْلَاغَ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامِ عَلَيْهِ مِنْ الْبُعْدِ قَدْ رَوَاهُ أَهْلُ السُّنَنِ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ. كَمَا فِي السُّنَنِ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: " {أَكْثِرُوا عَلَيَّ مِنْ الصَّلَاةِ يَوْمَ الْجُمْعَةِ وَلَيْلَةَ الْجُمْعَةِ
(27/116)

فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَلَيَّ. قَالُوا: كَيْفَ تُعْرَضُ صَلَاتُنَا عَلَيْك وَقَدْ أَرَمْت؟ أَيْ بَلِيتَ. فَقَالَ: إنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَرَّمَ عَلَى الْأَرْضِ أَنْ تَأْكُلَ لُحُومَ الْأَنْبِيَاءِ} وَفِي النَّسَائِي وَغَيْرِهِ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: " {إنَّ اللَّهَ وَكَّلَ بِقَبْرِي مَلَائِكَةً يُبَلِّغُونِي عَنْ أُمَّتِي السَّلَامَ} . وَمَعَ هَذَا لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ إنَّ الدُّعَاءَ مُسْتَجَابٌ عِنْدَ قَبْرِهِ وَلَا أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَحَرَّى الدُّعَاءَ مُتَوَجِّهًا إلَى قَبْرِهِ بَلْ نَصُّوا عَلَى نَقِيضِ ذَلِكَ وَاتَّفَقُوا كُلُّهُمْ عَلَى أَنَّهُ لَا يَدْعُو مُسْتَقْبِلَ الْقَبْرِ. وَتَنَازَعُوا فِي السَّلَامِ عَلَيْهِ. فَقَالَ الْأَكْثَرُونَ كَمَالِكِ وَأَحْمَد وَغَيْرِهِمَا: يُسَلِّمُ عَلَيْهِ مُسْتَقْبِلَ الْقَبْرِ وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ وَأَظُنُّهُ مَنْقُولًا عَنْهُ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ: بَلْ يُسَلِّمُ عَلَيْهِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ؛ بَلْ نَصَّ أَئِمَّةُ السَّلَفِ عَلَى أَنَّهُ لَا يُوقَفُ عِنْدَهُ لِلدُّعَاءِ مُطْلَقًا كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ إسْمَاعِيلُ بْنُ إسْحَاقَ فِي " كِتَابِ الْمَبْسُوطِ " وَذَكَرَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ. قَالَ مَالِكٌ: لَا أَرَى أَنْ يَقِفَ عِنْدَ قَبْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَدْعُوَ؛ وَلَكِنْ يُسَلِّمُ وَيَمْضِي. وَقَالَ أَيْضًا فِي " الْمَبْسُوطِ " لَا بَأْسَ لِمَنْ قَدِمَ مَنْ سَفَرٍ أَوْ خَرَجَ إلَى سَفَرٍ أَنْ يَقِفَ عَلَى قَبْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيُصَلِّي عَلَيْهِ وَيَدْعُو لَهُ وَلِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ. فَقِيلَ لَهُ: فَإِنَّ نَاسًا مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَا يَقْدَمُونَ مِنْ سَفَرٍ وَلَا يُرِيدُونَهُ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ فِي الْيَوْمِ مَرَّةً أَوْ أَكْثَرَ وَرُبَّمَا وَقَفُوا فِي الْجُمْعَة أَوْ فِي الْيَوْمِ الْمَرَّةَ وَالْمَرَّتَيْنِ أَوْ
(27/117)

أَكْثَرَ عِنْدَ الْقَبْرِ فَيُسَلِّمُونَ وَيَدْعُونَ سَاعَةً فَقَالَ: لَمْ يَبْلُغْنِي هَذَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْفِقْهِ بِبَلْدَتِنَا وَلَا يُصْلِحُ آخِرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ إلَّا مَا أَصْلَحَ أَوَّلَهَا وَلَمْ يَبْلُغْنِي عَنْ أَوَّلِ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَصَدْرِهَا أَنَّهُمْ كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ؛ إلَّا مَنْ جَاءَ مَنْ سَفَرٍ أَوْ أَرَادَهُ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: رَأَيْت أَهْلَ الْمَدِينَةِ إذَا خَرَجُوا مِنْهَا أَوْ دَخَلُوهَا أَتَوْا الْقَبْرَ وَسَلَّمُوا. قَالَ: وَذَلِكَ دَأْبِي. فَهَذَا مَالِكٌ وَهُوَ أَعْلَمُ أَهْلِ زَمَانِهِ - أَيْ زَمَنِ تَابِعِ التَّابِعِينَ بِالْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ الَّذِينَ كَانَ أَهْلُهَا فِي زَمَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَتَابِعِيهِمْ أَعْلَمَ النَّاسِ بِمَا يُشْرَعُ عِنْدَ قَبْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَكْرَهُونَ الْوُقُوفَ لِلدُّعَاءِ بَعْدَ السَّلَامِ عَلَيْهِ. وَبَيَّنَ أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ هُوَ الدُّعَاءُ لَهُ وَلِصَاحِبَيْهِ وَهُوَ الْمَشْرُوعُ مِنْ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ وَأَنَّ ذَلِكَ أَيْضًا لَا يُسْتَحَبُّ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ كُلَّ وَقْتٍ. بَلْ عِنْدَ الْقُدُومِ مِنْ سَفَرٍ أَوْ إرَادَتِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ تَحِيَّةٌ لَهُ وَالْمُحَيَّا لَا يُقْصَدُ بَيْتُهُ كُلَّ وَقْتٍ لِتَحِيَّتِهِ؛ بِخِلَافِ الْقَادِمَيْنِ مِنْ السَّفَرِ. وَقَالَ مَالِكٌ فِي رِوَايَةِ أَبِي وَهْبٍ: إذَا سَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقِفُ وَجْهَهُ إلَى الْقَبْرِ؛ لَا إلَى الْقِبْلَةِ وَيَدْنُو وَيُسَلِّمُ وَلَا يَمَسُّ الْقَبْرَ بِيَدِهِ. وَكَرِهَ مَالِكٌ أَنْ يُقَالَ: زُرْنَا قَبْرَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: كَرَاهَةُ مَالِكٍ لَهُ لِإِضَافَتِهِ إلَى قَبْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِقَوْلِهِ: " {اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلُ قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَدُ اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى قَوْمٍ
(27/118)

اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ} يَنْهَى عَنْ إضَافَةِ هَذَا اللَّفْظِ إلَى الْقَبْرِ وَالتَّشَبُّهِ بِفِعْلِ ذَلِكَ؛ قَطْعًا لِلذَّرِيعَةِ وَحَسْمًا لِلْبَابِ. قُلْت: وَالْأَحَادِيثُ الْكَثِيرَةُ الْمَرْوِيَّةُ فِي زِيَارَةِ قَبْرِهِ كُلُّهَا ضَعِيفَةٌ بَلْ مَوْضُوعَةٌ. لَمْ يَرْوِ الْأَئِمَّةُ وَلَا أَهْلُ السُّنَنِ الْمُتَّبَعَةِ - كَسُنَنِ أَبِي دَاوُد وَالنَّسَائِي وَنَحْوِهِمَا فِيهَا شَيْئًا وَلَكِنْ جَاءَ لَفْظُ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فِي غَيْرِ هَذَا الْحَدِيثِ: مِثْلُ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " {كُنْت نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ. أَلَّا فَزُورُوهَا فَإِنَّهَا تُذَكِّرُكُمْ الْآخِرَةَ} وَكَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعَلِّمُ أَصْحَابَهُ إذَا زَارُوا الْقُبُورَ أَنْ يَقُولَ أَحَدُهُمْ: " {السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الدِّيَارِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ وَإِنَّا إنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ يَرْحَمُ اللَّهُ الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنَّا وَمِنْكُمْ وَالْمُسْتَأْخِرِين نَسْأَلُ اللَّهَ لَنَا وَلَكُمْ الْعَافِيَة} . وَلَكِنْ صَارَ لَفْظُ " زِيَارَةِ الْقُبُورِ " فِي عُرْفِ كَثِيرٍ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ يَتَنَاوَلُ " الزِّيَارَةَ الْبِدْعِيَّةَ وَالزِّيَارَةَ الشَّرْعِيَّةَ " وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَسْتَعْمِلُونَهَا إلَّا بِالْمَعْنَى الْبِدْعِيِّ؛ لَا الشَّرْعِيِّ؛ فَلِهَذَا كُرِهَ هَذَا الْإِطْلَاقُ. فَأَمَّا " الزِّيَارَةُ الشَّرْعِيَّةُ " فَهِيَ مِنْ جِنْسِ الصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ: يُقْصَدُ بِهَا الدُّعَاءَ لِلْمَيِّتِ كَمَا يُقْصَدُ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ كَمَا قَالَ اللَّهُ فِي حَقِّ الْمُنَافِقِينَ: {وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ} فَلَمَّا نَهَى عَنْ
(27/119)

الصَّلَاةِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ وَالْقِيَامِ عَلَى قُبُورِهِمْ: دَلَّ ذَلِكَ بِطَرِيقِ مَفْهُومِ الْخِطَابِ وَعِلَّةِ الْحُكْمِ أَنَّ ذَلِكَ مَشْرُوعٌ فِي حَقِّ الْمُؤْمِنِينَ. وَالْقِيَامُ عَلَى قَبْرِهِ بَعْدَ الدَّفْنِ هُوَ مِنْ جِنْسِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ قَبْلَ الدَّفْنِ يُرَادُ بِهِ الدُّعَاءُ لَهُ. وَهَذَا هُوَ الَّذِي مَضَتْ بِهِ السُّنَّةُ وَاسْتَحَبَّهُ السَّلَفُ عِنْدَ زِيَارَةِ قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ. وَأَمَّا " الزِّيَارَةُ الْبِدْعِيَّةُ " فَهِيَ مِنْ جِنْسِ الشِّرْكِ وَالذَّرِيعَةِ إلَيْهِ كَمَا فَعَلَ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى عِنْدَ قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْأَحَادِيثِ الْمُسْتَفِيضَةِ عَنْهُ فِي الصِّحَاحِ وَالسُّنَنِ وَالْمَسَانِيدِ: " {لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ يُحَذِّرُ مَا صَنَعُوا} وَقَالَ: " {إنَّ مَنْ كَانَ قَبْلكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ الْقُبُورَ مَسَاجِدَ أَلَا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ فَإِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ} وَقَالَ: " {إنَّ مِنْ شِرَارِ النَّاسِ مَنْ تُدْرِكُهُمْ السَّاعَةُ وَهُمْ أَحْيَاءُ وَاَلَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْقُبُورَ مَسَاجِدَ} وَقَالَ: " {لَعَنَ اللَّهُ زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ وَالْمُتَّخِذِينَ عَلَيْهَا الْمَسَاجِدَ وَالسُّرُجَ} فَإِذَا كَانَ قَدْ لَعَنَ مَنْ يَتَّخِذُ قُبُورَ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ مَسَاجِدَ امْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ تَحَرِّيهَا لِلدُّعَاءِ مُسْتَحَبًّا لِأَنَّ الْمَكَانَ الَّذِي يُسْتَحَبُّ فِيهِ الدُّعَاءُ يُسْتَحَبُّ فِيهِ الصَّلَاةُ لِأَنَّ الدُّعَاءَ عَقِبَ الصَّلَاةِ أجوب. وَلَيْسَ فِي الشَّرِيعَةِ مَكَانٌ يُنْهَى عَنْ الصَّلَاةِ عِنْدَهُ مَعَ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ الدُّعَاءُ عِنْدَهُ. وَقَدْ نَصَّ الْأَئِمَّةُ كَالشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ عَنْ ذَلِكَ مُعَلَّلٌ
(27/120)

بِخَوْفِ الْفِتْنَةِ بِالْقَبْرِ لَا بِمُجَرَّدِ نَجَاسَتِهِ كَمَا يَظُنُّ ذَلِكَ بَعْضُ النَّاسِ؛ وَلِهَذَا كَانَ السَّلَفُ يَأْمُرُونَ بِتَسْوِيَةِ الْقُبُورِ وَتَعْفِيَةِ مَا يُفْتَتَنُ بِهِ مِنْهَا كَمَا أَمَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ بِتَعْفِيَةِ قَبْرِ دَانْيَالَ لَمَّا ظَهَرَ بتستر فَإِنَّهُ كَتَبَ إلَيْهِ أَبُو مُوسَى يَذْكُرُ أَنَّهُ قَدْ ظَهَرَ قَبْرُ دَانْيَالَ وَأَنَّهُمْ كَانُوا يَسْتَسْقُونَ بِهِ فَكَتَبَ إلَيْهِ عُمَرُ يَأْمُرُهُ أَنْ يَحْفِرَ بِالنَّهَارِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ قَبْرًا ثُمَّ يَدْفِنُهُ بِاللَّيْلِ فِي وَاحِدٍ مِنْهَا وَيُعْفِيهِ لِئَلَّا يَفْتَتِنَ بِهِ النَّاسُ. وَاَلَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ الْأَئِمَّةِ كَانَ مَعْرُوفًا عِنْد السَّلَفِ كَمَا رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى الموصلي فِي " مُسْنَدِهِ " وَذَكَرَهُ الْحَافِظُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ المقدسي فِي " مُخْتَارِهِ " عَنْ {عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ الْمَعْرُوفِ بِزَيْنِ الْعَابِدِينَ - أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا يَجِيءُ إلَى فُرْجَةٍ كَانَتْ عِنْدَ قَبْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَدْخُلُ فَيَدْعُو فِيهَا فَنَهَاهُ فَقَالَ: أَلَا أُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا سَمِعْته مِنْ أَبِي عَنْ جَدِّي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ: لَا تَتَّخِذُوا قَبْرِي عِيدًا وَلَا بُيُوتَكُمْ قُبُورًا؛ فَإِنَّ تَسْلِيمَكُمْ يَبْلُغُنِي أَيْنَمَا كُنْتُمْ} . وَهَذَا الْحَدِيثُ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " {لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قُبُورًا وَلَا تَجْعَلُوا قَبْرِي عِيدًا وَصَلُّوا عَلَيَّ فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ تَبْلُغُنِي حَيْثُ كُنْتُمْ} وَفِي سُنَنِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ أَخْبَرَنِي سُهَيْلُ بْنُ أَبِي سُهَيْلٍ قَالَ: رَآنِي الْحَسَنُ بْنُ
(27/121)

الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عِنْدَ الْقَبْرِ فَنَادَانِي وَهُوَ فِي بَيْتِ فَاطِمَةَ يَتَعَشَّى فَقَالَ: هَلُمَّ إلَى الْعَشَاءِ فَقُلْت: لَا أُرِيدُهُ فَقَالَ: مَالِي رَأَيْتُك عِنْدَ الْقَبْرِ فَقُلْت: سَلَّمْت عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَقَالَ: إذَا دَخَلْت الْمَسْجِدَ فَسَلِّمْ ثُمَّ قَالَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " {لَا تَتَّخِذُوا بَيْتِي عِيدًا وَلَا تَتَّخِذُوا بُيُوتَكُمْ مَقَابِرَ؛ لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ وَصَلُّوا عَلَيَّ فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ تَبْلُغُنِي حَيْثُمَا كُنْتُمْ مَا أَنْتُمْ وَمَنْ بِالْأَنْدَلُسِ إلَّا سَوَاءٌ} . وَقَدْ بُسِطَ الْكَلَامُ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ. فَإِذَا كَانَ هَذَا هُوَ الْمَشْرُوعَ فِي قَبْرِ سَيِّدِ وَلَدٍ آدَمَ وَخَيْرِ الْخَلْقِ وَأَكْرَمِهِمْ عَلَى اللَّهِ فَكَيْفَ يُقَالُ فِي قَبْرِ غَيْرِهِ وَقَدْ تَوَاتَرَ عَنْ الصَّحَابَةِ أَنَّهُمْ كَانُوا إذَا نَزَلَتْ بِهِمْ الشَّدَائِدُ - كَحَالِهِمْ فِي الْجَدْبِ وَالِاسْتِسْقَاءِ وَعِنْدَ الْقِتَالِ وَالِاسْتِنْصَارِ - يَدْعُونَ اللَّهَ وَيَسْتَغِيثُونَهُ فِي الْمَسَاجِدِ وَالْبُيُوتِ وَلَمْ يَكُونُوا يَقْصِدُونَ الدُّعَاءَ عِنْدَ قَبْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا غَيْرِهِ مِنْ قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ؛ بَلْ قَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: اللَّهُمَّ إنَّا كُنَّا إذَا أَجْدَبْنَا تَوَسَّلْنَا إلَيْك بِنَبِيِّنَا فَتَسْقِيَنَا وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إلَيْك بِعَمِّ نَبِيِّنَا فَاسْقِنَا فَيُسْقَوْنَ. فَتَوَسَّلُوا بِالْعَبَّاسِ كَمَا كَانُوا يَتَوَسَّلُونَ بِهِ وَهُوَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَوَسَّلُونَ بِدُعَائِهِ وَشَفَاعَتِهِ وَهَكَذَا تَوَسَّلُوا بِدُعَاءِ الْعَبَّاسِ وَشَفَاعَتِهِ وَلَمْ يَقْصِدُوا الدُّعَاءَ عِنْدَ قَبْرِ
(27/122)

النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا أَقْسَمُوا عَلَى اللَّهِ بِشَيْءِ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ بَلْ تَوَسَّلُوا إلَيْهِ بِمَا شَرَعَهُ مِنْ الْوَسَائِلِ وَهِيَ الْأَعْمَالُ الصَّالِحَةُ وَدُعَاءُ الْمُؤْمِنِينَ كَمَا يَتَوَسَّلُ الْعَبْدُ إلَى اللَّهِ بِالْإِيمَانِ بِنَبِيِّهِ وَبِمَحَبَّتِهِ وَمُوَالَاتِهِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَالسَّلَامِ وَكَمَا يَتَوَسَّلُونَ فِي حَيَاتِهِ بِدُعَائِهِ وَشَفَاعَتِهِ كَذَلِكَ يَتَوَسَّلُ الْخَلْقُ فِي الْآخِرَةِ بِدُعَائِهِ وَشَفَاعَتِهِ. وَيَتَوَسَّلُ بِدُعَاءِ الصَّالِحِينَ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " {وَهَلْ تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُونَ إلَّا بِضُعَفَائِكُمْ: بِدُعَائِهِمْ وَصَلَاتِهِمْ وَاسْتِغْفَارِهِمْ} . وَمِنْ الْمَعْلُومِ بِالِاضْطِرَارِ أَنَّ الدُّعَاءَ عِنْدَ الْقُبُورِ لَوْ كَانَ أَفْضَلَ مِنْ الدُّعَاءِ عِنْدَ غَيْرِهَا وَهُوَ أَحَبُّ إلَى اللَّهِ وأجوب: لَكَانَ السَّلَفُ أَعْلَمَ بِذَلِكَ مِنْ الْخَلَفِ " وَكَانُوا أَسْرَعَ إلَيْهِ. فَإِنَّهُمْ كَانُوا أَعْلَمَ بِمَا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَيَرْضَاهُ وَأَسْبَقَ إلَى طَاعَتِهِ وَرِضَاهُ وَلَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُبَيِّنُ ذَلِكَ وَيُرَغِّبُ فِيهِ؛ فَإِنَّهُ أَمَرَ بِكُلِّ مَعْرُوفٍ وَنَهَى عَنْ كُلِّ مُنْكَرٍ وَمَا تَرَكَ شَيْئًا يُقَرِّبُ إلَى الْجَنَّةِ إلَّا وَقَدْ حَدَّثَ أُمَّتَهُ بِهِ وَلَا شَيْئًا يُبْعِدُ عَنْ النَّارِ إلَّا وَقَدْ حَذَّرَ أُمَّتَهُ مِنْهُ وَقَدْ تَرَكَ أُمَّتَهُ عَلَى الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا لَا يَنْزَوِي عَنْهَا بَعْدَهُ إلَّا هَالِكٌ. فَكَيْفَ وَقَدْ نَهَى عَنْ هَذَا الْجِنْسِ وَحَسَمَ مَادَّتَهُ بِلَعْنِهِ وَنَهْيِهِ عَنْ اتِّخَاذِ الْقُبُورِ مَسَاجِدَ؟ فَنَهَى عَنْ الصَّلَاةِ لِلَّهِ مُسْتَقْبِلًا لَهَا وَإِنْ كَانَ الْمُصَلِّي لَا يَعْبُدُ الْمَوْتَى وَلَا يَدْعُوهُمْ كَمَا نُهِيَ عَنْ الصَّلَاةِ وَقْتَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَوَقْتَ الْغُرُوبِ؛ لِأَنَّهَا
(27/123)

وَقْتُ سُجُودِ الْمُشْرِكِينَ لِلشَّمْسِ وَإِنْ كَانَ الْمُصَلِّي لَا يَسْجُدُ إلَّا لِلَّهِ؛ سَدًّا لِلذَّرِيعَةِ. فَكَيْفَ إذَا تَحَقَّقَتْ الْمَفْسَدَةُ بِأَنْ صَارَ الْعَبْدُ يَدْعُو الْمَيِّتَ وَيَدْعُو بِهِ كَمَا إذَا تَحَقَّقَتْ الْمَفْسَدَةُ بِالسُّجُودِ لِلشَّمْسِ وَقْتَ الطُّلُوعِ وَوَقْتَ الْغُرُوبِ. وَقَدْ كَانَ أَصْلُ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ مِنْ تَعْظِيمِ الْقُبُورِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا} قَالَ السَّلَفُ كَابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ: كَانَ هَؤُلَاءِ قَوْمًا صَالِحِينَ فِي قَوْمِ نُوحٍ فَلَمَّا مَاتُوا عَكَفُوا عَلَى قُبُورِهِمْ ثُمَّ صَوَّرُوا تَمَاثِيلَهُمْ ثُمَّ عَبَدُوهُمْ. ثُمَّ مِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ بِمَقَابِرَ " بَابِ الصَّغِيرِ " مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَتَابِعِيهِمْ مَنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْ هَؤُلَاءِ الْمَشَايِخِ الْأَرْبَعَةِ فَكَيْفَ يُعَيَّنُ هَؤُلَاءِ لِلدُّعَاءِ عِنْدَ قُبُورِهِمْ دُونَ مَنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْهُمْ ثُمَّ إنَّ لِكُلِّ شَيْخٍ مِنْ هَؤُلَاءِ وَنَحْوِهِمْ مَنْ يُحِبُّهُ وَيُعَظِّمُهُ بِالدُّعَاءِ دُونَ الشَّيْخِ الْآخَرِ فَهَلْ أَمَرَ اللَّهُ بِالدُّعَاءِ عِنْدَ وَاحِدٍ دُونَ غَيْرِهِ كَمَا يَفْعَلُ الْمُشْرِكُونَ بِهِمْ؟ الَّذِينَ ضَاهَوْا الَّذِينَ {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إلَّا لِيَعْبُدُوا إلَهًا وَاحِدًا لَا إلَهَ إلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} .
(27/124)

فَصْلٌ:
وَأَمَّا مَا حُكِيَ عَنْ بَعْضِ الْمَشَايِخِ مِنْ قَوْلِهِ: إذَا نَزَلَ بِك حَادِثٌ أَوْ أَمْرٌ تَخَافُهُ فَاسْتَوْحِنِي فَيُكْشَفُ مَا بِك مِنْ الشِّدَّةِ حَيًّا كُنْت أَوْ مَيِّتًا. فَهَذَا الْكَلَامُ وَنَحْوُهُ إمَّا أَنْ يَكُونَ كَذِبًا مِنْ النَّاقِلِ أَوْ خَطَأً مِنْ الْقَائِلِ؛ فَإِنَّهُ نَقْلٌ لَا يُعْرَفُ صِدْقُهُ عَنْ قَائِلٍ غَيْرِ مَعْصُومٍ وَمَنْ تَرَكَ النَّقْلَ الْمُصَدَّقَ عَنْ الْقَائِلِ الْمَعْصُومِ وَاتَّبَعَ نَقْلًا غَيْرَ مُصَدَّقٍ عَنْ قَائِلٍ غَيْرِ مَعْصُومٍ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا. وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَأْمُرْ بِمِثْلِ هَذَا " وَلَا رُسُلُهُ أَمَرُوا بِذَلِكَ؛ بَلْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ} {وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ} وَلَمْ يَقُلْ: ارْغَبْ إلَى الْأَنْبِيَاءِ وَالْمَلَائِكَةِ وَقَالَ تَعَالَى: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا} {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا} قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ السَّلَفِ: كَانَ أَقْوَامٌ يَدْعُونَ الْعُزَيْرَ وَالْمَسِيحَ وَالْمَلَائِكَةَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ. وَهَذَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَقُلْ لِأَحَدِ مِنْ أَصْحَابِهِ: إذَا
(27/125)

نَزَلَ بِك حَادِثٌ فَاسْتَوْحِنِي؛ بَلْ قَالَ لِابْنِ عَمِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ وَهُوَ يُوصِيهِ: " {احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْك احْفَظْ اللَّهَ تَجِدْهُ أَمَامَك تَعَرَّفَ إلَى اللَّهِ فِي الرَّخَاءِ يَعْرِفْك فِي الشِّدَّةِ إذَا سَأَلْت فَاسْأَلْ اللَّهَ وَإِذَا اسْتَعَنْت فَاسْتَعِنْ بِاَللَّهِ} . وَمَا يَرْوِيهِ بَعْضُ الْعَامَّةِ مِنْ أَنَّهُ قَالَ: " {إذَا سَأَلْتُمْ اللَّهَ فَاسْأَلُوهُ بِجَاهِي؛ فَإِنَّ جَاهِي عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ} . فَهُوَ حَدِيثٌ كَذِبٌ مَوْضُوعٌ لَمْ يَرْوِهِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَلَا هُوَ فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِ الْمُسْلِمِينَ الْمُعْتَمَدَةِ فِي الدِّينِ؛ فَإِنْ كَانَ لِلْمَيِّتِ فَضِيلَةٌ فَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْلَى بِكُلِّ فَضِيلَةٍ وَأَصْحَابُهُ مِنْ بَعْدِهِ. وَإِنْ كَانَ مَنْفَعَةٌ لِلْحَيِّ بِالْمَيِّتِ فَأَصْحَابُهُ أَحَقُّ النَّاسِ انْتِفَاعًا بِهِ حَيًّا وَمَيِّتًا. فَعُلِمَ أَنَّ هَذَا مِنْ الضَّلَالِ وَإِنْ كَانَ بَعْضُ الشُّيُوخِ قَالَ ذَلِكَ فَهُوَ خَطَأٌ مِنْهُ وَاَللَّهُ يَغْفِرُ لَهُ إنْ كَانَ مُجْتَهِدًا مُخْطِئًا. وَلَيْسَ هُوَ بِنَبِيِّ يَجِبُ اتِّبَاعُ قَوْلِهِ وَلَا مَعْصُومٍ فِيمَا يَأْمُرُ بِهِ وَيَنْهَى عَنْهُ. وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} .
فَصْلٌ:
وَأَمَّا قَوْلُ الْقَائِلِ: مَنْ قَرَأَ " آيَةَ الْكُرْسِيِّ " وَاسْتَقْبَلَ جِهَةَ الشَّيْخِ
(27/126)

عَبْدِ الْقَادِرِ الجيلاني - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَخَطَا سَبْعَ خُطُوَاتٍ يَخْطُو مَعَ كُلِّ تَسْلِيمَةٍ خَطْوَةً إلَى قَبْرِهِ قُضِيَتْ حَاجَتُهُ أَوْ كَانَ فِي سَمَاعٍ فَإِنَّهُ يَطِيبُ وَيَكْثُرُ تَوَاجُدُهُ. فَهَذَا أَمْرٌ الْقُرْبَةُ فِيهِ شِرْكٌ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ وَلَا رَيْبَ أَنَّ الشَّيْخَ عَبْدَ الْقَادِرِ لَمْ يَقُلْ هَذَا وَلَا أَمَرَ بِهِ وَمَنْ يَقُلْ مِثْلَ ذَلِكَ عَنْهُ فَقَدْ كَذَبَ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا يُحْدِثُ مِثْلَ هَذِهِ الْبِدَعِ أَهْلُ الْغُلُوِّ وَالشِّرْكِ: الْمُشْبِهُونَ لِلنَّصَارَى مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ الرَّافِضَةِ الْغَالِيَةِ فِي الْأَئِمَّةِ وَمَنْ أَشْبَهَهُمْ مِنْ الْغُلَاةِ فِي الْمَشَايِخِ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: " {لَا تَجْلِسُوا عَلَى الْقُبُورِ وَلَا تُصَلُّوا إلَيْهَا} فَإِذَا نَهَى عَنْ اسْتِقْبَالِ الْقَبْرِ فِي الصَّلَاةِ لِلَّهِ فَكَيْفَ يَجُوزُ التَّوَجُّهُ إلَيْهِ وَالدُّعَاءُ لِغَيْرِ اللَّهِ مَعَ بُعْدِ الدَّارِ وَهَلْ هَذَا إلَّا مِنْ جِنْسِ مَا يَفْعَلُهُ النَّصَارَى بِعِيسَى وَأُمِّهِ وَأَحْبَارِهِمْ وَرُهْبَانِهِمْ فِي اتِّخَاذِهِمْ إيَّاهُمْ أَرْبَابًا وَآلِهَةً يَدْعُونَهُمْ وَيَسْتَغِيثُونَهُم فِي مَطَالِبِهِمْ وَيَسْأَلُونَهُمْ وَيَسْأَلُونَ بِهِمْ.
فَصْلٌ:
وَأَمَّا قَوْلُ: مَنْ قَالَ: إنَّ اللَّهَ يَنْظُرُ إلَى الْفُقَرَاءِ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاطِنَ: عِنْدَ الْأَكْلِ وَالْمُنَاصَحَةِ وَالسَّمَاعِ. فَهَذَا الْقَوْلُ رُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ بَعْضِ الشُّيُوخِ قَالَ: إنَّ اللَّهَ يَنْظُرُ إلَيْهِمْ عِنْدَ الْأَكْلِ؛ فَإِنَّهُمْ يَأْكُلُونَ بِإِيثَارِ
(27/127)

وَعِنْدَ الْمُجَارَاةِ فِي الْعِلْمِ. لِأَنَّهُمْ يَقْصِدُونَ الْمُنَاصَحَةَ وَعِنْدَ السَّمَاعِ؛ لِأَنَّهُمْ يَسْمَعُونَ لِلَّهِ. أَوْ كَلَامًا يُشْبِهُ هَذَا. وَالْأَصْلُ الْجَامِعُ فِي هَذَا أَنَّ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ - وَهُوَ مَا كَانَ لِلَّهِ بِإِذْنِ اللَّهِ - فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّهُ وَيَنْظُرُ إلَيْهِ فِيهِ نَظَرَ مَحَبَّةٍ. وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ هُوَ الْخَالِصُ الصَّوَابُ. فَالْخَالِصُ مَا كَانَ لِلَّهِ وَالصَّوَابُ مَا كَانَ بِأَمْرِ اللَّهِ وَلَا رَيْبَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُوَاكَلَةِ وَالْمُخَاطَبَةِ وَالِاسْتِمَاعِ مِنْهَا مَا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَمِنْهَا مَا لَا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَمِنْهَا مَا يَشْتَمِلُ عَلَى خَيْرٍ وَشَرٍّ وَحَقٍّ وَبَاطِلٍ وَمَصْلَحَةٍ وَمَفْسَدَةٍ وَحُكْمُ كُلُّ وَاحِدٍ بِحَسَبِهِ.
فَصْلٌ:
وَمَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ النَّاسِ مِنْ تَحَرِّي الصَّلَاةِ وَالدُّعَاءِ عِنْدَ مَا يُقَالُ: إنَّهُ قَبْرُ نَبِيٍّ أَوْ قَبْرُ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالْقَرَابَةِ أَوْ مَا يَقْرُبُ مِنْ ذَلِكَ أَوْ إلْصَاقُ بَدَنِهِ أَوْ شَيْءٍ مِنْ بَدَنِهِ بِالْقَبْرِ أَوْ بِمَا يُجَاوِرُ الْقَبْرَ مِنْ عُودٍ وَغَيْرِهِ. كَمَنْ يَتَحَرَّى الصَّلَاةَ وَالدُّعَاءَ فِي قِبْلِيِّ شَرْقِيِّ جَامِعِ دِمَشْقَ عِنْدَ الْمَوْضِعِ الَّذِي يُقَالُ إنَّهُ قَبْرُ هُودٍ - وَاَلَّذِي عَلَيْهِ الْعُلَمَاءُ أَنَّهُ قَبْرُ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ - أَوْ عِنْدَ الْمِثَالِ الْخَشَبِ الَّذِي يُقَالُ تَحْتَهُ رَأْسُ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا وَنَحْوَ ذَلِكَ: فَهُوَ مُخْطِئٌ مُبْتَدِعٌ مُخَالِفٌ لِلسُّنَّةِ؛ فَإِنَّ
(27/128)

الصَّلَاةَ وَالدُّعَاءَ بِهَذِهِ الْأَمْكِنَةِ لَيْسَ مَزِيَّةً عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا وَلَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ؛ بَلْ كَانُوا يَنْهَوْنَ عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ كَمَا نَهَاهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَسْبَابِ ذَلِكَ وَدَوَاعِيهِ وَإِنْ لَمْ يَقْصِدُوا دُعَاءَ الْقَبْرِ وَالدُّعَاءَ بِهِ فَكَيْفَ إذَا قَصَدُوا ذَلِكَ.
فَصْلٌ:
وَأَمَّا قَوْلُهُ: هَلْ لِلدُّعَاءِ خُصُوصِيَّةُ قَبُولٍ أَوْ سُرْعَةُ إجَابَةٍ: بِوَقْتِ مُعَيَّنٍ أَوْ مَكَانٍ مُعَيَّنٍ: عِنْدَ قَبْرِ نَبِيٍّ أَوْ وَلِيٍّ؟ فَلَا رَيْبَ أَنَّ الدُّعَاءَ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ وَالْأَحْوَالِ أجوب مِنْهُ فِي بَعْضٍ. فَالدُّعَاءُ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ أجوب الْأَوْقَاتِ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: " {يَنْزِلُ رَبُّنَا إلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْأَخِيرُ وَفِي رِوَايَةٍ نِصْفُ اللَّيْلِ - فَيَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ} وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ: " {أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الرَّبُّ مِنْ عَبْدِهِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ الْأَخِيرِ} وَالدُّعَاءِ مُسْتَجَابٌ عِنْدَ نُزُولِ الْمَطَرِ وَعِنْدَ الْتِحَامِ الْحَرْبِ وَعِنْدَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ وَفِي أَدْبَارِ الصَّلَوَاتِ وَفِي حَالِ السُّجُودِ وَدَعْوَةُ الصَّائِمِ وَدَعْوَةُ الْمُسَافِرِ وَدَعْوَةُ الْمَظْلُومِ وَأَمْثَالُ ذَلِكَ. فَهَذَا كُلُّهُ مِمَّا جَاءَتْ بِهِ
(27/129)

الْأَحَادِيثُ الْمَعْرُوفَةُ فِي الصِّحَاحِ وَالسُّنَنِ وَالدُّعَاءُ بِالْمَشَاعِرِ كَعَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ وَمِنًى وَالْمُلْتَزَمِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ مَشَاعِرَ مَكَّةَ وَالدُّعَاءُ بِالْمَسَاجِدِ مُطْلَقًا. وَكُلَّمَا فُضِّلَ الْمَسْجِدُ كَالْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ كَانَتْ الصَّلَاةُ وَالدُّعَاءُ فِيهِ أَفْضَلَ. وَأَمَّا الدُّعَاءُ لِأَجْلِ كَوْنِ الْمَكَانِ فِيهِ قَبْرُ نَبِيٍّ أَوْ وَلِيٍّ فَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا: إنَّ الدُّعَاءَ فِيهِ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهِ وَلَكِنَّ هَذَا مِمَّا ابْتَدَعَهُ بَعْضُ أَهْلِ الْقِبْلَةِ مُضَاهَاةً لِلنَّصَارَى وَغَيْرِهِمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ. فَأَصْلُهُ مِنْ دِينِ الْمُشْرِكِينَ؛ لَا مِنْ دِينِ عِبَادِ اللَّهِ الْمُخْلِصِينَ؛ كَاِتِّخَاذِ الْقُبُورِ مَسَاجِدَ؛ فَإِنَّ هَذَا لَمْ يَسْتَحِبَّهُ أَحَدٌ مِنْ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا وَلَكِنْ ابْتَدَعَهُ بَعْضُ أَهْلِ الْقِبْلَةِ؛ مُضَاهَاةً لِمَنْ لَعَنَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى.
فَصْلٌ:
وَأَمَّا قَوْلُ السَّائِلِ: هَلْ يَجُوزُ أَنْ يَسْتَغِيثَ إلَى اللَّهِ فِي الدُّعَاءِ بِنَبِيِّ مُرْسَلٍ أَوْ مَلَكٍ مُقَرَّبٍ أَوْ بِكَلَامِهِ تَعَالَى أَوْ بِالْكَعْبَةِ أَوْ بِالدُّعَاءِ الْمَشْهُورِ بِاحْتِيَاطِ قَافٍ أَوْ بِدُعَاءِ أُمِّ دَاوُد أَوْ الْخَضِرِ أَوْ يَجُوزُ أَنْ يُقْسِمَ عَلَى اللَّهِ فِي السُّؤَالِ بِحَقِّ فُلَانٍ بِحُرْمَةِ فُلَانٍ بِجَاهِ الْمُقَرَّبِينَ
(27/130)

بِأَقْرَبِ الْخَلْقِ أَوْ يُقْسِمَ بِأَعْمَالِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ؟ فَيُقَالُ: هَذَا السُّؤَالُ فِيهِ فُصُولٌ مُتَعَدِّدَةٌ. فَأَمَّا الْأَدْعِيَةُ الَّتِي جَاءَتْ بِهَا السُّنَّةُ فَفِيهَا سُؤَالُ اللَّهِ بِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَالِاسْتِعَاذَةُ بِكَلَامِهِ كَمَا فِي الْأَدْعِيَةِ الَّتِي فِي السُّنَنِ: مِثْلُ قَوْلِهِ: " {اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك بِأَنَّ لَك الْحَمْدُ أَنْتَ اللَّهُ بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ} وَمِثْلُ قَوْلِهِ: " {اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك بِأَنَّك أَنْتَ اللَّهُ الْأَحَدُ الصَّمَدُ الَّذِي لَمْ يَلِدُ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} وَمِثْلُ الدُّعَاءِ الَّذِي فِي الْمُسْنَدِ: " {اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَك سَمَّيْت بِهِ نَفْسَك أَوْ أَنْزَلْته فِي كِتَابِك أَوْ عَلَّمْته أَحَدًا مَنْ خَلْقِك أَوْ اسْتَأْثَرْت بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَك} . وَأَمَّا الْأَدْعِيَةُ الَّتِي يَدْعُو بِهَا بَعْضُ الْعَامَّةِ وَيَكْتُبُهَا بَاعَةُ الحروز مِنْ الطرقية الَّتِي فِيهَا: أَسْأَلُك بِاحْتِيَاطِ قَاف وَهُوَ يُوفِ الْمُخَافِ وَالطُّورِ وَالْعَرْشِ وَالْكُرْسِيِّ وَزَمْزَمَ وَالْمَقَامِ وَالْبَلَدِ الْحَرَامِ. وَأَمْثَالِ هَذِهِ الْأَدْعِيَةِ. فَلَا يُؤْثَرُ مِنْهَا شَيْءٌ؛ لَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا عَنْ الصَّحَابَةِ وَلَا عَنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَلَيْسَ لِأَحَدِ أَنْ يُقْسِمَ بِهَذِهِ بِحَالِ؛ بَلْ قَدْ ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: " {مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاَللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ} وَقَالَ " {مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ أَشْرَكَ} فَلَيْسَ لِأَحَدِ أَنْ يُقْسِمَ بِالْمَخْلُوقَاتِ أَلْبَتَّةَ وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(27/131)

{إنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ لَمَّا قَالَ أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ: أَتُكْسَرُ ثَنِيَّةُ الربيع؟ لَا وَاَلَّذِي بَعَثَك بِالْحَقِّ لَا تُكْسَرُ ثَنِيَّةُ الربيع} وَكَمَا قَالَ الْبَرَاءُ بْنُ مَالِكٍ: أَقْسَمْت عَلَيْك أَيْ رَبِّ؛ إلَّا فَعَلْت كَذَا وَكَذَا " وَكِلَاهُمَا كَانَ مِمَّنْ يَبَرُّ اللَّهُ قَسَمَهُ. وَالْعَبْدُ يَسْأَلُ رَبَّهُ بِالْأَسْبَابِ الَّتِي تَقْتَضِي مَطْلُوبَهُ وَهِيَ الْأَعْمَالُ الصَّالِحَةُ الَّتِي وَعَدَ الثَّوَابَ عَلَيْهَا. وَدُعَاءُ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ وَعَدَ إجَابَتَهُمْ كَمَا كَانَ الصَّحَابَةُ يَتَوَسَّلُونَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِنَبِيِّهِ ثُمَّ بِعَمِّهِ وَغَيْرِ عَمِّهِ مِنْ صَالِحِيهِمْ: يَتَوَسَّلُونَ بِدُعَائِهِ وَشَفَاعَتِهِ كَمَا فِي الصَّحِيحِ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - اسْتَسْقَى بِالْعَبَّاسِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إنَّا كُنَّا نَتَوَسَّلُ إلَيْك بِنَبِيِّنَا فَتَسْقِيَنَا وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إلَيْك بِعَمِّ نَبِيِّنَا فَاسْقِنَا فَيُسْقَوْنَ. فَتَوَسَّلُوا بَعْدَ مَوْتِهِ بِالْعَبَّاسِ كَمَا كَانُوا يَتَوَسَّلُونَ بِهِ وَهُوَ تَوَسُّلُهُمْ بِدُعَائِهِ وَشَفَاعَتِهِ. وَمِنْ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ أَهْلُ السُّنَنِ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ: " {أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اُدْعُ اللَّهَ أَنْ يَرُدَّ عَلَيَّ بَصَرِي فَأَمَرَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ وَيُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ وَيَقُولَ: اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك وَأَتَوَجَّهُ إلَيْك بِنَبِيِّك مُحَمَّدٍ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ يَا مُحَمَّدُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أَتَوَجَّهُ بِك إلَى رَبِّي فِي حَاجَتِي لِيَقْضِيَهَا اللَّهُمَّ: فَشَفِّعْهُ فِيَّ} فَهَذَا طَلَبَ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَمَرَهُ أَنْ يَسْأَلَ اللَّهَ أَنْ يَقْبَلَ شَفَاعَةَ النَّبِيِّ لَهُ فِي تَوَجُّهِهِ بِنَبِيِّهِ إلَى اللَّهِ هُوَ كَتَوَسُّلِ غَيْرِهِ مِنْ الصَّحَابَةِ بِهِ إلَى اللَّهِ فَإِنَّ
(27/132)

هَذَا التَّوَجُّهَ وَالتَّوَسُّلَ هُوَ تَوَجُّهٌ وَتَوَسُّلٌ بِدُعَائِهِ وَشَفَاعَتِهِ. وَأَمَّا قَوْلُ الْقَائِلِ: أَسْأَلُك أَوْ أُقْسِمُ عَلَيْك بِحَقِّ مَلَائِكَتِك أَوْ بِحَقِّ أَنْبِيَائِك أَوْ بِنَبِيِّك فُلَانٍ أَوْ بِرَسُولِك فُلَانٍ أَوْ بِالْبَيْتِ الْحَرَامِ أَوْ بِزَمْزَمَ وَالْمَقَامِ أَوْ بِالطُّورِ وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. فَهَذَا النَّوْعُ مِنْ الدُّعَاءِ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا أَصْحَابِهِ وَلَا التَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانِ بَلْ قَدْ نَصَّ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ كَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ - كَأَبِي يُوسُفَ وَغَيْرِهِ مِنْ الْعُلَمَاءِ - عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ مِثْلُ هَذَا الدُّعَاءِ فَإِنَّهُ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ بِمَخْلُوقِ وَلَا يَصِحُّ الْقَسَمُ بِغَيْرِ اللَّهِ وَإِنْ سَأَلَهُ بِهِ عَلَى أَنَّهُ سَبَبٌ وَوَسِيلَةٌ إلَى قَضَاءِ حَاجَتِهِ. أَمَّا إذَا سَأَلَ اللَّهَ بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ وَبِدُعَاءِ نَبِيِّهِ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِهِ فَالْأَعْمَالُ الصَّالِحَةُ سَبَبٌ لِلْإِثَابَةِ وَالدُّعَاءُ سَبَبٌ لِلْإِجَابَةِ فَسُؤَالُهُ بِذَلِكَ سُؤَالٌ بِمَا هُوَ سَبَبٌ لِنَيْلِ الْمَطْلُوبِ وَهَذَا مَعْنَى مَا يُرْوَى فِي دُعَاءِ الْخُرُوجِ إلَى الصَّلَاةِ: " {اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك بِحَقِّ السَّائِلِينَ عَلَيْك وَبِحَقِّ مَمْشَايَ هَذَا} وَكَذَلِكَ أَهْلُ الْغَارِ الَّذِينَ دَعَوْا اللَّهَ بِأَعْمَالِهِمْ الصَّالِحَةِ. فَالتَّوَسُّلُ إلَى اللَّهِ بِالنَّبِيِّينَ هُوَ التَّوَسُّلُ بِالْإِيمَانِ بِهِمْ وَبِطَاعَتِهِمْ كَالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيْهِمْ وَمَحَبَّتِهِمْ وَمُوَالَاتِهِمْ أَوْ بِدُعَائِهِمْ وَشَفَاعَتِهِمْ. وَأَمَّا نَفْسُ ذَوَاتِهِمْ فَلَيْسَ فِيهَا مَا يَقْتَضِي حُصُولَ مَطْلُوبِ الْعَبْدِ وَإِنْ كَانَ لَهُمْ عِنْدَ اللَّهِ الْجَاهُ الْعَظِيمُ وَالْمَنْزِلَةُ الْعَالِيَةُ بِسَبَبِ إكْرَامِ اللَّهِ لَهُمْ وَإِحْسَانِهِ إلَيْهِمْ وَفَضْلِهِ عَلَيْهِمْ وَلَيْسَ
(27/133)

فِي ذَلِكَ مَا يَقْتَضِي إجَابَةَ دُعَاءِ غَيْرِهِمْ إلَّا أَنْ يَكُونَ بِسَبَبِ مِنْهُ إلَيْهِمْ كَالْإِيمَانِ بِهِمْ وَالطَّاعَةِ لَهُمْ أَوْ بِسَبَبِ مِنْهُمْ إلَيْهِ: كَدُعَائِهِمْ لَهُ وَشَفَاعَتِهِمْ فِيهِ. فَهَذَانِ الشَّيْئَانِ يُتَوَسَّلُ بِهِمَا. وَأَمَّا الْإِقْسَامُ بِالْمَخْلُوقِ فَلَا. وَمَا يَذْكُرُهُ بَعْضُ الْعَامَّةِ مِنْ قَوْلِهِ: " {إذَا سَأَلْتُمْ اللَّهَ فَاسْأَلُوهُ بِجَاهِي فَإِنَّ جَاهِي عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ} حَدِيثٌ كَذِبٌ مَوْضُوعٌ.
فَصْلٌ:
وَأَمَّا قَوْلُ السَّائِلِ: هَلْ يَجُوزُ تَعْظِيمُ مَكَانٍ فِيهِ خَلُوقٌ وَزَعْفَرَانٌ؛ لِكَوْنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رُئِيَ عِنْدَهُ. فَيُقَالُ: بَلْ تَعْظِيمُ مِثْلِ هَذِهِ الْأَمْكِنَةِ وَاِتِّخَاذُهَا مَسَاجِدَ وَمَزَارَاتٍ لِأَجْلِ ذَلِكَ هُوَ مِنْ أَعْمَالِ أَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِينَ نُهِينَا عَنْ التَّشَبُّهِ بِهِمْ فِيهَا. وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ فِي السَّفَرِ فَرَأَى قَوْمًا يَبْتَدِرُونَ مَكَانًا فَقَالَ: مَا هَذَا فَقَالُوا: مَكَانٌ صَلَّى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَقَالَ: وَمَكَانٌ صَلَّى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَتَّخِذُوا آثَارَ أَنْبِيَائِكُمْ مَسَاجِدَ مَنْ أَدْرَكَتْهُ فِيهِ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ وَإِلَّا فَلْيَمْضِ وَهَذَا قَالَهُ عُمَرُ بِمَحْضَرِ مِنْ الصَّحَابَةِ. وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي فِي أَسْفَارِهِ
(27/134)

فِي مَوَاضِعَ وَكَانَ الْمُؤْمِنُونَ يَرَوْنَهُ فِي الْمَنَامِ فِي مَوَاضِعَ وَمَا اتَّخَذَ السَّلَفُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ مَسْجِدًا وَلَا مَزَارًا. وَلَوْ فُتِحَ هَذَا الْبَابُ لَصَارَ كَثِيرٌ مِنْ دِيَارِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ أَكْثَرُهَا مَسَاجِدَ وَمَزَارَاتٍ؛ فَإِنَّهُمْ لَا يَزَالُونَ يَرَوْنَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَنَامِ وَقَدْ جَاءَ إلَى بُيُوتِهِمْ وَمِنْهُمْ مَنْ يَرَاهُ مِرَارًا كَثِيرَةً وَتَخْلِيقُ هَذِهِ الْأَمْكِنَةِ بِالزَّعْفَرَانِ بِدْعَةٌ مَكْرُوهَةٌ. وَأَمَّا مَا يَزِيدُهُ الْكَذَّابُونَ عَلَى ذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يُرَى فِي الْمَكَانِ أَثَرُ قَدَمٍ فَيُقَالُ: هَذَا قَدَمُهُ وَنَحْوُ ذَلِكَ: فَهَذَا كُلُّهُ كَذِبٌ وَالْأَقْدَامُ الْحِجَارَةُ الَّتِي يَنْقُلُهَا مَنْ يَنْقُلُهَا وَيَقُولُ: إنَّهَا مَوْضِعُ قَدَمِهِ كَذِبٌ مُخْتَلَقٌ وَلَوْ كَانَتْ حَقًّا لَسُنَّ لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَتَّخِذُوا ذَلِكَ مَسْجِدًا وَمَزَارًا بَلْ لَمْ يَأْمُرْ اللَّهُ أَنْ يُتَّخَذَ مَقَامُ نَبِيٍّ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ مُصَلًّى إلَّا مَقَامَ إبْرَاهِيمَ بِقَوْلِهِ: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} كَمَا أَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْ بِالِاسْتِلَامِ وَالتَّقْبِيلِ لِحَجَرِ مِنْ الْحِجَارَةِ إلَّا الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ وَلَا بِالصَّلَاةِ إلَى بَيْتٍ إلَّا الْبَيْتَ الْحَرَامَ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَاسَ غَيْرُ ذَلِكَ عَلَيْهِ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ بَلْ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ جَعَلَ لِلنَّاسِ حَجًّا إلَى غَيْرِ الْبَيْتِ الْعَتِيقِ أَوْ صِيَامَ شَهْرٍ مَفْرُوضٍ غَيْرَ صِيَامِ شَهْرِ رَمَضَانَ وَأَمْثَالُ ذَلِكَ. فَصَخْرَةُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ لَا يُسَنُّ اسْتِلَامُهَا وَلَا تَقْبِيلُهَا بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ بَلْ لَيْسَ لِلصَّلَاةِ عِنْدَهَا وَالدُّعَاءِ خُصُوصِيَّةٌ عَلَى سَائِرَ بِقَاعِ الْمَسْجِدِ. وَالصَّلَاةُ وَالدُّعَاءُ فِي قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ الَّذِي بَنَاهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لِلْمُسْلِمِينَ
(27/135)

أَفْضَلُ مِنْ الصَّلَاةِ وَالدُّعَاءِ عِنْدَهَا وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لَمَّا فَتَحَ الْبَلَدَ قَالَ لِكَعْبِ الْأَحْبَارِ: أَيْنَ تَرَى أَنْ أَبْنِي مُصَلَّى الْمُسْلِمِينَ؟ قَالَ: ابْنِهِ خَلْفَ الصَّخْرَةِ. قَالَ خَالَطَتْك يَهُودِيَّةٌ يَا ابْنَ الْيَهُودِيَّةِ بَلْ أَبْنِيهِ أَمَامَهَا؛ فَإِنَّ لَنَا صُدُورُ الْمَسَاجِدِ. فَبَنَى هَذَا الْمُصَلَّى الَّذِي تُسَمِّيهِ الْعَامَّةُ " الْأَقْصَى ". وَلَمْ يَتَمَسَّحْ بِالصَّخْرَةِ وَلَا قَبَّلَهَا وَلَا صَلَّى عِنْدَهَا كَيْفَ وَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُ فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ لَمَّا قَبَّلَ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ قَالَ. وَاَللَّهِ إنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّك حَجَرٌ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَبِّلُك لَمَا قَبَّلْتُك. وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ إذَا أَتَى الْمَسْجِدَ الْأَقْصَى يُصَلِّي فِيهِ وَلَا يَأْتِي الصَّخْرَةَ وَكَذَلِكَ غَيْرُهُ مِنْ السَّلَفِ. وَكَذَلِكَ حُجْرَةُ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحُجْرَةُ الْخَلِيلِ وَغَيْرُهُمَا مِنْ الْمَدَافِنِ الَّتِي فِيهَا نَبِيٌّ أَوْ رَجُلٌ صَالِحٌ: لَا يُسْتَحَبُّ تَقْبِيلُهَا وَلَا التَّمَسُّحُ بِهَا بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ؛ بَلْ مَنْهِيٌّ عَنْ ذَلِكَ. وَأَمَّا السُّجُودُ لِذَلِكَ فَكُفْرٌ وَكَذَلِكَ خِطَابُهُ بِمِثْلِ مَا يُخَاطَبُ بِهِ الرَّبُّ: مِثْلُ قَوْلِ الْقَائِلِ: اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي أَوْ اُنْصُرْنِي عَلَى عَدُوِّي وَنَحْوَ ذَلِكَ.
فَصْلٌ:
وَأَمَّا الْأَشْجَارُ وَالْأَحْجَارُ وَالْعُيُونُ وَنَحْوُهَا مِمَّا يَنْذِرُ لَهَا بَعْضُ الْعَامَّةِ
(27/136)

أَوْ يُعَلِّقُونَ بِهَا خِرَقًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ أَوْ يَأْخُذُونَ وَرَقَهَا يَتَبَرَّكُونَ بِهِ أَوْ يُصَلُّونَ عِنْدَهَا أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ: فَهَذَا كُلُّهُ مِنْ الْبِدَعِ الْمُنْكَرَةِ وَهُوَ مِنْ عَمَلِ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ وَمِنْ أَسْبَابِ الشِّرْكِ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَقَدْ {كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ شَجَرَةٌ يُعَلِّقُونَ بِهَا أَسْلِحَتَهُمْ يُسَمُّونَهَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ فَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ كَمَا لَهُمْ ذَاتُ أَنْوَاطٍ فَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ قُلْتُمْ: كَمَا قَالَ قَوْمُ مُوسَى لِمُوسَى {اجْعَلْ لَنَا إلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ} إنَّهَا السُّنَنُ لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ: شِبْرًا بِشِبْرِ وَذِرَاعًا بِذِرَاعِ حَتَّى لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ دَخَلَ جُحْرَ ضَبٍّ لَدَخَلْتُمْ وَحَتَّى لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ جَامَعَ امْرَأَتَهُ فِي الطَّرِيقِ لَفَعَلْتُمُوهُ} . وَقَدْ بَلَغَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَنَّ قَوْمًا يَقْصِدُونَ الصَّلَاةَ عِنْدَ " الشَّجَرَةِ " الَّتِي كَانَتْ تَحْتَهَا بَيْعَةُ الرِّضْوَانِ الَّتِي بَايَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّاسَ تَحْتَهَا فَأَمَرَ بِتِلْكَ الشَّجَرَةِ فَقُطِعَتْ. وَقَدْ اتَّفَقَ عُلَمَاءُ الدِّينِ عَلَى أَنَّ مَنْ نَذَرَ عِبَادَةً فِي بُقْعَةٍ مِنْ هَذِهِ الْبِقَاعِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ نَذْرًا يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ وَلَا مَزِيَّةَ لِلْعِبَادَةِ فِيهَا.
فَصْلٌ:
وَأَصْلُ هَذَا الْبَابِ أَنَّهُ لَيْسَ فِي شَرِيعَةِ الْإِسْلَامِ بُقْعَةٌ تُقْصَدُ لِعِبَادَةِ
(27/137)

اللَّهِ فِيهَا بِالصَّلَاةِ وَالدُّعَاءِ وَالذِّكْرِ وَالْقِرَاءَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ إلَّا مَسَاجِدُ الْمُسْلِمِينَ وَمَشَاعِرُ الْحَجِّ. وَأَمَّا الْمَشَاهِدُ الَّتِي عَلَى الْقُبُورِ سَوَاءٌ جُعِلَتْ مَسَاجِدَ أَوْ لَمْ تُجْعَلْ أَوْ الْمَقَامَاتُ الَّتِي تُضَافُ إلَى بَعْضِ الْأَنْبِيَاءِ أَوْ الصَّالِحِينَ أَوْ الْمَغَارَاتُ وَالْكُهُوفُ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ: مِثْلُ " الطُّورِ " الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مُوسَى وَمِثْلُ " غَارِ حِرَاءَ " الَّذِي كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَحَنَّثُ فِيهِ قَبْلَ نُزُولِ الْوَحْيِ عَلَيْهِ و " الْغَارِ " الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ فِي قَوْلِهِ: {ثَانِيَ اثْنَيْنِ إذْ هُمَا فِي الْغَارِ} وَالْغَارِ الَّذِي بِجَبَلِ قاسيون بِدِمَشْقَ الَّذِي يُقَالُ لَهُ " مَغَارَةُ الدَّمِ " وَالْمَقَامَانِ اللَّذَانِ بِجَانِبَيْهِ الشَّرْقِيِّ وَالْغَرْبِيِّ: يُقَالُ لِأَحَدِهِمَا: " مَقَامُ إبْرَاهِيمَ " وَيُقَالُ لِلْآخَرِ: " مَقَامُ عِيسَى " وَمَا أَشْبَهَ هَذِهِ الْبِقَاعَ وَالْمَشَاهِدَ فِي شَرْقِ الْأَرْضِ وَغَرْبِهَا: فَهَذِهِ لَا يُشْرَعُ السَّفَرُ إلَيْهَا لِزِيَارَتِهَا وَلَوْ نَذَرَ نَاذِرٌ السَّفَرَ إلَيْهَا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْوَفَاءُ بِنَذْرِهِ بِاتِّفَاقِ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ؛ بَلْ قَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ - وَهُوَ يُرْوَى عَنْ غَيْرِهِمَا - أَنَّهُ قَالَ " {لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى وَمَسْجِدِي هَذَا} . وَقَدْ كَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا فَتَحُوا هَذِهِ الْبِلَادَ بِلَادَ الشَّامِ وَالْعِرَاقِ وَمِصْرَ وَخُرَاسَانَ وَالْمَغْرِبِ وَغَيْرِهَا لَا يَقْصِدُونَ هَذِهِ الْبِقَاعَ وَلَا يَزُورُونَهَا وَلَا يَقْصِدُونَ الصَّلَاةَ وَالدُّعَاءَ فِيهَا. بَلْ كَانُوا
(27/138)

مُسْتَمْسِكِينَ بِشَرِيعَةِ نَبِيِّهِمْ: يَعْمُرُونَ الْمَسَاجِدَ الَّتِي قَالَ اللَّهُ فِيهَا: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ} وَقَالَ: {إنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إلَّا اللَّهَ} وَقَالَ تَعَالَى: {قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} وَقَالَ تَعَالَى: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} . وَأَمْثَالَ هَذِهِ النُّصُوصِ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: " {صَلَاةُ الرَّجُلِ فِي الْمَسْجِدِ تَفْضُلُ عَلَى صَلَاتِهِ فِي بَيْتِهِ وَسُوقِهِ بِخَمْسِ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً وَذَلِكَ أَنَّ الرَّجُلَ إذَا تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ثُمَّ أَتَى الْمَسْجِدَ لَا يُنْهِزُهُ إلَّا الصَّلَاةُ فِيهِ: كَانَتْ خُطْوَتَاهُ إحْدَاهُمَا تَرْفَعُ دَرَجَةً وَالْأُخْرَى تَحُطُّ خَطِيئَةً. فَإِذَا جَلَسَ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ كَانَ فِي صَلَاةٍ مَا دَامَ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ فَإِذَا قَضَى الصَّلَاةَ فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تُصَلِّي عَلَى أَحَدِهِمْ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ: تَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ} . وَقَدْ تَنَازَعَ الْمُتَأَخِّرُونَ فِيمَنْ سَافَرَ لِزِيَارَةِ قَبْرِ نَبِيٍّ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِنْ الْمَشَاهِدِ. وَالْمُحَقِّقُونَ مِنْهُمْ قَالُوا: إنَّ هَذَا سَفَرُ مَعْصِيَةٍ وَلَا يَقْصُرُ الصَّلَاةَ فِيهِ كَمَا لَا يَقْصُرُ فِي سَفَرِ الْمَعْصِيَةِ كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ وَكَذَلِكَ ذَكَرَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ بَطَّةَ: أَنَّ هَذَا مِنْ الْبِدَعِ الْمُحْدَثَةِ فِي الْإِسْلَامِ. بَلْ نَفْسُ قَصْدِ هَذِهِ الْبِقَاعِ لِلصَّلَاةِ فِيهَا وَالدُّعَاءِ لَيْسَ لَهُ أَصْلٌ فِي شَرِيعَةِ الْمُسْلِمِينَ وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ - رَضِيَ اللَّهُ
(27/139)

عَنْهُمْ وَأَرْضَاهُمْ - أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَحَرَّوْنَ هَذِهِ الْبِقَاعَ لِلدُّعَاءِ وَالصَّلَاةِ؛ بَلْ لَا يَقْصِدُونَ إلَّا مَسَاجِدَ اللَّهِ بَلْ الْمَسَاجِدُ الْمَبْنِيَّةُ عَلَى غَيْرِ الْوَجْهِ الشَّرْعِيِّ لَا يَقْصِدُونَهَا أَيْضًا كَمَسْجِدِ الضِّرَارِ الَّذِي قَالَ اللَّهُ فِيهِ: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إنْ أَرَدْنَا إلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} {لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ} . بَلْ الْمَسَاجِدُ الْمَبْنِيَّةُ عَلَى قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ لَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ فِيهَا وَبِنَاؤُهَا مُحَرَّمٌ كَمَا قَدْ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ؛ لِمَا اسْتَفَاضَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصِّحَاحِ وَالسُّنَنِ وَالْمَسَانِيدِ أَنَّهُ قَالَ: " {إنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ الْقُبُورَ مَسَاجِدَ أَلَا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ فَإِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ} وَقَالَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ: " {لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ يُحَذِّرُ مَا فَعَلُوا قَالَتْ عَائِشَةُ: وَلَوْلَا ذَلِكَ لَأُبْرِزَ قَبْرُهُ} وَلَكِنْ كَرِهَ أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا. وَكَانَتْ " حُجْرَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " خَارِجَةً عَنْ مَسْجِدِهِ فَلَمَّا كَانَ فِي إمْرَةِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ كَتَبَ إلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ
(27/140)

عَامِلِهِ عَلَى الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ - أَنْ يَزِيدَ فِي الْمَسْجِدِ. فَاشْتَرَى حُجَرَ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَتْ شَرْقِيِّ الْمَسْجِدِ وَقِبْلَتَهُ فَزَادَهَا فِي الْمَسْجِدِ فَدَخَلَتْ الْحُجْرَةُ إذْ ذَاكَ فِي الْمَسْجِدِ وَبَنَوْهَا مُسَنَّمَةً عَنْ سَمْتِ الْقِبْلَةِ لِئَلَّا يُصَلِّيَ أَحَدٌ إلَيْهَا. وَكَذَلِكَ " قَبْرُ إبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ " لَمَّا فَتَحَ الْمُسْلِمُونَ الْبِلَادَ كَانَ عَلَيْهِ السُّورُ السُّلَيْمَانِيُّ وَلَا يَدْخُلُ إلَيْهِ أَحَدٌ وَلَا يُصَلِّي أَحَدٌ عِنْدَهُ بَلْ كَانَ مُصَلَّى الْمُسْلِمِينَ بِقَرْيَةِ الْخَلِيلِ بِمَسْجِدِ هُنَاكَ وَكَانَ الْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ عَلَى عَهْدِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ إلَى أَنْ نُقِبَ ذَلِكَ السُّورُ ثُمَّ جُعِلَ فِيهِ بَابٌ. وَيُقَالُ: إنَّ النَّصَارَى هُمْ نَقَبُوهُ وَجَعَلُوهُ كَنِيسَةً ثُمَّ لَمَّا أَخَذَ الْمُسْلِمُونَ مِنْهُمْ الْبِلَادَ جُعِلَ ذَلِكَ مَسْجِدًا؛ وَلِهَذَا كَانَ الْعُلَمَاءُ الصَّالِحُونَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ لَا يُصَلُّونَ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ. هَذَا إذَا كَانَ الْقَبْرُ صَحِيحًا فَكَيْفَ وَعَامَّةُ الْقُبُورِ الْمَنْسُوبَةِ إلَى الْأَنْبِيَاءِ كَذِبٌ مِثْلُ الْقَبْرِ الَّذِي يُقَالُ إنَّهُ " قَبْرُ نُوحٍ " فَإِنَّهُ كَذِبٌ لَا رَيْبَ فِيهِ وَإِنَّمَا أَظْهَرَهُ الْجُهَّالُ مِنْ مُدَّةٍ قَرِيبَةٍ وَكَذَلِكَ قَبْرُ غَيْرِهِ.
فَصْلٌ:
وَأَمَّا " عَسْقَلَانُ " فَإِنَّهَا كَانَتْ ثَغْرًا مِنْ ثُغُورِ الْمُسْلِمِينَ كَانَ صَالِحُو
(27/141)

الْمُسْلِمِينَ يُقِيمُونَ بِهَا لِأَجْلِ الرِّبَاطِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَهَكَذَا سَائِرُ الْبِقَاعِ الَّتِي مِثْلُ هَذَا الْجِنْسِ مِثْلُ " جَبَلِ لُبْنَانَ " و " الإسكندرية " وَمِثْلُ " عبادان " وَنَحْوِهَا بِأَرْضِ الْعِرَاقِ وَمِثْلُ " قَزْوِينَ " وَنَحْوِهَا مِنْ الْبِلَادِ الَّتِي كَانَتْ ثُغُورًا. فَهَذِهِ كَانَ الصَّالِحُونَ يَقْصِدُونَهَا؛ لِأَجْلِ الرِّبَاطِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنَّهُ قَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: " {رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ وَمَنْ مَاتَ مُرَابِطًا مَاتَ مُجَاهِدًا وَأُجْرِيَ عَلَيْهِ عَمَلُهُ وَأُجْرِيَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ مِنْ الْجَنَّةِ وَأَمِنَ الْفَتَّانَ} وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِ عَنْ عُثْمَانَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: " {رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ يَوْمٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنْ الْمَنَازِلِ} وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: لَأَنْ أُرَابِطَ لَيْلَةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَقُومَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ عِنْدَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ. وَلِهَذَا قَالَ الْعُلَمَاءُ: إنَّ الرِّبَاطَ بِالثُّغُورِ أَفْضَلُ مِنْ الْمُجَاوَرَةِ بِالْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ؛ لِأَنَّ الْمُرَابَطَةَ مَنْ جِنْسِ الْجِهَادِ وَالْمُجَاوَرَةَ مَنْ جِنْسِ الْحَجِّ. وَجِنْسُ الْجِهَادِ أَفْضَلُ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ جِنْسِ الْحَجِّ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} {الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ
(27/142)

وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ} {يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ} {خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} . فَهَذَا هُوَ الْأَصْلُ فِي تَعْظِيمِ هَذِهِ الْأَمْكِنَةِ. ثُمَّ مِنْ هَذِهِ الْأَمْكِنَةِ مَا سَكَنَهُ بَعْدَ ذَلِكَ الْكُفَّارُ وَأَهْلُ الْبِدَعِ وَالْفُجُورِ. وَمِنْهَا مَا خَرَبَ وَصَارَ ثَغْرًا غَيْرَ هَذِهِ الْأَمْكِنَةِ. وَالْبِقَاعُ تَتَغَيَّرُ أَحْكَامُهَا بِتَغَيُّرِ أَحْوَالِ أَهْلِهَا. فَقَدْ تَكُونُ الْبُقْعَةُ دَارَ كُفْرٍ إذَا كَانَ أَهْلُهَا كُفَّارًا ثُمَّ تَصِيرُ دَارَ إسْلَامٍ إذَا أَسْلَمَ أَهْلُهَا كَمَا كَانَتْ مَكَّةُ - شَرَّفَهَا اللَّهُ - فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ دَارَ كُفْرٍ وَحَرْبٍ وَقَالَ اللَّهُ فِيهَا: {وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ} ثُمَّ لَمَّا فَتَحَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَارَتْ دَارَ إسْلَامٍ وَهِيَ فِي نَفْسِهَا أُمُّ الْقُرَى وَأَحَبُّ الْأَرْضِ إلَى اللَّهِ. وَكَذَلِكَ الْأَرْضُ الْمُقَدَّسَةُ كَانَ فِيهَا الْجَبَّارُونَ الَّذِينَ ذَكَرَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى. كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ} {يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ} {قَالُوا يَا مُوسَى إنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ} الْآيَاتُ وَقَالَ تَعَالَى لَمَّا أَنْجَى مُوسَى وَقَوْمَهُ مِنْ الْغَرَقِ: {سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ} وَكَانَتْ تِلْكَ الدِّيَارُ دِيَارَ
(27/143)

الْفَاسِقِينَ لَمَّا كَانَ يَسْكُنُهَا إذْ ذَاكَ الْفَاسِقُونَ ثُمَّ لَمَّا سَكَنَهَا الصَّالِحُونَ صَارَتْ دَارَ الصَّالِحِينَ. وَهَذَا أَصْلٌ يَجِبُ أَنْ يُعْرَفَ. فَإِنَّ الْبَلَدَ قَدْ تُحْمَدُ أَوْ تُذَمُّ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ لِحَالِ أَهْلِهِ ثُمَّ يَتَغَيَّرُ حَالُ أَهْلِهِ فَيَتَغَيَّرُ الْحُكْمُ فِيهِمْ؛ إذْ الْمَدْحُ وَالذَّمُّ وَالثَّوَابُ وَالْعِقَابُ إنَّمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الْإِيمَانِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ أَوْ عَلَى ضِدِّ ذَلِكَ مِنْ الْكُفْرِ وَالْفُسُوقِ وَالْعِصْيَانِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ} وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " {لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ وَلَا لِعَجَمِيِّ عَلَى عَرَبِيٍّ وَلَا لِأَبْيَضَ عَلَى أَسْوَدَ وَلَا لِأَسْوَدَ عَلَى أَبْيَضَ إلَّا بِالتَّقْوَى. النَّاسُ بَنُو آدَمَ وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ} . وَكَتَبَ أَبُو الدَّرْدَاءِ إلَى سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ - وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ آخَى بَيْنَهُمَا لَمَّا آخَى بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَكَانَ أَبُو الدَّرْدَاءِ بِالشَّامِ وَسَلْمَانُ بِالْعِرَاقِ نَائِبًا لِعُمَرِ بْنِ الْخَطَّابِ - أَنْ هَلُمَّ إلَى الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ. فَكَتَبَ إلَيْهِ سَلْمَانُ: إنَّ الْأَرْضَ لَا تُقَدِّسُ أَحَدًا وَإِنَّمَا يُقَدِّسُ الرَّجُلَ عَمَلُهُ.
(27/144)

فَصْلٌ:
وَقَدْ تَبَيَّنَ الْجَوَابُ فِي سَائِرِ الْمَسَائِلِ الْمَذْكُورَةِ بِأَنَّ قَصْدَ الصَّلَاةِ وَالدُّعَاءِ عِنْدَمَا يُقَالُ إنَّهُ قَدَمُ نَبِيٍّ أَوْ أَثَرُ نَبِيٍّ أَوْ قَبْرُ نَبِيٍّ أَوْ قَبْرُ بَعْضِ الصَّحَابَةِ أَوْ بَعْضِ الشُّيُوخِ أَوْ بَعْضِ أَهْلِ الْبَيْتِ أَوْ الْأَبْرَاجِ أَوْ الْغِيرَان: مِنْ الْبِدَعِ الْمُحْدَثَةِ الْمُنْكَرَةِ فِي الْإِسْلَامِ لَمْ يَشْرَعْ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا كَانَ السَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ وَالتَّابِعُونَ لَهُمْ بِإِحْسَانِ يَفْعَلُونَهُ وَلَا اسْتَحَبَّهُ أَحَدٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ بَلْ هُوَ مِنْ أَسْبَابِ الشِّرْكِ وَذَرَائِعِ الْإِفْكِ. وَالْكَلَامُ عَلَى هَذَا مَبْسُوطٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْجَوَابِ.
فَصْلٌ:
وَأَمَّا قَوْلُ الْقَائِلِ إذَا عَثَرَ يَا جَاهَ مُحَمَّدٍ يَا لَلسِّتِّ نفيسة أَوْ يَا سَيِّدِي الشَّيْخُ فُلَانٌ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا فِيهِ اسْتِغَاثَتُهُ وَسُؤَالُهُ: فَهُوَ مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ وَهُوَ مِنْ جِنْسِ الشِّرْكِ؛ فَإِنَّ الْمَيِّتَ سَوَاءٌ كَانَ نَبِيًّا أَوْ غَيْرَ نَبِيٍّ لَا يُدْعَى وَلَا يُسْأَلُ وَلَا يُسْتَغَاثُ بِهِ لَا عِنْدَ قَبْرِهِ وَلَا مَعَ الْبُعْدِ مَنْ قَبْرِهِ بَلْ هَذَا مِنْ جِنْسِ دِينِ النَّصَارَى الَّذِينَ {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إلَّا لِيَعْبُدُوا إلَهًا وَاحِدًا لَا إلَهَ إلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} وَمِنْ جِنْسِ الَّذِينَ قَالَ فِيهِمْ:
(27/145)

{قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا} {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا} وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ} {وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} . وَقَدْ بُسِطَ هَذَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
فَصْلٌ:
وَكَذَلِكَ النَّذْرُ لِلْقُبُورِ أَوْ لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْقُبُورِ: كَالنَّذْرِ لِإِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ أَوْ لِلشَّيْخِ فُلَانٍ أَوْ فُلَانٍ أَوْ لِبَعْضِ أَهْلِ الْبَيْتِ أَوْ غَيْرِهِمْ: نَذْرُ مَعْصِيَةٍ لَا يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ بِاتِّفَاقِ أَئِمَّةِ الدِّينِ؛ بَلْ وَلَا يَجُوزُ الْوَفَاءُ بِهِ فَإِنَّهُ قَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ {مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ فَلَا يَعْصِهِ} وَفِي السُّنَنِ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: " {لَعَنَ اللَّهُ زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ وَالْمُتَّخِذِينَ عَلَيْهَا الْمَسَاجِدَ وَالسُّرُجَ} فَقَدْ لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ يَبْنِي عَلَى الْقُبُورِ الْمَسَاجِدَ وَيُسْرِجُ فِيهَا السُّرُجَ:
(27/146)

كَالْقَنَادِيلِ وَالشَّمْعِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَإِذَا كَانَ هَذَا مَلْعُونًا فَاَلَّذِي يَضَعُ فِيهَا قَنَادِيلَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَشَمْعُدَانَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَيَضَعُهَا عِنْدَ الْقُبُورِ أَوْلَى بِاللَّعْنَةِ. فَمَنْ نَذَرَ زَيْتًا أَوْ شَمْعًا أَوْ ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً أَوْ سِتْرًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ لِيُجْعَلَ عِنْدَ قَبْرِ نَبِيٍّ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ أَوْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ أَوْ الْقَرَابَةِ أَوْ الْمَشَايِخِ: فَهُوَ نَذْرُ مَعْصِيَةٍ لَا يَجُوزُ الْوَفَاءُ بِهِ وَهَلْ عَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ؟ فِيهِ قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ. وَإِنْ تَصَدَّقَ بِمَا نَذَرَهُ عَلَى مَنْ يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَغَيْرِهِمْ مِنْ الْفُقَرَاءِ الصَّالِحِينَ كَانَ خَيْرًا لَهُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَنْفَعَ لَهُ؛ فَإِنَّ هَذَا عَمَلٌ صَالِحٌ يُثِيبُهُ اللَّهُ عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ وَلَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ. وَالْمُتَصَدِّقُ يَتَصَدَّقُ لِوَجْهِ اللَّهِ وَلَا يَطْلُبُ أَجْرَهُ مِنْ الْمَخْلُوقِينَ بَلْ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى} {الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى} {وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى} {إلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى} {وَلَسَوْفَ يَرْضَى} وَقَالَ تَعَالَى: {وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ} الْآيَةُ وَقَالَ عَنْ عِبَادِهِ الصَّالِحِينَ: {إنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا} . وَلِهَذَا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَسْأَلَ بِغَيْرِ اللَّهِ: مِثْلُ الَّذِي يَقُولُ: كَرَامَةً لِأَبِي بَكْرٍ وَلِعَلِيِّ أَوْ لِلشَّيْخِ فُلَانٍ؛ أَوْ الشَّيْخِ فُلَانٍ؛ بَلْ لَا يُعْطِي إلَّا مَنْ سَأَلَ
(27/147)

لِلَّهِ وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَسْأَلَ لِغَيْرِ اللَّهِ فَإِنَّ إخْلَاصَ الدِّينِ لِلَّهِ وَاجِبٌ فِي جَمِيعِ الْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةِ وَالْمَالِيَّةِ: كَالصَّلَاةِ وَالصَّدَقَةِ وَالصِّيَامِ وَالْحَجِّ فَلَا يَصْلُحُ الرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ إلَّا لِلَّهِ وَلَا الصِّيَامُ إلَّا لِلَّهِ وَلَا الْحَجُّ إلَّا إلَى بَيْتِ اللَّهِ وَلَا الدُّعَاءُ إلَّا لِلَّهِ: قَالَ تَعَالَى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} وَقَالَ تَعَالَى: {وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ} وَقَالَ تَعَالَى: {تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} {إنَّا أَنْزَلْنَا إلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ} . وَهَذَا هُوَ أَصْلُ الْإِسْلَامِ وَهُوَ أَنْ لَا نَعْبُدَ إلَّا اللَّهَ وَلَا نَعْبُدَهُ إلَّا بِمَا شَرَعَ لَا نَعْبُدُهُ بِالْبِدَعِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} وَقَالَ تَعَالَى: {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} قَالَ: الْفُضَيْل بْنُ عِيَاضٍ: أَخْلَصُهُ وَأَصْوَبُهُ قَالُوا: يَا أَبَا عَلِيٍّ مَا أَخْلَصُهُ وَأَصْوَبُهُ. قَالَ: إنَّ الْعَمَلَ إذَا كَانَ خَالِصًا وَلَمْ يَكُنْ صَوَابًا لَمْ يُقْبَلْ وَإِذَا كَانَ صَوَابًا وَلَمْ يَكُنْ خَالِصًا لَمْ يُقْبَلْ حَتَّى يَكُونَ خَالِصًا صَوَابًا. وَالْخَالِصُ أَنْ يَكُونَ لِلَّهِ وَالصَّوَابُ أَنْ يَكُونَ عَلَى السُّنَّةِ وَالْكِتَابِ. هَذَا كُلُّهُ لِأَنَّ دِينَ اللَّهِ بَلَّغَهُ عَنْهُ رَسُولُهُ. فَلَا حَرَامَ إلَّا مَا حَرَّمَهُ اللَّهُ وَلَا دِينَ إلَّا مَا شَرَعَهُ اللَّهُ. وَاَللَّهُ تَعَالَى ذَمَّ الْمُشْرِكِينَ لِأَنَّهُمْ شَرَعُوا
(27/148)

فِي الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ فَحَرَّمُوا أَشْيَاءَ لَمْ يُحَرِّمْهَا اللَّهُ: كَالْبَحِيرَةِ وَالسَّائِبَةِ وَالْوَصِيلَةِ والحام. وَشَرَعُوا دِينًا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ كَدُعَاءِ غَيْرِهِ وَعِبَادَتِهِ والرهبانية الَّتِي ابْتَدَعَهَا النَّصَارَى. وَالْإِسْلَامُ دِينُ الرُّسُلِ كُلِّهِمْ أَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ وَكُلُّهُمْ بُعِثُوا بِالْإِسْلَامِ كَمَا قَالَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ {يَا قَوْمِ إنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ} {فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إنْ أَجْرِيَ إلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ} وَقَالَ تَعَالَى: {وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إبْرَاهِيمَ إلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ} {إذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} {وَوَصَّى بِهَا إبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} وَقَالَ تَعَالَى: {وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ} وَقَالَ تَعَالَى: {وَإِذْ أَوْحَيْتُ إلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ} . وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: " {إنَّا مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ دِينُنَا وَاحِدٌ} فَدِينُ الرُّسُلِ كُلِّهِمْ دِينٌ وَاحِدٌ وَهُوَ دِينُ الْإِسْلَامِ وَهُوَ عِبَادَةُ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ بِمَا أَمَرَ بِهِ وَشَرَعَهُ
(27/149)

كَمَا قَالَ: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إلَيْهِ} وَإِنَّمَا يَتَنَوَّعُ فِي هَذَا الدِّينِ الشِّرْعَةُ وَالْمِنْهَاجُ كَمَا قَالَ: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} كَمَا تَتَنَوَّعُ شَرِيعَةُ الرَّسُولِ الْوَاحِدِ. فَقَدْ كَانَ اللَّهُ أَمَرَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ أَنْ يُصَلِّيَ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ ثُمَّ أَمَرَهُ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ الْهِجْرَةِ أَنْ يُصَلِّيَ إلَى الْكَعْبَةِ الْبَيْتِ الْحَرَامِ وَهَذَا فِي وَقْتِهِ كَانَ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ وَكَذَلِكَ شَرِيعَةُ التَّوْرَاةِ فِي وَقْتِهَا كَانَتْ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ وَشَرِيعَةُ الْإِنْجِيلِ فِي وَقْتِهِ كَانَتْ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ وَمَنْ آمَنَ بِالتَّوْرَاةِ ثُمَّ كَذَّبَ بِالْإِنْجِيلِ خَرَجَ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ وَكَانَ كَافِرًا وَكَذَلِكَ مَنْ آمَنَ بِالْكِتَابَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ وَكَذَّبَ بِالْقُرْآنِ كَانَ كَافِرًا خَارِجًا مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ فَإِنَّ دِينَ الْإِسْلَامِ يَتَضَمَّنُ الْإِيمَانَ بِجَمِيعِ الْكُتُبِ وَجَمِيعِ الرُّسُلِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إلَى إبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} الْآيَةُ.
(27/150)

مَا قَوْلُ السَّادَةِ الْعُلَمَاءِ أَئِمَّةِ الدِّينِ:
فِي مَنْ يَنْزِلُ بِهِ حَاجَةٌ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا أَوْ الْآخِرَةِ ثُمَّ يَأْتِي قَبْرَ بَعْضِ الْأَنْبِيَاءِ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الصُّلَحَاءِ ثُمَّ يَدْعُو عِنْدَهُ فِي كَشْفِ كُرْبَتِهِ. فَهَلْ ذَلِكَ سُنَّةٌ أَمْ بِدْعَةٌ؟ وَهَلْ هُوَ مَشْرُوعٌ أَمْ لَا؟ فَإِنْ كَانَ مَا هُوَ مَشْرُوعٌ فَقَدْ تُقْضَى حَوَائِجُهُمْ بَعْضَ الْأَوْقَاتِ فَهَلْ يَسُوغُ لَهُمْ أَنْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ؟ وَمَا الْعِلَّةُ فِي قَضَاءِ حَوَائِجِهِمْ؟ أَفْتُونَا.
فَأَجَابَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَيْسَ ذَلِكَ سُنَّةً؛ بَلْ هُوَ بِدْعَةٌ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ وَلَا مِنْ أَئِمَّةِ الدِّينِ الَّذِينَ يَقْتَدِي بِهِمْ الْمُسْلِمُونَ فِي دِينِهِمْ وَلَا أَمَرَ بِذَلِكَ وَلَا اسْتَحَبَّهُ: لَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ وَلَا أَئِمَّةُ الدِّينِ؛ بَلْ لَا يُعْرَفُ هَذَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالدِّينِ مِنْ الْقُرُونِ الْمُفَضَّلَةِ الَّتِي أَثْنَى عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ: مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَتَابِعِيهِمْ لَا مِنْ أَهْلِ الْحِجَازِ وَلَا مِنْ الْيَمَنِ وَلَا الشَّامِ وَلَا الْعِرَاقِ وَلَا مِصْرَ وَلَا الْمَغْرِبِ وَلَا خُرَاسَانَ؛ وَإِنَّمَا أُحْدِثَ بَعْدَ ذَلِكَ.
(27/151)

وَمَعْلُومٌ أَنَّ كُلَّ مَا لَمْ يَسُنَّهُ وَلَا اسْتَحَبَّهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَقْتَدِي بِهِمْ الْمُسْلِمُونَ فِي دِينِهِمْ فَإِنَّهُ يَكُونُ مِنْ الْبِدَعِ الْمُنْكَرَاتِ وَلَا يَقُولُ أَحَدٌ فِي مِثْلِ هَذَا إنَّهُ بِدْعَةٌ حَسَنَةٌ؛ إذَا الْبِدْعَةُ الْحَسَنَةُ - عِنْدَ مَنْ يُقَسِّمُ الْبِدَعَ إلَى حَسَنَةٍ وَسَيِّئَةٍ - لَا بُدَّ أَنْ يَسْتَحِبَّهَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ الَّذِينَ يُقْتَدَى بِهِمْ وَيَقُومُ دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ عَلَى اسْتِحْبَابِهَا وَكَذَلِكَ مَنْ يَقُولُ: الْبِدْعَةُ الشَّرْعِيَّةُ كُلُّهَا مَذْمُومَةٌ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: {كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ} وَيَقُولُ قَوْلُ عُمَرَ فِي التَّرَاوِيحِ: " نِعْمَتْ الْبِدْعَةُ هَذِهِ " إنَّمَا أَسْمَاهَا بِدْعَةً: بِاعْتِبَارِ وَضْعِ اللُّغَةِ. فَالْبِدْعَةُ فِي الشَّرْعِ عِنْدَ هَؤُلَاءِ مَا لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ عَلَى اسْتِحْبَابِهِ. وَمَآلُ الْقَوْلَيْنِ وَاحِدٌ؛ إذْ هُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ مَا لَمْ يُسْتَحَبَّ أَوْ يَجِبُ مِنْ الشَّرْعِ فَلَيْسَ بِوَاجِبِ وَلَا مُسْتَحَبٍّ؛ فَمَنْ اتَّخَذَ عَمَلًا مِنْ الْأَعْمَالِ عِبَادَةً وَدِينًا وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي الشَّرِيعَةِ وَاجِبًا وَلَا مُسْتَحَبًّا فَهُوَ ضَالٌّ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ. وَقَصْدُ الْقُبُورِ لِأَجْلِ الدُّعَاءِ عِنْدَهَا رَجَاءَ الْإِجَابَةِ: هُوَ مِنْ هَذَا الْبَابِ فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ الشَّرِيعَةِ: لَا وَاجِبًا وَلَا مُسْتَحَبًّا؛ فَلَا يَكُونُ دِينًا وَلَا حَسَنًا وَلَا طَاعَةً لِلَّهِ وَلَا مِمَّا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَيَرْضَاهُ وَلَا يَكُونُ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا قُرْبَةً وَمَنْ جَعَلَهُ مِنْ هَذَا الْبَابِ فَهُوَ ضَالٌّ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ.
(27/152)

وَلِهَذَا: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا نَزَلَتْ بِهِمْ الشَّدَائِدُ وَأَرَادُوا دُعَاءَ اللَّهِ لِكَشْفِ الضُّرِّ أَوْ طَلَبِ الرَّحْمَةِ: لَا يَقْصِدُونَ شَيْئًا مِنْ الْقُبُورِ لَا قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ وَلَا غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ حَتَّى إنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَقْصِدُونَ الدُّعَاءَ عِنْدَ قَبْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَلْ قَدْ ثَبَتَ فِي " صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ " عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ إذَا قَحَطُوا اسْتَسْقَى بِالْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ قَالَ: اللَّهُمَّ إنَّا كُنَّا نَتَوَسَّلُ إلَيْك بِنَبِيِّنَا فَتَسْقِيَنَا وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إلَيْك بِعَمِّ نَبِيِّنَا فَاسْقِنَا فَيُسْقَوْنَ. وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ قَالَ سَمِعْت ابْنَ عُمَرَ يَتَمَثَّلُ بِشِعْرِ أَبِي طَالِبٍ: وَأَبْيَضُ يُسْتَسْقَى الْغَمَامُ بِوَجْهِهِ ... ثِمَالُ الْيَتَامَى عِصْمَةٌ لِلْأَرَامِلِ
وَفِيهِ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: رُبَّمَا ذَكَرْت قَوْلَ الشَّاعِرِ وَأَنَا أَنْظُرُ إلَى وَجْهِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَسْقِي فِيمَا يَنْزِلُ حَتَّى يَجِيشَ لَهُ مِيزَابٌ: وَأَبْيَضُ يُسْتَسْقَى الْغَمَامُ بِوَجْهِهِ ثِمَالُ الْيَتَامَى عِصْمَةٌ لِلْأَرَامِلِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي طَالِبٍ وَكَذَلِكَ مُعَاوِيَةُ بِالشَّامِ اسْتَسْقَوْا بيزيد بْنِ الْأَسْوَدِ الجرشي. وَكَانُوا فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " يَأْتُونَ إلَيْهِ وَيَطْلُبُونَ
(27/153)

مِنْهُ الدُّعَاءَ يَتَوَسَّلُونَ بِهِ وَيَسْتَشْفِعُونَ بِهِ إلَى اللَّهِ؛ كَمَا أَنَّ الْخَلَائِقَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَأْتُونَ إلَيْهِ يَطْلُبُونَ مِنْهُ أَنْ يَشْفَعَ لَهُمْ إلَى اللَّهِ ثُمَّ لَمَّا مَاتَ وَأَصَابَهُمْ الْجَدْبُ عَامَ الرَّمَادَةِ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ وَكَانَتْ شِدَّةٌ عَظِيمَةٌ أَخَذُوا الْعَبَّاسَ فَتَوَسَّلُوا بِهِ وَاسْتَسْقَوْا بِهِ بَدَلًا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَأْتُوا إلَى قَبْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُونَ عِنْدَهُ وَلَا اسْتَسْقَوْا بِهِ وَلَا تَوَسَّلُوا بِهِ. وَكَذَلِكَ فِي الشَّامِ لَمْ يَذْهَبُوا إلَى مَا فِيهَا مِنْ الْقُبُورِ؛ بَلْ اسْتَسْقَوْا بِمَنْ فِيهِمْ مِنْ الصَّالِحِينَ وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الدُّعَاءُ عِنْدَ الْقُبُورِ وَالتَّوَسُّلُ بِالْأَمْوَاتِ مِمَّا يُسْتَحَبُّ لَهُمْ لَكَانَ التَّوَسُّلُ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَفْضَلَ مِنْ التَّوَسُّلِ بِالْعَبَّاسِ وَغَيْرِهِ. وَقَدْ كَانُوا يَسْتَسْقُونَ عَلَى " ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ " تَارَةً: يَدْعُونَ عَقِبَ الصَّلَوَاتِ. وَتَارَةً: يَخْرُجُونَ إلَى الْمُصَلَّى فَيَدْعُونَ مِنْ غَيْرِ صَلَاةٍ وَتَارَةً يُصَلُّونَ وَيَدْعُونَ. وَالْوَجْهَانِ الْأَوَّلَانِ مَشْرُوعَانِ بِاتِّفَاقِ الْأُمَّةِ. وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ مَشْرُوعٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ؛ كَمَالِكِ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد. وَلَمْ يَعْرِفْهُ أَبُو حَنِيفَةَ. وَقَدْ أُمِرُوا فِي الِاسْتِسْقَاءِ بِأَنْ يَسْتَسْقُوا بِأَهْلِ الصَّلَاحِ؛ لَا سِيَّمَا بِأَقَارِبَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا فَعَلَ الصَّحَابَةُ. وَأُمِرُوا بِالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ. وَلَمْ يَأْمُرْ أَحَدٌ مِنْهُمْ بِالِاسْتِسْقَاءِ عِنْدَ شَيْءٍ مِنْ قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ وَلَا غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ وَلَا الِاسْتِعَانَةِ
(27/154)

بِمَيِّتِ وَالتَّوَسُّلِ بِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يَظُنُّهُ بَعْضُ النَّاسِ دِينًا وَقُرْبَةً. وَهَذَا فِيهِ دِلَالَةٌ لِلْمُؤْمِنِ عَلَى أَنَّ هَذِهِ مُحْدَثَاتٌ لَمْ تَكُنْ عِنْدَ الصَّحَابَةِ مِنْ الْمَعْرُوفِ بَلْ مِنْ الْمُنْكَرِ.
فَصْلٌ:
وَهَذَا كَافٍ لَوْ لَمْ يَرِدْ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ مِنْ النَّهْيِ مَا يَدُلُّ عَلَى النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ؛ كَيْفَ وَسُنَّتُهُ الْمُتَوَاتِرَةُ تَدُلُّ عَلَى النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ. مِثْلَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَرَضِهِ الَّذِي لَمْ يَقُمْ مِنْهُ: {لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ} وَلَوْلَا ذَلِكَ أُبْرِزَ قَبْرُهُ؛ غَيْرَ أَنَّهُ خَشِيَ - أَوْ خُشِيَ - أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا. وَهَذَا بَعْضُ أَلْفَاظِ الْبُخَارِيِّ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَيْضًا عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: {لَمَّا كَانَ مَرَضُ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَرَ بَعْضُ نِسَائِهِ كَنِيسَةً رَأَيْنَهَا بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ. يُقَالُ لَهَا مَارِيَةُ وَذَكَرْنَ مِنْ حُسْنِهَا وَتَصَاوِيرَ فِيهَا فَرَفَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأْسَهُ وَقَالَ: إنَّ أُولَئِكَ إذَا مَاتَ فِيهِمْ الرَّجُلُ الصَّالِحُ بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا ثُمَّ صَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ أُولَئِكَ شِرَارُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ} .
(27/155)

وَهَذَا الْمَعْنَى مُسْتَفِيضٌ عَنْهُ فِي الصِّحَاحِ وَالسُّنَنِ وَالْمَسَانِيدِ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ جُنْدُبٍ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِخَمْسِ: {إنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ الْقُبُورَ - أَوْ قَالَ - قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ أَلَا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ فَإِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ} وَفِيهِ: {لَوْ كُنْت مُتَّخِذًا مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ خَلِيلًا لَاِتَّخَذْت أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا وَلَكِنَّ صَاحِبَكُمْ خَلِيلُ اللَّهِ} وَهَذَا الْمَعْنَى فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ وُجُوهٍ وَفِيهِ: {لَا يَبْقَيَنَّ فِي الْمَسْجِدِ خَوْخَةٌ إلَّا سُدَّتْ؛ إلَّا خَوْخَةُ أَبِي بَكْرٍ} . بَيْنَ هَذَيْنَ الْأَمْرَيْنِ اللَّذَيْنِ تَوَاتَرَا عَنْهُ وَجَمَعَ بَيْنَهُمَا قَبْلَ مَوْتِهِ بِخَمْسَةِ أَيَّامٍ: مِنْ ذِكْرِ فَضْلِ أَبِي بَكْرٍ الصَّدِيقِ وَمِنْ نَهْيِهِ عَنْ اتِّخَاذِ الْقُبُورِ مَسَاجِدَ فَبِهِمَا حَسْمُ مَادَّةِ الشِّرْكِ الَّتِي أُفْسِدَ بِهَا الدِّينُ وَظَهَرَ بِهَا دِينُ الْمُشْرِكِينَ. فَإِنَّ اللَّهَ قَالَ فِي كِتَابِهِ عَنْ قَوْمِ نُوحٍ: {وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا} . وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: صَارَتْ الْأَوْثَانُ الَّتِي كَانَتْ فِي قَوْمِ نُوحٍ فِي الْعَرَبِ تُعْبَدُ؛ أَمَّا (وَدٌّ: فَكَانَتْ لِكَلْبِ بِدَوْمَةِ الْجَنْدَلِ وَأَمَّا (سُوَاعٌ: فَكَانَتْ لهذيل وَأَمَّا (يَغُوثُ: فَكَانَتْ لِمُرَادِ ثُمَّ لِبَنِي غطيف بِالْجَرْفِ عِنْدَ سَبَأٍ وَأَمَّا (يَعُوقُ: فَكَانَتْ لهمدان وَأَمَّا (نَسْرٌ: فَكَانَتْ لَحِمْيَرَ لِآلِ ذِي
(27/156)

الْكَلَامِ؛ وَكَانَتْ أَسْمَاءَ رِجَالٍ صَالِحِينَ مَنَّ قَوْمِ نُوحٍ فَلَمَّا هَلَكُوا: أَوْحَى الشَّيْطَانُ إلَى قَوْمِهِمْ: أَنْ انْصِبُوا إلَى مَجَالِسِهِمْ الَّتِي كَانُوا يَجْلِسُونَ فِيهَا أَنْصَابًا وَسَمُّوهَا بِأَسْمَائِهِمْ فَفَعَلُوا وَلَمْ تُعْبَدْ حَتَّى إذَا هَلَكَ أُولَئِكَ وَنُسِخَ الْعِلْمُ عُبِدَتْ. وَقَدْ ذَكَرَ قَرِيبًا مِنْ هَذَا الْمَعْنَى طَوَائِفُ مَنْ السَّلَفِ فِي " كُتُبِ التَّفْسِيرِ ". و " قَصَصِ الْأَنْبِيَاءِ " وَغَيْرِهَا: أَنَّ هَؤُلَاءِ كَانُوا قَوْمًا صَالِحِينَ. ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ ذَكَرَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَعْكُفُونَ عَلَى قُبُورِهِمْ ثُمَّ صَوَّرُوا تَمَاثِيلَهُمْ وَمِنْهُمْ مَنْ ذَكَرَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَصْحَبُونَ تَمَاثِيلَهُمْ مَعَهُمْ فِي السَّفَرِ يَدْعُونَ عِنْدَهَا وَلَا يَعْبُدُونَهَا ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ: عُبِدَتْ الْأَوْثَانُ. وَلِهَذَا: جَمَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ الْقُبُورِ وَالصُّوَرِ؛ فِي غَيْرِ حَدِيثٍ كَمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ {أَبِي الهياج الأسدي قَالَ: قَالَ لِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: أَلَا أَبْعَثُك عَلَى مَا بَعَثَنِي عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ أَمَرَنِي أَنْ لَا أَدَعَ قَبْرًا مُشْرِفًا إلَّا سَوَّيْته وَلَا تِمْثَالًا إلَّا طَمَسْته} . فَأَمَرَهُ بِمَحْوِ الصُّوَرِ وَتَسْوِيَةِ الْقُبُورِ كَمَا قَالَ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ الصَّحِيحِ: {إنَّ أُولَئِكَ إذَا مَاتَ فِيهِمْ الرَّجُلُ الصَّالِحُ بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ التَّصَاوِيرَ أُولَئِكَ شِرَارُ الْخُلُقِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} . وَالْأَحَادِيثُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي النَّهْيِ عَنْ اتِّخَاذِ
(27/157)

الْقُبُورِ مَسَاجِدَ وَالصَّلَاةِ فِي الْمَقْبَرَةِ: كَثِيرَةٌ جِدًّا مِثْلُ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَالسُّنَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: {قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ} وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: {إنَّ مِنْ شِرَارِ النَّاسِ مَنْ تُدْرِكُهُمْ السَّاعَةُ وَهُمْ أَحْيَاءٌ وَمَنْ يَتَّخِذُ الْقُبُورَ مَسَاجِدَ} رَوَاهُ أَحْمَد فِي الْمُسْنَدِ وَأَبُو حَاتِمِ بْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ. وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: {لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ. وَالْمُتَّخِذِينَ عَلَيْهَا الْمَسَاجِدَ وَالسُّرُجَ} رَوَاهُ أَحْمَد فِي الْمُسْنَدِ وَأَهْلُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ وَأَبُو حَاتِمِ بْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ. وَرَوَى أَيْضًا فِي صَحِيحِهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {لَعَنَ اللَّهُ مَنْ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ} . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {اجْعَلُوا مِنْ صَلَاتِكُمْ فِي بُيُوتِكُمْ وَلَا تَتَّخِذُوهَا قُبُورًا} . وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي مَرْثَدٍ الغنوي: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: {لَا تُصَلُّوا إلَى الْقُبُورِ وَلَا تَجْلِسُوا عَلَيْهَا} . وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: {نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ: الصَّلَاةِ فِي الْمَقْبَرَةِ} رَوَاهُ أَبُو حَاتِمٍ فِي صَحِيحِهِ وَرَوَى أَيْضًا عَنْ أَنَسٍ: {أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى أَنْ يُصَلَّى بَيْنَ الْقُبُورِ} وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
(27/158)

{الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدٌ إلَّا الْمَقْبَرَةَ وَالْحَمَّامَ} رَوَاهُ أَحْمَد وَأَهْلُ الْكُتُبِ الْأَرْبَعَةِ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: فِيهِ اضْطِرَابٌ؛ لِأَنَّ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ أَرْسَلَهُ؛ لَكِنَّ غَيْرَ التِّرْمِذِيِّ جَزَمَ بِصِحَّتِهِ لِأَنَّ غَيْرَهُ مِنْ الثِّقَاتِ أَسْنَدُوهُ وَقَدْ صَحَّحَهُ ابْنُ حَزْمٍ أَيْضًا. وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد {عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: إنَّ خَلِيلِي نَهَانِي أَنْ أُصَلِّيَ فِي الْمَقْبَرَةِ وَنَهَانِي أَنْ أُصَلِّيَ فِي أَرْضِ بَابِلَ} . وَالْآثَارُ فِي ذَلِكَ كَثِيرَةٌ جِدًّا.
وَقَدْ ظَنَّ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ الصَّلَاةَ فِي الْمَقْبَرَةِ نُهِيَ عَنْهَا مِنْ أَجْلِ النَّجَاسَةِ؛ لِاخْتِلَاطِ تُرْبَتِهَا بِصَدِيدِ الْمَوْتَى وَلُحُومِهِمْ وَهَؤُلَاءِ قَدْ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْمَقْبَرَةِ الْجَدِيدَةِ. وَالْقَدِيمَةُ وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ حَائِلٌ أَوْ لَا يَكُونَ. وَالتَّعْلِيلُ بِهَذَا لَيْسَ مَذْكُورًا فِي الْحَدِيثِ وَلَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ لَا نَصًّا وَلَا ظَاهِرًا وَإِنَّمَا هِيَ عِلَّةٌ ظَنُّوهَا وَالْعِلَّةُ الصَّحِيحَةُ عِنْدَ غَيْرِهِمْ مَا ذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ فِي زَمَنِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد وَغَيْرِهِمْ: إنَّمَا هُوَ مَا فِي ذَلِكَ مِنْ التَّشَبُّهِ بِالْمُشْرِكِينَ وَأَنْ تَصِيرَ ذَرِيعَةً إلَى الشِّرْكِ؛ وَلِهَذَا نَهَى عَنْ اتِّخَاذِ قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ مَسَاجِدَ. وَقَالَ: {إنَّ أُولَئِكَ إذَا مَاتَ فِيهِمْ الرَّجُلُ الصَّالِحُ بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ التَّصَاوِيرَ} . وَقَالَ: {إنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ الْقُبُورَ مَسَاجِدَ أَلَا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ} وَنَهَى عَنْ الصَّلَاةِ إلَيْهَا.
(27/159)

وَمَعْلُومٌ أَنَّ النَّهْيَ لَوْ لَمْ يَكُنْ إلَّا لِأَجْلِ النَّجَاسَةِ. فَمَقَابِرُ الْأَنْبِيَاءِ لَا تُنْتِنُ بَلْ الْأَنْبِيَاءُ لَا يَبْلُونَ وَتُرَابُ قُبُورِهِمْ طَاهِرٌ وَالنَّجَاسَةُ أَمَامَ الْمُصَلِّي لَا تُبْطِلُ صَلَاتَهُ وَاَلَّذِينَ كَانُوا يَتَّخِذُونَ الْقُبُورَ مَسَاجِدَ كَانُوا يَفْرِشُونَ عِنْدَ الْقُبُورِ الْمَفَارِشَ الطَّاهِرَةَ فَلَا يُلَاقُونَ النَّجَاسَةَ وَمَعَ أَنَّ الَّذِينَ يُعَلِّلُونَ بِالنَّجَاسَةِ لَا يَنْفُونَ هَذِهِ الْعِلَّةَ؛ بَلْ قَدْ ذَكَرَ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ النَّهْيَ عَنْ اتِّخَاذِ الْمَسَاجِدِ عَلَى الْقُبُورِ وَعَلَّلَ ذَلِكَ بِخَشْيَةِ التَّشَبُّهِ بِذَلِكَ. وَقَدْ نَصَّ عَلَى النَّهْيِ عَنْ بِنَاءِ الْمَسَاجِدِ عَلَى الْقُبُورِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ عُلَمَاءِ الْمَذَاهِبِ؛ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد وَمِنْ فُقَهَاءَ الْكُوفَةِ أَيْضًا وَصَرَّحَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ وَهَذَا لَا رَيْبَ فِيهِ بَعْدَ لَعْنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمُبَالَغَتِهِ فِي النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ. وَاِتِّخَاذُهَا مَسَاجِدُ يَتَنَاوَلُ شَيْئَيْنِ: أَنْ يَبْنِيَ عَلَيْهَا مَسْجِدًا أَوْ يُصَلِّيَ عِنْدَهَا مِنْ غَيْرِ بِنَاءٍ وَهُوَ الَّذِي خَافَهُ هُوَ وَخَافَتْهُ الصَّحَابَةُ إذَا دَفَنُوهُ بَارِزًا: خَافُوا أَنْ يُصَلَّى عِنْدَهُ فَيُتَّخَذَ قَبْرُهُ مَسْجِدًا. وَفِي مُوَطَّأِ مَالِكٍ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: {اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَدُ} رُوِيَ ذَلِكَ مُسْنَدًا وَمُرْسَلًا وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد أَنَّهُ قَالَ: {لَا تَتَّخِذُوا قَبْرِي عِيدًا. وَصَلُّوا عَلَيَّ حَيْثُمَا كُنْتُمْ فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ تَبْلُغُنِي} . وَمَا يَرْوِيهِ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى بِمَسْجِدِ الْخَلِيلِ أَوْ صَلَّى عِنْدَ قَبْرِ الْخَلِيلِ فَإِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ غَيْرُ ثَابِتٍ عِنْدَ
(27/160)

أَهْلِ الْعِلْمِ وَإِنْ كَانَ قَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ طَائِفَةٌ تُوصَفُ بِالصَّلَاحِ؛ بَلْ الَّذِي فِي الصَّحِيحَيْنِ {أَنَّهُ صَلَّى فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ} . وَهَذَا بَابٌ وَاسِعٌ. فَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الدُّعَاءُ عِنْدَ قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ أَفْضَلَ مِنْ الدُّعَاءِ عِنْدَ غَيْرِهَا لَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ تُسْتَحَبَّ الصَّلَاةُ فِي تِلْكَ الْبِقَاعِ وَاِتِّخَاذُهَا مَسَاجِدَ؛ فَإِنَّ الصَّلَاةَ مَقْرُونَةٌ بِالدُّعَاءِ؛ وَلِهَذَا لَا يَقُولُ مُسْلِمٌ إنَّ الْمَوْضِعَ الَّذِي يُنْهَى عَنْ الصَّلَاةِ فِيهِ كَأَعْطَانِ الْإِبِلِ أَوْ الْمَقْبَرَةِ وَالْمَوَاضِعِ النَّجِسَةِ يَكُونُ الدُّعَاءُ فِيهِ أَفْضَلَ مِنْ الدُّعَاءِ فِي غَيْرِهِ؛ بَلْ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: فَقَدْ رَاغَمَ الرَّسُولَ وَجَعَلَ مَا نَهَى عَنْهُ مِنْ الشِّرْكِ وَأَسْبَابِ الشِّرْكِ مُمَاثِلًا أَوْ مُفَضَّلًا عَلَى مَا أَمَرَ بِهِ مِنْ التَّوْحِيدِ وَعِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ. وَمِنْ هُنَا أَدْخَلَ أَهْلُ النِّفَاقِ فِي الْإِسْلَامِ مَا أَدْخَلُوهُ فَإِنَّ الَّذِي ابْتَدَعَ دِينَ الرَّافِضَةِ كَانَ زِنْدِيقًا يَهُودِيًّا أَظْهَرَ الْإِسْلَامَ وَأَبْطَنَ الْكُفْرَ لِيَحْتَالَ فِي إفْسَادِ دِينِ الْمُسْلِمِينَ - كَمَا احْتَالَ بُولِصَ " فِي إفْسَادِ دِينِ النَّصَارَى - سَعَى فِي الْفِتْنَةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى قُتِلَ عُثْمَانُ وَفِي الْمُؤْمِنِينَ مَنْ يَسْتَجِيبُ لِلْمُنَافِقِينَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ} ثُمَّ إنَّهُ لَمَّا تَفَرَّقَتْ الْأُمَّةُ ابْتَدَعَ مَا ادَّعَاهُ فِي الْإِمَامَةِ مِنْ النَّصِّ وَالْعِصْمَةِ وَأَظْهَرَ التَّكَلُّمَ فِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ. وَصَادَفَ ذَلِكَ قُلُوبًا فِيهَا جَهْلٌ وَظُلْمٌ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ كَافِرَةً؛ فَظَهَرَتْ بِدْعَةُ التَّشَيُّعِ الَّتِي هِيَ مِفْتَاحُ بَابِ الشِّرْكِ
(27/161)

ثُمَّ لَمَّا تَمَكَّنَتْ الزَّنَادِقَةُ أَمَرُوا بِبِنَاءِ الْمَشَاهِدِ وَتَعْطِيلِ الْمَسَاجِدِ مُحْتَجِّينَ بِأَنَّهُ لَا تُصَلَّى الْجُمْعَةُ وَالْجَمَاعَةُ إلَّا خَلْفَ الْمَعْصُومِ. وَرَوَوْا فِي إنَارَةِ الْمَشَاهِدِ وَتَعْظِيمِهَا وَالدُّعَاءِ عِنْدَهَا مِنْ الْأَكَاذِيبِ مَا لَمْ أَجِدْ مِثْلَهُ فِيمَا وَقَفْت عَلَيْهِ مِنْ أَكَاذِيبِ أَهْلِ الْكِتَابِ؛ حَتَّى صَنَّفَ كَبِيرُهُمْ ابْنُ النُّعْمَانِ كِتَابًا فِي " مَنَاسِكَ حَجِّ الْمَشَاهِدِ " وَكَذَبُوا فِيهِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَهْلِ بَيْتِهِ أَكَاذِيبَ بَدَّلُوا بِهَا دِينَهُ وَغَيَّرُوا مِلَّتَهُ. وَابْتَدَعُوا الشِّرْكَ الْمُنَافِيَ لِلتَّوْحِيدِ فَصَارُوا جَامِعِينَ بَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكَذِبِ كَمَا قَرَنَ اللَّهُ بَيْنَهُمَا فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ كَقَوْلِهِ: {وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ} {حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ} وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: {عَدَلَتْ شَهَادَةُ الزُّورِ الْإِشْرَاكَ بِاَللَّهِ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ وَقَالَ تَعَالَى: {إنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ} وَقَالَ تَعَالَى: {وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ} {وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ} } . وَهَذَا الْحَقُّ لِلَّهِ كَمَا ثَبَتَ عَنْهُ فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ {قَالَ لِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ: يَا مُعَاذُ أَتَدْرِي مَا حَقُّ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ؟ قَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ: حَقُّهُ عَلَى عِبَادِهِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا. يَا مُعَاذُ أَتَدْرِي مَا
(27/162)

حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ إذَا فَعَلُوا ذَلِكَ؟ قَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ: حَقُّهُمْ عَلَيْهِ أَلَّا يُعَذِّبَهُمْ} وَقَالَ تَعَالَى: {وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إلَهٍ غَيْرُهُ إنْ أَنْتُمْ إلَّا مُفْتَرُونَ} وَمِثْلُ هَذَا فِي الْقُرْآنِ مُتَعَدِّدٌ: يَصِفُ أَهْلَ الشِّرْكِ بِالْفِرْيَةِ؟ وَلِهَذَا طَالَبَهُمْ بِالْبُرْهَانِ وَالسُّلْطَانِ كَمَا فِي قَوْلِهِ: {وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ} وَفِي قَوْلِهِ: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} وَقَالَ: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} {مُنِيبِينَ إلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} {مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} {وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إلَيْهِ ثُمَّ إذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ} {لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} {أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ} . وقَوْله تَعَالَى {وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} {مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا} لِأَنَّ التَّوْحِيدَ هُوَ دِينُ اللَّهِ الَّذِي بَعَثَ بِهِ الْأَوَّلِينَ والآخرين كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إلَّا نُوحِي إلَيْهِ أَنَّهُ
(27/163)

لَا إلَهَ إلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} وَقَالَ تَعَالَى: {وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ} وَقَالَ تَعَالَى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: {إنَّ اللَّهَ يَرْضَى لَكُمْ ثَلَاثًا: أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَأَنْ تناصحوا مَنْ وَلَّاهُ اللَّهُ أَمْرَكُمْ} . وَلِهَذَا كَانَ الْمُتَّخِذُونَ الْقُبُورَ مَسَاجِدَ لَمَّا كَانَ فِيهِمْ مِنْ الشِّرْكِ مَا فِيهِمْ قَدْ فَرَّقُوا دَيْنَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا. فَتَجِدُ كُلَّ قَوْمٍ يُعَظِّمُونَ مَتْبُوعَهُمْ أَوْ نَبِيَّهُمْ وَيَقُولُونَ: الدُّعَاءُ عِنْدَ قَبْرِهِ يُسْتَجَابُ وَقُلُوبُهُمْ مُعَلَّقَةٌ بِهِ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَإِنْ كَانَ أَفْضَلَ مِنْهُ كَمَا أَنَّ عُبَّادَ الْكَوَاكِبِ وَالْأَصْنَامِ كُلٌّ مِنْهُمْ قَدْ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَوَاهُ فَهُوَ يَعْبُدُ مَا يَأْلَهُهُ؛ وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ أَفْضَلَ مِنْهُ. ثُمَّ إنَّهُمْ يُسَمُّونَ ذَلِكَ " زِيَارَةً " وَهُوَ اسْمٌ شَرْعِيٌّ وَضَعُوهُ عَلَى غَيْرِ مَوْضِعِهِ وَمَعْلُومٌ أَنَّ " الزِّيَارَةَ الشَّرْعِيَّةَ " الَّتِي سَنَّهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأُمَّتِهِ: تَتَضَمَّنُ السَّلَامَ عَلَى الْمَيِّتِ وَالدُّعَاءَ لَهُ؛ بِمَنْزِلَةِ الصَّلَاةِ عَلَى جِنَازَتِهِ فَالْمُصَلِّي عَلَى الْجِنَازَةِ قَصْدُهُ الدُّعَاءُ لِلْمَيِّتِ وَاَللَّهُ تَعَالَى يَرْحَمُ الْمَيِّتَ بِدُعَائِهِ وَيُثِيبُهُ هُوَ عَلَى صَلَاتِهِ كَذَلِكَ الَّذِي يَزُورُ الْقُبُورَ عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ فَيُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ وَيَدْعُو لَهُمْ يُرْحَمُونَ بِدُعَائِهِ
(27/164)

وَيُثَابُ هُوَ عَلَى إحْسَانِهِ إلَيْهِمْ وَأَيْنَ قَصْدُ النَّفْعِ لِلْمَيِّتِ مَنْ قَصْدِ الشِّرْكِ بِهِ فَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ بريدة قَالَ: {كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعَلِّمُهُمْ إذَا خَرَجُوا لِلْمَقَابِرِ أَنْ يَقُولَ قَائِلُهُمْ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الدِّيَارِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ وَإِنَّا إنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ أَنْتُمْ لَنَا فَرْطٌ وَنَحْنُ لَكُمْ تَبَعٌ نَسْأَلُ اللَّهَ لَنَا وَلَكُمْ الْعَافِيَة} . وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ {عَنْ عَائِشَةَ: قُلْت كَيْفَ أَقُولُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: قُولِي: السَّلَامُ عَلَى أَهْلِ الدِّيَارِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ وَيَرْحَمُ اللَّهُ الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنَّا وَالْمُسْتَأْخِرِين وَإِنَّا إنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ} .
وَتَجُوزُ: زِيَارَةُ قَبْرِ الْكَافِرِ لِأَجْلِ الِاعْتِبَارِ؛ دُونَ الِاسْتِغْفَارِ لَهُ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: {إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَارَ قَبْرَ أُمِّهِ فَبَكَى. وَأَبْكَى مَنْ حَوْلَهُ وَقَالَ: اسْتَأْذَنْت رَبِّي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لَهَا فَلَمْ يَأْذَنْ لِي وَاسْتَأْذَنْته فِي أَنْ أَزُورَهَا فَأَذِنَ لِي. فَزُورُوا الْقُبُورَ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الْمَوْتَ} وَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُ فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ: {كُنْت نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا} .
وَأَمَّا زِيَارَةُ الْقُبُورِ لِأَجْلِ الدُّعَاءِ عِنْدَهَا أَوْ التَّوَسُّلِ بِهَا أَوْ الِاسْتِشْفَاعِ بِهَا؛ فَهَذَا لَمْ تَأْتِ بِهِ الشَّرِيعَةُ أَصْلًا؛ وَكُلُّ مَا يُرْوَى فِي هَذَا الْبَابِ مِثْلُ قَوْلِهِ: {مَنْ زَارَنِي وَزَارَ قَبْرَ أَبِي فِي عَامٍ وَاحِدٍ ضَمِنْت لَهُ عَلَى اللَّهِ الْجَنَّةَ} وَ {مَنْ حَجَّ وَلَمْ يَزُرْنِي فَقَدْ جَفَانِي} و {مَنْ
(27/165)

زَارَنِي بَعْدَ مَمَاتِي فَكَأَنَّمَا زَارَنِي فِي حَيَاتِي} . فَهِيَ أَحَادِيثُ ضَعِيفَةٌ؛ بَلْ مَوْضُوعَةٌ لَمْ يَرْوِ أَهْلُ الصِّحَاحِ وَالسُّنَنِ الْمَشْهُورَةِ وَالْمَسَانِيدِ مِنْهَا شَيْئًا. وَغَايَةُ مَا يُعْزَى مِثْلُ ذَلِكَ إلَى كِتَابِ الدارقطني وَهُوَ قَصَدَ بِهِ غَرَائِبَ السُّنَنِ؛ وَلِهَذَا يَرْوِي فِيهِ مِنْ الضَّعِيفِ وَالْمَوْضُوعِ مَا لَا يَرْوِيهِ غَيْرُهُ وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ مُجَرَّدَ الْعَزْوِ إلَيْهِ لَا يُبِيحُ الِاعْتِمَادَ عَلَيْهِ وَمَنْ كَتَبَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ فِيمَا يُرْوَى فِي ذَلِكَ يُبَيِّنُ أَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ. بَلْ قَدْ كَرِهَ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ أَنْ يُقَالَ: زُرْت قَبْرَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَالِكٌ أَعْلَمُ النَّاسِ بِهَذَا الْبَابِ فَإِنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ أَعْلَمُ أَهْلِ الْأَمْصَارِ بِذَلِكَ وَمَالِكٌ إمَامُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ. فَلَوْ كَانَ فِي هَذَا سُنَّةٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهَا لَفْظُ " زِيَارَةِ قَبْرِهِ " لَمْ يَخْفَ ذَلِكَ عَلَى عُلَمَاءِ أَهْلِ مَدِينَتِهِ وَجِيرَانِ قَبْرِهِ - بِأَبِي هُوَ وَأُمِّي. وَلِهَذَا كَانَتْ السُّنَّةُ عِنْد الصَّحَابَةِ وَأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ إذَا سَلَّمَ الْعَبْدُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَصَاحِبَيْهِ: أَنْ يَدْعُوَ اللَّهُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ وَلَا يَدْعُوَ مُسْتَقْبِلَ الْحُجْرَةِ وَالْحِكَايَةُ الَّتِي تُرْوَى فِي خِلَافِ ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ مَعَ الْمَنْصُورِ بَاطِلَةٌ لَا أَصْلَ لَهَا. وَلَمْ أَعْلَمْ الْأَئِمَّةَ تَنَازَعُوا فِي أَنَّ السُّنَّةَ اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ وَقْتَ الدُّعَاءِ؛ لَا اسْتِقْبَالُ الْقَبْرِ النَّبَوِيِّ. وَإِنَّمَا تَنَازَعُوا وَقْتَ السَّلَامِ عَلَيْهِ. فَقَالَ الْأَكْثَرُونَ: يُسَلِّمُ عَلَيْهِ مُسْتَقْبِلَ
(27/166)

الْقَبْرِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُسَلِّمُ عَلَيْهِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ مُسْتَدْبِرَ الْقَبْرِ. وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَقُولُ السَّلَامُ عَلَيْك يَا رَسُولَ اللَّهِ السَّلَامُ عَلَيْك يَا أَبَا بَكْرٍ السَّلَامُ عَلَيْك يَا أَبَتْ ثُمَّ يَنْصَرِفُ. فَإِذَا كَانَ الدُّعَاء فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ الْأَئِمَّةُ فِيهِ بِاسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ كَمَا رُوِيَ عَنْ الصَّحَابَة وَكَرِهُوا اسْتِقْبَالَ الْقَبْرِ فَمَا الظَّنُّ بِقَبْرِ غَيْرِهِ وَهَذَا مِمَّا يُبَيِّنُ لَك أَنَّ قَصْدَ الدُّعَاءِ عِنْدَ الْقُبُورِ: لَيْسَ مِنْ دِينِ الْمُسْلِمِينَ. وَمَنْ ذَكَرَ شَيْئًا يُخَالِفُ هَذَا مِنْ الْمُصَنِّفِينَ فِي الْمَنَاسِكِ أَوْ غَيْرِهَا فَلَا حُجَّةَ مَعَهُ بِذَلِكَ وَلَا مَعَهُ نَقْلٌ عَنْ إمَامٍ مَتْبُوعٍ. وَإِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ أَخَذَهُ بَعْضُ النَّاسِ عَنْ بَعْضٍ؛ لِأَحَادِيثَ ظَنُّوهَا صَحِيحَةً وَهِيَ بَاطِلَةٌ أَوْ لِعَادَاتِ مُبْتَدَعَةٍ ظَنُّوهَا سُنَّةً بِلَا أَصْلٍ شَرْعِيٍّ. وَلَمْ يَكُنْ فِي الْعُصُورِ الْمُفَضَّلَةِ " مَشَاهِدُ " عَلَى الْقُبُورِ وَإِنَّمَا ظَهَرَ ذَلِكَ وَكَثُرَ فِي دَوْلَةِ بَنِي بويه؛ لَمَّا ظَهَرَتْ الْقَرَامِطَةُ بِأَرْضِ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ كَانَ بِهَا زَنَادِقَةٌ كُفَّارٌ مَقْصُودُهُمْ تَبْدِيلُ دِينِ الْإِسْلَامِ وَكَانَ فِي بَنِي بويه مِنْ الْمُوَافِقَةِ لَهُمْ عَلَى بَعْضِ ذَلِكَ وَمِنْ بِدَعِ الْجَهْمِيَّة وَالْمُعْتَزِلَةِ وَالرَّافِضَةِ مَا هُوَ مَعْرُوفٌ لِأَهْلِ الْعِلْمِ فَبَنَوْا الْمَشَاهِدَ الْمَكْذُوبَةَ " كَمَشْهَدِ عَلِيٍّ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَأَمْثَالِهِ. وَصَنَّفَ أَهْلُ الْفِرْيَةِ الْأَحَادِيثَ فِي زِيَارَةِ الْمَشَاهِدِ وَالصَّلَاةِ عِنْدَهَا وَالدُّعَاءِ عِنْدَهَا وَمَا يُشْبِهُ ذَلِكَ. فَصَارَ هَؤُلَاءِ الزَّنَادِقَةُ وَأَهْلُ الْبِدَعِ الْمُتَّبِعُونَ لَهُمْ يُعَظِّمُونَ الْمَشَاهِدَ وَيُهِينُونَ الْمَسَاجِدَ
(27/167)

وَذَلِكَ: ضِدُّ دِينِ الْمُسْلِمِينَ وَيَسْتَتِرُونَ بِالتَّشَيُّعِ. فَفِي الْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ الْمُتَوَاتِرَةِ عَنْهُ مِنْ تَعْظِيمِ الصِّدِّيقِ وَمِنْ النَّهْيِ عَنْ اتِّخَاذِ الْقُبُورِ مَسَاجِدَ مَا فِيهِ رَدٌّ لِهَاتَيْنِ الْبِدْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ هُمَا أَصْلُ الشِّرْكِ وَتَبْدِيلِ الْإِسْلَامِ. وَمِمَّا يُبَيِّنُ ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَذْكُرْ " الْمَشَاهِدَ " وَلَا أَمَرَ بِالصَّلَاةِ فِيهَا وَإِنَّمَا أَمَرَ بِالْمَسَاجِدِ فَقَالَ تَعَالَى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا} وَلَمْ يَقُلْ: مَشَاهِدَ اللَّهِ؛ بَلْ قَدْ {أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِيًّا أَنْ لَا يَدَعَ قَبْرًا مُشْرِفًا إلَّا سَوَّاهُ وَلَا تِمْثَالًا إلَّا طَمَسَهُ} . وَنَهَى عَنْ اتِّخَاذِ الْقُبُورِ مَسَاجِدَ وَلَعَنَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَهَذَا أَمْرٌ بِتَخْرِيبِ الْمَشَاهِدِ لَا بِعِمَارَتِهَا سَوَاءٌ أُرِيدَ بِهِ الْعِمَارَةُ الصُّورِيَّةُ أَوْ الْمَعْنَوِيَّةُ. وَقَالَ تَعَالَى: {وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} وَلَمْ يَقُلْ فِي الْمَشَاهِدِ وَقَالَ تَعَالَى: {قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} وَلَمْ يَقُلْ عِنْدَ كُلِّ مَشْهَدٍ. وَقَالَ تَعَالَى: {مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ} وَلَمْ يَقُلْ مَشَاهِدَ اللَّهِ؛ إذْ عُمَّارُ الْمَشَاهِدِ هُمْ مُشْرِكُونَ أَوْ مُتَشَبِّهُونَ بِالْمُشْرِكِينَ. إلَى قَوْلِهِ: {إنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إلَّا اللَّهَ} وَلَمْ يَقُلْ إنَّمَا يَعْمُرُ مَشَاهِدَ اللَّهِ. بَلْ عُمَّارُ الْمَشَاهِدِ يَخْشَوْنَ غَيْرَ اللَّهِ؛ فَيَخْشَوْنَ الْمَوْتَى وَلَا يَخْشَوْنَ
(27/168)

اللَّهَ؛ إذْ عَبَدُوهُ عِبَادَةً لَمْ يُنَزِّلْ بِهَا سُلْطَانًا وَلَا جَاءَ بِهَا كِتَابٌ وَلَا سُنَّةٌ كَمَا قَالَ الْخَلِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي مُنَاظَرَتِهِ لِلْمُشْرِكِينَ لَمَّا حَاجُّوهُ وَخَوَّفُوهُ آلِهَتَهُمْ: {وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} قَالَ تَعَالَى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ} وَفِي الصَّحِيحَيْنِ {عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ} شَقَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّنَا لَمْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّمَا هُوَ الشِّرْكُ أَلَمْ تَسْمَعُوا قَوْلَ الْعَبْدِ الصَّالِحِ: {إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} } ؟ قَالَ تَعَالَى: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ} قَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ وَغَيْرُهُ. بِالْعِلْمِ وَقَالَ تَعَالَى: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} وَلَمْ يَقُلْ وَأَنَّ الْمَشَاهِدَ لِلَّهِ بَلْ أَهْلُ الْمَشَاهِدِ يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ غَيْرَهُ. وَلِهَذَا لَمَّا لَمْ يَكُنْ بِنَاءُ الْمَسَاجِدِ عَلَى الْقُبُورِ الَّتِي تُسَمَّى " الْمَشَاهِدَ " وَتَعْظِيمُهَا مِنْ دِينِ الْمُسْلِمِينَ؛ بَلْ مِنْ دِينِ الْمُشْرِكِينَ؛ لَمْ يَحْفَظْ ذَلِكَ فَإِنَّ اللَّهَ ضَمِنَ لَنَا: أَنْ يَحْفَظَ الذِّكْرَ الَّذِي أَنْزَلَهُ كَمَا قَالَ: {إنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} فَمَا بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ مِنْ الْكِتَابِ
(27/169)

وَالْحِكْمَةِ مَحْفُوظٌ وَأَمَّا أَمْرُ الْمَشَاهِدِ فَغَيْرُ مَحْفُوظٍ بَلْ عَامَّةُ الْقُبُورِ الَّتِي بُنِيَتْ عَلَيْهَا الْمَسَاجِدُ إمَّا مَشْكُوكٌ فِيهَا وَإِمَّا مُتَيَقَّنٌ كَذِبُهَا مِثْلُ الْقَبْرِ الَّذِي بِكْرك الَّذِي يُقَالُ: إنَّ بِهِ نُوحٌ وَاَلَّذِي بِظَاهِرِ دِمَشْقَ الَّذِي يُقَالُ إنَّهُ قَبْرُ أبي بْنِ كَعْبٍ وَاَلَّذِي مِنْ النَّاحِيَةِ الْأُخْرَى الَّذِي يُقَالُ: إنَّهُ قَبْرُ أُوَيْسٍ القرني وَالْقُبُورُ الَّتِي هُنَاكَ الَّتِي يُظَنُّ أَنَّهَا قَبْرُ عَائِشَةَ أَوْ أُمِّ سَلَمَةَ - زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ أُمِّ حَبِيبَةَ أَوْ قَبْرُ عَلِيٍّ الَّذِي بِبَاطِنَةِ النَّجَفِ أَوْ الْمَشْهَدُ الَّذِي يُقَالُ: إنَّهُ عَلَى الْحُسَيْنِ بِالْقَاهِرَةِ وَالْمَشْهَدُ الَّذِي بِحَلَبِ وَأَمْثَالُ هَذِهِ الْمَشَاهِدِ؛ فَهَذِهِ كُلُّهَا كَذِبٌ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَأَمَّا الْقَبْرُ الَّذِي يُقَالُ: إنَّهُ " قَبْرُ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ " بحمص وَاَلَّذِي يُقَالُ: إنَّهُ قَبْرُ أَبِي مُسْلِمٍ الخولاني بداريا وَأَمْثَالُ ذَلِكَ: فَهَذِهِ مَشْكُوكٌ فِيهَا وَقَدْ نَعْلَمُ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةِ أَنَّ الْمَيِّتَ: قَدْ تُوُفِّيَ بِأَرْضِ وَلَكِنْ لَا يَتَعَيَّنُ أَنَّ تِلْكَ الْبُقْعَةَ مَكَانُ قَبْرِهِ: كَقَبْرِ بِلَالٍ وَنَحْوِهِ بِظَاهِرِ دِمَشْقَ وَكَقَبْرِ فَاطِمَةَ بِالْمَدِينَةِ وَأَمْثَالِ ذَلِكَ. وَعَامَّةُ مَنْ يُصَدِّقُ بِذَلِكَ يَكُونُ عَلِمَ بِهِ: إمَّا مَنَامًا وَإِمَّا نَقْلًا لَا يُوثَقُ بِهِ وَإِمَّا غَيْرَ ذَلِكَ. وَمِنْ هَذِهِ الْقُبُورِ مَا قَدْ يُتَيَقَّنُ؛ لَكِنْ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الْأَحْكَامِ الْمُبْتَدَعَةِ. وَلِهَذَا كَانَ السَّلَفُ يَسِدُّونَ هَذَا الْبَابَ؛ فَإِنَّ الْمُسْلِمِينَ لَمَّا فَتَحُوا تُسْتَرَ وَجَدُوا هُنَاكَ سَرِيرَ مَيِّتٍ بَاقٍ. ذَكَرُوا أَنَّهُ " دَانْيَالَ "
(27/170)

وَوَجَدُوا عِنْدَهُ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُ الْحَوَادِثِ وَكَانَ أَهْلُ تِلْكَ النَّاحِيَةِ يَسْتَسْقُونَ بِهِ. فَكَتَبَ فِي ذَلِكَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ إلَى عُمَرَ. فَكَتَبَ إلَيْهِ عُمَرُ أَنْ يُحْفَرَ بِالنَّهَارِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ قَبْرًا ثُمَّ يُدْفَنَ بِاللَّيْلِ فِي وَاحِدٍ مِنْهَا وَيُعْفَى قَبْرُهُ؛ لِئَلَّا يَفْتَتِنَ النَّاسُ بِهِ. وَهَذَا كَمَا نَقَلُوا عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ بَلَغَهُ: أَنَّ أَقْوَامًا يَزُورُونَ الشَّجَرَةَ الَّتِي بُويِعَ تَحْتَهَا بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ وَيُصَلُّونَ هُنَاكَ فَأَمَرَ بِقَطْعِ الشَّجَرَةِ. وَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ فِي سَفَرٍ فَرَأَى قَوْمًا يَنْتَابُونَ بُقْعَةً يُصَلُّونَ فِيهَا فَقَالَ: مَا هَذَا؟ فَقَالُوا: هَذَا مَكَانٌ صَلَّى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَقَالَ: وَمَكَانٌ صَلَّى بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَتَّخِذُوا آثَارَ أَنْبِيَائِكُمْ مَسَاجِدَ إنَّمَا هَلَكَ بَنُو إسْرَائِيلَ بِهَذَا. مَنْ أَدْرَكَتْهُ فِيهِ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ وَإِلَّا فَلْيَمْضِ. وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَيْسَ مَعَ أَحَدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ مَا يُعَارِضُ بِهِ ذَلِكَ؛ إلَّا حِكَايَةٌ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ قَالَ: إذَا كَانَتْ لَكُمْ إلَى اللَّهِ حَاجَةٌ؛ فَادْعُوهُ عِنْدَ قَبْرِي أَوْ قَالَ: قَبْرُ فُلَانٍ هُوَ التِّرْيَاقُ الْمُجَرَّبُ وَأَمْثَالُ ذَلِكَ مِنْ هَذِهِ الْحِكَايَاتِ الَّتِي قَدْ تَكُونُ صِدْقًا وَقَدْ تَكُونُ كَذِبًا وَبِتَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ صِدْقًا: فَإِنَّ قَائِلَهَا غَيْرُ مَعْصُومٍ. وَمَا يُعَارِضُ النَّقْلَ الثَّابِتَ عَنْ الْمَعْصُومِ بِنَقْلِ غَيْرِ ثَابِتٍ عَنْ غَيْرِ مَعْصُومٍ إلَّا مَنْ يَكُونُ مِنْ الضَّالِّينَ إخْوَانِ الشَّيَاطِينِ. وَهَذَا مِنْ أَسْبَابِ الشِّرْكِ وَتَغْيِيرِ الدِّينِ.
(27/171)

وَأَمَّا قَوْلُ الْقَائِلِ: إنَّ الْحَوَائِجَ تُقْضَى لَهُمْ بَعْضَ الْأَوْقَاتِ فَهَلْ يُسَوِّغُ ذَلِكَ لَهُمْ قَصْدَهَا؟ فَيُقَالُ: لَيْسَ ذَلِكَ مُسَوِّغُ قَصْدِهَا لِوُجُوهِ: أَحَدُهَا: أَنَّ الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلَ الْكِتَابِ يُقْضَى كَثِيرٌ مِنْ حَوَائِجِهِمْ بِالدُّعَاءِ عِنْدَ الْأَصْنَامِ وَعِنْدَ تَمَاثِيلِ الْقِدِّيسِينَ وَالْأَمَاكِنِ الَّتِي يُعَظِّمُونَهَا؛ وَتَعْظِيمُهَا حَرَامٌ فِي زَمَنِ الْإِسْلَامِ. فَهَلْ يَقُولُ مُسْلِمٌ: إنَّ مِثْلَ ذَلِكَ سَوَّغَ لَهُمْ هَذَا الْفِعْلَ الْمُحَرَّمَ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ وَمَا تَجِدُ عِنْدَ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ وَالْبِدَعِ مِنْ الْأَسْبَابِ - الَّتِي بِهَا ابْتَدَعُوا مَا ابْتَدَعُوهُ - إلَّا تَجِدُ عِنْدَ الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ جِنْسِ تِلْكَ الْأَسْبَابِ مَا أَوْقَعَهُمْ فِي كُفْرِهِمْ وَأَشَدُّ وَمَنْ تَدَبَّرَ هَذَا: وَجَدَهُ فِي عَامَّةِ الْأُمُورِ فَإِنَّ الْبِدَعَ مُشْتَقَّةٌ مِنْ الْكُفْرِ وَكَمَالُ الْإِيمَانِ: هُوَ فِعْلُ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ وَتَرْكُ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ وَرَسُولُهُ فَإِذَا تَرَكَ بَعْضَ الْمَأْمُورِ وَعَوَّضَ عَنْهُ بِبَعْضِ الْمَحْظُورِ كَانَ فِي ذَلِكَ مِنْ نَقْصِ الْإِيمَانِ بِقَدْرِ ذَلِكَ. وَالْبِدْعَةُ لَا تَكُونُ حَقًّا مَحْضًا؛ إذْ لَوْ كَانَتْ كَذَلِكَ لَكَانَتْ مَشْرُوعَةً وَلَا تَكُونُ مَصْلَحَتُهَا رَاجِحَةً عَلَى مَفْسَدَتِهَا؛ إذْ لَوْ كَانَتْ كَذَلِكَ لَكَانَتْ مَشْرُوعَةً وَلَا تَكُونُ بَاطِلًا مَحْضًا لَا حَقَّ فِيهِ؛ إذْ لَوْ كَانَتْ كَذَلِكَ لَمَا اشْتَبَهَتْ عَلَى أَحَدٍ وَإِنَّمَا يَكُونُ فِيهَا بَعْضُ الْحَقِّ وَبَعْضُ الْبَاطِلِ. وَكَذَلِكَ دِينُ الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ كُلَّ مَا يُخْبِرُونَ بِهِ كَذِبًا وَكُلُّ مَا يَأْمُرُونَ بِهِ فَسَادًا؛ بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ فِي خَبَرِهِمْ صِدْقٌ
(27/172)

وَفِي أَمْرِهِمْ نَوْعٌ مِنْ الْمَصْلَحَةِ وَمَعَ هَذَا فَهُمْ كُفَّارٌ بِمَا تَرَكُوهُ مِنْ الْحَقِّ وَأَتَوْهُ مِنْ الْبَاطِلِ. الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ هَذَا الْبَابَ يَكْثُرُ فِيهِ الْكَذِبُ جِدًّا؛ فَإِنَّهُ لَمَّا كَانَ الْكَذِبُ مَقْرُونًا بِالشِّرْكِ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ وَالصِّدْقُ مَقْرُونًا بِالْإِخْلَاصِ فَالْمُؤْمِنُونَ أَهْلُ صِدْقٍ وَإِخْلَاصٍ وَالْكُفَّارُ أَهْلُ كَذِبٍ وَشِرْكٍ وَكَانَ فِي هَذِهِ الْمَشَاهِدِ مِنْ الشِّرْكِ مَا فِيهَا: اقْتَرَنَ بِهَا الْكَذِبُ مِنْ وُجُوهٍ مُتَعَدِّدَةٍ. مِنْهَا: دَعْوَى أَنَّ هَذَا قَبْرُ فُلَانٍ الْمُعَظَّمِ أَوْ رَأْسُهُ؛ فَفِي ذَلِكَ كَذِبٌ كَثِيرٌ. وَالثَّانِي: الْإِخْبَارُ عَنْ أَحْوَالِهِ بِأُمُورِ يَكْثُرُ فِيهَا الْكَذِبُ. وَالثَّالِثُ: الْإِخْبَارُ بِمَا يُقْضَى عِنْدَهُ مِنْ الْحَاجَاتِ فَمَا أَكْثَرَ مَا يَحْتَالُ الْمُعَظِّمُونَ لِلْقَبْرِ بِحِيَلِ يُلَبِّسُونَ عَلَى النَّاسِ أَنَّهُ حَصَلَ بِهِ خَرْقُ عَادَةٍ أَوْ قَضَاءُ حَاجَةٍ وَمَا أَكْثَرَ مَنْ يُخْبِرُ بِمَا لَا حَقِيقَةَ لَهُ وَقَدْ رَأَيْنَا مِنْ ذَلِكَ أُمُورًا كَثِيرَةً جِدًّا. الرَّابِعُ: الْإِخْبَارُ بِنِسَبِ الْمُتَّصِلِينَ بِهِ مِثْلُ كَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ يَدَّعِي الِانْتِسَابَ إلَى قَبْرِ ذَلِكَ الْمَيِّتِ إمَّا بِبُنُوَّةِ. وَإِمَّا بِغَيْرِ بُنُوَّةٍ حَتَّى رَأَيْت مَنْ يَدَّعِي
(27/173)

أَنَّهُ مِنْ وَلَدِ إبْرَاهِيمَ بْنِ أَدْهَمَ مَعَ كَذِبِهِ فِي ذَلِكَ؛ لِيَكُونَ سَادِنَ قَبْرِهِ وَأَمَّا الْكَذِبُ عَلَى الْعِتْرَةِ النَّبَوِيَّةِ فَأَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُوصَفَ. فَبَنُو عُبَيْدٍ - الَّذِينَ يُسَمَّوْنَ القداح - الَّذِينَ كَانُوا يَقُولُونَ إنَّهُمْ فَاطِمِيُّونَ وَبَنُو الْقَاهِرَةِ وَبَقُوا مُلُوكًا: يَدَّعُونَ أَنَّهُمْ عَلَوِيُّونَ: نَحْوَ مِائَتَيْ سَنَةٍ وَغَلَبُوا عَلَى نِصْفِ مَمْلَكَةِ الْإِسْلَامِ حَتَّى غَلَبُوا فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ عَلَى بَغْدَادَ وَكَانُوا كَمَا قَالَ فِيهِمْ أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ: ظَاهِرُ مَذْهَبِهِمْ الرَّفْضُ وَبَاطِنُهُ الْكُفْرُ الْمَحْضُ. وَقَدْ صَنَّفَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الطَّيِّبِ كِتَابَهُ الَّذِي سَمَّاهُ " كَشْفُ الْأَسْرَارِ وَهَتْكُ الْأَسْتَارِ " فِي كَشْفِ أَحْوَالِهِمْ. وَكَذَلِكَ مَا شَاءَ اللَّهُ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ كَالْقَاضِي أَبِي يَعْلَى وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْكَرِيمِ الشَّهْرَستَانِي. وَأَهْلُ الْعِلْمِ كُلُّهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا مِنْ وَلَدِ فَاطِمَةَ؛ بَلْ كَانُوا مِنْ ذُرِّيَّةِ الْمَجُوسِ وَقِيلَ مِنْ ذُرِّيَّةِ يَهُودِيٍّ وَكَانُوا مِنْ أَبْعَدِ النَّاسِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سُنَّتِهِ وَدِينِهِ: بَاطِنُ دِينِهِمْ مُرَكَّبٌ مِنْ دِينِ الْمَجُوسِ وَالصَّابِئِينَ. وَمَا يُظْهِرُونَ مِنْ دِينِ الْمُسْلِمِينَ: هُوَ دِينُ الرَّافِضَةِ. فَخِيَارُ الْمُتَدَيِّنِينَ مِنْهُمْ هُمْ الرَّافِضَةُ. وَهُمْ جُهَّالُهُمْ وَعَوَامُّهُمْ وَكُلُّ مَنْ دَخَلَ مَعَهُمْ يَظُنُّ أَنَّهُ مُسْلِمٌ وَيَعْتَقِدُ أَنَّ دِينَ الْإِسْلَامِ حَقٌّ. وَأَمَّا خَوَاصُّهُمْ: مِنْ مُلُوكِهِمْ وَعُلَمَائِهِمْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُمْ خَارِجُونَ مِنْ دِينِ الْمِلَلِ كُلُّهُمْ مِنْ دِينِ الْمُسْلِمِينَ وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَأَقْرَبُ النَّاسِ
(27/174)

إلَيْهِمْ الْفَلَاسِفَةُ؛ وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا أَيْضًا عَلَى قَاعِدَةِ فَيْلَسُوفٍ مُعَيَّنٍ. وَلِهَذَا انْتَسَبَ إلَيْهِمْ طَوَائِفُ الْمُتَفَلْسِفَةِ فَابْنُ سِينَا وَأَهْلُ بَيْتِهِ مِنْ أَتْبَاعِهِمْ وَابْنُ الْهَيْثَمِ وَأَمْثَالُهُ مِنْ أَتْبَاعِهِمْ وَمُبَشِّرُ بْنُ فَاتِكٍ وَنَحْوُهُ مِنْ أَتْبَاعِهِمْ وَأَصْحَابُ " رَسَائِلِ إخْوَانِ الصَّفَا " صَنَّفُوا الرَّسَائِلَ عَلَى نَحْوٍ مَنْ طَرِيقَتِهِمْ وَمِنْهُمْ. الْإِسْمَاعِيلِيَّة وَأَهْلُ دَارِ الدَّعْوَةِ فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ. وَوَصْفُ حَالِهِمْ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَهُ. وَإِنَّمَا الْقَصْدُ أَنَّهُمْ كَانُوا مِنْ أَكْذَبِ النَّاسِ وَأَعْظَمِهِمْ شِرْكًا وَأَنَّهُمْ يَكْذِبُونَ فِي النَّسَبِ وَغَيْرِ النَّسَبِ؛ وَلِذَلِكَ تَجِدُ أَكْثَرَ المشهدية الَّذِينَ يَدَّعُونَ النَّسَبَ الْعَلَوِيَّ كَذَّابِينَ؛ إمَّا أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمْ مَوْلًى لِبَنِي هَاشِمٍ أَوْ لَا يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ لَا نَسَبٌ وَلَا وَلَاءٌ وَلَكِنْ يَقُولُ أَنَا عَلَوِيٌّ وَيَنْوِي عَلَوِيَّ الْمَذْهَبِ وَيَجْعَلُ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَعَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ الطَّاهِرِينَ - كَانَ دِينُهُ دِينَ الرَّافِضَةِ فَلَا يَكْفِيهِ هَذَا الطَّعْنُ فِي عَلِيٍّ حَتَّى يَظْهَرَ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ أَيْضًا فَالْكَذِبُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْقُبُورِ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُمْكِنَ سَطْرُهُ فِي هَذِهِ الْفَتْوَى. الْخَامِسُ: أَنَّ الرَّافِضَةَ أَكْذَبُ طَوَائِفِ الْأُمَّةِ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَهُمْ أَعْظَمُ الطَّوَائِفِ الْمُدَّعِيَةِ لِلْإِسْلَامِ غُلُوًّا وَشِرْكًا وَمِنْهُمْ كَانَ أَوَّلُ مَنْ ادَّعَى الْإِلَهِيَّةَ فِي الْقُرَّاءِ وَادَّعَى نُبُوَّةَ غَيْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
(27/175)

كَمَنْ ادَّعَى نُبُوَّةَ عَلِيٍّ وَكَالْمُخْتَارِ بْنِ أَبِي عُبَيْدِ ادَّعَى النُّبُوَّةَ ثُمَّ يَلِيهِمْ الْجُهَّالُ كَغُلَاةِ ضُلَّالِ الْعُبَّادِ وَأَتْبَاعِ الْمَشَايِخِ؛ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ النَّاسِ تَعْظِيمًا لِلْقُبُورِ بَعْدَ الرَّافِضَةِ وَأَكْثَرُ النَّاسِ غُلُوًّا بَعْدَهُمْ وَأَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا وَكُلٌّ مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ فِيهَا شَبَهٌ مِنْ النَّصَارَى. وَكَذِبُ النَّصَارَى وَشِرْكُهُمْ وَغُلُوُّهُمْ مَعْلُومٌ عِنْدَ الْخَاصِّ وَالْعَامِّ وَعِنْدَ هَذِهِ الطَّوَائِفِ مِنْ الشِّرْكِ وَالْكَذِبِ مَا لَا يُحْصِيهِ إلَّا اللَّهُ. الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ إذَا قُضِيَتْ حَاجَةُ مُسْلِمٍ وَكَانَ قَدْ دَعَا دَعْوَةً عِنْدَ قَبْرِهِ فَمِنْ أَيْنَ لَهُ أَنَّ لِذَلِكَ الْقَبْرِ تَأْثِيرًا فِي تِلْكَ الْحَاجَةِ؟ وَهَذَا بِمَنْزِلَةِ مَا يَنْذِرُونَهُ عِنْدَ الْقُبُورِ أَوْ غَيْرِهَا مِنْ النُّذُورِ: إذَا قُضِيَتْ حَاجَاتُهُمْ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ: عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {أَنَّهُ: نَهَى عَنْ النَّذْرِ وَقَالَ: إنَّهُ لَا يَأْتِي بِخَيْرِ وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنْ الْبَخِيلِ} . وَفِي لَفْظٍ {إنَّ النَّذْرَ لَا يَأْتِي ابْنَ آدَمَ بِشَيْءِ لَمْ يَكُنْ قُدِّرَ لَهُ؛ وَلَكِنْ يُلْقِيهِ النَّذْرُ إلَى الْقَدَرِ قَدَّرْته} فَإِذَا ثَبَتَ بِهَذَا الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: أَنَّ النَّذْرَ لَيْسَ سَبَبًا فِي دَفْعِ مَا عَلِقَ بِهِ مِنْ جَلْبِ مَنْفَعَةٍ أَوْ دَفْعِ مَضَرَّةٍ مَعَ أَنَّ النَّذْرَ جَزَاءُ تِلْكَ الْحَاجَةِ وَيَعْلَقُ بِهَا وَمَعَ كَثْرَةِ مَنْ تُقْضَى حَوَائِجُهُمْ الَّتِي عَلَّقُوا بِهَا النُّذُورَ؛ كَانَتْ الْقُبُورُ أَبْعَدَ عَنْ أَنْ تَكُونَ سَبَبًا فِي ذَلِكَ. ثُمَّ تِلْكَ الْحَاجَةُ: إمَّا أَنْ تَكُونَ قَدْ قُضِيَتْ بِغَيْرِ دُعَائِهِ وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ قُضِيَتْ بِدُعَائِهِ. فَإِنْ كَانَ: الْأَوَّلَ فَلَا كَلَامَ وَإِنْ
(27/176)

كَانَ الثَّانِيَ: فَيَكُونُ قَدْ اجْتَهَدَ فِي الدُّعَاءِ اجْتِهَادًا لَوْ اجتهده فِي غَيْرِ تِلْكَ الْبُقْعَةِ أَوْ عِنْدَ الصَّلِيبِ لَقُضِيَتْ حَاجَتُهُ؛ فَالسَّبَبُ هُوَ اجْتِهَادُهُ فِي الدُّعَاءِ؛ لَا خُصُوصُ الْقَبْرِ.
الْوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنَّهُ إذَا قُدِّرَ أَنَّ لِلْقُبُورِ نَوْعَ تَأْثِيرٍ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ كَانَ بِهَا كَمَا يَذْكُرُهُ الْمُتَفَلْسِفَةُ وَمَنْ سَلَكَ سَبِيلَهُمْ فِي ذَلِكَ بِأَنَّ الرُّوحَ الْمُفَارِقَةَ: تَتَّصِلُ بِرُوحِ الدَّاعِي فَيَقْوَى بِذَلِكَ كَمَا يَزْعُمُهُ ابْنُ سِينَا وَأَبُو حَامِدٍ وَأَمْثَالُهُمَا فِي زِيَارَةِ الْقُبُورِ أَوْ كَانَ بِسَبَبِ آخَرَ. فَيُقَالُ: لَيْسَ كُلُّ سَبَبٍ نَالَ بِهِ الْإِنْسَانُ حَاجَتَهُ يَكُونُ مَشْرُوعًا بَلْ وَلَا مُبَاحًا وَإِنَّمَا يَكُونُ مَشْرُوعًا إذَا غَلَبَتْ مَصْلَحَتُهُ عَلَى مَفْسَدَتِهِ. أَمَّا إذَا غَلَبَتْ مَفْسَدَتُهُ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ مَشْرُوعًا؛ بَلْ مَحْظُورًا وَإِنْ حَصَلَ بِهِ بَعْضُ الْفَائِدَةِ.
وَمِنْ هَذَا الْبَابِ تَحْرِيمُ السِّحْرِ مَعَ مَا لَهُ مِنْ التَّأْثِيرِ وَقَضَاءِ بَعْضِ الْحَاجَاتِ وَمَا يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ مِنْ عِبَادَةِ الْكَوَاكِبِ وَدُعَائِهَا وَاسْتِحْضَارِ الْجِنِّ. وَكَذَلِكَ الْكِهَانَةُ وَالِاسْتِقْسَامُ بِالْأَزْلَامِ؛ وَأَنْوَاعُ الْأُمُورِ الْمُحَرَّمَةِ فِي الشَّرِيعَةِ مَعَ تَضَمُّنِهَا أَحْيَانًا نَوْعَ كَشْفٍ أَوْ نَوْعَ تَأْثِيرٍ. وَفِي هَذَا تَنْبِيهٌ عَلَى جُمْلَةِ الْأَسْبَابِ الَّتِي تُقْضَى بِهَا حَوَائِجُهُمْ. وَأَمَّا
(27/177)

تَفْصِيلُ ذَلِكَ فَيَحْتَاجُ إلَى بَسْطٍ طَوِيلٍ كَمَا يَحْتَاجُ تَفْصِيلُ أَنْوَاعِ السِّحْرِ وَسَبَبُ تَأْثِيرِهِ وَمَا فِيهِ مِنْ السِّيمَيَا وَتَفْصِيلُ أَنْوَاعِ الشِّرْكِ وَمَا دَعَا الْمُشْرِكِينَ إلَى عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ؛ فَإِنَّ الْعَاقِلَ يَعْلَمُ أَنَّ أُمَّةً مِنْ الْأُمَمِ لَمْ تُجْمِعْ عَلَى أَمْرٍ بِلَا سَبَبٍ وَالْخَلِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَقُولُ: {وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ} {رَبِّ إنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ} وَمَنْ ظَنَّ فِي عُبَّادِ الْأَصْنَامِ: أَنَّهُمْ كَانُوا يَعْتَقِدُونَ أَنَّهَا تَخْلُقُ الْعَالَمَ أَوْ أَنَّهَا تُنَزِّلُ الْمَطَرَ أَوْ تُنْبِتُ النَّبَاتَ أَوْ تَخْلُقُ الْحَيَوَانَ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ؛ فَهُوَ جَاهِلٌ بِهِمْ؛ بَلْ كَانَ قَصْدُ عُبَّادِ الْأَوْثَانِ لِأَوْثَانِهِمْ مِنْ جِنْسِ قَصْدِ الْمُشْرِكِينَ بِالْقُبُورِ لِلْقُبُورِ الْمُعَظَّمَةِ عِنْدَهُمْ وَقَصْدِ النَّصَارَى لِقُبُورِ الْقِدِّيسِينَ يَتَّخِذُونَهُمْ شُفَعَاءَ وَوَسَائِطَ وَوَسَائِلَ. بَلْ قَدْ ثَبَتَ عِنْدَنَا بِالنَّقْلِ الصَّحِيحِ أَنَّ مِنْ مساجدي الْقُبُورِ مَنْ يَفْعَلُ بِهَا أَكْثَرَ مِمَّا يَفْعَلُهُ كَثِيرٌ مِنْ عُبَّادِ الْأَصْنَامِ. وَيَكْفِي الْمُسْلِمَ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يُحَرِّمْ شَيْئًا إلَّا وَمَفْسَدَتُهُ مَحْضَةٌ أَوْ غَالِبَةٌ. وَأَمَّا مَا كَانَتْ مَصْلَحَتُهُ مَحْضَةً أَوْ رَاجِحَةً: فَإِنَّ اللَّهَ شَرَعَهُ؛ إذْ الرُّسُلُ بُعِثَتْ بِتَحْصِيلِ الْمَصَالِحِ وَتَكْمِيلِهَا وَتَعْطِيلِ الْمَفَاسِدِ وَتَقْلِيلِهَا. وَالشِّرْكُ كَمَا قُرِنَ بِالْكَذِبِ قُرِنَ بِالسِّحْرِ فِي مِثْلِ قَوْله تَعَالَى {أَلَمْ تَرَ إلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا} {أُولَئِكَ
(27/178)

الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا} وَالْجِبْتُ السِّحْرُ وَالطَّاغُوتُ الشَّيْطَانُ وَالْوَثَنُ. وَهَذِهِ حَالُ كَثِيرٍ مِنْ الْمُنْتَسِبِينَ إلَى الْمِلَّةِ يُعَظِّمُونَ السِّحْرَ وَالشِّرْكَ وَيُرَجِّحُونَ الْكُفَّارَ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ الْمُتَمَسِّكِينَ بِالشَّرِيعَةِ. وَالْوَرَقَةُ لَا تَحْتَمِلُ أَكْثَرَ مِنْ هَذَا. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(27/179)

وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
عَنْ الدُّعَاءِ عِنْدَ الْقَبْرِ مِثْلُ الصَّالِحِينَ وَالْأَوْلِيَاءِ. هَلْ هُوَ جَائِزٌ أَمْ لَا؟ وَهَلْ هُوَ مُسْتَجَابٌ أَكْثَرَ مِنْ الدُّعَاءِ عِنْدَ غَيْرِهِمْ أَمْ لَا؟ وَأَيُّ أَمَاكِنَ الدُّعَاءُ فِيهَا أَفْضَلُ.
فَأَجَابَ:
لَيْسَ الدُّعَاءُ عِنْدَ الْقُبُورِ بِأَفْضَلَ مِنْ الدُّعَاءِ فِي الْمَسَاجِدِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْأَمَاكِنِ وَلَا قَالَ أَحَدٌ مِنْ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ: إنَّهُ مُسْتَحَبٌّ أَنْ يَقْصِدَ الْقُبُورَ لِأَجْلِ الدُّعَاءِ عِنْدَهَا؛ لَا قُبُورَ الْأَنْبِيَاءِ وَلَا غَيْرِهِمْ؛ بَلْ قَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ اسْتَسْقَى بِالْعَبَّاسِ - عَمِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَ: اللَّهُمَّ إنَّا كُنَّا نَسْتَسْقِي إلَيْك بِنَبِيِّنَا فَتَسْقِيَنَا وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إلَيْك بِعَمِّ نَبِيِّنَا فَاسْقِنَا فَيُسْقَوْنَ. فَاسْتَسْقَوْا بِالْعَبَّاسِ كَمَا كَانُوا يَسْتَسْقُونَ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّهُ عَمُّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَمَا كَانُوا يَسْتَسْقُونَ عِنْدَ قَبْرِهِ وَلَا يَدْعُونَ عِنْدَهُ؛ بَلْ قَدْ ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصِّحَاحِ أَنَّهُ قَالَ: {لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ} يُحَذِّرُ مَا فَعَلُوا وَقَالَ قَبْلَ أَنْ
(27/180)

يَمُوتَ بِخَمْسِ: {إنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ الْقُبُورَ مَسَاجِدَ أَلَا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ؛ فَإِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ} وَفِي السُّنَنِ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: {لَعَنَ اللَّهُ زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ وَالْمُتَّخِذِينَ عَلَيْهَا الْمَسَاجِدَ وَالسُّرُجِ} . فَإِذَا كَانَ قَدْ حَرَّمَ اتِّخَاذَهَا مَسَاجِدَ وَالْإِيقَادُ عَلَيْهَا عُلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْهَا مَحَلًّا لِلْعِبَادَةِ لِلَّهِ وَالدُّعَاءِ. وَإِنَّمَا سَنَّ لِمَنْ زَارَ الْقُبُورَ أَنْ يُسَلِّمَ عَلَى الْمَيِّتِ وَيَدْعُوَ لَهُ كَمَا سَنَّ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ قَبْلَ دَفْنِهِ وَيَدْعُوَ لَهُ. فَالْمَقْصُودُ بِمَا سَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الدُّعَاءُ لِلْمَيِّتِ لَا دُعَاؤُهُ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(27/181)

وَقَالَ الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْهَادِي: (*)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، أَمَّا بَعْدُ فَهَذِهِ فُتْيَا أَفْتَى بِهَا الشِّيحُ الْإِمَامُ تَقِيُّ الدِّينِ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَد ابْنُ تَيْمِيَّة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ثُمَّ بَعْدَ مُدَّةٍ نَحْوَ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً أَنْكَرَهَا بَعْضُ النَّاسِ وَشَنَّعَ بِهَا جَمَاعَةٌ عِنْدَ بَعْضِ وُلَاةِ الْأُمُورِ وَذُكِرَتْ بِعِبَارَاتِ شَنِيعَةٍ: فَفَهِمَ مِنْهَا جَمَاعَةٌ غَيْرَ مَا هِيَ عَلَيْهِ وَانْضَمَّ إلَى الْإِنْكَارِ وَالشَّنَاعَةِ وَتَغَيُّرِ الْأَلْفَاظِ أُمُورٌ أَوْجَبَ ذَلِكَ كُلُّهُ مُكَاتَبَةَ السُّلْطَانِ - سُلْطَانِ الْإِسْلَامِ بِمِصْرِ - أَيَّدَهُ اللَّهُ تَعَالَى فَجَمَعَ قُضَاةَ بَلَدِهِ ثُمَّ اقْتَضَى الرَّأْيُ حَبْسَهُ فَحُبِسَ بِقَلْعَةِ دِمَشْقَ الْمَحْرُوسَةِ بِكِتَابِ وَرَدَ سَابِعَ شَعْبَانَ الْمُبَارَكِ سَنَةَ سِتٍّ وَعِشْرِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ. وَفِي ذَلِكَ كُلِّهِ لَمْ يَحْضُرْ الشَّيْخُ الْمَذْكُورُ بِمَجْلِسِ حُكْمٍ وَلَا وَقَفَ عَلَى خَطِّهِ الَّذِي أَنْكَرَ وَلَا ادَّعَى عَلَيْهِ بِشَيْءِ. فَكَتَبَ بَعْضُ الْغُرَبَاءِ مِنْ بَلَدِهِ هَذِهِ الْفُتْيَا وَأَوْقَفَ عَلَيْهَا بَعْضَ عُلَمَاءِ بَغْدَادَ فَكَتَبُوا عَلَيْهَا بَعْدَ تَأَمُّلِهَا وَقِرَاءَةِ أَلْفَاظِهَا.
__________

[تعليق مُعِدّ الكتاب للشاملة]
(*) قال الشيخ ناصر بن حمد الفهد (ص 211 - 213) :
وهنا تنبيهات:
الأول: أن فتوى الشيخ رحمه الله وما نقله ابن عبد الهادي بعدها من فتاوى المؤيدين له من العلماء مذكورة بلفظها في (العقود الدرية من مناقب شيخ الإسلام أحمد بن تيمية) لابن عبد الهادي: 346 - 376.
الثاني: أن شيخ الإسلام رحمه ذكر نص هذه الفتوى أيضاً في (الرد على الإخنائي) ص 40 - 49، وهذه القطعة من (الرد على الإخنائي) موجود أيضاً في (مختصره) والمنشور في الفتاوى: 27 / 214 - 228.
الثالث: أن هناك فروقاً يسيرة إلى ثمانية فروق تقريبا بين الفتوى التي نقلها ابن عبد الهادي رحمه الله - والمنشورة في هذا الموضع -، والفتوى التي ذكرها الشيخ رحمه الله في الإخنائية ومختصرها، وأهم الفروق هي:
1 - 27 / 185: (وقد احتج أبو محمد المقدسى على جواز السفر لزيارة القبور بأنه صلى الله عليه وسلم كان يزور مسجد قباء [وأنه كان يزور القبور] ) ، وما بين المعقوفتين موجود في الإخنائية ص 44، وفي مختصرها الموجود في الفتاوى: 27 / 219، وهو ساقط من هذا الموضع.
27 / 188 -: (وأما إذا نذر الرجل أن يسافر إليها لغرض مباح، فهذا جائز) ، في الإخنائية ص 45، ومختصرها (27 / 221) : (وأما إذا قدر أن الرجل سافر إليها. . .) وهو الأظهر.
3 - 27 / 189: (وفي سنن سعيد بن منصور: أن عبد الله بن حسن بن الحسين بن على بن أبي طالب، رأى رجلاً يختلف إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم [ويدعو عنده] ، فقال: يا هذا، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا تتخذوا قبرى عيدًا، وصلوا على، فإن صلاتكم حيثما كنتم تبلغنى ". فما أنت ورجل بالأندلس منه إلا سواء) .
وما بين المعقوفتين ساقط من الإخنائية ص 46، ومختصرها (27 / 222) ، وهو الموافق لرواية الحديث.
4 - 27 / 191: (وأول من وضع هذه الأحاديث في السفر لزيارة المشاهد التى على القبور، أهل البدع، من الرافضة ونحوهم، الذين يعطلون المساجد، ويعظمون المشاهد، [يَدَعُون بيوت الله التى أمر أن يذكر فيها اسمه، ويعبد وحده لا شريك له، ويعظمون المشاهد] التي يشرك فيها ويكذب، ويبتدع فيها دين لم ينزل الله به سلطانًا؛ فإن الكتاب والسنة إنما فيهما ذكر المساجد، دون المشاهد)
وما بين المعقوفتين سقط - بسبب انتقال نظر الناسخ من كلمة " يعظمون المشاهد " الأولى إلى الثانية - من الإخنائية ص 48، ومختصرها (27 / 224) ، والله تعالى أعلم.
(27/182)

وَسُئِلَ بَعْضُ مَالِكِيَّةِ دِمَشْقَ عَنْهَا فَكَتَبُوا كَذَلِكَ. وَبَلَغَنَا أَنَّ بِمِصْرِ مَنْ وَقَفَ عَلَيْهَا فَوَافَقَ. وَنَبْدَأُ الْآنَ بِذِكْرِ السُّؤَالِ الَّذِي كَتَبَ عَلَيْهِ أَهْلُ بَغْدَادَ وَبِذِكْرِ الْفُتْيَا وَجَوَابِ الشَّيْخِ الْمَذْكُورِ عَلَيْهَا وَجَوَابِ الْفُقَهَاءِ بَعْدَهُ. وَهَذِهِ صُورَةُ السُّؤَالِ وَالْأَجْوِبَةِ. الْمَسْئُولُ مِنْ إنْعَامِ السَّادَةِ الْعُلَمَاءِ وَالْهُدَاةِ الْفُضَلَاءِ أَئِمَّةِ الدِّينِ وَهُدَاةِ الْمُسْلِمِينَ وَفَّقَهُمْ اللَّهُ لِمَرْضَاتِهِ وَأَدَامَ بِهِمْ الْهِدَايَةَ: أَنْ يَنْعَمُوا وَيَتَأَمَّلُوا الْفَتْوَى وَجَوَابَهَا الْمُتَّصِلَ بِهَذَا السُّؤَالِ الْمَنْسُوخِ عَقِبَهُ وَصُورَةُ ذَلِكَ: مَا يَقُولُ السَّادَةُ الْعُلَمَاءُ أَئِمَّةُ الدِّينِ نَفَعَ اللَّهُ بِهِمْ الْمُسْلِمِينَ: فِي رَجُلٍ نَوَى السَّفَرَ إلَى " زِيَارَةِ قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ " مِثْلِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَغَيْرِهِ. فَهَلْ يَجُوزُ لَهُ فِي سَفَرِهِ أَنْ يَقْصُرَ الصَّلَاةَ؟ وَهَلْ هَذِهِ الزِّيَارَةُ شَرْعِيَّةٌ أَمْ لَا؟ ؟ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: {مَنْ حَجَّ وَلَمْ يَزُرْنِي فَقَدْ جَفَانِي} {وَمَنْ زَارَنِي بَعْدَ مَوْتِي كَمَنْ زَارَنِي فِي حَيَاتِي}
(27/183)

وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيْضًا أَنَّهُ قَالَ: {لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِي هَذَا وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى} . أَفْتُونَا مَأْجُورِينَ رَحِمَكُمْ اللَّهُ.
فَأَجَابَ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، أَمَّا مَنْ سَافَرَ لِمُجَرَّدِ زِيَارَةِ قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ فَهَلْ يَجُوزُ لَهُ قَصْرُ الصَّلَاةِ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ مَعْرُوفَيْنِ: أَحَدُهُمَا وَهُوَ قَوْلُ مُتَقَدِّمِي الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ لَا يُجَوِّزُونَ الْقَصْرَ فِي سَفَرِ الْمَعْصِيَةِ كَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَطَّةَ وَأَبِي الْوَفَاءِ بْنِ عَقِيلٍ وَطَوَائِفَ كَثِيرَةٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْقَصْرُ فِي مِثْلِ هَذَا السَّفَرِ لِأَنَّهُ سَفَرٌ مَنْهِيٌّ عَنْهُ. وَمَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد: أَنَّ السَّفَرَ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ فِي الشَّرِيعَةِ لَا يُقْصَرُ فِيهِ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ يُقْصَرُ وَهَذَا يَقُولُهُ مَنْ يُجَوِّزُ الْقَصْرَ فِي السَّفَرِ الْمُحَرَّمِ كَأَبِي حَنِيفَةَ. وَيَقُولُهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ
(27/184)

وَأَحْمَد مِمَّنْ يُجَوِّزُ السَّفَرَ لِزِيَارَةِ قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ كَأَبِي حَامِدٍ الْغَزَالِيِّ وَأَبِي الْحَسَنِ بْنِ عبدوس الْحَرَّانِي وَأَبِي مُحَمَّدِ بْنِ قدامة المقدسي. وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: إنَّ هَذَا السَّفَرَ لَيْسَ بِمُحَرَّمِ. لِعُمُومِ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {زُورُوا الْقُبُورَ} . وَقَدْ يَحْتَجُّ بَعْضُ مَنْ لَا يَعْرِفُ الْحَدِيثَ بِالْأَحَادِيثِ الْمَرْوِيَّةِ فِي زِيَارَةِ قَبْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. كَقَوْلِهِ {مَنْ زَارَنِي بَعْدَ مَمَاتِي فَكَأَنَّمَا زَارَنِي فِي حَيَاتِي} رَوَاهُ الدارقطني وَابْنُ مَاجَه. وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ بَعْضُ النَّاسِ مِنْ قَوْلِهِ: {مَنْ حَجَّ وَلَمْ يَزُرْنِي فَقَدْ جَفَانِي} فَهَذَا لَمْ يَرْوِهِ أَحَدٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ. وَهُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ: {مَنْ زَارَنِي وَزَارَ أَبِي إبْرَاهِيمَ فِي عَامٍ وَاحِدٍ ضَمِنْت لَهُ عَلَى اللَّهِ الْجَنَّةَ} . فَإِنَّ هَذَا أَيْضًا بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ لَمْ يَرْوِهِ أَحَدٌ وَلَمْ يَحْتَجَّ بِهِ أَحَدٌ وَإِنَّمَا يَحْتَجُّ بَعْضُهُمْ بِحَدِيثِ الدارقطني وَنَحْوِهِ. وَقَدْ احْتَجَّ أَبُو مُحَمَّدٍ المقدسي عَلَى جَوَازِ السَّفَرِ لِزِيَارَةِ الْقُبُورِ بِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَزُورُ مَسْجِدَ قُبَاء. وَأَجَابَ عَنْ حَدِيثِ {لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ} بِأَنَّ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى نَفْيِ الِاسْتِحْبَابِ.
(27/185)

وَأَمَّا الْأَوَّلُونَ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: {لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِي هَذَا وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى} وَهَذَا الْحَدِيثُ مِمَّا اتَّفَقَ الْأَئِمَّةُ عَلَى صِحَّتِهِ وَالْعَمَلِ بِهِ. فَلَوْ نَذَرَ الرَّجُلُ أَنْ يَشُدَّ الرَّحْلَ لِيُصَلِّيَ بِمَسْجِدِ أَوْ مَشْهَدٍ أَوْ يَعْتَكِفَ فِيهِ أَوْ يُسَافِرَ إلَيْهِ غَيْرَ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ. لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ ذَلِكَ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ. وَلَوْ نَذَرَ أَنْ يُسَافِرَ وَيَأْتِيَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ لِحَجِّ أَوْ عُمْرَةٍ. وَجَبَ عَلَيْهِ ذَلِكَ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ. وَلَوْ نَذَرَ أَنْ يَأْتِيَ مَسْجِدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ الْمَسْجِدَ الْأَقْصَى لِصَلَاةِ أَوْ اعْتِكَافٍ وَجَبَ عَلَيْهِ الْوَفَاءُ بِهَذَا النَّذْرِ عِنْد مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ وَأَحْمَد؛ وَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ عِنْدَهُ بِالنَّذْرِ إلَّا مَا كَانَ جِنْسُهُ وَاجِبًا بِالشَّرْعِ. أَمَّا الْجُمْهُورُ فَيُوجِبُونَ الْوَفَاءَ بِكُلِّ طَاعَةٍ كَمَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: {مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ. وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ فَلَا يَعْصِهِ} . وَالسَّفَرُ إلَى الْمَسْجِدَيْنِ طَاعَةٌ فَلِهَذَا وَجَبَ الْوَفَاءُ بِهِ.
(27/186)

وَأَمَّا السَّفَرُ إلَى بُقْعَةٍ غَيْرَ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ فَلَمْ يُوجِبْ أَحَدٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ السَّفَرَ إلَيْهِ إذَا نَذَرَهُ حَتَّى نَصَّ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ لَا يُسَافِرُ إلَى مَسْجِدِ قُبَاء؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ مَعَ أَنَّ مَسْجِدَ قُبَاء يُسْتَحَبُّ زِيَارَتُهُ لِمَنْ كَانَ فِي الْمَدِينَةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِشَدِّ رَحْلٍ كَمَا فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: {مَنْ تَطَهَّرَ فِي بَيْتِهِ ثُمَّ أَتَى مَسْجِدَ قُبَاء لَا يُرِيدُ إلَّا الصَّلَاةَ فِيهِ كَانَ كَعُمْرَةِ} . قَالُوا: وَلِأَنَّ السَّفَرَ إلَى زِيَارَةِ قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ بِدْعَةٌ لَمْ يَفْعَلْهَا أَحَدٌ مِنْ الصَّحَابَةِ وَلَا التَّابِعِينَ وَلَا أَمَرَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا اسْتَحَبَّ ذَلِكَ أَحَدٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ فَمَنْ اعْتَقَدَ ذَلِكَ عِبَادَةً وَفَعَلَهُ فَهُوَ مُخَالِفٌ لِلسُّنَّةِ وَلِإِجْمَاعِ الْأَئِمَّةِ. وَهَذَا مِمَّا ذَكَرَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ بَطَّةَ فِي " الْإِبَانَةِ الصُّغْرَى " مِنْ الْبِدَعِ الْمُخَالِفَةِ لِلسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ. وَبِهَذَا يَظْهَرُ بُطْلَانُ حُجَّةِ أَبِي مُحَمَّدٍ المقدسي؛ لِأَنَّ زِيَارَةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَسْجِدِ قُبَاء لَمْ تَكُنْ بِشَدِّ رَحْلٍ وَهُوَ يُسَلِّمُ لَهُمْ أَنَّ السَّفَرَ إلَيْهِ لَا يَجِبُ بِالنَّذْرِ. وَقَوْلُهُ: بِأَنَّ الْحَدِيثَ الَّذِي مَضْمُونُهُ {لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ} مَحْمُولٌ عَلَى نَفْيِ الِاسْتِحْبَابِ. يُجَابُ عَنْهُ بِوَجْهَيْنِ:
(27/187)

أَحَدُهُمَا: أَنَّ هَذَا تَسْلِيمٌ مِنْهُ أَنَّ هَذَا السَّفَرَ لَيْسَ بِعَمَلِ صَالِحٍ وَلَا قُرْبَةٍ وَلَا طَاعَةٍ وَلَا هُوَ مِنْ الْحَسَنَاتِ. فَإِذًا مَنْ اعْتَقَدَ أَنَّ السَّفَرَ لِزِيَارَةِ قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ قُرْبَةٌ وَعِبَادَةٌ وَطَاعَةٌ فَقَدْ خَالَفَ الْإِجْمَاعَ. وَإِذَا سَافَرَ لِاعْتِقَادِ أَنَّ ذَلِكَ طَاعَةٌ كَانَ ذَلِكَ مُحَرَّمًا بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ. فَصَارَ التَّحْرِيمُ مِنْ جِهَةِ اتِّخَاذِهِ قُرْبَةً وَمَعْلُومٌ أَنَّ أَحَدًا لَا يُسَافِرُ إلَيْهَا إلَّا لِذَلِكَ. وَأَمَّا إذَا نَذَرَ الرَّجُلُ أَنْ يُسَافِرَ إلَيْهَا لِغَرَضِ مُبَاحٍ فَكَذَا جَائِزٌ وَلَيْسَ مِنْ هَذَا الْبَابِ. الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ يَقْتَضِي النَّهْيَ وَالنَّهْيَ يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ. وَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ الْأَحَادِيثِ فِي زِيَارَةِ قَبْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكُلُّهَا ضَعِيفَةٌ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ؛ بَلْ هِيَ مَوْضُوعَةٌ لَمْ يَرْوِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ السُّنَنِ الْمُعْتَمَدَةِ شَيْئًا مِنْهَا وَلَمْ يَحْتَجَّ أَحَدٌ مِنْ الْأَئِمَّةِ بِشَيْءِ مِنْهَا بَلْ مَالِكٌ - إمَامُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ الَّذِينَ هُمْ أَعْلَمُ النَّاسِ بِحُكْمِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ - كَرِهَ أَنْ يَقُولُ الرَّجُلُ: زُرْت قَبْرَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَوْ كَانَ هَذَا اللَّفْظُ مَعْرُوفًا عِنْدَهُمْ أَوْ مَشْرُوعًا أَوْ مَأْثُورًا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكْرَهْهُ عَالِمُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ. وَالْإِمَامُ أَحْمَد أَعْلَمُ النَّاسِ فِي زَمَانِهِ بِالسُّنَّةِ: لَمَّا سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ لَمْ
(27/188)

يَكُنْ عِنْدَهُ مَا يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ مِنْ الْأَحَادِيثِ إلَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: {مَا مِنْ رَجُلٍ يُسَلِّمُ عَلَيَّ إلَّا رَدَّ اللَّهُ عَلَيَّ رُوحِي حَتَّى أَرُدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ} وَعَلَى هَذَا اعْتَمَدَ أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ. وَكَذَلِكَ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ رَوَى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ كَانَ إذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ قَالَ: السَّلَامُ عَلَيْك يَا رَسُولَ اللَّهِ السَّلَامُ عَلَيْك يَا أَبَا بَكْرٍ السَّلَامُ عَلَيْك يَا أَبَتْ ثُمَّ يَنْصَرِفُ. وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: {لَا تَتَّخِذُوا قَبْرِي عِيدًا وَصَلُّوا عَلَيَّ فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ تَبْلُغُنِي حَيْثُمَا كُنْتُمْ} . وَفِي سُنَنِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ حَسَنِ بْنِ حُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَأَى رَجُلًا يَخْتَلِفُ إلَى قَبْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَدْعُو عِنْدَهُ فَقَالَ: يَا هَذَا إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: {لَا تَتَّخِذُوا قَبْرِي عِيدًا. وَصَلُّوا عَلَيَّ. فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ حَيْثُمَا كُنْتُمْ تَبْلُغُنِي} فَمَا أَنْتَ وَرَجُلٌ بِالْأَنْدَلُسِ مِنْهُ إلَّا سَوَاءٌ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ: عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ: {لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ} يُحَذِّرُ مَا فَعَلُوا. وَلَوْلَا ذَلِكَ لَأُبْرِزَ قَبْرُهُ وَلَكِنْ كَرِهَ
(27/189)

أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا. وَهُمْ دَفَنُوهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حُجْرَةِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا خِلَافَ مَا اعْتَادُوهُ مِنْ الدَّفْنِ فِي الصَّحْرَاءِ؛ لِئَلَّا يُصَلِّيَ أَحَدٌ عِنْدَ قَبْرِهِ وَيَتَّخِذَهُ مَسْجِدًا فَيُتَّخَذَ قَبْرُهُ وَثَنًا. وَكَانَ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ - لَمَّا كَانَتْ الْحُجْرَةُ النَّبَوِيَّةُ مُنْفَصِلَةً عَنْ الْمَسْجِدِ إلَى زَمَنِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ - لَا يَدْخُلُ أَحَدٌ إلَيْهِ لَا لِصَلَاةِ هُنَاكَ وَلَا تَمَسُّحٍ بِالْقَبْرِ وَلَا دُعَاءٍ هُنَاكَ. بَلْ هَذَا جَمِيعُهُ إنَّمَا كَانُوا يَفْعَلُونَهُ فِي الْمَسْجِدِ. وَكَانَ السَّلَفُ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ إذَا سَلَّمُوا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَرَادُوا الدُّعَاءَ دَعَوْا مُسْتَقْبَلِي الْقِبْلَةِ وَلَمْ يَسْتَقْبِلُوا الْقَبْرَ.
وَأَمَّا الْوُقُوفُ لِلسَّلَامِ عَلَيْهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ أَيْضًا وَلَا يَسْتَقْبِلُ الْقَبْرَ. وَقَالَ أَكْثَرُ الْأَئِمَّةِ: بَلْ يَسْتَقْبِلُ الْقَبْرَ عِنْدَ السَّلَامِ خَاصَّةً وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْ الْأَئِمَّةِ إنَّهُ يَسْتَقْبِلُ الْقَبْرَ عِنْدَ الدُّعَاءِ. وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ إلَّا حِكَايَةٌ مَكْذُوبَةٌ تُرْوَى عَنْ مَالِكٍ وَمَذْهَبُهُ بِخِلَافِهَا.
(27/190)

وَاتَّفَقَ الْأَئِمَّةُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَتَمَسَّحُ بِقَبْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا يُقَبِّلُهُ. وَهَذَا كُلُّهُ مُحَافَظَةً عَلَى التَّوْحِيدِ. فَإِنَّ مِنْ أُصُولِ الشِّرْكِ بِاَللَّهِ: اتِّخَاذُ الْقُبُورِ مَسَاجِدَ كَمَا قَالَ طَائِفَةٌ مِنْ السَّلَفِ فِي قَوْله تَعَالَى {وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا} قَالُوا: " هَؤُلَاءِ كَانُوا قَوْمًا صَالِحِينَ فِي قَوْمِ نُوحٍ فَلَمَّا مَاتُوا عَكَفُوا عَلَى قُبُورِهِمْ ثُمَّ صَوَّرُوا عَلَى صُوَرِهِمْ تَمَاثِيلَ ثُمَّ طَالَ عَلَيْهِمْ الْأَمَدُ فَعَبَدُوهَا " وَقَدْ ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ هَذَا الْمَعْنَى عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَذَكَرَهُ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطبري وَغَيْرُهُ فِي التَّفْسِيرِ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ السَّلَفِ وَذَكَرَهُ وَثِيمَةُ " وَغَيْرُهُ فِي قَصَصِ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ عِدَّةِ طُرُقٍ. وَقَدْ بَسَطْت الْكَلَامَ عَلَى أُصُولِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ. وَأَوَّلُ مَنْ وَضَعَ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ فِي السَّفَرِ لِزِيَارَةِ الْمَشَاهِدِ الَّتِي عَلَى الْقُبُورِ: أَهْلُ الْبِدَعِ مَنَّ الرَّافِضَةِ وَنَحْوِهِمْ الَّذِينَ يُعَطِّلُونَ الْمَسَاجِدَ وَيُعَظِّمُونَ الْمَشَاهِدَ يَدْعُونَ بُيُوتَ اللَّهِ الَّتِي أَمَرَ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَيُعْبَدَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَيُعَظِّمُونَ الْمَشَاهِدَ الَّتِي يُشْرَكُ فِيهَا وَيُكَذَّبُ وَيُبْتَدَعُ فِيهَا دِينٌ لَمْ يُنَزِّلْ اللَّهُ بِهِ سُلْطَانًا؛ فَإِنَّ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ إنَّمَا فِيهِمَا ذِكْرُ الْمَسَاجِدِ؛ دُونَ الْمَشَاهِدِ كَمَا قَالَ تَعَالَى {قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا
(27/191)

وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} وَقَالَ تَعَالَى: {إنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} وَقَالَ تَعَالَى: {وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} وَقَالَ تَعَالَى: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} وَقَالَ تَعَالَى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا} . وَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّحِيحِ: أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: {إنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ الْقُبُورَ مَسَاجِدَ أَلَا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ فَإِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ} . وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
هَذَا آخِرُ مَا أَجَابَ بِهِ شَيْخُ الْإِسْلَامِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ. وَلَهُ مِنْ الْكَلَامِ فِي مِثْلِ هَذَا كَثِيرٌ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ فِي الْجَوَابِ. وَلَمَّا ظَفَرُوا فِي دِمَشْقَ بِهَذَا الْجَوَابِ كَتَبُوهُ وَبَعَثُوا بِهِ إلَى الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ وَكَتَبَ عَلَيْهِ قَاضِي الشَّافِعِيَّةِ: قَابَلْت الْجَوَابَ عَنْ هَذَا السُّؤَالِ الْمَكْتُوبِ عَلَى خَطِّ ابْنِ تَيْمِيَّة. فَصَحَّ - إلَى أَنْ قَالَ: وَإِنَّمَا الْمُحَرَّفُ جَعْلُهُ: زِيَارَةَ قَبْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ رِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ مَعْصِيَةً بِالْإِجْمَاعِ مَقْطُوعٌ بِهَا هَذَا كَلَامُهُ. فَانْظُرْ إلَى هَذَا التَّحْرِيفِ عَلَى شَيْخِ الْإِسْلَامِ وَالْجَوَابُ لَيْسَ فِيهِ الْمَنْعُ مِنْ زِيَارَةِ قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَإِنَّمَا ذَكَرَ فِيهِ قَوْلَيْنِ: فِي شَدِّ الرَّحْلِ وَالسَّفَرِ إلَى مُجَرَّدِ زِيَارَةِ الْقُبُورِ.
(27/192)

وَزِيَارَةِ الْقُبُورِ مِنْ غَيْرِ شَدِّ رَحْلٍ إلَيْهَا مَسْأَلَةٌ. وَشَدُّ الرَّحْلِ لِمُجَرَّدِ الزِّيَارَةِ مَسْأَلَةٌ أُخْرَى. وَالشَّيْخُ لَا يَمْنَعُ الزِّيَارَةَ الْخَالِيَةَ عَنْ شَدِّ رَحْلٍ بَلْ يَسْتَحِبُّهَا وَيَنْدُبُ إلَيْهَا. وَكُتُبُهُ وَمَنَاسِكُهُ تَشْهَدُ بِذَلِكَ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ الشَّيْخُ إلَى هَذِهِ الزِّيَارَةِ فِي الْفُتْيَا وَلَا قَالَ: إنَّهَا مَعْصِيَةٌ وَلَا حَكَى الْإِجْمَاعَ عَلَى الْمَنْعِ مِنْهَا. وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَا تَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ. وَلَمَّا وَصَلَ خَطُّ الْقَاضِي الْمَذْكُورُ إلَى الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ كَثُرَ الْكَلَامُ وَعَظُمَتْ الْفِتْنَةُ وَطَلَبَ الْقُضَاةُ بِهَا فَاجْتَمَعُوا وَتَكَلَّمُوا وَأَشَارَ بَعْضُهُمْ بِحَبْسِ الشَّيْخِ. فَرَسَمَ السُّلْطَانُ بِهِ. وَجَرَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ ثُمَّ جَرَى بَعْدَ ذَلِكَ أُمُورٌ عَلَى الْقَائِمَيْنِ فِي هَذِهِ الْقَضِيَّةِ لَا يُمْكِنُ ذِكْرُهَا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ. وَقَدْ وَصَلَ مَا أَجَابَ بِهِ الشَّيْخُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إلَى عُلَمَاءِ بَغْدَادَ فَقَامُوا فِي الِانْتِصَارِ لَهُ وَكَتَبُوا بِمُوَافَقَتِهِ وَرَأَيْت خُطُوطَهُمْ بِذَلِكَ. وَهَذَا صُورَةُ مَا كَتَبُوا:
(27/193)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
يَقُولُ الْعَبْدُ الْفَقِيرُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى: - بَعْدَ حَمْدِ اللَّهِ السَّابِغَةِ نِعَمُهُ السَّابِقَةِ مِنَنُهُ. وَالصَّلَاةُ عَلَى أَشْرَفِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ: مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. إنَّهُ حَيْثُ قَدْ مَنَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى عِبَادِهِ وَتَفَضَّلَ بِرَحْمَتِهِ عَلَى بِلَادِهِ بِأَنْ وَسَّدَ أُمُورَ الْأُمَّةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ وَأَسْنَدَ أَزِمَّةَ الْمِلَّةِ الْحَنِيفِيَّةِ إلَى مَنْ خَصَّصَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِأَفْضَلِ الكمالات النَّفْسَانِيَّةِ وَخَصَّصَهُ بِأَكْمَلِ السَّعَادَاتِ الرُّوحَانِيَّةِ مُحْيِي سُنَنِ الْعَدْلِ وَمُبْدِي سُنَنِ الْفَضْلِ الْمُعْتَصِمِ بِحَبْلِ اللَّهِ الْمُتَوَكِّلِ عَلَى اللَّهِ الْمُكْتَفِي بِنِعَمِ اللَّهِ الْقَائِمِ بِأَوَامِرِ اللَّهِ الْمُسْتَظْهِرِ بِقُوَّةِ اللَّهِ الْمُسْتَضِيءِ بِنُورِ اللَّهِ أَعَزَّ اللَّهُ سُلْطَانَهُ وَأَعْلَى عَلَى سَائِرِ الْمُلُوكِ شَانَهُ وَلَا زَالَتْ رِقَابُ الْأُمَمِ خَاضِعَةً لِأَوَامِرِهِ وَأَعْنَاقُ الْعِبَادِ طَائِعَةً لِمَرَاسِمِهِ وَلَا زَالَ مُوَالِي دَوْلَتِهِ بِطَاعَتِهِ مَجْبُورًا وَمُعَادِي صَوْلَتِهِ بِخِزْيِهِ مَذْمُومًا مَدْحُورًا. فَالْمَرْجُوُّ مِنْ أَلْطَافِ الْحَضْرَةِ الْمُقَدَّسَةِ - زَادَهَا اللَّهُ تَعَالَى عُلُوًّا وَشَرَفًا - أَنْ يَكُونَ لِلْعُلَمَاءِ الَّذِينَ هُمْ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ وَصَفْوَةُ الْأَصْفِيَاءِ
(27/194)

وَعِمَادُ الدِّينِ وَمَدَارُ أَهْلِ الْيَقِينِ: حَظٌّ مِنْ الْعِنَايَةِ السُّلْطَانِيَّةِ وَافِرٌ وَنَصِيبٌ مِنْ الرَّحْمَةِ وَالشَّفَقَةِ فَإِنَّهَا مَنْقَبَةٌ لَا يُعَادِلُهَا فَضِيلَةٌ وَحَسَنَةٌ لَا يُحِيطُهَا سَيِّئَةٌ لِأَنَّهَا حَقِيقَةُ التَّعْظِيمِ لِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَخُلَاصَةُ الشَّفَقَةِ عَلَى خَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى. وَلَا رَيْبَ أَنَّ الْمَمْلُوكَ وَقَفَ عَلَى مَا سُئِلَ عَنْهُ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْعَلَّامَةُ وَحِيدُ دَهْرِهِ وَفَرِيدُ عَصْرِهِ تَقِيُّ الدِّينِ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَد ابْنُ تَيْمِيَّة وَمَا أَجَابَ بِهِ. فَوَجَدْته خُلَاصَةَ مَا قَالَهُ الْعُلَمَاءُ فِي هَذَا الْبَابِ حَسْبَ مَا اقْتَضَاهُ الْحَالُ: مِنْ نَقْلِهِ الصَّحِيحِ وَمَا أَدَّى إلَيْهِ الْبَحْثُ مِنْ الْإِلْزَامِ وَالِالْتِزَامِ لَا يُدَاخِلُهُ تَحَامُلٌ وَلَا يَعْتَرِيهِ تَجَاهُلٌ. وَلَيْسَ فِيهِ - وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ - مَا يَقْتَضِي الْإِزْرَاءَ وَالتَّنْقِيصَ بِمَنْزِلَةِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَكَيْفَ يَجُوزُ لِلْعُلَمَاءِ أَنْ تَحْمِلَهُمْ الْعَصَبِيَّةُ: أَنْ يَتَفَوَّهُوا بِالْإِزْرَاءِ وَالتَّنْقِيصِ فِي حَقِّ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ وَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يَتَصَوَّرَ مُتَصَوِّرٌ: أَنَّ زِيَارَةَ قَبْرِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَزِيدُ فِي قَدْرِهِ وَهَلْ تَرْكُهَا مِمَّا يُنْقِصُ مِنْ تَعْظِيمِهِ؟ حَاشَا لِلرَّسُولِ مِنْ ذَلِكَ. نَعَمْ لَوْ ذَكَرَ ذَلِكَ ذَاكِرٌ ابْتِدَاءً وَكَانَ هُنَاكَ قَرَائِنُ تَدُلُّ عَلَى الْإِزْرَاءِ وَالتَّنْقِيصِ أَمْكَنَ حَمْلُهُ عَلَى ذَلِكَ. مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَكُونُ كِنَايَةً لَا صَرِيحًا
(27/195)

فَكَيْفَ وَقَدْ قَالَهُ فِي مَعْرِضِ السُّؤَالِ وَطَرِيقِ الْبَحْثِ وَالْجَدَلِ؟ . مَعَ أَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ كَلَامِ الْعُلَمَاءِ وَأَنْظَارِ الْعُقَلَاءِ: أَنَّ الزِّيَارَةَ لَيْسَتْ عِبَادَةً وَطَاعَةً لِمُجَرَّدِهَا حَتَّى لَوْ حَلَفَ: أَنَّهُ يَأْتِي بِعِبَادَةِ أَوْ طَاعَةٍ لَمْ يَبَرَّ بِهَا؛ لَكِنَّ الْقَاضِيَ ابْنَ كَجٍّ - مِنْ مُتَأَخِّرِي أَصْحَابِنَا - ذَكَرَ أَنَّ نَذْرَ هَذِهِ الزِّيَارَةِ عِنْدَهُ قُرْبَةٌ تَلْزَمُ نَاذِرَهَا. وَهُوَ مُنْفَرِدٌ بِهِ لَا يُسَاعِدُهُ فِي ذَلِكَ نَقْلٌ صَرِيحٌ وَلَا قِيَاسٌ صَحِيحٌ. وَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ مُطْلَقُ الْخَبَرِ النَّبَوِيِّ فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ} - إلَى آخِرِهِ " أَنَّهُ لَا يَجُوزُ شَدُّ الرِّحَالِ إلَى غَيْرِ مَا ذَكَرَ أَوْ وُجُوبُهُ أَوْ ندبيته. فَإِنْ فَعَلَهُ كَانَ مُخَالِفًا لِصَرِيحِ النَّهْيِ وَمُخَالَفَةُ النَّهْيِ مَعْصِيَةٌ - إمَّا كُفْرٌ أَوْ غَيْرُهُ - عَلَى قَدْرِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ وَوُجُوبِهِ وَتَحْرِيمِهِ وَصِفَةِ النَّهْيِ وَالزِّيَارَةُ أَخَصُّ مِنْ وَجْهٍ. فَالزِّيَارَةُ بِغَيْرِ شَدٍّ غَيْرُ مَنْهِيٍّ عَنْهَا وَمَعَ الشَّدِّ مَنْهِيٌّ عَنْهَا. وَبِالْجُمْلَةِ فَمَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ لَمْ يَسْتَحِقَّ عَلَيْهِ عِقَابًا وَلَا يُوجِبْ عِتَابًا. وَالْمَرَاحِمُ السُّلْطَانِيَّةُ أَحْرَى بِالتَّوْسِعَةِ وَالنَّظَرِ بِعَيْنِ الرَّأْفَةِ وَالرَّحْمَةِ إلَيْهِ وَلِلْآرَاءِ الْمَلَكِيَّةِ عُلُوُّ الْمَزِيدِ. حَرَّرَهُ ابْنُ الْكُتُبِيِّ الشَّافِعِيُّ. حَامِدًا لِلَّهِ عَلَى نِعَمِهِ. اهـ
(27/196)

جَوَابٌ آخَرُ:
اللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
مَا أَجَابَ بِهِ الشَّيْخُ الْأَجَلُّ الْأَوْحَدُ بَقِيَّةُ السَّلَفِ وَقُدْوَةُ الْخَلَفِ رَئِيسُ الْمُحَقِّقِينَ وَخُلَاصَةُ الْمُدَقِّقِينَ؛ تَقِيُّ الْمِلَّةِ وَالْحَقِّ وَالدِّينِ: مِنْ الْخِلَافِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: صَحِيحٌ مَنْقُولٌ فِي غَيْرِ مَا كِتَابٍ مِنْ كُتُبِ أَهْلِ الْعِلْمِ لَا اعْتِرَاضَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ إذْ لَيْسَ فِي ذَلِكَ ثَلْبٌ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا غَضٌّ مِنْ قَدْرِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقَدْ نَصَّ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الجُوَيْنِي فِي كُتُبِهِ عَلَى تَحْرِيمِ السَّفَرِ لِزِيَارَةِ الْقُبُورِ. وَهَذَا اخْتِيَارُ الْقَاضِي الْإِمَامِ عِيَاضِ بْنِ مُوسَى بْنِ عِيَاضٍ فِي إكْمَالِهِ. وَهُوَ مِنْ أَفْضَلِ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَصْحَابِنَا. وَمِنْ الْمُدَوِّنَةِ: وَمَنْ قَالَ: عَلَيَّ الْمَشْيُ إلَى الْمَدِينَةِ أَوْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَلَا يَأْتِيهِمَا أَصْلًا إلَّا أَنْ يُرِيدَ الصَّلَاةَ فِي مَسْجِدَيْهِمَا فَلْيَأْتِهِمَا. فَلَمْ يَجْعَلْ نَذْرَ زِيَارَةِ قَبْرِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَاعَةً يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهَا؛ إذْ مِنْ أَصْلِنَا: أَنَّ مَنْ نَذَرَ طَاعَةً لَزِمَهُ الْوَفَاءُ بِهَا
(27/197)

كَانَ مَنْ جِنْسِهَا مَا هُوَ وَاجِبٌ بِالشَّرْعِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ أَوْ لَمْ يَكُنْ. قَالَ الْقَاضِي أَبُو إسْحَاقَ إسْمَاعِيلُ بْنُ إسْحَاقَ عقيب هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: وَلَوْلَا الصَّلَاةُ فِيهِمَا لَمَا لَزِمَهُ إتْيَانُهُمَا وَلَوْ كَانَ نَذَرَ زِيَارَةَ طَاعَةٍ لَمَا لَزِمَهُ ذَلِكَ. وَقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ الْقَيْرَوَانِيُّ فِي تَقْرِيبِهِ وَالشَّيْخُ ابْنُ سِيرِين فِي تَنْبِيهِهِ. وَفِي الْمَبْسُوطِ: قَالَ مَالِكٌ: وَمَنْ نَذَرَ الْمَشْيَ إلَى مَسْجِدٍ مِنْ الْمَسَاجِدِ لِيُصَلِّيَ فِيهِ. قَالَ: فَإِنِّي أَكْرَهُ ذَلِكَ لَهُ. لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {لَا تُعْمَلُ الْمَطِيُّ إلَّا إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَمَسْجِدِي هَذَا} . وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ الْمَوَّازِ فِي الموازية: إلَّا أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا فَيَلْزَمُهُ الْوَفَاءُ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِشَدِّ رَحْلٍ. وَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي كِتَابِهِ " التَّمْهِيدُ ": يَحْرُمُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَتَّخِذُوا قُبُورَ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ مَسَاجِدَ. وَحَيْثُ تَقَرَّرَ هَذَا فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُنْسَبَ مَنْ أَجَابَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِأَنَّهُ سَفَرٌ مَنْهِيٌّ عَنْهُ إلَى الْكُفْرِ فَمَنْ كَفَّرَهُ بِذَلِكَ مِنْ غَيْرِ مُوجِبٍ فَإِنْ كَانَ مُسْتَبِيحًا ذَلِكَ فَهُوَ كَافِرٌ؛ وَإِلَّا فَهُوَ فَاسِقٌ. قَالَ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ المازري فِي كِتَابِ " الْمُعَلِّمِ ":
(27/198)

مَنْ كَفَّرَ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ فَإِنْ كَانَ مُسْتَبِيحًا ذَلِكَ فَقَدْ كَفَرَ وَإِلَّا فَهُوَ فَاسِقٌ. يَجِبُ عَلَى الْحَاكِمِ إذَا رُفِعَ أَمْرُهُ إلَيْهِ أَنْ يُؤَدِّبَهُ وَيُعَزِّرَهُ بِمَا يَكُونُ رَادِعًا لِأَمْثَالِهِ فَإِنْ تُرِكَ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ فَهُوَ آثِمٌ. وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. كَتَبَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْبَغْدَادِيُّ الْخَادِمُ لِلطَّائِفَةِ الْمَالِكِيَّةِ بِالْمَدْرَسَةِ الشَّرِيفَةِ المستنصرية. رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَى مُنْشِئِهَا.
وَأَجَابَ غَيْرُهُ فَقَالَ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَصَلَوَاتُهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ. وَعَلَى آلِهِ الطَّاهِرِينَ. مَا ذَكَرَهُ مَوْلَانَا الْإِمَامُ الْعَالِمُ الْعَامِلُ جَامِعُ الْفَضَائِلِ وَالْفَوَائِدِ بَحْرُ الْعُلُومِ وَمَنْشَأُ الْفَضْلِ جَمَالُ الدِّينِ كَاتِبُ خَطِّهِ إمَامُ خَطِّي هَذَا جَمَّلَ اللَّهُ بِهِ الْإِسْلَامَ وَأَسْبَغَ عَلَيْهِ سَوَابِغَ الْإِنْعَامِ أَتَى فِيهِ بِالْحَقِّ الْجَلِيِّ الْوَاضِحِ وَأَعْرَضَ فِيهِ عَنْ إغْضَاءِ الْمَشَايِخِ إذْ السُّؤَالُ وَالْجَوَابُ اللَّذَانِ تَقَدَّمَاهُ لَا يَخْفَى عَلَى ذِي فِطْنَة وَعَقْلٍ أَنَّهُ أَتَى فِي الْجَوَابِ الْمُطَابِقِ لِلسُّؤَالِ بِحِكَايَةِ أَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ تَقَدَّمُوهُ وَلَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَعْتَرِضَهُ مُعْتَرِضٌ فِي نَقْلِهِ فَيُبْرِزَهُ
(27/199)

لَهُ مِنْ كُتُبِ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ حَكَى أَقْوَالَهُمْ. وَالْمُعْتَرِضُ لَهُ بِالتَّشْنِيعِ إمَّا جَاهِلٌ لَا يَعْلَمُ مَا يَقُولُ أَوْ مُتَجَاهِلٌ يَحْمِلُهُ حَسَدُهُ وَحَمِيَّةُ الْجَاهِلِيَّةِ عَلَى رَدِّ مَا هُوَ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ مَقْبُولٌ أَعَاذَنَا اللَّهُ تَعَالَى مِنْ غَوَائِلِ الْحَسَدِ وَعَصَمَنَا مِنْ مخائل النَّكَدِ بِمُحَمَّدِ وَآلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ؛ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. كَتَبَهُ الْفَقِيرُ إلَى عَفْوِ رَبِّهِ وَرِضْوَانِهِ. عَبْدُ الْمُؤْمِنِ بْنُ عَبْدِ الْحَقِّ الْخَطِيبُ. غَفَرَ اللَّهُ لَهُ وَلِلْمُسْلِمِينَ أَجْمَعِينَ.
وَأَجَابَ غَيْرُهُ فَقَالَ:
بَعْدَ حَمْدِ اللَّهِ الَّذِي هُوَ فَاتِحُ كُلِّ كَلَامٍ وَالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَى رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ خَيْرِ الْأَنَامِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ الْبَرَرَةِ الْكِرَامِ أَعْلَامِ الْهُدَى وَمَصَابِيحِ الظَّلَامِ. يَقُولُ أَفْقَرُ عِبَادِ اللَّهِ وَأَحْوَجُهُمْ إلَى عَفْوِهِ: مَا حَكَاهُ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْبَارِعُ الْهُمَامُ افْتِخَارُ الْأَنَامِ جَمَالُ الْإِسْلَامِ رُكْنُ الشَّرِيعَةِ نَاصِرُ السُّنَّةِ قَامِعُ الْبِدْعَةِ جَامِعُ أَشْتَاتِ الْفَضَائِلِ قُدْوَةُ الْعُلَمَاءِ الْأَمَاثِلِ فِي هَذَا الْجَوَابِ مِنْ أَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ وَالْأَئِمَّةِ النُّبَلَاءِ - رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ
(27/200)

أَجْمَعِينَ - بَيِّنٌ لَا يُدْفَعُ. وَمَكْشُوفٌ لَا يَتَقَنَّعُ. بَلْ أَوْضَحُ مِنْ النَّيِّرَيْنِ وَأَظْهَرُ مِنْ فَرَقِ الصُّبْحِ لِذِي عَيْنَيْنِ. وَالْعُمْدَةُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: الْحَدِيثُ الْمُتَّفَقُ عَلَى صِحَّتِهِ. وَمَنْشَأُ الْخِلَافِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ مِنْ احْتِمَالَيْ صِيغَتِهِ. وَذَلِكَ: أَنَّ صِيغَةَ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ} ذَاتُ وَجْهَيْنِ نَفْيٍ وَنَهْيٍ. لِاحْتِمَالِهِمَا. فَإِنْ لُحِظَ مَعْنَى النَّفْيِ فَمُقْتَضَاهُ: نَفْيُ فَضِيلَةِ وَاسْتِحْبَابِ شَدِّ الرِّحَالِ وَإِعْمَالِ الْمَطِيِّ إلَى غَيْرِ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ؛ إذْ لَوْ فُرِضَ وُقُوعُهُمَا لَامْتَنَعَ رَفْعُهُمَا. فَتَعَيَّنَ تَوَجُّهُ النَّفْيِ إلَى فَضِيلَتِهِمَا واستحبابهما دُونَ ذَاتِهِمَا وَهَذَا عَامٌّ فِي كُلِّ مَا يُعْتَقَدُ أَنَّ إعْمَالَ الْمَطِيِّ وَشَدَّ الرِّحَالِ إلَيْهِ قُرْبَةٌ وَفَضِيلَةٌ: مِنْ الْمَسَاجِدِ وَزِيَارَةُ قُبُورِ الصَّالِحِينَ وَمَا جَرَى هَذَا الْمَجْرَى بَلْ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ. وَإِثْبَاتُ ذَلِكَ بِدَلِيلِ ضَرُورَةِ إثْبَاتِ ذَلِكَ الْمَنْفِيِّ الْمُقَدَّرِ فِي صَدْرِ الْجُمْلَةِ لِمَا بَعْدَ " إلَّا ". وَإِلَّا لَمَا افْتَرَقَ الْحُكْمُ بَيْنَ مَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا وَهُوَ مُفْتَرِقٌ حِينَئِذٍ: لَا يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ الْفَضِيلَةِ وَالِاسْتِحْبَابِ نَفْيُ الْإِبَاحَةِ. فَهَذَا وَجْهُ مُتَمَسَّكِ مَنْ قَالَ بِإِبَاحَةِ هَذَا السَّفَرِ بِالنَّظَرِ إلَى أَنَّ هَذِهِ الصِّيغَةَ نَفْيٌ وَبُنِيَ عَلَى ذَلِكَ جَوَازُ الْقَصْرِ. وَإِنْ كَانَ النَّهْيُ مَلْحُوظًا. فَالْمَعْنَى نَهْيُهُ عَنْ إعْمَالِ الْمَطِيِّ وَشَدِّ الرِّحَالِ إلَى غَيْرِ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ؛ إذْ الْمُقَرَّرُ عِنْدَ عَامَّةِ الْأُصُولِيِّينَ أَنَّ النَّهْيَ عَنْ الشَّيْءِ قَاضٍ بِتَحْرِيمِهِ أَوْ كَرَاهَتِهِ عَلَى حَسَبِ مُقْتَضَى الْأَدِلَّةِ.
(27/201)

فَهَذَا وَجْهُ مُتَمَسَّكِ مَنْ قَالَ بِعَدَمِ جَوَازِ الْقَصْرِ فِي هَذَا السَّفَرِ لِكَوْنِهِ مَنْهِيًّا عَنْهُ. وَمِمَّنْ قَالَ بِحُرْمَتِهِ: الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو مُحَمَّدٍ الجُوَيْنِي مِنْ الشَّافِعِيَّةِ وَالشَّيْخُ أَبُو الْوَفَاءِ ابْنُ عَقِيلٍ مِنْ الْحَنَابِلَةِ وَهُوَ الَّذِي أَشَارَ الْقَاضِي عِيَاضٌ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ إلَى اخْتِيَارِهِ. وَمَا جَاءَ مِنْ الْأَحَادِيثِ فِي اسْتِحْبَابِ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَمَحْمُولٌ عَلَى مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ شَدُّ رَحْلٍ وَإِعْمَالُ مَطِيٍّ جَمْعًا بَيْنَهُمَا. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ غَيْرُ حَدِيثِ {لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ} مُعَارِضًا لَهُ لِعَدَمِ مُسَاوَاتِهِ إيَّاهُ فِي الدَّرَجَةِ. لِكَوْنِهِ مِنْ أَعْلَى أَقْسَامِ الصَّحِيحِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّهُ رَزِئَ وَضَيَّقَ عَلَى الْمُجِيبِ. وَهَذَا أَمْرٌ يَحَارُ فِيهِ اللَّبِيبُ وَيَتَعَجَّبُ مِنْهُ الْأَرِيبُ؛ وَيَقَعُ بِهِ فِي شَكٍّ مُرِيبٍ. فَإِنَّ جَوَابَهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قَاضٍ بِذِكْرِ خِلَافِ الْعُلَمَاءِ. وَلَيْسَ حَاكِمًا بِالْغَضِّ مِنْ الصَّالِحِينَ وَالْأَنْبِيَاءَ. فَإِنَّ الْأَخْذَ بِمُقْتَضَى كَلَامِهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَى صِحَّةِ رَفْعِهِ إلَيْهِ: هُوَ الْغَايَةُ الْقُصْوَى فِي تَتَبُّعِ أَوَامِرِهِ وَنَوَاهِيهِ وَالْعُدُولُ عَنْ ذَلِكَ مَحْذُورٌ وَذَلِكَ مِمَّا لَا مِرْيَةَ فِيهِ. وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَأَيُّ حَرَجٍ عَلَى مَنْ سُئِلَ عَنْ مَسْأَلَةٍ فَذَكَرَ فِيهَا
(27/202)

خِلَافَ الْفُقَهَاءِ وَمَالَ فِيهَا إلَى بَعْضِ أَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ؟ فَإِنَّ الْأَمْرَ لَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ عَلَى مَرِّ الْعُصُورِ وَتَعَاقُبِ الدُّهُورِ. وَهَلْ ذَلِكَ مَحْمُولٌ مِنْ الْقَادِحِ إلَّا عَلَى امْتِطَاءِ نِضْوِ الْهَوَى الْمُفْضِي بِصَاحِبِهِ إلَى التَّوَى فَإِنَّ مَنْ يَقْتَبِسُ مِنْ فَوَائِدِهِ وَيَلْتَقِطُ مِنْ فَرَائِدِهِ لَحَقِيقٌ بِالتَّعْظِيمِ وَخَلِيقٌ بِالتَّكْرِيمِ: مِمَّنْ لَهُ الْفَهْمُ السَّلِيمُ وَالذِّهْنُ الْمُسْتَقِيمُ. وَهَلْ حُكْمُ الْمُظَاهِرِ عَلَيْهِ فِي الظَّاهِرِ إلَّا كَمَا قِيلَ فِي الْمَثَلِ السَّائِرِ: الشَّعِيرُ يُؤْكَلُ وَيُذَمُّ. وَقَوْلِ الشَّاعِرِ:
جَزَى بَنُوهُ أَبَا الْغَيْلَانِ عَنْ كِبَرٍ ... وَحُسْنِ فِعْلٍ كَمَا يُجْزَى سِنِمَّارُ
وَقَوْلِ غَيْرِهِ: وَحَدِيثٌ أَلَذُّهُ وَهُوَ مِمَّا ... يُنْعِتُ النَّاعِتُونَ يُوزَنُ وَزْنًا
مَنْطِقٌ رَائِعٌ وَيُلْحِنُ أَحْيَانًا ... وَخَيْرُ الْحَدِيثِ مَا كَانَ لَحْنًا
وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}
(27/203)

وَقَالَ تَعَالَى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} وَقَالَ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا} {يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} وَقَالَ تَعَالَى: {وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} . وَلَوْلَا خَشْيَةُ الْمَلَالَةِ لَمَا نَكَبْت عَنْ الْإِطَالَةِ. نَسْأَلُ اللَّهَ الْكَرِيمَ أَنْ يَسْلُكَ بِنَا وَبِكُمْ سَبِيلَ الْهِدَايَةِ وَأَنْ يُجَنِّبَنَا وَإِيَّاكُمْ مَسْلَكَ الْغَوَايَةِ. إنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. وَبِالْإِجَابَةِ جَدِيرٌ. وَحَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ وَنِعْمَ النَّصِيرُ. وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَصَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَى سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ وَأَصْحَابِهِ الْكِرَامِ الْمُنْتَخَبِينَ. هَذَا جَوَابُ الشَّيْخِ الْإِمَامِ الْعَلَّامَةِ جَمَالِ الدِّينِ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ الْمَحْمُودِ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ بْنِ الْبَتِّيِّ الْحَنْبَلِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى. قَالَ الْمُؤَلِّفُ: وَمِنْ خَطِّهِ نَقَلْت.
(27/204)

جَوَابٌ آخَرُ:
لِبَعْضِ عُلَمَاءِ أَهْلِ الشَّامِ الْمَالِكِيَّةِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ وَهُوَ حَسْبِي.
السَّفَرُ إلَى غَيْرِ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ لَيْسَ بِمَشْرُوعِ. وَأَمَّا مَنْ سَافَرَ إلَى مَسْجِدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيُصَلِّيَ فِيهِ وَيُسَلِّمَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَى صَاحِبَيْهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فَمَشْرُوعٌ كَمَا ذُكِرَ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ. وَأَمَّا لَوْ قَصَدَ إعْمَالَ الْمَطِيِّ لِزِيَارَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَقْصِدْ الصَّلَاةَ فَهَذَا السَّفَرُ إذَا ذَكَرَ رَجُلٌ فِيهِ خِلَافًا لِلْعُلَمَاءِ: وَأَنَّ مِنْهُمْ مَنْ قَالَ إنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ: وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إنَّهُ مُبَاحٌ. وَأَنَّهُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ لَيْسَ بِطَاعَةِ وَلَا قُرْبَةٍ فَمَنْ جَعَلَهُ طَاعَةً وَقُرْبَةً عَلَى مُقْتَضَى هَذَيْنَ الْقَوْلَيْنِ كَانَ حَرَامًا بِالْإِجْمَاعِ وَذَكَرَ حُجَّةَ كُلِّ قَوْلٍ مِنْهُمَا أَوْ رَجَّحَ أَحَدَ الْقَوْلَيْنِ. لَمْ يَلْزَمْهُ مَا يَلْزَمُ مَنْ تَنَقَّصَ إذْ لَا تَنَقُّصَ وَلَا إزْرَاءَ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
(27/205)

وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ لِسَائِلِ سَأَلَهُ: أَنَّهُ نَذَرَ أَنْ يَأْتِيَ قَبْرَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَقَالَ: إنْ كَانَ أَرَادَ مَسْجِدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلْيَأْتِهِ وَلْيُصَلِّ فِيهِ. وَإِنْ كَانَ أَرَادَ الْقَبْرَ فَلَا يَفْعَلْ لِلْحَدِيثِ الَّذِي جَاءَ {لَا تُعْمَلُ الْمَطِيُّ إلَّا إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ} وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
كَتَبَهُ أَبُو عَمْرِو بْنُ أَبِي الْوَلِيدِ الْمَالِكِيُّ.
كَذَلِكَ يَقُولُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي الْوَلِيدِ الْمَالِكِيُّ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ نَقَلْت هَذِهِ الْأَجْوِبَةَ كُلَّهَا مِنْ خَطِّ الْمُفْتِينَ بِهَا.
قَالَ: وَوَقَفْت عَلَى كِتَابٍ وَرَدَ مَعَ أَجْوِبَةِ أَهْلِ بَغْدَادَ وَصُورَتُهُ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ نَاصِرِ الْمِلَّةِ الْإِسْلَامِيَّةِ وَمُعِزِّ الشَّرِيعَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ بِدَوَامِ أَيَّامِ الدَّوْلَةِ الْمُبَارَكَةِ السُّلْطَانِيَّةِ. الْمَالِكِيَّةِ النَّاصِرِيَّةِ؛ أَلْبَسَهَا اللَّهُ تَعَالَى لِبَاسَ الْعِزِّ الْمَقْرُونِ بِالدَّوَامِ وَحَلَّاهَا بِحِلْيَةِ النَّصْرِ الْمُسْتَمِرِّ بِمُرُورِ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامَ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى النَّبِيِّ الْمَبْعُوثِ إلَى جَمِيعِ الْأَنَامِ؛ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ الْبَرَرَةِ الْكِرَامِ.
(27/206)

اللَّهُمَّ إنَّ بَابَك لَمْ يَزَلْ مَفْتُوحًا لِلسَّائِلِينَ وَرِفْدَك مَا بَرِحَ مَبْذُولًا لِلْوَافِدِينَ مَنْ عَوَّدْته مَسْأَلَتَك وَحْدَك لَمْ يَسْأَلْ أَحَدًا سِوَاك وَمَنْ مَنَحْته منائح رِفْدِك لَمْ يَفِدْ عَلَى غَيْرِك وَلَمْ يَحْتَمِ إلَّا بِحِمَاك. أَنْتَ الرَّبُّ الْعَظِيمُ الْكَرِيمُ الْأَكْرَمُ قَصْدُ بَابِ غَيْرِك عَلَى عِبَادِك مُحَرَّمٌ. أَنْتَ الَّذِي لَا إلَهَ غَيْرُك وَلَا مَعْبُودَ سِوَاك عَزَّ جَارُك وَجَلَّ ثَنَاؤُك وَتَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُك وَعَظُمَ بَلَاؤُك وَلَا إلَهَ غَيْرُك. وَلَمْ تَزَلْ سُنَّتُك فِي خَلْقِك جَارِيَةً بِامْتِحَانِ أَوْلِيَائِك وَأَحْبَابِك تَفَضُّلًا مِنْك عَلَيْهِمْ وَإِحْسَانًا مِنْ لَدُنْك إلَيْهِمْ. لِيَزْدَادُوا لَك فِي جَمِيعِ الْحَالَاتِ ذِكْرًا وَلِإِنْعَامِك فِي جَمِيعِ التَّقَلُّبَاتِ شُكْرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ {وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إلَّا الْعَالِمُونَ} . اللَّهُمَّ وَأَنْتَ الْعَالِمُ الَّذِي لَا تُعْلَمُ وَأَنْتَ الْكَرِيمُ الَّذِي لَا تَبْخَلُ قَدْ عَلِمْت يَا عَالِمَ السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ أَنَّ قُلُوبَنَا لَمْ تَزَلْ تَرْفَعُ إخْلَاصَ الدُّعَاءِ صَادِقَةً وَأَلْسِنَتَنَا فِي حَالَتَيْ السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ نَاطِقَةٌ. أَنْ تُسْعِفَنَا بِإِمْدَادِ هَذِهِ الدَّوْلَةِ الْمُبَارَكَةِ الْمَيْمُونَةِ السُّلْطَانِيَّةِ النَّاصِرِيَّةِ. بِمَزِيدِ الْعُلَا وَالرِّفْعَةِ وَالتَّمْكِينِ وَأَنْ تُحَقِّقَ آمَالَنَا فِيهَا بِإِعْلَاءِ الْكَلِمَةِ فِي ذَلِكَ بِرَفْعِ قَوَاعِدِ دَعَائِمِ الدِّينِ وَقَمْعِ مَكَايِدِ الْمُلْحِدِينَ. لِأَنَّهَا الدَّوْلَةُ الَّتِي بَرِئَتْ مِنْ غَشَيَانِ الْجَنَفِ وَالْحَيْفِ وَسَلِمَتْ مِنْ طُغْيَانِ الْقَلَمِ وَالسَّيْفِ. وَاَلَّذِي يَنْطَوِي عَلَيْهِ ضَمَائِرُ الْمُسْلِمِينَ وَيَشْتَمِلُ عَلَيْهِ سَرَائِرُ الْمُؤْمِنِينَ:
(27/207)

أَنَّ السُّلْطَانَ الْمَلِكَ النَّاصِرَ لِلدِّينِ مِمَّنْ قَالَ فِيهِ رَبُّ الْعَالَمِينَ وَإِلَهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِينَ: الَّذِي بِتَمْكِينِهِ فِي أَرْضِهِ حَصَلَ التَّمْكِينُ لِمُلُوكِ الْأَرْضِ وَعُظَمَاءِ السَّلَاطِينِ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ الَّذِي يُتْلَى فَمَنْ شَاءَ فَلْيَتَدَبَّرْ: {الَّذِينَ إنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ} وَهُوَ مِمَّنْ مَكَّنَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْأَرْضِ تَمْكِينًا يَقِينًا لَا ظَنًّا وَهُوَ مِمَّنْ يُعْنَى بِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا} . وَاَلَّذِي عَهِدَهُ الْمُسْلِمُونَ وَتَعَوَّدَهُ الْمُؤْمِنُونَ مِنْ الْمَرَاحِمِ الْكَرِيمَةِ وَالْعَوَاطِفِ الرَّحِيمَةِ: إكْرَامُ أَهْلِ الدِّينِ وَإِعْظَامُ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ. وَاَلَّذِي حَمَلَ عَلَى رَفْعِ هَذِهِ الْأَدْعِيَةِ الصَّرِيحَةِ إلَى الْحَضْرَةِ الشَّرِيفَةِ - وَإِنْ كَانَتْ لَمْ تَزَلْ مَرْفُوعَةً إلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ بِالنِّيَّةِ الصَّحِيحَةِ - قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {الدِّينُ النَّصِيحَةُ قِيلَ: لِمَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ} وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ} فَهَذَانِ الْحَدِيثَانِ مَشْهُورَانِ بِالصِّحَّةِ وَمُسْتَفِيضَانِ فِي الْأُمَّةِ.
(27/208)

ثُمَّ إنَّ هَذَا الشَّيْخَ الْمُعَظَّمَ الْجَلِيلَ وَالْإِمَامَ الْمُكَرَّمَ النَّبِيلَ: أَوْحَدُ الدَّهْرِ وَفَرِيدُ الْعَصْرِ؛ طِرَازُ الْمَمْلَكَةِ الْمَلَكِيَّةِ وَعَلَمُ الدَّوْلَةِ السُّلْطَانِيَّةِ لَوْ أَقْسَمَ مُقْسِمٌ بِاَللَّهِ الْعَظِيمِ الْقَدِيرِ: أَنَّ هَذَا الْإِمَامَ الْكَبِيرَ لَيْسَ لَهُ فِي عَصْرِهِ مُمَاثِلَ وَلَا نَظِيرٌ لَكَانَتْ يَمِينُهُ بَرَّةً غَنِيَّةً عَنْ التَّكْفِيرِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ وُجُودِ مِثْلِهِ السَّبْعُ الْأَقَالِيمُ إلَّا هَذَا الْإِقْلِيمَ يُوَافِقُ عَلَى ذَلِكَ كُلُّ مُنْصِفٍ جُبِلَ عَلَى الطَّبْعِ السَّلِيمِ. وَلَسْت بِالثَّنَاءِ عَلَيْهِ أُطْرِيهِ بَلْ لَوْ أَطْنَبَ مُطْنِبٌ فِي مَدْحِهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ لَمَا أَتَى عَلَى بَعْضِ الْفَضَائِلِ الَّتِي هِيَ فِيهِ: أَحْمَد ابْن تَيْمِيَّة دُرَّةٌ يَتِيمَةٌ يُتَنَافَسُ فِيهَا تُشْتَرَى وَلَا تُبَاعُ لَيْسَ فِي خَزَائِنِ الْمُلُوكِ دُرَّةٌ تُمَاثِلُهَا وَتُؤَاخِيهَا انْقَطَعَتْ عَنْ وُجُودِ مِثْلِهِ الْأَطْمَاعُ. وَلَقَدْ أَصَمَّ الْأَسْمَاعَ وَأَوْهَى قُوَى الْمَتْبُوعِينَ وَالْأَتْبَاعِ: سَمَّاعُ رَفْعِ أَبِي الْعَبَّاسِ - أَحْمَد ابْنِ تَيْمِيَّة - إلَى الْقِلَاعِ. وَلَيْسَ يَقَعُ مِنْ مِثْلِهِ أَمْرٌ يُنْقَمُ مِنْهُ عَلَيْهِ إلَّا أَنَّهُ يَكُونُ أَمْرًا قَدْ لُبِّسَ عَلَيْهِ وَنُسِبَ إلَى مَا يُنْسَبُ مِثْلُهُ إلَيْهِ. وَالتَّطْوِيلُ عَلَى الْحَضْرَةِ الْعَالِيَةِ لَا يَلِيقُ إنْ يَكُنْ فِي الدُّنْيَا قُطْبٌ فَهُوَ الْقُطْبُ عَلَى التَّحْقِيقِ قَدْ نَصَّبَ اللَّهُ السُّلْطَانَ أَعْلَى اللَّهُ شَأْنَهُ فِي هَذَا الزَّمَانِ مَنْصِبَ يُوسُفَ الصِّدِّيقِ صَلَّى اللَّهُ عَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَيْهِ لَمَّا صَرَفَ اللَّهُ وُجُوهَ أَهْلِ الْبِلَادِ إلَيْهِ حِينَ أَمْحَلَتْ الْبِلَادُ وَاحْتَاجَ أَهْلُهَا إلَى الْقُوتِ الْمُدَّخَرِ لَدَيْهِ. وَالْحَاجَةُ بِالنَّاسِ الْآنَ إلَى قُوتِ الْأَرْوَاحِ الْمُشَارِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ إلَيْهَا لَا خَفَاءَ
(27/209)

الزَّمَانِ إلَيْهَا لَا خَفَاءَ أَنَّهَا لِلْعُلُومِ الشَّرِيفَةِ وَالْمَعَانِي اللَّطِيفَةِ. وَقَدْ كَانَتْ فِي بِلَادِ الْمَمْلَكَةِ السُّلْطَانِيَّةِ - حَرَسَهَا اللَّهُ تَعَالَى - تُكَالُ إلَيْنَا جُزَافًا بِغَيْرِ أَثْمَانٍ مِنْحَةً عَظِيمَةً مِنْ اللَّهِ لِلسُّلْطَانِ وَنِعْمَةً جَسِيمَةً إذْ خَصَّ بِلَادَ مَمْلَكَتِهِ وَإِقْلِيمَ دَوْلَتِهِ بِمَا لَا يُوجَدُ فِي غَيْرِهَا مِنْ الْأَقَالِيمِ وَالْبُلْدَانِ وَكَانَ قَدْ وَفَدَ الْوَافِدُونَ مِنْ سَائِر الْأَمْصَارِ إلَى تِلْكَ الدِّيَارِ؛ فَوَجَدُوا صَاحِبَ صُوَاعِ الْمَلِكِ قَدْ رُفِعَ إلَى الْقِلَاعِ وَمِثْلُ هَذِهِ الْمِيزَةِ لَا تُوجَدُ فِي غَيْرِ تِلْكَ الْبِلَادِ لِتُشْتَرَى أَوْ تُبَاعَ فَصَادَفَ ذَلِكَ جَدْبُ الْأَرْضِ وَنَوَاحِيهَا جَدْبًا أَعْطَبَ أَهَالِيهَا حَتَّى صَارُوا مِنْ شِدَّةِ حَاجَتِهِمْ إلَى الْأَقْوَاتِ كَالْأَمْوَاتِ وَاَلَّذِي عَرَضَ لِلْمَلِكِ بِالتَّضْيِيقِ عَلَى صَاحِبِ صُوَاعِهِ مَعَ شِدَّةِ الْحَاجَةِ إلَى غِذَاءِ الْأَرْوَاحِ لَعَلَّهُ لَمْ يَتَحَقَّقْ عِنْدَهُ أَنَّ هَذَا الْإِمَامَ مِنْ أَكَابِرِ الْأَوْلِيَاءِ وَأَعْيَانِ أَهْلِ الصَّلَاحِ وَهَذِهِ نَزْغَةٌ مِنْ نَزَغَاتِ الشَّيْطَانِ قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ: {وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا} . وَأَمَّا إزْرَاءُ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ عَلَيْهِ فِي فَتْوَاهُ وَجَوَابِهِ عَنْ مَسْأَلَةِ شَدِّ الرِّحَالِ إلَى الْقُبُورِ. فَقَدْ حَمَلَ جَوَابَ عُلَمَاءِ هَذِهِ الْبِلَادِ إلَى نُظَرَائِهِمْ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَقُرَنَائِهِمْ مِنْ الْفُضَلَاءِ وَكُلُّهُمْ أَفْتَى: أَنَّ الصَّوَابَ فِي الَّذِي بِهِ أَجَابَ.
(27/210)

وَالظَّاهِرُ بَيْنَ الْأَنَامِ أَنَّ إكْرَامَ هَذَا الْإِمَامِ وَمُعَامَلَتَهُ بِالتَّبْجِيلِ وَالِاحْتِرَامِ فِيهِ قِوَامُ الْمُلْكِ وَنِظَامُ الدَّوْلَةِ وَإِعْزَازُ الْمِلَّةِ؛ وَاسْتِجْلَابُ الدُّعَاءِ وَكَبْتُ الْأَعْدَاءِ وَإِذْلَالُ أَهْلِ الْبِدَعِ وَالْأَهْوَاءِ؛ وَإِحْيَاءُ الْأُمَّةِ وَكَشْفُ الْغُمَّةِ وَوُفُورُ الْأَجْرِ وَعُلُوُّ الذِّكْرِ وَرَفْعُ الْبَأْسِ وَنَفْعُ النَّاسِ وَلِسَانُ حَالِ الْمُسْلِمِينَ تَالٍ قَوْلَ الْكَبِيرِ المتعال: {فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ} . وَالْبِضَاعَةُ الْمُزْجَاةُ: هِيَ هَذِهِ الْأَوْرَاقُ الْمَرْقُومَةُ بِالْأَقْلَامِ وَالْمِيزَةُ الْمَطْلُوبَةُ: هِيَ الْإِفْرَاجُ عَنْ شَيْخِ الْإِسْلَامِ وَاَلَّذِي حَمَلَ عَلَى هَذَا الْإِقْدَامِ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ {الدِّينُ النَّصِيحَةُ} وَالسَّلَامُ. وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّيِّبِينَ الْكِرَامِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا. هَذَا آخِرُ هَذَا الْكِتَابِ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ: وَوَقَفْت عَلَى " كِتَابٍ آخَرَ " مِنْ بَغْدَادَ أَيْضًا. صُورَتُهُ:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى أَشْرَفِ الْمُرْسَلِينَ مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ
(27/211)

وَآلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. اللَّهُمَّ فَكَمَا أَيَّدْت مُلُوكَ الْإِسْلَامِ وَوُلَاةَ الْأُمُورِ بِالْقُوَّةِ وَالْأَيْدِ وَشَيَّدْت لَهُمْ ذِكْرًا وَجَعَلْتهمْ لِلْمَقْهُورِ اللَّائِذِ بِجَنَابِهِمْ ذُخْرًا وَلِلْمَكْسُورِ الْعَائِذِ بِأَكْنَافِ بَابِهِمْ جَبْرًا فَاشْدُدْ اللَّهُمَّ مِنْهُمْ بِحُسْنِ مَعُونَتِك لَهُمْ أَزْرًا وَأَعْلِ لَهُمْ جَدًّا وَارْفَعْ قَدْرًا وَزِدْهُمْ عِزًّا وَزَوِّدْهُمْ عَلَى أَعْدَائِك نَصْرًا وَامْنَحْهُمْ تَوْفِيقًا مُسَدَّدًا وَتَمْكِينًا مُسْتَمِرًّا. وَبَعْدُ فَإِنَّهُ لَمَّا قَرَعَ أَسْمَاعَ أَهْلِ الْبِلَادِ الْمَشْرِقِيَّةِ وَالنَّوَاحِي الْعِرَاقِيَّةِ. التَّضْيِيقُ عَلَى شَيْخِ الْإِسْلَامِ تَقِيِّ الدِّينِ أَبِي الْعَبَّاسِ " أَحْمَد ابْنِ تَيْمِيَّة " سَلَّمَهُ اللَّهُ عَظُمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَشَقَّ عَلَى ذَوِي الدِّينِ وَارْتَفَعَتْ رُءُوسُ الْمُلْحِدِينَ وَطَابَتْ نُفُوسُ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ وَالْمُبْتَدِعِينَ وَلَمَّا رَأَى عُلَمَاءُ أَهْلِ هَذِهِ النَّاحِيَةِ عِظَمَ هَذِهِ النَّازِلَةِ مِنْ شَمَاتَةِ أَهْلِ الْبِدَعِ وَأَهْلِ الْأَهْوَاءِ بِأَكَابِرِ الْأَفَاضِلِ وَأَئِمَّةِ الْعُلَمَاءِ: أَنْهَوْا حَالَ هَذَا الْأَمْرِ الْفَظِيعِ وَالْأَمْرِ الشَّنِيعِ إلَى الْحَضْرَةِ الشَّرِيفَةِ السُّلْطَانِيَّةِ زَادَهَا اللَّهُ شَرَفًا وَكَتَبُوا أَجْوِبَتَهُمْ فِي تَصْوِيبِ مَا أَجَابَ بِهِ الشَّيْخُ. سَلَّمَهُ اللَّهُ فِي فَتَاوَاهُ وَذَكَرُوا مَنْ عِلْمِهِ وَفَضَائِلِهِ بَعْضَ مَا هُوَ فِيهِ وَحَمَلُوا ذَلِكَ إلَى بَيْنَ يَدَيْ مَوْلَانَا مَلِكِ الْأُمَرَاءِ. أَعَزَّ اللَّهُ أَنْصَارَهُ وَضَاعَفَ اقْتِدَاءَهُ غَيْرَةً مِنْهُمْ عَلَى هَذَا الدِّينِ وَنَصِيحَةً لِلْإِسْلَامِ وَأُمَرَاءِ الْمُؤْمِنِينَ.
(27/212)

وَالْآرَاءُ الْمَوْلَوِيَّةِ الْعَالِيَةِ أَوْلَى بِالتَّقْدِيمِ لِأَنَّهَا مَمْنُوحَةٌ بِالْهِدَايَةِ إلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ وَأَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَأَشْرَفُ التَّسْلِيمِ عَلَى النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحِبَهُ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا.
(27/213)

وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ -:
فَصْلٌ:
مُخْتَصَرٌ فِي التَّنْبِيهِ عَلَى مَا فِي هَذَا الْمُصَنَّفِ مِنْ الْجَهْلِ وَالْكَذِبِ مَعَ أَنَّهُ فِي غَايَةِ الِاخْتِصَارِ.
وَقَبْلَ ذَلِكَ نَذْكُرُ " لَفْظَ الْجَوَابِ " لِيَتَبَيَّنَ مَا فِي مُعَارَضَتِهِ مَا الْخَطَأُ وَالصَّوَابُ وَلَفْظُ الْجَوَابِ بَعْدَ لَفْظِ السُّؤَالِ.
وَالسُّؤَالُ سُؤَالُ مُسْتَرْشِدٍ: يَسْأَلُ عَنْ السَّفَرِ إلَى قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ وَمَا جَاءَ فِي ذَلِكَ مِنْ الْأَقْوَالِ الْمُخْتَلِفَةِ وَالْأَحَادِيثِ الْمُتَعَارِضَةِ. وَقَدْ سَمِعَ الِاخْتِلَافَ فِي ذَلِكَ وَالْأَحَادِيثَ الْمُتَعَارِضَةَ وَلَمْ يَعْرِفْ صَحِيحَهَا مِنْ ضَعِيفِهَا. فَقَالَ: مَا تَقُولُ السَّادَةُ الْعُلَمَاءَ: فِي رَجُلٍ نَوَى " زِيَارَةَ قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ " مِثْلِ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَغَيْرِهِ: فَهَلْ يَجُوزُ لَهُ فِي
(27/214)

سَفَرِهِ أَنْ يَقْصُرَ الصَّلَاةَ؟ وَهَلْ هَذِهِ الزِّيَارَةُ شَرْعِيَّةٌ أَمْ لَا؟ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: {مَنْ حَجَّ وَلَمْ يَزُرْنِي فَقَدْ جَفَانِي} و {مَنْ زَارَنِي بَعْدَ مَوْتِي فَكَأَنَّمَا زَارَنِي فِي حَيَاتِي} وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: {لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى وَمَسْجِدِي هَذَا} .
وَلَفْظُ الْجَوَابِ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ، أَمَّا مَنْ سَافَرَ لِمُجَرَّدِ زِيَارَةِ قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ فَهَلْ يَجُوزُ لَهُ قَصْرُ الصَّلَاةِ. عَلَى قَوْلَيْنِ مَعْرُوفَيْنِ. أَحَدُهُمَا - وَهُوَ قَوْلُ مُتَقَدِّمِي الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ لَا يُجَوِّزُونَ الْقَصْرَ فِي سَفَرِ الْمَعْصِيَةِ وَيَقُولُونَ: إنَّ هَذَا سَفَرُ مَعْصِيَةٍ؛ كَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَطَّةَ وَأَبِي الْوَفَاءِ بْنِ عَقِيلٍ. وَطَوَائِفَ كَثِيرِينَ مِنْ الْعُلَمَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ - أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْقَصْرُ فِي مِثْلِ هَذَا السَّفَرِ؛ لِأَنَّهُ سَفَرٌ مَنْهِيٌّ عَنْهُ. وَمَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد أَنَّ السَّفَرَ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ فِي الشَّرِيعَةِ لَا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ تُقْصَرُ الصَّلَاةُ فِيهِ. وَهَذَا يَقُولُهُ مَنْ يُجَوِّزُ الْقَصْرَ فِي السَّفَرِ الْمُحَرَّمِ كَأَبِي حَنِيفَةَ. وَيَقُولُهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد مِمَّنْ يُجَوِّزُ السَّفَرَ لِزِيَارَةِ قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ كَأَبِي حَامِدٍ الْغَزَالِيِّ وَأَبِي مُحَمَّدٍ المقدسي وَأَبِي الْحَسَنِ بْنِ عبدوس
(27/215)

الْحَرَّانِي. وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: إنَّ هَذَا السَّفَرَ لَيْسَ بِمُحَرَّمٍ؛ لِعُمُومِ قَوْلِهِ: {فَزُورُوا الْقُبُورَ} . وَقَدْ يَحْتَجُّ بَعْضُ مَنْ لَا يَعْرِفُ الْحَدِيثَ بِالْأَحَادِيثِ الْمَرْوِيَّةِ فِي زِيَارَةِ قَبْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَقَوْلِهِ: {مَنْ زَارَنِي بَعْدَ مَمَاتِي فَكَأَنَّمَا زَارَنِي فِي حَيَاتِي} رَوَاهُ الدارقطني. وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ بَعْضُ النَّاسِ مِنْ قَوْلِهِ: {مَنْ حَجَّ وَلَمْ يَزُرْنِي فَقَدْ جَفَانِي} فَهَذَا لَمْ يَرْوِهِ أَحَدٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ. وَهُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ: {مَنْ زَارَنِي وَزَارَ أَبِي فِي عَامٍ وَاحِدٍ ضَمِنْت لَهُ عَلَى اللَّهِ الْجَنَّةَ} فَإِنَّ هَذَا أَيْضًا بَاطِلٌ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ وَلَمْ يَرْوِهِ أَحْمَد وَلَمْ يَحْتَجَّ بِهِ أَحَدٌ؛ وَإِنَّمَا يَحْتَجُّ بَعْضُهُمْ بِحَدِيثِ الدارقطني - وَقَدْ زَادَ فِيهَا الْمُجِيبُ حَاشِيَةً بَعْدَ ذَلِكَ - وَلَكِنَّ هَذَا وَإِنْ كَانَ لَمْ يَرْوِهِ أَحَدٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ فِي " كُتُبِ الْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ " لَا مُحْتَجًّا وَلَا مُعْتَضِدًا بِهِ وَإِنْ ذَكَرَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ فَقَدْ رَوَاهُ أَبُو أَحْمَد بْنُ عَدِيٍّ فِي " كِتَابِ الضُّعَفَاءِ " لِيُبَيِّنَ ضَعْفَ رِوَايَتِهِ. فَذَكَرَهُ بِحَدِيثِ النُّعْمَانِ بْنِ شِبْلٍ الْبَاهِلِيِّ الْمِصْرِيِّ عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: {مَنْ حَجَّ وَلَمْ يَزُرْنِي فَقَدْ جَفَانِي} قَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: لَمْ يَرْوِهِ عَنْ مَالِكٍ غَيْرُ هَذَا. يَعْنِي وَقَدْ عُلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ فَعُلِمَ أَنَّ الْآفَةَ مِنْ جِهَتِهِ. قَالَ يُونُسُ بْنُ هَارُونَ: كَانَ النُّعْمَانُ هَذَا مُتَّهَمًا. وَقَالَ أَبُو حَاتِمِ بْنُ حِبَّانَ: يَأْتِي
(27/216)

مِنْ الثِّقَاتِ بِالطَّامَّاتِ. وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو الْفَرَجِ بْنُ الْجَوْزِيِّ هَذَا الْحَدِيثَ فِي الْمَوْضُوعَاتِ - وَرَوَاهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي حَاتِمِ بْنِ حِبَّانَ: حَدَّثَنَا أَحْمَد بْنُ عُبَيْدٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ النُّعْمَانِ حَدَّثَنَا جَدِّي عَنْ مَالِكٍ. ثُمَّ قَالَ: أَبُو الْفَرَجِ: قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: النُّعْمَانُ يَأْتِي عَنْ الثِّقَاتِ بِالطَّامَّاتِ. وَقَالَ الدارقطني الطَّعْنُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدٍ؛ لَا مِنْ نُعْمَانَ. وَأَمَّا الْحَدِيثُ الْآخَرُ: {مَنْ زَارَنِي وَزَارَ أَبِي فِي عَامٍ وَاحِدٍ ضَمِنْت لَهُ عَلَى اللَّهِ الْجَنَّةَ} فَهَذَا لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ الْكُتُبِ لَا بِإِسْنَادِ مَوْضُوعٍ وَلَا غَيْرِ مَوْضُوعٍ. وَقَدْ قِيلَ: إنَّ هَذَا لَمْ يُسْمَعْ فِي الْإِسْلَامِ حَتَّى فَتَحَ الْمُسْلِمُونَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ فِي زَمَنِ صَلَاحِ الدِّينِ؛ فَلِهَذَا لَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ لَا هَذَا وَلَا هَذَا لَا عَلَى سَبِيلِ الِاعْتِضَادِ وَلَا عَلَى سَبِيلِ الِاعْتِمَادِ؛ بِخِلَافِ الْحَدِيثِ الَّذِي قَدْ تَقَدَّمَ فَإِنَّهُ قَدْ ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ وَرَوَوْهُ وَهُوَ مَعْرُوفٌ مِنْ حَدِيثِ حَفْصِ بْنِ سُلَيْمَانَ الغاضري صَاحِبِ عَاصِمٍ - عَنْ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {مَنْ حَجَّ فَزَارَنِي بَعْدَ مَوْتِي كَانَ كَمَنْ زَارَنِي فِي حَيَاتِي} . وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ عَلَى الطَّعْنِ فِي حَدِيثِ حَفْصٍ هَذَا دُونَ قِرَاءَتِهِ. قَالَ البيهقي فِي " شُعَبِ الْإِيمَانِ " رَوَى حَفْصُ بْنُ أَبِي دَاوُد - وَهُوَ ضَعِيفٌ - عَنْ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ
(27/217)

ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {مَنْ حَجَّ فَزَارَنِي بَعْدَ مَوْتِي كَانَ كَمَنْ زَارَنِي فِي حَيَاتِي} . قَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ عَنْ حَفْصٍ: هَذَا لَيْسَ بِثِقَةِ وَهُوَ أَصَحُّ قِرَاءَةً مِنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ وَأَبُو بَكْرٍ أَوْثَقُ مِنْهُ. وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: كَانَ حَفْصٌ أَقْرَأَ مِنْ أَبِي بَكْرٍ وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ صَدُوقًا وَكَانَ حَفْصٌ كَذَّابًا. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: تَرَكُوهُ. وَقَالَ مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ: مَتْرُوكٌ. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ: ضَعِيفُ الْحَدِيثِ تَرَكْته عَلَى عَمْدٍ. وَقَالَ النَّسَائِي: لَيْسَ بِثِقَةِ وَلَا يُكْتَبُ حَدِيثُهُ وَقَالَ مَرَّةً: مَتْرُوكٌ وَقَالَ صَالِحُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَغْدَادِيُّ: لَا يُكْتَبُ حَدِيثُهُ وَأَحَادِيثُهُ كُلُّهَا مَنَاكِيرُ. وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ: ضَعِيفُ الْحَدِيثِ. وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِي: لَا يُكْتَبُ حَدِيثُهُ وَهُوَ ضَعِيفُ الْحَدِيثِ لَا يُصَدَّقُ مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خِرَاشٍ: هُوَ كَذَّابٌ مَتْرُوكٌ يَضَعُ الْحَدِيثَ. وَقَالَ الْحَاكِمُ: أَبُو أَحْمَد ذَاهِبُ الْحَدِيثِ. وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: عَامَّةُ أَحَادِيثِهِ عَمَّنْ رَوَى عَنْهُ غَيْرُ مَحْفُوظَةٍ. وَفِي الْبَابِ حَدِيثٌ آخَرُ رَوَاهُ الْبَزَّارُ وَالدَّارَقُطْنِي وَغَيْرُهُمَا مِنْ حَدِيثِ مُوسَى بْنِ هِلَالٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {مَنْ زَارَ قَبْرِي وَجَبَتْ لَهُ شَفَاعَتِي} قَالَ البيهقي: وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ ثُمَّ قَالَ: وَقَدْ قِيلَ عَنْ مُوسَى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ. قَالَ: وَسَوَاءٌ عَبْدُ اللَّهِ أَوْ عُبَيْدُ اللَّهِ
(27/218)

فَهُوَ مُنْكَرٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ؛ لَمْ يَأْتِ بِهِ غَيْرُهُ. وَقَالَ العقيلي فِي مُوسَى بْنِ هِلَالٍ: هَذَا لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِي: هُوَ مَجْهُولٌ. وَقَالَ أَبُو زَكَرِيَّا النواوي فِي " شَرْحِ الْمُهَذَّبِ " لَمَّا ذَكَرَ قَوْلَ أَبِي إسْحَاقَ: وَتُسْتَحَبُّ زِيَارَةُ قَبْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: {مَنْ زَارَ قَبْرِي وَجَبَتْ لَهُ شَفَاعَتِي} . قَالَ النواوي: أَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فَرَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِي وَالدَّارَقُطْنِي وَالْبَيْهَقِي بِإِسْنَادَيْنِ ضَعِيفَيْنِ جِدًّا. قَالَ الْمُجِيبُ فِي تَمَامِ الْجَوَابِ: وَقَدْ احْتَجَّ أَبُو مُحَمَّدٍ المقدسي عَلَى جَوَازِ السَّفَرِ لِزِيَارَةِ الْقُبُورِ وَالْمَسَاجِدِ بِأَنَّهُ كَانَ يَزُورُ قُبَاء وَأَنَّهُ كَانَ يَزُورُ الْقُبُورَ وَأَجَابَ عَنْ حَدِيثِ {لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ} بِأَنَّ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى نَفْي الِاسْتِحْبَابِ. وَأَمَّا الْأَوَّلُونَ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: {لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى وَمَسْجِدِي هَذَا} وَهَذَا الْحَدِيثُ اتَّفَقَ الْأَئِمَّةُ عَلَى صِحَّتِهِ وَالْعَمَلِ بِهِ. فَلَوْ نَذَرَ الرَّجُلُ أَنْ يُصَلِّيَ بِمَسْجِدِ أَوْ بِمَشْهَدِ أَوْ يَعْتَكِفَ فِيهِ أَوْ يُسَافِرَ إلَيْهِ غَيْرَ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ ذَلِكَ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ. وَلَوْ نَذَرَ أَنْ يُسَافِرَ أَوْ يَأْتِيَ إلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ لِحَجِّ أَوْ عُمْرَةٍ وَجَبَ عَلَيْهِ ذَلِكَ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ. وَلَوْ نَذَرَ أَنْ يَأْتِيَ مَسْجِدَ النَّبِيِّ
(27/219)

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ الْمَسْجِدَ الْأَقْصَى لِصَلَاةِ أَوْ اعْتِكَافٍ وَجَبَ عَلَيْهِ الْوَفَاءُ بِهَذَا النَّذْرِ عِنْدَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ وَأَحْمَد؛ وَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ عِنْدَهُ بِالنَّذْرِ إلَّا مَا كَانَ مِنْ جِنْسِهِ وَاجِبٌ بِالشَّرْعِ. وَأَمَّا الْجُمْهُورُ فَيُوجِبُونَ الْوَفَاءَ بِكُلِّ طَاعَةٍ كَمَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: {مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ فَلَا يَعْصِهِ} وَالسَّفَرُ إلَى الْمَسْجِدَيْنِ طَاعَةٌ؛ فَلِهَذَا وَجَبَ الْوَفَاءُ بِهِ. وَأَمَّا السَّفَرُ إلَى بُقْعَةٍ غَيْرِ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ فَلَمْ يُوجِبْ أَحَدٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ السَّفَرَ إلَيْهَا إذَا نَذَرَهُ. حَتَّى نَصَّ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ لَا يُسَافَرُ إلَى مَسْجِدِ قُبَاء؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الثَّلَاثَةِ مَعَ أَنَّ مَسْجِدَ قُبَاء تُسْتَحَبُّ زِيَارَتُهُ لِمَنْ كَانَ بِالْمَدِينَةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِشَدِّ رَحْلٍ كَمَا فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: {مَنْ تَطَهَّرَ فِي بَيْتِهِ ثُمَّ أَتَى مَسْجِدَ قُبَاء لَا يُرِيدُ إلَّا الصَّلَاةَ فِيهِ كَانَ كَعُمْرَةِ} - وَفِي الْحَاشِيَةِ وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ أَهْلُ السُّنَنِ كالنَّسَائِي وَابْنِ مَاجَه وَالتِّرْمِذِيِّ وَحَسَّنَهُ. قَالَ: وَقَالُوا: وَلِأَنَّ السَّفَرَ إلَى زِيَارَةِ قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ بِدْعَةٌ لَمْ يَفْعَلْهَا أَحَدٌ مِنْ الصَّحَابَةَ وَلَا التَّابِعِينَ وَلَا أَمَرَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا اسْتَحَبَّ ذَلِكَ أَحَدٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ. فَمَنْ اعْتَقَدَ ذَلِكَ عِبَادَةً وَفَعَلَهَا فَهُوَ مُخَالِفٌ لِلسُّنَّةِ وَلِإِجْمَاعِ الْأَئِمَّةِ. وَهَذَا مِمَّا ذَكَرَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ بَطَّةَ فِي " الْإِبَانَةِ الصُّغْرَى " مِنْ الْبِدَعِ الْمُخَالِفَةِ لِلسُّنَّةِ.
(27/220)

وَبِهَذَا يَظْهَرُ ضَعْفُ حُجَّةِ أَبِي مُحَمَّدٍ المقدسي؛ لِأَنَّ زِيَارَةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَسْجِدِ قُبَاء لَمْ تَكُنْ بِشَدِّ رَحْلٍ وَالسَّفَرَ إلَيْهِ لَا يَجِبُ بِالنَّذْرِ. وَقَوْلُهُ فِي قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ} إنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى نَفْيِ الِاسْتِحْبَابِ عَنْهُ جَوَابَانِ. أَحَدُهُمَا: أَنَّ هَذَا تَسْلِيمٌ مِنْهُ أَنَّ هَذَا السَّفَرَ لَيْسَ بِعَمَلِ صَالِحٍ وَلَا قُرْبَةٍ وَلَا طَاعَةٍ وَلَا هُوَ مِنْ الْحَسَنَاتِ. فَإِذًا مَنْ اعْتَقَدَ السَّفَرَ لِزِيَارَةِ قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ أَنَّهُ قُرْبَةٌ وَعِبَادَةٌ وَطَاعَةٌ فَقَدْ خَالَفَ الْإِجْمَاعَ وَإِذَا سَافَرَ لِاعْتِقَادِهِ أَنَّهَا طَاعَةٌ كَانَ ذَلِكَ مُحَرَّمًا بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ فَصَارَ التَّحْرِيمُ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ أَحَدًا لَا يُسَافِرُ إلَيْهَا إلَّا لِذَلِكَ. وَأَمَّا إذَا قُدِّرَ أَنَّ الرَّجُلَ سَافَرَ إلَيْهَا لِغَرَضِ مُبَاحٍ فَهَذَا جَائِزٌ وَلَيْسَ مِنْ هَذَا الْبَابِ. الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ يَقْتَضِي النَّهْيَ وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ. وَمَا ذَكَرَهُ السَّائِلُ مِنْ الْأَحَادِيثِ فِي زِيَارَةِ قَبْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكُلُّهَا ضَعِيفَةٌ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ بَلْ هِيَ مَوْضُوعَةٌ. لَمْ يُخَرِّجْ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ السُّنَنِ الْمُعْتَمَدَةِ شَيْئًا مِنْهَا وَلَمْ يَحْتَجَّ أَحَدٌ مِنْ الْأَئِمَّةِ بِشَيْءِ مِنْهَا بَلْ مَالِكٌ إمَامُ أَهِلِ الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ الَّذِينَ هُمْ أَعْلَمُ النَّاسِ بِحُكْمِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ كَرِهَ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ: زُرْت قَبْرَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
(27/221)

وَلَوْ كَانَ هَذَا اللَّفْظُ مَعْرُوفًا عِنْدَهُمْ أَوْ مَشْرُوعًا أَوْ مَأْثُورًا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكْرَهْهُ عَالِمُ الْمَدِينَةِ. وَالْإِمَامُ أَحْمَد أَعْلَمُ النَّاسِ فِي زَمَانِهِ بِالسُّنَّةِ: لَمَّا سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مَا يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ مِنْ الْأَحَادِيثِ إلَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ {أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: مَا مِنْ رَجُلٍ يُسَلِّمُ عَلَيَّ إلَّا رَدَّ اللَّهُ عَلَيَّ رُوحِي حَتَّى أَرُدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ} . وَعَلَى هَذَا اعْتَمَدَ أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ. وَكَذَلِكَ مَالِكٌ فِي " الْمُوَطَّأِ " رَوَى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ إذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ قَالَ: السَّلَامُ عَلَيْك يَا رَسُولَ اللَّهِ السَّلَامُ عَلَيْك يَا أَبَا بَكْرٍ السَّلَامُ عَلَيْك يَا أَبَتْ ثُمَّ يَنْصَرِفُ. وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: {لَا تَتَّخِذُوا قَبْرِي عِيدًا وَصَلُّوا عَلَيَّ حَيْثُمَا كُنْتُمْ فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ تَبْلُغُنِي} وَفِي سُنَنِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْحَسَنِ بْنِ الْحُسَيْنِ رَأَى رَجُلًا يَخْتَلِفُ إلَى قَبْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَقَالَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: {لَا تَتَّخِذُوا قَبْرِي عِيدًا وَصَلُّوا عَلَيَّ حَيْثُمَا كُنْتُمْ؛ فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ تَبْلُغُنِي} مَا أَنْتُمْ وَمَنْ بِالْأَنْدَلُسِ مِنْهُ إلَّا سَوَاءٌ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ: {لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ} يُحَذِّرُ مَا فَعَلُوا. قَالَتْ عَائِشَةُ: وَلَوْلَا ذَلِكَ لَأُبْرِزَ قَبْرُهُ؛ وَلَكِنْ كَرِهَ أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا وَهُمْ دَفَنُوهُ فِي حُجْرَةِ عَائِشَةَ خِلَافَ مَا
(27/222)

اعْتَادُوهُ مِنْ الدَّفْنِ فِي الصَّحْرَاءِ؛ وَلَا يُصَلِّي أَحَدٌ عِنْدَ قَبْرِهِ وَيَتَّخِذُهُ مَسْجِدًا فَيُتَّخَذَ قَبْرُهُ وَثَنًا. وَكَانَ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ لَمَّا كَانَتْ " الْحُجْرَةُ النَّبَوِيَّةُ " مُنْفَصِلَةً عَنْ الْمَسْجِدِ إلَى زَمَنِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ لَا يَدْخُلُ عِنْدَهُ أَحَدٌ لَا لِصَلَاةِ هُنَاكَ وَلَا لِتَمَسُّحِ بِالْقَبْرِ وَلَا دُعَاءٍ هُنَاكَ بَلْ هَذَا جَمِيعُهُ إنَّمَا يَفْعَلُونَهُ فِي الْمَسْجِدِ كَانَ السَّلَفُ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ إذَا سَلَّمُوا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَرَادُوا الدُّعَاءَ دَعَوْا مُسْتَقْبِلِي الْقِبْلَةَ لَمْ يَسْتَقْبِلُوا الْقَبْرَ.
وَأَمَّا وُقُوفُ الْمُسْلِمِ عَلَيْهِ، فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ أَيْضًا لَا يَسْتَقْبِلُ الْقَبْرَ. وَقَالَ أَكْثَرُ الْأَئِمَّةِ: بَلْ يَسْتَقْبِلُ الْقَبْرَ عِنْدَ السَّلَامِ عَلَيْهِ خَاصَّةً. وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْ الْأَئِمَّةِ يَسْتَقْبِلُ الْقَبْرَ عِنْدَ الدُّعَاءِ - أَيْ الدُّعَاءِ الَّذِي يَقْصِدُهُ لِنَفْسِهِ - إلَّا فِي حِكَايَةٍ مَكْذُوبَةٍ تُرْوَى عَنْ مَالِكٍ وَمَذْهَبُهُ بِخِلَافِهَا. وَاتَّفَقَ الْأَئِمَّةُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَمَسُّ قَبْرَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا يُقَبِّلُهُ. وَهَذَا كُلُّهُ مُحَافَظَةً عَلَى التَّوْحِيدِ. فَإِنَّ مِنْ أُصُولِ الشِّرْكِ بِاَللَّهِ اتِّخَاذَ الْقُبُورِ مَسَاجِدَ كَمَا قَالَ طَائِفَةٌ مِنْ السَّلَفِ فِي قَوْله تَعَالَى {وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا} قَالُوا: هَؤُلَاءِ كَانُوا قَوْمًا صَالِحِينَ
(27/223)

فِي قَوْمِ نُوحٍ فَلَمَّا مَاتُوا عَكَفُوا عَلَى قُبُورِهِمْ ثُمَّ صَوَّرُوا تَمَاثِيلَهُمْ ثُمَّ طَالَ عَلَيْهِمْ الْأَمَدُ فَعَبَدُوهُمْ. وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضَ هَذَا الْمَعْنَى الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ كَمَا ذَكَرَ قَوْلَ ابْنِ عَبَّاسٍ: إنَّ هَذِهِ الْأَوْثَانَ صَارَتْ إلَى الْعَرَبِ وَذَكَرَهُ ابْنُ جَرِيرٍ الطبري وَغَيْرُهُ فِي التَّفْسِيرِ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ السَّلَفِ. وَذَكَرَهُ غَيْرُهُ فِي " قَصَصِ الْأَنْبِيَاءِ " مِنْ عِدَّةِ طُرُقٍ. وَقَدْ بَسَطْت الْكَلَامَ عَلَى هَذِهِ الْمَسَائِلِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ. وَأَوَّلُ مَنْ وَضَعَ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ فِي السَّفَرِ لِزِيَارَةِ الْمَشَاهِدِ الَّتِي عَلَى الْقُبُورِ هُمْ أَهْلُ الْبِدَعِ - مِنْ الرَّافِضَةِ وَغَيْرِهِمْ - الَّذِينَ يُعَطِّلُونَ الْمَسَاجِدَ وَيُعَظِّمُونَ الْمَشَاهِدَ: الَّتِي يُشْرَكُ فِيهَا وَيُكَذَّبُ فِيهَا " وَيُبْتَدَعُ فِيهَا دِينٌ لَمْ يُنَزِّلْ اللَّهُ بِهِ سُلْطَانًا فَإِنَّ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ إنَّمَا فِيهِ ذِكْرُ الْمَسَاجِدِ دُونَ الْمَشَاهِدِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} وَقَالَ: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} وَقَالَ {إنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ} وَقَالَ تَعَالَى: {وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} وَقَالَ تَعَالَى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا} وَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: {إنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ الْقُبُورَ مَسَاجِدَ أَلَّا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ
(27/224)

فَإِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ} . وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
فَهَذِهِ أَلْفَاظُ الْمُجِيبِ.
فَلْيَتَدَبَّرْ الْإِنْسَانُ مَا تَضَمَّنَتْهُ وَمَا عَارَضَ بِهِ هَؤُلَاءِ الْمُعَارِضُونَ مِمَّا نَقَلُوهُ عَنْ الْجَوَابِ وَمَا ادَّعَوْا أَنَّهُ بَاطِلٌ: هَلْ هُمْ صَادِقُونَ مُصِيبُونَ فِي هَذَا؟ أَوْ هَذَا؟ أَوْ هُمْ بِالْعَكْسِ؟ وَالْمُجِيبُ أَجَابَ بِهَذَا مِنْ بِضْعَ عَشْرَةَ سَنَةً: بِحَسَبِ حَالِ هَذَا السَّائِلِ وَاسْتِرْشَادِهِ وَلَمْ يَبْسُطْ الْقَوْلَ فِيهَا وَلَا سَمَّى كُلَّ مَنْ قَالَ بِهَذَا الْقَوْلِ وَمَنْ قَالَ بِهَذَا الْقَوْلِ بِحَسَبِ مَا تَيَسَّرَ فِي هَذَا الْوَقْتِ. وَإِلَّا فَهَذَانِ الْقَوْلَانِ مَوْجُودَانِ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْكُتُبِ الْمُصَنَّفَةِ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد وَفِي شُرُوحِ الْحَدِيثِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَالْقَوْلُ بِتَحْرِيمِ السَّفَرِ إلَى غَيْرِ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ - وَإِنْ كَانَ قَبْرَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَجُمْهُورِ أَصْحَابِهِ وَكَذَلِكَ أَكْثَرُ أَصْحَابِ أَحْمَد. الْحَدِيثُ عِنْدَهُمْ مَعْنَاهُ بِتَحْرِيمِ السَّفَرِ إلَى غَيْرِ الثَّلَاثَةِ لَكِنَّ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: قَبْرُ نَبِيِّنَا لَمْ يَدْخُلْ فِي الْعُمُومِ. ثُمَّ لِهَذَا الْقَوْلِ مَأْخَذَانِ. أَحَدُهُمَا: أَنَّ السَّفَرَ إلَيْهِ سَفَرٌ إلَى مَسْجِدِهِ. وَهَذَا الْمَأْخَذُ هُوَ الصَّحِيحُ. وَهُوَ مُوَافِقٌ لِقَوْلِ مَالِكٍ وَجُمْهُورِ أَصْحَابِهِ. وَالْمَأْخَذُ الثَّانِي: أَنَّ نَبِيَّنَا لَا يُشَبَّهُ بِغَيْرِهِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ كَمَا قَالَ
(27/225)

طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَد: أَنَّهُ يُحْلَفُ بِهِ وَإِنْ كَانَ الْحَلِفُ بِالْمَخْلُوقَاتِ مَنْهِيًّا عَنْهُ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَد. وَمِنْ أَصْحَابِهِ مَنْ قَالَ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ: حُكْمُ سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ كَحُكْمِهِ: قَالَهُ بَعْضُهُمْ فِي الْحَلِفِ بِهِمْ وَقَالَهُ بَعْضُهُمْ فِي زِيَارَةِ قُبُورِهِمْ. وَكَذَلِكَ أَبُو مُحَمَّدٍ الجُوَيْنِي وَمَنْ وَافَقَهُ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ عَلَى أَنَّ الْحَدِيثَ يَقْتَضِي تَحْرِيمَ السَّفَرِ إلَى غَيْرِ الثَّلَاثَةِ. وَآخَرُونَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ وَأَحْمَد قَالُوا: الْمُرَادُ بِالْحَدِيثِ نَفْيُ الْفَضِيلَةِ وَالِاسْتِحْبَابِ وَنَفْيُ الْوُجُوبِ بِالنَّذْرِ؛ لَا نَفْيُ الْجَوَازِ. وَهَذَا قَوْلُ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ وَأَبِي عَلِيٍّ وَأَبِي الْمَعَالِي وَالْغَزَالِيِّ وَغَيْرِهِمْ. وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ وَأَبِي مُحَمَّدٍ المقدسي وَمَنْ وَافَقَهُمَا مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَأَحْمَد. فَهَذَانِ هُمَا الْقَوْلَانِ الْمَوْجُودَانِ فِي كُتُبِ الْمُسْلِمِينَ: ذَكَرَهُمَا الْمُجِيبُ وَلَمْ يَعْرِفْ أَحَدًا مَعْرُوفًا مِنْ الْعُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ فِي الْكُتُبِ قَالَ: إنَّهُ يُسْتَحَبُّ السَّفَرُ إلَى زِيَارَةِ قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ. وَلَوْ عَلِمَ أَنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلًا ثَالِثًا لَحَكَاهُ؛ لَكِنَّهُ لَمْ يَعْرِفْ ذَلِكَ وَإِلَى الْآنَ لَمْ يَعْرِفْ أَنَّ أَحَدًا قَالَ ذَلِكَ وَلَكِنْ أَطْلَقَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ الْقَوْلَ بِاسْتِحْبَابِ زِيَارَةِ قَبْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحَكَى بَعْضُهُمْ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ. وَهَذَا مِمَّا لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ الْمُجِيبُ نِزَاعًا فِي الْجَوَابِ؛ فَإِنَّهُ مِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ مَسْجِدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُسْتَحَبُّ السَّفَرُ إلَيْهِ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ. فَالْمُسَافِرُ إلَى قَبْرِهِ لَا بُدَّ إنْ كَانَ عَالِمًا بِالشَّرِيعَةِ أَنْ يَقْصِدَ السَّفَرَ إلَى
(27/226)

مَسْجِدِهِ فَلَا يَدْخُلُ ذَلِكَ فِي جَوَابِ الْمَسْأَلَةِ؛ فَإِنَّ الْجَوَابَ إنَّمَا كَانَ عَمَّنْ سَافَرَ لِمُجَرَّدِ زِيَارَةِ قُبُورِهِمْ وَالْعَالِمُ بِالشَّرِيعَةِ لَا يَقَعُ فِي هَذَا فَإِنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ الرَّسُولَ قَدْ اسْتَحَبَّ السَّفَرَ إلَى مَسْجِدِهِ وَالصَّلَاةَ فِيهِ وَهُوَ يُسَافِرُ إلَى مَسْجِدِهِ. فَكَيْفَ لَا يَقْصِدُ السَّفَرَ إلَيْهِ فَكُلُّ مَنْ عَلِمَ مَا يَفْعَلُهُ بِاخْتِيَارِهِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَقْصِدَهُ وَإِنَّمَا يَنْتَفِي الْقَصْدُ مَعَ الْجَهْلِ. إمَّا مَعَ الْجَهْلِ بِأَنَّ السَّفَرَ إلَى مَسْجِدِهِ مُسْتَحَبٌّ كَوْنُهُ مَسْجِدَهُ لَا لِأَجْلِ الْقَبْرِ وَإِمَّا مَعَ الْجَهْلِ بِأَنَّ الْمُسَافِرَ إنَّمَا يَصِلُ إلَى مَسْجِدِهِ. فَأَمَّا مَعَ الْعِلْمِ بِالْأَمْرَيْنِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَقْصِدَ السَّفَرَ إلَى مَسْجِدِهِ. وَلِهَذَا كَانَ لِزِيَارَةِ قَبْرِهِ حُكْمٌ لَيْسَ لِسَائِرِ الْقُبُورِ مِنْ وُجُوهٍ مُتَعَدِّدَةٍ كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي مَوَاضِعَ. وَأَهْلُ الْجَهْلِ وَالضَّلَالِ يَجْعَلُونَ السَّفَرَ إلَى زِيَارَتِهِ كَمَا هُوَ الْمُعْتَادُ لَهُمْ مِنْ السَّفَرِ إلَى زِيَارَةِ قَبْرِ مَنْ يُعَظِّمُونَهُ. يُسَافِرُونَ إلَيْهِ لِيَدْعُوهُ وَيَدْعُوا عِنْدَهُ وَيَدْخُلُوا إلَى قَبْرِهِ وَيَقْعُدُوا عِنْدَهُ وَيَكُونُ عَلَيْهِ أَوْ عِنْدَهُ مَسْجِدٌ بُنِيَ لِأَجْلِ الْقَبْرِ فَيُصَلُّونَ فِي ذَلِكَ الْمَسْجِدِ تَعْظِيمًا لِصَاحِبِ الْقَبْرِ وَهَذَا مِمَّا لَعَنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَهْلَ الْكِتَابِ عَلَى فِعْلِهِ وَنَهَى أُمَّتَهُ عَنْ فِعْلِهِ فَقَالَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ: {لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ} وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ وَقَالَ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِخَمْسِ: {إنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ وَصَالِحِيهِمْ مَسَاجِدَ أَلَا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ فَإِنِّي أَنْهَاكُمْ
(27/227)

عَنْ ذَلِكَ} رَوَاهُ مُسْلِمٌ. فَمَنْ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ مَا هُوَ مَشْرُوعٌ فِي زِيَارَةِ الْقُبُورِ وَمَا هُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ لَمْ يَعْرِفْ دِينَ الْإِسْلَامِ فِي هَذَا الْبَابِ. وَالْمَقْصُودُ التَّنْبِيهُ عَلَى مَا فِي هَذَا الْمُصَنَّفِ الَّذِي صَنَّفَهُ هَذَا الْمُعْتَرِضُ عَلَى الْجَوَابِ الْمَذْكُورِ وَبَيَانُ مَا فِيهِ مِنْ الْجَهْلِ وَالِافْتِرَاءِ. فَمِنْهَا أَنَّهُ قَالَ فِي الْجَوَابِ: إنَّهُ ظَهَرَ لِي مِنْ صَرِيحِ ذَلِكَ الْكَلَامِ وَفَحْوَاهُ وَمَقْصِدِهِ إلَيَّ وَمَغْزَاهُ: وَهُوَ تَحْرِيمُ زِيَارَةِ قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ وَسَائِرِ الْقُبُورِ وَالسَّفَرِ إلَيْهَا وَدَعْوَاهُ أَنَّ ذَلِكَ مَعْصِيَةٌ مُحَرَّمَةٌ مُجْمَعٌ عَلَيْهَا. فَيُقَالُ: مَعْلُومٌ لِكُلِّ مَنْ رَأَى الْجَوَابَ أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ تَحْرِيمٌ لِزِيَارَةِ الْقُبُورِ؛ لَا قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ وَلَا غَيْرِهِمْ؛ إذَا لَمْ يَكُنْ بِسَفَرِ؛ وَلَا فِيهِ دَعْوَى الْإِجْمَاعِ عَلَى تَحْرِيمِ السَّفَرِ؛ بَلْ قَدْ صَرَّحَ بِالْخِلَافِ فِي ذَلِكَ. فَكَيْفَ يُحْكَى عَنْهُ أَنَّهُ يَقُولُ: إنَّ نَفْسَ زِيَارَةِ الْقُبُورِ مُطْلَقًا مَعْصِيَةٌ مُحَرَّمَةٌ مُجْمَعٌ عَلَيْهَا فَهَذَا افْتِرَاءٌ ظَاهِرٌ عَلَى الْجَوَابِ؛ ثُمَّ إنَّهُ تَنَاقَضَ فِي ذَلِكَ فَحَكَى بَعْدَ هَذَا عَنْ الْمُجِيبِ أَنَّهُ حَكَى الْخِلَافَ فِي جَوَازِ السَّفَرِ. ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِ كَلَامِهِ: إنَّ مَا ادَّعَاهُ مُجْمَعٌ عَلَى أَنَّهُ حَرَامٌ وَأَنَّهُ يُنَاقِضُ فِي ذَلِكَ وَهُوَ الَّذِي يُنَاقِضُ فِي هَذِهِ الْحِكَايَةِ. وَأَمَّا الْمُجِيبُ
(27/228)

فَحَكَى قَوْلَهُمْ فِي جَوَازِ السَّفَرِ وَأَنَّهُمْ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِقُرْبَةِ وَلَا طَاعَةٍ. فَمَنْ اعْتَقَدَ ذَلِكَ فَقَدْ خَالَفَ الْإِجْمَاعَ وَإِذَا فَعَلَهُ لِاعْتِقَادِ أَنَّهُ طَاعَةٌ كَانَ مُحَرَّمًا بِالْإِجْمَاعِ فَصَارَ التَّحْرِيمُ مِنْ جِهَةِ اتِّخَاذِهِ قُرْبَةً. هَذَا لَفْظُ الْجَوَابِ.
وَمَعْلُومٌ فِي كُلِّ عَمَلٍ تَنَازَعَ الْمُسْلِمُونَ فِيهِ هَلْ هُوَ مُحَرَّمٌ أَوْ مُبَاحٌ لَيْسَ بِقُرْبَةِ أَنَّ مَنْ جَعَلَهُ قُرْبَةً فَقَدْ خَالَفَ الْإِجْمَاعَ وَإِذَا فَعَلَهُ مُتَقَرِّبًا بِهِ كَانَ ذَلِكَ حَرَامًا بِالْإِجْمَاعِ كَمَا لَوْ تَقَرَّبَ بِلَعِبِ النَّرْدِ وَالشَّطْرَنْجِ وَبَيْعِ الدِّرْهَمِ بِالدِّرْهَمَيْنِ وَإِتْيَانِ النِّسَاءِ فِي الْحُشُوشِ وَاسْتِمَاعِ الْغِنَاءِ وَالْمَعَازِفِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا لِلنَّاسِ فِيهِ قَوْلَانِ التَّحْرِيمُ وَالْإِبَاحَةُ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ إنَّهَا قُرْبَةٌ. فَاَلَّذِي يَجْعَلُهُ عِبَادَةً يَتَقَرَّبُ بِهِ كَمَا يَتَقَرَّبُ بِالْعِبَادَاتِ قَدْ فَعَلَ مُحَرَّمًا بِالْإِجْمَاعِ. وَهَذَا يُشْبِهُ التَّقَرُّبَ بِالْمَلَاهِي وَالْمَعَازِفِ؛ فَإِنَّ جُمْهُورَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّهَا مُحَرَّمَةٌ وَبَعْضُهُمْ أَبَاحَهَا وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ إنَّهَا قُرْبَةٌ. فَقَائِلُ ذَلِكَ مُخَالِفٌ لِلْإِجْمَاعِ؛ وَإِنَّمَا يَقُولُ ذَلِكَ زِنْدِيقٌ: مِثْلُ مَا حَكَى أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِي عَنْ ابْنِ الراوندي أَنَّهُ قَالَ: اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْغِنَاءِ هَلْ هُوَ حَرَامٌ أَوْ حَلَالٌ وَأَنَا أَقُولُ إنَّهُ وَاجِبٌ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ أَقْوَالِ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ. وَاَلَّذِينَ يَتَقَرَّبُونَ بِسَمَاعِ الْقَصَائِدِ وَالتَّغْبِيرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ هُمْ مُخْطِئُونَ عِنْدَ عَامَّةِ الْأَئِمَّةِ؛ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي هَؤُلَاءِ مَنْ يَقُولُ: إنَّ الْغِنَاءَ قُرْبَةٌ
(27/229)

مُطْلَقًا وَلَكِنْ يَقُولُهُ فِي صُورَةٍ مَخْصُوصَةٍ لِبَعْضِ أَهْلِ الدِّينِ الَّذِينَ يُحَرِّكُونَ قُلُوبَهُمْ بِهَذَا السَّمَاعِ إلَى الطَّاعَاتِ فَيُحَرِّكُونَ بِهِ وَجْدَ الْمَحَبَّةِ وَالتَّرْغِيبِ فِي الطَّاعَاتِ وَوَجْدَ الْحُزْنِ وَالْخَوْفِ وَالتَّرْهِيبِ مِنْ الْمُخَالَفَاتِ. فَهَذَا هُوَ الَّذِي يَقُولُ فِيهِ طَائِفَةٌ مِنْ النَّاسِ إنَّهُ قُرْبَةٌ مَعَ أَنَّ الْجُمْهُورَ عَلَى أَنَّهُمْ مُخْطِئُونَ لَوْ جُعِلَ هَذَا قُرْبَةً؛ لِكَوْنِهِ بِدْعَةً لَيْسَتْ وَاجِبَةً وَلَا مُسْتَحَبَّةَ وَلِاشْتِمَالِهِ عَلَى مَفَاسِدَ رَاجِحَةٍ عَلَى مَا ظَنُّوهُ مِنْ الْمَصَالِحِ كَمَا فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ؛ فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ فِيهِمَا مَنَافِعُ لِلنَّاسِ فَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا. وَالشَّرِيعَةُ تَأْمُرُ بِالْمَصَالِحِ الْخَالِصَةِ وَالرَّاجِحَةِ كَالْإِيمَانِ وَالْجِهَادِ؛ فَإِنَّ الْإِيمَانَ مَصْلَحَةٌ مَحْضَةٌ وَالْجِهَادُ وَإِنْ كَانَ فِيهِ قَتْلُ النُّفُوسِ فَمَصْلَحَتُهُ رَاجِحَةٌ. وَفِتْنَةُ الْكُفْرِ أَعْظَمُ فَسَادًا مِنْ الْقَتْلِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ} وَنَهَى عَنْ الْمَفَاسِدِ الْخَالِصَةِ وَالرَّاجِحَةِ كَمَا نَهَى عَنْ الْفَوَاحِشِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَعَنْ: " الْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاَللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ. وَهَذِهِ الْأُمُورُ لَا يُبِيحُهَا قَطُّ فِي حَالٍ مِنْ الْأَحْوَالِ وَلَا فِي شِرْعَةٍ مِنْ الشَّرَائِعِ. وَتَحْرِيمُ الدَّمِ وَالْمَيْتَةِ وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ وَالْخَمْرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا مَفْسَدَتُهُ رَاجِحَةٌ. وَهَذَا الضَّرْبُ تُبِيحُهُ عِنْدَ الضَّرُورَةِ؛ لِأَنَّ مَفْسَدَةَ فَوَاتِ النَّفْسِ أَعْظَمُ مِنْ مَفْسَدَةِ الِاغْتِذَاءِ بِهِ. وَالْفُقَهَاءُ إنَّمَا تَنَازَعُوا فِي الْخَمْرِ هَلْ تُشْرَبُ لِلْعَطَشِ. لِتَنَازُعِهِمْ فِي
(27/230)

كَوْنِهَا تُذْهِبُ الْعَطَشَ وَالنَّاهِي قَالَ: لَا تَزِيدُ الشَّارِبَ إلَّا عَطَشًا فَلَا يَحْصُلُ بِهِ بَقَاءُ الْمُهْجَةِ. وَالْمُبِيحُ يَقُولُ بَلْ قَدْ تُرَطِّبُ رُطُوبَةً تَبْقَى مَعَهَا الْمُهْجَةُ وَحِينَئِذٍ فَأَيُّ الْمَأْخَذَيْنِ كَانَ هُوَ الْوَاقِعَ كَانَ قَوْلُ صَاحِبِهِ أَصْوَبَ. وَبَسْطُ هَذَا لَهُ مَوْضِعٌ آخَرُ. وَالْمَقْصُودُ أَنَّ مَا اخْتَلَفَ فِيهِ الْعُلَمَاءُ هَلْ هُوَ حَرَامٌ أَوْ مُبَاحٌ كَانَ مَنْ جَعَلَهُ قُرْبَةً مُخَالِفًا لِإِجْمَاعِهِمْ كَمَا إذَا اخْتَلَفَ الصَّحَابَةُ عَلَى قَوْلَيْنِ فَمَنْ أَحْدَثَ قَوْلًا ثَالِثًا فَقَدْ خَالَفَ إجْمَاعَهُمْ؛ وَلِهَذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْمُسْلِمِينَ مَنْ يَقُولُ: إنَّ اسْتِمَاعَ الْغِنَاءِ قُرْبَةٌ مُطْلَقًا وَإِنْ قَالَ إنَّ سَمَاعَ الْقَوْلِ الَّذِي شُرِطَ لَهُ الْمَكَانُ وَالْإِمْكَانُ وَالْإِخْوَانُ - وَهُوَ تَرْغِيبٌ فِي الطَّاعَاتِ وَتَرْهِيبٌ مِنْ الْمُخَالَفَاتِ - قُرْبَةٌ فَلَا يَقُولُ قَطُّ إنَّ كُلَّ مَنْ سَمِعَ الْمَلَاهِيَ فَهُوَ مُتَقَرِّبٌ كَمَا يَقُولُ الْقَائِلُ: إنَّ السَّفَرَ إلَى قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ قُرْبَةٌ وَإِنَّهُ إذَا نَذَرَ السَّفَرَ إلَى زِيَارَةِ قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ أَنَّهُ يَفِي بِهَذَا النَّذْرِ فَإِنَّ هَذَا الْقَوْلَ لَا يُعْرَفُ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَإِنْ أَطْلَقُوا الْقَوْلَ بِأَنَّ السَّفَرَ إلَى زِيَارَةِ قَبْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُرْبَةٌ أَوْ قَالُوا هُوَ قُرْبَةٌ مُجْمَعٌ عَلَيْهَا: فَهَذَا حَقٌّ إذَا عُرِفَ مُرَادُهُمْ بِذَلِكَ كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَابْنُ بَطَّالٍ وَغَيْرُهُمَا: فَمُرَادُهُمْ السَّفَرُ الْمَشْرُوعُ إلَى مَسْجِدِهِ وَمَا يُفْعَلُ فِيهِ مِنْ الْعِبَادَةِ الْمَشْرُوعَةِ الَّتِي تُسَمَّى زِيَارَةً لِقَبْرِهِ وَمَالِكٌ وَغَيْرُهُ يَكْرَهُونَ أَنْ تُسَمَّى زِيَارَةً لِقَبْرِهِ. فَهَذَا الْإِجْمَاعُ
(27/231)

عَلَى هَذَا الْمَعْنَى صَحِيحٌ لَا رَيْبَ فِيهِ. وَلَكِنْ لَيْسَ هَذَا إجْمَاعًا عَلَى مَا صَرَّحُوا بِالنَّهْيِ عَنْهُ أَوْ بِأَنَّهُ لَيْسَ بِقُرْبَةِ وَلَا طَاعَةٍ. وَالسَّفَرُ لِغَيْرِ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ قَدْ صَرَّحَ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ: كَالْقَاضِي إسْمَاعِيلَ وَالْقَاضِي عِيَاضٍ وَغَيْرِهِمَا: أَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ؛ لَا يَفْعَلُهُ لَا نَاذِرٌ وَلَا مُتَطَوِّعٌ وَصَرَّحُوا بِأَنَّ السَّفَرَ إلَى الْمَدِينَةِ وَإِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ لِغَيْرِ الصَّلَاةِ فِي الْمَسْجِدَيْنِ هُوَ مِنْ السَّفَرِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَفْعَلَهُ وَإِنْ نَذَرَهُ سَوَاءٌ سَافَرَ لِزِيَارَةِ أَيِّ نَبِيٍّ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ أَوْ قَبْرٍ مِنْ قُبُورِهِمْ أَوْ قُبُورِ غَيْرِهِمْ أَوْ مَسْجِدٍ غَيْرَ الثَّلَاثَةِ: فَهَذَا كُلُّهُ عِنْدَهُمْ مِنْ السَّفَرِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ؛ فَكَيْفَ يَقُولُونَ: إنَّهُ قُرْبَةٌ؛ وَلَكِنَّ الْإِجْمَاعَ عَلَى تَحْرِيمِ اتِّخَاذِهِ قُرْبَةً لَا يُنَاقِضُ النِّزَاعَ فِي الْفِعْلِ الْمُجَرَّدِ. وَهَذَا الْإِجْمَاعُ الْمَحْكِيُّ عَنْ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ لَا يَقْدَحُ فِيهِ خِلَافُ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ إنْ وُجِدَ؛ وَلَكِنْ إنْ وُجِدَ أَنَّ أَحَدًا مِنْ الصُّلَحَاءِ الْمَعْرُوفِينَ مِنْ السَّلَفِ قَالَ: إنَّهُ يُسْتَحَبُّ السَّفَرُ لِمُجَرَّدِ زِيَارَةِ الْقُبُورِ أَوْ لِمُجَرَّدِ زِيَارَةِ قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ كَانَ هَذَا قَادِحًا فِي هَذَا الْإِجْمَاعِ وَيَكُونُ فِي الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ؛ وَلَكِنَّ الَّذِي يَحْكِي الْإِجْمَاعَ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ كَمَا يُوجَدُ ذَلِكَ كَثِيرًا لِكَثِيرِ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَمَعَ هَذَا فَهَذَا الْقَوْلُ يُرَدُّ إلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ لَا يَجُوزُ إلْزَامُ النَّاسِ بِهِ بِلَا حُجَّةٍ؛ فَإِنَّ هَذَا خِلَافُ إجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ.
(27/232)

فَصْلٌ:
وَمِنْهَا ظَنُّهُ أَنَّ زِيَارَةَ قَبْرِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ جِنْسِ الزِّيَارَةِ الْمَعْهُودَةِ فِي قَبْرِ غَيْرِهِ حَتَّى يَحْتَجَّ عَلَيْهَا بِزِيَارَةِ الْبَقِيعِ وَشُهَدَاءِ أُحُدٍ وَزِيَارَةِ قَبْرِ أُمِّهِ. وَمِنْهَا أَنَّهُ جَعَلَ مَنْ حَرَّمَ السَّفَرَ لِزِيَارَةِ قَبْرِهِ وَسَائِرِ الْقُبُورِ مُجَاهِرًا بِالْعَدَاوَةِ لِلْأَنْبِيَاءِ مُظْهِرًا لَهُمْ الْعِنَادَ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الْمُتَقَدِّمِينَ: كَمَالِكِ وَأَكْثَرِ أَصْحَابِهِ والجُوَيْنِي أَبِي مُحَمَّدٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَأَكْثَرِ مُتَقَدِّمِي أَصْحَابِ أَحْمَد. فَيَلْزَمُهُ أَنْ يَكُونَ إمَامُهُ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ مِنْ أَئِمَّةِ الدِّينِ مُجَاهِرِينَ لِلْأَنْبِيَاءِ بِالْعَدَاوَةِ مُعَانِدِينَ لَهُمْ: وَهَذَا لَوْ قَالَهُ فِيمَا أَخْطَئُوا فِيهِ لَاسْتَحَقَّ الْعُقُوبَةَ الْبَلِيغَةَ؛ فَكَيْفَ إذَا قَالَهُ فِيمَا اتَّبَعُوا فِيهِ الرَّسُولَ وَاتَّبَعُوا فِيهِ سُنَّتَهُ الصَّحِيحَةَ فَحَرَّمُوا مَا حَرَّمَ. فَقَدْ جَعَلَ الْمُطِيعَ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ الَّذِي رَضِيَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَأَنْبِيَاؤُهُ عَمَلَهُ مُجَاهِرًا لَهُمْ بِالْعَدَاوَةِ مُعَانِدًا لَهُمْ. فِي كُفْرِ مَنْ حَكَمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ بِإِيمَانِهِ. وَمِثْلُ هَذَا يُبَيِّنُ لَهُ الصَّوَابَ وَأَنَّ هَذَا الْقَوْلَ هُوَ الَّذِي جَاءَ بِهِ
(27/233)

الرَّسُولُ وَكَانَ عَلَيْهِ السَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنْ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا وَعَلَيْهِ دَلَّ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ. فَإِذَا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ هَذَا هُوَ الَّذِي جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ ثُمَّ أَصَرَّ عَلَى مُشَاقَّةِ الرَّسُولِ وَاتِّبَاعِ غَيْرِ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ فَإِنَّهُ يُسْتَتَابُ فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ. وَكَذَلِكَ إذَا تَبَيَّنَ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ لَيْسَ بِكُفْرِ بَلْ هُوَ مِمَّا اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّهُ قَوْلٌ سَائِغٌ وَقَائِلُهُ مُجْتَهِدٌ مَأْجُورٌ عَلَى اجْتِهَادِهِ سَوَاءٌ أَصَابَ أَوْ أَخْطَأَ فَإِذَا أَصَرَّ عَلَى تَكْفِيرِ مَنْ تَبَيَّنَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ أَنَّهُ لَا يَكْفُرُ وَتَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ يَكْفُرُ: فَأَصَرَّ عَلَى مُشَاقَّةِ الرَّسُولِ وَاتِّبَاعِ غَيْرِ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ فَإِنَّهُ يُسْتَتَابُ فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ كَمَنْ جَعَلَ اعْتِقَادَ أَنَّ الْمَسِيحَ عَبْدُ اللَّهِ مُعَادَاةً لِلْمَسِيحِ أَوْ اعْتَقَدَ أَنَّ مَنْ قَالَ: لَا تَحْلِفْ بِالْأَنْبِيَاءِ فَقَدْ عَادَاهُمْ وَكَفَرَ؛ فَإِنَّ مِثْلَ هَذَا يُسْتَتَابُ. وَمِنْهَا أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ قَدْ نَصَّ عَلَيْهَا مَالِكٌ إمَامُهُ وَجُمْهُورُ أَصْحَابِهِ وَهُوَ فِي كُتُبِهِمْ الْكِبَارِ وَالصِّغَارِ وَهُوَ لَمْ يُعْرَفْ مِمَّا قَالُوا بَلْ يَكْفُرُ وَيُلْعَنُ وَيُشْتَمُ مَنْ قَالَ بِنَفْسِ الْقَوْلِ الَّذِي قَالُوهُ فَيَلْزَمُهُ تَكْفِيرُهُمْ وَسَبُّهُمْ وَاسْتِحْلَالُ دِمَائِهِمْ. وَمِنْهَا أَنَّهُ قَالَ: وَرَدَ فِي زِيَارَةِ قَبْرِهِ أَحَادِيثُ صَحِيحَةٌ وَغَيْرُهَا مِمَّا لَمْ يَبْلُغْ دَرَجَةَ الصَّحِيحِ؛ لَكِنَّهَا يَجُوزُ الِاسْتِدْلَالُ بِهَا عَلَى الْأَحْكَامِ
(27/234)

الشَّرْعِيَّةِ. وَهَذَا كَلَامُ مَنْ لَا يَعْرِفُ مَا رُوِيَ فِي هَذَا الْبَابِ وَلَا مَا قَالَ فِيهِ عُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ؛ بَلْ هُوَ بِمَنْزِلَةِ الرافضي الَّذِي يَقُولُ: قَدْ رُوِيَ فِي النَّصِّ عَلَى عَلِيٍّ أَنَّهُ الْإِمَامُ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ أَحَادِيثُ صَحِيحَةٌ وَأُخَرُ دُونَهَا. وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْأَحَادِيثَ الَّتِي فِيهَا ذِكْرُ زِيَارَةِ قَبْرِهِ لَمْ يُخَرِّجْ شَيْئًا مِنْهَا أَهْلُ الصَّحِيحِ وَلَا السُّنَنِ الْمُعْتَمَدِ عَلَيْهَا: كَسُنَنِ أَبِي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيِّ؛ وَلَا الْمَسَانِيدِ الَّتِي هِيَ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ: كَمُسْنَدِ أَحْمَد. وَلَا اسْتَدَلَّ بِشَيْءِ مِنْهَا إمَامٌ؛ وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ لَمْ يَذْكُرْ مِنْهَا حَدِيثًا وَاحِدًا فَضْلًا عَنْ أَنْ يَعْزُوَهُ إلَى كِتَابٍ. وَقَوْلُهُ: إنَّ مَا لَمْ يَبْلُغْ دَرَجَةَ الصَّحِيحِ مِنْهَا يَجُوزُ الِاسْتِدْلَالُ بِهَا. إنَّمَا يَكُونُ إذَا كَانَتْ حَسَنَةً عِنْدَ مَنْ قَسَّمَ الْحَدِيثَ إلَى ثَلَاثَةِ أَنْوَاعٍ وَهَذَا مَوْقُوفٌ عَلَى الْعِلْمِ بِحُسْنِهَا وَأَئِمَّةُ الْحَدِيثِ لَمْ يَحْكُمُوا بِذَلِكَ وَهُوَ وَأَمْثَالُهُ لَا يَعْرِفُونَ ذَلِكَ. فَالْقَوْلُ بِذَلِكَ مِنْ أَعْظَمِ الْقَوْلِ بِلَا عِلْمٍ فِي الدِّينِ وَالْجُرْأَةِ عَلَى سُنَّةِ رَسُولِ رَبِّ الْعَالَمِينَ: بِأَنْ يُدْخِلَ فِيهَا مَا لَيْسَ مِنْهَا بِالْجَهْلِ وَالضَّلَالِ. فَكَيْفَ إذَا كَانَ جَمِيعُ مَا رُوِيَ فِي هَذَا الْبَابِ مِمَّا ضَعَّفَهُ أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ بِالْحَدِيثِ؛ بَلْ حَكَمُوا بِأَنَّهُ كَذِبٌ مَوْضُوعٌ كَمَا قَدْ بُسِطَ الْكَلَامُ عَلَى مَا رُوِيَ فِي هَذَا الْبَابِ فِي غَيْرِ هَذَا الْكِتَابِ.
وَمِنْهَا أَنَّهُ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ " الزِّيَارَةِ الشَّرْعِيَّةِ " الَّتِي كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْعَلُهَا وَمَقْصُودُهَا الدُّعَاءُ لِلْمَيِّتِ؛ كَالصَّلَاةِ عَلَى جِنَازَتِهِ
(27/235)

وَبَيْنَ مَا ابْتَدَعَهُ الضَّالُّونَ مِنْ الْإِشْرَاكِ بِالْمَيِّتِ وَالْحَجِّ إلَى قَبْرِهِ وَدُعَائِهِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَقْصُودُهُ بِزِيَارَتِهِ وَالسَّفَرِ إلَيْهِ أَنَّهُ يَدْعُوهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ؛ لَا أَنَّهُ يَدْعُو لَهُ. وَهَذِهِ الزِّيَارَةُ لَمْ يَفْعَلْهَا الرَّسُولُ وَلَا أَذِنَ فِيهَا قَطُّ؛ فَكَيْفَ بِالسَّفَرِ إلَيْهَا وَهُوَ مِنْ جِنْسِ الْحَجِّ إلَى الطَّوَاغِيتِ.
وَمِنْهَا أَنَّهُ جَعَلَ زِيَارَةَ الْمَيِّتِ كَزِيَارَتِهِ حَيًّا وَاسْتَدَلَّ بِحَدِيثِ {الَّذِي زَارَ أَخًا لَهُ فِي الْحَيَاةِ} عَلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ زِيَارَةُ الْمَيِّتِ وَهَذِهِ التَّسْوِيَةُ وَالْقِيَاسُ مَا عُرِفَتْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ؛ فَإِنَّهُ مِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ الصَّحَابَةَ الَّذِينَ سَافَرُوا إلَى الرَّسُولِ فَسَاعَدُوهُ وَسَمِعُوا كَلَامَهُ وَخَاطَبُوهُ وَسَأَلُوهُ فَأَجَابَهُمْ وَعَلَّمَهُمْ وَأَدَّبَهُمْ وَحَمَّلَهُمْ رَسَائِلَ إلَى قَوْمِهِمْ وَأَمَرَهُمْ بِالتَّبْلِيغِ عَنْهُ: لَا يَكُونُ مِثْلَهُمْ أَحَدٌ بِالْأَعْمَالِ الْفَاضِلَةِ: كَالْجِهَادِ وَالْحَجِّ. فَكَيْفَ يَكُونُ بِمُجَرَّدِ رُؤْيَةِ ظَاهِرِ حُجْرَتِهِ مِثْلَهُمْ أَوْ تُقَاسُ هَذِهِ الزِّيَارَةُ بِهَذِهِ الزِّيَارَةِ فَقَدْ ثَبَتَ بِالسُّنَّةِ وَاتِّفَاقِ الْأُمَّةِ أَنَّ كُلَّ مَا يُفْعَلُ مِنْ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ فِي الْمَسْجِدِ عِنْدَ حُجْرَتِهِ مِنْ صَلَاةٍ عَلَيْهِ وَسَلَامٍ وَثَنَاءٍ وَإِكْرَامٍ وَذِكْرِ مَحَاسِنَ وَفَضَائِلَ: مُمْكِنٌ فِعْلُهُ فِي سَائِرِ الْأَمَاكِنِ وَيَكُونُ لِصَاحِبِهِ مِنْ الْأَجْرِ مَا يَسْتَحِقُّهُ كَمَا قَالَ: {لَا تَتَّخِذُوا بَيْتِي عِيدًا وَصَلُّوا عَلَيَّ فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ تَبْلُغُنِي حَيْثُ كُنْتُمْ} . وَلَوْ كَانَ لِلْأَعْمَالِ عِنْدَ الْقَبْرِ فَضِيلَةٌ لَفَتَحَ لِلْمُسْلِمِينَ بَابَ الْحُجْرَةِ؛ فَلَمَّا مُنِعُوا مِنْ الْوُصُولِ إلَى الْقَبْرِ
(27/236)

وَأُمِرُوا بِالْعِبَادَةِ فِي الْمَسْجِدِ: عُلِمَ أَنَّ فَضِيلَةَ الْعَمَلِ فِيهِ لِكَوْنِهِ فِي مَسْجِدِهِ كَمَا أَنَّ صَلَاةً فِي مَسْجِدِهِ بِأَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ وَلَمْ يَأْمُرْ قَطُّ بِأَنْ يُقْصَدَ بِعَمَلِ صَالِحٍ أَنْ يُفْعَلَ عِنْدَ قَبْرِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَمِنْهَا افْتِرَاؤُهُ عَلَى الْمُجِيبِ فِي مَوَاضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ افْتِرَاءً ظَاهِرًا وَسَبَبُ افْتِرَائِهِ عَلَيْهِ أَنَّهُ ذَكَرَ قَوْلَ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَرَجَّحَ مَا قَالَهُ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ مِنْ السَّلَفِ لِكَوْنِ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّحِيحَةِ الصَّرِيحَةِ تُوَافِقُهُمْ وَهَذَا يَسْتَلْزِمُ مُعَادَاةَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ؛ إذْ كُلُّ مَنْ عَادَى سُنَّتَهُ وَشَرِيعَتَهُ وَدِينَهُ فَقَدْ عَادَاهُ وَمَنْ عَادَى شَخْصًا لِأَجْلِ ذَلِكَ فَإِنَّمَا عَادَى الرَّسُولَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَقِيقَةِ وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ ذَلِكَ. فَكَيْفَ يَجُوزُ الْكَذِبُ وَالِافْتِرَاءُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ وَهُوَ كَذِبٌ ظَاهِرٌ. وَلَوْ كَانَ الْمُجِيبُ مُخْطِئًا لَمَا جَازَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّ الْكَذِبَ وَالِافْتِرَاءَ حَرَامٌ مُطْلَقًا. وَاَللَّهُ أَوْجَبَ الصِّدْقَ وَالْعَدْلَ لِكُلِّ أَحَدٍ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ فِي كُلِّ حَالٍ. فَكَيْفَ إذَا كَانَ مَا ذَكَرَهُ الْمُجِيبُ مِنْ الْأَقْوَالِ هِيَ أَقْوَالُ الْمُتَّبِعِينَ لِلرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُعْتَرِضُ الْقَادِحُ فِيهِمْ وَفِيمَا قَالُوهُ الشَّاتِمُ الْمُكَفِّرُ لِمَنْ آمَنَ بِالرَّسُولِ وَأَطَاعَهُ وَاتَّبَعَهُ عَلَى نَفْسِ مَا هُوَ مُتَابَعَةٌ لِلرَّسُولِ وَإِيمَانٌ بِهِ: قَوْلُهُ هَذَا الْمُتَضَمِّنُ عَدَاوَةَ الرَّسُولِ وَعَدَاوَةَ مَا جَاءَ بِهِ وَعَدَاوَةَ مَنْ اتَّبَعَهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِمَا تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ. فَقَوْلُهُ مَعَ عَدَمِ الْعِلْمِ مِنْ جِنْسِ أَقْوَالِ الْمُحَادِّينَ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ الْمُوَالِينَ لِأَهْلِ
(27/237)

الْإِفْكِ وَالشِّرْكِ الْمُضَاهِينَ لِلنَّصَارَى وَأَمْثَالِهِمْ مَعَ أَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ أَنَّ قَوْلَهُمْ يَتَضَمَّنُ ذَلِكَ؛ لِقِلَّةِ الْعِلْمِ وَسُوءِ الْفَهْمِ وَالْبُعْدِ عَنْ أَهْلِيَّةِ الِاجْتِهَادِ وَالِاسْتِدْلَالِ بِالْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ وَمَعْرِفَةِ مَا قَالَهُ أَئِمَّةُ الدِّينِ. بَلْ هُمْ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الْعَظِيمَةِ يَتَكَلَّمُونَ بِأَنْوَاعِ مِنْ الْكَلَامِ صَاحِبُهَا إلَى الِاسْتِتَابَةِ وَالتَّعْزِيرِ وَالتَّعْلِيمِ وَالتَّفْهِيمِ أَحْوَجُ مِنْهُ إلَى الرَّدِّ عَلَيْهِ وَالْمُنَاظَرَةِ لَهُ كَمَا يُوجَدُ فِي جُهَّالِ أَهْلِ الْبِدَعِ مِنْ الرَّافِضَةِ وَالْخَوَارِجِ وَغَيْرِهِمْ مَنْ يُسَارِعُ إلَى تَكْفِيرِ مَنْ اتَّبَعَ الرَّسُولَ مَنْ السَّلَفِ؛ لِقِلَّةِ عِلْمِهِ وَسُوءِ فَهْمِهِ لِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ. فَهُمْ مُبْتَدِعُونَ بِدْعَةً بِجَهْلِهِمْ وَيُكَفِّرُونَ مَنْ خَالَفَهُمْ. وَأَهْلُ السُّنَّةِ وَالْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ يَعْرِفُونَ الْحَقَّ وَيَتَّبِعُونَ سُنَّةَ الرَّسُولِ وَيَرْحَمُونَ الْخَلْقَ وَيَعْدِلُونَ فِيهِمْ وَيَعْذُرُونَ مَنْ اجْتَهَدَ فِي مَعْرِفَةِ الْحَقِّ فَعَجَزَ عَنْ مَعْرِفَتِهِ؛ إنَّمَا يَذُمُّونَ مَنْ ذَمَّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَهُوَ الْمُفَرِّطُ فِي طَلَبِ الْحَقِّ لِتَرْكِهِ الْوَاجِبَ وَالْمُعْتَدِي الْمُتَّبِعُ لِهَوَاهُ بِلَا عِلْمٍ لِفِعْلِهِ الْمُحَرَّمَ. فَيَذُمُّونَ مَنْ تَرَكَ الْوَاجِبَ أَوْ فَعَلَ الْمُحَرَّمَ؛ وَلَا يُعَاقِبُونَهُ إلَّا بَعْدَ إقَامَةِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} لَا سِيَّمَا فِي مَسَائِلَ تَنَازَعَ فِيهَا الْعُلَمَاءُ وَخَفِيَ الْعِلْمُ فِيهَا عَلَى أَكْثَرِ النَّاسِ وَمَنْ كَانَ لَا يَتَكَلَّمُ بِطَرِيقَةِ أَهْلِ
(27/238)

الْعِلْمِ بَلْ جَازَفَ فِي الْقَوْلِ بِلَا عِلْمٍ. فَصَاحِبُ هَذَا الْكَلَامِ لَا يَصْلُحُ لِلْمُنَاظَرَةِ؛ إلَّا كَمَا يُنَاظَرُ جُهَّالُ الْعَوَامِّ الْمُبْتَدِعِينَ الْمُضَاهِينَ لِلْمُشْرِكِينَ وَالنَّصَارَى فَإِنَّهُمْ يَجْعَلُونَ مَنْ قَالَ الْحَقَّ فِي الْمَخْلُوقِ سَابًّا لَهُ شَاتِمًا وَهُمْ يَسُبُّونَ اللَّهَ وَيَشْتُمُونَهُ وَيُؤْذُونَهُ وَلَا يَخَافُونَ مَنْ سَبِّ الْخَالِقِ وَشَتْمِهِ وَالشِّرْكِ بِهِ مَا يَخَافُونَهُ مِنْ قَوْلِ الْحَقِّ فِي حَقِّ الْمَخْلُوقِ كَمَا قَالَ الْخَلِيلُ لَهُمْ: {وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ} وَكَمَا قَالَ تَعَالَى عَنْ الْمُشْرِكِينَ: {وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَتَّخِذُونَكَ إلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ} فَلَا يَغْضَبُونَ مَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ بِالْبَاطِلِ كَمَا يَغْضَبُونَ مِنْ ذِكْرِ آلِهَتِهِمْ بِالْحَقِّ. وَقَالَ تَعَالَى: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إلَّا الْحَقَّ إنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إنَّمَا اللَّهُ إلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا} {لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ.} وَقَدْ ذَكَرَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ: {أَنَّ النَّصَارَى - نَصَارَى نَجْرَانَ -
(27/239)

لَمَّا قَدِمُوا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالُوا: يَا مُحَمَّدُ لَمْ تَذْكُرْ صَاحِبَنَا؟ قَالَ: وَمَنْ صَاحِبُكُمْ؟ قَالُوا: عِيسَى قَالَ: وَأَيُّ شَيْءٍ أَقُولُ لَهُ؟ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ. قَالُوا: بَلْ هُوَ اللَّهُ فَقَالَ: إنَّهُ لَيْسَ بِعَارِ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ. فَقَالُوا: بَلَى فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ} وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: {مَا أَحَدٌ أَصْبَرَ عَلَى أَذًى يَسْمَعُهُ مِنْ اللَّهِ؛ يَجْعَلُونَ لَهُ وَلَدًا وَشَرِيكًا وَهُوَ يُعَافِيهِمْ وَيَرْزُقُهُمْ} وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَيْضًا أَنَّهُ قَالَ: {يَقُولُ اللَّهُ: شَتَمَنِي ابْنُ آدَمَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ ذَلِكَ وَكَذَّبَنِي ابْنُ آدَمَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ ذَلِكَ. فَأَمَّا شَتْمُهُ إيَّايَ فَقَوْلُهُ إنِّي اتَّخَذْت وَلَدًا وَأَنَا الْأَحَدُ الصَّمَدُ الَّذِي لَمْ أَلِدْ وَلَمْ أُولَدْ. وَلَمْ يَكُنْ لِي كُفُوًا أَحَدٌ. وَأَمَّا تَكْذِيبُهُ إيَّايَ فَقَوْلُهُ: لَنْ يُعِيدَنِي كَمَا بَدَأَنِي وَلَيْسَ أَوَّلُ الْخَلْقِ بِأَهْوَن عَلَيَّ مِنْ إعَادَتِهِ} وَكَانَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ يَقُولُ عَنْ النَّصَارَى: لَا تَرْحَمُوهُمْ فَلَقَدْ سَبُّوا اللَّهَ مسبة مَا سَبَّهُ إيَّاهَا أَحَدٌ مِنْ الْبَشَرِ. فَهَؤُلَاءِ يَنْتَقِصُونَ الْخَالِقَ وَيَأْنَفُونَ أَنْ يُذْكَرَ الْمَخْلُوقُ بِمَا يَسْتَحِقُّهُ وَيَجْعَلُونَ ذَلِكَ تَنْقِيصًا لَهُ وَإِنَّمَا هُوَ إعْطَاؤُهُ حَقَّهُ وَخَفْضٌ لَهُ عَنْ دَرَجَةِ الْإِلَهِيَّةِ الَّتِي لَا يَسْتَحِقُّهَا إلَّا اللَّهُ وَهَذِهِ حَالُ مَنْ أَشْبَهَهُمْ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ. وَمِنْهَا ظَنُّهُ أَنَّ كُلَّ مَا كَانَ قُرْبَةً جَازَ التَّوَسُّلُ إلَيْهِ بِكُلِّ وَسِيلَةٍ
(27/240)

وَهَذَا مِنْ أَظْهَرِ الْخَطَأِ.
وَمِنْهَا ظَنُّهُ أَنَّ الْقَوْلَ بِتَحْرِيمِ السَّفَرِ لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ بَلْ إنَّمَا نَقَلَهُ الْمُجِيبُ إنْ صَحَّ نَقْلُهُ عَمَّنْ لَا يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ وَلَا يُعْتَدُّ بِخِلَافِهِ. وَهُوَ نَصُّ مَالِكٍ الصَّرِيحِ فِي خُصُوصِ قَبْرِ الرَّسُولِ وَمَذْهَبُ جُمْهُورِ أَصْحَابِهِ وَجُمْهُورِ السَّلَفِ وَالْعُلَمَاءِ. وَمِنْهَا زَعْمُهُ أَنَّ الَّذِينَ حَكَى الْمُجِيبُ قَوْلَهُمْ - وَهُمْ الْغَزَالِيُّ وَابْنُ عبدوس وَأَبُو مُحَمَّدٍ المقدسي - لَا يُعْتَدُّ بِخِلَافِ مَنْ سِوَاهُمْ وَلَا يُرْجَعُ فِي ذَلِكَ لِمَنْ عَدَاهُمْ؛ وَمِثْلُ هَذَا الْكَلَامِ لَا يُقَالُ فِي أَحَدٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ الْكِبَارِ؛ بَلْ كُلُّ أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ وَيُتْرَكُ؛ إلَّا صَاحِبَ الشَّرْعِ فَكَيْفَ يَسُوغُ أَنْ يُقَالَ فِي مِثْلِ هَؤُلَاءِ وَمِنْهَا أَنَّهُ لَمَّا أَرَادَ أَنْ يُثْبِتَ أَنَّ النَّبِيَّ يَسْمَعُ مِنْ الْقُرْبِ وَيُبَلَّغُ الصَّلَاةَ وَالسَّلَامَ مِنْ الْبُعْدِ: لَمْ يَذْكُرْ مَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْأَحَادِيثِ الْحِسَانِ الَّتِي فِي السُّنَنِ؛ بَلْ إنَّمَا اعْتَمَدَ عَلَى حَدِيثٍ مَوْضُوعٍ {مَنْ صَلَّى عَلَيَّ عِنْدَ قَبْرِي سَمِعْته وَمَنْ صَلَّى عَلَيَّ نَائِيًا بُلِّغْته} وَهَذَا إنَّمَا يَرْوِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ مَرْوَانَ السدي عَنْ الْأَعْمَشِ. وَهُوَ كَذَّابٌ بِالِاتِّفَاقِ وَهَذَا الْحَدِيثُ مَوْضُوعٌ عَلَى الْأَعْمَشِ بِإِجْمَاعِهِمْ. ثُمَّ قَدْ غَيَّرَ لَفْظَهُ. فَفِي النُّسْخَةِ الَّتِي رَأَيْتهَا مُصَحَّحًا: {وَمَنْ
(27/241)

صَلَّى عَلَيَّ نَائِيًا سَمِعْته} وَإِنَّمَا لَفْظُهُ {بُلِّغْته} وَهَكَذَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْ مُسْنَدِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ وَهُوَ نَقْلٌ مِنْهُ. وَمَنْ يَحْتَجُّ بِمِثْلِ هَذَا الْحَدِيثِ الْمَوْضُوعِ وَيُعْرِضُ عَنْ أَحَادِيثِ أَهْلِ السُّنَنِ الْحِسَانِ فَهُوَ مِنْ أَبْعَدِ النَّاسِ عَنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْعِرْفَانِ. وَإِذَا كَانَ قَدْ حَرَّفَ لَفْظَهُ فَهُوَ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ مِنْ جِنْسِ فِعْلِ الْمَلَاحِدَةِ فِي قَوْلِهِ: {أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْعَقْلَ قَالَ لَهُ: أَقْبِلْ فَأَقْبَلَ} الْحَدِيثُ فَهُوَ كَذِبٌ مَوْضُوعٌ. وَمَعَ هَذَا فَحَرَّفُوا لَفْظَهُ فَقَالُوا: أَوَّلُ بِالضَّمِّ وَلَفْظُهُ {أَوَّلَ مَا خَلَقَ} بِالنَّصْبِ عَلَى الظَّرْفِ كَمَا رُوِيَ " لَمَّا خَلَقَ ". وَمِنْهَا أَنَّهُ احْتَجَّ بِإِجْمَاعِ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ عَلَى زِيَارَةِ قَبْرِهِ؛ وَظَنَّ أَنَّ الْجَوَابَ يَتَضَمَّنُ النَّهْيَ عَمَّا أُجْمِعَ عَلَيْهِ وَقَدْ صَرَّحَ فِي الْجَوَابِ بِأَنَّ السَّفَرَ إلَى مَسْجِدِهِ طَاعَةٌ مُجْمَعٌ عَلَيْهَا وَكَذَلِكَ مَا تَضَمَّنَهُ مِمَّا يُسَمَّى بِزِيَارَةِ لِقَبْرِهِ مِنْ الْأُمُورِ الْمُسْتَحَبَّةِ: مِثْلَ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَالسَّلَامِ عَلَيْهِ وَالدُّعَاءِ لَهُ بِالْوَسِيلَةِ وَغَيْرِهَا وَالشَّهَادَةِ لَهُ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ بِمَا فَضَّلَهُ اللَّهُ بِهِ وَمَحَبَّتِهِ وَمُوَالَاتِهِ وَتَعْزِيرِهِ وَتَوْقِيرِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا قَدْ يَدْخُلُ فِي مُسَمَّى الزِّيَارَةِ: فَهَذَا كُلُّهُ مُسْتَحَبٌّ. وَالْمُجِيبُ يُصَرِّحُ بِاسْتِحْبَابِ ذَلِكَ وَقَدْ تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ هَلْ يُسَمَّى هَذَا زِيَارَةً؟ وَذَكَرَ تَنَازُعَ الْعُلَمَاءِ فِيمَا تَنَازَعُوا فِيهِ مِنْ ذَلِكَ وَإِجْمَاعَهُمْ عَلَى مَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ. فَذَكَرَ جَوَازَ مَا ثَبَتَ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ مِنْ السَّفَرِ إلَى مَسْجِدِهِ وَزِيَارَةِ قَبْرِهِ وَذَكَرَ بَعْضَ مَا
(27/242)

تُنُوزِعَ فِيهِ مِنْ ذَلِكَ. وَهَذَا ظَنَّ أَنَّ السَّفَرَ إلَى زِيَارَةِ نَبِيِّنَا كَالسَّفَرِ إلَى غَيْرِهِ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَهُوَ غَلَطٌ مِنْ وُجُوهٍ. أَحَدُهَا: أَنَّ مَسْجِدَهُ عِنْدَ قَبْرِهِ وَالسَّفَرَ إلَيْهِ مَشْرُوعٌ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ؛ بِخِلَافِ غَيْرِهِ. وَالثَّانِي: أَنَّ زِيَارَتَهُ كَمَا يُزَارُ غَيْرُهُ مُمْتَنِعَةٌ وَإِنَّمَا يَصِلُ الْإِنْسَانُ إلَى مَسْجِدِهِ وَفِيهِ يَفْعَلُ مَا شُرِعَ لَهُ. الثَّالِثُ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ قَبْرُ نَبِيِّنَا يُزَارُ كَمَا تُزَارُ الْقُبُورُ لَكَانَ أَهْلُ مَدِينَتِهِ أَحَقَّ النَّاسِ بِذَلِكَ كَمَا أَنَّ أَهْلَ كُلِّ مَدِينَةٍ أَحَقُّ بِزِيَارَةِ مَنْ عِنْدَهُمْ مِنْ الصَّالِحِينَ فَلَمَّا اتَّفَقَ السَّلَفُ وَأَئِمَّةُ الدِّينِ عَلَى أَنَّ أَهْلَ مَدِينَتِهِ لَا يَزُورُونَ قَبْرَهُ بَلْ وَلَا يَقِفُونَ عِنْدَهُ لِلسَّلَامِ إذَا دَخَلُوا الْمَسْجِدَ وَخَرَجُوا. وَإِنْ لَمْ يُسَمَّى هَذَا زِيَارَةً بَلْ يُكْرَهُ لَهُمْ ذَلِكَ عِنْدَ غَيْرِ السَّفَرِ كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ مَالِكٌ وَبَيَّنَ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ الْبِدَعِ الَّتِي لَمْ يَكُنْ صَدْرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَفْعَلُونَهُ: عُلِمَ أَنَّ مَنْ جَعَلَ زِيَارَةَ قَبْرِهِ مَشْرُوعَةً كَزِيَارَةِ قَبْرِ غَيْرِهِ فَقَدْ خَالَفَ إجْمَاعَ الْمُسْلِمِينَ. الرَّابِعُ: أَنَّهُ قَدْ نَهَى أَنْ يُتَّخَذَ قَبْرُهُ عِيدًا وَأَمَرَ الْأُمَّةَ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَيْهِ وَتُسَلِّمَ حَيْثُ مَا كَانَتْ وَأَخْبَرَ أَنَّ ذَلِكَ يَبْلُغُهُ. فَلَمْ يَكُنْ تَخْصِيصُ الْبُقْعَةِ بِالدُّعَاءِ لَهُ مَشْرُوعًا؛ بَلْ يُدْعَى لَهُ فِي جَمِيعِ الْأَمَاكِنِ وَعِنْدَ كُلِّ
(27/243)

أَذَانٍ وَفِي كُلِّ صَلَاةٍ وَعِنْدَ دُخُولِ كُلِّ مَسْجِدٍ وَالْخُرُوجِ مِنْهُ بِخِلَافِ غَيْرِهِ. وَهَذَا لِعُلُوِّ قَدْرِهِ وَارْتِفَاعِ دَرَجَتِهِ. فَقَدْ خَصَّهُ اللَّهُ مِنْ الْفَضِيلَةِ. بِمَا لَمْ يُشْرِكْهُ فِيهِ غَيْرُهُ؛ لِئَلَّا يُجْعَلَ قَبْرُهُ مِثْلَ سَائِرِ الْقُبُورِ؛ بَلْ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا مِنْ وُجُوهٍ مُتَعَدِّدَةٍ وَيُبَيَّنُ فَضْلُهُ عَلَى غَيْرِهِ وَمَا مَنَّ اللَّهُ بِهِ عَلَى أُمَّتِهِ.
وَمِنْهَا أَنَّهُ قَالَ: لَمْ يَلْزَمْ مِنْ دَعْوَاهُ بِأَنَّ ذَلِكَ مُجْمَعٌ عَلَى تَحْرِيمِهِ أَنْ يَكُونَ السَّادَةُ الصَّحَابَةُ مَعَ التَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ الْعُلَمَاءِ الْمُجْتَهِدِينَ لِلْإِجْمَاعِ خَارِقِينَ مُصِرِّينَ عَلَى تَقْرِيرِ الْحَرَامِ مُرْتَكِبِينَ بِأَنْفُسِهِمْ وَفَتَاوِيهِمْ مَا لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ الْإِقْدَامُ مُجْمِعِينَ عَلَى الضَّلَالَةِ سَالِكِينَ طَرِيقَ العماية وَالْجَهَالَةِ. وَفِي هَذَا الْكَلَامِ مِنْ الْجَهْلِ بِالشَّرِيعَةِ وَمَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ وَالتَّسْوِيَةِ بَيْنَ عِبَادَةِ الرَّحْمَنِ - الَّتِي أَجْمَعَ عَلَيْهَا أَهْلُ الْإِيمَانِ - وَبَيْنَ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ - الَّتِي أَجْمَعُوا عَلَى تَحْرِيمِهَا وَغَيْرِ ذَلِكَ: مِمَّا يُبَيِّنُ اشْتِمَالَ هَذَا الْكَلَامِ عَلَى أَنْوَاعٍ مِنْ مُخَالَفَةِ دِينِ الْإِسْلَامِ وَلَوْ كَانَ صَاحِبُهُ مِمَّنْ يَفْهَمُ مَا قَالَ وَلَوَازِمَهُ لَكَانَ مُرْتَدًّا يَجِبُ قَتْلُهُ لَكِنَّهُ جَاهِلٌ قَدْ يَتَكَلَّمُ بِمَا لَا يَتَصَوَّرُهُ وَيَتَصَوَّرُ لَوَازِمَهُ. فَيُقَالُ لَهُ وَلِأَمْثَالِهِ - مِمَّنْ ظَنَّ أَنَّ فِي الْجَوَابِ مَا يُخَالِفُ الْإِجْمَاعَ -
(27/244)

الَّذِي أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ سَلَفًا وَخَلَفًا قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ هُوَ السَّفَرُ إلَى مَسْجِدِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَيْهِ فِيهِ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ الْأَعْمَالِ الْمُتَضَمِّنَةِ لِعِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ وَالْقِيَامِ بِحَقِّ رَسُولِهِ: مِنْ أَفْضَلِ الْعِبَادَاتِ لِلَّهِ كَشَهَادَتِنَا لَهُ وَثَنَائِنَا عَلَيْهِ. وَصَلَاتِنَا وَسَلَامِنَا عَلَيْهِ مِنْ أَفْضَلِ مَا عَبَدْنَا اللَّهَ بِهِ وَهَذَا وَنَحْوُهُ هُوَ الْمَشْرُوعُ فِي مَسْجِدِهِ سَوَاءٌ سُمِّيَ زِيَارَةً لِقَبْرِهِ أَوْ لَمْ يُسَمَّ. فَإِنَّ لَفْظَ الزِّيَارَةِ لِقَبْرِهِ وَاسْتِحْبَابَ ذَلِكَ لَا يُعْرَفُ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ بَلْ الْمَنْقُولُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَمَنْ وَافَقَهُ السَّلَامُ عَلَيْهِ هُنَاكَ وَالصَّلَاةُ. وَهُمْ لَا يُسَمُّونَ هَذَا زِيَارَةً لِقَبْرِهِ. فَكَيْفَ بالذين لَمْ يَكُونُوا يَقِفُونَ عِنْدَ الْقَبْرِ بِحَالِ وَهُمْ جُمْهُورُ الصَّحَابَةِ. وَأَمَّا مَا ابْتَدَعَهُ بَعْضُ النَّاسِ مِنْ الشِّرْكِ وَالْبِدَعِ وَسَمَّى ذَلِكَ " زِيَارَةً لِقَبْرِهِ " فَهُوَ مِنْ جِنْسِ الزِّيَارَةِ الْبِدْعِيَّةِ الَّتِي تُفْعَلُ عِنْدَ قَبْرِ غَيْرِهِ لَيْسَ هُوَ مِنْ الزِّيَارَةِ الشَّرْعِيَّةِ. وَأَمَّا مَا يَدْخُلُ فِي الْأَعْمَالِ الشَّرْعِيَّةِ فَهَذَا هُوَ الْمُسْتَحَبُّ بِسُنَّتِهِ الثَّابِتَةِ عَنْهُ وَبِإِجْمَاعِ أُمَّتِهِ. ثُمَّ مِنْ أَئِمَّةِ الْعِلْمِ مَنْ لَا يُسَمِّي هَذَا " زِيَارَةً لِقَبْرِهِ " بَلْ يَكْرَهُ هَذِهِ التَّسْمِيَةَ؛ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَقُولَ: إنَّ ذَلِكَ سَفَرٌ إلَى قَبْرِهِ. وَقَدْ صَرَّحَ مَنْ قَالَ ذَلِكَ مِثْلُ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ بِأَنَّ الْمُسَافِرَ إلَى هُنَاكَ إذَا
(27/245)

كَانَ مَقْصُودُهُ الْقَبْرَ أَنَّهُ سَفَرٌ مَنْهِيٌّ عَنْهُ دَاخِلٌ فِي قَوْلِهِ: {لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ} وَأَنَّ السَّفَرَ الَّذِي هُوَ طَاعَةٌ وَقُرْبَةٌ أَنْ يُقْصَدَ السَّفَرُ لِأَجْلِ الصَّلَاةِ فِي الْمَسْجِدِ وَأَنَّهُ لَوْ نَذَرَ أَنْ يُسَافِرَ إلَى الْمَدِينَةِ لِغَيْرِ الصَّلَاةِ فِي الْمَسْجِدِ فَإِنَّهُ يُنْهَى عَنْ الْوَفَاءِ بِنَذْرِهِ: لِأَنَّهُ نَذْرُ مَعْصِيَةٍ. فَإِذَا كَانَ هَذَا مِنْ قَوْلِهِمْ مَعْرُوفًا فِي الْكُتُبِ الصِّغَارِ وَالْكِبَارِ فَكَيْفَ يُظَنُّ أَنَّ السَّفَرَ لِمُجَرَّدِ زِيَارَةِ الْقُبُورِ هُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ. وَطَائِفَةٌ أُخْرَى مِنْ الْعُلَمَاءِ يُسَمُّونَ هَذَا زِيَارَةً لِقَبْرِهِ. وَيَقُولُونَ: تُسْتَحَبُّ زِيَارَةُ قَبْرِهِ أَوْ السَّفَرُ لِزِيَارَةِ قَبْرِهِ وَمَقْصُودُهُمْ بِالزِّيَارَةِ هُوَ مَقْصُودُ الْأَوَّلِينَ وَهُوَ السَّفَرُ إلَى مَسْجِدِهِ وَأَنْ يُفْعَلَ فِي مَسْجِدِهِ مَا يُشْرَعُ مِنْ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيْهِ وَالدُّعَاءِ لَهُ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ وَهَذَا عِنْدَهُمْ يُسَمَّى زِيَارَةً لِقَبْرِهِ مَعَ اتِّفَاقِ الْجَمِيعِ عَلَى أَنَّ أَحَدًا لَا يَزُورُ قَبْرَهُ الزِّيَارَةَ الْمَعْرُوفَةَ فِي سَائِر الْقُبُورِ فَإِنَّ تِلْكَ قُبُورٌ بَارِزَةٌ يُوصَلُ إلَيْهَا وَيُقْعَدُ عِنْدَهَا. أَوْ يُقَامُ عِنْدَهَا وَيُمْكِنُ أَنْ يُفْعَلَ عِنْدَهَا مَا يُشْرَعُ: كَالدُّعَاءِ لِلْمَيِّتِ وَالِاسْتِغْفَارِ لَهُ وَمَا يُنْهَى عَنْهُ: كَدُعَائِهِ وَالشِّرْكِ بِهِ وَالنِّيَاحَةِ عِنْدَ قَبْرِهِ وَالنَّدْبِ. فَهَذَا هُوَ الْمَفْهُومُ مِنْ " زِيَارَةِ الْقُبُورِ ". وَالرَّسُولُ دُفِنَ فِي بَيْتِهِ فِي حُجْرَتِهِ وَمَنَعَ النَّاسَ مِنْ الدُّخُولِ إلَى هُنَاكَ وَالْوُصُولِ إلَى قَبْرِهِ فَلَا يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَزُورَ قَبْرَهُ كَمَا يَزُورُ قَبْرَ غَيْرِهِ؛ لَا زِيَارَةً شَرْعِيَّةً وَلَا بِدْعِيَّةً؛ بَلْ إنَّمَا يَصِلُ جَمِيعُ الْخَلْقِ
(27/246)

إلَى مَسْجِدِهِ وَفِيهِ يَفْعَلُونَ مَا يُشْرَعُ لَهُمْ أَوْ مَا يُكْرَهُ لَهُمْ. وَالسَّفَرُ إلَى مَسْجِدِهِ - لَمَّا شُرِعَ - سَفَرُ طَاعَةٍ وَقُرْبَةٍ بِالْإِجْمَاعِ؛ وَهُوَ الَّذِي أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ. وَالْمُجِيبُ قَدْ ذَكَرَ اسْتِحْبَابَ هَذَا السَّفَرِ وَأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ وَقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ فِي هَذَا الْجَوَابِ وَبَيَّنَ مَا ثَبَتَ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ مِنْ السَّفَرِ إلَى مَسْجِدِهِ وَزِيَارَتِهِ الشَّرْعِيَّةِ وَبَيَّنَ مَا لَمْ يُشْرَعْ مِنْ السَّفَرِ إلَى زِيَارَةِ قَبْرِ غَيْرِهِ مِمَّا فِي قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ؛ فَإِنَّ السَّفَرَ إلَى هُنَاكَ لَيْسَ هُوَ سَفَرٌ إلَى مَسْجِدٍ شُرِعَ السَّفَرُ إلَيْهِ بَلْ الْمَسَاجِدُ الَّتِي هُنَاكَ إنْ كَانَتْ مِمَّا يُشْرَعُ بِنَاؤُهُ وَالصَّلَاةُ فِيهِ - كَجَوَامِعِ الْمُسْلِمِينَ الَّتِي فِي الْأَمْصَارِ - فَهَذِهِ لَيْسَ السَّفَرُ إلَيْهَا قُرْبَةً وَلَا طَاعَةً؛ لَا عِنْدَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَلَا عَامَّةِ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ. وَالسَّفَرُ إلَيْهَا دَاخِلٌ فِي قَوْلِهِ: {لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ} بِاتِّفَاقِ النَّاسِ. فَإِنَّ هَذَا اسْتِثْنَاءٌ مُفْرَغٌ. وَالتَّقْدِيرُ فِيهِ أَحَدُ أَمْرَيْنِ: إمَّا أَنْ يُقَالَ: {لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ} إلَى مَسْجِدٍ {إلَّا الْمَسَاجِدَ الثَّلَاثَةَ} فَيَكُونُ نَهْيًا عَنْهَا بِاللَّفْظِ وَنَهْيًا عَنْ سَائِرِ الْبِقَاعِ الَّتِي يُعْتَقَدُ فَضِيلَتُهَا بِالتَّنْبِيهِ وَالْفَحْوَى وَطَرِيقِ الْأَوْلَى؛ فَإِنَّ الْمَسَاجِدَ وَالْعِبَادَةَ فِيهَا أَحَبُّ إلَى اللَّهِ مِنْ الْعِبَادَةِ فِي تِلْكَ الْبِقَاعِ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ فَإِذَا كَانَ السَّفَرُ إلَى الْبِقَاعِ الْفَاضِلَةِ قَدْ نُهِيَ عَنْهُ فَالسَّفَرُ إلَى المفضولة
(27/247)

أَوْلَى وَأَحْرَى. وَكَذَلِكَ مَنْ جَعَلَ مَعْنَى الْحَدِيثِ: لَا يُسْتَحَبُّ السَّفَرُ إلَّا إلَى الثَّلَاثَةِ. إنْ جَعَلَ مَعْنَاهُ لَا يَجِبُ إلَّا إلَى الثَّلَاثَةِ وَأَرَادَ بِهِ الْوُجُوبَ بِالنَّذْرِ - كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ طَائِفَةٌ - فَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: مَا سِوَى الثَّلَاثَةِ لَا يُسْتَحَبُّ السَّفَرُ إلَيْهِ وَلَا يَجِبُ بِالنَّذْرِ. وَمَنْ حَمَلَ مَعْنَى الْحَدِيثِ عَلَى نَفْيِ الِاسْتِحْبَابِ أَوْ نَفْيِ الْوُجُوبِ بِالنَّذْرِ فَقَوْلُهُمَا وَاحِدٌ فِي الْمَعْنَى فَإِذَا لَمْ يَجِبْ بِالنَّذْرِ إلَّا هَذِهِ الثَّلَاثَةُ فَقَدْ وَجَبَ بِالنَّذْرِ السَّفَرُ إلَى الْمَسْجِدَيْنِ وَلَيْسَ وَاجِبًا بِالشَّرْعِ. فَعُلِمَ أَنَّ وُجُوبَهُ لِكَوْنِهِ مُسْتَحَبًّا بِالشَّرْعِ. فَإِذَا لَمْ يَجِبْ إلَّا هَذَانِ مِمَّا لَيْسَ وَاجِبًا بِالشَّرْعِ عُلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ مُسْتَحَبًّا إلَّا هَذَانِ. وَقَدْ بُسِطَ هَذَا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ. وَإِمَّا أَنْ يُقَالَ: التَّقْدِيرُ لَا تُسَافِرُوا إلَى بُقْعَةٍ وَمَكَانٍ غَيْرَ الثَّلَاثَةِ. أَوْ يَكُونُ الْمَعْنَى لَا يُسْتَحَبُّ إلَى مَكَانٍ غَيْرَ الثَّلَاثَةِ وَهُوَ مَعْنَى كُلِّ مَنْ قَالَ: لَا يَجِبُ بِالنَّذْرِ إلَى غَيْرِ الثَّلَاثَةِ. أَيْ لَا تُسَافِرُوا لِقَصْدِ ذَلِكَ الْمَكَانِ وَالْبُقْعَةِ بِعَيْنِهِ؛ بِحَيْثُ يَكُونُ الْمَقْصُودُ وَالْعِبَادَةُ فِي نَفْسِ تِلْكَ الْبُقْعَةِ كَالسَّفَرِ إلَى الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ؛ بِخِلَافِ السَّفَرِ إلَى الثُّغُورِ فَإِنَّ الْمَقْصُودَ السَّفَرُ إلَى مَكَانِ الرِّبَاطِ. و " الثَّغْرُ " قَدْ يَكُونُ مَكَانًا ثُمَّ يَفْتَحُ الْمُسْلِمُونَ مَا جَاوَرَهُمْ فَيَنْتَقِلُ
(27/248)

الثَّغْرُ إلَى حَدِّ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ؛ وَلِهَذَا يَكُونُ الْمَكَانُ تَارَةً ثَغْرًا وَتَارَةً لَيْسَ بِثَغْرِ؛ كَمَا يَكُونُ تَارَةً دَارَ إسْلَامٍ وَبِرٍّ وَتَارَةً دَارَ كُفْرٍ وَفِسْقٍ؛ كَمَا كَانَتْ مَكَّةُ دَارَ كُفْرٍ وَحَرْبٍ وَكَانَتْ الْمَدِينَةُ دَارَ إيمَانٍ وَهِجْرَةٍ وَمَكَانًا لِلرِّبَاطِ فَلَمَّا فُتِحَتْ مَكَّةُ صَارَتْ دَارَ إسْلَامٍ وَلَمْ تَبْقَ الْمَدِينَةُ دَارَ هِجْرَةٍ وَرِبَاطٍ كَمَا كَانَتْ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ؛ بَلْ قَدْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ؛ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ وَإِذَا اُسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا} وَصَارَتْ الثُّغُورُ أَطْرَافُ أَرْضِ الْحِجَازِ الْمُجَاوِرَةِ لِأَرْضِ الْحَرْبِ: أَرْضَ الشَّامِ وَأَرْضَ الْعِرَاقِ. ثُمَّ لَمَّا فَتَحَ الْمُسْلِمُونَ الشَّامَ وَالْعِرَاقَ صَارَتْ الثُّغُورُ بِالشَّامِ سَوَاحِلَ الْبَحْرِ؛ كَعَسْقَلَانَ وَعَكَّةَ وَمَا جَاوَرَ ذَلِكَ. وَبِالْعِرَاقِ عبادان وَنَحْوُهَا؛ وَلِهَذَا يَكْثُرُ ذِكْرُ " عَسْقَلَانَ " و " عبادان " فِي كَلَامِ الْمُتَقَدِّمِينَ؛ لِكَوْنِهِمَا كَانَا ثَغْرَيْنِ وَكَانَتْ أَيْضًا " طرطوش " ثَغْرًا لَمَّا كَانَتْ لِلْمُسْلِمِينَ وَلَمَّا أَخَذَهَا الْكُفَّارُ صَارَ الثَّغْرُ مَا يُجَاوِرُ أَرْضَ الْعَدُوِّ مِنْ الْبِلَادِ الْحَلَبِيَّةِ. فَالْمُسَافِرُ إلَى الثُّغُورِ أَوْ طَلَبِ الْعِلْمِ أَوْ التِّجَارَةِ أَوْ زِيَارَةِ قَرِيبِهِ لَيْسَ مَقْصُودُهُ مَكَانًا مُعَيَّنًا إلَّا بِالْعَرْضِ إذَا عَرَفَ أَنَّ مَقْصُودَهُ فِيهِ وَلَوْ كَانَ مَقْصُودُهُ فِي غَيْرِهِ لَذَهَبَ إلَيْهِ. فَالسَّفَرُ إلَى مِثْلِ هَذَا لَمْ يَدْخُلْ فِي الْحَدِيثِ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ وَإِنَّمَا دَخَلَ فِيهِ مَنْ يُسَافِرُ لِمَكَانِ مُعَيَّنٍ لِفَضِيلَةِ ذَلِكَ بِعَيْنِهِ كَاَلَّذِي يُسَافِرُ إلَى الْمَسَاجِدِ وَآثَارِ الْأَنْبِيَاءِ: كَالطُّورِ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ
(27/249)

مُوسَى وَغَارِ حِرَاءَ الَّذِي نَزَلَ فِيهِ الْوَحْيُ ابْتِدَاءً عَلَى الرَّسُولِ وَغَارِ ثَوْرٍ الْمَذْكُورِ فِي الْقُرْآنِ فِي قَوْلِهِ: {إذْ هُمَا فِي الْغَارِ} وَمَا هُوَ دُونَ ذَلِكَ مِنْ الْمَغَارَاتِ وَالْجِبَالِ: كَالسَّفَرِ إلَى جَبَلِ لُبْنَانَ وَمَغَارَةِ الدَّمِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ يُسَافِرُ إلَى مَا يَعْتَقِدُ فَضْلَهُ مِنْ الْجِبَالِ وَالْغِيرَانِ. فَإِذَا كَانَ الطُّورُ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مُوسَى وَسَمَّاهُ الْبُقْعَةَ الْمُبَارَكَةَ وَالْوَادِيَ الْمُقَدَّسَ لَا يُسْتَحَبُّ السَّفَرُ إلَيْهِ فَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْجِبَالِ أَوْلَى أَنْ لَا يُسَافَرَ إلَيْهِ. وَقَوْلِي بِالْإِجْمَاعِ. أَعْنِي بِهِ إجْمَاعَ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ فَإِنَّ الصَّحَابَةَ كَابْنِ عُمَرَ وَأَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي بَصْرَةَ وَغَيْرِهِمْ فَهِمُوا مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ} أَنَّ الطُّورَ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مُوسَى وَسَمَّاهُ بالواد الْمُقَدَّسِ وَالْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ دَاخِلٌ فِي النَّهْيِ وَنَهَوْا النَّاسَ عَنْ السَّفَرِ إلَيْهِ وَلَمْ يَخُصُّوا النَّهْيَ بِالْمَسَاجِدِ. وَلِهَذَا لَمْ يُوجِبْ أَحَدٌ ذَلِكَ بِالنَّذْرِ وَمَا عَلِمْت فِي هَذَا نِزَاعًا قَدِيمًا وَلَا رَأَيْت أَحَدًا صَرَّحَ بِخِلَافِ ذَلِكَ؛ إلَّا ابْنَ حَزْمٍ الظَّاهِرِيَّ فَإِنَّهُ يُحَرِّمُ السَّفَرَ إلَى مَسْجِدٍ غَيْرَ الثَّلَاثَةِ إذَا نَذَرَهُ كَقَوْلِ الْجُمْهُورِ وَإِذَا نَذَرَ السَّفَرَ إلَى أَثَرٍ مِنْ آثَارِ الْأَنْبِيَاءِ أَوْجَبَ الْوَفَاءَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقُولُ بِفَحْوَى الْخِطَابِ وَتَنْبِيهِهِ وَهَذَا هُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ دَاوُد فَلَا يَجْعَلُ قَوْلَهُ: {فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ} دَلِيلًا عَلَى النَّهْيِ عَنْ السَّبِّ وَالشَّتْمِ
(27/250)

وَالضَّرْبِ وَلَا نَهْيَهُ عَنْ أَنْ يُبَالَ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ ثُمَّ يُغْتَسَلَ فِيهِ نَهْيًا عَنْ صَبِّ الْبَوْلِ ثُمَّ الِاغْتِسَالُ فِيهِ وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ يَرَوْنَ أَنَّ مِثْلَ هَذَا مِنْ نَقْصِ الْعَقْلِ وَالْفَهْمِ وَأَنَّهُ مِنْ " بَابِ السَّفْسَطَةِ " فِي جَحْدِ مُرَادِ الْمُتَكَلِّمِ كَمَا هُوَ مَبْسُوطٌ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ.
وَإِذَا كَانَ غَارُ حِرَاءَ الَّذِي كَانَ أَهْلُ مَكَّةَ يَصْعَدُونَ إلَيْهِ لِلتَّعَبُّدِ فِيهِ وَيُقَالُ: إنَّ عَبْدَ الْمُطَلِّبِ سَنَّ لَهُمْ ذَلِكَ وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ يَتَحَنَّثُ فِيهِ وَفِيهِ نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ أَوَّلًا؛ لَكِنْ مِنْ حِينِ نَزَلَ الْوَحْيُ عَلَيْهِ مَا صَعِدَ إلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ وَلَا قَرِبَهُ؛ لَا هُوَ وَلَا أَصْحَابُهُ وَقَدْ أَقَامَ بِمَكَّةَ بَعْدَ النُّبُوَّةِ بِضْعَ عَشْرَةَ سَنَةً لَمْ يَزُرْهُ وَلَمْ يَصْعَدْ إلَيْهِ وَكَذَلِكَ الْمُؤْمِنُونَ مَعَهُ بِمَكَّةَ. وَبَعْدَ الْهِجْرَةِ أَتَى مَكَّةَ مِرَارًا فِي عُمْرَةِ الْحُدَيْبِيَةِ وَعَامِ الْفَتْحِ وَأَقَامَ بِهَا قَرِيبًا مِنْ عِشْرِينَ يَوْمًا وَفِي عُمْرَةِ الْجِعْرَانَةِ وَلَمْ يَأْتِ غَارَ حِرَاءَ وَلَا زَارَهُ. فَإِذَا كَانَ هَذَا الْغَارُ لَا يُسَافَرُ إلَيْهِ وَلَا يُزَارُ فَغَيْرُهُ مِنْ الْمَغَارَاتِ كَمَغَارَةِ الدَّمِ وَنَحْوِهَا أَوْلَى أَنْ لَا تُزَارَ. فَإِنَّ الْعِبَادَاتِ بَعْدَ مَبْعَثِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَالصَّلَاةِ وَالذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ مَشْرُوعَةٌ فِي كُلِّ مَكَانٍ جُعِلَتْ الْأَرْضُ كُلُّهَا لَهُ وَلِأُمَّتِهِ مَسْجِدًا وَطَهُورًا ".
وَالْأَمَاكِنُ الْمُفَضَّلَةُ هِيَ الْمَسَاجِدُ وَهِيَ أَحَبُّ الْبِقَاعِ إلَى اللَّهِ؛ كَمَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَفِيهَا الِاعْتِكَافُ
(27/251)

فَلَا يَكُونُ الِاعْتِكَافُ إلَّا فِي الْمَسَاجِدِ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} لَا يَكُونُ الِاعْتِكَافُ لَا بِخَلْوَةِ وَلَا غَيْرِ خَلْوَةٍ؛ لَا فِي غَارٍ وَلَا عِنْدَ قَبْرٍ وَلَا غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَقْصِدُ الضَّالُّونَ السَّفَرَ إلَيْهِ وَالْعُكُوفَ عِنْدَهُ كَعُكُوفِ الْمُشْرِكِينَ عَلَى أَوْثَانِهِمْ. قَالَ الْخَلِيلُ: {مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ} وَقَالَ تَعَالَى: {وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ} {إنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} . وَبَسْطُ هَذَا لَهُ مَوْضِعٌ آخَرُ.
وَقَدْ صَحَّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْتَكِفَ فِي مَسْجِدِ إيليا فَاعْتَكَفَ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَدِينَةِ أَجْزَأَ عَنْهُ وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْتَكِفَ فِي مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ فَاعْتَكَفَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَجْزَأَ عَنْهُ وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْتَكِفَ عَلَى رُؤُوسِ الْجِبَالِ فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لَهُ ذَلِكَ لِيَعْتَكِفَ فِي مَسْجِدِ جَمَاعَةٍ. وَهَذَا الَّذِي نَهَى عَنْهُ سَعِيدٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ وَإِنْ قُدِّرَ أَنَّ الرَّجُلَ لَا يُسَمِّي ذَلِكَ اعْتِكَافًا فَمَنْ فَعَلَ مَا يَفْعَلُ الْمُعْتَكِفُ فِي الْمَسْجِدِ فَهُوَ مُعْتَكِفٌ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ وَذَلِكَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ بِالِاتِّفَاقِ. وَبَسْطُ هَذَا لَهُ مَوْضِعٌ آخَرُ. وَالْمَقْصُودُ هُنَا: أَنَّ السَّفَرَ إلَى غَيْرِ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ مِنْ قَبْرِ وَأَثَرِ
(27/252)

نَبِيٍّ وَمَسْجِدٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ: لَيْسَ بِوَاجِبِ وَلَا مُسْتَحَبٍّ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ وَالسَّفَرُ إلَى مَسْجِدِ نَبِيِّنَا مُسْتَحَبٌّ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ وَهُوَ مُرَادُ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ قَالُوا: تُسْتَحَبُّ زِيَارَةُ قَبْرِهِ بِالْإِجْمَاعِ. فَهَذَا هُوَ الَّذِي أَجْمَعَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ. وَلِلَّهِ الْحَمْدُ. وَالْمُجِيبُ قَدْ ذَكَرَ اسْتِحْبَابَ هَذَا بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ فَكَلَامُ الْمُجِيبِ يُبَيِّنُ أَنَّهُ مُتَّبِعٌ لِلصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ الْعُلَمَاءِ الْمُجْتَهِدِينَ وَأَنَّهُمْ مُنَزَّهُونَ عَنْ تَقْرِيرِ الْحَرَامِ أَوْ خَرْقِ الْإِجْمَاعِ مُنَزَّهُونَ أَنْ يُجْمَعُوا عَلَى ضَلَالَةٍ أَوْ يَسْلُكُوا طَرِيقَ العماية وَالْجَهَالَةِ. وَهَذَا الْمُعْتَرِضُ وَأَشْبَاهُهُ مِنْ الْجُهَّالِ سَوَّوْا بَيْنَ هَذَا السَّفَرِ الَّذِي ثَبَتَ اسْتِحْبَابُهُ بِنَصِّ الرَّسُولِ وَإِجْمَاعِ أُمَّتِهِ وَبَيْنَ السَّفَرِ الَّذِي ثَبَتَ أَنَّهُ لَيْسَ مُسْتَحَبًّا بِنَصِّ الرَّسُولِ وَإِجْمَاعِ أُمَّتِهِ. وَقَاسَوْا هَذَا بِهَذَا وَالْمُجِيبُ إنَّمَا ذَكَرَ الْقَوْلَيْنِ فِي النَّوْعِ الثَّانِي: فِي الَّذِي لَا يُسَافِرُ إلَّا لِقَصْدِ زِيَارَةِ قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَذَكَرَ أَنَّ الَّذِي يُسَافِرُ إلَى مَسْجِدِ الرَّسُولِ وَزِيَارَتِهِ الشَّرْعِيَّةِ يُسْتَحَبُّ السَّفَرُ إلَيْهِ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ. فَحَكَوْا عَنْ الْمُجِيبِ أَنَّهُ يَنْهَى عَنْ زِيَارَةِ قَبْرِ الرَّسُولِ وَالسَّفَرِ إلَيْهِ وَيُحَرِّمُ ذَلِكَ وَيُحَرِّمُ قَصْرَ الصَّلَاةِ فِيهِ بِحَيْثُ جَعَلُوهُ يَنْهَى عَمَّا يَفْعَلُهُ الْحُجَّاجُ مِنْ السَّفَرِ إلَى مَسْجِدِهِ وَأَنَّ مَنْ سَافَرَ إلَى هُنَاكَ لَا يَقْصُرُ الصَّلَاةَ. وَهَذَا كُلُّهُ افْتِرَاءٌ وَبُهْتَانٌ.
(27/253)

وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا حُجَّةَ لَهُمْ عَلَى السَّفَر إلَى سَائِرِ قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ إلَّا السَّفَرَ إلَى نَبِيِّنَا. فَلَمَّا كَانَ السَّفَرُ إلَى ذَلِكَ الْمَكَانِ مَشْرُوعًا فِي الْجُمْلَةِ قَاسُوا عَلَيْهِ السَّفَرَ إلَى سَائِرِ الْقُبُورِ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا وَخَالَفُوا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ رَسُولِهِ وَإِجْمَاعَ الْمُسْلِمِينَ. وَضَلُّوا مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ. مِنْهَا: أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْأَرْضِ قَبْرُ نَبِيٍّ مَعْلُومٌ بِالتَّوَاتُرِ وَالْإِجْمَاعِ إلَّا قَبْرُ نَبِيِّنَا وَمَا سِوَاهُ فَفِيهِ نِزَاعٌ. وَمِنْهَا: أَنَّ الَّذِينَ اسْتَحَبُّوا السَّفَرَ إلَى زِيَارَةِ قَبْرِ نَبِيِّنَا مُرَادُهُمْ السَّفَرُ إلَى مَسْجِدِهِ وَهَذَا مَشْرُوعٌ بِالْإِجْمَاعِ وَلَوْ قَصَدَ الْمُسَافِرُ إلَيْهِ فَهُوَ إنَّمَا يَصِلُ إلَى الْمَسْجِدِ وَالْمَسْجِدُ مُنْتَهَى سَفَرِهِ؛ لَا يَصِلُ إلَى الْقَبْرِ؛ بِخِلَافِ غَيْرِهِ فَإِنَّهُ يَصِلُ إلَى الْقَبْرِ؛ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُتَوَغِّلًا فِي الْجَهْلِ وَالضَّلَالِ فَيَظُنُّ أَنَّ مَسْجِدَهُ إنَّمَا شُرِعَ السَّفَرُ إلَيْهِ لِأَجْلِ الْقَبْرِ وَأَنَّهُ لِذَلِكَ كَانَتْ الصَّلَاةُ فِيهِ بِأَلْفِ صَلَاةٍ وَأَنَّهُ لَوْلَا الْقَبْرُ لَمْ يَكُنْ لَهُ فَضِيلَةٌ عَلَى غَيْرِهِ أَوْ يَظُنُّ أَنَّ الْمَسْجِدَ بُنِيَ أَوْ جُعِلَ تَبَعًا لِلْقَبْرِ كَمَا تُبْنَى الْمَسَاجِدُ عَلَى قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَيَظُنُّ أَنَّ الصَّلَاةَ فِي الْمَسْجِدِ تَبَعٌ وَالْمَقْصُودُ هُوَ الْقَبْرُ كَمَا يَظُنُّ الْمُسَافِرُونَ إلَى قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ غَيْرَ قَبْرِ نَبِيِّنَا وَكَمَا أَنَّ الَّذِي يَذْهَبُ إلَى الْجُمْعَةِ يُصَلِّي إذَا دَخَلَ تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ رَكْعَتَيْنِ؛ وَلَكِنْ هُوَ إنَّمَا جَاءَ لِأَجْلِ الْجُمْعَةِ لَا لِأَجْلِ رَكْعَتَيْ التَّحِيَّةِ. فَمَنْ ظَنَّ هَذَا فِي مَسْجِدِ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهُوَ مِنْ أَضَلِّ النَّاسِ وَأَجْهَلِهِمْ بِدِينِ
(27/254)

الْإِسْلَامِ وَأَجْهَلِهِمْ بِأَحْوَالِ الرَّسُولِ وَأَصْحَابِهِ وَسِيرَتِهِ وَأَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ. وَهَذَا مُحْتَاجٌ إلَى أَنْ يَتَعَلَّمَ مَا جَهِلَهُ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ حَتَّى يَدْخُلَ فِي الْإِسْلَامِ وَلَا يَأْخُذُ بَعْضَ الْإِسْلَامِ وَيَتْرُكُ بَعْضَهُ؛ فَإِنَّ مَسْجِدَهُ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى فِي السَّنَةِ الْأُولَى مِنْ الْهِجْرَةِ وَهُوَ أَفْضَلُ مَسْجِدٍ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ إلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ. وَقِيلَ: هُوَ أَفْضَلُ مُطْلَقًا. فَهَلْ يَقُولُ عَاقِلٌ إنَّ مَسَاجِدَ الْمُسْلِمِينَ - مَسَاجِدُ الْجَوَامِعِ الَّتِي يُصَلَّى فِيهَا الْجُمْعَةُ وَغَيْرُهَا - فَضِيلَتُهَا وَاسْتِحْبَابُ قَصْدِهَا لِلصَّلَاةِ فِيهَا لِأَجْلِ قَبْرٍ عِنْدَهَا. فَإِذَا لَمْ يَجُزْ أَنْ يُقَالَ هَذَا فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمَسَاجِدِ فَكَيْفَ يُقَالُ فِيمَا هُوَ خَيْرٌ مِنْهَا كُلِّهَا وَأَفْضَلُ. و " الْمَسْجِدُ " الْحَرَامُ أَفْضَلُ الْمَسَاجِدِ مُطْلَقًا عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَالصَّلَاةُ فِيهِ بِمِائَةِ أَلْفِ صَلَاةٍ كَمَا فِي الْمُسْنَدِ وَالسُّنَنِ. فَهَلْ يَقُولُ عَاقِلٌ: إنَّ فَضِيلَتَهُ لِقَبْرِ هُنَاكَ. و " الْمَسْجِدُ الْأَقْصَى " أَفْضَلُ الْمَسَاجِدِ بَعْدَ الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ وَبِبَيْتِ الْمَقْدِسِ مِنْ قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ مَا لَا يُحْصِيهِ إلَّا اللَّهُ. فَهَلْ يَقُولُ عَاقِلٌ إنَّ فَضِيلَتَهُ لِأَجْلِ الْقُبُورِ نَعَمْ هَذَا اعْتِقَادُ النَّصَارَى: يَعْتَقِدُونَ أَنَّ فَضِيلَةَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ لِأَجْلِ " الْكَنِيسَةِ " الَّتِي يُقَالُ إنَّهَا بُنِيَتْ عَلَى قَبْرِ الْمَصْلُوبِ وَيُفَضِّلُونَهَا عَلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ. وَهَؤُلَاءِ مِنْ أَضَلِّ النَّاسِ وَأَجْهَلِهِمْ
(27/255)

وَهَذَا يُضَاهِي مَا كَانَ الْمُشْرِكُونَ عَلَيْهِ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ لَمَّا كَانَتْ فِيهِ الْأَوْثَانُ وَكَانُوا يَقْصِدُونَهُ لِأَجْلِ تِلْكَ الْأَوْثَانِ الَّتِي فِيهِ لَمْ يَكُونُوا يُصَلُّونَ فِيهِ؛ بَلْ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً} لَكِنْ كَانُوا يُعَظِّمُونَ نَفْسَ الْبَيْتِ وَيَطُوفُونَ بِهِ كَمَا كَانُوا يَحُجُّونَ كُلَّ عَامٍ مَعَ مَا كَانُوا غَيَّرُوهُ مِنْ شَرِيعَةِ إبْرَاهِيمَ حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ وَأَمَرَ بِاتِّبَاعِ مِلَّةِ إبْرَاهِيمَ فَأَظْهَرَهَا وَدَعَا إلَيْهَا وَأَقَامَ الْحَجَّ عَلَى مَا شَرَعَهُ اللَّهُ لِإِبْرَاهِيمَ وَنَفَى الشِّرْكَ عَنْ الْبَيْتِ وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ} {إنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ} . فَبَيَّنَ أَنَّ عُمَّارَ الْمَسَاجِدِ هُمْ الَّذِينَ لَا يَخْشَوْنَ إلَّا اللَّهَ وَمَنْ لَمْ يَخْشَ إلَّا اللَّهَ فَلَا يَرْجُو وَيَتَوَكَّلُ إلَّا عَلَيْهِ فَإِنَّ الرَّجَاءَ وَالْخَوْفَ مُتَلَازِمَانِ. وَاَلَّذِينَ يَحُجُّونَ إلَى الْقُبُورِ يَدْعُونَ أَهْلَهَا وَيَتَضَرَّعُونَ لَهُمْ وَيَعْبُدُونَهُمْ وَيَخْشَوْنَ غَيْرَ اللَّهِ وَيَرْجُونَ غَيْرَ اللَّهِ كَالْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ آلِهَتَهُمْ وَيَرْجُونَهَا؛ وَلِهَذَا لَمَّا قَالُوا لِهُودِ عَلَيْهِ السَّلَامُ {إنْ نَقُولُ إلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا
(27/256)

تُشْرِكُونَ} {مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ} {إنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} وَلَمَّا حَاجُّوا إبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ لَهُمْ: {أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِي وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ} {وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ} وَلَمَّا خَوَّفُوا مُحَمَّدًا - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بِمَنْ دُونَ اللَّهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} {وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ} {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ} وَقَالَ تَعَالَى: {قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ} {إنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ} .
(27/257)

فَصْلٌ:
و" الْمَسْجِدُ الْأَقْصَى " صَلَّتْ فِيهِ الْأَنْبِيَاءُ مِنْ عَهْدِ الْخَلِيلِ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: {قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ مَسْجِدٍ وُضِعَ أَوَّلًا؟ قَالَ: الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ قُلْت: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: الْمَسْجِدُ الْأَقْصَى قُلْت: كَمْ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: أَرْبَعُونَ سَنَةً ثُمَّ حَيْثُ مَا أَدْرَكَتْك الصَّلَاةُ فَصَلِّ فَإِنَّهُ مَسْجِدٌ وَصَلَّى فِيهِ مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ مَا لَا يُحْصِيهِ إلَّا اللَّهُ وَسُلَيْمَانُ بَنَاهُ هَذَا الْبِنَاءَ وَسَأَلَ رَبَّهُ ثَلَاثًا: سَأَلَهُ مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدِ مِنْ بَعْدِهِ وَسَأَلَهُ حُكْمًا يُوَافِقُ حُكْمَهُ وَسَأَلَهُ أَنَّهُ لَا يَؤُمُّ هَذَا الْمَسْجِدَ أَحَدٌ لَا يُرِيدُ إلَّا الصَّلَاةَ فِيهِ إلَّا غَفَرَ لَهُ} . وَلِهَذَا كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَأْتِي مِنْ الْحِجَازِ فَيَدْخُلُ فَيُصَلِّي فِيهِ ثُمَّ يَخْرُجُ وَلَا يَشْرَبُ فِيهِ مَاءً لِتُصِيبَهُ دَعْوَةُ سُلَيْمَانَ. وَكَانَ الصَّحَابَةُ ثُمَّ التَّابِعُونَ يَأْتُونَ وَلَا يَقْصِدُونَ شَيْئًا مِمَّا حَوْلَهُ مِنْ الْبِقَاعِ وَلَا يُسَافِرُونَ إلَى قَرْيَةِ الْخَلِيلِ وَلَا غَيْرِهَا. وَكَذَلِكَ " مَسْجِدُ نَبِيِّنَا " بَنَاهُ أَفْضَلُ الْأَنْبِيَاءِ وَمَعَهُ الْمُهَاجِرُونَ
(27/258)

وَالْأَنْصَارُ وَهُوَ أَوَّلُ مَسْجِدٍ أُذِّنَ فِيهِ فِي الْإِسْلَامِ وَفِيهِ كَانَ الرَّسُولُ يُصَلِّي بِالْمُسْلِمِينَ الْجُمْعَةَ وَالْجَمَاعَةَ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَفِيهِ كَانَ يَأْمُرُهُمْ بِمَا يَأْمُرُهُمْ بِهِ مِنْ الْمَغَازِي وَغَيْرِ الْمَغَازِي. وَفِيهِ سُنَّتْ السُّنَّةُ وَالْإِسْلَامُ مِنْهُ خَرَجَ وَكَانَتْ الصَّلَاةُ فِيهِ بِأَلِفِ وَالسَّفَرُ إلَيْهِ مَشْرُوعًا فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَيْسَ عِنْدَهُ قَبْرٌ؛ لَا قَبْرُهُ وَلَا قَبْرُ غَيْرِهِ ثُمَّ لَمَّا دُفِنَ الرَّسُولُ دُفِنَ فِي حُجْرَتِهِ وَبَيْتِهِ لَمْ يُدْفَنْ فِي الْمَسْجِدِ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْبَيْتِ وَالْمَسْجِدِ مِمَّا يَعْرِفُهُ كُلُّ مُسْلِمٍ؛ فَإِنَّ الْمَسْجِدَ يُعْتَكَفُ فِيهِ وَالْبَيْتَ لَا يُعْتَكَفُ فِيهِ وَكَانَ إذَا اعْتَكَفَ يَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهِ إلَى الْمَسْجِدِ وَلَا يَدْخُلُ الْبَيْتَ إلَّا لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ وَالْمَسْجِدُ لَا يَمْكُثُ فِيهِ جُنُبٌ وَلَا حَائِضٌ وَبَيْتُهُ كَانَتْ عَائِشَةُ تَمْكُثُ فِيهِ وَهِيَ حَائِضٌ وَكَذَلِكَ كُلُّ بَيْتٍ مَرْسُومٍ تَمْكُثُ فِيهِ الْمَرْأَةُ وَهِيَ حَائِضٌ وَكَانَتْ تُصِيبُهُ فِيهِ الْجَنَابَةُ فَيَمْكُثُ فِيهِ جُنُبًا حَتَّى يَغْتَسِلَ وَفِيهِ ثِيَابُهُ وَطَعَامُهُ وَسَكَنُهُ وَرَاحَتُهُ؛ كَمَا جَعَلَ اللَّهُ الْبُيُوتَ. وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ " بُيُوتَ النَّبِيِّ " فِي كِتَابِهِ وَأَضَافَهَا تَارَةً إلَى الرَّسُولِ وَتَارَةً إلَى أَزْوَاجِهِ؛ وَلَيْسَ لِتِلْكَ الْبُيُوتِ حُرْمَةُ الْمَسْجِدِ وَفَضِيلَتُهُ وَفَضِيلَةُ الصَّلَاةِ فِيهِ وَلَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَيْهَا وَلَا الصَّلَاةُ فِي شَيْءٍ مِنْهَا بِأَلْفِ صَلَاةٍ. وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَالِ
(27/259)

حَيَاتِهِ كَانَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ. أَفْضَلَ مِمَّنْ جَاءَ بَعْدَهُمْ وَعِبَادَتُهُمْ أَفْضَلَ مِنْ عِبَادَةِ مَنْ جَاءَ بَعْدَهُمْ وَهُمْ لَمَّا مَاتُوا لَمْ تَكُنْ قُبُورُهُمْ أَفْضَلَ مِنْ بُيُوتِهِمْ الَّتِي كَانُوا يَسْكُنُونَهَا فِي حَالِ الْحَيَاةِ وَلَا أَبْدَانُهُمْ بَعْدَ الْمَوْتِ أَكْثَرَ عِبَادَةً لِلَّهِ وَطَاعَةً مِمَّا كَانَتْ فِي حَالِ الْحَيَاةِ. وَاَللَّهُ تَعَالَى قَدْ أَخْبَرَ أَنَّهُ جَعَلَ الْأَرْضَ كِفَاتًا أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا. تَكْفِتُ النَّاسَ أَحْيَاءً عَلَى ظَهْرِهَا وَأَمْوَاتًا فِي بَطْنِهَا وَلَيْسَ كَفْتُهُمْ أَمْوَاتًا بِأَفْضَلَ مِنْ كَفْتِهِمْ أَحْيَاءً؛ وَلِهَذَا تُسْتَحَبُّ زِيَارَةُ أَهْلِ الْبَقِيعِ وَأُحُدٍ وَغَيْرِهِمْ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ. فَيُدْعَى لَهُمْ وَيُسْتَغْفَرُ لَهُمْ وَلَا يُسْتَحَبُّ أَنْ تُقْصَدَ قُبُورُهُمْ لِمَا تُقْصَدُ لَهُ الْمَسَاجِدُ مِنْ الصَّلَاةِ وَالِاعْتِكَافِ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: {أَحَبُّ الْبِقَاعِ إلَى اللَّهِ الْمَسَاجِدُ} فَلَيْسَ فِي الْبِقَاعِ أَفْضَلُ مِنْهَا وَلَيْسَتْ مَسَاكِنُ الْأَنْبِيَاءِ لَا أَحْيَاءً وَلَا أَمْوَاتًا بِأَفْضَلَ مِنْ الْمَسَاجِدِ. هَذَا هُوَ الثَّابِتُ بِنَصِّ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاتِّفَاقِ عُلَمَاءِ أُمَّتِهِ. وَمَا ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ أَنَّ قُبُورَ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ أَفْضَلُ مِنْ الْمَسَاجِدِ وَأَنَّ الدُّعَاءَ عِنْدَهَا أَفْضَلُ مِنْ الدُّعَاءِ فِي الْمَسَاجِدِ حَتَّى فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ. فَقَوْلٌ يُعْلَمُ بُطْلَانُهُ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ دِينِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيُعْلَمُ إجْمَاعُ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ عَلَى بُطْلَانِهِ إجْمَاعًا ضَرُورِيًّا كَإِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّ الِاعْتِكَافَ فِي الْمَسَاجِدِ أَفْضَلُ مِنْهُ عِنْدَ الْقُبُورِ. وَالْمَقْصُودُ
(27/260)

بِالِاعْتِكَافِ: الْعِبَادَةُ وَالصَّلَاةُ وَالْقِرَاءَةُ وَالذِّكْرُ وَالدُّعَاءُ. وَمَا ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ الْإِجْمَاعِ عَلَى تَفْضِيلِ قَبْرٍ مِنْ الْقُبُورِ عَلَى الْمَسَاجِدِ كُلِّهَا. فَقَوْلٌ مُحْدَثٌ فِي الْإِسْلَامِ؛ لَمْ يُعْرَفْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ السَّلَفِ وَلَكِنْ ذَكَرَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ فَأَخَذَهُ عَنْهُ آخَرُ وَظَنَّهُ إجْمَاعًا؛ لِكَوْنِ أَجْسَادِ الْأَنْبِيَاءِ أَنْفُسِهَا أَفْضَلَ مِنْ الْمَسَاجِدِ. فَقَوْلُهُمْ يَعُمُّ الْمُؤْمِنِينَ كُلَّهُمْ فَأَبْدَانُهُمْ أَفْضَلُ مَنْ كُلِّ تُرَابٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا يَلْزَمُ مَنْ كَوْنِ أَبْدَانِهِمْ أَفْضَلَ أَنْ تَكُونَ مَسَاكِنُهُمْ أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا أَفْضَلَ؛ بَلْ قَدْ عُلِمَ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ دِينِهِمْ أَنَّ مَسَاجِدَهُمْ أَفْضَلُ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ. وَقَدْ يَحْتَجُّ بَعْضُهُمْ بِمَا رُوِيَ مِنْ: {أَنَّ كُلَّ مَوْلُودٍ يُذَرُّ عَلَيْهِ مِنْ تُرَابِ حُفْرَتِهِ} فَيَكُونُ قَدْ خُلِقَ مِنْ تُرَابِ قَبْرِهِ. وَهَذَا الِاحْتِجَاجُ بَاطِلٌ لِوَجْهَيْنِ. أَحَدُهُمَا: أَنَّ هَذَا لَا يَثْبُتُ وَمَا رُوِيَ فِيهِ كُلُّهُ ضَعِيفٌ وَالْجَنِينُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ يُعْلَمُ قَطْعًا أَنَّهُ لَمْ يُذَرَّ عَلَيْهِ تُرَابٌ وَلَكِنَّ آدَمَ نَفْسَهُ هُوَ الَّذِي خُلِقَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ خُلِقَتْ ذُرِّيَّتُهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ ذَلِكَ التُّرَابَ لَا يَتَمَيَّزُ بَعْضُهُ لِشَخْصِ وَبَعْضُهُ لِشَخْصِ آخَرَ فَإِنَّهُ إذَا اسْتَحَالَ وَصَارَ بَدَنًا حَيًّا لَمَا نُفِخَ فِي آدَمَ الرُّوحُ فَلَمْ يَبْقَ تُرَابًا. وَبَسْطُ هَذَا لَهُ مَوْضِعٌ آخَرُ.
(27/261)

وَالْمَقْصُودُ هُنَا: التَّنْبِيهُ عَلَى مِثْلِ هَذِهِ الإجماعات الَّتِي يَذْكُرُهَا بَعْضُ النَّاسِ وَيَبْنُونَ عَلَيْهَا مَا يُخَالِفُ دِينَ الْمُسْلِمِينَ: الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَالْإِجْمَاعَ. الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ ثَبَتَ أَنَّ الْمَيِّتَ خُلِقَ مِنْ ذَلِكَ التُّرَابِ فَمَعْلُومٌ أَنَّ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ مَنِيِّ أَبَوَيْهِ أَقْرَبُ مَنْ خَلْقِهِ مِنْ التُّرَابِ وَمَعَ هَذَا فَاَللَّهُ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنْ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنْ الْحَيِّ: يُخْرِجُ الْمُؤْمِنَ مِنْ الْكَافِرِ وَالْكَافِرَ مِنْ الْمُؤْمِنِ فَيَخْلُقُ مِنْ الشَّخْصِ الْكَافِرِ مُؤْمِنًا نَبِيًّا وَغَيْرَ نَبِيٍّ كَمَا خَلَقَ الْخَلِيلَ مِنْ آزَرَ وَإِبْرَاهِيمُ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ هُوَ أَفْضَلُ الْأَنْبِيَاءِ بَعْدَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَآزَرُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ كَمَا فِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: {يَلْقَى إبْرَاهِيمُ أَبَاهُ آزَرَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَقُولُ إبْرَاهِيمُ: أَلَمْ أَقُلْ لَك لَا تَعْصِنِي فَيَقُولُ لَهُ: فَالْيَوْمَ لَا أَعْصِيك. فَيَقُولُ إبْرَاهِيمُ: يَا رَبِّ أَلَمْ تَعِدْنِي أَنْ لَا تُخْزِيَنِي وَأَيُّ خِزْيٍ أَخْزَى مِنْ أَبِي الْأَبْعَدِ فَيُقَالُ لَهُ: الْتَفِتْ فَيَلْتَفِتُ فَإِذَا هُوَ بِذِيخِ عَظِيمٍ وَالذِّيخُ ذَكَرُ الضِّبَاعِ فَيُمْسَخُ آزَرُ فِي تِلْكَ الصُّورَةِ وَيُؤْخَذُ بِقَوَائِمِهِ فَيُلْقَى فِي النَّارِ فَلَا يُعْرَفُ أَنَّهُ أَبُو إبْرَاهِيمَ} . وَكَمَا خُلِقَ نَبِيُّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَبَوَيْهِ وَقَدْ نُهِيَ عَنْ الِاسْتِغْفَارِ لِأُمِّهِ وَفِي الصَّحِيحِ {أَنَّ رَجُلًا قَالَ لَهُ: أَيْنَ أَبِي؟ قَالَ: إنَّ أَبَاك فِي النَّارِ فَلَمَّا أَدْبَرَ دَعَاهُ فَقَالَ: إنَّ أَبِي وَأَبَاك فِي النَّارِ} وَقَدْ أَخْرَجَ مِنْ نُوحٍ وَهُوَ
(27/262)

رَسُولٌ كَرِيمٌ ابْنَهُ الْكَافِرَ الَّذِي حَقَّ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَأَغْرَقَهُ وَنَهَى نُوحًا عَنْ الشَّفَاعَةِ فِيهِ. وَالْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ مَخْلُوقُونَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأُمَّهَاتِهِمْ الْكُفَّارِ. فَإِذَا كَانَتْ الْمَادَّةُ الْقَرِيبَةُ الَّتِي يُخْلَقُ مِنْهَا الْأَنْبِيَاءُ وَالصَّالِحُونَ لَا يَجِبُ أَنْ تَكُونَ مُسَاوِيَةً لِأَبْدَانِهِمْ فِي الْفَضِيلَةِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنْ الْمَيِّتِ فَأَخْرَجَ الْبَدَنَ الْمُؤْمِنَ مِنْ مَنِيِّ كَافِرٍ فَالْمَادَّةُ الْبَعِيدَةُ وَهِيَ التُّرَابُ أَوْلَى أَنْ لَا تُسَاوِيَ أَبْدَانَ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَهَذِهِ الْأَبْدَانُ عَبَدَتْ اللَّهَ وَجَاهَدَتْ فِيهِ وَمُسْتَقَرُّهَا الْجَنَّةُ. وَأَمَّا الْمَوَادُّ الَّتِي خُلِقَتْ مِنْهَا هَذِهِ الْأَبْدَانُ فَمَا اسْتَحَالَ مِنْهَا وَصَارَ هُوَ الْبَدَنَ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْبَدَنِ وَأَمَّا مَا فَضَلَ مِنْهَا فَذَاكَ بِمَنْزِلَةِ أَمْثَالِهِ. وَمِنْ هُنَا غَلِطَ مَنْ لَمْ يُمَيِّزْ بَيْنَ مَا اسْتَحَالَ مِنْ الْمَوَادِّ فَصَارَ بَدَنًا وَبَيْنَ مَا لَمْ يَسْتَحِلْ؛ بَلْ بَقِيَ تُرَابًا أَوْ مَيِّتًا. فَتُرَابُ الْقُبُورِ إذَا قُدِّرَ أَنَّ الْمَيِّتَ خُلِقَ مِنْ ذَلِكَ التُّرَابِ فَاسْتَحَالَ مِنْهُ وَصَارَ بَدَنَ الْمَيِّتِ: فَهُوَ بَدَنُهُ وَفَضْلُهُ مَعْلُومٌ. وَأَمَّا مَا بَقِيَ فِي الْقَبْرِ فَحُكْمُهُ حُكْمُ أَمْثَالِهِ بَلْ تُرَابٌ كَانَ يُلَاقِي جِبَاهَهُمْ عِنْدَ السُّجُودِ - وَهُوَ أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ الْمَعْبُودِ - أَفْضَلُ مِنْ تُرَابِ الْقُبُورِ وَاللُّحُودِ. وَبَسْطُ هَذَا لَهُ مَوْضِعٌ آخَرُ.
(27/263)

وَالْمَقْصُودُ هُنَا: أَنَّ مَسْجِدَ الرَّسُولِ وَغَيْرَهُ مِنْ الْمَسَاجِدِ فَضِيلَتُهَا بِكَوْنِهَا بُيُوتَ اللَّهِ الَّتِي بُنِيَتْ لِعِبَادَتِهِ قَالَ تَعَالَى: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} وَقَالَ تَعَالَى: {قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} وَقَالَ تَعَالَى: {مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ} - إلَى قَوْلِهِ - {إنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ} وَقَالَ تَعَالَى: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ} {رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ} {لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} .
وَالْمَسَاجِدُ الثَّلَاثَةُ لَهَا فَضْلٌ عَلَى مَا سِوَاهَا فَإِنَّهَا بَنَاهَا أَنْبِيَاءُ وَدَعَوْا النَّاسَ إلَى السَّفَرِ إلَيْهَا. فَالْخَلِيلُ دَعَا إلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَسُلَيْمَانُ دَعَا إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَنَبِيُّنَا دَعَا إلَى الثَّلَاثَةِ: إلَى مَسْجِدِهِ. وَالْمَسْجِدَيْنِ وَلَكِنْ جَعَلَ السَّفَرَ إلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَرْضًا وَالْآخَرَيْنِ تَطَوُّعًا. وَإِبْرَاهِيمُ وَسُلَيْمَانُ لَمْ يُوجِبَا شَيْئًا وَلَا أَوْجَبَ الْخَلِيلُ الْحَجَّ؛ وَلِهَذَا لَمْ يَكُنْ بَنُو إسْرَائِيلَ يَحُجُّونَ وَلَكِنْ حَجَّ مُوسَى وَيُونُسُ وَغَيْرُهُمَا: وَلِهَذَا لَمْ يَكُنْ
(27/264)

الْحَجُّ وَاجِبًا فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ؛ وَإِنَّمَا وَجَبَ فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ} هَذَا هُوَ الَّذِي اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ: أَنَّهُ يُفِيدُ إيجَابَهُ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} فَقِيلَ: إنَّهُ يُفِيدُ إيجَابَهُمَا ابْتِدَاءً وَإِتْمَامَهُمَا بَعْدَ الشُّرُوعِ. وَقِيلَ: إنَّمَا يُفِيدُ وُجُوبَ إتْمَامِهِمَا بَعْدَ الشُّرُوعِ لَا إيجَابَهُمَا ابْتِدَاءً. وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ فَإِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ بِإِجْمَاعِ النَّاسِ بَعْدَ شُرُوعِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْعُمْرَةِ - عُمْرَةِ الْحُدَيْبِيَةِ - لَمَّا صَدَّهُ الْمُشْرِكُونَ وَأُبِيحُ فِيهَا التَّحَلُّلُ لِلْمُحْصَرِ فَحَلَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابُهُ لَمَّا صَدَّهُمْ الْمُشْرِكُونَ وَرَجَعُوا. وَالْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ يَجِبُ عَلَى الشَّارِعِ فِيهِمَا إتْمَامُهُمَا بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ. وَتَنَازَعُوا فِي الصِّيَامِ وَالصَّلَاةِ وَالِاعْتِكَافِ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ مَشْهُورَيْنِ. وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْإِتْمَامُ وَمَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يَجِبُ كَمَا هُوَ مَبْسُوطٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ. وَالْمَقْصُودُ أَنَّ مَسْجِدَ الرَّسُولِ. فَضِيلَةُ السَّفَرِ إلَيْهِ لِأَجْلِ الْعِبَادَةِ فِيهِ وَالصَّلَاةُ فِيهِ بِأَلْفِ صَلَاةٍ؛ وَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ لِأَجْلِ الْقَبْرِ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ. وَهَذَا مِنْ الْفُرُوقِ بَيْنَ مَسْجِدِ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَغَيْرِهِ وَبَيْنَ قَبْرِهِ وَغَيْرِهِ. فَقَدْ ظَهَرَ الْفَرْقُ مِنْ وُجُوهٍ.
(27/265)

وَهَذَا الْمُعْتَرِضُ وَأَمْثَالُهُ جَعَلُوا السَّفَرَ إلَى قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ نَوْعًا. ثُمَّ لَمَّا رَأَوْا مَا ذَكَرَهُ الْعُلَمَاءُ مِنْ اسْتِحْبَابِ زِيَارَةِ قَبْرِ نَبِيِّنَا ظَنُّوا أَنَّ سَائِرَ الْقُبُورِ يُسَافَرُ إلَيْهَا كَمَا يُسَافَرُ إلَيْهِ. فَضَلُّوا مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ السَّفَرَ إلَيْهِ إنَّمَا هُوَ سَفَرٌ إلَى مَسْجِدِهِ وَهُوَ مُسْتَحَبٌّ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ.
الثَّانِي: أَنَّ هَذَا السَّفَرَ هُوَ لِلْمَسْجِدِ فِي حَيَاةِ الرَّسُولِ وَبَعْدَ دَفْنِهِ وَقَبْلَ دُخُولِ الْحُجْرَةِ وَبَعْدَ دُخُولِ الْحُجْرَةِ فِيهِ. فَهُوَ سَفَرٌ إلَى الْمَسَاجِدِ سَوَاءٌ كَانَ الْقَبْرُ هُنَاكَ أَوْ لَمْ يَكُنْ. فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُشَبَّهَ بِهِ السَّفَرُ إلَى قَبْرٍ مُجَرَّدٍ.
الثَّالِثُ: أَنَّ مِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ يَكْرَهُ أَنْ يُسَمِّيَ هَذَا زِيَارَةً لِقَبْرِهِ.
وَاَلَّذِينَ لَمْ يَكْرَهُوهُ يُسَلِّمُونَ لِأُولَئِكَ الْحُكْمَ؛ وَإِنَّمَا النِّزَاعُ فِي الِاسْمِ. وَأَمَّا غَيْرُهُ فَهُوَ زِيَارَةٌ لِقَبْرِهِ بِلَا نِزَاعٍ. فَلِلْمَانِعِ أَنْ يَقُولَ: لَا أُسَلِّمُ أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُسَافَرَ إلَى زِيَارَةِ قَبْرِهِ أَصْلًا وَكُلُّ مَا سُمِّيَ زِيَارَةَ قَبْرٍ فَإِنَّهُ لَا يُسَافَرُ إلَيْهِ وَالسَّفَرُ إلَى مَسْجِدِ نَبِيِّنَا لَيْسَ سَفَرًا إلَى زِيَارَةِ قَبْرِهِ بَلْ هُوَ سَفَرٌ لِعِبَادَةِ فِي مَسْجِدِهِ. الرَّابِعُ: أَنَّ هَذَا السَّفَرَ مُسْتَحَبٌّ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ وَالسَّفَرَ إلَى قُبُورِ سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ لَيْسَ مُسْتَحَبًّا لَا بِنَصِّ وَلَا إجْمَاعٍ؛ بَلْ
(27/266)

هُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ الْكِبَارِ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ النَّصُّ. الْخَامِسُ: أَنَّ الْمَسْجِدَ الَّذِي عِنْدَ قَبْرِهِ مَسْجِدُهُ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى وَهُوَ أَفْضَلُ الْمَسَاجِدِ غَيْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالصَّلَاةُ فِيهِ بِأَلْفِ صَلَاةٍ وَالْمَسَاجِدُ الَّتِي عَلَى قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ نُهِيَ عَنْ اتِّخَاذِهَا مَسَاجِدَ وَالصَّلَاةُ فِيهَا كَمَا تَقَدَّمَ. فَكَيْفَ عَنْ السَّفَرِ إلَيْهَا. السَّادِسُ: أَنَّ السَّفَرَ إلَى مَسْجِدِهِ - الَّذِي يُسَمَّى السَّفَرَ لِزِيَارَةِ قَبْرِهِ - هُوَ مَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ جِيلًا بَعْدَ جِيلٍ وَأَمَّا السَّفَرُ إلَى سَائِرِ الْقُبُورِ فَلَا يُعْرَفُ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانِ بَلْ وَلَا عَنْ أَتْبَاعِ التَّابِعِينَ وَلَا اسْتَحَبَّهُ أَحَدٌ مِنْ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَلَا غَيْرِهِمْ. فَكَيْفَ يُقَاسُ هَذَا بِهَذَا؟ وَمَا زَالَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ عَهْدِهِ وَإِلَى هَذَا الْوَقْتِ يُسَافِرُونَ إلَى مَسْجِدِهِ؛ إمَّا مَعَ الْحَجِّ وَإِمَّا بِدُونِ الْحَجِّ. فَعَلَى عَهْدِ الصَّحَابَةِ لَمْ يَكُونُوا يَأْتُونَهُ مَعَ الْحَجِّ - كَمَا يُسَافِرُونَ إلَى مَكَّةَ - فَإِنَّ الطُّرُقَاتِ كَانَتْ آمِنَةً وَكَانَ إنْشَاءُ السَّفَرِ إلَيْهِ أَفْضَلَ مِنْ أَنْ يُجْعَلَ تَبَعًا لِسَفَرِ الْحَجِّ. وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قَدْ أَمَرَهُمْ أَنْ يُفْرِدُوا لِلْعُمْرَةِ سَفَرًا وَلِلْحَجِّ سَفَرًا وَهَذَا أَفْضَلُ - بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ - مِنْ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ؛ فَإِنَّ الَّذِينَ فَضَّلُوا التَّمَتُّعَ وَالْقِرَانَ كَمَا فَضَّلَ أَحْمَد التَّمَتُّعَ لِمَنْ لَمْ يَسُقْ الْهَدْيَ وَالْقِرَانَ لِمَنْ سَاقَ الْهَدْيَ - فِي الْمَنْصُوصِ عَنْهُ وَصَرَّحَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ بِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ قَارِنًا -
(27/267)

هُوَ مَعَ ذَلِكَ يَقُولُ: إنَّ إفْرَادَ الْعُمْرَةِ بِسَفَرِ وَالْحَجِّ بِسَفَرِ أَفْضَلُ مِنْ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ وَكَذَلِكَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ - فِيمَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ - أَنَّ عُمْرَةً كُوفِيَّةً أَفْضَلُ مِنْ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ. وَبَسْطُ هَذَا لَهُ مَوْضِعٌ آخَرُ. وَالْمَقْصُودُ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ مَا زَالُوا يُسَافِرُونَ إلَى مَسْجِدِهِ وَلَا يُسَافِرُونَ إلَى قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ: كَقَبْرِ مُوسَى وَقَبْرِ الْخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَلَمْ يُعْرَفْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَة أَنَّهُ سَافَرَ إلَى قَبْرِ الْخَلِيلِ مَعَ كَثْرَةِ مَجِيئِهِمْ إلَى الشَّامِ وَالْبَيْتِ الْمُقَدَّسِ. فَكَيْفَ يُجْعَلُ السَّفَرُ إلَى مَسْجِدِ الرَّسُولِ الَّذِي يُسَمِّيهِ بَعْضُ النَّاسِ زِيَارَةً لِقَبْرِهِ مِثْلَ السَّفَرِ إلَى قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ السَّابِعُ: أَنَّ السَّفَرَ الْمَشْرُوعَ إلَى مَسْجِدِهِ يَتَضَمَّنُ أَنْ يُفْعَلَ فِي مَسْجِدِهِ مَا كَانَ يُفْعَلُ فِي حَيَاتِهِ وَحَيَاةِ خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ: مِنْ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيْهِ وَالثَّنَاءِ وَالدُّعَاءِ كَمَا يُفْعَلُ ذَلِكَ فِي سَائِرِ الْمَسَاجِدِ وَسَائِرِ الْبِقَاعِ. وَإِنْ كَانَ مَسْجِدُهُ أَفْضَلَ. فَالْمَشْرُوعُ فِيهِ عِبَادَةٌ لِلَّهِ مَأْمُورٌ بِهَا وَأَمَّا الَّذِي يَفْعَلُهُ مَنْ سَافَرَ إلَى قَبْرِ غَيْرِهِ فَإِنَّمَا هُوَ مِنْ نَوْعِ الشِّرْكِ كَدُعَائِهِمْ وَطَلَبِ الْحَوَائِجِ مِنْهُمْ وَاِتِّخَاذِ قُبُورِهِمْ مَسَاجِدَ وَأَعْيَادًا وَأَوْثَانًا. وَهَذَا مُحَرَّمٌ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ. فَإِنْ قُلْت: فَقَدْ يَفْعَلُ بَعْضُ النَّاسِ عِنْدَ قَبْرِهِ مِثْلَ هَذَا.
(27/268)

قُلْت لَك: أَمَّا عِنْدُ الْقَبْرِ فَلَا يَقْدِرُ أَحَدٌ عَلَى ذَلِكَ؛ فَإِنَّ اللَّهَ أَجَابَ دَعْوَتَهُ حَيْثُ قَالَ: {اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَدُ.} . وَأَمَّا فِي مَسْجِدِهِ فَإِنَّمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ بَعْضُ النَّاسِ الْجُهَّالِ وَأَمَّا مَنْ يَعْلَمُ شَرْعَ الْإِسْلَامِ فَإِنَّمَا يَفْعَلُ مَا شُرِعَ وَهَؤُلَاءِ يَنْهَوْنَ أُولَئِكَ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ فَلَا يَجْتَمِعُ الزُّوَّارُ عَلَى الضَّلَالِ وَأَمَّا قَبْرُ غَيْرِهِ فَالْمُسَافِرُونَ إلَيْهِ كُلُّهُمْ جُهَّالٌ ضَالُّونَ مُشْرِكُونَ وَيَصِيرُونَ عِنْدَ نَفْسِ الْقَبْرِ؛ وَلَا أَحَدَ هُنَاكَ يُنْكِرُ عَلَيْهِمْ. الْوَجْهُ الثَّامِنُ: أَنْ يُقَالَ قَبْرُهُ مَعْلُومٌ مُتَوَاتِرٌ؛ بِخِلَافِ قَبْرِ غَيْرِهِ. وَمِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَفِظَ عَامَّةَ قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ بِبَرَكَةِ رِسَالَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَتَمَكَّنْ النَّاسُ مَعَ ظُهُورِ دِينِهِ أَنْ يَتَّخِذُوا قُبُورَ الْأَنْبِيَاءِ مَسَاجِدَ كَمَا أَظْهَرَ مِنْ الْإِيمَانِ بِنُبُوَّةِ الْأَنْبِيَاءِ وَمَا جَاءُوا بِهِ: مِنْ إعْلَانِ ذِكْرِهِمْ وَمَحَبَّتِهِمْ وَمُوَالَاتِهِمْ وَالتَّصْدِيقِ لِأَقْوَالِهِمْ وَالِاتِّبَاعِ لِأَعْمَالِهِمْ: مَا لَمْ يَكُنْ هَذَا لِأُمَّةِ أُخْرَى. وَهَذَا هُوَ الَّذِي يُنْتَفَعُ بِهِ مِنْ جِهَةِ الْأَنْبِيَاءِ وَهُوَ تَصْدِيقُهُمْ فِيمَا أَخْبَرُوا وَطَاعَتُهُمْ فِيمَا أَمَرُوا وَالِاقْتِدَاءُ بِهِمْ فِيمَا فَعَلُوا وَحُبُّ مَا كَانُوا يُحِبُّونَهُ وَبُغْضُ مَا كَانُوا يُبْغِضُونَهُ وَمُوَالَاةُ مَنْ يُوَالُونَهُ وَمُعَادَاةُ مَنْ يُعَادُونَهُ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَحْصُلُ إلَّا بِمَعْرِفَةِ أَخْبَارِهِمْ. وَالْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ مَمْلُوءَانِ مِنْ ذِكْرِ الْأَنْبِيَاءِ. وَهَذَا أَمْرٌ ثَابِتٌ فِي الْقُلُوبِ مَذْكُورٌ بِالْأَلْسِنَةِ؛ وَأَمَّا نَفْسُ الْقَبْرِ فَلَيْسَ
(27/269)

فِي رُؤْيَتِهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ؛ بَلْ أَهْلُ الضَّلَالِ يَتَّخِذُونَهَا أَوْثَانًا كَمَا كَانَتْ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى يَتَّخِذُونَ قُبُورَ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ مَسَاجِدَ. فَبِبَرَكَةِ رِسَالَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَظْهَرَ اللَّهُ مِنْ ذِكْرِهِمْ وَمَعْرِفَةِ أَحْوَالِهِمْ مَا يَجِبُ الْإِيمَانُ بِهِ وَتَنْتَفِعُ بِهِ الْعِبَادُ. وَأَبْطَلَ مَا يَضُرُّ الْخَلْقَ مِنْ الشِّرْكِ بِهِمْ وَاِتِّخَاذِ قُبُورِهِمْ مَسَاجِدَ كَمَا كَانُوا يَتَّخِذُونَهَا فِي زَمَنِ مَنْ قَبْلَنَا. وَلَمْ يَكُنْ عَلَى عَهْدِ الصَّحَابَةِ قَبْرُ نَبِيٍّ ظَاهِرٌ يُزَارُ؛ لَا بِسَفَرِ وَلَا بِغَيْرِ سَفَرٍ. لَا قَبْرُ الْخَلِيلِ وَلَا غَيْرُهُ. وَلَمَّا ظَهَرَ بتستر " قَبْرُ دَانْيَالَ " وَكَانُوا يَسْتَسْقُونَ بِهِ كَتَبَ فِيهِ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ؛ فَكَتَبَ إلَيْهِ يَأْمُرُهُ أَنْ يَحْفِرَ بِالنَّهَارِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ قَبْرًا وَيَدْفِنُهُ بِاللَّيْلِ فِي وَاحِدٍ مِنْهَا وَيُعْفِي الْقُبُورَ كُلَّهَا لِئَلَّا يَفْتَتِنَ بِهِ النَّاسُ. وَهَذَا قَدْ ذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ. وَمِمَّنْ رَوَاهُ يُونُسُ بْنُ بَكْرٍ فِي " زِيَادَاتِ مَغَازِي ابْنِ إسْحَقَ " عَنْ أَبِي خلدة خَالِدِ بْنِ دِينَارٍ. حَدَّثَنَا أَبُو الْعَالِيَةِ قَالَ: لَمَّا فَتَحْنَا " تُسْتَرَ " وَجَدْنَا فِي بَيْتِ مَالِ الْهُرْمُزَانِ سَرِيرًا عَلَيْهِ رَجُلٌ مَيِّتٌ عِنْدَ رَأْسِهِ مُصْحَفٌ لَهُ فَأَخَذْنَا الْمُصْحَفَ فَحَمَلْنَاهُ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَدَعَا لَهُ كَعْبًا فَنَسَخَهُ بِالْعَرَبِيَّةِ فَأَنَا أَوَّلُ رَجُلٍ مِنْ الْعَرَبِ قَرَأَهُ: قَرَأْته مِثْلَمَا أَقْرَأُ الْقُرْآنَ هَذَا. فَقُلْت: لِأَبِي الْعَالِيَةِ: مَا كَانَ فِيهِ؟ قَالَ: سِيرَتُكُمْ وَأُمُورُكُمْ وَلُحُونُ كَلَامِكُمْ وَمَا هُوَ كَائِنٌ بَعْدُ
(27/270)

قُلْت: فَمَا صَنَعْتُمْ بِالرَّجُلِ؟ قَالَ: حَفَرْنَا بِالنَّهَارِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ قَبْرًا مُتَفَرِّقَةً فَلَمَّا كَانَ بِاللَّيْلِ دَفَنَّاهُ وَسَوَّيْنَا الْقُبُورَ كُلَّهَا لِنُعَمِّيَهُ عَلَى النَّاسِ لَا يَنْبُشُونَهُ. قُلْت: وَمَا يَرْجُونَ فِيهِ؟ قَالَ: كَانَتْ السَّمَاءُ إذَا حُبِسَتْ عَنْهُمْ بَرَزُوا بِسَرِيرِهِ فَيُمْطَرُونَ. فَقُلْت: مَنْ كُنْتُمْ تَظُنُّونَ الرَّجُلَ؟ قَالَ: رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ " دَانْيَالُ " فَقُلْت: مُنْذُ كَمْ وَجَدْتُمُوهُ مَاتَ؟ قَالَ: مُنْذُ ثَلَاثِمِائَةِ سَنَةٍ. قُلْت مَا كَانَ تَغَيَّرَ مِنْهُ شَيْءٌ؟ قَالَ: لَا؛ إلَّا شُعَيْرَاتٌ مِنْ قَفَاهُ؛ إنَّ لُحُومَ الْأَنْبِيَاءِ لَا تُبْلِيهَا الْأَرْضُ وَلَا تَأْكُلُهَا السِّبَاعُ. وَلَمْ تَدَعْ الصَّحَابَةُ فِي الْإِسْلَامِ قَبْرًا ظَاهِرًا مِنْ قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ يَفْتَتِنُ بِهِ النَّاسُ؛ وَلَا يُسَافِرُونَ إلَيْهِ وَلَا يَدْعُونَهُ وَلَا يَتَّخِذُونَهُ مَسْجِدًا. بَلْ قَبْرُ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَجَبُوهُ فِي الْحُجْرَةِ وَمَنَعُوا النَّاسَ مِنْهُ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ وَغَيْرُهُ مِنْ الْقُبُورِ عَفْوُهُ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ؛ إنْ كَانَ النَّاسُ يَفْتَتِنُونَ بِهِ وَإِنْ كَانُوا لَا يَفْتَتِنُونَ بِهِ فَلَا يَضُرُّ مَعْرِفَةُ قَبْرِهِ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {لَمَّا ذَكَرَ أَنَّ مَلَكَ الْمَوْتِ أَتَى مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَقَالَ: أَجِبْ رَبَّك فَلَطَمَهُ مُوسَى فَفَقَأَ عَيْنَهُ فَرَجَعَ الْمَلَكُ إلَى اللَّهِ فَقَالَ: أَرْسَلْتنِي إلَى عَبْدٍ لَك لَا يُرِيدُ الْمَوْتَ وَقَدْ فَقَأَ عَيْنِي قَالَ: فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ عَيْنَهُ وَقَالَ: ارْجِعْ إلَى مُوسَى فَقُلْ لَهُ: الْحَيَاةَ تُرِيدُ؟ فَإِنْ كُنْت تُرِيدُ الْحَيَاةَ فَضَعْ يَدَك عَلَى مَتْنِ ثَوْرٍ فَمَا وَارَتْ يَدَك مِنْ شَعْرِهِ فَإِنَّك تَعِيشُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ سَنَةً. قَالَ ثُمَّ مَاذَا؟
(27/271)

قَالَ: الْمَوْتُ قَالَ: فَمِنْ الْآنَ يَا رَبِّ وَلَكِنْ أَدْنِنِي مِنْ الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ رَمْيَةً بِحَجَرِ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَوْ كُنْت ثَمَّ لَأَرَيْتُكُمْ قَبْرَهُ إلَى جَانِبِ الطَّرِيقِ عِنْدَ الْكَثِيبِ الْأَحْمَرِ} . وَقَدْ مَرَّ بِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ فَرَآهُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي قَبْرِهِ وَمَعَ هَذَا لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ يُسَافِرُ إلَيْهِ وَلَا ذَهَبُوا إلَيْهِ لَمَّا دَخَلُوا الشَّامَ فِي زَمَنِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ كَمَا لَمْ يَكُونُوا يُسَافِرُونَ إلَى قَبْرِ الْخَلِيلِ وَغَيْرِهِ وَهَكَذَا كَانُوا يَفْعَلُونَ بِقُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ. فَقَبْرُ " دَانْيَالَ " - كَمَا قِيلَ - كَانُوا يَجِدُونَ مِنْهُ رَائِحَةَ الْمِسْكِ فَعَفَوْهُ لِئَلَّا يَفْتَتِنَ بِهِ النَّاسُ. و " قَبْرُ الْخَلِيلِ " عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ عَلَيْهِ بِنَاءٌ. قِيلَ: إنَّ سُلَيْمَانَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بَنَاهُ فَلَا يَصِلُ أَحَدٌ إلَيْهِ؛ وَإِنَّمَا نُقِبَ الْبِنَاءُ بَعْدَ زَمَانٍ طَوِيلٍ بَعْدَ انْقِرَاضِ الْقُرُونِ الثَّلَاثَةِ. وَقَدْ قِيلَ: إنَّمَا نَقَبَهُ النَّصَارَى لَمَّا اسْتَوْلَوْا عَلَى مُلْكِ الْبِلَادِ وَمَعَ هَذَا فَلَمْ يَتَمَكَّنْ أَحَدٌ مِنْ الْوُصُولِ إلَى قَبْرِ الْخَلِيلِ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ - فَكَانَ السَّفَرُ إلَى زِيَارَةِ قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ مُمْتَنِعًا عَلَى عَهْدِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَإِنَّمَا حَدَثَ بَعْدَهُمْ. فَالْأَنْبِيَاءُ كَثِيرُونَ جِدًّا وَمَا يُضَافُ إلَيْهِمْ مِنْ الْقُبُورِ قَلِيلٌ جِدًّا؛ وَلَيْسَ مِنْهَا شَيْءٌ ثَابِتٌ عُرْفًا. فَالْقُبُورُ الْمُضَافَةُ إلَيْهِمْ مِنْهَا مَا يُعْلَمُ أَنَّهُ كَذِبٌ: مِثْلُ " قَبْرِ نُوحٍ " الَّذِي فِي أَسْفَلِ جَبَلِ لُبْنَانَ. وَمِنْهَا
(27/272)

مَا لَا يُعْلَمُ ثُبُوتُهُ بِالْإِجْمَاعِ - إلَّا قَبْرَ نَبِيِّنَا وَالْخَلِيلِ وَمُوسَى - فَإِنَّ هَذَا مِنْ كَرَامَةِ مُحَمَّدٍ وَأُمَّتِهِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ صَانَ قُبُورَ الْأَنْبِيَاءِ عَنْ أَنْ تَكُونَ مَسَاجِدَ صِيَانَةً لَمْ يَحْصُلْ مِثْلُهَا فِي الْأُمَمِ الْمُتَقَدِّمَةِ؛ لِأَنَّ مُحَمَّدًا وَأُمَّتَهُ أَظْهَرُوا التَّوْحِيدَ إظْهَارًا لَمْ يُظْهِرْهُ غَيْرُهُمْ. فَقَهَرُوا عُبَّادَ الْأَوْثَانِ وَعُبَّادَ الصُّلْبَانِ وَعُبَّادَ النِّيرَانِ. وَكَمَا أَخْفَى اللَّهُ بِهِمْ الشِّرْكَ فَأَظْهَرَ اللَّهُ بِمُحَمَّدِ وَأُمَّتِهِ مِنْ الْإِيمَانِ بِالْأَنْبِيَاءِ وَتَعْظِيمِهِمْ وَتَعْظِيمِ مَا جَاءُوا بِهِ وَإِعْلَانِ ذِكْرِهِمْ بِأَحْسَنِ الْوُجُوهِ مَا لَمْ يَظْهَرْ مِثْلُهُ فِي أُمَّةٍ مِنْ الْأُمَمِ وَفِي الْقُرْآنِ يَأْمُرُ بِذِكْرِهِمْ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إبْرَاهِيمَ إنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا} {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا} الْآيَاتُ. وَقَوْلُهُ: {اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الْأَيْدِ إنَّهُ أَوَّابٌ} وَذَكَرَ بَعْدَهُ سُلَيْمَانَ إلَى قَوْلِهِ: {وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إذْ نَادَى رَبَّهُ} إلَى قَوْلِهِ: {وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ} إلَى قَوْلِهِ {وَاذْكُرْ إسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ} . فَأَمَرَ بِذِكْرِ هَؤُلَاءِ. وَأَمَّا مُوسَى وَقَبْلَهُ نُوحٌ وَهُودٌ وَصَالِحٌ فَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ فِي قَوْله تَعَالَى {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ} {وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ} {إنْ كُلٌّ إلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ} . وَقَدْ أَمَرَ بِذِكْرِ مُوسَى وَغَيْرِهِ أَيْضًا فِي سُورَةٍ
(27/273)

أُخْرَى كَمَا تَقَدَّمَ. فَاَلَّذِي أَظْهَرَهُ اللَّهُ بِمُحَمَّدِ وَأُمَّتِهِ مِنْ ذِكْرِ الْأَنْبِيَاءِ بِأَفْضَلِ الذِّكْرِ وَأَخْبَارِهِمْ وَمَدْحِهِمْ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِمْ وَوُجُوبِ الْإِيمَانِ بِمَا جَاءُوا بِهِ وَالْحُكْمِ بِالْكُفْرِ عَلَى مَنْ كَفَرَ بِوَاحِدِ مِنْهُمْ وَقَتْلِهِ وَقَتْلِ مَنْ سَبَّ أَحَدًا مِنْهُمْ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ تَعْظِيمِ أَقْدَارِهِمْ: مَا لَمْ يُوجَدْ مِثْلُهُ فِي مِلَّةٍ مِنْ الْمِلَلِ.
و" أَصْلُ الْإِيمَانِ " تَوْحِيدُ اللَّهِ بِعِبَادَتِهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَالْإِيمَانُ بِرُسُلِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} {عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: خِلَّتَانِ تُسْأَلُ الْعِبَادُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَنْهُمَا: عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ وَعَمَّا أَجَابُوا الرُّسُلَ. وَلِهَذَا يُقَرِّرُ اللَّهُ هَذَيْنَ الْأَصْلَيْنِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ الْقُرْآنِ بَلْ يُقَدِّمُهُمَا عَلَى كُلِّ مَا سِوَاهُمَا؛ لِأَنَّهُمَا أَصْلُ الْأُصُولِ: مِثْلَمَا ذَكَرَ فِي " سُورَةِ الْبَقَرَةِ " فَإِنَّهُ افْتَتَحَهَا بِذِكْرِ أَصْنَافِ الْخَلْقِ وَهُمْ ثَلَاثَةٌ: مُؤْمِنٌ وَكَافِرٌ وَمُنَافِقٌ. وَهَذَا التَّقْسِيمُ كَانَ لَمَّا هَاجَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى الْمَدِينَةِ. فَإِنَّ مَكَّةَ لَمْ يَكُنْ بِهَا نِفَاقٌ؛ بَلْ إمَّا مُؤْمِنٌ؛ وَإِمَّا كَافِرٌ. و " الْبَقَرَةُ " مَدَنِيَّةٌ مِنْ أَوَائِلِ مَا نَزَلَ بِالْمَدِينَةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ أَرْبَعَ آيَاتٍ فِي ذِكْرِ الْمُؤْمِنِينَ وَآيَتَيْنِ فِي ذِكْرِ الْكَافِرِينَ وَبِضْعَ عَشْرَةَ آيَةً فِي صِفَةِ الْمُنَافِقِينَ. وَافْتَتَحَهَا بِالْإِيمَانِ بِجَمِيعِ الْكُتُبِ وَالْأَنْبِيَاءِ وَوَسَّطَهَا بِذَلِكَ وَخَتَمَهَا
(27/274)

بِذَلِكَ. قَالَ فِي أَوَّلِهَا: {الم} {ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} {وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} {أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} . وَالصَّحِيحُ فِي قَوْلِهِ: {وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ} أَنَّهُ وَاَلَّذِي قَبْلَهُ صِفَةٌ لِمَوْصُوفِ وَاحِدٍ؛ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْإِيمَانِ بِمَا أُنْزِلَ إلَيْهِ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِهِ وَالْعَطْفُ لِتَغَايُرِ الصِّفَاتِ كَقَوْلِهِ: {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ} وَقَوْلِهِ: {الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى} {وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى} {وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى} وَقَوْلِهِ: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ} {الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ} {وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ} - إلَى قَوْلِهِ - {أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ} {الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} . وَمَنْ قَالَ: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ} أَرَادَ بِهِ مُشْرِكِي الْعَرَبِ وَقَوْلِهِ: {وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ} أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ أَهْلُ الْكِتَابِ: فَقَدْ غَلِطَ؛ فَإِنَّ مُشْرِكِي الْعَرَبِ لَمْ يُؤْمِنُوا بِمَا أُنْزِلَ إلَيْهِ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِهِ فَلَمْ يَكُونُوا مُفْلِحِينَ. وَأَهْلُ الْكِتَابِ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ لَمْ يَكُونُوا مُفْلِحِينَ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: {أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ صِنْفٌ وَاحِدٌ.
(27/275)

وَقَالَ فِي وَسَطِ السُّورَةِ: {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إلَى إبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} فَأَمَرَ بِالْإِيمَانِ بِكُلِّ مَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ وَقَدْ قَالَ فِي أَثْنَائِهَا: {وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ} وَخَتَمَهَا بِقَوْلِهِ: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ} . ثُمَّ إنَّهُ بَعْدَ تَقْسِيمِ الْخَلْقِ قَرَّرَ أُصُولَ الدِّينِ. فَقَرَّرَ التَّوْحِيدَ أَوَّلًا ثُمَّ النُّبُوَّةَ ثَانِيًا بِقَوْلِهِ: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} ثُمَّ قَرَّرَ النُّبُوَّةَ بِقَوْلِهِ: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} {فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا} فَأَخْبَرَ أَنَّهُمْ لَا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ كَمَا قَالَ: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ} . ثُمَّ ذَكَرَ الْجَنَّةَ. فَقَرَّرَ التَّوْحِيدَ وَالنُّبُوَّةَ وَالْمَعَادَ. وَهَذِهِ أُصُولُ الْإِيمَانِ.
(27/276)

وَفِي آلِ عِمْرَانَ قَالَ: {اللَّهُ لَا إلَهَ إلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} {نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ} {مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ} . فَذَكَرَ التَّوْحِيدَ أَوَّلًا ثُمَّ الْإِيمَانَ بِمَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ ثَانِيًا وَذَكَرَ أَنَّهُ أَنْزَلَ الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ كَمَا قَالَ: {وَإِذْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ} . وَلَفْظُ " الْفُرْقَانَ " يَتَنَاوَلُ مَا يُفَرِّقُ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ مِثْلَ الْآيَاتِ الَّتِي بُعِثَ بِهَا الْأَنْبِيَاءُ: كَالْحَيَّةِ وَالْيَدِ الْبَيْضَاءِ وَانْفِلَاقِ الْبَحْرِ. وَالْقُرْآنُ فُرْقَانٌ بَيْنَ هَذَا الْوَجْهِ: مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ آيَةٌ عَظِيمَةٌ لِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعِلْمٌ عَظِيمٌ. وَهُوَ أَيْضًا فُرْقَانٌ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ فَرَّقَ بِبَيَانِهِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ كَمَا قَالَ: {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ} وَلِهَذَا فَسَّرَ جَمَاعَةٌ الْفُرْقَانَ هُنَا بِهِ. وَلَفْظُ " الْفُرْقَانِ " أَيْضًا يَتَنَاوَلُ نَصْرَ اللَّهِ لِأَنْبِيَائِهِ وَعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ وَإِهْلَاكَ أَعْدَائِهِمْ؛ فَإِنَّهُ فَرَّقَ بِهِ بَيْنَ أَوْلِيَائِهِ وَأَعْدَائِهِ وَهُوَ أَيْضًا مِنْ الْأَعْلَامِ قَالَ تَعَالَى: {إنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ} . وَالْآيَاتُ الَّتِي يَجْعَلُهَا اللَّهُ دِلَالَةً عَلَى صِدْقِ الْأَنْبِيَاءِ هِيَ مِمَّا يُنَزِّلُهُ كَمَا قَالَ: {وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً} وَقَالَ: {إنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ} وَقَالَ تَعَالَى: {فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} . وَبَسْطُ هَذَا لَهُ مَوْضِعٌ آخَرُ.
(27/277)

وَالْمَقْصُودُ هُنَا: التَّنْبِيهُ. وَكَذَلِكَ فِي " سُورَةِ يُونُسَ " قَالَ تَعَالَى: {أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ} ثُمَّ قَالَ: {إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إلَّا مِنْ بَعْدِ إذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} وَفِي سُورَةِ " الم السَّجْدَةُ " قَالَ تَعَالَى: {الم} {تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ} {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ} {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ} وَقَالَ: {تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} {إنَّا أَنْزَلْنَا إلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ} {أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إلَّا لِيُقَرِّبُونَا إلَى اللَّهِ زُلْفَى} . وَمِنْ هَذَا قَوْله تَعَالَى {كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ} {أَلَّا تَعْبُدُوا إلَّا اللَّهَ إنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ} وَقَوْلُهُ: {فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إلَهَ إلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} وَقَوْلُهُ: {يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إلَهَ إلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ} وَقَوْلُهُ: {وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ} ثُمَّ قَالَ:
(27/278)

{وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ} وَقَوْلُهُ: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} . وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ فِي رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ بِسُورَتَيْ الْإِخْلَاصِ تَارَةً وَتَارَةً قَوْله تَعَالَى {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إلَى إبْرَاهِيمَ} الْآيَاتُ. وَفِي الثَّانِيَةِ {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} . وَهَذَا بَابٌ وَاسِعٌ؛ لِأَنَّ النَّاسَ مُضْطَرُّونَ إلَى هَذَيْنَ الْأَصْلَيْنِ فَلَا يَنْجُونَ مِنْ الْعَذَابِ وَلَا يَسْعَدُونَ إلَّا بِهِمَا. فَعَلَيْهِمْ أَنْ يُؤْمِنُوا بِالْأَنْبِيَاءِ وَمَا جَاءُوا بِهِ وَأَصْلُ مَا جَاءُوا بِهِ أَنْ لَا يَعْبُدُوا إلَّا اللَّهَ وَحْدَهُ كَمَا قَالَ: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إلَّا نُوحِي إلَيْهِ أَنَّهُ لَا إلَهَ إلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} وَقَالَ تَعَالَى: {وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ} وَقَالَ تَعَالَى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} . وَالْأَنْبِيَاءُ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وَسَلَامُهُ - هُمْ وَسَائِطُ بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ خَلْقِهِ فِي تَبْلِيغِ كَلَامِهِ وَأَمْرِهِ وَنَهْيِهِ وَوَعْدِهِ وَوَعِيدِهِ وَأَنْبَائِهِ الَّتِي أَنْبَأَ بِهَا عَنْ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَعَرْشِهِ وَمَا كَانَ وَمَا يَكُونُ وَلَيْسُوا وَسَائِطَ فِي خَلْقِهِ لِعِبَادِهِ وَلَا فِي رِزْقِهِمْ وَإِحْيَائِهِمْ وَإِمَاتَتِهِمْ وَلَا
(27/279)

جَزَائِهِمْ بِالْأَعْمَالِ وَثَوَابِهِمْ وَعِقَابِهِمْ وَلَا فِي إجَابَةِ دَعَوَاتِهِمْ وَإِعْطَاءِ سُؤَالِهِمْ؛ بَلْ هُوَ وَحْدَهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الَّذِي يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إذَا دَعَاهُ وَهُوَ الَّذِي يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ {وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ} وَقَالَ تَعَالَى: {وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إنَّمَا هُوَ إلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ} {وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ} كَمَا قَالَ تَعَالَى: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا} {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا} وَقَالَ تَعَالَى: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ} {وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ} . فَبَيَّنَ أَنَّ كُلَّ مَا يُدْعَى مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ الْمَلَائِكَةِ وَالْأَنْبِيَاءِ وَغَيْرِهِمْ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَلَا لِأَحَدِ مِنْهُمْ شِرْكٌ مَعَهُ وَلَا لَهُ ظَهِيرٌ مِنْهُمْ فَلَمْ يَبْقَ إلَّا الشَّفَاعَةُ {وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ} فَالْأَمْرُ فِي الشَّفَاعَةِ إلَيْهِ وَحْدَهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا} وَقَالَ: {وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ} . وَقَوْلُهُ {إلَّا مَنْ
(27/280)

شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ فِي أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ.
فَانْقَسَمَ النَّاسُ فِيهِمْ " ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ ": قَوْمٌ أَنْكَرُوا تَوَسُّطَهُمْ بِتَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ فَكَذَّبُوا بِالْكُتُبِ وَالرُّسُلِ: مِثْلُ قَوْمِ نُوحٍ وَهُودٍ وَصَالِحٍ وَلُوطٍ وَشُعَيْبٍ وَقَوْمِ فِرْعَوْنَ وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ يُخْبِرُ اللَّهُ أَنَّهُمْ كَذَّبُوا الْمُرْسَلِينَ؛ فَإِنَّهُمْ كَذَّبُوا جِنْسَ الرُّسُلِ؛ يُؤْمِنُوا بِبَعْضِهِمْ دُونَ بَعْضٍ. وَمِنْ هَؤُلَاءِ مُنْكِرُو النُّبُوَّاتِ مِنْ البراهمة وَفَلَاسِفَةِ الْهِنْدِ الْمُشْرِكِينَ وَغَيْرِهِمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَكُلُّ مَنْ كَذَّبَ الرُّسُلَ لَا يَكُونُ إلَّا مُشْرِكًا وَكَذَلِكَ مَنْ كَذَّبَ بِبَعْضِهِمْ دُونَ بَعْضٍ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا} . فَكُلُّ مَنْ كَذَّبَ مُحَمَّدًا أَوْ الْمَسِيحَ أَوْ دَاوُد أَوْ سُلَيْمَانَ أَوْ غَيْرَهُمْ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ الَّذِينَ بُعِثُوا بَعْدَ مُوسَى: فَهُوَ كَافِرٌ قَالَ تَعَالَى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ} وَقَالَ تَعَالَى: {وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ} وَقَالَ تَعَالَى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ
(27/281)

تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} وَالْفَلَاسِفَةُ وَالْمَلَاحِدَةُ وَغَيْرُهُمْ مِنْهُمْ مَنْ يَجْعَلُ النُّبُوَّاتِ مَنْ جِنْسِ الْمَنَامَاتِ وَيَجْعَلُ مَقْصُودَهَا التَّخْيِيلَ فَقَطْ. قَالَ تَعَالَى: {بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ} فَهَؤُلَاءِ مُكَذِّبُونَ بِالنُّبُوَّاتِ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَجْعَلُهُمْ مَخْصُوصِينَ بِعِلْمِ يَنَالُونَهُ بِقُوَّةِ قُدْسِيَّةٍ بِلَا تَعَلُّمٍ؛ وَلَا يُثْبِتُ مَلَائِكَةً تَنْزِلُ بِالْوَحْيِ. وَلَا كَلَامًا لِلَّهِ يَتَكَلَّمُ بِهِ بَلْ يَقُولُونَ إنَّهُ لَا يَعْلَمُ الْجُزْئِيَّاتِ فَلَا يَعْلَمُ لَا مُوسَى وَلَا مُحَمَّدًا وَلَا غَيْرَهُمَا مِنْ الرُّسُلِ وَيَقُولُونَ: خَاصِّيَّةُ النَّبِيِّ - هَذِهِ الْقُوَّةُ الْعِلْمِيَّةُ الْقُدْسِيَّةُ - قُوَّةٌ يُؤَثِّرُ بِهَا فِي الْعَالَمِ وَعَنْهَا تَكُونُ الْخَوَارِقُ وَقُوَّةٌ تَخَيُّلِيَّةٌ وَهُوَ أَنْ تُمَثَّلَ لَهُ الْحَقَائِقُ فِي صُوَرٍ خَيَالِيَّةٍ فِي نَفْسِهِ فَيَرَى فِي نَفْسِهِ أَشْكَالًا نُورَانِيَّةً وَيَسْمَعُ فِي نَفْسِهِ كَلَامًا. فَهَذَا هُوَ النَّبِيُّ عِنْدَهُمْ. وَهَذِهِ الثَّلَاثُ تُوجَدُ لِكَثِيرِ مِنْ آحَادِ الْعَامَّةِ الَّذِينَ غَيْرُهُمْ مِنْ النَّبِيِّينَ أَفْضَلُ مِنْهُمْ. وَهَؤُلَاءِ وَإِنْ كَانُوا أَقْرَبَ مِنْ الَّذِينَ قَبْلَهُمْ فَهُمْ مِنْ الْمُكَذِّبِينَ لِلرُّسُلِ. وَكَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ يُقِرُّ بِمَا جَاءُوا بِهِ إلَّا فِي أَشْيَاءَ تُخَالِفُ رَأْيَهُ فَيُقَدِّمُ رَأْيَهُ عَلَى مَا جَاءُوا بِهِ وَيُعْرِضُ عَمَّا جَاءُوا بِهِ فَيَقُولُ: إنَّهُ لَا يَدْرِي مَا أَرَادُوا بِهِ أَوْ يُحَرِّفُ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ. وَهَؤُلَاءِ مَوْجُودُونَ فِي أَهْل الْكِتَابِ وَفِي أَهْلِ الْقِبْلَةِ وَلِهَذَا ذَكَرَ اللَّهُ فِي أَوَّلِ الْبَقَرَةِ الْمُؤْمِنِينَ وَالْكَافِرِينَ؛ ثُمَّ ذَكَرَ الْمُنَافِقِينَ وَبَسَطَ الْقَوْلَ فِيهِمْ.
(27/282)

وَقِسْمٌ ثَانٍ غَلَوْا فِي الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَفِي الْمَلَائِكَةِ أَيْضًا: فَجَعَلُوهُمْ وَسَائِطَ فِي الْعِبَادَةِ فَعَبَدُوهُمْ لِيُقَرِّبُوهُمْ إلَى اللَّهِ زُلْفَى وَصَوَّرُوا تَمَاثِيلَهُمْ وَعَكَفُوا عَلَى قُبُورِهِمْ. وَهَذَا كَثِيرٌ فِي النَّصَارَى وَمَنْ ضَاهَاهُمْ مِنْ ضُلَّالِ أَهْلِ الْقِبْلَةِ؛ وَلِهَذَا ذَكَرَ اللَّهُ هَذَا الصِّنْفَ فِي الْقُرْآنِ فِي " آلِ عِمْرَانَ " وَفِي " بَرَاءَةٌ " فِي ضِمْنِ الْكَلَامِ عَلَى النَّصَارَى وَقَالَ تَعَالَى: {مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ} {وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} وَقَالَ تَعَالَى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إلَّا لِيَعْبُدُوا إلَهًا وَاحِدًا لَا إلَهَ إلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} وَقَالَ تَعَالَى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} . وَهَذَا الَّذِي أَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يَقُولَهُ لَهُمْ هُوَ الَّذِي كَتَبَ إلَى هِرَقْلَ مِلْكِ الرُّومِ. وَهَؤُلَاءِ قَدْ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ إذَا اسْتَشْفَعُوا بِهِمْ شَفَعُوا لَهُمْ وَأَنَّ مَنْ قَصَدَ مُعَظَّمًا مِنْ الْمَلَائِكَةِ وَالْأَنْبِيَاءِ فَاسْتَشْفَعَ بِهِ شَفَعَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ كَمَا يَشْفَعُ خَوَاصُّ الْمُلُوكِ عِنْدَهُمْ. وَقَدْ أَبْطَلَ اللَّهُ هَذِهِ الشَّفَاعَةَ فِي غَيْرِ
(27/283)

مَوْضِعٍ مِنْ الْقُرْآنِ وَبَيَّنَ الْفَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَلْقِهِ؛ فَإِنَّ الْمَخْلُوقَ يَشْفَعُ عِنْدَ الْمَخْلُوقِ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَيَقْبَلُ الشَّفَاعَةَ لِرَغْبَةِ أَوْ رَهْبَةٍ أَوْ مَحَبَّةٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ فَيَكُونُ الشَّفِيعُ شَرِيكًا لِلْمَشْفُوعِ إلَيْهِ. وَهَذِهِ الشَّفَاعَةُ مُنْتَفِيَةٌ فِي حَقِّ اللَّهِ قَالَ تَعَالَى: {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلَّا بِإِذْنِهِ} وَقَالَ تَعَالَى: {وَلَا يَشْفَعُونَ إلَّا لِمَنِ ارْتَضَى} . وَهَؤُلَاءِ يَحُجُّونَ إلَى قُبُورِهِمْ وَيَدْعُونَهُمْ؛ وَقَدْ يَسْجُدُونَ لَهُمْ وَيَنْذِرُونَ لَهُمْ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ الْعِبَادَاتِ. وَهَؤُلَاءِ أَيْضًا مُشْرِكُونَ. وَأَكْثَرُ الْمُشْرِكِينَ يَجْمَعُونَ بَيْنَ التَّكْذِيبِ بِبَعْضِ مَا جَاءُوا بِهِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ فَيَكُونُ فِيهِمْ نَوْعٌ مِنْ الشِّرْكِ بِالْخَالِقِ وَتَكْذِيبِ رُسُلِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَجْمَعُ بَيْنَ الشِّرْكِ وَالتَّعْطِيلِ. فَيُعَطِّلُ الْخَالِقَ أَوْ بَعْضَ مَا يَسْتَحِقُّهُ مِنْ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ. فَأَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالتَّابِعُونَ لَهُمْ بِإِحْسَانِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَيْسُوا مِنْ هَؤُلَاءِ وَلَا مِنْ هَؤُلَاءِ بَلْ يُثْبِتُونَ أَنَّهُمْ وَسَائِطُ فِي التَّبْلِيغِ عَنْ اللَّهِ وَيُؤْمِنُونَ بِهِمْ وَيُحِبُّونَهُمْ وَلَا يَحُجُّونَ إلَى قُبُورِهِمْ وَلَا يَتَّخِذُونَ قُبُورَهُمْ مَسَاجِدَ. وَذَلِكَ تَحْقِيقُ " شَهَادَةِ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ". فَإِظْهَارُ ذِكْرِهِمْ وَمَا جَاءُوا بِهِ هُوَ مِنْ الْإِيمَانِ بِهِمْ وَإِخْفَاءُ قُبُورِهِمْ لِئَلَّا يَفْتَتِنَ بِهَا النَّاسُ هُوَ مِنْ تَمَامِ التَّوْحِيدِ وَعِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ. وَالصَّحَابَةُ وَأُمَّةُ مُحَمَّدٍ قَامُوا بِهَذَا.
(27/284)

وَلِهَذَا تَجِدُ عِنْدَ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَخْبَارِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالدِّينِ: مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ. مِنْ مَشَايِخِ الْعِلْمِ وَالدِّينِ وَالْعَدْلِ مِنْ وُلَاةِ الْأُمُورِ: مَا يُوجِبُ مَعْرِفَةَ ذَلِكَ الشَّخْصِ وَالثَّنَاءَ عَلَيْهِ وَالدُّعَاءَ لَهُ وَأَنْ يَكُونَ لَهُ لِسَانُ صِدْقٍ وَمَا يَنْتَفِعُ بِهِ: إمَّا كَلَامٌ لَهُ يَنْتَفِعُ بِهِ وَإِمَّا عَمَلٌ صَالِحٌ يُقْتَدَى بِهِ فِيهِ. فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأَنْبِيَاءُ - رِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ - يُقْصَدُ الِانْتِفَاعُ بِمَا قَالُوهُ وَأَخْبَرُوا بِهِ وَأَمَرُوا بِهِ وَالِاقْتِدَاءُ بِهِمْ فِيمَا فَعَلُوهُ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ. وَأَمَّا أَهْلُ الضَّلَالِ - كَالنَّصَارَى وَأَهْلِ الْبِدَعِ - فَهُمْ مَعَ غُلُوِّهِمْ وَتَعْظِيمِهِمْ لِقُبُورِهِمْ وَتَمَاثِيلِهِمْ وَالِاسْتِشْفَاعِ بِهِمْ لَا تَجِدُ عِنْدَهُمْ مِنْ أَخْبَارِهِمْ مَا يُعْرَفُ صِدْقُهُ مِنْ كَذِبِهِ؛ بَلْ قَدْ الْتَبَسَ هَذَا بِهَذَا وَلَا يَكَادُ أَحَدٌ مِنْ عُلَمَائِهِمْ يُمَيِّزُ فِيمَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ الدِّينِ بَيْنَ مَا جَاءَ عَنْ الْمَسِيحِ وَمَا جَاءَ عَنْ غَيْرِهِ: إمَّا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ. وَإِمَّا مِنْ شُيُوخِهِمْ بَلْ قَدْ لَبَسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ. وَكَذَلِكَ أَهْلُ الضَّلَالِ وَالْبِدَعِ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ: تَجِدُهُمْ يُعَظِّمُونَ شَيْخًا أَوْ إمَامًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ وَيُشْرِكُونَ بِهِ وَيَدْعُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَسْتَغِيثُونَ بِهِ وَيَنْذِرُونَ لَهُ وَيَحُجُّونَ إلَى قَبْرِهِ. وَقَدْ يَسْجُدُونَ لَهُ وَقَدْ يَعْبُدُونَهُ أَعْظَمَ مِمَّا يَعْبُدُونَ اللَّهَ كَمَا يَفْعَلُ النَّصَارَى وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ مِنْ أَجْهَلِ النَّاسِ بِأَحْوَالِهِ: يَنْقُلُونَ عَنْهُ أَخْبَارًا مُسَيَّبَةً لَيْسَ لَهَا إسْنَادٌ
(27/285)

وَلَا يُعْرَفُ صِدْقُهَا مَنْ كَذِبِهَا؛ بَلْ عَامَّةُ مَا يَحْفَظُونَهُ مَا فِيهِ غُلُوٌّ وَشَطْحٌ لِلْإِشْرَاكِ بِهِ. فَأَهْلُ الْإِسْلَامِ الَّذِينَ يَعْرِفُونَ دِينَ الْإِسْلَامِ وَلَا يَشُوبُونَهُ بِغَيْرِهِ يَعْرِفُونَ اللَّهَ وَيَعْبُدُونَهُ وَحْدَهُ وَيَعْرِفُونَ أَنْبِيَاءَهُ فَيُقِرُّونَ بِمَا جَاءُوا بِهِ وَيَقْتَدُونَ بِهِ وَيَعْرِفُونَ أَهْلَ الْعِلْمِ وَالدِّينِ وَيَنْتَفِعُونَ بِأَقْوَالِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ. وَأَهْلُ الضَّلَالِ فِي ظُلْمَةٍ لَا يَعْرِفُونَ اللَّهَ وَلَا أَنْبِيَاءَهُ. وَلَا أَوْلِيَاءَهُ وَلَا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَمَا نَهَى عَنْهُ وَبَيْنَ أَوْلِيَاءِ الرَّحْمَنِ وَأَوْلِيَاءِ الشَّيْطَانِ. وَلَا رَيْبَ أَنَّ فِي أَهْلِ الْقِبْلَةِ مَنْ يُشْبِهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى فِي بَعْضِ الْأُمُورِ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخدري عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: {لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حَذْوَ الْقُذَّةِ بِالْقُذَّةِ حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَدَخَلْتُمُوهُ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى. قَالَ: فَمَنْ} وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: {لَتَأْخُذَنَّ أُمَّتِي مَأْخَذَ الْأُمَمِ قَبْلَهَا: شِبْرًا بِشِبْرِ وَذِرَاعًا بِذِرَاعِ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَارِسُ وَالرُّومُ؟ قَالَ: فَمَنْ النَّاسُ إلَّا هَؤُلَاءِ؟ . وَمُشَابَهَتُهُمْ فِي الشِّرْكِ بِقُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ هُوَ مِنْ مُشَابَهَتِهِمْ الَّتِي حَذَّرَ مِنْهَا أُمَّتَهُ قَبْلَ مَوْتِهِ فِي صِحَّتِهِ وَمَرَضِهِ وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ جُنْدُبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
(27/286)

قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِخَمْسِ وَهُوَ يَقُولُ:} إنِّي أَبْرَأُ إلَى اللَّهِ أَنْ يَكُونَ لِي مِنْكُمْ خَلِيلٌ؛ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ اتَّخَذَنِي خَلِيلًا كَمَا اتَّخَذَ إبْرَاهِيمَ خَلِيلًا وَلَوْ كُنْت مُتَّخِذًا مِنْ أُمَّتِي خَلِيلًا لَاِتَّخَذْت أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا أَلَا وَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ وَصَالِحِيهِمْ مَسَاجِدَ أَلَا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِد فَإِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ {. وَأَمَّا لَعْنُهُ لِمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ: فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ قَالَا: لَمَّا نَزَلَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَفِقَ يَطْرَحُ خَمِيصَةً عَلَى وَجْهِهِ فَإِذَا اغْتَمَّ بِهَا كَشَفَهَا عَنْ وَجْهِهِ فَقَالَ وَهُوَ كَذَلِكَ:} لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ {يَحْذَرُ مَا صَنَعُوا. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَرَضِهِ الَّذِي لَمْ يَقُمْ مِنْهُ: لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ} قَالَتْ عَائِشَةُ: وَلَوْلَا ذَلِكَ لَأُبْرِزَ قَبْرُهُ؛ غَيْرَ أَنَّهُ خَشِيَ أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا وَفِي لَفْظٍ: غَيْرَ أَنَّهُ خَشِيَ أَوْ خُشِيَ. وَفِي الصَّحِيحِ أَيْضًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: {لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ} هَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ وَلَهُ وَلِلْبُخَارِيِّ: {قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ} وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ: {أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ وَأُمَّ سَلَمَةَ ذَكَرَتَا كَنِيسَةً رَأَيْنَهَا بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ فِيهَا تَصَاوِيرُ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّ أُولَئِكَ إذَا مَاتَ فِيهِمْ
(27/287)

الرَّجُلُ الصَّالِحُ بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ أُولَئِكَ شِرَارُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} وَفِي الْمُسْنَدِ وَصَحِيحِ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: {إنَّ مِنْ شِرَارِ النَّاسِ مَنْ تُدْرِكُهُمْ السَّاعَةُ وَهُمْ أَحْيَاءُ وَاَلَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْقُبُورَ مَسَاجِدَ} . وَهَذَا بَابٌ وَاسِعٌ لِبَسْطِهِ مَوْضِعٌ آخَرُ. وَقَدْ بُسِطَ الْكَلَامُ فِي هَذَا الْبَابِ فِي الرَّدِّ عَلَى مَنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْ هَذَا وَبُيِّنَ مَا خَالَفُوا فِيهِ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَالْإِجْمَاعَ فِي هَذَا الْبَابِ وَفِي غَيْرِهِ. وَلَمَّا كَانَ أُولَئِكَ أَعْلَمَ وَأَفْضَلَ كَانَ الرَّدُّ عَلَيْهِمْ بِحَسَبِهِمْ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
صُورَةُ خُطُوطِ الْقُضَاةِ الْأَرْبَعَةِ عَلَى ظَهْرِ فُتْيَا الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ أَبِي الْعَبَّاسِ ابْنِ تَيْمِيَّة فِي " السَّفَرِ لِمُجَرَّدِ زِيَارَةِ قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ ":
هَذَا الْمَنْقُولُ بَاطِنُهَا جَوَابًا عَنْ السُّؤَالِ أَنَّ زِيَارَةَ الْأَنْبِيَاءِ بِدْعَةٌ أَوْ مَا ذَكَرَهُ مِنْ نَحْوِ ذَلِكَ وَأَنَّهُ لَا يَتَرَخَّصُ فِي السَّفَرِ إلَى زِيَارَةِ الْأَنْبِيَاءِ. هَذَا كَلَامٌ بَاطِلٌ مَرْدُودٌ عَلَيْهِ. وَقَدْ نَقَلَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَالْأَئِمَّةِ الْكِبَارِ أَنَّ زِيَارَةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَضِيلَةٌ وَسُنَّةٌ مُجْمَعٌ عَلَيْهَا وَهَذَا الْمُفْتِي الْمَذْكُورُ يَنْبَغِي أَنْ يُزْجَرَ عَنْ مِثْلِ هَذِهِ الْفَتَاوَى الْبَاطِلَةِ عِنْد
(27/288)

الْعُلَمَاء وَالْأَئِمَّةِ الْكِبَارِ وَيُمْنَعَ مِنْ الْفَتَاوَى الْغَرِيبَةِ الْمَرْدُودَةِ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَيُحْبَسَ إذَا لَمْ يَمْتَنِعْ مِنْ ذَلِكَ وَيُشْهَرَ أَمْرُهُ لِيَتَحَفَّظَ النَّاسُ مِنْ الِاقْتِدَاءِ بِهِ. كَتَبَهُ الْعَبْدُ الْفَقِيرُ إلَى اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدِ بْنِ جَمَاعَةَ. وَتَحْتَهُ: يَقُولُ أَحْمَد بْنُ عُمَرَ المقدسي الْحَنْبَلِيُّ. وَتَحْتَهُ: كَذَلِكَ يَقُولُ مُحَمَّدُ بْنُ الجريري الْحَنَفِيِّ. لَكِنْ يُحْبَسُ الْآنَ جَزْمًا مُطْلَقًا. وَتَحْتَهُ: كَذَلِكَ يَقُولُ الْعَبْدُ الْفَقِيرُ إلَى اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمَالِكِيُّ إنْ ثَبَتَ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَيُبَالَغُ فِي زَجْرِهِ بِحَسَبِ مَا تَنْدَفِعُ بِهِ هَذِهِ الْمَفْسَدَةُ وَغَيْرُهَا مِنْ الْمَفَاسِدِ. فَهَذِهِ صُورَةُ خُطُوطِهِمْ بِمِصْرِ. وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ سَيِّدِنَا وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَسْكَنَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ آمِينَ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ. وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا.
(27/289)

فَصْلٌ:
فِي الْجَوَابِ عَمَّا كُتِبَ عَلَى نُسْخَةِ جَوَابِ الْفُتْيَا وَبَيَانِ بُطْلَانِ ذَلِكَ وَأَنَّ الْحُكْمَ بِهِ بَاطِلٌ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ: قَدْ بُسِطَتْ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ. وَهِيَ خَمْسُونَ وَجْهًا: تُبَيِّنُ بُطْلَانَ مَا كُتِبَ بِهِ وَبُطْلَانَ الْحُكْمِ بِهِ. الْأَوَّلُ: أَنَّهُ نَقَلَ عَنْ الْجَوَابِ مَا لَيْسَ فِيهِ وَرَتَّبَ الْحُكْمَ عَلَى ذَلِكَ النَّقْلِ الْبَاطِلِ. وَمِثْلُ هَذَا بَاطِلٌ بِالْإِجْمَاعِ؛ فَإِنَّهُ نَقَلَ أَنَّ الْمُجِيبَ قَالَ: إنَّ زِيَارَةَ الْأَنْبِيَاءِ بِدْعَةٌ أَوْ أَنَّهُ ذَكَرَ نَحْوَ ذَلِكَ وَالْمُجِيبُ لَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ وَلَا نَقَلَ ذَلِكَ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ؛ وَإِنَّمَا فِي الْجَوَابِ ذِكْرُ قَوْلِ الْعُلَمَاءِ فِيمَنْ سَافَرَ لِمُجَرَّدِ زِيَارَةِ قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ. هَلْ يَحْرُمُ هَذَا السَّفَرُ أَوْ يَجُوزُ وَأَنَّ الطَّائِفَتَيْنِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَحَبٍّ. وَالطَّائِفَتَانِ لَمْ يَقُولَا ذَلِكَ فِي الزِّيَارَةِ الْمُطْلَقَةِ بَلْ جُمْهُورُهُمْ يَقُولُونَ: إنَّ زِيَارَةَ الْقُبُورِ مُسْتَحَبَّةٌ وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ؛ وَلَكِنْ لَا يَقُولُونَ: إنَّهُ يُسْتَحَبُّ السَّفَرُ إلَيْهَا كَمَا اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّهُ يُشْرَعُ إتْيَانُ الْمَسَاجِدِ غَيْرَ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ وَأَنَّ إتْيَانَهَا
(27/290)

قَدْ يَكُونُ فَرْضًا وَقَدْ يَكُونُ سُنَّةً: مِثْلَ إتْيَانِهَا لِلْجُمْعَةِ وَالْجَمَاعَةِ. وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ السَّفَرَ إلَى غَيْرِ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ لَيْسَ بِفَرْضِ وَلَا سُنَّةٍ فَهَكَذَا زِيَارَةُ الْقُبُورِ عَلَى الْوَجْهِ الشَّرْعِيِّ مُسْتَحَبَّةٌ وَهِيَ سُنَّةٌ وَالسَّفَرُ إلَى ذَلِكَ لَيْسَ بِفَرْضِ وَلَا سُنَّةٍ عِنْدَ الطَّائِفَتَيْنِ. وَالْمُجِيبُ لَمْ يَذْكُرْ لِنَفْسِهِ فِي الْجَوَابِ قَوْلًا؛ بَلْ حَكَى أَقْوَالَ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَأَدِلَّتَهُمْ وَهَؤُلَاءِ نَقَلُوا عَنْهُ مَا لَمْ يَقُلْهُ وَاسْتَدَلُّوا بِمَا لَا يُنَازَعُ فِيهِ وَأَخْطَئُوا فِيمَا نَقَلُوهُ وَفَهِمُوهُ مِنْ كَلَامِ مَنْ نَقَلَ الْإِجْمَاعَ وَفِيمَا اسْتَدَلُّوا بِهِ عَلَيْهِ وَذَلِكَ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ جِدًّا وَلَكِنَّ مَقْصُودَ هَذَا الْوَجْهِ: أَنَّ الَّذِي كَتَبَ عَلَى الْجَوَابِ نُقِلَ عَنْهُ أَنَّهُ هُوَ الْقَائِلُ وَأَنَّهُ قَالَ: إنَّ زِيَارَةَ الْأَنْبِيَاءِ بِدْعَةٌ وَهَذَا بَاطِلٌ عَنْهُ. وَالْحُكْمُ الْمُرَتَّبُ عَلَى النَّقْلِ الْبَاطِلِ بَاطِلٌ بِالْإِجْمَاعِ. الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الطَّائِفَتَيْنِ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ السَّفَرَ لِمُجَرَّدِ زِيَارَةِ الْقُبُورِ لَيْسَ بِفَرْضِ وَلَا سُنَّةٍ وَهَؤُلَاءِ جَعَلُوا السَّفَرَ إلَى زِيَارَةِ الْقُبُورِ سُنَّةً سَنَّهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَسُنَّ لِأُمَّتِهِ السَّفَرَ لِذَلِكَ وَلَا قَالَ عُلَمَاءُ شَرِيعَتِهِ إنَّ السَّفَرَ إلَيْهَا سُنَّةٌ. فَقَدْ حَكَمُوا بِمَا يُخَالِفُ السُّنَّةَ وَالْإِجْمَاعَ وَهَذَا الْحُكْمُ بَاطِلٌ بِالْإِجْمَاعِ. وَذَلِكَ أَنَّ الْمُجِيبَ ذَكَرَ الْقَوْلَيْنِ - فِيمَنْ لَمْ يُسَافِرْ إلَّا إلَى الْقُبُورِ وَلَمْ يَقْصِدْ مَعَ ذَلِكَ الْمَسْجِدَ - قَوْلَ مَنْ جَوَّزَ ذَلِكَ وَلَمْ يَسْتَحِبَّهُ
(27/291)

وَقَوْلَ مَنْ حَرَّمَهُ. وَهُمْ لَمْ يَقْتَصِرُوا عَلَى رَدِّ أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فَإِنَّ هَذَا لَا يُنَاقِضُ مَا ذَكَرَهُ الْمُجِيبُ بَلْ قَالُوا: وَهَذَا الْمُفْتِي الْمَذْكُورُ يَنْبَغِي أَنْ يُزْجَرَ عَنْ مِثْلِ هَذِهِ الْفَتَاوَى الْبَاطِلَةِ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ وَمَتَى مَا بَطَلَ مَا ذَكَرَهُ فِي الْجَوَابِ بِالْقَوْلَيْنِ تَعَيَّنَ جَعْلُ السَّفَرِ سُنَّةً مُسْتَحَبَّةً. وَأَيْضًا فَإِنَّهُمْ احْتَجُّوا بِنَقْلِ مَنْ نَقَلَ الْإِجْمَاعَ عَلَى اسْتِحْبَابِ السَّفَرِ الَّذِي ذَكَرَ فِيهِ الْقَوْلَيْنِ. الثَّالِثُ: أَنَّهُمْ احْتَجُّوا بِنَقْلِ مَنْ نَقَلَ مِنْ الْعُلَمَاءِ أَنَّ زِيَارَةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَضِيلَةٌ مُرَغَّبٌ فِيهَا وَسُنَّةٌ مُجْمَعٌ عَلَيْهَا. وَهَؤُلَاءِ نَقَلُوا الْإِجْمَاعَ عَلَى الزِّيَارَةِ لَا عَلَى السَّفَرِ لِمُجَرَّدِ الْقَبْرِ. وَلَوْ نَقَلُوا الْإِجْمَاعَ عَلَى السَّفَرِ لِلزِّيَارَةِ فَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ يَقْصِدُونَ الْمَسْجِدَ وَالْقَبْرَ لَا يَقْصِدُ الْقَبْرَ دُونَ الْمَسْجِدِ إلَّا جَاهِلٌ وَإِذَا قَصَدَ الزَّائِرُ الْمَسْجِدَ وَالْقَبْرَ جَمِيعًا فَالْمُجِيبُ لَمْ يَذْكُرْ الْقَوْلَيْنِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ وَإِنَّمَا ذَكَرَهُمَا فِيمَنْ لَمْ يُسَافِرْ إلَّا لِمُجَرَّدِ زِيَارَةِ الْقُبُورِ وَالْجَوَابُ لَمْ يَكُنْ فِي خُصُوصِ قَبْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَلْ كَانَ فِي جِنْسِ الْقُبُورِ. وَجَعَلُوا ذَلِكَ إجْمَاعًا عَلَى السَّفَرِ إلَى سَائِرِ قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ فَإِنَّ الْمُجِيبَ فَرَّقَ بَيْنَ الزِّيَارَةِ النَّبَوِيَّةِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى اسْتِحْبَابِهَا وَبَيْنَ مَا أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ وَمَا تَنَازَعُوا فِيهِ وَمَا نَقَلُوهُ مِنْ الْإِجْمَاعِ وَإِنْ كَانَ عِنْدَهُمْ لَا يَدُلُّ عَلَى مِثْلِ مَا ذَكَرَهُ الْمُجِيبُ لَمْ يَكُنْ حُجَّةً عَلَيْهِ وَهُمْ جَعَلُوهُ حُجَّةً
(27/292)

عَلَى بُطْلَانِ الْجَوَابِ وَذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ إذَا قِيلَ بِاسْتِحْبَابِ السَّفَرِ مُطْلَقًا فَغَلِطُوا عَلَى مَنْ نَقَلَ الْإِجْمَاعَ فَلَمْ يَفْهَمُوا مُرَادَهُ وَحَكَمُوا بِنَاءً عَلَى هَذَا الِاعْتِقَادِ الْبَاطِلِ وَمِثْلُ ذَلِكَ بَاطِلٌ بِالْإِجْمَاعِ. الرَّابِعُ: أَنَّهُمْ جَعَلُوا هَذَا النَّقْلَ مُخَالِفًا لِلْجَوَابِ وَلَيْسَ مُخَالِفًا لَهُ؛ بَلْ الْمُفْتِي قَدْ ذَكَرَ فِي الْجَوَابِ اسْتِحْبَابَ الْعُلَمَاءِ لِزِيَارَةِ قَبْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَحْكِ عَنْ أَحَدٍ أَنَّهُ قَالَ: زِيَارَةُ قَبْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُحَرَّمَةٌ وَالْحُكْمُ الْمُرَتَّبُ عَلَى النَّقْلِ الْبَاطِلِ بَاطِلٌ بِالْإِجْمَاعِ. الْخَامِسُ: أَنَّ هَؤُلَاءِ جَعَلُوا جِنْسَ الزِّيَارَةِ مُسْتَحَبًّا بِالْإِجْمَاعِ وَلَمْ يَفْصِلُوا بَيْنَ الْمَشْرُوعِ وَالْمُحَرَّمِ. وَالزِّيَارَةُ بَعْضُهَا مَشْرُوعٌ وَبَعْضُهَا مُحَرَّمٌ بِالْإِجْمَاعِ كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ فِي جَوَابِ الْفُتْيَا وَهُمْ أَنْكَرُوا هَذَا التَّفْصِيلَ وَهَذَا مُخَالِفٌ لِلْإِجْمَاعِ وَالْحُكْمُ بِهِ بَاطِلٌ بِالْإِجْمَاعِ. فَإِنَّ الْمُجِيبَ لَمْ يُنْكِرْ السَّفَرَ لِلزِّيَارَةِ الشَّرْعِيَّةِ بِالْإِجْمَاعِ؛ بَلْ بَيَّنَ فِي الْجَوَابِ مَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ مِنْ السَّفَرِ وَمِنْ الزِّيَارَةِ. وَهَذَا مَبْسُوطٌ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ مِنْ كَلَامِهِ مَشْهُورٌ عَنْهُ. وَذَكَرَ مَا تَنَازَعُوا فِيهِ وَمَا اتَّفَقُوا عَلَى النَّهْيِ عَنْهُ. فَلَوْ وَافَقُوا عَلَى التَّفْصِيلِ لَمْ يُنْكِرُوا الْجَوَابَ فَلَمَّا جَعَلُوا الْجَوَابَ بَاطِلًا عِنْدَ الْعُلَمَاءِ تَبَيَّنَ أَنَّهُمْ لَمْ يَفْصِلُوا.
(27/293)

السَّادِسُ: أَنَّ الزِّيَارَةَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ: نَوْعٌ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى اسْتِحْبَابِهِ. وَنَوْعٌ اتَّفَقُوا عَلَى النَّهْيِ عَنْهُ. وَنَوْعٌ تَنَازَعُوا فِيهِ. وَفِي الْجَوَابِ ذِكْرُ الْأَنْوَاعِ الثَّلَاثَةِ. وَهَؤُلَاءِ لَمْ يَفْصِلُوا بَيْنَ مَا أُجْمِعَ عَلَيْهِ وَبَيْنَ مَا تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ وَلَا ذَكَرُوا أَنَّ مَا تَنَازَعَ فِيهِ الْعُلَمَاءُ يُرَدُّ إلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ؛ بَلْ جَعَلُوهُ مَرْدُودًا بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِمْ وَهَذَا بَاطِلٌ بِالْإِجْمَاعِ. وَالْحُكْمُ بِذَلِكَ بَاطِلٌ بِالْإِجْمَاعِ. وَالْمُجِيبُ إنَّمَا ذَكَرَ اتِّفَاقَ الطَّائِفَتَيْنِ عَلَى أَنَّ السَّفَرَ غَيْرُ مُسْتَحَبٍّ إذَا سَافَرَ لِمُجَرَّدِ زِيَارَةِ قَبْرِ بَعْضِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَهَذَا مُنْتَفٍ فِي الْغَالِبِ فِي قَبْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّ مَنْ هُوَ عَارِفٌ بِشَرِيعَةِ الْإِسْلَامِ لَا بُدَّ أَنْ يَقْصِدَ الْمَسْجِدَ مَعَ الْقَبْرِ؛ لَا سِيَّمَا مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: {صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنْ الْمَسَاجِدِ إلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ} . وَلِهَذَا احْتَجَّ طَائِفَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ عَلَى اسْتِحْبَابِ زِيَارَةِ قَبْرِهِ بِهَذَا الْحَدِيثِ. وَهَذِهِ الزِّيَارَةُ الَّتِي يَفْعَلُهَا مَنْ يَعْلَمُ الشَّرِيعَةَ لَمْ يَذْكُرْ الْمُجِيبُ أَنَّهَا لَا تُسْتَحَبُّ بِالْإِجْمَاعِ. وَكَيْفَ يَقُولُ ذَلِكَ وَاسْتِحْبَابُهَا مَوْجُودٌ فِي كَلَامِ الْعُلَمَاءِ السَّابِعُ: أَنَّ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ الزِّيَارَةَ سُنَّةٌ وَفَضِيلَةٌ لَيْسَ هُوَ إجْمَاعًا عَلَى كُلِّ مَا يُسَمَّى زِيَارَةً وَلَا عَلَى هَذَا اللَّفْظِ؛ بَلْ هُوَ إجْمَاعٌ عَلَى مَا شَرَعَهُ اللَّهُ مِنْ حُقُوقِهِ فِي مَسْجِدِهِ. وَهَلْ يُكْرَهُ أَنْ يُسَمَّى ذَلِكَ زِيَارَةً لِقَبْرِهِ عَلَى قَوْلَيْنِ. وَكَثِيرٌ مِمَّا يُسَمَّى زِيَارَةً لِقَبْرِهِ فِيهِ نِزَاعٌ أَوْ هُوَ مَنْهِيٌّ
(27/294)

عَنْهُ بِالْإِجْمَاعِ وَهَؤُلَاءِ جَعَلُوا الْإِجْمَاعَ مُتَنَاوِلًا لِمَا تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ وَاحْتَجُّوا بِالْإِجْمَاعِ فِي مَوَارِدِ النِّزَاعِ وَهَذَا خَطَأٌ. الثَّامِنُ: أَنَّ مَا تَنَازَعَ فِيهِ الْعُلَمَاءُ يَجِبُ رَدُّهُ إلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ وَهَؤُلَاءِ لَمْ يَرُدُّوهُ إلَى اللَّهِ وَلَا إلَى الرَّسُولِ؛ بَلْ قَالُوا إنَّهُ كَلَامٌ بَاطِلٌ مَرْدُودٌ عَلَى قَائِلِهِ بِلَا حُجَّةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَلَا سُنَّةِ رَسُولِهِ وَهَذَا بَاطِلٌ بِالْإِجْمَاعِ. التَّاسِعُ: أَنَّ الَّذِينَ حَكَوْا الْإِجْمَاعَ عَلَى اسْتِحْبَابِ السَّفَرِ لِمُجَرَّدِ زِيَارَةِ الْقَبْرِ بَلْ الْإِجْمَاعُ إنَّمَا هُوَ عَلَى اسْتِحْبَابِ السَّفَرِ إلَى مَسْجِدِهِ. وَأَمَّا السَّفَرُ لِمُجَرَّدِ الْقَبْرِ فَهَذَا فِيهِ النِّزَاعُ الْمَشْهُورُ. وَمَا فِيهِ نِزَاعٌ يَجِبُ رَدُّهُ إلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ وَهَؤُلَاءِ لَمْ يَرُدُّوا مَا تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ إلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ؛ بَلْ ادَّعَوْا فِيهِ الْإِجْمَاعَ وَغَلِطُوا عَلَى مَنْ حَكَوْا عَنْهُ الْإِجْمَاعَ وَمَنْ زُجِرَ عَنْ قَوْلٍ لِكَوْنِهِ مُخَالِفًا لِلْإِجْمَاعِ وَلَمْ يَكُنْ مُخَالِفًا لِلْإِجْمَاعِ كَانَ هُوَ الْمُخْطِئَ بِالْإِجْمَاعِ. الْعَاشِرُ: أَنَّ مَا لَا إجْمَاعَ فِيهِ يَجِبُ رَدُّهُ إلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ بِالْإِجْمَاعِ وَإِنْ احْتَجَّ فِيهِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ كَانَ هُوَ الْمُصِيبَ وَالْجَوَابُ فِيهِ ذِكْرُ النِّزَاعِ وَالِاحْتِجَاجِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فِي مَوَارِدِ النِّزَاعِ وَهَؤُلَاءِ جَعَلُوا ذَلِكَ مَرْدُودًا وَلَمْ يَرُدُّوهُ إلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ؛ بَلْ رَدُّوا عَلَى مَنْ احْتَجَّ
(27/295)

بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فِي مَسَائِلِ النِّزَاعِ وَحَكَمُوا بِهَذَا الرَّدِّ الْمُخَالِفِ لِلْإِجْمَاعِ. وَالْحُكْمُ بِمِثْلِ ذَلِكَ بَاطِلٌ بِالْإِجْمَاعِ. الْحَادِيَ عَشَرَ: أَنَّ الَّذِي ذُكِرَ فِي الْفُتْيَا مَا أُجْمِعَ عَلَيْهِ كَالزِّيَارَةِ الْمُسْتَحَبَّةِ وَمَا أَجْمَعُوا عَلَى النَّهْيِ عَنْهُ وَمَا تَنَازَعُوا فِيهِ وَهَذَا أَقْصَى مَا يَكُونُ عِنْدَ الْمُفْتِينَ. وَهَؤُلَاءِ جَعَلُوا ذَلِكَ مِنْ الْفَتَاوَى الْبَاطِلَةِ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ وَهَذَا التَّفْصِيلُ لَيْسَ بَاطِلًا عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَهُمْ جَعَلُوهُ بَاطِلًا وَحَكَمُوا بِذَلِكَ وَمِثْلُ هَذَا الْحُكْمِ بَاطِلٌ بِالْإِجْمَاعِ.
الثَّانِيَ عَشَرَ: أَنَّ مَا تَنَازَعَ فِيهِ الْعُلَمَاءُ لَيْسَ لِأَحَدِ مِنْ الْقُضَاةِ أَنْ يَفْصِلَ النِّزَاعَ فِيهِ بِحُكْمِ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ لِأَحَدِ مِنْ الْقُضَاةِ أَنْ يَقُولَ: حَكَمْت بِأَنَّ هَذَا الْقَوْلَ هُوَ الصَّحِيحُ وَأَنَّ الْقَوْلَ الْآخَرَ مَرْدُودٌ عَلَى قَائِلِهِ؛ بَلْ الْحَاكِمُ فِيمَا تَنَازَعَ فِيهِ عُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ أَوْ أَجْمَعُوا عَلَيْهِ: قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ كَقَوْلِ آحَادِ الْعُلَمَاءِ إنْ كَانَ عَالِمًا وَإِنْ كَانَ مُقَلِّدًا كَانَ بِمَنْزِلَةِ الْعَامَّةِ الْمُقَلِّدِينَ وَالْمَنْصِبُ وَالْوِلَايَةُ لَا يَجْعَلُ مَنْ لَيْسَ عَالِمًا مُجْتَهِدًا عَالِمًا مُجْتَهِدًا وَلَوْ كَانَ الْكَلَامُ فِي الْعِلْمِ وَالدِّينِ بِالْوِلَايَةِ وَالْمَنْصِبِ لَكَانَ الْخَلِيفَةُ وَالسُّلْطَانُ أَحَقَّ بِالْكَلَامِ فِي الْعِلْمِ وَالدِّينِ. وَبِأَنْ يَسْتَفْتِيَهُ النَّاسُ وَيَرْجِعُوا إلَيْهِ فِيمَا أَشْكَلَ عَلَيْهِمْ فِي الْعِلْمِ وَالدِّينِ. فَإِذَا كَانَ الْخَلِيفَةُ وَالسُّلْطَانُ لَا يَدَّعِي ذَلِكَ لِنَفْسِهِ وَلَا يُلْزِمُ الرَّعِيَّةَ حُكْمَهُ فِي ذَلِكَ بِقَوْلِ دُونَ قَوْلٍ إلَّا بِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ: فَمَنْ هُوَ دُونَ السُّلْطَانِ فِي الْوِلَايَةِ أَوْلَى بِأَنْ لَا يَتَعَدَّى
(27/296)

طُورَهُ وَلَا يُقِيمَ نَفْسَهُ فِي مَنْصِبٍ لَا يَسْتَحِقُّ الْقِيَامَ فِيهِ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ - وَهُمْ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ - فَضْلًا عَمَّنْ هُوَ دُونَهُمْ؛ فَإِنَّهُمْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ إنَّمَا كَانُوا يُلْزِمُونَ النَّاسَ بِاتِّبَاعِ كِتَابِ رَبِّهِمْ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِمْ وَكَانَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَقُولُ: إنَّمَا بَعَثْت عُمَّالِي - أَيْ نُوَّابِي - إلَيْكُمْ لِيُعَلِّمُوكُمْ كِتَابَ رَبِّكُمْ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ وَيَقْسِمُوا بَيْنَكُمْ فَيْأَكُمْ؛ بَلْ هَذِهِ يَتَكَلَّمُ فِيهَا مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ مَنْ يَعْلَمُ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْأَدِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ: الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ. فَكُلُّ مَنْ كَانَ أَعْلَمَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فَهُوَ أَوْلَى بِالْكَلَامِ فِيهَا مِنْ غَيْرِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَاكِمًا وَالْحَاكِمُ لَيْسَ لَهُ فِيهَا كَلَامٌ لِكَوْنِهِ حَاكِمًا؛ بَلْ إنْ كَانَ عِنْدَهُ عِلْمٌ تَكَلَّمَ فِيهَا كَآحَادِ الْعُلَمَاءِ. فَهَؤُلَاءِ حَكَمُوا فِيمَا لَيْسَ لَهُمْ فِيهِ الْحُكْمُ بِالْإِجْمَاعِ. وَهَذَا مِنْ الْحُكْمِ الْبَاطِلِ بِالْإِجْمَاعِ.
الثَّالِثَ عَشَرَ: أَنَّ الْأَحْكَامَ الْكُلِّيَّةَ الَّتِي يَشْتَرِكُ فِيهَا الْمُسْلِمُونَ - سَوَاءٌ كَانَتْ مُجْمَعًا عَلَيْهَا أَوْ مُتَنَازَعًا فِيهَا - لَيْسَ لِلْقُضَاةِ الْحُكْمُ فِيهَا؛ بَلْ الْحَاكِمُ الْعَالِمُ كَآحَادِ الْعُلَمَاءِ يَذْكُرُ مَا عِنْدَهُ مِنْ الْعِلْمِ وَإِنَّمَا يَحْكُمُ الْقَاضِي فِي أُمُورٍ مُعَيَّنَةٍ. وَأَمَّا كَوْنُ هَذَا الْعَمَلِ وَاجِبًا أَوْ مُسْتَحَبًّا أَوْ مُحَرَّمًا فَهَذَا مِنْ الْأَحْكَامِ الْكُلِّيَّةِ الَّتِي لَيْسَ لِأَحَدِ فِيهَا حُكْمٌ إلَّا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ. وَعُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ يَسْتَدِلُّونَ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ بِأَدِلَّةِ ذَلِكَ. وَهَؤُلَاءِ حَكَمُوا فِي الْأَحْكَامِ الْكُلِّيَّةِ وَحُكْمُهُمْ فِي ذَلِكَ
(27/297)

بَاطِلٌ بِالْإِجْمَاعِ.
الرَّابِعَ عَشَرَ: أَنَّ الْكَلَامَ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ الْكُلِّيَّةِ إنَّمَا يَجُوزُ لِمَنْ كَانَ عَالِمًا بِأَقْوَالِ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ فِيهَا وَمَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ وَمَا تَنَازَعُوا فِيهِ عَالِمًا بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَوَجْهِ الِاسْتِدْلَالِ بِهِمَا. وَكَلَامُ هَؤُلَاءِ يَتَضَمَّنُ أَنَّهُمْ لَا يَعْرِفُونَ مَا قَالَهُ عُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ وَلَا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ مَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْعُلَمَاءُ وَتَنَازَعُوا فِيهِ وَلَا يَعْرِفُونَ سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ وَلَا يُفَرِّقُونَ بَيْنَ مَا رَغَّبَ فِيهِ وَمَا نَهَى عَنْهُ وَلَمْ يَسُنَّهُ وَلَا يَعْرِفُونَ الْأَحَادِيثَ الصَّحِيحَةَ وَالضَّعِيفَةَ فِي هَذَا الْبَابِ بَلْ وَلَا يَعْرِفُونَ مَذْهَبَهُمْ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ وَلَا عِنْدَهُمْ نَقْلٌ عَنْ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَلَا الْعُلَمَاءِ الْمَشْهُورِينَ مِنْ أَتْبَاعِهِمْ فِيمَا قَالُوهُ وَحَكَمُوا بِهِ؛ بَلْ هُمْ فِيهِ بِمَنْزِلَةِ آحَادِ الْمُتَفَقِّهَةِ الطَّلَبَةِ الَّذِينَ يَنْبَغِي لَهُمْ طَلَبُ عِلْمِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ؛ بَلْ لَا يَجُوزُ لِأَحَدِهِمْ أَنْ يُفْتِيَ فِيهَا وَلَا يُنَاظِرَ وَلَا يُصَنِّفَ؛ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَحْكُمَ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَنْ كَانَ كَذَلِكَ وَحَكَمَ فِيمَا لَيْسَ لَهُ الْحُكْمُ فِيهِ كَانَ حُكْمُهُ مُحَرَّمًا بِالْإِجْمَاعِ؛ فَكَيْفَ إذَا حَكَمَ فِيمَا لَيْسَ لَهُ فِيهِ الْحُكْمُ وَحَكَمَ بِخِلَافِ الْإِجْمَاعِ؛ فَإِنَّ الْحَاكِمَ إذَا حَكَمَ بِغَيْرِ اجْتِهَادٍ وَلَا تَقْلِيدٍ كَانَ حُكْمُهُ مُحَرَّمًا بِالْإِجْمَاعِ. الْخَامِسَ عَشَرَ: أَنَّ الْقَاضِيَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُجْتَهِدًا عِنْدَ بَعْضِ
(27/298)

الْعُلَمَاءِ وَعِنْدَ بَعْضِهِمْ يَجُوزُ لَهُ التَّقْلِيدُ لِلْعُلَمَاءِ: وَهَؤُلَاءِ لَوْ كَانَتْ هَذِهِ الْمَسَائِلُ مِمَّا لَهُمْ فِيهِ الْحُكْمُ فَهُمْ لَمْ يُقَلِّدُوا فِيمَا قَالُوهُ أَحَدًا مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ فَضْلًا أَنْ يَكُونُوا فِيهِ مُجْتَهِدِينَ؛ بَلْ حَكَمُوا بِغَيْرِ اجْتِهَادٍ وَلَا تَقْلِيدٍ وَهَذَا الْحُكْمُ الْبَاطِلُ بِالْإِجْمَاعِ وَلَوْ كَانَ عَلَى يَهُودِيٍّ عَشْرَةُ دَرَاهِمَ مُعَيَّنَةٌ. فَكَيْفَ إذَا حَكَمُوا عَلَى عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ فِي الْأَحْكَامِ الْكُلِّيَّةِ الَّتِي لَا حُكْمَ لَهُمْ فِيهَا بِإِجْمَاعِ.
السَّادِسَ عَشَرَ: لَوْ كَانَ لَهُمْ فِيهَا الْحُكْمُ وَقَدْ حَكَمُوا بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ الْحُكْمُ حَتَّى يَسْمَعُوا كَلَامَ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ وَحُجَّتَهُ وَيَعْذُرُوا إلَيْهِ وَهَلْ لَهُ جَوَابٌ أَمْ لَا؟ فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ تَنَازَعُوا فِي الْحُقُوقِ كَالْأَمْوَالِ هَلْ يُحْكَمُ فِيهَا عَلَى غَائِبٍ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ. وَمَنْ جَوَّزَ الْحُكْمَ عَلَيْهِ قَالَ: هُوَ بَاقٍ عَلَى حُجَّتِهِ تُسْمَعُ إذَا حَضَرَ. فَأَمَّا الْعُقُوبَاتُ وَالْحُدُودُ فَلَا يُحْكَمُ فِيهَا عَلَى غَائِبٍ وَهَؤُلَاءِ حَكَمُوا عَلَى غَائِبٍ فِي ذَلِكَ وَلَمْ يُمَكِّنُوهُ مِنْ سَمَاعِ كَلَامِهِ وَالْإِدْلَاءِ بِحُجَّتِهِ وَهَذَا لَوْ كَانَ عَلَى يَهُودِيٍّ كَانَ حُكْمًا بَاطِلًا بِالْإِجْمَاعِ. وَلِهَذَا كَانَ جَمِيعُ النَّاسِ أَهْلُ الْعِلْمِ وَالدِّينِ وَالْعَقْلِ يُنْكِرُونَ مِثْلَ هَذَا الْحُكْمَ وَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ حُكْمٌ بِغَيْرِ حَقٍّ.
السَّابِعَ عَشَرَ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْحَاكِمُ خَصْمًا لِشَخْصِ فِي حَقٍّ مِنْ الْحُقُوقِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَحْكُمَ الْحَاكِمُ عَلَى خَصْمِهِ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ وَكَذَلِكَ " الْمَسَائِلُ الْعِلْمِيَّةُ " إذَا تَنَازَعَ حَاكِمٌ وَغَيْرُهُ مِنْ الْعُلَمَاءِ فِي تَفْسِيرِ آيَةٍ أَوْ
(27/299)

حَدِيثٍ أَوْ بَعْضِ مَسَائِلِ الْعِلْمِ لَمْ يَكُنْ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَحْكُمَ عَلَيْهِ بِالْإِجْمَاعِ فَإِنَّهُمَا خَصْمَانِ فِيمَا تَنَازَعَا فِيهِ. وَالْحَاكِمُ لَا يَحْكُمُ عَلَى خَصْمِهِ بِالْإِجْمَاعِ. الثَّامِنَ عَشَرَ: أَنَّ هَذِهِ الْمَسَائِلَ مَنْقُولَةٌ فِي كُتُبِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد وَغَيْرِهِمْ وَهَؤُلَاءِ حَكَمُوا فِيهَا بِخِلَافِ مَذَاهِبِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَلَمْ يَعْرِفُوا مَذَاهِبَ أَئِمَّتِهِمْ وَلَا مَذَاهِبَ غَيْرِهِمْ مِنْ الْأَئِمَّةِ وَالْعُلَمَاءِ وَلَا مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ السُّنَّةُ وَالْآثَارُ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ مِثْلَ هَذَا الْحُكْمِ بَاطِلٌ بِالْإِجْمَاعِ وَمَنْ ادَّعَى مِنْهُمْ أَنَّ الَّذِي حَكَمَ بِهِ هُوَ قَوْلُ الْعُلَمَاءِ فَلْيَكْتُبْ خَطَّهُ بِذَلِكَ وَلْيَذْكُرْ مَا ذَكَرَهُ الْعُلَمَاءُ فِيهَا مِنْ إجْمَاعٍ وَنِزَاعٍ وَأَدِلَّةِ ذَلِكَ لِيَتَبَيَّنَ أَنَّ الَّذِي يَقُولُ بِخِلَافِ جَوَابِ الْمُفْتِي قَوْلٌ بَاطِلٌ؛ وَإِلَّا فَقَدْ عُلِمَ أَنَّهُمْ حَكَمُوا بِغَيْرِ الْحَقِّ وَهَذَا بَاطِلٌ بِالْإِجْمَاعِ.
التَّاسِعَ عَشَرَ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ أَحَدُهُمْ عَارِفًا بِمَذْهَبِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُلْزِمَ عُلَمَاءَ الْمُسْلِمِينَ بِمَذْهَبِهِ وَلَا يَقُولَ: يَجِبُ عَلَيْكُمْ أَنَّكُمْ تُفْتُونَ بِمَذْهَبِيِّ وَأَنَّهُ أَيُّ مَذْهَبٍ خَالَفَ مَذْهَبِي كَانَ بَاطِلًا؛ مِنْ غَيْرِ اسْتِدْلَالٍ عَلَى مَذْهَبِهِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. وَلَوْ قَالَ: مَنْ خَالَفَ مَذْهَبِي فَقَوْلُهُ مَرْدُودٌ وَيَجِبُ مَنْعُ الْمُفْتِي بِهِ وَحَبْسُهُ لَكَانَ مَرْدُودًا عَلَيْهِ وَكَانَ مُسْتَحِقًّا الْعُقُوبَةَ عَلَى ذَلِكَ بِالْإِجْمَاعِ فَكَيْفَ إذَا كَانَ الَّذِي حَكَمَ بِهِ لَيْسَ هُوَ مَذْهَبَ أَحَدٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ بَلْ الَّذِي أَفْتَى بِهِ الْمُفْتِي هُوَ مُوَافِقٌ لِلْإِجْمَاعِ؛ دُونَ مَنْ أَنْكَرَ قَوْلَهُ وَخَالَفَ الْإِجْمَاعَ.
(27/300)

الْوَجْهُ الْعِشْرُونَ: أَنَّهُ لَوْ قُدِّرَ أَنَّ الْعَالِمَ الْكَثِيرَ الْفَتَاوَى أَخْطَأَ فِي مِائَةِ مَسْأَلَةٍ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَيْبًا وَكُلُّ مَنْ سِوَى الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصِيبُ وَيُخْطِئُ. وَمَنْ مَنَعَ عَالِمًا مِنْ الْإِفْتَاءِ مُطْلَقًا وَحَكَمَ بِحَبْسِهِ لِكَوْنِهِ أَخْطَأَ فِي مَسَائِلَ: كَانَ ذَلِكَ بَاطِلًا بِالْإِجْمَاعِ. فَالْحُكْمُ بِالْمَنْعِ وَالْحَبْسِ حُكْمٌ بَاطِلٌ بِالْإِجْمَاعِ. فَكَيْفَ إذَا كَانَ الْمُفْتِي قَدْ أَجَابَ بِمَا هُوَ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَوْلُ عُلَمَاءِ أُمَّتِهِ؟ .
الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ: أَنْ الْمُفْتِيَ لَوْ أَفْتَى فِي الْمَسَائِلِ الشَّرْعِيَّةِ " مَسَائِلِ الْأَحْكَامِ " بِمَا هُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَاسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَذَكَرَ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ هُوَ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ؛ دُونَ الْقَوْلِ الْآخَرِ: فِي أَيِّ بَابٍ كَانَ ذَلِكَ: مِنْ مَسَائِلِ الْبُيُوعِ وَالنِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ وَالْحَجِّ وَالزِّيَارَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ: لَمْ يَكُنْ لِأَحَدِ أَنْ يُلْزِمَهُ بِالْقَوْلِ الْآخَرِ بِلَا حُجَّةٍ مِنْ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ؛ وَلَا أَنْ يَحْكُمَ بِلُزُومِهِ وَلَا مَنْعِهِ مِنْ الْقَوْلِ الْآخَرِ بِالْإِجْمَاعِ. فَكَيْفَ إذَا مَنَعَهُ مَنْعًا عَامًّا وَحَكَمَ بِحَبْسِهِ فَإِنَّ هَذَا مِنْ أَبْطَلْ الْأَحْكَامِ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ.
الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ: أَنَّ الْحَاكِمَ لَوْ ظَنَّ الْإِجْمَاعَ فِيمَا لَيْسَ فِيهِ إجْمَاعٌ وَأَلْزَمَ النَّاسَ بِذَلِكَ الْقَوْلِ لِظَنِّهِ أَنَّهُ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ وَلَمْ يَسْتَدِلَّ عَلَى ذَلِكَ بِكِتَابِ أَوْ سُنَّةٍ وَكَانَ فِيهِ نِزَاعٌ لَمْ يَعْلَمْهُ لَكَانَ مُخْطِئًا فِي إلْزَامِ النَّاسِ
(27/301)

بِذَلِكَ بِالْإِجْمَاعِ؛ إلَّا أَنْ يَدُلَّ عَلَيْهِ كِتَابٌ أَوْ سُنَّةٌ.
الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ: أَنَّ الْحَاكِمَ متى خَالَفَ نَصًّا أَوْ إجْمَاعًا نُقِضَ حُكْمُهُ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ وَحُكْمُ هَؤُلَاءِ خَالَفَ النَّصَّ وَالْإِجْمَاعَ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ فَهُوَ مُسْتَحِقٌّ لِلنَّقْضِ بِالْإِجْمَاعِ. الرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ: أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ وَأَمْثَالَهُ هُوَ مِثْلُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْحُكْمِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ فِي بَعْضِ مَا هُوَ فِي نَظِيرِ هَذِهِ الْقَضِيَّةِ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ تِلْكَ الْأَحْكَامِ بَاطِلٌ بِالْإِجْمَاعِ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ: فَكَذَلِكَ هَذَا. الْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ: أَنَّ هَذِهِ الْأَحْكَامَ مَعَ أَنَّهَا بَاطِلَةٌ بِالْإِجْمَاعِ فَإِنَّهَا مُثِيرَةٌ لِلْفِتَنِ مُفَرِّقَةٌ بَيْنَ قُلُوبِ الْأُمَّةِ مُتَضَمِّنَةٌ لِلْعُدْوَانِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَعَلَى وُلَاةِ أُمُورِهِمْ مُؤْذِيَةٌ لَهُمْ جَالِبَةٌ لِلْفِتَنِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ. وَالْحُكْمُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ صَلَاحُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَالْحُكْمُ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ فَسَادُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. فَيَجِبُ نَقْضُهُ بِالْإِجْمَاعِ.
السَّادِسُ وَالْعِشْرُونَ: أَنَّ مَا يَحْصُلُ بِهِ أَذًى لِلْمُسْلِمِينَ إذَا كَانَ مِمَّا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ كَانُوا مُطِيعِينَ فِي ذَلِكَ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَجْرُهُمْ فِيهِ عَلَى اللَّهِ كَالْجِهَادِ. أَمَّا إذَا كَانَ الَّذِي يُؤْذِيهِمْ مِمَّا لَمْ يَأْمُرْ بِهِ اللَّهُ وَلَا رَسُولُهُ وَجَبَ رَدُّهُ بِالْإِجْمَاعِ. وَمِثْلُ هَذِهِ الْأَحْكَامِ الْمُؤْذِيَةِ لِلْمُسْلِمِينَ وَوُلَاةِ أُمُورِهِمْ
(27/302)

وَهِيَ مُخَالِفَةٌ لِلسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ: فَيَجِبُ رَدُّهَا بِالْإِجْمَاعِ. السَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ: أَنَّهُمْ قَالُوا: إنَّ هَذَا الْمُفْتِي يَنْبَغِي أَنْ يُزْجَرَ عَنْ مِثْلِ هَذِهِ الْفَتَاوَى الْبَاطِلَةِ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ وَالْأَئِمَّةِ الْكِبَارِ. وَقَوْلُهُمْ هُوَ الْبَاطِلُ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ وَالْأَئِمَّةِ الْكِبَارِ. وَمَنْ ادَّعَى أَنَّ قَوْلَ الْعُلَمَاءِ وَالْأَئِمَّةِ الْكِبَارِ هُوَ الْبَاطِلُ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ وَالْأَئِمَّةِ الْكِبَارِ كَانَ قَوْلُهُ وَحُكْمُهُ بِهِ بَاطِلًا بِالْإِجْمَاعِ. فَإِنَّ هَذِهِ الْفُتْيَا هِيَ قَوْلُ الْعُلَمَاءِ وَالْأَئِمَّةِ الْكِبَارِ: فِيهَا قَوْلُ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ الْأَئِمَّةِ الْكِبَارِ. وَالْقَوْلُ الْآخَرُ لَيْسَ الْعُلَمَاءُ وَالْأَئِمَّةُ الْكِبَارُ قَوْلٌ إلَّا مَا ذُكِرَ فِيهَا وَمَا ذَكَرُوهُ لَا يُعْرَفُ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَالْأَئِمَّةِ الْكِبَارِ.
الثَّامِنُ وَالْعِشْرُونَ: أَنَّهُمْ قَالُوا يُمْنَعُ مِنْ الْفَتَاوَى الْغَرِيبَةِ الْمَرْدُودَةِ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ. وَالْحُكْمُ بِهِ بَاطِلٌ بِالْإِجْمَاعِ؛ فَإِنَّ الْأَئِمَّةَ الْأَرْبَعَةَ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا يُنْقَضُ حُكْمُ الْحَاكِمِ إذَا خَالَفَ كِتَابًا أَوْ سُنَّةً أَوْ إجْمَاعًا أَوْ مَعْنَى ذَلِكَ. فَأَمَّا مَا وَافَقَ قَوْلَ بَعْضِ الْمُجْتَهِدِينَ فِي " مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ " فَإِنَّهُ لَا يُنْقَضُ لِأَجْلِ مُخَالَفَتِهِ قَوْلَ الْأَرْبَعَةِ وَمَا يَجُوزُ أَنْ يَحْكُمَ بِهِ الْحَاكِمُ يَجُوزُ أَنْ يُفْتِيَ بِهِ الْمُفْتِي بِالْإِجْمَاعِ؛ بَلْ الْفُتْيَا أَيْسَرُ؛ فَإِنَّ الْحَاكِمَ يُلْزِمُ وَالْمُفْتِيَ لَا يُلْزِمُ. فَمَا سَوَّغَ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَحْكُمَ بِهِ فَهُوَ يُسَوِّغُونَ لِلْمُفْتِي أَنْ يُفْتِيَ بِهِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَالْأَحْرَى وَمَنْ حَكَمَ بِمَنْعِ الْإِفْتَاءِ بِذَلِكَ فَقَدْ خَالَفَ الْأَئِمَّةَ الْأَرْبَعَةَ وَسَائِرَ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ. فَمَا قَالُوهُ هُوَ الْمُخَالِفُ لِلْأَرْبَعَةِ وَسَائِرِ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ
(27/303)

فَهُوَ بَاطِلٌ بِالْإِجْمَاعِ.
التَّاسِعُ وَالْعِشْرُونَ: أَنَّ جَمِيعَ الْمَذَاهِبِ فِيهَا أَقْوَالٌ قَالَهَا بَعْضُ أَهْلِهَا لَيْسَتْ قَوْلًا لِصَاحِبِ الْمَذْهَبِ وَفِيهَا جَمِيعِهَا مَا هُوَ مُخَالِفٌ لِقَوْلِ الْأَرْبَعَةِ وَهُمْ يَحْكُونَ ذَلِكَ قَوْلًا فِي الْمَذْهَبِ وَلَا يَحْكُمُونَ بِبُطْلَانِهِ إلَّا بِالْحُجَّةِ؛ لَا سِيَّمَا إذَا خَرَجَ عَلَى أُصُولِ صَاحِبِ الْمَذْهَبِ وَبَيَّنَ مِنْ نُصُوصِهِمْ مَا يَقْتَضِي ذَلِكَ كَمَا يَفْعَلُهُ أَتْبَاعُهُمْ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْمَسَائِلِ. وَالْمُجِيبُ قَدْ ذَكَرَ مِنْ كَلَامِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَمَنْ قَبْلَهُمْ - مِمَّنْ يُعَظِّمُونَهُمْ مِنْ الْعُلَمَاءِ - وَكَلَامِ مَنْ تَقَدَّمَهُمْ مَا يُعْرَفُ بِهِ أَقْوَالُ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ. فَإِبْطَالُ الْقَوْلِ لِمُجَرَّدِ مُخَالَفَتِهِ لِلْأَرْبَعَةِ هُوَ مُخَالِفٌ لِأَقْوَالِ الْأَرْبَعَةِ وَلِأَتْبَاعِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ: فَهُوَ بَاطِلٌ بِالْإِجْمَاعِ.
الْوَجْهُ الْمُوفِي ثَلَاثِينَ: أَنَّ مَا أَنْكَرُوهُ فِي مَسَائِلِ الزِّيَارَةِ وَمَسَائِلِ الطَّلَاقِ مِنْ فَتَاوَى الْمُفْتِي الْمَدْلُولِ لَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ يَخْرُجُ عَنْ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ؛ بَلْ إمَّا أَنْ يَكُونَ مَا أَفْتَى بِهِ قَوْلُ جَمِيعِ أَهْلِ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ - كَاَلَّذِي أَفْتَى فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ " مَسْأَلَةِ الزِّيَارَةِ " فَإِنَّ الَّذِي قَالَهُ هُوَ قَوْلُ جَمِيعِ أَهْلِ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ؛ بَلْ وَقَوْلُ جَمِيعِ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ قَدْ ذَكَرُوا مَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ وَمَا تَنَازَعُوا فِيهِ - وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مَا أَفْتَى بِهِ فِيهَا قَوْلُ بَعْضِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ أَوْ بَعْضِ الْمُنْتَسِبِينَ إلَيْهِمْ " كَمَسَائِلِ الطَّلَاقِ " فَإِنَّ مَسَائِلَ النِّزَاعِ فِيهَا قَدْ تَنَازَعَ فِيهَا أَهْلُ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ وَالْمُفْتِي
(27/304)

الْمَذْكُورُ لَمْ يُفْتِ فِيهَا إلَّا بِمَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ وَمَا يُمْكِنُ الْإِفْتَاءُ فِيهَا إلَّا بِذَلِكَ. وَمَنْ أَنْكَرَ مَا لَا يَعْلَمُهُ وَحَكَمَ بِلَا عِلْمٍ وَخَالَفَ النَّصَّ وَالْإِجْمَاعَ كَانَ حُكْمُهُ بَاطِلًا بِالْإِجْمَاعِ.
الْحَادِي وَالثَّلَاثُونَ: أَنَّ قَوْلَهُمْ: يُحْبَسُ إذَا لَمْ يَمْتَنِعْ مِنْ ذَلِكَ وَيُشْهَرُ أَمْرُهُ؛ لِيَتَحَفَّظَ النَّاسُ مِنْ الِاقْتِدَاءِ بِهِ. وَإِنَّمَا يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ مَنْ أَظْهَرَ الْبِدْعَةَ فِي دِينِ الْمُسْلِمِينَ وَاسْتَحَبَّهَا وَدَعَا إلَيْهَا النَّاسَ وَحَكَمَ بِعُقُوبَةِ مَنْ أَمَرَ بِالسُّنَّةِ وَدَعَا إلَيْهَا وَالسَّفَرُ إلَى زِيَارَةِ الْقُبُورِ هِيَ الْبِدْعَةُ الَّتِي لَمْ يَسْتَحِبَّهَا أَحَدٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ. وَكَذَلِكَ جَعْلُ زِيَارَةِ الْقُبُورِ جِنْسًا وَاحِدًا لَا يُفَرَّقُ بَيْنَ الزِّيَارَةِ الشَّرْعِيَّةِ وَالزِّيَارَةِ الْبِدْعِيَّةِ خَطَأٌ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ. وَكَذَلِكَ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ " الزِّيَارَةِ النَّبَوِيَّةِ الشَّرْعِيَّةِ " الَّتِي يُسَافِرُ فِيهَا الْمُسْلِمُونَ إلَى مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَيْنَ السَّفَرِ إلَى زِيَارَةِ قَبْرِ غَيْرِهِ: كُلُّ ذَلِكَ مُخَالِفٌ لِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِإِجْمَاعِ أُمَّتِهِ. فَمَنْ أَمَرَ بِذَلِكَ كَانَ أَحَقَّ بِالْمَنْعِ وَيُشْهَرُ خَطَؤُهُ؛ لِيَتَحَفَّظَ النَّاسُ مِنْ الِاقْتِدَاءِ بِهِ: أَوْلَى مِمَّنْ أَفْتَى بِالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ؛ مَعَ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ هُوَ الْفَاعِلُ لِذَلِكَ فَهُوَ الَّذِي يُظْهِرُ خَطَأَ هَؤُلَاءِ فِي مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبهَا فِي هَذَا الزَّمَانِ وَمَا بَعْدَهُ مِنْ الْأَزْمِنَةِ كَمَا فَعَلَهُ فِي سَائِرِ مَنْ ابْتَدَعَ فِي الدِّينِ وَخَالَفَ شَرِيعَةَ سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ. فَإِنَّ الْمُفْتِيَ ذَكَرَ فِي الْجَوَابِ مَا اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى اسْتِحْبَابِهِ
(27/305)

وَمَا اتَّفَقُوا عَلَى النَّهْيِ عَنْهُ. وَمَا تَنَازَعُوا فِيهِ وَلَمْ يُنْهَ عَنْ الزِّيَارَةِ مُطْلَقًا؛ لَا لَفْظًا وَلَا مَعْنًى. وَالْإِجْمَاعُ الَّذِي ذَكَرُوهُ هُوَ مُوَافِقٌ لِمَا ذَكَرَهُ لَا مُخَالِفٌ لَهُ. فَالزِّيَارَةُ الَّتِي أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهَا هُوَ مِنْ أَعْظَمِ الْقَائِلِينَ بِاسْتِحْبَابِهَا لَا يُجْعَلُ الْمُسْتَحِبُّ مُسَمَّى الزِّيَارَةِ وَيُسَوَّى بَيْنَ دِينِ الرَّحْمَنِ وَدِينِ الشَّيْطَانِ كَمَا فَعَلَ هَؤُلَاءِ وَأَنْكَرُوا عَلَى مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ دِينِ الرَّحْمَنِ وَدِينِ الشَّيْطَانِ.
الثَّانِي وَالثَّلَاثُونَ: أَنَّ قَبُولَ قَوْلِ الْحَاكِمِ وَغَيْرِهِ بِلَا حُجَّةٍ مَعَ مُخَالَفَتِهِ لِلسُّنَّةِ مُخَالِفٌ لِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ وَإِنَّمَا هُوَ دِينُ النَّصَارَى الَّذِينَ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مَنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إلَّا لِيَعْبُدُوا إلَهًا وَاحِدًا لَا إلَهَ إلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {أَحَلُّوا لَهُمْ الْحَرَامَ وَحَرَّمُوا عَلَيْهِمْ الْحَلَالَ: فَأَطَاعُوهُمْ فَكَانَتْ تِلْكَ عِبَادَتَهُمْ إيَّاهُمْ} . وَالْمُسْلِمُونَ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ مَا تَنَازَعُوا فِيهِ يَجِبُ رَدُّهُ إلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ وَهَؤُلَاءِ لَمْ يَرُدُّوا مَا تَنَازَعَ فِيهِ الْمُسْلِمُونَ إلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ؛ بَلْ حَكَمُوا بِرَدِّهِ بِقَوْلِهِمْ وَهَذَا بَاطِلٌ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ. وَأَيْضًا فَحَكَمُوا بِقَوْلِ ثَالِثِ خِلَافِ قَوْلَيْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ فَخَرَجُوا وَحُكْمُهُمْ عَنْ إجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ وَهَذَا بَاطِلٌ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ.
(27/306)

الثَّالِثُ وَالثَّلَاثُونَ: أَنَّ كَلَامَهُمْ تَضَمَّنَ الِاعْتِرَافَ بِأَنَّ مَا أَفْتَى بِهِ الْمُفْتِي هُوَ قَوْلُ بَعْضِ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ. وَحِينَئِذٍ فَمَا تَنَازَعَ فِيهِ الْمُسْلِمُونَ يَجِبُ رَدُّهُ إلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ وَلَا يَحْكُمُ فِيهِ إلَّا كِتَابُ اللَّهِ أَوْ سُنَّةُ نَبِيِّهِ وَهَؤُلَاءِ حَكَمُوا فِيمَا تَنَازَعَ فِيهِ الْمُسْلِمُونَ بِغَيْرِ كِتَابِ اللَّهِ وَلَا سُنَّةِ رَسُولِهِ. وَمِثْلُ هَذَا الْحُكْمِ بَاطِلٌ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ. وَهَذَا لَوْ كَانَ مَا أَفْتَى بِهِ قَوْلَ بَعْضِهِمْ فَكَيْفَ وَهُوَ ذَكَرَ الْقَوْلَيْنِ اللَّذَيْنِ اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِمَا. وَالْقَوْلُ الَّذِي أَنْكَرُوهُ هُوَ قَوْلُ الْأَئِمَّةِ الْكِبَارِ وَقَوْلُهُمْ لَمْ يَنْقُلْهُ أَحَدٌ مِنْ الْأَئِمَّةِ الْكِبَارِ وَلَا الصِّغَارِ.
الرَّابِعُ وَالثَّلَاثُونَ: أَنَّهُ لَوْ قُدِّرَ أَنَّ الْمُفْتِيَ أَفْتَى بِالْخَطَإِ فَالْعُقُوبَةُ لَا تَجُوزُ إلَّا بَعْدَ إقَامَةِ الْحُجَّةِ فَالْوَاجِبُ أَنْ تُبَيِّنَ دِلَالَةُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ عَلَى خَطَئِهِ وَيُجَابُ عَمَّا احْتَجَّ بِهِ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ الدَّلِيلِ وَالْجَوَابِ عَنْ الْمُعَارِضِ؛ وَإِلَّا فَإِذَا كَانَ مَعَ هَذَا حُجَّةٌ وَمَعَ هَذَا حُجَّةٌ لَمْ يَجُزْ تَعْيِينُ الصَّوَابِ مَعَ أَحَدِهِمَا إلَّا بِمُرَجِّحِ وَهَؤُلَاءِ لَمْ يَفْعَلُوا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَلَوْ كَانَ الْمُفْتِي مُخْطِئًا لَمْ يُقِيمُوا عَلَيْهِ فَكَيْفَ إذَا كَانَ هُوَ الْمُصِيبَ وَهُمْ الْمُخْطِئُونَ فَحُكْمُ مِثْلِ هَؤُلَاءِ الْحُكَّامِ بَاطِلٌ بِالْإِجْمَاعِ.
الْخَامِسُ وَالثَّلَاثُونَ: أَنَّ الْمُفْتِيَ إذَا تَبَيَّنَتْ لَهُ الْأَدِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ فَإِنْ تَبَيَّنَ لَهُ الصَّوَابُ وَإِلَّا كَانَ لَهُ أُسْوَةُ أَمْثَالِهِ مِنْ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ يَقُولُونَ قَوْلًا مَرْجُوحًا. وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَؤُلَاءِ لَا يَسْتَحِقُّونَ الْعُقُوبَةَ وَالْحَبْسَ وَالْمَنْعَ عَنْ
(27/307)

الْفُتْيَا مُطْلَقًا بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ وَهَذَا الْحُكْمُ بَاطِلٌ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ.
السَّادِسُ وَالثَّلَاثُونَ: أَنَّ إلْزَامَ النَّاسِ بِمَا لَمْ يُلْزِمْهُمْ بِهِ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَنْعَهُمْ أَنْ يَتَّبِعُوا مَا جَاءَ بِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ حَرَامٌ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ وَالْحُكْمُ بِهِ بَاطِلٌ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ وَهَؤُلَاءِ لَمْ يَسْتَدِلُّوا عَلَى مَا قَالُوهُ بِكِتَابِ اللَّهِ وَلَا سُنَّةِ رَسُولِهِ وَلَا أَجَابُوا عَنْ حُجَّةِ مَنْ احْتَجَّ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَمِثْلُ هَذَا الْإِلْزَامِ وَالْحُكْمُ بِهِ بَاطِلٌ بِالْإِجْمَاعِ.
السَّابِعُ وَالثَّلَاثُونَ: أَنَّ عُلَمَاءَ الْمُسْلِمِينَ إذَا تَنَازَعُوا فِي مَسْأَلَةٍ عَلَى قَوْلَيْنِ لَمْ يَكُنْ لِمَنْ بَعْدَهُمْ إحْدَاثُ قَوْلٍ ثَالِثٍ بَلْ الْقَوْلُ الثَّالِثُ يَكُونُ مُخَالِفًا لِإِجْمَاعِهِمْ. وَالْمُسْلِمُونَ تَنَازَعُوا فِي السَّفَرِ لِغَيْرِ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ عَلَى قَوْلَيْنِ: هَلْ هُوَ حَرَامٌ أَوْ جَائِزٌ غَيْرُ مُسْتَحَبٍّ. فَاسْتِحْبَابُ ذَلِكَ قَوْلٌ ثَالِثٌ مُخَالِفٌ لِلْإِجْمَاعِ وَلَيْسَ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ مَنْ قَالَ يُسْتَحَبُّ السَّفَرُ لِزِيَارَةِ الْقُبُورِ وَلَا يُسْتَحَبُّ إلَى الْمَسَاجِدِ بَلْ السَّفَرُ إلَى الْمَسَاجِدِ قَدْ نُقِلَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ قَالَ مُسْتَحَبٌّ يَجِبُ بِالنَّذْرِ وَأَمَّا السَّفَرُ إلَى الْقُبُورِ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ إنَّهُ مُسْتَحَبٌّ وَلَا أَنَّهُ يَجِبُ بِالنَّذْرِ وَكُلُّهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ الذَّهَابَ إلَى الْمَسَاجِدِ أَفْضَلُ مِنْ الذَّهَابِ إلَى الْقُبُورِ؛ فَإِنَّ زِيَارَةَ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ حَيْثُ كَانَتْ مَشْرُوعَةً فَلَا تُشْرَعُ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ خَمْسَ مَرَّاتٍ وَالْمَسْجِدُ مَشْرُوعٌ إتْيَانُهُ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ خَمْسَ مَرَّاتٍ فَإِتْيَانُهُ أَوْلَى مِنْ إتْيَانِهَا بِالْإِجْمَاعِ.
(27/308)

الثَّامِنُ وَالثَّلَاثُونَ: أَنَّ إتْيَانَ مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَصْدَ ذَلِكَ وَالسَّفَرَ لِذَلِكَ أَوْلَى مِنْ إتْيَانِ قَبْرِهِ لَوْ كَانَتْ الْحُجْرَةُ مَفْتُوحَةً وَالسَّفَرِ إلَيْهِ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ. فَإِنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا يَأْتُونَ مَسْجِدَهُ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةَ خَمْسَ مَرَّاتٍ وَالْحُجْرَةُ إلَى جَانِبِ الْمَسْجِدِ لَمْ يَدْخُلْهَا أَحَدٌ مِنْهُمْ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّهُ نَهَاهُمْ أَنْ يَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ وَأَنْ يَتَّخِذُوا قَبْرَهُ عِيدًا أَوْ وَثَنًا. وَأَنَّهُ قَالَ لَهُمْ: {صَلُّوا عَلَيَّ حَيْثُمَا كُنْتُمْ} . وَكَذَلِكَ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ صَلَاتَهُمْ وَسَلَامَهُمْ عَلَيْهِ فِي الْمَسْجِدِ أَوْلَى مِنْ عِنْدِ قَبْرِهِ. وَكُلُّ مَنْ يُسَافِرُ لِلزِّيَارَةِ فَسَفَرُهُ إنَّمَا يَكُونُ إلَى الْمَسْجِدِ سَوَاءٌ قَصَدَ ذَلِكَ أَوْ لَمْ يَقْصِدْهُ وَالسَّفَرُ إلَى الْمَسْجِدِ مُسْتَحَبٌّ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ. وَالْمُجِيبُ قَدْ ذَكَرَ فِي الْجَوَابِ الزِّيَارَةَ الْمُجْمَعَ عَلَيْهَا وَالْمُتَنَازَعَ فِيهَا وَهَؤُلَاءِ أَعْرَضُوا عَنْ الْأَمْرِ بِمَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ وَعُلَمَاءُ أُمَّتِهِ وَعَنْ اسْتِحْبَابِ مَا أَحَبَّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَجَمِيعُ عُلَمَاءِ أُمَّتِهِ وَفَهِمُوا مِنْ كَلَامِ الْعُلَمَاءِ مَا لَمْ يَقْصِدُوهُ؛ فَإِنَّ الْقَاضِيَ عِيَاضًا الَّذِي حَكَى أَلْفَاظَهُ قَدْ صَرَّحَ بِمَا صَرَّحَ بِهِ إمَامُهُ وَجُمْهُورُ أَصْحَابِهِ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ السَّفَرُ إلَى غَيْرِ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ وَهُوَ لَمْ يَذْكُرْ اسْتِحْبَابَ قَصْدِ الْقَبْرِ؛ دُونَ الْمَسْجِدِ؛ بَلْ ذَكَرَ مَا نَقَلَهُ عَنْ الْعُلَمَاءِ فِي فَضْلِ زِيَارَةِ الرَّسُولِ مَا بَيَّنَ بِهِ مُرَادَهُ وَذَكَرَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يَقِفَ بَعْدَ السَّلَامِ وَهَذَا كَرَاهَتُهُ لِزِيَارَةِ أَكْثَرِ الْعَامَّةِ. وَهَؤُلَاءِ
(27/309)

جَعَلُوا مُسَمَّى الزِّيَارَةِ مُسْتَحَبًّا وَأَنْكَرُوا عَلَى مَنْ فَصَلَ بَيْنَ الزِّيَارَةِ الشَّرْعِيَّةِ وَالْبِدْعِيَّةِ. وَذَكَرَ أَنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ يُكْرَهُ لَهُمْ الْوُقُوفُ عِنْدَ الْقَبْرِ وَإِنْ قَصَدُوا مُجَرَّدَ السَّلَامِ؛ إلَّا عِنْدَ السَّفَرِ. وَذَكَرَ أَيْضًا أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ قَصْدُ الْمَسْجِدِ. وَأَنَّ هَذَا لَمْ يَزَلْ الْمُسْلِمُونَ يَفْعَلُونَهُ فَقَالَ " فَصْلٌ فِي حُكْمِ زِيَارَةِ قَبْرِهِ ": وَزِيَارَةُ قَبْرِهِ سُنَّةٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ مُجْمَعٌ عَلَيْهَا وَفَضِيلَةٌ مُرَغَّبٌ فِيهَا. قَالَ: وَكَرِهَ مَالِكٌ أَنْ يُقَالَ: زُرْنَا قَبْرَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ثُمَّ قَالَ: " وَقَالَ إسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ الْفَقِيهُ: وَمِمَّا لَمْ يَزَلْ مِنْ شَأْنِ مَنْ حَجَّ الْمُرُورُ بِالْمَدِينَةِ وَالْقَصْدُ إلَى الصَّلَاةِ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلتَّبَرُّكِ بِرُؤْيَةِ رَوْضَتِهِ وَمِنْبَرِهِ وَقَبْرِهِ وَمَجْلِسِهِ وَمَلَامِسِ يَدَيْهِ وَمَوَاطِئِ قَدَمَيْهِ وَالْعَمُودِ الَّذِي كَانَ يَسْتَنِدُ عَلَيْهِ وَيَنْزِلُ جبرائيل بِالْوَحْيِ فِيهِ عَلَيْهِ وَبِمَنْ عَمَّرَهُ وَقَصَدَهُ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَالِاعْتِبَارُ بِذَلِكَ كُلِّهِ. فَقَدْ بَيَّنَ أَنَّ الْإِجْمَاعَ الَّذِي حَكَوْهُ يَتَضَمَّنُ قَصْدَ الصَّلَاةِ فِي مَسْجِدِهِ وَأَنَّ الْقَبْرَ مِنْ جُمْلَةِ آثَارِهِ. وَهَؤُلَاءِ زَعَمُوا أَنَّهُ حَكَى الْإِجْمَاعَ عَلَى السَّفَرِ إلَى مُجَرَّدِ الْقَبْرِ؛ وَهُوَ لَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ وَلَا مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ بَلْ ذَكَرَ خِلَافَ ذَلِكَ مِنْ وُجُوهٍ. وَهَؤُلَاءِ أَخْطَئُوا عَلَيْهِ فِيمَا نَقَلَهُ وَلَمْ يَعْرِفُوا مَا فِي ذَلِكَ مِنْ السُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ وَهَذَا الْحُكْمُ بَاطِلٌ بِالْإِجْمَاعِ.
(27/310)

الْوَجْهُ التَّاسِعُ وَالثَّلَاثُونَ: أَنَّهُ لَوْ قُدِّرَ أَنَّ الْعَالِمَ الْكَثِيرَ الْفَتَاوَى أَفْتَى فِي عِدَّةِ مَسَائِلَ بِخِلَافِ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الثَّابِتَةِ عَنْهُ. وَخِلَافِ مَا عَلَيْهِ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ: لَمْ يَجُزْ مَنْعُهُ مِنْ الْفُتْيَا مُطْلَقًا؛ بَلْ يُبَيَّنُ لَهُ خَطَؤُهُ فِيمَا خَالَفَ فِيهِ. فَمَا زَالَ فِي كُلِّ عَصْرٍ مِنْ أَعْصَارِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ مَنْ هُوَ كَذَلِكَ. فَابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا كَانَ يَقُولُ فِي " الْمُتْعَةِ وَالصَّرْفِ " بِخِلَافِ السُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ وَقَدْ أَنْكَرَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ ذَلِكَ وَلَمْ يَمْنَعُوهُ مِنْ الْفُتْيَا مُطْلَقًا بَلْ بَيَّنُوا لَهُ سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُخَالِفَةَ لِقَوْلِهِ فَعَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رَوَى لَهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ حَرَّمَ الْمُتْعَةَ وَأَبُو سَعِيدٍ الخدري رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَغَيْرُهُ رَوَوْا لَهُ تَحْرِيمَهُ لِرِبَا الْفَضْلِ وَلَمْ يَرُدُّوا فُتْيَاهُ لِمُجَرَّدِ قَوْلِهِمْ وَحُكْمِهِمْ وَيَمْنَعُوهُ مِنْ الْفُتْيَا مُطْلَقًا وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ. فَالْمَنْعُ الْعَامُّ حُكْمٌ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَهُوَ بَاطِلٌ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ. لَوْ كَانَ مَا نَازَعُوهُ فِيهِ مُخَالِفًا لِلسُّنَّةِ فَكَيْفَ إذَا كَانَتْ مَعَهُ؛ بَلْ وَمَعَهُ إجْمَاعُ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ فِيمَا أَنْكَرُوهُ مِنْ مَسَائِلِ الزِّيَارَةِ وَهَذَا مِمَّا يُبَيِّنُ أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ مَنْ أَبْطَلْ حُكْمٍ فِي الْإِسْلَامِ وَمِنْ أَعْظَمِ التَّغْيِيرِ لِدِينِ الْإِسْلَامِ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ. الْوَجْهُ الْمُوفِي أَرْبَعِينَ: أَنَّ هَذِهِ الْمَسَائِلَ يَعْرِفُهَا عُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِلَى هَذَا الْوَقْتِ؛ فَإِنَّ جَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ
(27/311)

يَحْتَاجُونَ إلَيْهَا فَيَمْتَنِعُ أَنْ يَعْرِفَ بَعْضُ النَّاسِ فِيهَا الْحَقَّ دُونَ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ. وَالْمُجِيبُ قَدْ صَنَّفَ فِيهَا مُجَلَّدَاتٍ: بَيَّنَ فِيهَا أَقْوَالَ الصَّحَابَةِ وَأَفْعَالَهُمْ؛ وَأَقْوَالَ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ: مَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ وَمَا تَنَازَعُوا فِيهِ وَبَيَّنَ الْأَحَادِيثَ النَّبَوِيَّةَ صَحِيحَهَا وَضَعِيفَهَا وَكَلَامَ الْعُلَمَاءِ فِيهَا وَبَيَّنَ خَطَأَ مَنْ نَازَعَهُ مِمَّنْ صَنَّفَ فِي ذَلِكَ وَبَسَطَ الْقَوْلَ فِي ذَلِكَ. وَهَؤُلَاءِ لَوْ كَانُوا قَدْ قَالُوا بِبَعْضِ أَقَاوِيلِ الْعُلَمَاءِ فَلَمْ يَأْتُوا عَلَيْهِ بِحُجَّةِ؛ فَكَيْفَ وَقَدْ قَالُوا مَا يُخَالِفُ سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِجْمَاعَ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ: فِي مِثْلِ هَذَا الْأَمْرِ الْعَظِيمِ الَّذِي قَدْ بَيَّنَهُ الرَّسُولُ لِأُمَّتِهِ وَعَرَفَ ذَلِكَ عُلَمَاءُ أُمَّتِهِ قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ إلَى هَذَا الزَّمَانِ وَمَعْلُومٌ أَنَّ مِثْلَ هَذَا الْحُكْمِ بَاطِلٌ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ.
الْوَجْهُ الْحَادِي وَالْأَرْبَعُونَ: أَنَّهُمْ لَوْ قَالُوا بِبَعْضِ أَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ فَظَنُّوا أَنَّهُ لَا تَنَازُعَ فِيهِ كَانُوا عَدَدًا مِثْلَ مَنْ يَظُنُّ: أَنَّ السُّنَّةَ لِلزَّائِرِ أَنْ يَقِفَ عِنْدَ الْقَبْرِ وَيَسْتَقْبِلَهُ وَيُسَلِّمَ عَلَيْهِ وَقَدْ يَظُنُّ ذَلِكَ إجْمَاعًا وَهُوَ غالط؛ فَإِنَّ مِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ لَمْ يَسْتَحِبَّ اسْتِقْبَالَ الْقِبْلَةِ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَسْتَحِبَّ الْوُقُوفَ عِنْدَ الْقَبْرِ كَمَا قَدْ بَيَّنَ النَّقْلُ عَنْهُمْ فِي مَوَاضِعِهِ. وَأَمَّا هَؤُلَاءِ فَحَكَمُوا بِقَوْلِ لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَذَلِكَ بَاطِلٌ بِالْإِجْمَاعِ. الثَّانِي وَالْأَرْبَعُونَ: أَنَّ مَا قَالُوهُ لَوْ قَالَهُ مُفْتٍ لَوَجَبَ الْإِنْكَارُ عَلَيْهِ
(27/312)

وَمَنْعُهُ وَحَبْسُهُ إنْ لَمْ يَنْتَهِ عَنْ الْإِفْتَاءِ بِهِ؛ لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ فَكَيْفَ إذَا قَالَهُ حَاكِمٌ يُلْزِمُ النَّاسَ بِهِ وَهُوَ أَوْلَى بِالْمَنْعِ وَالْعُقُوبَةِ عَلَى ذَلِكَ كَأَهْلِ الْبِدَعِ: مِنْ الْخَوَارِجِ وَالرَّافِضَةِ وَغَيْرِهِمْ وَاَلَّذِينَ يَبْتَدِعُونَ بِدْعَةً يُلْزِمُونَ بِهَا النَّاسَ وَيُعَادُونَ مَنْ خَالَفَهُمْ فِيهَا وَيَسْتَحِلُّونَ عُقُوبَتَهُ وَالْبِدَعُ الْمُتَضَمِّنَةُ لِلشِّرْكِ وَاِتِّخَاذِ الْقُبُورِ أَوْثَانًا وَالْحَجِّ إلَيْهَا وَدُعَاءِ غَيْرِ اللَّهِ وَعِبَادَتِهِ: مِنْ بِدَعِ الْخَوَارِجِ وَالرَّوَافِضِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَحْدَهُ. وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.
(27/313)

وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ -:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَحَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ الْحَمْدُ لِلَّهِ نَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ. وَنَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَنَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا.
أَمَّا بَعْدُ يَقُولُ أَحْمَد ابْنُ تَيْمِيَّة: إنَّنِي لَمَّا عَلِمْت مَقْصُودَ وَلِيِّ الْأَمْرِ السُّلْطَانِ - أَيَّدَهُ اللَّهُ وَسَدَّدَهُ فِيمَا رَسَمَ بِهِ - كَتَبْت إذْ ذَاكَ كَلَامًا مُخْتَصَرًا لِأَنَّ الْحَاضِرَ اسْتَعْجَلَ بِالْجَوَابِ وَهَذَا فِيهِ شَرْحُ الْحَالِ أَيْضًا مُخْتَصَرًا وَإِنَّ رَسْمَ وَلِيِّ الْأَمْرِ أَيَّدَهُ اللَّهُ وَسَدَّدَهُ أَحْضَرْت لَهُ كُتُبًا كَثِيرَةً مِنْ كُتُبِ الْمُسْلِمِينَ - قَدِيمًا وَحَدِيثًا - مِمَّا فِيهِ كَلَامُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
(27/314)

وَالصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَكَلَامُ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِ الْأَرْبَعَةِ وَأَتْبَاعِ الْأَرْبَعَةِ مِمَّا يُوَافِقُ مَا كَتَبْته فِي الْفُتْيَا؛ فَإِنَّ الْفُتْيَا مُخْتَصَرَةٌ لَا تَحْتَمِلُ الْبَسْطَ. وَلَا يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَذْكُرَ خِلَافَ ذَلِكَ؛ لَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا عَنْ الصَّحَابَةِ وَلَا عَنْ التَّابِعِينَ وَلَا عَنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ: لَا الْأَرْبَعَةِ وَلَا غَيْرِهِمْ. وَإِنَّمَا خَالَفَ ذَلِكَ مَنْ يَتَكَلَّمُ بِلَا عِلْمٍ وَلَيْسَ مَعَهُ بِمَا يَقُولُهُ نَقْلٌ لَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا عَنْ الصَّحَابَةِ وَلَا عَنْ التَّابِعِينَ وَلَا عَنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَلَا يُمْكِنُهُ أَنْ يُحْضِرَ كِتَابًا مِنْ الْكُتُبِ الْمُعْتَمَدَةِ عَنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ بِمَا يَقُولُهُ؛ وَلَا يَعْرِفُ كَيْفَ كَانَ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ يَفْعَلُونَ فِي زِيَارَةِ قَبْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَغَيْرِهِ. وَأَنَا خَطِّي مَوْجُودٌ بِمَا أَفْتَيْت بِهِ وَعِنْدِي مِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ كَتَبْته بِخَطِّي وَيُعْرَضُ عَلَى جَمِيعِ مَنْ يُنْسَبُ إلَى الْعِلْمِ شَرْقًا وَغَرْبًا فَمَنْ قَالَ إنَّ عِنْدَهُ عِلْمًا يُنَاقِضُ ذَلِكَ فَلْيَكْتُبْ خَطَّهُ بِجَوَابِ مَبْسُوطٍ يُعَرِّفُ فِيهِ مَنْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ قَبْلَهُ وَمَا حُجَّتُهُمْ فِي ذَلِكَ؟ وَبَعْدَ ذَلِكَ فَوَلِيُّ الْأَمْرِ السُّلْطَانُ أَيَّدَهُ اللَّهُ إذَا رَأَى مَا كَتَبْته وَمَا كَتَبَهُ غَيْرِي فَأَنَا أَعْلَمُ أَنَّ الْحَقَّ ظَاهِرٌ مِثْلَ الشَّمْسِ: يَعْرِفُهُ أَقَلُّ غِلْمَانِ السُّلْطَانِ الَّذِي مَا رُئِيَ فِي هَذِهِ الْأَزْمَانِ سُلْطَانٌ مِثْلُهُ زَادَهُ اللَّهُ عِلْمًا وَتَسْدِيدًا وَتَأْيِيدًا. فَالْحَقُّ يَعْرِفُهُ كُلُّ أَحَدٍ فَإِنَّ الْحَقَّ الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ بِهِ الرُّسُلَ لَا يَشْتَبِهُ بِغَيْرِهِ
(27/315)

عَلَى الْعَارِفِ كَمَا لَا يَشْتَبِهُ الذَّهَبُ الْخَالِصُ بِالْمَغْشُوشِ عَلَى النَّاقِدِ. وَاَللَّهُ تَعَالَى أَوْضَحَ الْحُجَّةَ وَأَبَانَ الْمَحَجَّةَ بِمُحَمَّدِ خَاتَمِ الْمُرْسَلِينَ. وَأَفْضَلِ النَّبِيِّينَ وَخَيْرِ خَلْقِ اللَّهِ أَجْمَعِينَ. فَالْعُلَمَاءُ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمْ بَيَانُ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ وَرَدُّ مَا يُخَالِفُهُ. فَيَجِبُ أَنْ يَعْرِفَ " أَوَّلًا " مَا قَالَهُ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّ الْأَحَادِيثَ الْمَكْذُوبَةَ كَثِيرَةٌ وَبَعْضُ الْمُنْتَسِبِينَ إلَى الْعِلْمِ قَدْ صَنَّفَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَمَا يُشْبِهُهَا مُصَنَّفًا ذَكَرَ فِيهِ مِنْ الْكَذِبِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَى الصَّحَابَةِ أَلْوَانًا يَغْتَرُّ بِهَا الْجَاهِلُونَ. وَهُوَ لَمْ يَتَعَمَّدْ الْكَذِبَ؛ بَلْ هُوَ مُحِبٌّ لِلرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُعَظِّمٌ لَهُ لَكِنْ لَا خِبْرَةَ لَهُ بِالتَّمْيِيزِ بَيْنَ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ فَإِذَا وَجَدَ بَعْضُ الْمُصَنِّفِينَ فِي فَضَائِلِ الْبِقَاعِ وَغَيْرِهَا قَدْ نَسَبَ حَدِيثًا إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ إلَى الصَّحَابَةِ اعْتَقَدَهُ صَحِيحًا وَبَنَى عَلَيْهِ وَيَكُونُ ذَلِكَ الْحَدِيثُ ضَعِيفًا بَلْ كَذِبًا عِنْدَ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِسُنَّتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ثُمَّ إذَا مَيَّزَ الْعَالِمُ بَيْنَ مَا قَالَهُ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا لَمْ يَقُلْهُ فَإِنَّهُ يَحْتَاجُ أَنْ يَفْهَمَ مُرَادَهُ وَيَفْقَهَ مَا قَالَهُ وَيَجْمَعَ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ وَيَضُمَّ كُلَّ شَكْلٍ إلَى شَكْلِهِ فَيَجْمَعُ بَيْنَ مَا جَمَعَ اللَّهُ بَيْنَهُ وَرَسُولُهُ وَيُفَرِّقُ بَيْنَ مَا فَرَّقَ اللَّهُ بَيْنَهُ وَرَسُولُهُ. فَهَذَا هُوَ الْعِلْمُ الَّذِي يَنْتَفِعُ بِهِ الْمُسْلِمُونَ وَيَجِبُ تَلَقِّيهِ وَقَبُولُهُ وَبِهِ سَادَ أَئِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ كَالْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ
(27/316)

رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ. وَوَلِيُّ الْأَمْرِ سُلْطَانُ الْمُسْلِمِينَ أَيَّدَهُ اللَّهُ وَسَدَّدَهُ هُوَ أَحَقُّ النَّاسِ بِنَصْرِ دِينِ الْإِسْلَامِ وَمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَزَجْرِ مَنْ يُخَالِفُ ذَلِكَ وَيَتَكَلَّمُ فِي الدِّينِ بِلَا عِلْمٍ وَيَأْمُرُ بِمَا نَهَى عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَنْ يَسْعَى فِي إطْفَاءِ دِينِهِ إمَّا جَهْلًا وَإِمَّا هَوًى.
وَقَدْ نَزَّهَ اللَّهُ رَسُولَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ هَذَيْنِ الْوَصْفَيْنِ فَقَالَ تَعَالَى: {وَالنَّجْمِ إذَا هَوَى} {مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى} {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى} {إنْ هُوَ إلَّا وَحْيٌ يُوحَى} وَقَالَ تَعَالَى عَنْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَهُ: {إنْ يَتَّبِعُونَ إلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى} وَيُخَالِفُونَ شَرِيعَتَهُ وَمَا كَانَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ وَأَئِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ يَعْرِفُونَ سُنَّتَهُ وَمَقَاصِدَهُ وَيَتَحَرَّوْنَ مُتَابَعَتَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحَسَبِ جَهْدِهِمْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ.
فَوَلِيُّ الْأَمْرِ السُّلْطَانُ أَعَزَّهُ اللَّهُ إذَا تَبَيَّنَ لَهُ الْأَمْرُ فَهُوَ صَاحِبُ السَّيْفِ الَّذِي هُوَ أَوْلَى النَّاسِ بِوُجُوبِ الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِالْيَدِ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ وَيَبِينَ تَحْقِيقُ شَهَادَةِ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَتَظْهَرُ حَقِيقَةُ التَّوْحِيدِ وَرِسَالَةُ الرَّسُولِ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ أَفْضَلَ الرُّسُلِ وَخَاتَمَهُمْ وَيَظْهَرُ الْهُدَى وَدِينُ الْحَقِّ الَّذِي بُعِثَ بِهِ وَالنُّورُ الَّذِي أَوْحَى إلَيْهِ وَيُصَانُ ذَلِكَ
(27/317)

عَنْ مَا يَخْلِطُهُ بِهِ أَهْلُ الْجَهْلِ وَالْكَذِبِ الَّذِينَ يَكْذِبُونَ عَلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَيَجْهَلُونَ دِينَهُ وَيُحْدِثُونَ فِي دِينِهِ مِنْ الْبِدَعِ مَا يُضَاهِي بِدَعَ الْمُشْرِكِينَ وَيَنْتَقِصُونَ شَرِيعَتَهُ وَسُنَّتَهُ وَمَا بُعِثَ بِهِ مِنْ التَّوْحِيدِ فَفِي تَنْقِيصِ دِينِهِ وَسُنَّتِهِ وَشَرِيعَتِهِ مِنْ التَّنَقُّصِ لَهُ وَالطَّعْنِ عَلَيْهِ مَا يَسْتَحِقُّ فَاعِلُهُ عُقُوبَةً مِثْلَهُ. فَوُلَاةُ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ أَحَقُّ بِنَصْرِ اللَّه وَرَسُولِهِ وَالْجِهَادِ فِي سَبِيلِهِ وَإِعْلَاءِ دِينِ اللَّهِ وَإِظْهَارِ شَرِيعَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّتِي هِيَ أَفْضَلُ الشَّرَائِعِ الَّتِي بَعَثَ اللَّهُ بِهَا خَاتَمَ الْمُرْسَلِينَ وَأَفْضَلَ النَّبِيِّينَ وَمَا تَضَمَّنَتْهُ مِنْ تَوْحِيدِ اللَّهِ وَعِبَادَتِهِ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَنْ يُعْبَدَ بِمَا أَمَرَ وَشَرَعَ لَا يُعْبَدَ بِالْأَهْوَاءِ وَالْبِدَعِ. وَمَا مَنَّ اللَّهُ بِهِ عَلَى وُلَاةِ الْأَمْرِ وَمَا أَنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِمْ فِي الدُّنْيَا وَمَا يَرْجُونَهُ مِنْ نِعْمَةِ اللَّهِ فِي الْآخِرَةِ إنَّمَا هُوَ بِاتِّبَاعِهِمْ لِلرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَصْرِ مَا جَاءَ بِهِ مِنْ الْحَقِّ. وَقَدْ طَلَبَ وَلِيُّ الْأَمْرِ أَيَّدَهُ اللَّهُ وَسَدَّدَهُ الْمَقْصُودَ بِمَا كَتَبْته. وَالْمَقْصُودُ طَاعَةُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَرَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنْ نَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا. وَلَا تَكُونَ الْعِبَادَةُ إلَّا بِشَرِيعَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى كَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَصِيَامِ شَهْرِ رَمَضَانَ وَحَجِّ الْبَيْتِ؛ أَوْ نَدَبَ إلَيْهِ كَقِيَامِ اللَّيْلِ
(27/318)

وَالسَّفَرِ إلَى مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى لِلصَّلَاةِ فِيهِمَا وَالْقِرَاءَةِ وَالذِّكْرِ وَالِاعْتِكَافِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مَعَ مَا فِي ذَلِكَ مِنْ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ دُخُولِ الْمَسْجِدِ وَالْخُرُوجِ مِنْهُ وَفِي الصَّلَاةِ وَالِاقْتِدَاءِ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا كَانَ يَفْعَلُ فِي الْمَسَاجِدِ وَفِي زِيَارَةِ الْقُبُورِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. فَإِنَّ الدِّينَ هُوَ طَاعَتُهُ فِيمَا أَمَرَ وَالِاقْتِدَاءُ بِهِ فِيمَا سَنَّهُ لِأُمَّتِهِ. فَلَا تُتَجَاوَزُ سُنَّتُهُ فِيمَا فَعَلَهُ فِي عِبَادَتِهِ: مِثْلَ الذَّهَابِ إلَى مَسْجِدِ قُبَاء وَالصَّلَاةِ فِيهِ وَزِيَارَةِ شُهَدَاءِ أُحُدٍ وَقُبُورِ أَهْلِ الْبَقِيعِ. فَأَمَّا مَا لَا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا هُوَ مُسْتَحَبٌّ فَهَذَا لَيْسَ مِنْ الْعِبَادَاتِ وَالطَّاعَاتِ الَّتِي يُتَقَرَّبُ بِهَا إلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: كَعِبَادَاتِ أَهْلِ الْبِدَعِ مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ وَمَنْ ضَاهَاهُمْ؛ فَإِنَّ لَهُمْ عِبَادَاتٍ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا كِتَابًا وَلَا بَعَثَ بِهَا رَسُولًا؛ مِثْلَ عِبَادَاتِ الْمَخْلُوقِينَ كَعِبَادَاتِ الْكَوَاكِبِ أَوْ الْمَلَائِكَةِ أَوْ الْأَنْبِيَاءِ أَوْ عِبَادَةِ التَّمَاثِيلِ الَّتِي صُوِّرَتْ عَلَى صُوَرِهِمْ كَمَا تَفْعَلُهُ النَّصَارَى فِي كَنَائِسِهِمْ يَقُولُونَ إنَّهُمْ يَسْتَشْفِعُونَ بِهِمْ. وَفِي الصَّحِيحِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ: {خَيْرُ الْكَلَامِ كَلَامُ اللَّهِ وَخَيْرُ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ وَشَرُّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ} أَيْ مَا كَانَ بِدْعَةً فِي الشَّرْعِ وَقَدْ يَكُونُ مَشْرُوعًا لَكِنَّهُ إذَا فُعِلَ بَعْدَهُ سُمِّيَ بِدْعَةً كَقَوْلِ عُمَرَ رَضِيَ
(27/319)

اللَّهُ عَنْهُ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ لَمَّا جَمَعَهُمْ عَلَى قَارِئٍ وَاحِدٍ فَقَالَ: نِعْمَتْ الْبِدْعَةُ هَذِهِ وَاَلَّتِي يَنَامُونَ عَنْهَا أَفْضَلُ. وَقِيَامُ رَمَضَانَ قَدْ سَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: {إنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْكُمْ صِيَامَ رَمَضَانَ وَسَنَنْت لَكُمْ قِيَامَهُ} . وَكَانُوا عَلَى عَهْدِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلُّونَ أَوْزَاعًا مُتَفَرِّقِينَ يُصَلِّي الرَّجُلُ وَحْدَهُ وَيُصَلِّي الرَّجُلُ وَمَعَهُ جَمَاعَةٌ جَمَاعَةٌ. وَقَدْ صَلَّى بِهِمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَمَاعَةً مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ. وَقَالَ: {إنَّ الرَّجُلَ إذَا صَلَّى مَعَ الْإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ كُتِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ} . لَكِنْ لَمْ يُدَاوِمْ عَلَى الْجَمَاعَةِ كَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ خَشْيَةَ أَنْ يُفْرَضَ عَلَيْهِمْ فَلَمَّا مَاتَ أَمِنُوا زِيَادَةَ الْفَرْضِ فَجَمَعَهُمْ عُمَرُ عَلَى أبي بْنِ كَعْبٍ. وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَجِبُ عَلَيْنَا أَنْ نُحِبَّهُ حَتَّى يَكُونَ أَحَبَّ إلَيْنَا مِنْ أَنْفُسِنَا وَآبَائِنَا وَأَبْنَائِنَا وَأَهْلِنَا وَأَمْوَالِنَا وَنُعَظِّمَهُ وَنُوَقِّرَهُ وَنُطِيعَهُ بَاطِنًا وَظَاهِرًا وَنُوَالِيَ مَنْ يُوَالِيهِ وَنُعَادِيَ مَنْ يُعَادِيهِ. وَنَعْلَمَ أَنَّهُ لَا طَرِيقَ إلَى اللَّهِ إلَّا بِمُتَابَعَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَلَا يَكُونُ وَلِيًّا لِلَّهِ بَلْ وَلَا مُؤْمِنًا وَلَا سَعِيدًا نَاجِيًا مِنْ الْعَذَابِ إلَّا مَنْ آمَنَ بِهِ وَاتَّبَعَهُ بَاطِنًا وَظَاهِرًا. وَلَا وَسِيلَةَ يُتَوَسَّلُ إلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِهَا إلَّا الْإِيمَانُ بِهِ وَطَاعَتُهُ. وَهُوَ أَفْضَلُ الْأَوَّلِينَ والآخرين وَخَاتَمُ النَّبِيِّينَ وَالْمَخْصُوصُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِالشَّفَاعَةِ الْعُظْمَى الَّتِي مَيَّزَهُ اللَّهُ بِهَا عَلَى سَائِرِ النَّبِيِّينَ صَاحِبُ الْمَقَامِ الْمَحْمُودِ وَاللِّوَاءِ الْمَعْقُودِ لِوَاءِ الْحَمْدِ آدَمَ فَمَنْ
(27/320)

دُونَهُ تَحْتَ لِوَائِهِ. وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ يَسْتَفْتِحُ بَابَ الْجَنَّةِ {فَيَقُولُ الْخَازِنُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَيَقُولُ: أَنَا مُحَمَّدٌ. فَيَقُولُ بِك أُمِرْت أَنْ لَا أَفْتَحَ لِأَحَدِ قَبْلَك} . وَقَدْ فَرَضَ عَلَى أُمَّتِهِ فَرَائِضَ وَسَنَّ لَهُمْ سُنَنًا مُسْتَحَبَّةً فَالْحَجُّ إلَى بَيْتِ اللَّهِ فَرْضٌ وَالسَّفَرُ إلَى مَسْجِدِهِ وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى لِلصَّلَاةِ فِيهِمَا وَالْقِرَاءَةِ وَالذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ وَالِاعْتِكَافِ مُسْتَحَبٌّ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ. وَإِذَا أُتِيَ مَسْجِدُهُ فَإِنَّهُ يُسَلَّمُ عَلَيْهِ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ. وَيُسَلَّمُ عَلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ فِيهَا فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: {إنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} وَمَنْ صَلَّى عَلَيْهِ مَرَّةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ عَشْرًا وَمَنْ سَلَّمَ عَلَيْهِ سَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ عَشْرًا. وَطَلَبَ الْوَسِيلَةَ لَهُ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ قَالَ: {إذَا سَمِعْتُمْ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ مَرَّةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا ثُمَّ سَلُوا اللَّهَ لِي الْوَسِيلَةَ فَإِنَّهَا دَرَجَةٌ فِي الْجَنَّةِ لَا تَنْبَغِي إلَّا لِعَبْدِ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا ذَلِكَ الْعَبْدَ فَمَنْ سَأَلَ اللَّهَ لِي الْوَسِيلَةَ حَلَّتْ عَلَيْهِ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ} رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَرَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: {مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ: اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ وَالصَّلَاةِ الْقَائِمَةِ آتِ مُحَمَّدًا الْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الَّذِي وَعَدْته إنَّك لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ: حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ} . وَهَذَا مَأْمُورٌ بِهِ. وَالسَّلَامُ عَلَيْهِ عِنْدَ
(27/321)

قَبْرِهِ الْمُكَرَّمِ جَائِزٌ لِمَا فِي السُّنَنِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: {مَا مِنْ أَحَدٍ يُسَلِّمُ عَلَيَّ إلَّا رَدَّ اللَّهُ عَلَيَّ رُوحِي حَتَّى أَرُدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ} . وَحَيْثُ صَلَّى الرَّجُلُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ مِنْ مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا فَإِنَّ اللَّهَ يُوصِلُ صَلَاتَهُ وَسَلَامَهُ إلَيْهِ لِمَا فِي السُّنَنِ عَنْ أَوْسِ بْنِ أَوْسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: {أَكْثِرُوا عَلَيَّ مِنْ الصَّلَاةِ يَوْمَ الْجُمْعَةِ وَلَيْلَةَ الْجُمْعَةِ فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَلَيَّ. قَالُوا: كَيْفَ تُعْرَضُ صَلَاتُنَا عَلَيْك وَقَدْ أَرَمْت؟ - أَيْ صِرْت رَمِيمًا - قَالَ: إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَى الْأَرْضِ أَنْ تَأْكُلَ لُحُومَ الْأَنْبِيَاءِ} . وَلِهَذَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {لَا تَتَّخِذُوا قَبْرِي عِيدًا وَصَلُّوا عَلَيَّ حَيْثُمَا كُنْتُمْ فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ تَبْلُغُنِي} . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ. فَالصَّلَاةُ تَصِلُ إلَيْهِ مِنْ الْبَعِيدِ كَمَا تَصِلُ إلَيْهِ مِنْ الْقَرِيبِ. وَفِي النَّسَائِي عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: {إنَّ لِلَّهِ مَلَائِكَةً سَيَّاحِينَ يُبَلِّغُونِي عَنْ أُمَّتِي السَّلَامَ} . وَقَدْ أَمَرَنَا اللَّهُ أَنْ نُصَلِّيَ عَلَيْهِ وَشَرَعَ ذَلِكَ لَنَا فِي كُلِّ صَلَاةٍ أَنْ نُثْنِيَ عَلَى اللَّهِ بِالتَّحِيَّاتِ ثُمَّ نَقُولَ: {السَّلَامُ عَلَيْك أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ} . وَهَذَا السَّلَامُ يَصِلُ إلَيْهِ مِنْ مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا. وَكَذَلِكَ إذَا صَلَّيْنَا عَلَيْهِ فَقُلْنَا: {اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْت عَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ إنَّك حَمِيدٌ مَجِيدٌ. وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْت عَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ إنَّك حَمِيدٌ مَجِيدٌ} . وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى عَهْدِهِ وَعَهْدِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ يُصَلُّونَ
(27/322)

فِي مَسْجِدِهِ وَيُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ وَكَذَلِكَ يُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ إذَا دَخَلُوا الْمَسْجِدَ وَإِذَا خَرَجُوا مِنْهُ وَلَا يَحْتَاجُونَ أَنْ يَذْهَبُوا إلَى الْقَبْرِ الْمُكَرَّمِ وَلَا أَنْ يَتَوَجَّهُوا نَحْوَ الْقَبْرِ وَيَرْفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالسَّلَامِ كَمَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ الْحُجَّاجِ - بَلْ هَذَا بِدْعَةٌ لَمْ يَسْتَحِبَّهَا أَحَدٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ بَلْ كَرِهُوا رَفْعَ الصَّوْتِ فِي مَسْجِدِهِ وَقَدْ رَأَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رَجُلَيْنِ يَرْفَعَانِ أَصْوَاتَهُمَا فِي مَسْجِدِهِ وَرَآهُمَا غَرِيبَيْنِ فَقَالَ: أَمَا عَلِمْتُمَا أَنَّ الْأَصْوَاتَ لَا تُرْفَعُ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ لَوْ أَنَّكُمَا مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ لَأَوْجَعْتُكُمَا ضَرْبًا. وَعَذَرَهُمَا بِالْجَهْلِ فَلَمْ يُعَاقِبْهُمَا. وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا مَاتَ دُفِنَ فِي حُجْرَةِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا وَكَانَتْ هِيَ وَحَجَرُ نِسَائِهِ فِي شَرْقِيِّ الْمَسْجِدِ وَقِبْلِيِّهِ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ دَاخِلًا فِي الْمَسْجِدِ وَاسْتَمَرَّ الْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ إلَى أَنْ انْقَرَضَ عَصْرُ الصَّحَابَةِ بِالْمَدِينَةِ. ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ فِي خِلَافَةِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ بِنَحْوِ مِنْ سَنَةٍ مِنْ بَيْعَتِهِ وُسِّعَ الْمَسْجِدُ وَأُدْخِلَتْ فِيهِ الْحُجْرَةُ لِلضَّرُورَةِ: فَإِنَّ الْوَلِيدَ كَتَبَ إلَى نَائِبِهِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنْ يَشْتَرِيَ الْحُجَرَ مِنْ مُلَّاكِهَا وَرَثَةِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّهُنَّ كُنَّ قَدْ تُوُفِّينَ كُلُّهُنَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ فَأَمَرَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ الْحُجَرَ وَيَزِيدَهَا فِي الْمَسْجِدِ. فَهَدَمَهَا وَأَدْخَلَهَا فِي الْمَسْجِدِ وَبَقِيَتْ حُجْرَةُ عَائِشَةَ عَلَى حَالِهَا وَكَانَتْ مُغْلَقَةً لَا يُمَكَّنُ أَحَدٌ مِنْ الدُّخُولِ إلَى قَبْرِ النَّبِيِّ
(27/323)

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا لِصَلَاةِ عِنْدِهِ وَلَا لِدُعَاءِ وَلَا غَيْرِ ذَلِكَ إلَى حِينِ كَانَتْ عَائِشَةُ فِي الْحَيَاةِ وَهِيَ تُوُفِّيَتْ قَبْلَ إدْخَالِ الْحُجْرَةِ بِأَكْثَرَ مِنْ عِشْرِينَ أَوْ ثَلَاثِينَ سَنَةً فَإِنَّهَا تُوُفِّيَتْ فِي خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ ثُمَّ وَلِيَ ابْنُهُ يَزِيدُ ثُمَّ ابْنُ الزُّبَيْرِ فِي الْفِتْنَةِ ثُمَّ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ ثُمَّ ابْنُهُ الْوَلِيدُ وَكَانَتْ وِلَايَتُهُ بَعْدَ ثَمَانِينَ مِنْ الْهِجْرَةِ وَقَدْ مَاتَ عَامَّةُ الصَّحَابَةِ قِيلَ إنَّهُ لَمْ يَبْقَ بِالْمَدِينَةِ إلَّا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فَإِنَّهُ آخِرُ مَنْ مَاتَ بِهَا فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَسَبْعِينَ قَبْلَ إدْخَالِ الْحُجْرَةِ بِعَشْرِ سِنِينَ. فَفِي حَيَاةِ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - كَانَ النَّاسُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهَا لِسَمَاعِ الْحَدِيثِ ولاستفتائها وَزِيَارَتِهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ إذَا دَخَلَ أَحَدٌ يَذْهَبُ إلَى الْقَبْرِ الْمُكَرَّمِ لَا لِصَلَاةِ وَلَا لِدُعَاءِ وَلَا غَيْرِ ذَلِكَ - بَلْ رُبَّمَا طَلَبَ بَعْضُ النَّاسِ مِنْهَا أَنْ تُرِيَهُ الْقُبُورَ فَتُرِيَهُ إيَّاهُنَّ وَهِيَ قُبُورٌ لَا لَاطِئَةٌ وَلَا مُشْرِفَةٌ مَبْطُوحَةٌ بِبَطْحَاءِ الْعَرْصَةِ. وَقَدْ اُخْتُلِفَ هَلْ كَانَتْ مُسَنَّمَةً أَوْ مُسَطَّحَةً وَاَلَّذِي فِي الْبُخَارِيِّ أَنَّهَا مُسَنَّمَةٌ. قَالَ سُفْيَانُ التَّمَّارُ إنَّهُ رَأَى قَبْرَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُسَنَّمًا - وَلَكِنْ كَانَ الدَّاخِلُ يُسَلِّمُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِقَوْلِهِ: {مَا مِنْ أَحَدٍ يُسَلِّمُ عَلَيَّ إلَّا رَدَّ اللَّهُ عَلَيَّ رُوحِي حَتَّى أَرُدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ} وَهَذَا السَّلَامُ مَشْرُوعٌ لِمَنْ كَانَ يَدْخُلُ الْحُجْرَةَ. وَهَذَا السَّلَامُ هُوَ الْقَرِيبُ الَّذِي يَرُدُّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى صَاحِبِهِ. وَأَمَّا السَّلَامُ الْمُطْلَقُ
(27/324)

الَّذِي يُفْعَلُ خَارِجَ الْحُجْرَةِ وَفِي كُلِّ مَكَانٍ فَهُوَ مِثْلُ السَّلَامِ عَلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ وَذَلِكَ مِثْلُ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ. وَاَللَّهُ هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَى مَنْ يُصَلِّي عَلَيْهِ مَرَّةً عَشْرًا وَيُسَلِّمُ عَلَى مَنْ يُسَلِّمُ عَلَيْهِ مَرَّةً عَشْرًا. فَهَذَا هُوَ الَّذِي أَمَرَ بِهِ الْمُسْلِمُونَ خُصُوصًا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخِلَافِ السَّلَامِ عَلَيْهِ عِنْدَ قَبْرِهِ فَإِنَّ هَذَا قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ جَمِيعِ الْمُؤْمِنِينَ فَإِنَّ كُلَّ مُؤْمِنٍ يُسَلِّمُ عَلَيْهِ عِنْدَ قَبْرِهِ كَمَا يُسَلِّمُ عَلَيْهِ فِي الْحَيَاةِ عِنْدَ اللِّقَاءِ. وَأَمَّا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي كُلِّ مَكَانٍ وَالصَّلَاةُ عَلَى التَّعْيِينِ فَهَذَا إنَّمَا أَمَرَ بِهِ فِي حَقِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهُوَ الَّذِي أَمَرَ الْعِبَادَ أَنْ يُصَلُّوا عَلَيْهِ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا. صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا. فَحُجَرُ نِسَائِهِ كَانَتْ خَارِجَةً عَنْ الْمَسْجِدِ شَرْقِيِّهِ وَقِبْلِيِّهِ وَلِهَذَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ} هَذَا لَفْظُ الصَّحِيحَيْنِ وَلَفْظُ " قَبْرِي " لَيْسَ فِي الصَّحِيحِ فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ لَمْ يَكُنْ قَبْرٌ. وَمَسْجِدُهُ إنَّمَا فُضِّلَ بِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي بَنَاهُ وَأَسَّسَهُ عَلَى التَّقْوَى. وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ. عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: {صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنْ الْمَسَاجِدِ إلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ} . وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ أَفْضَلُ الْمَسَاجِدِ وَالصَّلَاةَ فِيهِ بِمِائَةِ أَلْفِ صَلَاةٍ هَكَذَا رَوَى أَحْمَد وَالنَّسَائِي وَغَيْرُهُمَا
(27/325)

بِإِسْنَادِ جَيِّدٍ. وَالْمَسْجِدُ الْحَرَامُ هُوَ فُضِّلَ بِهِ وَبِإِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ فَإِنَّ إبْرَاهِيمَ الْخَلِيلَ بَنَى الْبَيْتَ وَدَعَا النَّاسَ إلَى حَجِّهِ بِأَمْرِهِ تَعَالَى وَلَمْ يُوجِبْهُ عَلَى النَّاسِ وَلِهَذَا لَمْ يَكُنْ الْحَجُّ فَرْضًا فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ وَإِنَّمَا فُرِضَ فِي آخِرِ الْأَمْرِ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ إنَّمَا فُرِضَ سَنَةَ نَزَلَتْ آلُ عِمْرَانَ لَمَّا وَفَدَ أَهْلُ نَجْرَانَ سَنَةَ تِسْعٍ أَوْ عَشْرٍ. وَمَنْ قَالَ: فِي سَنَةِ سِتٍّ فَإِنَّمَا اسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} فَإِنَّ هَذِهِ نَزَلَتْ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ بِاتِّفَاقِ النَّاسِ لَكِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ فِيهَا الْأَمْرُ بِإِتْمَامِهِ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِيهِ لَيْسَ فِيهَا إيجَابُ ابْتِدَاءٍ بِهِ فَالْبَيْتُ الْحَرَامُ كَانَ لَهُ فَضِيلَةُ بِنَاءِ إبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ وَدُعَاءِ النَّاسِ إلَى حَجِّهِ وَصَارَتْ لَهُ فَضِيلَةٌ ثَانِيَةٌ فَإِنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ الَّذِي أَنْقَذَهُ مِنْ أَيْدِي الْمُشْرِكِينَ وَمَنَعَهُ مِنْهُمْ. وَهُوَ الَّذِي أَوْجَبَ حَجَّهُ عَلَى كُلِّ مُسْتَطِيعٍ. وَقَدْ حَجَّهُ النَّاسُ مِنْ مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا فَعَبَدَ اللَّهَ فِيهِ بِسَبَبِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَضْعَافُ مَا كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ فِيهِ قَبْلَ ذَلِكَ وَأَعْظَمُ مِمَّا كَانَ يُعْبَدُ فَإِنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ. وَلَمَّا مَاتَ دُفِنَ فِي حُجْرَةِ عَائِشَةَ؛ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ: {لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ} يُحَذِّرُ مَا فَعَلُوا. قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا وَلَوْلَا ذَلِكَ لَأُبْرِزَ قَبْرُهُ وَلَكِنْ كَرِهَ أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا. وَفِي صَحِيحِ
(27/326)

مُسْلِمٍ أَنَّهُ قَالَ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِخَمْسِ: {إنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ الْقُبُورَ مَسَاجِدَ أَلَّا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ فَإِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ} . وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَيْضًا أَنَّهُ قَالَ: {لَا تَجْلِسُوا عَلَى الْقُبُورِ وَلَا تُصَلُّوا إلَيْهَا} . فَنَهَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ اتِّخَاذِ الْقُبُورِ مَسَاجِدَ وَعَنْ الصَّلَاةِ إلَيْهَا وَلَعَنَ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى لِكَوْنِهِمْ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ لِأَنَّ هَذَا كَانَ هُوَ أَوَّلَ أَسْبَابِ الشِّرْكِ فِي قَوْمِ نُوحٍ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ: {وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ مِنْ السَّلَفِ: هَؤُلَاءِ كَانُوا قَوْمًا صَالِحِينَ فِي قَوْمِ نُوحٍ فَلَمَّا مَاتُوا عَكَفُوا عَلَى قُبُورِهِمْ ثُمَّ صَوَّرُوا تَمَاثِيلَهُمْ ثُمَّ عَبَدُوهُمْ. فَهُوَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِكَمَالِ نُصْحِهِ لِأُمَّتِهِ حَذَّرَهُمْ أَنْ يَقَعُوا فِيمَا وَقَعَ فِيهِ الْمُشْرِكُونَ وَأَهْلُ الْكِتَابِ فَنَهَاهُمْ عَنْ اتِّخَاذِ الْقُبُورِ مَسَاجِدَ وَعَنْ الصَّلَاةِ إلَيْهَا لِئَلَّا يَتَشَبَّهُوا بِالْكُفَّارِ كَمَا نَهَاهُمْ عَنْ الصَّلَاةِ وَقْتَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَوَقْتَ غُرُوبِهَا لِئَلَّا يَتَشَبَّهُوا بِالْكُفَّارِ. وَلِهَذَا لَمَّا أُدْخِلَتْ الْحُجْرَةُ فِي مَسْجِدِهِ الْمُفَضَّلِ فِي خِلَافَةِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ - كَمَا تَقَدَّمَ - بَنَوْا عَلَيْهَا حَائِطًا وسنموه وَحَرَّفُوهُ لِئَلَّا يُصَلِّيَ أَحَدٌ إلَى قَبْرِهِ الْكَرِيمِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَفِي مُوَطَّأِ مَالِكٍ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: {اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَدُ اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى قَوْمٍ
(27/327)

اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ} وَقَدْ اسْتَجَابَ اللَّهُ دَعْوَتَهُ فَلَمْ يُتَّخَذْ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَثَنًا كَمَا اُتُّخِذَ قَبْرُ غَيْرِهِ بَلْ وَلَا يَتَمَكَّنُ أَحَدٌ مِنْ الدُّخُولِ إلَى حُجْرَتِهِ بَعْدَ أَنْ بُنِيَتْ الْحُجْرَةُ. وَقَبْلَ ذَلِكَ مَا كَانُوا يُمَكِّنُونَ أَحَدًا مِنْ أَنْ يَدْخُلَ إلَيْهِ لِيَدْعُوَ عِنْدَهُ وَلَا يُصَلِّيَ عِنْدَهُ وَلَا غَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا يُفْعَلُ عِنْدَ قَبْرِ غَيْرِهِ. لَكِنْ مِنْ الْجُهَّالِ مَنْ يُصَلِّي إلَى حُجْرَتِهِ أَوْ يَرْفَعُ صَوْتَهُ أَوْ يَتَكَلَّمُ بِكَلَامِ مَنْهِيٍّ عَنْهُ وَهَذَا إنَّمَا يُفْعَلُ خَارِجًا عِنْدَ حُجْرَتِهِ لَا عِنْدَ قَبْرِهِ. وَإِلَّا فَهُوَ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ اسْتَجَابَ اللَّهُ دَعْوَتَهُ فَلَمْ يُمَكَّنْ أَحَدٌ قَطُّ أَنْ يَدْخُلَ إلَى قَبْرِهِ فَيُصَلِّيَ عِنْدَهُ أَوْ يَدْعُوَ أَوْ يُشْرِكَ بِهِ كَمَا فُعِلَ بِغَيْرِهِ اُتُّخِذَ قَبْرُهُ وَثَنًا فَإِنَّهُ فِي حَيَاةِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا مَا كَانَ أَحَدٌ يَدْخُلُ إلَّا لِأَجْلِهَا وَلَمْ تَكُنْ تُمَكِّنُ أَحَدًا أَنْ يَفْعَلَ عِنْدَ قَبْرِهِ شَيْئًا مِمَّا نَهَى عَنْهُ وَبَعْدَهَا كَانَتْ مُغْلَقَةً إلَى أَنْ أُدْخِلَتْ فِي الْمَسْجِدِ فَسُدَّ بَابُهَا وَبُنِيَ عَلَيْهَا حَائِطٌ آخَرُ. كُلُّ ذَلِكَ صِيَانَةً لَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُتَّخَذَ بَيْتُهُ عِيدًا وَقَبْرُهُ وَثَنًا وَإِلَّا فَمَعْلُومٌ أَنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ كُلَّهُمْ مُسْلِمُونَ وَلَا يَأْتِي إلَى هُنَاكَ إلَّا مُسْلِمٌ وَكُلُّهُمْ مُعَظِّمُونَ لِلرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقُبُورُ آحَادِ أُمَّتِهِ فِي الْبِلَادِ مُعَظَّمَةٌ. فَمَا فَعَلُوا ذَلِكَ لِيُسْتَهَانَ بِالْقَبْرِ الْمُكَرَّمِ بَلْ فَعَلَوْهُ لِئَلَّا يُتَّخَذَ وَثَنًا يُعْبَدُ وَلَا يُتَّخَذُ بَيْتُهُ عِيدًا. وَلِئَلَّا يُفْعَلَ بِهِ كَمَا فَعَلَ أَهْلُ الْكِتَابِ بِقُبُورِ أَنْبِيَائِهِمْ. وَالْقَبْرُ الْمُكَرَّمُ فِي الْحُجْرَةِ إنَّمَا عَلَيْهِ بَطْحَاءُ - وَهُوَ الرَّمْلُ الْغَلِيظُ - لَيْسَ عَلَيْهِ حِجَارَةٌ وَلَا خَشَبٌ وَلَا هُوَ مُطَيَّنٌ كَمَا فُعِلَ بِقُبُورِ غَيْرِهِ.
(27/328)

وَهُوَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّمَا نَهَى عَنْ ذَلِكَ سَدًّا لِلذَّرِيعَةِ كَمَا نَهَى عَنْ الصَّلَاةِ وَقْتَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَوَقْتَ غُرُوبِهَا لِئَلَّا يُفْضِيَ ذَلِكَ إلَى الشِّرْكِ. وَدَعَا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ لَا يُتَّخَذَ قَبْرَهُ وَثَنًا يُعْبَدُ؛ فَاسْتَجَابَ اللَّهُ دُعَاءَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَكُنْ مِثْلَ الَّذِينَ اُتُّخِذَتْ قُبُورُهُمْ مَسَاجِدَ فَإِنَّ أَحَدًا لَا يَدْخُلُ عِنْدَ قَبْرِهِ أَلْبَتَّةَ فَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَهُ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ إذَا ابْتَدَعَ أُمَمُهُمْ بِدْعَةً بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا يَنْهَى عَنْهَا. وَهُوَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاتَمُ الْأَنْبِيَاءِ لَا نَبِيَّ بَعْدَهُ فَعَصَمَ اللَّهُ أُمَّتَهُ أَنْ تَجْتَمِعَ عَلَى ضَلَالَةٍ وَعَصَمَ قَبْرَهُ الْمُكَرَّمَ أَنْ يُتَّخَذَ وَثَنًا فَإِنَّ ذَلِكَ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ لَوْ فُعِلَ لَمْ يَكُنْ بَعْدَهُ نَبِيٌّ يَنْهَى عَنْ ذَلِكَ وَكَانَ الَّذِينَ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ قَدْ غَلَبُوا الْأُمَّةَ وَهُوَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أَخْبَرَ أَنَّهُ لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِهِ ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ وَلَا مَنْ خَذَلَهُمْ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَمْ يَكُنْ لِأَهْلِ الْبِدَعِ سَبِيلٌ أَنْ يَفْعَلُوا بِقَبْرِهِ الْمُكَرَّمِ كَمَا فُعِلَ بِقُبُورِ غَيْرِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فَصْلٌ:
قَدْ ذَكَرْت فِيمَا كَتَبْته مِنْ الْمَنَاسِكِ أَنَّ السَّفَرَ إلَى مَسْجِدِهِ وَزِيَارَةَ قَبْرِهِ - كَمَا يَذْكُرُهُ أَئِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ فِي مَنَاسِكِ الْحَجِّ - عَمَلٌ صَالِحٌ
(27/329)

مُسْتَحَبٌّ. وَقَدْ ذَكَرْت فِي عُدَّةِ " مَنَاسِكِ الْحَجِّ " السُّنَّةَ فِي ذَلِكَ وَكَيْفَ يُسَلِّمُ عَلَيْهِ وَهَلْ يَسْتَقْبِلُ الْحُجْرَةَ أَمْ الْقِبْلَةَ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ فَالْأَكْثَرُونَ يَقُولُونَ: يَسْتَقْبِلُ الْحُجْرَةَ كَمَالِكِ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد. وَأَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ: يَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ وَيَجْعَلُ الْحُجْرَةَ عَنْ يَسَارِهِ فِي قَوْلٍ وَخَلْفَهُ فِي قَوْلٍ لِأَنَّ الْحُجْرَةَ الْمُكَرَّمَةَ لَمَّا كَانَتْ خَارِجَةً عَنْ الْمَسْجِدِ وَكَانَ الصَّحَابَةُ يُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ يُمْكِنُ أَحَدًا أَنْ يَسْتَقْبِلَ وَجْهَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَسْتَدْبِرَ الْقِبْلَةَ كَمَا صَارَ ذَلِكَ مُمْكِنًا بَعْدَ دُخُولِهَا فِي الْمَسْجِدِ. بَلْ كَانَ إنْ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ صَارَتْ عَنْ يَسَارِهِ وَحِينَئِذٍ فَإِنْ كَانُوا يَسْتَقْبِلُونَهُ وَيَسْتَدْبِرُونَ الْغَرْبَ فَقَوْلُ الْأَكْثَرِينَ أَرْجَحُ وَإِنْ كَانُوا يَسْتَقْبِلُونَ الْقِبْلَةَ حِينَئِذٍ وَيَجْعَلُونَ الْحُجْرَةَ عَنْ يَسَارِهِمْ فَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ أَرْجَحُ. وَالصَّلَاةُ تُقْصَرُ فِي هَذَا السَّفَرِ الْمُسْتَحَبِّ بِاتِّفَاقِ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ إنَّ هَذَا السَّفَرَ لَا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ. وَلَا نَهَى أَحَدٌ عَنْ السَّفَرِ إلَى مَسْجِدِهِ وَإِنْ كَانَ الْمُسَافِرُ إلَى مَسْجِدِهِ يَزُورُ قَبْرَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَلْ هَذَا مِنْ أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ وَلَا فِي شَيْءٍ مِنْ كَلَامِي وَكَلَامِ غَيْرِي نَهْيٌ عَنْ ذَلِكَ وَلَا نَهْيٌ عَنْ الْمَشْرُوعِ فِي زِيَارَةِ قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَلَا عَنْ الْمَشْرُوعِ فِي زِيَارَةِ سَائِرِ الْقُبُورِ؛ بَلْ قَدْ ذَكَرْت فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ اسْتِحْبَابَ زِيَارَةِ الْقُبُورِ كَمَا {كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَزُورُ أَهْلَ الْبَقِيعِ وَشُهَدَاءَ أُحُدٍ وَيُعَلِّمُ أَصْحَابَهُ
(27/330)

إذَا زَارُوا الْقُبُورَ أَنْ يَقُولَ قَائِلُهُمْ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الدِّيَارِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ وَإِنَّا إنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ وَيَرْحَمُ اللَّهُ الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنَّا وَمِنْكُمْ وَالْمُسْتَأْخِرِين نَسْأَلُ اللَّهَ لَنَا وَلَكُمْ الْعَافِيَةَ. اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُمْ وَلَا تَفْتِنَّا بَعْدَهُمْ وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُمْ} . وَإِذَا كَانَتْ زِيَارَةُ قُبُورِ عُمُومِ الْمُؤْمِنِينَ مَشْرُوعَةً فَزِيَارَةُ قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ أَوْلَى؛ لَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ خَاصِّيَّةٌ لَيْسَتْ لِغَيْرِهِ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَهُوَ أَنَّا أُمِرْنَا أَنْ نُصَلِّيَ عَلَيْهِ وَأَنْ نُسَلِّمَ عَلَيْهِ فِي كُلِّ صَلَاةٍ وَيَتَأَكَّدُ ذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ وَعِنْدَ الْأَذَانِ وَسَائِرِ الْأَدْعِيَةِ وَأَنْ نُصَلِّيَ وَنُسَلِّمَ عَلَيْهِ عِنْدَ دُخُولِ الْمَسْجِدِ - مَسْجِدِهِ وَغَيْرِ مَسْجِدِهِ - وَعِنْدَ الْخُرُوجِ مِنْهُ فَكُلُّ مَنْ دَخَلَ مَسْجِدَهُ فَلَا بُدَّ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ وَيُسَلِّمَ عَلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ. وَالسَّفَرُ إلَى مَسْجِدِهِ مَشْرُوعٌ لَكِنَّ الْعُلَمَاءَ فَرَّقُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ حَتَّى كَرِهَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنْ يُقَالَ: زُرْت قَبْرَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الشَّرْعِيَّ بِزِيَارَةِ الْقُبُورِ السَّلَامُ عَلَيْهِمْ وَالدُّعَاءُ لَهُمْ وَذَلِكَ السَّلَامُ وَالدُّعَاءُ قَدْ حَصَلَ عَلَى أَكْمَلِ الْوُجُوهِ فِي الصَّلَاةِ فِي مَسْجِدِهِ وَغَيْرِ مَسْجِدِهِ وَعِنْدَ سَمَاعِ الْأَذَانِ. وَعِنْد كُلِّ دُعَاءٍ. فَتُشْرَعُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ عِنْدَ كُلِّ دُعَاءٍ فَإِنَّهُ {أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ} . وَلِهَذَا يُسَلِّمُ الْمُصَلِّي عَلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَى سَائِرِ عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ فَيَقُولُ: {السَّلَامُ عَلَيْك أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ
(27/331)

وَبَرَكَاتُهُ السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ} . وَيُصَلِّي عَلَيْهِ فَيَدْعُو لَهُ قَبْلَ أَنْ يَدْعُوَ لِنَفْسِهِ. وَأَمَّا غَيْرُهُ فَلَيْسَ عِنْدَهُ مَسْجِدٌ يُسْتَحَبُّ السَّفَرُ إلَيْهِ كَمَا يُسْتَحَبُّ السَّفَرُ إلَى مَسْجِدِهِ وَإِنَّمَا يُشْرَعُ أَنْ يُزَارَ قَبْرُهُ كَمَا شُرِعَتْ زِيَارَةُ الْقُبُورِ. وَأَمَّا هُوَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَشَرَعَ السَّفَرَ إلَى مَسْجِدِهِ وَنَهَى عَمَّا يُوهِمُ أَنَّهُ سَفَرٌ إلَى غَيْرِ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ.
وَيَجِبُ الْفَرْقُ بَيْنَ الزِّيَارَةِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي سَنَّهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَيْنَ الزِّيَارَةِ الْبِدْعِيَّةِ الَّتِي لَمْ يَشْرَعْهَا بَلْ نَهَى عَنْهَا مِثْلَ اتِّخَاذِ قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ مَسَاجِدَ وَالصَّلَاةِ إلَى الْقَبْرِ وَاِتِّخَاذِهِ وَثَنًا. وَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ قَالَ: {لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِي هَذَا وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى} . حَتَّى إنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ سَافَرَ إلَى الطُّورِ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مُوسَى بْنَ عِمْرَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَالَ لَهُ بَصْرَةُ بْنُ أَبِي بَصْرَةَ الْغِفَارِيُّ: لَوْ أَدْرَكْتُك قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ لَمَا خَرَجْت سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: {لَا تُعْمَلُ الْمَطِيُّ إلَّا إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِي هَذَا وَمَسْجِدِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ} . فَهَذِهِ الْمَسَاجِدُ شُرِعَ السَّفَرُ إلَيْهَا لِعِبَادَةِ اللَّهِ فِيهَا بِالصَّلَاةِ وَالْقِرَاءَةِ وَالذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ وَالِاعْتِكَافِ؛ وَالْمَسْجِدُ الْحَرَامُ مُخْتَصٌّ بِالطَّوَافِ لَا يُطَافُ بِغَيْرِهِ. وَمَا سِوَاهُ مِنْ الْمَسَاجِدِ إذَا أَتَاهَا الْإِنْسَانُ وَصَلَّى فِيهَا مِنْ غَيْرِ سَفَرٍ
(27/332)

كَانَ ذَلِكَ مِنْ أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: {مَنْ تَطَهَّرَ فِي بَيْتِهِ ثُمَّ خَرَجَ إلَى الْمَسْجِدِ كَانَتْ خُطُوَاتُهُ إحْدَاهُمَا تَحُطُّ خَطِيئَةً وَالْأُخْرَى تَرْفَعُ دَرَجَةً؛ وَالْعَبْدُ فِي صَلَاةٍ مَا دَامَ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ؛ وَالْمَلَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ الَّذِي صَلَّى فِيهِ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ. مَا لَمْ يُحْدِثْ} . وَلَوْ سَافَرَ مِنْ بَلَدٍ إلَى بَلَدٍ مِثْلُ أَنْ سَافَرَ إلَى دِمَشْقَ مِنْ مِصْرَ لِأَجْلِ مَسْجِدِهَا أَوْ بِالْعَكْسِ أَوْ سَافَرَ إلَى مَسْجِدِ قُبَاء مِنْ بَلَدٍ بَعِيدٍ لَمْ يَكُنْ هَذَا مَشْرُوعًا بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ. وَلَوْ نَذَرَ ذَلِكَ لَمْ يَفِ بِنَذْرِهِ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ؛ إلَّا خِلَافٌ شَاذٌّ عَنْ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ فِي الْمَسَاجِدِ وَقَالَهُ ابْنُ مسلمة مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ فِي مَسْجِدِ قُبَاء خَاصَّةً. وَلَكِنْ إذَا أَتَى الْمَدِينَةَ اُسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يَأْتِيَ مَسْجِدَ قُبَاء وَيُصَلِّيَ فِيهِ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِسَفَرِ وَلَا بِشَدِّ رَحْلٍ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَأْتِي مَسْجِدَ قُبَاء رَاكِبًا وَمَاشِيًا كُلَّ سَبْتٍ وَيُصَلِّي فِيهِ رَكْعَتَيْنِ وَقَالَ {مَنْ تَطَهَّرَ فِي بَيْتِهِ ثُمَّ أَتَى مَسْجِدَ قُبَاء كَانَ لَهُ كَعُمْرَةِ} رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَقَالَ سَعْدُ بْن أَبِي وَقَّاصٍ وَابْنُ عُمَرَ: صَلَاةٌ فِيهِ كَعُمْرَةِ.
وَلَوْ نَذَرَ الْمَشْيَ إلَى مَكَّةَ لِلْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ لَزِمَهُ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ. وَلَوْ نَذَرَ أَنْ يَذْهَبَ إلَى مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ أَوْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَفِيهِ قَوْلَانِ:
(27/333)

أَحَدُهُمَا: لَيْسَ عَلَيْهِ الْوَفَاءُ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَنْ جِنْسِهِ مَا يَجِبُ بِالشَّرْعِ. وَالثَّانِي: عَلَيْهِ الْوَفَاءُ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ وَالشَّافِعِيِّ فِي قَوْلِهِ الْآخَرِ؛ لِأَنَّ هَذَا طَاعَةٌ لِلَّهِ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: {مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ فَلَا يَعْصِهِ} . وَلَوْ نَذَرَ السَّفَرَ إلَى غَيْرِ الْمَسَاجِدِ أَوْ السَّفَرَ إلَى مُجَرَّدِ قَبْرِ نَبِيٍّ أَوْ صَالِحٍ لَمْ يَلْزَمْهُ الْوَفَاءُ بِنَذْرِهِ بِاتِّفَاقِهِمْ فَإِنَّ هَذَا السَّفَرَ لَمْ يَأْمُرْ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. بَلْ قَدْ قَالَ: {لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِي هَذَا وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى} . وَإِنَّمَا يَجِبُ بِالنَّذْرِ مَا كَانَ طَاعَةً وَقَدْ صَرَّحَ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ بِأَنَّ مَنْ نَذَرَ السَّفَرَ إلَى الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ إنْ كَانَ مَقْصُودُهُ الصَّلَاةَ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفَّى بِنَذْرِهِ وَإِنْ كَانَ مَقْصُودُهُ مُجَرَّدَ زِيَارَةِ الْقَبْرِ مِنْ غَيْرِ صَلَاةٍ فِي الْمَسْجِدِ لَمْ يَفِ بِنَذْرِهِ. لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: {لَا تُعْمَلُ الْمَطِيُّ إلَّا إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ} . وَالْمَسْأَلَةُ ذَكَرَهَا الْقَاضِي إسْمَاعِيلُ بْنُ إسْحَاقَ فِي " الْمَبْسُوطِ " وَمَعْنَاهَا فِي " الْمُدَوَّنَةِ " و " الْخِلَافِ " وَغَيْرِهِمَا مِنْ كُتُبِ أَصْحَابِ مَالِكٍ. يَقُولُ: إنَّ مَنْ نَذَرَ إتْيَانَ مَسْجِدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَزِمَهُ الْوَفَاءُ بِنَذْرِهِ لِأَنَّ الْمَسْجِدَ لَا يُؤْتَى إلَّا
(27/334)

لِلصَّلَاةِ وَمَنْ نَذَرَ إتْيَانَ الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ فَإِنْ كَانَ قَصْدُهُ الصَّلَاةَ فِي الْمَسْجِدِ وَفَّى بِنَذْرِهِ وَإِنْ قَصَدَ شَيْئًا آخَرَ مِثْلَ زِيَارَةِ مَنْ بِالْبَقِيعِ أَوْ شُهَدَاءِ أُحُدٍ لَمْ يَفِ بِنَذْرِهِ لِأَنَّ السَّفَرَ إنَّمَا يُشْرَعُ إلَى الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ. وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ مَا عَلِمْت أَحَدًا مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ قَالَ بِخِلَافِهِ بَلْ كَلَامُهُمْ يَدُلُّ عَلَى مُوَافَقَتِهِ. وَقَدْ ذَكَرَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد فِي السَّفَرِ لِزِيَارَةِ الْقُبُورِ قَوْلَيْنِ: التَّحْرِيمَ وَالْإِبَاحَةَ. وَقُدَمَاؤُهُمْ وَأَئِمَّتُهُمْ قَالُوا: إنَّهُ مُحَرَّمٌ. وَكَذَلِكَ أَصْحَابُ مَالِكٍ وَغَيْرُهُمْ. وَإِنَّمَا وَقَعَ النِّزَاعُ بَيْنَ الْمُتَأَخِّرِينَ لِأَنَّ قَوْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ} . صِيغَةُ خَبَرٍ وَمَعْنَاهُ النَّهْيُ فَيَكُونُ حَرَامًا. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَيْسَ بِنَهْيٍ وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَا يُشْرَعُ وَلَيْسَ بِوَاجِبِ وَلَا مُسْتَحَبٍّ بَلْ مُبَاحٌ كَالسَّفَرِ فِي التِّجَارَةِ وَغَيْرِهَا. فَيُقَالُ لَهُ: تِلْكَ الْأَسْفَارُ لَا يُقْصَدُ بِهَا الْعِبَادَةُ بَلْ يُقْصَدُ بِهَا مَصْلَحَةٌ دُنْيَوِيَّةٌ مُبَاحَةٌ وَالسَّفَرُ إلَى الْقُبُورِ إنَّمَا يُقْصَدُ بِهِ الْعِبَادَةُ وَالْعِبَادَةُ إنَّمَا تَكُونُ بِوَاجِبِ أَوْ مُسْتَحَبٍّ فَإِذَا حَصَلَ الِاتِّفَاقُ عَلَى أَنَّ السَّفَرَ إلَى الْقُبُورِ لَيْسَ بِوَاجِبِ وَلَا مُسْتَحَبٍّ كَانَ مَنْ فَعَلَهُ عَلَى وَجْهِ التَّعَبُّدِ مُبْتَدِعًا مُخَالِفًا لِلْإِجْمَاعِ وَالتَّعَبُّدُ بِالْبِدْعَةِ لَيْسَ بِمُبَاحِ لَكِنْ مَنْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ ذَلِكَ بِدْعَةٌ فَإِنَّهُ قَدْ يُعْذَرُ فَإِذَا بُيِّنَتْ لَهُ السُّنَّةُ لَمْ يَجُزْ لَهُ مُخَالَفَةُ النَّبِيِّ
(27/335)

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا التَّعَبُّدُ بِمَا نَهَى عَنْهُ كَمَا لَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَلَا عِنْدَ غُرُوبِهَا وَكَمَا لَا يَجُوزُ صَوْمُ يَوْمِ الْعِيدَيْنِ وَإِنْ كَانَتْ الصَّلَاةُ وَالصِّيَامُ مِنْ أَفْضَلِ الْعِبَادَاتِ؛ وَلَوْ فَعَلَ ذَلِكَ إنْسَانٌ قَبْلَ الْعِلْمِ بِالسُّنَّةِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ إثْمٌ. فَالطَّوَائِفُ مُتَّفِقَةٌ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ مُسْتَحَبًّا وَمَا عَلِمْت أَحَدًا مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ قَالَ إنَّ السَّفَرَ إلَيْهَا مُسْتَحَبٌّ وَإِنْ كَانَ قَالَهُ بَعْضُ الْأَتْبَاعِ فَهُوَ مُمْكِنٌ وَأَمَّا الْأَئِمَّةُ الْمُجْتَهِدُونَ فَمَا مِنْهُمْ مَنْ قَالَ هَذَا. وَإِذَا قِيلَ هَذَا كَانَ قَوْلًا ثَالِثًا فِي الْمَسْأَلَةِ وَحِينَئِذٍ فَيُبَيَّنُ لِصَاحِبِهِ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ خَطَأٌ مُخَالِفٌ لِلسُّنَّةِ وَلِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ فَإِنَّ الصَّحَابَةَ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ الصَّدِيقِ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَمَنْ بَعْدَهُمْ إلَى انْقِرَاضِ عَصْرِهِمْ - لَمْ يُسَافِرْ أَحَدٌ مِنْهُمْ إلَى قَبْرِ نَبِيٍّ وَلَا رَجُلٍ صَالِحٍ. و " قَبْرُ الْخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلَامُ " بِالشَّامِ لَمْ يُسَافِرْ إلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ الصَّحَابَةِ. وَكَانُوا يَأْتُونَ الْبَيْتَ الْمُقَدَّسَ فَيُصَلُّونَ فِيهِ وَلَا يَذْهَبُونَ إلَى قَبْرِ الْخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَلَمْ يَكُنْ ظَاهِرًا بَلْ كَانَ فِي الْبِنَاءِ الَّذِي بَنَاهُ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُد عَلَيْهِمَا السَّلَامُ وَلَا كَانَ: " قَبْرُ يُوسُفَ الصِّدِّيقِ " يُعْرَفُ وَلَكِنْ أُظْهِرَ ذَلِكَ بَعْدَ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِمِائَةِ سَنَةٍ مِنْ الْهِجْرَةِ وَلِهَذَا وَقَعَ فِيهِ نِزَاعٌ فَكَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يُنْكِرُهُ وَنُقِلَ ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ لَمْ يَكُونُوا يَزُورُونَهُ فَيُعْرَفُ. وَلَمَّا اسْتَوْلَى
(27/336)

النَّصَارَى عَلَى الشَّامِ نَقَبُوا الْبِنَاءَ الَّذِي كَانَ عَلَى الْخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَاِتَّخَذُوا الْمَكَانَ كَنِيسَةً. ثُمَّ لَمَّا فَتَحَ الْمُسْلِمُونَ الْبَلَدَ بَقِيَ مَفْتُوحًا. وَأَمَّا عَلَى عَهْدِ الصَّحَابَةِ فَكَانَ قَبْرُ الْخَلِيلِ مِثْلَ قَبْرِ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْ الصَّحَابَةِ يُسَافِرُ إلَى الْمَدِينَةِ لِأَجْلِ قَبْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَلْ كَانُوا يَأْتُونَ فَيُصَلُّونَ فِي مَسْجِدِهِ وَيُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ وَيُسَلِّمُ مَنْ يُسَلِّمُ عِنْدَ دُخُولِ الْمَسْجِدِ وَالْخُرُوجِ مِنْهُ وَهُوَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَدْفُونٌ فِي حُجْرَةِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فَلَا يَدْخُلُونَ الْحُجْرَةَ وَلَا يَقِفُونَ خَارِجًا عَنْهَا فِي الْمَسْجِدِ عِنْدَ السُّورِ. وَكَانَ يَقْدَمُ فِي خِلَافِهِ أَبِي بَكْرٍ الصَّدِيقِ وَعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَمْدَادُ الْيَمَنِ الَّذِينَ فَتَحُوا الشَّامَ وَالْعِرَاقَ وَهُمْ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ فِيهِمْ: {فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} وَيُصَلُّونَ فِي مَسْجِدِهِ كَمَا ذَكَرْنَا وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَذْهَبُ إلَى الْقَبْرِ وَلَا يَدْخُلُ الْحُجْرَةَ وَلَا يَقُومُ خَارِجَهَا فِي الْمَسْجِدِ بَلْ السَّلَامُ عَلَيْهِ مِنْ خَارِجِ الْحُجْرَةِ. وَعُمْدَةُ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ فِيهِ عَلَى فِعْلِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا. وَبِكُلِّ حَالٍ فَهَذَا الْقَوْلُ لَوْ قَالَهُ نِصْفُ الْمُسْلِمِينَ لَكَانَ لَهُ حُكْمُ أَمْثَالِهِ مِنْ الْأَقْوَالِ فِي مَسَائِلِ النِّزَاعِ. فَإِمَّا أَنْ يُجْعَلَ هُوَ الدِّينَ الْحَقَّ وَتُسْتَحَلَّ عُقُوبَةُ مَنْ خَالَفَهُ أَوْ يُقَالَ بِكُفْرِهِ فَهَذَا خِلَافُ إجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ. وَخِلَافُ مَا جَاءَ بِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ. فَإِنْ كَانَ الْمُخَالِفُ لِلرَّسُولِ
(27/337)

فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ يَكْفُرُ فَاَلَّذِي خَالَفَ سُنَّتَهُ وَإِجْمَاعَ الصَّحَابَةِ وَعُلَمَاءَ أُمَّتِهِ فَهُوَ الْكَافِرُ. وَنَحْنُ لَا نُكَفِّرُ أَحَدًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ بِالْخَطَأِ لَا فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ وَلَا فِي غَيْرِهَا. وَلَكِنْ إنْ قُدِّرَ تَكْفِيرُ الْمُخْطِئِ فَمَنْ خَالَفَ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَالْإِجْمَاعَ - إجْمَاعَ الصَّحَابَةِ وَالْعُلَمَاءِ - أَوْلَى بِالْكُفْرِ مِمَّنْ وَافَقَ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَالصَّحَابَةَ وَسَلَفَ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتَهَا فَأَئِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ فَرَّقُوا بَيْنَ مَا أَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَيْنَ مَا نَهَى عَنْهُ فِي هَذَا وَغَيْرِهِ فَمَا أَمَرَ بِهِ هُوَ عِبَادَةٌ وَطَاعَةٌ وَقُرْبَةٌ وَمَا نَهَى عَنْهُ بِخِلَافِ ذَلِكَ بَلْ قَدْ يَكُونُ شِرْكًا كَمَا يَفْعَلُهُ أَهْلُ الضَّلَالِ مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ وَمَنْ ضَاهَاهُمْ حَيْثُ يَتَّخِذُونَ الْمَسَاجِدَ عَلَى قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَيُصَلُّونَ إلَيْهَا وَيَنْذِرُونَ لَهَا وَيَحُجُّونَ إلَيْهَا. بَلْ قَدْ يَجْعَلُونَ الْحَجَّ إلَى بَيْتِ الْمَخْلُوقِ أَفْضَلَ مِنْ الْحَجِّ إلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ. وَيُسَمُّونَ ذَلِكَ " الْحَجَّ الْأَكْبَرَ " وَصَنَّفَ لَهُمْ شُيُوخُهُمْ فِي ذَلِكَ مُصَنَّفَاتٍ كَمَا صَنَّفَ الْمُفِيدُ بْنُ النُّعْمَانِ كِتَابًا فِي مَنَاسِكَ الْمَشَاهِدِ سَمَّاهُ " مَنَاسِكُ حَجِّ الْمَشَاهِدِ " وَشَبَّهَ بَيْتَ الْمَخْلُوقِ بِبَيْتِ الْخَالِقِ. وَأَصْلُ دِينِ الْإِسْلَامِ أَنْ نَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَلَا نَجْعَلَ لَهُ مِنْ خَلْقِهِ نِدًّا وَلَا كُفُوًا وَلَا سَمِيًّا. قَالَ تَعَالَى: {فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} وَقَالَ تَعَالَى: {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} وَقَالَ تَعَالَى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} وَقَالَ تَعَالَى: {فَلَا تَجْعَلُوا
(27/338)

لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: {قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ؟ قَالَ: أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَك. قُلْت ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَك خَشْيَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَك. قُلْت ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: أَنْ تُزَانِيَ بِحَلِيلَةِ جَارِك} فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَصْدِيقَ رَسُولِهِ {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا} الْآيَةُ وَقَالَ تَعَالَى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ} .
فَمَنْ سَوَّى بَيْنَ الْخَالِقِ وَالْمَخْلُوقِ فِي الْحُبِّ لَهُ أَوْ الْخَوْفِ مِنْهُ وَالرَّجَاءِ لَهُ فَهُوَ مُشْرِكٌ.
وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى أُمَّتَهُ عَنْ دَقِيقِ الشِّرْكِ وَجَلِيلِهِ حَتَّى قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ أَشْرَكَ} رَوَاهُ. أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ. {وَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: مَا شَاءَ اللَّهُ وَشِئْت؛ فَقَالَ: أَجَعَلْتَنِي لِلَّهِ نِدًّا؟ بَلْ مَا شَاءَ اللَّهُ وَحْدَهُ} وَقَالَ: {لَا تَقُولُوا مَا شَاءَ اللَّهُ وَشَاءَ مُحَمَّدٌ؛ وَلَكِنْ قُولُوا مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ شَاءَ مُحَمَّدٌ} و {جَاءَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ مَرَّةً فَسَجَدَ لَهُ فَقَالَ: مَا هَذَا يَا مُعَاذُ؟ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ رَأَيْتهمْ فِي الشَّامِ يَسْجُدُونَ لِأَسَاقِفَتِهِمْ. فَقَالَ: يَا مُعَاذُ؟ إنَّهُ لَا يَصْلُحُ السُّجُودُ إلَّا لِلَّهِ وَلَوْ كُنْت آمِرًا أَحَدًا أَنْ يَسْجُدَ لِأَحَدِ لَأَمَرْت الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا مِنْ عِظَمِ حَقِّهِ عَلَيْهَا} . فَلِهَذَا فَرَّقَ
(27/339)

النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ زِيَارَةِ أَهْلِ التَّوْحِيدِ وَبَيْنَ زِيَارَةِ أَهْلِ الشِّرْكِ فَزِيَارَةُ أَهْلِ التَّوْحِيدِ لِقُبُورِ الْمُسْلِمِينَ تَتَضَمَّنُ السَّلَامَ عَلَيْهِمْ وَالدُّعَاءَ لَهُمْ وَهِيَ مِثْلُ الصَّلَاةِ عَلَى جَنَائِزِهِمْ؛ وَزِيَارَةُ أَهْلِ الشِّرْكِ تَتَضَمَّنُ أَنَّهُمْ يُشَبِّهُونَ الْمَخْلُوقَ بِالْخَالِقِ يَنْذِرُونَ لَهُ وَيَسْجُدُونَ لَهُ وَيَدْعُونَهُ وَيُحِبُّونَهُ مِثْلَ مَا يُحِبُّونَ الْخَالِقَ فَيَكُونُونَ قَدْ جَعَلُوهُ لِلَّهِ نِدًّا وَسَوَّوْهُ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ. وَقَدْ نَهَى اللَّهُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ الْمَلَائِكَةُ وَالْأَنْبِيَاءُ وَغَيْرُهُمْ فَقَالَ تَعَالَى: {مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا} {أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} وَقَالَ تَعَالَى: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا} {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا} قَالَ طَائِفَةٌ مِنْ السَّلَفِ: كَانَ أَقْوَامٌ يَدْعُونَ الْأَنْبِيَاءَ كَالْمَسِيحِ وَعُزَيْرٍ وَيَدْعُونَ الْمَلَائِكَةَ فَأَخْبَرَهُمْ تَعَالَى أَنَّ هَؤُلَاءِ عَبِيدُهُ يَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ وَيَتَقَرَّبُونَ إلَيْهِ بِالْأَعْمَالِ. وَنَهَى سُبْحَانَهُ أَنْ يُضْرَبَ لَهُ مَثَلٌ بِالْمَخْلُوقِ فَلَا يُشَبَّهُ بِالْمَخْلُوقِ الَّذِي
(27/340)

يَحْتَاجُ إلَى الْأَعْوَانِ وَالْحُجَّابِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. قَالَ تَعَالَى. {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} وَقَالَ تَعَالَى: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ} {وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ} .
وَمُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَيِّدُ الشُّفَعَاءِ لَدَيْهِ وَشَفَاعَتُهُ أَعْظَمُ الشَّفَاعَاتِ وَجَاهُهُ عِنْدَ اللَّهِ أَعْظَمُ الجاهات وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ إذَا طَلَبَ الْخَلْقُ الشَّفَاعَةَ مِنْ آدَمَ ثُمَّ مِنْ نُوحٍ ثُمَّ مِنْ إبْرَاهِيمَ ثُمَّ مِنْ مُوسَى ثُمَّ مِنْ عِيسَى كُلُّ وَاحِدٍ يُحِيلُهُمْ عَلَى الْآخَرِ فَإِذَا جَاءُوا إلَى الْمَسِيحِ يَقُولُ: اذْهَبُوا إلَى مُحَمَّدٍ عَبْدٌ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ؛ قَالَ: {فَأَذْهَبُ فَإِذَا رَأَيْت رَبِّي خَرَرْت لَهُ سَاجِدًا وَأَحْمَدُ رَبِّي بِمَحَامِدَ يَفْتَحُهَا عَلَيَّ لَا أُحْسِنُهَا الْآنَ فَيُقَالُ: أَيْ مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَك وَقُلْ يُسْمَعْ وَسَلْ تُعْطَهُ وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ. قَالَ: فَيَحُدُّ لِي حَدًّا فَأُدْخِلُهُمْ الْجَنَّةَ} الْحَدِيثَ.
فَمَنْ أَنْكَرَ شَفَاعَةَ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَهْلِ الْكَبَائِرِ فَهُوَ مُبْتَدِعٌ ضَالٌّ كَمَا يُنْكِرُهَا الْخَوَارِجُ وَالْمُعْتَزِلَةُ. وَمَنْ قَالَ: إنَّ مَخْلُوقًا يَشْفَعُ عِنْدَ اللَّهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَقَدْ خَالَفَ إجْمَاعَ الْمُسْلِمِينَ وَنُصُوصَ الْقُرْآنِ؛ قَالَ تَعَالَى: {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلَّا بِإِذْنِهِ} وَقَالَ تَعَالَى: {وَلَا
(27/341)

يَشْفَعُونَ إلَّا لِمَنِ ارْتَضَى} وَقَالَ تَعَالَى: {وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى} وَقَالَ تَعَالَى: {وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إلَّا هَمْسًا} {يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا} وَقَالَ تَعَالَى: {مَا مِنْ شَفِيعٍ إلَّا مِنْ بَعْدِ إذْنِهِ} وَقَالَ تَعَالَى: {مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ} وَمِثْلُ هَذَا فِي الْقُرْآنِ كَثِيرٌ. فَالدِّينُ هُوَ مُتَابَعَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنْ يُؤْمَرَ بِمَا أَمَرَ بِهِ وَيُنْهَى عَمَّا نَهَى عَنْهُ وَيُحَبَّ مَا أَحَبَّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ الْأَعْمَالِ وَالْأَشْخَاصِ وَيُبْغَضَ مَا أَبْغَضَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ الْأَعْمَالِ وَالْأَشْخَاصِ. وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قَدْ بَعَثَ رَسُولَهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْفُرْقَانِ فَفَرَّقَ بَيْنَ هَذَا وَهَذَا؛ فَلَيْسَ لِأَحَدِ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ مَا فَرَّقَ اللَّهُ بَيْنَهُ.
فَمَنْ سَافَرَ إلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَوْ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى أَوْ مَسْجِدِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصَلَّى فِي مَسْجِدِهِ؛ وَصَلَّى فِي مَسْجِدِ قُبَاء وَزَارَ الْقُبُورَ كَمَا مَضَتْ بِهِ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهَذَا هُوَ الَّذِي عَمِلَ الْعَمَلَ الصَّالِحَ. وَمَنْ أَنْكَرَ هَذَا السَّفَرَ فَهُوَ كَافِرٌ يُسْتَتَابُ فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ. وَأَمَّا مَنْ قَصَدَ السَّفَرَ لِمُجَرَّدِ زِيَارَةِ الْقَبْرِ وَلَمْ يَقْصِدْ الصَّلَاةَ فِي مَسْجِدِهِ وَسَافَرَ إلَى مَدِينَتِهِ فَلَمْ يُصَلِّ فِي مَسْجِدِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا سَلَّمَ عَلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ بَلْ أَتَى الْقَبْرَ ثُمَّ رَجَعَ فَهَذَا مُبْتَدِعٌ
(27/342)

ضَالٌّ مُخَالِفٌ لِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِإِجْمَاعِ أَصْحَابِهِ وَلِعُلَمَاءِ أُمَّتِهِ. وَهُوَ الَّذِي ذُكِرَ فِيهِ الْقَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ مُحَرَّمٌ وَالثَّانِي أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَلَا أَجْرَ لَهُ. وَاَلَّذِي يَفْعَلُهُ عُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ هُوَ الزِّيَارَةُ الشَّرْعِيَّةُ: يُصَلُّونَ فِي مَسْجِدِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ فِي الدُّخُولِ لِلْمَسْجِدِ وَفِي الصَّلَاةِ وَهَذَا مَشْرُوعٌ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ. وَقَدْ ذَكَرْت هَذَا فِي الْمَنَاسِكِ وَفِي الْفُتْيَا وَذَكَرْت أَنَّهُ يُسَلِّمُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَى صَاحِبَيْهِ. وَهَذَا هُوَ الَّذِي لَمْ أَذْكُرْ فِيهِ نِزَاعًا فِي الْفُتْيَا مَعَ أَنَّ فِيهِ نِزَاعًا؛ إذْ مِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ لَا يَسْتَحِبُّ زِيَارَةَ الْقُبُورِ مُطْلَقًا وَمِنْهُمْ مَنْ يَكْرَهُهَا مُطْلَقًا كَمَا نُقِلَ ذَلِكَ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِي وَالشَّعْبِيِّ وَمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِين وَهَؤُلَاءِ مِنْ أَجِلَّةِ التَّابِعِينَ. وَنُقِلَ ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ. وَعَنْهُ أَنَّهَا مُبَاحَةٌ لَيْسَتْ مُسْتَحَبَّةً. وَهُوَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد؛ لَكِنَّ ظَاهِرَ مَذْهَبِهِ وَمَذْهَبِ الْجُمْهُورِ: أَنَّ الزِّيَارَةَ الشَّرْعِيَّةَ مُسْتَحَبَّةٌ. وَهُوَ أَنْ يَزُورَ قُبُورَ الْمُؤْمِنِينَ لِلدُّعَاءِ لَهُمْ فَيُسَلِّمَ عَلَيْهِمْ وَيَدْعُوَ لَهُمْ. وَتُزَارُ قُبُورُ الْكُفَّارِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُذَكِّرُ الْآخِرَةَ. وَأَمَّا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَهُ خَاصَّةٌ لَا يُمَاثِلُهُ فِيهَا أَحَدٌ مِنْ الْخَلْقِ وَهُوَ أَنَّ الْمَقْصُودَ عِنْدَ قَبْرِ غَيْرِهِ مِنْ الدُّعَاءِ لَهُ هُوَ مَأْمُورٌ [بِهِ] (1) فِي حَقِّ الرَّسُولِ فِي الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَعِنْدَ دُخُولِ الْمَسَاجِدِ وَالْخُرُوجِ مِنْهَا وَعِنْدَ الْأَذَانِ وَعِنْد كُلِّ دُعَاءٍ. وَهُوَ قَدْ نَهَى عَنْ اتِّخَاذِ الْقُبُورِ مَسَاجِدَ
_________

[تعليق مُعِدّ الكتاب للشاملة]
(1) ما بين معقوفتين غير موجود في المطبوع، ولم أقف عليه في كتاب صيانة مجموع الفتاوى من السقط والتصحيف

أسامة بن الزهراء - منسق الكتاب للموسوعة الشاملة
(27/343)

وَنَهَى أَنْ يُتَّخَذَ قَبْرُهُ عِيدًا وَسَأَلَ اللَّهَ أَنْ لَا يَجْعَلُهُ وَثَنًا يُعْبَدُ. فَمُنِعَ أَحَدٌ أَنْ يَدْخُلَ إلَى قَبْرِهِ فَيَزُورَهُ كَمَا يَدْخُلُ إلَى قَبْرِ غَيْرِهِ. وَكُلُّ مَا يُفْعَلُ فِي مَسْجِدِهِ وَغَيْرِ مَسْجِدِهِ مِنْ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيْهِ أَمْرٌ خَصَّهُ اللَّهُ وَفَضَّلَهُ بِهِ عَلَى غَيْرِهِ وَأَغْنَاهُ بِذَلِكَ عَمَّا يُفْعَلُ عِنْدَ قَبْرِ غَيْرِهِ - وَإِنْ كَانَ جَائِزًا. وَأَمَّا " اتِّخَاذُ الْقُبُورِ مَسَاجِدَ " فَهَذَا يُنْهَى عَنْهُ عِنْدَ كُلِّ قَبْرٍ وَإِنْ كَانَ الْمُصَلِّي إنَّمَا يُصَلِّي لِلَّهِ وَلَا يَدْعُو إلَّا اللَّهَ. فَكَيْفَ إذَا كَانَ يَدْعُو الْمَخْلُوقَ أَوْ يَسْجُدَ لَهُ وَيَنْذِرَ لَهُ وَنَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا يَفْعَلُهُ أَهْلُ الشِّرْكِ وَالْبِدَعِ وَالضَّلَالَةِ وَأَمَّا إذَا قُدِّرَ أَنَّ مَنْ أَتَى الْمَسْجِدَ فَلَمْ يُصَلِّ فِيهِ؛ وَلَكِنْ أَتَى الْقَبْرَ ثُمَّ رَجَعَ فَهَذَا هُوَ الَّذِي أَنْكَرَهُ الْأَئِمَّةُ كَمَالِكِ وَغَيْرِهِ وَلَيْسَ هَذَا مُسْتَحَبًّا عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَهُوَ مَحَلُّ النِّزَاعِ هَلْ هُوَ حَرَامٌ أَوْ مُبَاحٌ؟ وَمَا عَلِمْنَا أَحَدًا مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ اسْتَحَبَّ مِثْلَ هَذَا بَلْ أَنْكَرُوا إذَا كَانَ مَقْصُودُهُ بِالسَّفَرِ مُجَرَّدَ الْقَبْرِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقْصِدَ الصَّلَاةَ فِي الْمَسْجِدِ وَجَعَلُوا هَذَا مِنْ السَّفَرِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ. وَلَا كَانَ أَحَدٌ مِنْ السَّلَفِ يَفْعَلُ هَذَا بَلْ كَانَ الصَّحَابَةُ إذَا سَافَرُوا إلَى مَسْجِدِهِ صَلَّوْا فِيهِ وَاجْتَمَعُوا بِخُلَفَائِهِ مِثْلَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ يُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ وَيُصَلُّونَ عَلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ وَيَفْعَلُ ذَلِكَ مَنْ يَفْعَلُهُ مِنْهُمْ عِنْدَ دُخُولِ الْمَسْجِدِ وَالْخُرُوجِ مِنْهُ. وَلَمْ
(27/344)

يَكُونُوا يَذْهَبُونَ إلَى الْقَبْرِ. وَهَذَا مُتَوَاتِرٌ عَنْهُمْ لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَنْقُلَ عَنْهُمْ أَوْ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ كَانَ إذَا صَلَّى خَلْفَ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ يَذْهَبُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ أَوْ غَيْرِهِ يَقِفُ عِنْدَ الْحُجْرَةِ خَارِجًا مِنْهَا. وَأَمَّا دُخُولُ الْحُجْرَةِ فَلَمْ يَكُنْ يُمْكِنُهُمْ. فَإِذَا كَانُوا بَعْدَ السَّفَرِ إلَى مَسْجِدِهِ يَفْعَلُونَ مَا سَنَّهُ لَهُمْ فِي الصَّلَاة وَالسَّلَامِ عَلَيْهِ وَلَا يَذْهَبُونَ إلَى قَبْرِهِ فَكَيْفَ يَقْصِدُونَ أَنْ يُسَافِرُوا إلَيْهِ؟ أَوْ يَقْصِدُونَ بِالسَّفَرِ إلَيْهِ دُونَ الصَّلَاةِ فِي الْمَسْجِدِ؟ وَمَنْ قَالَ: إنَّ هَذَا مُسْتَحَبٌّ فَلْيَنْقُلْ ذَلِكَ عَنْ إمَامٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ إذَا نَقَلَهُ يَكُونُ قَائِلُهُ قَدْ خَالَفَ أَقْوَالَ الْعُلَمَاءِ كَمَا خَالَفَ فَاعِلُهُ فِعْلَ الْأُمَّةِ وَخَالَفَ سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِجْمَاعَ أَصْحَابِهِ وَعُلَمَاءَ أُمَّتِهِ. قَالَ تَعَالَى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} . و {إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى.} . وَعُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ قَدْ ذَكَرُوا فِي مَنَاسِكِهِمْ اسْتِحْبَابَ السَّفَرِ إلَى مَسْجِدِهِ وَذَكَرُوا زِيَارَةَ قَبْرِهِ الْمُكَرَّمِ وَمَا عَلِمْت أَحَدًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ قَالَ إنَّهُ مَنْ لَمْ يَقْصِدْ إلَّا زِيَارَةَ الْقَبْرِ يَكُونُ سَفَرُهُ مُسْتَحَبًّا. وَلَوْ قَالُوا ذَلِكَ فِي قَبْرِ غَيْرِهِ. لَكِنَّ هَذَا لَمْ يَقْصِدْهُ بَعْضُ النَّاسِ مِمَّنْ لَا يَكُونُ عَارِفًا بِالشَّرِيعَةِ وَبِمَا أَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَهَى عَنْهُ وَغَايَتُهُ أَنْ يُعْذَرَ بِجَهْلِهِ
(27/345)

وَيَعْفُوَ اللَّهُ عَنْهُ. وَأَمَّا مَنْ يَعْرِفُ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ وَمَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ وَرَسُولُهُ فَهَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ لَيْسَ فِيهِمْ مَنْ أَمَرَ بِالسَّفَرِ لِمُجَرَّدِ زِيَارَةِ قَبْرِ لَا نَبِيٍّ وَلَا غَيْرِ نَبِيٍّ بَلْ صَرَّحَ أَكَابِرُهُمْ بِتَحْرِيمِ مِثْلِ هَذَا السَّفَرِ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ وَغَيْرِهِمْ. وَإِنَّمَا قَالَ إنَّهُ مُبَاحٌ غَيْرُ مُحَرَّمٍ طَائِفَةٌ مِنْ مُتَأَخِّرِي أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد.
وَتَنَازَعُوا حِينَئِذٍ فِيمَنْ سَافَرَ لِمُجَرَّدِ زِيَارَةِ قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ هَلْ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ كَمَا ذَكَرَ فِي جَوَابِ الْفُتْيَا. وَبَعْضُهُمْ فَرَّقَ بَيْنَ قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ وَغَيْرِهِمْ وَقَالَ: إنَّ السَّفَرَ لِمُجَرَّدِ زِيَارَةِ الْقُبُورِ مُحَرَّمٌ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ وَقَوْلُ الْمُتَقَدِّمِينَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد. فَهَؤُلَاءِ عِنْدَهُمْ أَنَّ الْعَاصِيَ بِسَفَرِهِ لَا يَقْصُرُ الصَّلَاةَ. فَعَلَى قَوْلِهِمْ لَا تُقْصَرُ الصَّلَاةُ؛ لَكِنَّ الَّذِينَ يُسَافِرُونَ لَا يَعْلَمُونَ أَنَّ هَذَا مُحَرَّمٌ وَمَنْ عَلِمَ أَنَّهُ مُحَرَّمٌ لَمْ يَفْعَلْهُ فَإِنَّهُ لَا غَرَضَ لِمُسْلِمِ أَنْ يَتَقَرَّبَ إلَى اللَّهِ بِالْمُحَرَّمِ. وَحِينَئِذٍ فَسَفَرُهُمْ الَّذِي لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مُحَرَّمٌ إذَا قَصَرُوا فِيهِ الصَّلَاةَ كَانَ ذَلِكَ جَائِزًا وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِمْ كَمَا لَوْ سَافَرَ الرَّجُلُ لِطَلَبِ الْعِلْمِ أَوْ سَمَاعِ الْحَدِيثِ مِنْ شَخْصٍ فَوَجَدَهُ كَذَّابًا أَوْ جَاهِلًا فَإِنَّ قَصْرَ الصَّلَاةِ فِي مِثْلِ هَذَا السَّفَرِ جَائِزٌ. وَقَدْ ذَكَرَ أَصْحَابُ أَحْمَد فِي السَّفَرِ إلَى زِيَارَةِ قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ هَلْ تُقْصَرُ فِيهَا الصَّلَاةُ؟ أَرْبَعَةَ أَقْوَالٍ: قِيلَ: لَا يَقْصُرُ مُطْلَقًا.
(27/346)

وَقِيلَ: يَقْصُرُ مُطْلَقًا وَقِيلَ: لَا يَقْصُرُ إلَّا إلَى قَبْرِ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقِيلَ: لَا يَقْصُرُ إلَّا إلَى قَبْرِهِ الْمُكَرَّمِ وَقُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ؛ دُونَ قُبُورِ الصَّالِحِينَ وَاَلَّذِينَ اسْتَثْنَوْا قَبْرَ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِقَوْلِهِمْ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: - وَهُوَ الصَّحِيحُ - أَنَّ السَّفَرَ الْمَشْرُوعَ إلَيْهِ هُوَ السَّفَرُ إلَى مَسْجِدِهِ وَهَذَا السَّفَرُ تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةَ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ. وَهَؤُلَاءِ رَأَوْا مُطْلَقَ السَّفَرِ وَلَمْ يَفْصِلُوا بَيْنَ قَصْدٍ وَقَصْدٍ؛ إذْ كَانَ عَامَّةُ الْمُسْلِمِينَ لَا بُدَّ أَنْ يُصَلُّوا فِي مَسْجِدِهِ فَكُلُّ مَنْ سَافَرَ إلَى قَبْرِهِ الْمُكَرَّمِ فَقَدْ سَافَرَ إلَى مَسْجِدِهِ الْمُفَضَّلِ. وَكَذَلِكَ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: فَمَنْ نَذَرَ زِيَارَةَ قَبْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ يُوفِي بِنَذْرِهِ وَإِنْ نَذَرَ قَبْرَ غَيْرِهِ فَوَجْهَانِ. وَكَذَلِكَ كَثِيرٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ يُطْلِقُ السَّفَرَ إلَى قَبْرِهِ الْمُكَرَّمِ. وَعِنْدَهُمْ أَنَّ هَذَا يَتَضَمَّنُ السَّفَرَ إلَى مَسْجِدِهِ؛ إذْ كَانَ كُلُّ مُسْلِمٍ لَا بُدَّ إذَا أَتَى الْحُجْرَةَ الْمُكَرَّمَةَ أَنْ يُصَلِّيَ فِي مَسْجِدِهِ؛ فَهُمَا عِنْدَهُمْ مُتَلَازِمَانِ. ثُمَّ مِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يَقُولُ: الْمُسْلِمُ لَا بُدَّ أَنْ يَقْصِدَ فِي ابْتِدَاءِ السَّفَرِ الصَّلَاةَ فِي مَسْجِدِهِ فَالسَّفَرُ الْمَأْمُورُ بِهِ لَازِمٌ وَهَؤُلَاءِ لَمْ يُسَافِرُوا لِمُجَرَّدِ الْقَبْرِ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: بَلْ السَّفَرُ لِمُجَرَّدِ قَصْدِ الْقَبْرِ جَائِزٌ وَظَنَّ هَؤُلَاءِ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ لَيْسَ لِخُصُوصِهِ بَلْ لِكَوْنِهِ نَبِيًّا فَقَالَ: تُقْصَرُ الصَّلَاةُ فِي السَّفَرِ إلَى قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ دُونَ غَيْرِهِمْ. وَحَقِيقَةُ الْأَمْرِ: أَنَّ فِعْلَ الصَّلَاةِ فِي مَسْجِدِهِ مِنْ لَوَازِمِ هَذَا السَّفَرِ
(27/347)

فَكُلُّ مَنْ سَافَرَ إلَى قَبْرِهِ الْمُكَرَّمِ لَا بُدَّ أَنْ تَحْصُلَ لَهُ طَاعَةٌ وَقُرْبَةٌ يُثَابُ عَلَيْهَا بِالصَّلَاةِ فِي مَسْجِدِهِ. وَأَمَّا نَفْسُ الْقَصْدِ فَأَهْلُ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ يَقْصِدُونَ السَّفَرَ إلَى مَسْجِدِهِ وَإِنْ قَصَدَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَدَ السَّفَرَ إلَى الْقَبْرِ أَيْضًا - إذَا لَمْ يَعْلَمُ أَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ. وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَعْرِفْ هَذَا فَقَدْ لَا يَقْصِدُ إلَّا السَّفَرَ إلَى الْقَبْرِ ثُمَّ إنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يُصَلِّيَ فِي مَسْجِدِهِ فَيُثَابُ عَلَى ذَلِكَ. وَمَا فَعَلَهُ وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ لَا يُعَاقَبُ عَلَيْهِ فَيَحْصُلُ لَهُ أَجْرٌ وَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ وِزْرٌ؛ بِخِلَافِ السَّفَرِ إلَى قَبْرِ غَيْرِهِ فَإِنَّهُ لَيْسَ عِنْدَهُ شَيْءٌ يُشْرَعُ السَّفَرُ إلَيْهِ؛ لَكِنْ قَدْ يَفْعَلُ هَذَا طَاعَة