Advertisement

مجموع الفتاوى 028

الْجُزْءُ الْثَّامِنُ وَالْعِشْرُونَ
كِتَابُ الفِقْهِ
الْجُزْءُ الثَّامِنُ: الْجِهَادُ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَحْمَد بْنُ تَيْمِيَّة - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ -:
عَنْ الْحَدِيثِ وَهُوَ: {حَرْسُ لَيْلَةٍ عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ أَفْضَلُ مِنْ عَمَلِ رَجُلٍ فِي أَهْلِهِ أَلْفَ سَنَةٍ} وَعَنْ سُكْنَى مَكَّةَ وَالْبَيْتِ الْمُقَدَّسِ وَالْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ عَلَى نِيَّةِ الْعِبَادَةِ وَالِانْقِطَاعِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى. وَالسُّكْنَى بِدِمْيَاطَ وَإِسْكَنْدَرِيَّة وَطَرَابُلُسَ عَلَى نِيَّةِ الرِّبَاطِ: أَيُّهُمْ أَفْضَلُ؟
فَأَجَابَ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ، بَلْ الْمُقَامُ فِي ثُغُورِ الْمُسْلِمِينَ كَالثُّغُورِ الشَّامِيَّةِ وَالْمِصْرِيَّةِ أَفْضَلُ مِنْ الْمُجَاوَرَةِ فِي الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ وَمَا أَعْلَمُ فِي هَذَا نِزَاعًا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ وَقَدْ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الرُّبُطَ مِنْ جِنْسِ الْجِهَادِ وَالْمُجَاوَرَةُ غَايَتُهَا أَنْ تَكُونَ مِنْ جِنْسِ الْحَجِّ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ} . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ {سُئِلَ: أَيُّ
(28/5)

الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ: قَالَ: إيمَانٌ بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ. قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: ثُمَّ جِهَادٌ فِي سَبِيلِهِ. قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: ثُمَّ حَجٌّ مَبْرُورٌ} . وَقَدْ رُوِيَ: " {غَزْوَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَفْضَلُ مِنْ سَبْعِينَ حَجَّةً} " وَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " {رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ وَمَنْ مَاتَ مُرَابِطًا مَاتَ مُجَاهِدًا وَأُجْرِيَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ مِنْ الْجَنَّةِ وَأَمِنَ الْفَتَّانَ} . وَفِي السُّنَنِ عَنْ عُثْمَانَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: " {رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ يَوْمٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنْ الْمَنَازِلِ} ": وَهَذَا قَالَهُ عُثْمَانُ عَلَى مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذَكَرَ أَنَّهُ قَالَ لَهُمْ ذَلِكَ تَبْلِيغًا لِلسُّنَّةِ. وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: لَأَنْ أُرَابِطَ لَيْلَةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَقُومَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ عِنْدَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ. وَفَضَائِلُ الرِّبَاطِ وَالْحَرْسِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرَةٌ لَا تَسَعُهَا هَذِهِ الْوَرَقَةُ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(28/6)

الْمَسْئُولُ مِنْ السَّادَةِ الْعُلَمَاءِ الْقَادَةِ الْفُضَلَاءِ أَئِمَّةِ الدِّينِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ -:
أَنْ يُخْبِرُونَا بِفَضَائِلِ الرَّمْيِ وَتَعْلِيمِهِ؛ وَمَا وَرَدَ فِيمَنْ تَرَكَهُ بَعْدَ تَعَلُّمِهِ؛ وَأَيُّمَا أَفْضَلُ الرَّمْيُ بِالْقَوْسِ أَوْ الطَّعْنُ بِالرُّمْحِ؟ أَوْ الضَّرْبُ بِالسَّيْفِ؟ وَهَلْ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عِلْمٌ يَخْتَصُّ بِهِ وَمَحَلٌّ يَلِيقُ بِهِ؟ . وَإِذَا عَلَّمَ رَجُلٌ رَجُلًا الرَّمْيَ أَوْ الطَّعْنَ وَغَيْرَهُمَا مِنْ آلَاتِ الْحَرْبِ وَالْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى وَجَحَدَ تَعْلِيمَهُ؛ وَانْتَقَلَ إلَى غَيْرِهِ وَانْتَمَى إلَيْهِ: هَلْ يَأْثَمُ بِذَلِكَ أَمْ لَا؟ وَإِذَا قَالَ قَائِلٌ لِهَذَا الْمُنْتَقِلِ: أَنْتَ مَهْدُورٌ أَوْ تُقْتَلُ: أَثِمَ بِذَلِكَ أَمْ لَا؟ وَإِنْ زَادَ فَقَالَ لَهُ: أَنْتَ لَقِيطٌ أَوْ وَلَدُ زِنَا: يُعَدُّ قَذْفًا وَيُحَدُّ بِذَلِكَ أَمْ لَا؟ . وَهَلْ يَحِلُّ لِلْأُسْتَاذِ الثَّانِي أَنْ يَقْبَلَ هَذَا الْمُنْتَقِلَ وَيُعَزِّرَهُ عَلَى جَحْدِهِ لِمُعَلِّمِهِ؟ وَإِذَا قَالَ الْمُنْتَقِلُ: أَنَا أَنْتَمِي إلَى فُلَانٍ تَعْلِيمًا وَتَخْرِيجًا وَإِلَى فُلَانٍ إفَادَةً وَتَفْهِيمًا: هَلْ يَسُوغُ لَهُ ذَلِكَ أَمْ لَا؟ وَهَلْ لِلْمُبْتَدِئِ أَنْ
(28/7)

يَقُومَ فِي وَسَطِ جَمَاعَةٍ مِنْ الْأُسْتَاذَيْنِ والمتعلمين وَيَقُولَ: يَا جَمَاعَةَ الْخَيْرِ أَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى وَأَسْأَلُكُمْ أَنْ تَسْأَلُوا فُلَانًا أَنْ يَقْبَلَنِي أَنْ أَكُونَ لَهُ أَخًا أَوْ رَفِيقًا أَوْ غُلَامًا أَوْ تِلْمِيذًا أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ؛ فَيَقُومَ أَحَدُ الْجَمَاعَةِ فَيَأْخُذَ عَلَيْهِ الْعَهْدَ وَيَشْتَرِطَ عَلَيْهِ مَا يُرِيدُهُ وَيَشُدَّ وَسَطَهُ بِمَنْدِيلِ أَوْ غَيْرِهِ: فَهَلْ يَسُوغُ هَذَا الْفِعْلُ أَمْ لَا؟ لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ الْمُحَامَاةِ وَالْعَصَبِيَّةِ لِأُسْتَاذِ؛ بِحَيْثُ يَصِيرُ لِكُلِّ مِنْ الْأُسْتَاذَيْنِ إخْوَانٌ وَرُفَقَاءُ وَأَحْزَابٌ وَتَلَامِذَةٌ يَقُومُونَ مَعَهُ إذَا قَامَ بِحَقِّ أَوْ بَاطِلٍ وَيُعَادُونَ مَنْ عَادَاهُ وَيُوَالُونَ مَنْ وَالَاهُ. وَهَلْ إذَا اجْتَمَعُوا لِلرَّمْيِ عَلَى رَهْنٍ هَلْ يَحِلُّ أَمْ لَا؟ وَهَلْ يَقْدَحُ فِي عَدَالَةِ الْأُسْتَاذِ إذَا فَعَلَ التَّلَامِذَةُ مَا لَا يَحِلُّ فِي الدِّينِ وَيُقِرُّهُمْ عَلَى ذَلِكَ؟ وَهَلْ إذَا شَدَّ الْمُعَلِّمُ لِلتِّلْمِيذِ وَحَصَلَ بِذَلِكَ هِبَةٌ وَكَرَامَةٌ - وَجَمِيعُ ذَلِكَ فِي الْعُرْفِ يَرْجِعُ إلَى الْأُسْتَاذِ - يَحِلُّ لَهُ تَنَاوُلُهُ أَمْ لَا؟ وَهَلْ لِلْأُسْتَاذِ أَنْ يَقْبَلَ أُجْرَةً أَوْ هِبَةً أَوْ هَدِيَّةً؟ فَإِنَّ الْمُعَلِّمَ تَلْحَقُهُ كُلْفَةٌ مِنْ آلَاتٍ وَغَيْرِهَا. أَفْتُونَا مَأْجُورِينَ وَأَرْشِدُونَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْكُمْ أَجْمَعِينَ.
فَأَجَابَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَحْمَد بْنُ تَيْمِيَّة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -:
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، الرَّمْيُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالطَّعْنُ فِي سَبِيلِ
(28/8)

اللَّهِ. وَالضَّرْبُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ: كُلُّ ذَلِكَ مِمَّا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى: بِهِ وَرَسُولُهُ وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى الثَّلَاثَةَ فَقَالَ تَعَالَى: {فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا} وَقَالَ تَعَالَى: {فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ} وَقَالَ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ} وَقَالَ تَعَالَى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ} وَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى الْمِنْبَرِ هَذِهِ الْآيَةَ فَقَالَ: " {أَلَا إنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ أَلَا إنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ أَلَا إنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ} . وَثَبَتَ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ قَالَ: " {ارْمُوا وَارْكَبُوا وَأَنْ تَرْمُوا أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ تَرْكَبُوا وَمَنْ تَعَلَّمَ الرَّمْيَ ثُمَّ نَسِيَهُ فَلَيْسَ مِنَّا} . وَفِي رِوَايَةٍ: " {وَمَنْ تَعَلَّمَ الرَّمْيَ ثُمَّ نَسِيَهُ فَهِيَ نِعْمَةٌ جَحَدَهَا} . وَفِي السُّنَنِ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: " {كُلُّ لَهْوٍ يَلْهُو بِهِ الرَّجُلُ فَهُوَ بَاطِلٌ؛ إلَّا رَمْيَهُ بِقَوْسِهِ وَتَأْدِيبَهُ فَرَسَهُ وَمُلَاعَبَتَهُ امْرَأَتَهُ. فَإِنَّهُنَّ مِنْ الْحَقِّ} . وَقَالَ: " {سَتُفْتَحُ عَلَيْكُمْ أَرَضُونَ وَيَكْفِيكُمْ اللَّهُ فَلَا يَعْجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَلْهُوَ بِأَسْهُمِهِ} . وَقَالَ مَكْحُولٌ: كَتَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إلَى الشَّامِ: أَنْ عَلِّمُوا
(28/9)

عَلِّمُوا أَوْلَادَكُمْ الرَّمْيَ وَالْفُرُوسِيَّةَ. وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: " {ارْمُوا بَنِي إسْمَاعِيلَ؛ فَإِنَّ أَبَاكُمْ كَانَ رَامِيًا} . {وَمَرَّ عَلَى نَفَرٍ مِنْ أَسْلَمَ يَنْتَضِلُونَ فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ارْمُوا بَنِي إسْمَاعِيلَ؛ فَإِنَّ أَبَاكُمْ كَانَ رَامِيًا ارْمُوا وَأَنَا مَعَ بَنِي فُلَانٍ فَأَمْسَكَ أَحَدُ الْفَرِيقَيْنِ بِأَيْدِيهِمْ فَقَالَ: مَا لَكُمْ لَا تَرْمُونَ؟ قَالُوا: كَيْفَ نَرْمِي وَأَنْتَ مَعَهُمْ؟ فَقَالَ: ارْمُوا وَأَنَا مَعَكُمْ كُلِّكُمْ} . وَقَالَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ {نَثَلَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَعْنِي نَفَضَ كِنَانَتَهُ يَوْمَ أُحُدٍ - وَقَالَ: ارْمِ فِدَاك أَبِي وَأُمِّي} وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: {مَا رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَمَعَ أَبَوَيْهِ لِأَحَدِ إلَّا لِسَعْدِ: قَالَ لَهُ: ارْمِ سَعْدُ فِدَاك أَبِي وَأُمِّي} . وَقَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " {لَصَوْتُ أَبِي طَلْحَةَ فِي الْجَيْشِ خَيْرٌ مِنْ مِائَةٍ} وَكَانَ إذَا كَانَ فِي الْجَيْشِ جَثَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَنَثَرَ كِنَانَتَهُ فَقَالَ: نَفْسِي لِنَفْسِك الْفِدَاءُ وَوَجْهِي لِوَجْهِك الْوِقَاءُ. وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ السَّيْفُ وَالْقَوْسُ وَالرُّمْحُ. وَفِي السُّنَنِ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ:
(28/10)

{مَنْ رَمَى بِسَهْمِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ - بَلَغَ الْعَدُوَّ أَوْ لَمْ يَبْلُغْهُ - كَانَتْ لَهُ عَدْلُ رَقَبَةٍ} . وَفِي السُّنَنِ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: " {إنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ بِالسَّهْمِ الْوَاحِدِ ثَلَاثَةَ نَفَرٍ الْجَنَّةَ: صَانِعَهُ يَحْتَسِبُ فِي صَنْعَتِهِ الْخَيْرَ؛ وَالرَّامِيَ بِهِ وَالْمُمِدَّ بِهِ} وَهَذَا لِأَنَّ هَذِهِ الْأَعْمَالَ هِيَ أَعْمَالُ الْجِهَادِ وَالْجِهَادُ أَفْضَلُ مَا تَطَوَّعَ بِهِ الْإِنْسَانُ وَتَطَوُّعُهُ أَفْضَلُ مِنْ تَطَوُّعِ الْحَجِّ وَغَيْرِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} {الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ} {يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ} {خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} . وَفِي الصَّحِيحِ {أَنَّ رَجُلًا قَالَ: لَا أُبَالِي أَنْ لَا أَعْمَلَ عَمَلًا بَعْدَ الْإِسْلَامِ إلَّا أَنْ أَعْمُرَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَفْضَلُ مِنْ هَذَا كُلِّهِ. فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ عِنْدَ مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَكِنْ إذَا قُضِيَتْ الصَّلَاةُ سَأَلْته عَنْ ذَلِكَ. فَسَأَلَهُ؛ فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ} فَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ الْإِيمَانَ وَالْجِهَادَ أَفْضَلُ مِنْ عِمَارَةِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَالطَّوَافِ وَمِنْ
(28/11)

الْإِحْسَانِ إلَى الْحُجَّاجِ بِالسِّقَايَةِ؛ وَلِهَذَا قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: لَأَنْ أُرَابِطَ لَيْلَةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَقُومَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ عِنْد الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ. وَلِهَذَا كَانَ الرِّبَاطُ فِي الثُّغُورِ أَفْضَلَ مِنْ الْمُجَاوَرَةِ بِمَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَالْعَمَلُ بِالرُّمْحِ وَالْقَوْسِ فِي الثُّغُورِ أَفْضَلَ مِنْ صَلَاةِ التَّطَوُّعِ. وَأَمَّا فِي الْأَمْصَارِ الْبَعِيدَةِ مِنْ الْعَدُوِّ فَهُوَ نَظِيرُ صَلَاةِ التَّطَوُّعِ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: " {إنَّ فِي الْجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ مَا بَيْنَ الدَّرَجَةِ إلَى الدَّرَجَةِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَعَدَّهَا اللَّهُ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِهِ} . وَهَذِهِ الْأَعْمَالُ كُلٌّ مِنْهَا لَهُ مَحَلٌّ يَلِيقُ بِهِ هُوَ أَفْضَلُ فِيهِ مِنْ غَيْرِهِ فَالسَّيْفُ عِنْدَ مُوَاصَلَةِ الْعَدُوِّ وَالطَّعْنُ عِنْدَ مُقَارَبَتِهِ وَالرَّمْيُ عِنْدَ بُعْدِهِ أَوْ عِنْدَ الْحَائِلِ كَالنَّهْرِ وَالْحِصْنِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. فَكُلَّمَا كَانَ أَنْكَى فِي الْعَدُوِّ وَأَنْفَعَ لِلْمُسْلِمِينَ فَهُوَ أَفْضَلُ. وَهَذَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ أَحْوَالِ الْعَدُوِّ وَبِاخْتِلَافِ حَالِ الْمُجَاهِدِينَ فِي الْعَدُوِّ. وَمِنْهُ مَا يَكُونُ الرَّمْيُ فِيهِ أَنْفَعَ وَمِنْهُ مَا يَكُونُ الطَّعْنُ فِيهِ أَنْفَعَ. وَهَذَا مِمَّا يَعْلَمُهُ الْمُقَاتِلُونَ.
(28/12)

فَصْلٌ:
وَتَعَلُّمُ هَذِهِ الصِّنَاعَاتِ هُوَ مِنْ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ لِمَنْ يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَمَنْ عَلَّمَ غَيْرَهُ ذَلِكَ كَانَ شَرِيكَهُ فِي كُلِّ جِهَادٍ يُجَاهِدُ بِهِ لَا يُنْقَصُ أَحَدُهُمَا مِنْ الْأَجْرِ شَيْئًا كَاَلَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَيُعَلِّمُ الْعِلْمَ. وَعَلَى الْمُتَعَلِّمِ أَنْ يُحْسِنَ نِيَّتَهُ فِي ذَلِكَ وَيَقْصِدَ بِهِ وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى وَعَلَى الْمُعَلِّمِ أَنْ يَنْصَحَ لِلْمُتَعَلِّمِ وَيَجْتَهِدَ فِي تَعْلِيمِهِ وَعَلَى الْمُتَعَلِّمِ أَنْ يَعْرِفَ حُرْمَةَ أُسْتَاذِهِ وَيَشْكُرَ إحْسَانَهُ إلَيْهِ؛ فَإِنَّهُ مَنْ لَا يَشْكُرُ النَّاسَ لَا يَشْكُرُ اللَّهَ وَلَا يَجْحَدَ حَقَّهُ وَلَا يُنْكِرَ مَعْرُوفَهُ. وَعَلَى الْمُعَلِّمِينَ أَنْ يَكُونُوا مُتَعَاوِنِينَ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى كَمَا أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ: " {الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يُسْلِمُهُ وَلَا يَظْلِمُهُ} . وَقَوْلِهِ: " {مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ كَمَثَلِ الْجَسَدِ الْوَاحِدِ إذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالْحُمَّى وَالسَّهَرِ} . وَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " {وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مِنْ الْخَيْرِ مَا يُحِبُّهُ لِنَفْسِهِ} . وَقَوْلِهِ: " {الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ} وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " {لَا تَحَاسَدُوا
(28/13)

وَلَا تَقَاطَعُوا وَلَا تَبَاغَضُوا وَلَا تَدَابَرُوا وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إخْوَانًا} . وَهَذَا كُلُّهُ فِي الصَّحِيحِ. وَفِي السُّنَنِ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: " {أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَفْضَلَ مِنْ دَرَجَةِ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالصَّدَقَةِ وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ؟ قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: صَلَاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ؛ فَإِنَّ فَسَادَ ذَاتِ الْبَيْنِ هِيَ الْحَالِقَةُ؛ لَا أَقُولُ تَحْلِقُ الشَّعَرَ وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ} . وَفِي الصَّحِيحِ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: " {تُفْتَحُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ كُلَّ يَوْمِ اثْنَيْنِ وَخَمِيسٍ فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ لَا يُشْرِكُ بِاَللَّهِ شَيْئًا؛ إلَّا رَجُلًا كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ؛ فَيُقَالُ: أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا} . وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " {لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمِ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثٍ؛ يَلْتَقِيَانِ فَيَصُدُّ هَذَا وَيَصُدُّ هَذَا وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ} . وَلَيْسَ لِأَحَدِ مِنْ الْمُعَلِّمِينَ أَنْ يَعْتَدِيَ عَلَى الْآخَرِ وَلَا يُؤْذِيَهُ بِقَوْلِ وَلَا فِعْلٍ بِغَيْرِ حَقٍّ؛ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا} . وَلَيْسَ لِأَحَدِ أَنْ يُعَاقِبَ أَحَدًا عَلَى غَيْرِ ظُلْمٍ وَلَا تَعَدِّي حَدٍّ وَلَا تَضْيِيعِ حَقٍّ؛ بَلْ لِأَجْلِ هَوَاهُ؛ فَإِنَّ هَذَا مِنْ الظُّلْمِ الَّذِي حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ؛ فَقَدْ قَالَ تَعَالَى: فِيمَا رَوَى
(28/14)

عَنْهُ نَبِيُّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " {يَا عِبَادِي إنِّي حَرَّمْت الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْته بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا} . وَإِذَا جَنَى شَخْصٌ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعَاقَبَ بِغَيْرِ الْعُقُوبَةِ الشَّرْعِيَّةِ وَلَيْسَ لِأَحَدِ مِنْ الْمُتَعَلِّمِينَ وَالْأُسْتَاذَيْنِ أَنْ يُعَاقِبَهُ بِمَا يَشَاءُ وَلَيْسَ لِأَحَدِ أَنْ يُعَاوِنَهُ وَلَا يُوَافِقَهُ عَلَى ذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يَأْمُرَ بِهَجْرِ شَخْصٍ فَيَهْجُرَهُ بِغَيْرِ ذَنْبٍ شَرْعِيٍّ أَوْ يَقُولَ: أَقْعَدْته أَوْ أَهْدَرْته أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ فَإِنَّ هَذَا مِنْ جِنْسِ مَا يَفْعَلُهُ القساقسة وَالرُّهْبَانُ مَعَ النَّصَارَى والحزابون مَعَ الْيَهُودِ وَمِنْ جِنْسِ مَا يَفْعَلُهُ أَئِمَّةُ الضَّلَالَةِ وَالْغَوَايَةِ مَعَ أَتْبَاعِهِمْ. وَقَدْ قَالَ الصِّدِّيقُ الَّذِي هُوَ خَلِيفَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أُمَّتِهِ: أَطِيعُونِي مَا أَطَعْت اللَّهَ فَإِنْ عَصَيْت اللَّهَ فَلَا طَاعَةَ لِي عَلَيْكُمْ. وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " {لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقِ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ} . وَقَالَ: " {مَنْ أَمَرَكُمْ بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ فَلَا تُطِيعُوهُ} . فَإِذَا كَانَ الْمُعَلِّمُ أَوْ الْأُسْتَاذُ قَدْ أَمَرَ بِهَجْرِ شَخْصٍ؛ أَوْ بِإِهْدَارِهِ وَإِسْقَاطِهِ وَإِبْعَادِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ: نُظِرَ فِيهِ فَإِنْ كَانَ قَدْ فَعَلَ ذَنْبًا شَرْعِيًّا عُوقِبَ بِقَدْرِ ذَنْبِهِ بِلَا زِيَادَةٍ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَذْنَبَ ذَنْبًا شَرْعِيًّا لَمْ يَجُزْ أَنْ يُعَاقَبَ بِشَيْءِ لِأَجْلِ غَرَضِ الْمُعَلِّمِ أَوْ غَيْرِهِ. وَلَيْسَ لِلْمُعَلِّمِينَ أَنْ يحزبوا النَّاسَ وَيَفْعَلُوا مَا يُلْقِي بَيْنَهُمْ الْعَدَاوَةَ
(28/15)

وَالْبَغْضَاءَ بَلْ يَكُونُونَ مِثْلَ الْإِخْوَةِ الْمُتَعَاوِنِينَ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} .
وَلَيْسَ لِأَحَدِ مِنْهُمْ أَنْ يَأْخُذَ عَلَى أَحَدٍ عَهْدًا بِمُوَافَقَتِهِ عَلَى كُلِّ مَا يُرِيدُهُ؛ وَمُوَالَاةِ مَنْ يُوَالِيهِ؛ وَمُعَادَاةِ مَنْ يُعَادِيهِ بَلْ مَنْ فَعَلَ هَذَا كَانَ مَنْ جِنْسِ جنكيزخان وَأَمْثَالِهِ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَنْ وَافَقَهُمْ صَدِيقًا مُوَالِيًا وَمَنْ خَالَفَهُمْ عَدُوًّا بَاغِيًا؛ بَلْ عَلَيْهِمْ وَعَلَى أَتْبَاعِهِمْ عَهْدُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ بِأَنْ يُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ؛ وَيَفْعَلُوا مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ؛ وَيُحَرِّمُوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ؛ وَيَرْعَوْا حُقُوقَ الْمُعَلِّمِينَ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ. فَإِنْ كَانَ أُسْتَاذُ أَحَدٍ مَظْلُومًا نَصَرَهُ وَإِنْ كَانَ ظَالِمًا لَمْ يُعَاوِنْهُ عَلَى الظُّلْمِ بَلْ يَمْنَعُهُ مِنْهُ؛ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: " {اُنْصُرْ أَخَاك ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْصُرُهُ مَظْلُومًا فَكَيْفَ أَنْصُرُهُ ظَالِمًا قَالَ: تَمْنَعُهُ مِنْ الظُّلْمِ فَذَلِكَ نَصْرُك إيَّاهُ} . وَإِذَا وَقَعَ بَيْنَ مُعَلِّمٍ وَمُعَلِّمٍ أَوْ تِلْمِيذٍ وَتِلْمِيذٍ أَوْ مُعَلِّمٍ وَتِلْمِيذٍ خُصُومَةٌ وَمُشَاجَرَةٌ لَمْ يَجُزْ لِأَحَدِ أَنْ يُعِينَ أَحَدَهُمَا حَتَّى يَعْلَمَ الْحَقَّ فَلَا يُعَاوِنُهُ بِجَهْلِ وَلَا بِهَوَى بَلْ يَنْظُرُ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا تَبَيَّنَ لَهُ الْحَقُّ أَعَانَ الْمُحِقَّ مِنْهُمَا عَلَى الْمُبْطِلِ سَوَاءٌ كَانَ الْمُحِقُّ مِنْ أَصْحَابِهِ أَوْ أَصْحَابِ غَيْرِهِ؛ وَسَوَاءٌ كَانَ الْمُبْطِلُ مِنْ أَصْحَابِهِ أَوْ أَصْحَابِ غَيْرِهِ فَيَكُونُ الْمَقْصُودُ عِبَادَةَ اللَّهِ وَحْدَهُ وَطَاعَةَ رَسُولِهِ؛ وَاتِّبَاعَ الْحَقِّ وَالْقِيَامَ بِالْقِسْطِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
(28/16)

آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} يُقَالُ: لَوَى يَلْوِي لِسَانَهُ: فَيُخْبِرُ بِالْكَذِبِ. وَالْإِعْرَاضُ: أَنْ يَكْتُمَ الْحَقَّ؛ فَإِنَّ السَّاكِتَ عَنْ الْحَقِّ شَيْطَانٌ أَخْرَسُ. وَمَنْ مَالَ مَعَ صَاحِبِهِ - سَوَاءٌ كَانَ الْحَقُّ لَهُ أَوْ عَلَيْهِ - فَقَدْ حَكَمَ بِحُكْمِ الْجَاهِلِيَّةِ وَخَرَجَ عَنْ حُكْمِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْوَاجِبُ عَلَى جَمِيعِهِمْ أَنْ يَكُونُوا يَدًا وَاحِدَةً مَعَ الْمُحِقِّ عَلَى الْمُبْطِلِ فَيَكُونَ الْمُعَظَّمُ عِنْدَهُمْ مَنْ عَظَّمَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالْمُقَدَّمُ عِنْدَهُمْ مَنْ قَدَّمَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالْمَحْبُوبُ عِنْدَهُمْ مَنْ أَحَبَّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالْمُهَانُ عِنْدَهُمْ مَنْ أَهَانَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ بِحَسَبِ مَا يُرْضِي اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا بِحَسَبِ الْأَهْوَاءِ؛ فَإِنَّهُ مَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ رَشَدَ؛ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّ إلَّا نَفْسَهُ. فَهَذَا هُوَ الْأَصْلُ الَّذِي عَلَيْهِمْ اعْتِمَادُهُ. وَحِينَئِذٍ فَلَا حَاجَةَ إلَى تَفَرُّقِهِمْ وَتَشَيُّعِهِمْ؛ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: {إنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ} . وَقَالَ تَعَالَى: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ} وَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ قَدْ عَلَّمَهُ أُسْتَاذٌ عَرَفَ قَدْرَ إحْسَانِهِ إلَيْهِ وَشَكَرَهُ. وَلَا يَشُدُّ وَسَطَهُ لَا لِمُعَلِّمِهِ وَلَا لِغَيْرِ مُعَلِّمِهِ؛ فَإِنَّ شَدَّ الْوَسَطِ لِشَخْصِ
(28/17)

مُعَيَّنٍ وَانْتِسَابَهُ إلَيْهِ - كَمَا ذُكِرَ فِي السُّؤَالِ -: مِنْ بِدَعِ الْجَاهِلِيَّةِ؛ وَمِنْ جِنْسِ التَّحَالُفِ الَّذِي كَانَ الْمُشْرِكُونَ يَفْعَلُونَهُ؛ وَمِنْ جِنْسِ تَفَرُّقِ قَيْسٍ وَيُمَنِّ فَإِنْ كَانَ الْمَقْصُودُ بِهَذَا الشَّدِّ وَالِانْتِمَاءِ التَّعَاوُنَ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى فَهَذَا قَدْ أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ لَهُ وَلِغَيْرِهِ بِدُونِ هَذَا الشَّدِّ وَإِنْ كَانَ الْمَقْصُودُ بِهِ التَّعَاوُنَ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ فَهَذَا قَدْ حَرَّمَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ. فَمَا قُصِدَ بِهَذَا مِنْ خَيْرٍ فَفِي أَمْرِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ بِكُلِّ مَعْرُوفٍ اسْتِغْنَاءٌ عَنْ أَمْرِ الْمُعَلِّمِينَ وَمَا قُصِدَ بِهَذَا مِنْ شَرٍّ فَقَدْ حَرَّمَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ. فَلَيْسَ لِمُعَلِّمِ أَنْ يُحَالِفَ تَلَامِذَتَهُ عَلَى هَذَا وَلَا لِغَيْرِ الْمُعَلِّمِ أَنْ يَأْخُذَ أَحَدًا مِنْ تَلَامِذَتِهِ لِيُنْسَبُوا إلَيْهِ عَلَى الْوَجْهِ الْبِدْعِيِّ: لَا ابْتِدَاءً وَلَا إفَادَةً وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَجْحَدَ حَقَّ الْأَوَّلِ عَلَيْهِ وَلَيْسَ لِلْأَوَّلِ أَنْ يَمْنَعَ أَحَدًا مِنْ إفَادَةِ التَّعَلُّمِ مِنْ غَيْرِهِ وَلَيْسَ لِلثَّانِي أَنْ يَقُولَ: شُدَّ لِي وَانْتَسِبْ لِي دُونَ مُعَلِّمِك الْأَوَّلِ بَلْ إنْ تَعَلَّمَ مِنْ اثْنَيْنِ فَإِنَّهُ يُرَاعِي حَقَّ كُلٍّ مِنْهُمَا وَلَا يَتَعَصَّبُ لَا لِلْأَوَّلِ وَلَا لِلثَّانِي وَإِذَا كَانَ تَعْلِيمُ الْأَوَّلِ لَهُ أَكْثَرَ كَانَتْ رِعَايَتُهُ لِحَقِّهِ أَكْثَرَ. وَإِذَا اجْتَمَعُوا عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مَعَ أَحَدٍ فِي كُلِّ شَيْءٍ؛ بَلْ يَكُونُ كُلُّ شَخْصٍ مَعَ كُلِّ شَخْصٍ فِي طَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَلَا يَكُونُونَ مَعَ أَحَدٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ بَلْ يَتَعَاوَنُونَ عَلَى الصِّدْقِ وَالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ
(28/18)

الْمُنْكَرِ وَنَصْرِ الْمَظْلُومِ وَكُلِّ مَا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ؛ وَلَا يَتَعَاوَنُونَ لَا عَلَى ظُلْمٍ وَلَا عَصَبِيَّةٍ جَاهِلِيَّةٍ وَلَا اتِّبَاعِ الْهَوَى بِدُونِ هُدَى مِنْ اللَّهِ وَلَا تَفَرُّقٍ وَلَا اخْتِلَافٍ؛ وَلَا شَدِّ وَسَطٍ لِشَخْصِ لِيُتَابِعَهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ وَلَا يُحَالِفَهُ عَلَى غَيْرِ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ. وَحِينَئِذٍ فَلَا يَنْتَقِلُ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ إلَى أَحَدٍ؛ وَلَا يَنْتَمِي أَحَدٌ: لَا لَقِيطًا وَلَا ثَقِيلًا وَلَا غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ أَسْمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ؛ فَإِنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ إنَّمَا وَلَّدَهَا كَوْنُ الْأُسْتَاذِ يُرِيدُ أَنْ يُوَافِقَهُ تِلْمِيذُهُ عَلَى مَا يُرِيدُ فَيُوَالِيَ مَنْ يُوَالِيهِ وَيُعَادِيَ مَنْ يُعَادِيهِ مُطْلَقًا. وَهَذَا حَرَامٌ؛ لَيْسَ لِأَحَدِ أَنْ يَأْمُرَ بِهِ أَحَدًا؛ وَلَا يُجِيبَ عَلَيْهِ أَحَدًا؛ بَلْ تَجْمَعُهُمْ السُّنَّةُ وَتُفَرِّقُهُمْ الْبِدْعَةُ؛ يَجْمَعُهُمْ فِعْلُ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ وَتُفَرِّقُ بَيْنَهُمْ مَعْصِيَةُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ حَتَّى يَصِيرَ النَّاسُ أَهْلَ طَاعَةِ اللَّهِ أَوْ أَهْلَ مَعْصِيَةِ اللَّهِ فَلَا تَكُونُ الْعِبَادَةُ إلَّا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَلَا الطَّاعَةُ الْمُطْلَقَةُ إلَّا لَهُ سُبْحَانَهُ وَلِرَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَلَا رَيْبَ أَنَّهُمْ إذَا كَانُوا عَلَى عَادَتِهِمْ الْجَاهِلِيَّةِ - أَيْ مَنْ عَلَّمَهُ أُسْتَاذٌ كَانَ مُحَالِفًا لَهُ - كَانَ الْمُنْتَقِلُ عَنْ الْأَوَّلِ إلَى الثَّانِي ظَالِمًا بَاغِيًا نَاقِضًا لِعَهْدِهِ غَيْرَ مَوْثُوقٍ بِعَقْدِهِ؛ وَهَذَا أَيْضًا حَرَامٌ وَإِثْمُ هَذَا أَعْظَمُ مِنْ إثْمِ مَنْ لَمْ يَفْعَلْ مِثْلَ فِعْلِهِ؛ بَلْ مِثْلُ هَذَا إذَا انْتَقَلَ إلَى غَيْرِ أُسْتَاذِهِ وَحَالَفَهُ كَانَ قَدْ فَعَلَ حَرَامًا؛ فَيَكُونُ مِثْلَ لَحْمِ الْخِنْزِيرِ الْمَيِّتِ فَإِنَّهُ لَا
(28/19)

بِعَهْدِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ أَوْفَى وَلَا بِعَهْدِ الْأَوَّلِ؛ بَلْ كَانَ بِمَنْزِلَةِ الْمُتَلَاعِبِ الَّذِي لَا عَهْدَ لَهُ وَلَا دِينَ لَهُ وَلَا وَفَاءَ. وَقَدْ كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ يُحَالِفُ الرَّجُلُ قَبِيلَةً فَإِذَا وَجَدَ أَقْوَى مِنْهَا نَقَضَ عَهْدَ الْأُولَى وَحَالَفَ الثَّانِيَةَ - وَهُوَ شَبِيهٌ بِحَالِ هَؤُلَاءِ - فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ} {وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} {وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} . وَعَلَيْهِمْ أَنْ يَأْتَمِرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَيَتَنَاهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ وَلَا يَدَعُوا بَيْنَهُمْ مَنْ يُظْهِرُ ظُلْمًا أَوْ فَاحِشَةً وَلَا يَدَعُوا صَبِيًّا أَمْرَدَ يَتَبَرَّجُ أَوْ يُظْهِرُ مَا يَفْتِنُ بِهِ النَّاسَ وَلَا أَنْ يُعَاشِرَ مَنْ يُتَّهَمُ بِعِشْرَتِهِ وَلَا يُكْرَمَ لِغَرَضِ فَاسِدٍ. وَمَنْ حَالَفَ شَخْصًا عَلَى أَنْ يُوَالِيَ مَنْ وَالَاهُ وَيُعَادِيَ مَنْ عَادَاهُ كَانَ مِنْ جِنْسِ التتر الْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ الشَّيْطَانِ وَمِثْلُ هَذَا لَيْسَ مِنْ الْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا مِنْ جُنْدِ الْمُسْلِمِينَ وَلَا يَجُوزُ أَنْ
(28/20)

يَكُونَ مِثْلُ هَؤُلَاءِ مِنْ عَسْكَرِ الْمُسْلِمِينَ؛ بَلْ هَؤُلَاءِ مِنْ عَسْكَرِ الشَّيْطَانِ وَلَكِنْ يَحْسُنُ أَنْ يَقُولَ لِتِلْمِيذِهِ: عَلَيْك عَهْدَ اللَّهِ وَمِيثَاقَهُ أَنْ تَوَالِيَ مَنْ وَالَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَتُعَادِيَ مَنْ عَادَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَتُعَاوِنَ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تُعَاوِنَ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِذَا كَانَ الْحَقُّ مَعِي نَصَرْت الْحَقَّ وَإِنْ كُنْت عَلَى الْبَاطِلِ لَمْ تَنْصُرْ الْبَاطِلَ. فَمَنْ الْتَزَمَ هَذَا كَانَ مِنْ الْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى الَّذِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ وَتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ: {أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ الرَّجُلُ يُقَاتِلُ شُجَاعَةً وَيُقَاتِلُ حَمِيَّةً وَيُقَاتِلُ رِيَاءً فَأَيُّ ذَلِكَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ فَقَالَ: مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} . فَإِذَا كَانَ الْمُجَاهِدُ الَّذِي يُقَاتِلُ حَمِيَّةً لِلْمُسْلِمِينَ؛ أَوْ يُقَاتِلُ رِيَاءً لِلنَّاسِ لِيَمْدَحُوهُ؛ أَوْ يُقَاتِلُ لِمَا فِيهِ مِنْ الشَّجَاعَةِ: لَا يَكُونُ قِتَالُهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ حَتَّى يُقَاتِلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَكَيْفَ مَنْ يَكُونُ أَفْضَلُ تَعَلُّمِهِ صِنَاعَةَ الْقِتَالِ مَبْنِيًّا عَلَى أَسَاسٍ فَاسِدٍ لِيُعَاوِنَ شَخْصًا مَخْلُوقًا عَلَى شَخْصٍ مَخْلُوقٍ فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ الْجُهَلَاءِ والتتر الْخَارِجِينَ عَنْ شَرِيعَةِ الْإِسْلَامِ وَمِثْلُ هَؤُلَاءِ يَسْتَحِقُّونَ الْعُقُوبَةَ الْبَلِيغَةَ الشَّرْعِيَّةَ الَّتِي تَزْجُرُهُمْ وَأَمْثَالَهُمْ عَنْ مِثْلِ هَذَا التَّفَرُّقِ وَالِاخْتِلَافِ؛ حَتَّى يَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ وَالطَّاعَةُ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ
(28/21)

وَيَكُونُونَ قَائِمِينَ بِالْقِسْطِ يُوَالُونَ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَيُحِبُّونَ لِلَّهِ وَيُبْغِضُونَ لِلَّهِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ. وَلِلْمُعَلِّمِينَ أَنْ يَطْلُبُوا جُعْلًا مِمَّنْ يُعَلِّمُونَهُ هَذِهِ الصِّنَاعَةَ؛ فَإِنَّ أَخْذَ الْجُعْلِ وَالْعِوَضِ عَلَى تَعْلِيمِ هَذِهِ الصِّنَاعَةِ جَائِزٌ وَالِاكْتِسَابَ بِذَلِكَ أَحْسَنُ الْمَكَاسِبِ وَلَوْ أَهْدَى الْمُعَلَّمُ لِأُسْتَاذِهِ لِأَجْلِ تَعْلِيمِهِ وَأَعْطَاهُ مَا حَصَلَ لَهُ مِنْ السَّبَقِ أَوْ غَيْرِ السَّبَقِ عِوَضًا عَنْ تَعْلِيمِهِ وَتَحْصِيلِهِ الْآلَاتِ وَاسْتِكْرَائِهِ الْحَانُوتَ كَانَ ذَلِكَ جَائِزًا لِلْأُسْتَاذِ قَبُولُهُ وَبَذْلُ الْعِوَضِ فِي ذَلِكَ مِنْ أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ حَتَّى إنَّ الشَّرِيعَةَ مَضَتْ بِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُبْذَلَ الْعِوَضُ لِلْمُسَابِقَيْنِ مِنْ غَيْرِهِمَا. فَإِذَا أَخْرَجَ وَلِيُّ الْأَمْرِ مَالًا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ لِلْمُسَابِقَيْنِ بِالنُّشَّابِ وَالْخَيْلِ وَالْإِبِلِ كَانَ ذَلِكَ جَائِزًا بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ. وَلَوْ تَبَرَّعَ رَجُلٌ مُسْلِمٌ بِبَذْلِ الْجُعْلِ فِي ذَلِكَ كَانَ مَأْجُورًا عَلَى ذَلِكَ كَذَلِكَ مَا يُعْطِيهِ الرَّجُلُ لِمَنْ يُعَلِّمُهُ ذَلِكَ هُوَ مِمَّنْ يُثَابُ عَلَيْهِ وَهَذَا لِأَنَّ هَذِهِ الْأَعْمَالَ مَنْفَعَتُهَا عَامَّةٌ لِلْمُسْلِمِينَ فَيَجُوزُ بَذْلُ الْعِوَضِ مِنْ آحَادِ الْمُسْلِمِينَ فَكَانَ جَائِزًا وَإِنْ أَخْرَجَا جَمِيعًا الْعِوَضَ وَكَانَ مَعَهُمَا آخَرُ مُحَلِّلًا يكافيها كَانَ ذَلِكَ جَائِزًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا مُحَلِّلٌ فَبَذَلَ أَحَدُهُمَا شَيْئًا طَابَتْ بِهِ نَفْسُهُ مِنْ غَيْرِ إلْزَامٍ لَهُ أَطْعَمَ بِهِ الْجَمَاعَةَ أَوْ أَعْطَاهُ لِلْمُعَلِّمِ أَوْ أَعْطَاهُ لِرَفِيقِهِ: كَانَ ذَلِكَ جَائِزًا.
(28/22)

وَأَصْلُ هَذَا أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ هَذِهِ الْأَعْمَالَ عَوْنٌ عَلَى الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَقْصُودُهُ أَنْ يَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ وَأَنْ تَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا. وَجِمَاعُ الدِّينِ شَيْئَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ لَا نَعْبُدَ إلَّا اللَّهَ تَعَالَى. وَالثَّانِي: أَنْ نَعْبُدَهُ بِمَا شَرَّعَ؛ لَا نَعْبُدُهُ بِالْبِدَعِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} قَالَ الْفُضَيْل بْنُ عِيَاضٍ: أَخْلَصُهُ وَأَصْوَبُهُ. قِيلَ لَهُ: مَا أَخْلَصُهُ وَأَصْوَبُهُ؟ قَالَ: إنَّ الْعَمَلَ إذَا كَانَ خَالِصًا وَلَمْ يَكُنْ صَوَابًا لَمْ يُقْبَلْ؛ وَإِذَا كَانَ صَوَابًا وَلَمْ يَكُنْ خَالِصًا لَمْ يُقْبَلْ حَتَّى يَكُونَ خَالِصًا صَوَابًا وَالْخَالِصُ: أَنْ يَكُونَ لِلَّهِ. وَالصَّوَابُ: أَنْ يَكُونَ عَلَى السُّنَّةِ. وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَقُولُ فِي دُعَائِهِ: اللَّهُمَّ اجْعَلْ عَمَلِي كُلَّهُ صَالِحًا؛ وَاجْعَلْهُ لِوَجْهِك خَالِصًا؛ وَلَا تَجْعَلْ لِأَحَدِ فِيهِ شَيْئًا. وَهَذَا هُوَ دِينُ الْإِسْلَامِ الَّذِي أَرْسَلَ اللَّهُ بِهِ رُسُلَهُ وَأَنْزَلَ بِهِ كُتُبَهُ وَهُوَ الِاسْتِسْلَامُ لِلَّهِ وَحْدَهُ. فَمَنْ لَمْ يَسْتَسْلِمْ لَهُ كَانَ مُسْتَكْبِرًا عَنْ عِبَادَتِهِ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {إنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ
(28/23)

جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} وَمَنْ اسْتَسْلَمَ لِلَّهِ وَلِغَيْرِهِ كَانَ مُشْرِكًا؛ فَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {إنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} وَلِهَذَا كَانَ لِلَّهِ حَقٌّ لَا يَشْرَكُهُ فِيهِ أَحَدٌ مِنْ الْمَخْلُوقِينَ فَلَا يَعْبُدُ إلَّا اللَّهَ وَلَا يَخَافُ إلَّا اللَّهَ وَلَا يَتَّقِي إلَّا اللَّهَ وَلَا يَتَوَكَّلُ إلَّا عَلَى اللَّهِ وَلَا يَدْعُو إلَّا اللَّهَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ} {وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ} " وَقَالَ تَعَالَى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إلَّا إيَّاهُ} . وَقَالَ تَعَالَى: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ} فَالطَّاعَةُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ وَالْخَشْيَةُ وَالتَّقْوَى لِلَّهِ وَحْدَهُ. وَقَالَ تَعَالَى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إنَّا إلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ} . فَالرَّغْبَةُ إلَى اللَّهِ وَحْدَهُ وَالتَّحَسُّبُ بِاَللَّهِ وَحْدَهُ. وَأَمَّا الْإِيتَاءُ فَلِلَّهِ وَالرَّسُولِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} . فَالْحَلَالُ مَا حَلَّلَهُ وَالْحَرَامُ مَا حَرَّمَهُ وَالدِّينُ مَا شَرَعَهُ فَلَيْسَ لِأَحَدِ مِنْ الْمَشَايِخِ وَالْمُلُوكِ وَالْعُلَمَاءِ وَالْأُمَرَاءِ وَالْمُعَلِّمِينَ وَسَائِرِ الْخَلْقِ خُرُوجٌ عَنْ ذَلِكَ بَلْ عَلَى جَمِيعِ الْخَلْقِ أَنْ يَدِينُوا بِدِينِ الْإِسْلَامِ الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رُسُلَهُ؛ وَيَدْخُلُوا بِهِ كُلُّهُمْ فِي دِينِ خَاتَمِ الرُّسُلِ وَسَيِّدِ وَلَدِ آدَمَ وَإِمَامِ الْمُتَّقِينَ خَيْرِ الْخَلْقِ وَأَكْرَمِهِمْ عَلَى اللَّهِ مُحَمَّدٍ عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا وَكُلُّ مَنْ أَمَرَ بِأَمْرِ كَائِنًا مَنْ كَانَ عُرِضَ عَلَى
(28/24)

الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ؛ فَإِنْ وَافَقَ ذَلِكَ قُبِلَ وَإِلَّا رُدَّ؛ كَمَا جَاءَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: " {مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ} أَيْ: فَهُوَ مَرْدُودٌ. فَإِذَا كَانَ الْمَشَايِخُ وَالْعُلَمَاءُ فِي أَحْوَالِهِمْ وَأَقْوَالِهِمْ: الْمَعْرُوفُ وَالْمُنْكَرُ وَالْهَدْيُ وَالضَّلَالُ وَالرَّشَادُ وَالْغَيُّ وَعَلَيْهِمْ أَنْ يَرُدُّوا ذَلِكَ إلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ فَيَقْبَلُوا مَا قَبِلَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَيَرُدُّوا مَا رَدَّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ: فَكَيْفَ بِالْمُعَلِّمِينَ وَأَمْثَالِهِمْ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} . فَنَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَهْدِيَنَا وَسَائِرَ إخْوَانِنَا إلَى صِرَاطِهِ الْمُسْتَقِيمِ؛ صِرَاطِ الَّذِينَ أَنْعَمَ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا. وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
(28/25)

وَقَالَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -:
مِنْ شَرْطِ الْجُنْدِيِّ أَنْ يَكُونَ دَيِّنًا شُجَاعًا. ثُمَّ قَالَ: النَّاسُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: أَعْلَاهُمْ الدَّيِّنُ الشُّجَاعُ؛ ثُمَّ الدَّيِّنُ بِلَا شَجَاعَةٍ؛ ثُمَّ عَكْسُهُ؛ ثُمَّ الْعَرِيُّ عَنْهُمَا.
وَسُئِلَ:
عَنْ رَجُلٍ جُنْدِيٍّ وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ لَا يَخْدِمَ؟
فَأَجَابَ:
إذَا كَانَ لِلْمُسْلِمِينَ بِهِ مَنْفَعَةٌ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَيْهَا لَمْ يَنْبَغِ لَهُ أَنْ يَتْرُكَ ذَلِكَ لِغَيْرِ مَصْلَحَةٍ رَاجِحَةٍ عَلَى الْمُسْلِمِينَ؛ بَلْ كَوْنُهُ مُقَدَّمًا فِي الْجِهَادِ الَّذِي يُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَفْضَلُ مِنْ التَّطَوُّعِ بِالْعِبَادَةِ كَصَلَاةِ التَّطَوُّعِ وَالْحَجِّ التَّطَوُّعِ وَالصِّيَامِ التَّطَوُّعِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(28/26)

وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
هَلْ يَجُوزُ لِلْجُنْدِيِّ أَنْ يَلْبَسَ شَيْئًا مِنْ الْحَرِيرِ وَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فِي الْقِتَالِ؛ أَوْ وَقْتِ يَصِلُ رُسُلُ الْعَدُوِّ إلَى الْمُسْلِمِينَ؟
فَأَجَابَ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ، أَمَّا لِبَاسُ الْحَرِيرِ عِنْدَ الْقِتَالِ لِلضَّرُورَةِ فَيَجُوزُ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ؛ وَذَلِكَ بِأَنْ لَا يَقُومَ غَيْرُهُ مَقَامَهُ فِي دَفْعِ السِّلَاحِ وَالْوِقَايَةِ. وَأَمَّا لِبَاسُهُ لِإِرْهَابِ الْعَدُوِّ فَفِيهِ لِلْعُلَمَاءِ قَوْلَانِ: أَظْهَرُهُمَا أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ فَإِنَّ جُنْدَ الشَّامِ كَتَبُوا إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: إنَّا إذَا لَقِينَا الْعَدُوَّ وَرَأَيْنَاهُمْ قَدْ كَفَّرُوا - أَيْ: غَطَّوْا أَسْلِحَتَهُمْ بِالْحَرِيرِ - وَجَدْنَا لِذَلِكَ رُعْبًا فِي قُلُوبِنَا. فَكَتَبَ إلَيْهِمْ عُمَرُ: وَأَنْتُمْ فَكَفِّرُوا أَسْلِحَتَكُمْ كَمَا يُكَفِّرُونَ أَسْلِحَتَهُمْ. وَلِأَنَّ لُبْسَ الْحَرِيرِ فِيهِ خُيَلَاءُ وَاَللَّهُ يُحِبُّ الْخُيَلَاءَ حَالَ الْقِتَالِ كَمَا فِي السُّنَنِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: " {إنَّ مِنْ الْخُيَلَاءِ مَا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَمِنْ الْخُيَلَاءِ مَا يُبْغِضُهُ اللَّهُ فَأَمَّا الْخُيَلَاءُ الَّتِي يُحِبُّهَا اللَّهُ فَاخْتِيَالُ الرَّجُلِ عِنْدَ الْحَرْبِ. وَعِنْدَ الصَّدَقَةِ. وَأَمَّا الْخُيَلَاءُ الَّتِي يُبْغِضُهَا اللَّهُ فَالْخُيَلَاءُ فِي الْبَغْيِ وَالْفَخْرِ} . {وَلَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ اخْتَالَ أَبُو دجانة
(28/27)

الْأَنْصَارِيُّ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّهَا لَمِشْيَةٌ يُبْغِضُهَا اللَّهُ إلَّا فِي هَذَا الْمَوْطِنِ} . وَأَمَّا يَسِيرُ الْحَرِيرِ مِثْلُ الْعَلَمِ الَّذِي عَرْضُهُ أَرْبَعَةُ أَصَابِعَ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَيَجُوزُ مُطْلَقًا وَفِي الْعَلَمِ الذَّهَبِ نِزَاعٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ؛ وَالْأَظْهَرُ جَوَازُهُ أَيْضًا؛ فَإِنَّ فِي السُّنَنِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " {إنَّهُ نَهَى عَنْ الذَّهَبِ إلَّا مُقَطَّعًا} .
وَسُئِلَ:
عَنْ سَفَرِ صَاحِبِ الْعِيَالِ. . .؟ إلَخْ
فَأَجَابَ:
أَمَّا سَفَرُ صَاحِبِ الْعِيَالِ فَإِنْ كَانَ السَّفَرُ يَضُرُّ بِعِيَالِهِ لَمْ يُسَافِرْ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " {كَفَى بِالْمَرْءِ إثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ} وَسَوَاءٌ كَانَ تَضَرُّرُهُمْ لِقِلَّةِ النَّفَقَةِ أَوْ لِضَعْفِهِمْ وَسَفَرُ مِثْلِ هَذَا حَرَامٌ. وَإِنْ كَانُوا لَا يَتَضَرَّرُونَ بَلْ يَتَأَلَّمُونَ وَتَنْقُصُ أَحْوَالُهُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي السَّفَرِ فَائِدَةٌ جَسِيمَةٌ تَرْبُو عَلَى ثَوَابِ مُقَامِهِ عِنْدَهُمْ كَعَلَمٍ يَخَافُ فَوْتَهُ وَشَيْخٍ يَتَعَيَّنُ الِاجْتِمَاعُ بِهِ؛ وَإِلَّا فَمُقَامُهُ عِنْدَهُمْ أَفْضَلُ وَهَذَا لَعَمْرِي إذَا صَحَّتْ نِيَّتُهُ فِي السَّفَرِ كَانَ مَشْرُوعًا. وَأَمَّا إنْ كَانَ كَسَفَرِ كَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ إنَّمَا يُسَافِرُ قَلَقًا وَتَزْجِيَةً لِلْوَقْتِ فَهَذَا مُقَامُهُ يَعْبُدُ اللَّهَ فِي بَيْتِهِ خَيْرٌ لَهُ بِكُلِّ حَالٍ وَيَحْتَاجُ صَاحِبُ هَذِهِ
(28/28)

الْحَالِ أَنْ يَسْتَشِيرَ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ رَجُلًا عَالِمًا بِحَالِهِ وَبِمَا يُصْلِحُهُ مَأْمُونًا عَلَى ذَلِكَ؛ فَإِنَّ أَحْوَالَ النَّاسِ تَخْتَلِفُ فِي مِثْلِ هَذَا اخْتِلَافًا مُتَبَايِنًا. وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.
وَسُئِلَ:
عَنْ الْأَيَّامِ وَاللَّيَالِي مِثْلُ: أَنْ يَقُولَ: السَّفَرُ يُكْرَهُ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ أَوْ الْخَمِيسِ أَوْ السَّبْتِ؛ أَوْ يُكْرَهُ التَّفْصِيلُ أَوْ الْخِيَاطَةُ أَوْ الْغَزْلُ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ؛ أَوْ يُكْرَهُ الْجِمَاعُ فِي لَيْلَةٍ مِنْ اللَّيَالِي وَيُخَافُ عَلَى الْوَلَدِ؟
فَأَجَابَ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ، هَذَا كُلُّهُ بَاطِلٌ لَا أَصْلَ لَهُ؛ بَلْ الرَّجُلُ إذَا اسْتَخَارَ اللَّهَ تَعَالَى وَفَعَلَ شَيْئًا مُبَاحًا فَلْيَفْعَلْهُ فِي أَيِّ وَقْتٍ تَيَسَّرَ. وَلَا يُكْرَهُ التَّفْصِيلُ وَلَا الْخِيَاطَةُ وَلَا الْغَزْلُ وَلَا نَحْوُ ذَلِكَ مِنْ الْأَفْعَالِ فِي يَوْمٍ مِنْ الْأَيَّامِ وَلَا يُكْرَهُ الْجِمَاعُ فِي لَيْلَةٍ مِنْ اللَّيَالِي وَلَا يَوْمٍ مِنْ الْأَيَّامِ. وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ نَهَى عَنْ التَّطَيُّرِ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِي قَالَ: " {قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ مِنَّا قَوْمًا يَأْتُونَ الْكُهَّانَ؟ قَالَ: فَلَا تَأْتُوهُمْ. قُلْت: مِنَّا قَوْمٌ يَتَطَيَّرُونَ؟ قَالَ: ذَاكَ شَيْءٌ يَجِدُهُ أَحَدُكُمْ مِنْ نَفْسِهِ فَلَا يَصُدَّنَّكُمْ} فَإِذَا كَانَ قَدْ نَهَى عَنْ أَنْ تَصُدَّهُ الطِّيَرَةُ عَمَّا عَزَمَ عَلَيْهِ: فَكَيْفَ بِالْأَيَّامِ وَاللَّيَالِي؟
(28/29)

وَلَكِنْ يُسْتَحَبُّ السَّفَرُ يَوْمَ الْخَمِيسِ وَيَوْمَ السَّبْتِ وَيَوْمَ الِاثْنَيْنِ؛ مِنْ غَيْرِ نَهْيٍ عَنْ سَائِرِ الْأَيَّامِ إلَّا يَوْمَ الْجُمُعَةِ إذَا كَانَتْ الْجُمُعَةُ تَفُوتُهُ بِالسَّفَرِ فَفِيهِ نِزَاعٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ. وَأَمَّا الصِّنَاعَاتُ وَالْجِمَاعُ فَلَا يُكْرَهُ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَيَّامِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
رِسَالَةٌ مِنْ شَيْخِ الْإِسْلَامِ - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ - إلَى أَصْحَابِهِ وَهُوَ فِي حَبْسِ الإسكندرية قَالَ:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
{وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} . وَاَلَّذِي أُعَرِّفُ بِهِ الْجَمَاعَةَ أَحْسَنَ اللَّهُ إلَيْهِمْ فِي الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَأَتَمَّ عَلَيْهِمْ نِعْمَتَهُ الظَّاهِرَةَ وَالْبَاطِنَةَ؛ فَإِنِّي - وَاَللَّهِ الْعَظِيمِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ - فِي نِعَمٍ مِنْ اللَّهِ مَا رَأَيْت مِثْلَهَا فِي عُمْرِي كُلِّهِ وَقَدْ فَتَحَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مِنْ أَبْوَابِ فَضْلِهِ وَنِعْمَتِهِ وَخَزَائِنِ جُودِهِ وَرَحْمَتِهِ مَا لَمْ يَكُنْ بِالْبَالِ؛ وَلَا يَدُورُ فِي الْخَيَالِ مَا يَصِلُ الطَّرْفُ إلَيْهَا يَسَّرَهَا اللَّهُ تَعَالَى حَتَّى صَارَتْ مَقَاعِدَ وَهَذَا يَعْرِفُ بَعْضَهَا بِالذَّوْقِ مَنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْ مَعْرِفَةِ اللَّهِ وَتَوْحِيدِهِ وَحَقَائِقِ الْإِيمَانِ وَمَا هُوَ مَطْلُوبُ الْأَوَّلِينَ والآخرين مِنْ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ.
(28/30)

فَإِنَّ اللَّذَّةَ وَالْفَرْحَةَ وَالسُّرُورَ وَطِيبَ الْوَقْتِ وَالنَّعِيمَ الَّذِي لَا يُمْكِنُ التَّعْبِيرُ عَنْهُ إنَّمَا هُوَ فِي مَعْرِفَةِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَتَوْحِيدِهِ وَالْإِيمَانِ بِهِ: وَانْفِتَاحِ الْحَقَائِقِ الْإِيمَانِيَّةِ وَالْمَعَارِفِ الْقُرْآنِيَّةِ كَمَا قَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ: لَقَدْ كُنْت فِي حَالٍ أَقُولُ فِيهَا: إنْ كَانَ أَهْلُ الْجَنَّةِ فِي هَذِهِ الْحَالِ إنَّهُمْ لَفِي عَيْشٍ طَيِّبٍ. وَقَالَ آخَرُ: لَتَمُرُّ عَلَى الْقَلْبِ أَوْقَاتٌ يَرْقُصُ فِيهَا طَرَبًا وَلَيْسَ فِي الدُّنْيَا نَعِيمٌ يُشْبِهُ نَعِيمَ الْآخِرَةِ إلَّا نَعِيمَ الْإِيمَانِ وَالْمَعْرِفَةِ. وَلِهَذَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " {أَرِحْنَا بِالصَّلَاةِ يَا بِلَالُ} وَلَا يَقُولُ: أَرِحْنَا مِنْهَا كَمَا يَقُولُهُ مَنْ تَثْقُلُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ} وَالْخُشُوعُ: الْخُضُوعُ لِلَّهِ تَعَالَى وَالسُّكُونُ وَالطُّمَأْنِينَةُ إلَيْهِ بِالْقَلْبِ وَالْجَوَارِحِ. وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: {حُبِّبَ إلَيَّ مِنْ دُنْيَاكُمْ النِّسَاءُ وَالطِّيبُ} ثُمَّ يَقُولُ: {وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ} وَلَمْ يَقُلْ: {حُبِّبَ إلَيَّ مِنْ دُنْيَاكُمْ ثَلَاثٌ} كَمَا يَرْفَعُهُ بَعْضُ النَّاسِ بَلْ هَكَذَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَد وَالنَّسَائِي أَنَّ الْمُحَبَّبَ إلَيْهِ مِنْ الدُّنْيَا النِّسَاءُ وَالطِّيبُ. وَأَمَّا قُرَّةُ الْعَيْنِ تَحْصُلُ بِحُصُولِ الْمَطْلُوبِ وَذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ. وَالْقُلُوبُ فِيهَا وَسْوَاسُ النَّفْسِ وَالشَّيْطَانُ يَأْمُرُ بِالشَّهَوَاتِ وَالشُّبُهَاتِ مَا يُفْسِدُ عَلَيْهِ طِيبَ عَيْشِهَا فَمَنْ كَانَ مُحِبًّا لِغَيْرِ اللَّهِ فَهُوَ مُعَذَّبٌ فِي الدُّنْيَا
(28/31)

وَالْآخِرَةِ؛ إنْ نَالَ مُرَادَهُ عُذِّبَ بِهِ؛ وَإِنْ لَمْ يَنَلْهُ فَهُوَ فِي الْعَذَابِ وَالْحَسْرَةِ وَالْحُزْنِ. وَلَيْسَ لِلْقُلُوبِ سُرُورٌ وَلَا لَذَّةٌ تَامَّةٌ إلَّا فِي مَحَبَّةِ اللَّهِ وَالتَّقَرُّبِ إلَيْهِ بِمَا يُحِبُّهُ وَلَا تُمْكِنُ مَحَبَّتُهُ إلَّا بِالْإِعْرَاضِ عَنْ كُلِّ مَحْبُوبٍ سِوَاهُ وَهَذَا حَقِيقَةُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَهِيَ مِلَّةُ إبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَسَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ صَلَاةُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لِأَصْحَابِهِ: {قُولُوا: أَصْبَحْنَا عَلَى فِطْرَةِ الْإِسْلَامِ وَكَلِمَةِ الْإِخْلَاصِ وَدِينِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمِلَّةِ أَبِينَا إبْرَاهِيمَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ} . " وَالْحَنِيفُ " لِلسَّلَفِ فِيهِ ثَلَاثُ عِبَارَاتٍ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: مُسْتَقِيمًا. وَقَالَ عَطَاءٌ: مُخْلِصًا. وَقَالَ آخَرُونَ: مُتَّبِعًا. فَهُوَ مُسْتَقِيمُ الْقَلْبِ إلَى اللَّهِ دُونَ مَا سِوَاهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَاسْتَقِيمُوا إلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ} وَقَالَ تَعَالَى: {إنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا} قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: فَلَمْ يَلْتَفِتُوا عَنْهُ يَمْنَةً وَلَا يَسْرَةً. فَلَمْ يَلْتَفِتُوا بِقُلُوبِهِمْ إلَى مَا سِوَاهُ لَا بِالْحُبِّ وَلَا بِالْخَوْفِ وَلَا بِالرَّجَاءِ؛ وَلَا بِالسُّؤَالِ؛ وَلَا بِالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ؛ بَلْ لَا يُحِبُّونَ إلَّا اللَّهَ وَلَا يُحِبُّونَ مَعَهُ أَنْدَادًا وَلَا يُحِبُّونَ إلَّا إيَّاهُ؛ لَا لِطَلَبِ مَنْفَعَةٍ وَلَا لِدَفْعِ مَضَرَّةٍ وَلَا يَخَافُونَ غَيْرَهُ كَائِنًا مَنْ كَانَ وَلَا يَسْأَلُونَ غَيْرَهُ وَلَا يَتَشَرَّفُونَ
(28/32)

بِقُلُوبِهِمْ إلَى غَيْرِهِ. وَلِهَذَا {قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعُمَرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَا أَتَاك مِنْ هَذَا الْمَالِ وَأَنْتَ غَيْرُ سَائِلٍ وَلَا مُتَشَرِّفٍ فَخُذْهُ وَمَا لَا فَلَا تُتْبِعْهُ نَفْسَك} - فَالسَّائِلُ بِلِسَانِهِ وَالْمُتَشَرِّفُ بِقَلْبِهِ - مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: " {مَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللَّهُ؛ وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ؛ وَمَنْ يَصْبِرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ} مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ. فَالْغِنَى فِي الْقَلْبِ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " {لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ الْمَالِ؛ وَلَكِنَّ الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ} . " وَالْعَفِيفُ " الَّذِي لَا يَسْأَلُ بِلِسَانِهِ لَا نَصْرًا وَلَا رِزْقًا قَالَ تَعَالَى: {أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ إنِ الْكَافِرُونَ إلَّا فِي غُرُورٍ} {أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ} . وَقَالَ تَعَالَى: {وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ} وَقَالَ تَعَالَى: {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ} إلَى آخِرِ السُّورَةِ. وَقَالَ تَعَالَى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} أَيْ: لَا فِي ذَاتِهِ وَلَا فِي صِفَاتِهِ؛ وَلَا فِي أَفْعَالِهِ. فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مِنْ حُسْنِ تَدْبِيرِهِ لِعَبْدِهِ وَتَيْسِيرِهِ لَهُ أَسْبَابَ الْخَيْرِ مِنْ الْهُدَى لِلْقُلُوبِ وَالزُّلْفَى لَدَيْهِ وَالتَّبْصِيرِ: يَدْفَعُ عَنْهُ شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ مَا لَا تَبْلُغُ الْعِبَادُ قَدْرَهُ. وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي مُتَابَعَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي {يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ} إلَى آخِرِ الْآيَةِ. وَأَكْثَرُ النَّاسِ
(28/33)

لَا يَعْرِفُونَ حَقَائِقَ مَا جَاءَ بِهِ؛ إنَّمَا عِنْدَهُمْ قِسْطٌ مِنْ ذَلِكَ. {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ} وَقَالَ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} وَالْجِهَادُ يُوجِبُ هِدَايَةَ السَّبِيلِ إلَيْهِ. وَقَالَ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} . فَكُلُّ مَنْ اتَّبَعَ الرَّسُولَ فَإِنَّ اللَّهَ حَسْبُهُ؛ أَيْ كَافِيهِ وَهَادِيهِ وَنَاصِرُهُ؛ أَيْ: كَافِيهِ كِفَايَتَهُ وَهِدَايَتَهُ وَنَاصِرُهُ وَرَازِقُهُ. فَالْإِنْسَانُ ظَالِمٌ جَاهِلٌ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {إنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ} إلَى قَوْلِهِ: {ظَلُومًا جَهُولًا} وَإِنَّمَا غَايَةُ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ الْمُتَّقِينَ وَحِزْبِهِ الْمُفْلِحِينَ وَجُنْدِهِ الْغَالِبِينَ التَّوْبَةُ. وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إنَّهُ كَانَ تَوَّابًا} وَتَوْبَةُ كُلِّ إنْسَانٍ بِحَسَبِهِ وَعَلَى قَدْرِ مَقَامِهِ وَحَالِهِ. وَلِهَذَا كَانَ الدِّينُ مَجْمُوعًا فِي التَّوْحِيدِ وَالِاسْتِغْفَارِ قَالَ تَعَالَى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} . وَقَالَ تَعَالَى: {فَاسْتَقِيمُوا إلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ} . وَقَالَ تَعَالَى: {وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ} فَفِعْلُ جَمِيعِ الْمَأْمُورَاتِ وَتَرْكُ جَمِيعِ الْمَحْظُورَاتِ يَدْخُلُ فِي التَّوْحِيدِ فِي قَوْلِ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ؛ فَإِنَّهُ مَنْ لَمْ يَفْعَلْ الطَّاعَاتِ لِلَّهِ وَيَتْرُكْ الْمَعَاصِيَ لِلَّهِ: لَمْ يَقْبَلْ اللَّهُ عَمَلَهُ قَالَ تَعَالَى: {إنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} قَالَ طَلْقُ بْنُ حَبِيبٍ: التَّقْوَى: أَنْ تَعْمَلَ بِطَاعَةِ اللَّهِ عَلَى نُورٍ
(28/34)

مِنْ اللَّهِ تَرْجُو رَحْمَةَ اللَّهِ؛ وَأَنْ تَتْرُكَ مَعْصِيَةَ اللَّهِ عَلَى نُورٍ مِنْ اللَّهِ تَخَافُ عَذَابَ اللَّهِ. وَلَا بُدَّ لِكُلِّ عَبْدٍ مِنْ التَّوْبَةِ وَالِاسْتِغْفَارِ بِحَسَبِ حَالِهِ. وَالْعَبْدُ إذَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالتَّوْحِيدِ فَشَهِدَ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ مُخْلِصًا مِنْ قَلْبِهِ - وَالْإِلَهُ هُوَ الْمَعْبُودُ الَّذِي يَسْتَحِقُّ غَايَةَ الْحُبِّ وَالْعُبُودِيَّةِ بِالْإِجْلَالِ وَالْإِكْرَامِ وَالْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ يَفْنَى الْقَلْبُ بِحُبِّ اللَّهِ تَعَالَى عَنْ حُبِّ مَا سِوَاهُ وَدُعَائِهِ وَالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ وَسُؤَالِهِ عَمَّا سِوَاهُ وَبِطَاعَتِهِ عَنْ طَاعَةِ مَا سِوَاهُ - حَلَّاهُ اللَّهُ بِالْأَمْنِ وَالسُّرُورِ وَالْحُبُورِ وَالرَّحْمَةِ لِلْخَلْقِ؛ وَالْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؛ فَهُوَ يُجَاهِدُ وَيَرْحَمُ. لَهُ الصَّبْرُ وَالرَّحْمَةُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ} وَكُلَّمَا قَوِيَ التَّوْحِيدُ فِي قَلْبِ الْعَبْدِ قَوِيَ إيمَانُهُ وَطُمَأْنِينَتُهُ وَتَوَكُّلُهُ وَيَقِينُهُ.
وَالْخَوْفُ الَّذِي يَحْصُلُ فِي قُلُوبِ النَّاسِ هُوَ الشِّرْكُ الَّذِي فِي قُلُوبِهِمْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ} . وَكَمَا قَالَ اللَّهُ جَلَّ جَلَالُهُ فِي قِصَّةِ الْخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَتُحَاجُّونَنِي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِي إلَى قَوْلِهِ: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ} . وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: " {تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ تَعِسَ عَبْدُ الدِّرْهَمِ تَعِسَ عَبْدُ الْخَمِيصَةِ تَعِسَ عَبْدُ الْخَمِيلَةِ
(28/35)

تَعِسَ وَانْتَكَسَ وَإِذَا شِيكَ فَلَا انْتَقَشَ} . فَمَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ رِيَاسَةٌ لِمَخْلُوقِ فَفِيهِ مِنْ عُبُودِيَّتِهِ بِحَسَبِ ذَلِكَ. فَلَمَّا خَوَّفُوا خَلِيلَهُ بِمَا يَعْبُدُونَهُ وَيُشْرِكُونَ بِهِ - الشِّرْكَ الْأَكْبَرَ كَالْعِبَادَةِ - قَالَ الْخَلِيلُ: {وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} يَقُولُ: إنْ تُطِيعُوا غَيْرَ اللَّهِ وَتَعْبُدُوا غَيْرَهُ وَتُكَلِّمُونِ فِي دِينِهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا: فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ؟ أَيْ تُشْرِكُونَ بِاَللَّهِ وَلَا تَخَافُونَهُ وَتُخَوِّفُونِي أَنَا بِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَسْتَحِقُّ الْأَمْنَ إلَى قَوْلِهِ: {أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ} أَيْ: هَؤُلَاءِ الْمُوَحِّدُونَ الْمُخْلِصُونَ؛ وَلِهَذَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَد لِبَعْضِ النَّاسِ: لَوْ صَحَحْت لَمْ تَخَفْ أَحَدًا. وَلَكِنْ لِلشَّيْطَانِ وَسْوَاسٌ فِي قُلُوبِ النَّاسِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا} إلَى قَوْله تَعَالَى {إنْ يَتَّبِعُونَ إلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إلَّا يَخْرُصُونَ} أَخْبَرَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: أَنَّ مَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ وَالْأَنْبِيَاءُ - صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ - لَا بُدَّ لَهُ مِنْ عَدُوٍّ شَيَاطِينِ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوَسْوِسَونَ الْقَوْلَ الْمُزَخْرَفَ وَنَهَى أَنْ يَطْلُبَ حُكْمًا مِنْ غَيْرِ اللَّهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي
(28/36)

أَنْزَلَ إلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا} وَالْكِتَابُ: هُوَ الْحَاكِمُ بَيْنَ النَّاسِ شَرْعًا وَدِينًا وَيَنْصُرُ الْقَائِمَ نَصْرًا وَقَدَرًا. وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {إنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ} . وَقَالَ تَعَالَى: {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا} إلَى قَوْلِهِ: {وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ} . وَقَالَ تَعَالَى: " {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ} إلَى قَوْلِهِ: {إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} وَ " الْمِيزَانُ " هُوَ: الْعَدْلُ وَمَا بِهِ يُعْرَفُ الْعَدْلُ وَأَنْزَلَ الْحَدِيدَ لِيَنْصُرَ الْكِتَابَ؛ فَإِنْ قَامَ صَاحِبُهُ بِذَلِكَ كَانَ سَعِيدًا مُجَاهِدًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ نَصَرَ الْكِتَابَ بِأَمْرِ مِنْ عِنْدِهِ؛ وَانْتَقَمَ مِمَّنْ خَرَجَ عَنْ حُكْمِ الْكِتَابِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {إلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ} إلَى قَوْلِهِ: {وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} . {وَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَبِي بَكْرٍ: {إنَّ اللَّهَ مَعَنَا} } وَقَالَ تَعَالَى: {إنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ} وَقَالَ تَعَالَى: {إنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} . وَكُلُّ مَنْ وَافَقَ الرَّسُولَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَمْرٍ خَالَفَ فِيهِ غَيْرَهُ فَهُوَ مِنْ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ذَلِكَ؛ وَلَهُ نَصِيبٌ مِنْ قَوْلِهِ: {لَا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنَا} فَإِنَّ الْمَعِيَّةَ الْإِلَهِيَّةَ الْمُتَضَمِّنَةَ لِلنَّصْرِ هِيَ لِمَا جَاءَ بِهِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ؛ وَهَذَا قَدْ دَلَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ وَقَدْ رَأَيْنَا مِنْ ذَلِكَ وَجَرَّبْنَا مَا يَطُولُ وَصْفُهُ. وَقَالَ تَعَالَى: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ} إلَى آخِرِ السُّورَةِ. وَقَالَ تَعَالَى: {وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} .
(28/37)

وَقَالَ تَعَالَى: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} {إنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ} فَمَنْ شَنَأَ شَيْئًا مِمَّا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَهُ مِنْ ذَلِكَ نَصِيبٌ؛ وَلِهَذَا قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ لَمَّا قِيلَ لَهُ: إنَّ بِالْمَسْجِدِ أَقْوَامًا يَجْلِسُونَ وَيَجْلِسُ النَّاسُ إلَيْهِمْ فَقَالَ: مَنْ جَلَسَ لِلنَّاسِ جَلَسَ النَّاسُ إلَيْهِ؛ لَكِنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ يَبْقَوْنَ وَيَبْقَى ذِكْرُهُمْ وَأَهْلَ الْبِدْعَةِ يَمُوتُونَ وَيَمُوتُ ذِكْرُهُمْ. وَذَلِكَ أَنَّ أَهْلَ الْبِدْعَةِ شَنَئُوا بَعْضَ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَبْتَرَهُمْ بِقَدْرِ ذَلِكَ وَاَلَّذِينَ أَعْلَنُوا مَا جَاءَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصَارَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنْ قَوْله تَعَالَى {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ} فَإِنَّ مَا أَكَرَمَ اللَّهُ بِهِ نَبِيَّهُ مِنْ سَعَادَةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلِلْمُؤْمِنِينَ الْمُتَابِعِينَ نَصِيبٌ بِقَدْرِ إيمَانِهِمْ. فَمَا كَانَ مِنْ خَصَائِصِ النُّبُوَّةِ وَالرِّسَالَةِ فَلَمْ يُشَارِكْ فِيهِ أَحَدٌ مِنْ أُمَّتِهِ وَمَا كَانَ مِنْ ثَوَابِ الْإِيمَانِ وَالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ فَلِكُلِّ مُؤْمِنٍ نَصِيبٌ بِقَدْرِ ذَلِكَ. وَاَللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ} بِالْحُجَّةِ وَالْبَيَانِ؛ وَبِالْيَدِ وَاللِّسَانِ؛ وَهَذَا إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ؛ لَكِنَّ الْجِهَادَ الْمَكِّيَّ بِالْعِلْمِ وَالْبَيَانِ؛ وَالْجِهَادَ الْمَدَنِيَّ مَعَ الْمَكِّيِّ بِالْيَدِ وَالْحَدِيدِ قَالَ تَعَالَى: {فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا} وَ " سُورَةُ الْفُرْقَانِ " مَكِّيَّةٌ وَإِنَّمَا جَاهَدَهُمْ بِاللِّسَانِ وَالْبَيَانِ؛ وَلَكِنْ يَكُفُّ عَنْ الْبَاطِلِ وَإِنَّمَا قَدْ بَيَّنَ فِي الْمَكِّيَّةِ. {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى
(28/38)

نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ} . وَقَالَ تَعَالَى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} . وَقَالَ تَعَالَى: {الم} {أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ} إلَى قَوْلِهِ: {سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} فَبَيَّنَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: أَنَّهُ أَرْسَلَ رُسُلَهُ. وَالنَّاسُ رَجُلَانِ: رَجُلٌ يَقُولُ: أَنَا مُؤْمِنٌ بِهِ مُطِيعُهُ؛ فَهَذَا لَا بُدَّ أَنْ يُمْتَحَنَ حَتَّى يُعْلَمَ صِدْقُهُ مِنْ كَذِبِهِ. وَرَجُلٌ مُقِيمٌ عَلَى الْمَعْصِيَةِ؛ فَهَذَا قَدْ عَمِلَ السَّيِّئَاتِ فَلَا يَظُنُّ أَنْ يَسْبِقُونَا بَلْ لَا بُدَّ أَنْ نَأْخُذَهُمْ. وَمَا لِأَحَدِ مِنْ خُرُوجٍ عَنْ هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ. قَالَ تَعَالَى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ} إلَى قَوْلِهِ: {لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ} . فَبَيَّنَ سُبْحَانَهُ حَالَ مَنْ يُجَادِلُ فِي الدِّينِ بِلَا عِلْمٍ؛ وَالْعِلْمُ: هُوَ مَا بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ: السُّلْطَانُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {إنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ} فَمَنْ تَكَلَّمَ فِي الدِّينِ بِغَيْرِ مَا بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ مُتَكَلِّمًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَمَنْ تَوَلَّاهُ الشَّيْطَانُ فَإِنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إلَى عَذَابِ السَّعِيرِ وَمَنْ انْقَادَ لِدِينِ اللَّهِ فَقَدَ عَبَدَ اللَّهَ بِالْيَقِينِ بَلْ إنْ أَصَابَهُ مَا يَهْوَاهُ اسْتَمَرَّ
(28/39)

وَإِنْ أَصَابَهُ مَا يُخَالِفُ هَوَاهُ رَجَعَ وَقَدْ عَبَدَ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ وَ " الْحَرْفُ " هُوَ: الْجَانِبُ كَحَرْفِ الرَّغِيفِ وَحَرْفِ الْجَبَلِ لَيْسَ مُسْتَقِرًّا بِثَبَاتِ {فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ} فِي الدُّنْيَا {اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ} أَيْ: مِحْنَةٌ اُمْتُحِنَ بِهَا {انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ} وَحَرْفُ الْجَبَلِ لَيْسَ مُسْتَقِرًّا بِالثَّبَاتِ مَعْنَاهُ: خَسِرَ الدُّنْيَا بِمَا اُمْتُحِنَ بِهِ وَخَسِرَ الْآخِرَةَ بِرُجُوعِهِ عَنْ الدِّينِ {يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ} الْآيَةَ. أَيْ: يَدْعُو الْمَخْلُوقِينَ؛ يَخَافُهُمْ وَيَرْجُوهُمْ وَهُمْ لَا يَمْلِكُونَ لَهُ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا بَلْ ضَرُّهُمْ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِمْ؛ وَإِنْ كَانَ سَبَبُ نُزُولِهَا فِي شَخْصٍ مُعَيَّنٍ أَسْلَمَ وَكَانَ مُشْرِكًا فَحُكْمُهَا عَامٌّ فِي كُلِّ مَنْ تَنَاوَلَهُ لَفْظُهَا وَمَعْنَاهَا إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. فَكُلُّ مَنْ دَعَا غَيْرَ اللَّهِ فَهُوَ مُشْرِكٌ وَالْعِيَانُ يُصَدِّقُ هَذَا؛ فَإِنَّ الْمَخْلُوقِينَ إذَا اشْتَكَى إلَيْهِمْ الْإِنْسَانُ فَضَرَرُهُمْ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِمْ وَالْخَالِقَ - جَلَّ جَلَالُهُ وَتَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُهُ وَلَا إلَهَ غَيْرُهُ - إذَا اشْتَكَى إلَيْهِ الْمَخْلُوقُ وَأَنْزَلَ حَاجَتَهُ بِهِ وَاسْتَغْفَرَهُ مِنْ ذُنُوبِهِ: أَيَّدَهُ وَقَوَّاهُ وَهَدَاهُ وَسَدَّ فَاقَتَهُ وَأَغْنَاهُ وَقَرَّبَهُ وَأَقْنَاهُ وَحَبَّهُ وَاصْطَفَاهُ وَالْمَخْلُوقُ إذَا أَنْزَلَ الْعَبْدُ بِهِ حَاجَتَهُ اسْتَرْذَلَهُ وَازْدَرَاهُ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهُ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ وَإِنْ قَضَى لَهُ بِبَعْضِ مَطْلَبِهِ؛ لِأَنَّهُ عِنْدَهُ مِنْ بَعْضِ رعاياه يَسْتَعْبِدُهُ بِمَا يَهْوَاهُ قَالَ الْخَلِيلُ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ: {فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ
(28/40)

وَاشْكُرُوا لَهُ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ} . وَقَالَ تَعَالَى: {إنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} وَقَالَ تَعَالَى: {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} . وَهَذَا بَابٌ وَاسِعٌ قَدْ كَتَبْت فِيهِ شَيْئًا كَثِيرًا وَعَرَفْته: عِلْمًا وَذَوْقًا وَتَجْرِبَةً.
فَصْلٌ:
وَفِي " الْجُمْلَةِ " مَا يُبَيِّنُ نِعَمَ اللَّهِ الَّتِي أَنْعَمَ بِهَا عَلَيَّ وَأَنَا فِي هَذَا الْمَكَانِ أَعْظَمُ قَدْرًا وَأَكْثَرُ عَدَدًا مَا لَا يُمْكِنُ حَصْرُهُ وَأَكْثَرُ مَا يَنْقُصُ عَلَيَّ الْجَمَاعَةُ فَأَنَا أُحِبُّ لَهُمْ أَنْ يَنَالُوا مِنْ اللَّذَّةِ وَالسُّرُورِ وَالنَّعِيمِ مَا تَقَرُّ بِهِ أَعْيُنُهُمْ وَأَنْ يُفْتَحَ لَهُمْ مِنْ مَعْرِفَةِ اللَّهِ وَطَاعَتِهِ وَالْجِهَادِ فِي سَبِيلِهِ مَا يَصِلُونَ بِهِ إلَى أَعْلَى الدَّرَجَاتِ وَأُعَرِّفُ أَكْثَرَ النَّاسِ قَدْرَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا يُعْرَفُ إلَّا بِالذَّوْقِ وَالْوَجْدِ لَكِنْ مَا مِنْ مُؤْمِنٍ إلَّا لَهُ نَصِيبٌ مِنْ ذَلِكَ وَيَسْتَدِلُّ مِنْهُ بِالْقَلِيلِ عَلَى الْكَثِيرِ وَإِنْ كَانَ لَا يُقَدِّرُ قَدْرَهُ الْكَبِيرَ وَأَنَا أَعْرِفُ أَحْوَالَ النَّاسِ وَالْأَجْنَاسِ وَاللَّذَّاتِ. وَأَيْنَ الدُّرُّ مِنْ الْبَعْرِ؟ وَأَيْنَ الفالوذج مِنْ الدِّبْسِ؟ وَأَيْنَ الْمَلَائِكَةُ مِنْ الْبَهِيمَةِ أَوْ الْبَهَائِمِ؟ لَكِنْ أَعْرِفُ أَنَّ حِكْمَةَ
(28/41)

اللَّهِ وَحُسْنَ اخْتِيَارِهِ وَلُطْفَهُ وَرَحْمَتَهُ يَقْتَضِي أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يُرِيدُ أَنْ يَعْبُدَ اللَّهَ وَيُجَاهِدَ فِي سَبِيلِهِ - عِلْمًا وَعَمَلًا بِحَسَبِ طَاقَتِهِ لِيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ وَيَكُونَ مَقْصُودُهُ أَنَّ كَلِمَةَ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَلَا يَكُونُ حُبُّهُ وَبُغْضُهُ وَمُعَادَاتُهُ وَمَدْحُهُ وَذَمُّهُ إلَّا لِلَّهِ - لَا لِشَخْصِ مُعَيَّنٍ. وَالْهَادِي الْمُطْلَقُ الَّذِي يَهْدِي إلَى كُلِّ خَيْرٍ - وَكُلُّ أَحَدٍ مُحْتَاجٌ إلَى هِدَايَتِهِ فِي كُلِّ وَقْتٍ - هُوَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ أَفْضَلُ أُمَّتِهِ أَفْضَلُهُمْ مُتَابَعَةً لَهُ وَهَذَا يَكُونُ بِالْإِيمَانِ وَالْيَقِينِ وَالْجِهَادِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {إنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا} إلَى قَوْلِهِ: {أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} فَبَيَّنَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَنَّ الْمُؤْمِنَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ ثَلَاثَةِ أُمُورٍ:
أَوَّلُهَا: أَنْ يُؤْمِنَ بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ.
وَثَانِيهَا: لَا يَرْتَابُ بَعْدَ ذَلِكَ: أَنْ يَكُونَ مُوقِنًا ثَابِتًا؛ وَالْيَقِينُ يُخَالِفُ الرَّيْبَ وَالرَّيْبُ نَوْعَانِ: نَوْعٌ يَكُونُ شَكًّا لِنَقْصِ الْعِلْمِ. وَنَوْعٌ يَكُونُ اضْطِرَابًا فِي الْقَلْبِ. وَكِلَاهُمَا لِنَقْصِ الْحَالِ الْإِيمَانِيِّ؛ فَإِنَّ الْإِيمَانَ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ عِلْمِ الْقَلْبِ وَلَيْسَ كُلُّ مَكَانٍ يَكُونُ لَهُ عِلْمٌ يَعْلَمُهُ. وَعَمَلُ الْقَلْبِ أَوْ بَصِيرَتُهُ وَثَبَاتُهُ وَطُمَأْنِينَتُهُ وَسَكِينَتُهُ وَتَوَكُّلُهُ وَإِخْلَاصُهُ وَإِنَابَتُهُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَهَذِهِ الْأُمُورُ كُلُّهَا فِي الْقُرْآنِ: يُقَالُ: رَابَنِي كَذَا وَكَذَا
(28/42)

يَرِيبُنِي أَيْ حَرَّكَ قَلْبِي وَمِنْهُ الْحَدِيثُ {عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ مَرَّ بِظَبْيٍ حَاقِفٍ فَقَالَ: لَا يَرِيبُهُ أَحَدٌ} أَيْ: لَا يُحَرِّكُهُ أَحَدٌ. وَمِنْهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " {دَعْ مَا يَرِيبُك إلَى مَا لَا يَرِيبُك} فَإِنَّ الصِّدْقَ طُمَأْنِينَةٌ وَالْكَذِبَ رِيبَةٌ؛ فَإِنَّ الصَّادِقَ مَنْ لَا يَقْلَقُ قَلْبُهُ وَالْكَاذِبَ يَقْلَقُ قَلْبُهُ وَلَيْسَ هُنَاكَ شَكٌّ بَلْ يَعْلَمُ أَنَّ الرَّيْبَ أَعَمُّ مِنْ الشَّكِّ. وَلِهَذَا فِي الدُّعَاءِ الْمَأْثُورِ: " {اللَّهُمَّ اقْسِمْ لَنَا مِنْ خَشْيَتِك مَا تَحُولُ بِهِ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَعْصِيَتِك} الْحَدِيثَ إلَى آخِرِهِ. وَفِي الْمُسْنَدِ وَالتِّرْمِذِي عَنْ أَبِي بَكْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: " {سَلُوا اللَّهَ الْيَقِينَ وَالْعَافِيَةَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يُعْطَ خَيْرٌ مِنْ الْيَقِينِ وَالْعَافِيَةِ فَاسْأَلُوهَا اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى} وَالْعَرَبُ تَقُولُ: مَاءٌ يَقِنٌ إذَا كَانَ سَاكِنًا لَا يَتَحَرَّكُ. فَقَلْبُ الْمُؤْمِنِ مُطَمْئِنٌ لَا يَكُونُ فِيهِ رَيْبٌ. هَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {إنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: " {أَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَهْطًا وَلَمْ يُعْطِ رَجُلًا وَهُوَ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْهُمْ فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا لَك عَنْ فُلَانٍ؟ فَوَاَللَّهِ إنِّي أَرَاهُ مُؤْمِنًا قَالَ: أَوْ مُسْلِمًا مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا ثُمَّ قَالَ: إنِّي لَأُعْطِي الرَّجُلَ وَغَيْرُهُ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْهُ خَشْيَةَ أَنْ يَكُبَّهُ اللَّهُ عَلَى وَجْهِهِ فِي النَّارِ} . وَلِهَذَا قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الْبَاقِرُ وَغَيْرُهُ مِنْ السَّلَفِ: الْإِسْلَامُ دَائِرَةٌ
(28/43)

كَبِيرَةٌ وَالْإِيمَانُ دَائِرَةٌ فِي وَسَطِهَا؛ فَإِذَا زَنَى الْعَبْدُ خَرَجَ مِنْ الْإِيمَانِ إلَى الْإِسْلَامِ: كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: " {لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ وَلَا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ} . وَهَذَا أَظْهَرُ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ: إنَّ هَؤُلَاءِ الْأَعْرَابَ الَّذِينَ قَالُوا: أَسْلَمْنَا وَنَحْوَهُمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ لَمْ يَدْخُلْ الْإِيمَانُ الْمُتَقَدِّمُ فِي قُلُوبِهِمْ يُثَابُونَ عَلَى أَعْمَالِهِمْ الصَّالِحَةِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا} وَهْم لَيْسُوا بِكُفَّارِ وَلَا مُنَافِقِينَ: بَلْ لَمْ يَبْلُغُوا حَقِيقَةَ الْإِيمَانِ وَكَمَالَهُ فَنُفِيَ عَنْهُمْ كَمَالُ الْإِيمَانِ الْوَاجِبِ وَإِنْ كَانُوا يَدْخُلُونَ فِي الْإِيمَانِ مِثْلُ قَوْلِهِ: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} وَقَوْلِهِ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ} وَهَذَا بَابٌ وَاسِعٌ. وَالْمَقْصُودُ إخْبَارُ الْجَمَاعَةِ بِأَنَّ نِعَمَ اللَّهِ عَلَيْنَا فَوْقَ مَا كَانَتْ بِكَثِيرِ كَثِيرٍ وَنَحْنُ بِحَمْدِ اللَّهِ فِي زِيَادَةٍ مِنْ نِعَمِ اللَّهِ وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ خِدْمَةُ الْجَمَاعَةِ بِاللِّقَاءِ فَأَنَا دَاعٍ لَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ؛ قِيَامًا بِبَعْضِ الْوَاجِبِ مِنْ حَقِّهِمْ؛ وَتَقَرُّبًا إلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي مُعَامَلَتِهِ فِيهِمْ وَاَلَّذِي آمُرُ بِهِ كُلَّ شَخْصٍ مِنْهُمْ أَنْ يَتَّقِيَ اللَّهَ وَيَعْمَلَ لِلَّهِ مُسْتَعِينًا بِاَللَّهِ مُجَاهِدًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ. وَيَقْصِدَ بِذَلِكَ أَنْ
(28/44)

تَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعَلْيَاءَ وَأَنْ يَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ وَيَكُونَ دُعَاؤُهُ وَغَيْرِهِ بِحَسَبِ ذَلِكَ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ: {اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَأَلِّفْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ؛ وَأَصْلِحْ ذَاتَ بَيْنِهِمْ؛ وَانْصُرْهُمْ عَلَى عَدُوِّك وَعَدُوِّهِمْ؛ وَاهْدِهِمْ سُبُلَ السَّلَامِ؛ وَأَخْرِجْهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إلَى النُّورِ؛ وَجَنِّبْهُمْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ؛ وَبَارِكْ لَهُمْ فِي أَسْمَاعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ مَا أَبْقَيْتهمْ. وَاجْعَلْهُمْ شَاكِرِينَ لِنِعَمِك مُثْنِينَ بِهَا عَلَيْك؛ قَابِلِيهَا وَأَتْمِمْهَا عَلَيْهِمْ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ. اللَّهُمَّ اُنْصُرْ كِتَابَك وَدِينَك وَعِبَادَك الْمُؤْمِنِينَ؛ وَأَظْهِرْ الْهُدَى وَدِينَ الْحَقِّ الَّذِي بَعَثْت بِهِ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ. اللَّهُمَّ عَذِّبْ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِك وَيُبَدِّلُونَ دِينَك وَيُعَادُونَ الْمُؤْمِنِينَ. اللَّهُمَّ خَالِفْ كَلِمَتَهُمْ وَشَتِّتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ؛ وَاجْعَلْ تَدْمِيرَهُمْ فِي تَدْبِيرِهِمْ؛ وَأَدِرْ عَلَيْهِمْ دَائِرَةَ السَّوْءِ. اللَّهُمَّ أَنْزِلْ بِهِمْ بَأْسَك الَّذِي لَا يُرَدُّ عَنْ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ. اللَّهُمَّ مُجْرِيَ السَّحَابِ وَمُنْزِلَ الْكِتَابِ وَهَازِمَ الْأَحْزَابِ اهْزِمْهُمْ وَزَلْزِلْهُمْ وَانْصُرْنَا عَلَيْهِمْ. رَبَّنَا أَعِنَّا وَلَا تُعِنْ عَلَيْنَا. وَانْصُرْنَا وَلَا تَنْصُرْ عَلَيْنَا وَامْكُرْ لَنَا وَلَا تَمْكُرْ عَلَيْنَا؛ وَاهْدِنَا وَيَسِّرْ الْهُدَى لَنَا؛ وَانْصُرْنَا عَلَى مَنْ بَغَى عَلَيْنَا. رَبَّنَا اجْعَلْنَا لَك شَاكِرِينَ مُطَاوِعِينَ مُخْبِتِينَ؛ أَوَّاهِينَ مُنِيبِينَ. رَبَّنَا تَقَبَّلْ تَوْبَتَنَا؛ وَاغْسِلْ حَوْبَتَنَا وَثَبِّتْ حُجَّتَنَا؛ وَاهْدِ قُلُوبَنَا؛ وَسَدِّدْ أَلْسِنَتَنَا
(28/45)

وَاسْلُلْ سَخَائِمَ صُدُورِنَا} . وَهَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِلَفْظِ إفْرَادٍ وَصَحَّحَهُ وَهُوَ مِنْ أَجْمَعِ الْأَدْعِيَةِ بِخَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُ شَرْحٌ عَظِيمٌ. وَالْحَمْدُ لِلَّهِ نَاصِرِ السُّنَّةِ وَخَاذِلِ أَهْلِ الْبِدْعَةِ وَالْغِرَّةِ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.
(28/46)

وَكَتَبَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَهُوَ فِي السِّجْنِ: (*)
وَنَحْنُ - وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالشُّكْرُ - فِي نِعَمٍ عَظِيمَةٍ تَتَزَايَدُ كُلَّ يَوْمٍ وَيُجَدِّدُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ نِعَمِهِ نِعَمًا أُخْرَى؛ وَخُرُوجُ الْكُتُبِ كَانَ مِنْ أَعْظَمِ النِّعَمِ فَإِنِّي كُنْت حَرِيصًا عَلَى خُرُوجِ شَيْءٍ مِنْهَا لِتَقِفُوا عَلَيْهِ وَهُمْ كَرِهُوا خُرُوجَ " الإخنائية " فَاسْتَعْمَلَهُمْ اللَّهُ فِي إخْرَاجِ الْجَمِيعِ؛ وَإِلْزَامِ الْمُنَازِعِينَ بِالْوُقُوفِ عَلَيْهِ وَبِهَذَا يَظْهَرُ مَا أَرْسَلَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ مِنْ الْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ؛ فَإِنَّ هَذِهِ الْمَسَائِلَ كَانَتْ خَفِيَّةً عَلَى أَكْثَرِ النَّاسِ. فَإِذَا ظَهَرَتْ فَمَنْ كَانَ قَصْدُهُ الْحَقَّ هَدَاهُ اللَّهُ؛ وَمَنْ كَانَ قَصْدُهُ الْبَاطِلَ قَامَتْ عَلَيْهِ حُجَّةُ اللَّهِ؛ وَاسْتَحَقَّ أَنْ يُذِلَّهُ اللَّهُ وَيُخْزِيَهُ وَمَا كَتَبْت شَيْئًا مِنْ هَذَا لِيُكْتَمَ عَنْ أَحَدٍ وَلَوْ كَانَ مُبْغِضًا. وَالْأَوْرَاقُ الَّتِي فِيهَا جَوَابَاتُكُمْ وَصَلَتْ وَأَنَا طَيِّبٌ وَعَيْنَايَ طَيِّبَتَانِ أَطْيَبَ مَا كَانَتَا. وَنَحْنُ فِي نِعَمٍ عَظِيمَةٍ لَا تُحْصَى وَلَا تُعَدُّ. وَالْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ. ثُمَّ ذَكَرَ كَلَامًا وَقَالَ: كُلُّ مَا يَقْضِيهِ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ الْخَيْرُ وَالرَّحْمَةُ
__________

[تعليق مُعِدّ الكتاب للشاملة]
(*) قال الشيخ ناصر بن حمد الفهد (ص 214) :
وهنا تنبيهان:
الأول: أن هذه الرسالة هي من آخر ما كتبه الشيخ رحمه الله، حيث كتبها قبل موته بنحو شهر ونصف كما في (العقود الدرية) ص 384.
الثاني: أن ابن عبد الهادي رحمه الله ذكر هذه الرسالة في العقود - وأظن كتابه هو مصدر هذه الرسالة - ولا يوجد فرق بين الرسالتين إلا في موضع واحد فقط، حيث قال في الفتاوى (والأوراق التي فيها جواباتكم وصلت) ، وهي في العقود (والأوراق التي فيها جواباتكم غسلت) ، والظاهر أن الذي في العقود هو الصحيح، والله أعلم.
(28/47)

وَالْحِكْمَةُ؛ إنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إنَّهُ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ وَلَا يُدْخَلُ عَلَى أَحَدٍ ضَرَرٌ إلَّا مِنْ ذُنُوبِهِ {مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ} فَالْعَبْدُ عَلَيْهِ أَنْ يَشْكُرَ اللَّهَ وَيَحْمَدَهُ دَائِمًا عَلَى كُلِّ حَالٍ. وَيَسْتَغْفِرَ مِنْ ذُنُوبِهِ. فَالشُّكْرُ يُوجِبُ الْمَزِيدَ مِنْ النِّعَمِ وَالِاسْتِغْفَارُ يَدْفَعُ النِّقَمَ. وَلَا يَقْضِي اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِ قَضَاءً إلَّا كَانَ خَيْرًا لَهُ: إنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ؛ وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ.
كِتَابُ الشَّيْخِ إلَى وَالِدَتِهِ يَقُولُ فِيهِ:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
مِنْ أَحْمَد بْنِ تَيْمِيَّة إلَى الْوَالِدَةِ السَّعِيدَةِ أَقَرَّ اللَّهُ عَيْنَيْهَا بِنِعَمِهِ وَأَسْبَغَ عَلَيْهَا جَزِيلَ كَرَمِهِ وَجَعَلَهَا مِنْ خِيَارِ إمَائِهِ وَخَدَمِهِ. سَلَامُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ. وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ. فَإِنَّا نَحْمَدُ إلَيْكُمْ اللَّهَ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ وَهُوَ لِلْحَمْدِ أَهْلٌ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. وَنَسْأَلُهُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى خَاتَمِ النَّبِيِّينَ وَإِمَامِ الْمُتَّقِينَ مُحَمَّدٍ عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا.
(28/48)

كِتَابِي إلَيْكُمْ عَنْ نِعَمٍ مِنْ اللَّهِ عَظِيمَةٍ وَمِنَنٍ كَرِيمَةٍ وَآلَاءٍ جَسِيمَةٍ نَشْكُرُ اللَّهَ عَلَيْهَا وَنَسْأَلُهُ الْمَزِيدَ مِنْ فَضْلِهِ. وَنِعَمُ اللَّهِ كُلَّمَا جَاءَتْ فِي نُمُوٍّ وَازْدِيَادٍ وَأَيَادِيهِ جَلَّتْ عَنْ التَّعْدَادِ. وَتَعْلَمُونَ أَنَّ مُقَامَنَا السَّاعَةَ فِي هَذِهِ الْبِلَادِ إنَّمَا هُوَ لِأُمُورِ ضَرُورِيَّةٍ مَتَى أَهْمَلْنَاهَا فَسَدَ عَلَيْنَا أَمْرُ الدِّينِ وَالدُّنْيَا. وَلَسْنَا وَاَللَّهِ مُخْتَارِينَ لِلْبُعْدِ عَنْكُمْ وَلَوْ حَمَلَتْنَا الطُّيُورُ لَسِرْنَا إلَيْكُمْ وَلَكِنَّ الْغَائِبَ عُذْرُهُ مَعَهُ وَأَنْتُمْ لَوْ اطَّلَعْتُمْ عَلَى بَاطِنِ الْأُمُورِ فَإِنَّكُمْ - وَلِلَّهِ الْحَمْدُ - مَا تَخْتَارُونَ السَّاعَةَ إلَّا ذَلِكَ وَلَمْ نَعْزِمْ عَلَى الْمُقَامِ وَالِاسْتِيطَانِ شَهْرًا وَاحِدًا بَلْ كُلَّ يَوْمٍ نَسْتَخِيرُ اللَّهَ لَنَا وَلَكُمْ وَادْعُوا لَنَا بِالْخِيَرَةِ فَنَسْأَلُ اللَّهَ الْعَظِيمَ أَنْ يَخِيرَ لَنَا وَلَكُمْ وَلِلْمُسْلِمِينَ مَا فِيهِ الْخِيَرَةُ فِي خَيْرٍ وَعَافِيَةٍ. وَمَعَ هَذَا فَقَدْ فَتَحَ اللَّهُ مِنْ أَبْوَابِ الْخَيْرِ وَالرَّحْمَةِ وَالْهِدَايَةِ وَالْبَرَكَةِ مَا لَمْ يَكُنْ يَخْطُرُ بِالْبَالِ وَلَا يَدُورُ فِي الْخَيَالِ وَنَحْنُ فِي كُلِّ وَقْتٍ مَهْمُومُونَ بِالسَّفَرِ مُسْتَخِيرُونَ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. فَلَا يَظُنُّ الظَّانُّ أَنَا نُؤْثِرُ عَلَى قُرْبِكُمْ شَيْئًا مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا قَطُّ. بَلْ وَلَا نُؤْثِرُ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ مَا يَكُونُ قُرْبُكُمْ أَرْجَحَ مِنْهُ. وَلَكِنْ ثَمَّ أُمُورٌ كِبَارٌ نَخَافُ الضَّرَرَ الْخَاصَّ وَالْعَامَّ مِنْ إهْمَالِهَا. وَالشَّاهِدُ يَرَى مَا لَا يَرَى الْغَائِبُ. وَالْمَطْلُوبُ كَثْرَةُ الدُّعَاءِ بِالْخِيَرَةِ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَلَا نَعْلَمُ وَيَقْدِرُ
(28/49)

وَلَا نَقْدِرُ وَهُوَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ. وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " {مِنْ سَعَادَةِ ابْنِ آدَمَ اسْتِخَارَتُهُ اللَّهَ وَرِضَاهُ بِمَا يَقْسِمُ اللَّهُ لَهُ وَمِنْ شَقَاوَةِ ابْنِ آدَمَ: تَرْكُ اسْتِخَارَتِهِ اللَّهَ وَسُخْطُهُ بِمَا يَقْسِمُ اللَّهُ لَهُ} وَالتَّاجِرُ يَكُونُ مُسَافِرًا فَيَخَافُ ضَيَاعَ بَعْضِ مَالِهِ فَيَحْتَاجُ أَنْ يُقِيمَ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ وَمَا نَحْنُ فِيهِ أَمْرٌ يُجَلُّ عَنْ الْوَصْفِ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ وَالسَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ كَثِيرًا كَثِيرًا وَعَلَى سَائِرِ مَنْ فِي الْبَيْتِ مِنْ الْكِبَارِ وَالصِّغَارِ وَسَائِرِ الْجِيرَانِ وَالْأَهْلِ وَالْأَصْحَابِ وَاحِدًا وَاحِدًا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا.
وَقَالَ الشَّيْخُ:
بَعْدَ حَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى وَالصَّلَاةِ عَلَى نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ اللَّهَ - وَلَهُ الْحَمْدُ - قَدْ أَنْعَمَ عَلَيَّ مِنْ نِعَمِهِ الْعَظِيمَةِ وَمِنَنِهِ الْجَسِيمَةِ وَآلَائِهِ الْكَرِيمَةِ مَا هُوَ مُسْتَوْجِبٌ لِعَظِيمِ الشُّكْرِ وَالثَّبَاتِ عَلَى الطَّاعَةِ وَاعْتِيَادِ حُسْنِ الصَّبْرِ عَلَى فِعْلِ الْمَأْمُورِ. وَالْعَبْدُ مَأْمُورٌ بِالصَّبْرِ فِي السَّرَّاءِ أَعْظَمَ مِنْ الصَّبْرِ فِي الضَّرَّاءِ قَالَ تَعَالَى: {وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ} {وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ} {إلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ}
(28/50)

وَتَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ مَنَّ فِي هَذِهِ الْقَضِيَّةِ مِنْ الْمِنَنِ الَّتِي فِيهَا مِنْ أَسْبَابِ نَصْرِ دِينِهِ. وَعُلُوِّ كَلِمَتِهِ وَنَصْرِ جُنْدِهِ وَعَزَّةِ أَوْلِيَائِهِ وَقُوَّةِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ وَذُلِّ أَهْلِ الْبِدْعَةِ وَالْفُرْقَةِ. وَتَقْرِيرِ مَا قُرِّرَ عِنْدَكُمْ مِنْ السُّنَّةِ وَزِيَادَاتٍ عَلَى ذَلِكَ بِانْفِتَاحِ أَبْوَابٍ مِنْ الْهُدَى وَالنَّصْرِ وَالدَّلَائِلِ وَظُهُورِ الْحَقِّ لِأُمَمِ لَا يُحْصِي عَدَدَهُمْ إلَّا اللَّهُ تَعَالَى وَإِقْبَالِ الْخَلَائِقِ إلَى سَبِيلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمِنَنِ مَا لَا بُدَّ مَعَهُ مِنْ عَظِيمِ الشُّكْرِ وَمِنْ الصَّبْرِ وَإِنْ كَانَ صَبْرًا فِي سَرَّاءَ. وَتَعْلَمُونَ أَنَّ مِنْ الْقَوَاعِدِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي هِيَ مِنْ جِمَاعِ الدِّينِ: تَأْلِيفَ الْقُلُوبِ وَاجْتِمَاعَ الْكَلِمَةِ وَصَلَاحَ ذَاتِ الْبَيْنِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ} وَيَقُولُ: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} وَيَقُولُ: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} . وَأَمْثَالُ ذَلِكَ مِنْ النُّصُوصِ الَّتِي تَأْمُرُ بِالْجَمَاعَةِ والائتلاف وَتَنْهَى عَنْ الْفُرْقَةِ وَالِاخْتِلَافِ. وَأَهْلُ هَذَا الْأَصْلِ: هُمْ أَهْلُ الْجَمَاعَةِ كَمَا أَنَّ الْخَارِجِينَ عَنْهُ هُمْ أَهْلُ الْفُرْقَةِ. وَجِمَاعُ السُّنَّةِ: طَاعَةُ الرَّسُولِ. وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي
(28/51)

الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الَّذِي رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ " {إنَّ اللَّهَ يَرْضَى لَكُمْ ثَلَاثًا: أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَأَنْ تَنَاصَحُوا مَنْ وَلَّاهُ اللَّهُ أُمُورَكُمْ} . وَفِي السُّنَنِ مِنْ حَدِيث زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ - فَقِيهَيْ الصَّحَابَةِ - عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ " {نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأَ سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا فَبَلَّغَهُ إلَى مَنْ لَمْ يَسْمَعْهُ فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ غَيْرِ فَقِيهٍ وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ. ثَلَاثٌ لَا يُغِلُّ عَلَيْهِنَّ قَلْبُ مُسْلِمٍ: إخْلَاصُ الْعَمَلِ لِلَّهِ وَمُنَاصَحَةُ وُلَاةِ الْأَمْرِ. وَلُزُومُ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّ دَعْوَتَهُمْ تُحِيطُ مَنْ وَرَاءَهُمْ} . وَقَوْلُهُ " لَا يُغِلُّ " أَيْ لَا يَحْقِدُ عَلَيْهِنَّ. فَلَا يُبْغِضُ هَذِهِ الْخِصَالَ قَلْبُ الْمُسْلِمِ بَلْ يُحِبُّهُنَّ وَيَرْضَاهُنَّ. وَأَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ هَذَا الْأَصْلِ: مَا يَتَعَلَّقُ بِي فَتَعْلَمُونَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْكُمْ - أَنِّي لَا أُحِبُّ أَنْ يُؤْذَى أَحَدٌ مِنْ عُمُومِ الْمُسْلِمِينَ - فَضْلًا عَنْ أَصْحَابِنَا - بِشَيْءِ أَصْلًا لَا بَاطِنًا وَلَا ظَاهِرًا وَلَا عِنْدِي عَتْبٌ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ. وَلَا لَوْمٌ أَصْلًا بَلْ لَهُمْ عِنْدِي مِنْ الْكَرَامَةِ وَالْإِجْلَالِ وَالْمَحَبَّةِ وَالتَّعْظِيمِ أَضْعَافُ أَضْعَافِ مَا كَانَ كَلٌّ بِحَسَبِهِ وَلَا يَخْلُو
(28/52)

الرَّجُلُ. إمَّا أَنْ يَكُونَ مُجْتَهِدًا مُصِيبًا أَوْ مُخْطِئًا أَوْ مُذْنِبًا. فَالْأَوَّلُ: مَأْجُورٌ مَشْكُورٌ. وَالثَّانِي مَعَ أَجْرِهِ عَلَى الِاجْتِهَادِ: فَمَعْفُوٌّ عَنْهُ مَغْفُورٌ لَهُ. وَالثَّالِثُ: فَاَللَّهُ يَغْفِرُ لَنَا وَلَهُ وَلِسَائِرِ الْمُؤْمِنِينَ. فَنَطْوِي بِسَاطَ الْكَلَامِ الْمُخَالِفِ لِهَذَا الْأَصْلِ. كَقَوْلِ الْقَائِلِ: فُلَانٌ قَصَّرَ فُلَانٌ مَا عَمِلَ فُلَانٌ أُوذِيَ الشَّيْخُ بِسَبَبِهِ فُلَانٌ كَانَ سَبَبَ هَذِهِ الْقَضِيَّةِ فُلَانٌ كَانَ يَتَكَلَّمُ فِي كَيْدِ فُلَانٍ. وَنَحْوَ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ الَّتِي فِيهَا مَذَمَّةٌ لِبَعْضِ الْأَصْحَابِ وَالْإِخْوَانِ. فَإِنِّي لَا أُسَامِحُ مَنْ أَذَاهُمْ مِنْ هَذَا الْبَابِ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ. بَلْ مِثْلُ هَذَا يَعُودُ عَلَى قَائِلِهِ بِالْمَلَامِ إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ مِنْ حَسَنَةٍ وَمِمَّنْ يَغْفِرُ اللَّهُ لَهُ إنْ شَاءَ. وَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ. وَتَعْلَمُونَ أَيْضًا: أَنَّ مَا يَجْرِي مِنْ نَوْعِ تَغْلِيظٍ أَوْ تَخْشِينٍ عَلَى بَعْضِ الْأَصْحَابِ وَالْإِخْوَانِ: مَا كَانَ يَجْرِي بِدِمَشْقَ وَمِمَّا جَرَى الْآنَ بِمِصْرِ فَلَيْسَ ذَلِكَ غَضَاضَةً وَلَا نَقْصًا فِي حَقِّ صَاحِبِهِ وَلَا حَصَلَ بِسَبَبِ ذَلِكَ تَغَيُّرٌ مِنَّا وَلَا بُغْضٌ. بَلْ هُوَ بَعْدَ مَا عُومِلَ بِهِ مِنْ التَّغْلِيظِ وَالتَّخْشِينِ أَرْفَعُ قَدْرًا وَأَنْبَهُ ذِكْرًا وَأَحَبُّ وَأَعْظَمُ وَإِنَّمَا هَذِهِ الْأُمُورُ هِيَ مِنْ مَصَالِحِ الْمُؤْمِنِينَ الَّتِي يُصْلِحُ اللَّهُ بِهَا بَعْضَهُمْ بِبَعْضِ فَإِنَّ الْمُؤْمِنَ لِلْمُؤْمِنِ كَالْيَدَيْنِ تَغْسِلُ إحْدَاهُمَا الْأُخْرَى. وَقَدْ لَا
(28/53)

يَنْقَلِعُ الْوَسَخُ إلَّا بِنَوْعِ مِنْ الْخُشُونَةِ؛ لَكِنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ مِنْ النَّظَافَةِ وَالنُّعُومَةِ مَا نَحْمَدُ مَعَهُ ذَلِكَ التَّخْشِينَ. وَتَعْلَمُونَ: أَنَّا جَمِيعًا مُتَعَاوِنُونَ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاجِبٌ عَلَيْنَا نَصْرُ بَعْضِنَا بَعْضًا أَعْظَمَ مِمَّا كَانَ وَأَشَدَّ. فَمَنْ رَامَ أَنْ يُؤْذِيَ بَعْضَ الْأَصْحَابِ أَوْ الْإِخْوَانِ لِمَا قَدْ يَظُنُّهُ مِنْ نَوْعِ تَخْشِينٍ - عُومِلَ بِهِ بِدِمَشْقَ أَوْ بِمِصْرِ السَّاعَةَ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ - فَهُوَ الغالط. وَكَذَلِكَ مَنْ ظَنَّ أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ يَبْخَلُونَ عَمَّا أُمِرُوا بِهِ مِنْ التَّعَاوُنِ وَالتَّنَاصُرِ فَقَدْ ظَنَّ ظَنَّ سُوءٍ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنْ الْحَقِّ شَيْئًا وَمَا غَابَ عَنَّا أَحَدٌ مِنْ الْجَمَاعَةِ أَوْ قَدِمَ إلَيْنَا السَّاعَةَ أَوْ قَبْلَ السَّاعَةِ إلَّا وَمَنْزِلَتُهُ عِنْدَنَا الْيَوْمَ أَعْظَمُ مِمَّا كَانَتْ وَأَجَلُّ وَأَرْفَعُ. وَتَعْلَمُونَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْكُمْ -: أَنَّ مَا دُونَ هَذِهِ الْقَصِيَّةِ مِنْ الْحَوَادِثِ يَقَعُ فِيهَا مِنْ اجْتِهَادِ الْآرَاءِ وَاخْتِلَافِ الْأَهْوَاءِ وَتَنَوُّعِ أَحْوَالِ أَهْلِ الْإِيمَانِ وَمَا لَا بُدَّ مِنْهُ - مِنْ نَزَغَاتِ الشَّيْطَانِ - مَا لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يُعَرَّى عَنْهُ نَوْعُ الْإِنْسَانِ. وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} {لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} بَلْ أَنَا أَقُولُ مَا هُوَ أَبْلَغُ مِنْ ذَلِكَ - تَنْبِيهًا بِالْأَدْنَى عَلَى الْأَعْلَى
(28/54)

وَبِالْأَقْصَى عَلَى الْأَدْنَى - فَأَقُولُ: تَعْلَمُونَ كَثْرَةَ مَا وَقَعَ فِي هَذِهِ الْقَضِيَّةِ مِنْ الْأَكَاذِيبِ الْمُفْتَرَاةِ وَالْأَغَالِيطِ الْمَظْنُونَةِ وَالْأَهْوَاءِ الْفَاسِدَةِ وَأَنَّ ذَلِكَ أَمْرٌ يُجَلُّ عَنْ الْوَصْفِ. وَكُلُّ مَا قِيلَ: مِنْ كَذِبٍ وَزُورٍ فَهُوَ فِي حَقِّنَا خَيْرٌ وَنِعْمَةٌ. قَالَ تَعَالَى: {إنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ} . وَقَدْ أَظْهَرَ اللَّهُ مِنْ نُورِ الْحَقِّ وَبُرْهَانِهِ مَا رَدَّ بِهِ إفْكَ الْكَاذِبِ وَبُهْتَانَهُ. فَلَا أُحِبُّ أَنْ يُنْتَصَرَ مِنْ أَحَدٍ بِسَبَبِ كَذِبِهِ عَلَيَّ أَوْ ظُلْمِهِ وَعُدْوَانِهِ فَإِنِّي قَدْ أَحْلَلْت كُلَّ مُسْلِمٍ. وَأَنَا أُحِبُّ الْخَيْرَ لِكُلِّ الْمُسْلِمِينَ وَأُرِيدُ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ مِنْ الْخَيْرِ مَا أُحِبُّهُ لِنَفْسِي. وَاَلَّذِينَ كَذَبُوا وَظَلَمُوا فَهُمْ فِي حِلٍّ مِنْ جِهَتِي. وَأَمَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِحُقُوقِ اللَّهِ فَإِنْ تَابُوا تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَإِلَّا فَحُكْمُ اللَّهِ نَافِذٌ فِيهِمْ فَلَوْ كَانَ الرَّجُلُ مَشْكُورًا عَلَى سُوءِ عَمَلِهِ لَكُنْت أَشْكُرُ كُلَّ مَنْ كَانَ سَبَبًا فِي هَذِهِ الْقَضِيَّةِ لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مَنْ خَيْرِ الدُّنْيَا
(28/55)

وَالْآخِرَةِ؛ لَكِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَشْكُورُ عَلَى حُسْنِ نِعَمِهِ وَآلَائِهِ وَأَيَادِيهِ الَّتِي لَا يُقْضَى لِلْمُؤْمِنِ قَضَاءٌ إلَّا كَانَ خَيْرًا لَهُ. وَأَهْلُ الْقَصْدِ الصَّالِحِ يُشْكَرُونَ عَلَى قَصْدِهِمْ وَأَهْلُ الْعَمَلِ الصَّالِحِ يُشْكَرُونَ عَلَى عَمَلِهِمْ وَأَهْلُ السَّيِّئَاتِ نَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ. وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ هَذَا مِنْ خُلُقِي. وَالْأَمْرُ أَزْيَدُ مِمَّا كَانَ وَأَوْكَدُ لَكِنَّ حُقُوقَ النَّاسِ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ وَحُقُوقَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ هُمْ فِيهَا تَحْتَ حُكْمِ اللَّهِ. وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ الصِّدِّيقَ الْأَكْبَرَ فِي قَضِيَّةِ الْإِفْكِ الَّتِي أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهَا الْقُرْآنَ حَلَفَ لَا يَصِلُ مِسْطَحَ بْنَ أُثَاثَةَ لِأَنَّهُ كَانَ مِنْ الْخَائِضِينَ فِي الْإِفْكِ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} فَلَمَّا نَزَلَتْ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: بَلَى وَاَللَّهِ إنِّي لَأُحِبُّ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لِي. فَأَعَادَ إلَى مِسْطَحٍ النَّفَقَةَ الَّتِي كَانَ يُنْفِقُ. وَمَعَ مَا ذُكِرَ مِنْ الْعَفْوِ وَالْإِحْسَانِ وَأَمْثَالِهِ وَأَضْعَافِهِ وَالْجِهَادِ عَلَى مَا بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ مِنْ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ أَمْرٌ لَا بُدَّ مِنْهُ {فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةً عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةً عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ
(28/56)

يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} {إنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ} {وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ} . والسلام عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا.
وَكَتَبَ أَيْضًا: (*)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سَلَامُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ وَنَحْنُ لِلَّهِ الْحَمْدُ وَالشُّكْرُ فِي نِعَمٍ مُتَزَايِدَةٍ مُتَوَافِرَةٍ وَجَمِيعُ مَا يَفْعَلُهُ اللَّهُ فِيهِ نَصْرُ الْإِسْلَامِ وَهُوَ مِنْ نِعَمِ اللَّهِ الْعِظَامِ. {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا} فَإِنَّ الشَّيْطَانَ اسْتَعْمَلَ حِزْبَهُ فِي إفْسَادِ دِينِ اللَّهِ الَّذِي بَعَثَ بِهِ رُسُلَهُ وَأَنْزَلَ بِهِ كُتُبَهُ. وَمِنْ سُنَّةِ اللَّهِ: أَنَّهُ إذَا أَرَادَ إظْهَارَ دِينِهِ أَقَامَ مَنْ يُعَارِضُهُ فَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ.
__________

[تعليق مُعِدّ الكتاب للشاملة]
(*) قال الشيخ ناصر بن حمد الفهد (ص 215) :
هنا تنبيهات:
الأول: أن هذه الرسالة أرسلها الشيخ وهو في سجن القلعة في دمشق في آخر حياته قبل موته بقليل، وهي مكتوبة بفحم، كما ذكر ذلك في العقود ص 380، وأظنه المصدر.
الثاني: أن بعض هذه الرسالة مطموس الأصل لم يقرأه أصحاب الشيخ المرسل إليهم، لكتابته على الفحم، وهو المذكور في قوله (28 / 59) :
(وهذه قضية كبيرة لها شأن عظيم. ولتعلمن نبأه بعد حين. ثم قال بعده: وكانوا يطلبون تمام الإخنائية. . .) .
وأصل هذا كما في (العقود) ص 381:
(وهذه قضية كبيرة لها شأن عظيم ولتعلمن نبأه بعد حين. ثم ذكر الشيخ في الورقة كلاما لا يمكن قراءة جميعه لانطماسه وقال بعده
وكانوا يطلبون تمام الأخنائية. . .)
(28/57)

وَاَلَّذِي سَعَى فِيهِ حِزْبُ الشَّيْطَانِ لَمْ يَكُنْ مُخَالَفَةً لِشَرْعِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحْدَهُ بَلْ مُخَالَفَةً لِدِينِ جَمِيعِ الْمُرْسَلِينَ: إبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَالْمَسِيحِ وَمُحَمَّدٍ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ. وَكَانُوا قَدْ سَعَوْا فِي أَنْ لَا يَظْهَرَ مِنْ جِهَةِ حِزْبِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ خِطَابٌ وَلَا كِتَابٌ وَجَزِعُوا مِنْ ظُهُورِ الإخنائية فَاسْتَعْمَلَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى. حَتَّى أَظْهَرُوا أَضْعَافَ ذَلِكَ وَأَعْظَمَ وَأَلْزَمَهُمْ بِتَفْتِيشِهِ وَمُطَالَعَتِهِ وَمَقْصُودُهُمْ إظْهَارُ عُيُوبِهِ وَمَا يَحْتَجُّونَ بِهِ فَلَمْ يَجِدُوا فِيهِ إلَّا مَا هُوَ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ وَظَهَرَ لَهُمْ جَهْلُهُمْ وَكَذِبُهُمْ وَعَجْزُهُمْ وَشَاعَ هَذَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ هَذَا مِمَّا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُمْكِنْهُمْ أَنْ يُظْهِرُوا عَلَيْنَا فِيهِ عَيْبًا فِي الشَّرْعِ وَالدِّينِ بَلْ غَايَةُ مَا عِنْدَهُمْ: أَنَّهُ خُولِفَ مَرْسُومُ بَعْضِ الْمَخْلُوقِينَ وَالْمَخْلُوقُ كَائِنًا مَنْ كَانَ إذَا خَالَفَ أَمْرَ اللَّهِ تَعَالَى وَرَسُولِهِ لَمْ يَجِبْ بَلْ وَلَا يَجُوزُ طَاعَتُهُ فِي مُخَالَفَةِ أَمْرِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ. وَقَوْلُ الْقَائِلِ: إنَّهُ يُظْهِرُ الْبِدَعَ كَلَامٌ يَظْهَرُ فَسَادُهُ لِكُلِّ مُسْتَبْصِرٍ وَيَعْلَمُ أَنَّ الْأَمْرَ بِالْعَكْسِ فَإِنَّ الَّذِي يُظْهِرُ الْبِدْعَةَ إمَّا أَنْ يَكُونَ لِعَدَمِ عِلْمِهِ بِسُنَّةِ الرَّسُولِ أَوْ لِكَوْنِهِ لَهُ غَرَضٌ وَهَوَى يُخَالِفُ ذَلِكَ؛ وَهُوَ أَوْلَى بِالْجَهْلِ بِسُنَّةِ الرَّسُولِ وَاتِّبَاعِ هَوَاهُمْ بِغَيْرِ هُدًى مِنْ اللَّهِ {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ} مِمَّنْ هُوَ أَعْلَمُ بِسُنَّةِ الرَّسُولِ مِنْهُمْ وَأَبْعَدُ عَنْ الْهَوَى وَالْغَرَضِ فِي مُخَالَفَتِهَا {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى
(28/58)

شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} {إنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ} . وَهَذِهِ قَضِيَّةٌ كَبِيرَةٌ لَهَا شَأْنٌ عَظِيمٌ. وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ. ثُمَّ قَالَ بَعْدَهُ: وَكَانُوا يَطْلُبُونَ تَمَامَ الإخنائية فَعِنْدَهُمْ مَا يَطِمُهُمْ أَضْعَافَهَا وَأَقْوَى فِقْهًا مِنْهَا وَأَشَدَّ مُخَالَفَةً لِأَغْرَاضِهِمْ. فَإِنَّ الزملكانية قَدْ بُيِّنَ فِيهَا مِنْ نَحْوِ خَمْسِينَ وَجْهًا: أَنَّ مَا حُكِمَ بِهِ وَرُسِمَ بِهِ مُخَالِفٌ لِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ وَمَا فَعَلُوهُ لَوْ كَانَ مِمَّنْ يَعْرِفُ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ وَيَتَعَمَّدُ مُخَالَفَتَهُ لَكَانَ كُفْرًا وَرِدَّةً عَنْ الْإِسْلَامِ لَكِنَّهُمْ جُهَّالٌ دَخَلُوا فِي شَيْءٍ مَا كَانُوا يَعْرِفُونَهُ وَلَا ظَنُّوا أَنَّهُ يَظْهَرُ مِنْهُ أَنَّ السَّلْطَنَةَ تُخَالِفُ مُرَادَهُمْ وَالْأَمْرُ أَعْظَمُ مِمَّا ظَهَرَ لَكُمْ وَنَحْنُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ عَلَى عَظِيمِ الْجِهَادِ فِي سَبِيلِهِ. ثُمَّ ذَكَرَ كَلَامًا وَقَالَ: بَلْ جِهَادُنَا فِي هَذَا مِثْلُ جِهَادِنَا يَوْمَ قازان وَالْجَبَلِيَّة وَالْجَهْمِيَّة والاتحادية وَأَمْثَالِ ذَلِكَ. وَذَلِكَ مِنْ أَعْظَمِ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ.
(28/59)

(*) وَقَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْعَلَّامَةُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَد بْنُ الشَّيْخِ الْإِمَامِ الْعَالِمِ شِهَابِ الدِّينِ عَبْدِ الْحَلِيمِ بْنِ الشَّيْخِ الْإِمَامِ مَجْدِ الدِّينِ أَبِي الْبَرَكَاتِ عَبْدِ السَّلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّة - رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ -:
الْحَمْدُ لِلَّهِ نَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَهْدِيهِ؛ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَتُوبُ إلَيْهِ؛ وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ؛ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ. وَنَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ. وَنَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ؛ أَرْسَلَهُ بَيْنَ يَدَيْ السَّاعَةِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا فَهَدَى بِهِ مِنْ الضَّلَالَةِ. وَبَصَّرَ بِهِ مِنْ الْعَمَى وَأَرْشَدَ بِهِ مِنْ الْغَيِّ. وَفَتَحَ بِهِ أَعْيُنًا عُمْيًا؛ وَآذَانًا صُمًّا؛ وَقُلُوبًا غُلْفًا حَيْثُ بَلَّغَ الرِّسَالَةَ وَأَدَّى الْأَمَانَةَ؛ وَنَصَحَ الْأُمَّةَ؛ وَجَاهَدَ فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ؛ وَعَبَدَ اللَّهَ حَتَّى أَتَاهُ الْيَقِينُ مِنْ رَبِّهِ؛ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى
__________

[تعليق مُعِدّ الكتاب للشاملة]
(*) قال الشيخ ناصر بن حمد الفهد (ص 216) :
هنا أمران:
أن هذه الرسالة للشيخ رحمه الله معروفة باسم (الحسبة) ، وقد نقل عامتها ابن القيم رحمه الله في كتابه (الطرق الحكمية) 232 - 273.
الثاني: أنه بمقابلة هذا الموضع على ما نقله ابن القيم رحمه الله يوجد فروق وتصحيفات يسيرة ن أهمها ما يلي:
1 - 28 / 78 (ولهذا منع غير واحد من العلماء كأبي حنيفة وأصحابه القسام الذين يقسمون العقار وغيره بالأجر أن يشتركوا والناس محتاجون إليهم [، فإنهم إذا اشتركوا] أغلوا عليهم الأجر) ، وما بين المعقوفتين ساقط، وهو في (الطرق الحكمية) ص 246، ويدل عليه السياق.
2 - 28 / 84: (وقد ظن طائفة من العلماء أن هذه المشاركات من باب الإجارات بعوض مجهول، فقالوا: القياس يقتضي تحريمها. ثم منهم من حرم المساقاة والزراعة وأباح المضاربة استحبابًا للحاجة، لأن الدراهم لا يمكن إجارتها كما يقول أبو حنيفة) قلت (والكلام للشيخ ناصر الفهد) : كذا وردت في الفتاوى (استحبابا) ، وفي (الطرق الحكمية) ص 251 (استحسانا للحاجة) وهو الصواب، لأنهم استثنوها من القياس المقتضي لحرمتها - عندهم - لدليل آخر (الحاجو) ، وهذا من تعاريف الاستحسان، والله تعالى أعلم.
3 - 28 / 85: (والمزارعة أصل من المؤاجرة) ، وفي (الطرق) ص 251 (والمزارعة أحل من المؤاجرة) ، وهو الأظهر.
4 - 28 / 90: (وقد تنازع الناس في التسعير في مسألتين: إحداهما: إذا كان للناس سعر غال فأراد بعضهم أن يبيع بأغلى من ذلك فإنه يمنع منه) ، وفي (الطرق) ص 252: (إذا كان للناس سعر غالب) وهو الصواب ز
5 - 28 / 92: (فإذا انفرد منهم الواحد والعدد اليسير بحط السعر أمروا باللحاق بسعر الجمهور، [فإن زاد في السعر واحد أو عدد يسير لم يؤمر الجمهور باللحاق بسعره] ، لأن المراعي حال الجمهور وبه تقوم المبيعات) ، وما بين المعقوفتين ساقط من هذا الموضع، وهو في (الطرق) ص 256.
6 - 28 / 95: (ومعلوم أن الشيء إذا [قل،] رغب الناس في المزايدة فيه) ، وما بين المعقوفتين ساقط، وهو في (الطرق) ص 258، وبه يتبين المعنى.
(28/60)

آلِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا؛ وَجَزَاهُ عَنَّا أَفْضَلَ مَا جَزَى نَبِيًّا عَنْ أُمَّتِهِ. أَمَّا بَعْدُ:
فَهَذِهِ: " قَاعِدَةٌ فِي الْحِسْبَةِ ".
أَصْلُ ذَلِكَ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ جَمِيعَ الْوِلَايَاتِ فِي الْإِسْلَامِ مَقْصُودُهَا أَنْ يَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ؛ وَأَنْ تَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا؛ فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى إنَّمَا خَلَقَ الْخَلْقَ لِذَلِكَ وَبِهِ أَنْزَلَ الْكُتُبَ وَبِهِ أَرْسَلَ الرُّسُلَ وَعَلَيْهِ جَاهَدَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إلَّا لِيَعْبُدُونِ} وَقَالَ تَعَالَى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إلَّا نُوحِي إلَيْهِ أَنَّهُ لَا إلَهَ إلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} وَقَالَ: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} . وَقَدْ أَخْبَرَ عَنْ جَمِيعِ الْمُرْسَلِينَ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمْ يَقُولُ لِقَوْمِهِ: {اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إلَهٍ غَيْرُهُ} وَعِبَادَاتُهُ تَكُونُ بِطَاعَتِهِ وَطَاعَةِ رَسُولِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْخَيْرُ وَالْبِرُّ؛ وَالتَّقْوَى وَالْحَسَنَاتُ؛ وَالْقُرُبَاتُ وَالْبَاقِيَاتُ وَالصَّالِحَاتُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ؛ وَإِنْ كَانَتْ هَذِهِ الْأَسْمَاءُ بَيْنَهَا فُرُوقٌ لَطِيفَةٌ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَهَا. وَهَذَا الَّذِي يُقَاتِلُ عَلَيْهِ الْخَلْقُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي مُوسَى
(28/61)

الْأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: {سُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الرَّجُلِ يُقَاتِلُ شُجَاعَةً؛ وَيُقَاتِلُ حَمِيَّةً. وَيُقَاتِلُ رِيَاءً: فَأَيُّ ذَلِكَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ فَقَالَ: مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} ". وَكُلُّ بَنِي آدَمَ لَا تَتِمُّ مَصْلَحَتُهُمْ لَا فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ إلَّا بِالِاجْتِمَاعِ وَالتَّعَاوُنِ وَالتَّنَاصُرِ فَالتَّعَاوُنُ وَالتَّنَاصُرُ عَلَى جَلْبِ مَنَافِعِهِمْ؛ وَالتَّنَاصُرُ لِدَفْعِ مَضَارِّهِمْ؛ وَلِهَذَا يُقَالُ: الْإِنْسَانُ مَدَنِيٌّ بِالطَّبْعِ. فَإِذَا اجْتَمَعُوا فَلَا بُدَّ لَهُمْ مِنْ أُمُورٍ يَفْعَلُونَهَا يَجْتَلِبُونَ بِهَا الْمَصْلَحَةَ. وَأُمُورٍ يَجْتَنِبُونَهَا لِمَا فِيهَا مِنْ الْمَفْسَدَةِ؛ وَيَكُونُونَ مُطِيعِينَ لِلْآمِرِ بِتِلْكَ الْمَقَاصِدِ وَالنَّاهِي عَنْ تِلْكَ الْمَفَاسِدِ فَجَمِيعُ بَنِي آدَمَ لَا بُدَّ لَهُمْ مِنْ طَاعَةِ آمِرٍ وَنَاهٍ. فَمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْكُتُبِ الْإِلَهِيَّةِ وَلَا مِنْ أَهْلِ دِينٍ فَإِنَّهُمْ يُطِيعُونَ مُلُوكَهُمْ فِيمَا يَرَوْنَ أَنَّهُ يَعُودُ بِمَصَالِحِ دُنْيَاهُمْ؛ مُصِيبِينَ تَارَةً وَمُخْطِئِينَ أُخْرَى وَأَهْلُ الْأَدْيَانِ الْفَاسِدَةِ مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ الْمُسْتَمْسِكِينَ بِهِ بَعْدَ التَّبْدِيلِ أَوْ بَعْدَ النَّسْخِ وَالتَّبْدِيلِ: مُطِيعُونَ فِيمَا يَرَوْنَ أَنَّهُ يَعُودُ عَلَيْهِمْ بِمَصَالِحِ دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ. وَغَيْرُ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْجَزَاءِ بَعْدَ الْمَوْتِ. وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهِ وَأَمَّا أَهْلُ الْكِتَابِ فَمُتَّفِقُونَ عَلَى الْجَزَاءِ بَعْدَ الْمَوْتِ؛ وَلَكِنَّ الْجَزَاءَ فِي الدُّنْيَا مُتَّفِقٌ عَلَيْهِ أَهْلُ الْأَرْضِ. فَإِنَّ النَّاسَ لَمْ يَتَنَازَعُوا فِي
(28/62)

أَنَّ عَاقِبَةَ الظُّلْمِ وَخِيمَةٌ وَعَاقِبَةُ الْعَدْلِ كَرِيمَةٌ وَلِهَذَا يُرْوَى: " {اللَّهُ يَنْصُرُ الدَّوْلَةَ الْعَادِلَةَ وَإِنْ كَانَتْ كَافِرَةً وَلَا يَنْصُرُ الدَّوْلَةَ الظَّالِمَةَ وَإِنْ كَانَتْ مُؤْمِنَةً} ". وَإِذَا كَانَ لَا بُدَّ مِنْ طَاعَةِ آمِرٍ وَنَاهٍ فَمَعْلُومٌ أَنَّ دُخُولَ الْمَرْءِ فِي طَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ خَيْرٌ لَهُ وَهُوَ الرَّسُولُ النَّبِيُّ الْأُمِّيُّ الْمَكْتُوبُ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ الَّذِي يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَى عَنْ الْمُنْكَرِ. وَيُحِلُّ لَهُمْ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ وَذَلِكَ هُوَ الْوَاجِبُ عَلَى جَمِيعِ الْخَلْقِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا} {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} . وَقَالَ: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} . وَقَالَ: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ} . وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ لِلْجُمُعَةِ: " {إنَّ خَيْرَ الْكَلَامِ كَلَامُ اللَّهِ؛ وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ؛ وَشَرَّ الْأُمُورِ
(28/63)

مُحْدَثَاتُهَا} ". وَكَانَ يَقُولُ فِي خُطْبَةِ الْحَاجَةِ: " {مَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ رَشَدَ وَمَنْ يَعْصِهِمَا فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّ إلَّا نَفْسَهُ وَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا} ". وَقَدْ بَعَثَ اللَّهُ رَسُولَهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَفْضَلِ الْمَنَاهِجِ وَالشَّرَائِعِ وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ أَفْضَلَ الْكُتُبِ فَأَرْسَلَهُ إلَى خَيْرِ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ وَأَكْمَلَ لَهُ وَلِأُمَّتِهِ الدِّينَ وَأَتَمَّ عَلَيْهِمْ النِّعْمَةَ وَحَرَّمَ الْجَنَّةَ إلَّا عَلَى مَنْ آمَنَ بِهِ وَبِمَا جَاءَ بِهِ وَلَمْ يَقْبَلْ مِنْ أَحَدٍ إلَّا الْإِسْلَامَ الَّذِي جَاءَ بِهِ فَمَنْ ابْتَغَى غَيْرَهُ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ. وَأَخْبَرَ فِي كِتَابِهِ أَنَّهُ أَنْزَلَ الْكِتَابَ وَالْحَدِيدَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ؛ فَقَالَ تَعَالَى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} . وَلِهَذَا أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمَّتَهُ بِتَوْلِيَةِ وُلَاةِ أُمُورٍ عَلَيْهِمْ وَأَمَرَ وُلَاةَ الْأُمُورِ أَنْ يَرُدُّوا الْأَمَانَاتِ إلَى أَهْلِهَا؛ وَإِذَا حَكَمُوا بَيْنَ النَّاسِ أَنْ يَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ وَأَمَرَهُمْ بِطَاعَةِ وُلَاةِ الْأُمُورِ فِي طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى؛ فَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد عَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ
(28/64)

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " {إذَا خَرَجَ ثَلَاثَةٌ فِي سَفَرٍ فَلْيُؤَمِّرُوا أَحَدَهُمْ} ". وَفِي سُنَنِهِ أَيْضًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِثْلُهُ. وَفِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " {لَا يَحِلُّ لِثَلَاثَةٍ يَكُونُونَ بِفَلَاةِ مِنْ الْأَرْضِ إلَّا أَمَّرُوا أَحَدَهُمْ} ". فَإِذَا كَانَ قَدْ أَوْجَبَ فِي أَقَلِّ الْجَمَاعَاتِ وَأَقْصَرِ الِاجْتِمَاعَاتِ أَنْ يُوَلَّى أَحَدُهُمْ: كَانَ هَذَا تَنْبِيهًا عَلَى وُجُوبِ ذَلِكَ فِيمَا هُوَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ؛ وَلِهَذَا كَانَتْ الْوِلَايَةُ - لِمَنْ يَتَّخِذُهَا دِينًا يَتَقَرَّبُ بِهِ إلَى اللَّهِ وَيَفْعَلُ فِيهَا الْوَاجِبَ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ - مِنْ أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ حَتَّى قَدْ رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَد فِي مُسْنَدِهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: " {إنَّ أَحَبَّ الْخَلْقِ إلَى اللَّهِ إمَامٌ عَادِلٌ وَأَبْغَضَ الْخَلْقِ إلَى اللَّهِ إمَامٌ جَائِرٌ} ".
فَصْلٌ:
وَإِذَا كَانَ جِمَاعُ الدِّينِ وَجَمِيعُ الْوِلَايَاتِ هُوَ أَمْرٌ وَنَهْيٌ؛ فَالْأَمْرُ الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ هُوَ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ الَّذِي بَعَثَهُ بِهِ هُوَ النَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ وَهَذَا نَعْتُ النَّبِيِّ وَالْمُؤْمِنِينَ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} . وَهَذَا وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ قَادِرٍ وَهُوَ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ وَيَصِيرُ
(28/65)

فَرْضَ عَيْنٍ عَلَى الْقَادِرِ الَّذِي لَمْ يَقُمْ بِهِ غَيْرُهُ وَالْقُدْرَةُ هُوَ السُّلْطَانُ وَالْوِلَايَةُ فَذَوُو السُّلْطَانِ أَقْدَرُ مِنْ غَيْرِهِمْ؛ وَعَلَيْهِمْ مِنْ الْوُجُوبِ مَا لَيْسَ عَلَى غَيْرِهِمْ. فَإِنَّ مَنَاطَ الْوُجُوبِ هُوَ الْقُدْرَةُ؛ فَيَجِبُ عَلَى كُلِّ إنْسَانٍ بِحَسَبِ قُدْرَتِهِ قَالَ تَعَالَى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} . وَجَمِيعُ الْوِلَايَاتِ الْإِسْلَامِيَّةِ إنَّمَا مَقْصُودُهَا الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ وِلَايَةُ الْحَرْبِ الْكُبْرَى: مِثْلُ نِيَابَةِ السَّلْطَنَةِ وَالصُّغْرَى مِثْلُ وِلَايَةِ الشُّرْطَةِ: وَوِلَايَةُ الْحُكْمِ؛ أَوْ وِلَايَةُ الْمَالِ وَهِيَ وِلَايَةُ الدَّوَاوِينِ الْمَالِيَّةِ؛ وَوِلَايَةُ الْحِسْبَةِ. لَكِنْ مِنْ الْمُتَوَلِّينَ مَنْ يَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الشَّاهِدِ الْمُؤْتَمَنِ؛ وَالْمَطْلُوبُ مِنْهُ الصِّدْقُ؛ مِثْلَ الشُّهُودِ عِنْدَ الْحَاكِمِ؛ وَمِثْلَ صَاحِبِ الدِّيوَانِ الَّذِي وَظِيفَتُهُ أَنْ يَكْتُبَ الْمُسْتَخْرَجَ وَالْمَصْرُوفَ؛ وَالنَّقِيبِ وَالْعَرِيفِ الَّذِي وَظِيفَتُهُ إخْبَارُ ذِي الْأَمْرِ بِالْأَحْوَالِ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْأَمِينِ الْمُطَاعِ؛ وَالْمَطْلُوبُ مِنْهُ الْعَدْلُ مِثْلَ الْأَمِيرِ وَالْحَاكِمِ وَالْمُحْتَسِبِ وَبِالصِّدْقِ فِي كُلِّ الْأَخْبَارِ وَالْعَدْلِ فِي الْإِنْشَاءِ مِنْ الْأَقْوَالِ وَالْأَعْمَالِ: تَصْلُحُ جَمِيعُ الْأَحْوَالِ وَهُمَا قَرِينَانِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا} . وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا ذَكَرَ الظَّلَمَةَ: " {مَنْ صَدَّقَهُمْ بِكَذِبِهِمْ وَأَعَانَهُمْ عَلَى
(28/66)

ظُلْمِهِمْ فَلَيْسَ مِنِّي وَلَسْت مِنْهُ؛ وَلَا يَرِدُ عَلَيَّ الْحَوْضَ وَمَنْ لَمْ يُصَدِّقْهُمْ بِكَذِبِهِمْ وَلَمْ يُعِنْهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ فَهُوَ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ: وَسَيَرِدُ عَلَى الْحَوْضِ} ". وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: " {عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إلَى الْبِرِّ وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إلَى الْجَنَّةِ وَلَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبُ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إلَى الْفُجُورِ وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إلَى النَّارِ وَلَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا} ". وَلِهَذَا قَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ} {تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ} وَقَالَ: " {لَنَسْفَعَنْ بِالنَّاصِيَةِ} {نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ} . فَلِهَذَا يَجِبُ عَلَى كُلِّ وَلِيِّ أَمْرٍ أَنْ يَسْتَعِينَ بِأَهْلِ الصِّدْقِ وَالْعَدْلِ وَإِذَا تَعَذَّرَ ذَلِكَ اسْتَعَانَ بِالْأَمْثَلِ فَالْأَمْثَلِ وَإِنْ كَانَ فِيهِ كَذِبٌ وَظُلْمٌ؛ فَإِنَّ اللَّهَ يُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ وَبِأَقْوَامِ لَا خَلَاقَ لَهُمْ وَالْوَاجِبُ إنَّمَا هُوَ فِعْلُ الْمَقْدُورِ. وَقَدْ {قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: مَنْ قَلَّدَ رَجُلًا عَلَى عِصَابَةٍ وَهُوَ يَجِدُ فِي تِلْكَ الْعِصَابَةِ مَنْ هُوَ أَرْضَى لِلَّهِ مِنْهُ فَقَدْ خَانَ اللَّهَ؛ وَخَانَ رَسُولَهُ؛ وَخَانَ الْمُؤْمِنِينَ} ". فَالْوَاجِبُ إنَّمَا هُوَ الْأَرْضَى مِنْ الْمَوْجُودِ وَالْغَالِبُ أَنَّهُ لَا يُوجَدُ
(28/67)

كَامِلٌ فَيَفْعَلُ خَيْرَ الْخَيْرَيْنِ وَيَدْفَعُ شَرَّ الشَّرَّيْنِ؛ وَلِهَذَا كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَقُولُ: أَشْكُو إلَيْك جَلَدَ الْفَاجِرِ وَعَجْزَ الثِّقَةِ. وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ يَفْرَحُونَ بِانْتِصَارِ الرُّومِ وَالنَّصَارَى عَلَى الْمَجُوسِ وَكِلَاهُمَا كَافِرٌ؛ لِأَنَّ أَحَدَ الصِّنْفَيْنِ أَقْرَبُ إلَى الْإِسْلَامِ؛ وَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ " سُورَةَ الرُّومِ " لَمَّا اقْتَتَلَتْ الرُّومُ وَفَارِسُ؛ وَالْقِصَّةُ مَشْهُورَةٌ. وَكَذَلِكَ يُوسُفُ كَانَ نَائِبًا لِفِرْعَوْنَ مِصْرَ وَهُوَ وَقَوْمُهُ مُشْرِكُونَ وَفَعَلَ مِنْ الْعَدْلِ وَالْخَيْرِ مَا قَدَرَ عَلَيْهِ وَدَعَاهُمْ إلَى الْإِيمَانِ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ.
فَصْلٌ:
عُمُومُ الْوِلَايَاتِ وَخُصُوصُهَا وَمَا يَسْتَفِيدُهُ الْمُتَوَلِّي بِالْوِلَايَةِ يَتَلَقَّى مِنْ الْأَلْفَاظِ وَالْأَحْوَالِ وَالْعُرْفِ وَلَيْسَ لِذَلِكَ حَدٌّ فِي الشَّرْعِ. فَقَدْ يَدْخُلُ فِي وِلَايَةِ الْقُضَاةِ فِي بَعْضِ الْأَمْكِنَةِ وَالْأَزْمِنَةِ مَا يَدْخُلُ فِي وِلَايَةِ الْحَرْبِ فِي مَكَانٍ وَزَمَانٍ آخَرَ؛ وَبِالْعَكْسِ. وَكَذَلِكَ الْحِسْبَةُ وَوِلَايَةُ الْمَالِ. وَجَمِيعُ هَذِهِ الْوِلَايَاتِ هِيَ فِي الْأَصْلِ وِلَايَةٌ شَرْعِيَّةٌ وَمَنَاصِبُ دِينِيَّةٌ فَأَيُّ مَنْ عَدَلَ فِي وِلَايَةٍ مِنْ هَذِهِ الْوِلَايَاتِ فَسَاسَهَا بِعِلْمِ وَعَدْلٍ وَأَطَاعَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ فَهُوَ مِنْ الْأَبْرَارِ الصَّالِحِينَ وَأَيُّ مَنْ ظَلَمَ
(28/68)

وَعَمِلَ فِيهَا بِجَهْلِ فَهُوَ مِنْ الْفُجَّارِ الظَّالِمِينَ. إنَّمَا الضَّابِطُ قَوْله تَعَالَى {إنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ} {وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ} . وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ: فَوِلَايَةُ الْحَرْبِ فِي عُرْفِ هَذَا الزَّمَانِ فِي هَذِهِ الْبِلَادِ الشَّامِيَّةِ وَالْمِصْرِيَّةِ تَخْتَصُّ بِإِقَامَةِ الْحُدُودِ الَّتِي فِيهَا إتْلَافٌ مِثْلَ قَطْعِ يَدِ السَّارِقِ وَعُقُوبَةِ الْمُحَارِبِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَقَدْ يَدْخُلُ فِيهَا مِنْ الْعُقُوبَاتِ مَا لَيْسَ فِيهِ إتْلَافٌ؛ كَجَلْدِ السَّارِقِ. وَيَدْخُلُ فِيهَا الْحُكْمُ فِي الْمُخَاصَمَاتِ وَالْمُضَارَبَاتِ؛ وَدَوَاعِي التُّهَمِ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا كِتَابٌ وَشُهُودٌ. كَمَا تَخْتَصُّ وِلَايَةُ الْقَضَاءِ بِمَا فِيهِ كِتَابٌ وَشُهُودٌ وَكَمَا تَخْتَصُّ بِإِثْبَاتِ الْحُقُوقِ وَالْحُكْمِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ؛ وَالنَّظَرِ فِي حَالِ نُظَّارِ الْوُقُوفِ وَأَوْصِيَاءِ الْيَتَامَى وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مَعْرُوفٌ. وَفِي بِلَادٍ أُخْرَى كَبِلَادِ الْمَغْرِبِ: لَيْسَ لِوَالِي الْحَرْبِ حُكْمٌ فِي شَيْءٍ وَإِنَّمَا هُوَ مُنَفِّذٌ لِمَا يَأْمُرُ بِهِ مُتَوَلِّي الْقَضَاءِ؛ وَهَذَا اتَّبَعَ السُّنَّةَ الْقَدِيمَةَ؛ وَلِهَذَا أَسْبَابٌ مِنْ الْمَذَاهِبِ وَالْعَادَاتِ مَذْكُورَةٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَأَمَّا الْمُحْتَسِبُ فَلَهُ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ مِمَّا لَيْسَ مِنْ خَصَائِصِ الْوُلَاةِ وَالْقُضَاةِ وَأَهْلُ الدِّيوَانِ وَنَحْوُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْ الْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ هُوَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ وُلَاةِ الْأُمُورِ فَمَنْ أَدَّى فِيهِ الْوَاجِبَ وَجَبَتْ طَاعَتُهُ فِيهِ فَعَلَى الْمُحْتَسِبِ أَنْ يَأْمُرَ الْعَامَّةَ بِالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ فِي مَوَاقِيتِهَا وَيُعَاقِبُ مَنْ لَمْ يُصَلِّ بِالضَّرْبِ وَالْحَبْسِ؛ وَأَمَّا الْقَتْلُ فَإِلَى غَيْرِهِ وَيَتَعَهَّدُ الْأَئِمَّةَ وَالْمُؤَذِّنِينَ؛
(28/69)

فَمَنْ فَرَّطَ مِنْهُمْ فِيمَا يَجِبُ مِنْ حُقُوقِ الْإِمَامَةِ أَوْ خَرَجَ عَنْ الْأَذَانِ الْمَشْرُوعِ أَلْزَمَهُ بِذَلِكَ وَاسْتَعَانَ فِيمَا يَعْجِزُ عَنْهُ بِوَالِي الْحَرْبِ وَالْحُكْمِ وَكُلُّ مُطَاعٍ يُعِينُ عَلَى ذَلِكَ. وَذَلِكَ أَنَّ " الصَّلَاةَ " هِيَ أَعْرَفُ الْمَعْرُوفِ مِنْ الْأَعْمَالِ وَهِيَ عَمُودُ الْإِسْلَامِ وَأَعْظَمُ شَرَائِعِهِ وَهِيَ قَرِينَةُ الشَّهَادَتَيْنِ وَإِنَّمَا فَرَضَهَا اللَّهُ لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ وَخَاطَبَ بِهَا الرَّسُولَ بِلَا وَاسِطَةٍ لَمْ يَبْعَثْ بِهَا رَسُولًا مِنْ الْمَلَائِكَةِ وَهِيَ آخِرُ مَا وَصَّى بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمَّتَهُ وَهِيَ الْمَخْصُوصَةُ بِالذِّكْرِ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَخْصِيصًا بَعْدَ تَعْمِيمٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ} وَقَوْلِهِ: {اتْلُ مَا أُوحِيَ إلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ} . وَهِيَ الْمَقْرُونَةُ بِالصَّبْرِ وَبِالزَّكَاةِ وَبِالنُّسُكِ وَبِالْجِهَادِ فِي مَوَاضِعَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ} وَقَوْلِهِ: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} وَقَوْلِهِ: {إنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي} وَقَوْلِهِ: {أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا} وَقَوْلِهِ: {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ} إلَى قَوْلِهِ: {فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا} .
(28/70)

وَأَمْرُهَا أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يُحَاطَ بِهِ فَاعْتِنَاءُ وُلَاةِ الْأَمْرِ بِهَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ فَوْقَ اعْتِنَائِهِمْ بِجَمِيعِ الْأَعْمَالِ؛ وَلِهَذَا كَانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَكْتُبُ إلَى عُمَّالِهِ: أَنَّ أَهَمَّ أَمْرِكُمْ عِنْدِي الصَّلَاةُ مَنْ حَفِظَهَا وَحَافَظَ عَلَيْهَا حَفِظَ دِينَهُ وَمَنْ ضَيَّعَهَا كَانَ لِمَا سِوَاهَا أَشَدُّ إضَاعَةً. رَوَاهُ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ. وَيَأْمُرُ الْمُحْتَسِبُ بِالْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَاتِ وَبِصِدْقِ الْحَدِيثِ وَأَدَاءِ الْأَمَانَاتِ وَيَنْهَى عَنْ الْمُنْكَرَاتِ: مِنْ الْكَذِبِ وَالْخِيَانَةِ: وَمَا يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ مِنْ تَطْفِيفِ الْمِكْيَالِ وَالْمِيزَانِ وَالْغِشِّ فِي الصِّنَاعَاتِ؛ والبياعات وَالدِّيَانَاتِ وَنَحْوِ ذَلِكَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ} {الَّذِينَ إذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ} {وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ} وَقَالَ فِي قِصَّةِ شُعَيْبٍ: {أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ} {وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ} {وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ} . وَقَالَ تَعَالَى: {إنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا} وَقَالَ: {وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ} . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ قَالَ: {قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا وَإِنْ كَتَمَا وَكَذَبَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا} " وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: {أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ عَلَى صُبْرَةِ طَعَامٍ فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهَا
(28/71)

فَنَالَتْ أَصَابِعُهُ بَلَلًا؛ فَقَالَ: مَا هَذَا يَا صَاحِبَ الطَّعَامِ؟ - فَقَالَ: أَصَابَتْهُ السَّمَاءُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: - أَفَلَا جَعَلْته فَوْقَ الطَّعَامِ كَيْ يَرَاهُ النَّاسُ مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا} وَفِي رِوَايَةٍ: {مَنْ غَشَّنِي فَلَيْسَ مِنِّي} " فَقَدْ أَخْبَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ الْغَاشَّ لَيْسَ بِدَاخِلِ فِي مُطْلَقِ اسْمِ أَهْلِ الدِّينِ وَالْإِيمَانِ كَمَا قَالَ " {لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ؛ وَلَا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ؛ وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ} فَسَلَبَهُ حَقِيقَةَ الْإِيمَانِ الَّتِي بِهَا يَسْتَحِقُّ حُصُولَ الثَّوَابِ وَالنَّجَاةِ مِنْ الْعِقَابِ؛ وَإِنْ كَانَ مَعَهُ أَصْلُ الْإِيمَانِ الَّذِي يُفَارِقُ بِهِ الْكُفَّارَ وَيَخْرُجُ بِهِ مِنْ النَّارِ. وَالْغِشُّ يَدْخُلُ فِي الْبُيُوعِ بِكِتْمَانِ الْعُيُوبِ وَتَدْلِيسِ السِّلَعِ؛ مِثْلَ أَنْ يَكُونَ ظَاهِرُ الْمَبِيعِ خَيْرًا مِنْ بَاطِنِهِ؛ كَاَلَّذِي مَرَّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنْكَرَ عَلَيْهِ. وَيَدْخُلُ فِي الصِّنَاعَاتِ مِثْلَ الَّذِينَ يَصْنَعُونَ الْمَطْعُومَاتِ مِنْ الْخُبْزِ وَالطَّبْخِ وَالْعَدَسِ وَالشِّوَاءِ وَغَيْرِ ذَلِكَ أَوْ يَصْنَعُونَ الْمَلْبُوسَاتِ كَالنَّسَّاجِينَ وَالْخَيَّاطِينَ وَنَحْوِهِمْ أَوْ يَصْنَعُونَ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ الصِّنَاعَاتِ فَيَجِبُ نَهْيُهُمْ عَنْ الْغِشِّ وَالْخِيَانَةِ وَالْكِتْمَانِ. وَمِنْ هَؤُلَاءِ " الْكِيمَاوِيَّةُ " الَّذِينَ يَغُشُّونَ النُّقُودَ وَالْجَوَاهِرَ وَالْعِطْرَ وَغَيْرَ ذَلِكَ فَيَصْنَعُونَ ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً أَوْ عَنْبَرًا أَوْ مِسْكًا أَوْ جَوَاهِرَ أَوْ زَعْفَرَانًا أَوْ مَاءَ وَرْدٍ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ؛ يُضَاهُونَ بِهِ خَلْقَ اللَّهِ: وَلَمْ يَخْلُقْ اللَّهُ شَيْئًا
(28/72)

فَيَقْدِرُ الْعِبَادُ أَنْ يَخْلُقُوا كَخَلْقِهِ بَلْ {قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيمَا حَكَى عَنْهُ رَسُولُهُ: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً فَلْيَخْلُقُوا بَعُوضَةً} وَلِهَذَا كَانَتْ الْمَصْنُوعَاتُ مِثْلَ الأطبخة وَالْمَلَابِسِ وَالْمَسَاكِنِ غَيْرَ مَخْلُوقَةٍ إلَّا بِتَوَسُّطِ النَّاسِ قَالَ تَعَالَى: {وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ} {وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ} . وَقَالَ تَعَالَى: {أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ} {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} . وَكَانَتْ الْمَخْلُوقَاتُ مِنْ الْمَعَادِنِ وَالنَّبَاتِ وَالدَّوَابِّ غَيْرَ مَقْدُورَةٍ لِبَنِي آدَمَ أَنْ يَصْنَعُوهَا؛ لَكِنَّهُمْ يُشْبِهُونَ عَلَى سَبِيلِ الْغِشِّ. وَهَذَا حَقِيقَةُ الْكِيمْيَاءِ؛ فَإِنَّهُ الْمُشَبَّهُ؛ وَهَذَا بَابٌ وَاسِعٌ قَدْ صَنَّفَ فِيهِ أَهْلُ الْخِبْرَةِ مَا لَا يَحْتَمِلُ ذِكْرُهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ. وَيَدْخُلُ فِي الْمُنْكَرَاتِ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ وَرَسُولُهُ مِنْ الْعُقُودِ الْمُحَرَّمَةِ: مِثْلَ عُقُودِ الرِّبَا وَالْمَيْسِرِ؛ وَمِثْلَ بَيْعِ الْغَرَرِ وَكَحَبَلِ الْحَبَلَةِ؛ وَالْمُلَامَسَةِ وَالْمُنَابَذَةِ؛ وَرِبَا النَّسِيئَةِ وَرِبَا الْفَضْلِ وَكَذَلِكَ النَّجْشُ وَهُوَ أَنْ يَزِيدَ فِي السِّلْعَةِ مَنْ لَا يُرِيدُ شِرَاءَهَا وَتَصْرِيَةُ الدَّابَّةِ اللَّبُونِ وَسَائِرُ أَنْوَاعِ التَّدْلِيسِ. وَكَذَلِكَ الْمُعَامَلَاتِ الرِّبَوِيَّةِ سَوَاءٌ كَانَتْ ثُنَائِيَّةً أَوْ ثُلَاثِيَّةً إذَا كَانَ الْمَقْصُودُ بِهَا جَمِيعُهَا أَخْذَ دَرَاهِمَ بِدَرَاهِمَ أَكْثَرَ مِنْهَا إلَى أَجَلٍ. فَالثُّنَائِيَّةُ مَا يَكُونُ بَيْنَ اثْنَيْنِ: مِثْلَ أَنْ يَجْمَعَ إلَى الْقَرْضِ بَيْعًا أَوْ إجَارَةً أَوْ مُسَاقَاةً أَوْ مُزَارَعَةً وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ
(28/73)

قَالَ: " {لَا يَحِلُّ سَلَفٌ وَبَيْعٌ وَلَا شَرْطَانِ فِي بَيْعٍ وَلَا رِبْحُ مَا لَمْ يُضْمَنْ وَلَا بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَك} " قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ صَحِيحٌ. وَمِثْلَ أَنْ يَبِيعَهُ سِلْعَةً إلَى أَجَلٍ ثُمَّ يُعِيدُهَا إلَيْهِ فَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " {مَنْ بَاعَ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ فَلَهُ أَوْكَسُهُمَا أَوْ الرِّبَا} ". وَالثُّلَاثِيَّةُ مِثْلَ أَنْ يُدْخِلَ بَيْنَهُمَا مُحَلِّلًا لِلرِّبَا يَشْتَرِي السِّلْعَةَ مِنْهُ آكِلُ الرِّبَا ثُمَّ يَبِيعُهَا الْمُعْطِي لِلرِّبَا إلَى أَجَلٍ ثُمَّ يُعِيدُهَا إلَى صَاحِبِهَا بِنَقْصِ دَرَاهِمَ يَسْتَفِيدُهَا الْمُحَلِّلُ وَهَذِهِ الْمُعَامَلَاتُ مِنْهَا مَا هُوَ حَرَامٌ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ مَثَلَ الَّتِي يَجْرِي فِيهَا شَرْطٌ لِذَلِكَ؛ أَوْ الَّتِي يُبَاعُ فِيهَا الْمَبِيعُ قَبْلَ الْقَبْضِ الشَّرْعِيِّ أَوْ بِغَيْرِ الشُّرُوطِ الشَّرْعِيَّةِ؛ أَوْ يَقْلِبُ فِيهَا الدَّيْنَ عَلَى الْمُعْسِرِ فَإِنَّ الْمُعْسِرَ يَجِبُ إنْظَارُهُ وَلَا يَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَيْهِ بِمُعَامَلَةِ وَلَا غَيْرِهَا بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ. وَمِنْهَا مَا قَدْ تَنَازَعَ فِيهِ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ؛ لَكِنَّ الثَّابِتَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ تَحْرِيمُ ذَلِكَ كُلِّهِ. وَمِنْ الْمُنْكَرَاتِ تَلَقِّي السِّلَعِ قَبْلَ أَنْ تَجِيءَ إلَى السُّوقِ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ تَغْرِيرِ الْبَائِعِ؛ فَإِنَّهُ لَا يُعْرَفُ السِّعْرُ فَيَشْتَرِي مِنْهُ الْمُشْتَرِي بِدُونِ الْقِيمَةِ؛ وَلِذَلِكَ أَثْبَتَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ الْخِيَارَ إذَا هَبَطَ إلَى السُّوقِ. وَثُبُوتُ الْخِيَارِ لَهُ مَعَ الْغَبْنِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَأَمَّا ثُبُوتُهُ بِلَا غَبْنٍ فَفِيهِ نِزَاعٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ وَفِيهِ عَنْ أَحْمَد رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا يُثْبِتُ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ. وَالثَّانِيَةُ لَا
(28/74)

يُثْبِتُ لِعَدَمِ الْغَبْنِ. وَثُبُوتُ الْخِيَارِ بِالْغَبْنِ لِلْمُسْتَرْسِلِ - وَهُوَ الَّذِي لَا يُمَاكِسُ - هُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَحْمَد وَغَيْرِهِمَا فَلَيْسَ لِأَهْلِ السُّوقِ أَنْ يَبِيعُوا الْمُمَاكِسَ بِسِعْرِ؛ وَيَبِيعُوا الْمُسْتَرْسِلَ الَّذِي لَا يُمَاكِسُ أَوْ مَنْ هُوَ جَاهِلٌ بِالسِّعْرِ بِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ السِّعْرِ هَذَا مِمَّا يُنْكَرُ عَلَى الْبَاعَةِ. وَجَاءَ فِي الْحَدِيثِ: " {غَبْنُ الْمُسْتَرْسِلِ رِبًا} " وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ تَلَقِّي السِّلَعِ؛ فَإِنَّ الْقَادِمَ جَاهِلٌ بِالسِّعْرِ؛ وَلِذَلِكَ نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لَبَادٍ وَقَالَ: {دَعُوا النَّاسَ يَرْزُقُ اللَّهُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ} وَقِيلَ لِابْنِ عَبَّاسٍ مَا قَوْلُهُ: " {لَا يَبِيعُ حَاضِرٌ لَبَادٍ} "؟ قَالَ: لَا يَكُونُ لَهُ سِمْسَارٌ وَهَذَا نَهْيٌ عَنْهُ لِمَا فِيهِ مِنْ ضَرَرِ الْمُشْتَرِينَ فَإِنَّ الْمُقِيمَ إذَا تَوَكَّلَ لِلْقَادِمِ فِي بَيْعِ سِلْعَةٍ يَحْتَاجُ النَّاسُ إلَيْهَا وَالْقَادِمُ لَا يَعْرِفُ السِّعْرَ ضَرَّ ذَلِكَ الْمُشْتَرِيَ؛ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " {دَعُوا النَّاسَ يَرْزُقُ اللَّهُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ} ".
وَمِثْلُ ذَلِكَ " الِاحْتِكَارِ " لِمَا يَحْتَاجُ النَّاسُ إلَيْهِ رَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ مَعْمَرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " {لَا يَحْتَكِرُ إلَّا خَاطِئٌ} " فَإِنَّ الْمُحْتَكِرَ هُوَ الَّذِي يَعْمَدُ إلَى شِرَاءِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ النَّاسُ مِنْ الطَّعَامِ فَيَحْبِسُهُ عَنْهُمْ وَيُرِيدُ إغْلَاءَهُ عَلَيْهِمْ وَهُوَ ظَالِمٌ لِلْخَلْقِ الْمُشْتَرِينَ وَلِهَذَا كَانَ لِوَلِيِّ الْأَمْرِ أَنْ يُكْرِهَ النَّاسَ عَلَى بَيْعِ مَا عِنْدَهُمْ بِقِيمَةِ الْمِثْلِ عِنْدَ ضَرُورَةِ النَّاسِ إلَيْهِ مِثْلَ مَنْ عِنْدَهُ طَعَامٌ لَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ وَالنَّاسُ فِي
(28/75)

مَخْمَصَةٍ. فَإِنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى بَيْعِهِ لِلنَّاسِ بِقِيمَةِ الْمِثْلِ وَلِهَذَا قَالَ الْفُقَهَاءُ: مَنْ اُضْطُرَّ إلَى طَعَامِ الْغَيْرِ أَخَذَهُ مِنْهُ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ بِقِيمَةِ مِثْلِهِ وَلَوْ امْتَنَعَ مِنْ بَيْعِهِ إلَّا بِأَكْثَرَ مِنْ سِعْرِهِ لَمْ يَسْتَحِقَّ إلَّا سِعْرَهُ. وَمِنْ هُنَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ السِّعْرَ مِنْهُ مَا هُوَ ظُلْمٌ لَا يَجُوزُ وَمِنْهُ مَا هُوَ عَدْلٌ جَائِزٌ فَإِذَا تَضَمَّنَ ظُلْمَ النَّاسِ وَإِكْرَاهَهُمْ بِغَيْرِ حَقٍّ عَلَى الْبَيْعِ بِثَمَنِ لَا يَرْضَوْنَهُ؛ أَوْ مَنَعَهُمْ مِمَّا أَبَاحَهُ اللَّهُ لَهُمْ: فَهُوَ حَرَامٌ. وَإِذَا تَضَمَّنَ الْعَدْلَ بَيْنَ النَّاسِ مِثْلَ إكْرَاهِهِمْ عَلَى مَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ الْمُعَاوَضَةِ بِثَمَنِ الْمِثْلِ؛ وَمَنَعَهُمْ مِمَّا يَحْرُمُ عَلَيْهِمْ مِنْ أَخْذِ زِيَادَةٍ عَلَى عِوَضِ الْمِثْلِ: فَهُوَ جَائِزٌ؛ بَلْ وَاجِبٌ. فَأَمَّا الْأَوَّلُ فَمِثْلُ مَا رَوَى أَنَسٌ {قَالَ: غَلَا السِّعْرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ سَعَّرْت؟ فَقَالَ: إنَّ اللَّهَ هُوَ الْقَابِضُ الْبَاسِطُ الرَّازِقُ الْمُسَعِّرُ وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَلْقَى اللَّهَ وَلَا يَطْلُبُنِي أَحَدٌ بِمَظْلِمَةٍ ظَلَمْتهَا إيَّاهُ فِي دَمٍ وَلَا مَالٍ} "؛ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِي وَصَحَّحَهُ. فَإِذَا كَانَ النَّاسُ يَبِيعُونَ سِلَعَهُمْ عَلَى الْوَجْهِ الْمَعْرُوفِ مِنْ غَيْرِ ظُلْمٍ مِنْهُمْ وَقَدْ ارْتَفَعَ السِّعْرُ إمَّا لِقِلَّةِ الشَّيْءِ وَإِمَّا لِكَثْرَةِ الْخَلْقِ: فَهَذَا إلَى اللَّهِ. فَإِلْزَامُ الْخَلْقِ أَنْ يَبِيعُوا بِقِيمَةِ بِعَيْنِهَا إكْرَاهٌ بِغَيْرِ حَقٍّ. وَأَمَّا الثَّانِي فَمِثْلُ أَنْ يَمْتَنِعَ أَرْبَابُ السِّلَعِ مِنْ بَيْعِهَا مَعَ ضَرُورَةِ النَّاسِ
(28/76)

إلَيْهَا إلَّا بِزِيَادَةِ عَلَى الْقِيمَةِ الْمَعْرُوفَةِ فَهُنَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ بَيْعُهَا بِقِيمَةِ الْمِثْلِ وَلَا مَعْنَى لِلتَّسْعِيرِ إلَّا إلْزَامَهُمْ بِقِيمَةِ الْمِثْلِ فَيَجِبُ أَنْ يَلْتَزِمُوا بِمَا أَلْزَمَهُمْ اللَّهُ بِهِ. وَأَبْلَغُ مِنْ هَذَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ قَدْ الْتَزَمُوا أَلَّا يَبِيعَ الطَّعَامَ أَوْ غَيْرَهُ إلَّا أُنَاسٌ مَعْرُوفُونَ لَا تُبَاعُ تِلْكَ السِّلَعُ إلَّا لَهُمْ؛ ثُمَّ يَبِيعُونَهَا هُمْ؛ فَلَوْ بَاعَ غَيْرُهُمْ ذَلِكَ مُنِعَ إمَّا ظُلْمًا لِوَظِيفَةِ تُؤْخَذُ مِنْ الْبَائِعِ؛ أَوْ غَيْرَ ظُلْمٍ؛ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْفَسَادِ فَهَهُنَا يَجِبُ التَّسْعِيرُ عَلَيْهِمْ بِحَيْثُ لَا يَبِيعُونَ إلَّا بِقِيمَةِ الْمِثْلِ وَلَا يَشْتَرُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ إلَّا بِقِيمَةِ الْمِثْلِ بِلَا تَرَدُّدٍ فِي ذَلِكَ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ قَدْ مَنَعَ غَيْرَهُمْ أَنْ يَبِيعَ ذَلِكَ النَّوْعَ أَوْ يَشْتَرِيَهُ: فَلَوْ سُوِّغَ لَهُمْ أَنْ يَبِيعُوا بِمَا اخْتَارُوا أَوْ اشْتَرَوْا بِمَا اخْتَارُوا كَانَ ذَلِكَ ظُلْمًا لِلْخَلْقِ مِنْ وَجْهَيْنِ: ظُلْمًا لِلْبَائِعِينَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ بَيْعَ تِلْكَ الْأَمْوَالِ؛ وَظُلْمًا لِلْمُشْتَرِينَ مِنْهُمْ. وَالْوَاجِبُ إذَا لَمْ يُمْكِنْ دَفْعُ جَمِيعِ الظُّلْمِ أَنْ يَدْفَعَ الْمُمْكِنَ مِنْهُ فَالتَّسْعِيرُ فِي مِثْلِ هَذَا وَاجِبٌ بِلَا نِزَاعٍ وَحَقِيقَتُهُ: إلْزَامُهُمْ أَلَّا يَبِيعُوا أَوْ لَا يَشْتَرُوا إلَّا بِثَمَنِ الْمِثْلِ. وَهَذَا وَاجِبٌ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ مِنْ الشَّرِيعَةِ؛ فَإِنَّهُ كَمَا أَنَّ الْإِكْرَاهَ عَلَى الْبَيْعِ لَا يَجُوزُ إلَّا بِحَقِّ: يَجُوزُ الْإِكْرَاهُ عَلَى الْبَيْعِ بِحَقِّ فِي مَوَاضِعَ مِثْلَ بَيْعِ الْمَالِ لِقَضَاءِ الدَّيْنِ الْوَاجِبِ وَالنَّفَقَةِ الْوَاجِبَةِ وَالْإِكْرَاهِ عَلَى أَلَّا يَبِيعَ إلَّا بِثَمَنِ الْمِثْلِ لَا يَجُوزُ إلَّا بِحَقِّ وَيَجُوزُ فِي مَوَاضِعَ؛ مِثْلَ الْمُضْطَرِّ إلَى
(28/77)

طَعَامِ الْغَيْرِ وَمِثْلَ الْغِرَاسِ وَالْبِنَاءِ الَّذِي فِي مِلْكِ الْغَيْرِ؛ فَإِنَّ لِرَبِّ الْأَرْضِ أَنْ يَأْخُذَهُ بِقِيمَةِ الْمِثْلِ لَا بِأَكْثَرَ. وَنَظَائِرُهُ كَثِيرَةٌ. وَكَذَلِكَ السِّرَايَةُ فِي الْعِتْقِ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " {مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ وَكَانَ لَهُ مِنْ الْمَالِ مَا يَبْلُغُ ثَمَنَ الْعَبْدِ قُوِّمَ عَلَيْهِ قِيمَةَ عَدْلٍ لَا وَكْسَ وَلَا شَطَطَ فَأَعْطَى شُرَكَاءَهُ حِصَصَهُمْ وَعَتَقَ عَلَيْهِ الْعَبْدُ؛ وَإِلَّا فَقَدَ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ} ". وَكَذَلِكَ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ شِرَاءُ شَيْءٍ لِلْعِبَادَاتِ كَآلَةِ الْحَجِّ وَرَقَبَةِ الْعِتْقِ وَمَاءِ الطَّهَارَةِ؛ فَعَلَيْهِ أَنْ يَشْتَرِيَهُ بِقِيمَةِ الْمِثْلِ؛ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَمْتَنِعَ عَنْ الشِّرَاءِ إلَّا بِمَا يَخْتَارُ. وَكَذَلِكَ فِيمَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ طَعَامٍ أَوْ كُسْوَةٍ لِمَنْ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ إذَا وُجِدَ الطَّعَامُ أَوْ اللِّبَاسُ الَّذِي يَصْلُحُ لَهُ فِي الْعُرْفِ بِثَمَنِ الْمِثْلِ: لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَنْتَقِلَ إلَى مَا هُوَ دُونَهُ؛ حَتَّى يَبْذُلَ لَهُ ذَلِكَ بِثَمَنِ يَخْتَارُهُ. وَنَظَائِرُهُ كَثِيرَةٌ. وَلِهَذَا مَنَعَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ كَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ القسام الَّذِينَ يَقْسِمُونَ الْعَقَارَ وَغَيْرَهُ بِالْأَجْرِ أَنْ يَشْتَرِكُوا وَالنَّاسُ مُحْتَاجُونَ إلَيْهِمْ وَيَغْلُوَ عَلَيْهِمْ الْأَجْرَ؛ فَمَنَعَ الْبَائِعِينَ الَّذِينَ تَوَاطَئُوا عَلَى أَلَّا يَبِيعُوا إلَّا بِثَمَنِ قَدَّرُوهُ أَوْلَى. وَكَذَلِكَ مَنَعَ الْمُشْتَرِينَ إذَا تَوَاطَئُوا عَلَى أَنْ يَشْتَرِكُوا فَإِنَّهُمْ إذَا اشْتَرَكُوا فِيمَا يَشْتَرِيهِ أَحَدُهُمْ حَتَّى يَهْضِمُوا سِلَعَ النَّاسِ أَوْلَى أَيْضًا
(28/78)

فَإِذَا كَانَتْ الطَّائِفَةُ الَّتِي تَشْتَرِي نَوْعًا مِنْ السِّلَعِ أَوْ تَبِيعُهَا قَدْ تَوَاطَأَتْ عَلَى أَنْ يَهْضِمُوا مَا يَشْتَرُونَهُ فَيَشْتَرُونَهُ بِدُونِ ثَمَنِ الْمِثْلِ الْمَعْرُوفِ؛ وَيَزِيدُونَ مَا يَبِيعُونَهُ بِأَكْثَرَ مِنْ الثَّمَنِ الْمَعْرُوفِ؛ وَيُنَمُّوا مَا يَشْتَرُونَهُ: كَانَ هَذَا أَعْظَمَ عُدْوَانًا مِنْ تَلَقِّي السِّلَعِ وَمِنْ بَيْعِ الْحَاضِرِ لِلْبَادِي وَمِنْ النَّجْشِ وَيَكُونُونَ قَدْ اتَّفَقُوا عَلَى ظُلْمِ النَّاسِ حَتَّى يَضْطَرُّوا إلَى بَيْعِ سِلَعِهِمْ وَشِرَائِهَا بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ الْمِثْلِ وَالنَّاسُ يَحْتَاجُونَ إلَى ذَلِكَ وَشِرَائِهِ وَمَا احْتَاجَ إلَى بَيْعِهِ وَشِرَائِهِ عُمُومُ النَّاسِ فَإِنَّهُ يَجِبُ أَنْ لَا يُبَاعَ إلَّا بِثَمَنِ الْمِثْلِ: إذَا كَانَتْ الْحَاجَةُ إلَى بَيْعِهِ وَشِرَائِهِ عَامَّةً. وَمِنْ ذَلِكَ أَنْ يَحْتَاجَ النَّاسُ إلَى صِنَاعَةِ نَاسٍ؛ مِثْلَ حَاجَةِ النَّاسِ إلَى الْفِلَاحَةِ وَالنِّسَاجَةِ وَالْبِنَايَةِ: فَإِنَّ النَّاسَ لَا بُدَّ لَهُمْ مِنْ طَعَامٍ يَأْكُلُونَهُ وَثِيَابٍ يَلْبَسُونَهَا وَمَسَاكِنَ يَسْكُنُونَهَا فَإِذَا لَمْ يُجْلَبْ لَهُمْ مِنْ الثِّيَابِ مَا يَكْفِيهِمْ كَمَا كَانَ يُجْلَبُ إلَى الْحِجَازِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَتْ الثِّيَابُ تُجْلَبُ إلَيْهِمْ مِنْ الْيَمَنِ وَمِصْرَ وَالشَّامِ وَأَهْلُهَا كُفَّارٌ وَكَانُوا يَلْبَسُونَ مَا نَسَجَهُ الْكُفَّارُ وَلَا يَغْسِلُونَهُ فَإِذَا لَمْ يُجْلَبْ إلَى نَاسِ الْبَلَدِ مَا يَكْفِيهِمْ احْتَاجُوا إلَى مَنْ يَنْسِجُ لَهُمْ الثِّيَابَ. وَلَا بُدَّ لَهُمْ مِنْ طَعَامٍ إمَّا مَجْلُوبٌ مِنْ غَيْرِ بَلَدِهِمْ وَإِمَّا مِنْ زَرْعِ بَلَدِهِمْ وَهَذَا هُوَ الْغَالِبُ. وَكَذَلِكَ لَا بُدَّ لَهُمْ مِنْ مَسَاكِنَ يَسْكُنُونَهَا؛ فَيَحْتَاجُونَ إلَى الْبِنَاءِ؛ فَلِهَذَا قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْفُقَهَاءِ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ وَغَيْرِهِمْ:
(28/79)

كَأَبِي حَامِدٍ الْغَزَالِيِّ؛ وَأَبِي الْفَرَجِ بْنِ الْجَوْزِيِّ وَغَيْرِهِمْ: أَنَّ هَذِهِ الصِّنَاعَاتِ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ؛ فَإِنَّهُ لَا تَتِمُّ مَصْلَحَةُ النَّاسِ إلَّا بِهَا؛ كَمَا أَنَّ الْجِهَادَ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ؛ إلَّا أَنْ يَتَعَيَّنَ فَيَكُونُ فَرْضًا عَلَى الْأَعْيَانِ؛ مِثْلَ أَنْ يَقْصِدَ الْعَدُوُّ بَلَدًا؛ أَوْ مِثْلَ أَنْ يَسْتَنْفِرَ الْإِمَامُ أَحَدًا. وَطَلَبُ الْعِلْمِ الشَّرْعِيِّ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ إلَّا فِيمَا يَتَعَيَّنُ؛ مِثْلَ طَلَبِ كُلِّ وَاحِدٍ عِلْمَ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ وَمَا نَهَاهُ عَنْهُ؛ فَإِنَّ هَذَا فَرْضٌ عَلَى الْأَعْيَانِ كَمَا أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: " {مَنْ يُرِدْ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ} " وَكُلُّ مَنْ أَرَادَ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا لَا بُدَّ أَنْ يُفَقِّهَهُ فِي الدِّينِ فَمَنْ لَمْ يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ لَمْ يُرِدْ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا وَالدِّينُ: مَا بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ؛ وَهُوَ مَا يَجِبُ عَلَى الْمَرْءِ التَّصْدِيقُ بِهِ وَالْعَمَلُ بِهِ وَعَلَى كُلِّ أَحَدٍ أَنْ يُصَدِّقَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا أَخْبَرَ بِهِ وَيُطِيعَهُ فِيمَا أَمَرَ تَصْدِيقًا عَامًّا وَطَاعَةً عَامَّةً ثُمَّ إذَا ثَبَتَ عَنْهُ خَبَرٌ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُصَدِّقَ بِهِ مُفَصَّلًا وَإِذَا كَانَ مَأْمُورًا مِنْ جِهَةٍ بِأَمْرِ مُعَيَّنٍ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُطِيعَهُ طَاعَةً مُفَصَّلَةً. وَكَذَلِكَ غَسْلُ الْمَوْتَى وَتَكْفِينُهُمْ وَالصَّلَاةُ عَلَيْهِمْ وَدَفْنُهُمْ: فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ. وَكَذَلِكَ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ.
(28/80)

وَالْوِلَايَاتُ كُلُّهَا: الدِّينِيَّةُ - مِثْلَ إمْرَةِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَا دُونَهَا: مِنْ مُلْكٍ وَوِزَارَةٍ وَدِيوَانِيَّةٍ سَوَاءٌ كَانَتْ كِتَابَةَ خِطَابٍ أَوْ كِتَابَةَ حِسَابٍ لِمُسْتَخْرَجِ أَوْ مَصْرُوفٍ فِي أَرْزَاقِ الْمُقَاتِلَةِ أَوْ غَيْرِهِمْ وَمِثْلَ إمَارَةِ حَرْبٍ وَقَضَاءٍ وَحِسْبَةٍ وَفُرُوعُ هَذِهِ الْوِلَايَاتِ - إنَّمَا شُرِعَتْ لِلْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ. وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَدِينَتِهِ النَّبَوِيَّةِ يَتَوَلَّى جَمِيعَ مَا يَتَعَلَّقُ بِوُلَاةِ الْأُمُورِ وَيُوَلِّي فِي الْأَمَاكِنِ الْبَعِيدَةِ عَنْهُ كَمَا وَلَّى عَلَى مَكَّةَ عَتَّابَ بْنَ أَسِيدٍ وَعَلَى الطَّائِفِ عُثْمَانَ بْنَ أَبِي العاص وَعَلَى قُرَى عرينة خَالِدَ بْنَ سَعِيدِ بْنِ العاص وَبَعَثَ عَلِيًّا وَمُعَاذًا وَأَبَا مُوسَى إلَى الْيَمَنِ. وَكَذَلِكَ كَانَ يُؤَمِّرُ عَلَى السَّرَايَا وَيَبْعَثُ عَلَى الْأَمْوَالِ الزكوية السُّعَاةَ فَيَأْخُذُونَهَا مِمَّنْ هِيَ عَلَيْهِ وَيَدْفَعُونَهَا إلَى مُسْتَحَقِّيهَا الَّذِينَ سَمَّاهُمْ اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ فَيَرْجِعُ السَّاعِي إلَى الْمَدِينَةِ وَلَيْسَ مَعَهُ إلَّا السَّوْطُ لَا يَأْتِي إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشَيْءِ إذَا وَجَدَ لَهَا مَوْضِعًا يَضَعُهَا فِيهِ. وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَوْفِي الْحِسَابَ عَلَى الْعُمَّالِ؛ يُحَاسِبُهُمْ عَلَى الْمُسْتَخْرَجِ وَالْمَصْرُوفِ؛ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي حميد الساعدي {أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَعْمَلَ رَجُلًا مِنْ الأزد يُقَالُ لَهُ: ابْنُ اللتبية عَلَى الصَّدَقَاتِ؛ فَلَمَّا رَجَعَ حَاسَبَهُ فَقَالَ: هَذَا لَكُمْ
(28/81)

وَهَذَا أُهْدِيَ إلَيَّ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا بَالُ الرَّجُلِ نَسْتَعْمِلُهُ عَلَى الْعَمَلِ بِمَا وَلَّانَا اللَّهُ فَيَقُولُ: هَذَا لَكُمْ وَهَذَا أُهْدِيَ إلَيَّ؟ أَفَلَا قَعَدَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ فَيَنْظُرَ أَيُهْدَى إلَيْهِ أَمْ لَا؟ وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا نَسْتَعْمِلُ رَجُلًا عَلَى الْعَمَلِ مِمَّا وَلَّانَا اللَّهُ فَيَغُلُّ مِنْهُ شَيْئًا إلَّا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمِلُهُ عَلَى رَقَبَتِهِ: إنْ كَانَ بَعِيرًا لَهُ رُغَاءٌ؛ وَإِنْ كَانَتْ بَقَرَةً لَهَا خُوَارٌ؛ وَإِنْ كَانَتْ شَاةً تَيْعَرُ ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ إلَى السَّمَاءِ وَقَالَ: - اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْت؟ اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْت؟ - قَالَهَا مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا} . وَالْمَقْصُودُ هُنَا: أَنَّ هَذِهِ الْأَعْمَالَ الَّتِي هِيَ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ مَتَى لَمْ يَقُمْ بِهَا غَيْرُ الْإِنْسَانِ صَارَتْ فَرْضَ عَيْنٍ عَلَيْهِ لَا سِيَّمَا إنْ كَانَ غَيْرُهُ عَاجِزًا عَنْهَا فَإِذَا كَانَ النَّاسُ مُحْتَاجِينَ إلَى فِلَاحَةِ قَوْمٍ أَوْ نِسَاجَتِهِمْ أَوْ بِنَائِهِمْ صَارَ هَذَا الْعَمَلُ وَاجِبًا يُجْبِرُهُمْ وَلِيُّ الْأَمْرِ عَلَيْهِ إذَا امْتَنَعُوا عَنْهُ بِعِوَضِ الْمِثْلِ وَلَا يُمَكِّنُهُمْ مِنْ مُطَالَبَةِ النَّاسِ بِزِيَادَةِ عَنْ عِوَضِ الْمِثْلِ وَلَا يُمَكِّنُ النَّاسَ مِنْ ظُلْمِهِمْ بِأَنْ يُعْطُوهُمْ دُونَ حَقِّهِمْ كَمَا إذَا احْتَاجَ الْجُنْدُ الْمُرْصِدُونَ لِلْجِهَادِ إلَى فِلَاحَةِ أَرْضِهِمْ أَلْزَمَ مَنْ صِنَاعَتُهُ الْفِلَاحَةُ بِأَنْ يَصْنَعَهَا لَهُمْ: فَإِنَّ الْجُنْدَ يُلْزَمُونَ بِأَنْ لَا يَظْلِمُوا الْفَلَّاحَ كَمَا أَلْزَمَ الْفَلَّاحَ أَنْ يُفْلِحَ لِلْجُنْدِ.
وَالْمُزَارَعَةُ جَائِزَةٌ فِي أَصَحِّ قَوْلَيْ، الْعُلَمَاءِ وَهِيَ عَمَلُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى
(28/82)

عَهْدِ نَبِيِّهِمْ وَعَهْدِ خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ وَعَلَيْهَا عَمَلُ آلِ أَبِي بَكْرٍ وَآلِ عُمَرَ وَآلِ عُثْمَانَ وَآلِ عَلِيٍّ وَغَيْرِهِمْ مِنْ بُيُوتِ الْمُهَاجِرِينَ وَهِيَ قَوْلُ أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ كَابْنِ مَسْعُودٍ وَهِيَ مَذْهَبُ فُقَهَاءِ الْحَدِيثِ: كَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ؛ وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْه؛ ودَاوُد بْنِ عَلِيٍّ؛ وَالْبُخَارِيِّ؛ وَمُحَمَّدِ بْنِ إسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَة؛ وَأَبِي بَكْرِ بْنِ الْمُنْذِرِ وَغَيْرِهِمْ وَمَذْهَبِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ؛ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى؛ وَأَبِي يُوسُفَ؛ وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ فُقَهَاءِ الْمُسْلِمِينَ. وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ عَالَ أَهْلَ خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ ثَمَرٍ وَزَرْعٍ حَتَّى مَاتَ وَلَمْ تَزَلْ تِلْكَ الْمُعَامَلَةُ حَتَّى أَجْلَاهُمْ عُمَرُ عَنْ خَيْبَرَ وَكَانَ قَدْ شارطهم أَنْ يُعَمِّرُوهَا مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَكَانَ الْبَذْرُ مِنْهُمْ لَا مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِهَذَا كَانَ الصَّحِيحُ مِنْ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الْبَذْرَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ الْعَامِلِ؛ بَلْ طَائِفَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ قَالُوا: لَا يَكُونُ الْبَذْرُ إلَّا مِنْ الْعَامِلِ. وَاَلَّذِي نَهَى عَنْهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْمُخَابَرَةِ وَكِرَاءِ الْأَرْضِ قَدْ جَاءَ مُفَسَّرًا بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَشْتَرِطُونَ لِرَبِّ الْأَرْضِ زَرْعَ بُقْعَةٍ مُعَيَّنَةٍ وَمِثْلُ هَذَا الشَّرْطِ بَاطِلٌ بِالنَّصِّ وَإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ وَهُوَ كَمَا لَوْ شَرَطَ فِي الْمُضَارَبَةِ لِرَبِّ الْمَالِ دَرَاهِمَ مُعَيَّنَةً فَإِنَّ هَذَا لَا يَجُوزُ بِالِاتِّفَاقِ؛ لِأَنَّ الْمُعَامَلَةَ مَبْنَاهَا عَلَى الْعَدْلِ وَهَذِهِ الْمُعَامَلَاتُ مِنْ جِنْسِ الْمُشَارَكَاتِ؛ وَالْمُشَارَكَةُ إنَّمَا تَكُونُ إذَا كَانَ لِكُلِّ مِنْ الشَّرِيكَيْنِ جُزْءٌ شَائِعٌ
(28/83)

كَالثُّلُثِ وَالنِّصْفِ فَإِذَا جُعِلَ لِأَحَدِهِمَا شَيْءٌ مُقَدَّرٌ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَدْلًا؛ بَلْ كَانَ ظُلْمًا. وَقَدْ ظَنَّ طَائِفَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ أَنَّ هَذِهِ الْمُشَارَكَاتِ مِنْ بَابِ الْإِجَارَاتِ بِعِوَضِ مَجْهُولٍ؛ فَقَالُوا: الْقِيَاسُ يَقْتَضِي تَحْرِيمَهَا. ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ حَرَّمَ الْمُسَاقَاةَ وَالزِّرَاعَةَ وَأَبَاحَ الْمُضَارَبَةَ اسْتِحْسَاناً لِلْحَاجَةِ؛ لِأَنَّ الدَّرَاهِمَ لَا يُمْكِنُ إجَارَتُهَا كَمَا يَقُولُ أَبُو حَنِيفَةَ. وَمِنْهُمْ مَنْ أَبَاحَ الْمُسَاقَاةَ إمَّا مُطْلَقًا كَقَوْلِ مَالِكٍ وَالْقَدِيمِ لِلشَّافِعِيِّ. أَوْ عَلَى النَّخْلِ وَالْعِنَبِ كَالْجَدِيدِ لِلشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ الشَّجَرَ لَا يُمْكِنُ إجَارَتُهَا بِخِلَافِ الْأَرْضِ وَأَبَاحُوا مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ الْمُزَارَعَةِ تَبَعًا لِلْمُسَاقَاةِ؛ فَأَبَاحُوا الْمُزَارَعَةَ تَبَعًا لِلْمُسَاقَاةِ كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ إذَا كَانَتْ الْأَرْضُ أَغْلَبَ. أَوْ قَدَّرُوا ذَلِكَ بِالثُّلُثِ كَقَوْلِ مَالِكٍ. وَأَمَّا جُمْهُورُ السَّلَفِ وَفُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ فَقَالُوا: هَذَا مِنْ بَابِ الْمُشَارَكَةِ لَا مِنْ بَابِ الْإِجَارَةِ الَّتِي يُقْصَدُ فِيهَا الْعَمَلُ؛ فَإِنَّ مَقْصُودَ كُلٍّ مِنْهُمَا مَا يَحْصُلُ مِنْ الثَّمَرِ وَالزَّرْعِ؛ وَهُمَا مُتَشَارِكَانِ: هَذَا بِبَدَنِهِ وَهَذَا بِمَالِهِ كَالْمُضَارَبَةِ. وَلِهَذَا كَانَ الصَّحِيحُ مِنْ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ: أَنَّ هَذِهِ الْمُشَارَكَاتِ إذَا فَسَدَتْ وَجَبَ نَصِيبُ الْمِثْلِ لَا أُجْرَةُ الْمِثْلِ فَيَجِبُ مِنْ الرِّبْحِ أَوْ النَّمَاءِ إمَّا ثُلُثُهُ وَإِمَّا نِصْفُهُ؛ كَمَا جَرَتْ الْعَادَةُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ؛ وَلَا يَجِبُ أُجْرَةٌ مُقَدَّرَةٌ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ قَدْ يَسْتَغْرِقُ الْمَالَ وَأَضْعَافَهُ وَإِنَّمَا يَجِبُ فِي الْفَاسِدِ
(28/84)

مِنْ الْعُقُودِ نَظِيرَ مَا يَجِبُ فِي الصَّحِيحِ وَالْوَاجِبُ فِي الصَّحِيحِ لَيْسَ هُوَ أُجْرَةً مُسَمَّاةً؛ بَلْ جُزْءٌ شَائِعٌ مِنْ الرِّبْحِ مُسَمًّى فَيَجِبُ فِي الْفَاسِدَةِ نَظِيرُ ذَلِكَ وَالْمُزَارَعَةُ أَحَلُّ مِنْ الْمُؤَاجَرَةِ وَأَقْرَبُ إلَى الْعَدْلِ وَالْأُصُولِ؛ فَإِنَّهُمَا يَشْتَرِكَانِ فِي الْمَغْنَمِ وَالْمَغْرَمِ؛ بِخِلَافِ الْمُؤَاجَرَةِ فَإِنَّ صَاحِبَ الْأَرْضِ تُسَلَّمُ لَهُ الْأُجْرَةُ وَالْمُسْتَأْجِرُ قَدْ يَحْصُلُ لَهُ زَرْعٌ وَقَدْ لَا يَحْصُلُ وَالْعُلَمَاءُ مُخْتَلِفُونَ فِي جَوَازِ هَذَا؛ وَجَوَازِ هَذَا. وَالصَّحِيحُ جَوَازُهُمَا.
وَسَوَاءٌ كَانَتْ الْأَرْضُ مُقْطَعَةً أَوْ لَمْ تَكُنْ مُقْطَعَةً وَمَا عَلِمْت أَحَدًا مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ - لَا أَهْلَ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبِعَةِ وَلَا غَيْرَهُمْ - قَالَ: إنَّ إجَارَةَ الْإِقْطَاعِ لَا تَجُوزُ وَمَا زَالَ الْمُسْلِمُونَ يُؤَجِّرُونَ الْأَرْضَ الْمُقْطَعَةَ مِنْ زَمَنِ الصَّحَابَةِ إلَى زَمَنِنَا هَذَا؛ لَكِنَّ بَعْضَ أَهْلِ زَمَانِنَا ابْتَدَعُوا هَذَا الْقَوْلَ؛ قَالُوا: لِأَنَّ الْمُقْطَعَ لَا يَمْلِكُ الْمَنْفَعَةَ؛ فَيَصِيرُ كَالْمُسْتَعِيرِ إذَا أَكْرَى الْأَرْضَ الْمُعَارَةَ وَهَذَا الْقِيَاسُ خَطَأٌ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمُسْتَعِيرَ لَمْ تَكُنْ الْمَنْفَعَةُ حَقًّا لَهُ؛ وَإِنَّمَا تَبَرَّعَ لَهُ الْمُعِيرُ بِهَا وَأَمَّا أَرَاضِي الْمُسْلِمِينَ فَمَنْفَعَتُهَا حَقٌّ لِلْمُسْلِمِينَ؛ وَوَلِيُّ الْأَمْرِ قَاسِمٌ يَقْسِمُ بَيْنَهُمْ حُقُوقَهُمْ لَيْسَ مُتَبَرِّعًا لَهُمْ كَالْمُعِيرِ وَالْمَقْطَعُ يَسْتَوْفِي الْمَنْفَعَةَ بِحُكْمِ الِاسْتِحْقَاقِ كَمَا يَسْتَوْفِي الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ مَنَافِعَ الْوَقْفِ وَأَوْلَى وَإِذَا جَازَ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ أَنْ يُؤَجِّرَ الْوَقْفَ وَإِنْ أَمْكَنَ أَنْ يَمُوتَ فَتَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ بِمَوْتِهِ عَلَى أَصَحِّ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ: فَلَأَنْ يَجُوزُ لِلْمُقْطِعِ أَنْ يُؤَجِّرَ الْإِقْطَاعَ
(28/85)

وَإِنْ انْفَسَخَتْ الْإِجَارَةُ بِمَوْتِهِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَالْأَحْرَى. الثَّانِي: أَنَّ الْمُعِيرَ لَوْ أَذِنَ فِي الْإِجَارَةِ جَازَتْ الْإِجَارَةُ: مِثْلَ الْإِجَارَةِ فِي الْإِقْطَاعِ وَوَلِيُّ الْأَمْرِ يَأْذَنُ لِلْمُقْطَعِينَ فِي الْإِجَارَةِ وَإِنَّمَا أَقْطَعَهُمْ لِيَنْتَفِعُوا بِهَا: إمَّا بِالْمُزَارَعَةِ وَإِمَّا بِالْإِجَارَةِ وَمَنْ حَرَّمَ الِانْتِفَاعَ بِهَا بِالْمُؤَاجَرَةِ وَالْمُزَارَعَةِ فَقَدْ أَفْسَدَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ دِينَهُمْ وَدُنْيَاهُمْ؛ فَإِنَّ الْمَسَاكِنَ كَالْحَوَانِيتِ وَالدُّورِ وَنَحْوِ ذَلِكَ لَا يَنْتَفِعُ بِهَا الْمُقْطَعُ إلَّا بِالْإِجَارَةِ. وَأَمَّا الْمَزَارِعُ وَالْبَسَاتِينُ فَيَنْتَفِعُ بِهَا بِالْإِجَارَةِ وَبِالْمُزَارَعَةِ وَالْمُسَاقَاةِ فِي الْأَمْرِ الْعَامِّ وَالْمُرَابَعَةُ نَوْعٌ مِنْ الْمُزَارَعَةِ وَلَا تَخْرُجُ عَنْ ذَلِكَ إلَّا إذَا اسْتَكْرَى بِإِجَارَةِ مُقَدَّرَةٍ مَنْ يَعْمَلُ لَهُ فِيهَا وَهَذَا لَا يَكَادُ يَفْعَلُهُ إلَّا قَلِيلٌ مِنْ النَّاسِ. لِأَنَّهُ قَدْ يَخْسَرُ مَالَهُ وَلَا يَحْصُلُ لَهُ شَيْءٌ؛ بِخِلَافِ الْمُشَارَكَةِ فَإِنَّهُمَا يَشْتَرِكَانِ فِي الْمَغْنَمِ وَالْمَغْرَمِ؛ فَهُوَ أَقْرَبُ إلَى الْعَدْلِ. فَلِهَذَا تَخْتَارُهُ الْفِطَرُ السَّلِيمَةُ. وَهَذِهِ الْمَسَائِلُ لِبَسْطِهَا مَوْضِعٌ آخَرُ. وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّ وَلِيَّ الْأَمْرِ إنْ أَجْبَرَ أَهْلَ الصِّنَاعَاتِ عَلَى مَا تَحْتَاجُ إلَيْهِ النَّاسُ مِنْ صِنَاعَاتِهِمْ كَالْفِلَاحَةِ وَالْحِيَاكَةِ وَالْبِنَايَةِ فَإِنَّهُ يُقَدِّرُ أُجْرَةَ الْمِثْلِ؛ فَلَا يُمَكِّنُ الْمُسْتَعْمِلَ مِنْ نَقْصِ أُجْرَةِ الصَّانِعِ عَنْ ذَلِكَ وَلَا يُمَكِّنُ الصَّانِعَ مِنْ الْمُطَالَبَةِ بِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ حَيْثُ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ الْعَمَلُ؛ وَهَذَا مِنْ التَّسْعِيرِ الْوَاجِبِ. وَكَذَلِكَ إذَا احْتَاجَ النَّاسُ إلَى مَنْ يَصْنَعُ لَهُمْ آلَاتِ الْجِهَادِ مِنْ سِلَاحٍ وَجِسْرٍ لِلْحَرْبِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَيُسْتَعْمَلُ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ لَا
(28/86)

يُمَكَّنُ الْمُسْتَعْمِلُونَ مِنْ ظُلْمِهِمْ وَلَا الْعُمَّالُ مِنْ مُطَالَبَتِهِمْ بِزِيَادَةِ عَلَى حَقِّهِمْ مَعَ الْحَاجَةِ إلَيْهِمْ فَهَذَا تَسْعِيرٌ فِي الْأَعْمَالِ. وَأَمَّا فِي الْأَمْوَالِ فَإِذَا احْتَاجَ النَّاسُ إلَى سِلَاحٍ لِلْجِهَادِ فَعَلَى أَهْلِ السِّلَاحِ أَنْ يَبِيعُوهُ بِعِوَضِ الْمِثْلِ وَلَا يُمَكَّنُونَ مِنْ أَنْ يَحْبِسُوا السِّلَاحَ حَتَّى يَتَسَلَّطَ الْعَدُوُّ أَوْ يُبْذَلَ لَهُمْ مِنْ الْأَمْوَالِ مَا يَخْتَارُونَ وَالْإِمَامُ لَوْ عَيَّنَ أَهْلَ الْجِهَادِ لِلْجِهَادِ تَعَيَّنَ عَلَيْهِمْ؛ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " {وَإِذَا اُسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا} " أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ. وَفِي الصَّحِيحِ أَيْضًا عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: " {عَلَى الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ فِي عُسْرِهِ وَيُسْرِهِ؛ وَمَنْشَطِهِ وَمَكْرَهِهِ وَأَثَرَةً عَلَيْهِ} ". فَإِذَا وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يُجَاهِدَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ: فَكَيْفَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَبِيعَ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ فِي الْجِهَادِ بِعِوَضِ الْمِثْلِ؟ وَالْعَاجِزُ عَنْ الْجِهَادِ بِنَفْسِهِ يَجِبُ عَلَيْهِ الْجِهَادُ بِمَالِهِ فِي أَصَحِّ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَد؛ فَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ بِالْجِهَادِ بِالْمَالِ وَالنَّفْسِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ الْقُرْآنِ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " {إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرِ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ} " أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ. فَمَنْ عَجَزَ عَنْ الْجِهَادِ بِالْبَدَنِ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ الْجِهَادُ بِالْمَالِ كَمَا أَنَّ مَنْ عَجَزَ عَنْ الْجِهَادِ بِالْمَالِ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ الْجِهَادُ بِالْبَدَنِ. وَمَنْ أَوْجَبَ عَلَى الْمَعْضُوبِ أَنْ يُخْرِجَ مِنْ مَالِهِ مَا يَحُجُّ بِهِ الْغَيْرُ عَنْهُ وَأَوْجَبَ الْحَجَّ عَلَى الْمُسْتَطِيعِ بِمَالِهِ فَقَوْلُهُ
(28/87)

ظَاهِرُ التَّنَاقُضِ. وَمِنْ ذَلِكَ إذَا كَانَ النَّاسُ مُحْتَاجِينَ إلَى مَنْ يَطْحَنُ لَهُمْ وَمَنْ يَخْبِزُ لَهُمْ لِعَجْزِهِمْ عَنْ الطَّحْنِ وَالْخَبْزِ فِي الْبُيُوتِ؛ كَمَا كَانَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ مَنْ يَطْحَنُ وَيَخْبِزُ بِكِرَاءِ وَلَا مَنْ يَبِيعُ طَحِينًا وَلَا خُبْزًا بَلْ كَانُوا يَشْتَرُونَ الْحَبَّ وَيَطْحَنُونَهُ وَيَخْبِزُونَهُ فِي بُيُوتِهِمْ؛ فَلَمْ يَكُونُوا يَحْتَاجُونَ إلَى التَّسْعِيرِ وَكَانَ مَنْ قَدِمَ بِالْحَبِّ بَاعَهُ فَيَشْتَرِيهِ النَّاسُ مِنْ الْجَالِبِينَ؛ وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " {الْجَالِبُ مَرْزُوقٌ وَالْمُحْتَكِرُ مَلْعُونٌ} " وَقَالَ: " {لَا يَحْتَكِرُ إلَّا خَاطِئٌ} " رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ. وَمَا يُرْوَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " {أَنَّهُ نَهَى عَنْ قَفِيزِ الطَّحَّانِ} " فَحَدِيثٌ ضَعِيفٌ بَلْ بَاطِلٌ فَإِنَّ الْمَدِينَةَ لَمْ يَكُنْ فِيهَا طَحَّانٌ وَلَا خَبَّازٌ؛ لِعَدَمِ حَاجَتِهِمْ إلَى ذَلِكَ كَمَا أَنَّ الْمُسْلِمِينَ لَمَّا فَتَحُوا الْبِلَادَ كَانَ الْفَلَّاحُونَ كُلُّهُمْ كُفَّارًا؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا مُشْتَغِلِينَ بِالْجِهَادِ. وَلِهَذَا لَمَّا فَتَحَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْبَرَ أَعْطَاهَا لِلْيَهُودِ يَعْمَلُونَهَا فِلَاحَةً؛ لِعَجْزِ الصَّحَابَةِ عَنْ فِلَاحَتِهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَحْتَاجُ إلَى سُكْنَاهَا وَكَانَ الَّذِينَ فَتَحُوهَا أَهْلَ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ الَّذِينَ بَايَعُوا تَحْتَ الشَّجَرَةِ وَكَانُوا نَحْوَ أَلْفٍ وَأَرْبَعِمِائَةٍ وَانْضَمَّ إلَيْهِمْ أَهْلُ سَفِينَةِ جَعْفَرٍ فَهَؤُلَاءِ هُمْ الَّذِينَ قَسَمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُمْ أَرْضَ خَيْبَرَ فَلَوْ أَقَامَ
(28/88)

طَائِفَةٌ مِنْ هَؤُلَاءِ فِيهَا لِفِلَاحَتِهَا تَعَطَّلَتْ مَصَالِحُ الدِّينِ الَّتِي لَا يَقُومُ بِهَا غَيْرُهُمْ فَلَمَّا كَانَ فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَفُتِحَتْ الْبِلَادُ وَكَثُرَ الْمُسْلِمُونَ اسْتَغْنَوْا عَنْ الْيَهُودِ فَأَجْلَوْهُمْ وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ قَالَ: " {نُقِرُّكُمْ فِيهَا مَا شِئْنَا - وَفِي رِوَايَةٍ - مَا أَقَرَّكُمْ اللَّهُ} " وَأَمَرَ بِإِجْلَائِهِمْ مِنْهَا عِنْدَ مَوْتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: " {أَخْرِجُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ} ". وَلِهَذَا ذَهَبَ طَائِفَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ كَمُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ الطبري - إلَى أَنَّ الْكُفَّارَ لَا يُقَرُّونَ فِي بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ بِالْجِزْيَةِ إلَّا إذَا كَانَ الْمُسْلِمُونَ مُحْتَاجِينَ إلَيْهِمْ فَإِذَا اسْتَغْنَوْا عَنْهُمْ أَجْلَوْهُمْ كَأَهْلِ خَيْبَرَ. وَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ نِزَاعٌ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَهُ. وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّ النَّاسَ إذَا احْتَاجُوا إلَى الطَّحَّانِينَ وَالْخَبَّازِينَ فَهَذَا عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَحْتَاجُوا إلَى صِنَاعَتِهِمْ؛ كَاَلَّذِينَ يَطْحَنُونَ وَيَخْبِزُونَ لِأَهْلِ الْبُيُوتِ فَهَؤُلَاءِ يَسْتَحِقُّونَ الْأُجْرَةَ وَلَيْسَ لَهُمْ عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَيْهِمْ أَنْ يُطَالِبُوا إلَّا بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ كَغَيْرِهِمْ مِنْ الصُّنَّاعِ. وَالثَّانِي: أَنْ يَحْتَاجُوا إلَى الصَّنْعَةِ وَالْبَيْعِ؛ فَيَحْتَاجُوا إلَى مَنْ يَشْتَرِي الْحِنْطَةَ وَيَطْحَنُهَا؛ وَإِلَى مَنْ يَخْبِزُهَا وَيَبِيعُهَا خُبْزًا. لِحَاجَةِ النَّاسِ إلَى
(28/89)

شِرَاءِ الْخُبْزِ مِنْ الْأَسْوَاقِ فَهَؤُلَاءِ لَوْ مُكِّنُوا أَنْ يَشْتَرُوا حِنْطَةَ النَّاسِ الْمَجْلُوبَةِ وَيَبِيعُوا الدَّقِيقَ وَالْخُبْزَ بِمَا شَاءُوا مَعَ حَاجَةِ النَّاسِ إلَى تِلْكَ الْحِنْطَةِ لَكَانَ ذَلِكَ ضَرَرًا عَظِيمًا؛ فَإِنَّ هَؤُلَاءِ تُجَّارٌ تَجِبُ عَلَيْهِمْ زَكَاةُ التِّجَارَةِ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبِعَةِ وَجُمْهُورِ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ كَمَا يَجِبُ عَلَى كُلِّ مَنْ اشْتَرَى شَيْئًا يَقْصِدُ أَنْ يَبِيعَهُ بِرِبْحِ سَوَاءٌ عَمِلَ فِيهِ عَمَلًا أَوْ لَمْ يَعْمَلْ وَسَوَاءٌ اشْتَرَى طَعَامًا أَوْ ثِيَابًا أَوْ حَيَوَانًا وَسَوَاءٌ كَانَ مُسَافِرًا يَنْقُلُ ذَلِكَ مِنْ بَلَدٍ إلَى بَلَدٍ؛ أَوْ كَانَ مُتَرَبِّصًا بِهِ يَحْبِسُهُ إلَى وَقْتِ النِّفَاقِ؛ أَوْ كَانَ مُدِيرًا يَبِيعُ دَائِمًا وَيَشْتَرِي كَأَهْلِ الْحَوَانِيتِ فَهَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ تَجِبُ عَلَيْهِمْ زَكَاةُ التُّجَّارِ وَإِذَا وَجَبَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَصْنَعُوا الدَّقِيقَ وَالْخُبْزَ لِحَاجَةِ النَّاسِ إلَى ذَلِكَ أُلْزِمُوا كَمَا تَقَدَّمَ؛ أَوْ دَخَلُوا طَوْعًا فِيمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ النَّاسُ مِنْ غَيْرِ إلْزَامٍ لِوَاحِدِ مِنْهُمْ بِعَيْنِهِ؛ فَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ يُسَعَّرُ عَلَيْهِمْ الدَّقِيقُ وَالْحِنْطَةُ؛ فَلَا يَبِيعُوا الْحِنْطَةَ وَالدَّقِيقَ إلَّا بِثَمَنِ الْمِثْلِ بِحَيْثُ يَرْبَحُونَ الرِّبْحَ بِالْمَعْرُوفِ مِنْ غَيْرِ إضْرَارٍ بِهِمْ وَلَا بِالنَّاسِ.
وَقَدْ تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ فِي التَّسْعِيرِ فِي مَسْأَلَتَيْنِ:
إحْدَاهُمَا: إذَا كَانَ لِلنَّاسِ سِعْرٌ غَالِبٌ فَأَرَادَ بَعْضُهُمْ أَنْ يَبِيعَ بِأَغْلَى مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَمْنَعُ مِنْهُ فِي السُّوقِ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ. وَهَلْ يَمْنَعُ النُّقْصَانَ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ لَهُمْ. وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُ أَحْمَد: كَأَبِي حَفْصٍ العكبري. وَالْقَاضِي
(28/90)

أَبِي يَعْلَى؛ وَالشَّرِيفِ أَبِي جَعْفَرٍ؛ وَأَبِي الْخَطَّابِ؛ وَابْنِ عَقِيلٍ وَغَيْرِهِمْ: فَمَنَعُوا مِنْ ذَلِكَ. وَاحْتَجَّ مَالِكٌ بِمَا رَوَاهُ فِي مُوَطَّئِهِ عَنْ يُونُسَ بْنِ يُوسُفٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ مَرَّ بِحَاطِبِ بْنِ أَبِي بلتعة وَهُوَ يَبِيعُ زَبِيبًا لَهُ بِالسُّوقِ؛ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: إمَّا أَنْ تَزِيدَ فِي السِّعْرِ وَإِمَّا أَنْ تَرْفَعَ مِنْ سُوقِنَا. وَأَجَابَ الشَّافِعِيُّ وَمُوَافِقُوهُ بِمَا رَوَاهُ فَقَالَ: حَدَّثَنَا الدراوردي عَنْ دَاوُد بْنِ صَالِحٍ التَّمَّارِ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عُمَرَ: أَنَّهُ مَرَّ بِحَاطِبِ بِسُوقِ الْمُصَلَّيْ وَبَيْنَ يَدَيْهِ غِرَارَتَانِ فِيهِمَا زَبِيبٌ؛ فَسَأَلَهُ عَنْ سِعْرِهِمَا؟ فَسَعَّرَ لَهُ مُدَّيْنِ لِكُلِّ دِرْهَمٍ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: قَدْ حَدَثَتْ بِعِيرِ مُقْبِلَةٍ مِنْ الطَّائِفِ تَحْمِلُ زَبِيبًا وَهُمْ يَعْتَبِرُونَ بِسِعْرَك فَإِمَّا أَنْ تَرْفَعَ السِّعْرَ وَإِمَّا أَنْ تُدْخِلَ زَبِيبَك الْبَيْتَ فَتَبِيعُهُ كَيْفَ شِئْت فَلَمَّا رَجَعَ عُمَرُ حَاسَبَ نَفْسَهُ؛ ثُمَّ أَتَى حَاطِبًا فِي دَارِهِ فَقَالَ: إنَّ الَّذِي قُلْت لَك لَيْسَ بِعَزْمَةٍ مِنِّي وَلَا قَضَاءٍ إنَّمَا هُوَ شَيْءٌ أَرَدْت بِهِ الْخَيْرَ لِأَهْلِ الْبَلَدِ فَحَيْثُ شِئْت فَبِعْ وَكَيْفَ شِئْت فَبِعْ قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَهَذَا الْحَدِيثُ مُقْتَضَاهُ لَيْسَ بِخِلَافِ مَا رَوَاهُ مَالِكٌ وَلَكِنَّهُ رَوَى بَعْضَ الْحَدِيثِ أَوْ رَوَاهُ عَنْهُ مَنْ رَوَاهُ؛ وَهَذَا أَتَى بِأَوَّلِ الْحَدِيثِ وَآخِرِهِ؛ وَبِهِ أَقُولُ؛ لِأَنَّ النَّاسَ مُسَلَّطُونَ عَلَى أَمْوَالِهِمْ لَيْسَ لِأَحَدِ أَنْ يَأْخُذَهَا أَوْ شَيْئًا مِنْهَا بِغَيْرِ طِيبِ
(28/91)

أَنْفُسِهِمْ إلَّا فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي تَلْزَمُهُمْ وَهَذَا لَيْسَ مِنْهَا. قُلْت: وَعَلَى قَوْلِ مَالِكٍ قَالَ أَبُو الْوَلِيدِ الباجي: الَّذِي يُؤْمَرُ مَنْ حَطَّ عَنْهُ أَنْ يَلْحَقَ بِهِ هُوَ السِّعْرُ الَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ النَّاسِ؛ فَإِذَا انْفَرَدَ مِنْهُمْ الْوَاحِدُ وَالْعَدَدُ الْيَسِيرُ بِحَطِّ السِّعْرِ أُمِرُوا بِاللِّحَاقِ بِسِعْرِ الْجُمْهُورِ؛ لِأَنَّ الْمَرَاعِيَ حَالُ الْجُمْهُورِ وَبِهِ تَقُومُ الْمَبِيعَاتُ. وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ: لَا يُقَامُ النَّاسُ لِخَمْسَةِ. قَالَ: وَعِنْدِي أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يُنْظَرَ فِي ذَلِكَ إلَى قَدْرِ الْأَسْوَاقِ؛ وَهَلْ يُقَامُ مَنْ زَادَ فِي السُّوقِ - أَيْ: فِي قَدْرِ الْمَبِيعِ - بِالدِّرْهَمِ مَثَلًا كَمَا يُقَامُ مَنْ نَقَصَ مِنْهُ؟ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ ابْنُ الْقَصَّارِ الْمَالِكِيُّ: اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ: وَلَكِنْ مَنْ حَطَّ سِعْرًا. فَقَالَ الْبَغْدَادِيُّونَ: أَرَادَ مَنْ بَاعَ خَمْسَةً بِدِرْهَمِ وَالنَّاسُ يَبِيعُونَ ثَمَانِيَةً. وَقَالَ قَوْمٌ مِنْ الْمِصْرِيِّينَ: أَرَادَ مَنْ بَاعَ ثَمَانِيَةً وَالنَّاسُ يَبِيعُونَ خَمْسَةً. قَالَ: وَعِنْدِي أَنَّ الْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا مَمْنُوعَانِ؛ لِأَنَّ مَنْ بَاعَ ثَمَانِيَةً وَالنَّاسُ يَبِيعُونَ خَمْسَةً أَفْسَدَ عَلَى أَهْلِ السُّوقِ بَيْعَهُمْ؛ فَرُبَّمَا أَدَّى إلَى الشَّغَبِ وَالْخُصُومَةِ؛ فَفِي مَنْعِ الْجَمِيعِ مَصْلَحَةٌ. قَالَ أَبُو الْوَلِيدِ: وَلَا خِلَافَ أَنَّ ذَلِكَ حُكْمُ أَهْلِ السُّوقِ. وَأَمَّا الْجَالِبُ فَفِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ: لَا يُمْنَعُ الْجَالِبُ أَنْ يَبِيعَ فِي السُّوقِ دُونَ النَّاسِ. وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: مَا عَدَا الْقَمْحَ وَالشَّعِيرَ إلَّا بِسِعْرِ النَّاسِ وَإِلَّا رَفَعُوا قَالَ: وَأَمَّا جَالِبُ الْقَمْحِ وَالشَّعِيرِ فَيَبِيعُ كَيْفَ شَاءَ؛
(28/92)

إلَّا أَنَّ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ حُكْمَ أَهْلِ السُّوقِ؛ إنْ أَرْخَصَ بَعْضُهُمْ تَرَكُوا وَإِنْ كَثُرَ الْمُرَخِّصُ قِيلَ لِمَنْ بَقِيَ: إمَّا أَنْ تَبِيعُوا كَبَيْعِهِمْ وَإِمَّا أَنْ تَرْفَعُوا. قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَهَذَا فِي الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ: مَأْكُولًا أَوْ غَيْرَ مَأْكُولٍ؛ دُونَ مَا لَا يُكَالُ وَلَا يُوزَنُ؛ لِأَنَّ غَيْرَهُ لَا يُمْكِنُ تَسْعِيرُهُ؛ لِعَدَمِ التَّمَاثُلِ فِيهِ. قَالَ أَبُو الْوَلِيدِ: يُرِيدُ إذَا كَانَ الْمَكِيلُ وَالْمَوْزُونُ مُتَسَاوِيًا فَإِذَا اخْتَلَفَ لَمْ يُؤْمَرْ بَائِعُ الْجَيِّدِ أَنْ يَبِيعَهُ بِسِعْرِ الدُّونِ. قُلْت: وَالْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ الَّتِي تَنَازَعَ فِيهَا الْعُلَمَاءُ فِي التَّسْعِيرِ: أَنْ لَا يُحَدَّ لِأَهْلِ السُّوقِ حَدٌّ لَا يَتَجَاوَزُونَهُ مَعَ قِيَامِ النَّاسِ بِالْوَاجِبِ فَهَذَا مَنَعَ مِنْهُ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ حَتَّى مَالِكٌ نَفْسُهُ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ. وَنُقِلَ الْمَنْعُ أَيْضًا عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَسَالِمٍ وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَذَكَرَ أَبُو الْوَلِيدِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَرَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ. وَعَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُمْ أَرْخَصُوا فِيهِ؛ وَلَمْ يَذْكُرْ أَلْفَاظَهُمْ. وَرَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ؛ وَصَاحِبِ السُّوقِ يُسَعِّرُ عَلَى الْجَزَّارِينَ: لَحْمَ الضَّأْنِ ثُلُثَ رِطْلٍ؛ وَلَحْمَ الْإِبِلِ نِصْفَ رِطْلٍ؛ وَإِلَّا خَرَجُوا مِنْ السُّوقِ. قَالَ: إذَا سَعَّرَ عَلَيْهِمْ قَدْرَ مَا يَرَى مِنْ شِرَائِهِمْ فَلَا بَأْسَ بِهِ وَلَكِنْ أَخَافُ أَنْ يَقُومُوا مِنْ السُّوقِ. وَاحْتَجَّ أَصْحَابُ هَذَا الْقَوْلِ بِأَنَّ هَذَا مَصْلَحَةٌ لِلنَّاسِ بِالْمَنْعِ مِنْ إغْلَاءِ
(28/93)

السِّعْرِ عَلَيْهِمْ وَلَا فَسَادَ عَلَيْهِمْ. قَالُوا: وَلَا يُجْبَرُ النَّاسُ عَلَى الْبَيْعِ إنَّمَا يُمْنَعُونَ مِنْ الْبَيْعِ بِغَيْرِ السِّعْرِ الَّذِي يَحُدُّهُ وَلِيُّ الْأَمْرِ؛ عَلَى حَسَبِ مَا يَرَى مِنْ الْمَصْلَحَةِ فِيهِ لِلْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي؛ وَلَا يَمْنَعُ الْبَائِعُ رِبْحًا وَلَا يَسُوغُ لَهُ مِنْهُ مَا يَضُرُّ بِالنَّاسِ. وَأَمَّا الْجُمْهُورُ فَاحْتَجُّوا بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ رَوَاهُ أَيْضًا أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: {جَاءَ رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ سَعِّرْ لَنَا فَقَالَ: بَلْ اُدْعُوا اللَّهَ ثُمَّ جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ سَعِّرْ لَنَا فَقَالَ: بَلْ اللَّهُ يَرْفَعُ وَيَخْفِضُ؛ وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَلْقَى اللَّهَ وَلَيْسَتْ لِأَحَدِ عِنْدِي مَظْلِمَةٌ} ". قَالُوا: وَلِأَنَّ إجْبَارَ النَّاسِ عَلَى بَيْعٍ لَا يَجِبُ أَوْ مَنْعِهِمْ مِمَّا يُبَاحُ شَرْعًا: ظُلْمٌ لَهُمْ وَالظُّلْمُ حَرَامٌ. وَأَمَّا صِفَةُ ذَلِكَ عِنْدَ مَنْ جَوَّزَهُ: فَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَجْمَعَ وُجُوهَ أَهْلِ سُوقِ ذَلِكَ الشَّيْءِ؛ وَيَحْضُرُ غَيْرُهُمْ اسْتِظْهَارًا عَلَى صِدْقِهِمْ؛ فَيَسْأَلُهُمْ: كَيْفَ يَشْتَرُونَ؟ وَكَيْفَ يَبِيعُونَ؟ فَيُنَازِلُهُمْ إلَى مَا فِيهِ لَهُمْ وَلِلْعَامَّةِ سَدَادٌ حَتَّى يَرْضَوْا وَلَا يُجْبَرُونَ عَلَى التَّسْعِيرِ؛ وَلَكِنْ عَنْ رِضًا. قَالَ: وَعَلَى هَذَا أَجَازَهُ مَنْ أَجَازَهُ. قَالَ أَبُو الْوَلِيدِ: وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ بِهَذَا يَتَوَصَّلُ إلَى مَعْرِفَةِ مَصَالِحِ الْبَاعَةِ وَالْمُشْتَرِينَ وَيَجْعَلُ لِلْبَاعَةِ فِي
(28/94)

ذَلِكَ مِنْ الرِّبْحِ مَا يَقُومُ بِهِمْ؛ وَلَا يَكُونُ فِيهِ إجْحَافٌ بِالنَّاسِ وَإِذَا سَعَّرَ عَلَيْهِمْ مِنْ غَيْرِ رِضًا بِمَا لَا رِبْحَ لَهُمْ فِيهِ أَدَّى ذَلِكَ إلَى فَسَادِ الْأَسْعَارِ وَإِخْفَاءِ الْأَقْوَاتِ وَإِتْلَافِ أَمْوَالِ النَّاسِ. قُلْت: فَهَذَا الَّذِي تَنَازَعَ فِيهِ الْعُلَمَاءُ.
وَأَمَّا إذَا امْتَنَعَ النَّاسُ مِنْ بَيْعِ مَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ بَيْعُهُ فَهُنَا يُؤْمَرُونَ بِالْوَاجِبِ وَيُعَاقَبُونَ عَلَى تَرْكِهِ وَكَذَلِكَ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَبِيعَ بِثَمَنِ الْمِثْلِ فَامْتَنَعَ أَنْ يَبِيعَ إلَّا بِأَكْثَرَ مِنْهُ: فَهُنَا يُؤْمَرُ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِ؛ وَيُعَاقَبُ عَلَى تَرْكِهِ بِلَا رَيْبٍ. وَمَنْ مَنَعَ التَّسْعِيرَ مُطْلَقًا مُحْتَجًّا بِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " {أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْمُسَعِّرُ الْقَابِضُ الْبَاسِطُ وَأَنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَلْقَى اللَّهَ وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْكُمْ يُطَالِبُنِي بِمَظْلِمَةٍ فِي دَمٍ وَلَا مَالٍ} " فَقَدْ غَلِطَ؛ فَإِنَّ هَذِهِ قَضِيَّةٌ مُعَيَّنَةٌ لَيْسَتْ لَفْظًا عَامًّا وَلَيْسَ فِيهَا أَنَّ أَحَدًا امْتَنَعَ مِنْ بَيْعٍ يَجِبُ عَلَيْهِ أَوْ عَمَلٍ يَجِبُ عَلَيْهِ؛ أَوْ طَلَبَ فِي ذَلِكَ أَكْثَرَ مِنْ عِوَضِ الْمِثْلِ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ الشَّيْءَ إذَا رَغِبَ النَّاسُ فِي الْمُزَايَدَةِ فِيهِ: فَإِذَا كَانَ صَاحِبُهُ قَدْ بَذَلَهُ كَمَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ وَلَكِنَّ النَّاسَ تَزَايَدُوا فِيهِ فَهُنَا لَا يُسَعَّرُ عَلَيْهِمْ وَالْمَدِينَةُ كَمَا ذَكَرْنَا إنَّمَا كَانَ الطَّعَامُ الَّذِي يُبَاعُ فِيهَا غَالِبًا مِنْ الْجَلَبِ؛ وَقَدْ يُبَاعُ فِيهَا شَيْءٌ يُزْرَعُ فِيهَا؛ وَإِنَّمَا كَانَ يُزْرَعُ فِيهَا
(28/95)

الشَّعِيرُ؛ فَلَمْ يَكُنْ الْبَائِعُونَ وَلَا الْمُشْتَرُونَ نَاسًا مُعَيَّنِينَ؛ وَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ أَحَدٌ يَحْتَاجُ النَّاسُ إلَى عَيْنِهِ أَوْ إلَى مَالِهِ؛ لِيُجْبَرَ عَلَى عَمَلٍ أَوْ عَلَى بَيْعٍ بَلْ الْمُسْلِمُونَ كُلُّهُمْ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ كُلُّهُمْ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَمْ يَكُنْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ الْبَالِغِينَ الْقَادِرِينَ عَلَى الْجِهَادِ إلَّا مَنْ يَخْرُجُ فِي الْغَزْوِ وَكُلٌّ مِنْهُمْ يَغْزُو بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ: أَوْ بِمَا يُعْطَاهُ مِنْ الصَّدَقَاتِ أَوْ الْفَيْءِ؛ أَوْ مَا يُجَهِّزُهُ بِهِ غَيْرُهُ وَكَانَ إكْرَاهُ الْبَائِعِينَ عَلَى أَنْ لَا يَبِيعُوا سِلَعَهُمْ إلَّا بِثَمَنِ مُعَيَّنٍ إكْرَاهًا بِغَيْرِ حَقٍّ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ يَجُوزُ إكْرَاهُهُمْ عَلَى أَصْلِ الْبَيْعِ فَإِكْرَاهُهُمْ عَلَى تَقْدِيرِ الثَّمَنِ كَذَلِكَ لَا يَجُوزُ. وَأَمَّا مَنْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ أَنْ يَبِيعَ فَكَاَلَّذِي كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدَّرَ لَهُ الثَّمَنَ الَّذِي يَبِيعُ بِهِ وَيُسَعِّرُ عَلَيْهِ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: " {مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ وَكَانَ لَهُ مِنْ الْمَالِ مَا يَبْلُغُ ثَمَنَ الْعَبْدِ قُوِّمَ عَلَيْهِ قِيمَةَ عَدْلٍ لَا وَكْسَ وَلَا شَطَطَ؛ فَأَعْطَى شُرَكَاءَهُ حِصَصَهُمْ وَعَتَقَ عَلَيْهِ الْعَبْدُ} " فَهَذَا لَمَّا وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَمْلِكَ شَرِيكُهُ عِتْقَ نَصِيبِهِ الَّذِي لَمْ يُعْتِقْهُ لِيُكْمِلَ الْحُرِّيَّةَ فِي الْعَبْدِ قَدْرَ عِوَضِهِ بِأَنْ يُقَوِّمَ جَمِيعَ الْعَبْدِ قِيمَةَ عَدْلٍ لَا وَكْسَ وَلَا شَطَطَ؛ وَيُعْطِي قِسْطَهُ مِنْ الْقِيمَةِ؛ فَإِنَّ حَقَّ الشَّرِيكِ فِي نِصْفِ الْقِيمَةِ لَا فِي قِيمَةِ النِّصْفِ عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ: كَمَالِكِ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَد؛ وَلِهَذَا قَالَ هَؤُلَاءِ: كَلُّ مَا لَا يُمْكِنُ قَسْمُهُ فَإِنَّهُ يُبَاعُ وَيُقْسَمُ ثَمَنُهُ إذَا طَلَبَ أَحَدُ الشُّرَكَاءِ ذَلِكَ؛
(28/96)

وَيُجْبَرُ الْمُمْتَنِعُ عَلَى الْبَيْعِ وَحَكَى بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ ذَلِكَ إجْمَاعًا؛ لِأَنَّ حَقَّ الشَّرِيكِ فِي نِصْفِ الْقِيمَةِ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ هَذَا الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ وَلَا يُمْكِنُ إعْطَاؤُهُ ذَلِكَ إلَّا بِبَيْعِ الْجَمِيعِ فَإِذَا كَانَ الشَّارِعُ يُوجِبُ إخْرَاجَ الشَّيْءِ مِنْ مِلْكِ مَالِكِهِ بِعِوَضِ الْمِثْلِ لِحَاجَةِ الشَّرِيكِ إلَى إعْتَاقِ ذَلِكَ؛ وَلَيْسَ لِلْمَالِكِ الْمُطَالَبَةُ بِالزِّيَادَةِ عَلَى نِصْفِ الْقِيمَةِ: فَكَيْفَ بِمَنْ كَانَتْ حَاجَتُهُ أَعْظَمَ مِنْ الْحَاجَةِ إلَى إعْتَاقِ ذَلِكَ النَّصِيبِ؟ مِثْلَ حَاجَةِ الْمُضْطَرِّ إلَى الطَّعَامِ وَاللِّبَاسِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَهَذَا الَّذِي أَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ تَقْوِيمُ الْجَمِيعِ بِقِيمَةِ الْمِثْلِ هُوَ حَقِيقَةُ التَّسْعِيرِ. وَكَذَلِكَ يَجُوزُ لِلشَّرِيكِ أَنْ يَنْزِعَ النِّصْفَ الْمَشْفُوعَ مِنْ يَدِ الْمُشْتَرِي بِمِثْلِ الثَّمَنِ الَّذِي اشْتَرَاهُ بِهِ؛ لَا بِزِيَادَةِ؛ لِلتَّخَلُّصِ مِنْ ضَرَرِ الْمُشَارَكَةِ وَالْمُقَاسَمَةِ وَهَذَا ثَابِتٌ بِالسُّنَّةِ الْمُسْتَفِيضَةِ وَإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ وَهَذَا إلْزَامٌ لَهُ بِأَنْ يُعْطِيَهُ ذَلِكَ الثَّمَنَ لَا بِزِيَادَةِ؛ لِأَجْلِ تَحْصِيلِ مَصْلَحَةِ التَّكْمِيلِ لِوَاحِدِ: فَكَيْفَ بِمَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَبِيعَهُ لِلشَّرِيكِ بِمَا شَاءَ؟ بَلْ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَطْلُبَ مِنْ الشَّرِيكِ زِيَادَةً عَلَى الثَّمَنِ الَّذِي حَصَلَ لَهُ بِهِ وَهَذَا فِي الْحَقِيقَةِ مِنْ نَوْعِ التَّوْلِيَةِ؛ فَإِنَّ التَّوْلِيَةَ: أَنْ يُعْطِيَ الْمُشْتَرِيَ السِّلْعَةَ لِغَيْرِهِ بِمِثْلِ الثَّمَنِ الَّذِي اشْتَرَاهَا بِهِ وَهَذَا أَبْلَغُ مِنْ الْبَيْعِ بِثَمَنِ الْمِثْلِ؛ وَمَعَ هَذَا فَلَا يُجْبَرُ الْمُشْتَرِي عَلَى أَنْ يَبِيعَهُ لِأَجْنَبِيٍّ غَيْرِ الشَّرِيكِ إلَّا بِمَا شَاءَ؛ إذْ لَا حَاجَةَ بِذَاكَ إلَى
(28/97)

شِرَائِهِ كَحَاجَةِ الشَّرِيكِ. فَأَمَّا إذَا قُدِّرَ أَنَّ قَوْمًا اُضْطُرُّوا إلَى سُكْنَى فِي بَيْتِ إنْسَانٍ إذَا لَمْ يَجِدُوا مَكَانًا يَأْوُونَ إلَيْهِ إلَّا ذَلِكَ الْبَيْتَ فَعَلَيْهِ أَنْ يُسَكِّنَهُمْ. وَكَذَلِكَ لَوْ احْتَاجُوا إلَى أَنْ يُعِيرَهُمْ ثِيَابًا يَسْتَدْفِئُونَ بِهَا مِنْ الْبَرْدِ؛ أَوْ إلَى آلَاتٍ يَطْبُخُونَ بِهَا؛ أَوْ يَبْنُونَ أَوْ يَسْقُونَ: يَبْذُلُ هَذَا مَجَّانًا. وَإِذَا احْتَاجُوا إلَى أَنْ يُعِيرَهُمْ دَلْوًا يَسْتَقُونَ بِهِ؛ أَوْ قِدْرًا يَطْبُخُونَ فِيهَا؛ أَوْ فَأْسًا يَحْفِرُونَ بِهِ: فَهَلْ عَلَيْهِ بَذْلُهُ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ لَا بِزِيَادَةِ؟ فِيهِ قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ. وَالصَّحِيحُ وُجُوبُ بَذْلِ ذَلِكَ مَجَّانًا إذَا كَانَ صَاحِبُهَا مُسْتَغْنِيًا عَنْ تِلْكَ الْمَنْفَعَةِ وَعِوَضِهَا؛ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ} {الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ} {الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ} {وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ} وَفِي السُّنَنِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كُنَّا نَعُدُّ (الْمَاعُونَ عَارِيَةَ الدَّلْوِ وَالْقِدْرِ وَالْفَأْسِ. وَفَى الصَّحِيحَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ الْخَيْلَ قَالَ: " {هِيَ مَا لِرَجُلِ أَجْرٌ وَلِرَجُلِ سِتْرٌ وَعَلَى رَجُلٍ وِزْرٌ. فَأَمَّا الَّذِي هِيَ لَهُ أَجْرٌ فَرَجُلٌ رَبَطَهَا تَغَنِّيًا وَتَعَفُّفًا؛ وَلَمْ يَنْسَ حَقَّ اللَّهِ فِي رِقَابِهَا وَلَا ظُهُورِهَا} " وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: " {مِنْ حَقِّ الْإِبِلِ إعَارَةُ دَلْوِهَا وَإِضْرَابُ فَحْلِهَا} " وَثَبَتَ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {أَنَّهُ نَهَى عَنْ عَسْبِ الْفَحْلِ} وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ أَنَّهُ
(28/98)

قَالَ: " {لَا يَمْنَعَنَّ جَارٌ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً فِي جِدَارِهِ} " وَإِيجَابُ بَذْلِ هَذِهِ الْمَنْفَعَةِ مَذْهَبُ أَحْمَد وَغَيْرِهِ.
وَلَوْ احْتَاجَ إلَى إجْرَاءِ مَاءٍ فِي أَرْضِ غَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ بِصَاحِبِ الْأَرْضِ: فَهَلْ يُجْبَرُ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ لِلْعُلَمَاءِ هُمَا رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَد وَالْأَخْبَارُ بِذَلِكَ مَأْثُورَةٌ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ لِلْمَانِعِ: وَاَللَّهِ لَنُجْرِيَنَّهَا وَلَوْ عَلَى بَطْنِك. وَمَذْهَبُ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ: أَنَّ زَكَاةَ الْحُلِيِّ عَارِيَتُهُ. وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ. وَالْمَنَافِعُ الَّتِي يَجِبُ بَذْلُهَا نَوْعَانِ: مِنْهَا مَا هُوَ حَقُّ الْمَالِ؛ كَمَا ذَكَرَهُ فِي الْخَيْلِ وَالْإِبِلِ وَعَارِيَةِ الْحُلِيِّ. وَمِنْهَا مَا يَجِبُ لِحَاجَةِ النَّاسِ. وَأَيْضًا فَإِنَّ بَذْلَ مَنَافِعِ الْبَدَنِ يَجِبُ عِنْدَ الْحَاجَةِ كَمَا يَجِبُ تَعْلِيمُ الْعِلْمِ؛ وَإِفْتَاءُ النَّاسِ؛ وَأَدَاءُ الشَّهَادَةِ؛ وَالْحُكْمُ بَيْنَهُمْ؛ وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ؛ وَالْجِهَادُ؛ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ مَنَافِعِ الْأَبْدَانِ؛ فَلَا يَمْنَعُ وُجُوبَ بَذْلِ مَنَافِعِ الْأَمْوَالِ لِلْمُحْتَاجِ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إذَا مَا دُعُوا} وَقَالَ: {وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ} . وَلِلْفُقَهَاءِ فِي أَخْذِ الْجُعْلِ عَلَى الشَّهَادَةِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ؛ هِيَ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ مُطْلَقًا.
وَالثَّانِي لَا يَجُوزُ إلَّا عِنْدَ الْحَاجَةِ.
(28/99)

وَالثَّالِثُ يَجُوزُ إلَّا أَنْ يَتَعَيَّنَ عَلَيْهِ.
وَالرَّابِعُ يَجُوزُ. فَإِنْ أَخَذَ أَجْرًا عِنْدَ الْعَمَلِ لَمْ يَأْخُذْ عِنْدَ الْأَدَاءِ. وَهَذِهِ الْمَسَائِلُ لِبَسْطِهَا مَوَاضِعُ أُخَرُ. وَالْمَقْصُودُ هُنَا: أَنَّهُ إذَا كَانَتْ السُّنَّةُ قَدْ مَضَتْ فِي مَوَاضِعَ بِأَنَّ عَلَى الْمَالِكِ أَنْ يَبِيعَ مَالَهُ بِثَمَنِ مُقَدَّرٍ: إمَّا بِثَمَنِ الْمِثْلِ وَإِمَّا بِالثَّمَنِ الَّذِي اشْتَرَاهُ بِهِ: لَمْ يَحْرُمْ مُطْلَقًا تَقْدِيرُ الثَّمَنِ. ثُمَّ إنَّ مَا قَدَّرَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي شِرَاءِ نَصِيبِ شَرِيكِ الْمُعْتِقِ هُوَ لِأَجْلِ تَكْمِيلِ الْحُرِّيَّةِ؛ وَذَلِكَ حَقُّ اللَّهِ وَمَا احْتَاجَ إلَيْهِ النَّاسُ حَاجَةً عَامَّةً فَالْحَقُّ فِيهِ لِلَّهِ؛ وَلِهَذَا يَجْعَلُ الْعُلَمَاءُ هَذِهِ حُقُوقًا لِلَّهِ تَعَالَى وَحُدُودًا لِلَّهِ؛ بِخِلَافِ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ وَحُدُودِهِمْ وَذَلِكَ مِثْلُ حُقُوقِ الْمَسَاجِدِ وَمَالِ الْفَيْءِ؛ وَالصَّدَقَاتِ وَالْوَقْفِ عَلَى أَهْلِ الْحَاجَاتِ وَالْمَنَافِعِ الْعَامَّةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَمِثْلِ حَدِّ الْمُحَارَبَةِ وَالسَّرِقَةِ وَالزِّنَا وَشُرْبِ الْخَمْرِ؛ فَإِنَّ الَّذِي يَقْتُلُ شَخْصًا لِأَجْلِ الْمَالِ يُقْتَلُ حَتْمًا بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ؛ وَلَيْسَ لِوَرَثَةِ الْمَقْتُولِ الْعَفُوُّ عَنْهُ؛ بِخِلَافِ مَنْ يَقْتُلُ شَخْصًا لِغَرَضِ خَاصٍّ؛ مِثْلَ خُصُومَةٍ بَيْنَهُمَا؛ فَإِنَّ هَذَا حَقٌّ لِأَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ؛ إنْ أَحَبُّوا قَتَلُوا وَإِنْ أَحَبُّوا عَفَوْا بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ. وَحَاجَةُ الْمُسْلِمِينَ إلَى الطَّعَامِ وَاللِّبَاسِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ مَصْلَحَةٍ عَامَّةٍ: لَيْسَ الْحَقُّ فِيهَا لِوَاحِدِ بِعَيْنِهِ؛ فَتَقْدِيرُ الثَّمَنِ فِيهَا بِثَمَنِ الْمِثْلِ عَلَى مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْبَيْعُ أَوْلَى مِنْ تَقْدِيرِهِ لِتَكْمِيلِ الْحُرِّيَّةِ؛ لَكِنَّ تَكْمِيلَ الْحُرِّيَّةِ وَجَبَ عَلَى الشَّرِيكِ الْمُعْتِقِ؛ فَلَوْ لَمْ يُقَدِّرْ فِيهَا الثَّمَنَ لَتَضَرَّرَ بِطَلَبِ
(28/100)

الشَّرِيكِ الْآخَرِ مَا شَاءَ وَهُنَا عُمُومُ النَّاسِ عَلَيْهِمْ شِرَاءُ الطَّعَامِ وَالثِّيَابِ لِأَنْفُسِهِمْ؛ فَلَوْ مُكِّنَ مَنْ يَحْتَاجُ إلَى سِلْعَتِهِ أَنْ لَا يَبِيعَ إلَّا بِمَا شَاءَ لَكَانَ ضَرَرُ النَّاسِ أَعْظَمَ. وَلِهَذَا قَالَ الْفُقَهَاءُ: إذَا اُضْطُرَّ الْإِنْسَانُ إلَى طَعَامِ الْغَيْرِ كَانَ عَلَيْهِ بَذْلُهُ لَهُ بِثَمَنِ الْمِثْلِ فَيَجِبُ الْفَرْقُ بَيْنَ مَنْ عَلَيْهِ أَنْ يَبِيعَ وَبَيْنَ مَنْ لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَبِيعَ وَأَبْعَدُ الْأَئِمَّةِ عَنْ إيجَابِ الْمُعَاوَضَةِ وَتَقْدِيرِهَا هُوَ الشَّافِعِيُّ؛ وَمَعَ هَذَا فَإِنَّهُ يُوجِبُ عَلَى مَنْ اُضْطُرَّ الْإِنْسَانُ إلَى طَعَامِهِ أَنْ يُعْطِيَهُ بِثَمَنِ الْمِثْلِ. وَتَنَازَعَ أَصْحَابُهُ فِي جَوَازِ التَّسْعِيرِ لِلنَّاسِ إذَا كَانَ بِالنَّاسِ حَاجَةٌ وَلَهُمْ فِيهِ وَجْهَانِ. وَقَالَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ: لَا يَنْبَغِي لِلسُّلْطَانِ أَنْ يُسَعِّرَ عَلَى النَّاسِ إلَّا إذَا تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ ضَرَرِ الْعَامَّةِ فَإِذَا رُفِعَ إلَى الْقَاضِي أَمْرُ الْمُحْتَكِرِ بِبَيْعِ مَا فَضَلَ عَنْ قُوتِهِ وَقُوتِ أَهْلِهِ عَلَى اعْتِبَارِ السِّعْرِ فِي ذَلِكَ فَنَهَاهُ عَنْ الِاحْتِكَارِ فَإِنْ رُفِعَ التَّاجِرُ فِيهِ إلَيْهِ ثَانِيًا حَبَسَهُ وَعَزَّرَهُ عَلَى مُقْتَضَى رَأْيِهِ زَجْرًا لَهُ أَوْ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْ النَّاسِ فَإِنْ كَانَ أَرْبَابُ الطَّعَامِ يَتَعَدَّوْنَ وَيَتَجَاوَزُونَ الْقِيمَةَ تَعَدِّيًا فَاحِشًا وَعَجَزَ الْقَاضِي عَنْ صِيَانَةِ حُقُوقِ الْمُسْلِمِينَ إلَّا بِالتَّسْعِيرِ: سَعَّرَ حِينَئِذٍ بِمَشُورَةِ أَهْلِ الرَّأْيِ وَالْبَصِيرَةِ. وَإِذَا تَعَدَّى أَحَدٌ بَعْدَ مَا فَعَلَ ذَلِكَ أَجْبَرَهُ الْقَاضِي. وَهَذَا عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ظَاهِرٌ حَيْثُ لَا يَرَى الْحَجْرَ عَلَى الْحُرِّ وَكَذَا عِنْدَهُمَا أَيْ عِنْدَ أَبِي
(28/101)

يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ؛ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْحَجْرُ عَلَى قَوْمٍ مُعَيَّنِينَ. وَمَنْ بَاعَ مِنْهُمْ بِمَا قَدَّرَهُ الْإِمَامُ صَحَّ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُكْرَهٍ عَلَيْهِ. وَهَلْ يَبِيعُ الْقَاضِي عَلَى الْمُحْتَكِرِ طَعَامَهُ مِنْ غَيْرِ رِضَاهُ؟ قِيلَ: هُوَ عَلَى الِاخْتِلَافِ الْمَعْرُوفِ فِي مَالِ الْمَدْيُونِ. وَقِيلَ: يَبِيعُ هَاهُنَا بِالِاتِّفَاقِ؛ لِأَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ يَرَى الْحَجْرَ لِدَفْعِ الضَّرَرِ الْعَامِّ. وَالسِّعْرُ لَمَّا غَلَا فِي عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَطَلَبُوا مِنْهُ التَّسْعِيرَ فَامْتَنَعَ لَمْ يُذْكَرْ أَنَّهُ كَانَ هُنَاكَ مَنْ عِنْدَهُ طَعَامٌ امْتَنَعَ مِنْ بَيْعِهِ؛ بَلْ عَامَّةُ مَنْ كَانُوا يَبِيعُونَ الطَّعَامَ إنَّمَا هُمْ جَالِبُونَ يَبِيعُونَهُ إذَا هَبَطُوا السُّوقَ؛ لَكِنْ نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ: نَهَاهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ سِمْسَارٌ وَقَالَ: " {دَعُوا النَّاسَ يَرْزُقُ اللَّهُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ} " وَهَذَا ثَابِتٌ فِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ فَنَهَى الْحَاضِرَ الْعَالِمَ بِالسِّعْرِ أَنْ يَتَوَكَّلَ لِلْبَادِي الْجَالِبِ لِلسِّلْعَةِ؛ لِأَنَّهُ إذَا تَوَكَّلَ لَهُ مَعَ خِبْرَتِهِ بِحَاجَةِ النَّاسِ إلَيْهِ أَغْلَى الثَّمَنِ عَلَى الْمُشْتَرِي؛ فَنَهَاهُ عَنْ التَّوَكُّلِ لَهُ - مَعَ أَنَّ جِنْسَ الْوِكَالَةِ مُبَاحٌ - لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ زِيَادَةِ السِّعْرِ عَلَى النَّاسِ. وَنَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ تَلَقِّي الْجَلَبِ وَهَذَا أَيْضًا ثَابِتٌ فِي الصَّحِيحِ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ وَجُعِلَ لِلْبَائِعِ إذَا هَبَطَ إلَى السُّوقِ الْخِيَارُ؛ وَلِهَذَا كَانَ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّهُ نَهَى عَنْ ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ ضَرَرِ الْبَائِعِ بِدُونِ ثَمَنِ الْمِثْلِ وَغَبْنِهِ فَأَثْبَتَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْخِيَارَ لِهَذَا
(28/102)

الْبَائِعِ. وَهَلْ هَذَا الْخِيَارُ فِيهِ ثَابِتٌ مُطْلَقًا أَوْ إذَا غَبَنَ؟ قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ هُمَا رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَد. أَظْهَرُهُمَا أَنَّهُ إنَّمَا يَثْبُتُ لَهُ الْخِيَارُ إذَا غَبَنَ وَالثَّانِي يَثْبُتُ لَهُ الْخِيَارُ مُطْلَقًا وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ. وَقَالَ طَائِفَةٌ: بَلْ نَهَى عَنْ ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ ضَرَرِ الْمُشْتَرِي إذَا تَلَقَّاهُ الْمُتَلَقِّي فَاشْتَرَاهُ ثُمَّ بَاعَهُ. وَفِي الْجُمْلَةِ فَقَدْ نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ الَّذِي جِنْسُهُ حَلَالٌ حَتَّى يَعْلَمَ الْبَائِعُ بِالسِّعْرِ وَهُوَ ثَمَنُ الْمِثْلِ وَيَعْلَمُ الْمُشْتَرِي بِالسِّلْعَةِ. وَصَاحِبُ الْقِيَاسِ الْفَاسِدِ يَقُولُ: لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَشْتَرِيَ حَيْثُ شَاءَ وَقَدْ اشْتَرَى مِنْ الْبَائِعِ كَمَا يَقُولُ: وَلِلْبَادِي أَنْ يُوَكِّلَ الْحَاضِرَ. وَلَكِنَّ الشَّارِعَ رَاعَى الْمَصْلَحَةَ الْعَامَّةَ؛ فَإِنَّ الْجَالِبَ إذَا لَمْ يَعْرِفْ السِّعْرَ كَانَ جَاهِلًا بِثَمَنِ الْمِثْلِ فَيَكُونُ الْمُشْتَرِي غَارًّا لَهُ؛ وَلِهَذَا أَلْحَقَ مَالِكٌ وَأَحْمَد بِذَلِكَ كُلَّ مُسْتَرْسِلٍ. وَالْمُسْتَرْسِلُ: الَّذِي لَا يُمَاكِسُ وَالْجَاهِلُ بِقِيمَةِ الْمَبِيعِ؛ فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْجَالِبِينَ الْجَاهِلِينَ بِالسِّعْرِ فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْإِنْسَانِ أَنْ لَا يَبِيعَ مِثْلَ هَؤُلَاءِ إلَّا بِالسِّعْرِ الْمَعْرُوفِ وَهُوَ ثَمَنُ الْمِثْلِ؛ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هَؤُلَاءِ مُحْتَاجِينَ إلَى الِابْتِيَاعِ مِنْ ذَلِكَ الْبَائِعِ؛ لَكِنْ لِكَوْنِهِمْ جَاهِلِينَ بِالْقِيمَةِ أَوْ مُسْلِمِينَ إلَى الْبَائِعِ غَيْرَ مماكسين لَهُ وَالْبَيْعُ يُعْتَبَرُ فِيهِ الرِّضَا وَالرِّضَا يَتْبَعُ الْعِلْمَ وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ غَبْنٌ فَقَدْ يَرْضَى وَقَدْ لَا
(28/103)

يَرْضَى فَإِذَا عَلِمَ أَنَّهُ غَبَنَ وَرَضِيَ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ وَإِذَا لَمْ يَرْضَ بِثَمَنِ الْمِثْلِ لَمْ يَلْتَفِتْ إلَى سَخَطِهِ. وَلِهَذَا أَثْبَتَ الشَّارِعُ الْخِيَارَ لِمَنْ لَمْ يَعْلَمْ بِالْعَيْبِ أَوْ التَّدْلِيسِ؛ فَإِنَّ الْأَصْلَ فِي الْبَيْعِ الصِّحَّةُ وَأَنْ يَكُونَ الْبَاطِنَ كَالظَّاهِرِ. فَإِذَا اشْتَرَى عَلَى ذَلِكَ فَمَا عَرَفَ رِضَاهُ إلَّا بِذَلِكَ فَإِذَا تَبَيَّنَ أَنَّ فِي السِّلْعَةِ غِشًّا أَوْ عَيْبًا فَهُوَ كَمَا لَوْ وَصَفَهَا بِصِفَةِ وَتَبَيَّنَتْ بِخِلَافِهَا فَقَدْ يَرْضَى وَقَدْ لَا يَرْضَى فَإِنْ رَضِيَ وَإِلَّا فَسَخَ الْبَيْعَ. وَفَى الصَّحِيحَيْنِ عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: " {الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا وَإِنْ كَذَبَا وَكَتَمَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا} ". وَفِي السُّنَنِ {أَنَّ رَجُلًا كَانَتْ لَهُ شَجَرَةٌ فِي أَرْضِ غَيْرِهِ؛ وَكَانَ صَاحِبُ الْأَرْضِ يَتَضَرَّرُ بِدُخُولِ صَاحِبِ الشَّجَرَةِ فَشَكَا ذَلِكَ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَمَرَهُ أَنْ يَقْبَلَ مِنْهُ بَدَلَهَا أَوْ يَتَبَرَّعَ لَهُ بِهَا فَلَمْ يَفْعَلْ فَأَذِنَ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ فِي قَلْعِهَا وَقَالَ لِصَاحِبِ الشَّجَرَةِ: إنَّمَا أَنْتَ مُضَارٌّ} . فَهُنَا أَوْجَبَ عَلَيْهِ إذَا لَمْ يَتَبَرَّعْ بِهَا أَنْ يَبِيعَهَا؛ فَدَلَّ عَلَى وُجُوبِ الْبَيْعِ عِنْدَ حَاجَةِ الْمُشْتَرِي وَأَيْنَ حَاجَةُ هَذَا مِنْ حَاجَةِ عُمُومِ النَّاسِ إلَى الطَّعَامِ؟ وَنَظِيرُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَتْجُرُونَ فِي الطَّعَامِ بِالطَّحْنِ وَالْخُبْزِ. وَنَظِيرُ هَؤُلَاءِ صَاحِبُ الْخَانِ والقيسارية وَالْحَمَّامُ إذَا احْتَاجَ النَّاسُ إلَى الِانْتِفَاعِ بِذَلِكَ وَهُوَ إنَّمَا ضَمِنَهَا لِيَتَّجِرَ فِيهَا فَلَوْ امْتَنَعَ مِنْ إدْخَالِ النَّاسِ إلَّا بِمَا شَاءَ وَهُمْ
(28/104)

يَحْتَاجُونَ لَمْ يُمَكَّنْ مِنْ ذَلِكَ وَأُلْزِمَ بِبَذْلِ ذَلِكَ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ؛ كَمَا يُلْزَمُ الَّذِي يَشْتَرِي الْحِنْطَةَ وَيَطْحَنُهَا لِيَتَّجِرَ فِيهَا وَاَلَّذِي يَشْتَرِي الدَّقِيقَ وَيَخْبِزُهُ لِيَتَّجِرَ فِيهِ مَعَ حَاجَةِ النَّاسِ إلَى مَا عِنْدَهُ؛ بَلْ إلْزَامُهُ بِبَيْعِ ذَلِكَ بِثَمَنِ الْمِثْلِ أَوْلَى وَأَحْرَى بَلْ إذَا امْتَنَعَ مِنْ صَنْعَةِ الْخُبْزِ وَالطَّحْنِ حَتَّى يَتَضَرَّرَ النَّاسُ بِذَلِكَ أُلْزِمَ بِصَنْعَتِهَا كَمَا تَقَدَّمَ وَإِذَا كَانَتْ حَاجَةُ النَّاسِ تَنْدَفِعُ إذَا عَمِلُوا مَا يَكْفِي النَّاسَ بِحَيْثُ يَشْتَرِي إذْ ذَاكَ بِالثَّمَنِ الْمَعْرُوفِ لَمْ يَحْتَجْ إلَى تَسْعِيرٍ. وَأَمَّا إذَا كَانَتْ حَاجَةُ النَّاسِ لَا تَنْدَفِعُ إلَّا بِالتَّسْعِيرِ الْعَادِلِ سَعَّرَ عَلَيْهِمْ تَسْعِيرَ عَدْلٍ؛ لَا وَكْسَ وَلَا شَطَطَ.
فَصْلٌ:
فَأَمَّا الْغِشُّ وَالتَّدْلِيسُ فِي " الدِّيَانَاتِ " فَمِثْلُ الْبِدَعِ الْمُخَالِفَةِ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ سَلَفِ الْأُمَّةِ مِنْ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ: مِثْلَ إظْهَارِ الْمُكَاءِ وَالتَّصْدِيَةِ فِي مَسَاجِدِ الْمُسْلِمِينَ. وَمِثْلَ سَبِّ جُمْهُورِ الصَّحَابَةِ وَجُمْهُورِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ سَبِّ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَمَشَايِخِهِمْ وَوُلَاةِ أُمُورِهِمْ: الْمَشْهُورِينَ عِنْدَ عُمُومِ الْأُمَّةِ بِالْخَيْرِ. وَمِثْلَ التَّكْذِيبِ بِأَحَادِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّتِي تَلَقَّاهَا أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْقَبُولِ. وَمِثْلَ رِوَايَةِ الْأَحَادِيثِ الْمَوْضُوعَةِ الْمُفْتَرَاةِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَمِثْلَ الْغُلُوِّ فِي الدِّينِ
(28/105)

بِأَنْ يَنْزِلَ الْبَشَرُ مَنْزِلَةَ الْإِلَهِ. وَمِثْلَ تَجْوِيزِ الْخُرُوجِ عَنْ شَرِيعَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَمِثْلَ الْإِلْحَادِ فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ وَآيَاتِهِ وَتَحْرِيفِ الْكَلِمِ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَالتَّكْذِيبِ بِقَدَرِ اللَّهِ وَمُعَارَضَةِ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ بِقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ. وَمِثْلَ إظْهَارِ الْخُزَعْبَلَاتِ السِّحْرِيَّةِ والشعبذية الطَّبِيعِيَّةِ وَغَيْرِهَا؛ الَّتِي يُضَاهَى بِهَا مَا لِلْأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ مِنْ الْمُعْجِزَاتِ وَالْكَرَامَاتِ؛ لِيَصُدَّ بِهَا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ؛ أَوْ يُظَنَّ بِهَا الْخَيْرَ فِيمَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ. وَهَذَا بَابٌ وَاسِعٌ يَطُولُ وَصْفُهُ. فَمَنْ ظَهَرَ مِنْهُ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الْمُنْكَرَاتِ وَجَبَ مَنْعُهُ مِنْ ذَلِكَ وَعُقُوبَتُهُ عَلَيْهَا - إذَا لَمْ يَتُبْ حَتَّى قَدَرَ عَلَيْهِ - بِحَسَبِ مَا جَاءَتْ بِهِ الشَّرِيعَةُ مِنْ قَتْلٍ أَوْ جَلْدٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ. وَأَمَّا الْمُحْتَسِبُ فَعَلَيْهِ أَنْ يُعَزِّرَ مَنْ أَظْهَرَ ذَلِكَ قَوْلًا أَوْ فِعْلًا وَيَمْنَعُ مِنْ الِاجْتِمَاعِ فِي مَظَانِّ التُّهَمِ فَالْعُقُوبَةُ لَا تَكُونُ إلَّا عَلَى ذَنْبٍ ثَابِتٍ. وَأَمَّا الْمَنْعُ وَالِاحْتِرَازُ فَيَكُونُ مَعَ التُّهْمَةِ كَمَا مَنَعَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنْ يَجْتَمِعَ الصِّبْيَانُ بِمَنْ كَانَ يُتَّهَمُ بِالْفَاحِشَةِ. وَهَذَا مِثْلُ الِاحْتِرَازِ عَنْ قَبُولِ شَهَادَةِ الْمُتَّهَمِ بِالْكَذِبِ وَائْتِمَانِ الْمُتَّهَمِ بِالْخِيَانَةِ وَمُعَامَلَةِ الْمُتَّهَمِ بِالْمَطْلِ.
(28/106)

فَصْلٌ:
" الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ " لَا يَتِمُّ إلَّا بِالْعُقُوبَاتِ الشَّرْعِيَّةِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ يَزَعُ بِالسُّلْطَانِ. مَا لَا يَزَعُ بِالْقُرْآنِ. وَإِقَامَةُ الْحُدُودِ وَاجِبَةٌ عَلَى وُلَاةِ الْأُمُورِ؛ وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِالْعُقُوبَةِ عَلَى تَرْكِ الْوَاجِبَاتِ وَفِعْلِ الْمُحَرَّمَاتِ. فَمِنْهَا عُقُوبَاتٌ مُقَدَّرَةٌ؛ مِثْلَ جَلْدِ الْمُفْتَرِي ثَمَانِينَ وَقَطْعِ السَّارِقِ. وَمِنْهَا عُقُوبَاتٌ غَيْرُ مُقَدَّرَةٍ قَدْ تُسَمَّى " التَّعْزِيرَ ". وَتَخْتَلِفُ مَقَادِيرُهَا وَصِفَاتُهَا بِحَسَبِ كِبَرِ الذُّنُوبِ وَصِغَرِهَا؛ وَبِحَسَبِ حَالِ الْمُذْنِبِ؛ وَبِحَسَبِ حَالِ الذَّنْبِ فِي قِلَّتِهِ وَكَثْرَتِهِ. " وَالتَّعْزِيرُ " أَجْنَاسٌ. فَمِنْهُ مَا يَكُونُ بِالتَّوْبِيخِ وَالزَّجْرِ بِالْكَلَامِ. وَمِنْهُ مَا يَكُونُ بِالْحَبْسِ. وَمِنْهُ مَا يَكُونُ بِالنَّفْيِ عَنْ الْوَطَنِ. وَمِنْهُ مَا يَكُونُ بِالضَّرْبِ. فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لِتَرْكِ وَاجِبٍ مِثْلَ الضَّرْبِ عَلَى تَرْكِ الصَّلَاةِ أَوْ تَرْكِ أَدَاءِ الْحُقُوقِ الْوَاجِبَةِ: مِثْلَ تَرْكِ وَفَاءِ الدَّيْنِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ؛ أَوْ عَلَى تَرْكِ رَدِّ الْمَغْصُوبِ؛ أَوْ أَدَاءِ الْأَمَانَةِ إلَى أَهْلِهَا: فَإِنَّهُ يُضْرَبُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ حَتَّى يُؤَدِّيَ الْوَاجِبَ وَيُفَرَّقُ الضَّرْبُ عَلَيْهِ يَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ. وَإِنْ كَانَ الضَّرْبُ عَلَى ذَنْبٍ مَاضٍ جَزَاءً بِمَا كَسَبَ وَنَكَالًا مِنْ اللَّهِ لَهُ وَلِغَيْرِهِ: فَهَذَا يُفْعَلُ مِنْهُ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ فَقَطْ وَلَيْسَ لِأَقَلِّهِ حَدٌّ.
(28/107)

وَأَمَّا أَكْثَرُ التَّعْزِيرِ فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ أَحَدُهَا:
عَشْرُ جَلَدَاتٍ.
وَالثَّانِي: دُونَ أَقَلِّ الْحُدُودِ؛ إمَّا تِسْعَةٌ وَثَلَاثُونَ سَوْطًا؛ وَإِمَّا تِسْعَةٌ وَسَبْعُونَ سَوْطًا.
وَهَذَا قَوْلُ كَثِيرٍ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد. وَالثَّالِثُ. أَنَّهُ لَا يَتَقَدَّرُ بِذَلِكَ. وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَطَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ؛ لَكِنْ إنْ كَانَ التَّعْزِيرُ فِيمَا فِيهِ مُقَدَّرٌ لَمْ يَبْلُغْ بِهِ ذَلِكَ الْمُقَدَّرَ مِثْلَ التَّعْزِيرِ: عَلَى سَرِقَةٍ دُونَ النِّصَابِ لَا يَبْلُغُ بِهِ الْقَطْعَ وَالتَّعْزِيرِ عَلَى الْمَضْمَضَةِ بِالْخَمْرِ لَا يَبْلُغُ بِهِ حَدَّ الشُّرْبِ وَالتَّعْزِيرِ عَلَى الْقَذْفِ بِغَيْرِ الزِّنَا لَا يَبْلُغُ بِهِ الْحَدَّ. وَهَذَا الْقَوْلُ أَعْدَلُ الْأَقْوَالِ؛ عَلَيْهِ دَلَّتْ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسُنَّةُ خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ؛ فَقَدَ {أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِضَرْبِ الَّذِي أَحَلَّتْ لَهُ امْرَأَتُهُ جَارِيَتَهَا مِائَةً وَدَرَأَ عَنْهُ الْحَدَّ بِالشُّبْهَةِ} . وَأَمَرَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمْرُ بِضَرْبِ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ وُجِدَا فِي لِحَافٍ وَاحِدٍ مِائَةً مِائَةً. وَأَمَرَ بِضَرْبِ الَّذِي نَقَشَ عَلَى خَاتَمِهِ وَأَخَذَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ مِائَةً. ثُمَّ ضَرَبَهُ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي مِائَةً ثُمَّ ضَرَبَهُ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ مِائَةً. وَضَرَبَ صَبِيغَ بْنَ عِسْلٍ - لَمَّا رَأَى مِنْ بِدْعَتِهِ - ضَرْبًا كَثِيرًا لَمْ يُعِدْهُ. وَمَنْ لَمْ يَنْدَفِعْ فَسَادُهُ فِي الْأَرْضِ إلَّا بِالْقَتْلِ قُتِلَ مِثْلَ الْمُفَرِّقِ
(28/108)

لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ وَالدَّاعِي إلَى الْبِدَعِ فِي الدِّينِ قَالَ تَعَالَى: {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا} وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: {إذَا بُويِعَ لِخَلِيفَتَيْنِ فَاقْتُلُوا الْآخَرَ مِنْهُمَا} وَقَالَ: {مَنْ جَاءَكُمْ وَأَمْرُكُمْ عَلَى رَجُلٍ وَأَحَدٍ يُرِيدُ أَنْ يُفَرِّقَ جَمَاعَتَكُمْ فَاضْرِبُوا عُنُقَهُ بِالسَّيْفِ كَائِنًا مَنْ كَانَ} . {وَأَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَتْلِ رَجُلٍ تَعَمَّدَ عَلَيْهِ الْكَذِبَ} {وَسَأَلَهُ ابْنُ الديلمي عَمَّنْ لَمْ يَنْتَهِ عَنْ شُرْبِ الْخَمْرِ؟ فَقَالَ: مَنْ لَمْ يَنْتَهِ عَنْهَا فَاقْتُلُوهُ.} فَلِهَذَا ذَهَبَ مَالِكٌ وَطَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَد إلَى جَوَازِ قَتْلِ الْجَاسُوسِ. وَذَهَبَ مَالِكٌ وَمَنْ وَافَقَهُ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ إلَى قَتْلِ الدَّاعِيَةِ إلَى الْبِدَعِ. وَلَيْسَتْ هَذِهِ الْقَاعِدَةُ الْمُخْتَصَرَةُ مَوْضِعَ ذَلِكَ. فَإِنَّ الْمُحْتَسِبَ لَيْسَ لَهُ الْقَتْلُ وَالْقَطْعُ. وَمِنْ أَنْوَاعِ التَّعْزِيرِ: النَّفْيُ وَالتَّغْرِيبُ؛ كَمَا كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يُعَزِّرُ بِالنَّفْيِ فِي شُرْبِ الْخَمْرِ إلَى خَيْبَرَ؛ وَكَمَا نَفَى صَبِيغَ بْنَ عِسْلٍ إلَى الْبَصْرَةِ وَأَخْرَجَ نَصْرَ بْنَ حَجَّاجٍ إلَى الْبَصْرَةِ لَمَّا افْتَتَنَ بِهِ النِّسَاءُ.
فَصْلٌ:
وَ " التَّعْزِيرُ بِالْعُقُوبَاتِ الْمَالِيَّةِ " مَشْرُوعٌ أَيْضًا فِي مَوَاضِعَ مَخْصُوصَةٍ
(28/109)

فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ؛ وَمَذْهَبِ أَحْمَد فِي مَوَاضِعَ بِلَا نِزَاعٍ عَنْهُ؛ وَفِي مَوَاضِعَ فِيهَا نِزَاعٌ عَنْهُ. وَالشَّافِعِيُّ فِي قَوْلٍ وَإِنْ تَنَازَعُوا فِي تَفْصِيلِ ذَلِكَ كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ سُنَّةُ {رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مِثْلِ إبَاحَتِهِ سَلَبَ الَّذِي يَصْطَادُ فِي حَرَمِ الْمَدِينَةِ لِمَنْ وَجَدَهُ} وَمِثْلِ أَمْرِهِ بِكَسْرِ دِنَانِ الْخَمْرِ وَشَقِّ ظُرُوفِهِ وَمِثْلِ {أَمْرِهِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرو بِحَرْقِ الثَّوْبَيْنِ الْمُعَصْفَرَيْنِ؛ وَقَالَ لَهُ: أَغْسِلُهُمَا؟ قَالَ: لَا بَلْ احْرَقْهُمَا.} {وَأَمْرِهِ لَهُمْ يَوْمَ خَيْبَرَ بِكَسْرِ الْأَوْعِيَةِ الَّتِي فِيهَا لُحُومُ الْحُمُرِ. ثُمَّ لَمَّا اسْتَأْذَنُوهُ فِي الْإِرَاقَةِ أَذِنَ؛ فَإِنَّهُ لَمَّا رَأَى الْقُدُورَ تَفُورُ بِلَحْمِ الْحُمُرِ أَمَرَ بِكَسْرِهَا وَإِرَاقَةِ مَا فِيهَا؛ فَقَالُوا: أَفَلَا نُرِيقُهَا وَنَغْسِلُهَا؟ فَقَالَ: افْعَلُوا} فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى جَوَازِ الْأَمْرَيْنِ؛ لِأَنَّ الْعُقُوبَةَ بِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ وَاجِبَةً. وَمِثْلَ هَدْمِهِ لِمَسْجِدِ الضِّرَارِ. وَمِثْلَ تَحْرِيقِ مُوسَى لِلْعِجْلِ الْمُتَّخَذِ إلَهًا {وَمِثْلَ تَضْعِيفِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْغُرْمَ عَلَى مَنْ سَرَقَ مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ} وَمِثْلَ مَا رُوِيَ مِنْ إحْرَاقِ مَتَاعِ الْغَالِّ وَمِنْ حِرْمَانِ الْقَاتِلِ سَلَبَهُ لَمَّا اعْتَدَى عَلَى الْأَمِيرِ. وَمِثْلَ أَمْرِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ بِتَحْرِيقِ الْمَكَانِ الَّذِي يُبَاعُ فِيهِ الْخَمْرُ وَمِثْلَ أَخْذِ شَطْرِ مَالِ مَانِعِ الزَّكَاةِ وَمِثْلَ تَحْرِيقِ. عُثْمَانَ بْنِ عفان الْمَصَاحِفَ الْمُخَالِفَةَ لِلْإِمَامِ؛ وَتَحْرِيقِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ لِكُتُبِ الْأَوَائِلِ وَأَمْرِهِ بِتَحْرِيقِ قَصْرِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ الَّذِي بَنَاهُ لَمَّا أَرَادَ
(28/110)

أَنْ يَحْتَجِبَ عَنْ النَّاسِ؛ فَأَرْسَلَ مُحَمَّدَ بْنَ مسلمة وَأَمَرَهُ أَنْ يُحَرِّقَهُ عَلَيْهِ؛ فَذَهَبَ فَحَرَّقَهُ عَلَيْهِ. وَهَذِهِ الْقَضَايَا كُلُّهَا صَحِيحَةٌ مَعْرُوفَةٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِذَلِكَ وَنَظَائِرُهَا مُتَعَدِّدَةٌ. وَمَنْ قَالَ: إنَّ الْعُقُوبَاتِ الْمَالِيَّةَ مَنْسُوخَةٌ وَأَطْلَقَ ذَلِكَ عَنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَأَحْمَد فَقَدْ غَلِطَ عَلَى مَذْهَبِهِمَا. وَمَنْ قَالَهُ مُطْلَقًا مِنْ أَيِّ مَذْهَبٍ كَانَ: فَقَدْ قَالَ قَوْلًا بِلَا دَلِيلٍ. وَلَمْ يَجِئْ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْءٌ قَطُّ يَقْتَضِي أَنَّهُ حَرَّمَ جَمِيعَ الْعُقُوبَاتِ الْمَالِيَّةِ؛ بَلْ أَخَذَ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ وَأَكَابِرُ أَصْحَابِهِ بِذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مُحْكَمٌ غَيْرُ مَنْسُوخٍ. وَعَامَّةُ هَذِهِ الصُّوَرِ مَنْصُوصَةٌ عَنْ أَحْمَد وَمَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ وَبَعْضُهَا قَوْلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ بِاعْتِبَارِ مَا بَلَغَهُ مِنْ الْحَدِيثِ. وَمَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَحْمَد وَغَيْرِهِمَا: إنَّ الْعُقُوبَاتِ الْمَالِيَّةِ كَالْبَدَنِيَّةِ: تَنْقَسِمُ إلَى مَا يُوَافِقُ الشَّرْعَ؛ وَإِلَى مَا يُخَالِفُهُ. وَلَيْسَتْ الْعُقُوبَةُ الْمَالِيَّةُ مَنْسُوخَةً عِنْدَهُمَا. وَالْمُدَّعُونَ لِلنُّسَخِ لَيْسَ مَعَهُمْ حُجَّةٌ بِالنَّسْخِ؛ لَا مِنْ كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ. وَهَذَا شَأْنُ كَثِيرٍ مِمَّنْ يُخَالِفُ النُّصُوصَ الصَّحِيحَةَ وَالسُّنَّةَ الثَّابِتَةَ بِلَا حُجَّةٍ. إلَّا مُجَرَّدَ دَعْوَى النَّسْخِ؛ وَإِذَا طُولِبَ بِالنَّاسِخِ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ حُجَّةٌ
(28/111)

لِبَعْضِ النُّصُوصِ تُوهِمُهُ تَرْكَ الْعَمَلِ؛ إلَّا أَنَّ مَذْهَبَ طَائِفَتِهِ تَرْكُ الْعَمَلِ بِهَا إجْمَاعٌ؛ وَالْإِجْمَاعُ دَلِيلٌ عَلَى النَّسْخِ وَلَا رَيْبَ أَنَّهُ إذَا ثَبَتَ الْإِجْمَاعُ كَانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى أَنَّهُ مَنْسُوخٌ؛ فَإِنَّ الْأُمَّةَ لَا تَجْتَمِعُ عَلَى ضَلَالَةٍ وَلَكِنْ لَا يُعْرَفُ إجْمَاعٌ عَلَى تَرْكِ نَصٍّ إلَّا وَقَدْ عُرِفَ النَّصُّ النَّاسِخُ لَهُ؛ وَلِهَذَا كَانَ أَكْثَرُ مَنْ يَدَّعِي نَسْخَ النُّصُوصِ بِمَا يَدَّعِيهِ مِنْ الْإِجْمَاعِ إذَا حَقَّقَ الْأَمْرَ عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ الْإِجْمَاعُ الَّذِي ادَّعَاهُ صَحِيحًا؛ بَلْ غَايَتُهُ أَنَّهُ لَمْ يَعْرِفْ فِيهِ نِزَاعًا ثُمَّ مِنْ ذَلِكَ مَا يَكُونُ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى خِلَافِ قَوْلِ أَصْحَابِهِ وَلَكِنْ هُوَ نَفْسُهُ لَمْ يَعْرِفْ أَقْوَالَ الْعُلَمَاءِ.
وَأَيْضًا فَإِنَّ وَاجِبَاتِ الشَّرِيعَةِ الَّتِي هِيَ حَقٌّ لِلَّهِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: عِبَادَاتٌ كَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّيَامِ.
وَعُقُوبَاتٌ إمَّا مُقَدَّرَةٌ وَإِمَّا مُفَوَّضَةٌ وَكَفَّارَاتُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أَقْسَامِ الْوَاجِبَاتِ يَنْقَسِمُ إلَى: بَدَنِيٍّ. وَإِلَى مَالِيٍّ. وَإِلَى مُرَكَّبٍ مِنْهُمَا. فَالْعِبَادَاتُ الْبَدَنِيَّةُ: كَالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ. وَالْمَالِيَّةُ: كَالزَّكَاةِ. وَالْمُرَكَّبَةُ: كَالْحَجِّ. وَالْكَفَّارَاتُ الْمَالِيَّةُ: كَالْإِطْعَامِ. وَالْبَدَنِيَّةُ: كَالصِّيَامِ. وَالْمُرَكَّبَةُ: كَالْهَدْيِ بِذَبْحِ. وَالْعُقُوبَاتُ الْبَدَنِيَّةُ: كَالْقَتْلِ وَالْقَطْعِ. وَالْمَالِيَّةُ: كَإِتْلَافِ أَوْعِيَةِ الْخَمْرِ.
(28/112)

وَالْمُرَكَّبَةُ: كَجَلْدِ السَّارِقِ مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ وَتَضْعِيفِ الْغُرْمِ عَلَيْهِ وَكَقَتْلِ الْكُفَّارِ وَأَخْذِ أَمْوَالِهِمْ. وَكَمَا أَنَّ الْعُقُوبَاتِ الْبَدَنِيَّةَ تَارَةً تَكُونُ جَزَاءً عَلَى مَا مَضَى كَقَطْعِ السَّارِقِ؛ وَتَارَةً تَكُونُ دَفْعًا عَنْ الْمُسْتَقْبَلِ كَقَتْلِ الْقَاتِلِ: فَكَذَلِكَ الْمَالِيَّةُ؛ فَإِنَّ مِنْهَا مَا هُوَ مِنْ بَابِ إزَالَةِ الْمُنْكَرِ؛ وَهِيَ تَنْقَسِمُ كَالْبَدَنِيَّةِ إلَى إتْلَافٍ؛ وَإِلَى تَغْيِيرٍ؛ وَإِلَى تَمْلِيكِ الْغَيْرِ. فَالْأَوَّلُ الْمُنْكَرَاتُ مِنْ الْأَعْيَانِ وَالصِّفَاتِ يَجُوزُ إتْلَافُ مَحَلِّهَا تَبَعًا لَهَا؛ مِثْلَ الْأَصْنَامِ الْمَعْبُودَةِ مِنْ دُونِ اللَّهِ؛ لَمَّا كَانَتْ صُوَرُهَا مُنْكَرَةً جَازَ إتْلَافُ مَادَّتِهَا؛ فَإِذَا كَانَتْ حَجَرًا أَوْ خَشَبًا وَنَحْوَ ذَلِكَ جَازَ تَكْسِيرُهَا وَتَحْرِيقُهَا. وَكَذَلِكَ آلَاتُ الْمَلَاهِي مِثْلَ الطُّنْبُورِ يَجُوزُ إتْلَافُهَا عِنْدَ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ؛ وَأَشْهَرُ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَد. وَمِثْلَ ذَلِكَ أَوْعِيَةُ الْخَمْرِ؛ يَجُوزُ تَكْسِيرُهَا وَتَخْرِيقُهَا؛ وَالْحَانُوتُ الَّذِي يُبَاعُ فِيهِ الْخَمْرُ يَجُوزُ تَحْرِيقُهُ. وَقَدْ نَصَّ أَحْمَد عَلَى ذَلِكَ هُوَ وَغَيْرُهُ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ وَاتَّبَعُوا مَا ثَبَتَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ أَمَرَ بِتَحْرِيقِ حَانُوتٍ كَانَ يُبَاعُ فِيهِ الْخَمْرُ لِرُوَيْشِدِ الثَّقَفِيِّ؛ وَقَالَ: إنَّمَا أَنْتَ فُوَيْسِقٌ لَا رُوَيْشِدٌ. وَكَذَلِكَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَمَرَ بِتَحْرِيقِ قَرْيَةٍ كَانَ يُبَاعُ فِيهَا الْخَمْرُ رَوَاهُ أَبُو عُبَيْدَةَ وَغَيْرُهُ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ مَكَانَ الْبَيْعِ مِثْلُ الْأَوْعِيَةِ. وَهَذَا أَيْضًا عَلَى الْمَشْهُورِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد وَمَالِكٍ وَغَيْرِهِمَا.
(28/113)

وَمِمَّا يُشْبِهُ ذَلِكَ مَا فَعَلَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ؛ حَيْثُ رَأَى رَجُلًا قَدْ شَابَ اللَّبَنَ بِالْمَاءِ لِلْبَيْعِ فَأَرَاقَهُ عَلَيْهِ وَهَذَا ثَابِتٌ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَبِذَلِكَ أَفْتَى طَائِفَةٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ الْقَائِلِينَ بِهَذَا الْأَصْلِ؛ وَذَلِكَ لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ {نَهَى أَنْ يُشَابَ اللَّبَنُ بِالْمَاءِ لِلْبَيْعِ} وَذَلِكَ بِخِلَافِ شَوْبِهِ لِلشُّرْبِ؛ لِأَنَّهُ إذَا خُلِطَ لَمْ يَعْرِفْ الْمُشْتَرِي مِقْدَارَ اللَّبَنِ مِنْ الْمَاءِ؛ فَأَتْلَفَهُ عُمَرُ. وَنَظِيرُهُ مَا أَفْتَى بِهِ طَائِفَةٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ الْقَائِلِينَ بِهَذَا الْأَصْلِ فِي جَوَازِ إتْلَافِ الْمَغْشُوشَاتِ فِي الصِّنَاعَاتِ: مِثْلَ الثِّيَابِ الَّتِي نُسِجَتْ نَسْجًا رَدِيئًا إنَّهُ يَجُوزُ تَمْزِيقُهَا وَتَحْرِيقُهَا؛ وَلِذَلِكَ لَمَّا رَأَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ ثَوْبًا مِنْ حَرِيرٍ مَزَّقَهُ عَلَيْهِ فَقَالَ الزُّبَيْرُ: أَفْزَعْت الصَّبِيَّ فَقَالَ: لَا تَكْسُوهُمْ الْحَرِيرَ. كَذَلِكَ {تَحْرِيقُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ لِثَوْبِهِ الْمُعَصْفَرِ بِأَمْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.} وَهَذَا كَمَا يُتْلِفُ مِنْ الْبَدَنِ الْمَحَلَّ الَّذِي قَامَتْ بِهِ الْمَعْصِيَةُ؛ فَتُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ وَتُقْطَعُ رِجْلُ الْمُحَارِبِ وَيَدُهُ. وَكَذَلِكَ الَّذِي قَامَ بِهِ الْمُنْكَرُ فِي إتْلَافِهِ نُهِيَ عَنْ الْعَوْدِ إلَى ذَلِكَ الْمُنْكَرِ؛ وَلَيْسَ إتْلَافُ ذَلِكَ وَاجِبًا عَلَى الْإِطْلَاقِ؛ بَلْ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْمَحَلِّ مَفْسَدَةٌ جَازَ إبْقَاؤُهُ أَيْضًا؛ إمَّا لِلَّهِ وَإِمَّا أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ كَمَا أَفْتَى طَائِفَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ: أَنَّ الطَّعَامَ الْمَغْشُوشَ مِنْ الْخُبْزِ وَالبَطَّيخِ وَالشِّوَاءِ كَالْخُبْزِ وَالطَّعَامِ الَّذِي لَمْ
(28/114)

يَنْضَجْ وَكَالطَّعَامِ الْمَغْشُوشِ وَهُوَ: الَّذِي خُلِطَ بِالرَّدِيءِ وَأَظْهَرَ الْمُشْتَرِي أَنَّهُ جَيِّدٌ وَنَحْوَ ذَلِكَ: يَتَصَدَّقُ بِهِ عَلَى الْفُقَرَاءِ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ إتْلَافِهِ. وَإِذَا كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قَدْ أَتْلَفَ اللَّبَنَ الَّذِي شِيبَ لِلْبَيْعِ: فَلَأَنْ يَجُوزُ التَّصَدُّقُ بِذَلِكَ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى؛ فَإِنَّهُ يَحْصُلُ بِهِ عُقُوبَةُ الْغَاشِّ وَزَجْرُهُ عَنْ الْعَوْدِ وَيَكُونُ انْتِفَاعُ الْفُقَرَاءِ بِذَلِكَ أَنْفَعَ مِنْ إتْلَافِهِ وَعُمَرُ أَتْلَفَهُ لِأَنَّهُ كَانَ يُغْنِي النَّاسَ بِالْعَطَاءِ؛ فَكَانَ الْفُقَرَاءُ عِنْدَهُ فِي الْمَدِينَةِ إمَّا قَلِيلًا وَإِمَّا مَعْدُومِينَ. وَلِهَذَا جَوَّزَ طَائِفَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ التَّصَدُّقَ بِهِ وَكَرِهُوا إتْلَافَهُ. فَفِي الْمُدَوَّنَةِ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ يَطْرَحُ اللَّبَنَ الْمَغْشُوشَ فِي الْأَرْضِ أَدَبًا لِصَاحِبِهِ وَكَرِهَ ذَلِكَ مَالِكٌ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ؛ وَرَأَى أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ. وَهَلْ يَتَصَدَّقُ بِالْيَسِيرِ؟ فِيهِ قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ. وَقَدْ رَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ مَنْعَ الْعُقُوبَاتِ الْمَالِيَّةِ وَقَالَ: لَا يُحِلُّ ذَنْبٌ مِنْ الذُّنُوبِ مَالَ إنْسَانٍ وَإِنْ قَتَلَ نَفْسًا؛ لَكِنَّ الْأَوَّلَ أَشْهُرُ عَنْهُ وَقَدْ اسْتَحْسَنَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِاللَّبَنِ الْمَغْشُوشِ؛ وَفِي ذَلِكَ عُقُوبَةُ الْغَاشِّ بِإِتْلَافِهِ عَلَيْهِ وَنَفْعُ الْمَسَاكِينِ بِإِعْطَائِهِمْ إيَّاهُ وَلَا يهراق. قِيلَ لِمَالِكِ: فَالزَّعْفَرَانُ وَالْمِسْكُ أَتَرَاهُ مِثْلُهُ؟ قَالَ: مَا أَشْبَهَهُ بِذَلِكَ إذَا كَانَ هُوَ غِشُّهُ فَهُوَ كَاللَّبَنِ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: هَذَا فِي الشَّيْءِ الْخَفِيفِ مِنْهُ فَأَمَّا
(28/115)

إذَا كَثُرَ مِنْهُ فَلَا أَرَى ذَلِكَ؛ وَعَلَى صَاحِبِهِ الْعُقُوبَةُ؛ لِأَنَّهُ يَذْهَبُ فِي ذَلِكَ أَمْوَالٌ عِظَامٌ. يُرِيدُ فِي الصَّدَقَةِ بِكَثِيرِهِ. قَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ: وَسَوَاءٌ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ كَانَ ذَلِكَ يَسِيرًا أَوْ كَثِيرًا؛ لِأَنَّهُ سَاوَى فِي ذَلِكَ بَيْنَ الزَّعْفَرَانِ وَاللَّبَنِ وَالْمِسْكِ قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ؛ وَخَالَفَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ؛ فَلَمْ يَرَ أَنْ يَتَصَدَّقَ مِنْ ذَلِكَ إلَّا بِمَا كَانَ يَسِيرًا؛ وَذَلِكَ إذَا كَانَ هُوَ الَّذِي غَشَّهُ وَأَمَّا مَنْ وُجِدَ عِنْدَهُ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ مَغْشُوشٌ لَمْ يَغُشَّهُ هُوَ؛ وَإِنَّمَا اشْتَرَاهُ أَوْ وُهِبَ لَهُ أَوْ وَرِثَهُ: فَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ لَا يَتَصَدَّقُ بِشَيْءِ مِنْ ذَلِكَ. وَمِمَّنْ أَفْتَى بِجَوَازِ إتْلَافِ الْمَغْشُوشِ مِنْ الثِّيَابِ ابْنُ الْقَطَّانِ قَالَ فِي الْمَلَاحِفِ الرَّدِيئَةِ النَّسْجِ: تُحَرَّقُ بِالنَّارِ. وَأَفْتَى ابْنُ عَتَّابٍ فِيهَا بِالتَّصَدُّقِ؛ وَقَالَ: تُقْطَعُ خِرَقًا وَتُعْطَى لِلْمَسَاكِينِ إذَا تَقَدَّمَ إلَى مُسْتَعْمِلِيهَا فَلَمْ يَنْتَهُوا. وَكَذَلِكَ أَفْتَى بِإِعْطَاءِ الْخُبْزِ الْمَغْشُوشِ لِلْمَسَاكِينِ؛ فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ ابْنُ الْقَطَّانِ وَقَالَ: لَا يَحِلُّ هَذَا فِي مَالِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا بِإِذْنِهِ. قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْأُصْبُعِ: وَهَذَا اضْطِرَابٌ فِي جَوَابِهِ وَتَنَاقُضٌ فِي قَوْلِهِ؛ لِأَنَّ جَوَابَهُ فِي الْمَلَاحِفِ بِإِحْرَاقِهَا بِالنَّارِ أَشَدُّ مِنْ إعْطَاءِ هَذَا الْخُبْزِ لِلْمَسَاكِينِ وَابْنُ عَتَّابٍ أَضْبَطُ فِي أَصْلِهِ فِي ذَلِكَ وَأَتْبَعُ لِقَوْلِهِ وَإِذَا لَمْ يَرَ وَلِيُّ الْأَمْرِ عُقُوبَةَ الْغَاشِّ بِالصَّدَقَةِ أَوْ الْإِتْلَافِ فَلَا بُدَّ
(28/116)

أَنْ يَمْنَعَ وُصُولَ الضَّرَرِ إلَى النَّاسِ بِذَلِكَ الْغِشِّ إمَّا بِإِزَالَةِ الْغِشِّ؛ وَإِمَّا بِبَيْعِ الْمَغْشُوشِ مِمَّنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ مَغْشُوشٌ وَلَا يَغُشُّهُ عَلَى غَيْرِهِ. قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ حَبِيبٍ: قُلْت لِمُطَرِّفٍ وَابْنِ الماجشون لَمَّا نُهِينَا عَنْ التَّصَدُّقِ بِالْمَغْشُوشِ لِرِوَايَةِ أَشْهَبَ: فَمَا وَجْهُ الصَّوَابِ عِنْدَكُمَا فِيمَنْ غَشَّ أَوْ نَقَصَ مِنْ الْوَزْنِ؟ قَالَا: يُعَاقَبُ بِالضَّرْبِ وَالْحَبْسِ وَالْإِخْرَاجِ مِنْ السُّوقِ؛ وَمَا كَثُرَ مِنْ الْخُبْزِ وَاللَّبَنِ أَوْ غَشَّ مِنْ الْمِسْكِ وَالزَّعْفَرَانِ فَلَا يُفَرَّقُ وَلَا يُنْهَبُ. قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ حَبِيبٍ: وَلَا يَرُدُّهُ الْإِمَامُ إلَيْهِ وَلْيُؤْمَرْ بِبَيْعِهِ عَلَيْهِ مَنْ يَأْمَنُ أَنْ يَغُشَّ بِهِ وَبِكَسْرِ الْخُبْزِ إذَا كَثُرَ وَيُسَلِّمُهُ لِصَاحِبِهِ وَيُبَاعُ عَلَيْهِ الْعَسَلُ وَالسَّمْنُ وَاللَّبَنُ الَّذِي يَغُشُّهُ مِمَّنْ يَأْكُلُهُ وَيُبَيِّنُ لَهُ غِشَّهُ هَكَذَا الْعَمَلُ فِيمَا غُشَّ مِنْ التِّجَارَاتِ. قَالَ: وَهُوَ إيضَاحُ مَنْ اسْتَوْضَحْته ذَلِكَ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِمْ.
فَصْلٌ:
وَأَمَّا التَّغْيِيرُ فَمِثْلُ مَا رَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {أَنَّهُ نَهَى عَنْ كَسْرِ سِكَّةِ الْمُسْلِمِينَ الْجَائِزَةِ بَيْنَهُمْ إلَّا مِنْ بَأْسٍ} فَإِذَا كَانَتْ الدَّرَاهِمُ أَوْ الدَّنَانِيرُ الْجَائِزَةُ فِيهَا بَأْسٌ كُسِرَتْ وَمِثْلُ تَغْيِيرِ الصُّورَةِ الْمُجَسَّمَةِ وَغَيْرِ الْمُجَسَّمَةِ إذَا لَمْ تَكُنْ مَوْطُوءَةً؛ مِثْلُ مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: {قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
(28/117)

أَتَانِي جِبْرِيلُ فَقَالَ: إنِّي أَتَيْتُك اللَّيْلَةَ؛ فَلَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أَدْخَلَ عَلَيْك الْبَيْتَ إلَّا أَنَّهُ كَانَ فِي الْبَيْتِ تِمْثَالُ رَجُلٍ كَانَ فِي الْبَيْتِ قِرَامُ سِتْرٍ فِيهِ تَمَاثِيلُ وَكَانَ فِي الْبَيْتِ كَلْبٌ؛ فَأَمَرَ بِرَأْسِ التِّمْثَالِ الَّذِي فِي الْبَيْتِ يُقْطَعُ فَيُصَيَّرُ كَهَيْئَةِ الشَّجَرَةِ؛ وَأَمَرَ بِالسِّتْرِ يُقْطَعُ فَيُجْعَلُ فِي وِسَادَتَيْنِ مُنْتَبَذَتَيْنِ يُوطَآنِ وَأَمَرَ بِالْكَلْبِ يُخْرَجُ. فَفَعَلَ رَسُولُ اللَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِذَا الْكَلْبُ جَرْوٌ كَانَ لِلْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ تَحْتَ نَضِيدٍ لَهُمْ} رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَد وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِي وَصَحَّحَهُ. كُلُّ مَا كَانَ مِنْ الْعَيْنِ أَوْ التَّأْلِيفِ الْمُحَرَّمِ فَإِزَالَتُهُ وَتَغْيِيرُهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ مِثْلَ إرَاقَةِ خَمْرِ الْمُسْلِمِ؛ وَتَفْكِيكِ آلَاتِ الْمَلَاهِي؛ وَتَغْيِيرِ الصُّوَرِ الْمُصَوَّرَةِ؛ وَإِنَّمَا تَنَازَعُوا فِي جَوَازِ إتْلَافِ مَحِلِّهَا تَبَعًا لِلْحَالِ وَالصَّوَابُ جَوَازُهُ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَإِجْمَاعُ السَّلَفِ وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَأَحْمَد وَغَيْرِهِمَا. وَالصَّوَابُ إنَّ كُلَّ مُسْكِرٍ مِنْ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ فَهُوَ حَرَامٌ وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ الْبِتْعُ وَالْمِزْرُ وَالْحَشِيشَةُ القنبية وَغَيْرُ ذَلِكَ. وَأَمَّا التَّغْرِيمُ: فَمِثْلُ مَا رَوَى أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ السُّنَنِ عَنْ {النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَنْ سَرَقَ مِنْ الثَّمَرِ الْمُعَلَّقِ قَبْلَ أَنْ يُؤْوِيَهُ إلَى الْجَرِينِ: أَنَّ عَلَيْهِ جَلَدَاتُ نَكَالٍ وَغُرْمُهُ مَرَّتَيْنِ. وَفِيمَنْ
(28/118)

سَرَقَ مِنْ الْمَاشِيَةِ قَبْلَ أَنْ تُؤْوَى إلَى الْمَرَاحِ: أَنَّ عَلَيْهِ جَلَدَاتُ نَكَالٍ وَغُرْمُهُ مَرَّتَيْنِ} . وَكَذَلِكَ قَضَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي الضَّالَّةِ الْمَكْتُومَةِ أَنَّهُ يُضَعَّفُ غُرْمُهَا وَبِذَلِكَ كُلِّهِ قَالَ طَائِفَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ؛ مِثْلُ أَحْمَد وَغَيْرِهِ وَأَضْعَفَ عُمَرُ وَغَيْرُهُ الْغُرْمَ فِي نَاقَةِ أَعْرَابِيٍّ أَخَذَهَا مَمَالِيكُ جِيَاعٌ فَأَضْعَفَ الْغُرْمَ عَلَى سَيِّدِهِمْ وَدَرَأَ عَنْهُمْ الْقَطْعَ. وَأَضْعَفَ عُثْمَانُ بْنُ عفان فِي الْمُسْلِمِ إذَا قَتَلَ الذِّمِّيَّ عَمْدًا إنَّهُ يُضَعَّفُ عَلَيْهِ الدِّيَةُ؛ لِأَنَّ دِيَةَ الذِّمِّيِّ نِصْفُ دِيَةِ الْمُسْلِمِ وَأَخَذَ بِذَلِكَ. أَحْمَد بْنُ حَنْبَلٍ.
فَصْلٌ:
الثَّوَابُ وَالْعِقَابُ يَكُونَانِ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ فِي قَدَرِ اللَّهِ وَفِي شَرْعِهِ: فَإِنَّ هَذَا مِنْ الْعَدْلِ الَّذِي تَقُومُ بِهِ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ؛ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {إنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا} وَقَالَ: {وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ} . وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {مَنْ لَا يَرْحَمُ لَا يُرْحَمُ} . وَقَالَ: {إنَّ اللَّهَ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ} . وَقَالَ: {إنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ.} وَقَالَ: {إنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إلَّا طَيِّبًا} . وَقَالَ: {إنَّ اللَّهَ نَظِيفٌ
(28/119)

يُحِبُّ النَّظَافَةَ} . وَلِهَذَا قَطَعَ يَدَ السَّارِقِ وَشَرَعَ قَطْعَ يَدِ الْمُحَارِبِ وَرِجْلِهِ؛ وَشَرَعَ الْقِصَاصَ فِي الدِّمَاءِ وَالْأَمْوَالِ وَالْأَبْشَارِ فَإِذَا أَمْكَنَ أَنْ تَكُونَ الْعُقُوبَةُ مِنْ جِنْسِ الْمَعْصِيَةِ كَانَ ذَلِكَ هُوَ الْمَشْرُوعُ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ مِثْلَ مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي شَاهِدِ الزُّورِ إنَّهُ أَمَرَ بِإِرْكَابِهِ دَابَّةً مَقْلُوبًا وَتَسْوِيدِ وَجْهِهِ؛ فَإِنَّهُ لَمَّا قَلَبَ الْحَدِيثَ قَلَبَ وَجْهَهُ وَلَمَّا سَوَّدَ وَجْهَهُ بِالْكَذِبِ سَوَّدَ وَجْهَهُ. وَهَذَا قَدْ ذَكَرَهُ فِي تَعْزِيرِ شَاهِدِ الزُّورِ طَائِفَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَد وَغَيْرِهِمْ. وَلِهَذَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا} . وَقَالَ تَعَالَى: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} {قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا} {قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى} . وَفِي الْحَدِيثِ: {يُحْشَرُ الْجَبَّارُونَ والمتكبرون عَلَى صُوَرِ الذَّرِّ يَطَؤُهُمْ النَّاسُ بِأَرْجُلِهِمْ} فَإِنَّهُمْ لَمَّا أَذَلُّوا عِبَادَ اللَّهِ أَذَلَّهُمْ اللَّهُ لِعِبَادِهِ كَمَا أَنَّ مَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ رَفَعَهُ اللَّهُ؛ فَجَعَلَ الْعِبَادَ مُتَوَاضِعِينَ لَهُ. وَاَللَّهُ تَعَالَى يُصْلِحُنَا وَسَائِرَ إخْوَانِنَا الْمُؤْمِنِينَ وَيُوَفِّقُنَا لِمَا يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ مِنْ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ وَسَائِرِ إخْوَانِنَا الْمُؤْمِنِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
(28/120)

فَصْلٌ: (*)
فِي الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ
الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ الَّذِي أَنْزَلَ اللَّهُ بِهِ كُتُبَهُ وَأَرْسَلَ بِهِ رُسُلَهُ مِنْ الدِّينِ؛ فَإِنَّ رِسَالَةَ اللَّهِ: إمَّا إخْبَارٌ وَإِمَّا إنْشَاءٌ. فَالْإِخْبَارُ عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ خَلْقِهِ: مِثْلَ التَّوْحِيدِ وَالْقَصَصِ الَّذِي يَنْدَرِجُ فِيهِ الْوَعْدُ وَالْوَعِيدُ. وَالْإِنْشَاءُ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ وَالْإِبَاحَةُ. وَهَذَا كَمَا ذَكَرَ فِي أَنْ: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ؛ لِتَضَمُّنِهَا ثُلُثَ التَّوْحِيدِ؛ إذْ هُوَ قَصَصٌ؛ وَتَوْحِيدٌ؛ وَأَمْرٌ. وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ فِي صِفَةِ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} هُوَ بَيَانٌ لِكَمَالِ رِسَالَتِهِ؛ فَإِنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ عَلَى لِسَانِهِ بِكُلِّ مَعْرُوفٍ وَنَهَى عَنْ كُلِّ مُنْكَرٍ؛ وَأَحَلَّ كُلَّ طَيِّبٍ وَحَرَّمَ كُلَّ خَبِيثٍ؛ وَلِهَذَا رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: {إنَّمَا بُعِثْت لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ} . وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ: {مَثَلِي وَمَثَلُ الْأَنْبِيَاءِ كَمَثَلِ
__________

[تعليق مُعِدّ الكتاب للشاملة]
(*) قال الشيخ ناصر بن حمد الفهد (ص 217 - 219) :
هذه رسالة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأصلها فصل من كتاب (الاستقامة) 2 / 198 - 311، وقد حصل فيها سقط يسير أكثره بسبب انتقال النظر من الناسخ، ومن ذلك:
1 - 28 / 134: (قال الفضيل بن عياض رحمه الله: أخلصه وأصوبه. فإن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل [وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل] ، حتى يكون خالصًا صوابا والخالص: أن يكون الله والصواب أن يكون على السنة) ، وما بين المعقوفتين ساقط، وهو في (الاستقامة) 2 / 227، وكما ذكره الشيخ رحمه الله في هذا الفصل مرة أخرى: 28 / 177.
2 - 28 / 138: (فإن ترك الأمر الواجب معصية، [وفعل ما نهي عنه في الأمر معصية،] فالمنتقل من معصية إلى معصية أكبر منها كالمستجير من الرمضاء بالنار] ، وما بين المعقوفتين ساقط، وهو في (الاستقامة) 2 / 138.
3 - 28 / 157: (ولما كان صلاح بني آدم لا يتم في دينهم ودنياهم إلا بالشجاعة والكرم: بين سبحانه أن من تولى عن الجهاد بنفسه أبدل الله به من يقوم بذلك، [ومن تولى عنه باتفاق ماله أبدل الله به من يقوم بذلك] ، فقال: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ ") ، وما بين المعقوفتين ساقط، وهو في (الاستقامة) 2 / 269.
4 - 28 / 158: (وقد ذكر الجهاد بالنفس والمال في سبيله، ومدحه في غير آية من كتابه، وذلك هو الشجاعة والسماحة في طاعته سبحانه، [وطاعة رسوله، وملاك الشجاعة الصبر الذي يتضمن قوة القلب وثباته، فلهذا] قال: " كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ") ، وما بين المعقوفتين ساقط، وهو في (الاستقامة) 2 / 270.
5 - 28 / 172: (ومن هنا يتبين لك ما وقع فيه كثير من أهل العلم والمقال، وأهل العبادة والحال، [وأهل الحرب والقتال، من لبس الحق بالباطل في كثير من الأصول،] فكثيرًا ما يقول هؤلاء من الأقوال ما هو خلاف الكتاب والسنة) ، وما بين المعقوفتين ساقط، وهو في (الاستقامة) 2 / 300.
6 - 28 / 177: (وقد روى ابن شاهين واللالكائي عن سعيد بن جبير قال:: [لا يقبل الله قول إلا بعمل، و] لا يقبل قول وعمل إلا بنية ولا يقبل قول وعمل ونية إلا بموافقة السنة ") ، وما بين المعقوفتين ساقط، وهو في (الاستقامة) 2 / 309.
(28/121)

رَجُلٍ بَنَى دَارًا فَأَتَمَّهَا وَأَكْمَلَهَا إلَّا مَوْضِعَ لَبِنَةٍ؛ فَكَانَ النَّاسُ يُطِيفُونَ بِهَا وَيَعْجَبُونَ مِنْ حُسْنِهَا؛ وَيَقُولُونَ: لَوْلَا مَوْضِعُ اللَّبِنَةِ فَأَنَا تِلْكَ اللَّبِنَةُ} . فَبِهِ كَمُلَ دِينُ اللَّهِ الْمُتَضَمِّنُ لِلْأَمْرِ بِكُلِّ مَعْرُوفٍ وَالنَّهْيِ عَنْ كُلِّ مُنْكَرٍ وَإِحْلَالِ كُلِّ طَيِّبٍ وَتَحْرِيمِ كُلِّ خَبِيثٍ. وَأَمَّا مَنْ قَبْلَهُ مِنْ الرُّسُلِ فَقَدْ كَانَ يُحَرِّمُ عَلَى أُمَمِهِمْ بَعْضَ الطَّيِّبَاتِ كَمَا قَالَ: {فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ} . وَرُبَّمَا لَمْ يُحَرِّمْ عَلَيْهِمْ جَمِيعَ الْخَبَائِثِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إسْرَائِيلَ إلَّا مَا حَرَّمَ إسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ} . وَتَحْرِيمُ الْخَبَائِثِ يَنْدَرِجُ فِي مَعْنَى " النَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ " كَمَا أَنَّ إحْلَالَ الطَّيِّبَاتِ يَنْدَرِجُ فِي " الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ " لِأَنَّ تَحْرِيمَ الطَّيِّبَاتِ مِمَّا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ وَكَذَلِكَ الْأَمْرُ بِجَمِيعِ الْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ كُلِّ مُنْكَرٍ مِمَّا لَمْ يَتِمَّ إلَّا لِلرَّسُولِ؛ الَّذِي تَمَّمَ اللَّهُ بِهِ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ الْمُنْدَرِجَةَ فِي الْمَعْرُوفِ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} فَقَدْ أَكْمَلَ اللَّهُ لَنَا الدِّينَ وَأَتَمَّ عَلَيْنَا النِّعْمَةَ وَرَضِيَ لَنَا الْإِسْلَامَ دِينًا. وَكَذَلِكَ وَصَفَ الْأُمَّةَ بِمَا وَصَفَ بِهِ نَبِيَّهَا حَيْثُ قَالَ: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} . وَقَالَ تَعَالَى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ
(28/122)

يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} وَلِهَذَا قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: كُنْتُمْ خَيْرَ النَّاسِ لِلنَّاسِ تَأْتُونَ بِهِمْ فِي الْأَقْيَادِ وَالسَّلَاسِلِ حَتَّى تُدْخِلُوهُمْ الْجَنَّةَ. فَبَيَّنَ سُبْحَانَهُ أَنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ خَيْرُ الْأُمَمِ لِلنَّاسِ: فَهُمْ أَنْفَعُهُمْ لَهُمْ وَأَعْظَمُهُمْ إحْسَانًا إلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ كَمَّلُوا أَمْرَ النَّاسِ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهْيِهِمْ عَنْ الْمُنْكَرِ مِنْ جِهَةِ الصِّفَةِ وَالْقَدْرِ حَيْثُ أَمَرُوا بِكُلِّ مَعْرُوفٍ وَنَهَوْا عَنْ كُلِّ مُنْكَرٍ لِكُلِّ أَحَدٍ وَأَقَامُوا ذَلِكَ بِالْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَهَذَا كَمَالُ النَّفْعِ لِلْخَلْقِ. وَسَائِرِ الْأُمَمِ لَمْ يَأْمُرُوا كُلَّ أَحَدٍ بِكُلِّ مَعْرُوفٍ؛ وَلَا نَهَوْا كُلَّ أَحَدٍ عَنْ كُلِّ مُنْكَرٍ وَلَا جَاهَدُوا عَلَى ذَلِكَ. بَلْ مِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُجَاهِدْ وَاَلَّذِينَ جَاهَدُوا كَبَنِي إسْرَائِيلَ فَعَامَّةُ جِهَادِهِمْ كَانَ لِدَفْعِ عَدُوِّهِمْ عَنْ أَرْضِهِمْ كَمَا يُقَاتِلُ الصَّائِلُ الظَّالِمُ؛ لَا لِدَعْوَةِ الْمُجَاهِدِينَ وَأَمْرِهِمْ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهْيِهِمْ عَنْ الْمُنْكَرِ كَمَا قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ: {يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ} {قَالُوا يَا مُوسَى إنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ} إلَى قَوْلِهِ: {قَالُوا يَا مُوسَى إنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} . وَقَالَ تَعَالَى: {أَلَمْ تَرَ إلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ
(28/123)

هَلْ عَسَيْتُمْ إنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا} " فَعَلَّلُوا الْقِتَالَ بِأَنَّهُمْ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَبْنَائِهِمْ وَمَعَ هَذَا فَكَانُوا نَاكِلِينَ عَمَّا أُمِرُوا بِهِ مِنْ ذَلِكَ؛ وَلِهَذَا لَمْ تَحِلَّ لَهُمْ الْغَنَائِمُ؛ وَلَمْ يَكُونُوا يَطَئُونَ بِمِلْكِ الْيَمِينِ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ أَعْظَمَ الْأُمَمِ الْمُؤْمِنِينَ قَبْلَنَا بَنُو إسْرَائِيلَ؛ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَى صِحَّتِهِ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا {قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فَقَالَ: عُرِضَتْ عَلَيَّ الْأُمَمُ؛ فَجَعَلَ يَمُرُّ النَّبِيُّ وَمَعَهُ الرَّجُلُ؛ وَالنَّبِيُّ مَعَهُ الرَّجُلَانِ؛ وَالنَّبِيُّ مَعَهُ الرَّهْطُ؛ وَالنَّبِيُّ لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ وَرَأَيْت سَوَادًا كَثِيرًا سَدَّ الْأُفُقَ فَرَجَوْت أَنْ يَكُونَ أُمَّتِي؛ فَقِيلَ: هَذَا مُوسَى وَقَوْمُهُ. ثُمَّ قِيلَ لِي: اُنْظُرْ فَرَأَيْت سَوَادًا كَثِيرًا سَدَّ الْأُفُقَ فَقِيلَ لِي: اُنْظُرْ هَكَذَا وَهَكَذَا فَرَأَيْت سَوَادًا كَثِيرًا سَدَّ الْأُفُقَ فَقِيلَ: هَؤُلَاءِ أُمَّتُك وَمَعَ هَؤُلَاءِ سَبْعُونَ أَلْفًا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ فَتَفَرَّقَ النَّاسُ وَلَمْ يُبَيِّنْ لَهُمْ فَتَذَاكَرَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا: أَمَّا نَحْنُ فَوُلِدْنَا فِي الشِّرْكِ وَكُنَّا آمَنَّا بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ؛ وَلَكِنَّ هَؤُلَاءِ أَبْنَاؤُنَا فَبَلَغَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: هُمْ الَّذِينَ لَا يَتَطَيَّرُونَ وَالَا يَكْتَوُونَ؛ وَلَا يسترقون وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ: فَقَامَ عُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ فَقَالَ:
(28/124)

أَمِنْهُمْ أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: نَعَمْ فَقَامَ آخَرُ فَقَالَ: أَمِنْهُمْ أَنَا؟ فَقَالَ: سَبَقَك بِهَا عُكَّاشَةُ.} وَلِهَذَا كَانَ إجْمَاعُ هَذِهِ الْأُمَّةِ حُجَّةً؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخْبَرَ أَنَّهُمْ يَأْمُرُونَ بِكُلِّ مَعْرُوفٍ وَيَنْهَوْنَ عَنْ كُلِّ مُنْكَرٍ؛ فَلَوْ اتَّفَقُوا عَلَى إبَاحَةِ مُحَرَّمٍ أَوْ إسْقَاطِ وَاجِبٍ؛ أَوْ تَحْرِيمِ حَلَالٍ أَوْ إخْبَارٍ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى؛ أَوْ خَلْقِهِ بِبَاطِلِ: لَكَانُوا مُتَّصِفِينَ بِالْأَمْرِ بِمُنْكَرٍ وَالنَّهْيِ عَنْ مَعْرُوفٍ: مِنْ الْكَلِمِ الطَّيِّبِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ؛ بَلْ الْآيَةُ تَقْتَضِي أَنَّ مَا لَمْ تَأْمُرْ بِهِ الْأُمَّةُ فَلَيْسَ مِنْ الْمَعْرُوفِ وَمَا لَمْ تَنْهَ عَنْهُ فَلَيْسَ مِنْ الْمُنْكَرِ. وَإِذَا كَانَتْ آمِرَةً بِكُلِّ مَعْرُوفٍ نَاهِيَةً عَنْ كُلِّ مُنْكَرٍ: فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ تَأْمُرَ كُلُّهَا بِمُنْكَرِ أَوْ تَنْهَى كُلُّهَا عَنْ مَعْرُوفٍ؟ وَاَللَّهُ تَعَالَى كَمَا أَخْبَرَ بِأَنَّهَا تَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَى عَنْ الْمُنْكَرِ فَقَدْ أَوْجَبَ ذَلِكَ عَلَى الْكِفَايَةِ مِنْهَا بِقَوْلِهِ: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} . وَإِذَا أَخْبَرَ بِوُقُوعِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ مِنْهَا لَمْ يَكُنْ مِنْ شَرْطِ ذَلِكَ أَنْ يَصِلَ أَمْرُ الْآمِرِ وَنَهْيُ النَّاهِي مِنْهَا إلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ فِي الْعَالَمِ؛ إذْ لَيْسَ هَذَا مِنْ شَرْطِ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ: فَكَيْفَ يُشْتَرَطُ فِيمَا هُوَ مِنْ تَوَابِعِهَا؟ بَلْ الشَّرْطُ أَنْ يَتَمَكَّنَ الْمُكَلَّفُونَ مِنْ وُصُولِ ذَلِكَ إلَيْهِمْ. ثُمَّ إذَا فَرَّطُوا فَلَمْ يَسْعَوْا فِي وُصُولِهِ إلَيْهِمْ مَعَ قِيَامِ فَاعِلِهِ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِ:
(28/125)

كَانَ التَّفْرِيطُ مِنْهُمْ لَا مِنْهُ.وَكَذَلِكَ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ لَا يَجِبُ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ بِعَيْنِهِ بَلْ هُوَ عَلَى الْكِفَايَةِ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ وَلَمَّا كَانَ الْجِهَادُ مِنْ تَمَامِ ذَلِكَ كَانَ الْجِهَادُ أَيْضًا كَذَلِكَ فَإِذَا لَمْ يَقُمْ بِهِ مَنْ يَقُومُ بِوَاجِبِهِ أَثِمَ كُلُّ قَادِرٍ بِحَسَبِ قُدْرَتِهِ؛ إذْ هُوَ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ إنْسَانٍ بِحَسَبِ قُدْرَتِهِ؛ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ} .
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَمَعْلُومٌ أَنَّ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَإِتْمَامَهُ بِالْجِهَادِ هُوَ مِنْ أَعْظَمِ الْمَعْرُوفِ الَّذِي أُمِرْنَا بِهِ؛ وَلِهَذَا قِيلَ: لِيَكُنْ أَمْرُك بِالْمَعْرُوفِ وَنَهْيُك عَنْ الْمُنْكَرِ غَيْرَ مُنْكَرٍ. وَإِذَا كَانَ هُوَ مِنْ أَعْظَمِ الْوَاجِبَاتِ والمستحبات فَالْوَاجِبَاتُ والمستحبات لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ الْمَصْلَحَةُ فِيهَا رَاجِحَةً عَلَى الْمَفْسَدَةِ؛ إذْ بِهَذَا بُعِثَتْ الرُّسُلُ وَنَزَلَتْ الْكُتُبُ وَاَللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ؛ بَلْ كُلُّ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ فَهُوَ صَلَاحٌ.
وَقَدْ أَثْنَى اللَّهُ عَلَى الصَّلَاحِ وَالْمُصْلِحِينَ وَاَلَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَمَّ الْمُفْسِدِينَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ فَحَيْثُ كَانَتْ مَفْسَدَةُ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ أَعْظَمَ مِنْ مَصْلَحَتِهِ لَمْ تَكُنْ مِمَّا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَإِنْ كَانَ قَدْ تُرِكَ وَاجِبٌ وَفُعِلَ مُحَرَّمٌ؛ إذْ الْمُؤْمِنُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَّقِيَ اللَّهَ فِي عِبَادِهِ وَلَيْسَ عَلَيْهِ هُدَاهُمْ وَهَذَا مَعْنَى
(28/126)

قَوْله تَعَالَى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إذَا اهْتَدَيْتُمْ} وَالِاهْتِدَاءُ إنَّمَا يَتِمُّ بِأَدَاءِ الْوَاجِبِ فَإِذَا قَامَ الْمُسْلِمُ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ كَمَا قَامَ بِغَيْرِهِ مِنْ الْوَاجِبَاتِ لَمْ يَضُرَّهُ ضَلَالُ الضُّلَّالِ. وَذَلِكَ يَكُونُ تَارَةً بِالْقَلْبِ؛ وَتَارَةً بِاللِّسَانِ؛ وَتَارَةً بِالْيَدِ. فَأَمَّا الْقَلْبُ فَيَجِبُ بِكُلِّ حَالٍ؛ إذْ لَا ضَرَرَ فِي فِعْلِهِ وَمَنْ لَمْ يَفْعَلْهُ فَلَيْسَ هُوَ بِمُؤْمِنِ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {وَذَلِكَ أَدْنَى - أَوْ - أَضْعَفُ الْإِيمَانِ} وَقَالَ: {لَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنْ الْإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ} . وَقِيلَ لِابْنِ مَسْعُودٍ: مَنْ مَيِّتُ الْأَحْيَاءِ؟ فَقَالَ: الَّذِي لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا وَهَذَا هُوَ الْمَفْتُونُ الْمَوْصُوفُ فِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ. وَهُنَا يَغْلَطُ فَرِيقَانِ مِنْ النَّاسِ: فَرِيقٌ يَتْرُكُ مَا يَجِبُ مِنْ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ تَأْوِيلًا لِهَذِهِ الْآيَةِ؛ كَمَا {قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي خُطْبَتِهِ: إنَّكُمْ تَقْرَءُونَ هَذِهِ الْآيَةَ {عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إذَا اهْتَدَيْتُمْ} وَإِنَّكُمْ تَضَعُونَهَا فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا وَإِنِّي سَمِعْت النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: إنَّ النَّاسَ إذَا رَأَوْا الْمُنْكَرَ فَلَمْ يُغَيِّرُوهُ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمْ اللَّهُ بِعِقَابِ مِنْهُ} .
(28/127)

وَالْفَرِيقُ الثَّانِي: مَنْ يُرِيدُ أَنْ يَأْمُرَ وَيَنْهَى إمَّا بِلِسَانِهِ وَإِمَّا بِيَدِهِ مُطْلَقًا؛ مِنْ غَيْرِ فِقْهٍ وَحِلْمٍ وَصَبْرٍ وَنَظَرٍ فِيمَا يَصْلُحُ مِنْ ذَلِكَ وَمَا لَا يَصْلُحُ وَمَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ وَمَا لَا يَقْدِرُ كَمَا فِي {حَدِيثِ أَبِي ثَعْلَبَةَ الخشني: سَأَلْت عَنْهَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: بَلْ ائْتَمِرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَتَنَاهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ حَتَّى إذَا رَأَيْت شُحًّا مُطَاعًا وَهَوًى مُتَّبَعًا وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ وَرَأَيْت أَمْرًا لَا يَدَانِ لَك بِهِ فَعَلَيْك بِنَفْسِك وَدَعْ عَنْك أَمْرَ الْعَوَامِّ؛ فَإِنَّ مِنْ وَرَائِك أَيَّامٌ الصَّبْرُ فِيهِنَّ عَلَى مِثْلِ قَبْضٍ عَلَى الْجَمْرِ لِلْعَامِلِ فِيهِنَّ كَأَجْرِ خَمْسِينَ رَجُلًا يَعْمَلُونَ مِثْلَ عَمَلِهِ} . فَيَأْتِي بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ مُعْتَقِدًا أَنَّهُ مُطِيعٌ فِي ذَلِكَ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَهُوَ مُعْتَدٍ فِي حُدُودِهِ كَمَا انْتَصَبَ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ وَالْأَهْوَاءِ؛ كَالْخَوَارِجِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَالرَّافِضَةِ؛ وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ غَلِطَ فِيمَا أَتَاهُ مِنْ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْجِهَادِ عَلَى ذَلِكَ وَكَانَ فَسَادُهُ أَعْظَمَ مِنْ صَلَاحِهِ؛ وَلِهَذَا {أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالصَّبْرِ عَلَى جَوْرِ الْأَئِمَّةِ؛ وَنَهَى عَنْ قِتَالِهِمْ مَا أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَقَالَ: أَدُّوا إلَيْهِمْ حُقُوقَهُمْ وَسَلُوا اللَّهَ حُقُوقَكُمْ} . وَقَدْ بَسَطْنَا الْقَوْلَ فِي ذَلِكَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ. وَلِهَذَا كَانَ مِنْ أُصُولِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ لُزُومُ الْجَمَاعَةِ وَتَرْكُ قِتَالِ الْأَئِمَّةِ وَتَرْكُ الْقِتَالِ فِي الْفِتْنَةِ. وَأَمَّا أَهْلُ الْأَهْوَاءِ - كَالْمُعْتَزِلَةِ - فَيَرَوْنَ الْقِتَالَ لِلْأَئِمَّةِ مِنْ أُصُولِ دِينِهِمْ وَيَجْعَلُ الْمُعْتَزِلَةُ أُصُولَ دِينِهِمْ
(28/128)

خَمْسَةً: " التَّوْحِيدَ " الَّذِي هُوَ سَلْبُ الصِّفَاتِ؛ وَ " الْعَدْلَ " الَّذِي هُوَ التَّكْذِيبُ بِالْقَدَرِ؛ وَ " الْمَنْزِلَةَ بَيْنَ الْمَنْزِلَتَيْنِ " وَ " إنْفَاذَ الْوَعِيدِ " وَ " الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنْ الْمُنْكَرِ " الَّذِي مِنْهُ قِتَالُ الْأَئِمَّةِ. وَقَدْ تَكَلَّمْت عَلَى قِتَالِ الْأَئِمَّةِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ. وَجِمَاعُ ذَلِكَ دَاخِلٌ فِي " الْقَاعِدَةِ الْعَامَّةِ ": فِيمَا إذَا تَعَارَضَتْ الْمَصَالِحُ وَالْمَفَاسِدُ وَالْحَسَنَاتُ وَالسَّيِّئَاتُ أَوْ تَزَاحَمَتْ؛ فَإِنَّهُ يَجِبُ تَرْجِيحُ الرَّاجِحِ مِنْهَا فِيمَا إذَا ازْدَحَمَتْ الْمَصَالِحُ وَالْمَفَاسِدُ وَتَعَارَضَتْ الْمَصَالِحُ وَالْمَفَاسِدُ. فَإِنَّ الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ وَإِنْ كَانَ مُتَضَمِّنًا لِتَحْصِيلِ مَصْلَحَةٍ وَدَفْعِ مَفْسَدَةٍ فَيُنْظَرُ فِي الْمُعَارِضِ لَهُ فَإِنْ كَانَ الَّذِي يَفُوتُ مِنْ الْمَصَالِحِ أَوْ يَحْصُلُ مِنْ الْمَفَاسِدِ أَكْثَرَ لَمْ يَكُنْ مَأْمُورًا بِهِ؛ بَلْ يَكُونُ مُحَرَّمًا إذَا كَانَتْ مَفْسَدَتُهُ أَكْثَرَ مِنْ مَصْلَحَتِهِ؛ لَكِنَّ اعْتِبَارَ مَقَادِيرِ الْمَصَالِحِ وَالْمَفَاسِدِ هُوَ بِمِيزَانِ الشَّرِيعَةِ فَمَتَى قَدَرَ الْإِنْسَانُ عَلَى اتِّبَاعِ النُّصُوصِ لَمْ يَعْدِلْ عَنْهَا وَإِلَّا اجْتَهَدَ بِرَأْيِهِ لِمَعْرِفَةِ الْأَشْبَاهِ وَالنَّظَائِرِ وَقُلْ إنْ تعوز النُّصُوصَ مَنْ يَكُونُ خَبِيرًا بِهَا وَبِدَلَالَتِهَا عَلَى الْأَحْكَامِ. وَعَلَى هَذَا إذَا كَانَ الشَّخْصُ أَوْ الطَّائِفَةُ جَامِعَيْنِ بَيْنَ مَعْرُوفٍ وَمُنْكَرٍ بِحَيْثُ لَا يُفَرِّقُونَ بَيْنَهُمَا؛ بَلْ إمَّا أَنْ يَفْعَلُوهُمَا جَمِيعًا؛ أَوْ يَتْرُكُوهَا جَمِيعًا: لَمْ يَجُزْ أَنْ يُؤْمَرُوا بِمَعْرُوفِ وَلَا أَنْ يُنْهُوا مِنْ مُنْكَرٍ؛ يَنْظُرُ: فَإِنْ كَانَ الْمَعْرُوفُ أَكْثَرَ أَمَرَ بِهِ؛ وَإِنْ اسْتَلْزَمَ مَا هُوَ دُونَهُ مِنْ الْمُنْكَرِ. وَلَمْ يَنْهَ
(28/129)

عَنْ مُنْكَرٍ يَسْتَلْزِمُ تَفْوِيتَ مَعْرُوفٍ أَعْظَمَ مِنْهُ؛ بَلْ يَكُونُ النَّهْيُ حِينَئِذٍ مِنْ بَابِ الصَّدِّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالسَّعْيِ فِي زَوَالِ طَاعَتِهِ وَطَاعَةِ رَسُولِهِ وَزَوَالِ فِعْلِ الْحَسَنَاتِ وَإِنْ كَانَ الْمُنْكَرُ أَغْلَبَ نَهَى عَنْهُ؛ وَإِنْ اسْتَلْزَمَ فَوَاتَ مَا هُوَ دُونَهُ مِنْ الْمَعْرُوفِ. وَيَكُونُ الْأَمْرُ بِذَلِكَ الْمَعْرُوفِ الْمُسْتَلْزِمِ لِلْمُنْكَرِ الزَّائِدِ عَلَيْهِ أَمْرًا بِمُنْكَرِ وَسَعْيًا فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ. وَإِنْ تَكَافَأَ الْمَعْرُوفُ وَالْمُنْكَرُ الْمُتَلَازِمَانِ لَمْ يُؤْمَرْ بِهِمَا وَلَمْ يُنْهَ عَنْهُمَا. فَتَارَةً يَصْلُحُ الْأَمْرُ؛ وَتَارَةً يَصْلُحُ النَّهْيُ؛ وَتَارَةً لَا يَصْلُحُ لَا أَمْرٌ وَلَا نَهْيٌ حَيْثُ كَانَ الْمَعْرُوفُ وَالْمُنْكَرُ مُتَلَازِمَيْنِ؛ وَذَلِكَ فِي الْأُمُورِ الْمُعَيَّنَةِ الْوَاقِعَةِ.
وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ النَّوْعِ فَيُؤْمَرُ بِالْمَعْرُوفِ مُطْلَقًا وَيَنْهَى عَنْ الْمُنْكَرِ مُطْلَقًا. وَفِي الْفَاعِلِ الْوَاحِدِ وَالطَّائِفَةِ الْوَاحِدَةِ يُؤْمَرُ بِمَعْرُوفِهَا وَيَنْهَى عَنْ مُنْكَرِهَا وَيُحْمَدُ مَحْمُودُهَا وَيُذَمُّ مَذْمُومُهَا؛ بِحَيْثُ لَا يَتَضَمَّنُ الْأَمْرُ بِمَعْرُوفِ فَوَاتَ أَكْثَرَ مِنْهُ أَوْ حُصُولَ مُنْكَرٍ فَوْقَهُ وَلَا يَتَضَمَّنُ النَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ حُصُولَ أَنْكَرَ مِنْهُ أَوْ فَوَاتَ مَعْرُوفٍ أَرْجَحَ مِنْهُ. وَإِذَا اشْتَبَهَ الْأَمْرُ اسْتَبَانَ الْمُؤْمِنُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُ الْحَقُّ؛ فَلَا يَقْدُمُ عَلَى الطَّاعَةِ إلَّا بِعِلْمِ وَنِيَّةٍ؛ وَإِذَا تَرَكَهَا كَانَ عَاصِيًا فَتَرْكُ الْأَمْرِ الْوَاجِبِ مَعْصِيَةٌ؛ وَفِعْلُ مَا نُهِيَ عَنْهُ مِنْ الْأَمْرِ مَعْصِيَةٌ. وَهَذَا بَابٌ وَاسِعٌ وَلَا
(28/130)

حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ. وَمِنْ هَذَا الْبَابِ إقْرَارُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبي وَأَمْثَالِهِ مِنْ أَئِمَّةِ النِّفَاقِ وَالْفُجُورِ لِمَا لَهُمْ مِنْ أَعْوَانٍ فَإِزَالَةُ مُنْكَرِهِ بِنَوْعِ مِنْ عِقَابِهِ مُسْتَلْزِمَةٌ إزَالَةَ مَعْرُوفٍ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ بِغَضَبِ قَوْمِهِ وَحَمِيَّتِهِمْ؛ وَبِنُفُورِ النَّاسِ إذَا سَمِعُوا أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ؛ وَلِهَذَا لَمَّا خَاطَبَ النَّاسَ فِي قِصَّةِ الْإِفْكِ بِمَا خَاطَبَهُمْ بِهِ وَاعْتَذَرَ مِنْهُ وَقَالَ لَهُ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ قَوْلًا الَّذِي أَحْسَنَ فِيهِ: حَمِيَ لَهُ سَعْدُ بْنُ عبادة مَعَ حُسْنِ إيمَانِهِ. وَأَصْلُ هَذَا أَنْ تَكُونَ مَحَبَّةُ الْإِنْسَانِ الْمَعْرُوفَ وَبُغْضُهُ لِلْمُنْكَرِ؛ وَإِرَادَتُهُ لِهَذَا؛ وَكَرَاهَتُهُ لِهَذَا: مُوَافِقَةً لِحُبِّ اللَّهِ وَبُغْضِهِ وَإِرَادَتِهِ وَكَرَاهَتِهِ الشَّرْعِيِّينَ. وَأَنْ يَكُونَ فِعْلُهُ لِلْمَحْبُوبِ وَدَفْعُهُ لِلْمَكْرُوهِ بِحَسَبِ قُوَّتِهِ وَقُدْرَتِهِ: فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُكَلِّفُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا وَقَدْ قَالَ: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} . فَأَمَّا حُبُّ الْقَلْبِ وَبُغْضُهُ وَإِرَادَتُهُ وَكَرَاهِيَتُهُ فَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ كَامِلَةً جَازِمَةً؛ لَا يُوجِبُ نَقْصَ ذَلِكَ إلَّا نَقْصَ الْإِيمَانِ. وَأَمَّا فِعْلُ الْبَدَنِ فَهُوَ بِحَسَبِ قُدْرَتِهِ وَمَتَى كانت إرَادَةُ الْقَلْبِ وَكَرَاهَتِهِ كَامِلَةً تَامَّةً وَفِعْلُ الْعَبْدِ مَعَهَا بِحَسَبِ قُدْرَتِهِ: فَإِنَّهُ يُعْطَى ثَوَابَ الْفَاعِلِ الْكَامِلِ كَمَا قَدْ بَيَّنَّاهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ: فَإِنَّ مِنْ النَّاسِ مَنْ يَكُونُ حُبُّهُ وَبُغْضُهُ وَإِرَادَتُهُ وَكَرَاهَتُهُ بِحَسَبِ مَحَبَّةِ نَفْسِهِ وَبُغْضِهَا؛ لَا
(28/131)

بِحَسَبِ مَحَبَّةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَبُغْضِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَهَذَا مِنْ نَوْعِ الْهَوَى؛ فَإِنْ اتَّبَعَهُ الْإِنْسَانُ فَقَدْ اتَّبَعَ هَوَاهُ {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ} فَإِنَّ أَصْلَ الْهَوَى مَحَبَّةُ النَّفْسِ وَيَتْبَعُ ذَلِكَ بُغْضُهَا وَنَفْسُ الْهَوَى - وَهُوَ الْحَبُّ وَالْبُغْضُ الَّذِي فِي النَّفْسِ - لَا يُلَامُ عَلَيْهِ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ قَدْ لَا يُمْلَكُ وَإِنَّمَا يُلَامُ عَلَى اتِّبَاعِهِ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {يَا دَاوُدُ إنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} وَقَالَ تَعَالَى: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ} وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {ثَلَاثٌ مُنْجِيَاتٌ: خَشْيَةُ اللَّهِ فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ وَالْقَصْدُ فِي الْفَقْرِ وَالْغِنَى وَكَلِمَةُ الْحَقِّ فِي الْغَضَبِ وَالرِّضَا. وَثَلَاثٌ مُهْلِكَاتٌ: شُحٌّ مُطَاعٌ وَهَوًى مُتَّبَعٌ وَإِعْجَابُ الْمَرْءِ بِنَفْسِهِ} . وَالْحُبُّ وَالْبُغْضُ يَتْبَعُهُ ذَوْقٌ عِنْدَ وُجُودِ الْمَحْبُوبِ وَالْمُبْغَضِ وَوَجْدٌ وَإِرَادَةٌ؛ وَغَيْرُ ذَلِكَ فَمَنْ اتَّبَعَ ذَلِكَ بِغَيْرِ أَمْرِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهُوَ مِمَّنْ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنْ اللَّهِ؛ بَلْ قَدْ يَصْعَدُ بِهِ الْأَمْرُ إلَى أَنْ يَتَّخِذَ إلَهَهُ هَوَاهُ وَاتِّبَاعُ الْأَهْوَاءِ فِي الدِّيَانَاتِ أَعْظَمُ مِنْ اتِّبَاعِ الْأَهْوَاءِ فِي الشَّهَوَاتِ. فَإِنَّ الْأَوَّلَ حَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ} وَقَالَ تَعَالَى: {ضَرَبَ لَكُمْ
(28/132)

مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ} الْآيَةَ؛ إلَى أَنْ قَالَ: {بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ} وَقَالَ تَعَالَى: {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ} الْآيَةَ وَقَالَ تَعَالَى: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ} وَقَالَ تَعَالَى: {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ} وَقَالَ تَعَالَى فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: {وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إنَّكَ إذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ} وَقَالَ: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ} . وَلِهَذَا كَانَ مَنْ خَرَجَ عَنْ مُوجِبِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَالْعِبَادِ يَجْعَلُ مِنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ؛ كَمَا كَانَ السَّلَفُ يُسَمُّونَهُمْ أَهْلَ الْأَهْوَاءِ وَذَلِكَ إنَّ كُلَّ مَنْ لَمْ يَتَّبِعْ الْعِلْمَ فَقَدْ اتَّبَعَ هَوَاهُ وَالْعِلْمُ بِالدِّينِ لَا يَكُونُ إلَّا بِهُدَى اللَّهِ الَّذِي بَعَثَ بِهِ رَسُولَهُ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى فِي مَوْضِعٍ: {وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ} وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ} . فَالْوَاجِبُ عَلَى الْعَبْدِ أَنْ يَنْظُرَ فِي نَفْسِ حُبِّهِ وَبُغْضِهِ. وَمِقْدَارِ حُبِّهِ
(28/133)

وَبُغْضِهِ: هَلْ هُوَ مُوَافِقٌ لِأَمْرِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ؟ وَهُوَ هُدَى اللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَى رَسُولِهِ؛ بِحَيْثُ يَكُونُ مَأْمُورًا بِذَلِكَ الْحَبِّ وَالْبُغْضِ. لَا يَكُونُ مُتَقَدِّمًا فِيهِ بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ؛ فَإِنَّهُ قَدْ قَالَ: {لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} وَمَنْ أَحَبَّ أَوْ أَبْغَضَ قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ فَفِيهِ نَوْعٌ مِنْ التَّقَدُّمِ بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ. وَمُجَرَّدُ الْحَبِّ وَالْبُغْضِ هَوًى؛ لَكِنَّ الْمُحَرَّمَ اتِّبَاعُ حُبِّهِ وَبُغْضِهِ بِغَيْرِ هُدًى مِنْ اللَّهِ: وَلِهَذَا قَالَ: {وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ} فَأَخْبَرَ أَنَّ مَنْ اتَّبَعَ هَوَاهُ أَضَلَّهُ ذَلِكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَهُوَ هُدَاهُ الَّذِي بَعَثَ بِهِ رَسُولَهُ. وَهُوَ السَّبِيلُ إلَيْهِ. وَتَحْقِيقُ ذَلِكَ أَنَّ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنْ الْمُنْكَرِ هُوَ مِنْ أَوْجَبِ الْأَعْمَالِ وَأَفْضَلِهَا وَأَحْسَنِهَا وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} وَهُوَ كَمَا قَالَ الْفُضَيْل بْنُ عِيَاضٍ رَحِمَهُ اللَّهُ أَخْلَصُهُ وَأَصْوَبُهُ. فَإِنَّ الْعَمَلَ إذَا كَانَ خَالِصًا وَلَمْ يَكُنْ صَوَابًا لَمْ يُقْبَلْ حَتَّى يَكُونَ خَالِصًا صَوَابًا وَالْخَالِصُ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَالصَّوَابُ أَنْ يَكُونَ عَلَى السُّنَّةِ. فَالْعَمَلُ الصَّالِحُ لَا بُدَّ أَنْ يُرَادَ بِهِ وَجْهُ اللَّهِ تَعَالَى؛ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَقْبَلُ مِنْ الْعَمَلِ إلَّا مَا أُرِيدَ بِهِ وَجْهُهُ وَحْدَهُ؛ كَمَا فِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: {يَقُولُ اللَّهُ أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنْ الشِّرْكِ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ غَيْرِي فَأَنَا بَرِيءٌ مِنْهُ وَهُوَ كُلُّهُ لِلَّذِي أَشْرَكَ} .
(28/134)

وَهَذَا هُوَ التَّوْحِيدُ الَّذِي هُوَ أَصْلُ الْإِسْلَامِ وَهُوَ دِينُ اللَّهِ الَّذِي بَعَثَ بِهِ جَمِيعَ رُسُلِهِ وَلَهُ خَلَقَ الْخَلْقَ وَهُوَ حَقُّهُ عَلَى عِبَادِهِ: أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَلَا بُدَّ مَعَ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الْعَمَلُ صَالِحًا؛ وَهُوَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ وَهُوَ الطَّاعَةُ فَكُلُّ طَاعَةٍ عَمَلٌ صَالِحٌ وَكُلُّ عَمَلٍ صَالِحٍ طَاعَةٌ وَهُوَ الْعَمَلُ الْمَشْرُوعُ الْمَسْنُونُ؛ إذْ الْمَشْرُوعُ الْمَسْنُونُ هُوَ الْمَأْمُورُ بِهِ أَمْرَ إيجَابٍ أَوْ اسْتِحْبَابٍ وَهُوَ الْعَمَلُ الصَّالِحُ وَهُوَ الْحَسَنُ وَهُوَ الْبِرُّ وَهُوَ الْخَيْرُ؛ وَضِدَّهُ الْمَعْصِيَةُ وَالْعَمَلُ الْفَاسِدُ وَالسَّيِّئَةُ وَالْفُجُورُ وَالظُّلْمُ. وَلَمَّا كَانَ الْعَمَلُ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ شَيْئَيْنِ: النِّيَّةُ وَالْحَرَكَةُ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {أَصْدَقُ الْأَسْمَاءِ حَارِثٌ وَهَمَّامٌ} فَكُلُّ أَحَدٍ حَارِثٌ وَهَمَّامٌ لَهُ عَمَلٌ وَنِيَّةٌ؛ لَكِنَّ النِّيَّةَ الْمَحْمُودَةَ الَّتِي يَتَقَبَّلُهَا اللَّهُ وَيُثِيبُ عَلَيْهَا: أَنْ يُرَادَ اللَّهُ بِذَلِكَ الْعَمَلِ. وَالْعَمَلُ الْمَحْمُودُ: الصَّالِحُ؛ وَهُوَ الْمَأْمُورُ بِهِ؛ وَلِهَذَا كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ فِي دُعَائِهِ: اللَّهُمَّ اجْعَلْ عَمَلِي كُلَّهُ صَالِحًا وَاجْعَلْهُ لِوَجْهِك خَالِصًا وَلَا تَجْعَلْ لِأَحَدِ فِيهِ شَيْئًا.
وَإِذَا كَانَ هَذَا حَدُّ كُلِّ عَمَلٍ صَالِحٍ: فَالْآمِرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهِي عَنْ الْمُنْكَرِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ هَكَذَا فِي حَقِّ نَفْسِهِ وَلَا يَكُونُ عَمَلُهُ صَالِحًا إنْ لَمْ يَكُنْ بِعِلْمِ وَفِقْهٍ وَكَمَا قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: مَنْ عَبَدَ اللَّهَ بِغَيْرِ عِلْمٍ
(28/135)

كَانَ مَا يُفْسِدُ أَكْثَرَ مِمَّا يُصْلِحُ. وَكَمَا فِي حَدِيثِ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ {الْعِلْمُ إمَامُ الْعَمَلِ وَالْعَمَلُ تَابِعُهُ} وَهَذَا ظَاهِرٌ فَإِنَّ الْقَصْدَ وَالْعَمَلَ إنْ لَمْ يَكُنْ بِعِلْمِ كَانَ جَهْلًا وَضَلَالًا وَاتِّبَاعًا لِلْهَوَى كَمَا تَقَدَّمَ وَهَذَا هُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ وَأَهْلِ الْإِسْلَامِ. فَلَا بُدَّ مِنْ الْعِلْمِ بِالْمَعْرُوفِ وَالْمُنْكَرِ وَالتَّمْيِيزِ بَيْنَهُمَا. وَلَا بُدَّ مِنْ الْعِلْمِ بِحَالِ الْمَأْمُورِ وَالْمَنْهِيِّ. وَمِنْ الصَّلَاحِ أَنْ يَأْتِيَ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ بِالصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ وَهُوَ أَقْرَبُ الطُّرُقِ إلَى حُصُولِ الْمَقْصُودِ. وَلَا بُدَّ فِي ذَلِكَ مِنْ الرِّفْقِ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {مَا كَانَ الرِّفْقُ فِي شَيْءٍ إلَّا زَانَهُ؛ وَلَا كَانَ الْعُنْفُ فِي شَيْءٍ إلَّا شَانَهُ وَقَالَ: إنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الْأَمْرِ كُلِّهِ وَيُعْطِي عَلَيْهِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ.} وَلَا بُدَّ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ حَلِيمًا صَبُورًا عَلَى الْأَذَى؛ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَحْصُلَ لَهُ أَذًى؛ فَإِنْ لَمْ يَحْلَمْ وَيَصْبِرْ كَانَ مَا يُفْسِدُ أَكْثَرَ مِمَّا يُصْلِحُ. كَمَا قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ: {وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} وَلِهَذَا أَمَرَ اللَّهُ الرُّسُلَ - وَهُمْ أَئِمَّةُ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ - بِالصَّبْرِ كَقَوْلِهِ لِخَاتَمِ الرُّسُلِ؛ بَلْ ذَلِكَ مَقْرُونٌ بِتَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ. فَإِنَّهُ أَوَّلُ مَا أُرْسِلَ أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ} بَعْدَ أَنْ أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ. اقْرَأْ الَّتِي بِهَا نُبِّئَ
(28/136)

فَقَالَ: {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ} {قُمْ فَأَنْذِرْ} {وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ} {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} {وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ} {وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ} {وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ} فَافْتَتَحَ آيَاتِ الْإِرْسَالِ إلَى الْخَلْقِ بِالْأَمْرِ بِالنِّذَارَةِ وَخَتَمَهَا بِالْأَمْرِ بِالصَّبْرِ وَنَفْسُ الْإِنْذَارِ أَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهْيٌ عَنْ الْمُنْكَرِ. فَعُلِمَ أَنَّهُ يَجِبُ بَعْدَ ذَلِكَ الصَّبْرُ وَقَالَ: {وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا} وَقَالَ تَعَالَى: {وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا} {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ} {فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ} {وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إلَّا بِاللَّهِ} {وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} . فَلَا بُدَّ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ: الْعِلْمُ؛ وَالرِّفْقُ؛ وَالصَّبْرُ؛ الْعِلْمُ قَبْلَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيُ؛ وَالرِّفْقُ مَعَهُ وَالصَّبْرُ بَعْدَهُ وَإِنْ كَانَ كُلٌّ مِنْ الثَّلَاثَةِ مُسْتَصْحِبًا فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ؛ وَهَذَا كَمَا جَاءَ فِي الْأَثَرِ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ وَرَوَوْهُ مَرْفُوعًا؛ ذَكَرَهُ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى فِي الْمُعْتَمَدِ: " لَا يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَى عَنْ الْمُنْكَرِ إلَّا مَنْ كَانَ فَقِيهًا فِيمَا يَأْمُرُ بِهِ؛ فَقِيهًا فِيمَا يَنْهَى عَنْهُ؛ رَفِيقًا فِيمَا يَأْمُرُ بِهِ؛ رَفِيقًا فِيمَا يَنْهَى عَنْهُ؛ حَلِيمًا فِيمَا يَأْمُرُ بِهِ حَلِيمًا فِيمَا يَنْهَى عَنْهُ ". وَلْيَعْلَمْ أَنَّ الْأَمْرَ بِهَذِهِ الْخِصَالِ فِي الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ مِمَّا يُوجِبُ صُعُوبَةً عَلَى كَثِيرٍ مِنْ النُّفُوسِ؛ فَيَظُنُّ أَنَّهُ بِذَلِكَ يَسْقُطُ عَنْهُ فَيَدَعُهُ؛ وَذَلِكَ مِمَّا يَضُرُّهُ أَكْثَرَ مِمَّا يَضُرُّهُ الْأَمْرُ بِدُونِ هَذِهِ الْخِصَالِ أَوْ
(28/137)

أَقَلَّ: فَإِنَّ تَرْكَ الْأَمْرِ الْوَاجِبِ مَعْصِيَةٌ: فَالْمُنْتَقِلُ مِنْ مَعْصِيَةٍ إلَى مَعْصِيَةٍ أَكْبَرَ مِنْهَا كَالْمُسْتَجِيرِ مِنْ الرَّمْضَاءِ بِالنَّارِ وَالْمُنْتَقِلُ مِنْ مَعْصِيَةٍ إلَى مَعْصِيَةٍ كَالْمُنْتَقِلِ مِنْ دِينٍ بَاطِلٍ إلَى دِينٍ بَاطِلٍ؛ وَقَدْ يَكُونُ الثَّانِي شَرًّا مِنْ الْأَوَّلِ: وَقَدْ يَكُونُ دُونَهُ؛ وَقَدْ يَكُونَانِ سَوَاءً؛ فَهَكَذَا تَجِدُ الْمُقَصِّرَ فِي الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْمُعْتَدِيَ فِيهِ قَدْ يَكُونُ ذَنْبُ هَذَا أَعْظَمُ: وَقَدْ يَكُونُ ذَنْبُ هَذَا أَعْظَمُ؛ وَقَدْ يَكُونَانِ سَوَاءً.
وَمِنْ الْمَعْلُومِ بِمَا أَرَانَا اللَّهُ مِنْ آيَاتِهِ فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِنَا وَبِمَا شَهِدَ بِهِ فِي كِتَابِهِ: أَنَّ الْمَعَاصِيَ سَبَبُ الْمَصَائِبِ؛ فَسَيِّئَاتُ الْمَصَائِبِ وَالْجَزَاءُ مِنْ سَيِّئَاتِ الْأَعْمَالِ وَأَنَّ الطَّاعَةَ سَبَبُ النِّعْمَةِ فَإِحْسَانُ الْعَمَلِ سَبَبٌ لِإِحْسَانِ اللَّهِ قَالَ تَعَالَى: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} " وَقَالَ تَعَالَى: {مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ} وَقَالَ تَعَالَى: {إنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ} وَقَالَ: {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ} " وَقَالَ: {أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ} وَقَالَ: {وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ كَفُورٌ} وَقَالَ تَعَالَى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} .
(28/138)

وَقَدْ أَخْبَرَ سُبْحَانَهُ بِمَا عَاقَبَ بِهِ أَهْلَ السَّيِّئَاتِ مِنْ الْأُمَمِ؛ كَقَوْمِ نُوحٍ؛ وَعَادٍ؛ وَثَمُودَ؛ وَقَوْمِ لُوطٍ؛ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ؛ وَقَوْمِ فِرْعَوْنَ: فِي الدُّنْيَا. وَأَخْبَرَ بِمَا يُعَاقِبُهُمْ بِهِ فِي الْآخِرَةِ؛ وَلِهَذَا قَالَ مُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ: {يَا قَوْمِ إنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ} {مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ} {وَيَا قَوْمِ إنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ} {يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} وَقَالَ تَعَالَى: {كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ} وَقَالَ: {سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ} وَقَالَ: {وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} وَقَالَ: {فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ} . إلَى قَوْلِهِ: {يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إنَّا مُنْتَقِمُونَ} . وَلِهَذَا يَذْكُرُ اللَّهُ فِي عَامَّةِ سُوَرِ الْإِنْذَارِ مَا عَاقَبَ بِهِ أَهْلَ السَّيِّئَاتِ فِي الدُّنْيَا وَمَا أَعَدَّهُ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَقَدْ يَذْكُرُ فِي السُّورَةِ وَعْدَ الْآخِرَةِ فَقَطْ؛ إذْ عَذَابُ الْآخِرَةِ أَعْظَمُ؛ وَثَوَابُهَا أَعْظَمُ؛ وَهِيَ دَارُ الْقَرَارِ. وَإِنَّمَا يَذْكُرُ مَا يَذْكُرُهُ مِنْ الثَّوَابِ وَالْعَذَابِ فِي الدُّنْيَا تَبَعًا؛ كَقَوْلِهِ فِي قِصَّةِ يُوسُفَ: {وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} {وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ} وَقَالَ: {فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ
(28/139)

ثَوَابِ الْآخِرَةِ} وَقَالَ: {وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} {الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} وَقَالَ عَنْ إبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ {وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ} . وَأَمَّا ذِكْرُهُ لِعُقُوبَةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَفِي سُورَةِ: {وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا} {وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا} ثُمَّ قَالَ: {يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ} {تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ} فَذَكَرَ الْقِيَامَةَ مُطْلَقًا ثُمَّ قَالَ: {هَلْ أتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى} {إذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِي الْمُقَدَّسِ طُوًى} {اذْهَبْ إلَى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغَى} إلَى قَوْلِهِ: {إنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى} ثُمَّ ذَكَرَ الْمُبْدَأَ وَالْمَعَادَ مُفَصَّلًا فَقَالَ: {أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا} . إلَى قَوْله تَعَالَى {فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى} . إلَى قَوْله تَعَالَى {فَأَمَّا مَنْ طَغَى} {وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} {فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى} {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى} {فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} إلَى آخِرِ السُّورَةِ. وَكَذَلِكَ فِي " الْمُزَّمِّلِ " ذَكَرَ قَوْلَهُ: {وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا} {إنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا} {وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا} إلَى قَوْله تَعَالَى {كَمَا أَرْسَلْنَا إلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا} {فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا} . كَذَلِكَ فِي " سُورَةِ الْحَاقَّةِ " ذَكَرَ قِصَصَ الْأُمَمِ؛ كثمود وَعَادٍ وَفِرْعَوْنَ
(28/140)

ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ} {وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً} إلَى تَمَامِ مَا ذَكَرَهُ مِنْ أَمْرِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ. وَكَذَلِكَ فِي سُورَةِ ن وَالْقَلَمِ؛ ذَكَرَ قِصَّةَ أَهْلِ الْبُسْتَانِ الَّذِينَ مَنَعُوا حَقَّ أَمْوَالِهِمْ وَمَا عَاقَبَهُمْ بِهِ ثُمَّ قَالَ: {كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} . كَذَلِكَ فِي " سُورَةِ التَّغَابُنِ " قَالَ: {أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ فَذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} {ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} ثُمَّ قَالَ: {زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ} . وَكَذَلِكَ فِي سُورَةِ " ق " ذَكَرَ حَالَ الْمُخَالِفِينَ لِلرُّسُلِ؛ وَذَكَرَ الْوَعْدَ وَالْوَعِيدَ فِي الْآخِرَةِ. وَكَذَلِكَ فِي " سُورَةِ الْقَمَرِ " ذَكَرَ هَذَا وَهَذَا. كَذَلِكَ فِي " آلِ حم " مَثَلُ حم غَافِرٌ؛ وَالسَّجْدَةُ؛ وَالزُّخْرُفُ؛ وَالدُّخَانُ وَغَيْرُ ذَلِكَ. إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُحْصَى. فَإِنَّ التَّوْحِيدَ وَالْوَعْدَ وَالْوَعِيدَ هُوَ أَوَّلُ مَا أُنْزِلَ؛ كَمَا فِي صَحِيحِ
(28/141)

الْبُخَارِيِّ عَنْ {يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ قَالَ: إنِّي عِنْدَ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ إذْ جَاءَهَا عِرَاقِيٌّ فَقَالَ: أَيُّ الْكَفَنِ خَيْرٌ؟ قَالَتْ: وَيْحك وَمَا يَضُرُّك؟ قَالَ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ أَرِينِي مُصْحَفَك. قَالَتْ: لِمَ؟ قَالَ: لَعَلِّي أُؤَلِّفُ الْقُرْآنَ عَلَيْهِ. فَإِنَّهُ يُقْرَأُ غَيْرَ مُؤَلَّفٍ قَالَتْ: وَمَا يَضُرُّك أَيَّه قَرَأْت قَبْلُ إنَّمَا نَزَلَ أَوَّلَ مَا نَزَلَ مِنْهُ سُورَةٌ مِنْ الْمُفَصَّلِ فِيهَا ذِكْرُ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ حَتَّى إذَا ثَابَ النَّاسُ إلَى الْإِسْلَامِ نَزَلَ الْحَلَالُ وَالْحَرَامُ وَلَوْ نَزَلَ أَوَّلَ شَيْءٍ لَا تَشْرَبُوا الْخَمْرَ لَقَالُوا: لَا نَدَعُ الْخَمْرَ أَبَدًا وَلَوْ نَزَلَ لَا تَزْنُوا لَقَالُوا: لَا نَدَعُ الزِّنَا أَبَدًا لَقَدْ نَزَلَ بِمَكَّةَ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنِّي لَجَارِيَةٌ أَلْعَبُ: {بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ} وَمَا نَزَلَتْ سُورَةُ الْبَقَرَةِ وَالنِّسَاءُ إلَّا وَأَنَا عِنْدَهُ قَالَ: فَأَخْرَجْت لَهُ الْمُصْحَفَ فَأَمْلَتْ عَلَيْهِ آيَ السُّوَرِ.} وَإِذَا كَانَ الْكُفْرُ وَالْفُسُوقُ وَالْعِصْيَانُ سَبَبَ الشَّرِّ وَالْعُدْوَانِ فَقَدْ يُذْنِبُ الرَّجُلُ أَوْ الطَّائِفَةُ وَيَسْكُتُ آخَرُونَ عَنْ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ فَيَكُونُ ذَلِكَ مِنْ ذُنُوبِهِمْ وَيُنْكِرُ عَلَيْهِمْ آخَرُونَ إنْكَارًا مَنْهِيًّا عَنْهُ فَيَكُونُ ذَلِكَ مِنْ ذُنُوبِهِمْ؛ فَيَحْصُلُ التَّفَرُّقُ وَالِاخْتِلَافُ وَالشَّرُّ وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ الْفِتَنِ وَالشُّرُورِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا؛ إذْ الْإِنْسَانُ ظَلُومٌ جَهُولٌ وَالظُّلْمُ وَالْجَهْلُ أَنْوَاعٌ فَيَكُونُ ظُلْمُ الْأَوَّلِ وَجَهْلُهُ مِنْ نَوْعٍ وَظُلْمُ كُلٍّ مِنْ الثَّانِي وَالثَّالِثِ وَجَهْلِهِمَا مَنْ نَوْعٍ آخَرَ وَآخَرَ.
(28/142)

وَمَنْ تَدَبَّرَ الْفِتَنَ الْوَاقِعَةَ رَأَى سَبَبَهَا ذَلِكَ وَرَأَى أَنَّ مَا وَقَعَ بَيْنَ أُمَرَاءِ الْأُمَّةِ وَعُلَمَائِهَا وَمَنْ دَخَلَ فِي ذَلِكَ مِنْ مُلُوكِهَا وَمَشَايِخِهَا؛ وَمَنْ تَبِعَهُمْ مِنْ الْعَامَّةِ مِنْ الْفِتَنِ: هَذَا أَصْلُهَا؛ يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ أَسْبَابُ الضَّلَالِ وَالْغَيِّ: الَّتِي هِيَ الْأَهْوَاءُ الدِّينِيَّةُ والشهوانية؛ وَهِيَ الْبِدَعُ فِي الدِّينِ وَالْفُجُورُ فِي الدُّنْيَا وَذَلِكَ أَنَّ أَسْبَابَ الضَّلَالِ وَالْغَيِّ الْبِدَعُ فِي الدِّينِ وَالْفُجُورُ فِي الدُّنْيَا وَهِيَ مُشْتَرَكَةٌ: تَعُمُّ بَنِي آدَمَ؛ لِمَا فِيهِمْ مِنْ الظُّلْمِ وَالْجَهْلِ؛ فَبِذَنْبِ بَعْضِ النَّاسِ يَظْلِمُ نَفْسَهُ وَغَيْرَهُ؛ كَالزِّنَا بِلِوَاطِ وَغَيْرِهِ؛ أَوْ شُرْبِ خَمْرٍ؛ أَوْ ظُلْمٍ فِي الْمَالِ بِخِيَانَةِ أَوْ سَرِقَةٍ أَوْ غَصْبٍ؛ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذِهِ الْمَعَاصِيَ وَإِنْ كَانَتْ مُسْتَقْبَحَةً مَذْمُومَةً فِي الْعَقْلِ وَالدِّينِ فَهِيَ مُشْتَهَاةٌ أَيْضًا وَمِنْ شَأْنِ النُّفُوسِ أَنَّهَا لَا تُحِبُّ اخْتِصَاصَ غَيْرِهَا بِهَا؛ لَكِنْ تُرِيدُ أَنْ يَحْصُلَ لَهَا مَا حَصَلَ لَهُ وَهَذَا هُوَ الْغِبْطَةُ الَّتِي هِيَ أَدْنَى نَوْعَيْ الْحَسَدِ. فَهِيَ تُرِيدُ الِاسْتِعْلَاءَ عَلَى الْغَيْرِ وَالِاسْتِئْثَارَ دُونَهُ؛ أَوْ تَحْسُدُهُ وَتَتَمَنَّى زَوَالَ النِّعْمَةِ عَنْهُ وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ؛ فَفِيهَا مِنْ إرَادَةِ الْعُلُوِّ وَالْفَسَادِ وَالِاسْتِكْبَارِ وَالْحَسَدِ مَا مُقْتَضَاهُ أَنَّهَا تَخْتَصُّ عَنْ غَيْرِهَا بِالشَّهَوَاتِ؛ فَكَيْفَ إذَا رَأَتْ الْغَيْرَ قَدْ اسْتَأْثَرَ عَلَيْهَا بِذَلِكَ وَاخْتَصَّ بِهَا دُونَهَا؟ فَالْمُعْتَدِلُ مِنْهُمْ فِي ذَلِكَ الَّذِي يُحِبُّ الِاشْتِرَاكَ والتساوي وَأَمَّا الْآخَرُ فَظَلُومٌ حَسُودٌ. وَهَذَانِ يَقَعَانِ فِي الْأُمُورِ الْمُبَاحَةِ وَالْأُمُورِ الْمُحَرَّمَةِ لِحَقِّ اللَّهِ فَمَا كَانَ
(28/143)

جِنْسُهُ مُبَاحًا مِنْ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَنِكَاحٍ وَلِبَاسٍ وَرُكُوبٍ وَأَمْوَالٍ: إذَا وَقَعَ فِيهَا الِاخْتِصَاصُ حَصَلَ الظُّلْمُ؛ وَالْبُخْلُ وَالْحَسَدُ. وَأَصْلُهُمَا الشُّحُّ كَمَا فِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: {إيَّاكُمْ وَالشُّحَّ فَإِنَّهُ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ: أَمَرَهُمْ بِالْبُخْلِ فَبَخِلُوا؛ وَأَمَرَهُمْ بِالظُّلْمِ فَظَلَمُوا؛ وَأَمَرَهُمْ بِالْقَطِيعَةِ فَقَطَعُوا} . وَلِهَذَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي وَصْفِ الْأَنْصَارِ الَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِ الْمُهَاجِرِينَ: {وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا} أَيْ: لَا يَجِدُونَ الْحَسَدَ مِمَّا أُوتِيَ إخْوَانُهُمْ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ؛ {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} ثُمَّ قَالَ: {وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} . وَرُئِيَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَيَقُولُ: رَبِّ قِنِي شُحَّ نَفْسِي رَبِّ قِنِي شُحَّ نَفْسِي فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: إذَا وُقِيت شُحَّ نَفْسِي فَقَدْ وُقِيت الْبُخْلَ وَالظُّلْمَ وَالْقَطِيعَةَ أَوْ كَمَا قَالَ. فَهَذَا الشُّحُّ الَّذِي هُوَ شِدَّةُ حِرْصِ النَّفْسِ يُوجِبُ الْبُخْلَ بِمَنْعِ مَا هُوَ عَلَيْهِ؛ وَالظُّلْمِ بِأَخْذِ مَالِ الْغَيْرِ. وَيُوجِبُ قَطِيعَةَ الرَّحِمِ؛ وَيُوجِبُ الْحَسَدَ؛ وَهُوَ: كَرَاهَةُ مَا أَخْتَصَّ بِهِ الْغَيْرُ وَالْحَسَدُ فِيهِ بُخْلٌ وَظُلْمٌ؛ فَإِنَّهُ بُخْلٌ بِمَا أُعْطِيهِ غَيْرُهُ؛ وَظُلْمُهُ بِطَلَبِ زَوَالِ ذَلِكَ عَنْهُ. فَإِذَا كَانَ هَذَا فِي جِنْسِ الشَّهَوَاتِ الْمُبَاحَةِ؛ فَكَيْفَ بِالْمُحَرَّمَةِ:
(28/144)

كَالزِّنَا وَشُرْبِ الْخَمْرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ؟ وَإِذَا وَقَعَ فِيهَا اخْتِصَاصٌ فَإِنَّهُ يَصِيرُ فِيهَا نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا: بُغْضُهَا لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الِاخْتِصَاصِ وَالظُّلْمِ؛ كَمَا يَقَعُ فِي الْأُمُورِ الْمُبَاحَةِ الْجِنْسُ. وَالثَّانِي: بُغْضُهَا لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ حَقِّ اللَّهِ. وَلِهَذَا كَانَتْ الذُّنُوبُ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: مَا فِيهَا ظُلْمُ النَّاسِ؛ كَالظُّلْمِ بِأَخْذِ الْأَمْوَالِ وَمَنْعِ الْحُقُوقِ؛ وَالْحَسَدِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَالثَّانِي: مَا فِيهِ ظُلْمُ النَّاسِ فَقَطْ؛ كَشُرْبِ الْخَمْرِ وَالزِّنَا؛ إذَا لَمْ يَتَعَدَّ ضَرَرُهُمَا. وَالثَّالِثُ: مَا يَجْتَمِعُ فِيهِ الْأَمْرَانِ؛ مِثْلَ أَنْ يَأْخُذَ الْمُتَوَلِّي أَمْوَالَ النَّاسِ يَزْنِي بِهَا وَيَشْرَبُ بِهَا الْخَمْرَ؛ وَمِثْلَ أَنْ يَزْنِيَ بِمَنْ يَرْفَعُهُ عَلَى النَّاسِ بِذَلِكَ السَّبَبِ وَيَضُرُّهُمْ؛ كَمَا يَقَعُ مِمَّنْ يُحِبُّ بَعْضَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {قُلْ إنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} .
(28/145)

وَأُمُورُ النَّاسِ تَسْتَقِيمُ فِي الدُّنْيَا مَعَ الْعَدْلِ الَّذِي فِيهِ الِاشْتِرَاكُ فِي أَنْوَاعِ الْإِثْمِ: أَكْثَرُ مِمَّا تَسْتَقِيمُ مَعَ الظُّلْمِ فِي الْحُقُوقِ وَإِنْ لَمْ تَشْتَرِكْ فِي إثْمٍ؛ وَلِهَذَا قِيلَ: إنَّ اللَّهَ يُقِيمُ الدَّوْلَةَ الْعَادِلَةَ وَإِنْ كَانَتْ كَافِرَةً؛ وَلَا يُقِيمُ الظَّالِمَةَ وَإِنْ كَانَتْ مُسْلِمَةً. وَيُقَالُ: الدُّنْيَا تَدُومُ مَعَ الْعَدْلِ وَالْكُفْرِ وَلَا تَدُومُ مَعَ الظُّلْمِ وَالْإِسْلَامِ. وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {لَيْسَ ذَنْبٌ أَسْرَعَ عُقُوبَةً مِنْ الْبَغْيِ وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ} فَالْبَاغِي يُصْرَعُ فِي الدُّنْيَا وَإِنْ كَانَ مَغْفُورًا لَهُ مَرْحُومًا فِي الْآخِرَةِ وَذَلِكَ أَنَّ الْعَدْلَ نِظَامُ كُلِّ شَيْءٍ؛ فَإِذَا أُقِيمَ أَمْرُ الدُّنْيَا بِعَدْلِ قَامَتْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِصَاحِبِهَا فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَمَتَى لَمْ تَقُمْ بِعَدْلِ لَمْ تَقُمْ وَإِنْ كَانَ لِصَاحِبِهَا مِنْ الْإِيمَانِ مَا يُجْزَى بِهِ فِي الْآخِرَةِ؛ فَالنَّفْسُ فِيهَا دَاعِي الظُّلْمِ لِغَيْرِهَا بِالْعُلُوِّ عَلَيْهِ وَالْحَسَدِ لَهُ؛ وَالتَّعَدِّي عَلَيْهِ فِي حَقِّهِ. وَدَاعِي الظُّلْمِ لِنَفْسِهَا بِتَنَاوُلِ الشَّهَوَاتِ الْقَبِيحَةِ كَالزِّنَا وَأَكْلِ الْخَبَائِثِ. فَهِيَ قَدْ تَظْلِمُ مَنْ لَا يَظْلِمُهَا؛ وَتُؤْثِرُ هَذِهِ الشَّهَوَاتِ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْهَا؛ فَإِذَا رَأَتْ نُظَرَاءَهَا قَدْ ظَلَمُوا وَتَنَاوَلُوا هَذِهِ الشَّهَوَاتِ صَارَ دَاعِي هَذِهِ الشَّهَوَاتِ أَوْ الظُّلْمِ فِيهَا أَعْظَمَ بِكَثِيرِ وَقَدْ تَصْبِرُ؛ وَيَهِيجُ ذَلِكَ لَهَا مِنْ بُغْضِ ذَلِكَ الْغَيْرِ وَحَسَدِهِ وَطَلَبِ عِقَابِهِ وَزَوَالِ الْخَيْرِ عَنْهُ مَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا قَبْلَ ذَلِكَ وَلَهَا حُجَّةٌ عِنْدَ نَفْسِهَا مِنْ جِهَةِ الْعَقْلِ وَالدِّينِ؛ يَكُونُ ذَلِكَ الْغَيْرُ قَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَالْمُسْلِمِينَ؛ وَإِنَّ أَمْرَهُ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهْيَهُ عَنْ الْمُنْكَرِ وَاجِبٌ؛ وَالْجِهَادُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ الدِّينِ.
(28/146)

وَالنَّاسُ هُنَا ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: قَوْمٌ لَا يَقُومُونَ إلَّا فِي أَهْوَاءِ نُفُوسِهِمْ؛ فَلَا يَرْضَوْنَ إلَّا بِمَا يُعْطُونَهُ وَلَا يَغْضَبُونَ إلَّا لِمَا يحرمونه؛ فَإِذَا أُعْطِيَ أَحَدُهُمْ مَا يَشْتَهِيهِ مِنْ الشَّهَوَاتِ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ زَالَ غَضَبُهُ وَحَصَلَ رِضَاهُ وَصَارَ الْأَمْرُ الَّذِي كَانَ عِنْدَهُ مُنْكَرًا - يُنْهَى عَنْهُ وَيُعَاقَبُ عَلَيْهِ؛ وَيَذُمُّ صَاحِبَهُ وَيَغْضَبُ عَلَيْهِ - مَرْضِيًّا عِنْدَهُ وَصَارَ فَاعِلًا لَهُ وَشَرِيكًا فِيهِ؛ وَمُعَاوِنًا عَلَيْهِ؛ وَمُعَادِيًا لِمَنْ نَهَى عَنْهُ وَيُنْكِرُ عَلَيْهِ. وَهَذَا غَالِبٌ فِي بَنِي آدَمَ يَرَى الْإِنْسَانُ وَيَسْمَعُ مِنْ ذَلِكَ مَا لَا يُحْصِيهِ. وَسَبَبُهُ: أَنَّ الْإِنْسَانَ ظَلُومٌ جَهُولٌ؛ فَلِذَلِكَ لَا يَعْدِلُ بَلْ رُبَّمَا كَانَ ظَالِمًا فِي الْحَالَيْنِ يَرَى قَوْمًا يُنْكِرُونَ عَلَى الْمُتَوَلِّي ظُلْمَهُ لِرَعِيَّتِهِ وَاعْتِدَاءَهُ عَلَيْهِمْ؛ فَيَرْضَى أُولَئِكَ الْمُنْكِرُونَ بِبَعْضِ الشَّيْءِ فَيَنْقَلِبُونَ أَعْوَانًا لَهُ. وَأَحْسَنُ أَحْوَالِهِمْ أَنْ يَسْكُتُوا عَنْ الْإِنْكَارِ عَلَيْهِ. وَكَذَلِكَ تَرَاهُمْ يُنْكِرُونَ عَلَى مَنْ يَشْرَبُ الْخَمْرَ وَيَزْنِي وَيَسْمَعُ الْمَلَاهِيَ حَتَّى يُدْخِلُوا أَحَدَهُمْ مَعَهُمْ فِي ذَلِكَ؛ أَوْ يَرْضَوْهُ بِبَعْضِ ذَلِكَ؛ فَتَرَاهُ قَدْ صَارَ عَوْنًا لَهُمْ. وَهَؤُلَاءِ قَدْ يَعُودُونَ بِإِنْكَارِهِمْ إلَى أَقْبَحِ مِنْ الْحَالِ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا وَقَدْ يَعُودُونَ إلَى مَا هُوَ دُونَ ذَلِكَ أَوْ نَظِيرِهِ. وَقَوْمٌ يَقُومُونَ دِيَانَةً صَحِيحَةً يَكُونُونَ فِي ذَلِكَ مُخْلِصِينَ لِلَّهِ مُصْلِحِينَ فِيمَا عَمِلُوهُ وَيَسْتَقِيمُ لَهُمْ ذَلِكَ حَتَّى يَصْبِرُوا عَلَى مَا أُوذُوا. وَهَؤُلَاءِ هُمْ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَهُمْ مِنْ خَيْرِ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ:
(28/147)

يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَيُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ. وَقَوْمٌ يَجْتَمِعُ فِيهِمْ هَذَا وَهَذَا؛ وَهُمْ غَالِبُ الْمُؤْمِنِينَ فَمَنْ فِيهِ دِينٌ وَلَهُ شَهْوَةٌ تَجْتَمِعُ فِي قُلُوبِهِمْ إرَادَةُ الطَّاعَةِ وَإِرَادَةُ الْمَعْصِيَةِ وَرُبَّمَا غَلَبَ هَذَا تَارَةً وَهَذَا تَارَةً. وَهَذِهِ الْقِسْمَةُ الثُّلَاثِيَّةُ كَمَا قِيلَ: الْأَنْفُسُ ثَلَاثٌ: أَمَّارَةٌ؛ وَمُطَمْئِنَةٌ؛ وَلَوَّامَةٌ. فَالْأَوَّلُونَ هُمْ أَهْلُ الْأَنْفُسِ الْأَمَّارَةِ الَّتِي تَأْمُرُهُ بِالسُّوءِ. وَالْأَوْسَطُونَ هُمْ أَهْلُ النُّفُوسِ الْمُطْمَئِنَّةِ الَّتِي قِيلَ فِيهَا: {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ} {ارْجِعِي إلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً} {فَادْخُلِي فِي عِبَادِي} {وَادْخُلِي جَنَّتِي} . وَالْآخَرُونَ هُمْ أَهْلُ النُّفُوسِ اللَّوَّامَةِ الَّتِي تَفْعَلُ الذَّنْبَ ثُمَّ تَلُومُ عَلَيْهِ؛ وَتَتَلَوَّنُ: تَارَةً كَذَا. وَتَارَةً كَذَا. وَتَخْلِطُ عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا. وَلِهَذَا لَمَّا كَانَ النَّاسُ فِي زَمَنِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ اللَّذَيْنِ أُمِرَ الْمُسْلِمُونَ بِالِاقْتِدَاءِ بِهِمَا كَمَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {اقْتَدُوا بالذين مِنْ بَعْدِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ} أَقْرَبُ عَهْدًا بِالرِّسَالَةِ وَأَعْظَمُ إيمَانًا وَصَلَاحًا؛ وَأَئِمَّتُهُمْ أَقْوَمُ بِالْوَاجِبِ وَأَثْبَتُ فِي الطُّمَأْنِينَةِ: لَمْ تَقَعْ فِتْنَةٌ؛ إذْ كَانُوا فِي حُكْمِ الْقِسْمِ الْوَسَطِ. وَلَمَّا كَانَ فِي آخِرِ خِلَافَةِ عُثْمَانَ وَخِلَافَةِ عَلِيٍّ كَثُرَ الْقِسْمُ الثَّالِثُ؛ فَصَارَ فِيهِمْ شَهْوَةٌ وَشُبْهَةٌ مَعَ الْإِيمَانِ وَالدِّينِ؛ وَصَارَ ذَلِكَ فِي بَعْضِ الْوُلَاةِ
(28/148)

وَبَعْضِ الرَّعَايَا ثُمَّ كَثُرَ ذَلِكَ بَعْدُ؛ فَنَشَأَتْ الْفِتْنَةُ الَّتِي سَبَبُهَا مَا تَقَدَّمَ مِنْ عَدَمِ تَمْحِيصِ التَّقْوَى وَالطَّاعَةِ فِي الطَّرَفَيْنِ؛ وَاخْتِلَاطِهِمَا بِنَوْعِ مِنْ الْهَوَى وَالْمَعْصِيَةِ فِي الطَّرَفَيْنِ: وَكُلٌّ مِنْهُمَا مُتَأَوِّلٌ أَنَّهُ يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَى عَنْ الْمُنْكَرِ وَأَنَّهُ مَعَ الْحَقِّ وَالْعَدْلِ وَمَعَ هَذَا التَّأْوِيلِ نَوْعٌ مِنْ الْهَوَى؛ فَفِيهِ نَوْعٌ مِنْ الظَّنِّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ؛ وَإِنْ كَانَتْ إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَوْلَى بِالْحَقِّ مِنْ الْأُخْرَى. فَلِهَذَا يَجِبُ عَلَى الْمُؤْمِنِ أَنْ يَسْتَعِينَ بِاَللَّهِ؛ وَيَتَوَكَّلَ عَلَيْهِ فِي أَنْ يُقِيمَ قَلْبَهُ وَلَا يُزِيغَهُ: وَيُثَبِّتَهُ عَلَى الْهُدَى وَالتَّقْوَى؛ وَلَا يَتَّبِعُ الْهَوَى كَمَا قَالَ تَعَالَى: {فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ} . وَهَذَا أَيْضًا حَالُ الْأُمَّةِ فِيمَا تَفَرَّقَتْ فِيهِ وَاخْتَلَفَتْ فِي الْمَقَالَاتِ وَالْعِبَادَاتِ. وَهَذِهِ الْأُمُورُ مِمَّا تَعْظُمُ بِهَا الْمِحْنَةُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ. فَإِنَّهُمْ يَحْتَاجُونَ إلَى شَيْئَيْنِ: إلَى دَفْعِ الْفِتْنَةِ الَّتِي اُبْتُلِيَ بِهَا نُظَرَاؤُهُمْ مِنْ فِتْنَةِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا عَنْ نُفُوسِهِمْ مَعَ قِيَامِ الْمُقْتَضِي لَهَا: فَإِنَّ مَعَهُمْ نُفُوسًا وَشَيَاطِينَ كَمَا مَعَ غَيْرِهِمْ فَمَعَ وُجُودِ ذَلِكَ مِنْ نُظَرَائِهِمْ يَقْوَى الْمُقْتَضِي عِنْدَهُمْ؛ كَمَا هُوَ الْوَاقِعُ؛ فَيَقْوَى الدَّاعِي الَّذِي فِي نَفْسِ الْإِنْسَانِ وَشَيْطَانُهُ؛ وَمَا يَحْصُلُ مِنْ الدَّاعِي بِفِعْلِ الْغَيْرِ وَالنَّظِيرِ. فَكَمْ مِمَّنْ لَمْ يَرِدْ خَيْرًا وَلَا شَرًّا حَتَّى رَأَى غَيْرَهُ - لَا سِيَّمَا إنْ كَانَ نَظِيرُهُ -
(28/149)

يَفْعَلُهُ فَفَعَلَهُ فَإِنَّ النَّاسَ كَأَسْرَابِ الْقَطَا؛ مَجْبُولُونَ عَلَى تَشَبُّهِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضِ. وَلِهَذَا كَانَ الْمُبْتَدِئُ بِالْخَيْرِ وَالشَّرِّ: لَهُ مِثْلُ مَنْ تَبِعَهُ مِنْ الْأَجْرِ وَالْوِزْرِ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ؛ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا؛ وَمَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ؛ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْئًا} وَذَلِكَ لِاشْتِرَاكِهِمْ فِي الْحَقِيقَةِ. وَأَنَّ حُكْمَ الشَّيْءِ حُكْمُ نَظِيرِهِ. وَشَبَهُ الشَّيْءِ مُنْجَذِبٌ إلَيْهِ. فَإِذَا كَانَ هَذَانِ دَاعِيَيْنِ قَوِيَّيْنِ: فَكَيْفَ إذَا انْضَمَّ إلَيْهِمَا دَاعِيَانِ آخَرَانِ؟ وَذَلِكَ أَنَّ كَثِيرًا مِنْ أَهْلِ الْمُنْكَرِ يُحِبُّونَ مَنْ يُوَافِقُهُمْ عَلَى مَا هُمْ فِيهِ؛ وَيُبْغِضُونَ مَنْ لَا يُوَافِقُهُمْ وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي الدِّيَانَاتِ الْفَاسِدَةِ مِنْ مُوَالَاةِ كُلِّ قَوْمٍ لِمُوَافَقِيهِمْ؛ وَمُعَادَاتِهِمْ لِمُخَالِفِيهِمْ. وَكَذَلِكَ فِي أُمُورِ الدُّنْيَا وَالشَّهَوَاتِ كَثِيرًا مَا يَخْتَارُونَ وَيُؤْثِرُونَ مَنْ يُشَارِكُهُمْ: إمَّا لِلْمُعَاوَنَةِ عَلَى ذَلِكَ؛ كَمَا فِي الْمُتَغَلِّبِينَ مِنْ أَهْلِ الرِّيَاسَاتِ وَقُطَّاعِ الطَّرِيقِ وَنَحْوِهِمْ. وَإِمَّا بِالْمُوَافَقَةِ؛ كَمَا فِي الْمُجْتَمِعِينَ عَلَى شُرْبِ الْخَمْرِ؛ فَإِنَّهُمْ يَخْتَارُونَ أَنْ يَشْرَبَ كُلُّ مَنْ حَضَرَ عِنْدَهُمْ وَإِمَّا لِكَرَاهَتِهِمْ امْتِيَازَهُ عَنْهُمْ بِالْخَيْرِ: إمَّا حَسَدًا لَهُ عَلَى ذَلِكَ؛ لِئَلَّا يَعْلُوَ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ وَيُحْمَدُ دُونَهُمْ. وَإِمَّا لِئَلَّا يَكُونَ لَهُ عَلَيْهِمْ حُجَّةٌ. وَإِمَّا لِخَوْفِهِمْ مِنْ مُعَاقَبَتِهِ لَهُمْ بِنَفْسِهِ؛ أَوْ بِمَنْ يَرْفَعُ ذَلِكَ إلَيْهِمْ؛ وَلِئَلَّا يَكُونُوا تَحْت مِنَّتِهِ وَخَطَرِهِ
(28/150)

وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ الْأَسْبَابِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ} وَقَالَ تَعَالَى فِي الْمُنَافِقِينَ: {وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً} . وَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ عفان رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَدَّتْ الزَّانِيَةُ لَوْ زَنَى النِّسَاءُ كُلُّهُنَّ. وَالْمُشَارِكَةُ قَدْ يَخْتَارُونَهَا فِي نَفْسِ الْفُجُورِ كَالِاشْتِرَاكِ فِي الشُّرْبِ وَالْكَذِبِ وَالِاعْتِقَادِ الْفَاسِدِ وَقَدْ يَخْتَارُونَهَا فِي النَّوْعِ؛ كَالزَّانِي الَّذِي يَوَدُّ أَنَّ غَيْرَهُ يَزْنِي؛ وَالسَّارِقُ الَّذِي يَوَدُّ أَنَّ غَيْرَهُ يَسْرِقُ أَيْضًا؛ لَكِنْ فِي غَيْرِ الْعَيْنِ الَّتِي زَنَى بِهَا أَوْ سَرَقَهَا. وَأَمَّا الدَّاعِي الثَّانِي فَقَدْ يَأْمُرُونَ الشَّخْصَ بِمُشَارَكَتِهِمْ فِيمَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ الْمُنْكَرِ. فَإِنْ شَارَكَهُمْ وَإِلَّا عَادُوهُ وَآذَوْهُ عَلَى وَجْهٍ يَنْتَهِي إلَى حَدِّ الْإِكْرَاهِ؛ أَوَّلًا يَنْتَهِي إلَى حَدِّ الْإِكْرَاهِ ثُمَّ إنَّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَخْتَارُونَ مُشَارَكَةَ الْغَيْرِ لَهُمْ فِي قَبِيحِ فِعْلِهِمْ أَوْ يَأْمُرُونَهُ بِذَلِكَ وَيَسْتَعِينُونَ بِهِ عَلَى مَا يُرِيدُونَهُ: مَتَى شَارَكَهُمْ وَعَاوَنَهُمْ وَأَطَاعَهُمْ انْتَقَصُوهُ وَاسْتَخَفُّوا بِهِ. وَجَعَلُوا ذَلِكَ حُجَّةً عَلَيْهِ فِي أُمُورٍ أُخْرَى. وَإِنْ لَمْ يُشَارِكْهُمْ عَادَوْهُ وَآذَوْهُ. وَهَذِهِ حَالُ غَالِبِ الظَّالِمِينَ الْقَادِرِينَ. وَهَذَا الْمَوْجُودُ فِي الْمُنْكَرِ نَظِيرُهُ فِي الْمَعْرُوفِ وَأَبْلَغُ مِنْهُ كَمَا قَالَ
(28/151)

تَعَالَى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ} فَإِنَّ دَاعِيَ الْخَيْرِ أَقْوَى؛ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ فِيهِ دَاعٍ يَدْعُوهُ إلَى الْإِيمَانِ وَالْعِلْمِ؛ وَالصِّدْقِ وَالْعَدْلِ؛ وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ فَإِذَا وُجِدَ مَنْ يَعْمَلُ مِثْلَ ذَلِكَ صَارَ لَهُ دَاعٍ آخَرُ؛ لَا سِيَّمَا إذَا كَانَ نَظِيرُهُ؛ لَا سِيَّمَا مَعَ الْمُنَافَسَةِ وَهَذَا مَحْمُودٌ حَسَنٌ. فَإِنْ وُجِدَ مَنْ يُحِبُّ مُوَافَقَتَهُ عَلَى ذَلِكَ وَمُشَارَكَتَهُ لَهُ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَالصَّالِحِينَ؛ وَيُبْغِضُهُ إذَا لَمْ يَفْعَلْ: صَارَ لَهُ دَاعٍ ثَالِثٌ؛ فَإِذَا أَمَرُوهُ بِذَلِكَ وَوَالَوْهُ عَلَى ذَلِكَ وَعَادَوْهُ وَعَاقَبُوهُ عَلَى تَرْكِهِ صَارَ لَهُ دَاعٍ رَابِعٌ. وَلِهَذَا يُؤْمَرُ الْمُؤْمِنُونَ أَنْ يُقَابِلُوا السَّيِّئَاتِ بِضِدِّهَا مِنْ الْحَسَنَاتِ؛ كَمَا يُقَابِلُ الطَّبِيبُ الْمَرَضَ بِضِدِّهِ. فَيُؤْمَرُ الْمُؤْمِنُ بِأَنْ يُصْلِحَ نَفْسَهُ وَذَلِكَ بِشَيْئَيْنِ: بِفِعْلِ الْحَسَنَاتِ. وَتَرْكِ السَّيِّئَاتِ مَعَ وُجُودِ مَا يَنْفِي الْحَسَنَاتِ وَيَقْتَضِي السَّيِّئَاتِ. وَهَذِهِ أَرْبَعَةُ أَنْوَاعٍ. وَيُؤْمَرُ أَيْضًا بِإِصْلَاحِ غَيْرِهِ بِهَذِهِ الْأَنْوَاعِ الْأَرْبِعَةِ بِحَسَبِ قُدْرَتِهِ وَإِمْكَانِهِ؛ قَالَ تَعَالَى: {وَالْعَصْرِ} {إنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ} {إلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} . وَرُوِيَ عَنْ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: لَوْ فَكَّرَ النَّاسُ كُلُّهُمْ فِي سُورَةِ (وَالْعَصْرِ لَكَفَتْهُمْ. وَهُوَ كَمَا قَالَ. فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخْبَرَ أَنَّ جَمِيعَ النَّاسِ خَاسِرُونَ إلَّا مَنْ كَانَ فِي نَفْسِهِ مُؤْمِنًا صَالِحًا؛ وَمَعَ غَيْرِهِ مُوصِيًا بِالْحَقِّ مُوصِيًا بِالصَّبْرِ. وَإِذَا عَظُمَتْ الْمِحْنَةُ كَانَ ذَلِكَ لِلْمُؤْمِنِ الصَّالِحِ سَبَبًا لِعُلُوِّ
(28/152)

الدَّرَجَةِ وَعَظِيمِ الْأَجْرِ؛ كَمَا {سُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلَاءً؟ قَالَ الْأَنْبِيَاءُ: ثُمَّ الصَّالِحُونَ؛ ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ؛ يُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ. فَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ صَلَابَةٌ زِيدَ فِي بَلَائِهِ وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ خُفِّفَ عَنْهُ. وَلَا يَزَالُ الْبَلَاءُ بِالْمُؤْمِنِ حَتَّى يَمْشِيَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ وَلَيْسَ عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ} وَحِينَئِذٍ فَيَحْتَاجُ مِنْ الصَّبْرِ مَا لَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ غَيْرُهُ: وَذَلِكَ هُوَ سَبَبُ الْإِمَامَةِ فِي الدِّينِ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} . فَلَا بُدَّ مِنْ الصَّبْرِ عَلَى فِعْلِ الْحَسَنِ الْمَأْمُورِ بِهِ وَتَرْكِ السَّيِّئِ الْمَحْظُورِ؛ وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ الصَّبْرُ عَلَى فِعْلِ الْأَذَى وَعَلَى مَا يُقَالُ؛ وَالصَّبْرُ عَلَى مَا يُصِيبُهُ مِنْ الْمَكَارِهِ؛ وَالصَّبْرُ عَنْ الْبَطَرِ عِنْدَ النِّعَمِ: وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ الصَّبْرِ. وَلَا يُمْكِنُ الْعَبْدُ أَنْ يَصْبِرَ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَا يَطْمَئِنُّ بِهِ وَيَتَنَعَّمُ بِهِ وَيُغْتَذَى بِهِ وَهُوَ الْيَقِينُ؛ كَمَا فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ سَلُوا اللَّهَ الْيَقِينَ؛ وَالْعَافِيَةَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يُعْطَ أَحَدٌ بَعْدَ الْيَقِينِ خَيْرًا مِنْ الْعَافِيَةِ فَسَلُوهُمَا اللَّهُ} . وَكَذَلِكَ إذَا أَمَرَ غَيْرَهُ يُحْسِنُ أَوْ أَحَبَّ مُوَافَقَتَهُ عَلَى ذَلِكَ؛ أَوْ نَهَى
(28/153)

غَيْرَهُ عَنْ شَيْءٍ؛ فَيَحْتَاجُ أَنْ يُحْسِنَ إلَى ذَلِكَ الْغَيْرِ إحْسَانًا يَحْصُلُ بِهِ مَقْصُودُهُ؛ مِنْ حُصُولِ الْمَحْبُوبِ وَانْدِفَاعِ الْمَكْرُوهِ؛ فَإِنَّ النُّفُوسَ لَا تَصْبِرُ عَلَى الْمُرِّ إلَّا بِنَوْعِ مِنْ الْحُلْوِ؛ لَا يُمْكِنُ غَيْرُ ذَلِكَ؛ وَلِهَذَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِتَأْلِيفِ الْقُلُوبِ؛ حَتَّى جَعَلَ لِلْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ نَصِيبًا فِي الصَّدَقَاتِ. وَقَالَ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} . وَقَالَ تَعَالَى: {وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ} فَلَا بُدَّ أَنْ يَصْبِرَ وَأَنْ يَرْحَمَ وَهَذَا هُوَ الشَّجَاعَةُ وَالْكَرَمُ. وَلِهَذَا يُقْرِنُ اللَّهُ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ تَارَةً؛ وَهِيَ الْإِحْسَانُ إلَى الْخَلْقِ وَبَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الصَّبْرِ تَارَةً. وَلَا بُدَّ مِنْ الثَّلَاثَةِ: الصَّلَاةِ؛ وَالزَّكَاةِ؛ وَالصَّبْرِ. لَا تَقُومُ مَصْلَحَةُ الْمُؤْمِنِينَ إلَّا بِذَلِكَ؛ فِي صَلَاحِ نُفُوسِهِمْ وَإِصْلَاحِ غَيْرِهِمْ؛ لَا سِيَّمَا كُلَّمَا قَوِيَتْ الْفِتْنَةُ وَالْمِحْنَةُ؛ فَالْحَاجَةُ إلَى ذَلِكَ تَكُونُ أَشَدَّ؛ فَالْحَاجَةُ إلَى السَّمَاحَةِ وَالصَّبْرِ عَامَّةً لِجَمِيعِ بَنِي آدَمَ لَا تَقُومُ مَصْلَحَةُ دِينِهِمْ وَلَا دُنْيَاهُمْ إلَّا بِهِ. وَلِهَذَا جَمِيعُهُمْ يَتَمَادَحُونَ بِالشَّجَاعَةِ وَالْكَرَمِ حَتَّى إنَّ ذَلِكَ عَامَّةُ مَا يَمْدَحُ بِهِ الشُّعَرَاءُ فِي شِعْرِهِمْ. وَكَذَلِكَ يَتَذَامُّونَ بِالْبُخْلِ وَالْجُبْنِ. وَالْقَضَايَا الَّتِي يَتَّفِقُ عَلَيْهَا بَنُو آدَمَ لَا تَكُونُ إلَّا حَقًّا؛ كَاتِّفَاقِهِمْ عَلَى مَدْحِ الصِّدْقِ وَالْعَدْلِ؛ وَذَمِّ الْكَذِبِ وَالظُّلْمِ. وَقَدْ قَالَ {النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا سَأَلَهُ الْأَعْرَابُ؛ حَتَّى اضْطَرُّوهُ إلَى سَمُرَةٍ فَتَعَلَّقَتْ بِرِدَائِهِ؛ فَالْتَفَتَ إلَيْهِمْ
(28/154)

وَقَالَ: وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ عِنْدِي عَدَدَ هَذِهِ الْعِضَاهِ نَعَمًا لَقَسَمْته عَلَيْكُمْ؛ ثُمَّ لَا تَجِدُونِي بَخِيلًا وَلَا جَبَانًا وَلَا كَذُوبًا} . لَكِنْ يَتَنَوَّعُ ذَلِكَ بِتَنَوُّعِ الْمَقَاصِدِ وَالصِّفَاتِ؛ فَإِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى. وَلِهَذَا جَاءَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ بِذَمِّ الْبُخْلِ وَالْجُبْنِ؛ وَمَدْحِ الشَّجَاعَةِ وَالسَّمَاحَةِ فِي سَبِيلِهِ دُونَ مَا لَيْسَ فِي سَبِيلِهِ؛ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {شَرُّ مَا فِي الْمَرْءِ شُحٌّ هَالِعٌ وَجُبْنٌ خَالِعٌ} . وَقَالَ: {مَنْ سَيِّدُكُمْ يَا بَنِي سَلَمَةَ؟ فَقَالُوا الْجَدُّ بْنُ قَيْسٍ عَلَى أَنَّا نَزِنُهُ بِالْبُخْلِ فَقَالَ: وَأَيُّ دَاءٍ أَدْوَأُ مِنْ الْبُخْلِ؟} وَفِي رِوَايَةٍ: {إنَّ السَّيِّدَ لَا يَكُونُ بَخِيلًا بَلْ سَيِّدُكُمْ الْأَبْيَضُ الْجَعْدُ الْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ} . وَكَذَلِكَ فِي الصَّحِيحِ قَوْلُ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ لِأَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا إمَّا أَنْ تُعْطِيَنِي وَإِمَّا أَنْ تَبْخَلَ عَنِّي فَقَالَ تَقُولُ: وَإِمَّا أَنْ تَبْخَلَ عَنِّي وَأَيُّ دَاءٍ أَدْوَأُ مِنْ الْبُخْلِ؟ فَجَعَلَ الْبُخْلَ مِنْ أَعْظَمِ الْأَمْرَاضِ. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ سَلْمَانَ بْنِ رَبِيعَةَ قَالَ: {قَالَ عُمَرُ: قَسَمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَسْمًا فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَاَللَّهِ لَغَيْرُ هَؤُلَاءِ أَحَقُّ بِهِ مِنْهُمْ فَقَالَ: إنَّهُمْ خَيَّرُونِي بَيْنَ أَنْ يَسْأَلُونِي بِالْفُحْشِ وَبَيْنَ أَنْ يبخلوني وَلَسْت بِبَاخِلِ يَقُولُ: إنَّهُمْ يَسْأَلُونِي مَسْأَلَةً لَا تَصْلُحُ فَإِنْ أَعْطَيْتهمْ وَإِلَّا قَالُوا: هُوَ بَخِيلٌ فَقَدْ خَيَّرُونِي بَيْنَ أَمْرَيْنِ مُكْرِهِينَ لَا يَتْرُكُونِي مِنْ أَحَدِهِمَا: الْفَاحِشَةُ وَالتَّبْخِيلُ. وَالتَّبْخِيلُ أَشَدُّ؛ فَأَدْفَعُ
(28/155)

الْأَشَدَّ بِإِعْطَائِهِمْ} . وَالْبُخْلُ جِنْسٌ تَحْتَهُ أَنْوَاعُ: كَبَائِرَ؛ وَغَيْرُ كَبَائِرَ قَالَ تَعَالَى: {وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} . وَقَالَ: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إحْسَانًا} إلَى قَوْلِهِ: {إنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا} {الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ} وَقَالَ تَعَالَى: {وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ} . وَقَالَ: {فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ} {فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ} . وَقَالَ: {وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ} . وَقَالَ: {فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ} {الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ} {الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ} {وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ} . وَقَالَ: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} {يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ} الْآيَةَ. وَمَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ الْأَمْرِ بِالْإِيتَاءِ وَالْإِعْطَاءِ وَذَمِّ مَنْ تَرَكَ ذَلِكَ: كُلُّهُ ذَمٌّ لِلْبُخْلِ وَكَذَلِكَ ذَمُّهُ لِلْجُبْنِ كَثِيرٌ مِثْلَ قَوْلِهِ: {وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} . وَقَوْلُهُ عَنْ الْمُنَافِقِينَ: {وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ
(28/156)

إنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ} {لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ} . وَقَوْلُهُ: {فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ} . وَقَوْلُهُ: {أَلَمْ تَرَ إلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا} . وَمَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ الْحَضِّ عَلَى الْجِهَادِ وَالتَّرْغِيبِ فِيهِ وَذَمِّ النَّاكِلِينَ عَنْهُ وَالتَّارِكِينَ لَهُ: كُلُّهُ ذَمٌّ لِلْجُبْنِ. وَلَمَّا كَانَ صَلَاحُ بَنِي آدَمَ لَا يَتِمُّ فِي دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ إلَّا بِالشَّجَاعَةِ وَالْكَرَمِ: بَيَّنَ سُبْحَانَهُ أَنَّ مَنْ تَوَلَّى عَنْ الْجِهَادِ بِنَفْسِهِ أَبْدَلَ اللَّهُ بِهِ مَنْ يَقُومُ بِذَلِكَ؛ فَقَالَ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إلَّا قَلِيلٌ} {إلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} . وَقَالَ تَعَالَى: {هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ} .
(28/157)

وَبِالشَّجَاعَةِ وَالْكَرَمِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَضَّلَ السَّابِقِينَ فَقَالَ: {لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى} . وَقَدْ ذَكَرَ الْجِهَادَ بِالنَّفْسِ وَالْمَالِ فِي سَبِيلِهِ؛ وَمَدَحَهُ فِي غَيْرِ آيَةٍ مِنْ كِتَابِهِ؛ وَذَلِكَ هُوَ الشَّجَاعَةُ وَالسَّمَاحَةُ فِي طَاعَتِهِ سُبْحَانَهُ فَقَالَ: {كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} وَقَالَ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} . {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} . وَالشَّجَاعَةُ لَيْسَتْ هِيَ قُوَّةُ الْبَدَنِ وَقَدْ يَكُونُ الرَّجُلُ قَوِيَّ الْبَدَنِ ضَعِيفَ الْقَلْبِ؛ وَإِنَّمَا هِيَ قُوَّةُ الْقَلْبِ وَثَبَاتُهُ. فَإِنَّ الْقِتَالَ مَدَارُهُ عَلَى قُوَّةِ الْبَدَنِ وَصَنْعَتِهِ لِلْقِتَالِ؛ وَعَلَى قُوَّةِ الْقَلْبِ وَخِبْرَتِهِ بِهِ. وَالْمَحْمُودُ مِنْهُمَا مَا كَانَ بِعِلْمِ وَمَعْرِفَةٍ؛ دُونَ التَّهَوُّرِ الَّذِي لَا يُفَكِّرُ صَاحِبُهُ وَلَا يُمَيِّزُ بَيْنَ الْمَحْمُودِ وَالْمَذْمُومِ؛ وَلِهَذَا كَانَ الْقَوِيُّ الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ. حَتَّى يَفْعَلَ مَا يَصْلُحُ. فَأَمَّا الْمَغْلُوبُ حِينَ غَضَبِهِ فَلَيْسَ بِشُجَاعِ وَلَا شَدِيدٍ. وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ جِمَاعَ ذَلِكَ هُوَ الصَّبْرُ؛ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ مِنْهُ. وَالصَّبْرُ صَبْرَانِ: صَبْرٌ عِنْدَ الْغَضَبِ؛ وَصَبْرٌ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ. كَمَا قَالَ الْحَسَنُ: مَا تَجَرَّعَ عَبْدٌ
(28/158)

جُرْعَةً أَعْظَمَ مِنْ جُرْعَةِ حِلْمٍ عِنْدَ الْغَضَبِ؛ وَجُرْعَةِ صَبْرٍ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ أَصْلَ ذَلِكَ هُوَ الصَّبْرُ عَلَى الْمُؤْلِمِ. وَهَذَا هُوَ الشُّجَاعُ الشَّدِيدُ الَّذِي يَصْبِرُ عَلَى الْمُؤْلِمِ. وَالْمُؤْلِمُ إنْ كَانَ مِمَّا يُمْكِنُ دَفْعُهُ أَثَارَ الْغَضَبَ وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُمْكِنُ دَفْعُهُ أَثَارَ الْحُزْنَ؛ وَلِهَذَا يَحْمَرُّ الْوَجْهُ عِنْدَ الْغَضَبِ لِثَوَرَانِ الدَّمِ عِنْدَ اسْتِشْعَارِ الْقُدْرَةِ وَيَصْفَرُّ عِنْدَ الْحُزْنِ لِغَوْرِ الدَّمِ عِنْدَ اسْتِشْعَارِ الْعَجْزِ؛ وَلِهَذَا جَمَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الَّذِي رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {مَا تَعُدُّونَ الرَّقُوبَ فِيكُمْ؟ قَالُوا: الرَّقُوبُ الَّذِي لَا يُولَدُ لَهُ قَالَ: لَيْسَ ذَلِكَ بِالرَّقُوبِ؛ وَلَكِنَّ الرَّقُوبَ الرَّجُلُ الَّذِي لَمْ يُقَدِّمْ مِنْ وَلَدِهِ شَيْئًا ثُمَّ قَالَ: مَا تَعُدُّونَ الصُّرَعَةَ فِيكُمْ؟ قُلْنَا: الَّذِي لَا تَصْرَعُهُ الرِّجَالُ فَقَالَ: لَيْسَ بِذَلِكَ وَلَكِنَّ الصُّرَعَةُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ} فَذَكَرَ مَا يَتَضَمَّنُ الصَّبْرَ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ وَالصَّبْرَ عِنْدَ الْغَضَبِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْمُصِيبَةِ: {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} {الَّذِينَ إذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ} الْآيَةَ. وَقَالَ تَعَالَى فِي الْغَضَبِ: {وَمَا يُلَقَّاهَا إلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} . وَهَذَا الْجَمْعُ بَيْنَ صَبْرِ الْمُصِيبَةِ وَصَبْرِ الْغَضَبِ نَظِيرُ الْجَمْعِ بَيْنَ صَبْرِ النِّعْمَةِ وَصَبْرِ الْمُصِيبَةِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا
(28/159)

مِنْهُ إنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ} {وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ} {إلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ} . وَقَالَ: {لِكَيْ لَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ} . وَبِهَذَا وَصَفَ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ مَنْ وَصَفَهُ مِنْ الصَّحَابَةِ الْمُهَاجِرِينَ حَيْثُ قَالَ:
لَا يَفْرَحُونَ إذَا نَالَتْ سُيُوفُهُمْ ... قَوْمًا وَلَيْسُوا مجازيعا إذَا نِيلُوا
وَكَذَلِكَ قَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ فِي صِفَةِ الْأَنْصَارِ:
لَا فَخْرَ إنْ هُمْ أَصَابُوا مِنْ عَدُوِّهِمْ ... وَإِنْ أُصِيبُوا فَلَا خَوْرَ وَلَا هَلَعَ
وَقَالَ بَعْضُ الْعَرَبِ فِي صِفَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَغْلِبُ فَلَا يَبْطَرُ؛ وَيَغْلِبُ فَلَا يَضْجَرُ. وَلَمَّا كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُو النَّاسَ عِنْدَ هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ إلَى تَعَدِّي الْحُدُودِ بِقُلُوبِهِمْ وَأَصْوَاتِهِمْ وَأَيْدِيهِمْ: {نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ لَمَّا قِيلَ لَهُ: وَقَدْ بَكَى لَمَّا رَأَى إبْرَاهِيمَ فِي النَّزْعِ أَتَبْكِي؟ أَوَلَمْ تَنْهَ عَنْ الْبُكَاءِ؟ فَقَالَ: إنَّمَا نَهَيْت عَنْ صَوْتَيْنِ أَحْمَقَيْنِ فَاجِرَيْنِ: صَوْتٌ عِنْدَ نَغْمَةِ لَهْوٍ وَلَعِبٍ وَمَزَامِيرَ شَيْطَانٍ. وَصَوْتٌ عِنْدَ مُصِيبَةِ لَطْمِ خُدُودٍ وَشَقِّ جُيُوبٍ وَدُعَاءٍ بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ} فَجَمَعَ بَيْنَ الصَّوْتَيْنِ.
(28/160)

وَأَمَّا نَهْيُهُ عَنْ ذَلِكَ فِي الْمَصَائِبِ فَمِثْلُ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَطَمَ الْخُدُودَ وَشَقَّ الْجُيُوبَ وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ} . وَقَالَ: {أَنَا بَرِيءٌ مِنْ الْحَالِقَةِ وَالصَّالِقَةِ وَالشَّاقَّةِ} . وَقَالَ: {مَا كَانَ مِنْ الْعَيْنِ وَالْقَلْبِ فَمِنْ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنْ الْيَدِ وَاللِّسَانِ فَمِنْ الشَّيْطَانِ} . وَقَالَ: {إنَّ اللَّهَ لَا يُؤَاخِذُ عَلَى دَمْعِ الْعَيْنِ وَلَا حُزْنِ الْقَلْبِ؛ وَلَكِنْ يُعَذِّبُ بِهَذَا أَوْ يَرْحَمُ - وَأَشَارَ إلَى لِسَانِهِ وَقَالَ: مَنْ يُنَحْ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يُعَذَّبُ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ} . وَاشْتَرَطَ عَلَى النِّسَاءِ فِي الْبَيْعَةِ أَنْ لَا يَنُحْنَ وَقَالَ: {إنَّ النَّائِحَةَ إذَا لَمْ تَتُبْ قَبْلَ مَوْتِهَا فَإِنَّهَا تَلْبَسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ دِرْعًا مَنْ جَرَبٍ وَسِرْبَالًا مِنْ قَطِرَانٍ} . وَقَالَ فِي الْغَلَبَةِ وَالْمَصَائِبِ وَالْفَرَحِ: {إنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ؛ فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَةَ؛ وَلْيَحُدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ} . وَقَالَ: {إنَّ أَعَفَّ النَّاسِ قِتْلَةً أَهْلُ الْإِيمَانِ} . وَقَالَ: {لَا تُمَثِّلُوا وَلَا تَغْدِرُوا وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا} . إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا أَمَرَ بِهِ فِي الْجِهَادِ مِنْ الْعَدْلِ وَتَرْكِ الْعُدْوَانِ؛ اتِّبَاعًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} . وَنَهَى عَنْ لِبَاسِ الْحَرِيرِ وَتَخَتُّمِ الذَّهَبِ؛ وَالشُّرْبِ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ
(28/161)

وَالْفِضَّةِ؛ وَإِطَالَةِ الثِّيَابِ؛ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ السَّرَفِ وَالْخُيَلَاءِ فِي النِّعَمِ وَذَمِّ الَّذِينَ يَسْتَحِلُّونَ الْحِرَ وَالْحَرِيرَ وَالْخَمْرَ وَالْمَعَازِفَ وَجَعَلَ فِيهِمْ الْخَسْفَ وَالْمَسْخَ. وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {إنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا} . وَقَالَ عَنْ قَارُونَ: {إذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ} . وَهَذِهِ الْأُمُورُ الثَّلَاثَةُ مَعَ الصَّبْرِ عَنْ الِاعْتِدَاءِ فِي الشَّهْوَةِ هِيَ جَوَامِعُ هَذَا الْبَابِ. وَذَلِكَ أَنَّ الْإِنْسَانَ بَيْنَ مَا يُحِبُّهُ وَيَشْتَهِيهِ: وَبَيْنَ مَا يُبْغِضُهُ وَيَكْرَهُهُ فَهُوَ يَطْلُبُ الْأَوَّلَ بِمَحَبَّتِهِ وَشَهْوَتِهِ وَيَدْفَعُ الثَّانِيَ بِبُغْضِهِ وَنُفْرَتِهِ. وَإِذَا حَصَلَ الْأَوَّلُ أَوْ انْدَفَعَ الثَّانِي أَوْجَبَ لَهُ فَرَحًا وَسُرُورًا وَإِنْ حَصَلَ الثَّانِي أَوْ انْدَفَعَ الْأَوَّلُ حَصَلَ لَهُ حُزْنٌ فَهُوَ مُحْتَاجٌ عِنْدَ الْمَحَبَّةِ وَالشَّهْوَةِ أَنْ يَصْبِرَ عَنْ عُدْوَانِهِمَا؛ وَعِنْدَ الْغَضَبِ وَالنُّفْرَةِ أَنْ يَصْبِرَ عَنْ عُدْوَانِهِمَا؛ وَعِنْدَ الْفَرَحِ أَنْ يَصْبِرَ عَنْ عُدْوَانِهِ؛ وَعِنْدَ الْمُصِيبَةِ أَنْ يَصْبِرَ عَنْ الْجَزَعِ مِنْهَا فَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَرَ الصَّوْتَيْنِ الْأَحْمَقَيْنِ الْفَاجِرَيْنِ: الصَّوْتُ الَّذِي يُوجِبُ الِاعْتِدَاءَ فِي الْفَرَحِ حَتَّى يَصِيرَ الْإِنْسَانُ فَرِحًا فَخُورًا؛ وَالصَّوْتُ الَّذِي يُوجِبُ الْجَزَعَ. وَأَمَّا الصَّوْتُ الَّذِي يُثِيرُ الْغَضَبَ لِلَّهِ: كَالْأَصْوَاتِ الَّتِي تُقَالُ فِي الْجِهَادِ مِنْ الْأَشْعَارِ الْمُنْشَدَةِ: فَتِلْكَ لَمْ تَكُنْ بِآلَاتِ وَكَذَلِكَ أَصْوَاتُ الشَّهْوَةِ فِي الْفَرَحِ؛ فَرَخَّصَ مِنْهَا فِيمَا وَرَدَتْ بِهِ السُّنَّةُ مِنْ الضَّرْبِ بِالدُّفِّ
(28/162)

فِي الْأَعْرَاسِ وَالْأَفْرَاحِ لِلنِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ. وَعَامَّةِ الْأَشْعَارِ الَّتِي تُنْشَدُ بِالْأَصْوَاتِ لِتَحْرِيكِ النُّفُوسِ هِيَ مِنْ هَذِهِ الْأَقْسَامِ الْأَرْبِعَةِ وَهِيَ التَّشْبِيبُ؛ وَأَشْعَارُ الْغَضَبِ وَالْحَمِيَّةِ؛ وَهِيَ الْحَمَاسَةُ وَالْهِجَاءُ. وَأَشْعَارُ الْمَصَائِبِ كَالْمَرَاثِي وَأَشْعَارِ النِّعَمِ وَالْفَرَحِ وَهِيَ الْمَدَائِحُ. وَالشُّعَرَاءُ جَرَتْ عَادَتُهُمْ أَنْ يَمْشُوا مَعَ الطَّبْعِ؛ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ} {وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ} وَلِهَذَا أَخْبَرَ أَنَّهُمْ يَتْبَعُهُمْ الْغَاوُونَ وَالْغَاوِي: هُوَ الَّذِي يَتْبَعُ هَوَاهُ بِغَيْرِ عِلْمٍ؛ وَهَذَا هُوَ الْغَيُّ؛ وَهُوَ خِلَافُ الرُّشْدِ. كَمَا أَنَّ الضَّالَّ الَّذِي لَا يَعْلَمُ مَصْلَحَتَهُ هُوَ خِلَافُ الْمُهْتَدِي قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {وَالنَّجْمِ إذَا هَوَى} {مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى} وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ مِنْ بَعْدِي} . فَلِهَذَا تَجِدُهُمْ يَمْدَحُونَ جِنْسَ الشُّجَاعَةِ وَجِنْسَ السَّمَاحَةِ؛ إذْ كَانَ عَدَمُ هَذَيْنِ مَذْمُومًا عَلَى الْإِطْلَاقِ وَأَمَّا وُجُودُهُمَا فَبِهِ تَحْصُلُ مَقَاصِدُ النُّفُوسِ عَلَى الْإِطْلَاقِ؛ لَكِنَّ الْعَاقِبَةَ فِي ذَلِكَ لِلْمُتَّقِينَ. وَأَمَّا غَيْرُ الْمُتَّقِينَ فَلَهُمْ عَاجِلَةٌ لَا عَاقِبَةٌ وَالْعَاقِبَةُ وَإِنْ كَانَتْ فِي الْآخِرَةِ فَتَكُونُ فِي الدُّنْيَا أَيْضًا؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى لَمَّا ذَكَرَ قِصَّةَ نُوحٍ وَنَجَاتَهُ بِالسَّفِينَةِ: {قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ} إلَى قَوْلِهِ: {فَاصْبِرْ إنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ} . وَقَالَ:
(28/163)

{فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} . وَالْفُرْقَانُ: أَنْ يَحْمَدَ مِنْ ذَلِكَ مَا حَمِدَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ؛ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى هُوَ الَّذِي حَمْدُهُ زَيْنٌ وَذَمُّهُ شَيْنٌ؛ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ الشُّعَرَاءِ وَالْخُطَبَاءِ وَغَيْرِهِمْ؛ وَلِهَذَا لَمَّا قَالَ الْقَائِلُ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّ حَمْدِي زَيْنٌ وَذَمِّي شَيْنٌ قَالَ لَهُ: " ذَاكَ اللَّهُ ". وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ حَمِدَ الشَّجَاعَةَ وَالسَّمَاحَةَ فِي سَبِيلِهِ؛ كَمَا فِي الصَّحِيحِ عَنْ {أَبِي مُوسَى قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ الرَّجُلَ يُقَاتِلُ شَجَاعَةً؛ وَيُقَاتِلُ حَمِيَّةً؛ وَيُقَاتِلُ رِيَاءً فَأَيُّ ذَلِكَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ فَقَالَ: مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} . وَقَدْ قَالَ سُبْحَانَهُ: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} وَذَلِكَ أَنَّ هَذَا هُوَ الْمَقْصُودُ الَّذِي خُلِقَ الْخَلْقُ لَهُ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إلَّا لِيَعْبُدُونِ} فَكُلُّ مَا كَانَ لِأَجْلِ الْغَايَةِ الَّتِي خُلِقَ لَهَا الْخَلْقُ كَانَ مَحْمُودًا عِنْدَ اللَّهِ وَهُوَ الَّذِي يَبْقَى لِصَاحِبِهِ وَهَذِهِ الْأَعْمَالُ الصَّالِحَاتُ. وَلِهَذَا كَانَ النَّاسُ أَرْبَعَةَ أَصْنَافٍ: مَنْ يَعْمَلْ لِلَّهِ بِشَجَاعَةِ وَسَمَاحَةٍ؛ فَهَؤُلَاءِ هُمْ الْمُؤْمِنُونَ الْمُسْتَحِقُّونَ لِلْجَنَّةِ. وَمَنْ يَعْمَلْ لِغَيْرِ اللَّهِ بِشَجَاعَةِ وَسَمَاحَةٍ؛
(28/164)

فَهَذَا يَنْتَفِعُ بِذَلِكَ فِي الدُّنْيَا وَلَيْسَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ. وَمَنْ يَعْمَلْ لِلَّهِ لَكِنْ لَا بِشَجَاعَةِ وَلَا سَمَاحَةٍ؛ فَهَذَا فِيهِ مِنْ النِّفَاقِ وَنَقْصِ الْإِيمَانِ بِقَدْرِ ذَلِكَ. وَمَنْ لَا يَعْمَلْ لِلَّهِ وَلَيْسَ فِيهِ شَجَاعَةٌ وَلَا سَمَاحَةٌ؛ فَهَذَا لَيْسَ لَهُ دُنْيَا وَلَا آخِرَةٌ. فَهَذِهِ الْأَخْلَاقُ وَالْأَفْعَالُ يَحْتَاجُ إلَيْهَا الْمُؤْمِنُ عُمُومًا وَخُصُوصًا فِي أَوْقَاتِ الْمِحَنِ وَالْفِتَنِ الشَّدِيدَةِ؛ فَإِنَّهُمْ يَحْتَاجُونَ إلَى صَلَاحِ نُفُوسِهِمْ وَدَفْعِ الذُّنُوبِ عَنْ نُفُوسِهِمْ عِنْدَ الْمُقْتَضِي لِلْفِتْنَةِ عِنْدَهُمْ وَيَحْتَاجُونَ أَيْضًا إلَى أَمْرِ غَيْرِهِمْ وَنَهْيِهِ بِحَسَبِ قُدْرَتِهِمْ وَكُلٌّ مِنْ هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ فِيهِ مِنْ الصُّعُوبَةِ مَا فِيهِ؛ وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا عَلَى مَنْ يَسَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ. وَهَذَا لِأَنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِالْإِيمَانِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ وَأَمَرَهُمْ بِدَعْوَةِ النَّاسِ وَجِهَادِهِمْ عَلَى الْإِيمَانِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ؛ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} {الَّذِينَ إنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ} . وَكَمَا قَالَ: {إنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ} وَكَمَا قَالَ: {كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} . وَكَمَا قَالَ: {وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ} .
وَلَمَّا كَانَ فِي الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ وَالْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مِنْ الِابْتِلَاءِ وَالْمِحَنِ مَا يُعَرِّضُ بِهِ الْمَرْءَ لِلْفِتْنَةِ: صَارَ فِي النَّاسِ مَنْ يَتَعَلَّلُ
(28/165)

لِتَرْكِ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ بِأَنَّهُ يَطْلُبُ السَّلَامَةَ مِنْ الْفِتْنَةِ كَمَا قَالَ عَنْ الْمُنَافِقِينَ: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا} الْآيَةَ. وَقَدْ ذَكَرَ فِي التَّفْسِيرِ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي {الْجَدِّ بْنِ قَيْسٍ لَمَّا أَمَرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالتَّجَهُّزِ لِغَزْوِ الرُّومِ - وَأَظُنُّهُ قَالَ: هَلْ لَك فِي نِسَاءِ بَنِي الْأَصْفَرِ؟ - فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: إنِّي رَجُلٌ لَا أَصْبِرُ عَنْ النِّسَاءِ؛ وَإِنِّي أَخَافُ الْفِتْنَةَ بِنِسَاءِ بَنِي الْأَصْفَرِ. فائذن لِي وَلَا تَفْتِنِّي} . وَهَذَا الْجَدُّ هُوَ الَّذِي تَخَلَّفَ عَنْ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ تَحْتَ الشَّجَرَةِ؛ وَاسْتَتَرَ بِجَمَلِ أَحْمَرَ؛ وَجَاءَ فِيهِ الْحَدِيثُ: {أَنَّ كُلَّهُمْ مَغْفُورٌ لَهُ إلَّا صَاحِبَ الْجَمَلِ الْأَحْمَرِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا} } . يَقُولُ: إنَّهُ طَلَبَ الْقُعُودَ لِيَسْلَمَ مِنْ فِتْنَةِ النِّسَاءِ فَلَا يَفْتَتِنُ بِهِنَّ فَيَحْتَاجُ إلَى الِاحْتِرَازِ مِنْ الْمَحْظُورِ وَمُجَاهَدَةِ نَفْسِهِ عَنْهُ فَيَتَعَذَّبُ بِذَلِكَ أَوْ يُوَاقِعُهُ فَيَأْثَمُ؛ فَإِنَّ مَنْ رَأَى الصُّوَرَ الْجَمِيلَةَ وَأَحَبَّهَا فَإِنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْهَا إمَّا لِتَحْرِيمِ الشَّارِعِ وَإِمَّا لِلْعَجْزِ عَنْهَا يُعَذِّبُ قَلْبَهُ وَإِنْ قَدَرَ عَلَيْهَا وَفَعَلَ الْمَحْظُورَ هَلَكَ. وَفِي الْحَلَالِ مِنْ ذَلِكَ مِنْ مُعَالَجَةِ النِّسَاءِ مَا فِيهِ بَلَاءٌ. فَهَذَا وَجْهُ قَوْلِهِ: {وَلَا تَفْتِنِّي} قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا} يَقُولُ نَفْسُ إعْرَاضِهِ عَنْ الْجِهَادِ الْوَاجِبِ وَنُكُولِهِ عَنْهُ وَضَعْفِ إيمَانِهِ وَمَرَضِ قَلْبِهِ الَّذِي زَيَّنَ لَهُ تَرْكَ الْجِهَادِ: فِتْنَةٌ عَظِيمَةٌ قَدْ سَقَطَ فِيهَا
(28/166)

فَكَيْفَ يَطْلُبُ التَّخَلُّصَ مِنْ فِتْنَةٍ صَغِيرَةٍ لَمْ تُصِبْهُ بِوُقُوعِهِ فِي فِتْنَةٍ عَظِيمَةٍ قَدْ أَصَابَتْهُ؟ وَاَللَّهُ يَقُولُ: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} . فَمَنْ تَرَكَ الْقِتَالَ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ بِهِ لِئَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ: فَهُوَ فِي الْفِتْنَةِ سَاقِطٌ بِمَا وَقَعَ فِيهِ مِنْ رَيْبِ قَلْبِهِ وَمَرَضِ فُؤَادِهِ وَتَرْكِهِ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ مِنْ الْجِهَادِ. فَتَدَبَّرْ هَذَا؛ فَإِنَّ هَذَا مَقَامٌ خَطَرٌ؛ فَإِنَّ النَّاسَ هُنَا ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: قِسْمٌ يَأْمُرُونَ وَيَنْهَوْنَ وَيُقَاتِلُونَ؛ طَلَبًا لِإِزَالَةِ الْفِتْنَةِ الَّتِي زَعَمُوا وَيَكُونُ فِعْلُهُمْ ذَلِكَ أَعْظَمَ فِتْنَةً؛ كَالْمُقْتَتِلِينَ فِي الْفِتْنَةِ الْوَاقِعَةِ بَيْنَ الْأُمَّةِ. وَأَقْوَامٌ يَنْكُلُونَ عَنْ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْقِتَالِ الَّذِي يَكُونُ بِهِ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ وَتَكُونُ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا؛ لِئَلَّا يَفْتِنُوا وَهُمْ قَدْ سَقَطُوا فِي الْفِتْنَةِ وَهَذِهِ الْفِتْنَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي " سُورَةِ بَرَاءَةَ " دَخَلَ فِيهَا الِافْتِتَانُ بِالصُّوَرِ الْجَمِيلَةِ؛ فَإِنَّهَا سَبَبُ نُزُولِ الْآيَةِ. وَهَذِهِ حَالُ كَثِيرٍ مِنْ الْمُتَدَيِّنِينَ؛ يَتْرُكُونَ مَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ أَمْرٍ وَنَهْيٍ وَجِهَادٍ يَكُونُ بِهِ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ وَتَكُونُ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا؛ لِئَلَّا يَفْتِنُوا بِجِنْسِ الشَّهَوَاتِ؛ وَهُمْ قَدْ وَقَعُوا فِي الْفِتْنَةِ الَّتِي هِيَ أَعْظَمُ مِمَّا زَعَمُوا أَنَّهُمْ فَرُّوا مِنْهُ وَإِنَّمَا الْوَاجِبُ عَلَيْهِمْ الْقِيَامُ بِالْوَاجِبِ وَتَرْكُ الْمَحْظُورِ. وَهُمَا مُتَلَازِمَانِ؛ وَإِنَّمَا تَرَكُوا ذَلِكَ لِكَوْنِ نُفُوسِهِمْ لَا تُطَاوِعُهُمْ إلَّا عَلَى فِعْلِهِمَا جَمِيعًا أَوْ تَرْكِهِمَا جَمِيعًا: مِثْلَ كَثِيرٍ مِمَّنْ يُحِبُّ الرِّئَاسَةَ أَوْ
(28/167)

الْمَالَ وَشَهَوَاتِ الْغَيِّ؛ فَإِنَّهُ إذَا فَعَلَ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ مِنْ أَمْرٍ وَنَهْيٍ وَجِهَادٍ وَإِمَارَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَلَا بُدَّ أَنْ يَفْعَلَ شَيْئًا مِنْ الْمَحْظُورَاتِ. فَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَنْظُرَ أَغْلَبَ الْأَمْرَيْنِ. فَإِنْ كَانَ الْمَأْمُورُ أَعْظَمَ أَجْرًا مِنْ تَرْكِ ذَلِكَ الْمَحْظُورِ لَمْ يَتْرُكْ ذَلِكَ لِمَا يُخَافُ أَنْ يَقْتَرِنَ بِهِ مَا هُوَ دُونَهُ فِي الْمَفْسَدَةِ؛ وَإِنْ كَانَ تَرْكُ الْمَحْظُورِ أَعْظَمَ أَجْرًا لَمْ يَفُوتُ ذَلِكَ بِرَجَاءِ ثَوَابٍ بِفِعْلِ وَاجِبٍ يَكُونُ دُونَ ذَلِكَ؛ فَذَلِكَ يَكُونُ بِمَا يَجْتَمِعُ لَهُ مِنْ الْأَمْرَيْنِ مِنْ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ؛ فَهَذَا هَذَا. وَتَفْصِيلُ ذَلِكَ يَطُولُ.
وَكُلُّ بَشَرٍ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ أَمْرٍ وَنَهْيٍ وَلَا بُدَّ أَنْ يَأْمُرَ وَيَنْهَى حَتَّى لَوْ أَنَّهُ وَحْدَهُ لَكَانَ يَأْمُرُ نَفْسَهُ وَيَنْهَاهَا؛ إمَّا بِمَعْرُوفِ وَإِمَّا بِمُنْكَرٍ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {إنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ} فَإِنَّ الْأَمْرَ هُوَ طَلَبُ الْفِعْلِ وَإِرَادَتِهِ؛ وَالنَّهْيُ طَلَبُ التَّرْكِ وَإِرَادَتِهِ وَلَا بُدَّ لِكُلِّ حَيٍّ مِنْ إرَادَةٍ وَطَلَبٍ فِي نَفْسِهِ يَقْتَضِي بِهِمَا فِعْلُ نَفْسِهِ وَيَقْتَضِي بِهِمَا فِعْلُ غَيْرِهِ إذَا أَمْكَنَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ حَيٌّ يَتَحَرَّكُ بِإِرَادَتِهِ. وَبَنُو آدَمَ لَا يَعِيشُونَ إلَّا بِاجْتِمَاعِ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ وَإِذَا اجْتَمَعَ اثْنَانِ فَصَاعِدًا فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا ائْتِمَارٌ بِأَمْرِ وَتَنَاهٍ عَنْ أَمْرٍ؛ وَلِهَذَا كَانَ أَقَلُّ الْجَمَاعَةِ فِي الصَّلَاةِ اثْنَيْنِ؛ كَمَا قِيلَ: الِاثْنَانِ فَمَا فَوْقَهُمَا جَمَاعَةٌ؛ لَكِنْ لَمَّا كَانَ ذَلِكَ اشْتِرَاكًا فِي مُجَرَّدِ الصَّلَاةِ حَصَلَ بِاثْنَيْنِ أَحَدُهُمَا إمَامٌ
(28/168)

وَالْآخَرُ مَأْمُومٌ كَمَا {قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَالِكِ بْنِ الحويرث وَصَاحِبِهِ: إذَا حَضَرَتْ الصَّلَاةُ فَأَذِّنَا وَأَقِيمَا؛ وَلْيَؤُمَّكُمَا أَكْبَرُكُمَا} وَكَانَا مُتَقَارِبَيْنِ فِي الْقِرَاءَةِ. وَأَمَّا الْأُمُورُ الْعَادِيَّةُ فَفِي السُّنَنِ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: {لَا يَحِلُّ لِثَلَاثَةٍ يَكُونُونَ فِي سَفَرٍ إلَّا أَمَّرُوا عَلَيْهِمْ أَحَدَهُمْ.} وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ مِنْ لَوَازِمِ وُجُودِ بَنِي آدَمَ: فَمَنْ لَمْ يَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ وَيَنْهَ عَنْ الْمُنْكَرِ الَّذِي نَهَى اللَّهُ عَنْهُ وَرَسُولُهُ وَيُؤْمَرُ بِالْمَعْرُوفِ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ وَيُنْهَ عَنْ الْمُنْكَرِ الَّذِي نَهَى اللَّهُ عَنْهُ وَرَسُولُهُ؛ وَإِلَّا فَلَا بُدَّ أَنْ يَأْمُرَ وَيَنْهَى. وَيُؤْمَرَ وَيُنْهَى: إمَّا بِمَا يُضَادُّ ذَلِكَ؛ وَإِمَّا بِمَا يَشْتَرِكُ فِيهِ الْحَقُّ الَّذِي أَنْزَلَ اللَّهُ بِالْبَاطِلِ الَّذِي لَمْ يُنْزِلْهُ اللَّهُ وَإِذَا اُتُّخِذَ ذَلِكَ دِينًا كَانَ دِينًا مُبْتَدَعًا. وَهَذَا كَمَا أَنَّ كُلَّ بَشَرٍ فَإِنَّهُ مُتَحَرِّكٌ بِإِرَادَتِهِ هَمَّامٌ حَارِثٌ فَمَنْ لَمْ تَكُنْ نِيَّتُهُ صَالِحَةً وَعَمَلُهُ عَمَلًا صَالِحًا لِوَجْهِ اللَّهِ وَإِلَّا كَانَ عَمَلًا فَاسِدًا أَوْ لِغَيْرِ وَجْهِ اللَّهِ وَهُوَ الْبَاطِلُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {إنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى} . وَهَذِهِ الْأَعْمَالُ كُلُّهَا بَاطِلَةٌ مِنْ جِنْسِ أَعْمَالِ الْكُفَّارِ {الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ} وَقَالَ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا
(28/169)

وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ} . وَقَالَ: {وَقَدِمْنَا إلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا} . وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ بِطَاعَتِهِ وَطَاعَةِ رَسُولِهِ وَطَاعَةِ أُولِي الْأَمْرِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} .
وَأُولُو الْأَمْرِ أَصْحَابُ الْأَمْرِ وَذَوُوه؛ وَهُمْ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ النَّاسَ؛ وَذَلِكَ يَشْتَرِكُ فِيهِ أَهْلُ الْيَدِ وَالْقُدْرَةِ وَأَهْلُ الْعِلْمِ وَالْكَلَامِ؛ فَلِهَذَا كَانَ أُولُوا الْأَمْرِ صِنْفَيْنِ: الْعُلَمَاءُ؛ وَالْأُمَرَاءُ. فَإِذَا صَلَحُوا صَلَحَ النَّاسُ وَإِذَا فَسَدُوا فَسَدَ النَّاسُ؛ كَمَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ للأحمسية لَمَّا سَأَلَتْهُ: مَا بَقَاؤُنَا عَلَى هَذَا الْأَمْرِ؟ قَالَ: مَا اسْتَقَامَتْ لَكُمْ أَئِمَّتُكُمْ. وَيَدْخُلُ فِيهِمْ الْمُلُوكُ وَالْمَشَايِخُ وَأَهْلُ الدِّيوَانِ؛ وَكُلُّ مَنْ كَانَ مَتْبُوعًا فَإِنَّهُ مِنْ أُولِي الْأَمْرِ وَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ أَنْ يَأْمُرَ بِمَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَيَنْهَى عَمَّا نَهَى عَنْهُ وَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِمَّنْ عَلَيْهِ طَاعَتُهُ أَنْ يُطِيعَهُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ؛ وَلَا يُطِيعُهُ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ كَمَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حِينَ تَوَلَّى أَمْرَ الْمُسْلِمِينَ وَخَطَبَهُمْ؛ فَقَالَ فِي خُطْبَتِهِ: أَيُّهَا النَّاسُ الْقَوِيُّ فِيكُمْ الضَّعِيفُ عِنْدِي حَتَّى آخُذَ مِنْهُ الْحَقَّ؛
(28/170)

وَالضَّعِيفُ فِيكُمْ الْقَوِيُّ عِنْدِي حَتَّى آخُذَ لَهُ الْحَقَّ؛ أَطِيعُونِي مَا أَطَعْت اللَّهَ فَإِذَا عَصَيْت اللَّهَ فَلَا طَاعَةَ لِي عَلَيْكُمْ.
فَصْلٌ:
وَإِذَا كَانَتْ جَمِيعُ الْحَسَنَاتِ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ شَيْئَيْنِ: أَنْ يُرَادَ بِهَا وَجْهُ اللَّهِ؛ وَأَنْ تَكُونَ مُوَافِقَةً لِلشَّرِيعَةِ. فَهَذَا فِي الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ؛ فِي الْكَلِمِ الطَّيِّبِ؛ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ؛ فِي الْأُمُورِ الْعِلْمِيَّةِ وَالْأُمُورِ الْعِبَادِيَّةِ. وَلِهَذَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {إنَّ أَوَّلَ ثَلَاثَةٍ تُسْجَرُ بِهِمْ جَهَنَّمُ: رَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ وَعَلَّمَهُ وَقَرَأَ الْقُرْآنَ وَأَقْرَأهُ لِيَقُولَ النَّاسُ: هُوَ عَالِمٌ وَقَارِئٌ. وَرَجُلٌ قَاتَلَ وَجَاهَدَ لِيَقُولَ النَّاسُ: هُوَ شُجَاعٌ وَجَرِيءٌ. وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ وَأَعْطَى لِيَقُولَ النَّاسُ: جَوَادٌ سَخِيٌّ} فَإِنَّ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةُ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الرِّيَاءَ وَالسُّمْعَةَ هُمْ بِإِزَاءِ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ بَعْدَ النَّبِيِّينَ مِنْ الصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ؛ فَإِنَّ مَنْ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رُسُلَهُ وَعَلَّمَهُ لِوَجْهِ اللَّهِ كَانَ صِدِّيقًا؛ وَمَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَقُتِلَ كَانَ شَهِيدًا وَمَنْ تَصَدَّقَ يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ كَانَ صَالِحًا؛ وَلِهَذَا يَسْأَلُ الْمُفْرِطُ فِي مَالِهِ الرَّجْعَةَ وَقْتَ الْمَوْتِ؛ كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَنْ أُعْطِيَ مَالًا فَلَمْ يَحُجَّ مِنْهُ وَلَمْ يُزَكِّ سَأَلَ الرَّجْعَةَ وَقْتَ الْمَوْتِ وَقَرَأَ قَوْله تَعَالَى {وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ
(28/171)

الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ} . فَهَذِهِ الْأُمُورُ الْعِلْمِيَّةُ الْكَلَامِيَّةُ يَحْتَاجُ الْمُخْبِرُ بِهَا أَنْ يَكُونَ مَا يُخْبِرُ بِهِ عَنْ اللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا كَانَ وَمَا يَكُونُ: حَقًّا صَوَابًا. وَمَا يَأْمُرُ بِهِ وَيَنْهَى عَنْهُ كَمَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ عَنْ اللَّهِ. فَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ الْمُوَافِقُ لِلسُّنَّةِ وَالشَّرِيعَةِ؛ الْمُتَّبِعُ لِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ كَمَا أَنَّ الْعِبَادَاتِ الَّتِي يَتَعَبَّدُ الْعِبَادُ بِهَا إذَا كَانَتْ مِمَّا شَرَعَهُ اللَّهُ وَأَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ: كَانَتْ حَقًّا صَوَابًا مُوَافِقًا لِمَا بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رُسُلَهُ. وَمَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ مِنْ الْقِسْمَيْنِ كَانَ مِنْ الْبَاطِلِ وَالْبِدَعِ الْمُضِلَّةِ وَالْجَهْلِ وَإِنْ كَانَ يُسَمِّيهِ مَنْ يُسَمِّيهِ عُلُومًا وَمَعْقُولَاتٍ؛ وَعِبَادَاتٍ وَمُجَاهَدَاتٍ؛ وَأَذْوَاقًا وَمَقَامَاتٍ. وَيَحْتَاجُ أَيْضًا أَنْ يُؤْمَرَ بِذَلِكَ لِأَمْرِ اللَّهِ؛ وَيَنْهَى عَنْهُ لِنَهْيِ اللَّهِ؛ وَيُخْبِرَ بِمَا أَخْبَرَ اللَّهُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ وَإِيمَانٌ وَهُدًى كَمَا أَخْبَرَتْ بِهِ الرُّسُلُ. كَمَا تَحْتَاجُ الْعِبَادَةُ أَنْ يَقْصِدَ بِهَا وَجْهَ اللَّهِ. فَإِذَا قِيلَ ذَلِكَ لِاتِّبَاعِ الْهَوَى وَالْحَمِيَّةِ؛ أَوْ لِإِظْهَارِ الْعِلْمِ وَالْفَضِيلَةِ؛ أَوْ لِطَلَبِ السُّمْعَةِ وَالرِّيَاءِ: كَانَ بِمَنْزِلَةِ الْمُقَاتِلِ شَجَاعَةً وَحَمِيَّةً وَرِيَاءً. وَمِنْ هُنَا يَتَبَيَّنُ لَك مَا وَقَعَ فِيهِ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْمَقَالِ؛ وَأَهْلِ الْعِبَادَةِ وَالْحَالِ. فَكَثِيرًا مَا يَقُولُ هَؤُلَاءِ مِنْ الْأَقْوَالِ مَا هُوَ خِلَافُ
(28/172)

الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَوِفَاقِهَا. وَكَثِيرًا مَا يَتَعَبَّدُ هَؤُلَاءِ بِعِبَادَاتِ لَمْ يَأْمُرْ اللَّهُ بِهَا؛ بَلْ قَدْ نَهَى عَنْهَا أَوْ مَا يَتَضَمَّنُ مَشْرُوعًا مَحْظُورًا. وَكَثِيرًا مَا يُقَاتِلُ هَؤُلَاءِ قِتَالًا مُخَالِفًا لِلْقِتَالِ الْمَأْمُورِ بِهِ؛ أَوْ مُتَضَمِّنًا لِمَأْمُورِ مَحْظُورٍ. ثُمَّ كُلٌّ مِنْ الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ: الْمَأْمُورُ؛ وَالْمَحْظُورُ؛ وَالْمُشْتَمِلُ عَلَى الْأَمْرَيْنِ: قَدْ يَكُونُ لِصَاحِبِهِ نِيَّةٌ حَسَنَةٌ؛ وَقَدْ يَكُونُ مُتَّبِعًا لِهَوَاهُ وَقَدْ يَجْتَمِعُ لَهُ هَذَا وَهَذَا. فَهَذِهِ تِسْعَةُ أَقْسَامٍ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ؛ وَفِي الْأَمْوَالِ الْمُنْفَقَةِ عَلَيْهَا مِنْ الْأَمْوَالِ السُّلْطَانِيَّةِ: الْفَيْءُ وَغَيْرُهُ وَالْأَمْوَالُ الْمَوْقُوفَةُ؛ وَالْأَمْوَالُ الْمُوصَى بِهَا وَالْمَنْذُورَةُ؛ وَأَنْوَاعُ الْعَطَايَا وَالصَّدَقَاتِ وَالصِّلَاتِ. وَهَذَا كُلُّهُ مِنْ لُبْسِ الْحَقِّ بِالْبَاطِلِ وَخَلْطِ عَمَلٍ صَالِحٍ وَآخَرَ سَيْءٍ. وَالسَّيِّئُ مِنْ ذَلِكَ قَدْ يَكُونُ صَاحِبُهُ مُخْطِئًا أَوْ نَاسِيًا مَغْفُورًا لَهُ. كَالْمُجْتَهِدِ الْمُخْطِئِ الَّذِي لَهُ أَجْرٌ وَخَطَؤُهُ مَغْفُورٌ لَهُ وَقَدْ يَكُونُ صَغِيرًا مُكَفَّرًا بِاجْتِنَابِ الْكَبَائِرِ وَقَدْ يَكُونُ مَغْفُورًا بِتَوْبَةِ أَوْ بِحَسَنَاتِ تَمْحُو السَّيِّئَاتِ؛ أَوْ مُكَفَّرًا بِمَصَائِبِ الدُّنْيَا وَنَحْوِ ذَلِكَ؛ إلَّا أَنَّ دِينَ اللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ بِهِ كُتُبَهُ وَبَعَثَ بِهِ رُسُلَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ إرَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ بِالْعَمَلِ الصَّالِحِ. وَهَذَا هُوَ الْإِسْلَامُ الْعَامُّ الَّذِي لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْ أَحَدٍ غَيْرَهُ قَالَ تَعَالَى: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} . وَقَالَ تَعَالَى: {شَهِدَ اللَّهُ
(28/173)

أَنَّهُ لَا إلَهَ إلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إلَهَ إلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} {إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} . وَالْإِسْلَامُ يَجْمَعُ مَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا الِاسْتِسْلَامُ وَالِانْقِيَادُ؛ فَلَا يَكُونُ مُتَكَبِّرًا. وَالثَّانِي الْإِخْلَاصُ مِنْ قَوْله تَعَالَى {وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ} فَلَا يَكُونُ مُشْرِكًا وَهُوَ: أَنْ يَسْلَمَ الْعَبْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إبْرَاهِيمَ إلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ} {إذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} {وَوَصَّى بِهَا إبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} . وَقَالَ تَعَالَى: {قُلْ إنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} {قُلْ إنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} {لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} . وَالْإِسْلَامُ يُسْتَعْمَلُ لَازِمًا مُعَدَّى بِحَرْفِ اللَّامِ؛ مِثْلَ مَا ذَكَرَ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ؛ وَمِثْلَ قَوْله تَعَالَى {وَأَنِيبُوا إلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ} وَمَثَلَ قَوْله تَعَالَى {قَالَتْ رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} وَمِثْلَ قَوْلِهِ: {أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا
(28/174)

وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ} وَمَثَلَ قَوْلِهِ: {قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} {وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَاتَّقُوهُ} . وَيُسْتَعْمَلُ مُتَعَدِّيًا مَقْرُونًا بِالْإِحْسَانِ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} {بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} . وَقَوْلُهُ: {وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إبْرَاهِيمَ خَلِيلًا} فَقَدْ أَنْكَرَ أَنَّ يَكُونَ دِينٌ أَحْسَنَ مِنْ هَذَا الدِّينِ؛ وَهُوَ إسْلَامُ الْوَجْهِ لِلَّهِ مَعَ الْإِحْسَانِ وَأَخْبَرَ أَنَّ كُلَّ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ. أَثْبَتَتْ هَذِهِ الْكَلِمَةُ الْجَامِعَةُ وَالْقَضِيَّةُ الْعَامَّةُ رَدًّا لِمَا زَعَمَ مَنْ زَعَمَهُ أَنْ لَا يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إلَّا مُتَهَوِّدٌ أَوْ مُتَنَصِّرٌ. وَهَذَانِ الْوَصْفَانِ - وَهُمَا إسْلَامُ الْوَجْهِ لِلَّهِ؛ وَالْإِحْسَانُ - هُمَا الْأَصْلَانِ الْمُتَقَدِّمَانِ وَهَمَا: كَوْنُ الْعَمَلِ خَالِصًا لِلَّهِ صَوَابًا: مُوَافِقًا لِلسُّنَّةِ وَالشَّرِيعَةِ. وَذَلِكَ أَنَّ إسْلَامَ الْوَجْهِ لِلَّهِ هُوَ مُتَضَمِّنٌ لِلْقَصْدِ وَالنِّيَّةِ لِلَّهِ؛ كَمَا
(28/175)

قَالَ بَعْضُهُمْ:
أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ ذَنْبًا لَسْت مُحْصِيهِ ... رَبَّ الْعِبَادِ إلَيْهِ الْوَجْهُ وَالْعَمَلُ
وَقَدْ اسْتَعْمَلَ هُنَا أَرْبَعَةَ أَلْفَاظٍ: إسْلَامُ الْوَجْهِ؛ وَإِقَامَةُ الْوَجْهِ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} . وَقَوْلُهُ: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} وَتَوْجِيهُ الْوَجْهِ كَقَوْلِ الْخَلِيلِ: {إنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} . وَكَذَلِكَ كَانَ {النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي دُعَاءِ الِاسْتِفْتَاحِ فِي صَلَاتِهِ: {وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} } . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ عَنْ {النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّا يَقُولُ إذَا أَوَى إلَى فِرَاشِهِ: اللَّهُمَّ أَسْلَمْت نَفَسِي إلَيْك وَوَجَّهْت وَجْهِي إلَيْك} . فَالْوَجْهُ يَتَنَاوَلُ الْمُتَوَجِّهَ وَالْمُتَوَجَّهَ إلَيْهِ وَيَتَنَاوَلُ الْمُتَوَجَّهَ نَفْسَهُ كَمَا يُقَالُ: أَيُّ وَجْهٍ تُرِيدُ؟ أَيْ: أَيُّ وُجْهَةٍ وَنَاحِيَةٍ تَقْصِدُ: وَذَلِكَ أَنَّهُمَا مُتَلَازِمَانِ. فَحَيْثُ تَوَجَّهَ الْإِنْسَانُ تَوَجَّهَ وَجْهُهُ؛ وَوَجْهُهُ مُسْتَلْزِمٌ لِتَوَجُّهِهِ؛ وَهَذَا فِي بَاطِنِهِ وَظَاهِرِهِ جَمِيعًا. فَهَذِهِ أَرْبَعَةُ أُمُورٍ. وَالْبَاطِنُ هُوَ الْأَصْلُ وَالظَّاهِرُ هُوَ الْكَمَالُ وَالشِّعَارُ فَإِذَا تَوَجَّهَ قَلْبُهُ إلَى شَيْءٍ تَبِعَهُ وَجْهُهُ الظَّاهِرُ فَإِذَا كَانَ الْعَبْدُ قَصْدُهُ وَمُرَادُهُ وَتَوَجُّهُهُ إلَى اللَّهِ فَهَذَا صَلَاحُ إرَادَتِهِ وَقَصْدُهُ
(28/176)

فَإِذَا كَانَ مَعَ ذَلِكَ مُحْسِنًا فَقَدْ اجْتَمَعَ أَنْ يَكُونَ عَمَلُهُ صَالِحًا وَلَا يُشْرِكُ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ اللَّهُمَّ اجْعَلْ عَمَلِي كُلَّهُ صَالِحًا وَاجْعَلْهُ لِوَجْهِك خَالِصًا وَلَا تَجْعَلْ لِأَحَدِ فِيهِ شَيْئًا. وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ هُوَ الْإِحْسَانُ: وَهُوَ فِعْلُ الْحَسَنَاتِ وَهُوَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَاَلَّذِي أَمَرَ اللَّهُ بِهِ هُوَ الَّذِي شَرَعَهُ اللَّهُ وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِسُنَّةِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ؛ فَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ مَنْ أَخْلَصَ قَصْدَهُ لِلَّهِ وَكَانَ مُحْسِنًا فِي عَمَلِهِ فَإِنَّهُ مُسْتَحِقٌّ لِلثَّوَابِ سَالِمٌ مِنْ الْعِقَابِ. وَلِهَذَا كَانَ أَئِمَّةُ السَّلَفِ يَجْمَعُونَ هَذَيْنِ الْأَصْلَيْنِ؛ كَقَوْلِ الْفُضَيْل ابْنِ عِيَاضٍ فِي قَوْله تَعَالَى {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} قَالَ: أَخْلَصُهُ وَأَصْوَبُهُ فَقِيلَ: يَا أَبَا عَلِيٍّ مَا أَخْلَصُهُ وَأَصْوَبُهُ؟ فَقَالَ: إنَّ الْعَمَلَ إذَا كَانَ صَوَابًا وَلَمْ يَكُنْ خَالِصًا لَمْ يُقْبَلْ. وَإِذَا كَانَ خَالِصًا وَلَمْ يَكُنْ صَوَابًا لَمْ يُقْبَلْ حَتَّى يَكُونَ خَالِصًا صَوَابًا. وَالْخَالِصُ: أَنْ يَكُونَ لِلَّهِ وَالصَّوَابُ أَنْ يَكُونَ عَلَى السُّنَّةِ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ شَاهِينَ واللالكائي عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: لَا يُقْبَلُ قَوْلٌ وَعَمَلٌ إلَّا بِنِيَّةِ وَلَا يُقْبَلُ قَوْلٌ وَعَمَلٌ وَنِيَّةٌ إلَّا بِمُوَافَقَةِ السُّنَّةِ. وَرَوَيَا عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ مِثْلَهُ وَلَفْظُهُ: " لَا يَصْلُحُ " مَكَانَ يُقْبَلُ. وَهَذَا فِيهِ رَدٌّ عَلَى الْمُرْجِئَةِ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مُجَرَّدَ الْقَوْلِ كَافِيًا فَأَخْبَرَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ قَوْلٍ وَعَمَلٍ إذْ الْإِيمَانُ قَوْلٌ وَعَمَلٍ؛ لَا بُدَّ مِنْ هَذَيْنِ كَمَا قَدْ بَسَطْنَاهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ. وَبَيَّنَّا أَنَّ مُجَرَّدَ تَصْدِيقِ الْقَلْبِ وَاللِّسَانِ
(28/177)

مَعَ الْبُغْضِ وَالِاسْتِكْبَارِ لَا يَكُونُ إيمَانًا - بِاتِّفَاقِ الْمُؤْمِنِينَ - حَتَّى يَقْتَرِنَ بِالتَّصْدِيقِ عَمَلٌ. وَأَصْلُ الْعَمَلِ عَمَلُ الْقَلْبِ وَهُوَ الْحُبُّ وَالتَّعْظِيمُ الْمُنَافِي لِلْبُغْضِ وَالِاسْتِكْبَارِ ثُمَّ قَالُوا: وَلَا يُقْبَلُ قَوْلٌ وَعَمَلٌ إلَّا بِنِيَّةِ وَهَذَا ظَاهِرٌ فَإِنَّ الْقَوْلَ وَالْعَمَلُ إذَا لَمْ يَكُنْ خَالِصًا لِلَّهِ تَعَالَى لَمْ يَقْبَلْهُ اللَّهُ تَعَالَى. ثُمَّ قَالُوا: وَلَا يُقْبَلُ قَوْلٌ وَعَمَلٌ وَنِيَّةٌ إلَّا بِمُوَافَقَةِ السُّنَّةِ؛ وَهِيَ الشَّرِيعَةُ وَهِيَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ؛ لِأَنَّ الْقَوْلَ وَالْعَمَلَ وَالنِّيَّةَ الَّذِي لَا يَكُونُ مَسْنُونًا مَشْرُوعًا قَدْ أَمَرَ اللَّهُ بِهِ: يَكُونُ بِدْعَةً لَيْسَ مِمَّا يُحِبُّهُ اللَّهُ فَلَا يَقْبَلُهُ اللَّهُ؛ وَلَا يَصْلُحُ: مِثْلَ أَعْمَالِ الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ. وَلَفْظُ " السُّنَّةِ " فِي كَلَامِ السَّلَفِ يَتَنَاوَلُ السُّنَّةَ فِي الْعِبَادَاتِ وَفِي الِاعْتِقَادَاتِ وَإِنْ كَانَ كَثِيرٌ مِمَّنْ صَنَّفَ فِي السُّنَّةِ يَقْصِدُونَ الْكَلَامَ فِي الِاعْتِقَادَاتِ وَهَذَا كَقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ وأبي بْنِ كَعْبٍ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ اقْتِصَادٌ فِي سُنَّةٍ خَيْرٌ مِنْ اجْتِهَادٍ فِي بِدْعَةٍ. وَأَمْثَالُ ذَلِكَ. وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. وَصَلَوَاتُهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ.
(28/178)

وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ بَعْدَ كَلَامٍ سَبَقَ:
وَأَصْلُ ذَلِكَ الْعِلْمُ؛ فَإِنَّهُ لَا يُعْلَمُ الْعَدْلُ وَالظُّلْمُ إلَّا بِالْعِلْمِ. فَصَارَ الدِّينُ كُلُّهُ الْعِلْمَ وَالْعَدْلَ؛ وَضِدُّ ذَلِكَ الظُّلْمُ وَالْجَهْلُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} وَلَمَّا كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا - وَذَلِكَ يَقَعُ مِنْ الرُّعَاةِ تَارَةً وَمِنْ الرَّعِيَّةِ تَارَةً وَمِنْ غَيْرِهِمْ تَارَةً - كَانَ مِنْ الْعِلْمِ وَالْعَدْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ الصَّبْرُ عَلَى ظُلْمِ الْأَئِمَّةِ وَجَوْرِهِمْ كَمَا هُوَ مِنْ أُصُولِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ وَكَمَا أَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْأَحَادِيثِ الْمَشْهُورَةِ عَنْهُ لَمَّا قَالَ: {إنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلَقَّوْنِي عَلَى الْحَوْضِ} وَقَالَ: {مَنْ رَأَى مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا يَكْرَهُهُ فَلْيَصْبِرْ عَلَيْهِ} إلَى أَمْثَالِ ذَلِكَ. وَقَالَ: {أَدُّوا إلَيْهِمْ الَّذِي لَهُمْ وَاسْأَلُوا اللَّهَ الَّذِي لَكُمْ} وَانْهَوْا عَنْ قِتَالِهِمْ مَا صَلَّوْا؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ مَعَهُمْ أَصْلُ الدِّينِ الْمَقْصُودِ وَهُوَ تَوْحِيدُ اللَّهِ وَعِبَادَتُهُ وَمَعَهُمْ حَسَنَاتٌ وَتَرْكُ سَيِّئَاتٍ كَثِيرَةٍ. وَأَمَّا مَا يَقَعُ مِنْ ظُلْمِهِمْ وَجَوْرِهِمْ بِتَأْوِيلِ سَائِغٍ أَوْ غَيْرِ سَائِغٍ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُزَالَ لِمَا فِيهِ مِنْ ظُلْمٍ وَجَوْرٍ كَمَا هُوَ عَادَةُ أَكْثَرِ النُّفُوسِ تُزِيلُ الشَّرَّ بِمَا هُوَ شَرٌّ مِنْهُ وَتُزِيلُ الْعُدْوَانَ بِمَا هُوَ أَعْدَى مِنْهُ؛
(28/179)

فَالْخُرُوج عَلَيْهِمْ يُوجِبُ مِنْ الظُّلْمِ وَالْفَسَادِ أَكْثَرَ مِنْ ظُلْمِهِمْ فَيُصْبَرُ عَلَيْهِ كَمَا يُصْبَرُ عِنْدَ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ عَلَى ظُلْمِ الْمَأْمُورِ وَالْمَنْهِيِّ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ كَقَوْلِهِ: {وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ} وَقَوْلِهِ: {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ} وَقَوْلِهِ: {وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا} . وَهَذَا عَامٌّ فِي وُلَاةِ الْأُمُورِ وَفِي الرَّعِيَّةِ إذَا أَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ؛ فَعَلَيْهِمْ أَنْ يَصْبِرُوا عَلَى مَا أُصِيبُوا بِهِ فِي ذَاتِ اللَّهِ كَمَا يَصْبِرُ الْمُجَاهِدُونَ عَلَى مَا يُصَابُ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ. فَالصَّبْرُ عَلَى الْأَذَى فِي الْعِرْضِ أَوْلَى وَأَوْلَى؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ مَصْلَحَةَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ لَا تَتِمُّ إلَّا بِذَلِكَ وَمَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ وَيَنْدَرِجُ فِي ذَلِكَ وُلَاةُ الْأُمُورِ فَإِنَّ عَلَيْهِمْ مِنْ الصَّبْرِ وَالْحِلْمِ مَا لَيْسَ عَلَى غَيْرِهِمْ كَمَا أَنَّ عَلَيْهِمْ مِنْ الشَّجَاعَةِ وَالسَّمَاحَةِ مَا لَيْسَ عَلَى غَيْرِهِمْ لِأَنَّ مَصْلَحَةَ الْإِمَارَةِ لَا تَتِمُّ إلَّا بِذَلِكَ. فَكَمَا وَجَبَ عَلَى الْأَئِمَّةِ الصَّبْرُ عَلَى أَذَى الرَّعِيَّةِ وَظُلْمِهَا إذَا لَمْ تَتِمَّ الْمَصْلَحَةُ إلَّا بِذَلِكَ إذْ كَانَ تَرْكُهُ يُفْضِي إلَى فَسَادٍ أَكْثَرَ مِنْهُ: فَكَذَلِكَ يَجِبُ عَلَى الرَّعِيَّةِ الصَّبْرُ عَلَى جَوْرِ الْأَئِمَّةِ وَظُلْمِهِمْ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي تَرْكِ الصَّبْرِ مَفْسَدَةٌ رَاجِحَةٌ. فَعَلَى كُلٍّ مِنْ الرَّاعِي وَالرَّعِيَّةِ لِلْآخَرِ حُقُوقٌ يَجِبُ عَلَيْهِ أَدَاؤُهَا كَمَا ذَكَرَ بَعْضَهُ فِي " كِتَابِ الْجِهَادِ وَالْقَضَاءِ " وَعَلَيْهِ أَنْ يَصْبِرَ لِلْآخَرِ وَيَحْلُمَ
(28/180)

عَنْهُ فِي أُمُورٍ؛ فَلَا بُدَّ مِنْ السَّمَاحَةِ وَالصَّبْرِ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ} وَفِي الْحَدِيثِ {أَفْضَلُ الْإِيمَانِ السَّمَاحَةُ وَالصَّبْرُ} وَمِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ. فَبِالْحِلْمِ يَعْفُو عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ وَبِالسَّمَاحَةِ يُوَصِّلُ إلَيْهِمْ الْمَنَافِعَ فَيَجْمَعُ جَلْبَ الْمَنْفَعَةِ وَدَفْعَ الْمَضَرَّةِ. فَأَمَّا الْإِمْسَاكُ عَنْ ظُلْمِهِمْ وَالْعَدْلُ عَلَيْهِمْ فَوُجُوبُ ذَلِكَ أَظْهَرُ مِنْ هَذَا فَلَا حَاجَةَ إلَى بَيَانِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ:
فِي مَرَاتِبِ الذُّنُوبِ أَمَّا مَرَاتِبُهَا فِي الْآخِرَةِ فَلَهُ مَوْضِعٌ غَيْرُ هَذَا؛ وَإِنَّمَا الْغَرَضُ هُنَا مَرَاتِبُهَا فِي الدُّنْيَا: فِي الذَّمِّ وَالْعِقَابِ. وَقَدْ ذَكَرْت فِيمَا قَبْلُ هَذَا أَنَّ الذُّنُوبَ الَّتِي فِيهَا ظُلْمُ الْغَيْرِ وَالْإِضْرَارُ بِهِ فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا أَعْظَمُ عُقُوبَةً فِي الدُّنْيَا مِمَّا لَمْ يَتَضَمَّنْ ضَرَرَ الْغَيْرِ؛ وَإِنْ كَانَ عُقُوبَةُ هَذَا فِي الْآخِرَةِ أَكْبَرَ كَمَا يُعَاقَبُ ذَوُو الْجَرَائِمِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ بِمَا لَا يُعَاقَبُ بِهِ أَهْلُ الذِّمَّةِ مِنْ الْكَافِرِينَ؛ وَإِنْ كَانَ الْكَافِرُ أَشَدَّ عَذَابًا فِي الْآخِرَةِ مِنْ الْمُسْلِمِ. وَيُعَاقَبُ الثَّانِي عَلَى عَدَالَتِهِ مِثْلَ شَارِبِ النَّبِيذِ مُتَأَوِّلًا. وَالْبُغَاةِ الْمُتَأَوِّلِينَ بِمَا لَا يُعَاقَبُ بِهِ الْفَاسِقُ الْمُسْتَسِرُّ بِالذَّنْبِ. وَيُعَاقَبُ
(28/181)

الدَّاعِي إلَى بِدْعَةٍ وَالْمُظْهِرُ لِلْمُنْكَرِ بِمَا لَا يُعَاقَبُ بِهِ الْمُنَافِقُ الْمُسْتَسِرُّ بِنِفَاقِهِ مِنْ غَيْرِ دَعْوَةٍ لِلْغَيْرِ. فَهَذِهِ أَمْثِلَةٌ فِي الْكَافِرِ وَالْفَاسِقِ وَفِي الْفَاسِقِ وَالْعَدْلِ وَفِي الْمُنَافِقِ وَالْمُؤْمِنِ الْمُظْهِرِ لِبِدْعَةِ أَوْ ذَنَبٍ. وَبَيَّنْت سَبَبَ ذَلِكَ؛ أَنَّ عُقُوبَةَ هَؤُلَاءِ مِنْ بَابِ دَفْعِ ظُلْمِ الظَّالِمِينَ عَنْ الدِّينِ وَالدُّنْيَا؛ بِخِلَافِ مَنْ لَمْ يَظْلِمْ إلَّا نَفْسَهُ فَإِنَّ عُقُوبَتَهُ إلَى رَبِّهِ. " وَجِمَاعُ الْأَمْرِ " أَنَّ الذُّنُوبَ كُلَّهَا ظُلْمٌ: فَإِمَّا ظُلْمُ الْعَبْدِ لِنَفْسِهِ فَقَطْ أَوْ ظُلْمُهُ مَعَ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ؛ فَمَا كَانَ مِنْ ظُلْمِ الْغَيْرِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَشْرَعَ مِنْ عُقُوبَتِهِ مَا يَدْفَعُ بِهِ ظُلْمَ الظَّالِمِ عَنْ الدِّينِ وَالدُّنْيَا كَمَا قَالَ تَعَالَى: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ} فَجَعَلَ السَّبَبَ الْمُبِيحَ لِعُقُوبَةِ الْغَيْرِ الَّتِي هِيَ قِتَالُهُ: {بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا} . وَقَالَ: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ} فَبَيَّنَ أَنَّ الظَّالِمَ يُعْتَدَى عَلَيْهِ: أَيْ بِتَجَاوُزِ. الْحَدِّ الْمُطْلَقِ فِي حَقِّهِ؛ وَهُوَ الْعُقُوبَةُ وَهَذَا عُدْوَانٌ جَائِزٌ كَمَا قَالَ: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} . وَقَوْلُ بَعْضِهِمْ: إنَّ هَذَا لَيْسَ بِعُدْوَانِ فِي الْحَقِيقَةِ وَإِنَّمَا سَمَّاهُ عُدْوَانًا عَلَى سَبِيلِ الْمُقَابَلَةِ كَمَا قَالُوا مِثْلَ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} . لَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ؛ فَإِنَّ الْعُدْوَانَ الْمُطْلَقَ هُوَ مُجَاوَزَةُ الْحَدِّ الْمُطْلَقِ وَهَذَا لَا يَجُوزُ فِي حَقِّهِ إلَّا إذَا اعْتَدَى فَيَتَجَاوَزُ الْحَدَّ فِي حَقِّهِ بِقَدْرِ تَجَاوُزِهِ.
(28/182)

وَالسَّيِّئَةُ اسْمٌ لِمَا يَسُوءُ الْإِنْسَانَ؛ فَإِنَّ الْمَصَائِبَ وَالْعُقُوبَاتِ تُسَمَّى سَيِّئَةً فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى. وَالظُّلْمُ نَوْعَانِ: تَفْرِيطٌ فِي الْحَقِّ وَتَعَدٍّ لِلْحَدِّ. فَالْأَوَّلُ تَرْكُ مَا يَجِبُ لِلْغَيْرِ مِثْلَ تَرْكِ قَضَاءِ الدُّيُونِ وَسَائِرِ الْأَمَانَاتِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْأَمْوَالِ. وَالثَّانِي الِاعْتِدَاءُ عَلَيْهِ مِثْلُ الْقَتْلِ وَأَخْذِ الْمَالِ وَكِلَاهُمَا ظُلْمٌ؛ وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ: {مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ وَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتَّبِعْ} فَجَعَلَ مُجَرَّدَ الْمَطْلِ الَّذِي هُوَ تَأْخِيرُ الْأَدَاءِ مَعَ الْقُدْرَةِ ظُلْمًا فَكَيْفَ بِالتَّرْكِ رَأْسًا. وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ} إلَى قَوْلِهِ: {وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ} . قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا هِيَ الْيَتِيمَةُ تَكُونُ فِي حِجْرِ وَلَيِّهَا فَيُرِيدُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا بِدُونِ أَنْ يُقْسِطَ لَهَا فِي مَهْرِهَا. فَسَمَّى اللَّهُ تَكْمِيلَ الْمَهْرِ قِسْطًا؛ وَضِدُّهُ الظُّلْمُ. وَهَذَا فِي الْجُمْلَةِ ظَاهِرٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ: أَنَّ الْعَدْلَ قَدْ يَكُونُ أَدَاءَ وَاجِبٍ وَقَدْ يَكُونُ تَرْكَ مُحَرَّمٍ وَقَدْ يَجْمَعُ الْأَمْرَيْنِ وَأَنَّ الظُّلْمَ أَيْضًا قَدْ يَكُونُ تَرْكَ وَاجِبٍ وَقَدْ يَكُونُ فِعْلَ مُحَرَّمٍ وَقَدْ يَجْمَعُ الْأَمْرَيْنِ. فَإِذَا عُرِفَ هَذَا؛ وَقَدْ عُرِفَ أَنَّ الْعَدْلَ وَالظُّلْمَ يَكُونُ
(28/183)

فِي حَقِّ نَفْسِ الْإِنْسَانِ وَيَكُونُ فِي حُقُوقِ النَّاسِ - كَمَا تَقَدَّمَ وَقَدْ كَتَبْت فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ " الْقَوَاعِدِ " وَفِي آخِرِ " مُسَوَّدَةِ الْفِقْهِ " كَلَامًا كُلِّيًّا فِي أَنَّ جَمِيعَ الْحَسَنَاتِ تَدْخُلُ فِي الْعَدْلِ وَجَمِيعُ السَّيِّئَاتِ تَدْخُلُ فِي الظُّلْمِ - فَإِنَّهُ يَتَبَيَّنُ بِهَذَا مَسَائِلُ نَافِعَةٌ. مِنْهَا: أَنَّ أُولِي الْأَمْرِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَالْأُمَرَاءِ وَمَنْ يَتْبَعُهُمْ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ حُقُوقٌ لِلنَّاسِ هِيَ الْمَقْصُودَةُ الْوَاجِبَةُ مِنْهُ فِي مَرْتَبَتِهِ؛ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مَطْلُوبَةً مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ النَّوْعِ وَلَا وَاجِبَةً عَلَيْهِ؛ إذْ وُجُوبُهَا عَلَيْهِ دُونَ ذَلِكَ. وَكَذَلِكَ قَدْ يَكُونُ عَلَيْهِ مُحَرَّمَاتٌ حُرْمَتُهَا عَلَيْهِ مَرْتَبَتُهُ وَإِنْ لَمْ تَحْرُمْ عَلَى غَيْرِ أَهْلِ تِلْكَ الْمَرْتَبَةِ أَوْ تَحْرِيمُهَا عَلَيْهِمْ أَخَفُّ: مِثَالُ ذَلِكَ الْجِهَادُ فَإِنَّهُ وَاجِبٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ عُمُومًا عَلَى الْكِفَايَةِ مِنْهُمْ؛ وَقَدْ يَجِبُ أَحْيَانًا عَلَى أَعْيَانِهِمْ؛ لَكِنْ وُجُوبُهُ عَلَى الْمُرْتَزِقَةِ الَّذِينَ يُعْطَوْنَ مَالُ الْفَيْءِ لِأَجْلِ الْجِهَادِ أَوْكَدُ؛ بَلْ هُوَ وَاجِبٌ عَلَيْهِمْ عَيْنًا؛ وَاجِبٌ بِالشَّرْعِ وَوَاجِبٌ بِالْعَقْدِ الَّذِي دَخَلُوا فِيهِ لَمَّا عَقَدُوا مَعَ وُلَاةِ الْأَمْرِ عَقْدَ الطَّاعَةِ فِي الْجِهَادِ وَوَاجِبٌ بِالْعِوَضِ. فَإِنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا لَا بِشَرْعِ وَلَا بِبَيْعَةِ إمَامٍ: لَوَجَبَ بِالْمُعَاوَضَةِ عَلَيْهِ كَمَا يَجِبُ الْعَمَلُ عَلَى الْأَجِيرِ الَّذِي قَبَضَ الْأُجْرَةَ وَيَجِبُ تَسْلِيمُ الْمَبِيعِ عَلَى مَنْ قَبَضَ الثَّمَنَ وَهَذَا وُجُوبٌ بِعَقْدِ الْمُعَاوَضَةِ وَبِقَبْضِ الْعِوَضِ كَمَا أَنَّ الْأَوَّلَ وُجُوبٌ
(28/184)

بِالشَّرْعِ وَبِمُجَرَّدِ مُبَايَعَةِ الْإِمَامِ وَهُوَ وَاجِبٌ أَيْضًا مِنْ جِهَةِ مَا فِي تَرْكِهِ مِنْ تَغْرِيرِ الْمُسْلِمِينَ وَالضَّرَرُ اللَّاحِقُ لَهُمْ بِتَرْكِهِ وُجُوبُ الضَّمَانِ لِلْمَضْمُونِ لَهُ. فَإِنَّ " الْمُرْتَزِقَةَ " ضَمِنُوا لِلْمُسْلِمِينَ بِالِارْتِزَاقِ الدَّفْعَ عَنْهُمْ فَاطْمَأَنَّ النَّاسُ إلَى ذَلِكَ وَاكْتَفَوْا بِهِمْ وَأَعْرَضُوا عَنْ الدَّفْعِ بِأَنْفُسِهِمْ، أَعْظَمُ مِمَّا يَطْمَئِنُّ الْمُوَكَّلُ وَالْمُضَارِبُ إلَى وَكِيلِهِ وَعَامِلِهِ فَإِذَا فَرَّطَ بَعْضُهُمْ وَضَيَّعَ كَانَ ذَلِكَ مِنْ أَعْظَمِ الضَّرَرِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ؛ فَإِنَّهُمْ أَدْخَلُوا الضَّرَرَ الْعَظِيمَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ بِمَا تَرَكُوهُ مِنْ الْقِتَالِ عَنْ الْمُسْلِمِينَ الْوَاجِبِ عَلَيْهِمْ حَتَّى لَحِقَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ الضَّرَرِ فِي دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ: فِي الْأَنْفُسِ وَالذُّرِّيَّةِ وَالْأَمْوَالِ مَا لَا يُقَدِّرُ قَدْرَهُ أَحَدٌ. فَظُلْمُ الْمُقَاتِلَةِ بِتَرْكِ الْجِهَادِ عَنْ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَعْظَمِ ظُلْمٍ يَكُونُ؛ بِخِلَافِ مَا يَلْحَقُ أَحَدُهُمْ مِنْ الضَّرَرِ فَإِنَّ ذَاكَ ظُلْمٌ لِنَفْسِهِ. وَكَذَلِكَ مَا يَفْعَلُهُ مِنْ الْمَعْصِيَةِ الْمُخْتَصَّةِ بِهِ - كَشُرْبِ الْخَمْرِ وَفِعْلِ الْفَاحِشَةِ - فَإِنَّ هَذَا ظُلْمٌ لِنَفْسِهِ مُخْتَصٌّ بِهِ فَعُقُوبَتُهُ عَلَى تَرْكِ الْجِهَادِ وَذَمِّهِ عَلَى ذَلِكَ أَعْظَمُ بِكَثِيرِ مِنْ ذَمِّهِ وَعُقُوبَتِهِ عَلَى ذَلِكَ. وَإِذَا لَمْ يُمْكِنْ جَمْعُ الْعُقُوبَتَيْنِ كَانَتْ الْعُقُوبَةُ عَلَى تَرْكِ الْجِهَادِ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْعُقُوبَةِ عَلَى هَذِهِ الْمَعَاصِي كَمَا أَنَّ مَنْفَعَةَ الْجِهَادِ لَهُ وَلِلْمُسْلِمِينَ قَدْ
(28/185)

تَكُونُ أَعْظَمَ بِكَثِيرِ مِنْ مَنْفَعَةِ رَدْعِهِ عَنْ الْخَمْرِ وَالْفَاحِشَةِ إذَا اسْتَسَرَّ بِذَلِكَ وَلَمْ يَظْلِمْ بِهِ غَيْرَهُ؛ فَيَدْفَعُ هُنَا أَعْظَمَ الفسادين بِاحْتِمَالِ أَدْنَاهُمَا. وَفِي مِثْلِ هَذَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {إنَّ اللَّهَ يُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ وَبِأَقْوَامِ لَا خَلَاقَ لَهُمْ} وَيُذَمُّ أَحَدُ هَؤُلَاءِ أَوْ يُزْجَرُ بِمَا فِيهِ مِنْ عَجْزٍ عَنْ الْجِهَادِ أَوْ تَفْرِيطٍ فِيهِ مَا لَا يَفْعَلُ بِغَيْرِهِ مِمَّنْ لَيْسَ مَرْصَدًا لِلْجِهَادِ. وَكَذَلِكَ أَهْلُ الْعِلْمِ الَّذِينَ يَحْفَظُونَ عَلَى الْأُمَّةِ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ: صُورَةً وَمَعْنًى؛ مَعَ أَنَّ حِفْظَ ذَلِكَ وَاجِبٌ عَلَى الْأُمَّةِ عُمُومًا عَلَى الْكِفَايَةِ مِنْهُمْ وَمِنْهُ مَا يَجِبُ عَلَى أَعْيَانِهِمْ وَهُوَ عِلْمُ الْعَيْنِ الَّذِي يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ؛ لَكِنَّ وُجُوبَ ذَلِكَ عَيْنًا وَكِفَايَةً عَلَى أَهْلِ الْعِلْمِ الَّذِينَ رَأَسُوا فِيهِ أَوْ رُزِقُوا عَلَيْهِ أَعْظَمَ مِنْ وُجُوبِهِ عَلَى غَيْرِهِمْ؛ لِأَنَّهُ وَاجِبٌ بِالشَّرْعِ عُمُومًا. وَقَدْ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِمْ لِقُدْرَتِهِمْ عَلَيْهِ وَعَجْزِ غَيْرِهِمْ؛ وَيَدْخُلُ فِي الْقُدْرَةِ اسْتِعْدَادُ الْعَقْلِ وَسَابِقَةُ الطَّلَبِ وَمَعْرِفَةُ الطُّرُقِ الْمُوَصِّلَةِ إلَيْهِ مِنْ الْكُتُبِ الْمُصَنَّفَةِ وَالْعُلَمَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ وَسَائِرِ الْأَدِلَّةِ الْمُتَعَدِّدَةِ وَالتَّفَرُّغُ لَهُ عَمَّا يَشْغَلُ بِهِ غَيْرَهُمْ. وَلِهَذَا مَضَتْ السُّنَّةُ بِأَنَّ الشُّرُوعَ فِي الْعِلْمِ وَالْجِهَادِ يَلْزَمُ كَالشُّرُوعِ فِي الْحَجِّ يَعْنِي أَنَّ مَا حَفِظَهُ مِنْ عِلْمِ الدِّينِ وَعِلْمِ الْجِهَادِ لَيْسَ لَهُ
(28/186)

إضَاعَتُهُ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ ثُمَّ نَسِيَهُ لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ أَجْذَمُ} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَقَالَ: {عُرِضَتْ عَلَيَّ أَعْمَالُ أُمَّتِي - حَسَنُهَا وَسَيِّئُهَا - فَرَأَيْت فِي مَسَاوِئِ أَعْمَالِهَا الرَّجُلُ يُؤْتِيهِ اللَّهُ آيَةً مِنْ الْقُرْآنِ ثُمَّ يَنَامُ عَنْهَا حَتَّى يَنْسَاهَا} وَقَالَ: {مَنْ تَعَلَّمَ الرَّمْيَ ثُمَّ نَسِيَهُ فَلَيْسَ مِنَّا} رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَكَذَلِكَ الشُّرُوعُ فِي عَمَلِ الْجِهَادِ. فَإِنَّ الْمُسْلِمِينَ إذَا صافوا عَدُوًّا أَوْ حَاصَرُوا حِصْنًا لَيْسَ لَهُمْ الِانْصِرَافُ عَنْهُ حَتَّى يَفْتَحُوهُ. وَلِذَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {مَا يَنْبَغِي لِنَبِيِّ إذَا لَبِسَ لَأْمَتَهُ أَنْ يَنْزِعَهَا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَدُوِّهِ} . فَالْمُرْصِدُونَ لِلْعِلْمِ عَلَيْهِمْ لِلْأُمَّةِ حِفْظُ عِلْمِ الدِّينِ وَتَبْلِيغُهُ؛ فَإِذَا لَمْ يُبَلِّغُوهُمْ عِلْمَ الدِّينِ أَوْ ضَيَّعُوا حِفْظَهُ كَانَ ذَلِكَ مِنْ أَعْظَمِ الظُّلْمِ لِلْمُسْلِمِينَ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: {إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ} فَإِنَّ ضَرَرَ كِتْمَانِهِمْ تَعَدَّى إلَى الْبَهَائِمِ وَغَيْرِهَا فَلَعَنَهُمْ اللَّاعِنُونَ حَتَّى الْبَهَائِمُ. كَمَا أَنَّ مُعَلِّمَ الْخَيْرِ يُصَلِّي عَلَيْهِ اللَّهُ وَمَلَائِكَتُهُ وَيَسْتَغْفِرُ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ حَتَّى الْحِيتَانُ فِي جَوْفِ الْبَحْرِ وَالطَّيْرُ فِي جَوِّ السَّمَاءِ.
(28/187)

وَكَذَلِكَ كَذِبُهُمْ فِي الْعِلْمِ مِنْ أَعْظَمِ الظُّلْمِ. وَكَذَلِكَ إظْهَارُهُمْ لِلْمَعَاصِي وَالْبِدَعِ الَّتِي تَمْنَعُ الثِّقَةَ بِأَقْوَالِهِمْ. وَتَصْرِفُ الْقُلُوبَ عَنْ اتِّبَاعِهِمْ وَتَقْتَضِي مُتَابَعَةَ النَّاسِ لَهُمْ فِيهَا؛ هِيَ مِنْ أَعْظَمِ الظُّلْمِ وَيَسْتَحِقُّونَ مِنْ الذَّمِّ وَالْعُقُوبَةِ عَلَيْهَا مَا لَا يَسْتَحِقُّهُ مَنْ أَظْهَرَ الْكَذِبَ وَالْمَعَاصِيَ وَالْبِدَعَ مِنْ غَيْرِهِمْ؛ لِأَنَّ إظْهَارَ غَيْرِ الْعَالِمِ - وَإِنْ كَانَ فِيهِ نَوْعُ ضَرَرٍ - فَلَيْسَ هُوَ مِثْلُ الْعَالِمِ فِي الضَّرَرِ الَّذِي يَمْنَعُ ظُهُورَ الْحَقِّ وَيُوجِبُ ظُهُورَ الْبَاطِلِ؛ فَإِنَّ إظْهَارَ هَؤُلَاءِ لِلْفُجُورِ وَالْبِدَعِ بِمَنْزِلَةِ إعْرَاضِ الْمُقَاتِلَةِ عَنْ الْجِهَادِ وَدَفْعِ الْعَدُوِّ؛ لَيْسَ هُوَ مِثْلُ إعْرَاضِ آحَادِ الْمُقَاتِلَةِ؛ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الضَّرَرِ الْعَظِيمِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ. فَتَرْكُ أَهْلِ الْعِلْمِ لِتَبْلِيغِ الدِّينِ كَتَرْكِ أَهْلِ الْقِتَالِ لِلْجِهَادِ وَتَرْكِ أَهْلِ الْقِتَالِ لِلْقِتَالِ الْوَاجِبِ عَلَيْهِمْ كَتَرْكِ أَهْلِ الْعِلْمِ لِلتَّبْلِيغِ الْوَاجِبِ عَلَيْهِمْ كِلَاهُمَا ذَنْبٌ عَظِيمٌ؛ وَلَيْسَ هُوَ مِثْلُ تَرْكِ مَا تَحْتَاجُ الْأُمَّةُ إلَيْهِ مِمَّا هُوَ مُفَوَّضٌ إلَيْهِمْ؛ فَإِنَّ تَرْكَ هَذَا أَعْظَمُ مِنْ تَرْكِ أَدَاءِ الْمَالِ الْوَاجِبِ إلَى مُسْتَحَقِّهِ. وَمَا يُظْهِرُونَهُ مِنْ الْبِدَعِ وَالْمَعَاصِي الَّتِي تَمْنَعُ قَبُولَ قَوْلِهِمْ وَتَدْعُو النُّفُوسَ إلَى مُوَافَقَتِهِمْ وَتَمَنُّعُهُمْ وَغَيْرُهُمْ مِنْ إظْهَارِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ: أَشَدُّ ضَرَرًا لِلْأُمَّةِ وَضَرَرًا عَلَيْهِمْ مِنْ إظْهَارِ غَيْرِهِمْ لِذَلِكَ. وَلِهَذَا جَبَلَ اللَّهُ قُلُوبَ الْأُمَّةِ عَلَى أَنَّهَا تَسْتَعْظِمُ جُبْنَ الْجُنْدِيِّ
(28/188)

وَفَشَلَهُ وَتَرْكَهُ لِلْجِهَادِ وَمُعَاوَنَتَهُ لِلْعَدُوِّ: أَكْثَرَ مِمَّا تَسْتَعْظِمُهُ مِنْ غَيْرِهِ. وَتَسْتَعْظِمُ إظْهَارَ الْعَالِمِ الْفُسُوقَ وَالْبِدَعَ: أَكْثَرَ مِمَّا تَسْتَعْظِمُ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِهِ؛ بِخِلَافِ فُسُوقِ الْجُنْدِيِّ وَظُلْمِهِ وَفَاحِشَتِهِ؛ وَبِخِلَافِ قُعُودِ الْعَالِمِ عَنْ الْجِهَادِ بِالْبَدَنِ. وَمِثْلُ ذَلِكَ وُلَاةُ الْأُمُورِ كُلٌّ بِحَسَبِهِ مِنْ الْوَالِي وَالْقَاضِي؛ فَإِنَّ تَفْرِيطَ أَحَدِهِمْ فِيمَا عَلَيْهِ رِعَايَتُهُ مِنْ مَصَالِحِ الْأُمَّةِ أَوْ فِعْلٍ ضِدِّ ذَلِكَ مِنْ الْعُدْوَانِ عَلَيْهِمْ: يُسْتَعْظَمُ أَعْظَمَ مِمَّا يُسْتَعْظَمُ ذَنْبٌ يَخُصُّ أَحَدَهُمْ.
(28/189)

وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
فَصْلٌ: فِي الْوِلَايَةِ وَالْعَدَاوَةِ
فَإِنَّ الْمُؤْمِنِينَ أَوْلِيَاءُ اللَّهِ وَبَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ؛ وَالْكُفَّارُ أَعْدَاءُ اللَّهِ وَأَعْدَاءُ الْمُؤْمِنِينَ. وَقَدْ أَوْجَبَ الْمُوَالَاةَ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَبَيْنَ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ لَوَازِمِ الْإِيمَانِ وَنَهَى عَنْ مُوَالَاةِ الْكُفَّارِ وَبَيَّنَ أَنَّ ذَلِكَ مُنْتَفٍ فِي حَقِّ الْمُؤْمِنِينَ وَبَيَّنَ حَالَ الْمُنَافِقِينَ فِي مُوَالَاةِ الْكَافِرِينَ. فَأَمَّا " مُوَالَاةُ الْمُؤْمِنِينَ " فَكَثِيرَةٌ كَقَوْلِهِ: {إنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا} إلَى قَوْلِهِ: {وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ} وَقَوْلِهِ: {إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} إلَى قَوْلِهِ: {وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ} وَقَالَ تَعَالَى: {أَلَا إنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} {الَّذِينَ
(28/190)

آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ} . وَقَالَ: {لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ} إلَى قَوْلِهِ: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ} إلَى آخِرِ السُّورَةِ وَقَوْلِهِ: {لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ} وَقَالَ: {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إلَى النُّورِ} وَقَالَ: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ} وَقَالَ: {وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ} وَقَالَ: {فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ} وَقَالَ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} {قُلْ إنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ} إلَى قَوْلِهِ: {وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} وَقَالَ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} {فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ} {وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ} {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ} إلَى قَوْلِهِ:
(28/191)

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} إلَى تَمَامِ الْكَلَامِ. وَقَالَ: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ} {كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} {تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ} {وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ} . فَذَمَّ مَنْ يَتَوَلَّى الْكُفَّارَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ قَبْلَنَا وَبَيَّنَ أَنَّ ذَلِكَ يُنَافِي الْإِيمَانَ {بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} {الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا} إلَى قَوْلِهِ: {سَبِيلًا} وَقَالَ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا} {إنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا} . وَقَالَ عَنْ الْمُنَافِقِينَ: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إنَّا مَعَكُمْ إنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ} كَمَا قَالَ عَنْ الْكُفَّارِ الْمُنَافِقِينَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا
(28/192)

آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} وَقَالَ: {أَلَمْ تَرَ إلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ} نَزَلَتْ فِيمَنْ تَوَلَّى الْيَهُودَ مِنْ الْمُنَافِقِينَ وَقَالَ: {مَا هُمْ مِنْكُمْ} وَلَا مِنْ الْيَهُودِ {وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} {أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا إنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} {اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ} إلَى قَوْلِهِ: {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ} وَقَالَ: {أَلَمْ تَرَ إلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ} إلَى تَمَامِ الْقِصَّةِ وَقَالَ: {إنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ} {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إسْرَارَهُمْ} . وَتَبَيَّنَ أَنَّ مُوَالَاةَ الْكُفَّارِ كَانَتْ سَبَبَ ارْتِدَادِهِمْ عَلَى أَدْبَارِهِمْ؛ وَلِهَذَا ذَكَرَ فِي " سُورَةِ الْمَائِدَةِ " أَئِمَّةَ الْمُرْتَدِّينَ عَقِبَ النَّهْيِ عَنْ مُوَالَاةِ الْكُفَّارِ قَوْلُهُ: {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} وَقَالَ: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ
(28/193)

لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا} . فَذَكَرَ الْمُنَافِقِينَ وَالْكُفَّارَ الْمُهَادِنِينَ وَأَخْبَرَ أَنَّهُمْ يسمعون لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوك وَهُوَ اسْتِمَاعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكُفَّارِ الْمُهَادِنِينَ لِلْكُفَّارِ الْمُعْلِنِينَ الَّذِينَ لَمْ يُهَادِنُوا كَمَا أَنَّ فِي الْمُؤْمِنِينَ مَنْ قَدْ يَكُونُ سَمَّاعًا لِلْمُنَافِقِينَ كَمَا قَالَ: {وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ} . وَبَعْضُ النَّاسِ يَظُنُّ أَنَّ الْمَعْنَى: سَمَّاعُونَ لِأَجْلِهِمْ بِمَنْزِلَةِ الْجَاسُوسِ؛ أَيْ يَسْمَعُونَ مَا يَقُولُ وَيَنْقُلُونَهُ إلَيْهِمْ حَتَّى قِيلَ لِبَعْضِهِمْ: أَيْنَ فِي الْقُرْآنِ: الْحِيطَانُ لَهَا آذَانٌ؟ قَالَ: فِي قَوْلِهِ: {وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ} وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ. {سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ} أَيْ لِيَكْذِبُوا: أَنَّ اللَّامَ لَامُ التَّعْدِيَةِ لَا لَامُ التَّبَعِيَّةِ؛ وَلَيْسَ هَذَا مَعْنَى الْآيَتَيْنِ؛ وَإِنَّمَا الْمَعْنَى فِيكُمْ مَنْ يَسْمَعُ لَهُمْ أَيْ يَسْتَجِيبُ لَهُمْ وَيَتْبَعُهُمْ. كَمَا فِي قَوْلِهِ: " سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ " اسْتِحْبَابُ اللَّهِ لِمَنْ حَمِدَهُ أَيْ قَبِلَ مِنْهُ يُقَالُ: فُلَانٌ يَسْمَعُ لِفُلَانِ أَيْ يَسْتَجِيبُ لَهُ وَيُطِيعُهُ. وَذَلِكَ أَنَّ الْمَسْمَعَ وَإِنْ كَانَ أَصْلُهُ نَفْسَ السَّمْعِ الَّذِي يُشْبِهُ الْإِدْرَاكَ؛ لَكِنْ إذَا كَانَ الْمَسْمُوعُ طَلَبًا: فَفَائِدَتُهُ وَمُوجِبُهُ الِاسْتِجَابَةُ وَالْقَبُولُ. وَإِذَا كَانَ الْمَسْمُوعُ خَبَرًا. فَفَائِدَتُهُ التَّصْدِيقُ وَالِاعْتِقَادُ فَصَارَ يَدْخُلُ
(28/194)

مَقْصُودُهُ وَفَائِدَتُهُ فِي مُسَمَّاهُ نَفْيًا وَإِثْبَاتًا فَيُقَالُ: فُلَانٌ يَسْمَعُ لِفُلَانِ: أَيْ يُطِيعُهُ فِي أَمْرِهِ أَوْ يُصَدِّقُهُ فِي خَبَرِهِ. وَفُلَانٌ لَا يَسْمَعُ مَا يُقَالُ لَهُ: أَيْ لَا يُصَدِّقُ الْخَبَرَ وَلَا يُطِيعُ الْأَمْرَ كَمَا بَيَّنَ اللَّهُ السَّمْعَ عَنْ الْكُفَّارِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ كَقَوْلِهِ: {وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً} وَقَوْلُهُ: {وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ} وَذَلِكَ لِأَنَّ سَمْعَ الْحَقِّ يُوجِبُ قَبُولُهُ إيجَابَ الْإِحْسَاسِ الْحَرَكَةَ وَإِيجَابُ عِلْمِ الْقَلْبِ حَرَكَةُ الْقَلْبِ فَإِنَّ الشُّعُورَ بِالْمُلَائِمِ يُوجِبُ الْحَرَكَةَ إلَيْهِ وَالشُّعُورُ بِالْمُنَافِرِ يُوجِبُ النُّفْرَةَ عَنْهُ فَحَيْثُ انْتَفَى مُوجِبُ ذَلِكَ دَلَّ عَلَى انْتِفَاءِ مَبْدَئِهِ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: {إنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ} . وَلِهَذَا جَعَلَ سَمْعَ الْكُفَّارِ بِمَنْزِلَةِ سَمْعِ الْبَهَائِمِ لِأَصْوَاتِ الرُّعَاةِ أَيْ يَسْمَعُونَ مُجَرَّدَ الْأَصْوَاتِ سَمْعَ الْحَيَوَانِ لَا يَسْمَعُونَ مَا فِيهَا - مِنْ تَأْلِيفِ الْحُرُوفِ الْمُتَضَمِّنَةِ لِلْمَعَانِي - السَّمْعَ الَّذِي لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ بِالْقَلْبِ مَعَ الْجِسْمِ؛ فَقَالَ تَعَالَى: {سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ} يَقُولُ: هُمْ يَسْتَجِيبُونَ {لِقَوْمٍ آخَرِينَ} وَأُولَئِكَ {لَمْ يَأْتُوكَ} وَأُولَئِكَ {يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ} يَقُولُونَ لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَتَوْك: {إنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا} كَمَا ذَكَرُوا فِي سَبَبِ نُزُولِ
(28/195)

الْآيَةِ: أَنَّهُمْ قَالُوا فِي حَدِّ الزِّنَا وَفِي الْقَتْلِ: اذْهَبُوا إلَى هَذَا النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ فَإِنْ حَكَمَ لَكُمْ بِمَا تُرِيدُونَهُ فَاقْبَلُوهُ وَإِنْ حَكَمَ بِغَيْرِهِ فَأَنْتُمْ قَدْ تَرَكْتُمْ حُكْمَ التَّوْرَاةِ أَفَلَا تَتْرُكُونَ حُكْمَهُ. فَهَذَا هُوَ اسْتِمَاعُ الْمُتَحَاكِمِينَ مِنْ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يَأْتُوهُ؛ وَلَوْ كَانُوا بِمَنْزِلَةِ الْجَاسُوسِ لَمْ يَخُصَّ ذَلِكَ بِالسَّمَاعِ؛ بَلْ يَرَوْنَ وَيَسْمَعُونَ وَإِنْ كَانُوا قَدْ يَنْقُلُونَ إلَى شَيَاطِينِهِمْ مَا رَأَوْهُ وَسَمِعُوهُ؛ لَكِنَّ هَذَا مِنْ تَوَابِعِ كَوْنِهِمْ يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ وَيُوَالُونَهُمْ. يُبَيِّنُ ذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ: {لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ} أَيْ: لَأَسْرَعُوا بَيْنَكُمْ يَطْلُبُونَ الْفِتْنَةَ بَيْنَكُمْ ثُمَّ قَالَ: وَفِيكُمْ مُسْتَجِيبُونَ لَهُمْ إذَا أَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ؛ وَلَوْ كَانَ الْمَعْنَى وَفِيكُمْ مَنْ تَجَسَّسَ لَهُمْ: لَمْ يَكُنْ مُنَاسِبًا؛ وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ: أَنَّهُمْ إذَا أَوْضَعُوا بَيْنَكُمْ يَطْلُبُونَ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ مَنْ يَسْمَعُ مِنْهُمْ: حَصَلَ الشَّرُّ. وَأَمَّا الْجَسُّ فَلَمْ يَكُونُوا يَحْتَاجُونَ إلَيْهِ فَإِنَّهُمْ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَهُمْ يُوضَعُونَ خِلَالَهُمْ. مِمَّا يُبَيِّنُ ذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ: {سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ} فَذَكَرَ مَا يَدْخُلُ فِي آذَانِهِمْ وَقُلُوبِهِمْ مِنْ الْكَلَامِ وَمَا يَدْخُلُ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَبُطُونِهِمْ مِنْ الطَّعَامِ: غِذَاءِ الْجُسُومِ وَغِذَاءِ الْقُلُوبِ فَإِنَّهُمَا غِذَاءَانِ
(28/196)

خَبِيثَانِ: الْكَذِبُ وَالسُّحْتُ وَهَكَذَا مَنْ يَأْكُلُ السُّحْتَ مِنْ الْبِرْطِيلِ وَنَحْوِهِ: يَسْمَعُ الْكَذِبَ كَشَهَادَةِ الزُّورِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: {لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ} . فَلَمَّا كَانَ هَؤُلَاءِ: يَسْتَجِيبُونَ لِغَيْرِ الرَّسُولِ كَمَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُ إذَا وَافَقَ آرَاءَهُمْ وَأَهْوَاءَهُمْ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْحُكْمُ بَيْنَهُمْ فَإِنَّهُمْ مُتَخَيِّرُونَ بَيْنَ الْقَبُولِ مِنْهُ وَالْقَبُولِ مِمَّنْ يُخَالِفُهُ. فَكَانَ هُوَ مُتَخَيِّرًا فِي الْحُكْمِ بَيْنَهُمْ وَالْإِعْرَاضِ عَنْهُمْ. وَإِنَّمَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْحُكْمُ بَيْنَ مَنْ لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ.
وَإِذَا ظَهَرَ الْمَعْنَى تَبَيَّنَ فَصْلُ الْخِطَابِ فِي وُجُوبِ الْحُكْمِ بَيْنَ الْمُعَاهِدِينَ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ: كَالْمُسْتَأْمِنِ وَالْمُهَادِنِ وَالذِّمِّيِّ؛ فَإِنَّ فِيهِ نِزَاعًا مَشْهُورًا بَيْنَ الْعُلَمَاءِ. قِيلَ: لَيْسَ بِوَاجِبِ؛ لِلتَّخَيُّرِ. وَقِيلَ: بَلْ هُوَ وَاجِبٌ وَالتَّخْيِيرُ مَنْسُوخٌ بِقَوْلِهِ: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} . قَالَ الْأَوَّلُونَ: أَمَّا الْأَمْرُ هُنَا أَنْ يَحْكُمَ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ إذَا حَكَمَ: فَهُوَ أَمْرٌ بِصِفَةِ الْحُكْمِ؛ لَا بِأَصْلِهِ كَقَوْلِهِ: {وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ} وَقَوْلِهِ: {وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ} . وَهَذَا أَصْوَبُ؛ فَإِنَّ النَّسْخَ لَا يَكُونُ بِمُحْتَمَلِ. فَكَيْفَ بِمَرْجُوحِ. وَقِيلَ: يَجِبُ فِي مَظَالِمِ الْعِبَادِ؛ دُونَ غَيْرِهَا. وَالْخِلَافُ فِي ذَلِكَ مَشْهُورٌ فِي
(28/197)

مَذْهَبِ الْإِمَامِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ مِنْ الْأَئِمَّةِ. وَحَقِيقَةُ الْآيَةِ: إنْ كَانَ مُسْتَجِيبًا لِقَوْمِ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوهُ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْحُكْمُ بَيْنَهُمْ كَالْمُعَاهِدِ: مِنْ الْمُسْتَأْمَنِ وَغَيْرِهِ الَّذِي يَرْجِعُ إلَى أُمَرَائِهِ وَعُلَمَائِهِ فِي دَارَهِمَ وَكَالذِّمِّيِّ الَّذِي إنْ حَكَمَ لَهُ بِمَا يُوَافِقُ غَرَضَهُ وَإِلَّا رَجَعَ إلَى أَكَابِرِهِمْ وَعُلَمَائِهِمْ فَيَكُونُ مُتَخَيَّرًا بَيْنَ الطَّاعَةِ لِحُكْمِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَبَيْنَ الْإِعْرَاضِ عَنْهُ. وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَكُنْ إلَّا مُطِيعًا لِحُكْمِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ لَيْسَ عَنْهُ مَنْدُوحَةٌ كَالْمَظْلُومِ الَّذِي يَطْلُبُ نَصْرَهُ مِنْ ظَالِمِهِ وَلَيْسَ لَهُ مَنْ يَنْصُرُهُ مِنْ أَهْلِ دِينِهِ. فَهَذَا: لَيْسَ فِي الْآيَةِ تَخْيِيرٌ. وَإِذَا كَانَ عَقْدُ الذِّمَّةِ قَدْ أَوْجَبَ نَصْرَهُ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ فَنَصْرُهُ مِمَّنْ يَظْلِمُهُ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ أَوْلَى أَنْ يُوجِبَ ذَلِكَ. وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الْمُتَحَاكِمُ إلَى الْحَاكِمِ وَالْعَالِمِ: مِنْ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ يَتَخَيَّرُونَ بَيْنَ الْقَبُولِ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَبَيْنَ تَرْكِ ذَلِكَ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْحُكْمُ بَيْنَهُمْ. وَهَذَا مِنْ حُجَّةِ كَثِيرٍ مِنْ السَّلَفِ الَّذِينَ كَانُوا لَا يُحَدِّثُونَ الْمُعْلِنِينَ بِالْبِدَعِ بِأَحَادِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَمِنْ هَذَا الْبَابِ: مَنْ لَا يَكُونُ قَصْدُهُ فِي اسْتِفْتَائِهِ وَحُكُومَتِهِ الْحَقَّ بَلْ غَرَضُهُ مَنْ يُوَافِقُهُ عَلَى هَوَاهُ كَائِنًا مَنْ كَانَ سَوَاءٌ كَانَ صَحِيحًا أَوْ بَاطِلًا. فَهَذَا سَمَاعٌ لِغَيْرِ مَا بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ؛ فَإِنَّ اللَّهَ إنَّمَا بَعَثَ رَسُولَهُ
(28/198)

بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ فَلَيْسَ عَلَى خُلَفَاءِ رَسُولِ اللَّهِ أَنْ يُفْتُوهُ وَيَحْكُمُوا لَهُ كَمَا لَيْسَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَحْكُمُوا بَيْنَ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ الْمُسْتَجِيبِينَ لِقَوْمِ آخَرِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ.
وَمِنْ جِنْسِ مُوَالَاةِ الْكُفَّارِ الَّتِي ذَمَّ اللَّهُ بِهَا أَهْلَ الْكِتَابِ وَالْمُنَافِقِينَ: الْإِيمَانُ بِبَعْضِ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ الْكُفْرِ أَوْ التَّحَاكُمُ إلَيْهِمْ دُونَ كِتَابِ اللَّهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {أَلَمْ تَرَ إلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا} وَقَدْ عُرِفَ أَنَّ سَبَبَ نُزُولِهَا شَأْنُ كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ - أَحَدِ رُؤَسَاءِ الْيَهُودِ - لَمَّا ذَهَبَ إلَى الْمُشْرِكِينَ وَرَجَّحَ دِينَهُمْ عَلَى دِينِ مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ. وَالْقِصَّةُ قَدْ ذَكَرْنَاهَا فِي " الصَّارِمِ الْمَسْلُولِ " لَمَّا ذَكَرْنَا قَوْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " مَنْ لِكَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ؟ فَإِنَّهُ قَدْ آذَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ ". وَنَظِيرُ هَذِهِ الْآيَةِ قَوْله تَعَالَى عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْكِتَابِ: {وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ} الْآيَةَ. فَأَخْبَرَ أَنَّهُمْ اتَّبَعُوا السِّحْرَ وَتَرَكُوا كِتَابَ اللَّهِ كَمَا يَفْعَلُهُ كَثِيرٌ مِنْ الْيَهُودِ وَبَعْضُ الْمُنْتَسِبِينَ إلَى الْإِسْلَامِ مِنْ اتِّبَاعِهِمْ كُتُبَ السَّحَرَةِ - أَعْدَاءِ إبْرَاهِيمَ وَمُوسَى - مِنْ الْمُتَفَلْسِفَةِ وَنَحْوِهِمْ
(28/199)

وَهُوَ كَإِيمَانِهِمْ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ؛ فَإِنَّ الطَّاغُوتَ هُوَ الطَّاغِي مِنْ الْأَعْيَانِ وَالْجِبْتُ: هُوَ مِنْ الْأَعْمَالِ وَالْأَقْوَالِ كَمَا قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: الْجِبْتُ السِّحْرُ وَالطَّاغُوتُ الشَّيْطَانُ. وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {الْعِيَافَةُ وَالطِّيَرَةُ وَالطَّرْقُ: مِنْ الْجِبْتِ} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَكَذَلِكَ مَا أَخْبَرَ عَنْ أَهْلِ الْكِتَابِ بِقَوْلِهِ: {قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ} أَيْ: وَمَنْ عَبَدَ الطَّاغُوتَ فَإِنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ كَانَ مِنْهُمْ مَنْ أَشْرَكَ وَعَبَدَ الطَّوَاغِيتَ. فَهُنَا ذَكَرَ عِبَادَتَهُمْ لِلطَّاغُوتِ وَفِي " الْبَقَرَةِ " ذَكَرَ اتِّبَاعَهُمْ لِلسِّحْرِ وَذَكَرَ فِي " النِّسَاءِ " إيمَانَهُمْ بِهِمَا جَمِيعًا: بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ. وَأَمَّا التَّحَاكُمُ إلَى غَيْرِ كِتَابِ اللَّهِ فَقَدْ قَالَ: {أَلَمْ تَرَ إلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا} {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا} . وَالطَّاغُوتُ فعلوت مِنْ الطُّغْيَانِ. كَمَا أَنَّ الْمَلَكُوتَ فعلوت مِنْ الْمُلْك. وَالرَّحَمُوتُ وَالرَّهَبُوتُ والرغبوت. فعلوت مِنْ الرَّحْمَةِ
(28/200)

وَالرَّهْبَةُ وَالرَّغْبَةُ. وَالطُّغْيَانُ: مُجَاوَزَةُ الْحَدِّ؛ وَهُوَ الظُّلْمُ وَالْبَغْيُ. فَالْمَعْبُودُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إذَا لَمْ يَكُنْ كَارِهًا لِذَلِكَ: طَاغُوتٌ؛ وَلِهَذَا سَمَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْأَصْنَامَ طَوَاغِيتَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ لَمَّا قَالَ: {وَيَتَّبِعُ مَنْ يَعْبُدُ الطَّوَاغِيتَ الطَّوَاغِيتَ} . وَالْمُطَاعُ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ وَالْمُطَاعُ فِي اتِّبَاعِ غَيْرِ الْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ - سَوَاءٌ كَانَ مَقْبُولًا خَبَرُهُ الْمُخَالِفُ لِكِتَابِ اللَّهِ أَوْ مُطَاعًا أَمْرُهُ الْمُخَالِفُ لِأَمْرِ اللَّهِ - هُوَ طَاغُوتٌ؛ وَلِهَذَا سُمِّيَ مَنْ تُحُوكِمَ إلَيْهِ مَنْ حَاكَمَ بِغَيْرِ كِتَابِ اللَّهِ طَاغُوتٌ وَسَمَّى اللَّهُ فِرْعَوْنَ وَعَادًا طُغَاةً وَقَالَ فِي صَيْحَةِ ثَمُودَ: {فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ} . فَمَنْ كَانَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ مُوَالِيًا لِلْكُفَّارِ: مِنْ الْمُشْرِكِينَ أَوْ أَهْلِ الْكِتَابِ بِبَعْضِ أَنْوَاعِ الْمُوَالَاةِ وَنَحْوِهَا: مِثْلَ إتْيَانِهِ أَهْلَ الْبَاطِلِ وَاتِّبَاعِهِمْ فِي شَيْءٍ مِنْ مَقَالِهِمْ وَفِعَالِهِمْ الْبَاطِلَ: كَانَ لَهُ مِنْ الذَّمِّ وَالْعِقَابِ وَالنِّفَاقِ بِحَسَبِ ذَلِكَ؛ وَذَلِكَ مِثْلُ مُتَابَعَتِهِمْ فِي آرَائِهِمْ وَأَعْمَالِهِمْ؛ كَنَحْوِ أَقْوَالِ الصَّابِئَةِ وَأَفْعَالِهِمْ مِنْ الْفَلَاسِفَةِ وَنَحْوِهِمْ الْمُخَالَفَةِ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ؛ وَنَحْوِ أَقْوَالِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَأَفْعَالِهِمْ الْمُخَالِفَةِ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ؛ وَنَحْوِ أَقْوَالِ الْمَجُوسِ وَالْمُشْرِكِينَ وَأَفْعَالِهِمْ الْمُخَالِفَةِ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. وَمَنْ تَوَلَّى أَمْوَاتَهُمْ أَوْ أَحْيَاءَهُمْ بِالْمَحَبَّةِ وَالتَّعْظِيمِ وَالْمُوَافَقَةِ فَهُوَ مِنْهُمْ؛ كَاَلَّذِينَ وَافَقُوا أَعْدَاءَ إبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ: مِنْ الْكَلْدَانِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ
(28/201)

مِنْ الْمُشْرِكِينَ عُبَّادِ الْكَوَاكِبِ أَهْلِ السِّحْرِ؛ وَاَلَّذِينَ وَافَقُوا أَعْدَاءَ مُوسَى مِنْ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ بِالسِّحْرِ. أَوْ ادَّعَى أَنَّهُ لَيْسَ ثَمَّ صَانِعٌ غَيْرَ الصَّنْعَةِ وَلَا خَالِقٌ غَيْرَ الْمَخْلُوقِ وَلَا فَوْقَ السَّمَاوَاتِ إلَهٌ كَمَا يَقُولُهُ الِاتِّحَادِيَّةُ وَغَيْرُهُمْ مِنْ الْجَهْمِيَّة. وَاَلَّذِينَ وَافَقُوا الصَّائِبَةَ وَالْفَلَاسِفَةَ فِيمَا كَانُوا يَقُولُونَهُ فِي الْخَالِقِ وَرُسُلِهِ: فِي أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَالْمَعَادِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَلَا رَيْبَ أَنَّ هَذِهِ الطَّوَائِفَ: وَإِنْ كَانَ كُفْرُهَا ظَاهِرًا فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ الدَّاخِلِينَ فِي الْإِسْلَامِ. حَتَّى مِنْ الْمَشْهُورِينَ بِالْعِلْمِ وَالْعِبَادَةِ وَالْإِمَارَةِ قَدْ دَخَلَ فِي كَثِيرٍ مِنْ كُفْرِهِمْ وَعِظَمِهِمْ وَيَرَى تَحْكِيمَ مَا قَرَّرُوهُ مِنْ الْقَوَاعِدِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَهَؤُلَاءِ كَثَرُوا فِي الْمُسْتَأْخِرِينَ وَلَبِسُوا الْحَقَّ - الَّذِي جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ - بِالْبَاطِلِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ أَعْدَاؤُهُمْ. وَاَللَّهُ تَعَالَى: يُحِبُّ تَمْيِيزَ الْخَبِيثِ مِنْ الطَّيِّبِ وَالْحَقِّ مِنْ الْبَاطِلِ. فَيُعْرَفُ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْأَصْنَافَ: مُنَافِقُونَ أَوْ فِيهِمْ نِفَاقٌ؛ وَإِنْ كَانُوا مَعَ الْمُسْلِمِينَ؛ فَإِنَّ كَوْنَ الرَّجُلِ مُسْلِمًا فِي الظَّاهِرِ لَا يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ مُنَافِقًا فِي الْبَاطِنِ؛ فَإِنَّ الْمُنَافِقِينَ كُلَّهُمْ مُسْلِمُونَ فِي الظَّاهِرِ وَالْقُرْآنُ قَدْ بَيَّنَ صِفَاتِهِمْ وَأَحْكَامَهُمْ. وَإِذَا كَانُوا مَوْجُودِينَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي عِزَّةِ الْإِسْلَامِ مَعَ ظُهُورِ أَعْلَامِ النُّبُوَّةِ وَنُورِ الرِّسَالَةِ: فَهُمْ مَعَ بُعْدِهِمْ عَنْهُمَا أَشَدُّ وُجُودًا لَا سِيَّمَا وَسَبَبُ النِّفَاقِ هُوَ سَبَبُ الْكُفْرِ وَهُوَ الْمُعَارِضُ لِمَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ.
(28/202)

وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
عَمَّنْ يَجِبُ أَوْ يَجُوزُ بُغْضُهُ أَوْ هَجْرُهُ أَوْ كِلَاهُمَا لِلَّهِ تَعَالَى؟ وَمَاذَا يُشْتَرَطُ عَلَى الَّذِي يُبْغِضُهُ أَوْ يَهْجُرُهُ لِلَّهِ تَعَالَى مِنْ الشُّرُوطِ؟ وَهَلْ يَدْخُلُ تَرْكُ السَّلَامِ فِي الْهِجْرَانِ أَمْ لَا؟ وَإِذَا بَدَأَ الْمَهْجُورُ الْهَاجِرَ بِالسَّلَامِ هَلْ يَجِبُ الرَّدُّ عَلَيْهِ أَمْ لَا؟ وَهَلْ يَسْتَمِرُّ الْبُغْضُ وَالْهِجْرَانُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ حَتَّى يَتَحَقَّقَ زَوَالُ الصِّفَةِ الْمَذْكُورَةِ الَّتِي أَبْغَضَهُ وَهَجَرَهُ عَلَيْهَا؟ أَمْ يَكُونُ لِذَلِكَ مُدَّةٌ مَعْلُومَةٌ؟ فَإِنْ كَانَ لَهَا مُدَّةٌ مَعْلُومَةٌ فَمَا حَدُّهَا؟ أَفْتُونَا مَأْجُورِينَ.
الْجَوَابُ
فَأَجَابَ: الْهَجْرُ الشَّرْعِيُّ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا بِمَعْنَى التَّرْكِ لِلْمُنْكَرَاتِ. وَالثَّانِي بِمَعْنَى الْعُقُوبَةِ عَلَيْهَا.
فَالْأَوَّلُ: هُوَ الْمَذْكُورُ فِي قَوْله تَعَالَى {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} . وقَوْله تَعَالَى {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا
(28/203)

وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إنَّكُمْ إذًا مِثْلُهُمْ} . فَهَذَا يُرَادُ بِهِ أَنَّهُ لَا يَشْهَدُ الْمُنْكَرَاتِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ مِثْلَ قَوْمٍ يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ يَجْلِسُ عِنْدَهُمْ. وَقَوْمٌ دُعُوا إلَى وَلِيمَةٍ فِيهَا خَمْرٌ وَزَمْرٌ لَا يُجِيبُ دَعْوَتَهُمْ وَأَمْثَالَ ذَلِكَ. بِخِلَافِ مَنْ حَضَرَ عِنْدَهُمْ لِلْإِنْكَارِ عَلَيْهِمْ أَوْ حَضَرَ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ. وَلِهَذَا يُقَالُ: حَاضِرُ الْمُنْكَرِ كَفَاعِلِهِ. وَفِي الْحَدِيثِ: {مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يَجْلِسْ عَلَى مَائِدَةٍ يُشْرَبُ عَلَيْهَا الْخَمْرُ} . وَهَذَا الْهَجْرُ مِنْ جِنْسِ هَجْرِ الْإِنْسَانِ نَفْسَهُ عَنْ فِعْلِ الْمُنْكَرَاتِ. كَمَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {الْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ} . وَمِنْ هَذَا الْبَابِ الْهِجْرَةُ مِنْ دَارِ الْكُفْرِ وَالْفُسُوقِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ وَالْإِيمَانِ. فَإِنَّهُ هَجْرٌ لِلْمَقَامِ بَيْنَ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ لَا يُمَكِّنُونَهُ مِنْ فِعْلِ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَمِنْ هَذَا قَوْله تَعَالَى {وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ} . النَّوْعُ الثَّانِي: الْهَجْرُ عَلَى وَجْهِ التَّأْدِيبِ وَهُوَ هَجْرُ مَنْ يُظْهِرُ الْمُنْكَرَاتِ يُهْجَرُ حَتَّى يَتُوبَ مِنْهَا كَمَا {هَجَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُسْلِمُونَ: الثَّلَاثَةَ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ تَوْبَتَهُمْ} حِينَ ظَهَرَ مِنْهُمْ تَرْكُ الْجِهَادِ الْمُتَعَيَّنِ عَلَيْهِمْ بِغَيْرِ عُذْرٍ وَلَمْ يَهْجُرْ مَنْ أَظْهَرَ الْخَيْرَ
(28/204)

وَإِنْ كَانَ مُنَافِقًا فَهُنَا الْهَجْرُ هُوَ بِمَنْزِلَةِ التَّعْزِيرِ. وَالتَّعْزِيرُ يَكُونُ لِمَنْ ظَهَرَ مِنْهُ تَرْكُ الْوَاجِبَاتِ وَفِعْلُ الْمُحَرَّمَاتِ كَتَارِكِ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالتَّظَاهُرِ بِالْمَظَالِمِ وَالْفَوَاحِشِ وَالدَّاعِي إلَى الْبِدَعِ الْمُخَالِفَةِ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ سَلَفِ الْأُمَّةِ الَّتِي ظَهَرَ أَنَّهَا بِدَعٌ. وَهَذَا حَقِيقَةُ قَوْلِ مَنْ قَالَ مِنْ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ: إنَّ الدُّعَاةَ إلَى الْبِدَعِ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ وَلَا يُصَلَّى خَلْفَهُمْ وَلَا يُؤْخَذُ عَنْهُمْ الْعِلْمُ وَلَا يُنَاكَحُونَ. فَهَذِهِ عُقُوبَةٌ لَهُمْ حَتَّى يَنْتَهُوا؛ وَلِهَذَا يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الدَّاعِيَةِ وَغَيْرِ الدَّاعِيَةِ؛ لِأَنَّ الدَّاعِيَةَ أَظْهَرَ الْمُنْكَرَاتِ فَاسْتَحَقَّ الْعُقُوبَةَ بِخِلَافِ الْكَاتِمِ فَإِنَّهُ لَيْسَ شَرًّا مِنْ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْبَلُ عَلَانِيَتَهُمْ وَيَكِلُ سَرَائِرَهُمْ إلَى اللَّهِ مَعَ عِلْمِهِ بِحَالِ كَثِيرٍ مِنْهُمْ. وَلِهَذَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: {أَنَّ الْمَعْصِيَةَ إذَا خَفِيَتْ لَمْ تَضُرَّ إلَّا صَاحِبَهَا وَلَكِنْ إذَا أُعْلِنَتْ فَلَمْ تُنْكَرْ ضَرَّتْ الْعَامَّةَ} وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: {إنَّ النَّاسَ إذَا رَأَوْا الْمُنْكَرَ فَلَمْ يُغَيِّرُوهُ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمْ اللَّهُ بِعِقَابِ مِنْهُ} . فَالْمُنْكَرَاتُ الظَّاهِرَةُ يَجِبُ إنْكَارُهَا؛ بِخِلَافِ الْبَاطِنَةِ فَإِنَّ عُقُوبَتَهَا عَلَى صَاحِبِهَا
(28/205)

خَاصَّةً. وَهَذَا الْهَجْرُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْهَاجِرِينَ فِي قُوَّتِهِمْ وَضَعْفِهِمْ وَقِلَّتِهِمْ وَكَثْرَتِهِمْ فَإِنَّ الْمَقْصُودَ بِهِ زَجْرُ الْمَهْجُورِ وَتَأْدِيبُهُ وَرُجُوعُ الْعَامَّةِ عَنْ مِثْلِ حَالِهِ. فَإِنْ كَانَتْ الْمَصْلَحَةُ فِي ذَلِكَ رَاجِحَةً بِحَيْثُ يُفْضِي هَجْرُهُ إلَى ضَعْفِ الشَّرِّ وَخِفْيَتِهِ كَانَ مَشْرُوعًا. وَإِنْ كَانَ لَا الْمَهْجُورُ وَلَا غَيْرُهُ يَرْتَدِعُ بِذَلِكَ بَلْ يُزِيدُ الشَّرَّ وَالْهَاجِرُ ضَعِيفٌ بِحَيْثُ يَكُونُ مَفْسَدَةُ ذَلِكَ رَاجِحَةً عَلَى مَصْلَحَتِهِ لَمْ يَشْرَعْ الْهَجْرُ؛ بَلْ يَكُونُ التَّأْلِيفُ لِبَعْضِ النَّاسِ أَنْفَعَ مِنْ الْهَجْرِ. وَالْهَجْرُ لِبَعْضِ النَّاسِ أَنْفَعُ مِنْ التَّأْلِيفِ؛ وَلِهَذَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَأَلَّفُ قَوْمًا وَيَهْجُرُ آخَرِينَ. كَمَا أَنَّ الثَّلَاثَةَ الَّذِينَ خُلِّفُوا كَانُوا خَيْرًا مِنْ أَكْثَرِ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ لَمَّا كَانَ أُولَئِكَ كَانُوا سَادَةً مُطَاعِينَ فِي عَشَائِرِهِمْ فَكَانَتْ الْمَصْلَحَةُ الدِّينِيَّةُ فِي تَأْلِيفِ قُلُوبِهِمْ وَهَؤُلَاءِ كَانُوا مُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنُونَ سِوَاهُمْ كَثِيرٌ فَكَانَ فِي هَجْرِهِمْ عِزُّ الدِّينِ وَتَطْهِيرُهُمْ مِنْ ذُنُوبِهِمْ وَهَذَا كَمَا أَنَّ الْمَشْرُوعَ فِي الْعَدُوِّ الْقِتَالُ تَارَةً وَالْمُهَادَنَةُ تَارَةً وَأَخْذُ الْجِزْيَةِ تَارَةً كُلُّ ذَلِكَ بِحَسَبِ الْأَحْوَالِ وَالْمَصَالِحِ. وَجَوَابُ الْأَئِمَّةِ كَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِ فِي هَذَا الْبَابِ مَبْنِيٌّ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ وَلِهَذَا كَانَ يُفَرِّقُ بَيْنَ الْأَمَاكِنِ الَّتِي كَثُرَتْ فِيهَا الْبِدَعُ كَمَا كَثُرَ الْقَدَرُ فِي الْبَصْرَةِ وَالتَّنْجِيمُ بِخُرَاسَانَ وَالتَّشَيُّعُ بِالْكُوفَةِ وَبَيَّنَ مَا لَيْسَ
(28/206)

كَذَلِكَ وَيُفَرِّقُ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ الْمُطَاعِينَ وَغَيْرِهِمْ وَإِذَا عَرَفَ مَقْصُودَ الشَّرِيعَةِ سَلَكَ فِي حُصُولِهِ أَوْصَلَ الطُّرُقِ إلَيْهِ. وَإِذَا عَرَفَ هَذَا فَالْهِجْرَةُ الشَّرْعِيَّةُ هِيَ مِنْ الْأَعْمَالِ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ بِهَا وَرَسُولُهُ. فَالطَّاعَةُ لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ خَالِصَةً لِلَّهِ وَأَنْ تَكُونَ مُوَافِقَةً لِأَمْرِهِ فَتَكُونُ خَالِصَةً لِلَّهِ صَوَابًا. فَمَنْ هَجَرَ لِهَوَى نَفْسِهِ أَوْ هَجَرَ هَجْرًا غَيْرَ مَأْمُورٍ بِهِ: كَانَ خَارِجًا عَنْ هَذَا. وَمَا أَكْثَرَ مَا تَفْعَلُ النُّفُوسُ مَا تَهْوَاهُ ظَانَّةً أَنَّهَا تَفْعَلُهُ طَاعَةً لِلَّهِ. وَالْهَجْرُ لِأَجْلِ حَظِّ الْإِنْسَانِ لَا يَجُوزُ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثٍ كَمَا جَاءَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: {لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمِ أَنَّ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثٍ؛ يَلْتَقِيَانِ فَيَصُدُّ هَذَا وَيَصُدُّ هَذَا وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ} فَلَمْ يُرَخِّصْ فِي هَذَا الْهَجْرِ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثٍ كَمَا لَمْ يُرَخِّصْ فِي إحْدَادِ غَيْرِ الزَّوْجَةِ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثٍ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: {تُفْتَحُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ كُلَّ اثْنَيْنِ وَخَمِيسٍ فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ لَا يُشْرِكُ بِاَللَّهِ شَيْئًا؛ إلَّا رَجُلًا كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ فَيُقَالُ: أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا} فَهَذَا الْهَجْرُ لِحَقِّ الْإِنْسَانِ حَرَامٌ وَإِنَّمَا رَخَّصَ فِي بَعْضِهِ كَمَا رَخَّصَ لِلزَّوْجِ أَنْ يَهْجُرَ امْرَأَتَهُ فِي الْمَضْجَعِ إذَا نَشَزَتْ. وَكَمَا رَخَّصَ فِي هَجْرِ الثَّلَاثِ. فَيَنْبَغِي أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ الْهَجْرِ لِحَقِّ اللَّهِ وَبَيْنَ الْهَجْرِ لِحَقِّ نَفْسِهِ.
(28/207)

فَالْأَوَّلُ مَأْمُورٌ بِهِ وَالثَّانِي مَنْهِيٌّ عَنْهُ؛ لِأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ إخْوَةٌ وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: {لَا تَقَاطَعُوا وَلَا تَدَابَرُوا وَلَا تَبَاغَضُوا وَلَا تَحَاسَدُوا وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إخْوَانًا الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ} وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي فِي السُّنَنِ: {أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَفْضَلَ مِنْ دَرَجَةِ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالصَّدَقَةِ وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ؟ قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: إصْلَاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ فَإِنَّ فَسَادَ ذَاتِ الْبَيْنِ هِيَ الْحَالِقَةُ لَا أَقُولُ تَحْلِقُ الشَّعْرَ وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ} . وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: {مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ كَمَثَلِ الْجَسَدِ الْوَاحِدِ إذْ اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالْحُمَّى وَالسَّهَرِ} .
وَهَذَا لِأَنَّ الْهَجْرَ مِنْ " بَابِ الْعُقُوبَاتِ الشَّرْعِيَّةِ " فَهُوَ مِنْ جِنْسِ الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. وَهَذَا يُفْعَلُ لِأَنْ تَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ. وَالْمُؤْمِنُ عَلَيْهِ أَنْ يُعَادِيَ فِي اللَّهِ وَيُوَالِيَ فِي اللَّهِ فَإِنْ كَانَ هُنَاكَ مُؤْمِنٌ فَعَلَيْهِ أَنْ يُوَالِيَهُ وَإِنْ ظَلَمَهُ؛ فَإِنَّ الظُّلْمَ لَا يَقْطَعُ الْمُوَالَاةَ الْإِيمَانِيَّةَ قَالَ تَعَالَى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} إنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ فَجَعَلَهُمْ إخْوَةً
(28/208)

مَعَ وُجُودِ الْقِتَالِ وَالْبَغْيِ وَالْأَمْرِ بِالْإِصْلَاحِ بَيْنَهُمْ. فَلْيَتَدَبَّرْ الْمُؤْمِنُ الْفَرْقَ بَيْنَ هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ فَمَا أَكْثَرَ مَا يَلْتَبِسُ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ وَلْيَعْلَمْ أَنَّ الْمُؤْمِنَ تَجِبُ مُوَالَاتُهُ وَإِنْ ظَلَمَك وَاعْتَدَى عَلَيْك وَالْكَافِرُ تَجِبُ مُعَادَاتُهُ وَإِنْ أَعْطَاك وَأَحْسَنَ إلَيْك؛ فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ بَعَثَ الرُّسُلَ وَأَنْزَلَ الْكُتُبَ لِيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَيَكُونُ الْحَبُّ لِأَوْلِيَائِهِ وَالْبُغْضُ لِأَعْدَائِهِ وَالْإِكْرَامُ لِأَوْلِيَائِهِ وَالْإِهَانَةُ لِأَعْدَائِهِ وَالثَّوَابُ لِأَوْلِيَائِهِ وَالْعِقَابُ لِأَعْدَائِهِ. وَإِذَا اجْتَمَعَ فِي الرَّجُلِ الْوَاحِدِ خَيْرٌ وَشَرٌّ وَفُجُورٌ وَطَاعَةٌ وَمَعْصِيَةٌ وَسُنَّةٌ وَبِدْعَةٌ: اسْتَحَقَّ مِنْ الْمُوَالَاةِ وَالثَّوَابِ بِقَدْرِ مَا فِيهِ مِنْ الْخَيْرِ وَاسْتَحَقَّ مِنْ الْمُعَادَاتِ وَالْعِقَابِ بِحَسَبِ مَا فِيهِ مِنْ الشَّرِّ فَيَجْتَمِعُ فِي الشَّخْصِ الْوَاحِدِ مُوجِبَاتُ الْإِكْرَامِ وَالْإِهَانَةِ فَيَجْتَمِعُ لَهُ مِنْ هَذَا وَهَذَا كَاللِّصِّ الْفَقِيرِ تُقْطَعُ يَدُهُ لِسَرِقَتِهِ وَيُعْطَى مِنْ بَيْتِ الْمَالِ مَا يَكْفِيهِ لِحَاجَتِهِ. هَذَا هُوَ الْأَصْلُ الَّذِي اتَّفَقَ عَلَيْهِ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ وَخَالَفَهُمْ الْخَوَارِجُ وَالْمُعْتَزِلَةُ وَمَنْ وَافَقَهُمْ عَلَيْهِ فَلَمْ يَجْعَلُوا النَّاسَ لَا مُسْتَحِقًّا لِلثَّوَابِ فَقَطْ وَلَا مُسْتَحِقًّا لِلْعِقَابِ فَقَطْ. وَأَهْلُ السُّنَّةِ يَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ يُعَذِّبُ بِالنَّارِ مِنْ أَهْلِ الْكَبَائِرِ مَنْ يُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُخْرِجُهُمْ مِنْهَا بِشَفَاعَةِ مَنْ يَأْذَنُ
(28/209)

لَهُ فِي الشَّفَاعَةِ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ كَمَا اسْتَفَاضَتْ بِذَلِكَ السُّنَّةُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ وَصَلِّ اللَّهُمَّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
وَقَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
فَصْلٌ:
فِي مَسَائِلِ إسْحَاقَ بْنِ مَنْصُورٍ - وَذَكَرَهُ الْخَلَّالُ فِي " كِتَابِ السُّنَّةِ " فِي بَابِ مُجَانَبَةِ مَنْ قَالَ: الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ - عَنْ إسْحَاقَ أَنَّهُ قَالَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: مَنْ قَالَ: الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ؟ قَالَ: أَلْحِقْ بِهِ كُلَّ بَلِيَّةٍ. قُلْت: فَيُظْهِرُ الْعَدَاوَةَ لَهُمْ أَمْ يُدَارِيهِمْ؟ قَالَ: أَهْلُ خُرَاسَانَ لَا يَقْوَوْنَ بِهِمْ. وَهَذَا الْجَوَابُ مِنْهُ مَعَ قَوْلِهِ فِي الْقَدَرِيَّةِ: لَوْ تَرَكْنَا الرِّوَايَةَ عَنْ الْقَدَرِيَّةِ لِتَرْكَنَاهَا عَنْ أَكْثَرِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَمَعَ مَا كَانَ يُعَامِلُهُمْ بِهِ فِي الْمِحْنَةِ: مِنْ الدَّفْعِ بِاَلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ وَمُخَاطَبَتِهِمْ بِالْحُجَجِ يُفَسِّرُ مَا فِي كَلَامِهِ وَأَفْعَالِهِ مِنْ هَجْرِهِمْ وَالنَّهْيِ عَنْ مُجَالَسَتِهِمْ وَمُكَالَمَتِهِمْ حَتَّى هَجَرَ فِي زَمَنٍ غَيْرٍ مَا أَعْيَانَ مِنْ الْأَكَابِرِ وَأَمَرَ بِهَجْرِهِمْ لِنَوْعِ مَا مِنْ التَّجَهُّمِ.
(28/210)

فَإِنَّ الْهِجْرَةَ نَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِ التَّعْزِيرِ وَالْعُقُوبَةُ نَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِ الْهِجْرَةِ الَّتِي هِيَ تَرْكُ السَّيِّئَاتِ. فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: {الْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ السَّيِّئَاتِ} وَقَالَ: {مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ} فَهَذَا هِجْرَةُ التَّقْوَى. وَفِي هِجْرَةِ التَّعْزِيرِ وَالْجِهَادِ: هِجْرَةُ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا وَأَمَرَ الْمُسْلِمِينَ بِهَجْرِهِمْ حَتَّى تِيبَ عَلَيْهِمْ. فَالْهِجْرَةُ تَارَةً تَكُونُ مِنْ نَوْعِ التَّقْوَى إذَا كَانَتْ هَجْرًا لِلسَّيِّئَاتِ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} {وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} فَبَيَّنَ سُبْحَانَهُ أَنَّ الْمُتَّقِينَ خِلَافُ الظَّالِمِينَ وَأَنَّ الْمَأْمُورِينَ بِهِجْرَانِ مَجَالِسِ الْخَوْضِ فِي آيَاتِ اللَّهِ هُمْ الْمُتَّقُونَ. وَتَارَةً تَكُونُ مِنْ نَوْعِ الْجِهَادِ وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ وَإِقَامَةِ الْحُدُودِ وَهُوَ عُقُوبَةُ مَنْ اعْتَدَى وَكَانَ ظَالِمًا. وَعُقُوبَةُ الظَّالِمِ وَتَعْزِيرُهُ مَشْرُوطٌ بِالْقُدْرَةِ؛ فَلِهَذَا اخْتَلَفَ حُكْمُ الشَّرْعِ فِي نَوْعَيْ الْهِجْرَتَيْنِ: بَيْنَ الْقَادِرِ وَالْعَاجِزِ وَبَيْنَ قِلَّةِ نَوْعِ الظَّالِمِ الْمُبْتَدِعِ وَكَثْرَتِهِ وَقُوَّتِهِ وَضَعْفِهِ كَمَا يَخْتَلِفُ الْحُكْمُ بِذَلِكَ فِي سَائِرِ أَنْوَاعِ الظُّلْمِ مِنْ الْكُفْرِ وَالْفُسُوقِ وَالْعِصْيَانِ. فَإِنَّ كُلَّمَا حَرَّمَهُ اللَّهُ فَهُوَ ظُلْمٌ؛ إمَّا فِي حَقِّ اللَّهِ فَقَطْ وَإِمَّا فِي حَقِّ عِبَادِهِ وَإِمَّا فِيهِمَا. وَمَا أَمَرَ بِهِ مِنْ هَجْرِ التُّرْكِ وَالِانْتِهَاءِ وَهَجْرِ الْعُقُوبَةِ وَالتَّعْزِيرِ إنَّمَا هُوَ إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَصْلَحَةٌ
(28/211)

دِينِيَّةٌ رَاجِحَةٌ عَلَى فِعْلِهِ وَإِلَّا فَإِذَا كَانَ فِي السَّيِّئَةِ حَسَنَةٌ رَاجِحَةٌ لَمْ تَكُنْ سَيِّئَةً وَإِذَا كَانَ فِي الْعُقُوبَةِ مَفْسَدَةٌ رَاجِحَةٌ عَلَى الْجَرِيمَةِ لَمْ تَكُنْ حَسَنَةً؛ بَلْ تَكُونُ سَيِّئَةً؛ وَإِنْ كَانَتْ مُكَافِئَةً لَمْ تَكُنْ حَسَنَةً وَلَا سَيِّئَةً فَالْهِجْرَانُ قَدْ يَكُونُ مَقْصُودُهُ تَرْكَ سَيِّئَةِ الْبِدْعَةِ الَّتِي هِيَ ظُلْمٌ وَذَنْبٌ وَإِثْمٌ وَفَسَادٌ وَقَدْ يَكُونُ مَقْصُودُهُ فِعْلَ حَسَنَةِ الْجِهَادِ وَالنَّهْيَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَعُقُوبَةَ الظَّالِمِينَ لِيَنْزَجِرُوا وَيَرْتَدِعُوا. وَلِيَقْوَى الْإِيمَانُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ عِنْدَ أَهْلِهِ. فَإِنَّ عُقُوبَةَ الظَّالِمِ تَمْنَعُ النُّفُوسَ عَنْ ظُلْمِهِ وَتَحُضُّهَا عَلَى فِعْلٍ ضِدِّ ظُلْمِهِ: مِنْ الْإِيمَانِ وَالسُّنَّةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. فَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِي هِجْرَانِهِ انْزِجَارُ أَحَدٍ وَلَا انْتِهَاءُ أَحَدٍ؛ بَلْ بُطْلَانُ كَثِيرٍ مِنْ الْحَسَنَاتِ الْمَأْمُورِ بِهَا لَمْ تَكُنْ هِجْرَةً مَأْمُورًا بِهَا كَمَا ذَكَرَهُ أَحْمَد عَنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ إذْ ذَاكَ: أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَقْوَوْنَ بالْجَهْمِيَّة. فَإِذَا عَجَزُوا عَنْ إظْهَارِ الْعَدَاوَةِ لَهُمْ سَقَطَ الْأَمْرُ بِفِعْلِ هَذِهِ الْحَسَنَةِ وَكَانَ مُدَارَاتُهُمْ فِيهِ دَفْعَ الضَّرَرِ عَنْ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ وَلَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ تَأْلِيفُ الْفَاجِرِ الْقَوِيِّ. وَكَذَلِكَ لَمَّا كَثُرَ الْقَدَرُ فِي أَهْلِ الْبَصْرَةِ فَلَوْ تُرِكَ رِوَايَةُ الْحَدِيثِ عَنْهُمْ لَا نَدْرُسُ الْعِلْمَ وَالسُّنَنَ وَالْآثَارَ الْمَحْفُوظَةَ فِيهِمْ. فَإِذَا تَعَذَّرَ إقَامَةُ الْوَاجِبَاتِ مِنْ الْعِلْمِ وَالْجِهَادِ وَغَيْرِ ذَلِكَ إلَّا بِمَنْ فِيهِ بِدْعَةٌ مَضَرَّتُهَا دُونَ مَضَرَّةِ تَرْكِ ذَلِكَ الْوَاجِبِ: كَانَ تَحْصِيلُ مَصْلَحَةِ الْوَاجِبِ مَعَ مَفْسَدَةٍ مَرْجُوحَةٍ مَعَهُ خَيْرًا مِنْ الْعَكْسِ. وَلِهَذَا كَانَ الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ فِيهِ تَفْصِيلٌ.
(28/212)

وَكَثِيرٌ مِنْ أَجْوِبَةِ الْإِمَامِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ مِنْ الْأَئِمَّةِ خَرَجَ عَلَى سُؤَالِ سَائِلٍ قَدْ عَلِمَ الْمَسْئُولَ حَالَهُ أَوْ خَرَجَ خِطَابًا لِمُعَيَّنِ قَدْ عَلِمَ حَالَهُ فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ قَضَايَا الْأَعْيَانِ الصَّادِرَةِ عَنْ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّمَا يَثْبُتُ حُكْمُهَا فِي نَظِيرِهَا. فَإِنَّ أَقْوَامًا جَعَلُوا ذَلِكَ عَامًّا فَاسْتَعْمَلُوا مِنْ الْهَجْرِ وَالْإِنْكَارِ مَا لَمْ يُؤْمَرُوا بِهِ فَلَا يَجِبُ وَلَا يُسْتَحَبُّ وَرُبَّمَا تَرَكُوا بِهِ وَاجِبَاتٍ أَوْ مُسْتَحَبَّاتٍ وَفَعَلُوا بِهِ مُحَرَّمَاتٍ. وَآخَرُونَ أَعْرَضُوا عَنْ ذَلِكَ بِالْكُلِّيَّةِ فَلَمْ يَهْجُرُوا مَا أُمِرُوا بِهَجْرِهِ مِنْ السَّيِّئَاتِ الْبِدْعِيَّةِ؛ بَلْ تَرَكُوهَا تَرْكَ الْمُعْرِضِ؛ لَا تَرْكَ الْمُنْتَهِي الْكَارِهِ أَوْ وَقَعُوا فِيهَا وَقَدْ يَتْرُكُونَهَا تَرْكَ الْمُنْتَهِي الْكَارِهِ وَلَا يَنْهَوْنَ عَنْهَا غَيْرَهُمْ وَلَا يُعَاقِبُونَ بِالْهِجْرَةِ وَنَحْوِهَا مَنْ يَسْتَحِقُّ الْعُقُوبَةَ عَلَيْهَا فَيَكُونُونَ قَدْ ضَيَّعُوا مِنْ النَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ مَا أُمِرُوا بِهِ إيجَابًا أَوْ اسْتِحْبَابًا فَهُمْ بَيْنَ فِعْلِ الْمُنْكَرِ أَوْ تَرْكِ النَّهْيِ عَنْهُ وَذَلِكَ فِعْلُ مَا نُهُوا عَنْهُ وَتَرْكُ مَا أُمِرُوا بِهِ. فَهَذَا هَذَا. وَدِينُ اللَّهِ وَسَطٌ بَيْنَ الْغَالِي فِيهِ وَالْجَافِي عَنْهُ. وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
(28/213)

وَسُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ:
عَنْ مُسْلِمٍ بَدَرَتْ مِنْهُ مَعْصِيَةٌ فِي حَالِ صِبَاهُ تُوجِبُ مُهَاجَرَتَهُ وَمُجَانَبَتَهُ. فَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ: يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَيَصْفَحُ عَنْهُ وَيَتَجَاوَزُ عَنْ كُلِّ مَا كَانَ مِنْهُ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى: لَا تَجُوزُ أُخُوَّتُهُ وَلَا مُصَاحَبَتُهُ. فَأَيُّ الطَّائِفَتَيْنِ أَحَقُّ بِالْحَقِّ؟
فَأَجَابَ:
لَا رَيْبَ أَنَّ مَنْ تَابَ إلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ} وَقَالَ تَعَالَى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا} أَيْ لِمَنْ تَابَ. وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ وَتَابَ الرَّجُلُ فَإِنْ عَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا سَنَةً مِنْ الزَّمَانِ وَلَمْ يَنْقُضْ التَّوْبَةَ فَإِنَّهُ يُقْبَلُ مِنْهُ ذَلِكَ وَيُجَالَسُ وَيُكَلَّمُ. وَأَمَّا إذَا تَابَ وَلَمْ تَمْضِ عَلَيْهِ سَنَةٌ فَلِلْعُلَمَاءِ فِيهِ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ. مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: فِي الْحَالِ يُجَالَسُ وَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: لَا بُدَّ مِنْ مُضِيِّ سَنَةٍ كَمَا فَعَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ بِصَبِيغِ بْنِ عِسْلٍ. وَهَذِهِ مِنْ
(28/214)

مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ. فَمَنْ رَأَى أَنْ تُقْبَلَ تَوْبَةُ هَذَا التَّائِبِ وَيُجَالَسُ فِي الْحَالِ قَبْلَ اخْتِبَارِهِ: فَقَدْ أَخَذَ بِقَوْلِ سَائِغٍ. وَمَنْ رَأَى أَنَّهُ يُؤَخَّرُ مُدَّةً حَتَّى يَعْمَلَ صَالِحًا وَيُظْهِرُ صِدْقَ تَوْبَتِهِ فَقَدْ أَخَذَ بِقَوْلِ سَائِغٍ. وَكِلَا الْقَوْلَيْنِ لَيْسَ مِنْ الْمُنْكَرَاتِ.
وَقَالَ الشَّيْخُ:
نَهَى اللَّهُ عَنْ إشَاعَةِ الْفَاحِشَةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {إنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ} وَكَذَلِكَ أَمَرَ بِسَتْرِ الْفَوَاحِشِ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {مَنْ اُبْتُلِيَ بِشَيْءِ مِنْ هَذِهِ الْقَاذُورَاتِ فَلْيَسْتَتِرْ بِسِتْرِ اللَّهِ؛ فَإِنَّهُ مَنْ يُبْدِ لَنَا صَفْحَتَهُ نُقِمْ عَلَيْهِ الْكِتَابَ} . وَقَالَ: {كُلُّ أُمَّتِي مُعَافًى إلَّا الْمُجَاهِرِينَ؛ وَالْمُجَاهِرَةَ أَنْ يَبِيتَ الرَّجُلُ عَلَى الذَّنْبِ قَدْ سَتَرَهُ اللَّهُ فَيُصْبِحُ يَتَحَدَّثُ بِهِ} فَمَا دَامَ الذَّنْبُ مَسْتُورًا فَمُصِيبَتُهُ عَلَى صَاحِبِهِ خَاصَّةً فَإِذَا أَظْهَرَ وَلَمْ يُنْكَرْ كَانَ ضَرَرُهُ عَامًّا فَكَيْفَ إذَا كَانَ فِي ظُهُورِهِ تَحْرِيكُ غَيْرِهِ إلَيْهِ وَلِهَذَا أَنْكَرَ الْإِمَامُ أَحْمَد وَغَيْرُهُ أَشْكَالَ الشِّعْرِ الْغَزَلِيِّ الرَّقِيقِ؛ لِئَلَّا تَتَحَرَّكُ النُّفُوسُ إلَى الْفَوَاحِشِ فَلِهَذَا أَمَرَ مَنْ اُبْتُلِيَ بِالْعِشْقِ أَنْ يَعِفَّ وَيَكْتُمَ فَيَكُونُ حِينَئِذٍ مِمَّنْ قَالَ اللَّهُ فِيهِ: {إنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(28/215)

وَقَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
وَأَمَّا تَارِكُ الصَّلَاةِ وَنَحْوُهُ مِنْ الْمُظْهِرِينَ لِبِدْعَةِ أَوْ فُجُورٍ فَحُكْمُ الْمُسْلِمِ يَتَنَوَّعُ كَمَا تَنَوَّعَ الْحُكْمُ فِي حَقِّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَقِّ مَكَّةَ وَفِي الْمَدِينَةِ. فَلَيْسَ حُكْمُ الْقَادِرِ عَلَى تَعْزِيرِهِمْ بِالْهِجْرَةِ حُكْمَ الْعَاجِزِ وَلَا هِجْرَةُ مَنْ لَا يَحْتَاجُ إلَى مُجَالَسَتِهِمْ كَهِجْرَةِ الْمُحْتَاجِ. وَالْأَصْلُ أَنَّ هِجْرَةَ الْفُجَّارِ نَوْعَانِ: هِجْرَةُ تَرْكٍ وَهِجْرَةُ تَعْزِيرٍ. أَمَّا الْأُولَى فَقَدْ دَلَّ عَلَيْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا} وَقَوْلُهُ: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ} . وَمِنْ هَذَا الْبَابِ هِجْرَةُ الْمُسْلِمِ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ. فَالْمَقْصُودُ بِهَذَا أَنْ يَهْجُرَ الْمُسْلِمُ السَّيِّئَاتِ وَيَهْجُرَ قُرَنَاءَ السُّوءِ الَّذِينَ تَضُرُّهُ صُحْبَتُهُمْ إلَّا لِحَاجَةِ أَوْ مَصْلَحَةٍ رَاجِحَةٍ. وَأَمَّا " هَجْرُ التَّعْزِيرِ " فَمِثْلُ {هَجْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا} وَهَجْرِ عُمَرَ وَالْمُسْلِمِينَ لِصَبِيغِ فَهَذَا مِنْ نَوْعِ الْعُقُوبَاتِ. فَإِذَا كَانَ يَحْصُلُ
(28/216)

بِهَذَا الْهَجْرِ حُصُولٌ مَعْرُوفٌ أَوْ انْدِفَاعٌ مُنْكَرٌ فَهِيَ مَشْرُوعَةٌ. وَإِنْ كَانَ يَحْصُلُ بِهَا مِنْ الْفَسَادِ مَا يَزِيدُ عَلَى فَسَادِ الذَّنْبِ فَلَيْسَتْ مَشْرُوعَةً. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسُئِلَ:
عَنْ شَارِبِ الْخَمْرِ هَلْ يُسَلَّمُ عَلَيْهِ؟ وَهَلْ إذَا سَلَّمَ رُدَّ عَلَيْهِ؟ وَهَلْ تُشَيَّعُ جِنَازَتُهُ؟ وَهَلْ يَكْفُرُ إذَا شَكَّ فِي تَحْرِيمِهَا؟ .
فَأَجَابَ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ، مَنْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ الْمُنْكَرَاتِ كَالْفَوَاحِشِ وَالْخَمْرِ وَالْعُدْوَانِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَجِبُ الْإِنْكَارُ عَلَيْهِ بِحَسَبِ الْقُدْرَةِ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ} فَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ مُتَسَتِّرًا بِذَلِكَ؛ وَلَيْسَ مُعْلِنًا لَهُ أُنْكِرَ عَلَيْهِ سِرًّا وَسُتِرَ عَلَيْهِ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {مَنْ سَتَرَ عَبْدًا سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ} إلَّا أَنْ يَتَعَدَّى ضَرَرُهُ وَالْمُتَعَدِّي لَا بُدَّ مِنْ كَفِّ عُدْوَانِهِ وَإِذَا نَهَاهُ الْمَرْءُ سِرًّا فَلَمْ يَنْتَهِ فَعَلَ مَا يَنْكَفُّ بِهِ مِنْ هَجْرٍ وَغَيْرِهِ إذَا كَانَ ذَلِكَ أَنْفَعَ فِي الدِّينِ. وَأَمَّا إذَا أَظْهَرَ الرَّجُلُ الْمُنْكَرَاتِ وَجَبَ الْإِنْكَارُ عَلَيْهِ عَلَانِيَةً وَلَمْ
(28/217)

يَبْقَ لَهُ غَيْبَةٌ وَوَجَبَ أَنْ يُعَاقَبَ عَلَانِيَةً بِمَا يُرْدِعُهُ عَنْ ذَلِكَ مِنْ هَجْرٍ وَغَيْرِهِ فَلَا يُسَلَّمُ عَلَيْهِ وَلَا يُرَدُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ إذَا كَانَ الْفَاعِلُ لِذَلِكَ مُتَمَكِّنًا مِنْ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ مَفْسَدَةٍ رَاجِحَةٍ. وَيَنْبَغِي لِأَهْلِ الْخَيْرِ وَالدِّينِ أَنْ يَهْجُرُوهُ مَيِّتًا كَمَا هَجَرُوهُ حَيًّا إذَا كَانَ فِي ذَلِكَ كَفٌّ لِأَمْثَالِهِ مِنْ الْمُجْرِمِينَ فَيَتْرُكُونَ تَشْيِيعَ جِنَازَتِهِ كَمَا {تَرَكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّلَاةَ عَلَى غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْجَرَائِمِ} وَكَمَا قِيلَ لسمرة بْنِ جُنْدُبٍ: إنَّ ابْنَك مَاتَ (1) الْبَارِحَةَ. فَقَالَ: لَوْ مَاتَ لَمْ أُصَلِّ عَلَيْهِ: يَعْنِي لِأَنَّهُ أَعَانَ عَلَى قَتْلِ نَفْسِهِ فَيَكُونُ كَقَاتِلِ نَفْسِهِ. وَقَدْ {تَرَكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّلَاةَ عَلَى قَاتِلِ نَفْسِهِ} . وَكَذَلِكَ هَجَرَ الصَّحَابَةُ الثَّلَاثَةَ الَّذِينَ ظَهَرَ ذَنْبُهُمْ فِي تَرْكِ الْجِهَادِ الْوَاجِبِ حَتَّى تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ. فَإِذَا أَظْهَرَ التَّوْبَةَ أُظْهِرَ لَهُ الْخَيْرُ. وَأَمَّا مَنْ أَنْكَرَ تَحْرِيمَ شَيْءٍ مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ الْمُتَوَاتِرَةِ كَالْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَالْفَوَاحِشِ أَوْ شَكَّ فِي تَحْرِيمِهِ فَإِنَّهُ يُسْتَتَابُ وَيُعَرَّفُ التَّحْرِيمَ فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ وَكَانَ مُرْتَدًّا عَنْ دِينِ الْإِسْلَامِ وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ وَلَمْ يُدْفَنْ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ.
__________

[تعليق مُعِدّ الكتاب للشاملة]
(1) كذا في المطبوعة، والصحيح " بشم " أي: أصابته تخمة حتى كاد يموت.
(28/218)

وَسُئِلَ:
عَنْ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {لَا غِيبَةَ لِفَاسِقِ} وَمَا حَدُّ الْفِسْقِ؟ وَرَجُلٌ شَاجَرَ رَجُلَيْنِ: أَحَدُهُمَا شَارِبُ خَمْرٍ أَوْ جَلِيسٌ فِي الشُّرْبِ أَوْ آكِلُ حَرَامٍ أَوْ حَاضِرُ الرَّقْصِ أَوْ السَّمَاعِ لِلدُّفِّ أَوْ الشَّبَّابَةِ: فَهَلْ عَلَى مَنْ لَمْ يُسَلِّمْ عَلَيْهِ إثْمٌ؟ .
فَأَجَابَ:
أَمَّا الْحَدِيثُ فَلَيْسَ هُوَ مِنْ كَلَامِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَكِنَّهُ مَأْثُورٌ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: أَتَرْغَبُونَ عَنْ ذِكْرِ الْفَاجِرِ؟ اُذْكُرُوا بِمَا فِيهِ يَحْذَرْهُ النَّاسُ. وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ: {مَنْ أَلْقَى جِلْبَابَ الْحَيَاءِ فَلَا غِيبَةَ لَهُ} . وَهَذَانِ النَّوْعَانِ يَجُوزُ فِيهِمَا الْغِيبَةُ بِلَا نِزَاعٍ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ مُظْهِرًا لِلْفُجُورِ مِثْلَ الظُّلْمِ وَالْفَوَاحِشِ وَالْبِدَعَ الْمُخَالِفَةِ لِلسُّنَّةِ فَإِذَا أَظْهَرَ الْمُنْكَرَ وَجَبَ الْإِنْكَارُ عَلَيْهِ بِحَسَبِ الْقُدْرَةِ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ} رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَفِي الْمُسْنَدِ وَالسُّنَنِ عَنْ {أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: أَيُّهَا
(28/219)

النَّاسُ إنَّكُمْ تَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ وَتَقْرَءُونَ هَذِهِ الْآيَةَ وَتَضَعُونَهَا عَلَى غَيْرِ مَوَاضِعِهَا {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إذَا اهْتَدَيْتُمْ} وَإِنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: إنَّ النَّاسَ إذَا رَأَوْا الْمُنْكَرَ وَلَمْ يُغَيِّرُوهُ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمْ اللَّهُ بِعِقَابِ مِنْهُ} فَمَنْ أَظْهَرَ الْمُنْكَرَ وَجَبَ عَلَيْهِ الْإِنْكَارُ وَأَنْ يُهْجَرَ وَيُذَمَّ عَلَى ذَلِكَ. فَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِمْ: مَنْ أَلْقَى جِلْبَابَ الْحَيَاءِ فَلَا غِيبَةَ لَهُ. بِخِلَافِ مَنْ كَانَ مُسْتَتِرًا بِذَنْبِهِ مُسْتَخْفِيًا فَإِنَّ هَذَا يُسْتَرُ عَلَيْهِ؛ لَكِنْ يُنْصَحُ سِرًّا وَيَهْجُرُهُ مَنْ عَرَفَ حَالَهُ حَتَّى يَتُوبَ وَيَذْكُرُ أَمْرَهُ عَلَى وَجْهِ النَّصِيحَةِ. النَّوْعُ الثَّانِي: أَنْ يُسْتَشَارَ الرَّجُلُ فِي مُنَاكَحَتِهِ وَمُعَامَلَتِهِ أَوْ اسْتِشْهَادِهِ وَيَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَصْلُحُ لِذَلِكَ؛ فَيَنْصَحُهُ مُسْتَشَارُهُ بِبَيَانِ حَالِهِ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ {أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ لَهُ فَاطِمَةُ بِنْتُ قَيْسٍ: قَدْ خَطَبَنِي أَبُو جَهْمٍ وَمُعَاوِيَةُ فَقَالَ لَهَا: أَمَّا أَبُو جَهْمٍ فَرَجُلٌ ضَرَّابٌ لِلنِّسَاءِ وَأَمَّا مُعَاوِيَةُ فَصُعْلُوكٌ لَا مَالَ لَهُ} فَبَيَّنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَالَ الْخَاطِبَيْنِ لِلْمَرْأَةِ. فَهَذَا حُجَّةٌ لِقَوْلِ الْحَسَنِ: أَتَرْغَبُونَ عَنْ ذِكْرِ الْفَاجِرِ اُذْكُرُوهُ بِمَا فِيهِ يَحْذَرْهُ النَّاسُ فَإِنَّ النُّصْحَ فِي الدِّينِ أَعْظَمُ مِنْ النُّصْحِ فِي الدُّنْيَا فَإِذَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَصَحَ الْمَرْأَةَ فِي دُنْيَاهَا فَالنَّصِيحَةُ فِي الدِّينِ أَعْظَمُ. وَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ يَتْرُكُ الصَّلَوَاتِ وَيَرْتَكِبُ الْمُنْكَرَاتِ وَقَدْ عَاشَرَهُ
(28/220)

مَنْ يَخَافُ أَنْ يُفْسِدَ دِينَهُ: بَيَّنَ أَمْرَهُ لَهُ لِتُتَّقَى مُعَاشَرَتُهُ. وَإِذَا كَانَ مُبْتَدِعًا يَدْعُو إلَى عَقَائِدَ تُخَالِفُ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ أَوْ يَسْلُكُ طَرِيقًا يُخَالِفُ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَيُخَافُ أَنْ يُضِلَّ الرَّجُلُ النَّاسَ بِذَلِكَ: بَيَّنَ أَمْرَهُ لِلنَّاسِ لِيَتَّقُوا ضَلَالَهُ وَيَعْلَمُوا حَالَهُ. وَهَذَا كُلُّهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ عَلَى وَجْهِ النُّصْحِ وَابْتِغَاءِ وَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى لَا لِهَوَى الشَّخْصِ مَعَ الْإِنْسَانِ: مِثْلَ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا عَدَاوَةٌ دُنْيَوِيَّةٌ أَوْ تَحَاسُدٌ أَوْ تَبَاغُضٌ أَوْ تَنَازُعٌ عَلَى الرِّئَاسَةِ فَيَتَكَلَّمُ بِمَسَاوِئِهِ مُظْهِرًا لِلنُّصْحِ وَقَصْدُهُ فِي الْبَاطِنِ الْغَضُّ مِنْ الشَّخْصِ وَاسْتِيفَاؤُهُ مِنْهُ فَهَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ وَ {إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى} بَلْ يَكُونُ النَّاصِحُ قَصْدُهُ أَنَّ اللَّهَ يُصْلِحُ ذَلِكَ الشَّخْصَ وَأَنْ يَكْفِيَ الْمُسْلِمِينَ ضَرَرَهُ فِي دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ وَيَسْلُكُ فِي هَذَا الْمَقْصُودِ أَيْسَرَ الطُّرُقِ الَّتِي تُمَكِّنُهُ. وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدِ أَنْ يَحْضُرَ مَجَالِسَ الْمُنْكَرِ بِاخْتِيَارِهِ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ كَمَا فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ قَالَ: {مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يَجْلِسْ عَلَى مَائِدَةٍ يُشْرَبُ عَلَيْهَا الْخَمْرُ} وَرُفِعَ لِعُمَرِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَوْمٌ يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ فَأَمَرَ بِجَلْدِهِمْ فَقِيلَ لَهُ: إنَّ فِيهِمْ صَائِمًا. فَقَالَ: ابْدَءُوا بِهِ أَمَا سَمِعْتُمْ اللَّهَ يَقُولُ: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إنَّكُمْ إذًا مِثْلُهُمْ} ؟ بَيَّنَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ اللَّهَ جَعَلَ حَاضِرَ
(28/221)

الْمُنْكَرِ كَفَاعِلِهِ وَلِهَذَا قَالَ الْعُلَمَاءُ: إذَا دُعِيَ إلَى وَلِيمَةٍ فِيهَا مُنْكَرٌ كَالْخَمْرِ وَالزَّمْرِ لَمْ يَجُزْ حُضُورُهَا وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَمَرَنَا بِإِنْكَارِ الْمُنْكَرِ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ فَمَنْ حَضَرَ بِاخْتِيَارِهِ وَلَمْ يُنْكِرْهُ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ بِتَرْكِ مَا أَمَرَهُ بِهِ مِنْ بُغْضِ إنْكَارِهِ وَالنَّهْيِ عَنْهُ. وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَهَذَا الَّذِي يَحْضُرُ مَجَالِسَ الْخَمْرِ بِاخْتِيَارِهِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ وَلَا يُنْكِرُ الْمُنْكَرَ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ هُوَ شَرِيكُ الْفُسَّاقِ فِي فِسْقِهِمْ فَيَلْحَقُ بِهِمْ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
عَنْ الْغِيبَةِ هَلْ تَجُوزُ عَلَى أُنَاسٍ مُعَيَّنِينَ أَوْ يُعَيَّنُ شَخْصٌ بِعَيْنِهِ؟ وَمَا حُكْمُ ذَلِكَ؟ أَفْتُونَا بِجَوَابِ بَسِيطٍ؛ لِيَعْلَمَ ذَلِكَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَيَسْتَمِدُّ كُلُّ وَاحِدٍ بِحَسَبِ قُوَّتِهِ بِالْعِلْمِ وَالْحُكْمِ.
فَأَجَابَ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، أَصْلُ الْكَلَامِ فِي هَذَا أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ الْغِيبَةَ هِيَ كَمَا فَسَّرَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ لَمَّا {سُئِلَ عَنْ الْغِيبَةِ فَقَالَ: هِيَ ذِكْرُك أَخَاك بِمَا يَكْرَهُ قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْت إنْ كَانَ فِي أَخِي مَا أَقُولُ؟ قَالَ: إنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدْ اغْتَبْته وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدْ بَهَتّه} . بَيَّنَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْفَرْقَ بَيْنَ الْغِيبَةِ وَالْبُهْتَانِ وَأَنَّ الْكَذِبَ
(28/222)

عَلَيْهِ بَهْتٌ لَهُ كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ: {وَلَوْلَا إذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ} وَقَالَ تَعَالَى: {وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ} وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: {أَنَّ الْيَهُودَ قَوْمٌ بُهُتٌ} . فَالْكَذِبُ عَلَى الشَّخْصِ حَرَامٌ كُلُّهُ سَوَاءٌ كَانَ الرَّجُلُ مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا بَرًّا أَوْ فَاجِرًا لَكِنَّ الِافْتِرَاءَ عَلَى الْمُؤْمِنِ أَشَدُّ؛ بَلْ الْكَذِبُ كُلُّهُ حَرَامٌ. وَلَكِنْ تُبَاحُ عِنْدَ الْحَاجَةِ الشَّرْعِيَّةِ " الْمَعَارِيضِ " وَقَدْ تُسَمَّى كَذِبًا؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ يَعْنِي بِهِ الْمُتَكَلِّمُ مَعْنًى وَذَلِكَ الْمَعْنَى يُرِيدُ أَنْ يَفْهَمُهُ الْمُخَاطِبُ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى مَا يَعْنِيهِ فَهُوَ الْكَذِبُ الْمَحْضُ وَإِنْ كَانَ عَلَى مَا يَعْنِيهِ وَلَكِنْ لَيْسَ عَلَى مَا يَفْهَمُهُ الْمُخَاطَبُ فَهَذِهِ الْمَعَارِيضُ وَهِيَ كَذِبٌ بِاعْتِبَارِ الْأَفْهَامِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ كَذِبًا بِاعْتِبَارِ الْغَايَةِ السَّائِغَةِ. وَمِنْهُ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {لَمْ يَكْذِبْ إبْرَاهِيمُ إلَّا ثَلَاثَ كِذْبَاتٍ كُلُّهُنَّ فِي ذَاتِ اللَّهِ: قَوْلُهُ لِسَارَّةَ: أُخْتِي وَقَوْلُهُ: {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا} وَقَوْلُهُ {إنِّي سَقِيمٌ} } وَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ مَعَارِيضُ. وَبِهَا احْتَجَّ الْعُلَمَاءُ عَلَى جَوَازِ التَّعْرِيضِ لِلْمَظْلُومِ وَهُوَ أَنْ يَعْنِيَ بِكَلَامِهِ مَا يَحْتَمِلُهُ اللَّفْظُ وَإِنْ لَمْ يَفْهَمْهُ الْمُخَاطَبُ؛ وَلِهَذَا قَالَ مَنْ قَالَ مِنْ
(28/223)

الْعُلَمَاءِ: إنَّ مَا رَخَّصَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّمَا هُوَ مِنْ هَذَا كَمَا فِي حَدِيثِ أُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ عُقْبَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: {لَيْسَ الْكَاذِبُ بِاَلَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ فَيَقُولُ خَيْرًا أَوْ ينوي خَيْرًا} . وَلَمْ يُرَخِّصْ فِيمَا يَقُولُ النَّاسُ: إنَّهُ كَذِبٌ؛ إلَّا فِي ثَلَاثٍ: فِي الْإِصْلَاحِ بَيْنَ النَّاسِ وَفِي الْحَرْبِ؛ وَفِي الرَّجُلِ يُحَدِّثُ امْرَأَتَهُ. قَالَ: فَهَذَا كُلُّهُ مِنْ الْمَعَارِيضِ خَاصَّةً. وَلِهَذَا نَفَى عَنْهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْمَ الْكَذِبِ بِاعْتِبَارِ الْقَصْدِ وَالْغَايَةِ كَمَا ثَبَتَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: {الْحَرْبُ خُدْعَةٌ} وَأَنَّهُ كَانَ إذَا أَرَادَ غَزْوَةً وَرَى بِغَيْرِهَا. وَمِنْ هَذَا الْبَابِ قَوْلُ الصِّدِّيقِ فِي سَفَرِ الْهِجْرَةِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا الرَّجُلُ يَهْدِينِي السَّبِيلَ. {وَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْكَافِرِ السَّائِلِ لَهُ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ: نَحْنُ مِنْ مَاءٍ} وَقَوْلُهُ لِلرَّجُلِ الَّذِي حَلَفَ عَلَى الْمُسْلِمِ الَّذِي أَرَادَ الْكُفَّارُ أَسْرَهُ: إنَّهُ أَخِي. وَعَنِيَ أُخُوَّةَ الدِّينِ وَفَهِمُوا مِنْهُ أُخُوَّةَ النَّسَبِ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {إنْ كُنْت لَأَبَرَّهُمْ وَأَصْدَقَهُمْ الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ} . وَالْمَقْصُودُ هُنَا: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَّقَ بَيْنَ الِاغْتِيَابِ وَبَيْنَ الْبُهْتَانِ وَأَخْبَرَ أَنَّ الْمُخْبِرَ بِمَا يَكْرَهُ أَخُوهُ الْمُؤْمِنُ عَنْهُ إذَا كَانَ صَادِقًا فَهُوَ الْمُغْتَابُ وَفِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {ذِكْرُك أَخَاك بِمَا
(28/224)

يَكْرَهُ} مُوَافَقَةً لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ} فَجَعَلَ جِهَةَ التَّحْرِيمِ كَوْنَهُ أَخًا أُخُوَّةَ الْإِيمَانِ؛ وَلِذَلِكَ تغلظت الْغِيبَةُ بِحَسَبِ حَالِ الْمُؤْمِنِ فَكُلَّمَا كَانَ أَعْظَمَ إيمَانًا كَانَ اغْتِيَابُهُ أَشَدَّ. وَمِنْ جِنْسِ الْغِيبَةِ الْهَمْزُ وَاللَّمْزُ؛ فَإِنَّ كِلَاهُمَا فِيهِ عَيْبُ النَّاسِ وَالطَّعْنُ عَلَيْهِمْ كَمَا فِي الْغِيبَةِ؛ لَكِنَّ الْهَمْزَ هُوَ الطَّعْنُ بِشِدَّةِ وَعُنْفٍ؛ بِخِلَافِ اللَّمْزِ فَإِنَّهُ قَدْ يَخْلُو مِنْ الشِّدَّةِ وَالْعُنْفِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ} أَيْ يَعِيبُك وَيَطْعَنُ عَلَيْك وَقَالَ تَعَالَى {وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ} أَيْ لَا يَلْمِزُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَقَالَ: {هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ} وَقَالَ: {وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ} .
إذَا تَبَيَّنَ هَذَا فَنَقُولُ: ذِكْرُ النَّاسِ بِمَا يَكْرَهُونَ هُوَ فِي الْأَصْلِ عَلَى وَجْهَيْنِ (أَحَدُهُمَا ذِكْرُ النَّوْعِ (وَالثَّانِي ذِكْرُ الشَّخْصِ الْمُعَيَّنِ الْحَيِّ أَوْ الْمَيِّتِ. أَمَّا الْأَوَّلُ فَكُلُّ صِنْفٍ ذَمَّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ يَجِبُ ذَمُّهُ؛ وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ الْغِيبَةِ كَمَا أَنَّ كُلَّ صِنْفٍ مَدَحَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ يَجِبُ مَدْحُهُ وَمَا لَعَنَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ لُعِنَ كَمَا أَنَّ مَنْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَمَلَائِكَتُهُ يُصَلَّى عَلَيْهِ. فَاَللَّهُ تَعَالَى ذَمَّ الْكَافِرَ وَالْفَاجِرَ وَالْفَاسِقَ وَالظَّالِمَ وَالْغَاوِيَ وَالضَّالَّ
(28/225)

وَالْحَاسِدَ وَالْبَخِيلَ وَالسَّاحِرَ وَآكِلَ الرِّبَا وَمُوكِلَهُ وَالسَّارِقَ وَالزَّانِيَ وَالْمُخْتَالَ وَالْفَخُورَ وَالْمُتَكَبِّرَ الْجَبَّارَ وَأَمْثَالَ هَؤُلَاءِ؛ كَمَا حَمِدَ الْمُؤْمِنَ التَّقِيَّ وَالصَّادِقَ وَالْبَارَّ وَالْعَادِلَ وَالْمُهْتَدِيَ وَالرَّاشِدَ وَالْكَرِيمَ؛ وَالْمُتَصَدِّقَ وَالرَّحِيمَ وَأَمْثَالَ هَؤُلَاءِ. {وَلَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آكِلَ الرِّبَا وَمُوكِلَهُ وَشَاهِدَيْهِ وَكَاتِبَهُ} وَالْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ وَلَعَنَ مَنْ عَمِلَ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ. وَلَعَنَ مَنْ أَحْدَثَ حَدَثًا أَوْ آوَى مُحْدِثًا وَلَعَنَ الْخَمْرَ وَعَاصِرَهَا وَمُعْتَصِرَهَا وَحَامِلَهَا وَالْمَحْمُولَةَ إلَيْهِ وَبَائِعَهَا وَمُشْتَرِيَهَا وَسَاقِيَهَا وَشَارِبَهَا وَآكِلَ ثَمَنِهَا وَلَعَنَ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى حَيْثُ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ الشُّحُومُ فَجَمَّلُوهَا فَبَاعُوهَا وَأَكَلُوا أَثْمَانَهَا وَلَعَنَ اللَّهُ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ الْبَيِّنَاتِ مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَهُ لِلنَّاسِ وَذَكَرَ لَعْنَةَ الظَّالِمِينَ. وَاَللَّهُ هُوَ وَمَلَائِكَتُهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ وَيُصَلُّونَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا. وَالصَّابِرُ الْمُسْتَرْجِعُ عَلَيْهِ صَلَاةٌ مِنْ رَبِّهِ وَرَحْمَةٌ. وَاَللَّهُ وَمَلَائِكَتُهُ يُصَلُّونَ عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الْخَيْرَ وَيَسْتَغْفِرُ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ حَتَّى الْحِيتَانُ وَالطَّيْرُ وَأَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لِذَنْبِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ. فَإِذَا كَانَ الْمَقْصُودُ الْأَمْرَ بِالْخَيْرِ وَالتَّرْغِيبَ فِيهِ وَالنَّهْيَ عَنْ الشَّرِّ وَالتَّحْذِيرَ مِنْهُ: فَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ ذَلِكَ وَلِهَذَا {كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا بَلَغَهُ أَنَّ أَحَدًا فَعَلَ مَا يَنْهَى عَنْهُ يَقُولُ: مَا بَالُ رِجَالٍ يَشْتَرِطُونَ
(28/226)

شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ؟ مَنْ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ} {مَا بَالُ رِجَالٍ يَتَنَزَّهُونَ عَنْ أَشْيَاءَ أَتَرَخَّصُ فِيهَا؟ وَاَللَّهِ إنِّي لَأَتْقَاكُمْ لِلَّهِ وَأَعْلَمُكُمْ بِحُدُودِهِ} {مَا بَالُ رِجَالٍ يَقُولُ أَحَدُهُمْ: أَمَّا أَنَا فَأَصُومُ وَلَا أُفْطِرُ؟ وَيَقُولُ الْآخَرُ: أَمَّا أَنَا فَأَقُومُ وَلَا أَنَامُ؟ وَيَقُولُ الْآخَرُ: لَا أَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ وَيَقُولُ الْآخَرُ: لَا آكُلُ اللَّحْمَ؟ لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ وَأَقُومُ وَأَنَامُ وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ وَآكُلُ اللَّحْمَ؛ فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي} . وَلَيْسَ لِأَحَدِ أَنْ يُعَلِّقَ الْحَمْدَ وَالذَّمَّ وَالْحُبَّ وَالْبُغْضَ وَالْمُوَالَاةَ وَالْمُعَادَاةَ وَالصَّلَاةَ وَاللَّعْنَ بِغَيْرِ الْأَسْمَاءِ الَّتِي عَلَّقَ اللَّهُ بِهَا ذَلِكَ: مِثْلَ أَسْمَاءِ الْقَبَائِلِ وَالْمَدَائِنِ وَالْمَذَاهِبِ وَالطَّرَائِقِ الْمُضَافَةِ إلَى الْأَئِمَّةِ وَالْمَشَايِخِ؛ وَنَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا يُرَادُ بِهِ التَّعْرِيفُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} وَقَالَ تَعَالَى: {أَلَا إنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} {الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ} وَقَالَ: {تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا} وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {إنَّ آلَ أَبِي فُلَانٍ لَيْسُوا لِي بأولياء؛ إنَّمَا وَلِيِّي اللَّهُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ} وَقَالَ {أَلَا إنَّ أَوْلِيَائِي الْمُتَّقُونَ حَيْثُ كَانُوا وَمَنْ كَانُوا} وَقَالَ: {إنَّ اللَّهَ أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ وَفَخْرَهَا بِالْآبَاءِ. النَّاسُ رَجُلَانِ: مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ وَفَاجِرٌ شَقِيٌّ.
(28/227)

النَّاسُ مِنْ آدَمَ وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ} وَقَالَ: {إنَّهُ لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ وَلَا لِعَجَمِيِّ عَلَى عَرَبِيٍّ وَلَا لِأَبْيَضَ عَلَى أَسْوَدَ وَلَا لِأَسْوَدَ عَلَى أَبْيَضَ: إلَّا بِالتَّقْوَى} . فَذَكَرَ الْأَزْمَانَ وَالْعَدْلَ بِأَسْمَاءِ الْإِيثَارِ وَالْوَلَاءِ وَالْبَلَدِ وَالِانْتِسَابِ إلَى عَالِمٍ أَوْ شَيْخٍ إنَّمَا يَقْصِدُ بِهَا التَّعْرِيفَ بِهِ لِيَتَمَيَّزَ عَنْ غَيْرِهِ فَأَمَّا الْحَمْدُ وَالذَّمُّ وَالْحُبُّ وَالْبُغْضُ وَالْمُوَالَاةُ وَالْمُعَادَاةُ فَإِنَّمَا تَكُونُ بِالْأَشْيَاءِ الَّتِي أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا سُلْطَانَهُ وَسُلْطَانُهُ كِتَابُهُ فَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا وَجَبَتْ مُوَالَاتُهُ مِنْ أَيِّ صِنْفٍ كَانَ وَمَنْ كَانَ كَافِرًا وَجَبَتْ مُعَادَاتُهُ مِنْ أَيِّ صِنْفٍ كَانَ قَالَ تَعَالَى: {إنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ} {وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ} وَقَالَ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} وَقَالَ تَعَالَى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} وَقَالَ تَعَالَى: {لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ} وَقَالَ تَعَالَى: {أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا} وَقَالَ تَعَالَى: {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ} . وَمَنْ كَانَ فِيهِ إيمَانٌ وَفِيهِ فُجُورٌ أُعْطِيَ مِنْ الْمُوَالَاةِ بِحَسَبِ إيمَانِهِ
(28/228)

وَمِنْ الْبُغْضِ بِحَسَبِ فُجُورِهِ وَلَا يَخْرُجُ مِنْ الْإِيمَانِ بِالْكُلِّيَّةِ بِمُجَرَّدِ الذُّنُوبِ وَالْمَعَاصِي كَمَا يَقُولُهُ الْخَوَارِجُ وَالْمُعْتَزِلَةُ وَلَا يُجْعَلُ الْأَنْبِيَاءُ وَالصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ وَالصَّالِحُونَ بِمَنْزِلَةِ الْفُسَّاقِ فِي الْإِيمَانِ وَالدِّينِ وَالْحُبِّ وَالْبُغْضِ وَالْمُوَالَاةِ وَالْمُعَادَاةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} {إنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ} فَجَعَلَهُمْ إخْوَةً مَعَ وُجُودِ الِاقْتِتَالِ وَالْبَغْيِ وَقَالَ تَعَالَى: {أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ} وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} فَهَذَا الْكَلَامُ فِي الْأَنْوَاعِ.
وَأَمَّا الشَّخْصُ الْمُعَيَّنُ فَيُذْكَرُ مَا فِيهِ مِنْ الشَّرِّ فِي مَوَاضِعَ. مِنْهَا الْمَظْلُومُ لَهُ أَنْ يَذْكُرَ ظَالِمَهُ بِمَا فِيهِ. إمَّا عَلَى وَجْهِ دَفْعِ ظُلْمِهِ وَاسْتِيفَاءِ حَقِّهِ كَمَا {قَالَتْ هِنْدُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ وَأَنَّهُ لَيْسَ يُعْطِينِي مِنْ النَّفَقَةِ مَا يَكْفِينِي وَوَلَدِي. فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خُذِي مَا يَكْفِيك وَوَلَدَك بِالْمَعْرُوفِ} كَمَا قَالَ {صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيُّ الْوَاجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ} وَقَالَ وَكِيعٌ: عِرْضُهُ شِكَايَتُهُ وَعُقُوبَتُهُ حَبْسُهُ وَقَالَ تَعَالَى: {لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ
(28/229)

مِنَ الْقَوْلِ إلَّا مَنْ ظُلِمَ} وَقَدْ رُوِيَ: أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي رَجُلٍ نَزَلَ بِقَوْمِ فَلَمْ يَقْرُوهُ. فَإِذَا كَانَ هَذَا فِيمَنْ ظُلِمَ بِتَرْكِ قِرَاهُ الَّذِي تَنَازَعَ النَّاسُ فِي وُجُوبِهِ وَإِنْ كَانَ الصَّحِيحُ أَنَّهُ وَاجِبٌ فَكَيْفَ بِمَنْ ظُلِمَ بِمَنْعِ حَقِّهِ الَّذِي اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى اسْتِحْقَاقِهِ إيَّاهُ أَوْ يَذْكُرُ ظَالِمَهُ عَلَى وَجْهِ الْقِصَاصِ مِنْ غَيْرِ عُدْوَانٍ وَلَا دُخُولٍ فِي كَذِبٍ وَلَا ظُلْمِ الْغَيْرِ؛ وَتَرْكُ ذَلِكَ أَفْضَلُ. وَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ عَلَى وَجْهِ النَّصِيحَةِ لِلْمُسْلِمِينَ فِي دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ كَمَا فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْ {فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ لَمَّا اسْتَشَارَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ تَنْكِحُ؟ وَقَالَتْ: إنَّهُ خَطَبَنِي مُعَاوِيَةُ وَأَبُو جَهْمٍ فَقَالَ: أَمَّا مُعَاوِيَةُ فَصُعْلُوكٌ لَا مَالَ لَهُ وَأَمَّا أَبُو جَهْمٍ فَرَجُلٌ ضَرَّابٌ لِلنِّسَاءِ} وَرُوِيَ: {لَا يَضَعُ عَصَاهُ عَنْ عَاتِقِهِ} فَبَيَّنَ لَهَا أَنَّ هَذَا فَقِيرٌ قَدْ يَعْجِزُ عَنْ حَقِّك وَهَذَا يُؤْذِيك بِالضَّرْبِ. وَكَانَ هَذَا نُصْحًا لَهَا - وَإِنْ تَضَمَّنَ ذِكْرَ عَيْبِ الْخَاطِبِ. وَفِي مَعْنَى هَذَا نُصْحُ الرَّجُلِ فِيمَنْ يُعَامِلُهُ وَمَنْ يُوَكِّلُهُ وَيُوَصِّي إلَيْهِ وَمَنْ يَسْتَشْهِدُهُ؛ بَلْ وَمَنْ يَتَحَاكَمُ إلَيْهِ. وَأَمْثَالُ ذَلِكَ؛ وَإِذَا كَانَ هَذَا فِي مَصْلَحَةٍ خَاصَّةٍ فَكَيْفَ بِالنُّصْحِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حُقُوقُ عُمُومِ الْمُسْلِمِينَ: مِنْ الْأُمَرَاءِ وَالْحُكَّامِ وَالشُّهُودِ وَالْعُمَّالِ: أَهْلِ الدِّيوَانِ وَغَيْرِهِمْ؟ فَلَا رَيْبَ أَنَّ النُّصْحَ فِي ذَلِكَ أَعْظَمُ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(28/230)

{الدِّينُ النَّصِيحَةُ الدِّينُ النَّصِيحَةُ قَالُوا لِمَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ} . وَقَدْ قَالُوا لِعُمَرِ بْنِ الْخَطَّابِ فِي أَهْلِ الشُّورَى: أَمِّرْ فُلَانًا وَفُلَانًا فَجَعَلَ يَذْكُرُ فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ السِّتَّةِ - وَهُمْ أَفْضَلُ الْأُمَّةِ - أَمْرًا جَعَلَهُ مَانِعًا لَهُ مِنْ تَعْيِينِهِ. وَإِذَا كَانَ النُّصْحُ وَاجِبًا فِي الْمَصَالِحِ الدِّينِيَّةِ الْخَاصَّةِ وَالْعَامَّةِ: مِثْلَ نَقَلَةِ الْحَدِيثِ الَّذِينَ يَغْلَطُونَ أَوْ يَكْذِبُونَ كَمَا قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ: سَأَلْت مَالِكًا وَالثَّوْرِيَّ وَاللَّيْثَ بْنَ سَعْدٍ - أَظُنُّهُ - وَالْأَوْزَاعِي عَنْ الرَّجُلِ يُتَّهَمُ فِي الْحَدِيثِ أَوْ لَا يَحْفَظُ؟ فَقَالُوا: بَيِّنْ أَمْرَهُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ: أَنَّهُ يَثْقُلُ عَلَيَّ أَنْ أَقُولَ فُلَانٌ كَذَا وَفُلَانٌ كَذَا. فَقَالَ: إذَا سَكَتّ أَنْتَ وَسَكَتّ أَنَا فَمَتَى يُعْرَفُ الْجَاهِلُ الصَّحِيحُ مِنْ السَّقِيمِ. وَمِثْلُ أَئِمَّةِ الْبِدَعِ مِنْ أَهْلِ الْمَقَالَاتِ الْمُخَالِفَةِ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ أَوْ الْعِبَادَاتِ الْمُخَالِفَةِ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ؛ فَإِنَّ بَيَانَ حَالِهِمْ وَتَحْذِيرَ الْأُمَّةِ مِنْهُمْ وَاجِبٌ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى قِيلَ لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ: الرَّجُلُ يَصُومُ وَيُصَلِّي وَيَعْتَكِفُ أَحَبُّ إلَيْك أَوْ يَتَكَلَّمُ فِي أَهْلِ الْبِدَعِ؟ فَقَالَ: إذَا قَامَ وَصَلَّى وَاعْتَكَفَ فَإِنَّمَا هُوَ لِنَفْسِهِ وَإِذَا تَكَلَّمَ فِي أَهْلِ الْبِدَعِ فَإِنَّمَا هُوَ لِلْمُسْلِمِينَ هَذَا أَفْضَلُ. فَبَيَّنَ أَنَّ نَفْعَ هَذَا عَامٌّ لِلْمُسْلِمِينَ فِي دِينِهِمْ مِنْ جِنْسِ الْجِهَادِ
(28/231)

فِي سَبِيلِ اللَّهِ؛ إذْ تَطْهِيرُ سَبِيلِ اللَّهِ وَدِينِهِ وَمِنْهَاجِهِ وَشِرْعَتِهِ وَدَفْعِ بَغْيِ هَؤُلَاءِ وَعُدْوَانِهِمْ عَلَى ذَلِكَ وَاجِبٌ عَلَى الْكِفَايَةِ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ وَلَوْلَا مَنْ يُقِيمُهُ اللَّهُ لِدَفْعِ ضَرَرِ هَؤُلَاءِ لَفَسَدَ الدِّينُ وَكَانَ فَسَادُهُ أَعْظَمَ مِنْ فَسَادِ اسْتِيلَاءِ الْعَدُوِّ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ؛ فَإِنَّ هَؤُلَاءِ إذَا اسْتَوْلَوْا لَمْ يُفْسِدُوا الْقُلُوبَ وَمَا فِيهَا مِنْ الدِّينِ إلَّا تَبَعًا وَأَمَّا أُولَئِكَ فَهُمْ يُفْسِدُونَ الْقُلُوبَ ابْتِدَاءً. وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {إنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ؛ وَإِنَّمَا يَنْظُرُ إلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ} وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ يَقُولُ فِي كِتَابِهِ: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ} فَأَخْبَرَ أَنَّهُ أَنْزَلَ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنَّهُ أَنْزَلَ الْحَدِيدَ كَمَا ذَكَرَهُ. فَقِوَامُ الدِّينِ بِالْكِتَابِ الْهَادِي وَالسَّيْفِ النَّاصِرِ {وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا} . وَالْكِتَابُ هُوَ الْأَصْلُ؛ وَلِهَذَا أَوَّلُ مَا بَعَثَ اللَّهُ رَسُولَهُ أَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ؛ وَمَكَثَ بِمَكَّةَ لَمْ يَأْمُرْهُ بِالسَّيْفِ حَتَّى هَاجَرَ وَصَارَ لَهُ أَعْوَانٌ عَلَى الْجِهَادِ.
وَأَعْدَاءُ الدِّينِ نَوْعَانِ: الْكُفَّارُ وَالْمُنَافِقُونَ، وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ
(28/232)

بِجِهَادِ الطَّائِفَتَيْنِ فِي قَوْلِهِ: {جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ} فِي آيَتَيْنِ مِنْ الْقُرْآنِ. فَإِذَا كَانَ أَقْوَامٌ مُنَافِقُونَ يَبْتَدِعُونَ بِدَعًا تُخَالِفُ الْكِتَابَ وَيُلْبِسُونَهَا عَلَى النَّاسِ وَلَمْ تُبَيَّنْ لِلنَّاسِ: فَسَدَ أَمْرُ الْكِتَابِ وَبُدِّلَ الدِّينُ؛ كَمَا فَسَدَ دِينُ أَهْلِ الْكِتَابِ قَبْلَنَا بِمَا وَقَعَ فِيهِ مِنْ التَّبْدِيلِ الَّذِي لَمْ يُنْكَرْ عَلَى أَهْلِهِ. وَإِذَا كَانَ أَقْوَامٌ لَيْسُوا مُنَافِقِينَ لَكِنَّهُمْ سَمَّاعُونَ لِلْمُنَافِقِينَ: قَدْ الْتَبَسَ عَلَيْهِمْ أَمْرُهُمْ حَتَّى ظَنُّوا قَوْلَهُمْ حَقًّا؛ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِلْكِتَابِ وَصَارُوا دُعَاةً إلَى بِدَعِ الْمُنَافِقِينَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ} فَلَا بُدَّ أَيْضًا مِنْ بَيَانِ حَالِ هَؤُلَاءِ؛ بَلْ الْفِتْنَةُ بِحَالِ هَؤُلَاءِ أَعْظَمُ فَإِنَّ فِيهِمْ إيمَانًا يُوجِبُ مُوَالَاتَهُمْ وَقَدْ دَخَلُوا فِي بِدَعٍ مِنْ بِدَعِ الْمُنَافِقِينَ الَّتِي تُفْسِدُ الدِّينَ فَلَا بُدَّ مِنْ التَّحْذِيرِ مِنْ تِلْكَ الْبِدَعِ وَإِنْ اقْتَضَى ذَلِكَ ذِكْرَهُمْ وَتَعْيِينَهُمْ؛ بَلْ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ قَدْ تَلَقَّوْا تِلْكَ الْبِدْعَةَ عَنْ مُنَافِقٍ؛ لَكِنْ قَالُوهَا ظَانِّينَ أَنَّهَا هُدًى وَأَنَّهَا خَيْرٌ وَأَنَّهَا دِينٌ؛ وَلَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ لَوَجَبَ بَيَانُ حَالِهَا. وَلِهَذَا وَجَبَ بَيَانُ حَالِ مَنْ يَغْلَطُ فِي الْحَدِيثِ وَالرِّوَايَةِ وَمَنْ
(28/233)

يَغْلَطُ فِي الرَّأْيِ وَالْفُتْيَا وَمَنْ يَغْلَطُ فِي الزُّهْدِ وَالْعِبَادَةِ؛ وَإِنْ كَانَ الْمُخْطِئُ الْمُجْتَهِدُ مَغْفُورًا لَهُ خَطَؤُهُ وَهُوَ مَأْجُورٌ عَلَى اجْتِهَادِهِ. فَبَيَانُ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَاجِبٌ؛ وَإِنْ كَانَ فِي ذَلِكَ مُخَالَفَةٌ لِقَوْلِهِ وَعَمَلِهِ. وَمَنْ عُلِمَ مِنْهُ الِاجْتِهَادُ السَّائِغُ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُذْكَرُ عَلَى وَجْهِ الذَّمِّ وَالتَّأْثِيمِ لَهُ؛ فَإِنَّ اللَّهَ غَفَرَ لَهُ خَطَأَهُ؛ بَلْ يَجِبُ لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِيمَانِ وَالتَّقْوَى مُوَالَاتُهُ وَمَحَبَّتُهُ وَالْقِيَامُ بِمَا أَوْجَبَ اللَّهُ مِنْ حُقُوقِهِ: مِنْ ثَنَاءٍ وَدُعَاءٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ؛ وَإِنْ عُلِمَ مِنْهُ النِّفَاقُ كَمَا عُرِفَ نِفَاقُ جَمَاعَةٍ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبي وَذَوِيهِ وَكَمَا عَلِمَ الْمُسْلِمُونَ نِفَاقَ سَائِرِ الرَّافِضَةِ: عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَبَأٍ وَأَمْثَالِهِ: مِثْلَ عَبْدِ الْقُدُّوسِ بْنِ الْحَجَّاجِ وَمُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدٍ الْمَصْلُوبِ؛ فَهَذَا يُذْكَرُ بِالنِّفَاقِ. وَإِنْ أَعْلَنَ بِالْبِدْعَةِ وَلَمْ يُعْلَمْ هَلْ كَانَ مُنَافِقًا أَوْ مُؤْمِنًا مُخْطِئًا ذُكِرَ بِمَا يُعْلَمُ مِنْهُ فَلَا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يَقْفُوَ مَا لَيْسَ لَهُ بِهِ عِلْمٌ وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَتَكَلَّمَ فِي هَذَا الْبَابِ إلَّا قَاصِدًا بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى وَأَنْ تَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَأَنْ يَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ. فَمَنْ تَكَلَّمَ فِي ذَلِكَ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَوْ بِمَا يَعْلَمُ خِلَافَهُ كَانَ آثِمًا. وَكَذَلِكَ الْقَاضِي وَالشَّاهِدُ وَالْمُفْتِي كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {الْقُضَاةُ ثَلَاثَةٌ: قَاضِيَانِ فِي النَّارِ وَقَاضٍ فِي الْجَنَّةِ: رَجُلٌ عَلِمَ الْحَقَّ وَقَضَى بِهِ فَهُوَ فِي الْجَنَّةِ وَرَجُلٌ قَضَى لِلنَّاسِ عَلَى جَهْلٍ فَهُوَ فِي النَّارِ
(28/234)

وَرَجُلٌ عَلِمَ الْحَقَّ فَقَضَى بِخِلَافِ ذَلِكَ فَهُوَ فِي النَّارِ} وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} وَ " اللَّيُّ " هُوَ الْكَذِبُ وَ " الْإِعْرَاضُ " كِتْمَانُ الْحَقِّ؛ وَمِثْلُهُ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: {الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا؛ وَإِنْ كَذَبَا وَكَتَمَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا} . ثُمَّ الْقَائِلُ فِي ذَلِكَ بِعِلْمِ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ حُسْنِ النِّيَّةِ فَلَوْ تَكَلَّمَ بِحَقِّ لَقَصَدَ الْعُلُوَّ فِي الْأَرْضِ أَوْ الْفَسَادَ كَانَ بِمَنْزِلَةِ الَّذِي يُقَاتِلُ حَمِيَّةً وَرِيَاءً. وَإِنْ تَكَلَّمَ لِأَجْلِ اللَّهِ تَعَالَى مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ كَانَ مِنْ الْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مِنْ وَرَثَةِ الْأَنْبِيَاءِ خُلَفَاءِ الرُّسُلِ. وَلَيْسَ هَذَا الْبَابُ مُخَالِفًا لِقَوْلِهِ: {الْغِيبَةُ ذِكْرُك أَخَاك بِمَا يَكْرَهُ} فَإِنَّ الْأَخَ هُوَ الْمُؤْمِنُ وَالْأَخُ الْمُؤْمِنُ إنْ كَانَ صَادِقًا فِي إيمَانِهِ لَمْ يَكْرَهْ مَا قُلْته مِنْ هَذَا الْحَقِّ الَّذِي يُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَإِنْ كَانَ فِيهِ شَهَادَةٌ عَلَيْهِ وَعَلَى ذَوِيهِ بَلْ عَلَيْهِ أَنْ يَقُومَ بِالْقِسْطِ وَيَكُونُ شَاهِدًا لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ وَالِدَيْهِ أَوْ أَقْرَبَيْهِ وَمَتَى كَرِهَ هَذَا الْحَقَّ كَانَ نَاقِصًا فِي إيمَانِهِ يَنْقُصُ مِنْ أُخُوَّتِهِ بِقَدْرِ مَا نَقَصَ مِنْ إيمَانِهِ فَلَمْ يَعْتَبِرْ كَرَاهَتَهُ مِنْ الْجِهَةِ الَّتِي نَقَصَ مِنْهَا إيمَانُهُ؛ إذْ كَرَاهَتُهُ لِمَا
(28/235)

لَا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ تُوجِبُ تَقْدِيمَ مَحَبَّةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ} . ثُمَّ قَدْ يُقَالُ: هَذَا لَمْ يَدْخُلْ فِي حَدِيثِ الْغِيبَةِ لَفْظًا وَمَعْنًى. وَقَدْ يُقَالُ: دَخَلَ فِي ذَلِكَ الَّذِينَ خَصَّ مِنْهُ كَمَا يَخُصُّ الْعُمُومَ اللَّفْظِيَّ وَالْعُمُومَ الْمَعْنَوِيَّ وَسَوَاءٌ زَالَ الْحُكْمُ لِزَوَالِ سَبَبِهِ أَوْ لِوُجُودِ مَانِعِهِ فَالْحُكْمُ وَاحِدٌ. وَالنِّزَاعُ فِي ذَلِكَ يُؤَوَّلُ إلَى اللَّفْظِ؛ إذْ الْعِلَّةُ قَدْ يَعْنِي بِهَا التَّامَّةَ وَقَدْ يَعْنِي بِهَا الْمُقْتَضِيَةَ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.
وَقَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -:
فَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَغْتَابُ مُوَافَقَةً لِجُلَسَائِهِ وَأَصْحَابِهِ وَعَشَائِرِهِ مَعَ عِلْمِهِ أَنَّ الْمُغْتَابَ بَرِيءٌ مِمَّا يَقُولُونَ أَوْ فِيهِ بَعْضُ مَا يَقُولُونَ؛ لَكِنْ يَرَى أَنَّهُ لَوْ أَنْكَرَ عَلَيْهِمْ قَطَعَ الْمَجْلِسَ وَاسْتَثْقَلَهُ أَهْلُ الْمَجْلِسِ وَنَفَرُوا عَنْهُ فَيَرَى مُوَافَقَتَهُمْ مِنْ حُسْنِ الْمُعَاشَرَةِ وَطِيبِ الْمُصَاحَبَةِ وَقَدْ يَغْضَبُونَ فَيَغْضَبُ لِغَضَبِهِمْ فَيَخُوضُ مَعَهُمْ.
(28/236)

وَمِنْهُمْ مَنْ يُخْرِجُ الْغِيبَةَ فِي قَوَالِبَ شَتَّى. تَارَةً فِي قَالِبِ دِيَانَةٍ وَصَلَاحٍ فَيَقُولُ: لَيْسَ لِي عَادَةً أَنْ أَذْكُرَ أَحَدًا إلَّا بِخَيْرِ وَلَا أُحِبُّ الْغِيبَةَ وَلَا الْكَذِبَ؛ وَإِنَّمَا أُخْبِرُكُمْ بِأَحْوَالِهِ. وَيَقُولُ: وَاَللَّهِ إنَّهُ مِسْكِينٌ أَوْ رَجُلٌ جَيِّدٌ؛ وَلَكِنْ فِيهِ كَيْت وَكَيْت. وَرُبَّمَا يَقُولُ: دَعُونَا مِنْهُ اللَّهُ يَغْفِرُ لَنَا وَلَهُ؛ وَإِنَّمَا قَصْدُهُ اسْتِنْقَاصُهُ وَهَضْمٌ لِجَانِبِهِ. وَيُخْرِجُونَ الْغِيبَةَ فِي قَوَالِبَ صَلَاحٍ وَدِيَانَةٍ يُخَادِعُونَ اللَّهَ بِذَلِكَ كَمَا يُخَادِعُونَ مَخْلُوقًا؛ وَقَدْ رَأَيْنَا مِنْهُمْ أَلْوَانًا كَثِيرَةً مِنْ هَذَا وَأَشْبَاهِهِ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَرْفَعُ غَيْرَهُ رِيَاءً فَيَرْفَعُ نَفْسَهُ فَيَقُولُ: لَوْ دَعَوْت الْبَارِحَةَ فِي صَلَاتِي لِفُلَانِ؛ لَمَا بَلَغَنِي عَنْهُ كَيْت وَكَيْت لِيَرْفَعَ نَفْسَهُ وَيَضَعَهُ عِنْدَ مَنْ يَعْتَقِدُهُ. أَوْ يَقُولُ: فُلَانٌ بَلِيدُ الذِّهْنِ قَلِيلُ الْفَهْمِ؛ وَقَصْدُهُ مَدْحُ نَفْسِهِ وَإِثْبَاتُ مَعْرِفَتِهِ وَأَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْهُ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَحْمِلُهُ الْحَسَدُ عَلَى الْغِيبَةِ فَيَجْمَعُ بَيْنَ أَمْرَيْنِ قَبِيحَيْنِ: الْغِيبَةِ وَالْحَسَدِ. وَإِذَا أَثْنَى عَلَى شَخْصٍ أَزَالَ ذَلِكَ عَنْهُ بِمَا اسْتَطَاعَ مِنْ تَنَقُّصِهِ فِي قَالِبِ دِينٍ وَصَلَاحٍ أَوْ فِي قَالِبِ حَسَدٍ وَفُجُورٍ وَقَدْحٍ لِيُسْقِطَ ذَلِكَ عَنْهُ. وَمِنْهُمْ مَنْ يُخْرِجُ الْغِيبَةَ فِي قَالِبِ تمسخر وَلَعِبٍ لَيُضْحِكَ غَيْرَهُ
(28/237)

بِاسْتِهْزَائِهِ وَمُحَاكَاتِهِ وَاسْتِصْغَارِ الْمُسْتَهْزَأِ بِهِ. وَمِنْهُمْ مَنْ يُخْرِجُ الْغِيبَةَ فِي قَالِبِ التَّعَجُّبِ فَيَقُولُ تَعَجَّبْت مِنْ فُلَانٍ كَيْفَ لَا يَفْعَلُ كَيْت وَكَيْت وَمِنْ فُلَانٍ كَيْفَ وَقَعَ مِنْهُ كَيْت وَكَيْت وَكَيْفَ فَعَلَ كَيْت وَكَيْت فَيُخْرِجُ اسْمَهُ فِي مَعْرِضِ تَعَجُّبِهِ. وَمِنْهُمْ مَنْ يُخْرِجُ الِاغْتِمَامَ فَيَقُولُ مِسْكِينٌ فُلَانٌ غَمَّنِي مَا جَرَى لَهُ وَمَا تَمَّ لَهُ فَيَظُنُّ مَنْ يَسْمَعُهُ أَنَّهُ يَغْتَمُّ لَهُ وَيَتَأَسَّفُ وَقَلْبُهُ مُنْطَوٍ عَلَى التَّشَفِّي بِهِ وَلَوْ قَدَرَ لَزَادَ عَلَى مَا بِهِ وَرُبَّمَا يَذْكُرُهُ عِنْدَ أَعْدَائِهِ لِيَشْتَفُوا بِهِ. وَهَذَا وَغَيْرُهُ مِنْ أَعْظَمِ أَمْرَاضِ الْقُلُوبِ وَالْمُخَادَعَاتِ لِلَّهِ وَلِخَلْقِهِ. وَمِنْهُمْ مَنْ يُظْهِرُ الْغِيبَةَ فِي قَالِبِ غَضَبٍ وَإِنْكَارِ مُنْكَرٍ فَيُظْهِرُ فِي هَذَا الْبَابِ أَشْيَاءَ مِنْ زَخَارِفِ الْقَوْلِ وَقَصْدُهُ غَيْرُ مَا أَظْهَرَ. وَاَللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.
(28/238)

وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
عَنْ رَجُلٍ مَقْبُولِ الْقَوْلِ عِنْدَ الْحُكَّامِ يَخْرُجُ لِلْفُرْجَةِ فِي الزَّهْرِ فِي مَوَاسِمِ الْفُرَج حَيْثُ يَكُونُ مَجْمَعُ النَّاسِ وَيَرَى الْمُنْكَرَ وَلَا يَقْدِرُ عَلَى إزَالَتِهِ وَتَخْرُجُ امْرَأَتُهُ أَيْضًا مَعَهُ. هَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ؟ وَهَلْ يُقْدَحُ فِي عَدَالَتِهِ؟
فَأَجَابَ:
لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَحْضُرَ الْأَمَاكِنَ الَّتِي يَشْهَدُ فِيهَا الْمُنْكَرَاتِ وَلَا يُمْكِنُهُ الْإِنْكَارُ؛ إلَّا لَمُوجِبٍ شَرْعِيٍّ: مِثْلَ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ أَمْرٌ يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِمَصْلَحَةِ دِينِهِ أَوْ دُنْيَاهُ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ حُضُورِهِ أَوْ يَكُونُ مُكْرَهًا. فَأَمَّا حُضُورُهُ لِمُجَرَّدِ الْفُرْجَةِ وَإِحْضَارِ امْرَأَتِهِ تُشَاهِدُ ذَلِكَ فَهَذَا مِمَّا يَقْدَحُ فِي عَدَالَتِهِ وَمُرُوءَتِهِ إذَا أَصَرَّ عَلَيْهِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(28/239)

وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
عَنْ بَلَدِ " مَارِدِينَ " هَلْ هِيَ بَلَدُ حَرْبٍ أَمْ بَلَدُ سِلْمٍ؟ وَهَلْ يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ الْمُقِيمِ بِهَا الْهِجْرَةُ إلَى بِلَادِ الْإِسْلَامِ أَمْ لَا؟ وَإِذَا وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْهِجْرَةُ وَلَمْ يُهَاجِرْ وَسَاعَدَ أَعْدَاءَ الْمُسْلِمِينَ بِنَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ هَلْ يَأْثَمُ فِي ذَلِكَ؟ وَهَلْ يَأْثَمُ مَنْ رَمَاهُ بِالنِّفَاقِ وَسَبَّهُ بِهِ أَمْ لَا؟
فَأَجَابَ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ، دِمَاءُ الْمُسْلِمِينَ وَأَمْوَالُهُمْ مُحَرَّمَةٌ حَيْثُ كَانُوا فِي " مَارِدِينَ " أَوْ غَيْرِهَا. وَإِعَانَةُ الْخَارِجِينَ عَنْ شَرِيعَةِ دِينِ الْإِسْلَامِ مُحَرَّمَةٌ سَوَاءٌ كَانُوا أَهْلَ مَارِدِينَ أَوْ غَيْرَهُمْ. وَالْمُقِيمُ بِهَا إنْ كَانَ عَاجِزًا عَنْ إقَامَةِ دِينِهِ وَجَبَتْ الْهِجْرَةُ عَلَيْهِ. وَإِلَّا اُسْتُحِبَّتْ وَلَمْ تَجِبْ. وَمُسَاعَدَتُهُمْ لِعَدُوِّ الْمُسْلِمِينَ بِالْأَنْفُسِ وَالْأَمْوَالِ مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ وَيَجِبُ عَلَيْهِمْ الِامْتِنَاعُ مِنْ ذَلِكَ بِأَيِّ طَرِيقٍ أَمْكَنَهُمْ مِنْ تَغَيُّبٍ أَوْ تَعْرِيضٍ أَوْ مُصَانَعَةٍ؛ فَإِذَا لَمْ يُمْكِنْ إلَّا بِالْهِجْرَةِ تَعَيَّنَتْ. وَلَا يَحِلُّ سَبُّهُمْ عُمُومًا وَرَمْيُهُمْ بِالنِّفَاقِ؛ بَلْ السَّبُّ وَالرَّمْيُ بِالنِّفَاقِ يَقَعُ عَلَى الصِّفَاتِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فَيَدْخُلُ فِيهَا بَعْضُ
(28/240)

أَهْل مَارِدِينَ وَغَيْرُهُمْ. وَأَمَّا كَوْنُهَا دَارَ حَرْبٍ أَوْ سِلْمٍ فَهِيَ مُرَكَّبَةٌ: فِيهَا الْمَعْنَيَانِ؛ لَيْسَتْ " بِمَنْزِلَةِ دَارِ السِّلْمِ الَّتِي تَجْرِي عَلَيْهَا أَحْكَامُ الْإِسْلَامِ؛ لِكَوْنِ جُنْدِهَا مُسْلِمِينَ؛ وَلَا بِمَنْزِلَةِ دَارِ الْحَرْبِ الَّتِي أَهْلُهَا كُفَّارٌ؛ بَلْ هِيَ قِسْمٌ ثَالِثٌ يُعَامَلُ الْمُسْلِمُ فِيهَا بِمَا يَسْتَحِقُّهُ وَيُقَاتَلُ الْخَارِجُ عَنْ شَرِيعَةِ الْإِسْلَامِ بِمَا يَسْتَحِقُّهُ.
وَقَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
مِنْ أَحْمَد ابْنِ تَيْمِيَّة إلَى سُلْطَانِ الْمُسْلِمِينَ وَوَلِيِّ أَمْرِ الْمُؤْمِنِينَ؛ نَائِبِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أُمَّتِهِ؛ بِإِقَامَةِ فَرْضِ الدِّينِ وَسُنَّتِهِ. أَيَّدَهُ اللَّهُ تَأْيِيدًا يَصْلُحُ بِهِ لَهُ وَلِلْمُسْلِمِينَ أَمْرُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَيُقِيمُ بِهِ جَمِيعَ الْأُمُورِ الْبَاطِنَةِ وَالظَّاهِرَةِ حَتَّى يَدْخُلَ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {الَّذِينَ إنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ} وَفِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمْ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إلَّا ظِلُّهُ: إمَامٌ عَادِلٌ} إلَى آخِرِ الْحَدِيثِ وَفِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(28/241)

{مَنْ دَعَا إلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنْ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ} . وَقَدْ اسْتَجَابَ اللَّهُ الدُّعَاءَ فِي السُّلْطَانِ فَجَعَلَ فِيهِ مِنْ الْخَيْرِ الَّذِي شَهِدَتْ بِهِ قُلُوبُ الْأُمَّةِ مَا فَضَّلَهُ بِهِ عَلَى غَيْرِهِ. وَاَللَّهُ الْمَسْئُولُ أَنْ يُعِينَهُ فَإِنَّهُ أَفْقَرُ خَلْقِ اللَّهِ إلَى مَعُونَةِ اللَّهِ وَتَأْيِيدِهِ قَالَ تَعَالَى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا} الْآيَةَ. وَصَلَاحُ أَمْرِ السُّلْطَانِ بِتَجْرِيدِ الْمُتَابَعَةِ لِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ وَنَبِيِّهِ وَحَمْلِ النَّاسِ عَلَى ذَلِكَ فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ جَعَلَ صَلَاحَ أَهْلِ التَّمْكِينِ فِي أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ: إقَامُ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ. فَإِذَا أَقَامَ الصَّلَاةَ فِي مَوَاقِيتِهَا جَمَاعَةٌ - هُوَ وَحَاشِيَتُهُ وَأَهْلُ طَاعَتِهِ - وَأَمَرَ بِذَلِكَ جَمِيعَ الرَّعِيَّةِ وَعَاقَبَ مَنْ تَهَاوَنَ فِي ذَلِكَ الْعُقُوبَةَ الَّتِي شَرَعَهَا اللَّهُ فَقَدْ تَمَّ هَذَا الْأَصْلُ ثُمَّ إنَّهُ مُضْطَرٌّ إلَى اللَّهِ تَعَالَى فَإِذَا نَاجَى رَبَّهُ فِي السَّحَرِ وَاسْتَغَاثَ بِهِ وَقَالَ: يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ بِرَحْمَتِك أَسْتَغِيثُ: أَعْطَاهُ اللَّهُ مِنْ التَّمْكِينِ مَا لَا يَعْلَمُهُ إلَّا اللَّهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ
(28/242)

تَثْبِيتًا} {وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا} {وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا.} ثُمَّ كَلُّ نَفْعٍ وَخَيْرٍ يُوَصِّلُهُ إلَى الْخَلْقِ هُوَ مِنْ جِنْسِ الزَّكَاةِ. فَمِنْ أَعْظَمِ الْعِبَادَاتِ سَدُّ الفاقات وَقَضَاءُ الْحَاجَاتِ وَنَصْرُ الْمَظْلُومِ وَإِغَاثَةُ الْمَلْهُوفِ وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَهُوَ: الْأَمْرُ بِمَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ مِنْ الْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَأَمْرُ نَوَائِبِ الْبِلَادِ وَوُلَاةِ الْأُمُورِ بِاتِّبَاعِ حُكْمِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَاجْتِنَابِهِمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ وَهُوَ: النَّهْيُ عَمَّا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ وَرَسُولُهُ. وَإِذَا تَقَدَّمَ السُّلْطَانُ - أَيَّدَهُ اللَّهُ - بِذَلِكَ فِي عَامَّةِ بِلَادِ الْإِسْلَامِ كَانَ فِيهِ مِنْ صَلَاحِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَهُ وَلِلْمُسْلِمِينَ مَا لَا يَعْلَمُهُ إلَّا اللَّهُ. وَاَللَّهُ يُوَفِّقُهُ لِمَا يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ.
(28/243)

وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ -:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَرْسَلَ رُسُلَهُ بِالْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى وَأَنْزَلَ مَعَهُمْ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلَ الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ؛ وَخَتَمَهُمْ بِمُحَمَّدِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي أَرْسَلَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ؛ وَأَيَّدَهُ بِالسُّلْطَانِ النَّصِيرِ الْجَامِعِ مَعْنَى الْعِلْمِ وَالْقَلَمِ لِلْهِدَايَةِ وَالْحُجَّةِ؛ وَمَعْنَى الْقُدْرَةِ وَالسَّيْفِ لِلنُّصْرَةِ وَالتَّعْزِيرِ وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ شَهَادَةً خَالِصَةً أَخْلَصَ مِنْ الذَّهَبِ الْإِبْرِيزِ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا شَهَادَةً يَكُونُ صَاحِبُهَا فِي حِرْزٍ حَرِيزٍ. (أَمَّا بَعْدُ فَهَذِهِ رِسَالَةٌ مُخْتَصَرَةٌ فِيهَا جَوَامِعُ مِنْ السِّيَاسَةِ
(28/244)

الْإِلَهِيَّةِ وَالْآيَاتِ النَّبَوِيَّةِ لَا يَسْتَغْنِيَ عَنْهَا الرَّاعِي وَالرَّعِيَّةُ اقْتَضَاهَا مَنْ أَوْجَبَ اللَّهُ نُصْحَهُ مِنْ وُلَاةِ الْأُمُورِ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا ثَبَتَ عَنْهُ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ: {إنَّ اللَّهَ يَرْضَى لَكُمْ ثَلَاثًا: أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تُفَرِّقُوا وَأَنْ تَنَاصَحُوا مَنْ وَلَّاهُ اللَّهُ أَمْرَكُمْ} . وَهَذِهِ الرِّسَالَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى آيَتَيْنِ فِي كِتَابِ اللَّهِ؛ وَهِيَ قَوْله تَعَالَى {إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا} {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} . قَالَ الْعُلَمَاءُ: نَزَلَتْ الْآيَةُ الْأُولَى فِي وُلَاةِ الْأُمُورِ؛ عَلَيْهِمْ أَنْ يُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمُوا بَيْنَ النَّاسِ أَنْ يَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ وَنَزَلَتْ الثَّانِيَةُ فِي الرَّعِيَّةِ مِنْ الْجُيُوشِ وَغَيْرِهِمْ؛ عَلَيْهِمْ أَنْ يُطِيعُوا أُولِي الْأَمْرِ الْفَاعِلِينَ لِذَلِكَ فِي قَسَمِهِمْ وَحُكْمِهِمْ وَمُغَازِيهِمْ وَغَيْرِ ذَلِكَ؛ إلَّا أَنْ يَأْمُرُوا بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ فَإِذَا أَمَرُوا بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ فَلَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقِ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ؛ فَإِنْ تَنَازَعُوا فِي شَيْءٍ رَدُّوهُ إلَى كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ وُلَاةُ الْأَمْرِ ذَلِكَ أُطِيعُوا فِيمَا يَأْمُرُونَ بِهِ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ
(28/245)

وَرَسُولِهِ وَأُدِّيَتْ حُقُوقُهُمْ إلَيْهِمْ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ. قَالَ تَعَالَى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} . وَإِذَا كَانَتْ الْآيَةُ قَدْ أَوْجَبَتْ أَدَاءَ الْأَمَانَاتِ إلَى أَهْلِهَا وَالْحُكْمَ بِالْعَدْلِ: فَهَذَانِ جِمَاعُ السِّيَاسَةِ الْعَادِلَةِ وَالْوِلَايَةِ الصَّالِحَةِ.
فَصْلٌ:
أَمَّا أَدَاءُ الْأَمَانَاتِ فَفِيهِ نَوْعَانِ:
أَحَدُهُمَا الْوِلَايَاتُ: وَهُوَ كَانَ سَبَبَ نُزُولِ الْآيَةِ. فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا فَتَحَ مَكَّةَ وَتَسَلَّمَ مَفَاتِيحَ الْكَعْبَةِ مِنْ بَنِي شَيْبَةَ طَلَبَهَا مِنْهُ الْعَبَّاسُ. لِيَجْمَعَ لَهُ بَيْنَ سِقَايَةِ الْحَاجِّ وَسِدَانَةِ الْبَيْتِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ فَدَفَعَ مَفَاتِيحَ الْكَعْبَةِ إلَى بَنِي شَيْبَةَ. فَيَجِبُ عَلَى وَلِيِّ الْأَمْرِ أَنْ يُوَلِّيَ عَلَى كُلِّ عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ الْمُسْلِمِينَ أَصْلَحَ مَنْ يَجِدُهُ لِذَلِكَ الْعَمَلِ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ شَيْئًا فَوَلَّى رَجُلًا وَهُوَ يَجِدُ مَنْ هُوَ أَصْلَحُ لِلْمُسْلِمِينَ مِنْهُ فَقَدْ خَانَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} . وَفِي رِوَايَةٍ: {مَنْ وَلَّى رَجُلًا عَلَى عِصَابَةٍ وَهُوَ يَجِدُ فِي تِلْكَ الْعِصَابَةِ مَنْ هُوَ أَرْضَى لِلَّهِ مِنْهُ فَقَدْ
(28/246)

خَانَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَخَانَ الْمُؤْمِنِينَ} رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي صَحِيحِهِ. وَرَوَى بَعْضُهُمْ أَنَّهُ مِنْ قَوْلِ عُمَرَ: لِابْنِ عُمَرَ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْهُ. وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ " مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ شَيْئًا فَوَلَّى رَجُلًا لِمَوَدَّةِ أَوْ قَرَابَةٍ بَيْنَهُمَا فَقَدْ خَانَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالْمُسْلِمِينَ ". وَهَذَا وَاجِبٌ عَلَيْهِ. فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْبَحْثُ عَنْ الْمُسْتَحِقِّينَ لِلْوِلَايَاتِ مِنْ نُوَّابِهِ عَلَى الْأَمْصَارِ؛ مِنْ الْأُمَرَاءِ الَّذِينَ هُمْ نُوَّابُ ذِي السُّلْطَانِ وَالْقُضَاةِ وَنَحْوِهِمْ وَمِنْ أُمَرَاءِ الْأَجْنَادِ وَمُقَدِّمِي الْعَسَاكِرِ الصِّغَارِ وَالْكِبَارِ وَوُلَاةِ الْأَمْوَالِ: مِنْ الْوُزَرَاءِ وَالْكُتَّابِ وَالشَّادِينَ وَالسُّعَاةِ عَلَى الْخَرَاجِ وَالصَّدَقَاتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَمْوَالِ الَّتِي لِلْمُسْلِمِينَ. وَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ أَنْ يَسْتَنِيبَ وَيَسْتَعْمِلَ أَصْلَحَ مَنْ يَجِدُهُ؛ وَيَنْتَهِي ذَلِكَ إلَى أَئِمَّةِ الصَّلَاةِ وَالْمُؤَذِّنِينَ وَالْمُقْرِئِينَ وَالْمُعَلِّمِينَ وَأُمَرَاءِ الْحَاجِّ وَالْبَرَدِ وَالْعُيُونِ الَّذِينَ هُمْ الْقُصَّادُ وَخُزَّانِ الْأَمْوَالِ وَحُرَّاسِ الْحُصُونِ وَالْحَدَّادِينَ الَّذِينَ هُمْ الْبَوَّابُونَ عَلَى الْحُصُونِ وَالْمَدَائِنِ وَنُقَبَاءِ الْعَسَاكِرِ الْكِبَارِ وَالصِّغَارِ وَعَرْفَاءِ الْقَبَائِلِ وَالْأَسْوَاقِ وَرُؤَسَاءِ الْقُرَى الَّذِينَ هُمْ " الدَّهَاقِينُ ". فَيَجِبُ عَلَى كُلِّ مَنْ وَلِيَ شَيْئًا مِنْ أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ هَؤُلَاءِ وَغَيْرِهِمْ أَنْ يَسْتَعْمِلَ فِيمَا تَحْتَ يَدِهِ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ أَصْلَحَ مَنْ يَقْدِرُ عَلَيْهِ وَلَا يُقَدِّمُ الرَّجُلَ لِكَوْنِهِ طَلَبَ الْوِلَايَةَ أَوْ سَبَقَ فِي الطَّلَبِ؛
(28/247)

بَلْ يَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِلْمَنْعِ؛ فَإِنَّ فِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {أَنَّ قَوْمًا دَخَلُوا عَلَيْهِ فَسَأَلُوهُ وِلَايَةً؛ فَقَالَ: إنَّا لَا نُوَلِّي أَمْرَنَا هَذَا مَنْ طَلَبَهُ} . {وَقَالَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ: يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ لَا تَسْأَلْ الْإِمَارَةَ فَإِنَّك إنْ أُعْطِيتهَا مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْت عَلَيْهَا؛ وَإِنْ أُعْطِيتهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْت إلَيْهَا} أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {مَنْ طَلَبَ الْقَضَاءَ وَاسْتَعَانَ عَلَيْهِ وُكِلَ إلَيْهِ وَمَنْ لَمْ يَطْلُبْ الْقَضَاءَ وَلَمْ يَسْتَعِنْ عَلَيْهِ؛ أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ مَلَكًا يُسَدِّدُهُ} . رَوَاهُ أَهْلُ السُّنَنُ. فَإِنْ عَدَلَ عَنْ الْأَحَقِّ الْأَصْلَحِ إلَى غَيْرِهِ لِأَجْلِ قَرَابَةٍ بَيْنَهُمَا أَوْ وَلَاءِ عَتَاقَةٍ أَوْ صَدَاقَةٍ أَوْ مُرَافَقَةٍ فِي بَلَدٍ أَوْ مَذْهَبٍ أَوْ طَرِيقَةٍ أَوْ جِنْسٍ: كَالْعَرَبِيَّةِ وَالْفَارِسِيَّةِ وَالتُّرْكِيَّةِ وَالرُّومِيَّةِ؛ أَوْ لَرِشْوَةٍ يَأْخُذُهَا مِنْهُ مِنْ مَالٍ أَوْ مَنْفَعَةٍ؛ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَسْبَابِ أَوْ لِضَغَنِ فِي قَلْبِهِ عَلَى الْأَحَقِّ أَوْ عَدَاوَةٍ بَيْنَهُمَا؛ فَقَدْ خَانَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ وَدَخَلَ فِيمَا نُهِيَ عَنْهُ فِي قَوْله تَعَالَى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} ثُمَّ قَالَ: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} . فَإِنَّ الرَّجُلَ لِحُبِّهِ لِوَلَدِهِ أَوْ لِعَتِيقِهِ قَدْ يُؤْثِرُهُ فِي بَعْضِ الْوِلَايَاتِ أَوْ يُعْطِيهِ مَا لَا يَسْتَحِقُّهُ؛ فَيَكُونُ قَدْ خَانَ أَمَانَتَهُ؛ وَكَذَلِكَ قَدْ يُؤْثِرُهُ زِيَادَةً فِي
(28/248)

مَالِهِ أَوْ حِفْظِهِ؛ بِأَخْذِ مَا لَا يَسْتَحِقُّهُ أَوْ مُحَابَاةِ مَنْ يُدَاهِنُهُ فِي بَعْضِ الْوِلَايَاتِ. فَيَكُونُ قَدْ خَانَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَخَانَ أَمَانَتَهُ. ثُمَّ إنَّ الْمُؤَدِّيَ لِلْأَمَانَةِ مَعَ مُخَالَفَةِ هَوَاهُ يُثَبِّتُهُ اللَّهُ فَيَحْفَظُهُ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ بَعْدَهُ وَالْمُطِيعُ لِهَوَاهُ يُعَاقِبُهُ اللَّهُ بِنَقِيضِ قَصْدِهِ فَيُذِلُّ أَهْلَهُ وَيُذْهِبُ مَالَهُ. وَفِي ذَلِكَ الْحِكَايَةُ الْمَشْهُورَةُ؛ أَنَّ بَعْضَ خُلَفَاءِ بَنِي الْعَبَّاسِ سَأَلَ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ أَنْ يُحَدِّثَهُ عَمَّا أَدْرَكَ فَقَالَ: أَدْرَكْت عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ؛ قِيلَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَقْفَرْت أَفْوَاهَ بَنِيك مِنْ هَذَا الْمَالِ وَتَرَكْتهمْ فُقَرَاءَ لَا شَيْءَ لَهُمْ - وَكَانَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ - فَقَالَ: أَدْخِلُوهُمْ عَلَيَّ؛ فَأَدْخَلُوهُمْ؛ وَهُمْ بِضْعَةَ عَشَرَ ذَكَرًا لَيْسَ فِيهِمْ بَالِغٌ فَلَمَّا رَآهُمْ ذَرَفَتْ عَيْنَاهُ ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: يَا بَنِيَّ وَاَللَّهِ مَا مَنَعْتُكُمْ حَقًّا هُوَ لَكُمْ وَلَمْ أَكُنْ بِاَلَّذِي آخُذُ أَمْوَالَ النَّاسِ فَأَدْفَعَهَا إلَيْكُمْ؛ وَإِنَّمَا أَنْتُمْ أَحَدُ رَجُلَيْنِ: إمَّا صَالِحٌ فَاَللَّهُ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ؛ وَإِمَّا غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا أُخَلِّفُ لَهُ مَا يَسْتَعِينُ بِهِ عَلَى مَعْصِيَةِ اللَّهِ قُومُوا عَنِّي. قَالَ: فَلَقَدْ رَأَيْت بَعْضَ بَنِيهِ حَمَلَ عَلَى مِائَةِ فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؛ يَعْنِي أَعْطَاهَا لَمِنْ يَغْزُو عَلَيْهَا. قُلْت: هَذَا وَقَدْ كَانَ خَلِيفَةُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَقْصَى الْمَشْرِقِ بِلَادِ التُّرْكِ إلَى أَقْصَى الْمَغْرِبِ بِلَادِ الْأَنْدَلُسِ وَغَيْرِهَا وَمِنْ جَزَائِرِ قُبْرُصَ وَثُغُورِ الشَّامِ وَالْعَوَاصِمِ كطرسوس وَنَحْوِهَا إلَى أَقْصَى الْيَمَنِ. وَإِنَّمَا أَخَذَ كُلُّ وَاحِدٌ مِنْ أَوْلَادِهِ مِنْ تَرِكَتِهِ شَيْئًا يَسِيرًا يُقَالُ: أَقَلُّ مِنْ
(28/249)

عِشْرِينَ دِرْهَمًا - قَالَ وَحَضَرْت بَعْضَ الْخُلَفَاءِ وَقَدْ اقْتَسَمَ تَرِكَتَهُ بَنُوهُ فَأَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ سِتّمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ؛ وَلَقَدْ رَأَيْت بَعْضَهُمْ يَتَكَفَّفُ النَّاسَ - أَيْ يَسْأَلُهُمْ بِكَفِّهِ - وَفِي هَذَا الْبَابِ مِنْ الْحِكَايَاتِ وَالْوَقَائِعِ الْمُشَاهَدَةِ فِي الزَّمَانِ وَالْمَسْمُوعَةِ عَمَّا قَبْلَهُ؛ مَا فِيهِ عِبْرَةٌ لِكُلِّ ذِي لُبٍّ. وَقَدْ دَلَّتْ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَنَّ الْوِلَايَةِ أَمَانَةٌ يَجِبُ أَدَاؤُهَا فِي مَوَاضِعَ: مِثْلَ مَا تَقَدَّمَ وَمِثْلَ {قَوْلِهِ لِأَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي الْإِمَارَةِ: إنَّهَا أَمَانَةٌ وَإِنَّهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ خِزْيٌ وَنَدَامَةٌ إلَّا مَنْ أَخَذَهَا بِحَقِّهَا وَأَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ فِيهَا} رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَرَوَى الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: {إذَا ضُيِّعَتْ الْأَمَانَةُ فَانْتَظِرْ السَّاعَةَ. قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: وَمَا إضَاعَتُهَا؟ قَالَ: إذَا وُسِّدَ الْأَمْرُ إلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرْ السَّاعَةَ} . وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى مَعْنَى هَذَا؛ فَإِنَّ وَصِيَّ الْيَتِيمِ وَنَاظِرَ الْوَقْفِ وَوَكِيلَ الرَّجُلِ فِي مَالِهِ؛ عَلَيْهِ أَنْ يَتَصَرَّفَ لَهُ بِالْأَصْلَحِ فَالْأَصْلَحِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} . وَلَمْ يَقُلْ إلَّا بِاَلَّتِي هِيَ حَسَنَةٌ. وَذَلِكَ لِأَنَّ الْوَالِيَ رَاعٍ عَلَى النَّاسِ بِمَنْزِلَةِ رَاعِي الْغَنَمِ؛ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ؛
(28/250)

فَالْإِمَامُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ؛ وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا وَالْوَلَدُ رَاعٍ فِي مَالِ أَبِيهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ؛ وَالْعَبْدُ رَاعٍ فِي مَالِ سَيِّدِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ؛ أَلَا فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ} . أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {مَا مِنْ رَاعٍ يَسْتَرْعِيهِ اللَّهُ رَعِيَّةً يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لَهَا إلَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ} رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَدَخَلَ أَبُو مُسْلِمٍ الخولاني عَلَى مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْك أَيُّهَا الْأَجِيرُ؛ فَقَالُوا: قُلْ السَّلَامُ عَلَيْك أَيُّهَا الْأَمِيرُ. فَقَالَ السَّلَامُ عَلَيْك أَيُّهَا الْأَجِيرُ. فَقَالُوا: قُلْ: السَّلَامُ عَلَيْك أَيُّهَا الْأَمِيرُ. فَقَالَ السَّلَامُ عَلَيْك أَيُّهَا الْأَجِيرُ. فَقَالُوا قُلْ السَّلَامُ عَلَيْك أَيُّهَا الْأَمِيرُ. فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْك أَيُّهَا الْأَجِيرُ. فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: دَعُوا أَبَا مُسْلِمٍ فَإِنَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُ. فَقَالَ: إنَّمَا أَنْتَ أَجِيرٌ اسْتَأْجَرَك رَبُّ هَذِهِ الْغَنَمِ لِرِعَايَتِهَا؛ فَإِنْ أَنْتَ هَنَأْت جَرْبَاهَا وَدَاوَيْت مَرْضَاهَا وَحَبَسْت أُولَاهَا عَلَى أُخْرَاهَا: وَفَاك سَيِّدُهَا أَجْرَك وَإِنْ أَنْتَ لَمْ تَهْنَأْ جَرْبَاهَا وَلَمْ تداو مَرْضَاهَا؛ وَلَمْ تَحْبِسْ أُولَاهَا عَلَى أُخْرَاهَا عَاقَبَك سَيِّدُهَا. وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي الِاعْتِبَارِ؛ فَإِنَّ الْخَلْقَ عِبَادُ اللَّهِ وَالْوُلَاةُ نُوَّابُ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ وَهُمْ وُكَلَاءُ الْعِبَادِ عَلَى نُفُوسِهِمْ؛ بِمَنْزِلَةِ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ مَعَ
(28/251)

الْآخَرِ؛ فَفِيهِمْ مَعْنَى الْوِلَايَةِ وَالْوِكَالَةِ؛ ثُمَّ الْوَلِيُّ وَالْوَكِيلُ متى اسْتَنَابَ فِي أُمُورِهِ رَجُلًا وَتَرَكَ مَنْ هُوَ أَصْلَحَ لِلتِّجَارَةِ أَوْ الْعَقَارِ مِنْهُ وَبَاعَ السِّلْعَةَ بِثَمَنِ وَهُوَ يَجِدُ مَنْ يَشْتَرِيهَا بِخَيْرِ مِنْ ذَلِكَ الثَّمَنِ؛ فَقَدْ خَانَ صَاحِبَهُ لَا سِيَّمَا إنْ كَانَ بَيْنَ مَنْ حَابَاهُ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ أَوْ قَرَابَةٌ فَإِنَّ صَاحِبَهُ يُبْغِضُهُ وَيَذُمُّهُ وَيَرَى أَنَّهُ قَدْ خَانَهُ وَدَاهَنَ قَرِيبَهُ أَوْ صَدِيقَهُ.
فَصْلٌ:
إذَا عُرِفَ هَذَا فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَعْمِلَ إلَّا أَصْلَحَ الْمَوْجُودِ وَقَدْ لَا يَكُونُ فِي مَوْجُودِهِ مَنْ هُوَ أَصْلَحُ لِتِلْكَ الْوِلَايَةِ فَيَخْتَارُ الْأَمْثَلَ فَالْأَمْثَلَ فِي كُلِّ مَنْصِبٍ بِحَسْبِهِ وَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ بَعْدَ الِاجْتِهَادِ التَّامِّ وَأَخَذَهُ لِلْوِلَايَةِ بِحَقِّهَا فَقَدْ أَدَّى الْأَمَانَةَ وَقَامَ بِالْوَاجِبِ فِي هَذَا وَصَارَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مِنْ أَئِمَّةِ الْعَدْلِ الْمُقْسِطِينَ عِنْدَ اللَّهِ؛ وَإِنْ اخْتَلَّ بَعْضُ الْأُمُورِ بِسَبَبِ مِنْ غَيْرِهِ إذَا لَمْ يُمْكِنْ إلَّا ذَلِكَ فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} وَيَقُولُ: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا} وَقَالَ فِي الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ: {فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ} وَقَالَ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إذَا اهْتَدَيْتُمْ} فَمَنْ أَدَّى الْوَاجِبَ الْمَقْدُورَ عَلَيْهِ فَقَدْ اهْتَدَى: وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرِ فَأْتُوا
(28/252)

مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ} أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ؛ لَكِنْ إنْ كَانَ مِنْهُ عَجْزٌ بِلَا حَاجَةٍ إلَيْهِ أَوْ خِيَانَةٍ عُوقِبَ عَلَى ذَلِكَ. وَيَنْبَغِي أَنْ يَعْرِفَ الْأَصْلَحَ فِي كُلِّ مَنْصِبٍ فَإِنَّ الْوِلَايَةَ لَهَا رُكْنَانِ: الْقُوَّةُ وَالْأَمَانَةُ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: {إنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ} وَقَالَ صَاحِبُ مِصْرَ لِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ إنَّك الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ وَقَالَ تَعَالَى فِي صِفَةِ جِبْرِيلَ: {إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ} {ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ} {مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ} . وَالْقُوَّةُ فِي كُلِّ وِلَايَةٍ بِحَسْبِهَا؛ فَالْقُوَّةُ فِي إمَارَةِ الْحَرْبِ تَرْجِعُ إلَى شَجَاعَةِ الْقَلْبِ وَإِلَى الْخِبْرَةِ بِالْحُرُوبِ وَالْمُخَادَعَةِ فِيهَا؛ فَإِنَّ الْحَرْبَ خُدْعَةٌ وَإِلَى الْقُدْرَةِ عَلَى أَنْوَاعِ الْقِتَالِ: مِنْ رَمْيٍ وَطَعْنٍ وَضَرْبٍ وَرُكُوبٍ وَكَرٍّ وَفَرٍّ وَنَحْوِ ذَلِكَ؛ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ} . وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {ارْمُوا وَارْكَبُوا وَإِنْ تَرْمُوا أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ تَرْكَبُوا وَمَنْ تَعَلَّمَ الرَّمْيَ ثُمَّ نَسِيَهُ فَلَيْسَ مِنَّا} وَفِي رِوَايَةٍ: {فَهِيَ نِعْمَةٌ جَحَدَهَا} رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَالْقُوَّةُ فِي الْحُكْمِ بَيْنَ النَّاسِ تَرْجِعُ إلَى الْعِلْمِ بِالْعَدْلِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَإِلَى الْقُدْرَةِ عَلَى تَنْفِيذِ الْأَحْكَامِ. وَالْأَمَانَةُ تَرْجِعُ إلَى خَشْيَةِ اللَّهِ وَأَلَّا يَشْتَرِيَ بِآيَاتِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا
(28/253)

وَتَرَكَ خَشْيَةَ النَّاسِ؛ وَهَذِهِ الْخِصَالُ الثَّلَاثُ الَّتِي أَخَذَهَا اللَّهُ عَلَى كُلِّ مَنْ حَكَمَ عَلَى النَّاسِ؛ فِي قَوْله تَعَالَى {فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} . وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {الْقُضَاةُ ثَلَاثَةٌ: قَاضِيَانِ فِي النَّارِ وَقَاضٍ فِي الْجَنَّةِ. فَرَجُلٌ عَلِمَ الْحَقَّ وَقَضَى بِخِلَافِهِ فَهُوَ فِي النَّارِ. وَرَجُلٌ قَضَى بَيْنَ النَّاسِ عَلَى جَهْلٍ فَهُوَ فِي النَّارِ. وَرَجُلٌ عَلِمَ الْحَقَّ وَقَضَى بِهِ فَهُوَ فِي الْجَنَّةِ} رَوَاهُ أَهْلُ السُّنَنِ. وَالْقَاضِي اسْمٌ لِكُلِّ مَنْ قَضَى بَيْنَ اثْنَيْنِ وَحَكَمَ بَيْنَهُمَا سَوَاءٌ كَانَ خَلِيفَةً أَوْ سُلْطَانًا أَوْ نَائِبًا أَوْ وَالِيًا؛ أَوْ كَانَ مَنْصُوبًا لِيَقْضِيَ بِالشَّرْعِ أَوْ نَائِبًا لَهُ حَتَّى مَنْ يَحْكُمُ بَيْنَ الصِّبْيَانِ فِي الْخُطُوطِ. إذَا تَخَايَرُوا. هَكَذَا ذَكَرَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ ظَاهِرٌ.
فَصْلٌ:
اجْتِمَاعُ الْقُوَّةِ وَالْأَمَانَةِ فِي النَّاسِ قَلِيلٌ؛ وَلِهَذَا كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: اللَّهُمَّ أَشْكُو إلَيْك جَلَدَ الْفَاجِرِ وَعَجْزَ الثِّقَةِ. فَالْوَاجِبُ فِي كُلِّ وِلَايَةِ الْأَصْلَحُ بِحَسْبِهَا. فَإِذَا تَعَيَّنَ رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ أَمَانَةً وَالْآخَرُ أَعْظَمُ قُوَّةً؛ قُدِّمَ أَنْفَعُهُمَا لِتِلْكَ الْوِلَايَةِ: وَأَقَلُّهُمَا
(28/254)

ضَرَرًا فِيهَا؛ فَيُقَدَّمُ فِي إمَارَةِ الْحُرُوبِ الرَّجُلُ الْقَوِيُّ الشُّجَاعُ - وَإِنْ كَانَ فِيهِ فُجُورٌ - عَلَى الرَّجُلِ الضَّعِيفِ الْعَاجِزِ وَإِنْ كَانَ أَمِينًا؛ كَمَا سُئِلَ الْإِمَامُ أَحْمَد: عَنْ الرَّجُلَيْنِ يَكُونَانِ أَمِيرَيْنِ فِي الْغَزْوِ وَأَحَدُهُمَا قَوِيٌّ فَاجِرٌ وَالْآخَرُ صَالِحٌ ضَعِيفٌ مَعَ أَيِّهِمَا يُغْزَى؟ فَقَالَ: إمَّا الْفَاجِرُ الْقَوِيُّ فَقَوْلُهُ لِلْمُسْلِمِينَ وَفُجُورُهُ عَلَى نَفْسِهِ؛ وَأَمَّا الصَّالِحُ الضَّعِيفُ فَصَلَاحُهُ لِنَفْسِهِ وَضَعْفُهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَيُغْزَى مَعَ الْقَوِيِّ الْفَاجِرِ. وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {إنَّ اللَّهَ يُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ. وَرُوِيَ بِأَقْوَامِ لَا خَلَاقَ لَهُمْ} . وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَاجِرًا كَانَ أَوْلَى بِإِمَارَةِ الْحَرْبِ مِمَّنْ هُوَ أَصْلَحُ مِنْهُ فِي الدِّينِ إذَا لَمْ يَسُدَّ مَسَدَّهُ. وَلِهَذَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَعْمِلُ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ عَلَى الْحَرْبِ مُنْذُ أَسْلَمَ وَقَالَ: {إنَّ خَالِدَ سَيْفٌ سَلَّهُ اللَّهُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ} . مَعَ أَنَّهُ أَحْيَانًا قَدْ كَانَ يَعْمَلُ مَا يُنْكِرُهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى إنَّهُ - مَرَّةً - قَامَ ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ إلَى السَّمَاءِ وَقَالَ: {اللَّهُمَّ إنِّي أَبْرَأُ إلَيْك مِمَّا فَعَلَ خَالِدٌ} لَمَّا أَرْسَلَهُ إلَى بَنِي جَذِيمَةَ فَقَتَّلَهُمْ وَأَخَذَ أَمْوَالَهُمْ بِنَوْعِ شُبْهَةٍ وَلَمْ يَكُنْ يَجُوزُ ذَلِكَ وَأَنْكَرَهُ عَلَيْهِ بَعْضُ مَنْ مَعَهُ مِنْ الصَّحَابَةِ حَتَّى وَدَاهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَضَمِنَ أَمْوَالَهُمْ؛ وَمَعَ هَذَا فَمَا زَالَ يُقَدِّمُهُ فِي إمَارَةِ الْحَرْبِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ أَصْلَحَ فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ غَيْرِهِ وَفِعْلُ مَا فَعَلَ بِنَوْعِ تَأْوِيلٍ.
(28/255)

كَانَ أَبُو ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَصْلَحَ مِنْهُ فِي الْأَمَانَةِ وَالصِّدْقِ؛ وَمَعَ هَذَا فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {يَا أَبَا ذَرٍّ إنِّي أَرَاك ضَعِيفًا وَإِنِّي أُحِبُّ لَك مَا أُحِبُّ لِنَفْسِي: لَا تَأَمَّرَنَّ عَلَى اثْنَيْنِ وَلَا تَوَلَّيَنَّ مَالَ يَتِيمٍ} رَوَاهُ مُسْلِمٌ. نَهَى أَبَا ذَرٍّ عَنْ الْإِمَارَةِ وَالْوِلَايَةِ لِأَنَّهُ رَآهُ ضَعِيفًا مَعَ أَنَّهُ قَدْ رَوَى: {مَا أَظَلَّتْ الْخَضْرَاءُ وَلَا أَقَلَّتْ الْغَبْرَاءُ أَصْدَقَ لَهْجَةً مِنْ أَبِي ذَرٍّ} . وَأَمَّرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّةً عَمْرَو بْنَ العاص فِي غَزْوَةِ " ذَاتِ السَّلَاسِلِ - اسْتِعْطَافًا لِأَقَارِبِهِ الَّذِينَ بَعَثَهُ إلَيْهِمْ - عَلَى مَنْ هُمْ أَفْضَلُ مِنْهُ. وَأَمَّرَ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ؛ لِأَجْلِ طَلَبِ ثَأْرِ أَبِيهِ. كَذَلِكَ كَانَ يَسْتَعْمِلُ الرَّجُلَ لِمَصْلَحَةِ رَاجِحَةٍ مَعَ أَنَّهُ قَدْ كَانَ يَكُونُ مَعَ الْأَمِيرِ مَنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْهُ فِي الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ. وَهَكَذَا أَبُو بَكْرٍ خَلِيفَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَا زَالَ يَسْتَعْمِلُ خَالِدًا فِي حَرْبِ أَهْلِ الرِّدَّةِ وَفِي فُتُوحِ الْعِرَاقِ وَالشَّامِ وَبَدَتْ مِنْهُ هَفَوَاتٌ كَانَ لَهُ فِيهَا تَأْوِيلٌ وَقَدْ ذُكِرَ لَهُ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ لَهُ فِيهَا هَوًى فَلَمْ يَعْزِلْهُ مِنْ أَجْلِهَا؛ بَلْ عَاتَبَهُ عَلَيْهَا؛ لِرُجْحَانِ الْمَصْلَحَةِ عَلَى الْمَفْسَدَةِ فِي بَقَائِهِ وَأَنَّ غَيْرَهُ لَمْ يَكُنْ يَقُومُ مَقَامَهُ؛ لِأَنَّ الْمُتَوَلِّيَ الْكَبِيرَ إذَا كَانَ خُلُقُهُ يَمِيلُ إلَى اللِّينِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ خُلُقُ نَائِبِهِ يَمِيلُ إلَى الشِّدَّةِ؛ وَإِذَا كَانَ خُلُقُهُ يَمِيلُ إلَى الشِّدَّةِ فَيَنْبَغِي أَنْ
(28/256)

يَكُونَ خُلُقُ نَائِبِهِ يَمِيلُ إلَى اللِّينِ؛ لِيَعْتَدِلَ الْأَمْرُ. وَلِهَذَا كَانَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يُؤْثِرُ اسْتِنَابَةَ خَالِدٍ؛ وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يُؤْثِرُ عَزْلَ خَالِدٍ وَاسْتِنَابَةَ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِأَنَّ خَالِدًا كَانَ شَدِيدًا كَعُمَرِ بْنِ الْخَطَّابِ وَأَبَا عُبَيْدَةَ كَانَ لَيِّنًا كَأَبِي بَكْرٍ؛ وَكَانَ الْأَصْلَحُ لِكُلِّ مِنْهُمَا أَنْ يُوَلِّيَ مَنْ وَلَّاهُ؛ لِيَكُونَ أَمْرُهُ مُعْتَدِلًا وَيَكُونَ بِذَلِكَ مِنْ خُلَفَاءِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي هُوَ مُعْتَدِلٌ؛ حَقًّا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {أَنَا نَبِيُّ الرَّحْمَةِ أَنَا نَبِيُّ الْمَلْحَمَةِ} وَقَالَ: {أَنَا الضَّحُوكُ الْقَتَّالُ} . وَأُمَّتُهُ وَسَطٌ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ: {أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا} وَقَالَ تَعَالَى: {أَذِلَّةً عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةً عَلَى الْكَافِرِينَ} . وَلِهَذَا لَمَّا تَوَلَّى أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا صَارَا كَامِلَيْنِ فِي الْوِلَايَةِ وَاعْتَدَلَ مِنْهُمَا مَا كَانَ يُنْسَبَانِ فِيهِ إلَى أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ لِينِ أَحَدِهَا وَشِدَّةِ الْآخَرِ حَتَّى قَالَ فِيهِمَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {اقْتَدُوا بالذين مِنْ بَعْدِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ} . وَظَهَرَ مِنْ أَبِي بَكْرٍ مِنْ شَجَاعَةِ الْقَلْبِ فِي قِتَالِ أَهْلِ الرِّدَّةِ وَغَيْرِهِمْ: مَا بَرَزَ بِهِ عَلَى عُمَرَ وَسَائِرِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ. وَإِذَا كَانَتْ الْحَاجَةُ فِي الْوِلَايَةِ إلَى الْأَمَانَةِ أَشَدَّ قُدِّمَ الْأَمِينُ: مِثْلُ
(28/257)

حِفْظِ الْأَمْوَالِ وَنَحْوِهَا؛ فَأَمَّا اسْتِخْرَاجُهَا وَحِفْظُهَا فَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ قُوَّةٍ وَأَمَانَةٍ فَيُوَلَّى عَلَيْهَا شَادٌّ قَوِيٌّ يَسْتَخْرِجُهَا بِقُوَّتِهِ وَكَاتِبٌ أَمِينٌ يَحْفَظُهَا بِخِبْرَتِهِ وَأَمَانَتِهِ. وَكَذَلِكَ فِي إمَارَةِ الْحَرْبِ إذَا أَمَرَ الْأَمِيرُ بِمُشَاوَرَةِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالدِّينِ جَمَعَ بَيْنَ الْمَصْلَحَتَيْنِ؛ وَهَكَذَا فِي سَائِرِ الْوِلَايَاتِ إذَا لَمْ تَتِمَّ الْمَصْلَحَةُ بِرَجُلِ وَاحِدٍ جَمَعَ بَيْنَ عَدَدٍ؛ فَلَا بُدَّ مِنْ تَرْجِيحِ الْأَصْلَحِ أَوْ تَعَدُّدِ الْمَوْلَى إذَا لَمْ تَقَعْ الْكِفَايَةُ بِوَاحِدِ تَامٍّ. وَيُقَدَّمُ فِي وِلَايَةِ الْقَضَاءِ: الْأَعْلَمُ الْأَوْرَعُ الْأَكْفَأُ؛ فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَعْلَمَ وَالْآخَرُ أَوْرَعَ؛ قُدِّمَ - فِيمَا قَدْ يَظْهَرُ حُكْمُهُ وَيُخَافُ فِيهِ الْهَوَى - الْأَوْرَعُ؛ وَفِيمَا يَدُقُّ حُكْمُهُ وَيُخَافُ فِيهِ الِاشْتِبَاهُ: الْأَعْلَمُ. فَفِي الْحَدِيثِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: {إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْبَصَرَ النَّافِذَ عِنْدَ وُرُودِ الشُّبُهَاتِ وَيُحِبُّ الْعَقْلَ الْكَامِلَ عِنْدَ حُلُولِ الشَّهَوَاتِ} . وَيُقَدَّمَانِ عَلَى الْأَكْفَأِ إنْ كَانَ الْقَاضِي مُؤَيَّدًا تَأْيِيدًا تَامًّا مِنْ جِهَةِ وَالِي الْحَرْبِ أَوْ الْعَامَّةِ. وَيُقَدِّمُ الْأَكْفَأَ. إنْ كَانَ الْقَضَاءُ يَحْتَاجُ إلَى قُوَّةٍ وَإِعَانَةٍ لِلْقَاضِي أَكْثَرَ مِنْ حَاجَتِهِ إلَى مَزِيدِ الْعِلْمِ وَالْوَرَعِ؛ فَإِنَّ الْقَاضِيَ الْمُطْلَقَ يَحْتَاجُ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا عَادِلًا قَادِرًا. بَلْ كَذَلِكَ كُلُّ وَالٍ لِلْمُسْلِمِينَ فَأَيُّ صِفَةٍ مِنْ هَذِهِ الصِّفَاتِ نَقَصَتْ ظَهَرَ الْخَلَلُ بِسَبَبِهِ وَالْكَفَاءَةُ: إمَّا بِقَهْرِ وَرَهْبَةٍ،
(28/258)

وَإِمَّا بِإِحْسَانِ وَرَغْبَةٍ وَفِي الْحَقِيقَةِ فَلَا بُدَّ مِنْهُمَا. وَسُئِلَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إذَا لَمْ يُوجَدْ مَنْ يُوَلَّى الْقَضَاءُ؛ إلَّا عَالِمٌ فَاسِقٌ أَوْ جَاهِلٌ دَيِّنٌ؛ فَأَيُّهُمَا يُقَدَّمُ؟ فَقَالَ: إنْ كَانَتْ الْحَاجَةُ إلَى الدَّيِّنِ أَكْثَرَ لِغَلَبَةِ الْفَسَادِ قُدِّمَ الدَّيِّنُ. وَإِنْ كَانَتْ الْحَاجَةُ إلَى الْعِلْمِ أَكْثَرَ لِخَفَاءِ الْحُكُومَاتِ قُدِّمَ الْعَالِمُ. وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ يُقَدِّمُونَ ذَا الدِّينِ؛ فَإِنَّ الْأَئِمَّةَ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي الْمُتَوَلِّي مِنْ أَنْ يَكُونَ عَدْلًا أَهْلًا لِلشَّهَادَةِ؛ وَاخْتَلَفُوا فِي اشْتِرَاطِ الْعِلْمِ: هَلْ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُجْتَهِدًا أَوْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُقَلِّدًا أَوْ الْوَاجِبُ تَوْلِيَةُ الْأَمْثَلِ فَالْأَمْثَلِ كَيْفَمَا تَيَسَّرَ؟ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ. وَبُسِطَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ. وَمَعَ أَنَّهُ يَجُوزُ تَوْلِيَةُ غَيْرِ الْأَهْلِ لِلضَّرُورَةِ إذَا كَانَ أَصْلَحَ الْمَوْجُودِ فَيَجِبُ مَعَ ذَلِكَ السَّعْيُ فِي إصْلَاحِ الْأَحْوَالِ حَقًّا يَكْمُلُ فِي النَّاسِ مَا لَا بُدَّ لَهُمْ مِنْهُ مِنْ أُمُورِ الْوِلَايَاتِ وَالْإِمَارَاتِ وَنَحْوِهَا؛ كَمَا يَجِبُ عَلَى الْمُعْسِرِ السَّعْيُ فِي وَفَاءِ دَيْنِهِ وَإِنْ كَانَ فِي الْحَالِ لَا يُطْلَبُ مِنْهُ إلَّا مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ وَكَمَا يَجِبُ الِاسْتِعْدَادُ لِلْجِهَادِ بِإِعْدَادِ الْقُوَّةِ وَرِبَاطِ الْخَيْلِ فِي وَقْتِ سُقُوطِهِ لِلْعَجْزِ فَإِنَّ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ بِخِلَافِ الِاسْتِطَاعَةِ فِي الْحَجِّ وَنَحْوِهَا فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ تَحْصِيلُهَا لِأَنَّ الْوُجُوبَ هُنَا لَا يَتِمُّ إلَّا بِهَا.
(28/259)

فَصْلٌ:
وَأَهَمُّ مَا فِي هَذَا الْبَابِ مَعْرِفَةُ الْأَصْلَحِ وَذَلِكَ إنَّمَا يَتِمُّ بِمَعْرِفَةِ مَقْصُودِ الْوِلَايَةِ وَمَعْرِفَةِ طَرِيقِ الْمَقْصُودِ؛ فَإِذَا عُرِفَتْ الْمَقَاصِدُ وَالْوَسَائِلُ تَمَّ الْأَمْرُ. فَلِهَذَا لَمَّا غَلَبَ عَلَى أَكْثَرِ الْمُلُوكِ قَصْدُ الدُّنْيَا؛ دُونَ الدِّينِ؛ قَدَّمُوا فِي وِلَايَتِهِمْ مَنْ يُعِينُهُمْ عَلَى تِلْكَ الْمَقَاصِدِ وَكَانَ مَنْ يَطْلُبُ رِئَاسَةَ نَفْسِهِ يُؤْثِرُ تَقْدِيمَ مَنْ يُقِيمُ رِئَاسَتَهُ؛ وَقَدْ كَانَتْ السُّنَّةُ أَنَّ الَّذِي يُصَلِّي بِالْمُسْلِمِينَ الْجُمُعَةَ وَالْجَمَاعَةَ وَيَخْطُبُ بِهِمْ: هُمْ أُمَرَاءُ الْحَرْبِ الَّذِينَ هُمْ نُوَّابُ ذِي السُّلْطَانِ عَلَى الْأَجْنَادِ؛ وَلِهَذَا لَمَّا قَدَّمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبَا بَكْرٍ فِي الصَّلَاةِ قَدَّمَهُ الْمُسْلِمُونَ فِي إمَارَةِ الْحَرْبِ وَغَيْرِهَا. وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا بَعَثَ أَمِيرًا عَلَى حَرْبٍ كَانَ هُوَ الَّذِي يُؤَمِّرُهُ لِلصَّلَاةِ بِأَصْحَابِهِ وَكَذَلِكَ إذَا اسْتَعْمَلَ رَجُلًا نَائِبًا عَلَى مَدِينَةٍ كَمَا اسْتَعْمَلَ عَتَّابَ بْنَ أَسِيدٍ عَلَى مَكَّةَ وَعُثْمَانَ بْنَ أَبِي العاص عَلَى الطَّائِفِ وَعَلِيًّا وَمُعَاذًا وَأَبَا مُوسَى عَلَى الْيَمَنِ وَعَمْرَو بْنَ حَزْمٍ عَلَى نَجْرَانَ: كَانَ نَائِبُهُ هُوَ الَّذِي يُصَلِّي بِهِمْ وَيُقِيمُ
(28/260)

فِيهِمْ الْحُدُودَ وَغَيْرَهَا مِمَّا يَفْعَلُهُ أَمِيرُ الْحَرْبِ وَكَذَلِكَ خُلَفَاؤُهُ بَعْدَهُ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ الْمُلُوكِ الْأُمَوِيِّينَ وَبَعْضِ الْعَبَّاسِيِّينَ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ أَهَمَّ أَمْرِ الدِّينِ الصَّلَاةُ وَالْجِهَادُ؛ وَلِهَذَا كَانَتْ أَكْثَرُ الْأَحَادِيثِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّلَاةِ وَالْجِهَادِ وَكَانَ إذَا عَادَ مَرِيضًا يَقُولُ: {اللَّهُمَّ اشْفِ عَبْدَك يَشْهَدُ لَك صَلَاةً وَيَنْكَأُ لَك عَدُوًّا} . {وَلَمَّا بَعَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُعَاذًا إلَى الْيَمَنِ قَالَ: يَا مُعَاذُ إنَّ أَهَمَّ أَمْرِك عِنْدِي الصَّلَاةُ} . وَكَذَلِكَ كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَكْتُبُ إلَى عُمَّالِهِ: " إنَّ أَهَمَّ أُمُورِكُمْ عِنْدِي الصَّلَاةُ؛ فَمَنْ حَافَظَ عَلَيْهَا وَحَفِظَهَا حَفِظَ دِينَهُ وَمَنْ ضَيَّعَهَا كَانَ لِمَا سِوَاهَا مِنْ عَمَلِهِ أَشَدَّ إضَاعَةٍ " {. وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:} الصَّلَاةُ عِمَادُ الدِّينِ {. فَإِذَا أَقَامَ الْمُتَوَلِّي عِمَادَ الدِّينِ: فَالصَّلَاةُ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَهِيَ الَّتِي تُعِينُ النَّاسَ عَلَى مَا سِوَاهَا مِنْ الطَّاعَاتِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ} وَقَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} وَقَالَ لِنَبِيِّهِ: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى} وَقَالَ
(28/261)

تَعَالَى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إلَّا لِيَعْبُدُونِ} {مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ} {إنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ} . فَالْمَقْصُودُ الْوَاجِبُ بِالْوِلَايَاتِ: إصْلَاحُ دِينِ الْخَلْقِ الَّذِي مَتَى فَاتَهُمْ خَسِرُوا خُسْرَانًا مُبِينًا وَلَمْ يَنْفَعْهُمْ مَا نَعِمُوا بِهِ فِي الدُّنْيَا؛ وَإِصْلَاحُ مَا لَا يَقُومُ الدِّينُ إلَّا بِهِ مِنْ أَمْرِ دُنْيَاهُمْ. وَهُوَ نَوْعَانِ: قَسْمُ الْمَالِ بَيْنَ مُسْتَحِقِّيهِ؛ وَعُقُوبَاتُ الْمُعْتَدِينَ فَمَنْ لَمْ يَعْتَدِ أَصْلَحَ لَهُ دِينَهُ وَدُنْيَاهُ وَلِهَذَا كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَقُولُ: " إنَّمَا بَعَثْت عُمَّالِي إلَيْكُمْ لِيُعَلِّمُوكُمْ كِتَابَ رَبِّكُمْ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ وَيَقْسِمُوا بَيْنَكُمْ فَيْأَكُمْ "} . فَلَمَّا تَغَيَّرَتْ الرَّعِيَّةُ مِنْ وَجْهِ وَالرُّعَاةِ مِنْ وَجْهٍ؛ تَنَاقَضَتْ الْأُمُورُ. فَإِذَا اجْتَهَدَ الرَّاعِي فِي إصْلَاحِ دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ كَانَ مِنْ أَفْضَلِ أَهْلِ زَمَانِهِ وَكَانَ مِنْ أَفْضَلِ الْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؛ فَقَدْ رُوِيَ: {يَوْمٌ مِنْ إمَامٍ عَادِلٍ أَفْضَلُ مِنْ عِبَادَةِ سِتِّينَ سَنَةً} وَفِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَد عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: {أَحَبُّ الْخَلْقِ إلَى اللَّهِ إمَامٌ عَادِلٌ وَأَبْغَضُهُمْ إلَيْهِ إمَامٌ جَائِرٌ} وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمْ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إلَّا ظِلُّهُ: إمَامٌ عَادِلٌ وَشَابٌّ نَشَأَ فِي طَاعَةِ اللَّهِ وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ بِالْمَسْجِدِ إذَا خَرَجَ مِنْهُ حَتَّى يَعُودَ إلَيْهِ وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَى ذَلِكَ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ
(28/262)

عَيْنَاهُ وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ: إنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةِ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمُ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ} . وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {أَهْلُ الْجَنَّةِ ثَلَاثَةٌ: ذُو سُلْطَانٍ مُقْسِطٍ وَرَجُلٌ رَحِيمٌ رَقِيقُ الْقَلْبِ بِكُلِّ ذِي قُرْبَى وَمُسْلِمٍ وَرَجُلٌ غَنِيٌّ عَفِيفٌ مُتَصَدِّقٌ} . وَفِي السُّنَنِ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: {السَّاعِي عَلَى الصَّدَقَةِ بِالْحَقِّ كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى - لَمَّا أَمَرَ بِالْجِهَادِ -: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} {وَقِيلَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ الرَّجُلُ يُقَاتِلُ شَجَاعَةً وَيُقَاتِلُ حَمِيَّةً وَيُقَاتِلُ رِيَاءً فَأَيُّ ذَلِكَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ فَقَالَ: مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ. فَالْمَقْصُودُ أَنْ يَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ وَأَنْ تَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَكَلِمَةُ اللَّهِ: اسْمٌ جَامِعٌ لِكَلِمَاتِهِ الَّتِي تَضَمَّنَهَا كِتَابُهُ وَهَكَذَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ} فَالْمَقْصُودُ مِنْ إرْسَالِ الرُّسُلِ وَإِنْزَالِ الْكُتُبِ أَنْ يَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ فِي حُقُوقِ اللَّهِ وَحُقُوقِ خَلْقِهِ. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى:
(28/263)

{وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ} . فَمَنْ عَدَلَ عَنْ الْكِتَابِ قُوِّمَ بِالْحَدِيدِ؛ وَلِهَذَا كَانَ قِوَامُ الدِّينِ بِالْمُصْحَفِ وَالسَّيْفِ. وَقَدْ رُوِيَ {عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نَضْرِبَ بِهَذَا - يَعْنِي السَّيْفَ - مَنْ عَدَلَ عَنْ هَذَا - يَعْنِي الْمُصْحَفَ} - فَإِذَا كَانَ هَذَا هُوَ الْمَقْصُودُ فَإِنَّهُ يَتَوَسَّلُ إلَيْهِ بِالْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ وَيَنْظُرُ إلَى الرَّجُلَيْنِ أَيُّهُمَا كَانَ أَقْرَبَ إلَى الْمَقْصُودِ وَلِيَ؛ فَإِذَا كَانَتْ الْوِلَايَةُ مَثَلًا - إمَامَةَ صَلَاةٍ فَقَطْ؛ قُدِّمَ مَنْ قَدَّمَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَيْثُ قَالَ: {يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ فَإِنْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءً فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ فَإِنْ كَانُوا فِي السُّنَّةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً فَإِنْ كَانُوا فِي الْهِجْرَةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ سِنًّا وَلَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي سُلْطَانِهِ وَلَا يَجْلِسُ فِي بَيْتِهِ عَلَى تَكْرِمَتِهِ إلَّا بِإِذْنِهِ} رَوَاهُ مُسْلِمٌ فَإِذَا تَكَافَأَ رَجُلَانِ؛ وَخَفِيَ أَصْلَحُهُمَا أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا كَمَا أَقْرَعَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ بَيْنَ النَّاسِ يَوْمَ الْقَادِسِيَّةِ لَمَّا تَشَاجَرُوا عَلَى الْأَذَانِ؛ مُتَابَعَةً لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الْأَوَّلِ ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إلَّا أَنْ يستهموا عَلَيْهِ لاستهموا} . فَإِذَا كَانَ التَّقْدِيمُ بِأَمْرِ اللَّهِ إذَا ظَهَرَ وَبِفِعْلِهِ - وَهُوَ مَا يُرَجِّحُهُ بِالْقُرْعَةِ إذَا خَفِيَ الْأَمْرُ - كَانَ الْمُتَوَلِّي قَدْ أَدَّى الْأَمَانَاتِ فِي الْوِلَايَاتِ إلَى أَهْلِهَا.
(28/264)

فَصْلٌ:
الْقِسْمُ الثَّانِي مِنْ الْأَمَانَاتِ: الْأَمْوَالُ كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي الدُّيُونِ: {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ} . وَيَدْخُلُ فِي هَذَا الْقِسْمِ: الْأَعْيَانُ وَالدُّيُونُ الْخَاصَّةُ وَالْعَامَّةُ: مِثْلَ رَدِّ الْوَدَائِعِ وَمَالِ الشَّرِيكِ وَالْمُوَكَّلِ وَالْمُضَارِبِ وَمَالِ الْمَوْلَى مِنْ الْيَتِيمِ وَأَهْلِ الْوَقْفِ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَكَذَلِكَ وَفَاءُ الدُّيُونِ مِنْ أَثْمَانِ الْمَبِيعَاتِ وَبَدَلُ الْقَرْضِ وَصَدَقَاتُ النِّسَاءِ وَأُجُورُ الْمَنَافِعِ وَنَحْوُ ذَلِكَ. وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {إنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا} {إذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا} {وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا} {إلَّا الْمُصَلِّينَ} {الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ} {وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ} {لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} إلَى قَوْلِهِ: {وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ} وَقَالَ تَعَالَى: {إنَّا أَنْزَلْنَا إلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا} أَيْ لَا تُخَاصِمْ عَنْهُمْ. وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {أَدِّ الْأَمَانَةَ إلَى مَنْ ائْتَمَنَك وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَك} وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {الْمُؤْمِنُ مَنْ أَمِنَهُ الْمُسْلِمُونَ عَلَى دِمَائِهِمْ وَأَمْوَلِهِمْ وَالْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا
(28/265)

نَهَى اللَّهُ عَنْهُ وَالْمُجَاهِدُ مَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ فِي ذَاتِ اللَّهِ} . وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ بَعْضُهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَبَعْضُهُ فِي سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّاهَا اللَّهُ عَنْهُ وَمَنْ أَخَذَهَا يُرِيدُ إتْلَافَهَا أَتْلَفَهُ اللَّهُ} رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَإِذَا كَانَ اللَّهُ قَدْ أَوْجَبَ أَدَاءَ الْأَمَانَاتِ الَّتِي قُبِضَتْ بِحَقِّ؛ فَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى وُجُوبِ أَدَاءِ الْغَصْبِ وَالسَّرِقَةِ وَالْخِيَانَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ الْمَظَالِمِ كَذَلِكَ أَدَاءُ الْعَارِيَةِ. وَقَدْ {خَطَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَقَالَ فِي خُطْبَتِهِ: الْعَارِيَةُ مُؤَدَّاةٌ وَالْمِنْحَةُ مَرْدُودَةٌ وَالدَّيْنُ مَقْضِيٌّ وَالزَّعِيمُ غَارِمٌ؛ إنَّ اللَّهَ قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثِ} . وَهَذَا الْقِسْمُ يَتَنَاوَلُ الْوُلَاةَ وَالرَّعِيَّةَ فَعَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا: أَنْ يُؤَدِّيَ إلَى الْآخَرِ مَا يَجِبُ أَدَاؤُهُ إلَيْهِ فَعَلَى ذِي السُّلْطَانِ وَنُوَّابِهِ فِي الْعَطَاءِ أَنْ يُؤْتُوا كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ. وَعَلَى جُبَاةِ الْأَمْوَالِ كَأَهْلِ الدِّيوَانِ أَنْ يُؤَدُّوا إلَى ذِي السُّلْطَانِ مَا يَجِبُ إيتَاؤُهُ إلَيْهِ؛ كَذَلِكَ عَلَى الرَّعِيَّةِ الَّذِينَ تَجِبُ عَلَيْهِمْ الْحُقُوقُ؛ وَلَيْسَ لِلرَّعِيَّةِ أَنْ يَطْلُبُوا مِنْ وُلَاةِ الْأَمْوَالِ مَا لَا يَسْتَحِقُّونَهُ فَيَكُونُونَ مِنْ جِنْسِ مَنْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إذَا هُمْ يَسْخَطُونَ} {وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إنَّا إلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ} ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحَانَهُ لِمَنْ تَكُونُ
(28/266)

بِقَوْلِهِ: {إنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} . وَلَا لَهُمْ أَنْ يَمْنَعُوا السُّلْطَانَ مَا يَجِبُ دَفْعُهُ إلَيْهِ مِنْ الْحُقُوقِ وَإِنْ كَانَ ظَالِمًا؛ كَمَا أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا ذُكِرَ جَوْرُ الْوُلَاةِ فَقَالَ: {أَدُّوا إلَيْهِمْ الَّذِي لَهُمْ؛ فَإِنَّ اللَّهَ سَائِلُهُمْ عَمَّا اسْتَرْعَاهُمْ} . فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: {كَانَتْ بَنُو إسْرَائِيلَ تَسُوسُهُمْ الْأَنْبِيَاءُ كُلَّمَا هَلَكَ نَبِيٌّ خَلَفَهُ نَبِيٌّ وَأَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي وَسَيَكُونُ خُلَفَاءُ وَيَكْثُرُونَ. قَالُوا: فَمَا تَأْمُرُنَا؟ فَقَالَ: أَوْفُوا بِبَيْعَةِ الْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ؛ ثُمَّ أَعْطُوهُمْ حَقَّهُمْ؛ فَإِنَّ اللَّهَ سَائِلُهُمْ عَمَّا اسْتَرْعَاهُمْ} . وَفِيهِمَا عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {إنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً وَأُمُورًا تُنْكِرُونَهَا قَالُوا: فَمَا تَأْمُرُنَا بِهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: أَدُّوا إلَيْهِمْ حَقَّهُمْ؛ وَاسْأَلُوا اللَّهَ حَقَّكُمْ} . وَلَيْسَ لِوُلَاةِ الْأُمُورِ أَنْ يَقْسِمُوهَا بِحَسَبِ أَهْوَائِهِمْ كَمَا يَقْسِمُ الْمَالِكُ مِلْكَهُ؛ فَإِنَّمَا هُمْ أُمَنَاءُ وَنُوَّابٌ وَوُكَلَاءُ لَيْسُوا مُلَّاكًا؛ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ
(28/267)

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {إنِّي - وَاَللَّهِ - لَا أُعْطِي أَحَدًا وَلَا أَمْنَعُ أَحَدًا؛ وَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ أَضَعُ حَيْثُ أُمِرْت} . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ نَحْوُهُ. فَهَذَا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ قَدْ أَخْبَرَ أَنَّهُ لَيْسَ الْمَنْعُ وَالْعَطَاءُ بِإِرَادَتِهِ وَاخْتِيَارِهِ كَمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ الْمَالِكُ الَّذِي أُبِيحَ لَهُ التَّصَرُّفُ فِي مَالِهِ وَكَمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ الْمُلُوكُ الَّذِينَ يُعْطُونَ مَنْ أَحَبُّوا وَيَمْنَعُونَ مَنْ أَبْغَضُوا وَإِنَّمَا هُوَ عَبْدُ اللَّهِ يَقْسِمُ الْمَالَ بِأَمْرِهِ فَيَضَعُهُ حَيْثُ أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى. وَهَكَذَا قَالَ رَجُلٌ لِعُمَرِ بْنِ الْخَطَّابِ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ - لَوْ وَسَّعْت عَلَى نَفْسِك فِي النَّفَقَةِ مِنْ مَالِ اللَّهِ تَعَالَى. فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أَتَدْرِي مَا مَثَلِي وَمَثَلُ هَؤُلَاءِ؟ كَمَثَلِ قَوْمٍ كَانُوا فِي سَفَرٍ فَجَمَعُوا مِنْهُمْ مَالًا وَسَلَّمُوهُ إلَى وَاحِدٍ يُنْفِقُهُ عَلَيْهِمْ فَهَلْ يَحِلُّ لِذَلِكَ الرَّجُلِ أَنْ يَسْتَأْثِرَ عَنْهُمْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ؟ . وَحُمِلَ مَرَّةً إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مَالٌ عَظِيمٌ مِنْ الْخُمُسِ؛ فَقَالَ: إنَّ قَوْمًا أَدَّوْا الْأَمَانَةَ فِي هَذَا لِأُمَنَاءَ. فَقَالَ لَهُ بَعْضُ الْحَاضِرِينَ: إنَّك أَدَّيْت الْأَمَانَةَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى فَأَدَّوْا إلَيْك الْأَمَانَةَ وَلَوْ رَتَعْت لَرَتَعُوا. وَيَنْبَغِي أَنْ يَعْرِفَ أَنَّ أُولِي الْأَمْرِ كَالسُّوقِ مَا نَفَقَ فِيهِ جُلِبَ إلَيْهِ؛ هَكَذَا قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. فَإِنْ نَفَقَ فِيهِ الصِّدْقُ وَالْبِرُّ وَالْعَدْلُ وَالْأَمَانَةُ جُلِبَ إلَيْهِ ذَلِكَ؛ وَإِنْ نَفَقَ فِيهِ الْكَذِبُ وَالْفُجُورُ
(28/268)

وَالْجَوْرُ وَالْخِيَانَةُ جُلِبَ إلَيْهِ ذَلِكَ. وَاَلَّذِي عَلَى وَلِيِّ الْأَمْرِ أَنْ يَأْخُذَ الْمَالَ مِنْ حِلِّهِ وَيَضَعَهُ فِي حَقِّهِ وَلَا يَمْنَعُهُ مِنْ مُسْتَحِقِّهِ؛ وَكَانَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إذَا بَلَغَهُ أَنَّ بَعْضَ نُوَّابِهِ ظَلَمَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إنِّي لَمْ آمُرْهُمْ أَنْ يَظْلِمُوا خَلْقَك وَلَا يَتْرُكُوا حَقَّك.
فَصْلٌ:
الْأَمْوَالُ السُّلْطَانِيَّةُ الَّتِي أَصْلُهَا فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ؛ ثَلَاثَةُ أَصْنَافٍ: الْغَنِيمَةُ وَالصَّدَقَةُ وَالْفَيْءُ. فَأَمَّا " الْغَنِيمَةُ " فَهِيَ الْمَالُ الْمَأْخُوذُ مِنْ الْكُفَّارِ بِالْقِتَالِ ذَكَرَهَا اللَّهُ فِي " سُورَةِ الْأَنْفَالِ " الَّتِي أَنْزَلَهَا فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ وَسَمَّاهَا أَنْفَالًا؛ لِأَنَّهَا زِيَادَةٌ فِي أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ} إلَى قَوْلِهِ: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ} الْآيَةَ؛ وَقَالَ: {فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: {أُعْطِيت خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ نَبِيٌّ قَبْلِي: نُصِرْت
(28/269)

بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ وَجُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ؛ وَأُحِلَّتْ لِي الْغَنَائِمُ وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدِ قَبْلِي وَأُعْطِيت الشَّفَاعَةُ وَكَانَ النَّبِيُّ بُعِثَ إلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْت إلَى النَّاسِ عَامَّةً} وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {بُعِثْت بِالسَّيْفِ بَيْنَ يَدَيْ السَّاعَةِ حَتَّى يُعْبَدَ اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَجُعِلَ رِزْقِي تَحْتَ ظِلِّ رُمْحِي وَجُعِلَ الذُّلُّ وَالصَّغَارُ عَلَى مَنْ خَالَفَ أَمْرِي وَمَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمِ فَهُوَ مِنْهُمْ} . رَوَاهُ أَحْمَد فِي الْمُسْنَدِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَاسْتَشْهَدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ. فَالْوَاجِبُ فِي الْمَغْنَمِ تَخْمِيسُهُ وَصَرْفُ الْخُمُسِ إلَى مَنْ ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى؛ وَقِسْمَةُ الْبَاقِي بَيْنَ الْغَانِمِينَ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الْغَنِيمَةُ لِمَنْ شَهِدَ الْوَقْعَةَ. وَهُمْ الَّذِينَ شَهِدُوهَا لِلْقِتَالِ قَاتَلُوا أَوْ لَمْ يُقَاتِلُوا. وَيَجِبُ قَسَمُهَا بَيْنَهُمْ بِالْعَدْلِ فَلَا يُحَابَى أَحَدٌ لَا لِرِيَاسَتِهِ وَلَا لِنَسَبِهِ وَلَا لِفَضْلِهِ كَمَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَخُلَفَاؤُهُ يَقْسِمُونَهَا. وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ: {أَنَّ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رَأَى لَهُ فَضْلًا عَلَى مَنْ دُونَهُ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَلْ تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُونَ إلَّا بِضُعَفَائِكُمْ؟} وَفِي مُسْنَدِ أَحْمَد {عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ الرَّجُلُ يَكُونُ حَامِيَةَ الْقَوْمِ يَكُونُ سَهْمُهُ وَسَهْمُ غَيْرِهِ سَوَاءً؟ قَالَ: ثَكِلَتْك أُمُّك ابْنَ أُمِّ سَعْدٍ؛ وَهَلْ تُرْزَقُونَ وَتُنْصَرُونَ
(28/270)

إلَّا بِضُعَفَائِكُمْ؟} . وَمَا زَالَتْ الْغَنَائِمُ تُقْسَمُ بَيْنَ الْغَانِمِينَ فِي دَوْلَةِ بَنِي أُمَيَّةَ وَدَوْلَةِ بَنِي الْعَبَّاسِ لَمَّا كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَغْزُونَ الرُّومَ وَالتُّرْكَ وَالْبَرْبَرَ؛ لَكِنْ يَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يُنَفِّلَ مَنْ ظَهَرَ مِنْهُ زِيَادَةُ نِكَايَةٍ: كَسَرِيَّةِ تَسَرَّتْ مِنْ الْجَيْشِ أَوْ رَجُلٍ صَعِدَ حِصْنًا عَالِيًا فَفَتَحَهُ أَوْ حَمَلَ عَلَى مُقَدَّمِ الْعَدُوِّ فَقَتَلَهُ فَهَزَمَ الْعَدُوَّ وَنَحْوَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَخُلَفَاءَهُ كَانُوا يُنَفِّلُونَ لِذَلِكَ. وَكَانَ يُنَفِّلُ السِّرِّيَّةَ فِي الْبِدَايَةِ الرُّبُعَ بَعْدَ الْخُمُسِ وَفِي الرَّجْعَةِ الثُّلُثُ بَعْدَ الْخُمُسِ. وَهَذَا النَّفْلُ؛ قَالَ الْعُلَمَاءُ: إنَّهُ يَكُونُ مِنْ الْخُمُسِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّهُ يَكُونُ مِنْ خُمُسِ الْخُمُسِ؛ لِئَلَّا يُفَضِّلَ بَعْضَ الْغَانِمِينَ عَلَى بَعْضٍ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَجُوزُ مِنْ أَرْبَعَةِ الْأَخْمَاسِ وَإِنْ كَانَ فِيهِ تَفْضِيلُ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ لِمَصْلَحَةِ دِينِيَّةٍ؛ لَا لِهَوَى النَّفْسِ كَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ. وَهَذَا قَوْلُ فُقَهَاءِ الشَّامِ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَد وَغَيْرِهِمْ وَعَلَى هَذَا فَقَدْ قِيلَ: إنَّهُ يُنَفِّلُ الرُّبُعَ وَالثُّلُثَ بِشَرْطِ وَغَيْرِ شَرْطٍ وَيُنَفِّلُ الزِّيَادَةَ عَلَى ذَلِكَ بِالشَّرْطِ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: مَنْ دَلَّنِي عَلَى قَلْعَةٍ فَلَهُ كَذَا أَوْ مَنْ جَاءَنِي بِرَأْسِ فَلَهُ كَذَا وَنَحْوَ ذَلِكَ. وَقِيلَ: لَا يُنَفِّلُ زِيَادَةً عَلَى الثُّلُثِ وَلَا يُنَفِّلُهُ إلَّا بِالشَّرْطِ. وَهَذَانِ قَوْلَانِ لِأَحْمَدَ وَغَيْرِهِ. كَذَلِكَ - عَلَى الْقَوْلِ الصَّحِيحِ -
(28/271)

لِلْإِمَامِ أَنْ يَقُولَ: مَنْ أَخَذَ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ؛ كَمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ قَدْ قَالَ ذَلِكَ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ. إذَا رَأَى ذَلِكَ مَصْلَحَةً رَاجِحَةً عَلَى الْمَفْسَدَةِ. وَإِذَا كَانَ الْإِمَامُ يَجْمَعُ الْغَنَائِمَ وَيَقْسِمُهَا لَمْ يَجُزْ لِأَحَدِ أَنْ يَغُلَّ مِنْهَا شَيْئًا {وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} فَإِنَّ الْغُلُولَ خِيَانَةٌ. وَلَا تَجُوزُ النُّهْبَةُ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْهَا. فَإِذَا تَرَكَ الْإِمَامُ الْجَمْعَ وَالْقِسْمَةَ وَأَذِنَ فِي الْأَخْذِ إذْنًا جَائِزًا: فَمَنْ أَخَذَ شَيْئًا بِلَا عُدْوَانٍ حَلَّ لَهُ بَعْدَ تَخْمِيسِهِ وَكُلُّ مَا دَلَّ عَلَى الْإِذْنِ فَهُوَ إذْنٌ. وَأَمَّا إذَا لَمْ يَأْذَنْ أَوْ أَذِنَ إذْنًا غَيْرَ جَائِزٍ: جَازَ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَأْخُذَ مِقْدَارَ مَا يُصِيبُهُ بِالْقِسْمَةِ مُتَحَرِّيًا لِلْعَدْلِ فِي ذَلِكَ. وَمَنْ حَرَّمَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ جَمْعَ الْغَنَائِمِ وَالْحَالُ هَذِهِ وَأَبَاحَ لِلْإِمَامِ أَنْ يَفْعَلَ فِيهَا ما يَشَاءُ: فَقَدْ تَقَابَلَ الْقَوْلَانِ تَقَابُلَ الطَّرَفَيْنِ وَدِينُ اللَّهِ وَسَطٌ. وَالْعَدْلُ فِي الْقِسْمَةِ: أَنْ يُقْسَمَ لِلرَّاجِلِ سَهْمٌ وَلِلْفَارِسِ ذِي الْفَرَسِ الْعَرَبِيِّ ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ: سَهْمٌ لَهُ وَسَهْمَانِ لِفَرَسِهِ؛ هَكَذَا قَسَمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ خَيْبَرَ. وَمِنْ الْفُقَهَاءِ مَنْ يَقُولُ: لِلْفَارِسِ سَهْمَانِ. وَالْأَوَّلُ هُوَ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ السُّنَّةُ الصَّحِيحَةُ؛ وَلِأَنَّ الْفَرَسَ يَحْتَاجُ إلَى مَئُونَةِ نَفْسِهِ وَسَائِسِهِ - وَمَنْفَعَةُ الْفَارِسِ بِهِ أَكْثَرُ مِنْ مَنْفَعَةِ رَاجِلِينَ - وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: يُسَوَّى بَيْنَ الْفَرَسِ الْعَرَبِيِّ وَالْهَجِينِ
(28/272)

فِي هَذَا. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: بَلْ الْهَجِينُ يُسْهَمُ لَهُ سَهْمٌ وَاحِدٌ كَمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ. وَالْفَرَسُ الْهَجِينُ: الَّذِي تَكُونُ أُمُّهُ نَبَطِيَّةٌ - وَيُسَمَّى الْبِرْذَوْنَ - وَبَعْضُهُمْ يُسَمِّيهِ التتري سَوَاءٌ كَانَ حِصَانًا أَوْ خَصِيًّا وَيُسَمَّى الأكديش أَوْ رمكة وَهِيَ الْحِجْرُ؛ كَانَ السَّلَفُ يُعِدُّونَ لِلْقِتَالِ الْحِصَانَ لِقُوَّتِهِ وَحِدَّتِهِ وَلِلْإِغَارَةِ وَالْبَيَاتِ الْحِجْرَ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهَا صَهِيلٌ يُنْذِرُ الْعَدُوَّ فَيَحْتَرِزُونَ وَلِلسَّيْرِ الْخَصِيُّ لِأَنَّهُ أَصْبَرُ عَلَى السَّيْرِ. وَإِذَا كَانَ الْمَغْنُومُ مَالًا - قَدْ كَانَ لِلْمُسْلِمِينَ قَبْلَ ذَلِكَ: مِنْ عَقَارٍ أَوْ مَنْقُولٍ وَعَرَفَ صَاحِبُهُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ - فَإِنَّهُ يُرَدُّ إلَيْهِ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ. وَتَفَارِيعُ الْمَغَانِمِ وَأَحْكَامُهَا: فِيهَا آثَارٌ وَأَقْوَالٌ اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى بَعْضِهَا وَتَنَازَعُوا فِي بَعْضِ ذَلِكَ؛ وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعَهَا؛ وَإِنَّمَا الْغَرَضُ ذِكْرُ الْجُمَلِ الْجَامِعَةِ.
فَصْلٌ:
وَأَمَّا الصَّدَقَاتُ فَهِيَ لِمَنْ سَمَّى اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ؛ فَقَدْ رُوِيَ {عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ مِنْ الصَّدَقَةِ فَقَالَ: إنَّ اللَّهَ لَمْ يَرْضَ فِي الصَّدَقَةِ بِقَسْمِ نَبِيٍّ وَلَا غَيْرِهِ؛ وَلَكِنْ جَزَّأَهَا ثَمَانِيَةَ أَجْزَاءٍ فَإِنْ
(28/273)

كُنْت مِنْ تِلْكَ الْأَجْزَاءِ أَعْطَيْتُك} . فَالْفُقَرَاءُ وَالْمَسَاكِينُ يَجْمَعُهَا مَعْنَى الْحَاجَةِ إلَى الْكِفَايَةِ؛ فَلَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيِّ وَلَا لِقَوِيِّ مُكْتَسِبٍ (وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا) هُمْ الَّذِينَ يَجْبُونَهَا وَيَحْفَظُونَهَا وَيَكْتُبُونَهَا وَنَحْوَ ذَلِكَ. (وَالْمُؤَلَّفَةُ) قُلُوبُهُمْ فَنَذْكُرُهُمْ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - فِي مَالِ الْفَيْءِ. (وَفِي الرِّقَابِ) يَدْخُلُ فِيهِ إعَانَةُ الْمُكَاتِبِينَ وَافْتِدَاءُ الْأَسْرَى وَعِتْقُ الرِّقَابِ. هَذَا أَقْوَى الْأَقْوَالِ فِيهَا. وَالْغَارِمِينَ هُمْ الَّذِينَ عَلَيْهِمْ دُيُونٌ لَا يَجِدُونَ وَفَاءَهَا فَيُعْطُونَ وَفَاءَ دُيُونِهِمْ وَلَوْ كَانَ كَثِيرًا إلَّا أَنْ يَكُونُوا غَرِمُوهُ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى فَلَا يُعْطُونَ حَتَّى يَتُوبُوا. (وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ) وَهُمْ الْغُزَاةُ الَّذِينَ لَا يُعْطُونَ مِنْ مَالِ اللَّهِ مَا يَكْفِيهِمْ لِغَزْوِهِمْ فَيُعْطُونَ مَا يَغْزُونَ بِهِ؛ أَوْ تَمَامَ مَا يَغْزُونَ بِهِ مِنْ خَيْلٍ وَسِلَاحٍ وَنَفَقَةٍ وَأُجْرَةٍ؛ وَالْحَجُّ مِنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَابْنُ السَّبِيلِ) هُوَ الْمُجْتَازُ مِنْ بَلَدٍ إلَى بَلَدٍ.
فَصْلٌ:
وَأَمَّا الْفَيْءُ فَأَصْلُهُ مَا ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْحَشْرِ الَّتِي أَنْزَلَهَا اللَّهُ فِي غَزْوَةِ بَنِي النَّضِيرِ بَعْدَ بَدْرٍ مِنْ قَوْله تَعَالَى {وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ
(28/274)

عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} {مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} . فَذَكَرَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارَ وَاَلَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ عَلَى مَا وَصَفَ فَدَخَلَ فِي الصِّنْفِ الثَّالِثِ كُلُّ مَنْ جَاءَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ؛ كَمَا دَخَلُوا فِي قَوْله تَعَالَى {وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ} وَفِي قَوْلِهِ: {وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ} وَفِي قَوْلِهِ: {وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} . وَمَعْنَى قَوْلِهِ: {فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ} . أَيْ مَا
(28/275)

حَرَّكْتُمْ وَلَا سُقْتُمْ خَيْلًا وَلَا إبِلًا. وَلِهَذَا قَالَ الْفُقَهَاءُ: إنَّ الْفَيْءَ هُوَ مَا أُخِذَ مِنْ الْكُفَّارِ بِغَيْرِ قِتَالٍ؛ لِأَنَّ إيجَافَ الْخَيْلِ وَالرِّكَابِ هُوَ مَعْنَى الْقِتَالِ. وَسُمِّيَ فَيْئًا؛ لِأَنَّ اللَّهَ أَفَاءَهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَيْ رَدَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ الْكُفَّارِ؛ فَإِنَّ الْأَصْلَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إنَّمَا خَلَقَ الْأَمْوَالَ إعَانَةً عَلَى عِبَادَتِهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا خَلَقَ الْخَلْقَ لِعِبَادَتِهِ. فَالْكَافِرُونَ بِهِ أَبَاحَ أَنْفُسَهُمْ الَّتِي لَمْ يَعْبُدُوهُ بِهَا وَأَمْوَالَهُمْ الَّتِي لَمْ يَسْتَعِينُوا بِهَا عَلَى عِبَادَتِهِ؛ لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْبُدُونَهُ وَأَفَاءَ إلَيْهِمْ مَا يَسْتَحِقُّونَهُ كَمَا يُعَادُ عَلَى الرَّجُلِ مَا غُصِبَ مِنْ مِيرَاثِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَبَضَهُ قَبْلَ ذَلِكَ؛ وَهَذَا مِثْلُ الْجِزْيَةِ الَّتِي عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمَالُ الَّذِي يُصَالِحُ عَلَيْهِ الْعَدُوَّ أَوْ يَهْدُونَهُ إلَى سُلْطَانِ الْمُسْلِمِينَ كَالْحِمْلِ الَّذِي يُحْمَلُ مِنْ بِلَادِ النَّصَارَى وَنَحْوِهِمْ؛ وَمَا يُؤْخَذُ مَنْ تُجَّارِ أَهْلِ الْحَرْبِ وَهُوَ الْعُشْرُ وَمِنْ تُجَّارِ أَهْلِ الذِّمَّةِ إذَا اتَّجَرُوا فِي غَيْرِ بِلَادِهِمْ وَهُوَ نِصْفُ الْعُشْرِ. هَكَذَا كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَأْخُذُ. وَمَا يُؤْخَذُ مِنْ أَمْوَالِ مَنْ يَنْقُضُ الْعَهْدَ مِنْهُمْ وَالْخَرَاجِ الَّذِي كَانَ مَضْرُوبًا فِي الْأَصْلِ عَلَيْهِمْ وَإِنْ كَانَ قَدْ صَارَ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضِ الْمُسْلِمِينَ. ثُمَّ إنَّهُ يَجْتَمِعُ مِنْ الْفَيْءِ جَمِيعُ الْأَمْوَالِ السُّلْطَانِيَّةِ الَّتِي لِبَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ: كَالْأَمْوَالِ الَّتِي لَيْسَ لَهَا مَالِكٌ مُعَيَّنٌ مِثْلَ مَنْ مَاتَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَلَيْسَ لَهُ وَارِثٌ مُعَيَّنٌ؛ وكالغصوب وَالْعَوَارِيِّ وَالْوَدَائِعِ:
(28/276)

الَّتِي تَعَذَّرَ مَعْرِفَةُ أَصْحَابِهَا؛ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ الْعَقَارِ وَالْمَنْقُولِ. فَهَذَا وَنَحْوُهُ مَالُ الْمُسْلِمِينَ. وَإِنَّمَا ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْقُرْآنِ الْفَيْءَ فَقَطْ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا كَانَ يَمُوتُ عَلَى عَهْدِهِ مَيِّتٌ إلَّا وَلَهُ وَارِثٌ مُعَيَّنٌ لِظُهُورِ الْأَنْسَابِ فِي أَصْحَابِهِ وَقَدْ مَاتَ مَرَّةً رَجُلٌ مِنْ قَبِيلَةٍ فَدَفَعَ مِيرَاثَهُ إلَى أَكْبَرِ رَجُلٍ مِنْ تِلْكَ الْقَبِيلَةِ أَيْ: أَقْرَبِهِمْ نَسَبًا إلَى جَدِّهِمْ وَقَدْ قَالَ بِذَلِكَ طَائِفَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ كَأَحْمَدَ فِي قَوْلٍ مَنْصُوصٍ وَغَيْرِهِ وَمَاتَ رَجُلٌ لَمْ يُخَلِّفْ إلَّا عَتِيقًا لَهُ فَدَفَعَ مِيرَاثَهُ إلَى عَتِيقِهِ وَقَالَ بِذَلِكَ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِمْ. وَدَفَعَ مِيرَاثَ رَجُلٍ إلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ قَرْيَتِهِ وَكَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ وَخُلَفَاؤُهُ يَتَوَسَّعُونَ فِي دَفْعِ مِيرَاثِ الْمَيِّتِ إلَى مَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ نَسَبٌ كَمَا ذَكَرْنَاهُ. وَلَمْ يَكُنْ يَأْخُذُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ إلَّا الصَّدَقَاتِ وَكَانَ يَأْمُرُهُمْ أَنْ يُجَاهِدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ؛ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ فِي كِتَابِهِ. وَلَمْ يَكُنْ لِلْأَمْوَالِ الْمَقْبُوضَةِ وَالْمَقْسُومَةِ؛ دِيوَانٌ جَامِعٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بَلْ كَانَ يُقْسَمُ الْمَالُ شَيْئًا فَشَيْئًا فَلَمَّا كَانَ فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَثُرَ الْمَالُ وَاتَّسَعَتْ الْبِلَادُ وَكَثُرَ النَّاسُ فَجَعَلَ دِيوَانَ الْعَطَاءِ لِلْمُقَاتِلَةِ وَغَيْرِهِمْ؛ وَدِيوَانُ الْجَيْشِ - فِي هَذَا الزَّمَانِ - مُشْتَمِلٌ عَلَى
(28/277)

أَكْثَرِهِ؛ وَذَلِكَ الدِّيوَانُ هُوَ أَهَمُّ دَوَاوِينِ الْمُسْلِمِينَ. وَكَانَ لِلْأَمْصَارِ دَوَاوِينُ الْخَرَاجِ وَالْفَيْءِ وَمَا يُقْبَضُ مِنْ الْأَمْوَالِ؛ وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَخُلَفَاؤُهُ يُحَاسِبُونَ الْعُمَّالَ عَلَى الصَّدَقَاتِ وَالْفَيْءِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. فَصَارَتْ الْأَمْوَالُ فِي هَذَا الزَّمَانِ وَمَا قَبْلَهُ ثَلَاثَةَ أَنْوَاعٍ: نَوْعٌ يَسْتَحِقُّ الْإِمَامُ قَبْضَهُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ كَمَا ذَكَرْنَاهُ وَنَوْعٌ يَحْرُمُ أَخْذُهُ بِالْإِجْمَاعِ كَالْجِبَايَاتِ الَّتِي تُؤْخَذُ مِنْ أَهْلِ الْقَرْيَةِ لِبَيْتِ الْمَالِ؛ لِأَجْلِ قَتِيلٍ قُتِلَ بَيْنَهُمْ وَإِنْ كَانَ لَهُ وَارِثٌ أَوْ عَلَى حَدٍّ ارْتَكَبَهُ وَتَسْقُطُ عَنْهُ الْعُقُوبَةُ بِذَلِكَ وَكَالْمُكُوسِ الَّتِي لَا يَسُوغُ وَضْعُهَا اتِّفَاقًا. وَنَوْعٌ فِيهِ اجْتِهَادٌ وَتَنَازُعٌ كَمَالٍ مَنْ لَهُ ذُو رَحِمٍ وَلَيْسَ بِذِي فَرْضٍ وَلَا عَصَبَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَكَثِيرًا مَا يَقَعُ الظُّلْمُ مِنْهُ الْوُلَاةُ وَالرَّعِيَّةُ: هَؤُلَاءِ يَأْخُذُونَ مَا لَا يَحِلُّ وَهَؤُلَاءِ يَمْنَعُونَ مَا يَجِبُ كَمَا قَدْ يَتَظَالَمُ الْجُنْدُ وَالْفَلَّاحُونَ. وَكَمَا قَدْ يَتْرُكُ بَعْضُ النَّاسِ مِنْ الْجِهَادِ مَا يَجِبُ وَيَكْنِزُ الْوُلَاةُ مِنْ مَالِ اللَّهِ مَا لَا يَحِلُّ كَنْزُهُ. وَكَذَلِكَ الْعُقُوبَاتُ عَلَى أَدَاءِ الْأَمْوَالِ؛ فَإِنَّهُ قَدْ يَتْرُكُ مِنْهَا مَا يُبَاحُ أَوْ يَجِبُ؛ وَقَدْ يَفْعَلُ مَا لَا يَحِلُّ. وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ: إنَّ كُلَّ مَنْ عَلَيْهِ مَالٌ يَجِبُ أَدَاؤُهُ؛ كَرَجُلِ
(28/278)

عِنْدَهُ وَدِيعَةٌ أَوْ مُضَارَبَةٌ أَوْ شَرِكَةٌ أَوْ مَالٌ لِمُوَكِّلِهِ أَوْ مَالُ يَتِيمٍ أَوْ مَالُ وَقْفٍ أَوْ مَالٌ لِبَيْتِ الْمَالِ؛ أَوْ عِنْدَهُ دَيْنٌ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَدَائِهِ؛ فَإِنَّهُ إذَا امْتَنَعَ مِنْ أَدَاءِ الْحَقِّ الْوَاجِبِ: مِنْ عَيْنٍ أَوْ دَيْنٍ؛ وَعَرَفَ أَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى أَدَائِهِ؛ فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ الْعُقُوبَةَ حَتَّى يُظْهِرَ الْمَالَ أَوْ يَدُلَّ عَلَى مَوْضِعِهِ. فَإِذَا عَرَفَ الْمَالَ وَصَبَرَ عَلَى الْحَبْسِ فَإِنَّهُ يَسْتَوْفِي الْحَقَّ مِنْ الْمَالِ وَلَا حَاجَةَ إلَى ضَرْبِهِ وَإِنْ امْتَنَعَ مِنْ الدَّلَالَةِ عَلَى مَالِهِ وَمِنْ الْإِيفَاءِ ضُرِبَ حَتَّى يُؤَدِّيَ الْحَقَّ أَوْ يُمَكَّنُ مِنْ أَدَائِهِ. وَكَذَلِكَ لَوْ امْتَنَعَ مِنْ أَدَاءِ النَّفَقَةِ الْوَاجِبَةِ عَلَيْهِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا؛ لِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ الشَّرِيدِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: {لَيُّ الْوَاجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ} رَوَاهُ أَهْلُ السُّنَنِ. وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ} أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَ " اللَّيُّ " هُوَ الْمَطْلُ: وَالظَّالِمُ يَسْتَحِقُّ الْعُقُوبَةَ وَالتَّعْزِيرَ. وَهَذَا أَصْلٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: أَنَّ كُلَّ مَنْ فَعَلَ مُحَرَّمًا أَوْ تَرَكَ وَاجِبًا اسْتَحَقَّ الْعُقُوبَةَ؛ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُقَدَّرَةً بِالشَّرْعِ كَانَ تَعْزِيرًا يَجْتَهِدُ فِيهِ وَلِيُّ الْأَمْرِ فَيُعَاقِبُ الْغَنِيَّ الْمُمَاطِلَ بِالْحَبْسِ فَإِنْ أَصَرَّ عُوقِبَ بِالضَّرْبِ حَتَّى يُؤَدِّيَ الْوَاجِبَ وَقَدْ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْفُقَهَاءُ: مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِمْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا. وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ {عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ
(28/279)

النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا صَالَحَ أَهْلَ خَيْبَرَ عَلَى الصَّفْرَاءِ وَالْبَيْضَاءِ وَالسِّلَاحِ سَأَلَ بَعْضَ الْيَهُودِ - وَهُوَ سَعْيَةَ عَمَّ حيي بْنِ أَخْطَبَ - عَنْ كَنْزِ مَالِ حيي بْنِ أَخْطَبَ. فَقَالَ: أَذْهَبَتْهُ النَّفَقَاتُ وَالْحُرُوبُ فَقَالَ: الْعَهْدُ قَرِيبٌ وَالْمَالُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ فَدَفَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَعْيَةَ إلَى الزُّبَيْرِ فَمَسَّهُ بِعَذَابِ فَقَالَ: قَدْ رَأَيْت حييا يَطُوفُ فِي خَرِبَةٍ هَهُنَا فَذَهَبُوا فَطَافُوا فَوَجَدُوا الْمِسْكَ فِي الْخَرِبَةِ} وَهَذَا الرَّجُلُ كَانَ ذِمِّيًّا وَالذِّمِّيُّ لَا تَحِلُّ عُقُوبَتُهُ إلَّا بِحَقِّ؛ وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ كَتَمَ مَا يَجِبُ إظْهَارُهُ مِنْ دَلَالَةٍ وَاجِبَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ يُعَاقَبُ عَلَى تَرْكِ الْوَاجِبِ. وَمَا أَخَذَهُ الْعُمَّالُ وَغَيْرُهُمْ مِنْ مَالِ الْمُسْلِمِينَ بِغَيْرِ حَقٍّ فَلِوَلِيِّ الْأَمْرِ الْعَادِلِ اسْتِخْرَاجُهُ مِنْهُمْ؛ كَالْهَدَايَا الَّتِي يَأْخُذُونَهَا بِسَبَبِ الْعَمَلِ. قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الخدري رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ هَدَايَا الْعُمَّالِ غُلُولٌ. وَرَوَى إبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ - فِي كِتَابِ الْهَدَايَا - عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: {هَدَايَا الْأُمَرَاءِ غُلُولٌ} وَفِي الصَّحِيحَيْنِ {عَنْ أَبِي حميد الساعدي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: اسْتَعْمَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا مِنْ الأزد؛ يُقَالُ لَهُ ابْنُ اللتبية عَلَى الصَّدَقَةِ فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ: هَذَا لَكُمْ وَهَذَا أُهْدِيَ إلَيَّ. فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا بَالُ الرَّجُلِ نَسْتَعْمِلُهُ عَلَى الْعَمَلِ مِمَّا
(28/280)

وَلَّانَا اللَّهُ؛ فَيَقُولُ: هَذَا لَكُمْ وَهَذَا أُهْدِيَ إلَيَّ؟ فَهَلَّا جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ أَوْ بَيْتِ أُمِّهِ. فَيَنْظُرَ أَيُهْدَى إلَيْهِ أَمْ لَا؟ وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَأْخُذُ مِنْهُ شَيْئًا إلَّا جَاءَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمِلُهُ عَلَى رَقَبَتِهِ؛ إنْ كَانَ بَعِيرًا لَهُ رُغَاءٌ أَوْ بَقَرَةٌ لَهَا خُوَارٌ أَوْ شَاةٌ تَيْعَرُ ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى رَأَيْنَا عَفْرَتَيْ إبِطَيْهِ؛ ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْت؟ اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْت اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْت؟ ثَلَاثًا} .
وَكَذَلِكَ مُحَابَاةُ الْوُلَاةِ فِي الْمُعَامَلَةِ مِنْ الْمُبَايَعَةِ وَالْمُؤَاجَرَةِ وَالْمُضَارَبَةِ وَالْمُسَاقَاةِ وَالْمُزَارَعَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ هُوَ مِنْ نَوْعِ الْهَدِيَّةِ؛ وَلِهَذَا شَاطَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِنْ عُمَّالِهِ مَنْ كَانَ لَهُ فَضْلٌ وَدِينٌ لَا يُتَّهَمُ بِخِيَانَةِ؛ وَإِنَّمَا شَاطَرَهُمْ لَمَّا كَانُوا خُصُّوا بِهِ لِأَجْلِ الْوِلَايَةِ مِنْ مُحَابَاةٍ وَغَيْرِهَا وَكَانَ الْأَمْرُ يَقْتَضِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ كَانَ إمَامَ عَدْلٍ يَقْسِمُ بِالسَّوِيَّةِ. فَلَمَّا تَغَيَّرَ الْإِمَامُ وَالرَّعِيَّةُ كَانَ الْوَاجِبُ عَلَى كُلِّ إنْسَانٍ أَنْ يَفْعَلَ مِنْ الْوَاجِبِ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ وَيَتْرُكُ مَا حُرِّمَ عَلَيْهِ وَلَا يُحَرِّمُ عَلَيْهِ مَا أَبَاحَ اللَّهُ لَهُ. وَقَدْ يُبْتَلَى النَّاسُ مِنْ الْوُلَاةِ بِمَنْ يَمْتَنِعُ مِنْ الْهَدِيَّةِ وَنَحْوِهَا؛ لِيَتَمَكَّنَ بِذَلِكَ مِنْ اسْتِيفَاءِ الْمَظَالِمِ مِنْهُمْ وَيَتْرُكُ مَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ مِنْ قَضَاءِ حَوَائِجِهِمْ
(28/281)

فَيَكُونُ مَنْ أَخَذَ مِنْهُمْ عِوَضًا عَلَى كَفِّ ظُلْمٍ وَقَضَاءِ حَاجَةٍ مُبَاحَةٍ أَحَبَّ إلَيْهِمْ مِنْ هَذَا؛ فَإِنَّ الْأَوَّلَ قَدْ بَاعَ آخِرَتَهُ بِدُنْيَا غَيْرِهِ وَأَخْسَرُ النَّاسِ صَفْقَةً مَنْ بَاعَ آخِرَتَهُ بِدُنْيَا غَيْرِهِ؛ وَإِنَّمَا الْوَاجِبُ كَفُّ الظُّلْمِ عَنْهُمْ بِحَسَبِ الْقُدْرَةِ وَقَضَاءِ حَوَائِجِهِمْ الَّتِي لَا تَتِمُّ مَصْلَحَةُ النَّاسِ إلَّا بِهَا: مِنْ تَبْلِيغِ ذِي السُّلْطَانِ حَاجَاتِهِمْ وَتَعْرِيفِهِ بِأُمُورِهِمْ وَدَلَالَتِهِ عَلَى مَصَالِحِهِمْ وَصَرْفِهِ عَنْ مَفَاسِدِهِمْ؛ بِأَنْوَاعِ الطُّرُقِ اللَّطِيفَةِ وَغَيْرِ اللَّطِيفَةِ؛ كَمَا يَفْعَلُ ذَوُو الْأَغْرَاضِ مِنْ الْكُتَّابِ وَنَحْوِهِمْ فِي أَغْرَاضِهِمْ. فَفِي حَدِيثِ هِنْدَ بْنِ أَبِي هَالَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ {عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: أَبْلِغُونِي حَاجَةَ مَنْ لَا يَسْتَطِيعُ إبْلَاغَهَا؛ فَإِنَّهُ مَنْ أَبْلَغَ ذَا سُلْطَانٍ حَاجَةَ مَنْ لَا يَسْتَطِيعُ إبْلَاغَهَا: ثَبَّتَ اللَّهُ قَدَمَيْهِ عَلَى الصِّرَاطِ يَوْمَ تَزِلُّ الْأَقْدَامُ} وَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَد وَأَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ عَنْ أَبِي أمامة الْبَاهِلِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {مَنْ شَفَعَ لِأَخِيهِ شَفَاعَةً فَأَهْدَى لَهُ عَلَيْهَا هَدِيَّةً فَقَبِلَهَا فَقَدْ أَتَى بَابًا عَظِيمًا مِنْ أَبْوَابِ الرِّبَا} وَرَوَى إبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: السُّحْتُ أَنْ يَطْلُبَ الْحَاجَةَ لِلرَّجُلِ فَتُقْضَى لَهُ فَيُهْدَى إلَيْهِ هَدِيَّةٌ فَيَقْبَلُهَا وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ مَسْرُوقٍ: أَنَّهُ كَلَّمَ ابْنَ زِيَادٍ فِي مَظْلِمَةٍ فَرَدَّهَا فَأَهْدَى لَهُ صَاحِبُهَا وَصِيفًا فَرَدَّهُ عَلَيْهِ وَقَالَ: سَمِعْت ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ: مَنْ
(28/282)

رَدَّ عَنْ مُسْلِمٍ مَظْلِمَةً فَرَزَأَهُ عَلَيْهَا قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا فَهُوَ سُحْتٌ؛ فَقُلْت: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَا كُنَّا نَرَى السُّحْتَ إلَّا الرِّشْوَةَ فِي الْحُكْمِ قَالَ: ذَاكَ كُفْرٌ. فَأَمَّا إذَا كَانَ وَلِيُّ الْأَمْرِ يَسْتَخْرِجُ مِنْ الْعُمَّالِ مَا يُرِيدُ أَنْ يَخْتَصَّ بِهِ هُوَ وَذَوُوه فَلَا يَنْبَغِي إعَانَةُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إذْ كُلٌّ مِنْهَا ظَالِمٌ كَلِصِّ سَرَقَ مِنْ لِصّ وَكَالطَّائِفَتَيْن الْمُقْتَتِلَتَيْن عَلَى عَصَبَيْهِ وَرِئَاسَةٍ؛ وَلَا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يَكُونَ عَوْنًا عَلَى ظُلْمٍ؛ فَإِنَّ التَّعَاوُنَ نَوْعَانِ: الْأَوَّلُ: تَعَاوُنٌ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى: مِنْ الْجِهَادِ وَإِقَامَةِ الْحُدُودِ وَاسْتِيفَاءِ الْحُقُوقِ وَإِعْطَاءِ الْمُسْتَحَقِّينَ؛ فَهَذَا مِمَّا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ. وَمَنْ أَمْسَكَ عَنْهُ خَشْيَةَ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَعْوَانِ الظَّلَمَةِ فَقَدْ تَرَكَ فَرْضًا عَلَى الْأَعْيَانِ أَوْ عَلَى الْكِفَايَةِ؛ مُتَوَهِّمًا أَنَّهُ مُتَوَرِّعٌ. وَمَا أَكْثَرَ مَا يَشْتَبِهُ الْجُبْنُ وَالْفَشَلُ بِالْوَرَعِ إذْ كَلٌّ مِنْهُمَا كَفٌّ وَإِمْسَاكٌ. وَالثَّانِي: تَعَاوُنٌ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ كَالْإِعَانَةِ عَلَى دَمٍ مَعْصُومٍ أَوْ أَخْذِ مَالٍ مَعْصُومٍ أَوْ ضَرْبِ مَنْ لَا يَسْتَحِقُّ الضَّرْبَ وَنَحْوَ ذَلِكَ فَهَذَا الَّذِي حَرَّمَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ. نَعَمْ إذَا كَانَتْ الْأَمْوَالُ قَدْ أُخِذَتْ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَدْ تَعَذَّرَ رَدُّهَا إلَى أَصْحَابِهَا كَكَثِيرِ مِنْ الْأَمْوَالِ السُّلْطَانِيَّةِ؛ فَالْإِعَانَةُ عَلَى صَرْفِ هَذِهِ
(28/283)

الْأَمْوَالِ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ كَسَدَادِ الثُّغُورِ وَنَفَقَةِ الْمُقَاتِلَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ: مِنْ الْإِعَانَةِ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى؛ إذْ الْوَاجِبُ عَلَى السُّلْطَانِ فِي هَذِهِ الْأَمْوَالِ - إذَا لَمْ يُمْكِنْ مَعْرِفَةُ أَصْحَابِهَا وَرَدُّهَا عَلَيْهِمْ وَلَا عَلَى وَرَثَتِهِمْ - أَنْ يَصْرِفَهَا - مَعَ التَّوْبَةِ إنْ كَانَ هُوَ الظَّالِمُ - إلَى مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ. هَذَا هُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ كَمَالِكِ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَد وَهُوَ مَنْقُولٌ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَعَلَى ذَلِكَ دَلَّتْ الْأَدِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ كَمَا هُوَ مَنْصُوصٌ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ قَدْ أَخَذَهَا فَعَلَيْهِ هُوَ أَنْ يَفْعَلَ بِهَا ذَلِكَ كَذَلِكَ لَوْ امْتَنَعَ السُّلْطَانُ مِنْ رَدِّهَا: كَانَتْ الْإِعَانَةُ عَلَى إنْفَاقِهَا فِي مَصَالِحِ أَصْحَابِهَا أَوْلَى مِنْ تَرْكِهَا بِيَدِ مَنْ يُضَيِّعُهَا عَلَى أَصْحَابِهَا وَعَلَى الْمُسْلِمِينَ. فَإِنَّ مَدَارَ الشَّرِيعَةِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} الْمُفَسِّرُ لِقَوْلِهِ: {اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} وَعَلَى قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرِ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ} أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ. وَعَلَى أَنَّ الْوَاجِبَ تَحْصِيلُ الْمَصَالِحِ وَتَكْمِيلُهَا؛ وَتَعْطِيلُ الْمَفَاسِدِ وَتَقْلِيلُهَا فَإِذَا تَعَارَضَتْ كَانَ تَحْصِيلُ أَعْظَمِ الْمَصْلَحَتَيْنِ بِتَفْوِيتِ أَدْنَاهُمَا وَدَفْعُ أَعْظَمِ الْمَفْسَدَتَيْنِ مَعَ احْتِمَالِ أَدْنَاهَا: هُوَ الْمَشْرُوعُ. وَالْمُعِينُ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ مَنْ أَعَانَ الظَّالِمَ عَلَى ظُلْمِهِ أَمَّا مَنْ
(28/284)

أَعَانَ الْمَظْلُومَ عَلَى تَخْفِيفِ الظُّلْمِ عَنْهُ أَوْ عَلَى أَدَاءِ الْمَظْلِمَةِ: فَهُوَ وَكِيلُ الْمَظْلُومِ؛ لَا وَكِيلُ الظَّالِمِ؛ بِمَنْزِلَةِ الَّذِي يُقْرِضُهُ أَوْ الَّذِي يَتَوَكَّلُ فِي حَمْلِ الْمَالِ لَهُ إلَى الظَّالِمِ. مِثَالُ ذَلِكَ وَلِيُّ الْيَتِيمِ وَالْوَقْفِ إذَا طَلَبَ ظَالِمٌ مِنْهُ مَالًا فَاجْتَهَدَ فِي دَفْعِ ذَلِكَ بِمَالِ أَقَلَّ مِنْهُ إلَيْهِ أَوْ إلَى غَيْرِهِ بَعْدَ الِاجْتِهَادِ التَّامِّ فِي الدَّفْعِ؛ فَهُوَ مُحْسِنٌ وَمَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ. وَكَذَلِكَ وَكِيلُ الْمَالِكِ مِنْ الْمُنَادِينَ وَالْكُتَّابِ وَغَيْرِهِمْ الَّذِي يَتَوَكَّلُ لَهُمْ فِي الْعَقْدِ وَالْقَبْضِ وَدَفْعِ مَا يُطْلَبُ مِنْهُمْ؛ لَا يَتَوَكَّلُ لِلظَّالِمِينَ فِي الْأَخْذِ. كَذَلِكَ لَوْ وُضِعَتْ مَظْلِمَةٌ عَلَى أَهْلِ قَرْيَةٍ أَوْ دَرْبٍ أَوْ سُوقٍ أَوْ مَدِينَةٍ فَتَوَسَّطَ رَجُلٌ مِنْهُمْ مُحْسِنٌ فِي الدَّفْعِ عَنْهُمْ بِغَايَةِ الْإِمْكَانِ وَقَسَّطَهَا بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ طَاقَتِهِمْ مِنْ غَيْرِ مُحَابَاةٍ لِنَفْسِهِ وَلَا لِغَيْرِهِ وَلَا ارْتِشَاءٍ بَلْ تَوَكَّلَ لَهُمْ فِي الدَّفْعِ عَنْهُمْ وَالْإِعْطَاءِ: كَانَ مُحْسِنًا؛ لَكِنَّ الْغَالِبَ أَنَّ مَنْ يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ يَكُونُ وَكِيلُ الظَّالِمِينَ مُحَابِيًا مُرْتَشِيًا مَخْفَرًا لِمَنْ يُرِيدُ وَآخِذًا مِمَّنْ يُرِيدُ. وَهَذَا مِنْ أَكْبَرِ الظَّلَمَةِ الَّذِينَ يُحْشَرُونَ فِي تَوَابِيتَ مِنْ نَارٍ هُمْ وَأَعْوَانُهُمْ وَأَشْبَاهُهُمْ ثُمَّ يُقْذَفُونَ فِي النَّارِ.
(28/285)

فَصْلٌ:
وَأَمَّا الْمَصَارِفُ: فَالْوَاجِبُ أَنْ يَبْدَأَ فِي الْقِسْمَةِ بِالْأَهَمِّ فَالْأَهَمِّ مِنْ مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ الْعَامَّةِ: كَعَطَاءِ مَنْ يَحْصُلُ لِلْمُسْلِمِينَ بِهِ مَنْفَعَةٌ عَامَّةٌ. فَمِنْهُمْ الْمُقَاتِلَةُ: الَّذِينَ هُمْ أَهْلُ النُّصْرَةِ وَالْجِهَادِ وَهُمْ أَحَقُّ النَّاسِ بِالْفَيْءِ فَإِنَّهُ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِهِمْ؛ حَتَّى اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي مَالِ الْفَيْءِ: هَلْ هُوَ مُخْتَصٌّ بِهِمْ أَوْ مُشْتَرَكٌ فِي جَمِيعِ الْمَصَالِحِ؟ وَأَمَّا سَائِرُ الْأَمْوَالِ السُّلْطَانِيَّةِ فَلِجَمِيعِ الْمَصَالِحِ وِفَاقًا إلَّا مَا خُصَّ بِهِ نَوْعٌ كَالصَّدَقَاتِ وَالْمَغْنَمِ. وَمِنْ الْمُسْتَحَقِّينَ ذَوُو الْوِلَايَاتِ عَلَيْهِمْ: كَالْوُلَاةِ وَالْقُضَاةِ وَالْعُلَمَاءِ وَالسُّعَاةِ عَلَى الْمَالِ: جَمْعًا وَحِفْظًا وَقِسْمَةً وَنَحْوَ ذَلِكَ. حَتَّى أَئِمَّةُ الصَّلَاةِ وَالْمُؤَذِّنِينَ وَنَحْوُ ذَلِكَ. وَكَذَا صَرْفُهُ فِي الْأَثْمَانِ وَالْأُجُورِ لِمَا يَعُمُّ نَفْعُهُ: مِنْ سَدَادِ الثُّغُورِ بِالْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ وَعِمَارَةِ مَا يَحْتَاجُ إلَى عِمَارَتِهِ مِنْ طُرُقَاتِ النَّاسِ: كَالْجُسُورِ وَالْقَنَاطِرِ وَطُرُقَاتِ الْمِيَاهِ كَالْأَنْهَارِ. وَمِنْ الْمُسْتَحَقِّينَ: ذَوُو الْحَاجَاتِ؛ فَإِنَّ الْفُقَهَاءَ قَدْ اخْتَلَفُوا هَلْ يُقَدَّمُونَ
(28/286)

فِي غَيْرِ الصَّدَقَاتِ مِنْ الْفَيْءِ وَنَحْوِهِ عَلَى غَيْرِهِمْ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يُقَدَّمُونَ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: الْمَالُ اُسْتُحِقَّ بِالْإِسْلَامِ فَيَشْتَرِكُونَ فِيهِ كَمَا يَشْتَرِكُ الْوَرَثَةُ فِي الْمِيرَاثِ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُمْ يُقَدَّمُونَ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُقَدِّمُ ذَوِي الْحَاجَاتِ كَمَا قَدَّمَهُمْ فِي مَالِ بَنِي النَّضِيرِ وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَيْسَ أَحَدٌ أَحَقَّ بِهَذَا الْمَالِ مِنْ أَحَدٍ؛ إنَّمَا هُوَ الرَّجُلُ وَسَابِقَتُهُ وَالرَّجُلُ وَغِنَاؤُهُ وَالرَّجُلُ وَبَلَاؤُهُ وَالرَّجُلُ وَحَاجَتُهُ. فَجَعَلَهُمْ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَرْبَعَةَ أَقْسَامٍ: الْأَوَّلُ: ذَوُو السَّوَابِقِ الَّذِينَ بِسَابِقَتِهِمْ حَصَلَ الْمَالُ. الثَّانِي: مَنْ يُغْنِي عَنْ الْمُسْلِمِينَ فِي جَلْبِ الْمَنَافِعِ لَهُمْ كَوُلَاةِ الْأُمُورِ وَالْعُلَمَاءِ الَّذِينَ يَجْتَلِبُونَ لَهُمْ مَنَافِعَ الدِّينِ وَالدُّنْيَا. الثَّالِثُ: مَنْ يُبْلِي بَلَاءً حَسَنًا فِي دَفْعِ الضَّرَرِ عَنْهُمْ كَالْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مِنْ الْأَجْنَادِ وَالْعُيُونِ مِنْ الْقُصَّادِ وَالنَّاصِحِينَ وَنَحْوِهِمْ. الرَّابِعُ: ذَوُو الْحَاجَاتِ. وَإِذَا حَصَلَ مِنْ هَؤُلَاءِ مُتَبَرِّعٌ فَقَدْ أَغْنَى اللَّهُ بِهِ؛ وَإِلَّا أُعْطِيَ مَا يَكْفِيهِ أَوْ قَدْرَ عَمَلِهِ. إذَا عَرَفْت أَنَّ الْعَطَاءَ يَكُونُ بِحَسَبِ مَنْفَعَةِ
(28/287)

الرَّجُلِ وَبِحَسَبِ حَاجَتِهِ فِي مَالِ الْمَصَالِحِ وَفِي الصَّدَقَاتِ أَيْضًا فَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ لَا يَسْتَحِقُّهُ الرَّجُلُ إلَّا كَمَا يَسْتَحِقُّهُ نُظَرَاؤُهُ مِثْلَ أَنْ يَكُونَ شَرِيكًا فِي غَنِيمَةٍ أَوْ مِيرَاثٍ. وَلَا يَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يُعْطِيَ أَحَدًا مَا لَا يَسْتَحِقُّهُ لِهَوَى نَفْسِهِ: مِنْ قَرَابَةٍ بَيْنَهُمَا أَوْ مَوَدَّةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ؛ فَضْلًا عَنْ أَنْ يُعْطِيَهُ لِأَجْلِ مَنْفَعَةٍ مُحَرَّمَةٍ مِنْهُ كَعَطِيَّةِ الْمُخَنَّثِينَ مِنْ الصِّبْيَانِ المردان: الْأَحْرَارِ وَالْمَمَالِيكِ وَنَحْوِهِمْ وَالْبَغَايَا وَالْمُغَنِّينَ وَالْمَسَاخِرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ؛ أَوْ إعْطَاءِ الْعَرَّافِينَ مِنْ الْكُهَّانِ وَالْمُنَجِّمِينَ وَنَحْوِهِمْ. لَكِنْ يَجُوزُ - بَلْ يَجِبُ - الْإِعْطَاءُ لِتَأْلِيفِ مَنْ يَحْتَاجُ إلَى تَأْلِيفِ قَلْبِهِ وَإِنْ كَانَ هُوَ لَا يَحِلُّ لَهُ أَخْذُ ذَلِكَ كَمَا أَبَاحَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْقُرْآنِ الْعَطَاءَ لِلْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ الصَّدَقَاتِ وَكَمَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعْطِي الْمُؤَلَّفَةَ قُلُوبُهُمْ مِنْ الْفَيْءِ وَنَحْوِهِ وَهُمْ السَّادَةُ الْمُطَاعُونَ فِي عَشَائِرِهِمْ كَمَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعْطِي الْأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ سَيِّدَ بَنِي تَمِيمٍ وعُيَيْنَة بْنَ حِصْنٍ سَيِّدَ بَنِي فَزَارَةَ وَزَيْدَ الْخَيْرِ الطَّائِيَّ سَيِّدَ بَنِي نَبْهَانَ وَعَلْقَمَةَ بْنَ عُلَاثَةَ الْعَامِرِيَّ سَيِّدَ بَنِي كِلَابٍ وَمِثْلَ سَادَاتِ قُرَيْشٍ مِنْ الطُّلَقَاءِ: كَصَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ وَعِكْرِمَةَ بْنِ أَبِي جَهْلٍ وَأَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ وَسُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو وَالْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ وَعَدَدٍ كَثِيرٍ. فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخدري رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ:
(28/288)

{بَعَثَ عَلِيٌّ وَهُوَ بِالْيَمَنِ بِذُهَيْبَةِ فِي تُرْبَتِهَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَسَمَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ أَرْبَعَةٍ: الْأَقْرَعِ بْنِ حَابِسٍ الحنظلي وعُيَيْنَة بْنِ حِصْنٍ الفزاري وَعَلْقَمَةَ بْنِ عُلَاثَةَ الْعَامِرِيِّ سَيِّدِ بَنِي كِلَابٍ وَزَيْدِ الْخَيْرِ الطَّائِيِّ سَيِّدِ بَنِي نَبْهَانَ. قَالَ: فَغَضِبَتْ قُرَيْشٌ وَالْأَنْصَارُ فَقَالُوا: يُعْطِي صَنَادِيدَ نَجْدٍ وَيَدَعُنَا: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنِّي إنَّمَا فَعَلْت ذَلِكَ لِتَأْلِيفِهِمْ فَجَاءَ رَجُلٌ كَثُّ اللِّحْيَةِ مُشْرِفُ الْوَجْنَتَيْنِ غَائِرُ الْعَيْنَيْنِ نَاتِئُ الْجَبِينِ مَحْلُوقُ الرَّأْسِ فَقَالَ: اتَّقِ اللَّهَ يَا مُحَمَّدُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ إنْ عَصَيْته؟ أَيَأْمَنُنِي عَلَى أَهْلِ الْأَرْضِ وَلَا تَأْمَنُونِي قَالَ: ثُمَّ أَدْبَرَ الرِّجْلُ فَاسْتَأْذَنَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ فِي قَتْلِهِ وَيَرَوْنَ أَنَّهُ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّ مِنْ ضئضئ هَذَا قَوْمًا يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ يَقْتُلُونَ أَهْلَ الْإِسْلَامِ وَيَدَعُونَ أَهْلَ الْأَوْثَانِ يَمْرُقُونَ مِنْ الْإِسْلَامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ لَئِنْ أَدْرَكْتهمْ لَأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَادٍ} . وَعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: {أَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ وَصَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ وعُيَيْنَة بْنَ حِصْنٍ وَالْأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ كُلُّ إنْسَانٍ مِنْهُمْ مِائَةً مِنْ الْإِبِلِ وَأَعْطَى عَبَّاسَ بْنَ مِرْدَاسٍ دُونَ ذَلِكَ فَقَالَ عَبَّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ:
(28/289)

أَتَجْعَلُ نَهْبِي وَنَهْبَ الْعَبِيدِ ... بَيْنَ عُيَيْنَة وَالْأَقْرَعِ
وَمَا كَانَ حِصْنٌ وَلَا حَابِسٌ ... يَفُوقَانِ مِرْدَاسَ فِي الْمَجْمَعِ
وَمَا كُنْت دُونَ امْرِئٍ مِنْهُمَا ... وَمَنْ يُخْفَضُ الْيَوْمَ لَا يُرْفَعُ
قَالَ: فَأَتَمَّ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِائَةً} رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَ " الْعَبِيدُ " اسْمُ فَرَسٍ لَهُ.
وَالْمُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهُمْ نَوْعَانِ: كَافِرٌ وَمُسْلِمٌ. فَالْكَافِرُ: إمَّا أَنْ يُرْجَى بِعَطِيَّتِهِ مَنْفَعَةٌ: كَإِسْلَامِهِ؛ أَوْ دَفْعُ مَضَرَّتِهِ إذَا لَمْ يَنْدَفِعْ إلَّا بِذَلِكَ. وَالْمُسْلِمُ الْمُطَاعُ يُرْجَى. بِعَطِيَّتِهِ الْمَنْفَعَةُ أَيْضًا كَحُسْنِ إسْلَامِهِ. أَوْ إسْلَامُ نَظِيرِهِ أَوْ جِبَايَةُ الْمَالِ مِمَّنْ لَا يُعْطِيهِ إلَّا لِخَوْفِ أَوْ النِّكَايَةِ فِي الْعَدُوِّ. أَوْ كَفُّ ضَرَرِهِ عَنْ الْمُسْلِمِينَ إذَا لَمْ يَنْكَفَّ إلَّا بِذَلِكَ. وَهَذَا النَّوْعُ مِنْ الْعَطَاءِ وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُهُ إعْطَاءَ الرُّؤَسَاءِ وَتَرْكُ الضُّعَفَاءِ كَمَا يَفْعَلُ الْمُلُوكُ؛ فَالْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ؛ فَإِذَا كَانَ الْقَصْدُ بِذَلِكَ مَصْلَحَةَ الدِّينِ وَأَهْلِهِ كَانَ مِنْ جِنْسِ عَطَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَخُلَفَائِهِ وَإِنْ كَانَ الْمَقْصُودُ الْعُلُوَّ فِي الْأَرْضِ وَالْفَسَادَ كَانَ مِنْ جِنْسِ عَطَاءِ فِرْعَوْنَ؛ وَإِنَّمَا يُنْكِرُهُ ذَوُو الدِّينِ الْفَاسِدِ كَذِي الخويصرة الَّذِي أَنْكَرَهُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى قَالَ فِيهِ مَا قَالَ وَكَذَلِكَ حِزْبُهُ الْخَوَارِجُ أَنْكَرُوا عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَا قَصَدَ
(28/290)

بِهِ الْمَصْلَحَةَ مِنْ التَّحْكِيمِ وَمَحْوِ اسْمِهِ وَمَا تَرَكَهُ مِنْ سَبْيِ نِسَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَصِبْيَانِهِمْ. وَهَؤُلَاءِ أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقِتَالِهِمْ؛ لِأَنَّ مَعَهُمْ دِينًا فَاسِدًا لَا يَصْلُحُ بِهِ دُنْيَا وَلَا آخِرَةٌ كَثِيرًا مَا يَشْتَبِهُ الْوَرَعُ الْفَاسِدُ بِالْجُبْنِ وَالْبُخْلِ؛ فَإِنَّ كِلَاهُمَا فِيهِ تَرْكٌ؛ فَيَشْتَبِهُ تَرْكُ الْفَسَادِ؛ لِخَشْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى بِتَرْكِ مَا يُؤْمَرُ بِهِ مِنْ الْجِهَادِ وَالنَّفَقَةِ: جُبْنًا وَبُخْلًا؛ وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {شَرُّ مَا فِي الْمَرْءِ شُحٌّ هَالِعٌ وَجُبْنٌ خَالِعٌ} . قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ صَحِيحٌ. كَذَلِكَ قَدْ يَتْرُكُ الْإِنْسَانُ الْعَمَلَ ظَنًّا أَوْ إظْهَارًا أَنَّهُ وَرَعٌ؛ وَإِنَّمَا هُوَ كِبْرٌ وَإِرَادَةٌ لِلْعُلُوِّ؛ وَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ} كَلِمَةٌ جَامِعَةٌ كَامِلَةٌ فَإِنَّ النِّيَّةَ لِلْعَمَلِ كَالرُّوحِ لِلْجَسَدِ؛ وَإِلَّا فَكَلُّ وَاحِدٍ مِنْ السَّاجِدِ لِلَّهِ وَالسَّاجِدِ لِلشَّمْسِ وَالْقَمَرِ قَدْ وَضَعَ جَبْهَتَهُ عَلَى الْأَرْضِ فَصُورَتُهُمَا وَاحِدَةٌ؛ ثُمَّ هَذَا أَقْرَبُ الْخَلْقِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَهَذَا أَبْعَدُ الْخَلْقِ عَنْ اللَّهِ. وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ} . وَفِي الْأَثَرِ {أَفْضَلُ الْإِيمَانِ: السَّمَاحَةُ وَالصَّبْرُ} . فَلَا تَتِمُّ رِعَايَةُ الْخَلْقِ وَسِيَاسَتُهُمْ إلَّا بِالْجُودِ الَّذِي هُوَ الْعَطَاءُ؛ وَالنَّجْدَةُ الَّتِي هِيَ الشَّجَاعَةُ؛ بَلْ لَا يَصْلُحُ الدِّينُ وَالدُّنْيَا إلَّا بِذَلِكَ. وَلِهَذَا كَانَ مَنْ لَا يَقُومُ بِهِمَا سَلَبَهُ [اللَّهُ] (1) الْأَمْرَ وَنَقَلَهُ إلَى غَيْرِهِ؛ كَمَا قَالَ
_________

[تعليق مُعِدّ الكتاب للشاملة]
(1) ما بين معقوفتين غير موجود في المطبوع، ولم أقف عليه في كتاب صيانة مجموع الفتاوى من السقط والتصحيف

أسامة بن الزهراء - منسق الكتاب للموسوعة الشاملة
(28/291)

اللَّهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إلَّا قَلِيلٌ} {إلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} وَقَالَ تَعَالَى: {هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ} وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى} فَعَلَّقَ الْأَمْرَ بِالْإِنْفَاقِ الَّذِي هُوَ السَّخَاءُ وَالْقِتَالِ الَّذِي هُوَ الشَّجَاعَةُ؛ وَكَذَلِكَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ: {وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.} وَبَيَّنَ أَنَّ الْبُخْلَ مِنْ الْكَبَائِرِ فِي قَوْله تَعَالَى {وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} وَفِي قَوْلِهِ: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} الْآيَةَ. وَكَذَلِكَ الْجُبْنُ فِي مِثْلِ قَوْله تَعَالَى {وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ
(28/292)

جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} وَفِي قَوْله تَعَالَى {وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ} . وَهُوَ كَثِيرٌ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَهُوَ مِمَّا اتَّفَقَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْأَرْضِ حَتَّى إنَّهُمْ يَقُولُونَ فِي الْأَمْثَالِ الْعَامِّيَّةِ: " لَا طَعْنَةَ وَلَا جَفْنَةَ " وَيَقُولُونَ: " لَا فَارِسَ الْخَيْلِ وَلَا وَجْهَ الْعَرَبِ ". وَلَكِنْ افْتَرَقَ النَّاسُ هُنَا ثَلَاثَ فِرَقٍ: فَرِيقٌ غَلَبَ عَلَيْهِمْ حُبُّ الْعُلُوِّ فِي الْأَرْضِ وَالْفَسَادِ فَلَمْ يَنْظُرُوا فِي عَاقِبَةِ الْمَعَادِ وَرَأَوْا أَنَّ السُّلْطَانَ لَا يَقُومُ إلَّا بِعَطَاءِ وَقَدْ لَا يَتَأَتَّى الْعَطَاءُ إلَّا بِاسْتِخْرَاجِ أَمْوَالٍ مِنْ غَيْرِ حِلِّهَا؛ فَصَارُوا نَهَّابِينَ وَهَّابِينَ. وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: لَا يُمْكِنُ أَنْ يَتَوَلَّى عَلَى النَّاسِ إلَّا مَنْ يَأْكُلُ وَيُطْعِمُ فَإِنَّهُ إذَا تَوَلَّى الْعَفِيفُ الَّذِي لَا يَأْكُلُ وَلَا يُطْعِمُ سَخِطَ عَلَيْهِ الرُّؤَسَاءُ وَعَزَلُوهُ؛ إنْ لَمْ يَضُرُّوهُ فِي نَفْسِهِ وَمَالِهِ. وَهَؤُلَاءِ نَظَرُوا فِي عَاجِلِ دُنْيَاهُمْ وَأَهْمَلُوا الْآجِلَ مِنْ دُنْيَاهُمْ وَآخِرَتِهِمْ فَعَاقِبَتُهُمْ عَاقِبَةٌ رَدِيئَةٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ إنْ لَمْ يَحْصُلْ لَهُمْ مَا يُصْلِحُ عَاقِبَتَهُمْ مِنْ تَوْبَةٍ وَنَحْوِهَا. وَفَرِيقٌ عِنْدَهُمْ خَوْفٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى وَدِينٌ يَمْنَعُهُمْ عَمَّا يَعْتَقِدُونَهُ قَبِيحًا مِنْ ظُلْمِ الْخَلْقِ وَفِعْلِ الْمَحَارِمِ. فَهَذَا حَسَنٌ وَاجِبٌ؛ وَلَكِنْ قَدْ يَعْتَقِدُونَ مَعَ ذَلِكَ: أَنَّ السِّيَاسَةَ لَا تَتِمُّ إلَّا بِمَا يَفْعَلُهُ أُولَئِكَ مِنْ الْحَرَامِ فَيَمْتَنِعُونَ عَنْهَا مُطْلَقًا؛ وَرُبَّمَا كَانَ فِي نُفُوسِهِمْ جُبْنٌ أَوْ بُخْلٌ أَوْ ضِيقُ خُلُقٍ يَنْضَمُّ إلَى مَا مَعَهُمْ مِنْ الدِّينِ فَيَقَعُونَ أَحْيَانًا فِي تَرْكِ وَاجِبٍ يَكُونُ تَرْكُهُ
(28/293)

أَضَرَّ عَلَيْهِمْ مِنْ بَعْضِ الْمُحَرَّمَاتِ أَوْ يَقَعُونَ فِي النَّهْيِ عَنْ وَاجِبٍ يَكُونُ النَّهْيُ عَنْهُ مِنْ الصَّدِّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ. وَقَدْ يَكُونُونَ مُتَأَوِّلِينَ. وَرُبَّمَا اعْتَقَدُوا أَنَّ إنْكَارَ ذَلِكَ وَاجِبٌ وَلَا يَتِمُّ إلَّا بِالْقِتَالِ فَيُقَاتِلُونَ الْمُسْلِمِينَ كَمَا فَعَلَتْ الْخَوَارِجُ وَهَؤُلَاءِ لَا تَصْلُحُ بِهِمْ الدُّنْيَا وَلَا الدِّينُ الْكَامِلُ؛ لَكِنْ قَدْ يَصْلُحُ بِهِمْ كَثِيرٌ مِنْ أَنْوَاعِ الدِّينِ وَبَعْضُ أُمُورِ الدُّنْيَا. وَقَدْ يُعْفَى عَنْهُمْ فِيمَا اجْتَهَدُوا فِيهِ فَأَخْطَئُوا وَيُغْفَرُ لَهُمْ قُصُورُهُمْ. وَقَدْ يَكُونُونَ مِنْ الْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا. وَهَذِهِ طَرِيقَةُ مَنْ لَا يَأْخُذُ لِنَفْسِهِ وَلَا يُعْطِي غَيْرَهُ وَلَا يَرَى أَنَّهُ يَتَأَلَّفُ النَّاسَ مِنْ الْكُفَّارِ وَالْفُجَّارِ؛ لَا بِمَالِ وَلَا بِنَفْعِ وَيَرَى أَنَّ إعْطَاءَ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ نَوْعِ الْجَوْرِ وَالْعَطَاءِ الْمُحَرَّمِ. الْفَرِيقُ الثَّالِثُ: الْأُمَّةُ الْوَسَطُ وَهُمْ أَهْلُ دِينِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَخُلَفَائِهِ عَلَى عَامَّةِ النَّاسِ وَخَاصَّتِهِمْ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُوَ إنْفَاقُ الْمَالِ وَالْمَنَافِعِ لِلنَّاسِ - وَإِنْ كَانُوا رُؤَسَاءَ - بِحَسَبِ الْحَاجَةِ إلَى صَلَاحِ الْأَحْوَالِ وَلِإِقَامَةِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا الَّتِي يَحْتَاجُ إلَيْهَا الدِّينُ وَعِفَّتُهُ فِي نَفْسِهِ فَلَا يَأْخُذُ مَالًا يَسْتَحِقُّهُ. فَيَجْمَعُونَ بَيْنَ التَّقْوَى وَالْإِحْسَانِ {إنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ} وَلَا تَتِمُّ السِّيَاسَةُ الدِّينِيَّةُ إلَّا بِهَذَا وَلَا يَصْلُحُ الدِّينُ وَالدُّنْيَا إلَّا
(28/294)

بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ. وَهَذَا هُوَ الَّذِي يُطْعِمُ النَّاسَ مَا يَحْتَاجُونَ إلَى طَعَامِهِ وَلَا يَأْكُلُ هُوَ إلَّا الْحَلَالَ الطَّيِّبَ ثُمَّ هَذَا يَكْفِيهِ مِنْ الْإِنْفَاقِ أَقَلَّ مِمَّا يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْأَوَّلُ فَإِنَّ الَّذِي يَأْخُذُ لِنَفْسِهِ تَطْمَعُ فِيهِ النُّفُوسُ مَا لَا تَطْمَعُ فِي الْعَفِيفِ وَيَصْلُحُ بِهِ النَّاسُ فِي دِينِهِمْ مَا لَا يَصْلُحُونَ بِالثَّانِي؛ فَإِنَّ الْعِفَّةَ مَعَ الْقُدْرَةِ تُقَوِّي حُرْمَةَ الدِّينِ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ {عَنْ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ: أَنَّ هِرَقْلَ مَلِكَ الرُّومِ سَأَلَهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَاذَا يَأْمُرُكُمْ؟ قَالَ: يَأْمُرُنَا بِالصَّلَاةِ وَالصِّدْقِ وَالْعَفَافِ وَالصِّلَةِ} . وَفِي الْأَثَرِ: {أَنَّ اللَّهَ أَوْحَى إلَى إبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَا إبْرَاهِيمُ: أَتَدْرِي لِمَ اتَّخَذَتْك خَلِيلًا؟ لِأَنِّي رَأَيْت الْعَطَاءَ أَحَبَّ إلَيْك مِنْ الْأَخْذِ} . وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي الرِّزْقِ وَالْعَطَاءِ الَّذِي هُوَ السَّخَاءُ وَبَذْلُ الْمَنَافِعِ نَظِيرُهُ فِي الصَّبْرِ وَالْغَضَبِ الَّذِي هُوَ الشَّجَاعَةُ وَدَفْعُ الْمَضَارِّ. فَإِنَّ النَّاسَ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: قِسْمٌ يَغْضَبُونَ لِنُفُوسِهِمْ وَلِرَبِّهِمْ. وَقِسْمٌ لَا يَغْضَبُونَ لِنُفُوسِهِمْ وَلَا لِرَبِّهِمْ. وَالثَّالِثُ - وَهُوَ الْوَسَطُ - الَّذِي يَغْضَبُ لِرَبِّهِ لَا لِنَفْسِهِ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ {عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: مَا ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ: خَادِمًا لَهُ وَلَا امْرَأَةً. وَلَا دَابَّةً وَلَا شَيْئًا قَطُّ إلَّا أَنْ يُجَاهِدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا
(28/295)

نِيلَ مِنْهُ شَيْءٌ فَانْتَقَمَ لِنَفْسِهِ قَطُّ إلَّا أَنْ تُنْتَهَكَ حُرُمَاتُ اللَّهِ فَإِذَا اُنْتُهِكَتْ حُرُمَاتُ اللَّهِ لَمْ يَقُمْ لِغَضَبِهِ شَيْءٌ حَتَّى يَنْتَقِمَ لِلَّهِ} . فَأَمَّا مَنْ يَغْضَبُ لِنَفْسِهِ لَا لِرَبِّهِ أَوْ يَأْخُذُ لِنَفْسِهِ وَلَا يُعْطِي غَيْرَهُ. فَهَذَا الْقِسْمُ الرَّابِعُ شَرُّ الْحَلْقِ؛ لَا يَصْلُحُ بِهِمْ دِينٌ وَلَا دُنْيَا. كَمَا أَنَّ الصَّالِحِينَ أَرْبَابُ السِّيَاسَةِ الْكَامِلَةِ هُمْ الَّذِينَ قَامُوا بِالْوَاجِبَاتِ وَتَرَكُوا الْحُرُمَاتِ وَهُمْ الَّذِينَ يُعْطُونَ مَا يُصْلِحُ الدِّينَ بِعَطَائِهِ وَلَا يَأْخُذُونَ إلَّا مَا أُبِيحَ لَهُمْ وَيَغْضَبُونَ لِرَبِّهِمْ إذَا اُنْتُهِكَتْ مَحَارِمُهُ وَيَعْفُونَ عَنْ حُقُوقِهِمْ وَهَذِهِ أَخْلَاقُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَذْلِهِ وَدَفْعِهِ وَهِيَ أَكْمَلُ الْأُمُورِ. وَكُلَّمَا كَانَ إلَيْهَا أَقْرَبُ كَانَ أَفْضَلَ. فَلْيَجْتَهِدْ الْمُسْلِمُ فِي التَّقَرُّبِ إلَيْهَا بِجُهْدِهِ وَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ قُصُورٍ. أَوْ تَقْصِيرِهِ بَعْدَ أَنْ يَعْرِفَ كَمَالَ مَا بَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الدِّينِ فَهَذَا فِي قَوْلِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إلَى أَهْلِهَا} وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(28/296)

فَصْلٌ:
وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى {وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ} فَإِنَّ الْحُكْمَ بَيْنَ النَّاسِ يَكُونُ فِي الْحُدُودِ وَالْحُقُوقِ وَهُمَا قِسْمَانِ: فَالْقِسْمُ الْأَوَّلُ: الْحُدُودُ وَالْحُقُوقُ الَّتِي لَيْسَتْ لِقَوْمِ مُعَيَّنِينَ؛ بَلْ مَنْفَعَتُهَا لِمُطْلَقِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ نَوْعٍ مِنْهُمْ. وَكُلُّهُمْ مُحْتَاجٌ إلَيْهَا. وَتُسَمَّى حُدُودَ اللَّهِ وَحُقُوقَ اللَّهِ: مِثْلَ حَدِّ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ وَالسُّرَّاقِ وَالزُّنَاةِ وَنَحْوِهِمْ وَمِثْلَ الْحُكْمِ فِي الْأَمْوَالِ السُّلْطَانِيَّةِ وَالْوُقُوفِ وَالْوَصَايَا الَّتِي لَيْسَتْ لِمُعَيَّنِ. فَهَذِهِ مِنْ أَهَمِّ أُمُورِ الْوِلَايَاتِ؛ وَلِهَذَا قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَلَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ إمَارَةٍ: بَرَّةً كَانَتْ أَوْ فَاجِرَةً. فَقِيلَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ هَذِهِ الْبَرَّةُ قَدْ عَرَفْنَاهَا. فَمَا بَالُ الْفَاجِرَةِ؟ فَقَالَ: يُقَامُ بِهَا الْحُدُودُ وَتَأْمَنُ بِهَا السُّبُلُ وَيُجَاهَدُ بِهَا الْعَدُوُّ وَيُقْسَمُ بِهَا الْفَيْءُ. وَهَذَا الْقِسْمُ يَجِبُ عَلَى الْوُلَاةِ الْبَحْثُ عَنْهُ وَإِقَامَتُهُ مِنْ غَيْرِ دَعْوَى أَحَدٍ بِهِ وَكَذَلِكَ تُقَامُ الشَّهَادَةُ فِيهِ مِنْ غَيْرِ دَعْوَى أَحَدٍ بِهِ وَإِنْ كَانَ الْفُقَهَاءُ قَدْ اخْتَلَفُوا فِي قَطْعِ يَدِ السَّارِقِ: هَلْ يَفْتَقِرُ إلَى مُطَالَبَةِ الْمَسْرُوقِ بِمَا لَهُ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ؛ لَكِنَّهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّهُ لَا
(28/297)

يَحْتَاجُ إلَى مُطَالَبَةِ الْمَسْرُوقِ بِالْحَدِّ وَقَدْ اشْتَرَطَ بَعْضُهُمْ الْمُطَالَبَةَ بِالْمَالِ؛ لِئَلَّا يَكُونُ لِلسَّارِقِ فِيهِ شُبْهَةٌ. وَهَذَا الْقِسْمُ يَجِبُ إقَامَتُهُ عَلَى الشَّرِيفِ وَالْوَضِيعِ وَالضَّعِيفِ وَلَا يَحِلُّ تَعْطِيلُهُ؛ لَا بِشَفَاعَةِ وَلَا بِهَدِيَّةِ وَلَا بِغَيْرِهِمَا وَلَا تَحِلُّ الشَّفَاعَةُ فِيهِ. وَمَنْ عَطَّلَهُ لِذَلِكَ - وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى إقَامَتِهِ - فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا وَهُوَ مِمَّنْ اشْتَرَى بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا. وَرَوَى أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {مَنْ حَالَتْ شَفَاعَتُهُ دُونَ حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ فَقَدْ ضَادَّ اللَّهَ فِي أَمْرِهِ. وَمَنْ خَاصَمَ فِي بَاطِلٍ وَهُوَ يَعْلَمُ لَمْ يَزَلْ فِي سَخَطِ اللَّهِ حَتَّى يَنْزِعَ. وَمَنْ قَالَ فِي مُسْلِمٍ دَيِّنٍ مَا لَيْسَ فِيهِ حُبِسَ فِي رَدْغَةِ الْخَبَالِ حَتَّى يَخْرُجَ مِمَّا قَالَ. قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: وَمَا رَدْغَةُ الْخَبَالِ؟ قَالَ عُصَارَةُ أَهْلِ النَّارِ} فَذَكَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحُكَمَاءَ وَالشُّهَدَاءَ وَالْخُصَمَاءَ وَهَؤُلَاءِ أَرْكَانُ الْحُكْمِ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ {عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ قُرَيْشًا أَهَمَّهُمْ شَأْنُ الْمَخْزُومِيَّةِ الَّتِي سَرَقَتْ فَقَالُوا: مَنْ يُكَلِّمُ فِيهَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَقَالُوا: وَمَنْ يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ إلَّا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ فَقَالَ: يَا أُسَامَةُ: أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ؟ إنَّمَا هَلَكَ بَنُو إسْرَائِيلَ أَنَّهُمْ
(28/298)

كَانُوا إذَا سَرَقَ فِيهِمْ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ وَاَلَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْت يَدَهَا} . فَفِي هَذِهِ الْقِصَّةِ عِبْرَةٌ؛ فَإِنَّ أَشْرَفَ بَيْتٍ كَانَ فِي قُرَيْشٍ بَطْنَانِ؛ بَنُو مَخْزُومٍ وَبَنُو عَبْدِ مَنَافٍ. فَلَمَّا وَجَبَ عَلَى هَذِهِ الْقَطْعُ بِسَرِقَتِهَا - الَّتِي هِيَ جُحُودُ الْعَارِيَةِ عَلَى قَوْلِ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ أَوْ سَرِقَةِ أُخْرَى غَيْرَهَا عَلَى قَوْلِ آخَرِينَ - وَكَانَتْ مِنْ أَكْبَرِ الْقَبَائِلِ وَأَشْرَفِ الْبُيُوتِ وَشَفَعَ فِيهَا حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُسَامَةُ غَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ دُخُولَهُ فِيمَا حَرَّمَهُ اللَّهُ وَهُوَ الشَّفَاعَةُ فِي الْحُدُودِ ثُمَّ ضَرَبَ الْمَثَلَ بِسَيِّدَةِ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ - وَقَدْ بَرَّأَهَا اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ - فَقَالَ: {لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْت يَدَهَا} . وَقَدْ رُوِيَ: أَنَّ هَذِهِ الْمَرْأَةَ الَّتِي قُطِعَتْ يَدُهَا تَابَتْ وَكَانَتْ تَدْخُلُ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَقْضِي حَاجَتَهَا. فَقَدْ رُوِيَ: {إنَّ السَّارِقَ إذَا تَابَ سَبَقَتْهُ يَدُهُ إلَى الْجَنَّةِ وَإِنْ لَمْ يَتُبْ سَبَقَتْهُ يَدُهُ إلَى النَّارِ} . وَرَوَى مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأ: أَنَّ جَمَاعَةً أَمْسَكُوا لِصًّا لِيَرْفَعُوهُ إلَى عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَتَلَقَّاهُمْ الزُّبَيْرُ فَشَفَعَ فِيهِ فَقَالُوا: إذَا رُفِعَ إلَى عُثْمَانَ فَاشْفَعْ فِيهِ عِنْدَهُ فَقَالَ: " إذَا بَلَغَتْ الْحُدُودُ السُّلْطَانَ فَلَعَنَ اللَّهُ الشَّافِعَ وَالْمُشَفَّعَ ". يَعْنِي الَّذِي يَقْبَلُ الشَّفَاعَةَ. {وَكَانَ صَفْوَانُ بْنُ
(28/299)

أُمَيَّةَ نَائِمًا عَلَى رِدَاءٍ لَهُ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَاءَ لِصٌّ فَسَرَقَهُ فَأَخَذَهُ فَأُتِيَ بِهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَمَرَ بِقَطْعِ يَدِهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَعَلَى رِدَائِي تَقْطَعُ يَدَهُ؟ أَنَا أَهَبُهُ لَهُ. فَقَالَ: فَهَلَّا قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ ثُمَّ قَطَعَ يَدَهُ} رَوَاهُ أَهْلُ السُّنَنِ يَعْنِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّك لَوْ عَفَوْت عَنْهُ قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ لَكَانَ فَأَمَّا بَعْدَ أَنْ رُفِعَ إلَيَّ فَلَا. فَلَا يَجُوزُ تَعْطِيلُ الْحَدِّ لَا بِعَفْوِ وَلَا بِشَفَاعَةِ وَلَا بِهِبَةِ وَلَا غَيْرِ ذَلِكَ. وَلِهَذَا اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ - فِيمَا أَعْلَمُ - عَلَى أَنَّ قَاطِعَ الطَّرِيقِ وَاللِّصَّ وَنَحْوَهُمَا إذَا رُفِعُوا إلَى وَلِيِّ الْأَمْرِ ثُمَّ تَابُوا بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يَسْقُطْ الْحَدُّ عَنْهُمْ؛ بَلْ تَجِبُ إقَامَتُهُ وَإِنْ تَابُوا فَإِنْ كَانُوا صَادِقِينَ فِي التَّوْبَةِ كَانَ الْحَدُّ كَفَّارَةً لَهُمْ كَانَ تَمْكِينُهُمْ مِنْ ذَلِكَ مِنْ تَمَامِ التَّوْبَةِ - بِمَنْزِلَةِ رَدِّ الْحُقُوقِ إلَى أَهْلِهَا؛ وَالتَّمْكِينُ مِنْ اسْتِيفَاءِ الْقَصَّاصِ فِي حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ. وَأَصْلُ هَذَا فِي قَوْله تَعَالَى {مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا} فَإِنَّ الشَّفَاعَةَ إعَانَةُ الطَّالِبِ حَتَّى يَصِيرَ مَعَهُ شَفْعًا بَعْدَ أَنْ كَانَ وِتْرًا فَإِنْ أَعَانَهُ عَلَى بِرٍّ وَتَقْوَى كَانَتْ شَفَاعَةً حَسَنَةً وَإِنْ أَعَانَهُ عَلَى إثْمٍ وَعُدْوَانٍ كَانَتْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً وَالْبِرُّ مَا أَمَرْت بِهِ وَالْإِثْمُ مَا نَهَيْت عَنْهُ. وَإِنْ كَانُوا كَاذِبِينَ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ.
(28/300)

وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {إنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} {إلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} فَاسْتَثْنَى التَّائِبِينَ قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِمْ فَقَطْ فَالتَّائِبُ بَعْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ بَاقٍ فِيمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَدُّ؛ لِلْعُمُومِ وَالْمَفْهُومِ وَالتَّعْلِيلِ. هَذَا إذَا كَانَ قَدْ ثَبَتَ بِالْبَيِّنَةِ. فَأَمَّا إذَا كَانَ بِإِقْرَارِ وَجَاءَ مُقِرًّا بِالذَّنْبِ تَائِبًا: فَهَذَا فِيهِ نِزَاعٌ مَذْكُورٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ. وَظَاهِرُ مَذْهَبِ أَحْمَد: أَنَّهُ لَا تَجِبُ إقَامَةُ الْحَدِّ فِي مِثْلِ هَذِهِ الصُّورَةِ؛ بَلْ إنْ طَلَبَ إقَامَةَ الْحَدِّ عَلَيْهِ أُقِيمَ وَإِنْ ذَهَبَ لَمْ يَقُمْ عَلَيْهِ حَدٌّ. وَعَلَى هَذَا حُمِلَ {حَدِيثُ مَاعِزِ بْنِ مَالِكٍ لَمَّا قَالَ: فَهَلَّا تَرَكْتُمُوهُ} وَحَدِيثُ الَّذِي قَالَ " أَصَبْت حَدًّا فَأَقِمْهُ " مَعَ آثَارٍ أُخَرَ. وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد وَالنَّسَائِي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: {تَعَافَوْا الْحُدُودَ فِيمَا بَيْنَكُمْ فَمَا بَلَغَنِي مِنْ حَدٍّ فَقَدْ وَجَبَ} وَفِي سُنَنِ النَّسَائِي وَابْنِ مَاجَه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: {حَدٌّ يُعْمَلُ بِهِ فِي الْأَرْضِ خَيْرٌ لِأَهْلِ الْأَرْضِ مِنْ أَنْ يُمْطَرُوا أَرْبَعِينَ صَبَاحًا} . وَهَذَا لِأَنَّ الْمَعَاصِيَ سَبَبٌ لِنَقْصِ الرِّزْقِ وَالْخَوْفِ مِنْ الْعَدُوِّ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ. فَإِذَا
(28/301)

أُقِيمَتْ الْحُدُودُ ظَهَرَتْ طَاعَةُ اللَّهِ وَنَقَصَتْ مَعْصِيَةُ اللَّهِ تَعَالَى فَحَصَلَ الرِّزْقُ وَالنَّصْرُ.
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْ الزَّانِي أَوْ السَّارِقِ أَوْ الشَّارِبِ أَوْ قَاطِعِ الطَّرِيقِ وَنَحْوِهِمْ مَالٌ تَعَطَّلَ بِهِ الْحُدُودُ؛ لَا لِبَيْتِ الْمَالِ وَلَا لِغَيْرِهِ. وَهَذَا الْمَالُ الْمَأْخُوذُ لِتَعْطِيلِ الْحَدِّ سُحْتٌ خَبِيثٌ وَإِذَا فَعَلَ وَلِيُّ الْأَمْرِ ذَلِكَ فَقَدْ جَمَعَ فَسَادَيْنِ عَظِيمَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: تَعْطِيلُ الْحَدِّ وَالثَّانِي: أَكْلُ السُّحْتِ. فَتَرْكُ الْوَاجِبِ وَفِعْلُ الْمُحَرَّمِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ الْيَهُودِ: {سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ} لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَأْكُلُونَ السُّحْتَ مِنْ الرِّشْوَةِ الَّتِي تُسَمَّى الْبِرْطِيلَ وَتُسَمَّى أَحْيَانًا الْهَدِيَّةَ وَغَيْرَهَا. وَمَتَى أَكَلَ السُّحْتَ وَلِيُّ الْأَمْرِ احْتَاجَ أَنْ يَسْمَعَ الْكَذِبَ مِنْ شَهَادَةِ الزُّورِ وَغَيْرِهَا. وَقَدْ {لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرَّاشِيَ وَالْمُرْتَشِيَ وَالرَّائِشَ - الْوَاسِطَةُ - الَّذِي بَيْنَهُمَا} رَوَاهُ أَهْلُ السُّنَنِ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ: {أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ أَحَدُهُمَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ اقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ. فَقَالَ صَاحِبُهُ - وَكَانَ أَفْقَهَ مِنْهُ - نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ اقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ وائذن لِي. فَقَالَ: قُلْ. فَقَالَ: إنَّ ابْنِي كَانَ عَسِيفًا فِي أَهْلِ
(28/302)

هَذَا - يَعْنِي أَجِيرًا - فَزَنَى بِامْرَأَتِهِ فَافْتَدَيْت مِنْهُ بِمِائَةِ شَاةٍ وَخَادِمٍ وَإِنِّي سَأَلْت رِجَالًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فَأَخْبَرُونِي أَنَّ عَلَى ابْنِي جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ وَأَنَّ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا الرَّجْمُ. فَقَالَ: وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ: الْمِائَةُ وَالْخَادِمُ رَدٌّ عَلَيْك. وَعَلَى ابْنِك جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ وَاغْدُ يَا أنيس عَلَى امْرَأَةِ هَذَا فَاسْأَلْهَا فَإِنْ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا. فَسَأَلَهَا فَاعْتَرَفَتْ فَرَجَمَهَا} . فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ إنَّهُ لَمَّا بَذَلَ عَنْ الْمُذْنِبِ هَذَا الْمَالَ لِدَفْعِ الْحَدِّ عَنْهُ أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِدُفَعِ الْمَالِ إلَى صَاحِبِهِ وَأَمَرَ بِإِقَامَةِ الْحَدِّ وَلَمْ يَأْخُذْ الْمَالَ لِلْمُسْلِمِينَ: مِنْ الْمُجَاهِدِينَ وَالْفُقَرَاءِ وَغَيْرِهِمْ. وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ تَعْطِيلَ الْحَدِّ بِمَالِ يُؤْخَذُ أَوْ غَيْرِهِمْ لَا يَجُوزُ وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْمَالَ الْمَأْخُوذَ مِنْ الزَّانِي وَالسَّارِقِ وَالشَّارِبِ وَالْمُحَارِبِ وَقَاطِعِ الطَّرِيقِ وَنَحْوِ ذَلِكَ لِتَعْطِيلِ الْحَدِّ مَالٌ سُحْتٌ خَبِيثٌ. كَثِيرٌ مِمَّا يُوجَدُ مِنْ فَسَادِ أُمُورِ النَّاسِ إنَّمَا هُوَ لِتَعْطِيلِ الْحَدِّ بِمَالِ أَوْ جَاهٍ وَهَذَا مِنْ أَكْبَرِ الْأَسْبَابِ الَّتِي هِيَ فَسَادُ أَهْلِ الْبَوَادِي وَالْقُرَى وَالْأَمْصَارِ: مِنْ الْأَعْرَابِ وَالتُّرْكُمَانِ وَالْأَكْرَادِ وَالْفَلَّاحِينَ وَأَهْلِ الْأَهْوَاءِ كَقَيْسِ وَيَمَنَ وَأَهْلِ الْحَاضِرَةِ مِنْ رُؤَسَاءِ النَّاسِ وَأَغْنِيَائِهِمْ وَفُقَرَائِهِمْ وَأُمَرَاءِ النَّاسِ وَمُقَدِّمِيهِمْ وَجُنْدِهِمْ وَهُوَ سَبَبُ سُقُوطِ حُرْمَةِ الْمُتَوَلِّي وَسُقُوطِ قَدْرِهِ مِنْ الْقُلُوبِ وَانْحِلَالِ أَمْرِهِ فَإِذَا ارْتَشَى وَتَبَرْطَلَ عَلَى تَعْطِيلِ حَدٍّ ضَعُفَتْ نَفْسُهُ أَنْ يُقِيمَ حَدًّا آخَرَ
(28/303)

وَصَارَ مِنْ جِنْسِ الْيَهُودِ الْمَلْعُونِينَ. وَأَصْلُ الْبِرْطِيلِ هُوَ الْحَجَرُ الْمُسْتَطِيلُ سُمِّيَتْ بِهِ الرِّشْوَةُ لِأَنَّهَا تُلْقِمُ الْمُرْتَشِيَ عَنْ التَّكَلُّمِ بِالْحَقِّ كَمَا يَلْقَمُهُ الْحَجَرُ الطَّوِيلُ كَمَا قَدْ جَاءَ فِي الْأَثَرِ: {إذَا دَخَلَتْ الرِّشْوَةُ مِنْ الْبَابِ خَرَجَتْ الْأَمَانَةُ مِنْ الْكُوَّةِ} . وَكَذَلِكَ إذَا أُخِذَ مَالٌ لِلدَّوْلَةِ عَلَى ذَلِكَ مِثْلَ هَذَا السُّحْتِ الَّذِي يُسَمَّى التَّأْدِيبَاتِ. أَلَا تَرَى أَنَّ الْأَعْرَابَ الْمُفْسِدِينَ أَخَذُوا لِبَعْضِ النَّاسِ ثُمَّ جَاءُوا إلَى وَلِيِّ الْأَمْرِ فَقَادُوا إلَيْهِ خَيْلًا يُقَدِّمُونَهَا لَهُ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ كَيْفَ يَقْوَى طَمَعُهُمْ فِي الْفَسَادِ وَتَنْكَسِرُ حُرْمَةُ الْوِلَايَةِ وَالسَّلْطَنَةِ وَتَفْسُدُ الرَّعِيَّةُ؟ كَذَلِكَ الْفَلَّاحُونَ وَغَيْرُهُمْ كَذَلِكَ شَارِبُ الْخَمْرِ إذَا أَخَذَ فَدَفَعَ بَعْضَ مَالِهِ: كَيْفَ يَطْمَعُ الْخَمَّارُونَ فَيَرْجُونَ إذَا أَمْسَكُوا أَنْ يَفْتَدُوا بِبَعْضِ أَمْوَالِهِمْ فَيَأْخُذُهَا ذَلِكَ الْوَالِي سُحْتًا لَا يُبَارَكُ فِيهَا وَالْفَسَادُ قَائِمٌ. وَكَذَلِكَ ذَوُو الْجَاهِ إذَا حَمُوا أَحَدًا أَنْ يُقَامَ عَلَيْهِ الْحَدُّ مِثْلَ أَنْ يَرْتَكِبَ بَعْضُ الْفَلَّاحِينَ جَرِيمَةً ثُمَّ يَأْوِي إلَى قَرْيَةِ نَائِبِ السُّلْطَانِ أَوْ أَمِيرِهِ فَيُحْمَى عَلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَيَكُونُ ذَلِكَ الَّذِي حَمَاهُ مِمَّنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ فَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {لَعَنَ اللَّهُ مَنْ أَحْدَثَ حَدَثًا أَوْ آوَى مُحْدِثًا} . فَكُلُّ مَنْ آوَى مُحْدِثًا مِنْ هَؤُلَاءِ الْمُحْدِثِينَ
(28/304)

فَقَدْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ. وَإِذَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ قَالَ: {إنَّ مَنْ حَالَتْ شَفَاعَتُهُ دُونَ حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ فَقَدْ ضَادَّ اللَّهَ فِي أَمْرِهِ} فَكَيْفَ بِمَنْ مَنَعَ الْحُدُودَ بِقُدْرَتِهِ وَيَدِهِ وَاعْتَاضَ عَنْ الْمُجْرِمِينَ بِسُحْتِ مِنْ الْمَالِ يَأْخُذُهُ لَا سِيَّمَا الْحُدُودُ عَلَى سُكَّانِ الْبَرِّ؛ فَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ فَسَادِهِمْ حِمَايَةَ الْمُعْتَدِينَ مِنْهُمْ بِجَاهِ أَوْ مَالٍ سَوَاءٌ كَانَ الْمَالُ الْمَأْخُوذُ لِبَيْتِ الْمَالِ أَوْ لِلْوَالِي: سِرًّا أَوْ عَلَانِيَةً فَذَلِكَ جَمِيعُهُ مُحَرَّمٌ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ وَهُوَ مِثْلُ تَضْمِينِ الْحَانَاتِ وَالْخَمْرِ فَإِنَّ مَنْ مُكِّنَ مِنْ ذَلِكَ أَوْ أَعَانَ أَحَدًا عَلَيْهِ بِمَالِ يَأْخُذُهُ مِنْهُ فَهُوَ مَنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ. وَالْمَالُ الْمَأْخُوذُ عَلَى هَذَا يُشْبِهُ مَا يُؤْخَذُ مِنْ مَهْرِ الْبَغِيِّ وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ وَثَمَنِ الْكَلْبِ وَأُجْرَةِ الْمُتَوَسِّطِ فِي الْحَرَامِ: الَّذِي يُسَمَّى الْقَوَّادَ. قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {ثَمَنُ الْكَلْبِ خَبِيثٌ وَمَهْرُ الْبَغِيِّ خَبِيثٌ وَحُلْوَانُ الْكَاهِنِ خَبِيثٌ} رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. فَمَهْرُ الْبَغِيِّ الَّذِي يُسَمَّى حُدُورَ الْقِحَابِ. وَفِي مَعْنَاهُ مَا يُعْطَاهُ الْمُخَنَّثُونَ الصِّبْيَانُ مِنْ الْمَمَالِيكِ أَوْ الْأَحْرَارِ عَلَى الْفُجُورِ بِهِمْ وَحُلْوَانُ الْكَاهِنِ: مِثْلُ حَلَاوَةِ الْمُنَجِّمِ وَنَحْوِهِ عَلَى مَا يُخْبِرُ بِهِ مِنْ الْأَخْبَارِ الْمُبَشِّرَةِ بِزَعْمِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَوَلِيُّ الْأَمْرِ إذَا تَرَكَ إنْكَارَ الْمُنْكَرَاتِ وَإِقَامَةَ الْحُدُودِ عَلَيْهَا بِمَالِ يَأْخُذُهُ: كَانَ بِمَنْزِلَةِ مُقَدِّمِ الْحَرَامِيَّةِ الَّذِي يُقَاسِمُ الْمُحَارِبِينَ عَلَى الْأَخِيذَةِ وَبِمَنْزِلَةِ الْقَوَّادِ الَّذِي يَأْخُذُ مَا يَأْخُذُهُ؛ لِيَجْمَعَ بَيْنَ اثْنَيْنِ عَلَى فَاحِشَةٍ
(28/305)

وَكَانَ حَالُهُ شَبِيهًا بِحَالِ عَجُوزِ السُّوءِ امْرَأَةِ لُوطٍ الَّتِي كَانَتْ تُدِلُّ الْفُجَّارَ عَلَى ضَيْفِهِ الَّتِي قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهَا: {فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ} وَقَالَ تَعَالَى: {فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إلَّا امْرَأَتَكَ إنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ} . فَعَذَّبَ اللَّهُ عَجُوزَ السُّوءِ الْقَوَّادَةَ بِمِثْلِ مَا عَذَّبَ قَوْمَ السُّوءِ الَّذِينَ كَانُوا يَحْمِلُونَ الْخَبَائِثَ وَهَذَا لِأَنَّ هَذَا جَمِيعَهُ أَخْذُ مَالٍ لِلْإِعَانَةِ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَوَلِيُّ الْأَمْرِ إنَّمَا نُصِّبَ لِيَأْمُرَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَى عَنْ الْمُنْكَرِ وَهَذَا هُوَ مَقْصُودُ الْوِلَايَةِ. فَإِذَا كَانَ الْوَالِي يُمْكِنُ مِنْ الْمُنْكَرِ بِمَالِ يَأْخُذُهُ كَانَ قَدْ أَتَى بِضِدِّ الْمَقْصُودِ مِثْلَ مَنْ نَصَّبْته لِيُعِينَك عَلَى عَدُوِّك فَأَعَانَ عَدُوَّك عَلَيْك. وَبِمَنْزِلَةِ مَنْ أَخَذَ مَالًا لِيُجَاهِدَ بِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَقَاتَلَ بِهِ الْمُسْلِمِينَ.
يُوَضِّحُ ذَلِكَ أَنَّ صَلَاحَ الْعِبَادِ بِالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ؛ فَإِنَّ صَلَاحَ الْمَعَاشِ وَالْعِبَادِ فِي طَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَلَا يَتِمُّ ذَلِكَ إلَّا بِالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ وَبِهِ صَارَتْ هَذِهِ الْأُمَّةُ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} . وَقَالَ تَعَالَى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} وَقَالَ تَعَالَى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} وَقَالَ تَعَالَى عَنْ بَنِي إسْرَائِيلَ: {كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ
(28/306)

عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} . وَقَالَ تَعَالَى: {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} . فَأَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ الْعَذَابَ لَمَّا نَزَلَ نَجَّى الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنْ السُّوءِ وَأَخَذَ الظَّالِمِينَ بِالْعَذَابِ الشَّدِيدِ. وَفِي الْحَدِيثِ الثَّابِتِ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ خَطَبَ النَّاسَ عَلَى مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: " أَيُّهَا النَّاسُ إنَّكُمْ تَقْرَءُونَ هَذِهِ الْآيَةَ وَتَضَعُونَهَا فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إذَا اهْتَدَيْتُمْ} وَإِنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: {إنَّ النَّاسَ إذَا رَأَوْا الْمُنْكَرَ فَلَمْ يُغَيِّرُوهُ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمْ اللَّهُ بِعِقَابِ مِنْ عِنْدِهِ} . وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ: {إنَّ الْمَعْصِيَةَ إذَا خَفِيَتْ لَمْ تَضُرَّ إلَّا صَاحِبَهَا وَلَكِنْ إذَا ظَهَرَتْ فَلَمْ تُنْكَرْ ضَرَّتْ الْعَامَّةَ} . وَهَذَا الْقِسْمُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ الْحُكْمِ فِي حُدُودِ اللَّهِ وَحُقُوقِهِ: مَقْصُودُهُ الْأَكْبَرُ: هُوَ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ. فَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ: مِثْلَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّيَامِ وَالْحَجِّ وَالصِّدْقِ وَالْأَمَانَةِ وَبِرِّ الْوَالِدَيْنِ وَصِلَةِ الْأَرْحَامِ وَحُسْنِ الْعِشْرَةِ مَعَ الْأَهْلِ وَالْجِيرَانِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. فَالْوَاجِبُ عَلَى وَلِيِّ الْأَمْرِ أَنْ يَأْمُرَ بِالصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ جَمِيعَ مَنْ يَقْدِرُ عَلَى أَمْرِهِ وَيُعَاقِبُ التَّارِكَ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ
(28/307)

فَإِنْ كَانَ التَّارِكُونَ طَائِفَةً مُمْتَنِعَةً قُوتِلُوا عَلَى تَرْكِهَا بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ وَكَذَلِكَ يُقَاتَلُونَ عَلَى تَرْكِ الزَّكَاةِ وَالصِّيَامِ وَغَيْرِهِمَا وَعَلَى اسْتِحْلَالِ الْمُحَرَّمَاتِ الظَّاهِرَةِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهَا كَنِكَاحِ ذَوَاتِ الْمَحَارِمِ وَالْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. فَكُلُّ طَائِفَةٍ مُمْتَنِعَةٍ مِنْ الْتِزَامِ شَرِيعَةٍ مِنْ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ الظَّاهِرَةِ الْمُتَوَاتِرَةِ يَجِبُ جِهَادُهَا حَتَّى يَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ. وَإِنْ كَانَ التَّارِكُ لِلصَّلَاةِ وَاحِدًا فَقَدْ قِيلَ: إنَّهُ يُعَاقَبُ بِالضَّرْبِ وَالْحَبْسِ حَتَّى يُصَلِّيَ وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ قَتْلُهُ إذَا امْتَنَعَ مِنْ الصَّلَاةِ بَعْدَ أَنْ يُسْتَتَابَ فَإِنْ تَابَ وَصَلَّى وَإِلَّا قُتِلَ. وَهَلْ يُقْتَلُ كَافِرًا أَوْ مُسْلِمًا فَاسِقًا؟ فِيهِ قَوْلَانِ. وَأَكْثَرُ السَّلَفِ عَلَى أَنَّهُ يُقْتَلُ كَافِرًا وَهَذَا كُلُّهُ مَعَ الْإِقْرَارِ بِوُجُوبِهَا أَمَّا إذَا جَحَدَ وُجُوبَهَا فَهُوَ كَافِرٌ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ وَكَذَلِكَ مَنْ جَحَدَ سَائِرَ الْوَاجِبَاتِ الْمَذْكُورَاتِ وَالْمُحَرَّمَاتِ الَّتِي يَجِبُ الْقِتَالُ عَلَيْهَا. فَالْعُقُوبَةُ عَلَى تَرْكِ الْوَاجِبَاتِ وَفِعْلِ الْمُحَرَّمَاتِ هِيَ مَقْصُودُ الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَهُوَ وَاجِبٌ عَلَى الْأُمَّةِ بِالِاتِّفَاقِ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ. وَهُوَ مِنْ أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ. {قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ يَعْدِلُ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. قَالَ: لَا تَسْتَطِيعُهُ أَوْ لَا تُطِيقُهُ. قَالَ: أَخْبِرْنِي بِهِ؟ قَالَ: هَلْ تَسْتَطِيعُ إذَا خَرَجَ الْمُجَاهِدُ أَنْ تَصُومَ وَلَا تُفْطِرَ
(28/308)

وَتَقُومَ وَلَا تَفْتُرَ؟ قَالَ: وَمَنْ يَسْتَطِيعُ ذَلِكَ؟ قَالَ: فَذَلِكَ الَّذِي يَعْدِلُ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} . وَقَالَ: {إنَّ فِي الْجَنَّةِ لِمِائَةِ دَرَجَةٍ بَيْنَ الدَّرَجَةِ إلَى الدَّرَجَةِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَعَدَّهَا اللَّهُ لِلْمُجَاهِدِينَ نَحْوَ سَبِيلِهِ} كِلَاهُمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ. وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {رَأْسُ الْأَمْرِ الْإِسْلَامُ وَعَمُودُهُ الصَّلَاةُ وَذِرْوَةُ سَنَامِهِ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {إنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} . وَقَالَ تَعَالَى: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} {الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ} {يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ} {خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} .
فَصْلٌ:
وَمِنْ ذَلِكَ عُقُوبَةُ الْمُحَارِبِينَ وَقُطَّاعِ الطَّرِيقِ: الَّذِينَ يَعْتَرِضُونَ النَّاسَ بِالسِّلَاحِ فِي الطُّرُقَاتِ وَنَحْوِهَا لِيَغْصِبُوهُمْ الْمَالَ مُجَاهَرَةً: مِنْ الْأَعْرَابِ وَالتُّرْكُمَانِ وَالْأَكْرَادِ وَالْفَلَّاحِينَ وَفَسَقَةِ الْجُنْدِ أَوْ مَرَدَةِ الْحَاضِرَةِ
(28/309)

أَوْ غَيْرِهِمْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ: {إنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} . وَقَدْ رَوَى الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - فِي قُطَّاعِ الطَّرِيقِ -: " إذَا قَتَلُوا وَأَخَذُوا الْمَالَ قُتِّلُوا وَصُلِّبُوا وَإِذَا قَتَلُوا وَلَمْ يَأْخُذُوا الْمَالَ قُتِّلُوا وَلَمْ يُصَلَّبُوا وَإِذَا أَخَذُوا الْمَالَ وَلَمْ يَقْتُلُوا قُطِّعَتْ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلَهُمْ مِنْ خِلَافٍ وَإِذَا أَخَافُوا السَّبِيلَ وَلَمْ يَأْخُذُوا مَالًا نَفَوْا مِنْ الْأَرْضِ ". وَهَذَا قَوْلُ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ كَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لِلْإِمَامِ أَنْ يَجْتَهِدَ فِيهِمْ فَيَقْتُلُ مَنْ رَأَى قَتْلَهُ مَصْلَحَةً وَإِنْ كَانَ لَمْ يُقْتَلْ: مِثْلَ أَنْ يَكُونَ رَئِيسًا مُطَاعًا فِيهَا وَيَقْطَعُ مَنْ رَأَى قَطْعَهُ مَصْلَحَةً؛ وَإِنْ كَانَ لَمْ يَأْخُذْ الْمَالَ مِثْلَ أَنْ يَكُونَ ذَا جَلَدٍ وَقُوَّةٍ فِي أَخْذِ الْمَالِ. كَمَا أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ يَرَى أَنَّهُمْ إذَا أَخَذُوا الْمَالَ قُتِّلُوا وَقُطِّعُوا وَصُلِّبُوا. وَالْأَوَّلُ قَوْلُ الْأَكْثَرِ. فَمَنْ كَانَ مِنْ الْمُحَارِبِينَ قَدْ قَتَلَ فَإِنَّهُ يُقَتِّلُهُ الْإِمَامُ حَدَا لَا يَجُوزُ الْعَفْوُ عَنْهُ بِحَالِ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ. ذَكَرَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَلَا يَكُونُ أَمْرُهُ إلَى وَرَثَةِ الْمَقْتُولِ؛ بِخِلَافِ مَا لَوْ قَتَلَ رَجُلٌ رَجُلًا لِعَدَاوَةِ بَيْنَهُمَا أَوْ خُصُومَةٍ أَوْ نَحْوِ
(28/310)

ذَلِكَ مِنْ الْأَسْبَابِ الْخَاصَّةِ؛ فَإِنَّ هَذَا دَمُهُ لِأَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ إنْ أَحَبُّوا قَتَلُوا وَإِنْ أَحَبُّوا عَفَوْا وَإِنْ أَحَبُّوا أَخَذُوا الدِّيَةَ؛ لِأَنَّهُ قَتَلَهُ لِغَرَضِ خَاصٍّ. وَأَمَّا الْمُحَارِبُونَ فَإِنَّمَا يَقْتُلُونَ لِأَخْذِ أَمْوَالِ النَّاسِ فَضَرَرُهُمْ عَامٌّ؛ بِمَنْزِلَةِ السُّرَّاقِ فَإِنَّ قَتْلَهُمْ حَدًّا لِلَّهِ. وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ حَتَّى لَوْ كَانَ الْمَقْتُولُ غَيْرَ مُكَافِئٍ لِلْقَاتِلِ مِثْلَ أَنْ يَكُونَ الْقَاتِلُ حُرًّا وَالْمَقْتُولُ عَبْدًا أَوْ الْقَاتِلُ مُسْلِمًا وَالْمَقْتُولُ ذِمِّيًّا أَوْ مُسْتَأْمَنًا فَقَدْ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ هَلْ يُقْتَلُ فِي الْمُحَارَبَةِ؟ وَالْأَقْوَى أَنَّهُ يُقْتَلُ؛ لِأَنَّهُ قَتَلَ لِلْفَسَادِ الْعَامِّ حَدًّا كَمَا يُقَطَّعُ إذَا أَخَذَ أَمْوَالَهُمْ وَكَمَا يُحْبَسُ بِحُقُوقِهِمْ.
وَإِذَا كَانَ الْمُحَارِبُونَ الْحَرَامِيَّةُ جَمَاعَةً فَالْوَاحِدُ مِنْهُمْ بَاشَرَ الْقَتْلَ بِنَفْسِهِ وَالْبَاقُونَ لَهُ أَعْوَانٌ وَرَدَّهُ لَهُ فَقَدْ قِيلَ: إنَّهُ يُقْتَلُ الْمُبَاشِرُ فَقَطْ وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْجَمِيعَ يُقْتَلُونَ وَلَوْ كَانُوا مِائَةً وَأَنَّ الرِّدَّةَ وَالْمُبَاشِرَ سَوَاءٌ وَهَذَا هُوَ الْمَأْثُورُ عَنْ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ؛ فَإِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَتَلَ رَبِيئَةَ الْمُحَارِبِينَ. وَالرَّبِيئَةُ هُوَ النَّاظِرُ الَّذِي يَجْلِسُ عَلَى مَكَانٍ عَالٍ يَنْظُرُ مِنْهُ لَهُمْ مَنْ يَجِيءُ. وَلِأَنَّ الْمُبَاشِرَ إنَّمَا تَمَكَّنَ مِنْ قَتْلِهِ بِقُوَّةِ الرَّدْءِ وَمَعُونَتِهِ. وَالطَّائِفَة إذَا انْتَصَرَ بَعْضُهَا بِبَعْضِ حَتَّى صَارُوا مُمْتَنِعِينَ فَهُمْ مُشْتَرِكُونَ فِي الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ كَالْمُجَاهِدِينَ. فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
(28/311)

قَالَ: {الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ وَيَرُدُّ مُتَسَرِّيهِمْ عَلَى قَاعِدِهِمْ} . يَعْنِي أَنَّ جَيْشَ الْمُسْلِمِينَ إذَا تَسَرَّتْ مِنْهُ سَرِيَّةٌ فَغَنِمَتْ مَالًا فَإِنَّ الْجَيْشَ يُشَارِكُهَا فِيمَا غَنِمَتْ؛ لِأَنَّهَا بِظَهْرِهِ وَقُوَّتِهِ تَمَكَّنَتْ؛ لَكِنْ تُنَفَّلُ عَنْهُ نَفْلًا؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُنَفِّلُ السَّرِيَّةَ إذَا كَانُوا فِي بِدَايَتِهِمْ الرُّبُعُ بَعْدَ الْخُمُسِ فَإِذَا رَجَعُوا إلَى أَوْطَانِهِمْ وَتَسَرَّتْ سَرِيَّةٌ نَفَّلَهُمْ الثُّلُثَ بَعْدَ الْخُمُسِ وَكَذَلِكَ لَوْ غَنِمَ الْجَيْشُ غَنِيمَةً شَارَكَتْهُ السَّرِيَّةُ لِأَنَّهَا فِي مَصْلَحَةِ الْجَيْشِ كَمَا قَسَمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِطَلْحَةِ وَالزُّبَيْرِ يَوْمَ بَدْرٍ؛ لِأَنَّهُ كَانَ قَدْ بَعَثَهُمَا فِي مَصْلَحَةِ الْجَيْشِ فَأَعْوَانُ الطَّائِفَةِ الْمُمْتَنِعَةِ وَأَنْصَارِهَا مِنْهَا فِيمَا لَهُمْ وَعَلَيْهِمْ. وَهَكَذَا الْمُقْتَتِلُونَ عَلَى بَاطِلٍ لَا تَأْوِيلَ فِيهِ؛ مِثْلَ الْمُقْتَتِلِينَ عَلَى عَصَبِيَّةِ وَدَعْوَى جَاهِلِيَّةٍ؛ كَقَيْسِ وَيُمَنِّ وَنَحْوِهِمَا؛ هُمَا ظَالِمَتَانِ. كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {إذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ. قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا الْقَاتِلُ فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ؟ قَالَ: إنَّهُ أَرَادَ قَتْلَ صَاحِبِهِ} . أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ. وَتَضَمَّنَ كُلُّ طَائِفَةٍ مَا أَتْلَفَتْهُ لِلْأُخْرَى مِنْ نَفْسٍ وَمَالٍ. وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ عَيْنَ الْقَاتِلِ؛ لِأَنَّ الطَّائِفَةَ الْوَاحِدَةَ الْمُمْتَنِعَ بَعْضُهَا بِبَعْضِ كَالشَّخْصِ الْوَاحِدِ وَفِي ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى} .
(28/312)

وَأَمَّا إذَا أَخَذُوا الْمَالَ فَقَطْ وَلَمْ يَقْتُلُوا - كَمَا قَدْ يَفْعَلُهُ الْأَعْرَابُ كَثِيرًا - فَإِنَّهُ يُقَطَّعُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ يَدُهُ الْيُمْنَى وَرِجْلُهُ الْيُسْرَى عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ: كَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَد وَغَيْرِهِمْ. وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ} . تُقَطَّعُ الْيَدُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا وَالرِّجْلُ الَّتِي يَمْشِي عَلَيْهَا وَتُحْسَمُ يَدُهُ وَرَجُلُهُ بِالزَّيْتِ الْمَغْلِيِّ وَنَحْوِهِ؛ لِيَنْحَسِمَ الدَّمُ فَلَا يَخْرُجُ فَيُفْضِي إلَى تَلَفِهِ وَكَذَلِكَ تُحْسَمُ يَدُ السَّارِقِ بِالزَّيْتِ. وَهَذَا الْفِعْلُ قَدْ يَكُونُ أزجر مِنْ الْقَتْلِ؛ فَإِنَّ الْأَعْرَابَ وَفَسَقَةَ الْجُنْدِ وَغَيْرِهِمْ إذَا رَأَوْا دَائِمًا مَنْ هُوَ بَيْنَهُمْ مَقْطُوعُ الْيَدِ وَالرِّجْلِ ذَكَرُوا بِذَلِكَ جُرْمَهُ فَارْتَدَعُوا؛ بِخِلَافِ الْقَتْلِ فَإِنَّهُ قَدْ يَنْسَى؛ وَقَدْ يُؤْثِرُ بَعْضُ النُّفُوسِ الْأَبِيَّةِ قَتْلَهُ عَلَى قَطْعِ يَدِهِ وَرِجْلِهِ مِنْ خِلَافٍ فَيَكُونُ هَذَا أَشَدَّ تَنْكِيلًا لَهُ وَلِأَمْثَالِهِ. وَأَمَّا إذَا شَهَرُوا السِّلَاحَ وَلَمْ يَقْتُلُوا نَفْسًا وَلَمْ يَأْخُذُوا مَالًا ثُمَّ أَغْمَدُوهُ أَوْ هَرَبُوا وَتَرَكُوا الْحِرَابَ فَإِنَّهُمْ يُنْفَوْنَ. فَقِيلَ: نَفْيُهُمْ تَشْرِيدُهُمْ فَلَا يَتْرُكُونَ يَأْوُونَ فِي بَلَدٍ. وَقِيلَ: هُوَ حَبْسُهُمْ. وَقِيلَ: هُوَ مَا يَرَاهُ الْإِمَامُ أَصْلَحَ مِنْ نَفْيٍ أَوْ حَبْسٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ. وَالْقَتْلُ الْمَشْرُوعُ: هُوَ ضَرْبُ الرَّقَبَةِ بِالسَّيْفِ وَنَحْوِهِ لِأَنَّ ذَلِكَ أَرْوَحُ أَنْوَاعِ الْقَتْلِ وَكَذَلِكَ شَرَعَ اللَّهُ قَتْلَ مَا يُبَاحُ قَتْلُهُ مِنْ الْآدَمِيِّينَ وَالْبَهَائِمِ
(28/313)

إذَا قَدَرَ عَلَيْهِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ. قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {إنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَةَ وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ} رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَقَالَ: {إنَّ أَعَفَّ النَّاسِ قَتَلَةُ أَهْلِ الْإِيمَانِ} . وَأَمَّا الصَّلْبُ الْمَذْكُورُ فَهُوَ رَفْعُهُمْ عَلَى مَكَانٍ عَالٍ لِيَرَاهُمْ النَّاسُ وَيَشْتَهِرَ أَمْرُهُمْ وَهُوَ بَعْدَ الْقَتْلِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يُصَلَّبُونَ ثُمَّ يُقَتَّلُونَ وَهُمْ مُصَلَّبُونَ. وَقَدْ جَوَّزَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ قَتْلَهُمْ بِغَيْرِ السَّيْفِ حَتَّى قَالَ: يُتْرَكُونَ عَلَى الْمَكَانِ الْعَالِي حَتَّى يَمُوتُوا حَتْفَ أُنُوفِهِمْ بِلَا قَتْلٍ.
فَأَمَّا التَّمْثِيلُ فِي الْقَتْلِ فَلَا يَجُوزُ إلَّا عَلَى وَجْهِ الْقِصَاصِ وَقَدْ {قَالَ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا مَا خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خُطْبَةً إلَّا أَمَرَنَا بِالصَّدَقَةِ وَنَهَانَا عَنْ الْمُثْلَةِ حَتَّى الْكُفَّارُ إذَا قَتَلْنَاهُمْ فَإِنَّا لَا نُمَثِّلُ بِهِمْ بَعْدَ الْقَتْلِ وَلَا نَجْدَعُ آذَانَهُمْ وَأُنُوفَهُمْ وَلَا نَبْقُرُ بُطُونَهُمْ إلَّا إنْ يَكُونُوا فَعَلُوا ذَلِكَ بِنَا فَنَفْعَلُ بِهِمْ مِثْلَ مَا فَعَلُوا} . وَالتَّرْكُ أَفْضَلُ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ} {وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إلَّا بِاللَّهِ} قِيلَ إنَّهَا نَزَلَتْ لِمَا مَثَّلَ الْمُشْرِكُونَ بِحَمْزَةِ وَغَيْرِهِ مِنْ شُهَدَاءَ أُحُدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {لَئِنْ أَظْفَرَنِي اللَّهُ بِهِمْ لَأُمَثِّلَنَّ بِضَعْفَيْ مَا مَثَّلُوا بِنَا} فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ - وَإِنْ كَانَتْ قَدْ نَزَلَتْ قَبْلَ ذَلِكَ بِمَكَّةَ
(28/314)

مِثْلَ قَوْلِهِ: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} وَقَوْلِهِ: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْآيَاتِ الَّتِي نَزَلَتْ بِمَكَّةَ ثُمَّ جَرَى بِالْمَدِينَةِ سَبَبٌ يَقْتَضِي الْخِطَابَ فَأُنْزِلَتْ مَرَّةً ثَانِيَةً - فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " بَلْ نَصْبِرُ " وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ بريدة بْنِ الحصيب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: {كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا بَعَثَ أَمِيرًا عَلَى سَرِيَّةٍ أَوْ جَيْشٍ أَوْ فِي حَاجَةِ نَفْسِهِ أَوْصَاهُ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ بِتَقْوَى اللَّهِ تَعَالَى وَبِمَنْ مَعَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ خَيْرًا ثُمَّ يَقُولُ: اُغْزُوَا بِسْمِ اللَّهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاَللَّهِ وَلَا تَغْلُوا وَلَا تَغْدِرُوا وَلَا تُمَثِّلُوا وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا} .
وَلَوْ شَهَرُوا السِّلَاحَ فِي الْبُنْيَانِ - لَا فِي الصَّحْرَاءِ - لِأَخْذِ الْمَالِ فَقَدْ قِيلَ: إنَّهُمْ لَيْسُوا مُحَارِبِينَ بَلْ هُمْ بِمَنْزِلَةِ الْمُخْتَلِسِ وَالْمُنْتَهِبِ لِأَنَّ الْمَطْلُوبَ يُدْرِكُهُ الْغَوْثُ إذَا اسْتَغَاثَ بِالنَّاسِ. وَقَالَ أَكْثَرُهُمْ: إنَّ حُكْمَهُمْ فِي الْبُنْيَانِ وَالصَّحْرَاءِ وَاحِدٌ. وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ - فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ - وَالشَّافِعِيِّ وَأَكْثَرِ أَصْحَابِ أَحْمَد وَبَعْضِ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ؛ بَلْ هُمْ فِي الْبُنْيَانِ أَحَقُّ بِالْعُقُوبَةِ مِنْهُمْ فِي الصَّحْرَاءِ؛ لِأَنَّ الْبُنْيَانَ مَحَلُّ الْأَمْنِ وَالطُّمَأْنِينَةِ وَلِأَنَّهُ مَحَلُّ تَنَاصُرِ النَّاسِ وَتَعَاوُنِهِمْ فَإِقْدَامُهُمْ عَلَيْهِ يَقْتَضِي شِدَّةَ الْمُحَارَبَةِ وَالْمُغَالَبَةِ؛ وَلِأَنَّهُمْ يَسْلُبُونَ الرَّجُلَ فِي دَارِهِ جَمِيعَ مَالِهِ وَالْمُسَافِرُ
(28/315)

لَا يَكُونُ مَعَهُ - غَالِبًا - إلَّا بَعْضُ مَالِهِ. وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ؛ لَا سِيَّمَا هَؤُلَاءِ الْمُتَحَزِّبُونَ الَّذِينَ تُسَمِّيهِمْ الْعَامَّةُ فِي الشَّامِ وَمِصْرَ الْمِنْسَرَ وَكَانُوا يُسَمُّونَ بِبَغْدَادَ الْعَيَّارِينَ وَلَوْ حَارَبُوا بِالْعَصَا وَالْحِجَارَةِ الْمَقْذُوفَةِ بِالْأَيْدِي أَوْ الْمَقَالِيعِ وَنَحْوِهَا: فَهُمْ مُحَارِبُونَ أَيْضًا. وَقَدْ حُكِيَ عَنْ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ لَا مُحَارَبَةَ إلَّا بِالْمُحَدَّدِ. وَحَكَى بَعْضُهُمْ الْإِجْمَاعَ: عَلَى أَنَّ الْمُحَارَبَةَ تَكُونُ بِالْمُحَدَّدِ وَالْمُثَقَّلِ. وَسَوَاءٌ كَانَ فِيهِ خِلَافٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ. فَالصَّوَابُ الَّذِي عَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْمُسْلِمِينَ: أَنَّ مَنْ قَاتَلَ عَلَى أَخْذِ الْمَالِ بِأَيِّ نَوْعٍ كَانَ مِنْ أَنْوَاعِ الْقِتَالِ فَهُوَ مُحَارِبٌ قَاطِعٌ كَمَا أَنَّ مَنْ قَاتَلَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ الْكُفَّارِ بِأَيِّ نَوْعٍ كَانَ مِنْ أَنْوَاعِ الْقِتَالِ فَهُوَ حَرْبِيٌّ وَمَنْ قَاتَلَ الْكُفَّارَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ بِسَيْفِ أَوْ رُمْحٍ أَوْ سَهْمٍ أَوْ حِجَارَةٍ أَوْ عَصًا فَهُوَ مُجَاهِدٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. وَأَمَّا إذَا كَانَ يَقْتُلُ النُّفُوسَ سِرًّا لِأَخْذِ الْمَالِ؛ مِثْلَ الَّذِي يَجْلِسُ فِي خَانٍ يُكْرِيهِ لِأَبْنَاءِ السَّبِيلِ فَإِذَا انْفَرَدَ بِقَوْمِ مِنْهُمْ قَتَلَهُمْ وَأَخَذَ أَمْوَالَهُمْ. أَوْ يَدْعُو إلَى مَنْزِلِهِ مَنْ يَسْتَأْجِرُهُ لِخِيَاطَةِ أَوْ طِبٍّ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ فَيَقْتُلُهُ وَيَأْخُذُ مَالَهُ وَهَذَا يُسَمَّى الْقَتْلُ غِيلَةً وَيُسَمِّيهِمْ بَعْضُ الْعَامَّةِ الْمُعَرِّجِينَ فَإِذَا كَانَ لِأَخْذِ الْمَالِ فَهَلْ هُمْ كَالْمُحَارِبِينَ أَوْ يَجْرِي عَلَيْهِمْ حُكْمُ الْقَوَدِ؟ فِيهِ قَوْلَانِ لِلْفُقَهَاءِ. أَحَدُهُمَا: أَنَّهُمْ كَالْمُحَارِبِينَ لِأَنَّ الْقَتْلَ بِالْحِيلَةِ كَالْقَتْلِ مُكَابَرَةً كِلَاهُمَا لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ؛ بَلْ قَدْ يَكُونُ ضَرَرُ هَذَا أَشَدَّ؛ لِأَنَّهُ لَا
(28/316)

يَدْرِي بِهِ. وَالثَّانِي: أَنَّ الْمُحَارِبَ هُوَ الْمُجَاهِرُ بِالْقِتَالِ؛ وَأَنَّ هَذَا الْمُغْتَالَ يَكُونُ أَمْرُهُ إلَى وَلِيِّ الدَّمِ. وَالْأَوَّلُ أَشْبَهُ بِأُصُولِ الشَّرِيعَةِ؛ بَلْ قَدْ يَكُونُ ضَرَرُ هَذَا أَشَدَّ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي بِهِ. وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ أَيْضًا فِيمَنْ يَقْتُلُ السُّلْطَانُ كَقَتَلَةِ عُثْمَانَ. وَقَاتِلِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا هَلْ هُمْ كَالْمُحَارِبِينَ فَيُقَتَّلُونَ حَدًّا أَوْ يَكُونُ أَمْرُهُمْ إلَى أَوْلِيَاءِ الدَّمِ - عَلَى قَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ - لِأَنَّ فِي قَتْلِهِ فَسَادًا عَامًّا.
فَصْلٌ:
وَهَذَا كُلُّهُ إذَا قَدَرَ عَلَيْهِمْ. فَأَمَّا إذَا طَلَبَهُمْ السُّلْطَانُ أَوْ نُوَّابُهُ لِإِقَامَةِ الْحَدِّ بِلَا عُدْوَانٍ فَامْتَنَعُوا عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ قِتَالُهُمْ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ حَتَّى يَقْدِرَ عَلَيْهِمْ كُلِّهِمْ. وَمَتَى لَمْ يَنْقَادُوا إلَّا بِقِتَالِ يُفْضِي إلَى قَتْلِهِمْ كُلِّهِمْ قُوتِلُوا وَإِنْ أَفْضَى إلَى ذَلِكَ؛ سَوَاءٌ كَانُوا قَدْ قَتَلُوا أَوْ لَمْ يَقْتُلُوا. وَيُقَتَّلُونَ فِي الْقِتَالِ كَيْفَمَا أَمْكَنَ: فِي الْعُنُقِ وَغَيْرِهِ. وَيُقَاتَلُ مَنْ قَاتَلَ مَعَهُمْ مِمَّنْ يَحْمِيهِمْ وَيُعِينُهُمْ. فَهَذَا قِتَالٌ وَذَاكَ إقَامَةُ حَدٍّ. وَقِتَالُ هَؤُلَاءِ أَوْكَدُ مِنْ قَتْلِ الطَّوَائِفِ الْمُمْتَنِعَةِ عَنْ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ.
(28/317)

فَإِنَّ هَؤُلَاءِ قَدْ تَحَزَّبُوا لِفَسَادِ النُّفُوسِ وَالْأَمْوَالِ وَهَلَاكِ الْحَرْثِ وَالنَّسْلِ؛ لَيْسَ مَقْصُودُهُمْ إقَامَةَ دِينٍ وَلَا مُلْكٍ. وَهَؤُلَاءِ كَالْمُحَارِبِينَ الَّذِينَ يَأْوُونَ إلَى حِصْنٍ أَوْ مَغَارَةٍ أَوْ رَأْسِ جَبَلٍ أَوْ بَطْنِ وَادٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ: يَقْطَعُونَ الطَّرِيقَ عَلَى مَنْ مَرَّ بِهِمْ وَإِذَا جَاءَهُمْ جُنْدُ وَلِيِّ الْأَمْرِ يَطْلُبُهُمْ لِلدُّخُولِ فِي طَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ وَالْجَمَاعَةِ لِإِقَامَةِ الْحُدُودِ: قَاتَلُوهُمْ وَدَفَعُوهُمْ؛ مِثْلَ الْأَعْرَابِ الَّذِينَ يَقْطَعُونَ الطَّرِيقَ عَلَى الْحَاجِّ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الطُّرُقَاتِ أَوْ الْجَبَلِيَّةِ الَّذِينَ يَعْتَصِمُونَ بِرُءُوسِ الْجِبَالِ أَوْ الْمَغَارَاتِ؛ لِقَطْعِ الطَّرِيقِ. وَكَالْأَحْلَافِ الَّذِينَ تَحَالَفُوا لِقَطْعِ الطَّرِيقِ بَيْنَ الشَّامِ وَالْعِرَاقِ وَيُسَمُّونَ ذَلِكَ " النهيضة " فَإِنَّهُمْ يُقَاتَلُونَ كَمَا ذَكَرْنَا؛ لَكِنْ قِتَالُهُمْ لَيْسَ بِمَنْزِلَةِ قِتَالِ الْكُفَّارِ إذَا لَمْ يَكُونُوا كُفَّارًا وَلَا تُؤْخَذُ أَمْوَالُهُمْ إلَّا أَنْ يَكُونُوا أَخَذُوا أَمْوَالَ النَّاسِ بِغَيْرِ حَقٍّ؛ فَإِنَّ عَلَيْهِمْ ضَمَانَهَا فَيُؤْخَذُ مِنْهُمْ بِقَدْرِ مَا أَخَذُوا وَإِنْ لَمْ نَعْلَمْ عَيْنَ الْآخِذِ. وَكَذَلِكَ لَوْ عُلِمَ عَيْنُهُ؛ فَإِنَّ الرِّدْءَ وَالْمُبَاشِرَ سَوَاءٌ كَمَا قُلْنَاهُ؛ لَكِنْ إذَا عُرِفَ عَيْنُهُ كَانَ قَرَارُ الضَّمَانِ عَلَيْهِ وَيَرُدُّ مَا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ عَلَى أَرْبَابِ الْأَمْوَالِ فَإِنْ تَعَذَّرَ الرَّدُّ عَلَيْهِمْ كَانَ لِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ: مِنْ رِزْقِ الطَّائِفَةِ الْمُقَاتِلَة لَهُمْ وَغَيْرِ ذَلِكَ. بَلْ الْمَقْصُودُ مِنْ قِتَالِهِمْ التَّمَكُّنُ مِنْهُمْ لِإِقَامَةِ الْحُدُودِ وَمَنْعِهِمْ مِنْ الْفَسَادِ فَإِذَا جُرِحَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ جُرْحًا مُثْخَنًا لَمْ يُجْهَزْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمُوتَ
(28/318)

إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَتْلُ. وَإِذَا هَرَبَ وَكَفَانَا شَرَّهُ لَمْ نَتَّبِعْهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ حَدٌّ أَوْ نَخَافُ عَاقِبَتَهُ وَمَنْ أَسَرَّ مِنْهُمْ أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ الَّذِي يُقَامُ عَلَى غَيْرِهِ. وَمِنْ الْفُقَهَاءِ مَنْ يُشَدِّدُ فِيهِمْ حَتَّى يَرَى غَنِيمَةَ أَمْوَالِهِمْ وَتَخْمِيسَهَا؛ وَأَكْثَرُهُمْ يَأْبَوْنَ ذَلِكَ. فَأَمَّا إذَا تَحَيَّزُوا إلَى مَمْلَكَةِ طَائِفَةٍ خَارِجَةٍ عَنْ شَرِيعَةِ الْإِسْلَامِ وَأَعَانُوهُمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ. قُوتِلُوا كَقِتَالِهِمْ.
وَأَمَّا مَنْ كَانَ لَا يَقْطَعُ الطَّرِيقَ وَلَكِنَّهُ يَأْخُذُ خِفَارَةً أَوْ ضَرِيبَةً مِنْ أَبْنَاءِ السَّبِيلِ عَلَى الرُّءُوسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَحْمَالِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَهَذَا مكاس عَلَيْهِ عُقُوبَةُ المكاسين. وَقَدْ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِ قَتْلِهِ وَلَيْسَ هُوَ مِنْ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ؛ فَإِنَّ الطَّرِيقَ لَا يَنْقَطِعُ بِهِ مَعَ أَنَّهُ أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى {قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الغامدية: لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ تَابَهَا صَاحِبُ مَكْسٍ لَغُفِرَ لَهُ} وَيَجُوزُ لِلْمَظْلُومِينَ - الَّذِينَ تُرَادُ أَمْوَالُهُمْ - قِتَالُ الْمُحَارِبِينَ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ. وَلَا يَجِبُ أَنْ يُبْذَلَ لَهُمْ مِنْ الْمَالِ لَا قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ إذَا أَمْكَنَ قِتَالُهُمْ. قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دَمِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دِينِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ وَمِنْ قُتِلَ دُونَ حُرْمَتِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ} . وَهَذَا الَّذِي تُسَمِّيهِ الْفُقَهَاءُ " الصَّائِلُ " وَهُوَ الظَّالِمُ بِلَا تَأْوِيلٍ
(28/319)

وَلَا وِلَايَةٍ فَإِذَا كَانَ مَطْلُوبُهُ الْمَالَ جَازَ دَفْعُهُ بِمَا يُمْكِنُ فَإِذَا لَمْ يَنْدَفِعْ إلَّا الْقِتَالُ قُوتِلَ وَإِنْ تَرَكَ الْقِتَالَ وَأَعْطَاهُمْ شَيْئًا مِنْ الْمَالِ جَازَ وَأَمَّا إذَا كَانَ مَطْلُوبُهُ الْحُرْمَةَ - مِثْلَ أَنْ يَطْلُبَ الزِّنَا بِمَحَارِمِ الْإِنْسَانِ أَوْ يَطْلُبَ مِنْ الْمَرْأَةِ أَوْ الصَّبِيِّ الْمَمْلُوكِ أَوْ غَيْرِهِ الْفُجُورَ بِهِ؛ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهِ بِمَا يُمْكِنُ وَلَوْ بِالْقِتَالِ وَلَا يَجُوزُ التَّمْكِينُ مِنْهُ بِحَالِ؛ بِخِلَافِ الْمَالِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ التَّمْكِينُ مِنْهُ؛ لِأَنَّ بَذْلَ الْمَالِ جَائِزٌ وَبَذْلَ الْفُجُورِ بِالنَّفْسِ أَوْ بِالْحُرْمَةِ غَيْرُ جَائِزٍ. وَأَمَّا إذَا كَانَ مَقْصُودُهُ قَتْلَ الْإِنْسَانِ جَازَ لَهُ الدَّفْعُ عَنْ نَفْسِهِ. وَهَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ لِلْعُلَمَاءِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ. وَهَذَا إذَا كَانَ لِلنَّاسِ سُلْطَانٌ فَأَمَّا إذَا كَانَ - وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ - فِتْنَةٌ مِثْلَ أَنْ يَخْتَلِفَ سُلْطَانَانِ لِلْمُسْلِمِينَ وَيَقْتَتِلَانِ عَلَى الْمُلْكِ فَهَلْ يَجُوزُ لِلْإِنْسَانِ إذَا دَخَلَ أَحَدُهُمَا بَلَدَ الْآخَرِ وَجَرَى السَّيْفُ أَنْ يَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهِ فِي الْفِتْنَةِ أَوْ يَسْتَسْلِمُ فَلَا يُقَاتِلُ فِيهَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ لِأَهْلِ الْعِلْمِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ. فَإِذَا ظَفَرَ السُّلْطَانُ بِالْمُحَارِبِينَ الْحَرَامِيَّةِ - وَقَدْ أَخَذُوا الْأَمْوَالَ الَّتِي لِلنَّاسِ - فَعَلَيْهِ أَنْ يَسْتَخْرِجْ مِنْهُمْ الْأَمْوَالَ الَّتِي لِلنَّاسِ وَيَرُدُّهَا عَلَيْهِمْ مَعَ إقَامَةِ الْحَدِّ عَلَى أَبْدَانِهِمْ. وَكَذَلِكَ السَّارِقُ؛ فَإِنْ امْتَنَعُوا مِنْ إحْضَارِ الْمَالِ بَعْدَ ثُبُوتِهِ عَلَيْهِمْ عَاقَبَهُمْ بِالْحَبْسِ وَالضَّرْبِ حَتَّى يُمَكَّنُوا مَنْ أَخْذِهِ بِإِحْضَارِهِ أَوْ تَوْكِيلِ مَنْ يَحْضُرُهُ أَوْ الْإِخْبَارِ بِمَكَانِهِ كَمَا يُعَاقَبُ كُلُّ مُمْتَنِعٍ
(28/320)

عَنْ حَقٍّ وَجَبَ عَلَيْهِ أَدَاؤُهُ؛ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَبَاحَ لِلرَّجُلِ فِي كِتَابِهِ أَنْ يَضْرِبَ امْرَأَتَهُ إذَا نَشَزَتْ فَامْتَنَعَتْ مِنْ الْحَقِّ الْوَاجِبِ عَلَيْهَا حَتَّى تُؤَدِّيَهُ. فَهَؤُلَاءِ أَوْلَى وَأَحْرَى. وَهَذِهِ الْمُطَالَبَةُ وَالْعُقُوبَةُ حَقٌّ لِرَبِّ الْمَالِ فَإِنْ أَرَادَ هِبَتَهُمْ الْمَالَ أَوْ الْمُصَالَحَةَ عَلَيْهِ أَوْ الْعَفْوَ عَنْ عُقُوبَتِهِمْ فَلَهُ ذَلِكَ؛ بِخِلَافِ إقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِمْ؛ فَإِنَّهُ لَا سَبِيلَ إلَى الْعَفْوِ عَنْهُ بِحَالِ وَلَيْسَ لِلْإِمَامِ أَنْ يُلْزِمَ رَبَّ الْمَالِ بِتَرْكِ شَيْءٍ مِنْ حَقِّهِ. وَإِنْ كَانَتْ الْأَمْوَالُ قَدْ تَلِفَتْ بِالْأَكْلِ وَغَيْرِهِ عِنْدَهُمْ أَوْ عِنْدَ السَّارِقِ. فَقِيلَ: يَضْمَنُونَهَا لِأَرْبَابِهَا كَمَا يَضْمَنُ سَائِرُ الْغَارِمِينَ. وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا. وَتَبْقَى مَعَ الْإِعْسَارِ فِي ذِمَّتِهِمْ إلَى مَيْسَرَةٍ. وَقِيلَ: لَا يَجْتَمِعُ الْغُرْمُ وَالْقَطْعُ؛ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ. وَقِيلَ: يَضْمَنُونَهَا مَعَ الْيَسَارِ فَقَطْ دُونَ الْإِعْسَارِ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ.
وَلَا يَحِلُّ لِلسُّلْطَانِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ أَرْبَابِ الْأَمْوَالِ جُعْلًا عَلَى طَلَبِ الْمُحَارِبِينَ وَإِقَامَةِ الْحَدِّ وَارْتِجَاعِ أَمْوَالِ النَّاسِ مِنْهُمْ وَلَا عَلَى طَلَبِ السَّارِقِينَ لَا لِنَفْسِهِ وَلَا لِلْجُنْدِ الَّذِينَ يُرْسِلُهُمْ فِي طَلَبِهِمْ؛ بَلْ طَلَبُ هَؤُلَاءِ مَنْ نَوْعِ الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَخْرُجُ فِيهِ جُنْدُ الْمُسْلِمِينَ كَمَا يَخْرُجُ فِي غَيْرِهِ مِنْ الْغَزَوَاتِ الَّتِي تُسَمَّى البيكار. وَيُنْفِقُ عَلَى الْمُجَاهِدِينَ فِي هَذَا مِنْ الْمَالِ الَّذِي يُنْفِقُ مِنْهُ عَلَى سَائِرِ الْغُزَاةِ فَإِنْ كَانَ لَهُمْ إقْطَاعٌ أَوْ عَطَاءٌ يَكْفِيهِمْ وَإِلَّا أَعْطَاهُمْ تَمَامَ كِفَايَةِ غَزْوِهِمْ مِنْ مَالِ الْمَصَالِحِ مِنْ الصَّدَقَاتِ؛
(28/321)

فَإِنَّ هَذَا مِنْ سَبِيلِ اللَّهِ. فَإِنْ كَانَ عَلَى أَبْنَاءِ السَّبِيلِ الْمَأْخُوذِينَ زَكَاةً مِثْلَ التُّجَّارِ الَّذِينَ قَدْ يُؤْخَذُونَ فَأَخَذَ الْإِمَامُ زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ وَأَنْفَقَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَنَفَقَةِ الَّذِينَ يَطْلُبُونَ الْمُحَارِبِينَ جَازَ. وَلَوْ كَانَتْ لَهُمْ شَوْكَةٌ قَوِيَّةٌ تَحْتَاجُ إلَى تَأْلِيفٍ فَأَعْطَى الْإِمَامُ مِنْ الْفَيْءِ وَالْمَصَالِحِ وَالزَّكَاةِ لِبَعْضِ رُؤَسَائِهِمْ يُعِينُهُمْ عَلَى إحْضَارِ الْبَاقِينَ أَوْ لِتَرْكِ شَرِّهِ فَيَضْعُفُ الْبَاقُونَ وَنَحْوُ ذَلِكَ جَازَ وَكَانَ هَؤُلَاءِ مِنْ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَقَدْ ذَكَرَ مِثْلَ ذَلِكَ غَيْرُ وَاحِدٌ مِنْ الْأَئِمَّةِ كَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِ وَهُوَ ظَاهِرُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَأُصُولِ الشَّرِيعَةِ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُرْسِلَ الْإِمَامُ مَنْ يَضْعُفُ عَنْ مُقَاوَمَةِ الْحَرَامِيَّةِ وَلَا مَنْ يَأْخُذُ مَالًا مِنْ الْمَأْخُوذِينَ: التُّجَّارُ وَنَحْوُهُمْ مِنْ أَبْنَاءِ السَّبِيلِ؛ بَلْ يُرْسِلُ مِنْ الْجُنْدِ الْأَقْوِيَاءَ الْأُمَنَاءَ؛ إلَّا أَنْ يَتَعَذَّرَ ذَلِكَ فَيُرْسِلُ الْأَمْثَلَ فَالْأَمْثَلَ. فَإِنْ كَانَ بَعْضُ نُوَّابِ السُّلْطَانِ أَوْ رُؤَسَاءُ الْقُرَى وَنَحْوُهُمْ يَأْمُرُونَ الْحَرَامِيَّةَ بِالْأَخْذِ فِي الْبَاطِنِ أَوْ الظَّاهِرِ حَتَّى إذَا أَخَذُوا شَيْئًا قَاسَمَهُمْ وَدَافَعَ عَنْهُمْ وَأَرْضَى الْمَأْخُوذِينَ بِبَعْضِ أَمْوَالِهِمْ أَوْ لَمْ يُرْضِهِمْ فَهَذَا أَعْظَمُ جُرْمًا مِنْ مُقَدَّمِ الْحَرَامِيَّةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُمْكِنُ دَفْعُهُ بِدُونِ مَا يَنْدَفِعُ بِهِ هَذَا. وَالْوَاجِبُ أَنْ يُقَالَ فِيهِ مَا يُقَالُ فِي الرِّدْءِ وَالْعَوْنِ لَهُمْ. فَإِنْ قَتَلُوا قُتِلَ هُوَ عَلَى قَوْلِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَكْثَرِ أَهْلِ
(28/322)

الْعِلْمِ. وَإِنْ أَخَذُوا الْمَالَ قُطِعَتْ يَدُهُ وَرِجْلُهُ وَإِنْ قَتَلُوا وَأَخَذُوا الْمَالَ قُتِلَ وَصُلِبَ وَعَلَى قَوْلِ طَائِفَةٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يُقْطَعُ وَيُقْتَلُ وَيُصْلَبُ. وَقِيلَ يُخَيَّرُ بَيْنَ هَذَيْنِ وَإِنْ كَانَ لَمْ يَأْذَنْ لَهُمْ؛ لَكِنْ لَمَّا قَدَرَ عَلَيْهِمْ قَاسَمَهُمْ الْأَمْوَالَ وَعَطَّلَ بَعْضَ الْحُقُوقِ وَالْحُدُودِ.
وَمَنْ آوَى مُحَارِبًا أَوْ سَارِقًا أَوْ قَاتِلًا وَنَحْوَهُمْ مِمَّنْ وَجَبَ عَلَيْهِ حَدٌّ أَوْ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى أَوْ لِآدَمِيِّ وَمَنَعَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَ مِنْهُ الْوَاجِبَ بِلَا عُدْوَانٍ فَهُوَ شَرِيكُهُ فِي الْجُرْمِ. وَقَدْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ. رَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {لَعَنَ اللَّهُ مَنْ أَحْدَثَ حَدَثًا أَوْ آوَى مُحْدِثًا} وَإِذَا ظَفَرَ بِهَذَا الَّذِي آوَى الْمُحْدِثَ فَإِنَّهُ طَلَبَ مِنْهُ إحْضَارَهُ أَوْ الْإِعْلَامَ بِهِ فَإِنْ امْتَنَعَ عُوقِبَ بِالْحَبْسِ وَالضَّرْبِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ حَتَّى يُمَكَّنَ مِنْ ذَلِكَ الْحَدَثِ كَمَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ يُعَاقِبُ الْمُمْتَنِعَ مِنْ أَدَاءِ الْمَالِ الْوَاجِبِ. فَمَنْ وَجَبَ حُضُورُهُ مِنْ النُّفُوسِ وَالْأَمْوَالِ يُعَاقِبُ مَنْ مَنَعَ حُضُورَهَا. وَلَوْ كَانَ رَجُلًا يَعْرِفُ مَكَانَ الْمَالِ الْمَطْلُوبِ بِحَقِّ أَوْ الرَّجُلَ الْمَطْلُوبَ بِحَقِّ وَهُوَ الَّذِي يَمْنَعُهُ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِعْلَامُ بِهِ وَالدَّلَالَةُ عَلَيْهِ. وَلَا يَجُوزُ كِتْمَانُهُ. فَإِنَّ هَذَا مِنْ بَابِ التَّعَاوُنِ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَذَلِكَ وَاجِبٌ؛ بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ النَّفْسُ أَوْ الْمَالُ مَطْلُوبًا بِبَاطِلِ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ الْإِعْلَامُ بِهِ لِأَنَّهُ مِنْ التَّعَاوُنِ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ؛ بَلْ يَجِبُ الدَّفْعُ عَنْهُ؛ لِأَنَّ
(28/323)

نَصْرَ الْمَظْلُومِ وَاجِبٌ؛ فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {اُنْصُرْ أَخَاك ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا. قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْصُرُهُ مَظْلُومًا. فَكَيْفَ أَنْصُرُهُ ظَالِمًا؟ قَالَ: تَمْنَعُهُ مِنْ الظُّلْمِ فَذَلِكَ نَصْرُك إيَّاهُ} . وَرَوَى مُسْلِمٌ نَحْوَهُ عَنْ جَابِرٍ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: {أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَبْعِ وَنَهَانَا عَنْ سَبْعٍ: أَمَرَنَا بِعِيَادَةِ الْمَرِيضِ وَاتِّبَاعِ الْجِنَازَةِ وَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ وَإِبْرَارِ الْمُقْسِمِ وَإِجَابَةِ الدَّعْوَةِ وَنَصْرِ الْمَظْلُومِ وَإِفْشَاءَ الْسَّلَامِ وَنَهَانَا عَنْ خَوَاتِيمِ الذَّهَبِ وَعَنْ الشُّرْبِ بِالْفِضَّةِ وَعَنْ الْمَيَاثِرِ وَعَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ وَالْقَسِّيِّ وَالدِّيبَاجِ وَالْإِسْتَبْرَقِ} . فَإِنْ امْتَنَعَ هَذَا الْعَالِمُ بِهِ مِنْ الْإِعْلَامِ بِمَكَانِهِ جَازَتْ عُقُوبَتُهُ بِالْحَبْسِ وَغَيْرِهِ حَتَّى يُخْبَرَ بِهِ لِأَنَّهُ امْتَنَعَ مِنْ حَقٍّ وَاجِبٍ عَلَيْهِ لَا تَدْخُلُهُ النِّيَابَةُ. فَعُوقِبَ كَمَا تَقَدَّمَ وَلَا تَجُوزُ عُقُوبَتُهُ عَلَى ذَلِكَ إلَّا إذَا عَرَفَ أَنَّهُ عَالِمٌ بِهِ. وَهَذَا مُطَّرِدٌ فِي مَا تَتَوَلَّاهُ الْوُلَاةُ وَالْقُضَاةُ وَغَيْرُهُمْ فِي كُلِّ مَنْ امْتَنَعَ مِنْ وَاجِبٍ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ وَلَيْسَ هَذَا بِمُطَالَبَةِ لِلرَّجُلِ بِحَقِّ وَجَبٍ عَلَى غَيْرِهِ وَلَا عُقُوبَةٍ عَلَى جِنَايَةِ غَيْرِهِ حَتَّى يَدْخُلَ فِي قَوْله تَعَالَى {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} وَفِي قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {أَلَّا لَا يَجْنِي جَانٍ إلَّا عَلَى نَفْسِهِ} . وَإِنَّمَا ذَلِكَ مِثْلَ أَنْ يَطْلُبَ بِمَالِ قَدْ
(28/324)

وَجَبَ عَلَى غَيْرِهِ وَهُوَ لَيْسَ وَكَيْلًا وَلَا ضَامِنًا وَلَا لَهُ عِنْدَهُ مَالٌ. أَوْ يُعَاقِبُ الرَّجُلُ بِجَرِيرَةِ قَرِيبِهِ أَوْ جَارِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ هُوَ قَدْ أَذْنَبَ لَا بِتَرْكِ وَاجِبٍ وَلَا بِفِعْلِ مُحَرَّمٍ فَهَذَا الَّذِي لَا يَحِلُّ. فَأَمَّا هَذَا فَإِنَّمَا يُعَاقَبُ عَلَى ذَنْبِ نَفْسِهِ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ قَدْ عَلِمَ مَكَانَ الظَّالِمِ الَّذِي يَطْلُبُ حُضُورَهُ لِاسْتِيفَاءِ الْحَقِّ أَوْ يَعْلَمُ مَكَانَ الْمَالِ الَّذِي قَدْ تَعَلَّقَ بِهِ حُقُوقُ الْمُسْتَحِقِّينَ فَيَمْتَنِعُ مِنْ الْإِعَانَةِ وَالنُّصْرَةِ الْوَاجِبَةِ عَلَيْهِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ إمَّا مُحَابَاةً أَوْ حَمِيَّةً لِذَلِكَ الظَّالِمُ كَمَا قَدْ يَفْعَلُ أَهْلُ الْعَصَبِيَّةِ بَعْضُهُمْ بِبَعْضِ وَإِمَّا مُعَادَاةً أَوْ بُغْضًا لِلْمَظْلُومِ. وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} . وَإِمَّا إعْرَاضًا - عَنْ الْقِيَامِ لِلَّهِ وَالْقِيَامِ بِالْقِسْطِ الَّذِي أَوْجَبَهُ اللَّهُ - وَجُبْنًا وَفَشْلًا وَخِذْلَانًا لِدِينِهِ كَمَا يَفْعَلُ التَّارِكُونَ لِنَصْرِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَدِينِهِ وَكِتَابِهِ الَّذِينَ إذَا قِيلَ لَهُمْ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلُوا إلَى الْأَرْضِ. وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَهَذَا الضَّرْبُ يَسْتَحِقُّ الْعُقُوبَةَ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ. وَمَنْ لَمْ يَسْلُكْ هَذِهِ السُّبُلَ عَطَّلَ الْحُدُودَ وَضَيَّعَ الْحُقُوقَ وَأَكَلَ الْقَوِيُّ الضَّعِيفَ. وَهُوَ يُشْبِهُ مَنْ عِنْدَهُ مَالُ الظَّالِمِ الْمُمَاطِلِ مِنْ عَيْنٍ أَوْ دَيْنٍ وَقَدْ
(28/325)

امْتَنَعَ مِنْ تَسْلِيمِهِ لِحَاكِمِ عَادِلٍ يُوَفِّي بِهِ دِينَهُ أَوْ يُؤَدِّي مِنْهُ النَّفَقَةَ الْوَاجِبَةَ عَلَيْهِ لِأَهْلِهِ أَوْ أَقَارِبِهِ أَوْ مَمَالِيكِهِ أَوْ بَهَائِمِهِ. وَكَثِيرًا مَا يَجِبُ عَلَى الرَّجُلِ حَقٌّ بِسَبَبِ غَيْرِهِ كَمَا تَجِبُ عَلَيْهِ النَّفَقَةُ بِسَبَبِ حَاجَةِ قَرِيبِهِ وَكَمَا تَجِبُ الدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَةِ الْقَاتِلِ. وَهَذَا الضَّرْبُ مِنْ التَّعْزِيرِ عُقُوبَةٌ لِمَنْ عَلِمَ أَنَّ عِنْدَهُ مَالًا أَوْ نَفْسًا يَجِبُ إحْضَارُهُ وَهُوَ لَا يَحْضُرُهُ؛ كَالْقُطَّاعِ وَالسُّرَّاقِ وَحُمَاتِهِمْ؛ أَوْ عَلِمَ أَنَّهُ خَبِيرٌ بِهِ وَهُوَ لَا يُخْبِرُ بِمَكَانِهِ. فَأَمَّا إنْ امْتَنَعَ مِنْ الْإِخْبَارِ وَالْإِحْضَارِ لِئَلَّا يَتَعَدَّى عَلَيْهِ الطَّالِبُ أَوْ يَظْلِمُهُ فَهَذَا مُحْسِنٌ. وَكَثِيرًا مَا يَشْتَبِهُ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ وَيَجْتَمِعُ شُبْهَةٌ وَشَهْوَةٌ. وَالْوَاجِبُ تَمْيِيزُ الْحَقِّ مِنْ الْبَاطِلِ. وَهَذَا يَقَعُ كَثِيرًا فِي الرُّؤَسَاءِ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ وَالْحَاضِرَةِ إذَا اسْتَجَارَ بِهِمْ مُسْتَجِيرٌ أَوْ كَانَ بَيْنَهُمَا قَرَابَةٌ أَوْ صَدَاقَةٌ فَإِنَّهُمْ يَرَوْنَ الْحَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةَ وَالْعِزَّةَ بِالْإِثْمِ وَالسُّمْعَةَ عِنْدَ الْأَوْبَاشِ: أَنَّهُمْ يَنْصُرُونَهُ - وَإِنْ كَانَ ظَالِمًا مُبْطِلًا - عَلَى الْحَقِّ الْمَظْلُومِ؛ لَا سِيَّمَا إنْ كَانَ الْمَظْلُومُ رَئِيسًا يُنَادِيهِمْ ويناويهم فَيَرَوْنَ فِي تَسْلِيمِ الْمُسْتَجِيرِ بِهِمْ إلَى مَنْ يناويهم ذُلًّا أَوْ عَجْزًا؛ وَهَذَا - عَلَى الْإِطْلَاقِ - جَاهِلِيَّةٌ مَحْضَةٌ. وَهِيَ مِنْ أَكْبَرِ أَسْبَابِ فَسَادِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا. وَقَدْ ذَكَرَ أَنَّهُ إنَّمَا كَانَ سَبَبَ كَثِيرٍ مِنْ حُرُوبِ الْأَعْرَابِ كَحَرْبِ الْبَسُوسِ الَّتِي كَانَتْ بَيْن بَنِي بَكْرٍ وَتَغْلِبَ إلَى نَحْوِ هَذَا وَكَذَلِكَ سَبَبُ دُخُولِ التُّرْكِ وَالْمَغُولِ دَارَ الْإِسْلَامِ
(28/326)

وَاسْتِيلَاؤُهُمْ عَلَى مُلُوكِ مَا وَرَاءَ النَّهْرِ وَخُرَاسَانَ: كَانَ سَبَبُهُ نَحْوَ هَذَا. وَمَنْ أَذَلَّ نَفْسَهُ لِلَّهِ فَقَدْ أَعَزَّهَا وَمَنْ بَذَلَ الْحَقَّ مِنْ نَفْسِهِ فَقَدْ أَكْرَمَ نَفْسَهُ فَإِنَّ أَكْرَمَ الْخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاهُمْ وَمَنْ اعْتَزَّ بِالظُّلْمِ: مِنْ مَنْعِ الْحَقِّ وَفِعْلِ الْإِثْمِ فَقَدْ أَذَلَّ نَفْسَهُ وَأَهَانَهَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا} وَقَالَ تَعَالَى عَنْ الْمُنَافِقِينَ: {يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ} وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي صِفَةِ هَذَا الضَّرْبِ: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ} {وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ} {وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ} . وَإِنَّمَا الْوَاجِبُ عَلَى مَنْ اسْتَجَارَ بِهِ مُسْتَجِيرٌ - إنْ كَانَ مَظْلُومًا يَنْصُرُهُ وَلَا يَثْبُتُ أَنَّهُ مَظْلُومٌ بِمُجَرَّدِ دَعْوَاهُ؛ فَطَالَمَا اشْتَكَى الرَّجُلُ وَهُوَ ظَالِمٌ؛ بَلْ يَكْشِفُ خَبَرَهُ مِنْ خَصْمِهِ وَغَيْرِهِ فَإِنْ كَانَ ظَالِمًا رَدَّهُ عَنْ الظُّلْمِ بِالرِّفْقِ إنْ أَمْكَنَ؛ إمَّا مِنْ صُلْحٍ أَوْ حُكْمٍ بِالْقِسْطِ وَإِلَّا فَبِالْقُوَّةِ. وَإِنْ كَانَ كُلٌّ مِنْهُمْ ظَالِمًا مَظْلُومًا كَأَهْلِ الْأَهْوَاءِ مِنْ قَيْس وَيُمَنِّ
(28/327)

وَنَحْوِهِمْ وَأَكْثَرِ الْمُتَدَاعِينَ مِنْ أَهْلِ الْأَمْصَارِ وَالْبَوَادِي أَوْ كَانَا جَمِيعًا غَيْرُ ظَالِمِينَ لِشُبْهَةِ أَوْ تَأْوِيلٍ أَوْ غَلَطٍ وَقَعَ فِيمَا بَيْنَهُمَا: سَعَى بَيْنَهُمَا بِالْإِصْلَاحِ أَوْ الْحُكْمِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} {إنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} . وَقَالَ تَعَالَى: {لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} . وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد فِي السُّنَنِ {عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: أَمِنْ الْعَصَبِيَّةِ أَنْ يَنْصُرَ الرَّجُلُ قَوْمَهُ فِي الْحَقِّ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: وَلَكِنْ مِنْ الْعَصَبِيَّةِ أَنْ يَنْصُرَ الرَّجُلُ قَوْمَهُ فِي الْبَاطِلِ} وَقَالَ: {خَيْرُكُمْ الدَّافِعُ عَنْ قَوْمِهِ مَا لَمْ يَأْثَمْ} . وَقَالَ: {مَثَلُ الَّذِي يَنْصُرُ قَوْمَهُ بِالْبَاطِلِ كَبَعِيرِ تَرَدَّى فِي بِئْرٍ فَهُوَ يَجُرُّ بِذَنْبِهِ} . وَقَالَ: {مَنْ سَمِعْتُمُوهُ يَتَعَزَّى بِعَزَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَعِضُّوهُ بهن أَبِيهِ وَلَا تَكْنُوا} . وَكُلُّ مَا خَرَجَ عَنْ دَعْوَةِ الْإِسْلَامِ وَالْقُرْآنِ: مِنْ نَسَبٍ أَوْ بَلَدٍ أَوْ جِنْسٍ أَوْ مَذْهَبٍ أَوْ طَرِيقَةٍ: فَهُوَ مِنْ عَزَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ؛ بَلْ {لَمَّا اخْتَصَمَ رَجُلَانِ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ فَقَالَ المهاجري: يَا لِلْمُهَاجِرِينَ
(28/328)

وَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ: يَا لِلْأَنْصَارِ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ؟} . وَغَضِبَ لِذَلِكَ غَضَبًا شَدِيدًا.
فَصْلٌ:
وَأَمَّا السَّارِقُ فَيَجِبُ قَطْعُ يَدِهِ الْيُمْنَى بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} {فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} وَلَا يَجُوزُ بَعْدَ ثُبُوتِ الْحَدِّ بِالْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ أَوْ بِالْإِقْرَارِ تَأْخِيرُهُ؛ لَا بِحَبْسِ وَلَا مَالٍ يَفْتَدِي بِهِ وَلَا غَيْرِهِ؛ بَلْ تُقْطَعُ يَدُهُ فِي الْأَوْقَاتِ الْمُعَظَّمَةِ وَغَيْرِهَا؛ فَإِنَّ إقَامَةَ الْحَدِّ مِنْ الْعِبَادَاتِ كَالْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. فَيَنْبَغِي أَنْ يُعْرَفَ أَنَّ إقَامَةَ الْحُدُودِ رَحْمَةٌ مِنْ اللَّهِ بِعِبَادِهِ؛ فَيَكُونُ الْوَالِي شَدِيدًا فِي إقَامَةِ الْحَدِّ؛ لَا تَأْخُذُهُ رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ فَيُعَطِّلُهُ. وَيَكُونُ قَصْدُهُ رَحْمَةَ الْخَلْقِ بِكَفِّ النَّاسِ عَنْ الْمُنْكَرَاتِ؛ لِإِشْفَاءِ غَيْظِهِ وَإِرَادَةِ الْعُلُوِّ عَلَى الْخَلْقِ؛ بِمَنْزِلَةِ الْوَالِدِ إذَا أَدَّبَ وَلَدَهُ؛ فَإِنَّهُ لَوْ كَفَّ عَنْ تَأْدِيبِ وَلَدِهِ - كَمَا تُشِيرُ بِهِ الْأُمُّ رِقَّةً وَرَأْفَةً - لَفَسَدَ الْوَلَدُ وَإِنَّمَا يُؤَدِّبُهُ رَحْمَةً بِهِ وَإِصْلَاحًا لِحَالِهِ؛ مَعَ أَنَّهُ يَوَدُّ وَيُؤْثِرُ أَنْ لَا يَحُوجَهُ إلَى تَأْدِيبٍ وَبِمَنْزِلَةِ الطَّبِيبِ الَّذِي يَسْقِي الْمَرِيضَ الدَّوَاءَ الْكَرِيهَ وَبِمَنْزِلَةِ قَطْعِ الْعُضْوِ الْمُتَآكِلِ وَالْحَجْمِ وَقَطْعِ
(28/329)

الْعُرُوقِ بِالْفِصَادِ وَنَحْوِ ذَلِكَ؛ بَلْ بِمَنْزِلَةِ شُرْبِ الْإِنْسَانِ الدَّوَاءَ الْكَرِيهَ وَمَا يُدْخِلُهُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ الْمَشَقَّةِ لِيَنَالَ بِهِ الرَّاحَةَ. فَهَكَذَا شُرِّعَتْ الْحُدُودُ وَهَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ نِيَّةُ الْوَالِي فِي إقَامَتِهَا فَإِنَّهُ مَتَى كَانَ قَصْدُهُ صَلَاحَ الرَّعِيَّةِ وَالنَّهْيَ عَنْ الْمُنْكَرَاتِ بِجَلْبِ الْمَنْفَعَةِ لَهُمْ وَدَفْعِ الْمَضَرَّةِ عَنْهُمْ وَابْتَغَى بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى وَطَاعَةَ أَمْرِهِ: أَلَانَ اللَّهُ لَهُ الْقُلُوبَ وَتَيَسَّرَتْ لَهُ أَسْبَابُ الْخَيْرِ وَكَفَاهُ الْعُقُوبَةَ الْبَشَرِيَّةَ وَقَدْ يَرْضَى الْمَحْدُودُ إذَا أَقَامَ عَلَيْهِ الْحَدَّ. وَأَمَّا إذَا كَانَ غَرَضُهُ الْعُلُوَّ عَلَيْهِمْ وَإِقَامَةَ رِيَاسَتِهِ لِيُعَظِّمُوهُ أَوْ لِيَبْذُلُوا لَهُ مَا يُرِيدُ مِنْ الْأَمْوَالِ انْعَكَسَ عَلَيْهِ مَقْصُودُهُ. وَيُرْوَى أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَبْلَ أَنْ يَلِيَ الْخِلَافَةَ كَانَ نَائِبًا لِلْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ عَلَى مَدِينَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ قَدْ سَاسَهُمْ سِيَاسَةً صَالِحَةً فَقَدِمَ الْحَجَّاجُ مِنْ الْعِرَاقِ وَقَدْ سَامَهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ فَسَأَلَ أَهْلَ الْمَدِينَةِ عَنْ عُمَرَ. كَيْفَ هَيْبَتُهُ فِيكُمْ؟ قَالُوا: مَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَنْظُرَ إلَيْهِ. قَالَ: كَيْفَ مَحَبَّتُكُمْ لَهُ؟ قَالُوا: هُوَ أَحَبُّ إلَيْنَا مِنْ أَهْلِنَا قَالَ: فَكَيْفَ أَدَبُهُ فِيكُمْ؟ قَالُوا: مَا بَيْنَ الثَّلَاثَةِ الْأَسْوَاطِ إلَى الْعَشَرَةِ قَالَ: هَذِهِ هَيْبَتُهُ وَهَذِهِ مَحَبَّتُهُ وَهَذَا أَدَبُهُ هَذَا أَمْرٌ مِنْ السَّمَاءِ. وَإِذَا قُطِعَتْ يَدُهُ حُسِمَتْ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ تُعَلَّقَ فِي عُنُقِهِ. فَإِنْ
(28/330)

سَرَقَ ثَانِيًا: قُطِعَتْ رِجْلُهُ الْيُسْرَى. فَإِنْ سَرَقَ ثَالِثًا وَرَابِعًا: فَفِيهِ قَوْلَانِ لِلصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ الْعُلَمَاءِ أَحَدُهُمَا: تُقْطَعُ أَرْبَعَتُهُ فِي الثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ. وَالثَّانِي أَنَّهُ يُحْبَسُ وَهُوَ قَوْلُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَالْكُوفِيِّينَ وَأَحْمَد فِي رِوَايَتِهِ الْأُخْرَى. وَإِنَّمَا تُقْطَعُ يَدُهُ إذَا سَرَقَ نِصَابًا وَهُوَ رُبُعُ دِينَارٍ أَوْ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَهْلِ الْحِجَازِ وَأَهْلِ الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِمْ كَمَالِكِ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: دِينَارٌ أَوْ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ. فَمَنْ سَرَقَ ذَلِكَ قُطِعَ بِالِاتِّفَاقِ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ {عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا. أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَطَعَ فِي مِجَنٍّ ثَمَنُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ} وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمِ {قَطَعَ سَارِقًا فِي مِجَنٍّ قِيمَتُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ} وَالْمِجَنُّ التُّرْسُ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {تُقْطَعُ الْيَدُ فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا} وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمِ: {لَا تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ إلَّا فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا} . وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ قَالَ: {اقْطَعُوا فِي رُبُعِ دِينَارٍ وَلَا تَقْطَعُوا فِيمَا هُوَ أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ} وَكَانَ رُبُعُ الدِّينَارِ يَوْمئِذٍ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ وَالدِّينَارُ اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا. وَلَا يَكُونُ السَّارِقُ سَارِقًا حَتَّى يَأْخُذَ الْمَالَ مِنْ حِرْزٍ. فَأَمَّا الْمَالُ
(28/331)

الضَّائِعُ مِنْ صَاحِبِهِ وَالثَّمَرُ الَّذِي يَكُونُ فِي الشَّجَرِ فِي الصَّحْرَاءِ بِلَا حَائِطٍ وَالْمَاشِيَةُ الَّتِي لَا رَاعِيَ عِنْدَهَا وَنَحْوُ ذَلِكَ فَلَا قَطْعَ فِيهِ لَكِنْ يُعَزَّرُ الْآخِذُ وَيُضَاعَفُ عَلَيْهِ الْغُرْمُ كَمَا جَاءَ بِهِ الْحَدِيثُ. وَقَدْ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي التَّضْعِيفِ وَمِمَّنْ قَالَ بِهِ أَحْمَد وَغَيْرُهُ قَالَ رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: {لَا قَطْعَ فِي ثَمَرٍ وَلَا كَثَرٍ} وَالْكَثْرُ جُمَّارُ النَّخْلِ. رَوَاهُ أَهْلُ السُّنَنِ وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: {سَمِعْت رَجُلًا مِنْ مزينة يَسْأَلُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ جِئْت أَسْأَلُك عَنْ الضَّالَّةِ مِنْ الْإِبِلِ قَالَ: مَعَهَا حِذَاؤُهَا وَسِقَاؤُهَا تَأْكُلُ الشَّجَرَ وَتَرِدُ الْمَاءَ فَدَعْهَا حَتَّى يَأْتِيَهَا بَاغِيهَا. قَالَ: فَالضَّالَّةُ مِنْ الْغَنَمِ؟ قَالَ: لَك أَوْ لِأَخِيك أَوْ لِلذِّئْبِ تَجْمَعُهَا حَتَّى يَأْتِيَهَا بَاغِيهَا: قَالَ: فَالْحَرِيسَةُ الَّتِي تُؤْخَذُ مِنْ مَرَاتِعِهَا؟ قَالَ: فِيهَا ثَمَنُهَا مَرَّتَيْنِ وَضَرْبٌ نَكَالٌ. وَمَا أُخِذَ مِنْ عَطَنِهِ فَفِيهِ الْقَطْعُ إذَا بَلَغَ مَا يُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ ثَمَنَ الْمِجَنِّ. قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: فَالثِّمَارُ وَمَا أُخِذَ مِنْهَا مِنْ أَكْمَامِهَا قَالَ: مَنْ أَخَذَ مِنْهَا بِفَمِهِ وَلَمْ يَتَّخِذْ خُبْنَةً فَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ احْتَمَلَ فَعَلَيْهِ ثَمَنُهُ مَرَّتَيْنِ وَضَرْبٌ نَكَالٌ وَمَا أُخِذَ مِنْ أَجْرَانِهِ فَفِيهِ الْقَطْعُ إذَا بَلَغَ مَا يُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ ثَمَنَ الْمِجَنِّ وَمَا لَمْ يَبْلُغْ ثَمَنَ الْمِجَنِّ فَفِيهِ غَرَامَةٌ مِثْلَيْهِ وَجَلَدَاتُ نَكَالٍ} . رَوَاهُ أَهْلُ
(28/332)

السُّنَنِ. لَكِنَّ هَذَا سِيَاقُ النَّسَائِي. وَلِذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {لَيْسَ عَلَى الْمُنْتَهِبِ وَلَا عَلَى الْمُخْتَلِسِ وَلَا الْخَائِنِ قَطْعٌ} فَالْمُنْتَهِبُ الَّذِي يَنْهَبُ الشَّيْءَ وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ وَالْمُخْتَلِسُ الَّذِي يَجْتَذِبُ الشَّيْءَ فَيُعْلَمُ بِهِ قَبْلَ أَخْذِهِ وَأَمَّا الطَّرَّارُ وَهُوَ الْبَطَّاطُ الَّذِي يَبِطُ الْجُيُوبَ وَالْمَنَادِيلَ وَالْأَكْمَامَ وَنَحْوَهَا فَإِنَّهُ يُقْطَعُ عَلَى الصَّحِيحِ.
فَصْلٌ:
وَأَمَّا الزَّانِي: فَإِنْ كَانَ مُحْصَنًا فَإِنَّهُ يُرْجَمُ بِالْحِجَارَةِ حَتَّى يَمُوتَ كَمَا رَجَمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَاعِزَ بْنَ مَالِكٍ الأسلمي وَرَجَمَ الغامدية وَرَجَمَ الْيَهُودِيَّيْنِ وَرَجَمَ غَيْرَ هَؤُلَاءِ وَرَجَمَ الْمُسْلِمُونَ بَعْدَهُ. وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ: هَلْ يُجْلَدُ قَبْلَ الرَّجْمِ مِائَةٌ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ. وَإِنْ كَانَ غَيْرُ مُحْصَنٍ فَإِنَّهُ يُجْلَدُ مِائَةُ جَلْدَةٍ بِكِتَابِ اللَّهِ وَيُغَرَّبُ عَامًا بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنْ كَانَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ يَرَى وُجُوبَ التَّغْرِيبِ. وَلَا يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ حَتَّى يَشْهَدَ عَلَيْهِ أَرْبَعَةُ شُهَدَاءَ أَوْ يَشْهَدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ؛ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ أَوْ أَكْثَرِهِمْ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَكْتَفِي بِشَهَادَتِهِ عَلَى نَفْسِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً وَلَوْ أَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ ثُمَّ رَجَعَ
(28/333)

فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: يَسْقُطُ عَنْهُ الْحَدُّ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: لَا يَسْقُطُ. وَالْمُحْصَنُ مَنْ وَطِئَ - وَهُوَ حُرٌّ مُكَلَّفٌ - لِمَنْ تَزَوَّجَهَا نِكَاحًا صَحِيحًا فِي قُبُلِهَا وَلَوْ مَرَّةً وَاحِدَةً. وَهَلْ يُشْتَرَطُ أَنْ تَكُونَ الْمَوْطُوءَةُ مُسَاوِيَةً لِلْوَاطِئِ فِي هَذِهِ الصِّفَاتِ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ لِلْعُلَمَاءِ. . وَهَلْ تُحْصَنُ الْمُرَاهِقَةُ لِلْبَالِغِ؛ وَبِالْعَكْسِ؟ فَأَمَّا أَهْلُ الذِّمَّةِ فَإِنَّهُمْ مُحْصَنُونَ أَيْضًا عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ كَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجَمَ يَهُودِيَّيْنِ عِنْدَ بَابِ مَسْجِدِهِ وَذَلِكَ أَوَّلُ رَجْمٍ كَانَ فِي الْإِسْلَامِ. وَاخْتَلَفُوا فِي الْمَرْأَةِ إذَا وُجِدَتْ حُبْلَى وَلَمْ يَكُنْ لَهَا زَوْجٌ وَلَا سَيِّدٌ وَلَمْ تَدَعْ شُبْهَةً فِي الْحَبَلِ. فَفِيهَا قَوْلَانِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ. قِيلَ: لَا حَدَّ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ حَبِلَتْ مُكْرَهَةً أَوْ بِتَحَمُّلِ. أَوْ بِوَطْءِ شُبْهَةٍ. وَقِيلَ: بَلْ تُحَدُّ وَهَذَا هُوَ الْمَأْثُورُ عَنْ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ وَهُوَ الْأَشْبَهُ بِأُصُولِ الشَّرِيعَةِ وَهُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ؛ فَإِنَّ الِاحْتِمَالَاتِ النَّادِرُ لَا يُلْتَفَتُ إلَيْهَا كَاحْتِمَالِ كَذِبِهَا وَكَذِبِ الشُّهُودِ.
وَأَمَّا اللِّوَاطُ فَمِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ يَقُولُ: حَدُّهُ كَحَدِّ الزِّنَا. وَقَدْ قِيلَ: دُونَ ذَلِكَ. وَالصَّحِيحُ الَّذِي اتَّفَقَتْ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ: أَنْ يُقْتَلَ الِاثْنَانِ الْأَعْلَى وَالْأَسْفَلُ. سَوَاءٌ كَانَا مُحْصَنَيْنِ أَوْ غَيْرَ مُحْصَنَيْنِ؛ فَإِنَّ أَهْلَ السُّنَنِ رَوَوْا عَنْ ابْنِ
(28/334)

عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: {مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فَاقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ بِهِ} . وَرَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فِي الْبِكْرِ يُوجَدُ عَلَى اللُّوطِيَّةِ. قَالَ: يُرْجَمُ. وَيُرْوَى عَنْ عَلِيِّ بْن أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ نَحْوُ ذَلِكَ. وَلَمْ تَخْتَلِفْ الصَّحَابَةُ فِي قَتْلِهِ؛ وَلَكِنْ تَنَوَّعُوا فِيهِ. فَرُوِيَ عَنْ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ أَمَرَ بِتَحْرِيقِهِ وَعَنْ غَيْرِهِ قَتْلُهُ وَعَنْ بَعْضِهِمْ: أَنَّهُ يُلْقَى عَلَيْهِ جِدَارٌ حَتَّى يَمُوتَ تَحْتَ الْهَدْمِ وَقِيلَ: يُحْبَسَانِ فِي أَنْتَنِ مَوْضِعٍ حَتَّى يَمُوتَا. وَعَنْ بَعْضِهِمْ: أَنَّهُ يُرْفَعُ عَلَى أَعْلَى جِدَارٍ فِي الْقَرْيَةِ وَيُرْمَى مِنْهُ وَيُتْبَعُ بِالْحِجَارَةِ كَمَا فَعَلَ اللَّهُ بِقَوْمِ لُوطٍ. وَهَذِهِ رِوَايَةٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى قَالَ: يُرْجَمُ. وَعَلَى هَذَا أَكْثَرُ السَّلَفِ. قَالُوا لِأَنَّ اللَّهَ رَجَمَ قَوْمَ لُوطٍ وَشَرَعَ رَجْمَ الزَّانِي تَشْبِيهًا بِرَجْمِ قَوْمِ لُوطٍ فَيُرْجَمُ الِاثْنَانِ سَوَاءٌ كَانَا حُرَّيْنِ أَوْ مَمْلُوكَيْنِ أَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا مَمْلُوكًا وَالْآخَرُ حُرًّا إذَا كَانَا بَالِغَيْنِ فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا غَيْرَ بَالِغٍ عُوقِبَ بِمَا دُونَ الْقَتْلِ وَلَا يُرْجَمُ إلَّا الْبَالِغُ.
(28/335)

فَصْلٌ:
وَأَمَّا حَدُّ الشُّرْبِ: فَإِنَّهُ ثَابِتٌ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ فَقَدْ رَوَى أَهْلُ السُّنَنِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ وُجُوهٍ أَنَّهُ قَالَ: {مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فَاجْلِدُوهُ ثُمَّ إنْ شَرِبَ فَاجْلِدُوهُ ثُمَّ إنْ شَرِبَ فَاجْلِدُوهُ ثُمَّ إنْ شَرِبَ الرَّابِعَةَ فَاقْتُلُوهُ} وَثَبَتَ عَنْهُ أَنَّهُ جَلَدَ الشَّارِبَ غَيْرَ مَرَّةٍ هُوَ وَخُلَفَاؤُهُ وَالْمُسْلِمُونَ بَعْدَهُ. وَالْقَتْلُ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ مَنْسُوخٌ. وَقِيلَ: هُوَ مُحْكَمٌ. يُقَالُ: هُوَ تَعْزِيرٌ يَفْعَلُهُ الْإِمَامُ عِنْدَ الْحَاجَةِ. وَقَدْ ثَبَتَ {عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ ضَرَبَ فِي الْخَمْرِ بِالْجَرِيدِ وَالنِّعَالِ أَرْبَعِينَ. وَضَرَبَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَرْبَعِينَ وَضَرَبَ عُمَرُ فِي خِلَافَتِهِ ثَمَانِينَ. وَكَانَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَضْرِبُ مَرَّةً أَرْبَعِينَ وَمَرَّةً ثَمَانِينَ} . فَمِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ يَقُولُ: يَجِبُ ضَرْبُ الثَّمَانِينَ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: الْوَاجِبُ أَرْبَعُونَ وَالزِّيَادَةُ يَفْعَلُهَا الْإِمَامُ عِنْدَ الْحَاجَةِ إذَا أَدْمَنَ النَّاسُ الْخَمْرَ. أَوْ كَانَ الشَّارِبُ مِمَّنْ لَا يَرْتَدِعُ بِدُونِهَا وَنَحْوَ ذَلِكَ.
(28/336)

فَأَمَّا مَعَ قِلَّةِ الشَّارِبِينَ وَقُرْبِ أَمْرِ الشَّارِبِ فَتَكْفِي الْأَرْبَعُونَ. وَهَذَا أَوْجُهُ الْقَوْلَيْنِ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد. رَحِمَهُمَا اللَّهُ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَد. وَقَدْ كَانَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَمَّا كَثُرَ الشُّرْبُ - زَادَ فِيهِ النَّفْيَ وَحَلْقَ الرَّأْسِ مُبَالَغَةً فِي الزَّجْرِ عَنْهُ فَلَوْ غُرِّبَ الشَّارِبُ مَعَ الْأَرْبَعِينَ لِيَنْقَطِعَ خَبَرُهُ أَوْ عَزْلُهُ عَنْ وِلَايَتِهِ كَانَ حَسَنًا؛ فَإِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بَلَغَهُ عَنْ بَعْضِ نُوَّابِهِ أَنَّهُ تَمَثَّلَ بِأَبْيَاتِ فِي الْخَمْرِ فَعَزَلَهُ. وَالْخَمْرُ الَّتِي حَرَّمَهَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَأَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِجَلْدِ شَارِبِهَا كُلُّ شَرَابٍ مُسْكِرٍ مِنْ أَيِّ أَصْلٍ كَانَ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ الثِّمَارِ كَالْعِنَبِ وَالرُّطَبِ وَالتِّينِ. أَوْ الْحُبُوبِ كَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ. أَوْ الطُّلُولِ كَالْعَسَلِ. أَوْ الْحَيَوَانِ كَلَبَنِ الْخَيْلِ. بَلْ لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَلَى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَحْرِيمَ الْخَمْرِ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ بِالْمَدِينَةِ مِنْ خَمْرِ الْعِنَبِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِالْمَدِينَةِ شَجَرُ عِنَبٍ وَإِنَّمَا كَانَتْ تُجْلَبُ مِنْ الشَّامِ كَانَ عَامَّةُ شَرَابِهِمْ مِنْ نَبِيذِ التَّمْرِ وَقَدْ تَوَاتَرَتْ السُّنَّةُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَخُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ وَأَصْحَابِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَنَّهُ حَرَّمَ كُلَّ مُسْكِرٍ وَبَيَّنَ أَنَّهُ خَمْرٌ. وَكَانُوا يَشْرَبُونَ النَّبِيذَ الْحُلْوَ وَهُوَ أَنْ يُنْبَذَ فِي الْمَاءِ تَمْرٌ وَزَبِيبٌ
(28/337)

أَيْ يُطْرَحُ فِيهِ وَالنُّبَذُ الطَّرْحُ - لِيَحْلُوَ الْمَاءُ لَا سِيَّمَا كَثِيرٌ مِنْ مِيَاهِ الْحِجَازِ فَإِنَّ فِيهِ مُلُوحَةً فَهَذَا النَّبِيذُ حَلَالٌ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسْكِرُ؛ كَمَا يَحِلُّ شُرْبُ عَصِيرِ الْعِنَبِ قَبْلَ أَنْ يَصِيرَ مُسْكِرًا؛ وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ نَهَاهُمْ أَنْ يَنْبِذُوا هَذَا النَّبِيذَ فِي أَوْعِيَةِ الْخَشَبِ أَوْ الجرى وَهُوَ مَا يُصْنَعُ مِنْ التُّرَابِ أَوْ الْقَرْعِ أَوْ الظُّرُوفِ الْمُزَفَّتَةِ وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَنْبِذُوا فِي الظُّرُوفِ الَّتِي تُرْبَطُ أَفْوَاهِهَا بِالْأَوْكِيَةِ؛ لِأَنَّ الشِّدَّةَ تَدِبُّ فِي النَّبِيذِ دَبِيبًا خَفِيفًا وَلَا يَشْعُرُ الْإِنْسَانُ فَرُبَّمَا شَرِبَ الْإِنْسَانُ مَا قَدْ دَبَّتْ فِيهِ الشِّدَّةُ الْمُطْرِبَةُ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ فَإِذَا كَانَ السِّقَاءُ مُوكًى انْشَقَّ الظَّرْفُ إذَا غَلَا فِيهِ النَّبِيذُ فَلَا يَقَعُ الْإِنْسَانُ فِي مَحْذُورٍ وَتِلْكَ الْأَوْعِيَةُ لَا تَنْشَقُّ. وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَخَّصَ بَعْدَ هَذَا فِي الِانْتِبَاذِ فِي الْأَوْعِيَةِ وَقَالَ: {كُنْت نَهَيْتُكُمْ عَنْ الِانْتِبَاذِ فِي الْأَوْعِيَةِ فَانْتَبَذُوا وَلَا تَشْرَبُوا الْمُسْكِرَ} فَاخْتَلَفَ الصَّحَابَةُ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ الْعُلَمَاءِ. مِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَبْلُغْهُ النَّسْخُ أَوْ لَمْ يُثْبِتْهُ فَنَهَى عَنْ الِانْتِبَاذِ فِي الْأَوْعِيَةِ. وَمِنْهُمْ مَنْ اعْتَقَدَ ثُبُوتَهُ وَأَنَّهُ نَاسِخٌ فَرَخَّصَ فِي الِانْتِبَاذِ فِي الْأَوْعِيَةِ فَسَمِعَ طَائِفَةٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ أَنَّ بَعْضَ الصَّحَابَةِ كَانُوا يَشْرَبُونَ النَّبِيذَ فَاعْتَقَدُوا أَنَّهُ الْمُسْكِرُ فَتَرَخَّصُوا فِي شُرْبِ أَنْوَاعٍ مِنْ الْأَشْرِبَةِ الَّتِي لَيْسَتْ مِنْ الْعِنَبِ وَالتَّمْرِ. وَتَرَخَّصُوا فِي الْمَطْبُوخِ مِنْ نَبِيذِ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ إذَا لَمْ يُسْكِرْ الشَّارِبَ.
(28/338)

وَالصَّوَابُ مَا عَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْمُسْلِمِينَ: أَنَّ كُلَّ مُسْكِرِ خَمْرٍ يُجْلَدُ شَارِبُهُ وَلَوْ شَرِبَ مِنْهُ قَطْرَةً وَاحِدَةً لِتَدَاوٍ أَوْ غَيْرِ تَدَاوٍ {فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنْ الْخَمْرِ يَتَدَاوَى بِهَا فَقَالَ: إنَّهَا دَاءٌ وَلَيْسَتْ بِدَوَاءِ. وَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَ أُمَّتِي فِيمَا حُرِّمَ عَلَيْهَا} . وَالْحَدُّ وَاجِبٌ إذَا قَامَتْ الْبَيِّنَةُ أَوْ اعْتَرَفَ الشَّارِبُ؛ فَإِنْ وُجِدَتْ مِنْهُ رَائِحَةُ الْخَمْرِ أَوْ رُئِيَ وَهُوَ يتقيؤها وَنَحْوَ ذَلِكَ. فَقَدْ قِيلَ: لَا يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ شَرِبَ مَا لَيْسَ بِخَمْرِ أَوْ شَرِبَهَا جَاهِلًا بِهَا أَوْ مُكْرَهًا وَنَحْوَ ذَلِكَ. وَقِيلَ: بَلْ يُجْلَدُ إذَا عَرَفَ أَنَّ ذَلِكَ مُسْكِرٌ. وَهَذَا هُوَ الْمَأْثُورُ عَنْ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ وَغَيْرِهِمْ مِنْ الصَّحَابَةِ: كَعُثْمَانِ وَعَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ؛ وَعَلَيْهِ تَدُلُّ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ الَّذِي يَصْلُحُ عَلَيْهِ النَّاسُ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ. وَأَحْمَد فِي غَالِبِ نُصُوصِهِ وَغَيْرِهِمَا. وَالْحَشِيشَةُ الْمَصْنُوعَةُ مِنْ وَرَقِ الْعِنَبِ حَرَامٌ أَيْضًا يُجْلَدُ صَاحِبُهَا كَمَا يُجْلَدُ شَارِبُ الْخَمْرِ وَهِيَ أَخْبَثُ مِنْ الْخَمْرِ مِنْ جِهَةِ أَنَّهَا تُفْسِدُ الْعَقْلَ وَالْمِزَاجَ حَتَّى يَصِيرَ فِي الرَّجُلِ تَخَنُّثٌ وَدِيَاثَةٌ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْفَسَادِ وَالْخَمْرُ أَخْبَثُ؛ مِنْ جِهَةِ أَنَّهَا تُفْضِي إلَى الْمُخَاصَمَةِ وَالْمُقَاتَلَةِ وَكِلَاهُمَا يَصُدُّ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَعَنْ الصَّلَاةِ. وَقَدْ تَوَقَّفَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ الْمُتَأَخِّرِينَ فِي حَدِّهَا وَرَأَى أَنَّ آكِلَهَا
(28/339)

يُعَزَّرُ بِمَا دُونَ الْحَدِّ؛ حَيْثُ ظَنَّهَا تُغَيِّرُ الْعَقْلَ مِنْ غَيْرِ طَرِبٍ بِمَنْزِلَةِ الْبَنْجِ وَلَمْ نَجِدْ لِلْعُلَمَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ فِيهَا كَلَامًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ آكِلُوهَا يَنْشَوْنَ عَنْهَا وَيَشْتَهُونَهَا كَشَرَابِ الْخَمْرِ وَأَكْثَرَ وَتَصُدُّهُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنْ الصَّلَاةِ إذَا أَكْثَرُوا مِنْهَا مَعَ مَا فِيهَا مِنْ الْمَفَاسِدِ الْأُخْرَى: مِنْ الدِّيَاثَةِ وَالتَّخَنُّثِ وَفَسَادِ الْمِزَاجِ وَالْعَقْلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَلَكِنْ لَمَّا كَانَتْ جَامِدَةً مَطْعُومَةً لَيْسَتْ شَرَابًا تَنَازَعَ الْفُقَهَاءُ فِي نَجَاسَتِهَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: فِي مَذْهَبِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ. فَقِيلَ: هِيَ نَجِسَةٌ كَالْخَمْرِ الْمَشْرُوبَةِ وَهَذَا هُوَ الِاعْتِبَارُ الصَّحِيحُ. وَقِيلَ: لَا؛ لِجُمُودِهَا. وَقِيلَ: يُفَرَّقُ بَيْنَ جَامِدِهَا وَمَائِعِهَا. وَبِكُلِّ حَالٍ فَهِيَ دَاخِلَةٌ فِيمَا حَرَّمَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ الْخَمْرِ وَالْمُسْكِرِ لَفْظًا وَمَعْنًى. {قَالَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفْتِنَا فِي شَرَابَيْنِ كُنَّا نَصْنَعُهُمَا بِالْيَمَنِ: الْبِتْعُ وَهُوَ مِنْ الْعَسَلِ يُنْبَذُ حَتَّى يَشْتَدَّ. وَالْمِزْرُ وَهُوَ مِنْ الذُّرَةِ وَالشَّعِيرِ يُنْبَذُ حَتَّى يَشْتَدَّ قَالَ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أُعْطِيَ جَوَامِعُ الْكَلِمِ وَخَوَاتِيمُهُ. فَقَالَ: كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ} . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فِي الصَّحِيحَيْنِ. وَعَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {إنَّ مِنْ الْحِنْطَةِ خَمْرًا وَمِنْ الشَّعِيرِ خَمْرًا وَمِنْ الزَّبِيبِ خَمْرًا وَمِنْ التَّمْرِ خَمْرًا وَمِنْ الْعَسَلِ خَمْرًا وَأَنَا أَنْهَى عَنْ كُلِّ مُسْكِرٍ} . رَوَاهُ
(28/340)

أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ؛ وَلَكِنْ هَذَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عُمَرَ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ؛ أَنَّهُ خَطَبَ بِهِ عَلَى مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: " الْخَمْرُ مَا خَامَرَ الْعَقْلَ " وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: {كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ} وَفِي رِوَايَةٍ: {كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ وَكُلُّ خَمْرٍ حَرَامٌ} رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ. وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ وَمَا أَسْكَرَ الْفَرَقُ مِنْهُ فَمِلْءُ الْكَفِّ مِنْهُ حَرَامٌ} قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَرَوَى أَهْلُ السُّنَنِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ وُجُوهٍ أَنَّهُ قَالَ: {مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ} . وَصَحَّحَهُ الْحُفَّاظُ. وَعَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ {أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ شَرَابٍ يَشْرَبُونَهُ بِأَرْضِهِمْ مِنْ الذُّرَةِ يُقَالُ لَا: الْمِزْرُ فَقَالَ: أَمُسْكِرٌ هُوَ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَقَالَ: كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ؛ إنَّ عَلَى اللَّهِ عَهْدًا لِمَنْ شَرِبَ الْمُسْكِرَ أَنْ يَسْقِيَهُ مِنْ طِينَةِ الْخَبَالِ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا طِينَةُ الْخَبَالِ؟ قَالَ: عِرْقُ أَهْلِ النَّارِ أَوْ عُصَارَةُ أَهْلِ النَّارِ} رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ. وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: {كُلّ مُخَمَّرٍ خَمْرٌ كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَالْأَحَادِيثُ فِي هَذَا الْبَابِ كَثِيرَةٌ مُسْتَفِيضَةٌ جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ
(28/341)

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا أُوتِيَهُ مِنْ جَوَامِعِ الْكَلِمِ كُلَّ مَا غَطَّى الْعَقْلَ وَأَسْكَرَ وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ نَوْعٍ وَنَوْعٍ وَلَا تَأْثِيرٍ لِكَوْنِهِ مَأْكُولًا أَوْ مَشْرُوبًا؛ عَلَى أَنَّ الْخَمْرَ قَدْ يَصْطَبِغُ بِهَا وَالْحَشِيشَةُ قَدْ تُذَابُ فِي الْمَاءِ وَتُشْرَبُ؛ فَكُلُّ خَمْرٍ يُشْرَبُ وَيُؤْكَلُ وَالْحَشِيشَةُ تُؤْكَلُ وَتُشْرَبُ وَكُلُّ ذَلِكَ حَرَامٌ؛ وَإِنَّمَا لَمْ يَتَكَلَّمْ الْمُتَقَدِّمُونَ فِي خُصُوصِهَا؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا حَدَثَ أَكْلُهَا مِنْ قَرِيبٍ فِي أَوَاخِرِ الْمِائَةِ السَّادِسَةِ أَوْ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ كَمَا أَنَّهُ قَدْ أُحْدِثَتْ أَشْرِبَةٌ مُسْكِرَةٌ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكُلُّهَا دَاخِلَةٌ فِي الْكَلِمِ الْجَوَامِعِ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.
فَصْلٌ:
وَمِنْ الْحُدُودِ الَّتِي جَاءَ بِهَا الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَأَجْمَعَ عَلَيْهَا الْمُسْلِمُونَ حَدُّ الْقَذْفِ فَإِذَا قَذَفَ الرَّجُلُ مُحْصَنًا بِالزِّنَا أَوْ اللِّوَاطِ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَدُّ ثَمَانُونَ جَلْدَةً وَالْمُحْصَنُ هُنَا: هُوَ الْحُرُّ الْعَفِيفُ وَفِي بَابِ حَدِّ الزِّنَا هُوَ الَّذِي وَطِئَ وَطْئًا كَامِلًا فِي نِكَاحٍ تَامٍّ.
(28/342)

فَصْلٌ:
وَأَمَّا الْمَعَاصِي الَّتِي لَيْسَ فِيهَا حَدٌّ مُقَدَّرٌ وَلَا كَفَّارَةٌ كَاَلَّذِي يُقَبِّلُ الصَّبِيَّ وَالْمَرْأَةَ الْأَجْنَبِيَّةَ أَوْ يُبَاشِرُ بِلَا جِمَاعٍ أَوْ يَأْكُلُ مَا لَا يَحِلُّ كَالدَّمِ وَالْمَيْتَةِ أَوْ يَقْذِفُ النَّاسَ بِغَيْرِ الزِّنَا أَوْ يَسْرِقُ مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ وَلَوْ شَيْئًا يَسِيرًا أَوْ يَخُونُ أَمَانَتَهُ كَوُلَاةِ أَمْوَالِ بَيْتِ الْمَالِ أَوْ الْوُقُوفِ وَمَالِ الْيَتِيمِ وَنَحْوِ ذَلِكَ إذَا خَانُوا فِيهَا وَكَالْوُكَلَاءِ وَالشُّرَكَاءِ إذَا خَانُوا أَوْ يَغُشُّ فِي مُعَامَلَتِهِ كَاَلَّذِينَ يَغُشُّونَ فِي الْأَطْعِمَةِ وَالثِّيَابِ وَنَحْوِ ذَلِكَ أَوْ يُطَفِّفُ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ أَوْ يَشْهَدُ بِالزُّورِ أَوْ يُلَقِّنُ شَهَادَةَ الزُّورِ أَوْ يَرْتَشِي فِي حُكْمِهِ أَوْ يَحْكُمُ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ أَوْ يَعْتَدِي عَلَى رَعِيَّتِهِ أَوْ يَتَعَزَّى بِعَزَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ أَوْ يُلَبِّي دَاعِيَ الْجَاهِلِيَّةِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ الْمُحَرَّمَاتِ: فَهَؤُلَاءِ يُعَاقَبُونَ تَعْزِيرًا وَتَنْكِيلًا وَتَأْدِيبًا بِقَدْرِ مَا يَرَاهُ الْوَالِي عَلَى حَسَبِ كَثْرَةِ ذَلِكَ الذَّنْبِ فِي النَّاسِ وَقِلَّتِهِ. فَإِذَا كَانَ كَثِيرًا زَادَ فِي الْعُقُوبَةِ؛ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ قَلِيلًا. وَعَلَى حَسَبِ حَالِ الْمُذْنِبِ؛ فَإِذَا كَانَ مِنْ الْمُدْمِنِينَ عَلَى الْفُجُورِ زِيدَ فِي عُقُوبَتِهِ؛ بِخِلَافِ الْمُقِلِّ مِنْ ذَلِكَ. وَعَلَى حَسَبِ كِبَرِ الذَّنْبِ وَصِغَرِهِ؛ فَيُعَاقِبُ مَنْ يَتَعَرَّضُ لِنِسَاءِ النَّاسِ وَأَوْلَادِهِمْ بِمَا لَا يُعَاقَبُ مَنْ لَمْ يَتَعَرَّضْ إلَّا لِمَرْأَةِ
(28/343)

وَاحِدَةٍ أَوْ صَبِيٍّ وَاحِدٍ. وَلَيْسَ لِأَقَلِّ التَّعْزِيرِ حَدٌّ؛ بَلْ هُوَ بِكُلِّ مَا فِيهِ إيلَامِ الْإِنْسَانِ مِنْ قَوْلٍ وَفِعْلٍ وَتَرْكِ قَوْلٍ وَتَرْكِ فِعْلٍ فَقَدْ يُعَزَّرُ الرَّجُلُ بِوَعْظِهِ وَتَوْبِيخِهِ وَالْإِغْلَاظِ لَهُ وَقَدْ يُعَزَّرُ بِهَجْرِهِ وَتَرْكِ السَّلَامَ عَلَيْهِ حَتَّى يَتُوبَ إذَا كَانَ ذَلِكَ هُوَ الْمَصْلَحَةِ كَمَا هَجَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ " الثَّلَاثَةَ الَّذِينَ خُلِّفُوا " وَقَدْ يُعَزَّرُ بِعَزْلِهِ عَنْ وِلَايَتِهِ كَمَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ يُعَزِّرُونَ بِذَلِكَ؛ وَقَدْ يُعَزَّرُ بِتَرْكِ اسْتِخْدَامِهِ فِي جُنْدِ الْمُسْلِمِينَ كَالْجُنْدِيِّ الْمُقَاتِلِ إذَا فَرَّ مِنْ الزَّحْفِ؛ فَإِنَّ الْفِرَارَ مِنْ الزَّحْفِ مِنْ الْكَبَائِرِ وَقَطْعَ أَجْرِهِ نَوْعُ تَعْزِيرٍ لَهُ وَكَذَلِكَ الْأَمِيرُ إذَا فَعَلَ مَا يُسْتَعْظَمُ فَعَزَلَهُ عَنْ إمَارَتِهِ تَعْزِيرًا لَهُ وَكَذَلِكَ قَدْ يُعَزَّرُ بِالْحَبْسِ وَقَدْ يُعَزَّرُ بِالضَّرْبِ وَقَدْ يُعَزَّرُ بِتَسْوِيدِ وَجْهِهِ وَإِرْكَابِهِ عَلَى دَابَّةٍ مَقْلُوبًا؛ كَمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ أَمَرَ بِمِثْلِ ذَلِكَ فِي شَاهِدِ الزُّورِ فَإِنَّ الْكَاذِبَ سَوَّدَ الْوَجْهَ فَسَوَّدَ وَجْهَهُ وَقَلَبَ الْحَدِيثَ فَقَلَبَ رُكُوبَهُ. وَأَمَّا أَعْلَاهُ؛ فَقَدْ قِيلَ: " لَا يُزَادُ عَلَى عَشَرَةِ أَسْوَاطٍ ". وَقَالَ كَثِيرٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ لَا يَبْلُغُ بِهِ الْحَدَّ. ثُمَّ هُمْ عَلَى قَوْلَيْنِ: مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: " لَا يَبْلُغُ بِهِ أَدْنَى الْحُدُودِ ": لَا يَبْلُغُ بِالْحُرِّ أَدْنَى حُدُودِ الْحُرِّ وَهِيَ الْأَرْبَعُونَ أَوْ الثَّمَانُونَ وَلَا يَبْلُغُ بِالْعَبْدِ أَدْنَى حُدُودِ الْعَبْدِ وَهِيَ
(28/344)

الْعِشْرُونَ أَوْ الْأَرْبَعُونَ. وَقِيلَ؛ بَلْ لَا يَبْلُغُ بِكُلِّ مِنْهُمَا حَدَّ الْعَبْدِ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: لَا يَبْلُغُ بِكُلِّ ذَنْبٍ حَدَّ جِنْسِهِ وَإِنْ زَادَ عَلَى حَدِّ جِنْسٍ آخَرَ فَلَا يَبْلُغُ بِالسَّارِقِ مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ قَطْعَ الْيَدِ وَإِنْ ضُرِبَ أَكْثَرَ مَنْ حَدِّ الْقَاذِفِ وَلَا يَبْلُغُ بِمَنْ فَعَلَ مَا دُونَ الزِّنَا حَدَّ الزَّانِي وَإِنْ زَادَ عَلَى حَدِّ الْقَاذِفِ كَمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَجُلًا نَقَشَ عَلَى خَاتَمِهِ وَأَخَذَ بِذَلِكَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ فَأَمَرَ بِهِ فَضُرِبَ مِائَةَ ضَرْبَةٍ ثُمَّ ضَرَبَهُ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي مِائَةَ ضَرْبَةٍ ثُمَّ ضَرَبَهُ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ مِائَة ضَرْبَةٍ. وَرُوِيَ عَنْ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ فِي رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ وُجِدَا فِي لِحَافٍ: " يُضْرَبَانِ مِائَةً ". وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الَّذِي يَأْتِي جَارِيَةَ امْرَأَتِهِ: إنْ كَانَتْ أَحَلَّتْهَا لَهُ جُلِدَ مِائَةً وَإِنْ لَمْ تَكُنْ أَحَلَّتْهَا لَهُ: رُجِمَ وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ. وَالْقَوْلَانِ الْأَوَّلَانِ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ. وَأَمَّا مَالِكٌ وَغَيْرُهُ فَحُكِيَ عَنْهُ: أَنَّ مِنْ الْجَرَائِمِ مَا يَبْلُغُ بِهِ الْقَتْلَ. وَوَافَقَهُ بَعْضُ أَصْحَابِ أَحْمَد فِي مِثْلِ الْجَاسُوسِ الْمُسْلِمِ إذَا تَجَسَّسَ لِلْعَدُوِّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّ أَحْمَد تَوَقَّفَ فِي قَتْلِهِ وَجَوَّزَ مَالِكٌ وَبَعْضُ الْحَنَابِلَةِ - كَابْنِ عَقِيلٍ - قَتْلَهُ وَمَنَعَهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَبَعْضُ الْحَنَابِلَةِ كَالْقَاضِي أَبِي يَعْلَى.
(28/345)

وَجَوَّزَ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد وَغَيْرِهِمَا: قَتْلَ الدَّاعِيَةِ إلَى الْبِدَعِ الْمُخَالِفَةِ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَكَذَلِكَ كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ. وَقَالُوا: إنَّمَا جَوَّزَ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ قَتْلَ الْقَدَرِيَّةِ لِأَجْلِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ؛ لَا لِأَجْلِ الرِّدَّةِ؛ وَكَذَلِكَ قَدْ قِيلَ فِي قَتْلِ السَّاحِرِ؛ فَإِنَّ أَكْثَرَ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهُ يُقْتَلُ وَقَدْ رُوِيَ {عَنْ جُنْدُبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَوْقُوفًا وَمَرْفُوعًا: إنَّ حَدَّ السَّاحِرِ ضَرْبُهُ بِالسَّيْفِ} رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وَعَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَحَفْصَةَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَغَيْرِهِمْ مِنْ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ قَتْلُهُ. فَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: لِأَجْلِ الْكُفْرِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لِأَجْلِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ. لَكِنَّ جُمْهُورَ هَؤُلَاءِ يَرَوْنَ قَتْلَهُ حَدًّا. وَكَذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ يُعَزَّرُ بِالْقَتْلِ فِيمَا تَكَرَّرَ مِنْ الْجَرَائِمِ إذَا كَانَ جِنْسُهُ يُوجِبُ الْقَتْلَ كَمَا يُقْتَلُ مَنْ تَكَرَّرَ مِنْهُ اللِّوَاطُ أَوْ اغْتِيَالُ النُّفُوسِ لِأَخْذِ الْمَالِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَقَدْ يُسْتَدَلُّ عَلَى أَنَّ الْمُفْسِدَ مَتَى لَمْ يَنْقَطِعْ شَرُّهُ إلَّا بِقَتْلِهِ فَإِنَّهُ يُقْتَلُ: بِمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ {عَنْ عرفجة الأشجعي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: مَنْ أَتَاكُمْ وَأَمْرُكُمْ جَمِيعٌ عَلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ يُرِيدُ أَنْ يَشُقَّ عَصَاكُمْ أَوْ يُفَرِّقَ جَمَاعَتَكُمْ فَاقْتُلُوهُ} وَفِي رِوَايَةٍ: {سَتَكُونُ هَنَاتٌ وَهَنَاتٌ. فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُفَرِّقَ أَمْرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَهِيَ جَمِيعٌ فَاضْرِبُوهُ بِالسَّيْفِ كَائِنًا مَنْ كَانَ} .
(28/346)

وَكَذَلِكَ قَدْ يُقَالُ فِي أَمْرِهِ بِقَتْلِ شَارِبِ الْخَمْرِ فِي الرَّابِعَةِ؛ بِدَلِيلِ مَا رَوَاهُ أَحْمَد فِي الْمُسْنَدِ {عَنْ دَيْلَمَ الْحِمْيَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَقُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ: إنَّا بِأَرْضِ نُعَالِجُ بِهَا عَمَلًا شَدِيدًا وَأَنَّا نَتَّخِذُ شَرَابًا مِنْ الْقَمْحِ نَتَقَوَّى بِهِ عَلَى أَعْمَالِنَا وَعَلَى بَرْدِ بِلَادِنَا. فَقَالَ: هَلْ يُسْكِرُ؟ قُلْت نَعَمْ. قَالَ: فَاجْتَنِبُوهُ. قُلْت إنَّ النَّاسَ غَيْرُ تَارِكِيهِ. قَالَ: فَإِنْ لَمْ يَتْرُكُوهُ فَاقْتُلُوهُمْ} . وَهَذَا لِأَنَّ الْمُفْسِدَ كَالصَّائِلِ. فَإِذَا لَمْ يَنْدَفِعْ الصَّائِلُ إلَّا بِالْقَتْلِ قُتِلَ. وَجِمَاعُ ذَلِكَ أَنَّ الْعُقُوبَةَ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا عَلَى ذَنْبٍ مَاضٍ جَزَاءٌ بِمَا كَسَبَ نَكَالًا مِنْ اللَّهِ كَجَلْدِ الشَّارِبِ وَالْقَاذِفِ وَقَطْعِ الْمُحَارِبِ وَالسَّارِقِ. وَالثَّانِي الْعُقُوبَةُ لِتَأْدِيَةِ حَقٍّ وَاجِبٍ وَتَرْكِ مُحَرَّمٍ فِي الْمُسْتَقْبَلِ كَمَا يُسْتَتَابُ الْمُرْتَدُّ حَتَّى يُسْلِمَ فَإِنْ تَابَ؛ وَإِلَّا قُتِلَ. وَكَمَا يُعَاقَبُ تَارِكُ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَحُقُوقُ الْآدَمِيِّينَ حَتَّى يُؤَدُّوهَا. فَالتَّعْزِيرُ فِي هَذَا الضَّرْبِ أَشَدُّ مِنْهُ فِي الضَّرْبِ الْأَوَّلِ. وَلِهَذَا يَجُوزُ أَنْ يَضْرَبَ مَرَّةً بَعْد مَرَّةٍ حَتَّى يُؤَدِّيَ الصَّلَاةَ الْوَاجِبَةَ أَوْ يُؤَدِّيَ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ وَالْحَدِيثُ الَّذِي فِي الصَّحِيحَيْنِ. عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: {لَا يُجْلَدُ فَوْقَ عَشَرَةِ
(28/347)

أَسْوَاطٍ إلَّا فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ} قَدْ فَسَّرَهُ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِحُدُودِ اللَّهِ مَا حَرُمَ لِحَقِّ اللَّهِ؛ فَإِنَّ الْحُدُودَ فِي لَفْظِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ يُرَادُ بِهَا الْفَصْلُ بَيْنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ: مِثْلَ آخِرِ الْحَلَالِ وَأَوَّلَ الْحَرَامِ. فَيُقَالُ فِي الْأَوَّلِ: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا} . وَيُقَالُ فِي الثَّانِي: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا} . وَأَمَّا تَسْمِيَةُ الْعُقُوبَةِ الْمُقَدَّرَةِ حَدًّا فَهُوَ عُرْفٌ حَادِثٌ. وَمُرَادُ الْحَدِيثِ: أَنَّ مَنْ ضُرِبَ لِحَقِّ نَفْسِهِ كَضَرْبِ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ فِي النُّشُوزِ لَا يَزِيدُ عَلَى عَشَرِ جَلَدَاتٍ. وَالْجَلْدُ الَّذِي جَاءَتْ بِهِ الشَّرِيعَةُ: هُوَ الْجَلْدُ الْمُعْتَدِلُ بِالسَّوْطِ؛ فَإِنَّ خِيَارَ الْأُمُورِ أَوْسَاطُهَا قَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ " ضَرْبٌ بَيْنَ ضَرْبَيْنِ وَسَوْطٍ بَيْنَ سَوْطَيْنِ " وَلَا يَكُونُ الْجَلْدُ بِالْعِصِيِّ وَلَا بِالْمُقَارِعِ وَلَا يُكْتَفَى فِيهِ بِالدِّرَّةِ؛ بَلْ الدِّرَّةُ تُسْتَعْمَلُ فِي التَّعْزِيرِ. أَمَّا الْحُدُودُ فَلَا بُدَّ فِيهَا مِنْ الْجَلْدِ بِالسَّوْطِ وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يُؤَدِّبُ بِالدِّرَّةِ؛ فَإِذَا جَاءَتْ الْحُدُودُ دَعَا بِالسَّوْطِ وَلَا تُجَرَّدُ ثِيَابُهُ كُلُّهَا؛ بَلْ يُنْزَعُ عَنْهُ مَا يَمْنَعُ أَلَمَ الضَّرْبِ مِنْ الْحَشَايَا وَالْفِرَاءِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَلَا يُرْبَطُ إذَا لَمْ يَحْتَجْ إلَى ذَلِكَ وَلَا يُضْرَبُ وَجْهُهُ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: {إذَا قَاتَلَ أَحَدُكُمْ
(28/348)

فَلْيَتَّقِ الْوَجْهَ وَلَا يَضْرِبْ مُقَاتِلَهُ} فَإِنَّ الْمَقْصُودَ تَأْدِيبُهُ لَا قَتْلُهُ وَيُعْطَى كُلُّ عُضْوٍ حَظُّهُ مِنْ الضَّرْبِ كَالظَّهْرِ وَالْأَكْتَافِ وَالْفَخِذَيْنِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
فَصْلٌ:
الْعُقُوبَاتُ الَّتِي جَاءَتْ بِهَا الشَّرِيعَةُ لِمَنْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا: عُقُوبَةُ الْمَقْدُورِ عَلَيْهِ مِنْ الْوَاحِدِ وَالْعَدَدِ كَمَا تَقَدَّمَ. وَالثَّانِي: عِقَابُ الطَّائِفَةِ الْمُمْتَنِعَةِ كَاَلَّتِي لَا يُقْدَرُ عَلَيْهَا إلَّا بِقِتَالِ. فَأَصْلُ هَذَا هُوَ جِهَادُ الْكُفَّارِ أَعْدَاءِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَكُلُّ مَنْ بَلَغَتْهُ دَعْوَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى دِينِ اللَّهِ الَّذِي بَعَثَهُ بِهِ فَلَمْ يَسْتَجِبْ لَهُ؛ فَإِنَّهُ يَجِبُ قِتَالُهُ {حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} . وَلِأَنَّ اللَّهَ لَمَّا بَعَثَ نَبِيَّهُ وَأَمَرَهُ بِدَعْوَةِ الْخَلْقِ إلَى دِينِهِ: لَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِي قَتْلِ أَحَدٍ عَلَى ذَلِكَ وَلَا قِتَالِهِ حَتَّى هَاجَرَ إلَى الْمَدِينَةِ فَأَذِنَ لَهُ وَلِلْمُسْلِمِينَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ} {الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ
(28/349)

وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} {الَّذِينَ إنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ