Advertisement

الرد على الشاذلي في حزبيه وما صنفه في آداب الطريق



الكتاب: الرد على الشاذلي في حزبيه، وما صنفه في آداب الطريق
المؤلف: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ)
المحقق: علي بن محمد العمران
الناشر: دار عالم الفوائد - مكة
الطبعة: الأولى 1429هـ
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
الكتاب مقابل

18/11/1431هـ = 26/10/2010م فصل
الوجه الثاني ما في هذا الحزب من المنكرات مع أنه أَمْثل مما هو دونه من الأحزاب ونحنُ نُنَبِّه على بعض ذلك وعلى ترتيب الحزب في ذلك:
قوله وعلمُك حسبي.
فإنَّ السُّنةَ أن يُقال حسبيَ الله واللَّهُ حسبي ونحو ذلك كما قال تعالى الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173) [آل عمران 173] وقال تعالى وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ [التوبة 59] .
وفي صحيح البخاري عن ابن عباس في قوله حَسْبي الله ونِعْم الوكيل قالها إبراهيم حين أُلقيَ في النار وقالها محمد حين قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ [آل عمران 173] .
وقال تعالى يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (64) [الأنفال 64] أي الله حَسْبُك وحسبُ من اتبعك من المؤمنين ومن
(1/3)

ظنَّ أن المعنى أن الله ومن اتبعك حسبك فقد غَلِط غلطًا عظيمًا.
والحَسْب الكافي فالله هو كافي عبده كما قال أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ [الزمر 36] .
وأما مجرَّد العلم فليس بكافٍ للعباد فإن الله يعلم الأشياء على ما هي عليه يعلم المؤمن مؤمنًا والكافر كافرًا والغنيّ غنيًّا والفقير فقيرًا فمجرد علمه إن لم يقترن به إرادته للإحسان إلى عبده ليفعل ذلك بقدرته لم يحصل للعبد نعمة ولم يندفع عنه نقمة فهو سبحانه يمنُّ بحصول النعم واندفاع النِّقَم بعلمه وقدرته ورحمته.
ولكنَّ قائل هذه الكلمة أخذها من أثرٍ إسرائيلي لا أصل له وهو ما يُرْوَى أن جبريل عَرَضَ لإبراهيم الخليل لمَّا أُلْقي في المنجنيق فقال هل لك من حاجة فقال أمَّا إليك فلا فقال سَلْ فقال حسبي من سؤالي علمه بحالي.
(1/4)

ولهذا قال في الحزب الآخر واقْرُب مِني قُربًا تمحو به كلَّ حجاب محقته عن إبراهيم خليلك فلم يحتج لجبريل رسولك ولا لسؤاله منك.
أما قوله هل لك من حاجة فقال أما إليك فلا فهذا قد ذكره العلماء كأحمد وغيره وهو موافق للشريعة فإنَّ كمال التوكل ألا يكون للمؤمن حاجة إلى غير الله أي لا يسألُ غيرَ الله ولا يستشرفُ بقلبه إلى غير الله.
كما قال تعالى فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (7) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ (8) [الشرح 7-8] .
وقال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح ما أتاكَ من هذا المال وأنتَ
(1/5)

غير سائلٍ ولا مُسْتَشْرِف فخُذْه وما لا فلا تُتْبِعْه نفسَك.
وقال لابن عباس وإذا سألتَ فاسألِ اللَّهَ وإذا استعنتَ فاستعِنْ بالله.
وقال من يَسْتَعْفِف يُعِفَّه الله ومن يَسْتغنِ يُغْنِه الله.
والمستعفُّ الذي لا يسأل بلسانه والمستغني الذي لا يستشرف بقلبه فإنَّ الغِنَى أعلى من العفة وأغنى الغِنَى غِنى النفس كما ثبت في الصحيح ليس الغِنَى عن كثرةِ العَرَض ولكنَّ الغِنَى غِنَى النفسِ.
(1/6)

وأما قوله حسبي من سؤالي علمه بحالي فهذا ليس له إسناد معروف بل الذي في الصحيح أنه قال حسبي الله ونعم الوكيل لم يقل ذلك اللفظ.
وما نُقِل عن الأنبياء المتقدمين إن لم يكن ثابتًا بنَقْل نبينا صلى الله عليه وسلم لم يُحتجَّ به في الدين باتفاق علماء المسلمين لكن إذا كان موافقًا لشرعنا ذُكِرَ على سبيل الاعتضاد لا على سبيل الاعتماد وما ثبت بنَقْل نبينا عن شرع من قَبْلنا فيه نزاع معروف.
وأيضًا فإن مراسيل أهل زماننا عن نبينا لا نَحتجُّ بها باتفاق العلماء مع قُرْب العهد وحفظ الملة فكيف بمراسيل أهل الكتاب التي ينقلونها عن الأنبياء مع بُعد الزمان وكثرة الكذب والبهتان؟!
ثم إن هذا الأثر يقتضي أن إبراهيم اكتفى بعلم الرب عن سؤاله وهذا يقتضي أن العبدَ لا يسوغ له الدعاء اكتفاءً بعلم الربِّ بحاله وهذا خلاف ما حكاه الله عن إبراهيم وخلاف ما اتفقت عليه الأنبياء قال الله تعالى وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ إلى قوله رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ [البقرة 126-129] فهذه دعوة متعددة من إبراهيم وأدعية إبراهيم في القرآن كثيرة.
(1/7)

وقد ذكر الله عن الأنبياء أنهم دعوه بمصالح الدين والدنيا والآخرة ونصوص الكتاب والسنة متظاهرة على الأمر بالدعاء أمر إيجاب أو أمر استحباب فكيف يقال إن تركه مشروعٌ لِعِلْم الرب بحال العبد؟!
والحكاية التي تُرْوى عن بعض الشيوخ أن سائلاً قال له تنزل بي الفاقة فأسأل قال تُذَكِّر ناسيًا أو تُعَلِّم جاهلاً قال فأجلِسُ وأنتظِر قال التجربة عندنا شك قال فما الحيلة قال ترك الحيلة إما أنها كَذِب من الناقل أو خطأ من القائل وإلا فقد قال تعالى وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ [النساء 32] وقال ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً [الأعراف 55] وقال تعالى وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر 60] وقال فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [غافر 14] .
وفي الترمذي من لم يسألِ اللهَ يَغْضَبْ عليه
(1/8)

وفيه ليسأل أحدُكُم ربَّه حاجَتَه كلها حتى في شِسْع نَعْلِه إذا
(1/9)

انقطع فإنه إن لم ييسِّره لم يتيسَّر.
والنصوص بذلك كثيرة وليس في الدعاء إعلامُ جاهلٍ ولا تذكير غافلٍ بل فيه إيمان العبد بقدرة الله ورحمته وإخلاصُه له وذُلُّه وخشوعه له وهذا تحقيق التوحيد.
(1/10)

وقد بُسِطَ الكلام على هذا في غير هذا الموضع وبُيِّنَ خطأ من قال إن الدعاء لا يجلب منفعةً ولا يدفع مضرَّة بل هو تعبُّدٌ مَحْض.
وما يذكرونه من الحديث الإلهي إن سألْتَنا ما لَكَ عندنا فقد اتَّهمتنا وإن سألتنا ما ليس لك عندنا فقد اجترأتَ علينا فهذا من الأحاديث المكذوبة على الله.
وكذلك خطأ من قال هو علامة وأمارة وبُيِّنَ أن الصواب الذي اتفق عليه سلف الأمة أن الدعاء من أعظم الأسباب في حصول المطلوب ودفع المرهوب وقد جرَّب الناسُ أنَّ من لم يكن سائلاً لله سألَ خلقَه فإن النفسَ مضطرة إلى من يُحَصِّل لها ما ينفعها ويدفع عنها ما يضرها فإن لم تطلب ذلك من الله طلبته من غيره ولهذا يُوجد من يحض على ترك دعاء الله ويمدح من يفعله سائلاً للخلق فيرغبون عن دعاء الخالق ويدعون المخلوقين وهذه حال المشركين.
الموضع الثاني قوله نسألكَ العصمةَ في الحركات والكلمات والإرادات والخَطَرات من الشكوك والظنون والأوهام
(1/11)

الساترة للقلوب عن مطالعة الغيوب.
فهذا الدعاء ينافي حال من يقول علمُك حسبي فمن اكتفى بالعلم لم يسأل.
ثم يُقال هذا الدعاء لا يجوز لأحدٍ أن يدعو به بل هو من الاعتداء في الدعاء الذي نهى الله عنه بقوله ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (55) [الأعراف 55] .
قال أبو مِجْلَز مِثْل أن يسأل منازلَ الأنبياء فإذا كان مَنْ دون الأنبياء ليس له أن يسأل منازل الأنبياء فكيف إذا سأل ما هو من خصائص الإلهية؟!
ولا ريب أن رفعَ الأمور الساترة عن مطالعة الغيوب مطلقًا لا يحصل لغير الله تعالى فإنه عالِمُ الغيبِ والشهادةِ وإنما أَطْلَعَ من شاء من خلقه على ما يشاء من علمه كما قال تعالى وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ [البقرة 255] وقال وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (85) [الإسراء 85] .
وفي الصحيحين أن الخَضِر قال لموسى لما نَقَر العصفورُ
(1/12)

نقرةً في البحر ما نقص علمي وعلمُك من علم الله إلا كما نقص هذا العصفور من هذا البحر.
فإذا كان موسى الذي قال الله فيه وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ [الأعراف 145] والخضر الذي قال فيه آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا (65) [الكهف 65] عِلْمُهما في القِلَّة بهذه النسبة فكيف بمن هو دونهما؟!
وقد قال تعالى لأفضل خلقه قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا (21) -إلى قوله- قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا (25) عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (26) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (27) [الجن 25-27] وقال له قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ [الأنعام 50] .
ثم لو قُدِّر أنَّ هذا الدعاء يَسُوغ أن يدعوَ به نبيٌّ وإن كان هذا تقديرًا ممتنعًا فهل يسوغ لآحاد العامَّة أن يدعو بهذا وهل هذا إلا كمن يقول اللهم اجعلني أعلمُ ما تَعْلَم واجعلني مثلك؟!
ولهذا كان طائفة من المنتسبين إلى الشاذلي يقولون إنَّ الغَوث الفَرْد القطب الجامع يعلم ما يعلمه الله ويَقْدر على ما يقدر عليه.
(1/13)

ويقولون إن النبي صلى الله عليه وسلم كان هكذا ثم انتقل ذلك السرُّ إلى الحسن بن علي ثم انتقل إلى ذريته حتى انتهى إلى الشيخ أبي الحسن ثم انتقل إلى ابنه.
وكان بعضُ أعيان المدَرِّسين الذين قدموا إلى الشام يذكر ذلك ويبوحُ به لمن يجتمعُ به من أصحابه الفضلاء حتى أخبروني بذلك
(1/14)

وكان هذا الشخص يجتمع بي فبينت له فسادَ هذا الكلام وما فيه من الخروج عن دين الإسلام.
ولا ريب أن هذا القول شرٌّ من قول النصارى من بعض الوجوه فإنَّ النصارى ادَّعوا هذا الغلو في المسيح وحْدَه فمن قال إن كثيرًا من الناس يعلم ما يعلمه الله ويَقْدر على ما يقدر عليه فقد قال في كثيرٍ من الناس ما يضاهي قولَ النصارى في المسيح ابن مريم.
ويحكون عن هذا الشيخ أبي الحسن حكايات لا تخلو من شيئين إما كذب من الناقل أو خطأ من القائل مثل قوله ما من وليٍّ لله كان أو يكون إلى آخر الدهر إلا وأنا أعرفه وأعرف اسمه واسم أبيه ومرتبته من الله ونحو هذا الكلام الذي لا يجوز أن يدعيه أحدٌ من الأنبياء.
(1/15)

فإن أفضل الخلق وأكرمهم على الله محمد صلى الله عليه وسلم لا يعرف أمَّتَه يوم القيامة إلا بالسِّيما الظاهرة كما في الحديث الصحيح لمَّا قيل له كيف تعرف من لم يأتِ بَعْدُ من أُمتك قال أرأيتم لو كان لرجل خيلٌ مُحَجَّلة في خيل دُهْمٍ بُهْمٍ ألا يعرفُ خيلَه قالوا بلى يا رسول الله قال فإنكم تأتونَ يومَ القيامةِ غُرًّا مُحَجَّلين مِنْ آثارِ الوضوء.
وقد قال الله تعالى له مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ [غافر 78] وكل نبيٍّ وليٌّ لله فإذا كان أعلم الخلق وأعلاهم قدرًا لا يعلم كلَّ نبيٍّ لله فكيفَ يعلمُ غيرُه كلَّ وليٍّ لله وقد قال تعالى وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ [التوبة 101] والمنافقون كانوا يُظهرون الإسلام فإذا كان لا يميِّز فيمن يشاهده مَنْ هو مُؤمن ومَن هو منافق فكيف والعلم بالإيمان العام أيسر من العلم بالولاية الخاصة فكيف يعلم كلَّ من كان ويكون إلى يوم القيامة من أولياء الله وقد قال تعالى وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ [محمد 30] فالمعرفة الأُولى بالسِّيما موقوفة على المشيئة والثانية بلَحْنِ القول واقعة وهذا إنما يكون فيمن سَمِع كلامَه.
وقد كان أبو بكر وعمر وهما أفضل هذه الأمة بعد نبيها لا يعلمان كثيرًا من المؤمنين في حياتهما فكيف يعلم مَنْ بعدهما كلَّ من كان ويكون من الأولياء؟!
(1/16)

وأيضًا فإنَّ العصمةَ من الذنوب مطلقًا لا تحصل لغير الأنبياء باتفاقِ أهلِ العلمِ المعتبرين.
والرافضةُ تدَّعي ثبوتَها للأنبياءِ والأئمَّةِ.
والسلفُ وجمهورُ الخلف يُثْبتونها للأنبياء بمعنى أنهم لا يُقَرُّونَ على ذنب وهم باتفاق المسلمين معصومون في تبليغ الرسالة عن أن يُقَرُّوا في ذلك على خطأ فإن ذلك يناقض مقصود الرسالة.
وأما ما لا ينافي الرسالة ولا الطاعة مثل الشك والظن أو الوهم في الأمور الدنيوية ومثل النسيان في هذه الأمور وغيرها فهذا لم يُعْصَم منه أحدٌ من البشر بل قد قال النبي صلى الله عليه وسلم في تأبير النخل ما أراه يغني شيئًا وتركوه فصار شِيْصًا قال إنما ظننتُ ظنًّا فلا تؤاخذوني بالظنِّ ولكن إذا حدَّثتكم عن الله فلَنْ أكْذِبَ على الله وفي لفظ أنتم أعلمُ بأمرِ دنياكم فأمَّا ما كانَ من أمرِ دينكم فإليَّ رواه مسلم.
وكذلك في الصحيحين أنه قال إنما أنا بشرٌ أنسى كما تَنْسَون فإذا نَسيتُ فذكِّروني.
(1/17)

وفي الترمذيِّ وغيره أنه قال نَسِي آدمُ فنسِيَتْ ذريتهُ وجَحَد آدمُ فجحَدَتْ ذريتهُ وهو حديثٌ جيد.
فإذا كان لم يُعْصَم أحدٌ من الأنبياء ولا غيرهم مِن مثل هذه الظنون والشكوك والأوهام فكيف يُعْصَم غيرهم منها؟!
وأيضًا فإن قول القائل الظنون والشكوك والأوهام الساترة للقلوب إما أن يجعلَها صفةَ توضيح وإما أن يجعلها صفةَ تقييد.
فالأول أن يكون مراده العصمة من كلِّ شكٍّ وظنٍّ ووهم لأن ذلك ستر القلب عن مطالعة الغيب لأن الشك والظن والوهم ينافي العلم ويضاده فالضدان لا يجتمعان فعلى هذا التقدير يكون سؤاله أن لا يشكَّ في شيء ولا يظن ظنًّا ولا يتوهَّم وهمًا ومعلومٌ أنَّ هذا لم يقع لأحدٍ من البشر بل ما من بشر إلا وقد يشكّ في أشياءَ كثيرة ويظن فيها ويتوهم.
وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إنَّكُم تَخْتَصِمون إليَّ ولعلَّ بعضَكُم أن يكونَ ألْحَنَ بحُجَّته مِنْ بعضٍ وإنما أقْضي بنَحْوِ ما أسمعُ فمن قضيتُ له من حقِّ أخيه شيئًا فلا يأخُذْهُ فإنما أقْطَعُ له قطعةً من النَّار وفي لفظ فاحسَبه صادقًا.
(1/18)

فإن أريد بذلك الظنّ والشكّ والوهم الساتر للقلوب عن مطالعة الغيوب دون غيرها فمعلومٌ أنَّ مطالعة الغيب أعظم من العلم بالمشاهدات فإذا كانت المشاهدات التي يعلمها آحادُ الناس لم يُعْصَم فيها أحد من شكٍّ وظنٍّ ووهم فكيف بالغيوب لا سيما إن أراد بالغيوب ما غاب عن مشاهدة البشر مطلقًا وقد قال لأفضل الخلق قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ [الأنعام 50] وكذلك أخبر عن نوحٍ أول الرسل.
وأيضًا فلو قُدِّر أن هذا ممكن مع أن هذا تقديرٌ ممتنع فليس هذا مما يُقَرِّب إلى الله ولا أمرَ به أمْرَ إيجاب ولا أمْرَ استحباب فإنَّ مجرًَّد كون الرجل يعلم ما غاب عن الشاهد لا يقرِّبُ العبدَ إلى الله إنما يقرِّبه فِعْل الواجبات والمستحبات.
ولهذا قد يَطَّلع الجنُّ والشياطين على ما لا يَطَّلع عليه الصالحون وكذلك الطيور والبهائم فقد قال الهدهد لسليمان أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ [النمل 22] وقد أخبرَ به النبيُّ صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح إن البهائمَ تسمعُ أصواتَ المعذَّبِين في قبورهم ولم تكن الجن والبهائم أفضل بذلك من الصالحين والكُهَّان قد كانت الجن تخبرهم بما تَسْترقه من السمع ولم يكونوا بذلك خيرًا من الصالحين بل هم من المذمومين لا الممدوحين ونظائر ذلك متعددة.
(1/19)

ولكن هؤلاء الذين يقصدون بالعبادة العلوَّ في الأرض والتشبه بالإله كما يقوله المتفلسفة إن الفلسفة هي التشبُّه بالإله على قدر الطاقة يقعون في أمور من هذا الباب ولهذا يجعلون الشفاعة ليست سؤالاً لله إنما هي فيضٌ يفيض على الشفيع لتعلق قلبه بالشافع كما ذكر ذلك ابن سينا وأمثاله ووقع بعضُ ذلك في كلامِ صاحب الكتب المَضْنون بها على غير أهلها وكذلك في كلام
(1/20)

صاحب الحزب ما يوافق هذا ذكره في كتابه الذي صنفه في التصوف ذكره في الشفاعة وهو وأمثاله يأخذون من أقوال صاحب الكتب المضنون بها مما يوافق أقوال الفلاسفة ولا يوافق دين الإسلام
(1/21)

وهؤلاء يجعلون الدعاء تأثير النفس الناطقة في العالم لا يجعلون ذلك فعلاً يجيبُ الله به الداعي ولهم أصول فاسدة وقد بُسِطَ الكلامُ عليها في غير هذا الموضع.
وأيضًا فإن كان سؤال العصمة مشروعًا فينبغي للعبد أن يسأل العصمةَ من الذنوب التي توجب له سخط الله وعذابه فإنَّ ذلك إن كان ممكنًا أولى بالسؤال من عصمته من موانع العلم بالغيب فإنّ هذا بدون تلك العصمة يضر ولا ينفع وتلك العصمة بدون هذا تنفعه فطلب ما [لا] ينفع وترك ما ينفع من قِلَّة المعرفة لما يُطلب في الدعاء.
(1/22)

وسببُ ذلك ما في النفوس من الكِبْر بالمكاشفات ومطالعة الغيوب والله تعالى يعاقب هذا الضرب بنقيض قصده كما قال تعالى إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ [غافر 56] .
ولهذا يُحكى عن هؤلاء من المكاشفات الباطلة ما يطولُ وصْفُه فإنْ أُحْسِن الظنُّ بأحدهم حُمِل الأمرُ على أنه يتخيل أمورًا لا حقيقةَ لها فيُخْبر بحاله أو أنَّ جنيًّا يلقي إليه ما يكون كذبًا فإن أُسيء الظنُّ به قيل إنه يتعمَّد الكذب والكشف النفساني والشيطاني لا بدَّ فيه من الكذب ولهذا كان الكهَّان وهم من أهل الكَشْف الشيطاني يخلطون بالكلمة مئة كذبة.
ومن كان له خبرة بالحكايات المعروفة عن أصحاب هذا الحزب وأمثاله وعَى من ذلك أمورًا والواحد منهم يدَّعي في نفسِه أنه مِثْل النبي صلى الله عليه وسلم أو أفضل منه حتى إذا قيل له النبي صلى الله عليه وسلم رأى سِدْرة المنتهى كأنَّ ورقَها آذانُ الفِيَلة وكأنَّ نَبِقَها قِلالُ هَجَر يقول هو رأيتُها أصغر من ذلك ومن يصحِّح قولَه يتأوَّلُ ذلك على أنه رآها من بعيد وهذا من
(1/23)

الباطل المحض فإنَّ ذلك الموضع لم يصعد إليه غير النبي صلى الله عليه وسلم.
ويقول أحدُهم دخلتُ البارحةَ الجنةَ وأصابَ يدي من شوكِ شَجَرِها حتى يقول له المُنْكِر عليه شجرُ الجنة لا شوكَ فيه إلى أمورٍ أُخَر من جنس هذه الحكايات قد سمعتها أنا وغيري من أتباع هؤلاء ولولا أني أكره هَتِيْكَتهم لسميتُ كلَّ واحدٍ من هؤلاء وذكرتُ من حكاياته ما يتبين كثرة ما دخل عليهم من الخطأ والضلال أو التعمد للكذب وهذا عقوبة من يطلب مطالعة الغيوب.
ولهذا يوجد كثير من السالكين لا يطلبون التقرُّبَ إلى الله وطلب رضوانه ورحمته والنجاة من عذابه بل إنما مطلوبهم نوعٌ من المكاشفة أو التأثير فيطلبون علمًا يَسْتَعْلون به على الناس أو قدرةً يَسْتَعْلون بها على الناس وذلك من باب إرادة العلوِّ في الأرض والفساد فيعاقبهم الله بنقيض قصدهم.
وكراماتُ أولياء الله تجيءُ ضمنًا وتبعًا فإنهم يقصدون وجه الله فتجيء المكاشفات والتأثيرات تَبَعًا لا يقفون عندها ولا تكون هي أكبر هَمِّهم ولا مبلغ علمهم.
وخواصُّهم إنما يستعملونها لحجَّةٍ في الدين أو لحاجةٍ في الدنيا تُعِين على الدِّين ليتقربوا بها إلى الله لا يستعملونها في مباحات الدنيا فضلاً عن استعمالها في محظور نهى الله عنه.
ومن كانت هي أصل قصده فلا بدَّ إن حصل له شيءٌ منها أن
(1/24)

يستعملها في ما نُهِي عنه فيُعاقََبُون إما بِسَلْبها وإمَّا بسَلْب الطاعة حتى يصير أحدهم فاسقًا وإما بسلب الإيمان حتى يصير كافرًا وهؤلاء كثيرون لا سيما في دول الكفار والظالمين فإنهم بسبب إعانتهم للكفار والظلمة بأحوالهم يعاقبهم الله تعالى على ذلك كما يَعْرف ذلك تجربةً ومشاهدةً وسماعًا من له به خبرة وعندنا من العلم بذلك ما لا يتسع هذا الموضع لذكر تفاصيله.
فإن قيل هو سألَ العصمةَ من الاعتقادات المانعة من الإيمان وهي إما شك وإما ظن وإما وهم وغرضُه بذلك ما يذكره طائفة من السالكين من أنَّ النفسَ إذا زُكِّيَت عن الصفات المذمومة وحُلَّت بالصفات الممدوحة انتقشت فيها العلوم والمعارف كما يذكر ذلك صاحب الكتب المضنون بها وغيره في الإحياء وغيره.
قيل الجواب من مقامين:
أحدهما أنَّ هذا ليس مطلوب الداعي لوجوه:
أحدها أن هذه الطريق فيها اجتناب الأخلاق والأفعال ففيها ترك الإرادات المذمومة لا مجرَّد ترك الاعتقادات الفاسدة وهذا الداعي إنما طلب العصمة من جنس الاعتقادات وهو الشك والظن والوهم فإن الاعتقاد الذي ليس بجائز إما راجح وإما مرجوح وإما مساوي فطائفة من النُّظَّار يسمُّون الراجِحَ ظنًّا والمرجوح وهمًا والمُساوي
(1/25)

شكًّا وهو اصطلاح أبي عبد الله الرازي وغيره.
وأن هذا أمرٌ اصطلاحيّ ليس هو اللغة العامة العربية التي بها نزل القرآن وخاطبنا الرسول ولغة الفقهاء بل الشكُّ مقارنٌ للظنِّ الراجح كما في قول النبي صلى الله عليه وسلم إذا شكَّ أَحدُكُمْ في صلاته فَلمْ يَدْر أثلاثًا صلى أم أرْبَعًا فلْيَطْرَحِ الشكَّ وليَبْنِ على ما استيقن وفي الحديث الآخر فَلْيتحرَّ الصوَابَ.
وكذلك مسائل الشك التي تكلَّم فيها الفقهاء كقولهم إذا شكَّ هل أحْدَث أم لا وإذا شك هل طلَّق أم لا وإذا اختلط الطاهر بالنجس وشك في عين الطاهر ونحو ذلك فإنَّ هذه العبارة عندهم تتناول الراجح والمرجوح والمُساوي ولهذا يقول بعضهم إنه يتحرى ويقول الآخر إنه لا يتحرَّى فالتحرِّي عندهم يُجامع الشك مع أنَّ التحرِّي لا بدَّ فيه من ظنٍّ راجح وهذا مبسوطٌ في موضعه.
والمقصود هنا أن هذا الدَّاعي طلبَ نَفْي ما ليس جازمًا من الشك والظن والوهم دون الجازم منها وإن كان غير مطابق ودون الإرادات الفاسدة والأعمال الفاسدة.
الثاني أنه طلب ما يمنع مطالعة الغيب لم يطلب ما يمنع الإيمان
(1/26)

بالله وملائكته وكتبه ورُسُله.
فإن قيل أراد به مطالعته مطلقًا دخلَ فيه المكاشفات العامة التي تحصل [و] التي لا تحصل وأكثرها لا ينفع إذا حصل بل قد يضر.
وإن قيل أراد بمطالعة الغيب نفس المعرفة الواجبة والمستحبة فلفظُ مطالعة الغيب لا يدل على ذلك ولا يُفْهَم منه ذلك.
الثالث إذا كان المطلوب هو نفس معرفة الله والإيمان به فالمشروع أن يَسأل ذلك ابتداءً لا يَسأل بعض موانعه فإنَّ الشكَّ والظنَّ والوهمَ بعضُ موانع ذلك ليست جميع موانعه إذ الاعتقادات الجازمة الفاسدة أبلغ في المنع واتباع هوى النفس بغير هدى من الله أبلغ في المنع ولم يُذكر.
الوجه الرابع أنه لو قُدِّر أنه سألَ رفع الموانع فالمطلوب لا يكفي في حصوله زوال موانعه بل لا بدَّ من وجودِ مقتضيه وإلا فمجرَّد عدم المانع بدون المقتضي لا يكون محصِّلاً للمطلوب.
وأما المقام الثاني فيقال هب أنه سلك طريق أولئك فتلك الطريق فيها باطلٌ كثير من وجوه:
أحدها ظنُّ صاحبها أنه بمجرَّد الزهد والرياضة وتصفية النفس يحصل له ما يحصل لأولياء الله من الإيمان والتقوى وهذا خطأ فإنَّ ذلك لا يحصل إلا بمتابعة الرسول صلى الله عليه وسلم واتباع ما جاء به من القرآن والإيمان.
(1/27)

ولهذا كان السلف يقولون الإيمان قولٌ وعملٌ وموافقةٌ للسنة.
ولفظ بعضهم لا يُقْبل قولٌ إلا بعمل ولا قولٌ وعملٌ إلا بموافقة السنة.
وهذا موضعٌ اضطرب فيه كثير من متأخِّري أهل النظر والكلام وأهل الإرادة والعمل:
فزعم الأوَّلون أن طريقَ معرفة الله هو النظر والعلم فقط.
وزعم الآخرون أن طريقَ معرفة الله هو الزهد والعبادة فقط.
ثم إن كثيرًا من هؤلاء وهؤلاء أعرضوا عن ملازمة الكتاب والسنة فصار أولئك يسلكون طريقة البحث والنظر والتفكُّر في الكلام والفلسفة من غير اعتبارٍ لذلك بالكتاب والسنة وصار هؤلاء يسلكون طريقة العبادة والإرادة والزهد والذكر من غير اعتبارٍ لذلك بالكتاب والسنة.
وطائفة من هؤلاء أهل طريقة الذكر قد ينهون عن الفِكْر ويحرمونه كما ذكره ابنُ عربي في كتاب الخلوة وغيره وقد يأمرون بذكر الاسم المفرد مُظْهَرًا مُضْمَرًا فينتج ذلك لأحدهم اعتقادات فاسدة وخيالات غير مطابقة كما أصاب أصحابَ الوحدة.
(1/28)

وطائفة من أولئك أهل الفكر والنظر قد لا يمدحون العمل والعبادة والزهد بل ربما انتقصوا من يفعل ذلك وكثير منهم يَقْرن بذلك الفسوق واتباع الأهواء فلا يتورع لا عن الفواحش ولا عن المظالم ولهذا كان السلف يقولون احذروا فتنة العالم الفاجر والعابد الجاهل فإن فتنتهما فتنة لكلِّ مفتون.
وكلٌّ من هاتين الطائفتين مخطئ من جهتين من جهة اجتزائه بأحد الواجِبَين عن الآخر ومن جهة خروجه في ذلك عن متابعة الكتاب والسنة فإنَّ الله بعثَ محمدًا بالحقِّ وهدى به الناسَ من الظلمات إلى النور فأمَرَ المؤمنين بما يُحَصِّل لهم الفلاح من العلم النافع والعمل الصالح فكلٌّ من هذين واجب وهذا معنى قول السلف الإيمان قولٌ وعملٌ فلا بدَّ من علمٍ لا بدَّ من عمل وكلاهما واجب في الجملة فمن ظن أنه بالعلم ينال المطلوب بدون العمل الواجب فقد غلط ومن ظن أنه بالعمل ينال المطلوب بدون العلم الواجب فقد غلط وكلٌّ منهما لا بدَّ أن يَزِنَ عملَه وعلمَه بالكتاب والسنة.
فمن سلكَ طريقةَ العلمِ فقط وأعرضَ عن اتباع السنة في علمه ولم يَزِنْه بالكتاب والسنة وأعرض عن العمل الواجب مثل أهل البدع
(1/29)

والفجور من نُظَّار أهل الكلام والفلسفة فقد زاغ من هذين الوجهين.
ومن سلكَ طريقةَ العملِ فقط وأعرض عن اتِّباع السنة في عمله وَوَزْنه بالكتاب والسنة وأعرض عن العلم الواجب مثل أهل البدع والجهل من العُبَّاد والزُّهَّاد الذين يُبغضون العلم ويُعرضون عن اتباع الشريعة فقد زاغ من هذين الوجهين.
وأمَّا من عَلِم العلمَ النبويَّ ولم يعمل به أو عمل الأعمال الشرعية من غير علمٍ فهذا زائغ من وجه دون وجه وقد أمرنا الله تعالى أن نقول اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7) [الفاتحة 6-7] .
وفي الترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال اليهودُ مغضوبٌ عليهم
(1/30)

والنصارى ضالُّون قال الترمذي حديث صحيح.
قال سفيان بن عُيينة كانوا يقولون من فسد من علمائنا ففيه شَبَه من اليهود ومن فسد من عُبَّادنا ففيه شَبَه من النصارى.
فإنَّ اليهودَ عرفوا الحق وما عملوا به فالعالمُ الفاجر فيه شَبَه منهم والنصارى عبدوا الله بغير علم فالعابد الجاهل فيه شَبَه منهم.
وكلٌّ من هاتين الطائفتين الزائغتين تَذُمُّ الأُخرى كما قال تعالى وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ [البقرة 113] .
والناس لهم في طريق الرياضة والزهد والتصفية هل تفيد العلم ثلاثة أقوال:
فقالت طائفة ذلك وحدَه يُحَصِّل العلم وربما قالوا لا يُحَصَّل
(1/31)

العلمُ إلا به وهو [قول] طائفة من المتفلسفة والمتصوفة كصاحب الإحياء وكيمياء السعادة ومِشْكاة الأنوار وجواهر القرآن يشير
(1/32)

إلى ذلك لكن قيل إنه رجع عن ذلك في آخر عُمره.
وقالت طائفة إنه لا تأثير لذلك في العلم ولكن يُحَصِّل به ثواب أو يُدْفع بع عقاب وهو قول كثير من أهل النظر والكلام وغيرهم.
والقول الثالث وهو الصواب أن ذلك عَونٌ على بعض العلوم وشرط في حصول بعض العلوم ليس مستقلاًّ بتحصيل العلم بل من العلم ما لا يحصل إلا به فإن الفسقَ والمعاصي تَرِين على القلوب حتى تمنعها الهداية والمعرفة كما دلَّلت على ذلك نصوصُ الكتاب والسنة.
ومن المعلوم ما تُعين هذه الطريق عليه فيحصل به العلم ليس مما يحصل بدونه فإن أهل الأعمال الصالحة ييسر الله عليهم العلم كما قال تعالى وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (66) وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (67) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (68) [النساء 66-68] وقال تعالى يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ [المائدة 16] .
(1/33)

وقال تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ [الحديد 28] والآيات في هذا المعنى كثيرة وهذا بابٌ واسعٌ.
والقرآن يدلُّ على ما أرانا الله من الآيات في أنفسنا وفي الآفاق كما قال سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ [فصلت 53] أي حتى يتبين لهم أن القرآنَ حقٌّ فقد أخبر أنه سَيُرِي عبادَه من الآيات العيانية المشهودة ما يبين أنَّ آياتِه المسموعةَ حقٌّ.
ولم يُرِد بذلك ما تظنه طائفةٌ من أهل الكلام أنه مجرَّد إثبات العِلْم بالصانع بدلائل الآفاق والأنفس فإن إثبات الصانع كان قد بَيَّن أدِلَّتَه قبل نزول هذه وقد قال في هذه الآية سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا [فصلت 53] وهذا وعدٌ مُسْتقبل وما دلَّ على الصانع وحده معلوم قبل نزول الآية ولأن الضمير في قوله أَنَّهُ الْحَقُّ عائد على القرآن كما يدلُّ عليه السياق ومِنْ هذا الغلط ظنَّ بعضُهم أن المراد بدلائل الآفاق والأنفس الطريقة النظرية وهو الاستدلال بالأثر على المؤثِّر والمراد بقوله أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (53) [فصلت 53] الاستدلال بالأثر على المؤثِّر حتى ظنَّ ابنُ سينا ونحوه أن طريقهم في إثبات واجب الوجود بمجرَّد الوجود هو مدلول هذه الآية.
(1/34)

وآخرون من المتصوِّفة ظنوا أن طريقتهم في أنهم يعرفون الرب ابتداء ثم يعرِفُون به المخلوقات هو مدلول الآية والآية دلت على [أن] شهادة الله بصدق القرآن كافية عن الآيات العيانية التي سنريهم إياها في الآفاق وفي أنفسهم.
ولا ريب أن صدق القرآن المعلوم بها وبما أَرْسَل به الرسل من الآيات والمعلوم بدلائل الأنفس والآفاق يتضمن من العلم أضعافَ ما ذكره هؤلاء فإنَّ ذلك من العلم بالله وأسمائه وصفاته وملائكته وأنبيائه وأمره ونهيه ووعده ووعيده وغير ذلك مما يتضمن الحق مما ذكروه وما لم يذكروه مع تنزيهه عما يدخل في كلامهم من الباطل وهذه الأمور مبسوطة في غير هذا الموضع.
(1/35)

فصل
وما ذَكَر بعد هذا من زلزال المؤمنين وقول المنافقين فهو في القرآن لكن ذِكْره مع هذا الدعاء غير مناسب فإن هذا إنما يقال إذا كان الوعد من الله ورسوله لا من آحاد الناس والدعاء بعلم الغيب لا يناسب زوالَ الخوف اللهم إلا أن يكون الداعي وعدَ أصحابه بأمرٍ فلم يحصل فدعا أن يُطالع بالغيب حتى لا يخطئ كشْفُه وهذا من عدوانه حيث قَفَى ما ليس له بعلم.
الموضع الثالث قوله في لفظ الحزب المكتوب فقد ابْتُلِي المؤمنون وزُلْزِلوا زلزالاً شديدًا فيقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض فهذا ليس بسديد فإن الابتلاء لم يكن لأجل هذا القول بل كان ليحصل لهم من اليقين والصبر متأوِّلون به ما وعدهم الله به من الكرامة كما قال تعالى أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (214) [البقرة 214] .
الموضع الرابع وهو يتضمَّن مواضعَ متعددة منها قوله وسخِّرْ لنا هذا البحرَ وكلَّ بحرٍ هو لك في الأرض والسماء والمُلْك
(1/36)

والملكوت وبحر الدنيا وبحر الآخرة.
قال هذا كلام لا يقوله من يتصوَّر ما يقول فإن الإنسان إذا كان راكبًا بحرًا من البحار فما يصنع حينئذٍ بتسخير البحار البعيدة؟!
ثم قوله وبحر الآخرة من أين في الآخرة بحرٌ غير جهنم؟!
وقوله أيضًا كل بحر في الملك والملكوت والملكوت هو تأكيد الملك وباطنه وحقيقته فليس هو خارجًا عنه على لغة القرآن وقول سلف الأمة وأئمتها ولكنَّ بعض المتأخرين زعم أن الملكَ عالم الأجسام وعالم الملكوت عالم العقول.
ومنهم من يُفَرِّق بين عالم الملك والملكوت والجبروت فيجعل هذا عالم العقول وهذا عالم النفوس وهذا يوجد في كلام أبي حامد وأمثاله وهو مبنيٌّ على قول الفلاسفة الدهرية الذين يجعلون الملائكة
(1/37)

خارجة عن ملك الله ويقولون إنهم ليسوا أجسامًا يُشار إليها ولا تصعد ولا تنزل ولا توصف بحركة ولا سكون ولا هي داخل الأفلاك ولا خارجها ولا تُرَى ولا يُسْمع لها كلام وليس هذا من دين أهل الملل المسلمين ولا غيرهم وقد بُسِط القولُ في فساد هذا بما ليس هذا موضعه.
وصاحب الحزب وأمثالُه من المتأخرين ينظرون في كتب الصوفية التي فيها ما هو مبنيٌّ على أصول الفلاسفة المخالفة لدين المسلمين فيتلقَّون ذلك بالقبول ولا يعرفون حقيقتَه ولا ما فيه من الباطل المخالف لدين الإسلام مثل ما يوجد في كلامهم من دعوى أحدهم أنه يطَّلِع على اللوح المحفوظ وأنه يأخذ مراده من اللوح المحفوظ ونحو ذلك فإنَّ اللوح المحفوظ عند المتفلسفة كابن سينا وأتباعه هو النَّفْس الفَلَكِيَّة وعندهم أن نفوس البشر تتصل بالنفس الفَلَكية أو بالعقل الفَعَّال في المنام أو في اليقظة لبعض الناس وهم يدَّعون أن ما يحصل للناس من المكاشفة يقظةً ومنامًا هو بسبب اتصالها بالنفس الفلكية والنفس الفلكية عندهم هي سبب حدوث الحوادث في العالم فإذا اتصلت بها نفس البشر انتقش فيها ما كان في النفس الفلكية.
(1/38)

وهذه الأمور لم يذكرها قدماء الفلاسفة إنما ذكرها ابنُ سينا ومن تلقَّى عنه ويوجد في بعض كلام أبي حامد وابن عربي وابن سبعين وأمثال هؤلاء الذين تكلموا في التصوف والحقيقة على قاعدة الفلاسفة لا على أصول المسلمين ولهذا خرجوا بذلك إلى الإلحاد كإلحاد الشيعة الإسماعيلية والقرامطة الباطنية.
وهذا بخلاف عُبَّاد أهل السنة والحديث وصوفيتهم كالفُضَيل بن عِياض وإبراهيم ابن أدهم وأبي سليمان الداراني ومعروف الكرخي والسَّرِي السَّقَطِي والجُنَيد بن محمد القواريري وسَهْل بن عبد الله التُّسْتَري وعَمْرو بن عثمان المكي فإن أولئك من أعظم الناس إنكارًا على من هو خيرٌ من الفلاسفة كالمعتزلة من أهل الكلام وكالكُلاَّبية فكيف بالفلاسفة؟!
والمتكلمون في التصوف والحقائق ثلاثة أصناف:
قومٌ على مذهب أهل الحديث والسنة كهؤلاء المذكورين.
وقومٌ على طريقة بعض أهل الكلام من الكُلاَّبية أو غيرهم كأبي القاسم القُشَيري وغيره.
وقومٌ خرجوا إلى طريقة المتفلسفة مثلُ من سلك مَسْلك رسائل إخوانه الصفا ومن ذلك قطعة توجد في كلام أبي حَيَّان
(1/39)

التوحيدي.
وأما ابن عربي وابن سبعين وغيرهما ونحوهما فحقائقهم فلسفية غيَّروا عبارتها وأخرجوها في قالب التصوف أخذوا مُخَّ الفلسفة فَكَسوه لِحاءَ الشريعة.
(1/40)

وابن سينا ذكر في آخر إشاراته الكلام على مقامات العارفين بحسب ما يليق بحاله وذلك يعظّمه من لم يعرف الحقائق الإيمانية والمناهج القرآنية.
وأبو حامد الغزالي قد ذكر شيئًا من ذلك في بعض كتبه لا سيما الكتب المضنون بها على غير أهلها ومشكاة الأنوار وجواهر القرآن وكيمياء السعادة ونحو ذلك ولهذا قال صاحبه أبو بكر بن العربي شيخُنا أبو حامد دخل في بطن الفلاسفة ثم أراد أن يخرج منه فما قدر.
لكن أبو حامد مع هذا يُكَفِّر الفلاسفةَ في غير موضع وبيَّن فسادَ طريقتهم وأنها لا تُحَصِّل المقصود وهو في آخر عمره اشتغل بالبخاري ومات على ذلك ولهذا قيل إنه رجع عن هذه الكتب ومن الناس من يقول إنها مكذوبة عليه ولهذا كَثُر كلامُ الناس فيه لأجلها كما تكلَّم المازَرِيُّ والطرطوشي وأبو [الحسن] المرغيناني والقُشَيري وابن عقيل وابن الجوزي والقرطبي
(1/41)

وأبو البيان الدمشقي وغيرهم وهذه الأمور مبسوطة في غير هذا الموضع.
والمقصودُ هنا أن لفظ الملكوت والجبروت في كلام كثير من المتأخرين يريدون به غير ما أراد الله ورسوله فيتكلَّمون بالألفاظ الواردة في الكتاب والسنة ومرادهم بها غير ما أراد الله ورسوله فيحصل بذلك ضلال لكثير من الناس فإنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في ركوعه وسجوده سُبْحَانَ ذي الجَبَرُوت والمَلَكُوت والكِبْرِيَاء والعظمة وهو لم يُرِد بالجبروت والملكوت العقولَ والنفوسَ التي تقصدهما الفلاسفة باتفاق علماء المسلمين ولا يقول مسلم إن ملائكة الله الذين وصفهم في كتابه هي العقول العشرة والنفوس الفلكية التي يذكرها الفلاسفة.
وهؤلاء الفلاسفة يقولون إنَّ العقل الأول هو المُبْدِع لكلِّ ما سوى
(1/42)

الله والعقل الفعَّال العاشر هو المبدع لكل ما تحت فلك القمر.
ومعلومٌ أن هذا من أعظم الكفر في دين المسلمين فإنَّ مسلمًا لا يقول إن مَلكًا من الملائكة خلق كلَّ ما تحت السماء ولا يقول إن مَلكًا من الملائكة خلق جميع المخلوقات بل القرآن قد بَيَّن كفرَ من قال إنهم متولِّدون عنه فكيف بمن قال هم متولِّدون عنه وأنهم خالقون لجميع المخلوقات قال الله تعالى وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (26) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (27) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (28) [الأنبياء 26-28] وقال تعالى وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى (26) [النجم 26] وقال تعالى لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا (172) [النساء 172] .
والآيات في هذا المعنى كثيرة وقد بُسِط الكلام على هذا في غير هذا الموضع فإن المرض بهذه الأمور كثيرٌ في كثيرٍ من الناس والله يهدي من يشاء إلى صراطٍ مستقيم والمقصودُ هنا التنبيه على بعض ما في هذا الحِزْب.
وأيضًا فإن هذا الحزب صُنِّف للدعاء به عند ركوب البحر والجُهَّال الذين يتلونه كما يُتلى القرآن يقرؤه أحدُهم وهو في البر ليس له
(1/43)

عزمٌ على ركوب البحر فيبقى داعيًا يقول سَخَّر لنا هذا البحر ولا بحرَ عنده!
وصاحبُ الحزب ذهبَ ليحجَّ ويركب البحر فمات ودُفِن بصحراء عَيذاب بمكانٍ يُسَمَّى الخَرْجَة قبل ساحل عَيذاب بأيام قبل أن يركب البحر ويدعو به فما حصل مقصودٌ لصاحبه فكيف لغيره؟!
وأيضًا فقول القائل سَخَّر لنا هذا البحرَ كما سَخَّرتَ البحرَ لموسى كلامٌ باطلٌ فإنَّ الله فَرَق البحرَ لموسى حتى مشى على الأرض لم يركب البحر وهذا الداعي ليس مطلوبه أن يَفْرقه له ولو طلب ذلك لم يَفْرقه الله له فلا يجوز طلب تسخيرٍ كتسخيرٍ موسى وإن قال أردتُ به أصلَ التسخير لا صفته فقوله سَخَّر لنا هذا البحر كافٍ فلا حاجة إلى التشبيه مع أنَّ فَرْقَ البحرِ لموسى لا يُسَمَّى تسخيرًا بل هو أعظم من التسخير.
وأيضًا فإنَّ الله قد سَخَّر لنا ما في السموات وما في الأرض فالتسخير نوعان نوعٌ معتاد ونوعٌ خارق للعادة.
فإن كان طلب التسخير المعتاد لم يكن في تشبيهه بخوارق العادات دون غيرها فائدة بل يُقال سَخِّرْهُ لنا كما سخرته لمن سَلَّمْتَه من عبادك وكما سَخَّرت لنا ما في السموات والأرض.
(1/44)

وإن أراد به خَرْق العادة كما خُرِقت العادة لموسى وإبراهيم وداود وسليمان كان هذا جهلاً فإنَّ ركوبَ البحر والسلامة فيه ليس فيه خرق عادة.
والكلام المعروف في مثل هذا أن يقال يا من فَرَق البحرَ لموسى وجعل النار بردًا وسلامًا على إبراهيم وسخَّرَ الريحَ والجنَّ لسليمان سَخِّر لنا هذا البحر لأن هذا وصفٌ لله بكمال القدرة العظيمة التي فعل بها هذه الأمور الخارقة للعادة فيقال يا مَنْ فَعَل هذا افعل بنا هذا.
وأمّا أن يقال سَخِّر لنا هذا كما سَخَّرت هذا فلم يُعْرَف عن المتقدمين مثل هذا الكلام بل هو من الكلام المنكر الذي لا يقوله من يتصوَّر ما يقول والنارُ لم تُسَخَّر لإبراهيم بل جُعِلت عليه بردًا وسلامًا فلم ينتفع هو بها مع كونها نارًا بل غُيِّرت صفتُها وتسخير الشيء يكون لمن ينتفع به مع بقاء حقيقته.
وكذلك موسى فُلِق له البحر ولا يقال لمثل هذا تسخير بل هذا أبلغ من التسخير وقد قال تعالى وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ [الجاثية 13] وقال وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ (32) وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (33) [إبراهيم 32-33] وقال تعالى وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ [الأعراف 54] .
الموضع الخامس [قوله] وامْسَخْهم على مكانتهم فإنَّ هذا دعاءٌ بالمسخ وهو غير جائز ولا يُجاب والله أخبرَ أنه لو شاء فعل ذلك بقوله وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ [يس 67] والله تعالى مسخَ قومًا قردةً وخنازيرَ لنوعٍ من الكفر وكذلك يمسخُ من هذه الأمة قومًا قردةً وخنازيرَ وهذا في أنواعٍ من الكفر كاستحلال المحرَّمات من
(1/45)

سَبِّ الصحابة والخمر والمعازف ونحو ذلك.
وأما المسلم العاصي فلا يجوز الدعاء عليه بالمسخ ولا يُستجاب ذلك وقد حرَّم الله الاعتداء في الدعاء والصائل يُدْفَع بما يكف شرَّه فإذا دُعِيَ عليه بما يكفُّ شرَّه حصل المقصودُ من غير احتياجٍ إلى مسْخِه.
الموضع السادس قول القائل بسم الله بابنا تبارك حيطاننا يس سقفنا دعاء ليس مأمورًا به ولا من جنس المأمور وهو مما تنكره القلوب فإنَّ جَعْلَ كلامِ الله بمنزلة الباب والسقف والحيطان يحتاج مثله إلى أَثَر وإلا فهو بدعة وقد يُفْهم من ذلك انتقاص حُرْمته.
الوجه السابع أن يقال مقصود هذا الدعاء كله تيسير الركوب في البحر ودفع العدوِّ وهذا مطلوبٌ يسير ليس هو من أعظم المطالب وإنّ غالب من يركب البحرَ من الكفار والفُسَّاق يحصل لهم هذا ليس هو مما يحتاج فيه أن تُبْتذل فيه آياتُ الله وأسماؤه هذا الابتذال.
الوجه الثامن أنَّ هذا الدعاء لو كان سائغًا مشروعًا لم يكن مشروعًا إلا لمن يقصدُ ركوبَ البحر فأما الدعاء به في المساجد والبيوت وغيرها من غير ركوب البحر فإنه لا يفعله إلا جاهل لا يفقه ما يقول أو يستهزئ بالله وعلى التقديرين فيستحق العقوبةَ على ذلك كمن يقول وهو لا يريد الركوب اللهم سَخِّر هذا الفيل وهذا الجمل وهذا الفرس والبغل والحمار وليس هناك شيءٌ من الدواب ولا هو يقصد ركوبه فإنَّ هذا إمَّا جاهل بما يقول أو مستهزئ بمن يناجيه!
(1/46)

أو يقول ولا طعام عنده وهو لا يريد الأكل اللهم أطعمني من هذا الطعام!
الوجه التاسع أن هذا فيه انتزاع آيات من القرآن ووضعها في غير موضعها وآيات أنزلت لمعاني اسْتُعْمِلت في غير تلك المعاني وهذا إن كان سائغًا فيسوغ بقدر الحاجة فأما أن يُجْعَل ذلك حِزْبًا يُتْلى كما يُتْلى القرآن ويجمع عليه في أوقات معتادة فهذا لا يسوغ.
وقد تنازع الناسُ في قرآة آيات الحَرَس مع أنها قرآنٌ محض لم يُخْلَط بغيره فكرهها طائفةٌ من العلماء لأنه تلاوة للقرآن على غير الوجه المشروع فأشبه تنكيس السورة فإنه منهيٌّ عنه بالاتفاق ومن رخص في قرآة آيات الحَرَس فإنه قد جاء ببعض ذلك حديثٌ رواه ابن ماجه.
(1/47)

وأما هذا الحزب وأمثاله فإنه خَلْطٌ لكلامِ الله بغيره ووضعٌ للآياتِ في غير مواضعها وآياتٌ اُنْزِلت في بيان حال الكفار ومنعهم عن الهدى واستُعْمِلت في دفع العدو واللَّهُ ذكرها مخبرًا بها وهذا ذكرها داعيًا بها.
وهذا إذا سُوِّغ استعمالُه وقتَ الحاجة فلا يجوز أن يُجْعَل حزبًا يُتلى ويُجْتَمَع عليه ولو جازَ هذا لجاز لكل شخص أن يصنع في آيات الله وأسمائه مثل هذا ويصنف شيئًا لغرض معين مع ما فيه من الخطأ والضلال ويَجْمَع عليه طائفةً من الجُهَّال يتلونه بالغدوِّ والآصال كما يُتلى كلامُ المليك المتعال.
وقد تنازع العلماء في قرآة القرآن بالإرادة كما يُفْعَل
(1/48)

بالإسكندرية فكرهها مالك وطائفة من العلماء من أصحاب أحمد وغيرهم وقال في العُتبية عن مالك لما سُئل عن القوم يجتمعون ويقرؤون في السورة الواحدة فقال هذا بدعة ولم يكن من عمل الناس وإن كان رخَّصَ فيها آخرون منهم ومن غيرهم مع أنها قراءة كلام الله مَحْضًا.
الوجه العاشر أن استعمال هذا الحزب ذريعة إلى استعمال ما هو شرٌّ منه كالحزب الكبير فإنَّ في ذلك من الأمور المنكرات والدعوات والمحرَّمات ما يتعيَّن النهي عنه على أهل الديانات.
وإن كان قائلُه في زهدٍ وعبادةٍ وله دين وإرادة [و] كان له نَوعٌ من المكاشفات وخوارق العادات فهذا لا يوجب عصمةَ صاحبه ولا علمه بأسرار العبادات ولا أن يستنَّ شيئًا من الأذكار والدعوات إذا السنن المشروعة في أمور الدين للأنبياء والمرسلين لا لآحاد الصالحين.
(1/49)

وذلك مثل قوله في الحزب الكبير فالسعيدُ حقًّا من أغنيتَه عن السؤال منك والشقيُّ حقًّا من حرمْتَه مع كثرة السؤال لك فاغْنِنا بفضلك عن سؤالنا منك ولا تحرمنا من رحمتك مع كثرة سؤالنا لك.
فيقال من المعلوم أنَّ أحدًا من المكلَّفين لا يستغني عن سؤال الله بل السؤال عليه فرضٌ في صلاته بقوله اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7) [الفاتحة 6-7] وهذا دعاء واجب على كل مسلم في كل صلاة لا صلاة إلا به وعند جمهور العلماء أنه رُكنٌ في الصلاة لا تصح إلا به وهو قال مالك والشافعي وأحمد والمشهور عند أبي يوسف وعند بعضهم وهو واجب وتاركه مسيء وإن لم يوجبوا عليه الإعادة كما يقوله أبو حنيفة ومحمد.
ومعلومٌ أنَّ ما كان واجبًا على العبد لم يكن مُستغنيًا عنه إذ لا بدَّ للعبد من أداء الواجبات والصلاة عمود الدين لا تسقط لا عن الأنبياء ولا عن الأولياء ولا غيرهم ومن اعتقد سقوطَها عن خواصِّ الأولياء فإنه يُستتاب فإن تابَ وإلا قُتِل.
فإنَّ كثيرًا من أهل الضلال يعتقدون سقوط الواجبات عن الأولياء الواصلين إلى الحقيقة ويتأولون قوله وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (99) [الحجر 99] قالوا فإذا حصل اليقين سقطت العبادة وهذا من جنس قول القرامطة الباطنية من المتفلسفة وغيرهم الذين
(1/50)

يرون العبادات رياضة النفس حتى تصل إلى المعرفة التي يدَّعونها فإذا وصل إلى المعرفة سقطت عنه.
ومن المعلوم أنَّ هذا خلاف دين الإسلام وأنه قد عُلِمَ بالاضطرار من دين الإسلام أن الصلوات الخمس لا تسقط عن أحد من الأولياء ولا عن شيءٍ من واجباتها إلا لعذر شرعيٍّ مثل سقوط الطهارة للعجز عن استعمالها لعدمٍ أو خوفِ ضررٍ وسقوطها بالجنون وسقوط فعلها بالإغماء وفي وجوب القضاء نزاع مشهور ونحو ذلك مما هو معروف في مواضعه.
وقوله حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (99) المرادُ به ما يوقن به من الموت وما بعده باتفاق السلف كما في قوله الذي حكاه عن الكفار مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (42) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (43) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (44) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (45) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (46) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ (47) [المدثر 42-47] ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم عن عثمان بن مَظْعون أمَّا هذا فقد جاءه اليقين من ربه.
ولهذا قال الحسن البصري لم يجعل الله لعبده المؤمن أجلاً دون
(1/51)

الموت.
ولهذا قال الجُنَيد تكلَّمَ قومٌ بإسقاط الأعمال وهذه عظيمة والذي يزني ويسرق أهون من هذا أو كما قال.
وأيضًا فإن هذا كلام متناقض فإنه يسأل أن يغنيه عن السؤال فيسقط السؤال بالسؤال ويذكر أن الحرمان بكثرة السؤال قد يكون وأن السعيد من أغنيته عن السؤال فإن كان هذا الكلام حقًّا فصاحب هذا السؤال ليس بسعيد لأنه لم يعتذر عن السؤال.
وأيضًا فيقال مَنْ لم يَسْألِ اللَّهَ يَغْضَبْ عليه فكيف يكون السعيد من أغناه عن السؤال والسؤال لله يكون إما واجبًا وإما مستحبًّا فكيف يكون السعيد من تَرَك الواجبات والمستحبات قال تعالى وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ [النساء 32] وقال تعالى ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (55) [الأعراف 55] .
وقد أخبر الله تعالى عن أنبيائه كآدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى وغيرهم سؤاله ودعاءَه وهؤلاء أسعد الخلق وأفضلهم فكيف يكون السعيد من لم يسأل الله لغناه عن سؤاله؟!
(1/52)

فإن قيل المراد أن يعطيه بدون السؤال فلا يُحْوجه أن يسأل.
قيل لم يحصل لأحد جميع مطالبه الدينية والدنيوية بدون السؤال لا لأُلي العزم ولا لمن دونهم بل سيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم كان أعظم الناس سؤالاً لربه وبذلك أمَرهُ به فقال وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ [محمد 19] وقال وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا (114) [طه 114] وقد ثبت في الصحيح أنه كان يوم بدرٍ يقول اللهمَّ أنجزْ لي ما وعدْتَني اللهم اللهم حتى أنزل الله الملائكة.
والأدعية في القرآن كثيرة مثل قوله رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا [البقرة 286] الآية فهذا دعاء شَرَعَه الله لرسوله وللمؤمنين.
والأدعية في الأحاديث الصحيحة كثيرة جدًّا مما كان يدعو بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ويعلمها للمؤمنين بل المقام المحمود الذي يَغْبِطُه به الأوَّلون والآخرون هو الشفاعة يوم القيامة وهو سؤالٌ لربِّه ودعاءٌ له فإذا كان في أفضل مقاماته داعيًا لربه فكيف يكون غيره مُستغنيًا عن السؤال؟!
وأصحابه رضي الله عنهم كانوا إذا توسَّلوا به واستشفعوا به واستسقوا به إنما يتوسَّلون بدعائه وسؤاله وهذا هو استشفاعُهم به واستسقاؤهم به ولهذا قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه في الحديث الصحيح لمَّا أَجْدَب الناسُ عامَ الرَّمادة اللهم إنّا كُنَّا إذا أجْدَبْنَا نتوسَّلُ بنبينا فتَسْقِينا وإنا نتوسَّلُ إليك بعَمِّ نبينا فاسْقِنا فإنما كانوا
(1/53)

يتوسلون في حياته بدعائه وسؤاله وتوسلوا بعده بدعاء العباس وسؤاله لقربه منه وكذلك معاوية استسقى بيزيد بن الأسود الجرشي وقال اللهم إنا نستسقي إليك بخيارنا بيزيد يا يزيد ارفع يديك إلى الله فرفع يديه يدعو ويدعون.
ولهذا قال العلماء يستحب الاستسقاء بأهل الصلاح والدين والأَوْلَى أن يكون من أقارب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيُتوسَّل إلى الله بدعائهم ولو كان التوسُّل بذات النبي صلى الله عليه وسلم والإقْسام به على الله مشروعًا لكان التوسل بذاته والإقسام به على الله حيًّا وميتًا أولى من العباس ويزيد بن الأسود وغيرهما لأن ذاته أفضل من ذواتهم والإقسام به على الله إن كان القَسَم بالمخلوق مشروعًا أولى من الإقسام بهم بخلاف ما إذا كان التوسل بدعاء الشخص وسؤاله فإنه يتعذَّر بموت النبي صلى الله عليه وسلم كما يتعذّر الائتمامُ به في الصلاة والجهاد معه.
ومن هذا الباب الحديث الذي رواه الترمذي والنسائي وغيرهما عن عثمان بن حُنَيف أنَّ أعمى أتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله ادعُ اللَّهَ أن يَرُدَّ عليَّ بصري فأمره أن يتوضَّأ ويصلي ركعتين ويقول اللهمَّ إني أسألكُ وأتوجَّهُ إليك بنبيِّك مُحمَّد صلى الله عليه وسلم نبي الرَّحمة يا مُحمد يا رسول الله إنِّي أتَوجَّه بكَ إلى ربِّي في حاجتي لِتقْضِيها اللَّهمَّ فَشَفِّعْهُ
(1/54)

فيَّ.
فهذا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يطلب منه سؤاله لله وأَمَرَه النبيُّ صلى الله عليه وسلم أن يدعو هو أيضًا ويتوسَّل إلى الله بسؤال الرسول ولهذا أمره أن يقول في الدعاء اللهم فشفِّعْه فيَّ قال ذلك على أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا له وأمرَه هو أن يسأل الله قبول شفاعة الرسول فيه وكذلك حديث الأعرابي وسؤاله الغَيْث وإزالته وهو في الصحيحين.
ومن قال إن العبدَ قد يستغني عن سؤال الله ودعائه فهو بمنزلة من قال إنه يستغني عن عبادة الله وطاعته بل سؤال الخلق لربهم أكثر من عبادتهم فإنه يسأله المؤمن والكافر ولا يعبده إلا المؤمن قال الله تعالى يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (29) [الرحمن 29] وقال تعالى وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا (67) [الإسراء 67] .
وإن قيل المراد بذلك يُلْهمه عبادتَه وطاعتَه فيغنيه عن سؤاله.
قيل سؤاله ودعاؤه الواجب والمستحب من أكبر عبادات العبد وطاعته فكأنه قال لا تجعلني أعبدك بسؤالك والتضرع إليك.
(1/55)

وكذلك لمَّا قيل أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ [الزمر 36] قيل عبده هنا هو الذي يعبده بما أمر والدعاءُ الواجبُ والمستحبُّ من جملة ذلك.
فإن قيل مراده حاجات الدنيا أي اقْضِها لي بدون سؤال.
قيل هذا باطل لوجوه:
أحدها أنه لم يخصَّ سؤالاً من سؤال.
الثاني أنه قال فأخو الصلاح من أصلحته وأخو الفساد من أضللته والسعيدُ حقًّا من أغنيته عن السؤال منك وسياق الكلام يقتضي أنه طلب الاستغناء عن طلب الصلاح.
الثالث أنه يقال والسعيد مأمور بطلب مصالح دينه ودنياه كما في قوله تعالى وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (201) [البقرة 201] .
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم في الأدعية المأثورة عنه فعلاً وتعليمًا لأمته يذكر صلاح الدين والدنيا كقوله اللهم اغْفِر لي وارْحَمْني واهدني وعافني وارزقني.
وقوله اللهم أصلح لي ديني الذي هو عِصْمَة أمري وأصلح لي دُنْيَاي التي فيها معاشي وأصلح لي آخرتي التي فيها معادي.
(1/56)

وقوله في الحديث الصحيح اللهم إني أعوذُ بك من المأثم والمَغْرَم.
وقوله في الصحيح اللَّهُمّ إنِّي أعُوذُ بكَ من الَهمِّ والحَزَن وأعُوذُ بك من العَجْز والكَسَل وأعُوذُ بكَ من الجُبْنِ والبُخْلِ وأعُوذُ بك من ضلَعِ الدَّيْن وغَلَبَةِ الرِّجالِ.
وقوله في الحديث الصحيح اللهُمَّ رَبَّ السَّمواتِ السَّبع ورَبَّ العَرْشِ العظيم ربَّنا وربَّ كلِّ شيء فالقَ الحَبَّ والنَّوَى مُنْزِلَ التوراةِ والإنْجِيلِ والقرآن أعوذُ بك من شرِّ كلِّ دابَّةٍ أنتَ آخِذٌ بناصِيتها أنت الأوّلُ فلَيس قبْلَك شيء وأنْتَ الآخِرُ فليس بعدَك شيءٌ وأنت الظاهرُ فليس فوقك شيءٌ وأنت الباطن فليس دونك شيءٌ اقْضِ عنِّي الدَّيْن وأغْنِني من الفقر.
وفي الترمذي ليسأل أحدُكم ربَّه حاجَتَه كلَّها حتى شِسْعَ نَعْلِه إذا انقطَعَ فإنه إن لم يُيَسِّرْه لم يتيسَّر.
وما زال الأنبياءُ وأتباعُهم يسألون الله مصالحَ دينهم ودنياهم وآخرتهم فمن هو الذي استغنى عن سؤال الله تعالى ثم خاصية العبد
(1/57)

أن يسأل ربه وخاصية الرب أن يجيبه فمن ظنَّ أنه يستغني عن سؤاله فقد خرج عن رِبْقة العبودية.
وهذا من حماقات الجُهَّال الذين يسلكون مسلك المتفلسفة في العبادات ويقولون إن المقصود منها إصلاح أخلاق النفس لتستعد للعلم فيجعلون غاية الإنسان هو العلم ويجعلون العلم ما يعرفونه من العلم الإلهي وهو ضالون في هذا وهذا كما قد بُسِط في موضعه فإن نفس حُبِّ الله هو من كمال النفس وسعادتها التي لا يتحصَّل إلا بها وليس هو مقصود والعلم بالله مقصود لنفسه والعلم الإلهي الذي عندهم غايته معرفةُ وجودٍ مطلق لا يُتصور إلا في الأذهان لا في الأعيان.
وهؤلاء يجعلون الدعاء إنما هو قوة للنفس لتؤثر في هَيُولي العالم والشفاعة إنما هي فيضٌ تفيض من الشافع على المشفوع كما يفيض شعاع الشمس فليس عند هؤلاء في الحقيقة سؤال لله ولا عبادة له وعندهم كمال النفس في الفلسفة التشبُّه بالإله على حسب الطاقة فلا يجعلون العبد عابدًا لربه ولا مستغنيًا به بل تفيض عنه الأمور كما تفيض عن الرب عندهم وعن العقول كالعقل الأول والعقل الفعَّال
(1/58)

ويَدَّعون أن العقول التي يثبتونها هي من الملائكة في لسان الأنبياء وهذا من أعظم الباطل الذي قد بُسِطَ الكلامُ عليه في غير هذا الموضع.
بل الملائكة من أعظم المخلوقات عبادةً لله وسؤالاً له كما أخبر الله عنهم في كتابه بقوله فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ (38) [فصلت 38] .
ومن ظنَّ أنه يستغني عن سؤال ربِّه دعاه ذلك إلى الاستنكاف والاستكبار وقال تعالى الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ [غافر 7] الآيات وفي الصحيح أن الملائكة تُصَلِّي على العَبْدِ مادام في مصلاَّه.
فأين هذا مما تدَّعيه الفلاسفة من أن العقل الأول مُبْدِع كلِّ ما سوى الله وأنَّ العقلَ الفعَّال مُبْدِعٌ لكلِّ ما تحت الفلك؟
وقد وقع طائفةٌ من أصولهم في الكتب المنسوبة إلى أبي حامد مثل مشكاة الأنوار والمضنون به وغير ذلك وكذلك في كتب البُوني المتأخِّر وأمثاله وفي كلام صاحب الحزب من هذه المواد
(1/59)

الفاسدة ما أوجبَتْ مثل هذا الكلام كما سننبِّه عليه إن شاء الله فإنه قد ذكر في مصنَّفٍ له قطعةً من الحقائق مبنية على أصولِ متصوفةِ الفلاسفة ويُشْبِهُ أن يكون أخَذَها من كتب صاحب الكتب المضنون بها أو من نحوه.
وابنُ عربي وابن سبعين وابن الطفيل صاحب رسالة حَيّ بن يقظان وابن رُشد الحفيد يستمدُّون من كلامه ومن هذا الباب وقعوا في الإلحاد الذي شاركوا فيه ملاحدة الشيعة وهم يسمونه التوحيد والتحقيق و [هو] تحقيق الإلحاد الذي يخرج به الرجل من الدين كما تخرج الشعرةُ من العجين.
(1/60)

ثم إن صاحب الحزب خرج من ذلك إلى ضروبٍ من الحلول والاتحاد المقيد أو المطلق كما سنذكره إن شاء الله.
وأيضًا فقول القائل والشقيُّ حقًّا من حَرَمْته مع كثرة السؤال لك كلامٌ مخالفٌ لما أخبر الله به ورسولِه فإنَّ في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ما من عبدٍ يدعو اللَّهَ بدعوةٍ ليس فيها إثمٌ ولا قطيعةُ رحِمٍ إلا أعطاه الله بها إحدى خصالٍ ثلاث إما أن يُعَجِّل له دعوتَه وإما أن يَدَّخِر له من الخير مثلها وإمَّا أنْ يصْرِفَ عنه من السوءِ مثلها قالوا يا رسول الله إذًا نُكْثِر قال اللَّهُ أكثر.
وقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه إني لا أحْمِلُ همَّ الإجابة وإنما أحمل همَّ الدعاء فإذا أُلْهِمْتُ الدُّعاءَ فإنَّ الإجابة
(1/61)

معه.
وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ينزِل ربُّنا كلَّ ليلةٍ إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلثُ الليل الآخرُ فيقول من يدعوني فأستجيبَ له من يسألني فأُعْطيه من يستغفرني فأغفرَ له فلا يزال كذلك حتى يطلع الفجر.
وفي رواية لا أسأل عن عبادي غيري.
وفي الصحيح أيضًا عنه أنه قال إن في الليل لساعةً لا يوافقها رجلٌ مسلمٌ يسألُ اللَّهَ خيرًا مِن أمر الدُّنيا والآخرة إلا أعطاه إيَّاهُ وذلك في كلِّ ليلة.
وفي الصحيحين عن يومِ الجمعة مثله.
وقد قيل سبب الإجابة إما الطاعة للأمر وإمَّا الإيمان بإجابته
(1/62)

للداعي فكيف يُقال إنه يحرم عبده مع كثرة السؤال له وإن هذا هو الشقي حقًّا ثم إن هذا سؤال له ممكن أن يكون صاحبه من الأشقياء الذين حرمهم مع كثرة السؤال وحينئذ فيلزم أن لا يُدْعى بهذا فيكون هذا الدعاء باطلاً على قوله كما هو باطلٌ على موجب الكتاب والسنة.
ومن ذلك قوله واذكرنا إذا غَفَلْنا عنك بأحسن مما تذكرنا به إذا ذكرناك وارحمنا إذا عصيناك بأتمّ مما ترحمنا به إذا أطعناك.
فيقال هذا الدعاء من الأدعية المحرَّمة التي لا يستجيبها الله بمنزلة أن يقال فَضِّل أهلَ الكفر على أهل الإيمان وأهل الفجور على أهل البر وفَضِّل الغافلين على الذاكرين وهذا دعاء بخلاف ما أخبر الله أن يفعله وبخلاف ما كتبه على نفسه وسبقَتْ به كلمَتُه وأخبرَتْ به رسله عنه وقد قال تعالى أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (28) [ص 28] وقال أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (35) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (36) [القلم 35-36] وقال أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (21) [الجاثية 21] .
فقد أنكر سبحانه على من ظنَّ أنه يساوي بين أهل طاعته وأهل معصيته فكيف بمن يطلب منه أن يفضِّل العبدَ العاصي على المطيع وقد قال تعالى فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ [البقرة 152] وفي الصحيح من
(1/63)

ذَكَرني في نفسِه ذكرتُه في نفسي ومن ذَكَرني في ملإٍ من خَلْقي ذكرتُه في ملإٍ الحديث.
وفي الصحيح مَثَل الذي يذْكُر رَبَّه والذي لا يذكره كَمَثل الحَيِّ والميِّت.
والله تعالى يقول وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ [فاطر 22] فكيف يُسأل اللَّهُ أن يذكرَ الميتَ الغافلَ بأحسن مما يذكرُ الحيَّ الذَّاكِر؟!
وقد قال وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (156) -إلى قوله- وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (157) [الأعراف 156-157] .
فقد كتبَ رحمتَه لأهل طاعته المتَّقين لكتابه ولرسوله وقد أخبر أنهم هم المفلحون فكيف يكون من لم يُطِع اللَّهَ ورسولَه بل يعصيه مثل هؤلاء فهذا من الاعتداء في الدعاء الذي نهى الله عنه.
ولو قال الرجل اللهم اجعلني أفضل من السابقين الأولين لكان معتديًا فكيف إذا قال اجعل رحمتك لمن يعصيك أتمّ من رحمتك لمن يطيعك والله قد وعد أهل طاعته بقوله وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (13) [النساء 13] وقال وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (14) [النساء 14] .
(1/64)

فإن قيل قد يُراد بذلك أن المطيع قد يحصل له إعجابٌ وكِبْر وصاحب المعصية يحصل له ذُلٌّ وخشية.
قيل من كان عنده كِبْر أو عُجْب أو رياء فليس مطيعًا بل عاصيًا ومعصيةُ الكِبْر والعُجْب والرياء أعظمُ من معصية شُرْب الخمر فالشارب الخاشع الخائف من ربه أقرب إلى رحمة ربه من الصائم المتكبِّر المُعْجَب المُرائي فمن ظنَّ أن الطاعة صُوَر الأعمال فهو جاهل بل اسم الطاعة يتناول طاعة القلب بالخوف والرجاء والإخلاص لله والشكر وغير ذلك أعظم مما يتناول طاعةَ البدن كالصيام والقيام والصدقة قال الله تعالى لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ [البقرة 177] الآية.
وقد أجمع المسلمون على أن مجرَّد أعمال البدن بدون عمل القلب لا يكون عبادة ولا طاعة لله وأن كل عمل لا يُراد به وجه الله فليس هو عبادة له وفي الصحيح إنَّ في الجَسَد مضغةً إذا صَلحت صَلَح لها سائرُ الجسد وإذا فَسَدت فسدَ لها سائرُ الجسد ألا وهي القلب وهذا باب واسع.
وقد يقال المراد إذا وقعنا في الغفلة والمعصية تدارَكْنا برحمتك وانقِذْنا منها إلى الذكر والطاعة أعظم مما تفعل إذا لم نقع في ذلك.
(1/65)

قيل هذا خطأ من وجهين:
أحدهما أن يقال فهذا طالبٌ لأن يجعله ذاكرًا مطيعًا لا أن يكون مذكورًا مرحومًا في حال الغفلة والمعصية أعظم مما يكون حال الذِّكر والطاعة.
والثاني أنه لا يسوغ أن يدعوه بأن ينقله من حال الغفلة والمعصية إلى حالٍ أفضل مما ينقله في حال الذكر والطاعة بل إذا كان يريد الانتقال إلى حالٍ أفضل من حاله فهو إذا كان ذاكرًا مطيعًا يطلب الانتقال إلى ذكرٍ هو طاعة أفضل من ذلك الذكر والطاعة فهو إن طلب أن يكون لأهل الغفلة والمعصية من الكرامة أعظم مما لأهل الذكر والطاعة مع مُقامِهم على ذلك فهذا ممتنع وهو مُراغمة لدين الله.
وعلى كلِّ تقدير لا نجعل الغافل والعاصي أفضل من الذاكر المطيع لا في الحال ولا في الابتداء اللهم إلا إذا مُكِرَ بالذاكر المطيع فانتقل غافلاً عاصيًا وانتقل الآخر ذاكرًا مطيعًا فهذا ممكن لكن لا يجوز لأحدٍ أن يدعو الله بأن ينقله من حال الذكر والطاعة إلى حال الغفلة والمعصية.
ومن هذا الجنس قوله واجعل سيئاتنا سيئات من أحببت ولا تجعل حسناتنا حسنات من أبغضت فالإحسان لا ينفع مع البغض منك والإساءة لا تضرُّ مع الحبِّ منك.
فإن القادح يقول إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (195) [البقرة 195] فهو لا
(1/66)

يبغض الذين آمنوا وعملوا الصالحات وهو يبغض الكفار فلا يحبهم فحبُّه سبحانه مستلزم للحسنات وبغضه مستلزم للسيئات.
فقوله الإحسان لا ينفع مع البغض ليس بسديد بل الإحسان الذي يستحق أن يسمَّى إحسانًا وهو فعل الواجب والمستحب كما أمر ظاهرًا أو باطنًا لا يكون إلا مع حبه لا مع بغضه.
ومن كان باطنه خلاف ظاهره وقال إن عمله رياء أو إعجاب أو نفاق أو ريب وعدم إيمان فهذا ليس عمله إحسانًا وكذلك من ارتدَّ عن الإسلام فردَّتُه أحبطَتْ عملَه فما بقي محسنًا وكذلك السيئات لا يُحِبها الله والمسيء لا يحبُّ الله إساءَتَه وإذا كان فيه إيمان وفجور فالله يحب إيمانه لا فجوره على مذهب أهل السنة والجماعة الذين لا يقولون بتخليد أهل الكبائر في النار ولا يقولون بأن المعاصي تُحْبِط الإيمانَ كلَّه بل يقولون يُخْرَجُ من النَّار مَن في قَلْبِه مثقالُ ذرةٍ من إيمانٍ كما صح ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم فإنهم يقولون الشخصُ الواحد يجتمع فيه ما يحبه الله من الطاعة وما يبغضه الله من المعصية ويستحقُّ الثوابَ على حسناته والعقاب على سيئاته.
وقد يُعتذر عن صاحب الحزب بأن المراد جَعْل سيئاتنا مغفورةً بما يحبه من التوبة والحسنات لنكون ممن يُحِبّه من التوابين ولا يجعل حسناتنا حابطة بما يبغضه من الكفر والمعاصي.
لكن يقول الطاعن سياقُ كلامه وأوله وآخره يدل على أنه ليس هذا مراده فإن كلامه يقتضي أنه لا ينظر إلى ما تفعله العباد من الطاعات
(1/67)

والمعاصي والأدعية والذكر والغفلة بل يطلبُ من الربِّ بدون الطاعة والذِّكْر والدعاء ما هو فوق ما يُحصِّل بذلك فيطلب منه أن لا يكون مع الذِّكْر والإحسان من الخاسرين.
وهذا كلامٌ يتضمن إلغاء الأمر والنهي والوعد والوعيد والثواب والعقاب وجعل النعيم والعذاب يحصل للعباد بخلاف ما أخبرت به الرسل عن الله من وعده ووعيده.
ومثل هذا الرأي يحصل لقوم من الناس من المتصوفة وغيرهم من أهل الإرادة سالكين طريق التألُّه والزهد والفقر إذا نظروا إلى القَدَر والمشيئة المطلقة أعرضوا عمَّا جاءت به الرسل من الأمر والنهي والوعد والوعيد ولا ريب أن هذا ضلالٌ مبين وخروج عن اتباع السنن.
وأمْثَل من هؤلاء في العلم والقول طائفةٌ من أهل الكلام والفقه والتصوف من المثبتين للقَدَر يقولون إن الأمر يصدر عن مشيئة محضة بلا حكمة ولا رحمة وأنه ليس في المخلوقات أسباب ولا قُوَى فهذا قولٌ قالته طائفة وإن كان السلف وجمهور الفقهاء وأهل الحديث والصوفية وجمهور أهل الكلام على خلافه لكنَّ هؤلاء مع هذا يقرون بالأمر والنهي والوعد والوعيد ويقولون إرسال الرسل وإنزال الكتب مما صدرت عن الرب بمشيئته وعُلِمَت هذه الأمور بالسمع وعُلِم وقوعُها لإخبار الله بها فهم يقولون وسائر الملل لا يجوز أن يُسأل ما قد أخبر أنه لا يفعله.
فقول صاحب الحزب مردود على أصلهم أيضًا كما هو مردود على أصل الجمهور وبمثل هذا الرأي الفاسد يفتري كثير من السالكين
(1/68)

الناظرين إلى محض القَدَر فإنهم إذا شهدوا الربوبية العامة والقيومية الشاملة لكل شيء وشهدوا الحقيقة الكونية ورأوا توحيد الربوبية ظنوا أن الكمال هو في الفناء في توحيد الربوبية وهذا غَلَط عظيم وضلال مبين وقع فيه كثيرٌ من السالكين.
وكان قد وقع بين الجُنَيد وأصحابه وبين طائفة من الصوفية في زمانه كلام في هذا المقام وهم يُسَمُّونه الجَمْع فقال الجُنَيد بعد هذا المقام الفرق الثاني تحقيق العبودية لله وهذا الفرق الذي انتقل إليه المؤمن فإنَّ العبدَ كان في الفرق الأول يشهد أكثر المخلوقات فانتقل إلى الجمع فيشهد وحْدَه الربوبية الشاملة لكل شيء ثم بعد هذا عليه أن يشهد الفرق الثاني وهو الفرق بين المؤمن والكافر والبر والفاجر وبين الذين آمنوا وعملوا الصالحات وبين المفسدين في الأرض فيشهد أن لا إله إلا الله فيفرق بينه وبين ما سواه بأنه هو الإله الذي يستحق العبادة دون ما سواه وأن عبادته بطاعة رسله فيعبد الله بطاعة رسوله فهذا فرق إلهي نبوي شرعي وبه بعث الله الرُّسُل وأنزل الكتب.
والفناء في هذا المقام أن يفنى بعبادة الله عن عبادة ما سواه وبمحبته عن محبة ما سواه وبطاعته عن طاعة ما سواه وبخوفه عن خوف ما سواه وبالتوكل عليه عن التوكل على ما سواه وهذا هو دين الإسلام الذي بعث الله به الرسل وأنزل به الكتب.
وأمَّا الفناء في توحيد الربوبية فذاك نقصٌ عن الشهود الواجب
(1/69)

وحَسْبُ صاحبه أن يكون معذورًا لغلبة الوارد عليه لا أن يكون مشكورًا وهو كحال من غاب بمعبوده عن عبادته وبمذكوره عن ذكره وبمعروفه عن معرفته حتى فَنِيَ من لم يكن وبقي من لم يزل فهذا حالٌ عارض لبعض السالكين ليس هو من لوازم السلوك ولا هو غايةٌ للسالكين بل هو حالٌ ناقص بِكَوْنِ العجز صاحبه عن الشهود المطابق للحقيقة.
فإن ذلك هو أن يشهد الأمر على ما هو عليه فيشهد عبوديته المحضة ويشهد ربوبية ربه ويشهد مع كونه لا يَعْبُد إلا إيَّاه وأنه يعبده بما شرع لا يعبده بالبدع أنه هو الذي جعله كذلك ولا حول ولا قوة إلا بالله فيحصل له من الشكر وشهود المِنَّة والبراءة من الحول والقوة ما يُحقق مع إخلاصه لله وتوكلَه عليه وشكره له وهو الذي سماه الجُنَيد وأصحابه الفرق الثاني وهو الفرق الشرعي والأول الذي انتقلوا عنه هو الفرق الطبيعي فصاحب هذا يفرق بين الأمور بأمر الله ورسوله وذاك بهواه ونفسه.
ولمَّا تكلم الجُنَيد بهذا نازعه فيه طائفة من الصوفية وبعضهم كلمه فيه ووقع فيه كلام كثير قد ذكر بعضه أبوسعيد بن الأعرابي في أخبار النُّسَّاك ولهذا صار الجُنَيد قدوةً في هذه الطريق بخلاف
(1/70)

أبي الحسين النوري ونحوه ممن اضطرب في هذا المقام وتكلَّم في الجنيدِ وأصحابهِ وتكلم فيه الجُنَيدُ وأصحابهُ فإنَّ أولئك حصل لهم أمور أُنْكِرت عليهم والجُنَيد نفعَه الله بقيامه بالأمر والنهي.
فكلُّ شيخٍ سالك لم يقم بالأمر والنهي متابعًا في ذلك للكتاب والسنة والإيمان فإنَّ الله لم يُرِد به خيرًا كما ثبت في الصحيح مَنْ يُرِد الله به خيرًا يُفَقِّهْه في الدين فمن لم يُفَقَّه في الدين لم يُرد به خيرًا.
فمن سلك الطريق شاهدًا لتوحيد الربوبية غير متفقِّهٍ في الأمر والنهي ولا عاملٍ بذلك فإنه ضالٌّ مُضل ولا بد أن يتناقض في طريقه لينظر في حقوق الله تعالى بعين القدر وفي حظوظه بعين هواه إذا نظر إلى الكفار والفجَّار نظر بعين القدر وإذا نظر إلى من آذاه أو قَصَّر في حَقِّه ولو كان من خيار أولياء الله نظر بعين الهوى فذمَّه وعابَه وطلبَ عقابَه وربما سعى في قتله بباطنه أو ظاهره لهوى نفسه لا لحقِّ
(1/71)

ربِّه وإن لم يقتله سلبه حاله لنوعٍ من الحسد والهوى لا لأجل الأمر والتقوى ويقول إني متصرِّف بالأمر والأمر مجمل لا يُفرّق بين الأمر الإلهي النبوي الشرعي الذي بَعَث به رسولَه وبين أمرٍ نفسانيٍّ أو شيطاني يُلْقى في باطنه من جهة النفس والشيطان.
والأحوال ثلاثة رحماني ونفساني وشيطاني.
فالرحماني ما وافق الكتاب والسنة وما خرج عنهما فمِنَ النفسِ والشيطان والله ورسوله بريئان منه وإن كان واقعًا بالقدر.
ونرى صاحبَ هذا المقام الفاسد يحتجُّ بالقدر وبعضهم يروي أنَّ أهلَ الصُّفَّة قاتلوا النبيَّ صلى الله عليه وسلم شهودًا للقدر وتوحيدًا للربوبية وهذا من أعظم الفِرْية على الرسول صلى الله عليه وسلم وعلى أصحابه وهذا حال المشركين الذين احتجُّوا بالقدر على ترك التوحيد وقالوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ [الأنعام 148] فإنْ طَرَد صاحبُ
(1/72)

هذا القول مقالَه انتهى إلى شركِ عُبَّاد الأوثان من العرب وغيرهم فإنهم كانوا مقرِّين بتوحيد الربوبية ولكن عبدوا غيرَ الله بغيرِ إذنِ الله فمن عبدَ غيرَ الله أو عبدَ اللهَ بغير شرعه ففيه شَوبٌ من شَبه المشركين والنصارى وإذا تعلق مع ذلك بتوحيد الربوبية كان كالمشركين الذين تعلقوا بتوحيد الربوبية.
والمشايخ المستقيمون كالفُضيل بن عِياض وإبراهيم بن أدهم وأبي سليمان الداراني ومعروف الكَرْخي وأمثالهم هم المتبعون للكتاب والسنة والصوفية المتبعون لهم هم صوفية أهل السنة والحديث في اعتقادهم وفي عملهم فهم [يؤمنون] بما أخبر به الرسول ويَمْتَثلون ما أمر به يصدقونه في خبره ويطيعونه في أمره ومن كان كذلك فهو من أولياء الله المتقين الذين لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون.
وآخرون من المتصوِّفة دخلوا في نوع من بدع الجهمية الذين ينفون الصفات أو بعضها ويشهدون الجَبْر والقَدَر مُعرضين عن الأمر والنهي فهؤلاء إذا حققوا طريقهم انتهوا إلى البقاء في التوحيد والصفات والفناء في الأمر والنهي.
ومن هنا دخل متصوفة المتفلسفة الذين جمعوا مع هذا وهذا القولَ
(1/73)

بِقِدَم الأفلاك وأن النبوة فيض وأن العبادات وسائل إلى حصول الفيض الذي يصير به الإنسان مثل موسى بن عمران!
وخرج مِنْ هنا من جعل النبوة مُكْتسبة فطلب أن يصير نبيًّا كالسَّهْرَورْدي المقتول وابن سبعين وغيرهما.
ومن الصوفية من يكون مُثبتًا للصفات رادًّا على الجهمية لكن يلحظ الجَبْر وإثبات القَدَر شاهدًا لتوحيد الربوبية معرضًا عن الأمر والنهي ويجعل هذا غاية كما وقع طرف من ذلك في منازل السائرين وأَخَذَه عنه ابن العريف في محاسن المجالس.
وقد صار لفظ الصوفية لفظًا مجملاً يدخل فيه من هو صِدِّيق ومن هو زنديق فإنَّ من صَدَّق الرسولَ فيما أخبر وأطاعه فيما أمر إذا حقق ذلك صار صدِّيقًا ومن أعرض عن خبره وأمره حتى أخبر بنقيض ما
(1/74)

أَخْبرَ وأمَرَ بخلاف ما أَمَر فإنه يصير زنديقًا وهذا حال الملاحدة الذي ينتسبون إلى الصوفية كالقائلين بوحدة الوجود ويسمون ذلك تصوفًا وقد بُسِط الكلامُ على لفظ التصوف وما يتعلق به في غير هذا الموضع.
[ومن ذلك قوله فليس كرمُك مخصوصًا بمن أطاعك وأقبل عليك بل هو مبذول بالسبق لمن شئت من خلقك وإن عصاك وأعرض عنك] .
... لا بد لهم أن يمنَّ عليهم بسبب ذلك من الإيمان والطاعة وإلا فمع موت العبد على العصيان والإعراض عن الله لا يجعله كالمطيعين المقبلين عليه كما قال تعالى أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (28) [ص 28] .
والله تعالى يعلمُ الأشياءَ على ما هي عليه ويُخبر بها كذلك ويكتبها كذلك كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ما مِنْكُم من أحدٍ إلاَّ وقد عُلِم مقعدُهُ من الجنة والنَّار قالوا أفلا ندَعُ العملَ ونتَّكلُ على الكتاب فقال لا اعْمَلُوا فكُلٌّ مُيَسَّرٌ لما خُلِق لهُ
(1/75)

أمَّا مَنْ كان مِنْ أهل السعادة فسَيُيَسَّرُ لعمل أهْل السَّعادة وأمَّا من كان من أَهْلِ الشَّقاء فسَيُيَسَّرُ لعمل أهل الشقاء.
فلمَّا استأذنوه أن يتَّكِلوا على السابقة نهاهم وأخبرهم أن السابقة سبقت بالسعادة بعملها والشقاوة بعملها لم يَسْبِق بسعادةٍ مجرَّدَةٍ وشقاوةٍ مجرَّدَةٍ فمن ييسره الله لعمل أهل السعادة حتى يموت على ذلك كان هو الذي سبقت له السعادة وبالعكس.
وأما قول القائل كرمك مبذولٌ بالسبق لمن شئت من خلقك وإن عصاك وأعرض عنك.
إن أراد به ما يبذله للكفار والفجار من نعيم الدنيا فهذا صحيح لكنَّ المؤمن لا يطلب مجرد ذلك فإنَّ نعيم الدنيا مع عذاب الآخرة لا يطلبه مسلم ولهذا تنازع أهل السنة المثبتون للقدر في الكافر هل عليه نعمة دنيوية على قولين معروفين لهم قيل النعيم الذي يعقبه عذاب ليس بنعمة وقيل بل هو نعمة.
وفصل الخطاب أنه نعمة مقيدة وليس نعمةً مطلقةً تامةً ولهذا لم يدخل في قوله اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ [الفاتحة 6-7] .
وإن أراد أنك تبذل في الدنيا والآخرة لمن عصاك ما تبذله لأهل الطاعة وأنك تسوِّي بين هؤلاء وهؤلاء فهذا مما أنكره الله على من ظنَّه كما قال تعالى أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (35) [القلم 35] والآيات
(1/76)

في عدم التسوية كثيرة وقد تقدم منها جملة مما فيه حُسْن حال أوليائه وقُبْح حال أعدائه فمن ظنَّ أنَّ مشيئةَ الله قد تقتضي التسوية بين هؤلاء وهؤلاء فهو مخالفٌ للكتاب والسنة وإجماع الأمة.
ولا ريبَ أن الله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن وأنه على كل شيء قدير لكن من الأمور أمور يُعلم أنه لا يشاؤها فما سبق في علمه أنه يفعله وسَبَقت كلمتُه أنه يفعله وأخبر أنه يفعله وكتب في اللوح المحفوظ أنه يفعله فإنه لا بد أن يفعله وهو لا يشاء نقيضه وهذا متفق عليه بين المسلمين.
ثم جمهور المسلمين يقولون حكمته وعدله مستلزم أنه يشاء ذلك ولا يشاء نقيضه وتفضيل أهل طاعته على أهل معصيته من هذا الباب لأنه لا يكون منه إلا ذلك ولا يشاء نقيضه قط.
فقول القائل إن كرمك مبذول بالسبق لمن شئت من خلقك وإن عصاك وأعرض عنك كلامٌ مجمل فإنه إن أراد أنه قد يكون سبق له أنه يتوب وأنك تشاء توبته فهذا كلام صحيح وكذلك إن أراد أنك تغفر له بأسباب المغفرة كالحسنات الماحية والشفاعة المقبولة ونحو ذلك.
وإن أراد أنك تُكرم العُصاة مثل كرامة المطيعين أو أفضل منها مُطلقًا مع موت هذا على الطاعة وموت هذا على الكفر والفسوق والعصيان فهذا خطأ مخالفٌ للنصوص والإجماع بل ومخالف لحكمة الله وموجب كلماته.
(1/77)

وقول القائل إن الاعتبار بالسابقة أو بما سبق به العلم ونحو ذلك كلامٌ صحيح لكن يُعلم مع ذلك أن علم الرَّبِّ حقٌّ مطابقٌ للمعلوم فهو يعلم الأشياء على ما هي عليه لا يكون علمه بخلاف الواقع فهو سبحانه إذا عَلِم أنه سيخلق السموات والأرض ويقيم القيامة فهو يعلم أنه يفعل ذلك بمشيئته وقدرته لا أن ذلك يكون بدون مشيئته وقدرته.
وإذا عَلِم أن السُّعداء يدخلون الجنة وأن الأشقياء يدخلون النار فهو يعلم أن الأشقياء يدخلون النار بكفرهم وفسوقهم وأن السعداء يدخلون الجنة بالإيمان فإنه يُخْرِج من النار من في قلبه مثقال ذرة من إيمان والله تعالى ينشئ للجنة خَلْقًا في الآخرة يدخلهم الجنة بفضل رحمته.
وأما النار فلا يدخلها عند جمهور المسلمين إلا من اتبع الشيطان قال تعالى لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (85) [ص 85] فأقسم أنه ليملأنها من أتباع إبليس ومن لم يعص الله لم يتبع إبليس وإذا امتلأت بأتباعه لم يكن لغيرهم فيها موضع.
وقد ذهب طائفة من الناس إلى أن النار قد يدخلها من لا ذنب له وهو قولُ من يقطع أن أطفال المشركين يدخلون النار وقول من يُجَوِّز ذلك بلا تكليف وهذا يقوله طائفة من أهل الكلام والفقه والحديث
(1/78)

والتصوف ولكنَّ جمهور الناس على نقيض ذلك وقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ على الفِطْرةِ فأبواه يُهوِّدانه ويُنَصِّرانه ويُمَجِّسانِهِ كما تُنْتَجُ البهيمَةُ بهيمةً جمعاءَ هلْ تحسُّ فيها من جَدْعَاء ثم يقول أبو هريرة اقرؤوا هذه الآية فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ [الروم 30] .
وفي الصحيح قيل يا رسول الله أرأيت من يموت من أطفال المشركين وهو صغير فقال الله أعلمُ بما كانوا عاملين وفي الصحيح عن ابن عباس أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم سُئل عن أطفال المشركين فقال الله أعْلَمُ بما كانُوا عاملين.
فالنبيُّ صلى الله عليه وسلم لم يحكم على مجموعهم بجنة ولا نار بل أحال على عِلْمِ الله بما كانوا عاملين وهذا هو المنصوص عن أئمة السُّنَّة كأحمد وغيره وهو الذي حكاه أبو الحسن الأشعري في
(1/79)

المقالات عن أهل السُّنَّة والحديث وقال وبكلِّ ما ذكرناه من قولهم نقول وإليه نذهب.
ثم هؤلاء الذين يقفون فيهم من يقول يجوز أن يدخلوا جميعُهم النار أو الجنة بلا أمرٍ ولا نهي ومنهم من يقول بل يُمْتَحنون في الآخرة فمنهم من يدخل الجنة ومنهم من يدخل النار بمعصيته في الآخرة وقد جاءت بذلك آثار عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعين وهو الذي حكاه الأشعريُّ عن أهل السُّنَّة والحديث.
وقد قال طائفة عن أحمد وغيره إنهم يدخلون النار واختاروا ذلك كالقاضي أبي يعلى وغيره وذلك غَلَطٌ على أحمد وسببُ الغلط أن أحمدَ سُئل عنهم فأجاب أنهم على حديث النبي صلى الله عليه وسلم الله أعْلَمُ بما كانوا عاملين وهذا الحديث في الصحيح من حديث أبي هريرة وابن عباس كما تقدم.
وقد رُوِي في حديثٍ آخر أن خديجة سألت النبيَّ صلى الله عليه وسلم عن أطفال المشركين فقال هم في النار فقالت بلا عمل فقال الله أعْلَمُ بما كانوا عاملين فظنَّ القاضي أبو يعلى ومن وافقه أن أحمدَ أخذ
(1/80)

بحديث خديجةَ هذا وفيه أنهم من أهل النار وهذا غَلَطٌ على أحمد فإنَّ حديث خديجة موضوعٌ لا أصل له وأحمد أجلُّ من أن يَعْتَمِد عليه وإنما اعتمد على الحديث الصحيح المتقدم ثم إنه حديث متناقض لأن فيه الجزم بكونهم من أهل النار وفيه قوله الله أعْلَمُ بما كانوا عاملين وهذا قول متناقض.
وقالت طائفة إنهم كلهم في الجنة كابن حزم وأبي الفرج ابن الجوزي وغيرهما.
والمقصود هنا أنه لم يثبت بدليل يُعْتَمَد عليه أن الله يعذب في الآخرة من لم يذنب ودلائل القرآن والسُّنة يدلان على نقيض هذا القول والله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد لكنَّ هذا مما عُلِم أنه لا يشاؤه بالأخبار الصادقة وبموجب حكمته وبمقتضى أسمائه الحُسْنى وصفاته العُلَى كما أنه قد عُلِمَ أنه لا يُخْرِج أهل الجنة منها بل خالدون فيها أبدًا وأنها
(1/81)

لا تفنى أبدًا.
وعُلِمَ أنه لا يُخَلِّد في النار من في قلبه مثقال ذرة من إيمان كما أخْبَرَت بذلك النصوص وهو سبحانه لو عَذَّب أهلَ سماواته وأرضه لعذَّبهم وهو غير ظالم لهم ولو رحمهم لكانت رحمته خيرًا لهم من أعمالهم لكن قد عُلِم أنه لا يعذب المتقين ولا يسويهم بالفجَّار المذنبين.
والأصلُ الجامعُ في هذا الباب أنه لا يُدْخِل الجنةَ إلا مؤمن وكلُّ مؤمن فلا بدَّ له من دخول الجنة وأنَّ كلَّ كافر فلا بد له من دخول النار فمن آمن بالرسل فإنه لا بد له من الجنة ومن كذَّب الرسل فلا بدّ له من العذاب.
ومن لم يصدِّقهم ولم يكذِّبهم لكونه لم تبلغه الرسالة لم يكن من هؤلاء ولا من هؤلاء بل يُحال أمره على علم الله وقد جاءت الآثار بأن هؤلاء يُرسل إليهم الرسل في الدار الآخرة وحينئذٍ فينعَّم المؤمن
(1/82)

ويُعاقَب المكذب فهذا حكم من كان في الدنيا وأما من ينشئه الله للجنة في الدار الآخرة فليسوا من هؤلاء.
ومن ذلك قوله وليس من الكرم أن لا تُحْسِن إلاَّ لمن أحسن إليك وأنت المفضال العلي بل من الكرم أن تُحْسِن إلى من أساء إليك وأنت الرحيم الغني وقد أمرتنا أن نُحْسِن إلى من أساء إلينا فأنت أولى بذلك مِنَّا.
فيقال إحسان الله إلى عباده ليس من جنس إحسان المخلوق إلى المخلوق مكافأةً له على إحسانه فإن العباد كما ثبت في الحديث الصحيح الإلهي إن الله يقول يا عبادي إنكم لن تبلغوا نفعي فتنفعوني ولن تبلغوا ضُرِّي فتضروني وليس لمخلوقٍ عند الله يدٌ يستحقُّ أن يكافئه على ذلك بل أهل السنة المثبتون للقدر متفقون على أن العباد لا يجب لهم على الله تعالى بأنفسهم شيء واتفقوا على أن الله مُنْجِز لهم ما وعدهم إياه.
وتنازعوا هل يوجب بنفسه على نفسه ويُحَرِّم بنفسه على نفسه على قولين:
أحدهما أنه لا يوجب ولا يُحَرِّم وما ورد من ذلك محمولٌ على
(1/83)

الإخبار لا على الطلب.
والثاني أنه يوجب ويحرِّم كقوله كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ [الأنعام 54] وقوله يا عبادي إنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْم على نفسي وجعلتُهُ بينكم محرَّمًا فلا تظالموا.
والقدرية الذين يقولون إنه يجب عليه بمقتضى القياس لا يقولون إن أحدًا من الخلق يُحْسِن إليه بل هم متفقون على أنه المحسن إلى عباده الرحيم بهم.
وقد قال تعالى إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا [الإسراء 7] وفي الصحيح المتقدم يا عبادي إنما هي أعمالُكُم أُحْصيها لكم ثُمَّ أُوَفِّيكُم إيَّاها فمنْ وجدَ خيْرًا فليحْمَدِ الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومنَّ إلا نفْسَه.
والله تعالى وإن كان يحب المتقين والمحسنين والصابرين والتوابين ويفرح بتوبة التائبين ويرضى عن الذين آمنوا وعملوا الصالحات فهو الذي جعلهم كذلك هو الذي جعل المسلم مسلمًا والمصلي مصلِّيًا كما قال الخليل وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ [البقرة 128] وقال رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي [إبراهيم 40] .
وإذا كان كذلك فليس يمكن أن يكون للعبد على ربه نعمة حتى يُقال إنه أحسن إليه بل إحسانُ العبد إلى نفسه وإرضاؤه لربه وثوابُ ربه له هو من نعمة ربه عليه وإحسانه إليه كلُّ نعمةٍ منه فَضْل
(1/84)

وكلُّ نقمةٍ منه عَدْل.
وأَمْر الله عبادَه ليس لحاجته إليهم كأمر المخلوق للمخلوق مثل ما يأمر السيدُ عبدَه والأميرُ جندَه ولا نَهْيه بخلاً عليهم بل أمْرُه لهم بالطاعة وتوفيقُهم لها وإثابَتُهم عليها كلُّ ذلك من إحسانه أَمَرَهم بالمعروف ونهاهم عن المنكر وأحلَّ لهم الطيبات وحرَّمَ عليهم الخبائث فالعبد إذا عصاه ظَلَم نفسَه وضرَّ نفسَه لم يضرَّ الله شيئًا.
والناس في أمره ونهيه على ثلاثة أقوال:
منهم من يقول هو صادر عن مَحْض المشيئة فقد يأمر بما يضر العباد وقد ينهى عما ينفعهم وهو لا يُسأَلُ عما يفعل وهذا قول من يجعل المشيئة يجوز أن تتناول كلَّ مقدور وأن الظُّلمَ ممتنع لذاته وأن الحكمة ليست إلا مُطابقةَ العلم وهذا قول طائفة من أهل الكلام المثبتين للقدر ومن اتبعهم من الفقهاء.
ومنهم من يقول بل لا يأمر عبدًا معينًا إلا لأن ذلك الأمر مصلحة له ولا ينهاه إلا لأن ذلك النهي مفسدة له والعبدُ هو الذي اخترع الطاعة والمعصية من غير معونة من الله امتازَ بها المُطِيع على العاصي وهذا قول المعتزلة ونحوهم من القدرية.
ومنهم من يقول بل أمَرَ العباد بما فيه منفعة لهم إذا أطاعوه ونهاهم عما يضرهم إذا عصوا فمن فعل ما أُمِرَ به لم يكن الفعل إلا
(1/85)

مصلحة في حقه والمنهيُّ عنه مفسدة في حقِّه وأما نفس الأمر والنهي فذلك من الله وله حكمة في ذلك كما له حكمة في خلقه وذلك رحمة منه لعموم الخلق وإن لم يُصِب بعضَهم كالمطر الذي ... والشمس التي بطبعها وهذا مذهب الجمهور من الفقهاء وأهل الحديث والصوفية وأهل الكلام.
وتقابلَ الناسُ في محبة الله ورضاه هل هي بمعنى الإرادة أو هي أمرٌ آخر أخص؟
فقالت القدرية وطائفة من المُثْبتة هي بمعنى الإرادة وقال أكثر أهل السنة المثبتين للقدر بل هي أخص من الإرادة فالقدرية يقولون ما أحبَّ الكفرَ والفسوقَ والعصيانَ فلم يُرِدْه فكان في ملكه ما لا يريد وشاء ما لا يكون وكان ما لا يشاء وإذا حلف الرجل ليصلينَّ الظهرَ الواجب عليه غدًا إن شاء الله ولم يصلِّ حنث لأن الله شاء ذلك بزعمهم.
والمقابلون لهم من المُثْبِتة يقولون هو أراد ما العباد فاعلوه فإنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن فما وُجِدَ من الكفر والفسوق والعصيان فهو بإراداته فيكون بمحبته ورضاه وما علم كونه عندهم فقد أراد كَوْنَه وأحبَّ كونَه ورضي كونَه.
فإذا قيل لهم فقد قال وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ [الزمر 7] ولَا
(1/86)

يُحِبُّ الْفَسَادَ (205) [البقرة 205] .
قالوا لا يرضاه دينًا كما أنه لا يريده دينًا ولا يرضاه ممن لم يفعله كما أنه لم يُرِدْه منه.
فقيل لهم فقولوا إنه لا يحب فعل المأمور ولا ترك المحظور وقولوا إن ما أمر الله به ورسوله فإنه لا يحبه ولا يرضاه ولكن يحب ويرضى ما يكون سواء كان كفرًا أو إيمانًا.
وقولوا إنه لا يريد ما وقع من الكفر والفسوق والعصيان فإنه لم يرده دينًا كما تأولتم قوله وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وأنتم تطلقون ما أطلقه المسلمون من أنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وقد قال تعالى إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ [النساء 108] فهذا قول قد وقع بمشيئته وقد أخبر أنه لا يرضاه وقال تعالى اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ [محمد 28] وما أسخطه لم يرضه مع أنه قد أراده.
وهذه الأمور مبسوطة في غير هذا الموضع والمقصود هنا التنبيه عليها فإن كثيرًا من الخائضين في هذه المواضع تجدهم متقابلين هؤلاء يثبتون حقًّا وباطلاً وهؤلاء يثبتون حقًّا وباطلاً وخيار الأمور أوساطها وهي طريقة سلف الأمة وأئمتها رضي الله عنهم أجمعين.
فإن قال هذا المدَّعي أنا أريد بالإحسان إليه فِعْل ما يرضاه من الطاعة وبالإساءة إليه فعل ما يُسْخِطه من المعاصي.
قيل له وإن أراد هذا فهو مخطئ أيضًا من وجوه:
أحدها أن إطلاق القول بأن الطاعة إحسان إلى الله وأن المعصية
(1/87)

إساءة إلى الله بدعة فإن التعبير بهذا اللفظ عن هذا المعنى بدعة والألفاظ التي يُعَبَّر بها عن صفات الله يُتَحَرَّى بها الاتباع دون الابتداع لا سيما في مقام المناجاة والدعاء.
والمفهوم من هذا اللفظ أن العبدَ يُحسن إلى الله بالطاعة وهذا باطل فإنما يحسن إلى نفسه والله هو المنعم عليه بذلك والله سبحانه غني عن غيره من كل وجه ولو لم يكن رضاه متضمِّنًا لِنَفْع الفاعل فكيف إذا كان رضاه للعباد بالشكر يتضمن النفعَ لهم بذلك.
وكذلك المعصية وإن كان يبغضها ويكرهها ويمقت فاعلها فإنه لا يقال هي إساءة إلى الله أما على مذهب أهل السنة المثبتين للقَدَر فإنه هو الذي خلقها لحكمة في ذلك على قول من يثبت الحكمة أو لمحضِ المشيئة على قول من لا يُعَاِّل أفعاله وأحكامه.
وإذا كان هو الخالق لها مع قدرته على أن لا يخلقها لم يَجُز أن يقال إن غيرَه أساء إليه بها لوجهين:
أحدهما أن الخلقَ عاجزون عن ذلك كما قال تعالى يا عبادي إنكم لن تبلغوا نفعي فتنفعوني ولن تبلغوا ضُرِّي فتضروني.
والثاني أنه إذا كان هو الخالق لها بمشيئته وقدرته لحكمة يحبها أو لمحض مشيئته امتنع أن تكون ضارةً له لأن الغنيَّ عن كل شيء القادرَ على كل شيء العالمَ بكل شيء يمتنعُ أن يضره ما يفعله بقدرته ومشيئته فإن المخلوقَ العالمَ بما يضره الغنيَّ عنه القادرَ على تركه لا يفعله فكيف بأعلم العالِمِين وأقْدِر القادِرِين وأحْكَم الحاكِمِين
(1/88)

وأغنى الأغنياء؟!
ثم من لم يُعَلِّل يقول فِعْلُه لا يُعَلَّل ومن يُعَلِّل يقول له في ذلك حكمة خَلَق ذلك لأجلها ومن فعل شيئًا لمرادٍ له يحبه لم يكن متضرِّرًا بحصول محبوبه ومراده.
وهؤلاء يقولون وإن كان مُبْغضًا للمعصية كارهًا لها ماقتًا لها فهذا لا ينافي كونه خلقها وأرادها لحكمة في ذلك وهو يحب الغاية التي خلقها لأجلها كالمريض الذي يريد شربَ الدواء وهو يبغضه فهو يريده لمحبته العافيةَ الحاصلةَ به فهو وإن كان مرادًا له لحكمة يحبها فهو مبغض له في نفسه فهكذا ما خلقه من الشياطين والمعاصي خلقها لحكمة وهو يبغض تلك المخلوقات المرادة.
وعلى قول هؤلاء فلا تكون المعاصي إساءة إليه إذ كان هو الخالق لها لحكمته بل لو كان المُحْدِث لها غيره لم يكن مسيئًا إليه إذا كان قصده تلك الغاية المحبوبة له فمن فعل مع غيره ما يوجب حصول محبوبه لم يكن مسيئًا له وإن كان في ذلك بعض ما يكره فكيف إذا كان هو الفاعل؟!
وأما مذهب القدرية من المعتزلة وغيرهم وإن قالوا إن العبد أحدث المعصية بدون مشيئة الله وقدرته لا يقولون إنها إساءة إلى الله ولا أنها تضر الله بل المعتزلة متفقون على أن علل أفعاله وأحكامه عائدة إلى المخلوق لا إليه وهم غلاةٌ في النفي فلا يصفونه بفرحٍ أو غضبٍ يقوم به ولا حبٍّ ولا رضًى ولا سخط بل ولا بإرادة تقوم به وإنما ذلك كله عندهم مخلوقات منفصلة عنه ومثل هذا لا يُسمى إساءة إليه بلا ريب.
(1/89)

والمقصود أن هذا ليس إساءةً إلى الله على قول كل طائفة من طوائف المسلمين.
الوجه الثالث أنه جعله إذا عاقب المسيئين لم يكن كريمًا بل لا يكون كريمًا إلا إذا أحسن إليهم وهذا جهل فإن الله كريم جواد مع عقوبته للمجرمين فإنَّ كلَّ نعمة منه فضل وكلَّ نقمة منه عدل وعقوبته للظالمين لا ينافي كرمه وجوده باتفاق المسلمين بل هو محمودٌ على كل ما يفعله وكلُّ فِعْله حَسَنٌ جميل وذلك أن الكرمَ والبخلَ للناس فيه أقوال:
أحدها أن البخل يرجع إلى الاعتقاد والخوف وهو خوف ذهاب المال إذا أنفقه كما يقول ذلك من يقوله من مناظري القدرية والفلاسفة كالقاضي أبي بكر والقاضي أبي يعلى وغيرهما وهؤلاء يقولون فِعْله متعلق بمحض المشيئة لا علة له والظلم هو الممتنع لذاته وكل ممكن فهو عدل وعلى هذا فالله عالم بكل شيء لا يخاف شيئًا فيمتنع وصفه بالبخل وأمَّا الكرم فهو فِعْل ما فعله فكل ما فعله فهو الكرم عندهم.
والقول الثاني قول القدرية الذين يقولون فَعَلَ بكل عبدٍ ما يقدر عليه من النعم الدينية وفي النعم الدنيوية قولان لكنَّ العبدَ هو الذي صرف نعمته في معاصيه وهؤلاء يقولون ما لم يوجد من الإحسان لم يكن مقدورًا له.
(1/90)

الثالث قول الفلاسفة الذين يقولون هو موجبٌ بذاته ففعله من لوازم ذاته والعقوبات أمور لازمة لذاته لا يُتصور انتفاؤها فلا يكون تركها مقدورًا.
الرابع قول جمهور المسلمين الذين يقولون إنه كريم جواد عَدْل يخلق ما يشاء ويختار وهو على كل شيء قدير وأنه يفعل ما يفعل لحكمة وهو أرحم بعباده من الوالدة بولدها وما يخلقه من الآلام والعقوبات يخلقه لحكمةٍ له في ذلك لا تحصل تلك الحكمة بدون ذلك المخلوق فهو على غاية الجود والكرم في إرادته وغاية القوة والمُكْنة في قدرته لكنَّ فِعْل الشيء يقتضي فعلَ لوازمه وترك ما ينافيه فوجود أحد الضدين يستلزم ترك الآخر ووجود الملزوم يقتضي وجود اللازم.
وحينئذً فقول القائل ليس من الكرم عقوبة العُصَاة باطلٌ على كل قولٍ أما على قول الأولين فكل ممكن كرم وأما على قول الطائفة الثانية والثالثة فإن نقيض ذلك ممتنع وترك الممتنع لا ينافي الكرم وأما على قول الرابعة فلأنَّ ذلك مخلوق لحكمةٍ لا تحصل إلا به فلو لم يُخلق لفاتت تلك الحكمة التي يستحق الربُّ أن يُحْمَد لأجلها ويوصفَ بالجود والكرم.
وإذا كان كذلك كان من تمام الكرم ما يخلقه من العقوبات التي لا يحصل الكرمُ التامُّ إلا بها وهذا بخلاف الواحد منا فإنه قد يُعاقِب من أساءَ إليه لا لحكمةٍ في ذلك ولا لرحمةٍ ولا لمَحْض حظِّ نفس الذي قد يكون مذمومًا أو لا يكون محمودًا والله تعالى لا يفعل إلا ما
(1/91)

يُحمد عليه فله الحمد على كل الحال.
والواحد مِنَّا إذا عفى عمن أساء إليه كان أفضل له وأعظم لأجره ومنزلته عند الله والله تعالى لا يفعل شيئًا يكون تركه أكمل له في حقه بل كل ما يفعله فهو الأكمل الذي لا أكملَ منه فإن كماله من لوازم ذاته وهو غير مفتقرٍ في ذلك إلى غيره لامتناع افتقاره إلى غيره بوجهٍ من الوجوه وإذا كان كماله من لوازم ذاته وهو لا يقف على غيره كان كماله واجبَ الحصولِ مُمْتنع القِدَم.
وهو سبحانه المستحق لغاية المدح وكمال الثناء وأفضل العباد لا يُحصي ثناءً عليه بل هو كما أثنى على نفسه وقد بُسط الكلام على هذه المقامات الشريفة التي هي من مَحارات العقول في غير هذا الموضع.
وقد قال طائفة كأبي حامد وغيره ليس في الإمكان أبدع من هذا العالم لأنه لو كان ممكنًا ولم يفعل لكان بخلاً يناقض الجود أو عجزًا يناقض القُدرة وأنكر ذلك آخرون ونسبوه في ذلك إلى الفلسفة وقالوا إذا كان أهل السنة ينكرون على القدرية الذين يقولون إنَّ إصلاح العباد ليس ممكنًا فكيف بهذا؟
وقال آخرون فَصْل الخِطاب أنه إن أُرِيد بذلك أن الله لا يقدر على
(1/92)

غير ما فعل أو أن ذلك ممتنع لذاته فهذا خطأ وهو يُشبه قول الدهرية القائلين بالموجب بالذات.
وإن قيل إنه على كل شيء قدير ولو شاء لفعل غيرَ ما فعل ولو شاء أن يؤتي كلَّ نفسٍ هداها لفعل لكن فَعَل ما فَعَل لحكمة والمشروط بغيره يمتنع وجوده بدون شرطه فليس ممتنعًا لنفسه وإنما امتنع لغيره ومن فَعَل مراده ولوازم مراده لم يكن يترك ما ينافي مراده عاجزًا إذ الجمع بين النقيضين ممتنع لذاته وإنما العاجز من إذا أراد شيئًا لم يمكنه فعله والممتنع لذاته ليس شيئًا باتفاق العقلاء فهذا قول أكثر المسلمين.
وأما من لا يقول بحكمةٍ ولا تعليلٍ ولا جودَ عنده ولا رحمة إلا وجود المراد فهو لا يقول بهذا إذ هو يقول يجوز تخصيص أحد المُتَماثلَيْن دون الآخر لا لمخصص بل لمحض الإرادة فلا يتصور عنده بخل فهؤلاء يطعنون في كلام أبي حامد بناءً على هذا الأصل وهذه الأمور مبسوطة في غير هذا الموضع والمقصودُ هنا التنبيه على ما يناسب هذا الكلام.
الوجه الرابع قوله كيف وقد أمرتنا أن نُحْسِن إلى من أساء إلينا فأنت أولى بذلك منا.
فهذا أيضًا منكر ليس كل ما أمر الله به العباد يجوز أن يُطْلَب منه فضلاً عن أن يقال أنت أولى منا بفعل ما أمرتنا به أو أنت أولى بفعل
(1/93)

نظيره فإن الله أمر بالركوع والسجود والصيام والطواف بالبيت وبين الصفا والمروة ونحو ذلك من الأفعال ولا يُقال أنت أولى بذلك منا والله أمرنا أن ندعوه تضرُّعًا وخُفْيةً وليس هو أولى بذلك منا ونظائر هذا كثيرة.
ولكنَّ الدعاء المشروع في مثل هذا قوله صلى الله عليه وسلم لعائشة قُولي اللَّهُمَّ إنك عَفُوٌّ تُحبُّ العَفْوَ فاعْفُ عنَّا فيُطْلَب منه ما يحبه.
وبعضُ العامّة يقول في دعائه اللهم إنك أمرتنا أن نُعْتِق عبيدَنا ونحن عبيدك فأعتقنا وأمرتنا أن نعفو عمن ظَلَمنا وقد ظلمنا أنفسنا فاعف عنا وأمرتنا أن نُحْسن إلى من أساء إلينا وقد أسأنا إلى أنفسنا فأحْسِن إلينا وهذا الدعاء ليس من الأدعية الشرعية النبوية التي يُحتج بها.
وفيه جَهْلٌ من وجه آخر وهو قول القائل وقد ظلمنا أنفسنا وأسأنا إلى أنفسنا فإن هذا لا يشبه عفو العافي عمن ظلمه وإحسانه إلى من أساء إليه فليس هو مثلاً مطابقًا لو كان التمثيل في ذلك حقًّا.
(1/94)

وبالجملة ففعل الرب لا يقاس بأفعال العباد بل من أعظم الأصول التي أنكرها أهل السنة على المعتزلة ونحوهم من القدرية قياس أفعال الرب على أفعال العباد وبالعكس وقالوا هم مُشَبِّهة الأفعال فإنهم يجعلون الحسن من العبد والقبيح منه حسنًا من الرب وقبيحًا منه وليس الأمر كذلك فإنَّ الله ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا أفعاله.
والله تعالى يحب من العباد أمورًا اتصف بها كما قال النبي صلى الله عليه وسلم إن الله وَتْرٌ يُحبُّ الوَتْر وقال إنهُ جميلٌ يُحِبُّ الجَمَالَ وأنه نظيفٌ يحبُّ النظافة وأنه طيبٌ لا يَقبل إلاَّ طيبًا ونحو ذلك وقال الراحِمُون يرحمُهُم الرحمن فهو يحب اتصاف العبد بهذه
(1/95)

الصفات وتعَبّده بهذه المعاني المحبوبة.
وهذا قد طَرَده بعضُ الناس كأبي حامد الغزالي وغيره وجعلوا العبدَ يتصف بالجبار والمتكبر على وجهٍ فسروه وجعلوا ذلك تَخَلُّقًا بأخلاق الله ورووا حديثًا تَخَلَّقوا بأخلاق الله وأنكر ذلك عليهم آخرون كأبي عبد الله المازَرِي وغيره وقالوا ليس للرب خلق يتخلَّقُ به العبد وقالوا هذه فلسفة كُسِيَت عباءة الإسلام وهو معنى قول الفلاسفة الفلسفة التشبه بالإله على قدر الطاقة.
وبالجملة فالاتصاف والتخلُّق والتعبُّد بما أحبَّ الله من العباد الاتصاف به وهو من صفاته كالعلم والرحمة والإحسان والجمال الشرعي ونحو ذلك هو حق كما دلَّ عليه الكتاب والسنة بخلاف الكبرياء ونحوه فإنه قد ثبت في الصحيح أن الله يقول العَظَمَةُ
(1/96)

إزاري والكِبْرِياءُ رِدَائي فمنْ نازعني واحدةً مِنْها عَذَّبْتُه.
وصفات الله نوعان نوعٌ يختص به كالإلهية فليس لأحدٍ أن يتصف بذلك فإنه لا إله إلا الله ونوعٌ يتصف عباده منه بما وهبه لهم كالعلم والرحمة والحكمة فهذا وإن اتصف به العبد فالله تعالى لا كفوًا له سبحانه فهو منزَّهٌ عن النقائص مطلقًا ومنزَّه عن أن يكون له مِثْلٌ في شيء من صفات كماله بل هو موصوف بصفات الكمال على وجه التفصيل وهو منزَّه فيها عن التمثيل.
وأما صفات النقص فهي منتفية عنه مطلقًا وهو موصوف بالكمال الذي لا غايةَ فوقَه منزَّه فيه عن التمثيل إثباتٌ بلا تمثيل وتنزيهٌ بلا تعطيل نُثبت له الأسماءَ الحسنى والصفات العُلى وننفي عنه مماثلة المخلوقات في شيء منها.
وأما الصفات والأفعال التي تختصُّ العبدَ كالذل والخوف والرجاء والتضرع والافتقار والسؤال ونحو ذلك فهذه وإن أمر الله بها العبدَ فهو سبحانه منزَّه عنها لا تُطلب منه وإذا كان ما أمر فإنه قد يَحْسُن منه وقد لا يحسن لم يجُز أن يقال أنت قد أمرتنا بذلك فأنت أحقُّ به منا هذا إذا كان المطلوب مما يسوغ طلبه منه كالإحسان والعفو والمغفرة.
فأما إذا كان مُنزَّهًا عنه كالإحسان إلى من أساء إليه فهذا خطأ لوجهين لأنه لا يقال إنَّ العبد يُحسن إلى الله ويسيء إليه ولأنه لا يُقال أفعل كذا لأنك أمرتنا به وأنت أحق أن تفعل ما أمرتنا بفعله بل هذا يقوله الأكْفاءُ بعضُهم مع بعض كالإنسان الذي يأمر الناس بطاعة
(1/97)

الله ورسوله فهو أحق منهم بفعل ما أَمَر كما قال تعالى أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (44) [البقرة 44] ومن قال مثل هذا في حق الله فهو جاهل إن لم يعرف حقيقةَ ما قال وإن عرف حقيقته وأصرَّ على ذلك فهو كافر.
ولا ريب أن كثيرًا من أهل العبادة والنُّسُك والتألُّه يناجي الله ويدعوه بأمور منكرة كما قد يعبده بعبادات مبتدعة ويكون قصده الخير واتباع السنة لكن يغلط لجهله فهذا قد يغفر الله له ويرحمه بِحُسْن قصده ولكن يجب النهي عما أخطأ فيه ويُبين له الصواب فإن أصرَّ على استصواب مخالفة الرسل قُتِل.
ومن ذلك قوله واقْرُب مني بقدرتك قربًا تمحقُ به كلَّ حجابٍ محقْتَه عن إبراهيم خليلك فلم يحتَجْ لجبريل رسولك ولا لسؤاله منك وحجَبْته بذلك عن نار عدوك وكيف لا تحجب عن مضرَّة الأعداء من غنيته عن منفعة الأحباب.
فأما قوله فلم يحتَجْ لجبريل رسولك فكلامٌ صحيح فإن إبراهيم قال حسبي الله ونعم الوكيل ولم يلتفت قلبه إلى غير الله لا جبريل
(1/98)

ولا غيره.
وأما قوله ولا لسؤاله منك فهذا كلامٌ لم ينقله ثقة عن إبراهيم وهو مخالفٌ لما حكاهُ الله عن إبراهيم من سؤاله ودعائه بل قوله حسبي الله ونعم الوكيل هو دعاءٌ في حقيقة الأمر وقد تقدم التنبيه على نظير هذا لمَّا ذكر في الحزب سؤالَ الله أن يغنيه عن سؤاله وذكرنا أن سؤال الله تارة واجبًا وتارة مستحبًّا والواجبات لا بد منها والمستحبات لا يُطْلَب من الله الغِنى عنها فإنَّ ذلك طلبٌ من الله لنقص الدرجة وخفض المرتبة مثل أن يقول اللهم لا تجعلني أفعل نافلةً ولا أتقرَّب إليك بتطوع ونحو ذلك والله يحب من عبده التقرُّبَ إليه بالنوافل بعد الفرائض كما في صحيح البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال يقول الله تعالى من عادَى لي وليًّا فقد بارزني بالمُحاربة وما تقرَّب إليَّ عبدي بمثل أداء ما افْتَرضْتُ عليه ولا يزالُ عبدي يتقرَّب إليَّ بالنَّوافل حتَّى أُحبه الحديث.
وفي الأحزاب أمور أخرى ... ومتى خرج الإنسان عن الأحزاب النبوية والأذكار والدعوات الشرعية كان كالسالك بُنيَّات الطريق ... فقد الضلال من حيث لا يدري وقد يتداركه الله
(1/99)

برحمته.
وفي الصحيحين عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال يا رسول الله علمني دعاءً أدعو به في صلاتي فقال قل اللَّهُمَّ إنِّي ظلمتُ نفسي ظُلْمًا كثيرًا ولا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلاَّ أنت فاغْفِرْ لي مغفرةً من عندِكَ وارحمني إنَّك أَنْتَ الغَفُورُ الرَّحيمُ.
فهذا أفضل الخلق بعد الأنبياء لم يَدْعُ في صلاته بدعاءٍ حتى سأل النبيَّ صلى الله عليه وسلم أن يعلمه ذلك وعلمه دعاءً مضمونه طلب المغفرة والرحمة من الله وهؤلاء تجد أحدَهم يخترع أنواعًا من الأدعية تتضمن طلب نوعٍ من الإلهية أو ما هو من خصائص النبوة فأين هذا من هذا؟!
وهذا كقوله وقد وَسِعْتَ كلَّ شيء من جهالتي بعلمك فَسَعْ ذلك برحمتك كما وسعته بعلمك.
فإن هذا كلام من يعتقد أن الله لم يَسَعْ كلَّ شيء رحمة لكن قد يسعه وقد لا يسعه والله أخبر أنه وسِعَ كلَّ شيء رحمةً وعلمًا فكلاهما واقع بسعة علمه بكل شيء وسعة رحمته كل شيء وهذا له بَسْطٌ ليس هذا موضعه.
فكذلك قوله وقدِّسْنا عن كل وصفٍ يُوجبُ نقصًا مما استأثرتَ به.
وكذلك قوله نسألك الفقر مما سواك والغنى بك حتى لا نشهد إلا
(1/100)

إياك.
فإن هذه ألفاظ مجملة قد يُراد بها معنًى فاسدًا كما قد يُراد بها معنى صحيحًا واللفظ الحسن أن يُقال نسألك الغنى عما سواك والفقر إليك.
وقوله حتى لا نشهد إلا إياك إذا أريد حتى لا نشهد معطيًا وربًّا وإلهًا إلا إياك كان حسنًا وإذا أريد به حتى لا نشهد إلا إياك فنغيب بك عن شهود المخلوقات فهذا فناء ناقص وهو من عوارض الطريق ليس بواجب ولا مستحب ولكن قد يعرض لبعض السالكين لضعفه فيعذر فيه ولا يُحْمَد عليه.
وقد يعنى به لا نشهد موجودًا إلا إياك وهذا مشهد أهل الإلحاد القائلين بالوحدة والحلول والاتحاد.
وقد تكلمنا على أقسام الفناء في اصطلاح السالكين وبينا أنه يراد به ثلاثة معان أحدها محمود والثاني منقوص والثالث إلحاد.
فالأول أن يفنى بعبادته عن عبادة ما سواه وبطاعته عن طاعة ما سواه وبمحبته عن محبة ما سواه وبخوفه عن خوف ما سواه وبرجائه عن رجاء ما سواه وبالتوكل عليه عن التوكل على ما سواه وهذه حقيقة التوحيد الذي أرسل الله به الرسل وأنزل به الكتب وهذا حال الأنبياء وأتباعهم والفناء عن عبادة السِّوى يُقارنه البقاء بعبادته تعالى فهذا
(1/101)

الفناء يقارنه البقاء وهو حقيقة قول لا إله إلا الله.
وأما النوع الثاني وهو الفناء عن شهود السوى ويسمى الاصطلام ومنه الفناء في توحيد الربوبية وهو أن يغيب بمشهوده عن شهوده وبمعبوده عن عبادته وبمذكوره عن ذكره وبمعروفه عن معرفته فيفنى بالمعروف عن المعرفة والعارف.
وهذه الحال ليست واجبة ولا مستحبة وليست حال الأنبياء ولا السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار ولا أكابر المشايخ الصالحين ولكن هو حالٌ يعْرِض لطائفةٍ من السالكين كما يُذْكر عن أبي يزيد رحمه الله وعن غيره أنه قال في هذا المشهد سبحاني أو ما في الجبَّة إلا الله ونحو ذلك.
ويحكون أن شخصًا كان يحب آخر فألقى المحبوب نفسه في
(1/102)

اليمَّ فألقى المحب نفسه خلفه فقال أنا وقعت فما أوقعك فقال غبتُ بك عني فظننتُ أنك أني.
وهذه الحال إذا زال معها عقل الإنسان الذي هو مناط التكليف بسبب غير محرَّم كان معذورًا وإن كان بسبب محرَّم فقال مثل ذلك فهو مذموم على ذلك.
وهل يكفر إذا زال بما تشتهيه النفس كالخمر فيه نزاع معروف عند العلماء وأما بما لا تشتهيه الطباع كالبنج فقيل هو كالسكران بالخمر وقيل كالمجنون.
ومن زال عقله بالسماع ونحوه فهو على هذا التفصيل وأما في حال العقل فمن قال هذا كان كافرًا يجب قتله إن لم يتب.
وكثير من السالكين تعرض له هذه الحال في بعض الأوقات فإذا حضرت فريضة قام إليها ومنهم من يُحْفَظ عن المعاصي وهذا لصدقهم في حال حضور العقل حُفِظوا في حال غيبة العقل لكن بكل حال ليس العبد مأمورًا بالمقام في هذه الحال وهي تُحمد من جهة انجذاب القلب إلى ربه ومن جهة توجُّهه إليه وتألُّهه إيَّاه ويسميها بعضُ الناس الجمع الأول.
وطائفة من الناس جعلوا هذا المقام هو غاية السالكين وأحسن منازل السائرين إلى الله وقالوا إن العبدَ حينئذٍ لا يستحسن حسنة ولا يستقبح سيئة وهذا هو الغاية في كلام صاحب منازل السائرين
(1/103)

الملقب بشيخ الإسلام من الإشارة إلى علو هذا المقام ما أنكره عليه حُذَّاق العارفين ولهذا يعلل هؤلاء المحبَّة والتوكل وغيرهما ويجعلون ذلك من مقامات العامة ويجعلون مقام الخاصة مشاهدة الربوبية العامة والقيومية الشاملة ولا يصلون إلى الفرق الثاني وهو حقيقة شهادة أن لا إله إلا الله وأنه المعبود دون ما سواه وأن إلهيته بأن نعبده وعبادته بأن نطيعه وطاعته بأن نطيع رسوله.
وهذا المقام مما حققه الجُنيد رضي الله عنه وأمثاله من أئمة أهل الطريق الذين يُقتدى بهم الذين يلاحظون الأمرَ والنهي كالشيخ عبد القادر ونحوه من المتأخرين وهؤلاء هم الذين قالوا قدَمُنا هذا أي طريقنا هذه على رقبة كلِّ وليٍّ لله أي على كلِّ وليٍّ لله أن يتبع الأمر والنهي الإلهي النبوي الشرعي المحمدي ويحكِّم على نفسه الكتاب والسنة ولا يخرج عن ذلك لا لذوقٍ يخالفه أو وجدٍ أو حالٍ أو مشهد أو غير ذلك بل يزن أذواقه ومواجيده وأحواله وحقائقه بالكتاب والسنة.
(1/104)

والذين نازعوا الجُنيد في هذا كأبي الحسين النوري وأمثاله من المتصوفة حصل لهم من الاضطراب ما أوجب أمورًا مع أن النوري رحمه الله كان أصح من غيره وأعلى.
ولكن جاء قوم آخرون انحطُّوا عن هذه الدرجة فصاروا يشهدون الحقيقة الكونية القدرية ويرونها هي الغاية وأنَّ صاحبها لا يحتاج إلى الحقيقة الإلهية النبوية الشرعية بل يتصرَّف بما يَجده ويذوقه والوجد والذوق إن لم يكن موافقًا للأمر كان من اتِّباع الهوى ولهذا تجد كلَّ من يحتج بالحقيقة إنما هو متبع لهواه لا مطيع لمولاه لا يحتج بعلم إذ لو كان عنده علم لقال به قال الله تعالى سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (148) [الأنعام 148] .
ومن هؤلاء من يقول إنما رجع إلى الأمر والنهي لأجل العامة أو لئلا يَخْرب المارَِسْتان إشارة إلى أن الأمر والنهي حينئذ سلكه
(1/105)

العارف لمصلحة العامة لا لحاجته إليه وهذا من الجهل بالفرق بين توحيد الإلهية وبين توحيد الربوبية وبين الأمر الديني الشرعي النبوي الإلهي والأمر الكوني القدري وقد بُسِط الكلام على هذه الأمور في غير هذا الموضع.
وأصحاب هذا المشهد قد ينتقل أحدهم من هذا إلى الوحدة ولهذا يقولون السالك يشهد أولاً طاعة ومعصية ثم يشهد طاعةً بلا معصية ثم لا يشهد لا طاعة ولا معصية.
وقد يقول بعضهم يكون أولاً فقيرًا ثم يصير نبيًّا ثم يصير إلهًا وحينئذ يدخلون إلى النوع الثالث من الفناء وهو فناء المُلْحِدين الذين يقولون الوجود واحد كابن عَرَبي وابن سَبْعين وابن الفارض والقُوْنَوي والتِّلِمْساني وأمثالهم ممن يجعل الوجود الخالق هو الوجود المخلوق وربما جعلوه حالاًّ فيه ومذهبهم دائر بين الاتحاد والحلول ولكن قد لا يرضون لفظ الاتحاد بل يقولون الوحدة لأن الاتحاد يكون بين شيئين وهم يقولون الوجود واحد لا تعدد فيه ولم يفرقوا بين الواحد بالعين والواحد بالنوع فإنَّ الموجودات مشتركة في مسمى الوجود كما أن الذوات مشتركة في مسمى الذات ولكن ليس وجود هذا وجود هذا كما أنه ليس ذات هذا هي ذات هذا والقدر المشترك هو كُليٌّ
(1/106)

مطلق والكُلِّي المطلق لا يوجد كليًّا مطلقًا إلا في الأذهان لا في الأعيان بل كلُّ موجود من المخلوقات له ما يختصّ به لا يشاركه فيه غيره في الخارج فهذا الإنسان المعين لا يُشاركه هذا الإنسان المعين فيما يختصُّ به من إنسانيته الخاصَّة وحيوانيته الخاصة ووجوده الخاص ولكن هو وغيره يشتركان في مطلق الحيوانية والإنسانية والوجود ونحو ذلك.
وهذه المشتركات لا تختص واحدًا منها ولا توجد في الخارج مشتركة مطلقة بل لا توجد إلا معينة مختصة وقد بُسِط الكلام على ذلك في غير هذا الموضع.
فإنه بسبب الاشتباه في هذه الكليات المطلقة ضلَّ طوائف من أهل العلوم النظريات والذوقيات وإذا كان وجود المخلوق المختص به لا يَشْرَكه فيه غيره وإن كان يشابهه فيه غيره فالخالق تعالى أبعد عن أن يشاركه غيره فيما يختصُّ به سبحانه وتعالى.
ولولا أنه قد اشتهر فساد قول هؤلاء للسائلين عن هذه الأحزاب لبسطنا فيه الخطاب وصاحب الحزب إن لم يكن من هؤلاء ففي كلامه ضرب من الفلسفة الفاسدة وضرب من مذهب الحلولية القائلين بالحلول الخاص أو العام وهذا مما ابتلي به طوائف من متأخري الصوفية لا سيما المستمدين من كلام صاحب مشكاة الأنوار
(1/107)

والكتب المضنون بها على غير أهلها فإنَّ في كلام هؤلاء قطعة من قول النصارى وفلاسفة النصارى.
كما في قول طائفة من متأخري أهل البدع من متكلمي الفقهاء قطعة من قول اليهود وفلاسفة اليهود كقول الجهمية من المعتزلة وغيرهم الذين يقولون إنَّ الله لا يُرَى في الآخرة وأن كلام الله مخلوق لم يقم بذاته.
والفلاسفةُ منهم يقولون هو فيضٌ فاض على النفوس ليس له وجود في الخارج وهو قول الاتحادية ونحوهم من فلاسفة النصارى والمشابهين لهم من مبتدعة الصوفية.
ومن لم يعرف حقيقة الإسلام الذي بعث الله به رسولَه وأنزل به كتابه وما في طرائق الناس مما يوافق ذلك وما يخالفه لم يحصل له الفرقان الإلهي النبوي المحمدي ومن لم يجعل الله له نورًا فما له من نور.
(1/108)

فصل
ومما يشبه كلام هؤلاء قول صاحب الحزب فيما صنفه في آداب الطريق في علم الحقيقة قال في آخره:
الطريق طريقان طريق خاصَّة وطريق عامة وأعني بالخاصَّة المحبوبين الذين هم أبدال الأنبياء.
فأما طريق الخاصة فهو طريق علوي تضمحلُّ العقول في أقل القليل من شرحها ولكن عليك بمعرفة طريق العامة وهو طريق الترقِّي من منزل إلى منزل إلى أن ينتهي إلى منزل هو مقعد صدق عند مليكٍ مقتدر.
فأول منزل يطؤه المحب للترقي منه إلى العليّ هو النفس فيشتغل بسياستها ورياضتها إلى أن ينتهي إلى معرفتها فإذا عرفها وتحقق بها فهنالك تُشْرق عليه أنوار الثاني وهو القلب فيشتغل بسياسته ومعرفته فإذا صحَّ له ذلك ولم يبق عليه منه شيء رُقَّي إلى المنزل الثالث وهو
__________

[التعليق]
من هنا إلى ص115 نقل مطول لكلام الشاذلي
(1/109)

الروح.
فإذا تمت له المعرفة به هَبَّت عليه أنوار اليقين شيئًا فشيئًا حتى إذا آنست بصيرته بترادف الأنوار عليها برز اليقين عليه [بروزًا] لا يعقل فيه شيئًا مما تقدم له من أمر المنازل الثلاثة فهناك يهيم ما شاء الله ثم يمدُّه الله بنور العقل الأصلي في أنوار اليقين فيشهد موجودًا لا حدَّ له ولا غاية بالإضافة إلى هذا العبد وتضمحلُّ جميعُ الكائنات فيه فتارة يشهدها فيه كما يشهد الينابيب في الهواء بواسطة الشمس فإذا انحرف نور الشمس عن الكُوَّة فلا يشهد للينابيب أثرًا فالشمس التي يبصر بها هو العقل الضروري بعد المادة بنور اليقين.
فإذا اضمحلَّ هذا النور ذهبت الكائنات كلها وبقي هذا الموجود فتارة يفنى وتارة يبقى حتى إذا أريد له الكمال نودي منه نداءً خفيًّا لا صوت له فيُمد بالفهم عنهم إلا أن الذي تشهده غير الله ليس من الله
__________

[التعليق]
من كلام الشاذلي
(1/110)

في شيء فهناك ينتبه من سكرته فيقول أي ربِّ أغثني فإني هالك فيعلم يقينًا أن هذا البحر لا ينجيه منه إلا الله.
فحينئذ يقال له إن هذا الموجود هو العقل الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم أول ما خلق الله العقل وفي خبر آخر قال له أقبل فأقبل الحديث فأُعطي هذا العبد الذل والانقياد لنور هذا الموجود إذ لا يقدر على حَدِّه وغايته فعَجَز عن معرفته.
فقيل له هيهات لا تعرفه بغيره فأمدَّه الله عز وجل بنور أسمائه فقطع ذلك كلمح البصر أو كما شاء الله نرفع درجاتٍ من نشاء فأمدَّه الله بنور الروح الرباني فعرف به هذا الموجود فرُقِّي إلى ميدان الروح الرباني فذهب جميع ما تحلَّى به هذا العبد تخلَّى عنه بالضرورة وبقي كلا شيء موجود ثم أحياه الله بنور صفاته فأدرجه بهذه الحياة في معرفة هذا الموجود الرباني.
فلما استنشق من مبادئ صفاته كاد يقول هو الله فلحقته العناية
__________

[التعليق]
من كلام الشاذلي
(1/111)

الأزلية فنادته ألا إن هذا الموجود هو الذي لا يجوز لأحدٍ أن يصفه ولا أن يعبِّر عن شيء من صفاته لغير أهله لكن بنور غيره يعرفه فأمده الله بنور سرّ الروح فإذا هو قاعد على باب ميدان السرِّ فنظر فعرف أوصاف الروح الرباني بنور السر فرفع هِمَّته ليعرف هذا السر فعَمِي عن إدراكه فتلاشت جميع أوصافه كأنه ليس بشيء ثم أمدَّه الله بنور ذاته فأحياه به حياة باقية لا غاية لها فنظر جميع المعلومات بنور هذه الحياة فصار أصل الموجودات نوره شائع في كل شيء لا يُشهد غيره.
فنودي من قريب لا تغتر بالله فإن المحجوب من حُجِب بالله إذ محال أن يحجب غيره فحي بحياة استودعها الله فيه فقال أي ربِّ بك منك إليك أقِل عثرتي فإني أعوذ بك منك حتى لا أرى غيرك.
__________

[التعليق]
من كلام الشاذلي
(1/112)

فهذه سبيل الترقِّي إلى حضرة العليِّ الأعلى وهي طريق المحبين أبدال الأنبياء والذي يُعْطَى أحدهم من بعد هذا لا يقدر أحد أن يصف منه ذَرَّة.
قال وأما الطريق المخصوص بالمحبوبين فهو منه إليه إذ محال أن يتوصل إليه بغيره.
فأول قدم لهم بلا قدم أن ألقى إليهم من نور ذاته فغَيَّبهم بين عباده وحبَّب إليهم الخلوات وصغَّر الأعمال الصالحات وعظَّم عندهم رب الأرض والسموات فبينا هم كذلك إذ ألبسهم ثوب العدم فنظروا فإذا هُمْ بلا هَمّ.
ثم أردف عليهم ظلمةً غيبتهم عن نظرهم بل صار عدمًا لا علة له فانطمست جميع العلل وزال كل حادث فلا حادث ولا وجُود بل ليس إلا العدم الذي لا علة له وما لا علة له فلا معرفة تتعلق به.
اضمحلَّت المعلومات وزالت المرسومات زوالاً لا علة فيه
__________

[التعليق]
من كلام الشاذلي
(1/113)

وبقي من أشير إليه لا وصفَ له ولا صفةَ ولا ذات فاضمحلَّت النعوتُ والأسماءُ والصفات فلا اسم ولا صفة ولا ذات فهناك ظهر من لم يَزَلْ ظهورًا لا علَّةَ له بل ظهر بسِرِّه لذاته في ذاته ظهورًا لا أوليَّةَ له بل نظر من ذاته لذاته بذاته في ذاته فحَيِيَ هذا العبد بظهوره حياةً لا علة لها فظهر بأوصافٍ جميلة كلُّها لا علة لها فصار أولاً في الظاهر فلا ظاهر قبله فوجدت الأشياء بأوصافه فظهر بنوره في نوره.
فأول ما ظهر سره فظهر به قلمه ثم ظهر أمره في سره وظهر بأمره الدواة في نور العلم بنور القلم ثم ظهر عقله بأمره في أمره وظهر به عرشه في نور لوحه بنور وجهه ثم ظهر روحه بعقله في عقله فظهر بروحه كرسيه في نور عرشه ثم ظهر قلبه بروحه في روحه فظهر بقلبه حجبه في نور كرسيه بنور كرسيه ثم ظهرت نفسه بقلبه في قلبه وظهر بنفسه فلك للخير والشر في نور حجبه بنور حجبه ثم ظهر جسمه بنفسه في نفسه وظهر بجسمه أجسام العالم كلها
__________

[التعليق]
من كلام الشاذلي
(1/114)

الكثيف من أرضٍ وسماء وعلى الجملة كل كثيف في نور الفلك.
* * *
فيقال هذا الكلام وإن كان في بعضه أمور صحيحة موافقة للكتاب والسنة ففيه أمور منكرة باطلة مخالفة لدين المسلمين فمنها ما هو مبنيٌّ على أقوال الفلاسفة الباطنية ومنها ما هو من مذهب الحلولية ومنها غير ذلك.
فأما تقسيمه الطريق إلى طريق خاصَّة وعامَّة وجعله الأول طريق المحبين والثاني طريق المحبوبين فيقال كلُّ وليٍّ لله فهو مُحِبٌّ لله وهو محبوب لله وحبُّ العبد لربه وحبُّ الرب لعبده متلازمان فإن الله لا يحب إلا من يحبه ومن أحبَّ الله فإن الله يحبه.
ولكنَّ الناس هنا يتكلمون في المجذوب والمربي ومع هذا فقد يكون بعض المجذوبين أعلى وقد يكون بعض المربين أعلى مع أنه لا بد لكل سالك من متابعة الرسول وهذا هو أصل التربية.
ولا بد أن يجتبيه الحق إليه وهو الجذب لكن قد يكون ابتداء السلوك قصد العبد وعمله وعبادته ومجاهدة هواه وقد يمن عليه ابتداءً باجتبائه إليه وإنابته إلى مولاه وإعراضه عما سواه وقد قال تعالى اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ [الشورى 13]
__________

[التعليق]
* * * إلى هنا انتهى النقل الطويل لكلام الشاذلي فيما صنفه في آداب الطريق.
(1/115)

وقد قال بعض الشيوخ إن هذه الآية فيها ذِكْر المجذوب والمربِّي وبَسْط هذا له موضع آخر.
وفي المشايخ مَنْ يقسِّم السالكين إلى مريد ومراد ومعلومٌ أن الذين قال الله فيهم وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ [الأنعام 52] ما أرادوا وجهَه حتى أرادَ ذلك منهم على مذهب أهل السنة المثبتين للقدر وجمهور الصوفية على مذهب أهل السنة في ذلك حتى إن كثيرًا منهم يغالي في ذلك ويسقط الأمرَ والنهيَ في بعض المشاهد والأحوال وكذلك من أراده الله واجتباه وأحبه واصطفاه فلا بد أن يجعله مريدًا له لكنَّ الذين فرقوا بينهما لهم كلامٌ ليس هذا موضع بَسْطه.
وإنما المقصود هنا أن نقول انقسامُ أولياءِ الله إلى عامٍّ وخاص تقسيم صحيح لكنَّ الخواص هم السابقون المقرَّبون والعامة هم الأبرار أصحاب اليمين قال تعالى فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ [فاطر 32] وقال تعالى وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً (7) فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (8) وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (9) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (10) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (11) [الواقعة 7-11] وقال تعالى فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (88) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (89) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (90) فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (91) [الواقعة 88-91]
(1/116)

وقال إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (22) -إلى قوله تعالى- وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ (27) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ (28) [المطففين 22-28] .
قال ابن عباس يشرب بها المقربون صِرْفًا ويُمْزَج لأصحاب اليمين مزجًا وقال تعالى إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ [الإنسان 5] الآية.
فهذه خمسة مواضع من كتاب الله يذكر فيها انقسام أهل الجنة إلى أبرار أصحاب يمين ومقربين سابقين.
وفي صحيح البخاري الحديث الإلهي المشهور يقول الله من عادى لي وليًّا فقد بارزني بالمحاربة وقد تقدم فقد قسم الأولياء إلى من تقرب بالفرائض ومن لا يزال يتقرب إليه بالنوافل بعد الفرائض ولهذا قال من قال إن الأولين هم الأبرار وإن الآخرين هم المقربون.
وهكذا الأنبياء نوعان نبيٌّ مَلِك وعبدٌ رسول ولهذا لما خُيِّر النبي صلى الله عليه وسلم بين أن يكون نبيًّا ملكًا أو عبدًا رسولاً فاختار أن يكون عبدًا
(1/117)

رسولاً.
فالعبد الرسول الذي لا يفعل إلا ما أحبَّه ربُّه من واجبٍ ومندوب فلا يُعطي إلا من أُمِرَ بإعطائه ولا يمنع إلا من أُمِرَ بمنعه كما في صحيح البخاري إنِّي والله لا أُعْطِي أحدًا ولا أمنع أحدًا وإنَّما أنا قاسمٌ أضعُ حيثُ أُمِرتُ فإنه لم يُرِد بذلك العطاء والمنع الذي يحصل بمجرَّد المشيئة والقدر فإنَّ جميع المخلوقات لا يعطون ولا يمنعون إلا بمشيئة الله وقدره فلا فضيلة في هذا للمؤمن على الكافر فكيف بالأنبياء بل المراد العطاء والمنع الشرعي أي لا أعطي إلا من أُمِرتُ بإعطائه ولا أمنع إلا من أُمِرتُ بمنعه وهذه صفة العبد الرسول.
بخلاف النبي الملك فإن الله قال لسليمان هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (39) [ص 39] قال المفسرون اعطِ من شئت واحْرِم من شئت لا حساب عليك فهذا إذْنٌ له أن يعطي ويمنع بحكم إرادته كما يُؤذَنُ للمالك أن يعطي ويمنع لمن يريد إذا لم يكن في ذلك فِعْل محرّم لكنَّ الأول أعلى درجة فإن إعطاءَه ومنعَه عبادة يتقرَّب بها إلى الله وهذا عطاؤه ومنعه مباح له يتنعم به ولا يُعاقَب عليه وما يحصل به ثوابٌ أعظم مما لا يحصل به عقاب.
(1/118)

فهكذا الأولياء منهم من يكون على الطريقة الأولى فتكون المباحات في حق غيره عبادات له يتقرب بها إلى الله لا يفعلها إلا بأمره ومنهم من يفعل المباحات متنعِّمًا بها غير آثم بها ولا مُعاقَب عليها فهذا تقسيم صحيح معروف بالقلوب معلوم بالكتاب والسنة.
وأما قول القائل عليك بمعرفة طريق العامة وهو طريق الترقِّي من منزل إلى منزل وأن طريق الخاصة منه إليه فهذا يشير إلى الحلول والاتحاد كما سنبينه إن شاء الله وما ثَمَّ طريقٌ لخاصة ولا عامة إلا وفيها ترقٍّ من منزل إلى منزل كما قال أعلم الخلق بالله وبطريق الله فيما يروي عن الله ما تَقَرَّبَ إليَّ عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه ولا يزال عبدي يتقرَّبُ إليَّ بالنوافل حتى أحبه والتقرُّب هو الترقِّي فما في أولياء الله إلا مترقٍ متقرب إليه إما بالفرائض وإما بالنوافل بعد الفرائض ومن لم يتقرب إليه لا بفريضة ولا نافلة فليس من أولياء الله بل من أعدائه فضلاً عن أن يكون من خواص الأولياء!
وأما قوله فأول منزل يطؤه المحبُّ للترقِّي منه إلى العَلي فهو النفس فالكلام هنا في نوعين:
أحدهما أن يقال كثير من المصنفين والمتكلمين في منازل السائرين إلى الله ومنهاج القاصدين إليه وطريق السالكين إليه يذكر كلٌّ منهم عددَ المنازل وترتيبَها بحسب سَيْرِه هو أو ما عَلِمَه هو من
(1/119)

أحوال السالكين ولا يكون ذلك صفةَ كلِّ سالك بل كثير من السالكين لهم طرق أخرى وترتيب آخر وعدد آخر وكثير منهم لا يكون سلوكهم بترتيب معين وعدد معين ولهذا تجد شيخَ الإسلام الأنصاري في منازل السائرين يصفُ ترتيبًا وعددًا وتجد أبا بكر الطُّرْطُوشي يصف في كتابه ترتيبًا آخر وتجد أبا طالب المكي يذكر نوعًا ثالثًا وتجد غيرهم يذكر أمرًا آخر.
وهذا كما أن أهل النظر والاستدلال من السالكين طريقَ العلم تجد لكلٍّ منهم من ترتيب المقدِّمات العلمية التي يَسْتدل بها طريقًا غير طريق الآخر.
ثم كلٌّ من هؤلاء وهؤلاء أصحاب المقدِّمات المرتبة علمًا وعملاً في كلامهم ما هو صواب وما هو خطأ فما وافقَ الكتابَ والسنة من ذلك كله فهو صواب وما خالف ذلك فهو خطأ وهذا موضعٌ اشتبه على كثير من
(1/120)

أهل العلم والعبادة ومن لم يجعل الله له نورًا فما له من نور ولهذا أمر الله المسلم أن يقول في كل صلاة اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7) [الفاتحة 6-7] والكلامُ على هذا مبسوط في غير هذا الموضع.
النوع الثاني أن لفظ النفس والروح والقلب والفؤاد ونحو ذلك مما يتنازع الناسُ في معناها إما لاختلاف اصطلاحاتهم وإما لاختلافهم في المعنى.
فلفظ النفس يُراد به تارةً ذاتُ الشيء وعينُه ويراد به الدم السائل كقول الفقهاء ليست له نفسٌ سائلة وقول الشاعر:
تَسيلُ على حَدِّ الظُّباةِ نفوسُنا ... وليستْ على غير الظُّباةِ تَسِيل
ويراد به الروح التي في الإنسان كقوله يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (28) [الفجر 27-28] ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم لما نام عام خيبر إنَّ الله قبضَ أنفسنا حيثُ شاء وفي الحديث قاله بلال أخذ نفسي الذي أخذ بنفسك ومنه قوله في الحديث
(1/121)

اخرجي أيتها النفسُ المطمئنَّة كانت في الجسد الطيب.
ويراد بها أيضًا بعض صفاتها المذمومة كالهوى المُرْدي فيقال فلان له نفس كما يقال فلان له لسان وفلان له قلب أي لسان خاص وهو القادر على الكلام وقلب خاص وهو الذي له حالٌ من معرفةٍ ووجد وصدقٍ ونحو ذلك فكثير من أهل السلوك يريدون بلفظ النفس النفس الخاصة المذمومة وقد يقسمون لفظ النفس إلى ثلاثة أمَّارة ولوَّامة ومطمئنة.
وأما لفظ الروح فقد يراد به الروح التي في الإنسان وهي النفس التي تُقبض وقت الموت ولفظ الروح والنفس بهذا الاعتبار اسمان لذات واحدة لكن باعتبار صفات متنوعة فتسمى روحًا باعتبار ونفسًا باعتبار وإن كانت الذات واحدة.
ومن هذا الباب أسماء الرسول وأسماء القرآن بل وأسماء الله
(1/122)

الحسنى فإن هذه الأسماء تدل على ذات واحدة باعتبار صفات متعددة وهذه الأسماء مترادفة في الذات متباينة في الصفات ويسميها بعضُ الناس المتكافئة وهي مَرْتبة بين المترادفة المَحْضة وبين المتباينة المَحْضة.
وقد يراد بلفظ الروح البخار الخارج من القلب وهو لغة الأطباء.
وقد يراد بلفظ الروح الهواء الذي يخرج من البدن وطائفة من الناس يظنون أن هذا الهواء هو الروح المنفوخة في الإنسان التي تُقْبض وقت الموت.
والصواب الذي عليه السلف والأئمة أن تلك الروح ليست هي البدن ولا جزءًا من البدن ولا صفةً من صفات البدن كما يقول ذلك من يقوله من أهل الكلام ولا هي أيضًا مجردة عن الصفات الثبوتية والأفعال كما تزعم المتفلسفة الذين يقولون إنها لا تصعد ولا تنزل ولا تتحرك ولا تسكن ولا تدخل ولا تخرج ولا يتميز منها شيء عن شيء.
ويقول طائفة منهم كابن سينا إنها لا تُدرِك الجزئيات المعينة إلى غير ذلك من أقوال النُّفاة الذين قالوا فيها نظيرَ قولِهم في واجب الوجود فلم يصفوه إلا بالسُّلُوب حتى جعلوا الوجود الواجب الذي هو أحق
(1/123)

الموجودات بالكمال الوجودي إنما يوصف بالسلوب التي تجعله في حَيِّز الممتنعات التي تُقَدَّر في الأذهان ويمتنع وجوده في الأعيان كقولهم إنه الوجود المطلق بشرط الإطلاق المقيد بالنفي عن كل الإثبات مع علمهم بأن المطلق بشرط الإطلاق لا يكون إلا في الأذهان لا في الأعيان وهذا قول أهل الإحاطة وقول طائفة من الباطنية القرامطة وقولُ ابن سينا وغيره إنه الوجود المقيَّد بسَلْب كلِّ حقيقة فجعله مشاركًا للموجودات الممكنة في مسمى الوجود وهي تمتاز عنه بأمور وجودية وهو لا يمتاز عنها إلا بأمور عدمية والوجود أكمل من العدم فلازمُ قوله أن يكون وجود كل ممكن حتى البعوضة أكمل من وجود واجب الوجود.
وأيضًا فإن المشتركين في أمر ثُبوتيّ لا يتميز أحدُهما عن الآخر لمجرد أمرٍ عدمي ولهذا يقولون إن الفصول والخواص التي تميز بين الأنواع لا تكون عدمًا محضًا بل لا بدَّ أن تتضمن ثبوتًا لأن العدم المحض لا يميز أحد المشتركين في الوجود عن صاحبه وقد بُسِط الكلامُ على هؤلاء في غير هذا الموضع والمقصود هنا أن تعرف مراد الناس بلفظ النفس والروح.
وكذلك القلب يراد به المُضْغة الصَّنَوْبَرية الشكل التي في الجسد مجرَّدةً والبهيمةُ لها قلبٌ بهذا المعنى.
ويراد به هذه المضغة مُقيَّدةً بالروح ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم ألا إنَّ في
(1/124)

الجسد مُضْغة إذا صلحت صلح لها سائرُ الجسد وإذا فسدت فسد لها سائرُ الجسد ألا وهي القلب.
كما في الحديث الآخر إذا أصبح ابنُ آدم فإنَّ الأعضاء كلَّها تُكفِّر اللسان أي تخضع له وتذل تقول له اتَّق الله فينا فإنك إذا استقمتَ استقمنا وإن اعوجَجْتَ اعوجَجْنا.
وفي حديث آخر لا يستقيمُ إيمانُ عبدٍ حتَّى يستقيمَ قلبُه [ولا يستقيمُ قلبُه] حتى يستقيمَ لسانُهُ.
فاستقامة القلب واللسان تتضمن استقامة الروح والبدن جميعًا فإن البدن مقترن بالروح فلا يحصل للبدن عمل اختياري إلا بمشاركة الروح ولهذا ضرب لهما المثل في الحديث المأثور عن ابن عباس
(1/125)

رواه ابن منده في كتاب الروح والنفس قال لا تزال الخصومةُ بين الناسِ حتى يختصمَ الروحُ والبدنُ فيقول الروح للبدن أنت أكلتَ وشربتَ ونكحتَ فيقول البدن أنت أمرت فيُبعث مَلَك يحكم بينهما فيقول مثلكما مثل أعمى ومُقعد دخلا بستانًا فقال المقعد للأعمى إني أرى ثمرًا لكن لا أطيقُ قطافه فقال الأعمى لكني أقدر أن أقطفه إلا أني لا أراه فقال له المقعد تعال فاحملني حتى أعلمك به فحمله فجعل المقعد يقول للأعمى خذ هذا اقطف هذا فقطفه فعلى من العقوبة فقال عليهما جميعًا فقال كذلك الروح والبدن.
(1/126)

إذا تبين ما أشرنا إليه مِن ترتيب السلوك ومن معنى النفس والروح فقول القائل أول منزل يطؤه المحب للترقِّي منه إلى العَليّ فهو النفس فيشتغل بسياستها إلى أن يعرفها فهناك يُشرق عليه نورُ القلبِ فيشتغل بسياسته ومعرفته فإذا صحَّ له ذلك رُقِّي إلى المنزل الثالث وهو الروح.
يقال له إن أراد بالنفس والقلب والروح هنا ذات لها صفات متعددة فهذا صحيح.
فأما تقديم مسمَّى النفس على القلب ومسمَّى القلب على الروح فهذا أمرٌ اصطلاحي ففي كلام الله ورسوله لا أصل لهذا الترتيب بل القلب يوصَف بالصلاح تارة وبالفساد أخرى لما في الحديث المتفق على صحته ألا وإنَّ في الجَسَد مُضْغة وقد ذكرناه.
وكذلك لفظ النفس تُمْدَح تارة وتُذَم يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) [الفجر 27] وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (2) [القيامة 2] وقالت امرأة العزيز وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ [يوسف 53] .
وكذلك لفظ الروح كما في حديث قَبْض الروح اخرجي أيتها الروحُ الطيبة كانت في الجَسَدِ الطيب ويقال اخرجي أيتها الروحُ الخبيثة كانت في الجسد الخبيث وفي الصحيح الأرواحُ جنودٌ
(1/127)

مُجنَّدةٌ فما تعارفَ منها ائتلفَ وما تناكَرَ منها اختلف.
وأما إن أريد بالنفس والروح ذاتان كلٌّ منهما قائمة بنفسها غير الأخرى وراء هذا البدن فهذا غلط.
وهذا الترتيب إذا قيل هو ترتيب صحيح كان هذا مختصًّا باصطلاح معين ليس هو أمرًا علميًّا ولا هو عامًّا في حقِّ كلِّ سالك.
وإذا قيل يُرادُ بالنفس ذات الأخلاق الفاسدة ويُراد بالقلب ذو الإيمان والإرادات الصالحة ويراد بالروح ذو المعرفة واليقين فهذا أمر اصطلاحي ومع هذا فقد يحصل للإنسان أنواعٌ من المعارف واليقين مع وجود نوعٍ من الهوى والذنوب وقد يحصل له أنواعٌ من الإيمان والأعمال الصالحة مع وجود نوعٍ من الإرادات الفاسدة.
فمذهب الصحابة والتابعين لهم بإحسان وسلف الأمة وأئمتها أن الشخص الواحد يجتمع فيه ما يحبه الله من الحسنات وما يبغضه من السيئات ويكون مُطيعًا من وجهٍ عاصيًا من وجهٍ برًّا من وجه فاجرًا من وجه مستحقًّا للثواب من وجهٍ وللعقاب من وجه فيه إيمانٌ من وجهٍ وفيه فسق بل ونفاق من وجه.
وإنما يقول لا يجتمع هذا وهذا الوعيديَّةُ من الخوارج والمعتزلة فإنهم يقولون ما ثَمَّ إلا مؤمن مستحق للثواب لا يُعاقب بحال أو مخلَّد في النار لا يخرج منها بشفاعةٍ ولا غيرها ومن فيه فجور فليس معه من الإيمان عندهم شيء.
(1/128)

وكانت الخوارج تقول من لم يكن برًّا قائمًا بالواجبات تاركًا للمحرمات فهو كافر فلما مات الحسن البصري صار طائفة ممن كان يصحبه كعَمْرو بن عبيد يقولون هو فاسق لا مؤمن ولا كافر وهو مخلد في النار واعتزلوا الجماعة فسموا معتزلة.
وكان قد صَحِبَه طائفة أخرى من النُّساك منهم عبد الواحد بن زيد واختار طريقةً من النُّسُك هو وأتباعه واتخذوا دُوَيرةً وهم أول من اعتزل الناس من الصوفية.
ولهم أيضًا طريقة بعضها حقّ وبعضها مذموم لكنهم أقرب من عَمْرو بن عُبيد وأتباعه.
وأما الأئمة من أصحاب الحسن كأيوب السِّخْتياني وثابت البُنَاني وعبد الله بن عون وغيرهم فهؤلاء سالمون مما يُذم ممن رُمي ببدعةٍ من أصحابه.
وكان الحسن جليل القدر في العلم والعمل فكان يسوس الناس في حياته فلما مات صار بعضُهم يأخذ ما يوافق هواه من كلامه ويدع ما لا يوافق هواه فصار في بعضهم بدعة وتفرُّق من هذا الوجه وكان بين
(1/129)

هؤلاء وهؤلاء نزاع في أمور وقد ذكر بعضَ أخبارِهم أبو سعيد بن الأعرابي فيما صنَّفه من أخبار النُّسَّاك وذكر ذلك مَعْمر بن زياد الأصبهاني وغيرهما من الشيوخ الذين لهم معرفة وتحقيق.
وأما قوله حتى إذا آنست بصيرته بترادف الأنوار عليها برز اليقين عليه بروزًا لا يعقل فيه شيئًا مما تقدم له من أمر المنازل الثلاثة فهناك يهيم ما شاء الله.
فهذا كلام من يصف حالَ بعضِ الناس ولعله يصف سلوكَ نفسِه وإلا فمعلوم أن جماهير أولياء الله السالكين لا يهيمون ولا يزول عنهم عقل ما كانوا عليه والسابقون الأوَّلون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان لم يكونوا هائمين في طريقهم ولا مسلوبي عقلٍ في سلوكهم بل كانوا مؤيَّدين بالعقل واليقين والمعرفة كما قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه فيهم كانوا أبرَّ هذه الأمة قلوبًا وأعمقها عِلْمًا وأقلّها تكلُّفًا.
(1/130)

وكذلك من بعدهم من المشهورين مثل سعيد بن المسيب والحسن البصرِي وعامر بن عبد القيس وأُوَيس القَرَني وأبو مسلم الخولاني ومُطرِّف بن عبد الله بن الشِّخِّير ومن بعد هؤلاء ممن جمع الناسُ أخبارَهم في كتب الزهد مثل كتاب الزهد للإمام أحمد وغيره ممن صنف أخبار الزُّهَّاد على الأسماء مثل حِلْية الأولياء لأبي نعيم وصفوة الصفوة لابن الجوزي وكتاب الزهد لعبد الله بن المبارك ممن صنف أخبار الزهد على الأبواب كهنَّاد بن السَّرِي وأَسَد بن موسى وغيرهما.
قوله ثم يمدُّه الله بنور العقل الأصلي في أنوار اليقين فيشهد موجودًا لا حدَّ له ولا غاية بالإضافة إلى هذا العبد وتضمَحِلّ جميعُ الكائنات فيه فتارةً يشهدها فيه كما يشهد الينابيب في الهواء بواسطة الشمس فإذا انحرف نور الشمس عن الكُوَّة لا يشهد للينابيب أثرًا فالشمس التي يُبْصِر بها هو العقل الضروري بعد المادة بنور اليقين.
فإذا اضمحلَّ هذا النور ذهبت الكائنات كلها وبقي هذا الموجود فتارةً يفنى وتارة يبقى حتى إذا أُرِيد به الكمال نُودي منه نداءً خفيًّا لا صوتَ له فيُمَد بالفهم عنهم إلا أَن الذي يشهده غير الله ليس من الله في شيء فهناك ينتبه من سكرته فيقول أي ربِّ أغثني فإني هالك فيعلم يقينًا أنَّ هذا البحر لا ينجيه منه إلا الله فحينئذٍ يقال له إن هذا الموجود هو العقل الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم أول ما خَلَقَ الله العَقْلَ وفي خبر آخر قال له أقبل فأقبل الحديث فأُعْطي هذا
(1/131)

العبد الذل والانقياد لنور هذا الموجود إذ لا يقدر على حَدِّه وغايته فعَجَز عن معرفته فقيل له هيهات لا تعرفه بغيره فأمدَّه الله جل وعلا بنور أسمائه فقطع ذلك كلمح البصر أو كما شاء الله نرفع درجاتٍ من نشاء.
فيقال هذا مبنيٌّ على أصول الفلاسفة المخالفة لدين المسلمين واليهود والنصارى وقد توجد طائفة من كلامهم في كتب أبي حامد وأمثاله ممن يصنفون ويِخْلِطون ذلك بما هو من أصول الفلاسفة فإنَّ هذا العقل الذي يَدَّعونه ويَصِفونه مناقض لدين الرسل.
أما العقل الأدنى إلينا الذي يسمُّونه العقل الفعَّال ويقولون كل ما تحت فلك القمر من فيضه ويقولون إن الكتب الإلهية إنما نزلت على قلوب الأنبياء منه وأن الكلام الذي حصل لموسى كان منه.
ثم تارة يقولون هو جبريل الذي وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ (24) [التكوير 24] وتارة يجعلون جبريل ما يتشكَّل في نفوس الأنبياء من الخيال كالخيال الذي يحصل للنائم.
ولهذا يدَّعي من يدَّعي منهم أن الأولياء والفلاسفة أفضل من الأنبياء حتى قال ابن عربي إن الرسل جميعهم إنما يستفيدون معرفة الله من مشكاة خاتم الأولياء وما يراه أحد من الأنبياء والرسل إلا من مشكاة الرسول الخاتم فقال ليس هذا العلم إلا لخاتم الرسل وخاتم الأولياء وما يراه أحد من الأولياء إلا من مشكاة الولي الخاتم حتى إن
(1/132)

الرسل لا يرونه إلا من مشكاة الولي خاتم الأولياء.
وإن كان خاتم الأولياء تابعًا في الحكم لما جاء به خاتم الرسل فإن الرسالة والنبوة أعني نبوة التشريع ورسالته منقطعان وأما الولاية فلا تنقطع أبدًا فالأنبياء مِنْ كونهم أولياء لا يرون ما ذكرناه إلا من مشكاة خاتم الأنبياء فكيف بمن دونهم من الأولياء وإن كان خاتم الأولياء تابعًا لما جاء به خاتم الأنبياء من التشريع فذلك لا يقدح في مقامه ولا يُناقض ما ذهبنا إليه فإنه من وجهٍ يكون أَنْزَل كما أنه من وجهٍ يكون أعْلى.
وقال إن النبي صلى الله عليه وسلم لما مُثِّلت له النبوة بالحائط رأى نفسَه تنطبع في موضع لبنة وأما خاتم الأولياء فيرى نفسه تنطبع في موضع لبنتين فإنه موضع اللبنة الفضية وهو ظاهره وما سمعه فيه من الأحكام كما هو آخذ عن الله في السِّرِّ ما هو في الصورة الظاهرة متبع فيه لأنه يرى الأمر على ما هو عليه فلا بدَّ أن يراه هكذا وهو موضع اللبنة الذهبية في الباطن فإنه أخذ من المعدن الذي يأخذ منه الملك الذي يوحي به إلى الرسول.
* * *
وهذا يقوله من يقوله بناءً على أصله الفاسد وهو الفلسفة التي أخرجها في قالب التصوف والكشف فإن المَلَك عندهم هو الخيال الذي يتشكل في نفس النبي وغيره فتلك الخيالات هي ملائكة الله
__________

[التعليق]
* * * إلى هنا انتهى النقل من كلام ابن عربي
(1/133)

عندهم والخيال المطابق يستمدّ من العقل والولي والفيلسوف عندهم يأخذ من العقل الممد للخيال فلهذا صار النبي الذي يأخذ من المَلَك أنقص عندهم من الولي الذي يأخذ من فوق المَلَك.
وهؤلاء يجعلون خاصة النبوة هي التخييل كما يقول ذلك الفارابي وغيره وابن سينا وأتباعه وإن كانوا أقرب الفلاسفة إلى الإسلام فهم وأمثالهم من الملاحدة كالسهروردي المقتول وغيره يجعلون النبوة لها ثلاث خواص قوة العلم بِسُرعة ويسمونها القوة القدسية وقوة التأثير في العالم وقوة التخييل وهو أن يرى ويسمع في نفسه ما يمثل له من المعاني العقلية وكل ما يراه ويسمعه الأنبياء إنما هو في أنفسهم عندهم لا في الخارج.
وقد وقع في كلام صاحب الكتب المضنون بها على غير أهلها ومن تبعه كلامُ هؤلاء بعبارات أخرى يظنُّ من لم يعرف حقيقة الإسلام وحقيقة الفلسفة أن هذا كلام خواص أولياء الله العارفين وإنما هو كلام الفلاسفة الملحدين الذين هم في الإيمان بأصل النبوة أبعد عن الإيمان من اليهود والنصارى لكنهم يقرُّون بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم وغيره.
(1/134)

وقد يقولون إن النبوَّة مكتسبة وإنها لم تنقطع وربما جعلوا الفلاسفة المشهورين من اليونان أهل مَقْدونية كسقراط وأفلاطون وأرسطو ونحوهم أنبياء وقد يظنون أن ذا القرنين المذكور في القرآن هو الإسكندر الذي كان في زمن أرسطو وهذا من جهلهم بالسمعيات والعقليات فإن الإسكندر الذي كان في زمن أرسطو هو الذي تؤرِّخ له اليهود والنصارى ويُقال له ابن فيلبس المَقْدوني كان قبل المسيح بنحو ثلاثمائة سنة وهو زمن أرسطو وكان مُشْركًا هو وقومه أهل شركٍ وسحرٍ ولهم كتب في الشرك والسحر وقد عُرِّبت يعرفها من يعرفها وهذا الإسكندر لم يذهب إلى بلاد الترك وإنما انتهى إلى خراسان فضلاً عن أن يبني السَّد.
وذو القرنين المذكور في القرآن كان قد بلغ مشارقَ الأرض ومغاربها وبنى السدَّ كما أخبر الله تعالى والسدُّ من أقصى بلاد
(1/135)

المشرق والشمال في مهبِّ الصَّبا وكان متقدمًا على ذلك.
ولهم إسكندر آخر يقال له الأفروديوسي هو من أتباع أرسطو هو وبُرقلس وثامسطيوس ونحوهم ممن اتبع أرسطو وشَرَح تعاليمَه وقال بِقِدَم هذه الأفلاك.
فإنه يقال أوَّل من أظهر هذا القول من هؤلاء الفلاسفة أرسطو وأمَّا الذين قبله كأفلاطون وسقراط ونحوهما فكانوا يقولون بحدوث الأفلاك ولكن يقولون بأنه حادث عن مادة وهل المادة قديمة العين أو قديمة النوع لهم في ذلك كلام وأقوالٌ ليس هذا موضعها.
ولهذا توجد مقالات أئمة الفلاسفة الكبار الذين كانوا من الصابئة الحنفاء لا تخرج عن أقوال الأنبياء فإن الصابئة في الأصل كانوا على هدى كما كانت اليهود والنصارى ولهذا ذكر الله أن في هذه الطوائف سُعداء في قوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) [البقرة 62] فدلَّ هذا على أن هذه الملل
(1/136)

الأربعة كان فيها من يؤمن بالله واليوم الآخر ويعمل صالحًا وأنهم سعداء في الآخرة ثم لمَّا بعث الله محمدًا صلى الله عليه وسلم كان من كفر به منهم ومن غيرهم شقيًّا معذَّبًا.
بخلاف المجوس والمشركين فإن الله ذكرهم في قوله إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (17) [الحج 17] فهنا ذكر الملل الست ليبين أنه يفصل بينهم يوم القيامة ولم يثن عليهم فلم يثن سبحانه على أحدٍ من المجوس والمشركين كما أثنى على بعض الصابئين واليهود والنصارى وهذا مما استدل به جمهور العلماء على أن المجوس ليسوا أهل كتاب فلا تُباح ذبائحهم ولا نكاح نسائهم إذ لو كانوا أهل كتابٍ لكان فيهم من يُثني الله عليه كما كان في اليهود والنصارى.
والمقصود هنا أن الصابئين فيهم من يُحْمَد وفيهم من يُذَم فالمحمود من الصابئين لم يخالفوا الأنبياء والفلاسفة المحمودون إذا لم يكونوا من اليهود والنصارى والمسلمين هم من هؤلاء الصابئين.
بخلاف الفلاسفة المذمومين فإنهم مشركون سَحَرة كأرسطو وأتباعه وأمثالهم فإنهم أهل شرك وسحرٍ ولهذا ليس في كتب أرسطو ذكر الأنبياء بحرفٍ واحدٍ ولا في كتب العلم الإلهي إلا ما ذكره في أثولوجيا وهو علم ما بعد الطبيعة وهو كلامٌ قليل الفائدة كثير
(1/137)

الخطأ قد بُسِط الكلامُ عليه في غير هذا الموضع.
بخلاف كلام أرسطو في الطبيعيات مثل كتاب السماع الطبيعي وكتاب السماء والعالم والآثار العلوية والمولدات ونحو ذلك فهذا فيه صواب كثير وفيه أيضًا خطأ.
وكلامه في المنطق بعضه صواب لكن فيه تطويل لا يُحتاج إليه وبعضه خطأ وهذه الأمور مبسوطة في غير هذا الموضع.
والمقصود هنا أن ما يُثبته هؤلاء من العقول العشرة مما يُعْلَم بالاضطرار أنهم مخالفون لدين المرسلين إبراهيم وموسى وعيسى ومحمد وغيرهم صلى الله عليهم أجمعين كقولهم إنَّ العقل الأول أبدع كل ما سوى الله وأنه وما سواهُ لازمة معلولة لذات الله أزلاً وأبدًا فإن هذا وهذا شرٌّ من قولِ الذين قالوا الملائكةُ بناتُ الله وأن المسيحُ ابنُ الله والذين اتخذوا الملائكة والنبيين أربابًا فإن أولئك يقولون إن الله خالق كل ما سواه ويثبتون نوعًا من التولُّد.
وأما هؤلاء فيقولون العقول والنفوس وكل ما سواه متولِّد عنه لازمٌ لذاته أزلاً وأبدًا وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ [الأنعام 100] .
وهؤلاء يجعلون العقول كالذكور والنفوس كالإناث وهم
(1/138)

متنازعون في النفوس الفلكية هل هي أعراض أو جواهر فجمهورهم يقول هي أعراض ولكن ابن سينا وطائفة قالوا هي جواهر كنفوس الآدميين.
وهؤلاء المتأخرون كابن سينا وأتباعه خَلَطوا الفلسفة بما أخذوه من كلام المتكلمين الجهمية من المعتزلة وغيرهم وسلكوا في إثبات الأول طريقة الوجود وقالوا الوجود إما واجب وإما ممكن ولا بد للممكن من واجب أخذوا ذلك من قول هؤلاء المتكلمين إن الموجود إما قديم وإما مُحْدَث ولا بُد للمحدَث من قديم.
وإلا فأئمتهم كأرسطو وأتباعه لم يثبتوا الأول إلا بالحركة الفلكية فقالوا هي حركة شَوْقية إرادية فلا بدَّ لها من مراد تُحِبّ التشبه به وهو يُحركها حركة المعشوق لعاشقه.
وهذا الكلام ليس فيه إثبات أن واجب الوجود علة فاعلة لما سواه وإنما فيه أنه عِلة غائية بمعنى التشبُّه به ولهذا قالوا الفلسفة هي التشبُّه بالإله على قدر الطاقة.
والمتقدمون لم يُسَمُّوه واجب الوجود وما سواه ممكن الوجود وإنما سموه العِلَّة الأولى والمبدأ والممكن عندهم لا يقال إلا للمحدَث الذي يمكن وجوده ويمكن عدمه فأما ما كان دائمَ الوجود كالفلك عندهم فلا يسمونه ممكنًا وإنما هذا اصطلاح ابن سينا
(1/139)

وأتباعه.
ثم إنَّ كثيرًا من متأخري المتفلسفة ومن خلط بالفلسفة كلامه من المتكلمين والمتصوِّفة كالسَّهْروردي المقتول والرازي والآمدي يوافقونه على هذا ويسلكون في إثبات واجب الوجود هذه الطريقة وربما جعلوها أشرف الطرق وأن غيرها يحتاج إليها والأمر بالعكس كما قد بُسِط في غير هذا الموضع.
وأبو البركات صاحب المعتبر وابن رشد الحفيد وأمثالهما يوافقونه تارة ويخالفونه أخرى وهما أقرب إلى الإسلام من ابن سينا وأصحاب رسائل حيِّ بن يقظان وغيرهم نَسَجوا على هذا المنوال لكن بعبارات أخرى.
وابن سبعين بعدهم سلك مسلكهم وانتهى هو وابن عربي الطائي وأمثالهم إلى القول بِوَحْدة الوجود وهؤلاء يعكسون دين الإسلام فكل من كان أقرب إلى الرسول كان عندهم أنقص فأنقص المراتب عندهم مرتبة أهل الشريعة أصحاب الأمر والنهي ثم مرتبة المتكلم على طريقة الجهمية أو المعتزلة ومن تلقى عنهما ثم مرتبة الفيلسوف ثم مرتبة الصوفي المتفلسف ليس هو الصوفي التابع للكتاب والسنة ثم
(1/140)

مرتبة المُحَقّق صاحب القول بوحدة الوجود.
وقد بسطنا القول على هؤلاء وعلى هؤلاء وأمثالهم من المتفلسفة والاتحادية والمتكلمة والمتصوفة الذين دخلوا معهم والمقصود هنا التنبيه على ما دخل في كلام صاحب الحِزْب وأمثاله من كلامهم.
وهؤلاء قد يسمون العقل القلم ويسمون النفس الفلكية اللوح ويدَّعون أن ذلك هو اللوح المحفوظ في كلام الله ورسوله ولهذا يدَّعي أحدهم أنه اطلع على اللوح المحفوظ وأنه أخذ مريديه من اللوح المحفوظ وفي كلام صاحب الحزب وغيره من ذلك وأخذوا ذلك من كلام أبي حامد الغزالي في ميزان العمل وجواهر القرآن والمضنون به على غير أهله وغير ذلك.
فإنه يجعل اللوح عبارة عن النفس ويجعل الفلك عبارة عن العقل الأول كما يجعل الملك والملكوت والجبروت عبارة عن الجسم والنفس والعقل وصاحب الحزب دخل في هذا الباب كما دخل فيه
(1/141)

ابن عربي وغيره.
ولهذا قال عن العقل ثم يمُده الله بنور العقل الأصلي فيشهد موجودًا لا حدَّ له ولا غاية بالإضافة إلى هذا العبد وتضمحل جميع الكائنات فيه وهذا باطل فليس جميع الكائنات في هذا العقل ولا حقيقة لهذا العقل بل ولا هي في مَلَك من الملائكة.
وكذلك قوله فتارة يفنى وتارة يبقى حتى أذا أُريد به الكمال نودي منه نداءً خفيًّا بلا صوت معه كلام باطل من جنس قول الذين قالوا إن موسى نُودي من العقل الفعَّال نداءً لا صوت معه ولهذا كان بعض هؤلاء يدَّعي أنه أفضل من موسى وصاحب مشكاة الأنوار ذكر ما يناسب قول هؤلاء وأنَّ العبد قد يُنادى كما نُودي موسى وأنه إذا خلع النعلين اللتين هما الدنيا والآخرة حصل له من جنس ما حصل لموسى ومن هنا دخل صاحب خَلْع النعلين ابن قَسِي ودخل في أمور من
(1/142)

الخيالات الباطلة وشرح ابن عربي كلامَه فتارةً يعظِّمه وتارة يبالغ في ذمه والدق عليه وكلامه ما كان فيه من حق أخذه من كلام الأنبياء وادَّعاه كشفًا لنفسه وما كان فيه من خيال باطل فهو من نفسه.
وأما قوله إن الذي تشهده غير الله ليس من الله في شيء فهكذا يقول المتفلسفة إن العقل غير واجب الوجود ولكنَّ أهل الوحدة كابن عربي وابن سبعين الذين يقولون الوجود واحد لهم هنا اضطرابات فتارة يفرقون بين الوجود والثبوت كابن عربي وتارةً يفرقون بين الإطلاق والتعيين كالقُوْنَوي وتارةً يجعلون الواجب والممكن كالمادة والصورة وكلامُ ابنِ سبعين يُشْبه هذا ولهذا يقول فهو في الماء ماء وفي النار نار وفي الحلو حلو وفي المُرِّ مُرّ.
وصاحبُ الحزب قد يقال إنه ليس هو من القائلين بالوحدة والحلول العام لكن في كلامه نوعٌ من الحلول الخاص وقد يقال إنه من أهل الحلول العام ولهذا قال بعد هذا فيقال له إن هذا الموجود هو العقل الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم أول ما خلق الله
(1/143)

العقل وفي خبرٍ آخر قال له أقبل فأقبل الحديث.
فيقال هذا الحديث كذبٌ موضوعٌ على النبي صلى الله عليه وسلم باتفاق أهل المعرفة بالحديث كما ذكر ذلك أبو حاتم بن حِبَّان وأبو الفرج ابن الجوزي وغيرهما ولكن هؤلاء ينقلونه من كتب أبي حامد وأمثاله
(1/144)

ممن ينقل هذا الحديث من كتب رسائل إخوان الصفا ونحوهم ممن يريد أن يحتجّ على قول هؤلاء المتفلسفة الملاحدة بالنصوص النبوية ويقول إنه يجمع بين أقوال الأنبياء وبين أقوال هؤلاء المتفلسفة
(1/145)

الملاحدة وهيهات فإن دين اليهود والنصارى أقرب إلى دين الإسلام من دين هؤلاء المشركين الصابئين الذين يعبدون الكواكب والأصنام وهم من أشد الناس كفرًا برب الأنام.
وإن كان لهم معرفة بأمور دنيوية كالحساب والطب فهذا نوع آخر غير معرفة الله ومعرفة كتبه وملائكته ورسله واليوم الآخر ومن المعلوم أن كون اليهودي والنصراني حاذقًا في طبٍّ أو حسابٍ أو كتابة أو فلاحة أو حياكة أو بناء أو غير ذلك لا يوجب أن يكون حاذقًا في معرفة الله ودينه فكيف بهؤلاء الذين هم أجهل بالله وبدينه من اليهود والنصارى إلا من كان منهم مع إظهاره لليهودية والنصرانية فإنه قد جمع نوعَي الكفر.
وهذا الحديث الموضوع لفظه أول ما خلق الله العقل قال له أقبل فأقبل فهو لو كان حقًّا إنما فيه أن الله خاطب العقل في أول أوقات خلقه بهذا الخطاب وهذا يدل على أنه خَلَق قبلَه غيرَه وهذا يناقض قولهم وفيه أنه وصف بالإقبال والإدبار وذلك ممتنع عندهم وفيه أنه قال له فبِكَ آخذ وبك أُعطي وبك الثواب وبك العقاب وعندهم أنه مُبْدِع لجميع الكائنات.
والحديث مقصوده أن الله لما خلق العقل الذي في بني آدم والعقل في لغة المسلمين عَرَض من الأعراض ليس هو جوهرًا قائمًا بنفسه فالحديث لو كان صحيحًا لم يدل إلا على ضدِّ قولهم فهم جُهَّال بسنده ومتنه.
وأما قوله فأمدَّه الله بنور الروح الرباني فعرف به هذا الموجود فرقّي إلى ميدان الروح الرباني فذهب جميع ما تحلَّى به هذا العبد تخلَّى
(1/146)

عنه بالضرورة وبقي كلا شيء موجود ثم أحياه الله بنور صفاته فأدرجه بهذه الحياة في معرفة هذا الموجود الرباني فلما استنشق من مبادئ صفاته كاد يقول هو الله فلحقته العناية الأَزلية فنادته ألا إنّ هذا الموجود هو الذي لا يجوز لأحدٍ أن يصفه ولا أن يعبِّر عن شيءٍ من صفاته لغير أهله لكن بنورٍ غيره يعرفه.
فيقال هذا بناه على ترتيبه أنه جعل النفس ثم القلب ثم العقل ثم الروح وهذا ليس من المتفلسفة فإنه ليس عندهم وراء العقل الأول غير الواجب ولكنه في كلام طائفة من متأخري الصوفية وأرادوا أن يجمعوا بين ما جاء من كلام الأنبياء وكلام الفلاسفة فسمعوا قوله تعالى يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا [النبأ 38] فقالوا هذا الروح فوق الملائكة والملائكة هي العقول فيكون هذا الروح غيرها.
ثم إنهم خلطوا الكلام في هذا الروح بروح ابن آدم ولهذا قال فلما استنشق من مبادئ صفاته كاد يقول هو الله فلحقته العناية الأزلية فنادته ألا إنّ هذا الموجود هو الذي لا يجوز لأحدٍ أن يصفه ولا أن يعبِّر عن شيء من صفاته لغير أهله.
وهم يحتجون على هذا بقوله قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (85) [الإسراء 85] وفي كلام صاحب الإحياء وأمثاله طرف من هذا والقرآن ليس فيه النهي عن وصف روح ابن آدم ولا النهي عن التعبير عن شيءٍ من صفاتها بل الأحاديث والآثار مملوءة من وصف الروح وأنها تصعد وتنزل وتكون طيبة وخبيثة ومنعَّمَة
(1/147)

ومعَذَّبة وأنها تسمع وتبصر وتتكلم وغير ذلك من صفاتها المذكورة في الأحاديث النبوية والآثار السلفية.
وأما قوله فأمدَّه بنور سرِّ الروح فإذا هو قاعد على باب ميدان السر فنظر فعرف أوصاف الروح الرباني بنور السرِّ فرفع همَّتَه ليعرف هذا الموجود الذي هو السر فعمي عن إدراكه فتلاشت جميعُ أوصافه كأنه ليس بشيء.
فيقال هذا مبنيٌّ على إثبات ما بعد الروح وهو السر وآخرون يقولون سر السر وهم إن عَنوا به صفات روح الإنسان كان ممكنًا وإن عَنوا به جوهرًا ثابتًا فهذا باطل ثم إنه يريد أن يثبت في العالم شيئًا آخر وهو سرُّ الروح مطابقًا لسرِّ الإنسان كما صنع في النفس والعقل والروح وهذا باطلٌ لم يقله أحد إلا بعض متأخري متفلسفة الصوفية وهو من الخيالات التي لا منتهى لها فإنَّ الوهم والخيال الباطل واسع والسالك إن لم يعصمه الله بنور الإيمان والقرآن وإلا وقع في بحر الوهم والخيال الباطل.
ولهذا كان هؤلاء يعظمون ما يعظم ابن عربي الخيال وهو عندهم أرض الحقيقة ولهذا تتمثل لهم الجن والشياطين ويقولون بالجمع بين النقيضين وهو من باب الخيال الباطل ويلقي إليهم الجن والشياطين كلامًا يسمعونه وأنوارًا يرونها فيظنون ذلك كرامات وإنما هي أحوال شيطانية لا رحمانية وهي من جنس السحر.
(1/148)

ويحكون في هذا أن رجلاً نزل إلى دجلة ليغتسل لصلاة الجمعة فخرج في النيل وأقام بمصر عدّة سنين وتزوج وولد له هناك ثم نزل ليغتسل للجمعة فخرج من دجلة فرأى غلامه ودابته والناس لم يُصلوا بعد تلك الجمعة!!
ومن المعلوم لكل ذي حسٍّ أن الشمس يوم الجمعة ببغداد ليس بينه وبين يوم الجمعة بمصر يومًا فضلاً عن أسبوع فضلاً عن شهر فضلاً عن عام فضلاً عن أعوام ولا الشمس توقفت عِدَّة أعوام في السماء وإنما هذا في الخيال فيظنونه لجهلهم أنه في الخارج كما ذكر ذلك سعيد الفرغاني في شرح قصيدة ابن الفارض هو وأمثاله والكلامُ على هؤلاء واسع وإنما الغرض التنبيه على النُكَت.
قوله ثم أمدَّه الله بنور ذاته فأحياه حياةً باقية لا غاية لها فنظر جميع المعلومات بنور [هذه] الحياة فصار أصل الموجودات نور شائع في كل شيء لا يُشهد غيره فنودي من قُربٍ لا تغتر بالله فإنَّ المحجوب من حُجِبَ عن الله بالله إذ محال أن يحجبه غيره فجيء بحياة استودع الله فيه فقال أي ربي بك منك إليك أقِلْ عثرتي فإني أعوذ بك منك حتى لا أرى غيرك فهذه سبيل الترقِّي إلى حضرة العَليِّ الأعلى وهو طريق المحبين أبدال الأنبياء والذي يُعْطى أحدُهم من بعد
(1/149)

هذا لا يقدر أحدٌ أن يصف منه ذرة.
فيقال بل هذه سبيل هؤلاء أبدال الفراعنة والملاحدة والعليُّ الأعلى هو عندهم الوجود مصنوع العلم الأعلى والفلسفة الأولى والعلمُ الأعلى عندهم هو النظر في الوجود ولواحقه فإن سيرهم ينتهي إلى وجودٍ مطلقٍ سارٍ في الجميع والأنبياءُ وأتباعُهم من أعظم الناس مُبَاينةً لهؤلاء كمباينة موسى لفرعون وإبراهيم للنمروذ ومسيح الهدى لمسيح الضلالة.
أما قوله فنظر جميع المعلومات فهذا مطابق لما يقوله بعض أتباعه أن علم العبد يطابق علمَ الرب فيعلم العبد ما يعلمه الرب ويَدَّعون ذلك في النبي صلى الله عليه وسلم ثم في ناسٍ بعده وهذا أفسد من قول النصارى الذين يخصون بذلك المسيح.
وهذا من جنس ما يذكره ابن عربي في سلوكه أن السالك يخاطبه جميعُ النبات وجميعُ الحيوانات بجميع ما فيها من الطبائع والمنافع وأمثال ذلك وكذلك يقوله في غير ذلك من الموجودات فهؤلاء يدَّعون أن أحدهم يعلم ما يعلمه الرب وليس مع أحدهم إلا وهم كاذب وخيال فاسد إن كان ممن لا يتعمَّد الكذب.
(1/150)

وبمثل هؤلاء ضلَّ من اتبعهم حتى يقول أحدهم [أنا] القطب الغوث الفرد الجامع ونواصي الملوك والأولياء بيدي أُوَلِّي من شئتُ وأعزل من شئتُ وأن الله يناجيني على مر الأنفاس وأن مدد الملائكة مني ومدد الحِيتان مني كما كان يقوله المستسري الذي جرَى له في القاهرة ما جرى.
وأما قوله فإن المحجوب من حُجِب بالله عن الله إذ محال أن يحجبه غيره.
فيقال هذا من جنس كلام أهل الوحدة والحلول فإن الاحتجاب بالله عن الله وحَجْب اللهِ لله محال عند المسلمين وإنما يَحجب العبدَ عن الله غيرُ الله كما قال تعالى وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ [الشورى 51] .
وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا دخلَ أهلُ الجنةِ الجنةَ نادى مُنادٍ يا أهل الجنة إنَّ لكم عند الله موعدًا يُريد أن يُنْجِزكُمُوهُ فيقولون ما هو ألم يُبَيِّضْ وُجُوهنا ويُثَقِّلْ موازيننا ويُدْخلنا الجنَّة ويُنَجّنا من النار قال فيُكشف الحجاب فينظرون
(1/151)

إليه فما أعطاهم شيئًا أحبَّ إليهم من النَّظر إليه وهو الزيادة.
وفي الصحيح عن أبي موسى قال قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأربع كلمات فقال إنَّ الله لا ينامُ ولا ينبغي لهُ أن ينام يخْفِضُ القِسْط ويرفَعُه يُرْفَع إليه عمل الليل قَبْل النهار وعملُ النهار قَبْل الليل حجابُهُ النُّور أو النار لو كشفهُ لأحرقت سُبُحاتُ وجههِ ما انتهى وفي رواية ما أدْركه بصرُه من خلْقِه.
ثم الحُجُب عند السلف وأهل الحديث وغيرهم هي حُجب الله عن العبد وعند من يثبت رؤية الله بلا مواجهة الحُجُبُ عندهم ما يقوم بالعبد من موانع الرؤية وهي أمر عَدَمي أو عَرَض وجودي.
وأما أن الله يحجب نفسه فهذا لا يقوله من يثبت خالقًا ومخلوقًا مباينًا له وإنما يقول من يجعل الوجود واحدًا فالحاجب والمحجوب عنده واحد وكذلك الآكل والمأكول والشارب والمشروب والضارب والمضروب والشاتم والمشتوم والعابد والمعبود واللاعن والملعون وهذا قول أهل الوحدة كابن عربي وابن سبعين وأمثالهما.
وكذلك قوله بك منك إليك من جنس قول ابن الفارض:
(1/152)

إليَّ رسولاً كنتَ مني مرسلاً ... وذاتي بآياتي عليَّ استدلَّتِ
وهم يقولون أرسل من نفسه إلى نفسه بنفسه فهو المُرْسِل والمُرْسَلُ إليه والرسول وهو المُحِب والمحبوب وهو المصلِّي والمصَلَّى له!
كما قال ابن الفارض:
لها صلواتي بالمقام أقيمها ... وأشهدُ فيها أنها ليَ صلَّتِ
كلانا مُصلٍّ واحدٌ ساجدٌ إلى ... حقيقته بالجمع في كلِّ سجدةِ
وما كان لي صَلَّى سواي ولم تكن ... صلاتي لغيري في أدا كلِّ ركعةِ
إلى قوله:
وما زلتُ إيَّاها وإيَّايَ لم تزل ... ولا فَرْقَ بل ذاتي لذاتي أحبَّتِ
وقوله:
وقد رُفِعَت تاءُ المخاطَبِ بيننا ... وفي رَفْعها عن فرقة الفرق رِفْعتي
فإن دُعِيَتْ كُنْتُ المجيبَ وإن أكن ... منادًى أجابَتْ من دعاني ولبَّتِ
وأمثال هذه الأبيات التي يذكر فيها قولهم في وحدة الوجود.
وقال ابن عربي وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا (22) [نوح 22] لأن الدعوةَ إلى الله مكرٌ بالمدعوِّ فإنه ما عدم من البداية فيدعَى إلى النهاية أَدْعُو
(1/153)

إِلَى اللَّهِ [يوسف 108] فهذا عين المكر عَلَى بَصِيرَةٍ فنبه أن الأمر له كله فأجابوه مكرًا كما دعاهم فجاء المحمدي وعلم أن الدعوة إلى الله ما هو من حيث هويته وإنما هو من حيثُ أسماؤه.
وقال شاعرهم:
ما بالُ عِيْسك لا يقرْ قرارها ... وإلام ظلك لا يَنِي مُتنقِّلاً
فلسوف تعلم أن سَيْرك لم يكن ... إلا إليك إذا بلغتَ المنزلا
فعندهم السير يسير منه إليه من الله إلى الله وقوله بك منك مطابق لهذا ودينُ المسلمين أن السير من المخلوقات إلى الخالق كما قال تعالى إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (45) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ [الأحزاب 45-46] وقال قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ [يوسف 108] .
ولا ريب أن الجهمية الذين لا يثبتون للمخلوقات ربًَّا مباينًا للمخلوقات غالبًا عليها إذا سلكوا وتوجَّهوا انتهوا إلى القول بالوحدة فيكون سيرهم من المخلوقات إلى المخلوقات وهم يرون المخلوق هو الخالق [فليس] قولهم إنه ما ثَمَّ موجودٌ إلا العالم كما قاله فرعون لكن هم يقولون العالم هو الله وفرعون كان يُظهر إنكار وجود الله.
(1/154)

ولهذا كان ابن عربي وغيره من أهل الوحدة يُعَظِّم فرعون.
ولقد سألني قديمًا عبد الله* الذي كان قاضي اليهود ودعوتُه إلى الإسلام وبينتُ له أعْلامَه حتى أسلم وحَسُن إسلامه سألني عن قول هؤلاء وكان قد اجتمع بشيخ منهم يُقال له حسن الشيرازي فبينتُ له فساد قول هؤلاء وأن حقيقته حقيقة قول فرعون فقال هكذا قال لي الشيرازي لمَّا دعاني إلى هذا المذهب فقلت له هذا يشبه قول فرعون فقال نعم نحن على قول فرعون قلت له صرَّحَ لك بهذا قال نعم فقلت مع إقرار الخصم لا يحتاج إلى بينة وكان لم يُسْلِم بعد قال فقلتُ له أنا لا أدع موسى وأذهب إلى فرعون فقال لِمَ قلتُ لأنَّ موسى غرَّق فرعون فقلت له نفعَتْك اليهودية يهوديٌّ خير من فرعوني.
وأما قوله أعوذ بك منك فهذه الكلمة مأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم لكنه لم يُرِد بها ما أراده النبي صلى الله عليه وسلم بل هي كلمة حق أراد بها هذا القائل
__________
* قال محقق الكتاب: كذا، وصوابه "عبد السيد" كما في جميع المصادر.
(1/155)

معنًى باطلاً حيث قال حتى لا أرى غيرك ومراده أنه ليس ثَمَّ غير.
كما قال محالٌ أن يحجبه غيره ثم إن هذا مذهب متناقض فإنه إن كان ثَمَّ غير فقد ثبت التعدد وإن كان ما ثَمَّ غير فلا يتصور أن يُحْجَب عن الله حتى يقال له المحجوب من حُجِبَ عن الله.
وهؤلاء يشهدون وحدة الوجود وفطرتهم تشهد بتعدد الوجود فلهذا كلامهم دائر بين فطرتهم السليمة ومذاهبهم الذميمة.
ولقد حضر عندي منهم شيخ من شيوخهم وطلب مني شيئًا فجعلتُ أستنطقه هذا المذهب ليسمعه الحاضرون فإن من الناس من ينكر وجود هؤلاء مع كثرتهم لفساد مذهبهم في العقل وكان قد طلب درهمًا فقلتُ له من الطالب فقال هو الله قلتُ والمطلوب قال هو الله قلت والدرهم قال هو الله وكان هناك فرُّوج وسكِّين فقلت والفرُّوج والسكين فقال هو الله فجعل يقول إني مريض فأعطني فقلت له المعطي غير المُعْطَى أم لا من هو الذي يعطيك وأمثال هذا الكلام الذي أُبين به تناقض قولهم ليظهر له فساده وتَوَّبْتُه بعد ذلك فضجر في أثناء الكلام ورفع بصره إلى السماء وقال يا الله فقلت إلى من ترفع وعلى مذهب المحققين أعني أصحابه ما هناك شيء فقال أستغفر الله أخطأت فصار بفطرته يُقرُّ بأن الله فوق ومذهبه يأمرُهُ بأن ينكر أن يكون فوق العالم شيء وهو حائر بين فطرته
(1/156)

التي فُطِر عليها ومذهبه الذي تلقَّاهُ من شيوخه والكلام على هذا يطولُ وصفُه وإنما المقصود التنبيه.
(1/157)

فصل
ثم قال وأما الطريق المخصوص بالمحبوبين فهو منه إليه به إذ مُحالٌ أن يتوصل إليه بغيره.
فيقال لو قال هو به إليه لكان حقًّا فإن الله لا يُعبد إلا بإعانته ولا حول ولا قوة إلا بالله فـ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا (17) [الكهف 17] .
لكن قال فهو منه إليه فقوله منه إليه من جنس قول أهل الوحدة بل هو من العبد المخلوق المُحْدَث إلى الرب الخالق القديم.
ولما كان كثير من السالكين يقعون في الحلول والاتحاد وكَثُر ذلك في طريق مُتأخِّري الصوفية [أجاب] الجُنَيد قدَّسَ الله روحَه لما سُئل عن التوحيد فقال التوحيد إفراد الحدوث عن القِدَم فرضي الله عن الجُنيد فإنه كان إمام هُدَى وتكلَّم على المرض الذي يُبتلى به كثيرٌ من هؤلاء.
وقد أنكر ابن عربي على الجنيد وعلى غيره من الشيوخ مثل سهل بن عبد الله التُّسْتَري وأمثاله في كتابه الذي سماه بـ التجليات
(1/158)

وادَّعى أن هؤلاء ماتوا وما عرفوا التوحيد وأنه عَرَّفَهم إياه في هذا التجلِّي الذي له وهو تجلٍّ خياليٌّ شيطانيٌّ من نفسه إلى نفسه في نفسه.
وأوْرَدَ على الجُنيد أنك إذا قلت التوحيد تمييز المحدَث عن القديم فالمميِّز بين الشيئين لا بدَّ أن يكون غيرهما وإذا كان ما ثَمَّ إلا مُحْدَث وقديم فمن الذي يُميِّز؟
[فيقال] هذا ممنوع فليس من شرط المميِّز بين الشيئين أن يكون غيرهما بل العبد يفرِّق بين نفسِه وبين غيره من المخلوقات وليس هو غيرهما وكذلك يميز بين نفسه وبين ربه والرب تعالى يفرق بين نفسه المقدسة وبين مخلوقاته وليس هو عين الشيئين وما أكثر ما في
(1/159)

كلامهم من هذه القضايا الحادثة الخيالية التي يُلَبِّسون بها على الناس لا سيما على من يحسن بهم الظن.
وإنما كان الحلول يكثر في كثير من الصوفية ذكر ذلك أبو نعيم الأصبهاني في أول حلية الأولياء وذكره أبو القاسم القُشَيري في رسالته وغيرها وحذَّروا منه ومن أهله وذموا هؤلاء كما كان المشايخ العارفون الذين يُقْتَدى بهم يذمون هذا.
وأما قوله إذ ألبسهم ثوب العَدَم فنظروا فإذا هم بِلا هَمّ ثم أردف عليهم ظُلمةً غَيَّبتهم عن نظرهم بل صار عدمًا لا علة له.
فيقال هذا الكلام مجمل يحتمل شيئين:
أحدهما أن يغيب الإنسان عن ملاحظة نفسه وشهودها وذكرها وهذا هو الفناء عن رؤية السّوى وهو الفناء الناقص الذي يغيب فيه بموجوده عن وجوده وبمعروفه عن معرفته وبمذكوره عن ذكره فهذا أمر يعرض لبعض السالكين فإن كان صاحبه مغلوبًا عليه لا يمكنه دفع ذلك عن نفسه فحسبه أن يكون معذورًا وأمَّا من كان يُمكنه الفرق بين الربِّ والعبد ولم يُفرِّق بينهما فهو من الملحدين.
(1/160)

والاحتمال الثاني الفناء عن وجود السّوى وهو أن يشهد عين وجوده عين وجود الحق فيرى ما سوى عين الوجود الحق عدمًا لا يرى موجودَيْن أحدهما خالق والآخر مخلوق فهذا مشهد أهل الإلحاد من أهل الوحدة والاتحاد.
ثم إنه على هذا التقدير قد يشهد هذا في نفسه فيكون من أهل الوحدة والحلول المعين الخاصّ كالنصارى لكن هذا شرٌّ من النصارى فإنَّ النصارى ادَّعوا ذلك في المسيح وهؤلاء يجعلونه فيمن لا يُعلم إيمانه وقد يشهد ذلك في الوجود مطلقًا فيكون من أهل الوحدة والاتحاد العام المطلق فيقول في جميع المخلوقات شرًّا مما قالته النصارى في المسيح فإن أولئك يقولون كانا اثنين فاتحد أحدهما بالآخر وهؤلاء ما عندهم تعدد بل ما زال وجود ما يقال إنه المخلوقات عين وجود الخالق.
وكذلك قوله فانطمست جميع العلل وزال كل حادث فلا حادث ولا وجود بل ليس إلا العدم الذي لا علة له وما لا علة له فلا معرفة تتعلق به اضمحلَّت المعلومات وزالت المرسومات زوالاً لا علة فيه فإن هذا الكلام مبالغة في الوحدة فإن الزوال والعدم المحض المعلول ليس عدمًا محضًا وزوالاً صرفًا فإذا حصل العدم المحض والزوال الصِّرْف لم يكن هناك حادث ولا موجود بل ليس إلا وحدة الوجود.
ولهذا قال وبقي من أُشير إليه لا وصف له ولا صفة ولا
(1/161)

ذات فهذا مطابق لمذهب أهل الوحدة فإنهم يقولون الرب له تجلٍّ باعتبار ذاته وتجلٍّ باعتبار أسمائه وصفاته.
فتجلِّي الذات وجود محض مطلق ليس فيه اسم ولا صفة ولا يُرى ولا يُشهد ولا يتميز فيه شيء عن شيء ولا ريب أن الوجود المطلق الذي يتصوره الإنسان في نفسه هو بهذا الاعتبار فإن الوجود المطلق بشرط الإطلاق لا يقال فيه ربٌّ ولا عبد ولا قديمٌ ولا مُحْدَث ولا خالق ولا مخلوق ولا حي ولا عليم ولا قدير ولا غير ذلك فإن كل هذه الأمور فيها تخصيص وتقييد بموجود دون موجود فالرب يُخْرِج العبد والقديم يُخرج المحدَث والخالق يخرج المخلوق والحي العليم القدير يخرج الميت الجاهل العاجز.
وأما التجلِّي الأسمائي عندهم فهو ظهوره في الممكنات بحسب استعدادها فيظهر في الكلب بصورة الكلب وفي الإنسان بصورة الإنسان وفي الفلك بصورة الفلك ونحو ذلك.
وقد حكى بعض أصحابنا أنه وقع بين ابن عربي وبين الشيخ أبي حفص السَّهْرَوردي صاحب عوارف المعارف في الحق إذا تجلَّى للعبد هل يمكنه أن يسمع خطابه حين التجلِّي فقال ابن عربي لا يمكن ذلك وقال السَّهروردي بل يمكن ذلك قال ابن عربي مسكينٌ هذا السَّهروردي نحن نقول له عن تجلِّي الذات وهو يخبر عن تجلِّي الصفات.
(1/162)

فلمَّا عرفتُ هذا من هؤلاء قلتُ لأصحابنا صدق على أصله الفاسد فإن الذات عنده وجود مطلق لا كلام لها فكيف يكون في حال تجليها سماع خطاب لكن هذه الذات التي يعنيها إنما توجد في الأذهان لا في الأعيان.
وأما السَّهْروردي فقوله قول المسلمين إن الله يتجلَّى لعباده يوم القيامة ويكلمهم في عرصات القيامة وفي الجنة كما نطقت بذلك الأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم.
فقول القائل بقي من أشير إليه لا وصف له ولا صفة ولا ذات فاضمحلت النعوت والأسماء والصفات فلا اسم ولا صفة ولا ذات يطابق قول هؤلاء وهذا إن أراد به أن الله نفسه تعدم صفاته فهذا من أظهر الباطل فإن صفاته القائمة بذاته لا تعدم وإن أراد أني أشهده بلا صفة فهذا شهودٌ ناقص وهو نقص علمٍ وإيمان وإن أراد أني أشهده بحقيقته وهي في نفس الأمر لا صفة لها ولا اسم فهذا مذهب هؤلاء الملاحدة وهو مذهب ملاحدة الإسماعيلية الذين هم شرٌّ من هؤلاء.
(1/163)

وقوله لا اسم ولا صفة ولا ذات قد يُريد بالذات القائم بنفسه فإنه يشهد وجودًا مطلقًا أطلسًا ليس فيه شيء قائم بنفسه فيكون ذاتًا ولا قائم بغيره فيكون صفة.
فهذا منتهى معرفة المحبوبين الذين هم أفضل من أبدال الأنبياء عند هؤلاء الضالين وهذا الرب الذي ذكروه لا حقيقة له إلا في أنفسهم هل هو إلا ما يتخيلونه فـ سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (180) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (181) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (182) [الصافات 180-182] .
وما كنتُ أظنُّ هذا الشيخ وصل إلى هذا الحدِّ حتى رأيت هذا الكلام ولا حول ولا قوة إلا بالله ولعله قد تاب من ذلك فإن الإنسان لا يدوم على حال واحدة.
وكذلك قوله فهناك يظهر من لم يزل ظهورًا لا علة له بل ظهر بسرِّه لذاته في ذاته ظهورًا لا أولية له بل نظر من ذاته لذاته بذاته في ذاته فحيي هذا العبد بظهوره حياةً لا علة لها فظهر بأوصاف جميلة كلها لا علة لها فصار أولاً في الظهور لا ظاهر قبله فوجدت الأشياء بأوصافه فظهرت بنوره في نوره.
فيقال قد تقدم قوله إنه لا يبقى هناك ذات فقوله نظر من
(1/164)

ذاته لذاته يناقض ما تقدم مع أن هذا الإلحاد والاتحاد أعظم من أن يُقتصر على ذمِّه بمجرَّد التناقض فقوله ظهر لذته من ذاته في ذاته يطابقُ مذهبَ أهل الوحدة الذين يقولون هو الظاهر في جميع المخلوقات وأن ذاته ظهرت لذاته.
وقول ابن عربي ومن أسمائه الحسنى العَليّ على من يكون عليًّا وما ثَمَّ إلا هو وعن ماذا وما هو إلا هو فعُلُوُّه لنفسه وهو من حيث الوجود عين الموجودات فالمسمَّى مُحْدَثات هي العَلِيَّة لذاتها وليست إلا هو.
إلى أن قال قال أبو سعيد الخَرَّاز وهو وجهٌ من وجوه الحقِّ ولسانٌ من ألسنته ينطق عن نفسه بأن الله لا يُعْرَف إلا بجمعه بين الأضداد ثم قال فهو عين ما ظهر وهو عين ما بطن في حال ظهوره وما ثَمَّ من يَراه غيره وما ثَمَّ من يبطن عنه فهو ظاهرٌ لنفسه باطن عنه وهو المسمَّى أبو سعيد الخراز وغير ذلك من الأسماء المحدثات.
وهذا الكلام ذكره القُشَيري وغيره عن أبي سعيد الخراز لمَّا قيل
(1/165)

له بِمَ عرفتَ ربك قال بالجمع بين النقيضين وتلا قوله هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (3) [الحديد 3] .
وأراد أبو سعيد أن المخلوق لا يكون هو الأول الآخر الظاهر الباطن بل هذا متضادٌ في حقِّه بخلاف الخالق ولم يرد أبو سعيد مذهب الحلول والاتحاد فإن أبا سعيد أعلى قدرًا من ذلك وإن كان له في الفناء كلامٌ أُنْكِر بعضُه وإن قُدِّر أن أبا سعيد وغيره أراد معنًى باطلاً فذلك المعنى مردود كائنًا من كان قائلُه.
ولما جرت بالديار المصرية من محنة هؤلاء الجهمية ما قد عرفه الناس وظهر مذهبهم وما قاله هذا وأمثاله حدثني بعض الأكابر الذين لهم قدرٌ ومنزلة معروفة أن النصارى لمَّا سمعوا هذا جعلوا يقولون يا مسلمين أنتم أنكرتم علينا قولنا إن المسيح هو الله وهؤلاء شيوخكم يقولون إن الله هو أبو سعيد الخراز فنحن خيرٌ منكم!!
ولقد صدق من قال إن قول النصارى خير من قول من قال إن الله
(1/166)

هو أبو سعيد الخرَّاز ثم لم يقتصر على ذلك بل قال هو أبو سعيد الخراز وغير ذلك من الأسماء المحدثات!!
ولهذا قيل لبعض أكابرهم ما الفرق بينكم وبين النصارى فقال النصارى خصَّصوا.
وهذا موجود في كلام ابن عربي وغيره وذكره في كتاب الفصوص وغيره من كتبه ينكرون على المشركين والنصارى تخصيصهم عبادة بعض الأشياء والعارف عندهم من يعبد كلَّ شيء كما قال ابن عربي فقالوا في مكرهم وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (23) وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا [نوح 23-24] لأنهم إذا تركوهم جَهِلوا من الحق على قدر ما تركوا من هؤلاء.
فإن للحق في كلِّ معبودٍ وجهًا يعرفه من يعرفه ويجهله من يجهله كما قال في المحمديين وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [الإسراء 23] أي حكم فالعالم يعلم من عَبَد وفي أيِّ صورةٍ ظهر حتى عُبِد وأن التفريق والكثرة كالأعضاء للصورة المحسوسة وكالقوى المعنوية في الصورة الروحانية فما عُبِد غير الله في كلِّ معبود.
فهذا وأمثاله من كلام الملحدين أهل الوحدة الذين يقولون الوجود واحد ولهم أشعار على هذا المذهب كالقصيدة المسماة
(1/167)

بـ نظم السلوك لابن الفارض وشعر ابن إسرائيل والتِّلِمْساني صاحب شرح الأسماء الحسنى وشرح مواقف النفري على مذهب هؤلاء.
وكما قال أيضًا وكان موسى أعلم بالأمر من هارون لأنه علم ما عَبَدَه أصحاب العجل لِعِلْمه بأن الله قد قضى أن لا يُعْبَد إلا إياه وما قضى الله بشيء إلا وقع فكان عَتَب موسى أخاه هارون لما وقع الأمر في إنكاره وعدم اتساعه فإن العارف من يرى الحقَّ في كل شيء بل يراه عين كلِّ شيء.
وهذا من أعظم الناس تحريفًا للكَلِم عن مواضعه يجمعون بين السَّفْسَطة في العقليات والقَرْمطة في السمعيات كإخوانهم الباطنية
(1/168)

الإسماعيلية.
وذلك أن قوله تعالى وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [الإسراء 23] معناه أمَرَ ربُّك باتفاق المسلمين والله إذا أمر بأمرٍ فقد يُطاع وقد يُعصى بخلاف ما قضاه بمعنى أنه قَدَّره وشاءه فإنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن ومن المعلوم أن الله لم يجعل الواقع من جميع الخلق هو عبادته وحده لا شريك له بل أوجب هذا عليهم فمنهم من أخلص له الدين ومنهم من أشرك به.
قال تعالى وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (36) [النحل 36] وذِكْر الشركِ والمشركين في القرآن وذَمِّهم أعظم من أن يُذكر هنا.
فدعوى المدَّعي أن كلَّ عابدٍ فما عبدَ إلا الله وأن الله ذكر ذلك في كتابه من أعظم الإفك والبهتان من طائفة تدَّعي أنها أفضل أرباب التحقيق والتوحيد والعرفان فهذا وأمثاله من علم الملحدين أهل الوحدة الذين يقولون الوجود واحد.
واعلم أن الحلول نوعان حلول مطلق وحلول مقيد.
فالحلول المطلق قول الجهمية وأتباعهم من متصوفتهم الذين يقولون إن الله بذاته في كل مكان وهم مضطربون في هذا الباب لتناقضه وردُّ السلف والأئمة عليهم كثير.
(1/169)

وهؤلاء أهل الوحدة من شرِّ هؤلاء فإنَّ هؤلاء جعلوا الوجود الخالق هو الوجود المخلوق وإن أثبتوا تعدُّدًا وسموا ذلك المظاهر وفرقوا بين الثبوت والظهور والوجود ونحو ذلك فهو كلام متناقض لا حقيقة له بل يجمعون بين النقيضين كما يصنع إخوانهم المتفلسفة في واجب الوجود إذ يصفونه بصفات الممتنع الوجود فيجمعون بين النقيضين.
وكذلك إخوانهم النصارى إذ قالوا واحدًا بالذات ثلاثة بالأقنوم ثم يقولون إن المتحد بالمسيح هو أقنوم الابن فقط دون الأب وروح القدس ويقولون المسيح إله يخلق ويرزق.
فإنَّ هذا من أعظم التناقض فإن الأقانيم إن فسَّروها بالصفات فالصفة لا تخلق ولا ترزق ولا يمكن اتحادها بشيء دون الموصوف وإن فسروها بذوات تقوم بأنفسها لزم إثبات ثلاثة آلهة.
ويقولون باسم الأب والابن وروح القدس إله واحد وقد يمثلون هذا بقول القائل فلان طبيب حاسب كاتب فهو مع الطب له حكم ومع الحساب له حكم ومع الكتابة له حكم لكن هذا التمثيل غير مطابق لمذهبهم لأن هذا ذات واحدة لها ثلاث صفات ويستحيل أنَّ صفةً من الصفات تتحد أو تحل في شيء آخر دون الذات ودون غيرها من الصفات فيلزمهم إما بطلان التثليث وإما بطلان الحلول وهم مُلحدون في أصلي الدين الشهادة بالوحدانية وبالرسالة
(1/170)

أبطلوا التوحيد بالتثليث والثاني بالحلول ودعوى إلهية المسيح.
وقد ذمهم يحيى بن عدي ونحوه أنْ شَبَّهوا قولَهم هذا بقول الفلاسفة في العقل والعاقل والمعقول وجعل مذهب الفلاسفة حُجَّةً له وهذا من ضلالهم فإن الفلاسفة أضل منهم ومذهبهم أشد فسادًا في المعقول والمنقول.
ثم إن الفلاسفة تقول إنه عاقل ومعقول وعَقْل ولذيذ ومُلتذٌّ ولذَّة وعاشق ومعشوق وعشق وتقول ذلك كله واحد ليس فيه معان متعددة أصلاً بل العلم عين العالم والعلم عين القدرة وعين العناية التي هي الإرادة والحب هو المحبوب وهو المحب ومذهبهم بعد التصور التام أشد تناقضًا من قول النصارى بالتثليث.
فمن قال إن العلم هو العالم والقدرة هي القادر واللذة هي الملتذ والمحبة هي المحب وقال العلم هو القدرة والقدرة هي المحبة واللذة فقد جعل الصفات هي الموصوفات وجعل كل صفة هي الأخرى وهو كمن جعل الأعراض هي الجواهر وجعل كل عَرَض هو الآخر كمن جعل السواد هو الحركة والحركة هي الطعم والطعم هو الحياة والحياة هي اللذة وجعل الحركة هي المتحرك وهذا من أعظم السفسطة وأعظم الباطل!!
(1/171)

وهؤلاء كلهم قد يدخلون في معنى الاتحاد الباطل فمن جعل حقيقتين متنوعتين إحداهما هي الأخرى فقد جعل الاثنين واحدًا وهو اتحاد باطل وهؤلاء يجعلون الاثنين واحدًا في الاتحاد ويجعلون الواحد اثنين فإن كل موجود هو ذلك الموجود بعينه ليس له في الخارج حقيقة سوى الوجود الموجود في الخارج فمن جعل حقيقته في الخارج غير الوجود الثابت في الخارج فقد جعل الواحد اثنين وكذلك من جعل المعدوم ثابتًا في الخارج وجعل الوجود غير الثبوت في الخارج كما يقوله من يقوله من المعتزلة والشيعة والاتحادية كابن عربي ونحوه فهو أيضًا ممن جعل الواحد اثنين.
ومن هؤلاء من يقول إن معنى جميع التوراة والإنجيل والقرآن معنًى واحدٌ بالعين وإن معنى آية الكرسي وآية الدَّيْن وآية التيمم هو معنًى واحدٌ بالعين وإن الأمر والنهي ليست أنواعًا للكلام بل كلها صفاتٌ لعينٍ واحدةٍ أو لخمسة أعيان فقوله أيضًا من جنس قول هؤلاء.
ولهذا اعترف حُذَّاق أهل هذا القول بأنه يلزمهم القول باتحاد جميع الصفات وإلا تناقضوا وهذه الأمور مبسوطة في موضعها والمقصود هنا التنبيه على أصول الحلول والاتحاد العام.
وأما الحلول والاتحاد الخاص فكقول النصارى بالحلول والاتحاد في المسيح وقول طائفة من الغالية بالحلول في علي أو في
(1/172)

الاثني عشر أو في أئمة الإسماعيلية كالمعزِّ وأهل بيته أو في الحاكم أو في الحلاَّج أو غير هؤلاء فهذا الحلول الخاص موجود في طوائف متعددة.
ومن الحلول والاتحاد ما يكون في الصفات دون الذات فالحلول في الصفات كقول طائفة إن أصوات العباد بالقرآن أو بغير القرآن أو أفعال العباد أو كلام العباد أو أرواح العباد أو نحو ذلك قديم.
ومن هؤلاء من يقول نحن لا نقول بحلول القديم في المحْدَث بل بظهوره فيه ولكن إذا صَرَّح بأن الصوت المسموع من العبد قديم أزلي كان قوله بعد هذا بأنه ظهر فيه ولم يحل فيه جمعًا بين سفسطتين دعوى قِدَم ما يُعلم حدوثه وبين دعوى أن صوت العبد ليس هو حالاًّ فيه.
وكثير من هؤلاء لا يفهم معنى القديم بل إذا استفسرته عنه قال يريد به أنه غير مخلوق ويقولون يريد أن القرآن كلام الله غير مخلوق ولا ريب أن كلام الله غير مخلوق كما اتفق عليه السلف والأئمة ولا ريب أن القرآن كله كلام الله ليس شيء منه كلامًا لغيره لا جبريل ولا غيره والقرآن العربي كلام الله والله نادى موسى بصوت وينادي عبادَه يوم القيامة كما دلَّ على ذلك الكتاب والسنة لكن هؤلاء ظنوا أن السلف أرادوا بذلك أن ما ليس بمخلوق يكون قديم العين وأن الله لا يتكلم
(1/173)

بمشيئته وقُدْرته ولم يفرقوا بين قديم النوع وقديم العين.
وقد بسطنا الكلام على ذلك في غير هذا الموضع وبينَّا جميعَ أقوال أهل الأرض في القرآن وكلام الله قول الفيضية والخلقية والحدوثية والاتحادية والاقترانية والسلفية والمقصود هنا التنبيه على مسمى الحلول والاتحاد وأنه ينقسم إلى مطلق ومُعَين.
فالحلول والاتحاد المطلق كقول الجهمية الذين يقولون إنه بذاته في كل مكان ومن يناسبهم من الاتحادية وأهل الوحدة.
وأما المقيد فكقول النصارى بالحلول والاتحاد في المسيح ولهذا قيل للتِلْمِساني أكبر رؤوس هؤلاء الملاحدة أهل الوحدة في زماننا الذي قيل له كلامكم مثل هذا من الفصوص ونحوه يُناقض القرآن فقال التوحيد في كلامنا والقرآن كله شرك فقيل له فإذا كان الوجود كله واحدًا فما الفرق بين الزوجة والأخت حتى تحرِّم هذه وتُحِلّ هذه فقال الجميعُ عندنا حلال ولكن هؤلاء المحجوبون قالوا حرام فقلنا حرام عليكم.
... وشرح الأسماء الحسنى على أصول هؤلاء
(1/174)

الملاحدة أهل الوحدة.
وقيل له ما الفرق بينكم وبين النصارى فقال النصارى كفروا بالتخصيص يعني أنهم لو قالوا بالاتحاد العام لما كفروا.
وهكذا يقول هؤلاء كابن عربي وغيره إن المشركين إنما أخطؤوا في عبادة بعض المظاهر دون بعض والعارف عندهم يعبد الموجودات ولهذا فإن في فصوص الحكم فكان موسى أعلم بالأمر من هارون فإنه علم ما عَبَدَه أصحاب العجل لِعِلمه بأنَّ الله قد قضى أن لا يُعْبَد إلا إيَّاه وما قضى الله بشيء إلا وقع وكان عَتَب موسى على أخيه هارون لما وقع الأمر في إنكاره وعدم اتساعه فإن العارف من يرى الحقَّ في كل شيء بل من يراه عين كل شيء.
وذلك أنه حرَّف القرآن وهم دائمًا يحرِّفون الكَلِمَ عن مواضعه ويُلْحِدون في أسماء الله وآياته كما يفعل إخوانهم من ملاحدة الشيعة الباطنية كالقرامطة من الإسماعيلية وغيرهم والله سبحانه قال وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [الإسراء 23] أي أمر ربك بذلك ففسروا هم ذلك المعنى أنه قدَّر أنه لا يُعبد إلا هو.
فكل ما عبده المشركون فهو عندهم الله إذ ليس لغيره وجود وهو عندهم العابد والمعبود فلهذا زعم أن موسى أقَرَّهم على عبادة العجل.
فقد قلتُ لبعضِ من كان معظِّمًا لهم وكان أبوه من شيوخهم وهو
(1/175)

سعيد الفَرْغاني الذي شرح قصيدة نظم السلوك لابن الفارض وكان قد قرأها على القُوْنَوي وكان التِّلْمِساني أيضًا تلميذ القُوْنَوي وكان القُوْنَوي قد جاء في رسالة إلى مصر فاجتمع بابن سبعين لما قدِم من الغرب وكان التِّلْمِساني مع شيخه القونوي فقيل لابن سبعين كيف وجدته يعنون في العلم الذي هو عندهم علم التحقيق والتوحيد فذكر أنه من المحققين لكن معه شابٌ هو أحذق منه يعنون التَّلْمِساني.
فقلت لابن سعيدٍ هذا الذي ذكره هذا عن موسى وهارون يوافق ما في القرآن أو يخالفه فقال بل يخالفه فقلت فاختر لنفسك إن كان القرآن حقًّا فهذا باطل وذلك أن الله أخبر عن موسى في القرآن بأنه أنكر عبادة العجل غاية الإنكار وقال قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (92) أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (93) [طه 92-93] إلى قوله وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا (97) إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا (98) [طه 97-98] وقال تعالى وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ [البقرة 54] وقال إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [الأعراف 152] وهذا مبسوط في موضعه.
والمقصود هنا أن الحلول الخاص أنواع:
منه قول النصارى في المسيح والغالية في علي كالزنادقة الذين
(1/176)

حرَّقهم بالنار لما ادعوا فيه الإلهية وقد ادعاها قوم في طائفة من أهل بيته.
وكذلك ادعاها طائفة من أتباع العُبيدية الباطنية الذين ادعوا أنهم علويون ومَلَكوا مصر نحوًا من مئتي سنة وملكوا بعض المغرب والشام والحجاز مدة كالحاكم ونحوه وقد اعتقدَتْ طائفةٌ من أتباعهم فيهم الإلهية كالدُّرْزية أتباع نشتكين* الدُّرْزي الذي كان من موالي الحاكم وأضلَّ قومًا بالشام في وادي تيم الله بن ثعلبة ويقال إنه رُفِع إليه أسماء بضعة عشر ألفًا يعتقدون فيه الإلهية.
وكذلك بعض الغلاة في المشايخ فيهم من قد يعتقد الحلول والاتحاد في بعض المشايخ ويحكون كلمات مجملة أو فاسدة عن أبي يزيد البسطامي وغيره مضمونها الحلول ويعتقدون أنها صحيحة وتلك الكلمات بعضها كذب عمن نقلوها عنه وبعضها مجملة لا تدل على ما قالوه وبعضها خطأ وضلال ممن تكلَّم بها.
والحلول والاتحاد كثيرًا ما يقع في أقوال الغالطين من الصوفية ولهذا أنكر عليهم أبو نعيم الأصبهاني في أول كتاب حلية الأولياء
__________
* قال محقق الكتاب: [في] الأصل: "هشتكين"، ومثله في "الفتاوى" في مواضع، والصواب ما أثبت ...
(1/177)

وأنكره أيضًا أبو القاسم القُشيري في رسالته.
ولهذا لما سُئل الجنيد عن التوحيد فقال التوحيد إفراد الحدوث عن القِدَم فأجاب الجُنيد بجواب يبين به أن القديم الخالق مُباينٌ للمخلوقات المحدَثة يردُّ بذلك على من يذهب إلى الحلول والاتحاد من جُهَّال النُّسَّاك والمتصوفة.
ولابن عربي كتابٌ في التجلِّيات والإسراء وهي تجليَّات خيالية في نفسه لا حقيقة لها ومعراج خيالي في نفسه وأَخَذ ينكر فيه على المشايخ الأجلاء من الصوفية كالجنيد وسهل ونحوهما وقد تقدم ذكر ذلك.
وقول صاحب الحزب بل ظهر بسرِّه في ذاته ظهورًا لا أولية له بل نظر من ذاته لذاته بذاته في ذاته.
قد يُراد به الحلول والاتحاد العام وقد يُراد به الحلول والاتحاد الخاص ومع هذا فبأيهما فُسِّر مراده تناقضَ كلامه والذين يتكلَّمون بهذه الأمور يتخيلون أشياء لا حقيقة لها ويتكلمون في كل موطن من مواطن الخيال بحسب ما تخيلوه في ذلك الموطن فلهذا لا يجري
(1/178)

كلامهم على قانون واحد ولا يُحْكَى لهم مذهب واحد بلوازمه وينفون ما يناقضه.
ولهذا يقول أصحاب الوحدة كما كان يقوله سعيد الفرغاني وغيره ينبغي لمن أراد الدخول في طريق التحقيق أن يُجَوِّز الجمعَ بين النقيضين ولابن عربي:
عَقَد الخلائقُ في الإله عقائدًا ... وأنا اعتقدتُ جميعَ ما اعتقدوه
فهم في جهل وضلال من جنس النصارى لهم عبادة وزهادة وأخلاق حسنة ولكنهم جُهَّال ضالون لا يعرفون من يعبدون ولا بماذا يعبدونه!
فالنصارى يعبدون غير الله بغير أمر الله وأصل الدين الذي بَعَث الله به رسله وأنزل به كتبه أن لا يُعبد إلا الله وأن نعبده بما شرع لا نعبده بالبدع فقول هذا القائل نظر من ذاته لذاته بذاته في ذاته وقوله ظهر بسرِّه لذاته في ذاته ظهورًا لا أولية له يطابق قول أهل الوحدة والاتحاد العام والحلول العام.
فإن من يقول بالحلول الخاص يحتاج أن يقول إنه حلَّ في غير ذاته أو اتحد بغير ذاته أو نظر أو ظهر لغير ذاته كما يقوله النصارى
(1/179)

من اتحاد اللاهوت والناسوت.
ولا يقال في الحلول الخاص قلم وعقل وكرسي وعرش وغير ذلك مما سنذكره فإنَّ هذا كلَّه إنما يطابق قول أهل الوحدة والاتحاد العام.
وإن حُمِل كلامه على الحلول العام فذاك لا فرقَ فيه بين شيء وشيء ولا طريق الخاصة والعامة بل هو عند هؤلاء ما ثَمَّ إلا وجود الذات لكن هؤلاء يتناقضون أكثر من تناقض غيرهم فإن الحس والعقل يشهد بتعدد الموجودات فمن أراد أن يجعل المتعددات شيئًا واحدًا فلا بد أن يتناقض.
وكذلك أهل الاتحاد الخاص يتناقضون وأن الاثنين لا يكونان واحدًا إلا إذا استحالا جميعًا فصارا شيئًا ثالثًا كما يختلط الماء واللبن والماء والخمر فيصير ذلك أمرًا مختلطًا ممتزجًا ليس ماءً محضًا ولا لبنًا محضًا.
ولهذا النصارى تارة تقول إن اللاهوت والناسوت صارا كالماء واللبن وهذا يقوله من يقوله من اليعاقبة وتارة يقولون صارا كالنار والحديد كما يقوله من يقوله من الملكية وأما
(1/180)

النسطورية فإنهم يقولون بالحلول كحلول الماء في الظرف وهم أقل النصارى كفرًا وإلحادًا وإن كان الجميع كفارًا ملحدين.
ومعلوم أن الرب تعالى يمتنع عليه أن تستحيلَ ذاتُه مع ذات بعض المخلوقات شيئًا ثالثًا كالماء واللبن فإن هذا إنما يكون في المخلوقين اللذين مخلطهما وممزجهما ثالث غيرهما فأما الخالقُ لكل ما سواه الغنيّ عن كل ما سواه الذي يستحيل أن يفتقر إلى شيء غنيٍّ عنه أو يؤثر فيه ما هو غني عنه الذي كل ما سواه فقير إليه وكل ما يحدث فيما سواه فبقدرته ومشيئته حَدَثَ وَوُجِد.
وإذا أمر الخلق بالدعاء وأجابهم وأمرهم بالعمل وأثابهم فهو الذي جعلهم يدعون ويعملون وهو الذي جعلهم يتوبون وهو سبحانه يحب التوابين ويحب المتطهرين ويفرح بتوبة التائبين ويرضى عن المؤمنين فهو الذي خلق الأمور التي ترتب عليها ما ترتب فهو الخالق للأسباب والمسببات والفاعل للبدايات والغايات.
فإذا فرح بتوبة التائب فهو الذي جعله تائبًا وإذا رضي عن المؤمنين فهو الذي جعلهم يفعلون ما أرضاه فما إلا ما خلقه وما أفرحه إلا ما شاءه إذ لا يكون في ملكه شيء بدون مشيئته وقدرته وخلقه سبحانه.
(1/181)

وقد بُسِط الكلام في هذه الأمور في غير هذا الموضع فإنها مواضع شريفة تتعلق بمسائل الصفات والأفعال والشرع والقدر وقيام الأمور الاختيارية وهل رضاه وسخطُه وفرحُه مخلوقاتٌ منفصلة عنه كما يقوله من يقوله من المعتزلة ومن وافقهم من أصحاب الأئمة الأربعة وغيرهم؟
أو ذلك يرجع إلى صفة واحدة هي الإرادة كما يقوله من يقوله من الكُلاَّبية ومن تابعهم من أصحاب الأئمة الأربعة وغيرهم؟
وإما ذلك كله صفاتٌ قديمةُ الأعيان تتَّحد متعلقاتها لا أنفسها كما يقول ذلك من يقوله من الكُلاَّبية والسالمية ومن وافقهم من أصحاب الأئمة الأربعة وغيرهم؟
أم ذلك أمور تكون قائمةً بذاته حاصلةً بقدرته ومشيئته كما دلت عليه النصوص الثابتة في الكتاب والسنة ودلت الأدلة العقلية على موافقة النصوص الإلهية وخطأ مخالفيها وهذا كله مما بُسِط في غير هذا الموضع.
والمقصود هنا أن استحالةَ القديم الواجب لذاته المستلزم صفات الكمال التي صفاته من لوازم ذاته ممتنع لذاته فإن صفات الكمال واجبة له قديمة بقدمه وما وجب قِدَمُه امتنع عَدَمُه والاستحالةُ لا تكون إلا بِعَدَمِ ما كان موجودًا قبل ذلك.
وليس هذا موضع بَسْط هذا وإنما المقصودُ هنا التنبيه على ما يقع
(1/182)

في كلام طائفة من الشيوخ من معنى الحلول والاتحاد سواء كان عامًّا أو خاصًّا ليحترز عن ذلك ولا يقع فيه من حصل له إما لموافقة ذلك القائل وإما للجهل بما هو الأمر عليه في نفسه وما جاء به الكتاب والسنة وما دلَّ عليه صريحُ المعقول المطابق لصحيح المنقول.
وقوله فحَيِيَ هذا العبد بظهوره حياةً لا علة لها فظهر بأوصاف جميلة كلها لا علة لها فصار أولاً في الظهور لا ظاهر قبله فوُجِدَت الأشياء بأوصافه وظهرت بنوره في نوره فأول ما ظهر سرُّه وظهر قلمه الفصل إلى آخره وقد تقدم ذكره.
فيقال هذا الكلام يشبه ترتيبَ الفلاسفة والباطنية القرامطة من الإسماعيلية ونحوهم الذين يقولون صدر عن الواجب عقول عشرة مرتبة ونفوس سبعة للأفلاك ويريدون أن يجمعوا بين ذلك وبين ما جاءت به الرسل فيذكرون الحديثَ الموضوعَ أول ما خلق الله العقل وقد قدَّمنا أنه موضوع وأن لفظَه مع ذلك حجة عليهم لا لهم ويسمون العقلَ الأول القلم لما رُوِي إنَّ أولَ ما خلق الله القلم.
(1/183)

ويوجد نحوٌ من هذا في رسائل إخوان الصفا وفي كلام أبي حامد وكلام ابن عربي وابن سبعين وغيرهم وقد بسطنا الكلام على فساد مذهب هؤلاء عقلاً ونقلاً في غير هذا الموضع.
وطائفة من الذين تصوفوا على طريقة هؤلاء الفلاسفة كابن القَسِي صاحب خلع النعلين وابن سبعين وابن عربي وابن أجلى والبوني المتأخر وابن الطفيل صاحب رسالة حيّ بن يقظان ونحو هؤلاء خَلَطوا كلام هؤلاء بشيء من كلام الصوفية وألفاظ القرآن والحديث.
وما ذكره ابن سينا في مقامات العارفين في إشارته هي من أسباب دعاء هؤلاء إلى ما هم عليه وهم لا يتفقون على قولٍ واحد لأن الأصل الذي بنوا عليه باطل فتجدهم مختلفين وكلٌّ منهم يدَّعي كشفًا وذوقًا ووجدًا يخالف الآخر أو يَدَّعي عقلاً ونظرًا واستدلالاً يخالف الآخر فكلٌّ لكلٍّ مناقض وكلٌّ لكلٍّ معارض فإنهم لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (8)
(1/184)

يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ (9) [الذاريات 8-9] وقال تعالى وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (82) [النساء 82] .
وهذا الرجل ذكر ظهور القلم ثم ظهور الأمر ثم ظهور العقل وجمهور هؤلاء يجعلون العقل هو القلم والكلامُ إذا لم يُبْنَ على أصلٍ علمي قال كلٌّ ما خطر له وتخيله وهؤلاء كثيرًا ما تخيلوا أشياء لا حقيقة لها يظنونها في الخارج ... ويسمي الخيالَ أرضَ الحقيقة ويعظم أمره ولعمري إن الخيال الباطل الواسع هو من إلقاء الشيطان والوسواس الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس.
ثم إنه انتقل من هذا الترتيب إلى أن جعل العقل أولاً ثم الروح ثم القلب ثم النفس وهذه أمور في الإنسان لا في الخارج فجعل هذا مثل هذا وهو كلامٌ باطل لا يدل عليه شرع ولا عقل بل يعلم بطلانه بالشرع والعقل.
وقد قدمنا الكلام في ذلك وبينا أن ذات الإنسان واحدة ولكن لها صفات متعددة فباعتبار كلِّ صفة يسمى باسم فَأمَّا أن يكون روح الإنسان أو بدنه أعيانًا قائمة بأنفسها هي أجسام أو جواهر قائمة بأنفسها إحداها العقل والثاني الروح والثالث النفس فهذا باطلٌ قطعًا.
وأيضًا فقول القائل ظهر يفهم منه في اللغة المعروفة أنه ظهر لغيره فعرفه أو رآه بعد أن لم يكن كذلك مع كونه كان موجودًا في
(1/185)

نفسه كما يقال ظهر الهلالُ وظهرت الشمس ونحو ذلك.
وهؤلاء قد يريدون بالظهور نفس الوجود ويقولون عن الموجودات مظاهر الحق ومَجَالِيْه وليس مرادهم أنه عُرِف بها ودلَّت عليه وشهدت له بل مرادهم أنه انكشف موجودًا فيها وهو لم يزل فيها عندهم لكنه ظهر للسالك ما لم يكن ظاهرًا له.
وكانوا أخذوا عن مشكاة صاحب الأنوار لما سمى الحقَّ نورًا بما يناسب هذا وتبعه عليه ابن رشد الحفيد فاختار له من الأسماء اسم النور والنور يقال فيه أشرق وظهر ونحو ذلك.
فيقال إن أُريد بظهور الحق في هذه الأمور نفس وجود ذاته فيها فهذا صريح الحلول والاتحاد وإن أُريد به أنه عُرِف وعُلِم فكلُّ ما في الوجود من شواهد الحقِّ وأعلامه ودلائله وآياته وهذا حكمٌ يَعُمُّ المخلوقات ويتناول جميع المصنوعات سواء سُمِّيت مُحْدَثات أو ممكنات أو غير ذلك.
فكل ما سوى الله فقير إليه من كل وجه محتاج إليه حاجةً مطلقة عامة فلا وجود لذاته ولا شيء من أحواله وأوصافه إلا بالله ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن فوجود كل منها مستلزمٌ لوجود الحقِّ وكلُّ ملزومٍ فهو دليلٌ على اللازم كما أن كل دليل فهو ملزومٌ لمدلوله.
وكون هذه الموجودات محتاجةً إلى الله ودليلاً عليه أمر ذاتيٌّ لها لازم لا يمكن أن تكون إلا كذلك فكما أن الخالق غنيٌّ بذاته عن كل
(1/186)

شيء يمتنع لذاته أن يكون فقيرًا بوجهٍ من الوجوه فما سواه فقير لذاته يمتنع أن يكون غنيًّا عن الله بوجهٍ من الوجوه فلا حول ولا قوة إلا بالله.
والموجود إما قديم وإما محدث والمحدَث لا يكون محدَثًا إلا بقديم.
وكذلك الموجود إما واجب لنفسه وإما ممكن والممكن لا يكون موجودًا إلا بواجب لنفسه.
وكذلك الموجود إما مخلوق وإما غير مخلوق والمخلوق لا بدَّ له من خالق غير مخلوق فلا بدَّ من الموجود الذي ليس بمخلوق.
وكذلك الموجود إما غني وإما فقير والفقير لا يوجد إلا بالغني فلا بدَّ من الغَنِيّ على كل حال وتقدير.
وهذا لأن تقدير مخلوقات أو مُحْدَثات أو فُقراء أو ممكنات ليس فيها خالق قديم غني واجب بنفسه أفسد من تقدير مُحْدَث بلا مُحْدِث ومخلوق بلا خالق وفقير بلا غني وممكن موجود بغيره بلا واجب موجود بنفسه فإنه كلما كثرت المحدَثات والممكنات والمخلوقات كان افتقارها إلى المحْدِث الواجب الخالق أعظم من افتقار الواحد فإذا لم يكن فيها موجود بنفسه لم يكن فيها موجود فتكون كلها معدومات وكثرة المعدومات التي ليس موجود فيها بنفسه يوجب كثرة حاجتها إلى الموجد.
وهذا مع أنه من الضروريات المتفق عليها بين العقلاء فهو
(1/187)

مبسوط في غير هذا الموضع.
ولهذا اتفق العقلاء على امتناع التسلسل والدور في المؤثِّر سواء سُمِّي فاعلاً أو خالقًا أو موجبًا أو علة أو غير ذلك ولكن تنازعوا في التسلسل في الآثار كما بسطناه في موضعه.
والدور نوعان فالدَّور القَبْلي كالدور في المؤثرات والعلل والفاعل متفقٌ بين العقلاء على امتناعه.
وأما الدور المعيّ الاقتراني وهو أنه لا يوجد هذا إلا مع هذا فهذا ليس ممتنعًا لذاته بل ممكن في الجملة كمَعْلولي العلة كالأبوَّة مع البُنوَّة وكذلك إذا كان غنيين عن الفاعل كصفات الرب الأزلية مع ذاته المقدسة فإنه لا يوجد شيء من ذلك إلا مع الآخر وهو سبحانه بصفاته الأزلية غني عن الفاعل والمؤثر وهذا كله مبسوط في موضعه.
والمقصود أن كون المخلوقات آيات للرب تبارك وتعالى ودلائل وشواهد ومظاهر بمعنى أنها تدلُّ وتعرِّف وتشهد بما شهد به القرآن واتفق عليه أهل الإيمان وعُلِمَ ثبوته بالبُرهان.
بل آياته المخلوقة دلت على صِدْق آياته المتلوَّة كما قال تعالى سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ [فصلت
(1/188)

53] حتى يتبين لهم أن القرآن حَقٌّ فالضمير عائد على ما تقدم وهو الذي قيل فيه إن كان من عند الله ثم كفرتم به ولهذا قال أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (53) [فصلت 53] أي شهادته بما أنزله من القرآن كافية وهو مع هذا أظهر للعيان في الأنفس والآفاق ما بَيَّن أن القرآن حق فيتفق السماع والعيان وبرهان القرآن والغيب وبُرهان الحق والشهادة ويتفق علمه وعلم الله الذي أنزله على الرسول وعالمه الذي تستدل به العقول ويتصادق العقل والشرع والرأي والسمع.
وأما كون ذاته سبحانه نفسها تحل في مخلوقاته فهذا هو الباطل سواء سُمِّي ذلك ظهورًا وتجلِّيًا أو لم يُسَمَّ فكثيرًا ما يتكلم فيه أهل الضلال بالألفاظ التي فيها إجمال إمَّا ضلالاً وإما إضلالاً وقد يتكلم بالمجمل من لا يَضِل ولا يُضِل لكن مع ما يبين به المراد فالذين في قلوبهم زيغٌ يتبعون المتشابه ويَدَعُون المُحْكم كفعل النصارى وأمثالهم من أهل الضلال الذين نزل بسببهم ما أنزل الله في كتابه في آل عمران.
(1/189)

فصل
ورد عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لا تظنَّنَّ بكلمةٍ خرجت من مسلم شرًّا وأنت تجدُ لها في الخير مَحْملاً.
وقال احمل أمر أخيك على أحسنه حتى يجيئك ما يغلبك منه وقد قال الله اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ [الحجرات 12] .
ونحن لا نحمل كلامَ رجلٍ على ما لا يسوغ إذا وجدنا له مساغًا ولولا ما أوجبه الله نصيحةً للخلق ببيان الحق لمَا كان إلى بيان كلام هذا وأمثاله حاجة ولكنْ كثيرٌ من الناس يأخذون الكلام الذي لا يعلمون ما اشتمل عليه من الباطل فيقتدون بما فيه اعتقادًا وعملاً ويَدْعُون الناسَ إلى ذلك.
وقد يرى بعض المؤمنين ما في ذلك من الخطأ والضلال لكن يهاب ردَّه إما خوفًا أن يكون حقًّا لا يجوز رَدُّه وإما عجزًا عن الحجة والبيان وإما خوفًا من المنتصرين له فيجب نصح المسترشد ومعونة المستنجد ووعظ المتهوِّر والمتلدِّد وبيان الصراط المستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء
(1/190)

والصالحين.
فلهذا وغيره نذكر ما تحتمله الكلمة من المعاني لاحتمال أن يكون قصد بها صاحبُها حقًّا ما لم يتبين مرادُه فإذا تبين مراده لم يكن بنا حاجة إلى توجيه الاحتمالات.
فقد يقال هذا الشيخ لم يقصد بكلامه الحلول والاتحاد لا مطلقًا ولا معينًا وإنما تكلم في المقام الذي يسمونه مقامَ الفناء والاصطلام وهو أن يغيب السالك بمعروفه عن معرفته وبمذكوره عن ذكره وبمعبوده عن عبادته وبموجوده عن وجوده كما يقال إن شخصًا كان يحب آخر فألقى المحبوبُ نفسَه في اليمِّ فألقى المُحِبُّ نفسه فقال أنا وقعت فما أوقعك فقال غبتُ بكَ عني فظننت أنَّك أنِّي.
وهذه الحال تعرض لطائفة من أهل سلوك طريق الله وعبادته ومحبته وتعرض أيضًا لمن يحب غير الله فيغلب ذكر المحبوب على القلب حتى لا يخطر للمحب تلك الساعة لا نفسه ولا غيره ثم لقوة استيلاء ذلك على قلبه واستتباع قلبه لحواسه يخيل إليه أنما يسمع هو كلام ذلك المحبوب الذي في قلبه وما يراه هو هو وقد يظن أن الذي في قلبه هو في الخارج وليس ذلك إلا في قلبه.
وما يُذكر عن بعض النُّساك والزهاد أنهم يقولون إنهم يرون الله
(1/191)

بأعينهم في الدنيا هو من هذا الباب ... ولهم صدق في العبادة والزهد.
وكثير من الشيوخ والمتكلمين في المعرفة ومنازل السائرين وحقائق التوحيد يظنون أن هذا المقام مقام الفناء هو غاية السالكين وهو منتهى الواصلين.
وكذلك المتفلسفة الذين تكلموا في مقامات العارفين كابن سينا في الإشارات وأبي بكر بن الطفيل صاحب رسالة حي بن يقظان وغيرها عندهم أن هذا هو غاية العارفين.
وهؤلاء المتفلسفة أمرهم على أصلين فاسدين:
أحدهما أن كمال الإنسان ونهايته هو مجرد أن يعلم الوجود على ما هو عليه وجعلوا جنس الأخلاق والعبادات والأعمال ونحو ذلك إنما يُطْلَب لكونه وسيلة إلى المعرفة فقط فهي تُقْصَد قصد الوسائل فقط كما تُركب الإبل وتُقطع المسافة لأجل الحج ولهذا استخفَّ هؤلاء بجنس المحبة والإرادة والعبادة والعمل لكون ذلك عندهم إنما مقصوده تهذيب النفس وإعدادها لحصول ما هو عندهم العلم.
(1/192)

والأصل الثاني الفاسد الذي بنوا عليه أمرهم فإنهم لما رأوا أن مجَرَّد العلم هو الغاية والكمال الذي يحصل للإنسان لم يكن عندهم علم إلا ما علموه من العلم الذي يسمونه هم الإلهي وذلك العلم منتهاه هو العلم بالوجود المطلق الكلي وهو [ما] يسمونه العلم الأعلى والفلسفة الأولى ويقولون هو النظر في الوجود ولواحقه ويقولون موضوع العلم الأعلى هو الوجود ومعلومٌ أن مُسمى الوجود المشترك من الموجودات إنما هو في الذهن وإنما العلم الأعلى هو العلم بالله والله هو الأعلى على كل شيء من كلِّ وجهٍ كما قال سبحانه سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (1) [الأعلى 1] فالعلم به أعلى العلوم وإرادة وجهه أفضل الإرادات ومحبته أفضل المحبات.
وهؤلاء يتكلمون في الوجود المطلق وانقسامه إلى واجب وممكن وعلة ومعلول وانقسام العلة إلى العلل الأربعة:
المادة والصورة وهما عِلَّتا ماهية الشيء في نفسه والفاعل والغاية وهما عِلتا وجود ذلك.
وانقسامه إلى جوهر وعرض وانقسام الجوهر إلى خمسة أقسام العقل والنفس والمادة والصورة والجسم وانقسام الأعراض إلى تسعة وهذه التسعة مع الجوهر هي المسمَّاة بالمقولات العشر عندهم وهي الأجناس العالية للموجودات.
ثم الأعراض هل هي تسعة أو خمسة أو ثلاثة في ذلك
(1/193)

نزاع ليس هذا موضعه وهي الكم والكيف والأين ومتى والوضع والإضافة والملك وأن يفعل وأن ينفعل وقد جمعها بعضهم في بيتين فقال:
زيد الطويل الأسود بن مالك ... في داره بالأمس كان يتَّكِي
في يده سيف نَضَاه فانتضى ... فهذه عشرة مقالات سوا
وكلامهم في هذه الأمور بعضه حق وبعضه باطل ليس هذا موضع تفصيل ذلك.
ولكنَّ المقصود أن غايتهم معرفة وجودٍ مطلق هو الأعلى عندهم والوجود المطلق لا يكون مطلقًا إلا في الأذهان لا في الأعيان فهذه العلوم العقلية الإلهية التي يجعلونها غاية كمال الإنسان وبها ينال كمال السعادة غاية معلوماتها أمور مطلقة كُلِّيات لا توجد إلا في الأذهان لا في الأعيان كالعلم بالعدد المجرَّد عن المعدودات.
ويقولون العلومُ ثلاثة:
علمٌ مُتعلق بالمادة في الذهن والخارج وهو العلم الطبيعي وهو الكلام في الجسم وما يلحق ذلك من حده وأنواعه وأنواع أنواعه كالكلام في الجسم مطلقًا ثم الكلام في السماء والعالم ثم الكلام في الآثار العلوية ثم الكلام في المولدات من الحيوان والنبات والمعادن
(1/194)

وأنواع ذلك وهو أوسع علومهم.
وعلمٌ متعلق بالمادة في الخارج لا في الذهن وهو العلم الرياضي كعِلْم العدد والمقدار ومنه علم الهندسة.
وعلمٌ لا يتعلق بالمادة لا في الذهن ولا في غيره وهو علم ما بعد الطبيعة باعتبار العالِمين وهو علم ما قبلها باعتبار الموجود المعين وسماه متأخروهم الذين دخلوا في ملة الإسلام العلم الإلهي.
وهذا العلم إذا حُقّق عليهم لم يكن معلومه إلا أمور مطلقة تقوم في الأذهان لا حقيقة له في الخارج فإن الوجود المطلق وأنواعه وأنواع أنواعه هذا كله أمور مطلقة كلية لا توجد في الخارج وإنما توجد مطلقة في الذهن.
وأما العلم بواجب الوجود فهو عندهم جزء من هذا العلم مع أن واجب الوجود الذي يصفونه لا وجود له في الخارج بل وجوده في الخارج ممتنع كما قد بُسِطَ في موضعه.
والعقول العشرة التي يثبتونها إذا حُقِّق الأمر فيها لم يكن لها أيضًا وجود إلا في الأذهان لا في الأعيان بل يسمونها مجردات هي عند التحقيق ما يُجَرِّده العقل من المعقولات الكلية التي انتزعها من المحسوسات والمعقولات الكلية المنتزعة من المحسوسات هي أمور
(1/195)

ثابتة في الذهن وهي أمور كلية سواء كانت شيئًا مفردًا أو كانت قضية مركَّبة من موضوع ومحمول.
وإذا حُقِّق الأمرُ على القوم فلا يثبتون موجودًا في الخارج إلا الفلك وما حواه وما يثبتونه من العقليات غير ذلك فلا وجود لها في الحقيقة إلا في الذهن وهذه جملة مختصرة مبسوطة في غير الموضع نَبَّهنا عليها هنا لارتباط الكلام بها.
والذين تصوَّفوا وتألَّهوا وسلكوا مسلك التحقيق والعرفان على طريقة هؤلاء كان منتهاهم إثبات هذا الموجود المشهود وهو الفلك وما حواه وهذا غاية ابن سبعين وابن عربي والتلمساني وأمثالهم.
وهو حقيقة قول فرعون لكنَّ هؤلاء سموا هذا الله وظنوا أنه الله وفرعون كان أحذق منهم وأخبر فعَلِمَ أنه ليس هو الله وكان يثبت صانع العالم لكنْ جَحَده ظلمًا وعلوًّا لهذا لمَّا قال لموسى وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (23) [الشعراء 23] قاله على طريق استفهام الإنكار يقول هذا الذي تقول إنه أرسلك ما هو عَرِّفنا به فأجابه موسى جوابَ من يعرف أنه يعرفه ويظهر إنكاره ويقول هو أعْرَف من أن يُعَرَّف وأبْيَن من أن يحتاج إلى إظهار وهو معروف عندك.
كما لو جاء رجل برسالة من عند عمر بن الخطاب إلى بعض أعراب المدينة فقال ذلك الأعرابي ما هو هذا عمر فقال له الرسول هو أمير
(1/196)

المؤمنين عمر بن الخطاب الذي ولَّى عليكم فلانًا وفعل بكم كذا وكذا وذلك الأعرابيُّ يعلم ذلك لكن تجاهل فهذه كانت حال فرعون مع موسى.
وأما من يقول إنه سأله طالبًا لتعريفه الحقيقة بالجنس والفصل وأنَّ موسى عَدَل عن ذلك إلى التعريف بالأفعال فهذا كلامُ طائفةٍ من المتأخرين الغالطين فإنّ فرعون كان منكرًا لوجوده وهو القائل مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي [القصص 38] وقال لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ [الشعراء 29] والطالبُ لتعريف الحقيقة يكون مُقِرًّا بالوجود على أن الجواب بذكر الماهية المركَّبة من الجنس والفصل قد تكلَّمنا عليها في غير هذا الموضع وبيَّنا بعضَ ما وقع فيه من غلط المنطقيين.
فهؤلاء المتفلسفة ضلالهم في كمال النفس وسعادتها مركَّبٌ من أصلين ظَنُّهم أن الكمال هو مجرَّد العلم وظنهم أن ذلك العلم هو ما عندهم من العلم الإلهي الذي ليس فيه علم بالإله بل هو من أعظم الجهل بالإله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر.
ولهذا كان منتهى الفلاسفة الإلهيين هو بداية الداخلين في الملل دخولاً حقيقيًّا من اليهود والنصارى فضلاً عن المسلمين لكن تسلطوا على كثير من المنتسبين إلى الملل لما فَرَّطوا فيه من معرفة ما جاءت به الرسل من العلم الإلهي الذي هو أشرف العلوم.
(1/197)

فطائفة من الناس توافقهم على الأصل الأول دون الثاني وهو من يظنُّ أن كمال النفس وغايته هو مجرد العلم لكن يعلم أنهم مُخَلِّطون في العلم الإلهي فيطلب هو علم ذلك من الجهة التي نفوها وهذا حال كثير من الناس وفي كلام أبي حامد أحيانًا إشارة إلى ذلك هو قريب من مذهب جَهْم بن صفوان ومن وافقه كالصالحي والأشعري في أحد قوليه الذي يجعل الإيمان مجرد العلم بالله.
لكنْ جهمٌ وأتباعه خير من هؤلاء من جهتين من جهة أن ما عندهم من العلم بالله أكثر وأصح مما عند هؤلاء ومن جهة أن الأعمال عندهم لها ثواب وعقاب ومن جهة أن لهم من المعرفة بكتاب الله وملائكته ورسوله وغير ذلك من معارف من جنسه ما ليس لهؤلاء وإذا كان جَهْمٌ خيرًا من هؤلاء من جهات كثيرة وقد عرف كلام السلف والأئمة في جهم فكيف يكون هؤلاء عند سلف الأمة وأئمتها ولهذا يوافقون جهمًا على نفي الصفات وهم وجهمٌ في ذلك أشد من
(1/198)

المعتزلة وهم يميلون إلى الجبر والإرجاء كمذهب جهم فهم بالجهمية أشبه منهم بالمعتزلة وإن كانت الجهمية خيرًا منهم من وجوه كثيرة.
وما يذكرونه من سعادة النفوس بعد الموت والطريق إلى ذلك فيه من الجهل والضلال ما الله به عليم ومن خبَرَ كلام أئمتهم كابن سينا عَلِم أنهم يعلمون من أنفسهم أنه ليس عندهم بذلك علم وإنما يتكلمون فيما لا علم لهم به كما تَمثَّل به الشهرستاني بقول القائل:
فدَعْ عنك الكتابةَ لستَ منها ... ولو سَوَّدت وجهَك بالمِداد
وأبو محمد بن حزم مع تعظيمه للفلاسفة ولعلومهم وتصنيفه في المنطق وغيره وتعظيمه للمنطق وأن كلامهم وكلام المعتزلة والجهمية عنده حتى نفى الصفات وأراد أن يجمع بين ذلك وبين ما جاءت به الرسل فقال ما لا حقيقة له ولا يعقل وأثبت ألفاظًا لا معنى لها وقال وقف العلم عند معرفة الصفات وكان هذا من تَحَمْيرهم وتَحَمْير الجهمية فيه اعترف مع ذلك بأنه ليس عندهم علم بما يُنجي ويُسْعِد بعد الموت فقال بعد تعديد علومهم من المنطق والطبيعي والرياضي وذِكر ما جاءت به النبوة قال والوجه الثالث من منفعة ... ما جاءت به النبوة هو التقديم بنجاة
(1/199)

النفوس بعد خروجها من هذه الدار من الهلكة التي ليس معها ولا بعدها شيء من الخير ولا بأقل ولا بأكثر فلا سبيلَ إلى معرفة حقيقة مراد الخالق عز وجل منا ولا إلى معرفة طريق خلاصنا إلا بالنبوة.
وأما بالعلوم الفلسفية التي قد قدمنا فلا أصلاً ومن ادَّعى ذلك فقد ادَّعى الكذب لأنه يقول بذلك بلا برهان ألبتة وما كان هكذا فهو باطل ولا يعجز أحد عن الدعوى وليست دعوى أحد أولى من دعوى غيره بلا برهان.
ثم البرهان قائم على بطلان هذه الدعوى لأن الفلاسفة الذين يستند إليهم هذا المدَّعي مختلفون في أديانهم كاختلاف غيرهم سواء سواء فوجب طلب الحقيقة من ذلك عند من قام البرهانُ على أنه إنما يخبر عن خالق العالم ومدبره عز وجل.
قال وهذا مكانٌ يُلزم العالمَ الناصح لنفسه أن لا يجعل كدَّه ولا سعيه ولا اجتهاده إلا في الوقوف على حقيقته وإلا فهو موبقٌ لنفسه وأن لا يشتغل عن ذلك بعلمٍ يقلّ نفعه ومن فَعَل ذلك فهو ضعيف العقل فاسد التمييز سيئ الاختيار مستحقُّ الذم جانٍ على نفسه
__________

[التعليق]
من كلام ابن حزم
(1/200)

أعظم الجنايات.
* * *
قلت وضلالهم نشأ من جهتين من جهة كونهم لا يعقلون ولا يسمعون كما قال تعالى في أهل النار كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (8) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ (9) وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (10) [الملك 8-10] .
فإنَّ ما دخلوا فيه من العقليات في الإلهيات فيه ضلالٌ عظيم مخالف لصريح العقل.
وأما السمعيات فقد عُلِمَ إعراضهم عنها مع جهلهم وهم يدَّعون النجاة والسعادةُ بعد الموت تُحَصَّل بما عندهم من العلوم والأعمال من الأخلاق وسياسة المنزل والبدن وهذا باطل قطعًا فإنه قد ثبت باليقين الذي لا يحتمل النقض أن من لم يؤمن بالرسول فلا نجاة له ولا سعادة ولو حَصَّل جميعَ علومهم واتصف بما يأمرون به من الأخلاق والتدبير والسياسة حتى لو قُدِّر أن ما عَلَّقوا به النجاةَ والسعادةَ من العلوم والأخلاق بوحي من الله كما كان ذلك معلقًا بما جاء به موسى وعيسى والنبيون لكان بعضُ ذلك منسوخًا بما بعث الله به محمدًا صلى الله عليه وسلم فكيف وليس الأمر كذلك؟!
__________

[التعليق]
* * * هنا انتهى النقل من كلام ابن حزم
(1/201)

ولهذا كان من لم يعتصم بالملل منهم شرًّا من اليهود والنصارى وقد قال تعالى إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) [البقرة 62] فقد بيّن سبحانه وتعالى أن الموجب للنجاة والسعادة في الدار الآخرة هو الإيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصالح وهؤلاء مقصِّرون غاية التقصير فيما عندهم من الإيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصالح ولو قُدِّر أن الذي عندهم كافٍ في السعادة إذا كانوا صابئين فاليهود والنصارى خير منهم.
ثم من لم يؤمن بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من اليهود والنصارى فهو كافر شقيٌّ مُعَذَّب في الآخرة فكيف إذا كان من الصابئين الحنفاء فكيف إذا كان من هؤلاء الفلاسفة الذين هم من الصابئة المشركين وقد بيّن الله سبحانه أن الدين عند الله الإسلام وأنه لا يقبل دينًا غيره ولهذا كان الإسلام دين جميع النبيين.
وأصل دين الإسلام أن يُعْبَد الله وحده لا شريك له وهؤلاء الفلاسفة لا يوجبون عبادة الله ولا يحرِّمون عبادة ما سواه فهم خارجون عن الإسلام العام الذي لا يَسْعَد أحدٌ إلا به ولا يقبل الله دينًا سواه.
فهذا أصلٌ يجب معرفته وأنه في كل زمان ومكان إنما تَحْصُل السعادة بعد الموت بالإيمان والإسلام لكن شرع بعض الشرائع تحت
(1/202)

شرائع الأنبياء.
وأما حصول السعادة بمجرد ما يدَّعيه هؤلاء من العلم أو العلم والأخلاق فهذا باطلٌ معلوم الفساد مع أنه ليس لهم عليه دليل صحيح.
ولمَّا كان أصل هؤلاء أن العبادات والأخلاق إنما هي وسائل إلى مجرد العلم كان المصنفون على طريقهم في الفلسفة كابن سينا والرازي في المباحث المشرقية وغيرها يجعلون الكلام في الأخلاق والسياسات المنزلية والبدنية تنتظمُ الكلامَ في الشرائع الإلهية التي جاءت بها الأنبياء كمباني الإسلام الخمس من الصلاة والزكاة والصيام والحج فيجعلون هذه وأمثالها تتعلق بعلوم الأخلاق والسياسات.
ومقصود ذلك إما سياسة الأخلاق وإما سياسة العالم للعدل في الدنيا ودفع ظلم بعضهم عن بعض لا لأن ذلك يوجب السعادة في الآخرة ولا جزء من الموجب للسعادة ولا هو بنفسه كمالٌ للنفس بل هو متعة للنفس ووسيلة لها إلى إكمالها.
ولهذا في كلام أبي حامد صاحب الإحياء ما يميل إلى هذا كجعله منفعة علم الفقه في الدنيا فقط وكما يذكره من أن مقصود علوم المعاملات تصفية النفس فيحصل لها علم المكاشفة.
(1/203)

وتقسيم الأمر إلى ملك وملكوت وجبروت وهي معاني الفلاسفة وعُبِّر عنها بعبارات إسلامية لم يقصد بها الرسول ما يقصده هؤلاء فإن هؤلاء يعنون بالمُلك الأجسام وبالملكوت والجبروت النفوس والعقول والنبيُّ صلى الله عليه وسلم قال في ركوعه وسجوده سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعَظَمة لم يُرِد هذا ... وكذلك قوله تعالى فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ [يس 83] وقوله وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [الأنعام 75] لم يُرِد هذا ... .
ولهذا يفرقون فطائفة منهم تقول من حصل له العلم الذي هو عندهم الغاية لم يجب عليه ما يجب على الناس من الصلوات وغيرها بل قد يُباح له ما لا يُباح لغيره من الفواحش والمظالم ومن هنا دخلت القرامطة الباطنية وصاروا يسقطون عن خواصهم واجبات الإسلام ويبيحون لهم ما حَرَّمه الله ورسوله وكانوا في ذلاك أسوأ حالاً من أهل الكتاب الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دينَ الحقِّ من الذين أوتوا الكتاب ومن هنا دخل كثير من الفلاسفة.
والمتكلمون والصوفية لا يرضون مذهب القرامطة الباطنية بل
(1/204)

منهم من يقول إذا بلغ الإنسان الغاية في العلم أو المعرفة سقطت عنه الواجبات وقد يتأول بعضُهم قولَه تعالى وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (99) [الحجر 99] وقد تقدم الكلامُ على هذه الآية.
والمقصود هنا التنبيه على أصول أقوال الناس ومنشأ ضلال الضالين ليُعْرَف ذلك فيُزْهَد فيه ويُرْغَب في الصراط المستقيم صراطِ الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.
فأما الأصل ... فليُعْلَم أنه كما أن العلم بالله مقصود فمحبة الله أيضًا مقصودة فلا يكفي النفس مجرد أن تعرف الله دون أن تحبه وتعبده وهذا أصل ملة إبراهيم الخليل إمام الحنفاء الذي اتخذه الله خليلاً وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم إنَّ الله اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً وقد قال تعالى وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) [الذاريات 56] والعبادةُ تتضمَّن كمالَ المحبة له وكمال الذل له.
فلو قُدِّر أن الإنسان عَلِم كلَّ عِلْم ولم يكن مُحِبًّا لله عابدًا له كان شقيًّا معذَّبًا ولم يكن سعيدًا في الآخرة ولا ناجيًا من عذاب الله.
والله تعالى أرسل جميع الرسل يدعون إلى عبادة الله وحده لا شريك له وعبادته تتضمن محبته وتعظيمه ومعرفته.
(1/205)

وقد أنكرت الجهمية والمعتزلة والكُلاَّبية وغيرهم ومن اتبع هؤلاء من الفقهاء محبةَ ذاتِ الله وقالوا إنَّ ذات الرب لا تُحَب وإن ما ورد به الشرع من محبته فالمراد به محبَّة طاعته ومحبة الربِّ للعباد معناها إثابته أو إرادة إثابته.
وعلى هذا القول قُتِلَ الجعدُ بن درهم حين ضَحَّى به خالد بن عبد الله القَسْري والقصة مشهورة ... والعلة هو إنكار المحبة والكلام ... ضلَّ من ضلَّ من طوائف أهل البدع والكلام.
ومن أنكر أن الله يُحِبُّهُ عبادهُ ويُحِبُّ عبادَه فقد أنكر أصل ملة إبراهيم وهذا قد وقع فيه طوائف من المشهورين بالعلم في كتب أصول الدين وغيرها وأضافوا فيه من الأصول الفاسدة التي تلقوها عن الجهمية.
وهؤلاء الملاحدة من المتفلسفة وغيرهم موافقون لأعداء إبراهيم وموسى كفرعون ونمروذ الذين لم يتبعوا الرسل فيما أمروهم به من عبادة الله وحده لا شريك له.
وهذا هو دين الإسلام الذي لم يبعث الله نبيًّا إلا به فهو الدين الذي لا يقبل الله ممن ابتغى دينًا غيره ولا أن يُعْبَد الله ويُعْبَد غيره فمن
(1/206)

عَبَدَ اللَّهَ وغيرَه فهو مشرك والله لا يغفرُ أن يُشْرَك به ومن استكبر عن عبادته فقد قال تعالى إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (60) [غافر 60] ولهذا نجد هؤلاء الذين يستكبرون عن عبادة الله يُبتلون بمن يُذِلُّهم حتى يستعبدهم من الملوك ونحوهم فهم يستكبرون عن عبادة الله ويعبدون ما سواه!!
وكثير من المنتسبين إلى العلم يُبتلى بالكِبْر كما يُبتلى كثيرٌ من أهل العبادة بالشرك ولهذا فإن آفة العلم الكِبْر وآفة العبادة الرياء وهؤلاء يُحْرَمون حقيقة العلم كما قال تعالى سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ [الأعراف 146] .
قال أبو قِلابة منع قلوبَهم فهم القرآن ولهذا كان الكِبْر كثيرًا في اليهود وأشباه اليهود الذين يعلمون الحقَّ ولا يتبعونه والشرك كثير في النصارى وأشباه النصارى الذين يعملون ويعبدون بغير علم.
والمهتدون هم الذين يعلمون الحق ويعملون به كما قال تعالى اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7) [الفاتحة 6-7] .
وقد صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال اليهود مغضوبٌ عليهم والنصارى
(1/207)

ضالون ولا يحصل اتباع الصراط المستقيم إلا بالعلم الواجب والعمل اللذين يُتَّبَع فيهما رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فلا بدَّ من عِلْم ولا بدَّ من عمل وأن يكون كلاهما موافقًا لما جاء به الرسول فيجب العلم والعمل والاعتصام بالكتاب والسنة ولهذا قال من قال مِنَ السلف الدين قولٌ وعملٌ وموافقة السنة ولفظ بعضهم لا ينفع قولٌ إلا بعمل ولا ينفع قولٌ وعملٌ إلا بمتابعة السنة وقد قال تعالى إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ [فاطر 10] .
ولهذا كان مذهب الصحابة وجماهير السلف من التابعين لهم بإحسان وعلماء المسلمين أن الإيمان قولٌ وعمل أي قول القلب واللسان وعمل القلب والجوارح.
وأما من صدَّق بقلبه الرسولَ وعرف أن ما جاء به حقٌّ مع أنه يبغضه ويستكبر عن عبادة الله وطاعته كإبليس وفرعون والنمروذ واليهود فهذا من أعظم الكافرين كفرًا.
وقد كان جهم ومن وافقه [يقولون إن الإيمان] مجرَّد تصديق القلب أو مجرد معرفة القلب [و] أنَّ كل من يثبت أنه كافر في الباطن فإنه لا يكون إلا لارتفاع ما بقلبه من التصديق والمعرفة فعندهم يمتنع أن يبغضَ الرسولَ من عرف وصدَّق بقلبه أنه رسول الله ومعلومٌ أن هذا مكابرة
(1/208)

للحس والعقل والشرع وهو من جنس أقوال الفلاسفة إن كمال النفس في مجرد أن تعلم بل من المعلوم بالضرورة بعد التجربة والامتحان أن الإنسان قد يعرف أن هذا رسول الله وما في قلبه من محبة الرياسة والحسد له ونحو ذلك يوجب أن يبغضه ويعاديه أعظم من معاداة من جهل أنه رسول الله وقد قال تعالى في حق آل فرعون وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا [النمل 14] وقال تعالى فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ [الأنعام 33] وقال تعالى الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ [البقرة 146] .
وإبليس لم يكن كفره بتكذيب فإنه لم يبعث إليه الرسول بل أمره الله بالسجود فاستكبر عن ذلك فكان كُفْرهِ مِن ترك الخضوع والعبادة لله لا من باب التكذيب لخبره وهذه الأمور مبسوطة في غير هذا الموضع ومعرفتها من أهم الأمور فإنَّ بها يعرف الإيمان وسعادة الإنسان وما بعث الله به الرسل.
والمقصود هنا أن هؤلاء كصاحب الإشارات ابن سينا وأتباعه مثل صاحب رسالة حي بن يقظان وغيره لمَّا اعتقدوا أن غاية الإنسان هو العلم وهؤلاء علموا من العلم الإلهي الذي جاء به الرسول ما تميزوا به على سلفهم اليونان فإن الذي عند أولئك من العلم الإلهي نَزْرٌ قليل مُخبط فهو لحم جَملٍ غَثٍّ على رأس جَبَلٍ وَعْر لا سَهْلٌ فيُرتقى ولا سمين فيُنتقى.
وكلام أرسطو صاحب التعاليم في علم ما بعد الطبيعة كلام قليل
(1/209)

ذَكَره في كتاب أثولوجيا ونحوه وأما كلامهم الكثير في العلم الطبيعي وهو الكلام في أحوال الأجسام الفلكية والعنصرية والمولدات من النبات والمعادن والحيوان فلهم في ذلك كلام كثير.
وأما العلم الإلهي فكلامهم فيه مع أنه قليل ففيه خطأ كثير وفيه من الجهل البسيط والمركَّب أعظم مما في كلام المبتدعة المنتسبة إلى الملة كالجهمية ونحوهم.
وقد تكلم ابن سينا وأتباعه على مقامات العارفين وأرادوا أن يجمعوا بين طريقة أهل البحث والنظر وأهل العبادة والتألُّه على أصولهم تكلم ابن سينا في مقامات العارفين وكذلك ابن الطفيل صاحب رسالة حي ابن يقظان وأبو عبد الله الرازي يقول ليس في كتابه أفضل من كلامه في مقامات العارفين وما ذكه في ذلك فكلامه هو من أدنى كلام أهل المعرفة والتصوف وقد جعل غايتهم فناء العارف حتى يغيب عن نفسه وغيره.
وهذا قول طائفة من الصوفية جعلوا الفناء هو منتهى سلوك العارفين وطائفة أخرى يجعلونه من اللوازم في طريق العارفين وكلُّ ذلك خطأ بل هذا الفناء أمر يعرض لبعض السالكين ليس من لوازم الطريق فضلاً عن أن يكون هو منتهى سلوك السالكين ولهذا لم يقع هذا الفناء للصحابة الذين هم أفضل الخلق بعد الأنبياء فضلاً أن يقع لرسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك أن مضمونه نقص المعرفة وعدم العلم وليس هذا من
(1/210)

صفات الكمال بل إذا كان العبد يذكر الله ويعرفه معرفةً مفصلة متناولةً لأسمائه الحسنى وصفاته العلى وشهد المخلوقات يدبرها الخالق ويُصَرِّفها بمشيئته كما هو الأمر عليه في نفسه كان هذا المشهد أكمل وأتمّ من مشهد أهل الفناء والاصطلام.
وقد قدَّمنا أن لفظة الفناء تطلق على ثلاثة أمور:
أحدها أن يفنى العبدُ بعبادته عن عبادة ما سواه وبحبه عن حبِّ ما سواه وبطاعته عن طاعة ما سواه وبرجائه عن رجاء ما سواه وبخوفه عن خوف ما سواه فهذا أهل التوحيد والإخلاص كالرسل وأتباع الرسل وهذا هو أصل ملة إبراهيم وهو تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله.
وهذا الفناء مقرون بالبقاء فإن نفي إلهيَّةِ ما سوى الله مقرون بإثبات إلهيته سبحانه وتعالى وفي هذا الفناء تكلم طائفةٌ من أكابر المشايخ كالشيخ عبد القادر وغيره فيأمرون الإنسان أن يفنى عن هواه وعن الالتفات إلى الخلق بالإخلاص لله والعمل بما أمر به ويبينون أن أصول السلوك ثلاثة أمور فعل المأمور وترك المحظور والصبر على المقدور.
والأمر الثاني من المعاني التي يعبِّرون عنها بلفظ الفناء هو الفناء عن شهود السِّوى وهو أن يفنى بمعبوده عن عبادته وبمعروفه عن معرفته ويسمَّى الاصطلام المَحْو وهذا خيال يعرض لبعض السالكين وهو حالٌ ناقِص ليس هو الغاية ولا يعرض للكاملين كنبينا صلى الله عليه وسلم والسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار وهذا كحال الغَشْي
(1/211)

وذهاب العقل يعرض لبعض السالكين.
والثالث هو الفناء عن وجود السُّوى وهو أن يرى الوجود واحدًا أو وجود الخالق وجود المخلوق وهذا حال الفرعونية القائلين بوحدة الوجود كابن سبعين وابن عربي وابن الفارض والقُونوي والتلمساني ونحوهم وهؤلاء مع إلحادهم وجهلهم وتناقض أقوالهم شرعًا وعقلاً يجعلون ما هم عليه هو غاية التحقيق والتوحيد والعرفان!!
وهم مع من قبلهم ومن هو أقرب إلى الإسلام منهم ... مع من هو خير منهم كالشيعة والمعتزلة ونحوهم فإنهم أخذوا ما في مذاهب هؤلاء من البدع الفاسدة كالتجَهُّم ونفي الصفات وادعاءِ باطنٍ للكتاب والسُّنَّة يخالف ظاهرهما وجعلوا ذلك حجَّةً عليهم فيما نازعوهم.
فقالوا للجهمية والمعتزلة أنتم توافقونا على نفي الصفات وأن إثباتها يتضمن التشبيه والتجسيم والتركيب وذلك باطلٌ فيلزمكم نفي الأسماء أيضًا فإن السماء تتضمن الصفات إذ الحي يتضمن الحياة والعليم يتضمن العلم والقادر يتضمن القدرة.
فجعلوا موافقتهم لهم على نفي الصفات حجةً لهم على نفي الأسماء فإن ما فَرُّوا منه بزعمهم من التشبيه والتركيب ثابت في المسمَّى بالأسماء كما هو ثابت فيما هو متَّصِف بهذه الصفات.
وأهل السُّنَّة المثبتون للأسماء والصفات يحتجون على المعتزلة
(1/212)

بعكس هذه الطريقة فإن المعتزلة نفاة الصفات لمَّا قالت لأهل السنة المثبتين للصفات إن العلم والحياة والقدرة والكلام والإرادة أعراض لا تقوم إلا بجسم فإنَّا لا نعقل موصوفًا بهذه الصفات إلا جسمًا فإذا أثبتم الصفات لزم التجسيم.
قال لهم أهل السنة المثبتون أنتم قد وافقتمونا على أنه حيٌّ عليم قدير مع أنكم لا تعقلون مُسَمًّى بهذه الأسماء إلا جسمًا فما كان جوابكم عن الأسماء فهو جوابنا عن الصفات.
وذلك أن كلَّ من نفى شيئًا من الأسماء والصفات التي نطق بها الكتاب والسنة فرارًا من محذور فإنه يلزمه فيما أثبته نظير ما فرَّ منه فيما نفاهُ فإذا نفى الغضبَ والمحبةَ وأثبت الإرادةَ والسمعَ والبصر بناءً على أن الغضب والحبّ الذي يُعْقَل هو ما يتصف به العبد وذلك ممتنع في حقِّ الله.
قيل له الإرادة والسمع والبصر الذي يُعْقَل هو ما يتصف به الإنسان وذلك ممتنع في حقِّ الله تعالى.
فهذا قال هذه الصفات ثابتة لله على ما يليق به من غير أن تماثل صفاته صفات المخلوقين.
قيل له وكذلك سائر الصفات هي ثابتةٌ لله على ما يليق به من غير أن تماثل صفات المخلوقين فهو سبحانه مُتَّصفٌ بصفات الكمال مُنَزَّهٌ عن النقص بكل وجه ومُنَزَّه عن أن يماثله غيره في شيء من صفاته والتنزيه [ينبني على هذين الأصلين:
(1/213)

الأول] وهو تنزيهه تعالى عن النقص والعيب بكل وجه وذلك داخل في معنى اسمه القدوس السلام فإنه مستحق لصفات الكمال وهي من لوازم ذاته فكل ما نافى كماله اللازم له وجب نفيه عنه لامتناع اجتماع الضدين وبهذا تبيَّن أن تنزيهه عن النقائص يُعْلَم بالعقل.
فإن طائفةً من النُّظار كصاحب الإرشاد وشيعته قالوا إنما يُعْلَم نفي النقائص بالسمع وهو مبسوط في موضعه فإن الرب تعالى مستحق لصفات الكمال وهي لازمة له يمتنع وجوده بدونها كالحياة والقيومية والعلم والقدرة والحياةُ والقيومية تنافي السِّنَة والنوم والعلمُ ينافي النسيان والجهل والقدرةُ تنافي العجز واللغوب وأمثال ذلك.
والأصل الثاني أنه ليس له كفوًا أحد في شيء من صفاته فلا يماثله شيء من الأشياء في شيء من صفاته فمن نفى صفاته كان معطلاً ومن مثَّلها بصفات خلقه كان ممثلاً ولهذا كان مذهب السلف والأئمة إثبات الصفات على وجه التفصيل ونفي النقص والتمثيل إثباتٌ بلا تمثيل وتنزيهٌ بلا تعطيل فقوله تعالى لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى 11] ردٌّ على الممثِّلة وقوله وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (11) ردٌّ على المعطِّلة.
(1/214)

ومن فَرَّق بين صفة وصفة من صفات الكمال كان قوله متناقضًا.
فإن قال النافي أنا أنفي جميع الأسماء والصفات كما يقوله غلاة الجهمية والباطنية والقرامطة والاتحادية.
قيل له إمَّا أن تُثبت موجودًا واجبًا قديمًا خالقًا وإما أن لا تثبته فإن أثبتَّه فقد أثبتَّ واجبًا وممكنًا وقديمًا وحادثًا وخالقًا ومخلوقين وهما يتفقان في مسمى الوجود والشيء والذات وأحدهما متميز عن الآخر بما يخصه وهذا هو الذي فررتَ منه.
وإن نفيت الوجود الواجب القديم قيل لك أنت تعلم أن ثَمَّ موجودًا وكل موجودٍ فإما ممكن وهو ما قَبِل العدم ويكون وجوده بغيره وإمَّا واجب الوجود وهو الموجود بنفسه الذي لا يفتقر إلى غيره وهو أيضًا إما حادث وهو ما كان بعد أن لم يكن وإما قديم وهو ما لم يزل وهو أيضًا إمَّا مخلوق وهو ما خَلَقه غيره وإمَّا غير مخلوق وهو أيضًا إما فقير إلى غيره وإما غني ليس فقيرًا إلى غيره وكل ممكن فلا بد له من واجب وكل مُحْدَث فلا بد له من قديم وكل مخلوق فلا بد له من خالقٍ غير مخلوق وكل فقير فلا بد له من غنيّ فإنَّ وجود الممكن بدون الواجب ممتنع وكذلك وجود المُحْدَث بدون المُحْدِث والمخلوق بدون الخالق والفقير بدون الغنيّ فثبت أنه لا بد في الوجود من موجِد غنيّ قديم خالق واجب بنفسه.
فإن قال أنا أجعله وجود جميع الموجودات كما يقول أهل وحدة الوجود.
(1/215)

قيل له نحن بالمشاهدة والضرورة نعلم أن من الموجودات ما يوجد بعد عدمه ويعدم بعد وجود كما نشاهده من أنواع الحيوانات والنباتات والمعادن والسحاب والمطر وغير ذلك مما يحدث بعد عدمه ويُعدم بعد وجوده.
والإنسان يعلم أنه كان بعد أن لم يكن ويعلم أن بدنه يستحيل وأمثال ذلك كثير وكلُّ من عُدِمَ مُدَّة فليس بواجب الوجود ولا قديم فإن واجب الوجود لا يقبل العدم بوجهٍ من الوجوه.
فقد عُلِمَ بالحسِّ وضرورة العقل أن الموجود ينقسم إلى واجب وإلى ممكن وقديم ومُحْدَث وخالق ومخلوق وغني بنفسه وفقير إلى غيره.
وعُلِمَ أيضًا أنهما متفقان في مسمى الوجود والثبوت والشيء والحقيقة وغير ذلك ويمتاز كلٌّ منهما عن الآخر بخصائصه.
وليس اتفاقهما في ذلك بمعنى أن في الخارج عن العلم والذهن معنًى واحدًا يشتركان فيه بل كل ما في الخارج من الموجودات فهو مختص بما هو موجود في الخارج فصفات كل موصوف قائمة به لا يَشْركه فيها غيره ولكن يتفقان في معنًى عامّ كلّي لا يوجد مطلقًا كلِّيًّا إلا في الذهن والكُلِّي ر يكون كليًّا إلا في الأذهان لا في الأعيان.
ولكنَّ طائفةً من النُّظار غَلِطوا في هذا الموضع فظنوا أنه إذا قيل هذان يتفقان في مسمى الوجود ففي الخارج وجود هو بعينه ثابتٌ لكل منهما وظنوا أن من قال ذلك فإنه يقول وجود الشيء زائد على ماهيته التي هي حقيقته وأن من قال إن لفظ الوجود والشيء والثابت يُقال
(1/216)

بالتواطؤ العام سواء كان المعنى العام يتفاضل يسمى مشكَّكًا أو لم يكن كذلك فإن مذهبهم أن وجود كل شيء زائدٌ على ماهيته ومن قال إن وجود الشيء في الخارج هو حقيقته الخارجة فإنه يجعل لفظ الوجود مشتركًا اشتراكًا لفظيًّا وهو غلط فإن مذاهب أئمة النظار والمتكلمين أن لفظ الوجود والشيء ونحوهما من الأسماء العامة التي تسمَّى متواطئة ليس من الأسماء المشتركة لفظيًّا كلفظ المشتري الذي يُقال على قابل البيع وعلى كوكب في السماء.
ثم إن مذهب نُظَّار أهل الإثبات كالأشعري وغيره أن وجود كل شيء هو حقيقته الموجودة في الخارج مع قولهم بأن اسم الوجود عام على كل متواطئ ومن نَقَل عن هؤلاء أنهم قالوا لفظ الوجود مشترك اشتراكًا لفظيًّا فقد غَلِط عليهم كما يوجد ذلك في كلام أبي عبد الله الرازي وأبي الحسن الآمدي وغيرهما ممن تبع الشهرستاني في ذلك.
فإن قالوا ذلك لِمَا ظنوه لازمًا له حيث كان من نفاة الأحوال وممن يقول المعدوم ليس بشيء ووجود كل شيء عنده عين حقيقته الموجودة في الخارج فظنَّ هؤلاء أن هذا يلزمه أن يجعل لفظ الوجود مشتركًا اشتراكًا لفظيًّا إذ لو كان عامًّا متواطئًا للزم اشتراك الموجودات في مسمَّى الوجود وامتياز كلِّ واحد عن الآخر بما يخصه فتكون الحقيقة زائدة على الوجود وهذا غلط منهم فإن نُّظَّار أهل الإثبات لا يجعلون في الخارج كليًّا مشتركًا وإذا قالوا إن الموجودات اشتركت في مسمى الوجود لم يقولوا إن في الخارج موجودًا يشترك فيه هذا وهذا [وكذلك إن] قالوا إن الأشياء تشترك في مسمَّى الشيء
(1/217)

والذات تشترك في مسمَّى الذات والحقائق تشترك في مسمَّى الشيء والذات والحقيقة وكذلك إذا قيل الماهية فإنها تشترك في مسمى الماهية.
ومن المعلوم أن الاشتراك في هذه الأسماء لا يوجب أن يكون بين ذات هذا المعين وذات هذا المعين في الخارج شيئًا مشتركًا فيه إذ لو كان كذلك لما كان لشيء من الأشياء شيء يختصُّ به فإن أخصَّ الأشياء به نفسه وذاته فإذا قيل الذات مشترك لم يختص به شيء وإذا قيل الذاتان يشتركان في مسمى الذات وإحداهما مختصَّة عن الأخرى بما تختص فيها من مسمَّى الذات فذلك المختص فيه أيضًا لفظ الذات ... كل شيء فإنه يتميز عن الآخر بنفسه لا يفتقر إلى متميز عن غيره بشيء آخر فإن ذلك الشيء إن تَمَيَّز بنفسه فقد ثبت أن الشيء متميز بنفسه وإن كان بشيء آخر لزم التسلسل في المتميزات في آنٍ واحد وهو من جنس التسلسل في المؤثرات وهو باطل باتفاق العقلاء وهذه الأمور مبسوطة في غير هذا الموضع.
والمقصود هنا التنبيه على أنه لا بد من الاعتراف بموجودَيْن قديم وحادث واجب وممكن خالق ومخلوق وأنْ لا بُدَّ من اتفاقهما في بعض الأسماء والصفات وذلك لا يوجب تماثلهما في شيء من الأشياء فإنه إذا قيل هذا شيء موجود قائم بنفسه وهذا شيء موجود قائم بنفسه لم يكن بينهما تماثل في شيء من الأشياء بمعنى أن ما ثبت
(1/218)

لأحدهما في الخارج لا يماثل ما ثبت للآخر لكن اتفقا في مسمَّى القَدْر المشترك.
فإن قال القائل قد تماثلا فيه بمعنى أنهما متماثلان في الكلِّي الذهني الموجود الخارجي لم يُنازع في ذلك فإن المقصود أن ما ثبت لأحدهما لا يماثله فيه الآخر وأما في الذهن فليس مختصًّا بأحدهما بل ولا هو قائمًا بأحدهما.
فإذا قيل لفظ الوجود أو العلم أو الحياة أو القدرة أو العليم أو الحكيم أو غير ذلك فله ثلاثة اعتبارات.
أحدها أن يختص بالمخلوق فيقال وجود العبد أو علمه أو قدرته أو يقال هذا الإنسان العالم أو الحكيم فالرب تعالى مُنَزَّهٌ عن كل ما يختص بالمخلوقين وليس الربُّ متصفًا بشيء من ذلك فضلاً عن أن يماثل ذلك.
الثاني أن يختصَّ بالخالق فيقال وجوده وذاته وعلمه وقدرته أو يقال إن الله عليم حكيم ونحو ذلك فهو مختصٌّ بالرب تعالى لا يَشْركه فيه المخلوق بوجهٍ من الوجوه وبهذا يتبين امتناع التشبيه فيما وَصَفَ اللهُ به نفسَه فإنه لم يذكر من ذلك شيئًا إلا مضافًا إلى نفسه بما يوجب اختصاصه ويمنع مشاركة غيره له فيه كقوله وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ [البقرة 255] وقوله إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ [الذاريات 58] وقوله مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص 75] ونحو ذلك فأضافَ العلمَ والقوة واليد إلى الله إضافةً توجب اختصاصه بذلك وتمنع
(1/219)

مشاركة غيره له فيه بوجه من الوجوه فإذا كان الموصوف لا يماثل الموصوفات وجب أن تكون صفته لا تماثل الصفات ودل على ذلك نفس اختصاصه بجهة الإضافة.
ومن قال حينئذ إن العلم والقوة واليد لا يفهم منه إلا ما يقوم بالمخلوقين كان جاهلاً أو متجاهلاً فإن ذلك إنما يكون عند الإضافة إلى المخلوق فأما عند الإضافة الموجبة لتخصيص الخالق فهذا كلام باطل.
الاعتبار الثالث أن يقال اللفظ إذا كان مطلقًا عامًّا لا يختصُّ بخالق ولا مخلوق كما يقال موجودٌ وذاتٌ وقدرةٌ ويدٌ ونحو ذلك فهذا المطلق لا يختص بالخالق ولا بالمخلوق بل اللفظ يتناول الاثنين لكن هذا المشترك لا وجود له في الخارج عقلاً ولا لَفْظه موجودٌ في الكلام سمعًا بل موجود مطلق يتناولهما جميعًا لا يختص بخالق ولا مخلوق ولا يوجد في الخارج ولا هو موجود في كلام الله ورسوله وإنما يجرِّد لفظًا ومعنى إذا قيل الموجود ينقسم إلى قديم ومحْدَث وواجب وممكن ونحو ذلك فيجرِّد العقلُ المعنى المطلقَ العامَّ المشترك ويجرد من اللغة لفظًا مطلقًا ثم نقول ما كان من لوازم هذا المشترك فإنه لا نقص فيه ولا محذور وإنما النقائص من لوازم المختص بالمخلوقات والربُّ تعالى مُنَزَّه عن كل ما يختص بالمخلوقات فأما ما كان مختصًّا به أو كان من لوازم هذه الأمور العامة الكلية فإنه صفة كمال فما كان من لوازم الوجود القديم الواجب
(1/220)

الخالق أو كان من لوازم مطلق الوجود فإنه صفة كمال لا نقص فيه وإنما النقص فيما كان من لوازم الوجود المخلوق.
[وإذا عرف] العاقل هذه الأمور فإنه يزول بها عنه شبهات كثيرة وقد بُسِطَ الكلام عليها في غير هذا الموضع وإنما نبهنا هنا على بعض ما يتعلق بكلام هؤلاء أهل الوحدة والله الهادي إلى سواء السبيل والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.*
__________
* قال محقق الكتاب: جاء في خاتمة النسخة: "نَجز يوم السبت السابع من شهر محرم من شهور سنة ثلاثة وعشرين وسبع مئة.
تعليق الفقير إلى رحمة ربه الكريم أيوب بن أيوب بن صخر بن أيوب بن صخر بن أبي الحسن بن بقاء بن مساور العامري بالشام المحروس بمدينة حمص المحروسة، والله أعلم.
بلغ المقابلة على أصله فصحَّ بحسب الطاقة، والله أعلم".
(1/221)