Advertisement

ايلون ماسك _ عالم إيلون



?

?

عالم " إيلون "

" هل تظن أنني مجنون؟".

وجــه لــي " إيلــون ماســك " هــذا السـؤال قـرب نـهاية عشـاء مطـول تشـاركناه فـي مطعـم راقٍ للمـأكولات البحريـة فـي وادي السـيليكون. كنـت قـد وصـلت إلـى المطعـم أولًا
ومكثت في هدوء أحتسي مشروبًا وأنا أعلم أن " ماسك " سيتأخر، كما هي عادته. وبعد حوالي خمس عشرة دقيقة، أتى " ماسك " مرتديًا حذاءً جلديًّا وسروال ً ا
جينز وقميصًا كاروهات بأكمام. ويبلغ طول " ماسك " حوالي مائة وستة وثمانين سنتيمترًا، لكن إذا سألت كل من يعرفونه، فسيؤكدون لك أنه يبدو أضخم من
هذا بكثير؛ فهو عريض المنكبين قوي البنية وضخم الجثة. ولعل المرء يعتقد أنه سيستغل قامته تلك ليختال في مشيته بغطرسة ذكورية عند دخوله أي مكان، إلا
أنه شخص يميل بطبعه للخجل؛ إذ إنه كان يسير مطأطأ الرأس، وقد وصل إلى الطاولة ليصافحني على عجل ثم استقر في مقعده. بعدها، استغرق بضع دقائق
قبل أن يعتاد الأجواء ويزول توتره.

لقد دعاني " ماسك " على العشاء لإجراء بعض المفاوضات؛ حيث كنت
قــد أطلعتــه قبــل ثمانيــة عشــر شــهرًا علــى مخططــاتي لتــأليف كتــاب عنــه، وكـان قـد أطلعنـي علـى نيتـه عـدم التعـاون معـي. كـان رفضـه مـؤلمًا، إلا أنـه دفعنـي إلـى اتبـاع
أسلوب المراس ِ ل العنيد. ولو كنت اضطُررت إلى تأليف هذا الكتاب بدونه، لأنجزت تأليفه فعلًا. لقد ترك الكثيرون عملهم بشركتي " ماسك " ،: " تيسلا موتورز " و
" سبيس إكس " ، سيرحبون بالحديث إليَّ، بالإضافة إلى أنني كنت أعرف الكثير من أصدقائه بالفعل. استمرت المقابلات الواحدة تلو الأخرى، شهرًا بعد شهر،
وبعد إجرائي مقابلات مع مائتي شخص تقريبًا، اتصل بي " ماسك " مرة أخرى. لقد اتصل بي في المنزل وأعلن أن الأمور يمكن أن تسير بإحدى الطريقتين: إما أن
يجعل حياتي عسيرة جدًّا أو يساعدني في مشروعي على أية حال، وأنه سيكون راغبًا في التعاون معي إذا كان بإمكانه قراءة الكتاب قبل نشره وإضافة حواشٍ إليه.
ولــن يتــدخل فــي النــص الــذي كتبتــه، لكنــه يريــد فرصــة لكـي يضـع الأمـور التـي يعتبرهـا غـير دقيقـة واقعـيًّا فـي نصـابها الصـحيح. وتفـهمت سـبب طلبـه هـذا؛ فقـد أراد "
ماسك " أن يتحلى بقدر من السيطرة على قصة حياته. كما أنه يتحلى بشيء من طبيعة العلماء، حيث إنه يغتم من رؤية خطأ في الحقائق المعروضة؛ فأي خطأ
مطبوع على الصفحات سيثير حنقه بشدة ... إلى ما لا نهاية. ومع أن باستطاعتي تفهم وجهة نظره، فإنني لم أستطع السماح له بقراءة الكتاب لأسباب مهنية
وشخصية وعملية. لـ " ماسك " نسخته الخاصة من الحقيقة، لكنها ليست دائمًا نسخة الحقيقة التي يتفق عليها بقية العالم. كما أنه يميل للرد بإجابات مطولة
حتى على أبسط الأسئلة، لدرجة أن فكرة وجود حواشٍ مكتوبة في ثلاثين صفحة بدت شديدة الواقعية. مع ذلك، اتفقنا على أن نتناول العشاء لنتحدث في كل
هذه الأمور ولنرَى ما سنتوصل إليه بشأنها.

بدأت محادثتنا بمناقشة أحوال موظفي العلاقات العامة. اشتهر " ماسك " بإنفاق مبالغ طائلة على طاقم العاملين في قسم العلاقات العامة لديه، وكانت شركة
" تيسلا " ماضية قدمًا في البحث عن رئيس لقسم الاتصالات، فسألني بأسلوبه المميز: " من أفضل موظف علاقات عامة في العالم؟ " . بعدها، تحدثنا عن معارفنا
المشــــتركين و " هــــاوارد هــــيوز " ومصــــنع " تيســــلا " . وعنــــدما جــــاءنا النــادل لــيتلقى طلبــاتنا، طلــب منــه " ماســك " أن يقــدم لــه اقتراحــات تتناســب مــع حميــة غــذائية
منخفضة الكربوهيدرات، واستقر على جمبري مقلي بصوص الحبار الغامق. لم تكن المفاوضات قد بدأت بعد، إلا أن " ماسك " كان يثرثر بالفعل. لقد صارحني
بشأن أحد مخاوفه الرئيسية التي تؤرقه، ألا وهو احتمال قيام الشريك المؤسس لشركة " جوجل " ومديرها التنفيذي " لاري بيدج " ببناء أسطول من الإنسان الآلي
معزَّز الذكاء الاصطناعي قادر على تدمير البشرية. قال لي " ماسك " : " أنا قلق بشدة بشأن هذا " . لم يطمئِن " ماسك " إطلاقًا لكونه هو و " بيدج " صديقين
مقربين جدًّا ولا لشعوره بأن " بيدج " شخص حسن النوايا وليس نموذجًا للشر الخالص. كانت هذه هي المشكلة في الواقع؛ حيث إن طبيعة " بيدج " اللطيفة قد
جعلته يفترض أن الآلات ستظل طوع بناننا للأبد. قال " ماسك " : " لست متفائلًا مثله، فقد ينتج شيئًا شريرًا دون قصد " . وما إن وضع النادل الطعام على المائدة
حتى انهمك " ماسك " في تناوله، أقصد أنه كان يلتهم الطعام بنهم يجعله يختفي بسرعة بفعل بضع قضمات عملاقة. ونظرًا لأنني أردت باستماتة أن أبقي "
ماســك " ســعيدًا وأن أجعلــه يســتمر فــي الثــرثرة، فقــد أعطيتــه قطعــة كبــيرة مـن شـريحة اللحـم المـوجودة فـي طبقـي، وقـد أفلحـت الخطـة... لمـدة تسـعين ثانيـة، حتـى
اختفت قطعة اللحم الضخمة.

استغرقت فترة لأجعل " ماسك " يخرج عن حديثه المتشائم عن الذكاء الاصطناعي ليعود إلى موضوع نقاشنا. بعد ذلك تغير مجرى الحديث وتطرقنا إلى موضوع
تأليف هذا الكتاب، وبدأ يجس نبضي لمعرفة السبب وراء رغبتي في تأليف كتاب عنه والتكهن بنواياي. وما إن سنحت لي الفرصة حتى اقتنصتها وسيطرت على دفة
الحديث. شعرت بتدفق الأدرينالين وتملكتني الحماسة، وانطلقت فيما بدا كأنه محاضرة استمرت لمدة خمس وأربعين دقيقة عن كل الأسباب التي تلزم " ماسك "
لكي يسمح لي بالتنقيب بعمق في حياته دون أن يحصل على السيطرة التي كان يريدها في المقابل. لقد دار الحديث عن القيود الطبيعية الخاصة بالحواشي، وحينئذ
أبــدى " ماســك " جــانب شــخصيته المــهووس بالســيطرة وصــارت نزاهتــي الصــحفية علــى المحــك. ومــا أدهشــني بشــدة أن " ماســك " قــاطعني بعــد بضــع دقــائق معلــنًا
موافقته ببساطة؛ فأحد الأمور التي يقدِّرها " ماسك " بشدة هو التصميم؛ فهو يحترم من يثابرون رغم تعرضهم للرفض. لقد طلب منه عشرات الصحفيين من
قبل مساعدتهم على تأليف كتاب عنه، ولكنني كنت المزعج الوحيد الذي صمم على طلبه بعد رفض " ماسك " المبدئي، وبدا أنه قد أعجب بهذا.

انتهى العشاء بمحادثة ممتعة وبتدمير " ماسك " حميته منخفضة الكربوهيدرات كليًّا، ثم أتى نادل بطبق كبير من حلوى غزل البنات صفراء اللون، وانغمس "
ماسك " في تناول تلك الحلوى بكميات كبيرة. لقد حُسم الأمر: وسمح لي " ماسك " بالتواصل مع الموظفين التنفيذيين في شركتيه وأصدقائه وعائلته، وسيقابلني
لتناول العشاء مرة شهريًّا طوال مدة تأليفي الكتاب. ولأول مرة يسمح فيها " ماسك " لمراسل بأن يرى دواخل عالمه. لكن بعد جلستنا التي امتدت لساعتين ونصف
الساعة، وضع " ماسك " يده على الطاولة، وهم بالنهوض ثم توقف. تسمرت نظراتنا، وطرح فجأة ذلك السؤال المذهل: " هل تعتقد أنني مجنون؟ " . عجزت عن
الرد لبرهة من غرابة السؤال، وبرغم أن كل عصب لديَّ كان يعمل بكد في محاولة التعرف على نوعية هذه الأحجية - وإذا كانت أحجية بالفعل - فكيف يمكنني
حلها بدهاء. لم أدرك أن السؤال كان موجهًا له أكثر مما هو موجه لي إلا بعد أن قضيت وقتًا طويلًا معه؛ وما كان لأي شيء أقوله أهمية. توقف " ماسك " للمرة
الأخيرة ليتساءل إذا كان بوسعه الوثوق بي، ثم نظر في عينيَّ ليصدر حكمه. وبعد برهة من الوقت، تصافحنا وقاد " ماسك " سيارته تيسلا الحمراء ذات الطراز "
إس - سيدان " مبتعدًا.

أية دراسة عن " إيلون ماسك " يجب أن تبدأ في المقر الرئيسي لشركة سبيس إكس في هاوثورن بولاية كاليفورنيا... وهي ضاحية من ضواحي مدينة لوس أنجلوس
تقع على بعد بضعة كيلومترات من مطار لوس أنجلوس الدولي. ومن يزور ذلك المقر الرئيسي سيجد فيه ملصقين عملاقين لكوكب المريخ معلقين جنبًا إلى جنب
على الجدار المؤدي إلى مكتب " ماسك " . يمثل الملصق المعلق ناحية اليسار المريخ كما هو في يومنا هذا... جرم سماوي أحمر بارد وقاحل. في حين يُظهِر الملصق المعلق
ناحية اليمين وجود يابسة خضراء شاسعة محاطة بالمحيطات؛ وذلك بعد زيادة حرارة الكوكب وتغييره تمامًا ليلائم حياة البشر. كان " ماسك " ينوي المحاولة
وإجــراء هــذا التغــيير. وكــان مــن ضــمن أهـدافه المعلنـة فـي الحيـاة تحويـل البشـر إلـى مسـتعمرين فـي الفضـاء، حـيث قـال: " أنـا أرغـب فـي أن أمـوت معتقـدًا أن مسـتقبل
البشرية باهر. إذا استطعنا حل مشكلة الطاقة الدائمة وقطعنا شوطًا طويلًا في طموحنا بأن نصبح جنسًا يعيش على أكثر من كوكب ويملك حضارة قائمة بذاتها
على كوكب آخر، لكي نتأقلم مع حدوث أحد أسوأ الاحتمالات لطمس الوعي البشري، عندها... " وهنا توقف للحظة، ثم أكمل: " أعتقد أن هذا سيكون جيدًا جدًّا
" .

إذا كانت بعض الأمور التي يقولها " ماسك " ويفعلها تبدو سخيفة؛ فهذا لأنها كذلك فعلًا عند مستوى ما. ففي هذه المناسبة مثلًا، كان مساعده قد أعطاه لتوه
مثلجات بالكريمة والبسكويت مزدانة بقطع الحلوى، فتحدث جديًّا بعدها عن إنقاذ البشرية بينما كانت بقع من هذه الحلوى تتدلى من شفته السفلى.

إن استعداد " ماسك " لمعالجة الأمور المستحيلة وتأهبه لذلك قد حولاه إلى أيقونة في وادي السيليكون، حيث يتحدث عنه زملاؤه من المديرين التنفيذيين مثل "
بيدج " باحترام وتوقير ويسعى رجال الأعمال الناشئون إلى أن يصبحوا " مثل إيلون " ، مثلما كانوا يسعون إلى تقليد " ستيف جوبز " في السنوات الماضية. غير أن "
وادي الســــيليكون " لــــه نســــخته المشــــوهة مــــن الــــواقع التــــي يعمــــل فــــي حيزهــــا، وكثـــيرًا مــا تمــرد " ماســك " علــى هــذه النســخة المتخيلــة مــن الــواقع بــاعتباره مــن أكثــر
الشخصيات التي تنقسم عليها الآراء؛ فهو رجل يطمح إلى تصنيع السيارات الكهربائية واللوحات الشمسية والصواريخ مروجًا للآمال الزائفة. انسَ " ستيف جوبز "
- " ماسك " هو نسخة الخيال العلمي من " بي. تي. بارنوم " الذي حقق الثراء الفاحش من خلال استهداف مخاوف الآخرين وكراهيتهم لذواتهم. اشترِ سيارة "
تيسلا " ، وانسَ لبرهة الفوضى التي أحدثتها في كوكبنا هذا.

ولطالما كنت من أنصار المعسكر الأخير؛ حيث بدا لي " ماسك " شخصًا حالمًا حسن النية - وعضوًا عاملًا في نادي المدينة التكنولوجية الفاضلة
بـ " وادي السيليكون " . وتتكون تلك المجموعة من مزيج من أنصار " آين راند " ومهندسين مستبدين يعتبرون رؤيتهم للعالم هي الإجابة التي يبحث عنها الجميع؛
وأنهم سيحلون كل مشكلاتنا فقط إذا لم نعترض طريقهم، وأننا سنتمكن يومًا ما، في القريب العاجل، من تحميل أمخاخنا على أجهزة الحاسوب، لنسترخي
وندع لوغاريتمات الحاسب تتولى كل شيء. لقد ثبت أن معظم طموحاتهم ملهمة وعملهم ذو فائدة، إلا أن أنصار المدينة التكنولوجية الفاضلة يصبحون مزعجين
فعلًا بسبب أقوالهم المبتذلة وقدرتهم على الثرثرة لساعات دون أن يقولوا شيئًا ذا أهمية كبيرة. والمقلق أكثر هو رسالتهم الضمنية بأن البشر معيبون وأن الطابع
البشري يمثل عبئًا مزعجًا علينا التعامل معه في الوقت المناسب. وحين التقيت " ماسك " مصادفة في الفعاليات المقامة في " وادي السيليكون " ، كثيرًا ما بدت
أحاديثه الطنانة كما لو أنها مقتبسة بدقة من كتيب المدينة التكنولوجية الفاضلة. والأكثر ازعاجًا من هذا أن شركتيه المنقذتين للعالم لم تبليا بلاءً حسنًا على ما
يبدو.

إلا أنه في وقت مبكر من عام 2012، تعين على المنتقدين الساخرين أمثالي الانتباه لما كان " ماسك " ينجزه فعلًا. فقد كانت شركتاه، المتعثرتان فيما مضى، تحققان
نجــاحًا فــي أمــور لــم يســبق لــها مثيــل؛ حــيث أطلقــت شــركة ســبيس إكـس مركبـة فضـائية صـغيرة لنقـل المـؤن لــ " محطـة الفضـاء الـدولية " وعـادت إلـى كـوكب الأرض
بسلام، كما نفذت شركة تيسلا موتورز السيارة طراز " إس " ، وهي سيارة جميلة تعمل بالكهرباء أبهرت صناعة السيارات وأيقظت " ديترويت " من غفلتها. ارتفع
هذان الإنجازان بـ " ماسك " لأسمى المستويات وسط عمالقة إدارة الأعمال. وحده " ستيف جوبز " استطاع أن يحصد إنجازات مشابهة في مجالين مختلفين هكذا،
حــيث يصــدر منتــجًا جــديدًا مــن شــركة آبـل وفـيلمًا نـاجحًا جـدًّا مـن شـركة بيكسـار فـي العـام ذاتـه. ورغـم ذلـك، لـم تكـن جعبـة " ماسـك " قـد نفـدت بعـد؛ حـيث تولـى
منصب رئيس شركة سولار سيتي وأكبر حامل لأسهمها، وهي شركة مزدهرة للطاقة الشمسية تستعد للاكتتاب العام. لقد استطاع " ماسك " , نوعًا ما, أن يحدث
أكبر تطورات شهدتها صناعة الفضاء وصناعة السيارات ومجال استغلال الطاقة طوال عقود فيما بدا تطورًا مفاجئًا.

قررت في عام 2012 أن أعرف شخصية " ماسك " عن قرب من خلال التعامل المباشر معه، وأن أكتب عنه مقالة تتصدر غلاف مجلة بلومبيرج بيزنس ويك . في هذه
المرحلــة مــن حيــاة " ماســك " ، كــان كــل شــيء يتــم مــن خـلال مسـاعدته وتابعتـه المخلصـة " مـاري بـيث بـراون " . لـهذا، دعتنـي لزيـارة مـا أصـبحت أشـير إليـه بــ " عـالم
ماسك " .

مــن يــدخل عــالم " ماســك " لأول مــرة ســيمر بنفــس التجربــة المحــيرة؛ حــيث يُطلــب منــك أن تــركن ســيارتك فــي 1 شــارع " روكـيت رود " بمـدينة هـاوثورن، حـيث المقـر
الرئيسي لشركة سبيس إكس. ويبدو أنه من المستحيل أن تكون هاوثورن موطنًا لأي شيء جيد؛ فهي جزء موحش من مقاطعة لوس أنجلوس تحيط به مجمعات
سكنية ومتاجر ومطاعم متهالكة ومناطق صناعية يبدو أنها شُيدت في عصر معماري طغت عليه التصميمات المعمارية الرتيبة ذات الشكل المستطيل. هل أسس "
إيلون ماسك " شركته وسط هذا المكان الأشبه بالأطلال؟ إلا أن الأمور بعدئذ تتضح أكثر حين ترى مبنى مستطيل الشكل مقامًا على مساحة تبلغ حوالي 51 ألف متر
مربع، ، ومطليًّا بطلاء زاه من اللون الأبيض متجانس - هذا هو المبنى الرئيسي لشركة سبيس إكس.

لم تتضح عظمة ما فعله هذا الرجل إلا بعد اجتياز البوابة الرئيسية لشركة سبيس إكس. لقد بنى " ماسك " مصنعًا حقيقيًّا للصواريخ وسط لوس أنجلوس. لم
يكــن هــذا المصــنع يصــنع صــاروخًا واحــدًا فــي المـرة الواحـدة، كـلا، بـل كـان يصـنع عـدة صـواريخ... بـدايةً مـن نقطـة الصـفر. كـان المصـنع عبـارة عـن منطقـة عمـل مشـتركة
شاسعة. كانت هناك مخازن تسليم شاسعة خلف المصنع تسمح بدخول شاحنات محملة بكتل معدنية تُنقل إلى آلات لحام معادن ذات ارتفاع يصل إلى طابقين.
وعلى أحد الجانبين، يقف فنيون يرتدون معاطف بيضاء يصنعون اللوحات الأم لأجهزة الكمبيوتر وأجهزة راديو وغيرها من الأجهزة الإلكترونية. وتواجد آخرون في
غرفة زجاجية مفرغة من الهواء يصنعون المركبات الفضائية الصغيرة التي ستنقلها الصواريخ إلى محطة الفضاء الدولية. وكان هناك رجال على أجسادهم وشم
ويرتــدون عصــابات الــرأس ويغنــون أغــاني فرقـة " فـان هـايلن " بصـوت عـالٍ بينمـا يلفـون الأسـلاك حـول محركـات الصـواريخ. بالإضـافة إلـى ذلـك، كـانت هنـاك هيـاكل
صواريخ مكتملة مصفوفة واحدة تلو أخرى جاهزة لشحنها على الشاحنات. و في جزء آخر من المبنى، كانت هناك المزيد من الصواريخ في انتظار طلائها بطبقات من
الطلاء الأبيض. كان من الصعب عليَّ التجول في المصنع بأكمله دفعة واحدة، فقد كانت هناك مئات الأجسام المتحركة باستمرار التي تطن حول مجموعة متنوعة
من الآلات الغريبة.

هذا المبنى رقم واحد في عالم " ماسك " ، إلا أن شركة سبيس إكس قد استولت على عدة مبانٍ كانت جزءًا من مصنع لشركة بوينج كان يصنع هياكل الطائرات من
طراز بوينج 747. ولأحد تلك المباني سطح منحنٍ يشبه حظيرة الطائرات. ويعتبر ذلك المبنى بمثابة إستديو لإجراء الأبحاث والتطويرات وابتكار التصميمات لشركة
تيسلا، حيث ابتكرت الشركة سيارات طراز إس سيدان وما تبعها من سيارات أخرى لطراز إكس رباعية الدفع. لقد بنت شركة تيسلا على موقف السيارات الملحق
بهذا الإستديو إحدى محطات إعادة الشحن الخاصة بها، لكي يتمكن سائقو السيارات في لوس أنجلوس من تموين سياراتهم بالكهرباء مجانًا. ومن السهل رؤية
محطة الشحن هذه لأن " ماسك " قد صمم مسلة باللونين الأبيض والأحمر ووضع عليها شعار الشركة وسط حمام سباحة شاسع.

لم أفهم أسلوب " ماسك " في الحديث والعمل إلا في أثناء مقابلتي
الأولى معه في إستديو ابتكار التصميمات. و " ماسك " رجل واثق بنفسه، إلا أنه لا يفلح في إبداء هذا دائمًا؛ فهو يبدو خجولًا ويكاد يكون أخرق عند مقابلته لأول
مرة. بالإضافة إلى هذا، تظل لكنته الجنوب إفريقية حاضرة قليلًا، إلا أن جاذبية لكنته لا تكفي لتعويض طبيعته المترددة في الحديث. وكما هي الحال مع العديد
من المهندسين أو الفيزيائيين، يتوقف " ماسك " في أثناء الحديث باحثًا عن العبارة الدقيقة، و كثيرًا ما تجده يتمتم بمفهوم علمي معقد مقتصر فهمه على فئة
قليلة دون أن يقدم أي عون أو أية تفسيرات مبسطة طوال حديثه؛ لأنه يتوقع من المرء أن يواكبه. لكن لا شيء من هذا يبعث على الضيق. في الواقع، يلقي " ماسك
" الكثير من النكات في أثناء حديثه، كما أن بوسعه أن يكون شديد اللطف. وأي حوار مع هذا الرجل وراءه غاية وهدف، ولحديثه ثقل ووزن. " ماسك " لا يثرثر
وحسب (وينتهي المطاف باستغراق حوالي ثلاثين ساعة من المقابلات حتى يلين ويسمح لي بالانتقال لمستوى آخر أعمق من عقله وشخصيته).

ومعظم المديرين التنفيذيين المشهورين يحيطون أنفسهم بالمستشارين؛ إلا أن " ماسك " يتجول في أنحاء عالمه وحده غالبًا؛ فهو ليس ممن يتسللون خلسة من
الباب الجانبي للمطعم؛ بل هو ممن يدخلون المكان بثقة ويذرعونه جيئة وذهابًا في نفوذ واضح. لقد تبادلت الحديث مع " ماسك " بينما كان يشق طريقه نحو
الطابق الرئيسي لإستديو التصميمات ليعاين النماذج الأولية الخاصة بالأجزاء والمركبات. كان الموظفون في كل محطة يهرعون إليه ليعطوه المعلومات، فكان يصغي
إليهم باهتمام ويستوعب المعلومات ويومئ برأسه حين يشعر بالرضا، ثم ينتشر الموظفون في المكان وينتقل " ماسك " إلى مستودع المعلومات التالي. وعند إحدى
المراحل، أراد رئيس قسم التصميمات بشركة تيسلا، " فرانز فون هولزهاوسن " ، معرفة رأي " ماسك " في بعض الإطارات والأطواق المعدنية التي وصلت الشركة
من أجل الطراز " إس " ، ورأيه في ترتيبات المقاعد الخاصة بطراز إكس. تبادلا الحديث ثم دخلا غرفة اجتماعات سرية حيث أعد المديرون التنفيذيون للمبيعات، في
إحدى الشركات المنتجة لبرامج رسومات جرافكس المتطورة، عرضًا تقديميًّا من أجل " ماسك " . أرادوا أن يستعرضوا تقنية جديدة للتصوير ثلاثي الأبعاد ستسمح
لشــركة تيســلا بتعــديل اللمسـات الأخـيرة لنمـوذج افتراضـي للطـراز إس ومعرفـة تـأثير تفاصـيل دقيقـة مثـل الظـلال وأضـواء الشـوارع علـى بـدن السـيارة. أراد مهندسـو
شركة تيسلا هذه الأنظمة الحاسوبية بشدة وكانوا بحاجة لموافقة " ماسك " عليها. كما أن الموظفين التنفيذيين قد بذلوا قصارى جهدهم لإقناع " ماسك " بالفكرة
بينمــا كــان طنــين المثــاقب والمــراوح الصــناعية الضــخمة يطغــى علـى كلامـهم المعسـول. أمـا " ماسـك " ، وقـد كـان يرتـدي حـذاءً جلـديًّا وسـروالًا جـينز مـن ماركـة شـهيرة
وقميصًا قطنيًّا أسود اللون قصير الأكمام، وهي ملابس العمل الخاصة به في الأساس، فقد اضطر لارتداء نظارات ثلاثية الأبعاد من أجل العرض التوضيحي، وبدا
غــير متــأثر. وقــال لــهم إنـه سـيفكر فـي الأمـر، ثـم اتجـه إلـى مصـدر الضـوضاء الصـاخبة؛ كـانت ورشـة عمـل فـي أعمـاق إسـتديو التصـميمات، حـيث كـان مهندسـو شـركة
تيسلا يصممون سقالات أبراج زينة يبلغ ارتفاعها تسعة أمتار لوضعها خارج محطات الشحن الكهربائي، وقال: " يبدو كأن باستطاعتها تحمل إعصار من الدرجة
الخامسة. لنجعلها أرفع قليلًا " . في النهاية، استقللت أنا و " ماسك " سيارته، وهي سيارة سوداء طراز إس، وانطلقنا بسرعة عائدين إلى المبنى الرئيسي لشركة
سبيس إكس. في الطريق قال لي " ماسك " : " أعتقد أن عددًا كبيرًا من الأذكياء يسعون وراء بعض المشروعات في عالم الإنترنت وعالم المال والأعمال والقانون على
الأرجح. وهذا هو السبب وراء أننا لم نشهد قدرًا كبيرًا من الابتكار " .

عالم " ماسك " كان إلهامًا.

كنت قد أتيت إلى وادي السيليكون عام 2000، وانتهى بي المطاف بالإقامة في حي تيندرلوان بمدينة سان فرانسيسكو. إنه الجزء الوحيد من المدينة الذي سيتوسل
إليك السكان المحليون أن تتجنبه؛ فبإمكانك دون جهد يُذكر أن تجد شخصًا يتصرف تصرفًا غير مسئول أو أن تصادف شخصًا مختلًّا عقليًّا يضرب رأسه بجانب
موقف الحافلات. أما المشارب الرخيصة القريبة من النوادي الليلية، فستجد فيها بعض السلوكيات غير السوية، في حين يخر بعضهم نائمين على الأرائك وتغلب
عليهم طقوس تدل على الكسل الشديد. إنه حي متدن وشائك من أحياء مدينة سان فرانسيسكو، واتضح أنه مكان رائع لمشاهدة حلم الإنترنت يموت.

تمتلــك ســان فرانسـيسكو تـاريخًا طويـلًا مـن الجشـع: فقـد أصـبحت مـدينة ثريـة بفضـل تـهافت النـاس علـى اكتنـاز الـذهب، حتـى الزلازل والـهزات الأرضـية لـم تسـتطع
إبطــاء وتــيرة ســان فرانســيسكو نحــو النمــو الاقتصـادي لفتـرة طويلـة. لا تـدع أجواءهـا المتحـررة تخـدعك، فـالازدهار والكسـاد همـا السـمة الممـيزة لـهذا المكـان. ففـي عـام
2000، حققت سان فرانسيسكو أكبر ازدهار على الإطلاق واستحوذ عليها الطمع. كانت فترة رائعة لمعايشتها مع استسلام عامة الناس كلهم تقريبًا لوهم واحد...
وهــم الثــراء الســريع مــن خــلال ســعار الإنتـرنت. لقـد كـانت نبضـات الطاقـة المنبعثـة مـن هـذا الـوهم المشـترك واضـحة، وكـانت تصـدر دويًّا مسـتمرًّا يتـردد فـي كـل أنحـاء
المدينة. ها أنا وسط الجزء الأكثر فسادًا من سان فرانسيسكو، أراقب تقلبات الدهر وأثرها على الناس حين يستنزفهم الانغماس في الملذات.

وعناوين الأخبار التي تعقبت المشروعات المهووسة في تلك الفترات معروفة جدًّا. فلم يعد المرء مضطرًّا لإنتاج شيء أراد الجمهور شراءه لكي يؤسس شركة ناجحة؛
بل كل ما يتعين عليه فعله هو أن يمتلك فكرة متعلقة بالإنترنت بطريقة أو أخرى، ويروجها للعالم لكي يمول المستثمرون المتحمسون هذه الفكرة. وتمثل الهدف
العام في جني أكبر مبلغ ممكن من المال في أقل وقت ممكن لأن الجميع أدرك - على مستوى اللاوعي على الأقل - أن الواقع لا بد أن يسود في النهاية.

طبــق العــاملون فــي وادي الســيليكون شــعار النــاجحين " للجــد ســاعة وللــهزل ســاعة " بكــل معنــى الكلمــة؛ حــيث كــان متـوقعًا ممـن هـم فـي العشـرينات والثلاثينـات
والأربعينات والخمسينات من أعمارهم أن يسهروا للعمل طوال الليل وتتحول حجيرات العمل الخاصة بهم إلى معسكرات مبيت مؤقتة ويتخلوا عن
الاهتمام بنظافتهم الشخصية. ومن الغريب أن تحويل التوافه إلى أمور جليلة يتطلب عملًا شاقًّا. ولكن عندما يحين وقت الاسترخاء، فإنهم يستغلون كل الفرص
المتاحــة للانغمــاس فــي الملــذات. لقــد بــدت الشــركات الناجحــة ووســائل الإعــلام فــي ذلــك الــوقت محصــورة فــي صــراع لإثبـات تفوقـها علـى بعضـها البعـض بإقامـة أفخـم
الحفلات. أما الشركات ذات السياسات العتيقة التي حاولت أن تبدو " معاصرة " فقامت بشراء مساحات في مكان لإقامة الحفلات، ثم أحضرت بعض الفنانين
ومــؤدي الألعــاب البــهلوانية وفرقــة موســيقى " الــروك " الكنــدية بارنيكــد لايــديز. وكــان شـباب العـاملين فـي مجـال التكنولوجيـا يحضـرون للاحتفـال مجـانًا ولـيتجرعوا
شرابهم. لقد كان الجشع والمصلحة الشخصية هما الأمرين الوحيدين المنطقيين في ذلك الوقت.

وعلى الرغم من أن الأوقات الطيبة قد تم تسجيلها وتأريخها جيدًا، فإنه ليس من المثير للدهشة تجاهل الأوقات العصيبة التي تلتها؛ فتذكر الطفرة اللاعقلانية أكثر
إمتاعًا من تذكر الفوضى التي خلَّفتها هذه الفترة.

لنقل هذا تسجيلًا للتاريخ: إن انهيار وهم الإنترنت الذي يعد بتحقيق الثراء السريع قد جعل سان فرانسيسكو ووادي السيليكون يعانيان كسادًا اقتصاديًّا كبيرًا؛
فانتهت الحفلات المتعاقبة، ولم تعد شوارع حي تيندرلوان تعج بالشخصيات سيئة السمعة. وعوضًا عن فرقة بيرنايكد لايديز، ستجد أحيانًا فرقة موسيقية تعزف
الموسيقى تكريمًا للمغني " نيل دايموند " في معرض تجاري ما وبعض القمصان المجانية قصيرة الأكمام، وستشعر بالخزي.

لم يكن لدى مجال التكنولوجيا أية فكرة عما تئول الحال إليه. ولم يرد أصحاب رأس المال المخاطر الذين خُدعوا في أثناء فترة الفقاعة الاقتصادية أن يبدوا أكثر غباءً.
ولذلك، توقفوا تمامًا عن تمويل المشروعات الجديدة. بالإضافة إلى ذلك، استُبدِلت أفكار رواد الأعمال المهمة بأبسط المفاهيم الممكنة، وأصبح الوضع كما لو أن
وادي السيليكون قد دخل مرحلة إعادة تأهيل جماعية. ويبدو الأمر مأساويًّا إلا أنه حقيقي. لقد صدَّق ملايين الأذكياء من العوامِّ أنهم يبتكرون المستقبل، ثم... لا
شيء! فجأة، أصبح تجنب المغامرة سمة العصر.

ستجد الدليل على هذه الضائقة الاقتصادية في الشركات والأفكار التي تكونت خلال تلك الفترة. لقد ظهرت شركة جوجل وبدأت تنجح فعلًا في عام 2002 تقريبًا،
لكنها كانت مثالًا للخروج عن القاعدة. وما بين ظهور شركة جوجل وتصنيع شركة آبل أول هاتف ذكي في عام 2007، كانت هناك ثلة من الشركات دون المستوى.
ومــن المؤكــد أن الشــركات الجــديدة الرائجــة والصــاعدة آنــذاك، مثــل شــركتي فيســبوك وتويتــر، لــم تكــن تشــبه ســابقاتها، مثــل شـركات هـيولت - بـاكارد وإنتـل وصَن
مايكروسيستمز، التي كانت تصنع منتجات مادية وتوظف عشرات الآلاف من الموظفين. ولكن في الأعوام التالية، انتقل الهدف من المجازفات الهائلة لابتكار صناعات
جــديدة وأفكــار عظيمــة جــديدة إلــى ملاحقــة الأربــاح السـهلة عـن طـريق ترفيـه الزبـائن وضـخ التطبيقـات والإعلانـات البسـيطة. لقـد قـال لـي " جـيف هـامرباكر " ، وهـو
مهندس سابق في شركة فيسبوك: " إن أفضل العقول في جيلي يفكرون في كيفية جعل الناس يضغطون على زر مشاهدة الإعلانات. يا له من أمر مريع! " . لقد بدأ
وادي السيليكون يشبه هوليوود كثيرًا. في هذه الأثناء، انزوى زبائن هذه الشركات على أنفسهم وأصبحوا مهووسين بحياتهم الافتراضية.

كان " جوناثان هيوبنر " من أوائل الناس الذين قالوا إن هذا الركود في الابتكار قد يكون مؤشرًا على مشكلة أكبر، و " جوناثان هيوبنر " فيزيائي يعمل لصالح مركز
أبحاث الحرب الجوية البحرية التابع لوزارة الدفاع الأمريكية والواقع في مدينة تشاينا لايك بولاية كاليفورنيا. يعتبر " هيوبنر " نسخة من تجار الموت كما جاء في
مسلسل Leave It to Beaver . إنه كهل رفيع القوام أصلع الرأس يحب ارتداء ملابس مستوحاة من الطبيعة مكونة من سروال كاكي اللون وقميص مخطط
بأقلام بنية وسترة كاكية من القماش الكتاني. إنه يصمم أنظمة الأسلحة منذ عام 1985، ما أكسبه بصيرة بأحدث وأفضل التكنولوجيا فيما يتعلق بالمواد والطاقة
وبرامج الحاسوب. وانزعج " هيوبنر " من الابتكارات المفترضة ذات المستوى المتدني التي تُعرض عليه في مكتبه في الفترة التالية لفقاعة الإنترنت، فسلم بحثًا في عام
2005 بعنوان " احتمال تدهور مستوى الابتكارات عالميًّا " ، وهو ما كان إما اتهامًا لـوادي السيليكون أو على الأقل نذير شؤم.

اختار " هيوبنر " أن يستخدم تشبيه الشجرة ليصف ما اعتبره حالة ابتكار: لقد تسلق الإنسان الشجرة متجاوزًا الجذع ومتسلقًا فروعها الرئيسية منقبًا عن معظم
الأفكار المهمة جدًّا التي غيرت قواعد اللعبة ... وصولًا إلى اختراعات مثل الترس والكهرباء والطائرة والهاتف والترانزيستور. وفي هذه الآونة، اقتربنا من طرف فروع
الشــجرة واقتصــر جــهدنا علــى تحســين الابتكــارات الســابقة فحســب. ولكــي يـدعم " هـيوبنر " وجـهة نظـره فـي بحثـه، أثبـت أن وتـيرة موجـة الابتكـارات التـي غـيرت وجـه
الحياة قد تباطأت، واستعان ببيانات تثبت أن عدد براءات الاختراع قد تراجع بمرور الوقت. لقد قال لي " هيوبنر " في مقابلة أجريتها معه: " أعتقد أن احتمالية
اكتشاف اختراع جديد من أكثر الاختراعات المتميزة تقل أكثر فأكثر، فموارد الابتكار محدودة " .

توقع " هيوبنر " أن الناس سيستغرقون حوالي خمسة أعوام لاستيعاب فكره، وقد ثبت أن هذا التوقع يكاد يكون صائبًا. وفي حوالي عام 2010، بدأ " بيتر تيل " ،
المؤسس المشارك لموقع " فيسبوك " وأول مستثمر فيه، يروج لفكرة أن مجال التكنولوجيا قد خذل الناس، وأصبح قول " أردنا سيارة طائرة، فحصلنا بدلًا منها
على 140 حرفًا " شعارًا لشركته الخاصة فاوندرز فاند القائمة على استثمارات رأس المال المخاطر. لقد وصف " تيل " وشلته في مقال بعنوان: " What Happened
to the Future? " (مــاذا حــدث للمســتقبل؟) كــيف أن مــوقع تويتــر، وتغريــداته المقتصــرة علــى 140 حــرفًا، والاختراعــات المشــابهة لــه، قــد خــذلت العامــة. وقــال إن
الخيال العلمي، الذي كان يمجد المستقبل فيما مضى، قد أصبح بائسًا لأن الناس لم يعودوا يملكون نظرة متفائلة تجاه قدرة التكنولوجيا على تغيير وجه العالم.

كنت قد أيدت الكثير من هذه الأفكار حتى أول زيارة قمت بها لـ " عالم " ماسك "" . ورغم أن " ماسك " لم يكن متحفظًا بشأن ما هو بصدد القيام به، إلا أن فرصة
رؤية المصانع ومراكز البحث والتطوير وورش العمل عن قرب، لم تسنح إلا لعدد قليل من الناس خارج شركاته ورؤية ما يعمل فيه على الطبيعة. إننا أمام شاب
يتحلى بالكثير من مبادئ وادي السيليكون فيما يتعلق بسرعة التحرك وإدارة مؤسسات خالية من بيروقراطية التدرجات الوظيفية، وتطبق مبادئه من أجل تحسين
عمل الآلات الضخمة الرائعة ومتابعة الأمور ذات الإمكانيات اللازمة لأن تصبح إنجازات حقيقية كنا نفتقدها.

كان من المفترض أن يكون " ماسك " جزءًا من الضائقة الاقتصادية بحق؛ فقد سارع بالانضمام إلى هوس الإنترنت في عام 1995، حيث أسس شركة تدعى زيب 2
بعد تخرجه في الجامعة مباشرةً... وهي مزيج بدائي بين موقع خرائط جوجل وموقع Yelp . وانتهى المطاف بأن حقق ذلك المشروع الأول نجاحًا ساحقًا وسريعًا،
فقــامت شــركة كومبــاك بشــراء المــوقع مقــابل 307 ملايــين دولار عــام 1999، وجنــى " ماســك " 22 ملــيون دولار مــن هــذه الصــفقة أنفقــها كلــها تقــريبًا علــى مشـروعه
التالي، وكان عملًا تجاريًّا جديدًا تحول إلى شركة باي بال (PayPal) فيما بعد. ولأن " ماسك " أكبر حامل لأسهم شركة باي بال، فقد أصبح ثريًّا ثراءً بالغًا عندما
استولى موقع إي باي (eBay) على تلك الشركة مقابل مليار ونصف المليار دولار عام 2002.

وبدلًا من أن يبقى " ماسك " في وادي السيليكون لينتابه الخوف ذاته الذي انتاب نظراءه، فر إلى لوس أنجلوس. كانت الحكمة السائدة في ذلك الزمن تدعو إلى
أخذ نفس عميق وانتظار قدوم الابتكار الرائع التالي في الوقت المناسب. لكن " ماسك " نبذ ذلك المنطق بأن أنفق مائة مليون دولار لتأسيس شركة سبيس إكس و70
مليون دولار لتأسيس شركة " تيسلا " ، وعشرة ملايين دولار لتأسيس شركة " سولار سيتي " . ونظرًا لأنه عجز عن صناعة آلة حقيقية لإنفاق الأموال، لم يكن
بإمكانه اختيار طريقة أسرع لتبديد ثروته. لقد أصبح صاحب مشروعات يعود فيها القرار لرجل واحد لديه قدرة عالية على المخاطرة برأس المال، كما أنه ضاعف من
ثروته عن طريق إنتاج سلع مادية شديدة التعقيد داخل أبهظ مكانين في العالم هما لوس أنجلوس ووادي السيليكون. لقد كانت شركات " ماسك " تصنع الأشياء
مــــن الصــــفر وتحــــاول أن تعيــــد التفكــــير - متـــى أُتــيح لــها ذلــك - فــي أشــياء كثــيرة تقبلتــها مجــالات مثــل تصــنيع مركبــات الفضــاء والســيارات ومجــال اســتغلال الطاقــة
الشمسية كعرف سائد.

بالنســبة لشــركة ســبيس إكــس، فـإن " ماسـك " يصـارع عمالقـة المنشـآت الصـناعية العسـكرية الأمريكيـة، بمـا فيـه شـركتا لوكـهيد مـارتن وبـوينج، كمـا يصـارع دولًا،
أبرزها روسيا والصين. لقد اشتهرت شركة سبيس إكس بأنها ذات مورد منخفض التكلفة في تلك الصناعة. لكن هذا بحد ذاته ليس كافيًا للنجاح حقًّا؛ فمجال
تصنيع مركبات الفضاء يتطلب التعامل مع فوضى السياسات والتعاون المتبادل وسياسات الحماية الصناعية التي تقوِّض أصول الرأسمالية. واجه " ستيف جوبز "
تحالفًا مشابهًا حينما دخل مجال صناعة التسجيلات لكي يطرح جهاز آي بود وبرنامجه آي تونز في الأسواق. كان من الرائع التعامل مع معارضي الأفكار المستحدثة
في مجال الموسيقى مقارنةً بالتعامل مع أعداء " ماسك " الذين يعملون في مجال تصنيع الأسلحة وترويجها بين الدول. كانت شركة سبيس إكس تختبر صواريخ
معــادة الاســتخدام تســتطيع نقــل حمولاتــها إلــى الفضــاء والـهبوط علـى منصـات إطلاقـها المـوجودة علـى كـوكب الأرض مجـددًا. إذا اسـتطاعت الشـركة النجـاح فـي هـذه
التكنولوجيا، فستوجه ضربة ساحقة لكل منافسيها، وستجبر بعض أعمدة صناعة الصواريخ على تصفية أعمالهم على نحو يكاد يكون مؤكدًا، ويتزامن هذا مع
تنصيب الولايات المتحدة كرائدة العالم في مجال نقل البشر إلى الفضاء، وهذا تهديد يعلم " ماسك " أنه قد أكسبه كثيرًا من الأعداء الشرسين، فقد قال ذات مرة:
" إن قائمة أسماء من لا يأبهون بسماع خبر موتي تطول؛ بينما تخشى أسرتي أن يغتالني الروس " .

أما بالنسبة لشركة تيسلا موتورز، فقد حاول " ماسك " أن يجدد طريقة تصنيع السيارات وبيعها، مع إنشاء شبكة لتوزيع الوقود في جميع أنحاء العالم في الوقت
ذاته. وتسعى الشركة لتصنيع سيارات تعمل كليًّا بالكهرباء يتهافت الناس على اقتنائها وتجتاز حدود التكنولوجيا، بدلًا من السيارات الهجينة التي تعتبر من وجهة
نظر " ماسك " تنازلات لا ترقى للمستوى الأمثل. لا تبيع الشركة هذه السيارات من خلال تجار بيع السيارات، بل من خلال الإنترنت ومعارض تشبه معارض شركة
" آبل " في مراكز التسوق الراقية، كما أنها لا تتوقع أن تجني أموالًا طائلة من صيانة مركباتها؛ نظرًا لأن السيارات الكهربائية لا تتطلب تغيير الزيت والإجراءات
الأخرى الخاصة بصيانة السيارات التقليدية. يُعد نموذج المبيعات المباشرة الذي تبنته الشركة إهانة كبرى لبائعي السيارات المعتادين على مساومة زبائنهم وجني
أرباحهم من رسوم الصيانة الباهظة. بالإضافة إلى هذا، تعمل محطات إعادة الشحن الخاصة بشركة تيسلا حاليًّا على طول العديد من الطرق السريعة الرئيسية
في الولايات المتحدة وأوروبا وآسيا، وبوسعها إضافة مئات الكيلومترات من الطاقة إلى أية سيارة في حوالي عشرين دقيقة. كما أن محطات الشحن الفائقة المزعومة
هذه تعمل بالطاقة الشمسية ولا تكلف إعادة ملئها مالكي شركة تيسلا شيئًا. ورغم أن جزءًا كبيرًا من بنية أمريكا يتهالك، إلا أن " ماسك " يبني نظامًا مستقبليًّا
للنقل من الصفر سيسمح للولايات المتحدة بأن تتقدم بخطوات واسعة على بقية العالم. ويبدو أن رؤية " ماسك " ، وتنفيذه لها مؤخرًا، تجمع بين أفضل ما قام
به " هنري فورد " و " جون دي. روكفيلر " .

أمــا بالنســبة لشــركة ســولار ســيتي، فقـد قـام " ماسـك " بتمويـل أكبـر منشـئ وممـول لألـواح الطاقـة الشـمسية للمسـتهلكين مـن الأفـراد والشـركات، كمـا سـاعد علـى
ابتكار فكرة الشركة التي يشغل منصب رئيسها، بينما يديرها قريباه " ليندون " و " بيتر ريف " . استطاعت الشركة أن تقدم عشرات الخدمات ذات السعر المنخفض
وأن تصــــبح كيــــانًا كبــــيرًا فــــي حــــد ذاتــه. لقــد اســتطاع " ماســك " أن يؤســس شــركتين مــن أنجــح شــركات التكنولوجيــا النظيفــة فــي العــالم فــي وقــت كــانت فيــه شــركات
التكنولوجيــــا النظيفــــة قــــد أعلنــــت إفلاســــها علــــى نحــــو ينــــذر بــــالخطر. إن شــركة " ماســك " ، بإمبراطوريــة مصــانعها وعامليــها الــذين يبلغــون عشــرات الآلاف وقوتــها
الصناعية، قد جعلت أصحاب المناصب يفرون وحولت " ماسك " إلى أحد أكثر الرجال ثراءً في العالم، حيث تقدَّر قيمتها الصافية بحوالي عشرة مليارات دولار.

بدأت زيارة عالم " ماسك " توضح بعض الأمور بشأن كيفية نجاح " ماسك " في تنفيذ كل هذا. مع أن الحديث عن فكرة " إرسال البشر إلى كوكب المريخ " قد يبدو
سخيفًا للبعض، إلا أنه قد منح " ماسك " تشجيعًا فريدًا لشركاته، ويعتبر الهدف الكاسح الذي يشكل مبدأً موحدًا لكل ما يفعله. ويعي موظفو الشركات الثلاث
كلها جيدًا أنهم يحاولون تحقيق المستحيل يومًا بعد يوم. وعندما يضع " ماسك " أهدافًا غير واقعية، ويهين موظفيه لفظيًّا، ويرهقهم في العمل، فمن المفهوم أن
هذا جزء من أجندة تمكين البشر من السفر إلى " المريخ " . ويعجب بعض الموظفين به لهذا، في حين يبغضه آخرون للسبب ذاته، ولكنهم يظلون أوفياء له احترامًا
لطموحه ورسالته. إن ما اكتسبه " ماسك " ، ويفتقر إليه العديد من رواد الأعمال في وادي السيليكون، هو وجهة النظر الهادفة؛ فهو العبقري المهووس المنطلق في
سعيه لأعظم الإنجازات على الإطلاق. كما أنه لا يعتبر مديرًا تنفيذيًّا يسعى لجني الثروة بقدر ما هو قائد يقود قواته لتحقيق النصر. وبينما يرغب " مارك زوكربيرج
" في مساعدتك على نشر صور الأطفال، يرغب " ماسك " في... حسنًا... إنقاذ البشرية من التعرض للإبادة سواء عرضًا أو تلك التي فرضتها على نفسها.

إن الحياة التي هيأها " ماسك " ليدير كل هذه المساعي حياة غير منطقية؛ حيث يبدأ أسبوعه المعتاد في قصره بحي بيل آير. ويعمل طوال يوم الاثنين في شركة
ســبيس إكــس. وفــي يــوم الثلاثــاء، يبــدأ العمــل فــي ســبيس إكــس، ثــم يســتقل طائرتـه النفاثـة ليسـافر إلـى وادي السـيليكون. كمـا يقضـي بضـعة أيـام فـي العمـل بشـركة
تيسلا، التي يقع مقرها في بالو آلتو ومصنعها في مدينة فريمونت. وبما أن " ماسك " لا يملك منزلًا في شمال كاليفورنيا، ينتهي به المطاف بالإقامة في فندق لوكس
روزوود أو فــي مــنزل أحــد أصــدقائه. ولكــي يــرتب إقامتــه لــدى أصــدقائه، يرســل مســاعد " ماســك " رســالة بريــد إلكتــروني لـذلك الصـديق سـائلًا إيـاه " هـل لـديك غرفـة
لشخص واحد؟ " ، وإذا جاء رد الصديق بالإيجاب، يطرق " ماسك " باب منزله في وقت متأخر من الليل، ويقيم غالبًا في غرفة الضيوف، لكنه اشتهر كذلك بالنوم
على الأريكة بعد أن يسترخي بممارسة بعض ألعاب الفيديو، ثم يعود إلى لوس أنجلوس وشركة سبيس إكس يوم الخميس. ويشارك في رعاية أطفاله الخمسة،
توأم ثنائي وتوأم ثلاثي، مع زوجته السابقة " جاستين " ، ويقضون في منزله أربعة أيام في الأسبوع. يقوم " ماسك " كل عام بجدولة الوقت المستغرق في رحلات
الطيران التي يقوم بها أسبوعيًّا، ليساعده على أخذ فكرة عن مدى خروج الأمور عن السيطرة. لقد قال " ماسك " ، بعد أن سألته كيف ينجز جدول أعماله هذا: "
لقد مررت بطفولة عصيبة، وربما أفادني هذا " .

وخــلال إحــدى زيــاراتي لــــ " عــالم ماســك " ، اضــطر إلــى إقحــام مقــابلتنا علــى جــدول أعمالــه قبــل أن ينطلــق فــي رحلــة للتخــييم فــي محميـة كـرايتر لايـك الوطنيـة بولايـة
أوريجون. كانت الساعة حوالي الثامنة مساءً من يوم الجمعة. وسرعان ما كان " ماسك " يودع أولاده ومربياتهم عند طائرته النفاثة الخاصة ثم يلتقي بالسائقين
الذين سيصحبونه إلى أصدقائه في موقع التخييم؛ بعدها، سيساعد الأصدقاء مجموعة " ماسك " على فض أمتعتهم والاستقرار في أماكنهم تحت وطأة الليل.
ويقومون بالقليل من التنزه سيرًا على الأقدام، ثم تنتهي فترة الاسترخاء، ويسافر " ماسك " برفقة الأولاد عائدًا إلى لوس أنجلوس عصر يوم الأحد. بعدها، يسافر
وحده متجهًا إلى نيويورك مساء ذلك اليوم، لينام، ويظهر في البرامج الحوارية الصباحية ليوم الاثنين، ثم يجري اجتماعات، ويرد على رسائل البريد الإلكتروني،
وينام، ويسافر عائدًا إلى لوس أنجلوس صباح يوم الثلاثاء، ليعمل في شركة سبيس إكس، ويسافر عصر يوم الثلاثاء إلى سان خوزيه لزيارة مصنع شركة تيسلا
مــوتورز، ثــم ســيسافر إلــى العاصــمة واشــنطن تلــك الليلــة ليقــابل الـرئيس " أوبـاما " ، ويسـافر عائـدًا إلـى لـوس أنجلـوس ليلـة الأربعـاء ليقضـي بضـعة أيـام فـي العمـل
بشــركة ســبيس إكــس، ثــم يســافر لحضــور مؤتمــر بنــهاية الأســبوع يقيمـه رئـيس شـركة جوجـل، " إريـك شـميدت " ، فـي مقاطعـة يلوسـتون. كـان " ماسـك " فـي ذلـك
الوقت قد انفصل لتوه عن زوجته الثانية، الممثلة " تالولاه رايلي " ، وكان يحاول حساب ما إذا كان بإمكانه إقحام حياة شخصية أخرى وسط كل هذا. قال " ماسك
" : " أعتقد أن الوقت المخصص لأعمالي وأولادي يسير جيدًا. لكنني أود تخصيص المزيد من الوقت للتعارف من أجل الزواج. أريد البحث عن شريكة حياة. لهذا،
عليَّ أن أوجد القليل من الوقت الإضافي فحسب. أعتقد ربما حتى خمس إلى عشر... كم من الوقت تريد النساء في الأسبوع؟ عشر ساعات ربما؟ هذا هو الحد الأدنى
نوعًا ما؟ لا أعرف " .

نــادرًا مــا يجــد " ماســك " وقــتًا للاســترخاء، لكــن حــين يفعـل ذلـك، تكـون الاحتفـالات مثـيرة بالقـدر الـذي يكفيـه لبقيـة حياتـه. لقـد اسـتأجر " ماسـك " فـي عيـد مـيلاده
الثلاثين قلعة في " إنجلترا " لحوالي عشرين شخصًا، وقاموا من الساعة الثانية صباحًا إلى الساعة السادسة صباحًا بلعب أنواع مختلفة من لعبة الغميضة؛ حيث
يقــــوم فيــــها أحــــد الأشــــخاص بــــالفرار والاختبــــاء بينمــــا يبحــــث عنــه الآخــرون كلــهم. كمــا أقــيم حفــل آخــر فــي " بــاريس " : وجــد " ماســك " وأخــوه وأقاربــهما أنفســهم
مستيقظين في منتصف الليل، فقرروا ركوب الدراجة ليطوفوا بمختلف أنحاء المدينة حتى السادسة صباحًا. وبعدها، ناموا النهار بطوله ثم استقلوا قطار الشرق
السريع في المساء. مرة أخرى، ظلوا ساهرين طوال الليل. كانت فرقة الفنانين المعاصرين ذا لوسنت دوسيير إكسبيرينس موجودة على متن القطار، وكانوا يقرأون
الطالع ويؤدون الألعاب البهلوانية. عندما وصل القطار إلى مدينة البندقية في اليوم التالي، تناولت عائلة " ماسك " العشاء، ثم تسكعوا في فناء فندقهم المطل على
القنال الكبير حتى التاسعة صباحًا. يحب " ماسك " الحفلات التنكرية كذلك، وقد حضر إحداها مرتديًا زي فارس واستخدم مظلة ليبارز قزمًا متنكرًا كشخصية "
دارث فيدر " .

وقد دعا " ماسك " مؤخرًا خمسين شخصًا إلى قلعة للاحتفال بيوم ميلاده، أو على الأقل هذا أقرب وصف لها، في بلدة تاريتاون بولاية نيويورك. كان لهذا الحفل
طابع رئيسي ألا وهو الخيال العلمي الياباني، وهو أشبه بأحلام اليقظة لمحبي الخيال العلمي... فكانت أجواؤه تحتوي مزيجًا من المشدات والجلد والآلات. وقد تنكر
فيه " ماسك " كمحارب " ساموراي " .

شملت الاحتفالات عرضًا لأوبرا The Mikado ، وهي أوبرا كوميدية فيكتورية ألفها " جيلبرت " و " ساليفان " تدور أحداثها في " اليابان " ، في مسرح صغير في
قلب البلدة. قالت " رايلي " ، التي تزوجها " ماسك " ثانية بعد أن فشلت خطته لتخصيص عشر ساعات في الأسبوع للتعارف من أجل الزواج: " لست متأكدة من
أن الأمريكيين قد فهموها " . لكن الأمريكيين وغيرهم كلهم قد استمتعوا بما تلاها: عصب " ماسك " عينيه في القلعة، ودُفع إلى جدار، وأمسك بالونًا في كل يد
ووضع بالونًا آخر بين رجليه. بعدها، بدأ رامي السكاكين عمله. قال " ماسك " : " كنت قد شاهدته من قبل، لكنني شعرت بالقلق لأنه ربما يخطئ يومًا ما. مع
ذلــــك، ظننــــت أنــــه قــــد يصــــيب إحــــدى ســــاقيَّ، لكــــن لــيس كلتيــهما " . دُهــش المتفــرجون وخــافوا علــى ســلامة " ماســك " . قــال " بيــل لــي " ، وهــو مســتثمر فــي مجــال
التكنولوجيا وأحد أصدقاء " ماسك " المقربين: " كان هذا غريبًا. لكن " إيلون " مؤمن بالجانب العلمي للأشياء " . كما حضر أحد أفضل مصارعي السومو الحفل
مع بعض رفاقه، وكان قد تم نصب حلبة للمصارعة في القلعة، وواجه " ماسك " ذلك البطل. قال " ماسك " : " كان وزنه يبلغ حوالي مائة وتسعة وخمسين
كيلوجرامًا، ولم يكن وزنه مجرد كيلوجرامات متدلية. بدأ الأدرينالين يتدفق بأقصى قوة في جسدي، وتمكنت من رفع الرجل من على الأرض. لقد سمح لي بالفوز في
تلك الجولة الأولى ثم هزمني. أعتقد أن ظهري لا يزال يؤلمني منذ ذلك الحين " .

لقــد حــولت " رايلــي " تخطــيط هــذه الحفــلات لـــ " ماسـك " إلـى فـن. كـانت قـد التقـت بــ " ماسـك " عـام 2008، حـين كـانت شـركاته تنـهار، وشـاهدته يفقـد ثروتـه كلـها
ويتعرض لانتقادات الصحافة. هي تعي أن ألم تلك السنين ما زال باقيًا وأنه قد اجتمع مع كل المآسي التي مر بها " ماسك " في حياته، أي فقدانه المأساوي لابنه
الرضيع ونشأته القاسية في " جنوب إفريقيا " ، لينتج عن هذا روح معذبة. لقد بذلت " رايلي " قصارى جهدها للتأكد من أن فرار " ماسك " من العمل وماضيه هذا
يشــعره بالاســترخاء مــا لــم يشــعره بـالتعافي أيـضًا. قـالت " رايلـي " : " أحـاول التفكـير فـي أمـور ممتعـة لـم يفعلـها مـن قبـل تمكنـه مـن الاسـترخاء. إننـا نحـاول تعـويض
طفولته البائسة الآن " .

ورغم أن جهود " رايلي " كانت صادقة، فإنها لم تكن فعالة تمامًا. فبعد حفل مصارعة السومو بفترة ليست طويلة، وجدت " ماسك " قد عاد إلى العمل بالمقر
الرئيسي لشركة تيسلا في بالو آلتو. كنا يوم السبت، وكان موقف السيارات ممتلئًا. كان هناك مئات الشباب الذين يعملون داخل شركة تيسلا، بعضهم يصمم
أجزاء السيارات على حواسيب، بينما يُجري آخرون تجارب على معدات إلكترونية على مكاتبهم. كان ضحك " ماسك " الصاخب ينبعث كل بضع دقائق ويتردد في كل أنحاء هذا الطابق. عندما أتى " ماسك " إلى قاعة الاجتماعات التي كنت أنتظره بها، ذكرت كم من المثير للإعجاب أن يأتي كل هؤلاء الأشخاص للعمل في يوم
سبت. لكن " ماسك " رأى الموقف من منظور مختلف، واشتكى لي أن عدد من يعملون في العطلات الأسبوعية قد بدأ يقل تدريجيًّا مؤخرًا. رد عليَّ " ماسك " قائلًا:
" إنا ننهار ببطء. كنت سأبعث بريدًا إلكترونيًّا حالًا. إننا ننهار ببطء! " .

يبــدو هــذا النــوع مــن التصــريحات ملائــمًا لانطبــاعاتنا عــن الحــالمين الآخــرين. لــيس مــن الصــعب تخيــل " هــاوارد هــيوز " أو " سـتيف جـوبز " يوبخـان العـاملين معـهما
بطريقة مماثلة. فالابتكارات بها عنصر فوضوي، خاصةً الابتكارات الكبيرة. قضى " ماسك " عقدين في تأسيس الشركات، ترك خلالهما جموعًا غفيرة من الأشخاص
الذين إما يوقرونه أو يبغضونه. خلال كتابتي عن حياة " ماسك " ، اصطف هؤلاء الأشخاص لمنحي رأيهم عن " ماسك " والتفاصيل المروعة لطريقة عمله وعمل
شركاته.

إن تنــاولي العشــاء مــع " ماســك " ورحلاتــي المتكــررة لــــ " عــالم ماســك " قــد كشـفت لـي مجموعـة أخـرى مـن الحقـائق المحتملـة عـن هـذا الرجـل. إنـه يعـتزم ابتكـار شـيء
محتمــــل أن يكــــون أعظــــم مــــن أي ابتكــــار أنتجــــه " هــــيوز " أو " جــــوبز " . لقــــد اهتـــم " ماســك " بمجــالات بــدا أن " أمريكــا " قــد صــرفت اهتمامــها عنــها، مثــل الفضــاء
والسيارات، وأعاد تشكيلها كابتكار جديد ورائع، وفي قلب هذا التحول تكمن مهارات " ماسك " كمصمم لبرامج الحاسوب قادر على تشغيل الآلات بهذه البرامج.
لقد دمج بين كل من عالم الإلكترونيات والمعلومات بطرق لم يعتقد في إمكانيتها إلا قلة قليلة من الناس، وكانت النتائج مذهلة. صحيح أن " ماسك " لم يحقق
بعد نجاحًا ساحقًا على مستوى المستهلكين على غرار الهاتف الذكي آي فون أو لم يؤثر في أكثر من مليار شخص مثل موقع فيسبوك؛ إلا أنه لا يزال يصنع كل ما
يجذب الأثرياء حاليًّا. وقد تنهار إمبراطوريته الناشئة فجأة جراء انفجار أحد الصواريخ التي يصنعها أو قيام شركة تيسلا بسحب سياراتها بأعداد هائلة. من الناحية
الأخرى، حققت شركات " ماسك " بالفعل أكثر بكثير مما ظنه منتقدوه. كما أن الوعد بما هو آتٍ لابد أن يجعل القساة يشعرون بالتفاؤل خلال لحظات ضعفهم.
لقد قال " إدوارد جانج " ، مخترع ومهندس مشهور لبرامج الحاسوب: " بالنسبة لي، يعتبر إيلون مثال ً ا متألقًا على كيف يمكن لوادي السيليكون أن يتمكن من
تغيير نفسه جذريًّا لكي يصبح ملائمًا أكثر من مجرد سعي الشركات للاكتتاب العام والتركيز على زيادة طرح المنتجات في السوق تدريجيًّا. تلك الأمور مهمة، لكنها
ليست كافية، بل علينا أن ننظر إلى نماذج مختلفة لكيفية تنفيذ الأمور طويلة الأجل بطبيعتها والتي تعتبر التكنولوجيا أكثر تكاملًا فيها " . يبدو أن التكامل الذي
ذكره " جانج " ، أي الدمج المتجانس بين برامج الحاسوب والإلكترونيات والمواد المتقدمة والمقدرة الحاسوبية، هي موهبة " ماسك " . إذا أغمضت عينيك قليلًا،
سيبدو لك أن " ماسك " ربما يستغل مهاراته في تمهيد الطريق لعصر من الآلات المذهلة وتحقيق أحلام الخيال العلمي.

ومن هذا المنطلق، يبدو نجاح " ماسك " أقرب بكثير إلى " توماس إديسون " منه إلى " هاوارد هيوز " ؛ فهو مخترع ورجل أعمال شهير وصاحب مصانع قادر على
تحويل الأفكار المهمة إلى منتجات مهمة. إنه يوظف آلاف العاملين لطرق المعادن في المصانع الأمريكية في وقت كان يعتبر هذا مستحيلًا فيه. مع أن " ماسك " قد ولد
فــي " جنــوب إفريقيــا " ، فإنــه يبــدو كصــاحب المصــانع الأكثــر ابتكــارًا فـي " أمريكـا " وكمفكـر غـريب الأطـوار وكـأكثر شـخص قـابل لتصـحيح مسـار وادي السـيليكون لكـي
يصبح أكثر طموحًا. وقد يستطيع الأمريكيون بفضله أن يصحوا من غفلتهم بعد عشرة أعوام لينشئوا أحدث طريق سريع في العالم: نظام نقل يعمل من خلال
آلاف محطــات الشــحن التـي تعمـل بالطاقـة الشـمسية ويعتمـد علـى السـيارات الكـهربية. عنـدها، قـد تكـون شـركة سـبيس إكـس كـذلك تبعـث الصـواريخ كـل يـوم إلـى
الفضاء، وتنقل الناس والأغراض إلى عشرات المواطن، وتجري الاستعدادات للقيام برحلات أطول إلى كوكب " المريخ " . وتعتبر هذه التطورات عسيرة الفهم ولا مفر
منها على ما يبدو في آن واحد، إذا استطاع " ماسك " ببساطة توفير الوقت الكافي لإنجاحها. كما صاغت زوجته السابقة " جاستين " ، الأمر قائلة: " إنه يفعل ما
يريده، بلا هوادة. هذا عالم إيلون. أما بقيتنا فيعيش فيه فحسب " .
2

?

?

إفريقيا

التقى الجمهور بـ " إيلون ريف ماسك " لأول مرة عام 1984، عندما نشرت مجلة بي سي آند أوفيس تكنولوجي - التي تُوزع في جنوب إفريقيا - الشفرة المصدرية
للعبة فيديو صممها " ماسك " . كانت لعبة الفضاء المستوحاة من الخيال العلمي، والتي تدعى " بلاستار " ، تتطلب 167 سطرًا من أوامر التشغيل. كان هذا في
وقت سابق حين تعين على مستخدمي الحاسوب الأوائل كتابة الأوامر بأنفسهم كي يجعلوا الكمبيوتر يقوم بكل شيء تقريبًا بناءً على هذه الأوامر. ولم تتألق لعبة "
ماسك " كأعجوبة من أعاجيب علوم الحاسب الآلي في هذه المناسبة، ولكنها تفوقت بالتأكيد على معظم ما كان يبتكره الصبية في الثانية عشرة من عمرهم في ذلك
الوقت. حصل " ماسك " على خمسمائة دولار نظير تغطية المجلة لابتكاره هذه اللعبة، كما قدمت هذه التغطية بعض التلميحات المبكرة عن شخصيته. وأظهر
مقال لعبة " بلاستار " المنشور في صفحة 69 من المجلة أن الشاب أراد أن يُعرف باسم " إي. آر. ماسك " الذي يبدو كأسماء مؤلفي قصص الخيال العلمي، وصرح
بأن لديه بالفعل رؤى لإنجازات عظيمة تجول بباله. ويقول في إيجاز لشرح قواعد اللعبة: " في هذه اللعبة، يجب على اللاعب أن يدمر سفينة فضائية مقاتلة تابعة
للمخلوقات الفضائية تحمل قنابل هيدروجينية مميتة وماكينات تبعث أشعة وضعية. تزوَّد هذه اللعبة بالنقوش والرسوم المتحركة، وهذا ما يجعل قائمة الأوامر
تستحق القراءة فعلًا " (حتى وقت تأليف هذا الكتاب لا تعرف شبكة الإنترنت ما هي " الماكينات التي تبعث أشعة وضعية " ).

إن تخيلات صبي عن الفضاء والصراع بين الخير والشر ليس أمرًا مذهلًا إطلاقًا. ولكن الصبي الذي يأخذ تلك التخيلات على محمل الجد جدير بلفت الانتباه. هكذا
كانت الحال مع الصبي " إيلون ماسك " . وفي منتصف سنوات مراهقته، كان " ماسك " قد مزج بين الخيال والواقع لدرجة تعذر معها التفريق بينهما في ذهنه؛
وأضــحى " ماســك " يعتبــر مصــير البشــرية فــي هــذا الكـون واجبـه الشـخصي. وإذا كـان هـذا يعنـي السـعي للبحـث عـن تكنولوجيـا تعمـل بطاقـة نظيفـة أو تصـنيع سـفن
الفضاء لتوسيع الأفق التي يستطيع الجنس البشري الوصول إليه، فليكن هذا واجبه الشخصي. وسيبحث " ماسك " عن طريقة لتحقيق هذا الأمر. يقول " ماسك
" : " لعلي قرأت مجلات هزلية أكثر من المطلوب في طفولتي! كان يبدو لي دائمًا أن أبطال القصص المصورة يحاولون إنقاذ العالم. وبدا لي أن المرء يجب أن يحاول
جعل العالم مكانًا أفضل لأنه ليس من المنطقي أن يحدث العكس " .

وعنــدما بلــغ " ماســك " ســن الرابعــة عشــرة تقــريبًا، عــانى أزمــة وجوديــة، وحــاول التعــامل معــها كمــا يفعــل العـديد مـن المـراهقين الموهوبـين، بقـراءة الكتـب الـدينية
والفلســفية. اختبــر " ماســك " مجموعــة مــن الأيــديولوجيات، ثــم انتــهى بــه المطـاف بـالعودة إلـى نقطـة البـداية مـرة أخـرى: بـأن اسـتوعب دروس الخيـال العلمـي التـي
وجدها في أحد أكثر الكتب المؤثرة في حياته: The Hitchhiker ’ s Guide to the Galaxy من تأليف " دوجلاس آدامز " . يقول " ماسك " : " يوضح " دوجلاس
آدامز " أن تحديد الأسئلة التي يجب طرحها يعد أمرًا من أصعب الأمور حقًّا. فبمجرد أن يحدد المرء السؤال، تصبح الإجابة سهلة نسبيًّا. ولقد توصلت لاستنتاج
أنه علينا أن نطمح لزيادة نطاق الوعي البشري ومستواه لكي نفهم بشكل أفضل نوعية الأسئلة التي سنطرحها " . بعدها، توصل المراهق " ماسك " إلى بيان مهمته
شديد المنطقية. وقد قال: " الأمر الوحيد المنطقي هو السعي لتحقيق التنوير الجماعي " .

من السهل ملاحظة بعض أسس البحث عن الهدف لدى " ماسك " . لقد وُلد " ماسك " في عام 1971، ونشأ في مدينة " بريتوريا " ، وهي مدينة كبيرة في الجزء
الشمالي الشرقي من جنوب إفريقيا، ويفصلها عن مدينة جوهانسبرج مسافة ساعة فقط بالسيارة. كان شبح التمييز العنصري مخيمًا على طفولته؛ حيث كان
التوتر والعنف محتدمين في جنوب إفريقيا. وكانت هناك صراعات بين السود والبيض وكذلك الصراعات المحتدمة بين السود من مختلف القبائل. كان " م اسك "
قد أتم عامه الرابع بعد وقوع ثورة " سويتو " بأيام، التي لقي فيها مئات الطلاب السود حتفهم في أثناء تظاهرهم ضد قرارات حكومة البيض. وظلت جنوب إفريقيا
لأعوام تواجه عقوبات فرضتها عليها دول أخرى بسبب سياساتها العنصرية. لقد حظي " ماسك " بمتعة السفر خارج البلاد أثناء طفولته، وربما اكتسب فكرة عن
نظرة العالم الخارجي تجاه جنوب إفريقيا.

لكـــــن مـــا كـــان لـــه تـــأثير أكبـــر علـــى شـــخصية " ماســـك " هـــو ثقافـــة الأفريكـــان البـــيض المنتشـــرة بشـــدة فـــي مـــدينة بريتوريـــا والمنـــاطق المحيطـــة بـــها؛ حـــيث كـــانوا يحتفـــون
بالسلوكيات الذكورية النمطية المبالغ فيها وكانوا يحترمون الرجال الرياضيين الأقوياء. ومع أن " ماسك " كان يتمتع بامتيازات خاصة، إلا أنه عاش حياته كغريب
ذي شخصية متحفظة وميول عبقرية خالفت السلوكيات السائدة في ذلك الوقت. ولاقت رؤيته عن حدوث شيء يقلب موازين العالم دعمًا متواصلًا. لقد خطط "
ماسك " ، منذ نعومة أظافره، للهروب من محيطه، إذ كان يحلم بمكان يسمح لشخصيته بالازدهار ويتيح له تحقيق أحلامه. ورأى أمريكا في صورتها النمطية
المبتذلة؛ أي رآها على أنها أرض الفرص وخشبة المسرح المرجح بشدة أن تحقق عليها أحلامه. هكذا انتهى المطاف بالفتى الجنوب إفريقي المنعزل الأخرق، الذي كان
يتكلم بكل صدق وإخلاص عن السعي لتحقيق " التنوير الجماعي " ، بأن أصبح أجرأ صاحب مصانع وشركات في أمريكا.

مثَّل وصول " ماسك " في العشرينات من عمره إلى الولايات المتحدة أخيرًا عودته إلى جذور أجداده؛ حيث تشير شجرة عائلة " ماسك " إلى أن أجداده من ناحية
الأم ، والذين يحملون لقب " هالديمان " الألماني السويسري، قد غادروا أوروبا متجهين إلى مدينة نيويورك خلال حرب الاستقلال الأمريكية. وبعدها، انتقلوا من
مدينة نيويورك إلى براري وسط غرب الولايات المتحدة... بالتحديد إلى ولايتيْ إيلينوي ومينيسوتا. ويقول " سكوت هالديمان " ، خال " ماسك " والمؤرخ غير الرسمي
للعائلة: " واضح أنه كان لدينا أفراد من العائلة يحاربون مع طرفي الحرب الأهلية وأننا كنَّا عائلة من المزارعين " .

وطوال طفولة " ماسك " ، كان الفتية يضايقونه بسبب اسمه غير المعتاد. لقد اكتسب اسمه من جده الأكبر " جون إيلون هالديمان " ، الذي وُلد عام 1 1872ونشأ
فــي ولايــة إيلــينوي قبــل أن يتجــه إلــى ولايــة مينيســوتا. وهنــاك، قــابل زوجتــه، " ألميــدا جــاين نورمــان " ، التـي كـانت تصـغره بخمسـة أعـوام. وبحلـول عـام 1902، كـان
الزوجان قد استقرا في كوخ خشبي في بلدة بيكوات وسط مينيسوتا وأنجبا ابنهما " جوشوا نورمان هالديمان " ، جد " ماسك " ، الذي سيكبر ليصبح رجلًا رائعًا
غريب الأطوار وقدوةً لـ " ماسك " * .

يوصف " جوشوا نورمان هالديمان " بأنه فتى رياضي يُعتمد عليه. انتقلت عائلته عام 1907 إلى براري مقاطعة ساسكاتشوان، وتوفي والده بعدها بفترة وجيزة، حين
كــــان " جوشــــوا " لا يزال فــــي الســابعة مــن عمــره، تــاركًا الفتــى ليســاعد فــي إدارة المــنزل. لقــد أُولــع " هالــديمان " بالأراضــي المفتوحــة وتعلــم ركــوب الخيــل غــير المروضــة
والملاكمة والمصارعة، وكان يروض الخيول للمزارعين المحليين، وكثيرًا ما كان يتأذى خلال هذا، كما نظم واحدة من أولى مسابقات رعاة البقر في كندا. تُظهر الصور
العائلية " جوشوا " بينما يرتدي سروالًا جلديًّا واقيًا مزخرفًا ويستعرض مهاراته في لف الحبل. حين بلغ " هالديمان " مرحلة المراهقة، غادر بلدته للحصول على
شهادة من كلية " بالمر " للمعالجة اليدوية بولاية آيوا، ثم عاد إلى مقاطعة ساسكاتشوان ليعمل فيها مزارعًا.

واجه " هالديمان " أزمة مالية عند حدوث الكساد الاقتصادي في ثلاثينيات القرن الماضي؛ حيث إنه لم يستطع سداد القروض البنكية على معداته، وحُجر على
خمسة آلاف فدان من أرضه. قال " سكوت هالديمان " ، الذي حصل على شهادته للمعالجة اليدوية بعدها من الكلية نفسها التي ارتادها والده، ليصبح أحد
أفضل خبراء معالجة ألم العمود الفقري: " منذ ذلك الحين، لم يؤمن أبي بالمصارف أو بالاحتفاظ بالأموال " . فبعد أن خسر " هالديمان " مزرعته في عام 1934
تقريبًا، اتبع الحياة البدوية؛ وهو ما سيقلده حفيده في كندا بعدها بعقود. ونظرًا لأن طوله كان يبلغ حوالي مترين، فقد كان يؤدي أعمالًا مختلفة كعامل بناء
وكمؤدٍّ لعروض رعاة البقر قبل أن يستقر في مهنة المعالجة اليدوية ** .

وبحلول عام 1948، كان " هالديمان " قد تزوج مدربة رقص كندية تعمل بإستوديو لتعليم الرقص تدعى " وينيفريد جوزيفين فليتشر " ، أو " وين " ، وأسس
عيادة ناجحة للمعالجة اليدوية. وفي ذلك العام، استقبلت العائلة، التي كانت تشمل ابنًا وابنة بالفعل، ابنتين توأمتين هما " كاي " و " ماي " ، والدة " ماسك " .
وعاش الأولاد في منزل مكون من ثلاثة طوابق وعشرين غرفة شمل إستوديو لتعليم الرقص ليسمح لـ " وين " بالاستمرار في تعليم طلابها. وبما أن " هالديمان "
يبحث دائمًا عن مشروع جديد فقد تعلم الطيران واشترى طائرته الخاصة. لقد اكتسبت العائلة قدرًا من الشهرة حين سمع الناس أن " هالديمان " وزوجته قد
جعلا أولادهما يستقلون مؤخرة الطائرة ذات المحرك الواحد ويجوبون أنحاء أمريكا الشمالية. كان " هالديمان " يحضر الاجتماعات السياسية والمتعلقة بالمعالجة
اليدوية على متن طائرته. لقد ألف كتابًا بمعاونة زوجته لاحقًا بعنوان: The Flying Haldemans:Pity the Poor Private Pilot .

بدا أن كل شيء يسير على ما يرام مع " هالديمان " . ولكن في عام 1950، قرر التخلي عن كل شيء. لطالما انتقد هذا الطبيب والسياسي بشدة تدخل الحكومة في
حياة الأفراد، وأصبح يعتبر البيروقراطية الكندية شديدة التدخل في حياة الفرد. ولقد منع " هالديمان " السباب والتدخين وشرب المياه الغازية والدقيق الصافي في
منزله؛ مؤكدًا أن أخلاقيات كندا قد بدأت تتراجع. بالإضافة إلى ذلك، كان " هالديمان " يمتلك رغبة دائمة في المغامرة. لهذا، باعت العائلة منزلها وإستوديو الرقص
وعيادة المعالجة اليدوية الخاصين بها خلال أشهر قليلة، وقررت الانتقال إلى جنوب إفريقيا؛ وهو مكان لم يسافر إليه " هالديمان " من قبل. ويتذكر " سكوت
هالديمان " مساعدته لوالده على تفكيك طائرة العائلة " بيلانكا كروزآير " (1948) ووضعها في صناديق قبل شحنها إلى إفريقيا. بمجرد وصول العائلة إلى جنوب إفريقيا، أعادوا تجميع الطائرة واستخدموها لتمشيط البلاد بحثًا عن مكان رائع يعيشون فيه، ليستقروا في النهاية في بريتوريا، حيث أسس " هالديمان " عيادة
جديدة للمعالجة اليدوية.

بدا أن روح المغامرة في العائلة لا حدود لها. لقد قطع " جوشوا " و " وين " في عام 1952 بطائرتهما حوالي 22 ألف ميل في رحلة ذهاب وعودة، سافرا فيها عبر
إفريقيا إلى إسكتلندا والنرويج. قامت " وين " بدور الربان، وكانت أحيانًا تتولى مهام الطيران، مع أنها ليست مرخصة كقائدة طائرة. لقد كلل الزوجان جهودهما
بالنجاح في عام 1954 عندما قطعا30 ألف ميل ذهابًا وإيابًا إلى أستراليا. وكتبت الصحف تقريرًا عن رحلة الزوجين، واعتقد أنهما الطياران الخاصان الوحيدان اللذان
تمكنا من السفر من إفريقيا إلى أستراليا بطائرة ذات محرك واحد. ***

وعنــــدما لا تســـافر عائلــة " هالــديمان " جــوًّا، كــانت تخــرج إلــى الأدغــال لتقــوم بــرحلات اســتكشافية رائعــة تســتغرق أشــهرًا بحــثًا عــن " المــدينة المفقــودة " فــي صــحراء
كالاهاري، وهي مدينة في جنوب إفريقيا يُفترض أنها مهجورة. وتُظهر إحدى الصور الملتقطة خلال إحدى تلك الرحلات الأولاد الخمسة وسط الأدغال الإفريقية،
مجتمعــين حــول قــدر معــدني كبــير توقــد أســفله النــيران. ويبــدو الأولاد مســترخين بينمــا يجلســون علــى كراســي قابلــة للطــي، ويضــعون ســاقًا علــى الأخـرى، ويقـرأون
الكتب، وخلفهم الطائرة " بيلانكا " ياقوتية اللون وخيمة وسيارة. ويناقض هدوء ذلك المشهد خطورة تلك الرحلات. وفي أثناء إحدى الحوادث التي تعرضت لها
العائلة، اصطدمت شاحنتهم بجذع شجرة، ما أدى إلى ضغط واقي الصدمات في الرادياتير. ونظرًا لأنهم أصبحوا عالقين في مكان قصي بلا أي وسيلة اتصال، فقد
عكف " جوشوا " على إصلاح الشاحنة لثلاثة أيام، بينما كانت عائلته تصطاد طعامهم. وفي أحيان أخرى، كانت الضباع والفهود تحيط بنيران المخيم ليلًا، وذات
صــباح، اســتيقظت العائلــة لتجــد نمــرًا علــى بعــد حوالــي متـر مـن طاولتـهم الرئيسـية، فأمسـك " جوشـوا " بـأول غـرض وجـده، وكـان مصـباحًا، ولـوَّح بـه، وأمـر النمـر
بالابتعاد، فابتعد. ****

كان نهج عائلة " هالديمان " في تربية أولادهم هو عدم التدخل، وهو نهج امتد عبر الأجيال وصولًا إلى " ماسك " . لم يُعاقبوا أولادهم قط؛ لأن " جوشوا " كان
يعتقــد أنــهم ســيهتدون إلــى الســلوك القــويم فطــريًّا. فحــين كــان الوالــدان يســافران فــي رحلاتــهما الجويــة الرائعــة، كـانا يتركـان أولادهمـا فـي المـنزل. لا يتـذكر " سـكوت
هالديمان " أن والده قد وطئ مدرسته بقدمه مرة واحدة، مع أن ابنه كان قائد فريق الرجبي وعريف الصف. ويعلق " سكوت هالديمان " على هذا: " كان كل هذا
متوقعًا ببساطة بالنسبة له. لقد غرس فينا انطباع أننا قادرون على فعل أي شيء، وما علينا سوى أن نتخذ قرارًا وننفذه. وكان أبي سيصبح فخورًا جدًّا بـ إيلون من
هذا المنطلق " .

توفــي " هالــديمان " عــام 1974 عــن عمــر ينــاهز الثانيــة والســبعين، عنــدما كــان يتـدرب علـى الـهبوط بطائرتـه ولـم يـرَ سـلكًا متصـلًا بزوج مـن الأقطـاب. فاشـتبك السـلك
بعجل الطائرة وانقلبت الطائرة وكُسرت رقبة " هالديمان " . كان " إيلون " طفلًا صغيرًا في ذلك الوقت، لكنه سمع طوال طفولته قصصًا عديدة عن أعمال جده
الجريئة وحضر عروضًا تقديمية لا تعد ولا تحصى توثق أسفاره ورحلاته عبر الأدغال. وعن هذا يقول " ماسك " : " حكت جدتي تلك الحكايات عن كيف أنهما كادا
يموتان عدة مرات طوال رحلتهما. كانا يسافران بطائرة خالية من المعدات تمامًا... ولا حتى جهاز لا سلكي، وكانت معهم خرائط طريق بدلًا من الخرائط الجوية،
ولــم يكــن بعضــها صــحيحًا أيــضًا. كــانت لــدى جــدي رغبــة فــي القيــام بــالمغامرات واكتشــاف أشــياء جنونيــة " . و " إيلــون " مقتنــع بفكـرة أنـه ربمـا يكـون قـد ورث قـدرته
الاستثنائية على تحمل المخاطر من جده مباشرةً. لقد حاول " إيلون " إيجاد الطائرة الحمراء " بيلانكا " وشراءها بعد أعوام عديدة من إقامة آخر عرض تقديمي؛
ولكنه لم يستطع تحديد مكانها.

نشأت " ماي ماسك " ، والدة " إيلون " ، على حب والديها حبًّا جمًّا. كانت تعتبر غريبة الأطوار في شبابها، فقد كانت تحب الرياضيات والعلوم وكانت تبلي بلاءً
حسنًا في المهام الدراسية المطلوبة منها. لكن عند بلوغها سن الخامسة عشرة، لاحظ الناس بعض صفاتها الأخرى. كانت " ماي " رائعة الجمال، وكانت طويلة
القامة شقراء. وكانت بارزة الوجنتين ولها ملامح وجه حادة تجعلها تبرز في أي مكان. كانت إحدى صديقات العائلة تدير مدرسة لعروض الأزياء، فالتحقت " ماي
" ببعض صفوفها الدراسية. كانت تعمل عارضة في عروض الأزياء وجلسات تصوير المجلات في العطلات الأسبوعية، وكانت أحيانًا تحضر حدثًا مقامًا في منزل أحد
أعضاء مجلس الشيوخ أو أحد السفراء، وانتهى بها المطاف بأن وصلت إلى نهائيات مسابقة ملكة جمال جنوب إفريقيا (استمرت " ماي " في العمل بعرض الأزياء
وهي في الستينات من عمرها، وظهرت صورتها على أغلفة مجلات مثل نيويورك و إل وفي مقاطع فيديو أغاني " بيونسيه " ).

نشأت " ماي " و " إيرول ماسك " ، والد " إيلون " ، في الحي نفسه، والتقيا ببعضهما البعض لأول مرة حين كانت " ماي " - وهي من مواليد عام 1948 - في
الحادية عشرة من عمرها تقريبًا. كان " إيرول " الفتى الرائع بالنسبة لـ " ماي " غريبة الأطوار، وكان " إيرول " معجبًا بها منذ أعوام. تقول " ماي " : " لقد أحبني
بسبب ساقيَّ وأسناني " . ظلا يتقابلان من حين إلى آخر طوال فترة دراستهما الجامعية. وحسبما صرحت " ماي " ، قضى " إيرول " حوالي سبعة أعوام يسعى
لطلب يدها للزواج بلا هوادة، إلى أن حصل على موافقتها في النهاية. وعن هذا تقول: " لم يتوقف لحظة عن عرض الزواج عليَّ " .

كان زواجهما معقدًا منذ البداية: حملت " ماي " خلال شهر العسل وأنجبت " إيلون " في الثامن والعشرين من يونيو عام 1971، بعد تسعة أشهر ويومين من يوم
زفافها. ولعل الزوجان لم يستمتعا بزواجهما، إلا أنهما بنيا لنفسيهما حياة كريمة في بريتوريا؛ حيث عمل " إيرول " مهندس ميكانيكا وكهرباء، وتولى مشروعات
ضخمة مثل المباني الإدارية ومجمعات البيع بالتجزئة والمباني السكنية والقواعد الجوية، بينما أسست " ماي " عيادة كخبيرة تغذية. وبعد ولادة " إيلون " بعام أو
أكثر قليلًا، وُلد أخوه " كيمبال " ، وبعدهما بقليل وُلدت أختهما " توسكا " .

أبدى " إيلون " كل سمات الطفل الفضولي النشيط. كان يتعلم بسهولة، ورأت " ماي " - كعديد من الأمهات - ابنها ذكيًّا وناضجًا في سن صغيرة. وعن هذا تقول: "
بدا أنه يفهم أسرع من الأطفال الآخرين " . كان الأمر المحير هو أن " إيلون " بدا أنه يسرح ليدخل في غفوة أحيانًا. وكان الناس يتحدثون إليه، لكنه لم يكن يسمع
أي شيء عندما كان يشيح بنظره بعيدًا. كان هذا يحدث كثيرًا جدًّا لدرجة أن والديْ " إيلون " وأطباءه ظنوا أنه يعاني الصمم. وتعلق " ماي " على هذا قائلة: " بدا
أحيانًا كأنه لا يسمعنا " . فأجرى الأطباء سلسلة من الفحوصات على " إيلون " ، واستقروا على استئصال غدد الزائدة الأنفية لديه، لكي يمكنه تحسين السمع
لدى الأطفال. وتقول " ماي " : " حسنًا، لم يتغير الوضع " . كانت حالة " إيلون " المرضية مرتبطة بتكوين الروابط داخل ذهنه أكثر من ارتباطها بطريقة عمل جهازه
السمعي. وتعلق " ماي " على هذا قائلة: " ينسحب إلى داخل عقله، ثم يسهل على المرء أن يدرك أن " إيلون " في عالمه الخاص. ما زال يفعل هذا، لكنني أتركه
وشأنه فحسب الآن؛ لأنني أعرف أنه يصمم صاروخًا جديدًا أو شيئًا من هذا القبيل " .

لم يستطع الطفلان الآخران التعامل مع حالات التخيل الأشبه بأحلام اليقظة. فبإمكان المرء ممارسة تمارين القفز بجانب " ماسك " مباشرةً أو الصياح في وجهه،
دون أن يلاحظه " إيلون " حتى. لقد استمر في التفكير، فأصدر المحيطون حكمهم عليه بأنه إما وقح أو شديد الغرابة. تقول " ماي " : " أعتقد فعلًا أن ماسك لطالما
كان مختلفًا قليل ً ا لكن بشكل غريب الأطوار، لكن هذا لم يجعله محبوبًا بين أقرانه " .

أمــا بالنســبة لــــ " ماســك " ، فقــد كــانت لحظــات التــأمل هــذه رائعــة. فحــين كــان فــي الخامســة والســادسة مـن العمـر، وجـد طريقـة للانسـحاب مـن العـالم المحـيط بـه
وتكريس كل تركيزه لمهمة واحدة. وجزء من هذه القدرة نبع من الطريقة المرئية التي كان ذهن " ماسك " يعمل بها. كان " ماسك " يستطيع رؤية صور في مخيلته
بوضــوح شــديد وتفاصــيل دقيقــة قــد نربطــها الــيوم برســم هندســي مــن إنتــاج برنــامج حاســوبي. يقـول " ماسـك " : " لقـد بـدا الأمـر كـأن عمليـات التفكـير الـداخلية قـد
استحوذت على الجزء المخصص لمعالجة الصور المرئية في مخي؛ أي الجزء المستخدم لمعالجة الصور الآتية من عيني. لم أعد أستطيع فعل هذا بالقدر نفسه الآن لأن
هناك الكثير من الأمور التي تتطلب انتباهي، لكنه كان يحدث كثيرًا في صباي. وذلك الجزء الكبير من مخي المستخدم في معالجة الصور الواردة قد أصبح يُستخدم
في التفكير الداخلي " . تقسم أجهزة الكمبيوتر مهامها الصعبة على نوعين من الرقائق: رقائق خاصة بالرسومات تتعامل مع معالجة الصور الناتجة عن المقاطع
التليفزيونية أو لعبة الفيديو؛ والرقائق الحاسوبية التي تتولى مهام الأغراض العامة وإجراء العمليات الحسابية. وبمرور الوقت، انتهى المطاف بـ " ماسك " باعتقاده
أن داخل مخه ما يعادل رقاقة الرسومات؛ حيث يسمح له برؤية الأمور الموجودة في العالم الخارجي، ومحاكاتها داخل ذهنه، وتخيل احتمالات تغيرها أو تعاملها
عند تفاعلها مع الأجسام الأخرى. يعلق " ماسك " قائلًا: " بالنسبة للصور والأرقام، أستطيع معالجة علاقاتها المتداخلة وعلاقاتها اللوغاريتمية. أستطيع تخيل
تأثير السرعة، والزخم، والطاقة الحركية ... وأدرك تمامًا كيف تؤثر هذه تلك الأمور في الأجسام المحيطة " .

وأكثر جزء لافت للانتباه في شخصية " إيلون " في صباه هو ولعه الشديد بالقراءة. فمنذ نعومة أظافره، بدا أنه يمسك كتابًا بيده طوال الوقت. يقول " كيمبال "
عن هذا: " لم يكن غريبًا بالنسبة له أن يقرأ عشر ساعات يوميًّا. وعندما نكون في عطلة أسبوعية، فإنه ينتهي من قراءة كتابين في اليوم " . لقد ذهبت العائلة في
رحلات عديدة للتسوق أدركوا في منتصفها أن " إيلون " مفقود. حينئذ كان " ماي " أو " كيمبال " يدخلان أقرب مكتبة، ليجدا " إيلون " جالسًا على الأرض في أقصى
ركن بالمكتبة يقرأ كتابًا وهو في حالة أشبه بأحلام اليقظة.

مع تقدم " إيلون " في العمر، كان يتردد كثيرًا على المكتبات حين ينتهي الدوام المدرسي في الثانية ظهرًا، ويمكث هناك حتى السادسة مساءً، حتى يعود والداه من
عملهما. كان يقرأ قصص الخيال بنهم شديد والقصص المصورة وكتب الأدب الواقعي. وعن هذا يقول " إيلون " : " كانوا أحيانًا يطردونني من المكتبات، لكنهم لم
يكونوا يفعلون ذلك عادة " . لقد ذكر كتاب The Lord of the Rings ، وسلسلة كتب مؤسسة فاونديشن التابعة لـ " إسحاق أسيموف " ، وكتاب The Moon
Is a Harsh Mistress لـ " روبرت هاينلين " كبعض كتبه المفضلة، إلى جانب كتاب The Hitchhiker ” s Guide to the Galaxy . يعلق " ماسك " على هذا قائلًا: " في مرحلة ما، كنت قد قرأت جميع الكتب في مكتبة المدرسة ومكتبة الحي. ربما كنت في الصف الثالث أو الرابع حينذاك. وحاولت أن أقنع أمين المكتبة أن
يطلب لي كتبًا مخصوصة. عندها، بدأت أقرأ موسوعة Encyclopaedia Britannica . كانت مفيدة جدًّا. إن المرء لا يدرك مدى جهله إلا إذا عرف أكثر. لقد
أدركت أن هناك الكثير من الأمور التي لا أعرفها " .

في الواقع، عكف " إيلون " على قراءة مجموعتين من الموسوعات... وهو إنجاز لم يساعده كثيرًا على تكوين الصداقات. كان الفتى يمتلك ذاكرة تصويرية، فحولته
قراءة الموسوعات إلى مصنع للحقائق. لقد بدا كعالم تقليدي يعرف جميع الحقائق. كانت " توسكا " تتساءل بصوت عالٍ عن المسافة بين " الأرض " والقمر على
مائدة العشاء، فكان " إيلون " يحسب لها القياسات الدقيقة لمدار القمر من أعلى نقطة إلى أدنى نقطة. تعلق " ماي " قائلة: " إن طرحنا سؤالًا، كانت توسكا تقول
دائمًا: " اسألوا الفتى العبقري " . كان بوسعنا أن نسأله عن أي شيء، وكان يتذكره ببساطة " . اشتهر " إيلون " بأنه شخص يعشق الاطلاع بطرقه الغريبة. وعن
هذا تقول " ماي " : " لم يكن فتى رياضيًّا على الإطلاق " .

وتحكي " ماي " أن " إيلون " كان يلعب مع شقيقيه وأقاربه خارج المنزل ذات ليلة، فاشتكى أحدهم من أنه يخاف الظلام، فأوضح له " إيلون " أن " الظلام هو
مجرد غياب الضوء " ، وهو ما لم يطمئن الطفل المذعور على أية حال. لقد كانت لهفة " إيلون " الدائمة لتصحيح تصرفات الآخرين وسلوكه الوقح يبعدان الأطفال
الآخرين عنه، ما زاد شعوره بالعزلة. ظن " إيلون " حقًّا أن الناس سيسرون بمعرفة عيوب تفكيرهم. تقول " ماي " : " لا يحب الأولاد مثل هذه الإجابات. فكانوا
يقــــولون: " لــــن نلعــــب معـــك بعــد الآن يــا إيلــون " . لقــد شــعرت بــالحزن الشــديد كــأم لأننــي اعتقــدت أنــه أراد عقــد الصــداقات. كــان "كيمبــال " و " توســكا " يــدعوان
أصدقاءهما للمنزل، أما " إيلون " فلم يفعل ذلك قط - كان يريد اللعب معهم، لكنه كان محرجًا " . حثت " ماي " " كيمبال " و " توسكا " على إشراك " إيلون "
في ألعابهما، فأجابا مثلما يجيب أي طفل آخر: " لكن اللعب معه ليس مسليًا يا أمي " . ومع تقدمه في العمر، أصبحت هناك روابط عاطفية قوية تجمع " إيلون "
بشقيقيه وأقاربه؛ أبناء خالته. ورغم أنه كان منطويًا في المدرسة، فإن طبيعته كانت منفتحة مع أفراد عائلته، وتولى في النهاية دور كبيرهم ومحفزهم الرئيسي.

ظلــت حيــاة " ماســك " الأســرية جيــدة لفتــرة. كـانت العائلـة تمتلـك أحـد أكبـر المنـازل فـي مـدينة بريتوريـا بفضـل نجـاح شـركة " إيـرول " الهندسـية. لقـد التُقطـت صـورة
لأولاد عائلة " ماسك " الثلاثة حين كان " إيلون " في الثامنة من عمره تقريبًا تُظهر ثلاثة أولاد شُقرًا أصحاء يجلسون بجوار بعضهم على شرفة من القرميد مع
وجود أشجار الجاكراندا القرمزية - التي تشتهر بها مدينة بريتوريا - في الخلفية. يتميز " إيلون " بخدين كبيرين مستديرين وابتسامة عريضة.

وبعد التقاط هذه الصورة بفترة وجيزة، تفككت الأسرة: انفصل والداه خلال العام نفسه، وانتقلت " ماي " مع الأولاد إلى منزل العائلة للعطلات في مدينة ديربان
على الساحل الشرقي لجنوب إفريقيا. وبعد قضائهم عدة أعوام على هذا النحو، قرر " إيلون " أنه يريد العيش مع والده. يعلق " ماسك " على هذا القرار قائلًا: "
بدا أبي حزينًا ووحيدًا. كان لأمي ثلاثة أولاد، ولم يكن له أحد. بدا هذا ظلمًا " . تقبل بعض أفراد العائلة هذه الفكرة التي دفعته إليها تفكيره المنطقي، في حين زعم
آخرون أن جدة الفتى، " كورا " ، قد مارست ضغطًا هائلًا عليه. عن هذا الأمر تقول " ماي " : " لم أفهم سبب رغبته في مغادرة هذا المنزل السعيد الذي بنيته له...
هذا المنزل السعيد حقًّا. ولكن إيلون كان شخصًا مستقلًّا " . قدمت " جاستين ماسك " ، زوجة " إيلون " السابقة وأم أولاده الخمسة، تفسيرًا نظريًّا للأمر يقول إن
" إيلون " تعاطف أكثر مع النموذج الذكوري داخل المنزل ولم يكلف نفسه عناء التفكير في الجانب العاطفي من هذا القرار. قالت " جاستين " ، في أثناء وصفها لآل
" ماسك " بأنهم أشخاص رائعون وغير مدللين على الإطلاق: " لا أعتقد أنه كان مقربًا بشكل خاص من أي من والديه " . اختار " كيمبال " لاحقًا العيش مع "
إيرول " كذلك، قائلًا ببساطة إن أي ابن بطبيعته يرغب في العيش مع والده.

وفي أي وقت يُطرح فيه موضوع " إيرول " ، يلتزم أفراد عائلة " إيلون " الصمت. لقد اتفق الجميع على كونه رجلًا غير مرغوب في وجوده، لكنهم رفضوا توضيح
هــــذه النقطــــة بالتفصــيل. ومنــذ ذلــك الحــين، تزوج " إيــرول " مــرة أخــرى، وأصــبح لــدى " إيلــون " أختــان صــغيرتان غــير شــقيقتين يــهتم بــهما جــدًّا. ويبــدو " إيلــون "
وشقيقتاه مصممين على عدم انتقاد " إيرول " علنًا، كيلا يضايقا أختيهما.

وتبقى الأساسيات كما يلي: تمتد جذور عائلة " إيرول " إلى جنوب إفريقيا. ويعود وجود آل " ماسك " في البلاد إلى حوالي مائتي عام، كما أن اسم العائلة مسجل
في أول دليل للهاتف في مدينة بريتوريا. كان والد " إيرول " ، " والتر هنري جايمس ماسك " ، رقيبًا في الجيش. يصرح " إيلون " قائلًا: " أتذكر أنه لا يكاد يتحدث
تقريبًا. كان يحتسي الشراب ويغضب فحسب، وكان بارعًا في حل الكلمات المتقاطعة " . وُلدت " كورا آميليا ماسك " ، والدة " إيرول " ، في إنجلترا لعائلة تشتهر
بجينات الذكاء. أحبت الشهرة واحتوت أحفادها. يقول " كيمبال " : " كانت جدتنا تتمتع بشخصية مسيطرة جدًّا. كانت امرأة مغامرة جدًّا. لقد كان لها تأثير كبير
في حياتنا " . رأى " إيلون " أن علاقته بـ " كورا " - أو " جدتي " كما يسميها - علاقة وثيقة بشكل خاص. يعلق على هذا قائلًا: " لقد اعتنت بي كثيرًا جدًّا بعد انفصال
والديَّ. كانت تقلني بسيارتها من المدرسة، وكنت أتسكع معها ونلعب لعبة تكوين الكلمات معًا وغيرها من الألعاب " .

من الناحية الظاهرية، بدت الحياة في منزل " إيرول " رائعة. كان " إيرول " يمتلك العديد من الكتب ليقرأها " إيلون " من الغلاف للغلاف ومالًا ليشتري حاسوبًا
وأغراضًا أخرى رغب فيها " إيلون " . كما اصطحب " إيرول " ولديه في العديد من الرحلات خارج البلاد. يعلق " كيمبال " على هذا قائلًا: " كان وقتًا ممتعًا بشكل
مذهل. لديَّ العديد من الذكريات الممتعة " . بالإضافة إلى ذلك، أبهر " إيرول " الولدين بذكائه وقدم لهما دروسًا عملية. يقول " إيلون " : " كان مهندسًا موهوبًا.
كان يعرف آلية عمل كل جسم مادي " . وطُلب من كل من " إيلون " و " كيمبال " الذهاب إلى مواقع الأعمال الهندسية التي يقوم فيها " إيرول " بتعلم كيفية
رص الطوب وأعمال السباكة وتركيب النوافذ وتوصيل الأسلاك الكهربائية. يعلق " إيلون " قائلًا: " كانت لحظات ممتعة " .

كان " إيرول " ، حسبما وصفه " كيمبال " ، شخصًا " ذا حضور طاغ وطبيعة انفعالية " . كان يُجلس " إيلون " و " كيمبال " ويلقي عليهما محاضرة لثلاث إلى
أربع ساعات دون أن يتمكن الولدان من الرد عليه. بدا أنه يستمتع بمعاملة الولدين بقسوة وسلبهما متعة الانحرافات الطفولية المعتادة. حاول " إيلون " ، بين
الفينة والأخرى، إقناع والده بالانتقال إلى أمريكا، وتحدث كثيرًا عن نواياه بالعيش في الولايات المتحدة في وقت لاحق من حياته. وجاء رد " إيرول " على مثل تلك
الأحلام بأن حاول تعليم " إيلون " درس: صرف خدم المنزل وجعل " إيلون " يؤدي كل الأعمال المنزلية ليعلمه معنى " التظاهر بأنه أمريكي " .

ورغم أن " إيلون " و " كيمبال " رفضا تقديم سرد تفصيلي لهذه القصة، إلا أنه كان من الواضح أنهما مرا بتجربة فظيعة وعميقة خلال تلك السنوات التي قضياها
مع والدهما؛ فكلاهما يتحدث عن اضطراره لتحمل شكل ما من أشكال التعذيب النفسي. وعن هذا يقول " كيمبال " : " إنه يملك صفات معقدة جدًّا، وأنا متأكد
أنني و " إيلون " قد ورثناها منه. لقد كانت نشأة صعبة جدًّا على الصعيد العاطفي، لكنها جعلتنا ما نحن عليه اليوم " . أما " ماي " ، فقد اتخذت موقفًا عدوانيًّا
عند طرح موضوع " إيرول " ، قائلة: " لا أحد يتفق معه، وهو لا يعامل أحدًا بلطف. لا أريد أن أحكي قصصًا رهيبة. نحن لا نتجنب الحديث عن الأمر فحسب،
فهناك أولاد وأحفاد متورطون فيه " .

وعندما طلبت من " إيرول " أن يحادثني بشأن " إيلون " ، رد عليَّ بالبريد الإلكتروني قائلًا: " لقد كان إيلون طفلًا مستقلًّا جدًّا ومركزًا معي في المنزل. كان يحب
علوم الحاسب الآلي قبل أن يعرف أي أحد في جنوب إفريقيا ما هي علوم الحاسب الآلي حتى، وأصبحت قدرته معترفًا بها على نطاق واسع عند بلوغه سن الثانية
عشرة. كانت نشاطات " إيلون " وأخيه " كيمبال " في صباهما وشبابهما عديدة ومتنوعة جدًّا لدرجة أنه من العسير ذكر نشاط واحد فقط، لأنهما سافرا معي في
جنوب إفريقيا بصفة خاصة وجابا معي العالم بصفة عامة، وزارا كل القارات بانتظام منذ سن السادسة. كان " إيلون " وأخوه وأخته لا يزالون مثاليين في كل شيء
كما يرغب أي والد. وأنا فخور جدًّا بما أنجزه " إيلون "" .

أرسل " إيرول " نسخة من هذا البريد الإلكتروني إلى " إيلون " ، وحذرني " إيلون " من مراسلة والده، مصرًّا على أنه لا يمكن الوثوق برأي والده في الأحداث الماضية،
قــائلًا: " إنــه شــخص غــريب الأطــوار " . لكــن عنـدما ضـغطت عليـه لـيمنحني المزيـد مـن المعلومـات، تفـادى سـؤالي قـائلًا: " بالتأكيـد مـن الـدقيق أن أقـول إننـي لـم أحـظَ
بطفولة جيدة. لعلها بدت جيدة؛ ورغم أن الأمور الجيدة لم تكن غائبة تمامًا، فإنها لم تكن طفولة سعيدة على أية حال. كانت فترة تعيسة. إنه بارع في جعل
الحياة تعيسة... هذا مؤكد. بإمكانه أن يحول أي موقف مهما كان جيدًا إلى موقف سيئ. إنه ليس رجلًا سعيدًا. لا أعرف... سحقًا ... لا أعرف كيف يمكن أن يصبح
أحد هكذا. إذا أخبرتك بأكثر من هذا، سيسبب الأمر لك الكثير من المتاعب " . لقد قطع " إيلون " و " جاستين " عهدًا ألا يسمحا لأولادهما بمقابلة " إيرول " .

حين كان " إيلون " في العاشرة من عمره تقريبًا، عندما رأى جهاز كمبيوتر لأول مرة، في مركز " ساندتون سيتي " للتسوق في جوهانسبيرج. يعلق " ماسك " قائلًا:
" كان هناك متجر للإلكترونيات يبيع أنظمة تكبير الصوت، لكنهم كانوا قد بدأوا يخزنون عددًا قليلًا من أجهزة كمبيوتر في ركن منه " . شعر بالإثارة فورًا، " كان
الأمر أشبه باكتشاف! " - تجاه هذا الجهاز الذي يمكن برمجته لتنفيذ الأوامر. يعلق " ماسك " على هذا قائلًا: " كان يجب أن أشتريه. عندها، لاحقت أبي بلا هوادة
ليشتري لي هذا الكمبيوتر " . وسرعان ما امتلك جهاز " كومودور في آي سي - 20 " ، وهو جهاز كمبيوتر منزلي شهير طُرح في الأسواق عام 1980. وصل كمبيوتر "
إيلون " ومعه ذاكرة بحجم خمسة كيلوبايت وكُتيب تشغيل يشرح لغة " بيسك " للبرمجة. عن هذا يقول " إيلون " : " كان من المفترض أن يستغرق تعلم كل
الدروس ستة أشهر تقريبًا. لكن أصابني وسواس قهري شديد تجاه الأمر، فظللت ساهرًا لثلاثة أيام بلا نوم حتى تعلمت كل شيء. بدا أكثر شيء آسر رأيته على
الإطلاق " . ومع أن والد " ماسك " كان مهندسًا، إلا أنه كان معاديًا للآلات والأجهزة وكان يتخلص منها. يحكي " إيلون " أنه " قال إنها للألعاب فقط، وإنني لن
أستطيع تنفيذ الهندسة الحقيقية عليها، فرددت ببساطة " لا يهم "" .

وفي حين أن " إيلون " كان محبًّا للاطلاع ومهووسًا بحاسوبه الجديد، إلا أنه كان يقود " كيمبال " وأقاربه (أولاد " كاي " ) " راس " و " لايدون " و " بيتر ريف " في مغامرات في أحيان كثيرة جدًّا. لقد انخرطوا في أحد الأعوام في التجول في الحي لبيع بيض موسم الربيع. لم يكن البيض مزينًا جيدًا، ومع ذلك، رفع الفتية سعر
بيعه لجيرانهم الأثرياء. بالإضافة إلى ذلك، ترأس " إيلون " عملهم على صنع المتفجرات والصواريخ المنزلية. لم تكن أدوات تصنيع الصواريخ الرائجة بين الهواة،
والتي تنتجها شركة " إستيس " ، موجودة في جنوب إفريقيا، لذلك، كان " إيلون " يصنع مركبات كيميائية خاصة به ويضعها داخل علب. يقول " إيلون " : " كم
المــواد التــي يمكــن تفجيرهــا مــذهل. تعتبــر النتــرات والكبــريت والفحــم المكونــات الأســاسية للبــارود، وإذا مزجـتِ حمـضًا قـويًّا مـع قلـوي قـوي، فسـيولد هـذا الكثـير مـن
الطاقة عادةً. وحبيبات الكلور مع زيت المكابح... كم هذا مبهر! أنا محظوظ لأن أصابعي كلها ما زالت سليمة " . وعندما لم يكن الفتية يتعاملون مع المتفجرات،
كانوا يرتدون طبقات من الملابس ونظارات واقية، وكانوا يطلقون على بعضهم رصاصًا زائفًا. كان " إيلون " و " كيمبال " يتسابقان بدراجتيهما على الطرق الوعرة في
مناطق اللعب الرملية، حتى طار " كيمبال " من على دراجته ذات يوم واصطدم بقوة بسلك شائك.

ومع مرور الأعوام، أخذ الأقارب مساعيهم في ريادة الأعمال على محمل الجد أكثر، حتى إنهم حاولوا في مرحلة ما إنشاء صالة لألعاب الفيديو. اختار الفتية موقعًا
لإنشاء الصالة، واستأجروها، وبدأوا اجتياز عملية استخراج رخصة عملهم، دون علم أي من آبائهم. لكنهم في النهاية اضطروا لجعل شخص أكبر من ثمانية عشر
عامًا يوقع على وثيقة قانونية، ولم يقبل والد أولاد آل " ريف " ولا " إيرول " التوقيع عليها. استغرق الأمر بضعة عقود من الزمن، لكن " إيلون " وأولاد آل " ريف "
أسسوا عملًا تجاريًّا معًا في النهاية.

لعل أجرأ عمل باهر قام به الفتية هو رحلاتهم بين بريتوريا وجوهانسبرج. فخلال الثمانينيات من القرن الماضي، كان يمكن لـجنوب إفريقيا أن تكون مكانًا مضطربًا
جدًّا، وكانت رحلة القطار التي تربط بين بريتوريا وجوهانسبرج، على طول 35 ميلًا، تبرز كإحدى أخطر الرحلات في العالم. اعتبر " كيمبال " رحلات القطار هذه
تجارب تكوينية له ولـ " إيلون " : " لم تكن جنوب إفريقيا مكانًا سعيدًا، وهذا يؤثر في المرء. لقد رأينا أمورًا صعبة جدًّا. كان هذا جزءًا من نشأتنا غير التقليدية...
مجرد مجموعة جنونية من التجارب التي تغير وجهة نظر المرء تجاه الخطر. إن المرء لا ينشأ معتقدًا أن الحصول على وظيفة هو الجزء الصعب، فهذا ليس مثيرًا
للاهتمام بالقدر الكافي " .

كانت أعمار الفتية تتراوح بين ثلاثة عشر إلى ستة عشر عامًا عندما سعوا وراء مزيج من الحفلات والأعمال المبهرة وغريبة الأطوار في جوهانسبرج. فخلال إحدى
رحلاتهم للمتعة، حضروا مسابقة للعبة Dungeons & Dragons . عن هذا يقول " ماسك " : " كنا نتصرف حينها بغرابة شديدة " . كان كل الفتية مولعين
بلعبة تقمص الأدوار تلك، والتي تتطلب من اللاعب أن يساعد على تهيئة أجواء المسابقة بتخيل مشهد ما ووصفه. " لقد دخلت غرفة، وهناك صندوق في الركن.
مــاذا ســتفعل؟ ســتفتح الصــندوق؟ لقــد وقعــت فــي الشــرك، وأطلقــت ســراح عشــرات الغـيلان " . بـرع " إيلـون " فـي دور " سـيد اللعبـة " ، وحفـظ كـل النصـوص التـي
تفصّل قوى الوحوش والشخصيات الأخرى. عن هذا يقول " بيتر ريف " : " تحت قيادة " إيلون " ، لعبنا الدور ببراعة شديدة وفزنا بالمسابقة. إن الفوز بهذه اللعبة
يتطلب خيالًا مذهلًا، وقد خلق إيلون الأجواء اللازمة لجذب الناس وإلهامهم حقًّا " .

كان " إيلون " الذي التقى به أقرانه في المدرسة أقل إلهامًا بكثير. فخلال مرحلتي الدراسة الإعدادية والثانوية، تنقل " إيلون " بين بضعة معاهد، وقضى ما يعادل
الصفين الثامن والتاسع في مدرسة " بريانستون " الثانوية. وفي عصر أحد الأيام، كان " إيلون " و " كيمبال " جالسين يتناولان الطعام على قمة درجات السلم
الأسمنتية، حين قرر فتى أن يلاحق " إيلون " . يعلق قائلًا: " كنت ببساطة مختبئًا من عصابة تطاردني لسبب لا أعلمه. أعتقد أنني اصطدمت بذلك الفتى دون
قصد في طابور ذلك الصباح واعتبر هذا الأمر إهانة شديدة له " . تسلل الفتى خلف " ماسك " ، وركله في رأسه، ثم دفعه لأسفل السلم، فتدحرج " ماسك "
لنهاية مجموعة السلالم، وانقضّت عليه حفنة من الفتية، وركله بعضهم في جانبه، بينما كان زعيمهم يضرب رأس " ماسك " بالأرض. يقول " ماسك " : " كانوا
مجموعة من المخابيل. لقد فقدت وعيي " . راقب " كيمبال " ما يحدث في رعب، وخشى أن يفقد " إيلون " حياته، فنزل السلالم مسرعًا، ليجد وجه " إيلون "
ملطخًا بالدماء ومتورمًا. عن هذا يقول " كيمبال " : " بدا كشخص قد خرج لتوه من حلبة ملاكمة " . بعدها، ذهب " إيلون " إلى المستشفى. يحكي " ماسك "
قائلًا: " لم أستطع العودة إلى المدرسة إلا بعدها بأسبوع " (خلال مؤتمر صحفي أ ُ قيم عام 2013، صرّح " ماسك " بأنه أجرى عملية تجميلية في أنفه لمعالجة الآثار
المتبقية من الضرب).

ظل " ماسك " يتحمل مطاردة هؤلاء المتنمرين له بلا هوادة لثلاث أو أربع سنين. لقد تمادوا لدرجة أنهم ضربوا فتى كان " ماسك " يعتبره صديقه الحميم إلى أن
وافــق الولــد علــى أن يتــوقف عــن الخــروج مــع " ماســك " . قــال " ماســك " : " وفــوق كــل هــذا، جعلــوا، صــديقي الحمـيم اللـدود، يغـريني بـالخروج مـن مخبـئي لكـي
يضربوني، وكان هذا مؤلمًا بحق " . في أثناء سرد " ماسك " هذا الجزء من القصة، ترقرقت عيناه بالدموع وتهدج صوته؛ قائلًا: " لسبب ما، قرروا أنني الضحية،
وكانوا يطاردونني بلا توقف، وهذا ما جعل نشأتي صعبة. لم تكن هناك هدنة لعدة سنوات. كنت مُطاردًا من قبل عصابات في المدرسة تحاول ضربي ضربًا مبرحًا،
ثم كنت أعود إلى المنزل، لأجد الوضع مريعًا هناك كذلك. كانت الحياة جحيمًا متواصلًا وحسب " .

قضى " ماسك " الفترة الأخيرة من دراسته بالمرحلة الثانوية في مدرسة بريتوريا الثانوية، حيث كانت هناك طفرة في النشأة والسلوك لطلاب تلك المدرسة، ما جعل
حياته محتملة أكثر من ذي قبل. في حين أن مدرسة بريتوريا للبنين مدرسة حكومية بطبيعتها، إلا أنها أصبحت أقرب إلى عمل المدارس الخاصة خلال المائة عام
الماضية. إنها المدرسة الذي يُرسل إليها الشباب لإعدادهم لارتياد جامعة أوكسفورد أو كامبريدج.

زملاء " ماسك " في الصف يتذكرونه كطالب محبوب وهادئ وغير استثنائي. يقول " ديون برينسلو " ، الذي كان يجلس خلف " إيلون " في بعض الصفوف: " كان
هناك أربعة أو خمسة فتية يُعتبرون الأذكى على الإطلاق، ولم يكن إيلون واحدًا منهم " . ردد مثل هذه التعليقات حوالي ستة أولاد لاحظوا أيضًا أن عدم اهتمام "
إيلون " بالرياضة البدنية قد جعله منعزلًا وسط ثقافة مهووسة بالرياضيين. يقول " جيديون فوريي " ، زميل آخر لـ " إيلون " : " بصراحة، لم تكن هناك أية دلائل
على أنه سيصبح مليارديرًا. لم يتولَّ منصبًا قياديًّا في المدرسة قط. ولقد تفاجأت بشدة من معرفة ما حققه " .

ومع أنه لم يكن لـ " ماسك " أي أصدقاء مقربين في المدرسة، إلا أن اهتماماته غريبة الأطوار قد تركت انطباعًا فعلًا. ثمة فتى، يدعى " تيد وود " ، تذكر أن " ماسك
" قد جلب نماذج صواريخ إلى المدرسة وأطلقها خلال فترات الاستراحة. لم يكن هذا هو التلميح الوحيد إلى طموحاته: فخلال مناظرة في مادة العلوم، كسب "
إيلون " الاهتمام بانتقاده الوقود الحفري بقسوة لصالح الطاقة الشمسية... وهو ما كان موقفًا مناقضًا لبلاد تعمل بدأب لاستخراج موارد الأرض الطبيعية. يقول "
وود " : " لطــالما كــانت لــه آراء راســخة " . أمــا " تيرينســي بــيني " ، وهــو زميــل لــــ " إيلــون " فظــل علــى اتصــال بــه علــى مــر الســنين، فقــد زعــم أن " ماسـك " بـدأ يتخيـل
استعمار الكواكب الأخرى في المرحلة الثانوية كذلك.

وفي تلميح آخر للمستقبل، كان " إيلون " و " كيمبال " يتحادثان بالخارج خلال الاستراحة بين الحصص الدراسية، حين قاطعهم " وود " وسأل عما كانا يتحادثان
بشــأنه. يحكــي هــذه الواقعــة قــائلًا: " قــالا إنــهما يتحــدثان عمــا إذا كــانت هنــاك حاجــة للمصــارف متعـددة الفـروع فـي القطـاع المـالي، وعمـا إذا كنـا سـننتقل للتعـاملات
المصرفية غير الورقية. أتذكر أنني هتفت بتعليق ساخر قائلًا: " يا لها من فكرة رائعة " . *****

وحتى إن لم يكن " ماسك " ضمن النخبة الأكاديمية في صفه، فإنه كان ضمن حفنة من الطلاب تملك ما يكفي من الدرجات والاهتمامات ليتم اختيارها من أجل
برنامج حاسوبي تجريبي. انتُقي طلاب من عدة مدارس وجُمعوا معًا لكي يتعلموا لغات " بيسك " و " كوبول " و " باسكال " للبرمجة. واستمر " ماسك " بتعزيز
ميوله التكنولوجية تلك بحبه للخيال العلمي والخيال، وجرب تأليف قصص تتضمن تنانين وكائنات خارقة للطبيعة. وعن هذا يقول: " أردت تأليف قصة تشبه
رواية Lord of the Rings " .

لقد استعرضت " ماي " أعوام الدراسة الثانوية تلك من وجهة نظر الأم، وسردت حكايات كثيرة عن تحقيق " ماسك " لإنجازات أكاديمية مذهلة. قالت إن لعبة
الفيديو التي صنعها أبهرت تقنيين أكبر سنًّا وخبرة منه بكثير. كما تفوَّق في اختبارات للرياضيات تفوق سنه بكثير، وكان يمتلك ذاكرة مذهلة. السبب الوحيد لعدم
تحقيقه درجات أعلى من الفتية الآخرين كان عدم اهتمامه بالواجبات التي كانت المدرسة تفرضها.

ومن وجهة نظر " ماسك " : " كنت أنظر إلى الأمر هكذا: " ما الدرجات التي أحتاج إليها لأحقق ما أريده؟ كانت هناك مواد إجبارية مثل اللغة الأفريكانية، لم أكن
أفهم الفائدة من تعلمها. بدا الأمر سخيفًا، فكنت أنال درجة النجاح فيها فحسب. لكن المواد مثل الفيزياء والحاسب الآلي... كنت أنال أعلى الدرجات الممكنة فيها.
يجب أن يكون هناك سبب لنيل الدرجة. أفضِّل أن ألعب ألعاب الفيديو وأصنع برنامجًا حاسوبيًّا وأقرأ الكتب على أن أحاول نيل درجة امتياز عندما لا تكون هناك
فائدة من نيلها. أتذكر أنني فشلت في مواد في الصفين الرابع والخامس تقريبًا، فقال لي خطيب أمي إنني سأعيد السنة الدراسية إذا لم أنجح. لم أكن أعرف حقًّا
أنني يجب أن أنجح في المواد لأنتقل للصف التالي. بعدها، نلت أفضل الدرجات في الصف " .

وعند بلوغ " ماسك " سن السابعة عشرة، غادر جنوب إفريقيا متجهًا إلى كندا. لقد روى قصة هذه الرحلة كثيرًا في الصحف، وهو يميل عادةً إلى وصفين لدوافعه
للقيام بهذه الرحلة. النسخة المختصرة هي أنه أراد الذهاب إلى الولايات المتحدة بأسرع ما يمكن، وكان بإمكانه استغلال كندا كمحطة للتوقف من خلال أصوله
الكندية. أما القصة الثانية التي يعتمد عليها " ماسك " ، فتملك وعيًا اجتماعيًّا أكبر. كانت جنوب إفريقيا تتطلب تأدية الخدمة العسكرية في ذلك الوقت، فأراد "
ماسك " أن يتجنب الانضمام للجيش، بحسب قوله؛ لأنه كان سيجبره على المشاركة في نظام الحكم العنصري.
ما يندر ذكره هو أن " ماسك " ارتاد جامعة بريتوريا لمدة خمسة أشهر قبل أن ينطلق في مغامرته الكبرى. كان قد بدأ يهتم بدراسة الفيزياء والهندسة، لكنه كان
يبذل جهدًا فاترًا فيهما، وسرعان ما ترك الجامعة. وصف " ماسك " الوقت الذي قضاه في الجامعة بأنه كان أمرًا يفعله في أثناء انتظاره توثيق مستنداته الكندية.
بالإضافة إلى كون الأمر جزءًا غير مهم من حياة " ماسك " ، فإن تكاسله خلال دراسته الجامعية لتجنب تأدية الخدمة العسكرية التي كانت مطلوبة في جنوب
إفريقيا يقوِّض من حكاية الشاب المكتئب المغامر التي يحب حكايتها، وهذا على الأرجح سبب كونه لا يذكر الفترة التي قضاها في جامعة بريتوريا قط على ما يبدو.

لكن لا شك أن " ماسك " كان يتوق للذهاب إلى الولايات المتحدة منذ وقت طويل. إن ميل " ماسك " المبكر إلى الكمبيوتر والتكنولوجيا قد نمَّى فيه اهتمامًا شديدًا بـ
وادي الســــيليكون، كمــــا دعمــت رحلاتــه خــارج البــلاد فكــرة أن أمريكــا هــي مكــان تحقــيق أحلامــه. علــى النقــيض، كــانت جنــوب إفريقيــا تقــدم فــرصًا أقــل بكثــير لــرواد
الأعمال. كما وصف " كيمبال " الأمر: " كانت جنوب أفريقيا أشبه بالسجن بالنسبة لشخص مثل " إيلون "" .

سنحت فرصة الفرار أمام " ماسك " حين حدث تغيير في القانون يسمح لـ " ماي " بمنح جنسيتها الكندية لأولادها. بدأ " ماسك " فورًا يجري بحثًا عن كيفية إنهاء
الأوراق اللازمة لهذه العملية. واستغرق الحصول على موافقة الحكومة الكندية وجواز السفر الكندي عامًا تقريبًا. قالت " ماي " : " عندها قال إيلون: " سأسافر
لـكندا " . نظرًا لأنها كانت حقبة ما قبل الإنترنت، اضطر " ماسك " لتحمل عذاب ثلاثة أسابيع انتظار لكي يشتري تذكرة الطائرة. وما إن وصلت التذكرة، حتى غادر
بلده للأبد بلا تردد.

* ظهرت أعراض الإصابة بمرض السكري على " جون إيلون " بعد ولادة ابنه بعامين. كانت تلك الحالة المرضية تعادل حكمًا بالإعدام في ذلك الوقت، ومع أن "
جون إيلون " كان في الثانية والثلاثين فقط من عمره حينها، إلا أنه كان يعلم أنه سيعيش لحوالي ستة أشهر على الأرجح. ونظرًا لأن " ألميدا " كانت تمتلك خبرة
بسيطة بالتمريض، فقد أخذت على عاتقها اكتشاف إكسير أو علاج يطيل من عمر " جون إيلون " . وفقًا لأساطير العائلة، توصلت إلى أن أساليب العلاج اليدوي
تعتبر علاجًا فعالًا، وعاش " جون إيلون " لخمسة أعوام بعد تشخيصه المبدئي بمرض السكري. لقد أسست لمبدأ أن أساليب العلاج المطيلة للعمر ستصبح لاحقًا
تقليدًا عريقًا لدرجة غريبة للمعالجة اليدوية في عائلة " هالديمان " . درست " ألميدا " في مدرسة لتعليم المعالجة اليدوية بولاية " مينيابوليس " ، وحصلت على
شهادة الدكتوراه في المعالجة اليدوية، المعروفة اختصارًا بـ D.C ، في عام 1905. بعدها، أسست جدة " ماسك " الكبرى عيادتها الخاصة، وعلى حد علم الجميع،
أصبحت أول معالجة يدوية معتمدة في " كندا " .

** دخل " هالديمان " كذلك المجال السياسي: فقد حاول أن يؤسس حزبه السياسي الخاص في مقاطعة ساسكاتشوان وقام بنشر صحيفة إخبارية، واعتنق أفكارًا
محافظة معادية للاشتراكية، كما قام لاحقًا بمحاولة فاشلة للترشح لمجلس النواب، وترأس حزب الائتمان الاجتماعي.

*** أخذتهم الرحلة على طول الساحل الإفريقي، وعبر شبه الجزيرة العربية، وحتى إيران والهند وماليزيا، ثم باتجاه مجرى بحر تيمور إلى أستراليا. تطلبت الرحلة
عامًا من الاستعدادات فقط للحصول على كل التأشيرات والأوراق اللازمة، وعانيا باستمرار اضطرابات المعدة والمواعيد غير المنتظمة للرحلة. قال " سكوت هالديمان
" : " فقد أبي وعيه في أثناء عبورنا بحر تيمور، واضطرت أمي لتولي قيادة الطائرة حتى وصلا إلى أستراليا. استيقظ أبي قبل هبوط الطائرة. وكان سبب فقدانه وعيه
هو الإرهاق " .

**** كان كل من " جوشوا " و " وين " راميين بارعين فازا بمسابقات الرماية الوطنية. وفي منتصف الخمسينيات من القرن الماضي، فازا بالمركز الأول كذلك في سباق
سيارات لمسافة ثمانية آلاف ميل من مدينة كيب تاون إلى الجزائر، وهزما محترفين بسيارتهما العائلية من طراز فورد.

***** لــم يســتطع " ماســك " تــذكر هــذه المحادثــة بالتحــديد. وعلــق قــائلًا: " أعتقــد أنــه ربمــا يبتكــر ذكريــات. هــذا محتمــل. لقــد أجـريت العـديد مـن المحـادثات التـي لا
يفهمها سوى فئة قليلة من الناس خلال العامين الأخيرين من المرحلة الثانوية، لكنني كنت مهتمًّا بالتكنولوجيا العامة أكثر من التعاملات المصرفية " .
3

?

?

كندا

لم يكن هروب " ماسك " الكبير إلى كندا مخططًا له جيدًا. كان يعرف أن لوالدته عمًّا يعيش في مدينة مونتريال، فسارع باستقلال الطائرة وتمنى الأفضل. وعند
وصول " ماسك " إلى كندا في يونيو عام 1988، وجد هاتفًا عموميًّا وحاول استخدام خدمة دليل الهاتف لإيجاد عمه. وعندما لم يفلح هذا، اتصل بوالدته اتصالًا
يدفع تكلفته المتلقي، فأبلغته بخبر سيئ. كانت " ماي " قد أرسلت رسالة إلى ذلك العم قبل أن يغادر " ماسك " البلاد وتلقت الرد بينما كان ابنها في الطريق. لقد
سافر العم إلى ولاية مينيسوتا، ما يعني أنه لا يوجد مكان ليقيم فيه " ماسك " . عندها، أمسك " ماسك " بحقائبه، واتجه إلى نُزل للشباب.

وبعد أن قضى " ماسك " عدة أيام في مونتريال يستكشف المدينة، حاول وضع خطة طويلة الأجل. كانت عائلة " ماي " منتشرة في كل أنحاء كندا، فحاول " ماسك
" التواصل معهم. واشترى تذكرة حافلة تجوب أرجاء البلاد كلها تتيح له استقلال الحافلات ومغادرتها كما يشاء مقابل مائة دولار، واختار التوجه إلى مقاطعة
ســــاسكاتشوان، المــوطن الســابق لجــده. وبعــد قطــع رحلــة بالحافلــة امتــدت لمســافة ألــف وتســعمائة ميــل، انتــهى بــه المطــاف ببلــدة ســويفت كــارنت، وهــي بلــدة يبلــغ
تعدادها السكاني خمسة عشر ألف شخص. وهناك، اتصل " ماسك " بأحد أبناء عم والدته فجأة من محطة الحافلات واستوقف سيارة لتقله إلى منزله.

قضى " ماسك " العام التالي في العمل بسلسلة من الأعمال العشوائية في مختلف أنحاء كندا. لقد عمل في جمع الخضراوات وتعبئة الحبوب في مزرعة قريب له
تقــع فــي بلــدة فالــديك الصــغيرة. احتفــل " ماسـك " بعيـد مـيلاده الثـامن عشـر هنـاك، وتشـارك الكعكـة مـع العائلـة التـي كـان قـد قابلـها لتـوه ومـع بعـض الغربـاء مـن
الحي. وبعد ذلك، تعلم قطع الأشجار بالمنشار الكهربائي في مدينة فانكوفر بولاية كولومبيا البريطانية. ولكن أصعب وظيفة عمل بها " ماسك " أتت بعد أن زار
مكتــب توظــيف. كــان قــد اســتعلم عــن الوظيفــة ذات الأجــر الأفضـل، فاتضـح أنـها وظيفـة تنظـيف غرفـة السـخانات بـورش تقطـيع الأشـجار مقـابل ثمانيـة عشـر دولارًا
للساعة. عن هذه الوظيفة يقول " ماسك " : " توجب عليَّ أن أرتدي بذلة واقية من المواد الخطرة ثم أتحرك داخل نفق صغير بالكاد يتسع لي. وبعدها، أمسك
بالمجرفة وآخذ الرمل والمواد اللزجة والفضلات الأخرى، التي لا تزال شديدة السخونة، وأدفعها بالمجرفة داخل الفجوة نفسها التي عبرت من خلالها. لم يكن هناك
مفر. توجب على شخص آخر في الجهة المقابلة أن يجرفها ويضعها على عربة يدوية. ولو ظل المرء بالداخل لأكثر من ثلاثين دقيقة، لشعر بالحر الشديد ومن ثم
ســــيموت " . بــــدأ ثلاثــــون شــــخصًا العمــــل فــــي بــــداية الأســـبوع. وبحلــول الــيوم الثــالث، تبقــى خمســة أشــخاص. وبنــهاية الأســبوع، لــم يقــم بــالعمل ســوى " ماســك "
وشخصين آخرين.

بينما كان " ماسك " يشق طريقه في كندا، كان أخوه وأخته ووالدته يفكرون في كيفية السفر إلى هناك كذلك. ****** وعندما اجتمع شمل " كيمبال " و " إيلون "
في كندا في النهاية، ظهرت طبيعتهما العنيدة المرحة. لقد انتهى المطاف بـ " إيلون " بأن التحق بجامعة كوينز في مدينة كينجستون بمقاطعة أونتاريو عام 1989.
(فضَّل جامعة كوينز على جامعة ووترلو لأنه شعر بأن جامعة كوينز بها فتيات أجمل) 2 . ولكن بعيدًا عن دراسته، كان يقرأ الصحيفة برفقة " كيمبال " ، وكانا
يحددان الأشخاص المثيرين للاهتمام الذين يودان مقابلتهم. بعدها، كانا يتناوبان الاتصال - على غرار اتصالات الترويج العشوائي - بهؤلاء الأشخاص ليسألاهم إذا
كانوا متفرغين لتناول الغداء. وكان من بين من ضايفاهم رئيس تسويق فريق تورنتو بلو جايز لكرة البيسبول، وكاتب صحفي يعمل في صحيفة جلوب آند ميل ،
وموظف تنفيذي كبير بمصرف نوفا سكوتيا، و " بيتر نيكولسون " . تذكر " بيتر نيكولسون " اتصال الشابين جيدًا. وعن هذا الاتصال يقول: " لم أكن معتادًا تلقي
الطلبات المفاجئة. كنت مستعدًّا تمامًا لتناول الغداء مع شابين يملكان روح مبادرة كهذه " . استغرق تحديد موعد في جدول أعمال " نيكولسون " ستة أشهر، لكن
الأخوين " ماسك " قطعا رحلة بالقطار مدتها ثلاث ساعات وحضرا في الموعد المحدد.

إن مقابلة " نيكولسون " للأخوين " ماسك " لأول مرة قد تركت لديه انطباعًا كان العديدون قد يشاركونه إياه. كلاهما قدم نفسه جيدًا وكان مهذبًا. لكن " إيلون "
بدا بوضوح أكثرهما غرابة وإحراجًا على النقيض من " كيمبال " الأكثر جاذبية وأناقة. يقول " نيكولسون " : " كلما تحدثت معهما، زاد انبهاري واهتمامي بهما.
كانا قويي الإرادة جدًّا " . انتهى المطاف بـ " نيكولسون " بأن عرض على " إيلون " تدريبًا صيفيًّا في مصرفه وأصبح مستشاره الذي يثق به.

وبعد لقائهما الأول بفترة قصيرة، دعا " إيلون " ابنة " بيتر نيكولسون " ، " كريستي " ، إلى حفل ميلاده. أتت " كريستي " إلى شقة " ماي " في تورنتو حاملة في
يدها برطمانًا من حلوى الليمون المصنوع في المنزل، فاستقبلها " إيلون " وحوالي خمسة عشر شخصًا غيره. لم يكن " إيلون " قد التقى بـ " كريستي " من قبل،
ولكنه ذهب إليها مباشرةً وأرشدها للجلوس على الأريكة. تقول " كريستي " : " بعدها، أعتقد أن الجملة الثانية التي تلفظ بها كانت: " أنا أفكر كثيرًا في السيارات
الكهربية " . ثم التفت إليَّ وسألني: " هل تفكرين في السيارات الكهربائية؟ "" . تركت تلك المحادثة في " كريستي " ، التي أصبحت كاتبة علمية الآن، انطباعًا مميزًا
بأن " ماسك " وسيم وخلوق وغريب الأطوار بشدة. وتتذكر قائلة: " لسبب ما، أدهشتني بشدة تلك اللحظة على الأريكة. كان بوسعي معرفة أن هذا الشخص
مختلف جدًّا. لقد فتنني بطريقة حديثه هذه " .

كانت " كريستي " من نوعية الفتيات اللاتي يعجب بهن " ماسك " بملامحها الحادة وشعرها الأشقر، وبقي الاثنان على اتصال خلال الفترة التي قضاها " ماسك "
في كندا. لم يكن في نيتهما التعارف بهدف الزواج، إلا أن " كريستي " وجدت " ماسك " مثيرًا للاهتمام بما يكفي لتتحدث معه على الهاتف لفترات طويلة. وتتذكر
قائلة: " قال لي ذات ليلة: " لو كانت هناك طريقة كيلا آكل، بل لكي أعمل وقتًا أطول، لما أكلت. ليت هناك طريقة للحصول على التغذية دون الجلوس لتناول
وجبة! " . لقد أظهر " ماسك " حماسه وتمسكه بأخلاقيات العمل في سن صغيرة. لقد بدا هذا الأمر كأحد الأمور الأكثر غرابة التي سمعتها على الإطلاق " .

كانت هناك علاقة أعمق ظهرت خلال تلك الفترة في كندا بين " ماسك " و " جاستين ويلسون " ، زميلته في جامعة كوينز. كانت " ويلسون " طويلة الساقين ذات
شعر بني، وكانت تشع رومانسية وجاذبية. كانت " جاستين " تحب بالفعل رجلًا يكبرها سنًّا، ثم تخلت عنه لتلتحق بالجامعة. كان هدفها التالي هو أن ترتدي
سترة جلدية لتكون من الشباب الطائش المتبع لموضة " جيمس دين " . ولكن لحسن الحظ، فإن " ماسك " ، ذا المظهر الحسن والراقي، رأى " ويلسون " داخل
الحرم الجامعي وسعى للتقرب منها والتعرف عليها بهدف الارتباط. وعن هذا يقول " ماسك " : " بدت رائعة جدًّا. كما أنها كانت تتمتع بالذكاء الحاد والثقافة
العالية. كانت حاصلة على الحزام الأسود في رياضة التايكوندو، وكانت بوهيمية نوعًا ما. كانت أكثر فتاة لافتة للانتباه داخل الحرم الجامعي " . لقد بادر بأول
خطوة للتعرف عليها؛ ذلك عندما تظاهر بأنه اصطدم بها دون قصد أمام السكن الجامعي الذي تقيم فيه، ثم ذكرها بأنهما سبق أن تقابلا في إحدى الحفلات.
ووافقــت " جاســتين " ، التــي كــانت قــد التحقــت بالجامعــة قبــل أســبوع واحــد فقـط، علـى عـرض " ماسـك " لمرافقتـها لتنـاول الآيـس كـريم. وعنـدما وصـل " ماسـك "
ليصــطحب " ويلســون " ، وجــد رســالة مــوجزة علــى بــاب غرفــة ســكنها الجــامعي تخبــره بأنــها قــد ألغــت الموعــد. يقــول " ماســك " : " كتبــت فــي الرسـالة أنـها اضـطرت
للذهاب للاستذكار لاختبار وأنها لم تستطع الحضور وأنها آسفة لهذا " . وبعدها، لاحق " ماسك " صديقة " جاستين " المقربة وتحرى عنها بعض المعلومات؛ إذ
سأل عن المكان الذي تستذكر فيه " جاستين " دروسها عادةً وعن نكهتها المفضلة من المثلجات. ولاحقًا، بينما كانت " جاستين " مختبئة في مركز الطلاب تدرس
اللغة الإسبانية، ظهر " ماسك " خلفها حاملًا في يده مخروطين من المثلجات الذائبة برقائق الشيكولاتة.

كــانت " ويلســون " قــد حلمــت بــأن تجمعــها علاقــة رومانســية بكــاتب. وتعلــق قائلــة: " أردت أن أكــون مثـل سـيلفيا بـلاث وتيـد هـيوز " . بـدلًا مـن هـذا، أحبـت عبقـري
حاسوب طموحًا وصعب المراس. درس الثنائي مادة علم النفس اللاقياسي معًا، وكانا يقارنان درجاتهما بعد كل اختبار. حققت " جاستين " 97 درجة، بينما حقق
" ماسك " 98 درجة. تقول " جاستين " : " عاد إلى الأستاذ، وناقشه في الدرجتين اللتين فقدهما، فحصل على مائة درجة. لقد شعرت بأننا نتنافس دائمًا " . كما
كان هناك جانب رومانسي لشخصية " ماسك " كذلك. ذات مرة، أرسل مجموعة من الورود إلى " ويلسون " ، وكل وردة منها تحمل رسالة موجزة خاصة بها،
كما أهداها نسخة من كتاب The Prophet مليئة بالتعليقات الرومانسية المكتوبة بخط يده. تعلق " جاستين " قائلة: " كان بوسعه أن يأسرني في حبه " .

وفــي أثنــاء دراســة الشــابين فــي الجامعــة، كــانت مشــاعرهما تتــأجج أحيــانًا وتنطفــئ أحيــانًا أخــرى، وكــان " ماســك " يبــذل قصــارى جــهده للحفــاظ علــى العلاقــة التــي
تجمعهما. تقول " ماي " عن " جاستين " : " كانت رائعة، وكانت تلتقي بأروع الشباب، ولم تكن مهتمة بـ إيلون إطلاقًا، وهذا كان صعبًا عليه " . لاحق " ماسك "
بضع فتيات أخريات، ولكنه ظل يعود لـ " جاستين " . كلما كانت تتصرف بفتور تجاهه، كان يرد باستعراض قوته المعتاد. لقد قالت: " كان يتصل بي بإصرار شديد.
كنــــــت أعــــــرف دائــــــمًا أن إيلــــــون هــــــو المتصــــــل لأن الــــــهاتف لــــــم يكــــــن يتــــــوقف عـــن الـــرنين. إنـــه لا يقبـــل بـــالرفض، ولا يمكـــن تجاهلـــه. أنـــا أُشـــبهه فعـــلًا ببطـــل فـــيلم The
Terminator ؛ لأنه إذا وضع شيئًا نصب عينيه، يقول: " سيصبح ملكًا لي " ، حتى إنه نجح في جعلي أحبه تدريجيًّا " .

كانت الدراسة الجامعية تناسب " ماسك " . لقد بذل قصارى جهده حتى لا يتباهى بمعرفته، وفي الوقت نفسه حاول البحث عن مجموعة من الرفاق يحترمون
قدراته العقلية. كان الطلاب الجامعيون أقل ميلًا للسخرية أو التقليل من آرائه المتعنتة بشأن الطاقة والفضاء بغض النظر عن اهتماماته في تلك الفترة. لقد وجد "
ماسك " من استجابوا لطموحه، بدلًا من أن يسخروا منه، وتغذى على هذه البيئة المحيطة.
كان " نافايد فاروق " كنديًّا ترعرع في جنيف، وانتهى به المطاف في سكن " ماسك " الجامعي لطلاب السنة الأولى في خريف عام 1990. ضُم كل الشابين إلى القسم
الدولي، حيث يعتني الطلاب الكنديون بالطلبة الوافدين من خارج البلاد. وخرق " ماسك " هذا النظام، بما أنه كان يعتبر كنديًّا فعليًّا، لكنه لم يكن يعرف أي
شيء تقريبًا عن محيطه. يقول " ماسك " : " كان شريكي في السكن طالبًا من هونج كونج، كان شخصًا لطيفًا جدًّا. وكان يواظب على حضور كل المحاضرات، وهو
أمر أفادني لأنني كنت أحضر أقل عدد ممكن من المحاضرات " . ظل " ماسك " لفترة يبيع قطع غيار أجهزة الكمبيوتر وأجهزة كمبيوتر كاملة داخل السكن الجامعي
لكي يجني مالًا إضافيًّا. وعن هذا يقول " ماسك " : " كنت أستطيع تجميع أجهزة كمبيوتر تتناسب مع احتياجاتهم، كجهاز كمبيوتر محسَّن للعب ألعاب الفيديو
أو جهاز كمبيوتر يعمل ببرامج معالج نصوص بسيط، بتكلفة أقل مما كانوا سيدفعونها في المتاجر. أو إذا لم يكن جهاز الكمبيوتر يقوم بعملية التحميل الأولي كما
يجب أو إذا كان مصابًا بفيروس، كنت أصلحه. كنت أستطيع حل أية مشكلة تقريبًا " . توطدت علاقة " فاروق " و " ماسك " بفضل القواسم المشتركة بينهما؛
حيث نشأ كل منهما خارج البلاد وبفضل اهتمامهما المشترك بألعاب الألواح. عن هذا يقول " فاروق " : " لا أعتقد أنه يعقد الصداقات بسهولة، لكنه مخلص جدًّا
لأصدقائه " . وعند طرح لعبة الفيديو Civilization في الأسواق، قضى رفيقا الجامعة ساعات في بناء إمبراطورتيهما بها، ما كان يضايق خطيبة " فاروق " بشدة؛
لأنهما كانا ينسيان وجودها في غرفة أخرى. يقول " فاروق " : " كان " إيلون " يستغرق في اللعبة ساعات طوالًا " . بالإضافة إلى ذلك، كان الطالبان مستمتعين
بأسلوب حياتهما المنعزل. يعلق " فاروق " قائلًا: " إننا من نوعية الأشخاص الذين يستمتعون بعزلتهم وسط أي حفل دون أن يشعروا بالغرابة؛ بوسعنا أن نعتزل
الآخرين لنستغرق في التفكير دون أن نشعر بأننا غريبو الأطوار اجتماعيًّا بسبب هذا " .

كان " ماسك " أكثر طموحًا في الجامعة مما كان في المرحلة الثانوية. لقد درس إدارة الأعمال، وشارك في مسابقات الخطابة، وبدأ يظهر نوع الحماسة والقدرة
التنافســــية التــــي تمــــيز ســــلوكه حتــــى يومنــــا هــذا. وبعــد أحــد اختبــارات مــادة الاقتصــاد، عــاد " ماســك " و " فــاروق " وبعــض الطــلاب الآخــرين فــي الصــف إلــى الســكن
الجامعي، وبدأوا يتبادلون الآراء لكي يتأكدوا من إجاباتهم في الاختبار، وسرعان ما اتضح أن " ماسك " يفهم المادة أفضل من أي شخص آخر.
قال " فاروق " : " كانت هذه مجموعة من المتفوقين، ولم يكن هناك مجال لمقارنة إيلون بهم إطلاقًا " . وظلت حماسة " إيلون " مستمرة طوال صداقتهم الطويلة.
يقول " فاروق " : " ما إن يهتم " إيلون " بشيء ما، حتى ينمي مستوى من الاهتمام بذلك الأمر يختلف عن الآخرين. وهذا ما يميز " إيلون " عن بقية البشر " .

انتقل " ماسك " في عام 1992 إلى جامعة بنسلفانيا في منحة دراسية، بعد أن قضى عامين في جامعة كوينز. تصور " ماسك " أن تلك الجامعة التابعة لـ " رابطة
اللبــلاب " ربمــا تفتــح لــه البــاب لفــرص جــديدة، فــانطلق ســعيًا لنيــل شــهادة جامعيــة مزدوجــة... أولًا، شــهادة جامعيــة فــي الاقتصــاد مــن كليــة وورتـون، ثـم شـهادة
جامعية في الفيزياء. وبقيت " جاستين " في جامعة كوينز، تسعى لتحقيق حلمها بأن تصبح كاتبة، وظلت على علاقتها مع " ماسك " عن بعد. كانت تزوره مرارًا
وتكرارًا، وكانا يتجهان أحيانًا إلى نيويورك لقضاء عطلة أسبوعية رومانسية.

ازدهر " ماسك " أكثر في جامعة " بنسلفانيا " ، وبدأ يشعر بالراحة حقًّا في أثناء قضائه الوقت مع زملائه من طلاب الفيزياء. وعن هذا تقول " ماي " : " لقد قابل
أشخاصًا يفكرون مثله في جامعة بنسلفانيا. كان بها بعض غرباء الأطوار، وكان يستمتع معهم جدًّا. أتذكر أنني ذهبت لتناول الغداء معهم، وكانوا يتحدثون عن
أمــور تخــص الفيزيــاء. كــانوا يقــولون: " أ زائــد ب تســاوي مــربع بــاي " أو شــيئًا مـن هـذا القبيـل. كـانوا يضـحكون بصـوت عـالٍ. كـان مـن الـرائع رؤيتـه سـعيدًا حتـى هـذه
الــدرجة " . ولكــن مــرة أخــرى، لــم يعقــد " ماســك " صــداقات وســط المجموعــة الأكبــر مــن طــلاب الجامعــة. يصــعب العثــور علــى طــلاب ســابقين يتــذكرون وجــوده فـي
الجامعة على الإطلاق. لكن كان له صديق واحد مقرب جدًّا يدعى " آديو ريسي " ، سيصبح هو نفسه رائد أعمال في وادي السيليكون، لا يزال وثيق الصلة بـ " إيلون
" كغيره حتى يومنا هذا.

إن " ريســي " شــخص طويــل وهزيــل يفــوق طولــه 183 ســنتيمترًا وذو مظــهر غــريب الأطــوار. كــانت طبيعتــه المولعــة بــالفن النابضــة بالحيويــة تظـهر طبيعـة " ماسـك "
المولعة بالدراسة أكثر. كان كلاهما مُحولًا للجامعة، وانتهى المطاف بهما بالإقامة في السكن الجامعي غير التقليدي لطلاب السنة الأولى. لم يرقَ المشهد الاجتماعي
غير النشط لتوقعات " ريسي " ، فأقنع " ماسك " باستئجار منزل كبير خارج الحرم الجامعي. لقد حصلا على المنزل المكون من عشر غرف نوم بسعر رخيص نسبيًّا،
بما أنه كان بيت أخوية ظل شاغرًا دون أن يتم استئجاره. كان " ماسك " و " ريسي " يستذكران دروسهما خلال الأسبوع. ولكن بمجرد اقتراب العطلة الأسبوعية،
كان " ريسي " بالتحديد يحوِّل المنزل إلى مقهى ليلي؛ بأن يغطي النوافذ بأكياس القمامة ليجعل الظلام حالكًا داخل المنزل، ويزين الجدران بالطلاء الزاهي وبأية
أغراض يستطيع إيجادها. يقول " ريسي " : " كان المنزل أشبه بمقهى ليلي غير مرخص بالكامل. كنا ندعو ما يصل إلى خمسمائة شخص، وكنّا نطلب منهم دفع
خمسة دولارات مقابل احتساء كل ما يريدون من الشراب... العصائر وشراب الهلام وغيرها من المشروبات " .

وما إن تحن ليلة الجمعة، حتى تهتز الأرض المحيطة بالمنزل من شدة جهارة الصوت الذي تطلقه مكبرات الصوت التي وضعها " ريسي " . حضرت " ماي " إحدى
تلك الحفلات، واكتشفت أن " ريسي " قد استخدم المطرقة في تثبيت الأغراض على الجدران وطلاها بطلاء يلمع في الظلام. انتهى بها المطاف بالوقوف على الباب؛
لتفتيش المعاطف وتحصيل الأموال، وأمسكت مقصًّا لحماية نفسها، بينما كان المال يتكدس في صندوق للأحذية.

كان هناك منزل به أربع عشرة غرفة، وكان " ماسك " و " ريسي " وشخص آخر يقيمون فيه. لقد صنعوا طاولات عن طريق وضع ألواح خشب رقيقة فوق براميل
مستعملة، وابتكروا أفكارًا أخرى للأثاث البديل. عاد " ماسك " إلى المنزل ذات يوم، فوجد " ريسي " قد ثبَّت مكتبه على الجدار ثم طلاه بألوان فسفورية؛ فانتقم "
ماسك " بأن أنزل مكتبه، وطلاه باللون الأسود، واستذكر دروسه عليه. عن هذه الحادثة يقول " ريسي " : " قلت له: " يا صاح! هذا فن فراغي في منزلنا للحفلات
" . إذا ذكَّرْت " ماسك " بهذه الواقعة، فسيرد بواقعية قائلًا: " كان مجرد مكتب " .

يحتسي " ماسك " مزيجًا من الشراب القوي والمياه الغازية الخالية من السكر أحيانًا، لكنه لا يحتسيه كثيرًا، ولا يهتم مطلقًا بشرب الخمر. يقول " ماسك " : " كان
يجب أن يظل أحدنا واعيًا خلال تلك الحفلات. كنت أدفع تكاليف دراستي الجامعية بنفسي، وكان باستطاعتي جمع إيجار المنزل لشهر كامل في ليلة واحدة. كان "
آديــو " مســئولًا عــن التجــهيزات الرائعــة فــي المــنزل، وأنــا كنــت أديــر الحفــل " . كمـا صـاغ " ريسـي " الأمـر: " كـان " إيلـون " أكثـر شـخص ملـتزم قابلتـه علـى الإطـلاق. لـم
يحتسِ الخمر قط، ولم يفعل أي شيء خارج قط! لا شيء حرفيًّا " . المرة الوحيدة التي اضطر فيها " ريسي " للتدخل لتليين سلوك " ماسك " كانت في أثناء حفلات
لعب ألعاب الفيديو التي كان يمكن أن تستمر لأيام.

زاد اهتمام " ماسك " القديم بالطاقة الشمسية وبالعثور على طرق أخرى لتسخير الطاقة بجامعة بنسلفانيا. وفي ديسمبر عام 1994، تعين عليه وضع خطة عمل
لأحد صفوفه، وانتهى به المطاف بكتابة بحث بعنوان " أهمية الطاقة الشمسية " . بدأ ذلك البحث بقليل من الحس الفكاهي الساخر لـ " ماسك " ؛ حيث كتب في
أعلى الصفحة: " غدًا، ستشرق الشمس... " ، ما كان أشبه بمقدمة المجلة الفكاهية Orphan Annie Little عن موضوع الطاقة المتجددة. توقع ذلك البحث
زيــادة تكنولوجيــا الطاقــة الشــمسية بنــاءً علـى تحسـين المـواد وتأسـيس محطـات طاقـة شـمسية واسـعة النطـاق، كمـا بحـث " ماسـك " بتعمـق فـي كيفيـة عمـل الخلايـا
الشمسية والمركبات المختلفة التي يمكن أن تجعلها أكثر فاعلية، واختتم البحث برسم لـ " محطة الطاقة الشمسية المستقبلية " . وكان الرسم يصور زوجًا من ألواح
الطاقة الشمسية في الفضاء، يبلغ عرض كل منها أربعة كيلومترات، تبعث طاقتها إلى كوكب الأرض من خلال أشعة دقيقة الموجات، ليستقبلها هوائي يبلغ قطره
سبعة كيلومترات. حصل " ماسك " على 98 درجة ووصف أستاذه البحث بأنه " بحث مشوق جدًّا ومكتوب جيدًا " .

كان هناك بحث آخر يتحدث عن مسح المستندات والكتب البحثية إلكترونيًّا، والقيام بعملية التعرف الضوئي على حروفها، وتخزين كل معلوماتها في قاعدة بيانات
واحــدة ... أي أشــبه كثــيرًا بمزيــج بــين موقعــي Google Books و Google Scholar فــي يومنــا هــذا. كمــا كــان هنــاك بحــث ثــالث يتنــاول بإســهاب موضــوعًا آخــر مـن
الموضوعات المفضلة لـ " ماسك " ... المكثفات الكهربائية الفائقة. كتب " ماسك " بحثًا من أربع وأربعين صفحة بدا فيه مبتهجًا بوضوح بفكرة العثور على شكل جديد
مــن أشــكال تخزيــن الطاقــة ســوف يلائــم مســاعيه المســتقبلية فيمــا يتعلــق بالســيارات والطــائرات والصــواريخ. وبعــد أن أشــار إلــى أحــدث بحــث نشــره مختبــر فــي وادي
السيليكون، كتب: " توضح نتيجته أول وسيلة جديدة لتخزين كميات هائلة من الطاقة الكهربية منذ صنع البطارية وخلية الوقود. بالإضافة إلى ذلك، ونظرًا لكون
المكثفــات الكــهربائية الفائقــة تحتفــظ بالخصــائص الأســاسية للمكثــف العــادي، يمكنــها توصــيل طاقتــها بســرعة تفــوق ســرعة البطاريــة التــي تعادلـها وزنًا بمائـة مـرة،
ويمكن عادة بالسرعة نفسها " . حصل " ماسك " على 97 درجة على هذا الجهد، وأُشيد له بهذا " التحليل الشامل جدًّا " ذي " الشئون المالية الممتازة! " .

كانت ملاحظات الأستاذ الجامعي دقيقة للغاية وفي محلها؛ فأسلوب " ماسك " الواضح والموجز في الكتابة لا يصدر إلا عن عالم منطق، ينتقل من نقطة إلى أخرى
بدقة. ولكن ما برز فعلًا كان قدرته على إتقان مبادئ الفيزياء الصعبة في أثناء وضعه خطط عمل فعلية. حتى عندئذ، أظهر " ماسك " مقدرة غير عادية على تصور
مسار تحويل أي تقدم علمي إلى مشروع مربح.

حين بدأ " ماسك " يأخذ في التفكير فيما سيفعله بعد تخرجه في الجامعة على محمل الجد أكثر، درس لفترة وجيزة فكرة دخول مجال صناعة ألعاب الفيديو؛
فقد كان مهووسًا بألعاب الفيديو منذ نعومة أظافره، وكان قد تلقى تدريبًا بمجال صناعة الألعاب. لكنه أصبح يعتبر الأمر ليس عظيمًا بما يكفي ليصبح مسعى
له. وعن هذا يقول: " أحب ألعاب الحاسوب جدًّا، ولكنني إذا صنعت ألعاب حاسوب شديدة الروعة، فكم سيكون تأثيرها في العالم؟ لن يكون لها تأثير كبير. ومع
أنني أحب ألعاب الفيديو حقًا، لم أستطع إجبار نفسي على جعل تصنيعها مهنة لي " .

كثيرًا ما يحرص " ماسك " ، خلال المقابلات التي تُجرى معه، على أن يعرف الناس أنه كانت هناك أفكار عظيمة حقًّا تشغل تفكيره خلال تلك الفترة من حياته.
وبحســــب روايتــــه للأمــــر، كــان يســتغرق فــي أحــلام اليقظــة فــي جــامعتي كــوينز وبنســلفانيا، وكــانت تخيلاتــه تنتــهي عــادةً بالاســتنتاج نفســه: اعتبــار الإنتــرنت والطاقــة
المتجددة والفضاء هي المجالات الثلاثة التي ستخضع لتغيير هائل على مدار الأعوام المقبلة باعتبارها الأسواق التي يمكنه أن يترك فيها أثرًا كبيرًا. لقد تعهد بتنفيذ
مشروعات في المجالات الثلاثة كلها. وعن هذا يقول: " أخبرت خطيباتي السابقات كلهن وزوجتي السابقة بهذه الأفكار. وعلى الأرجح بدا كلامي ضربًا من الجنون " .

إن إصرار " ماسك " على توضيح البدايات المبكرة لشغفه بالسيارات الكهربية والطاقة الشمسية والصواريخ قد يوحي بعدم ثقته بنفسه؛ حيث يبدو الأمر كما لو
كان يحاول تشكيل قصة حياته عنوةً. ولكن التمييز بين العثور على شيء ما مصادفة وامتلاك نية العثور عليه يعد أمرًا مهمًّا بالنسبة لـ " ماسك " . ولطالما أراد "
ماســك " أن يعــرف العــالم أنــه مختلــف عــن رواد الأعمــال العــاديين فــي وادي الســيليكون، وأنــه لــم يكــن يســتكشف أحــدث الصــيحات ببســاطة، وأن فكــرة الثــراء لــم
تستحوذ عليه؛ بل كان يسعى لتنفيذ مخطط رئيسي طوال الوقت. ويعلق قائلًا: " كنت أفكر في تلك الأمور فعلًا في الجامعة؛ هذه ليست مجرد قصة لُفقت بعد
وقوعها. لا أريد أن أبدو كوافد جديد أو كما لو كنت ألاحق صيحة عابرة أو كمجرد شخص انتهازي. أنا لست مستثمرًا؛ بل أحب تطبيق التكنولوجيا، التي أعتبرها
مهمة للمستقبل ونافعة بطريقة أو أخرى، على أرض الواقع " .

****** حين سافرت " ماي " إلى كندا لتبحث عن أماكن للإقامة، استغلت " توسكا " ، التي كانت في الرابعة عشرة من عمرها، الفرصة وعرضت منزل العائلة في
جنوب إفريقيا للبيع. قالت " ماي " : " لقد باعت سيارتي كذلك، وكانت على وشك أن تعرض الأثاث للبيع كذلك. وعندما عدت وسألتها عن السبب، قالت: " لا
داعي للتأجيل، فنحن سنغادر البلاد "" .
4

?

?

أول شركة ناشئة لـ " إيلون "

في صيف عام 1994، أخذ " ماسك " وأخوه " كيمبال " خطواتهما الأولى لكي يصبحا أمريكيين بحق؛ بأن انطلقا في رحلة بالسيارة في أنحاء البلاد.

حصل " كيمبال " على حق الامتياز التجاري لشركة كوليدج برو باينترز، وكان قد حقق نجاحًا ماليًّا لنفسه بإدارته ما يمكن وصفه بأنه مشروع تجاري صغير. باع "
كيمبال " نصيبه من حق الامتياز وجمع هذا المال مع ما كان يمتلكه " ماسك " من أموال ليشتري سيارة في حالة رديئة من طراز السبعينيات من نوع " بي إم دبليو
320 آي " . بدأ الأخوان رحلتهما بالقرب من سان فرانسيسكو في شهر أغسطس، مع ارتفاع درجات الحرارة بشدة في ولاية كاليفورنيا. قادهما أول جزء من الرحلة
إلى مدينة نيدليس، وهي مدينة في صحراء موهافي. وهناك، تصبب عرقًا داخل سيارة بلا مكيف هواء في طقس تبلغ درجة حرارته تسعًا وأربعين درجة مئوية،
وتعلما التوقف للاستراحة في مطاعم كارلز جونيور لتناول شطائر اللحم، حيث كانا يقضيان ساعات في الاستراحة في الجو البارد هناك.

وفرت هذه الرحلة وقتًا طويلًا لصخب العشرينيات والتخيلات الرأسمالية الجامحة. كانت شبكة الإنترنت قد صارت متاحة للعامة بفضل مواقع الدلائل مثل موقع
ياهو! والأدوات مثل متصفح نتسكايب. كان الأخوان مطلعين على أحدث مستجدات الإنترنت، ففكرا في رغبتهما في تأسيس شركة معًا لها علاقة بالإنترنت. وبدءًا
مــن كــاليفورنيا إلــى كــولورادو ووايــومنج ونـورث داكوتـا وإيلـينوي، تبـادلا الأدوار فـي القيـادة وشـحذ الأفكـار ومناقشـة الأمـور، قبـل أن يتجـها شـرقًا لـيلتحق " ماسـك "
بالجامعــة فــي خــريف ذلــك العــام. كــانت أفضــل فكــرة واتتــهما مــن رحلتــهما هــذه هــي شــبكة خاصــة بـالأطباء علـى الإنتـرنت. لـم يكـن المقصـود بـهذا شـيئًا طمـوحًا مثـل
السجلات الطبية الإلكترونية، لكنه كان أقرب إلى نظام يسمح للأطباء بالتعاون وتبادل المعلومات. وعن هذه الفكرة يقول " كيمبال " : " بدا القطاع الطبي قطاعًا
يمكن إيقاع الفوضى فيه. لقد بدأت بوضع خطة عمل، ثم عملت على جانب المبيعات والتسويق لاحقًا، لكن الأمر لم يفلح؛ ولم يعجبنا " .

كان " ماسك " قد قضى الجزء الأول من ذلك الصيف في فترتي تدريب بوادي السيليكون. وكان يعمل نهارًا في معهد بينيكال للأبحاث، الذي يقع مقره في بلدة لوس
جاتوس، وكان هذا المعهد عبارة عن مشروع ناشئ أثار ضجة صاخبة ويعمل به فريق من العلماء الذين يبحثون عن طرق لاستخدام المكثفات الكهربائية الفائقة
كمصــدر ثــوري للــوقود فــي المركبــات الكــهربائية والــهجينة. كمــا انحــرف العمــل إلــى جــوانب أغــرب، مـن الناحيـة النظريـة علـى الأقـل؛ حـيث كـان باسـتطاعة " ماسـك "
التحدث بإسهاب عن كيفية استخدام المكثفات الكهربائية الفائقة في صنع أسلحة الليزر كتلك التي ظهرت في أفلام Star Wars وأي فيلم آخر يتحدث عن
المستقبل. تصدر مسدسات الليزر طلقات من الطاقة الهائلة، ثم يستبدل القناص مكثفًا فائقًا موجودًا في قاعدة المسدس، أشبه كثيرًا بالتخلص من مشط الرصاص
واســتبدل آخــر جــديد بــه، ليبــدأ إطــلاق النــار مجــددًا. بالإضــافة إلــى ذلــك، كــانت المكثفــات الفائقــة تبــدو مصــادر طاقــة واعــدة للصــواريخ؛ فقــد كــانت أكثـر مرونـة مـن
البطاريات عند التعرض للضغوط الميكانيكية الصادرة عن إطلاق الصواريخ، وكانت ستتحمل شحنة أكثر ثباتًا لفترات طويلة من الوقت. انبهر " ماسك " بالعمل في
معهد بينيكال، وبدأ بالاستفادة منه كأساس لتجاربه الخاصة بخطط العمل بجامعة بنسلفانيا وأساس لتخيلاته الصناعية.

أما في المساء، فقد كان " ماسك " يتوجه لشركة روكيت ساينس جيمز، وهي شركة ناشئة مقرها مدينة بالو ألتو، فقد أراد صنع ألعاب الفيديو الأكثر تطورًا على
الإطلاق عن طريق نقلها من شرائط إلى أسطوانات مدمجة يمكنها تخزين قدر أكبر من المعلومات. ومن الناحية النظرية، كانت الأسطوانات المدمجة ستسمح له
بتقديم أسلوب سرد وجودة إنتاج أشبه بأفلام هوليوود إلى الألعاب. جُمع فريق من النجوم الناشئين، كانوا مزيجًا من المهندسين والعاملين بالسينما، لإنجاح
ذلك العمل. كان " توني فاديل " ، الذي سيدير جزءًا كبيرًا من عملية تطوير كل من جهازي آي بود وآي فون في شركة آبل في وقت لاحق، يعمل في شركة روكيت
ساينس حينذاك، وكذلك الأشخاص الذين طوروا برنامج الوسائط المتعددة QuickTime لصالح شركة آبل. وعمل لديهم أيضًا من صنعوا مؤثرات فيلم Star
Wars الأصلي في شركة إنداستريال لايت آند ماجيك، وكذلك بعض من صنعوا الألعاب في شركة لوكاس آرتس إنترتاينمنت. ولقد منحت شركة روكيت ساينس "
ماسك " فكرة عما يقدمه وادي السيليكون من ناحيتي المواهب والثقافة على حد السواء. كان هناك أناس يعملون على مكتبهم طوال الأربع والعشرين ساعة،
لذلك لم يعتبروا قدوم " ماسك " للعمل في حوالي الخامسة كل مساء ليبدأ العمل بوظيفته الثانية أمرًا غريبًا البتة. وعن هذا يقول " بيتر باريت " ، وهو مهندس
أسترالي ساعد على تأسيس الشركة: " وظفناه ليكتب بعض الشفرات البسيطة التافهة جدًّا، فكان هادئًا ومتماسكًا تمامًا. وبعد فترة وجيزة، لا أعتقد أن أي أحد
أصبح يعطيه أية تعليمات، وانتهى به المطاف بصنع ما أراد " .

طُلب من " ماسك " تحديدًا أن يكتب برامج التعريف التي ستسمح لذراع الألعاب وفأرة الكمبيوتر بالاتصال بمختلف أجهزة الكمبيوتر والألعاب الأخرى. تُعد برامج
التعريف من أنواع الملفات المزعجة نفسها التي يتوجب على المرء تثبيتها لكي تعمل الطابعة أو الكاميرا مع حاسوبه المنزلي... إنه عمل شاق فعلًا. وبما أن " ماسك "
مبرمج علَّم نفسه بنفسه، فقد تصور نفسه بارعًا جدًّا في كتابة البرامج، وكلف نفسه بمهام أكثر طموحًا. وعن هذا يقول " ماسك " : " كنت أحاول ببساطة معرفة
كيفية تنفيذ مهام متعددة في الوقت نفسه، ليتمكن الكمبيوتر من قراءة مقطع فيديو من أسطوانة مدمجة في أثناء تشغيل اللعبة في الوقت نفسه. كانت أجهزة
الكمبــيوتر فــي ذلــك الحــين تنفـذ إمـا هـذا أو ذاك. وكـان هـذا يتطلـب عمليـة معقـدة نـوعًا مـا مـن البرمجـة باسـتخدام لغـة التجمـيع " . كـان الأمـر معقـدًا بـالفعل؛ فقـد
اضطر " ماسك " لإصدار أوامر موجهة مباشرةً إلى المعالج الدقيق الرئيسي للكمبيوتر تتلاعب بأبسط الوظائف التي تجعل الكمبيوتر يعمل. كان " بروس ليك " ،
المهندس الرئيسي السابق وراء برنامج QuickTime التابع لشركة آبل، قد أشرف على توظيف " ماسك " ودهُش من قدرته على السهر ليلًا لإنجاز العمل. ويعلق "
ليك " قائلًا: " كان يمتلك طاقة لا حدود لها. إن الفتية في يومنا هذا لا يملكون أدنى فكرة عن كيفية عمل المكونات الصلبة للكمبيوتر أو الأشياء الأخرى، لكنه كان
يتمتع بمعلومات قراصنة الكمبيوتر ولم يكن يخشى الانطلاق لاستكشاف الأمور ببساطة " .

وجد " ماسك " في وادي السيليكون ثروةً من الفرص التي كان يلاحقها ومكانًا مناسبًا لتحقيق طموحاته. كان قد يعود إلى هذا المكان لصيفين متتاليين، ثم يفر غربًا
للأبد بعد تخرجه بشهادة مزدوجة من جامعة بنسلفانيا. كان قد نوى بدايةً أن يسعى لنيل شهادة دكتوراه في علم خواص المواد والفيزياء في جامعة ستانفورد،
وأن يطور العمل الذي قام به على المكثفات الكهربائية الفائقة في معهد بينيكال. ولكن ما حدث أن " ماسك " ترك جامعة ستانفورد بعد يومين؛ لأنه لم يستطع
مقاومة نداء الإنترنت، ثم أقنع " كيمبال " بمغادرة وادي السيليكون كذلك، لكي يستطيعا غزو عالم الإنترنت معًا.

إن أولى الأفكار المبهمة بشأن تأسيس شركة للإنترنت قادرة على النمو والتوسع قد واتت " ماسك " خلال فترات التدريب بوادي السيليكون. كان مندوب مبيعات
من شركة يلو بايدجز قد أتى إلى أحد مكاتب الشركات الناشئة الجديدة، وحاول إقناعهم بفكرة إنشاء قيد على الإنترنت ليكمل القيد العادي الذي تحظى به أية
شركة في دليل الهاتف الضخم الذي تصدره شركة يلو بايدجز. جاهد مندوب المبيعات لإقناع الشركات بعرضه التسويقي، وكان من الواضح أنه لا يفهم الكثير عن
طبيعــة شــبكة الإنتــرنت فــي الــواقع أو عــن كيفيــة عثــور المـرء علـى أيـة شـركة فـي هـذا القيـد. جعـل ذلـك الإعـلان الـرديء " ماسـك " يفكـر فـي الأمـر، واتصـل بــ " كيمبـال "
ليحدثه عن فكرة مساعدة الشركات على الانتقال إلى شبكة الإنترنت لأول مرة.

وعن هذا يقول " كيمبال " : " قال لي " إيلون " : " إنهم لا يعرفون عم يتحدثون. ربما يمكننا فعل شيء ما حيال ذلك "" . كان هذا في عام 1995، وكان الأخوان
على وشك تأسيس شركة جلوبال لينك إنفورمايشن نتوورك، وهي شركة ناشئة ستعاد تسميتها في النهاية باسم " زيب 2 " (Zip2) (لمزيد من التفاصيل عن الجدل
المثار حول تأسيس " زيب 2 " وعن سجل " ماسك " الأكاديمي، راجع ملحق 1).

كانت فكرة شركة " زيب 2 " عبقرية. في عام 1995, كان عدد قليل جدًّا من الشركات يتفهم تداعيات شبكة الإنترنت؛ ولم تكن لديهم أدنى فكرة عن كيفية الانتقال
إلى شبكة الإنترنت، ولم يستوعبوا قيمة إنشاء موقع إلكتروني خاص بشركتهم أو حتى أن يكون لهم قيد أشبه بقيد دليل يلو بايدجز على الإنترنت. أمل " ماسك "
وأخوه أن يقنعا المطاعم ومتاجر الملابس ومصففي الشعر وغيرهم بأن الوقت قد حان لكي يعلنوا عن وجودهم لعامة متصفحي الإنترنت. كانت شركة " زيب 2 "
ستصنع دليلًا للشركات يسمح بالبحث عنها وستربطه بالخرائط. كثيرًا ما كان " ماسك " يشرح مفهوم الشركة مستعينًا بمثال مطاعم البيتزا، قائلًا إن الجميع
يستحقون معرفة موقع أقرب مطعم بيتزا إليهم وإرشادات الوصول إليه بالملاحة التتبعية. قد يبدو هذا مألوفًا اليوم، لاحظ مزيجًا بين موقع يلب Yelp وموقع
خرائط جوجل، لكن حتى ذلك الحين، لم يكن حتى من يتعاطون حبوب الهلوسة يتخيلون وجود مثل هذه الخدمة.

أخرج الأخوان " ماسك " شركة " زيب 2 " إلى النور واتخذا مقرًّا في 430 شارع شيرمان بمدينة بالو آلتو؛ حيث استأجرا مكتبًا بحجم شقة صغيرة، ستة أمتار في
تسعة أمتار، وحصلوا على بعض الأثاث الأساسي. كان المبنى المكون من ثلاثة طوابق له غرائبه: لم يكن هناك مصاعد وكانت المراحيض تُسد في كثير من الأحيان.
يقول أحد أوائل الموظفين بالشركة: " كان مكانًا قذرًا بكل معنى الكلمة للعمل فيه " . ولكي يحصل " ماسك " على اتصال سريع بالإنترنت، عقد صفقة مع " راي
جيروارد " ، وهو رائد أعمال كان يدير عملية توفير خدمات الإنترنت من الطابق أسفل شركة " زيب 2 " . بحسب " جيروارد " ، ثقب " ماسك " فتحة في اللوح
الجصي القريب من باب شركة " زيب 2 " ، ثم مد كابل توصيل الإيثرنت حتى مقدم خدمة الإنترنت بالأسفل. عن هذا يقول " جيروارد " : " تأخرا في الدفع عدة مرات، لكنهما لم يخفقا في دفع الفاتورة لي قط " .

كتب " ماسك " كل الشفرات المصدرية الخاصة بهذه الخدمة بنفسه، بينما تولى " كيمبال " الأكثر لطفًا تكثيف عملية البيع بالتجول. كان " ماسك " قد حصل على
رخصة رخيصة التكلفة للاطلاع على قاعدة بيانات تدرج أسماء وعناوين الشركات الموجودة بمنطقة خليج سان فرانسيسكو. بعدها، اتصل بشركة نافتيك، وهي
شــركة أنفقــت مئــات ملايــين الــدولارات علـى وضـع خـرائط رقميـة وإرشـادا ت الطـرق يمكـن اسـتخدامها فـي الأجـهزة الأوليـة لنظـام التموضـع العـالمي التـي كـانت تعمـل
بأسلوب الملاحة، وعقد معها صفقة رائعة. وعن هذا يقول " كيمبال " : " اتصلنا بهم، ومنحونا التقنية مجانًا " . عندئذ، دمج " ماسك " قاعدتي البيانات معًا
ليشــغل نظــامًا بــدائيًّا. وبمــرور الــوقت، تــوجب علـى مهندسـي شـركة " زيـب 2 " زيـادة هـذه الكميـة الكبـيرة الأوليـة مـن البيـانات بوضـع المزيـد مـن الخـرائط التـي تغطـي
المناطق الخارجة عن المناطق الحضرية الكبرى وإرشادات تتبعية موضوعة خصيصًا حسب الطلب تبدو جيدة وتعمل جيدًا على أي حاسوب منزلي.

أعطــى " إيــرول ماســك " لولــديه 28 ألــف دولار لمســاعدتهما خــلال هــذه الفتــرة، لكنـهما أفلسـا تقـريبًا بعـد شـرائهما مقـر الشـركة وترخيصـهما لبرامجـهما الحاسـوبية
وشرائهما بعض المعدات. وطوال الأشهر الثلاثة الأولى من حياة شركة " زيب 2 " ، كان " ماسك " وأخوه يعيشان في المكتب. كانت لديهما خزانة صغيرة يحتفظان
بملابسهما فيها، وكانا يستحمان في جمعية بيوت الشباب القريبة منهما. يقول " كيمبال " : " أحيانًا كنا نأكل أربع وجبات في اليوم في مطعم جاك إن ذا بوكس؛
كان مفتوحًا لأربع وعشرين ساعة في اليوم، ما كان يناسب جدول عملنا. اشتريت مشروبًا مخفوقًا من هناك ذات مرة، وكان به شيء ما، فأخرجته واستمررت في
احتساء المشروب. لم أتمكن من تناول الطعام هناك منذ ذلك الحين، لكن بوسعي سرد قائمة الطعام لديهم " .

بعدها، استأجر الأخوان شقة مكونة من غرفتي نوم، لكنهما لم يمتلكا المال ولا الرغبة لشراء أثاث، فلم يكن هناك سوى مرتبتين على الأرض. استطاع " ماسك "
بشكل ما أن يقنع مهندسًا شابًّا من كوريا الجنوبية أن يعمل لصالح شركة " زيب 2 " كمهندس تحت التدريب مقابل أن يقدما له الطعام وغرفة للمبيت. وعن هذا
يقول " كيمبال " : " ظن ذلك الفتى المسكين أنه سيأتي للعمل في شركة مهمة. لكن انتهى به المطاف بالعيش معنا، ولم تكن لديه أدنى فكرة عما يورط نفسه فيه
" . وذات يوم، قاد المهندس المتدرب سيارة الأخوين " ماسك " الرديئة طراز " بي إم دابليو 320 آي " للعمل، فطار أحد إطارات السيارة في الطريق، وانغرس محور
الإطار في الشارع عند تقاطع طريق بيدج ميل مع طريق إل كامينو ريال، وظل الأخدود الذي شكله هذا الحادث واضحًا لأعوام.

لعل شركة " زيب 2 " كانت مشروعًا مربحًا للإنترنت يستهدف عصر المعلومات، إلا أن إطلاقه تطلب اتباع الأسلوب القديم للبيع بالتجول. توجب إقناع الشركات
بفوائد الإنترنت وإغراؤها لتدفع مقابل شيء مجهول. قام الأخوان " ماسك " في أواخر عام 1995 بتعيين أوائل العاملين بالشركة وبتجميع فريق مبيعات متنوع. أتى
" جيف هايلمان " ، وهو شاب متحرر ومستقل في العشرين من عمره يحاول معرفة ما يريد تحقيقه في حياته، كأحد أوائل الموظفين الجدد في شركة " زيب 2 " .
ذات ليلة، كان يشاهد التلفاز في وقت متأخر برفقة والده، ورأى عنوان موقع إلكتروني في شريط الإعلانات الذي يمر أسفل الشاشة. وعن هذا يقول " هايلمان " : "
كــان الإعــلان لأحــد المــواقع الإلكترونيــة التجاريــة. أتـذكر أننـي كنـت جـالسًا أمـام التلفـاز، فسـألت أبـي عمـا نشـاهده، فقـال إنـه لا يعـرف أيـضًا. عنـدها، أدركـت أنـه علـيَّ
تصفح الإنترنت " . قضى " هايلمان " بضعة أسابيع في محاولة التحدث مع أشخاص يمكنهم شرح عمل شبكة الإنترنت له، ثم عثر على إعلان مساحته صغيرة جدًّا
في صحيفة سان هوزيه ميركيوري نيوز مكتوبًا فيه " تقدم لوظيفة مندوب مبيعات على الإنترنت هنا! " . حصل " هايلمان " على الوظيفة، وانضم له حفنة من
مندوبي المبيعات الآخرين وعملوا مقابل الحصول على عمولات.

لم يبد أن " ماسك " غادر مكتبه قط. كان ينام على وسادة قماشية تستعمل للجلوس بجانب مكتبه، أي كان يتكوم مثل الكلاب عليها. عن هذا يقول " هايلمان " :
" كلما كنت أذهب للعمل في السابعة والنصف أو الثامنة صباحًا كل يوم تقريبًا، كنت أجده نائمًا على تلك الوسادة. ربما كان يستحم في العطلات الأسبوعية، لا
أعرف " . طلب " ماسك " من أولئك الموظفين الأوائل في شركة " زيب 2 " أن يوقظوه بالركل عند وصولهم، وكان يستيقظ ويكمل عمله. بينما كان " ماسك " يقوم
بكتابة البرامج، وهو العمل الذي كان مستحوذًا عليه بالكامل، أصبح " كيمبال " قائد فريق المبيعات المتحمس باندفاع. ويعلق " هايلمان " قائلًا: " كان كيمبال
دائــــم التفــــاؤل، وكــــان محــــفزًا للــــهمم بشــــدة. فلــــم يســــبق أن قــابلت أحــدًا مثلــه تمــامًا " . أرســل " كيمبــال " " هــايلمان " إلــى مــركز تســوق راقٍ فــي ســتانفورد وطــريق
يونيفرسيتي، الطريق التجاري الرئيسي في مدينة بالو آلتو، ليقنع تجار التجزئة بأن يوقعوا عقدًا مع " زيب 2 " ، بأن يشرح لهم أن القيد الذي تدعمه شركة " زيب
2 " سيجعل شركاتهم على قمة نتائج البحث. ولكن تمثلت المشكلة الكبرى، بالطبع، في أنه لا أحد كان يقتنع بهذا. ظل " هايلمان " يطرق الأبواب أسبوع تلو آخر،
ونادرًا ما كان يعود إلى المكتب بأخبار سارة. إلا أن أفضل الردود أتت ممن أخبروا " هايلمان " بأن الإعلان على الإنترنت يبدو أغبى شيء سمعوه على الإطلاق. وغالبًا
ما كان مالكو المتاجر يطلبون من " هايلمان " الرحيل والتوقف عن مضايقتهم. وعندما كان وقت تناول الغداء يحين، كان الأخوان " ماسك " يمدان أيديهما داخل
صندوق للسيجار يحتفظان فيه ببعض النقود، وكانا يدعوان " هايلمان " لتناول الغداء، ليحصلا على تقارير عن حالة المبيعات المحبطة.

" كريج مور " موظف آخر من أوائل الموظفين الذين تخلوا عن وظيفتهم الخاصة ببيع العقارات ليسوق خدمات " زيب 2 " . لقد قرر التودد إلى وكلاء السيارات
لأنهم ينفقون مبالغ طائلة على الدعاية عادةً. وأخبرهم بالموقع الإلكتروني الرئيسي لشركة " زيب 2 " ، وهو www.totalinfo.com ، وحاول إقناعهم بأن الطلب
مرتفع للحصول على قيد مشابه لهذا القيد www.totalinfo.com/toyotaofsiliconvalley . لم تكن الخدمة تعمل دائمًا حين كان " مور " يوضحها أو كانت
تحمِّل ببطء شديد، كما كان شائعًا في ذلك الحين؛ ما أجبره على إقناع الزبائن بتصور إمكانيات " زيب 2 " . وعن هذا يقول " مور " : " ذات يوم، عدت بشيكات
تُقدر بحوالي تسعمائة دولار. دخلت المكتب وسألت الرفيقين عما يريدان مني فعله بالمبلغ، فتوقف " إيلون " عن استخدام لوحة مفاتيحه، ومال إلى الأمام من وراء
شاشة حاسوبه قائلًا: " مستحيل! لقد حصلت على مال " .

ما أبقى روح الموظفين المعنوية مرتفعة هو التحسينات المستمرة التي أجراها " ماسك " على برنامج " زيب 2 " . لقد تحولت الخدمة من إثبات صحة مفهوم إلى
منتج فعلي يمكن استخدامه واستعراضه. ولأن الأخوين " ماسك " داهيتان في التسويق، فقد حاولا جعل خدمتهما الإلكترونية تبدو أهم مما هي عليه بمنحها
كيــانًا مــاديًّا مــهيبًا. صــنع " ماســك " علبــةً كبــيرةً حــول حاســوب شــخصي عــادي وجــرّ الوحــدة علــى قاعــدة ذات عجــلات. وعنــدما كــان المســتثمرون المحتملــون يزورون
الشركة، كان " ماسك " يقوم بعرض تقديمي ثم يُخرج تلك الآلة الهائلة بحيث يبدو كأن خدمة " زيب 2 " تعمل داخل حاسوب خارق مصغر. يقول " كيمبال " :
" لقد انبهر المستثمرون بهذا " . علاوةً على ذلك، لاحظ " هايلمان " أن المستثمرين قد تقبلوا فكرة تفاني " ماسك " للشركة الأقرب للاستعباد. وعن هذا يقول "
هايلمان " : " حتى حينذاك، مع أن " إيلون " كان طالبًا جامعيًّا يعاني حَب الشباب، إلا أنه كان يمتلك حافزًا وهو إنجاز هذا الأمر مهما كلفه، وإذا لم ينفذه،
فسوف يفوت فرصته. أعتقد أن هذا هو ما رآه أصحاب رءوس الأموال المجازفة فيه ... أنه كان مستعدًّا للمجازفة بحياته من أجل تأسيس هذه المنصة " . في الواقع،
قال " ماسك " هذا لأحد أصحاب رءوس الأموال المجازفة، حيث أعلمه بأن: " عقليتي كعقلية الساموراي؛ أفضِّل الانتحار على الفشل " .

اكتسب " ماسك " , في مرحلة مبكرة من مشروع " زيب 2 " , صديقًا حميمًا مهمًّا في حياته لطَّف بعض رغباته الأكثر إثارة. كان " جريج كوري " رجل أعمال كنديًّا
في منتصف الثلاثينات من عمره قابل الأخوين " ماسك " في تورنتو وشارك في عملية شحذ الأفكار المبكرة الخاصة بشركة " زيب 2 " . كان الشابان قد ذهبا لمنزل "
كوري " فجأة ذات صباح ليعلماه أنهما ينتويان التوجه إلى كاليفورنيا لكي يجربا حظهما بتلك الشركة. كان " كوري " لا يزال مرتديًا رداء الحمام الأحمر الخاص
بــه، فعــاد إلــى المــنزل، وفتــش فـي أنحائـه لبضـع دقـائق، ثـم عـاد حـاملًا رزمـة تُقـدر بسـتة آلاف دولار. لقـد عـاد إلـى كـاليفورنيا فـي وقـت مبكـر مـن عـام 1996 وانضـم إلـى
شركة " زيب 2 " بصفته مؤسسًا مشاركًا فيها.

كان " كوري " قد عقد عددًا من الصفقات العقارية في الماضي، وكان يمتلك خبرة تجارية فعلية ومهارات قراءة الآخرين. كان " كوري " بمثابة خبير يشرف على
أعمال " زيب 2 " . كان الكندي بارعًا في تهدئة جماح " ماسك " ، وانتهى به المطاف بأن أصبح معلمًا له. يقول " ديريك بروديان " ، وهو مستثمر مخاطر سيصبح
المدير التنفيذي لشركة " زيب 2 " في وقت لاحق: " أحيانًا لا يفهم الأشخاص شديدو الذكاء أنه ليس بإمكان كل شخص مواكبتهم أو التقدم بسرعتهم نفسها.
ويعتبر " جريج " أحد القليلين الذين ينصت لهم " إيلون " ، وكان يستطيع بشكل ما وضع الأمور في نصابها من أجله " . بالإضافة إلى ذلك، كان " كوري " يحكِّم
في الملاكمات بالأيدي التي تنشب بين " إيلون " و " كيمبال " ، في وسط المكتب.

يعلق " كيمبال " قائلًا: " لا أتشاجر مع أي أحد آخر، لكن أنا و " إيلون " لا نملك القدرة على حمل أنفسنا على القبول بأية رؤية سوى رؤيتنا " . وفي أثناء شجار
عنيف بشكل خاص على قرار متعلق بالعمل، جرح " إيلون " قبضته وتوجب عليه الذهاب لأخذ حقنة للوقاية من مرض الكزاز (تيتانوس). بعدها، أصبح " كوري "
ينهي كل الشجارات (توفي " كوري " جراء إصابته بنوبة قلبية عام 2012 عن عمر يناهز واحدًا وخمسين عامًا، بعد أن جنى ثروة من الاستثمار في شركات " ماسك
" . حضر " ماسك " جنازته، ويعلق " كيمبال " على وفاته قائلًا: " نحن مدينان له بالكثير " ).

خضعت " زيب 2 " لتغيير هائل في وقت باكر من عام 1996. كانت شركة الاستثمارات المخاطرة موهر دافيدو فينتشارز قد علمت أن هناك شابين من جنوب إفريقيا
يحاولان تشييد موقع يشبه دليل شركة يلو بايدجز على الإنترنت، فقابلهما " موهر " . كانت مهارات العرض التقديمي لدى " ماسك " غير مصقولة، ولكنه روج
للشــركة تــرويجًا جيــدًا بمــا يكفــي، وانبــهر المســتثمرون بحماســه. اســتثمر " موهــر دافيــدو " ثلاثــة ملايــين دولار فــي الشــركة. ******* وعنــد حصـول الشـركة علـى تلـك
الأموال، غيرت اسمها رسميًّا من " جلوبال لينك " إلى " زيب 2 " ، نسبةً إلى فكرة التحرك بسرعة من مكان إلى آخر، وانتقلت إلى مكتب أكبر في
390 شارع كامبريدج بمدينة بالو آلتو، وبدأت توظف مهندسين موهوبين. علاوةً على ذلك، غيرت " زيب 2 " من إستراتيجية عملها. وفي تلك الأثناء، كانت الشركة
قــد صــنعت أحــد أفضــل أنظمـة الـدليل التجـاري علـى الإنتـرنت. كـانت " زيـب 2 " سـتطور هـذه التقنيـة وتنقلـها مـن التـركيز علـى منطقـة خلـيج سـان فرانسـيسكو فقـط لتشمل البلاد بأكملها. غير أن تركيز الشركة الأساسي كان سينصبُّ على محاولة جديدة تمامًا: بدلًا من أن تبيع شركة " زيب 2 " خدماتها بالتجول، ستنتج حزمة
برامج يمكن بيعها للصحف، والتي ستصنع بدورها دليلًا تجاريًّا للعقارات ووكلاء السيارات والإعلانات المبوبة. لقد تأخرت الصحف في فهم كيف يمكن للإنترنت أن
يؤثر في أعمالها. ولهذا، سوف يمنحها برنامج
" زيــب 2 " طريقــة ســريعة للانتقــال للإنتــرنت دون الحاجــة إلــى تطويــر تقنيــة خاصــة بــها مـن البـداية. ومـن جانبـها، سـتسعى شـركة " زيـب 2 " لضـم قاعـدة أكبـر مـن
العملاء المستهدفين وتحصل على حصة من شبكة قوائم تُدرج الشركات الموجودة بجميع أنحاء البلاد.

وهذا الانتقال الذي حدث لنموذج أعمال الشركة وتكوينها سيصبح لحظة مؤثرة في حياة " ماسك " ؛ فقد أجبر المستثمرون المجازفون " ماسك " على أن يتولى
منصب المدير التنفيذي لقسم التكنولوجيا، وعينوا " ريتش سوركين " في منصب المدير التنفيذي للشركة. كان " سوركين " قد عمل لدى شركة كرييتف لابس، وهي
شــركة مصــنِّعة للمعــدات الصــوتية، وأدار مجموعــة تطويـر الأعمـال هنـاك، حـيث أدار عـددًا مـن الاسـتثمارات فـي الشـركات الناشـئة العاملـة فـي مجـال الإنتـرنت. رآى
مستثمرو " زيب 2 " فيه شخصًا خبيرًا بالإنترنت وعلى علم به. و مع أن " ماسك " وافق على هذا الترتيب، إلا أنه أصبح يكره التخلي عن زمام " زيب 2 " . يقول "
جيم آبراس " ، نائب
رئيس القسم الهندسي في " زيب 2 " : " أكثر شيء ندم عليه طوال فترة عملي معه على الأرجح هو عقده صفقة خادعة مع موهر دافيدو. لم يكن لـ " إيلون " أية
مسئوليات تنفيذية، وأراد أن يكون المدير التنفيذي " .

كان " آمبراس " قد عمل في مجموعة هيوليت باكارد لابس البحثية وشركة سيليكون جرافيكس إنكوربوريشين، وكان مثالًا للشخص المحترف الموهوب الذي ضمته
" زيــب 2 " إليــها بعــد وصــول الــدفعة الأولــى مــن المــال. كــانت شـركة سـيليكون جـرافيكس، المصـنعة للحواسـيب المتطـورة والأثـيرة لـدى هولـيوود، أكثـر شـركة خطفـت
الأبصار في ذلك الحين وجمعت صفوة عباقرة الحاسوب في وادي السيليكون. ومع ذلك، استغل " آمبراس " الوعد بتحقيق الثراء من شبكة الإنترنت ليقنع فريقًا
من أذكى مهندسي شركة سيليكون جرافيكس بأن ينضموا إلى شركة " زيب 2 " . يقول " آمبراس " : " تلقى محامينا خطابًا من شركة سيليكون جرافيكس مفاده
أننا كنا ننتقي أفضل موظفيها على الإطلاق. ظن " إيلون " هذا رائعًا " .

ومع أن " ماسك " برع كمبرمج علَّم نفسه بنفسه، فإن مهاراته لم تكن مصقولة بقدر مهارات المهندسين حديثي التعيين ألبتة؛ فقد ألقوا نظرة واحدة على برنامج
" زيــب 2 " ، وبــدأوا يعيــدون كتابــة الأغلبيــة العظمــى مــن شــفرات البرنــامج الحاســوبي. وأبــدى " ماســك " انزعاجــه مــن بعــض التغـييرات التـي أجروهـا، لكـن علمـاء
الحاســوب لــم يكــونوا بحاجــة إلا لــجزء مــن ســطور البرمجــة التــي اســتخدمها " ماســك " لكــي ينـجزوا مـهامهم. وكـانت لـديهم مقـدرة خاصـة علـى تقسـيم المشـروعات
البرمجية إلى أجزاء يمكن تعديلها وتطويرها، في حين سقط " ماسك " في شرك المبرمج الذي علَّم نفسه بنفسه واعتمد على كتابة ما يطلق عليه مطورو البرمجيات
" كتل الشفرات " ... وهي أجزاء ضخمة موحدة من شفرات البرامج التي يمكن أن يُفقد السيطرة عليها لأسباب غامضة. وعلاوةً على ذلك، أضاف المهندسون هيكل
عمل أكثر دقة ومواعيد نهائية أكثر واقعية لتسليم العمل على المجموعة الهندسية. وكان هذا تغييرًا مرحبًا به عن نهج " ماسك " ، الذي اعتمد على تحديد مواعيد
نهائية مفرطة التفاؤل ثم محاولة جعل المهندسين يعملون دون توقف لعدة أيام متواصلة لتحقيق هذه الأهداف وتسليم العمل في موعده. يقول " آمبراس " : " لو
ســألتِ " إيلــون " عــن المــدة التــي يســتغرقها تنفيــذ شــيء مــا، لــن تجــد أي شـيء يسـتغرق أكثـر مـن سـاعة مـن وجـهة نظـره. لقـد أصـبحنا نتـرجم هـذه السـاعة علـى أنـها
تتطلب يومًا أو يومين في الحقيقة، وإذا قال " إيلون " فعلًا أن شيئًا ما سيستغرق يومًا، كنا نخصص له أسبوعًا أو أسبوعين " .

إن تأسيس " ماسك " لشركة " زيب2 " ومشاهدته إياها تنمو قد ملآه ثقةً بنفسه. لقد أتى " تيرينس بيني " ، أحد أصدقاء " ماسك " من المدرسة الثانوية، إلى
كاليفورنيا لزيارة " ماسك " ، فلاحظ التغيير الذي طرأ على شخصيته فورًا. لقد راقب " ماسك " بينما يواجه مالكًا بغيضًا يضايق والدته، التي كانت قد استأجرت
شقة في البلدة. يقول " تيرينس " : " قال: " إذا كنت ستضايق أحدًا، فضايقني أنا " . لقد ذُهلت لرؤيته يتولى زمام الموقف؛ ففي آخر مرة رأيته فيها، كان صبيًّا
أخرق وعبقريًّا في الحاسوب يفقد أعصابه أحيانًا، وكان من الفتية الذين يجب أن تستفزهم لكي تحصل على استجابة منهم. أما الآن، فقد أصبح مسيطرًا وواثقًا
بنفسه " . بالإضافة إلى ذلك، بدأ " ماسك " يحاول عمدًا السيطرة على انتقاده للآخرين. وعن هذا يقول " جاستين " : "" إيلون " ليس من الأشخاص الذين يقولون
" أنا أفهمك. أنا أفهم وجهة نظرك " لأنه لا يملك بُعد " أنا أفهمك " هذا. كانت هناك أمور بدت جلية للآخرين ولم تكن جلية جدًّا له؛ فقد اضطر لمعرفة أن أي
شاب في العشرينات من عمره يجب حقًّا ألا يحبط مخططات كبار السن الأعلى منه مقامًا، وينتقد الأخطاء بها. لقد تعلم أن يعدِّل سلوكه بطرق معينة. أعتقد أنه
يواجه العالم من خلال الإستراتيجيات والذكاء " ، وقد نجحت تعديلات الشخصية هذه بدرجات متفاوتة. ومع ذلك، ظل " ماسك " يميل إلى إغضاب المهندسين
الشباب بمتطلباته للعمل وبانتقاداته الحادة. وعن هذا يقول " دوريس داونز " ، المديرة المبدعة بشركة " زيب 2 " : " أتذكر أنني كنت أحضر اجتماعًا لشحذ الأفكار
بشأن منتج جديد ذات مرة... موقع جديد للسيارات، واشتكى أحدهم من كون تغيير تقني ما أردناه مستحيلًا. فالتفت إيلون إليه قائلًا: " في الواقع, لا يهمني رأيك
إطلاقًا " وغادر الاجتماع. لا وجود للرفض بالنسبة لـ إيلون، ويتوقع هذا السلوك من كل من حوله " . كان " ماسك " ينفجر غضبًا في وجه الموظفين التنفيذيين
الأعلى مقامًا من حين لآخر. يقول " موهر " , رجل المبيعات: " كنت ترى الحضور يخرجون من الاجتماعات
يعلو وجوههم تعبير يوحي بالاشمئزاز. إن المرء لا يحقق ما حققه " ماسك "
بأن يكون لطيف المعشر دائمًا، كما أنه كان شديد الحماس والثقة بالنفس ببساطة " .

وفي أثناء محاولة " ماسك " الانسجام مع التغييرات التي ألحقها
المستثمرون بشركة " زيب 2 " ، استمتع فعلًا ببعض مميزات وجود دعم مالي ضخم: ساعد الممولون الأخوين " ماسك " على استخراج تأشيراتهما، ومنحوا كلًّا
منهما ثلاثين ألف دولار ليشتري سيارة. كان " ماسك " و " كيمبال " قد استبدلا سيارتهما الخربة طراز " بي إم دبليو " واشتريا سيارة خربة من نوع " سيدان " قاما
بطلائها بالرش لتصبح مرقطة؛ فقام " كيمبال " بتحديث تلك السيارة إلى سيارة طراز " بي إم دابليو " الفئة الثالثة، واشترى " ماسك " سيارة طراز " جاجوار إي
تايب " . يقول " كيمبال " : " ظلت تتعطل، وكنت أصل إلى المكتب بسيارتي مسحوبة على شاحنة مسطحة. لكن أفكار إيلون كانت عظيمة دائمًا " . ********

قام " ماسك " و " آمبراس " وبعض الموظفين الآخرين والأصدقاء في إحدى العطلات الأسبوعية بالانطلاق في رحلة بالدراجة عبر درب محمية ساراتوجا جاب بجبال
سانتا كروز؛ كتمرين لتوثيق صلتهم ببعضهم. وكان معظم راكبي الدراجات إما يتدربون أو معتادين الجلسات المجهدة وحر الصيف؛ يتسلقون الجبال بسرعة
جنونية. بعد ساعة، وصل " راس ريف " ، قريب " ماسك " ، إلى القمة وبدأ يتقيأ، وكان بقية راكبي الدراجات خلفه مباشرةً، ثم رأت المجموعة " ماسك " بعدها
بخمس عشرة دقيقة: كان وجهه محتقنًا وقد أصبح قرمزي اللون يتصبب منه العرق، ونجح في الوصول إلى القمة. يقول " آمبراس " : " أتذكر تلك الرحلة دائمًا.
لم يكن في الحالة الصحية اللازمة لها ألبتة؛ وأي أحد غيره كان سيستسلم أو سيسير ممسكًا بدراجته إلى قمة الجبل. في أثناء مراقبتي إياه يتسلق الثلاثين مترًا
الأخيرة، مع أن وجهه كان يشي بالمعاناة، قلت في نفسي: " هكذا هو إيلون: " إما أن ينجح فيما يفعله، أو يموت ولا يستسلم أبدًا "" .

استمر " ماسك " في نشاطه المكتسح يجوب أنحاء الشركة. قبل زيارات المستثمرين المجازفين والمستثمرين الآخرين للشركة، كان " ماسك " يجمع العاملين لديه
ويأمرهم جميعًا بالتحدث على الهاتف ليخلقوا جوًّا مفعمًا بالحيوية. علاوةً على ذلك، شكل فريقًا لألعاب الفيديو ليشارك في مسابقات لعبة كوايك (Quake) ،
وهي لعبة رماية. يقول " ماسك " : " شاركنا في أول مسابقة قومية، ونلنا المركز الثاني، وكنا سننال المركز الأول لو لم يتعطل حاسوب أحد أفضل لاعبينا؛ لأنه
أجهد بطاقة العرض المرئي الخاصة به أكثر من اللازم. لقد فزنا ببضعة آلاف من الدولارات " .

حققت " زيب 2 " نجاحًا ملحوظًا في التودد إلى الصحف؛ حيث قامت صحيفة نيويورك تايمز وشركة نايت ريدل الإعلامية وشركة هيرست كوروبورايشن لوسائل
الإعلام العامة وغيرها من مالكي وسائل الإعلام بالاشتراك في خدماتها. ساهمت بعض تلك الشركات بخمسين مليون دولار كتمويل إضافي لشركة " زيب 2 " .
وكانت الخدمات، مثل موقع Craigslist بإعلاناته المبوبة المجانية على الإنترنت، قد بدأت تظهر لتوها، وتوجب على الصحف اتخاذ إجراء ما. وعن هذا يقول "
آمبراس " : " كانت الصحف تعلم أنها في ورطة فيما يتعلق بالإنترنت، وكانت الفكرة هي الاشتراك بأكبر عدد ممكن من تلك الخدمات. لقد أرادوا الإعلانات المبوبة
والقوائم المدرجة الخاصة بالعقارات والسيارات والترفيه، وكان بوسعهم استغلالنا كبرنامج يقدم كل تلك الخدمات الإلكترونية " . حصلت " زيب 2 " على علامة
تجاريــة مســجلة لشــعار " نــدعم الصــحافة .. بقــوة " ، كمــا أن تــدفق الســيولة جعــل شــركة " زيــب 2 " تنمـو بسـرعة. وسـرعان مـا أصـبحت المقـرات الرئيسـية للشـركة
مزدحمة جدًّا لدرجة أن انتهى المطاف بوضع أحد المكاتب أمام حمام السيدات مباشرةً. وانتقلت شركة " زيب 2 " في عام 1997 إلى شقة أفخم وأفسح في 444 شارع
كاسترو بمدينة ماونتن فيو.

تضايق " ماسك " من كون شركة " زيب 2 " قد أصبحت تساعد الصحف خلف الكواليس، فقد اعتقد أن شركته تستطيع تقديم خدمات مشوقة للمستهلكين
مباشرةً، وشجع على شراء اسم نطاق الإنترنت city.com على أمل تحويله إلى وجهة للمستهلك. لكن إغراء أموال شركات الإعلام أبقى " سوركين " ومجلس
الإدارة على نهج محافظ، وقرروا أن يقلقوا بشأن دفع المستهلكين للمال في المستقبل.

أعلنــت شــركة " زيــب 2 " فــي إبريــل عـام 1998 عـن حركـة ناجحـة جـدًّا لزيـادة الاسـتثمارات الخاصـة بإسـتراتيجيتها؛ وذلـك مـن خـلال دمجـها مـع منافسـتها الرئيسـية
سيتي سيرش في صفقة تُقدر بحوالي ثلاثمائة مليون دولار. كانت الشركة الجديدة ستحتفظ باسم سيتي سيرش، في حين كان " سوركين " سيترأس المشروع. من
الناحية النظرية بدا الاتحاد أشبه كثيرًا باندماج شركتين متكافئتين معًا. كانت شركة سيتي سيرش قد طورت مجموعة شاملة من الخرائط للمدن في كل أنحاء البلاد. وعلاوةً على ذلك، بدا أنها تملك فرقًا قوية للمبيعات والتسويق ستكمل مهندسي شركة " زيب 2 " الموهوبين. كان قد تم الإعلان عن الاندماج بين الشركتين
في الصحف ومن ثم بدا ذلك حتميًّا.

تختلف الآراء بشأن ما حدث بعد ذلك اختلافًا كبيرًا. تتطلب الأبعاد السوقية للموقف أن تراجع الشركتان حسابات بعضهما وأن تحدد أي الموظفين ستفصله عن
العمل لتجنب حدوث ازدواجية في الأدوار. ولكن هذه العملية أثارت بعض الأسئلة بشأن مدى صراحة سيتي سيرش بشأن أوضاعها المالية، وأثارت استياء بعض
الموظفين التنفيذيين بشركة " زيب 2 " الذين تصوروا أن مناصبهم سوف تتضاءل أو تُلغى تمامًا من الشركة الجديدة؛ لذلك، حاول فصيل داخل " زيب 2 " أن
يبرهن على وجوب التخلي عن هذه الصفقة، في حين طالب " سوركين " بعقدها. أما " ماسك " ، الذي كان يؤيد الصفقة في وقت مبكر، فقد انقلب ضدها. وفي
مايو من عام 1998، ألغت الشركتان عملية الاندماج، وانتهزت
الصحافة الفرصة بأن ضخمت موضوع الانفصال الفوضوي للشركتين. وحث " ماسك " مجلس إدارة " زيب 2 " على طرد " سوركين " وإعادة تعيينه في منصب
المدير التنفيذي لشركة " زيب 2 " ، فرفض مجلس الإدارة ذلك؛ وبدلًا من هذا، خسر " ماسك " منصبه كرئيس للشركة، وحل ديريك بروديان " ، مستثمر مجازف
يعمل لصالح " موهر دافيدو " ، محل " سوركين " . اعتبر " سوركين " تصرف " ماسك " خلال الأمر برمته تصرفًا كريهًا، وأشار في وقت لاحق إلى رد فعل مجلس
الإدارة وعزل " ماســــك " مــــن منصــــبه علــــى أنــــه دليــل علــى أن مجلــس الإدارة كــان يوافقــه الــرأي. يقــول " بروديــان " : " كــان هنــاك الكثــير مــن ردود الأفعــال العنيفــة
والاتهامات. أراد إيلون أن يصبح المدير التنفيذي للشركة، لكنني قلت له: " هذه شركتك الأولى. لنجد مشتريًا لها ونجنِ بعض المال، لكي تؤسس شركاتك الثانية
والثالثة والرابعة "" .

ومع فشل الصفقة، وجدت " زيب 2 " نفسها في ورطة: كانت تخسر المال. ومع ذلك، أراد " ماسك " أن يسلك نهج الاهتمام بالمستهلك، لكن " بروديان " خشي أن
هــذا ســيستهلك رأســمالًا أكثــر ممــا ينبغــي؛ حــيث كــانت شــركة مايكروســوفت قــد فرضــت ســيطرتها علــى الســوق نفسـها، وكـان عـدد الشـركات الناشـئة ذات الأفكـار
المتعلقة بالخرائط والعقارات والسيارات قد تضاعف. أما مهندسو شركة " زيب 2 " ، فكانوا مثبطي الهمة لأنهم كانوا قلقين من أنهم لن يتمكنوا من التفوق في
المنافســة. وبعــدها، قــامت شــركة كومبــاك كومبــيوتر، المصــنعة للحواســيب الآليــة، فــي فبـراير عـام 1999، بعـرض ثلاثمائـة وسـبعة ملايـين دولار نقـدًا علـى " زيـب 2 "
فجأة. يقول " إد هو " ، موظف تنفيذي سابق بشركة " زيب 2 " : " كأن السماء أمطرت أموالًا فجأة " . قبِل مجلس إدارة شركة " زيب 2 " العرض، واستأجرت
الشركة مطعمًا في مدينة بالو آلتو أقامت فيه حفلًا ضخمًا. كانت شركة موهر دافيدو قد حققت ربحًا يعادل الاستثمار الذي قامت به بعشرين مرة، وكان " ماسك
" و " كيمبال " قد خرجا من هذه الصفقة باثنين وعشرين مليون دولار وخمسة عشر مليون دولار، على التوالي. لم يتقبل " ماسك " فكرة البقاء مع كومباك قط.
يقول " بروديان " : " ما إن أصبح واضحًا أن الشركة ستباع، حتى كان " إيلون " يعمل على مشروعه التالي " . منذ تلك المرحلة فصاعدًا، أصبح " ماسك " يناضل
ليحتفظ بزمام السيطرة على شركاته وليظل مديرها التنفيذي. يقول " كيمبال " : " لقد انبهرنا واعتقدنا أن هؤلاء الأشخاص يعرفون ما يفعلونه بالتأكيد. لكن هذا
لم يكن صحيحًا. فما إن تولوا زمام الأمور، لم تعد هناك أية رؤية. كانوا مستثمرين، وكنا على وفاق معهم، لكن رؤية الشركة كانت قد تلاشت ببساطة " .

بعدها بأعوام، بعد أن تسنى لـ " ماسك " أن يفكر مليًّا في وضع " زيب 2 " ، أدرك أنه كان بإمكانه أن يتعامل مع بعض المواقف مع الموظفين أفضل مما فعل. يقول
" ماسك " : " لم يسبق لي حقًّا أن أدرت أي فريق من أي نوع. لم يسبق لي أن كنت قائد فريق رياضي أو قائد أي شيء أو كنت مديرًا لأي شخص. كان عليَّ أن أفكر:
" حسنًا، ما الأمور التي تؤثر في آلية عمل الفريق؟ " . كان الافتراض الجلي الأول هو أن يتصرف الآخرون مثلي، لكن هذا ليس صحيحًا. وحتى لو أرادوا أن يتصرفوا
مثلي، فهم لا يملكون بالضرورة كل الافتراضات أو المعلومات التي تجول بذهني. لذلك، إذا كنت أعرف مجموعة معينة من الأمور، وتحدثت إلى نسخة من نفسي
لكن دون أن أوصل سوى نصف المعلومات، فلا يمكنني أن أتوقع من تلك النسخة أن تتوصل للاستنتاج نفسه. عليَّ أن أضع نفسي في موقف أقول فيه: " حسنًا،
كيف سيبدو هذا الأمر لهم، بناءً على ما يعرفونه؟ "" .

كــــان مــــوظفو " زيـــب 2 " يعــودون لمنازلــهم ليــلًا، ثــم يعــودون للشــركة صــباحًا، ليجــدوا " ماســك " قــد غــيَّر عملــهم دون أن يناقشــهم، كمــا كــان أســلوب " ماســك "
العــدواني يضــر أكثــر ممــا ينفــع. يقـول " ماسـك " : " صـحيح أنـه كـان لـدينا بعـض مهندسـي البرمجيـات البـارعين جـدًّا فـي زيـب 2، لكـن... كنـت أسـتطيع كتابـة البـرامج
أفضل منهم؛ فكنت أدخل مكتبهم وأصلح برامجهم. كان انتظار برامجهم يحبطني، فكنت أدخل مكتبهم وأصلح برنامجهم، ليعمل أسرع من ذي قبل بخمس
مرات، يا لهم من أغبياء! ذات مرة، قام شخص بكتابة معادلة للفيزياء الكمية، نظرية احتمالات كمية، على اللوحة، ثم حلها خطأ، فقلت له: " كيف يمكنك
كتابة هذا؟ " ، ثم صححتها له؛ فكرهني بعدها. في النهاية، أدركت: " حسنًا، ربما أكون قد أصلحت هذه المسألة الآن، لكنني جعلت ذلك الشخص غير منتج " .
لم يكن ذلك أسلوبًا جيدًا لإنجاز العمل فحسب " .

كان " ماسك " ، مناضل الإنترنت، محظوظًا وبارعًا على السواء. لقد واتته فكرة جيدة، فحولها إلى خدمة فعلية، وحقق أرباحًا من ضجة الإنترنت، وهذا أفضل
مما توقعه الكثير من زملائه. كانت عملية شاقة. لقد تاق " ماسك " إلى أن يصبح قائدًا، لكن كان من الصعب على المحيطين بـ " ماسك " أن يتصوروا نجاحه كمدير
تنفيذي. بالنسبة لـ " ماسك " ، كانوا جميعًا مخطئين، وقد حاول أن يبرهن على وجهة نظره من خلال ما أسفر عن نتائج مثيرة بنهاية المطاف.

******* لم يكن الأخوان " ماسك " أكثر رجال الأعمال مشاكسةً في هذه المرحلة. يقول المستثمر المغامر " ستيف جورفيتسون " : " أتذكر من خطة عملهما أنهما
كانا في الأصل يطلبان استثمارًا بعشرة آلاف دولار مقابل خمسة وعشرين بالمائة من شركتهما. يا لها من صفقة رخيصة! لذلك، عندما سمعت بالاستثمار الذي
يقــدَّر بثلاثــة ملايــين دولار، تســاءلت إن كــان " موهــر دافيــدو " قــد قــرأ خطــة العمــل فعــلًا. لقــد انتــهى المطـاف بـأن قـام الأخـوان بجولـة معتـادة لجمـع رءوس الأمـوال
المخاطرة " .

******** بالإضــافة إلــى ذلــك، تســنى لــــ " ماســك " أن يتبــاهى بمكتبــه الجــديد أمــام والــدته " مـاي " ولــ " جاسـتين " . أحيـانًا كـانت " مـاي " تحضـر الاجتمـاعات، وقـد
ابتكرت فكرة إضافة زر " الاتجاهات العكسية " لخرائط " زيب 2 " ، والذي يسمح للناس بقلب رحلاتهم، وانتهى المطاف بأن أصبحت خاصية رائجة في كل خدمات
الخرائط.
5

?

?

زعيم مافيا الـ " باي بال "

غرس بيع شركة زيب 2 في " إيلون ماسك " نوعًا جديدًا من الثقة بالنفس؛ فانتقل للمستوى التالي، مثل شخصيات ألعاب الفيديو التي يحبها بشدة. كان قد حل
لغز وادي السيليكون وأصبح ما كان الجميع يطمح فيه في ذلك الوقت؛ أصبح مليونيرًا في مجال الإنترنت؛ لذلك، توجب على مشروع " ماسك " التالي أن يرتقي
لمستوى طموحه المتضخم بسرعة؛ ما جعله يبحث عن مجال به أموال طائلة ويفتقر إلى الكفاءة لكي يستطيع هو والإنترنت استغلالهما. بدأ " ماسك " يتذكر فترة
تدربه بمصرف نوفا سكوتيا؛ فقد شعر بأن المعلومة المهمة التي استمدها من تلك الوظيفة - أن المصرفيين أثرياء وأغبياء - تمثل له فرصة هائلة.

طُلب من " ماسك " خلال فترة عمله مع رئيس قسم الإستراتيجيات بالمصرف، في أوائل التسعينيات من القرن الماضي، أن يراجع محفظة ديون دول العالم الثالث
للمصرف. كان يُطلق على هذا المجمع النقدي اسمًا كئيبًا هو " ديون الدول الأقل نموًّا " ، وكان مصرف نوفا سكوتيا يحتفظ فيه بمليارات الدولارات. كانت دول
أمريكا الجنوبية وغيرها قد تخلفت عن الدفع في الأعوام السابقة، ما أجبر المصرف على تدوين بعض قيم ديونها. وطلب رئيس " ماسك " منه أن يستقصي عن
السندات المالية للمصرف كتجربة تعليمية له ويحاول تحديد القيمة الفعلية للدين.

وفي أثناء تنفيذ " ماسك " لهذا المشروع، عثر على ما بدا فرصة عمل تجاري جلية. كانت الولايات المتحدة قد حاولت المعاونة على تخفيض الديون التي تثقل كاهل
عدد من الدول النامية من خلال ما يُسمى بـ " سندات بريدي " ، التي تقوم حكومة الولايات المتحدة من خلالها ببساطة بدعم ديون دول مثل البرازيل والأرجنتين.
لاحظ " ماسك " تلاعبًا في المراجحة. وعن هذا يقول " ماسك " : " حسبت قيمة الدعم، وكانت حوالي خمسين سنتًا لكل دولار، في حين كانت الديون الحقيقية
تُتداول بخمسة وعشرين سنتًا. كانت هذه أكبر فرصة على الإطلاق، ولم يبد أن أحدًا لاحظها " . حاول " ماسك " أن يحافظ على هدوئه وبرودة أعصابه في أثناء
اتصــاله بــــمصرف جولــدمان ســاكس، أحـد أكبـر المتـداولين بـهذه السـوق، لكـي يسـتقصي عمـا رآه. اسـتفسر " ماسـك " عـن كـم الـديون البرازيليـة التـي قـد تكـون متاحـة
بسعر خمسة وعشرين سنتًا. يقول " ماسك " : " قال الرجل: " كم تريد؟ " فابتكرت رقمًا سخيفًا مثل عشرة مليارات دولار " . حين أكد المتداول أن هذا ممكن،
أغلــق " ماســك " الــهاتف. وعلــق قــائلًا: " كنــت أقــول فــي نفســي لا بــد أنـهم مجـانين لأن هـذا يجعـل مضـاعفة المـال ممكنـة. كـان العـم سـام يـدعم كـل شـيء. كـان الأمـر
واضحًا " .

كان " ماسك " قد قضى ذلك الصيف في كسب أربعة عشر دولارًا للساعة، والتعرض للتوبيخ لأنه يستخدم ماكينة القهوة الخاصة بالموظفين التنفيذيين، ضمن
مخالفات منصبه الأخرى؛ فظن أن فرصته للتألق والحصول على علاوة كبيرة قد سنحت؛ لذا، انطلق إلى مكتب رئيسه وطرح عليه فرصة العمر قائلًا: " بوسعك
أن تحقق مليارات الدولارات بلا مقابل " ، فطلب منه رئيسه أن يكتب تقريرًا بهذا، وسرعان ما وصل التقرير إلى المدير التنفيذي للمصرف، فرفض العرض فورًا قائلًا
إن المصرف سبق أن خُدع بالديون البرازيلية والأرجنتينية وإنه لا يريد أن يعبث بها مجددًا. يقول " ماسك " : " حاولت أن أخبرهم بأن هذا ليس بيت القصيد. بيت
القصــيد أن العــم ســام يــدعم هــذه الــديون. لا يــهم مــا يفعلــه أهــل أمريكــا الجنوبيــة؛ لا يمكنــهم خســارة أموالــهم إلا إذا كــانوا يعتقــدون أن وزارة الماليــة الأمريكيــة
ستتخلف عن الدفع. ومع ذلك، لم ينفذوا الأمر، فصُدمت. عندما نافست المصارف في وقت لاحق من حياتي، كنت أتذكر هذه اللحظة، وكانت تملؤني ثقةً بالنفس.
كل ما فعله المصرفيون هو تقليد ما فعله الآخرون. فلو رمى الجميع بأنفسهم من حافة هاوية، لرموا بأنفسهم معهم. ولو كانت هناك كومة ضخمة من الذهب
قابعة في منتصف الغرفة ولم يقربها أحد، لما اقتربوا منها كذلك " .

درس " ماسك " في الأعوام التالية فكرة إنشاء مصرف على الإنترنت، وناقشها علانيةً خلال فترة تدربه في معهد بينيكال للأبحاث عام 1995: ألقى الشاب " ماسك "
محاضرة على العلماء عن الانتقال الحتمي القادم إلى الأنظمة الإلكترونية في القطاع المصرفي والمالي، لكنهم حاولوا إقناعه بالعدول عن هذه الفكرة، قائلين إن الأمر
سيستغرق مدة طويلة قبل أن يصير التعامل على شبكة الإنترنت آمنًا بما يكفي لإقناع العملاء. غير أن " ماسك " ظل مقتنعًا بأن بوسع عالم الأموال الاستفادة من
الخضوع لتحديث ضخم، وأن بوسعه أن يصبح ذا تأثير كبير على الصناعة المصرفية من خلال قيامه باستثمار ضئيل نسبيًّا. لقد قال واصفًا تفكيره في خطاب ألقاه
بجامعة " ستانفورد " عام 2003: " المال له نطاق محدود؛ لا داعي لأن يجري المرء تحسينًا ضخمًا على البنية التحتية لكي يُستفاد منه؛ لأنه في الواقع مجرد قيد
مُدرج في قاعدة البيانات " .

كانت الخطة الفعلية التي وضعها " ماسك " مبالغة بشدة. كما أوضح الباحثون بمعهد بينيكال: لا يكاد الناس يتقبلون فكرة شراء الكتب عبر الإنترنت. وربما
يجازفون بإدخال رقم بطاقتهم الائتمانية، لكن العديدين منهم كانوا يعتبرون الكشف عن حساباتهم المصرفية أمرًا مستحيلًا. تبًّا! وماذا في هذا؟ أراد " ماسك "
إنشاء مؤسسة مالية متكاملة الخدمات على شبكة الإنترنت: شركة تحتفظ بحسابات التوفير والحسابات الجارية، إلى جانب خدمات السمسرة والتأمين. كانت
التقنية اللازمة لتنفيذ مثل هذه الخدمة ممكنة، ولكن اجتياز جحيم الروتين لإنشاء مصرف إلكتروني من الصفر بدا مشكلة عسيرة بالنسبة للمتفائلين ومستحيلًا
بالنسبة للأكثر تحفظًا. لم يكن الأمر يشبه تقديم إرشادات الطريق لعناوين مطعم للبيتزا أو إدراج إعلان عن منزل، بل كان الأمر يتعامل مع شئون الناس المالية،
وستكون هناك عواقب وخيمة إذا لم تعمل الخدمة كما هو مُعلن عنها.

غير أن " ماسك " المقدام نفذ خطته الجديدة حتى قبل أن تُباع " زيب 2 " : تحدث " ماسك " مع بعض أفضل المهندسين في الشركة ليكوِّن فكرة عن أيهم يرغب
بالانضــمام إليــه فــي مشــروع آخــر. عــلاوةً علــى هــذا، قـام بعـرض فكرتـه علـى بعـض المعـارف الـذين تعـرف إليـهم بمصـرف بكنـدا. ثـم فـي ينـاير عـام 1999، بـدأ " ماسـك "
صياغة خطته المصرفية، وإن كان مجلس إدارة " زيب 2 " لا يزال يبحث عن مشترٍ لها. فأُعلن عن صفقة " زيب 2 " و " كومباك " في الشهر التالي. وفي مارس من
العام نفسه، أنشأ " ماسك " شركة إكس دوت كوم (X.com) ، وهي شركة ناشئة في قطاع المال والأعمال.

استغرق " ماسك " أقل من عقد من الزمن ليتحول من رحالة كندي إلى ملياردير في سن السابعة والعشرين. لقد جنى اثنين وعشرين مليون دولار، وانتقل من
العيش في غرفة مع ثلاثة زملاء في السكن إلى شراء شقة مساحتها حوالي 550 مترًا مربعًا وتجديدها. علاوةً على ذلك، اشترى سيارة رياضية طراز ماكلارين إف 1
بمليون دولار وطائرة مروحية صغيرة وتعلم قيادة الطائرات. تقبل " ماسك " الشهرة الجديدة التي اكتسبها كجزء من مجموعة مميزات كونه مليونيرًا في مجال
الإنترنت. كما سمح لقناة " سي إن إن " بزيارة شقته الساعة السابعة صباحًا لتصوير تسلمه سيارته الجديدة. قامت شاحنة سوداء كبيرة بالتوقف أمام منزل "
ماسك " لإنزال سيارة لامعة أنيقة إلى الشارع، حيث كان " ماسك " واقفًا فاغرًا فاه وعاقدًا ساعديه. قال لقناة " سي إن إن " : " توجد اثنان وستون سيارة طراز
ماكلارين في العالم، وسوف أمتلك واحدة منها. يا إلهي! لا أصدِّق أنها وصلت بالفعل. يا له من أمر مذهل يا رجل! " .

تخلل مقطع فيديو قناة " سي إن إن " عن تسلم " ماسك " سيارته مقابلات أجرتها القناة معه. كان يبدو طوال الوقت كرسمة كاريكاتير لمهندس حقق نجاحًا كبيرًا
في حياته. كان شعر " ماسك " قد بدأ يصبح خفيفًا، وكان مقصوصًا جدًّا لدرجة أبرزت وجهه الصبياني، وكان يرتدي معطفًا رياضيًا بنيًّا كبيرًا جدًّا، وتفقد هاتفه
الخلوي من سيارته الفارهة؛ حيث كانت صديقته رائعة الجمال، " جاستين " ، جالسة إلى جواره، وبدا مفتونًا بحياته. كان " ماسك " يلقي النكات المضحكة عن
الأثرياء الواحدة تلو الأخرى: تحدث أولًا عن صفقة " زيب 2 " قائلًا: " إن كسب الأموال الطائلة أمر رائع... هذا مبلغ طائل من
الأوراق فئة المائة دولار " . بعد ذلك، تحدث عن روعة حياته قائلًا: " ها هي أيها السادة، أسرع سيارة في العالم " ، ثم عن طموحه الاستثنائي قائلًا: " بوسعي أن
أشتري إحدى جزر الباهاما وأحولها إلى إقطاعيتي الخاصة، لكنني مهتم بمحاولة إنشاء شركة جديدة وتأسيسها أكثر بكثير من اهتمامي بهذا " . تبع طاقم التصوير
" ماسك " إلى مكاتب شركة إكس دوت كوم، حيث قاده تعجرفه بعد تسلمه السيارة إلى جولة أخرى من التصريحات المحرجة مثل: " لست لائقًا في صورة المصرفي
" و " إن جمع خمسين مليون دولار يتطلب إجراء بضع مكالمات هاتفية، عندها سأكون قد جمعت المال " و " أعتقد أن شركة إكس دوت كوم يمكن أن تصبح
منجمًا للثراء يجعلني مليارديرًا بالتأكيد " .

اشترى " ماسك " سيارته طراز ماكلارين من بائع سيارات في ولاية فلوريدا، وانتزعها من " رالف لورين " ، الذي كان يستفسر عن شرائها أيضًا. حتى فاحشو الثراء
أمثال " لورين " يميلون إلى الاحتفاظ بسيارة مثل ماكلارين للأحداث الخاصة أو للقيام برحلات بالسيارة أيام الآحاد أحيانًا. لكن ليس " ماسك " ؛ فقد قادها في
كــل أنحــاء وادي الســيليكون، وركنــها فــي الشــارع، بــالقرب مــن مكــاتب شــركة إكـس دوت كـوم. وقـد فزع أصـدقاؤه لرؤيـة مثـل هـذه التحفـة الفنيـة مغطـاة بفضـلات
الطيور أو في موقف السيارات التابع لفرع من فروع متاجر سيفواي. ذات يوم، أرسل " ماسك " فجأة بريدًا إلكترونيًّا إلى زميله مالك السيارة طراز " ماكلارين " ، "
لاري إليســون " ، المؤســس المشــارك لشــركة أوراكــل المصــنِّعة لبــرامج الحاســوب، لــيرَى إذا كــان يريــد التســابق بســيارته معــه فــي مضــمار سـباق للمتعـة. لكـن خبـر هـذا
العرض بلغ " جيم كلارك " ، وهو ملياردير آخر يحب السرعة، وأخبر صديقًا له بأن عليه أن يهرع لمنفذ بيع سيارات فيراري المحلي ليشتري سيارة تستطيع التنافس.
كان " ماسك " قد انضم لنادي المهمين. يقول " جورج زاكاري " ، مستثمر مجازف وصديق مقرب لـ " ماسك " : " كان " إيلون " متحمسًا جدًّا بشأن كل هذا لدرجة
أنه أراني الرسائل التي تبادلها مع " لاري "" . وفي العام التالي، حين كان " ماسك " يقود سيارته في طريق ساند هيل لمقابلة أحد المستثمرين، التفت إلى صديق له كان جالسًا بالسيارة وقال: " راقب هذا " ، ثم انطلق بأقصى سرعة بالسيارة، وغيّر حارته، وانحرف عنها، واصطدم بجسر، ما جعل السيارة تدور بالهواء كصحن
طائر، وانفجرت نوافذها ودواليبها وتحولت إلى أشلاء، وتحطمت. فالتفت " ماسك " إلى رفيقه مرة أخرى قائلًا: " الجزء المضحك في الأمر هو أنها لم تكن مُؤمنًا
عليها " . بعدها، استوقفا سيارة لتقلهما إلى مكتب المستثمر المجازف.

يُحسب لـ " ماسك " أنه لم يتقبل تمامًا شخصيته الطائشة. في الواقع، استثمر غالبية الأموال التي جناها من شركة زيب 2 في شركة إكس دوت كوم. كان لهذا
القرار أسباب عملية. يحالف الحظ المستثمرين ويُعفَوْن من الضرائب بموجب القوانين إذا ما حققوا أرباحًا غير متوقعة من مشروع جديد في غضون بضعة أشهر.
ولكــن حتــى بمعــايير وادي الســيليكون عاليــة المخــاطر، كــان مــن الصــادم أن يســتثمر " ماســك " كــل هــذا المبلــغ مــن ثروتـه الجـديدة فـي أمـر محـل تسـاؤل مثـل المصـرف
الإلكتروني. في المجمل، استثمر " ماسك " حوالي اثني عشر مليون دولار في شركة إكس دوت كوم، أي تبقى له، بعد دفع الضرائب، أربعة ملايين دولار تقريبًا
لاستخدامه الشخصي. يقول " إد هو " , الموظف التنفيذي السابق بشركة زيب 2 الذي أصبح مؤسسًا مشاركًا في شركة إكس دوت كوم في وقت لاحق: " هذا ما يميز
" إيلون " عن بقية البشر؛ فهو مستعد لأن يقوم بقدر جنوني من المجازفة الشخصية. حين يعقد المرء مثل هذه الصفقة، إما أن تنجح أو ينتهي به المطاف مشردًا
يبيت في محطة للحافلات في مكان ما " .

عند تذكر الأمر، يبدو قرار " ماسك " باستثمار كل هذا المبلغ من المال في شركة إكس دوت كوم أكثر غرابة من ذي قبل. في عام 1999، كان إثبات الذات هو المحك
لتحقــيق النجــاح بمجــال الإنتــرنت، ثــم تكــديس الملايــين التــي جنيتــها، وتســتغل قــدراتك لإقنـاع الآخـرين بالمجازفـة بـأموالك فـي المشـروع التـالي. كـان " ماسـك " يعتمـد
بالتأكيد على المستثمرين الخارجيين ولكنه قام باستثمار هائل بأمواله الخاصة أيضًا. لذلك، في حين إنه كان من الممكن مشاهدة " ماسك " في البرامج التليفزيونية،
يتحــــدث مثــــل بقيــــة مســــتثمري الإنتــــرنت الأنــــانيين الأغبيــــاء، إلا أنــــه كــــان تصـــرفه أشــبه بــالرجوع إلــى الأيــام الأولــى بـــوادي الســيليكون، حــين كــان مؤســسو الشــركات
مستعدين للقيام بمجازفات كبيرة بأنفسهم، كما كانت حال شركة إنتل.

وبينما كانت فكرة شركة زيب 2 فكرة رائعة ومفيدة، كانت شركة إكس دوت كوم تحمل وعدًا بإحداث ثورة كبرى. ولأول مرة، يواجه " ماسك " مباشرةً مجالًا
راسخًا ذا موارد غنية على أمل الإطاحة بكل أصحاب المناصب به.
بالإضافة إلى ذلك، بدأ " ماسك " يشحذ أسلوبه المميز الخاص بدخول الأعمال فائقة التعقيد دون السماح لحقيقة معرفته السطحية بالفروق الدقيقة في ذلك
المجال بأن تزعجه بتاتًا. كان لديه شك في أن المصرفيين يقومون بمهام الشئون المالية بشكل خطأ تمامًا، وأن بإمكانه إدارة الأعمال أفضل من الآخرين جميعًا. إن
غرور " ماسك " وثقته بنفسه قد بدآ يتجهان إلى مستويات تُلهم البعض وتجعل البعض الآخر يظنونه مغرورًا عديم الضمير. ولكن في النهاية، سيكشف تأسيس
شركة إكس دوت كوم الكثير عن إبداع " ماسك " وحماسه الذي لا يلين وأسلوبه العدواني ونواقصه كقائد، ويمر " ماسك " مرة أخرى بتجربة تنحيته جانبًا من
إدارة شركته الخاصة ليذوق حسرة عدم تحقق رؤيته العظيمة على أرض الواقع.

جمع " ماسك " ما بدا كطاقم عمل من النجوم ليؤسس شركة إكس دوت كوم. لقد عمل " هو " مهندسًا بشركتيْ سيليكون جرافيكس إنكوربريشين (المعروفة
اختصارًا بـ SGI ) وزيب " ، وأدهش نظراءه ببرامجه وبمهاراته في إدارة الفرق. وعلاوةً على هذا، انضم لهما كنديان يملكان خبرة في الشئون المالية... هما " هاريس
فريكر " و " كريستوفر باين " . قابل " ماسك " " فريكر " خلال الفترة التي قضاها كمتدرب في مصرف نوفا سكوتيا، وانسجما بشدة. كان " فريكر " طالبًا حاصلًا
على منحة " رودس " ، وقد نقل المعرفة الخاصة بالجانب التقني من العالم المصرفي الذي سوف تحتاج إليه شركة إكس دوت كوم. أما " باين " ، فقد كان صديق "
فريكر " من المجتمع المالي الكندي. كان الرجال الأربعة كلهم يُعتبرون مؤسسين مشاركين للشركة، في حين برز " ماسك " كأكبر مساهم بالشركة بفضل استثماره
الضخم فيها. بدأت شركة إكس دوت كوم، كما هي الحال مع العديد من مشاريع وادي السيليكون، في منزل بدأ فيه المؤسسون المشاركون عملية شحذ أفكارهم،
ثم انتقلوا إلى مكتب أكثر رسمية في
394 شارع يونيفرسيتي بمدينة بالو آلتو.

كان المؤسسون المشاركون متوافقين على المستوى الفكري بخصوص أن الصناعة المصرفية قد تخلفت عن الركب. وبدت فكرة زيارة فرع المصرف للتحدث مع الصرَّاف
أمرًا ولى زمانه بعد ظهور الإنترنت. كانت الأمور النظرية تبدو جيدة، وكان الرجال الأربعة متحمسين، لكن الأمر الوحيد الذي كان يعوقهم هو الواقع. كان " ماسك
" يمتلك خبرة مصرفية بسيطة؛ لذلك، لجأ إلى شراء كتاب عن هذا المجال ليعينه على فهم دخائله. لكن كلما فكر المؤسسون المشاركون في خطتهم الهجومية، زاد
إدراكهم للعوائق الروتينية التي تمنع إنشاءهم المصرف الإلكتروني لا تُقهر. قال " هو " : " بعد مرور أربعة أشهر أو خمسة، كنا لا نزال نكتشف خفايا الأمر فحسب
" . *

كمــا تصــادمت شــخصيات المؤســسين المشــاركين مــن البــداية. كـان " ماسـك " قـد أصـبح نجـمًا ناشـئًا فـي وادي السـيليكون، وكـانت الصـحافة تتـودد إليـه؛ وهـو أمـر لـم
يعجب " فريكر " ، الذي كان قد غادر كندا واعتبر شركة إكس دوت كوم فرصته ليترك بصمته في العالم بصفته خبيرًا مصرفيًّا. وفقًا لما صرح به عدد كبير من
الأشــخاص، أراد " فــريكر " أن يــدير الشــركة بنفســه بأســلوب تقليــدي أكثــر؛ حــيث إنــه رأى تصــريحات " ماســك " الحالمــة للصــحافة بشــأن إعــادة النظــر فــي الصــناعة
المصرفية بأكملها سخيفة، نظرًا لأن الشركة كانت تجاهد لتحقيق شيء ما. وعن هذا يقول " فريكر " : " كنا نَعِد وسائل الإعلام بالمستحيل. كان " إيلون " يقول إن
هذه ليست بيئة عمل عادية، وإن علينا أن نتوقف مؤقتًا عن التفكير في المشاريع بالطريقة العادية. كان يقول: " ثمة مصنع لغاز الضحك فوق التل يقوم بضخ
الغازات في الوادي "" . لن يكون " فريكر " آخر شخص يتهم " ماسك " بالإفراط في ترويج المنتجات وبخداع العامة، وإن كان اعتبار هذا عيبًا في شخصية " ماسك
" ، أو إحدى مواهبه الرائعة كرجل أعمال، أمرًا مطروحًا للنقاش.

بلــغ الشــجار بــين " فــريكر " و " ماســك " نــهاية ســريعة وســيئة للغايــة: فبعـد تأسـيس شـركة إكـس دوت كـوم بخمسـة أشـهر فقـط، قـاد " فـريكر " انقـلابًا. ويعلـق "
ماسك " قائلًا: " أخبرني بأنه إما أن يستولي على منصب المدير التنفيذي للشركة أو يأخذ كل من بالشركة ويؤسس شركته الخاصة فحسب. فرددت عليه قائلًا: " أنا
لا أخضع للابتزاز؛ وإن استطعت أن تفعل ذلك، فافعله " ، وهذا ما نفذه " . حاول " ماسك " أن يقنع " هو " وبعض المهندسين المهمين بالبقاء، لكنهم وقفوا في
صف " فريكر " وتركوا العمل. انتهى المطاف بأن امتلك " ماسك " هيكل شركة وحفنة من الموظفين المخلصين. تقول " جولي آنكينبراندت " ، من أوائل الموظفات التي
بقيت في شركة إكس دوت كوم: " أتذكر أنني كنت جالسة مع " إيلون " في مكتبه بعد كل ما حدث. كانت هناك ملايين القوانين المفروضة لمنع عمل تجاري مثل
شركة إكس دوت كوم من الظهور، لكن " إيلون " لم يبالِ، بل نظر إليَّ فحسب قائلًا: " أظن أن علينا تعيين المزيد من الموظفين "" . **

كان " ماسك " يحاول جمع تمويلات لشركة إكس دوت كوم، وكان قد أُجبر على أن يذهب إلى المستثمرين المجازفين ويعترف لهم بأنه لم يتبقَّ من الشركة الكثير.
ومع ذلك، قام " مايك موريتز " ، مستثمر شهير من شركة سيكويا كابيتال، بدعم الشركة بأن راهن على " ماسك " وعلق آماله على أشياء أخرى. طاف " ماسك "
شوارع وادي السيليكون مرة أخرى، وتمكن من جذب مهندسين بخطاباته المتحمسة عن مستقبل المصارف الإلكترونية. بدأ عالم الحاسوب الشاب سكوت آندرسون
عمله في الأول من أغسطس عام 1999، بعد مرور بضعة أيام من الاستقالات الجماعية، واقتنع برؤية الشركة. وعن هذا يقول " آندرسون " : " عندما أتذكر الأمر،
يبدو جنونيًّا. كنا نمتلك موقعًا إلكترونيًّا يعادل موقع تصوير في هوليوود؛ وتغلبنا على أزمة اجتذاب المستثمرين المجازفين بالكاد " .

أسبوع تلو الآخر، بدأ مزيد من المهندسين يأتون وأصبحت الرؤية أكثر واقعية. وحصلت الشركة على رخصة مصرفية ورخصة لتأسيس صندوق استثمار مشترك
وعقدت شراكة مع مصرف باركليز. وبحلول شهر نوفمبر، كان فريق المبرمجين بشركة إكس دوت كوم قد أنشأ أحد أوائل المصارف الإلكترونية في العالم مع تأمين
حســاباته المصــرفية بــدعم مــن مؤســسة تــأمين الــودائع الفيــدرالية (المعروفــة اختصــارًا بــــ FDIC ) وثلاثــة صــناديق اســتثمار مشــتركة ليختـار منـها المسـتثمرون. ومنـح "
ماسك " المهندسين مائة ألف دولار من حر ماله لكي يجروا اختباراتهم. وفي نهاية شهر نوفمبر من عام 1999، طُرحت خدمات الشركة للجمهور. وعن هذا يقول "
آندرسون " : " كنت موجودًا هناك حتى الساعة الثانية صباحًا، ثم عدت للمنزل لأحضر العشاء. وبعدها ببضع ساعات، اتصل بي " إيلون " وطلب مني الذهاب
للمكتب كي أحل محل بعض المهندسين الآخرين. ظل " إيلون " هناك لثمان وأربعين ساعة متواصلة، ليتأكد من نجاح الأمور " .

جــربت شــركة إكــس دوت كــوم بعــض المفــاهيم المصــرفية الأســاسية بتوجيــهات مــن " ماســك " . كــان العمــلاء يتلقــون بطاقــة نقــدية فئــة عشــرين دولارًا فقــط مقـابل
تسجيل بياناتهم لاستخدام الخدمة وبطاقة فئة عشرة دولارات عن كل شخص يحيلونه إلى الموقع الإلكتروني. كما تخلص " ماسك " من الرسوم التافهة وغرامات
السحب على المكشوف. وفي تغيير مفاجئ عصري جدًّا، أنشأت شركة إكس دوت كوم كذلك نظامًا للدفع بين الأفراد يمكِّن المرء من إرسال المال لشخص آخر فقط
عن طريق توصيل البريد الإلكتروني لذلك الشخص بالموقع. وهدفت الفكرة برمتها إلى الابتعاد عن المصارف البطيئة التي تستغرق حواسيبها المركزية الكبيرة أيامًا
لمعالجة عمليات دفع الأموال وإنشاء حساب مصرفي سريع يمكِّن المرء من نقل الأموال إلى كل مكان ببضع نقرات على فأرة الحاسوب أو عبر البريد الإلكتروني. كانت
هذه فكرة ثورية، وتقبل ما يفوق المائتيْ ألف شخص الفكرة وسجلوا بياناتهم في موقع شركة إكس دوت كوم في غضون الأشهر القليلة الأولى من عمله.

وسرعان ما أصبح لشركة إكس دوت كوم منافس رئيسي. كان هناك شابان ذكيان يدعيان " ماكس ليفيشن " و " بيتر تيل " يعملان على نظام لدفع الأموال خاص
بهما في شركتهم الناشئة الجديدة المسماة كونفينيتي. في الواقع، استأجر الثنائي مكتبهما من شركة إكس دوت كوم، وكانت هذه المساحة المكتبية مجرد خزانة
مكانس مفخمة، وكانا يحاولان تمكين مالكي جهاز المساعد الرقمي الشخصي اليدوي بالم بايلوت من تبادل الأموال عن طريق حزمة من الأجهزة المعتمدة على نقل
البيانات بسرعة فائقة. وما بين شركتيْ إكس دوت كوم وكونفينيتي، تحول المكتب الصغير الواقع في شارع يونيفرسيتي إلى بؤرة محمومة لثورة الإنترنت المالية.
تقول " جولي آنكينبراندت " : " كان المكان عبارة عن مجموعة من الشباب المراهقين الذين يعملون بجد. كانت رائحة المكان نتنة جدًّا. ما زلت أستطيع شمها... بقايا
بيتزا ورائحة الأجسام والعرق " .

انتــــهت المجــــاملات بــــين شــركتيْ إكــس دوت كــوم وكونفــينيتي فجــأة، وانتقــل مؤســسا كونفــينيتي إلــى مكتــب فــي نــهاية الشــارع، مثــل إكــس دوت كــوم، وبــدآ يــركزان
انتباهــهما علــى دفــع الأمــوال عبــر الإنتــرنت والبريــد الإلكتــروني، بخــدمتهما المعروفــة بــــ " بــاي بــال " ؛ فأصـبحت الشـركتان تخوضـان معركـة حاميـة الوطـيس لمنافسـة
خصائص منتجاتهم ولجذب المزيد من المستخدمين لخدماتهم، لعلمهما أن الفائز هو من سينجح أسرع من الآخر. لقد أُنفقت عشرات الملايين من الدولارات على
الحملات الترويجية، بينما خُسرت ملايين أكثر في محاربة القراصنة الذين استغلوا هذه الخدمات كمجال جديد للاحتيال. وعن هذا يقول " جيريمي ستوبلمان " ،
مهندس في شركة إكس دوت كوم وأصبح المدير التنفيذي لموقع يلب Yelp فيما بعد: " كان الأمر أشبه بإهدار الأموال في النوادي الليلية ولكن على شبكة الإنترنت؛
حيث تهدر الأموال بأسرع وقت ممكن " .

إن سباق الفوز بخدمات دفع الأموال بالإنترنت قد منح " ماسك " فرصة ليتباهى بسرعة تفكيره وأخلاقياته في العمل. لقد ظل يبتكر خططًا لمواجهة الأفضلية التي
اكتسبتها شركة " باي بال " على شركته فيما يتعلق بمواقع المزادات مثل موقع إي باي - eBay ، وجمع موظفي شركة إكس دوت كوم لتنفيذ تلك التكتيكات
بأسرع ما يمكن عن طريق مناشدة الجانب التنافسي فيهم. تقول " آنكينبراندت " : " لم يكن هناك أي شيء لطيف بشأنه حقًّا. لقد عملنا جميعًا عشرين ساعة في
اليوم، وكان هو يعمل ثلاثًا وعشرين ساعة " .

ولكن في مارس عام 2000، قررت شركتا إكس دوت كوم وكونفينيتي أخيرًا التوقف عن محاولة تبديد أموال بعضهما والتحالف. كانت كونفينيتي تمتلك ما بدا
كأكثر منتج رائج في موقع باي بال، لكنها كانت تمنح مائة ألف دولار يوميًّا كجوائز للعملاء الجدد ولم تكن تمتلك الاحتياطيات النقدية اللازمة للاستمرار. وعلى
النقيض، كانت إكس دوت كوم لا تزال تمتلك الكثير من الاحتياطيات النقدية والمنتجات المصرفية الأكثر تعقيدًا. وقادت إكس دوت كوم عملية وضع شروط الدمج
بين الشركتين، وجعلت " ماسك " أكبر مساهم في الشركة المدمجة، التي سيصبح اسمها فيما بعد إكس دوت كوم. وبعد فترة قصيرة من إتمام الصفقة، جمعت
إكس دوت كوم مائة مليون دولار من داعميها، بما فيهم المصرف الألماني ومصرف جولدمان ساكس، وتباهت بأن لها ما يفوق المليون عميل. ***

حاولت الشركتان بجهد مزج ثقافتيهما، وحققتا نجاحًا طفيفًا في ذلك. لقد قامت مجموعات من الموظفين بشركة إكس دوت كوم بربط شاشات حواسيبهم إلى
كراسي مكاتبهم بالأسلاك الكهربية، وجروها حتى نهاية الشارع، حيث يقع مكتب شركة كونفينيتي، ليعملوا بجانب زملائهم الجدد. ولكن الفريقان لم يستطيعا
الاتفاق في الرأي قط. استمر " ماسك " في مناصرة أسلوب شركة إكس دوت كوم، في حين كانت غالبية الآخرين تفضِّل باي بال؛ فاندلعت المزيد من الشجارات
بشأن تصميم البنية التحتية المعلوماتية للشركة: فضَّل فريق شركة كونفينيتي، بقيادة " ليفيشن " ، الميل إلى البرمجيات مفتوحة المصدر، مثل برنامج " لينكس
" ، في حين ناصر " ماسك " برمجيات مايكروسوفت التي تعتمد على مركزية البيانات لأنها أكثر قابلية للحفاظ على مستوى عالٍ من الإنتاجية. قد يبدو هذا الشجار
سخيفًا للغرباء، لكنه كان بمثابة حرب معتقدات بالنسبة للمهندسين، الذين كان العديد منهم يعتبرون مايكروسوفت إمبراطورية شريرة عتيقة الطراز، بينما
كانوا يعتبرون " لينكس " البرنامج المعاصر المناسب لعامة الناس. وبعد عملية دمج الشركتين بشهرين، استقال " تيل " وهدد " ليفيشن " بالإضراب عن العمل
بسبب هذا الشقاق التكنولوجي، وتُرك " ماسك " ليدير شركة منقسمة وحده.

ساءت المشكلات التكنولوجية التي كانت تواجه شركة إكس دوت كوم عندما فشلت أنظمة الحوسبة في مواكبة سرعة نمو قاعدة عملائها، فكان موقعها يتعطل
مــرة أســبوعيًّا. ولــذلك، طُلــب مــن غالبيــة المهندســين البــدء بتصــميم نظــام جــديد، مــا ألــهى طــاقم الموظفــين الفنــيين الأســاسي وجعــل شـركة إكـس دوت كـوم عرضـة
للاحتيــــال. يقــــول " ســــتوبلمان " : " كنــــا نخســــر الأمــــوال بســرعة وبمبــالغ طائلــة " . ومــع زيــادة شــعبية " إكــس دوت كــوم " وانفجــار حجــم معاملاتــها، ســاءت كــل
مشكلاتها: زادت عمليات الاحتيال، وزادت الرسوم المفروضة عليها من المصارف وشركات البطاقات الائتمانية، وزادت المنافسة التي تواجهها من الشركات الناشئة
الجديدة. كانت شركة إكس دوت كوم تفتقد نموذج أعمال متماسك يعوض خسائرها ويدر ربحًا من الأموال التي تديرها. لم يعتقد " رولوف بوتا " ، المدير المالي
للشركة الناشئة الجديدة والذي أصبح الآن مستثمرًا مجازفًا بشركة سيكويا, أن " ماسك " قد قدم لمجلس إدارة شركة إكس دوت كوم صورة حقيقية للمشكلات
التي تواجهها الشركة، كما شكك عدد متزايد من موظفي الشركة في صحة القرارات التي يتخذها " ماسك " في مواجهة كل تلك الأزمات.

ما حدث لاحقًا كان أحد أسوأ الانقلابات في تاريخ وادي السيليكون الطويل الشهير بالانقلابات السيئة. فذات ليلة، اجتمعت مجموعة صغيرة من موظفي شركة
إكس دوت كوم بمقهى " فاني آند أليكساندر " ، الذي ليس له وجود الآن، بمدينة بالو آلتو، وشحذوا أفكارهم بشأن كيفية عزل " ماسك " من منصبه، وقرروا أن
يُقنعوا مجلس الإدارة بفكرة إعادة " تيل " لمنصب المدير التنفيذي. لقد قرر المتآمرون التصرف من وراء ظهر " ماسك " ، بدلًا من أن يواجهوه مباشرةً بهذه الخطة.

كان " ماسك " و " جاستين " قد تزوجا في يناير عام 2000، لكنهما كانا أكثر انشغالًا من أن يسافرا لقضاء شهر العسل. بعدها بتسعة أشهر، في شهر سبتمبر،
خططا لخلط العمل بالمتعة عن طريق السفر في رحلة لجمع الأموال وإنهائها بقضاء شهر العسل في العاصمة الأسترالية سيدني لمشاهدة الألعاب الأولمبية. لكن عند
استقلالهما طائرتهما ذات ليلة، سلم موظفو شركة إكس دوت كوم التنفيذيين خطابات سحب ثقة لمجلس إدارة الشركة. كان بعض الموظفين المخلصين لـ " ماسك
" قد شعروا بوجود خطب ما، لكن الأوان كان قد فات. تقول " آنكينبراندت " : " ذهبت إلى المكتب في العاشرة والنصف تلك الليلة، وكان الجميع موجودين. لم
أستطع تصديق هذا. حاولت جاهدة الاتصال بـ " إيلون " ، لكنه كان على متن الطائرة " . وعندما هبطت طائرة " ماسك " ، كان قد تم استبداله وحل محله " تيل
" .

حين سمع " ماسك " بما حدث أخيرًا، سارع باستقلال الطائرة التالية عائدًا إلى مدينة بالو آلتو. تقول " جاستين " : " كان الأمر صادمًا، لكنني سأعترف
لـ " إيلون " بهذا... ظننت أنه تعامل مع الأمر بطريقة جيدة جدًّا " . حاول " ماسك " المقاومة لفترة وجيزة، وحث مجلس الإدارة على إعادة النظر في قراره. لكن
عندما اتضح له أن الشركة قد تجاوزت مناقشة الأمر بالفعل، رضخ للقرار. وعن هذا القرار علق " ماسك " قائلًا: " تحدثت مع " موريتز " وآخرين. لم أكن أرغب في
منصب المدير التنفيذي للشركة بقدر ما كان الأمر يتلخص في قولي: " اسمعوا، أعتقد أن هناك بعض الأمور المهمة جدًّا التي يجب أن تُنجز، وإذا لم أتولَّ أنا منصب
المــدير التنفيــذي، فلــن تتحقــق هــذه الإنجــازات حتــمًا " . لكــن تحــدثت بعــدها مــع " مــاكس " و " بــيتر " ، وبـدا أنـهما سـيحققان تلـك الأمـور. إذن... هـذه ليسـت نـهاية
العالم " .

لم يعجب ما حدث العديد من موظفي شركة إكس دوت كوم الذين عملوا مع " ماسك " منذ مرحلة مبكرة. يقول " ستوبلمان " : " صدمني هذا الأمر بشدة
وأغضبني. كان " إيلون " أشبه بنجوم الروك من وجهة نظري. كنت صريحًا جدًّا في تعبيري عن اعتقادي أن هذا الأمر هراء، لكنني كنت أعلم في الواقع أن الشركة
تبلي بلاءً حسنًا. كانت تنطلق بسرعة كمركبة فضائية صاروخية، ولم أكن لأتركها " . دخل " ستوبلمان " ، الذي كان في الثالثة والعشرين من عمره حينذاك، إلى
غرفــة الاجتمــاعات وهــاجم " تيــل " و " ليفيشــن " . وعــن هــذا يقــول: " تركــاني أنــفِّس عــن غضــبي تمــامًا، وكــان رد فعلــهما جزءًا مــن ســبب بقــائي فــي الشـركة " . أمـا
الآخرون، فقد ظلوا ساخطين. يقول " براندن سبايكس " ، المهندس بشركتيْ زيب 2 وإكس دوت كوم: " كان الأمر يدل على النفاق والجبن. كنت سأساند الأمر أكثر
لو كان " إيلون " موجودًا في الغرفة " .

وبحلول يونيو عام 2001، كان تأثير " ماسك " على الشركة يتلاشى بسرعة. وقام " تيل " في ذلك الشهر بتغيير العلامة التجارية لـ إكس دوت كوم لتصبح باي بال.
نادرًا ما يتغاضى " ماسك " عن أية إهانة، لكنه أبدى ضبط نفس رائعًا خلال هذه المحنة؛ فقد تقبل القيام بدور المستشار للشركة واستمر بالاستثمار فيها، ما زاد
من حصته بصفته أكبر مساهم بشركة باي بال. يقول " بوتا " : " كان المرء قد يتوقع من شخص مكان " إيلون " أن يشعر بالمرارة والحقد، لكنه لم يشعر بهما، بل
ساند " بيتر " . لقد كان رجلًا نبيلًا " .

وكانت الأشهر القليلة التالية مهمة جدًّا لمستقبل " ماسك " . كانت رحلة الإنترنت الممتعة تقترب من نهايتها بسرعة، وكان الناس يريدون محاولة بيع الأصول بحثًا
عن الربحية بأية طريقة ممكنة. حين بدأ الموظفون التنفيذيون في شركة إي باي مفاتحة شركة باي بال بشأن عملية شرائها والاستحواذ عليها، كانت رغبة غالبية
الموظفين هي بيعها وبسرعة. لكن " ماسك " و " موريتز " حثا مجلس إدارة الشركة على رفض عدد من العروض وانتظار عرض مبلغ أكبر من المال. كانت عوائد
شركة باي بال تُقدر بحوالي مائة وأربعين مليون دولار سنويًّا، وبدا أنها قد تنجح كشركة مستقلة وتُطرح للاكتتاب العام. لقد أتت مقاومة " ماسك " و " موريتز "
بثمارها بل وأكثر مما هو متوقع لها؛ ففي يوليو عام 2002، عرضت شركة إي باي مليارًا ونصف المليار دولار لشراء باي بال، وقبل " ماسك " وبقية أعضاء مجلس
الإدارة الصــفقة. حقــق " ماســك " ربــحًا صــافيًا يُقــدر بمــائتين وخمســين ملــيون دولار مــن صــفقة بــيع الشــركة لــــ إي بــاي، أو مائــة وثمــانين ملــيون دولار بعــد خصــم
الضرائب، أي ما يكفي لتحقيق ما سيتضح أنه أكثر أحلامه جموحًا.

شكلت واقعة شركة باي بال تشكيلة من التجارب بالنسبة لـ " ماسك " ؛ فقد عانت سمعته كقائد في أعقاب هذه الصفقة، وانقلبت وسائل الإعلام ضده بشدة
لأول مرة. ألف " إيريك جاكسون " ، من أوائل موظفي شركة كونفينيتي، كتابه: The PayPal Wars: Battles with eBay, the Media, the Mafia, and
the Rest of Planet Earth في عام 2004، وروى فيه الرحلة المضطربة التي مرت بها الشركة. صور الكتاب " ماسك " كرجل عنيد يعتد بنفسه ويتخذ قرارات
خاطئة في كل مرة، في حين صور " تيل " و " ليفيشن " كبطلين عبقريين. انضم موقع النميمة الخاصة بمجال التكنولوجيا Valleywag إليه كذلك، وجعل انتقاد " ماســك " إلــى شــغله الشــاغل. زاد النقــد لــدرجة أن النــاس بــدأوا يتســاءلون بوضــوح عمــا إذا كـان " ماسـك " يعتبـر مؤسـسًا مشـاركًا حقـيقيًّا لشـركة بـاي بـال أم أنـه
استغل صلته بـ " تيل " ليحقق نجاحًا سحريًّا. دفع أسلوب الكتاب والتدوينات " ماسك " في عام 2007 إلى كتابة بريد إلكتروني من ألفين وعشرين كلمة موجه إلى
موقع Valleywag قصد به وضع الأمور في نصابها الصحيح عن طريق سرد الأحداث من جانبه.

أطلق " ماسك " العنان لأسلوبه الأدبي في هذا البريد الإلكتروني، وجعل الجمهور يطلع على الجانب القتالي من شخصيته. لقد وصف " جاكسون " بأنه " وغد
خنوع " و " مستواه لا يتعدى مستوى المتدربين " وبأنه لا يملك سوى معرفة قليلة بمجريات الأمور بالشركة. كتب " ماسك " يقول: " بما أن " إيريك " يضع " بيتر
" في مقام رفيع، كانت النتيجة واضحة... بدا " بيتر " كشخصية " ميل جيبسون " في فيلم Braveheart وكان دوري منحصرًا بين كوني مهملًا وذا تأثير سيئ على
الآخرين " . بعدها، سرد " ماسك " بالتفصيل سبعة أسباب لكونه يستحق مكانة المؤسس المشارك لشركة باي بال، بما فيها دوره كأكبر مساهم فيها، وتعيينه
للعديد من أفضل المواهب، وابتكاره عددًا من أنجح أفكار الشركة التجارية، وفترة توليه منصب المدير التنفيذي التي زاد فيها عدد موظفي الشركة من ستين موظفًا
إلى بضع مئات.

كل من أجريت معهم مقابلة ممن عملوا في باي بال تقريبًا كانوا يميلون إلى الموافقة على التقييم العام لـ " ماسك " . لقد قالوا إن تقرير " جاكسون " يقترب من
الخيال عندما يتعلق الأمر بالإشادة بأفضلية فريق كونفينيتي على فريق " ماسك " وشركة إكس دوت كوم. وعن هذا يقول " بوتا " : " العديد من موظفي شركة
باي بال يعانون ذكريات مشوهة " .

لكــــن هــــؤلاء الأشــــخاص أنفســهم أجمعــوا علــى رأي آخــر؛ حــيث قــالوا إن " ماســك " قــد أســاء التعــامل مــع مشــكلات العلامــة التجاريــة والبنيــة التحتيــة المعلوماتيــة
والاحتيــال. قــال " بوتــا " : " أعتقــد أنــه لــو كــان " إيلــون " قـد ظـل بمنصـب المـدير التنفيـذي لسـتة شـهور أخـرى، لكـان هـذا قـد قضـى علـى الشـركة. كـانت الأخطـاء التـي
يرتكبها " إيلون " حينذاك تضخم مخاطر العمل التجاري " (لمزيد من المعلومات عن رأي " ماسك " في الأعوام التي قضاها في شركة باي بال، راجع الملحق الثاني).

تبــدو الاقتراحــات القائلــة إن " ماســك " لا يعتبــر مؤســسًا مشــاركًا " حقــيقيًّا " لشــركة بــاي بــال ســخيفة بــالنظر لمــا مضــى، وقــال " تيــل " و " ليفيشــن " وغيرهمــا مــن
الموظفــــين التنفيــــذيين بشــركة بــاي بــال هــذا فــي الأعــوام التــي تلــت إتمــام صــفقة شــركتهما مــع مــوقع إي بــاي. الأمــر الوحيــد المفيــد الــذي أنتجــه مثــل هــذا الانتقــاد كــان
الهجمات المضادة المنمقة التي شنها " ماسك " ، والتي كشفت عن الشعور بعدم الأمان والجدية التي يصر بها " ماسك " على التعامل مع الأحداث كما يبرهن
سجله التاريخي على ذلك. يقول " فينس سوليتو " ، رئيس قسم الاتصالات السابق بشركة باي بال: " إنه ينحدر من مدرسة فكرية في عالم العلاقات العامة تدعو
إلى عدم ترك أي خطأ دون تصحيحه. هذه سابقة، يتوجب فيها على المرء محاربة كل علامة في غير موضعها بشراسة. إنه يأخذ الأمور على محمل شخصي جدًّا
ويسعى لشن الحروب عادةً " .

كان النقد الأقوى الموجه لـ " ماسك " خلال هذه الفترة من حياته هو أنه قد نجح لدرجة كبيرة دون تخطيط منه لذلك. لقد أدت سمات " ماسك " كشخص عدواني
يدعي معرفة كل شيء وغروره الكبير إلى انقسامات عميقة ودائمة داخل شركتيه. ومع أن " ماسك " تعمد محاولة التلطيف من سلوكه، لم تكف جهوده تلك
لإقناع المستثمرين والموظفين التنفيذيين الأكثر خبرة. لقد توصل مجلس الإدارة في كل من زيب 2 وباي بال إلى استنتاج أن " ماسك " لم يكن جاهزًا لتولي منصب
المدير التنفيذي بعد. بالإضافة إلى ذلك، يمكن القول إن " ماسك " قد بالغ في رغبته في الترويج لخدمات شركته وإجبار الناس على الاشتراك فيها وأفرط في بيع
تقنيات شركتيه. قام أكبر ناقدو " ماسك " بكل هذه الدعاوى علنًا أو على انفراد، وأخبرني ستة منهم تقريبًا بأمور أسوأ بكثير عن شخصيته وأفعاله، ووصفوا "
ماســك " بأنــه لا أخلاقــي فـي الأعمـال التجاريـة وشـرس فـي هجماتـه الشـخصية، ورغـم أن كـل هـؤلاء الأشـخاص بـلا اسـتثناء تقـريبًا كـانوا غـير راغبـين فـي التصـريح علـنًا
بتعليقاتهم، زاعمين أنهم يخشون أن يرفع " ماسك " دعاوى قضائية ضدهم أو يدمر فرصهم في سوق الأعمال التجارية.

لا بد من مقارنة تلك الانتقادات بسجل إنجازات " ماسك " ؛ فقد أبدى مقدرة فطرية على سبر أغوار الناس واتجاهات التكنولوجيا في بداية إتاحة شبكة الإنترنت
للعملاء. في حين كان الآخرون يحاولون تفهم الآثار المترتبة على الإنترنت، كان " ماسك " قد أطلق بالفعل خطة هجوم هادفة. كما تصور العديد من القطع الأولية
للتكنولوجيا التي ستصبح من الدعائم الأساسية للإنترنت، مثل إرشادات الطرق والخرائط والمواقع التي تركز على الأسواق المتخصصة. وما إن اطمأن الناس لفكرة
الشــراء مــن المــواقع مثــل أمــازون Amazon.com وإي بــاي حتــى حقـق " ماسـك " قـفزة كبـيرة إلـى الأمـام وانتقـل إلـى إنشـاء مصـارف إلكترونيـة متكاملـة. كـان سـينقل
الأدوات الماليــة المألوفــة للإنتــرنت ثــم يحــدِّث المجــال بمجموعــة مــن المفــاهيم الجــديدة. لقــد أبــدى معرفــة عميقــة بالطبيعــة البشــرية سـاعدت شـركتيه علـى النجـاح فـي
تحقــــيق إنجــــازات اســــتثنائية فــــي التســــويق والتكنولوجيـــا والشــئون الماليــة. كــان " ماســك " بــالفعل يلعــب لعبــة رواد الأعمــال علــى أعلــى مســتوى ويحمــس الصــحافة
والمستثمرين بشكل لا يستطيع فعله سوى مجموعة قليلة. هل كان يبالغ في الأمور ويضايق الناس؟ بكل تأكيد فعل هذا ... ولكنه حقق نتائج مذهلة .

نظرًا لأنها اعتمدت بشكل كبير على إرشاد " ماسك " , فقد نجت شركة باي بال من انفجار فقاعة الإنترنت، وأصبحت أول عرض مبدئي عام يحقق نجاحًا ساحقًا
بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، ثم بيعت لصالح موقع إي باي مقابل مبلغ فلكي في حين كانت بقية صناعة التكنولوجيا غارقة في كساد اقتصادي مأساوي.
كادت نجاتها تكون مستحيلة، ناهيك عن أن تبرز كفائزة وسط هذه الفوضى.

بالإضافة إلى ذلك، أصبحت شركة باي بال تمثل أحد أعظم تجمعات المشاريع التجارية والموهبة الهندسية في تاريخ وادي السيليكون. كما كان لكل من " ماسك " و
" تيل " نظرة ثاقبة بشأن المهندسين الشباب اللامعين. إن مؤسسي الشركات الناشئة المتنوعة مثل يوتيوب وشركة بالانتير تكنولوجيز للبرمجيات وموقع يلب Yelp
قــد عملــوا جمــيعًا بشــركة بــاي بــال، كمــا كــانت هنــاك مجموعــة أخــرى مــن الأشــخاص، مــن بينــهم " ريــد هوفمــان " و " تيـل " و " بوتـا " ، بـرزوا كبعـض مـن أفضـل
المستثمرين في صناعة التكنولوجيا. لقد استكشف طاقم عمل شركة باي بال تقنيات لمحاربة الاحتيال الإلكتروني شكلت أساس البرمجيات التي تستخدمها وكالة
الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) ومكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) لتعقب الإرهابيين، والبرمجيات التي تستخدمها أكبر المصارف العالمية لمكافحة الجريمة.
أصبحت هذه المجموعة من الموظفين شديدي الذكاء تُعرف باسم " مافيا باي بال " ، وهي الطبقة المسيطرة على وادي السيليكون تقريبًا حاليًّا، و " ماسك " هو
أشهر أعضائها وأكثرهم نجاحًا.

وقد أيدت الأحداث المستقبلية رؤية " ماسك " مطلقة العنان مفضلة إياها على الرؤية الواقعية الأكثر حذرًا للموظفين التنفيذيين بشركتي زيب 2 وباي بال. لو كانت
شركة زيب 2 لاحقت المستهلكين كما حث " ماسك " ، لربما انتهى بها المطاف كخدمة خرائط وإرشادات ناجحة نجاحًا ساحقًا. أما بالنسبة لـ باي بال، فيمكن القول
كذلك إن المستثمرين تسرعوا بشدة في بيعها، وكان عليهم أن ينصتوا أكثر لمطالب " ماسك " بأن يظلوا مستقلين. وبحلول عام 2014، كانت باي بال قد جمعت
مائة وثلاثة وخمسين مليون مستخدم وقُدرت بما يقارب اثنين وثلاثين مليار دولار كشركة مستقلة بذاتها. علاوةً على هذا، ظهر طوفان من الشركات الناشئة في
مجال دفع الأموال والمصارف تتطلع إلى تحقيق الرؤية الأصلية لشركة إكس دوت كوم، مثل شركات سكوير وسترايب وسيمبل، وهي ثلاثة أمثلة فقط من بين
شركات كثيرة جدًَّا.

ولو كان مجلس إدارة شركة إكس دوت كوم أكثر صبرًا على " ماسك " ، فثمة سبب وجيه لاعتقاد أنه كان سينجح في الوفاء بفكرة " المصرف الإلكتروني الأفضل
على الإطلاق " الذي كان يعتزم إنشاءه. لقد برهنت الأحداث على أن " ماسك " يؤمن بأهدافه بالتأكيد، وإن كانت تبدو سخيفة في حينها، ويميل إلى تحقيقها حين
يجد وقتًا كافيًا. وعن هذا تقول " آنكينبراندت " : " إنه يعمل دائمًا من منطلق فهم للواقع يختلف عن فهم بقيتنا. إنه مختلف عن بقيتنا فحسب " .

في أثناء اجتياز " ماسك " لفترة الاضطرابات التي مرت بها شركتا زيب 2 وباي بال، كان يحظى بالهدوء في حياته الشخصية . كان قد قضى أعوامًا في التودد لـ "
جاستين ويلسون " ، وكان يدعوها لتسافر بطائرته الخاصة لزيارته في العطلات الأسبوعية. ولفترة طويلة، واجهت علاقتهما معوقات بسبب ساعات عمله المرهقة
وزملائه في السكن. لكن بيع شركة زيب 2 سمح لـ " ماسك " بشراء منزل خاص به وبالاهتمام أكثر بـ " جاستين " . كانا يمران بتقلبات الحياة كأي اثنين، لكن جذوة
الحب بينهما ظلت مشتعلة. تقول " جاستين " : " كنا نتشاجر كثيرًا، لكن عندما نكف عن الشجار ، كان هناك شعور عميق بالعاطفة...
أو رباط وثيق يجمع بيننا " . كانا يتشاحنان لبضعة أيام بشأن اتصالات هاتفية كانت " جاستين " تتلقاها باستمرار من خطيبها السابق - " لم يعجب هذا إيلون " -
وانــدلعت بينــهما مشــاجرة كبــيرة فــي أثنــاء ســيرهما بــالقرب مــن مقــر شــركة إكــس دوت كــوم. تقــول " جاســتين " : " أتــذكر أننــي تخــيلت الأمــر كأنــه يعـج بـالكثير مـن
الدراما، وأنني إذا كنت سأتحمل هذا، فمن الأفضل أن نتزوج، فأخبرته بأن عليه أن يعرض عليَّ الزواج فحسب " . استغرق " ماسك " بضع دقائق ليهدأ، ثم فعل
مــا طلبــت بالضــبط، وعــرض عليــها الزواج فــورًا. وبعــدها ببضـعة أيـام، عـاد " ماسـك " إلـى المشـهد نفسـه ولكـن علـى نحـو أكثـر نبـلًا، حـيث جثـا علـى ركبتـه، وقـدم لــ "
جاستين " خاتم الزواج.

كانت " جاستين " تعرف كل شيء عن طفولة " ماسك " القاسية والمشاعر القوية التي يستطيع إظهارها. لقد طغت أحاسيسها الرومانسية على أي تخوُّف ربما
يكــون قــد واتــاها بشــأن هــذه الأجزاء مــن تــاريخ " ماســك " وشــخصيته، وركزت علـى قوتـه بـدلًا مـن هـذا. وكثـيرًا مـا تحـدث " ماسـك " بـولع عـن " الإسـكندر الأكبـر " ،
فتصورته " جاستين " بطلها القاهر. وعن هذا تقول: " لم يكن يخشى تحمل المسئولية، ولم يكن يتهرب منها؛ بل أراد في مرحلة مبكرة أن نتزوج وننجب الأطفال " .
بالإضافة إلى ذلك، كان " ماسك " ينشر الثقة بالنفس والشغف في كل حدب وصوب، ما جعل " جاستين " تعتقد أن الحياة برفقته ستظل جيدة دائمًا. تقول "
جاستين " : " المال ليس دافعًا محركًا له، وبصراحة شديدة، أعتقد أن الثراء حدث عرضي بالنسبة له؛ فالمال موجود ببساطة، وهو يعرف أن بإمكانه كسبه " .
صادفت " جاستين " الجانب الآخر من البطل القاهر في حفل زفافهما؛ فقد ضمها " ماسك " إليه في أثناء رقصهما، وأخبرها قائلًا: " أنا المسيطر في هذه العلاقة "
3 . بعدها بشهرين، وقَّعت " جاستين " على اتفاق مالي بعد الزواج سيعود لمطاردتها لاحقًا ودخلت في صراع دائم معه على السلطة. لقد وصفت الوضع بعدها
بأعوام في مقال لمجلة ماري كلير النسائية بأن كتبت: " كان يعلق دائمًا على النواقص التي يجدها فيَّ. أخبرته مرارًا وتكرارًا: " أنا زوجتك، ولست موظفة لديك " ،
فكان يرد قائلًا: " لو كنت موظفتي، لطردتك من العمل "" .

لم تفد مأساة شركة إكس دوت كوم الزوجين حديثي العهد بالزواج؛ فقد أجَّلا شهر عسلهما، ثم أفسده حدوث الانقلاب بالشركة. استغرقت الأمور فترة حتى
الأيام الأخيرة من شهر ديسمبر عام 2000 كي تهدأ بما يكفي ليأخذ " ماسك " أول إجازة له منذ أعوام. لقد رتب رحلة لمدة أسبوعين، قضى الجزء الأول منها في
البرازيل والجزء الثاني في محمية برية في جنوب إفريقيا بالقرب من حدودها مع دولة موزمبيق. وفي أثناء تواجد " ماسك " في إفريقيا، التقط أخبث نوع من مرض
الملاريا، ويدعى " ملاريا المتصورة المنجلية " ، والذي يعتبر سبب الغالبية العظمى من حالات الوفيات جراء الإصابة بالملاريا.

عاد " ماسك " إلى كاليفورنيا في شهر يناير، وعندها استبد به المرض. بدأ يمرض وظل طريح الفراش لبضعة أيام قبل أن تصطحبه " جاستين " إلى طبيب أمر بأن
يُنقل " ماسك " بسرعة في سيارة إسعاف إلى مستشفى سيكويا بمدينة ريدوود. **** أخطأ الأطباء هناك في تشخيص حالته المرضية وعلاجها لدرجة أن " ماسك "
كاد يقترب من الموت. يقول " ماسك " : " عندها، تصادف أن هناك طبيبًا زائرًا من مستشفى آخر رأى حالات ملاريا أكثر بكثير " . فحص ذلك الطبيب تحاليل دم "
ماسك " بدقة في المختبر وأمر بإعطائه جرعة قصوى من المضاد الحيوي " دوكسيسايكلين " ، وأخبر " ماسك " بأنه لو كان قد تأخر يومًا واحدًا، لكان الدواء قد فقد
فاعليته على الأرجح.

قضى " ماسك " عشرة أيام في وحدة العناية المركزة. لقد صدمت هذه التجربة " جاستين " ، حيث قالت: " إنه صلب العود، ويملك مستوى من التحمل وقدرة
على التعامل مع مستويات التوتر لم يسبق أن رأيتهما لدى أي شخص آخر. لذلك، كانت رؤيته طريح الفراش يعاني معاناةً شديدة أشبه بزيارة إلى عالم مواز " .
استغرق " ماسك " ستة أشهر ليتعافى، وفقد عشرين كيلوجرامًا من وزنه طوال فترة مرضه، وأصبحت لديه خزانة مليئة بالملابس التي لم تعد تلائمه. يعلق "
ماسك " قائلًا: " اقتربت كثيرًا من الموت. هذا هو الدرس الذي تعلمته من أخذ الإجازات: إنها قاتلة " .

* في مرحلة ما، ظن المؤسسون أن أسهل طريقة لحل مشكلاتهم هي أن يشتروا مصرفًا ويعيدوا تنظيمه. ومع أن هذا لم يحدث، فإنهم نجحوا في توظيف مراقب
حسابات رفيع المستوى من مصرف كان يعمل في بنك أوف أمريكا، فشرح لهم بدوره، بالتفصيل الممل، تعقيدات التحقق من مصادر القروض وتحويل الأموال
وحماية الحسابات المصرفية.

** نفى " فريكر " أنه كان يتوق لأن يصبح مديرًا تنفيذيًّا. بدلًا من هذا، قال إن الموظفين الآخرين كانوا قد شجعوه على تولي زمام الأمور بسبب تعثر " ماسك " في
تدشين المشروع. ظل " فريكر " و " ماسك " على عدم وفاق، رغم كونهما صديقين مقربين فيما مضى. وعن هذا يقول " فريكر " : " يملك " إيلون " قواعده الخاصة
للسلوك والشرف، ويمارس قواعد اللعبة بطريقة صعبة للغاية. إذا وضعنا كل الأمور في الاعتبار، فإن العمل التجاري بالنسبة له حرب " . ووفقًا لـ " ماسك " : "
هاريس شخص ذكي جدًّا، لكنني لا أعتقد أنه طيب القلب. كان يمتلك رغبة قوية في أن يدير الأمور، وأراد أن يوجه الشركة إلى نواح سخيفة " . لاحقًا، حقق "
فريكر " حياة مهنية ناجحة جدًّا كمدير تنفيذي لشركة جي إم بي كابيتال، وهي شركة كندية للخدمات المالية. أما " باين " ، فقد أنشأ شركة للاستثمار في الأسهم
الخاصة في تورنتو.

*** أقصى مستثمرو شركة إكس دوت كوم " ماسك " من منصب المدير التنفيذي للشركة؛ لأنهم أرادوا أن يقوم موظف تنفيذي أكثر تمرسًا بقيادة الشركة تجاه
العرض للاكتتاب المبدئي العام. لذلك، عينت إكس دوت كوم " بيل هاريس " ، المدير التنفيذي السابق لشركة إنتويت المصنِّعة لبرامج الحاسوب، رئيسًا جديدًا لها
في ديسمبر عام 1999. و بعد اندماج الشركتين، انقلب العديد من موظفي الشركة ضد " هاريس " ؛ فاستقال، وعاد " ماسك " إلى منصب المدير التنفيذي بها.

**** بعد أن شعر " ماسك " بالمرض لبضعة أيام، عاد إلى مستشفى ستانفورد وأعلمهم أنه كان في منطقة مصابة بمرض الملاريا، رغم أن الأطباء لم يتمكنوا من
العثور على الطفيل خلال الاختبارات التي أجروها. أجرى له الأطباء عملية بزل قَطَني وشخصوه بالتهاب السحايا الفيروسي. يقول " ماسك " : " ربما كنت مصابًا
به كذلك فعلًا، وقد عالجوني منه، وتحسنت حالتي فعلًا " . سمح الأطباء لـ " ماسك " بمغادرة المستشفى وحذروه من أن بعض الأعراض ستعاود الظهور. يعلق "
ماسك " قائلًا: " بدأت حالتي تسوء بعدها ببضعة أيام، وازدادت سوءًا تدريجيًّا. وفي النهاية، لم أستطع السير، قلت في نفسي: " حسنًا، هذا أسوأ من المرة الأولى
حتى "" . اصطحبت " جاستين " " ماسك " في سيارة أجرة إلى طبيبة عامة، واستلقى على أرضية عيادة الطبيبة. يقول " ماسك " : " كنت مصابًا بجفاف شديد
لدرجة أنها لم تستطع قياس مؤشراتي الحيوية " . استدعت الطبيبة سيارة إسعاف نقلت " ماسك " إلى مستشفى سيكويا بمدينة ريدوود بينما كان موضوعًا له
قسطرتان وحقنتان في كلتا ذراعيه. واجه " ماسك " تشخيصًا خطأ آخر... لنوع الملاريا هذه المرة. ورفض الأطباء إعطاء " ماسك " علاجًا مكثفًا أكثر كانت له أعراض
جانبية سيئة تشمل خفقان القلب والقصور العضوي.
6

?

?

فئران في الفضاء

أتم " إيلون ماسك " عامه الثلاثين في يونيو 2001، وقد أثر فيه يوم ميلاده هذا بشدة؛ فقد قال لـ " جاستين " شبه مازح: " لم أعد الطفل المعجزة " . وفي الشهر
ذاتــه، غــيرت شــركة إكــس دوت كــوم اســمها رســميًّا إلــى بــاي بــال، مــا عُد تــذكرة قاســية بــأن الشــركة قـد انتُزعـت مـن " ماسـك " ومُنحـت إدارتـها لغـيره. وكـانت حيـاة
الشركات الناشئة، التي وصفها " ماسك " بأنها أشبه بـ " أكل الزجاج والتحديق بالهاوية " 4 , قد أصبحت مملة وكذلك وادي السيليكون. كان الأمر كما لو أن "
ماسك " يعيش داخل معرض تجاري يعمل فيه الجميع في مجال التكنولوجيا ويتحدثون طوال الوقت عن التمويل والعروض المبدئية العامة وملاحقة النجاحات
الساحقة. كان الناس يحبون التباهي بالعدد الجنوني لساعات عملهم، وكانت " جاستين " تضحك من هذا فحسب؛ لأنها كانت تعرف أن " ماسك " عاش نوعًا
مــن أســلوب حيــاة وادي الســيليكون أقســى بكثــير ممــا يتصــورون. وعــن هـذا تقـول: " كـانت لـدي صـديقات يشـتكين لأن أزواجـهن يعـدن للمـنزل فـي السـابعة والثامنـة
مساءً، لكن إيلون كان يعودون في الحادية عشرة مساءً ويستمر في العمل. لم يفهم الناس دومًا التضحية التي بذلها لكي يصل إلى مكانته تلك " .

بدأت فكرة الهروب من الصراع اليومي المحموم والمجزي بشدة هذا تزداد جاذبية تدريجيًّا. كانت حياة " ماسك " برمتها تدور حول السعي نحو مرحلة أكبر، وقد
بـدت بـالو آلتـو أقـرب إلـى حجـر الأسـاس منـها إلـى الوجـهة النـهائية. لـذلك، قـرر الزوجـان الانتقـال جنـوبًا لتأسـيس عائلتـهما وبـدأ الفصـل الثـاني مـن حياتـهما فـي لـوس
أنجلوس.

تقول " جاستين " : " ثمة عنصر في شخصية " إيلون " يحب أسلوب الحياة البراقة وروح المغامرة وفخامة العيش في مكان مثل لوس أنجلوس. " إيلون " يحب أن
يكون حيث توجد الإثارة " . كما ارتحلت فجأة مجموعة صغيرة من أصدقاء " ماسك " الذين انتابهم شعور مشابه إلى لوس أنجلوس أيضًا، وامتدت فترة ترحالهم
إلى بضعة أعوام من المغامرة الجامحة.

ما جذب " ماسك " إلى لوس أنجلوس لم يكن بهرجتها وبهاءها فقط، بل كان نداء الفضاء أيضًا. فبعد أن استُبعد " ماسك " من شركة باي بال، بدأ يعيد النظر
في تخيلات طفولته بشأن المركبات الفضائية الصاروخية والسفر إلى الفضاء، ويعتقد أنه ربما قد تكون له مهمة أعظم من تأسيس الخدمات على شبكة الإنترنت.
وسرعان ما أصبحت تغيرات سلوكه وتفكيره واضحة لأصدقائه، بمن فيهم مجموعة من الموظفين التنفيذيين في شركة باي بال اجتمعوا في لاس فيجاس في إحدى
العطــلات الأســبوعية للاحتفــال بنجــاح الشــركة. يقــول " كــيفن هــارتز " ، أحــد المســتثمرين الأوائــل فــي شــركة بــاي بــال،: " كنــا نقضــي الــوقت جمــيعًا فـي أحـد الأكـواخ
الصــغيرة بمقــهى هــارد روك، وكــان " إيلــون " مــوجودًا، وكــان يقــرأ كتــيب إرشــادات صــاروخ ســوفيتي مبــهم بــالٍ جــدًّا بــدا أنــه اشــتراه مـن مـوقع إي بـاي. كـان يدرسـه
ويتحدث علنًا عن السفر إلى الفضاء وعن تغيير العالم " .

كان " ماسك " قد انتقى لوس أنجلوس عمدًا؛ لأنها منحته حرية الوصول إلى الفضاء أو إلى صناعة الفضاء على الأقل. كان طقس كاليفورنيا الجنوبية المعتدل
الملائم قد جعلها مدينة أثيرة لمجال الملاحة الجوية منذ عشرينيات القرن الماضي، وكذلك حين بدأت شركة لوكهيد أيركرافت عملها في هوليوود. لقد قام " هاوارد
هيوز " والقوات الجوية الأمريكية ووكالة الفضاء الأمريكية " ناسا " وشركة بوينج وحشد آخر من الأشخاص والمنظمات بتنفيذ معظم عمليات التصنيع وإجراء
التجارب المتطورة في لوس أنجلوس والمناطق المحيطة بها. أما في يومنا هذا، فتظل هذه المدينة مركزًا رئيسيًّا لأعمال الملاحة الجوية العسكرية وللنشاط التجاري.
ومع أن " ماسك " لم يكن يعرف ما يريد فعله في الفضاء بالضبط، إلا أنه أدرك أن مجرد تواجده في لوس أنجلوس سيجعله محاطًا بنخبة من مفكري الملاحة
الجوية في العالم، الذين يمكنهم مساعدته على تحسين أية أفكار تراوده، وأنه سيكون هناك العديد من الموظفين الجدد الذين سينضمون لمشروعه التالي.

إن بداية تفاعلات " ماسك " مع مجتمع الملاحة الجوية كانت مع مجموعة انتقائية من المتحمسين لغزو الفضاء، وهم أعضاء مجموعة غير هادفة للربح تدعى
مارس سوسايتي. وبما أن جمعية مارس سوسايتي مخصصة لاستكشاف " الكوكب الأحمر " واستعماره، فقد خططت لإقامة حفل لجمع الأموال في منتصف عام
2001. كان ذلك الحدث الذي يكلف خمسمائة دولار للفرد سيقام في منزل أحد أعضاء الجمعية ميسوري الحال، وكانت الدعوات الموجهة إلى الشخصيات المعتادة
قد أرسلت بالبريد. وما أذهل رئيس الجمعية، " روبرت زوبرين " ، كان رد شخص يدعى " إيلون ماسك " ، الذي لم يتذكر أحد دعوته. عن هذا يقول " زوبرين " :
" أعطانا شيكًا بقيمة خمسة آلاف دولار، ما جعل الجميع يلاحظونه " . بدأ " زوبرين " يجري بحثًا عن " ماسك " أكد له أنه ثري، فدعاه لاحتساء القهوة قبل
موعــد إقامــة حفــل العشــاء. يعلــق " زوبــرين " قــائلًا: " أردت أن أتأكــد مــن أنــه يعــرف مشــاريعنا قيــد التنفيــذ " . بعــدها، بــدأ يحكــي لــــ " ماســك " حكــايات عــن مـركز
الأبحاث الذي أنشأته الجمعية في منطقة القطب الشمالي لكي يحاكي الظروف البيئية القاسية لكوكب " المريخ " وعن التجارب التي كانوا يجرونها على مشروع "
ترانسلايف ميشن " (TranslifeMission) ، الذي ستقوم فيه كبسولة فضائية دوارة بالدوران حول " الأرض " ، وسيقودها طاقم من الفئران. وأخبر " زوبرين " "
ماسك " بأنها: " ستدور لتمنح الفئران ثُلث الجاذبية، أي جاذبية نفسها المريخ، وستعيش الفئران وتتكاثر فيها " .

وعندما حان موعد حفل العشاء، أجلس " زوبرين " " ماسك " إلى طاولة الشخصيات المهمة، بجانبه هو والمخرج المهووس بالفضاء " جايمس كاميرون " ، وعالمة
الكواكب شديدة الاهتمام بـ " المريخ " التي تعمل لصالح وكالة " ناسا " " كارول ستوكر " . تقول " ستوكر " : " بدا " إيلون " يافعًا جدًّا، كان يبدو صبيًّا صغيرًا
حينذاك. لقد تحدث إليه " كاميرون " ليقنعه بالاستثمار في فيلمه القادم، وكان " زوبرين " يحاول جعله يتبرع بمبلغ كبير إلى جمعية " مارس سوسايتي "" .
وكرد فعل لكونه أصبح مُلاحقًا من أجل نقوده, استطلع " ماسك " ما حوله بحثًا عن أية أفكار أو معارف. كان زوج " ستوكر " مهندس طيران وملاحة جوية في "
ناسا " يعمل على فكرة طائرة ستحلق فوق المريخ بحثًا عن الماء؛ فأُعجب " ماسك " بشدة بهذا. يقول " زوبرين " : " كان أكثر حماسًا بكثير من بعض المليونيرات
الآخرين. لم يكن يعرف الكثير عن الفضاء، لكنه كان يتمتع بعقلية علمية. أراد أن يعرف ما يتم التخطيط له بالضبط فيما يتعلق بالمريخ وبأهميته المحتملة " . اهتم
" ماسك " بجمعية مارس سوسايتي فورًا وانضم لمجلس إدارتها، وتبرع بمائة ألف دولار أخرى لتمويل محطة للأبحاث في الصحراء كذلك.

لــم يكــن أصــدقاء " ماســك " متأكـدين تمـامًا مـن أنـهم يفـهمون حالتـه العقليـة. كـان قـد فقـد قـدرًا هـائلًا مـن وزنـه فـي أثنـاء محاربتـه مـرض الملاريـا وأصـبح يبـدو شـديد
الهزال. كان " ماسك " سيبدأ، دون أن يحثه أحد على ذلك، بإيضاح رغبته بفعل شيء هادف في حياته... شيء يدوم أبد الدهر. كان يجب أن تكون خطوته التالية
إما الطاقة الشمسية أو الفضاء. يقول " جورج زاكاري " ، المستثمر والصديق المقرب لـ " ماسك " ، في أثناء تذكره موعدًا لتناول الغداء معه في ذلك الحين: " قال: "
الأمر المنطقي التالي هو الطاقة الشمسية، لكنني لا أعرف كيف يمكنني التربح منها " . ثم بدأ يتحدث عن الفضاء، فظننته يقصد أرضًا فضاءً لمبنى إداري كتلاعب
بالألفاظ بمجال العقارات " . كان طموح " ماسك " قد بدأ يفوق طموح جمعية " مارس سوسايتي " فعليًّا. وبدلًا من إرسال بضعة فئران إلى مدار الأرض، أراد "
ماسك " إرسالها إلى المريخ. لقد أشارت بعض الحسابات التقريبية جدًّا التي أُجريت في ذلك الوقت إلى أن الرحلة ستتكلف خمسة عشر مليون دولار. يقول " زاكاري
" : " سألني إن كنت أظن هذا جنونًا، فسألته: " هل ستعود الفئران؟ لأنها إذا لم تعد، فسيظن معظم الناس أن هذا جنون "" . وكما اتضح، لم يكن الغرض هو
أن تذهب الفئران إلى المريخ وتعود فقط، بل كان الغرض منها أن تتناسل طوال رحلة تستغرق أشهرًا. كما وضح " جيف سكول " ، وهو صديق آخر من أصدقاء "
ماسك " جنى ثروة من موقع إي باي، أن الفئران الحقيرة ستحتاج لكمية كبيرة جدًّا من الجبن، واشترى لـ " ماسك " قرصًا ضخمًا من جبن " لو برويير " ، وهو نوع
من أنواع جبن " جرويير " .

لم يأبه " ماسك " لتحوله إلى أضحوكة مزحة الجبن. فكلما فكر في الفضاء، بدا له استكشافه مهمًّا أكثر من ذي قبل. لقد شعر كما لو أن عامة الناس قد فقدوا
بعض طموحهم وأملهم في المستقبل. قد يعتبر الشخص العادي استكشاف الفضاء مضيعة للوقت والجهد ويسخر من " ماسك " لأنه تحدث عن الموضوع، لكن "
ماسك " فكر في السفر بين الكواكب بجدية تامة؛ فقد أراد إلهام العامة وتنشيط شغفهم بالعلوم وغزو الفضاء ووعد التكنولوجيا.

دُعمت مخاوف " ماسك " من أن تكون البشرية قد فقدت معظم رغبتها في تجاوز مدار كوكب الأرض عند تصفحه الموقع الإلكتروني لوكالة " ناسا " ذات يوم. كان
يتوقع أن يجد خطة مفصلة لاستكشاف كوكب المريخ، لكنه لم يجد أي شيء ألبتة. صرح " ماسك " لمجلة وايرد " ذات مرة: " في البداية، قلت في نفسي: عجبًا!
لعلي أبحث في المكان الخاطئ فحسب. لماذا لم تكن هناك خطة، أو جدول؟ لم يكن هناك أي شيء. بدا الأمر جنونيًّا " . كان " ماسك " مؤمنًا بأن فكرة أمريكا ذاتها
متداخلة مع فكرة رغبة البشرية في الاستكشاف، وأحزنه أن الوكالة الأمريكية المكلفة بمهمة استكشاف الفضاء وآفاق جديدة بدت غير مهتمة جديًّا باستطلاع المريخ
إطلاقًا. كانت الرغبة في التوسع والبحث عن آفاق جديدة قد فترت، أو ربما بلغت نهاية محزنة، ولم يبد أن أحدًا يبالي تقريبًا.

وكما هي الحال مع العديد من المساعي لتنشيط الروح الأمريكية وبث الأمل في البشرية جمعاء، بدأت رحلة " ماسك " في غرفة اجتماعات في فندق. كان " ماسك "
قــد أنشــأ بــالفعل شــبكة جيــدة مـن المعـارف فـي مجـال الفضـاء، وجمـع أفضـلهم مـعًا فـي سـلسلة مـن المنتـديات... أحيـانًا فـي فنـدق رينيسـانس فـي مطـار لـوس أنجلـوس
وأحيانًا في فندق شيراتون في بالو آلتو. لم تكن لدى " ماسك " أية خطة عمل رسمية ليناقشها هؤلاء الأشخاص؛ بل أراد منهم في المقام الأول أن يساعدوه على تطوير فكرة إرسال الفئران إلى الفضاء، أو على الأقل أن يبتكروا شيئًا مماثلًا. كان " ماسك " يأمل أن يتوصل إلى بادرة كبرى للبشرية ... أي حدث سيجذب انتباه
العالم، ويجعل الناس يفكرون في غزو المريخ مجددًا ويأملون في استغلال إمكانيات البشر. كان المطلوب من العلماء والنجوم الحاضرين للاجتماعات التوصل إلى
حــدث مشــوق ميســر تقنــيًّا بمبلــغ حوالــي عشــرين ملـيون دولار. وبعـد ذلـك اسـتقال " ماسـك " مـن منصـبه كـرئيس لجمعيـة مـارس سـوسايتي وأعلـن عـن مؤسـسته
الخاصة... مؤسسة لايف تو مارس.

كــانت مجموعــة المــواهب التــي تحضــر تلــك الجلســات فــي عــام 2001 مبــهرة: كــان يحضــرها علمـاء مـن مختبـر الـدفع النفـاث (JPL) التـابع لوكالـة " ناسـا " ، وحضـر "
جايمس كاميرون " ، ما سلط أضواء الشهرة على الأمر. حضر كذلك " مايكل جريفن " ، التي كانت مؤهلاته الأكاديمية مذهلة، وتضمنت شهادات في هندسة
الطــــيران والفضــــاء الجــوي والهندســة الكــهربائية والهندســة المــدنية والفيزيــاء التطبيقيــة. كــان " جــريفن " قــد عمــل لصــالح الــذراع الاســتثمارية لوكالــة الاســتخبارات
المركزية الأمريكية التي تدعى إن كيو تيل ولصالح وكالة " ناسا " وفي مختبر الدفع النفاث، وكان قد قرر أن يستقيل من شركة أوربيتال ساينسز كوربوريشن، وهي
شركة مصنِّعة للأقمار الصناعية والمركبات الفضائية، حيث كان يعمل في منصبي المدير الفني والمدير العام لمجموعة أنظمة الفضاء فيها. يمكن القول إنه لا أحد
على الإطلاق كان يعرف حقائق بعثات غزو الفضاء أكثر من " جريفن " ، الذي كان يعمل لصالح " ماسك " ككبير مفكري الفضاء. (بعدها بأربعة أعوام، في عام
2005، تولى " جريفن " منصب رئيس وكالة الفضاء الأمريكية " ناسا " ).

كــان الخبــراء مبتــهجين لظــهور ثــري آخـر مسـتعد لتمويـل شـيء مثـير للاهتمـام فـي الفضـاء، وسـرتهم مناقشـة مزايـا وإمكانيـة إرسـال قـوارض إلـى الفضـاء ومشـاهدتها
تتكاثر هناك. لكن مع انقضاء المناقشة ببطء، بدأ اتفاق جماعي في الرأي يظهر بشأن متابعة مشروع آخر... مشروع يدعى " مارس أواسيس " (واحة المريخ). وفقًا
لهذه الخطة، سيشتري " ماسك " صاروخًا ويستخدمه لإطلاق ما يشبه صوبة آلية إلى المريخ. كانت هناك مجموعة من الباحثين تعمل بالفعل على ابتكار غرفة
لزرع النباتات جاهزة للفضاء. كانت الفكرة هي تعديل هيكلها، لكي تُفتح لفترة وجيزة وتشفط بداخلها بعض ثرى المريخ، أو تربته، وتستخدمه لزرع نبات ما، يُنتج
بدوره أول ذرات الأكسجين على كوكب المريخ. جذبت هذه الخطة الجديدة الانتباه وبدت ممكنة التحقيق، ما أعجب " ماسك " كثيرًا.

أراد " ماسك " أن تشتمل بنية الصوبة على نافذة وطريقة لإرسال تقارير متابعة بالفيديو إلى الأرض، لكي يتمكن الناس من مشاهدة النباتات تنمو. بالإضافة إلى
ذلك، تحدثت المجموعة عن توزيع أطقم أدوات على الطلاب في كل أنحاء البلاد لكي يزرعوا نباتات خاصة بهم مع النبات المريخي ويلاحظوا، على سبيل المثال، أن
طول النبات المريخي قد ينمو ليبلغ ضعف نظيره الأرضي في الفترة الزمنية نفسها. يقول " دايف بيردن " ، وهو خبير في الفضاء حضر تلك الاجتماعات: " كانت هذه
الفكرة تطفو إلى السطح بأشكال مختلفة منذ فترة. ستكون هناك حياة على المريخ، أجل، فنحن من وضعناها هناك. كنا نأمل أن يسلط هذا الأمر الضوء لآلاف
الصــــبية علــــى أن هــذا المكــان لــيس شــديد العــدائية. عنــدها، قــد يبــدأون فــي التفكــير فــي أنــه ربمــا يجــدر بــهم الســفر إلــى هنــاك " . بــدأ تحمــس " ماســك " للفكــرة يلــهم
المجموعــــة، التــــي كـــان العــديد مــن أعضــائها قــد بــدأوا يشــكون فــي حــدوث أي شــيء جــديد فــي الفضــاء مجــددًا. وعــن هــذا يقــول " بــيردن " : " إنــه رجــل شــديد الــذكاء
والطمــــوح والغــــرور. ذات مــرة، ذكــر أحــدهم أنــه قــد يحصــل علــى لقــب رجــل العــام مــن مجلــة تــايم ، فكــان بوســعنا رؤيــة أســاريره تتــهلل. إنــه يملــك اعتقــادًا أنــه فــي
استطاعته تغيير العالم " .

كانت المشكلة الرئيسية التي تضايق خبراء الفضاء هي ميزانية " ماسك " . فبعد حضور المنتديات، بدا أن " ماسك " يريد إنفاق مبلغ يتراوح ما بين عشرين مليونًا
وثلاثين مليون دولار على هذا العمل المثير، وكان الجميع يعرفون أن تكلفة عملية إطلاق صاروخ وحدها ستستهلك ذلك المبلغ وأكثر. يقول " بيردن " : " في رأيي،
نحن بحاجة لمائتيْ مليون دولار لننفذ الأمر بشكل صحيح. ولكن الناس كانوا معارضين لإضفاء الكثير من الواقعية على الموقف في وقت مبكر جدًّا لأن هذا سيقضي
على الفكرة برمتها " . ثم كانت هناك التحديات الهندسية الهائلة التي ستحتاج للحل. يقول " بيردن " : " شكَّل وضع نافذة كبيرة على هذه الصوبة مشكلة حرارية
حقيقية؛ حيث لم يستطيعوا إبقاء الحاوية دافئة بما يكفي ليظل أي شيء بداخلها حيًّا " . وعلاوةً على ذلك، لم يبد اغتراف تربة المريخ إلى داخل الهيكل عسيرًا من
الناحيــة الماديــة فحســب، بــل أيــضًا كــان فكــرة سـيئة بالكليـة بمـا أن الثـرى سـيكون سـامًّا. ظـل العلمـاء لفتـرة يناقشـون فكـرة زرع النبـات فـي مـادة هلاميـة مليئـة بـالمواد
الغذائية بدلًا من هذا، لكنهم شعروا بأن هذا خداع وأنه قد يقوِّض الهدف وراء هذا المسعى برمته. حتى لحظات التفاؤل كانت مليئة بالأمور المجهولة. لكن أحد
العلماء وجد بذور خردل شديدة التكيف مع البيئة، وظن أنها من الممكن أن تظل حية داخل نوع مُعالج من تربة المريخ. يقول " بيردن " : " كان هناك جانب سلبي
شديد الأهمية، هو أن النبات إذا لم يظل حيًّا، فستصبح هناك حديقة ميتة على المريخ تعطي تأثيرًا معاكسًا للتأثير المرغوب في نهاية المطاف " . *

غير أن " ماسك " لم يتراجع قط، بل اتخذ بعض المفكرين المتطوعين مستشارين له، وكلفهم بالعمل على تصميم آلة النباتات. وعلاوةً على هذا، خطط للسفر في
رحلــة إلــى روســيا لمعرفــة كــم ســتتكلف عمليـة الإطـلاق بالضـبط. لقـد نـوى شـراء صـاروخ باليسـتي عـابر للقـارات (المعـروف اختصـارًا بــ ICBM ) مجـدد مـن الـروس لكـي
يســتخدمه كمركبــة للإطــلاق، وليحصــل " ماســك " علــى مســاعدة بــهذا الأمــر، تواصــل مــع " جــيم كــانتريل " ، وهــو رجــل اســتثنائي قــام بمزيـج مـن الأعمـال السـرية
والمعلنة لصالح " الولايات المتحدة " والحكومات الأخرى، ومن بين أسباب شهرته اتهام الروس له بالتجسس ووضعه رهن الإقامة الجبرية عام 1996 بعد فشل
صفقة للأقمار الصناعية. يقول " كانتريل " : " بعد بضعة أسابيع، أجرى آل جور بعض الاتصالات، وحُلت المسألة. لم أرد أن تكون لي أية علاقة بالروس مجددًا...
بتاتًا " ، لكن " ماسك " كانت له أفكار أخرى.

كان " كانتريل " يقود سيارته المكشوفة في أمسية حارة من أمسيات شهر يوليو بولاية يوتاه عندما تلقى اتصالًا هاتفيًّا. وعن هذا يقول: " قال رجل بلكنة غريبة: "
أرغب بشدة في التحدث إليك. أنا ملياردير، وسوف أبدأ برنامج فضاء "" . لم يستطع " كانتريل " سماع " ماسك " جيدًا، فظن أن اسمه " إيان ماسك " ، وأخبره
بأنه سيعاود الاتصال به بمجرد عودته للمنزل. لم يثق الرجلان ببعضهما تمامًا في البداية؛ رفض " ماسك " إعطاء " كانتريل " رقم هاتفه الخلوي وأجرى المكالمة
من جهاز الفاكس الخاص به. وجد " كانتريل " " ماسك " مثيرًا للاهتمام بصورة ملحوظة ومفرط الحماسة على حد السواء. يقول " كانتريل " : " سألني عما إذا
كان هناك مطار قريب مني وعن إمكانية مقابلتي إياه في اليوم التالي. بدأت أرتاب في الأمر " . ونظرًا لأن " كانتريل " كان يخشى أن يكون أحد أعدائه يحاول نصب
فخ متقن له، فقد طلب من " ماسك " لقاءه بمطار مدينة سالت لايك، حيث سيؤجر غرفة اجتماعات بالقرب من قاعة الانتظار دلتا. يقول " كانتريل " : " أردت
منه أن يقابلني في مكان مؤمن كيلا يحمل مسدسًا " . وعندما تم اللقاء أخيرًا، نشأت صداقة قوية بين " ماسك " و " كانتريل " بمجرد أن التقيا. تحدث " ماسك "
عن أن " البشر يجب أن يصبحوا جنسًا يعيش على أكثر من كوكب " ، وصرح " كانتريل " بأنه إذا كان " ماسك " جادًّا حقًّا، فسيكون مستعدًّا للسفر إلى " روسيا
" ، مجددًا، ليساعده على شراء صاروخ.

وفي أواخر أكتوبر عام 2001، سافر " ماسك " و " كانتريل " و " آديو ريسي " ، صديق " ماسك " من الجامعة، في رحلة جوية تجارية إلى " موسكو " . كان " ريسي
" يلعب دور الوصي على " ماسك " ويحاول التحقق مما إذا كان صديقه المقرب قد بدأ يفقد صوابه أم لا. لقد جُمعت مقاطع فيديو عن انفجار الصواريخ، وقام
أصدقاء " ماسك " بالتدخل ومحاولة إقناعه بألا يهدر أمواله. ومع أن تلك الإجراءات فشلت، إلا أن " آديو " رافق " ماسك " في رحلته إلى " روسيا " ليحاول كبح
جماحه بأفضل ما يمكنه. يقول " كانتريل " : " كان " آديو " يستدعيني جانبًا ليقول: " ما يفعله " إيلون " جنوني. هل هذه لفتة إنسانية؟ هذا ضرب من الجنون " .
كان قلقًا بشدة، لكنه كان موافقًا على الرحلة " . ولمَ لا؟ فقد كان الرجال متجهين إلى روسيا في ذروة أيام حريتها بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، عندما كان بوسع
الأثرياء - على ما يبدو - شراء صواريخ فضائية من السوق الحرة.

كان فريق " ماسك " يتوسع ليضم " مايك جريفن " ، وسيلتقي بالروس ثلاث مرات في غضون أربعة أشهر ** . رتبت المجموعة بضعة اجتماعات مع شركات مثل
شركة إن بي أوه لافوتشكين، التي صنعت المعدات الخاصة للمريخ والزهرة لصالح وكالة الفضاء الاتحادية الروسية، وشركة الفضاء الدولية كوزموتراس، وهي
شركة تجارية لإطلاق الصواريخ. وبدا أن كل المواعيد تسير على منوال واحد ألا وهو اتباع آداب اللياقة الروسية. إن الروس، الذين يفوِّتون وجبة الإفطار في كثير من
الأحيان، يطلبون عقد الاجتماعات في حوالي الساعة الحادية عشرة صباحًا في مكتبهم لتناول غداء مبكر. وبعدها، يثرثرون لساعة أو أكثر بينما يختار المجتمعون
من بين وليمة من الشطائر والنقانق والشراب الروسي الشهير بالطبع. بدأ " جريفن " يفقد صبره في مرحلة ما من هذه العملية. يقول " كانتريل " : " قدرة احتماله
الحمقى ضئيلة جدًّا. كان يجول ببصره حوله ويتساءل متى سنبدأ العمل اللعين " . كانت الإجابة " ليس في وقت قريب " . وبعد الغداء، أتت استراحة طويلة من
التدخين واحتساء القهوة. وما إن أزيلت كل الأطباق من على الطاولة، كان المسئول الروسي يلتفت إلى " ماسك " سائلًا إياه: " ما الذي تهتم بشرائه؟ " . ربما ما
كانت النهاية الكبرى لتضايق " ماسك " هكذا لو كان الروس أخذوه على محمل الجد أكثر. يقول " كانتريل " : " كانوا ينظرون إلينا كما لو لم نكن أهلًا للثقة. لقد
بصق أحد كبار مصمميهم عليَّ أنا و " إيلون " لأنه ظن أننا نقول كلامًا فارغًا " .

أعنف لقاء على الإطلاق حدث في مبنى مزخرف مُهمل بُني قبيل الثورة الروسية بالقرب من وسط العاصمة الروسية موسكو. جهز " ماسك " عشرين مليون دولار،
وتمنى أن تكفي لشراء ثلاثة صواريخ باليستية عابرة للقارات يمكن تجهيزها من جديد لتبلغ الفضاء. ولأنه كان فاقد الاتزان، فقد سأل مباشرةً عن تكلفة الصاروخ.
وجاءت الإجابة: ثمانية ملايين دولار للصاروخ، فرد " ماسك " بعرض ثمانية ملايين دولار مقابل صاروخين. عن هذا يقول " كانتريل " : " كانوا جالسين يحدقون
إليه. ثم قالوا شيئًا على غرار: " أيها الفتى! كلا! " ، كما ألمحوا إلى أنه لا يملك المال " . كان " ماسك " قد قرر في هذه المرحلة أن الروس إما ليسوا جادين بشأن
المشروع أو مصممين على نهب أكبر مبلغ ممكن من المال من مليونير في مجال الإنترنت، فخرج غاضبًا من الاجتماع.

كان فريق " ماسك " في أسوأ مزاج ممكن. كان شهر فبراير عام 2002 قد أوشك على الانتهاء، وكانوا قد خرجوا لإيقاف سيارة أجرة استقلوها إلى المطار مباشرةً، بينما كانت ثلوج موسكو تحيط بهم من كل حدب وصوب. لم يتكلم أحد داخل السيارة الأجرة. كان " ماسك " قد أتى إلى روسيا مفعمًا بالتفاؤل بشأن تقديم
عرض رائع للبشرية، أما الآن فقد كان يغادرها ساخطًا محبطًا من الطبيعة البشرية. كان الروس هم الوحيدين الذين يمتلكون صواريخ يمكن أن تناسب ميزانية "
ماسك " . وعن هذا يقول " كانتريل " : " كانت رحلة طويلة بالسيارة. لقد جلسنا في صمت ننظر إلى الفلاحين الروس وهم يتسوقون وسط الثلوج " . ظل المزاج
الكــئيب مخــيمًا إلــى أن اســتقلوا الطــائرة، وحتــى وصــلت عربــة تــوزيع المشــروبات. يقــول " كـانتريل " : " يشـعر المـرء دائـمًا بالراحـة بشـكل خـاص عنـدما تـرتفع عجـلات
الطائرة عن موسكو، كما لو كان يفكر: " عجبًا! لقد نجوت! " . لذلك، أخذت أنا و " جريفن " مشروبًا " . كان " ماسك " جالسًا في الصف الذي أمامهما، وظل
يكتب على حاسوبه. يقول " كانتريل " : " قلنا: " يا له من عبقري حاسوب! ماذا يفعل الآن؟ "" . في هذه اللحظة، التفت " ماسك " بمقعده ليواجههما، وعرض
عليهما جدول بيانات صممه، قائلًا: " يا رفاق، أعتقد أننا نستطيع بناء هذا الصاروخ بأنفسنا " .

كان " جريفن " و " كانتريل " مثبطي الهمة أكثر من أن يفكرا في وهم. كانا يعرفان تمام المعرفة قصص المليونيرات مفرطي الحماسة الذين ظنوا أن باستطاعتهم
قهر الفضاء، لكنهم خسروا ثرواتهم بدلًا من هذا. وقبل عام مضى، قام " آندرو بيل " ، خبير العقارات والتمويل في ولاية تكساس، بإغلاق أبواب شركته التي
كانت تعمل بمجال صناعة الفضاء بعد أن أغدق الملايين على موقع هائل لإجراء الاختبارات. يقول " كانتريل " : " كنا نقول: " أجل، أنت ومَن؟ " ، لكن إيلون قال:
" كلا، أنا جاد. لدي هذا الجدول "" مرر " إيلون " حاسوبه المحمول إلى " جريفن " و " كانتريل " ، فذُهلا؛ فقد كانت الوثيقة تشرح بالتفصيل تكاليف المواد اللازمة
لصــنع صــاروخ وتجميعــه وإطلاقــه. ووفــقًا لحســابات " ماســك " ، كــان بإمكانــه أن ينــافس شــركات إطــلاق الصــواريخ الحاليــة بأســعار أقــل مــن خــلال صــنع صــاروخ
متواضــع الحجــم يخــدم الجـانب المختـص بنقـل الأقمـار الصـناعية الصـغيرة وحمـولات الأبحـاث إلـى الفضـاء. وعـلاوةً علـى هـذا، وضـح الجـدول الخصـائص الافتراضـية
لأداء الصاروخ بتفصيل مبهر نوعًا ما. يقول " كانتريل " : " قلت: " إيلون، من أين جئت بهذا؟ "" .

قضى " ماسك " أشهرًا في دراسة صناعة الطيران والفضاء الجوي والفيزياء المتعلقة بها. كان قد اقترض كتب: Rocket Propulsion Elements و
Fundamentals of Astrodynamics و Aerothermodynamics of Gas Turbine and Rocket Propulsion من تأليف " كانتريل " وآخرين، إلى
جانب عدة نصوص إبداعية إضافية. كان " ماسك " قد عاد إلى هوايته الطفولية كمتشوق للمعلومات وخرج من هذه العملية التأملية بإدراك أن الصواريخ يمكن
أن تصــــنّع بســــعر أرخــــص بكثــــير ممــــا كــــان يعرضــــه الــــروس، بــل يجــب ذلــك. انــسَ الفــئران والنبــاتات التــي ترســل بالفيــديو البيــانات الــواردة عــن نموهــا، أو ربمــا عــن
احتضارها، على سطح المريخ؛ حيث إن " ماسك " سيلهم الناس التفكير في استكشاف الفضاء مرة أخرى بأن يجعل استكشافه أرخص.

وعندما انتشر خبر مخططات " ماسك " في مجتمع الفضاء، قوبل باستنكار جماعي؛ فقد سبق أن شاهد أمثال " زوبرين " هذا العرض عدة مرات. وعن هذا يقول
" زوبرين " : " كانت هناك مجموعة من أصحاب الثراء الفاحش الذين أقنعهم مهندس ما بقصة جيدة قائلًا: " إذا جمعت ذكائي مع ثروتك، يمكننا صنع مركبة
فضائية صاروخية تدر علينا ربحًا وتسمح لنا بدخول حقل الفضاء " . وكان التقنيون ينفقون أموال الثري لمدة عامين ثم يمل الثري ويوقف الصفقة في نهاية المطاف.
لكن مع " إيلون " ، تنهد الجميع قائلين: " لا بأس، كان يمكن أن ينفق عشرة ملايين دولار في إرسال الفئران إلى الفضاء، لكنه سينفق مئات الملايين بدلًا من هذا،
وعلى الأرجح سيفشل مثل سابقيه "" .

ومع أن " ماسك " كان يدرك جيدًا مخاطر إنشاء شركة لصناعة الصواريخ، إلا أنه كان على الأقل يملك سببًا واحدًا ليعتقد أنه قد ينجح فيما فشل فيه الآخرون.
كان اسم ذلك السبب هو " توم مولر " .

نشأ " مولر " ابنًا لحطاب في بلدة ساينت ماريس بولاية " أيداهو " ، واكتسب فيها صيتًا كشخص غريب الأطوار. ففي حين كان بقية الأولاد بالخارج يستكشفون
الغابات في الشتاء، ظل " مولر " دافئًا في المكتبة يقرأ الكتب أو يشاهد أفلام Star Trek في منزله. كما كان يحاول إصلاح الأشياء. وذات يوم، في أثناء سير " مولر "
إلــى مدرســته الابتــدائية، وجـد سـاعة محطمـة فـي زقـاق، فحولـها إلـى مشـروعه المفضـل. كـان يصـلح أحـد أجزاء السـاعة كـل يـوم، سـواء تـرس أو زنبـرك، حتـى جعلـها
تعمل. حدث أمر مشابه مع ماكينة جز العشب الخاصة بعائلته، والتي فككها في عصر أحد الأيام في حديقة المنزل الأمامية للمتعة. يقول " مولر " : " حين عاد أبي
للمــنزل، غضــب منــي بشــدة لأنــه ظــن أنــه ســيضطر لشــراء ماكينــة جز عشــب جــديدة. لكننــي أعــدت تجميعــها، وأصــبحت تعمــل " . بعــدها، أصــبح " مولـر " مـولعًا
بالصواريخ، وبدأ يشتري أطقم الصواريخ بالمراسلة ويتبع التعليمات ليصنع صواريخ صغيرة، وسرعان ما تدرَّج لصناعة الأجهزة بنفسه. وحين كان في الثانية عشرة
مــن عمــره، صــنع نمــوذجًا بــالحجم الطبــيعي لمركبــة فضــائية يمكــن إلحاقــها بصــاروخ وإطلاقــها فــي الــهواء لتحلــق عائـدة إلـى الأرض. وبعـدها ببضـعة أعـوام، اقتـرض
معدات اللحام بالأكسجين والأسيتيلين الخاصة بوالده لكي يصنع نموذجًا لمحرك الصاروخ من أجل مشروع علمي. لقد برد الجهاز بوضعه رأسًا على عقب في علبة
قهوة ممتلئة بالماء، وعن هذا يقول: " هكذا أصبح بوسعي تشغيله طوال اليوم " ، كما اخترع طرقًا على المستوى نفسه من الإبداع لقياس أدائه. كانت هذه الآلة
جيدة بالقدر الكافي ليفوز " مولر " ببضع مسابقات لمعرض العلوم المحلي، وانتهى به المطاف بالتنافس في معرض دولي. وعن هذا يقول " مولر " : " هنا تعرضت
لهزيمة نكراء فورًا " .

" مولــــر " شـــخص طويــل القامــة هزيــل ذو وجــه مســتطيل، وهــو مــن الشــباب المســتهترين الــذين تعثــروا فــي طريقــهم إلــى الدراســة الجامعيــة لفتــرة وجــيزة عــلّم فيــها
أصدقاءه كيفية تصنيع قنابل الدخان، ثم استقر في النهاية وأبلى بلاءً حسنًا كطالب في قسم الهندسة الميكانيكية. وبعد تخرجه في الجامعة، عمل بتصنيع الأقمار
الصناعية لصالح شركة طائرات هيوز. يقول " مولر " : " لم تكن صواريخ، لكنها كانت قريبة منها " ، ثم انتقل إلى شركة تي آر دابليو سبيس آند إلكترونكس. كان
هذا في النصف الثاني من ثمانينيات القرن العشرين، وكان برنامج " حرب النجوم " الذي وضعه الرئيس الأمريكي " رونالد ريجان " قد جعل المهووسين بالأجهزة
الفضائية الجديدة يحلمون بأسلحة الطاقة الحركية وكل وسائل التدمير. وفي أثناء فترة عمل " مولر " في شركة تي آر دبليو، أجرى تجارب على أنواع جنونية من
المواد شديدة الانفجار وأشرف على تطوير محرك " تي آر 106 " الذي طورته الشركة، وهي آلة ضخمة تعمل بالأكسجين والهيدروجين السائلَيْن. وكانت هواية "
مولر " قضاء الوقت مع بضع مئات من المهووسين المبتدئين بعلم الصواريخ في جمعية رياكشن ريسيرتش سوسايتي (Reaction Research Society) ، وهي
جمعية تأسست عام 1943 لتشجيع صناعة الصواريخ وإطلاقها. كان " مولر " يسافر في العطلات الأسبوعية إلى صحراء موهافي برفقة أعضاء الجمعية الآخرين
لكي يجتازوا حدود الآلات التي يصنعها الهواة. كان " مولر " أحد الأعضاء البارزين لهذا النادي؛ لأنه كان يستطيع صنع أشياء تعمل فعلًا وتجربة بعض المفاهيم
الأساسية التي أبطلها رؤساء شركة تي آر دابليو المحافظون. وكان أعظم إنجازاته محركًا يزن ثمانية وسبعين كيلوجرامًا يمكنه إنتاج قوة دافعة تُقدر بخمسة آلاف
وثمانمائــة وســبعة وتســعين كــيلوجرامًا تمــت الإشــادة بــه بــاعتباره أكبــر محــرك صــاروخي يعمــل بــالوقود الســائل يصــنعه هــاوٍ فـي العـالم. يقـول " مولـر " : " مـا زلـت
أحتفظ بالصواريخ معلقة في مرآب منزلي " .

وفي يناير عام 2002، كان " مولر " يقضي الوقت في ورشة " جون جارفي " ، الذي كان قد ترك وظيفته في شركة الطيران والفضاء الجوي مكدونل دوجلاس لكي يبدأ
في صناعة الصواريخ بنفسه. كانت ورشة جارفي تقع في مدينة هو نتينجتون بيتش، حيث استأجر مساحة صناعية فضاء بحجم مرآب يسع ست سيارات تقريبًا.
كــان الــرجلان يعبثــان بــالمحرك الــذي يزن ثمانيــة وســبعين كــيلوجرامًا عنـدما ذكـر " جـارفي " أن ثمـة رجـلًا يـدعى " إيلـون ماسـك " قـد يمـر لزيارتـهما. إن مجـال تصـنيع
الصواريخ غير الاحترافية وثيق الصلة ببعضه، وكان " كانتريل " هو من أوصى " ماسك " بتفقد ورشة " جارفي " لرؤية تصميمات " مولر " . وصل " ماسك " ذات
يوم أحد برفقة " جاستين " الحامل، مرتديًا معطفًا جلديًّا أنيقًا واقيًا من المطر، وكان يبدو كقاتل مأجور من العيار الثقيل. كان " مولر " يحمل المحرك الذي يزن
ثمانية وسبعين كيلوجرامًا على كتفه محاولًا تثبيته على هيكل داعم حين بدأ " ماسك " يمطره بوابل من الأسئلة. عن هذا يقول " مولر " : " سألني عن قوة دفعه،
وأراد أن يعرف ما إذا كنت قد عملت من قبل على محرك أكبر، فرددت عليه بأنني عملت فعلًا على محرك دفع يزن حوالي مائتين وخمسة وتسعين كيلوجرامًا
بشركة تي آر دابليو وأنني أعرفه تمام المعرفة " . أنزل " مولر " المحرك وحاول مجاراة استجواب " ماسك " . سأله " ماسك " : " كم سيتكلف هذا المحرك الضخم؟ "
فأخبره " مولر " بأن شركة تي آر دابليو صنعته مقابل حوالي اثني عشر مليون دولار. فرد " ماسك " فورًا: " أجل، لكن كم سيكلفك حقًّا؟ " .

انتهى المطاف بأن تحدث " مولر " مع " ماسك " لساعات، ودعا " مولر " " ماسك " لمنزله في العطلة الأسبوعية التالية ليكملا نقاشهما. أدرك " ماسك " أنه وجد
شخصًا يعرف تفاصيل صناعة الصواريخ حقًّا. بعدها، قدم " ماسك " " مولر " إلى بقية أفراد مائدته المستديرة من خبراء الفضاء وإلى اجتماعاتهم السرية؛ فأبهرت
أهميتــهم " مولــر " ، الــذي كــان قــد رفــض عـروض عمـل سـابقة مـن " بيـل " وأثريـاء الفضـاء الناشـئين الآخـرين بسـبب أفكـارهم التـي تقتـرب مـن حافـة الجنـون. وعلـى
النقيض، بدا أن " ماسك " يعرف ما يفعله؛ حيث تخلص من الرافضين بالإجماع وبدأ تشكيل طاقم عمل من المهندسين الأذكياء الملتزمين.

كان " مولر " قد ساعد " ماسك " على ملء ذلك الجدول المتعلق بأداء الصاروخ الجديد منخفض التكلفة وبقياسات تكلفته، وحسَّن هذه الفكرة بعد ذلك، إلى
جانب بقية فريق " ماسك " . لن يحمل الصاروخ أقمارًا صناعية بحجم الشاحنات مثل بعض الصواريخ العملاقة التي تطلقها شركات بوينج ولوكهيد والروس
وغيرهــا مــن الــدول المصــنعة للصـواريخ، بـل سـيستهدف صـاروخ " ماسـك " الـجزء الأرخـص تكلفـةً مـن سـوق الأقمـار الصـناعية، وقـد ينتـهي المطـاف بـأن يصـبح مثـاليًّا
للطبقة الناشئة من الحمولات الصغرى التي تستفيد من التطورات الهائلة التي حدثت في الأعوام الأخيرة في مجال تقنيات الحاسوب والإلكترونيات. وسيبرهن هذا
الصاروخ مباشرةً على نظرية في مجال الفضاء تقول إنه إذا استطاعت شركة ما تخفيض تكلفة إطلاق الصاروخ بشدة والقيام بعمليات الإطلاق بمواعيد منتظمة،
فقـــد تفتــح ســوق جــديدة تمــامًا أبوابــها أمــام الــرحلات التجاريــة والبحثيــة. وقــد راقــت " ماســك " فكــرة كونــه فــي طليعــة هــذا الاتجــاه، عــلاوة علــى تطويــره الآلــة التــي
ستعتمد عليها حقبة جديدة من الفضاء. لكن كل هذا كان نظريًّا بالطبع ... إلا أنه لم يعد كذلك فجأة. كانت شركة باي بال قد طُرحت للاكتتاب العام في شهر فبراير، وارتفعت أسهمها بنسبة خمسة وخمسين بالمائة، وكان " ماسك " يعرف أن موقع إي باي يريد شراء الشركة كذلك. وبينما كان " ماسك " يمعن التفكير في
فكرة الصواريخ، ارتفع صافي حقوق ملكيته من عشرات الملايين ليصل إلى مئات الملايين. لكن " ماسك " تخلى تمامًا عن فكرة حيلة الدعاية في إبريل عام 2002،
وأخذ على عاتقه تأسيس شركة تعمل في مجال بالفضاء. لقد انتحى جانبًا بـ " كانتريل " و " جريفن " و " مولر " و " كريس تومبسون " ، وهو مهندس طيران
وفضاء بشركة بوينج، وأخبر هذه المجموعة قائلًا: " أريد تأسيس هذه الشركة. إذا كنتم توافقونني الرأي، فلنفعل هذا إذن " (أراد " جريفن " الانضمام إليهم، لكن
انتهى به المطاف بالرفض حين رفض " ماسك " طلبه بأن يقيم بـ " الساحل الشرقي " ، ولم يبقَ " كانتريل " في المجموعة إلا لبضعة أشهر بعد هذا الاجتماع؛ لأن
هذا المشروع كان شديد الخطورة حسب رأيه).

تأسست شركة سبيس إكسبلورايشن تكنولوجيز في يونيو عام 2002 وظهرت إلى النور في مكان متواضع. اشترى " ماسك " مستودعًا قديمًا يقع في 1310 جادة "
إيست جراند " بـ " إل سيجوندو " ، إحدى ضواحي " لوس أنجلوس " التي تعج بنشاط صناعة الطيران والفضاء الجوي. كان المستأجر السابق للمبنى - الذي تبلغ
مســــاحته حوالــــي ســــتة آلاف وتســــعمائة وثمانيــــة وســــتين متــــرًا مـــربعًا - قــد أجــرى الكثــير مــن عمليــات الشــحن، واســتخدم الجــانب الجنوبــي مــن المنشــأة كمســتودع
لوجستي، وجهزه بعدة أجنحة تسليم مخصصة لشاحنات التسليم، ما سمح لـ " ماسك " بقيادة سيارته الفضية طراز ماكلارين إلى داخل المبنى مباشرةً. أما ما
كان يحيط بالمنشأة فكان مجرد أرض فضاء ... فقط أرضية مغطاة بالتراب وسقف بارتفاع اثني عشر مترًا بأعمدة خشبية وعزل مكشوف، وكان السقف منحنيًا في
القمة ليعطي المكان شعورًا أشبه بحظيرة طائرات. أما الجانب الشمالي للمبنى، فكان مساحة مكتبية بحجيرات وغرفة تسع حوالي خمسين شخصًا. وخلال أول
أسبوع من عمل شركة سبيس إكس، ظهرت شاحنات تسليم محملة حتى آخرها بحواسيب محمولة وطابعات طراز ديل وطاولات قابلة للطي سيتم استخدامها
كأول مكاتب عمل. سار " ماسك " إلى أحد أرصفة التحميل، ورفع باب الشاحنة، وأنزل المعدات بنفسه.

ســــرعان مـــا حــول " ماســك " مكتــب ســبيس إكــس إلــى مــا أصــبح التصــميم الجمــالي الممــيز لمصــنعه: طبقــة خارجيــة لامعــة مــن مــادة إيبوكســي المــدهونة علــى أســمنت
الأرضيات، وطبقة خارجية جديدة من الطلاء الأبيض المدهون بكثافة على الجدران. كان يفترض بالنسق اللوني الأبيض أن يجعل المصنع يبدو نظيفًا ومبهجًا. كما
تنــاثرت المكــاتب فــي كــل أنحــاء المصـنع حتـى يسـتطيع علمـاء الحاسـوب خـريجو الجـامعات التابعـة لــ " رابطـة اللبـلاب " والمهندسـون المصـممون لـلآلات أن يجلسـوا مـع
اللحامين والميكانيكيين الذين يصنعون المعدات. وبرز هذا النهج باعتباره أول تغيير ملحوظ كبير تقوم به شركة سبيس إكس على طريقة شركات صناعة الفضاء
التقليــدية التــي تفــضِّل محاصــرة الفــرق الهندســية المختلفــة وإبعــادها عــن بعضــها والفصــل بــين المهندســين والميكــانيكيين بـآلاف الكـيلومترات عـادةً، مـن خـلال إنشـاء
مصانعهم في مواقع تنخفض فيها تكلفة العقارات والأيدي العاملة.

ومع قدوم أول دفعة من الموظفين إلى المكتب، قيل لهم إن رسالة سبيس إكس ستبرز بصفتها " نظيرًا لشركة خطوط ساوث ويست الجوية ولكن في مجال الفضاء
" . إن شركة سبيس إكس سوف تصنع محركاتها بنفسها ثم ستتعاقد مع موردين للمكونات الأخرى للصواريخ، وستحقق الشركة أفضلية على منافسيها بصنعها
محركًا أفضل وأرخص وبتعديلها أداء عملية التجميع من أجل تصنيع الصواريخ بشكل أسرع وأرخص من أي أحد آخر. تضمنت هذه الرؤية صنع مركبة إطلاق
محمولة يمكنها الانتقال إلى المواقع المختلفة ونقل الصاروخ من الوضعية الأفقية إلى الوضعية الرأسية وإطلاقه في الفضاء - بلا أية فوضى أو ضجة. كان المفترض أن
تتقن شركة سبيس إكس هذه العملية لدرجة أن تتمكن من إطلاق عدة صواريخ شهريًّا وأن تحقق أرباحًا من كل عملية إطلاق، دون أن تحتاج إلى أي متعهد من
العيار الثقيل يعتمد على التمويل الحكومي.

كان المفترض أن تصبح شركة " سبيس إكس " محاولة " أمريكا " فتح صفحة جديدة في المشاريع المتعلقة بصناعة الصواريخ، أو إعادة ضبط حديثة لها. لقد شعر "
ماسك " بأن صناعة الفضاء لم تتطور حقًّا منذ حوالي خمسين عامًا. كانت المنافسة بين شركات الفضاء قليلة، وكانت تميل إلى صنع منتجات باهظة جدًّا تحقق
أقصــى مســتوى مــن الأداء. كـانوا يصـنعون صـاروخًا أشـبه بالسـيارة فـيراري عنـد كـل عمليـة إطـلاق، فـي حـين كـان مـن الممكـن أن يفـي الصـاروخ الأشـبه بالسـيارة هونـدا
أكورد بالغرض. وعلى النقيض، كان " ماسك " سيطبق بعض تقنيات الشركات الناشئة التي تعلمها في وادي السيليكون لإدارة شركة سبيس إكس بأقل عدد من
الموظفــين وبــأقل حجـم للمـوارد الماليـة المتاحـة وبشـكل يسـتفيد مـن التطـورات الـهائلة فـي القـدرة الحاسـوبية والمـواد التـي حـدثت فـي غضـون العقـود الأخـيرة. ونظـرًا لأن
سبيس إكس شركة خاصة، فسوف تتجنب كذلك إهدار الأموال وتجاوز التكاليف المرتبطين بالمتعهدين الحكوميين. لقد أعلن " ماسك " أن أول صاروخ ستصنعه
شركة سبيس إكس سيسمى " فالكون 1 " ، إشارةً إلى المركبة الفضائية ميلينيوم فالكون الموجودة في أفلام
Star Wars ولدورها كمخططة لمستقبل مشوق، ووعد بأن يتمكن فالكون 1 من نقل حمولة تزن ستمائة وخمسة وثلاثين كيلوجرامًا مقابل ستة ملايين وتسعمائة
ألف دولار، في حين كانت تكلفة إرسال حمولة تزن مائتين وتسعة وأربعين كيلوجرامًا تبدأ من ثلاثين مليون دولار.

أذعن " ماسك " لطبيعته، ووضع جدولًا زمنيًّا طموحًا بدرجة جنونية لكل هذا. أشار أحد العروض التقديمية الأولى لشركة سبيس إكس أنها ستنتهي من صنع
أول محرك لها في مايو عام 2003، ومن المحرك الثاني في يونيو، ومن جسم الصاروخ في يوليو، وأنها ستجمع كل الأجزاء في أغسطس، ثم ستجهز منصة إطلاق
بحلول شهر سبتمبر، وسوف تتم أول عملية إطلاق في نوفمبر عام 2003، أو بعد مرور حوالي خمسة عشر شهرًا على بدء الشركة عملها. لقد تقرر إطلاق رحلة إلى
المــريخ بــالطبع فــي وقــت مــا بنــهاية ذلــك العقــد مــن الزمـن. هكـذا كـان " ماسـك " ، المنطقـي السـاذج المتفـائل، يجـدول الفتـرة التـي يسـتغرقها النـاس فـي إنجـاز كـل هـذا
العمل من الناحية المادية. هذا هو الأساس الذي يتوقعه من نفسه والذي يخوض موظفوه - ذوو النواقص البشرية - صراعًا لا ينتهي لتحقيقه.

حــين بــدأ المتحمســون للفضــاء يعــرفون أمــر الشــركة الجــديدة، لــم يشــغلوا بالــهم بمـا إذا كـان جـدول التسـليم الـذي وضـعه " ماسـك " يبـدو واقعـيًّا أم لا، بـل كـانوا
متشوقين فقط لأن أحدهم قرر اتباع نهج رخيص التكلفة وسريع النتيجة. كان هناك بالفعل بضعة أفراد من الجيش يروجون لفكرة منح القوات المسلحة قدرات
فضائية أكثر عدائية، أو ما يطلقون عليه " الفضاء سريع الاستجابة " . أرادت القوات المسلحة امتلاك القدرة على الرد بأقمار صناعية صُنعت خصيصًا للمهمة في
حــال انــدلع أي صــراع؛ مــا ســيعني الابتعـاد عـن النمـوذج الـذي يسـتغرق فيـه صـنع قمـر صـناعي مخصـص لمـهمة معينـة وإطلاقـه عشـرة أعـوام؛ لأن القـوات المسـلحة
تــــرغب فــــي أقمــــار صــــناعية أصــــغر وأرخــص يمكــن إعــادة ضــبطها ببــرامج الحاســوب وإرســالها إلــى الفضــاء خــلال مــهلة قصــيرة، كمــا لــو كــانت أقمــارًا صــناعية جــاهزة
للاســــتعمال. يقــــول " بــــيت ووردن " ، وهــــو جنــــرال متقاعــد بــالقوات الجويــة الأمريكيــة التقــى " ماســك " فــي أثنــاء خــدمته كمســتشار لــوزارة الــدفاع الأمريكيــة: " إذا
استطعنا تحقيق هذا، فسنغير قواعد اللعبة حقًّا. يمكن لهذا الأمر أن يجعل استجابتنا في الفضاء مشابهة لما نفعله برًّا وبحرًّا وجوًّا " . كانت وظيفة " ووردن "
تتطلب منه فحص التقنيات الأساسية. في حين بدا له الكثير ممن صادفهم حالمين غريبي الأطوار، بدا له " ماسك " واثقًا بنفسه وحسن الاطلاع وبارعًا. وعن هذا
يقول: " تحدثت مع أشخاص يصنعون مسدسات الليزر وغيرها في مرآبهم. كان من الواضح أن " إيلون " مختلف، فقد كان شخصًا حالمًا يفهم تكنولوجيا الصواريخ
حقًّا، وقد أبهرني " .

كمــا هــي الحــال مــع القـوات المسـلحة، أراد العلمـاء وصـولًا سـريعًا ورخـيص التكلفـة إلـى الفضـاء والقـدرة علـى إرسـال التجـارب إلـى الفضـاء وتلقـي البيـانات مـن هنـاك
بــانتظام. وعــلاوةً علــى هــذا، كــانت بعــض الشــركات العاملــة فـي مجـال الطـب والسـلع الاسـتهلاكية مـهتمة بـالرحلات إلـى الفضـاء لدراسـة تـأثير انعـدام الجاذبيـة علـى
خواص منتجاتها.

وبقدر ما كانت مركبة الإطلاق رخيصة التكلفة تبدو جيدة، كانت احتمالات صنع مواطن عادي لمركبة إطلاق رخيصة تعمل جيدًا بعيدة المنال. إذا أجرى المرء بحثًا
سريعًا في موقع يوتيوب على كلمة " انفجارات الصواريخ " ، فستظهر له آلاف مقاطع الفيديو المجمعة التي توثِّق كوارث إطلاق الصواريخ التي حدثت في الولايات
المتحدة والاتحاد السوفيتي على مر العقود. لقد حاولت الولايات المتحدة وحدها إطلاق أكثر من أربعمائة صاروخ إلى المدار الخارجي في الفترة ما بين عامي 1957
و1966، تحطــم حوالــي مائــة منــها واحتــرقت خمسـة. كـانت الصـواريخ المسـتخدمة فـي نقـل الحمـولات إلـى الفضـاء فـي الغـالب صـواريخ معـدَّلة تـم تطويرهـا مـن خـلال
التجربــة والخطـأ وتمويلـها بـالمليارات والمليـارات مـن الأمـوال الحكوميـة. لكـن شـركة سـبيس إكـس كـانت تتمـيز بقـدرتها علـى التعلـم مـن هـذه التجـارب السـابقة وكـون
بضعة أفراد من طاقم عملها سبق أن أشرفوا على مشروعات لتصنيع الصواريخ في شركات مثل بوينج وتي آر دابليو. ورغم ذلك، لم تكن الشركة الناشئة تمتلك
ميزانية تتحمل حدوث سلسلة من الانفجارات. وفي أحسن الأحوال، سيكون أمام سبيس إكس ثلاث أو أربع محاولات لإنجاح الصاروخ فالكون 1. يقول " مولر " :
" ظــن النــاس أننــا مجـرد مجـانين. حـين كنـت أعمـل لصـالح شـركة تـي آر دابلـيو، كـان لـديَّ جـيش مـن الموظفـين والتمويـل الحكومـي. أمـا الآن، فكنـا سـنصنع صـاروخًا
منخفض التكلفة من البداية بفريق صغير؛ ولم يعتقد الناس أن هذا الأمر ممكن ببساطة " .

غير أنه في يوليو عام 2002، استحوذت إثارة هذا المشروع الجريء على " ماسك " ، واتخذ موقع إي باي خطوته الهجومية لشراء شركة باي بال مقابل مليار ونصف
المليار دولار. لقد منحت هذه الصفقة " ماسك " بعض السيولة، وأمدته بأكثر من مائة مليون دولار لينفقهما على شركة سبيس إكس. ومع وجود هذا الاستثمار
الضــــخم مقــــدمًا، مــــا كــــان أحــد لــيتمكن مــن التصــارع مــع " ماســك " لســلب زمــام شــركة ســبيس إكــس منــه، كمــا حــدث فــي شــركتيْ زيــب 2 وبــاي بــال. أمــا بالنســبة
للموظفين الذين وافقوا على مرافقة " ماسك " في هذه الرحلة التي تبدو مستحيلة، فقد قدم لهم هذا الكسب غير المتوقع للشركة بضعة أعوام على الأقل من
الاستقرار الوظيفي. علاوةً على أن عملية الاستحواذ على الشركة قد زادت من شهرة " ماسك " وكونه محطًّا للأنظار، وهو ما بوسعه الاستفادة منه عند ترتيبه
للقاءات مع كبار المسئوليين الحكوميين وعند التأثير على الموردين لتغيير رأيهم.

فجأة، لم يعد أي من هذا يبدو مهمًّا: أنجبت " جاستين " ابنًا - " نيفادا أليكساندر ماسك " ، لكنه توفي بعمر عشرة أسابيع فقط، وقت الإعلان عن الصفقة مع موقع إي باي. كان " ماسك " قد وضع " نيفادا " في فراشه ليأخذ قيلولة، ووضعه على ظهره كما يتم تعليم الوالدين. وعندما عادا للاطمئنان عليه، كان قد توقف
عن التنفس وأصيب بما أطلق عليه الأطباء متلازمة الموت المفاجئ للأطفال. كتبت " جاستين " في مقالها الذي نُشر في مجلة ماري كلير : " حين حاول المسعفون
إنعاشه، كان قد حُرم من الأكسجين لفترة طويلة لدرجة أنه أصيب بموت دماغي. ظل متصلًا بأجهزة الإعاشة بمستشفى في مقاطعة أورانج كاونتي طوال ثلاثة
أيام، إلى أن اتخذنا قرار نزعها عنه. لقد حملته بين يدي عندما توفي. أوضح إيلون أنه لا يريد التحدث عن وفاة نيفادا، لكنني لم أتفهم هذا، مثلما لم يتفهم سبب
حزني علنًا؛ لأنه اعتبره " تلاعبًا عاطفيًّا " . لذلك، دفنت مشاعري بداخلي، وتأقلمت مع وفاة نيفادا بأن ذهبت في أول زيارة لي لعيادة أطفال أنابيب بعد أقل من
شهرين؛ لأنني أنا وإيلون قد خططنا أن أحمل مرة أخرى بأسرع ما يمكن. وخلال الأعوام الخمسة التالية، أنجبت توأمًا، ثم ثلاثة توائم " . أرجعت " جاستين " رد
فعل " ماسك " في وقت لاحق إلى حيلة دفاعية تعلمها جراء مروره بأعوام من المعاناة في مرحلة الطفولة. لقد أخبرت مجلة إسكواير بأنه: " لا يتأقلم جيدًا مع
الأماكن المظلمة. إنه يتقدم للأمام دائمًا، وأعتقد أن لهذا الأمر علاقة بالبقاء بالنسبة له " .

إلا أن " ماسك " تشارك شعوره فعلًا مع بضعة أصدقاء مقربين له، وعبَّر عن عمق مأساته. لكن عمومًا، فهمت " جاستين " طبيعة زوجها جيدًا. لم يكن يفهم
قيمة الحزن علنًا. يقول " ماسك " : " جعلني التحدث عن الأمر حزينًا بشدة. إنني لست متأكدًا من سبب رغبة المرء في التحدث عن الأحداث المحزنة بشدة، فهذا
ليس مفيدًا للمستقبل إطلاقًا. إذا كان لدى المرء أولاد آخرون وواجبات أخرى، فإن الانغماس في الحزن لا يفيد أيًّا ممن حوله. أنا لست متأكدًا مما يتوجب فعله في
مثل هذه المواقف " .

بعد وفاة " نيفادا " ، شغل " ماسك " نفسه بالعمل في شركة سبيس إكس ووسع أهدافها بسرعة. إن محادثات " ماسك " مع متعهدي الطيران والفضاء الجوي
بشــأن الأعمــال المحتملــة لشــركة سـبيس إكـس قـد حررتـه مـن الـوهم؛ بـدا أنـهم جمـيعًا يطلبـون مبلـغًا طـائلًا مـن المـال ويعملـون ببـطء؛ لـذلك، أفسـحت خطـة دمـج
المكونات التي تصنِّعها مثل هذه الشركات المجال لقرار تصنيع عملي قدر المستطاع في سبيس إكس مباشرةً؛ فأعلنت الشركة على موقعها الإلكتروني قائلة: " إن
ســبيس إكــس تطــور بصــورة خاصــة صــاروخ فــالكون بأكملــه مــن الألـف إلـى اليـاء، بمـا فـي ذلـك كـلا المحـركين والمضـخة التوربينيـة وهيكـل خزان التبريـد العمـيق ونظـام
التوجيه، مع انتفاعها بأفكار العديد من برمجيات مركبات الإطلاق السابقة، بدءًا من أبوللو إلى إكس 34/ فاستراك. إن التطوير الداخلي من الألف إلى الياء يزيد
من صعوبة الأمر ومن الاستثمار المطلوب، لكن لا سبيل سواه لتحقيق التحسينات اللازمة في تكلفة الوصول إلى الفضاء " .

كان طاقم الموظفين التنفيذيين الذي عينه " ماسك " مليئًا بالنجوم: بدأ " مولر " العمل فورًا على صنع المحركين - " ميرلن " و " كيستريل " ، المسميين تيمنًا بنوعين
من الصقور، وانضم " كريس تومبسون " ، وهو جندي سابق في مشاة البحرية الأمريكية أدار عملية إنتاج الصاروخين " دلتا " و " تايتان " في شركة بوينج، إلى
الشــركة بصــفته نــائب رئــيس العمليــات، وأتــى " تــيم بـازا " مـن شـركة بـوينج كـذلك، حـين اكتسـب شـهرة بأنـه أحـد أفضـل مختبـري الصـواريخ فـي العـالم، واسـتُغلت
قــــــدرات " ســــــتيف جونســـــون " ، الـــذي كـــان قـــد عمـــل لصـــالح مختبـــر الـــدفع النفـــاث التـــابع لوكالـــة ناســـا وفـــي شـــركتين تجـــاريتين للفضـــاء، بمنصـــب كبـــير المهندســـين
الميكانيكيين، وأتى مهندس الطيران والفضاء الجوي " هانز كوينجسمان " إلى الشركة ليطور إلكترونيات الطيران ونظامي التوجيه والتحكم. بالإضافة إلى ذلك، عين
" ماسك " " جوين شوتويل " ، وهي خبيرة في مجال الطيران والفضاء الجوي بدأت عملها في شركة سبيس إكس كأول مندوبة مبيعات وترقت في الأعوام التالية
لتصبح رئيسة الشركة والمستشارة الخاصة لـ " ماسك " .

كما ظهرت " ماري بيث براون " في تلك المرحلة الأولى، وأصبحت شخصية أسطورية في قصص شركتيْ سبيس إكس وتسلا على السواء. إن " براون " ، أو إم بي كما
كان الجميع ينادونها، قد أصبحت مساعدة " ماسك " الوفية، بأن أسست نسخة واقعية من العلاقة بين شخصيتيْ توني ستارك وبيبر بوتس في فيلم Iron
Man . إذا كان " ماسك " يعمل عشرين ساعة يوميًّا، فكذلك كانت تفعل " براون " . وعلى مدار الأعوام، أصبحت تجلب لـ " ماسك " وجباته، وتنظم مواعيد
عمله، وتنظم وقته مع أولاده، وتختار ملابسه، وتتعامل مع الصحافة، وكانت تُخرج " ماسك " من الاجتماعات بالقوة ليلتزم بجدوله الزمني متى استلزم الأمر.
وبرزت باعتبارها الجسر الوحيد الذي يربط بين " ماسك " وكل اهتماماته، كذلك كانت فائقة القيمة بالنسبة لموظفي هاتين الشركتين.

لعبت " براون " دورًا مهمًّا في تطوير ثقافة سبيس إكس الأولى. لقد انتبهت إلى التفاصيل الدقيقة مثل حاويات القمامة الحمراء التي على شكل مركبات فضاء في
المكتــب وســاعدت علــى موازنــة الجــو العــام فــي أنحــاء المكتــب. وعنــدما كـان الأمـر يتعلـق بالمسـائل المرتبطـة بــ " ماسـك " مباشـرةً، كـان الـحزم يكسـو ملامحـها ويظـهر فـي
سلوكها الجاد. لكن في غير تلك الأوقات، كانت ترسم بسمة عريضة ودودة على وجهها وتمتلك جاذبية باعثة على البهجة. لقد تذكرها أحد فنيي شركة سبيس
إكس قائلًا: " كانت تقول دائمًا: " عزيزي! كيف حالك يا عزيزي؟ "" . كانت " براون " تجمع الرسائل الإلكترونية الغريبة التي تصل لـ " ماسك " وترسلها للناس على
أنها رسائل رسمية من " مجانين هذا الأسبوع " لتثير ضحكاتهم. تضمنت إحدى أفضل تلك الرسائل رسمًا بالقلم الرصاص لمركبة فضائية قمرية بها نقطة حمراء
علــــى الصــــفحة، كــــان الشـــخص الــذي أرســل هــذه الرســالة قــد رســم دائــرة حــول هــذه البقعــة وكتــب بجوارهــا: " مــا هــذه؟ دمــاء؟ " . كمــا احتــوت رســائل أخــرى علــى
مخططات لآلة دائمة التحرك واقتراح لاستخدام أرنب ضخم قابل للنفخ في سد التسربات النفطية. بالإضافة إلى هذا، امتدت واجبات " براون " لفترة وجيزة إلى
إدارة سجلات شركة سبيس إكس والتعامل مع تدفق الأعمال في غياب " ماسك " . لقد قال الفني: " كانت هي تتخذ القرارات تقريبًا. كانت تقول: " هذا ما كان
إيلون سيريده "" .

لعل أعظم مواهبها كانت قراءة طبائع " ماسك " . كانت " براون " تضع مكتبها أمام مكتب " ماسك " ببضعة سنتيمترات في شركتيْ سبيس إكس وتسلا، لكي
يضطر الناس لاجتيازها قبل لقائه. وإذا توجب على أحد طلب الإذن بشراء غرض باهظ التكلفة، كان يتوقف أمام " براون " للحظة بانتظار إيماءة برأسها موافقةً
على مقابلته " ماسك " أو هز رأسها رفضًا لكي يرحل لأن " ماسك " يمر بيوم عصيب. أصبح هذا النظام من الإيماء بالموافقة وهز الرأس بالرفض مهمًّا بشكل خاص
خلال فترات مرور " ماسك " بخلافات رومانسية، حيث تكون أعصابه متوترة أكثر من المعتاد.

كان عامة مهندسي شركة سبيس إكس من الشباب الذكور المتفوقين؛ حيث كان " ماسك " يتواصل شخصيًّا مع أقسام هندسة الطيران والفضاء الجوي في أعرق
الجامعات ليسأل عن الطلاب الذين حققوا أفضل الدرجات في الاختبارات. ولم يكن من الغريب بالنسبة له أن يتصل بالطلاب في غرف سكنهم الجامعي ليعينهم
هــــاتفيًّا. يقــول " مــايكل كــولونو " ، الــذي اتصــل بــه " ماســك " فــي أثنــاء دراســته بجامعــة ســتانفورد: " ظننتــها مزحــة، لــم أصــدِّق للحظــة أنــه يمتلــك شــركة لتصــنيع
الصواريخ " . وما إن بحث الطلاب عن " ماسك " على الإنترنت، حتى أصبح إقناعهم بفكرة شركة سبيس إكس سهلًا. لأول مرة منذ أعوام، إن لم يكن منذ عقود،
أصبح للشباب خبراء الملاحة الجوية الذين يتوقون لاستكشاف الفضاء شركة مشوقة جدًّا يتعلقون بها وسبيل إلى تصميم صاروخ، أو حتى إلى أن يصبحوا رواد
فضاء، لا يتطلب منهم الانضمام لمتعهد حكومي بيروقراطي. ومع انتشار خبر طموحات شركة سبيس إكس، فر صفوة مهندسي شركات بوينج ولوكهيد مارتن
وأوربيتال ساينسز فائقي القدرة على تحمل المخاطر إلى الشركة الناشئة كذلك.

وخلال العام الأول من عمل سبيس إكس، كان هناك موظف جديد أو موظفان ينضمان إليها كل أسبوع تقريبًا. كان " كيفن بروجان " الموظف الثالث والعشرين،
وكان قد أتى من شركة تي آر دابليو، حيث كان معتادًا على مختلف السياسات الداخلية التي تعوقه عن أداء عمله. عن هذا يقول: " كنت أسميها النادي الريفي.
لــم يكــن أحــد يفعــل أي شــيء " . بــدأ " بروجــان " عملــه فــي الــيوم التــالي لإجرائـه مقابلـة العمـل، وطُلـب منـه أن يفتـش فـي المكتـب عـن حاسـب آلـي يسـتخدمه. يقـول "
بروجان " : " كان الأمر كأنهم يطلبون مني أن أذهب إلى متجر فرايز للإلكترونيات لأشتري ما أحتاج إليه وإلى سلسلة متاجر ستايبلز لأشتري كرسيًّا " . لقد شعر
فــورًا بــأن هــذا الأمــر أصــعب ممــا يتحملــه؛ كــان سـيعمل اثنتـي عشـرة سـاعة وسـينام لعشـر سـاعات ثـم سـيعود فـورًا إلـى الشـركة. يعلـق قـائلًا: " كنـت مـرهقًا وكـانت
حالتي الذهنية سيئة، لكن سرعان ما أحببت الأمر وأصبحت مولعًا به تمامًا " .

أحد أول المشروعات التي قررت سبيس إكس توليها كان صناعة مولد غاز، وهو آلة تشبه كثيرًا محركًا صاروخيًّا صغيرًا ينتج غازًا ساخنًا. قام " مولر " و " بازا "
وبضعة مهندسين شباب آخرين بتجميع المولد في لوس أنجلوس وحملوه على ظهر شاحنة صغيرة قادوها إلى صحراء موهافي بولاية كاليفورنيا ليختبروه. وموهافي
بلدة صحراوية تبعد عن لوس أنجلوس حوالي مائة وواحد وستين كيلومترًا أصبحت مركزًا لشركات الطيران والفضاء الجوي مثل سكَيلد كومبوزيت وإكسكور.
كانت هناك العديد من مشروعات الطيران والفضاء الجوي التي يقع مقرها بعيدًا عن مطار موهافي، حيث أنشأت الشركات ورش عملها وأطلقت منها كل أنواع
الطائرات والصواريخ المتطورة. انسجم فريق سبيس إكس مع هذه البيئة فورًا، وقام باقتراض منصة اختبار من شركة إكسكور كان حجمها مثاليًّا جدًّا لوضع مولد
الغــاز. وأُجــريت أول تجربــة تشــغيل لــه الســاعة الحاديــة عشــرة صــباحًا، واســتمرت تسـعين ثانيـة. لقـد عمـل مولـد الغـاز، لكنـه أطلـق سـحابة متصـاعدة مـن الـدخان
الأسود استقرت فوق برج المطار مباشرةً في ذلك اليوم الهادئ؛ فجاء مدير المطار إلى موقع الاختبار وهاجم " مولر " و " بازا " . عندها، حث مسئولو المطار وبعض
العاملين بشركة إكسكور, الذين كانوا يعاونون مهندسي سبيس إكس في الاختبار, على أن يهونوا على أنفسهم وينتظروا حتى اليوم التالي لإجراء اختبار آخر. وبدلًا
من هذا، قام " بازا " ، القائد القوي المستعد لتفعيل أخلاقيات العمل المتشددة والسائدة في شركة سبيس إكس، بالترتيبات لتقوم بضع شاحنات بنقل المزيد من
الوقود، وتحدث مع مدير المطار ليطمئنه، وجهز منصة الاختبار لتشغيل المولد مرة أخرى. وفي الأيام التالية لهذا، أجاد مهندسو شركة سبيس إكس اتباع روتين
يمكِّنهم من القيام بعدة اختبارات في اليوم، وهي تجارب لم يعرفها بها المطار قط، وضبطوا مولد الغاز كما يريدون بعد أسبوعين من العمل.

لقد قاموا ببضع رحلات إضافية إلى صحراء موهافي وبعض المواقع الأخرى، بما فيها منصة اختبار في قاعدة إدواردز الجوية وأخرى في ولاية مسيسيبي. وفي أثناء
قيام مهندسي سبيس إكس برحلة الصواريخ هذه في كل أرجاء البلاد، صادفوا موقع اختبار مساحته ثلاثمائة فدان في مدينة ماكجريجور بولاية تكساس، وهي مدينة صغيرة بالقرب من مركز الولاية. وأعجبهم هذا الموقع بشدة، وأقنعوا " ماسك " بشرائه. كانت القوات الجوية الأمريكية قد اختبرت صواريخ على هذه الأرض
من قبل وكذلك " آندرو بيل " قبل أن تنهار شركته للطيران والفضاء الجوي. لقد كتب الصحفي " مايكل بيلفيورى " في كتاب Rocketeers ، وهو كتاب يصف
نشــأة حفنــة مــن الشــركات الخاصــة العاملــة فـي مجـال الفضـاء، قـائلًا: " بعـد أن عـرف " بيـل " أن تطويـر صـاروخ قـادر علـى إرسـال أقمـار صـناعية ضـخمة إلـى مـدارها
سيكلفه ثلاثمائة مليون دولار، تخلى عن المشروع، تاركًا وراءه بنية تحتية استفادت منها شركة سبيس إكس، بما فيها حامل ثلاثي خرساني من ثلاثة طوابق ذي
قوائم يقترب قطرها من قطر جذوع أشجار السيكويا " .

كان " جيريمي هولمان " أحد المهندسين الشباب الذين سرعان ما وجدوا أنفسهم يعيشون في ولاية تكساس ويعدِّلون موقع الاختبار وفقًا لاحتياجات سبيس إكس.
يمثــل " هولمــان " نــوع الموظفــين الجــدد الــذي أراده " ماســك " : كــان قــد نــال شــهادة جامعيــة فــي مجــال هندســة الطــيران والفضــاء الجــوي مــن جامعــة آيــوا وشــهادة
ماجســــتير فــــي الهندســــة الفضــــائية مـــن جامعــة كــاليفورنيا الجنوبيــة، وقضــى بضــعة أعــوام فــي شــركة بــوينج يعمــل كمــهندس تجــارب يتعــامل مــع الطــائرات النفاثــة
والصواريخ والمركبات الفضائية. ***

إن الفترة التي قضاها هولمان في شركة بوينج قد جعلته لا يهتم بالشركات الكبرى في مجال الطيران والفضاء الجوي. كان أول يوم عمل له بعد إتمام صفقة الدمج
بين شركة بوينج وشركة مكدونل دوجلاس، وكان الكيان العملاق الناتج عن عملية الدمج قد قام بتنظيم نزهة لرفع الروح المعنوية، ولكنها باءت بالفشل حتى في
هذه المهمة البسيطة. يقول " هولمان " : " ألقى رئيس أحد الأقسام خطابًا عن كونها شركة واحدة ذات رؤية واحدة ثم أضاف قائلًا إن الشركة محدودة جدًّا في
التكاليف وطلب من الجميع ألا يتناولوا أكثر من قطعة واحدة من الدجاج " . لم تتحسن الأمور بعدها كثيرًا؛ فقد بدا كل مشروع في بوينج ضخمًا وبطيئًا ومكلفًا؛
لذلك، وعندما ظهر " ماسك " مروجًا للتغيير الجذري، صدَّقه " هولمان " . وعن هذا يقول: " اعتقدت أنها فرصة لا يمكنني تفويتها " . كان عمر " هولمان " حينذاك
ثلاثة وعشرين عامًا، وكان شابًّا أعزب مستعدًّا للتخلي عن أي مظهر من مظاهر الحياة الخاصة لصالح العمل بشركة سبيس إكس دون توقف، وأصبح نائبًا لـ "
مولر " .

كان " مولر " قد طور زوجًا من النماذج الحاسوبية ثلاثية الأبعاد للمحركين اللذين أراد صنعهما. " ميرلن " هو محرك المرحلة الأولى من الصاروخ " فالكون 1 " ،
الذي يرفعه عن الأرض، في حين أن " كيستريل " المحرك الأصغر هو المستخدم لتشغيل المرحلة الثانية الأعلى من الصاروخ وتوجيهه في الفضاء. حدد " هولمان " و "
مولر " معًا أي أجزاء المحركين ستصنعها سبيس إكس بمصنعها وأيها ستحاول شراءها. بالنسبة للأجزاء المشتراة، اضطر " هولمان " للذهاب إلى عدة ورش لتصنيع
الآلات لكي يعرف أسعار المعدات ومواعيد تسليمها. كان الميكانيكيون يخبرون " هولمان " في كثير من الأحيان بأن جداول سبيس إكس الزمنية جنونية، في حين كان
الآخــرون أكثــر اســتيعابًا بــأن حـاولوا ضـبط منتـج مـوجود بـالفعل ليتناسـب مـع احتيـاجات سـبيس إكـس بـدلًا مـن صـنع شـيء مـن البـداية. بالإضـافة إلـى ذلـك، وجـد "
هولمــان " أن الإبــداع يحقــق لــه تقــدمًا كبــيرًا؛ فقــد اكتشــف، علــى ســبيل المثــال، أن تغــيير لحــام بعــض الصــمامات المســتخدمة فــي خــراطيم غسـيل السـيارات المـوجودة
بالفعل يجعلها جيدة بما يكفي لتُستخدم مع وقود الصواريخ.

بعــد أن انتــهت شــركة ســبيس إكــس مــن صــنع أول محــرك لــها فــي مصــنعها بولايــة كــاليفورنيا، حملـه " هولمـان " مـع أكـوام مـن المعـدات الأخـرى علـى مقطـورة تابعـة
لشركة يو هاول للنقل، وربطها بمؤخرة سيارة بيضاء طراز " هامر إيتش 2 " ، وقادها ناقلًا ألفًا وثمانمائة وأربعة عشر كيلوجرامًا من المعدات **** عبر الطريق
السريع 10 الذي يربط بين لوس أنجلوس وموقع الاختبار بولاية تكساس. أطلق وصول المحرك إلى تكساس إحدى ممارسات الترابط الرائعة في تاريخ سبيس إكس.
لقد بدأت المجموعة بقيادة " بازا " و " مولر " عملية فحص لكل المكونات الدقيقة للمحرك، وسط أفاعي الجرس والنمل الناري والعزلة وأشعة الشمس الحارقة.
كان عملًا مضنيًا منطويًا على ضغط مستمر ومليئًا بالانفجارات، أو ما كان المهندسون يسمونه بأدب " تفكك سريع غير مخطط " ، سيحدد ما إذا كانت جماعة
صغيرة من المهندسين تستطيع فعلًا مساواة جهد الأمم ومهاراتها. لقد دشن موظفو سبيس إكس العمل في الموقع لأول مرة بطريقة ملائمة، بأن تجرعوا شرابًا
فرنسيًّا فاخرًا ثمنه ألف ومائتا دولار في أكواب ورقية، واجتازوا اختبارًا لعدم فقد الاتزان أثناء قيادتهم السيارة طراز هامر عائدين إلى مساكن الشركة. وبدءًا من
تلــك المرحلــة فصــاعدًا، أصــبحت الرحلــة المضــنية مــن كــاليفورنيا إلـى مـوقع الاختبـار تُعـرف باسـم نقـل الماشـية إلـى تكسـاس؛ حـيث كـان مهندسـو شـركة سـبيس إكـس
يعملون لعشرة أيام متواصلة، ويعودون إلى كاليفورنيا لقضاء عطلة أسبوعية، ثم يتجهون عائدين للموقع. لقد سمح لهم " ماسك " أحيانًا باستقلال طائرته
النفاثة الخاصة، ليخفف عنهم عبء الرحلة. يقول " مولر " : " كانت تتسع لستة أشخاص. حسنًا، سبعة إذا جلس أحدنا في الحمام، وهو ما كان يحدث طوال
الوقت " .

ومــع أن القــوات الجويــة الأمريكيــة و " بيــل " قــد تركــا بعــض أجــهزة الاختبــار، إلا أن شــركة ســبيس إكــس اضــطرت لصــنع كميــة كبــيرة مــن المعـدات المصـممة حسـب
الطلب. كان أحد أضخم تلك الهياكل هو منصة اختبار أفقية يبلغ طولها حوالي تسعة أمتار وعرضها أربعة أمتار ونصف المتر وارتفاعها أربعة أمتار ونصف المتر، ثم
كانت هناك منصة الاختبار الرأسية المكملة لها التي كانت بارتفاع طابقين. وحين كان يتوجب تشغيل أحد المحركات، كان يُثبت بإحدى منصتي الاختبار، ويُجهز
بمجسات لجمع البيانات، ويُراقب بعدة كاميرات، وكان المهندسون يحتمون في ملجأ تحت الأرض محمي من أحد جوانبه بسد ترابي. وإذا حدث خطب ما، كانوا
يفحصون البيانات الواردة من كاميرات الويب أو يرفعون إحدى بوابات الملجأ ببطء ويرهفون سمعهم بحثًا عن أية أدلة. ونادرًا ما كان السكان المحليون في البلدة
يشتكون من الضوضاء، وإن بدت الحيوانات الموجودة بالمزارع القريبة متضايقة من الأمر. يقول " هولمان " : " للبقر حيلة دفاعية طبيعية تجعله يتجمع مع بعضه
ويبدأ بالركض في دائرة. فكلما شغلنا محركًا، كان البقر ينتشر ثم يتجمع في تلك الدائرة مع وجود البقر الأصغر سنًّا وسطها. لقد ركبنا كاميرات خاصة لنشاهد
البقر " .

لقد صاحب صنع كل من المحركين " كيستريل " و " ميرلن " تحديات، وعوملا على أنهما مهمتان هندسيتان متناوبتان. يقول " مولر " : " كنا نشغل " ميرلن " حتى
تنفد منا المعدات أو نقوم بخطأ ما، عندها كنا نشغل " كيستريل " ، ولم نعانِ نقصًا في الأمور التي يتوجب فعلها قط " . ظل مهندسو شركة سبيس إكس طوال
أشهر يصلون للموقع في الثامنة صباحًا، ويقضون اثنتي عشرة ساعة فيه يعملون على المحركات، قبل أن يذهبوا إلى مطعم أوتباك ستيكهاوس لتناول العشاء.
كان " مولر " يملك قدرة خاصة على مراجعة بيانات الاختبار وملاحظة فترة معينة سخن فيها المحرك أو برد أو ظهر فيه عيب آخر. كان يتصل بمقر الشركة بولاية
كاليفورنيا ليصف تغييرات على المعدات، وكان المهندسون يعيدون تصميم الأجزاء ويرسلونها إلى تكساس. كان العمال في تكساس يعدِّلون الأجزاء بأنفسهم في
كثير من الأحيان باستخدام مطحنة ومخرطة جلبهما " مولر " معه. وعن هذا يقول " مولر " : " بدأ " كيستريل " كشيء تافه فعلًا. وكانت إحدى أكثر اللحظات
فخرًا في حياتي هي تحسين أدائه ليصبح رائعًا، بعد أن كان مريعًا بواسطة أغراض اشتريناها من الإنترنت وصنعناها في ورش تصنيع الآلات " . بالإضافة إلى هذا،
قام بعض أفراد طاقم العمل المتواجد بـتكساس بصقل مهاراتهم لدرجة أن أصبح بوسعهم صنع محرك يستحق الخضوع للاختبار في غضون ثلاثة أيام. كما توجب
علــى هــؤلاء الأشــخاص أن يكــونوا مـاهرين فـي برمجيـات الحاسـوب؛ كـانوا يسـهرون طـوال الليـل لصـنع مضـخة توربينيـة للمحـرك ثـم يبـدأون العمـل فـي الليلـة التاليـة
لتعــديل مجموعــة التطبيقــات المســتخدمة للتحكــم فـي المحركـات. وكـان " هولمـان " يقـوم بـهذا النـوع مـن العمـل طـوال الـوقت وكـان نابغـة فيـه، لكنـه لـم يكـن الوحيـد
ضــمن هــذه المجموعــة مــن المهندســين الشــباب المــاهرين الـذي مزج بـين فـروع المعرفـة بحكـم الضـرورة وروح المغـامرة. يقـول " هولمـان " : " كـانت لـهذه التجربـة طبيعـة
إدمانية؛ لأن المرء يكون في الرابعة والعشرين أو الخامسة والعشرين من عمره، ويثق رؤساؤه به بشدة. لقد كانت تجربة مشجعة جدًّا " .

ولكي يصل المحرك " ميرلن " للفضاء، يجب عليه أن يعمل لمائة وثمانين ثانية. بدت هذه المدة طويلة جدًّا بالنسبة للمهندسين في بداية فترة عملهم في تكساس،
حينما كان المحرك يعمل لنصف ثانية فقط قبل أن يتوقف عن العمل. أحيانًا كان المحرك " ميرلن " يهتز أكثر مما ينبغي في أثناء إجراء الاختبارات، وأحيانًا كان
يســتجيب اســتجابة ســيئة لمــادة جــديدة، وأحيــانًا كــان يتعطــل فجــأة ويحتــاج لإجــراء تحســينات أســاسية علــى أجزائــه؛ مثــل اســتبدال الأنبـوب المتشـعب المصـنوع مـن
الألمونيوم ووضع أنبوب متشعب مصنوع من سبيكة النيكل الأكثر ندرة طراز " إنكونيل " بدلًا منه، وهو خليط معدني مناسب لدرجات الحرارة القصوى. في إحدى
التجارب، أخفق أحد الصمامات في أن يُفتح جيدًا وسبب انفجار المحرك بأكمله، وكان هناك اختبار فاشل آخر انتهى فيه المطاف باحتراق منصة الاختبار بأكملها.
وعادةً ما كان " بازا " و " مولر " يتوليان أمر إجراء المكالمة الهاتفية غير السارة بـ " ماسك " ليلخصا له إخفاقات اليوم. يقول " مولر " : " كان " إيلون " صبورًّا جدًّا.
أتــذكر أننــا كنــا نعمــل بمنصــتي اختبــار وفجرنــا شــيئين فــي يـوم واحـد ذات مـرة. عنـدها، أخبـرت " إيلـون " بـأن بوسـعنا تجربـة محـرك آخـر، لكننـي كنـت محبـطًا بشـدة
ومتعبًا ببساطة وغاضبًا وكان حديثي مع إيلون مقتضبًا. قلت له: " يمكننا وضع محرك آخر عليها، لكنني فجرت ما يكفي من الأشياء اللعينة اليوم " ، فرد قائلًا:
" حســنًا، حســنًا، لا بــأس بــهذا، اهــدأ فحســب، ســنجرب مجــددًا غــدًا "" . لقــد ذكــر زملاؤهــم العـاملون بمقـر الشـركة فـي ضـاحية إل سـيجوندو أن عـيني " ماسـك "
اغرورقتا بالدموع في أثناء تلقيه هذه المكالمة الهاتفية تأثرًا بالإحباط والحرقة الطاغيين على صوت " مولر " .

ما لم يكن " ماسك " ليتسامح معه هو الأعذار أو عدم وجود خطة هجوم واضحة. كان " هولمان " أحد المهندسين العديدين الذين توصلوا لهذا الإدراك بعد أن
واجهوا إحدى جلسات الاستجواب القاسي التي يشتهر بها " ماسك " . يقول " هولمان " : " أسوأ مكالمة كانت الأولى. كان خطبٌ ما قد حدث، فسألني " إيلون " عن
المدة التي سنستغرقها لنستأنف العمل، ولم أكن أمتلك جوابًا فوريًّا. فقال: " عليك فعل ذلك، فهو مهم للشركة، وكل شيء يعتمد عليه. لماذا لا تمتلك جوابًا؟ "
وظل يمطرني بالأسئلة المحددة المباشرة. لقد ظننت أن الأهم هو أن أعلمه بما حدث بسرعة، لكنني عرفت أن الأهم هو أن أمتلك كل المعلومات عن الأمر " .

كان " ماسك " يشارك في عملية الاختبار بنفسه بين الفينة والأخرى. أحد الأمثلة الأكثر جدارة بالذكر على هذا هو عندما حاولت شركة سبيس إكس تحسين غرفة تبريد لمحركاتها. كانت الشركة قد اشترت عدة غرف من هذا النوع مقابل خمسة وسبعين ألف دولار للواحدة، وتوجب عليها غمر تلك الغرف تحت ضغط من المياه
لقياس قدرتها على تحمل الضغط. وخلال الاختبار الأولي، تصدعت إحدى الغرف باهظة الثمن، ثم تعطلت الثانية في المكان نفسه، فأمر " ماسك " بإجراء اختبار
ثــالث، بينمــا اعتلــت وجــوه المهندســين نظــرة رعــب؛ فقـد ظنـوا أن الاختبـار قـد يعـرض الغرفـة لضـغط مفـرط وأن " ماسـك " يسـتنفد المعـدات الأسـاسية. ولكـن عنـدما
تصدعت الغرفة الثالثة، أعادها " ماسك " بالطائرة إلى كاليفورنيا، ونقلها لأرضية المصنع، وبدأ يملؤها بمادة الإيبوكسي بمساعدة بعض المهندسين ليرى إذا كانت
ســتسد الصــدوع. يقــول " مولــر " : " إنــه لا يخشــى أن تتســخ يــده مــن جــراء المشــاركة بنفســه فــي العمــل؛ كــان واقــفًا هنــاك مرتــديًا حـذاءه وملابسـه الإيطاليـة الأنيقـة
المتسخة بالإيبوكسي. لقد ظلوا هناك طوال الليل، واختبروها مجددًا، وتعطلت على أية حال " . وبعد أن اتسخت ملابس " ماسك " ، قرر أن هذه المعدات معيبة،
واختبر فرضيته هذه، وتجاوز الأمر بسرعة بأن طلب من المهندسين ابتكار حل جديد.

إن هذه الحوادث كلها كانت جزءًا من عملية شاقة لكن مثمرة. لقد شعر العاملون بشركة سبيس إكس بأنهم أسرة واحدة صغيرة متكاتفة ضد العالم. كانت
الشركة تمتلك مستودعًا شاغرًا في أواخر عام 2002. لكن بعدها بعام واحد، بدت المنشأة كمصنع صواريخ حقيقي. كانت محركات " ميرلن " تصل من تكساس
وتوضع على خط تجميع يمكِّن الميكانيكيين من توصليها بالجسم الرئيسي للصاروخ، أو المرحلة الأولى منه. كما أ ُ نشئت المزيد من المحطات لتوصيل المرحلة الأولى
للصاروخ بالمرحلة النهائية منه، ووضعت رافعات على الأرضية لتتولى رفع المكونات الثقيلة، ووُضعت مسارات زرقاء خاصة بنقل المعادن لتوجيه جسم الصاروخ
من محطة إلى أخرى عبر المصنع. بالإضافة إلى ذلك، بدأت شركة سبيس إكس تصنيع ألواح التغطية الانسيابية، أو الغطاء، التي تحمي الحمولات الموضوعة فوق
الصاروخ خلال عملية الإطلاق ثم تنفتح في الفضاء كالمحار لتُطلق الحمولة الموجودة بداخلها.

كانت شركة سبيس إكس قد اكتسبت عملاء. وفقًا لـ " ماسك " ، كان أول صاروخ لها سينطلق في " أوائل عام 2004 " من قاعدة " فاندنبيرج " الجوية حاملًا قمرًا
صناعيًّا يدعى " تاك سات 1 " لصالح وزارة الدفاع الأمريكية. ومع ظهور هذا الهدف في الأفق، كان العمل لاثنتي عشرة ساعة يوميًّا لمدة ستة أيام أسبوعيًّا يُعتبر
القاعدة، وإن كان العديد من الأشخاص يعملون لمدة أطول على مدى فترات طويلة. وبقدر ما كانت فترات الراحة متاحة، إلا أنها كانت تحين في الثامنة مساءً في
بعض الليالي الأسبوعية، حين كان " ماسك " يسمح للجميع باستخدام حواسيبهم الخاصة بالعمل للعب ألعاب الفيديو الخاصة بإطلاق النار بمنظور الشخص
الأول مثل لعبة Quake III Arena ولعبة Counter-Strike ضد بعضهم. وعندما تحين الساعة المحددة، يتوالى صوت حشو الأسلحة بالذخيرة في كل أرجاء
المكتب، بينما يقوم ما يقرب من العشرين شخصًا بتسليح أنفسهم استعدادًا للمعركة. كثيرًا ما كان " ماسك " ، الذي يلعب تحت الاسم المستعار " راندوم 9 " ،
يفوز بالألعاب؛ لأنه كان ينفرد بموظفيه ويطلق عليهم الرصاص بلا رحمة. يقول كولونو " : " كان المدير التنفيذي يطلق علينا الصواريخ ومدافع البلازما. الأسوأ من
هــذا أنــه شــديد البراعــة بــهذه الألعــاب لــدرجة تكــاد تكــون مقلقــة وردود أفعالـه سـريعة لـدرجة جنونيـة. كـان يعـرف كـل الحيـل وكيفيـة الاقتـراب خلسـة مـن الآخـرين
والنيل منهم " .

أثارت عملية الإطلاق المرتقبة حس رجل المبيعات لدى " ماسك " ؛ فقد أراد أن يعرض لعامة الجمهور ما أنجزه عاملوه الذين لا يكلُّون وأن يجذب الانتباه إلى شركة
سبيس إكس. قرر " ماسك " الكشف عن نموذج أولي للصاروخ
" فالكون 1 " للعامة في ديسمبر عام 2003. كانت الشركة ستنقل الصاروخ " فالكون 1 " الذي يبلغ ارتفاعه سبعة طوابق على شاحنة كبيرة معدة خصيصًا لتتركه،
ونظام الإطلاق المتنقل الخاص بشركة سبيس إكس، خارج المقر الرئيسي لإدارة الطيران الفيدرالية في العاصمة واشنطن، وكانت ستقيم مؤتمرًا صحفيًّا مصاحبًا
للحدث لتوضح لـواشنطن قدوم شركة تصنع صواريخ حديثة أكثر ذكاء وأقل تكلفة.

غير أن هذا الهرج والمرج التسويقي لم يبد معقولًا لمهندسي سبيس إكس، الذين كانوا يعملون لما يفوق المائة ساعة أسبوعيًّا لصنع الصاروخ الفعلي الذي ستحتاج
إليه شركة سبيس إكس لتزاول نشاطها. لقد أرادهم " ماسك " أن يفعلوا هذا وأن يصنعوا نموذجًا يبدو مثاليًّا؛ فتم استدعاء المهندسين من تكساس وتكليفهم
بموعد نهائي آخر لكي يصنعوا هذه الأداة ببراعة في أضيق وقت. يقول " هولمان " : " كان هذا عملًا غير مفيد في رأيي؛ لأنه لم يكن يحقق تقدمًا في أي شيء، لكنه
كان سيجعلنا نتلقى الكثير من الدعم من أناس مهمين في الحكومة حسب رأي " إيلون "" .

مــر " هولمــان " بســلسلة مــن التقلبــات التــي رافقــت العمــل لصــالح " ماســك " فــي أثنــاء صــنعه نمــوذج الصــاروخ مــن أجـل الحـدث. كـان هـذا المـهندس قـد فقـد نظارتـه
العادية قبلها بأسابيع عندما انزلقت عن وجهه ووقعت في الأنبوب المخمد للحريق في موقع الاختبار بـتكساس. كان " هولمان " قد تدبر أموره منذ ذلك الحين بأن
ارتدى زوجًا قديمًا من النظارات الطبية الواقية، لكنها فسدت تمامًا عندما خدش العدسات في أثناء محاولته الانحناء أسفل محرك بمصنع سبيس إكس ***** .
ونظرًا لأن " هولمان " لا يملك وقتًا لزيارة طبيب العيون، فقد بدأ يشعر بأن صحته العقلية منهكة: العمل لساعات طويلة، خدش النظارة، حيلة الدعاية... كل
هذا كان كثيرًا جدًّا.

لقد نفَّس عن شعوره هذا ذات ليلة في المصنع، دون أن يدرك أن " ماسك " كان واقفًا بالقرب منه ويمكنه سماع كل شيء. بعدها بساعتين، ظهرت " ماري بيث
براون " ومعها بطاقة تحديد موعد لزيارة إخصائي جراحة العيون بالليزر. وعندما زار " هولمان " ذلك الطبيب، اكتشف أن " ماسك " كان قد وافق بالفعل على دفع
تكلفة العملية. عن هذا يقول " هولمان " : " إن " إيلون " شخص كثير المطالب جدًّا، لكنه يضمن لك إزالة كل العقبات التي تواجهك " . وبعد أن فكر مليًّا في الأمر،
تحمس هو أيضًا للتفكير طويل الأجل وراء خطة " ماسك " الخاصة بواشنطن. يقول " هولمان " : " أعتقد أنه أراد إضفاء عنصر من الواقعية على شركة سبيس
إكس: إذا أوقفت صاروخًا أمام الحديقة الأمامية لمنزل شخص ما، فسيصعب عليه إنكار الأمر " .

لقــد اســتُقبل حــدث واشــنطن اســتقبالًا حسـنًا فـي نـهاية المطـاف، وبعـد حـدوثه بأسـابيع قليلـة، قـامت شـركة سـبيس إكـس بـإعلان مـذهل آخـر: مـع أنـها لـم تطلـق أي
صاروخ بعد، إلا أنها كشفت عن مخططاتها لصنع صاروخ آخر؛ حيث ستصنع " فالكون 5 " ، إلى جانب " فالكون 1 " . كما يوحي اسم هذا الصاروخ، سيمتلك
خمسة محركات وسيتمكن من حمل المزيد من الأوزان، حوالي أربعة أطنان ونصف الطن، إلى مدار منخفض حول " الأرض " . الأهم من ذلك أن
" فــــالكون 5 " ســــيتمكن نظـــريًّا مــن بلــوغ " محطــة الفضــاء الــدولية " فــي بعثــات إعــادة التمــوين أيــضًا... وهــي قــدرة ســتسمح لـــ ســبيس إكــس بتوقــيع بعــض العقــود
الضخمة مع وكالة الفضاء " ناسا " . وفي إشارة إلى هوس " ماسك " بقواعد السلامة، قيل إن الصاروخ يستطيع إكمال بعثاته حتى إن تعطلت ثلاثة محركات من
أصل خمسة، ما كان يعد مستوى من الصلابة المضافة لم يتواجد في السوق منذ عقود.

كانت الطريقة الوحيدة لمجاراة كل هذا العمل هي تنفيذ ما وعدت سبيس إكس به منذ البداية: العمل بروح شركة ناشئة في وادي السيليكون. كان " ماسك "
يبحث دائمًا عن مهندسين أذكياء لم يبلوا بلاءً حسنًا في الجامعة فحسب، بل حققوا شيئًا استثنائيًّا بمواهبهم أيضًا. عندما كان " ماسك " يجد شخصًا مناسبًا،
كان يغريه بلا هوادة لكي ينضم لـ سبيس إكس. على سبيل المثال، قابل " براين جاردنر " " ماسك " لأول مرة في حفل صاخب للعاملين بمجال الفضاء في حظائر
الطائرات بمطار " موهافي " ، وبعدها بفترة وجيزة، بدأ يتحدث عن وجود وظيفة. كانت شركة نورثروب جرومان ترعى بعض أعمال " جاردنر " الأكاديمية. يقول "
جاردنر " : " قال " إيلون " : " سنشتري أبحاثك الأكاديمية " . لذلك، أرسلت له بريدًا إلكترونيًّا مرفقًا به سيرتي الذاتية في الساعة الثانية والنصف صباحًا، ورد
بعدها بنصف ساعة متناولًا كل ما كتبته في سيرتي الذاتية نقطة نقطة. لقد علق قائلًا: " حين تُجري مقابلة العمل، تأكد من أن تتكلم عن عملك بشكل ملموس
بدلًا من أن تستخدم تعبيرات رنانة " . أدهشني أن يكلف نفسه عناء فعل هذا " . بعد تعيين " جاردنر " ، كُلف بتحسين نظام اختبار صمامات المحرك " ميرلن " .
كــان بــه عشــرات الصــمامات، وكــان اختبــار كــل واحــدة يــدويًّا يســتغرق مــن ثــلاث إلــى خمــس ســاعات. لكــن بعــدها بسـتة أشـهر، صـنع " جـاردنر " نظـامًا آلـيًّا لاختبـار
الصمامات في دقائق. كانت آلة الاختبار تتابع كل صمام على حدة، حتى يتمكن مهندس في تكساس من طلب معرفة قياسات جزء معين منها. يقول " جاردنر " : "
لقد تسلمت هذا الصاروخ الذي لم يرد أحد آخر التعامل معه، وأثبتُّ قدراتي الهندسية بواسطته " .

ومــــع وصـــول الموظفــين الجــدد، توســعت شــركة ســبيس إكــس لأبعــد مــن مبنــاها الأصــلي لتمــلأ عــدة مبــان فــي مجمــع إل ســيجوندو. كــان المهندســون يــهرعون لطلــب
برمجيات الحاسوب ولمعالجة ملفات الرسومات الضخمة، وكانوا بحاجة إلى اتصالات فائقة السرعة بين كل هذه المكاتب. لكن شركة سبيس إكس كان لها جيران
يمنعونها من تنفيذ مبادرة لتوصيل كل مبانيها بخطوط الألياف البصرية. وبدلًا من أن يكلف رئيس قسم تكنولوجيا المعلومات " براندن سبايكس " ، الذي عمل مع
" ماسك " بشركتيْ زيب 2 وباي بال، نفسه عناء مفاوضة الشركات الأخرى للحصول على حق استخدام الطريق، ابتكر حلاًّ أسرع وأكثر مراوغة: كان لديه صديق
يعمل لصالح شركة اتصالات قام برسم مخطط يوضح طريقة لحشر أسلاك الشبكات بين أسلاك الكهرباء والكابل والهاتف بأمان داخل عمود الهاتف. أتى طاقم
عمــل غـير رسـمي للشـركة فـي السـاعة الثانيـة صـباحًا ومعـه رافعـة محمولـة، وقـام بتوصـيل خطـوط الأليـاف البصـرية بأعمـدة الـهاتف ثـم بتوصـيل الأسـلاك إلـى مبـانى
شركة سبيس إكس مباشرةً. يقول " سبايكس " : " نفذنا هذا في العطلة الأسبوعية بدلًا من أن نستغرق أشهرًا لنستخرج التصاريح. لطالما كان هناك شعور بأننا
نواجــه تحــديًا مــا لا يمكــن التغلــب عليــه وأن علينــا التحــالف للمحاربــة مــن أجــل مــا نعتقـده " . ضـحك مـالك مبنـى سـبيس إكـس, " آلـيكس ليـدو " ، حـين تـذكر كـل
سلوكيات فريق " ماسك " الغريبة، قائلًا: " أعلم أنهم فعلوا الكثير من الأمور المخالفة ليلًا. كانوا أذكياء، وكانوا بحاجة لإنجاز الأمور، ولم يكن يتسنى لهم دومًا
انتظار أمور مثل تصاريح حاكم المدينة " .

لم يلن " ماسك " قط في طلبه من موظفيه أن ينجزوا أمورًا أكثر وأن يصبحوا أفضل من ذي قبل، سواء في المكتب أو خلال نشاطاتهم الخارجية. لقد تضمن جزء
من واجبات " سبايكس " صنع حواسيب آلية للعب مصممة حسب الطلب لمنزل " ماسك " تجتاز حدود قدرتها الحسابية ويتوجب تبريدها بالماء الجاري في سلسلة من الأنابيب داخل الآلات. عندما ظل أحد تلك الأجهزة يتعطل باستمرار، عرف " سبايكس " أن منزل " ماسك " به خطوط كهرباء سيئة، فركب دائرة كهربية ثانية
مخصصة لغرفة الألعاب ليحل المشكلة. لكن إسداء هذه الخدمة لم يجلب لـ " سبايكس " أية معاملة خاصة من " ماسك " . يقول " سبايكس " : " انهار خادم
البريد الإلكتروني في شركة سبيس إكس ذات مرة، فقال إيلون حرفيًّا: " إياك أن تسمح بحدوث هذا مجددًا! " . كانت لديه طريقة للنظر إلى المرء، أو الحملقة إليه،
وكان يظل ينظر إليه حتى يفهمه " .

كــان " ماســك " قــد حــاول إيجــاد متعــهدين يمكنـهم مجـاراة إبـداع سـبيس إكـس ووتيرتـها السـريعة. علـى سـبيل المثـال، بـدلًا مـن أن يطلـب خـدمات مـن خبـراء مجـال
الطيران والفضاء الجوي، وجد موردين يمتلكون خبرة مماثلة في مختلف المجالات. لقد احتاجت شركة سبيس إكس في المراحل الأولى إلى شخص يصنع خزانات
الوقود، وهي قوام الصاروخ أساسًا، وانتهى المطاف بـ " ماسك " في وسط غرب الولايات المتحدة، يتحدث إلى الشركات التي صنعت خزانات زراعية معدنية ضخمة
تُستخدم في أعمال صناعة منتجات الألبان وتصنيع الغذاء. كافح هؤلاء الموردون أيضًا لمجاراة برنامج سبيس إكس، ووجد " ماسك " نفسه يسافر جوًّا في جميع
أنحاء البلاد للقيام بالزيارات، المفاجئة أحيانًا، للمتعهدين لكي يتفقد التقدم الذي حققوه. وقد حدثت إحدى عمليات التفتيش هذه في شركة في ولاية ويسكونسن
تدعى سبينكرافت؛ حيث سافر " ماسك " وبعض موظفي شركة سبيس إكس بطائرته النفاثة للجانب الآخر من البلاد، ووصلوا في وقت متأخر من الليل متوقعين
رؤية نوبة عمل إضافية يؤدي فيها العمال أعمالهم للانتهاء من خزانات الوقود. لكن حين اكتشف " ماسك " أن " سبينكرافت " لم تف بجدول العمل في الوقت
المحدد، التفت إلى موظف بشركة سبينكرافت وقال له: " أنتم تخدعوننا، وهذا ليس شعورًا جيدًا " . كان " دافيد شميتز " مديرًا عامًّا في شركة سبينكرافت وقال
إن " ماسك " اكتسب شهرة كمفاوض رهيب يتابع الأمور بنفسه بالفعل. يقول " شميتز " : " إذا لم يكن " إيلون " راضيًا، كان المرء يعرف أن الأمور قد تسوء " .
وخلال الأشهر التي تلت ذلك اللقاء، زادت شركة سبيس إكس من قدراتها الداخلية على لحام المعادن لكي تصنع خزانات الوقود بنفسها في إل سيجوندو وتتخلى
عن التعامل مع شركة سبينكرافت.

ثمـة منـدوب مبيعـات آخـر سـافر إلـى شـركة سـبيس إكـس لـيقنع الشـركة بشـراء بعـض معـدات البنيـة التحتيـة التكنولوجيـة. كـان يـؤدي الممارسـة الاعتياديـة لتأسـيس
العلاقــــات التــي يؤديــها منــدوبو المبيعــات منــذ قــرون: أن يــذهب المــرء إلــى المكــان، ويتحــدث لبرهــة، ويتفــهم الطرفــان بعضــهما، ثــم يشــرعان التعــاون فيمــا بينــهما فــي
المستقبل. ولكن " ماسك " كان رافضًا هذا الأمر رفضًا تامًّا. وعن هذا يقول " سبايكس " : " أتى مندوب المبيعات، فسأله " إيلون " عن سبب لقائهما، فرد قائلًا: "
لنطور العلاقات بيننا " ، فرد " إيلون " قائلًا: " حسنًا، سرتني مقابلتك " ، ما عنى ببساطة: " اللعنة! اخرج من مكتبي فورًا! " . كان مندوب المبيعات قد قضى أربع
ساعات في السفر من أجل ما انتهى به المطاف كاجتماع استمر لدقيقتين فقط؛ حيث إن " إيلون " لا يتحمل مثل هذه الأمور بتاتًا فحسب " . كان بوسع " ماسك "
أن يكــون علــى القــدر نفســه مــن الســرعة مــع الموظفــين الــذين لا يـوافون بمعـاييره. يقـول " سـبايكس " : " كثـيرًا مـا كـان يقـول: " كلمـا طـال انتظـارك تنفيـذ قـرار فصـل
أحدهم من العمل، طالت المدة الزمنية التي كان يتعين عليك فيها أن تنفذ القرار " .

كان معظم موظفي شركة سبيس إكس متحمسين لكونهم جزءًا من مغامرة الشركة؛ لذا حاولوا ألا يسمحوا لمطالب " ماسك " المنهكة وسلوكه الفظ أن يؤثر
فيهم. لكن كانت هناك لحظات معينة يتمادى فيها " ماسك " ؛ فكان حشد المهندسين يستشيط غضبًا جماعيًّا كلما لاحظوا أن " ماسك " يزعم للصحافة أنه
صمم الصاروخ " فالكون " بنفسه تقريبًا. إلى جانب هذا، عيَّن " ماسك " طاقمًا لتصوير الأفلام الوثائقية ليتبعه في كل مكان لفترة، فأزعجت هذه اللفتة الوقحة
بشــدة مــن يكــدحون فــي مصــنع ســبيس إكــس؛ حــيث شــعروا بــأن غــرور " ماســك " قــد أثــر فيــه، وأنـه يقـدم شـركة سـبيس إكـس كأنـها تـغزو مجـال الفضـاء، مـع أن
الشركة لم تكن قد قامت بأية عملية إطلاق ناجحة بعد. بالإضافة إلى ذلك، فإن الموظفين الذين أثبتوا وجهة نظرهم بالتفصيل فيما يتعلق بما اعتبرونه عيوبًا في
تصميم الصاروخ " فالكون 5 " أو أدلوا باقتراحات عملية لتسريع الصاروخ " فالكون 1 " قد تم تجاهلهم في كثير من الأحيان أو أسوأ من ذلك. يقول أحد المهندسين:
" ظلت معاملة طاقم العمل سيئة لفترات طويلة من تلك الحقبة. لقد أُجبر العديد من المهندسين البارعين الذين ظن الجميع عدا " الإدارة " أنهم نافعون للشركة
على تركها أو طُردوا طردًا صريحًا بعد أن تلقوا اللوم على أمور لم يفعلوها. ومن ثم، كان إثبات أن " إيلون " قد أخطأ في شيء يعني دق المسمار الأخير في النعش
" .

كــانت بــداية عــام 2004 التــي كــانت ســبيس إكــس تـأمل أن تطلـق صـاروخها فيـها قـد جـاءت وأوشـك العـام علـى الانتـهاء. بـدا محـرك " مـيرلن " الـذي صـنعه " مولـر "
وفريقــه ضــمن أكثــر المحركــات الصــاروخية فاعليــة علــى الإطــلاق، فقــد كــان يسـتغرق مـدة أطـول ممـا تـوقع " ماسـك " فـي اجتيـاز الاختبـارات الضـرورية ليصـبح جـاهزًا
للإطلاق. وأخيرًا، في خريف عام 2004، أصبح المحركان يعملان بثبات ويطابقان كل مواصفاتهما؛ ما عنى أنه قد أصبح بوسع " مولر " وفريقه الاطمئنان وأن على
بقية موظفي سبيس إكس كلهم الاستعداد للمعاناة. كان " مولر " قد قضى فترة عمله في سبيس إكس بأكملها بصفته " المسار الحرج " ، أو الشخص الذي يعطل
الشركة عن تحقيق خطواتها التالية، في أثناء عمله تحت فحص " ماسك " الدقيق " . يقول " مولر " : " ما إن أصبح المحرك جاهزًا حتى حان وقت الإصابة بذعر
جماعي. لم يكن أي أحد آخر يعرف معنى أن أكون على المسار الحرج " .

وسرعان ما عرف الكثيرون هذا، مع تزايد المشكلات الكبرى: تحولت إلكترونيات الطيران، التي شملت إلكترونيات الملاحة والاتصال والإدارة الشاملة للصاروخ، إلى
كابوس، وفشلت أمور تبدو تافهة، مثل جعل وحدة الذاكرة الوميضة تتصل بالحاسوب الرئيسي للصاروخ لأسباب غير معروفة، كما أصبح البرنامج الحاسوبي
اللازم لإدارة الصاروخ عبئًا هائلًا. يقول " مولر " : " كان كأي أمر آخر يكتشف فيه المرء أن العشرة بالمائة الأخيرة منه هي ما تحدث بها عملية التجميع كلها وعدم
توافق الأشياء مع بعضها. استمرت هذه العملية ستة أشهر " . وأخيرًا، في مايو عام 2005، نقلت شركة سبيس إكس الصاروخ لمسافة تبلغ حوالي مائتين وتسعين
كيلومترًا شمال قاعدة فاندنبيرج الجوية لإجراء اختبار تشغيل، وتم العمل لخمس ثوانِ على منصة الإطلاق.

إن إطلاق الصاروخ من قاعدة فاندنبيرج كان سيناسب سبيس إكس بشدة؛ فالموقع قريب من لوس أنجلوس، ويحتوي على عدة منصات للإطلاق لتختار الشركة
واحدة منها. ولكن شركة سبيس إكس أصبحت ضيفًا غير مرغوب فيه: رحبت القوات الجوية الأمريكية بالشركة الجديدة بفتور، ولم يكلف المسئولون عن إدارة
مواقع إطلاق الصواريخ أنفسهم عناء تقديم العون للشركة، كما أن شركتيْ لوكهيد وبوينج، اللتين ترسلان أقمارًا صناعية للتجسس بتكلفة مليار دولار لصالح
القوات المسلحة من قاعدة فاندنبيرج، لم تباليا بوجود سبيس إكس كذلك ... يرجع سبب هذا جزئيًّا إلى كون سبيس إكس تمثل تهديدًا لعملهما، وأيضًا إلى كون
هذه الشركة الناشئة تتنافس مع الشركتين فيما يتعلق بغنيمتهما الثمينة. وعندما بدأت شركة سبيس إكس تنتقل من مرحلة الاختبار إلى مرحلة الإطلاق، طُلب
منها أن تنتظر دورها؛ وهكذا سيتعين عليهم الانتظار لأشهر لكي يطلقوا صاروخهم. تقول " جوين شوتويل " : " مع أنهم منحونا الإذن بإطلاق الصاروخ، كان من
الواضح أننا لن نفعل ذلك " .

قام كل من " شوتويل " و " هانز كوينجسمان " بالبحث عن موقع جديد، بأن علَّقا نموذجًا لخريطة العالم على الحائط وبحثا عن اسم يعرفونه على طول خط
الاستواء، حيث يدور الكوكب أسرع مانحًا الصواريخ دفعة إضافية. كان أول اسم ظهر جليًّا هو جزيرة كواجالين، المشهورة باسم " كواج " ، أكبر جزيرة في الجزر
المرجانيــة الاســتوائية تقــع بــين جزيــرتيْ جــوام وهـاواي فـي المحـيط الـهادي وجزء مـن جزر مارشـال. عـرفت " شـوتويل " هـذا المـوقع لأن القـوات المسـلحة الأمريكيـة كـانت
تستخدمه كموقع لاختبار الصواريخ لعقود من الزمن. لذلك، بحثت " شوتويل " عن اسم عقيد في موقع الاختبار وأرسلت له بريدًا إلكترونيًّا، فاتصلت بها القوات
المســلحة هــاتفيًّا بعـدها بثلاثـة أسـابيع لتخبرهـا بأنـهم سـيسرهم أن تطلـق شـركة سـبيس إكـس صـاروخها مـن تلـك الـجزر؛ لـذلك، بـدأ مهندسـو شـركة سـبيس إكـس
يملأون الحاويات بالمعدات لكي يتم إرسالها إلى كواج في يونيو عام 2005.

إن جزر كواجالين الاستوائية واحدة من حوالي مائة جزيرة، يمتد معظمها لحوالي بضع مئات من الأمتار فقط، ويفوق طولها عرضها. يقول " بيت ووردن " ، الذي
زار الموقع بوصفه مستشارًا لوزارة الدفاع الأمريكية: " يبدو المكان من الجو كما لو كان مجموعة من الخرز الجميل المربوط بخيط " . يعيش معظم سكان المنطقة
علــى جزيــرة تــدعى إيبــاي، فــي حــين اســتولت القــوات المســلحة الأمريكيــة علــى جزيــرة كواجــالين، وهــي الجزيـرة المـوجودة فـي أقصـى الجنـوب، وحـولت نصـفها إلـى جنـة
استوائية والنصف الآخر إلى مخبأ سري. لقد قضت الولايات المتحدة أعوامًا في إطلاق صواريخها الباليستية العابرة للقارات القادمة من كاليفورنيا من كواج، كما
استغلت الجزيرة لإجراء تجارب على أسلحتها الفضائية خلال حقبة " حرب النجوم " . كانت أشعة الليزر تُصوب على كواج في محاولة لمعرفة ما إذا كانت دقيقة
وسريعة الاستجابة بما يكفي لتدمر صاروخًا باليستيًّا عابرًا للقارات مندفعًا باتجاه تلك الجزر. ونتج عن وجود القوات المسلحة إنشاء مجموعة غريبة من المباني
التي تشمل هياكل خرسانية ضخمة على شكل شبه منحرف بلا نوافذ من الواضح أن من تصورها هو شخص يواجه الموت كجزء من عمله.

لكي يصل موظفو سبيس إكس إلى جزيرة كواج، كانوا يستقلون طائرة " ماسك " النفاثة أو الرحلات الجوية التجارية عبر هاواي. وكانت الغرف المستأجرة الرئيسية
عبارة عن غرف مكونة من سريرين على جزيرة كواجالين بدت أشبه بالسكن الجامعي منها إلى غرف الفنادق، بخزائنها ومكاتبها التابعة للقوات المسلحة الأمريكية.
اضطروا إلى نقل أية مواد يحتاج إليها المهندسون جوًّا بطائرة " ماسك " أو جلبها من هاواي أو من الولايات المتحدة بقارب غالبًا. كل يوم، كان طاقم عمل سبيس
إكــس يجمــع معــداته ويســتقل القــارب فـي رحلـة مـدتها خمـس وأربعـون دقيقـة إلـى جزيـرة أومـاليك، وهـي جزيـرة مسـاحتها سـبعة أفـدنة مغطـاة بـالنخيل والنبـاتات
تحولت إلى منصة الإطلاق الخاصة بهم. لقد قام فريق صغير من الأفراد على مدار عدة أشهر بإزالة الشجيرات وصب الخرسانة لدعم منصة الإطلاق وتحويل منزل
متنقل بضعف الحجم العادي إلى مكاتب لهم. كان عملهم مضنيًا وكانوا يؤدونه في جو من الرطوبة الخانقة تحت أشعة الشمس الحارقة بما يكفي لتنفد من
القميص قصير الأكمام وتسفع الجلد. في النهاية، فضَّل بعض العمال قضاء الليل على جزيرة أوماليك بدلًا من قطع رحلة العودة إلى الجزيرة الرئيسية وسط المياه متلاطمــة الأمــواج. يقــول " هولمــان " : " تحــولت بعــض المكــاتب إلــى غــرف نــوم بــها مــرات وأســرَّة خفيفـة نقالـة. بعـد ذلـك، شـحنَّا ثلاجـة جيـدة جـدًّا وشـواية جيـدة إلـى
هناك، وركبنا حمامًا. لقد حاولنا جعل الأمر أشبه بالإقامة منه إلى التخييم " .

كــانت الشــمس تشــرق فــي الســابعة صــباحًا كــل يــوم، عنــدها كــان فـريق سـبيس إكـس يبـدأ عملـه. كـانت سـلسلة مـن الاجتمـاعات تقـام لكـي يسـرد النـاس مـا يتـوجب
إنجازه، ويناقشون حلولًا لمشكلات عالقة. وعند وصول الهياكل الضخمة، كان العمال يضعون جسم الصاروخ أفقيًّا في حظيرة مؤقتة ويقضون ساعات في دمج
كل أجزائه معًا. يقول " هولمان " : " كان هناك شيء نفعله دائمًا. وإذا لم تكن هناك مشكلة في المحرك، تكون هناك مشكلة في إلكترونيات الطيران أو برمجيات
الحاسوب " . كان العمال ينهون عملهم في السابعة مساءً. يقول " هولمان " : " كان شخص أو شخصان يقرران أنهما سيطهوان الطعام للباقين تلك الليلة، وكانا
يعدان شريحة اللحم والبطاطا والمعكرونة. بالإضافة إلى هذا، كانت لدينا مجموعة من الأفلام ومشغل أقراص فيديو رقمية، وكان بعضنا يصطاد كثيرًا من على
أرصفة الميناء " . لقد كانت هذه تجربة مجهدة وسحرية على حد سواء بالنسبة للعديد من المهندسين. يقول " والتر سيمز " ، خبير فني بشركة سبيس إكس وجد
وقتًا لاستخراج رخصة للغوص في أثناء تواجده في جزر كواج: " كان بوسعي أن أشعر بالراحة في شركة بوينج، لكن هذا لم يكن ليحدث في شركة سبيس إكس.
كان كل من على الجزيرة نابغة، وكانوا دائمًا يقيمون الندوات العلمية عن أجهزة الإرسال أو عن المحركات. لقد كان مكانًا محفزًا جدًّا " .

كان المهندسون في حيرة دائمة من أمرهم بشأن ما سوف يموله " ماسك " وما لن يموله. حين كانوا في المقر الرئيسي للشركة، كان أحد الموظفين يطلب شراء آلة
بمائتيْ ألف دولار أو قطعة ثمينة يعتبرها أساسية لنجاح الصاروخ فالكون 1، وكان " ماسك " يرفض ذلك الطلب. ومع ذلك، كان مرتاحًا تمامًا لإنفاق مبلغ مماثل
من المال لوضع طبقة سطحية لامعة على أرضية المصنع ليبدو جميلًا. لكن في جزيرة أوماليك أراد العمال تمهيد طريق يمتد لحوالي مائة وثلاثة وثمانين مترًا ويربط
بــين حظــيرة الصــواريخ ومنصــة الإطــلاق لتســهيل نقــل الصــاروخ، فــرفض " ماســك " ؛ مـا جعـل المهندسـين ينقلـون الصـاروخ والـهيكل الـداعم ذي العجـلات بطريقـة
قدماء المصريين: كانوا يلقون سلسلة من الكتل الخشبية ويدحرجون الصاروخ عبرها، ثم يمسكون بآخر كتلة من الخشب في الخلف وينقلونها للأمام بسرعة في
دورة مستمرة.

كان الوضع برمته سخيفًا: شركة جديدة لتصنيع الصواريخ انتهى بها المطاف في مكان قصي تحاول النجاح في أحد أصعب الإنجازات التي تعرفها البشرية، والحق
يُقال إن حفنة من أفراد فريق سبيس إكس فقط هم من كانوا يعرفون كيفية إطلاق الصواريخ. في مرات كثيرة كانوا يسيرون بالصاروخ إلى منصة الإطلاق ويرفعونه
رأسيًّا لبضعة أيام، بينما تكشف الفحوصات الفنية وفحوصات السلامة عن قائمة مطولة من المشكلات الجديدة. كان المهندسون يعملون على الصاروخ لأطول
فترة ممكنة، بعدها يرقدونه أفقيًّا ويعيدونه إلى حظيرة الصواريخ لتجنب تعرضه للضرر جراء الهواء الملحي. لقد ضُغطت الفرق التي ظلت تعمل بشكل منفصل
في مصنع سبيس إكس طوال أشهر، في مجالات الدفع وإلكترونيات الطيران وبرمجيات الحاسوب، معًا على الجزيرة وأُجبرت على أن تصبح وحدة كاملة متعددة
التخصصات؛ فكان الناتج تمرينًا صارمًا للترابط والتعلم سار كسلسلة من الأخطاء الكوميدية. يقول " هولمان " : " كان الأمر أشبه بالمسلسل الكوميدي Gilligan ’
s Island لكن بالصواريخ " .

وبعد حوالي ستة أشهر من وصول فريق شركة سبيس إكس للجزيرة لأول مرة، في نوفمبر عام 2005، شعروا بأنهم مستعدون لتجربة عملية إطلاق الصواريخ؛
فسافر " ماسك " برفقة أخيه " كيمبال " لينضم لغالبية فريق سبيس إكس في ثكنات كواج. وفي السادس والعشرين من نوفمبر، استيقظت حفنة من الأفراد في
الثالثة صباحًا وقاموا بملء الصاروخ بالأكسجين السائل، ثم فروا إلى جزيرة تبعد حوالي خمسة كيلومترات للاحتماء فيها، بينما قام بقية فريق سبيس إكس
بمراقبــــة أنظمــــة الإطــــلاق مــن غرفــة تحكــم تبعــد عــن كــواج بحوالــي اثنــين وأربعــين كــيلومترًا. قــد منحــت القــوات المســلحة ســبيس إكــس مــهلة ســت ســاعات لإطــلاق
الصاروخ. كان الجميع يأملون رؤية المرحلة الأولى تنطلق وتبلغ سرعة أحد عشر ألفًا وأربعة وعشرين كيلومترًا بالساعة قبل أن تفسح المجال للمرحلة الثانية، التي
سيشتعل محركها في الهواء لتبلغ سرعتها حوالي سبعة وعشرين ألفًا وثلاثمائة وتسعة وخمسين كيلومترًا في الساعة. لكن المهندسين لاحظوا مشكلة ضخمة في
أثنــاء إجرائــهم فحوصــات مــا قبــل الإطــلاق: كــان هنــاك صــمام فـي خزان الأكسـجين السـائل لا ينغلـق، وكـان الأكسـجين السـائل (المعـروف اختصـارًا بــ LOX ) يغلـي فـي
الــهواء بســرعة حوالــي ألــف وثمانمائــة وثلاثـة وتسـعين لتـرًا فـي السـاعة. تـدافع مهندسـو سـبيس إكـس لإصـلاح المشـكلة، لكنـهم كـانوا قـد فقـدوا كميـة كبـيرة جـدًّا مـن
الوقود لا تسمح بإطلاق الصاروخ قبل نهاية المهلة المحددة.

وبعد إلغاء المهمة، أمرت سبيس إكس بإرسال تعزيزات ضخمة من الأكسجين السائل من هاواي واستعدت لإجراء محاولة أخرى في منتصف شهر ديسمبر. لكن
الرياح العاتية والصمامات المعيبة وغيرها من الأخطاء أحبطت محاولة الإطلاق تلك. وقبل أن تتمكن سبيس إكس من إجراء محاولة أخرى، اكتشفت ذات ليلة
سبت أن أنظمة توزيع الطاقة في الصاروخ بدأت تتعطل وأنها تحتاج لمكثفات جديدة. وفي صباح يوم الأحد التالي، تم إنزال الصاروخ وفصل مرحلتيه لكي يتمكن
فني من إدخال نفسه فيهما بسهولة لكي يزيل اللوحات الكهربية. وجد أحد الأشخاص موردًا للأجهزة الإلكترونية يفتح أبوابه يوم الأحد في مينيسوتا، فسارع أحد
موظفي سبيس إكس بالسفر إلى هناك لشراء بعض المكثفات الجديدة، وعاد إلى كاليفورنيا بحلول يوم الاثنين واختبر القطع في المقر الرئيسي لشركة سبيس إكس
ليتأكــد مــن اجتيــازها فحوصــات الحــرارة والاهــتزاز المختلفــة، ثــم اســتقل الطــائرة مجــددًا عائــدًا إلــى الــجزر. عــادت الأجــهزة الإلكترونيــة صـالحة للاسـتخدام ورُكبـت فـي
الصاروخ في أقل من ثمانين ساعة. لقد برهن الانطلاق ذهابًا وإيابًا إلى الولايات المتحدة أن فريق سبيس إكس المكون من ثلاثين شخصًا يمتلك شجاعة حقيقية في
مواجهة المحن، ما ألهم كل من على الجزيرة. إن أي طاقم عمل تقليدي مكون من ثلاثمائة شخص يعمل في عمليات إطلاق الصواريخ بمجال الطيران والفضاء
الجوي كان من المستحيل أن يحاول إصلاح الصاروخ بسرعة هكذا. ولكن طاقة فريق سبيس إكس وذكاءه وسعة حيلته لم تستطع التغلب على انعدام خبرته أو
على الظروف الصعبة المحيطة به؛ فظهرت مشكلات أخرى منعته تمامًا من التفكير في إطلاق الصاروخ.

وأخــيرًا أصــبح كــل شــيء جــاهزًا فــي الــرابع والعشـرين مـن مـارس عـام 2006. وقـف الصـاروخ " فـالكون 1 " علـى منصـة إطلاقـه المربعـة واشـتعل محركـاه، ثـم حلـق فـي
الفضاء، محولًا الجزيرة أسفله إلى نقطة خضراء وسط مساحة شاسعة زرقاء. أما في غرفة التحكم، فكان " ماسك " يذرع المكان جيئةً وذهابًا في أثناء مشاهدته
الحــدث، وكــان مرتــديًا ســروالًا قصــيرًا وصــندلًا وقمــيصًا قصــير الأكمـام. وبعـدها بحوالـي خمـس وعشـرين ثانيـة، أصـبح واضـحًا أن كـل شـيء لـيس علـى مـا يـرام. لقـد
اندلعت النيران فوق المحرك " ميرلن " ، وبدأت الآلة التي كانت تطير بشكل مستقيم وسوي في الدوران، تقع وقوعًا تتعذر السيطرة عليه عائدة إلى الأرض. انتهى
المطــاف بــأن وقــع الصــاروخ " فــالكون 1 " علــى مــوقع الإطــلاق مباشــرةً، وســقطت معظــم حطامــه علــى شــعاب بحريــة تبعــد ســتة وســبعين متـرًا عـن منصـة الإطـلاق،
واصــطدم القمــر الصــناعي الــذي كــان يحملــه بســقف ورشــة تصــنيع الآلات التابعــة لشــركة سـبيس إكـس وهبـط سـليمًا تقـريبًا علـى أرضـيتها. ارتـدى بعـض المهندسـين
معدات السباحة بأنبوبة التنفس والغوص تحت الماء الخاصة بهم ليستعيدوا قطع الصاروخ، ووضعوا كل بقايا الصاروخ في صندوقين بحجم الثلاجة. لقد كتب "
ماسك " في خطاب تالٍ للحادثة: " لعل الجدير بالذكر أن شركات إطلاق الصواريخ التي نجحت في ذلك قد واجهت الصعوبات وتقبلتها خلال سير الأحداث. لقد
أرسل لي أحد أصدقائي خطابًا ليذكرني بأن خمس عمليات إطلاق فقط من أصل العمليات التسع الأولى لإطلاق الصاروخ بيجاسوس قد نجحت؛ وثلاث عمليات
إطــلاق مــن أصــل خمــس للصـاروخ آريـان؛ وتسـع عمليـات مـن أصـل عشـرين للصـاروخ أطلـس؛ وتسـع عمليـات مـن أصـل إحـدى وعشـرين للصـاروخ سـويوز؛ وتسـع
عمليات من أصل ثماني عشرة للصاروخ بروتون. وبما أنني اختبرت بنفسي صعوبة جعل الصاروخ يبلغ المدار المحدد، أصبحت أكن الكثير من الاحترام لمن ثابروا
لإنتاج مركبات تشكل أساس عمليات إطلاق المركبات الفضائية في يومنا هذا " ، واختتم " ماسك " خطابه قائلًا: " ستظل شركة سبيس إكس في هذا المجال لفترة
طويلة، وسنجعل الأمر ينجح، مهما كانت الصعوبات " .

ألقى " ماسك " والموظفون التنفيذيون الآخرون بشركة سبيس إكس لوم تحطم الصاروخ على فني مجهول، وقالوا إن ذلك الفني كان قد قام ببعض التعديلات
على الصاروخ في اليوم السابق لعملية الإطلاق، وأخفق في إغلاق تجهيزات ربط موجودة على أنبوبة الوقود بإحكام، ما سبب تصدُّع تجهيزات الربط تلك. لقد كانت
تجهيزات الربط قيد النقاش شيئًا بسيطًا... صامولة مبرومة من نوع " ب " مصنوعة من الألمونيوم تستخدم كثيرًا للربط بين زوجين من الأنابيب. كان ذلك الفني هو
" هولمان " . وسافر " هولمان " إلى لوس أنجلوس في أعقاب تحطم الصاروخ لكي يواجه " ماسك " مباشرةً؛ فقد قضى أعوامًا في العمل ليلًا ونهارًا على الصاروخ "
فالكون 1 " ، وشعر بالحنق لأن " ماسك " ذكر اسمه واسم فريقه علنًا. كان " هولمان " يعلم أنه ربط الصامولة " ب " ربطًا صحيحًا، وأنه كان هناك مراقبون من
وكالة ناسا يراقبونه ليتفقدوا عمله. وعندما اقتحم " هولمان " المقر الرئيسي لشركة سبيس إكس وأعرب عن حنقه الشديد، حاولت " ماري بيث براون " تهدئته
ومنعه من مقابلة " ماسك " ، لكن " هولمان " استمر على أية حال، وبدأت مشادة كلامية تندلع بينهما في حجيرة عمل " ماسك " .

لقد اتضح بعد تحليل كل أجزاء الحطام أن الصامولة " ب " كانت قد تصدَّعت في الغالب نتيجة صدئها جراء تعرضها لجو جزيرة كواج المالح لمدة أشهر. يقول "
مولر " : " كان الصاروخ مكسوًّا بالملح في أحد جوانبه بكل معنى الكلمة، واضطررنا لكشطه. لكننا كنا قد قمنا بعملية إطلاق ثابت للصاروخ قبلها بثلاثة أيام، وكان
كــل شــيء علــى مــا يــرام " . كــانت شــركة ســبيس إكــس قــد حــاولت توفــير حوالــي ثلاثــة وعشــرين كـيلوجرامًا مـن وزن الصـاروخ بـأن اسـتخدمت مكونـات مصـنوعة مـن
الألمونــيوم بــدلًا مــن الفــولاذ المقــاوم للصــدأ. كــان الجنــدي الســابق فــي مشــاة البحريــة الأمريكيــة " تومبســون " قــد رأى القطــع المصــنوعة مــن الألمونــيوم تعمــل جيــدًا فــي
المروحيات الموضوعة على حاملات الطائرات، وكان " مولر " قد رأى طائرة مستقرة خارج كيب كانافيرال لأربعين عامًا بها صواميل من النوع " ب " مصنوعة من
الألمونيوم في حالة جيدة. وظلت الطريقة التي عومل بها " هولمان " وفريقه تُحزن عددًا من الموظفين التنفيذيين بشركة سبيس إكس حتى بعدها بأعوام. يقول "
مولر " : " هؤلاء كانوا أفضل عاملينا، وقد تلقوا اللوم من أجل إعطاء العالم حلًّا. كانت هذه فكرة سيئة جدًّا، وعرفنا في وقت لاحق أن هذا كان بمحض المصادقة
" . ******
بعد حادثة تحطم الصاروخ، قام أفراد الفريق باحتساء الشراب كثيرًا في حانة على الجزيرة الرئيسية. أراد " ماسك " إطلاق الصاروخ مرة أخرى في غضون ستة
أشهر، لكن تجميع صاروخ جديد كان سيتطلب بذل قدر هائل من الجهد مرة أخرى. كانت شركة سبيس إكس قد جهزت بعض قطع المركبة في إل سيجوندو، لكن
ليس صاروخًا جاهزًا للانطلاق بالتأكيد. لقد قطع المهندسون عهدًا في أثناء إحدى استراحاتهم باتخاذ نهج أكثر انضباطًا بالمركبة التالية التي سيصنعونها وبتحسين
عملهم الجماعي. أمل " ووردن " أن يرفع مهندسو سبيس إكس مستواهم كذلك؛ فقد كان يراقبهم لصالح وزارة الدفاع الأمريكية، وأُعجب بحيوية المهندسين
الشباب لكنه لم يُعجب بمنهجيتهم. يقول " ووردن " : " كان الأمر يُنفذ كما تبتكر مجموعة من الصبية البرمجيات الحاسوبية في وادي السيليكون: كانوا يظلون
ساهرين طوال الليل يجربون هذا وذاك. لقد رأيت المئات من مثل هذا النوع من العمليات، وبدا لي أن هذا لن يفلح " . حاول " ووردن " تحذير " ماسك " في المرحلة
السابقة لعملية الإطلاق بأن أرسل رسالة أوضح فيها آراءه التي وجهها له ولمدير وكالة مشاريع البحوث المتطورة الدفاعية (المعروفة اختصارًا بـ DARPA )، وهي
الذراع البحثية لوزارة الدفاع الأمريكية. يقول " ووردن " : " لم يكن رد فعل " إيلون " جيدًا، فقد قال لي: " ماذا تعرف أنت؟ أنت مجرد عالم فلك " . لكن بعد
انفجار الصاروخ، أوصى " ماسك " بأن يجري " ووردن " تحقيقًا لصالح الحكومة. يقول " ووردن " : " أنسب الفضل في هذا الأمر إلى " إيلون " بشدة " .

وبعــدها بعــام واحــد بالضــبط تقــريبًا، أصـبحت شـركة سـبيس إكـس مسـتعدة لتجربـة عمليـة إطـلاق أخـرى. لقـد حـدثت تجربـة إطـلاق ناجحـة فـي الخـامس عشـر مـن
مــارس عــام 2007، ثــم أحســن الصــاروخ " فــالكون 1 " التصــرف أخــيرًا فــي الــرابع والعشــرين مــن مــارس؛ حــيث ارتفــع متجــهًا إلـى الفضـاء مـن منصـة إطلاقـه المحاطـة
بالنخيل، وطار لبضع دقائق بينما كان المهندسون يعلنون بين الفينة والأخرى أن الأنظمة " تعمل بشكل مقبول " ، أو أنها في حالة جيدة. وبعد مرور ثلاث دقائق
مــن الرحلــة، انفصــلت المرحلــة الأولــى مــن الصــاروخ وســقطت عائــدة إلــى الأرض، ثــم بــدأ المحــرك " كيســتريل " عملــه كمــا هــو مخطــط لكــي يحمــل المرحلــة الثانيــة إلــى
مــدارها؛ فــدوت هتــافات الابتــهاج الغــامر مــن غرفــة التحكــم. وبعــدها، انفصــلت ألــواح التغطيــة الانســيابية فــوق الصــاروخ بعــد مــرور أربــع دقــائق بالضــبط كمـا هـو
مخطــط. يقــول " مولــر " : " كــان يفعــل مــا يُفتــرض بــه فعلــه بالضــبط. كنــت جــالسًا بجــوار " إيلــون " ، فنظــرت إليــه قــائلًا: " لقــد نجحنـا! " ، وتعـانقنا معتقـدين أنـه
سينجح في الوصول إلى مداره. بعدها، بدأ يهتز " .
لقد تسنى لمهندسي شركة سبيس إكس أن يشعروا بأنهم أصابوا في كل شيء لأكثر من خمس دقائق مجيدة. صُوبت كاميرا على متن الصاروخ " فالكون 1 " إلى
الأسفل، وعرضت كوكب الأرض بينما يتضاءل تدريجيًّا مع انطلاق الصاروخ في طريقه إلى الفضاء. غير أن ذلك الاهتزاز الذي لاحظه " مولر " تحول إلى تصارع، ثم
ضعفت الآلة تدريجيًّا، وبدأت تتفكك، ثم انفجرت. اكتشف مهندسو شركة سبيس إكس الخطب بسرعة هذه المرة: مع استنفاد الطاقة الدافعة، بدأ ما تبقى منها
يتحرك في كل أنحاء خزان الوقود بعنف مرتطمًا بالجوانب، كما الشراب الفوار الذي يدور في الكأس، فأحدثت الطاقة الدافعة المتخضخضة الاهتزاز، وفي مرحلة
ما، انطلقت الطاقة الدافعة بما يكفي لتعرض فتحة في المحرك للهواء، فانطفأ المحرك عندما شفط كمية كبيرة من الهواء.

كان ذلك الفشل بمثابة ضربة ساحقة أخرى لمهندسي شركة سبيس إكس الذين قضى بعضهم ما يقرب من العامين في قطع المسافة ذهابًا وإيابًا بين كاليفورنيا
وهــاواي وكــواج. وعنــدما تتمكــن ســبيس إكــس مــن تجربــة عمليــة الإطــلاق مــرة أخــرى، ســتكون قــد مــرت أربعــة أعــوام علــى الموعــد الأصــلي الـذي حـدده " ماسـك " ،
وستكون الشركة تستنفد ثروته التي جناها من الإنترنت بمعدل مُقلق. لقد تعهد " ماسك " علنًا بأنه سيتابع هذا الأمر حتى النهاية، لكن الناس داخل الشركة
وخارجها كانوا يجرون حسابات تقريبية، وكان بوسعهم معرفة أن شركة سبيس إكس تستطيع تحمل تكلفة إجراء محاولة واحدة إضافية على الأرجح... أو ربما
محاولتين. مع أن فداحة الموقف المالي أفقدت " ماسك " ثقته بنفسه، إلا أنه نادرًا جدًّا ما كان يُظهر هذا أمام موظفيه. يقول " سبايكس " : " أحسن " إيلون "
صنعًا بعدم إثقال كاهل الناس بعبء تلك المخاوف. لطالما تكلم عن أهمية العمل بفاعلية والنجاح، لكنه لم يقل قط: " إذا فشلنا، فسينتهي أمرنا " . لقد كان
شديد التفاؤل " .

بدا أن تلك الإخفاقات لا تفعل شيئًا تقريبًا لتقيد رؤية " ماسك " للمستقبل أو لتثير الشكوك حول قدراته. لقد قام بجولة في الجزر برفقة " ووردن " في خضم هذه
الفوضى، وبدأ يفكر بصوت عالٍ في كيفية توحيد الجزر لتصبح قطعة واحدة من اليابسة، واقترح بناء جدران عبر القنوات الصغيرة الرابطة بين الجزر، بحيث يمكن
ضــــخ الميــــاه خارجــها بنفــس طريقــة الأنظمــة الصــناعية المــوجودة فــي هولنــدا؛ فانجــذب " ووردن " لتظــاهر " ماســك " بالشــجاعة، حــيث إنــه يشــتهر هــو أيــضًا بــأفكاره
المختلفــــة والمســــتغربة. يقــــول " ووردن " : " كونــــه يفكــر فــي تلــك الأمــور هــو أمــر رائــع. بــدءًا مــن تلــك المرحلــة فصــاعدًا، تناقشــنا مــعًا بشــأن الــهبوط علــى كــوكب المــريخ
واستيطانه. أعجبني حقًّا كونه رجلًا طموحًا " .

* حينما سمع " زوبرين " وبعض المهووسين بالفضاء الآخرين بمشروع " ماسك " الخاص بالنباتات، انزعجوا من هذا. وعن هذا يقول " زوبرين " : " لم يكن الأمر
منطقيًّا ألبتة. كان أمرًا رمزيًّا بحتًا، وبمجرد فتحهم باب الدفيئة، كانت ملايين الميكروبات ستتسرب وستُنزل كارثة بكل بروتوكولات ناسا لمكافحة التلوث " .

** معظــم القصــص المــدونة عــن " ماســك " التــي تتنــاول هــذه الفتــرة تقــول إنــه ســافر إلــى موســكو ثــلاث مــرات. لكــن هـذا لـيس صـحيحًا بحسـب سـجلات " كـانتريل "
المفصلة؛ فقد التقى " ماسك " بالروس مرتين في موسكو ومرة في مدينة باسادينا بولاية كالفورنيا. كما التقى بالمسئولين في شركة أريانسبيس في باريس وشركة
سوري ساتالايت تكنولوجي المحدودة في لندن، التي فكر " ماسك " في شرائها.

*** كان " بازا " يعرف عمل " هولمان " بشركة بوينج، وكان من أقنعه بالانضمام لشركة سبيس إكس بعد حوالي ستة أشهر من بدء الشركة لعملها.

**** تشمل كتلة ضخمة من النحاس يبلغ وزنها حوالي خمسمائة وتسعين كيلوجرامًا.

***** استخدم " هولمان " ثقابة عمودية لإزالة وقاء السلامة من النظارة قبل عودته إلى " إل سيجوندو " . لقد قال: " لم أرد أن أبدو غريب الأطوار في أثناء رحلة
عودتي للموطن " .

****** استقال " هولمان " من عمله بالشركة بعد هذه الحادثة في نوفمبر عام 2007، ثم عاد لفترة لكي يدرب الموظفين الجدد. لقد صرح لي عدد من الأشخاص
الذين أجريت معهم مقابلة من أجل تأليف هذا الكتاب بأن " هولمان " كان مهمًّا في الأيام الأولى من شركة سبيس إكس وأنهم كانوا يخشون أن تفشل الشركة
فشلًا ذريعًا دونه.
7

?

?

سيارات كهربية بالكامل

لدى " جيه. بي. ستراوبيل " ندبة بطول خمسة سنتيمترات في منتصف خده الأيسر . لقد حدثت له خلال تجربة في حصة الكيمياء بالمدرسة الثانوية، عندما أعد
مزيجًا خاطئًا من المواد الكيميائية، فانفجرت الكأس الزجاجية التي كان يمسكها وقذفت بشظايا زجاجية، شقت إحداها وجهه.

ظل هذا الجرح باقيًا كوسام شرف لشخص غير خبير يحاول إصلاح الأشياء - كان هذا قرب نهاية مرحلة الطفولة المليئة بالتجارب الخاصة بالمواد الكيميائية والآلات.
وُلــــد " ســــتراوبيل " فــــي ولايـــة ويســكونسن، وشــيد مختبــرًا كيميــائيًّا ضــخمًا فــي قبــو مــنزل عائلتــه تضــمن كمــامات للأبخــرة ومــواد كيميائيــة تــم طلبــها أو اقتراضــها أو
اختلاسها. حينما كان " ستراوبيل " في عمر الثالثة عشرة، وجد عربة جولف قديمة في مكب النفايات، فعاد بها إلى منزله وأعادها صالحة للعمل، وهو ما تطلب
منه صنع محرك كهربائي. لقد بدا أنه دائمًا يفكك شيئًا ليصلحه ثم يعيد تجميعه. كل هذا يلائم تقاليد عائلة " ستراوبيل " الخاصة بمبدأ " افعلها بنفسك " . إن
جــد " ســتراوبيل " الأكبــر قــد أســس شـركة سـتراوبيل لـلآلات فـي أواخـر التسـعينيات مـن القـرن التاسـع عشـر، التـي صـنعت أحـد أوائـل محركـات الاحتـراق الـداخلي فـي
الولايات المتحدة واستخدمتها لتشغيل القوارب.

إن حس " ستراوبيل " الفضولي قد حمله غربًا إلى جامعة ستانفورد، التي التحق بها عام 1994 لأنه كان ينوي أن يصبح عالمًا فيزيائيًّا. وبعد أن اجتاز بسرعة أصعب
الصفوف التي أمكنه دراستها على الإطلاق، استنتج أن التخصص في الفيزياء لن يناسبه؛ فقد كانت الصفوف المتقدمة نظرية أكثر من المطلوب، وكان " ستراوبيل "
يحب أن ينفذ التجارب بنفسه؛ فطور تخصصًا خاصًّا به يدعى أنظمة الطاقة والهندسة. وعن هذا يقول " ستراوبيل " : " أردت استغلال البرمجيات الحاسوبية
والكهرباء واستخدامهما في التحكم في الطاقة. كانت عبارة عن حوسبة ممزوجة بإلكترونيات القوى. لقد جمعت كل الأمور التي أحب فعلها في مكان واحد " .

لم تكن هناك حركة مؤيدة للطاقة النظيفة في ذلك الوقت، لكن كانت هناك شركات تجرب استخدامات جديدة للطاقة الشمسية والمركبات الكهربية. انتهى المطاف
بـ " ستراوبيل " بمطاردة تلك الشركات الناشئة والتسكع في مرآبها ومضايقة مهندسيها. لقد بدأ يصلح الأشياء وحده مرة أخرى كذلك في مرآب منزل تشاركه مع
ستة أصدقاء. اشترى " ستراوبيل " " سيارة رديئة جدًّا طراز بورش " مقابل ألف وستمائة دولار وحولها إلى سيارة كهربية؛ ما عنى أنه اضطر لصنع جهاز تحكم
لإدارة المحــرك الكــهربائي وصــنع شــاحن للبطاريــة مــن الصــفر وكتابــة البرمجيــات التــي جعلــت الآلــة كلــها تعمــل. لقــد حققــت الســيارة الـرقم القياسـي العـالمي لسـرعة
المركبات الكهربية (المعروفة اختصارًا
بـ EV ) بأن قطعت مسافة أربعمائة واثنين من الأمتار في 17.28 ثانية. يقول " ستراوبيل " : " إن المعلومة الجديدة التي استقيتها من هذا الأمر هي أن الإلكترونيات
رائعــة، ويمكــن الحصـول علـى السـرعة بميزانيـة محـدودة، لكـن البطـاريات كـانت مريعـة؛ كـان مـداها ثمانيـة وأربعـين كـيلومترًا، لـذلك تعلمـت مباشـرةً بعـض أوجـه
قصور المركبات الكهربية " . لقد منح " ستراوبيل " سيارته دَفعة هجينة بأن صنع لها آلة غريبة الشكل تعمل بالوقود يمكن جرها خلف السيارة طراز " بورش "
واستخدامها لإعادة شحن البطاريات، وكانت جيدة بما يكفي ليقود " ستراوبيل " السيارة طوال رحلة الذهاب والإياب إلى لوس أنجلوس, التي تبلغ ستمائة وثلاثة
وأربعين كيلومترًا.

وبحلــول عــام 2002، كــان " ســتراوبيل " يقــيم فــي لــوس أنجلــوس. كــان قــد نــال شــهادة الماجســتير مــن جامعــة ســتانفورد، وتنقــل بــين بضــع شــركات بحـثًا عـن شـيء
يسترعي انتباهه، ثم قرر العمل بشركة روزين موتورز للسيارات، التي كانت قد صنعت إحدى أوائل المركبات الهجينة في العالم ... وهي سيارة كانت تعمل بحدافة
وتوربين غاز ولها محركات كهربية لدفع الإطارات. وبعد أن أغلقت أبوابها، اتبع " ستراوبيل " " هارولد روزين " ، وهو مهندس اشتهر باختراع القمر الصناعي ذي
المــــدار الجغــــرافي الثــــابت، لصــــنع طـــائرة كــهربية. يقــول " ســتراوبيل " : " أنــا طيــار وأحــب الطــيران؛ لــذا كــان هــذا مثــاليًّا بالنســبة لــي. كــانت الفكــرة أنــها ســتظل طــائرة
لأسبوعين في كل مرة، وتحلِّق فوق بقعة معينة. كان هذا قبل اختراع الطائرات بدون طيار وكل هذا قبل وقت طويل " . ولكي يدعم " ستراوبيل " نفسه ماديًّا،
عمل ليلًا وفي العطلات الأسبوعية بوظيفة مستشار إلكترونيات لصالح شركة ناشئة.

ووسط كدح " ستراوبيل " المستمر في كل تلك المشروعات، أتى أصدقاؤه القدامى من فريق جامعة ستانفورد المعني بتصنيع السيارات التي تعمل بالطاقة الشمسية
لزيارته. كانوا مجموعة مهندسين مارقين من جامعة ستانفورد يعملون على السيارات التي تعمل بالطاقة الشمسية منذ أعوام، بأن يصنعوها في أكواخ متنقلة من
نــــوع كوونســــيت تعــــود لحقبــــة الحـــرب العالميــة الثانيــة مليئــة بــالمواد الكيميائيــة الســامة وعنــاكب الأرملــة الســوداء. لقــد حــاولت جامعــة ســتانفورد إيقــاف عمــل تلــك
المجموعة من المهووسين بالعلوم وعباقرة الحاسوب، على عكس ما يحدث في يومنا هذا، حيث تسارع الجامعات بانتهاز فرصة دعم مثل هذه المشروعات، إلا أن
أولئك الطلاب برهنوا على كونهم قادرين تمامًا على القيام بالعمل وحدهم، وتنافسوا في سباقات السيارات التي تعمل بالطاقة الشمسية في مختلف أنحاء البلاد.
ساعد " ستراوبيل " في صنع تلك المركبات خلال فترة تواجده بالجامعة وبعدها حتى، وكوَّن علاقات مع المجموعة الجديدة من المهندسين. كان الفريق قد تسابق
لتوه لمسافة ثلاثة آلاف سبعمائة وكيلومتر واحد من شيكاغو إلى لوس أنجلوس، فقدم " ستراوبيل " للصبية المفلسين المرهقين مكانًا للمبيت؛ فأتى حوالي ستة
طلاب لمنزله، وأخذوا أول حمام لهم منذ عدة أيام، ثم افترشوا أرضية منزله. وفي أثناء حديث " ستراوبيل " وفريق السيارات التي تعمل بالطاقة الشمسية ليلًا،
ظلــــوا يــــركزون تــــركيزًا مــــهووسًا علــــى موضــــوع واحــــد: لقــد أدركــوا أن البطــاريات المصــنوعة مــن اللــيثيوم أيــون، مثــل تلــك المــوجودة فــي ســيارتهم التــي تغــذيها الطاقــة
الشــمسية، قــد أصــبحت أفضــل بكثــير ممــا يــدرك غالبيــة النــاس. كــانت العــديد مـن الأجـهزة الإلكترونيـة الاسـتهلاكية، مثـل الحواسـيب المتنقلـة، تعمـل بمـا يسـمى "
بطاريات ليثيوم أيون 18650 " ، التي تشبه كثيرًا البطاريات العادية ويمكن ربطها ببعضها. يعلق " ستراوبيل " قائلًا: " تساءلنا عما سيحدث إذا وضعنا عشرة
آلاف خليــة مــن خلايــا هــذه البطاريــة مــعًا؛ فــأجرينا الحســابات وعرفنــا أن هــذا يمكِّننــا مــن قطــع ألــف ســتمائة وتســعة كــيلومترات تقــريبًا. كــان هـذا هـراء، وقـد خلـد
الجميع للنوم في النهاية، لكن الفكرة ظلت تراودني " .

وسرعان ما كان " ستراوبيل " يلاحق طاقم العمل على صنع السيارة التي تعمل بالطاقة الشمسية، ويحاول أن يقنعهم بصنع سيارة كهربية تعتمد على البطاريات
المصنوعة من الليثيوم أيون. كان يسافر إلى بالو آلتو، ويقضي الليلة نائمًا في طائرته، ثم يستقل دراجة هوائية إلى حرم جامعة ستانفورد ليقوم بعرضه الترويجي
خــلال مســاعدته إيــاهم فــي مشــروعاتهم الحاليــة. كــان التصــميم الــذي ابتكــره " ســتراوبيل " عبــارة عــن مركبـة شـديدة الانسـيابية تشـكل البطـاريات ثمـانين بالمائـة مـن
كتلتــها، بــدت أشــبه قليــلًا بقــذيفة نســف ســفن ذات إطــارات. لــم يكــن أحــد يعــرف التفاصــيل الــدقيقة لرؤيــة " ســتراوبيل " طويلــة الأجــل لــهذا الشــيء، بمــن فيــهم "
ستراوبيل " نفسه؛ فقد بدا أن الخطة تتعلق بصنع مركبة تثبت مفهومًا يجعل الناس يفكرون في قدرات البطاريات المصنوعة من الليثيوم أيون أكثر مما تتعلق
بتأسيس شركة لصناعة السيارات. وإذا حالفهم الحظ، فسيجدون سباقًا ليشتركوا فيه.

وافق طلاب جامعة ستانفورد على الانضمام لـ " ستراوبيل " ، إذا تمكن من جمع الأموال؛ لذلك، بدأ " ستراوبيل " يرتاد المعارض التجارية ويوزع كتيبات عن فكرته
ويرســل بريــدًا إلكتــرونيًّا لكــل مــن يخطــر ببالــه تقــريبًا. وعــن هــذا يقــول: " كنــت وقــحًا " . كـانت المشـكلة الوحيـدة أنـه لا أحـد كـان مـهتمًّا إطـلاقًا بمـا كـان يبيعـه، وكـان
المستثمرون يوجهون له رفضًا تلو الآخر لأشهر متواصلة. بعدها، قابل " ستراوبيل " " إيلون ماسك " في خريف عام 2003.

كان " هارولد روزين " قد رتب موعدًا لتناول الغداء مع " ماسك " في مطعم للمأكولات البحرية بالقرب من مقر شركة سبيس إكس في لوس أنجلوس، واصطحب
معه " ستراوبيل " لمساعدته على الترويج لفكرة الطائرة الكهربية. وعندما لم يستجب " ماسك " لتلك الفكرة، أعلن " ستراوبيل " عن مشروعه الجانبي الخاص
بتصنيع سيارة كهربية؛ فذكَّرت هذه الفكرة الجنونية " ماسك " فورًا بتفكيره في المركبات الكهربية الذي استمر أعوامًا. ومع أن " ماسك " ركز غالبًا على استخدام
المكثفات الفائقة في المركبات، إلا أنه شعر بسعادة غامرة ودُهش عند سماعه مدى تقدم تكنولوجيا البطاريات المصنوعة من الليثيوم أيون. يقول " ستراوبيل " : "
أخبرني الآخرون كلهم بأنني مجنون، لكن " إيلون " أُعجب بالفكرة بشدة. لقد قال: " بالتأكيد، سأمنحك بعض المال "" . لقد وعد " ماسك " " ستراوبيل " بعشرة
آلاف دولار من المائة ألف دولار التي يسعى للحصول عليها. إن " ماسك " و " ستراوبيل " قد كوَّنا في الحال صداقة ستبقى لأكثر من عقد من الزمن مليء بتقلبات
الدهر الشديدة، مع انطلاقهما لتغيير العالم تمامًا.
وبعد لقاء " ستراوبيل " بـ " ماسك " ، اتصل " ستراوبيل " بأصدقائه بشركة إيه سي بروبولشن. بدأت تلك الشركة التي يقع مقرها في لوس أنجلوس عملها عام
1992، وكــانت فــي صــدارة الشــركات المصــنعة للمركبـات الكـهربية، وكـانت تصـنع كـل شـيء بـدءًا مـن عربـات الركـاب متوسـطة الحجـم فائقـة السـرعة حتـى السـيارات
الرياضية. أراد " ستراوبيل " بشدة أن يعرض على " ماسك " المركبة " تيزيرو " (المشتق اسمها من مصطلح t - zero بمعنى " البداية " )... أرقى مركبة في أسطول
شركة إيه سي بروبولشن. كانت من نوع السيارات التي يتم تركيبها، وكان لها جسم مصنوع من الألياف الزجاجية الذي يغطي هيكلًا من الفولاذ، وكانت تصل من
السكون إلى سرعة حوالي مائة كيلومتر في الساعة في 4.9 ثانية عند الكشف عنها لأول مرة عام 1997. كان " ستراوبيل " قد قضى أعوامًا في التسكع مع طاقم عمل
شركة إيه سي بروبولشن؛ فطلب من رئيس الشركة " توم جايج " أن يجلب سيارة طراز " تيزيرو " إلى " ماسك " لكي يقودها. أحب " ماسك " السيارة بشدة، ورأى إمكانياتــها كآلــة فائقــة الســرعة يمكنــها تغــيير صــورة الســيارات الكـهربية مـن كونـها مملـة إلـى كونـها تكـدح لتصـبح شـيئًا ملـهمًا. وظـل " ماسـك " طـوال أشـهر يعـرض
تمويــل جــهود تحويــل تلــك الســيارة إلــى ســيارة تجاريــة، لكنــه تعــرض للــرفض مــرارًا وتكــرارًا. يقــول " ســتراوبيل " : " كــانت بمثابــة إثبــات مفــهوم؛ لــذلك، كـان يجـب
تحويلها إلى حقيقة على أرض الواقع. أنا أحب العاملين بشركة إيه سي بروبولشن بشدة، لكنهم كانوا غير مؤهلين لعقد الصفقات التجارية ورفضوا القيام بهذا،
واستمروا في محاولة إقناع " إيلون " بسيارة تدعى إي بوكس كانت تبدو رديئة للغاية ولم تكن جيدة الأداء ولا ملهمة ببساطة " . حتى إن لم تنتج لقاءات " ماسك
" مع شركة إيه سي بروبولشن عن صفقة، إلا أن تلك اللقاءات رسخت اهتمامه بدعم شيء يفوق مشروع " ستراوبيل " العلمي بكثير. لقد أرسل " ماسك " رسالة
بريد إلكتروني إلى " جايج " في أواخر شهر فبراير عام 2004 كتب فيها: " سأحاول معرفة أفضل خيار أمام سيارة عالية الأداء وآلة لتوليد الحركة ونقلها بالكهرباء،
وسأتجه لهذا المنحى " .

ما لم يكن " ستراوبيل " يعلمه أنه في الوقت نفسه تقريبًا كان هناك شريكان في العمل في شمالي كاليفورنيا أحبا فكرة صنع سيارة تعمل ببطارية مصنوعة من
الليثيوم أيون كذلك. كان " مارتن إيبرهارد " و " مارك تاربيننج " قد أسسا شركة نيوفوميديا عام 1997 لتصنيع أحد أقدم أجهزة القراءة الإلكترونية، ويدعى "
روكــيت إي بــوك " . كــان العمــل بشــركة نيوفوميــديا قــد منــح الــرجلين معرفــة بالأجـهزة الإلكترونيـة الاسـتهلاكية المتقـدمة وبـالبطاريات المصـنوعة مـن اللـيثيوم أيـون،
المستخدمة في الحواسيب المتنقلة وغيرها من الأجهزة المحمولة، التي تحسنت بشدة. ومع أن " روكيت إي بوك " كان سابقًا لأوانه بشدة ولم يحقق نجاحًا تجاريًّا
ساحقًا، إلا أنه كان مبتكرًا بما يكفي ليجذب انتباه مجموعة شركات جيمستار الدولية، التي كانت تمتلك مجلة تي في جايد وبعض تقنيات دلائل برامج التلفاز
الإلكترونيــــة. ودفعــــت " جيمســــتار " مائــــة وســــبعة وثمـــانين ألــف دولار لشــراء شــركة نيوفوميــديا فــي مــارس عــام 2000. وبعــد أن ظفــر المؤســسان المشــاركان للشــركة
بالغنائم، ظلا على اتصال ببضعهما بعد الصفقة. لقد عاش كلاهما في بلدة وودسيد، إحدى أغنى بلدات وادي السيليكون، وتحادثا بين الفينة والأخرى بشأن ما
سيشرعون فيه تاليًا. يقول " تاربيننج " : " فكرنا في بعض الأمور السخيفة. كانت هناك خطة لصنع أنظمة ري فاخرة للمزارع والمنازل تعتمد على شبكات ذكية
حساسة للمياه. لكن لم تؤثر فينا أية فكرة حقًّا، وقد أردنا شيئًا أهم من هذا " .

كــان " إيبرهــارد " مــهندسًا مــوهوبًا للغايــة ذا ضــمير اجتمــاعي حــي. لقــد كــانت صــراعات الولايــات المتحــدة المتكــررة تضــايقه. وكمـا هـي الحـال مـع العـديدين مـن ذوي
العقليات العلمية، بدأ يتقبل ظاهرة الاحتباس الحراري على أنها واقع في عام 2000. وبدأ " إيبرهارد " يبحث عن بدائل للسيارات التي تسرف في استهلاك الوقود،
واســتثمر فــي إمكانيــة اســتخدام خلايــا وقــود الــهيدروجين، لكنــه وجــدها ناقصــة. بالإضــافة إلــى ذلــك، لــم يفـهم تمـامًا بـيت القصـيد مـن اسـتئجار سـيارة مثـل السـيارة
الكهربية طراز " إي في 1 " من شركة جنرال موتورز. لكن ما لفت انتباه " إيبرهارد " كان السيارات الكهربية بالكامل من إنتاج شركة إيه سي بروبولشن التي لمحها
على الإنترنت. لقد ذهب " إيبرهارد " إلى لوس أنجلوس في عام 2001 لكي يزور ورشة شركة إيه سي بروبولشن. يقول " إيبرهارد " : " بدا المكان كبلدة مهجورة، كما
لو كانوا سيوقفون نشاطاتهم؛ لذلك، أعنتهم ماديًّا بخمسمائة ألف دولار لكي يتمكنوا من صنع واحدة من سياراتهم من أجلي ببطاريات مصنوعة من الليثيوم
أيون بدلًا من البطاريات المصنوعة من الرصاص وحمض الكبريتيك " . كما حاول " إيبرهارد " حث شركة إيه سي بروبولشن على أن تصبح مشروعًا تجاريًّا عوضًا عن
كونها متجرًا للهوايات. وعندما رفضوا اقتراحاته، قرر تأسيس شركته الخاصة لمعرفة ما تستطيع البطاريات المصنوعة من الليثيوم أيون فعله حقًّا.

بدأت رحلة " إيبرهارد " بصنعه نموذجًا فنيًّا للسيارة الكهربية على أحد الجداول الممتدة؛ ما مكَّنه من تعديل مكوناتها المختلفة لكي يعرف كيفية تأثيرها في شكل
المركبــــة وأدائــــها. كــــان بوســــعه تعــــديل الــــوزن وعــدد البطــاريات ومقاومــة الإطــارات والجســم، ثــم يحصــل علــى إجــابات بشــأن عــدد البطــاريات التــي يتطلبــها تشــغيل
التصميمات المختلفة. لقد أوضحت تلك النماذج أن السيارات رباعية الدفع، التي كانت رائجة بشدة في ذلك الوقت، والسيارات من نوع شاحنات النقل، بعيدة
الاحتمال كسيارات مرشحة. عوضًا عن هذا، بدا أن تلك التقنية تحابي السيارات الرياضية الراقية الأخف وزنًا، التي ستكون سريعة وممتعة في القيادة وذات مدى
أفضل بكثير مما يتوقعه معظم الناس. تلك المواصفات الفنية أكملت النتائج التي توصل إليها " تاربيننج " ، الذي كان يجري أبحاثًا فيما يتعلق بالنموذج المالي
للسيارة. كانت السيارة طراز تويوتا بريوس قد بدأت تحقق نجاحًا مفاجئًا في كاليفورنيا، وكان مشتروها من الناشطين في مجال الحفاظ على البيئة الأثرياء. يقول "
تــاربيننج " : " عرفنــا كــذلك أن متوســط دخــل مــالكي الســيارة إي فــي 1 حوالــي مــائتيْ ألــف دولار سـنويًّا " . إن مـن كـانوا يسـعون لشـراء السـيارات طـراز لـكزس وبـي إم
دابلــــيو وكــــاديلاك قــــد اعتبــــروا الســــيارات الكــهربية والــهجينة رمزًا علــى المكانــة الاجتماعيــة ولكــن مــن نــوع مختلــف. اعتقــد الــرجلان أن بإمكانــهما صــنع ســيارة لســوق
السيارات الفاخرة التي تحقق أرباحًا تُقدر بثلاثة مليارات دولار سنويًّا في الولايات المتحدة، تسمح للأثرياء بالاستمتاع والشعور بالرضا عن أنفسهم كذلك. يقول "
تاربيننج " : " يدفع الناس مالًا لشراء سيارة رائعة وجذابة تصل من السكون إلى سرعة حوالي مائة كيلومتر في الساعة في وقت مذهل " .

أنشأ " إيبرهارد " و " تاربيننج " شركتهما الجديدة في الأول من يوليو عام 2003، واختار لها " إيبرهارد " اسم " تيسلا موتورز " في أثناء تواجده في نزهة مع زوجته
في ديزني لاند؛ إجلالًا للمخترع ورائد المحرك الكهربي " نيكولا تيسلا " ؛ ولأنه يبدو اسمًا رائعًا كذلك. لقد قام المؤسسان الشريكان باستئجار مقر به ثلاثة مكاتب
وغرفتان صغيرتان في مبنى آيل للسقوط يعود للستينيات من القرن العشرين يقع في 845 شارع " أوك جروف في مدينة مينلو بارك. بعدها ببضعة أشهر، شغل "
إيــان رايــت " المكتــب الثــالث، وهــو مــهندس نشــأ بمزرعــة فــي نيوزيلنـدا، وكـان جـار المؤسـسين المشـاركين لشـركة تيسـلا فـي بلـدة وودسـيد، وكـان يعمـل معـهما ليشـحذ
طريقته لعرض فكرة عمل تجاري جديد متعلق بالشبكات. وعندما فشلت تلك الشركة الناشئة في جمع أية أموال من المستثمرين المغامرين، انضم " رايت " إلى
شركة تيسلا. حينما بدأ الرجال الثلاثة يخبرون بعض المقربين إليهم بمخططاتهم، واجهوا سخرية من الجميع. يقول " تاربيننج " : " قابلنا صديقة في مقهى في
وودسيد لنخبرها بما قررنا صناعته أخيرًا، وأنه سيكون سيارة كهربية. فقالت: " لا بد أنكم تمازحونني "" .

إن كل من يحاول تشييد شركة لصناعة السيارات في الولايات المتحدة يتم تذكيره بسرعة بأن آخر شركة ناشئة ناجحة في تلك الصناعة كانت شركة كرايسلر، التي
تأسست عام 1925. إن تصميم سيارة وصنعها من الألف إلى الياء يصاحبه تحديات عديدة، لكن الحصول على المال والخبرة الفنية لصنع عدة سيارات هو ما أحبط
الجــهود الســابقة لجعــل أيــة شـركة جـديدة تسـتمر فـي عملـها. كـان مؤسـسو شـركة تيسـلا يـدركون تلـك الحقـائق. لقـد فكـروا فـي أن " نـيكولا تيسـلا " قـد صـنع محـركًا
كهربيًّا قبلها بقرن من الزمان، وبأن ابتكار ناقل الحركة الذي يأخذ الطاقة من المحرك ويرسلها إلى الإطارات هو أمر ممكن. لكن الجزء المخيف حقًّا من مشروعهم
هذا سيكون تشييد المصنع الذي يصنع تلك السيارة والأجزاء المرتبطة بها. ومع ذلك، كلما بحث مؤسسو تيسلا في المجال، زاد إدراكهم أن شركات صناعة السيارات
المهمة لم تعد تصنع سياراتها أيضًا. إن أيام " هنري فورد " , حين كان يسلم المواد الخام عند أحد طرفيْ مصنعه بولاية ميتشيجان ثم إخراجه للسيارات من الطرف
الآخر, قد ولت منذ زمن. يقول " تاربيننج " : " إن شركة بي إم دابليو لم تصنع زجاجها الأمامي ولا تنجيد مقاعد سياراتها ولا مرايا الرؤية الخلفية. الأمر الوحيد
الذي احتفظت شركات صناعة السيارات المهمة به كان إجراء أبحاث الاحتراق الداخلي والمبيعات والتسويق، والتجميع النهائي. لقد اعتقدنا بسذاجة أن بوسعنا
الوصول إلى نفس الموردين كلهم لكي نحصل على الأجزاء التي تريدها شركتنا " .

كــانت الخطــة التــي ابتكرهــا المؤســسون المشــاركون لشــركة تيســلا هــي تــرخيص تقنيــة مــا مــن شــركة إيــه ســي بروبولشـن فيمـا يتعلـق بالمركبـة تـيزيرو واسـتخدام هيكـل
السيارة طراز لوتس إليز كجسم لسيارتهم. كانت الشركة البريطانية المصنعة للسيارات لوتس قد أطلقت السيارة إليز ذات البابين عام 1996، وكانت بالتأكيد تتمتع
بالجاذبية اللامعة والانسيابية المطلوبة لإعطاء انطباع معين لمشتري السيارات الراقية. وبعد أن تحدث فريق شركة " تيسلا " مع عدد من العاملين بشركات بيع
الســيارات، قــرروا تجنــب بــيع ســياراتهم عبــر الشــركاء وبيعــها مباشــرةً بــدلًا مــن هــذا. ومــع وضــع أســس الخطــة هــذه، انطلــق الرجـال الثلاثـة للبحـث عـن تمويـل مـن
المستثمرين المغامرين في يناير عام 2004.

ولكــي يجعــل المؤســسون المشــاركون الأمــور تبــدو أكثـر واقعيـة بالنسـبة للمسـتثمرين، اقترضـوا سـيارة طـراز تـيزيرو مـن شـركة إيـه سـي بروبولشـن وقـادوها إلـى منطقـة
شركات الاستثمار المغامر في شارع ساند هيل رود. كانت سرعة السيارة أكثر من سرعة سيارة من طراز فيراري، ما تُرجم إلى إثارة شعر بها المستثمرون. ولكن تمثل
الجانب السلبي في أن أصحاب رءوس الأموال ليسوا من أصحاب الخيال الواسع جدًّا، وقد جاهدوا ليستوعبوا اللمسة النهائية البلاستيكية الرديئة لهذه السيارة
الفخمــة التــي يتــم تركيبــها. كــانت شــركتا رءوس الأمــوال الوحيــدتان اللتــان اســتجابتا للفكــرة همــا كومبــاس تكنولوجــي بــارتنرز وإس دي إل فينشــرز، وإن لــم تبــدوا
متحمستين تمامًا لها. وكان الشريك الرئيسي بشركة كومباس قد حقق نجاحًا جيدًا بشركة نيوفوميديا؛ لذا شعر ببعض الوفاء لـ " إيبرهارد " و " تاربيننج " . تذكر
" تاربيننج " الأمر قائلًا: " لقد قال: " هذا غباء، لكنني استثمرت في كل شركة ناشئة تعمل في مجال السيارات ظهرت خلال الأربعين عامًا الماضية، فلمَ لا؟ "" . ومع
ذلــك، ظلــت شــركة تيســلا بحاجــة إلــى مســتثمر رئيســي يـدفع نصـيب الأسـد مـن السـبعة ملايـين دولار المطلوبـة لتصـنيع مـا يُعـرف بــ النمـوذج الأولـي أو نمـوذج المركبـة.
سيكون هذا أول حدث مهم لهم، ما سيمنحهم شيئًا ملموسًا يتباهون به، وما قد يساعدهم على الحصول على فرصة ثانية للتمويل.

كــان اســم " إيلــون ماســك " يتــردد فــي أعمــاق ذاكــرة " إيبرهــارد " و " تــاربيننج " بصــفته مسـتثمرًا رئيسـيًّا محتمـلًا منـذ البـداية. كـان كلاهمـا قـد رآه يلقـي خطبـة قبلـها
ببضــعة أعــوام فــي مؤتمــر لصــالح جمعيــة مــارس سـوسايتي أُقـيم بجامعـة سـتانفورد، قـدم فيـه " ماسـك " رؤيتـه الخاصـة بإرسـال الفـئران إلـى الفضـاء، وتـرك فيـهما
انطباعًا بأنه يفكر بشكل مختلف قليلًا وأنه سيكون متقبلًا لفكرة السيارات الكهربية. لكن فكرة اختيار " ماسك " لاستثمار بشركة تيسلا موتورز ترسخت عندما
اتصل " توم جايج " من شركة إيه سي بروبولشن بـ " إيبرهارد " وأخبره بأن " ماسك " يتطلع لتمويل مشروع في مجال السيارات الكهربية. سافر " إيبرهارد " و "
رايت " إلى لوس أنجلوس للقاء " ماسك " في يوم جمعة. وفي عطلة ذلك الأسبوع، أمطر " ماسك " " تاربيننج " ، الذي كان في رحلة، بوابل من الأسئلة المتعلقة
بالنموذج المالي للمشروع. يقول " تاربيننج " : " أتذكر أنني ظللت أرد مرارًا وتكرارًا. وفي يوم الاثنين التالي، سافرت أنا و " مارتن " لمقابلته مرة أخرى، فقال لنا: "
حسنًا، أنا موافق "" .
شعر مؤسسو شركة تيسلا بأن الحظ قادهما إلى المستثمر المثالي. كان " ماسك " يمتلك الذكاء الهندسي المطلوب لمعرفة ما يصنعونه، وكان يشاركهم هدفهم الأكبر
الخاص بمحاولة إنهاء اعتماد الولايات المتحدة المرضي على النفط. عن هذا يقول " تاربيننج " : " أنت بحاجة إلى المستثمرين المثاليين ليؤمنوا بالفكرة التي تروج لها،
والأمر لم يندرج تحت بند المعاملات المالية البحتة بالنسبة له؛ بل أراد تغيير معادلة الطاقة بالبلاد " . قام " ماسك " باستثمار ستة ملايين ونصف المليون دولار،
وأصبح أكبر مساهم في شركة تيسلا ورئيسها. استغل " ماسك " موقف القوة الخاص به هذا ببراعة شديدة في أثناء صراعه مع " إيبرهارد " لتولي زمام شركة تيسلا
في وقت لاحق. يقول " إيبرهارد " : " لقد ارتكبت خطأً حين أردت المزيد من المستثمرين. لكن لو اضطررت لفعل هذا مجددًا، فسآخذ ماله - عصفور في اليد خير من
عشرة على الشجرة. لقد كنا بحاجة إلى المال " .

وبعد مرور فترة وجيزة على هذا الاجتماع، اتصل " ماسك " بـ " ستراوبيل " وحثه على أن يلتقي بفريق تيسلا. سمع " ستراوبيل " أن مقر شركتهم في مينلو بارك
يبعد عن منزله بنصف ميل، فاهتم بالأمر, لكنه شعر بالارتياب الشديد من قصتهم, حيث لم يكن هناك أحد على الإطلاق يركز على حقل المركبات الكهربية ويتقنه
أكثر من " ستراوبيل " ، وكان من العسير عليه تصديق أن بضعة رجال قد حققوا كل هذا النجاح دون أن يبلغه أي خبر عن مشروعهم . ومع ذلك ، مر بمكتبهم
للقائهم ، وع ُ ين فور ً ا في مايو عام 2004 براتب خمسة وتسعين ألف دولار سنوي ًّ ا . يقول " ستراوبيل " : " أخبرتهم ب أنني كنت أصنع حزم البطاريات التي
يريدونها في نهاية الشارع بتمويل من " إيلون " ؛ فاتفقنا على التحالف وتكوين هذه المجموعة المتنوعة " .

لــو كــان أي أحــد مــن مــدينة ديتــرويت، التــي تشـتهر بصـناعة السـيارات، قـد مـر بشـركة تيسـلا مـوتورز فـي هـذه المرحلـة، لانتـهى بـه المطـاف بالإصـابة بنوبـة ضـحك: كـان
إجمالي خبرة الشركة في مجال صناعة السيارات هو أن بضعة أشخاص بشركة تيسلا يحبون السيارات بشدة، وشخص آخر صنع سلسلة مشروعات للمعارض
العلمية تعتمد على تقنية تعتبرها صناعة السيارات سخيفة. وعلاوةً على ذلك، لم يكن الفريق المؤسس للشركة ينوي اللجوء إلى مدينة ديترويت لأخذ النصيحة
فيما يتعلق بتأسيس شركة سيارات. كلا، بل ستفعل شركة " تيسلا " ما فعلته أية شركة ناشئة أخرى في وادي السيليكون من قبلها، وهو تعيين مجموعة من
شباب المهندسين المتحمسين، وحل المشكلات التي تصادفهم على طول الطريق. ناهيك عن أن منطقة خليج سان فرانسيسكو لم يكن لها أي تاريخ فعلي لكون هذا
النموذج قد سبق أن أفلح بصناعة شيء كالسيارة مطلقًا، وأن صناعة جسم مادي معقد لم تكن لها أية صلة تقريبًا بكتابة البرمجيات التطبيقية. ولكن ما كانت
شركة تيسلا تمتلكه، وتتفوق فيه على الآخرين، هو إدراكها أن البطاريات من نوع ليثيوم أيون 18650 قد أصبحت جيدة جدًّا وستستمر في التحسن أكثر. لقد أملوا
أن يكون هذا كافيًا عند إقرانه ببعض الجهد والذكاء.

كان " ستراوبيل " على اتصال مباشر بالمهندسين المتحمسين الأذكياء بجامعة ستانفورد؛ لذا أخبرهم بشأن شركة تيسلا؛ فتهلل وجه " جين بيرديكيفسكي " ، أحد
أعضــاء فــريق الســيارة التــي تعمــل بالطاقــة الشــمسية، بمجــرد اتصــال " ســتراوبيل " بــه. ونظــرًا لأن " بيرديكيفســكي " كــان لا يزال طــالبًا جــامعيًّا، فقــد تطــوع بتــرك
الجامعة، والعمل بلا مقابل، أو حتى مسح أرضيات شركة تيسلا إن كان هذا ما يتطلبه أمر الحصول على وظيفة فيها. فانبهر المؤسسون بحماسه وعينوه بعد
مقابلــة واحــدة، مــا تــرك " بيرديكيفســكي " فــي وضــع لا يُحســد عليـه؛ حـيث تـوجب عليـه الاتصـال بوالـديه المـهاجرين الروسـيين، وهمـا زوج مـن مهندسـي الغواصـات
النووية، ليخبرهما بأنه سيتخلى عن الدراسة بجامعة ستانفورد لينضم إلى شركة ناشئة تعمل في صناعة السيارات الكهربية. وبصفته الموظف السابع، كان يقضي
جزءًا مــن يــوم عملــه فــي مكتــب مــينلو بــارك، بينمــا كــان يقضــي بقيـة الـيوم فـي تصـميم نمـاذج ثلاثيـة الأبعـاد لآلـة توليـد الحركـة ونقلـها بالسـيارة علـى حاسـوب بغرفـة
معيشة منزل " ستراوبيل " وفي صنع النماذج الأولية لحزم البطاريات بالمرآب. يقول " بيرديكيفسكي " : " لم أدرك مدى جنون الأمر إلا الآن " .

ســــرعان مــــا اضــطرت شــركة تيســلا للتوســع لتــأوي جيشــها مــن المهندســين الناشــئين ، واضــطرت إلــى إنشــاء ورشــة تســاعد علــى تصــنيع ســيارات طــراز رودســتر ، كمــا
يسمونها ، على أرض الواقع . لقد وجدوا مبنى صناعي ًّ ا مكونًا من طابقين في مدينة سان كارلوس في 1050 شارع كوميرشال ستريت . لم تكن المنشأة, التي تبلغ
مساحتها تسعمائة و تسعة وعشرين متر ً ا مربع ً ا, ضخمة ، لكن كانت بها مساحة كافية لبناء ورشة للبحث والتطوير قادرة على تصفية بعض النماذج الأولية
للســــيارات . بالإضــــافة إلــــى هــــذا ، كــــان هنـــاك جزء رئيســي للتجمــيع علــى الجــانب الأيمــن مــن المبنــى وبــابان ضــخمان منزلقــان نحــو الأعلــى يســعان الســيارات الــداخلة
والخارجة . قس َّ م " رايت " المساحة المفتوحة إلى عدة أقسام: قسم المحركات ، قسم البطاريات ، قسم إلكترونيات القوى ، وقسم التجميع النهائي . أما النصف
الأيســر مــن المبنــى ، فكــان عبــارة عــن مســاحة مكتبيــة عــد َّ لــها المســتأجر الســابق بطــرق غريبـة ، لتصـبح شـركة لتجـهيزات السـمكرة . وعـلاوة ً علـى هـذا ، كـانت غرفـة
الاجتمــــــاعات الرئيســــــية تحتــــــوي علــــــى مقـــهى مزود بحـــوض صـــنبوره علـــى شـــكل منقـــار بجعـــة, ومقـــابض الميـــاه الســـاخنة والبـــاردة فيـــه تتخـــذ شـــكل الأجنحـــة . قـــام "
بيرديكيفسكي " بطلاء المكتب باللون الأبيض ذات ليلة أحد ، وذهب الموظفون في الأسبوع التالي في رحلة إلى متجر الأثاث إيكيا لشراء بعض المكاتب وسارعوا بتصفح
الإنترنت لطلب حواسيبهم من شركة ديل . أما بالنسبة للأدوات ، فقد كانت شركة تيسلا تمتلك صندوق أدوات واحدًا فقط من طراز كرافتسمان مليئًا بالمطارق
والمسامير وغيرها من أساسيات النجارة . كان " ماسك " يزورهم بين الفينة والأخرى من لوس أنجلوس ولم يكن
يأبه بظروف الشركة ، نظر ً ا لأنه شاهد شركة سبيس إكس تنمو في أجواء مشابهة .

بدت الخطة الأصلية لإنتاج نموذج أولي للمركبة بسيطة. كانت شركة تيسلا ستأخذ آلة توليد الحركة ونقلها بسيارة تيزيرو التي تصنعها شركة إيه سي بروبولشن
وستضعها في جسم السيارة إليز التي تصنعها شركة لوتس. كانت الشركة قد حصلت على مخطط لتصميم محرك كهربائي، وأدركت أن بإمكانها شراء جهاز لنقل
الحركــة مــن شــركة فـي الولايـات المتحـدة أو أوروبـا والتعاقـد مـع جـهات خارجيـة فـي آسـيا لاسـتيراد أيـة أجزاء أخـرى. وبـذلك، تـوجب علـى مهندسـي تيسـلا التـركيز علـى
تطويــــر أنظمــــة حزم البطــــاريات، وتوصـــيل الأســلاك بالســيارة وقطــع المعــادن ولحامــها بقــدر الحاجــة لتجمــيع كــل شــيء مــعًا. يــروق المهندســين التجــريب فــي المعــدات
والابتكــار، وقــد اعتبــر فــريق تيســلا الســيارة رودســتر بمثابــة شــيء ممــاثل لمشــروع تحويــل ســيارة يمكــن لمهندســين ميكــانيكيين أو ثلاثــة وبعــض عمــال التجمـيع تنفيـذ
المشروع.

كان الفريق الرئيسي من مصنعي النموذج الأولي يتكون من " ستراوبيل " و " بيرديكيفسكي " و " دافيد لايونز " ، وهو مهندس ميكانيكي ذكي جدًّا والموظف الثاني
والعشرين بشركة تيسلا. كان " لايونز " يملك حوالي عقدًا من الخبرة في العمل بشركات وادي السيليكون، وكان قد قابل " ستراوبيل " قبلها ببضعة أعوام، حيث
بــدآ محادثــة فــي متجــر مــن متــاجر ســلسلة 7 إيلــيفن بشــأن دراجــة كــهربية كــان " ســتراوبيل " يركبـها. بالإضـافة إلـى ذلـك، سـاعد " لايـونز " " سـتراوبيل " علـى تسـديد
فواتيره بأن عينه مستشارًا لشركة تصنع جهازًا لقياس درجة حرارة الجسم الأساسية لدى الأشخاص؛ ففكر " ستراوبيل " أن بإمكانه رد هذا الصنيع لـ " لايونز "
بضمه لمثل هذا المشروع المشوق في وقت مبكر، كما أن شركة تيسلا ستستفيد من هذا كثيرًا كذلك, كما وصف " بيرديكيفسكي " الأمر: " كان " دافيد لايونز " يعرف
كيف ينجز الأمور اللعينة " .

لقــد اشــترى المهندســون رافعــة زرقــاء للســيارة ووضــعوها داخــل المبنــى. كمــا اشــتروا بعــض آلات التشــغيل والآلات اليــدوية وكشــافات ضــخمة لــيعملوا ليــلًا، وبــدأوا
يحولون المنشأة إلى بؤرة لنشاط البحث والتطوير. كذلك قام المهندسون الكهربائيون بدراسة أساسيات البرمجة للسيارات من طراز لوتس لكي يعرفوا كيف رُبطت
دواساتها وجهازها الميكانيكي وعدادات لوحة أجهزة القياس ببعضها البعض. ولكن العمل المتطور جدًّا حدث في تصميم حزم البطاريات؛ لم يكن أحد قد حاول
جمع مئات البطاريات المصنوعة من الليثيوم أيون معًا في دائرة توازٍ من قبل؛ لذلك، انتهى المطاف بأن أصبحت شركة تيسلا في طليعة هذه التكنولوجيا.

بدأ المهندسون يحاولون فهم كيف تتبدد الحرارة ويسير تدفق التيار في سبعين بطارية عن طريق لصقها معًا بغراء قوي سريع الجفاف في مجموعات تسمى الكتل.
بعدها، يتم وضع عشر كتل معًا، ويقوم المهندسون باختبار الأنواع المختلفة لآليات التبريد بالهواء والسوائل. حين طور فريق تيسلا حزمة بطارية قابلة للتشغيل،
فــردوا الــهيكل المعــدني للســيارة الصـفراء طـراز لـوتس إلـيز حوالـي ثلاثـة عشـر سـنتيمترًا، وأنزلـوا حزمـة البطـاريات برافعـة إلـى مؤخـرة السـيارة، حـيث يتواجـد محركـها
عادًة. إن تلك الجهود قد بدأت جديًّا في الثامن عشر من أكتوبر عام 2004، بل واللافت للنظر أن بعدها بأربعة أشهر، في السابع والعشرين من يناير عام 2005،
قـام ثمانيـة عشـر شـخصًا بصـنع سـيارة مـن نـوع جـديد تمـامًا كـان بـالإمكان قيادتـها فـي أنحـاء المكـان. لقـد عقـدت شـركة تيسـلا اجتمـاعًا لمجلـس إدارتـها فـي ذلـك الـيوم،
وانطلق " ماسك " بالسيارة بسرعة، وغادر المكان فرحًا ليستمر في الاستثمار بها. أسهم " ماسك " بتسعين مليون دولار إضافية عندما أقامت شركة تيسلا جولة
تمويل لجمع ثلاثة عشر مليون دولار. بعدها، أصبحت الشركة تخطط لتسليم السيارة رودستر للمستهلكين في أوائل عام 2006.

وعندما انتهى المهندسون بشركة تيسلا من صناعة سيارة ثانية بعدها ببضعة أشهر، قرروا أنهم بحاجة إلى مواجهة عيب محتمل هائل في سيارتهم الكهربية. لقد
كــانوا يحتفلــون بــيوم الاســتقلال بمــنزل " إيبرهــارد " فــي بلــدة وودســيد فــي الــرابع مــن يولــيو عــام 2005، وظنــوا أنــها لحظــة مناســبة كغيرهـا لمعرفـة مـا يحـدث عنـدما
تشتعل النيران ببطارية السيارة رودستر. قام أحدهم بلصق عشرين بطارية معًا، ووضع سلكًا عاريًا ساخنًا في تلك الحزمة، وشغَّلها. يقول " لايونز " : " طارت
لأعلــى ككتلــة مــن صــواريخ الألعــاب الناريــة التــي توضــع فــي قواريــر " . ونظــرًا لأن الســيارة رودسـتر تحتـوي علـى مـا يقـرب مـن السـبعة آلاف بطاريـة بـدلًا مـن العشـرين
بطاريــة، فــإن رؤيــة مشــهد انفجــار بــهذا الحجــم قــد أصــابت المهندســين بــالرعب. كــان مــن المفتــرض أن تكــون إحــدى مزايــا الســيارة الكــهربية هـي أنـها تبعـد النـاس عـن
السوائل القابلة للاشتعال مثل الوقود وعن الانفجارات التي لا نهاية لها التي تحدث في أي محرك. ولم يكن من المرجح أن يدفع الأثرياء ثمنًا باهظًا لشراء سيارة
أكثر خطورة، وكان الوضع الكابوسي المحتمل لموظفي شركة تيسلا في ذلك الوقت المبكر هو أن يعلق ثري شهير في حريق بسبب السيارة. يقول " لايونز " : " كانت
إحدى تلك اللحظات المريعة. عندها، عدنا إلى رشدنا " .

كونت شركة تيسلا فريق عمل من ستة أشخاص ليتعامل مع مشكلة البطارية. لقد تم انتزاعهم من أعمالهم الأخرى ومنحهم المال لكي يبدأوا بإجراء التجارب.
بــدأت أول انفجــارات تحــدث فــي المقــر الرئيســي لشــركة تيســلا، وقــام المهندســون بتســجيلها بالحركــة البطيئــة. وبمجـرد أن سـاد رأي مـن هـم أكثـر حكمـة داخـل شـركة
تيسلا؛ نقل المسئولون الأبحاث المتعلقة بالانفجارات إلى منطقة تفجيرات تقع خلف محطة كهرباء فرعية تابعة لقسم إطفاء الحرائق. وبعد حدوث تفجير تلو آخر،
عــرف المهندســون الكثــير عــن دخــائل البطــاريات؛ فطــوروا طــرقًا لترتيبــها بحـيث تمنـع انتشـار النـيران مـن بطاريـة إلـى البطاريـة المجـاورة لـها وتقنيـات أخـرى لمنـع حـدوث
الانفجارات تمامًا. لقد انفجرت آلاف البطاريات على طول الطريق، لكن الجهد المبذول كان يستحق كل هذا. كانت تيسلا لا تزال في أيامها الأولى بكل تأكيد، لكنها
كانت على وشك اختراع تقنية للبطاريات سوف تميزها عن منافسيها لأعوام قادمة وسوف تصبح واحدة من المزايا الكبرى للشركة.

إن نجاح شركة تيسلا المبكر في صنع نموذجين أوليين للسيارة، المقترن بالاختراعات المذهلة التي ابتكرها مهندسوها فيما يتعلق بالبطاريات والقطع التقنية الأخرى،
قد زاد من ثقة الشركة بنفسها. لقد حان الوقت لوضع العلامة المميزة لشركة تيسلا على السيارة. يقول " تاربيننج " : " كانت الخطة الأصلية هي أن ننفذ الحد
الأدنــى الــذي يمكننــا مــن أن ننجــو مــن العــواقب غــير المــرغوب فيــها فيمــا يتعلــق بصــنع ســيارة ذات طــراز مختلــف عــن ســيارة طــراز لــوتس؛ لكــن كــهربية. وخــلال ســير
الأحداث، قال ماسك وبقية أعضاء مجلس الإدارة: " أمامكم فرصة واحدة فقط لفعل هذا. يجب أن تُمتع العميل، والسيارة طراز لوتس ليست جيدة بما يكفي
لتحقيق هذا "" .

كان الهيكل المعدني للسيارة إليز، أو هيكلها الأساسي، مناسبً ا لأغراض مهندسي تيسلا. لكن كانت هناك مشكلات خطيرة في شكل جسم السيارة ووظيفته على
حــد الســواء: كــان ارتفــاع أبــواب الســيارة إلــيز كلــها ثلاثــين ســنتيمترًا، وكـان المفتـرض أن يسـتقلها الـراكب إمـا بـالقفز داخلـها أو السـقوط فيـها، تبـعًا لمرونتـه وهيبتـه أو
أيتهما. بالإضافة إلى ذلك، توجب أن يكون الجسم أطول ليلائم حزمة البطاريات التي صنعتها شركة تيسلا وصندوق السيارة، وكانت تيسلا تفضل صناعة السيارة
رودســتر مــن أليــاف الكــربون بــدلًا مــن الأليــاف الزجاجيــة. كــان لــــ " ماســك " الكثــير مــن الآراء والتــأثير فــي هــذه النقــاط المتعلقــة بالتصــميم. لقــد أراد ســيارة تســتقلها "
جاستين " بطريقة مريحة وبها قدر من العملية. وأوضح " ماسك " آراءه هذه في أثناء زيارته شركة تيسلا لحضور اجتماعات مجلس إدارتها واستعراض التصاميم
بها.

عــينت شـركة تيسـلا حفنـة مـن المصـممين ليصـمموا نمـوذجًا للمظـهر الجـديد للسـيارة رودسـتر. وبعـد أن اسـتقرت الشـركة علـى مظـهرها المفضـل، دفعـت المـال لصـنع
نموذج مصغر بربع الحجم الطبيعي للمركبة في يناير عام 2005 ثم نموذج بالحجم الطبيعي في إبريل من العام نفسه. قدمت هذه العملية للموظفين التنفيذيين
بشركة تيسلا كشفًا آخر لكل ما تتطلبه صناعة السيارات. يقول " تاربيننج " : " إنهم يغلفون النموذج بمادة رقيقة لامعة من البوليستر طراز مايلر ويقومون بشفط
الــهواء منــها، حتــى يمكـن رؤيـة محـيط الشـكل واللمعـان والظـلال " . بعـدها، تـم تحويـل النمـوذج الفضـي إلـى نسـخة رقميـة يمكـن للمهندسـين التجـريب عليـها علـى
حواسيبهم. لقد أخذت شركة بريطانية هذا الملف الرقمي واستخدمته لصنع نسخة بلاستيكية للسيارة تدعى " الهيكل الانسيابي الهوائي " من أجل إجراء اختبارات
الديناميكا الهوائية. يقول " تاربيننج " : " وضعوه في قارب وشحنوه إلينا، ثم استقللناه في طريقنا لحضور مهرجان الرجل المحترق " ، في إشارة إلى المهرجان الفني
السنوي.

وبعد حوالي عام من القيام بعدة تعديلات وبكثير من العمل، حظيت شركة تيسلا بلحظة اتخاذ قرار حاسم لا رجعة فيه. حدث هذا في مايو عام 2006، حين
كانت الشركة قد توسعت لتشمل مائة موظف. كان هذا الفريق يصنع نسخة سوداء اللون من السيارة رودستر تُعرف بـ " إي بي 1 " (أو المعروفة اختصارًا بـ EP1 ).
يقول " تاربيننج " : " كان يصرِّح بأننا أصبحنا نعتقد أننا نعرف ما سوف نصنعه. كان بالإمكان الشعور بهذا. إنها سيارة حقيقية، وهذا أمر شائق جدًّا " . قدم ظهور
" إي بــي 1 " عــذرًا رائــعًا لاســتعراض مــا اشــترته أمــوال المســتثمرين الحـاليين أمامـهم، ولطلـب المزيـد مـن التمويـل مـن جمـهور أوسـع. لقـد أبـهرت السـيارة المسـتثمرين
المغامرين بالقدر الكافي لكي يتغاضوا عن حقيقة أن المهندسين كانوا يضطرون أحيانًا لتهويتها يدويًّا لتبريدها في فترة ما من اختبارات قيادتها، وبدأوا يستوعبون
إمكــانيات شــركة تيســلا طويلــة الأجــل. اســتثمر " ماســك " أموالــه فـي شـركة تيسـلا مـرة أخـرى بمبلـغ يُقـدر بـاثني عشـر ملـيون دولار، وانضـمت حفنـة مـن المسـتثمرين
الآخــرين، بمــا فيــهم شــركة درابــر فيشــر جورفيتســون للمســتثمرين المغــامرين وفـانتيج بـوينت كـابيتال بـارتنرز وجـاي بـي مورجـان وكومبـاس تكنولوجـي بـارتنرز ونيـك
بريتزكر و " لاري بيدج " و " سيرجي برين " ، إلى جولة تمويل لجمع أربعين مليون دولار. *

قررت شركة تيسلا في يوليو عام 2006 أن تخبر العالم بما أنجزته. كان مهندسو الشركة قد صنعوا نموذجًا أحمر اللون، يدعى " إي بي 2 " (أو المعروف اختصارًا بـ
EP2 ) لتكملة النموذج أسود اللون، وعُرض كلاهما في إحدى الفعاليات التي أُقيمت بمقاطعة سانتا كلارا. توافدت الصحافة لهذا الإعلان وانجذب رجالها بشدة لما
رأوه؛ فقد كانت السيارتان طراز رودستر عبارة عن سيارتين مكشوفتين بمقعدين رائعي الجمال تنطلقان من السكون إلى سرعة حوالي مائة كيلومتر في الساعة في
أربع ثوانٍ.
قال " ماسك " في الفعالية: " حتى اليوم، كانت كل السيارات الكهربية سيئة " . 6
حضر الحدث مشاهير مثل حاكم الولاية حينذاك " آرنولد شوارزنيجر " والمدير التنفيذي السابق لشركة " ديزني " " مايكل إيزنر " ، وقام العديدون منهم بتجربة
قيادة السيارات طراز رودستر. كانت تلك المركبات هشة جدًّا لدرجة أن " ستراوبيل " وبضع أيد أمينة أخرى وحدهم هم من يعرفون كيفية تشغيلها، وكان يتم
تبديل السيارات كل خمس دقائق لتفادي حدوث فرط إحماء لمحركها. لقد كشفت شركة تيسلا عن أن كل سيارة ستتكلف حوالي تسعين ألف دولار وأن نطاق نقل
سرعاتها هو أربعمائة واثنان كيلومتر لكل حركة نقل للسرعة. صرحت الشركة بأن ثلاثين شخصًا قد التزموا بشراء سيارة رودستر، بمن فيهم " برين " و " بيدج " ،
المؤسسان المشاركان موقع " جوجل " ، وحفنة من المليارديرات الآخرين في مجال التكنولوجيا. ووعد " ماسك " بأن يكون هناك نموذج أرخص ثمنًا بأربعة مقاعد
وأربعة أبواب يكلف أقل من خمسين ألف دولار سيظهر في غضون حوالي ثلاثة أعوام.

وفي وقت قريب من تاريخ هذه الفعالية، قامت شركة تيسلا بأول ظهور لها في صحيفة نيويورك تايمز من خلال نشرها لمحة موجزة صغيرة عن الشركة، تعهد فيها
" إيبرهارد " ، متفائلًا، بالبدء بإرسال شحنات من السيارة رودستر في منتصف عام 2007، بدلًا من أوائل عام 2006 كما كان مخططًا من قبل، ووضع إستراتيجية
شركة تيسلا الخاصة بالبدء بإصدار منتج باهظ الثمن بكميات قليلة ثم الانتقال إلى المنتجات بأسعار ميسرة أكثر بمرور الوقت، مع تقدم التكنولوجيا الأساسية
وقدرات التصنيع. كان " ماسك " و " إيبرهارد " من كبار المعتقدين بهذه الإستراتيجية، بعد أن رأياها تحدث مع عدد من الأجهزة الإلكترونية. صرح " إيبرهارد "
للصحيفة 7 : " إن الهواتف النقالة والثلاجات وأجهزة التلفاز الملونة لم تبدأ بصنع منتج رخيص للعامة، بل كانت باهظة نسبيًّا، وكانت موجهة لمن يستطيعون
تحمل تكلفتها " . ومع أن ذلك الخبر كان بمثابة خطوة غير متوقعة لشركة تيسلا، إلا أن " ماسك " لم يعجبه أنه قد تم تجاهله تمامًا في المقال. يقول " تاربيننج
" : " حاولنا تأكيد وجوده، وأخبرنا المراسل مرارًا وتكرارًا به، لكنه لم يكن مهتمًّا بمجلس إدارة الشركة. لقد كان " إيلون " حانقًا وغاضبًا " .

ويمكنــك أن تتفــهم الســبب وراء رغبــة " ماســك " فــي أن يكــون لــه نصــيب مــن أضــواء الشــهرة التــي سُلطــت علــى شــركة " تيســلا " ؛ فقــد تحــولت الســيارة إلــى قضــية
مشــهورة فــي عــالم صــناعة الســيارات. وكــانت الســيارات الكــهربية تميــل إلــى إثــارة ردود أفعــال مبالغـة مـن كلتـا المجموعتـين المؤيـدة والمعارضـة لـها، لكـن ظـهور سـيارة
كهربية سريعة جذابة أثار شغف الجميع. وعلاوةً على هذا، كانت شركة تيسلا قد حولت وادي السيليكون إلى خطر حقيقي يهدد مدينة ديترويت لأول مرة على
الإطلاق، من الناحية النظرية على الأقل. لقد شهد الشهر التالي لفعالية سانتا مونيكا حدث بيبل بيتش كونكور دايليجانس، وهو عرض شهير للسيارات النادرة.
كانت شركة تيسلا قد أصبحت محورًا للاهتمام لدرجة أن منظمي الحدث توسلوا إلى شركة تيسلا لتعرض السيارة رودستر به وتنازلوا عن رسوم العرض المعتادة؛
فاتخذت شركة تيسلا كشكًا، وأتى الناس بالعشرات لتحرير شيكات بمبلغ مائة ألف دولار فورًا لكي يحجزوا سياراتهم. يقول " تاربيننج " : " كان هذا قبل ظهور
شــركة كيــك ســتارتر، ولــم نكــن قــد فكرنــا فــي محاولــة فعــل هــذا فحســب. لكننــا بــدأنا نتلقــى ملايــين الــدولارات فــي مثــل هــذا النــوع مــن الفعــاليات " . بــدأ المســتثمرون
المغــــامرون والمشــــاهير وأصــــدقاء موظفــــي شــــركة تيســــلا يحــاولون دفــع المــال لتســجيل أســمائهم علــى لائحــة الانتظــار، حتــى إن بعــض النــاس مــن صــفوة أثريــاء وادي
السيليكون تمادوا لدرجة أنهم ذهبوا إلى مكتب شركة تيسلا وطرقوا بابها، تطلعًا منهم لشراء سيارة. لقد فعل رائدا الأعمال " كونستانتين أوتمر " و " بروس ليك
" ، اللذان كانا يعرفان " ماسك " منذ أيام تدربه بشركة روكيت ساينس جيمز، هذا بالضبط في أحد أيام العمل، وانتهى المطاف بأن اصطحبهما " ماسك " و "
إيبرهارد " في جولة شخصية خاصة بالسيارة دامت لأكثر من ساعتين. يقول " أوتمر " : " في النهاية قلنا: " سنأخذ واحدة " . لم يكن مسموحًا لهم ببيع السيارات
بعد في الواقع؛ لذا انضممنا لناديهم. كانت عضوية هذا النادي تكلف مائة ألف دولار، لكن كانت إحدى مزاياها الحصول على سيارة مجانية " .

عند انتقال شركة " تيسلا " من وضعية التسويق إلى وضعية البحث والتطوير مرة أخرى، كانت هناك بعض الصيحات التي تعمل لصالحها. كانت التطورات التي
حدثت في مجال الحاسوب قد مكنت شركات صناعة السيارات الصغيرة أحيانًا من أن تصبح ندًّا لعمالقة تلك الصناعة. وقبلها بأعوام، كان يتوجب على الشركات
المصنعة للسيارات صناعة أسطول من السيارات من أجل إجراء اختبارات التصادم. ولكن شركة تيسلا لم تستطع تحمل هذا، ولم تكن مضطرة لذلك؛ فقد أُجري
اختبار التصادم الخاص بالنموذج الهندسي الثالث للسيارة رودستر في المنشأة نفسها التي تستخدمها كبرى شركات صناعة السيارات، ما مكَّن شركة تيسلا من
اســتخدام أفضــل الكــاميرات فائقــة الســرعة وغيرهــا مــن تقنيــات التصــوير. ومــع ذلــك، كــانت آلاف الاختبــارات الأخــرى تُجــرى بواســطة طــرف ثــالث مختــص بــالمحاكاة
الحاسوبية، ما أنقذ تيسلا من صناعة أسطول من مركبات اختبارات التصادم. بالإضافة إلى ذلك، تمكنت شركة تيسلا كذلك من الوصول إلى مسارات اختبارات
قــوة تحمــل الســيارات الخاصــة بكبــرى الشـركات والمصـنوعة مـن الحصـى والمـلاط المحشـو داخـل الأجسـام المعـدنية. كـان بـإمكان الشـركة فـي تلـك المنشـآت مطابقـة قطـع
السيارة لمسافة ستة عشر ألفًا وثلاثة وتسعين كيلومترًا واستعمالها لمدة عشر سنوات.
كان مهندسو شركة تيسلا يضفون التوجه السائد في وادي السيليكون على المجالات التقليدية لشركات تصنيع السيارات في كثير من الأحيان؛ فمثلًا، كان هناك
مسار لاختبار المكابح ومانع الانزلاق للسيارات في شمالي السويد بالقرب من منطقة القطب الشمالي، حيث يتم ضبطها على سهول ضخمة من الجليد، وكان من
الطبيعي أن يتم تشغيل السيارة به لثلاثة أيام تقريبًا للحصول على البيانات، ثم العودة إلى المقر الرئيسي للشركة لعقد الاجتماعات المتعلقة بكيفية ضبطها لعدة
أســابيع، وقــد تســتغرق عمليــة ضــبط الســيارة بأكملــها فصــل الشــتاء كلــه. علــى النقــيض، كــانت شــركة تيســلا ترسـل مهندسـيها مـع السـيارة طـراز رودسـتر التـي يتـم
اختبارها وتطلب منهم تحليل البيانات فورًا. وعندما يكون هناك شيء بحاجة للتعديل، كان المهندسون يعيدون كتابة بعض الأكواد ويرسلون السيارة للجليد مرة
أخرى. يقول " تاربيننج " : " كانت شركة بي إم دابليو تحتاج إلى إجراء محادثة خاصة غير رسمية مع ثلاث أو أربع شركات تلقي جميعها اللوم على بعضها لوجود
المشــكلة. أمــا نحــن، فنصــلح المشــكلة بأنفســنا " . كــان هنــاك اختبــار آخــر يتطلــب أن تــدخل الســيارة رودســتر حجــرة تبريــد خاصــة لفحــص كيفيـة اسـتجابتها لـدرجات
الحرارة شديدة البرودة. ونظرًا لأن مهندسي شركة تيسلا لم يرغبوا في دفع التكاليف الباهظة لاستخدام إحدى تلك الحجرات، فقد اختاروا استئجار شاحنة نقل
مثلجات لها مقطورة مبردة ضخمة. كان أحدهم يقود السيارة طراز رودستر إلى داخل الشاحنة، وكان المهندسون يرتدون سترة من الفرو بقلنسوة ويعملون على
السيارة.

وفي كل مرة تتعامل فيها شركة تيسلا مع مدينة ديترويت، ترى شواهد على مدى انعزال المدينة، التي كانت مهمة فيما مضى، عن ثقافتها المليئة بالعزيمة. لقد
حاولت تيسلا استئجار مقر صغير في مدينة ديترويت. كانت تكاليف ذلك المقر منخفضة جدًّا مقارنةً بالمباني الإدارية الموجودة بـ وادي السيليكون، لكن بيروقراطية
المدينة حولت عملية الحصول على مقر بسيط إلى عذاب؛ فقد أراد مالك المبنى الاطلاع على البيانات المالية المدققة الخاصة بشركة تيسلا خلال سبعة أعوام، التي
كانت لا تزال شركة خاصة، ثم أراد منهم دفع إيجار عامين مقدمًا. كانت شركة تيسلا تمتلك حوالي خمسين مليون دولار في حسابها المصرفي، وكان بإمكانها شراء
المبنى فورًا. يقول " تاربيننج " : " في وادي السيليكون، يقول المرء إنه مدعوم من المستثمرين المغامرين، فتنتهي المفاوضات. لكن كل شيء كان يسير على هذه الوتيرة
في ديترويت. كنا نتلقى طرودًا عبر شركة فيديكس، ولم يكن باستطاعتهم مجرد تحديد من يجب أن يوقع على استلامها " .

وطــوال تلــك الأعــوام الأولــى، كــان المهندســون يــرجعون الفضــل إلــى " إيبرهــارد " فـي اتخـاذ قـرارات سـريعة وحازمـة. ونـادرًا مـا كـانت شـركة تيسـلا تنشـغل بـالإفراط فـي
تحليــل مــوقف مــا؛ بــل كــانت تختــار خطــة هجــوم، وعنـدما تخفـق فـي شـيء مـا، كـانت تخفـق بسـرعة ثـم تجـرب نـهجًا آخـر. إن مـا بـدأ يؤخـر طـرح السـيارة رودسـتر فـي
الأسواق كان إجراء العديد من التغييرات التي أرادها " ماسك " ؛ فقد ظل يضغط عليهم ليجعلوا السيارة مريحة أكثر، ويطلب منهم إجراء تعديلات على المقاعد
والأبواب. كما جعل تصنيع الجسم من ألياف الكربون أولوية، ثم ضغط عليهم لتركيب مجسات إلكترونية على الأبواب لكي تُفتح السيارة رودستر بلمسة أصبع
بدلًا من أن تُفتح بجذب المقبض. لقد اشتكى " إيبرهارد " من أن تلك الخصائص تبطئ الشركة، ووافقه العديد من المهندسين في الرأي. يقول " بيرديكيفسكي " : "
أحيانًا كان " إيلون " يبدو كقوة شاملة كثيرة المطالب لدرجة غير معقولة. كانت الشركة ككل متعاطفة مع " مارتن " ؛ لأنه كان موجودًا
طوال الوقت، وكنا نشعر جميعًا بأن علينا شحن السيارة في وقت أبكر من
هذا " .

وبحلــول منتصــف عـام 2007، كـانت شـركة تيسـلا قـد توسـعت لتشـمل مائـة وسـتين مـوظفًا، وقـد بـدا أنـها تنجـح فـي تحقـيق المسـتحيل؛ حـيث إنـها قـد أنتجـت أسـرع
وأجمل سيارة كهربية في العالم فجأة. كل ما توجب عليها تاليًا هو صنع عدد كبير من السيارات... وهي عملية كادت تفلس الشركة في نهاية المطاف.

إن أكبر خطأ اقترفه الموظفون التنفيذيون بشركة تيسلا في الأيام الأولى كان قيامهم بافتراضات بشأن نظام نقل الحركة في السيارة رودستر. لطالما كان هدفهم هو
جعلها تنتقل من السكون إلى سرعة حوالي مائة كيلومتر في الساعة بأسرع ما يمكن على أمل أن تلفت سرعة السيارة رودستر الكثير من الانتباه وتجعل قيادتها
ممتعة. ولتحقيق هذا، قرر مهندسو شركة تيسلا استخدام ناقل حركة ذي سرعتين، وهو الآلية الأساسية لنقل الطاقة من المحرك إلى الإطارات: أول سرعة ستنقل
السيارة من السكون إلى سرعة حوالي مائة كيلومتر في الساعة في أقل من أربع ثوان، ثم ستقوم السرعة الثانية بزيادة سرعة السيارة إلى ما يصل إلى حوالي مائتين
وتسعة كيلومترات في الساعة. كانت شركة تيسلا قد وظفت شركة إكستراك، وهي شركة بريطانية مختصة بتصميم نواقل الحركة، لصنع هذا الجزء من السيارة،
وكان لديها كل ما يدعو لاعتقاد أن هذا سيكون أحد الأجزاء الأكثر سهولة في رحلة تصنيع السيارة رودستر. يقول المهندس الخبير بـ وادي السيليكون والموظف رقم
ستة وثمانين في شركة تيسلا، " بيل كاري " 8 : " كانت نواقل الحركة تُصنع منذ أن اخترع " روبرت فلتون " المحرك البخاري. لذلك، اعتقدنا أننا سنطلب واحدًا
ببساطة. لكن أول محرك حصلنا عليه دام لأربعين ثانية " . لم يستطع ناقل الحركة الأوَّلي تحمل التغير الكبير المفاجئ في السرعة عند الانتقال من السرعة الأولى
إلى السرعة الثانية، وكان المهندسون يخشون أن يعمل ترس السرعة الثانية بسرعة عالية وألا يتزامن مع المحرك جيدًا؛ ما سيتسبب في إلحاق ضرر كارثي بالسيارة.

عمد " لايونز " وغيره من المهندسين إلى محاولة إصلاح هذه المشكلة بسرعة. لقد عثروا على بضعة متعهدين آخرين ليكلفوهم بتصميم بدائل، وأملوا مرة أخرى أن
يسلمهم خبراء نواقل الحركة هؤلاء، ذوو الأعوام الطويلة من الخبرة، شيئًا يمكن استخدامه بسهولة نسبية. لكن سرعان ما أصبح من الواضح أن المتعهدين لا
يكلفون أفضل فرقهم دومًا بالعمل على المشروع الخاص بهذه الشركة الناشئة الصغيرة بـ وادي السيليكون، وأن نواقل الحركة الجديدة ليست أفضل من الأولى.
لقد اكتشفت تيسلا خلال الاختبارات أن نواقل الحركة تتعطل أحيانًا بعد مائتين وواحد وأربعين كيلومترًا، وأن متوسط الزمن بين الأعطال هو حوالي ثلاثة آلاف
ومائتين وتسعة عشر كيلومترًا. وعندما أجرى فريق من ديترويت تحليلًا للسبب الجذري لناقل الحركة لكي يجد الأعطال، اكتشفوا أربعة عشر مشكلة منفصلة
يمكنها التسبب في تعطيل نظام نقل الحركة. كانت شركة تيسلا قد رغبت في تسليم السيارة رودستر في نوفمبر عام 2007، لكن مشكلات ناقل الحركة استمرت،
وبحلول الأول من يناير عام 2008، اضطرت الشركة إلى البدأ من الصفر مرة أخرى، في محاولة ثالثة لتصنيع ناقل الحركة.

واجــهت شــركة تيســلا مشــكلات خــارج البــلاد كــذلك. كــانت الشــركة قــد قــررت إرســال فــريق مـن أصـغر مهندسـيها سـن ًّ ا وأكثـرهم نشـاطًا إلـى تايلانـد لإنشـاء مصـنع
للبطاريات. كانت الشركة قد اشتركت مع شريك تصنيع متحمس وإن لم يكن مؤهلًا تماما. قيل للمهندسين إن بإمكانهم السفر إلى تايلاند لإدارة عملية إنشاء
مصنع بطاريات متطور. لكن بدلًا من المصنع، وجدوا لوحًا خرسانيًّا به أعمدة ترفع سقفًا. كان المبنى يقع على بعد ثلاث ساعات بالسيارة من جنوب بانكوك، وكان
قد تُرك مفتوحًا كما هي الحال مع العديد من المصانع الأخرى بسبب الحر الشديد. كانت عمليات التصنيع الأخرى تتعلق بصناعة المواقد والإطارات والسلع التي
يمكنــها تحمــل عوامــل التعريــة. أمــا تيســلا، فكــانت تمتلــك بطــاريات حســاسة وإلكترونيــات كــانت ســوف تتضــرر بــالظروف الجويــة ذات الــدرجة العاليــة مــن الملوحــة
والرطوبة، كما كانت الحال مع أجزاء الصاروخ " فالكون 1 " . وفي النهاية، دفع شريك تيسلا حوالي خمسة وسبعين ألف دولار لتركيب لوح جصي وكساء الأرضية
بطبقة وإنشاء غرف تخزين بها أجهزة تحكم بدرجات الحرارة. انتهى المطاف بأن عمل مهندسو شركة تيسلا لساعات جنونية محاولين تدريب العمال التايلانديين
على كيفية التعامل مع الإلكترونيات. لقد تباطأت عملية تطوير تقنية البطارية بشدة بعد أن كانت تسير بوتيرة سريعة فيما مضى.

كــان مصــنع البطــاريات جزءًا مــن ســلسلة توريــد تمتــد إلــى كــل أنحـاء العـالم، مضـيفةً تكـاليف وتـأخيرات لعمليـة إنتـاج السـيارة رودسـتر. كـانت ألـواح جسـم السـيارة
ستُصنع في فرنسا، بينما كان سيتم استيراد المحركات من تايوان، كما خططت شركة تيسلا لشراء خلايا البطاريات من الصين وشحنها إلى تايلاند؛ لكي يتم تحويل
المكونات المنفردة إلى حزم بطاريات. وبعدها، كانت حزم البطاريات، التي توجب تخزينها لأقصر مدة زمنية ممكنة لتجنب تراجع أدائها، تؤخذ إلى الميناء وتُشحن إلى
إنجلترا، حيث توجب عليهم إنهاء التخليص الجمركي. وبعد ذلك، خططت تيسلا إلى أن تقوم شركة لوتس بصنع جسم السيارة وإلحاق حزم البطاريات به، ثم
شحن السيارات طراز رودستر بحرًا عن طريق رأس هورن إلى لوس أنجلوس. لكن في ذلك الوضع المحتمل، ستدفع شركة تيسلا المال مقابل معظم أجزاء السيارة،
وسيستحيل عليها التعرف على الأرباح التي ستحققها من تلك الأجزاء إلى أن تمر ستة إلى تسعة أشهر. يقول " فورست نورث " ، أحد المهندسين الذين أ ُ رسلوا إلى
تايلاند: " كانت الفكرة هي السفر إلى آسيا لإنجاز الأمور بسرعة وبتكلفة منخفضة لكي تحقق الشركة أرباحًا من السيارة. لكن ما اكتشفناه بالنسبة للأمور شديدة
التعقيد هو أنه يمكن تنفيذ العمل بها بتكاليف منخفضة وتأخيرات أقل ومشكلات أقل هنا " . وعندما انضم إليهم بعض الموظفين حديثي التوظيف، صُدموا حين
اكتشــفوا كــم بــدت خطــة تيســلا غــير مدروســة. لقــد جــاء " رايــان بوبــل " ، الــذي قضــى أربعــة أعــوام فــي الجــيش ثــم حصــل علــى ماجســتير إدارة الأعمــال مــن جامعــة
هارفارد، إلى شركة تيسلا بصفته مديرًا للشئون المالية بهدف إعداد الشركة لكي تُطرح للاكتتاب العام. ولكنه بعد أن قام بفحص حسابات الشركة في وقت مبكر
من توليه
المنصب، سأل رئيس قسم إدارة عمليات التصنيع عن كيفية تصنيعه السيارة بالضبط. يقول " بوبل " : " قال: " سوف نقرر بدء عملية الإنتاج، ثم ستحدث معجزة
ما "" .

وعنــدما بلــغ خبــر مشــكلات التصــنيع إلــى " ماســك " ، شـعر بـالقلق الشـديد بشـأن طريقـة إدارة " إيبرهـارد " للشـركة، واسـتدعى مسـتشارًا ليعـالج الوضـع. كـان مـن
ضمن المستثمرين بشركة تيسلا شركة فالور إكويتي، وهي شركة استثمار يقع مقرها في مدينة شيكاغو تختص بتعديل أداء عمليات التصنيع. وكانت تلك الشركة
منجــذبة لبطــاريات شــركة تيســلا وتقنيتــها لآلــة توليــد الحركــة ونقلــها، وقــدّرت بحــذر أنــه حتــى لــو أخفقـت شـركة تيسـلا فـي بـيع عـدد كبـير مـن السـيارات، فـإن كبـرى
الشركات العاملة في صناعة السيارات سترغب في شراء حقوق ملكيتها الفكرية في نهاية المطاف. ولكي تحمي شركة فالور استثمارها بشركة تيسلا، بعثت إليها "
تيم واتكنز " ، مدير إدارة العمليات بها، الذي سرعان ما توصل لبعض الاستنتاجات المفزعة.

" واتكنز " رجل بريطاني حاصل على شهادات في علم الإنسان الآلي الصناعي والهندسة الكهربية اكتسب سمعة كحلَّال عبقري للمشكلات. على سبيل المثال، في أثناء تأديته عملًا في سويسرا، وجد طريقة للتحايل على قوانين العمل الصارمة التي تحدد عدد ساعات عمل الموظفين، عن طريق تشغيل مصنع دمغ معادن آلي
بدلًا من أن يكون يدويًّا لكي يعمل أربعًا وعشرين ساعة يوميًّا بدلًا من ست عشرة ساعة كغيره من المصانع والمنافسين. كما اشتهر " واتكنز " بتثبيت تسريحة شعره
على هيئة ذيل حصان باستخدام ربطة شعر سوداء وبارتدائه سترة جلدية سوداء وبحمله حقيبة وسط سوداء في أي مكان يذهب إليه؛ حيث يحمل في حقيبة
الوسط تلك جواز سفره ودفتر شيكاته وسدادات أذنه ودهانًا واقيًا من الشمس وطعامه وتشكيلة من الضروريات الأخرى. يقول " واتكنز " : " إنها مليئة بالأشياء
اليومية التي أحتاج إليها للبقاء. إذا ابتعدت ثلاثة أمتار عنها، أتحسسها " . ومع أن " واتكنز " غريب الأطوار قليلًا، إلا أنه كان ضليعًا في عمله، وقضى أسابيع في
التحدث مع الموظفين وفي تحليل كل جزء من سلسلة توريدات شركة تيسلا لمعرفة تكلفة تصنيع السيارة رودستر.

كانت شركة " تيسلا " قد بذلت جهدًا في تقليل تكاليف موظفيها؛ فقد قامت بتعيين الفتية الذين تخرجوا في جامعة ستانفورد لتوهم مقابل خمسة وأربعين ألف
دولار، بدلًا من أن تعين من أثبتوا قدراتهم بالفعل وعلى الأرجح لا يريدون الاجتهاد بشدة في العمل على أية حال مقابل مائة وعشرين ألف دولار. لكن حين تعلق
الأمــر بالمعــدات والمــواد، كــانت شــركة تيســلا تنفــق المــال ببــذخ شـديد، لـدرجة أن لا أحـد كـان يحـب اسـتخدام البرنـامج الحاسـوبي للشـركة الـذي يتعقـب فـاتورة شـراء
المــواد، فكــان بعــض النــاس يســتخدمونه وبعضــهم لا يســتخدمونه، لكــن مــن كــانوا يســتخدمونه كــانوا يقتــرفون أخطــاء جســيمة فــي كثــير مــن الأحيــان؛ حــيث كــانوا
يأخذون تكلفة جزء ما من نماذج السيارات، ثم يقدِّرون نسبة التخفيض التي يتوقعونها عند شرائهم ذلك الجزء بكميات كبيرة، بدلًا من أن يقوموا بالتفاوض
للتوصل لسعر عملي. لقد أعلن البرنامج الحاسوبي في مرحلة ما أن كل سيارة رودستر ستتكلف حوالي ثمانية وستين ألف دولار، ما سيجعل شركة تيسلا تجني
أرباحًا تُقدر بحوالي ثلاثين ألف دولار لكل مركبة. كان الجميع يعلمون أن هذا الرقم خطأ، لكنهم أبلغوا مجلس إدارة الشركة به على أية حال.

لقــد أبلــغ " واتكــنز " " ماســك " بــالنتائج التــي توصــل إليــها فــي منتصــف عــام 2007 تقـريبًا. كـان " ماسـك " مسـتعدًّا لسـماع مبلـغ بـاهظ، لكنـه شـعر بالثقـة لأن سـعر
السيارة سينخفض تدريجيًّا بمرور الوقت مع تذليل شركة تيسلا العقبات التي تواجه عملية تصنيعها السيارة وزيادتها لمبيعاتها. يقول " ماسك " : " عندها أخبرني
" تيم " بأنه يحمل لي خبرًا سيئًا " . لقد بدا أن تصنيع كل سيارة من سيارات رودستر سيتكلف مائتي ألف دولار، وكانت شركة تيسلا تخطط لبيع السيارة مقابل
حوالــي خمســة وثمــانين ألــف دولار فقــط. يقــول " ماســك " : " حتــى لــو تــم إنتاجــها بــالكامل، كــانت ســتتكلف حوالــي مائــة وســبعين ألــف دولار أو مبلــغًا جنونــيًّا مــا.
بالطبع، لم يهم الأمر كثيرًا لأن حوالي ثُلث السيارات لم يكن يعمل إطلاقًا " .

أجــرى " إيبرهــارد " محــاولات لإخــراج فريقــه مــن هـذا المـأزق. كـان قـد ذهـب لحضـور خطبـة المسـتثمر المغـامر الشـهير " جـون دويـر " ، الـذي أصـبح مسـتثمرًا رئيسـيًّا فـي
شركات التقنية صديقة البيئة، أعلن فيها أنه سيكرس وقته وماله لمحاولة إنقاذ كوكب الأرض من ظاهرة الاحتباس الحراري لأنه يدين لأطفاله ببذل هذا الجهد.
وبعدها، عاد فورًا إلى مبنى شركة تيسلا وابتكر خطبة مشابهة: قام بعرض صورة ابنته الصغيرة على جدار الورشة الرئيسية، أمام حوالي مائة شخص، وسأل
مهندسي تيسلا عن سبب عرضه تلك الصورة، فخمن أحدهم أن هذا بسبب أن أمثال ابنته سوف يقودون السيارة، فرد عليه " إيبرهارد " قائلًا: " كلا، نحن نصنع
هذه السيارة لأنها حين تبلغ السن القانونية لقيادة السيارات، ستكون السيارات التي تقودها مختلفة تمامًا عما نعرفه اليوم، مثلما لم تعودوا تفكرون في الهاتف
على أنه جهاز مثبت بالجدار وله سلك. هذا هو المستقبل الذي يعتمد عليكم " . ثم وجه " إيبرهارد " الشكر لبعض المهندسين المهمين وذكر جهودهم على الملأ. كان
العــديد مــن الموظفــين يســهرون الليـل بطولـه بصـفة منتظمـة؛ لـذا فقـد رفـع عـرض " إيبرهـارد " مـن معنوياتـهم. يقـول المتحـدث السـابق باسـم شـركة تيسـلا، " دافيـد
فيسبريمي " : " كنا جميعًا نرهق أنفسنا في العمل. عندها، حانت هذه اللحظة العميقة التي ذكرتنا بأن تصنيع السيارة لا يتعلق بطرحها للاكتتاب العام أو ببيعها
لمجموعة من الرفاق الأثرياء، بل لأنه متعلق باحتمالية تغيير مفهوم السيارات " .

إلا أن تلك الانتصارات لم تكفِ للتغلب على الشعور الذي يتشاركه العديد من مهندسي شركة تيسلا بأن " إيبرهارد " قد بلغ نهاية قدراته كمدير تنفيذي. لطالما كان
المــوظفون القــدامى بالشــركة معجبــين بــذكاء " إيبرهــارد " الهندســي، وقــد ظلــوا كــذلك. فــي الـواقع، كـان " إيبرهـارد " قـد حـول شـركة تيسـلا إلـى جماعـة مـن المـهتمين
بالهندســة. لكنــه أهمــل الأجزاء الأخــرى مــن الشــركة للأســف، فشــك النــاس فــي قــدرته علــى نقــل الشــركة مـن مرحلـة البحـث والتطويـر إلـى مرحلـة الإنتـاج. لقـد كـانت
التكلفــــة غــــير المعقولــــة للســـيارة ونــاقل الحركــة والمــوردين غــير الأكفــاء تعرقــل تيســلا. وعنــدما بــدأت الشــركة تتخطــى المواعيــد النــهائية للتســليم، انقلــب العــديد مــن
العملاء، الذين كانوا متحمسين فيما مضى ودفعوا مبالغ ضخمة من المال مقدمًا، ضد تيسلا و " إيبرهارد " . يقول " لايونز " : " لقد رأينا نُذر اقتراب كارثة؛ كان
الجميع يعرفون أن من يؤسس شركة ليس بالضرورة أهلًا لترؤسها على المدى الطويل، لكن عندما يحدث هذا، لا يكون الأمر سهلًا " .

لقــد تصــارع " إيبرهــارد " و " ماســك " طــوال أعــوام بشــأن بعــض النقــاط الخاصــة بتصــميم الســيارة. لكنــهما كــانا علــى وفــاق فــي الأغلــب؛ لــم يكــن أي منــهما يتحمــل
الحمقى، كما كانا بالتأكيد يتشاركان العديد من الرؤى بشأن تقنية البطارية وما قد تعنيه للعالم. لكن ما لم تستطع علاقتهما تحمله كان أرقام تكاليف السيارة
رودستر التي كشف عنها " واتكنز " . بدا لـ " ماسك " كما لو كان " إيبرهارد " قد أساء إدارة الشركة تمامًا بأن سمح للتكاليف بأن ترتفع لهذه الدرجة، ثم أخفق،
من وجهة نظر " ماسك " ، في الكشف عن مدى فداحة الوضع لمجلس إدارة الشركة. ولهذا، بينما كان " إيبرهارد " في طريقه لإجراء حديث مع نقابة صحفي أخبار
السيارات في لوس أنجلوس، تلقى اتصالًا من " ماسك " عرف فيه من خلال محادثة وجيزة غير مريحة أنه سيتم استبداله والإتيان بمدير تنفيذي آخر.

قــام مجلــس إدارة شــركة تيســلا فــي أغســطس عــام 2007 بــعزل " إيبرهــارد " عــن منصــبه وتعيينــه رئــيسًا لقســم التكنولوجيــا، مـا تسـبب فـي تفـاقم مشـكلات الشـركة
فحسب. يقول " ستراوبيل " : " كان " مارتن " حانقًا ومعرقلًا بشدة. أتذكر أنه كان يتنقل في كل أنحاء المكتب لينشر الاستياء، بينما كنا نحاول الانتهاء من السيارة
وكان المال قد بدأ ينفد منا وكان كل شيء مقلقًا جدًّا " . وبحسب وجهة نظر " إيبرهارد " ، كان العاملون الآخرون بشركة تيسلا قد دسوا له برنامجًا تطبيقيًّا ماليًّا
معــيبًا صــعَّب عليــه تعقــب التكــاليف بــدقة، كمـا زعـم أن سـبب التـأخيرات والزيـادات فـي التكـاليف يـرجع جزئـيًّا إلـى طلبـات أعضـاء الفـريق الإداري الآخـرين, وأنـه كـان
صريحًا مع مجلس الإدارة بشأن المشكلة. والأكثر من هذا أنه ظن أن " واتكنز " صوَّر الوضع بأسوأ مما هو عليه حقًّا؛ لأن الشركات الناشئة في وادي السيليكون
تعتبر حدوث عطل من إجراءات التشغيل المألوفة. يقول " إيبرهارد " : " كانت شركة فالور معتادة على التعامل مع الشركات الأقدم. لذلك، واجهوا فوضى لم
يكونوا معتادين عليها؛ كانت فوضى تخص أية شركة ناشئة جديدة " . بالإضافة إلى ذلك، كان " إيبرهارد " يطلب من مجلس إدارة تيسلا بالفعل أن يستبدل به
مديرًا تنفيذيًّا آخر وأن يجد شخصًا أكثر خبرة في عملية التصنيع.

ومــرت بضــعة أشــهر، وظــل " إيبرهــارد " غاضــبًا، مــا أشــعر العــديد مــن موظفــي تيســلا بأنــهم أشــبه بـأبناء يواجـهون تجربـة طـلاق الوالـدين وعليـهم أن يختـاروا أحـد
الوالدين للعيش معه؛ " إيبرهارد " أم " ماسك " . وبحلول شهر ديسمبر، أصبح الوضع غير محتمل، فغادر " إيبرهارد " الشركة تمامًا. أعربت شركة تيسلا في
تصريح لها إن " إيبرهارد " قد تلقى عرضًا بتولي منصب بمجلسها الإستشاري، وإن كان " إيبرهارد " قد أنكر هذا، قائلًا في تصريح له في ذلك الوقت: " لم أعد أعمل
لصالح شركة تيسلا موتورز... لست عضوًا بمجلس إدارتها ولا موظفًا من أي نوع بها. إنني لست راضيًا عن الأسلوب الذي عوملت به " ، فأرسل " ماسك " رسالة
موجزة لصحيفة تابعة لـ وادي السيليكون قائلًا: " يؤسفني أن الأمر قد بلغ هذا الحد وأتمنى لو لم يحدث هذا. لم تكن المسألة خلافات شخصية، نظرًا لأن قرار نقل
" مارتن " إلى منصب استشاري كان قرارًا اتفق عليه كل أعضاء مجلس الإدارة بالإجماع. لقد كانت شركة تيسلا تعاني مشكلات تشغيل توجب حلها، ولو كانت
الشركة تعتقد أن هناك طريقة ليكون " مارتن " جزءًا من هذا الحل، لظل موظفًا فيها " . 9 كانت تلك التصريحات بداية حرب علنية بين الرجلين ستدوم أعوامًا،
ولا تزال مستمرة حتى يومنا هذا في نواحٍ كثيرة.

ومع انتهاء عام 2007، تراكمت المشكلات أمام شركة تيسلا: فالجسم المصنوع من ألياف الكربون الذي بدا جميلًا جدًّا قد اتضح أن طلاءه باهت جدًّا، فاضطرت
تيســلا لأن تنتقـل بـين عـدة شـركات حتـى تجـد شـركة تسـتطيع إنجـاز العمـل جيـدًا. بالإضـافة إلـى ذلـك، كـانت توجـد عـيوب فـي حزمـة البطـاريات أحيـانًا، وكـان يحـدث
تماس في المحرك بين الفينة والأخرى، وكانت هناك فراغات واضحة بين ألواح جسم السيارة، كما اضطرت الشركة لمواجهة واقع أن ناقل الحركة ذا السرعتين لن
يتحقق أبدًا. ولكي تحقق السيارة رودستر الانتقال من السكون إلى سرعة حوالي مائة كيلومتر بالساعة في وقت قياسي بناقل حركة ذي سرعة واحدة فقط، اضطر
مهندسو شركة تيسلا إلى إعادة تصميم محرك السيارة والعاكس الكهربائي بها وتخفيف وزنها قليلًا. يقول " ماسك " : " اضطررنا لإيقاف تصنيعها والبدء فيه من
جديد. كان الأمر مريعًا " .

وبعــد إقالــة " إيبرهــارد " مــن منصــب المــدير التنفيــذي، اختــار مجلــس إدارة شــركة تيســلا " مــايكل مــاركس " ليصــبح رئيســه المـؤقت. كـان " مـاركس " قـد عمـل مـديرًا
لشــــركة فليكســــترونيكس، وهــــي مــــورد ضــــخم للإلكترونيــــات، وكــــان يمتلــــك خبــرة عميقــة فــي عمليــات التصــنيع المعقــدة وبالمشــكلات اللوجيســتية. وبــدأ " مــاركس "
يستجوب المجموعات المختلفة بالشركة لكي يحاول معرفة مشكلاتهم ولكي يعطي الأولوية للمشكلات التي تعانيها السيارة رودستر. علاوةً على هذا، وضع بعض
القواعد البسيطة للتأكد من حضور جميع كل العاملين بالشركة في الموعد نفسه، لكي يضع خط أساس للإنتاجية... وهو طلب عسير في شركات وادي السيليكون
التي تعتمد على ثقافة إنجاز الأمور في أي مكان وفي أي وقت. كل تلك الخطوات كانت جزءًا من " لائحة " ماركس "" ، وهي خطة من عشر نقاط تُنفذ خلال مائة
يــوم تضـمنت التخلـص مـن كـل عـيوب حزم البطـاريات، وتقلـيص الفراغـات بـين ألـواح الجسـم إلـى أقـل مـن أربعمائـة مللـيمتر، والقيـام بعـدد محـدد مـن الحجـوزات.
يقول " ستراوبيل " : " كان " مارتن " يفقد سيطرته على الأمور وكان يفتقد الكثير من الانضباط المهم بالنسبة لأي مدير. أما " مايكل " ، فقد أتى وقيَّم الفوضى
وتخلــــص مــــن كــــل الــــهراء. لــــم تكــــن لـــه مصــلحة شــخصية فــي النتــائج؛ لــذا كــان بإمكانــه قــول: " لا أبــالي بمــا تعتقــده أنــت؛ هــذا مــا يتــوجب علينــا فعلــه "" . نجحــت
إســتراتيجية " مــاركس " لفتــرة، واســتطاع مهندســو شــركة تيســلا التــركيز مجــددًا علــى صــنع الســيارة رودسـتر عـوضًا عـن السـياسة الـداخلية. لكـن رؤيـة " مـاركس " للشركة بدأت تنحرف عن رؤية " ماسك " لها.

كانت شركة تيسلا قد انتقلت في ذلك الوقت إلى منشأة أكبر تقع في
1050 شارع بينج بمدينة سان كارلوس. سمح المبنى الأكبر للشركة بأن تعيد العمل بصناعة البطاريات إلى مقر الشركة بعد أن كان يجري في آسيا، وأن تنفذ بعض
مراحــل تصــنيع الســيارة رودســتر بنفســها، مــا خفــف مــن مشــكلات سـلسلة التوريـد. كـانت شـركة تيسـلا تنضـج كشـركة لتصـنيع السـيارات، وإن ظلـت محافظـة علـى
النزعة الصبيانية الجموح الخاصة بها بصفتها شركة ناشئة: فمثلًا، في أثناء تجول " ماركس " في أرجاء المصنع ذات يوم، رأى سيارة طراز سمارت من شركة دايملر
على رافعة. كان " ماسك " و " ستراوبيل " يعملان على مشروع جانبي صغير متعلق بالسيارة طراز سمارت لمعرفة كيف ستكون إذا تم تحويلها إلى سيارة كهربية.
يقول " لايونز " : " لم يكن " مايكل " يعرف بالأمر، فقال: " من المدير التنفيذي هنا؟ "" (أدى العمل على السيارة طراز سمارت في النهاية إلى شراء شركة دايمر
حصة من شركة تيسلا تبلغ عشرة بالمائة).

كان اتجاه " ماركس " هو محاولة جعل شركة تيسلا تبدو مثيرة للاهتمام كأصل مالي يمكن بيعه لشركة تصنيع سيارات أكبر. لقد كانت خطة معقولة تمامًا. كان
" ماركس " قد أشرف على سلسلة توريدات عالمية ضخمة في أثناء إدارته شركة فليكسترونيكس، وكان يعرف صعوبات التصنيع عن كثب؛ لذلك، لا بد أن شركة
تيســلا قــد بــدت لــه مــيئوسًا منـها تقـريبًا فـي هـذه المرحلـة؛ لأن الشـركة لـم تسـتطع صـنع منتجـها الوحيـد جيـدًا، وكـانت مسـتعدة لخسـارة الأمـوال، وكـانت قـد فـوتت
ســلسلة مــن المواعيــد النـهائية للتسـليم، ومـع ذلـك، كـان مهندسـوها يجـرون تجـارب جانبيـة؛ لـذلك، جعـل شـركة تيسـلا تبـدو بأبـهى صـورة لتجـد مشـتريًا هـو الحـل
المنطقي.

كان " ماركس " يتلقى الشكر على خطة العمل الحاسمة التي رسمها أو على إنقاذ مستثمري الشركة من خسارة فادحة في كل مناسبة تقريبًا. لكن " ماسك " لم
يكن مهتمًّا بتحسين أصول شركة تيسلا من أجل بيعها لأعلى مزايد؛ فقد أسس الشركة لكي يترك انطباعًا على صناعة السيارات ولكي يجبر الناس على أن يعيدوا
النظر في السيارات الكهربية. كان " ماسك " سيتعمق أكثر بالأمر، بدلًا من أن يتبع الاتجاه السائد في وادي السيليكون الخاص بـ " التمحور " حول فكرة أو خطة
جديدة. يقول " ستراوبيل " : " كان المنتج متأخرًا, وكان قد تعدى الميزانية المخصصة له ولم يكن كل شيء على ما يرام، لكن
" إيلون " لم يرغب في أن تكون له أية صلة بتلك الخطط, سواء أكانت ببيع الشركة كلها أم فقدان السيطرة عليها من خلال عقد شراكة ما؛ لذلك، قرر أن يخاطر
أكثر " .

وفي الثالث من ديسمبر عام 2007، حل " زيف دروري " محل " ماركس " في منصب المدير التنفيذي. كان " دروري " يمتلك خبرة في وادي السيليكون لأنه أنشأ
شركة تصنع ذاكرات الحواسيب الآلية وتبيعها لشركة أدفانسد مايكرو ديفايسز المصنعة لرقائق الحاسوب. لم يكن " دروري " الاختيار الأول لـ " ماسك " ، حيث
كان هناك خيار أفضل وهو رفض الوظيفة لأنه لم يرغب في الانتقال من الساحل الشرقي، ولم يبث روح الحماسة في موظفي تيسلا كثيرًا. كان " دروري " يكبر
أصغر الموظفين سنًّا في شركة تيسلا بحوالي خمسة عشر عامًا، ولم تكن بينه وبين هذه المجموعة التي تربط بينها المعاناة والكدح
أية صلة؛ لذلك، اعتبر مُنفذًا لرغبات " ماسك " أكثر منه مديرًا تنفيذيًّا مستقلًّا ومسيطرًا.

بدأ " ماسك " يبدي المزيد من اللفتات العامة لكي يخفف من الدعاية السيئة المحيطة بشركة تيسلا؛ فقد أبدى تصريحات وأجرى مقابلات يعد فيها بأنه سيتم
شــحن الســيارة رودســتر للعمــلاء فــي أوائــل عــام 2008، وبــدأ يــروج لســيارة بالاســم الــرمزي وايـت سـتار، حـيث كـان الاسـم الـرمزي للسـيارة رودسـتر هـو دارك سـتار،
ستكون من النوع سيدان ومن المحتمل أن يكون سعرها خمسين ألف دولار تقريبًا، وعن مصنع جديد لتصنيع تلك السيارة. كتب " ماسك " في منشور بمدونة
إلكترونية: " نظرًا للتغيرات الإدارية التي حدثت مؤخرًا، من المطلوب طمأنة الناس فيما يتعلق بالخطط المستقبلية لشركة تيسلا. إن الرسالة قصيرة الأجل بسيطة
ولا لبــس فيــها... ســوف نســلم ســيارة رياضــية رائعــة العــام القــادم سـيروق العمـلاءَ قيادتـها... لقـد انتـهى خـط الإنتـاج بـالفعل مـن تصـنيع سـيارتي، ذات رقـم تعـريف
المركبة بالإنتاج 1، في المملكة المتحدة ويتم القيام بالاستعدادات الأخيرة لتصديرها " . كما عقدت شركة تيسلا مجموعة من اللقاءات مع العملاء في مبنى البلدية
حاولت فيها الاعتراف بمشكلاتها علنًا، وبدأت تبني بعض المعارض لسيارتها. وقام الموظف التنفيذي السابق بشركة باي بال، " فينس سوليتو " ، بزيارة معرضها
بمدينة مينلو بارك، ووجد " ماسك " يشتكي من مشكلات العلاقات العامة، لكن كان واضحًا أن المنتج الذي تصنعه تيسلا قد ألهمه. يقول " سوليتو " : " تغير
سلوكه ما إن وصلنا لهذا العرض الخاص بالمحرك " . بدأ " ماسك " يتحدث عن خصائص المحرك، مرتديًا سترة جلدية وسروالًا فضفاضًا، ثم أدى عرضًا جديرًا
برجل قوي في مهرجان بأن رفع الكتلة المعدنية الضخمة التي يبلغ وزنها خمسة وأربعين كيلوجرامًا تقريبًا. يقول " سوليتو " : " لقد رفعها وضغطها بين راحتيه.
كان يمسكها مرتعشًا وكانت قطرات العرق تتجمع على جبهته. لم يكن استعراضًا لقوته بقدر ما كان عرضًا ماديًّا لجمال المنتج " . ومع أن العملاء اشتكوا كثيرًا
من التأخيرات، إلا أنه بدا أنهم يشعرون بشغف " ماسك " هذا ويشاركونه حماسته للمنتج؛ حفنة منهم فقط هم من طلبوا استرداد الدفعات المالية المقدمة التي
دفعوها.

وسرعان ما تسنى لموظفي تيسلا مشاهدة " ماسك " كما رآه موظفو سبيس إكس طوال أعوام. وعندما حدثت فجأة مشكلة مثل مشكلة الألواح المعيبة المصنوعة
من ألياف الكربون الخاصة بجسم السيارة رودستر، تعامل " ماسك " معها مباشرةً؛ حيث سافر إلى إنجلترا على متن طائرته النفاثة ليشتري بعض أدوات التصنيع
لألواح الجسم وسلمها شخصيًّا إلى مصنع في فرنسا لكي يتأكد من أن يظل إنتاج السيارة رودستر يسير وفق جدوله الزمني. كذلك ولت أيام غموض تكاليف تصنيع
الســيارة رودســتر. يقــول " بوبــل " : " تحمــس " إيلــون " وقــال إننــا ســنطبق برنــامجًا مكثــفًا لخفــض التكــاليف، وألقــى خطبــة قــائلًا إننــا ســنعمل أيـام السـبت والآحـاد
وسننام أسفل المكاتب إلى أن يُنجز الأمر، فابتعد أحدهم عن الطاولة مجادلًا بأن الجميع كانوا يجتهدون بشدة في العمل للانتهاء من السيارة، وأنهم مستعدون
لأخذ راحة يذهبون فيها لرؤية عائلاتهم، فرد " إيلون " قائلًا: " سأقول لهؤلاء الناس إنه ستتسنى لهم رؤية عائلاتهم كثيرًا عندما نفلس " . فوجئت بالأمر، لكنني
فهمته؛ لقد جئت من خلفية عسكرية توجب علينا فيها أن نحقق هدفنا فحسب " . توجب على الموظفين الاجتماع في السابعة صباحًا كل يوم خميس للحصول
علــى تحــديثات قائمــة المكونــات، كمــا وجــب عليــهم معرفــة ســعر كــل جزء ورســم خطــة مقنعــة لشــراء تلــك الأجزاء بســعر أرخــص. إذا كــان المحــرك يكلــف ســتة آلاف
وخمسمائة دولار للواحد بنهاية شهر ديسمبر، أراد " ماسك " أن يكلف ثلاثة آلاف وثمانمائة دولار بحلول شهر إبريل، فقد كانت التكاليف تُحدد وتُحلل كل شهر.
يقول " بوبل " : " الويل لنا إذا بدأنا نتخلف عن المواعيد المحددة. كان باستطاعة الجميع رؤية هذا، وكان الناس يخسرون وظائفهم إذا لم يفوا بمواعيدهم. إن عقل
" إيلون " أشبه بالآلة الحاسبة قليلًا: فإذا وضعنا على جهاز البروجيكتور رقمًا غير منطقي، فسيلاحظ هذا، فهو لا يفوِّت أية تفاصيل " . لقد وجد " بوبل " أسلوب
" ماسك " عدائيًّا، لكن أعجبه أن " ماسك " كان يُصغي لوجهات النظر التحليلية المقنعة وأنه كثيرًا ما كان يغير رأيه إذا مُنح سببًا وجيهًا بما يكفي. يعلق " بوبل
" : " ظن بعض الناس أن " إيلون " قاس جدًّا أو سريع الغضب أو مستبد. لكنها كانت أوقاتًا عصيبة، ومن كانوا قريبين من الحقائق التشغيلية للشركة منا كانوا
يعلمون هذا. أنا أقدِّر أنه لم يخفف لنا من وطأة الأمور " .

أما على جبهة التسويق، فقد كان " ماسك " يجري بحثًا يوميًّا عن أخبار شركة تيسلا بموقع جوجل، وإذا رأى خبرًا سيئًا، كان يأمر شخصًا ما بـ " إصلاحه " ، مع
أن موظفي العلاقات العامة لم يستطيعوا فعل الكثير ليؤثروا في المراسلين الصحفيين. لقد فوَّت أحد الموظفين حدثًا لكي يحضر ولادة طفله، فأرسل " ماسك "
رسالة بالبريد الإلكتروني يقول فيها: " هذا ليس عذرًا. أنا أشعر بخيبة الأمل الشديدة. إننا نغير العالم والتاريخ، وإما أن تلتزم أو لا " . **

لقد تم تسريح موظفي التسويق الذين يرتكبون الأخطاء الإملائية في أثناء كتابتهم الرسائل الإلكترونية، وكذلك الموظفين الآخرين الذين لم يفعلوا أي شيء " مذهل
" مؤخــــرًا. يقــــول أحــــد الموظفــــين التنفيــــذيين بشــــركة " تيســــلا " : " بإمكانــــه أن يكــــون مخــيفًا أحيــانًا لكنــه لا يمتلــك إدراكًا حقــيقيًّا كــم يكــون مــهيبًا أحيــانًا. كنــا نعقــد
اجتماعات ونراهن على من سيتعرض للإهانة. وإذا قال له أحد إنه اختار طريقة معينة للعمل لأنها هذه هي " الطريقة المألوفة التي لطالما أنُجزت بها المهام " ، كان
يطرده من الاجتماع على الفور، وكان يقول: " لا أريد سماع هذه الجملة مجددًا. إن ما علينا فعله أمر صعب جدًّا ولن أقبل بالاستهتار " . كان يدمرنا فحسب، وإذا
نجونــا، كــان يحــدد مــا إذا كــان بإســتطاعته الــوثوق بنــا أم لا. كــان يجــب أن يفــهم أننــا علــى القــدر نفســه مــن جنونــه " . لقــد تســربت روح الجماعــة هــذه إلــى الشــركة
بأكملها، وسرعان ما فهم الجميع أن " ماسك " جاد.

ومع أن " ستراوبيل " كان يتلقى انتقادات لاذعة أحيانًا، إلا أنه رحب بـ " ماسك " صاحب الحضور الطاغي؛ فقد كانت الأعوام الخمسة التي عمل فيها ليبلغ هذه
المرحلة بمثابة عمل مضن ممتع. كان " ستراوبيل " قد تحول من مهندس هادئ كفء يمشي متثاقلًا في كل أرجاء مصنع تيسلا مطأطئ الرأس إلى أهم عضو في
الفــريق الفنــي. كــان يعــرف عــن البطــاريات ونواقــل الحركــة الكــهربية أكثــر مــن أي شــخص آخـر فـي الشـركة. عـلاوةً علـى هـذا، بـدأ يتولـى دور الوسـيط بـين الموظفـين و "
ماسك " . إن ذكاء " ستراوبيل " الهندسي وأخلاقيات العمل الخاصة به قد أكسباه احترام " ماسك " ، فوجد " ستراوبيل " أن باستطاعته توصيل الرسائل الصعبة
إلى " ماسك " نيابةً عن الموظفين الآخرين. وبالإضافة إلى ذلك، أثبت " ستراوبيل " أنه مستعد للتخلي عن غروره، مثلما فعل طوال الأعوام التالية. كل ما كان يهم
هو طرح السيارة رودستر وتابعتها من نوع سيدان للسوق من أجل الترويج للسيارات الكهربية، وقد بدا أن " ماسك " هو أفضل شخص لتحقيق هذا.

كــان المــوظفون الآخــرون قــد اســتمتعوا بعنصــر الإثــارة الخــاص بالتحــديات الهندســية طــوال الأعــوام الخمســة السـابقة، لكنـهم كـانوا منـهكين إنـهاكًا شـديدًا لا يمكـن
إصلاحه. لم يكن " رايت " يعتقد أنه من الممكن تصنيع سيارة كهربية للعامة؛ فترك الشركة وأسس شركته الخاصة المخصصة لصنع نسخات كهربية من شاحنات
النقل. كذلك كان " بيرديكيفسكي " مهندسًا شابًّا مهمًّا طوال معظم فترة تواجده في شركة تيسلا، لكن بعد أن وظفت الشركة حوالي ثلاثمائة شخص، شعر بأنه أقل فاعلية ولم ترقه فكرة المعاناة لخمسة أعوام أخرى من أجل طرح السيارة نوع سيدان في الأسواق؛ لذلك، ترك عمله بشركة تيسلا لينال بضع شهادات من
جامعة ستانفورد، ثم شارك في تأسيس شركة ناشئة تتطلع إلى تصنيع بطارية مبتكرة جديدة يمكن استخدامها في السيارات الكهربية قريبًا. أما " تاربيننج " ، فقد
وجد شركة تيسلا أقل متعة بعد رحيل " إيبرهارد " ، ولم يتفق مع " دروري " ، وتحاشى هو أيضًا فكرة إنهاك نفسه لطرح سيارة سيدان في الأسواق. لكن " لايونز
" بقي في الشركة لفترة أطول، وهي معجزة صغيرة. كان " لايونز " قد ترأس عملية تطوير التكنولوجيا الأساسية وراء صنع السيارة رودستر في مراحل مختلفة، بما
فيــها حزم البطــاريات والمحــرك وإلكترونيــات القــوى ونــاقل الحركــة أيــضًا؛ وهــذا يعنــي أنــه كـان ضـمن أكفـأ موظفـي تيسـلا طـوال خمسـة أعـوام، وأنـه كـان فـي موضـع
الاتهام وراء تأخر الوفاء بالمواعيد النهائية وتعطيل بقية الشركة. لقد احتمل بعض أكثر تقريعات " ماسك " المطولة فظاظة، الموجهة إما إليه أو إلى الموردين الذين
خذلوا تيسلا، التي تضمنت الخوض في أعراض الآخرين بألفاظ بذيئة. بالإضافة إلى ذلك، شاهد " لايونز " " ماسك " المرهق المتوتر يبصق القهوة على طاولة غرفة
الإجتماعات لأنها كانت باردة، ثم يواصل الحديث مع الموظفين مطالبًا إياهم بالعمل بجهد أكبر وإنجاز أمور أكثر وارتكاب أخطاء أقل دون توقف. وكما هي الحال
مع الكثيرين الذين على دراية بتلك السلوكيات، أدرك " لايونز " شخصية " ماسك " الحقيقية بلا أية أوهام، ومع ذلك كان يكن فائق الاحترام لرؤيته ولحماسه
لتنفيذ هذه الرؤية. يقول " لايونز " : " إن العمل بشركة تيسلا في ذلك الحين كان أشبه بشخصية كيرتز في فيلم Apocalypse Now ؛ يجب ألا يساورك القلق
بشأن أساليب تنفيذ المهام وما إذا كانت سليمة ومنطقية أم لا، بل أنجز المهمة فحسب. ويرجع هذا إلى " إيلون " ؛ فهو يصغي إلينا ويطرح أسئلة وجيهة، ويتمتع
بسرعة البديهة ويجيد تحليل المواقف " .

لقد استطاعت شركة تيسلا تحمل فقدانها بعض الموظفين القدامى. كانت علامة الشركة التجارية القوية قد سمحت لها بأن تستمر في توظيف صفوة الموهوبين،
بمن فيهم موظفون من كبرى شركات تصنيع السيارات كانوا يعرفون كيفية تجاوز آخر مجموعة من التحديات التي تمنع السيارة رودستر من الوصول للعملاء.
إلا أن مشكلة تيسلا الرئيسية لم تعد تدور حول الجهود أو الهندسة أو التسويق الذكي؛ فقد بدأ المال ينفد من الشركة مع مطلع عام 2008. كان تطوير السيارة
رودستر قد تكلف حوالي مائة وأربعين مليون دولار، أي أنه فاق بكثير الخمسة والعشرين مليون دولار التي قُدرت أولًا في خطة العمل لعام 2004. كانت شركة
تيسلا على الأرجح قد فعلت ما يكفي لجمع المزيد من الأموال عادةً. لكن هذه الأوقات لم تكن عادية؛ فقد كانت كبرى شركات تصنيع السيارات في الولايات المتحدة
تتجه بقوة إلى إعلان إفلاسها وسط أسوأ أزمة مالية حدثت منذ أزمة الكساد الاقتصادي الكبير. وفي خضم كل هذا، توجب على " ماسك " إقناع المستثمرين بشركة
تيســلا بــدفع عشــرات الملايــين مــن الــدولارات الإضــافية، وتــوجب علــى أولئــك المســتثمرين أن يعــودوا إلــى مســتشاريهم لكــي يفســروا لــهم الأســباب المنطقيــة وراء هــذه
الخطوة. كما وصف " ماسك " الأمر: " تخيل أنك تشرح أسباب الاستثمار في شركة لتصنيع السيارات الكهربية وكل شيء تقرؤه عنها يجعلها تبدو كهراء محكوم
عليــه بالــهلاك، فــي حــين أن هنــاك ركــودًا اقتصــاديًّا يجعـل النـاس لا تشـتري السـيارات " . كـل مـا علـى " ماسـك " فعلـه لإخـراج شـركة تيسـلا مـن هـذه المعضـلة هـو أن
يخسر ثروته بأكملها ويشرف على الإصابة بانهيار عصبي.

* لم يُذكر " ماسك " كمؤسس للشركة في بيان صحفي يعلن عن جولة التمويل. لقد صرحت الشركة في قسم " التعريف بشركة تيسلا موتورز " قائلة: " تأسست
شركة تيسلا موتورز في يوليو عام 2003 على أيدي مارتن إيبرهارد ومارك تاربيننج بهدف صناعة سيارات كهربية ذات كفاءة لمحبي القيادة " . سوف يتجادل " ماسك
" و " إيبرهارد " في وقت لاحق بشأن وضع " ماسك " كمؤسس للشركة.

** هكذا تذكر الموظفون نص البريد الإلكتروني، حيث إنني لم أرَ هذا النص ذاته. لقد قال " ماسك " للموظفين أنفسهم في وقت لاحق: " أريد منكم أن تفكروا في
المستقبل وأن تمعنوا التفكير كل يوم لدرجة أن يؤلمكم رأسكم. أريد أن يؤلمكم رأسكم من التفكير حين تخلدون للنوم كل ليلة " .
8

?

?

ألم ومعاناة ونجاة

في أثناء استعداد المخرج " جون فافرو " لبدء تصوير فيلم IRON MAN في مطلع عام 2007، استأجر مجمعًا في لوس أنجلوس امتلكته فيما مضى شركة طائرات
هيوز، متعهدة الطيران والفضاء الجوي والدفاع التي أسسها " هاوارد هيوز " منذ حوالي ثمانين عامًا مضت. كانت المنشأة تحتوي على سلسلة من حظائر الطائرات
المتداخلة، وكانت بمثابة مكتب إنتاج الفيلم، كما أمدت " روبرت داوني جونير " ، الذي كان سيلعب دور شخصية Iron Man ومخترعه البشري " توني ستارك " ،
بالإلهام. لقد شعر " داوني " بالحنين إلى الماضي في أثناء نظره إلى إحدى حظائر الطائرات الأكبر حجمًا، والتي أصبحت في حالة سيئة؛ حيث استضاف ذلك المبنى
منذ فترة ليست ببعيدة أفكارًا عظيمة لرجل عظيم هز الصناعات ونفذ المهام بطريقته الخاصة.

سمع " داوني " بالجلبة المثارة حول شخص يشبه " هيوز " يُدعى " إيلون ماسك " بنى مجمعه الصناعي الحديث الخاص به على بعد حوالي ستة عشر كيلومترًا من
موقع تصوير الفيلم. وبدلًا من تخيل كيف بدت حياة " هيوز " ، كان بإمكان " داوني " الاقتراب من نسخة حقيقية على أرض الواقع؛ لذلك، انطلق في مارس عام
2007 متجهًا إلى المقر الرئيسي لشركة سبيس إكس في ضاحية إل سيجوندو، وانتهى المطاف بأن اصطحبه " ماسك " بنفسه في جولة خاصة. يقول " داوني " : " لا
شيء يثير إعجابي بسهولة، لكن هذا المكان وهذا الرجل كانا مذهلين " .

لقــد بــدا مصــنع ســبيس إكــس بالنســبة لــــ " داونــي " متجــرًا ضــخمًا نــادرًا للعــدد والأدوات. كــان المــوظفون المتحمســون ينطلقــون بســرعة فــي كــل أرجــاء المكـان، عـابثين
بتشكيلة من الآلات، وكان المهندسون الشباب ذوو الياقات البيضاء يتفاعلون مع عاملي خط التجميع ذوي الياقات الزرقاء، وبدا أنهم جميعًا يتشاركون حماسًا
حقيقيًّا تجاه ما يفعلونه. يقول " داوني " : " شعرت بأنها شركة ناشئة رائدة " . غادر " داوني " الشركة بعد الجولة الأولى سعيدًا لوجود أوجه تشابه بين مواقع
التصوير التي تصور مصنع " هيوز " وبين مصنع سبيس إكس. وعن هذا يقول: " لم ينتبني شعور بأن الأمور على غير ما يرام " .

أراد " داونــي " بشــدة أن يختلــس النظــر إلــى داخــل عقليــة " ماســك " بعيــدًا عــن البيئــة المحيطــة بــه؛ فســار الــرجلان، وجلســا فــي مكتــب " ماســك " ، وتنــاولا الغــداء.
اســتحسن " داونــي " كــون " ماســك " لــيس مبــرمجًا كريــه الرائحــة متملمـلًا مجنـونًا، لكـن مـا أدركـه بـدلًا مـن هـذا هـو " غرابـة الأطـوار التـي تسـهل ملاحظتـها " علـى "
ماسك " والشعور بأنه شخص متواضع يمكنه العمل مع موظفي المصنع. ووفقًا لـ " داوني " ، كان كل من " ماسك " و " ستارك " من نوعية الأشخاص الذين "
يتمسكون بفكرة يعيشون لها ويكرسون أنفسهم لشيء ما " , ولم يكونا ليهدرا لحظة لتحقيق هذا.

حين عاد " داوني " إلى مكتب إنتاج فيلم Iron Man ، طلب من " فافرو " أن يتأكد من وجود سيارة طراز تيسلا رودستر في ورشة عمل " توني ستارك " : فمن
الناحية الظاهرية، سيمثل هذا كون " ستارك " رائعًا جدًّا ويمتلك صلات عديدة لدرجة أنه يستطيع شراء سيارة رودستر قبل طرحها للبيع. وعلى مستوى أعمق،
كانت السيارة ستوضع كأقرب غرض لمكتب " ستارك " لكي تشكل رابطة من نوع ما بين الممثل وشخصيته و " ماسك " . يقول " داوني " : " بعد أن قابلت " إيلون "
وأصبح حقيقيًّا بالنسبة لي، رغبت في وجوده بورشة العمل. لقد أصبحا شخصين معاصرين؛ على الأرجح كان " إيلون " شخصًا قضى توني الوقت معه واحتفل
معه، أو على الأرجح ذهبا معًا في رحلة غريبة إلى غابة استوائية ما لكي يحتسيا المشروبات المخترعة مع رؤساء القبائل " .

وبعد ظهور فيلم Iron Man ، بدأ " فافرو " يروج لدور " ماسك " كمصدر إلهام لرؤية " داوني " لشخصية " توني ستارك " . لكن هذه كانت مبالغة لأسباب
عــديدة: فــــ " ماســك " لــيس بالشــخص الــذي يجلـس فـي المقعـد الخلفـي لسـيارة عسـكرية طـراز هـامفي يحتسـي الشـراب فـي أثنـاء مشـاركته فـي حمـلات عسـكرية خـارج
البــلاد. لكــن الصــحافة تلقــت هــذه المقارنــة بتــوق شــديد، وصــار " ماســك " أشــبه كثـيرًا بشـخصية عامـة؛ وبـدأ مـن كـانوا يعرفونـه علـى أنـه " صـاحب شـركة بـاي بـال "
يعتبرونه رجل الأعمال الثري غريب الأطوار الذي أسس شركتيْ سبيس إكس وتيسلا.

استمتع " ماسك " بارتفاع أسهم شهرته لأن هذا غذى غروره وقدم له بعض المتعة؛ فاشترى هو و " جاستين " منزلًا في حي الأثرياء بيل إير. كان جارهم من جانب
هو المنتج الموسيقي " كوينسي جونز " ، وكان جارهم من الجانب الآخر " جو فرانسيس " المبتكر سيئ السمعة لمقاطع الفيديو Girls Gone Wild . لقد قام "
ماسك " وبعض الموظفين التنفيذيين بشركة باي بال، بعد أن حلوا خلافاتهم، بإنتاج فيلم Thank You for Smoking واستخدموا طائرة " ماسك " النفاثة في
تصويره. ومع أن " ماسك " ليس من نوعية الأشخاص الذين يسرفون في احتساء الشراب، إلا أنه شارك في الحياة الليلية في هوليوود وفي مشهدها الاجتماعي.
يقول صديق " ماسك " المقرب، " بيل لي " : " كانت هناك حفلات كثيرة جدًّا ليرتادها " إيلون " ؛ فقد كان جارًا لاثنين من أشباه المشاهير، وكان أصدقاؤنا يصورون
أفلامًا، وعبر التقاء شبكات علاقاتنا، كان هناك دائمًا شيء لنخرج ونفعله كل ليلة " . قدَّر " ماسك " خلال مقابلتي معه أن حياته كانت قد أصبحت عشرة بالمائة
انغماسًا بالملذات وتسعين بالمائة هندسة. 10 لقد كتبت " جاستين " في مقال لها نُشر بإحدى المجلات: " كان لدينا خمسة خدم؛ فقد كان منزلنا يتحول إلى ورشة
عمل في أثناء النهار. كنا نرتاد حفلات جمع التبرعات بالملابس الرسمية ونحصل على أفضل الطاولات في صفوة الأندية الليلية
في هوليوود، وكانت " باريس هيلتون " و " ليوناردو دي كابريو " يحتفلان بجانبنا. وعندما أقام المؤسس المشارك في موقع جوجل، " لاري بيدج " ، حفل زفافه على
جزيرة " ريتشارد برانسون " الكاريبية، حضرناه، وقضينا الوقت في فيلا برفقة " جون كيوزاك " وشاهدنا " بونو " يلتقط الصور مع حشود من المعجبات خارج
خيمة حفل الزفاف " .

بدا أن تلك المكانة الاجتماعية تروق " جاستين " أكثر منها لـ " ماسك " . وبما أنها كاتبة الروايات الخيالية، فقد كانت تحتفظ بمدونة تنشر فيها تفاصيل حياتها
العائلية مع زوجها ومغامراتهما في البلدة. لقد كتبت " جاستين " عن " ماسك " في أحد منشورات مدونتها قوله إنه يفضل الوقع في حب شخصية " فيرونيكا "
على شخصية " بيتي " في القصص الهزلية المصورة Archie ، وإنه يود زيارة مركز تشكي تشيز الترفيهي في وقت ما. كما كتبت في منشور آخر عن مصادفتها "
ليونــــاردو دي كــــابريو " فـــي أحــد النــوادي وجعلــه يتوســل للحصــول علــى ســيارة مجانيــة طــراز رودســتر، فقــط لــيُرفض طلبــه. لقــد منحــت " جاســتين " أســماء حركيــة
للشخصيات التي تظهر كثيرًا في مدونتها، هكذا أصبح اسم " بيل لي " "" بيل " صاحب الفندق " لأنه كان يمتلك فندقًا في جمهورية " الدومينيكان " ، وظهر " جو
فرانسيس " باسم " الجار سيئ السمعة " . فمن الصعب تصور " ماسك " المنطوي على نفسه يقضي الوقت مع شخص متباهٍ مثل " فرانسيس " ، لكنهما كانا على
وفاق. وعندما استولى " فرانسيس " على مدينة ملاه ليقيم فيها حفل عيد ميلاده، حضره " ماسك " وانتهى به المطاف بالاحتفال في منزل " فرانسيس " . كتبت "
جاستين " : " حضر " إي " الحفل لبرهة، لكنه اعترف بأنه وجده " مملًّا قليلًا " ... لقد حضر بضع حفلات في منزل " إن إن " الآن وأصبح يشعر بالخجل في نهاية
المطاف؛ " لأنه يبدو أن هناك دائمًا رجالًا بغيضين يتجولون في أرجاء المنزل ليتصيدوا الفتيات، ولا أريد أن أبدو كأنني واحد منهم "" . عندما استعد " فرانسيس "
لشراء سيارة طراز رودستر، مر بمنزل آل " ماسك " وسلمهم مظروفًا أصفر اللون به مائة ألف دولار نقدًا.

ظلت المدونة لفترة تقدم لمحة نادرة مرحبًا بها عن حياة المدير التنفيذي غير التقليدي. لقد بدا " ماسك " جذابًا، فقد عرف الجمهور أنه اشترى لـ " جاستين " نسخة
تعود للقرن التاسع عشر من رواية Pride and Prejudice ، وأن أصدقاءه المقربين لقبوه بـ " إيلونيوس " ، وأنه يحب المراهنة بدولار واحد على مختلف الأمور التي
يعرف أن بإمكانه الفوز بها، مثل إمكانية التقاط عدوى القوباء من منطقة الحيد المرجاني العظيم وإمكانية موازنة شوكتين بخلة أسنان، كما حكت " جاستين "
قصة عن سفر " ماسك " إلى جزيرة نيكر في الجزر العذراء البريطانية لكي يقضي الوقت مع " توني بلير " و " ريتشارد برانسون " ، وقد ظهرت صورة تجمع بين
الرجال الثلاثة في الصحافة في وقت لاحق صورت " ماسك " بينما يحدِّق إلى الفراغ. كتبت " جاستين " : " كانت هذه وضعية " إي " التي تعبر عن كونه يفكر في
مشكلة متعلقة بالصواريخ، ما يجعلني متأكدة تمامًا من أنه تلقى لتوه بريدًا إلكترونيًّا مزعجًا بخصوص العمل، وكان واضحًا أنه غافل عن حقيقة أن هناك صورة
تُلتقط له. هذا أيضًا سبب أنني أحصل على متل [ هكذا كُتبت ] هذه الإثارة من الأمر ... فالزوج الذي التقطت الكاميرا صورته هو الزوج ذاته الذي أراه، مثلًا، في
طــريقي إلــى الحمــام ليلــة أمــس، واقــفًا فــي الردهــة مقطــبًا جبينــه عاقــدًا سـاعديه " . كـان مـن شـأن إطـلاع العـالم علـى تفاصـيل الحيـاة الزوجيـة أن يكـون نـذيرًا للأمـور
القادمة؛ فسرعان ما تحولت مدونتها إلى أحد أسوأ كوابيس " ماسك " .

لم تلتق الصحافة بشخص مثل " ماسك " منذ فترة طويلة جدًّا. كان تألقه كمليونير في مجال الإنترنت يزداد ... تألقًا بفضل نجاح شركة باي بال المستمر، كما كان
يمتلك عنصرًا من الغموض، واسمه الغريب، واستعداده لإنفاق مبالغ طائلة من المال على السفن الفضائية والسيارات الكهربية، ما أعطى انطباعًا بأنه مزيج من
الجرأة والشخصية الجامحة والمذهلة بكل ما تحمله الكلمة من معنى. لقد تحدث مراسل صحفي بريطاني بحماس عن " ماسك " عام 2007 قائلًا: " لقد أُطلق على
" إيلون ماسك " أنه " نصف فتى مستهتر ونصف راعي بقر مهتم بالفضاء " ، وهي صورة لا يمحوها امتلاكه مجموعة من السيارات تفتخر بأنها تشمل سيارة طراز
بورش 911 تيربو وسيارة جاجوار من طراز سلسلة 1 لعام 1967 وسيارة بي إم دابليو إم 5 قامت شركة هامان بتحسين أدائها، إلى جانب السيارة ماكلارين إف 1
المذكورة آنفًا ... التي قادها بسرعة ثلاثمائة وستة وأربعين كيلومترًا في الساعة على مَدْرج مطار خاص، ثم كانت هناك الطائرة العسكرية النفاثة السوفيتية طراز إل
39، التي باعها بعد أن أصبح أبًا " . لقد أدركت الصحافة حقيقة أن " ماسك " يميل إلى المبالغة في الحديث عن الأمور ثم يجاهد للوفاء بوعوده في الوقت المحدد، لكنهم لم يبالوا كثيرًا بهذا؛ فالحديث الذي كان يبالغ فيه " ماسك " كان أكبر بكثير من حديث أي أحد آخر لدرجة أن المراسلين كانوا مرتاحين لإعطائه مهلة للوفاء
بما يعد. كانت شركة تيسلا قد أصبحت مفضلة لدى أصحاب المدونات المتعلقة بـ وادي السيليكون، الذين تعقبوا كل تحركاتها ولهثوا سعيًا لتغطية أخبارها. وعلى
نحو مماثل، كان المراسلون الصحفيون الذين يغطون أخبار شركة سبيس إكس مسرورين لظهور شركة حديثة العهد مشاكسة لتستحث شركات بوينج ولوكهيد
وكذلك وكالة الفضاء ناسا بدرجة كبيرة. كل ما توجب على " ماسك " فعله في النهاية هو طرح بعض تلك الموضوعات الرائعة التي كان يمولها في السوق.

ومع أن " ماسك " قدم عرضًا جيدًا للجمهور وللصحافة، إلا أنه بدأ يشعر بالقلق الشديد بشأن أعماله. كانت المحاولة الثانية لشركة سبيس إكس لإطلاق صاروخ
قد فشلت، وظلت التقارير الصادرة عن شركة تيسلا تسوء تدريجيًّا. كان " ماسك " قد بدأ هاتين المغامرتين بثروة تقارب المائتيْ مليون دولار، وكان قد استنفد أكثر
مــن نصــف هــذا المبلــغ بنتــائج قليلــة جــدًّا. ومــع تحــول كــل تــأخير مــن تــأخيرات شــركة تيســلا إلــى إخفــاق تــام فــي العلاقــات العامــة، بــدأ تــألق " ماســك " يخفـت، وبـدأ
العــاملون بــــ وادي الســيليكون ينشـرون الإشـاعات عـن المشـكلات الماليـة التـي يواجـهها؛ فـانقلب المراسـلون الصـحفيون الـذين كـانوا يغمـرون " ماسـك " بـالتملق قبلـها
ببضعة أشهر ضده؛ كتبت صحيفة نيويورك تايمز عن مشكلات ناقل الحركة التي تواجهها شركة تيسلا، وتذمرت المواقع الإلكترونية الخاصة بمجال السيارات من
أنــه قــد لا يتــم شــحن الســيارة رودســتر أبــدًا. وبحلـول أواخـر عـام 2007، سـاءت الأمـور بكـل مـا تحملـه الكلمـة مـن معنـى؛ حـيث بـدأت مـدونة Valleywag الخاصـة
بنميمة وادي السيليكون تهتم اهتمامًا خاصًّا بـ " ماسك " ، وفتش الكاتب الرئيسي لذلك الموقع، " أوين توماس " ، في تاريخ شركتيْ زيب 2 وباي بال، وجذب
الانتباه إلى الفترات التي تم فيها إقصاء " ماسك " من منصب المدير التنفيذي لكي يقوِّض بعضًا من مصداقيته في الشارع كرائد أعمال. وبعدها، أيد " توماس "
الفكرة الأساسية القائلة إن " ماسك " بارع في التأثير في الآخرين وإنه يبذر أموال غيره باستهتار. كتب " توماس " : " من الرائع أن ماسك قد حقق ولو جزءًا صغيرًا
من أوهام طفولته، إلا أنه يجازف بتدمير أحلامه حين يرفض التوفيق بينها وبين الواقع " . لقد أعلنت مدونة Valleywag رسميًّا عن تصدر شركة تيسلا بسيارة
رودستر قائمة شركات التكنولوجيا الفاشلة لعام 2007.

مع تراجع أداء مشروعات " ماسك " وتأثر صورته لدى الجمهور، تدهورت حياته الأسرية كذلك. فقد وُلد توأمه الثلاثي، " كاي " و " داميان " و " ساكسون " ،
قرب نهاية عام 2006، وانضموا لأخويهم " جريفن " و " زايفيير " . ووفقًا لتصريحات " ماسك " ، عانت " جاستين " اكتئاب ما بعد الولادة وذلك بعد ولادة التوأم
الثلاثــي. يقــول " ماســك " : " كــان زواجنــا يعــاني مشــكلات حقيقيــة فــي ربــيع عــام 2007، وكنــا فــي مـأزق " ، وقـد أكـدت مـدونة " جاسـتين " مشـاعر " ماسـك " ، فقـد
وصفت " ماسك " بأنه أقل رومانسية بكثير، وشعرت بأن الناس يعاملونها على أنها " مجرد قطعة زينة يستحيل أن يكون لديها أي شيء مثير للاهتمام لتقوله "
بدلًا من أن يعاملوها على أنها مؤلفة وند لزوجها. خلال رحلة قام بها آل " ماسك " إلى جزيرة سان بارتيلمي، انتهى بهما المطاف بتناول العشاء مع بعض الأزواج
الأثرياء ذوي النفوذ. وعندما صرحت " جاستين " بوجهات نظرها السياسية، ألقى أحد الرجال الجالسين إلى الطاولة مزحة عن كونها شديدة التعنت. كتبت "
جاستين " بمدونتها: " ضحك " إي " على المزحة، وربت يدي كما لو كان يربت يد طفل " . ومن تلك اللحظة فصاعدًا، طلبت " جاستين " من " ماسك " أن يقدمها
للناس على أنها مؤلفة روائية صدرت لها بعض الأعمال وليس فقط زوجته وأم أطفاله، فماذا كانت نتائج هذا؟ " كانت طريقة " إي " في تنفيذ هذا الطلب خلال
بقية الرحلة هي أن يقول: " جاستين تريد مني أن أخبركم بأنها ألفت روايات " ، ما جعل الناس ينظرون إليَّ نظرة " كم هذا ظريف! " ، وهو ما لم يخدم قضيتي
حقًّا " .

ومع انتهاء عام 2007 وبداية عام 2008، أصبحت حياة " ماسك " أكثر اضطرابًا: اضطرت شركة تيسلا للإسراع بتصنيع معظم أجزاء السيارة رودستر مجددًا،
وواصــلت شــركة ســبيس إكــس الإبقــاء علــى عشــرات الأشـخاص يعيشـون فـي جزيـرة كواجـالين فـي انتظـار القيـام بعمليـة الإطـلاق التاليـة للصـاروخ فـالكون 1. كـان كـلا
المسعيين يستهلك أموال " ماسك " ؛ فبدأ يبيع ممتلكاته الثمينة مثل سيارته طراز ماكلارين لكي يوفر أموالًا إضافية. لقد كان " ماسك " يميل لحماية موظفيه من
خطورة وضعه المالي بأن يشجعهم دائمًا على بذل قصارى جهدهم. وفي الوقت نفسه، كان يشرف بنفسه على كل عمليات الشراء المهمة في كلتا الشركتين. وعلاوةً
على هذا، درب " ماسك " موظفيه على القيام بالمقارنات الصحيحة بين إنفاق المال والإنتاجية، ما اعتبره معظم موظفي شركة سبيس إكس فكرة جديدة، نظرًا
لأنــهم كــانوا معتــادين شــركات الطــيران والفضــاء الجــوي التقليــدية التــي كــانت تمتلــك عقــودًا حكوميــة ضـخمة تمتـد لعـدة أعـوام ولـم تكـن تتعـرض لضـغوط يوميـة
للبقاء. يقول أحد الموظفين الأوائل بشركة سبيس إكس، " كيفن بروجان " : " كان " إيلون " يتواجد دائمًا في العمل أيام الآحاد، وقد أجرينا بعض المحادثات التي
قام من خلالها بتفسير فلسفته. كان يقول إن كل شيء نفعله متوقف على سرعة استنفادنا لسيولتنا النقدية، وإننا نستنفد مائة ألف دولار يوميًّا. إن طريقة تفكير
رواد أعمال وادي السيليكون هذه لم يركز عليها أي من مهندسي الطيران والفضاء الجوي في لوس أنجلوس. أحيانًا لم يكن يسمح لنا بشراء قطعة ما مقابل مائتيْ
ألف دولار لأنه كان يتوقع منا أن نجدها بسعر أرخص أو أن نخترع شيئًا أرخص. وأحيانًا أخرى، لم يكن يتردد في استئجار طائرة مقابل تسعين ألف دولار من أجل
إيصال شيء ما إلى جزيرة كواج لأنها كانت توفر يوم عمل كاملًا؛ لذلك كان الأمر يستحق العناء. لقد كان يضع لنا مطلبًا ملحًّا ألا وهو أنه يتوقع أن يبلغ الربح
عشرة ملايين دولار يوميًّا في غضون عشر سنوات، وأن كل يوم نعمل فيه لتحقيق أهدافنا بشكل أبطأ من ذي قبل هو يوم يفوتنا فيه تحقيق ذلك المبلغ من المال " .

لقد استحوذت شركتا تيسلا وسبيس إكس على " ماسك " كليًّا بدافع الضرورة، ولا شك أن هذا قد جعل توترات حياته الزوجية تتفاقم. كان لآل " ماسك " فريق
من المربيات يساعدنهما على الاعتناء بأطفالهما الخمسة، لكن " إيلون " لم يستطع قضاء الكثير من الوقت في المنزل؛ لأنه كان يعمل لسبعة أيام في الأسبوع وكان
يقسِّم وقته في الكثير من الأحيان بين لوس أنجلوس وسان فرانسيسكو. كانت " جاستين " بحاجة للتغيير؛ فقد كانت تشعر خلال لحظات التأمل الذاتي الخاصة
بها بالاشمئزاز، نظرًا لأنها أدركت أنها مجرد دمية في بيت زوجها. كانت " جاستين " تتوق إلى أن تصبح شريكة " إيلون " مجددًا وأن تشعر بالقليل من حماسة
أيامهما الأولى قبل أن تصبح الحياة باهرة وكثيرة المطالب هكذا. لم يكن " ماسك " يطلع " جاستين " على أمر حسابه المصرفي المتضائل، فلطالما شعرت بأن " ماسك
" يخفي عنها الأوضاع المالية للأسرة. لكن بعض أصدقاء " ماسك " المقربين قد تسنت لهم فعلًا رؤية لمحة من وضعه المالي المتدهور. لقد قابل " أنتونيو جراسياس
" ، مؤسس شركة فالور إكويتي ومديرها التنفيذي، " ماسك " لتناول العشاء في النصف الأول من عام 2008. كان " جراسياس " مستثمرًا بشركة تيسلا وأصبح
أحد أقرب أصدقاء " ماسك " وحلفائه، وكان بإمكانه معرفة أن " ماسك " قلق بشأن مستقبله. يقول " جراسياس " : " كانت الأمور قد بدأت تتأزم مع " جاستين
" ، لكنهما كانا لا يزالان معًا. لقد قال " إيلون " خلال ذلك العشاء: " سأنفق آخر دولار أملكه على هاتين الشركتين. سأفعل هذا، حتى لو اضطررنا للانتقال إلى
عيش في قبو منزل والديْ جاستين "" .

انتهى خيار الانتقال للسكن مع والديْ " جاستين " عندما سار " ماسك " في إجراءات الطلاق في السادس عشر من يونيو عام 2008. لم يرد الزوجان الكشف عن
الوضع فورًا، وإن كانت " جاستين " قد تركت بعض التلميحات على مدونتها. وفي أواخر شهر يونيو، نشرت اقتباسًا من " موبي " ، دون أي سياق إضافي، يقول: "
لا يوجد شيء يدعى شخصية عامة خالية من الاضطرابات النفسية. فلو كان خاليًا من الاضطرابات النفسية فعلًا، لما حاول أن يصبح شخصية عامة " . وقد دل
المنشــور التــالي لــــ " جاســتين " علــى أنــها تبحــث عــن مــنزل مــع " شــارون ســتون " لأسـباب غـير معلنـة وبعـدها ببضـعة منشـورات، تحـدثت عـن " مأسـاة كبـيرة " كـانت
تتعــامل معــها. وفــي شــهر ســبتمبر، كتبــت " جاســتين " أول منشــور لــها بمــدونتها يتعلـق صـراحةً بطلاقـها قائلـة: " لقـد حققنـا نجـاحًا جيـدًا. تزوجنـا فـي سـن الشـباب
وقطعنا شوطًا طويلًا قدر ما أمكننا، والآن انتهى الأمر " . بالطبع، أتبعت مدونة Valleywag الأمر بخبر الطلاق وذكرت أن " ماسك " قد شوهد برفقة ممثلة في
العشرينات من عمرها.

لقد حررت التغطية الإعلامية والطلاق " جاستين " لتكتب عن حياتها الخاصة بأسلوب أكثر حرية من ذي قبل بكثير. لقد قامت في المنشورات التالية بسرد روايتها
عن كيفية انتهاء الزواج وبالإدلاء بآرائها عن خطيبة " ماسك " وزوجته الثانية المستقبلية، كما صرَّحت بتفاصيل إجراءات الطلاق. لقد تسنت للعامة لأول مرة رؤية
صورة بغيضة جدًّا عن " ماسك " ، وقرأوا بعض الحكايات المباشرة عن سلوكياته المتعصبة، وإن كانت من وجهة نظر زوجته السابقة. ربما كانت تلك الكتابات
متحيزة، لكنها قدمت صورة عن شخصية " ماسك " ودخائلها. ها هو أحد المنشورات المتعلقة بالأسباب التي قادت إلى الطلاق وبسرعة تنفيذه:

كان الطلاق بالنسبة لي أشبه بقنبلة على وشك الانفجار عند استنفاد كل الخيارات الأخرى. لم أكن قد فقدت الأمل بعد في خيار الدبلوماسية، ولهذا لم أكن قد
سرت في إجراءات الطلاق بعد. كنا لا نزال في المراحل الأولى من الاستشارات الزوجية (ثلاث جلسات في المجمل). لكن " إيلون " تولى زمام الأمور بنفسه - إنه يميل
لفعل هذا - حين وجه لي إنذارًا أخيرًا: " إما أن نصلح [ مشكلات الزواج ] اليوم أو أطلقك غدًا " .

في تلك الليلة ، ومرة أخرى في الصباح التالي ، سألني عما أريد فعله ، فأكدت أنني لست مستعدة لجعل شبح الطلاق يخيم على مناقشتنا مرة أخرى؛ اقترحت أن
نقوم " نحن " بتأجيل المناقشة لأسبوع آخر على الأقل ، فأومأ " إيلون " برأسه ومسد رأسي وغادر . حاولت أن أقوم بالتسوق في وقت لاحق من ذلك الصباح ،
فاكتشفت أنه أوقف العمل ب بطاقتي الائتمانية ، عندها علمت أنه سار في إجراءات الطلاق ( كما هي الحال ، لم يخبرني " إي " بهذا مباشرة؛ بل أوكل شخص ً ا
آخر ليفعل هذا ).

بالنسبة لـ " ماسك " ، كان كل منشور على الإنترنت من " جاستين " يسبب أزمة علاقات عامة أخرى تضاف إلى سيل المشكلات التي تواجهه شركتيه. بدا بالفعل أن
الصورة التي نحتها على مدار الأعوام تنهار بجانب أعماله. لقد كان وضعًا كارثيًّا.

وســرعان مــا جــذب طــلاق آل " ماســك " الانتبــاه بــاعتباره طــلاق المشــاهير، وانضــمت وكــالات الأنبــاء العامــة إلــى مــدونة Valleywag فــي متابعــة الإجـراءات القضـائية
المتعلقة بانفصالهما، خاصة مع تصارع " جاستين " للحصول على المزيد من المال. كانت " جاستين " قد وقَّعت خلال أيام شركة باي بال اتفاقًا ماليًّا بعد الزواج، لكنها زعمت في ذلك الوقت أنها لا تملك حقًّا الوقت ولا الرغبة لأن تستقصي تداعيات تلك المستندات. لقد لجأت " جاستين " إلى مدونتها بأن كتبت منشورًا بعنوان
" باحثة عن الثروة " قالت فيه إنها تحارب للحصول على تسوية طلاق تشمل المنزل والنفقة ونفقة إعالة الأطفال وستة ملايين دولار نقدًا وعشرة بالمائة من أسهم
شركة تيسلا الخاصة بـ " ماسك " وخمسة بالمائة من أسهم شركة سبيس إكس الخاصة بـ " ماسك " وسيارة تيسلا رودستر. كما ظهرت " جاستين " في البرنامج
التليفزيوني Divorce Wars الذي يُعرض على القناة التليفزيونية سي إن بي سي، وكتبت مقالًا لمجلة ماري كلير بعنوان "" كنت زوجة لرجل يبدأ حياته المهنية " :
داخل الطلاق الأكثر فوضوية في أمريكا " .

مال العامة إلى اتخاذ صف " جاستين " خلال كل هذا ولم يعرفوا تمامًا السبب وراء رفض ملياردير لطلبات زوجته التي تبدو عادلة. كانت هناك مشكلة ضخمة
يواجهها " ماسك " بالطبع هي أن أصوله لم تكن سائلة إطلاقًا لأن غالبية صافي حقوق ملكيته كان مرتبطًا بأسهم شركتيْ تيسلا وسبيس إكس. وفي النهاية، سوَّى
الزوجــان طلاقــهما بــأن حصــلت " جاسـتين " علـى المـنزل وملـيونيْ دولار نقـدًا (مخصـوم منـها رسـومها القانونيـة) وثمـانين ألـف دولار شـهريًّا كنفقـة متعـة ونفقـة إعالـة
الأولاد لمدة سبعة عشر عامًا، وسيارة طراز تيسلا رودستر * .

وبعد تسوية الطلاق بأعوام، كانت " جاستين " لا تزال تجاهد لكي تتحدث عن علاقتها بـ " ماسك " . وقد انهارت باكية عدة مرات خلال مقابلتي معها واحتاجت
لدقائق لكي تنظم أفكارها. قالت إن " ماسك " قد أخفى عنها العديد من الأمور خلال زواجهما، وعاملها في النهاية كخصم في العمل يجب كسر شوكته في أثناء
الطلاق. وعن هذا تقول: " ظللنا على خلاف لفترة، وعندما يكون المرء على خلاف مع " إيلون " ، يكون الأمر قاسيًا جدًّا " . لقد استمرت " جاستين " في الكتابة عن "
ماسك " بمدونتها بعد انتهاء زواجهما بفترة طويلة، كما كتبت عن " رايلي " - زوجة " ماسك " الثانية - وقدمت تعليقًا على تربيتها للأولاد؛ فأنَّبت " ماسك " في
أحد منشوراتها لأنه منع دمى الحيوانات المحشوة من المنزل عندما بلغ توأمهما السابعة من العمر. حين سألت " جاستين " عن هذا، قالت: " إن إيلون متعنت؛
فقد نشأ في ثقافة وظروف قاسية، وتوجب عليه أن يصبح قاسيًا جدًّا لا لينجح فحسب، بل ليغزو العالم أيضًا. إنه لا يريد تربية أطفال ليني العريكة مفرطي الثراء
بلا توجيه " . لقد بدا أن مثل تلك التعليقات توضح أن " جاستين " لا تزال معجبة بقوة إرادة " ماسك " أو أنها على الأقل تتفهمها. * .

تردت حالة " ماسك " خلال الأسابيع التالية لإجراءات الطلاق لأول مرة في منتصف شهر يونيو عام 2008 وأُصيب باكتئاب حاد. بدأ " بيل لي " يقلق بشأن حالة
صديقه النفسية، وأراد أن يفعل شيئًا يبهج " ماسك " ، بصفته أحد أصدقائها لأكثر تحررًا. كان " ماسك " و " لي " ، وهو مستثمر، يذهبان في رحلات خارج البلاد
ويخلطان العمل بالمتعة من حين لآخر. كان الوقت مناسبًا لمثل هذه الرحلة بالضبط، فانطلقا متجهين إلى لندن في بداية شهر يوليو.

لقــــــد بــــــدأ برنـــــامج تخفـــيف الضـــغط بـــداية ســـيئة؛ حـــيث زار " ماســـك " و " لـــي " المقـــر الرئيســـي لشـــركة آســـتون مـــارتن للســـيارات لكـــي يقـــابلا مـــديرها التنفيـــذي الـــذي
ســيصطحبهما فــي جولــة بمصــنعه، لكــن المــوظف التنفيــذي عــامل " ماســك " علــى أنــه صــانع هــاوٍ للســيارات، وتكلــم معــه بتعــالٍ، وأشــار إلـى أنـه يعـرف عـن المركبـات
الكهربية أكثر من أي أحد آخر في العالم. كما وصف " لي " الأمر: " كان بغيضًا تمامًا " ؛ لذلك، بذل الرجلان قصارى جهدهما للخروج بسرعة إلى وسط لندن. لقد
عانى " ماسك " طوال الطريق آلامًا مبرحة بالمعدة ازدادت حدة. كان " لي " في ذلك الوقت متزوجًا من " سارا جور " ، ابنة نائب الرئيس السابق " آل جور " ، التي
درست الطب؛ لذلك استدعاها لتلقي نصيحتها، وقررا أن " ماسك " ربما يعاني التهاب الزائدة الدودية؛ لذلك، اصطحبه " لي " إلى عيادة طبية تقع وسط مركز
للتسوق. وعندما أتت نتائج الفحوصات سلبية، بدأ " لي " العمل على محاولة حث " ماسك " على قضاء ليلة في البلدة. يقول " لي " : " لم يرد إيلون الخروج، ولا
أنا أيضًا؛ لكنني قلت له: " كلا، هيا بنا، لقد قطعنا كل هذه المسافة إلى هنا "" .

أقنع " لي " " ماسك " بارتياد ناد يدعى مشرب ميست يقع في منطقة ماي فير. كان الناس قد احتشدوا في مقهى صغير، فرغب " ماسك " بمغادرته بعد مرور عشر
دقــــائق. لــــذلك، أرســــل " لــي " ذو المعــارف المــهمين رســالة نصــية إلــى صــديق لــه يعمــل متعــهدًا، فاســتغل نفــوذه لكــي تتــم مرافقــة " ماســك " إلــى منطقــة كبــار الزوار.
وبعدها، تواصل ذلك المتعهد مع بعض من أجمل صديقاته، بمن فيهن ممثلة في الثانية والعشرين من عمرها متوقع لها النجاح تدعى " تالولا رايلي " ، سرعان ما
وصلن للنادِي كذلك. كانت " رايلي " وصديقتاها رائعتا الجمال قد أتين من احتفال خيري وكنَّ يرتدين ثيابًا فضفاضة طويلة. يقول " لي " : " كانت تالولا ترتدي ثوبًا
فضفاضًا لشخصية سندريلا " . وقام المتواجدون في النادي بتعريف " ماسك " و " رايلي " إلى بعضهما، فابتهج " ماسك " عندما رأى مظهرها الرائع.

جلس " ماسك " و " رايلي " على طاولة مع أصدقائهما، لكن سرعان ما ركزا على بعضهما. كانت " رايلي " قد حققت لتوها نجاحًا ساحقًا بتصويرها شخصية "
ماري بينيت " في رواية كبرياء وهوى وكانت تظن نفسها بارعة جدًّا. في تلك الأثناء، مارس " ماسك " الأكبر سنًّا دور المهندس اللطيف معسول اللسان. لقد أخرج
هاتفــــه بســــرعة وعــــرض صــــور الصــــاروخ فــــالكون 1 والســــيارة رودســــتر، وإن كــانت " رايلــي " قــد ظنــت أنــه أدى بعــض الأعمــال بتلــك المشــاريع دون أن تــدرك أنــه يــدير
الشــركتين المصــنعتين لــهاتين الآلتــين. تقــول " رايلــي " : " أتـذكر أننـي ظننـت أن هـذا الرجـل لـم يتسـنَّ لـه الحـديث مـع الممثـلات الشـابات كثـيرًا وأنـه يبـدو متوتـرًا جـدًّا؛
لذلك، قررت أن أعامله بلطف شديد وأن أمنحه أمسية لطيفة. لم أكن أعرف أنه تحدث إلى العديد من الفتيات الجميلات في حياته " ** . كلما تحدث " ماسك " و
" رايلي " ، شجعهما " لي " أكثر على هذا، فقد كانت هذه أول مرة يبدو فيها صديقه سعيدًا منذ أسابيع. يقول " لي " : " لم تكن معدته تؤلمه؛ ولم يكن مكتئبًا،
هذا رائع " . ومع أن " رايلي " كانت ترتدي زيًّا مناسبًا للحكايات الخيالية، إلا أنها لم تقع في حب " ماسك " من أول نظرة، غير أن إعجابها واهتمامها به ازدادا مع
استمرار الليلة، خاصة بعد أن قدم متعهد النادي " ماسك " إلى عارضة أزياء فاتنة، فألقى " ماسك " عليها التحية بأدب ثم جلس بجانب " رايلي " مرة أخرى.
تقول " رايلي " ، التي سمحت لـ " ماسك " بأن يتلطف معها: " اعتقدت أنه لا يمكن أن يكون شخصًا سيئًا جدًّا بعد ذلك " . وعندما قام " ماسك " بدعوة " رايلي "
لتناول العشاء في الليلة التالية، وافقت.

كانت " رايلي " نجمة أفلام ناشئة ذات قوام ممشوق وعينين جذابتين وسلوك طيب ومريح، لكنها لم تتصرف هكذا حقًّا. لقد نشأت في الريف الإنجليزي الشاعري،
وارتادت مدرسة من صفوة المدارس، وكانت تقيم مع والديها حتى قبل مقابلتها " ماسك " بأسبوع. لكن بعد تلك الليلة التي قضتها في النادي، اتصلت بعائلتها
لتحكي لها عن الرجل المثير للاهتمام الذي يصنع الصواريخ والسيارات الذي قابلته. كان والدها رئيسًا لفرقة مكافحة الجريمة الوطنية؛ لذا لجأ إلى حاسوبه فورًا
لكي يجري بحثًا عن سيرة " ماسك " الذاتية وأوضح له تاريخ حياة " ماسك " كشخص لعوب متزوج وله خمسة أولاد. قام والد " رايلي " بتوبيخ ابنته لكونها بمثل
هذه الحماقة، لكنها عقدت أملها على أن " ماسك " يمتلك تفسيرًا لهذا، وذهبت لتناول العشاء معه على أية حال.

اصطحب " ماسك " " لي " للعشاء، واصطحبت " رايلي " صديقتها " تامسين إجرتون " ، وهي أيضًا ممثلة جميلة. كانت الأمور أكثر فتورًا خلال تناول الوجبة؛
حـــيث تنــاولت المجموعــة عشــاءها فــي مطعــم شــاغر لــدرجة تبعــث علــى الكآبــة. انتظــرت " رايلــي " لتــرى الموضــوعات التــي ســيطرحها " ماســك " مــن تلقــاء نفســه. وفــي
النهاية، أعلن فعلًا عن أبنائه الخمسة وعن طلاقه الوشيك. لقد ثبت أن اعترافه كاف لإبقاء " رايلي " مهتمة وفضولية بشأن ما ستئول إليه الأمور. وبعد الوجبة،
انفصل " ماسك " و " رايلي " عن بقية المجموعة، وذهبا في نزهة سيرًا على الأقدام في أنحاء حي سوهو، ثم توقفا عند مقهى بوهيم، حيث احتست " رايلي " عصير
التفاح لأنها ممتنعة عن الخمور طوال حياتها. استحوذ " ماسك " على اهتمام " رايلي " ، ونشأت بينهما عاطفة بشكل جدي.

تناول الثنائي العشاء في اليوم التالي، ثم ارتادا معرضًا فنيًّا حديثًا يدعى وايت كيوب، ثم عادا إلى غرفة " ماسك " . قال " ماسك " لـ " رايلي " إنه يريد أن يريها
صواريخه. لقد قالت: " شعرت بالارتياب، لكنه عرض عليَّ فعلًا مقاطع فيديو لصواريخ " . وعندما عاد " ماسك " إلى الولايات المتحدة *** ، ظلا على اتصال عبر
رسائل البريد الإلكتروني لبضعة أسابيع، ثم حجزت " رايلي " تذكرة طيران إلى لوس أنجلوس. تقول " رايلي " : " لم أكن أعتقد حتى أنني خطيبته أو أي شيء من
هذا القبيل، بل كنت أستمتع بوقتي فحسب " .

لكن كانت هناك أفكار أخرى تراود " ماسك " . كانت " رايلي " قد وصلت إلى كاليفورنيا منذ خمسة أيام فقط عندما اتخذ " ماسك " خطوته بينما كانا مستلقيين
يتحادثان في غرفة صغيرة بفندق بينينسيولا بمدينة بيفرلي هيلز. عن هذا تقول: " قال: " لا أريدك أن ترحلي، أريد منك أن تتزوجيني " . أعتقد أنني ضحكت، ثم
قال: " كلا، أنا جاد. أنا آسف لأنني لا أملك خاتمًا " ، فقلت له: " يمكننا أن نتصافح على هذا إن شئت " ، وهذا ما فعلناه. لا أتذكر ما كنت أفكر فيه في ذلك
الوقت، وكل ما يمكنني قوله هو أنني كنت في الثانية والعشرين من عمري " .

كانت " رايلي " حتى تلك المرحلة ابنة مثالية، لم تمنح والديها أسبابًا كثيرة للقلق قط؛ فقد أبلت بلاءً جيدًا في المدرسة، وحققت نجاحًا في بعض أعمال التمثيل
الرائعة، وكانت تمتلك شخصية لطيفة ودودة لدرجة أن صديقاتها وصفنها بأنها شخصية سنو وايت على أرض الواقع. لكن ها هي تقف في شرفة الفندق، تُخطر
والديها بأنها وافقت على الزواج برجل يكبرها بأربعة عشر عامًا يتابع إجراءات طلاقه من زوجته الأولى وله خمسة أولاد وشركتان، ولم تعرف حتى كيف يمكن أن
تحبه بعد التعرف عليه قبل بضعة أسابيع فقط. تقول " رايلي " : " أعتقد أن والدتي أصيبت بانهيار عصبي. لكن لطالما كنت شديدة العاطفية، ولم أجد الأمر غريبًا
في الواقع " . سافرت " رايلي " إلى إنجلترا لتحزم أمتعتها، وسافر والداها معها إلى الولايات المتحدة لكي يقابلا " ماسك " ، الذي تأخر في طلب مباركة والد " رايلي "
هذا الزواج. لم يكن " ماسك " يمتلك منزلًا خاصًّا به، ما جعل الزوجين ينتقلان للسكن في منزل ملك لصديق " ماسك " الملياردير " جيف سكول " . تقول " رايلي
" : " كنت أقيم هناك منذ أسبوع عندما دخل ذلك الرجل عشوائيًّا إلى المنزل. قلت له: " من أنت؟ " فقال: " أنا مالك المنزل. من أنتِ؟ " . فأخبرته من أنا، ثم خرج
في المنزل ببساطة " . عرض " ماسك " الزواج على " رايلي " مرة أخرى من شرفة منزل " سكول " في وقت لاحق، كاشفًا عن خاتم هائل (منذ ذلك الحين، كان قد
اشترى لها ثلاثة خواتم خطوبة، بما فيها الخاتم الأول الضخم، وخاتم اعتيادي، وخاتم صممه " ماسك " به ماسة محاطة بعشر ياقوتات زرقاء). وعن هذا تقول:
" أتذكر أنه قال: " إن وجودك معي يعني اختيارك السبيل الصعب " . لم أفهم تمامًا ما عناه في ذلك الوقت، لكنني فهمته الآن. الأمر صعب جدًّا، فهي رحلة جنونية جدًّا " .

مــرت " رايلــي " بتجربــة صــعبة جــدًّا. كــانت علاقتــهما الغراميــة قــد منحتــها انطبــاع أنــها مخطوبــة مــن مليـاردير ثـري يسـافر بطائرتـه النفاثـة ويـغزو العـالم. وكـان هـذا
صحيحًا من الناحية النظرية، ولكن من الناحية العملية كانت المسألة أكثر قتامة من هذا. فمع حلول أواخر شهر يوليو، أدرك " ماسك " أن لديه نقودًا في المتناول
تكفــي لتـدبر أمـوره بصـعوبة حتـى نـهاية العـام. كـانت شـركتا سـبيس إكـس وتيسـلا سـتحتاجان لمسـاعدات نقـدية فـي مرحلـة مـا فقـط لـدفع مرتبـات موظفيـهما، وكـان
مصدر ذلك المال غير واضح نظرًا لأن الأسواق المالية في العالم تعاني حالة من الفوضى وقد أ ُ وقفت الاستثمارات. لو كانت الأمور تسير بسلاسة أكبر بالشركتين،
لشعر " ماسك " بثقة أكبر بشأن جمعه الأموال، لكنها لم تكن تسير بسلاسة. تقول " رايلي " : " كان يعود للمنزل كل يوم، ليجد
كارثة ما. لقد كان يرزح تحت ضغط هائل من جميع الجهات. كان الأمر رهيبًا " .

كانت انطلاقة سبيس إكس الثالثة من جزيرة كواجالين مصدرًا أكثر إلحاحًا لقلق " ماسك " . كان فريقه من المهندسين قد ظل مخيمًا على الجزيرة، وكان يعد
الصاروخ فالكون 1 لمحاولة أخرى. أية شركة تقليدية كانت ستركز على المهمة القائمة، لكن ليست شركة سبيس إكس؛ فقد شحنت الصاروخ فالكون 1 إلى " كواج
" فــي شــهر إبريــل برفقــة مجموعــة مــن المهندســين، ثــم عــينت مجموعــة أخــرى مــن المهندســين بمشــروع جــديد هــو تطويــر الصــاروخ فــالكون 9، وهــو صــاروخ بتســعة
محركــات ســيحل محــل الصــاروخ فـالكون 5 وسـيكون بمثابـة بـديل محتمـل لمكـوك الفضـاء الـذي تـم وقفـه. لـم تبـرهن شـركة سـبيس إكـس بعـد أن بإمكانـها الوصـول
للفضاء بنجاح، لكن " ماسك " ظل يضعها في موضع المزايدة على العقود المكلفة لوكالة الفضاء " ناسا " **** .

وفــي الثلاثــين مــن يولـيو عـام 2008، نجـح اختبـار تشـغيل الصـاروخ فـالكون 9 فـي تكسـاس، حـيث اشـتعلت محركاتـه التسـعة كلـها وأنتجـت قـوة دفـع تُقـدر بثلاثمائـة
وخمســة وثمــانين ألــفًا وخمســمائة وأربعــة وخمســين كــيلوجرامًا. بعــدها بثلاثــة أيــام، قــام مهندســو ســبيس إكــس فــي جزيــرة كــواج بمـلء خزان الصـاروخ فـالكون 1
بالوقود وتمنوا الأفضل. كانت حمولة الصاروخ عبارة عن قمر صناعي تابع للقوات الجوية الأمريكية، إلى جانب بضع تجارب من وكالة الفضاء " ناسا " . لقد بلغ
وزن الحمولة مائة وسبعين كيلوجرامًا.

كانت شركة سبيس إكس تجري تغييرات مهمة على صاروخها منذ آخر عملية إطلاق فاشلة. وأية شركة تقليدية في مجال الطيران والفضاء الجوي ما كانت لترغب
في هذه المجازفة الإضافية، لكن " ماسك " أصر على أن تواصل شركة سبيس إكس تطوير تقنياتها بينما تحاول جعلها تعمل جيدًا في الوقت نفسه. ومن بين أكبر
التغييرات التي أ ُ جريت على الصاروخ فالكون 1, استخدام نسخة جديدة من المحرك ميرلن 1 تعتمد على نظام تبريد معدَّل.

لقــد أ ُ جــريت أول محاولــة إطــلاق للصــاروخ فــي الثــاني مــن أغســطس عــام 2008، وأُلغــيت عنــدما حــان وقــت الإطــلاق. بعــدها، أعــادت شــركة ســبيس إكــس تنظــيم
صفوفها وحاولت إصلاح الصاروخ مرة أخرى في اليوم نفسه. بدا أن كل شيء يسير على ما يرام هذه المرة، فقد حلق الصاروخ فالكون 1 في السماء وطار بشكل
مذهل دون أية إشارة تدل على وجود مشكلة. لقد أطلق موظفو شركة سبيس إكس, الذين يشاهدون بثًّا عبر شبكة الإنترنت للأحداث بولاية كاليفورنيا, الصيحات
والصفارات، ثم حدث عطل في لحظة انفصال المرحلة الثانية عن المرحلة الأولى. لقد تم إجراء تحليل أثبت أن المحركات الجديدة أنتجت قوة دفع غير متوقعة خلال
عملية الانفصال، ما تسبب في اصطدام المرحلة الأولى بالمرحلة الثانية، وإتلاف الجزء العلوي من الصاروخ ومحركه ***** .

لقد تسببت عملية الإطلاق الفاشلة في انهيار العديد من موظفي شركة سبيس إكس. تقول " دولي سينج " ، مسئولة التوظيف بشركة سبيس إكس: " كانت رؤية
الفتور يخيم على أنحاء الغرفة في غضون ثلاثين ثانية أمرًا عميقًا جدًّا. كان أسوأ يوم على الإطلاق تقريبًا. إن المرء لا يرى راشدين يبكون عادةً، لكنهم كانوا يبكون.
لقد كنا مرهقين ومنهارين على المستوى العاطفي " . وجه " ماسك " خطابًا إلى العمال فورًا مشجعًا إياهم على العودة للعمل. تذكرت " سينج " الأمر قائلة: "
قال: " اسمعوا، سوف ننفذ هذا. سيكون كل شيء على ما يرام، لا تنزعجوا " . كان لهذا تأثير مدهش، فقد هدأ الجميع فورًا وبدأوا يركزون على معرفة ما حدث
للتو وعلى كيفية إصلاحه. لقد تبدلت حالتهم من اليأس إلى الأمل والتركيز " . كما تظاهر " ماسك " بالإيجابية أمام الجمهور، وقال في تصريح له إن شركة سبيس
إكــس لــديها صــاروخ آخــر ينتظــر تجربــة عملــيتيْ إطــلاق رابعــة وخامســة مُخطـط للقيـام بـهما بعـد ذلـك بفتـرة وجـيزة. لقـد قـال: " كمـا أعطـيت الضـوء الأخضـر للبـدء
باختراع الرحلة السادسة. إن تطوير الصاروخ فالكون 9 سيستمر دون انقطاع " .

في الواقع، كانت عملية الإطلاق الثالثة كارثية وذات عواقب متتالية. فبما أن المرحلة الثانية من الصاروخ لم تشتعل جيدًا، لم يتسنَّ لشركة سبيس إكس أن تعرف
ما إذا كانت قد أصلحت فعلًا مشكلات انسكاب الوقود التي عانتها الرحلة الثانية أم. كان العديد من مهندسي الشركة واثقين بأنهم حلوا هذه المشكلة ومتلهفين
للقيام بعملية الإطلاق الرابعة، اعتقادًا بأنهم يملكون حلًّا سهلًا للمشكلة الحديثة الخاصة بقوة الدفع. لكن الموقف بدا أكثر خطورة لـ " ماسك " ، فقد قال: "
كنت مكتئبًا بشدة. إن لم نحل مشكلة تشحيم اللحامات في الرحلة الثانية، أو كانت هناك مشكلة عشوائية أخرى قد حدثت، كخطأ في عملية الإطلاق أو عملية
التصــنيع غــير مــرتبط بــأي شــيء ســابق علــى ســبيل المثــال، فقــد انتـهى الأمـر " . ببسـاطة، لـم تكـن شـركة سـبيس إكـس تملـك مـالًا كـافيًا لتجربـة رحلـة خامسـة. كـان "
ماسك " قد استثمر مائة مليون دولار في الشركة ولم يكن لديه مال إضافي بسبب المشكلات التي تعانيها شركة تيسلا. يقول " ماسك " : " كانت الرحلة الرابعة هي
الأخيرة " . لكن إن استطاعت شركة سبيس إكس النجاح في الرحلة الرابعة، فسوف تغرس الثقة في حكومة الولايات المتحدة والعملاء التجاريين المحتملين، ما
سيمهد السبيل إلى إطلاق الصاروخ فالكون 9 وإلى مزيد من المشروعات الطموحة.

كان " ماسك " ، في الفترة المؤدية إلى عملية الإطلاق الثالثة، يتصرف على سجيته وطابعه المتسم بفرط المشاركة. وأي شخص تسبب في تأخير عملية الإطلاق بشركة
" بيس إكس قد تم وضعه على قائمة " ماسك " السوداء الخاصة بالمسار الحرج. كان " ماسك " يطارد الشخص المسئول عن التأخيرات، لكنه كان يفعل عادةً كل
ما بوسعه للمساعدة على حل المشكلات كذلك. يقول " كيفن بروجان " : " كنت أنا نفسي أؤخر عملية الإطلاق ذات مرة، فاضطررت إلى أن أطلع إيلون على آخر
مســتجدات مــا يحــدث مــرتين يومــيًّا، لكـن إيلـون كـان يقـول: " هنـاك خمسـمائة مـوظف فـي هـذه الشـركة، مـا الـذي تحتـاج إليـه؟ "" . لا بـد أن إحـدى تلـك المكـالمات قـد
أُجريت في أثناء ملاطفة " ماسك " لـ " رايلي " لأن " بروجان " يتذكر أن " ماسك " اتصل به من حمام نادٍ في لندن ليعرف كيف تسير عملية لحام الجزء الأكبر من
الصــاروخ. كمــا تلقــى " ماســك " اتصــالًا آخــر فــي منتصــف الليــل فــي أثنــاء جلوســه مــع " رايلــي " واضــطر لأن يـوبخ المهندسـين همـسًا. يقـول " بروجـان " : " كـان يكلمنـا
بصوت خافت؛ لذا اضطررنا جميعًا إلى التجمع حول الهاتف ذي مكبر الصوت بينما يقول لنا: " عليكم أن تنظموا قدراتكم لتصبحوا أكثر فاعلية "" .

ومع حلول عملية الإطلاق الرابعة، تصاعدت المطالب والتوقعات إلى حد أن الموظفين بدأوا يرتكبون أخطاءً سخيفة. عادةً ما يتم نقل جسم الصاروخ فالكون 1 إلى
جزيرة كواج بواسطة سفينة حمولة. لكن هذه المرة، كان " ماسك " والمهندسون متحمسين جدًّا ويائسين من الانتظار لقطع الرحلة عبر المحيط. لذلك، استأجر "
ماسك " طائرة شحن عسكرية لكي تنقل جسم الصاروخ جوًّا من لوس أنجلوس إلى هاواي ثم إلى جزيرة كواج. كانت هذه قد تصبح فكرة رائعة لولا أن مهندسي
سبيس إكس نسوا أن يأخذوا في الحسبان ما ستفعله طائرة مكيف ضغطها (ليقارب الضغط الجوي عند مستوى البحر) بجسم الصاروخ، الذي يبلغ سمكه أقل
من ثلاثة ملليمترات. وعندما بدأت الطائرة تهبط في هاواي، كان باستطاعة كل من على متنها سماع أصوات غريبة صادرة من مخزن البضائع. يقول الرئيس السابق
لقسم إلكترونيات الطيران بشركة سبيس إكس، " بولنت ألتن " : " نظرت للخلف وكان بإمكاني رؤية المرحلة تنهار؛ فطلبت من الطيار أن يرتفع بالطائرة، ففعل " .
لقــد كــان تصــرف الصــاروخ أشــبه بزجاجــة ميــاه فارغــة علـى متـن الطـائرة، حـيث يضـغط ضـغط الـهواء جـوانب الزجاجـة ويجعلـها تنبعـج. ظـن " ألتـن " أن أمـام فـريق
سبيس إكس الموجود على متن الطائرة ثلاثين دقيقة لكي يفعل شيئًا بشأن هذه المشكلة قبل أن يضطروا للهبوط؛ لذا أخرجوا سكاكين الجيب الخاصة بهم وشقوا
الغطــاء البلاســتيكي الــذي كــان يثبــت جســم الصــاروخ بــإحكام. بعــدها، عثــروا علــى أدوات صــيانة علــى متــن الطــائرة، واســتخدموا مفــاتيح الــربط بــها لتوســيع بعـض
صواميل الصاروخ، ما سمح لضغطه الداخلي بأن يطابق ضغط الطائرة. وعندما هبطت الطائرة، قسَّم المهندسون بينهم مهام الاتصال بكبار التنفيذيين بشركة
سبيس إكس ليخبروهم بالكارثة. كانت الساعة الثالثة صباحًا بتوقيت لوس أنجلوس، فتطوع أحد الموظفين التنفيذيين بإبلاغ " ماسك " بهذا الخبر الفظيع. كان
الرأي حينذاك أن إصلاح التلف سوف يستغرق ثلاثة أشهر؛ لأن جسم الصاروخ كان قد انهار في عدة مواضع، وانكسرت الحواجز الموضوعة داخل خزان الوقود لمنع
مشكلة انسكاب الوقود، وظهرت مجموعة أخرى من المشكلات. أمر " ماسك " الفريق بأن يستمر في طريقه إلى جزيرة كواج وأرسل لهم فريق تعزيزات معه قطع
الغيــار. بعــدها بأســبوعين، تــم إصــلاح الصــاروخ داخــل الحظــيرة البــديلة. يقــول " ألتــن " : " كــان الأمــر أشــبه بكوننــا علقنــا فــي خنـدق حـربي مـعًا، لـم نكـن لنسـتسلم
ونتخلى عن الشخص الجالس إلى جوارنا. وعندما انتهينا من كل شيء، انتاب الجميع شعور رائع " .

جاءت رابع محاولة إطلاق تقوم بها شركة سبيس إكس، والمحتمل أن تكون الأخيرة، في الثامن والعشرين من سبتمبر عام 2008 . كان مهندسو الشركة قد عملوا
في نوبات متواصلة تحت ضغط مكثف لستة أسابيع لكي يبلغوا هذا اليوم، وكان كبرياؤهم كمهندسين وآمالهم وأحلامهم على المحك. يقول " جايمس ماكلوري
" ، وهو ميكانيكي بشركة سبيس إكس: " كان من يشاهدوننا بالمصنع يبذلون قصارى جهدهم كيلا يتقيأوا " . بصرف النظر عن أخطائهم الماضية، كان المهندسون
المتواجدون بجزيرة كواج واثقين بأن عملية الإطلاق هذه ستنجح. كان بعضهم قد قضى أعوامًا على الجزيرة يعيش إحدى التجارب الهندسية الأكثر غرابة في التاريخ
البشــري: أُبعـدوا عـن عائلاتـهم وتعرضـوا لضـربات حـرارة ونُفـوا إلـى مـوقع منصـة الإطـلاق، دون توفـير الكثـير مـن الطعـام أحيـانًا، لأيـام متواصـلة بـانتظار حلـول فتـرة
الإطلاق وتعاملوا مع المحاولات الفاشلة التي تلتها. لكنهم سينسون الكثير من ذلك الألم والمعاناة والخوف إذا نجحت عملية الإطلاق هذه.

رفــع فــريق ســبيس إكـس الصـاروخ فـالكون 1 ليتخـذ وضـعية الإطـلاق بعـد ظـهر يـوم الثـامن والعشـرين. مـرة أخـرى، وقـف شـامخًا، وبـدا كتحفـة فنيـة غريبـة لإحـدى
قبائل الجزيرة حين تمايلت أشجار النخيل بجانبه وعبرت القليل من السحب السماء الزرقاء المذهلة فوقه. كانت شركة سبيس إكس في ذلك الوقت قد حَّسنت أداء بثها عبر شبكة الإنترنت، وحوَّلت كل عملية إطلاق إلى عرض ضخم لموظفيها وللجمهور على حد السواء. لقد قضى موظفان تنفيذيان بقسم التسويق بشركة
ســبيس إكــس عشــرين دقيقــة قبــل عمليــة الإطــلاق فــي مراجعــة كـل تفاصـيلها الفنيـة. لـم يكـن الصـاروخ فـالكون 1 يحمـل أيـة حمولـة حقيقيـة هـذه المـرة؛ لـم تـرد كـل
الشركة أو القوات المسلحة رؤية شيء آخر ينفجر أو يُفقد في البحر؛ لذا حمل الصاروخ حمولة زائفة تزن مائة وثلاثة وستين كيلوجرامًا.

إن حقيقــة تحــول شــركة ســبيس إكــس إلـى مسـرح يعـرض عمليـات إطـلاق الصـواريخ لـم تضـايق الموظفـين أو تثبـط حماسـتهم. كـذلك عنـد دوي الصـاروخ ثـم ارتفاعـه
لأعلى، أطلق موظفو المقر الرئيسي للشركة هتافات صاخبة، ثم استقبلوا كل مشهد تبِع هذا، أي الابتعاد عن الجزيرة والنتائج الجيدة لتفقد المحرك، مرة أخرى
بالصفارات والصيحات. وعندما سقطت المرحلة الأولى بعيدًا، اشتعل محرك المرحلة الثانية بعد مرور تسعين ثانية من الرحلة وفرح الموظفون بكل ما تحمله الكلمة
من معنى، وملأوا البث الشبكي بصيحاتهم المعبرة عن الغبطة، وقال أحد المتحدثين " ممتاز " . لقد توهج المحرك كيستريل باللون الأحمر وبدأت عملية احتراقه
التي تستمر لست دقائق. يقول " ماكلوري " : " عند ابتعاد المرحلة الثانية، أصبح باستطاعتي أخيرًا التقاط أنفاسي مرة أخرى وتوقفت ركبتاي عن التخبط " .

انفتحت ألواح التغطية الانسيابية بعد مرور حوالي ثلاث دقائق وسقطت عائدة إلى الأرض. وأخيرًا، بعد مرور حوالي تسع دقائق على بداية الرحلة، توقف الصاروخ
فــــالكون 1 عــن العمــل كمــا هــو مخطــط بالضــبط ووصــل لمســاره، مــا جعلــه أول آلــة خاصــة تحقــق مثــل هــذا الإنجــاز. لقــد اســتغرق تحقــيق معــجزة العلــوم الحــديثة
والأعمال هذه ستة أعوام - أي أكثر مما خطط إليه " ماسك " فيما مضى بأربعة أعوام ونصف العام - وخمسمائة شخص.

كان " ماسك " قد حاول في وقت سابق من ذلك اليوم أن يلهي نفسه عن الضغط المتزايد بأن يرتاد ملاهي ديزني لاند برفقة أخيه " كيمبال " وأولادهما. بعدها،
اضطر " ماسك " لأن يهرع عائدًا للشركة لكي يلحق بعملية الإطلاق التي ستحدث الساعة الرابعة عصرًا، ودخل مقطورة غرفة التحكم الخاصة بشركة سبيس
إكس قبل إطلاق الصاروخ بحوالي دقيقتين. يقول " كيمبال " : " عندما نجحت عملية الإطلاق، بدأ الجميع بالبكاء فجأة. لقد كانت واحدة من أكثر التجارب التي
مررت بها تأثيرًا " . غادر " ماسك " غرفة التحكم وخرج إلى أرضية المصنع، حيث استُقبل استقبال نجوم موسيقى الروك. لقد قال: " كان هذا رائعًا جدًّا. لقد ظن
كثيرون أننا لن نتمكن من فعل هذا، وهم كثيرون جدًّا في الواقع، لكن كما يقول المثل: " المرة الثالثة ثابتة " ، صحيح؟ حفنة فقط من دول العالم فعلت هذا. إنه
أمــر تفعلــه الــدول عــادةً، ولــيس الشــركات ... إن ذهنــي منــهك؛ لــذا يصــعب علـيَّ قـول أي شـيء، لكـن عجـبًا! هـذا أحـد أروع أيـام حيـاتي بالتأكيـد، وأعتقـد أنـه كـذلك
بالنسبة لغالبية الموجودين هنا على الأرجح. لقد أثبتنا للناس أننا نستطيع فعل هذا. هذه مجرد أول خطوة من بين خطوات أخرى عديدة ... سوف أقيم حفلًا رائعًا
جدًّا الليلة. لا أعرف ترتيباتكم بشأن هذا، يا رفاق " . ثم ربتت " ماري بيث براون " كتف " ماسك " وجذبته بعيدًا لكي يحضر اجتماعًا.

ســرعان مــا تلاشــى الشــعور بالســعادة الــذي تــلا هــذا الانتصــار الضــخم بعــد انتــهاء الحفــل، وأصــبحت خطــورة الوضـع المـالي لشـركة سـبيس إكـس أكبـر مصـدر للقلـق
بالنسبة لـ " ماسك " مرة أخرى. توجب على شركة سبيس إكس دعم جهود تصنيع الصاروخ فالكون 9، كما كانت قد أعطت فورًا الضوء الأخضر للبدء بتشييد آلة
أخرى، هي المركبة الفضائية الصغيرة دراجون، التي ستُستخدم لإرسال المؤن، والبشر يومًا ما، إلى محطة الفضاء الدولية. سيتكلف إنهاء كلا المشروعين أكثر من
مليار دولار، لكن سيتوجب على شركة سبيس إكس أن تجد طريقة لصنع كلتا الآلتين معًا مقابل جزء صغير من هذه التكلفة. كانت الشركة قد زادت معدلات
تعيينها الموظفين وانتقلت إلى مقر رئيسي أكبر بكثير يقع في مدينة هاوثورن بولاية كاليفورنيا. بالإضافة إلى ذلك، كانت سبيس إكس قد حجزت رحلة تجارية تحمل
قمرًا صناعيًّا إلى مداره لصالح الحكومة الماليزية، لكن عملية الإطلاق تلك ومقابلها المادي لن يتما قبل منتصف عام 2009. وفي تلك الأثناء، جاهدت شركة سبيس
إكس حقًّا لكي تدفع رواتب موظفيها.

لم تكن الصحافة تعرف حجم المشكلات المالية التي يعانيها " ماسك " ، لكنها كانت تعرف ما يكفي لتحول تفصيل وضع شركة " تيسلا " المالي غير المستقر إلى
موضوع مفضل للنشر. لقد بدأ موقع يدعى The Truth About Cars " ساعة احتضار شركة تيسلا " في مايو عام 2008 وأتبعها بعشرات المنشورات على مدار
العام. لقد استمدت المدونة متعة خاصة من رفض فكرة كون " ماسك " مؤسسًا حقيقيًّا لشركة تيسلا، وقدمته على أنه ممولها ورئيسها الذي سرقها تقريبًا من
المهندس العبقري " إيبرهارد " . وعندما أنشأ " إيبرهارد " مدونة تفصِّل مميزات وعيوب كونه عميلًا لشركة تيسلا، سر موقع السيارات بشدة ترديد أحزانه. أما
البرنامج التليفزيوني البريطاني الشهير Top Gear ، فقد دمر السيارة رودستر تمامًا، وجعلها تبدو كما لو أن الوقود قد نفد منها خلال إجراء اختبارات قيادة على
الطريق. يقول " كيمبال ماسك " : " يمزح الناس بشأن منشورات " ساعة احتضار شركة تيسلا " وكل هذا، لكن هذا كان قاسيًا. ذات يوم، كانت هناك خمسون
مقالة تتحدث عن كيف ستنهار شركة تيسلا " .

وفي شهر أكتوبر عام 2008 (بعد بضعة أسابيع من عملية إطلاق الصاروخ الناجحة التي قامت بها شركة سبيس إكس)، ظهرت مدونة Valleywag على الساحة
مجددًا. أولًا، سخرت من " ماسك " لأنه تولى رسميًّا منصب المدير التنفيذي لشركة تيسلا وحل محل " دروري " ، على أساس أن الحظ قد حالف " ماسك " في
نجاحاته الماضية ببساطة، ثم أتبعت هذا بنشر رسالة بريد إلكتروني تكشف تفاصيل فاضحة أرسلها موظف بشركة تيسلا. قال ذلك التقرير إن تيسلا قد سرحت
دفعــة مــن العــاملين، وأغلقـت مكتبـها فـي مـدينة ديتـرويت، ولـم يتبـقَّ فـي حسـابها المصـرفي سـوى تسـعة ملايـين دولار. لقـد كتـب مـوظف تيسـلا: " لـدينا أكثـر مـن ألـف
ومائتيْ حجز، ما يغني [ هكذا كُتبت ] أننا حصلنا على مضاعفات عشرات الملايين من النقود من عملائنا وأنفقناها كلها، ولم نسلم سوى أقل من خمسمائة سيارة
في الوقت نفسه. لقد أقنعت صديقًا مقربًا لي في الواقع بدفع ستين ألف دولار كعربون لشراء سيارة تيسلا رودستر. لم يعد ضميري يسمح لي بأن أكون متفرجًا وأن
أدع الشركة تخدع العامة وتحتال على عملائنا الأعزاء بعد الآن. إن عملاءنا وعامة الناس هم سبب كون تيسلا محبوبة هكذا، وحقيقة أن هؤلاء العملاء تعرضوا
للخداع هي خطأ فادح " ****** .

صحيح أن شركة تيسلا استحقت معظم ذلك الاهتمام السلبي، إلا أن " ماسك " شعر بأن مناخ عام 2008 المفعم بالكراهية تجاه أصحاب المصارف والأثرياء قد
حوله إلى هدف ذي متعة خاصة. يقول " ماسك " : " كان الأمر كما لو كنت أتعرض لضرب مبرح بمقبض مسدس فحسب. كانت هناك الكثير من الشماتة آنذاك،
وكان الأمر سيئًا لأسباب كثيرة جدًّا: كانت جاستين تعذبني في الصحافة، وكانت هناك دائمًا كل تلك المقالات السلبية عن شركة تيسلا والأخبار المتعلقة بالمحاولة
الثالثــة الفاشــلة لشــركة ســبيس إكــس. كــان الأمــر مــؤلمًا جــدًّا. لقــد ســاورتني الشـكوك بخصـوص تحقـيق النجـاح فـي حيـاتي، وكـانت سـيارتي لا تعمـل، وكنـت أسـير فـي
إجراءات الطلاق، وكل تلك الأمور؛ لذلك، شعرت بأن المصائب تجتمع عليَّ ولم أعتقد أننا سنتجاوز الأمر، وظننت أن الأمور محكوم عليها بالفشل على الأرجح " .

حين راجع " ماسك " الحسابات المتعلقة بشركتيْ سبيس إكس وتيسلا مراجعة سريعة، خطر بباله أن شركة واحدة فقط هي من ستتسنى لها فرصة البقاء على
الأرجح. يقول " ماسك " : " كان بوسعي إما أن أختار سبيس إكس أو تيسلا أو أن أقسِّم المال المتبقي بينهما. كان قرارًا عسيرًا؛ فإن قسّمت المال، فقد تهلك كلتا
الشركتين، وإن أعطيت المال لشركة واحدة فقط، فستزيد احتمالات بقائها، لكن هذا سوف يعني الهلاك المحتوم للشركة الأخرى. لقد فكرت في الأمر مرارًا وتكرارًا
" . وبينما كان " ماسك " يفكر مليًّا في هذا الأمر، كان الاقتصاد قد بدأ يسوء بسرعة ومعه وضع " ماسك " المالي. ومع انتهاء عام 2008، كانت أموال " ماسك " قد
نفدت.

بدأت " رايلي " تعتبر حياة " ماسك " مأساة شكسبيرية. أحيانًا كان " ماسك " يشاركها شعوره بشأن المشكلات التي تواجهه، وأحيانًا أخرى كان ينكفئ على نفسه.
لقـــد تجســست " رايلــي " علــى " ماســك " فــي أثنــاء قراءتــه بريــده الإلكتــروني وشــاهدته يتجــهم جــراء قــراءة الأخبــار الســيئة المنــهالة عليــه. تقــول: " كنــت أراقبــه يجــري
محادثات في ذهنه. تصعب عليَّ حقًّا مشاهدة شخص أحبه يعاني هكذا " . وبسبب ساعات عمل " ماسك " الطويلة وعاداته في تناول الطعام، كان وزنه يتغير
بشدة وبغير انتظام، وتكونت هالات سوداء تحت عينيه، وبدأت ملامحه تشبه ملامح عدَّاء منهار في آخر سباق عدو لمسافات طويلة. تعلق " رايلي " قائلة: " بدا
كأنه شخص ميت يسير على قدمين. أتذكر أنني ظننت أنه سيصاب بنوبة قلبية وسيموت؛ فقد بدا كرجل على مشارف الموت " . كما كانت الكوابيس تراود " ماسك
" في منتصف الليل وكان يصرخ منها. تقول " رايلي " : " كان يعاني ألمًا جسديًّا. كان يقترب مني ويبدأ بالصراخ بينما لا يزال نائمًا " . اضطر الزوجان للاقتراض مئات
الآلاف من الدولارات من صديق " ماسك " " سكول " ، وعرض والدا " رايلي " أن يعيدا رهن منزلهما. لم يعد " ماسك " يسافر ذهابًا وإيابًا بين لوس أنجلوس
ووادي السيليكون على متن طائرته النفاثة، فقد انتقل إلى الجنوب الغربي.

نظرًا لأن شركة تيسلا قد استهلكت سيولة نقدية تُقدر بحوالي أربعة ملايين دولار شهريًّا، فقد كانت بحاجة لإنهاء جولة تمويل أخرى لكي تجتاز عام 2008 وتظل
باقية؛ فاضطر " ماسك " لأن يعتمد على أصدقائه فقط ليحاول دفع رواتب موظفيه من أسبوع لآخر، بينما يتفاوض مع المستثمرين، وأرسل مناشدات متحمسة
لكل شخص, يخطر على باله, قد يكون قادرًا على توفير بعض المال. لذلك، استثمر " بيل لي " مليونيْ دولار بشركة تيسلا، واستثمر " سيرجي برين " خمسمائة ألف
دولار. يقول " ديارمويد أوكونيل " نائب رئيس قسم تطوير الأعمال بشركة تيسلا: " لقد حررت مجموعة من الموظفين شيكات لكي تستمر الشركة في عملها. تلك
الشيكات تحولت إلى استثمارات، لكنها كانت خمسة وعشرين ألفًا أو خمسين ألف دولار لا يتوقعون رؤيتها مجددًا في ذلك الوقت. لقد بدا الأمر أن " هذه الشركة
ستفشل فشلًا ذريعًا "" . علاوةً على ذلك، كان " كيمبال " قد خسر معظم أمواله خلال فترة الركود الاقتصادي عندما وصلت استثماراته إلى الحضيض، لكنه باع
ما تبقى له واستثمره في شركة تيسلا كذلك.
يقــول " كيمبــال " : " كنــت علــى مشــارف الإفــلاس " . كــانت شــركة تيســلا قــد وضــعت جــانبًا الــدفعات المقــدمة التـي دفعـها العمـلاء مقـابل سـيارات رودسـتر، لكـن "
ماســك " اضــطر حينــذاك لســحب ذلــك المــال لكــي يجعــل الشــركة تســتمر فــي العمــل، وســرعان مــا تبــددت تلـك المـوارد الماليـة أيـضًا. لقـد أصـابت تلـك المنـاورات الماليـة "
كيمبال " بالقلق، وعن هذا يقول: " أنا متأكد أن " إيلون " كان سيجد طريقة لإصلاح الأمور، لكنه بالتأكيد قام بمجازفات بدا أنه كان من الممكن أن تزج به في السجن لاستغلاله أموال غيره " .

شن " ماسك " في ديسمبر عام 2008 عدة حملات في الوقت نفسه لكي يحاول إنقاذ شركتيه. لقد سمع إشاعة مفادها أن وكالة ناسا توشك على منح عقد لإعادة
تموين محطة الفضاء. كانت عملية الإطلاق الرابعة التي قامت بها شركة سبيس إكس قد مكَّنتها من تلقي جزء من هذا المبلغ، الذي قيل إنه أكثر من مليار دولار؛
لذلك، تواصل " ماسك " عبر قنوات اتصال سرية بـواشنطن وعلم أن شركة سبيس إكس قد تكون المرشح الأوفر حظًّا للحصول على الصفقة حتى، فبدأ يبذل كل
ما بوسعه ليؤكد للناس أن شركته تستطيع مواجهة تحدي إرسال مركبة صغيرة إلى " محطة الفضاء الدولية " . أما بالنسبة لشركة تيسلا، فقد اضطر " ماسك "
إلى أن يلجأ لمستثمريه الحاليين لكي يطلب منهم أن يقدموا دفعة أخرى من التمويل عشية احتفالات العام الجديد لتفادي إفلاس الشركة. ولكي يمنح " ماسك "
المستثمرين قدرًا من الثقة، بذل جهدًا أخيرًا مستميتًا لجمع كل الموارد المالية الشخصية التي يستطيع جمعها واستثمرها في الشركة، كما اقترض من شركة سبيس
إكــس، بموافقــة " ناســا " ، وخصــص ذلــك المــال لصــالح شــركة تيســلا. عــلاوةً علــى هـذا، لجـأ " ماسـك " إلـى الأسـواق الثانويـة لكـي يحـاول بـيع بعـض أسـهمه بشـركة
سولارسيتي، وحصل على حوالي خمسة عشر مليون دولار وصلته عندما اشترت شركة ديل شركة ناشئة تدعى إيفردريم - أساسها أولاد عم " ماسك " - في مجال
البيانات المعرفة بالبرمجيات كان قد استثمر فيها " ماسك " . يقول " ماسك " واصفًا مناوراته المالية: " كانت أشبه بفيلم Matrix . لقد أنقذتني صفقة شركة
إيفردريم حقًّا " .

كان " ماسك " قد جمع بسرعة عشرين مليون دولار؛ لذا طلب من المستثمرين الحاليين بشركة تيسلا، نظرًا لأنه لم يتقدم أي مستثمرين جدد، مطابقة ذلك
المبلغ. وافق المستثمرون، وكانوا يعملون على إنهاء الأوراق اللازمة لجولة التمويل في الثالث من ديسمبر عام 2008، حين لاحظ " ماسك " مشكلة: كانت شركة
فانتيج بوينت كابيتال بارتنرز قد وقعت على كل الأوراق عدا ورقة واحدة مهمة؛ لذلك، اتصل " ماسك " بالمؤسس المشارك لشركة فانتيج بوينت والشريك والمدير
المنتدب بها " آلان سالزمان " ليسأل عن الوضع، فأخطره " سالزمان " أن الشركة كانت تواجه مشكلة في جولة التمويل لأنها بخست قيمة شركة تيسلا. يقول "
ماسك " : " قلت له: " لديَّ حل ممتاز إذن. خذ حصتي كلها من الصفقة. لقد واجهت صعوبات شديدة في إيجاد ذلك المال. سيرفض البنك صرف رواتب الموظفين
بســبب عــدم كفايــة الأرصــدة التــي نمتلكــها فــي حســابنا المصــرفي. لــذلك، يمكنـك أن تشـارك بـالمبلغ الـذي تريـده أو تجمـع العـديد مـن الاسـتثمارات، وإلا فسـوف نشـهر
إفلاسنا، إلا إذا كانت لديك فكرة أخرى "" . لكن " سالزمان " اعترض وطلب من " ماسك " القدوم الساعة السابعة صباحًا في الأسبوع التالي لكي يقدم عرضه لكبار
مسئولي شركة فانتيج بوينت. بما أن " ماسك " لا يملك مهلة أسبوعًا، طلب القدوم في اليوم التالي، فرفض " سالزمان " ذلك العرض، ما أجبر " ماسك " على
الاســتمرار فــي اقتــراض الأمــوال. لقــد أصــدر " ماســك " أحكــامًا نظريــة قــائلًا: " الســبب الوحيــد لرغبتــه فـي أن يتـم الاجتمـاع فـي مكتبـه هـو أن آتـي إليـه جـاثيًا علـى ركبتـيَّ
متوسلًا لكي يعطيني المال حتى يرفض. يا له من غبي! " .

رفضت شركة فانتيج بوينت التحدث عن هذه الفترة، لكن " ماسك " اعتقد أن تكتيكات " سالزمان " كانت جزءًا من مهمة لإفلاس شركة تيسلا، وخشي أن تقوم
شركة فانتيج بوينت بعزله من منصب المدير التنفيذي، وأن تعيد رسملة تيسلا وتظهر بصفتها المالك الأساسي لشركة صناعة السيارات. عندها، يصبح بوسعها بيع
تيسلا إلى شركة صناعة سيارات في مدينة ديترويت أو أن تركز على بيع نواقل الحركة الكهربية وحزم البطاريات بدلًا من صناعة السيارات. كان يمكن أن يكون مثل
هذا التفكير عمليًّا جدًّا من وجهة نظر الأعمال التجارية، لكنه لم يكن مطابقًا لأهداف " ماسك " من تأسيس شركة تيسلا. يقول " ستيف جورفيتسون " ، الشريك
بشــركة درايبــر فيشــر جورفيتســون والمســتثمر بشــركة تيســلا: " كــانت شــركة فــانتيج بــوينت تجبــر رائــد أعمــال أراد فعــل شــيء أكبــر وأكثــر جـرأة علـى تقبـل ذلـك الـرأي
السديد. لعلهم معتادون أن ينهار المدير التنفيذي تحت وطأة الضغط، لكن إيلون لا يفعل هذا " . عوضًا عن هذا، قام " ماسك " بمجازفة هائلة أخرى: أعادت
شــركة تيســلا وصــف التمويــل بأنــه جولــة اســتدانة بــدلًا مــن جولــة تمويــل مــن خــلال بــيع الأســهم، لمعرفتــها بــأن شــركة فــانتيج بــوينت لا تســتطيع التــدخل فــي جولــة
الاستدانة. لكن الجزء الصعب من هذه الإستراتيجية كان أن المستثمرين الذين أرادوا مساعدة تيسلا، أمثال " جورفيتسون " ، قد وُضعوا في ورطة لأن شركات
الاســتثمارات المغــامرة ليســت مشــيدة كــي تعقــد صــفقات الاســتدانة، كمــا أن إقنــاع داعميــها بتغــيير قواعــد الاشــتباك التقليــدية الخاصــة بــهم مــن أجــل شـركة يمكـن
بسهولة أن تشهر إفلاسها في غضون بضعة أيام ستكون مهمة شديدة الصعوبة. وبما أن " ماسك " يعرف هذا، فقد تحايل على الأمر بأن أخبر المستثمرين بأنه
سيأخذ قرضًا آخر من شركة سبيس إكس ليمول الجولة بأكملها، الأربعين مليون دولار كلها، بنفسه. لقد نجح هذا التكتيك. يقول " جورفيتسون " : " حين يعاني
المرء نقصًا في الموارد، فإن هذا بلا شك يزيد الجشع ويؤدي إلى مزيد من الفوائد. علاوةً على ذلك، سهل هذا علينا أن نعود إلى شركاتنا ونقول: " إليكم الصفقة،
هل ستعقدونها أم لا؟ "" . انتهى المطاف بأن خُتمت الصفقة في عشية احتفالات العام الجديد، قبل ساعات من إشهار تيسلا إفلاسها. كان قد تبقى لـ " ماسك "
بضع مئات آلاف من الدولارات؛ لذا لم يتمكن من دفع رواتب الموظفين في اليوم التالي. في النهاية، استثمر " ماسك " اثني عشر مليون دولار في الشركة، ووفرت
شركات الاستثمار بقية المبلغ. أما بالنسبة لـ " سالزمان " ، فقد قال " ماسك " : " عليه أن يشعر بالخزي " .

أما في شركة سبيس إكس، فقد قضى " ماسك " وكبار التنفيذيين بالشركة معظم شهر ديسمبر في حالة من الخوف. بحسب التقارير التي نُشرت في الصحافة، فإن
شركة سبيس إكس، التي كانت المرشح الأوفر حظًّا للحصول على عقد ضخم من وكالة ناسا سابقًا، قد فقدت شعبيتها لدى وكالة الفضاء فجأة. كان " مايكل
جــريفن " ، الــذي كــاد أن يكــون مؤســسًا مشــاركًا لشــركة ســبيس إكــس فيمــا مضــى، رئــيسًا لوكالــة " ناســا " وقــد انقلــب ضــد " ماســك " . لــم يكــن " جــريفن " يبــالي
بتكتيكات " ماسك " الضارية الخاصة بالأعمال التجارية، وكان يعتبره على حافة اللاأخلاقيات. كما أشار آخرون إلى أن " جريفن " قد شعر بالغيرة من " ماسك "
وسبيس إكس في نهاية المطاف. ******* لكن في الثالث والعشرين من ديسمبر عام 2008، تلقت شركة سبيس إكس صدمة: كان الموظفون داخل وكالة ناسا قد
دعموا شركة سبيس إكس لتصبح موردة لـ " محطة الفضاء الدولية " ، وتلقت الشركة مليارًا وستمائة مليون دولار لإطلاق اثنتي عشرة رحلة إلى محطة الفضاء.
كان " ماسك " يقيم مع " كيمبال " في مدينة بولدر بولاية كولورادو في فترة العطلات، فانهار باكيًا مع تداول معاملات شركتيْ سبيس إكس وتيسلا. وعن هذا
يقول: " لم يكن قد تسنى لي شراء هدية العام الجديد من أجل تالولا أو أي شيء؛ لذلك، ركضت في الشارع في بولدر. كان المكان الوحيد المفتوح يبيع حليًّا رديئة،
وكان على وشك أن يغلق أبوابه. أفضل ما استطعت إيجاده هناك كان تلك القرود البلاستيكية التي تحمل ثمرة جوز هند... تلك القرود الخاصة بحكمة " لا أرى
شرًّا ولا أسمع شرًّا "" .

بالنســبة لــــ " جراســياس " ، المســتثمر بشــركتيْ تيســلا وســبيس إكــس وصــديق " ماســك " ، فــإن فتـرة عـام 2008 قـد أخبرتـه بكـل مـا قـد يحتـاج يـومًا إلـى معرفتـه عـن
شــخصية " ماســك " . لقــد رأى رجــلًا وصــل لتــوه إلــى الولايــات المتحــدة دون أن يمتلــك أي شــيء، وكــان قــد فقــد ابــنًا، وكــان يتعــرض للتشــهير فــي الصــحافة مــن قبــل
المراسلين وزوجته السابقة، وكاد مشروع عمره ينهار. يقول " جراسياس " : " إنه يمتلك قدرة على الاجتهاد وتحمل التوتر تفوق أي أحد آخر قابلته على الإطلاق. إن
ما عاناه في عام 2008 كان من الممكن أن يحطم أي شخص آخر. لكنه لم ينج فحسب، بل استمر بالعمل وظل مركزًا " . تبرز القدرة على الاستمرار بالتركيز في
خضم الأزمات كإحدى مزايا " ماسك " الرئيسية التي تمنحه أفضلية على غيره من التنفيذيين والمنافسين. يقول " جراسياس " : " إن معظم من يتعرضون لمثل هذه
الضغوط يُنهكون، وتصبح قراراتهم خاطئة. لكن " ماسك " يصبح مفرط العقلانية، ويظل قادرًا على اتخاذ قرارات واضحة جدًّا على المدى الطويل. وكلما ازدادت
صعوبة الأمر، تصرف على نحو أفضل. إن كل من رأوا ما مر به هذا الرجل بأنفسهم أصبحوا يكنون له مزيدًا من الاحترام. لم أرَ أحدًا يتمتع بالقدرة على تحمل
الألم مثله مطلقًا " .

* ظل الزوجان يعانيان من خلافاتهما؛ فقد ظل " ماسك " لفترة طويلة يدير مواعيد تشاركهما الأطفال من خلال مساعدته " ماري بيث براون " ، بدلًا من أن
يتعامل مع " جاستين " مباشرةً. وعن هذا تقول " جاستين " : " كنت غاضبة بشدة حقًّا بشأن هذا " . إن أكثر وقت بكت فيه " جاستين " خلال حديثنا كان في أثناء
موازنتها بين إيجابيات وسلبيات نشأة الأطفال على فترة كبيرة يتم فيها اقتيادهم بسرعة لمشاهدة المباراة النهائية في دوري كرة القدم الأمريكية أو للسفر إلى إسبانيا
علــى متــن طــائرة نفاثــة خاصــة فــي أيــة لحظــة أو يُطلــب منــهم اللعــب فــي مصــنع شــركة تيسـلا. وعـن هـذا تقـول: " أعـرف أن الأولاد ينظـرون إليـه بـاحترام وتقـدير؛ لأنـه
يصطحبهم إلى كل مكان ويقدم لهم العديد من التجارب. لكن دوري كأم هو أن أؤسس هذا الواقع الذي أقدم لهم فيه إحساسًا بالحياة الطبيعية. إنهم لا ينشأون
في عائلة طبيعية؛ مع أب طبيعي. لذلك، أجعل حياتهم معي أكثر اعتدالًا. إننا نقدِّر أمورًا مختلفة، فأنا يهمني التعاطف أكثر بكثير من أي شيء آخر " .

** تذكر " ماسك " لقاءهما كالآتي: " كانت تبدو رائعة فعلًا، لكن ما كان يجول ببالي حينذاك هو: " أظنهن بضع عارضات للأزياء " . لا يستطيع المرء التحدث مع
معظم عارضات الأزياء في الواقع. إنه لا يستطيع إجراء محادثة معهن ببساطة. لكن تالولا كانت مهتمة بشدة بالحديث عن الصواريخ والسيارات الكهربية، وكان
هذا هو الأمر الممتع " .

*** طلب " ماسك " من " رايلي " مرافقته، لكنها رفضت طلبه.

**** كان " ماسك " في ذلك الوقت قد اكتسب صيتًا بأنه الرجل الأكثر طموحًا في مجال الفضاء. قبل أن يستقر " ماسك " على الصاروخ فالكون 9، كان قد اعتزم
صنع شيء يدعى الصاروخ BFR اختصارًا لـ " بيج فالكون روكيت " . أراده " ماسك " أن يحتوي على أكبر محرك صاروخي في التاريخ. إن عقلية " ماسك " الأكبر
والأسرع قد أضحكت وأرعبت وأبهرت بعض الموردين الذين كانت شركة سبيس إكس تلجأ إليهم لطلب العون أحيانًا، مثل شركة باربر - نيكولز المحدودة، وهي
شركة يقع مقرها في ولاية كلورادو تصنع المضخات التوربينية الخاصة بمحركات الصواريخ وغيرها من معدات الطيران والفضاء الجوي. لقد تكرم بعض الموظفين
التنفيذيين بشركة باربر - نيكولز، هم " روبرت ليندن " و " جاري فراي " و " مايك فورشا " ، بسرد أول لقاء لهم مع " ماسك " في منتصف عام 2002 وتعاملاتهم التالية معه. ها هي نبذة:

" أتى إيلون برفقة " توم مولر " وبدأ يخبرنا ب أن قدره هو أن يطلق الصواريخ للفضاء بتكاليف أقل وأن يساعدنا على أن نرتاد الفضاء . كنا معجبين إلى حد كبير بـ
توم لكننا لم نكن متأكدين تمام ً ا مما إذا كنا سنأخذ " إيلون " على محمل الجد أكثر من اللازم . لقد بدآ يطلبان منا المستحيل ؛ فقد أرادا صنع مضخة توربينية في
أقل من عام بتكلفة أقل من مائة مليون دولار . قد تنفذ شركة بوينج مثل هذا المشروع فيما يزيد على خمسة أعوام مقابل مائة مليون دولار . طلب منا " توم " أن
نبذل قصارى جهدنا ، فصنعناها في ثلاثة عشر شهر ً ا . كانت فلسفة " إيلون " هي " اصنع بسرعة وتعلم بسرعة " ، وكانت رغبته في تخفيض النفقات لا تلين .
ومهما أريناه على الورق فيما يتعلق بتكلفة المواد ، أرادها أقل لأن هذا جزء من نموذج أعماله . إن العمل مع إيلون يمكن أن يكون محبط ً ا جدّ ً ا ، فله وجهة نظر
غريبة لا يحيد عنها . نحن لا نعرف أشخاص ً ا عملوا معه وسعدوا بهذا . ومع ذلك ، فقد أجبر تكلفة مجال الفضاء على الانخفاض وأوفى بخطة عمله الأصلية .
لقد أصبحت شركات بوينج ولوكهيد وغيرهما مفرطة الحذر وأصبحت تنفق أموالً ا طائلة؛ أما شركة سبيس إكس ف كانت تتحلى بالجرأة " .

***** لكي نقدم لمحة عن مدى معرفة " ماسك " بالصواريخ، ها هو تفسيره لما حدث من الذاكرة بعد مرور ستة أعوام على الحدث: " كان هذا بسبب أننا حدّثنا
المحرك ميرلن ليصبح محركًا مبردًا بشكل متجدد، وكانت قوة الدفع المؤقتة لذلك المحرك أطول ببضع ثوانٍ. كان الفرق فقط واحدًا بالمائة قوة دفع لحوالي ثانية
ونصف أخرى. كما كان ضغط الغرفة حوالي سبعة وستين كيلو باسكال، أي بنسبة واحد بالمائة من المجموع الكلي، لكن هذا بسبب ضغط تحت مستوى سطح
البحر. أما على منصة الاختبار، فإننا لم نلاحظ أي شيء؛ لذا ظننا أنه على ما يرام وأنه كما كان من قبل بالضبط، لكن كان هناك ذلك الاختلاف الطفيف في الواقع.
كان مستوى الضغط أعلى بحوالي مائة وثلاثة كيلو باسكال، ما أخفى بعض التأثيرات خلال الاختبار. لقد تسببت قوة الدفع الإضافية في أن تستمر المرحلة الأولى في
الحركــة بعــد انفصــال المــرحلتين عــن بعضــهما وأن تعيــد الاتصــال بالمرحلــة الأخــرى. وبعـدها، بـدأت المرحلـة العليـا تشـغل المحـرك المـوجود بـين المـرحلتين، مـا نتـج عنـه
الانفجار العكسي للبلازما الذي دمر تلك المرحلة العليا " .

****** اكتشف " ماسك " في وقت لاحق هوية هذا الموظف بطريقة عبقرية: قام بنسخ نص الخطاب على وثيقة بالبرنامج الحاسوبي وورد، وفحص حجم الملف،
وأرسله للطابعة، واطلع على سجلات نشاط الطابعة لكي يجد ملفًّا له الحجم نفسه. بعدها، أصبح بوسعه تعقب الملف إلى الشخص الذي طبع الملف الأصلي. وقد
قدم الموظف خطاب اعتذار واستقال من عمله بالشركة.

******* كان " جريفن " قد تاق لصنع مركبة فضائية ضخمة جديدة ترسخ بصمته على الصناعة. لكن عند انتخاب " باراك أوباما " رئيسًا عام 2008، علم " جريفن
" ؛ المُعين من قبل " بوش " ، أن فترة توليه منصب رئيس وكالة الفضاء " ناسا " قد شارفت على الانتهاء وأن شركة سبيس إكس تبدو مستعدة لصنع الماكينات
الأكثر إثارة للاهتمام التي ستحقق تقدمًا للأمام.
9

?

?

الإقلاع

أصبح صاروخ فالكون 9 الحصان الرابح لشركة سبيس إكس. إليك هذا الوصف: يبدو الصاروخ أشبه بقضيب أبيض ضخم يبلغ طوله 68.4 متر، وعرضه أربعة
أمتار، ووزنه خمسمائة وخمسين طنًّا. يعمل الصاروخ بواسطة تسعة محركات مرتبة بنمط " شبكي ثماني الشكل " في قاعدته، حيث يوجد محرك واحد في المركز
تحيط به المحركات الثمانية الأخرى. تتصل تلك المحركات بالمرحلة الأولى للصاروخ، أو جسمه الرئيسي الذي يحمل الشعار الأزرق لشركة سبيس إكس وعلم أمريكا.
أما المرحلة الثانية من عمل الصاروخ وهي الأقصر، فتُركب فوق المرحلة الأولى، وهي المرحلة التي تنفذ المهام في الفضاء في نهاية المطاف، ويمكن إمدادها بحاوية
مستديرة لحمل الأقمار الصناعية أو مركبة فضائية قادرة على نقل البشر. لا يوجد أي شيء لافت بشكل خاص في المظهر الخارجي للصاروخ فالكون 9؛ فهو بمثابة
مركبة فضائية تعادل كمبيوتر محمولًا من طراز آبل أو غلاية من طراز براون - آلة أنيقة ذات أهداف محددة بعيدة كل البعد عن الإسراف والبهرجة.

أحيانًا تستخدم شركة سبيس إكس قاعدة فاندنبيرج الجوية في كاليفورنيا الجنوبية لإرسال صواريخ فالكون 9 تلك إلى الفضاء. لو لم تكن القوات المسلحة تمتلك
تلك القاعدة الجوية، لتحولت إلى منتجع؛ فالمحيط الهادي يطل لكيلومترات على طول حدودها، كما تحتوي أراضيها على حقول مفتوحة كثيرة الشجيرات تتناثر
فيها التلال الخضراء. وفي أحد المواقع كثيرة التلال القريبة من حافة المحيط، توجد مجموعة من منصات الإطلاق. وفي أيام الإطلاق، يشق الصاروخ الأبيض فالكون
9 التضاريس الزرقاء والخضراء متجهًا لعنان السماء ومبددًا أية شكوك بشأن نواياه.

وقبل عملية الإطلاق بحوالي أربع ساعات، تبدأ عملية تزويد الصاروخ فالكون 9 بكمية هائلة من الأكسجين السائل والكيروسين الخاص بالصواريخ. تخرج كمية
من الأكسجين السائل من الصاروخ في أثناء انتظاره عملية الإطلاق، ويتم الاحتفاظ به باردًا جدًّا لدرجة أنه يفوز بمجرد التقائه بالمعدن والهواء، مكونًا تجمعات
بيضــاء تتـدفق للأسـفل علـى جـانبي الصـاروخ، مـا يعطـي انطبـاعًا بـأن الصـاروخ يـرغي ويزبـد بينمـا يسـتعد للقيـام بالرحلـة. ويقـوم المهندسـون المتواجـدون داخـل غرفـة
التحكــم بالمــهمة الخاصــة بــ سـبيس إكـس بمراقبـة أنظمـة الـوقود تلـك وغيرهـا مـن الأغـراض علـى مختلـف أنواعـها، ويتبـادلون الحـديث عبـر سـماعات الـرأس ويبـدأون
بالتنقل بين بنود قائمة الفحص الخاصة بعملية الإطلاق، بينما يستحوذ عليهم ما يطلق عليه العاملون في مجال المشروعات التجارية " الحماس البالغ " في أثناء
حصولهم على التراخيص الواحد تلو الآخر. ولكن قبل عملية الإطلاق بعشر دقائق، يبتعد البشر عن الطريق، تاركين البقية للآلات الأوتوماتيكية. وبعدها، يهدأ كل
شيء، ثم تتصاعد حدة التوتر حتى قبيل الحدث الرئيسي. عندئذ، يقطع الصاروخ فالكون الصمت فجأة بأن يُطلق شهيقًا عاليًا.

ثمة هيكل داعم أبيض متداخل يبتعد عن الجسم، ثم يبدأ العد التنازلي لمدة عشر ثوانٍ وحتى لحظة الانطلاق. لا يحدث الكثير في أثناء العد من عشرة إلى أربعة.
ولكن عند الوصول إلى ثلاثة، تشتعل المحركات، وتجري الحواسيب الآلية فحصًا أخيرًا سريعًا جدًّا لحالة الصاروخ. كما تقوم أربع كلابات معدنية هائلة الحجم
بتثبيت الصاروخ في مكانه بينما تقيِّم أنظمة الحاسوب المحركات التسعة كلها وتقيس إلى أي مدى يتم إنتاج قوة دافعة كافية لإطلاق الصاروخ. وعندما يصل العد
إلــى صــفر، يكــون الصــاروخ قــد قــرر أن كـل شـيء علـى مـا يـرام بمـا يكفـي لكـي يقـوم بمـهمته، فتنفتـح الكلابـات، وينطلـق الصـاروخ مقـاومًا القصـور الـذاتي، ثـم ينطلـق
لأعلى، بينما تحيط ألسنة اللهب بقاعدته وتتناثر تجمعات الأكسجين السائل السميكة كالثلوج في الهواء. ومن العسير على العقل البشري أن يستوعب رؤية مثل
هــذا الشــيء الضــخم يظــل مســتقيمًا وثــابتًا هكــذا بينمــا هــو معــلَّق بالــهواء، إنــه أمــر غــريب لا يمكــن تفســيره. وبعــد الإقــلاع بحوالــي عشــرين ثانيــة، يشــعر المتفـرجون
الجالسون في مكان آمن على بعد بضعة كيلومترات بأول دوي للصاروخ " فالكون 9 " يندفع في وجههم. ينطلق صوت مميز؛ طقطقة متقطعة تنتج عن تحرك
المواد الكيميائية بسرعة لتصل لدرجة الهيجان العنيف. وتهتز الأجزاء السفلية من السراويل جراء الموجات الصدمية الناتجة عن الأصداء الصوتية الصادرة عن عادم
الصاروخ. وبعدها، يحلِّق الصاروخ الأبيض لأعلى تدريجيًّا بقوة مذهلة. وبعد حوالي دقيقة، يصبح مجرد نقطة حمراء في السماء، ثم يختفي فجأة. ولا يمكن ألا
ينبهر أحد برؤية ما يستطيع البشر إنجازه سوى شخص مغفل مولع بالانتقاد.

تحول هذا المشهد إلى تجربة مألوفة بالنسبة لـ " إيلون ماسك " ؛ فقد تحولت شركة سبيس إكس من مزحة داخل مجال الفضاء والملاحة الجوية إلى واحدة من
الشــركات الأكثــر مثــابرة فيــها، حــيث إنــها ترســل صــاروخًا للفضـاء مـرة شـهريًّا تقـريبًا، حـاملًا أقمـارًا صـناعية للشـركات والـدول ومـؤنًا لــ " محطـة الفضـاء الـدولية " .
وبينما كان انطلاق الصاروخ فالكون 1 من جزيرة كواجالين عملًا خاصًّا لشركة ناشئة، كان إقلاع الصاروخ فالكون 9 من قاعدة فاندنبيرج الجوية عملًا خاصًّا بقوة
عظمى في مجال الفضاء والملاحة الجوية. كان بإمكان شركة سبيس إكس التفوق على منافسيها داخل الولايات المتحدة؛ مثل: بوينج ولوكهيد مارتن وأوربيتال
ســاينسز، مــن خــلال تقــديم أســعار أقــل بفـارق غـير معقـول، كمـا تقـدم لعملائـها فـي الولايـات المتحـدة درجـة مـن الأمـان والطمأنينـة لا يسـتطيع منافسـوها تقـديمها.
وبينما يعتمد منافسوها هؤلاء على الموردين الروس وغيرهم من الأجانب، كانت شركة سبيس إكس تصنع كل معداتها من نقطة الصفر داخل الولايات المتحدة.
وبفضل تكاليف سبيس إكس المنخفضة، عادت الولايات المتحدة مرة أخرى باعتبارها عنصرًا مهمًّا في السوق التجارية العالمية لإطلاق الصواريخ؛ حيث تعد تكلفتها
التــي تُقــدر بســتين ملــيون دولار لكــل عمليــة إطــلاق أقــل بكثـير مـن التكلفـة التـي تطلبـها أوروبـا أو اليـابان وتفـوق حتـى الصـفقات المعقولـة نسـبيًّا التـي يقـدمها الـروس
والصينيون الذين يتميزون بفتح الأبواب - على مدى عقود - أمام الاستثمارات الحكومية لتمويل برامجهم الفضائية، وكذلك يتميزون بتوفير العمالة الرخيصة.

ولا تزال الولايات المتحدة تعتز اعتزازًا شديدًا بأن شركة بوينج تنافس شركة آيرباص وغيرها من الشركات الأجنبية المصنِّعة للطائرات . ولكن لسبب ما، كان قادة
الحكومــة والجمـهور راغبـين بـالتنازل عـن معظـم السـوق التجاريـة لإطـلاق الصـواريخ، وهـو مـوقف مثبـط للـهمم ويفتقـد للبصـيرة. فخـلال العقـد الماضـي, ازداد حجـم
ســوق الأقمــار الصــناعية والخــدمات المرتبطــة بـها ومـا يلزمـها مـن عمليـات إطـلاق مـن حوالـي سـتين مليـار سـنويًّا إلـى أكثـر مـن مـائتيْ مليـار 11 . وأصـبح هنـاك عـدد مـن
الــدول تــدفع المــال مقــابل إرســال أقمــارها الصــناعية الخاصــة للتجســس والاتصــالات والطقــس. وبعــدها، اتجــهت الشــركات إلــى الفضــاء لخــدمات البـث التلـيفزيوني
والإنترنت والإذاعة والطقس والملاحة والتصوير. وتلك الآلات والماكينات التي تدور في الفضاء توفر أساسيات الحياة المعاصرة وستزداد قدرة وإثارة للاهتمام بسرعة.
لقد ظهر على الساحة للتو نوع جديد تمامًا من الشركات المصنِّعة للأقمار الصناعية قادر على الإجابة عن الاستفسارات الشبيهة باستفسارات موقع جوجل بشأن
كوكبنا. تستطيع تلك الأقمار الصناعية تكبير صورة ولاية آيوا لتحديد متى يصبح محصول حقول الذرة بها في ذروته وجاهزًا للحصد، كما تستطيع عد السيارات في
مواقف سيارات سلسلة متاجر وول مارت في كل أنحاء ولاية كاليفورنيا لكي تحسب حجم عمليات التسوق خلال موسم العطلات. تضطر الشركات الناشئة - التي
تصنع مثل تلك الآلات المبتكرة في كثير من الأحيان - إلى اللجوء إلى الروس لكي ترسل هذه المعدات إلى الفضاء، لكن شركة سبيس إكس تنوي تغيير هذا كله.

ظلت الولايات المتحدة تنافس في صناعة الأجزاء الأكثر إدرارًا للربح في مجال الفضاء مثل تصنيع الأقمار الصناعية الفعلية والأنظمة والخدمات المكملة التي تعمل
على تشغيلها. تصنع الولايات المتحدة حوالي ثُلث الأقمار الصناعية كل عام وتحصل على ستين بالمائة من إيرادات الأقمار الصناعية العالمية التي تأتي غالبيتها من
الأعمال التي تُنفذ مع الحكومة الأمريكية. أما بقية مبيعات الأقمار الصناعية وعمليات إطلاقها كلها تقريبًا فتعود إلى الصين وأوروبا وروسيا. ومن المتوقع أن يزداد
دور الصين في مجال الفضاء، بينما تتعهد روسيا بإنفاق خمسين مليار دولار على تنشيط برنامجها الفضائي، ما يفرض على الولايات المتحدة مهمة التعامل مع أكثر
دولتين متخصصتين في شئون الفضاء غير مرغوب في التعامل معهما ودون أن يُتاح لها قدر كبير من التأثير. مثال ذلك: تراجع استخدام مكوك الفضاء قد جعل
الولايات المتحدة تعتمد كليًّا على الروس لإرسال رواد الفضاء إلى " محطة الفضاء الدولية " ، وبهذا تتسنى لروسيا المطالبة بسبعين مليون دولار عن كل شخص
يقوم برحلة فضائية وأن تعارض الولايات المتحدة بقدر ما تشاء في أثناء الخلافات السياسية. أما حاليًّا فتبدو شركة سبيس إكس أفضل أمل لكسر هذه الحلقة
المفرغة كي تسترد أمريكا قدرتها على نقل البشر إلى الفضاء.

أصــبحت شــركة ســبيس إكــس الشــركة الثوريــة المتحــررة التــي تحــاول تــدمير كــل مــا هــو متعــارف عــن هــذا المجــال؛ فــهي لا تريــد تولــي بضــع عمليـات إطـلاق سـنوية أو
الاعتماد على العقود الحكومية للبقاء، بل إن هدف " ماسك " هو استغلال الاختراعات الصناعية المهمة وآخر المستجدات الخاصة بمنصة الإطلاق لتحقيق انخفاض
حاد في تكلفة إرسال الشحنات إلى الفضاء. لكن الأمر الأهم على الإطلاق هو أنه كان يختبر الصواريخ التي تستطيع دفع حمولتها إلى الفضاء ثم العودة إلى الأرض
لتهبط بدقة فائقة على منصة طافية على البحر أو حتى على منصة إطلاقها الأصلية. ستستخدم شركة سبيس إكس محركات دفع عكسي لإنزال الصواريخ بسلاسة
وإعادة استخدامها، بدلًا من أن تتفكك الصواريخ بعد اصطدامها بالبحر. وتتوقع شركة سبيس إكس أن تخفض أسعارها ليصبح عُشر سعر منافسيها على الأقل
خلال الأعوام القليلة القادمة، حيث إن إعادة استخدام الشركة لصواريخها ستدعم جزءًا كبيرًا من هذا التخفيض وستزيد من الميزة التنافسية للشركة أيضًا: تخيل
شــركة خطــوط جويــة تقــوم برحلاتــها الجويــة بــالطائرة نفســها مــرارًا وتكـرارًا، منافسـةً فـي ذلـك الشـركات الأخـرى التـي تتخلـص مـن طائراتـها بعـد كـل رحلـة جويـة * .
وتأمل سبيس إكس، من خلال التكلفة المنخفضة التي تتميز بها, أن تتولى غالبية عمليات الإطلاق في العالم، وثمة دليل على كون الشركة في طريقها لتحقيق هذا؛
فقــد أطلقــت حتــى الآن أقمــارًا صــناعية لصــالح عمــلاء كنــديين وأوروبــيين وآســيويين، وأنــهت حوالــي أربــع وعشـرين عمليـة إطـلاق. وتمتـد قائمتـها لعمليـات الإطـلاق
العامة لعدة أعوام، وتخطط شركة سبيس إكس للقيام بما يزيد على الخمسين رحلة، تساوي كلها ما يفوق الخمسة مليارات دولار. بقيت الشركة ملكًا خاصًّا لـ "
ماسك " باعتباره أكبر مساهم بها إلى جانب المستثمرين الخارجيين بما فيهم شركات الاستثمارات المغامرة مثل شركتيْ فاوندرز فاند ودرايبر فيشر جورفيتسون، ما يمنحها روحًا تنافسية تعوز منافسيها. ومنذ أن تجاوزت شركة سبيس إكس تجربة الموت الوشيك التي مرت بها عام 2008، أصبحت مدرة للربح، وقُدرت قيمتها
بحوالي اثني عشر مليار دولار.

شــــركات: زيــــب 2، بــاي بــال، تســلا، ســولارسيتي - كلــها تعبــر عــن شــخصية " ماســك " . ولكــن ســبيس إكــس هــي " ماســك " ؛ حــيث تــأتي نواقصــها ونجاحاتــها منــه
مباشرةً. ويرجع جزء من هذا إلى اهتمام " ماسك " المهووس بالتفاصيل ومشاركته في كل مسعى تتخذه سبيس إكس؛ إذ تجده يشارك بنفسه لدرجة تجعل " هيو
هيفنر " يشعر بأنه غير مؤهل. وينبع جزء من هذا من كون شركة سبيس إكس بمثابة المثل الأعلى للمعجبين بـ " ماسك " ؛ فموظفوها يخشون " ماسك " ويحبونه
بشدة ويضحون بحياتهم من أجله، وعادةً ما يفعلون كل هذا في آن واحد.

لم ينجح أسلوب الإدارة القاسي الذي يتبعه " ماسك " إلا بفضل الطموحات الخرافية للشركة. وفي حين أن معظم العاملين بمجال الفضاء راضون عن مواصلة
إرســال مــا يبــدو كبقــايا أثريــة مــن ســتينيات القــرن العشــرين إلــى الفضــاء، كــانت شــركة ســبيس إكــس تحــرص علــى فعــل عكــس هــذا تمــامًا؛ فصــواريخها ومركباتــها
الفضائية القابلة لإعادة الاستخدام تبدو ماكينات حديثة من القرن الحادي والعشرين. إن تحديث المعدات ليس لمجرد التباهي، بل يعكس الجهد العنيف المستمر
الذي تبذله شركة سبيس إكس لتطوير تقنياتها وتغيير اقتصاديات المجال، إلى جانب أن " ماسك " لا يرغب في تقليل تكاليف إرسال الأقمار الصناعية وإعادة تموين
محطة الفضاء وحسب، بل ويرغب أيضًا في تقليل تكاليف عملية الإطلاق إلى حد أن تصبح موفرة وعملية ليرسل آلاف الرحلات إلى المريخ وينشأ مستعمرة هناك.
يرغب " ماسك " في غزو المجموعة الشمسية، وثمة شركة واحدة فقط يمكن للمرء العمل بها إذا كان مثل هذا المسعى يحثه على الاستيقاظ صباحًا.

يبدو هذا الأمر صعب الفهم، لكن معظم العاملين في مجال الفضاء جعلوا هذا المجال مملًّا: فالروس، المسيطرون على معظم مشروعات شحن المؤن والبشر إلى
الفضاء، ينفذون هذه المشروعات بمعدات يبلغ عمرها عقودًا من الزمن، ويحتوي المكوك العتيق سويوز، الذي ينقل البشر لمحطة الفضاء، على مقابض ميكانيكية
وشاشات حاسوب يبدو أنها لم تتغير منذ إطلاقه لأول مرة في عام 1966، كما قلدت الدول المنضمة حديثًا إلى سباق الفضاء المعدات الروسية والأمريكية القديمة
بدقة متناهية؛ لذلك، حين ينضم الشباب إلى مجال الفضاء، يُجبرون إما على الضحك أو البكاء من حالة الآلات المستخدمة. لا شيء يفسد متعة العمل على متن
مركبة فضائية أكثر من التحكم فيها بمعدات أشبه بغسالة كهربائية تعود للستينيات من القرن العشرين، كما أن بيئة العمل الحقيقية عتيقة بقدر الآلات تمامًا.
لقد أُجبر خريجو الجامعات البارعون على الاختيار بين مجموعة متنوعة من الهيئات العسكرية التي يتسم فيها إيقاع العمل بالبطء الشديد والشركات الناشئة
المثيرة للاهتمام عديمة التأثير.

استطاع " ماسك " تحويل هذه السلبيات المحيطة بمجال الفضاء إلى مكاسب لشركة سبيس إكس، وقدم الشركة على أنها ليست مجرد جهة أخرى متعهدة بنقل
المؤن والبشر إلى الفضاء. فشركة سبيس إكس مكان عصري ذو رؤية مستقبلية أدخلت مميزات الشركات الموجودة في وادي السيليكون، مثل مخفوق الزبادي المثلج
وخيارات الأسهم وسرعة اتخاذ القرارات والهيكل الأفقي للشركات، على مجال رزين مثل الفضاء. يميل من يعرفون " ماسك " جيدًا إلى وصفه بأنه قائد عسكري
أكثر منه مديرًا تنفيذيًّا، وهذا وصف مناسب له؛ فقد أسس جيشًا من المهندسين من خلال انتقائه الأفراد الذين يتحلون بالمهارات التي تريدها شركة سبيس إكس
في هذا المجال.

ويؤكد نموذج التعيين في شركة سبيس إكس ضرورة نيل أفضل الدرجات من الجامعات المرموقة، لكن معظم الاهتمام ينصبُّ على إيجاد المهندسين الذين يتحلون
بســمات شـخصية تنافسـية وطموحـة خـلال حياتـهم، حـيث يبحـث المسـئولون عـن عمليـة التوظـيف فـي الشـركات عمـن يفـوزون فـي مسـابقات صـناعة الإنسـان الآلـي أو
هــواة ســباقات الســيارات والــذين يصــنعون مركبــات غريبــة. والــهدف مــن ذلــك هــو إيجــاد أفــراد مفعمــين بالشــغف يســتطيعون إجــادة العمــل كــجزء مــن فــريق كبــير
ويمتلكون خبرة في الحياة الواقعية. تقول " دولي سينج " ، التي قضت خمسة أعوام في منصب رئيسة قسم اصطياد المواهب بشركة سبيس إكس: " حتى إذا كنت
تعمل في كتابة الأكواد، فإنه يجب عليك أن تفهم آليات عمل الأجزاء الميكانكية. لقد كنا نبحث عمن كانوا يركبون الأشياء ويصنعونها منذ نعومة أظافرهم " .

أحيانًا كان هؤلاء الأشخاص يتقدمون بأنفسهم للعمل بالشركة، وأحيانًا أخرى، كانت " سينج " تعتمد على مجموعة من التقنيات الجريئة لكي تعثر عليهم. لقد
اشتهرت بالتنقيب في البحوث الأكاديمية لكي تجد مهندسين يمتلكون مهارات محددة جدًّا وإجراء المكالمات الترويجية مع الباحثين في المختبرات واصطياد المهندسين
المتلهفين على العمل بالشركة عنوة من الجامعات. بالإضافة إلى ذلك، كان المسئولون عن التوظيف بشركة سبيس إكس يذهبون إلى المعارض التجارية والمؤتمرات
ليخطبوا ود المرشحين المثيرين للاهتمام من خلال خدعة؛ حيث كانوا يوزعون عليهم مظروفات فارغة تحتوي على دعوات للقاء في زمان ومكان محددين، في مقهى
أو مطعم قريب من فعاليات المؤتمر عادةً، لإجراء مقابلة العمل الأولى، وكان المرشحون الذين يحضرون ذلك اللقاء يكتشفون أنهم ضمن مجموعة من المهندسين
الذين وقع عليهم الاختيار من بين جميع الحاضرين للمؤتمر، ما كان يمنحهم فورًا شعورًا بالتميز والإلهام.

كما هي الحال مع العديد من شركات التكنولوجيا، تُخضِع شركة سبيس إكس المرشحين للوظيفة لسلسلة مقابلات العمل والاختبارات.و بعض مقابلات العمل
تلك تكون عبارة عن دردشة خفيفة يتسنى للطرفين التعرف على بعضهما البعض؛ بينما يكون البعض الآخر مليئًا بالاختبارات المفاجئة التي قد تكون صعبة جدًّا.
ويواجــه المهندســون أقســى الاســتجوابات، رغــم أن رجــال المبيعــات والمنــدوبين خُلقــوا ليعــانوا هــذه الاسـتجوابات. كمـا أن المبـرمجين الـذين يتـوقعون اجتيـاز التحـديات
المعتادة يكتشفون الحقيقة غير السارة. فعادةً تتحدى الشركات مطوري البرمجيات فورًا بأن تطلب منهم حل مشكلات تتطلب كتابة عشرات الأسطر من الأكواد،
إلا أن المعضلات المعتادة في شركة سبيس إكس تتطلب كتابة خمسمائة سطر أو أكثر من الأكواد. ويتولى جميع المرشحين المحتملين الذين يجتازون سلسلة مقابلات
العمل مهمة إضافية؛ حيث يُطلب منهم كتابة مقال لـ " ماسك " يشرح سبب رغبتهم في العمل بشركة سبيس إكس.

وتكون مقابلة " ماسك " شخصيًّا هي المكافأة لحل الأحجيات والتظاهر بالذكاء في مقابلات العمل وكتابة مقال جيد. لقد أجرى " ماسك " مقابلات شخصية مع
كــل مــوظف تقــريبًا مــن الألــف مــوظف الـذين تـم تعيينـهم، بمـن فيـهم عمـال النظافـة والفنـيون، وواصـل مقابلـة المهندسـين مـع تزايـد القـوة العاملـة بالشـركة. وقبـل
دخول كل موظف لمقابلة " ماسك " ، يتلقى تحذيرًا: يقال له إن مدة المقابلة قد تتراوح بين ثلاثين ثانية وخمس عشرة دقيقة، وعلى الأرجح سوف يستمر إيلون في
كتابة الرسائل الإلكترونية وبالعمل خلال الجزء الأول من المقابلة ولن يتحدث كثير ًا. لا تذعر، هذا طبيعي، سوف يلتف بكرسيه ليواجهك في النهاية. لكن حتى
عندئذ، قد لا يتواصل معك بصريًّا أو قد لا يدرك وجودك كليًّا. لا تذعر، هذا طبيعي، سوف يتحدث إليك في الوقت المناسب . وعند عند هذه اللحظة، تتفاوت
حكايات المهندسين الذين أجروا مقابلة شخصية مع " ماسك " ما بين التجارب المريرة والعظيمة. وربما يطرح " ماسك " سؤالًا واحدًا أو عدة أسئلة، لكن الأمر
المؤكد هو أنه سيطرح " اللغز " : " أنت واقف على سطح كوكب الأرض. تقوم بالسير لمسافة كيلومتر ونصف الكيلومتر للجنوب، وكيلومتر ونصف الكيلومتر للغرب،
وكيلومتر ونصف الكيلومتر للشمال، فينتهي بك المطاف حيثما بدأت بالضبط. أين أنت إذن؟ " . إحدى الإجابات على هذا اللغز هي " القطب الشمالي " . ويتوصل
معظم المهندسين لهذه الإجابة فورًا، عندها يتبعها " ماسك " قائلًا: " أين يمكنك أن تكون أيضًا؟ " . أما الإجابة الأخرى، فهي في مكان ما بالقرب من " القطب
الجنوبي " ، حيث إذا سار المرء كيلومترًا ونصف الكيلومتر جنوبًا، يصبح محيط الكرة الأرضية كيلومترًا ونصف الكيلومتر. ويتوصل عدد أقل من المهندسين لهذه
الإجابة، وعندها يرشدهم " ماسك " بكل سرور خلال ذلك اللغز وغيره، وسيستشهد بأية معادلات مرتبطة باللغز خلال شرحه. إنه يميل إلى الاهتمام بكيفية
وصف الشخص للمشكلة وبالأسلوب الذي يتبعه في حلها أكثر من اهتمامه بما إذا كان قد أصاب في إجابته أم أخطأ.

عندما كانت " سينج " تتحدث إلى المرشحين المحتملين، كانت تحاول أن تحفزهم وأن تكون صريحة معهم بشأن مطالب سبيس إكس و " ماسك " في الوقت ذاته.
وعن هذا تقول: " كانت العبارة التعريفية للشركة هي أن شركة سبيس إكس عبارة عن قوى خاصة؛ إذا كانت تروقك الصعوبات، فأنت في المكان المناسب إذن،
وأما إذا كانت لا تروقك، فما ينبغي لك أن تأتي إلى هنا " . وما إن يلتحق الموظفون الجدد بشركة سبيس إكس، حتى يكتشفوا فورًا ما إذا كانوا مستعدين للتحدي
فعلًا أم لا؛ لذا يستقيل الكثيرون منهم خلال الأشهر القليلة الأولى من عملهم بسبب ساعات العمل التي تفوق تسعين ساعة في الأسبوع، في حين يستقيل آخرون
لأنهم لا يستطيعون التعامل مع صراحة " ماسك " وغيره من الموظفين التنفيذيين خلال الاجتماعات. تقول " سينج " : " إن إيلون لا يعرف عنهم شيئًا ولا يفكر
مليًّا فيما إذا كان تصرف ما سيجرح مشاعرهم أم لا، بل كل ما يعرفه أنه يريد تنفيذ شيء محدد؛ لذلك، فمن لم يتكيف مع أسلوبه في التواصل فلن يبلي بلاء
حسنًا " .

ثمة انطباع عام يتكيف مع شركة سبيس إكس التي تواجه مشكلة بسبب ارتفاع نسبة دوران العمالة بها، وقد استنفدت بلا شك عددًا كبيرًا من الموظفين. غير أن
العــديد مــن الموظفــين التنفيـذيين المـهمين الـذين سـاعدوا علـى تأسـيس هـذه الشـركة قـد احتفظـوا بمناصـبهم بـها لعقـد مـن الزمـن أو أكثـر، كمـا أن معظـم المهندسـين
يبقون في الشركة لخمسة أعوام على الأقل ليستفيدوا من خيارات الأسهم ولكي يتابعوا مشروعاتهم حتى النهاية، وهو تصرف معتاد داخل أية شركة تعمل في
مجال تكنولوجيا. وعلاوةً على ذلك، يبدو أن " ماسك " وشركة سبيس إكس يلهمان العاملين بمستوى فائق من الولاء. لقد استطاع " ماسك " أن يحشد تلك
الحماسة المشابهة لحماسة " ستيف جوبز " بين صفوف العاملين. تقول " سينج " : " لديه رؤية واضحة جدًّا، ويكاد ينومك مغناطيسيًّا، حيث يحدجك بنظرة
جنونية، كما لو أنه يقول لك: أجل يمكننا الوصول إلى المريخ " . وإذا ما تماديت قليلًا في هذا، فستصل إلى درجة من المتعة السادية التي تصاحب العمل مع "
ماسك " . وقد اشتكى كثير ممن أجريت معهم مقابلات من أجل تأليف هذا الكتاب من ساعات العمل وأسلوب " ماسك " الفظ وتوقعاته السخيفة أحيانًا. ومع
ذلك، كل شخص منهم تقريبًا، حتى من طُردوا من العمل، ظلوا يكنون الاحترام لـ " ماسك " ويتحدثون عنه كما لو أنه بطل خارق.

لم يكن المقر الرئيسي الأصلي لشركة سبيس إكس في ضاحية إل سيجوندو ملائمًا تمامًا للصورة المرغوب فيها للشركة كمكان يجتذب الشباب الرائعين للعمل به. ولكــن هــذه ليســت مشـكلة بالنسـبة للمقـر الجـديد لــ سـبيس إكـس فـي مـدينة هـاوثورن. وعنـوان الشـركة هـو 1 شـارع روكـيت رود، بجـوار مطـار هـاوثورن المحلـي وعـدة
شركات لتصنيع المعدات. في حين يشبه مبنى شركة سبيس إكس غيره من المباني في الحجم والشكل، يتميز عما يحيط به من مبان بلونه الأبيض الناصع. يبدو
المبنى أشبه بنهر جليدي مستطيل عملاق غُرس وسط منطقة غير جذابة من مقاطعة لوس أنجلوس.

يضــطر زوار ســبيس إكــس إلــى المــرور علـى حـارس الأمـن ومـوقف سـيارات صـغير للموظفـين التنفيـذيين يـركن فيـه " ماسـك " سـيارته طـراز إس بمحـاذاة مـدخل المبنـى.
وتخفــي الأبـواب الأماميـة للشـركة العاكسـة للضـوء مـا وراءهـا، أي المزيـد مـن البيـاض. ثمـة جـدران بيضـاء فـي البـهو، وطاولـة بيضـاء غـير تقليـدية فـي منطقـة الانتظـار،
ومكتب استقبال أبيض به زوج من أزهار الأوركيد الموضوعة في أصيص أبيض اللون. وبعد أن يجتاز الضيوف عملية التسجيل، يُمنحون شارة اسم ويُقتادون إلى
المساحة المكتبية الرئيسية لشركة سبيس إكس. وحجيرة " ماسك " ، المكونة من وحدة كبيرة الحجم، تتواجد ناحية اليمين، حيث يعلق بضعة أغلفة لمجلة آفياشن
ويك على الجدار، وصورًا لأبنائه، إلى جانب شاشة عرض مسطحة ضخمة، وبعض التحف على مكتبه، بما فيها مضرب خشبي وبعض الكتب وزجاجة عصير،
وسيف ساموراي ضخم يدعى " لايدي فيفاموس " تلقاه " ماسك " عندما فاز بجائزة هيينلين، وهي جائزة تُمنح عن الإنجازات المهمة في مجال الفضاء التجاري.
كما يعمل مئات الأشخاص في حجيرات وسط المنطقة الشاسعة المفتوحة، غالبيتهم موظفون تنفيذيون ومهندسون ومطورو برمجيات ومندوبو مبيعات يدقون
على لوحات مفاتيح حواسيبهم. بالإضافة إلى ذلك، تحمل كل قاعات المؤتمرات المحيطة بمكاتبهم أسماءً ذات فكرة رئيسية متعلقة بالفضاء مثل " أبوللو " أو "
فيرنر فون براون " ولوحات صغيرة تشرح أهمية اللافتة. كما تمتلك كبرى قاعات المؤتمرات مقاعد عصرية جدًّا حمراء اللون وأنيقة وعالية الظهر، تحيط بطاولات
زجاجية كبيرة، بينما توجد صور بانورامية لإقلاع الصاروخ فالكون 1 من جزيرة كواج أو المركبة الفضائية الصغيرة دراجون في أثناء التحامها مع " محطة الفضاء
الدولية " معلقة على الجدران في الخلفية.

إذا أزلنا المعلقات الخاصة بالصواريخ وسيف الساموراي، سوف يبدو هذا الجزء المركزي من مكتب شركة سبيس إكس أشبه بما قد يجده المرء في المقرات الرئيسية
العادية الموجودة في وادي السيليكون. ولكن لا يمكن قول الشيء نفسه بالنسبة لما يراه الزائر عند اجتيازه زوجًا من الأبواب المزدوجة إلى داخل مصنع سبيس إكس.

فمن العسير استيعاب أرضية المصنع التي تبلغ مساحتها حوالي واحد وخمسين ألفًا وسبعة وتسعين مترًا مربعًا للوهلة الأولى، فهي مساحة متصلة ذات أرضيات
رماديــــة مطليــــة بمــــادة إيبوكســــي وجــــدران بيضــــاء وأعمــــدة دعــــم بيضــــاء. وفــــي هــــذه المســــاحة تحتشــــد مــا يعــادل مــدينة صــغيرة مــن الأشــياء، أي مــن النــاس والآلات
والضوضاء. وبالقرب من المدخل بالضبط، توجد إحدى المركبات الفضائية الصغيرة دراجون التي سافرت إلى " محطة الفضاء الدولية " وعادت إلى الأرض متدلية
من السقف بينما تحمل آثار حريق سوداء بطول جانبيها، كما يوجد على الأرضية أسفل تلك المركبة مباشرةً زوج من قوائم الهبوط التي يبلغ طولها حوالي ثمانية
أمتار صنعتها سبيس إكس لكي تسمح للصاروخ فالكون 1 بأن يتوقف على الأرض بلطف بعد رحلته حتى يمكن إطلاقه مرة أخرى. وثمة مطبخ إلى يسار منطقة
المدخل هذه. أما إلى اليمين منها، فتوجد غرفة تحكم في المهام، وهي منطقة مغلقة ذات نوافذ زجاجية فسيحة تواجهها شاشات بحجم الجدران مخصصة لتعقب
التقدم الذي يحرزه الصاروخ، وبها أربعة صفوف من المكاتب على كل صف منها حوالي عشرة حواسيب آلية خاصة بطاقم عمل التحكم في المهام. وإذا توغل المرء
أكثر قليلًا داخل المصنع، فسوف يجد حفنة من مناطق العمل الصناعية المفصولة عن بعضها بأكثر الطرق غير الرسمية على الإطلاق. كما توجد في بعض الأماكن
خطــوط زرقــاء علــى الأرضــية تخــدم منطقــة مــا، وفــي أمـاكن أخـرى، ثمـة طـاولات عمـل زرقـاء رُتبـت علـى شـكل مربعـات لتطـوِّق تلـك المسـاحة. ومـن الشـائع رؤيـة أحـد
المحركات ميرلن مرفوعًا وسط واحدة من مناطق العمل تلك بينما يقوم ستة فنيين بتوصيله بالأسلاك وبضبط أجزائه المختلفة.

وخلــف منــاطق العمــل تلــك بالضــبط يوجــد مــربع محــاط بزجــاج كبــير الحجــم بمــا يكفــي ليتسـع لمـركبتين فضـائيتين صـغيرتين مـن طـراز دراجـون. وهـي غرفـة معقمـة
يتوجب على الناس فيها ارتداء معاطف بيضاء غطاء رأس لكي يعاينوا المركبتين الفضائيتين الصغيرتين دون أن يلوثوهما. وإلى اليسار بحوالي اثنيعشر مترًا، توجد
عــدة صـواريخ طـراز فـالكون 9 مصـفوفة بجـانب بعضـها أفقـيًّا تـم طلاؤهـا وتنتظـر الشـحن. بالإضـافة إلـى ذلـك، توجـد بضـع منـاطق محشـورة بـين كـل هـذا لـها جـدران
زرقاء ويبدو أنها مغطاة بالقماش؛ إنها مناطق فائقة السرية ربما تعمل شركة سبيس إكس " فيها على تصميم زي رواد فضاء عجيب أو جزء من صاروخ عليها
إخفاؤه عن الزوار والموظفين غير ذوي الصلة بتلك المشروعات. علاوةً على هذا، توجد منطقة جانبية كبيرة تصنع فيها سبيس إكس كل الأجهزة الإلكترونية الخاصة
بها، كما توجد منطقة أخرى مخصصة لصناعة مواد مركبة خاصة، ومنطقة أخرى لصناعة ألواح تغطية انسيابية بحجم حافلة يتم تغليف الأقمار الصناعية بها.
وثمة مئات الأشخاص الذين يتحركون في أرجاء المصنع في الوقت نفسه... هم خليط من الفنيين الذين يرتدون عصابات والمهندسين الشباب ذوي الياقات البيضاء.
تفوح من المبنى رائحة تعرق الصبية الذين خرجوا من ملعبهم لتوهم، في إشارة إلى النشاط المتواصل داخل المصنع.




فر " ماسك " وحده إلى كندا، وانتهى المطاف بأن أقام في سكن للطلاب الأجانب بجامعة كوينز في أونتاريو. حقوق النشر محفوظة © لـ " ماي ماسك "

جيه. بي. ستراوبيل " يجمع واحدة من أقدم حزم بطاريات شركة تيسلا موتورز للسيارات بمنزله. الصورة إهداء شركة تيسلا موتورز للسيارات.


قامت شركة سبيس إكس ببناء مصنعها للصواريخ من الألف إلى الياء في مستودع بـلوس أنجلوس لكي تنتج صاروخ فالكون 1. الصورة إهداء شركة سبيس إكس ترأس " توم مولر " (أقصى اليمين، ذو القميص الرمادي) تصميم محركات شركة سبيس إكس واختبارها وتصنيعها. الصورة إهداء شركة سبيس إكس

موظفو شركة سبيس إكس يمعنون النظر داخل مركز مراقبة البعثات التابع للشركة بمصنعها بمدينة هوثورن، بينما يتدلى فوقهم نموذج لمركبة الفضاء الصغيرة
دراجون. الصورة إهداء شركة سبيس إكس
" جوين شوتويل " هي المستشارة الخاصة لـ " ماسك " في شركة سبيس إكس والمشرفة على العمليات اليومية للشركة، بما فيها مراقبة عمليات الإطلاق من مركز
مراقبة البعثات. الصورة إهداء شركة سبيس إكس






قــــامت شــــركة تيســــلا بالاســــتيلاء علــى مصــنع الســيارات التــابع لشــركة نــيو يونايتــد مــوتور مانيفاكتشــورنج إنكــوروبوريت (المعروفــة اختصــارًا بـــ NUMMI ) فــي مــدينة
فريمونت بولاية كاليفورنيا. ينتج العمال في ذلك المصنع طراز إس سيدان من السيارة تيسلا. الصورة إهداء شركة تيسلا موتورز للسيارات

بدأت شركة تيسلا تشحن السيارة طراز إس سيدان لجميع أنحاء العالم في عام 2012. وقد انتهى المطاف بأن فازت تلك السيارة بمعظم الجوائز المهمة في مجال
صناعة السيارات. الصورة إهداء شركة تيسلا موتورز للسيارات




ترك " ماسك " لمساته الخاصة في جميع أرجاء المصنع، بعضها على أمور بسيطة مثل إضاءة مركز البيانات بأضواء زرقاء لمنحه جوًّا خاصًّا بالخيال العلمي، ووضع
لافتات على الحواسيب الآلية التي يبلغ حجمها حجم الثلاجة الموجودة تحت تلك الأضواء مكتوبة بأحرف كبيرة منفصلة كي تبدو كما لو كانت مصنعة من قبل
الشركة الخيالية سايبرداين سيستيمز من سلسلة أفلام Terminator . وبالقرب من المصاعد، وضع " ماسك " تمثالًا مضيئًا بالحجم الطبيعي للرجل الحديدي
Iron Man . لكن أكثر عامل يوحي بشخصية " ماسك " في المصنع بالتأكيد هو المساحة المكتبة التي بُنيت في مركز المصنع بالضبط: إنها عبارة عن بناء زجاجي من
ثلاثة طوابق به غرف اجتماعات ومكاتب، يقف وسط مختلف مناطق اللحام والتصنيع. ويبدو وجود مكتب شفاف داخل خلية الصناعة هذه غريبًا ويعطي شعورًا
غــريبًا؛ لكــن " ماســك " أراد أن يــراقب مهندســوه مــا يحــدث مــع الآلات طــوال الــوقت وأن يتأكــد مــن عبــورهم جنبــات المصــنع وحــديثهم مــع الفنــيين فــي طريقـهم إلـى
مكاتبهم.

يعــد المصــنع محــرابًا مكــرسًا لمــا تعتبــره شــركة ســبيس إكــس ســلاحها الرئيســي فــي مجــال تصــنيع الصـواريخ، وهـي عمليـة تصـنيع داخـل الشـركة؛ حـيث تصـنِّع شـركة
سبيس إكس ما بين ثمانين إلى تسعين بالمائة من صواريخها ومحركاتها وأجهزتها الإلكترونية وغيرها من الأجزاء؛ وهذه إستراتيجية تُذهل منافسيها، أمثال شركة
يونايتد لانش آلاينس (المعروفة اختصارًا بـ ULA )، التي تتباهى علنًا باعتمادها على أكثر من ألف ومائتيْ مورد لكي تنتج منتجاتها النهائية (إن شركة يونايتد لانش
آلاينس، وهي شراكة بين شركتيْ لوكهيد مارتن وبوينج، تعتبر نفسها محركًا أساسيًّا في مجال تصنيع الصواريخ؛ لا مجرد نموذج لعدم الكفاءة).

وأية شركة تقليدية تعمل في مجال الفضاء تضع لائحة بالأجزاء التي تحتاج إليها لوضع نظام إطلاق، ثم تسلِّم تصميماتها ومواصفاته إلى عدة أطراف خارجية
أخرى تقوم بعدها بصناعة المعدات فعلًا. لكن شركة سبيس إكس تميل إلى شراء أقل قدر ممكن من الأغراض كي توفر المال ولأنها تعتبر الاعتماد على الموردين،
خاصةً الأجانب منهم، نقطة ضعف. ويبدو هذا النهج متطرفًا للوهلة الأولى؛ فقد صنعت الشركات أشياء مثل أجهزة الإرسال ووحدات توزيع الطاقة طوال عقود
مــن الزمــن؛ لــذلك، فــإن البــدء مــن الصــفر مـرة أخـرى لكـل حاسـوب وآلـة علـى الصـاروخ قـد يوفـر مزيـدًا مـن الفـرص لارتكـاب الأخطـاء إلا أنـه قـد يكـون إهـدارًا للـوقت
عمومًا. ولكن هذه الإستراتيجية قد نجحت بالنسبة لـسبيس إكس؛ في الإضافة إلى تصنيعها محركاتها وأجسام صواريخها ومركباتها الفضائية الصغيرة بنفسها،
صممت لوحاتها الأم ودوائر ها الكهربية ومجسات الاهتزاز وحواسيب الطيران الخاصة بها وألواحها الشمسية بنفسها. على سبيل المثال، اكتشف مهندسو شركة
سبيس إكس أن بإمكانهم تقليل وزن جهاز الإرسال بحوالي عشرين بالمائة من خلال تبسيط آلية عمل الجهاز. كما أن التكاليف التي يوفرها جهاز الإرسال محلي
الصنع هائلة، حيث تقل التكاليف بما يتراوح ما بين خمسين ألف دولار ومائة ألف دولار بالنسبة للمعدات الصناعية التي تستخدمها شركات الفضاء لتصل إلى
خمسة آلاف دولار بالنسبة للوحدة التي تنتجها شركة سبيس إكس.

ومن الصعب تصديق فروق الأسعار في البداية، لكن هناك عشرات، إن لم تكن مئات، المواضع التي استطاعت شركة سبيس إكس تحقيق هذه النسبة من توفير
التكاليف. وتميل شركة سبيس إكس إلى تصنيع المعدات المستخدمة من الأجهزة الإلكترونية الاستهلاكية المتاحة بسهولة مقارنة بالمعدات " الخاصة بالفضاء " التي
تستخدمها الشركات الأخرى في هذا المجال. كانت شركة سبيس إكس قد اضطرت للعمل لسنوات كي تبرهن لوكالة ناسا أن الأجهزة الإلكترونية المألوفة قد أصبحت
جيدة بما يكفي لتنافس المعدات الخاصة باهظة الثمن والموثوق بها في الأعوام الماضية. يقول " درو إلدين " ، وهو مهندس سابق بشركة سبيس إكس: " كان مجال
الفضاء ينفذ المهام نفسها الطريقة التقليدية لمدة طويلة جدًّا. وكان أكبر التحديات على الإطلاق هو إقناع وكالة ناسا بأن تجرب شيئًا جديدًا وأن تضع سجلًّا يثبت أن
الأجزاء ذات جودة عالية بما يكفي " . ولكي تبرهن شركة سبيس إكس لوكالة ناسا ولنفسها على أنها تقوم بالاختيار الصحيح، كانت تقوم أحيانًا بتحميل المعدات
المألوفة والنماذج الأولية للمعدات التي صممتها على صاروخ لكي تختبرها خلال الرحلة. وبعدها، كان المهندسون يقارنون بين خصائص الأداء للأجهزة. وعندما
يطابق تصميم شركة سبيس إكس مواصفات المنتجات التجارية أو يتفوق عليها، تصير المعدات معتمدة ومعدة للاستخدام الفعلي.
بالإضــافة إلــى ذلــك، قــامت شــركة ســبيس إكــس فـي مـرات عـديدة بعمـل رائـد فـي تطويـر أنظمـة معـدات شـديدة التعقيـد. ثمـة مثـال تقليـدي علـى هـذا هـو أحـد أجـهزة
المصنع الأغرب شكلًا، وهو آلة من طابقين مصممة لتؤدي ما يُعرف باسم " اللحام بالاحتكاك " . تسمح هذه الآلة لـ سبيس إكس بتشغيل عملية لحام الألواح
الضخمة من المعدن، مثل الألواح المكونة لأجسام الصواريخ طراز فالكون، آليًّا، حيث يتم أخذ ذراع أحد ألواح جسم الصاروخ ويصفه بجانب لوح آخر من ألواح
الجســم، ثــم يضــمهما مــعًا باســتخدام لحــام يمكنــه العمــل بــارتفاع ســتة أمتــار أو أكثــر. وعــادةً مــا تحــاول شـركات الفضـاء تجنـب عمليـات اللحـام قـدر الإمكـان لأنـها
تضعف المعدن، وهذا يحد من حجم الألواح المعدنية التي يمكنهم استخدامها ويفرض قيودًا أخرى على التصميم. إلا أن " ماسك " أجبر شركة سبيس إكس منذ
البداية على إتقان اللحام بالاحتكاك، التي تقوم فيه رأس دوارة بالاصطدام بسرعات عالية بنقطة التقاء لوحَي المعدن في محاولة لدمج بنياتهما البلورية معًا، كما
لو أن المرء قد سخن لوحين من ورق الألمونيوم ثم ضمهما معًا بأن ضغط بإبهامه على خط الالتحام بينهما وثنى المعدن لتلتحم أجزاؤه معًا. يميل مثل هذا النوع
من اللحام إلى إنتاج روابط أقوى بكثير من أنواع اللحام التقليدية. وكانت الشركات قد قامت باللحام بالاحتكاك من قبل، لكن ليس على بنيات ضخمة مثل جسم
صاروخ أو بالقدر نفسه الذي تجيده شركة سبيس إكس لهذه التقنية. ونتيجة للتجارب والأخطاء التي قامت بها شركة سبيس إكس، أصبحت الشركة تستطيع
ضم ألواح ضخمة رقيقة من المعدن وتخفيف وزن صواريخ فالكون بعدة كيلوجرامات، نظرًا لأنها أصبحت قادرة على استخدام سبائك معدنية أخف وزنًا وتجنب
استخدام المسامير وأدوات الربط وغيرها من المساند الإنشائية. قد يضطر منافسو " ماسك " في صناعة السيارات إلى فعل الشيء نفسه قريبًا لأن شركة سبيس
إكس قد نقلت بعض معداتها وتقنياتها إلى شركة تسلا، على أمل أن تتمكن شركة تسلا من صناعة سيارات أخف وأمتن.

لقد ثبت أن هذه التقنية قيمة جدًّا لدرجة أن منافسي شركة سبيس إكس قد بدأوا يقلدونها وحاولوا سرقة بعض خبراء الشركة في ذلك المجال. لقد كانت شركة
بلــــو أوريجــــين، شــــركة تصــــنيع صــــواريخ ســــرية يمتلكـــها " جــيف بــيزوس " ، عــدوانية فــي ذلــك بشــكل خــاص، فقــد عــينت " راي ميريكتــا " ، أحــد أهــم خبــراء اللحــام
بالاحتكاك في العالم، ما تسبب في انشقاق ضخم مع " ماسك " . يقول " ماسك " : " تقوم شركة بلو أوريجين بضربات تستهدف المواهب المتخصصة ** بأن تعرض
عليهم مضاعفة رواتبهم مثلًا؛ وهذا أمر غير معقول ووقح في رأيي " . تتم الإشارة بتهكم إلى شركة بلو أوريجين داخل شركة سبيس إكس بالاختصار BO ، وفي
مرحلــة مــا، وضــعت الشــركة مرشــحًا لرســائل البريــد الإلكتــروني لكشـف الرسـائل التـي تحتـوي علـى اسـم شـركة بلـو أوريجـين لكـي تمنـع عمليـة السـرقة تلـك. وتوتـرت
العلاقة بين " ماسك " و " بيزوس " ، ولم يعودا يتحادثان بشأن طموحهما المشترك المتعلق بالسفر إلى المريخ. يقول " ماسك " : " أعتقد فعلًا أن " بيزوس " يمتلك
رغبــة نــهمة لأن يصــبح " الملــك بــيزوس " . إنــه يمتلــك أخلاقيــات عمــل راســخة ويــرغب فــي أن يــدمر كــل شــيء فــي التجــارة الإلكترونيــة. لكنــه لــيس شــخصًا ظــريفًا علــى
الإطلاق، بصراحة " . ***

في الأيام الأولى من عمل شركة سبيس إكس، لم يكن " ماسك " يعرف الكثير عن الآلات أو مقدار العمل الشاق الذي يتطلبه تصنيع الصواريخ. لقد رفض طلبات
شراء معدات تصنيع متخصصة إلى أن استطاع المهندسون شرح سبب احتياجهم لأدوات معينة بعبارات واضحة، وكانت التجربة أفضل معلم له. بالإضافة إلى
ذلك، لم يكن " ماسك " قد أتقن بعد بعض تقنيات الإدارة التي سوف يشتهر بها وسوف تسيء إلى سمعته إلى حد ما أيضًا.

إن ارتقاء " ماسك " إلى منصب مدير تنفيذي وخبير صواريخ قد تزامن مع نضوج شركة سبيس إكس. في بداية رحلة الصاروخ فالكون 1، كان " ماسك " ، الرئيس
التنفيذي لقسم البرمجيات، يحاول تعلم بعض الأمور الأساسية عن عالم مختلف تمامًا. كان يشعر بالارتياح في أثناء دفاعه عن مناصبه وتوجيهه فرق المبرمجين
في شركتيْ زيب 2 وباي بال. لكن في سبيس إكس، اضطر لتعلم التقنيات في أثناء تأديته وظيفته. اعتمد " ماسك " في البداية على الكتب لكي يكوِّن معظم معرفته
بعلم الصواريخ. لكن مع تعيين سبيس إكس موظفًا بارعًا تلو الآخر، أدرك " ماسك " أن بوسعه استغلال مخازن المعرفة الخاصة بهم. لذلك، كان يحبس مهندسًا
فــي مصــنع الشــركة، ويبــدأ العمــل علــى اسـتجوابه اسـتجوابًا قاسـيًا عـن نـوع صـمام مـا أو مـادة مـا. يقـول " كـيفن بروجـان " ، أحـد المهندسـين القـدامى: " فـي البـداية،
ظننته يتحداني ليعرف ما إذا كنت أعرف ما أفعله، ثم بدأت أُدرك أنه يحاول معرفة المعلومات. كان يخضعني لاختبارات مفاجئة حتى تعلَّم تسعين بالمائة مما
أعرفه " . ومن قضوا فترة طويلة مع " ماسك " سوف يشهدون على قدرته على استيعاب كميات هائلة من المعلومات وحفظها عن ظهر قلب، وهذه إحدى أكثر
مهاراته إثارة للإعجاب وللخوف، ويبدو أنها تعمل في وقتنا الحاضر بنفس جودة عملها في صباه حين كان عقله يمتص المعلومات الموجودة في الكتب. بعد أن قضى
" ماســك " عــدة أعــوام فــي إدارة شــركة ســبيس إكــس، تحــول إلــى خبـير فـي مجـال الفضـاء علـى مسـتوى لـم يقتـرب منـه سـوى قلـة مـن المـديرين التنفيـذيين فـي شـركات
التكنولوجيا التي تعمل في المجالات شديدة التخصص. يقول " بروجان " : " كان يعلِّمنا قيمة الوقت، وكنا نعلِّمه علم الصواريخ " .

أما بخصوص الوقت، فمن المرجح أن يضع " ماسك " مواعيد نهائية قاسية لتسليم العمل أكثر من أي موظف تنفيذي آخر في التاريخ. لقد اكتشف كل من موظفيه
وعامة الناس أن هذا أحد أكثر جوانب شخصيته إزعاجًا. يقول " بروجان " : " لطالما كان ماسك متفائلًا. هذه هي الكلمة اللطيفة؛ يمكنه أن يكون كاذبًا تمامًا بشأن
إنجــاز المــهام. إنــه ينتقــي أكثــر جــدول زمنــي قـاس جـدًّا يمكـن تصـور متابعتـه بـافتراض أن كـل شـيء يسـير علـى مـا يـرام، ثـم يسـرِّع مـن وتـيرة الأداء بـافتراض أن بـإمكان
الجميع بذل جهد أكبر " .

كــان " ماســك " يتعــرض للتشــهير مـن قبـل الصـحافة لأنـه كـان يحـدد مواعيـد تسـليم لمنتجاتـه ثـم يفوِّتـها؛ وهـذه إحـدى العـادات التـي أوقعتـه فـي ورطـة حـين حـاولت
شركتا سبيس إكس وتسلا طرح منتجاتها الأولى في السوق، فوجد " ماسك " نفسه يقوم بالظهور العلني مرارًا وتكرارًا ليبتكر دفعة جديدة من أعذار التأخير. وعند
تذكير " ماسك " بالموعد المحدد الأولي لإطلاق الصاروخ فالكون 1 عام 2003، تظاهر بالاندهاش قائلًا: " هل أنت جاد؟ نحن قلنا ذلك؟ حسنًا، هذا سخيف. أعتقد
أنني لم أكن أعرف ما أتحدث عنه فحسب. كان الأمر الوحيد الذي أمتلك فيه خبرة مسبقة هو البرمجيات، وأجل، أستطيع كتابة مجموعة أكواد وإطلاق موقع
إلكتــروني خــلال عــام، بــلا مشــكلة. لكـن هـذا الأمـر يختلـف عـن البرمجيـات؛ فـالأمر لا يسـير علـى هـذا النحـو بالنسـبة لتصـنيع الصـواريخ " . لـيس بيـد " ماسـك " حيلـة
ببساطة؛ فهو متفائل بطبيعته، ما قد يُعطي شعورًا بأنه يجري حسابات المدة التي سيستغرقها شيء ما بناءً على فكرة أن الأمور سوف تتقدم للأمام بمثالية وأن
كل أعضاء فريقه يمتلكون قدرات وأخلاقيات عمل شبيهة بتلك التي يمتلكها " ماسك " . كما مزح " بروجان " ، ربما يتوقع " ماسك " المدة التي سيستغرقها
مشروع برمجيات بأن يحسب عدد الثواني المستغرقة في كتابة سطر واحد من الأكواد ثم يقدِّر الوقت الذي يحتاج إليه ليطابق عدد أسطر الأكواد التي يتوقع أن
يتكون منها البرنامج النهائي. إنها مقارنة غير متكافئة، لكنها لا تبدو بعيدة عن آراء " ماسك " عن العالم. يقول " بروجان " : " إنه يفعل كل شيء بسرعة. إنه
يقضي حاجته بسرعة ... وينتهي بعد ثلاث ثوان. إنه في عجلة من أمره حقًّا " .

وعند سؤال " ماسك " عن نهجه، قال:

أنا لا أحاول وضع أهداف مستحيلة بالتأكيد لأني أعتقد أن هذا محبط. أنت لا تريد أن تطلب من الناس أن يخترقوا جدارًا بأن يخبطوا رءوسهم فيه. أنا لا أضع
أهداف ًا مستحيلة بشكل متعمد أبدًا. لكن لطالما كنت متفائلً ا فيما يتعلق بالأطر الزمنية. لذلك، أحاول أن أعيد ضبط الأطر الزمنية كي تكون أكثر واقعية قليلًا.

أنا لا أفترض أن هناك مائة مني أو شيئًا من هذا القبيل - أقصد أن حدوث أمر كهذا في المراحل الأولى من شركة سبيس إكس كان بسبب عدم فهم ما يتطلبه تطوير
صاروخ فحسب . في تلك الحالة ، كنت مخطئ ً ا بنسبة مائتين بالمائة تقريب ً ا . أعتقد أن البرمجيات المستقبلية قد تخطئ بنسبة تتراوح بين خمسة وعشرين بالمائة
وخمسين بالمائة في مقابل تلك المائتين بالمائة .

لذلك ، أعتقد عموم ً ا أنه ينبغي على المرء أن يضع إطار ً ا زمنيّ ً ا ، بناء ً على كل ما يعرفه ، ف يضع فيه الجدول " س " ، ويقوم بتنفيذ المهام لتحقيقه ، لكن مع
تفهمه أنه سيصادف مشكلات عديدة لا يعرف عنها شيئ ً ا ستدفعه إلى تأخير الموعد المحدد أكثر من ذلك . وهذا لا يعني أنه ما كان عليه أن يحاول السعي للوفاء
بذلك الموعد المحدد من البداية ؛ لأن السعي لتحقيق شيء آخر كان سيعتبر زيادة وقت على نحو اعتباطي .

لكن سؤال " بم تعد الناس إذن؟ " مختلف؛ لأنه ينبغي عليك أن تحاول أن تعد الناس بشيء له جدول زمني. لكن لكي يحقق المرء الجدول الزمني المبدئي الموعود،
يتوجب عليه أن يمتلك جدولًا زمنيًّا داخليًّا أكثر صرامة من هذا. ومع ذلك، أحيانًا تجد نفسك تفوت مواعيد هذا الجدول الزمني الداخلي.

وبالمناسبة، شركة سبيس إكس ليست الوحيدة التي تفعل هذا، فالتأخر أمر تقليدي بالنسبة لمجال الفضاء. ليست المشكلة في تأخر البرنامج، بل في مدى تأخره. لا
أعتقد أن هناك أي برنامج فضائي انتهى في الوقت المحدد منذ الحرب العالمية الثانية.

 

إن التعــامل مــع الجــداول الزمنيــة الصــارمة المجــهدة وتوقعــات " ماســك " تتطلــب مــن مهندســي شــركة ســبيس إكــس تطويــر مجموعــة متنوعــة مــن التقنيـات للبقـاء
والاستمرار. كثيرًا ما يطلب " ماسك " عروضًا مفصلة للغاية لكيفية إنجاز المشروعات. لقد تعلم الموظفون ألا يقسِّموا الوقت اللازم لإنجاز شيء ما إلى أشهر أو
أسابيع أبدًا؛ لأن " ماسك " يريد توقعات يومًا بيوم وساعة بساعة، وعدًّا تنازليًّا بالدقائق أحيانًا، كما أن العواقب الوخيمة للجداول الزمنية التي لا يتم الوفاء بها
خطيرة. يقول " بروجان " : " يجب أن تذكر في الجدول الزمني متى تريد الذهاب إلى الحمام؛ لذلك، قلت له: " إيلون، أحيانًا يستغرق الناس وقتًا طويلًا لقضاء
حاجتهم "" . في الواقع، يتعاون كبار مديري شركة سبيس إكس معًا لوضع جداول زمنية زائفة يعلمون أنها سترضي " ماسك " ولكن من المستحيل الالتزام بها.
ولو كانت أهداف هذه الجداول الزمنية محددة بدقة داخل الشركة لما صار الموقف على هذا القدر من البشاعة. ورغم ذلك، يميل " ماسك " إلى الاستشهاد بتلك
الجداول الزمنية الزائفة في أثناء تحدثه مع العملاء، مانحًا إياهم أملًا زائفًا دون قصد، وعادةً ما تقع مسئولية إصلاح الفوضى الناتجة عن هذا على عاتق رئيسة شــركة ســبيس إكــس، " جــوين شــوتويل " ، التــي يتــوجب عليــها حينئــذ إمــا أن تتصــل بــالعميل لتحــدد لــه جـدولًا زمنـيًّا أكثـر واقعيـة أو أن تختـرع قائمـة مطولـة مـن
الحجج لتفسير سبب حدوث التأخيرات التي لا مفر منها. يقول " بروجان " : " المسكينة جوين! إن مجرد سماعها تتحدث عبر الهاتف مع العملاء هو أمر مؤلم " .

لا شك أن " ماسك " قد أتقن فن استغلال موظفيه لأقصى درجة. إذا أجريت مقابلة مع ستة وثلاثين مهندسًا من شركة سبيس إكس، فستجد أن كل واحد منهم
قــد لاحــظ فــرقًا إداريًّا دقــيقًا اســتغله " ماســك " ليجعــل النــاس يــوفون بمواعيــده النــهائية. هــا هــو مثــال مــن " بروجــان " : بينمــا يحـدد المـدير التقليـدي موعـدًا نـهائيًّا
لموظفيه، فإن " ماسك " يحث مهندسيه على تحمل مسئولية الوفاء بمواعيد التسليم الخاصة بهم. يقول " بروجان " : " إنه لا يقول: " عليك إنجاز هذا بحلول
الساعة الثانية ظهرًا يوم الجمعة " بل يقول: " أريد منك أن تفعل المستحيل بحلول الساعة الثانية ظهرًا يوم الجمعة. هل تستطيع فعل هذا؟ " ، ثم حين يجيب
المرء بالموافقة، لا يجتهد في العمل لأنه طلب منه ذلك، بل لنفسه، وهذا فارق يمكن الشعور به؛ لأنك وقعت على إنجاز هذا العمل بنفسك " . ومن خلال تعيين
مئات الأشخاص الأذكياء المحفزين ذاتيًّا، تعمل شركة سبيس إكس على زيادة قدرات الفرد إلى أقصى درجة؛ فشخص واحد يعمل لمدة ست عشرة ساعة يكون في
نهاية المطاف أكثر فاعلية من شخصين يعمل كل منهما لمدة ثماني ساعات؛ فالفرد لا يتوجب عليه عقد الاجتماعات ولا التوصل إلى إجماع على رأي واحد ولا إبلاغ
غيره بآخر تطورات مشروع ما، بل هو مطالب بمواصلة العمل دون توقف. إن الموظف المثالي لشركة سبيس إكس هو شخص مثل " ستيف دايفز " ، مدير قسم
المشروعات المتقدمة في الشركة، الذي يقول عنه " بروجان " : " كان يعمل ست عشرة ساعة يوميًّا طوال أعوام، وينجز أمورًا أكثر من أحد عشر شخصًا يعملون
معًا " .

ولكــــي يعثــــر " ماســــك " علــــى " دايــــفز " ، اتصــــل بمــــدرس مســــاعد **** فــي قســم الملاحــة الجويــة بجامعــة ســتانفورد وســأله عمــا إذا كــان هنــاك أي مرشــحين أذكيــاء
مجتهدين يدرسون لنيل شهادة ماجستير أو دكتوراه وليست لهم عائلات، فاقترح المدرس المساعد " دايفز " على " ماسك " ، فقد كان يدرس لنيل شهادة ماجستير
في هندسة الطيران والفضاء الجوي إلى جانب الشهادات التي نالها في الشئون المالية والهندسة الميكانيكية وفيزياء الجسيمات. اتصل " ماسك " بـ " دايفز " أحد أيام
الأربعاء وعرض عليه بدء العمل يوم الجمعة التالي. كان " دايفز " الموظف رقم اثنين وعشرين بتاريخ شركة سبيس إكس، وانتهى المطاف بأن أصبح الشخص الثاني
عشر الأكبر سنًّا على الإطلاق الذي لا يزال يعمل بالشركة. لقد بلغ الخامسة والثلاثين من عمره في عام 2014.

أدى " دايفز " فترة خدمته على جزيرة كواج واعتبرها أروع فترة في حياته. عن هذا يقول: " كل ليلة، كنا إما ننام بالقرب من الصاروخ في خيمة مقاومة للماء تتسع
لشــخصين وكــانت الأبـراص تزحـف علينـا، أو نقطـع رحلـة العـودة بـالقارب إلـى الجزيـرة الرئيسـية التـي تسـتغرق سـاعة وتصـيبنا بـدوار البحـر. كـان علينـا أن نختـار أقـل
الأمور المؤلمة. كنا نشعر بالحر والإرهاق الشديدين. كان الأمر مذهلًا فحسب " . وبعد أن عمل " دايفز " على الصاروخ فالكون 1، انتقل للعمل على الصاروخ فالكون
9 ثم على المركبة الفضائية الصغيرة دراجون.

استغرق تصميم المركبة الفضائية الصغيرة دراجون من شركة سبيس إكس أربعة أعوام، ومن المرجح أن تكون أسرع مشروع من نوعه في تاريخ مجال الفضاء. بدأ
المشــــروع بـــــ " ماســك " وحفنــة مــن المهندســين، غالبيتــهم تحــت ســن الثلاثــين، وبلــغ ذروتــه بمائــة شــخص. ***** لقــد ســرقوا مــن أعمــال تصــميم المركبــات الفضــائية
الصغيرة السابقة، وقرأوا مرارًا وتكرارًا كل بحث نشرته وكالة الفضاء ناسا وغيرها من هيئات الملاحة الجوية فيما يتعلق بمشروعات مثل جيمني وأبوللو. يقول "
دايفز " : " إذا بحثت عن شيء مثل خوارزمية برنامج أبوللو، فستجد قواعد بيانات رائعة تمدك بالإجابة " . بعدها، توجب على المهندسين في شركة سبيس إكس
معرفة كيفية تطوير تلك الجهود السابقة لابتكار مركبة فضائية صغيرة. وبعض أوجه التحسين كانت جلية وسهلة الإنجاز، بينما تطلبت أوجه أخرى المزيد من
العبقرية. كان الصاروخ ساتورن 5 وبرنامج الفضاء أبوللو يحتويان على حجيرات حوسبة عملاقة تنتج مجرد جزء صغير من القدرة الحاسوبية التي يمكن تحقيقها
الــــيوم بجــــهاز آي بــــاد مثــلًا. كــان مهندســو ســبيس إكــس يعــرفون أن بإمكانــهم توفــير مســاحة كبــيرة بالاســتغناء عــن بعــض الحواســيب مــع زيــادة القــدرات بواســطة
معداتهم الأكثر فاعلية؛ لذلك، قرروا أنه بينما ستتشابه المركبة دراجون المركبة أبوللو كثيرًا، فإن زوايا جدرانها ستكون أكثر انحدارًا لكي تفسح مكانًا لوضع المعدات
ورواد الفضاء التي كانت الشركة تأمل أن تنقلهما إلى الفضاء. بالإضافة إلى ذلك، حصلت شركة سبيس إكس على وصفة مواد الدرع الحرارية الخاصة بها، وهي
خامــة مصــنوعة مــن أليــاف الكــربون المشــبعة تُعــرف اختصــارًا باســم PICA ، خــلال صــفقة عقـدتها مـع وكالـة ناسـا. بعـدها، اكتشـف مهندسـو سـبيس إكـس طريقـة
تصنيع تلك المادة بتكلفة أرخص وتحسين وصفتها الأساسية حتى تستطيع المركبة الفضائية الصغيرة دراجون من البداية تحمل حرارة إعادة الدخول في الغلاف
الجــــوي لكــــوكب الأرض بعــــد عودتــــها مــــن كــــوكب المــــريخ. ****** وصــــلت التكلفــــة الكليــة للمركبــة دراجــون إلــى ثلاثمائــة ملــيون دولار، وهــو مــا يعــد أقــل مــن تكلفــة
مشروعات المركبات الفضائية الصغيرة التي تصنعها الشركات الأخرى بحوالي عشرة إلى عشرين مرة. يقول " دايفز " : " عندما يصل المعدن، نقوم بلفه ولحامه
وتصنيع الأشياء. نحن نبني كل شيء تقريبًا في مقر الشركة، لهذا انخفضت التكاليف " .

كما هي الحال مع " بروجان " والعديد من مهندسي سبيس إكس الآخرين، جعل " دايفز " " ماسك " يطلب ما يبدو مستحيلًا. يرجع طلبه المفضل إلى عام 2004،
حين كانت شركة سبيس إكس بحاجة إلى مشغل ميكانيكي ينتج الحركة ذات المحورين المستخدمة لتوجيه المرحلة العليا من الصاروخ فالكون 1. لم يكن قد سبق لـ
" دايفز " صناعة آلة من قبل طوال حياته؛ لذا ذهب بالطبع للبحث عن بعض الموردين الذين بإمكانهم صناعة مشغل كهروميكانيكي من أجله، فوجد أسعارًا تبلغ
مائــة وعشــرين ألــف دولار. يقــول " دايــفز " : " ضــحك " إيلــون " قــائلًا: " تلــك القطعــة ليســت أكثـر تعقيـدًا مـن آلـة فتـح بـاب المـرآب إلكتـرونيًّا. ميزانيتـك خمسـة آلاف
دولار، اذهــب ودبــر أمــرك "" . قضــى " دايــفز " تســعة أشــهر فــي صــناعة المشــغل الميكــانيكي، وفــي نــهاية هــذه العمليــة، كــدح لثــلاث سـاعات فـي كتابـة رسـالة إلكترونيـة
موجــهة إلــى " ماســك " تغطــي مزايــا وعــيوب الجــهاز، كمــا تعمقــت الرســالة الإلكترونيــة فــي تفاصــيل مفصــلة بشــأن كيفيــة تصــميم " دايــفز " للقطعــة وســبب قيامـه
بمختلف الاختيارات وكم ستكون تكلفة القطعة. عندما ضغط " دايفز " زر إرسال البريد الإلكتروني، شعر بنوبة من التوتر تتملكه لمعرفته أنه بذل قصارى جهده
طوال سنة تقريبًا لكي ينفذ شيئًا لن يجربه حتى أي مهندس في أية شركة فضاء أخرى. كافأ " ماسك " كل هذا الكدح والقلق بواحدة من إجاباته المعتادة، بأن رد
قائلًا: " حسنًا " . انتهى المطاف بأن كلف المشغل الميكانيكي الذي صممه " دايفز " ثلاثة آلاف وتسعمائة دولار وصعد إلى الفضاء مع الصاروخ فالكون 1. يقول "
دايفز " : " لقد وضعت كل ذرة من رأسمالي الفكري في تلك الرسالة الإلكترونية وتلقيت بعدها بدقيقة ذلك الرد البسيط. كل من بالشركة كانوا يمرون بالتجربة.
أحد الأمور المفضلة لديَّ في شخصية " إيلون " هي قدرته على اتخاذ قرارات مهمة جدًّا بسرعة فائقة. هكذا يسير الأمر حتى يومنا هذا " .

بإمكان " كيفن واتسون " أن يشهد على صحة ذلك. لقد انضم إلى شركة سبيس إكس عام 2008 بعد أن عمل لأربعة وعشرين عامًا في مختبر الدفع النفاث التابع
لوكالة ناسا. عمل " واتسون " على مجموعة كبيرة من المشروعات في مختبر الدفع النفاث (المعروف اختصارًا بـ JPL )، من ضمنها تصنيع أنظمة حاسوبية تستطيع
تحمل ظروف الفضاء القاسية، واختبارها. كان مختبر الدفع النفاث يشتري عادةً حواسيب باهظة الثمن مقواة جدًّا، وهو ما كان يحبط " واتسون " ؛ فقد كان
يتخيل طرقًا لصناعة حواسيب أرخص وبالكفاءة نفسها. ولكن بينما كان " واتسون " يجري مقابلة شخصية مع " ماسك " ، علم أن شركة سبيس إكس بحاجة
إلى مثل هذا النوع من التفكير. لقد أراد " ماسك " ألا تزيد تكلفة معظم أنظمة الحواسيب الخاصة بأي صاروخ على عشرة آلاف دولار، وهو رقم جنوني بحسب
معــايير صــناعة الفضــاء، حــيث تكلــف أنظمــة إلكترونيـات الطـيران الخاصـة بـأي صـاروخ عـادةً مـا يفـوق العشـرة ملايـين دولار بكثـير. يقـول " واتسـون " : " فـي شـركات
الفضاء التقليدية، مجرد شراء الطعام وعقد اجتماع لمناقشة تكاليف أنظمة إلكترونيات الطيران سيكلف ما يزيد على العشرة آلاف دولار " .

خلال إجراء " واتسون " مقابلته الشخصية مع " ماسك " ، وعده بأنه سيفعل المستحيل ويسلِّمه نظام إلكترونيات طيران تكلفته عشرة آلاف دولار، ثم بدأ يعمل
على تصنيع حواسيب المركبة دراجون فور تعيينه. كان النظام الأول يدعى كوكو (CUCU) .

لقــد كــان صــندوق الاتصــالات ذاك يُركــب داخــل " محطــة الفضـاء الـدولية " ويجعلـها تتواصـل مـع المركبـة دراجـون. كـان عـدد مـن العـاملين بوكالـة ناسـا يشـيرون إلـى
مهندسي سبيس إكس بـ " شباب المرآب " ، وكانوا يسخرون من قدرة شركة ناشئة تطمح لفعل الكثير، بما فيها صناعة مثل هذه الآلة. لكن شركة سبيس إكس
أنتجت حاسوب الاتصال في وقت قياسي، وأصبح في نهاية المطاف أول نظام من نوعه يجتاز اختبارات بروتوكول وكالة ناسا من أول محاولة. وأُجبر مسئولو وكالة
ناسا على ترديد اسم " كوكو " مرارًا وتكرارًا خلال اجتماعاتهم... وهو تحد بسيط خططت له شركة سبيس إكس منذ البداية لكي تعذب وكالة ناسا. ومع مرور
الأشــهر، طــور " واتســون " وغــيره مــن المهندســين أنظمــة حاســوبية كاملــة للمركبــة دراجــون ثـم عـدلوا التقنيـة مـن أجـل الصـاروخ فـالكون 9، فكـانت النتيجـة برنـامج
إلكترونيات طيران مكررًا تمامًا استخدم مزيجًا من معدات الحوسبة الجاهزة والمنتجات المصنوعة داخل مقر شركة سبيس إكس. كان يكلف أكثر قليلًا من عشرة
آلاف دولار، لكنه اقترب من تحقيق هدف " ماسك " .

جددت شركة سبيس إكس نشاط واتسون، بعد أن تحرر من وهم قبول ممارسات مختبر الدفع النفاث لإهدار الأموال وبيروقراطية العمل فيه. فقد توجب على "
ماسك " أن يصدِّق على كل النفقات التي تفوق العشرة آلاف دولار. يقول " واتسون " : " كنا ننفق أمواله، وكان يراقبها، كما ينبغي عليه أن يفعل. لقد تأكد من
عدم حدوث أي شيء سخيف " . كانت القرارات تُتخذ بسرعة خلال الاجتماعات الأسبوعية، وكانت الشركة كلها تتقبلها. يقول " واتسون " : " إن مدى سرعة تبني
الناس لما يتم التوصل إليه في تلك الاجتماعات مذهلة. كان يمكن أن تنقلب مركبة الأعمال بأكملها رأسًا على عقب فورًا. لم يكن باستطاعة شركة لوكهيد مارتن أن
تفعل أي شيء كهذا " ، ثم يتابع " واتسون " قائلًا:

إيلون بارع . فهو ينخرط في كل شيء تقريب ً ا ، ويفهم كل شيء . فإذا وجه لك سؤالً ا، ف ستتعلم بسرعة شديدة ألا تمنحه رد فعل غريزيًّا ؛ لأنه يريد إجابات
تركز على قوانين الفيزياء الأساسية . الشيء الوحيد الذي يفهمه جيد ً ا جدّ ً ا هو فيزياء الصواريخ ، إنه يفهمها أكثر من أي أحد آخر . إن الأمور التي رأيته يفكر فيها جنونية . بوسعه الدخول في مناقشات عن إرسال قمر صناعي إلى الفضاء وعما إذا كان باستطاعتنا إيجاد المدار الصحيح وتسليم المركبة دراجون في الوقت
نفسه وحل كل تلك المعادلات فور ً ا . من المذهل مراقبة كم المعرفة التي جمعها على مدار الأعوام . لا أريد إطلاق ً ا أن أكون الشخص الذي يضطر لمنافسة إيلون .
من الأفضل أن تترك مجال العمل هذا وأن تجد شيئ ً ا آخر ممتعًا لتفعله؛ فـ إيلون سوف يفوقك دهاء ً وتفكير ً ا وتنفيذ ً ا .

أحد أكبر اكتشافات " واتسون " في شركة سبيس إكس كان قاعدة الاختبار الواقعة في الطابق الثالث من مصنع الشركة في مدينة هاوثورن. تمتلك شركة سبيس
إكس نسخًا اختبارية لكل المعدات والأجهزة الإلكترونية التي تدخل في تصميم الصواريخ موضوعة على طاولات معدنية، كما قامت بتقليد الأجزاء الداخلية من
الصاروخ من البداية إلى النهاية لكي تُجري الآلاف من تجارب محاكاة الطيران: يقوم شخص ما " بإطلاق " الصاروخ من الحاسوب، ثم تُراقَب كل قطعة من المعدات
الميكانيكيــة والحاســوبية بالمجســات. عنــدها، يصــبح بوســع أي مــهندس أن يعطــي أمــرًا لصــمام لــينفتح ثــم يتفقــد لــيعرف مــا إذا كــان فُتــح فعــلًا ومــدى ســرعة فتحــه
ومستوى التيار الكهربائي المتدفق إليه. ويسمح جهاز الاختبار هذا لمهندسي سبيس إكس بأن يتمرنوا قبل عمليات الإطلاق وأن يعرفوا كيف سيتعاملون مع العيوب
المختلفة. وخلال رحلات الطيران الفعلية، يكون لدى شركة سبيس إكس أناس في منشأة الاختبار يستطيعون تكرار الأخطاء التي ظهرت في الصاروخ فالكون أو
المركبة دراجون والقيام بالتعديلات وفقًا لها. لقد أجرت شركة سبيس إكس عدة تغييرات سريعة في هذا النظام. في إحدى الحالات، لاحظ شخص ما خطأً في ملف
برنامج في الساعات التي تسبق عملية الإطلاق مباشرة، فقام مهندسو شركة سبيس إكس بتغيير الملف وفحصوا كيفية تأثيره على معدات الاختبار، وعندما لم
يعثروا على أية مشكلة، أرسلوا الملف إلى الصاروخ فالكون 9 المنتظر على منصة الإطلاق، كل هذا في أقل من ثلاثين دقيقة. يقول " واتسون " : " لم تكن وكالة ناسا
معتادة هذا. فإذا حدث خطب ما بالمكوك، كان الجميع يستسلمون ببساطة لفكرة الانتظار ثلاثة أسابيع قبل أن يصبح بإمكانهم تجربة عملية الإطلاق مرة أخرى "
12 .

يرســــل " ماســــك " مــــن وقــــت لآخــــر بريــــدًا إلكتــــرونيًّا إلــــى العــــاملين بالشــــركة بأكملـــها مــن أجــل تطبــيق ســياسة جــديدة أو إخطــارهم بشــيء يضــايقه. إحــدى الرســائل
الإلكترونية الأكثر شهرة هي أرسلها في مايو عام 2010 بعنوان " الاختصارات مريعة حقًّا " :

ثمة نزعة متزايدة لاستخدام اختصارات مختلقة في شركة سبيس إكس. إن الاستخدام المفرط للاختصارات المختلقة يعد عائقًا كبيرًا للتواصل، والحفاظ على تواصل
جيــد فــي أثنــاء نمونــا أمــر غايــة فـي الأهميـة. قـد لا يبـدو اسـتخدام بعـض الاختصـارات هنـا وهنـاك بشـكل منفـرد أمـرًا سـيئًا لـهذه الـدرجة، لكـن إذا قـام آلاف الأشـخاص
باختلاق تلك الاختصارات، بمرور الوقت، فسينتج قاموس مصطلحات يتوجب علينا إصداره للموظفين الجدد. لا أحد يستطيع فعلًا تذكر كل تلك الاختصارات،
ولا يرغب الناس في أن يبدوا أغبياء في أي اجتماع، لذا يجلسون في جهل؛ وهذا عسير بشكل خاص على الموظفين الجدد.

لا بــد أن يتــوقف هــذا فــور ً ا ، وإلا ف ســأتخذ إجــراء ً صــارم ً ا ... فقــد منحتكــم مــا يكفــي مــن الإنــذارات علــى مــدار الأعــوام . يجــب ألا ي ُ ضــم أي اختصــار إلــى قائمــة
مصطلحات شركة سبيس إكس إلا بموافقتي . إذا كان هناك اختصار لا يمكن تبريره تبرير ً ا معقولً ا، ف يجب استبعاده ، كما سبق أن طلبت في الماضي .

علــــى ســــبيل المثــــال، فـــلا يجــب اســتخدام التســميات " HTS " [ منصــة الاختبــار الأفقيــة ] أو " VTS " [ منصــة الاختبــار الرأســية ] لمنصــات الإطــلاق. هــذان الاختصــاران
سخيفان بشكل خاص، نظرًا لأنهما يحتويان على كلمات غير ضرورية؛ فمن الجلي أن كلمة " منصة " في موقع الاختبار التابع لنا تُطلق على منصة * اختبار * . إن
الاختصار VTS - 3 مبهم مقارنةً بكلمتي " حامل ثلاثي " التي توضح المقصد من هذا المصطلح.

إن الاختبــار الرئيســي لأي اختصــار هــو التســاؤل عمــا إذا كــان يفيــد التواصــل أم يضــره. ولا بــأس باســتخدام اختصــار يعرفــه معظــم المهندســين العــاملين خــارج شــركة
سبيس إكس، مثل الاختصار GUI ، (واجهة مستخدم بينية)، ولا بأس أيضًا باختلاق بضعة اختصارات/ اختصارات لغوية بين الفينة والأخرى، على افتراض أنني
وافقت عليها، على سبيل المثال: MVac و M9 بدلًا من " ميرلن 1 سي فاكيوم " أو " ميرلن 1 سي سي ليفل " ، لكن يجب أن يتم استخدام هذين الاختصارين في
أضيق الحدود.

كان هذا تقليديًّا من " ماسك " ؛ فأسلوب الرسالة الإلكترونية فظ، لكنه مبرر حقًّا بالنسبة لشخص يريد إنجاز المهام بأكبر قدر ممكن من الفاعلية، وتستبد بها
فكرة قد يعتبرها الآخرون تافهة، ولكنها مع ذلك، لها غرض محدد. كما أنها هزلية لأن " ماسك " يريد أن يقوم بنفسه بالموافقة على كل الاختصارات، لكن هذا
يتماشى تمامًا مع أسلوبه الإداري المعتمد على إشراك نفسه في الأمور التي حققت نجاحًا جيدًا في شركتيْ سبيس إكس وتسلا على السواء. ومنذ ذلك الحين، لقب
الموظفون سياسة الاختصارات بقاعدة " الاختصارات مريعة حقًّا " (المعروفة اختصارًا بقاعدة ASS ).

إن المبدأ التوجيهي الخاص بشركة سبيس إكس هو تقبل العمل وإنجاز المهام؛ لذلك، فإن من ينتظرون أن يتم توجيههم أو أن يتلقوا تعليمات مفصَّلة يعانون
الأمــرَّين. الأمــر ذاتــه ينطبــق علــى العــاملين الــذين يتــوقون لتلقــي رد فعـل علـى عملـهم. أمـا أسـوأ أمـر قـد يفعلـه أحـد علـى الإطـلاق، فـهو إعـلام " ماسـك " بأنـه يطلـب
المستحيل. قد يخبر أحد الموظفين " ماسك " بأنه يستحيل تخفيض التكاليف التي يريدها في شيء مثل المشغل الميكانيكي أو أنه لا يوجد وقت كاف لتصنيع قطعة ما
بحلول الموعد النهائي الذي حدده " ماسك " . يقول " بروجان " : " سيرد " إيلون " قائلًا: " حسنًا، أنت مستبعد من المشروع، سأتولى أنا تنفيذه، وسأؤدي عملك
وأكون المدير التنفيذي لشركتين في الوقت نفسه، وسأسلِّم المشروع في موعده " . الأمر الجنوني أن إيلون يفعل هذا حقًّا. فكلما طرد شخصًا وتولى عمله، كان يسلم
المشروع في موعده مهما كلفه الأمر " .

حين تحتك ثقافة شركة سبيس إكس بالهيئات الأكثر بيروقراطية، مثل وكالة ناسا والقوات الجوية الأمريكية وإدارة الطيران الفيدرالية، يكون الأمر مزعجًا لكلا
الطرفين. وقد ظهرت أول تلميحات على تلك الصعوبات في جزيرة كواج، حيث تساءل المسئولون الحكوميون أحيانًا عما اعتبروه نهج سبيس إكس المتعجرف تجاه
عمليــة الإطــلاق. أحيــانًا كــانت شــركة ســبيس إكـس تـرغب فـي إجـراء تغـيير علـى عمليـة الإطـلاق الخاصـة بـها، وكـان أي مـن تلـك التغـييرات يتطلـب كومـة مـن الأعمـال
المكتبية. على سبيل المثال، كانت شركة سبيس إكس قد دونت كل الخطوات اللازمة لاستبدال فلتر ما، أى ارتداء القفازات والنظارات الواقية وفك صامولة، ثم
أصبحت ترغب في تغيير ذلك الإجراء أو باستخدام نوع مختلف من الفلاتر، فكانت إدارة الطيران الفيدرالية (المعروفة اختصارًا بـ FAA ) تحتاج إلى مهلة أسبوعًا كي
تراجع العملية الجديدة قبل أن تقوم شركة سبيس إكس فعلًا بتغيير فلتر الصاروخ، وهو تأخير اعتبره المهندسون و " ماسك " على السواء سخيفًا. ذات مرة،
بعدما حدث مثل هذا الأمر، هاجم " ماسك " مسئولًا من إدارة الطيران الفيدرالية في أثناء عقده مؤتمرًا هاتفيًّا مع أعضاء فريق سبيس إكس ووكالة ناسا. يقول "
بروجان " : " احتدم النقاش واحتد، وظل يوبخ الرجل بصفة شخصية لمدة حوالي عشر دقائق " .

لــم يتــذكر " ماســك " هــذه الواقعــة، لكنــه تــذكر مواجــهات أخــرى مــع إدارة الطــيران الفيــدرالية. ذات مــرة، جمــع لائحــة بــالأمور التــي قالــها مــوظف فـي إدارة الطـيران
الفيــــدرالية خــــلال أحــــد الاجتمــاعات واعتبرهــا " ماســك " ســخيفة، وأرســلها إلــى رئــيس ذلــك الشــخص. قــال " ماســك " : " عنــدها، أرســل لــي رئيســه الأحمــق رســالة
إلكترونيــة مطولــة يحكــي فيـها عـن عملـه فـي برنـامج المكـوك وتوليـه مسـئولية عشـرين عمليـة إطـلاق تقـريبًا ويسـألني كـيف أجـرؤ علـى قـول إن الشـخص الآخـر مخطـئ،
فقلت له: " إنه ليس مخطئًا فقط، ودعني أذكر الأسباب تفصيلًا، لكن أنت أيضًا مخطئ، ودعني أبين الأسباب " . لا أعتقد أنه أرسل لي رسالة إلكترونية أخرى
بعدها. نحن نحاول أن يكون لنا تأثير كبير في مجال الفضاء. إذا كانت القواعد تمنعنا من تحقيق أي تقدم، فما علينا سوى أن نحاربها.

" ثمة مشكلة أساسية في المراقبين: إذا وافق أحدهم على تغيير قاعدة ما وحدث خطب ما، فمن السهل أن يخسر حياته المهنية. في حين أنه إذا غيَّر قاعدة ما وحدث
أمر جيد، لا يتلقَّى مكافأة على ذلك حتى. لذلك، فالأمر غيَّر متماثل إطلاقًا؛ لهذا، من السهل جدًّا. تفهم سبب مقاومة المراقبين تغيير القواعد؛ لأن هناك عقوبة
كبيرة من جانب ولا توجد مكافأة من الجانب الآخر، فكيف يتصرف أي شخص عاقل في مثل هذا السيناريو؟ " .

في منتصف عام 2009، عينت شركة سبيس إكس " كين باورسوكس " ، وهو رائد فضاء سابق، في منصب نائب رئيس قسم سلامة رواد الفضاء وتأمين البعثات
بالشركة. كان " باروسوكس " مناسبًا تمامًا لمعايير التعيين التي تعتبرها أية شركة فضاء مهمة تقليدية؛ فقد كان حاصلًا على شهادة في هندسة الطيران والفضاء
الجوي من الأكاديمية البحرية الأمريكية وعمل طيارًا لصالح القوات الجوية الأمريكية، وسافر على متن المكوك الفضائي عدة مرات. اعتبر العديدون داخل شركة
سبيس إكس التحاقه بالعمل في الشركة أمرًا جيدًا؛ فقد كان يعتبر من نوعية الأشخاص المثابرين الوقورين الذين يعدون عينًا ثانية تراقب العديد من إجراءات
سبيس إكس لكي تتأكد من أن الشركة تنفذ العمل بطريقة آمنة. انتهى المطاف بـ " باورسوكس " بالمشاركة في عمليات الشد والجذب المتواصلة في سبيس إكس بين
تنفيــذ العمــل بطريقــة فعالــة والمعــاناة مــن الإجــراءات التقليــدية. لقــد كــان هــو و " ماســك " علــى خــلاف متزايــد بمــرور الأشـهر، فبـدأ " باورسـوكس " يشـعر بأنـه يتـم
تجاهل آرائه. وخلال حادثة بعينها، وصل صاروخ إلى منصة الاختبار رغم وجود عيب خطير - وصفه أحد المهندسين بأنه أشبه بخطأ تصنيع كوب بدون قاع - بدلًا
من أن يُلاحظ ذلك العيب في المصنع. وبحسب من حضروا هذا الموقف، جادل " باورسوكس " بأنه يتوجب على سبيس إكس أن تعود وتحقق في العملية التي قادت
إلى ذلك الخطأ وأن تصلح السبب الجذري. لكن " ماسك " كان قد قرر بالفعل أنه يعرف أساس المشكلة؛ لذا طرد " باورسوكس " بعد أن ظل في منصبه لعدة
أعوام (رفض " باورسوكس " أن يتحدث علنيًّا عن الوقت الذي قضاه في شركة سبيس إكس). لقد اعتبر عدد من العاملين داخل الشركة واقعة " باورسوكس "
مثــــالًا علــــى كــــون أســــلوب " ماســــك " المنــــدفع يقــــوِّض بعــــض العمليــــات التــــي هــــم فــــي أمــسِّ الحاجــة إليــها. لكــن " ماســك " كــان لــه رأي مختلــف كلــيًّا، حــيث صــور "
باورسوكس " بأنه ليس قادرًا على تلبية المطالب الهندسية لشركة سبيس إكس.

منحني مجموعة من كبار المسئولين الحكوميين آراءهم غير المتحيزة بشأن " ماسك " ، برغم رغبتهم في عدم التصريح بأسمائهم. أحدهم اعتبر معاملة " ماسك " للواءات القوات الجوية والعسكريين ذوي الرتب الكبيرة معاملة مروعة؛ فاشتهر عن " ماسك " توبيخه حتى كبار المسئولين حين يرى أنهم مخطئون ولا يعتذر عن
هذا فيما بعد، في حين لم يستطع آخر أن يصدِّق ما يسمعه من " ماسك " حين يصف أذكى الأشخاص بالغباء. يقول هذا الشخص: " تخيل أسوأ نتيجة ممكنة،
وسوف تحدث. إن الحياة بالنسبة لـ إيلون أشبه بزوجين متفاهمين جدًّا؛ بوسعه أن يكون لطيفًا جدًّا ومخلصًا ثم يقسو بشدة على الناس حين لا يكون هناك داع
لهذا " . كما شعر مسئول سابق بأنه يتوجب على " ماسك " أن يتحكم في انفعالاته أكثر في الأعوام القادمة إن كانت شركة سبيس إكس ستستمر في التعامل مع
الوكــالات العســكرية والحكوميــة فــي أثنــاء محاولتــها التفــوق علــى المتعــهدين الحــاليين. لقـد قـال هـذا الشـخص: " سـيكون ألـد أعـدائه هـو نفسـه وطريقتـه فـي معاملـة
الناس " .

حين يثير " ماسك " غضب الغرباء، كثيرًا ما تكون " شوتويل " موجودة لتهدئ الموقف. هي أيضًا سليطة اللسان وذات شخصية مندفعة، مثل " ماسك " ، لكنها
مستعدة للعب دور المصلح بين المتخاصمين. لقد سمحت لها تلك المهارات بتولي المعاملات اليومية في شركة سبيس إكس، تاركة " ماسك " ليركز على الإستراتيجية
العامة للشركة وتصميمات المنتجات والتسويق وتحفيز الموظفين. كما هي الحال مع جميع المساعدين الذين يثق بهم " ماسك " أكثر من غيرهم، أرادت " شوتويل
" أن تظل في الخلفية بصورة عامة لكي تؤدي عملها وتركز على رسالة الشركة.

نشأت " شوتويل " في ضواحي ولاية شيكاجو ابنةً لفنانة (والدتها) وطبيب جراحة أعصاب (والدها)، ولعبت دور الفتاة الجميلة الذكية، بأن نالت درجة الامتياز في
كل المواد في المدرسة وانضمت إلى فرق التشجيع. لم تكن " شوتويل " قد أبدت أي ميول بارزة تجاه العلوم ولم تكن تعرف سوى نسخة واحدة من المهندسين ...
الرجل الذي يقود القطار. غير أنه كانت هناك تلميحات على أنها غريبة الأطوار نوعًا ما؛ فقد كانت الابنة التي تجز عشب الحديقة وتساعد على تجميع إطارات
شبكة كرة السلة. عندما كانت " شوتويل " في الصف الثالث، نما لديها اهتمام بسيط بمحركات السيارات، فاشترت لها أمها كتابًا يشرح بالتفصيل كيفية عملها.
وفي وقت لاحق، حين كانت في المدرسة الثانوية، أجبرتها أمها على حضور محاضرة في معهد " إلينوي " للتكنولوجيا بعد ظهيرة أحد أيام السبت. بينما كانت "
شوتويل " تصغي إلى إحدى لجان الخبراء، فتنتها مهندسة ميكانيكية في الخمسين من عمرها، تقول عنها " شوتويل " : " كان ترتدي ملابس أنيقة - بذلة وحذاء
أعجباني بشدة. كانت طويلة القامة وبدت أنيقة جدًّا بحذائها ذي الكعب العالي " . تحدثت " شوتويل " مع المهندسة بعد المحاضرة لكي تتعرف على وظيفتها. لقد
قالت: " كان ذلك هو اليوم الذي قررت فيه أن أصبح مهندسة ميكانيكية " .

انتقلت " شوتويل " لنيل شهادة جامعية في الهندسة الميكانيكية وشهادة ماجستير في الرياضات التطبيقية من جامعة نورث وسترن، ثم عملت بوظيفة في شركة
كرايسلر؛ كانت الوظيفة عبارة عن برنامج للتدريب الإدارى موجه لحديثي التخرج البارعين الذين يبدو أنهم يمتلكون إمكانيات قيادة. بدأت " شوتويل " المسيرة بأن
ارتــادت مدرســة لتعلــيم ميكــانيكا الســيارات، عــن هــذا تقــول: " أحببــت فعــل ذلــك " ، ثــم تنقلــت مــن قســم إلــى آخــر فيــها. وفــي أثنــاء عمــل " شــوتويل " علــى أبحــاث
المحركات، وجدت أن هناك حاسوبين عملاقين باهظين جدًّا من نوع كراي شاغرين لأن لا أحد من المحنكين يعرف كيفية استخدامهما.
بعدها بفترة وجيزة، ولجت إلى الحاسوبين وضبطتهما ليقوما بحساب حركة الموائع على الكمبيوتر لمحاكاة أداء الصمامات وغيرها من المكونات. أبقى هذا العمل "
شوتويل " مهتمة بالمجال، وإن كانت البيئة المحيطة بها قد بدأت تزعجها؛ حيث كانت هناك قواعد لكل شيء، من بينها العديد من اللوائح النقابية المتعلقة بمن
يمكنــه تشــغيل آلات معينــة. تقــول " شــوتويل " : " تلقــيت مــذكرة تأديبيــة ذات مــرة لأننــي أمســكت بإحــدى الأدوات، ثــم تلقــيت مــذكرة تأديبيــة أخـرى لأننـي فتحـت
زجاجة من النيتروجين السائل؛ لذلك، بدأت أعتقد أن هذه الوظيفة ليست كما توقعتها " .

انســــحبت " شــــوتويل " مــــن برنــــامج التـــدريب الخــاص بشــركة كرايســلر، وأعــادت تنظــيم أمورهــا فــي المــنزل، ثــم ســعت لفتــرة وجــيزة لنيــل شــهادة الــدكتوراه فــي علــم
الرياضيات التطبيقية. في أثناء تواجدها في حرم جامعة " نورث ويسترن " مرة أخرى، ذكر أحد أساتذتها فرصة عمل في شركة إيروسبيس كوروبوريشن. ومع أن
شركة إيروسبيس كوروبوريشن ليست معروفة بتاتًا، إلا أن مقرها يقع في ضاحية إل سيجوندو منذ عام 1960، وهي بمثابة منظمة حيادية غير هادفة للربح تقدم
النصائح للقوات الجوية ووكالة ناسا وغيرهما من الهيئات الفيدرالية بشأن برامج الفضاء. لهذه الشركة أجواء بيروقراطية، لكنها برهنت على مدار الأعوام أنها
شركة فعالة جدًّا بسبب نشاطاتها البحثية وقدرتها على قبول المحاولات المكلفة أو رفضها. بدأت " شوتويل " العمل بشركة إيروسبيس كوروبوريشن في أكتوبر عام
1988، وعملت على مجموعة كبيرة من المشاريع، كما تطلبت إحدى المهام أن تطور نموذجًا حراريًّا يصور كيفية تأثير اختلافات درجات الحرارة في عنابر الشحن
الخاصة بمكوكات الفضاء على أداء المعدات الموجودة بالحمولات المختلفة. لقد عملت في شركة إيروسبيس كوروبوريشن لعشرة أعوام وصقلت مهاراتها كمهندسة
أنظمة. لكنها في النهاية سئمت من وتيرة العمل بهذا المجال. وعن هذا تقول: " لم أفهم سبب استغراق تصنيع قمر صناعي عسكري خمسة عشر عامًا. كان بإمكان
من يعرفني أن يلاحظ تضاءل اهتمامي " .

عملت " شوتويل " طوال الأعوام الأربعة التالية لصالح شركة مايكروكوزم، وهي شركة ناشئة جديدة في مجال الفضاء يقع مقرها في شارع مقر شركة إيروسبيس
كوروبوريشــن نفســه، وأصــبحت رئيســة قســم أنظمــة الفضــاء وقســم تطويــر المشــروعات. ونظــرًا لأن " شــوتويل " تفتخــر بتحليــها بمزيــج مـن الـذكاء والثقـة بـالنفس
والأمانــة وحســن المظــهر، فقــد اكتســبت صــيتًا بأنـها منـدوبة مبيعـات فعالـة. لكـن فـي عـام 2002، اسـتقال أحـد زملائـها فـي العمـل، وهـو " هـانز كوينجسـمان " ، لكـي
ينضم إلى شركة سبيس إكس. اصطحبت " شوتويل " " كوينجسمان " لتناول الغداء كلفتة وداع وأوصلته بسيارتها إلى المقر الرئيسي لشركة سبيس إكس الذي
كــان متــهالكًا حينــذاك. تقــول " شــوتويل " : " طلــب منــي " هــانز " أن أدخــل لأقــابل " إيلــون " ، ففعلــت هــذا. عنــدها، قلــت لــه: " أنــت بحاجــة لخبـير جيـد فـي تطويـر
المشروعات "" . اتصلت " ماري بيث براون " بـ " شوتويل " في اليوم التالي، وأخبرتها بأن " ماسك " يريد إجراء مقابلة عمل معها لمنصب النائب الجديد لرئيس قسم
تطوير المشروعات، وانتهى المطاف بأن أصبحت " شوتويل " الموظفة رقم سبعة في الشركة. عن هذا تقول: " أعطيت شركة مايكروكوزم إشعارًا بترك العمل قبلها
بثلاثة أسابيع، وجددت حمامي لأنني كنت أعرف أنه لن تكون لي حياة مستقرة بعد تولي مهام هذه الوظيفة " .

وخلال الأعوام الأولى لشركة سبيس إكس، نجحت " شوتويل " في تحقيق إنجاز أعجوبي ببيع شيء لم تكن الشركة تمتلكه. لقد استغرقت الشركة وقتًا أطول
بكثــير ممــا خططــت لكــي تقــوم بعمليــة إطــلاق ناجحـة، وكـانت الإخفـاقات التـي تعرضـت لـها خـلال سـير الأحـداث محرجـة ومسـيئة لعملـها. ومـع ذلـك، اسـتطاعت "
شوتويل " بيع حوالي اثنتي عشرة رحلة لمزيج من العملاء على مستوى الحكومات وعلى مستوى الأعمال التجارية قبل أن يصعد أول صاروخ فالكون 1 صنعته
سبيس إكس إلى مداره. إن مهاراتها في عقد الصفقات تمتد للتفاوض على العقود المكلفة مع وكالة الفضاء ناسا، ما ساعد شركة سبيس إكس على البقاء خلال
أصعب سنوات مرت بها، من ضمنها عقد بـ 278 مليون دولار في أغسطس عام 2006 للبدء بتصنيع مركبات تستطيع نقل المؤن إلى " محطة الفضاء الدولية " . إن
سجل نجاحات " شوتويل " قد حولها إلى المستشارة المثالية لـ " ماسك " في شركة سبيس إكس، وأصبحت رئيسة قسم العمليات بالشركة بحلول نهاية عام 2008.

وثمة جزء من واجبات " شوتويل " يتضمن دعم ثقافة سبيس إكس كشركة تزداد نموًّا تدريجيًّا إلى أن بدأت تشبه عمالقة مجال الفضاء التقليديين التي تحب
السخرية منهم. بإمكان " شوتويل " أن تتخذ مظهرًا هادئًا لطيفًا في أثناء مخاطبتها الشركة بأكملها خلال أي اجتماع أو أن تقنع مجموعة من المرشحين المحتملين
للوظيفة بالسبب الذي يجعلهم يلتحقون بالعمل في الشركة لكي يكدحوا في العمل. خلال أحد تلك الاجتماعات مع مجموعة من المتدربين، أخذت " شوتويل "
حوالي مائة منهم إلى ركن في المقهى. كانت ترتدي حذاء أسود ذا كعب عال برقبة طويلة وسروالًا ضيقًا من الجينز وسترة بنية مصفرة ووشاحًا، وكانت ترتدي حلقًا
كبــيرًا يتــدلى بجــانب شــعرها الأشــقر المنســدل علــى كتفيــها، وكــانت تــذرع المكـان جيئـة ذهـابًا أمـام المجموعـة بينمـا تمسـك بمـيكرفون. لقـد طلبـت منـهم أن يعلنـوا عـن
الجامعات التي تخرجوا فيها والمشروعات التي يعملون عليها في أثناء تواجدهم في شركة سبيس إكس. كان أحد الطلاب قد ارتاد جامعة كورنيل وعمل على المركبة
دراجــون، فــي حــين ارتــاد طــالب آخــر جامعــة كــاليفورنيا الجنوبيــة وصــمم نظــامًا للــدفع، كمــا ارتــاد طــالب ثــالث جامعـة ولايـة إلـينوي وعمـل مـع مجموعـة تعمـل فـي
تخصص الديناميكا الهوائية. واستغرق التجول في الغرفة بأكملها حوالي ثلاثين دقيقة، وكان الطلاب من بين الشباب الأكثر إثارة للإعجاب في العالم، لخلفيتهم
الأكاديمية ولحماستهم المتقدة على الأقل. أمطر الطلاب " شوتويل " بوابل من الأسئلة، عن أفضل لحظة مرت بها وعن نصيحتها لتحقيق النجاح وعن التهديدات
التنافسية التي تتعرض لها شركة سبيس إكس، فأجابت عن كل هذا بمزيج من الإجابات الجادة والردود الحماسية. علاوةً على هذا، حرصت " شوتويل " على
تأكيد الأفضلية الابتكارية باستغلال أقل الموارد التي تمتلكها شركة سبيس إكس على شركات الفضاء الأكثر تقليدية. قالت " شوتويل " للمجموعة: " إن منافسينا
يرتعدون منا. سيتعين على الشركات العملاقة أن تبحث عن طريقة لتنظيم أمورها لتصبح أكثر فاعلية لكي تنافسنا، ومهمتنا أن نقضي عليها " .

تقول " شوتويل " إن أحد أهم أهداف شركة سبيس إكس هو إطلاق المركبات الفضائية والصواريخ كلما أمكن ذلك. لم تسعَ الشركة قط لجني ثروة من كل عملية
إطلاق، بل تفضِّل جني مبلغ ضئيل في كل عملية إطلاق وتحافظ على استمرارية الرحلات. إن رحلة الصاروخ فالكون 9 تكلف 60 مليون دولار، وترغب الشركة في
رؤية هذا المبلغ ينخفض إلى حوالي 20 مليون دولار من خلال خفض التكلفة وإجراء تحسينات على تقنية الإطلاق. لقد أنفقت شركة سبيس إكس مليارين ونصف
المليار دولار لتُطلق أربع مركبات فضائية طراز دراجون إلى " محطة الفضاء الدولية " ، وتسع رحلات للصاروخ فالكون 9، وخمس رحلات للصاروخ فالكون 1. لا
يستطيع بقية المشاركين في المجال استيعاب هذه الأسعار لكل محاولة إطلاق، ناهيك عن أن يطمحوا لتحقيق هذا السعر. تقول " شوتويل " : " لا أعرف ماذا يفعل
أؤلئــــــك النــــاس بأموالـــهم. إنـــهم يبـــددونها. لا أعـــرف فحســـب " . بحســـب " شـــوتويل " ، كـــان هنـــاك عـــدد مـــن الـــدول الجـــديدة التـــي تبـــدي اهتمـــامًا بعمليـــات إطـــلاق
الصواريخ، وترى أن تكنولوجيا الاتصالات أساسية لتنمية اقتصادها ومساواة مكانتها بالدول المتقدمة. سوف تساعد الرحلات الأرخص شركة سبيس إكس على
الاستيلاء على معظم المشروعات من تلك المجموعة الجديدة من العملاء. بالإضافة إلى ذلك، توقعت الشركة أن تشارك في السوق المتنامية لرحلات الفضاء، لكنها
لم تكن مهتمة قط بالقيام برحلات سياحية مدتها خمس دقائق إلى المدار الأرضي المنخفض مثل شركتيْ فيرجن جالاكتيك وإكسكور، بل إنها قادرة فعلًا على نقل الباحثين إلى مساكنهم التي تدور حول الأرض التي تبنيها شركة بجلو إيروسبيس وإلى المختبرات العلمية التي تدور حول الأرض التي تبنيها عدة دول. سوف تبدأ
شركة سبيس إكس كذلك بتصنيع أقمارها الصناعية بنفسها، ما سيحول الشركة إلى مجمع فضائي واحد. لكن كل تلك الخطط تعتمد على قدرة سبيس إكس
على إثبات أن بإمكانها إطلاق الرحلات في موعدها المحدد كل شهر وإنفاق الشركة مبلغ
5 مليــارات دولار علــى رحــلات الإطــلاق المتــأخرة. وعــن هــذا تقــول: " معظــم عملائنــا اشـتركوا معنـا منـذ وقـت مبكـر وأرادوا أن يـدعمونا، فحصـلوا علـى صـفقات جيـدة
لبعثاتهم. نحن حاليًّا في مرحلة يتوجب علينا فيها أن نقوم بعملية الإطلاق في الوقت المحدد وأن نجعل إطلاق مركبات دراجون أكثر كفاءة " .

ولوهلة، تعثرت المحادثة مع المتدربين، فقد انتقلت إلى بعض مصادر الإزعاج داخل شركة سبيس إكس حيث تقوم الشركة بتأجير منشآتها، ولم تتمكن من بناء
منشآت خاصة بالشركة مثل موقف سيارات ضخم متعدد الطوابق يسهِّل الحياة على العاملين الذين يبلغ عددهم ثلاثة آلاف شخص؛ لذلك، وعدتهم " شوتويل
" بتوفــير المزيــد مــن مــواقف الســيارات والحمــامات والأشــياء المجانيــة التــي تقــدمها الشــركات الناشــئة فـي مجـال التكنولوجيـا فـي وادي السـيليكون إلـى موظفيـها قـريبًا.
تقول: " أريد مركزًا للرعاية النهارية لأطفال العاملين " .

لكــن لــم تحقــق " شــوتويل " النجــاح حــقًّا إلا فــي أثنــاء مناقشــتها أعظــم مـهام سـبيس إكـس، حـيث بـدا أنـها تلـهم المتـدربين. كـان مـن الجلـي أن بعضـهم يحلمـون بـأن
يصبحوا رواد فضاء، علقت " شوتويل " أن العمل لصالح سبيس إكس أصبح في الغالب أفضل فرصة أمامهم بعد أن تضاءل عدد جماعة رواد الفضاء في وكالة
ناسا. كان " ماسك " قد أعطى أولوية شخصية لتصميم بذلات فضاء رائعة المظهر " لا تشبه شخصية Stay Puft " . تقول " شوتويل " : " لا يجب أن تكون بذلة
ضخمة وثقيلة ولا قبيحة. علينا أن نفعل ما هو أفضل من هذا " . أما بالنسبة للمكان الذي سيسافر إليه رواد الفضاء: فهناك المساكن الفضائية والقمر والمريخ
بالطبع كاختيارات. كانت شركة سبيس إكس قد بدأت بالفعل تختبر صاروخًا عملاقًا، يدعى فالكون هيفي، من شأنه أن يحقق تقدمًا في الفضاء أكبر بكثير من
الصاروخ فالكون 9، وله مركبة فضائية أخرى أكبر من مركبة الصاروخ فالكون 9 سوف تُصنع قريبًا. تقول " شوتويل " : " لن ينقل؛ صاروخنا فالكون هيفي حافلة
مليئة بالبشر إلى المريخ. لذلك، سوف نصمم شيئًا بعد الصاروخ هيفي، نحن نعمل على هذا " . كما قالت إنه لكي يصنع موظفو سبيس إكس مثل تلك المركبة،
توجب عليهم أن يكونوا أكفاء وطموحين. تقول " شوتويل " : " يجب أن تتأكد من أن إنتاجك عالي المستوى. فإذا كنا نلقي بالعقبات في طريقك، فسيكثر حديثك
عن هذا حتمًا وستكون ثرثارًا. ولا تلقى هذه الصفة قبولًا واسعًا في أي مكان آخر، ولكن هذا هو الواقع في شركة سبيس إكس " . وإذا كان هذا يبدو قاسيًا، فليكن.
بحسب تصريحات " شوتويل " ، كان سباق مجال الفضاء التجاري يتوقف على سبيس إكس والصين فقط، كما كانت الصورة الأشمل هي أن ذلك السباق يحدث
لضمان بقاء البشر واستمرارهم. تقول " شوتويل " : " إذا كنت تكره الناس ولا يضيرك انقراض البشرية، إذن فليحدث ذلك ولا تذهب إلى الفضاء. لكن إذا كنت
ترى أن الأمر يستحق أن يخوض البشر بعض المخاطر ويبحثوا عن مكان آخر يعيشون عليه، فيجب أن تركز على هذه القضية وأن تكون مستعدًّا لإنفاق بعض المال.
أنا متأكدة تمامًا من أن وكالة ناسا سوف تختارنا كي ننقل مركبات الهبوط الفضائي أو العربات الفضائية إلى المريخ. بعدها، سوف تكون أول بعثة تقوم بها شركة
سبيس إكس هي توصيل المؤن، حتى تكون هناك أماكن للمعيشة وطعام ومهام لينجزها الناس بمجرد وصولهم إلى هناك " .

مثل هذا الحديث هو ما يشوِّق الناس في مجال الفضاء ويذهلهم؛ لأنهم لطالما أملوا أن تظهر شركة ما وتغير مجال السفر إلى الفضاء تغييرًا جذريًّا. ويوضح خبراء
الملاحة الجوية أنه بعدما بدأ الأخوان " رايت " تجاربهما بعشرين عامًا، أصبح السفر الجوي أمرًا اعتياديًّا. وعلى النقيض، يبدو أن مشروعات إطلاق الصواريخ قد
تجمدت. لقد سافرنا إلى القمر وأرسلنا مركبات بحثية إلى المريخ واستكشفنا النظام الشمسي، لكن كل تلك الأمور لا تزال مشروعات باهظة التكاليف ولا تحدث
ســوى مــرة واحــدة. تقــول " كــارول ســتوكر " , عالمــة الكــواكب التــي تعمـل لصـالح وكالـة ناسـا: " تظـل التكلفـة باهظـة علـى نحـو اسـتثنائي بسـبب معادلـة الصـاروخ " .
وبفضل التعاقدات العسكرية والحكومية من وكالات مثل ناسا، كان لمجال الفضاء - على مر التاريخ - ميزانيات ضخمة ليستخدمها وليحاول صنع أضخم الآلات
وأكثرها فاعلية على الإطلاق. لقد تم تحسين أداء مجال العمل لكي يسعى لتحقيق أقصى قدر من الأداء، ومن ثم يتمكن متعهدو الفضاء من قول إنهم قد أوفوا
بمتطلباتهم. تُعد تلك الإستراتيجية منطقية إذا كان المرء يحاول إرسال قمر صناعي عسكري يبلغ ثمنه مليار دولار لصالح الحكومة الأمريكية ولا يمكنه ببساطة
قبول انفجار الحمولة. ولكن على العموم، يعوق هذا النهج السعي وراء محاولات أخرى، ما يؤدي إلى عرقلة مجال الفضاء التجارية.

أما خارج شركة سبيس إكس، فلم يعد مقدمو خدمات إطلاق الصواريخ الأمريكيون منافسين لنظرائهم في الدول الأخرى؛ حيث إنهم يملكون قدرات محدودة
على إطلاق الصواريخ وطموحات مريبة. إن المنافس الرئيسي لشركة سبيس إكس في نقل الأقمار الصناعية العسكرية المحلية وغيرها من الحمولات الضخمة هي
شركة يونايتد لانش آلاينس (المعروفة اختصارًا بـ ULA )، وهي مشروع مشترك بين شركتي بوينج ولوكهيد مارتن، تأسس في عام 2006. كان الرأي السائد بشأن
هذه الشراكة حينئذ أن الحكومة ليست لديها أعمال تكفي الشركتين وأن الجمع بين أعمال البحث والتصنيع لشركتيْ بوينج ولوكهيد مارتن سينتج عمليات إطلاق
أرخص وأكثر أمانًا. اعتمدت شركة يونايتد لانش آلاينس على أبحاث عن مركبتي الإطلاق دلتا (لشركة بوينج) وأطلس (لشركة لوكهيد) استمرت لعقود، وأطلقت
عشرات الصواريخ بنجاح، ما جعلها نموذجًا للشركات الموثوق بها في المجال. إلا أن هذا المشروع المشترك أو حتى شركتيْ بوينج ولوكهيد - وكلتاهما تستطيع تقديم
خــدمات تجاريــة علــى نحــو مســتقل - لا يســتطيع منافســة الأســعار التــي تقــدمها شــركة ســبيس إكــس أو الــروس أو الصــينيين. يقــول " دايــف بــيردن " ، المــدير العــام
للبــرامج المــدنية والتجاريــة بشــركة إيروســبيس كوروبوريشــن: " إن الســوق التجاريــة العالميــة تســيطر عليــها فــي الغــالب شـركة أريـان سـبيس [ أوروبـا ] أو لـونج مـارش
[ الصين ] أو المركبات الروسية. إن معدلات تكلفة العمالة مختلفة وثمة اختلافات في طريقة التصنيع فحسب " .

ولكي نجعل الأمور أكثر وضوحًا، أصبحت شركة يونايتد لانش آلاينس مصدر إحراج لـ " الولايات المتحدة " : ففي مارس عام 2014، واجه " مايكل جاس " , المدير
التنفيذي للشركة حينذاك، " ماسك " خلال جلسة استماع في الكونجرس ناقشت طلب شركة سبيس إكس زيادة حصتها من حمولة الإطلاق السنوية الخاصة
بالحكومة. وتتابعت سلسلة من الشرائح التي تستعرض الارتفاع المهول للمبالغ التي تدفعها الحكومة مقابل عمليات الإطلاق منذ أن انتقلت شركتا بوينج ولوكهيد
من الاحتكار الثنائي للسوق إلى احتكار شركة واحدة. وبحسب عمليات " ماسك " الحسابية التي عرضها خلال جلسة الاستماع، كانت شركة يونايتد لانش آلاينس
تطالب بـ380 مليون دولار للرحلة الواحدة، في حين كانت شركة سبيس إكس تطالب بـ90 مليون دولار للرحلة الواحدة. (كان مبلغ 90 مليون دولار أعلى من السعر
التقليدي لشركة سبيس إكس الذي يبلغ ستين مليون دولار لأن الحكومة لها متطلبات إضافية محددة لعمليات الإطلاق الحساسة). أوضح " ماسك " أنه باختيار
الحكومة شركة سبيس إكس لكي تصبح متعهدة لتقديم خدمات الإطلاق الخاصة بها، ستوفر مبلغًا من المال كافيًا لدفع ثمن القمر الصناعي الذي سيتم تحميله
على الصاروخ. عندها، لم يستطع " جاس " الرد، بل زعم أن المبالغ التي حددها " ماسك " تعتبر أسعار شركة يونايتد لانش آلاينس لعمليات الإطلاق غير دقيقة،
وأنه أخفق في تقديم مبلغ خاص به. بالإضافة إلى ذلك، أُقيمت جلسة الاستماع هذه في أثناء ازدياد حدة التوتر بين الولايات المتحدة وروسيا جراء ممارسات روسيا
العدائية ضد أوكرانيا. لذلك، أصاب " ماسك " حين قال إن الولايات المتحدة قد تفرض قريبًا عقوبات على روسيا قد تمتد إلى معدات الفضاء. صادف أن شركة
يونايتد لانش آلاينس تعتمد على محركات روسية الصنع في إرسال المعدات العسكرية الأمريكية الحساسة بواسطة صواريخها طراز أطلس في. قال " ماسك " : "
إن مركبــات الإطــلاق الخاصــة بنــا طــراز فــالكون 9 وفــالكون هــيفي أمريكيـة الصـنع تمـامًا؛ فنحـن نصـمم صـواريخنا ونصـنعها فـي ولايتـي كـاليفورنيا وتكسـاس " . رد "
جــاس " قــائلًا إن شــركة يونايتــد لانــش آلاينـس قـد اشـترت مـخزون عـامين مـن المحركـات الروسـية واشـترت كُتيبـات بـرامج تشـغيل الآلات وترجمتـها مـن الروسـية إلـى
الإنجليزية، قالها بجدية بالغة (وبعد جلسة الاستماع ببضعة أشهر، عينت شركة يونايتد لانش آلاينس شخصًا آخر بدلًا من " جاس " في منصب مديرها التنفيذي
ووقعت صفقة مع شركة بلو أوريجين لتطوير صواريخ أمريكية الصنع).

جاءت أكثر اللحظات الباعثة على اليأس في جلسة الاستماع حين أمسك " ريتشارد شلبي " ، عضو مجلس الشيوخ الأمريكي عن ولاية آلاباما، الميكرفون لكي يُجري
استجوابًا. كانت شركة يونايتد لانش آلاينس تمتلك منشآت تصنيع في ولاية آلاباما وكانت على اتصال بعضو مجلس الشيوخ ذاك؛ لذلك، شعر " شلبي " بأنه
مُجبر على لعب دور المؤيد لمسقط رأسه بأن أوضح مرارًا وتكرارًا أن شركة يونايتد لانش آلاينس قد قامت بثمانٍ وستين عملية إطلاق ناجحة، ثم سأل " ماسك "
عما يعرفه عن ذلك الإنجاز. ومجال الفضاء بمثابة أحد أكبر المتبرعين لصالح " شلبي " ، وقد انتهى به المطاف مؤيدًا للبيروقراطية ومعارضًا للتنافس حين يتعلق
الأمــر بالفضــاء، وهــو مــا يعــد مثــيرًا للدهشــة. يقــول " شــلبي " : " عــادةً مــا ينتــج عــن المنافســة جــودة أفضــل وتعاقـدات أرخـص ... لكـن سـوق إطـلاق الصـواريخ لـيس
تقليديًّا، بل هو عبارة عن طلب محدود تحكمه السياسات الصناعية للقطاع الحكومي " . واتضح أن جلسة الاستماع التي أدلى فيها " شلبي " بتلك التصريحات
كانت مصطنعة لأن الحكومة كانت قد وافقت على عرض أربع عشرة عملية من عمليات الإطلاق الحساسة الخاصة بها في مناقصة، بدلًا من أن تمنحها لشركة
يونايتد لانش آلاينس مباشرةً. كان " ماسك " قد ذهب إلى الكونجرس ليدلي بحجته عن السبب الذي يجعل شركة سبيس إكس مرشحًا قويًّا لعمليات الإطلاق
هذه ولغيرها. وفي اليوم التالي لجلسة الاستماع، خفضت القوات الجوية عدد عمليات الإطلاق المعروضة للمناقصة من أربع عشرة إلى ما يتراوح بين سبع وواحدة.
وبعدها بشهر، أقامت شركة سبيس إكس دعوى قضائية ضد القوات الجوية تطالب بفرصة لتحصل على أعمال إطلاق الصواريخ الخاصة بها. قالت الشركة على
الموقع الإلكتروني التابع لها freedomtolaunch.com : " إن شركة سبيس إكس لا تسعى إلى أن تُمنح تعاقدات عمليات الإطلاق هذه، بل إننا نسعى ببساطة
لنيل حق المنافسة " . *******

والمنافس الرئيسي لشركة سبيس إكس في بعثات إعادة تموين " محطة الفضاء الدولية " وبعثات إرسال الأقمار الصناعية في الولايات المتحدة هي شركة أوربيتال
ساينسز كوربوريشن، التي تأسست في ولاية فيرجينيا عام 1982، وبدأت عملها بطريقة مشابهة لشركة سبيس إكس، حيث جمعت تمويلًا خارجيًّا وركزت على
إرســال الأقمــار الصــناعية الأصــغر حجــمًا إلــى المــدار الأرضــي المنخفـض. وتعـد شـركة أوربيتـال أكثـر خبـرة مـن شـركة سـبيس إكـس، وإن كـانت قائمـة أنـواع الآلات التـي تصنِّعها محدودة. كما تعتمد على الموردين، بما فيهم الشركات الروسية والأوكرانية، لتصنيع محركاتها وأجسام صواريخها، ما يجعلها أقرب إلى شركة تعمل في
تجميع المركبات الفضائية منها إلى تصنيعها مثل شركة سبيس إكس. وعلى عكس سبيس إكس أيضًا، لا تستطيع الكبسولات الفضائية التي تنتجها " أوربيتال
تحمل رحلة العودة إلى الأرض من " محطة الفضاء الدولية " ؛ لذا فهي غير قادرة على إعادة التجارب وغيرها من البضائع. لكن في أكتوبر عام 2014، انفجر أحد
صــواريخ شــركة أوربيتــال علــى منصــة الإطــلاق، ونظـرًا لأنـها تـوقفت عـن عمليـات إطـلاق الصـواريخ طـوال فتـرة التحقـيق فـي الواقعـة، فقـد طلبـت المسـاعدة مـن شـركة
سبيس إكس. لقد أرادت شركة أوربيتال أن تعرف ما إذا كان " ماسك " لديه أية قدرة إضافية على تولي أمر بعض عملائها. بالإضافة إلى ذلك، أشارت الشركة إلى
أنها ستستبعد الاستعانة بالمحركات الروسية كذلك.

أما بالنسبة لإرسال البشر إلى الفضاء، فكانت شركتا سبيس إكس وبوينج المنتصرتين في منافسة أقامتها وكالة ناسا دامت أربعة أعوام لإرسال رواد الفضاء إلى "
محطة الفضاء الدولية " ؛ لذلك، ستحصل شركة سبيس إكس على مليارين وستمائة مليون دولار، بينما ستحصل شركة بوينج على أربعة مليارات ومائتيْ مليون
دولار، مقابل تطوير كبسولاتهما الفضائية لكي تنقل البشر إلى " محطة الفضاء الدولية " بحلول عام 2017. في الواقع، ستحل الشركتان محل المكوك الفضائي
وستعيد إلى الولايات المتحدة قدرتها على القيام برحلات بشرية إلى الفضاء. يقول " ماسك " : " في الحقيقة، لا أمانع أن تحصل شركة بوينج على ضعف المبلغ
مقابل تلبية متطلبات وكالة ناسا نفسها التي ستلبيها شركة سبيس إكس لكن بتقنيات أسوأ؛ فمشاركة شركتين في الأمر تعتبر أفضل لتطوير رحلات الفضاء " .

بدا فيما مضى أن شركة سبيس إكس لن تصنِّع سوى منتج وحيد؛ فمخططات الشركة الأصلية كانت أن يكون الصاروخ فالكون 1 الأصغر حجمًا بمثابة محور
عملها الرئيسي؛ نظرًا لأن تكلفة فالكون 1 كانت تتراوح بين 6 ملايين دولار و12 مليون دولار للرحلة الواحدة، فقد كانت أرخص وسيلة لإرسال شيء إلى الفضاء
على الإطلاق، ما حمس العاملين بصناعة الفضاء. وعندما أعلنت شركة جوجل عن جائزتها لونر إكس عام 2007، التي تُقدر بـ30 مليون دولار تُمنح لمن يستطيع
إنزال إنسان آلي على سطح القمر، اختارت العديد من العروض التي تلت الصاروخ فالكون 1 باعتباره مركبة الإطلاق المفضلة، حيث بدا أنه الخيار الوحيد ذو السعر
المعقــول لإرســال شـيء للقمـر. كـان العلمـاء فـي كـل أنحـاء العـالم متحمسـين بالقـدر نفسـه، لظنـهم أنـهم أصـبحوا لأول مـرة يملكـون وسـيلة لإرسـال التجـارب لمـدارها
بطريقة ميسورة التكلفة. لكن مع كل الحديث المتحمس عن الصاروخ فالكون 1، لم يصل أي طلب عليه. تقول " شوتويل " : " أصبح جليًّا جدًّا أن هناك حاجة
ماسة للصاروخ فالكون 1 لكن لم يتوافر مال لشرائه. يجب أن تكون السوق قادرة على دعم عدد معين من المركبات؛ لهذا فإن بيع ثلاثة صواريخ فالكون 1 سنويًّا لا
يعتبر مشروعًا مدرًّا للربح " . لقد انطلق آخر صاروخ فالكون 1 في يوليو عام 2009 من جزيرة كواجالين، حين قامت شركة سبيس إكس بنقل قمر صناعي إلى
مداره لصالح الحكومة الماليزية. كان العاملون في مجال الفضاء معترضين منذ ذلك الحين. تقول " شوتويل " : " كانت تجربتنا مع صاروخ فالكون 1 تجربة سيئة.
كنت منفعلة وخائبة الأمل بشأن هذا؛ فقد توقعت أن تتدفق علينا الطلبات، لكن بعد ثمانية أعوام، لم تأتِ فحسب " .

ومنذ ذلك الحين، ضاعفت شركة سبيس إكس قدراتها على إطلاق الصواريخ بسرعة لا تُصدَّق، وبدا أنها قد تكون على مشارف استعادة خيار
12 مليون دولار للرحلة الواحدة. لقد انطلق الصاروخ فالكون 9 لأول مرة في يونيو عام 2010، ودار حول الأرض بنجاح. وفي ديسمبر عام 2010، أثبتت سبيس إكس
أن الصــاروخ فــالكون 9 يســتطيع حمــل المركبــة الفضــائية الصــغيرة دراجــون إلــى الفضــاء وأنــه يمكــن اســتعادة المركبــة بســلام بعــد هبوطــها فــي المحــيط. ******** لقــد
أصبحت أول شركة تجارية على الإطلاق تنجح في تحقيق هذا الإنجاز. وفي مايو عام 2012، مرت شركة سبيس إكس بأكثر لحظة مذهلة في تاريخ الشركة منذ أول
عملية إطلاق ناجحة تمت على جزيرة " كواجالين.

ففــي يــوم الثــاني والعشــرين مــن مــايو، الســاعة الثالثـة وأربـع وأربعـين دقيقـة فجـرًا، انطلـق الصـاروخ فـالكون 1 مـن مـركز كينيـدي للفضـاء فـي كـيب كـانافيرال بولايـة
فلوريدا. أدى الصاروخ مهمته بأن ساعد على حمل المركبة دراجون إلى الفضاء. بعدها، فُتحت الألواح الشمسية للمركبة دراجون واعتمدت على محركات الدفع
الثمانيــة عشــر طــراز درايكــو المــوجودة بــها، أو محركاتــها الصــاروخية الصــغيرة، لتوجــه مســارها إلــى " محطــة الفضــاء الـدولية " . كـان مهندسـو شـركة سـبيس إكـس
يعملون في نوبات عمل، كان بعضهم ينام في أسرَّة خفيفة نقالة في المصنع، نظرًا لأن قيام المركبة دراجون برحلتها قد استغرق من الكبسولة ثلاثة أيام، وقضوا
معظم وقتهم في مراقبة رحلة المركبة دراجون ومعرفة ما إذا كانت أنظمة المجسات الخاصة بها تحدد مكان " محطة الفضاء الدولية " بدقة. كان من المخطط في
الأصــل أن تحــط المركبــة دراجــون فــي " محطــة الفضــاء الــدولية " فـي السـاعة الرابعـة فجـرًا مـن الـيوم الخـامس والعشـرين مـن الشـهر، لكـن مـع اقتـراب الكبسـولة مـن
محطة الفضاء، حدث وميض عطل حسابات شعاع الليزر المستخدم في قياس المسافة بين المركبة دراجون و " محطة الفضاء الدولية " . تقول " شوتويل " : " أتذكر
أنها كانت ساعتين ونصف الساعة من الصراع " . لكن مع انقضاء الليل ببطء، بدأت تشعر بأن ملابسها المكونة من حذاء طراز " أوجز " وكنزة مشبكة وسروال قد
أصبحت منامة لها، بينما قاوم المهندسون هذه الصعوبة غير المخطط لها. ونظرًا لأن شركة سبيس إكس كانت تخشى طوال الوقت من أن تلغي بعثتها، فقد قررت
أن تحمل برنامجًا حاسوبيًّا جديدًا على المركبة دراجون يعمل على تقليل حجم الإطار البصري الذي تستخدمه المجسات لاستبعاد تأثير ضوء الشمس على الماكينة.
بعدها، وقبيل الساعة السابعة صباحًا، اقتربت المركبة دراجون من " محطة الفضاء الدولية " بما يكفي لكي يقوم رائد الفضاء " دون بتي " بمد ذراع آلية طولها
حوالي سبعة عشر مترًا ونصف المتر واستخدامها للإمساك بكبسولة إعادة التموين. يقول " بتي " : " هيوستن، هنا محطة الفضاء. يبدو أننا أمسكنا بتنين من ذيله
" . 13

تقول " شوتويل " : " كانت معدتي فارغة، ثم احتسيت كأسًا من الشراب في السادسة صباحًا " . كان هناك حوالي ثلاثين شخصًا في غرفة التحكم عندما رست
المركبة. وخلال الساعات القليلة التالية، تدفق حشد من العمال إلى مصنع سبيس إكس لكي يحتفلوا باللحظة؛ فقد حققت شركة سبيس إكس سابقة أخرى،
وهي كونها أول شركة خاصة ترسو مركبتها بـ " محطة الفضاء الدولية " . تلقت الشركة بعدها ببضعة أشهر 440 مليون دولار من وكالة ناسا لكي تستمر بتطوير
المركبة دراجون حتى تستطيع نقل البشر. تقولت " ستوكر " في التي تعمل لصالح وكالة " ناسا " : " إن إيلون يغير طريقة تنفيذ العمل الخاص بمجال الفضاء. لقد
تمكــن مــن الحفــاظ علــى عـامل الأمـان فـي أثنـاء تخفيضـه للتكـاليف؛ حـيث إنـه أخـذ أفضـل مـا فـي مجـال التكنولوجيـا مثـل تصـميمات المكـاتب المفتوحـة وجعـل الجمـيع
يتحدثون معًا وحرص على التفاعل بين العاملين. إنها طريقة مختلفة تمامًا عن السائد في مجال الفضاء، المصمم لكي تنتج المستندات الخاصة بالمتطلبات ومراجعة
المشروعات " .

دعا " ماسك " الصحافة إلى المقر الرئيسي لشركة سبيس إكس في مايو عام 2014 لكي يشرح ما اشترته معظم تلك الأموال التي أعطتها إياها وكالة ناسا. لقد كشف
عن المركبة الفضائية دراجون في 2، أو النسخة الثانية من المركبة دراجون. ويفضِّل " ماسك " إقامة احتفالات حقيقية مسائية على غرار احتفالات هوليوود، على
عكس معظم التنفيذيين، الذين يحبون التباهي بمنتجاتهم في المعارض التجارية والفعاليات النهارية. لقد وصل الناس إلى هاوثورن بالمئات وتناولوا مقبلات خفيفة
حتى عرض الساعة السابعة والنصف مساءً. ظهر " ماسك " مرتديًا سترة مخملية أرجوانية اللون، وفتح باب الكبسولة بأن ضربه بقبضته. وما كشف عنه كان
مــذهلًا، فقــد اختفــى الممــر الضــيق المـوجود بالكبسـولات السـابقة، وأصـبحت هنـاك سـبعة مقاعـد منحنيـة رفيعـة ومتينـة مرتبـة بحـيث تكـون أربعـة مقاعـد قريبـة مـن
وحدة التحكم وصف من ثلاثة مقاعد في المؤخرة. سار " ماسك " داخل الكبسولة لكي يستعرض كم هي فسيحة، ثم جلس في المقعد المركزي لقائد الكبسولة، ومد
يده لأعلى وفتح وحدة تحكم بأربع شاشات مسطحة انزلقت بخفة أمام الصف الأول من المقاعد بالضبط. ******** وسط لوحة التحكم، كانت هناك عصا للتحكم
في طيران المركبة الجوية وبعض الأزرار التي تؤدي وظائف أساسية يستطيع رواد الفضاء الضغط عليها في حالة الطوارئ أو في حال تعطل إحدى الشاشات التي
تعمل بخاصية اللمس. كانت بداخل الكبسولة لمسات نهائية معدنية متألقة. أخيرًا صنع أحدهم مركبة فضائية جديرة بأحلام العلماء ومخرجي الأفلام.

كانت المركبة الفضائية مميزة من حيث المظهر والجوهر على حد سواء. فالمركبة دراجون 2 بإمكانها أن ترسو بـ " محطة الفضاء الدولية " وغيرها من المستعمرات
الفضائية تلقائيًّا دون الحاجة إلى تدخل ذراع آلية، وسوف تعمل بمحرك من طراز سوبر درايكو... وهو محرك دفع صنعته شركة سبيس إكس وأول محرك على
الإطلاق يُصنع بواسطة طابعة ثلاثية الأبعاد ويُرسل إلى الفضاء؛ هذا يعني أن آلة يوجهها حاسوب قد شكلت المحرك من قطعة واحدة من المعدن، وهي خليط
المعادن عالي المتانة إنكونيل في هذه الحالة، لكي تفوق متانته وأداؤه أي شيء صنعه البشر بلحام الأجزاء المختلفة معًا. لكن أكثر أمر مدهش على الإطلاق هو أن "
ماسك " قد كشف أن المركبة
دراجون 2 سوف تتمكن من الهبوط في أي مكان تحدده سبيس إكس على كوكب الأرض باستخدام المحركات طراز سوبر درايكو ومحركات الدفع التي سوف تجعلها
تتوقف بسلاسة على الأرض. لم تعد هناك حاجة إلى الهبوط في البحر أو إلى التخلص من المركبات الفضائية. يقول " ماسك " : " هكذا يجب أن تهبط مركبة فضائية
في القرن الحادي والعشرين. يمكن ببساطة إعادة ملئها بالوقود الدافع والطيران مجددًا. وطالما نواصل التخلص من الصواريخ والمركبات الفضائية، لن نتمكن من
الوصول إلى الفضاء حقًّا أبدًا " .

تعــــد المركبــــة دراجــــون 2 مجـــرد واحــدة مــن الآلات التــي تســتمر شــركة ســبيس إكــس فــي تطويرهــا علــى التــوازي. وســيكون أحــد المعــالم التاليــة للشــركة هــو أول رحلــة
للصاروخ فالكون هيفي، المصمم ليكون أقوى صاروخ في العالم. ******** لقد وجدت شركة سبيس إكس طريقة لجمع ثلاثة صواريخ طراز فالكون 9 في مركبة
واحدة بها سبعة وعشرون محرك ميرلن تمتلك القدرة على نقل ما يفوق 53 طنًّا متريًّا من الحمولة إلى مدارها. جزء من عبقرية تصميمات " ماسك " و " مولر " هو
أن بوسع شركة سبيس إكس إعادة استخدام المحرك نفسه في هيئات مختلفة، من الصاروخ فالكون 1 وحتى الصاروخ فالكون هيفي، ما يوفر التكلفة والوقت.
يقول " مولر " : " نحن نصنع غرف الاحتراق والمضخات التوربينية ومولدات الغاز والحاقنات والصمامات الرئيسية الخاصة بنا بأنفسنا. نحن نمتلك التحكم التام،
ولنا موقع اختبار خاص بنا، في حين تستخدم معظم الشركات مواقع الاختبار الحكومية. كما قل عدد ساعات العمل إلى النصف وبالتالي قل حجم العمل على المواد. ومنذ أربعة أعوام، كان باستطاعتنا صناعة صاروخين سنويًّا، لكننا حاليًّا نصنع عشرين صاروخًا سنويًّا " . تفتخر شركة سبيس إكس بأن الصاروخ فالكون
هيفي يستطيع نقل ضعف الحمولة التي ينقلها أقرب منافس له، الصاروخ دلتا آي في هيفي من شركتيْ بوينج ويونايتد لانش آلاينس، بثُلث التكلفة. بالإضافة إلى
ذلك، فإن شركة سبيس إكس مشغولة بتصنيع ميناء فضائي من الألف إلى الياء؛ والهدف من ذلك هو التمكن من إطلاق عدة صواريخ كل ساعة من هذه المنشأة
التي تقع في مدينة براونزفيل بولاية تكساس عن طريق تشغيل العمليات اللازمة لنصب الصاروخ على المنصة وتزويده بالوقود وإرساله إلى الفضاء آليًّا.

استمرت شركة سبيس إكس في تجربة تلك المركبات الجديدة خلال عمليات الإطلاق الفعلية بطرق لا تجرؤ الشركات الأخرى على فعلها، كما كانت تفعل في أيامها
الأولى. كثيرًا ما كانت شركة سبيس إكس تعلن عن أنها تجرب محركًا جديدًا أو قوائم الهبوط الخاصة بها، وتركز على تلك التحسينات الخاصة بالمواد التسويقية
التي تسبق عملية الإطلاق. غير أن من الشائع بالنسبة لشركة سبيس إكس أن تقوم باختبار عشرات الأهداف الأخرى سرًّا خلال أية بعثة. يطلب " ماسك " من
الموظفــين أن يفعلــوا المســتحيل. لقــد وصــف مــوظف تنفيــذي ســابق بشــركة ســبيس إكـس أجـواء العمـل فـي الشـركة بأنـها آلـة أبـدية تعمـل بمزيـج غـريب مـن الاسـتياء
والأمل الأبدي. يقول هذا الموظف التنفيذي: " كأنه يجعل الجميع يعملون على سيارة من المفترض أن تقطع الرحلة من لوس أنجلوس إلى نيويورك بخزان واحد من
الوقود، وسوف يعملون على تصنيع تلك السيارة لمدة عام ويختبرون كل أجزائها، ثم عندما ينطلقون بالسيارة متجهين إلى نيويورك بعد مرور ذلك العام، يعتقد
كل نواب الرؤساء سرًّا أن السيارة سوف تكون محظوظة إذا وصلت إلى لاس فيجاس، لكن ما يحدث في نهاية المطاف هو أن تصل السيارة إلى نيومكسيكو، أي
ضعف المسافة المتوقعة، لكن إيلون سوف يظل غاضبًا. إنه يتوقع من العاملين لديه أن يبذلوا أقصى جهد لهم " .

ثمة مرحلة يصبح فيها الأمر غير كافٍ إطلاقًا بالنسبة لـ " ماسك " ، مهما كان ذلك الأمر. مثال على ذلك: عملية الإطلاق التي حدثت في ديسمبر
عام 2010 التي جعلت فيها شركة سبيس إكس الكبسولة دراجون تدور حول الأرض وتعود بنجاح. كان هذا أحد أعظم إنجازات الشركة، وكان العاملون قد عملوا
بلا كلل طوال أشهر، إن لم يكن طوال سنوات. لقد حدثت عملية الإطلاق تلك في الثامن من ديسمبر، وأقامت شركة سبيس إكس حفلًا في السادس عشر من
الشهر نفسه . لكن قبل أن يبدأ الحفل بتسعين دقيقة، استدعى " ماسك " كبار التنفيذيين إلى شركة سبيس إكس من أجل عقد اجتماع. كان ستة منهم، بمن
فيــهم " مولــر " ، متــأنقين فــي ملابــس الحفــل الفــاخرة وجـاهزين للاحتفـال بـالعطلات وبـالإنجاز التـاريخي الـذي حققتـه شـركة سـبيس إكـس فيمـا يتعلـق بالكبسـولة
دراجون. لكن " ماسك " وبخهم لحوالي ساعة لأنهم لم ينتهوا من تصميم الهيكل الخاص بصاروخ مستقبلي في جدوله الزمني المحدد. يقول " بروجان " : " كانت
زوجاتهم يجلسن على بعد ثلاث حجيرات بانتظار أن ينتهي التوبيخ " . ثمة أمثلة أخرى على سلوكيات مشابهة ظهرت بين الفينة والأخرى. على سبيل المثال، كافأ "
ماسك " مجموعة من ثلاثين موظفًا نجحوا في إنجاز مشروع صعب لصالح وكالة ناسا بعلاوات مكونة من منح إضافية لخيارات الأسهم؛ لهذا، طالب العديد من
الموظفين، الذين يسعون للحصول على علاوة فورية ملموسة أكثر من هذا، بالحصول على نقود. يقول " درو إلدين " ، وهو مهندس سابق بشركة سبيس إكس: "
لقد وبخنا لأننا لا نقدِّر الأسهم قائلًا: " إنها تساوي أكثر بكثير من ألف دولار نقدًا على المدى الطويل " . لم يكن يصيح أو شيئًا من هذا القبيل، لكن بدا أنه يشعر
بخيبة أمل فينا. كان من الصعب علينا أن نسمع هذا " .

إن السؤال الدائم لدى العديد من موظفي شركة سبيس إكس هو متى بالضبط سيرون مكافأة كبيرة مقابل عملهم. يتلقى طاقم عمل شركة سبيس إكس راتبًا
جيدًا، لكنه ليس باهظًا مطلقًا. يتوقع العديدون منهم أن يجنوا أموالهم حينما تستعد شركة سبيس إكس لطرح اكتتاب عام أولي. المشكلة هي أن " ماسك " لا
يريد طرح الشركة للاكتتاب العام في أي وقت قريب، وهذا مفهوم، فمن الصعب شرح مسألة السفر إلى كوكب المريخ للمستثمرين، في حين أن نموذج الأعمال
المتعلق بتأسيس مستعمرة على كوكب آخر غير واضح. حين سمع الموظفون " ماسك " يقول إن الاكتتاب العام الأولي سيكون بعد أعوام ولن يتم إلا حين تبدو
بعثات السفر إلى المريخ أكثر أمانًا، بدأوا يتذمرون، وعندما عرف " ماسك " بهذا، خاطب شركة سبيس إكس برمتها في رسالة إلكترونية تمثل نافذة رائعة على
طريقة تفكيره وكيفية اختلافها عن طريقة تفكير أي مدير تنفيذي آخر (تظهر الرسالة الإلكترونية كاملة في الملحق الثالث).

السابع من يونيو عام 2013

الاكتتاب العام الأولي

وفقًا لتعليقاتي الأخيرة، أشعر بقلق متزايد بشأن طرح شركة سبيس إكس للاكتتاب العام قبل تنفيذ نظام نقل المؤن إلى كوكب المريخ. إن ابتكار التقنية اللازمة
لتأســيس حيــاة علــى حيــاة علــى كــوكب المــريخ هــو الــهدف الأسـاسي لشـركة سـبيس إكـس، ولطـالما كـان كـذلك. إن كـان تحـول الشـركة إلـى شـركة عامـة يقلـل مـن ذلـك
الاحتمال، فلا ينبغي علينا أن نفعل ذلك حتى يصبح مشروع السفر إلى كوكب المريخ مضمونًا. هذا أمر أتقبل إعادة النظر فيه، لكن بحكم تجاربي مع شركتيْ تسلا
وسولارسيتي، أنا متردد في عرض شركة سبيس إكس للاكتتاب العام، خاصةً بحكم طبيعة مهمتنا طويلة الأجل.

قد يعتقد بعض العاملين في شركة سبيس إكس ، الذين لم يمروا بتجربة تحويل الشركة إلى شركة عامة ، أن كون الشركة عامة أمر مرغوب فيه ، لكن هذا ليس
صحيح ً ا؛ فأسعار أسهم الشركات العامة تمر بتقلب شديد ، خاصة ً إذا كانت التغيرات التكنولوجية الكبيرة متداخلة في الأمر ، وذلك لأسباب التنفيذ الداخلية
وأسباب أخرى لا علاقة لها بأي شيء عدا الاقتصاد على حد السواء؛ ما يلهي الناس بهوس متابعة ارتفاع الأسهم وانخفاضها على نحو يبعث على الاكتئاب عوض ً
ا عن إنتاج منتجات رائعة .

أمــا بالنســبة لمــن يعتقــدون أنــهم شـديدو الـذكاء لـدرجة أن بإمكانـهم أن يفـوقوا مسـتثمري السـوق العامـة دهـاء ً وحيلـة بـأن يبـيعوا أسـهم شـركة سـبيس إكـس فـي "
الوقت المناسب " ، ف دعوني أحرركم من مثل هذا المفهوم : إذا كنتم فعلً ا أفضل من معظم مديري صناديق الائتمان ، فلا داعي للقلق بشأن قيمة أسهمكم في
شركة سبيس إكس ، بما أنه يمكنكم ببساطة الاستثمار في أسهم شركة عامة أخرى وجني مليارات الدولارات في السوق .

إيلون.

* الجدير بالذكر أن العديد من العاملين في مجال الفضاء يشكُّون في أن الصواريخ الصالحة لإعادة الاستخدام سوف تعمل مرة أخرى. ويرجع هذا في الغالب إلى
الضــغط الــذي تتعـرض لـه الآلات والمعـادن خـلال عمليـة الإطـلاق. ولـيس واضـحًا مـا إذا كـان معظـم العمـلاء المـهمين سـيأخذون المركبـات الفضـائية المعـاد اسـتخدامها
بعين الاعتبار في عمليات الإطلاق الخاصة بهم بسبب مخاطرها المحتملة، ما يعد سببًا مهمًّا لكون الدول والشركات الأخرى لم تسعَ وراء هذه التقنية من قبل.
وتعتقد مجموعة من خبراء الفضاء أن " ماسك " يهدر وقته، كما تبرهن الحسابات الهندسية بالفعل على أن إعادة استخدام الصواريخ الصالحة لذلك مسعى لا
طائل منه.

** عينت شركة بلو أوريجين كذلك جزءًا كبيرًا من فريق شركة سبيس إكس الذي يعمل على أبحاث قوة الدفع.

*** عارض " ماسك " قيام بلو أوريجين و " بيزوس " بتقديم براءات اختراع تتعلق بتقنية الصواريخ القابلة لإعادة الاستخدام كذلك. يقول " ماسك " : " براءة
اختراعه سخيفة جدًّا. إن الناس يقترحون الهبوط على منصة عائمة في المحيط منذ نصف قرن. ومستحيل أن تتم إجازة براءة الاختراع تلك؛ لأن هناك خمسة عقود
من العمل الإبداعي الخاص بمن اقترحوا هذا الأمر بكل الطرق الممكنة في الخيال وعلى أرض الواقع. لقد اقتُرح هذا الأمر في مرات كثيرة جدًّا. تكمن المشكلة في تنفيذ
المهمة وتصنيع صاروخ قادر على تحقيق هذا فعلًا " .

**** " مايكل كولونو " .

***** وفقًا لـ " ماسك " : " بالنسبة للنسخة الأولية رقم 1 من المركبة دراجون، قمت أنا وربما ثلاثة أو أربعة مهندسين فقط بالعمل عليها، نظرًا لأننا كنا نعيش
على الكفاف، ولم نكن ندري إن كانت وكالة ناسا ستتعاقد معنا أم لا. بالفعل، كانت هناك مركبة تدعى ماجيك دراجون قبلها، كانت أبسط بكثير؛ لأنها لم تكن
مزودة بمتطلبات وكالة ناسا. لم يعمل على ماجيك دراجون سواي أنا وبعض مصممي المناطيد في المملكة المتحدة " .

****** لاحظ باحثو وكالة ناسا الذين يدرسون تصميم المركبة دراجون عدة خصائص لها يبدو أنها صُنعت لغرض محدد منذ البداية كي تلائم عملية الهبوط على
سطح المريخ؛ لذلك، نشروا عدة أبحاث تشرح مدى جدوى تمويل وكالة ناسا لبعثة إلى المريخ تقوم فيها المركبة دراجون بأخذ عينات ثم تعيدها إلى الأرض.

******* ربمــا تتحــول عمليــة تســييس مشــروعات الفضــاء إلــى أمـر بغـيض جـدًّا. لقـد قضـت " لـوري جـارفر " , النائبـة السـابقة لمـدير وكالـة ناسـا، أعـوامًا تجاهـد لفتـح
تعاقدات الوكالة مع الشركات الخاصة لكي تتمكن من دخول مناقصات على أمور مثل إعادة تموين " محطة الفضاء الدولية " ، إلى أن انتصر موقفها الخاص
بتبني علاقة قوية بين وكالة ناسا والقطاع الخاص في النهاية، ولكن لكل شيء ثمنًا، حيث قالت: " كان تُرسل إليَّ تهديدات بالقتل والإصابة بفيرس الجمرة
الخبيثة " . علاوةً على ذلك، صادفت " جارفر " منافسي سبيس إكس الذين حاولوا نشر شائعات لا أساس لها من الصحة عن الشركة وعن " ماسك " . تقول: "
زعموا أنه يخرق قانون الضرائب في جنوب إفريقيا وأن له عائلة هناك لا يعرف أحد عنها شيئًا، فقلت: " أنتم تختلقون تلك الأمور " . إننا محظوظون لأن أشخاصًا
ذوي رؤى طويلة الأجل مثل إيلون وجيف بيزوس وروبرت بجلو [ مؤسس شركة فضاء تحمل اسمه ] قد أصبحوا أثرياء. ومن الجنوني أن يرغب الناس في تشويه
سمعة إيلون. قد يقول بعض الأمور التي تضايق الآخرين، إلا أن هناك مواقف لا تفلح فيها معاملة الجميع بلطف " .
******** وضــعت شــركة ســبيس إكــس ســرًّا فــي هــذه الرحلــة قــرصًا مــن الجبــن علــى متـن المركبـة الفضـائية الصـغيرة دراجـون - كـان قـرص الجبـن الـذي أهـداه " جـيف
سكول " إلى " ماسك " حين كان يفكر في إرسال فئران إلى كوكب المريخ.

******** شرح لي " ماسك " المنظر بطريقة لا يستطيع شرحها سواه، قائلًا: " اخترت أسلوبًا مشابهًا لأسلوب السيارة طراز إس (إنها تستخدم الشاشات نفسها
المســتخدمة فـي السـيارة طـراز إس، لكـن تـم تطويرهـا مـن أجـل أغـراض الفضـاء)، لكننـي أبقـيت الـهيكل المجـوف المصـنوع مـن لـوح واحـد مضـلع علـى شـكل مثلثـات مـن
الألمونيوم مكشوفًا لكي يعطيه مظهرًا أكثر غرابة " .

******** الأمر الجنوني نوعًا هو أن وكالة ناسا تصنع مركبة فضائية ضخمة من الجيل الثاني تستطيع يومًا ما الوصول إلى كوكب المريخ، مع أن شركة سبيس
إكس تصنع بنفسها مركبة من النوع نفسها، ألا وهو الصاروخ فالكون هيفي. وتُقدر تكلفة برنامج وكالة ناسا بحوالي 18 مليار دولار، وإن كانت دراسات الحكومة
تقول إن هذا الرقم أقل بكثيرمن الرقم الحقيقي. ويقول الملياردير المستثمر ورائد أعمال الفضاء التجارية السابق " آندرو بيل " : " لا شأن لوكالة ناسا بفعل هذا
بتاتًا؛ فقد كان نظام المكوكات الفضائية برمته كارثيًّا. إنهم لا يعرفون شيئًا ألبتة. أي شخص عاقل يستخدم محركًا صاروخيًّا معززًا يعمل بالوقود الصلب، خاصةً
المحركات المصنوعة على أجزاء التي تتطلب لحامًا ديناميكيًّا؟ ولحسن حظهم أن محركاتهم الصاروخية المعززة تعرضت مرة واحدة فقط للإخفاق الكارثي " . نبع نقد
" بيل " من قضائه سنوات يشاهد الحكومة تنافس شركات الفضاء الخاصة عن طريق دعم تصنيع المركبات الفضائية وعمليات الإطلاق. لقد تركت شركته بيل
إيروسبيس مجال العمل هذا؛ لأن الحكومة استمرت بتمويل الصواريخ المنافسة. وعن هذا يقول: " لقد أنفقت الحكومات في كل أنحاء العالم المليارات لتحاول
فعل ما يفعله إيلون، وفشلت. يجب أن تكون هناك حكومات، لكن فكرة تنافسها مع الشركات الخاصة فكرة جنونية تمامًا " .
10

?

?

انتقام السيارات الكهربية

ثمة إعلانات تليفزيونية كثيرة جدًّا عن السيارات والشاحنات، لدرجة أنه من السهل أن تتحصن ضدها وتتجاهل ما جاء فيها. لا بأس بهذا لأنه لا توجد أمور مهمة
كثيرة تحدث حقًّا؛ فقد كان مصنعو السيارات الذين يهتمون ببذل القليل من الجهد في إعلاناتهم يحاولون إقناع الناس بشراء الأشياء نفسها منذ عقود: سيارة
أكثر سعة قليلًا، بضعة كيلومترات إضافية لكل جالون، تحكم أفضل، أو حامل أكواب إضافي. وإذا لم يجدوا أي شيء مثير للاهتمام يروجون له علنًا في سياراتهم
ويستعينون بالنساء الفاتنات والرجال ذوي اللكنة البريطانية، وعند الضرورة، الشخصيات الكرتونية، مثل الفئران الراقصة، التي ترتدي بذلات رسمية لكي يحاولوا
إقناع الناس بأن سيارتهم أفضل من بقية السيارات. عندما يظهر إعلان عن السيارات على تلفازك في المرة القادمة، توقف للحظة وأصغِ فعلًا لما يُقال. عندما تدرك
أن " الفاعلية " ، التي تقيمها شركة فولكس فاجن المسماة بـ " وقِّع العقد وقُدِ السيارة " ، هي مجرد ترجمة لعبارة " إننا نجعل تجربة شراء السيارة أقل شقاءً من
المعتاد " ، حينئذ ستقدر مدى تدني صناعة السيارات.

لكــن فــي منتصــف عــام 2012، أذهلــت شــركة تيســلاموتورز نظراءهــا الراضــين عــن أنفسـهم فـي صـناعة السـيارات؛ حـيث إنـها بـدأت تشـحن سـيارتها طـراز إس سـيدان.
تستطيع هذه السيارة الكهربية الفاخرة قطع مسافة تفوق 482 كيلومترًا بشحنة واحدة من الكهرباء، وتستطيع بلوغ سرعة مائة كيلومتر في الساعة في أربع ثوانٍ
ونصف الثانية، وتتسع لسبعة أشخاص، إذا استخدم المرء مقعدين اختياريين بالخلف يواجهان مؤخرة السيارة مخصصين للأطفال. كما أن بها صندوقيْ سيارة:
الصندوق الخلفي المعتاد، وما تطلق عليه شركة تيسلا " صندوق أمامي " في مقدمة السيارة، حيث يوجد محرك السيارة الضخم عادةً. يعمل الطراز إس بحزمة
بطاريات كهربية تشكل قاعدة السيارة وبمحرك كهربي بحجم ثمرة البطيخ يقع بين الإطارين الخلفيين. والتخلص من المحرك المعتاد وضجيج آلاته المعدنية يعني أن
الســيارة طــراز إس تســير فــي هــدوء. لقــد تفــوق الطــراز إس علــى غالبيــة الســيارات الفــاخرة الأخــرى مــن النــوع ســيدان مــن حــيث السـرعة الخالصـة وعـدد الكـيلومترات
والتحكم ومساحة التخزين.

وهناك المزيد ... مثل مقابض الأبواب الرائعة: فالمقابض مستوية مع جسم السيارة طراز إس إلى أن يقترب السائق من السيارة فتبرز المقابض. وعندما تبرز المقابض
الفضية للأبواب، يفتح السائق الباب ويستقل سيارته، ثم تعود المقابض مرة أخرى لتتساوى مع جسم السيارة. وبمجرد أن يستقل السائق سيارته، تنسدل أمامه
شاشة عرض 17 بوصة تعمل بتقنية اللمس وتتحكم في غالبية وظائف السيارة، سواء كانت رفع مستوى صوت النظام الصوتي المجسم * أو فتح فتحة السقف
بتمرير الأصبع على الشاشة. في حين تحتوي معظم السيارات على لوحة أجهزة قياس كبيرة لتتسع للشاشات والأزرار المختلفة. ولكي تحمي الركاب من ضوضاء
المحرك وتحتل مساحة كبيرة من السيارة، فإن السيارة طراز إس توفر هذه المساحات الشاسعة، كما أنها تحتوي على خاصية الاتصال الدائم بشبكة الإنترنت، ما
يســمح للســائق بتحميــل الموســيقى مــن خــلال وحــدة التحكــم التــي تعمـل بـاللمس وعـرض خـرائط ضـخمة مـن مـوقع جوجـل. ولا يحتـاج السـائق إلـى تشـغيل المحـرك
بالمفتاح ولا الضغط على زر لتشغيله أيضًا؛ لأن وزن قائد السيارة في أثناء جلوسه على مقعد القيادة بالإضافة إلى المجس الموجود في سلسلة المفاتيح، التي تتخذ
شكل نموذج مصغر لسيارة طراز إس، يكفيان لتشغيل المركبة. ونظرًا لأن السيارة مصنوعة من الألمونيوم الخفيف، فقد حققت أعلى معدل أمان في التاريخ، كما
كان يمكن شحنها مجانًا من محطات شركة تيسلا المصفوفة على طول الطرق السريعة في كل أنحاء الولايات المتحدة وفي كل أنحاء العالم لاحقًا.

بالنسبة للمهندسين والمهتمين بالحفاظ على البيئة، قدمت السيارة طراز إس نموذجًا كفئًا. تتكون السيارات التقليدية والهجينة مما يتراوح بين مئات وآلاف الأجزاء
المتحركــــة: يجــــب أن يقــــوم المحـــرك بــانفجارات مســتمرة خاضــعة للســيطرة مــن خــلال المكــابس وأعمــدة ذراع التــدوير ومرشــحات الزيــت والمولــدات والمــراوح والموزعــات
والصــمامات والملفــات والأســطوانات وغيرهــا مــن الأجزاء الآليــة العــديدة اللازمــة لعمــل الســيارة. بعــد ذلــك، يجــب أن تمــر الطاقــة التـي يولـدها المحـرك عبـر أسـطوانة
التعشيق وناقل السرعات وأعمدة التوجيه لكي تدور الإطارات، ثم يأتي الدور على أنظمة العوادم للتعامل مع العادم. وينتهي المطاف بأن تصبح السيارات ذات
كفاءة بنسبة حوالي عشرة إلى عشرين بالمائة في تحويل الوقود إلى قوة دفع مُنتَجة. لكن معظم الطاقة (حوالي 70% منها) يُفقد على شكل حرارة في المحرك، بينما
يُفقــد البــاقي عبــر مقاومــة الــهواء والمكــابح وغيرهــا مــن الوظــائف الميكانيكيـة. وعلـى النقـيض، تمتلـك السـيارة طـراز إس اثنـي عشـر جزءًا متحـركًا، بالإضـافة إلـى حزمـة
البطارية التي ترسل الطاقة فورًا إلى محرك بحجم ثمرة البطيخ يدير الإطارات. هكذا، ينتهي المطاف بأن تصبح السيارة طراز إس ذات كفاءة بنسبة حوالي ستين
بالمائة، حيث تفقد بقية طاقتها كحرارة. وتحصل السيارة من طراز سيدان على ما يعادل حوالي مائة ميل لكل جالون ** .

كــانت هنــاك خاصــية أخــرى ممــيزة للســيارة طــراز إس ألا وهــي تجربــة شــراء الســيارة وامتلاكــها. لســت مضــطرًّا للــذهاب إلــى وكــالات بــيع الســيارات وتجـادل منـدوب
مبيعات لحوحًا، بل تبيع شركة تيسلا السيارة طراز إس مباشرةً من خلال متاجرها وموقعها الإلكتروني؛ حيث تجد متاجرها عادةً في مراكز التسوق الراقية أو
الضواحي الراقية، ولا تبعد كثيرًا عن متاجر شركة آبل التي تشبهت بها. يدخل العملاء تلك المتاجر ليجدوا سيارة طراز إس وسط المتجر، وغالبًا ما تكون نسخة
مكشوفة من قاعدة السيارة موضوعة قرب أقصى طرف المتجر لتعرض حزمة بطاريات السيارة ومحركها. وهناك شاشات ضخمة تعمل باللمس تمكِّن الناس من
حساب ما قد يوفرونه من تكاليف الوقود بتحولهم لقيادة سيارة كهربية بالكامل، وحيث بإمكانهم تصميم مظهر سيارتهم المستقبلية طراز إس والإضافات التي
ســيضيفونها إليــها. وبمجــرد انتــهاء عمليــة التصــميم، يكــون بوســع العميـل أن يمـرر يـده علـى الشـاشة، تظـهر سـيارته طـراز إس ظـهورًا جلـيًّا علـى شـاشة أكبـر حجـمًا
مــوجودة وســط المتجـر. وإذا كنـت تريـد الجلـوس فـي نمـوذج العـرض، يقـوم منـدوب المبيعـات بسـحب حبـل مخملـي أحمـر اللـون بـالقرب مـن بـاب السـائق ليسـمح لـك
باستقلال السيارة. لا يتلقى مندوبو المبيعات عمولة ولا يحاولون إقناعك بشراء مجموعة من السمات الإضافية. وسواء اشتريت السيارة من المتجر أو من على شبكة
الإنترنت، سوف تُسلِّم إليك بطريقة الخدمات الفندقية، حيث ترسل شركة تيسلا السيارة إلى منزل العميل أو مكتبه أو أي مكان آخر يرغب فيه. وعلاوةً على ذلك،
كانت الشركة تقدم لعملائها خيار أخذ سياراتهم من المصنع في وادي السيليكون ودعوة أصدقائهم وعائلتهم إلى جولة مجانية داخل المصنع. بالإضافة إلى كل هذا،
لا يضــطر العميــل إلــى إجــراء أيــة عمليــات تغــيير لــلزيت أو ضــبط للســيارة خــلال الأشــهر التاليــة لعمليــة التســليم لأن الســيارة طــراز إس لا تكــون بحاجــة إليــها؛ فقــد
تخلصت من الكثير من المخلفات الميكانيكية الاعتيادية في المركبات التي تعمل بالاحتراق الداخلي. غير أنه إذا حدث أي عطل ما بالسيارة، كانت شركة تيسلا تأخذ
السيارة وتقرض العميل سيارة أخرى حتى تصلح العيب.

تقــدم الســيارة طــراز إس طريقـة لإصـلاح المشـكلات بأسـلوب لـم يعتـده النـاس مـن قبـل فـي خـط إنتـاج مـهول للسـيارات. لقـد اشـتكى بعـض العمـلاء الأوائـل مـن وجـود
عــيوب مثــل عــدم بــروز مقــابض الأبــواب كمــا يجـب أو عمـل مسـاحات الزجـاج الأمـامي بسـرعات غريبـة. كـانت تلـك عـيوب لا تُغتفـر بالنسـبة لمثـل تلـك السـيارة باهظـة
الثمــن، لكــن شــركة تيســلا عملــت بكفــاءة مــاهرة علـى معالجتـها: فبينمـا يكـون مـالك السـيارة نـائمًا، يعمـل مهندسـو تيسـلا علـى السـيارة عبـر شـبكة الإنتـرنت وتنزيـل
تحــديثات البرمجيــات الحاســوبية بــها. وعنــدما يقــود المــالك ســيارته فــي جولــة فــي الصــباح، يجــدها تعمــل كمــا ينبغــي، كــان هــذا يتــرك لـديه شـعورًا كمـا لـو أن الأقزام
السحريين قد قاموا بالعمل. وسرعان ما تتباهى تيسلا بمهاراتها في البرمجة في مهام تتعدى إصلاح الأخطاء، فقد طرحت في السوق تطبيقًا للهواتف الذكية يسمح
للنــاس بتشــغيل التكــييف أو التــدفئة عــن بعــد بالســيارة عــن بعــد ومعرفــة مكــان ركــن الســيارة علـى خريطـة. بالإضـافة إلـى ذلـك، بـدأت شـركة تيسـلا تثبـت تحـديثات
البــرامج الحاســوبية التــي تُدخــل خصــائص جــديدة علــى الســيارة طـراز إس. وبـين عشـية وضـحاها، تزود السـيارة بقـدرة جـديدة علـى التحكـم فـي الاحتكـاك الالتصـاقي
للطرق شديدة الانحدار أو السريعة أو قد تعيد شحن نفسها بسرعة أكبر من ذي قبل أو تزود بمجموعة جديدة من خيارات التحكم الصوتي. لقد حولت شركة
تيسلا السيارة إلى آلة... جهاز يتحسن أداؤه فعلًا بعد شرائه. كما وصف " كريج فينتر " ، أحد أوائل مالكي السيارة طراز " إس " والعالم الشهير الذي قام بفك
شفرة الحمض النووي البشري لأول مرة، الأمر قائلًا: " إنها تغير كل شيء بخصوص وسائل النقل. إنها بمثابة كمبيوتر يتحرك على إطارات " .

أول مــن لاحظــوا الإنجــاز الــذي حققتــه شــركة تيســلا كــانوا المولعــين بــالتكنولوجيا فــي وادي الســيليكون؛ المكــان الـذي يعـج بـالعملاء الأوائـل المسـتعدين لشـراء أحـدث
الأجهزة والمعاناة من عيوبها. وعادةً ما تنطبق هذه الخاصية على أجهزة الكمبيوتر التي يتراوح سعرها بين 100 دولار وألفي دولار. لكن هذه المرة، برهن العملاء
الأوائل أنهم لا يرغبون في إنفاق 100 ألف دولار على منتج قد يتعطل فحسب، ولكنهم على استعداد أيضًا لائتمان شركة ناشئة على حياتهم ورفاهيتهم. كانت
شركة تيسلا بحاجة إلى هذه الدَّفعة المبكرة من الثقة، وقد حصلت عليها بمستوى لا يتوقعه إلا قليلون. وخلال الأشهر القليلة الأولى بعد طرح السيارة طراز إس
في الأسواق، كان بالإمكان رؤية واحدة أو اثنتين يوميًّا في شوارع سان فرانسيسكو والمدن المحيطة بها، ثم أصبح بالإمكان رؤية خمس إلى عشر منها يوميًّا، وسرعان
مــا بــدا أن الســيارة طــراز إس توحــي بأنــها الســيارة الأكثـر شـيوعًا فـي مـدينتيْ بـالو آلتـو ومـاونتن فـيو، وهمـا المـدينتان اللتـان تشـكلان المـركز الحـيوي لــ وادي السـيليكون.
ظهرت السيارة طراز إس باعتبارها رمز المكانة الاجتماعية للأثرياء المولعين بالتكنولوجيا، حيث سمحت لهم بالتباهي وشراء مركبة جديدة وزعم أنهم يفيدون البيئة
فــي الــوقت نفســه. وقــد انتشــرت ظـاهرة السـيارة طـراز إس مـن وادي السـيليكون إلـى مـدينة لـوس أنجلـوس ثـم علـى طـول السـاحل الغـربي ثـم إلـى العاصـمة واشـنطن
وولاية نيويورك (وإن كان بدرجة أقل).

اعتبرت الشركات المصنعة للسيارات التقليدية السيارة طراز إس في البداية مركبةً مبتكرةً ومبيعاتها المرتفعة جزءًا من صيحة عابرة. لكن سرعان ما أفسحت تلك الآراء المجال أمام شعور أقرب إلى الذعر. وفي نوفمبر عام 2012، بعد أن بدأ طرح السيارة طراز إس في الأسواق بأشهر قليلة فحسب، حصلت السيارة على لقب "
سيارة العام " من مجلة موتور تريند في أول تصويت يتذكره أي من العاملين بالمجلة. لقد تفوقت السيارة طراز إس على إحدى عشرة مركبة أخرى من شركات مثل
بورش وب ي إم دابليو ولكزس وسوبارو، وأُثني عليها باعتبارها " دليلًا قاطعًا على أنه ما زال باستطاعة أمريكا صناعة أشياء رائعة " . احتفلت مجلة موتور تريند
بكــون الســيارة طــراز إس أول ســيارة ذات محــرك لا يعمــل بــالاحتراق الــداخلي تفــوز بجائزتــها الكبــرى علــى الإطــلاق، وكتبــت أن التحكــم بالمركبــة كــان أشــبه بالســيارة
الرياضية، وأن قيادتها كان سلسة كسيارة طراز رولز رويس، وأنها كانت ثابتة مثل السيارة شيفروليه إكوينوكس، وكانت أكثر كفاءة من السيارة تويوتا بريوس.
وبعدها بعدة أشهر، منحت مجلة كونسيومر ريبورتس السيارة طراز إس أعلى تصنيف سيارات لديها في التاريخ، تسعة وتسعين من مائة، بينما زعمت أنها على
الأرجح أفضل سيارة صُنعت على الإطلاق. في هذا الوقت تقريبًا، بدأت مبيعات السيارة طراز " إس " ترتفع بصورة جنونية إلى جانب سعر الأسهم المالية لشرك ة
تيسلا وقامت شركة جنرال موتورز، ضمن الشركات الأخرى المصنعة للسيارات، بجمع فريق لدراسة السيارة طراز إس وشركة تيسلا وأساليب " إيلون ماسك " .

الأمر يستحق التوقف للحظة لتأمل ما أنجزته شركة تيسلا. كان " ماسك " قد عمد إلى تصنيع سيارة كهربية لا تسمح بأية مساومات، وقد حقق هذا. بعدها، قام
بمناورات في ريادة الأعمال لكي يغير كليًّا عشرات السنوات من الانتقادات الموجهة السيارات الكهربية. لم تكن السيارة طراز إس أفضل سيارة كهربية فحسب، بل
كانت أفضل سيارة، وكفى، والسيارة التي يرغب فيها الناس. لم تكن أمريكا قد شهدت شركة صناعة سيارات ناجحة منذ ظهور شركة كرايسلر في عام 1925، ولم
يكن وادي السيليكون قد فعل أمرًا ذا أهمية في صناعة السيارات، ولم يسبق لـ " ماسك " أن أدار مصنعًا للسيارات من قبل وكانت مدينة ديترويت تعتبره مغرورًا
قليل الخبرة. ومع ذلك، بعد طرح السيارة طراز " إس " في الأسواق بعام واحد، حققت شركة تيسلا ربحًا، ووصلت إيراداتها ربع السنوية إلى 562 مليون دولار،
ورفعت سقف توقعاتها للمبيعات وأصبحت بنفس قيمة شركة مازدا موتورز. كان " إيلون ماسك " قد صنع ما يعادل الهاتف الذكي آي فون في صناعة السيارات،
ولــم يكــن أمــام المــديرين التنفيــذيين فــي شــركات صـناع ة السـيارات فـي مـدينة ديتـرويت واليـابان وألمـانيا سـوى مشـاهدة إعلاناتـهم الرديئـة بينمـا يفكـرون ملـيًّا فـي كيفيـة
حدوث هذا الأمر.

يمكنــك أن تعــذر شــركات صــناعة الســيارات التقليـدية لأنـها بـوغتت؛ فطـوال أعـوام، بـدت شـركة تيسـلا غـير قـادرة علـى فعـل أي شـيء صـائب. لقـد اسـتغرقت شـركة
تيسلا وقتًا طويلًا حتى أوائل عام 2009 لكي تبلغ أقصى مستوى للكفاءة مع السيارة رودستر ولكي تعمل على حل مشكلات التصنيع وراء تلك السيارة الرياضية.
وبينما كانت الشركة تحاول الترويج للسيارة طراز رودستر؛ بعث " ماسك " رسالة إلكترونية للعملاء يعلن فيها عن ارتفاع في الأسعار. حيث كان سعر السيارة يبدأ
في الأصل من حوالي 92 ألف دولار، وصار يبدأ من 109 ألف دولار. قال " ماسك " في رسالته الإلكترونية إن هناك 400 عميل قد سبق أن طلبوا السيارة رودستر لكن
لم يتلقوها بعد سوف يتحملون تغير الأسعار وسيتوجب عليهم دفع المبالغ الإضافية. لقد حاول أن يهدئ قاعدة عملاء شركة تيسلا بأن زعم أن الشركة لا تملك
خيــارًا ســوى رفــع الأســعار، فقــد جــاءت تكــاليف تصــنيع الســيارة رودســتر أعلــى بكثــير ممــا توقعتــه الشــركة فــي البــداية، وتـوجب عليـها أن تبـرهن أن بإمكانـها تصـنيع
السيارات وتحقيق ربح يدعم فرصها للحصول على قرض ضخم من الحكومة يحتاجون إليه لتصنيع السيارة طراز إس، الذي تعهد بتسليمها في عام 2011. كتب "
ماسك " في تلك الرسالة الإلكترونية قائلًا: " أعتقد بشدة أن الخطة... تحقق مساومة معقولة بين إنصاف العملاء القدامى وبين التأكد من قابلية شركة تيسلا
للنجاح، وهو أمر في صالح كل العملاء بالطبع. لقد كان تسويق السيارات الكهربية بأعداد كبيرة هدفي منذ بداية شركة تيسلا، ولا أريد أن نفعل أي شيء لتعريض
ذلك الهدف للخطر، ولا أعتقد أن الغالبية العظمى من عملاء شركة تيسلا يريدون منا أن نفعل ذلك " . ومع أن بعض عملاء شركة تيسلا قد تذمروا من هذا، إلا
أن " ماسك " أجاد فهم قاعدة عملائه إلى حد كبير، حيث إنهم على استعداد لدعم أي شيء يقترحه تقريبًا.

وبعد ارتفاع الأسعار، قامت شركة تيسلا بسحب السيارة من السوق لمخالفتها قواعد السلامة، قائلة إن شركة لوتس، المصنعة للهيكل المعدني للسيارة رودستر،
قد أخفقت في ربط صامولة بإحكام بخط التجميع الخاص بها. إن الجانب الإيجابي هو أن شركة تيسلا لم تكن قد سلّمت سوى حوالي 345 سيارة رودستر، ما عنى
أن بإمكانها حل المشكلة على نحو يمكن إدارته. أما الجانب السلبي فتمثل في أن سحب السيارة من السوق لمخالفتها قواعد السلامة هو آخر ما تحتاج إليه شركة
ناشئة تعمل في تصنيع السيارات، حتى لو كان تدبيرًا استباقيًّا أكثر منه أي شيء آخر، كما تزعم شركة تيسلا. لكن في العام التالي، قامت الشركة بسحب السيارة
من السوق طوعيًّا مرة أخرى، حيث تلقت بلاغًا بوجود سلك طاقة يحتك بجسم السيارة رودستر لدرجة أنه تسبب في حدوث ماس كهربي وتصاعد بعض الأدخنة.
لــهذا، قــامت شــركة تيســلا فــي ذلــك الــوقت بجلــب 439 ســيارة لكــي يتـم إصـلاحها. لقـد بـذلت الشـركة قصـارى جـهدها كـي تفسـر تلـك المشـكلات تفسـيرًا يجعلـها تبـدو
إيجابية، بأن قالت إنها سوف تقوم بـ " زيارات منزلية " لإصلاح السيارة طراز رودستر أو إنها ستأخذ السيارات بنفسها لتعيدها إلى المصنع. منذ ذلك الحين، حاول "
ماســــــك " تحويــــل أي وضـــع فوضـــوي تتعـــرض لـــه شـــركة تيســـلا إلـــى حجـــة للتبـــاهي بـــاهتمام الشـــركة بالخـــدمة وبتفانيـــها فـــي ســـبيل إرضـــاء العمـــلاء، ونجحـــت هـــذه
الإستراتيجية في أغلب الأحيان.

إلى جانب المشكلات العابرة التي كانت شركة تيسلا تواجهها في السيارة طراز رودستر، ظلت الشركة تعاني مشكلات متعلقة بالفهم العام. ففي يونيو عام 2009,
رفــع " مــارتن إيبرهــارد " دعــوى قضــائية ضــد " ماســك " وبــالغ فــي الشــكوى التــي تفــصِّل طــرده مـن الشـركة، واتـهم " ماسـك " بالقـذف والتشـهير وخـرق العقـد. لقـد
صورت تلك التهم " ماسك " على أنه ممول متنمر طرد المخترع المجتهد من شركته التي يملكها. علاوةً على هذا، اتهمت الدعوى القضائية " ماسك " بأنه لفق دوره
في تأسيس شركة تيسلا؛ لذلك، رد " ماسك " عليه بالمثل، ونشر منشورًا في مدونته يفصِّل رأيه في نواقص " إيبرهارد " ويعرب عن استيائه من الادعاءات بأنه لم
يكن مؤسسًا حقيقيًّا للشركة. بعدها بفترة وجيزة، توصل الرجلان إلى تسوية ووافقا على التوقف عن مهاجمة بعضهما. قال " إيبرهارد " في بيان له في ذلك الوقت:
" إن مساهمات إيلون في شركة تيسلا بصفته مؤسسًا مشاركًا فيها كانت مذهلة " . لا بد أن الموافقة على كتابة هذا التعليق كانت مؤلمة بالنسبة لـ " إيبرهارد " ،
بالإضافة إلى أن وجود ذلك البيان في حد ذاته يشير إلى مهارات " ماسك " وتكتيكاته كمفاوض متمسك بقناعاته. واصل الرجلان كرههما لبعضهما إلى يومنا هذا،
وإن كانا يفعلان ذلك سرًّا لأغراض قانونية. غير أن " إيبرهارد " لا يكنُّ أية ضغينة راسخة ضد شركة تيسلا، كما أن أسهمه المالية في الشركة أصبحت قيمة جدًّا. ولا
يزال يقود سيارته طراز رودستر، وقد اشترت زوجته سيارة طراز إس.

خلال معظم الفترة الأولى لظهور شركة تيسلا، ظهرت الشركة في الصحف لأسباب خاطئة. كان هناك أشخاص في وسائل الإعلام وفي صناعة السيارات يعتبرونها
شيئًا مبتكرًا، وبدا أنهم يسرون بالمشاحنات الجديرة بالمسلسلات الدرامية بين " ماسك " و " إيبرهارد " وغيرهما من الموظفين السابقين المستائين. وبعيدًا عن اعتبار
" ماسك " على المستوى العالمي رائد أعمال ناجح؛ فإن بعض جماعات وادي السيليكون اعتبرته متبجحًا وقحًا سوف ينال ما يستحقه عندما تنهار شركة تيسلا
حتميًّا، وسيارة طراز رودستر في طريقها إلى مقبرة السيارات الكهربية، وستبرهن مدينة ديترويت على أنها تتحكم في عملية ابتكار السيارات برمتها تحكمًا أفضل من
وادي السيليكون، ولن يُمس النظام الطبيعي للقوى المصنعة للسيارات في العالم.

غــير أنــه قــد حــدث أمـر غـريب؛ حـيث حققـت شـركة تيسـلا نجـاحًا كـافيًا لكـي تبقـى فـي السـوق؛ إذ بـاعت الشـركة حوالـي 2500 سـيارة رودسـتر فـي الفتـرة مـا بـين عـاميْ
2008 و2012 *** * . لقد حققت السيارة ما أراده " ماسك " منذ البداية، بأن برهنت على أن السيارات الكهربية من الممكن أن تكون ممتعة في قيادتها وأن تكون
مرغوبًا فيها. لقد رسخ " ماسك " السيارات الكهربية في وعي الجمهور من خلال السيارة طراز رودستر، وقد فعل هذا في ظروف مستحيلة، أي خلال انهيار صناعة
السيارات الأمريكية والأسواق المالية العالمية. وسواء أكان " ماسك " مؤسسًا لشركة تيسلا بالمعنى الحرفي للكلمة أم لا، فهذا أمر غير ذي صلة بالموضوع في هذه
المرحلة؛ فلولا أموال " ماسك " ودهاؤه التسويقي وسفسطته وذكاؤه الهندسي وروحه التي لا تُقهر، لما كانت هناك تيسلا لنتحدث عنها في يومنا هذا. في الحقيقة،
كان وجود شركة تيسلا مقترنًا برغبة " ماسك " ؛ وكانت شركة تيسلا انعكاسًا لشخصيته بقدر ما تعكس شركات إنتل ومايكروسوفت وآبل شخصيات مؤسسيها.
يقول " مارك تاربيننج " , المؤسس المشارك الآخر في شركة تيسلا، أمرًا مشابهًا حين عبَّر عن رأيه فيما يعنيه " ماسك " للشركة: " لقد دفع إيلون تيسلا إلى أبعد
بكثير مما تخيلنا يومًا " .

وبقدر ما كان ميلاد السيارة طراز رودستر متعسرًا، كانت المغامرة قد فتحت شهية " ماسك " لما يمكن إنجازه في صناعة السيارات في صفحة بيضاء. والسيارة التالية
لشركة تيسلا، ذات الاسم الرمزي وايت ستار، لن تكون نسخة متبناة من مركبة تنتجها شركة أخرى، بل ستُصنَّع من الصفر وستُصمم بحيث تستغل ما تقدمه
تكنولوجيا السيارات الكهربية لأقصى درجة. فعلى سبيل المثال، توجب وضع حزمة بطاريات السيارة رودستر بالقرب من مؤخرة السيارة بسبب القيود التي يفرضها
الهيكل المعدني للسيارة طراز لوتس إليز. لا بأس بهذا، وإن لم يكن مثاليًّا بسبب وزن البطاريات المحمل على الهيكل. لكن بالنسبة للسيارة وايت ستار، التي ستصبح
طراز إس، كان " ماسك " والمهندسون يعرفون منذ البداية أنهم سيضعون حزمات بطارية تزن خمسمائة وتسعين كيلوجرامًا بقاعدة السيارة، ما سيمنح السيارة
مركز جاذبية منخفضًا وتحكمًا ممتازًا، كما سيزود السيارة طراز إس بما يُعرف بـ " عزم القصور الذاتي القطبي المنخفض " المتعلق بكيفية مقاومة السيارة للالتفاف.
و من الأمثل أن تكون الأجزاء الثقيلة مثل المحرك أقرب ما يمكن إلى مركز جاذبية السيارة، لهذا تميل محركات سيارات السباق إلى أن تكون بالقرب من منتصف
المركبة. لكن السيارات التقليدية لا تراعي هذه المعايير، حيث يكون المحرك الضخم في مقدمة السيارة ويكون الركاب في منتصفها ويتخضخض الوقود في كل أنحاء
مؤخــرة الســيارة. أمــا فــي حالــة الســيارة طــراز إس، فتكــون معظــم كتلــة السـيارة قريبـة جـدًّا مـن مـركز الجاذبيـة، مـا يكـون لـه تبعـات علـى التحكـم فـي السـيارة وأدائـها
وسلامتها.

ومع ذلك, كانت الأجزاء الداخلية مجرد جزء سيجعل السيارة طراز " إس " تتألق. لقد أراد " ماسك " أن يترك انطباعًا معينًا بمظهر السيارة كذلك. صحيح أنها
ســتكون مــن طــراز ســيدان، إلا أنــها سـتكون سـيارة سـيدان جـذابة للغايـة. بالإضـافة إلـى أنـها سـتكون مريحـة وفـاخرة ولـن يوجـد بـها أي وجـه مـن أوجـه القصـور التـي أُجبرت شركة تيسلا على تقبلها في السيارة رودستر. ولكي يجلب " ماسك " هذه السيارة الجميلة العملية إلى أرض الواقع، قام بتعيين " هنريك فيسكر " ، وهو
مصمم سيارات دانماركي مشهور بأعماله في شركة آستون مارتن.

كشفت شركة تيسلا عن مخططاتها لتصنيع السيارة طراز إس إلى فيسكر لأول مرة عام 2007، حيث طلبت منه أن يصمم سيارة أنيقة ذات أربعة أبواب من النوع
سيدان تكلف ما بين 50 ألف دولار و70 ألف دولار. كانت شركة تيسلا ما زالت تصنِّع السيارات طراز رودستر بصعوبة، ولم تكن تمتلك أدنى فكرة عما إذا كانت آلة
توليد الحركة ونقلها الكهربية الخاصة بها ستتحمل بمرور الزمن. لكن " ماسك " رفض الانتظار لمعرفة هذا. لقد أراد أن يتم طرح السيارة طراز " إس " في أواخر عام
2009 أو أوائل عام 2010 وكان يريد من " فيسكر " أن يعمل بسرعة. كان " فيسكر " موهوبًا وكان قد أنتج بعضًا من أروع تصميمات السيارات على الإطلاق على
مدار السنوات العشر الماضية، لا لصالح شركة آستون مارتن فقط، بل لنسخ خاصة من سيارات شركتيْ بي إم دابليو ومرسيدس بينز.

كــان " فيســكر " يمتلــك ورشــة فــي مقاطعــة أورانــج بولايــة كــاليفورنيا، وكــان " ماســك " وغــيره مـن موظفـي تيسـلا التنفيـذيين يقابلونـه هنـاك مـن أجـل مراجعـة آرائـه
المتطورة بشأن السيارة طراز إس. كانت كل زيارة أقل إلهامًا من سابقتها، وحيّر " فيسكر " فرق شركة تيسلا بتصميماته المملة. يقول " رون لويد " ، النائب السابق
لرئيس مشروع السيارة وايت ستار بشركة تيسلا: " كانت بعض التصميمات الأولية أشبه ببيضة ضخمة. لقد كانت مريعة " . وحين رفض " ماسك " التصميمات،
ألقى " فيسكر " باللوم على القيود المالية التي فرضتها شركة تيسلا على السيارة طراز إس لكونها محدودة جدًّا. يقول " لويد " : " قال إن هذه القيود لن تسمح له
بتصميم سيارة جذابة " . جرب " فيسكر " بعض الأساليب المختلفة وكشف النقاب عن بعض النماذج المصنوعة من الفوم للسيارة لكي يفحصها " ماسك " وطاقم
عمله بدقة. يقول " لويد " : " ظللنا نخبره بأن هذه التصميمات غير مناسبة " .

لم تمر فترة طويلة على تلك اللقاءات حتى أسس " فيسكر " شركته الخاصة، فيسكر أوتوموتيف، وكشف النقاب عن السيارة الهجينة فيسكر كارما عام 2008.
بدت هذه السيارة الفاخرة من نوع سيدان كما لو كانت مركبة قد تستقلها شخصية باتمان لتقودها في جولة ترفيهية. كانت السيارة مذهلة ومبتكرة حقًّا بخطوطها
الانسيابية وحوافها الحادة. يقول " لويد " : " سرعان ما اتضح أنه يحاول منافستنا " . عندما تقصى " ماسك " الموقف, اكتشف أن " فيسكر " كان يحاول منذ فترة
إقناع المستثمرين في كل أنحاء وادي السيليكون بأفكاره عن شركته الخاصة للسيارات. ذات مرة، كانت شركة كلاينر بيركنز كاوفيلد آند بايرز، إحدى أشهر شركات
رءوس الأموال المغامرة في وادي السيليكون، تمتلك فرصة للاستثمار بشركة تيسلا، ثم انتهى بها المطاف بأن استثمرت أموالها في شركة " فيسكر " عوضًا عنها. فاق
كل هذا قدرة " ماسك " على التحمل، فأقام دعوى قضائية ضد " فيسكر " عام 2008 يتهمه فيها بسرقة أفكار شركة تيسلا واستغلال الـ 875 ألف دولار، التي
دفعتها له شركة تيسلا مقابل عمله بتصميم سيارتها، لتأسيس شركته المنافسة لتصنيع السيارات (انتصر " فيسكر " في النهاية في هذا النزاع وأمر القاضي شركة
تيسلا بتعويض " فيسكر " عن الرسوم القانونية التي دفعها واعتبر أن مزاعم شركة تيسلا لا أساس لها من الصحة).

كانت شركة تيسلا قد فكرت في تصنيع سيارة هجينة مثلما فعل " فيسكر " يكون فيها المحرك الذي يعمل بالوقود موجودًا لإعادة شحن بطاريات السيارة بعد أن
تستهلك شحنة كهربية أولية. كانت السيارة ستتمكن من قطع 80 إلى 129 كيلومترًا بعد توصيلها بمقبس كهربي ثم تستغل محطات الوقود الموجودة في كل مكان
بقدر الحاجة لكي تعيد شحن البطاريات ثانيةً، ما سيزيل القلق بشأن نطاق عمل البطاريات الكهربية. وصمم مهندسو شركة تيسلا نموذجًا أوليًّا للمركبة الهجينة
وأجــروا عليــه كــل اختبــارات معــايير التكلفــة والأداء، وفــي النــهاية، وجــدوا أن المركبــة الــهجينة ســوف تعــد حـلًّا وسـطًا غـير ضـروري. يقـول " جيـه. بـي. سـتراوبيل " : "
ستكون باهظة الثمن، كما أن أداءها لن يكون بجودة أداء السيارة الكهربية بالكامل، وسيتعين علينا تشكيل فريق ينافس الكفاءات الأساسية في كل شركة من
شركات صناعة السيارات في العالم. ومن ثم كنا سنناقض ما نؤمن به من أفكار؛ مثل كهرباء الإلكترونيات وتحسين جودة البطاريات؛ لذلك، قررنا أن نوجه كل
جهودنا للوصول إلى نتيجة نهائية دون أن ننظر إلى الوراء أبدًا " . بعدما توصل " ستراوبيل " وغيره من العاملين بشركة تيسلا إلى هذا الاستنتاج، هدأ شعورهم
بالغضب تجاه " فيسكر " . فقد اكتشفوا أنه سيسلم في نهاية المطاف سيارة خرقاء وسينال جزاءه.

قد تنفق أية شركة كبرى تعمل في صناعة السيارات مليار دولار وتعين آلاف العاملين لكي تصمم مركبة جديدة وتطرحها في الأسواق؛ إلا أن شركة تيسلا لم يكن
لديها تلك الموارد عندما خرجت السيارة طراز إس إلى النور. بحسب " لويد " ، هدفت شركة تيسلا في البداية إلى تصنيع حوالي عشرة آلاف سيارة طراز إس سيدان "
سنويًّا وخصصت ميزانية تقارب 130 مليون دولار لتحقيق هذا الهدف، تشمل هندسة السيارة وشراء آلات التصنيع اللازمة لإنتاج أجزاء جسم السيارة بسهولة
وبكميات كبيرة. يقول " لويد " : " أحد الأمور التي ضغط إيلون على الجميع فيها بشدة هو تصنيع أكبر عدد ممكن من الأجزاء داخل الشركة " . كانت شركة تيسلا
ستعوض نقص أموالها المخصصة للبحث والتطوير بتعيين أشخاص أذكياء يستطيعون التفوق في العمل والتفكير على الأطراف الخارجية التي تعتمد عليها بقية
الشركات المصنعة للسيارات. يعلق " لويد " قائلًا: " كان شعارنا: مهندس واحد عظيم سيحل محل ثلاثة مهندسين ذوى مستوى متوسط " .

بــدأ فــريق صــغير مــن مهندســي شــركة تيســلا عمليــة محاولــة معرفــة الــدخائل الميكانيكيــة للســيارة طــراز إس. جــاءت الخطــوة الأولـى مـن هـذا المشـوار فـي معـرض لبـيع
سيارات شركة مرسيدس، حيث قاموا بتجربة قيادة السيارة طراز سي إل إس ذات الأربعة أبواب من النوع كوبيه والسيارة من الفئة إي سيدان. كان للسيارتين
الهيكل المعدني نفسه، وقد قاس مهندسو شركة تيسلا كل سنتيمتر من المركبة، ودرسوا ما أعجبهم فيها وما لم يعجبهم. وفي النهاية، فضلوا تصميم السيارة سي
إل إس واستقروا عليه باعتباره أساس التفكير في السيارة طراز إس.

وبعــد أن اشــترى مهندســو شــركة تيســلا ســيارة طــراز ســي إل إس، قــاموا بتفكيكــها. كــان أحــد الفــرق قــد أعــاد تشـكيل حزمـة البطـاريات المسـتطيلة صـندوقية الشـكل
الخاصــة بالســيارة رودســتر وجعلـها مسـطحة. ثـم قـام المهندسـون بقطـع أرضـية السـيارة سـي إل إس وأسـقطوا حزمـة البطـاريات بـداخلها. وبعـدها، وضـعوا الأجـهزة
الإلكترونية التي تربط النظام كله ببعضه في صندوق السيارة، ثم أعادوا وضع باطن السيارة حتى يعيدوا تجميعها ووضع اللمسات الأخيرة عليها. بعد ثلاثة أشهر
مــن العمــل، كــانت شــركة تيســلا قــد صـنعت فـي الـواقع سـيارة مرسـيدس سـي إل إس كـهربية بـالكامل. اسـتغلت الشـركة السـيارة لتخطـب ود المسـتثمرين والشـركاء
المستقبليين أمثال شركة دايملر، التي ستلجأ في النهاية إلى شركة تيسلا لتصنيع آلات توليد الحركة ونقلها الخاصة بمركباتها. لقد قام فريق شركة تيسلا بجولات
بالسيارة على الطرق العامة مرارًا وتكرارًا. كان وزنها أثقل من السيارة رودستر، لكنها ما زالت تتمتع بالسرعة وتصل إلى سرعة 193 كيلومترًا لكل شحنة كهربية.
ولكي يجري المهندسون تلك الاختبارات والنزهات بالسيارة بقدر من السرية، اضطروا للحام حواف أنابيب العادم إلى السيارة مجددًا لكي يجعلوها تبدو كغيرها من
السيارات طراز سي إل إس.

انضم إلى شركة تيسلا في هذه الفترة، أي في صيف عام 2008، هاوي سيارات يدعى " فرانز فون هولزهاوزن " ، كانت وظيفته أن يجدد التصميمات الأولية للسيارة
وأن يحوِّل السيارة طراز إس إلى منتج أيقوني إن أمكن. ****

نشأ " فون هولزهاوزن " في بلدة صغيرة بولاية كونيكتيكت لأب يعمل بتصميم السلع الاستهلاكية وتسويقها. اتخذ " فرانز " من قبو منزل العائلة المليء بأقلام
التحديد ومختلف أنواع الورق وغيرها من المواد ملعبًا لخياله. وعندما كبر " فون هولزهاوزن " ، تحول تدريجيًّا إلى السيارات. لقد قام هو وصديق له ذات شتاء
بتفكيك محرك خاص بعربة شواطئ ثم أعادوا تجميعه، ولطالما ملأ هوامش مذكراته المدرسية برسومات للسيارات ولطالما علق صورًا للسيارات على جدران غرفة
نومــــه. وحــــين قــــدم أوراقــــه للالتحــــاق بالجامعــــة، قــــرر أن يحــــذو حــــذو والــــده وأن يســــجل فــــي برنـــامج للتصــميم الصــناعي بجامعــة ســيراكيوز. بعــدها، ســمع " فــون
هولزهاوزن " بكلية آرت سنتر للتصميمات في لوس أنجلوس من خلال التقائه مصادفةً بمصمم آخر خلال فترة التدريب. يقول " فون هولزهاوزن " : " حدثني هذا
الرجل عن تصميم السيارات وعن تلك الكلية الموجودة في لوس أنجلوس، فانجذبت إلى الدراسة بهذه الكلية. لذلك؛ ارتدت جامعة سيراكيوز لعامين ثم قررت أن
أتركها لأنتقل إلى كاليفورنيا " .

بدأ الانتقال إلى لوس أنجلوس حياةً مهنيةً طويلة وشهيرة بمجال التصميم في صناعة السيارات. تدرب " فون هولزهاوزن " في ولاية ميتشيجان مع شركة فورد وفي
أوروبا مع شركة فولكس فاجن، حيث بدأ يكتسب مزيجًا من المعارف المتعلقة بالتصميمات. وبعد تخرجه عام 1992، بدأ يعمل لصالح شركة فولكس فاجن على
أكثر مشروع مثير يمكن تصوره على الإطلاق... إنه نسخة جديدة فائقة السرية من السيارة طراز بيتل. يقول " فون هولزهاوزن " : " كانت فترة رائعة حقًّا. لم يعرف
أننا ننفذ هذا المشروع سوى خمسين شخصًا في العالم " . تسنى لـ " فون هولزهاوزن " العمل على المظهر الخارجي للمركبة وتصميماتها الداخلية، بما فيها الزهرية
الممــيزة المــدمجة فــي لوحــة أجـهزة القيـاس. وفـي عـام 1997، أطلقـت شـركة فـولكس فـاجن السـيارة طـراز نـيو بيتـل، وراقـب " فـون هولزهـاوزن " بنفسـه كـيف أن مظـهر
السيارة قد استهوى الجمهور وغيَّر شعور الناس تجاه شركة فولكس فاجن، التي كانت قد عانت مبيعات ضعيفة في الولايات المتحدة. وعن هذا يقول: " لقد بدأت
عملية إحياء للعلامة التجارية لشركة فولكس فاجن (المعروفة اختصارًا بـ VW ) وأعادت إضافة التصميمات المميزة إلى توليفتهم " .

عمــــل " فــــون هولزهــــاوزن " لصــــالح شــركة فــولكس فــاجن لثمانيــة أعــوام ارتقــى خلالــها فــي منصــبه فــي فــريق التصــميمات ووقــع فــي حــب ثقافــة الســيارات الخاصــة بـــ
كاليفورنيا الجنوبية. لطالما هامت لوس أنجلوس بالسيارات نظرًا لأن مناخها يصلح لكل أنواع المركبات بدءًا من السيارات المكشوفة حتى الشاحنات التي تحمل لوح
ركــــوب الأمــــواج. وكــل الشــركات المصــنِّعة للســيارات الكبــرى تقــريبًا قــد أنشــأت ورشًا للتصــميمات فــي تلــك المــدينة. لــهذا، ســمح وجــود الــورش لـــ " فــون هولزهــاوزن "
بالانتقال من شركة فولكس فاجن إلى شركتيْ جنرال موتورز ومازدا، حيث عمل بمنصب مدير قسم التصميمات في الشركة.

علَّمت شركة جنرال موتورز (المعروفة اختصارًا بـ GM ) " فون هولزهاوزن " إلى أي مدى يمكن لشركة كبرى تعمل في تصنيع السيارات أن تكون سيئة: لم تكن أيّ مــــن الســــيارات المــــوجودة علــــى خــــط إنتــــاج الشــــركة تحمســــه حــقًّا، وبــدا أنــه مــن المســتحيل تقــريبًا أن يتــرك أثــرًا كبــيرًا علــى ثقافــة الشــركة، فقــد كــان عضــوًا فــي فــريق
التصميمات المكون من ألف شخص وكان يوزع تصميمات طرز السيارات اعتباط ً ا دون أي اعتبار لرغبة الفرد فعلًا للعمل على طراز معين. يقول " فون هولزهاوزن
" : " لقــد ســلبوا منــي حماســتي، فعــرفت أننــي لا أريــد المــوت لــديهم " . علــى النقــيض، كــانت مـازدا بحاجـة للعـون وتـرغب فـي العمـل معـه. لـذلك، سـمحت لــ " فـون
هولزهاوزن " وفريقه في لوس أنجلوس بأن يتركوا بصمتهم على كل سيارة تخرج من خط إنتاج السيارات الخاص بأمريكا الشمالية وينتجوا مجموعة من السيارات
المبتكرة التي أعادت صياغة طريقة تعامل الشركة مع تصميم سياراتها. كما وصف " فون هولزهاوزن " الأمر قائلًا: " لقد أعدنا للسيارة تميزها بالسرعة الفائقة
شكلًا ومضمونًا " .

بدأ " فون هولزهاوزن " مشروعًا لجعل سيارات شركة مازدا صديقة للبيئة أكثر من ذي قبل عن طريق إعادة تقييم أنواع المواد المستخدمة في تصنيع المقاعد والوقود
الذي تُزود به السيارات. في الواقع، كان قد صنع لتوه سيارة مبتكرة تعمل بالإيثانول، في مطلع عام 2008، عندما أخبره صديق له بأن شركة تيسلا بحاجة إلى
رئيس لقسم التصميمات. وبعد أن حاول " فون هولزهاوزن " و " ماري بيث براون " ، مساعدة " ماسك " ، بالاتصال ببعضهما طوال شهر، لكي يستعلم عن
المنصب، نجح في الوصول إليها أخيرًا، والتقى بـ " ماسك " لكي يجري مقابلة العمل في المقر الرئيسي لشركة سبيس إكس.

سرعان ما اعتبر " ماسك " " فون هولزهاوزن " ، بملابسه الفضفاضة العصرية وسلوكه المسترخي، مكملًا متحررًا ومبدعًا للشركة وخطب وده بحماسة. لقد قاما
بجولة في مصنع سبيس إكس في مدينة هاوثورن وفي المقر الرئيسي لشركة تيسلا في وادي السيليكون. كانت كلتا المنشأتين فوضويتين وتعطيان انطباعًا قويًّا بأنهما
شركتان ناشئتان. استعان " ماسك " بشخصيته الجذابة وأقنع " فون هولزهاوزن " بفكرة توافر فرصة أمامه لتشكيل مستقبل السيارات وأنه من المنطقي أن يترك
وظيفته الهينة بشركة كبرى لتصنيع السيارات, وهي فرصة لا تتاح في العمر إلا مرة واحدة. يقول " فون هولزهاوزن " : " ذهبت أنا وإيلون في جولة بالسيارة طراز
رودستر، وكان الجميع ينظرون إليها. كنت أعلم أن بإمكاني أن أظل في شركة مازدا لعشرة أعوام وأرتاح جدًّا في منصبي بها أو أن أخوض مخاطرة كبيرة. لم يكن
هناك تاريخ أو نظريات بالية في شركة تيسلا، بل كانت هناك فقط رؤية للمنتجات التي من الممكن أن تغير وجه العالم. ومن منا لا يريد الاشتراك في ذلك؟ " .

ومع أن " فون هولزهاوزن " كان يعرف مخاطر العمل بشركة ناشئة، إلا أنه كان من المستحيل أن يدرك مدى اقتراب تيسلا من الإفلاس حين انضم للشركة في
أغسطس عام 2008. كان " ماسك " قد أقنعه بترك وظيفته الآمنة ليقحم نفسه بين براثن الموت. لكن هذا كان ما سعى إليه " فون هولزهاوزن " في هذه المرحلة من
حياته المهنية بعدة طرق. لم تكن تيسلا توحي بأنها شركة سيارات بقدر ما كانت توحي بأنها مجموعة من الرجال الذين يعملون على فكرة مهمة. يقول: " كان
الأمــر مثــيرًا بالنســبة لـي؛ فقـد كـان أشـبه بتجربـة العمـل فـي مـرآب، مـا جعـل العمـل فـي تصـميم السـيارات رائـعًا مجـددًا " . كـانت البـذلات قـد اختفـت وكـذلك قـدامى
العاملين في تصنيع السيارات الذين أصابهم الملل بفعل العمل لسنوات طوال. عوضًا عن ذلك، وجد " فون هولزهاوزن " عباقرة نشطاء لا يدركون أن ما يرغبون في
تحقيقه أمر في حكم المستحيل. لقد أضاف وجود " ماسك " إلى ذلك النشاط ومنح " فون هولزهاوزن " الثقة بأن شركة تيسلا تستطيع فعلًا التفوق على منافسيها
الأكبر منها بكثير. وعن هذا يقول: " لطالما كان عقل إيلون يتعدى اللحظة الحالية بكثير. كان بالإمكان رؤية أنه يسبق الآخرين بخطوة أو بثلاث خطوات وأنه ملتزم
بما نفعله تمامًا " .

كان " فون هولزهاوزن " قد فحص الرسومات الخاصة بتصميم السيارة طراز إس التي تركها " فيسكر " ونموذجًا للسيارة مصنوعًا من الصلصال دون أن يقتنع بها.
يقول: " كانت كتلة ذات شكل غير محدد. كان من الواضح بالنسبة لي أن من كانوا يعملون عليها مبتدئين " . أدرك " ماسك " الأمر نفسه وحاول أن يعبر بوضوح
عما يريده. مع أن كلماته لم تكن دقيقة، إلا أنها كانت جيدة بما يكفي لتعطي " فون هولزهاوزن " انطباعًا عن رؤية " ماسك " وتمنحه الثقة بأن بإمكانه إنجاز
هذا. يقول " فون هولزهاوزن " : " قلت: " سوف نبدأ من جديد، وسوف نتعاون لنجعل هذا الأمر مذهلًا "" .

تأســس مــركز تصــميمات شــركة تيســلا داخــل مصــنع شــركة ســبيس إكــس توفــيرًا للمــال؛ لــذلك، اسـتولى عـدد مـن أعضـاء فـريق " فـون هولزهـاوزن " علـى ركـن منـه
ونصبوا خيمة لكي تضيف بعض العزلة والسرية على ما يفعلونه، وكما هي عادة الكثير من موظفي " ماسك " ، اضطر " فون هولزهاوزن " لبناء مكتبه الخاص،
وقام برحلة إلى متجر الأثاث إيكيا ليشتري بعض المكاتب ثم زار متجرًا للأدوات المكتبية لكي يشتري أوراقًا وأقلامًا.

وحين بدأ " فون هولزهاوزن " تصميم المظهر الخارجي للسيارة طراز إس، كان مهندسو شركة تيسلا قد بدأوا مشروعًا لتصنيع سيارة كهربية أخرى من طراز سي إل
إس. وهذه المرة، فككوا السيارة حتى وصلوا إلى لُبها، بأن أزالوا هيكل السيارة كله ثم شدوا قاعدة العجلات لتصبح أطول بعشرة سنتيمترات لكي تطابق بعض
مواصفات السيارة طراز إس الأولية. وبدأت الأمور تسير بسرعة بالنسبة لكل المشاركين في مشروع السيارة طراز إس، وفي غضون حوالي ثلاثة أشهر، كان " فون
هولزهاوزن " قد صمم خمسة وتسعين بالمائة مما يراه الناس اليوم في السيارة طراز إس، كما كان المهندسون قد بدأوا بتصنيع نموذج أولي للمظهر الخارجي لهيكل
السيارة.

لقد داوم " فون هولزهاوزن " و " ماسك " على الحديث يوميًّا طوال هذه العملية. كان مكتباهما قريبين من بعضهما، وكانت هناك ألفة بين الرجلين. صرح "
ماسك " بأنه يريد مظهرًا جماليًّا مستوحى من سيارات شركتيْ آستون مارتن وبورش بالإضافة إلى بعض الوظائف المحددة. على سبيل المثال، أصر " ماسك " أن
تتسع السيارة لسبعة أشخاص. يقول " فون هولزهاوزن " : " قلت في نفسي: " يا للهول! كيف ننفذ هذا في سيارة من طراز سيدان؟ " . لكنني تفهمت الأمر: فهو
لديه خمسة أولاد؛ لذا كان يرغب في سيارة يمكن اعتبارها مركبة عائلية، وكان يعلم أن هناك آخرين يعانون المشكلة نفسها " .

أراد " ماسك " أن يترك انطباعًا آخر بإضافة شاشة ضخمة تعمل باللمس. كان هذا قبل أعوام من طرح جهاز الآي باد في الأسواق، وكانت غالبية الشاشات التي
تعمــل بــاللمس التــي يصــادفها النــاس بــين الفينــة والأخــرى فــي المطــارات أو فــي أكشــاك التســوق مريعــة. لكــن بالنسـبة لــ " ماسـك " ، فـإن الـهاتف الـذكي آي فـون بكـل
وظائفه التي تعمل باللمس قد جعل من الجلي أن هذا النوع من التقنيات سوف يصبح رائجًا قريبًا. وسيصنع جهاز آي فون " ضخمًا ويجعله يتحكم في معظم
وظائف السيارة. ولإيجاد الحجم المناسب للشاشة، كان " ماسك " و " فون هولزهاوزن " يجلسان في هيكل السيارة ويرفعان حواسيب متنقلة مختلفة الأحجام،
ويضعانها أفقيًّا ورأسيًّا لكي يرويا أية وضعية تبدو أفضل، ثم استقرا على شاشة قياسها 17 بوصة في الوضع الرأسي: ينقر سائق السيارة على هذه الشاشة لتنفيذ
كل مهمة عدا فتح الخزانة الأمامية وتشغيل مصابيح الطوارئ... وهما مهمتان يفرض القانون تأديتهما بواسطة أزرار مادية.

وبما أن حزمة البطاريات الموجودة بقاعدة السيارة ستكون ثقيلة الوزن، كان " ماسك " والمصممون والمهندسون يبحثون دائمًا عن طرق لتخفيف وزن السيارة طراز
إس في المواضع الأخرى. اختار " ماسك " أن يحل جزءًا كبيرًا من هذه المشكلة بأن يصنع جسم السيارة طراز إس من الألمونيوم الخفيف بدلًا من الفولاذ. يقول "
ماسك " : " يجب أن يكون جزء السيارة الخالي من البطاريات أخف وزنًا من السيارات التقليدية التي تعمل بالوقود؛ لذلك، صار قرار صناعتها من الألمونيوم هو
القرار الجلي. لقد تمثلت المشكلة الأساسية في أننا إذا لم نصنع السيارة من الألمونيوم، فلن تحقق السيارة أية فائدة على الإطلاق " .

إن اختيــار " ماســك " لــهذه الكلمــة، أي " القــرار الجلــي " ، يفيــد بشــدة فــي تفســير طريقــة عملــه. صــحيح أن الســيارة يجــب أن تكــون خفيفــة، وصــحيح أن الألمونــيوم
سيكون أحد الخيارات لتحقيق هذا، لكن الشركات المصنِّعة للسيارات في أمريكا الشمالية في ذلك الوقت لم تكن تمتلك أية خبرة في إنتاج ألواح جسم السيارات
مصــنوعة مــن الألمونــيوم؛ لأن الألمونــيوم يميــل إلــى التــمزق عنــدما يتعــرض للضــغط مــن المكـابس الضـخمة، كمـا تظـهر فيـه خطـوط تشـبه علامـات التمـدد علـى الجلـد
تجعل من العسير وضع طبقات ملساء من الطلاء عليه. عن هذا يقول " ماسك " : " كانت هناك بعض السيارات طراز جاجوار وسيارة واحدة طراز أودي في السوق
بأوروبا، لكنها كانت تمثل نسبة أقل من خمسة بالمائة من السوق. أما في أمريكا الشمالية، فلم يكن هناك أي شيء. لم تظهر السيارة فورد إف 150 المصنوعة من
الألمونيوم في الأسواق إلا مؤخرًا. لكن قبل ذلك، كنا نحن الوحيدين " . كانت هناك محاولات تحدث مرارًا داخل شركة تيسلا لإقناع " ماسك " بالعدول عن فكرة
تصــنيع جســم الســيارة مــن الألمونـيوم، لكنـه كـان متشـبثًا برأيـه؛ لأنـه كـان يعتبـره الخيـار المعقـول الوحيـد المتـاح. وبـالتالي وقعـت مـهمة اكتشـاف كيفيـة تصـنيع جسـم
الســيارة مــن الألمونــيوم علــى عــاتق فــريق شــركة تيســلا. يقــول " ماســك " : " كنــا نعـرف أن هـذا ممكـن، ولكـن تمثلـت المعضـلة فـي مـدى صـعوبة الأمـر وكـم مـن الـوقت
سنستغرق لنكتشف حل المعضلة " .

أتت كل خيارات التصميم الرئيسية للسيارة طراز إس تقريبًا بتحديات متشابهة. يقول " ماسك " : " حين تحدثنا بشأن الشاشة التي تعمل باللمس لأول مرة، عاد
الرفاق وقالوا: " لا يوجد شيء كهذا في توريدات صناعة السيارات " فرددت قائلًا: " أعلم ذلك، لأنها لم توضع في سيارة من قبل! "" . فكر " ماسك " أن الشركات
المصنِّعة للحواسيب الآلية تمتلك خبرة طويلة في تصنيع شاشات الحواسيب المتنقلة التي تعمل باللمس مقاس 17 بوصة، وتوقع منهم أن يصنعوا شاشة للسيارة
طراز إس بسرعة وبسهولة نسبية. يقول " ماسك " : " الحواسيب المتنقلة متينة جدًّا، حيث يمكنك إسقاطها وتركها في الشمس، ومع ذلك تعمل " . وبعد أن
اتصل مهندسو شركة تيسلا بموردي الحواسيب المتنقلة، عادوا قائلين إن حرارة الحواسيب وأحمال الاهتزاز الخاصة بها لا تبدو مناسبة لمعايير صناعة السيارات.
كــذلك ظــل مــوردو شــركة تيســلا فــي آســيا يوجــهون الشــركة المصــنِّعة للســيارات إلــى قســم تصــنيع الســيارات الخــاص بــها بــدلًا مــن قســم تصــنيع الحواســيب. وعنـدما
اســــتقصى " ماســــك " عـــن المــوقف أكثــر، اكتشــف أنــه لــم يســبق اختبــار شــاشات الحواســيب المتنقلــة تحــت ظــروف صــناعة الســيارات الأقســى، التــي تتضــمن التقلبــات
الشديدة في درجات الحرارة. وعندما أجرت شركة تيسلا تلك الاختبارات، عملت الإلكترونيات على نحو جيد جدًّا في نهاية المطاف. بالإضافة إلى ذلك، بدأت شركة
تيسلا التعاون مع الشركات الآسيوية المصنِّعة للسيارات لتحسين تقنية اللمس التكاثفية التي لم تكن مطورة تمامًا حينذاك ولاكتشاف طرق لإخفاء الأسلاك التي
جعلت تقنية اللمس ممكنة خلف الشاشة. يقول " ماسك " : " أنا متأكد تمامًا أنه قد انتهى بنا المطاف بأن صنعنا الشاشة الوحيدة في العالم التي تعمل باللمس مقاس 17 بوصة. فلم تكن أي من الشركات المصنِّعة للحواسيب الآلية أو شركة آبل قد وضعتها حيز التنفيذ بعد " .

كان مهندسو شركة تيسلا متمردين بحسب معايير صناعة السيارات؛ لأنهم قد واجهوا مشكلات تجاه الالتزام الكامل برؤية " ماسك " . يقول " ماسك " : " لقد
أرادوا إضــافة مفتــاح أو زر للتحكــم فــي المصــابيح. ولــمَ نحتــاج إلــى مفتــاح؟ حــين يكــون المكـان مظلـمًا، أضـيء الأنـوار " . بعـدها، أبـدى المهندسـون معارضـة فيمـا يتعلـق
بمقابض الأبواب: كان " ماسك " و " فون هولزهاوزن " يدرسان مجموعة من التصميمات الأولية التي لم تكن المقابض قد رُسمت بعد فيها، وبدآ يعجبان بشدة
بمدى تناسق مظهر السيارة، وقررا ألا تظهر المقابض إلا حين يريد أحد الركاب أن يستقل السيارة؛ لهذا، أدرك المهندسون فورًا أن هذا سيكون عسيرًا من الناحية
التقنية، وتجاهلوا الفكرة تمامًا في إحدى النسخ الأولية للسيارة، ما ضايق " ماسك " و " فون هولزهاوزن " بشدة. يقول " فون هولزهاوزن " : " كانت مقابض ذلك
النموذج الأولي تدور على محور بدلًا من أن تبرز. أغضبني ذلك الأمر، وقال ماسك: " لماذا هذا الاختلاف اللعين؟ لن ننفذ هذا "" .

كان هناك مهندسون يعملون طوال النهار وآخرون يأتون في التاسعة مساءً ويعملون طوال الليل من أجل تسريع وتيرة العمل على تصميم السيارة طراز إس.
كانت كلتا المجموعتين تجتمع داخل الخيمة التي تبلغ مساحتها مائتين وتسعة وسبعين مترًا مربعً ا المنصوبة على أرضية مصنع شركة سبيس إكس. كانت مساحة
عملهم تبدو كمنطقة استقبال في حفل زفاف مقام في العراء. يقول " علي جافيدان " ، أحد المهندسين الرئيسيين: " كان العاملون بشركة سبيس إكس يعاملوننا
باحترام شديد ولم يكونوا يختلسون النظر إلينا أو يوجهون إلينا أية أسئلة " . حين سلَّم " فون هولزهاوزن " مواصفاته، كان المهندسون قد صنعوا نموذجًا أوليًّا
لجسم السيارة. كانوا يجلبون ما صنعوه إلى فناء يقع خلف المصنع عصر كل يوم جمعة لكي يراجع عليه " ماسك " ويقدم لهم تقييمه. ولكي يجروا التجارب على
جسم السيارة، كانت تُحمَّل بالحصى كحمولة تزن خمسة أشخاص ثم تؤدي دورات حول المصنع حتى يسخن محركها أكثر من اللازم أو تتعطل.

كلما عرف " فون هولزهاوزن " المزيد عن الأزمات المالية التي تتعرض لها شركة تيسلا، زادت رغبته في أن يرى الجمهور السيارة طراز إس. عن هذا يقول: " كانت
الأوضاع محفوفة بالمخاطر بشدة، ولم أرد أن أفوّت فرصة إنهاء تلك السيارة وعرضها على العالم " . وقد حانت تلك اللحظة في مارس عام 2009، بعد وصول "
فون هولزهاوزن " إلى الشركة بستة أشهر فقط، عندما كشفت شركة تيسلا النقاب عن السيارة طراز إس في مؤتمر صحفي أقامته في شركة سبيس إكس.

عرضت شركة تيسلا نموذجًا رماديًّا من السيارة طراز إس سيدان، وسط محركات الصواريخ وكتل الألمونيوم. بدا نموذج العرض عن بُعد مبهرًا وراقيًا. لقد وصفت
تقارير وسائل الإعلام في ذلك اليوم السيارة بأنها مزيج يجمع بين طراز آستون مارتن وطراز مازيراتي. لكن في الحقيقة، كانت تلك السيارة من طراز سيدان متماسكة
بصــعوبة. كــانت لا تزال تمتلــك الــهيكل الأســاسي للســيارة مرســيدس سـي إل إس، وإن لـم يكـن أحـد مـن الصـحافة يعـرف هـذا، وكـانت بعـض ألـواح الجسـم وغطـاء
محرك السيارة ملتصقين بالهيكل بواسطة مغناطيس. يقول " بروس ليك " ، وهو مالك سيارة تيسلا دُعي إلى الحفل: " كان بإمكانهم إزالة غطاء محرك السيارة
ببساطة؛ لأنه لم يكن متصلًا بالسيارة حقًّا، فكانوا يعيدون وضعه ويحاولون صفه لكي يعيدوا تجميع السيارة ووضع اللمسات الأخيرة عليها جيدًا، لكن عندما
كان أحدهم يضغط عليه، كان يتحرك مجددًا. كان الأمر أشبه بإحدى تلك اللحظات الخاصة بالرجل الواقف وراء الستار في فيلم Wizard of Oz ” " . لقد تدرب
بعض مهندسي شركة تيسلا على إجراء اختبارات القيادة للسيارة قبل المؤتمر ببضعة أيام لكي يتأكدوا من أنهم يعرفون المسافة التي ستقطعها السيارة قبل أن
يسخن محركها أكثر مما ينبغي. ومع أن العرض لم يكن مثاليًّا، إلا أنه حقق ما كان " ماسك " ينتويه بالضبط، فقد ذكَّر الناس بأن شركة تيسلا تمتلك مخططًا
مذهلًا لتصنيع سيارات كهربية أكثر تقليدية وأن سياراتها تعد أكثر طموحًا بكثير مما بدا أن كبرى الشركات المصنِّعة للسيارات أمثال جنرال موتورز ونيسان تفكر
فيه من حيث التصميم والمسافة.

كانت الحقيقة المشوشة وراء هذا العرض هي أن احتمالات تطوير شركة تيسلا للسيارة طراز إس من أداة إلى سيارة يمكن بيعها ضئيلة جدًّا. كانت الشركة تمتلك
المعرفة الفنية والإرادة اللازمتين للقيام بهذه المهمة، لكنها لم تكن تملك مالًا وفيرًا أو مصنعًا يمكنه إنتاج السيارات بالآلاف: كان تصنيع سيارة كاملة يتطلب آلات
تقطيع تقطع ألواح الألمونيوم بالأحجام المناسبة للأبواب وأغطية محركات السيارات وألواح الأبدان. بعدها، يحين دور آلات الدمغ الضخمة والقوالب المعدنية التي
تقوم بثني الألمونيوم ليتخذ أشكالًا محددة. ثم يحين دور عشرات الأجهزة من الإنسان الآلي التي تساعد على تجميع السيارات وآلات التشكيل التي يتم التحكم فيها
حاسوبيًّا من أجل تشكيل المعادن بدقة ومعدات الطلاء ومجموعة من الآلات الأخرى الخاصة بإجراء الاختبارات. كان هذا استثمارًا سيكلف إجماليًّا مئات الملايين
من الدولارات، كما سيتوجب على " ماسك " تعيين آلاف العمال.

وكمــا هــي الحــال مــع شــركة ســبيس إكــس، فــضَّل " ماســك " تصــنيع أكبــر قــدر ممكــن مــن مكونــات الســيارة التــي تنتجــها شـركة تيسـلا داخـل مصـنع الشـركة، لكـن
الأســعار المرتفعــة كــانت تحــد ممــا تســتطيع شــركة تيســلا توليــه. يقــول " ديارمويــد أوكونيــل " , نــائب رئــيس قســم تطويــر المشــروعات بشــركة تيســلا: " كــانت الخطـة
الرئيســية هــي أن نقــوم بعمليــة التجمــيع النــهائي " . كــان الشــركاء يقــومون بـدمغ أجزاء السـيارة وبعمليـات اللحـام ويتـولون عمليـة الطـلاء ويشـحنون كـل شـيء إلـى
شركة تيسلا، حيث سيقوم العمال بتجميع الأجزاء وتحويلها إلى سيارة كاملة. اقترحت تيسلا تشييد مصنع لتولي مثل هذا النوع من المشروعات في مدينة ألباكركي
بولاية نيومكسيكو أولًا ثم في مدينة سان هوزيه بولاية كاليفورنيا لاحقًا، ثم تراجعوا عن هذين الاقتراحين، ما ضايق بشدة مسئولين بالمدينة في كلا الموقعين. إن
هذا التردد العلني في اختيار موقع لإنشاء المصنع لم يفد بخصوص بث الثقة في قدرة تيسلا على تصنيع سيارة ثانية بسرعة، ما تسبب في ظهور نفس نوعية عناوين
الصحف الرئيسية السلبية التي كانت قد أحاطت بمشروع تسليم سيارة طراز رودستر المؤجل.

كان " أوكونيل " قد انضم إلى شركة تيسلا في عام 2006 لكي يساعد على حل بعض المشكلات التي يواجهها المصنع وبعض المشكلات المالية. لقد نشأ بالقرب من
مدينة بوسطن " لينحدر من عائلة إيرلندية من الطبقة المتوسطة، ثم حاز شهادة جامعية من كلية دارتموث. بعد ذلك، ارتاد جامعة فيرجينيا لكي ينال شهادة
ماجســتير فــي الســياسة الخارجيــة، ثــم جامعـة نـورث ويسـترن، التـي نـال فيـها شـهادة فـي إدارة الأعمـال مـن كليـة كـيللوج لـلإدارة. كـان قـد تخيـل نفسـه متخصـصًا فـي
الاتحاد السوفيتي وسياساته الخارجية والاقتصادية، وكان قد درس تلك الموضوعات في جامعة فيرجينيا. يقول " أوكونيل " : " لكن في عاميْ 1988 و 1989 بدأت
عمليــة تفكيــك الاتحــاد الســوفيتي؛ لــذلك، واجــهت مشــكلة ذات طبيعــة خاصــة؛ فقــد بــدا الأمــر كمــا لــو أننــي أتجــه إلــى حيــاة مــهنية إمـا فـي الوسـط الأكـاديمي أو فـي
الاستخبارات " . عندها، اتجهت حياة " أوكونيل " المهنية إلى عالم الأعمال، حيث أصبح مستشارًا إداريًّا يعمل لصالح شركات ماكان إريكسون وورلدوايد ويونج آند
روبيكام وأكسنشر، مقدمًا استشارات لشركات مثل كوكا كولا وإيه تي آند تي.

وتغير مسار حياة " أوكونيل " المهنية تغيرًا جذريًّا أكثر في عام 2001، عندما اصطدمت الطائرتان ببرجي التجارة العالمي في ولاية نيويورك. قرر " أوكونيل " في أعقاب
ذلــك الــهجوم أن يخــدم الولايــات المتحــدة بــأي صــفة ممكنــة، كمــا هــي الحـال مـع الكثـيرين. لكنـه كـان فـي أواخـر الثلاثينـات مـن عمـره وكـان قـد فـوَّت فرصـة أن يصـبح
جنديًّا؛ لذا ركز اهتمامه عوضًا عن هذا على محاولة الدخول في مجال الأمن القومي؛ لذلك، تنقل من مكتب إلى آخر في العاصمة واشنطن بحثًا عن وظيفة دون
أن يحالفه الحظ، حتى استمع " لنكولن بلومفيلد " مساعد وزير الخارجية للشئون السياسية والعسكرية إلى ما لديه ليقوله. كان " بلومفيلد " بحاجة إلى شخص
يستطيع المعاونة على ترتيب العمليات العسكرية حسب الأولويات في منطقة الشرق الأوسط وأن يتأكد من أن الأشخاص المناسبين يعملون على المهام المناسبة،
فحسب أن خبرة " أوكونيل " في الاستشارات الإدارية تجعله ملائمًا تمامًا للوظيفة. تولى " أوكونيل " منصب كبير مستشاري " بلومفيلد " وتعامل مع مجموعة
كبيرة من المواقف المفعمة بالتوترات، بدءًا من القيام بمفاوضات تجارية وحتى إنشاء سفارات في الدول ذات العلاقات المتوترة مع الولايات المتحدة. وبعد أن حصل "
أوكونيــل " علــى تصــريح أمنــي، حصــل كــذلك علــى إمكانيـة الاطـلاع علـى تقـرير يومـي يجمـع المعلومـات مـن أفـراد الاسـتخبارات والقـوات المسـلحة عـن حالـة العمليـات
العسكرية في العراق وأفغانستان. يقول " أوكونيل " : " كان أول ما يصل إلى مكتبي في الساعة السادسة صباحًا كل يوم هو تقريرًا متعلقًا بالليلة الفائتة يشمل
معلومات عمن قُتلوا وما قتلهم. ظللت أفكر أن هذا جنوني، لماذا نتواجد هناك؟ لا أقصد العراق وحدها فحسب لكن في الصورة بأكملها. لماذا استثمرنا كل هذا في
ذلك الجزء من العالم؟ " . كانت الإجابة المتوقعة التي توصل " أوكونيل " إليها هي النفط.

وكلما استقصى " أوكونيل " عن اعتماد الولايات المتحدة على النفط الخارجي، زاد احباطه واكتئابه. يقول: " كان عملائي هم قادة المعارك ببساطة... المسئولين عن
أمريكا اللاتينية والقيادة المركزية. عندما تحدثت معهم ودرست وأجريت أبحاثًا، أدركت أن قدرًا كبيرًا جدًّا من أصولنا تُوظف لدعم خطوط إنتاج النفط الاقتصادية
حتى في أوقات السلم " .
لذلك، قرر " أوكونيل " أن الأمر المنطقي الذي سيفعله لصالح البلاد ومن أجل ابنه الرضيع هو تغيير هذه المعادلة: اطلع على مجال طاقة الرياح ومجال الطاقة
الشمسية وعلى شركات صناعة السيارات التقليدية، لكنه لم يقتنع بأن ما يفعلونه قد يترك أثرًا ثوريًّا بما يكفي على الوضع الراهن. بعدها، عثر في أثناء قراءته
مجلة بيزنس ويك على مقال يتحدث عن عمل شركة ناشئة تدعى تيسلا موتورز، فتصفح موقع الشركة، الذي وصف شركة تيسلا بأنها مكان " الأفعال لا الأقوال
" . يقول " أوكونيل " : " أرسلت إليهم رسالة إلكترونية تخبرهم بأنني لديَّ خبرة في مجال الأمن القومي وأنني شغوف جدًّا بتقليل اعتمادنا على النفط. ظننتها
رسالة أشبه بالخطاب المهمل. لكنني تلقيت رسالة بريد إلكتروني في اليوم التالي " .

عيَّن " ماسك " " أوكونيل " وبعثه بسرعة إلى العاصمة واشنطن لكي يبدأ بالتحري عن أنواع الإعفاءات الضريبية والخصومات التي قد تتمكن شركة تيسلا من
الحصول عليها على سياراتها الكهربية. وفي الوقت نفسه، صاغ " أوكونيل " نموذج طلب للحصول على حزمة الحوافز الخاصة بوزارة الطاقة الأمريكية ***** . يقول
" أوكونيل " : " كل ما كنت أعرفه هو أننا سنحتاج إلى مبالغ طائلة لكي نؤسس هذه الشركة. كانت وجهة نظري هي أننا كنا بحاجة إلى استكشاف كل شيء " .
كانت شركة تيسلا تتطلع للحصول على مبلغ يتراوح بين مائة مليون دولار ومائتيْ مليون دولار، أي أنها أساءت تقدير ما يتطلبه تصنيع السيارة طراز إس بشدة.
يقول " أوكونيل " : " كنا سذجًا نتلمس طريقنا في مجال المشروعات التجارية " .

و في يناير عام 2009, استولت شركة تيسلا على الموقع المعتاد لشركة بورش في معرض سيارات مدينة ديترويت، وحصلت على هذه المساحة بسعر زهيد لأن عددًا
كبيرًا من شركات تصنيع السيارات الأخرى قد تركت هذه الفعالية. كانت شركة فيسكر قد نصبت نافذة عرض فاخرة في آخر الردهة ذات أرضية خشبية وفتيات
شقراوات جميلات يقفن بجانب السيارات. أما شركة تيسلا، فكانت لديها السيارة رودستر وآلة توليد الحركة الخاصة بها دون إضافات غير ضرورية.

أثبتــت التقنيــة التــي عرضــتها شــركة تيســلا أنــها جيــدة بمــا يكفــي لتجــذب انتبــاه الشــركات الكبــرى. ولـم تمـر فتـرة طويلـة بعـد العـرض حتـى أعـربت شـركة دايملـر عـن
اهتمامها لمعرفة كيف يبدو مظهر السيارة مرسيدس من الفئة " إيه " كسيارة كهربية وما الانطباع الذي ستخلفه. وصرح الموظفون التنفيذيون لشركة دايملر بأنهم
سيزورون شركة تيسلا بعد حوالي شهر لمناقشة هذا الاقتراح بالتفصيل، فقرر مهندسو شركة تيسلا إبهارهم بإنتاج مركبتين أوليتين قبل الزيارة. وعندما شاهد
المــوظفون التنفيــذيون لشــركة " دايملــر " مــا فعلتـه شـركة تيسـلا، طلبـوا أربعـة آلاف حزمـة مـن حزم البطـاريات خاصـة بشـركة تيسـلا مـن أجـل أسـطول مـن المركبـات
الاختبارية في ألمانيا. كما حقق فريق تيسلا الإنجازات نفسها لصالح شركة تويوتا وفازوا بصفقات عمل أيضًا.

بدأت شركة تيسلا تتمتع بنجاح مفاجئ في مايو عام 2009: فقد كشفت النقاب عن السيارة طراز إس، وأتبعت شركة دايملر هذا بأن اشترت حصة في شركة تيسلا
تبلغ نسبتها عشرة بالمائة مقابل خمسين مليون دولار. بالإضافة إلى ذلك، عقدت الشركتان شراكة إستراتيجية تقوم فيها شركة تيسلا بتقديم حزم بطاريات ألف
سيارة من السيارات الذكية التي تنتجها شركة دايملر. يقول " أوكونيل " : " كان ذلك المال مهمًّا وقد أفادنا كثيرًا حينذاك، كما أنه كان توثيقًا لمصداقيتنا: ها هي
الشركة التي اخترعت المحرك الذي يعمل بالاحتراق الداخلي تستثمر بشركتنا. كانت لحظة مؤثرة، وأنا متأكد أنها جعلت العاملين بوزارة الطاقة الأمريكية يشعرون
بأننا صادقون. لم يكن علماؤنا فقط هم من يقولون إن هذا الابتكار رائع؛ بل مرسيدس بينز أيضًا! " .

وبالفعل، عقدت وزارة الطاقة الأمريكية مع شركة تيسلا اتفاق قرض بمبلغ 465 مليون دولار في يناير عام 2010. ****** كان ذلك المبلغ أكبر بكثير مما توقعت
تيسلا الحصول عليه من الحكومة يومًا. ومع ذلك، لم يكن يمثل سوى جزء يسير من المبلغ الذي يزيد على المليار دولار الذي تحتاج إليه معظم شركات صناعة
الســيارات لكــي تطــرح مركبــة جــديدة فــي الســوق. ومــع أن " ماسـك " و " أوكونيـل " كـانا مبتـهجين لحصـولهما علـى ذلـك المـال، إلا أنـهما تسـاءلا عمـا إذا كـانت شـركة
تيسلا ستلتزم بالصفقة؛ لأنها كانت ستحتاج إلى كسب غير متوقع إضافي أو ربما إلى سرقة مصنع سيارات لتفعل ذلك، وهذا ما حدث تقريبًا في مايو عام 2010.

تحالفت شركتا جنرال موتورز وتويوتا عام 1984 لتأسيس شركة نيو يونايتد موتور مانيفاكتشرينج إنكوروبوريت، المعروفة اختصارًا بـ NUMMI ، في موقع مصنع
سابق لتجميع السيارات تابع لشركة جنرال موتورز في مدينة فريمونت بولاية كاليفورنيا، وهي مدينة في ضواحي وادي السيليكون. كانت الشركتان تأملان أن تجمع
هذه المنشأة المشتركة بين أفضل مهارات تصنيع السيارات الأمريكية واليابانية لتنتج سيارات ذات سعر أرخص وجودة أعلى. قام ذلك المصنع بإنتاج ملايين المركبات
مثل شيفروليه نوفا وتويوتا كورولا، ثم جاءت فترة الركود الاقتصادي، ووجدت شركة جنرال موتورز نفسها تحاول الخروج من أزمة إعلان الإفلاس؛ لذلك، قررت
أن تتخلى عن المصنع عام 2009، وتبعتها شركة تويوتا فورًا، قائلة إنها ستغلق أبواب المصنع بأكمله، تاركة خمسة آلاف شخص بلا عمل.

وفجأة، تسنى لشركة تيسلا شراء مصنع يبلغ مساحته 1.6 مليون متر مربع على مقربة منها. وبعد شهر واحد من مغادرة آخر سيارة تويوتا كورولا خط التصنيع
في إبريل عام 2010، أعلنت شركتا تيسلا و " تويوتا " عن عقد شراكة بينهما ونقل ملكية المصنع. وافقت شركة تيسلا على دفع 42 مليون دولار مقابل شراء جزء
كبير من المصنع (الذي كان يساوي مليار دولار فيما مضى)، في حين استثمرت شركة تويوتا في شركة تيسلا بـ50 مليون دولار مقابل حصة من الشركة تبلغ نسبتها
اثنين ونصفًا بالمائة. وبذلك حصلت شركة تيسلا على المصنع، الذي يحتوي على آلات ضخمة لدمغ المعادن وغيرها من المعدات، مجانًا. *******

لقد جعلت فرص الحظ السعيد المتوالية التي سنحت لشركة تيسلا " ماسك " مسرورًا. فبعد إتمام صفقة المصنع في صيف عام 2010، بدأت شركة تيسلا عرض
الشــركة للاكتتــاب العــام؛ فقــد كــان جلــيًّا أن الشــركة بحاجــة إلــى أكبــر قــدر ممكــن مــن رأس المــال لكــي تطــرح الســيارة إس فـي الأسـواق وتحقـق تقـدمًا فـي مشـروعاتها
التكنولوجية الأخرى؛ لذلك، كانت شركة تيسلا تأمل أن تجمع حوالي 200 مليون دولار.

بالنسبة لـ " ماسك " ، كان طرح الشركة للاكتتاب العام يمثل شيئًا أشبه بصفقة مشبوهة كأنها تنازل عن المبادئ في سبيل تحقيق ثروة؛ فقد كان يبذل قصارى
جهده للحفاظ على سيطرته التامة على شركاته، منذ أيام شركتيْ زيب 2 وباي بال. وحتى إن ظل " ماسك " أكبر مساهم في شركة تيسلا، فستخضع الشركة إلى
الطبيعــة المتغــيرة للأســواق العامــة، وســيواجه " ماســك " ، المفكــر ذو الرؤيــة بعيــدة الأجــل، نقــدًا مســتمرًّا مــن المســتثمرين الــذين يبحثــون عـن عوائـد قصـيرة الأجـل.
بالإضافة إلى ذلك، ستكون شركة تيسلا محل انتباه الرأي العام؛ نظرًا لأنها ستُجبر على عرض حساباتها على المساهمين، ما كان يعد أمرًا سيئًا لأن " ماسك "
يفضل العمل في سرية ولأن وضع شركة تيسلا المالي كان يبدو رهيبًا. لقد كانت الشركة تمتلك منتجًا واحدًا (السيارة طراز رودستر)، وكانت تواجه تكاليف تطوير
طائلة، وكانت قد أوشكت على إعلان إفلاسها قبلها بأشهر. لقد استقبلت المدونة Jalopnik التي تتداول أخبار السيارات خبر عرض شركة تيسلا للاكتتاب العام
الأولي لشركة تيسلا باعتباره محاولة أخيرة عوضًا عن كونه خطوة مالية سليمة. يقول كاتب المدونة: " نظرًا لعدم وجود تعبير أفضل، تعتبر شركة تيسلا مهدرة
للأموال بشدة: فمنذ تأسيس الشركة عام 2003، استطاعت أن تحقق خسائر تفوق 290 مليون دولار في مقابل إيرادات تُقدر بـ 147.6 مليون دولار فقط " . وعندما
قال أحد المصادر إن شركة تيسلا تأمل في بيع 20 ألف سيارة من طراز إس سنويًّا مقابل 58 ألف دولار لكل سيارة، سخرت مدونة Jalopnik من هذا قائلة: " حتى
مع الوضع في الاعتبار الطلب الضمني المفترض من المناصرين لحماية البيئة لتصنيع سيارة مثل السيارة طراز إس، فإن تلك الأهداف تعتبر أهدافًا طموحة بالنسبة
لشركة صغيرة تنوي طرح منتج فاخر في سوق متخصصة بها قطاع من البائعين أكبر من المشترين. بصراحة، نحن متشككون في الأمر، فقد رأينا كم يمكن أن تكون
السوق وحشية ولا ترحم، كما أن الشركات الأخرى المصنِّعة للسيارات لن تستسلم ببساطة وتسلِّم حجم المبيعات هذا إلى شركة تسلا " . كما اتفق النقاد الآخرون
مع هذا التقييم.

ومع ذلك، طُرحت شركة تيسلا للاكتتاب العام في 29 يونيو عام 2010، وجمعت 226 مليون دولار، حيث ارتفعت أسهم الشركة لتصل إلى 41% في ذلك اليوم. لقد
تغاضى المستثمرون عن الخسارة التي تبلغ 55.7 مليون دولار التي تكبدتها شركة تيسلا في عام 2009 والمبلغ الذي يفوق 300 مليون دولار الذي أنفقته الشركة خلال
سبعة أعوام. اعتُبر ذلك الاكتتاب العام أول اكتتاب من نوعه تقوم به شركة أمريكية مصنِّعة للسيارات منذ أن طرحت شركة فورد للاكتتاب العام في عام 1956.
ومــع ذلــك، اســتمر المنافســون فــي معاملــة شــركة تيســلا علــى أنــها جــرو مزعــج مــن نــوع داشـهند. لقـد اسـتغل المـدير التنفيـذي لشـركة نيسـان، " كـارلوس جوسـن " ،
الحدث لكي يذكِّر الناس بأن شركة تيسلا لم تكن سوى شركة تافهة وأن شركته تخطط لإنتاج ما يصل إلى 500 ألف سيارة كهربية بحلول عام 2012.

ونظرًا لأن الموارد المالية قد تدفقت على " ماسك " ، فقد بدأ يوسع بعض فرق الهندسة ويضفي طابعًا رسميًّا على أعمال التطوير المتعلقة بالسيارة طراز إس. كما
انتقل المقر الرئيسي لشركة تيسلا من مقاطعة سان ماتيو إلى مبنى أكبر في مدينة بالو آلتو، ووسع " فون هولزهاوزن " فريق التصميم في لوس أنجلوس. أما "
جافيدان " ، فقد تنقل بين المشروعات، وساعد على تطوير تقنية السيارة مرسيدس بينز التي أصبحت كهربية، وسيارة طراز تويوتا راف4 كهربية، ونموذجًا أوليًّا
للسيارة طراز إس. عمل فريق تيسلا بسرعة داخل مختبر صغير مع حوالي 45 شخصًا لتصنيع 35 مركبة اختبار طراز راف4 بسرعة بمعدل حوالي سيارتين أسبوعيًّا.
أما النسخة الأولية من السيارة طراز إس، التي تشمل أجزاء بدن السيارة التي دُمغت حديثًا في المصنع الموجود بمدينة فريمونت وحزمة بطاريات مجددة ومحسَّنة
وإلكترونيات قوى مجددة ومحسَّنة، فقد خرجت إلى أرض الواقع من قبو مقر الشركة بمدينة بالو آلتو. يقول " جافيدان " : " انتهينا من أول نموذج أولي في حوالي
الساعة الثانية فجرًا، وكنا متحمسين جدًّا لدرجة أننا قدناها في أرجاء المكان دون زجاج أو صالون داخلي أو غطاء محرك " .

بعدها بيوم أو بيومين، جاء " ماسك " لتفقد المركبة: سارع باستقلالها وقادها إلى الطرف الآخر من القبو، حيث أصبح باستطاعته أن يقضي بعض الوقت معها
وحده، ثم خرج منها والتف حولها، ثم اقترب منه المهندسون لكي يسمعوا رأيه في المركبة. وقد تكررت هذه العملية عدة مرات على مدى الأشهر التالية. يقول "
جافيدان " : " كان عادةً إيجابيًّا ولكنه يستفسر عن كل شيء. كنا نحاول أن نقدم له جولات بالسيارة متى استطعنا، ولعله يطلب أن يكون المقود محكمًا أكثر أو
شيئًا من هذا القبيل قبل أن يهرع للحاق باجتماع آخر " .

تــم إنتــاج حوالــي دســتة مـن السـيارات الأوليـة؛ لـذلك، ذهـب بضـعة مهندسـين للمـوردين أمثـال شـركة بـوش لكـي يبـدأوا العمـل علـى تصـنيع أنظمـة المكـابح، فـي حـين
شُغِلَ آخرون بإجراء مختلف الاختبارات والتعديلات على التصميم. أبقى الموظفون التنفيذيون لشركة تيسلا المركبات تتناوب وفق جدول زمني صارم، بأن يمهلوا
أحد الفرق أسبوعين لاختبار السيارة الأولية في الطقس البارد، ثم يشحنون ذلك النموذج الأولي فورًا إلى فريق آخر يضبط آلة توليد الحركة. يقول " جافيدان " : "
أذهل ذلك العاملين بشركتيْ تويوتا ودايملر؛ لعلهم يحظون بـ
200 ســيارة أوليــة ومــا يتــراوح بـين عـدة مئـات إلـى ألـف سـيارة تجريبيـة. كنـا نقـوم بكـل شـيء بـدءًا مـن اختبـارات التصـادم وحتـى التصـميم الـداخلي للسـيارة فـي حوالـي
خمس عشرة سيارة؛ ما كان يعد أمرًا مذهلًا بالنسبة لهم " .

طــور مــوظفو شــركة تيســلا تقنيــات مشـابهة لنظرائـهم فـي شـركة سـبيس إكـس فـي التعـامل مـع طلبـات " ماسـك " الملحـة. كـان المهندسـون الحـاذقون يعـرفون أنـه مـن
الأفضــل ألا يــدخلوا اجتمــاعًا لــيبلغوه بخبــر ســيئ دون أن تكــون هنــاك خطــة بــديلة علــى أهبــة الاســتعداد. يقــول " جافيــدان " : " أحــد أكثــر الاجتمــاعات المرعبــة علــى
الإطلاق كان حين اضطررنا إلى أن نطلب من إيلون أسبوعين إضافيين ومزيدًا من المال لكي نصنع نسخة أخرى من السيارة طراز إس: وضعنا خطة تبين المدة التي سيستغرقها الأمر وكم ستكلفنا هذه الخطة، وأخبرناه بأنه إذا كان يريد السيارة خلال ثلاثين يومًا، فإن ذلك سيتطلب تعيين المزيد من العاملين، وقدمنا له كومة
من السير الذاتية. لا يمكنك أن تخبر إيلون بأنك لا تستطيع فعل شيء ما، فهذا سيتسبب في طردك من الغرفة، بل يجب أن ترتب كل شيء. وبعد أن عرضنا عليه
الخطة، قال: " حسنًا، شكرًا " ، فخرجنا جميعًا من عنده ولسان حالنا يقول: " يا إلهي! لم يطردنا "" .

أحيانًا كان " ماسك " يغرق مهندسي شركة تيسلا بطلباته. لقد أخذ النموذج الأولي للسيارة طراز إس إلى منزله لعطلة أسبوعية وعاد يوم الاثنين التالي طالبًا إجراء
حوالي ثمانين تغييرًا. وبما أن " ماسك " لا يدون أي شيء مطلقًا، فقد احتفظ بكل التغييرات في ذهنه وكان يراجع قائمة المهام المراد تنفيذها أسبوعيًّا لكي يرى ما
أصلحه المهندسون. كانت القواعد الهندسية نفسها الخاصة بشركة سبيس إكس تنطبق عليهم أيضًا، حيث إنهم إما أن يفعلوا ما طلبه " ماسك " أو يستعدوا
للتنقيب في خصائص المواد لكي يفسروا سبب عدم استطاعتهم تنفيذ شيء ما. يقول " جافيدان " : " لطالما قال: " فككها حتى تصل إلى خصائصها الفيزيائية "" .

ومع قرب نهاية عملية تطوير السيارة طراز إس في عام 2012، حسَّن " ماسك " من أسلوبه في الطلب والفحص بدقة، حيث راجع السيارة طراز إس برفقة " فون
هولزهاوزن " كل يوم جمعة في إستوديو التصميمات الخاص بشركة تيسلا في لوس أنجلوس. كان " فون هولزهاوزن " وفريقه الصغير قد انتقلوا من زاويتهم في
مصنع شركة سبيس إكس واشتروا منشأتهم الخاصة الشبيهة بحظائر الطائرات بالقرب من المنطقة الخلفية لمجمع شركة سبيس إكس. ******** كان ذلك المبنى
يحتوي على بضعة مكاتب ثم منطقة واحدة مفتوحة مخصصة لمختلف نماذج المركبات والأجزاء التي تنتظر أن يتم فحصها. وخلال زيارة قمت بها في عام 2012،
كانت هناك سيارة واحدة كاملة طراز إس ونسخة هيكلية للسيارة طراز إكس، وهي سيارة رباعية الدفع لم يتم طرحها في الأسواق بعد، ومجموعة من الإطارات
وأغطيتها مصفوفة وتستند إلى جدار. جلس " ماسك " في مقعد السائق الخاص بالسيارة طراز إس وصعد " فون هولزهاوزن " إلى بمقعد الراكب. جال " ماسك "
ببصره في أنحاء السيارة لبضع دقائق ثم استقر على حاجب الشمس، كان ذا لون بيج وكانت هناك خياطة واضحة حول حافته أبرزت القماش للخارج، فقال "
ماسك " : " اللعنة! ما هذا القبح؟ " . بالإضافة إلى ذلك، كانت المسامير التي تربط حاجب الشمس بالسيارة ظاهرة وأكد " ماسك " أنه كلما رآها شعر بأنها خناجر
صغيرة تطعنه في عينيه. كان الوضع برمته غير مقبول. يقول " ماسك " : " علينا أن نقرر ما هو أفضل حاجب للشمس في العالم ثم نتفوق عليه " ، فقام بعض
المساعدين الذين يدونون الملاحظات خارج السيارة بتدوين هذا.

أ ُ جريت هذه العملية مرة أخرى على السيارة طراز إكس، التي كانت ستصبح مركبة شركة تيسلا التي تجمع بين سيارة رباعية الدفع وشاحنة صغيرة، والتي كانت
ستصنع بناءً على أساس السيارة طراز إس. كان " فون هولزهاوزن " قد وضع أربع نسخ مختلفة للوحة التحكم المركزية في السيارة على الأرضية،
لكي يمكن إدخالها الواحدة تلو الأخرى لكي يراها " ماسك " . غير أن الثنائي قضيا معظم وقتهما في محاولة اتخاذ قرار بشأن وضعية صف مقاعد المنتصف بالسيارة:
لكل مقعد قاعدة مستقلة لكي يتمكن كل راكب من تعديل مقعده بدلًا من تحريك الصف بأكمله دفعة واحدة. أ ُ عجب " ماسك " بحرية التحرك التي يقدمها هذا
الأمر للراكب، لكنه بدأ يقلق بعد أن رآى المقاعد الثلاثة في أوضاع مختلفة. يقول " ماسك " : " المشكلة هي أنها لن تصطف على خط واحد أبدًا وربما تبدو فوضوية؛
لذلك، سوف يتوجب علينا أن نتأكد من أنها ليست فوضوية أكثر من المطلوب " .

لطالما اعتبرت فكرة كون " ماسك " خبيرًا في التصميمات غريبة، فهو فيزيائي قلبًا ومهندس قالبًا، كما أن قدرًا كبيرًا من شخصيته يشير إلى أنه ينبغي أن يُصنف
ضمن أنماط الشخصيات السائدة في وادي السيليكون؛ عبقري الحاسوب الأخرق الذي لا يعرف التصميمات الجيدة إلا إذا قرأ عنها في الكتب. الحقيقة أنه ربما
حدث جزء من هذا مع " ماسك " ، لكنه حوله إلى ميزة؛ فهو يعتمد بشدة على بصره ويستطيع تخزين الأشياء التي يعتبرها غيره جيدة المظهر في عقله الباطن لكي
يتــذكرها فــي أي وقــت يشــاء. ســاعدت هــذه العمليــة " ماســك " علــى تطويـر عـين ثاقبـة، مزج بينـها وبـين مـداركه الخاصـة، بينمـا حـسَّن أيـضًا قـدرته علـى التعبـير عمـا
يريده، فكانت النتيجة منظورًا مفعمًا بالثقة والحزم يعجب أذواق المستهلكين فعلًا. كما فعل " ستيف جوبز " من قبله، في مقدور " ماسك " أن يفكر في أمور لا
يعلم المستهلكون أنهم يريدونها، أي مقابض الأبواب وشاشة العرض الضخمة التي تعمل باللمس، وأن يتصور وجهة نظر مشتركة لكل منتجات شركة تيسلا
وخدماتها. يقول " فون هولزهاوزن " : " يقدِّم إيلون شركة تيسلا على أنها شركة منتجات. إنه متحمس لفكرة وجوب تصنيع المنتج جيدًا، وعليَّ أن ألبي مطالبه وأن
أتأكد من أن المنتج جميل وجذاب " .

أما في السيارة طراز إكس، فقد لجأ " ماسك " مرة أخرى إلى دوره كأب لكي يشكل بعض عناصر التصميم الأكثر بهرجة في المركبة. لقد كان هو و " فون هولزهاوزن
" يتجولان في أنحاء معرض للسيارات في لوس أنجلوس، وتذمر كلاهما من صعوبة الوصول إلى الصفين الأوسط والخلفي من المقاعد بسيارات الدفع الرباعي. إن
الآبــاء الــذي شــعروا بظــهورهم تتقــوس بينمــا يحــاولون ضــبط زاويــة مقعــد الطفــل بأيــة مركبــة يعـرفون هـذا الـواقع جيـدًا جـدًّا، كمـا هـي الحـال مـع أي إنسـان ضـخم
الحجم حاول حشر نفسه في مقعد السيارة بالصف الثالث. يقول " فان هولزهاوزن " : " حتى في الشاحنات الصغيرة، المفترض أن تكون بها مساحة أكبر، حيث
يكون ثُلث مساحة الدخول مغطى بالباب المنزلق. إذا كان بالإمكان فتح السيارة بطريقة فريدة ومميزة، قد يغير هذا قواعد اللعبة حقًّا. لقد أعدنا نواة تلك الفكرة
إلــى الشــركة وصــممنا أربعــين أو خمســين مفــهومًا للتصــميم لحـل تلـك المشـكلة، وأعتقـد أنـه قـد انتـهى بنـا المطـاف بأحـد المفـاهيم التصـميمية الأكثـر ابتكـارًا " . تمتلـك
السيارة طراز إكس أبوابًا بتصميم أطلق عليه " ماسك " مصطلح " أجنحة الصقر " ، وهي نسخ ذات مفصلات للأبواب ذات تصميم " أجنحة النورس " الموجودة في
بعــض الســيارات الراقيــة مثــل الســيارات طــراز ديلوريــان، حــيث تــرتفع أبوابــها ثــم تســقط بطريقــة مكبوحـة بمـا يكفـي كـيلا تحتـك بأيـة سـيارة مركونـة بـالقرب منـها أو
تصطدم بسقف أي مرآب. كانت النتيجة النهائية هي أنه أصبح باستطاعة الآباء إجلاس الطفل في مقعد الراكب الموجود بالصف الثاني دون الحاجة إلى الانحناء أو
الانثناء بتاتًا.

حين سمع مهندسو شركة تيسلا لأول مرة بالأبواب ذات تصميم " أجنحة الصقر " ، وفزعوا؛ فها قد أتى " ماسك " بطلب جنوني آخر. يقول " جافيدان " : " حاول
الجمــيع اختــلاق حجــج لكوننـا لا نسـتطيع فعـل هـذا: لا يمكـن ركنـها فـي المـرآب، لـن تصـلح لوضـع أغـراض مثـل الزلاجـات. عنـدها، أخـذ ماسـك نمـوذجًا توضـيحيًّا إلـى
منزله، وأرانا أن الأبواب تنفتح. كان الجميع يتمتمون قائلين: " أجل، ستنفتح الأبواب جيدًا جدًّا في منزل بخمسين مليون دولار "" . كما كانت الحال مع مقابض
الأبواب المثيرة للجدل الخاصة بالسيارة طراز إس، أصبحت أبواب السيارة طراز إكس إحدى أكثر خصائصها لفتًا للأنظار وأكثر شيء يتحدث عنه المستهلكون. يقول "
جافيدان " : " كنت أحد أوائل من اختبروها بمقعد سيارة مخصص للأطفال؛ فنحن نمتلك شاحنة صغيرة، ويجب أن تكون لاعب سيرك كي تضع المقعد في الصف
الأوسط. مقارنةً بذلك، كانت السيارة طراز إكس سهلة جدًّا. وإذا كانت السيارة بمثابة اقتراح ذكي، فهو اقتراح ذكي يؤتي ثماره " .

وخــلال زيــارتي إلــى إســتوديو التصــميمات فــي عــام 2012، كــانت شــركة تيســلا تضــع عــددًا مــن مركبــات الشـركات الأخـرى المنافسـة فـي مـوقف السـيارات القـريب منـها،
وحرص " ماسك " على توضيح القيود التي تفرضها مقاعدها مقارنةً السيارة طراز إكس. لقد حاول بجهد صادق أن يجلس في الصف الثالث لسيارة رباعية الدفع
طراز أكيورا؛ مع أن السيارة زعمت أنها تتسع لسبعة أشخاص، إلا أن ركبتيْ " ماسك " كانتا مضغوطتين حتى ذقنه، ولم يسعه المقعد حقًّا قط. يعلق قائلًا: "
كأنــها كــهف لــلأقزام. إن أي أحــد يســتطيع صــنع ســيارة كبــيرة مــن الخـارج، لكـن البراعـة هـي أن تكـون كبـيرة مـن الـداخل " . انتقـل " ماسـك " مـن سـيارة منافسـة إلـى
أخرى، موضحًا عيوب تلك المركبات لي ولـ " فون هولزهاوزن " قائلًا: " من المفيد أن نعرف مدى رداءة السيارات الأخرى " .

عندما يتلفظ " ماسك " بتلك التصريحات، تكون صادمة للحظة: ها هو رجل احتاج إلى تسعة أعوام لإنتاج حوالي ثلاثة آلاف سيارة تسخر من شركات تصنيع
السيارات التي تصنع ملايين المركبات كل عام. إن استهزاءه ذاك يبدو سخيفًا في ذلك السياق.

غير أن " ماسك " يتعامل مع كل شيء من منظور أفلاطوني؛ إنه يرى أن كل خيارات التصميمات والتكنولوجيا يجب أن تهدف إلى تصميم سيارة تدنو من المثالية
قدر الإمكان، وهذا ما لم تصل إليه شركات تصنيع السيارات المنافسة على حد قول " ماسك " . يكاد يكون الأمر تجربة ثنائية بالنسبة له: إما أن تحاول صنع شيء
مذهل دون مساومات أو لا تحاول، وإذا لم تفعل، يعتبرك " ماسك " فاشلًا. قد يبدو هذا الموقف غير مقعول أو أحمق بالنسبة للغرباء، لكن تلك الفلسفة تلائم
" ماسك " وتدفعه هو ومن حوله لبذل قصارى جهدهم.

لقــد قــامت شــركة تيســلا فــي 22 يونــيو عــام 2012 بــدعوة كــل موظفيــها وبعــض العمــلاء المختــارين والصــحافة إلــى مصــنعها فــي مـدينة فـريمونت لمشـاهدة تسـليم أول
سيارات طراز إس سيدان. وبحسب أي موعد من مواعيد التسليم العديدة التي وعدت بها الشركة عملاءها، تأخرت السيارة طراز إس ما بين 18 شهرًا إلى عامين أو
أكثر. وبعض تلك التأخيرات كانت نتيجة طلب " ماسك " لتقنيات غريبة توجب أن يتم اختراعها، في حين كانت تأخيرات أخرى تعتمد ببساطة على هذه الشركة
المصنِّعة للسيارات حديثة السن جدًّا، التي لا تزال تتعلم كيفية إنتاج مركبة فاخرة خالية من الأخطاء والعيوب والمضطرة للمرور بعملية التجربة والخطأ المرتبطة
بأن تصبح شركة أفضل وأكثر نضجًا.

ذُهل الغرباء حين ألقوا نظرتهم الأولى على مصنع شركة تيسلا. كان " ماسك " قد أمر بكتابة اسم " T-E-S-L-A " بأحرف سوداء عملاقة على جانب المبنى لكي
يــدرك وجــود الشــركة مـن يقـودون سـياراتهم علـى الطـريق السـريع بـالقرب مـن المبنـى، أو مـن يطـيرون فوقـه كـذلك. أمـا داخـل المصـنع، الـذي كـان فيمـا مضـى متشـحًا
بـــدرجات الســواد الــداكنة الخاصــة بشــركتيْ جنــرال مــوتورز وتويوتــا، فقــد اكتســب حــس " ماســك " الجمــالي: طُلــيت الأرضــيات بطبقــة بيضــاء بمــادة " إيبوكســي " ،
وطُليت الجدران والأعمدة باللون الأبيض، وكانت آلات الدمغ التي يبلغ طولها تسعة أمتار بيضاء اللون، ثم طُليت معظم الآلات الأخرى، مثل فرق أجهزة الإنسان
الآلــي، بــاللون الأحمــر، ليصــبح المكــان أشــبه بنســخة صــناعية مــن ورشــة عمــل شــخصية " ســانتا كلــوز " . لقـد وضـع " ماسـك " مكـاتب مهندسـيه علـى أرضـية المصـنع
بالضبط، مثلما فعل في شركة سبيس إكس بالضبط، حيث عملوا بمنطقة معزولة بفواصل حجيرات بدائية، كما كان لـ " ماسك " مكتب بتلك المنطقة. ********
أ ُ قيم مؤتمر لطرح السيارة طراز إس في الأسواق في قسم من المصنع يتم فيه الانتهاء من تصنيع السيارات. ثمة جزء من أرضية المصنع به عدة أخاديد ومطبات تمر
عليــها الســيارات، بينمــا يــرهف الفنــيون ســمعهم لأيــة قعقعــة. بالإضــافة إلـى ذلـك، هنـاك غرفـة يـرش فيـها المـاء بضـغط عـالٍ لتفقـد مـا إذا كـانت توجـد أيـة تسـريبات
بالســيارة. أمــا آخــر فحــص، فــهو أن تجــوب الســيارة علــى منصــة مرتفعــة مصــنوعة مــن الخــيزران مقــرونًا ببعــض المصــابيح ذات الصــمام الثنــائي (المعروفــة اختصــارًا بــ
LED )، الغرض منها هو تقديم قدر وفير من التباين كي يتمكن الناس من ملاحظة عيوب جسم السيارة. وطوال الأشهر القليلة الأولى التي تلت خروج السيارة
طراز إس لخط التصنيع، كان " ماسك " يذهب إلى ذلك المسرح الخيزراني لكي يفحص كل مركبة. يقول " ستيف جورفيتسون " ، المستثمر وعضو مجلس إدارة
شركة تيسلا: " كان يزحف على يديه وركبتيه لكي ينظر أسفل باطن رفارف الإطارات " .

كان مئات الأشخاص قد احتشدوا حول هذا المسرح لمشاهدة أول دستة سيارات تُقدم لمالكيها. كان العديد من موظفي الشركة عبارة عن عمال مصنع كانوا فيما
مضــى جزءًا مــن نقابــة العــاملين بصــناعة الســيارات، وخســروا وظائفـهم عنـدما أ ُ غلـق مصـنع شـركة نـيو يونايتـد مـوتور مانيفاكتشـرينج، وعـادوا إلـى عملـهم مجـددًا
حاليًّا، بتصنيع سيارة المستقبل؛ لذلك، كانوا يلوحون بأعلام " أمريكا " ويرتدون خوذات بالألوان الأحمر والأبيض والأزرق، كما بكى بعض العاملين عند اصطفاف
السيارات طراز إس سيدان على المسرح. حتى أكثر نقاد " ماسك " الساخرين كان قلبهم سيرق للحظة في أثناء مشاهدتهم تلك الأحداث. مهما قيل عن تلقي شركة
تيسلا أموالًا من الحكومة أو عن مبالغتها في الوعد بطرح السيارة الكهربية، فإنها كانت تحاول أن تفعل شيئًا مهمًّا ومختلفًا، وكانت توظف الناس بالآلاف نتيجة
لــهذا. لقــد ألقــى " ماســك " خطبــة وجــيزة ثــم ســلَّم المــالكين مفاتيحــهم، بينمــا كــان صــوت الســيارات ينطلــق فــي الخلفيــة. قــاد المــالكون ســياراتهم هـابطين مـن المنصـة
الخيزرانية وخارجين من أبواب المصنع، بينما كان موظفو شركة تيسلا يحيونهم بتصفيق حار.

قبلها بأربعة أسابيع فقط، كانت شركة سبيس إكس قد أرسلت حمولة إلى محطة الفضاء الدولية وعادت كبسولتها إلى كوكب الأرض... كان هذا بمثابة سبق
بالنسبة لشركة خاصة. وقد أدى ذلك الإنجاز المقترن بطرح السيارة طراز إس في الأسواق إلى تبدل سريع في نظرة العالم خارج وادي السيليكون إلى " ماسك " ؛
فالشخص الذي كان يعد باستمرار كان ينفذ... أمورًا مذهلة. لقد أخبرني " ماسك " خلال مقابلة أجريتها معه بعد طرح السيارة إس في الأسواق: " لعلي كنت
متفائلًا فيما يتعلق بتوقيت بعض تلك الإنجازات، لكنني لم أبالغ في وعودي بالنتيجة. لقد أنجزت كل شيء قلت إنني سأنجزه " .

لم تكن " رايلي " موجودة لتحتفل مع " ماسك " أو لتشارك في هذه السلسلة من النجاحات التي حالفها الحظ السعيد؛ فقد تطلقا، وبدأ " ماسك " يفكر في
الزواج مرة أخرى، إذا استطاع إيجاد الوقت لمقابلة شريكة حياة جديدة. لكن حتى في وجود هذا الاضطراب في حياته الشخصية، وصل " ماسك " إلى مرحلة من
الطمأنينة لم يشعر بها منذ أعوام طوال. لقد قال حينذاك: " إن الإحساس الرئيسي الذي ينتابني هو أن القليل من العبء قد أ ُ زيح عن كاهلي " . لقد اصطحب "
ماسك " أولاده إلى جزيرة ماوي للالتقاء بـ " كيمبال " وغيره من الأقارب، ما عُد أول إجازة حقيقية ل