Advertisement

ارتسامات


المقدمة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
فإن الإنسان تمر به مواقف، وتخطر بباله أفكار وتأملات، ويعلق بذاكرته انطباعات ونظرات، فترتسم في الذهن، وتعتمل في الخيال، وتبقى حبيسة حتى يأذن الله ببعثها من مرقدها.
ولو أن المرء يُقَيِّد ما يرتسم في ذهنه مما مضى ذكره لخرج من جَرَّاء ذلك تجاربُ هي أشبه بالوخزات المنبهة التي تُذَكِّر بمعنى شريف، أو تدل على أدب مغفول عنه، أو تُرشد إلى فضيلة يحسن التحلي بها، أو تحذر من رذيلة يجمل التخلي عنها.
ولكنَّ الكتابة ثقيلة، والكسل يَدِبُّ إلى النفس، والفتور يعتري الإنسان، فيفوت بذلك خير عظيم، ويخسر المرءُ ومضاتِ فِكْرٍ تأتي وتذهب، ولمحاتِ إشراقٍ تبدو ثم تغيب.
وما في صفحات هذا الكتاب إنما هي ارتساماتٌ علقت في الذهن، ونتجت عن قراءة، أو تأمل، أو تحليل لظاهرة، أو بحث في قضية، أو نظرة في مجريات الحياة؛ فرغبت في تقييدها، ونشرها.
وليس من ضرورة ذلك أن تحمل تلك الارتسامات معنىً جديداً، بل يكفي أن تَطْرح المعنى في قالَبِ جِدَّةٍ.
كما أنه ليس من ضرورته أن يحاط بالموضوع أو الفكرة التي يراد طرحها من جميع الجوانب، أو أن يحشد له الأدلة، والبراهين، أو أن يُعنى كثيراً بالعزو والتخريج.
وإنما هي إشاراتٌ مقتضبة، تحمل طابَع الخفة، والطرافة، والوضوح، والقرب، ويكمل بعضها بعضاً، ويؤيد أولها آخرها؛ إذ قد يكون الكلام مجملاً في موضع، ويفصل في موضع آخر، وهكذا.
لذا كان الحرص شديداً على التخفف _قدر المستطاع_ من الهوامش، والعزو، والتخريج؛ حتى لا يُثْقَلَ الكتابُ بذلك.
ولا ريب أن هذا النوع من الكتابة قريب إلى النفوس، محبب إليها سواء من جهة القارئ أو الكاتب؛ فالقارئ لا يحتاج معها إلى عناء، وكلفة، وإعمال ذهن؛ لكون تلك الارتسامات سهلة الهضم، غير مرتبطٍ بعضُها ببعض.
والكاتب يتخفف فيها من كثير من القيود التي تفرضها أصولُ البحثِ، وجفوةُ التآليف، وعنفُ الممارسة لها؛ فهي _بالنسبة له_ أشبهُ بالسلوة للروح، والبلسم للجراح، والنفثة للمصدور؛ حيث يُفْرِغُ كُثْْبةً مما يعتلج في خاطره، مما عسى أن يكون فيه متعة وفائدة.
ولهذا الطرز من التأليف رواجٌ عند أكثر الأمم في القديم والحديث؛ حيث يخرج ذلك في قالَب عنواناتٍ متباينةٍ في اللفظ متقاربة في المضمون؛ فتخرج باسم: تأملات، أو خواطر، أو نظرات، أو مذكرات، أو انطباعات.
وقريبٌ من ذلك لفظُ: ارتساماتٍ، غير أن الكتاباتِ التي تحمل هذا المسمى نادرة جداً، ولا أعرف أحداً كتب تحت هذا العنوان إلا أمير البيان شكيب أرسلان؛ حيث ألَّف × كتاباً ضمنه ما دار في رحلته الحجازية؛ لأداء فريضة الحج عام 1348هـ وسماه (الارتسامات اللطاف في خاطر الحاج إلى أقدس مطاف).
ويقع ذلك الكتاب في 356 صفحة، وواضح من عنوانه أنه يدور حول الحج، وتاريخه، والطريق الموصلة إليه، وما جرى مجرى ذلك.
أما الكتاب الذي بين يديك فهو لا يدور حول موضوع معين، وإنما هو _كما مر_ انتقال من غرض إلى غرض دون ربطٍ لبعضها ببعض، ودون التزامٍ بطول الفكرة أو قصرها.
فإلى محتويات الكتاب، والله المستعان وعليه التكلان، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.



















1-تأملات قرآنية

1- في قوله _تعالى_: ? ? ? ? ? ? دليل على أن نبي الله موسى -عليه السلام- كان يرعى الغنم، وما من نبي إلا وقد رعى الغنم _كما أخبر بذلك النبي ?_.
ولعل السر في ذلك حصول التدرج من رُعيا الغنم إلى رُعيا الأمم؛ فالغنم فيها الهزيلة، والقوية، والملائمة، والنافرة، والسريعة، والبطيئة؛ فيحتاج راعيها إلى صبر، ومداراة، وسعة بال، ومراعاة.
وكذلك الحال بالنسبة للبشر، ففيهم العجول، وفيهم المتريث، وفيهم المبادر، وفيهم المتباطئ، وفيهم الغضوب، وفيهم الحليم، وهكذا...
فإذا وطَّن نفسه على حسن الرعاية للغنم كان ذلك عوناً له على حسن رعاية الأمم.
2- في قوله _تعالى_ على لسان موسى _عليه السلام_: ?? ? ? ? ?? إلى قوله: ? ? ?? وقوله على لسان زكريا _عليه السلام_: ? ? ? ? ? ? ? ? ? [مريم: ? – ?] ?? ? ? ? ?? أدب من آداب الدعاء، وهو نبل الغاية، وشرف المقصد، وقريب منه قوله ?: «اللهم اشف عبدك فلاناً ينكأْ لك عدواً، ويمشِ لك إلى صلاة».
3_ قوله _تعالى_: ?? ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ? ? ? ??? يفيد أن القلوب لا تجتمع إلا على من كان رفيقاً، رحيماً، ليناً، وأنها لا تُقْبِلُ على صاحب القلب القاسي وإن بلغ ما بلغ من العلم والجاه.
4_ في قوله _تعالى_: ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ??? أدب من آداب الدعاء، وهو الطموح، وعلو الهمة، وعِظم الرغبة.
فسليمان _عليه السلام_ لم يكتفِ بسؤال الله المغفرة، ولكنه _لكِبَرِ نفسه، وعلو همته، وعلمه بسعة فضل ربه_ سأله مع ذلك مُلْكاً لا ينبغي لأحدٍ من بعده.
فكانت النتيجة أن أجاب الله دعاءه، وسخر له الريح، والشياطين، وإن له في الآخرة لزلفى وحسن مآب.
5_ في قوله _تعالى_: ? ? ? ? ? ? ? ?? إشارة إلى أنه يَحْسُن بالداعي إذا أراد أن يدعو لنفسه ولغيره أن يبدأ بنفسه ثم يثنِّي بغيره.
ولهذا الدعاء القرآني نظائر كثيرة من الكتاب والسنة.
6_ في قوله _تعالى_ عن موسى _عليه السلام_: ? ? ? ? ? ? ? ? ?? إشارة إلى سبب من أسباب إجابة الدعاء وهو إعلان الافتقار إلى الله، وإظهار المسكنة إليه _عز وجل_.
7_ في قوله _تعالى_ عن يونس _عليه السلام_: ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?? سبب من أسباب إجابة الدعاء، وهو إظهار الذلة، والإقرار بالذنب، ولهذا كان من أفضل الأدعية الدعاء المعروف بسيد الاستغفار؛ لتضمنه ذلك المعنى.
8_ في قوله _تعالى_: ?? ?? مشروعية الفرار من الفتن مهما بلغ الإنسان من العلم، والدين، والعقل.
9_ في قوله _تعالى_: ? ? ? ?? بيان لضعف الإنسان الجِبِلِّي، وفيه إرشاد له بألا يغرر بنفسه؛ فيلقي بها في مواطن الفتن؛ ثقة بعلمه، ودينه؛ فمن حام حول الحمى أوشك أن يرتع فيه.
10_ في قوله _تعالى_: ? ? ? ? ?? بيان لمدى حاجة الداعية إلى انشراح الصدر؛ حتى يتمكن من إيصال دعوته بأيسر كلفة، ولأجل أن يراه الناس على أكمل ما يكون من السرور؛ فتسري تلك الروح منه إلى المدعوين؛ فيتحقق مقصد من أعظم مقاصد الدعوة ألا وهو الوصول إلى السعادة.
أما إذا ضاق صدره، وقل صبره، فلن يقوم بعمل كبير، ولن يصدر عنه خير كثير.
وأما ما روي من أن النبي ? كان متواصل الأحزان فلا يثبت ذلك عنه.
11_ في قوله _تعالى_: ?? ? ? ? ? ? ? ?? ? ?? ? ?? عزاءٌ لمن يلاقي ما يلاقي من جَرَّاء أَمْرِهِ أَهْلَهُ بالصلاة، وإيقاظهم لها خصوصاً صلاة الفجر؛ فقوله ??? أبلغ ما يكون من العبارات، ولا تغني عنها في هذا السياق لفظة أخرى؛ لما فيها من معنى المثابرة، والاستمرار على هذه الخصلة؛ كيف وقد ختمت تلك الآية بضمان الرزق، وحسن العاقبة لمن كان هذا شأنه؟
فيالها من آية تبعث الرَّوح، وتمد الإنسان بالصبر، واليقين.



2- ? ? ? ? ? ??
آية عظيمة في أول سورة نزلت في القرآن، وهي سورة العلق.
هذه الآية تهز الوجدان، وتفعل في النفس ما لا تفعله سلطات الدنيا، ولا أحدث التقنيات في عالم المخابرات.
آية تضبط النوازع، وتقوي الوازع، وتكبح الجماح، وتدعو إلى إحسان العمل، وكمال المراقبة.
وقد جاءت بهذا البيان المعجز الذي لا تصل إليه قوة بشر.
جاءت بهذا التعبير الواضح مُبِيْنَةً عما تحتها من معنى، جاءت بصيغة الاستفهام: ? ? ? ? ? ??.
وتحت هذه الآية من اللطائف والأسرار الشيءُ الكثير؛ ففيها إشارة إلى وجوب المراقبة لله _عز وجل_ وفيها تهديد لمن يتمادى في الغي، وفيها تلويح إلى وجوب الإقصار عن الشر، وفيها تلميح إلى أن العلم باطلاع الله _عز وجل_ على الخلائق أمر فطري لا يحتاج إلى دليل، وفيها تعريض بغباوة من يجهل هذه الحقيقة، أو يكابر في شأنها.
فيا لله ما أجمل أن يستحضر كلُّ أحدٍ هذه الآية إذا امتدت عينُه إلى خيانة، أو يدُه إلى حرام، أو سارت قدمُه إلى سوء، أو تحرك لسانُه بقبيح.
وما أروع أن تكون هذه الآية نُصْبَ أعيننا إذا أردنا القيام بما أنيط بنا من عمل.
وفي هذا سرٌّ بديعٌ، ودرسٌ عظيمٌ تُفِيد منه الأمةُ بعامة، ويفيد منه الأفرادُ بخاصة؛ فواجب على المصلحين وقادةِ الأمم أن يتنبهوا لهذا المعنى، وأن يحرصوا على إشاعته في الناس؛ ذلكم أن وازعَ الدين والمراقبة لرب العالمين يفعل في النفوس ما لا يفعله وازعُ القوةِ والسلطان؛ فإذا أَلِفَ المرءُ أن يراقب ربه، ويستحضر شهوده واطلاعه عليه _ فإن المجتمعَ يأمنُ بوائقَه، ويستريحُ من كثيرٍ من شروره.
أما إذا كان الاعتماد على وازعِ القوة، وحارسِ القانون _ فإن القوةَ قد تضعُف، وإن الحارسَ قد يغفُل، وإن القانون قد يُؤَوَّل، وقد يُتَحايلُ؛ للتخلص من سلطانه.
لذلك تكثر الجرائم والمفاسد إذا قلّت التربية الدينية في مجتمعٍ ما، فإذا أَشَعْنَا هذا المعنى في الناس، وعَمَدْنا إلى تربيتهم بأسلوب الدين والفضيلة أرحنا واسترحنا، ووفَّرنا جهوداً كبيرة، وقد تكون ضائعة في غير ما فائدة؛ فالمراقبة حارسٌ قويٌّ يمنع الإنسانَ من التفكير في الجرائم والشرور، والتقصير في أداء الحقوق.
فلا عجب _إذاً_ أن تكون هذه الآية في أول سورة نزلت من القرآن الكريم؛ لكي يكون المؤمن على ذُكْرٍ من هذا المقام العالي الذي إذا تَمَثَّلَه كان في قبيل المحسنين الذين يعبدون الله كأنهم يرونه، فإن لم يكونوا يرونه فإنه يراهم.
وتلك هي مرتبة الإحسان التي هي أعلى مراتب الدين.


3 ــ إن الجبال من الحصى

العاقل اللبيب يحصي على نفسه عيوبها، ولا يحتقر شيئاً من ذنوبه مهما صغر في عينه على حد قول ابن المعتز:
لا تَحْقِرَنَّ صغيرةً
إن الجبال من الحصى
وفي مقابل ذلك ترى العاقل لا يجمع أخطاء الآخرين في حقه، ورعوناتهم التي تكون عن قصد أو غير قصد؛ لأنه إن فعل ذلك اجتمع عنده من ركام الهموم، والغموم ما هو كالجبال، وهو _في حقيقته_ كَثِيْبٌ مَهِيْلٌ؛ فلا يلبث أن يُنَغِّصَ عليه حياته، ويُكَدِّرَ صَفْوَه.
ولو تتبع الإنسان ما يصدر من أخطاء أو تقصير في حقه، واسترسل مع وساوسه، وأوهامه، وسوء ظنه _ لما بقي له أحد إلا نفسه التي بين جنبيه.
والذي تقتضيه الحكمة، وحسن العشرة، وكمال الديانة _ أ لا يجمع المرء على نفسه ما يكون من حماقات، أو تصرفات تصدر من الآخرين بمقتضى طباعهم، أو غفلتهم.
بل عليه أن يحسن الظن، ويتغاضى، ويتغافل ما دامت تلك الأخطاء لم تقف حَجَر عثرةٍ في طريقه.
فإذا كانت كذلك أخذ في معالجتها بالتي هي أحسن.
وإذا لم يأخذ بتلك الطريقة كان كمن يُدار عَبْرَ أجهزةِ تَحكُّمٍ؛ فيصير تبعاً لمن يدير تلك الأجهزة.
ويدخل في هذا القبيل كثير من الأعمال الصغيرة التي يؤجلها الإنسان، فتنال نيلها من صحته، وأعصابه، ووقته؛ فإذا همَّ بأيِّ عملٍ من الأعمال الكبيرة تَذَكَّر تلك الأعمال المؤجَّلة، فأشغلت ذهنه، وصَدَّته عن بُغْيَتِه.
فمثل تلك الأعمال الصغيرة من نحو إصلاح شأن من شؤون المنزل، أو العمل الرسمي، أو غير ذلك _ تحتاج إلى حسم، وإلا اجتمعت، وصارت كالجبال؛ لأن العمل المؤجل قَلَّمَا يُعمل، وإذا عُمِلَ فَقَلَّمَا يُعْمَل بإتقان كما لوكان في وقته؛ فإذا تراكمت عليك الأعمال _كما يقول ابن المقفع_ فلا تلتمس الرَّوْح بمدافعتها بالروغان عنها؛ فإنه لا راحة لك إلا في إصدارها، وإن الصبر عليها هو الذي يخففها عنك، والضجر هو الذي يراكمها عليك.
وقُلْ مثل ذلك في شأن الديون التي تتراكم على بعض الناس؛ فغالباً ما يكون سببُ ذلك الإهمالَ في تسديدها؛ فقد يكون الدَّيْنُ يسيراً، فيتهاون صاحبه في سداده، ثم يَرْكَبُه دين آخر يسير، فيتهاون _كذلك_ في سداده، وهكذا؛ فما يلبث فترة إلا وقد صار الدين كبيراً مِنْ جَرَّاء التهاون في سداده.
ولو أنه بادر إلى السداد من أول الأمر لَسَلِمَ من تلك التبعات.
وكذلك الحال بالنسبة لكثير من المشكلات اليسيرة المُعَلَّقة التي لا تحتاج إلى كبيرِ جُهْدٍ، وإنما تحتاج إلى التفاتَةٍ تحسمها؛ فترى بعض الناس لا يبالي بها، فتجتمع، وتكبر شيئاً فشيئاً؛ فتؤول بعد ذلك إلى عُقَدٍ متشابكة يصعب حلها، والسيطرة عليها.
ولو أن الإنسان بادرها في حينها، وتَخَلَّصَ من تبعاتها إبَّان حصولها _ لما اجتمع عليه ذلك الركام، ولما صار كالجبال أمام ناظريه؛ فالحسمَ الحسمَ، والمبادرةَ المبادرةَ في إنجازِ الأعمال، والتخلصِ من التبعات؛ فذلك أسلم للقلب، وأبرأ للذمة، وأعون على الترقي في الكمالات.
ويدخل في هذا القبيل كثير من الأعمال الطيبة اليسيرة، والمبادرات النافعة التي قد تبدو _في بعض العيون_ صغيرة؛ فإذا باشرها الإنسان كَوَّنَتْ له رصيداً من الخير الذي يكسبه شكوراً، وتزداد به صحيفة أعماله نوراً.
وهل العظمة إلا مجموعة أعمالٍ طيبة، وقد يكون بعضها صغيراً؟.
وهل السقوط إلا مجموعة سيئات، وقد يكون بعضها يسيراً؟.
فلا يحسن _إذاً_ بالإنسان احتقارُ شيءٍ من الخير، ولا احتقارُ شيءٍ من الشر؛ فإنَّ امرأةً بغياً دخلت الجنة في كَلْبٍ سقته، وإنَّ امرأةً دخلت النار في هرة حبستها لا هي أطعمتها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض.










4 ــ تعديل المخاطبات

المخاطبات في كل أمة تَنِمُّ عما يحمله أهل تلك الأمة من ذوق, وثقافة, وعقول؛ ذلك أن الألسنة مغارفُ القلوب؛ فإذا كانت تلك القلوب منطوية على العدل, والخير, والإصلاح، والسماحة ونحوها_ كانت المخاطبات تحمل تلك المعاني السامية.
وإذا كانت الأخرى فكل إناء بما فيه ينضح.
لذا كان حرياً بمن له تأثير سواء كان معلماً, أو داعيةً, أو كبيرَ قومٍ, أو وجيهَ طائفةٍ, أو مُقَدَّمَ صَحْبٍ _ أن يُعْنى بمخاطباته, وألفاظه, وأن يستحضر أن لذلك أبلغَ الأثرِ في نفوس أتباعه, وتصرفاتهم؛ فالذي يُكْثِرُ من الأقوال المُنهضة للهمة,المشجعة على الخير, الحاملة على التفاؤل، الجامعة للقلوب, المنفرة من الشر _ تجد جُلاَّسه, ومُحبيه, ومرتادي ناديه يحملون تلك المعاني, ويتمثلونها في أنفسهم, وينشرونها في أوساطهم.
والذي يُكْثِر من الأحاديث المُثبِّطة عن الخير, الجالبة لليأس, المُفرِّقة بين الناس _ يكون أصحابه على هذا النهج.
والذي يكثر من ذكر النساء, أو الأطعمة, أو الأحاديث التي لا تسمن ولا تغني من جوع _ يكون لجلسائه كِفْلٌ من ذلك.
والذي يُكثر من الغرائب، ويغرب في العجائب، ويتسقط الأخبار التي لا زمام لها ولا خطام _ يكون لمريديه نصيب من ذلك المرض.
والذي يسود مَجْلِسَهُ الجدالُ بالباطل، ويَكْثُرُ فيه اللغطُ وسوءُ اللفظ _ يكون أصحابه على تلك الشاكلة.
وقس على هذه النبذة ما شئت, والواقع سيصدقك.
وهكذا يتبين أن حُسنَ المخاطبة أثرٌ من آثارِ فِقْهِ النفس, وسلامةِ الذوق, ونُبلِ الهدف, وبُعْدِ الهمة.
كما أن سوءَ المخاطبةِ أثرٌ من آثار الرقاعة، والصفاقة، وقلة الذوق، وسقوط الهمة.




















5 ــ هَــــلْ وكَـــمْ

جاء في مطلع معلقة عنترة المشهورة قوله:
هل غادر الشعراء من متردَّم
أم هل عرفت الدار بعد توهم
ومعنى قوله: غادر: أي ترك, وأبقى.
ومعنى متردَّم: أي مُتَتبّعٌ مُصْلَحٌ, مِنْ تردَّمَ الكلامَ: إذا تَتَبَّعه وأصلَحه.
ومعنى البيت: ما ترك الشعراء قَبْلي شيئاً مِنْ صالح الكلام إلا وسبقوني إليه.
أي لم يَدَعوا لنا شيئاً من المعاني, وصالحِ القول؛ فهذا هو معنى الشطر، وهو الذي يعنينا من البيت.
وجاء في ديوان البارودي أن الأديب الكبير مصطفى صادق الرافعي _ وكان إذ ذاك شاباً _ سأل باعثَ الشعرِ العربيِّ في العصر الحديث محمود سامي الباروديَّ شيئاً من شعره الجديد، فقال البارودي: إن عنترة بن شداد العبسي يقول:
هل غادر الشعراء من متردَّم
أَمْ هَلْ عرفت الدار بعد توهم
وقد نَقَضْتُ هذه القصيدةَ بقولي:
كَمْ غادرَ الشعراءُ مِنْ متردَّم
في كل عصرٍ عبقريٌّ لا يَنِي
ولربَّ تالٍ بذَّ شأْوَ مُقدَّمِ
يَفْرِي الفَرِيَّ بِكُلِّ قولٍ مُحْكمِ
إلى آخر ما قال في تلك القصيدة التي تبلغ ثلاثة وخمسين بيتاً .
ومعنى قوله =تالٍ+: اسم فاعل من تلا, أي تَبِعَه، وجاء بعده.
ومعنى قوله =بذّ+: أي غلب, والشأو: الغاية, والفَرْيُ: القطع.
ومعنى هذا البيت عكس معنى بيت عنترة؛ فبينما يرى عنترة أن الأوائل لم يَدَعوا مهيعاً في الشعر إلا سلكوه، ولم يتركوا لمن بعدهم شيئاً _ فإن الباروديَّ يرى أن الإبداع غير مقتصر على الأوائل؛ فليس للإبداع مكان ولا زمان؛ فربما جاء المتأخر بما لم تأت به الأوائل؛ فما دام العقل البشري يتحرك فالإبداع ممكن، والتجديد وارد؛ فانظر إلى تباين الرؤية، وانظر إلى عظمة اللغة؛ حيث تَغَيَّر معنى البيت تماماً بمجرد إبدال أداة استفهام بأخرى.
والمقصود مما مضى إيراده أن هذه النظرة للإبداع قديمة حديثة؛ فهناك من يرى أن الأوائل لم يدعوا شيئاً للمتأخرين.
وهناك من يرى الأخذ بالجديد فحسب، والتخلي عما شاده الأوائل, ومن هنا تنشأ المعركة بين القديم والجديد.
وهي _بلا شك_ معركة ما كان ينبغي لها أن تقوم؛ إذ الحكمة تقتضي _كما يقول ابن عاشور_ أن نَعْمَدَ إلى ما شاده الأوائل فَنُهَذِّبَهُ ونزيده, وحاشا أن نَنْقُضَهُ أو نُبيدَه, فأولوا الأحلام الراجحة يأخذون بما يظهر من جديد صالح, ولا ينكثون أيديهم من قديم نافع.
وما أضر _كما قيل_ من مقولة: ما ترك الأول للآخر شيئاً.
وأَجْمِل بالمقولة الأخرى التي تقول: كم ترك الأول للآخر.
ولعل من أوائل من أشاروا إلى هذا المعنى العلامة اللغوي أحمد ابن فارس ×.
وإليك شيئاً من رسالة له كتبها لأبي عمرو محمد بن سعيد الكاتب؛ لتستبين مذهبه في ذلك، وتَلْمَسَ أسلوبه الأدبي، تلك الرسالة التي يتناقلها بعض المؤلفين إلى يومنا هذا، ويرون فيها عزاءً لهم,ورداً على من لا يَقْدُرُون الإنتاجَ العلمي والأدبي قَدْرَهُ، ولا يرون التَمَيُّزَ إلا للقديم؛ فابن فارس يُبَيِّن فيها أن الحَسَنَ الجيدَ لا يختص به أحد دون أحد، أو زمان دون زمان، وينكر تلك المقولة التي وقفت سداً منيعاً أمام كثير من المبدعين، ألا وهي قولهم: (ما ترك الأول للآخر شيئاً).
ويرشد إلى أن يوضع مكانها: (كم ترك الأول للآخر).
يقول × في رسالته: =ألهمك الله الرشاد، وأصحبك السداد، وجنبك الخلاف، وحبَّب إليك الإنصاف.
وسبب دعائي بهذا لك إنكارُك على أبي الحسن محمد بن علي العِجْلي تأليفه كتاباً في الحماسة، وإعظامك ذلك.
ولعله لو فعل حتى يصيب الغرض الذي يريده، وَيَرِد المنهل الذي يؤمه_ لاستدرك من جيد الشعر وَنقِيِّه، ومختاره ورضيِّه كثيراً مما فات المؤلف الأول؛ فماذا الإنكار؟ ولمه هذا الاعتراض؟ ومن ذا حظر على المتأخر مضادةَ المتقدم؟ ولمه تأخذ بقول من قال: ما ترك الأول للآخر شيئاً، وتدع قول الآخر:
كم ترك الأول للآخر؟
وهل الدنيا إلا أزمان، ولكل زمان رجال؟ وهل العلوم بعد الأصول المحفوظة إلا خطرات الأوهام، ونتائج العقول؟!
ومَنْ قَصَر الآداب على زمانٍ معلوم، ووقفها على وقت محدود؟ ولمه لا ينظر الآخر مثلما نظر الأول؛ حتى يؤلف مثل تأليفه، ويجمع مثل جمعه، ويرى في كل مثل رأيه.
وما تقول الفقهاء في زماننا إذا نزلت بهم من نوادر الأحكام نازلة لم تخطر على بال من كان قبلهم؟ أَوَ ما علمت أن لكل قلب خاطراً، ولكل خاطر نتيجةً؟ ولِمَهْ جاز أن يقال بعد أبي تمام مثل شعره، ولم يَجُزْ أن يؤلف مثل تأليفه؟
ولمه حجَّرت واسعاً، وَحَظَرتَ مباحاً، وحرمت حلالاً، وسددت طريقاً مسلوكاً؟
وهل حبيبٌ(1) إلا واحد من المسلمين له ما لهم وعليه ما عليهم؟ ولمه جاز أن يعارض الفقهاء في مؤلفاتهم، وأهل النحو في مصنفاتهم، والنُّظَّار في موضوعاتهم، وأرباب الصناعات في جميع صناعاتهم، ولم يجز معارضة أبي تمام في كتاب شذَّ عنه في الأبواب التي شرعها فيه أمر لا يُدْرَكُ ولا يدرى قدره؟
ولو اقتصر الناس على كتب القدماء لضاع علم كثير، ولذهب أدب غزير، ولضلت أفهام ثاقبة، ولَكَلَّت أَلْسُنٌ لسِنَةٌ، ولما توشَّى أحد بالخطابة، ولا سلك شِعْباً من شعاب البلاغة، وَلَمَجَّتِ الأسماع كل مردود مكرر، ولَلَفظت القلوب كل مُرَجَّع مُمَضَّغ، وحتَّام لا يُسْأَم:
لو كنت من مازن لم تستبح إبلي(2)
وإلى متى: صَفَحْنا عن بني ذهل(3)
ولِمَه أنكرت على العِجْليِّ معروفاً؟ واعترفت لحمزة بن الحسين ما أنكره على أبي تمام في زعمه أن في كتابه تكريراً وتصحيفاً، وإيطاءً وإقواءً(4)، ونقلاً لأبيات عن أبوابها إلى أبوابٍ لا تليق بها، ولا تصلح لها إلى ما سوى ذلك من روايات مدخولة، وأمور عليلة؟ ولمه رضيت لنا بغير الرضى؟ وهلا حثثت على إثارةِ ما غَيَّبَتْهُ الدهور، وتجديد ما أخلقته الأيام، وتدوين ما نَتَجَتْهُ خواطرُ هذا الدهر، وأفكار هذا العصر، على أن ذلك لو رامه رائمٌ لأتعبه، ولو فعله لقرأت ما لم ينحط عن درجة مَنْ قَبْلَه: مِنْ جدٍّ يروعك، وهزل يروقك، واستنباط يعجبك، ومزاحٍ يلهيك.
وكان بقزوين رجل معروف بأبي حامد الضرير القزويني، حضر طعاماً وإلى جنبه رجل أكول، فأحس أبو حامد بجودة أكله فقال:
وصاحب لي بطنه كالهاوية
كأن في أمعائه معاوية(5)
فانظر إلى وجازة هذا اللفظ، وجودة وقوع الأمعاء إلى جنب معاوية، وهل ضر ذلك أن لم يقله حماد عَجْرَد وأبو الشمقمق؟ وهل في إثبات ذلك عارٌ على مثبته، وفي تدوينه وصمة على مدوِّنه؟
وبقزوين رجل يعرف بابن الرياشي القزويني، نظر إلى حاكم من حكامها من أهل طبرستان مقبلاً، عليه عمامةٌ سوداءُ وطيلسان أزرقُ، وقميصٌ شديدُ البياض، وخفٌّ أحمرُ، وهو مع ذلك كله قصير على بِرَذَون أبلقَ هزيلِ الخَلْق، طويل الحلق، فقال حين نظر إليه:
وحاكم جاء على أبلق
كعقعقٍ جاء على لقلقِ
فلو شهدت هذا الحاكم على فرسه لشهدت للشاعر بصحة التشبيه، وجودة التمثيل، ولعلمت أنه لم يَقْصُرْ عن قول بشار:
كأن مثار النقع فوق رؤوسهم
وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه
فما تقول لهذا، وهل يحسن ظلمه في إنكار إحسانه، وجحود تجويده؟
وأنشدني الأستاذ أبو علي محمد بن أحمد بن الفضل، لرجل بشيراز يعرف بالهمذاني وهو اليوم حي يرزق، وقد عاتب(6) بعض كتابها على حضوره طعاماً مرض منه:
وُقِيتَ الردى وصروفَ العلل
شكا المرض المجد لمَاَّ مَرِضْـ
لك الذنب لا عتب إلا عليك
ولا عَرَفَتْ قدماك العلل
ـتَ فلما نهضت سليماً أبلّ
لماذا أكلت طعام السِّفل
وأنشدني له في شاعر هو اليوم هناك يعرف بابن عمرو الأسدي، وقد رأيته فرأيت صفة وافقت الموصوف:
وأصفر اللون أزرق الحدقة
كأنه مالك الحزين إذا
إن قمت في هجوه بقافيةٍ
في كل ما يدعيه غير ثقةْ
همَّ بزرق وقد لوى عنقهْ
فكل شعر أقوله صدقةْ
وأنشدني عبدالله بن شاذان القاري، ليوسف بن حمويه من أهل قزوين؛ ويعرف بابن المنادى:
إذا ما جئت أحمد مُسْتميحاً
فلا يَغْرُرْكَ منظرُه الأنيقُ
له لطفٌ وليس لديه عرفٌ
كبَارقةٍ تروقُ ولا تُريق
فما يَخْشى العدوُّ له وعيداً
كما بالوعد لا يَثِقُ الصديقُ
ومدح رجلٌ بعض أمراء البصرة، ثم قال بعد ذلك _وقد رأى توانياً في أمره_ قصيدةً يقول فيها كأنه يجيب سائلاً:
جوَّدت شعرَك في الأميـ
ـرِ فكيفَ أمْرُك قلتُ: فاترْ
فكيفَ تقول لهذا؟ ومن أي وجه تأتي فتظلمه؟ وبأي شيء تعانده فتدفعه عن الإيجاز والدلالة على المراد بأقصر لفظٍ وأوجز كلام؟ وأنت الذي أنشدتني:
سَدَّ الطريق على الزما

نِ وقام في وجه القطوب

كما أنشدتني لبعض شُعراء الموصل:
فدَيتك ما شِبْتُ عن كُبرةٍ
وهذي سِنِيٌّ وهذا الحسابُ

ولكن هُجِرتُ فحَلَّ المشيبُ
ولو قد وُصِلتُ لعاد الشبابُ
فلِمَ لم تخاصم هذين الرجلين في مزاحمتهما فحولة الشعراء وشياطين الإنس، ومَرَدة العالمَ في الشعر؟
وأنشدني أبو عبدالله المغلسي المراغي لنفسه:
غداةَ تولت عِيسُهم فترحلوا
بكيت على ترحالهم فعميتُ


فلا مُقلتِي أدّت حقوقَ وِدادهم
ولا أنا عن عيني بذاك رضيتُ
وسمعت أبا الحسين السروجي يقول: كان عندنا طبيب يسمى النعمان، ويكنى أبا المنذر، فقال فيه صديقٌ لي:
أقول لنعمانٍ وقد ساق طبُّه
نفوساً نفيساتٍ إلى باطن الأرضِ


أبا منذر أفنيتَ فاستبقِ بعضَنا
حنانيك بعضُ الشرِّ أهون من بعض(7)
إلى آخر ما قاله ابن فارس في رسالته الماتعة(8)؛ فرحمه الله، وأجزل مثوبته، وجزاه خير الجزاء كِفاءَ ما قدم للعلم والعربية.
وهكذا يتبين لنا بطلان المقولة المثبطة: =ما ترك الأول للآخر شيئاً+.
وصحة المقولة المُنهضة: =كم ترك الأول للآخر+.



6 ــ وكم مالئ عينيه
هذا جزءٌ من شَطْرِ بيتٍ لعمر بن أبي ربيعة, يقول فيه:
وكم مالئٍ عينيه من شيء غيره
إذا راح نحو الجمرةِ البيضُ كالدمى كالدمى
ومعنى البيت: كثير من الناس يُطْلِقُ بَصَرَه في النظر إلى النساء إذا ذهبن لرمي الجمار.
وهو في هذا البيت يشير _على مذهبه الغزلي_ إلى أن كثيراً من الناس يَسْبِيْهِ التطلعُ إلى ما لا يمتلك, ويخص بذلك النظر إلى النساء الأجنبيات عنه.
ولعل المعنى لا يقف عند حد النساء فحسب, بل يتعداه إلى أمور أخرى؛ فكثير من الناس يزهد بما في يده, ويتطلع إلى ما عند غيره أَيَّاً كان ذلك المُتَطَّلع إليه؛ فكم من أناس يقطعون المسافات لطلب العلم عند عالم وعندهم في بلدهم من يفوقه، ولكن زامر الحي لا يطرب, وأزهد الناس في العالِم أهله وجيرانه.
وكم من الطلاب من يَدْرُسُ - على سبيل المثال- في كلية الشريعة وتراه يحرص كثيراً على طلب العلم،والسؤال عن طريقة الترقي فيه، وتجده يتطلع إلى كتب ليست مقررة عليه.
ولو أنه اقتنع بما عنده، ولزم الإقبال على المناهج المقررة عليه لكان خيراً له؛ إذ غالباً ما تكون تلك المناهج مدروسةً بعناية، وتكون مهيِّئةً للطالب أن يسير على وَفْقِ نظامٍ يوصله إلى درجة عالية من العلم، والمنهجية المنضبطة.
ثم ما يحصل عليه من العلوم بعد إلمامه بما قُرِّرَ عليه يُعدُّ رِبْحاً.
ولكن التطلع إلى ما ليس قريباً يقطع الإنسان عن الوصول إلى المبتغى.
والغريب في الأمر أَنَّ مَنْ يكون في غير تلك الكليات ممن يرومون العلم الشرعي يتمنون من كل قلوبهم أن يلتحقوا بتلك الكليات، ويدرسوا مناهجها التي يزهد بها بعض المنتسبين إليها.
وكم من الناس من يستشير البعيد عنه، ويزهد بالقريب منه من نحو والدٍ، أو قريب أو أستاذ مع أن من أولئك من قد يفوق المستشار البعيد بمراحل؛ فأولى لهذا ثم أولى له ألا يزهد بمن عنده إلا إذا كان يستحيي من مشورة القريب في بعض الأمور.
وكم من الوالدين من يزهد بأولاده, ولا يراهم أهلاً لأي مكرمة أو تَحَمُّلِ مسؤوليةٍ، مع أنهم يبلغون من الشهامة والفضل مبلغاً عظيماً.
وربما أُعْجِب بأبناء فلان من الناس وأثنى عليهم، وفضَّلهم على أولاده مع أن أولاده يفوقونهم بمراحل.
بل بعضهم لا يرى أيَّ قيمة لأولاده إلا بعد أن يسمع ثناءً عليهم في محفل، أو إشادة بهم من أحد الناس.
وكم من الناس من يرغب عن الطعام الذي يُعَدُّ له في منزله، ويرغب في طعام أقلَّ منه جودةً إذا كان خارج المنزل.
وكم من الناس من يزهد بحاله التي هو عليها، ويتمنى لو كان كفلان أو فلان من الناس مع أنه ربما يتمتع بصحة، وراحة لا يجدها أولئك الذين تمنى مكانهم بالأمس.
وكم من أناس يزهدون بمن يسوس أمرهم من مدير، أو مسؤول، ويتمنون زواله عنهم، ثم بعد ذلك يبكون على تلك الأيام التي قضوها معه بعد أن يجربوا غيره، و:
ربَّ يومٍ بكيتُ فيه فلما
صرت في غيره بكيتُ عليه
فهذه نبذة يسيرة، وأمثلة قليلة في شأن من يملأ عينيه من شيء غيره، والأمر أوسع من ذلك وأعم.
فالتطلع إلى ما في أيدي الآخرين مما يورث الحسرات، والغموم؛ فحريٌّ بالعاقل أن يرضى بما عنده، وألا يمد عينيه إلى ما ليس له إليه سبيل.
ومن أعظم ما يعين على ذلك لزوم القناعة؛ فإذا لزم العبد القناعة أشرقت عليه شموس السعادة.
ومن يطعمِ النفسَ ما تشتهي
كمن يطعم النار جزل الحطب
قال _تعالى_: ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ? [طه: ???].
قال أُبي بن كعب (: =من لم يتعز بعزة الله تَقَطَّعتْ نفسه، ومن يتبع بصره فيما في أيدي الناس يَطُلْ حُزْنُهُ، ومن ظن أن نعمة الله في مطعمه ومشربه وملبسه_ فقد قل علمه، وحضر عذابه+.
وقال الشيخ عبدالرحمن السعدي × في تفسير الآية السابقة:
=أي ولا تمد عينيك معجباً، ولا تكرر النظر مستحسناً إلى أحوال الدنيا والممتعين بها من المآكل والمشارب اللذيذة، والملابس الفاخرة، والبيوت المزخرفة، والنساء المجملة؛ فإن ذلك كلَّه زهرة الحياة الدنيا، تبتهج بها نفوس المغترين، وتأخذ إعجاباً بأبصار المعرضين، ويتمتع بها _بقطع النظر عن الآخرة_ القوم الظالمون، ثم تذهب سريعاً، وتمضي جميعاً، وتقتل محبيها وعشاقها، فيندمون حيث لا تنفع الندامة، ويعلمون ما هم عليه يوم القيامة، وإنما جعلها الله فتنة واختباراً؛ ليعلم من يقف عندها، ويغتر بها، ومن هو أحسن عملاً+.
وما أحسن قول أبي فراس الحمداني:
إن الغنيَّ هو الغنيُّ بنفسه
ولو آنه عاري المناكب حافي
ما كل ما فوق البسيطة كافياً
فإذا قنعتَ فكل شيء كافي
ومما يوصل إلى ذلك أن ينظر الإنسان إلى من هو أدنى منه في أمور الدنيا، وإلى من هو أعلى منه في أمور الدين وسائر الفضائل؛ فهذا هو المعيار الحقيقي، وتلك هي الموازنة المجدية؛ فهي تُبصِّر الإنسان بنعمة الله، وتقوده إلى شكره وإيثار محابِّه.
فإذا نظر الإنسان إلى من هو فوقه في التقوى، والعلم، وسائر الفضائل _ حمله ذلك على العمل والمسارعة إلى الخيرات.
وإذا نظر إلى من هم دونه في أمور الدنيا في الصحة والمال ونحو ذلك _ قاده ذلك إلى مزيد من الشكر.
وإلى هذا المعنى العظيم يشير قول النبي ?: «إذا نظر أحدكم إلى من فضل عليه في المال والخلق فلينظر إلى من هو أسفل منه ممن فُضِّل عليه» متفق عليه.
وزاد مسلم: «فهو أجدر ألا تزدروا نعمة الله عليكم».
قال ابن بطال × في شرح هذا الحديث: =هذا الحديث جامعٌ لمعاني الخير؛ لأن المرء لا يكون بحال تتعلق بالدين من عبادة ربه مجتهداً فيها _ إلا وجد من هو فوقه؛ فمتى طلبت نفسه اللحاق به استقصر حاله؛ فيكون أبداً في زيادةٍ تُقَرِّبه من ربه، ولا يكون على حال خسيسة من الدنيا إلا وجد من أهلها من هو أخسُّ حالاً منه.
فإذا تفكر في ذلك علم أن نعمة الله وصلت إليه دون كثير ممن فضَّل عليه بذلك من غير أمر أوجبه؛ فيلزم نفسه الشكر؛ فيعظم اغتباطه بذلك في معاده+.
ولقد أحسن ابن الرومي أيما إحسان في قوله:
إذا ما كساك الله سربال صحة
ولم تخلُ من قوت يحل ويَعْذُبُ
فلا تغبطَنَّ المترفين فإنهم
على حَسْبِ ما يكسوهم الدهر يسلب
ولا يعني كل ما مضى ذكره أن يكون الإنسان راضياً بالدون، غير ساعٍ إلى الأعلى والأكمل في أمور دينه ودنياه.
ولكنها دعوة إلى الرضا بما هو في الإمكان، والسعي إلى ما أعلى وأرفع.


7 ــ هـم يحسدونــه
في إحدى المناسبات كان هناك مجموعة من الفضلاء، ودار الحديث عن موضوعٍ ما، وكان لأحد الحاضرين وجهة نظر في ذلك الموضوع، وهناك من يخالفه في تلك الوجهة.
والأمر _على كل حال_ يسير جداً لا يستدعي نزاعاً ولا شقاقاً.
فبدأ صاحب الوجهة يتكلم، ويقول: إن الحق معي، وإن من يخالفني مخطئ، وأنا محاربٌ محسودٌ، وهذا شأن الناجحين في كل زمان ومكان.
وقد قال ذلك مع أن الأمر _كما مر_ يسير؛ فدل ذلك على عيب نفسه، وكان سبباً لانتقاص الآخرين له.
ولو تكلم عنه غيره، وقال: إن فلاناً محسود محارب _ لربما كان ذلك مستساغاً.
فإذا ما قال ذلك عن نفسه كان ممجوجاً غير مقبول خصوصاً في أمور يسيرة.
وهذه آفة تعتري بعض الناس ممن يُقَدَّر لهم النجاحُ أو شيءٌ منه، والنجاحُ في أي مجال يحتاج إلى حفظٍ، ورعاية.
ولا يكفي في نجاحِ الإنسان أو نبوغِه مجردُ ذكائه وعبقريته، بل يحتاج مع ذلك إلى عقل راجح سليم، وخلق فاضل كريم، ونظر في العواقب بعيد؛ حتى يحافظ على نجاحه، ويتجنب الغرور والمزالق, واستعداء الآخرين.
ومع ذلك فقد لا يسلم من ناقد أو ناقم أو حاسد، ولكن ذلك لا ينبغي أن يثني الناجح عن مراده.
ومما يعينه على ذلك ألا يشتغل بنفسه كثيراً ولا بخصومه، بحيث يبدأ بمنافرتهم, واستعدائهم.
ولا يظنَّ أن كلَّ نقد يوجَّه إليه أنه ناتج عن حسد وضغينة, لا، بل قد يكون اختلافاً في وجهات النظر.
بل يحسن به أن يواجه الاعتراض، والحسد، والنقد بنفس مطمئنة، وحسن ظن بالآخرين، وحسنِ تعاملٍ مع الإساءة؛ فذلك أزكى لنفسه، وأسلم لقلبه، وأضمن _بإذن الله_ لاستمرار مسيرته، وأدعى لتقليل خصمه، أو كسر شوكته.
ثم إن من الناس من يُدَسِّي نفسه، ويقمعها، وينزلها منزلة لا تليق بها مع أنه قادر على النهوض بها، وأنه يملك كثيراً من المقومات التي ترفع من شأنها.
وإذا قيل له في ذلك اعتذر بأن الناس من حوله يقفون في طريقه، وأنه ربما يواجهه اعتراضاً أو انتقاداً، وحسداً
وربما ردَّد مقولة قديمة وهي قولهم: زامر الحي لا يطرب، أو ردَّد كلمة معاصرة، وهو قولهم: من عرفك صغيراً حقرك كبيراً.
وقد يكون لمثل هذه الأعذار رصيد من الصحة، ولكن لا ينبغي أن تحول بين الإنسان ونيل المعالي، والسعي لاكتسابها؛ وهل الناجحون في كل زمان ومكان إلا ممن مر على تلك الجسور، وجاوز هاتيك القناطر؟
وخلاصة القول في ذلك أنه لا يحسن بالعاقل أن يشتغل كثيراً بما يقال عنه إذا لم يكن حقاً، أو لم يكن مراداً به النقد الهادف؛ فإذا كان كذلك فعليه الاستفادة من هذا النقد حتى يرتقي.
وأهم من ذلك ألا يسترسل مع الأوهام التي تنسج خيوطها في ذهنه، وتمد أشعتها في خياله، فتشعره بأنه محسود يُتَربَّص به الدوائر، ويُنْتَظر به ريبُ المنون.
وهذه الأوهام ربما تورثه الغرور، والتيه، والتعالي على الآخرين؛ فيرى أنه أرفع من الناس، ويفسِّر كل تصرف أو اعتراض منهم على أنه ناتج عن حسد، أو غيره.
وربما تقعد به تلك الأوهام عن المعالي، وتصده عن الترقي في درج المكارم؛ فكلما همَّ بمكرمة قالت له نفسه: مهلاً؛ فأمامك حسادٌ، ووشاة سيقفون في طريقك، ويضعون أمامك عراقيل لا طاقة لك بها.
وهكذا تضيع الفرص، وتُوأد المواهب:
ولم أرَ في عيوب الناس شيئاً
كنقص القادرين على التمام




8 ــ مزاح الأكابر

لقد بُعِثَ النبي ? بالحنيفية السمحة، ورُفِع عن أمته الحرجُ والآصار والأغلال.
وكان _عليه الصلاة والسلام_ يمزح، وكان لا يقول إلا حقاً.
وما زال الأشراف والأكابر يمزحون، ويسمحون، ويحتسبون إدخال السرور على أنفسهم وعلى من حولهم بما لا يقدح في أديانهم، ولا يغض من مروآتهم.
وكتب الصحاح، والسنن، والمسانيد، والأدب، والسير، والتواريخ، والأخبار _ حافلة بهذا الشأن، مبينة ما يليق منه وما لا يليق.
والحديث ههنا سيدور حول مزاح الأكابر، وذكر بعض الأخبار في المزاح، مع الإشارة إلى بعض ما ينافيه.
قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (: =روحوا القلوب بطرائف الحكم؛ فإنها تمل كما تمل الأبدان+.
وكان رجل يجالس أصحاب النبي ? ويحدثهم، فإذا أكثروا، وثقل عليه الحديث قال: =إن الأذُنَ مَجَّاجة، وإن القلوب حَمِضة؛ هاتوا من أشعاركم وحديثكم+.
وقال أبو الدرداء (: =إني لأَجُمُّ نفسي بشيء من الباطل؛ كراهة أن أحَمِّلَها من الحق ما يُمِلُّها+.
وكان ابن عباس _رضي الله عنهما_ يحدِّث أصحابه ساعة، ثم يقول: =حَمِّضونا، فيأخذ في أحاديث العرب، وأشعارها، ثم يعود يفعل ذلك مراراً+.
ومثله عند الزهري، ومالك، وابن دينار _رحمهم الله_.
وَوُصِفَ رجلٌ عند ابن عائشة، فقيل: هو جِدٌّ كله؛ فقال ابن عائشة: =لقد أعان على نفسه، وقصَّر لها طول المدى.
ولو فكَّهها بالانتقال من حال إلى حال لنفَّس عنها ضِيْقَ العُقَد، ورجع إلى الجِدِّ بنشاط+.
وقال أحدهم:
أروّح القلب ببعض الهزْلِ
أمزح فيه مَزْحَ أهلِ الفضلِ
تجاهلاً مني بغير جهْلِ
والمزحُ أحياناً جِلاءُ العقلِ
قال الخليل بن أحمد ×: =الناس في سجن ما لم يُمازِحوا+.
وقال قبيصة بن عقبة السُّوائي الكوفي: =كان سفيان الثوري مَزَّاحاً، ولقد كنت أجيء إليه مع القوم؛ فأتأخر خلفهم؛ مخافة أن يحيرني بمزاحه+.
وقال ابن عبدالبر ×: =كان محمد بن سيرين × يداعب ويضحك حتى يسيل لعابه؛ فإذا أردته على شيء من دينه كانت الثريا أقرب إليك من ذلك.
وقيل له: من أكل سبع رطبات على الريق سَبَّحت في بطنه.
فقال: لئن كان هذا هكذا فينبغي للوزينج إذا أُكل أن يصلي الوتر والتراويح+.
وروى هارون بن موسى الأعور عن سالم العلوي قال: =قال لي الحسن: خلِّ بين الناس وبين هلالهم حتى يراه معك أحد+.
وكان شعبة يقول: =سالم العلوي يرى الهلال قبل الناس بليلتين+.
ومزح الشعبي يوماً فقيل له: =يا أبا عمرو! أفتمزح؟ قال: إن لم يكن هذا مُتنا من الغم، فَدَاءٌ داخل، وهواء خارج+.
ثم إن الأكابر إذا مزحوا لم يجرحوا، ولم يُسِفّوا، ولم يسيؤوا.
وإذا شعروا بشيء من ذلك بادروا إلى الاعتذار، وإذا ابتدروا أحداً بالمزاح تحملوا ما يقال لهم، وما يُرَدُّ به عليهم؛ بل ربما قابلوا ذلك بالسرور والارتياح.
وللخليفة معاوية بن أبي سفيان _رضي الله عنهما_ أخبار في ذلك يطول ذكرها، وقد أورد ابن عبدالبر في بهجة المجالس طرفاً منها.
قال معاوية لابن عباس _رضي الله عنهم_: =أنتم يا بني هاشم تصابون في أبصاركم، فقال ابن عباس: وأنتم يا بني أمية تصابون في بصائركم+.
وقال معاوية لعقيل بن أبي طالب _رضي الله عنهما_: =أين ترى عَمَّك أبا لهب؟ قال: في النار، مفترشاً عَمَّتَك حمَّالة الحطب+.
وكانت أم جميل امرأة أبي لهب بنت حرب بن أمية بن عبد شمس.
ودخل الأحنف بن قيس التميمي على معاوية بن أبي سفيان يوماً، فقال: يا أحنف! ما الشيء الملفَّف في البِجاد؟ يُعَرِّض له بقول الشاعر:
إذا ما مات مَيْتٌ من تميم
بخبزٍ أو بتمرٍ أو بسمنٍ
تراه يطوفُ في الآفاق حِرْصاً
فَسرَّك أن يعيش فَجئْ بِزادِ
أو الشيء المُلفَّفِ في البجاد
ليأكُلَ رأسَ لقمانِ بنِ عادِ
والشيء الملفف في البجاد: وطب اللبن.
فعلم الأحنف ما أراد معاوية بتعريضه، فقال: الشيء الملفف في البجاد هو السخينة يا أمير المؤمنين.
وذلك أن قريشاً كانت تعيَّر بأكل السخينة، وهي حَساء من دقيق كانوا يصنعونها عند المسغبة، وغلاء السعر.
وقال معاوية لرجل من أهل اليمن: ما كان أحمق قومك حين قالوا: ? ? ? ? ?? [سبأ: ??] أما كان جمع الشمل خيراً لهم؟
فقال اليماني: قومك أحمق منهم، حين قالوا: ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?? [الأنفال: ??].
أفلا قالوا: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا إليه.
ثم إن الأكابر يدركون أن للهزل أوقاتاً تليق به، ومقداراً لا يحسن تجاوزه، فإذا استعمل في موضعه، ولم يتجاوز قدره _ كان نافعاً مسعداً.
فالمزاح جد _كما يقول الجاحظ_ إذا اجْتُلِبَ؛ ليكون علة للجد، وإن البطالة وقار ورزانة إذا تُكلِّفت لتلك العاقبة؛ فالضحك في موضعه كالبكاء في موضعه، والتبسم في موضعه كالقطوب في موضعه، وكذلك المنع، والبذل، والعقاب والعفو، وجميع القبض والبسط.
فإذا حمد المزاح ففيه ما يحمد، وإذا ذم ففيه ما يذم.
يقول الأستاذ محمد كرد علي ×: =الهزل ينفع في الأحايين, والجِدُّ نافعٌ كل حين, يُدْخل الهزل النشاط على النفوس وهو عون على الجد, وإذا استكثر منه يَسْمُجُ ولا ينفع, وربما غلب الهزل على مَنْ كان تحصيل الرزق هيناً في أرضهم, ولهم شيء من الفراغ يخلون فيه إلى أصحابهم وعشرائهم, والهزل قد يكثر في الحواضر؛ لأنها لا تخلو من مُتَبَطِّلين يسهل عليهم تحصيل رزقهم بدون سعي عظيم.
ومن لم يُرْزَقْ حظاً من أدب النفس لا يدري كيف يهزل الهزل الجميل, ولا كيف يتهكم التهكم الذي يسر ولا يسوء.
وهزْل الناس فرع من أدبهم يسمو بسموه، وينحط بانحطاطه.
ومن الهزل الفظيع أن بعض المُفْرِطين في هزْلهم يختلقون أكاذيب مُضِرة تجوز لساعتها على سامعها, كأن ينعوا إليه زوجته, أو أباه, أو أمه, أو عزيزاً عليه, وهم يظهرون الأسى على ما حلَّ به.
وهذه المقالب _واحدها مقلب كما يسميها المصريون_ أو التراكيب _مفردها تركيبة كما يدعوها الشاميون_ خالية من الذوق, وفيها غلظة وسماجة, لا يُقَدِّر فيها مَنْ يجرؤون عليها عظم الخطر الذي ينشأ من هزْلهم هذا+ ا. هـ.
وإذا تجاوزنا مراحل من التاريخ إلى عصرنا الحاضر _ وجدنا أن للمزاح نصيباً عند أكابر علمائنا؛ فهم يأخذون به في بعض الأحيان؛ يروِّحون به عن أنفسهم، ويدخلون السرور على جلاسهم، ومن تحت أيديهم في العمل.
وهذه أمثلة لأربعة من أكابر علمائنا في العصر الحاضر.
أولاً: سماحة العلامة الشيخ عبدالرحمن السعدي (1307_1376هـ) _رحمه الله_:
فقد كان × كثيراً ما يمازح الصغار، والكبار، والأغنياء، والفقراء، ويمازح طلابه، وأهل بيته كلٌّ بحسبه، كما كان يقبل المزاح، ولا يغضب ممن يمازحه، وله في ذلك مواقف كثيرة، منها على سبيل المثال ما يلي:
1_ يقول ابنه الأستاذ محمد: =كان للوالد الشيخ صديق عزيز اسمه: عبدالعزيز الدامغ.
وفي يوم من الأيام كان الشيخ يمشي مع صاحبه هذا في جماعة من الناس، وكانوا يتحدثون عن الأعمار كما هي عادة كثير من الناس، وكان عُمُرُ الدامغ المذكور آنذاك إحدى وستين سنة، فقال له الشيخ عبدالرحمن: (يا أخ عبدالعزيز يكفيك عمر النبي ?).
يعني ثلاثاً وستين سنة، ومعنى ذلك أنه بقي له سنتان فحسب.
فقال عبدالعزيز الدامغ: (حَسَناً، ولكن نبتدئ يا شيخ من الآن).
ومعنى ذلك أن يكون عمره أربعاً وعشرين ومائة سنة، فضحك الشيخ، وأعجب بسرعة بديهة صاحبه+.
2_ يقول ابنه محمد: =كان الشيخ كثيراً ما يوافق على الدعوات التي توجه إليه؛ كي يتناول القهوة، وفي أواخر شهر ذي الحجة من إحدى السنوات دعاه أحد أصدقائه، ولكن الشيخ اعتذر مازحاً، وقال لمن دعاه: أنا عندي مواعيد كثيرة؛ فَأَلَحَّ عليه صاحبه، وبدا منه الغضب لرد الشيخ؛ فقال له الشيخ: إذاً يكون موعدك أول السنة القادمة، فغضب صاحبه وقال: أنت لا تريد دخول منزلي.
فقال له الشيخ: يا أخي يوم الثلاثاء القادم هو بداية السنة الجديدة _أي بعد يومين_ أما علمت أننا في آخر هذه السنة.
فطابت حينئذٍ نفس صاحبه ، وأدرك أن الشيخ يمازحه+.
3_ يقول ابنه محمد: =كان الشيخ حاجاً على الإبل، ومعه جماعة منهم إبراهيم ابن محمد البسام، وسليمان بن إبراهيم البسام.
وكان سليمان المذكور راكباً على الجمل الذي عليه قِرَبُ الماء.
ولما وصلوا مكة، وأدوا بعض المناسك، وحان وقت وصولهم إلى عرفات تفرقوا، وأضاع بعضهم بعضاً، فصار الجماعة ينتظرون سليمان البسام؛ لأن الماء معه، وهم يريدون الوضوء، والشرب، وعمل الشاي والقهوة، وليس عندهم ماء، ولم يلتقوا إلا في منى، وكان آخرهم وصولاً سليمان؛ فلما وصل قام إبراهيم البسام يعاتبه مازحاً، ويقول له: أين أنت، لماذا تأخرت؟ مُؤَكَّدٌ أنك ضائع؟
ولما علم سليمان أن الشيخ عبدالرحمن كان من ضمن الضائعين التفت إلى إبراهيم وقال: لماذا لا يقع اللوم إلا عليَّ؟ هذا كبيرهم الذي علمهم السحر _ويعني به الشيخ_ ضاع قَبْلَي؛ فلماذا لا يعاتب؟
فقال له إبراهيم: نحن نريد الماء الذي معك؛ فضحك الشيخ لمقولة سليمان، فصار يرددها ويقول: هداك الله يا سليمان شبهتنا بسحرة فرعون، وقال الشيخ: باللهجة الدارجة: هذه تبي حق(9)+.
4_ يقول ابنه محمد: =كانت الوالدة _رحمها الله_ قادمة من الحج، وفي ذلك اليوم كان عند الوالد في المنزل ابنٌ صغيرٌ لأخي أحمد عمره ثلاث سنوات ، وإذا جاء الليل أرسلوه إلى أمه.
وفي الليلة الأولى لوصول الوالدة من الحج لعب الولد الصغير بساعة الوالد التي تنبهه للقيام في آخر الليل؛ فنام الوالد والساعة مقفلة، فلم يقم تلك الليلة، ولم يصلِّ الفجر بالجماعة.
ولما صلى عصر ذلك اليوم بالجماعة _وكانوا كثيرين في ذلك الوقت؛ لقرب المسجد من السوق_ شرع عبدالعزيز بن محمد البسام _أحد طلبة الوالد_ يقرأ كالعادة، والوالد الشيخ يشرح.
وفي تلك الأثناء قام أحد الصغار وهو عبدالرحمن بن إبراهيم بن عبدالمحسن البسام وكان عمره آنذاك اثنتي عشرة سنة، فقال بصوت مرتفع يخاطب الشيخ وهو يشرح، والناس يستمعون له: هَنَّاك الاوَّال(10) يا أبا عبدالله _يعني الشيخ عبدالرحمن_ قَرَّت عينك بأم عبدالله _يعني زوجة الشيخ_ الحمد لله على السلامة، الفجر ما صليتَ بالجماعة الظاهر أن أم عبدالله نايمة على رأسك، لا تَعُدْ لذلك مرة أخرى.
فما كان من الشيخ إلا أن ضحك، ولم يستطع إكمال الدرس من الضحك، وهكذا الجماعة؛ من طرافة ذلك الموقف، ثم قام الشيخ الوالد عبدالرحمن من مكانه إلى الصبي عبدالرحمن البسام، وأعطاه ريالين عربي فضة؛ لأنه سُرَّ من كلامه، وكان سبباً في سرور المصلين؛ فصارت تلك الحادثة مدار حديث المجالس في تلك الأيام+.
فانظر إلى هذا الحلم، وتلك الحكمة، وانظر إلى حسن التصرف؛ حيث جعل من ذلك الموقف سبباً للسرور، والبسط؛ فماذا لو عنف ذلك الصبي؟ وما أثر ذلك عليه، وعلى والديه، وعلى جماعة المسجد؟
ولكنه الخلق، والأخذ بالرفق، الذي ما كان في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه.
5_ وهذا موقف يدل على دعابة الشيخ عبدالرحمن السعدي، ومزاحه مع أحبابه وأصحابه:
يقول ابنه محمد: =كان لوالدي × قريب اسمه محمد منصور بن إبراهيم السعدي، وهو صديق للوالد، وقد ولدا في ليلة واحدة؛ حيث ولد محمد أول الليل تقريباً، والشيخ عبدالرحمن ولد عند الفجر؛ فصار محمد يكبر الشيخ بثمان ساعات.
ولما كَبِرا صارت لحية الشيخ عبدالرحمن بيضاء جداً، أما لحية محمد المنصور فكانت سوداء قليلة البياض؛ فإذا اجتمع الوالد مع محمد في مناسبة عند أحد الأصحاب قال الوالد: محمد المنصور أكبر مني بثمان، ويسكت × دون أن يبين ما هذه الثمان؛ فيظن الظان أن محمداً أكبر من الشيخ بثمان سنوات؛ خصوصاً وأن محمداً لا يتكلم؛ احتراماً للشيخ، وهو يعلم أن الوالد يمزح.
وحين يبلغ بالحاضرين العجب يخبرهم الشيخ بأن محمداً أكبر منه بثمان ساعات+.
6_ وهذا موقف يبين لطافة الشيخ مع أهل بيته، ومزاحه وحرصه على إدخال السرور عليهم؛ حيث كان ذلك دأبه:
يقول ابنه محمد: =الوالد _كغيره_ يدرك أن النساء يتضايقن من حديث أزواجهن عن الزواج عليهن؛ فكان × يمزح مع الوالدة، ويقول لها: أريد أن أتزوج بثانية، ويسميها بـ: أم إبراهيم خصوصاً إذا رأى الوالدة متعبة من عمل المنزل.
وفي يوم من الأيام رآها كذلك، فقال: يا أم عبدالله ما رأيك أحضر لك أم إبراهيم تعينك على عمل المنزل، وتريحك؟
فإذا سمعت الوالدة ذلك غضبت على الوالد، وشرعت في عتابه، وأظهرت النشاط.
وفي يوم من الأيام دخل الوالد المجلس، وأشعل النار، وصنع القهوة والشاي، وأحضر وسادة كبيرة، وألبسها عباءة، فصار الذي يراها من الخلف يظنها امرأة، وسمى هذه الوسادة المغطاة بالعباءة أمَّ إبراهيم.
ووافق ذلك وجود عماتي وهن أكبر من الوالد سناً، ووجود بعض القريبات من محارم الوالد؛ فأتى إليهن وهن جالسات مع الوالدة، وقال: تَفَضَّلْنَ؛ عندي بالمجلس أم إبراهيم تدعوكن؛ فأجيبوا، وسلموا عليها؛ هي تنتظركن في المجلس.
فَقُمْنَ كلُّهن والوالدة معهن، وعندما دخلن القهوة رأين ذلك أمامهن؛ فَظَننَّ أنها امرأة حقيقية، غير أن الوالدة كانت تعلم أنها ليست كذلك، وإنما هي مزحة من الوالد _كما هي عادته_ فقامت وأخذت شيئاً من الأرض، وضربت الوسادة المغطاة بالعباءة، فسقطت العباءة، وتبين أن المغطى وسادة لا امرأة؛ فتعالت الضحكات، وصارت تلك الحادثة تُروى ولا تُنسى إلى يومنا هذا+.
7_ وهذا موقف قريب من الموقف السابق، يقول محمد ابن الشيخ عبدالرحمن: =للوالد مواقف كثيرة مع الوالدة؛ فهو يحب مداعبتها خصوصاً إذا كانت مجهدة، فإذا كنا على غداء أو عشاء أقول للوالدة: حبذا لو تأذنين لنا بإحضار خويدمة، تساعدك، وتخدم الوالد، ويتزوجها؛ حتى لا تحتجب عنه.
فإذا سمع ذلك الوالد فرح، وأخذ يمدحني، ويقول: هذا هو الولد الحبيب البار بأمه وأبيه، لكن أنتِ يا أم عبدالله ما رأيك، وماذا يضيرك؟
وحين تسمع أمي ذلك يذهب عنها التعب، وتبدأ بالتظاهر بالنشاط؛ لتري الوالد أنها ما زالت شابة، ثم تبدأ بالعتب عليّ، وتقول: أنت يا محمد ولدي، وتريد أن تحضر لي ضرة؟
والوالد يسر كثيراً من كلامي ، ومن رد الوالدة+.
ثانياً: سماحة الشيخ العلامة محمد بن إبراهيم آل الشيخ (1311_1389هـ) _رحمه الله_:
لعل أبرز السمات في سماحة الشيخ محمد ما آتاه الله من هيبة في نفوس الناس، وهو أمر يرجع إلى معرفة الناس بصرامته في الحق، ولهذا يحسب محدثه حساباً شديداً إذا أراد أن يكلمه؛ خشية أن يزل بكلمة.
وكان مع ذلك أنيساً عند مخالطته ألوفاً لمعاشريه، لا يتصف بشيء من الغلظة أو الجفاء أو الفظاظة
وكان يحسن التفريق بين مجالس الجد والعمل ومجالس الراحة والإجمام.
يقول الشيخ حمد الحمين _وهو ممن لازم الشيخ طويلاً_: =كان ×رغم شدته وحزمه وهيبة الناس له _ صاحبَ دعابة خصوصاً مع خاصته، وأحفظ له × في ذلك حكايات كثيرة+ا_هـ.
فالشيخ × يهتم بالنادرة، ويتأسى برسول الله ? في مداعبة أصحابه والتبسُّط معهم؛ ليسرِّي عن العاملين، حيث يعاملهم كالأبناء، وإليك طرفاً من ذلك:
1_ يقول الشيخ عبدالله بن منيع الذي لازم سماحته في العمل معه مدة طويلة: =أذكر أنني أنا وأحمد بن قاسم مع سماحته بعد العصر في الطائف في منطقة الهدا؛ لعرض ما لدي من معاملات على سماحته كالمعتاد، وفي رجوعنا وجَّه الكلام لأحمد بن قاسم قائلاً: يا أحمد أمُّك جاءت بولد ليس أخاك ولا أختك فمن هو؟ فبهت أحمد من هذا، وقال: خلها في قبرها عفا الله عنك، وبعد أن أتاح له فرصة التأمل، قال: هو أنت يا أحمد، جاءت بك أمك؛ فتنفس الصعداء وقال: الحمد لله فرجت عني جزاك الله خيراً+.
2_ ويقول الشيخ عبدالله بن منيع _حفظه الله_ متحدثاً عن الشيخ محمد بن إبراهيم: =كان × يحب النكتة ويسترويها؛ فقد صار من بعض الزملاء أن اجتمع لديه اثنان من فَرَّاشِي الإفتاء فذكَّرهما أن الصوم يصير في الصيف، والشتاء، وكذلك الحج هكذا؛ فإن السنة تستدير، فإذا اجتمع الصوم مع الحج في إحدى السنين فمن منكما سيصوم ويترك الحج، ومن سيحج ويقضي الصوم، فقال أحدهما: سأحج وأترك الصوم لأيام أخر، وقال الآخر: سأصوم وأترك الحج، فذكر لسماحته فاستدعاهما وأعيد السؤال عليهما فاحتج الأول على تركه الصوم بقوله _تعالى_: ?? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? [البقرة: ???].
واحتج الثاني بقوله _تعالى_: ? ? ? ? ? ?? [البقرة: ???].
فضحك × وقال: لقد بنيت هذه الدار على علم _يعني دار الإفتاء_.
ومن رواية النكتة ما ذكره لنا _أي الشيخ محمد بن إبراهيم_ أنه أبلغ الشيخ عبدالله بن عجيان × قرار نقله من نجران إلى طريف، فقال له: أسألك يا سماحة الشيخ هل أمرك الملك بأن تُحَدِّد بي المملكة في قضائي+.
3_ وذكر الشيخ إسماعيل بن عتيق أن محمد عطاء الهندي سأل الشيخ في مجلسه فقال: ماذا نصنع بالميت إذا مات في السفينة؟ فقال الشيخ: ألقه في البحر.
فقال السائل: يطفح على سطح البحر، فقال له الشيخ: اعمل له مثقلاً، فقال السائل: يأكله السمك، فقال الشيخ: إذاً احمله على ظهرك ليكن معك حيث شئت.
4_ وكان من مداعبته للشيخ علي بن خميس: أن علياً تكلم يوماً بالهاتف مخاطباً الشيخ عبدالله بن إبراهيم وهو في مكة، فقال له الشيخ محمد: كلمت مكة يا علي؟ قال: نعم، قال فكلم الدرعية، فقال: لا تليفون فيها، قال: عجباً لك! تكلم البعيد ولا تكلم القريب.
وقال الشيخ ابن عتيق: ومثل هذا يحصل من الشيخ أحياناً مع غيره.
5_ وقرأ الشيخ عبدالعزيز بن شلهوب، وهو حسن الصوت، قليل اللَّحن، ولكنه أخطأ في هذه القراءة بكلمة، وهي: وهذه =لغة حِمْيَر+ قرأها: =وهذه لغة حَمِيْر+، فقال الشيخ: سبحان الله، وهل للحمير لغة.
ثالثاً: سماحة الشيخ العلامة عبدالعزيز بن باز (1330_1420هـ) رحمه الله:
كان×ذا دعابة ومزاح، وحرص على ملاطفة جلاسه، وإدخال السرور عليهم.
وكان يداعبهم، ويمازحهم مزاحاً لا إسراف فيه ولا إسفاف.
لا يكْفَهِرُّ إذا انحاز الوقار به
ولا تطيش نواحيه إذا مَزحا
ومما يذكر في هذا الباب ما يلي:
1_ أنه × إذا أراد الوضوء من المغسلة ناول من بجانبه غترته أو مشلحه ثم قال ممازحاً مداعباً: هذه يا فلان على سبيل الأمانة، لا تطمع بها.
2_ ومن ذلك أنه إذا قام من المكتبة متعباً من القراءة والمعاملات، ثم تناول العشاء _ قال: سنعود إلى المكتبة مرة أخرى؛ لأننا ملأنا البنزين، وتزودنا بالوقود، أو يقول بعبارته: (عَبَّينا) بنزين، ويعني بذلك أنه نشط بعد تناول الطعام.
3_ وكان × مرهف الشعور؛ وبمجرد إحساسه أن أحداً ممن معه متضايق من أمر ما فإنه يلاطفه بما يشرح صدره، وينسيه همه؛ فربما قال لمن معه: ماذا عندك؟ ماذا ترغب؟ وربما قال له: ممازحاً: ما تريد الزواج؟ وإذا أُحْضِر الطعام قال لبعض جلاسه: تغدوا معنا، أو تعشوا؛ الذي لا يخاف _يعني من أهله_ يتفضل معنا.
4_ ومن هذا القبيل _أيضاً_ أنه إذا سَلَّمَ عليه أحد سأله عن اسمه، فإذا كان في الاسم غرابة أو معنى غريب أو حسن _ داعب سماحتُه صاحب ذلك الاسم.
وذات مرة جاءه مطلِّق فقال له: ما اسمك؟ قال: ذيب، قال: وما اسم زوجتك قال: ذيبة؛ فقال سماحته مداعباً: أسأل الله العافية! أنت ذيب، وهي ذيبة، كيف يعيش بينكما أولاد؟
5_ وذات يوم كان أحد الذين عنده يقرأ عليه، وفي أثناء قراءته تردد في كلمة ولم يفصح عنها، أي لم يستطع أن يقرأها.
وكان ضمن الحاضرين في المجلس د.عبدالله بن محمد المُجَلِّي فقال سماحة الشيخ: أعطها ابن مُجلِّي؛ لعله يجلِّيها.
6_ ومما يذكر في ذلك _أيضاً_ أن سماحته كان كثيراً ما يمازح الشيخ عبدالرحمن بن حمد بن دايل ×، والشيخ عبدالرحمن من قدامى كتاب سماحة الشيخ وممن له باع طويل في تحرير قضايا الطلاق، وهو معروف بسرعة إنجاز الأعمال، وضبطها، وكان مع سماحة الشيخ أيام كان في المدينة، وهو المسؤول عن الأوراق التي ترد إلى بيت سماحته وروداً وصدوراً، وكان يعمل مع سماحته جُلَّ أوقاته، وهو محبٌّ للخير، وذو همة عالية، وإتقان للعمل _كما مر ذكره_.
وكان يُعِدُّ الفتاوى على معاملات الطلاق، باسم سماحة الشيخ، ويندر أن يجد سماحته فيها نقصاً، أو خطأً.
وفي بعض الأحيان يرسل ثلاثين معاملة أو أربعين، أو أكثر أو أقل، وتوزع بين الموظفين لقراءتها؛ فإذا جاء وقت عرضها قال سماحة الشيخ: أبو حمد ضابط لعمله، ثم قال: ممازحاً، ولو، نختبر أبا حمد، اقرؤا ماكتبه، فإذا قرؤوه وإذا هو في غاية الضبط والإتقان.
وكان الشيخ عبدالرحمن يتصل بسماحة الشيخ، أو يقابله، ويبدأ بسرد الأعمال، وقراءة القضايا بكل نشاط وهمة، فإذا رآه سماحة الشيخ هكذا قال: يا أبا حمد! ألا تريد أن تتزوج؟ فيقول الشيخ عبدالرحمن: يا سماحة الشيخ أنا في وادٍ وأنت في وادٍ، أين أنا والزواج، فيقول سماحة الشيخ مداعباً: وسع صدرك، وسع صدرك.
ويقول الشيخ عبدالرحمن بن دايل: إذا أجريت اللازم على معاملة ما، ثم قرأتها على سماحته، وأعجبه ما قرىء عليه، قال: قالون، قالون، يعني: جيد؛ بالفارسية.
7_ ومن النماذج على دعابة سماحة الشيخ أنه كان قبل وفاته بعام واحد مدعواً عند الشيخ محمد الموسى _مدير مكتب بيت سماحة الشيخ_ بمناسبة سكناه بيته الجديد، وكان المجلس مليئاً بالمشايخ وطلاب العلم، وعلى رأسهم سماحة الشيخ عبدالعزيز × وصاحب الفضيلة الشيخ العلامة عبدالله بن جبرين، وصاحب الفضيلة الشيخ عبدالله الفنتوخ، وصاحب الفضيلة الشيخ عبدالعزيز السدحان وجمع من المشايخ.
وكان سماحة الشيخ يعمر المجلس بالفوائد، والإجابة على الأسئلة، وحصل أنَّ حديثاً طويلاً دار حول الرقية، وتلبس الجني بالإنسي.
ومما دار في ذلك المجلس أن الشيخ عبدالعزيز السدحان ذكر أنه ورد في ترجمة أحمد بن نصر الخزاعي × أنه رقى رجلاً فيه مس من الجن، فتكلمت على لسانه جنية، فقالت لأحمد بن نصر: يا شيخ لن أخرج من هذا الرجل حتى يدع القول بخلق القرآن.
فتبسم سماحته × وقال: ما شاء الله، هذه جنية سنية، هذه من أهل السنة والجماعة.
رابعاً: سماحة الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين (1347_1421هـ) _رحمه الله_:
للمزاح في حياة شيخنا محمد بن عثيمين × نصيب غير منقوص، فلقد كان _مع جدِّه، وصرامته، ودقته، وانضباطه_ ذا روح مرحة، يُرَفِّه بها عن جلاسه، وطلابه، ومعاشريه.
وكان يسعدهم بذلك، ويرفع عنهم الكلفة، ويبعثهم إلى مزيد من الجد والنشاط.
وكل من خالطه، أو تتلمذ على يديه يحفظ له عشرات القصص من هذا القبيل سواء في دروسه في مسجده، أو في الحرم المكي، أو غير ذلك.
ومما يحضرني الآن من ذلك أنه كان يأتي إلى الزلفي في كل عام مرة؛ ويمكث فيها من الصباح إلى ما بعد العشاء، فيزور كبار السن، وأهل الفضل، ويلتقي طلبة العلم، ويلقي محاضرة في تلك الزيارة.
وكانت مجالسه عامرة بالعلم، والفائدة، وكانت لا تخلو من دعابة حلوة.
وفي إحدى زياراته زار مركز الثوير _ضاحية من ضواحي الزلفي من جهة الشمال في آخر رمال الثويرات _ وصار يتحدث مع الشيخ عبدالله بن عبدالمحسن القشعمي _إمام جامع الثوير_ الذي كان من مواليد 1331هـ _كما أخبرني هو بذلك حفظه الله ومتَّعه بالعافية_.
ومما دار في ذلك الحديث أن فضيلة الشيخ محمد بن عثيمين × قال للشيخ عبدالله القشعمي: ما هذا الاسم؟ الثوير؟ أفلا سمي بالثور؟
فقال الشيخ عبدالله: أحسن الله إليك يا شيخ محمد؛ نحن في هذا المكان الصغير الذي يليق بنا، ويناسبنا أن يسمى بهذا الاسم، ثم إن الثور كبير، وإذا صغِّر ففيه شيء من الكِبَر، لكن أنتم في بلد العلماء، والفضلاء، والوجهاء، وهو بلد كبير ويُسمى عُنيزة، وعَنْز صغيرة، فكيف إذا صغرت؟
فضحك الشيخ محمد × كثيراً، وأعجب بسرعة بديهة هذا الرجل الكبير، وقال: =لو سكتُّ لسلمتُ+.
فهذه نبذة عن بعض مزاح الأكابر، ولا يعني ذلك أنهم متمحضون للمزاح، مُطَّرحون للجد، وإنما المقصودُ بيانُ وجهٍ مشرق من جوانب سِيرَ أكابرنا؛ فإذا أراد الناشئُ أن يقتدي بأمثال أولئك فلينظر في سيرهم من جميع الجوانب؛ حتى تكتمل أمامه الصورة.
من خلال ما مضى يتبين لنا أن المزاح ليس على وتيرة واحدة، وأنه ليس مذموماً بكل حال، وأن المحمود منه ما روعي فيه الوقت، والحال، والشخص، والقدر.
أما إذا لم يراعَ فيه ذلك دخل في المذموم، ونُزِّل عليه جميع ما ورد في ذم المزاح من إسقاطه الهيبةَ، وإخلاله بالمروءة، وتسببه في جرأة السفهاء، بل ونقص الديانة، أو المروق منها إذا كان المزاح يتضمن سخرية في الدين، أو شيءٍ من شعائره.
قيل في منثور الحكم: =المزاح يأكل الهيبة كما تأكل النار الحطب+.
وقال بعض الحكماء: =من كثر مزاحه زالت هيبته+.
وقال ابن عبد البر ×: =وقد كره جماعة من العلماء الخوض في المزاح؛ لما فيه من ذميم العاقبة، ومن التوصل إلى الأعراض، واستجلاب الضغائن، وإفساد الإخاء+.
وكان يقال: =لكل شيء بدء،وبدء العداوة المزاح+.
وكان يقال: =لو كان المزاح فحلاً ما ألقح إلا الشر+.
وقال سعيد بن العاص: =لا تمازح الشريف فيحقد عليك،ولا الدنيء فيجترىء عليك+.
وقال ميمون بن مهران: =إذا كان المزاح أمام الكلام فآخره الشتم واللطام+.
وقال أبو هفان:
مازح صديقك ما أحب مزاحا
فلربما مزح الصديق بمزحة
وتوقَّ منه في المزاح جماحا
كانت لباب عداوة مفتاحا
وقال آخر:
لا تَمْزَحَنْ وإذا مزحت فلا يكن
واحذر ممازحةً تَعُودُ عداوةً
مزحاً تضاف به إلى سوء الأدب
إن المزاح على مُقَدِّمةِ الغضب
وقال آخر:
فإياك إيـاك المـــزاح فـإنه
ويذهب ماء الوجه بعد بهائه
يُجَرِّي عليك الطفل والدَّنِس النذلا
ويورثه من بعد عزتـه ذلا
والمقصود أن المزاح لا ينبغي الإكثار منه،ولا الإسفاف فيه.
أما ما عدا ذلك فيحسن؛ لما فيه من إيناس الجليس،وإزالة الوحشة،ونفي الملل والسآمة.
وإنما المزاح في الكلام كالملح في الطعام،إِنْ عُدِمَ أو زاد على الحد فهو مذموم.
أفد طبعك المكدود بالجد راحة
ولكن إذا أعطيته المزح فليكن
يجم وعلله بشـيء مـن المـزح
بمقدار ما تعطي الطعام من الملح
وقد أطلت في هذا الباب؛ لكثرة الإخلال فيه إفراطاً، أو تفريطاً.



9 ــ ? ? ? ? ?
إذا تأملتَ هذه الآية وجَدْتَ أن من أعظم مقاصدِ الشيطانِ إدخالَ الحزنِ على المؤمن، وأدركت أن من أعظم مقاصد الشريعة إسعادَ المؤمن، وطَرْدَ الحزنِ عنه.
قال الله _عز وجل_: ?? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?? ? ? ? ?? [المجادلة: ??].
وفي هذا إشارة إلى أن الشيطانَ لا يَقِفُ ولا يُقْصِر عن محاولة تكدير صفو المؤمن، وإزعاجه في كل حال؛ فتراه يذكِّره بما يسوؤه، ويمنيه بالأماني الباطلة التي تجلب له الشقاء.
وتراه يُخْطِر بباله الذكرياتِ الأليمةَ والاحتمالاتِ السيئةَ، والخيالاتِ المثبطةَ عن العمل.
فإذا استجاب الإنسان لذلك؛ فصار يستدعي تلك الخواطر، ويجتر تلك المآسي، ويسترسل مع الاحتمالات الرديئة، والظنون السيئة _ عاش في ألم، وضِيْق، وحَصْر، وصار يأكل بعضُه بعضاً، ويعذب نَفْسَه بنفسه.
أما إذا قطع تلك الواردات، ودرأها عن نفسه ما استطاع، واشتغل بما يعنيه، ونظر إلى الجوانب المشرقة في الحياة، وفي سيرته، واستعاذ من الشيطان ووساوسه_ كَبُرَتْ نَفْسُه، وعَلَتْ هِمَّتُه، وزاد نشاطه وإقباله على الجد، وانشرح صدره، وعظم إنتاجه.
وهذا مما يفسر لنا سرَّ النجاح عند بعض الناس، وسرَّ الإخفاق عند آخرين؛ فالنجاح يَكْمُنُ في كون الناجحين يتوكلون على الله، ويستحضرون أن كيد الشيطان ضعيف، وأنه ليس بضارهم شيئاً إلا بإذن الله.
والإخفاق يكمن في كون المخفقين يسترسلون مع الأوهام، ويَدَعُون كيد الشيطان يستحوذ على أفكارهم، ويأخذ بمجامع قلوبهم، فيقعدهم عن العمل، ويفضي بهم إلى البطالة والكسل.
فالآية الكريمة تشير إلى أنه ينبغي للمؤمن أن يكون مشرق النفس، مبتهجاً بالحياة، مطمئن الخاطر، بعيداً عن كلِّ ما يكدر عليه صفوه؛ فذلك مما يبعثه إلى قوة الإقبال على الله، والحرصِ على ما ينفعه في أمور دينه ودنياه؛ ذلك أن المبتهج بالحياة يزيده ابتهاجه قوةً إلى قوته، فيكون أقدر على الجد، وحسن الإنتاج، ومقابلة الصعاب من الرجل المنقبض الصدر، الممتلئ بالهم والغم.
والتجربة شاهد على أن المستبشرين الباسمين للحياة خير الناس صحة، وأقدرهم على الجد والنشاط، وأقربهم إلى النجاح والفلاح، وأكثرهم سعادة واستفادة مما في أيديهم ولو كان قليلاً.
فالابتسام للحياة يضيؤها، ويعين على احتمال متاعبها؛ فالعمل الشاق العسير يخف حمله بالنفس المشرقة المتفائلة؛ لذا كان من النعم الكبرى على الإنسان أن يعتاد النظر إلى الجانب المشرق في الحياة لا المظلم منها، وأن يُمْنَحَ القدرةَ على السرور يستمتع به متى وُجِدَتْ أسبابُه، فإن لم تكن كذلك سعى سعيه في إيجادها.
ويخطئ كثير من الناس حين يظن أن أسباب السرور كلها في الظروف الخارجية، فيشترط؛ لِيُسَرَّ مالاً، وبنين، وصحة ونحو ذلك؛ فالسرور يعتمد على النفس أكثر مما يعتمد على الظروف الخارجية، وفي الناس من يشقى في النعيم، وفيهم من ينعم في الشقاء، وفيهم من لا يستطيع التبسم بكل ماله، وفيهم من يتبسم دائماً من أعماقه بأتفه ثمن وبلا ثمن.
وهناك نفوس تستطيع أن تجعل من كل شيء شقاءً ونكداً، وهناك نفوس تستطيع أن تُوْجِدَ من كل شيء سعادةً وأنساً.
وهناك من ينغص على نفسه وعلى مَنْ حوله مِنْ كلمة يسمعها، أو يؤوِّلها تأويلاً سيئاً، أو من عملٍ تافه حدث له أو منه، أو من مالٍ خسره، أو من ربحٍ كان ينتظره فلم يحدث، أو نحو ذلك، فتراه بعد ذلك وقد اسودت الدنيا في نظره، ثم هو يُسَوِّدُهَا على مَنْ حوله.
وهؤلاء عندهم قدرة على المبالغة في الشر، فيجعلون من الحبة قُبَّةً، ومن البذرة شجرة، وليس عندهم قدرة على الخير؛ فلا يفرحون بما أوتوا ولو كان كثيراً، ولا ينعمون بما نالوا ولو كان عظيماً.
فالمبتسمون للحياة ليسوا أسعد الناس حالاً لأنفسهم ومن حولهم فحسب، بل هم مع ذلك أقدر على العمل، وأكثر احتمالاً للمسؤولية، وأصلح لمواجهة الشدائد ومعالجة الصعاب، وأجدر بالإتيان بعظائم الأمور التي تنفعهم وتنفع الناس.
ولهذا إذا أراد الأدباء أن يبالغوا في الثناء على الممدوح، ويبينوا عظم همته، واستسهاله للصعاب _ وَصَفُوْهُ بأنه يبتسم في أحلك المواقف وأشدها خطراً، قال أبو الطيب المتنبي يمدح سيف الدولة:
تمر بك الأبطال كلمى هزيمة
ووجهك وضاح وثغرك باسم
ويُقال: إن أحكم بيت قالته العرب:
ولربما ابتسم الكريم من الأذى وفؤاده من حرِّه يتأوَّه
فذو النفس الباسمة المشرقة يرى الصعاب، فَيَلَذُّ له التغلب عليها؛ ينظرها فيبسم، ويعالجها فيبسم، وينجح فيبسم، ويخفق فيبسم.
وذو النفس العابسة المتجهمة لا يرى صعاباً فيوجدها، وإذا رآها أكبرها، واستصغر همته بجانبها، فهرب منها، وطفق يسب الدهر، ويعاتب القدر، ويتعلل بـ( لو وإذا وإن).
وهكذا ترشد الآية العظيمة الآنف ذكرها إلى تلك المعاني السامية الكفيلة بطرد الهم، وجلب السعادة، وتحمل المصاعب.



10 ــ ? ? ? ? ? ? ?
هذه الآية اسْتُفْتِحتْ بها سورة طه _كما هو معلوم_.
فما أروعه من استفتاح، وما أبرعه من استهلال؛ حيث تَبَيَّن من خلاله أن هذا القرآن وما فيه من أوامرَ، ونواهٍ، وإرشاداتٍ، وقصصٍ، وأحكامٍ، وأخبارٍ _ إنما أنزل لمحض السعادة؛ لذا فإنه حقيق على المسلم الذي يؤمن بهذا القرآن ومُنَزِّلِهِ، والمُنَزَّل عليه _ أن يدرك هذا المعنى العظيم، ويستحضر أن جلبَ السعادة، وطردَ الهم من أعظم مقاصد تلك السورة، بل والقرآن والشريعة عموماً.
والتفسيرُ العمليُّ لذلك كان في سيرة النبي ? حيث كان أكثرَ الناس تبسماً، وبشراً، وطلاقة، وأنساً، ورضاً، وسروراً.
وما قعد به عن ذلك كثرةُ الآلامِ، والمصائبِ، والمشاقِّ التي تمر به.
وفي هذا إرشاد عظيم لمن يظن أن عبوسَ الجبين، وكَرَفَ العرنين، وتَجَهُّمَ الأسارير، وتَكَلُّفَ التوقُّرِ، واجترارَ المآسي، وسوادَ النظرةِ، وإساءةَ الظنِّ بالآخرين _ هو علامةُ التدين الصحيح.
لا، ليس الأمر كذلك، بل هو بعكسه تماماً.
ولو كان كذلك لكنا ندعو الناس إلى ما فيه شقاؤهم، وهَمُّهم، وتعاستهم؛ كيف يكون كذلك ونحن نقول بأفواهنا: إن الإسلام والتدين الصحيح هو سبيل السعادة في العاجل والآجل؟!
فحقيق على من آمن بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد ? نبياً_ أن يستحضر هذا المعنى العظيم، وأن يكون على باله دائماً؛ فيستقبل الحياة وما فيها من تكاليف، ويقوم بما أمره الله به بكل ارتياح، وسرور؛ فإذا وُفِّق لما يرجوه من نجاح، وطاعة حَمِد اللهَ، واستمر على الطاعة، وإذا أتت الأمور على خلاف ما يريد تعزى بقدر الله، وإذا خُذل؛ فوقع في المعصية استغفر، وتاب ورجع إلى مولاه.
وهكذا سيرته مع الناس؛ حيث يسعى سعيه لإرشادهم إلى الخير، وأمرهم بالمعروف، ونهيهم عن المنكر؛ فإذا حصلت الإجابة فبها ونعمت، وإذا كانت الأخرى لم تذهب نفسه عليهم حسرات.
فهذا سر من أسرار السعادة، وهو مما يحتاج إلى صبر ومراوضة، ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?? [فصلت: ??].
وإن مما يعين على تَمَثُّلِ تلك المعاني، وتَمَكُّنِها في قرارات النفوس أموراً منها:
1- طهارة القلب وسلامة المقاصد: فكل إنسان يرى الدنيا من خلال عمله، وفكره، وبواعثه؛ فإذا كان عمله حسناً، وقلبه طاهراً، ومقاصده سليمة _ كان منظاره الذي ينظر به إلى الدنيا صافياً نقياً، فرأى الحياة جميلة كما خلقت، فسعد بنفسه، وأسعد غيره، وإلا تَغَبَّش منظارُه، واسودَّ زجاجه، وساء ظنه بنفسه وبغيره، فرأى كل شيء أسودَ مُغَبَّشاً.
وهذا كله يدعو الحريص على إسعاد نفسه وقومه إلى أن يكون طاهر القلب، سليم المقاصد، بعيداً عن كل ما ينافي ذلك.
2- البعد عن مواطن الإثارة قدر المستطاع: فمن علم أن شيئاً معيناً يُهَيِّجُهُ فلينأ عنه، وليبتعد عن الأوساط التي تسببه؛ فإذا تمت راحته تم فرحه وسروره.
ومما يحسن في هذا الصدد أن يحميَ المرءُ نفسَه من مؤثرات الخوف، سواء ما يثيره في نفسه، أو ما يثيره من حوله؛ فإن الخوف من الأمراض التي تنغص الحياة، وتذهب بالسعادة، فهو مرض خطير قل أن يسلم منه إنسان، وهو أشكال وألوان، وهو مما يوجه أعمال الإنسان طوع إشارته وحسب إيحائه، وهو في كثير من الأحيان يصد عن العمل، ويَشُلُّ قوة التفكير، ويسبب اليأس، ويفقد الأمل، مع أن أكثره أوهام لا حقيقة لها.
ورُبَّ أمورٍ لا تضيرك ضيرةً
وللقلبِ من مخشاتهن وجيبُ
3- قوة الاحتمال: ذلك أن من أكبر أسباب الشقاء رخاوة النفس، وانزعاجها العظيم للشيء الحقير؛ فما أن يصاب المرء بالتافه من الأمر حتى تراه حرج الصدر، لهيف القلب، كاسف الوجه، ناكس البصر، تتناجى الهموم في صدره، فتقض مضجعه، وتؤرق جفنه، وهي _وأكثر منها_ لو حدثت لمن هو أقوى منه احتمالاً لم يُلْقِ لها بالاً، ولم تحرك منه نفساً، ونام ملء جفونه رضيّ البال، قرير العين.
ومن أعظم ما يعين على قوة الاحتمال _ التمرين؛ فالصانع يكتسب صناعته بالتمرين، والموظف يتقن عمله بالتمرين، والأخلاق الفاضلة أو الرذيلة كذلك =وإنما الحلم بالتحلم، وإنما العلم بالتعلم+ =ومن يتصبر يصبِّرْه الله+.
فإذا قوي احتماله هان عليه كثيرٌ مما يلقاه، وحَسُنَ تعاملُه مع ما يواجهه.
4- محاربة اليأس: فليس شيء يُعبِّسُ الوجه والنفس كاليأس؛ فاعتقادك أن لا مستقبل لك، ولا أمل في حياتك، ولا خير يَنْتَظرك، ولا حلَّ لمشكلاتك _ سُمٌّ قاتل، وسجن مظلم، يَصُدُّ النفس، ويقمعها، ولا يزال بالإنسان حتى يهلكه.
وعلى العكس من ذلك فإن تَوقُّعَه الخير، وأملَه في الحياة يحمله على أن يوسع مداركه، وعلى الجد فيما اختاره من صنوف العيش، وعلى استعمال ما وهبه اللَّه خير استعمال.
فإذا أردت السرور فحارب اليأس، واقطع أسبابه، وعَوِّدْ نَفْسَك الأملَ، وتوقع الخير في المستقبل.
5- محاربة الكآبة: فالاستسلام للحزن، والإغراق في التشاؤم، والاسترسال مع الهم، والخوف من وقوع المكروه، والإفراط في تقدير الشر _ مما ينغص الحياة، ويقلل الإنتاج، ويزيد الآلام، ويضاعف البؤس والشقاء؛ فحارب الكآبة من نفسك، وادرأ الهم ما استطعت إلى ذلك سبيلاً، وابتسم للحياة، وابتهج بها من غير إسراف _ تَزْدَدْ حياتُك إشراقاً وقوة، وتشعر بالسرور والسعادة.
قال الشافعي ×:
سهرت أعين ونامت عيون
فادرأ الهم ما استطعت عن النفـ
إن ربَّاً كفاك بالأمس ما كا
في أمور تكون أو لا تكونُ
ـس فَحُمْلانُك الهمومَ جُنون
ن سيكفيك في غدٍ ما يكون
6- سعة الأفق: لأن من أهم أسباب الحزن ضيق الأفق، وكثرة تفكير الإنسان في نفسه، حتى كأنها مركز العالم، وكأن الشمس، والقمر، والنجوم، والسعادة، والرخاء كلها خلقت لشخصه؛ فهو يقيس كلَّ المسائل بمقياس نفسه، ويديم الفكر فيها، وفي علاقة العالم بها؛ فيفسر تصرفات الآخرين على أنها موجهةٌ إليه، دون غيره.
وهذا _من غير ريب_ يوجد البؤس والشقاء والحزن؛ فمحالٌ أن يجري العالم على وَفْقِ ما تريده نفسه؛ لأن نفسه ليست هي المركز، وإنما هي نقطة صغيرة في محيط عظيم.
ومحالٌ أن يكون هو الهمَّ الوحيدَ للآخرين؛ لأن عندهم من أمورهم الخاصة والعامة ما يشغلهم عنه.
فإنْ هو وسَّع أفقه، ونظر إلى العالم الفسيح من حوله، ونسي نفسه كثيراً في سبيل مصلحة عامة أو نحو ذلك _ شعر بأن الأعباء التي ترزح تحتها نفسه، والقيود الثقيلة التي ينوء بها كاهله _ قد خفت كثيراً، وتحللت شيئاً فشيئاً.
وهذا هو السبب في أن أكثر الناس فراغاً هو أشدهم ضيقاً بنفسه؛ لأنه يجد من زمنه ما يطيل التفكير فيها، فإنْ هو استغرق في عمله، وفكَّر في مصلحته الخاصة، ومصلحة أمته كان له من ذلك لذةٌ مزدوجةٌ: لذةُ الفكرِ والعملِ، ولذةُ نسيانِ الهموم.
قال الرافعي ×: =إذا استقبلت العالم بالنفس الواسعة رأيت حقائق السرور تزيد وتتسع، وحقائق الهموم تصغر وتضيق، وأدركت أن دنياك إن ضاقت فأنت الضيق لا هي+.



11 ــ لا تكن أنت والزمان عليها

الحياة مليئة بالأحداث، حافلة بالمواقف، والإنسان _أياً كان_ مُعَرَّض لما يكون في هذه الحياة من صحة ومرض، وغنى وفقر، وسعادة وشقاء، وفرح وحزن، وما إلى ذلك من مجرياتها.
والعاقل هو من يوطِّن نفسه على كل وارد، ويستعد لكل آت.
ولا خير فيمن لا يُوَطِّنُ نفسه
على نائبات الدهر حين تنوب
والذي يُلاحَظُ أنَّ من الناس من لا يوطن نفسه على وقوع ما يحب أو يكره؛ فإذا وقع ما يحب مما لم يكن قدَّره أَشِرَ، وبَطَر، وبالغ في الفرح.
وإذا حصل ما يكره قنط، وانقبض، وربما فقد صوابه.
والأدهى من ذلك أن المصيبة من نحو مرض، أو خسارة، أو إخفاق، أو نحو ذلك إذا وقعت أحياناً على أحد من أهل بيت من البيوت _ قلبت البيت جحيماً مُلهباً؛ فإذا مرض شخص من أهل ذلك البيت مرضاً عضالاً، أو أصيب أحد من أفراده بمصيبة _ صاروا جميعاً مرضى، أو فاقدي التوازن.
ولا ريب أن مشاركة الأهل والأقارب في الأفراح والأتراح مطلب شرعي واجتماعي، كما أن برود الإحساس، وفقر المشاعر تجاه الآخرين داء وبيل، يَنِمُّ عن أثرةٍ قبيحة.
ولكن ذلك لا يعني أن يبالغَ المرءُ في تحميل الأمور فوق ما تحتمل؛ بحيث يبالغ في الأسى، والحسرة، والحزن، والحُرْقة؛ فيخرج بذاك عن طوره؛ فبدلاً من أن تكون المصيبة واحدة تكون أضعافاً مضاعفة.
فالذي تقتضيه الحكمة أن يشارك المرء إخوانه دون أن يفرط في تضخيم الأمور، ودون أن يَعْزُبَ عنه رَأْيُه.
ثم إن مما يحسن بنا أن نُذَكِّر من أصيب بمصيبة بذلك المعنى، وألا نحتقر تلك المبادرات، ولو كان المبادِرُ أقل من صاحب الشأن.
ومما يذكر في هذا الصدد أن ابن عباس لما توفي والده العباس _رضي الله عنهما_ هابه الناس، ولم يُقْدِم كثير من الناس على تعزيته، وقيل إنه مكث على ذلك شهراً، حتى أقبل أعرابي، وقال بحضرة ابن عباس:
اصبر نكن بك صابرين فإنما
خيرٌ مِنَ العباسِ صبرُك بعدَه
صَبْرُ الرعيةِ عند صَبْرِ الراسِ
واللهُ خيرٌ منك للعباسِ
فَسُرِّي عن ابن عباس، وأقبل الناس على تعزيته.
وبالجملة فإذا أصابتك مصيبة في نفسك، أو مالك، أو ولدك، أو أمتك _ فاقْدُرْها قدرها، وضَعْهَا في نصابها، دون إفراطٍ أو تفريط فيها، فبذلك تُحْسِن التعامل، وتسلم من تبعاتٍ تنال نيلها منك.



12 ــ الصدمة الأولى

جاء في الصحيحين عن أنس بن مالك ( عن النبي ? قال: =الصبر عند الصدمة الأولى+.
والذي يخطر بالبال حال قراءةِ هذا الحديثِ أو سماعِه أن المقصودَ به الصبرُ على المصائب الكبار من نحو فقد الأموال، أو الأنفس العزيزة على النفس، وما جرى مجرى ذلك.
وهذا حق، وهو مرادٌ أَوَّليٌّ في ذلك الحديث، ومطلوبٌ ممن ابتلي بشيء من ذلك أن يصبر عند أول وهلة، وأن يتماسك، وألا يتزعزع؛ فإنه بذلك ينال الأجر، ولا تلبث المحنة أن تكون في حقه منحة.
ولعل الأمر لا يقف عند مجرد الحوادث الكبار، بل يشمل الأمور التي دونها مما يمر بالإنسان في حياته اليومية؛ فإنه إذا أخذ بتلك الوصية النبوية العظيمة حصلت له نتائج باهرة، وسلم من تبعات باهظة تنال نيلها منه.
ومن أمثلة ذلك أن تتصور أن شخصاً أساء إليك، أو رماك بما ليس فيك؛ فاستشطت عليه غضباً، وهَمَمْتَ بِرَدِّ إساءته بمثلها أو أشد، ثم تَذَكَّرْتَ الصبرَ عند الصدمة الأولى، فَتَرَيَّثْتَ حتى هدأت نفسك، فرأيت أن الأمر أهون مما تتصور، وأن هناك طرقاً أخرى يُمْكِنُك الأخذُ بها حِيَالَ هذا الأمر.
وهبْ أنه بلغك عن أحد أنه نال منك أيَّ منال، فوجدت في نفسك عليه، وحرصت على لقاء صديق لك؛ لكي تفرغ أمامه شحنات غضبك بالنيل ممن نال منك، ثم رأيت أن تصبر عند أول وهلة، وأن تدع الكلام في تلك اللحظة.
لا شك أنك ستحمد العاقبة إذا هدأت نفسك، وسكنت ريحك، وعاد إليك رشدك.
ويزداد سرورك إذا تبين أن ما بلغك غير صحيح، أو أن لتلك المقولة تأويلاً سائغاً؛ فتكون بذلك احتفظت بأوراقك، وكرامتك، ورزانتك، وسلامة قلبك، وسَلِمْتَ من خسارة صديق، ونأيت بنفسك عن الإساءةِ إلى بريء، ولم تقع في بحر الندم والحسرة وذل الاعتذار.
وهب أنك توقعت النجاح الباهر في أمر من الأمور ثم جاءت الأمور على خلاف ما تريد، ثم صبرت، وتجرعت تلك المرارة، لا شك أنك ستظفر بحميد العاقبة.
وهبْ أنك انتظرت من أحد الناس موقفاً حول قضية تخصك، ثم وطَّنت نفسك على ألا يكون عند ظنك به، ثم حصل منه تباطؤ، وخذلان لك، وقلةُ إقبال عليك، فصبرت عنه أول وهلة.
لا شك أنك _والحالة هذه_ ستتلقى الأمر برحابة صدر، واطمئنان نَفْسٍ.
وإن حصل منه إسعاد لك، وإقبال عليك، ومسارعة إلى نجدتك _ لا شك أن فرحك سيتضاعف.
بخلاف ما إذا لم تصبر، أو توطِّن نفسك على عكس ما أملته؛ فإنك ستصاب بألم مضاعف، وحسرات متزايدة.
وعلى هذه النبذة اليسيرة فَقِسْ.



13-روح المبادرة

الحياة فرص، والفرص ثمينة، وفواتها لا يعوض، وانتهازها دليل الحزم، وعنوان العقل.
ومهما كانت قوة الإنسان العلمية، ونياته الصالحة _ فلن ينهض بنفسه إلا إذا انتهز الفرص السانحة له، قال البارودي:
بادر الفرصةَ واحذرْ فوتَها
فابتدرْ مسعاك واعلم أن من
فبلوغُ العزِّ في نيلِ الفُرصْ
بادرَ الصيدَ مع الفجرِ قَنَصْ
والذي يلاحظ أن فرصاً كثيرة تطير من بين أيدينا، دون أن نهتبلها، فتضيع سدىً، وتذهب دون رجعة.
والحديث ههنا عن معنى من معاني انتهاز الفرص ألا وهو روح المبادرة؛ فمن الناس مَنْ جُبِلَ على امتلاك تلك الخصلة، فتراه يبادر إلى الإصلاح، ويحرص على تقديم النافع من الاقتراحات، ويسعى سَعْيَهُ لإيجاد الحلول؛ فيكون بذلك سبباً لإسعاد نفسه وقومه.
والتاريخ حافل بأناس من هذا القبيل ممن يمتلكون زمام المبادرة؛ فهذه حرب داحس والغبراء استمرت قُرابةَ أربعين سنة؛ فلما بادر الحارث بن عوف، والهرم بن سنان إلى القيام بإصلاح ذات البين بين عبس وذبيان انتهت تلك الحربُ العَوَانُ التي أكلت الأخضر واليابس.
وقد خلَّد زهيرُ بن أبي سلمى تلك المبادرةَ في معلقته المشهورة حيث قال في الحارث والهرم:
يميناً لنعم السَّيدانِ وُجِدْتُما
تداركتما عبساً وذبيانَ بعدما
على كل حال من سحيل ومبرم(11)
تفانوا ودقوا بينهم عطر مَنْشم(12)
وجاء في الصحيحين أن أبا هريرة قال: =سمعت رسول الله ? يقول: =يدخل من أمتي زمرة هم سبعون ألفاً، تضيء وجوههم إضاءةَ القمر ليلة البدر+.
قال أبوهريرة: فقام عكاشة بن محصن الأسدي، يرفع نَمِرَةً عليه، فقال: يا رسول الله! ادعُ الله أن يجعلني منهم، فقال رسول الله ?: =اللهم اجعله منهم+.
ثم قام رجل من الأنصار فقال: يا رسول الله! ادعُ الله أن يجعلني منهم، فقال رسول الله ?: =سبقك بها عكاشة+.
وهذا أحد ألفاظ مسلم.
فانظر إلى روح المبادرة كيف دفعت عكاشة ( إلى اغتنام الفرصة، والتقدم بذلك الطلب الذي حازَ بِهِ السعادةَ العظمى بتلك البشارة الكبرى.
ومن ذلك ما جاء في خبر مشورة الحباب بن المنذر ( في غزوة بدر، ومما جاء في ذلك الخبر أن الله _عز وجل_ بعث السماء، فأصاب رسولَ الله ? والمسلمين ماءٌ لبَّدَ لهم الأرض، وأصاب قريشاً ماءٌ لم يقدروا أن يرتحلوا معه، ثم رحل رسول الله ? بالمسلمين، وقال لهم: =سيروا على بركة الله؛ فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين؛ فكأني أنظر إلى مصارع القوم+.
ثم مضى يبادر قريشاً إلى الماء حتى إذا جاء أدنى من ماء بدر نزل به.
فجاء الحباب بن المنذر بن الجموح أحد بني سلمة إلى رسول الله? فقال: أرأيت هذا المنزل أمنزلاً أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه؟
أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟
قال: =بل هو الرأي والحرب والمكيدة+.
قال: يا رسول الله؛ فإن هذا ليس بمنزل؛ فانهض حتى نأتي أقرب قليب القوم، ثم نُغَوِّر ما سواه من القُلُب، ثم نبني حوضاً؛ فنملأه، ثم نقاتل، فنشرب، ولا يشربون.
فقال رسول الله ?: =قد أشرت بالرأي+.
ثم أمر بإنفاذه؛ فلم يجئ نصفُ الليل حتى تحولوا كما رأى الحباب، وامتلكوا مواقع الماء.(13)
ففي هذه القصة أدب نبوي عظيم من آداب الحوار؛ حيث استمع النبي ? إلى مبادرة الحباب، وفيه أدب الحباب مع الوحي؛ حيث سأل هل هذا من قبيل الوحي والنص الذي لا اجتهاد معه؟
أو هو من قبيل الرأي القابل للأخذ، والرد، والمداولة؟
ولما تيقن الحباب أنه من قبيل الرأي أبدى رأيه بكل صراحة وأدب.
ولما رأى النبي ? وجاهة رأي الحباب قَبِلَه، وعَدَلَ عما كان مقبلاً عليه.
وفي هذا رفعة لشأن الحباب، وإشادة برجاحة رأيه، ونفاذ بصيرته، وامتلاكه روح المبادرة.
وقد وقع ذلك موقعه من الحباب؛ فصار ذلك من مفاخِرِه التي يتحدث بها؛ فقد روى الحاكم في المستدرك أن الحباب بن المنذر قال: =أشرت على رسول الله ? يوم بدر بخصلتين فقبلهما مني؛ خرجت مع رسول الله ? في غزاة بدر، فعسكر خلف الماء، فقلت: يا رسول الله! أَبِوَحْيٍ أو برأي؟
قال: =برأي يا حباب+.
قلت: فإن الرأي أن تجعل الماء خلفك؛ فإن لجأت لجأت إليه؛ فقبل ذلك مني+.
وإذا تأملت كثيراً من المشروعات العظيمة أو المؤلفات النافعة وجدت أن وراءها مبادرةً صادقةً وقعت موقعها من صاحب الشأن؛ فكان من جَرَّاء ذلك خير كثير.
ومن أمثلة ذلك ما جاء في سبب تأليف أعظم وأصح كتاب في الإسلام بعد كتاب الله _عز وجل_ وهو صحيح البخاري؛ فقد أُلِّفَ بسبب مبادرة صادقة كانت هي الباعثَ الأول لتأليف ذلك الكتاب، ألا وهي ما سمعه البخاري من شيخه إسحاق بن راهويه؛ حيث لَمس إسحاق من تلميذه النجابةَ، والقوةَ العلميةَ، والذكاءَ المُفْرِطَ، فبادر إلى ذلك الاقتراح المبارك.
يقول ابن حجر×: =فحرك هِمَّته لجمع الحديث الصحيح الذي لا يرتاب فيه أمين، وقوَّى عزمه على ذلك ما سمعه من أستاذه أمير المؤمنين في الحديث والفقه إسحاق بن إبراهيم الحنظلي المعروف بابن راهويه+.
ثم ساق ابن حجر بسنده إلى إبراهيم بن معقل النسفي قوله: =قال أبو عبدالله محمد بن إسماعيل البخاري: كنا عند إسحاق بن راهويه فقال: لو جمعتم كتاباً مختصراً لصحيح سنة رسول الله ?.
قال: فوقع ذلك في قلبي؛ فأخذت في جمع الجامع الصحيح+.
فانظر إلى بركة تلك المبادرة العظيمة التي ما زالت الأمة تجني ثمارها اليانعة.
هذا وإنَّ عصرنا الحاضر لا يكاد يعرف أحداً يمتلك ناصية هذه الخصلة العظيمة كما يمتلكها شيخُنا الإمام العلامة الشيخ عبدالعزيز ابن عبدالله بن باز؛ فلقد كان× سبَّاقا إلى الخير في شتى الميادين، ومِنْ سَبْقِه، ومسارعته في الخير أنه كان يغتنم كل مناسبة تمر على الناس، فيبادر فيها إلى التوجيه بما يناسب تلك الحال.
وإليك ذكراً لبعض تلك المبادرات المباركة التي كان يقوم بها ×:
1_ إذا أقبل شهر رمضان وجه كلمة إلى عموم المسلمين يحثهم فيها على اغتنام شهر رمضان بالتوبة النصوح، وبالإقبال على الله بشتى القربات، من كثرة ذكر، وقراءة قرآن، وقيام ليل، وصيانةٍ للصيام من الغيبة والنميمة، وما يفسد الصوم، أو ينقص أجره، مع توصيته بالمحافظة على أنواع الطاعات، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، مع بيانه بعض أحكام الصيام، وتحذيره من إضاعة الوقت باللهو، والاستماع إلى الأغاني، ونحو ذلك.
2_ وإذا جاء موسم الحج أعدَّ كلمة أو كلمات، وفتاوى كثيرة تنشر في وسائل الإعلام يبين فيها أهمية هذا الركن العظيم، ويوضح بعض الأحكام المتعلقة به، ويحذر من البدع والأخطاء التي يقع فيها بعض الحجاج، وهكذا
3_ وإذا بلغه من بعض الناس أن هناك تهاوناً في أداء الصلاة جماعة كتب نصيحة في هذا الشأن، تتضمن بياناً بأهمية الصلاة، وعظم منزلتها من الدين، وعقوبة من تركها، أو تهاون بها، وهكذا، ثم يرسل هذه الكلمة إلى وسائل الإعلام؛ لتبثها.
4_ وإذا بلغه أن الناس تهاونوا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن المنكرات قد كثرت، وأن الناس تهاونوا في إنكارها_وَجَّه نصيحة عامة يحثهم على الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ويبين لهم خطر شيوع المنكرات، ومغبة ذلك.
5_ وإذا احتبس المطر عن الناس، وتأخر نزوله مع شدة حاجة الناس إليه وجَّه نصيحة للمسلمين يدعوهم من خلالها إلى التوبة النصوح، ويبين لهم أن المعاصي من أعظم أسباب حبس المطر، ويحضهم على الصدقات، وإخراج الزكوات المفروضة، ويحذرهم من الظلم وسائر أنواع الذنوب.
6_ وكان يوجه التهاني ببلوغ رمضان، وإتمامه، وبالعيد لكبار المسؤولين كالملك، وولي العهد، وغيرهم.
7_ وكان يكتب مهنئاً بسلامة الوصول، أو السلامة من المرض لاسيما لكبار المسؤولين.
8_ وإذا صدر أمر بتعيين بعض الأمراء أو الوزراء وجه كلمة إليهم؛ لتهنئتهم ونصيحتهم، وحثهم على مضاعفة الجهود.
9_ وإذا صدر أمر من الملك أو غيره من المسؤولين، وكان فيه مصلحة للمسلمين، أو دفع ضرر عنهم وجه كلمة تتضمن الشكر والدعاء.
10_ وإذا اعتدى معتدٍ على المسلمين في أي مكان_وجه سماحته كلمة يستنفر فيها المسلمين لنصرة إخوانهم بالمستطاع، ويبين لهم ما يجب من حق إخوانهم عليهم، ويستنكر خلالها العدوان على بلاد المسلمين، ونحو ذلك مما يناسب الحدث.
11_ وإذا كان هناك خلاف بين بعض المسلمين من مجاهدين، أو طلبة علم، أو نحوهم، وظهرذلك الأمر_وَجَّه كلمة بهذا الصدد يحث فيها الأطراف المختلفة على الاجتماع، والألفة، ويحذرهم من الافتراق والعداوات.
12_ وإذا حضر مناسبة من المناسبات العامة كولائم الزواج والدعوات الخاصة بادر إلى اغتنامها بالنافع المفيد، وملءِ المجلس علماً، وحكمة، وفائدة.
13_ وكثيراً ما يوجه كلمات عامة تشتمل على تذكير بأمر معين كأذكار الصلاة، أو تحذر من معصية بعينها كالتحذير من الربا، والمعاملات الربوية، ونحوها.
14_ وربما بادر إلى توجيه كلمة للمعلمين والمتعلمين يحثهم فيها على بذل الجهد، وإخلاص النية.
15_ وكان يوجه الكتابات لرؤساء المحاكم، والقضاة، ونحوهم، يحثهم على إقامة الدروس العلمية.
وقبل خمس سنوات من وفاته×كتب لأكثر من ثلاثين ما بين رئيس محاكم، ورئيس محكمة، وقاضٍ يحثهم على إقامة الدروس العلمية، وتعليم الناس ما يحتاجون إليه من كتب، ودروس في العقيدة، والتفسير، والحديث.
16_ وإذا طُلب منه الدخول في إصلاح أمر من الأمور بادر دون تردد.
وكان ذلك دأبه من قديم.
وبعد: فهذه جملة يسيرة جداً من الأمثلة على روح المبادرة، وما تحمله من خير عظيم، ونفع عميم.
وهي ترشد الناصح لنفسه ولأمته أن يكون ذا نفس مبادِرَةٍ، تسعى إلى الخير، وتدل عليه بنية صادقة، وذوق مرهف، واغتنام للفرص.



14 ــ الانتقام المحمود
الانتقام يذكر _في الغالب_ في معرض الذم، ويُقْرَنُ بقسوة القلب، وغِلَظِ الطبع.
بل إن كثيراً من الناس لا يعرف الانتقام إلا من هذا المنحى.
ولكنْ هناك نوعٌ من الانتقام محمود العاقبة، حسن الوقع.
ألا وهو الانتقام من عدوٍّ ينال نيله من كل أحد، ويسعى سعيه لإيقاع الناس في حبائله.
وبمقدور كل إنسان عاقل أن يَرُدَّ كَيْدَ ذلك العادي المتسلط إذا هو أخذ بالأسباب المشروعة.
ولعل المقصودَ من ذلك الانتقامِ المحمودِ قد تَبَيَّنَ، ألا وهو الانتقام من الشيطان؛ فكم من الناس من يَغْفَل عن هذا النوع؛ فإذا أوقعه الشيطان في بلية، وأغواه في فعل معصية أسلم له قياده، وأعانه على ضعف قلبه، فصار يتمادى في فعل السيئات التي تزيده وهناً على وهن.
وهذه بلية تعتري كثيراً من القلوب؛ فالقلب _كما يقول ابن القيم×_ يذهل عن عدوه؛ فإذا أصابه منه مكروه استجمعت له قوته، وطلب بثأره إن كان قلبه حُرَّاً كريماً، كالرجل الشجاع إذا جرح فإنه لا يقوم له شيء، بل تراه بعدها هائجاً، طالباً، مقداماً.
والقلب المهين كالرجل الضعيف المهين؛ إذا جُرح ولى هارباً، والجراحات في أكتافه.
وكذلك الأسد إذا جرح فإنه لا يطاق؛ فلا خير فيمن لا مروءة له، لا يطلب أخذ ثأره من أعدى عدوٍّ له؛ فما شيء أشفى للقلب من أخذه بثأره من عدوه، ولا عدوَّ أعدى له من الشيطان؛ فإن كان له قلب من قلوب الرجال المتسابقين في حَلَبَةِ المجدِ جَدَّ في أخذ الثأر، وغاظ عدوه كُلَّ الغيظ وأضناه، حتى يقول الشيطان يا ليتني: لم أوقعه فيما أوقعته فيه؛ فيندم الشيطان على إيقاعه في الذنب كندامة فاعله على ارتكابه، لكن شتان ما بين الندمين.
وقد جاء عن بعض السلف أنه قال: =إن المؤمن لَيُنْضِي شيطانه كما ينضي أحدكم بعيره+.
والله _عز وجل_ يحب من عبده مراغمةَ عدوه وغيظَه.
وهذه العبودية من أسرار التوبة؛ فيحصل من العبد مراغمة العدو بالتوبة، والتدارك، وحصول محبوب الله من التوبة وما يتبعها من زيادة الأعمال_ما يوجب جعلَ مكانِ السيئةِ حسنةً، بل حسنات.
وبناءً على ما مضى فإنه يجدر بالعاقل اللبيب أن يلحظ هذا المعنى؛ فإذا ثبطه الشيطان _على سبيل المثال_ عن الصلاة، ثم فاتته لم يقف أمام داعيين: إما أن يستمرئ هذا الصنيع، فلا يحرك ذلك بعدها في قلبه شيئاً.
وإما أن يبالغ في الندم، ويسترسل مع الحزن الذي لا يجدي، فيفوته بذلك أعمال صالحة من شأنها أن تسد الخلل الماضي، بل ربما فاته عدد من الصلوات في ذلك اليوم؛ بحجة أنه حزين على تلك الصلاة التي فاتته!
واللائق في مثل هذه الحالة ألا تمر عليه مرور الكرام؛ فيتبلد إحساسه، وألا يسترسل مع أحزانه؛ فيفوته الخير الكثير _كما مر_ وإنما يجعل ذلك ذريعة للتعويض، وسد الخلل، وزيادة العمل.
وإذا أغواه الشيطان، فأطلق بصره فيما حرم الله, ثم وجد ظلمة في قلبه_ فليبادر إلى قَلْعِ ذلك الأثر بزيادة النظر في كتاب الله؛ تدبراً وقراءةً، وطلبَ شفاء.
وإذا قصر في حق والديه، أو أرحامه فليبادر إلى البر والصلة.
وإذا ذَكَرَ أحداً بسوء فليسارع إلى الاعتذار منه، أو الدعاء والاستغفار له، وذِكْرِهِ بالخير، وهكذا.
ولو أخذنا بهذه الطريقة لقطعنا على الشيطان طرقاً من الشر كثيرة، ولفتحنا على أنفسنا أبواباً من الخير واسعة.



15 ــ توبات يُغفل عنها
الذي يُلْحَظُ مما يُكْتَبُ، أو يُسْمَعُ عند الحديث عن التوبة أنها تدور حول بعض الأفعال المحرمة من نحو الفواحش، وتعاطي المسكرات، والمخدرات، وغيرها من الكبائر.
أو حول بعض التروك من نحو ترك الصلوات أو ما جرى مجرى ذلك.
كما أن هذا المعنى ينقدح في ذهن من يقرأ، أو يسمع أحاديث عن التوبة؛ فلا يخطر بباله أن يتوب إلا من مثل ما مضى ذكره.
والتوبة من هذه الأمور مطلوبة، وتلك ذنوب عظيمة لا يجوز التساهل بها؛ ولكن هناك توبات يغفل عنها، ولا يُفَكَّر في الأخذ بها.
ومن ذلك التوبة من الحسد، والحقد، والتدابر، والمِراء، والعجز، والكسل، وسوء الظن، وقلة الحياء، وسوء الخلق، وعبوس الوجه، وإطلاق اللسان بالغيبة والنميمة، والفحش، ونحو ذلك.
وقل مثلَ ذلك في التفريط في نصرة الظالم، وخذلان المظلوم، والتقصير في النصيحة الواجبة، والدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
فلا يُفَكِّرُ كثيرٌ ممن ابتلي بهذه الأمور في تركها؛ فتستمر معهم طيلة أعمارهم.
والمقصود مما مضى ألا يَغْفلَ الإنسانُ عن هذه التوبات، بل لابد أن تكون منه على بال، وأن يجاهد نفسه على ترك تلك الذنوب، وأن يحتسب أجر ذلك على الله.



16 ــ شهامـــة
في عام 1405هـ كنت في رحلة إلى الكويت للسلام على بعض الأقارب، وكان معي اثنان من الأصدقاء.
ولما وصلنا الكويت أردنا الذهاب إلى مكان لصرافة النقود؛ لشراء عملة كويتية.
ولكني لاحظت أن وقود السيارة قد شارف على الانتهاء؛ فخشيت أن ينفد؛ فوقفت عند أقرب محطة، ولما تزودنا من الوقود، وأعطينا العامل المبلغ المقدر بالعملة السعودية رفض _وحق له_ وقال: أريد عملة كويتية، فحاولنا معه، وقلنا له: دعنا نذهب إلى أقرب صراف، ونأتيك بالمبلغ؛ فرفض؛ فصار كل واحد منا في جهة يبحث عن شخص يصرف له العملة؛ لنتمكن من السداد.
وبينما نحن كذلك صَوَّت لنا عامل المحطة قائلاً: لقد انتهى موضوعكم؛ فامضوا لشأنكم، فقلنا: كيف ذلك؟
قال: أرأيتم ذلك الرجل الذي سيركب سيارته؟
قلنا: نعم _وكان رجلاً بهيَّ الطلعةِ ذا لحية كثة، ويلبس نظارة وغترة بيضاء، كأني أراه الآن_.
قال العامل: سألني ماذا يريد هؤلاء؟ فأخبرته بالأمر، فدفع المبلغ كاملاً، وانصرف.
حينها رفعنا له الصوت طالبين منه أن يقف؛ لنشكره، ونعطيه المبلغ المقابل، فإذا به يسرع في خطاه، ويركب سيارته، ويسير؛ فلم نستطع إيقافه، أو اللحاق به؛ فعَجِبنا من تلك الشهامة والمروءة.
هذا الموقف مضى عليه الآن قريب من ربع القرن، ولا يزال مرتسماً في ذهني، وكلما تذكرته ذكرت صاحبه بخير، ودعوت له من كل قلبي، ولو عرفت اسمه، أو مكانه لواصلته، ووصلته بما أستطيع.
هذا الموقف يصوِّر لنا الشهامة، والمروءة، والإخلاص بأروع ما يكون؛ ليس بقيمة ما دفع، وإنما لتقديره الموقف، وإخلاصه الذي بعثه إلى تسديد المبلغ دون أن ينتظر منا جزاءً ولا شكوراً.
وإني لأظن أن لهذا الموقف في حياة أخينا نظائرَ أخرى، وأرجو أن يغفر الله له، ويرفع درجاته؛ فإذا كانت المرأة البغي التي سقت كلباً فغفر الله لها بسبب ذلك _ فما الظن بذلك الصنيع من رجل تقيٍّ صالح _أحسبه والله حسيبه_.
هذا الموقف يرينا وجهاً من وجوه الحياة المشرق الجميل الذي يطرد شبح اليأس، ويحارب جراثيم المادية البحتة.
ويعطينا صورةً عن ذلك البلد الطيب، الذي تَعَوَّد أهله بَذْلَ المعروفِ، وإغاثةَ الملهوف.



17 ــ حتى الشِّسْع
كثير من الناس لا يلجؤون إلى الله، ولا يتضرعون إليه إلا إذا نزلت بهم عظائم الأمور وشدائدها من نحو المصائب الكبيرة كفقد الأحبة، وخسارة الأموال الطائلة، أو نزول الأمراض المستعصية، وما جرى مجرى هذه الأمور.
أما ما عدا ذلك فلا يخطر ببالهم الدعاءُ، والتضرعُ إلى الله؛ لظنهم أنها أمور يسيرة لا تستدعي الانقطاع إلى الله.
ولا ريب أن ذلك خطأٌ يجدر بالمسلم تجنبُه؛ إذ اللائق به أن يعلِّق رجاءه بربه، وأن يسأله كل صغيرة وكبيرة من أمره؛ فَتَكَدُّر الوالدين على الولد، وسوءُ خلق الزوجة، ونفورُ الأولاد، وجفاءُ الأصحاب، وتكاسلُ مَنْ يعمل تحت يد الإنسان، وتَعكُّسُ بعض الأمور عليه، ونحو ذلك مما شاكله وجرى مجراه _ كل ذلك من البلاء الذي يحتاج إلى دعاء وإنابة.
ويرشد إلى ذلك قول النبي ?: =سلوا الله كل شيء حتى الشِّسع؛ فإن الله -عز وجل- لو لم ييسره لم يتيسر+(14).
والشسع: هو أحد سُيُور النعل، وهو الذي يُدْخل بين الأصبعين، ويدخل طرفه في الثقب الذي في صدر النعل.
فقوله ?: =حتى الشسع+: إشارة إلى أن ما فوقه أولى وأولى، وأن الإنسان لا غنى له عن ربه _جل وعلا_.
والمقصود من ذلك أنَّ على العبد أن يتوجه إلى ربه في جميع حوائجه؛ فالله _عز وجل_ يحب أن يُسألَ، ويُرْغَبَ إليه في الحوائج، ويُلَحَّ في سؤاله ودعائه، بل إنه _تبارك وتعالى_ يغضب على من لا يسأله، ويستدعي من عباده سؤاله، وهو قادر على إعطاء خلقه سُؤْلَهم من غير أن ينقص من ملكه شيء؛ فلا يحسن بالعبد _والحالة هذه_ أن يدع الدعاء في دقيق أمره وجليله.
وقد جاء في أثر إسرائيلي أن موسى _عليه السلام_ قال: =يا ربِّ إنه لَتَعْرِضُ لي الحاجةُ من الدنيا؛ فأستحيي أن أسألك إياها يارب+.
فقال الله _تعالى_: =يا موسى: سلني حتى مِلْحَ عجينتك، وعلف شاتك+.
وكان بعض السلف _كما يقول ابن رجب_ يسأل الله في صلاته كل حوائجه، حتى ملح عجينته، وعلف شاته.
ولقد أحسن الشيخ المَكُّوْدي × إذ يقول:
إذا عرضت لي في زماني حاجة
وقد أشكلت فيها عليَّ المقاصدُ
وقفت بباب الله وقفةَ ضارعٍٍ
وقلت إلهي إنني لك قاصدُ
ولست تراني واقفاً عند بابِ مَنْ
يقول فتاه: سيديْ اليوم راقدُ
فإذا اعتاد الإنسان دعاء ربه، وسؤاله كلَّ شأن من شؤونه _ كان حريَّاً بالإجابة، جديراً بالعزة والكرامة.



18 ــ أعمال يغفل عن احتساب أجرها
كثير من الناس لا يرى من الأعمال الصالحة التي يحتسب أجرها إلا ما كان قربة محضة كالصلاة والزكاة والصيام والحج، ونحو ذلك.
بل إن منهم من لا يخطر بباله احتساب بعض الأعمال الصالحة التي يفعلها على سبيل العادة دون مشقة أو عناء.
كما أن منهم من لا يحتسب الوسائل الموصلة إلى القربات؛ لظنه _كما مر_ أن الأجر لا يكون إلا على فعل القربة المحضة دون نظر إلى أن الوسائل لها أحكام المقاصد.
وهذا مما يفوت أجوراً كثيرة لو احتسبها الإنسان لكانت سبباً لمضاعفة ثوابه، ورفعة درجاته.
وفيما يلي تذكير ببعض الأمثلة على ما مضى، دون ترتيب أو ربط لها بنظائرها، مما يقع فيه الخلل.
فمن ذلك بر الوالدين، وإكرام الجار، والقيام على العيال، وصلة الأرحام.
ومن ذلك _أيضاً_ ما يلقاه الإنسان من نصب ومشقة وهو في طريق الحج أو العمرة، أو من جَرَّاء تنقله بين المشاعر، فربما ضاق صدره، وغاب عنه أن ذلك من جملة العمل الصالح.
ومن ذلك: المروءاتُ من نحو الوفاء، وإغاثة الملهوف، وتنفيس الكرب، وإكرام الضيف؛ فقد لا تخطر تلك الأعمال ببال من يقوم بها، وقد يغفل عن احتساب أجرها؛ مع أن احتساب أجرهِا واستحضار فضلها من أعظم أسباب اكتساب الثواب، ومضاعفة الأجورِ، واستشعار فضل العمل.
ومن ذلك كثير من أعمال الدعوة، ونشر العلم، ونحوها من الأعمال المتعدية؛ فمن الناس من يظن أن الأجر إنما هو لمن يقوم بتلك الأعمال مباشرة كالعالم، أو الداعية، أو المحسن المنفق دون غيرهم.
والحقيقة أن الأجر يعم أولئك وغيرهم ممن يحتسبون الأجر، كمن لهم يدٌ في نشر العلم، والخير، وتنفيس الكربات، وإعفاف الفقراء، فيشمل من يعد للدروس العلمية، ويضع لها الإعلانات، والدعايات، ويشمل من يسجل الدروس، ويقوم بتصنيفها، وإعدادها للنشر أو السماع، ويشمل من يقوم بدراسة أوضاع الفقراء، ومن يقوم بتوزيع الصدقات إلى غير ذلك مما هو داخل في هذا القبيل.



19 ــ معالي الأمور وسفاسفها
أعرف شخصاً متوسط الحال، أو أقل من ذلك، وهو ذو عيال، وليس له مصدر رزق غير دُكانٍ متواضع يبيع فيه بعض الحاجات اليسيرة في البناء وغيره، وكان له قطعة أرض على شارعين، وهي _تقريباً_ أنفس ما يملك.
وكانت تلك الأرض في حي جديد لا يوجد فيه مسجد.
وكانت رغبة أهل ذلك الحي في أن يكون موقع المسجد في الأرض الآنفة الذكر؛ لأن مكانها ملائم جداً.
ولكنهم كانوا مترددين في مخاطبة صاحبها؛ خوفاً من أن يرفض بيعها.
ولمَّا كُلِّم في ذلك الشأن، وكان قصارى ما يطمح إليه أهل الحي أن يوافق على مبدأ البيع بِغَضِّ النظر عن القيمة _ فاجأهم بقوله: موعدكم غداً كتابة العدل؛ فلما بدأ دوام اليوم التالي ذهبوا إلى كتابة العدل وإذا هو في انتظارهم، فقالوا: ماذا تريد ثمناً لتلك الأرض؟ قال: لا أريد شيئاً، إنما أريد أن أفرغها دون مقابل؛ كي يُبنى عليها المسجد، وقد بادرتُ؛ خشيةً من أن يحول دون ذلك حائل!!
فما كان من الحاضرين إلا أن دُهشوا، واستولت عليهم الحيرة من ذلك الموقف النبيل الذي يدل على إيمان، واحتساب، ويقين، وإيثار لما عند الله.
وبعد ذلك بُني المسجد، وصار المصلون يتقاطرون عليه، ثم أصبح فيما بعد مسجداً جامعاً.
وأعرف شاباً كان قليل ذات اليد، ثم فُتح عليه من الدنيا ما فتح، ثم ركبته بعد ذلك ديون، ثم فُتحت عليه الدنيا مرة أخرى.
وكان له صاحبٌ قد وقف مع صاحبنا وقفاتٍ مشرفةً لمَّا كان يمرُّ بأزمته المالية.
وفي يوم من الأيام احتاج ذلك الصاحب مبلغاً من المال، فاستدان من صديقه الشاب مبلغاً قوامه مليون وستمائة ألف ريال، ثم دارت الأيام، وخسر خسارة مالية أودت بكثير من ماله، فلما أراد أن يرد الدين إلى صديقه الشاب لم يتيسر له ذلك.
وفي يوم من الأيام جاء إلى صديقه وهو في حالة من الضيق، والشدة، فسأله صديقه الشاب عن سبب ذلك، فأخبره بأمره، فقال له الشاب: هوِّن عليك؛ الأمر يسير، وأنت لك أياديك البيضاء، فآمل ألا تحمل همَّاً من الدين، وإن كنت لا تقدر على دفعه كاملاً فادفع ما استطعت، وإن كنت تريد أن أتنازل عن شيء منه فلك ذلك، وإن كنت تريد أتنازل عنه كاملاً فأنت أهل لذلك؛ فكريم مثلك لا يحسن التخلي عنه، ولا يمكن أن تُنسى مواقفه.
ففرح صاحبه لذلك الموقف النبيل، وقال لصديقه الشاب: ليس عندي ما أعطيك إلا نصف المبلغ _يعني ثمانمائة ألف ريال_ فخذه الآن، فقال له صديقه الشاب: وباقي المبلغ أنت في حِلٍّ منه.
وأعرف شخصاً قُتل أحد أبنائه في مشاجرة، وحُكم على الجاني بالقصاص؛ فصارت الوجاهات، والأموال الطائلة تُعرض على والد المجني عليه دون جدوى.
ولما حُكِم له، وأمسك حقه بيده، وقرُب وقتُ التنفيذ _ استخار الله _عز وجل_ واستشار أقاربه في العفو، وبيَّن لهم أنه راغب فيه، فأعانوه على الخير، وقالوا أنت وشأنك.
ولما أيس أهل الجاني، وتوقفت محاولات الإصلاح _ تَوجَّه ذلك الوالد إلى القاضي الذي حكم في القضية، وسجل تنازله الكامل دون قيد ولا شرط.
ولم يكتف بذلك، بل اتصل فور خروجه من المحكمة بوالدي الجاني، وهاتفهما، وبشرهما بعفوه عن ابنهما؛ فكادوا يقضون نحبهم من شدة الفرح.
وصار ذلك العفوُ حديثَ الذين دخلوا في موضوع الصلح، والذين سمعوا بالقضية، وتابعوا أحداثها؛ فكانوا ما بين مصدق ومكذب لذلك الموقف العالي النبيل الذي لا يكاد يتكرر وجوده؛ حيث لم يكتف ذلك الوالد الكريم الفاضل بأن يكون من العافين عن الناس، بل دخل في قبيل المحسنين؛ إذ أحسن في عفوه غاية الإحسان، ورفض كل ما قُدم، واحتسب أجره على الله، وقال: لو حصل أن أخفيه عن نفسي لفعلت، فكان بذلك مضربَ مثلٍ، وموضعَ قدوةٍ، ومحلَّ ثناءٍ ودعاءٍ؛ حيث توالت عليه وفود الناس شاكرة له، مثنية عليه، داعية له، فجزاه الله خير الجزاء، ورحمه ورحم ولده رحمة واسعة؛ وجعل ذلك الصنيع سبباً لرفعة درجاته، وإقالة عثراته، إنه سميع قريب.
وأعرف رجلاً حصل على أحد أبنائه حادث اصطدام مروري، فتوفي ذلك الابن من جراء الحادث.
فلما بلغ الخبر والده استرجع، وأوصى بقية أبنائه بمتابعة الموضوع؛ لأن الحادث وقع في مدينة أخرى.
أما الوالد فاشتغل بصاحب السيارة الأخرى؛ حيث صار يتابع حالته الصحية، ويسأل عنه، فلما أُخْبر أنه سليم فرح بذلك.
وفي اليوم التالي للحادث حضر أقارب صاحب السيارة الأخرى من منطقة بعيدة جداً؛ لتعزية أهل الميت، وحضور الجنازة، فاستقبلهم والد الميت، وأكرم وفادتهم منذ أن قدموا، وهيَّأ لهم مكاناً خاصاً، وصار يتردد عليهم هو وأولاده.
ولما صُلي على الجنازة، وتناول القادمون طعام الغداء، وصاروا ينتظرون بقية أكابرهم؛ لكي يعزوا والد الميت، ويفاوضوه بشأن الموضوع _ دخل عليهم في مقر إقامتهم، وقال: ماذا تريدون أيها القوم؟ نحن نرغب في إكرامكم، ومزيد مكثكم، ولكننا نخشى أن نقطعكم عن أعمالكم.
فقالوا: نحن ننتظر وفداً من أكابرنا؛ لكي يفاوضوك في الأمر، فأقسم عليهم ألا يأتي أحد، وأنه لو كان الأمر بيده لما رغب في أن يأتي من أتى، وأبلغهم بأن الأمر قد انتهى، وأنه قد تنازل عن كافة حقوقه المتعلقة به؛ فما كان من القادمين إلا أن أجهشوا بالبكاء فرحاً، وإعجاباً، وإكباراً لذلك الرجل، وشهامته العالية.
فهذه مواقف رائعة، ونماذج لمعالي الأمور وأشرفها.
وهنالك -في المقابل- أمثلة لسفاسف الأمور، ومرذولها، فأعرف شاباً مكافحاً يسعى إلى إعفاف نفسه عن سؤال الناس، وقد اشترى لأجل ذلك سيارة شحن، وصار يحمل عليها البضائع، ويوصلها من مكان إلى مكان، ومن بلد إلى بلد مقابل مبالغ يتفق عليها مع أصحاب البضائع.
وفي يوم من الأيام طلب منه شخص غني أن يُوصل أغراضه إلى بلد يزيد بُعْدُهُ على ستمائة كيلو متراً، واتفقا على سعر معين؛ فلما أوصل الشاب تلك الأغراض بدأ صاحبه بمماكسته، والإلحاح عليه بأن يتنازل عن بعض المبلغ مع أنه مبلغ زهيد يأخذه كل الذين هم على تلك الشاكلة، بل يأخذون أكثر منه.
حينها قال له الشاب: ألم أتفق معك على المبلغ المذكور؟ قال له صاحبه الغني: بلى، ولكن آمل أن تتسامح في بعض المبلغ، فقال له الشاب: أنا فقير مسكين لا دخل لدي، وأعول أسرة، وأنت رجل غني لا يضيرك هذا المبلغ، فقال الغني: ولو كان الأمر كذلك؛ فأنا آمل منك تلبية رغبتي.
ولمَّا ضاق ذلك الشاب بتلك المماكسة عزَّت نفسه عليه، وقال: إذا كان الأمر كذلك فأنا متنازل عن جميع المبلغ، وأودعك الآن؛ لكي أرجع إلى بلدي وأهلي، فقال له الغني: لا، ليس الأمر كما تقول، وإنما أطمح أن أصل إلى حل سواء بيني وبينك، فأقسم الشاب ألا يأخذ ريالاً واحداً، فانصرف، وصار الغني يناديه، وهو لا يلتفت إليه، ورجع دون أن يأخذ شيئاً؛ فانظر إلى هذا اللؤم، والبخل، والشَّرَه، وصِغَرِ النَّفْس.
وأعرف رجلاً من ذوي الأموال الطائلة ولكنه بخيل جداً، وذات يوم دخل محلاً صغيراً تُباع فيه بعض السلع الرخيصة، وصاحبه رجل فقير، فطلب ذلك الرجل الموسر نوعاً من مرطبات اليدين والبدن، فأحضره له صاحب المحل، فسأل المشتري عن قيمة السلعة، فقال صاحب المحل: قيمتها خمسة عشر ريالاً، فصار المشتري الغني يُلِحُّ ويتوسل إلى صاحب المحل أن يبيعه إياه باثني عشر ريالاً، فقال له صاحب المحل: هذا هو مكسبنا، فقال له المشتري: ولو كان؛ فاستحيا صاحب المحل، ووافق على مضض.
وكان أحد الناس حاضراً في ذلك الوقت، وآلمه ذلك الموقف كثيراً، وهمَّ بأن يقول لذلك الغني: أما تستحي! وهمَّ بأن يدفع عنه الثمن، ولكن خشي من سوء العاقبة؛ فآثر الصمت.
ويحدثني أحد أكابر القضاة قبل سنوات أنه ينظر في قضية تافهة جداً، خلاصتها أن أحد الأشخاص رفع دعوى على صاحب له، مفادها أنه اشترى منه خيمة وما يتبعها من أشياء، فلما فحصها المشتري وجد من ضمنها أدوات سباكة يسيرة تخص الخيمة، ووجد أن أحد أنابيب الماء سقط منه صنبور ماء لا يزيد سعره على ثلاثة ريالات، فرفع على صاحبه دعوى، وادعى أن في البيع غشاً وغرراً!!
يقول القاضي: =فحاولت ثنيه عن شكواه، ولكنه أصر، فلما جاء الخصم حاولتُ فيه وقلت: هلاَّ أعطيتَه ما يريد، أو أذنت لي بأن أعطيك ما تريد؛ لتنتهي هذه القضية! فقال لي: دع الشرع يأخذ مجراه، فتذكرت المثل: إن كنت ريحاً فقد لاقيت إعصاراً.
وهكذا سارت القضية، وأشغلتنا وهي بتلك التفاهة والحقارة+ ا.هـ .
فانظر إلى تفاوت الهمم، واختلاف النفوس كبراً وصغراً، وتأمل كيف تصعد تارة، وتهبط أخرى.
إن العلو في مثل ما مضى ذِكْرُه مما يحبه الله، ويرضاه، وإن السفول لَمِما يكرهه الله، وينهى عنه.
وإن فئاماً من الناس لا يتصور مثل ذلك، ولا يحتسب أجره إذا كان عالياً، ولا يخشى وزره إذا كان سافلاً، وإنما تمر منه على عين عمياء، وأذن صماء.
أخرج الطبراني في الكبير(15)، وابن عدي في الكامل(16) عن الحسن ابن علي _رضي الله عنهما_ قال: قال رسول الله ?: =إن الله _تعالى_ يحب معالي الأمور وأشرفها، ويكره سفسافها+(17).
وقد جاء الحديث بلفظ: =إن الله -عز وجل- كريم يحب الكرماء، ويحب معالي الأمور، ويكره سفاسفها+(18).
وجاء بلفظ: =إن الله جميل يحب الجمال، ويحب معالي الأخلاق، ويكره سفاسفها+(19).
هذه الأحاديث بمجموعها تفيد محبة الله _عز وجل_ لمعالي الأمور وأشرافها، وكرهه _جل وعلا_ لسفاسفها.
ويدخل تحت ذلك من الأمثلة ما لا حصر له؛ فمن جملة معالي الأمور إكرام الضيف، والتطلق له، والقيام على رعاية حقوقه.
ومما يدخل في قبيل معالي الأمور وأشرافها: الشهامةُ، والمروآتُ، وإباءةُ الضيم، وأصالةُ الرأي، والصفحُ والتغاضيُ، وطلاقةُ الوجه، ومكارمُ الأخلاق عموماً.
ومن معالي الأمور: الترفعُ عن الدنايا، والإعراضُ عن الجاهلين.
فهذه _بإجمال_ أصول معالي الأمور وأشرافها.
وأما سفاسف الأمور فأضداد ما مضى؛ فيدخل في قبيل ذلك جملة كبيرة من الدنايا، وصغائر الأمور، ومحقراتها، فمن ذلك على سبيل المثال الشدةُ في مماكسة البائع، فتجد من الناس من إذا أراد شراء سلعة ما _ولو كانت زهيدة_ اشتد في المماكسة، ويقبح ذلك إذا كان المشتري من ذوي الأموال الطائلة، والمكانة الاجتماعية المرموقة، والبائعُ من قليلي ذات اليد، ويبيع السلع الرخيصة جداً _كما مرَّ سابقاً_.
ويدخل في ذلك: التقصيرُ في أداء الحقوق، كحقوق العمال، أو من يتفق معهم على أمر من الأمور.
ويدخل في ذلك الشحُ، والهلعُ؛ فبعض الناس إذا أراد إخراج ريال شعر بألم، وحسرة.
وإذا أراد قبض مبلغ من المال أصابه حال من الخفة، والهلع، حتى إنك لتنظر أثر ذلك في وجهه، وحركاته.
ويدخل فيه الوقوف عند الأمور الصغيرة التي لا تستدعي سوى التغافل، وغض الطرف.
ولا يعني ما مضى ذكره أن يتنازل الإنسان عن حقوقه، أو يصبح ساذجاً لا يدري ما ينفعه أو يضره.
وإنما هي دعوة لسمو النفوس، والارتفاع بها عن وهدة السقوط في براثن الشره، والشح؛ ففرق كبير بين من يعفو، ويترك حقه أو بعض حقه جهلاً، أو خوفاً، أو سذاجةً، وبين مَنْ يَدَعُ ذلك تكرماً، وسماحةً وترفعاً.



20 ــ إخلاص طبيب
قبل ما يزيد على عشر سنوات حصل حادث اصطدام مروري لشاب قريب لي، فأصيب من جرائه بإصابات بالغة الخطورة، فلما نُقل إلى المستشفى كادوا يجزمون بوفاته؛ لأن الأمارات تدل على ذلك؛ حيث أصيب بنزيف داخلي في عدة مواضع من كبده، وطحاله، وأمعائه، إلى كسور في يده، ورجله، وغير ذلك مما لا يحضرني الآن؛ فقد قرأت تقرير حالته، وهذا ما أذكره حال كتابة هذه الأسطر.
ولمَّا حصلت الشورى في شأنه رأى بعضهم أن يُنقل إلى مستشفى أرقى، وأكثر إمكانات؛ لأن ذلك المستشفى أنذاك لم يكن على درجة من الكفاءة، والقدرة على استيعاب مثل تلك الحالة.
ولما عزموا على نقله وقف لهم الطبيب الذي أشرف على علاجه _وكان رجلاً فاضلاً، ذا خلق ودين وأمانة أحسبه كذلك والله حسيبه وهو من أهل مصر_ فقال: لا يمكن أن يُرسل هذا المصاب إلى أي مكان؛ لأنه لا يَحْتَمِلُ تأخيرَ إجراءِ العملية له، ولو أُخِّرتْ ولو وقتاً يسيراً لربما فارق الحياة.
فقالوا له: إن إمكانات المستشفى لا تتحمل إجراء العملية، فهل تتحمل مسؤولية هذا المصاب لو حصل ما حصل؟ فقال الطبيب: نعم، ولو حصلت وفاة لكنا فعلنا غايةَ ما يمكننا من الأسباب.
وكان بإمكان ذلك الطبيب أن يُخْلِيَ مسؤوليته، ويعتذر بتواضع إمكانات المستشفى، وقد لا يلام لو تصرف على هذا النحو.
ولكنَّ إخلاصه، وشعوره بالمسؤولية، والأمانةِ الملقاة على عاتقه _ كل ذلك حمله على القيام بتلك المبادرة العظيمة الخطيرة.
فأُدخل صاحبنا غرفة العمليات ليلاً، وكنت مع بعض إخوانه، ولم يكن أكثرنا تفاؤلاً يُقَدِّر أن يعيش ذلك الرجل، بل كنا نتحاور في تجهيزه، وموعد دفنه.
ولكن لطف الله فوق ذلك كله، حيث أُجريت له العملية، واستغرقت وقتاً طويلاً؛ حيث استأصل الطبيب أجزاءً من كبده، وطحاله، وأمعائه، وغير ذلك مما لا أذكره الآن.
وبعدها رجع ذلك الرجل إلى وضعه الأصلي، واسترد عافيته شيئاً فشيئاً إلى أن شُفي تماماً، وهو الآن حَيٌّ يُرزق.
وهذا كله بفضل الله، ثم بفضل ذلك الطبيب الصادق المخلص الأمين.
تُرى لو كان هَمُّه مصلحته الخاصة، وكان ممن لا يعنيه المريض بحال؛ هل ستكون النتيجة ما حدث؟
أترك الإجابة للقارئ، وأقول: فرق كبير بين طبيبٍ همه الأكبر إخلاء مسؤوليته، وطبيبٍ يسعى سعيه لإنقاذ مريضه.
وعلى هذا فقس؛ سواء كان في حق الموظف، أو الرئيس، أو المعلم، أو كل من يُسند إليه عمل.


21 ــ تقدير المسؤولية
أعرف شخصاً يعمل في إدارة التوجيه في إحدى القطاعات التعليمية منذ فترة طويلة، وكان مثال الجد والإخلاص والمثابرة، وتقدير المسؤولية.
وكان زملاؤه يعرفون ذلك عنه جيداً، ولما قرب وقت تقاعده عن العمل تابعه أحد أقرانه المقربين إليه؛ ليرى كيف تَسِيْر وتيرةُ عمله في آخر أيامه، فتابعه في آخر شهر فلم يَرَ شيئاً تَغَيَّرَ من همته، ونشاطه، وتَدَفُّعِه، وحرصه على عمله.
فقال: لعل ذلك النشاط يخبو في آخر أسبوع، فلم ير تغيراً في الأسبوع الأخير، فتابعه في آخر يوم، وقال: لا بد أنه سيخرج قبل نهاية الدوام، أو أنه سيسند بعضَ أعمالِه إلى أحد زملائه، فلم يكن شيء من ذلك، بل إنه لم يخرج من عمله إلا بعد آخر ثانية من وقت العمل؛ حيث خرج مرفوع الرأس، موفور الكرامة، سعيداً بأمانته، مستبشراً بصفاء قلبه، وطيب مطعمه، فصار بذلك قدوة لزملائه، وكل من سمع بأمره.
وأعرف رجلاً تولى عمادة إحدى الكليات في جامعة من الجامعات فترة وجيزة من الزمن، فارتقى بالعمل، وصعَد به إلى مراتب عالية من المجادة، ثم ترك العمل.
والغريب في الأمر أنه كان متفانياً في عمله، مستغرقاً فيه حتى آخر لحظة، حتى إن بعضَ مَنْ هُمْ تحت إدارته شكَّوا في كونه سيترك عمله.
ولا ريب أن هذه النماذجَ وأمثالَها مفاخرُ تُرفع بهم الرؤوسُ، ويكون لهم الأثر البالغ في النفع، والتطوير؛ فيا لسعادة أولئك المخلصين، ويا لعظم أجورهم، وتسلسل نفع أعمالهم.
فأين أولئك من أناس لاهمَّ لواحدهم إلا مصلحته الخاصة؛ فتراه لا ينتمي إلى العمل الذي يقوم به، ولا يشعر تجاهه بالإخلاص، والصدق، والحرص على الارتقاء بالعمل.
وإذا شعر بأن فترة عمله ستنتهي قَلَّ إنتاجه، وصار على مبدأ المثل العامي الدارج: =إذا كنت رائحاً فأكثر من الفضائح+.
فإذا ودَّع هريرة أطاق وداعها، وإذا فارق العمل فارقه بذكريات أليمة، وسمعة سيئة، وربما أمانات مضيعة، وعند الله تجتمع الخصوم.
ولعل هذا يفسر لنا تقدمَ العمل، وتطورَه في ميدان، وتأخرَه، وتخلفَه في ميدان آخر، وسِرَّ رُقِيِّه إذا تولى زمامَ أمره شخصٌ، وانحطاطَه إذا تولاه آخر.
وكم نحن بحاجة إلى ثقافة عامة تقود إلى تقدير المسؤولية، ومحبة العمل، والإخلاص فيه، والحرص على الرقي به.
وكم نحن بحاجة _كذلك_ إلى محاربةِ البطالةِ، والفسادِ، والمبالغةِ في حبِّ الذات، وقلةِ الاهتمام بالمصالح العامة.


22 ــ أضيق الطريق
يُحدِّثُ أحَدُ الناسِ عن قصة حصلت له مع أحد أولاده؛ حيث كان ذلك الولد يطلب من والديه طلباتٍ معقولةً، ولكن الأم كانت أحياناً ترفض بعض تلك الطلبات؛ حتى لا يتمادى ذلك الولد في رغباته.
وكان الأب يأمل من الأم أن تَتَسَمَّح قليلاً، ولا تبالغ في الرفض، فَيُضْطَرَّ الولدُ إلى أضيق الطريق، فيحصلَ ما لا تحمد عقباه.
وفي يوم من الأيام أرادت الأم زيارة أهلها، فلما استقل أفراد الأسرة السيارة سألوا عن ذلك الولد، وإذا به داخل البيت، فذهب إليه أحد إخوانه فرفض، فصعد إليه الأب، وحاول فيه مرة بعد أخرى، فرفض ذلك الولد؛ فذهبوا وتركوه.
ولما قرب منتصف الليل، وجاءت الأم وباقي أولادها إلى المنزل_ كانت الأم مُغْضَبةً متكدرة من صنيع ذلك الولد، فحاول الوالد تلطيف الجو، فذهب إلى ذلك الولد _وكان باراً طيباً_ وقال له: اذهب إلى أمك، فاعتذر منها؛ فأخذتِ الولدَ العزةُ بالإثم، فرفض، فقال له الوالد: أنا أبوك، وآمرك بِقُرْبَةٍ من أَجَلِّ القربات، وهي أن تسترضي والدتك فتعصيني، ولا تفعل ما آمرك به؟!
فأصر الولد، وركب رأسه؛ فما كان من الوالد إلا أن أهوى بيده على ولده، وضربه ضربتين _على غير عادته_ فصار الولد يبكي بكاءً مراً؛ لأنه لم يتعودْ ذلك من والده، فباتوا جميعاً تلك الليلة في كدر وغم.
فلما تنفس الصبح، وسكت الغضب عنهم، وثابوا إلى رشدهم_ راجعوا أنفسهم، وندموا جميعاً على ما حصل؛ فالأم ندمت على صنيعها الأول، والأب ندم على ضربه لولده، والولد كان أشدهم ندامة؛ حيث ندم على معصية والديه أولاً وآخراً.
فهذه الحادثة تعطينا درساً في سعة الأفق، وتدبر العواقب.
فلو أن كلَّ واحد من هؤلاء الأطراف اتسع صدره قليلاً، وتنازل عن بعض رأيه، وتدبر عاقبة الأمر _ لسلموا جميعاً من ذلك المأزق الذي كاد أن يذهب بصفاء الأسرة.
وأذكر أن زوجةً اتصلت مراراً على أناس؛ لكي يسعوا في إرجاعها إلى زوجها بعد أن طلَّقها، فلما كُلِّم الزوج في ذلك، قال: لقد اضطرتني إلى الطلاق، حيث كانت تردد في كل وقت: ?? ? ? ? ?? فلما ضقت بذلك ذرعاً طلقتها.
وأذكر أن مسؤولاً في إحدى المدارس كان دائماً يهدد الطلاب بالفصل من الدراسة عند كل صغيرة وكبيرة، يقول: وفي يوم من الأيام توقفت عن ذلك النوع من التهديد؛ لأنني هددت طالباً بذلك، وقلت له: إذا تكرر منك الشغب في الفصل فسأعطيك مَلَفَّك، وسنطوي قيدك من الدراسة.
فقال الطالب: أعطني ملفي الآن، يقول المسؤول: فوقعت في حرج؛ لأنني لم أُرِدْ ذلك، ولأن الخطأ الذي وقع فيه الطالب يسير لا يستحق تلك العقوبة، فما أنقذني من ذلك الموقف إلا أن قلت له: أحضر ولي أمرك؛ لنسلِّمه مَلَفَّك، ونشعرَه بطيِّ قيدك؛ وبذلك سَلِمْتُ من ذلك الموقف المحرج، وقررت عدم تكراره.
وبناءً على ما مضى فإنه يحسن بالعاقل أن يتفادى الخطر قبل وقوعه؛ فإذا غلب على ظنه أن تلك الكلمة، أو ذلك العتاب، أو الموقف من شخص ما سيثير مشكلة، أو سيبعث قلقاً، أو يحدث شرخاً _ فأولى له ثم أولى أن يتركه، أو يسلك حياله طريقة تفي بالغرض دون ضجيج، أو حدوث نتائج وخيمة.
وأخيراً، لا تضطر صاحبك إلى أضيق الطريق، ولا تغلق الباب أمام من له عندك بقية من مودة.



23 ــ التقليد في الكراهية
يُحَدِّثُ أحد الناس عن صاحب له، فيقول: كان لي صاحبٌ يقع كثيراً في أحد الناس، ويضمر له البغضاء.
وفي يوم من الأيام كنا واقفين عند إشارة المرور؛ فالتفتُّ وإذا بجانبي ذلك الرجل الذي يقع فيه صاحبي، فقلت لصاحبي: أتعرف هذا الرجل؟ فقال: لا؛ فقلت: ألم تره قبل اليوم؟ قال: لا؛ فقلت: ما ظنك به وأنت تراه الآن؟ فقال: أرى فيه الوقار، والهدوء.
فقلت: هذا هو صاحبك الذي تقع فيه، وتبغضه؛ فهز الرأس، وفكر ملياً، وكأنه بدأ يراجع حساباته.
فقلت له: كيف يكون ذلك الصنيع، وأنت لا تعرفه؟ فقال: سمعت الناس يقولون شيئاً فقلت مثله.
فهذه الحكاية واقعة، وأمثالها كثير، والناس فيها ما بين مقلٍّ ومستكثر.
ولا ريب أن ذلك ضربٌ من التقليد الأعمى الذي يُضِرُّ بصاحبه من جهة اكتسابه الآثام من غير وجه حقٍّ، ويضر بالمجتمع من جهة أنه يفكك روابطه، ويفقد أهله الثقة فيما بينهم خصوصاً إذا كانت الوقيعة في الأكابر والأفاضل.
والذي تقتضيه الديانة والمروءة والحكمة أن يتروَّى الإنسان فيما يسمعه من وقيعة في الناس؛ حتى لا يقع في الظلم، والإثم.
أما إذا كان ما يسمعه مدحاً وثناءً فلا لوم عليه إنْ قَبِلَ ذلك؛ لأنه لن يترتب عليه _في الأغلب_ ظلمٌ ولا هضم.
وخلاصةُ القولِ أنه: لا بأس أن تكون مقلداً في الحب، أما في البغض فلا يحسن بك إلا أن تكون مجتهداً مطلقاً.



24 ــ فقه النصيحة

النصيحة كلمة عظيمة موحية تحمل في طياتها معانيَ الودِّ، والصدق، والإخلاص، والرحمة، والشفقةِ، وتَطَلُّبِ الكمالِ، وحبِّ الخير، وما جرى مجرى ذلك من المعاني الجميلة.
فلا غرو _إذاً_ أن يُحْصَر الدين بالنصيحة كما جاء في صحيح مسلم من حديث تميم الداري ( أن النبي ? قال: =الدين النصيحة+.
قالوا لمن يا رسول الله؟
قال: =لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم+.
فأهل الإسلام حقاً ينصحون لله إيماناً به، وقياماً بحقه، وعبوديةً له ظاهراً وباطناً.
وينصحون لكتاب الله بالإقبال عليه تلاوةً، وحفظاً، وتدبراً، وتعلماً لألفاظه ومعانيه، وعملاً به، ودعوة للناس إليه.
وينصحون للرسول ? بمحبته، وتعظيمه، وتوقيره، والاقتداء به، والاهتداء بهديه، واتباع سنته، والذَّبِّ عنه، ونصرة دينه، وتقديم قوله على قول كل أحد من البشر .
وينصحون لأئمة المسلمين _ من الإمام الأعظم إلى من دونه ممن لهم ولاية خاصة أو عامة _ باعتقاد ولايتهم، وبالسمع والطاعة لهم بالمعروف، وببذل المستطاع لإرشادهم، وتنبيههم إلى ما فيه صلاحهم وصلاح الأمة جمعاء، وبنصحهم وتحذيرهم مما فيه ضرر عليهم وعلى الأمة.
وينصحون لعامة المسلمين بمحبتهم، ومحبة الخير لهم، والسعي في إيصال النفع لهم، وبكراهية الشر والمكروه لهم، والسعي في دفعه ودفع أسبابه عنهم .
وينصحون لهم _أيضاً_ بتعليم جاهلهم، ووعظ غافلهم، ونصحهم في أمور دينهم ودنياهم، والتعاون معهم على البر والتقوى .
فإذا كانت النصيحة بهذه المثابة فأحْرِ بالعاقل أن يَحْفَلَ بها، وأن يَقْدُرَها قَدْرَها، وأن يتفقه في شأنها.
والحديث ههنا ليس مجال بسط، وإنما هو إشارات حول بعض الأمور في شأن النصيحة، خصوصاً نصيحةَ الناس.
فمما ينبغي التنبيه عليه في باب النصيحة استشعارُ الرحمة بالمنصوح، وحبُّ الخير له؛ فليست النصيحة حِمْلاً يريد باذلُها إلقاءه عن نفسه فحسب، بل لا بد أن يستشعر _في أدائها_ معنى الرحمة، وحبَّ الخير، ومحاولةَ الإصلاح؛ فذلك يدعوه إلى مزيد من الرفق، والتلطف، والمداراة، وحسن المدخل.
ومن ذلك أن لا ينصح الإنسان على شرط القبول؛ فإذا لم تقبل نصيحته أزرى بالمنصوح، واتهمه بالكبر، والتعجرف.
قال ابن حزم ×: =لا تنصَحْ على شرط القبول، ولا تشفَعْ على شرط الإجابة، لكن على استعمال الفضل، وتأدية ما عليك من النصيحة، والشفاعة، وبذل المعروف+.
ومما يدعو لقبول النصيحة تنوع طرقها؛ فمن ذلك الإسرار بالنصيحة، واستعمال المداراة فيها، والثناء على المنصوح، وتذكيره بسلفه، وأياديه البيضاء، وإنزاله منزلته اللائقة به، والحذر كل الحذر من السخرية أو الشماتة به؛ فذلك مما يفتح قلبه، ويرهف عزمه، ويثير همته.
ومما تجدر الإشارة إليه في باب النصيحة مسألة أسلوبها، فذلك باب عظيم قلَّ من يحسن الدخول فيه؛ إذ إن كثيراً من الناس يظن أن النصيحة تلقى في أي صورة كانت دون مراعاة لزمنها، ومكانها، وذوقها، وما تقتضيه مقامات الناس وأحوالهم.
فالناصح في دين الله يحتاج إلى علمٍ، وعقل، ورَويَّة حسنة، واعتدال مزاج، وتؤدة.
وإن لم تكن فيه تلك الخصال كان الخطأ أسرع إليه من الصواب.
وما من مكارم الأخلاق أدق ولا أخفى ولا أعظم من النصيحة.
فلا غرو _إذاً_ أن تقبل النفوس على نصيحة شخص، وترتاح إليه ارتياح الربى لِقَطْرِ الهواتن، وتسيغه إساغة الظمآن للماء القراح.
وتُدْبِرَ عن نصيحة آخر، فتزلَّ نصيحته عن القلوب كما زَلَّتِ الصفواءُ بالمتنزل. ولأئمة المسلمين وعامتهم+.
م من حديث تميم الداري ÷ أن النبي " قال: =الدين النصيحة+..

ومما يحسن التنبيه إليه في باب النصيحة قلة التواصي بها؛ فذلك يدعو إلى التمادي في الباطل، وإِلْفِه، وترك محاولة الرقي إلى المعالي.
ومن ذلك التكبر عن قبول النصيحة الهادفة، والنقد البناء؛ فقد يبذلها ناصح أمين، وناقد بصير، ولكن لا تجد أفئدةً مصغيةً، ولا آذاناً مصيخة، بل قد يتكبر المنصوح، ويتعاظم في نفسه، ويستنكف عن قبول النصيحة، فيستمر على خطئه، ويعز علاجه، واستصلاحه.
وأخيراً فإنه يحسن بمن نُصح أن يتقبل النصح،وأن يأخذ به؛ حتى يكمل سؤدده،وتتم مروءته،ويتناهى فضله.
ينبغي لمتطلب الكمال _خصوصاً إذا كان رأساً مطاعاً_ أن يتقدم إلى خواصه،وثقاته،ومَنْ كان يسكن إلى عقله من خدمه وحاشيته _ فَيَأْمُرَهم أن يتفقدوا عيوبه ونقائصه،ويُطْلِعوه عليها،ويُعْلِمُوه بها ؛ فهذا مما يبعثه للتنزه من العيوب،والتطهر من دنسها.
بل ينبغي له أن يتلقى من يهدي إليه شيئاً من عيوبه بالبشر والقبول،ويظهر له الفرح والسرور بما أطلعه عليه.
بل المستحسن أن يُجيزَ الذي يوقفه على عيوبه أكثر مما يجيز المادح على المدح والثناء الجميل،ويشكرَ من ينبهه على نقصه،ويتحملَ لومته بفعله؛ فإنه إذا لزم هذه الطريقة،وعُرِفَ بها أسرع أصحابه وخواصه إلى تنبيهه على عيوبه.
وإذا نُبِّه على ما فيه من النقص أَنِفَ منه, واستشعر أن أولئك سيعيرونه به, ويصغرونه من أجله؛ فيلزمه حينئذ أن يأخذ نفسه بالتنزه من العيوب، ويقهرَها على التخلص منها؛ فإصلاح النفس لا يتم بتجاهل عيوبها، ولا بإلقاء الستار عليها.



25 ــ مسألة في العمل التطوعي

العمل التطوعي في مجالات الخير المتنوعة عمل نبيل، يدل على صدق، وإخلاص، واحتساب.
والذي يقوم به حريٌّ بالأجر، والرفعة في الدنيا والآخرة.
ولكن ثمت مسألة تعتري نفراً ممن يعملون في هذا المجال.
ألا وهي مسألة الانتظام في العمل التطوعي، والانضباط في مواعيده، والقيام بمسؤولياته على الوجه الذي ينبغي؛ حيث إن بعض العاملين في ذلك الميدان يظن أنه إذا كان يعمل بدون أجر يأخذه مقابل عمله _ فإن له الخيارَ في أن يأتي متى وكيف شاء، وأنه غيرُ مُطالَبٍ بما يطالَبُ به مَنْ يأخذ على عمله أجراً؛ لذا تجد مَنْ هذا شأنُه لا يبالي بأوقات الدوام، ولا يعنيه أن يقوم بالأعمال التي تسند إليه.
بل يرى أن ما يأتي به من عمل إنما هو ربح لتلك الجهة التي ينتمي إليها، وأنه غير مطالب بكل ما يسند إليه؛ لأنه يرى أنه محسن وما على المحسنين من سبيل.
ولا ريب أن ذلك الصنيعَ غيرُ صحيح؛ إذ هو مما يقلل إنتاج العمل، وجودته، ويوقع المسؤولين في حرج؛ فهم يودُّون أن يسير العمل كما ينبغي، ويستحيون _في الوقت نفسه_ من محاسبة ذلك المقصر أو معاتبته؛ لكونه لا يأخذ على عمله أجراً.
والذي يجب على من انتظم في سلك العمل التطوعي أن يقوم بالعمل الذي يناط به على الوجه المطلوب، أو أن يطلب التخفيف عنه إذا كان لا يستطيع القيام بكل ما أنيط به، أو يتنحى جانباً، ويدع المجال لغيره إذا لم يكن لديه استعداد للانضباط.
أما أن يوافق على القيام في عملٍ ما، ثم يُقَصِّر في أدائه؛ بحجة أنه تطوع منه_ فليس من المروءة في شيء؛ ذلك أن العمل التطوعي له أركان وواجبات، وإن كان في أصله مستحباً مندوباً، شأنُه شأنُ غيره من القُرَبِ المستحبة؛ فالحج النافلة _على سبيل المثال_ لا يجب على المسلم، ولكن إذا تلبس به وجب عليه إتمامُه، وحَرُمَ عليه الإخلال بشيء من أركانه وواجباته، وحَسُن به القيام بمسنوناته ومستحباته.
فهل يسوغ لمن حج تطوعاً أن يدع الوقوف في عرفة أو الطواف بالبيت بحجة أنه حَجُّ تطوعٍ؟ الجواب: لا.
وكذلك إذا أدى السنة الراتبة، أو سنة الضحى هل يسوغ له ترك الركوع أو السجود بحجة أن تلك الصلاة غير مفروضة عليه؟ الجواب: لا.
وهكذا العمل التطوعي _وإن كان لا يشبه المثالين السابقين من جميع الوجوه_.
وبالجملة فإن على من رغب في القيام بالعمل التطوعي أن يُقْبِل عليه بِجِدٍّ، وإخلاص.
وإلا فلا يُحْرِج نَفْسَه وغيرَه في تقصيره وإخلاله.


26 ــ جوابها منها

هذا العنوان قطعة من كلمة تنسب للإمام أبي حنيفة ×.
ونصُّها: =إذا أتتك معضلة فاجعل جوابها منها+.
يعني إذا أتتك مسألةٌ مُشكلةٌ فأمكنك أن تنزع الجواب من تلك المسألة _فإن ذلك من أحسن وجوه الجواب، كما يذكر عن الصاحب بن عباد أنه قيل له: ما أَحْسَنُ السجع؟ قال: ما خَفَّ على السمع، فقيل له: مثل ماذا؟ قال: مثل هذا!!
وهكذا أجابَ بإجابة رائعة مُمَتَّعة بمثال مُنْتَزَعٍ من سؤال السائل.
والغرض من السياق ههنا بيان ما يقع فيه بعضُ مَنْ تُعْرَضُ عليه المشكلاتُ من طرف واحد، فتراه أحياناً يجيب بأجوبة لا تفي بالغرض، ولا تحل المشكلة.
مثال ذلك أن تسألَ امرأةٌ أحداً لا يَعْرفها عن ظلم زوجها لها، وتشكو تقصيرَه في حقها، فترى ذلك المسؤول يشرِّق ويغرب في مسألة تحريم الظلم، ويوصيها بالصبر، وربما أوصاها بالفراق.
وأولى لهذا ثم أولى أن يسألها عن سبب تقصير زوجها، وعن معاملتها معه؛ فربما كانت هي السبب، وربما كان تقصيرها أكثر من تقصيره.
فإذا توصل إلى تلك النتيجة أوصاها بأن تغير من طريقتها معه، وأعلمها بأن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، ثم يذكرها بعواقب الأمور، وبكيفية خاتمتها إذا تماديا في الخصام، وهكذا...
فمثل ذلك أجدى نفعاً من الحلول المخدِّرة التي تشعر السائل بأنه على حق دون معرفة الطرف الآخر الذي لو قدر السماعُ منه لتغيرت النظرة للقضية.
مثال آخر، وهو أن يأتي شاب فيعرض مشكلته وتقصير والده في حقه، وأنه لا يعطيه قدره من الشفقة والعطية، وأنه قد كَبِر، فصار لتلك المعاملة أثر في نفسه، فمنعته من الترقي في المعالي، وهلم جرا...
فربما عرضها على أحد من الناس، فبدأ يُخَطِّئُ والدَ السائل، ويقول: لو أنه فعل كذا وكذا، ثم يبدأ يلتمس المعاذير للسائل، فَيُسوِّغ له عجزَه، وقعودَه وما جرى مجرى ذلك من المسوغات التي لا تجدي نفعاً، ولا تطفئ لوعة، بل تُغْرِي بالتمادي في الخطأ، وتسوغ الكسل والبطالة.
ولو قيل لذلك الذي عرض مشكلته: الأمر _بعد توفيق الله_ بيدك، وبإمكانك السير على قدميك، وتدارك كثير مما فاتك، إذا أنت اعتمدت على الله، وأخذت بالأسباب، وتركت التسويف، وإلقاء اللائمة على الآخرين.
فهذا خير من تخديره بكلام معسول يُسَوِّغ له ما هو فيه من الكسل والهمود.
ولقد جربتُ تلك الطريقة فَوَجَدْتُ نفعَها وأثرها، وإليك أيها القارئ الكريم أمثلةً على ذلك.
1- هناك شاب قد تخرج في إحدى الجامعات، وعَمِل في قطاع خاص ثم تركه، ثم تَقَلَّب في الدنيا ما قدِّر له أن يتقلب، ثم أراد أن يستدرك ما فاته، وأن يقبل على مصالحه؛ فكان يأتي لبعض أصدقائه، وأقاربه، ويشكو من كنود والده، وقسوته، ويعاتب زملاءه الذين عملوا معه في ذلك القطاع، وأنهم سبب انحرافه، وتركه العملَ، ويشكو الناس على قلة اهتمامهم به، إلى غير ذلك من تلك القائمة المليئة بالشكوى، والحرقة، والألم.
وبعد ذلك تعرف صاحبنا على صديق مخلص، فبحث له عن عمل، أو أحد يقرضه مالاً؛ كي يبدأ به بعض الأعمال، ولكنه لم يفلح في شيء من ذلك.
وفي يوم من الأيام زارني هو وصاحبه، وبدأ صاحبه بعرض مشكلة صديقه الشاب، ورغب في أن يُبحث له عن عمل.
وبعد ذلك اتصلت على أحد المعارف في إحدى الشركات، فعرضت عليه موضوع أخينا، فقال: ليأتنا، حتى نقابله، ثم ننظر في شأنه، فجاءهم بعد أيام، وأجريت له المقابلة، ولكن الشخص الذي قابله لم يعرفه، وسأله بعض الأسئلة، وتبين له من خلال اجتهاده أنه غير صالح للعمل، فَرُدَّ.
وبعد مدة قابلت صاحبنا الشاب، وسألته فأخبرني بما كان.
وللمعلومية فإن هذا الشاب يتمتع بمواهب، ولديه همةٌ عالية، وقُدْرةٌ على القيام بكثير من الأعمال التي تسند إليه، ولكنه قليل الثقة بنفسه، ولم يجد المجال الذي يناسبه.
الحاصل أنني اتصلت بمن قابله، فأخبرني بما كان، وقال: لو يأتينا مرة أخرى.
وبعد مدة ذهب، وقابل مسؤولاً آخر في الشركة، فقبلوه، وانتظم في العمل، فرأيته بعد ذلك فسألته، فقال: إنه بدأ في العمل، ولكن والده لا يزال على جفوته، وأن في نفسه شيئاً من ذلك الشخص الذي قابله المرة الأولى.
فقلت له: يا فلان: إذا أردت أن تنجح في عملك فاصدق مع نفسك، وغيِّر ما بها، واحزم في أمرك، ولا تشغل نفسك بلوم والدك، أو غيره؛ فإن ذلك لا يفيدك شيئاً.
ولكن عليك بالاستعانة بربك، والجد في عملك، واحترام مسؤوليك، وسلامة صدرك، وتطوير نفسك، واستجماع مواهبك، والحرص على ما ينفعك؛ فإذا لزمت هذه الطريقة فستفرض احترامك على مرؤوسيك، وسيعرف والدك قدرك.
استمع صاحبنا لما قيل له، وهز رأسه، وقال: إن شاء الله أفعل.
وبعد مدة وجيزة صار له وزنه في العمل، حتى نال إعجاب صاحب الشركة، والمسؤول الأكبر فيها، فصار يتصل به مراراً، ويسند إليه كثيراً من المهام الخاصة؛ فصار صاحبنا يترقى من عمل إلى عمل، فزادت ثقته بنفسه، ونال إعجاب من حوله بفضل الله، ثم بِجِدِّه، واجتهاده وحرصه على ما ينفعه.
2- وفي يوم من الأيام جاءني شابٌ مُستوفزٌ ثائر، فجلس إلي، وقال: هل تتذكرني، فبدأت أعصر الذاكرة، وقلت: كأنني أعرفك، ثم بدأ يذكرني حتى تذكرته، لأني لم ألتق به إلا مرة واحدة.
وقال: ربما نسيتني؛ لنحول جسمي، بسبب أمر أقلقني جداً، وقد أتيت إليك لعلي أجد حلاً؛ فهل تسمح لي بالحديث؛ فقلت له: نعم تفضَّل.
فقال: مشكلتي تَكْمُن في والدي؛ فهو رجل تعدى السبعين من عمره، وهو رجل عامي، ولا يحسن محاورتنا، ولا يرى أنني كَبِرْتُ، وصرت رجلاً.
فسألت صاحبي: هل أنت طالب أو موظف؟
فقال: أنا موظف في الدائرة الحكومية الفلانية.
فقلت له: واصل حديثك، فقال: مشكلتي الآن أنني أرغب في الزواج، ولكن والدي يثبطني، ويرى أنني لم أصل بَعْدُ إلى المستوى الذي يؤهلني للزواج، وإذا رأى مني إلحاحاً قال: اخطُب من بنات عمك وقريباتك.
ولكني لا أرغب في الأقارب؛ لأن رغبتي في أسرة بعيدة عنا وعن بلدنا.
ولما رأيت هذا الموقف من والدي تقدمت إلى تلك الأسرة التي أرغب في الزواج منها، فأعطوني موافقة مبدئية، وقالوا لي: إيت في اليوم الفلاني وحدك، فأتيت، ثم قالوا: إيت ومعك والدك، وموعد اللقاء يوم غدٍ؛ فماذا أصنع؟ وكيف أقنع والدي بالذهاب، وهو يرفض الفكرة من أصلها؟
فقلتُ له: وماذا تريد أن أصنع وقد أتيت _كما يقولون_ في الوقت الضائع؟
فقال: الأمر كما ترى، فقلت له: هل هناك قريب، أو أخ، أو صديق للوالد يؤثر عليه، ويقنعه بما تريد؟
فقال: لا أعرف أحداً يستطيع ذلك.
فقلت له: ألا يمكنك أن تأتي والدك، فتبادره في الأمر، وتضعه أمام ناظريه؟ فقال: لن يجدي ذلك شيئاً.
فقلت: أتسمح أن أوجه إليك بعض الأسئلة الصريحة التي ربما تتعبك، ولكن قد يكون لها ثمرة؟
فقال: تفضل، فقلت له: ما علاقتك بوالدك؟
قال: فاترة، قلت له: ألا تعتقد أنك مشارك في ذلك؟ قال: ماذا تريد أن أفعل؟
قلت: هل أنت تسافر مع والدك إذا طلب منك ذلك؟ قال: لم يحصل شيء من هذا، قلت: هل أنت تجلس مع والدك إذا جاءه الضيوف، أو تصحبه إلى أصدقائه أحياناً؟ قال: لا، قلت: هل سبق أن أعطيته مالاً خصوصاً وأنك موظف، وتستلم راتباً شهرياً؟ قال: لا، قلت: هل سبق أن أهديت له هدية؟ قال: لا.
قلت: إذاً فالسبب الأعظم يَكْمُن فيك لا في والدك.
قال: وما الحل؟ قلت: الحل يحتاج إلى وقت؛ كي تصحح وضعك مع والدك.
قال: أريد حلاً سريعاً يسعفني الآن، قلت: هذا صعب، ولكن جرب هذا الحل.
قال: وما هو؟ قلت: _والكلام بعد المغرب_ اذهب الآن إلى محل بيع العود والعطور، واختر أنواعاً من أحسن الطيب، والعود، وما شاكل ذلك، وضعه في حقيبة جميلة ملائمة، ثم اذهب إلى والدك، وسلم عليه، وقبل رأسه، وقل: يا والدي لقد خطبت وحصلت الموافقة، وحُدِّد موعد المقابلة، فقررت أن تكون أول مَنْ يَعْلَمُ، وأول من أقدم له هدية؛ تقديراً لك، ورجاءً لبركة دعواتك.
وقلت لصاحبي: ما رأيك؟ قال: أفعل إن شاء الله، فقلت له: بادر عسى أن يكون في ذلك خير.
فانطلق صاحبي، وبعد صلاة العشاء بمدة يسيرة اتصل بي، وقال بصوت مرتفع: الحمد لله، لقد فعلت ما اتفقنا عليه، ففرح والدي، واستبشر، ودعا لي، وشكرني، وقال: الأمر إليك وفي أي وقت تشاء الذهاب إليهم فأعلمني.
فقلت لصاحبي: الحمد لله، وآمل منك التواصل مع والدك، ولعل هذا الزواج مبارك عليك، ولعل من أول بركاته أن تفتح صفحة جديدة في العلاقة مع والدك، فما عليك إلا المواصلة، والاستمرار، وسترى أن للحياة طعماً آخر في القرب من الوالدين، والاستظلال بِطِرَافِهما السامي الذُّرا.
فقال: لعل الأمر يكون كذلك، ثم استمرت تلك العلاقة، وتَمَّ الزواج، وصار يتصل بين الفينة والأخرى، ويخبر عن زيادة المودة بينه وبين والده.
3- وأذكر أن صديقاً كان لوالده زوجتان: أمه وكانت الزوجة الأولى، وأخرى، وكان ذلك الصديق أكبر إخوانه، وكان يشكو كثيراً من برود العلاقة بينه وبين زوجة والده، وإخوانه لأبيه، ويروي قصصاً من هذا القبيل منها جفاء إخوانه لأبيه، وقلة اعتداد زوجة أبيه به، إضافة إلى ما بين أمه وزوجة أبيه من الغيرة، وما ينتج عن ذلك من تكدر والده، وأثر ذلك على الأسرة عموماً.
فقلت له: لا تثريب عليك في بر أمك، ولا تثريب على أمك في غيرتها ما لم تتجاوز الحد.
أما أنت فلا يحسن بك إلا أن تلطف الأجواء، فأنت أكبر إخوتك، والمنزل يحتاج إلى حكمتك، وإضفاءِ جوٍّ من السكينة عليه.
فقال: كيف ذلك والعلاقة بيننا بهذه الدرجة من الفتور؟
فقلت له: ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ??.
فقال: وماذا أصنع؟ قلت له: بإمكانك أن تغير نظرتك، ومعاملتك لزوجة أبيك؛ فهي أم إخوانك، وعِزُّ إخوانك عِزٌّ لك، وبرك بها بر بأبيك؛ فإن أبر البر صلة المرء أهلَ ودِّ أبيه، وهي من أهل ود أبيك، كما أنها جارة لكم في المنزل.
ثم إن ذلك سبب في بقاء كيان الأسرة متماسكاً، وإخوانك محتاجون لك، وأنت محتاج إليهم.
وإذا كانت العلاقة فاترة فستكون العاقبة وبيلة عليكم جميعاً، سواء في حياة والدك، أو فراقه الدنيا، بل ربما زادت المشكلات تعقيداً.
وقلت له: إن هناك من الناس من يعامل زوجة أبيه وكأنها أمه، وهي تعامله وكأنه واحد من أبنائها، والتوتر الذي يوجد عند كثير من الناس في هذا الصدد إنما هو بسبب ضيق العطن، وقلة الصبر، وضعف القدرة على التوازن، وإعطاءِ كل ذي حق حقه، وقلة التدبرِ والنظرِ في عواقب الأمور.
وقلت له: إذا اقتنعت بذلك فلا يلزم أن تَطَّلعَ والدتك على كل صغيرة وكبيرة من ذلك.
اقتنع صاحبي بما قيل، وكان ذا سخاء، وطبعٍ كريم، وبرِّ بوالديه، وصلةٍ لأرحامه.
وقال: لم تخطر أكثر هذه المعاني في بالي من قبل.
وبعد انقطاع عنه قابلته، وأخذنا بأطراف الأحاديث، وكان منها حديث عن المسألة التي نحن بصددها، فقال: الحمد لله، لقد أصبحت علاقتنا على خير ما يرام، وبدأنا نشعر جميعاً بالراحة، والطمأنينة أنا وإخوتي ووالدي، وزوجته.
فقلت له: وكيف كان ذلك؟ فقال: لقد كنت في السابق جافياً، وكنت لا أدخل منزل أبي الثاني إلا نادراً، ولا آتي بشيء معي؛ فلما كان أحد الأيام _وهو يوم جمعة_ ذهبت إليهم، وسلمت عليهم، وحملت معي بعض الهدايا، ومن ضمنها شاة ذبحتها وقدمتها إليهم.
وصرت في كل جمعة آتي إليهم، وأسلم على زوجة أبي وإخوتي وأخواتي وأقول لهم: كل ما تحتاجونه فأخبروني، وصرت أرعاهم في مسألة ترفيههم، والخروج بهم من المنزل إلى استراحة لي، إلى غير ذلك مما هو داخل في هذا القبيل.
وبعد ذلك تغيرت نفوسهم نحوي؛ فصاروا يقابلونني بالبشر، والترحاب، والفرح، حتى إنني في يوم من الأيام دخلت منزل أبي الثاني فاستقبلتني زوجة أبي؛ فلما سلمت عليها أكَبَّت على يدي تريد تقبيلها، فنزعت يدي بسرعة، وبادرت إلى تقبيل يدها، وقلت: أنتِ صاحبة الحق، وأنت والدتي الثانية، وحقك كبير، والتقصير كثير؛ فأجهشت بالبكاء، وصارت تدعو لي دعاءً ألمس فيه الإخلاص والصدق؛ فزال عني ذلك التوتر، وصار بيتنا يشع بالحب، والسرور، وكنت أراعي ألا تعلم والدتي بكل ما يحصل؛ حتى أحافظ على مشاعرها، وإن كانت لا تمانع من ذلك.
وكان أحد إخوتي لأبي إذا رآني في السابق يشيح بوجهه عني؛ فصار يتلقاني، وينظر إلي من بُعْدٍ، ويستقبلني بطلاقة وفرح.
بل إن أثر ذلك عاد على والدي، حيث هدأت نفسه، وارتاح كثيراً مما يقلقه خصوصاً وأنه مصاب بعدد من الأمراض.
بل إن والدتي نالها نصيب من ذلك الخير، حيث صار والدي يتحنن عليها أكثر من ذي قبل؛ إذ قلَّ عتابه، وكثر حَدَبُه وبره بها.
ولا يكاد يمر يوم أو بعض يوم إلا ويكون بيني وبين زوجة أبي أو أحد إخواني لأبي اتصال، أو مكالمة، أو مشاورة.
وبعد ذلك صار ذلك الصاحب يذكر لي ما يستجد من تلك العلاقة التي صارت تزيد مع مرور الأيام وثاقة.
فهذه الحادثة والتي قبلها، وأمثالها كثير جداً _ تؤكد أن الحل _غالباً_ بيد الإنسان نفسه متى أراد ذلك _بعد توفيق الله_ وأن جزءاً كبيراً من المشكلة يكمن في الإنسان الذي يعرضها لا في غيره من أطرافها.
كما أن هذه الحوادث وأمثالَها تبيِّن أن الحل قريبٌ التناول في كثير من الأحيان خصوصاً إذا وجدت الرغبة في ذلك، وأن المشكلة إذا جاءت من طرف واحد، وأمكن حلها من طريقة فإن ذلك من أنجع الطرق.
أما تشعيب الأمور، وتخدير السائل، وتحميل الطرف الآخر المسؤولية دون اللقاء به _ فذلك قد لا يجدي نفعاً، ولا يطفئ لوعة، وإذا أتتك معضلة فاجعل جوابها منها، وترحَّم على الإمام أبي حنيفة لإطلاقه تلك المقولة الحكيمة.


27 ــ بُلي بي

جاء في سير أعلام النبلاء للحافظ الذهبي × 11/317 ما نصه: =قال عبدالله بن محمد الوراق: كنت في مجلس أحمد بن حنبل، فقال: من أين أقبلتم؟ قلنا: من مجلس أبي كريب، فقال: اكتبوا عنه؛ فإنه رجل صالح.
فقلنا: إنه يطعن عليك.
قال: فأي شيء حيلتي؟ شيخ صالح قد بلي بي+.
فهذا الخبر ينبي عن نفس عظيمة كبيرة ألا وهي نفس الإمام أحمد ابن حنبل × تلك النفس الصافية التي ترى الناس بمرآتها الصقيلة السالمة من الأكدار، على حد قول الراجز:
أما ترى الذَّبال في المصباح
وإن يكن بوسخ مُلطَّخا
إذا صفا يرضيك في استصباح
يَكْسِفُ نورُه لذلك الطخا
فهذه نفس الكريم
أحسنت ظنك يا كريم وهكذا
نفس الكريم تراك في مرآته
إنها أخلاق الكبار الذين يقولون بالحق وبه يعدلون، بخلاف غيرهم ممن إذا رضوا أعطوا من رضوا عنه فوق قدره، وإذا غضبوا سلبوه أدنى حقوقه؛ فهذا إمام أهل السنة الذي صار عَلامة بارزة في تاريخ الأمة، وصار حُبُّه دليلاً على السنة، وبغضه علامة على البدعة، وله من المناقب والفضائل والمواقف ما يطول ذكره، بل يكاد يكون محل إجماع عند الأمة في الصبر، والعلم، والعفة، والخلق، والزهد، والعبادة.
ومع ذلك لا يرى نفسه معياراً لديانة الناس، أو أن حبه وبغضه رمزٌ للولاء والبراء.
إنما يرى نفسه إنساناً من جملة المسلمين يحبه من يحبه، ويبغضه من يبغضه.



28 ــ ساعة الصفر
الحزم مع النفس صفة عظماء الرجال الذين يحترمون أنفسهم، ويتدبرون عواقب أمورهم، فهم ينجزون أعمالهم، ويَفُون بمواعيدهم، ولا يدعون للمفاجآت سبيلاً إليهم.
ولا ريب أن ذلك مظهر من مظاهر العظمة الحقة، التي تجعل نصيب صاحبها من الاحترام موفىً غير منقوص.
والذي يلاحظ على ثقافة كثير من مجتمعاتنا أنها لا تحسب حساباً للمستقبل، وإنما تنظر إلى يومها الحاضر فحسب.
والنظر إلى الحاضر، وجمع الهمة عليه أمر محمود، ولكن ذلك لا ينافي النظر إلى المستقبل، وأخذ الأهبة لما سيأتي من أمور.
ولا أريد ههنا أن أسترسل في هذا الشأن، وإنما أود الإشارة إلى أمر يقع فيه فئام منا؛ حيث يؤجلون كثيراً من أعمالهم التي تنتظر الحسم؛ فإذا جاءت ساعة الصفر، وقرب الموعد الذي لا بد فيه من إنجاز العمل _ صاروا يخبطون خبط العشواء، ويوقعون أنفسهم في حرج شديد، وربما أخفقوا أو قصروا في إنجاز ذلك العمل.
والسبب أنهم فرطوا في أوقات السعة؛ فكانت تلك هي النتيجةَ الحتميةَ.
وأمثلة ذلك في حياتنا اليومية كثيرة جداً، ومنها ما يحدث عند بعض الطلاب، فتراه طيلة وقت الدراسة يمرح ويؤجل، ويُسَوِّف في المذاكرةِ، وكتابة الأبحاثِ المطلوبة منه.
فإذا قرب وقت الامتحان استنفر قواه، وأجهد نفسه، وربما كان ذلك على حساب صحته، وتحصيله.
بل إنك لتعجب من الطلاب حين تراهم قبل الامتحان بدقائق وهم أمام قاعة الامتحان لا يكاد أحدهم يرفع طرفه من كتابه؛ رغبةً في اغتنام ما بقي من وقت، ولا يكاد يدخل القاعة إلا بعد التي واللُّتَيَّا.
ولو أنه استعد قبل ذلك لكان خيراً له، وأحسن تأويلاً.
ومما هو داخل في ذلك القبيل ما تجده عند بعض الأساتذة؛ حيث يؤجل كتابة أسئلة الامتحان حتى إذا لم يبقَ إلا القليل كتبها على عجل، وربما كان ذلك على حساب الطلاب.
وبعضهم تكون عنده مناقشة رسالة علمية، فتمكث عنده شهوراً عديدة دون مسوِّغ، فإذا قرُب وقت المناقشة لم يبقَ عنده وقت لقراءة الرسالة، وربما أتى خاليَ الوفاض من الملحوظات؛ فكان ذلك على حساب الطالب المناقَش، وربما عوَّض الأستاذ ذلك النقص بملحوظات لا قيمة لها، أو برفع الصوت على الطالب المناقَش، فيُعَرِّض الأستاذُ نفسَه للذم واللوم.
ومن الأمثلة على ذلك ما يكون في أيام المواسم كالأعياد مثلاً؛ فتجد أكثر الناس لا يستعد للعيد قبل مجيئه بأيام ولو كانت قلائل، بل تراه يؤجل، حتى إذا جاءت ساعة الصفر، ولم يبق على العيد إلا ساعات دخل في معترك السوق، ولقي الأَمَرَّين من جراء الزحام الشديد، وربما لم يحصل على جميع ما يريد.
ومن هذا القبيل ما يكون من حاجيات الأولاد، وطلباتهم، فقد تُفَاجأ بابنك إذا أردت إنزاله عند باب المدرسة وهو يعطيك تقريره الدراسي يريد منك الاطلاع عليه، وكتابة توقيعك.
وقد تأتي إلى المنزل في ساعة متأخرة من الليل، فيقال لك: إن حليب الطفل قد انتهى، ولا بد من إحضاره في هذه الساعة.
وقل مثل ذلك في شأن مواعيد المطارات، والولائم، وتسليم البحوث الطلابية، ومراجعة الدوائر الحكومية، وبداية الموسم الدراسي، وما جرى مجرى تلك الأمور.
وكذلك ما يكون من حال كثير من الموظفين في المؤسسات الحكومية وغيرها؛ حيث التأخر عن الدوام، وتعطيل المصالح العامة، وما سبب ذلك في الغالب إلا التكاسل، والرغبة في كسب دقائق للنوم والراحة؛ فإذا جاءت ساعة الصفر هبَّ الموظف كالمذعور، وربما خرج دون تناول إفطاره إذا كان الوقت صباحاً، أو يتناوله على عجل، وربما سار بسرعة جنونية، وربما تجاوز إشارات المرور الحمراء؛ فَيَصِلُ وهو ثائر النفس، مشدود الأعصاب، فيَلْقى ما يَلْقى من اللوم، أو الحسم، أو النظرات الشَّزِرَة.
وهكذا الحال بالنسبة للصحة، حيث تجد كثيراً منَّا يفرط في صحته، ويدع المبادرة للعلاج؛ كسلاً، وتهاوناً؛ فإذا ساءت صحته دفعَ الثمن أضعافاً مضاعفة من وقته وماله.
ولأضرب لذلك مثالاً واحداً ألا وهو موضوع الأسنان، فالواحد منَّا يدعُ المبادرة لعلاجها، حتى إذا تهالكت راجع الطبيب بعد أن يفوت الأوان.
والأدهى في هذا الباب ما يكون في شأن الفرائض؛ حيث يُلحظ على كثير منا تماديه في الشغل أو النوم حتى إذا قَرُب وقت الصلاة _مثلاً_ نهض بسرعة، وعجَّل في الوضوء، وربما أخلَّ به، فلا يأتي الصلاة إلا وقد فاته ركعة أو ركعات، وربما فاتته الصلاة، بل ربما خرج وقت الصلاة ولمَّا يؤدِّها بَعْدُ.
وهكذا الحال بالنسبة للصيام حتى إنك لتجد من يتشاغل بالكلام، أو النوم، أو بعض الأعمال، حتى إذا قرب وقت الإمساك_ صار يأكل ويشرب بسرعة قد تُضِرُّ بصحته، وربما طلع الفجر ولمَّا يتسحرْ بَعْدُ.
ولا يعني ما مضى أن يكون المرء كالآلة، أو ألا يقع منه الخلل أو التقصير البتة. وإنما المقصود ألا يكون الخلل، والكسل، والتواني _ دَأْبَه في سائر أحواله وأيامه.
وهذا ما يؤكد لنا ضرورة المعالجة لمثل هذه الأمور، وأن نُعَوِّد أنفسنا ومن تحت أيدينا على البعد عن المضايق، والتصرف في أوقات السعة، وأن نشيع في بيوتنا، ومدارسنا، ومجتمعاتنا عموماً ثقافةَ الحزمِ، والمبادرةِ، واحترامِ المواعيد، وإنجاز الأعمال في أوقاتها.


29 ــ العدوى

العدوى في اصطلاح الأطباء: هي انتقال مرض من مصاب به إلى شخص آخر سليم.
وهناك أمراض مصنفة في قبيل الأمراض المُعْدِية، بل بعضها يُحرص فيه على عزل المصاب بها عزلاً تاماً؛ لئلا يُعْدِيَ غيره؛ لكون تلك الأدواءِ سريعةَ العدوى، شديدَة الأثر.
والكلام ههنا ليس عن ذلك النوع من العدوى، وإنما هو عن نوع آخر، ألا وهو عدوى الأخلاق؛ فالأخلاق تُعدي، وتنتقل، وتَسري سريانَ النارِ في الهشيم بمجرد الملابسة، والمجالسة، والقرب، والإعجاب.
فإذا كانت أخلاقاً مرذولة كان أثرها على مَنْ يَقْرُبُ مِنْ أصحابها وشيكاً، والعكس؛ فمجالسة السِّفَل، والثقلاء، والبخلاء، والكسالى، والعابسين، وقليلي المروءة، وما جرى مجرى تلك الطباع _ تورث التشبهَ بأصحابها، وتَمَثُّلَها ولو على المدى البعيد.
قال الحكيم العربي:
ولا ينفع الجرباءَ قربُ صحيحة
إليها ولكنَّ الصحيحةَ تَجْرُبُ
ومجالسة الأكابر، وذوي النفوس الطيبة، والمروءات العالية _ تورث تلك الطباع.
قال بشار بن برد في مدح خالد بن بَرْمَك:
لمست بكفي كفه أبتغي الغنى
فلا أنا منه ما أفاد ذوو الغنى
ولم أَدْرِ أن الجودَ مِنْ كَفِّه يُعدي
أَفَدْتُ وأعداني فَأَتْلَفْتُ ما عندي
وقال أبو تمام:
ولو لم يَزِعْني عنك غيرَك وازعٌ
لأعديتني بالحلم إن العلا تعدي
ولهذا فإنه يحسن بمن بُلي بمعاشرة من لا بد له من معاشرته ممن لا تُرتضى طرائقهم_ أن يحترس غاية الاحتراس من سريان أخلاقهم إليه، فللصحبة أثرها البالغ في سلوك المرء، فالصاحب ساحب، والطبع استراق، فمن جالس الأشرار وعاشرهم فلا بد أن يتأثر بهم، ويقبس من أخلاقهم؛ فمجالستهم تنساق بصاحبها إلى الحضيض، فكلما همَّ بالنهوض والتحلي بمكارم الأخلاق، والتخلي عن مساوئها_ عَوَّقُوهُ، وثنوه، فعاد إلى غيِّه، واستمر على جهله وسفهه.
وإذا وفِّق بصحبةِ مَنْ هم على الطريقة المثلى في الفضائل والمكارم_ فليحرص على سبر أحوالهم، والاقتداء بهم، والسير على منوالهم.
فإذا اختلف المرء إلى هؤلاء، وأكثر من لقائهم وزيارتهم _ولو لم يصاحبهم باستمرار_ تَخَلَّقَ بأخلاقهم، وقبس من سمتهم ودَلِّهم.
يُروى أن الأحنف بن قيس× قال: =كنا نختلف إلى قيس بن عاصم نتعلم منه الحلم كما نتعلم الفقه+.
ولا يلزم أن يكون هؤلاء الذين يُخْتَلفُ إليهم من أهل العلم، بل قد يوجد من العوام من جُبل على كريم الخلال وحميد الخصال.
قال ابن حزم×: =وقد رأيت من غمار العامة من يجري في الاعتدال وحميد الأخلاق إلى ما لا يتقدمه فيه حكيم عالم رائض لنفسه، ولكنه قليلٌ جداً+.



30 ــ اكْسُ ألفاظَك

جاء في كتاب فتح المغيث للسخاوي × 1/371 ما نصه: =روينا عن المزني قال: سمعني الشافعي يوماً وأنا أقول: فلان كذاب.
فقال: يا أبا إبراهيم! اكْسُ ألفاظَك أَحْسَنَها، لا تقل: فلان كذاب، ولكن قل: حديثه ليس بشيء+.
ففي هذا الخبر يرشد الإمامُ الحَبْر الشافعيُّ × إلى مسألة في الذوق في الكلام، ويلفت الأنظار إلى أن يُلْبِس الإنسانُ ألفاظَه أحسنَ الألبسة، فيصوغَها بأسلوب رائع يجعلها خفيفةً على السمع، سهلة النفوذ إلى القلب؛ فقد يكون المعنى المراد إيصاله واحداً، ويكون ما بين تعبير وتعبير كما بين ذات الرَّجْع وذات الصدع.
فقد تكون المعاني حاضرةً في نفس المتكلم؛ فإذا عرضها في أسلوب بَاهِتٍ أو مُنَفِّرٍ لم تَلْقَ القبول، بخلاف ما إذا عرضها في أسلوب بارع؛ فإنها حينئذٍ تقع مَوْقع الإعجاب، حتى لكأنها معانٍ جديدةٌ لم يسبق للسامع لها سابقُ علمٍ بها.
ومن كان كذلك حاز المكانةَ العَلِيَّةَ، وصار له المحلُ الأرفعُ في القلوب.
جاء في كتب السير أن زبيدةَ لامت زوجها الرشيد على حُبِّه المأمونَ دون ولدها الأمين؛ فقال لها: الآن أريك عذري، فدعا ولدها الأمين _وكانت عند الرشيد مساويك_ فقال له: يا محمد ما هذه؟ فقال: مساويك.
ودعا المأمون، وقال له: ما هذه يا عبدالله؟ فقال: ضد محاسنك يا أمير المؤمنين.
فقالت زبيدة: الآن بان لي عُذرك!
وتعني بذلك أنها عرفت سبب تفضيل الرشيد للمأمون على الأمين، وأن سبب ذلك ما كان عليه المأمون من ذوق، وحسن تلطف، وجمال عبارة، على حين أن الأمين لم يكن كذلك.
ثم إن نفراً من الناس يستهويهم رونق الألفاظ أكثر من حكمة معانيها، فلا ينبغي أن يُسْتخفَّ بهؤلاء، وأن يُتركوا لعصبة المضلين يَعْرِضُون عليهم الآراءَ المنحدرةَ في شقاء.
ومما يدخل في هذا القبيل نزاهةُ اللسانِ، وذلك بتجنيبه الفحشَ، والبذاءةَ، وساقط القول.
فعن ابن مسعود ( قال: قال رسول الله ?: =ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان، ولا الفاحش البذيء+.
قال النووي ×: =ومما ينهى عنه الفحش، وبذاءةُ اللسان، والأحاديث الصحيحة فيه كثيرة ومعروفة.
ومعناه: التعبير عن الأمور المستقبحة بعبارة صريحة، وإن كانت صحيحة، والمتكلم بها صادقاً.
وينبغي أن يُستعمل في ذلك الكناياتُ، ويعبرَ عنها بعبارة جميلة يفهم بها الغرض. وبهذا جاء القرآن العزيز، والسنن الصحيحة المكرمة.
قال _تعالى_: ? ? ? ? ? ? ? ? ? [البقرة: ???].
وقال _تعالى_: ?? ? ? ? ? ? ?? [النساء: ??].
وقال _تعالى_: ? ? ? ? ? ? ? ? [البقرة: ???].
والآيات، والأحاديث الصحيحة في ذلك كثيرة.
قال العلماء: فينبغي أن يُستعمل في هذا وما أشبهه من العبارات التي يُستحيا من ذكرها بصريح اسمها _ الكناياتُ المُفْهِمةُ؛ فيكنِّيَ عن جماع المرأة بالإفضاء، والدخول، والمعاشرة، والوقاع، ونحوها+.
وقال النووي ×: =وكذلك يكنِّي عن البول والتغوط بقضاء الحاجة، والذهاب إلى الخلاء، ولا يصرح بالخراءة، والبول، ونحوهما.
وكذلك ذكر العيوب، كالبرص، والبَخَر، والصنان، وغيرها يُعبَّر عنها بعبارات جميلة يفهم منها الغرض.
ويلحق بما ذكر من الأمثلة سواه+.
قال القاسمي ×: =إياك، وما يستقبح من الكلام؛ فإنه ينفِّر عنك الكرام، ويؤثِّب عليك اللئام+ ا_هـ.
ومما يَدْخُل في ذلك ما كان مستنكر الظاهر، وإن كان معناه سليماً بعد تدقيق النظر فيه.
قال الماوردي ×: =وما يجري مجرى فحش القول، وهُجرْه، ولزوم تنكبِّه_ ما كان شنيع البديهة، ومستنكر الظاهر، وإن كان عقبَ التأمل سليماً، وبعد الكشف، والرَّوية مستقيماً+.
ومما تجدر الإشارة إليه أنه لا ينبغي التصريح بالعبارات المستكرهة صراحة مالم تدع الحاجة _كما مر_.
أما إذا دعت الحاجة إلى ذلك فلا بأس به، بل هو المتعيِّن؛ فإن تحصيل الإفهام في هذا أولى من مراعاة الأدب.
ومما يحسن التنبيه عليه في هذا الصدد أنه لا يكفي أن تكون المعلومة صحيحةً، وأن يكون قائلها صادقاً صريحاً.
بل لابد _مع ذلك_ أن تكون عبارته لطيفةً، خفيفةَ الوقع على القلوب؛ فليس من شرط الصراحةِ الصفاقةُ، ولا من شرط اللطافةِ النفاقُ؛ فقد يكون المرء صريحاً لطيفاً في حدود اللباقة واللياقة بعيداً عن الإسفاف، والنفاق، والصفاقة _كما في وصية الإمام الشافعي الآنفة لتلميذه المزني_.
ولهذا كانت عبارات الإمام البخاري في الجرح والتعديل على درجة عالية من الأدب، وسمو العبارة مع أن كتابه أصح كتاب بعد كتاب الله _عز وجل_.
فلقد كانت عباراته مضرب المثل في السمو والأدب، كقوله في المجروح: فيه نظر، تركوه، سكتوا عنه، ونحو ذلك.
وبهذا يتبين لنا أهميةُ جمال العبارة، وذوقِها، وخَطأُ مَنْ يتوهم أنه إذا كان صريحاً فلا بأس عليه أن يُلبِس عباراته أيَّ ثوب شاء.


31 ــ الاجــــترار

الاجترار من خصائص بعض الدواب؛ فهي التي تأكل الطعام، ثم تجتره بعد فترة.
أما الآدمي فإنه يأكل مقدار ما يشبعه، ثم إذا احتاج إلى الطعام أكل مرة أخرى، وهكذا دون أن يجتر الطعام؛ إذ إن ذلك ليس من خصائصه، ولم يُوْدَعْ فيه تلك الغريزة.
ولكنه يجتر اجتراراً من نوع آخر، ألا وهو الاجترار الذهني.
والناس في ذلك طبقات؛ فمنهم من يعود عليه اجتراره بالضرر، ومنهم من يعود عليه بالنفع.
فهناك من هو مولع باجترار المآسي، والأخطاء، والمصائب، والأحداث الأليمة؛ فتراه دائماً يكررها على نفسه، وعلى من حوله.
فإذا حدثت له _على سبيل المثال_ مشكلة ثم انتهت بحل من الحلول، وأغلق بابها_ لم يكتفِ بذلك، بل تراه دائم التذكير بها خصوصاً إذا حدثت مشكلة أخرى.
واللائق بمثل هذه الأحوال أن إذا حدثت مشكلة جديدة أن يُسْعى في حلها بعيداً عن أجواء المشكلة الأولى؛ حتى تهدأ النفوس، وتتهيأ لقبول الحلول طالما أن المشكلة الجديدة ليس لها ارتباط بالأولى.
بل اللائق أن يُبْتعد عن كل ما يكدر الصفو من العتاب القاسي، أو المنة في العفو إذا حصل؛ كما قال الله _عز وجل_: ?? ? ? ? [الحجر: ??].
والصفح الجميل: هو الصفح بلا عتاب؛ فهذا يوسف _عليه السلام_ لمَّا مَكَّنَهُ الله في الأرض، وأذعن له إخوته، واعترفوا بخطئهم، ورأوا كيف آثره الله عليهم _ لم يجترَّ المآسيَ الأولى، وإنما أشار إلى مصائبه السابقة _من الإلقاء في الجب، ومشاهدة مكر إخوته_ بقوله: ? ? ? ? ? ? ? ? ?? [يوسف: ???].
فكلمة ? ?? اقتضت _كما يقول العلامة ابن عاشور_ أن ذلك شيء انقضى أثره، وقد ألمَّ به إجمالاً؛ اقتصاراً على شكر النعمة، وإعراضاً عن التذكير بتلك الحوادث المُكَدِّرة للصلة بينه وبين إخوته؛ فَمَرَّ بها مرور الكرام، وباعَدَها عنهم بقدر الإمكان؛ إذ ناطها بنزغ الشيطان.
ومن أنواع الاجترار المُضرِّ تذكُّرُ الإخفاقات؛ فمن الناس مَنْ إذا همَّ بعمل تَذَكَّر أنه قد أخفق في يوم من الأيام في كذا وكذا، فتنصرف نفسه، وتفتر همته عن المضي قدماً في ذلك السبيل؛ خوفاً من الإخفاق.
ومن ذلك تذكُّر الإنسانِ المصائبَ التي حلت به، فتراه يكثر من تردادها على ذهنه؛ فكلما هَمَّ بفرح هجمت عليه تلك الخواطر الرديئة هجوم الليل إذا يغشى؛ فما تلبث أن تقلب سروره إلى جحيم مُلْهِبٍ، على حد قول القائل:
أحب ليالي الهجر لا فرحاً بها
وأكره أيام الوصال لأنني
عسى الدهر يأتي بعدها بوصال
أرى كل وصل محكماً بزوال
ومن هذا القبيلِ المبالغةُ في اجترار بعض صور النجاح؛ فقد يقدر لبعض الناس أن ينجح في عمل ما، فتراه يُكثر من ذكر ذلك النجاح بمناسبة وبغير مناسبة، إما استعلاءً على الحاضرين، أو تفاخراً بذلك، أو اكتفاءً به عن السعي لنجاحات أخرى، أو تسويغاً لإخفاقات حصلت له.
وقد يُغتفر للإنسان أن يستدعي نجاحاته إذا هُضم، أو نيل منه، أو صُدِعَت قناةُ عزته، أو نحو ذلك من الاعتبارات الصحيحة؛ فلا بأس حينئذٍ أن يذكر شيئاً مما يرفع من قدره، ويعيد إليه قيمته وثقته بنفسه.
ويغتفر _له ذلك_ إذا وجد مَنْ يُثَبِّطه عن عمل من الأعمال؛ أو وجد من نفسه إحباطاً وتثاقلاً عن الإقدام؛ خوف الإخفاق؛ فلا بأس _والحالة هذه_ أن يتذكر أو يذكر بعض نجاحاته؛ ليقوده ذلك إلى الإقدام، ويمنعه من التردد والإحجام.
ومن أنواع الاجترار اجترار الإحسان إلى الناس؛ إما على سبيل الفخر، أو على سبيل المنة؛ فذلك مذموم ممقوت وربما يكون محبطاً للعمل.
وقد لا يلام الإنسان على ذلك، إذا كان وراء ذلك مصلحة كاستنهاض الهمم دون ذكر الأسماء، أو لم يكن هناك ضرر كالإخبار المحض.
أما خلاف ذلك فإنه يحسن بالإنسان تجنبُ المنة، ونسيانُ إحسانه إلى الناس.
ومن أنواع الاجترار اجترارُ معايب الناس، وتذكر أخطائهم، وتعييرهم بذلك، إلى غير ذلك من صور الاجترار المثبطة عن العمل، الجالبة للهم، المفرقة للقلوب، المورثة للبطالة واليأس.
والمقصود _ههنا_ التمثيلُ لا الحصر، والتنبيهُ على تلك الظاهرة التي تنال نيلها من فئام من الناس.



32 ــ التعامل الأمثل مع الخطأ
الخطأ طبيعة البشر، والإخفاق سبيل النجاح، واعتقاد السلامة من ذلك نوع من الخيال، أو ضرب من الخبال.
والذي يظن أنه لن يخطئ، أو يرغب في التعامل مع مَنْ لا يخطئ_ فخير له أن يبحث عن كوكب يعيش فيه غير الأرض، أو أن يفتش عن خَلْقٍ يعيش بين ظهرانيهم غير البشرِ، كحال الذي يقول:
عوى الذئب فاستأنست بالذئب إذ عوى
يرى اللهُ أني للأنيس لكارهٌ
وصوَّت إنسان فَكِدْتُ أطير
وتُبغِضُهم لي مُقلةٌ وضمير(20)
وكحال الشنفرى الذي يقول في لاميته المشهورة بـ (لامية العرب):
ولي دونكم أهلون سِيْدٌ عَمَلَّسٌ
أولئك لا مستودع السر ذائع
وأرقط زهلول وعَرْفَاءُ جيألُ
لديهم ولا الجاني بما جرَّ يُخْذَلُ(21)
فليست المشكلة _إذاً_ أن يقع الخطأ؛ فذلك أمر لا بد منه.
وإنما المشكلة في الإصرار على الخطأ، وسوء التعامل معه؛ فكم من الناس من يغسل يديه من فلان أو فلان بمجرد وقوعه في خطأ ما، أو اجتهاد غير صائب.
وكم من الناس من يهجر إخوانه، وأصحابه، وخلطاءه _ عند أدنى هفوة أو زلة، فلا يقبل منه بعد ذلك عذراً، بل ربما عيَّره بذلك.
وكم من المسؤولين في كثير من القطاعات الخاصة والعامة من يفقد الثقة بمن تحت يده إذا وقع بأي خطأ، ولو كان عن غير قصد.
ولست بمستبقٍ أخاً لا تُلِمُّه
على شعثٍ أيُّ الرجالِ المهذبُ
إلى غير ذلك من تلك السلسلة الطويلة التي تبدأ، ولا تكاد تنتهي.
ولا ريب أن ذلك المسلك ليس بسديد ولا رشيد؛ إذ الحكمة، والعقل، والواقعية _ كل أولئك يقتضي حسن التعامل مع الخطأ، والسعي الحثيث في إصلاحه دون وكس ولا شطط.
ومن رام غير ذلك فقد رام المستحيل، ولن يبقى له أحد غير نفسه التي بين جنبيه.
ومن ذا الذي تُرْضَى سجاياه كلها كفى المرء نبلاً أن تُعَدَّ معايبُه
ثم إن الخطأ ليس على وتيرة واحدة؛ فقد يكون يسيراً، وقد يكون أول مرة، وقد يكون كبيراً، وقد يكون متكرراً؛ فالموقف من الخطأ _إذاً_ لا ينبغي أن يكون واحداً، بل يراعى في ذلك حال المخطئ، وشخصه، وزمانه، ومكانه.
والخطأ _أيضاً_ يُعَالَجُ، ولا يُتْرَكُ، ولكن لا يغفل عن مراعاة ما مرَّ ذكره.
وإذا أخطأ إنسان فلا يعني ذلك صرمَه، وردَّ صوابه، واعتقادَ أنه غيرُ صالحٍ لشيء بعد ذلك.
هذا وإن السيرة النبوية حافلة بما يناسب هذا المقام، فلقد كان النبي _عليه الصلاة والسلام_ يقف على بعض أخطاء أصحابه، فيعالجها بما يلائمها، ولكنه لا يقف كثيراً عند الخطأ، بل يكتفي بإيضاحه وإصلاحه، ثم يمضي لشأنه، ويستأنف أمره مع من أخطأ، دون زهد به، أو تعييره بخطئه، أو اجترار مواقفه السابقة التي يسوؤه تَذَكُّرُها.
والأمثلة على ذلك كثيرة جداً.
ومن أجلاها ما كان من شأنه _عليه الصلاة والسلام_ مع الصحابي الجليل أسامة بن زيد (.
وقبل الدخول في ذلك يحسن الإشارة إلى أن النبي ? لما توفي كان عُمُر أسامة ابن زيد سبعةَ عشر عاماً.
وإليك شيئاً من تلك المواقف النبوية مع أسامة، مما يؤكد ما ذُكِر آنفاً.
جاء في الصحيحين عن أسامة بن زيد _رضي الله عنهما_ قال: بعثنا رسول الله"في سرية, فَصَبَّحْنا الحُرُقات من جهينة، فصبحنا القوم، فهزمناهم، ولَحِقْتُ أنا ورجل من الأنصار رجلاً منهم، فلما غشيناه قال: لا إله إلا الله، فكف عنه الأنصاري، وطعنته برمحي؛ حتى قتلته، قال: فلما قدمنا بلغ ذلك النبي" فقال لي: =يا أسامة أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله؟+.
قال: قلت: يا رسول الله إنما كان متعوذاً.
قال: فقال: =أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله؟+ قال: فما زال يكررها علي؛ حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم.
فهذا الحوار الحازم الذي استدعاه المقام، لم يكن سبباً في إهدار قيمة أسامة ( بل أنصفه النبي" وعدل معه؛ حيث أنكر صنيعه، ولم يرض عن فعله، مع أنه صدر من حِبِّه وابن حِبِّه.
ومع هذا لم يكن ذلك الخطأ ذريعة للزهد بأسامة، والحذر من توليته أمراً من الأمور؛ فالنبي" إنما تبرأ من الفعل، ولكنه لم يبرأ من أسامة، ولم يُفْقِدْه ثقته بنفسه، بل بقي _كما هو_ حِبَّه، وابنَ حِبِّه، وكان يُستشفع به عنده" كما في حديث المخزومية التي سرقت، فقد جاء في الصحيحين عن عائشة _رضي الله عنها_ أن قريشاً أهمتهم المرأة المخزومية التي سرقت؛ فقالوا: ومن يكلم رسول الله" ومن يتجرأ عليه إلا أسامة حِبُّ رسول الله".
فكلم رسول الله" فقال: =أتشفع في حدٍّ من حدود الله؟+.
ثم قام فخطب، قال: =يا أيها الناس! إنما أضل من قبلكم أنهم إذا سرق الشريف تركوه، وإذا سرق الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها+.
والأعجب من ذلك أنه" كان يستشير أسامة كما في حديث قصة الإفك، وفيه: قالت _أي عائشة رضي الله عنها_: =فدعا رسول الله" عليَّ بن أبي طالب، وأسامة بن زيد _رضي الله عنهما_ حين استلبث الوحي يستأمرهما في فراق أهله.
قالت: فأما أسامة فأشار على رسول الله" بالذي يعلم من براءة أهله، وبالذي لهم في نفسه من الود، فقال: يا رسول الله! أَهْلَك، ولا نعلم إلا خيراً+ الحديث رواه البخاري.
بل كان _عليه الصلاة والسلام_ يردفه على الراحلة، حيث كان رديفه في حجة الوداع؛ فقد جاء في صحيح مسلم عن أسامة بن زيد أنه كان رديف النبي" حين أفاض من عرفة؛ فلما جاء الشِّعب أناخ راحلته، ثم ذهب إلى الغائط، فلما رجع صببت عليه من الإداوة، فتوضأ، ثم ركب، ثم أتى المزدلفة، فجمع بين المغرب والعشاء+.
وفيه عن ابن عباس _رضي الله عنهما_ أن رسول الله" أفاض من عرفة، وأسامةُ رِدْفُه.
فانظر إلى هذا الحب، وتلك الحفاوة من معلم الخير، وإمام الأمة.
بل إنه _عليه الصلاة والسلام_ أمَّر في آخر عمره أسامة على الجيش الذي كان فيه أكابر الصحابة _رضي الله عنهم_.
فقد جاء في الصحيحين عن عبدالله بن عمر _رضي الله عنهما_: أن رسول الله" بعث بعثاً, وأَمَّر عليهم أسامة بن زيد ( فطعن الناس في إمارته فقام رسول الله" فقال: =إن تطعنوا في إمارته فقد كنتم تطعنون في إمارة أبيه من قبل، وايم الله إن كان لخليقاً للإمارة، وإن كان لمن أحب الناس إلي، وإن هذا لمن أحب الناس إلي بعده+.
وهذا غاية ما يكون من الإنصاف، والعدل مع المخطئ.
فهذه السيرة النبوية مع ذلك الصحابي الجليل جديرة بالتأمل، واستلهام العبر.
وإن من عبرها أنها ترشد العالم، والمربي، والوالد، والرئيس إلى أن يحسن تربية من تحت يده خصوصاً حال صدور الخطأ؛ إذ يلاحظ أن كثيراً من الناس يزهدون بمن يخطئ أيَّ خطأ، وربما فقدوا الثقة به مطلقاً، وربما عَيَّروه بذلك الخطأ، وكأنهم بذلك يريدون التعامل مع ملائكة لا بشر.
فهذه السيرة ترشد إلى أن الخطأ يُنْكَرُ، ويصحح، ويعالج.
ولكن لا ينبغي أن يكون ذلك حاملاً على ترك صاحبه، أو تعييره به؛ إذ إن ذلك يجعلنا نخسر طاقات كثيرة يمكنها معالجة أخطائها، والإفادة منها مستقبلاً، كحال أسامة الذي أصبح فيما بعد من خيار الصحابة، بل كان من أشدهم ثباتاً حال الفتن.
وإنما كان كذلك _بعد توفيق الله_ بسبب تلك التربية النبوية الحازمة الرحيمة.
بل إن الشأن في قصة حاطب بن أبي بلتعة أعظم من ذلك؛ فقد جاء في الصحيحين عن علي بن أبي طالب ( قال: =بعثني رسول الله" وأبا مرثد الغنوي، والزبير بن العوام وكلنا فارس قال: =انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخٍ؛ فإن بها امرأةً من المشركين معها كتاب من حاطب بن أبي بلتعة إلى المشركين+.
فأدركناها تسير على بعير لها _حيث قال رسول الله"_ فقلنا: الكتاب، فقالت: ما معنا كتاب، فأنخناها، فالتمسنا، فلم نر كتاباً، فقلنا: ما كذب رسول الله" لَتُخْرِجِنَّ الكتاب، أو لَنُجَرِّدَنَّكِ، فلما رأت الجد أهوت إلى حجزتها _وهي محتجزة بكساء_ فأخرجته، فانطلقنا بها إلى رسول الله" فقال عمر: يا رسول الله قد خان الله ورسوله والمؤمنين؛ فدعني فلأضربْ عنقه.
فقال النبي": =ما حملك على ما صنعت+.
قال حاطب: والله ما بي أن لا أكون مؤمناً بالله ورسوله" أردت أن يكون لي عند القوم يدٌ يدفع الله بها عن أهلي، ومالي، وليس أحد من أصحابك إلا له هناك من عشيرته من يدفع الله به عن أهله، وماله.
فقال النبي": =صدق، ولا تقولوا له إلا خيراً+.
فقال عمر: إنه قد خان الله، ورسوله، والمؤمنين، فدعني فلأضرب عنقه.
فقال: =أليس من أهل بدر؟+ فقال: =لعل الله اطلع إلى أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد وجبت لكم الجنة، أو فقد غفرت لكم+.
فدمعت عينا عمر، وقال: الله ورسوله أعلم.
ولمسلم في روايته يقول _أي علي(_: بعثنا رسول الله أنا والزبير والمقداد، فقال: =ائتوا روضة خاخ؛ فإن بها ظعينةً معها كتاب، فخذوه منها+.
فانطلقنا تَعادَى بنا خيلُنا، فإذا نحن بالمرأة، فقلنا: أخرجي الكتاب، فقالت: ما معي كتاب فقلنا: لتخرجن الكتاب أو لتلقين الثياب، فأخرجته من عقاصها، فأتينا به رسول الله" فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة إلى ناس من المشركين من أهل مكة، يخبرهم ببعض أمر رسول الله" فقال رسول الله": =يا حاطب ما هذا؟!+.
قال: لا تعجل عليَّ يا رسول الله؛ إني كنت امْرَأً ملصقاً في قريش _قال سفيان: كان حليفاً لهم ولم يكن من أَنْفَسِهَا_ وكان ممن كان معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها أهليهم، فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم أن أتخذ فيهم يداً يحمون بها قرابتي، ولم أفعله كفراً، ولا ارتداداً عن ديني، ولا رضاً بالكفر بعد الإسلام، فقال النبي": =صدق+.
فقال عمر: دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق، فقال": =إنه قد شهد بدراً، وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم+.
فأنزل الله _عز وجل_: ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? [الممتحنة: ?].
فهذا حديث عظيم، يشتمل على غرر من العلم، ودرر مما نحن بصدده.
والشاهد ههنا قوله _عليه الصلاة والسلام_: =ما حملك على ما صنعت؟+.
وفي الرواية الأخرى: =يا حاطب؛ ما هذا؟+.
ففي هذا الحديث العظيم بيان لشأن التثبت؛ فالنبي" لم يعجل بالحكم على حاطب حتى استدعاه، وحاوره، وسأله، وتثبت من وقوع الحدث، وصحة الخبر؛ ففي هذه الحادثة تم التثبت عن طريق أوثق المصادر ألا وهو الوحي، والمرحلة الثانية هي مرحلة التثبت عن الأسباب التي دفعت إلى ارتكاب الخطأ.
ثم بعد أن تأكد _عليه الصلاة والسلام_ من وقوع الخطأ قَبِلَ عذر حاطب، وأحسن الظن به، وتذكر أحسن مناقبه، ألا وهي شهوده بدراً؛ فلم ينسَ سابقته، وقدم صدقه في الإسلام.
وقريب من المثالين السابقين ما كان من شأنه _عليه الصلاة والسلام_ مع معاذ بن جبل( فقد جاء في الصحيحين عن جابر بن عبدالله ( قال: =كان معاذ ابن جبل يصلي مع النبي" ثم يرجع فيؤم قومه، فصلى ليلة مع النبي" العشاء، ثم أتى قومه فأمَّهم، فافتتح بسورة البقرة، فانحرف رجل، فسلَّم، ثم صلى وحده، وانصرف، فقالوا له: أنافقت يا فلان؟ قال: لا، والله لآتين رسول الله" فلأخبرنه، فأتى رسول الله" فقال: يا رسول الله إنَّا أصحاب نواضح نعمل بالنهار، وإن معاذاً صلى معك العشاء، ثم أتى فافتتح بسورة البقرة، فأقبل رسول الله" على معاذ فقال: =يا معاذ! أفتان أنت! اقرأ بكذا، واقرأ بكذا+.
وفي رواية: =يا معاذ! أفتان أنت _ثلاثاً_ اقرأ: =والشمس وضحاها+ و=سبح اسم ربك الأعلى، ونحوهما+.
وفي رواية: =فتان، فتان، فتان+ ثلاث مرار أو قال: =فاتناً، فاتناً، فاتناً+.
فهذا حوار فيه شيء من الشدة والحزم الذي استدعاه المقام.
ومع ذلك لم ينس _عليه الصلاة والسلام_ سابقةَ معاذٍ، ولا فضله، ولا علمه، ولم يكن ذلك وسيلة إلى الإعراض عنه، والزهد فيه، بل إن الأمر انتهى ساعة نهاية الحوار.
وبعدها أقبل _عليه الصلاة والسلام_ على معاذ، ولم يصرم حبال الودِّ معه، ولم يدع تخصيصه ببعض العلم، كما جاء في الصحيحين عن معاذ ( قال: =كنت ردف النبي" على حمار يقال له: عفير فقال: يا معاذ هل تدري حق الله على عباده، وما حق العباد على الله، قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإن حق الله على العباد أن يعبدوه، ولا يشركوا به شيئاً، وحق العباد على الله، أن لا يعذب من لا يشرك به شيئاً، فقلت: يا رسول الله أفلا أبشر به الناس، قال: لا تبشرهم فيتكلوا+.
فانظر إلى هذا العطف، وهذه المودة مع الإنكار والحزم في الحديث الأول.
بل إن خطأ معاذ في إطالة الصلاة لم يمنع النبي" من أن يرسله إلى اليمن قاضياً وحاكماً، ومفتياً كما في الصحيحين.
ولم يمنعه _عليه الصلاة والسلام_ ذلك من أن يصرح لمعاذ ( بالحب، فيقول: =يا معاذ إني _والله_ لأحبك، أوصيك يا معاذ لا تَدَعَنَّ في دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك+(22).
أين هذا العدل، وذلك التعامل الراقي؟ من أناس لا يرعون تلك الأصول؛ فتراهم يصرمون، ويهجرون لأدنى سبب، وأقل هفوة، ولا يكادون ينسون خطأ المخطئ وإن اعتذر، أو جاء بألف شفيع.



33 ــ الإفراط في تطلب الكمال

تذكر كتب السير أن زياد بن أبيه كان مفرطاً في الذكاء، وكان من دهاة العرب المعدودين.
وقد جاء في قصة زياد أنه لما عزله عمر بن الخطاب عن العراق، قال له: =لم عزلتني يا أمير المؤمنين؟ ألِعَجْزٍ أم خيانة؟+.
فقال عمر (: =لم أعْزِلْك لواحدة منها، ولكن كرهت أن أَحْمِلَ فَضْلَ عَقْلِكَ على الناس+.
فعمر ( أدرك بثاقب نظره _وهو المُحَدَّث الملهم_ أن العراقَ بلد يميد بالفتن، ويعج بالاضطرابات، وأدرك أن زياداً مفرطٌ في الذكاء والدهاء؛ فَكَرِهَ ولايتَه؛ خشيةَ أن يحمل الناس على ما يدري في العواقب من الحقائق، فَيُعَنِّفَ عليهم، ويحملهم على ما لا تقتضيه الحكمة من مداراتهم.
على حين أن الحال توجب حَمْلَهم على ما يقتضيه عصرهم الحاضر، كما قال النبي ? لعائشة _رضي الله عنها_ : =لولا أن قومك حديثو عهد بكفر لبنيت الكعبة على قواعد إبراهيم+.
تذكَّرت قصةَ عَزْلِ زيادٍ وأنا في حوار مع صاحب لي؛ حيث كان ذلك الصاحب يتمتع بشهامة خاطر، وكرم نفس، وتَرَفُّعٍ عن الدنايا، وتَنَزُّهٍ عن المحقرات وما يخل بالمروءات، يصدق عليه قولُ إياسِ بنِ قتادة:
وإن من السادات من لو أطعته
دعاك إلى نار يفوح سعيرها
وكانت تلك الصفات تَلَذُّ له، وتؤذيه _في الوقت نفسه_ على حد قول أبي الطيب:
تلذ له المروءة وهي تؤذي
ومن يعشق يلذَّ له الغرام
تلذ له من جهة أن في المروءة نفسِها لذةً تفوق كلَّ نعيمٍ في هذه الحياة، وأن فيها راحةً للضمير، وسلامةً من مواطن الذلة والهُون.
وتؤذيه من جهة ما يلاقيه من أجلها من المشاق والتكاليف الباهضة التي لا ينهض بإِصْرها إلا ذو صبر متين، وحظٍّ عظيم.
ولكن الأذى الذي يلحقه من هذه الناحية يَهُون عليه لما يناله من اللذات والآثار التي تنتج عن المروءة.
أما الأذى الذي ينال نيله منه فهو ما يلاقيه من أحوال كثير من الناس؛ حيث يرى دنوَّ النفس من بعضهم، ويرى قلة الوفاء من آخرين، ويرى تصرفاتٍ ينكرها بطبعه الكريم، وأعمالاً يأباها ذوقه السليم؛ فيتأذى من جراء ذلك أذىً كثيراً؛ لما يراه من تلك الأعمال التي لا تليق بنظره، ولا ترتقي إلى المقام الذي يؤمله.
فكنت أذكره بمقولة عمر ( لزياد، وأقول له: لا تَحمِلِ الناس على فضل مروءتك، ولا تُحمِّلْهم فوق طاقتهم، فهم:
أعمى وأعشى ثم ذو
بصرٍ وزرقاءُ اليمامة
فمنهم ظالم لنفسه، ومنهم مقتصد، ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله.
فخير لك _إذاً_ أن تستمر على مروءاتك، وأن تتغاضى عن بعض تفريطهم وتقصيرهم في بعض حقوق المروءة؛ فالله _عز وجل_ يقول: ? ? ? ? ? ? ? ?? [الأعراف: ???].
أي خذ ما صفا من أخلاق الناس، وما سمحت به نفوسهم، ولا تكلفهم فوق ما يطيقون على حد قول القائل:
اقْبَلْ مِن الناس ما تيسر
وَدَع من الناس ما تَعَسَّرْ
فإنما الناسُ من زجاج
إن لم تَرَفَّقْ به تَكَسَّرْ
فإذا لزمت هذه الطريقة أرحت نفسك، وأرحت غيرك ممن لا بد لك من معاملته.
وبعد مدة قابلت صاحبي، وتجاذبنا أطراف الحديث، فَعَرَّج على الحديث السابق، وقال: لقد أفدت كثيراً من ذلك الحديث، وصرت أحاول ألا أكلف نفسي أو غيرها فوق الطاقة؛ فأرحت، واسترحت.



34 ــ الزوايا الحادة

يحدثني أحد الأصدقاء أنه إذا أراد طعاماً معيناً ولم يجده في المنزل لم يهدأ له بال حتى يجده، ولو اضطره إلى أن يسافر من أجل ذلك.
ويحدثني أحدهم أنه قد وطَّن نفسه إذا لم ينم في الساعة المعينة طار عنه النوم.
وآخر يحدث أنه إذا لم يشربِ الشايَ في ساعة معينة تكدر مزاجه طيلة يومه.
وآخر يحدث أنه إذا حدث خلاف بينه وبين أحد زملائه أو أقاربه _ صرمه البتة، وقطع كل صلة به.
ويحدث أحدهم أن سيارته إذا حصل بها أي نوع من العطل تشاءم منها، وفكر في بيعها، وشراء أخرى.
ويحدث آخر أنه حصل من أحد أفراد بيته العقلاء خطأ يسير في استعمال الهاتف الجوال، فقرر أخذه منه، وعدم إرجاعه إليه؛ آخذاً بمبدأ =السلامة لا يعدلها شيء+.
إلى غير ذلك من هذه السلسلة الطويلة من الزوايا الحادة التي يأخذ بها بعض الناس؛ فيحيط نفسه بسياج من الآصار والأغلال التي تنال نيلها منه؛ فيخسر بسببها ما يخسر من المعارف والأصدقاء، ويضيع عليه الكثير والكثير من المصالح.
فالزوايا الحادة تصلح في طَرْقِ الحديد، وقَطْعِ الأشجار، وهندسة الإعمار، وإصلاح الطرقات، وما جرى مجرى ذلك.
أما معاملة البشر فلا يصلح لها هذا النوع من المعاملة؛ لأنه تعامل مع أمزجة مختلفة، وثقافات متباينة، وأحوال متغايرة.
وكذلك الحال في تعامل الإنسان مع نفسه التي بين جنبيه؛ فهي لا تثبت على حال؛ فإذا لم يرفق الإنسان بها أوشكت أن تتهاوى، وتضعف؛ فالإفراط يقود إلى التفريط.
والعاقل اللبيب لا يضع نفسه في مضايق يصعب عليه الخلاص منها.
وإنما يفسح الطريق أمام الخيارات الأخرى؛ فإذا أُغْلِقَ بابٌ فُتح آخر، وإذا لم يكن ما تريد فأرد ما يكون.




35 ــ لا يعاب الإنسان بما في طبعه إنما ...

هذا العنوان هو جزء من كلمة للجنيد × ونصها:
=الإنسان لا يعاب بما في طبعه، إنما يعاب إذا فعل ما في طبعه+.
وقريب منها كلمة لابن حزم × يقول فيها: =لا عيب على من مال بطبعه إلى بعض القبائح، ولو أنه أشد العيوب وأعظم الرذائل، ما لم يظهره بقول أو فعل، بل يكاد يكون أحمدَ ممن أعانه طبعه على الفضائل، ولا تكون مغالبة الطبع الفاسد إلا عن قوة عقل فاضل+.
هاتان الكلمتان من هذين الحكيمين تحملان حِكماً، وعِبراً يجدر تأملها، والإفادة منها؛ فكل إنسان جبل على غرائز كثيرة، بعضها حسن، وبعضها قبيح.
ومن الناس من لا يأبه بما طُبع عليه من الرعونات؛ فلا حديث لنا معه ههنا.
ومنهم من تؤذيه طباعه القبيحة، وربما بلغ به اليأس مبلغه من تغيير تلك الطباع، أو تلطيفها؛ بحجة أنها غرائز لا يمكن تغييرها.
والحقيقة أن الأخلاق والطباع كما أنها غريزية جبلية فهي كذلك اكتسابية تتأتَّى بالمراس، والدَّرَبة.
والمقام ههنا ليس مقام بسط ذلك، وإنما المقصود إحسان التعامل مع طبائع النفس، ومحاولة توجيهها إلى ما ينفع، وصرفها عما يضر.
فالإنسان _كما يقول الجنيد_ لا يلام على طباعه التي فُطِر عليها إذا كانت طباع سوء كالبخل، أو سرعة الغضب، أو ضعة النفس، أو الشَّرَه، أو نحو ذلك.
وإنما يلام على فعل ما في طبعه الفاسد، واسترساله مع رعوناته، وإطلاقه العنان لنزواته، وتركِه محاولةَ النهوض بنفسه، ورَفْعِها عن دركات الحضيض.
أما أصل الطبع فإنه لا يلام عليه، ولو أنه _كما يقول ابن حزم_ أشد العيوب، وأعظم الرذائل؛ لأن ذلك ليس من كسبه، ولا اختياره.
بل يحمد غاية الحمد إذا قهر نفسه، وسعى للارتقاء بها.
ثم إن مما يجمل بالإنسان أن يعرف نفسه، وطباعه، ويوظفها في الخير غاية ما يستطيعه، وينأى بها عن الشر غاية ما يمكنه.
فمن الناس _على سبيل المثال_ مَنْ في طبعه حرارة وحِدَّةُ مزاج، وربما تأذى من ذلك وعدَّه مما يُعاب به، ويُزْرى عليه بسببه.
ولكن لَوْ وَجَّه ذلك الطبع إلى ما ينفع لآتى أكله ضعفين؛ بحيث يفيد منه في الحزم، وإنجاز الأعمال، وترك التقصير في الحقوق، والتجافي عن الكسل والخور وهكذا؛ فيكون طَبْعُه بمنزلة النار التي تنفعه، فيطبخ عليها طعامه، ويصطلي بها في البرد دون أن يقترب جداً منها، فتؤذيه حرارتها، وقد تحرق ثيابه أو بدنه.
وقل مثل ذلك في شأن برود الطبع؛ فقد يفيد الإنسان في هدوء الأعصاب، وحسن الاستقبال للحوادث، والبعد عن الغضب، وسوء التصرف.
وذلك إذا وطن نفسه على الإفادة من ذلك الطبع، وسعى للبعد عن آفات البرود كالاستكانة، وبلادة النفس، وقلة المبالاة بالناس، والتأخر في إنجاز الأعمال.
وهكذا الحال بالنسبة للغيرة، فهي غريزة جبلت عليها النفوس خصوصاً النساء المتزوجات؛ فالغيرة طبع في النساء، فإذا استرسلت المرأة معها كانت الغيرة مذمومة، وإذا هذبتها وقومتها كانت الغيرة محمودة؛ فالمذموم منها تلك الغيرة التي تتأجج في صدر صاحبتها ناراً موقدة تشعل جيوش الظنون والشكوك؛ فتحيل جوَّ الأسرةِ جحيماً لا يطاق.
والغيرة المحمودة هي المعتدلة التي لا تتسلط على صاحبتها؛ فلا تثير عندها شكوكاً ولا أوهاماً؛ فهذه غيرة مقبولة، وقد تستملح أحياناً، بل إن التجرد من الغيرة لا يحمد.
فالغيرة _إذاً_ ليست شراً محضاً، وإنما الشر فيما كان مبالغاً فيه من الغيرة؛ فغيرة المرأة على الرجل هي _في الحقيقة_ إحساس صادق لمدى حبها له، وهي في الوقت نفسه صورة معبرة عن حرصها على الاستئثار به، وهي _كذلك_ حالة نفسية تعبر عن خوف المرأة على مستقبلها في الحياة؛ فهذا المزيج من الحب الخالص، والأثرة المفرطة، والخوف الزائد _ يصنع في المرأة عاطفة الغيرة.
إن شعور المرأة بحبها لزوجها قد يدفعها إلى إسعاده، وتهيئة الجو المناسب لتحقيق آماله.
غير أن إحساسها بحبها لنفسها، وخوفها على مستقبلها في الحياة قد يقودها إلى فرض القيود على زوجها الذي أحبته؛ مؤملة بذلك أن يكون خيره كله لها، ولأولادها.
وقد تزيد الغيرة عن هذا الحد، فتودي بالمرأة إلى تصرفات غريبة شائنة بدايتُها الشكُّ في الزوج؛ وتفسير تصرفاته على غير وجهها؛ فتشك فيه إذا الْتَفَتَ فرأى امرأة تسير، وتشك فيه إذا رفع سماعة الهاتف فخفض صوته، وتشك فيه إذا غاب لسفر أو نحوه، وتشك فيه إذا تشاغل عنها في بعض الأحيان.
كل ذلك مع أن الزوج لم تظهر عليه علائم الفساد، ولا الجناح إلى الشر.
وقد تزيد في مطالبها لزوجها، فتستنزف ماله قدر المستطاع؛ كيلا يذهب شيء منه إلى أمه، أو إخوته، أو لأجل أن لا يبقى عنده فضل مال يتزوج به زوجة أخرى.
ثم بعد ذلك تبدأ آلامها؛ لانتفاع غيرها بزوجها، ثم تنتقل إلى اتهام أهل زوجها، وإلى إثارة المنازعات، وتدبير المكائد، وربما تلجأ إلى السحر عياذاً بالله، إلى غير ذلك من التصرفات الطائشة الشائنة.
إن نيران الغيرة تلتهب بوقود خاص، وهذا الوقود قد يكون نقياً نظيفاً؛ فتمنحنا نيرانه النور، والدفء، والأمل.
وقد يكون قذراً لا ينبعث من نيرانه غير دخان يزكم الأنوف، ويعمي الأبصار.
ومن أسباب ذلك الوقودِ القذرِ ضعفُ التربية الدينية والخلقية، وهذا ما يثير الأطماع، ويحيي الأحقاد.
ومن أسبابه جهلها بالعواقب.
ومن أسباب ذلك _أيضاً_ حماقة الرجل، وسوء تصرفاته.
ولهذا يجب على الزوجة التي تروم السعادة لنفسها ولزوجها أن تعتدل في غيرتها.
ولقد أطلت في مسألة الغيرة؛ لما لها من الأهمية، ولما للتفريط في شأنها من العواقب الوبيلة.
وهكذا الشأن في غريزة يشكو كثير من الناس من اتصافهم بها، ويتأذى ممن يتصفون بها فئام من البشر الذين يتعاملون معهم، ذلكم هو شدة التأثر والمبالغة في سوء الظن، وتفسير الأمور على غير مرادها الصحيح، وهو ما يمكن أن يعرف بالحساسية المفرطة.
فذلك الطبع يُتْعِب أصحابه، ومن يتعاملون معهم؛ لأن الإنسان المرهف الشعور ذا الحساسية المفرطة يلاحظ جميع التصرفات، ويفسر البريء منها وغير البريء، فتقع المآسي تلو المآسي من جراء ذلك.
ويمكن لصاحب ذلك الطبع أن يُلَطِّف منه، وأن يضعه في إطاره الصحيح؛ فينبعث إلى احترام الآخرين، وتجنب ما يثير غضبهم من قريب أو بعيد، ويحرص على مراعاة مشاعرهم؛ لأن شعوره بالتأذي من ذلك التصرف أو غيره _ يقوده إلى ألا يقع فيه، وهكذا؛ فيفيد من ذلك الطبع المغروز في أصل جِبِلَّتِه.
أما إذا استرسل معه، وصار يلوم الناس على كل تصرف، ويريد منهم أن يعذروه ولا يعذلوه إذا وقع منه في حقهم ما كان يلومهم عليه _ فتلك هي الحماقة التي أعيت من يداويها.
وقل مثل ذلك في سائر الطباع؛ فغريزة التطفل، وحب الاستطلاع يمكن لمن بلي بها أن يشبعها في البحث، واستكشاف الجديد مما هو في دائرة تخصصه، أو غيرها.
والإسراف يمكن للإنسان أن يهذبه ويلطفه بحيث يجعل ما يصرفه في مكان لا يندم عليه في دنياه, وأخراه.
والبخل يمكن للإنسان أن يلطفه، ويفيد منه في تدبير المعيشة، ويسعى للتخلص مما فيه شَرَهٌ، واستئثارٌ، وغلوٌّ في حب الذات.
بل إن العجز والكسل والخمول _وهي من أحط الخصال، وأقبح الخلال_ يمكن للإنسان أن يتخلص منها، وأن يأخذ نفسه بشيء من الجد، أو في الأقل ألا يكون ثقيلاً بنفسه، فيجتمع _مع عجزه وكسله_ ثِقَلُ نَفْسِه.
وذلك بأن يطلق لسانه بالثناء والدعاء على من يحسن إليه، ويقوم بخدمته، وألا يكون كَلاًّ على أصحابه بالقول والفعل.
وأذكر أن أحد أعزة الأصحاب له فلسفة في العجز والكسل جعلت منه فاكهة للمجالس والرحلات؛ فهو _باعترافه_ كسول ذو عجز، ولكنه يلطف ذلك بروحه المرحة، ونفسه الخفيفة، فصار عجزه وكسله مستعذباً محبباً للنفس، خصوصاً إذا ثارت لديه ثوائر العجز.
وأذكر من طرائف عجزه أنه في يوم من الأيام خرج مع بعض أصحابه لرحلة برية؛ فخشي أن يستشار في مكان الرحلة، فبادر إلى القول: أرجوكم لا يسألْني أحد إلى أين سنذهب؛ لأنه ليس لدي استعداد للتفكير؛ اذهبوا حيث شئتم!
ومرة أتى مع مجموعة من أصدقائه من رحلة بعيدة زاروا خلالها عدداً من المدن بما فيها مكة المكرمة؛ لأداء العمرة.
وفي طريق عودتهم أخذوا يتجاذبون أطراف الحديث، ويقطعون الطريق بالأحاديث المفيدة والمسلية، فلما اقتربوا من الوصول إلى البلد، قال لهم ذلك الصاحب: لقد مللت من الضحك، وليس لدي استعداد أن أضحك لأي نكتة؛ فرغبت في إخباركم أن النكتة الفسلة _أي التي لا تستحق الضحك_ لن أضحك منها؛ فصارت تلك الكلمة أعجب ما قيل في تلك الرحلة.
هذا وإن من أعظم ما يقلق كثيراً من الناس ميلهم بمقتضى طبائعهم إلى بعض الشهوات المحرمة، فيرون أن ذلك نقص في حقهم، وأنهم غير جديرين بأي عمل يسند إليهم خصوصاً ما كان من أمور الخير والاحتساب وما شاكلها، وكأنهم بذلك يريدون أن يتجردوا من خصائص البشرية إلى عالم الملائكية.
فيقال لهؤلاء: إن الميل الفطري إلى المحرم لا يلام عليه الإنسان، وإنما يلام على فعل ما في طبعه.
أما إذا كان يجد ذلك من نفسه، فيكرهه، ويجاهد نفسه على البعد عنه، والتفكير فيه _ فذلك من صميم التقوى، ومما يدخل صاحبه في زمرة من خاف مقام ربه، ونهى النفس عن الهوى.
وإنما حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات، و ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? [الشمس: ? – ??].
وبالجملة فهذه نبذة يسيرة في شأن الطباع يقاس عليها الكثير من أمثالها.



36 ــ الجـــــــــزم

الجزم قد يكون محموداً، وقد يكون مذموماً؛ فالجزم في إعطاء المواعيد مع الحرص على الوفاء بها منقبة أي منقبة، والجزمُ في الإيمان، والاعتقادِ الحق فضيلة أي فضيلة، إلى غير ذلك من صور الجزم المحمود.
أما الجزم المذموم فصور شتى، منها الجزم في إبداء بعض الآراء القابلة للأخذ والرد؛ فتجد أن بعض الناس يطرح رأياً، ويتعصب له، ويزري على من خالفه، مع أن الرأي المخالف قد يكون أقرب إلى الصواب.
ومنها الجزم بالتخطئة، وذلك بأن يجزم الإنسان بأن الكاتب الفلاني، أو العالم الفلاني _ أخطأ في قوله: كذا وكذا، وقد لا يكون مخطئاً أصلاً.
ومنها الجزم بتعبير الرؤى؛ حيث تجد بعض المعبِّرين إذا سئل عن رؤيا جزمَ بأن تأويلها كذا وكذا، وقد يترتب على هذا التأويل فُرقةٌ، وعداوات، كمن يجزم بأن فلاناً عَانَ فلاناً، أو أن هذا المشروع أو الزواج الذي أقدم عليه الرائي غيرُ صالح، إلى غير ذلك من صور الجزم في التعبير.
ومن صور الجزم المذموم أن يجزم الإنسان أنه أتى برأي لم يسبق إليه، أو أنه أتى بشيء لن يستطيع أحدٌ مجاراته عليه.
ومما يذكر في هذا السياق ما أورده السيوطي في بغية الوعاة أن محمد بن الحسيني ابن عمير اليمني كان مقيماً بمصر، وصنف كتاب أخبار النحويين، وذكر أن له شعراً، وأنه قال أربعة أبيات زعم أنه استنفد قوافيها؛ وأن ليس لقافيتها خامس، والأبيات هي قوله:
أسقمني حبُّ مَنْ هَوِيت فقد
يا غاية في الجمال صَوَّرَهُ الـلــــ
تركتني بالسقام مشتهراً
أحبُّ جيرانكم من أجلكم
صرتُ بحبه في الهوى آية
ـــــــه أما للصدود من غاية
أشهر في العالم من راية
بحجة الطفل تشبع الداية(23)
قال السيوطي: قلت ذيلت عليها بخامس:
أود أن أبيت جاركم
ولو بمأوى الجمال في الثاية(24)
انتهى كلام السيوطي.
ولما قرأت تلك الأبيات رأيت أنه يمكن إضافة أبيات غير ما ذكر، فزدت عليها سادساً وهو:
أو أن أبيت فوق طايتكم
أحبب بذاك النوم في الطاية
والطاية _كما في اللسان_ في مادة (طيا): السطح الذي ينام فيه، وتطلق الطاية _أيضاً_ على الصخرة العظيمة.
وهناك كلمات عربية أخرى يمكن أن تختم بها أبيات أخرى، مثل كلمة ساية(25) .
وخلاصة القول أن للإنسان أن يبدي رأيه، ويدعمه بالأدلة، وينتصر له، ولكن لا يحسن به تفنيد الآراء الأخرى القابلة للأخذ والرد، أو الزعم بأن الحق حكر عليه دون غيره، أو اعتقاد أنه لم يسبق إلى ذلك الرأي أو الإبداع، أو أنه لا يستطيع أحد أن يأتي بمثل ما أتى به.
هذا وإن مما يدعو إلى الجزم أموراً منها طبيعة الإنسان الحادة، أو قلةُ اطلاعه، ومعارفه، أو أن يكون في بداياته ومقتبل عمره؛ لأن كثرة الاطلاع، وسعة العلم والأفق تدعو صاحبها إلى التأني والتروي في إصدار الحكم، وتنأى به عن الجزم في كثير من المسائل، بل إن رحمته تتسع، وعُذْرَهُ يُبسط، واعتقاده أن ما غاب عنه أعظم مما اطلع عليه؛ فإذا حكم على أمرٍ كان حكمه كحكم فتاة الحي، ولا يكون كمن غابت عنه أشياء وحضره شيء.
يقول الشافعي ×:
كلما أدبني الدهر
أراني نقص عقلي
وإذا مازدت علماً
زادني علماً بجهلي


37 ــ الشعر
تذوقه _ الاستشهاد به _ أثره

للشعر سلطان على القلوب، وسطوة على النفوس، وأثر في نجاح البغية، وبلوغ المأرب.
كما أن له تأثيراً في تغيير الطباع، وإنهاض النفوس، وهَزِّها إلى المكارم.
والحديث عن ذلك ذو شجون، ولا يمكن الوفاء به في هذا المقام.
وإنما سيكون الحديث عن أطراف من ذلك وإن لم يكن مرتباً منتظماً، بل قد يكون متداخلاً متشابكاً.
فالشعر أحد الفنون الجميلة التي يتذوقها الناس، ويستشهدون بها، ويتروَّونها، ويكون لها الأثر البالغ في نفوسهم، وإن كانوا يتفاوتون في ذلك على قدر تفاوتهم في صفاء الذوق، وتقدير ما في المعاني من حكمة، وغرابة، وحسن التئام، أو تقدير ما في الألفاظ من رونق، وحسن سبك، وشدة أسر، وجودة تركيب.
ولقد أجمع العلماء على أن الشعر كلام حسنه حسن، وقبيحه قبيح.
ثم إنهم لا يحبذون التمحُّض للشعر، بحيث يغلب على الإنسان، ويأخذ بمجامع قلبه.
وإنما يستحسنون الإحماض فيه، والاستشهاد به، وأن يكون الاهتمام به ثانوياً لا أولياً.
وكانوا يرتاحون لسماع جيده، ويصرفون شيئاً من أوقاتهم في صناعته، أو تذوق بلاغته.
وما ذلك إلا لشدة تأثيره، وتضمنه للحُكْمِ والحكمة.
جاء في صحيح البخاري عن النبي ? أنه قال: =إن من الشعر لَحِكْمَة+.
ويروى: =لَحُكْماً+ كما في المسند، وسنن أبي داود.
أي إن من الشعر كلاماً نافعاً يَحْمِلُ على الحلم، والعلم، والعدل، والكرم، ويمنع من الجهل، والسفه، والظلم، والشح، والبخل، والهلع.
وقيل: أراد بها المواعظ، والأمثال التي ينتفع بها الناس.
ولقد خرج النبي ? في بيئة عربية تتنافس في نظم القصيد، والرَّجَزِ؛ فكان من دواعي إعجابها، واغتباطها ما كان يفيض من قرائح شعرائها، وخطبائها في المفاخرات، والمنافرات، والحَمَالات، والمهادنات.
وما كان لكل عربي أن ينفتق لسانه بقول الجيد من الشعر أو النثر؛ فقد يأتي الجيل والجيلان والقبيلة العظيمة لا يظهر فيها شاعر أو خطيب يعلي صوتها، ويعدد من عام إلى عام مآثرها، ويرفع _بما ينشؤه_ الضيم عن أهلها، ويُرهب _بسلطان بلاغته_ عدوَّها.
ولقد كان الشعر آنذاك أشبه بوسائل الإعلام في عصرنا الحاضر؛ فكان له صولةٌ وجولةٌ، ونفوذٌ ووقعٌ في النفوس؛ فكان يخلد المآثر، ويبين المروءات والمكارم.
ولقد أدرك النبي ? هذه الحقيقة؛ فكان للشعراء نصيب عنده _عليه الصلاة والسلام_ وذلك من خلال توجيهه إياهم، واستماعه لهم، واستنشادهم شِعْرَهم، وحَضِّهم على نصرة الإسلام، والدفاعِ عنه، وبيانِ محاسنه؛ فكان يشجعهم، ويسددهم، ويدعو لهم، ويكافئهم، ويستشهد بشعرهم، وربما استوقفهم وناقشهم.
وله في حواراته مع الشعراء أخبار يطول ذكرها، وفيما يلي أمثلة لذلك.
جاء في صحيح مسلم عن عائشة _رضي الله عنها_ أن رسول الله? قال: =اهجوا قريشاً؛ فإنه أشد عليها من رشق النبل+.
فأرسل إلى ابن رواحة فقال: =اهجهم+ فهجاهم, فلم يُرْضِ, فأرسل إلى كعب بن مالك، ثم أرسل إلى حسان بن ثابت، فلما دخل عليه قال حسان: قد آن لكم أن ترسلوا إلى هذا الأسد الضارب بِذَنَبِه، ثم أَدْلَعَ لسانَه، فجعل يحركه, ثم قال: والذي بعثك بالحق لأفرينَّهم بلساني فريَ الأديم، فقال رسول الله ?: =لا تعجل؛ فإن أبا بكرٍ أعلمُ قريش بأنسابها, وإن لي فيهم نسباً حتى يُلَخِّصَ لك نسبي+.
فأتاه حسان ثم رجع, فقال: يا رسول الله ; قد لَخَّص لي نسبك، والذي بعثك بالحق لأسلنك منهم كما تسل الشعرة من العجين.
قالت عائشة: فسمعت رسول الله ? يقول لحسّان: =إن روح القُدُس لا يزال يؤيدك ما نافحت عن الله ورسوله+.
وقالت: سمعت رسول الله ? يقول: =هجاهم حسان، فشفى واشتفى+.
وهكذا أفاد _عليه الصلاة والسلام_ من موهبة حسان الشعرية، وبيَّن له من خلال حواره معه ألا يعجل في الهجاء حتى يعرف أنساب قريش؛ فلا يقع في ذم رسول الله ? من حيث لا يشعر، ووجَّهه إلى نَسَّابة خبير ألا وهو أبو بكر الصديق ( حتى يُلَخِّص لحسان نسب رسول الله ?.
فلما لخص أبو بكر لحسان _رضي الله عنهما_ نسب النبي ? بث فيه الرسول ? روح الشجاعة والتأييد، وذلك من خلال قوله لحسان: =إن روح القدس لا يزال يؤيدك ما نافحت عن الله ورسوله+.
بل زاد على ذلك بالدعاء لحسان؛ فقد جاء في الصحيحين عن أبي هريرة ( أن عمر مر بحسان وهو ينشد الشعر في المسجد، فلحظ إليه فقال: قد كنت أنشد، وفيه من هو خير منك، ثم التفت إلى أبي هريرة فقال: أنشدك الله، أسمعت رسول الله ? يقول: =أجب عني، اللهم أيده بروح القدس+.
قال: اللهم نعم.
ولقد أنشد كعبُ بن زهير قصيدته المشهورة (بانت سعاد) أمام النبي ? فكان للنبي ? وقفات أثناء إلقاء القصيدة يحاور قائلها، وأصحابَه فيها، ومن ذلك أن كعباً لما بلغ إلى وصف راحلته، فقال:
قنواء في حرتيها للبصير بها
عِتْقٌ مُبِيْنٌ وفي الخدين تسهيل
قال رسول الله ? لأصحابه: ما حرتاها؟ فقال بعضهم: عيناها، وسكت بعضهم، فقال رسول الله ?: هما أذناها.
ولما بلغ كعب قوله في مدح المهاجرين:
لا يقع الطعن إلا في نحورهم
وما لهم عن حياض الموت تهليل
نَظَرَ رسول الله ? إلى من حوله من قريش نَظَرَ مَنْ يومئ إليهم أن اسمعوا هذا المدح.
ولقد بلغ من إعجابه _عليه الصلاة والسلام_ بتلك القصيدة أن عفا عن كعب، ومنَّ عليه ببردته بعد أن كان قد أهدر دمه.
يقول الشيخ عبدالحي الكتاني × في التراتيب الإدارية 1/213: =وقد اشترى تلك البردة منه معاوية بثلاثين ألف درهم، وكانت عنده من أَجَلِّ ملكه وأعظمه.
وكانت أمراء بني أمية يتبركون بلبسها في الأعياد والمواسم، ويعدونها أفخر لباس، حتى وصلت مع الدولة لبني العباس.
وكان للأمة الإسلامية كبير اعتناء بهذه القصيدة اللامية البديعة حفظاً، واستنشاداً، وشرحاً، ومعارضة.
قال الشيخ الأديب أبو جعفر البصير الألبيري الأندلسي لما ذكر الكعبية هذه: وهذه القصيدة لها الشرف الراسخ، والحكم الذي لم يوجد له ناسخ، أنشدها كعب في مسجده _عليه السلام_ بحضرته، وحضرة أصحابه، وتوسل بها فوصل إلى العفو عن عقابه، فسد? خلته، وخلع عليه حُلَّته، وكَفَّ عنه كَفَّ مَنْ أراده، وأبلغه في نفسه وأهله مراده، وذلك بعد إهدار دمه، وما سبق من هدر كلمه، محت حسناتها تلك الذنوب، وستر محاسنُها وجهَ تلك العيوب+.
ثم إن مجلس الرسول ? مجلس أدب ينشد فيه الشعر، وتضرب فيه الأمثال.
ولقد أنشد كعب بن زهير قصيدته المشهورة، وقد مرَّ ذكرٌ لشيء من ذلك.
وروى الترمذي عن جابر بن سمرة ( قال: جالست رسول الله? أكثر من مائة مرة، وكان أصحابه يتناشدون الشعر، ويتذاكرون أشياء من أمر الجاهلية وهو ساكت، فربما يبتسم معهم.
قال الترمذي: =هذا حديث حسن صحيح+.
وربما أُنْشِد الشِّعرُ، فتمثل في بعض ما أُنْشِدَ أمامه، فعن الأعشى المازني قال:
=أتيت النبي ? فأنشدته:
يا مالك الناس وديانَ العرب
أخلفتِ الوعدَ ولَطَّت بالذنب
إني لقيت ذِرْبةً من الذِّرب
وهن شرُّ غالبٍ لمن غلب
فجعل ? يتمثلها، ويقول: وهن شرُّ غالبٍ لمن غلب+.(26)
وربما أنشده أحد الشعراء، فاستوقفه، وحاوره، وسأله عن مقصوده في أحد الأبيات، وربما دعا له، فعن يعلى بن الأشدق قال: سمعت النابغة الجعدي يقول: أنشدت النبي ?:
بلغنا السماءَ مجدُنا وجدودُنا
وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا
فقال: =أين المظهر يا أبا ليلى؟+.
قلت: الجنة، قال: =أجل إن شاء الله+.
ثم قال:
ولا خير في حلم إذا لم يكن له
بوادرُ تحمي صفوه أن يكدرا
ولا خير في جهل إذا لم يكن له
حليمٌ إذا ما أورد الأمرَ أصدرا
فقال رسول الله ?: =لا يفضضِ اللهُ فاك+ مرتين.
ويروى أن النابغة كان أحسن الناس ثغراً، وأنه عاش مائة وثلاثين سنة، فكان إذا سقطت له ثنية نبتت مكانها أخرى.(27)
وربما استنشد -عليه الصلاة والسلام- أحد جلاسه؛ فعن عمرو بن الشريد عن أبيه قال: =استنشدني النبي ? من شعر أمية بن أبي الصلت؛ فأنشدته مائة قافية وبيت+.(28)
وربما تمثَّل بالشعر في مجلسه؛ ففي الصحيحين عن جندب بن عبدالله ( قال: أصابت أصبعُ النبي ? شيئاً، فدَمِيت.
وفي لفظ: بينما نحن جلوس مع رسول الله ? في بعض المشاهد إذ أصابه حجر، فعثر، فدميت أصبعه فقال:
هل أنت إلا أَصْبُعٌ دَمِيت
وفي سبيل الله ما لقيت(29)
وعن عكرمة قال: سألت عائشة _رضي الله عنها_: هل سمعت رسول الله ? يتمثل شعراً قط؟
فقالت: أحياناً إذا دخل بيته يقول: =ويأتيك بالأخبار من لم تزودِ+.(30)
وقوله: =ويأتيك بالأخبار من لم تزود+ هذا عجز بيت لطرفة ابن العبد في معلقته المشهورة، وصدره:
ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً ............................... وهكذا كان شأن الصحابة _رضي الله عنهم_ ويكفي أن يُضْرَبَ لذلك مثالٌ واحد، وهو أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ( فلقد كان نقادة بصيراً بالشعر، له فيه الآراء الفاحصة، والنظرات الثاقبة، والأحكام الصائبة.
قال محمد بن سلام عن بعض أشياخه قال: =كان عمر ابن الخطاب( لا يكاد يعرض له أمر إلا أنشد فيه بيت شعر+.
وكان ( يعجب بزهير، ويفضله على غيره، وكان يتمثل بقوله:
فإن الحق مقطعه ثلاثٌ
يمين أو نفارٌ أو جلاء
قال الأعلم في شرح ديوان زهير: =قوله: =وإن الحق مقطعه ثلاث+ يريد ثلاث خصال فمنها نفار: أي تنافرٌ إلى رجل يتبين حجج الخصوم، ويحكم بينهم، ومنها يمين، ومنها جلاء: وهو أن ينكشف الأمر، ويتجلى، فَتُعْلَمُ حقيقته، فيقضى به لصاحبه دون خصام ولا يمين+.
فكان عمر ( يتعجب من معرفته بمقاطع الحقوق _كما يقول النويري_.
وقال ابن هشام: =لما سمع عمر ( قول زهير:
فإن الحق مقطعه ثلاثٌ
يمين أو نفارٌ أو جلاء
قال: =لو أدركته لوليته القضاء؛ لمعرفته ما تثبت به الحقوق+.
فهذه نبذ يسيرة تبيِّن منزلة الشعر.
لذا فإنه يحسن توشية الكلام، والخطب، والمواعظ، والتآليف بالحكم الرائعة، والأشعار الجميلة الرائقة؛ فذلك مما تهتز له النفوس، ويحسن وقعه في الأسماع، خصوصاً إذا كان الاستشهاد بها مناسباً ملائماً؛ فيحسن أن يُُجَمَّل به الكلام أحياناً بما يناسب المقام، ويتصل بالموضوع.
ثم إن للشعر أثره البالغ في النفوس _كما مر_ فكثيراً ما يَنْهَضُ الرجل للعمل الصالح يكون في غفلة عنه، وما ينبهه إلا بيت شعر يحتوي على حكمة.
قال ابن جريج ×: =ما ظننت أن الله _عز وجل_ ينفع أحداً بشعر عمر ابن أبي ربيعة حتى سمعت وأنا باليمن منشداً ينشد قوله:
بالله قولي له في غير مَعْتَبَةٍ
إن كنتَ حاولت دنيا أو نَعِمْتَ بها
ماذا أردتَ بطول المُكْثِ في اليمن
فما أخذتَ بترك الحج من ثمن
فحركني ذلك على الرجوع إلى مكة، فخرجت مع الحاج وحججت+.
وجاء هذا الخبر في وفيات الأعيان 1/512 أن ابن جريج قال: =كنت مع معن بن زائدة باليمن فحضر وقت الحج، ولم تحضرني نية، فخطر ببالي قول عمر ابن أبي ربيعة المخزومي:
بالله قولي له في غير مَعْتَبَةٍ
إن كنتَ حاولتَ دنيا أو نَعِمْتَ بها
ماذا أردت بطول المكث في اليمن
فما أخذتَ بترك الحج من ثمن
قال: فدخلت على معن، فأخبرته أني قد عزمت على الحج، فقال لي: ما يدعوك إليه ولم تكن تذكره؟
فقلت: ذكرت بيتين لعمر بن أبي ربيعة، أنشدته إياها، فجهزني، وانطلقت+.
ويقول الدكتور عبدالوهاب عزام ×: =كان لي صديق أيام الشباب؛ فصلينا معاً مرة، فاقتصر على الفرض، ولم يصلِّ السنة، فأنشدته بيت المتنبي:
ولم أرَ في عيوب الناس شيئاً
كنقص القادرين على التمام
فكان يقول لي من بعد: كلما هممت بترك السنة تذكرت بيت صاحبك؛ فصليتها+.
وكثيراً ما يثبت الإنسان في ميدان الوغى بسبب تذكره ما يُثَبِّتُهُ، ومن ذلك أن يتذكر شيئاً من الشعر؛ فقد ذكرت كتب الأدب والسير أن معاوية بن أبي سفيان ( قال: لقد هممت بالفرار في معركة، فتذكرت أبياتاً لعمرو ابن الإطنابة؛ فثَبتُّ، وهي:
أبت لي همتي وأبى بلائي
وأخذي الحَمْدَ بالثمن الربيح
وإقدامي على المكروه نفسي
وضربي هامةَ البطلِ المشيح
وقولي كلما جشأت وجاشت
مكانك تحمدي أو تستريحي
ويُذْكَرُ أن عبدالملك بن مروان × هَمَّ بالغزو، فوقفت له بالباب جارية من جواريه بارعة الجمال، فكاد يرجع، فتذكر بيتاً للأخطل يقول فيه:
قوم إذا حاربوا شدوا مآزرهم
عن النساء ولو باتت بأطهار
فتركها ومضى للغزو.
وكذلك قد يكون الشعر من أعظم أسبابِ الظفر بالبغية، إذا ألقي أمام من يَقْدُرَه قدره.
ولعل من أشهر ما يذكر في هذا السياق ما جاء في خبر وزير الأندلس المشهور محمد بن الخطيب السلماني _المعروف بلسان الدين ابن الخطيب_ ذلك الخبر الذي يعد من مناقب الوزير، وذلك أن ملك غرناطة بعثه سفيراً إلى السلطان أبي عنان ملك المغرب؛ ليستمد منه العون على عدوِّه، فلما قدم ابن الخطيب إلى أبي عنان ارتجل عند الدخول إليه أبياتاً مؤثرة يقول فيها:
خليفة اللهِ ساعدَ القدرُ
عُلاك ما لاح في الدجى قمرُ
ودافعتْ عنكَ كفَّ قُدْرَتِه
ما ليس يَسْطِيع دَفْعَهُ بشرُ
والناسُ طُرَّاً بأرض أندلس
لولاك ما وطنوا وما عمروا
وقد أهَمَّتْهُمْ نفوسُهمُ
فوجهوني إليك وانتظروا
وجملةُ الأمرِ أنه وَطَنٌ
في غير علياك ما له وطرُ
فاهتز السلطان أبو عنان لهذه الأبيات، وبلغت منه كلَّ مبلغ، وقال لابن الخطيب: =ما ترجع إليهم إلا بجميع مطالبهم، وأذن له بالجلوس؛ فسلم عليه+.
قال القاضي أبو القاسم الشريف _وكان من جملة الوفد_: =لم نسمع بسفير قضى سفارته قبل أن يسلم على السلطان إلا هذا+.
ويحدثنا التاريخ أن في أعلام العربية من كانوا يجيدون صناعة القريض كابن دريد الذي يقولون عنه: إنه أعلم الشعراء، وأشعر العلماء، ومن شعره قوله في أبيات عينية له:
ومن لم يَزَعْهُ لُبُّهُ وحياؤه
فليس له من شيب فُودَيْه وازع
ويحدثنا أن في رجال الفقه من يحسن الشعر، كالقاضي عبدالوهاب ابن نصر المالكي × الذي قال فيه أبو العلاء المعري:
والمالكي بن نصر زار في سفر
بلادنا فحمدنا النأي والسفرا
إذا تفقَّه أحيا مالكاً جدلاً
وينشر الملك الضِّلِّيل إن شعرا
ويعني بالملك الضليل: امرأ القيس.
ولقد كان شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه الإمام ابن القيم، والحافظ ابن حجر العسقلاني، والعلامة الشوكاني، والعلامة محمد الأمين الشنقيطي، وغيرهم كثير ممن جمعوا بين العلم والشعر.
وبالجملة فإن للشعر مكانته، وأثره في الإصلاح، والتربية، والأخلاق إذا توجه لذلك.
كما أن له الأثر المعاكس إذا وُجِّه إلى الشر والفساد، ووأد الفضيلة.
فيحسن بطالب العلم، والداعية، والكاتب، والمثقف عموماً أن يكون ذا اطلاع على جيد الشعر، وأن يحفظ ما يقدر عليه من ذلك.
كما يحسن به _أيضاً_ أن يعرف موطن الشاهد، ووقت الاستشهاد، ومعنى البيت الذي يستشهد؛ به حتى يؤدي الشعر غرضه، ولأجل ألا يقع صاحبه في الحرج إذا ساقه؛ في غير مساقه.



38 ــ تفسحوا يفسح الله لكم

قلة التفسح في المجالس خلق ذميم، ومسلك شائن، فهو ناتج عن ضيق النفس، وحبِّ الاستئثار، وقلة مبالاة في الآخرين.
فهناك من إذا جلس مجلساً أخذ فيه مكاناً واسعاً؛ لأجل أن ينعم بالراحة، فيسلم من المضايقة.
بل إن بعضهم قد يُوسَّع له في المجلس، فيأتي ويتربع، فيأخذ مساحة واسعة في المجلس، بل ربما لا يرضى أن يأتي أحد بعد ذلك بجانبه.
قال بعض الحكماء: =رجلان ظالمان يأخذان غير حقهما: رجل وُسِّعَ له في مجلس ضَيِّقٍ فَتَرَبَّعَ وتفتّح، ورجل أهديت له نصيحة فجعلها ذَنْباً+.
ولهذا أدبنا الله _عز وجل_ بأن نتفسح في المجالس؛ لما في ذلك من زرع للمودة، وتوثيق لعرى الأخوة، وتَخَلُّصٍ من الأخلاق الذميمة.
قال _تعالى_: ?? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?? [المجادلة: ??].
قال الشيخ عبدالرحمن السعدي × عن هذه الآية: =هذا أدب من الله لعباده إذا اجتمعوا في مجلس من مجالس مجتمعاتهم، واحتاج بعضهم، أو بعض القادمين للتفسح له في المجلس _ فإن من الأدب أن يفسحوا له؛ تحصيلاً لهذا المقصود.
وليس ذلك بضار للفاسح شيئاً، فيحصل مقصود أخيه من غير ضرر يلحقه.
والجزاء من جنس العمل، فإن من فسح لأخيه فسح الله له، ومن وسع لأخيه وسع الله عليه+.
قال عمر بن الخطاب (: =مما يُصَفِّي لك ودَّ أخيك أن تبدأه بالسلام إذا لقيته، وأن تدعوه بأحب الأسماء إليه، وأن توسع له في المجلس+.
وقال الأصمعي: =كان الأحنف إذا أتاه إنسان وَسَّعَ له، فإن لم يجد موضعاً تحرك؛ ليريه أنه يوسع له+.
ولعلك أيها القارئ الكريم بعد ذلك ترجع البصر كرتين، وتتأمل الآية السابقة، وهي قوله _تعالى_: ?? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?? .
فسترى فيها عجباً، وتأمل ذلك في نفسك عندما تكون في مكان ما، إما في مسجد وخصوصاً المسجد الحرام، أو المسجد النبوي وَقْتَ الزحام، أو في مكان عام يجتمع فيه جمهور من الناس ويَضِيق عليهم ذلك المكان، ثم أقبل قادم، وصار يلتفت يمنة ويسرة يبحث عن مكان يجلس فيه، ثم تكرمت، وتحفزت، وناديته، وأجلسته بجانبك، تأمل كيف فرحه وسروره، واغتباطه بذلك، وتأمل أثر ذلك في نفسك، فسترى صدرك ينشرح، ويتسع، وسَترى أساريرك تتبلج، بل سيلقى ذلك التصرف النبيل قبولاً وارتياحاً ممن يراه؛ وربما اقتدوا بك، فصار لك أجرُهم.
وقل مثل ذلك إذا كنت تقود سيارتك في طريق مزدحم، ثم أقبل شخص بسيارته يريدُ فُرْجَةً يَنُصُّ من خلالها، ثم فسحت له الطريق، وآثرته بذلك؛ تأمل حالك، وهو يبتسم في وجهك، ويتطلق لك، ويرفع يده مسلماً عليك شاكراً لك.
وانظر _في مقابل ذلك_ إذا قطَّبت في وجهه، وتفتحت في مجلسك، أو لم تتح له فرصة المرور بسيارته؛ انظر إلى صدرك كيف يكون في تلك الحال، وتأمل تقاسيم وجهك حينئذ.
لا شك أنك ستشعر بانقباض صدر، واكفهرار جبين، وسرعة ثورة؛ فهذا سر من أسرار تلك الآية الكريمة العظيمة.
ولا يبعد أن يدخل في إشارات تلك الآية فسحُ المجال للمتحدث، وتركُ الاستئثار بالحديث في المجلس، والبعدُ عن مقاطعة من يشرع بحديث، أو تكذيبه، أو إكمال كلامه؛ فلعل ذلك كله داخل في مدلول الآية التي تُشير إلى الإيثار، وترك الاستئثار.



39 ــ الاعتراف للمحسن

وقفت على كلام عظيم للعلامة ابن عاشور في تفسيره التحرير والتنوير 29/65 عند قوله _تعالى_: ?? ? ? ?? [القلم: ?].
قال ×: =واعلم أن الخُلُقَ العظيم الذي هو أعلى الخلق الحسن هو التدين ومعرفة الحقائق، وحلم النفس، والعدل، والصبر على المتاعب، والاعتراف للمحسن، والتواضع، والزهد، والعفة، والعفو، والجود، والحياء، والشجاعة، وحسن السمت، والتؤدة، والوقار، والرحمة، وحسن المعاملة والمعاشرة+ إلخ.
قرأت هذا الكلام العظيم، ولفت نظري فيه كلمةٌ ربما نَمُرَّ عليها مرور الكرام، ألا وهي قوله: =والاعتراف للمحسن+.
فقد عدَّ × الاعتراف للمحسن من جملة الأخلاق العظيمة؛ حيث أدخله في مصافِّ الحلم، والصبر، والعدل، والعفة، والجود، والحياء، والتواضع ونحوها.
وربما يستغرب ذلك بعضُ الناس، والحقيقةُ أن الاعتراف للمحسن يستحق أن يكون في مقدمة تلك الأخلاق؛ لأنه يجمع أطرافها، بل هو ثمرة لها؛ إذ هو أثر من آثار العدل، والجود، والتواضع، وحسن المعاملة، ونحوها.
وإلا فكم ضاعت حقوق بسبب جحود الجاحدين، ونكران الظالمين.
وكم من مشروعاتٍ وئِدت ، ومواهبَ عُطِّلت، وفرصٍ ضاعت بسبب ذلك.
ثم إنك تعرف أخلاق الإنسان _من عدل، وصبر، وعفة_ من خلال اعترافه لغيره بالإحسان.
وما عبر الإنسان عن فضل نفسه
وليس من الإنصاف أن يدفع الفتى
بمثل اعتقاد الفضل في كل فاضل
يدَ النقص عنه بانتقاص الأفاضل
فالنوابغ، والبررة، والمحسنون عموماً يحتاجون إلى توجيه مستمر، وإلى تشجيع، ورعاية، وصيانة، وإلى أن تهيَّأ لهم مقوماتُ النبوغ والألمعية.
فإذا نشأ الألمعي النابغة في مجتمع يَقْدُرُهُ قَدْرَه، ويعترف له بفضله، وينظر إليه بعين الإكبار والتَّجِلَّة _ هَفَتْ نفسُه لكل فضيلة، ورَنَتْ عينه إلى كل بطولة، فيزداد بذلك جدَّاً في الطلب، وسعياً إلى أقصى درجات الكمال.
ولهذا يكثر النبوغ في البلدان التي تعرف أقدار أهل الإحسان في أي ميدان، ويندر ذلك في البلدان التي يقل فيها عرفانُ قَدْرِ أولئك.
ولهذا فلا عجب أن يظهر النابغون في العلم والأدب، والشجاعة في بلاد الأندلس؛ لأن أهلها يعظمون من عظَّمه علمه، ويرفعون من رفعه أدبه.
وكذلك سيرتهم في رجال الحرب، يقدمون من قَدَّمَتْهُ شجاعتُه، وعظمت في الحروب مكايده.
فهذه السيرة ترفع من شأن الناس، وتدفع إلى المعالي والكمالات.
يقول العلامة محمد كرد علي ×: =طُبِعْتُ على تقدير أعمال الرجال والتنويه بالعاملين من النابتة، وربما زدتهم من الثناء؛ لأبعث هممهم، كنت أراني مَسوْقاً إلى هذا الخلق؛ لأني كنت في مقامٍ يقتضي الأخذ بأيدي المقصرين حتى ينشطوا.
وكان بعضهم ينكر عليَّ صنيعي هذا، وآخر يعدُّه مما ينافي الاعتدالَ، والاعتدالُ يوجب عندهم أن توزن أفعال الناشئة بالمثاقيل, وإلا عدّ المشجع غالياً، وربما حسبوه مصانعاً.
ولا أدري أيَّ الخلقين أجدى على المجتمع التنشيط أم التثبيط؟
أنا وفريق كبير من إخواني درجنا على أن الخير في مدح العاملين؛ ليزيدوا نشطة، وغيرنا آثر الاعتدال، فقطع بعضهم في منتصف الطريق بما أوهن من عزائمهم حتى لم يكد يظهر منهم رجل يعدُّ شيئاً.
وبهذه الطريقة دفعت الشباب إلى التعلم، وأشعت الغيرة في نفوسهم، وقوَّيت المنافسة بينهم.
أما صنف المعتدلين فقد أخفقوا هم ومَنْ تطوعوا لإضعاف هممهم.
ما أُشَبِّهُ مَنْ يحتقر عمل العاملين إلا برجل قليل البضاعة يخشى عليها البوار إذا ترك المجال لمن يشاركونه في الاتجار بمثلها، وأَقْبِحْ بذلك مِنْ خلق فيه ضِيْقُ عينٍ، وضِيْقُ عَطَن+اهـ.
ثم إن الإنسان إذا اعترف لأهل الفضل بفضلهم، وأثنى عليهم بما فيهم _ كان جديراً بألا يغمط حقه.
هذا وإن مما ارتسم في ذهني من تلك المعاني ما لاحظته قبل ما يزيد على خمس عشرة سنة؛ إذ كنت في زيارة لأحد العلماء، وهو في مرضه الذي مات فيه؛ حيث زرته في أحد المستشفيات، وكان أبناؤه من أهل العلم والفضل ومن أهل الدرجات العلمية العالية.
وكان أكبر أولئك في رئاسة أحد الأقسام الشرعية في إحدى الجامعات، وكان ذا فضل، وعلم، وجاه، وبرٍّ بوالده، وكان يرافق والده في المستشفى، ولا يخرج إلا وقت العمل ثم يعود إليه، فيمكث عنده أطول فترة ممكنة.
ولفت نظري في تلك الزيارة أن ذلك الابن جاء إلى والده ونحن عنده، وكان والده جالساً على الكرسي متحاملاً على نفسه؛ فلما شاهد ابنه مقبلاً نهض من كرسيه، وقام يستقبله، فسلم الابن على والده، وقبَّل رأسه، ثم جلسا؛ فتعجبت من ذلك الموقف؛ كيف يقوم الوالد لولده وهو في تلك الحال من الإعياء والمرض؟ فقلت في نفسي: لعله غاب عنه فترة، أو لعله قدم من سفر، فسألت أحد الحاضرين، وقلت له: هل قدم فلان من سفر؟ قال: لا، بل كان قبل ساعتين عند والده، فزاد عجبي، وظل ذلك التساؤل قائماً في نفسي مدة تزيد على عشر سنين، ثم يسر الله زيارة لأبناء ذلك العالم، وبعد أن دار الحديث، وطال، وتشعَّب همست في أذن ذلك الابن الفاضل العالم، وقلت له: أتسمح لي بسؤال قد يكون غريباً عليك، وقد يكون فيه شيء من التطفل، ولك الخيار في الجواب من عدمه؟
فقال لي بأريحية وكرم: تفضَّل، وسَلْ ما بدا لك.
فذكرت له ذلك الموقف، وقلت: إنه في نفسي من ذلك الحين، فسكت برهة، وكادت تدمع عينه، وقال: هكذا يريد والدي، وقد حاولت مراراً ألا يفعل، فلما رأيت إصراره، وأن راحته في ذلك _ تركته وشأنه.
فانظر إلى هذا النبل من ذلك الوالد العالم الذي بلغ به التقدير والاعتراف ذلك المبلغ، ولا أظن أن الأمر يقف عند هذا الحد، بل ربما يكون هناك مواقف أخرى ربما تزيد على ذلك الموقف.
هذا وإن من أعظم ما تتجلى به صفة الاعتراف للمحسن بإحسانه _ أن يكون بينك وبين أحدٍ خصومةٌ، فلا يمنعك ذلك من أن تُقِرَّ له بالفضل؛ فإقرارك بالحسن من صفات خصمك دليل على مروءتك، ونبلك، وإنصافك.
وإذا لم ينصفك الرجل فرد عليك الحق بالشمال واليمين، أو جحد جانباً من فضلك وهو يراه رأي العين _ فلا تكن قلة إنصافه حاملة لك على أن تقابله بالعناد، فترد عليه حقاً، أو تجحد له فضلاً، واحترس من أن تسري لك من خصومك عدوى هذا الخلق الممقوت، فيلج في نفسك، وينشط له لسانك أو قلمك، وأنت تحسبه من محاربة الخصوم بمثل سلاحهم.
كلا، لا يحاربُ الرجل خصومه بمثل الاعتصام بالفضيلة، ولا سيما فضيلة كفضيلة الإنصاف؛ فهي تدل على نفس مطمئنة، وهمة عالية، ونظر في العواقب بعيد.
ولئن كان الإنصاف جميلاً فلهو مع الأقران أجمل وأجمل؛ ذلك أن الرجل يسهل عليه أن ينصف من هو أكبر منه سناً أكثر مما يسهل عليه أن ينصف أقرانه؛ ذلك لأن أكبر عائق عن الإنصاف التحاسد؛ فحسد الإنسان لأقرانه أكبر وأشد من حسده للمتقدمين عليه في السن.
بل يسهل عليه أن ينصف أقرانه أكثر مما يسهل عليه أن ينصف من هو أحدث سناً منه؛ إذ يسبق إلى ظنه أن ظهورَ مزيةٍ لمن هو أحدث عهداً منه قد تفضي إلى أن يكون ذكرُه أرفعَ.
وفضلُ القرين على بعض أقرانه شائع أكثر من فضل المتأخر على المتقدم؛ وشيوع الشيء يجعله أهون على النفس مما هو أقل شيوعاً منه؛ فإذا أنصف المرء من هو أحدث سناً منه دل ذلك على كرم نفسه، وشرف همته، وتناهي فضله.
ذكر ابن الجوزي في صفة الصفوة 2/143 عن عمر بن سعيد عن أمه قالت: =قدم ابن عمر مكة، فسألوه، فقال: أتجمعون لي يا أهل مكة المسائل وفيكم ابن أبي رباح _يعني عطاءً_+.
فابن عمر ( كان صحابياً وعطاء × كان تابعياً، ومع ذلك لم يجد ابن عمر غضاضة أو حرجاً من إنصاف عطاء، والاعتراف له بالفضل.
فينبغي للإنسان أن يتيقظ للأحوال التي تتقوى فيها داعية العناد، ويعد للوقوف عند حدود الإنصاف، ومقاومة تلك الداعية_ ما استطاع من قوة.
كذلك قد لا يصعب على الرجل أن ينصف قريباً أو صديقاً، بل قد لا يصعب عليه أن ينصف مَنْ لا تربطه به قرابة، أو صداقة، ولا تبعده منه عداوة.
والإنصاف الذي قد يحتاج فيه إلى مراوضة النفس كثيراً أو قليلاً_ هو أن يبدي بعض أعدائه رأياً سديداً، أو يناقشه في رأي مناقشة صائبة؛ فهذا موطن تذكير النفس بأدب الإنصاف، وإنذارها ما يترتب على العناد من إثم وفساد.
قال تعالى: ? ? ? ? ? ? ? ?? ? ? ? ??? [المائدة: ?].
ومن الإنصاف الذي يدل على الرسوخ في الفضيلة أن يتحدث الرجل عن خصمه، فينسب إليه ما يعرفه من فضل.
أَنْشَد رجل في مجلس أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( قول الشاعر:
فتى كان يدنيه الغنى من صديقه
كأن الثريا علقت بجبينه
إذا ماهو استغنى ويبعده الفقر
وفي خده الشعرى وفي الآخر البدر
فلما سمعها علي ( قال: هذا طلحة بن عبيداللَّه، وكان السيف ليلَتَئِذٍ مجرَّداً بينهما.
فانظر إلى عظمة الإنصاف، وجمال الحق، وكبر النفس.
وبهذا يتبيَّن لك أن الاعتراف للمحسن معدود في أمهات الفضائل.



40 ــ ? ? ? ? ?

في يوم من الأيام كنت في مجلس في الجامعة يضم نخبة من الزملاء من أهل العلم والفضل، ودار الحديث عن كيفية تلقي الإساءة، والتعامل معها إذا صدرت من سفيه لا يَحْسِبُ حِسَابَهُ فيما يقول؛ فتباينت أجوبة الحاضرين؛ فكان أسدُّها _في نظري_ إجابةً أجابها أحدهم بقوله: العلاج يوجد في قوله _تعالى_: ?? ? ??.
فلما انفض ذلك المجلس صرت أتفكر في تلك الآية العظيمة التي تعد بلسماً لكثير من الأدواء التي يُبتلى بها كثير من العقلاء؛ حيث يبتلون بمن لا خلاق لهم من السفهاء الذين يثيرون حولهم الغبار، ويسيؤون إليهم بالكلام البذيء المؤذي.
ويكثر ذلك في بعض الدوائر التي تضم خليطاً من الناس، كما يشيع في مجتمعات الطلاب والمعلمين.
وخير علاج لتلك الإساءات هو الإعراض عن الجاهلين؛ فمن أعرض عنهم حمى عرضه، وأراح نفسه, وسلم من سماع ما يؤذيه.
قال _عز وجل_: ? ? ? ? ? ? ? ?? [الأعراف: ???].
فبالإعراض عن الجاهلين يحفظ الرجل على نفسه عزتها,إذ يرفعها عن الطائفة التي تلذ المهاترة والإقذاع، قال بعض الشعراء:
إني لأعرض عن أشياء أسمعها
حتى يقول رجال إن بي حمقا
أخشى جواب سفيهٍ لا حياء له
فَسْلٍ وظَنَّ أناسٍ أنه صدقا
وقال أبو العتاهية:
والصمتُ للمرء الحليم وقايةٌ
ينفي بها عن عِرْضه ما يكره
فَكِلِ السفيه إلى السفاهة وانتصف
بالحلم أو بالصمت ممن يَسْفهُ
والعرب تقول : =إن من ابتغاء الخير اتقاءَ الشر+.
ورُوي أن رجلاً نال من عمر بن عبد العزيز × فلم يجبه, فقيل له: ما يمنعك منه؟.... قال: التقيُّ مُلْجَمٌ.
هذا وإن من أعظم ما يعين على الإعراض عن الجاهلين زيادة على ما مضى ما يلي:
1- الترفعُ عن السباب؛ فذلك من شرف النفس، وعلو الهمة، كما قالت الحكماء: =شرف النفس أن تحمل المكاره كما تحمل المكارم+.
قال الأصمعي: =بلغني أن رجلاً قال لآخر: والله لئن قلت واحدة لتسمعن عشراً.
فقال الآخر: لكنك إن قلت عشراً لم تسمع واحدة+.
وشتم رجل الحسن، وأربى عليه، فقال له الحسن: =أما أنت فما أبقيت شيئاً، وما يعلم الله أكثر+.
يقول العلامة محمد كرد علي ×: =وإذا لاحظ الهجاؤون أَن هجاءهم مما تنخلع له قلوب المهجوين زادوا وأفرطوا, وإذا أيقنوا أن صاحب النفس العظيمة لا يأبه كثيراً لما يقال فيه يحاذرون صَرْفَ أوقاتهم فيما لا يجدي عليهم.
وقد رأينا العليَّ المنزلة النزيهَ في ذاته لا يعبأ بثرثرة الثرثارين مدحاً كان أم قدحاً, ورأينا هذا الضرب من الأقوال خفَّ الاهتمام به في عهدنا؛ لأن الناس تعلموا, والمتعلم يخجل أَن يُصَفِّقَ للباطل, وأن يهرب من الحق+.
2- استحضار كونِ الإساءة دليلاً على رفعة شأن المُساء إليه، وشرفه؛ فذلك مما يهوِّن ما يلقى من سب وتجريح.
..........................................
وما زالت الأشراف تهجى وتمدح
وقد جرى في قريض أبي الطيب المتنبي أن من دلائل كمال الرجال رميَ الناقص له بسباب، حين يقول:
وإذا أتتك مذمتي من ناقص
فهي الشهادة لي بأني كاملُ
ووجه هذا: أن الوضيع لا تلتفت همته إلى من كان واقفاً في صفه من الأسافل، فتحدثه بأن يَلَغَ في أعراضهم بالمذمة؛ لأنه غني في نشر مثالبهم بما تلبسوا به من الفضائح، حتى إذا ألقى نحوهم بسبة رماها على شفته من غير حرص وشدة اهتمام بالتحدث بها.
وإنما تتوجه همته بمجامعها إلى الرجل الكامل؛ حيث يقصد إنزاله في معتقد الجمهور إلى مَدْرَجَتِه، أو ما هو أسفل منها.

قال الإمام الشافعي×:
إذا سبني نذل تزايدت رفعةً
وما العيب إلا أن أكون مساببه
ولو لم تكن نفسي علي عزيزة
لَمَكَّنْتُها من كل نذل تحاربه
وقال آخر:
ولست مشاتماً أحداً لأني
رأيت الشتم من عي الرجال
إذا جعل اللئيم أباه نصباً
لشاتمه فديت أبي بمالي
3- الاستهانة بالمسيء؛ فذلك من ضروب العزة والأنفة، ومن مستحسن الكبر والإعجاب، ومن ذلك قول بعض الزعماء في شعره:
أو كلما طَنَّ الذبابُ طَرَدْتُه
إن الذباب إذاً علي كريم
وأَكْثَرَ رجل مِنْ سَبِّ الأحنف وهو لا يجيبه,فقال السَّابُّ: والله ما منع الأحنفَ من جوابي إلا هواني عليه.
وفي مثله يقول الشاعر :
نَجَا بِكَ لُؤْمك مَنْجَى الذبابِ
حَمَتْهُ مقاذيرُه أن يُنالا
وشتم رجل الأحنف، وجعل يتبعه حتى بلغ حيَّه، فقال الأحنف: يا هذا إن كان بقي في نفسك شيء فهاته, وانْصَرِفْ؛ لا يَسْمَعْكَ بعض سفهائنا, فَتَلْقَى ماتكره.
وقيل للشعبي : فلان يتنقصك ويشتمك , فتمثل الشعبي بقول كُثَيِّر:
هنيئاً مريئاً غير داء مخامر
لعزة من أعراضنا ما اسْتَحَلَّتِ
أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة
لـــدينا ولا مقلية إنْ تَقَلَّتِ
وأسمع رجل ابن هبيرة فأعرض عنه، فقال: إياك أعني،فقال له: وعنك أعرض.
4- أن يستحضر أن مجاراة السفهاء شر وبلاء، فهناك من إذا ابتلي بسفيه ساقط، لا خلاق له، ولا مروءة فيه _ أخذ يجاريه في سفهه وقيله وقاله، مما يجعله عرضة لسماع مالا يرضيه من ساقط القول ومرذوله،فيصبح بذلك مساوياً للسفيه؛ إذ نزل إليه، وانحط إلى رتبته.
إذا جـاريت ذا خـلق دنـيئـاً
فأنـت ومـن تجـاريـه سـواء
قال الأحنف بن قيس: =من لم يصبر على كلمة سمع كلمات، وَرُبَّ غيظٍ تَجَرَّعتُهُ مخافة ما هو أشد منه+.
5- أن يستحضر الإنسان أنه بالإعراض عن الجاهلين يكرم نفسه بذلك، ويكرم قرابة السفيه الأبرياء الأعزاء؛ لأنهم لا ذنب لهم، ولهذا قيل: =لأجل عين تكرم ألف عين+.
ويقول زهير:
وذي خَطَلٍ في القول يحسب أنه
مصيبٌ فما يُلْمِمْ به فهو قائله
عَبَأْتُ له حِلْمي وأكرمت غيره
وأعرضت عنه وهو بادٍ مقاتله
وقد اختلف الشراح في قوله: =وأكرمتُ غيره+ فقال بعضهم: معناه أكرمت نفسي بالإعراض عنه، وقال بعضهم: أكرمت أهله، وأقاربه.
وقد يظن ظان أن الإعراضَ عن الجاهلِ والإغضاءَ عن إساءته مع القدرة عليه_ موجب للذلة، والمهانة، وأنه قد يجر إلى تطاول السفهاء.
وهذا خطأ؛ ذلك أن العفو والحلم لا يشتبه بالذلة بحال؛ فإن الذلة احتمال الأذى على وجه يذهب الكرامة.
أما الحلم فهو إغضاء الرجل عن المكروه،حيث يزيده الإغضاء في أعين الناس رفعة ومكانة.
سياسة الحلم لا بطش يكدرها
فهو المهيب ولاتخشى بوادره
فالعفو إسقاط حقك جوداً، وكرماً، وإحساناً مع قدرتك على الانتقام، فتؤثر الترك ؛ رغبة في الإحسان ومكارم الأخلاق.
بخلاف الذل؛ فإن صاحبه يترك الانتقام عجزاً، وخوفاً، ومهانة نفس؛ فهذا غير محمود، بل لعل المنتقم بالحق أحسن حالاً منه؛ لأن من الناس من بلغت به الرقاعة واللؤم أن يفسر الإكرام والإغضاء بالضعف، وعليه يحمل قول أبي الطيب المتنبي:
إذا أنت أكرمت الكريم ملكته
وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا
وقول الشريف الرضي:
في الناس إن فتَّشتهم
مَنْ لا يُعِزُّك أو تُذِلَّه
فاترك مجاملة اللئيـ
ـم فإن فيها العجزَ كُلَّه
ومعنى قوله: =أو تذله+: إلا أن تذله، كما في الشاهد النحوي:
وكنت إذا غمزت قناة قوم
كسرت كعوبها أو تستقيما
أي: إلا أن تستقيما.
وهذا راجع إلى حكمة الإنسان، وتقديره الأمورَ، وتدبره للعواقب؛ فيعرف متى يأخذ بالحزم، ومتى يأخذ بالحلم.



41 ــ ? ? ??

هذا العنوان _كما لا يخفى_ جزء من آية من سورة الأعراف، وتمامها ?? ? ? ? ? ? ?? ? ? ?? [الأعراف: ???].
وقبلها قوله _تعالى_: ?? ? ? ? ? ? ??.
فهاتان الآيتان وصية ربانية عظمى للتعامل مع الأعداء من الإنس والجن.
ولهما نظير في موضعين من القرآن الكريم، أحدهما: في سورة المؤمنون وهو قوله: ? ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? [المؤمنون: ?? – ??].
والثاني: في سورة فصلت، وهو قوله _تعالى_: ? ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ? [فصلت: ?? – ??].
والمقصود بيانه ههنا قوله _تعالى_ في سورة الأعراف: ?? ? ... ? الآية.
ولقد تكلم المفسرون _رحمهم الله_ عن هذه الآية كغيرها، فأوضحوا معناها بياناً شافياً.
ومما قيل في ذلك: إن النزغ، والنغز بمعنىً واحدٍ، ومعناه: النخس.
فجاء تعبير القرآن البليغ بكلمة النزغ لما فيها من معنى النغز، والنخس، فكأن الشيطان يأتي بشيءٍ مُحَدَّدٍ ينخسه في الإنسان، ويغرزه فيه؛ ليثيره إلى ما لا يرضي الله _عز وجل_.
فذلك هو شعور الإنسان بالوسوسة والتثبيط عن الخير، أو الحث والإزعاج إلى الشر؛ فَأُمر _إذا وَجَدَ في نفسه تلك الخواطر_ أن يستعيذ بالله؛ فقد ضمن _جلا وعلا_ له أن يعيذه إذا استعاذ؛ لأنه هو الذي أمر بهذا، فبذلك تسلم نفسه من أن تغشاها غواشي السوء؛ فهذا معنى الآية.
وفي ذلك إشارة إلى أن نزغات الشيطان قد تزداد ثورتها في بعض الأحيان إذا صادف من الإنسان غفلة، أو شهوة، أو غضباً، أو فراغاً، أو أيَّ نوع من المثيرات التي تحرك فيه نوازع الشر.
ولهذا يجد الإنسان ذلك من نفسه؛ حيث تتحرك فيه تلك الدواعي، وتزيد في بعض الأوقات والأحوال؛ فجدير به إذا شعر بتلك النزغات أن يفزع إلى الاستعاذة بالله، وألا يستسلم ويسترسل مع تلك الخواطر.
وكلما اشتدت وطأة تلك الخواطر فليلجأ إلى الله طالباً منه العوذ، والنجاة.
وليعلم أن اشتداد الوطأة من الشيطان لا يلبث إلا فترة ثم يزول بإذن الله؛ فليبادر إلى الاستعاذة، وليتئد ويتريث؛ فلا يُقْدِمُ على ما زيَّنه له الشيطان.
وإذا هممت بأمر سوء فاتئد
وإذا هممت بأمر خير فاعجل
ثم إذا ما أغواه الشيطان، وأزله، وأصاب منه _ فليستغفر، وليستدرك ما فَرُط منه بالتوبة، والحسنات الماحية.
وهذا ما أشار إليه قوله _عز وجل_: ?? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?? [الأعراف: ???].
فهذا علاج رباني لنزغات الشيطان إذا ثارت ثوائرها.
ثم إنه يجدر بالإنسان أن يتقي تلك النزغات قبل حلولها، وذلك بالبعد عن المثيرات التي ينفذ منها الشيطان سواء مثيرات الغضب، أو الشهوة، أو نحوها؛ فإن مَثَلَ النفوس _بما جُبلت عليه من ميل إلى الشهوات، وما أودع فيها من غرائز تميل مع الهوى حيث مال_ كمثل البارود، والوقود، وسائر المواد القابلة للإشتعال؛ فإن هذه المواد وما جرى مجراها متى كانت بعيدةً عما يُشعل فتيلها، ويُذكي أوارها _ بقيت ساكنة لا يُخشى خطرُها، والعكس.
وكذلك النفوس؛ فإنها تظل ساكنة وادعة هادئة، فإذا اقتربت مما يثيرها، ويحرك نوازعها إلى الشرور من مسموع، أو مشموم أو منظور _ ثارت كوامنها، وهاجت شرورها، وتحرك داؤها، وطغت أهواؤها.
كما يجمل بالإنسان أن يبتعد عن المثيرات والنوازع التي تحرك شروره فكذلك يجمل به أن يصلح خواطره، وأفكاره، وذلك بتصحيح مسارها، وتوجيهها إلى ما ينفع، والبعد بها عن كل ما يضر.
وللإمام ابن القيم في كتابه الفوائد ص249_251، كلام جميل في هذا الشأن، يقول ×: =مبدأ كل علم نظري، وعمل اختياري هو الخواطر والأفكار؛ فإنها توجب التصوراتِ، والتصوراتُ تدعو إلى الإراداتِ، والإراداتُ تقتضي وقوعَ الفعل، وكثرةُ تكراره تعطي العادةَ؛ فصلاحُ هذه المراتب بصلاح الخواطر والأفكار، وفسادُها بفسادها؛ فصلاح الخواطر بأن تكون مراقبة لوليها وإلهها، صاعدةً إليه، دائرةً على مرضاته ومحابِّه؛ فإنه _سبحانه_ به كل صلاح، ومن عنده كل هدى، ومن توفيقه كل رشد، ومن تولِّيه لعبده كل حفظ، ومن تولِّيه وإعراضه عنه كل ضلال وشقاء+.
وقال: =واعلم أن الخطراتِ والوساوسَ تؤدي متعلقاتها إلى الفكر، فيأخذها الفكرُ، فيؤديها إلى التذكر، فيأخذها التذكر فيؤديها إلى الإرادة، فتأخذها الإرادة فتؤديها إلى الجوارح والعمل، فتستحكم فتصير عادة؛ فَرَدُّها من مبادئها أسهل من قطعها بعد قوتها وتمامها.
ومعلوم أنه لم يُعْطَ الإنسانُ إماتةَ الخواطر، ولا القوةَ على قطعها؛ فإنها تهجم عليه هجوم النَّفَس، إلا أن قوة الإيمان والعقل تعينه على قبول أحسنها، ورضاه به، ومساكنته له، وعلى دفع أقبحها، وكراهته له، وأنَفَته منه+.
إلى أن قال×: =وقد خلق الله_سبحانه_النفسَ شبيهةً بالرحى الدائرة التي لا تسكن، ولا بد لها من شيء تطحنه؛ فإن وُضع فيها حبٌّ طَحَنَتْهُ، وإن وضع فيها تراب أو حصى طحنته؛ فالأفكار والخواطر التي تجول في النفس هي بمنزلة الحب الذي يوضع في الرحى، ولا تبقى تلك الرحى مُعَطَّلةً قط، بل لا بد لها من شيء يوضع فيها؛ فمن الناس من تطحن رحاه حَبَّاً يخرج دقيقاً ينفع به نفسه وغيره، وأكثرهم يطحن رملاً وحصى وتبناً ونحو ذلك؛ فإذا جاء وقت العجن والخبز تبيَّن له حقيقة طحينه+.
وقال×: =فإذا دَفَعْتَ الخاطرَ الواردَ عليك اندفع عنك ما بعده، وإن قَبلْتَهُ صار فكراً جوَّالاً، فاسْتَخْدم الإرادة، فتساعَدَتْ هي والفكر على استخدام الجوارح، فإن تعذر استخدامها رجعا إلى القلب بالتمني والشهوة وتَوجُّهِهِ إلى جهة المراد.
ومن المعلوم أن إصلاح الخواطر أسهل من إصلاح الأفكار، وإصلاح الأفكار أسهل من إصلاح الإرادات، وإصلاح الإرادات أسهل من تدارك فساد العمل، وتداركه أسهل من قطع العوائد.
فأنفع الدواء أن تشغل نفسك بالفكر فيما يعنيك دون ما لا يعنيك؛ فالفكر فيما لا يعني باب كل شر، ومن فَكَّر فيما لا يعنيه فاته ما يعنيه، واشتغل عن أنفع الأشياء له بما لا منفعة له فيه+.
إلى أن قال: =وإياك أن تُمَكّن الشيطان من بيت أفكارك وإرادتك؛ فإنه يفسدها عليك فساداً يصعب تداركه، ويلقي إليك أنواع الوساوس والأفكار المضرة، ويحول بينك وبين الفكر فيما ينفعك، وأنت الذي أعَنْتَه على نفسك بتمكينه من قلبك، وخواطرك فَمَلَكَها عليك+.


42 ــ سرعة البديهة

سرعة البديهة، وحسن التخلص موهبة من الله _عز وجل_ يهبها الله لمن يشاء من عباده.
وهي _كذلك_ خصلة قد تدرك بالمران، والمراس، والقراءة، والنظر في سير أعاظم الرجال؛ فإذا كان عند الإنسان طرف من تلك الخصلة، وكان ذا فطنة مستيقظة تتفكر في الأمور، وتتبصر في مجريات الأحوال والحوادث _ نَمَتْ بالمران والمراس.
وإذا لم يكن كذلك فقد لا ينفعه طول التجارب، كما قال البحتري:
إذا المرء لم تَبْدَهْك بالحزم والحجى
قريحته لم تغنِ عنك تجاربه
هذا وإن كتب السير حافلة بذكر وقائع من هذه الخصلة، فمن ذلك ما جاء في المجادلة التاريخية العظيمة التي جرت بين أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، ومعاوية بن أبي سفيان _رضي الله عنهم_ فقد جاء في كتب السير أن عمر بن الخطاب ( لما قدم الشام تلقاه معاوية ( في موكب عظيم وهيئة؛ فلما دنا منه قال: أنت صاحب الموكب العظيم؟ قال: نعم، قال: مع ما بلغني من طول وقوف ذوي الحاجات ببابك؟
قال: نعم، قال: ولِمَ تفعلُ ذلك؟
قال: نحن بأرضٍ جواسيسُ العدوِّ بها كثير، فيَجِبُ أن نظهر من عزِّ السلطان ما يرهبهم؛ فإن نهيتني انتهيت.
قال: يا معاوية: ما عاتبتك عن شيء يبلغني عنك إلا تَرَكْتَني منه في أضيقَ من رواحب الضِّرْس(31) فإن كان ما قلتَ حقاً فرأي أريب، وإن كان باطلاً فخدعة أديب.
قال معاوية: فَمُرْني، قال عمر: لا آمرك ولا أنهاك.
فقال عبدالرحمن بن عوف ( وكان في معية عمر: يا أمير المؤمنين ما أحسن ما صدر عما أوْرَدْتَه!
قال عمر: لِحُسْن مصادره وموارده جشَّمناه ما جشَّمناه!
وتذكر كتب السير والأدب أن القاضي الفاضل البيساني الكاتب المشهور زار العماد الكاتب، فلما ركب لينصرف قال له العماد: =سر فلا كبا بك الفرس+، ففطن القاضي أن في الكلام مُحسِّنَ القلبِ فأجابه على البديهة: =دام علا العماد+.
ومُحسن القلب ههنا هو ما يعرف عند البلاغيين في فن البديع بـ: محسن القلب المستوي، وهو الذي إذا قرأت حروفه من أولها إلى آخرها أو العكس كان المعنى واللفظ واحداً، وهو موجود في القرآن الكريم، كما في قوله _تعالى_: ?رَبَّكَ فَكَبِّرْ?، وقوله: ? ? ? ??.
ومنه قولهم: =عقرب تحت برقع+.
وقول الأرجاني:
مودته تدوم لكل هول
وهل كل مودته تدوم
والشاهد ههنا فِطْنَةُ القاضي الفاضل، وسرعة بديهته؛ حيث أجاب على الفور بما يناسب المقام.
ولا ريب أن لتلك الخصلة ثمراتٍ كبيرةً؛ إذ هي تعين على التخلص من المواقف المحرجة التي قد تودي بصاحبها، أو تخذله في موقف لا يود أن يُخذل فيه.
كما أنها ترفع من قدر من يمتاز بها، وتجعل له المحل الأرفع في نفوس من يَقْدُرون المكارم قدرها.
ومما يذكر في هذا الصدد ما أورده ابن الجوزي في كتاب الأذكياء أن عمر ابن الخطاب ( استعمل رجلاً من قريش على عمل فبلغه عنه أنه قال:
اسقني شربةً ألذُّ عليها
واسق بالله مثلها ابن هشام
فأشخص عمر إليه، وعَلِمَ الرجلُ بالحال، فضم إليه بيتاً آخر، فلما قدم على عمر، قال: ألست القائل:
اسقني شربةً ألذُّ عليها
واسق بالله مثلها ابن هشام
قال: بلى يا أمير المؤمنين إن لهذا البيت ثانياً وهو:
عسلاً بارداً بماء سحاب
إنني لا أحب شرب المدام
قال عمر: الله الله ! ارجع إلى عملك.
ومما يذكر في ذلك ما أورده ابن حجة الحموي في كتابه ثمرات الأوراق ص78 أن أبا عبيدة قال: التقى جرير والفرزدق بمنى وهما حاجّان، فقال الفرزدق لجرير:
فإنك لاق بالمنازل من منى
فَخاراً فأخبرني بمن أنت فاخر
فقال جرير: لبيك اللهم لبيك.
قال أبو عبيدة: وأصحابنا يستحسنون هذا الجواب من جرير، ويعجبون منه.
ويذكر ابن حجة ص98 أن الشعبي قال: =أنفذني عبد الملك بن مروان إلى ملك الروم، فلما وصلت إليه جعل لا يسألني عن شيء إلا أجبته، وكانت الرسل لا تطيل الإقامة؛ فحبسني عنده أياماً كثيرة، فلما أردت الانصراف، قال: أمن أهل بيت المملكة أنت؟ فقلت: لا، ولكني من العرب، فدفع إليَّ رقعة، وقال: إذا أديت الرسائل إلى صاحبك أوصل إليه هذه الرقعة.
قال: فأديت الرسائل عند وصولي إلى عبد الملك، وأنسيت الرقعة، فلما وصلت الباب أريد الخروج تذكرت الرقعة، فرجعت، فأوصلتها إليه، فقال لي: هل قال لك شيئاً قبل أن يدفعها إليك؟ قلت: نعم.
قال لي: أنت من أهل بيت المملكة، قلت: لا، لكني رجل من العرب في الجملة، ثم خرجت من عند عبدالملك، فلما بلغت الباب، طلبني، فَرُدِدْتُ، فلما مثلت بين يديه، قال: أتدري ما في الرقعة؟ قلت: لا، قال: اقرأها، فقرأتها فإذا فيها: عَجِبْتُ من قوم فيهم مثل هذا كيف مَلَّكوا غيره؟
قلت يا أمير المؤمنين: لو علمت ما فيها ما حملتها، وإنما قال هذا: لأنه لَمْ يَرَك.
قال: أتدري لم كتبها؟ قلت: لا، قال: حسدني عليك؛ فأراد أن يغريني بقتلك.
ويذكر ابن حجة ص99: أن الحجاج قال يوماً للشعبي: كم عَطاءكَ في السنة؟ فقال: ألفين، فقال له: ويحك! كم عطاؤُك، قال: ألفان، فقال: ويحك! كيف لحنت أولاً؟ فقال: لَحَنَ الأمير فلحنت، فلما أعرب أعربت، وما يحسن أن يلحن الأمير وأعرب، فاستحسن ذلك منه وأجازه.
وفي كتاب نفحة اليمن فيما يزول به الشجن للشرواني ص22-23 ما نصه: =قيل: إن الحجاج خرج يوماً متنزهاً, فلما فرغ مِنْ تَنَزُّهِهِ صَرَفَ عنه أصحابَه، وانفرد بنفسه؛ فإذا هو بشيخ من عِجْل, فقال له: من أين أيها الشيخ؟ قال: من هذه القرية، قال: كيف ترون عمالكم؟ قال: شرّ عمال يظلمون الناس، ويستحلون أموالهم، قال: فكيف قولك في الحجاج؟ قال: ذلك ما ولي العراق أشرّ منه، قبحه الله _تعالى_ وقَبَّح مَنْ استعمله، قال: أتعرف من أنا؟ قال: لا, قال: الحجاج، فقال: أتعرف من أنا؟ قال لا، قال: أنا مجنون بني عجل، أصرع كل يوم مرتين، قال: فضحك الحجاج، وأمر له بصلة جليلة+.
ومما ذكره ابن حجة ص143_144 قوله: =وكان أبو جعفر المنصور أيام بني أمية إذا دخل البصرة دخل متكتماً، وكان يجلس في حلقة أزهر السمان المحدِّث، فلما أفضت إليه الخلافة قدم أزهر عليه فرحب به، وقرَّبه، وقال: ما حاجتك يا أزهر؟ فقال: يا أمير المؤمنين، داري متهدمة، وعليَّ أربعة آلاف درهم، وأريد أن أزوج ابني محمداً، فوصله باثني عشر ألف درهم، وقال: قد قضينا حاجتك يا أزهر، فلا تأتنا بعد هذا طالباً، فأخذها، وارتحل.
فلما كان بعد سنة أتاه فقال له أبو جعفر: ما حاجتك يا أزهر؟ قال: جئتُ مُسَلِّماً، فقال: لا، والله بل جئتَ طالباً، وقد أمرنا لك باثني عشر ألفاً، فلا تأتنا طالباً، ولا مسلماً، فأخذها ومضى.
فلما كان بعد سنة أتاه، فقال: ما حاجتك يا أزهر، قال: أتيت عائداً، فقال: لا، والله بل جئت طالباً، وقد أمرنا لك باثني عشر ألفاً، فاذهب، ولا تأتنا بعد طالباً، ولا مسلماً، ولا عائداً، فأخذها، وانصرف.
فلما مضت السنة، أقبل، فقال له: ما حاجتك يا أزهر قال: يا أمير المؤمنين دعاء كنت أسمعك تدعو به، جئت؛ لأكتبه، فضحك أبو جعفر، وقال: الدعاء الذي تطلبه غير مستجاب، فإني دعوت الله به أن لا أراك، فلم يستجب لي، وقد أمرنا لك باثني عشر ألف، وتعال إذا شئت، فقد أعيتنا الحيلة فيك+.
ومما ذكره صاحب ثمرات الأوراق ص169-170 أن الربيع صاحب المنصور كان يعادي أبا حنيفة، فحضر يوماً عند أمير المؤمنين، فقال الربيع: يا أمير المؤمنين، إن أبا حنيفة يخالف جدك ابن عباس، وكان جدك يقول: إذا حلف الرجل على شيء، ثم استثنى بعد ذلك بيوم أو بيومين كان ذلك جائزاً، وقال أبو حنيفة: لا يجوز الاستثناء إلا متصلاً باليمين.
فقال أبو حنيفة: يا أمير المؤمنين، إن الربيع يزعم أن ليس لك في رقاب جندك عهد، قال: كيف ذلك؟ قال: يحلفون لك، ثم يرجعون إلى منازلهم فيستثنون، فتبطل أيمانهم.
فضحك المنصور، وقال: يا ربيع! لا تتعرض لأبي حنيفة.
ومن عجائب البديهة ما ذكره ابن حجة في ثمرات الأوراق ص333-334 من بديهة ابن الوردي، قال ابن حجة: =ومن لطائف المنقول، ما نقله الشيخ الإمام العالم العلامة الحبر زين الدين أبو حفص عمر بن الوردي × لما دخل دمشق المحروسة في أيام قاضي القضاة نجم الدين بن صَصْري الشافعي _تغمده الله برحمته ورضوانه_ فأجلسه في صفة الشهود المعروفة بالشباك، وكان الشيخ زين الدين يلبس زِيَّ أهل المعرة، فاستزاره الشهود، فحضر كتابَ مُشْتَرَىً، فقال بعضهم: أعطوا المعري يكتبه، فقال الشيخ زين الدين: ترسمون أكتبه نظماً، أو نثراً؟ فزاد استهزاؤهم، فقالوا: نظماً، فأخذ القرطاس، وكتب:
بسم إله الخلق هذا ما اشترى
محمدُ بن يونس بن سنقرا
من مالك بن أحمد بن الأزرق
كلاهما قد عرفا من جلّق
فباعه قطعة أرضٍ واقعه
بَكَوْرَة(32) الغوطة وهي جامعه
بشجرٍ مختلف الأجناس
والأرض في البيع مع الغرّاس
وذرع هذي الأرض بالذراع
عشرون في الطول بلا نزاع
وذرعها في العرض أيضاً عشره
وهو ذراعٌ باليد المعتبره
وحدّها من قبلةٍ ملك التقي
وحائز الروميّ حدّ المشرق
ومن شمالٍ ملك أولاد علي
والغرب ملك عامل بن جهبل
وهذه تعرف من قديم
بأنها قطعة بنت الرومي
بيعاً صحيحاً لازماً شرعيَّا
ثم شراءً قاطعاً مرعيَّا
بثمن مبلغه من فضَّه
وازنةٌ جيّدةٌ مبيضّه
جاريةٌ للناس في المعامله
ألفان منها النصف ألفٌ كامله
قبضها البائع منه وافيه
فعادت الذّمة منه خاليه
وسلّم الأرض إلى من اشترى
فقبض القطعة منه وجرى
بينهما بالبدن التفرق
طوعاً فما لأحدٍ تعلّق
ثم ضمان الدَّرَك المشهور
فيه على بائعه المذكور
وأشهدا عليهما بذاك في
رابع عشر رمضان الأشرف
من عام سبعمائة وعشره
من بعد خمسٍ تلوها للهجره
والحمد لله وصلى ربي
على النبيَّ وآله والصحب
يشهد بالمضمون من هذا عمر
ابن المظفر المعرِّي إذ حضر
فلما فرغ الشيخ زين الدين، وتأمل الجماعة سرعة بديهته، مع استيعاب الشروط الشرعية، اعترفوا بفضله، واعتذروا إليه لما علموا أنه ابن الوردي، وأجلسوه في الصدر، ولكنهم عجزوا عن رسم الشهادة نظماً، وسألوه ذلك فكتب عن شخص منهم إلى جانبه يُدعى ابن رسول:
قد حضر العقد لذاك أحمدُ
ابنُ رسولٍ وبذاك يشهد
وهكذا يتبين لنا فضل سرعة البديهة، وكرامة من يتَّصف بها، فحري بالعاقل أن يأخذ نفسه بهذه الخَصلة الشريفة، وأن يتدرَّب على اكتسابها؛ لعلها تصبح بعد ذلك هيئةً راسخةً فيه.



43 ــ الثناء الصادق
الثناء الصادق المعتدل مما يشعر الإنسان بقيمته، ويهزه إلى المكارم هزاً؛ فيقوده إلى الصفح، والعفو، وإحسان الظن، والبذل.
كما أنه دليل على كرم سجية المُثْنِي، وعلى بعده عن الأثرة والشح؛ فهو من قبيل الكلمة الطيبة، والكلمة الطيبة صدقة.
كما أن له ارتباطاً بخلق كريم ألا وهو الاعتراف للمحسن، وعدم غمطه حقه.
ولا ريب أن هذه المعاني من أعظم ما يرتقي بالمشاعر، وينهض بالهمم، ويحفظ للناس أقدارهم، وينأى بهم عن السفاسف والمحقرات.
بل إن كرام الناس إذا مدحوا أبت لهم هممهم أن يكونوا دون ما مدحوا به.
بل إن الثناء الصادق مما تنشرح له صدور العظماء، ويشعرهم بصواب ما هم عليه، ويقودهم إلى مزيد من الخير والإحسان، ويسد عليهم باب الكسل الذي يواجههم به المخذِّلون، والمبالغون في النقد.
ولهذا سلكت هداية القرآن الكريم هذا المهيع؛ فكم هي الآيات التي ورد فيها الثناء من الرب الكريم _جل وعلا_ على بعض عباده الصالحين؟
إنها كثيرة جداً، منها قوله _تعالى_ في الثناء على نوح _عليه السلام_: ? ? ? ? ? ?? ? ? ? ??.
وقوله _تعالى_ في حق إبراهيم _عليه السلام_: ? ? ? ? ? ?? [هود: ??].
وقوله في حق نبينا محمد ?: ? ? ? ? ? ? [القلم: ?].
أما السنة النبوية فحافلة بهذا المقام؛ ولو ألقيت نظرة في دواوينها، وفي كتب المناقب منها على وجه الخصوص لرأيت عجباً، وإليك هذين المثالين فحسب:
جاء في صحيح البخاري عن عمرو بن تغلب أن رسول الله ? أتى بمال، أو بسبي فقسمه، فأعطى رجالاً وترك رجالاً، فبلغه أن الذين ترك عتبوا؛ فحمد الله، ثم أثنى عليه ثم قال: =أما بعد، فوالله إني لأعطي الرجل، وأدع الرجل، والذي أدع أحب إلي من الذي أعطي، ولكن أعطي أقواماً لما أرى في قلوبهم من الجزع والهلع، وأَكِل أقواماً إلى ما جعل الله في قلوبهم من الغنى والخير، منهم عمرو بن تغلب+ فوالله ما أحب أن لي بكلمة رسول الله ? حمر النعم.
فانظر إلى هذا الثناء، وانظر إلى أثره في نفس عمرو بن تغلب( حتى استغنى أن يطلب مالاً؛ فكانت هذه الكلمة أحب إليه من حمر النعم، وهي أَنْفَسُ ما تملكه العرب.
وجاء في الصحيحين من حديث عبدالله بن عمر _رضي الله عنهما_ قال: =كان الرجل في حياة النبي ? إذا رأى رؤيا قصها على رسول الله ? فتمنيت أن أرى رؤيا؛ فأقصها على رسول الله ?، وكنت غلاماً شاباً، وكنت أنام في المسجد على عهد رسول الله ? فرأيت في النوم كأن ملكين أخذاني، فذهبا بي إلى النار، فإذا هي مطوية كطي البئر، وإذا لها قرنان، وإذا فيها أناس قد عرفتهم؛ فجعلت أقول: أعوذ بالله من النار، قال: فَلَقِيَنا ملك آخر، فقال لي لم تُرَعْ.
فقصصتها على حفصة، فقصَّتْها حفصة على رسول الله ? فقال: =نعم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل+.
فكان عبدالله بَعْدُ لا ينام من الليل إلا قليلاً.
فهذه أمثلة يسيرة من السنة، والمقام لا يحتمل الإطالة في ذلك، وإنما هي إشارات يتبين من خلالها أن الثناء الصادق سنة متبعة، وأن له آثاره الحميدة.
ولهذا تتابع السلف الصالح على هذا الخلق النبيل، فلو نظرنا في سير أكابرهم لرأينا ذلك واضحاً؛ فهذا ابن مسعود ( يقول: =كان معاذ بن جبل أمة قانتاً لله حنيفاً، ولم يكن من المشركين+ تشبيهاً له بإبراهيم الخليل _عليه السلام_.
فهذا الثناء من ابن مسعود ( دليل على إنصافه، وزكاء نفسه؛ فمع أنه من أكابر علماء الصحابة، ومع أنه أسبق إسلاماً وأكبر سناً من معاذ، إلا أنه لم يجد في نفسه غضاضة من الثناء عليه، وإنزاله منزلته اللائقة به.
وهكذا كان شأن الصحابة _رضي الله عنهم_ وبمثل هذا الخلق النبيل سادوا، وارتفعوا، فكانوا خير أمة أخرجت للناس، وكانوا أكثرهم اتفاقاً ووئاماً، وأقلَّهم خلافاً وتفرقاً.
وهكذا درج من جاء بعد الصحابة على هذا المنوال؛ فهذا الإمام أحمد ×  يقول: =أتدري مَن الإمامُ؟ الإمام سفيان الثوري، لا يتقدمه أحد في قلبي+.
وقال: =قال لي ابن عيينة: لن ترى بعينك مثل سفيان+.
وهذا سفيان الثوري×يقول: =كان إبراهيم بن أدهم يشبه إبراهيم الخليل، ولو كان في الصحابة لكان رجلاً فاضلاً+.
ويقول _أيضاً_ في ابن المبارك ×: =إني لأشتهي أن أكون من عمري كلِّه أن أكون سنة مثل ابن المبارك؛ فما أقدر أن أكون ولا ثلاثة أيام+.
وقال علي بن زيد: حدثني عبدالرحمن بن أبي جميل قال: =كنا حول ابن المبارك بمكة، فقلنا له: يا عالم الشرق حدثنا _وسفيان قريب منا يسمع_ فقال: ويْحَكُم! عالم المشرق والمغرب وما بينهم+.
فها هم أفاضل السلف يشهد بعضهم لبعض، ويُثني بعضهم على بعض دونما تحرج أو غضاضة؛ فماذا كانت النتيجة؟ لقد رفعهم الله جميعاً؛ وربما كان إعجابنا بالشاهد المادح أعظم من إعجابنا بالمشهود له الممدوح؛ لأن شهادته لِقِرْنِهِ تدل على ساحة طاهرة، ونفس زكية.
وهذا مما يرقى بالذوق، ويسمو بالهمم، ويرتقي بالمشاعر، ويقضي على روح التشاحن والبغضاء.
قيل لأعرابي: =من أكرم الناس عِشرة؟ قال: من إذا قرب منح، وإذا بعد مَدَح، وإن ضويق فسح، فمن ظفر به فقد أفلح ونجح+.
ومما ينبغي التنبيه عليه مراعاة الفرق بين المديح المنضبط المعتدل الصادق، وبين الإطراء الكاذب الممقوت؛ كمن يقول في ممدوحه:
ما شئت لا ما شاءت الأقدار
فاحكم  فأنت  الواحد  القهار
وكحال من يقول لما حصل زلزال في مصر في عهد أحد السلاطين:
ما زُلْزِلت مصر من كيد يراد بها
لكنها رقصت من عدله طربا
وكذلك ينبغي مراعاة التوازن في المديح؛ لأن من الناس من يزيده المديح إقبالاً وجداً، وفضلاً ونبلاً، ومنهم من يبعث فيه المديح غروراً، وطيشاً، وتيهاً، وعتواً، ونفوراً.
وهذا راجع لحكمة الإنسان، ومعرفته بطبائع النفوس، وربما كان الفصل بينهما رهينَ كلمة مدح مقدرة أو مبالغ فيها.
وبناءً على ما مضى كله؛ فلماذا لا نأخذ بهذه الطريقة الحكيمة النبيلة؟ لماذا لا نأخذ بها إذا وقفنا أمام الناس لنعظهم؛ فنبدأ بالثناء عليهم ثناءً متزناً؛ كي نهيئ نفوسهم لقبول ما نقول؛ إذ لا شيء يهز أعطافهم كالثناء عليهم خصوصاً إذا كان من غريب؟
وما الذي يضيرنا إذا رأينا إنساناً محافظاً على الصلاة، أو براً بوالديه، أو واصلاً لأرحامه، أو متودداً لجيرانه أن نذكره بعظم هذا العمل، وأن نشكره عليه، ونوصيه بالاستمرار على ذلك؟
وما الذي يمنعنا إذا رأينا من أحد طلابنا جداً ونشاطاً وأدباً أن نشعره بالرضا والفرح، والدعاء؟
وما الذي يمنعنا إذا رأينا معلماً مخلصاً في عمله، حريصاً على طلابه أن نَشُدَّ على يده، وأن نشكره على إخلاصه وحرصه؟ بدلاً من تخذيله، وإشعاره بأنه إنسان ساذَج يقوم بأكثر مما طلب منه.
وما الذي يضيرنا إذا رأينا خطيباً مصقعاً يهز أعواد المنابر، ويحترم عقول المخاطبين، ويحرص على تحرير خطبه، وإلقائها في أثواب ملائمة أن نشكر له صنيعه، ونشعره باستفادتنا منه، وتقديرنا له؟
وما الذي يضيرنا إذا رأينا أو سمعنا عن طبيب حاذق يتمتع بخلق فاضل، وصبر على مراجعيه، وحرص على سلامتهم وعافيتهم أن نبدي له إعجابنا وشكرنا ودعاءنا؟
وما الذي يلجم أفواهنا أو أقلامنا أن تشكر صحفياً أو كاتباً على حبه للفضيلة، ودفاعه عنها؟
ولماذا لا نزجي الشكر والثناء لمسؤول أصدر قراراً فيه نفع للمسلمين، أو فيه فتح لباب خير، أو إغلاق لباب شر؟
ولماذا لا نعتاد تقديم الثناء، والشكر لمن أسدى إلينا معروفاً ولو قَلَّ؟
قال النبي ?: =من صنع إليكم معروفاً فكافؤوه, فإن لم تجدوا ما تكافؤونه فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه+.
وقال _عليه الصلاة والسلام_: =من صُنع إليه معروفٌ، فقال لفاعله: جزاك الله خيراً فقد أبلغ في الثناء+.
يقول سفيان الثوري ×: =إني لأريد شرب الماء، فيسبقني الرجل إلى الشربة، فيسقينيها؛ فكأنما دقَّ ضلعاً من أضلاعي لا أقدر على مكافأة لفعله+.
وقال أبو هاشم الحراني: =من طباع الكريم وسجاياه رعاية اللقاءة الواحدة، وشكر الكلمة الحسنة الطيبة، والمكافأة بجزيل الفائدة+.
وبالجملة فباب الثناء والشكر باب واسع لمن أحسن الدخول فيه، ومسلك جميل للتعبير عن المشاعر، والحفاظ على روح الود، والنهوض بالهمم.
وإن الذي يُلحظ في أحوال بعضنا أنه لا يحفل بهذا المسلك الرشيد، مع أنه سهل ميسور، محمود العواقب، كثير العوائد.
بل إننا مستعدون للنقد، والمجادلة، والرد أكثر من استعدادنا للشكر والثناء الصادق مع أن الثناء الصادق مقتضى العدلِ، بل الإحسانِ.
والعاقل لا يعدم خصلة خير ينفذ من خلالها إلى قلب من يريد هدايته، أو كسبه، أو تقليل شره، أو زيادة خيره.
بل إن المبادرة بالنقد، والنظر من زاوية الخلل _ابتداءً_ قد يكون سبباً لرد الحق، وذريعة للتمادي في الباطل؛ فلو أنك بادرت شخصاً بالنقد والثلب لربما أراك أو أسمعك من سوئه ما لم يكن في حسبانك، ولسان حاله يُنشد:
............................... أنا الغريق فما خوفي من البلل




44 ــ أصالة الرأي

أصالة الرأي خصلة شريفة يُمدح بها، ويُرفع من شأن صاحبها، ويستجلب بها الخير، ويدفع بها الشر.
وهي مُركَّبة من الحلم، والرَّويَّة، والحزم، والعدل، وقوة العقل، واعتدال المزاج، والتبصر في مبادي الأمور، وحسن التدبر لعواقبها، ومعرفة ما تؤول إليه من الخطأ والصواب.
وأصالة الرأي: جودته، وإحكامه، وسداده، ونضجه.
قال الطغرائي في مطلع قصيدته المشهورة المعروفة بلامية العجم:
أصالة الرأي صانتني عن الخطل
وحلية الفضل زانتني لدى العطل
وأصيل الرأي ينظر إلى الغيب من ستر رقيق، فيفتح أبواب الحلول، ويزيل الاضطراب، ويغتنم الفرص، ويوظف طاقاته، ومواهبه فيما هو بصدده.
مدح أعرابي رجلاً فقال: =إنه ليغسل من العار وجوهاً مسودة، ويفتح من الرأي أبواباً منسدة+.
ولأصالة الرأي كلمات ترادفها، وتدل عليها، منها قولهم:
رجل مُحْصَدُ الرأي كَمُجْمَل، أي: سديد الرأي محكمه، قال الشاعر:
من النفر المُدْلين في كل حجة
لمستحصد من حوله الرأي محكم
على التشبيه بالحبل المحصد: أي المحكم الفتل، كما قال طرفة بن العبد في معلقته في وصف ناقته:
وإن شِئْتَ لم تُرْقِلْ وإن شئت أَرْقَلَتْ
مخافةَ ملويٍّ من القَدِّ مُحْصدِ
ويقصد بالملوي: السوط الذي يضرب به ناقته.
ويقال _أيضاً_: هو رصين الرأي، ورزين العقل، وراجح الوزن، وكامل العقل والرأي، وأصيل الحِجا، وصيقل الآراء.
قال البحتري:
عليم بما خلق العواقب إن سرت
رويَّته فضلاً بما في العواقب
وصيقلُ آراءٍ يبيت يَكُدُّها
ويشحذها شَحْذَ المُدى للنوائب
ويقال _أيضاً_: الركين: وهو _كما يقول ابن السكيت_: الحليم الذي يطيل الفكر إذا وردت عليه الأمور.
ويقال _كذلك_: هو ذو بَدَوات، وقد كانت العرب تمدح بهذه اللفظة، فيقولون للرجل الحازم: ذو بدوات، أي ذو آراء تظهر له، فيختار بعضاً، ويسقط بعضاً، قال الراعي النميري:
مِنْ أَمْرِ ذي بدوات ما تزال به
بَزلاء يعيا بها الجثَّامة اللبد
قال ابن دريد: =قولهم: أبو البدوات: معناه: أبو الآراء التي تظهر له+.
ولهذا فإن أصيل الرأي يدفع عن نفسه، وعن قومه شروراً كثيرة، ويستجلب لنفسه، ولقومه خيرات وفيرة.
قال أبو الطيب المتنبي:
الرأي قبل شجاعة الشجعان
فإذا هما اجتمعا لنفسٍ مِرَّةٍ
هو أول وهي المحل الثاني
بلغت من العلياء كل مكان
وترى أصيل الرأي ينأى بنفسه عن المشاحنات، والخصومات، ولا يغتر بمبادئ الأمور دون النظر في عواقبها.
قال أبو العلاء:
والحلم أعظم ناصر تدعو به
وتفكُّر الإنسان يثني غَرْبَهُ
فَالزمْه يكفِك قلة الأنصار
ويردُّ جامِحَهُ إلى الإقصار
وقال ابن حزم ×:
رأيت الهوى سهل المبادي لذيذها
وعقباه مر الطعم ضنك المسالك
ولقد وصف عمرو بن معدي كرب ( الحرب بما ليس عليه مزيد؛ إذ يقول:
الحرب أول ما تكون فتيةً
تسعى بزينتها لكل جهول
حتى إذا حميت وشب ضرامها
عادت عجوزاً غير ذات حليل
شمطاءَ جَزَّتْ رأسها وتنكرت
مكروهةً للشَّمِّ والتقبيل
وإذا تفكرت في كثير من العداوات، والمصائب، والحروب، والرعونات، والمشكلات _ وجدت أن من أعظم أسبابها عزوبَ الرأي، والعجلة فيه، وقلة التروي، والتدبرِ للعواقب.
فإذا كان الأمر كذلك فإنه يحسن بالعاقل أن يكون ذا نظر واسع، وبصر في الأمور.
وإذا لم يتبين له ذلك فليستعن بمن هو ذو رأي أصيل، ونظر في العواقب بعيد؛ فما خاب من استخار، ولا ندم من استشار.
قيل لرجل من بني عبس: ما أكثر صوابكم؟!
قال: =نحن ألف، وفينا حازم واحد، ونحن نشاوره، ونطيعه؛ فصرنا ألف حازم+.
وقال بزرجمهر: =حسب ذا الرأي، ومن لا رأي له أن يستشير عالماً ويطيعه+.
هذا وإن من أعظم ما يصقل الرأي، ويشحذ العقل، ويذكي أواره _زيادة على ما مضى_ أموراً منها:
1- التحلي بالتقوى، والتجرد عن الهوى، فلذلك أثره في استنارة الفكر، وأصالة الرأي؛ قال الله _عز وجل_: ?? ? ? ? ? ? ? ? ?? [الأنفال: ??] أي نوراً تُفرِّقون به بين الحق والباطل.
قال الحكيم العربي:
إنارة العقل مكسوفٌ بِطَوْعِ هوىً
وعَقْلُ عاصي الهوى يزداد تنويرا
2- مراجعةُ الإنسانِ نَفْسه: بحيث ينظر في تصرفاته، وآرائه، وأحكامه، ونظرته للأشياء، فإذا كانت على الجادة السوية استبشر بذلك، وسعى إلى المزيد.
وإن كان فيها حيف، أو خلل _ تعاهدها بالإصلاح، وتعاورها بالتشذيب والتهذيب، دون مكابرة، أو عناد، أو إقناع للنفس بما ليس صواباً.
3- طول التجارب: فهي تمد الإنسان بالخبرة، ومعرفةِ طبائع النفوس، وتورثه حسن النظر، وقياس الأشياء بالأشياء خصوصاً إذا كان يُفِيْد مما يمر به.
أما إذا لم يكن كذلك فإن مرور الأيام، وطول التجارب لا ينفعه في قليل ولا كثير.
4- مخالطة ذوي البصائر النافذة، والعقول المستنيرة: فذلك مما يشحذ الذهن، ويصقل العقل؛ فإذا اختلف المرء إلى هؤلاء، وأكثر من لقائهم، والاختلاط بهم_ كان جديراً بأن يفيد منهم.
قال الأحنف بن قيس ×: =كنا نختلف إلى قيس بن عاصم نتعلم منه الحلم كما نتعلم الفقه+.
5- النظر في سير العظماء: فإن ذلك مما يبعث على الإفادة من تجاربهم، ونظرتهم للأمور؛ لأن تلك السير تتمثل أمام القارئ، وتوحي إلى الاقتداء بهم، والسير على منوالهم.
وإن في تاريخ أمتنا المجيد نماذجَ رائعةً، ومثلاً عالية من ذوي الحجا، والرأي الأصيل الذين يستضاء بنور آرائهم.
والأمثلة على أصالة الرأي من تاريخنا كثيرة جداً، فمنها ما كان من أمر أم المؤمنين أم سلمة _رضي الله عنها_ في قصة الحديبية، وذلك عندما قال النبي ? لأصحابه: =قوموا فانحروا ثم احلقوا+ فما قام منهم رجل واحد، حتى قال ذلك ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحد دخل على أم سلمة، فذكر لها ما لقي من الناس، فقالت أم سلمة: يا نبي الله! أتحب ذلك؟ اخرج ثم لا تكلم أحداً منهم كلمة، حتى تنحر بدنك، وتدعو حالقك، فيحلقك، فخرج فلم يكلم أحداً منهم، حتى فعل ذلك؛ نحر بدنه، ودعا حالقه، فحلقه، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضاً، حتى كاد بعضهم يقتل بعضاً غمَّاً.
فانظر إلى حصافة رأي أم سلمة _رضي الله عنها_ وانظر إلى أخذ النبي ? برأيها.
ومنها ما رواه البخاري في صحيحه عن ابن عباس _رضي الله عنهما_ قال: =كنت أُقْرئ رجالاً من المهاجرين منهم عبدالرحمن بن عوف، فبينما أنا في منزله بمنى وهو عند عمر بن الخطاب في آخر حجة حجها إذ رجع إليَّ عبدالرحمن فقال: لو رأيت رجلاً أتى أمير المؤمنين اليوم فقال: يا أمير المؤمنين هل لك في فلان يقول: لو قد مات عمر لقد بايعت فلاناً؛ فوالله ما كانت بيعة أبي بكر إلا فلتة، فتمت.
فغضب عمر ثم قال: إني _إن شاء الله_ لقائمٌ العشيةَ في الناس، فمحذِّرهم هؤلاء الذين يريدون أن يغصبوهم أمورهم.
قال عبدالرحمن: فقلت: يا أمير المؤمنين! لا تفعل؛ فإن الموسم يجمع رَعاعَ الناس وغوغاءهم؛ فإنهم هم الذين يغلبون على قربك حين تقوم في الناس، وأنا أخشى أن تقوم فتقول مقالة يطيِّرها عنك كل مُطَيِّر، وأن لا يعوها، وأن لا يضعوها على مواضعها؛ فأَمْهِلْ حتى تَقْدُمَ المدينة؛ فإنها دار الهجرة والسنة فَتَخْلُصَ بأهل الفقه وأشراف الناس، فتقول ما قلت متمكناً، فيعي أهل العلم مقالتك، ويضعونها على مواضعها.
فقال عمر: أما والله _إن شاء الله_ لأقومن بذلك أول مقام أقومه بالمدينة+ الحديث.
فانظر إلى سداد ذلك الرأي من الصحابي الجليل عبدالرحمن بن عوف ( كيف درأ فتنة كادت أن تُطِلَّ برأسها، وانظر إلى حكمة عمر ( حيث قبل الرأي، وركن إليه، فكانت العاقبة حميدة.
وانظر إلى الحكمة كيف تغيب عن أكمل الرجال، ويُدركها من دونه؛ ولعل من أسباب ذلك أن الإنسان ربما يَذهل إذا اعتراه أمرٌ؛ فيحتاج إلى من ينظر إلى الأمر بِنَفْسٍ مطمئنة، ونَفَسٍ مُسْتَرِيض.
6- الأخذ بالتثبت والتروي: قال ابن الجوزي ×: =ما اعتمد أحدٌ أمراً إذا هَمَّ بشيء مثل التثبت؛ فإنه متى عمل بواقعة من غير تأمل للعواقب كان الغالب عليه الندم؛ ولهذا أُمِر بالمشاورة؛ لأن الإنسان بالتثبت يفتكر؛ فتعرِض على نفسه الأحوال، وكأنه شاور.
وقد قيل: خمير الرأي خير من فطيره.
وأشد الناس تفريطاً من عمل بما ورده في واقعة من غير تثبت واستشارة؛ خصوصاً فيما يوجب الغضب؛ فإنه طلب الهلاك أو الندم العظيم+.
وقال ×: =فالله الله! التثبت التثبت في كل الأمور، والنظر في عواقبها؛ خصوصاً الغضب المثير للخصومة+.
وقال ابن القيم ×: =وقد جاء في حديث مرسل: =إن الله يحب البصر النافذ عند ورود الشبهات، ويحب العقل الكامل عند حلول الشهوات+.
فبكمال العقل والصبر تُدفع فتنة الشهوة، وبكمال البصيرة واليقين تدفع فتنة الشبهة، والله المستعان+.
ثم إن التثبت والتأني، والنظر في العواقب من سمات أهل العلم والعقل، ولا يستغني عنها أحد مهما كان، ولا يكفي مجرد علم الإنسان، بل لا بد له _مع العلم_ من هذه الأمور.
وإليك هذه الكلمة الحكيمة الرائعة التي رقمتها يراعة العلامة الشيخ محمود شاكر والتي تعبر عن كثير مما مضى ذكره، قال ×: =رُبَّ رجلٍ واسعِ العلم، بحرٍ لا يزاحم، وهو على ذلك قصير العقل مضلَّل الغاية، وإنما يَعْرِض له ذلك من قبل جرأته على ما ليس له فيه خبرة، ثم تهوره من غير روية ولا تدبر، ثم إصراره إصرار الكبرياء التي تأبى أن تعقل.
وإن أحدنا لَيُقْدِم على ما يحسن، وعلى الذي يعلم أنه به مضطلع، ثم يرى بعد التدبر أنه أسقط من حسابه أشياء، كان العقل يوجب عليه فيها أن يتثبت، فإذا هو يعود إلى ما أقدم عليه؛ فينقضه نقض الغزل.
ومن آفة العلم في فن من فنونه، أن يحمل صاحبه على أن ينظر إلى رأيه نظرة المعجب المتنزه، ثم لا يلبث أن يفسده طول التمادي في إعجابه بما يحسن من العلم، حتى يقذفه إلى اجتلاب الرؤى فيما لا يحسن، ثم لا تزال تغيره عادة الإعجاب بنفسه حتى يُنزِّل ما لا يحسن منزلة ما يحسن، ثم يصر، ثم يغالي، ثم يعنف، ثم يستكبر، ثم إذا هو عند الناس قصير الرأي والعقل على فضله وعلمه+.
7_ أن يكون الإنسان وقت إبداء الرأي في حال طمأنينة: لأن الاضطراب مدعاة للخطأ، ومجلبة لاختلاط الأمور، وتكدر النفس.
ولقد سئل أمير المؤمنين علي ( عن مسألة فدخَلَ مبادراً, ثم خرج في حذاء ورداء, وهو يتبسّم, فقيل له: يا أمير المؤمنين, إنك كنت إذا سُئِلْت عن مسألة كنت فيها كالسِّكة المُحْماة! فقال: إني كنتُ حاقناً ولا رَأْيَ لحاقن, ثم أنشأ يقول:
إذا المشكلاتُ تصدَّيْن لي
وإن برقَتْ في مخيل الصوا
مقنعةً بأُمور الغيوب
لساناً كشقشقة الأرحبيِّ
وقلباً إذا استنطقته العيون
ولستُ بإمّعة في الرّجال
ولكنني ذَرِبُ الأصغرَيْنِ
كشفتُ حقائِقَها بالنَّظَرْ
ب عَمْيَاءُ لا تجتليها الذِّكر
وضعت عليها صَحيحَ الفِكَرْ
أو كالحسام اليماَنِي الذَّكَرْ
أمرَّ عليها بواهي الدرر
أُسائل عن ذَا وذَا ما الخبرْ
أبيِّن مَعْ ما مضى ما غبر
وقال حكيم: =إنّ لابتداء الكلام فتنةً تروق، وجِدةً تعجب، فإذا سكنت القريحة، وعدل التأمُّل، وصَفَت النَّفس _ فليعد النظر، وليكن فَرَحُه بإحسانه، مساويًا لغمِّه بإساءته؛ فقد قالت الخوارج لعبدالله بن وهب الراسبي: نبايعك الساعة فقد رأينا ذلك، فقال: دَعُوا الرأي حتى يبلغ أَناته؛ فإنه لا خيرَ في الرأْي الفَطير، والكلام القضيب+.
وقال معاوية بن أبي سفيان لعبدالله بن جعفر _رضي الله عنهم_: =ما عندك في كذا وكذا؟ فقال: أريد أن أَصْقُلَ عقلي بنَوْمَة القائلة, ثم أروح فأقول بعدُ ما عندي+.
ومر حارثة بن زيد بالأحنف بن قيس، فقال: =لولا أنك عجلان لشاورتك في بعض الأمر+.
فقال: =يا حارثة أجل؛ كانوا لا يشاورون الجائعَ حتى يشبعَ، والعطشان حتى ينقع، والأسير حتى يطلق، والمُضِلَّ حتى يجد، والراغب حتى يُمنح+.
وقال ابن المقفع: =ثلاثة لا آراء لهم: صاحب الخف الضيِّق، وحاقن البول، وصاحب المرأة السليطة+.
وفي الختام هذه لمع من سيرة عظيم من عظماء هذه الأمة، وداهية من أكابر دهاتها؛ ألا وهو أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان _رضي الله عنهما_ ففي هذه السيرة إشارات كثيرة تغني عن كثير من الكلام في هذا الصدد.
أخرج ابن عساكر عن الشعبي قال: دهاة العرب أربعة: معاوية، وعمرو ابن العاص، والمغيرة بن شعبة، وزياد، فأما معاوية فللحلم والأناة، وأما عمرو فللمعضلات، وأما المغيرة فللمبادهات، وأما زياد فللكبيرة والصغيرة.
وقال الأصمعي: كان معاوية ( يقول: أنا للأناة، وعمرو للبديهة، وزياد للصغار والكبار، والمغيرة للأمر العظيم.
وأخرج ابن عساكر عن قبيصة بن جابر قال: صحبت معاوية فما رأيت رجلاً أثقل حلماً، ولا أبطأ جهلاً، ولا أبعد أناة منه.
وصحبت عمرو بن العاص؛ فما رأيت رجلاً أنصع طرفاً ولا أحلم جليساً منه.
وصحبت المغيرة بن شعبة فلو أن مدينة لها ثمانية أبواب لا يخرج من باب منها إلا بمكر _أي احتيال_ لخرج من أبوابها كلها.
وقال المقبري: تعجبون من دهاء هرقل وكسرى، وتَدَعُوَن معاوية؟! وذكروا أنه لم يكن في ملوك العجم أدهى من كسرى أنوشروان.
وكان معاوية ( من أدهى الدهاة، رُوي أن عمر بن الخطاب ( قال لجلسائه: تذكرون كسرى وقيصر ودهاءهما، وعندكم معاوية؟!
وذكروا أن عمر بن الخطاب لما دخل الشام فرأى معاوية قال: هذا كسرى العرب.
ولم يكد معاوية يتولى الأمر بالشام حتى أخذ بما أوتيه من علم وحلم يضع أساس الملك، ويسير في رعيته سيرة حسنة حببته إليهم، وكان يتأنى الأمور، ويداري الناس على منازلهم، ويرفق على طبقاتهم؛ فأوسع الناسَ من أخلاقه، وأفاض عليهم من بره وعطائه، وشملهم من إحسانه، فاجتذب القلوب، واستدعى النفوس حتى آثروه على الأهل والقرابات، وعُدَّ مربيَّ دولٍ، وسائسَ أمم، وراعيَ ممالك.
وكان ( يُرمى بالمطاعن، ويُرشق بسهام الإنكار، فَيُسِرُّها في نفسه، ولا تبدو عليه سورة الغيظ الذي يتخبط كثيراً من المستبدين.
وأسمعه رجلٌ كلاماً شديداً فقيل له: لو عاقبته! فقال: إني لأستحي أن يضيق حلمي عن ذنب أحد من رعيتي.
وأغلظ له رجل فحلم عنه، فقيل له: أتحلم عن هذا؟ فقال: إني لا أحول بين الناس وبين ألسنتهم، ما لم يحولوا بيننا وبين سلطاننا.
وقال (: لقد كنت ألقى الرجل من العرب أعلم أن في قلبه عليّ ضغناً، فأستشيره، فيشير إلي منه بقدر ما يجده في نفسه، فلا يزال يوسعني شتماً وأوسعه حلماً، حتى يرجع صديقاً أستعين به فيعينني، وأستنجده فينجدني.
وكان ( عاقلاً، لبيباً، عالماً، حليماً، ملكاً قوياً، جيد السياسة، حسن التدبير لأمور الدنيا، حكيماً، فصيحاً، بليغاً، يحلم في موضع الحلم، ويشتد في موضع الشدة، إلا أن الحلم كان أغلب عليه.
وقال (: لا يبلغ العبد مبلغ الرأي حتى يغلب حلمه جهله، وصبره شهوته، ولا يبلغ ذلك إلا بقوة العلم.
ويروى عنه أنه قال: لا أضع سيفي حيث يكفيني سوطي، ولا أضع سوطي حيث يكفيني لساني، ولو أن بيني وبين الناس شعرة ما انقطعت أبداً، قيل له: وكيف ذاك؟ قال كنت إذا جبذوها أرخيها، وإذا أرخوها جبذتها.
وقال لابنه يزيد: عليك بالحلم والاحتمال حتى تمكنك الفرصة، فإذا أمكنتك فعليك بالصفح؛ فإنه يدفع عنك معضلات الأمور، ويقيك مصارع المحذور.
وقال _أيضاً_: أفضل ما أُعْطِيَ الرجلُ الحلم، وقال: ما وجدت لذة هي عندي ألذ من غيظ أتجرعه، وسفه بحلم أقمعه.
وقال له ابنه يزيد: لقد أفرطت في الحلم حتى خفت أن يُعدَّ ذلك منك ضعفاً وجبناً، فقال معاوية: أي بني، إنه لا يكون مع الحلم ندامة ولا مذمة؛ فامضِ لشأنك، ودعني ورأيي.
وبمثل هذه السيرة صار خليفة العالم، وخضع له من أبناء المهاجرين والأنصار كل من يعتقد أنه أولى منه بالخلافة.
وقيل للأحنف: من أحلم الناس أنت أو معاوية؟ فقال: معاوية قد قدر فحلم، وأنا أحلم ولا أقدر؛ فكيف أقاس به؟! انظر حكم وأخلاق عربية ص65_69 لمحمد المكي بن الحسين




45 ــ منع الفضل ليس بظلم

الإسلام دين العزة والكرامة، ودين السمو والارتفاع، ودين الجد والاجتهاد فليس دين ذلة ومسكنة، ولا دين كسل وخمول ودعة.
ولذلك فالإسلام يحض على علو الهمة، ويحث المسلمين على التحلي بهذا الخلق، ويوجههم إلى طرق اكتسابه، ويحرص على تربيتهم عليه، ويبين لهم جميع الطرق الموصلة إليه.
ومن تربية الإسلام للمسلمين على هذا الخلق _ أن وجههم لكسب الرزق المباح عن طريق الكدح والعمل والمشي في مناكب الأرض؛ حتى يعف الإنسان نفسه, ويستغني عن غيره.
كما وجههم في المقابل إلى أن يترفعوا عن مسألة الناس ونفرَّهُم من ذلك الخلق الذميم ما لم تدع الضرورة إلى ذلك, وعلَّمَهُم أن اليدَ العليا خيرٌ من اليدِ السفلى؛ فمنع القادر على الكسب من بسط كفه؛ للاستجداء إذا كان في استجدائه إراقة لماء وجهه بين يدي من تكون يده هي العليا.
بل إن من أحكام الشريعة إباحةَ التيمم للمكلف، وعدم إلزامه بقبول هبة الماء للوضوء؛ لما في ذلك من المنّة التي تنقص حظاً وافراً من أطراف الهمة الشامخة.
بل ومنها عدم إلزامه باستهابة ثوب يستر به عورته في الصلاة.
وأبيح له أن يصلي عارياً؛ صيانةً لضياء وجهه من الانكساف بسواد المطالب.
ومن الأحكام القائمة على رعاية هذا الخلق أن التبرعات لا تتقرر إلا بقبول المتبرع له؛ فلو وهب شخص لآخر مالاً لم تنعقد الهبة إلا أن يقبلها الموهوب له؛ إذ قد يربأ به خلق العزة عن قبولها؛ كراهة احتمال منَّتها, والمنة تصدع قناة العزة؛ فلا يحتملها ذوو المروءات إلا حال الضرورة، ولا سيما منة تجيء من غير ذي طبع كريم، أو قدر رفيع.
يقول البارودي:
خُلِقْتُ عيوفاً لا أرى لابن حرة
عليَّ يداً أغضي لها حين يغضب
ولهذا قال النبي ?: =لأن يأخذ أحدكم أحبلاً, فيأخذ حزمة من حطب، فيكف الله به وجهه خير من أن يسأل الناس أعطي أو منع+ رواه البخاري ومسلم.
وقال: =ما جاءك من هذا المال وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه، وما لا فلا تتبعه نفسك+ رواه البخاري ومسلم.
وقال: =من يستغن يغنه الله، ومن يستعفف يعفه الله، ومن يتصبر يصبره الله، وما أعطي أحد خيراً وأوسع من الصبر+ رواه البخاري ومسلم.
وقال _عليه الصلاة والسلام_: =من سأل الناس أموالهم تكثراً فإنما يسأل جمراً؛ فليستقلَّ أو يستكثر+ رواه مسلم.
وعن قبيصة بن مخارق الهلالي ( قال: =تحمَّلت حَمَالة فأتيت رسول الله ? أسأله فيها فقال: =أقم حتى تأتينا الصدقة, فنأمر لك بها+.
قال: ثم قال: =يا قبيصة إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة: رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك، ورجل أصابته جائحة اجتاحت مالهِ فحلت له المسألة حتى يصيب قواماً من عيش =أو قال سِداداً من عيش+، ورجل أصابته فاقةٌ حتى يقوم ثلاثة من ذوي الحِجا من قومه: لقد أصابت فلاناً فاقةٌ فحلَّت له المسألة حتى يصيب قواماً من عيش =أو قال: سداداً من عيش+.
فما سواهن من المسألة ياقبيصة سحتاً يأكلها صاحبها سُحتاً+ رواه مسلم.
بل لقد أوصى ? نفراً من أصحابه ألا يسألوا الناس شيئاً.
ففي الصحيحين عن عوف بن مالك ( أنه لما بايع النبي ? مع طائفة من أصحابه أَسَرَّ إليهم النبي ? كلمة خفية: =ألا تسألوا الناس شيئاً+ فكان أولئك النفر يسقط سوط أحدهم فما يسأل أحداً يناوله إياه.
ومع أن الإسلام يدعو إلى العزة، والكفاف، والاستغناء عما في أيدي الناس فإنه _في الوقت نفسه_ دين التكافل؛ فهو يأمر أهله بالتعاون على مرافق الحياة، ويندبهم إلى معالي الأمور، وعلى رأسها: الإحسان بكافة صوره.
هذا وإن هناك آفةً تعتري فئاماً من الناس من ذوي الحاجات، وطالبي العطاء؛ فترى الواحد منهم يأتي إلى من يظن أنه سيجد عنده بغيته من مال، أو جاه، أو شفاعة.
وطالب الحاجة أعمى _كما يقولون_ فإذا أتى إلى من يطلب منه شيئاً من ذلك لم يكن في مخيلته إلا قضاءُ حاجته.
ولا ريب أن من أوتي فضلاً من مال، أو جاه، أو نحو ذلك ينبغي له أن يؤثر المحتاجين بجانب مما أوتي، وألا يبخل عليهم بما هو في مقدوره.
ومن يك ذا فضل فيبخل بفضله
على قومه يستغن عنه ويذمم
ولكن ليس في وسع الإنسان أن يشمل الناس، وأن يقضي حاجة كل من أتاه؛ لأن حاجات الناس كثيرة متنوعة، خصوصاً في هذه الأزمنة المتأخرة و ? ? ? ? ? ? ??.
وقد يحتاج بعضها إلى مزيد تثبت؛ لأن حيل الناس كثرت، ويحدث للناس أقضية بقدر ما يحدثون من الفجور _كما يقول عمر بن عبدالعزيز ×_.
وبناءً على ذلك فإنه يحسن بمن يطلب حاجة من أحد ألا يُفْرِطَ في التفاؤل في إدراك بغيته؛ بحيث يصاب بخيبة أمل، وكسوف بال إذا لم يدركها.
بل عليه أن يوطن نفسه على كل احتمال؛ فإن أدرك ما يريد حمد الله، وإن كانت الأخرى تعزَّى بقدر الله، وأمسك لسانه عن لوم صاحبه، والوقيعة فيه؛ لأنه لم يظلمه، ولم يمنعه شيئاً يستحقه، ولم يُقَصِّر في واجب أوجبه الله عليه؛ فما على المحسنين _إذاً_ من سبيل.
ويتأكد ذلك إذا بذل المحسن وسعه، ثم لم تأت الأمور على ما يريد، أو كان التقصير من قبل طالب الحاجة من ناحية قلة المتابعة؛ لأن من الناس من يريد من الوجيه أو المحسن أن يشفع له، ويتابع الشفاعة بنفسه، وفي ذلك حرج.
فإذا كان الأمر كذلك فإنه يحسن بطالب الحاجة ألا يكلف المحسنين فوق ما يطيقون، وألا يطالبهم بما ليس في وسعهم، وألا يَكْبُرَ في نفسه إذا اعتذروا منه، أو لم يستطيعوا تلبية رغبته.
وإذا أبى إلا خلاف ذلك فاللوم عليه؛ لأنه هو من أوقع نفسه في الحرج.
لا تغضبن على امرئ
واغضب على الطمع الذي اســ
لك مانعٌ ما في يديه
ــتدعاك تطلب ما لديه
وأَعْجَبُ من ذلك أن تسعى في حل قضية ما، وتتابع مجرياتها لحظة بلحظة، وترى أن صاحب القضية، وطالب الحاجة يوافيك بكل جديد، ويكثر من إيراد الاحتمالات عليك، فإذا وصل الأمر منتهاه، واستحكمت عُقدة القضية، وانطمست معالمها بالنسبة إليك، وبدأت تنتظر لحظات الحسم والحل _وكأنك صاحب القضية_ تفاجأ بأن صاحبك قد قطعك، بل قد لا يرد على اتصالاتك، فإذا لقيته بعد ذلك، وسألته أجابك بأن الموضوع قد انتهى على خير ما يرام، فتقول له: لِمَ، لَمْ تخبرني، فيقول: لم أرد إزعاجك، يكفي ما قُمْتَ به سابقاً؛ فتقول: بل أنا أعيش في قلق، واضطراب، وانتظار لما يؤول إليه الأمر، فلو أخبرتني ليطمئن قلبي، فيقول: هكذا الأمر، عندها لا تملك إلا السكوت، وتَذَكُّرَ قول القائل:
أحمامةَ الوادي بشرقيِّ الغضا
إن كنتِ مسعفةَ الكئيبِ فَرَجِّعي
إنِّا تَقَاسَمْنَا الغَضَا فَغُصُونُه
في راحتيك وجَمْرُهُ في أضلعي



46 ــ من صور البر المعاصرة

صور البر، وقصص البررة كثيرة جداً، وكتب السالفين مليئة بذلك.
ولا ريب أن لتلك الصور والقصص أثرها البالغ في تحريك الهمم، وشحذ العزائم إلى البر، ومَزِيْدٍ منه.
ولكن قد يكون الحديث عن المعاصرين أوقع في النفوس؛ لأن من الناس من يتثاقل عن الاقتداء بالأوائل من الصحابة ومن بعدهم؛ بحجة أنهم أقرب إلى المنبع، وأقوى في الاتباع، وأن الزمن قد تغير، ولا يمكن لتلك القمم أو القيم أن تعود، أو يُقترب منها.
ولكن إذا كان الحديث عن صور وقصص حاضرة _ انتفى العذر، وصار ذلك أدعى لانبعاث الهمم، وحصول الاقتداء.
هذا وإن القصص في ذلك السياق كثيرة جداً، بل هي _ولله الحمد_ في بعض بلاد المسلمين هي الأصل.
وإن مما ارتسم في ذاكرتي من تلك القصص التي أعرفها في بلدنا الزلفي ما يلي:
1_ قصة لرجل أعرفه تمام المعرفة فهو من الناس الأفاضل، وهو معلم، وله أولاد يحتاجون إلى رعايته، وأمه مريضة تحتاج إلى عناية ومراجعة مستمرة.
وأما أبوه فكبير في السن، وكان به بر، وفي أواخر سنوات عمر الأب أصيب بمرض؛ فأدخل المستشفى، ثم فقد الذاكرة قبل وفاته بما يزيد على سبع سنوات، فكان مقامه في المستشفى حتى مات.
وطيلة تلك الفترة كان ولده المذكور يرافقه مرافقة مستمرة بحيث لا يفارقه إلا وقت دوامه في التدريس، أو إذا ذهب إلى المنزل لقضاء بعض ما يحتاج إليه مما لا بد له منه.
أما باقي الوقت فيقضيه عند والده في المستشفى، يقلبه على سريره، ويراعيه في علاجه، وينقله من مكانه إذا كان سينقل، ويقوم على رعايته وجميع ما يحتاج إليه مع أن الوالد لا يشعر بشيء من ذلك البتة، ومع أن المستشفى يقوم بتلك الخدمة لو لم يكن عنده أحد.
ولقد استمر صاحبنا على تلك الحال مدة تزيد على سبع سنوات، وهو يقوم بذلك العمل بكل ارتياح، وسرور؛ فَصَاحَبَ والده طيلة تلك الفترة مصاحبة مستمرة، وانقطع عن الناس حتى توفي والده.
وكان الناس الذين يذهبون إلى زيارة المستشفى لا يفقدون ذلك الابن، بل إن إمام المسجد القريب من المستشفى يقول: إنني لم أفقده طيلة تلك الفترة إلا قليلاً خصوصاً في صلاة الفجر.
فمن يطيق تلك الحال إلا بارٌّ موفقٌ رائضٌ نفسه، غير متبع لهواه؟
ولما توفي ذلك الوالد قلت لذلك الولد البر: ذهب الظمأ، وابتلت العروق، وثبت الأجر إن شاء الله.
2_ وهذا رجل له والد كبير في السن قد جاوز المائة، وقد خَرِفَ، واختلط.
ولكن بقي معه شيء من حواسه كالسمع والبصر، كما بقي فيه شيء من نشاط يعينه على المشي.
ومن صور البر لذلك الابن أنه يلازم والده كثيراً، ولا يفارقه إلا لما لا بد له منه.
وكان يذهب به كل عصر إلى البر، فيوقد له النار، ويصنع له القهوة والشاي، ثم إذا قرب أذان المغرب عاد به إلى المنزل وهكذا استمر على ذلك إلى أن توفي والده قريباً ؛ فهذه صورة من البر، والمصاحبة بالمعروف.
3_ وهذا شاب له والد كبير، وقد أصيب بجلطة، فصار لا يستطيع القيام بشأنه، فنذر ذلك الولد نفسه لخدمة والده، وانقطع عن منادمة الأحباب، فكان ينام عنده، ويعنى بجميع شأنه من نظافة بدنه، ومراعاة علاجه، ومراجعاته في المستشفى.
وكان يقوم بذلك بارتياح، وتَدَفُّع، وسرور، حتى إن إخوانه _وهم بررة مثله لكنهم لم يبلغوا شأوه_ تركوا منافسته، ولم يستطيعوا أن يعملوا عمله.
حتى إن أحدهم _وهو معلم قدير_ يقول لي: =لقد نذرت مراراً أن أصنع صنيعه فلم أطق، فصرت أكفر عن نذوري؛ حتى عدلت عن ذلك+.
بل ربما حصل جفاء من الوالد بسبب كِبَرِ سِنِّه، وكثرة أمراضه، واختلاطه أحياناً؛ فيكون من جراء ذلك بعضُ الغلظة، ورفع الصوت على الولد؛ فما يكون من الولد إلا مقابلة ذلك بالفرح، والسرور، وتَقبُّل ذلك بروح مرحة.
وفي يوم من الأيام كان ذلك الولد _كما يذكر لي أحد إخوانه_ في خدمة والده، فقال له والده: =يا ثور+.
ولا يخفى ما في هذه الكلمة من الإهانة والإزعاج.
ولكن ذلك الولد كان يقدر ظرف والده؛ فلم يؤاخذه بذلك، بل قابل ذلك بابتسامة وفرح.
ولما سكت عن الوالد الغضب، وبدأ بمحادثة ابنه _ نزع الابن غترته من على رأسه، وأقبل على والده، وقال: يا أبي تحسس رأسي، فقال الوالد: ولم ذلك؟ فقال الابن لعلك تجد قروناً؛ فأنت ناديتني بالثور؟!
فما كان من الوالد إلا أن ضحك كثيراً، وفرح بهذه المداعبة، ودعا لابنه.
فهذه صورة من صور كثيرة يقوم بها ذلك الابن البار.
وبعد سنوات سبع من ملازمتِه والدَه المريضَ مات الوالد.
وبعد أربع سنوات لحق به الابن × من جراء حادث سيارة، فكان الحزن عليه شديداً من قبل أهله، ومعارفه.



47 ــ عشر أمثالها
السخاء خصلة إيمانية، وخلق عظيم فاضل، يقوم على الشعور بأن للمال قيمة تستدعي عَدَمَ الإسراف في إنفاقه، وأن للحياة الفاضلة مطالبَ يُبْذَل في سبيلها المال غير مأسوف عليه؛ فهو بذل ما ينبغي في الوجه الذي ينبغي الإنفاق فيه.
والسخاء يقوم على الرحمة، وقلة الحرص على جمع المال حرصاً يعمي ويصم؛ فلا غرو _إذاً_ أن يكون السخاء متصلاً بفضائل أخرى كالعفو، والحلم، والإنصاف، والتواضع.
فإذا اتصف المرء بالسخاء زكت نفسه، ولانت عريكته، وقاده سخاؤه إلى أن يترقى في المكارم، وأن يتنزه عن المساوئ والمعايب؛ فالسخي قريب من الله، قريب من الناس، قريب من كل خير وبر.
ولقد جرت سنة الله بأن السخي بحق يفوز بالحياة الطيبة، ولا تكون عاقبته إلا الرعاية من الله والكرامة؛ فالجزاء من جنس العمل. ومما ينبغي أن يعلم أن السخاء ليس مقتصراً على بذل المال فحسب، بل إن مفهومه أوسع، وصوره أعم وأشمل، فيدخل فيه السخاء بالعلم، والجاه، والنصح، والعفو، والتغاضي، والبشاشة، ونحو ذلك.
وليس المقام ههنا مقام بسط لتلك الصور(33).
ثم إن الناس يتفاضلون بالسخاء على قدر هممهم، وإن من أرفع درجات السخاء أن يكون الرجل في حاجة مُلِحَّة إلى ما عنده، فيدع حاجته، ويصرف ما عنده في وجوه الخير، وذلك ما يسمى بالإيثار.
قال _تعالى_ في معرض الثناء على الأنصار _رضي اللَّه عنهم_: ? ? ? ? ? ? ? ? ? [الحشر: ?].
وقال _تعالى_ في معرض الثناء على عباده المؤمنين: ?? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?? [الإنسان: ? – ?].
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ×: =ثم أخبر عنهم بإطعام الطعام على محبتهم له، وذلك يدل على نفاسته عندهم، وحاجتهم إليه.
وما كان كذلك فالنفوس به أشح، والقلوب به أعلق، واليد له أمسك؛ فإذا بذلوه في هذه الحال فهم لما سواه من حقوق العباد أبذل+.
قال دعبل الخزاعي:
وليس الفتى المعطي على اليسر وحده
وحدة ولكنه المعطي على العسر واليسر
وقال بعض الشعراء:
ليس جود الفتيان من فضل مال
إنما الجود للمقل المواسي
وإن مما يحضرني في هذا الشأن قصةً غريبةً سمعتها من صاحبها مراراً، وإليكموها معاشر القراء.
كان لنا جار اسمه عبدالله بن عبدالعزيز العبيدي، وقد أَدْرَكْتُه وهو كبير في السن، وقد توفي صباح السبت 25/8/1422هـ عن عمر يزيد على التسعين.
وكان × رجلاً فاضلاً حكيماً، حسن العشرة والحديث، عاش فترة من عمره في طلب الرزق في الكويت يعمل في البحر مع أصحاب له، ثم رجع إلى مسقط رأسه الزلفي.
وكان هذا الرجل ذا صلاح، وتَأَلُّه، ومُكْثٍ طويل في المسجد؛ فكان يمكث بعد صلاة العصر إلى المغرب أو العشاء، وإذا زاره أحد وحادثه انطلق معه بما يريد.
ولقد حدثني بحادثة حصلت له، وكان أول ما سمعتها منه عام 1410هـ ثم طلبت منه إعادتها مراراً.
وخلاصتها _كما يقول_: أنه في يوم من الأيام وقبل ما يزيد على أربعين سنة أُدْخِلَتِ الكهرباء إلى مدينة الزلفي، فذهبت إلى شركة الكهرباء، وقلت لهم: إنني أريد أن تصل الكهرباء إلى بيتي، فقالوا: إن قيمةَ إدخالِها مائتا ريال، فرجعت إلى منزلي، وأخذت المبلغ، وكان الوقت وقت صلاة الظهر، فقلت: أصلي، وبعد الصلاة أذهب إلى الشركة؛ لدفع المبلغ.
فلما فرغتُ من الصلاة التفتُّ وإذا بجانبي رجل كبير فقير أعرفه، وأعرف فقره ومسكنته، فقال لي: يا أبا سعود! والله إن الأولاد جياع في البيت، وإنهم لا يجدون ما يسد جوعتهم؛ فأشفقت عليه، وقلت في نفسي: أعطيه مائة، وأعطي الشركة المائة الأخرى، وباقي المبلغ الذي للشركة أعطيهم إياه فيما بعد، فأعطيته مائة، ففرح، ودعا لي، ثم خرجت من المسجد، وتحسست جيبي وإذا بي لا أجد المائة الأخرى، فأدركت أنني أعطيت الرجل المائتين على سبيل الخطأ، فصرت في حِيرة من أمري: هل أرجع إليه، وأقول: إنه لم يكن في نيتي إلا إعطاؤك مائة فحسب؛ فَرُدَّ لي مائة؟ أو أنصرف إلى بيتي، وأَدَعُ التقديم على شركة الكهرباء حتى تتيسر أموري؟
وبينما أنا في ذلك التردد قررت الرجوع إلى المنزل، وإيثار الرجل بالمائتين.
ولما رجعت إلى منزلي وجدت رجلاً في انتظاري عند باب المنزل، وصرت أنظر إليه، وأحاول التعرف عليه، فلما رآني مقبلاً تقدم إليَّ بحرارة، وشوق؛ فلما اقترب مني، وسمعت صوته عرفته؛ فهو صاحب لي أيامَ كنت أعمل في البحر في الكويت، وهو من التجار، ومن أهالي القصيم، ولم أرَه منذ خمس وعشرين سنة؛ فعانقته، وفرحت به، وألححت عليه بدخول المنزل؛ لتناول الغداء، فقال: أنا في عجلة من أمري، فقد مررت في الزلفي، فخطرتَ في بالي، فسألتُ عنك، فدلوني على بيتك، وجئت للسلام عليك، فحاولتُ معه؛ كي يتناول الغداء، فلم أفلح إلا بموافقته على تناول القهوة فحسب.
ولما همَّ بالانصراف ودَّعته، فأعطاني مظروفاً لم أنظر ما فيه إلا بعد أن غادر، فلما فتحته وجدت فيه هدية، وهي عبارة عن مبلغ ألفي ريال؛ ففرحت بها أيما فرح؛ لما وجدتُ من الخلف من الله، ثم سدَّدتُ قيمة دخول الكهرباء، وتمتعت بباقي المبلغ دهراً طويلاً؛ إذ كان يعدل في ذلك الزمن الشيء الكثير.
وبعد أن قص علي القصة قلت له: يا أبا سعود، الحمد لله أنك أعطيته المائتين، ولم تعطه مائة، ولو أعطيته مائة لربما لم يأتك إلا ألف.
فضحك، وقال: الحمد لله، وفضل الله واسع؛ فله الفضل والمنة.
فهذه القصة ترينا شيئاً من فضل الله _عز وجل_ وأن الجزاء من جنس العمل، بل إن ما عند الله خير وأبقى، وأن ما يدفع من السوء قد يكون أعظم مما يأتي من الخير؛ فالعوض من الله أنواع كثيرة لا يعلمها إلا هو _عز وجل_.



48 ــ الحـــــوار

نحن في عصر يكثر فيه الحديثُ عن الحوارِ، والدعوة إليه سواء على مستوى الأفراد، أو الجماعات، أو الدول.
والحديث عن الحوار يطول، ويتشعب، وسيدور ههنا الحديث عن الحوار، من خلال بيان مفهومه، وأهميته، وهدي النبي ? فيه، كل ذلك على سبيل الاقتضاب والإجمال.
أما مفهومه فالحوار نوع من الحديث بين طرفين أو أكثر بحيث يجري الكلام بينهما متكافئاً، مع غلبة الهدوء، ورحابة الصدر.
وهناك ألفاظ قريبة من مدلول لفظ الحوار كالجدال، والمناظرة، والمناقشة ونحوها من الألفاظ التي ترجع إلى طريقة البيان، فهي بهذا الاعتبار مرادفة للحوار، وباعتبار تَمَيُّزِِ بعضِها عن بعض يكون بينها وبينه شيء من التباين.
ويبقى _مع ذلك_ لفظ الحوار أعذبها، وأرقها، وأسيرها في الناس، وأكثرها علوقاً بالنفس.
وللحوار أهمية كبرى، ومما يبين أهميته ما يلي:
1- شدة الحاجة إلى الحوار: فالحوار يَحْتَاجُ إليه كلُّ إنسان حالَ معاملته لغيره؛ فيحتاجه الوالد في معاملة ولده، والولد في معاملته والده، ويحتاجه الزوج في حال معاملة زوجه، والمعلم مع طلابه، والطالب مع معلمه، ويحتاجه الإنسان في حال معاملته موافقيه ومخالفيه، ويحتاجه القاضي في مقطع أحكامه، والداعية في حال دعوته، والعالم في تصديه للناس، والرئيس الأعلى في سياسته لرعيته، وفي ما يجلب لها المصالح، ويدرأ عنها المفاسد.
ويُحتاج إلى الحوار في حال السلم والحرب، وفي حال البيع والشراء، وفي حال الوفاق والخلاف.
2- عناية القرآن بالحوار: فلقد عُني القرآن الكريم بالحوار، ولا غرابة في ذلك؛ فالحوار هو الطريق الأقوم للإقناع الذي ينبع من الأعماق.
وفي القرآن نماذج كثيرة متنوعة من الحوار تبين أهميته، وقِدَمه، وشدة الحاجة إليه.
ومن الأمثلة على ذلك ما دار بين الرب _جل وعلا_ وملائكته عندما أراد _عز وجل_ أن يجعل في الأرض خليفة _كما في سورة البقرة (الآية: 30)_.
وما جاء في قصة ابني آدم _كما في سورة الأنعام (الآية: 27)_.
وما دار بين الرب _عز وجل_ وإبراهيم _عليه السلام_ عندما سأل ربه أن يريه كيف يحيي الموتى _كما في سورة البقرة (الآية: 260)_.
وما جاء في حوار إبراهيم وابنه إسماعيل _عليهما السلام_ لما همَّ بذبحه _كما في سورة الصافات (الآية:102)_.
وما جاء في قصة داود _عليه السلام_ مع الخصمين _كما في سورة ص (الآية:22)_.
وما جاء في قصة سليمان _عليه السلام_ مع بلقيس _كما جاء في سورة النمل (الآية:44)_.
وما جاء في قصة موسى _عليه السلام_ عندما سأل ربه أن يأذن له برؤيته، قال _عز وجل_: ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?? [الأعراف: ???].
وما دار من الحوارات بين موسى وأخيه هارون _كما في سورة الأعراف (150) وطه(86)_.
وما دار بين عيسى _عليه السلام_ وقومه _كما في قصة المائدة (الآية:112)_.
إلى غير ذلك من الحوارات الكثيرة بين الأنبياء وأقوامهم، وبين السادة والأتباع.
فكل ذلك يدل على أهمية الحوار، وخطورته، ويؤكد على أن القرآن يعتمد أسلوب الحوار في توضيح الحقائق، وهداية العقل، وتحريك الوجدان، وفتح المسالك التي تؤدي إلى حسن التلقي، والتدرج بالحجة.
3- كثرة الحديث عن الحوار: فمن مظاهر العناية بموضوع الحوار في هذا العصر كثرة الحديث عنه، وشيوع تخصص يتصل به ألا وهو فن العلاقات العامة؛ حيث أنشئت لدى المؤسسات الرسمية وغير الرسمية أجهزةٌ خاصة بالعلاقات العامة سواء في الدوائر الحكومية، أو الشركات، أو دور الصحافة والنشر، أو غيرها.
ويمكن أن توصف المسؤولية الأساسية لهذه الأجهزة بأنها حسن الاتصال بالآخرين للإقناع برأي، أو ترويج سلعة، أو تصحيح فكرة، أو التمهيد لقضية إلى غير ذلك مما يبرز أهميةَ الحوار، وكونَه العنصرَ الرئيسَ في فن العلاقات العامة.
وفي هذا العصر تجد العناية بالحوار أكثر من ذي قبل خصوصاً في بلاد الغرب؛ حيث تقام الدورات، وتفتح المعاهد والمراكز التي تُعنى بفن الحوار الذي هو ركيزة العلاقات العامة.
4- ما يوجد من آثار، وحكم في شأن الحوار؛ فهو موضوع قديم، ويأخذ طابَعاً أكثر تحديداً، وتخصيصاً، ودقة.
والذي يُلْقي نظرة في كتب التراث يجد أن لها اتصالاً وثيقاً في هذا الباب، ويظهر ذلك من خلال الحكم، والوصايا، والأبيات، والأمثال التي توصي بحسن الاستماع، والتحدث، وما جرى مجرى ذلك مما يتصل بالحوار.
وهذه المادة موجودة بكثرة، لكنها متفرقة في مختلف المصادر على تنوعها، وتباين موضوعاتها ومؤلفيها.
كما أنها _في الأغلب_ جمل وجيزة لكنها حصيلة خبرة طويلة.
ولو قُيِّض لهذه المادة من يستقصيها، ويؤلف بينها لخرج بمادة ضخمة في فن الحوار.
5- كثرة المؤلفات في الحوار: فلا تكاد المؤلفات في الحوار، وأصوله، وآدابه، ومقوماته _ تحصى كثرة، وذلك في كافة لغات العالم.
والأمثلة على ذلك كثيرة جداً.
6- ما يترتب على الحوار من الثمرات: فللحوار المنهجي المنضبط آثارُه الجميلة، وثمراته اليانعة سواء على المحاور نفسه، أو على من يحاورهم، أو ينوب عنهم؛ فهو مفيد في إيصال الفائدة للآخرين، ومفيد في تدريب المحاور نفسه؛ إذ يرتقي بطريقة تفكيره وأدائه، ويعلمه ضبط نفسه ولسانه وقلمه، ويُقوِّي لديه مَلَكَةَ المحاكمةِ والتفكير المتزن مما يجعله مقبولاً من الآخرين، ويجعل اقتناعهم بأفكاره أعظم أثراً.
والحوار _كذلك_ مفيد في استنباط الآراء السديدة، وتحريك الأذهان الراكدة.
بل إنه من أعظم أسباب البهجة والسرور؛ فلذة المحادثة من أعظم لذات الدنيا.
قيل لحكيم: ما بقي من ملاذِّك؟ قال: =مناقلةُ الإخوانِ الحديث على التلاع العُفر في الليالي القُمْر+.
وبالحوار الناجح تستجلب المودات، وتُوأد العداوات، وتُدار التجارات.
وبه يزيد العلم، ويتسع الفكر، وتُجْلَبُ المصالح، وتدرأ المفاسد.
والمحاور البارع يصل إلى مراده، ويتحقق له مطلوبه، ويَسْعَدُ قومُه من ورائه إذا كان مُقَدَّمَهم، أو المتكلم باسمهم.
ولهذا كثر في كتبِ التراجم والسيرِ ذِكْرُ مَنْ كان سبباً في إسعاد قومه، وتحقيق مطالبهم إذا كان سفيراً لهم.
7- عناية السيرة النبوية بالحوار: فالناظر في السيرة _بعدل وإنصاف_ يرى رأْيَ العينِ أنها حافلةٌ بالحوار في أرفع درجاته، وأعلى مقاماته، وأروع آدابه، وأسمى طرائقه وأساليبه.
ولا غرو في ذلك؛ فالنبي ? هو خير الناس، وسيرته أرقى صورة للحياة البشرية.
ولقد مرت به _عليه الصلاة والسلام_ أطوارٌ كثيرةٌ، وأحوالٌ شتى مِنْ سِلْمٍ وحرب، وعسر ويسر، وكان الرسول المجتبى، والسيد المطاع، والوالد الحاني، والزوجَ الوفيَّ، والمعلم القدوة، والصديق المخلص.
وهو الذي كان يعامل الصغير والكبير، والبر والفاجر، والمؤمن والكافر، والمحارب والمسالم، والرجل والمرأة، والقريب والبعيد؛ فكان في جميع تلك الأحوال والمعاملات يأخذ بالحوار أخذاً عملياً لا دعوى تقولها الألسنةُ دون أن تتخلل منها مسلك الروح، ودون أن يكون لها رصيد في الواقع.
والبحث في الحوار من خلال السيرة النبوية مهم للغاية؛ إذ هو من أعظم وسائل النهوض بالحوار؛ فللحوار المنضبط الراقي أصول عظيمة كثيرة يمكن إجمالها بسلامة المقاصد، وإخلاص النية، والتثبت، والعلم بمادة الحوار، ولزوم العدل مع المحاور.
وتتجلى هذه الأمور غاية التجلي في السيرة النبوية.
وللحوار الناجح آداب لا بد من توافرها، وتكاد ترجع إلى إقبال المحاور على صاحبه، ورَفْعِهِ من شأنه، وإحسانِه إليه، وحَذَرِه مما ينافي ذلك؛ فهذه الآداب المجملة وما يندرج تحتها تمثل آداب الحوار.
ولقد كان النبي ? يأخذ بتلك الآداب في حواراته مع كافة الطبقات، وفي شتى الأحوال.
وللحوار المتميز أساليب كثيرة من شأنها النهوض بالحوار، وإتيانه النتائج الباهرة.
ولقد كان النبي _عليه الصلاة والسلام_ يأخذ بتلك الأساليب، وينوع فيها، ويراعي مقتضيات الأحوال، ويستخدم أنواعاً من التأثير سبقت كثيراً من النظريات والدراسات في فن الحوار، والإلقاء، والتأثير في الناس.
وبالجملة فالحوار في السيرة النبوية باب واسع، وموضوع مترامي الأطراف، وميدان فسيح لمن أراد أن يبحث فيه.
وإن مما يوصى به في هذا الشأن أن يُعْنَى بهذا الباب، وأن يُسْتَحْضَر أهميتُه، وأن يُدْرَك أنه مرتعٌ خصب لكثير من الموضوعات التي يمكن أن تبحث فيه.
ومما يقترح في ذلك، و يحسن أن يُفَصَّل فيه ما يلي:
1_ أصول الحوار في السيرة النبوية.
2_ آداب الحوار من خلال السيرة النبوية.
3_ أساليب الحوار النبوي.
4_ حوارات النبي ? مع النساء.
5_ حوارات النبي ? مع الأطفال.
6_ حوارات النبي ? مع المخالفين.
7_ حوارات النبي ? مع أهل الكتاب.
8_ حوارات النبي ? مع الملوك والزعماء.
9_ حوارات النبي ? مع ذوي الاحتياجات الخاصة.
إلى غير ذلك مما يمكن البحث فيه.
وبعد فهذه جملة مختصرة في موضوع الحوار، أما تفاصيل ذلك، وذكر الأمثلة، والآثار فيه، فستجدها في كتاب (الحوار في السيرة النبوية) لكاتب هذه السطور، وسيخرج قريباً _إن شاء الله_.



49 ــ أشَدَّ فَرحاً

في يوم من الأيام حصلت جفوة بين والد فاضل كريم، وبعض أبنائه الكرام البررة الذين يزيد عددهم على العشرة؛ حيث حصل سوءُ فهمٍ حول بعض الأمور، ونزغ الشيطان بينهم نَزْغَتَهُ، فحدثت الجفوة، فوصل الحال إلى أن بعض الأبناء لم يدخلوا منزل والدهم مدة تزيد على أربعة أشهر.
ولم يكن الأب راضياً عن تلك الحال، ولا الأولاد راضين، ولكن هكذا كان الأمر.
ولقد دخل بعض الأطراف لإصلاح ذات البين، فكانت تلك المحاولات إرهاصاً للصلح التام، والوفاق.
ولقد يسر الله لي أن قمت بزيارة لأولئك القوم الكرام في مناسبة كانت عندهم، واستمرت اللقاءات مدة ثلاثة أيام، وكان يتخللها بعض الكلمات الودية، والأحاديث والأسئلة بطلب من والد أولئك وبعض الحاضرين.
وفي نهاية تلك المجالس الطيبة طلب مني والدهم الدخول في الموضوع، وشرح لي ما كان بينه وبين أولادِه.
وأولاده _كذلك_ ألحوا في الدخول؛ فاجتمعت بالأولاد وسمعت منهم ما سمعت، ورأيت أنهم جميعاً يرغبون في الوفاق، وأنهم يعيشون في كآبة، وضيق، وكدر، وأزمات نفسية، وقلة نوم مِنْ جَرَّاء ما يحصل.
فرأيت أن الله أراد بهم خيراً؛ لرغبتهم بالإصلاح؛ لأن الله _عز وجل_ يقول: ? ? ? ? ? ? ? ? [النساء: ??].
ومما قيل لهم في ذلك: دَعُوا اجترار الماضي، ولا تُكثروا التعاتب، ونكأَ الجراح، بل احرصوا على جعل اللقاء وديَّاً.
بعد ذلك حصل الوفاق _بحمد الله_ والتقى الأولاد والدهم؛ فأقبلوا عليه إقبالاً لم أشهد مثله في حياتي؛ حيث أكبوا على والدهم ضماً، وتقبيلاً ليده، ورأسه، وجبينه، بل وقدمه.
وأقبل والدهم عليهم إقبالاً حافلاً، وحنى عليهم حنو المرضعات على الفطيم.
وصار ذلك الجو مفعماً بالحب، والرقة، والإشفاق، والبكاء، والانكسار. وصِرْتَ ترى البِشْر يعلو الوجوه، وترى أن تلك القَتَرَةَ التي كانت تعلوها قبل اللقاء قد زالت، وحل محلها الفرح، والسرور، وصارت الحال كما قال الأول:
طفح السرور عليَّ حتى أنه
يا عينُ قد صار البكا لك عادةً
مِنْ فَرْطِ ما قد سرني أبكاني
تبكين في فرحي وفي أحزاني
وبعد ذلك انقلبوا جميعاً إلى المجلس، وتناولوا العشاء، وعادت المياه إلى مجاريها، وبدأت الأحاديث الودية تسود المجلس، وحمدوا الله _عز وجل_ على تيسيره، ولطفه.
حينها سألت الوالد عن شعوره بعد ذلك، فقال: إنه يعيش في فرح عظيم، وسعادة غامرة.
وسألت الأولاد _كذلك_ فقالوا: إنهم لم يمرَّ عليهم في حياتهم مثل ذلك اليوم، وأنهم لو بذلوا ما بذلوا ما جزوا شكر تلك النعمة، وأن سعادتهم بذلك لا يمكن وصفها؛ لأنهم عاشوا مرارة الحرمان، ولوعة البعاد؛ فَمَنَّ الله عليهم بالقرب، والصفاء.
وفي تلك الأثناء تذكرت ما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة ( قال: قال النبي ?: =لله أشد فرحاً بتوبة عبده من رجل حمل زاده ومزاده على بعير، ثم سار حتى كان بفلاة من الأرض، فأدركته القائلة، فنزل فقال تحت شجرة، فغلبته عينه، وانسل بعيره، فاستيقظ، فسعى شرفاً فلم يرَ شيئاً، ثم سعى شرفاً ثانياً فلم يرَ شيئاً، ثم سعى شرفاً ثالثاً فلم يرَ شيئاً، فأقبل حتى أتى مكانه الذي قال فيه، فبينما هو قاعد إذ جاءه بعيره يمشي، حتى وضع خطامه في يده، فلله أشد فرحاً بتوبة العبد من هذا حين وجد بعيره على حاله+ وهذا لفظ مسلم.
قال ابن القيم × تعليقاً على هذا الحديث: =ولم يجىء هذا الفرح في شيء من الطاعات سوى التوبة، ومعلوم أن لهذا الفرح تأثيراً عظيماً في حال التائب وقلبِه، ومزيدُه لا يُعبَّر عنه.
وهو من أسرار تقدير الذنوب على العباد؛ فإن العبد ينال بالتوبة درجة المحبوبية، فيصير حبيباً لله؛ فإن الله يحب التوابين، ويحب العبد المُفَتَّن التواب+ا.هـ.
وما ذلك _كما يقول ابن القيم_ إلا لأن التوبة توجب للتائب آثاراً عجيبة من المقامات التي لا تحصل بدون التوبة: فتوجب له المحبة، والرقة، واللطف، وشكر الله، وحمده، والرضا عنه؛ فَرُتِّب له على ذلك أنواع من النعم لا يهتدي العبد لتفاصيلها، بل لا يزال يتقلب في بركتها وآثارها ما لم ينقضها أو يفسدها.
ويحصل _كذلك_ من جراء التوبة حصول الذل، والانكسار؛ ففيها من الذل والانكسار، والخضوع، والتذلل لله ما هو أحب إلى الله من كثير من الأعمال الظاهرة_وإن زادت في القدر والكمية على عبودية التوبة _ فالذل والانكسار روح العبودية، ولبُّها.
وحصول ذلك للتائب أكمل له من غيره؛ فإنه قد شارك من لم يذنب في ذل الفقر والعبودية والمحبة، وامتاز عنه بانكسار قلبه.
وقد جاء في الأثر الإسرائيلي: =يا رب أين أجدك؟
قال: عند المنكسرة قلوبهم من أجلي+.
ولأجل هذا كان =أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد+.
لأنه مقام ذل وانكسار بين يدي ربه.
ولعل هذا هو السر في استجابة دعوة المظلوم، والمسافر، والصائم؛ للكَسْرَةِ في قلب كل واحد منهم؛ فإن لوعة المظلوم تُحْدِثُ عنده كسرة في قلبه، وكذلك المسافر في غربته يجد كسرة في قلبه، وكذلك الصوم، فإنه يكسر سَوْرة النفس السَّبُعية الحيوانية.
ثم إن لله على القلوب أنواعاً من العبودية، من الخوف، والخشية، والإشفاق، والوجل وتوابعها من المحبة، والإنابة، وابتغاء الوسيلة.
وهذه العبوديات لها أسباب تُهَيّجها وتبعث عليها، وكلما قيض الرب _تعالى_ لعبده من الأسباب الباعثة على ذلك، المهيجة له_فهو من أسباب رحمته.
ورُبَّ ذنب قد هاج لصاحبه من الخوف والإشفاق، والوجل، والإنابة، والمحبة_ما لا يهيجه كثير من الطاعات، وكم من ذنب كان سبباً لاستقامة العبد، وفراره إلى الله، وبعده عن طريق الغي.
يقول ابن القيم ×: =فإذا أراد الله بهذا العبد خيراً ألقاه في ذنب يكسره به، ويُعَرِّفه قدره، ويكفي به عباده شره، وينكس به رأسه، ويستخرج به داء العجب، والكبر، والمنة عليه، وعلى عباده؛ فيكون هذا الذنب أنفع له من طاعات كثيرة، ويكون بمنزلة شرب الدواء؛ ليستخرج به الداء العضال+ا.هـ.
ثم إن الإنسان بالتوبة يعرف نعمة معافاة الله _كما يقول ابن القيم_: = فإن من تربى في العافية لا يعلم ما يقاسيه المبتلى، ولا يعرف مقدار العافية؛ فلو عرف أهل الطاعة أنهم هم المنعم عليهم في الحقيقة لعلموا أن لله عليهم من الشكر أضعافَ ما على غيرهم وإن توسدوا التراب، ومضغوا الحصى؛ فهم أهل النعمة المطلقة، وأن من خلى الله بينه وبين معاصيه فقد سقط من عينه، وهان عليه.
فإذا طالبت العبدَ نفسُه بما تطالبه من الحظوظ والأقسام، وأرَتْه أنه في بلية وضائقة، تداركه الله برحمته، وابتلاه ببعض الذنوب، فرأى ما كان فيه من المعافاة والنعمة، وأنه لا نسبة لما كان فيه من النعم إلى ما طلبته نفسه من الحظوظ؛ فحينئذ يكون أكثر أمانيه وآماله العودَ إلى حاله، وأن يمتعه الله بعافيته+.
ومن أعظم أسرار التوبة أن يعلم العبد شدة الابتلاء بالإعراض عنه؛ فالله _عز وجل_ يذيق عبده ألم الحجاب عنه، وزوال ذلك الأنس به، والقرب منه؛ ليمتحن عبده، فإن أقام العبد على الرضا والحال، ولم يجد نفسه تطالبه بحالها الأول مع الله، بل اطمأنت، وسكنت إلى غيره_علم أنه لا يصلح، فوضعه في مرتبته التي تليق به.
وإن استغاث استغاثة الملهوف، وتَقَلَّق تَقلُّقَ المكروب، ودعاه دعاء المضطر، وعلم أنه قد فاتته حياته حقَّاً، فهو يهتف بربه أن يرد عليه ما لا حياة له بدونه_علم أنه موضع لما أُهّل له، فردَّ عليه أحوج ما هو محتاج إليه، فعظمت به فرحته، وكملت به لذته، وتمت به نعمته، واتصل به سروره، وعلم حينئذ مقداره، فعضَّ عليه بالنواجذ، وثنَّى عليه بالخناصر؛ فالعبد إذا بلي بَعْد الأنس بالوحشة، وبعد القرب بنار البعاد_اشتاقت نفسه إلى لذة تلك المعاملة، فحنَّتْ، وأنَّتْ، وتصدَّعت، وتعرضت لنفحات مَنْ ليس لها عنه عوض أبداً، ولا سيما إذا تذكر بره، ولطفه، وحنانه، وقربه.
وبعدُ فإذا كان ذلك الرجل قد قَبِل أولاده، وأقبل عليهم، وفرح بهم _ فكيف بقبول الله _عز وجل_ لتوبة عبده، وإقباله عليه؟
بل كيف بفرحه تبارك بتوبة عبده، ذلك الفرح الذي هو صفة من صفاته الفعلية الحقيقية الثابتة له، والذي لا يشبه فرح المخلوقين لا في ذاته، ولا في أسبابه، ولا في غاياته؛ فسببه الرحمة والإحسان، وغايته إتمام نعمته على التائبين المنيبين؛ وهو فرح بِرٍّ وإحسان ولطف، لا فرح محتاج إلى توبة العبد؛ فإنه _سبحانه_ لا تنفعه طاعة المطيع، ولا تضره معصية العاصي.
وإذا كانت هذه فرحة الأولاد بقبول أبيهم لهم، وإقباله عليهم _ فكيف بفرحة التائب إذا عاد إلى ربه منيباً مخبتاً إليه، منطرحاً بين يديه، مقبلاً بكليته عليه؟!
هذه بعض الارتسامات التي جَالَتْ، وبَقِيَتْ في ذهني من جراء ذلك الموقف الذي حصل بين ذلك الوالد الكريم، وأبنائه البررة.






50 ــ الوفـــاء

لعل من أجمل ما قيل في معنى الوفاء، وحسن العهد، وكرم العشيرة قول أبي تمام:
إن الكرام إذا ما أسهلوا ذكروا
من كان يألفهم في المنزل الخشن
ومعنى هذا البيت واضح، وهو أن كِرامَ الناسِ إذا تيسرت لهم الأمور، وأصابوا غنىً بعد عَيْلَةٍ، وعِزَّاً بعد صَغَار، ومنعة بعد ضعف_ لم يطش ذلك بهم في زهو، ولم يحملهم على الأشر والبطر، ولم يتعاظموا تيهاً وكبراً على من كانوا مجاورين أو معاشرين لهم أيامَ كانوا فقراء لا يُلتفتُ إليهم.
وإنما شيمتهم الوفاء، وتذكُّر الأخلاء، وإجلال من أحسن إليهم، والتواضع لمن دونهم، ولهذا قال في البيت الذي قبله:
أولى البرية حقاً أن تُراعِيَهُ
عند السرورِ الذي آساك بالحزن
وهذان البيتان يشيران إلى خلق الوفاء الذي يعد من شُعَب الإيمان، وأجلِّ الأخلاق، وأرقاها، وأدَلِّها على كرم الطبع.
والذي أثار هذا الشجن ما تراه، وتسمعه من صور الكنود، والتنكر من بعض الناس ممن قلَّ نصيبهم من خلق الوفاء؛ حيث تراه لا يعرف قدر والده الذي أشرق عليه بعطفه، وحنانه، ورعايته، ولا قدر أخيه الأكبر الذي تابع مسيرته، وسعى سعيه لإيصاله إلى ما وصل إليه.
كما أنه لا يَقْدُر قَدْرَ أستاذه الذي صبر عليه، وأخذ بيده إلى بر الأمان، ولا صديقه الذي كان له معيناً، ورافداً من روافد الخير التي تمده بالعزيمة.
وكذا اللئيم إذا أصاب كرامة
عادى الصديق ومال بالإخوان
فترى الواحد من هؤلاء إذا تكلم عن والديه أو أساتذته، أو إخوانه _ رماهم بكل نقيصة، وتقصير، ونسب إلى نفسه النجاح، والنبوغ، وأن ما أصابه من خير إنما هو بفضل مثابرته، وجدِّه، وكفاحه.
ولا ريب أن هذا الصنيع خلق رقيع، ونَرْجسيَّةٌ مقيتة، وعلامة رامزة على سوء الطوية.
وماذا على الإنسان لو جاد بالكلمة الطيبة، وذكر من أحسنوا إليه بالخير؛ والدعاء؟
إنه سيُقابَل بالود، والدعاء، والثناء.
وماذا سيجني من جراء جحوده، ونكرانه؟
إنه لن يجني إلا الخسارة، وسوء السمعة، هذا إن سلم من المآثم.
ومما أذكره في هذا الصدد أن أحد الناس كان يطلب علماً شريفاً جداً عند أحد العلماء البارزين في ذلك العلم، وكان ذلك العالم كبيراً في علمه، وسنِّه، وكان يُكرم ذلك الطالب، ويحنو عليه، ويخصُّه بدرس في منزله، حتى أتقن عليه ذلك العلم.
ولكن ذاك الطالب لم يكن على درجة من الوفاء، بل كان بليدَ الإحساس، قليلَ المروءة.
ومن أمثلة ذلك أنه جاء في يوم من الأيام يريد أن يأخذ درساً عند شيخه المذكور في بيته، فلما وصل إليه وجده يحمل أغراضاً ينزلها من سيارته إلى بيته؛ فلما رآه على تلك الحال لم يبادر إلى مساعدته، أو حمل الأغراض عنه.
وإنما نظر إليه، وهو في سيارته، ولم يكلِّف نفسه النزول منها، وقال: يبدو يا شيخ أنك مشغول؛ فلعلي آتيك في وقت آخر؛ فقال الشيخ: كما ترى!
فأيُّ أخلاقٍ هذه؟
هذا وإن من أجمل صور الوفاء _ أن يفي الإنسان لمن كان سبباً في نبوغه، أو تجارته، أو تعليمه، أو النهوض به في أي شأن من شؤونه النافعة له في دينه، ودنياه، فَيَفِيَ له بالدعاء، والذكر الطيب، والقيام له بما يحتاج إليه، والمبادرة إلى إسعافه بما يعوزه وإن لم يطلب ذلك، والحرص على زيارته، وتفقد أحواله بين الفينة والأخرى، والاعتذار له من التقصير، وتطييب قلبه إن بدرت منه جفوة، والقيام بالمستطاع من أمر أهله من بعده، إلى غير ذلك مما يحفظ الود، ويبقي على الصلة؛ فهذا دأب النبلاء، وأدب الفضلاء ممن تمت مروآتهم، وتناهى سؤددهم.
ويعظم هذا البر إذا استمر بعد موت صاحب الفضل، وذلك بالدعاء له، ورعاية أهله بالمستطاع إن احتاجوا، وسداد دينه إن كان مديناً وكان ذلك في قدرة الصاحب.
ومن أروع صور الوفاء أن تكون لك صلة برئيس لك، أو مسؤول عنك، أو تكون لك علاقة بشخص له مكانة ورئاسة _ ثم تدور الأيام دورتها، فينزل من على كرسيه، ويعود كما كان من قبل؛ فههنا تظهر أخلاق الرجال على حقيقتها؛ فزوال السلطة _كما يقول أحد الحكماء_: كِيْرٌ يسفر عن معادن الكرام.
وما رؤي النبل في شيء أعظم منه في الوفاء مع من زالت مناصبهم.
أما إكرام الناس وهم في رئاستهم فأهل الوضاعة أقدر عليه؛ فإذا شرف الإنسان، وزكت نفسه، ووفى لمن نزلوا من عليائهم _ كان ذلك دليل زكاء، وآية وفاء، وعنوان كرم، وأمارة نبل.
ولهذه الصورة من الوفاء وقعٌ كبيرٌ في نفوس الكرام.
ومن أعظم ما يحضرني الآن في هذا الشأن ما كان من وفاء عبدالحميد الكاتب لمروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية، فقد كان مروان يحب عبدالحميد حباً جمَّاً، ويرفع منزلته بين الكتّاب والعمال، ولا يرى الدنيا إلا به؛ لعلمه بنبوغه وتفرُّده في صناعته، وذهابه بفضل البلاغة وما ينبغي لها، حتى عَرض عليه _ لما أَيقن أن أمره أدبر، وهزائمه تواترت، وسلطانه صائر إلى الزوال _ أَن يكون مع أَعدائه؛ لتسلم حياته، قائلاً: إنا نجد في الكتب أن هذا الأمر زائل عنا لا محالة، وسيضطر إليك هؤلاء القوم _يعني ولدَ العباس_ لأدبك، وإن إعجابهم بك يدعوهم إلى حسن الظن بك؛ فاستأمِن إليهم، وأظهر الغدر بي؛ فلعلك تنفعني في حياتي أو بعد مماتي؛ فقال له: وكيف لي بأن يعلم الناس جميعاً أن هذا عن رأيك، وكلهم يقول: إني غدرت بك، وصرت إلى عدوك؟ وأنشد:
وذنبي ظاهر لا شك فيه
لمبصره وعذري بالمغيب
وأنشد _أيضاً_:
أُسِرُّ وَفاءًا ثم أُظهر غدرةً
فمن لي بعذر يوسع الناس ظاهره
ثم قال: يا أمير المومنين، إن الذي أمرتني به أنفع الأمرين إليك، وأقبحهما بي، ولكني أصبر حتى يفتح الله عليك, أو أُقتل معك.
وهكذا تجلَّت في عبدالحميد فضيلة الوفاء؛ فآثر أن يُقتل مع صاحبه, على أن يتخلى عنه يوم الكريهة والشدة، وتجلَّت فيه خَلَّةُ الشجاعةِ والاعتقاد بالأقدار؛ فهو الرجل الذي شارك سيده في سعادته وبلائه.
ومن صور الوفاء الرائعة الوفاء للجار؛ فللجار الصالح منزلة عند العقلاء، ومن يقدرون المكارم قدرها؛ فهم لا يعدلون به شيئًا، ولا يرتضون به بدلاً، ولا يبغون عنه حِولاً؛ لأن فيه أنْسَ وحشتهم، واستقرار حياتهم، وبه الأمن على كل مرتخص ونفيس، فهو_بعد الله_ غناهم حال الفقر، وغياثهم ونجدتهم في الخطوب، وهو عدتهم وعتادهم عند النوازل؛ فبقاؤه خصب ونعمة، وفراقه ورحيله مَحْلٌ ونقمة.
ولهذا كان السلف الصالح، والكرام من الناس لا يؤثرون بالجار الصالح مالاً ولا عرضاً من الدنيا.
=باع أبو الجهم العدوي داره بمائة ألف درهم، ثم قال: بكم تشترون جوارَ سعيد بن العاص؟ قالوا: وهل يشترى جوارٌ قط ؟
قال: ردوا عليَّ داري، وخذوا مالكم؛ لا أدع جوار رجل إن قعدت سأل عني، وإن رآني رحَّب بي، وإن غبت حفظني، وإن شهدت قربني، وإن سألته قضى حاجتي، وإن لم أسأله بدأني، وإن نابتني نائبة فرَّج عني.
فبلغ ذلك سعيدًا، فبعث إليه بمائة ألف درهم+.
ومن أعظم صور الوفاء للجار الوفاء له بعد الرحيل عنه؛ فمن الناس من ينسى جيرانه بعد أن يرحل عنهم، أو بعد أن يرحلوا عنه.
والمروءة تقضي بأن تكون وفيَّاً لجارك، فمن الوفاء له ألا تنساه بعد رحيله عنك، أو رحيلك عنه، وأن تتواصل معه بالزيارة، والهدية، والمهاتفة، ونحو ذلك مما يبقي على حبال المودة.
ومن الوفاء له ذكره بالخير، والثناء عليه بعد انقضاء مدة الجوار، خصوصًا إذا كان من المحسنين، قال النابغة الذبياني:
لا يَبْعَدِ الله جيراناً تَرَكْتُهُمُ
لا يَبْرَمون إذا ما الأفق جلَّلَه

مثلَ المصابيح تجلو ليلة الظلم
بردُ الشتاء من الإمحال كالأَدَمِ
ومن المروءة أن تُعْرِضَ عن ذكر ما تعرف عن جيرانك من السوء بعد أن تفارقهم؛ فذلك من حسن التذمم، وجميل الوفاء.
ومن أعظم صورِ الوفاءِ الوفاءُ للعلماء، وإشعارهم بقيمتهم، ومما يذكر في ذلك أن أبا البركات لما عزم على الرحلة من بلاد المغرب إلى الشرق بعد أن ضاق عليه الرزق كتب إليه ابن خاتمة أحد شعراء تلمسان أبياتاً يقول فيها:
أشمسَ الغربِ حقّاً ما سمعنا
وأنك قد عزمت على طلوع
لقد زلزلتَ منا كلَّ قلبٍ
بأنك قد سئمت من الإقامةْ
إلى شرق سموت به علامةْ
بحق الله لا تُقِم القيامةْ
فقال أبو البركات: =لا أرحل من إقليم فيه من يقول مثل هذا+.
ونفثة السحر والتأثير في هذا أنه هيأ لمراده بقوله: =أشمس الغرب+ ثم ختم بقوله: =لا تقم القيامة+ إشارة إلى أن طلوع الشمس من مغربها من علامات قيام الساعة، وأن طلوع هذا العالم من بلاد المغرب قيامةٌ لقلوب محبيه؛ ولهذا ثناه عن رحيله، فمكث أبو البركات في بلده.
ومن صور الوفاءِ الوفاءُ للمعلمين في شتى المراحل، خصوصاً من كانت لهم أيادٍ بيضاء في سيرة الإنسان.
ومن أعظم ما سمعته في ذلك في عصرنا وفاءُ الشيخ الثري المحسن سليمان بن عبدالعزيز الراجحي _حفظه الله_ لأستاذه علي ابن شاكر × حيث كان له مواقف في توجيه الشيخ سليمان وتقريبه وتحبيبه للدرس في بداية عمره، وقد أهدى لتلميذه في يوم من الأيام ريالاً، وذلك في حدود عام 1359هـ فكان لذلك أبلغ الأثر في نفس الشيخ سليمان وسيرته؛ فما كان منه إلا أن وفى لأستاذه واعترف بجميله.
بل إنه منذ أن توفي عام 1363هـ والشيخ سليمان يضحِّي له، ويدعو له، ويذكره بالخير، ويحج عنه، بل وبنى له مساجد عديدة، بل ونصَّ عليه في وصيته.
يقول الشيخ سليمان: =ولا زلت إلى اليوم أرى أنني لم أُوْفِه حقَّه+.
ومن أروع صور الوفاء الوفاء للأصدقاء، خصوصاً إخوان الصبا؛ فقد يكون للإنسان مجموعة ممن زاملوه في الدراسة أو الحي، ثم تَرْقَى به الحال إلى أن يصل إلى مراتب رفيعة في العلم، أو الجاه، أو التجارة؛ فإذا كان من ذوي النفوس الكريمة وفى لهؤلاء، وآثرهم بشيء من عطفه، أو جاهه، أو ماله، أو علمه، وأشعرهم بأنه باقٍ على العهد، يذكر هؤلاء، ويحبهم.
ويَعْظم ذلك إذا كان هؤلاء الأصدقاء أقلَّ بكثير من ذلك الصاحب الذي نال ما نال؛ فإنهم يشعرون _مع وفائه لهم_ أنه متواضع لم تغيره الأيام.
ومما هو جدير بالذكر في هذا السياق ما يكون بين الأزواج والزوجات؛ فمن الأزواج من قلَّ حظُّه من الوفاء؛ فلا همَّ له من زوجته سوى نصيبه منها؛ فلا يحفظ حقها إلا ما دام راغباً فيها، وما دامت في شرخ شبابها، وغضارة نضارتها، وكامل صحتها، ووفرة مالها.
فإذا ما كبرت، أو مرضت، أو افتقرت _أعرض عنها، ونسي ما كان من سالف الود بينه وبينها، ولم يقدِّر لها صبرها عليه، وقيامها بحقه.
ومن قلة الوفاء أن يطلِّق الرجلُ زوجته إذا مرض مرضاً يخشى منه الموت؛ كي يحرمها من الميراث.
ومن ذلك أن يسافر عنها كثيراً دونما حاجة للسفر.
إلى غير ذلك من صور قلة الوفاء التي تدل على لؤم الطبع، وقلة الرعاية لحفظ الذمام.
أما كرام الناس، وأهل الوفاء منهم _ فإنهم يحفظون الود، ولا ينسون الإحسان مهما تقادم عليه الزمان.
ومن أولى ما يُعْنَون بحفظه حق الزوجات اللواتي وهبنهم البر، والإخلاص، وحسن المعاشرة؛ فترى أولئك الكرام يحفظون عهود الود، فيذكرون زوجاتهم بالخير، ويدعون لهن، ويقفون إلى جانبهن بالمواساة إذا مرضن، أو كبرن، أو أصبن ببلية، بل لو حصل بينهما طلاق، بل ويحفظون حقهن بعد مماتهن.
فهذا سيد الخلق أجمعين نبينا محمد _عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم_ كان حافظاً ودَّ زوجته أم المؤمنين خديجة _رضي الله عنها_.
فبعد أن ماتت، وتزوج بعائشة وغيرها من ذوات الجمال والشرف _رضي الله عنهن_ لم ينس خديجة، وما لها من سابقة في الإسلام، ونفقة في سبيل الله؛ فلقد كان كثيراً ما يلهج بذكرها، والثناء عليها.
بل لقد كان _عليه الصلاة والسلام_ يتعاهد صديقاتها بعد موتها، وربما ذبح الشاة، فقطعها، ثم يبعثها إليهن، وكان يُذَكِّرهن بالهدية والصدقة برَّ خديجة، وإحسانها الذي ألفوه منها، وعرفوه عنها، فيترحمون عليها، وينقلون الحديث عن كرمها وجودها.
حتى لقد بلغ من كثرة ذكره لخديجة _رضي الله عنها_ أن غارت منها عائشة _رضي الله عنها_ مع أن خديجة ماتت قبل أن يتزوج النبي ? عائشة بثلاث سنين.
جاء في الصحيحين عن عائشة _رضي الله عنها_ قالت: =ما غرت على امرأة ما غرت على خديجة؛ من كثرة ذكر رسول الله ? إياها.
قالت: وتزوجني بعدها بثلاث سنين، وأمر ربه _عز وجل_ جبريل _عليه السلام_ أن يبشرها ببيت في الجنة من قصب+.
وجاء فيهما عن عائشة _رضي الله عنها_ قالت: =ما غرت على أحد من نساء النبي ? ما غرت على خديجة، وما رأيتها، ولكن كان النبي ? يكثر ذكرها، وربما ذبح الشاة ثم يقطعها أعضاءً، ثم يبعثها في صدائق خديجة، فربما قلت له: كأنه لم يكن في الدنيا امرأة إلا خديجة؟ فيقول: =إنها كانت، وكانت، وكان لي منها ولد+.
وجاء فيهما _أيضاً_ عن عائشة _رضي الله عنها_ قالت: =استأذنَتْ هالة بنت خويلد _أخت خديجة_ على رسول الله ? فعرف استئذان خديجة، فارتاع لذلك، فقال: اللهم هالة، قالت: فغرت+ الحديث.
وهذا وقد تلقينا عن التاريخ ورأينا بأعيننا أزواجاً عرفوا حقوق الزوجية، واحتفظوا بآدابها التي أمر الإسلام بها، فعاشوا في ارتياح وهناءة، موصولين بتعاطف واحترام.
وربما ظهر هذا فيما يصدر من الزوجين من عبارات الأسف والتحسر عند الوداع.
قال ابن زريق البغدادي لما ودع زوجته خارجاً لطلب الرزق في قصيدته العينية الطويلة المسماة باليتيمة:
أستودع الله في بغدادَ لي قمراً
ودعته وبودي لو يودعني
بالكرخ من فلك الأزرار مطلعُهُ
طيبُ الحياة وأني لا أودعه
إلى أن قال:
بالله يا منزل الأنس الذي درست
هَل الزمانُ مُعيدٌ فيك لَذَّتَنا
في ذمة الله من أصبحت منزله
من عنده ليَ عهدٌ لا يضيع كما
ومن يُصَدِّع قلبي ذكره وإذا
آثارُه وعفت مُذْ بنْتُ أرْبُعُهُ
أم الليالي التي أمْضَت تُرجِّعه
وجاد غيثٌ على مغناك يمرعه
عندي له عهدُ ودٍ لا أضيِّعه
جرى على قلبه ذكري يُصَدِّعُه
إلى آخر ما قاله.
وهذا ابن دراج القسطلي يقول عند وداع زوجته:
ولما تدانت للوداع وقد هفا
تناشدني عهد المودة والهوى
وطار جناحُ الشوق بي وهفت به بصبري منها أنَّةٌ وزفير
وفي المهد مبغومُ النداء صغيرُ
جوانح من ذعر الفراق تطير
وقد تظهر هذه العواطف الرقيقة عند حضور الموت، كما قال يحيى الهندي الأندلسي يوصي بأن يُدْفَنَ حذاءُ زوجته التي توفيت قبله، وحزن عليها حزناً شديداً:
إذا متُّ فادفني حذاء خليلتي
ورتِّبْ ضريحي كيفما شاءه الهوى
لعل إله العرش يجبر صرعتي
يخالط عظمي في التراب عظامها
تكون أمامي أو أكون أمامها
فيعلي مقامي عنده ومقامها
وقد تظهر هذه العواطف في تشوق في حال غيبة كما قال المحدث ابن حجر ×متشوقاً إلى زوجته ليلى الحلبية:
رحلت وخلَّفتُ الحبيب بداره
أشاغل نفسي بالحديث تَعَلُّلاً
برغمي ولم أجنح إلى غيره ميلا
نهاري وفي ليلي أحنُّ إلى ليلى
ولا تقف تلك العواطف في الحياة فحسب, بل تتجلى أعظم ما تتجلى حين يفجع الزوج بوفاة زوجته, حينئذ تستثار كوامنه, ويظهر مدى حرقته.
قال البارودي × في رثاء زوجته(34) حيث ورد إليه نعيها وهو بسرنديب:
أيدَ المنونِ قدحتِ أيَّ زنادِ
أوهنت عزمي وهو حملة فيلق
لم أدر هل خطبٌ ألمَّ بساحتي
أقذى العيون فأسبلت بمدامع
وأطَرْتِ أيَّة شعلة بفؤادي
وحَطمت عودي وهو رُمْحُ طرادي
فأناخ أم سهمٌ أصاب فؤادي
تجري على الخدين كالفرصاد(35)
ما كنت أحسبني أراعُ لحادث
أَبْلَتْنِيَ الحسراتُ حتى لم يَكَدْ
أستنجد الزفرات وهي لوافحٌ
لا لوعتي تَدَعُ الفؤاد ولا يدي
حتى مُنيتُ به فأوهن آدي(36)
جسمي يلوح لأَعْيُنِ العُوَّاد(37)
وأُسَفِّهُ العبراتِ وهي بوادي
تقوى على ردِّ الحبيب الغادي
إلى أن يقول:
أسليلة القمرين أيُّ فجيعة
أَعْزِزْ عليَّ بأن أراك رهينةً
أو أن تبيني عن قرارة منزل
لو كان هذا الدهرُ يقبل فديةً
أو كان يرهب صولة من فاتك
لكنها الأقدارُ ليس بناجع
أفأستعين الصبر وهو قساوةٌ
ومن البلية أن يُسام أخو الأسى
هيهات بعدك أن تقر جوانحي
ولهي عليك مصاحبٌ لمسيرتي
فإذا انتبهت فأنت أول ذكرتي
أمسيت بعدك عبرةً لذوي الأسى

ما بين حزن باطن أكل الحشا
وردَ البريدُ بغير ما أمَّلْته

حلت لفقدك بين هذا النادي
في جوف أغبر قاتم الأسداد(38)
كنت الضياءَ له بكل سوادي
بالنفس عنك لكنت أولَ فادي
لفعلت فعل الحارث بن عباد(39)
فيها سوى التسليم والإخلاد
أم أصحب السلوان وهو تعادي
رعي التجلد وهو غير جماد
أسفاً لبُعْدك أو يلين مهادي
والدمع فيك ملازم لوسادي
وإذا أويت فأنت آخر زادي
في يوم كل مصيبة وحداد

متخشعاً أمشي الضَّراء(40) كأنني
ما بين حزن باطن أكل الحشا
وردَ البريدُ بغير ما أمَّلْته
فسقطت مغشياً عليَّ كأنما
وَيْلُمِّهِ رزءاً أطار نَعيُّه
قد أظلمت منه العيون كأنما
أخشى الفجاءة من صيال أعادي
بلهيب سورته وسقم بادي
تعس البريدُ وشاه وجه الحادي
نَهَشَتْ صميمَ القلب حَيَّةُ وادي
بالقلب شُعْلَةَ مارجٍ وقَّاد(41)
كحل البكاءُ جفونها بقتاد(42)
إلى أن قال:
سر يا نسيمُ فبلِّغ القبرَ الذي
بحمى الإمام تحيتي وودادي
إلى أن قال مصبراً نفسه , سائلاً المغفرة لزوجته:
فاستهد يا محمودُ ربَّك والتمس
واسأله مغفرة لمن حلَّ الثرى
هي مهجةٌ ودَّعْتُ يوم زيالها(43)
تالله ما جفَّت دموعي بعدما
لا تحسبيني ملْتُ عنك مع الهوى
قد كدتُ أقضي حسرةً لو لم أكن

منه المعونةَ فهو نعم الهادي
بالأمس فهو مجيبُ كلَّ منادي
نفسي وعشت بحسرة وبعاد
ذهب الردى بك يا ابنة الأمجاد
هيهات ما تَرْكُ الوفاء بعاد(44)
متوقعاً لقياك يوم معادي

فعليك من قلبي التحية كلما
ناحت مُطَوَّقَةٌ(45) على الأعواد
هذا بالنسبة للوفاء من قبل الأزواج، وقل مثل ذلك في شأن الزوجات من جهة الوفاء، وقِلَّتِهِ؛ فبعض النساء تقوم بواجب زوجها طالما أنه في حال صحته، وشبابه، وغناه، ومكانته المرموقة.
فإذا زلت به القدم؛ فمرض بعد صحة، أو افتقر بعد غنى، أو نزل بعد رفعة، أو هرم بعد شباب _ تنكرت له، وقلبت له ظهرت المجن، فلم تعد تصافيه، أو تُعنى بشأنه، أو تمحض له صفو الوداد.
وما ذلك بطبع الكريمات وعُقْليات النساء؛ ذلك أن الثبات على صدق الوفاء من أفضل ما تتحلى به النساء.
ولهذا درجت المرأة المسلمة على مواتاة زوجها، ومصافاته، واستخلاص نفسها له، واحتمال نَبْوَةِ الطبع منه.
وأكثر ما كان صفاء نفسها وسماح خلقها، وعذوبة طبعها _ إذا تبدلت حال الزوج من أعلى إلى أدنى، كأن يُرزأ في ماله، أو ينكب في قوته، أو أن يصاب بجاهه ومنصبه، أو أن يبتلى بصحته وعافيته.
بل لقد كان وفاؤها له بعد عفاء أثره، وامّحاء خبره _ عديلَ وفائها له وهي بين أفياء نعمته، وأكناف داره.
وكان إيثارُ الإسلام له بمدّ حدادها عليه أربعة أشهر وعشرة أيام، لا تتجمل في أثنائها، ولا تفارق دارها إلى دار أبيها _ سنةً من سنن هذا الوفاء، وآية من آياته.
لذلك كانت المرأة المسلمة الوفية ترى الوفاء لزوجها بعد موته آثر مما تراه لأبيها وأمها وذوي قرابتها؛ فكانت تؤثر فضائله، وتذكر شمائله في كل موطن ومقام.
تقول الذلفاء ترثي زوجها نجدة بن الأسود:
سئمت حياتي حين فارقت قبره
وقالت نساءُ الحيّ قد مات قبله
صدقن لقد مات الرجال ولم يمت ورحت وماء العين ينهل هامله
شريف فلم تهلك عليه حلائله
كنجدة من إخوانه من يماثله
هذه بعض صور الوفاء، وهي إشارات تحتاج إلى بسط، وتوضيح.



51 ــ ? ? ? ? ?

هذا العنوان جزء من آية من سورة الأنعام، وهي قول الله _تعالى_: ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? [الأنعام: ??].
وهذه الآية فَصَل الله بها القضاء بين إبراهيم وقومه، وقد سبقها قوله _تعالى_: عن إبراهيم _عليه السلام_ لما حاج قومه: ? ? ? ? ?? ? ? ?? [الأنعام: ??].
ففصل الله بين الفريقين، وحكم لإبراهيم _عليه السلام_.
والظلم في قوله _تعالى_: ??? هو الشرك، وما دونه من سائر المظالم؛ فالشرك هو أظلم الظلم، ويليه ظلم الإنسان للعباد، ثم ظلمه لنفسه بما دون الشرك.
فمن سلم من أجناس الظلم الثلاثة كان له الأمن التام، والهداية التامة في الدنيا، وفي البرزخ، وفي الآخرة.
ومن أشرك بالله _عز وجل_ لم يكن له أمن، ولا اهتداء على الإطلاق؛ لأن الشرك _أظلم الظلم_ فهو الظلم الرافع للأمن والهداية.
وأما ما دون الشرك من الذنوب فيحصل للعبد أمن بقدر ما معه من الإيمان، وينتفي عنه من الأمن بقدر ما فعل من الذنوب، فيحصل له أصل الأمن، وأصل الهداية دون أن يحصل له كمالها.
والأمن ههنا شامل للأمن في الدنيا، والبرزخ، والآخرة _كما مر_.
كما أنه شامل لأمن الأديان، وأمن الأفكار، وأمن الأبدان، وأمن الأوطان، وأمن القلوب.
وهذا حاصل لمن لم يلبسوا إيمانهم بشرك ولا معاصٍ.
وإذا تأملت هذا تبين لك سببُ النقص الذي يعترينا من هذا الناحية، وتبين الجواب لمن يقول: لماذا لا نشعر بالأمن التام، والطمأنينةِ في قلوبنا مع أننا لا نشرك بالله، وهل ذلك الأمن والطمأنينة في الآخرة فحسب؟
ويجاب عن ذلك _كما مر_ بأن يقال: إن سبب ذلك هو التفريط ببعض أفراد الإيمان وشعبه؛ فقد يكون سبب ذلك الخوفِ، وقلةِ الأمن _ ارتكابَ بعض الذنوب كالفواحش، والقطيعة، والعقوق، والظلم ونحو ذلك؛ فيعاقب الفرد والجماعة على ذلك، بحيث يشيع القلق، والخوف، وسوء الظن، ويشعر الإنسان بالاضطراب، وقلة الطمأنينة.
وإذا شاع في المجتمع توحيدُ الله، والتواصي بالصبر وبالمرحمة، وساد فيه العدل، والإحسان، والتكافل، والوفاء، والسماحة، وحسن الظن _ حلت فيه الراحة، والطمأنينة، ورفرفت على أجوائه السعادة، والأمن.
وهكذا الحال للأفراد، فَمَنْ تَمَثَّل تلك المعاني عاش في سرور، وراحة، وأمن نفسي.
فحقيق علينا أن نشيع في أوساطنا معنى الأمن بمفهومه الشامل: أمن الفكر، وأمن الأبدان، وأمن القلوب.
وأن نستشعر أن التفريط في ذلك أو شيء منه _ خسارة يتحملها كل مَنْ شارك فيها، أو لم يكن له يدٌ في درئها وهو قادر على ذلك.
وأن ندرك أن الأمن والنعيم يدرك في الدنيا كما يدرك في الآخرة مع عظم التفاوت في ذلك، بخلاف من يظن أن ذلك إنما يكون في الآخرة، وأن نعيم الدنيا إنما هو للكفار؛ خصوصاً إذا رأى ما هم عليه في الدنيا من الرياسة والمال؛ فيعتقد _كما يقول ابن تيمية_ أن النعيم في الدنيا لا يكون إلا لأهل الكفر والفجور، وأن المؤمنين ليس لهم ما يتنعمون به في الدنيا إلا قليلاً.
فهذا خطأ وجهل، بل العكس هو الصحيح، فأهل الإيمان حقاً هم أسعد الناس وأشرحهم صدراً في هذه الدنيا، وأهل الكفر والفجور أشد الناس قلقاً وهماً وكدراً.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية × مقرراً هذا المعنى: =وكل هذا محسوس مجرَّب، وإنما يقع غلط أكثر الناس أنه قد أحس بظاهرٍ من لذات أهل الفجور وذاقها، ولم يذق لذَّات أهل البرِّ ولم يخبرها+.
قال ابن الجوزي ×: في حال من يتطلع، ويمد طرفه إلى أرباب الدنيا: =فإياك أن تنظر إلى صورة نعيمهم؛ فإنك تستطيبه؛ لبعده عنك، ولو قد بلغته كرهته، ثم في ضمنه من محن الدنيا والآخرة ما لا يوصف؛ فعليك بالقناعة مهما أمكن ففيها سلامة الدنيا والدين.
وقد قيل لبعض الزهاد_وعنده خبز يابس_: كيف تشتهي هذا؟ فقال: =أتركه حتى أشتهيه+.
قال الحسن×في العصاة: =إنهم _وإن طقطقت بهم البغال، وهملجت بهم البراذين_إن ذل المعصية لا يفارق قلوبهم؛ أبى الله إلا أن يُذلَّ من عصاه+.
فأهل المعصية يجدون في أنفسهم الذلة، والشقاء، والخوف، حتى وإن رآهم الناس بخلاف ذلك، ولو تظاهروا بالسعادة والسرور، ولو كانوا من الشهرة وبعد الصيت بمكان عال، ولو كانت الدنيا طوع أيمانهم وشمائلهم؛ فالذل والضنك لا يفارقهم، بل يزيد كلما زادوا بعداً عن ربهم.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ×: =ولهذا تجد القوم الظالمين أعظم الناس فجوراً، وفساداً، وطلباً لما يروِّحون به أنفسهم من مسموع، ومنظور، ومشموم، ومأكول، ومشروب.
ومع هذا فلا تطمئن قلوبهم بشيء من ذلك.
هذا فيما ينالونه من اللذة، وأما ما يخافونه من الأعداء فهم أعظم الناس خوفاً، ولا عيشة لخائف.
وأما العاجز منهم فهو في عذاب عظيم، لا يزال في أسف على ما فاته، وعلى ما أصابه.
أما المؤمن فهو مع مقدرته له من الإرادة الصالحة، والعلوم النافعة ما يوجب طمأنينة قلبه، وانشراح صدره بما يفعله من الأعمال الصالحة، وله من الطمأنينة وقرة العين ما لا يمكن وصفه.
وهو مع عجزه_أيضاً_ له من أنواع الإرادات الصالحة، والعلوم النافعة التي يتنعم بها_ما لا يمكن وصفه+.





الفهرس

المقدمة . 3
1_ تأملات قرآنية . 7
2_ [أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى] . 11
3_ إن الجبال من الحصى . 13
4_ تعديل المخاطبات . 16
5_ هل وكم. 18
6_ وكم مالئ عينيه. 27
7_ هم يحسدونه. 32
8_ مزاح الأكابر. 35
9_ [لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا] . 56
10_ [مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى] . 60
11_ لا تكن أنت والزمان عليها. 66
12_ الصدمة الأولى. 68
13_ روح المبادرة. 71
14_ الانتقام المحمود. 80
15_ توبات يغفل عنها. 83
16_ شهامة. 85
17_ حتى الشسع. 87
18_ أعمال يغفل عن احتساب أجرها. 90
19_ معالي الأمور وسفاسفها. 92
20_ إخلاص طبيب. 102
21_ تقدير المسؤولية . 104
22_ أضيق الطريق . 106
23_ التقليد في الكراهية . 109
24_ فقه النصيحة . 111
25_ مسألة في العمل التطوعي . 116
26_ جوابها منها . 118
27_ بُلي بي . 129
28_ ساعة الصفر . 131
29_ العدوى. 135
30_ اكْسُ ألفاظَك . 138
31_ الاجترار . 142
32_ التعامل الأمثل مع الخطأ . 146
33_ الإفراط في تطلب الكمال . 157
34_ الزوايا الحادة . 160
35_ لا يعاب الإنسان بما في طبعه إنما .. . 162
36_ الجزم . 170
37_ الشعر تذوقه_ الاستشهاد به _ أثره. 173
38_ تفسحوا يفسح الله لكم . 186
39_ الاعتراف للمحسن . 189
40_ [وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ] . 197
41_ [وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ] . 204
42_ سرعة البديهة . 209
43_ الثناء الصادق. 218
44_ أصالة الرأي . 226
45_ منع الفضل ليس بظلم . 239
46_ من صور البر المعاصرة . 245
47_ عشر أمثالها. 249
48_ الحوار. 254
49_ أشَدَّ فَرحاً. 262
50_ الوفاء . 269
51_ [أُوْلَئِكَ لَهُمْ الأَمْنُ] . 285
الفهرس . 291

(1) يعني به: أبا تمام: حبيب بن أوس الطائي.
(2) يشير إلى قول القائل: لو كنت .... بنو اللقيطة من ذهل بن شيبانا
(3) يشير إلى قول الفِنْد الزماني:
صفحنا عن بني ذُهْلٍ
فلما صرَّح الشرُّ
ولم يبقَ سوى العدوا
وفي الشر نجاة حيـ
وقلنا القوم إخوان
وأمسى وهو عريانُ
نِ دناهم كما دانوا
ـن لا ينجيك إحسان
(4) الإيطاء والإقواء: مصطلحان عروضيان يعدان من عيوب القافية؛ فالإيطاء: هو إعادة كلمة الرَّوي بلفظها ومعناها بعد بيتين أو ثلاثة إلى سبعة أبيات؛ وهذا مما يدل على قلة إلمام الشاعر بمفردات اللغة؛ إذ عليه ألا يكرر ألفاظ القافية.
والإقواء: هو اختلاف حركة الروي المطلق من الضم إلى الكسر، كقول النابغة الذبياني:
زعم البوارحُ أن رِحْلَتنا غداً
لا مرحباً بغدٍ ولا أهلاً به
وبذاك خبرنا الغرابُ الأسودُ
إن كان تفريق الأحبة في غدِ
ولذا يذكر أن النابغة لما نبه على هذا غيّر البيت إلى قوله:
..........................
وبذاك تنعاب الغرابِ الأسودِ

(5) المُعاوِية: الكَلْبَةُ التي تعاوي الكلاب وتنابحها، وبها سمي الرجل، وربما أراد بذلك معاوية ابن أبي سفيان ( فقد كان رجلاً أكولاً وقد قال فيه النبي ?: «لا أشبع الله بطنك»، وقد عدَّ الإمام مسلم هذه الدعوة من جملة مناقبه ( لأن النبي ? قال: «اللهم أيما مسلم جلدته، أو شتمته، أو ضربته، فاجعلها صلاة وزكاة عليه»، ثم أعقبه بحديث معاوية «لا أشبع الله بطنك».
(6)_ في الأصل: =عاب+.
(7) البيت لطرفة في ديوانه 48.
(8) انظر يتيمة الدهر للثعالبي 2/214_418، ومقدمة المقاييس 1 / 15 _ 20.
(9) هذه كلمة دارجة عندنا في نجد، ومعناها: نريد أن تقدم لنا شيئاً إما وليمة أو غيرها؛ لأجل أن ترضينا بسبب خطئك علينا.
(10) يعني أنا أهنئك بوصول زوجتك أم عبدالله.
(11) السحيل: هو الغزل الذي لم يُبرم، والمُبْرَم: هو الحبل الذي جمع بين مفتولين، فَفُتِلا حبلاً واحداً.
(12) مَنْشِم: هذه الكلمة اختُلف فيها، وذُكر لها عدة معان، فقيل: مَنْشِم: امرأة عطارة قيل: إنها من خُزاعة، وقيل: من هَمْدَان، وقيل: من حِمْيَر.
قيل: كانوا إذا تطيبوا من ريحها اشتدت الحرب؛ فصارت مثلاً في الشر، وقيل: كانت خزاعة وجُرْهُم إذا أرادوا القتال تطيبوا من طيبها، وكانوا إذا فعلوا ذلك كثر القتل فيما بينهم، فكان يُقال: أشأم من عطر منشم؛ فصار مثلاً.
وقيل: منشم: الشَّرُّ بِعَينه، وقيل: هو شيء من سنبل العطر، وهو سُمُّ ساعة.
(13) رواه ابن هشام 2/366 عن ابن إسحاق قال: =فحدثت عن الرجال من بني سلمة أنهم ذكروا أن الحباب...+.
وقال الألباني في تخريج فقه السيرة للغزالي ص240: =وهذا سند ضعيف؛ لجهالة الواسطة بين ابن إسحاق والرجال من بني سلمة، وقد وصله الحاكم 3/26_27+.
(14) أخرجه الترمذي 2924، وابن السني في عمل اليوم والليلة (356)، وضعفه الألباني في الضعيفة (1362).
ولكن الحديث صحيح موقوفاً من قول عائشة موقوفاً عليها _رضي الله عنها_.
انظر مسند أبي يعلى (4560)، وعمل اليوم والليلة (357).
قال الهيثمي في الحديث: =رجاله رجال الصحيح غير محمد بن عبيدالله وهو ثقة+ انظر المجمع 10/150.
(15) 3/131 رقم(2894).
(16) 3/879.
(17) قال الألباني في صحيح الجامع (1886): =صحيح، إلا أن في سنده خالد بن إياس، قال فيه الحافظ في التقريب: متروك الحديث+.
(18) من حديث سهل بن سعد ( عند الحاكم 1/48، وأبي نعيم في الحلية 3/225، 8/133، والطبراني في الكبير 6/181 رقم (5928)، والخرائطي في مكارم الأخلاق 1/5 رقم(2)، والبيهقي في الكبرى 10/191.
قال الحاكم: =صحيح الإسناد+ وقال الهيثمي في المجمع 8/188: =رجاله ثقات+ وقال العراقي في حمل الأسفار 3/259: =إسناده صحيح+.
(19) من حديث جابر ( عند الطبراني في الأوسط، كما في مجمع البحرين 5/205 رقم (2926).
قال الهيثمي في المجمع 8/188: =وفيه من لم أعرفه+.
(20) هذان البيتان من قصيدة تُنسب لتأبط شراً، وللشنفرى، ولغيرهما.
(21) السِّيد: الذئب، والعَمَلَّس: القوي الشديد على السير، والأرقط: النَّمِر، والزهلول: الأملس: والعَرْفاء: الضبع؛ لطول عرفها، وكثرة شعرها، وجيأل وجيألة: الضبع.
والشاعر ههنا يخاطب أقاربه، ويبين لهم أن له بدلاً عنهم أهلين آخرين، وهم تلك الحيوانات المذكورة في البيتين، يقول ذلك لمَّا ضاق عيشه عند أقربائه.
(22)_ رواه أحمد 5/244 و 245 و 274، وأبو داود (1522) والنسائي (1301) والحاكم 1/273 وصححه ووافقه الذهبي، وصححه ابن خزيمة (751).
(23) الداية: هي الظِّئر، وهي المرضعة التي تعطف على غير ولدها.
(24) الثاية: هي مأوى الغنم والإبل، وتُطلق على علامة للراعي إذا رجع إلى الغنم ليلاً؛ ليهتدي إليها.
(25) كما في اللسان في مادة (سوا) الساية: تُطلق على الطريق، وعلى وادٍ عظيم به أكثر من سبعين نهراً تنزله مزينة وسليم، وتطلق على وادي أَمَجّ، وأهل أمج خزاعة.
وتُطلق كذلك على الفعلة من السوء، وقد جرى في هذا الشأن محادثة مع بعض الأحبة وهو الشيخ صالح بن فريح البهلال، فأضاف بيتاً وهو:
خُــذني قريبــاً إلى منـــازلكــم تأمـنْ من الســوءاتِ والسـايـة
(26) أخرجه أحمد (6884) والبيهقي في السنن الكبرى(20904).
(27) انظر مسند الحارث (زوائد الهيثمي (894) وسبل الرشاد للصالحي 9/349.
(28) أخرجه مسلم (6022) و(2255) وأحمد (19474) وابن ماجه (3758) والطبراني في الأوسط (2429).
(29) البخاري (5794) ومسلم (1796).
(30) أخرجه البخاري في الأدب المفرد (792) وقال الألباني في صحيح الأدب المفرد (608): =صحيح+.
(31) هكذا في كتاب عين الأدب والسياسة لعلي بن هذيل ص183، وفي سير أعلام النبلاء للذهبي 3/133: =إلا تركتني في مثل رواجب الضَّرِس+ والرواجب ههنا: هي الأمعاء، والضَّرِس: الجائع الذي يغضب من الجوع، والمعنى أنك يا معاوية إذا أردت شيئاً ضيَّقت عليَّ حتى تناله؛ كناية عن إعجاب عمر بدهاء معاوية _رضي الله عنهما_.
(32) الكورة: هي ما يعرف بعصرنا بالمحافظة.
(33) لقد يسر الله بيان ذلك بشيء من البسط في كتاب الهمة العالية للكاتب ص166_182.
(34) زوجته هي عديلة يكن بنت المشير أحمد يكن باشا، تزوجها سنة 1867م، وأنجب منها ابناً وأربع بنات، وتوفيت بالقاهرة سنة 1883م وهي في السابعة والثلاثين من عمرها، ونعيت إليه وهو منفي بسرنديب، فرثاها بهذه القصيدة الدالية التي تعد من عيون الشعر، وتبلغ 67 بيتاً.
(35) الفرصاد: صبغ أحمر، ويطلق على التوت.
(36) آدي: قوتي.
(37) العُوَّاد: الزوار.
(38) يعني به القبر.
(39) من سادات العرب وشعرائهم في الجاهلية.
(40) الضَّراء: الاستخفاء.
(41) ويْلُمِّه: أي ويل لأمه، والرزء: المصيبة، ونعيُّه: أي ناعيه والمخبر به، المارج: النار لا دخان لها.
(42) القتاد: الشوك.
(43) زيالها: يعني فراقها.
(44) بعاد: يعني بعادتي.
(45) المطوقة: الحمامة ذات الطوق وهي التي في عنقها ريش يخالف لونه باقي جسمها يشبه الطوق.
---------------

---------------

---------------

------------------------------------------------------------

28
ارتسامات

3
ارتسامات