Advertisement

التغيير من الداخل







د. أيمن أسعد عبده
التغيير من الداخل
تأملات في عادات النجاح السبع
الطبعة الثالثة



وفي هذه الورقات أبث شيئاً من افكاري حول هذه العادات السبع , و أحاول أن اشرحها بشكل بسيط و عملي كما فهمتها , ثم أحاول أن أربطها ببعض المعاني الإسلامية في ثقافتنا , و أبين من خلال ذلك أن هذه العادات هي سنن كونية , وعادات طبيعية و اجتماعية بثها الله في هذا الكون , فمن فهمها و راعاها , و سار ضمن تأثيرها , حاز على ثمارها , و جنى يانعها , و أما من صادمها و عاندها فإنه كناطح رأسه في الصخر , يدمي رأسه المسكين , ولا يمس الحجر خدش أو أثر .









التغيير من الداخل
تأملات في عادات النجاح السبع
د. أيمن أسعد عبده



الإهداء
من غيركما أهدي اليه أول كتبي ؟
***
إلى أمي : يا نهر الحب الذي يجري في روحي ..
علمتني حب الله , وحب الحياة , و حب الناس ..
كيف استطعت أن تحبي كل شيء .. و يحبك كل شيء ؟
***
و إلى أبي .. يا نسيم الحكمة يسري في كل حياتي ..
علمتني كيف أعيش لهدف نبيل .. فأعمل له بجد .. و أبذل له بسخاء
كيف استطعت أن تكون أباً مثالياً بحق و تؤثر فينا كل هذا التأثير ؟
***
أنا مدين لكما بعد الله بكل شيء ..
? رب ارحمهما كما ربياني صغيراً ?


صفحة فارغة


الفهرس

تقديم ..................................9
مقدمة ..................11
تمهيد ............15
ما الهدف من هذه التأملات ؟ . . . . . . . . . 23
منهج هذه التأملات . . . . . . . . . .27
العادة الأولى « كن مبادراً» . . . . . . . .47
المعنى الأول . . . . . 57
المعنى الثاني........... 81
المعنى الثالث.............95
العادةالثانية « ابدأ والنهاية في ذهنك» . . . . . . . . .115
العادة الثالثة «ضع الاهم أولا» . . . . . . . .
135 العادةالرابعة «فكربعقلية: أربح ويربح الأخرون » . . . . ???
العادة الخامسة « احرص أولا أن تفهم ثم أن تفهم» . . . . . . . . . . . . 177
العادة السادسة « التعاون الإنمائي » . . . . . . . . . . . . . . .197
العادة السابعة «اشحذ المنشار » ........207
حول هذه العادات أسئلة ومناقشات . . . . . . . . . . . . . .221


التقديم
أستاذنا الدكتور أحمد البراء الأميري
الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله ، وبعد :
فالأخ الدكتور أيمن بن أسعد عبده طبيب متخصص في أمراض الكبد وجهاز الهضم ، والدكتور ستيفين كوفي أستاذ جامعي متخصص في علم النفس ، كتابه الشهير " العادات السبع " طبع منه ملايين النسخ ، وترجم إلى "عشرات " اللغات ، وهذه السطور تقدمة لتأملات طبيب ذكي ، واسع الثقافة ، في كتاب عالم نفسي واسع الشهرة ، هدفها أن تحفز الإنسان ( الجاد ) ، الراغب في أن يستثمر . دنيويا وأخروي بربح وفير . ما أودعه الله سبحانه فيه من طاقات ضخمة ، وقدرات عظيمة . أن تحفزه لقراءة هذا الكتاب مثنى وثلاث ، قراءة متأنية تنتهي بتطبيق ما يقدر على تطبيقه مما يشعر بنفعه أو الحاجة إليه . يصف الدكتور أيمن العادات بأنها « سنن كونية ، وعادات طبيعية واجتماعية ، بثها الله في هذا الكون ، فمن فهمها ، ورعاها ، جنى يانع ثمارها ، ومن صادمها وعاندها فإنه كناطح صخرة ، يدمي رأسه ولا يؤذي الحجر » . وهدفه . في تأملاته . أن يشرحها بشكل عملي مبسط ، ثم يحاول ربطها بعض المعاني الإسلامية ، مستشهدًا الكثير من الأيات


9


الكريمة ، والأحاديث الشريفة ، والأشعار البليغة التي تشهد له بحسن الذوق ، ودقة الفهم ، وبراعة الاستدلال .
إن هذا العمل النافع الماتع يذكرنابصنع الشيخ محمد الغزالي . رحمه الله . عندما قرأ كتاب ديل كارنيجي الشهير « دع القلق وابدأ الحياة » فكتب كتاباً مفيداً جدّا اختار له عنوان ( جدد حياتك ) وهو عنوان أحد فصول كتاب كارنيجي ، وفي مقدمته يقول : لقد قرأت كتاب « ادع القلق وابدأ الحياة » للعلامة ( ديل كارنيجي ) الذي عربه الأستاذ عبد المنعم ، فعزمت فور انتهائي منه أن أرد الكتاب إلى أصوله الإسلامية ! ! لا لأن الكاتب الذكي نقل شيئا عن ديننا ، بل لأن الخلاصات التي أثبتها بعد استقراء جيد لأقوال الفلاسفة والمربين ، وأحوال الخاصة والعامة ، تتفق من وجوه لا حصر لها مع الآيات الثابتة في قرآننا ، والأحاديث المأثورة عن نبينا صلى الله عليه وسلم . إن المؤلف لا يعرف الإسلام ، ولو عرفه لنقل منه دلائل تشهد للحقائق التي قررها أضعاف مانقل من أي مصدر آخر . . . وبذلك اتفق وحي التجربة ووحي السماء .
لقد أكرمني أخي الدكتور أيمن وأسعدني عندما طلب مني أن أقدم لكتابه ، وليس مما يناسب المقام أن أطيل في التقديم فأؤخر القارى عن الشروع في الأهم بقراءة غير المهم ، وإني لأدعو الله أن يكون صنيع أخي الدكتور أيمن إسهاما في إخراج مسلم اليوم من دائرة ( العطالة ) إلى دائرة ( الفاعلية ) ، وأن يجزل له المثوبة ، ويبارك فيه وفي كتابه ، إنه أكرم مسؤول وأرجى مأمول
. د . أحمد البراء الأميري
10


مقدمة
منذ نعومة أظفاري ، وأنا مغرم بقراءة كتب تطوير الذات ، ما أن أدخل مكتبة داخل المملكة أو خارجها إلا وألتهم هذا النوع من الكتب التهاماً أشعر بين دفتيها بالمتعة الكبيرة والفائدة العظيمة.ولقد كانت رحلتي مع اكتشاف كتاب « العادات السبع للأشخاص الأكثر فاعلية » على مراحل عديدة .
ففي السنة الأولى من الجامعة ، تعرفت على أستاذنا الفاضل الدكتور أحمد البراء الأميري . تلك المعرفة كانت بحق نقطة تحول في كثير من مجالات حياتي ، ومن أهمها الاهتمام المركز بتطوير الذات ، وقد أهداني النسخة الأولى من كتاب العادات السبع ، فقرأتها بنهم كبير ، وشعرت عند قراءتها بالمتعة البالغة . ولكنى لم أجد فيها ما كان يصفه لنا أستاذنا الأميري من العمق والتأثير . أحسست أنها عبارة عن قواعد مكرورة نعرفها من قبل ، وأنه ليس فيها كثير تجديد أو كبير إبداع . وقد كان الدكتور الأميري من المعجبين بهذه العادات ولا يزال ، ولكن فهمه

11


لها واستشهاده بها أشعرني بأن هناك مستوى آخر من الفهم والوعي بهذه العادات لا يمكن أن يصل إليه المرء من خلال قراءة عابرة أو تفكير سريع . واقتنعت عندها أن هذه العادات على درجة من العمق والشمولية تجعلها بحاجة إلى قراءة مستمرة وتأمل عميق . ومن خلال المناقشات الطويلة مع الدكتور الأميري وغيره بدأت أكتشف بعض الكنوز ، وأضع يدي على كثير من الجواهر المبثوثة بين يدي هذه العادات . وبقي الكتاب في موقع أثير من مكتبتي سنوات عديدة . ثم ظهرت الترجمة العربية للكتاب ، فاقتيّنها وقرأتها مرات عديدة دون أن أشعر نحوها بالجاذبية التي شعرتها حال قراءة الطبعة الإنجليزية . ذلك أني شعرت بأن الترجمة كانت ترجمة حرفية وخالية من أي روح ، بدأ ذلك من عنوان الكتاب الذي ترجم على أنه : « العادات السبع للقادة الإداريين ، وهو تحويل غريب للمعاني العالية ، والمبادى الشاملة المبثوثة في الكتاب الأصلي ووضعه في قالب مادي تجاري . وهذا ظلم للكتاب والكاتب ، فضلا عن التحريف الظاهر لعنوان الكتاب باللغة الأصلية . ثم وقعت بين يدي نسخة من الأشرطة السمعية للدورة المطولة التي ألقاه المؤلف شارحاً عاداته السبع ، فأحدثت لي هزة عميقة جديدة وهي مرحلة الاكتشاف الثانية . ذلك أن هذه الأشرطة مؤثرة بحق ، وقد وفق فيها كوفي أيما توفيق في عرض هذه العادات بشكل عميق وعملي في آن واحد . وقد تأكد لي بعد ذلك ما كنت توقعته من قبل ، وهو أن فهم هذه العادات بعمق يحتاج إلى تأمل عميق وممارسة مستمرة ، تبين لي ذلك من خلال أمثلتها القوية وتعبيراته الشاخصة . ثم هدأت لوعة هذه العادات في حسي ردحا من الزمن قرأت فيه فى عدد كبير من المدارس النفسية والتربوية الأخرى ، واستمعت فيها لعشرات الأشرطة والمحاضرات ، وحضرت عددًا من الدورات التدريبية ، ولكن شيئا ما ظل يربطني بهذه العادات السبع . وفي نهاية مدة بعثتي في كندا طلب مني الإخوة الأحبة في النادي السعودي
12


بمدينة "كالغاري" أن أقدم لهم موضوعًا في تطوير الذات والشخصية القيادية ،فبحثت بين أنقاض الكتب المتناثرة وبدأت أحضّر للموضوع ،ثم بدا لي أن أجدد عهدي بالعادات السبع من خلال الاستماع إلى الأشرطة ثانية في السيارة ،فإذا بها تؤثر في من جديد بعمق غير العمق السابق ،وببعد أكبر من البعد الأول ؛فقررت أن أشارك الأخوة الأحبة في هذه العادات من خلال محاضرة ثقافية. وبعد المحاضرة ،شعرت بتأثير الأفكار واضحًا على بعض الأخوة ،وصارحني بعضهم أن ذلك اليوم سيكون نقطة تحول في حياته. وقد شاهدت ولمست شيئًا من هذه التحول فيما بعد؛ فشعرت بسعادة عميقة ،وشعرت بأنني أنجزت شيئًا مهمًا. وبالمناسبة ،فإن شعور المرء بأنه أثّر في إنسان آخر ،أو أسهم في تغيير حياته إلى الأفضل هم من ألذ المشاعر وأمتع الأفكار التي يمكن أن تمر بخاطر الإنسان وعقله فضلًا عن أن يتذوقها حقيقة ملموسة فيمن حوله. وعطفًا على ما لمسته من الاستجابة للقاء الأول، توالت اللقاءات الجماعية والفردية في أكثر من مناسبة وفي أكثر من ولاية في كندا ؛وأحب أن أبين أن على الرغم من حضوري العديد من الدورات مع د. كوفي نفسه ومع غيره فأنا لست محترفًا لهذه العادات ولم أتلق ريالًا واحدًا على مدارستها ،بل هي بعض الأفكار والمرئيات حول هذه العادات أتدارسها مع بعض أخواني وطلابي ،وربطها ببعض المعاني العامة. وهكذا كانت قصة الاكتشاف الثالث الذي ما زلت أعيش في ظلاله حتى الآن وأنا أمني نفسي باكتشافات أخرى مقبلة. وفي هذه الورقات أبث شيئًا من أفكاري حول هذه العادات السبع ،وأحاول أن أشرحها بشكل بسيط وعملي كما فهمتها ،ثم أحاول أن أربطها ببعض المعاني الإسلامية في ثقافتنا ،وأبين من خلال ذلك أن هذه العادات هي سنن كونية ،وعادات طبيعية واجتماعية بثها الله في هذا الكون ،فمن فهمها ورعاها وسار ضمن تأثيرها حاز أثمارها ،وجنى يانعها ،وأما من صادمها وعاندها فإنه كناطح رأسه في الصخر ،

13


يدمي رأسه المسكين ،ولايمس الحجر خدش أو أثر.
كناطح صخرة يومًا ليوهنها
فلم يضرها وأدمى قرنه الوعل
و يا الله كم حولنا من رؤوس تسيل دمًا. كم حولنا من صخور بقيت آلاف السنين لا تزيدها الأيام إلا رسوخًا.

أيمن أسعد عبده
كلية الطب جامعة الملك سعود
ص.ب.2925الرياض11461
البريد الإلكتروني
abdoayman@hotmail.com


14


تمهيد



صفحة فارغة
16


ما هي العادات السبع للأشخاص الأكثر فاعلية؟
هذه العادات هي عادات سبع طورها الدكتور ستيفين كوفي (Steven Covey) ونشرها في كتابه الشهير "العادات السبع للأشخاص الأكثر فاعلية" "The Seven Habits of Highly Effective People". وستيفين كوفي أكاديمي أمريكي مشهور، متخصص في علم النفس، حاصل على الماجستير من جامعة هارفارد، والدكتوراه من جامعة يانغ. وهو من أكثر الكتّاب المعاصرين شهرة في موضوعات تطوير الذات وتحديد الأهداف، وله مئات المحاضرات المسجلة واللقاءات التلفزيونية المهمة في هذا المجال. وقد نشر كتابه هذا للمرة الأولى عام1998. وينتمي كوفي إلى طائفة المورمينز النصرانية المتدينة، ويعيش حياته كلها وفقًا لتعاليمها؛ حيث ركّز معظم جهوده على القيم المتعلقة بالنجاح وفلسفتها على النطاق الشخصي والأسري. وله كتاب هام سابق لهذا الكتاب في فلسفة النجاح المبني على المثل والقيم العليا. بالإضافة إلى تركيزه على الجوانب الأخلاقية والقيمية في فلسفة النجاح، فقد ألف أيضًا في النجاح في السوق، وفي المؤسسة التجارية. وقد نجح شخصيًا في إدارة
17


مؤسسات تجارية ضخمة، وتأسيس مؤسسة تدريبية ناجحة جدًا. وفي سنة 1996 سمّته مجلة "تايمز" الأمريكية كواحد من أكثر 25 أمريكيًا مؤثرًا في أمريكا1.العادات السبع هي كالتالي:
1. كن مبادرًا.
2. ابدأ والنهاية في ذهنك.
3. ضع الأول أولًا.
4. فكر بعقلية: أربُح ويربح الآخرون.
5. احرص على أن تفهم أولًا .. ثم تُفهم الأخرين.
6. التعاون الإنمائي.
7. اشحذ المنشار.


1. انظر كتاب"الرواد الذين غيروا عالم الإدارة"ستيفن كوفي. تأليف روبرت هللر. تعريب : غسان عالم الدين.مكتبة العبيكان.

18


تمهيد
لماذا العادات السبع بالذات؟
لا أنوي في هذه الورقات أن أقوّم بدعاية لهذه العادات السبع، ولا أرغب في أن أسهم في تمجيد مؤلفها ،ليس هذا من أهدافي أبدًا ،وإن كان الكتاب يستحق (في نظري) أن يكون أحد أهم الكتب المؤلفة في التاريخ ،وإن كان كوفي يستحق أن يدخل المجد من أوسع أبوابه. إن هذه العادات من الشهرة بحيث لا تحتاج إلى أن يروج لها مثلي، وقد بلغ مؤلفها من الشهرة والتقدير ما لا أستطيع أن أصف لكم. وفي الوقت نفسه أنا لا أدّعي أن عادات النجاح قد انحصرت في هذه العادات السبع أو غيرها، فللنجاح عادات كثيرة غير هذه العادات، وقد يكون بعضها أهم من هذه العادات السبع ،ولذا فأنا لا أقلل من قيمة أيّ من الإبداعات الأخرى ،التي أفنى مؤلفوها أعمارهم ينقّبون عنها ويطورونها.
كل ما أحاول أن أبيّنه في هذه الورقات ،هو أنني قضيت شطرّا كبيرّا من عمري أفكر في هذه العادات السبع بخاصة، ووجدت أنها عادات مهمة جدّا، ومؤثرة جدّا، وشعرت بأنها تتميز عن غيرها من الأطروحات والقواعد والعادات بمميزات، أذكر منها على سبيل الإيجاز مايلي:
19


1. تتميز هذه العادات كما يقول المؤلف عادات عالمية؛ بل هو يستخدم لفظة كونية. ويعني بهذا التعبير: أنها عادات فطرية. هي عادات موجودة في كل منا بشكل مبدئي، ولا تحتاج منا الى تطوير وممارسة. هذه العادات هي جزء من تركيبتنا النفسية والعقلية وهي منسجمة معها تماماً، ومن ثم فإن تنفيذها لا يحتاج إلى تكلف. إنها ليست تكنيكاً مبتكراً ينبغي أن تتعلمه، أو مهارة جديدة تحتاج أن تكتشفها، إنها في أصلها مبدأ للحياة، وطريقة في التفكير ينبغي أن تنميها وتتعود عليها وتمارسها. إنها باختصار عادات فطرية للحياة الفعالة والمؤثرة. إنها بالتعبير الشرعي جزء من الفطرة التي فطر الله الناس عليها، أو بتعبير آخر هي سنن كونية ركزها الله في هذا الكون تحكم تفاعلاته، فكما أن هناك سنن طبيعية، مثل: سنة الجاذبية، وسنة طلوع الشمس من المشرق؛ فإن هناك سنن اجتماعية تحكم حياة الناس، وتضبط التدافع بينهم. وأعتقد أن هذه العادات السبع من تلك السنن الكونية.
2. تتميز هذه العادات بأنها منطقية ومبدئية، بمعنى أنها بعيد عن الجدل والتشكيك. هي عادات من السهولة ومن المبدئية بحيث لا تحتاج إلى إثبات، بل كل ما تحتاج إليه هو التوضيح والترسيخ والتدريب على الممارسة. فمثلاً العادة الثانية: "إبدا والنهاية في ذهنك"، هذا المعنى متفق عيه بين البشر كلهم، فيما أحسب، وهو شيء لا يحتمل الجدل، وقد لا يحتاج إلى إثبات، ولكنه حتماً يحتاج إلى تطوير وتفعيل.
3. تتميز هذه العادات بأنها متحققة ومنطبقة على جميع مناحي الحياة بمختلف مجالاتها. يمكن تطبيقها على الحياة الاجتماعية والاقتصادية والعلمية والرياضية، هي باختصار شاملة. وبهذا فهي تختلف عن الأفكار والمناهج التي هي في الغالب محصورة في ناحية واحدة من الحياة كوسائل التسويق وكسب الزبائن، أو المحصورة في العلاقات الاسرية. هذا الكتاب وهاذه العادات شيء آخر، إنها قواعد عامة تشمل جميع نواحي الحياة، هي منهج حياة مبني على أسس أخلاقية ونفسية متينة ومتميزة. يعبر عن هذا كلمة رائعة وجميلة استفتح بها كوفي في كتابه العادات السبع نقلها عن ديفيد جوردن يقول فيها: "لا يوجد نجاح حقيقي في هذه الحياة يمكن أن يكون مفصولاً عن العيش بطريقة صحيحة".
20


4. تتميز هذه العادات بأنها مشتملة على النواحي الثلاث المكونة للإنسان: الروح والعقل والجسد. فهي متصلة بها كلها ومتعلقة بها جميعاً.
5. تتميز هذه العادات بأن بها وحدة وتتابعاً وتكاملاً، فهي كما سيتبع مكونة لنموذج متجانس ومتناسق؛ بل ومتتابع للنجاح. فالعادات الثلاثة الأولى متعلقة بالإنسان وعلاقته بنفسه، والثلاث التي بعدها متعلقة بعلاقة الإنسان بغيره، والعادة الأخيرة مدعمة لكل العادات الست الأخرى.
6. إن العادات على الرغم من بساطتها ومبدئيتها لم تأتي من فراغ. فلقد أمضى مؤلفها الدكتور ستيفن كوفي سنين عديدة وهو يبحث في عادات النجاح ومهاراته من الناحية العلمية؛ ودرس معظم المنشورات والأبحاث المتعلقة بالنجاح على مدى القرن الماضي كما درس شخصيات الناجحين والفعالين على مدى ثلاثين سنة قبل أن يصوغ هذه العادات، أضف إلى ذلك أنه متخصص في هذا الفن حيث يعمل في الأساس أستاذا جامعياً في علم النفس. وهذه العادات التي لخصها في كتابه الشهير "العادات السبع للأشخاص الأكثر فعالية" هي خلاصة رسالته للدكتوراه، التي درس فيها مئات الناجحين والمؤثرين والفعالين، واستخلص انهم جميعا يتمتعون بدرجات متفاوتة من هذه العادات. وبذلك ترى أن هذه العادات هي خلاصة خبرة طويلة ودراسة أكاديمية مقننة، ليست مجرد تأملات عابرة.
7. إن هذه العادات لاقت قبولاً كبيراً من الناس. فقد بيع من الكتاب باللغة الإنجليزية أكثر من عشرة ملايين نسخة حتى الآن في جميع أنحاء العالم، وترجم الكتاب إلى 28 لغة ومنها اللغة العربية. كما درست مؤسسة كوفي للتدريب هذه المادة إما بشكل كامل أو بشكل متفرق (بحيث تدرس كل عادة في يوم مستقل) نحو 750 ألف مرة، وفي معظم دول العالم، ومنها
21


بعض الدول العربية والعديد من الدول الإسلامية من خلال مؤسسته التدريبية. ومن خلال هذه النقاط السبع وغيرها، يتبين لك أن هذه العادات تستحق منك وقفة صادقة ودراسة متأملة.. وأنا هنا أعدك بأنها ستكون مفيدة جداً في حياتك.
22
8.








ما الهدف من هذه التأملات؟



23


صفحة فارغة
24


أستطيع أن ألخص أهدافي من هذه التأملات في الآتي:
(1) أن أسهم في نشر هذه العادات السبع للأشخاص الأكثر فعالية بين قراء العربية، ناقلاً من هذه العادات روحها ومعناها العام قبل لفظها ونصها، ومحاولاً أن أعمم الخير الذي فيها، والتأثير الذي لها.
(2) أن أسهم في ترسيخ مبدأ الانفتاح على الثقافات الأخرى، والاستفادة منها، وترك التشنج المقيت والغرور الفارغ الذي يؤدي في آخر الأمر إلى التقوقع على الذات، وحرمانها من الخير الإنساني العالمي.
(3) أن أبين أن هذه العادات وكثيراً غيرها مما يطرح في الساحة الآن من منهجيات تطوير الذات هي تفعيل جميل لمعان إسلامية أصيلة، جاء القرآن الكريم والسنة الصحيحة بكثير منها، ومارسها المسلمون الأوائل وكثير من المسلمين المتميزين على مر التاريخ. هي إذن سنن كونية ربانية، توجد أصولها في الأديان السماوية جميعها، وعلى رأسها الإسلام العظيم، وما كان من المتأخرين إلا أن فعلوا هذه السنن ووضحوها وأزالوا عنها ما علق بها من الغبش والضبابية، وما غطاها به الناس من أهوائهم وشهواتهم.
(4) أن أسهم (من خلال النقطتين السالفتين) في إعادة ثقة القلوب في بعض
25


المنهزمين من أبناء المسلمين الذين غشت أعينهم عما بين أيديهم من النور الوضاء، فاحتقروا حضارتهم وظنوا أنها لا تصلح لهذا القرن، وطأطؤوا رؤوسهم خجلين إذ رأوا الغرب تفوق عليهم حتى في العلوم الإنسانية.
نريد أن نقول لشبابنا: ارفعوا رؤوسكم بهذه الحضارة العظيمة، وتمسكوا بها معتزين. ولكن اجمعوا بين ذلك وبين التتلمذ على المبدعين من كل دين وجنس ولون، وابحثوا عن الحكمة عند كل أحد فإنكم أولى بها، هي باختصار: عزة نفس منفتحة على الآخر.

26






منهج هذه التأملات؟




27


صفحة فارغة
28


وقد سرت في هذه الورقات على منهج أرجو أن يحقق أهدافي منها جميعاً بإذن الله، فبدأت بأن عرفت بعض مصطلحات العنوان بناءً على تعريف كوفي لها، وعلقت عليها من الناحية الإسلامية، ثم تحدثت عن كل عادة على حده؛ مبتدئاً بشرح العادة شرحاً مبسطاً كما أفهمها ناقلاً للفكرة الأساس، غير متقيد بأي نوع من الترجمة.
ثم اخترت بعض التطبيقات التي شرحها كوفي بشكل مطول في أشرطته وكتابه، واستخدمتها في شرح العادة وتوضيح معانيها. بعد ذلك اجتهدت في بعض التأملات والأفكار حول هذه العادات مستلهماً روح الشريعة الإسلامية ونصوصها. وفي النهاية تتبعت بعض التطبيقات العملية من حياة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم، التي رأيت فيها تطبيقاً عملياً واستفادة مباشرة أو غير مباشرة من بعض هذه العادات، التي تمثل في نظري كما ذكرت سنناً كونية.
ولابد هنا أن أنبه إلى أنه قد اجتمع عندي عدد كبير من النصوص الشرعية والأمثلة الواقعية التي تصب في المفهوم العام لهذه العادات، ولكني آثرت أن أقتصر على أقربها دلالةً مكتفياً بأوضح الأمثلة؛ خوفاً من الإطالة

29


والإملال؛ لأن الهدف من هذا العمل ليس حصر جميع النصوص والأمثلة إنما الاستدلال ببعضها فقط.
وأنا في ذلك كله مجتهد معرضٌ للخطأ والصواب. وأنا على إدراك تام أنه قد فاتني كثير من المعاني التي يمكن أن تورد في هذا السياق، وكثير من الأمثلة التي يمكن أن تدرج تحت هذه العادات، ولكني رأيت أن أخرج هذه الورقات إلى القارئ؛ رغبة في أن يعم ما فيها من نفع على أن أستمر في التأملات ورصد الأمثلة والشواهد وتطوير هذا العمل بإذن الله تعالى.

30





تعريفات

31


صفحة فارغة



لكل امرئ من دهره ما تعودا وعادة سيف الدولة الطعن في العدا
(المتنبي)


33


صفحة فارغة
34


العادة
يعرفها كوفي بأنها مكونة من ثلاث عناصر: عنصر معرفي، عنصر سلوكي، وعنصر نفسي. فالنصر المعرفي: هو أن تعرف ما ينبغي لك عمله من الناحية النظرية (ماذا تفعل؟ ولماذا تفعل؟)، والعنصر السلوكي أن تعرف كيف تؤدي هذا العمل (كيف تفعل؟) وتتقن المهارات اللازمة لإنجازه على أفضل وجه؟ وأما العنصر النفسي: فهو أن يكون لديك الرغبة العميقة لعمل هذا الشيء، والحماس المستمر لعمله مراراً وتكراراً (تريد أن تفعل). فحتى يصير سلوك ما عادة، فلا بدأن تتوفر فيه هذه العناصر الثلاثة حتى يتحول الشيء من مجرد معنى يفهمه الإنسان ويقتنع به إلى سلوك يومي معتاد يكون جزءا من حياته. وأظن أن هذه النقطة من أهم ما يكون من أجل الاستفادة من هذه العادات السبع، فالمؤلف لم يسمها الأفكار السبع ولا المعاني السبعة؛ لأنه يعرف أن الغالبية العظمى من الناس مقتنعون بهذه المعاني ومدركون لها، ولكن التحدي الكبير هو تحويلها لواقع في حياتهم على المدى البعيد وتطوير هذه الأفكار والقناعات إلى عادات مدى الحياة.
35


(نحن نصنع عاداتنا في أول الأمر ثم تصنعنا هي بعد ذلك) – جون درادن
وقد حصل تنازع عند بعض القدماء في شخصية الإنسان، هل هي في أصلها طبيعية ثابتة، وأنها لا يمكن أن تتغير أو تتبدل؛ أم أنها مكتسبة يمكن أن تتغير بالتطبع؟ ولايزال هذا الجدل قائماً حتى اليوم خاصة بين البطالين والخاملين الذين لا يريدون أن يلتزموا بإصلاح أو يسيروا في تغيير. وربما كان هذا الفهم من مفاهيم الجاهلية لأن كثيراً من النصوص الشرعية تدل بشكل واضح ان الطباع والتصرفات يمكن أن تغير وتتبدل بالتدرب والتطبع، كما قال صلى الله عليه وسلم "إنما العلم بالتعلم وإنما الحلم بالتحلم ومن يتق الشر يوقه"(1). ففي هذا الحديث يوضح النبي صلى الله عليه وسلم أنك حتى تحصل على صفة (الحلم) لابد أن تمر بتمرين (التحلم)، والتحلم هو أن تحول الحلم من هدف إلى عادة تمارسها يومياً. إذن خلاصة هذه النقطة أن العادة بالتعود. وقد روي عن عبد الله ابن مسعود أنه قال: ’’ تعودوا الخير فإن الخير عادة" وقال القدماء "العادة طبيعة ثانية". والواقع القديم والحديث يثبت أن الطباع الآدمية يمكن أن تتغير.
من هو الشخص الفعال؟
لا أزال أجهل تعبيراً باللغة العربية يعادل في دلالته ومعناه Effective في اللغة الإنجليزية، فقد كنت أستخدم كلمة مؤثر في بعض الأحيان، وأراها تعبيراً عن الكثير من المعاني المتضمنة في كلمة Effective، ثم جاءتني انتقادات كثيرة في أن "مؤثر" تمثل فقط جزءاً من معاني الكلمة، فاستبدلتها بكلمة ’’فعال‘‘، فجاءتني انتقادات لغوية بأن ’’فعال‘‘ صيغة مبالغة من فاعل، ومن ثم فهي مركزة على كثرة العمل، وليس بالضرورة عن نوع العمل وتأثيره، ولذلك قلت في نفسي سأستخدم الكلمتين
___________
1. رواه الدارقطني، وصححه الألباني.
36
2.

معاً حتى يجتمع لي المعنيان ولكني أعترض على بعض الترجمات التي ظهرت في النسخ العربية التي اطبعت عليها ومنها: العادات السبع للقادة الإداريين. فمثل هذا الاسم لا يمثل معاني الكلمة الأصلية وإنما يحصرها في نطاق إداري ضيق، وهو ليس غرض المؤلف الوحيد.
فما الفاعلية إذن؟ الفاعلية بمفهومها البسيط – في نظري – هي القدرة على تحديد الأهداف وتحقيقها بشكل كامل، هي باختصار القدرة على الإنتاج في شتى ميادين الحياة.
نأتي الآن لتعريف كوفي للشخص الفعال. إنه يرى أن الشخص الفعال هو الشخص المنتج الذي يمتلك القدرة المستمرة على الانتاج، وعلى هذا ففي هذا التعريف عنصران: الأول القدرة على الإنتاج، الثاني استمرارية الإنتاج، والإنتاج: هو تحقيق الأهداف في واقع الحياة. والتقدم نحو تحقيق المزيد من المكاسب وإيجاد فرص جديدة واستخدام المتاح للوصول إلى المأمول. الإنتاج إذا ليس أداء العمل المطلوب فقط، ليس زيادة رأس مال الشركة، ليس فتح شركات جديدة، الإنتاج معنى أكبر من ذلك كله، ويمتد ليشمل مجالات الحياة جميعها. ولذلك فإننا عندما نتكلم عن الإنتاج فإننا لا نعني الإنتاج المادي فقط؛ بل نعني كل إنتاج وعمل مؤثر، فتربية أبناء صالحين، والتأثير في الآخرين، وزرع البسمة على وجوه الناس والعمل التطوعي، كل ذلك هو من صميم تعريف الإنتاج.
ولكن هل كل المنتجون فعالون؟ يبن كوفي في هذا المبدأ الجميل أن القدرة المستمرة على الإنتاج هي العنصر الثاني من التعريف. ذلك أن الإنسان قد يبذل قصارى جهده في مشروع ما، ويكد فيه ليل نهار، ويعطيه كل وقته وجهده، ولكنه لا يستطيع الاستمرار فيه بعد ذلك؛ نظراً إلى الإرهاق الذي أصابه والجهد الذي بذله، أو بسبب انشغاله وإهماله لأسرته، فيترتب على ذلك مشكلات أسرية تحد من إنتاجيته وتوازن حياته، أو يمرض بسبب عدم رعايته لجسمه فيحد كل ذلك من إنتاجيته على المدى البعيد.
37


إذن لابد أن تكون منتجاً حتى تكون فعالاً، ولكن أيضاً لابد أن تكون منتجاً بطريقة تضمن لك الإنتاج المستمر، وهذا هو صميم معنى الفاعلية عند كوفي.
أمثلة كوفي المختارة بعناية تبين لك المقصود من هذه الفكرة. إذا كان الإنتاج الذي تريد مثلاً هو أن تعلم ولدك أن ينظف غرفته يومياً، فبإمكانك أن تأمره بأن يفعل ذلك، وأن تذكره مراراً وتعاقبه إن لم يفعل، ومن ثم سيحدث لك الإنتاج الذي تريد، وسينظف الولد غرفته، وستكون حقت الإنتاج المطلوب، وتكون إنساناً فعالاً بالمفهوم الضيق للتعريف. وهذا للأسف هو المفهوم السائد عند غالبية الناس. ولكن ما الذي سيحدث عندما تسافر في رحلة عمل مثلاً؟ هل سينظف الابن غرفته ذلك اليوم؟ هنا تأتي أهمية استمرارية الإنتاج. إذا كنت شخصاً فعالاً بحق – بحسب تعريف كوفي – فإنك ستكون زرعت فيه القناعة بأهمية تنظيف الغرفة، ووضعت فيه الوازع الذاتي لتنظيف الغرفة؛ ومن هنا فإنه سيفعل ذلك أبد الدهر. هذا المفهوم ينطبق على المثل الشهير العبقري أن أعلمك كيف تصيد خير لك من أن أعطيك سمكة كل يوم، نتيجة الطريقتين واحدة وهي أن تأكل سمكة كل يوم، ولكن الطريقة الثانية التي تزرع فيها الوازع الذاتي في المرء هي أكثر فعالية؛ لأنها تضمن الاستمرارية.
ثم يضرب كوفي مثلا محورياً في كتابه، يبني عليه هذا المبدأ ويوضحه بشكل أكبر. هذا المثال بناه كوفي على قصة أسطورية حكاها ’’ أسوب‘‘ الفيلسوف الإغريقي القديم: تخيل أن صياداً فقيراً معدماً وجد بيضة من الذهب بجوار وزة. ذهل الرجل وأخذ البيضة إلى الصائغ، وفعلاً وجدها من الذهب الصافي فباعها وأكل ذلك اليوم كما لم يأكل من قبل. وفي اليوم الثاني وجد بيضة أخرى، في نفس المكان، ففعل بها ما فعل بالبيضة الأولى. وأخذ يتردد على هذه الوزة يومياً، وهي تعطيه بيضات الذهب. وذات يوم مل من الانتظار يومياً وقال: إذا فتحت بطن هذه الوزة فسأجد حتماً ذهباً كثيراً، وبعدها أشتري دكاناً وأصير غنياً. وفعلاً قتل الوزة وفتح بطنها، وكانت المفاجأة، لم يجد شيئاً، وانقطع عنه الذهب بعد ذلك بموت الوزة.
38


هذه القصة البسيطة تعبير عن المعنى ذاته، البيض الذي كان يأتيه يومياً هو الإنتاج، فبدلا من أن ينمي هذا الإنتاج، ويستغله أحسن استغلال، ويرعى مصدره وهو الوزة، ويسعى إلى أن تعيش معه أطول وقت ممكن، استعجل هذا الصياد المسألة، وأراد أن يزيد الإنتاج بشكل سريع، فانهار الشق الآخر من المعادلة وهو استمرارية الإنتاج، وضاع الإنتاج كله.
القصة الأخيرة التي ذكرها المؤلف أن مطعماً شهيرا في أمريكا كان يبيع حساء المحار، وكانت سمعة هذا المطعم ممتازة، والإقبال عليه شديداً، حتى أن الناس يصطفون لشراء هذا الحساء. وبعد حين تغيرت إدارة المطعم. وكان للإدارة الجديدة مفهوم مشوه للفاعلية، وهو تحقيق أكبر قدر من المكاسب في أقصر وقت ممكن، فما كان منهم إلا أن بدؤوا يخففون الحساء ببعض الماء، وفي الأيام الأولى تحقق لهم ما أرادوا بالفعل فقد زاد الدخل (الإنتاج) بشكل كبير، نظراً إلى أن تكلفة طبق الحساء الواحد صارت أقل، ولكن مع مرور الوقت بدأ الناس يكتشفون أن الحساء ليس كالذي تعودوا عليه، وبدأ الاقبال على المطعم يقل، وفي نهاية المطاف انخفض الإنتاج وأغلق المطعم.
أعتقد أن الأمثلة الثلاثة قد بينت المقصود، ووضحت الجمال في تعريف كوفي للفاعلية. إنه مختلف كثيراً عن الذي تقرؤه في الكتب التجارية التي قد تعطيك الألاعيب والحيل والخطط التي تستطيع بواسطها أن تؤثر في الناس، وتلك التي قد تعطيك الأساليب التي تستثمر فيها وقتك، وتعطيك الوسائل التي تقوم فيها بعملين في آن واحد، ولكن كل ذلك هو شطر واحد من المعادلة، لا يؤخذ في الحسبان ألا تزيد هذه الطرق في الإنتاج على حساب سعادة الإنسان وأسرته وقابليته المستمرة على الإنتاج.
39


تأملات في مفهوم الفاعلية
مفهوم التميز والفاعلية بشكل عام هو مفهوم فطري واضح تبنته جميع الحضارات والأديان؛ ولكن الإسلام في نصوصه المقدسة، وفي ممارسات أتباعه خطا خطوات عملاقة في ذلك لا مجال للبسط فيها هنا؛ لأنها ليست من غرض هذا الطرح. ولكن من أعجب الأحاديث التي مررت بها واستوقفتني كثيراً قوله صلى الله عليه وسلم: ’’ ليس شيء خيراً من ألف مثله إلا الإنسان‘‘(1). وفي هذا الحديث توضيح للتفاوت الكبير بين الناس الذي قد يصل إلى هذا الحد. وهو بلا شك مطلق يشمل التفاوت في أمور الدنيا والدين. ومن أمثلة هذه الهمم العالية قوله صلى الله عليه وسلم: ’’ لو كان الايمان عند الثريا لتناوله رجال من فارس‘‘(2). ويقول عمر ابن عبد العزيز: ’’ إن لي نفساً تواقة، وإنها لم تعط شيئاً من الدنيا إلا تاقت إلى ما هو أفضل منه، فلما أعطيت مالا أفضل منه في الدنيا، تاقت نفسي إلى ما هو أفضل منه، يعني الجنة ‘‘.
والمعنى الذي ذكره كوفي في الفاعلية هو معنى إسلامي أصيل كذلك؛ ذلك أن فلسفة الاسلام الأساسية ليست قائمة على النتائج السريعة العاجلة؛ بل هي دائما قائمة على النتائج بعيدة المدى. ينظر الإسلام إلى الحياة الدنيا كلها على أنها مرحلة مؤقتة، وأن الحياة الحقيقية الباقية هي حياة الآخرة، ومن ثم فإنه هو لا ينظر فقط إلى ما يمكن أن يعمله الإنسان الآن؛ وإنما ما يستقيم عليه ويعمله باستمرار.


(لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى):
نجد في الجانب التعبدي التوازن بين العمل الحاضر والاستمرارية في العمل واضحة في كثير من النصوص الشرعية، ومنها مثلاً: قوله صلى
1. رواه الطبراني في الكبير، وحسنه الألباني في الجامع (رقم 5392) وفي سلسلة الأحاديث الصحيحة (رقم 2183).
2. رواه البخاري ومسلم
40


الله عليه وسلم عندما دخل على عائشة رضي الله عنها وعندها امرأة تذكر من صلاتها "مه,عليكم بما تطيقون فوالله لا يمل الله حتى تملوا وكان أحب الدين عليه ما دام عليه صاحبه "(1)
وعندما دخل النبي صلى الله عليه وسلم المسجد فوجد حبلا ممدودا بين الساريتين, فسأل عنه فقالو: هذا حبل لزينب رضي الله عنها , تتعلق به إذا فترت عن الصلاة , فقال صلى الله عليه وسلم : ( لا, حلوه, ليصل أحدكم نشاطه , فإذا فتر فليقعد )(2) . ففي هذه الأحاديث وغيرها نجد انه حتى في العبادة. التي ينبغي للمسلم ان يزيد منها بقدر استطاعته . نجده مأمورا بأن يقوم منها بما يطيق حتى لا يمل وتنقطع الاستمرارية. وفي الحديث الأخر: ( ان هذا الدين متين , فأوغلوا فيه برفق , فإن المنبت لا ارضا قطع ولا ظهرا أبقى)(3) فهنا تنبيه مباشر إلى عنصري تعريف كوفي , العنصر الأول وهو الإنتاج معبر عنه بالأرض التي تقطع من المسافر , واستمرارية الإنتاج معبر عنها بالدابة التي يسافر عليها , التي إذا لم تبق , لن يستطيع الإنسان ان يسافر عليها مرة اخرى . فهذا المنبت وان كان في الظاهر هو في المقدمة وهو في السبق وقد قطع من المسافة أكثر من غيره , الا انه بسبب إهماله لعوامل استمرارية الإنتاج لن يقطع الأرض التي يقطعها الفعال بحق.
وفي مجال الأعمال كلها يعطينا النبي صلى الله عليه وسلم مثالا حيا في التركيز على الاستمرارية ومتابعة الإنتاج , فقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن أحب العمل إلى الله , فقال: ( أدومه وان قل) (4) وعندما جاء الأعرابي يسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن العمل الذي يدخله الجنة , وبعدها أرشده النبي صلى الله عليه وسلم إلى العمل قال الرجل : والله لا أزيد عليه ولا انقص , قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( افلح ان صدق)(5)
(1) رواه البخاري, رقم(41)
(2) رواه البخاري , رقم (1083)
(3) رواه الإمام أحمد , رقم (12579) وحسن الألباني الجزء الأول منه
(4) رواه مسلم رقم (1303)
(5) رواه البخاري رقم (6442)
41


منبها إلى أهمية الاستمرارية , وأنها هي التي تتساقط عندها الهمم . وكذلك عندما سأل ابن عمر النبي صلى الله عليه وسلم عن قيام الليل , فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بأٌقل مما ظن نفسه يقدر عليه مركزا رضي الله عنه على الإنتاج ناسيا استمرارية الإنتاج , فندم رضي الله عنه بعد ذلك , وقال في آخر عمره ليتني أخذت برخصة النبي صلى الله عليه وسلم .
نرى ذلك , انه حتى الأعمال التعبدية يحضنا الإسلام على استحضار معنى الاستمرارية , وتقديمه على مفهوم النتائج السريعة والإنتاج القليل المنقطع.
( ثم استقاموا)
مفهوم الاستقامة على الدين هو في الجوهر من هذا المعنى أيضا , لأن الهداية إلى العمل شيء والاستقامة عليه شيء آخر . ولذلك قال الله تعالى : ( ان الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة الا تخافوا ولا تحزنوا وابشروا بالجنة التي كنتم توعدون)(1) إذن لا يكفي ان تقول ربي الله , ولكن لابد ان تستقيم على مقتضيات هذه الكلمة . ولذلك كان من أكثر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم :( يامقلب القلوب ثبت قلبي على دينك)
( أعط كل ذي حق حقه)(2)
ومبدأ التوازن في الإسلام أيضا يصب في هذا المعنى الكبير. ذلك ان الإسلام يدلنا على إعطاء كل ذي حق حقه , وان نوازن بين شؤون حياتنا المختلفة حتى نضمن الاستمرارية . وما أجمل الحديث الطويل الذي رواه عون بن أبي جحيفة عن أبيه ان النبي صلى الله عليه وسلم اخى بين سلمان الفارسي وأبي الدرداء رضي الله عنهما ,فزار سلمان أبا الدرداء فرأى أم الدرداء متبذلة.
(1) سورة فصلت آية 30
(2) رواه الترمذي,رقم (2066), وحسنه
42


أي لم تكن مهتمة بظهرها . فقال لها: ماشأنك؟ قالت: أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة في الدنيا , فجاء أبو الدرداء , فصنع له طعاما فقال سلمان: كل , قال أبو الدرداء : فاني صائم , قال سلمان : مانا بأكل حتى تأكل , قال:فأكل , فلما كان الليل ذهب أبو الدرداء يقوم, قال سلمان: نم فنام , ثم ذهب ليقوم , قال: نم فنام , فلما كان من آخر الليل قال سلمان : قم ألان , فصليا, فقال له سلمان : ان لربك عليك حقا , ولنفسك عليك حقا , ولأهلك عليك حقا , فأعط كل ذي حق حقه , فأتى النبي صلى الله عليه وسلم , فذكر ذلك له , فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( صدق سلمان )(1) . وفي رواية عن الترمذي زاد ( ولضيفك عليك حقا).(2)
فهذا التوازن العجيب الذي يشمل جميع مجالات الحياة , ويعطي كلا منها ما يستحق من الرعاية والعناية أساس عميق في استمرارية الإنتاج .
التحفيز :
وإما على النطاق الاجتماعي فقد كان تعامل النبي صلى الله عليه وسلم مع أصحابه مثالا عظيما في غرس المفاهيم والمبادئ طويلة المدى والتأثير غير المباشر . فضلا عن الأوامر المجردة. فالأوامر المجردة كما ذكرنا سابقا مؤثرة جدا في مجال فعل الشيء وانجازه , ولكنها لاتصنع شيئا في مجال الاستمرارية على العمل وإقناع الآخرين به , ومن ثم فهي اقل فاعلية. وهذا المعنى الكبير يعبر عنه كوفي بمصطلح نفسي معروف وهو Empowerment وهو مصطلح انجليزي آخر لم اعثر على ترجمة جيدة له , وسأستخدم هنا لفظة (تحفيز) واعني بها جعل الشخص الأخر يفعل ماتريد من دون ان تأمره بأن يفعله , من خلال زرع المبادرة الذاتية والاستقلالية والثقة في الآخرين .
ومن أوضح الأمثلة على هذا المبدأ من حياة النبي صلى الله عليه وسلم ما
1. رواه البخاري رقم (5674)
2. رواه الترمذي رقم (2337)
43


حكاه عنه خادمه انس رضي الله عنه قال: ( خدمت النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنين فما قال لي أف قط , وما قال لي لشيء لم صنعته؟ ولا لشيء تركته لم تركته؟ )(1). فكيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يؤثر في انس؟ هل كان انس يفعل مايشاء ؟ هل كان في حل من أمره , يخرج متى شاء ويأتي متى شاء؟كلا, لقد كان ينفذ مايريد النبي صلى الله عليه وسلم , ولكن بأسلوب التفعيل ليس بأسلوب الأمر والنهي. ولقد كان التحدي مع انس اكبر, حيث انه كان شابا صغيرا تتخطفه الأهواء. ووسائل النبي صلى الله عليه وسلم في ( تحفيز) الآخرين للخير كثيرة, واعتقد أنها تستحق رسالة علمية تناقشها بشكل دقيق ومفصل . وحسبي هنا أمثلة سريعة . أولها في تكملة الحديث السابق الذي حدثنا به انس رضي الله عنه , فقال في تتمة الحديث( وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحسن الناس أخلاقا, ولا مسست خزا ولا حريرا ولاشيئا الين من كف رسول الله صلى الله عليه وسلم , ولا شممت مسكا قط ولا عطرا كان أطيب من عرق رسول الله صلى الله عليه وسلم)(2) فهذا اللين العجيب وهذا الخلق الرفيع وهذا الاهتمام بالمظهر العام كلها وسائل فعالة في تحفيز الآخرين .
ومن وسائله صلى الله عليه وسلم الابتسام . فعن جرير بن عبد الله رضي الله عنه انه قال : ( ماحجبني رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ أسلمت ولا راني الا ضحك)(3) فمن منا يذكر أحدا من الناس ماراه الا تبسم في وجهه؟(4) هذا التفعيل المتميز الذي كان يمارسه النبي صلى الله عليه وسلم هو من صميم هذا المفهوم للفاعلية والتأثير , إذ انه مرحلة ارفع قدرا وأعمق أثرا من مرحلة التأثير المباشر المتمثل في الأمر والنهي , فالمرحلة
1. رواه البخاري ومسلم
2. رواه البخاري ومسلم
3. رواه البخاري ومسلم
4. ظن ديل كارينجي أنه أتى بجديد عندما اعتبر الابتسام الدائم في وجه كل من تلقى أكثر الأساليب فعالية لكسب قلوبهم.
44


الأولى هي الفاعلية بمعناها القاصر ( أعطيك سمكة) والمرحلة الثانية هي المعنى الكامل للفاعلية ( أعلمك الصيد)
والحق ان الإسلام اعتنى بالفاعلية أيما اعتناء , وليس المجال هنا متاحا لبسط الكلام في هذه القضية, ولكن العوامل المساعدة على الفاعلية مبثوثة في النصوص الشرعية والآثار النبوية , ما أدى إلى أجيال متعاقبة من المسلمين الفعالين بحق . انظر مثلا إلى النبي صلى الله عليه وسلم كيف استطاع ان يغير مجرى التاريخ في ثلاث وعشرين سنة. وانظر أيضا إلى بعض علماء الإسلام مثل الإمام النووي الذي عاش خمسا واربعبن سنة فقط, وخلف هذه الآثار العظيمة الخالدة , التي يعجز عن انجازها الزرافات من الناس العاديين . كل ذلك دعا الإمام الذهبي _رحمه الله_ ان يقرر هذه القاعدة العظيمة: ( ان يوما من أيام القادة الأعلام خير من عمر أحاد الناس ) ذلك أنهم كانوا فعالين, وبالجملة, فإننا نرى ان مفهوم الإسلام للنجاح والفاعلية متوافق تماما مع المفهوم الذي طرحه كوفي, ذلك المفهوم الشمولي الذي لا يركز فقط على الإنتاج قريب المدى , ولكن على الاستمرارية التي تضمن له النتائج طويلة المدى.
45


صفحة فارغة
46




العادة الأولى
(( كن مبادرا))
قال الله تعالى :
( ان الله لا يغير مابقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)
سورة الرعد





صفحة فارغة
48

العادة الأولى – كن مبادراً


على قدر أهل العزم تأتي العزائم وتأتي على قدر الكرام المكارم
(المتنبي)
49


صفحة فارغة
50



ملخص هذه العادة
هذه العادة هي ذروة سنام العادات كلها,إنها نقطة الانطلاق لأي تغيير حقيقي في حياتنا, إنها تقول لك باختصار شديد: أنت المسؤول عن حياتك وعما يحدث لك فيها, وإذا أردت أن تغير أي شيء في حياتك فابدأ بتغيير نفسك. هذه القاعدة العظيمة مبنية على حقيقة بالغة الأهمية هي أن بين "الفعل" و"رد الفعل" مساحة تسمى "الاختيار"(أنظر الشكل 1).
هذا يعني باختصار: أن الإنسان المبادر, المطبق لهذه العادة بشكل كامل, هو الذي يتحكم في ردود أفعاله لما يحدث له ويملك السيطرة على نفسه وعلى تصرفاته إزاء ما يحدث له . إنه لا يسمح لمشاعره أو أهوائه أو حتى للمحيطين به أن يملوا عليه ردود أفعاله تجاه ما يحدث له . على سبيل المثال. يعرف حيداً أنه لا يمكن لأحد أن يغضبه, إلا أن يغضب هو, ولا يمكن لأحد أن ينكد عليه يومه إلا أن يسمح هو بذلك, ولا يمكن لأحد أن يهينه إلا إذا قبل هو الإهانة, ولا أن يذله إلا إذا ذل هو,
"إنهم لن يستطيعوا أن يأخذوا منا عزتنا إلا إذا أعطيناهم إياها".(غاندي)
51


ويحكي كوفي قصة طريفة في كيفية تعرفه على هذا المعنى العظيم. عندما أخذ كوفي إجازة علمية بحثية في جامعة "أوهو" في هاواي, كان ذات مساء يبحث في مكتية الجامعة, وكان يقرأ في أحد الكتب القديمة, ولفت انتباهه حملة عارضة في كتاب قديم تقول: "هناك فجوة بين المؤثر والرد". يقول كوفي:" لا أستطيع وصف مدى تأثير هذه الفكرة على عقلي, لقد غمرني شعور عظيم بالحرية لم أشعر به من قبل في حياتي, لقد علمني تلك الكلمة فيسفة القرار الذاتي,فبدأت أحاول أن أقف في تلك الفجوة عندما أتعرض إلى المؤثرات, فأنظر إلى المؤثر وأختار ردة الفعل المناسبة"(1).
إذن كل العوامل الخارحية مهما بدت ضاغطة وقوية وموجبة لردة الفعل التقليدية, فإنها عند الشخص المبادر ليست سوى عوامل مؤثرة قد تدفعه إلى سلوك أو شعور ما, و لكنه يعرف في نهاية الأمر أنه إنسان حر مبادر, وأن بإمكانه دوما أن يقف لحظة ويقرر ردة الفعل التي يريدها بناءً على مبادئه وليس بناءً على ظروفه ومحض مشاعره.
*الشكل رقم (1) يبين الفعل ورد الفعل مسافة اسمها الاختيار
و هذا المعنى معنى عظيم, لأنه يحرر الإنسان من الأوهام والمثبطات, ويعطيه الحرية النفسية ويعينه على تخطي العقبات المختلفة, ولذلك قال ويليام جيمس:"إن أعظم اكتشاف في جيلي هو أن الإنسان يستطيع أن
1 أنظر كتاب "العادات السبع للأشخاص الأكثر فاعلية".
52


يغير ظروفه بتغيير نظرته لهذه الظروف". وكذلك يقرر برنارد شو أن الإنسان ليس نتيجة حتمية لظروفه, وأنه يستطيع أن يتحكم في كثير منها, يقول:"الناس دائماً يلومون ظروفهم على ما هم فيه من أوضاع, أنا لا أؤمن بالظروف, كل الناس الذين حققوا شيئاً مذكوراً في حياتهم بدؤوا أولا بالنظر في حياتهم, وبحثوا عن الظروف التي تناسبهم, فإن وجدوها استغلوها, وإن لم يجدوها صنعوها".
بناءً على ذلك نستطيع أن نقسم الناس إلى نوعين اثنين:
الأول: هو الشخص المبادر, وهو الذي يشعر بأنه هو الأصل في عملية التغيير, وأنه هو مركز هذه العملية.
الثاني: هو الشخص السلبي, الذي يبحث عن الشماعات التي يعلق عليها أخطاءه وإخفاقه المتكرر.
"إنك لا تخدم الفقراء بأن تصبح واحداً منهم"(إبراهيم لينكون)
هاتات الشخصيتان مختلفتان تماماً في كل شيء. ففي اللغة, تستعمل الشخصية المبادرة عبارات مثل: أستطيع,سأحاول,هل هناك بديل آخر؟ ماذا يمكن أن أفعل؟....وفي المقابل تستخدم الشخصية السلبية عبارات مثل:لا أستطيع,مستحيل,هم فعلوا بي ذلك, هكذا أنا...وفي مجال التفكير تتأصل في الشخصية المبادرة روح الإيجابية و الفاعلية وتحمل المسؤوليات و المحاولة المستمرة, وأما الشخصية السلبية فتتمركز فيها الانهزامية والتردد ورمي اللوم على الآخرين. يقول سقراط:"الرحل الذي يريد أن يغير الهالم, لابد أن يبدأ بنفسه أولاً".
يشرح ستفين كوفي في هذا الباب من كتابه مبدأين عمليين رائعين هما:
-مبدأ الاهتمام -ومبدأ التأثير.
ذلك أن حياة الإنسان هي في الحقيقة واقعة بين دائرتين اثنتين متقاطعتين (انظر الشكل2):
53


*الشكل رقم(2):دائرة التأثير بداخل دائرة الاهتمام
-الدائرة الأولى الصغيرة هي دائرة التأثير, وفيها تقع جميع الأشياء التي يمكن للإنسان أن يؤثر فيها تأثيراً واضحاً, مثل: نفسه, وأسرته, وعمله, وهكذا...
-والدائرة الثانية هي دائرة الاهتمامات, وهي الأشياء التي يهتم بها, ولكنه لا يملك أي تأثير عليها, مثل : المشكلات السياسية العالمية, وتقلبات الطقس, وغير ذلك...
وفي الخريطة الفكرية لكل منا تضيق هذه الدوائر وتتسع بحسب ممارستنا لعادة المبادرة وبعدنا عنها. فالشخصية المبادرة مثلاً تقضي معظم وقتها و تصرف حل جهدها في الدائرة الأولى دائرة التأثير, فتجد الإنسان مثلاُ حريصاً على تطوير نفسه, وتعلم المهارات الجديدة, تجده مهتماً بأسرته, ساعياً ‘لى تطوير مكان عمله, مشاركاً في إصلاح حيه, وهكذا. وعلى العكس تماماً فإن الشخص السلبي تجده عادة مستفرغاُ جهده, وباذلاً وقته في دائرة الاهتمامات, خارج دائرة التأثير, فهو مدمن على مشاهدة الأخبار, دائم التقمة على القوى العالمية الظالمة والحكومات المتسلطة, دائم التذمر من الزمن الدي فسد, ومن الأخلاق التي نزعت, دائم الضجر من الجو الحار, وهكذا...
"لقد وجدت أن الشخص الناجح في سوق الأعذار ليس ناجحاً في أي شيء آخر". (فرانكلين)
54


ومن أجمل الأشياء التي ينبه عليها كوفي ببراعة في هذا الصدد أن الإنسان بقدر ما يكون مبادراً فإن دائرة التأثير عنده تكبر تدريجيا حتى تشمل أشياء لم تكن تشملها من قبل. فالإنسان المبادر يطور نفسه, ويزيد من طاقته وتأثيره حتى يكون بحث أمة في رحل, يتعدى تأثيره إلى آفاق بعيدة لم يكن يحلم بها من قبل, وعلى العكس تضمر دائرة التأثير في النفس السلبية شيئاً فشيئاً حتى لا يكاد يبقى لها وجود, ويصبح الشخص منزوع الإرادة كالريشة في مهب الريح, قد أصابه الخور والشلل في كل جزء من أجزائه. إن اهتمامنا بدائرة تأثيرنا أولا يجعلنا نثق في أنفسنا, ونتقدم إلى تغييرالآخرين و التأثير في الظروف المحيطة بنا.يقول غاندي:"لا بد أن نتمثل التغيير الذب نريد إحداثه في العالم في أنفسنا أولاً".
"إن تغيير طريقتك في التفكير ربما لن يغير العالم كله ولكنه بالتأكيد سيغير عالمك أنت"(ستيف بولان)
تأملات حول العادة الأولى
بعد التأمل تبين لي أن هذه العادة يمكن تقسيم أفكارها الأساسية ‘لى ثلاث أفكار:
1. بأمكانك أن تختار ردة الفعل المناسبة تحاه المؤثررات الخارجية.
2. أنت المسؤول عن حياتك
3. بادر بالتغيير
55


صفحة فارغة
56


العادة الأولى
(كن مبادراً)
المعنى الأول:
بإمكانك أن تختار ردود الأفعال على المؤثرات الخارجية


صفحة فارغة
58


وما الخوف إلا ما تخوفه الفتى وما الأمن إلا ما رآه الفتى أمنا
(المتنبي)
59


صفحة فارغة
60


هذه بحق من أعظم الأفكار التي يمكن أن تمر على خاطر إنسان, إنها تعطي الإنسان هامشاً كبيراً من الحرية يتلاءم مع إنسانيته ومع خلقة حراً. إنها من أعظم خصائص الإنسان التي كرمه الله بها, فهو ليس برنامح كمبيوتر له ردود أفعال مبرمجة مسبقاً لكل مؤثر لا يستطيع أن يخرج منها, ولكنه حر في أن يختار ردة الفعل المناسبة لكل موقف.
"لا يوجد في الحقيقة جو ممكن أن نطلق عليه أنه جو سيء, إنها ملابسك فقط ياصديقي التي لا تلائم" ( بيل كولوني)
والمتأمل في نصوص القرآن الكريم والسنة الشريفة يجد منهجاً كاملاً في طريقة التعامل مع المؤثرات الخارحية التي تعترص طريق الإنسان في هذه الحياة, هذا المنهج في تظري فريد في مكوناته متكامل في عناصره, وقد اجتهدت في تسليط شيء من الضوء على بعض ملامحه, أعرضها لك في الصفحات التالية وإني أرجو من القراء الكرام أن يصبروا على شيء من الاستطراد النظري الضروري لفهم هذا المنهج.
61


"عجباً لأمر المؤمن"
يتصل بهذا الباب حديث عظيم يلقي ضوءاً كاشفاً على هذا المعنى من هذه العادة, وهو قوله صلى الله عليه وسلم: "عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله له خير, وليس ذلك إلا للمؤمن: إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له, وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له" (1). هذه المعادلة البسيطة الجامعة المانعة هي الفاصل الحقيقي بين المؤثر وردة الفعل. إنها توضح بجلاء أن المؤمن دائماً على خير مهما تعرض له من الظروف المؤثرات, ذلك أن إيمانه بالله تعالى يرشده ‘لى تصرفات محددة منطلقة من ‘يحابينه الإيمانية وثقته بأن هذا الذي حدث هو خير له. ثم هو مأمور بالتصرق المناسب لكل واحد من هذه المؤثرات التي لن تخرح عن صنفين" إن ككانت خيراً شكر الله عليها, وإن كانت شراً صبر عليها واحتسب الأجر عند الله تعالى. وبهذا فهو يختار ردود أفعاله لما يحدث بناءً على خارطته الإيمانية, يختار الصبر على ما يكره , والشكر على ما يحب خلافاً لما يمليه عليه الهوى من الجزع عند الضراء, والبطر عند السراء.
"يستطيع الكثير من الناس تجاوز الأزمات الصعبة ولكن إذا أردت أن تختبر شخصاً بحق, فأعطه القوة" (إبراهام لينكون)
(وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خيراً لكم):
إن عقيدة القضاء ولاقدر في الإسلام تمثل في نظري أهم مصادر هذه الهادة ي التفكير الإسلامي. ذلك أن الإنسان يعرف أن كل أقدار الله تهالى في النفس و الكون في متوافقة مع عظيم حكمته وكامل رحمته. فإذا أصاب الإنسان الصر أو أثرت فيه المؤثرات المعكرة فإنه مأمور بأن يكون رد فعله تجاه تلك المؤثرات إيجابياً, إذ يعلمنا الإسلام مفهم الابتلاء الذي يعود على الإنسان بالخير الكبير.
1. رواه مسلم,رقم (5318)
62


فعلى الصعيد الشخصي, يكفر الابتلاء عن المرء سيئاته: "ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها خطاياه"(1), ويذكر بربه: (ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون)(2), ويحضه على التوبة: (أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون)(3). وعملياً, علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نقول للمريض عند عيادته" لا بأس طهور إن شاء الله"(4) نذكره بالإثر الإيجابي للمرض من تطهير الذنوب, كما علم صلى الله عليه وسلم من أصابته مصيبة أن يطلب من الله تعالى العوض فيقول: "اللهم أجرني في مصيبتي, و أخلفني خيراً منها"(5).
وامتدح تعالى المؤمنين الصالحين: (الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون)(6) تذكيراً لأنفسهم بأنهم عبيد الله, وتحت تصرفه ومشيئته, وأنهم إليه راجعون, تسلية لقلوبهم وأرواحهم عما أصابهم فاستحقوا بذلك صلاة الله ورحمته وهدايته: ( أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولائك عم المهتدون)(7). كل هذه الأمور تساعد في تخفيف أثر المصيبة على الإنسان وتدفعه إلى ردة الفعل الإيجابية.
وعلى النطاق الحماعي يعرف المؤمنون أن الابتلاء يمايز الصفوف: (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين)(8), ويمحص المؤمنين: (وليمحص الله الذين آمنو ويمحق
1. رواه البخاري, رقم (5210).
2. سورة الأنعام, آية42.
3. سورة التوبة, آية126.
4. كما في الحديث الذي رواه البخاري, رقم (3347)
5. رواه مسلم, رقم (1525)
6. سورة البقرة, آية 155.
7. سورة البقرة, اية156
8. سورة آل عمران, آية 152
63


الكافرين)(1). وبهذا نرى بوضوح أن الإسلام ركز على الجوانب الأيجابية في الابتلاء الذي يصيب الناس, وعرف الإنسان المنافع الكبيرة التي قد تكون خافية عليه, التي من أجلها كتب الله الابتلاء.
"هل تريد أن أدلك على وصفة سحرية للنجاح؟ تعرض للفشل أكثر" (توماس واتسون)
وبعد إدراك المنافع اتي يمكن أن تتحقق من جراء ما يظنه الإنسان شراً محضاً يقرر الله تعالى القاعدة العظيمة التي تفصل في جوهرها بين الرؤية الإنسانية القاصرة للأحداث في النفس والحياة التي تبنى عليها عادة ردود الأفعال, وبين الحقيقة المطلقة التي هي في علم الله التي ينبغي أن تسلم لها نفس المؤمن وتذعن: ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون)(2)
(لكي لا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم):
ةلقد بين الله تعالى الأثر الإيجابي لعقيدة القضاء والقدر على ردود الأفعال في الآية العظيمة التي أعتبرها ركناً ركيناً في هذا السياق وهي قوله تعالى: (ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير)(3).ففي هذه الآية يبلغنا الله تعالى : لقد أعلمتكم بأن كل ما يحدث لكم قد كتبته عليكم من قبل أن أخلق السماوات والأرض, ثم يقول: "لكيلا", أي أنني أعلمتكم هذه الحقيقة العزيمة حتى تؤثر في ردود أفعالكم فيما يجري عليكم من أقدار الله تعالى, فتحميكم من ردود الأفعال السلبية, ومنها الأسى: (لكي لا تأسوا على مافاتكم), وفي مقابلها الفرح المفرط المؤدي إلى
1. سورة آل عمران, آية141.
2. سورة البقرة, آية216
3. سورة الحديد, آية 22
64


الغرور: (ولا تفرحوا بما آتاكم). فالمسلم إذن لا ينظر إلى الماضي نظرة الأسى والحزن, ولا يعذب يفسه بسوط (لو) وإنما يستسلم لقضاء الله وقدره: "وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كذا كان كذا وكذا, ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل, فإن لو تفتح عمل الشيطان"(1). وبهذا يتبين أن عقيدة الإيمان بالقضاء والقدر تعطي الإنسان هذه المساحة الإيمانية الفاصلة بين المؤثر والتأثير.
ويلخص لنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه هذه النقطة في هذه المقولة العبقرية إذ يقول: "إنني ما أصبت بمصيبة إلا تذكرت ثلاثة أمور: أنه لم يبتلني بأشد منها, وأنه لم يجعلها في ديني, بالأجر إذا أنا صبرت عليها, فما تذكرت ذلك إلا هانت عليً المصيبة".
وفي ذلك يقول الشاعر:
وأعلم أني لم تصبني مصيبة من الله إلا قد أصابت فتى قبلي
ويقول الآخر:
قد ينعم الله بالبلوى وإن عظمت ويبتلي الله بعض القوم بالنعم
وللإمام ابن القيم كلام عذب في هذا المعنى عند كلامه عن مشهد السلامة وبرد القلب فيقول رحمه الله : "ومشهد السلامة وبرد القلب مشهد شريف جداً لمن عرفه وذاق حلاوته, وهو ألا يشتغل قلبه وسره بما ناله من الأذى, وبطلب الوصول إلى درك ثأره وشفاء نفسه, بل يفرغ قلبه من ذلك, ويرى أن سلامة قلبه وبرده وخلوه من ذلك أنفع له, وألذ وأطيب وأعون على مصالحه"(2).
وبالمناسبة, فإن المحدثين من علماء النفس يدندنون حول هذا المعنى النبيل وهو أن تختار دائماً السلامة والتفاهم بدلاً من الإصرار على إثبات أنك على صواب, وأن تنتصر لرأيك في أي خلاف أو مناقشة, وهذا كما ذكر ابن القيم رحمه الله من صميم المبادرة.
1. رواه مسلم , رقم (4816)
2. مدارج السالكين, ج2, ص320.
65


(فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا):
ولكن عقيدة القضاء والقدر ليست عقيدة سلبية, ليست شماعة يعلق عليها الإنسان أخطاءه وإخفاقاته, كما يفهمها ويطبقها كثير من المسلمين اليوم وللأسف. إنها تسليم لله في قضائه وقدره في الأصل, ولكن يتبع هذا التسليم أعمال إيجابية منها الصبلا والدعاء والتضرع والتوبة والاستقامة والسعي في التغيير بأخذ الأسباب وغير ذلك كما سيأتي.
ولقد خطا الإسلام خطوات عملاقة في هذا الباب, فهو لم يقتصر على تنبيهك أنك لابد أن تختار طريقة تأثرك بما يحدث من حولك, وأن تضبط ذلك بالإيمان بالقضاء والقدر والمثوبة على البلاء, بل رتب أيضاً خطوات عملية دل الناس عليها مسبقاً في طريقة الاستجابة لأنواع شتى من الابتلاء والتحديات, وهو بذلك كأنما أعكانا الأسئلة و أجوبتها والمشكلة وحلها,
والأمثلة في ذلك كثيرة جداً, ولكن تكفى الإشارة إلى معنى طلب التوبة عند حلول المصيبة كما في قوله تعالى: (ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون)(1) وقوله: (أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون)(2), وقوله: (فولا إذا جاء بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم وزين لهم الشيطان ماكانوا يعملون)(3). ففي هذه الآيات, ينكر الله عز وجل على الكافرين أنهم لم يستفيدوا من المصائب والابتلاءات التي أنزلها الله عليهم بشكل متكرر بالاستجابة التي أنزل الله الابتلاء من أجلها. كل هذه الاستجابات كما ترى استجابات إيجابية تسعى إلى تقريب المسلم من ربه وتغيير مسار حياته وتصحيح طريقه. وإن من أكثر الاستجابات أيجابية في حياة المسلم الدعاء والشكر. الدعاء الذي ذكر النبي صلى
1. سورة المؤنون, آية 76
2. سورة التوبة, آية126
3. سورة الأنعام, آية 43
66


الله عليه وسلم أنه يرد القضاء فقال: "لا يرد القدر إلا الدعاء"(1). هذا الدعاء والتضرع هو من أكثر الأعمال الإيجابية المتولدة عن الابتلاء وهو من حكمه كما بينا.
"اعقلها وتوكل"
وكذا الحال بالنسبة إلى مفهوم التوكل في الإسلام. فهو خلافاً لما يظن البعض ويمارس كثير من المسلمين-للأسف الشديد- ليس مفهوماً سلبياً أبداً. ذلك أن التوكل في حقيقته عبادة قلبية, فهو عمل قلبي يحتاج إلى انفعال معين وقصد محدد. إنه هو بعد كونه عمل قلبي يحتاج إلى انفعال معين وقصد محدد. إنه توجيه الثقة والاستعانة والاتجاء لله تعالى لقضاء الحاجة. ثم هو بعد كونه عمل القلب هو عمل الجوارح أيضاً. يدل على ذلك الحديث الشهير الذي ينفي أي سلبية في مفهوم التوكل الحق هو عمل الجوارح أولاً في اتخاذ الأسباب المؤدية عادة للنتيجة المرجوة, ثم وضع الثقة والاعتماد على الله تعالى لتحقيقها ثانياً. ولقد لفت النبي صلى الله عليه وسلم الانتباه لهذه النقطة في حديثه البديع: "لو أنكم كنتم توكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير, تغدوا خماصاً وتروح بطاناً"(3). فهنا اعتماد على الله, ولكنه مقرون بغدو ورواح, وهو عمل الجوارح.
"أنا عند حسن ظن عبدي بي":
ولم يكتف الإسلام بأن أرشد الناس إلى الخطوات العملية الإيجابية التي ينبغي عليهم أن يتخذوها عند حلول الأقدار أو الظروف السلبية في حياتهم, بل أرشد أيضاً إلى الكثير من الأعمال
1. رواه الترمذي, رقم (2065)
2. رواه الترمذي, رقم (2441)
3. رواه الترمذي, وقال: حسن صحيح, رقم(2266). ورواه أحمد أيضاً, رقم(200).
67


النفسية الإيجابية في هذا المجال. فبالإضافة إلى الأثر النفسي العميق للاعتقاد بأن كل مقدر فهو من الله, ويحتوي بين طياته خيراً, وإن بدا في ظاهره شراً, فإن الإسلام أمر المسلم أن يتفاءل ويتوقع الأفضل ففي الحديث: "أنا عند ظن عبدي بي, فإن ظن بي خيراً فله, وإن ظن بي شراً فله"(1). ففي هذا الحديث المعجز جرعة إيجابية نفسية مذهلة. إنه يقول لك باختصار, إذا بقيت آمالك مشرعة, ونفسيتك منشرحة, ومزاجك إيجابياً, وتوقعاتك طيبة فإن الله تعالى سيكافئك جزاء هذا العمل القلبي- وهو حسن الظن بالله -أن ييسر الخير لك, ويحوله إلى واقع في حياتك(2). وقد وصف النبي صلى الله عليه وسلم نفسه بأن قال: "ويعجبني الفأل"(3).
وبالمقابل فإن الإسلام حذر أسد التحذير من اليأس و القنوط حتى عده كبيرة من الكبائر. قال تعالى: (إنه لا ييئس من روح الله إلا القوم الكافرون)(4). وحذر من الطيرة و التشاؤم, فقال صلى الله عليه وسلم : "والطيرة شرك"(5). إذن الإسلام يبحث دائماً عن المعاني النفسية الإيجابية في كل شيء: منقباً عن أسباب التفاؤل و الأمل, موصداً أبواب التشاؤم و اليأس, فلا غرو أن يكون أمر المؤمن عجيباً.
كشف الحيل النفسية:
والإسلام باعتباره منهجاً للحياة, حرر الإنسان بشكل عام من شتى أنواع العبودية لغير الله, وأعطاه القدرة الكاملة على الاختيار. فقد حرره من التبعية القبلية, وأعطاه حق الاختيار هناك فاستنكر على الذين سلموا من أيديهم
1. رواه أحمد, رقم (8715)
2. يتكلم في هذا المعنى النفسيون المحدثون كثيراً في أفكار الإنسان وتطلعاته تؤثر في مشاعره وتصرفاته.
3. رواه البخاري, رقم (5331)
4. سورة يوسف, آية 87
5. رواه الترمذي, رقم (1539)
68


حق الاختيار في هذا الباب, فقال مستنكراً مقولة المشركين: (إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون)(1), وقال يحاججهم: (أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون)(2), وحرر الإنسان من قيود الشهوات, فبين أن الفوز بالدار الآخرة مرتهن في التحكم بهذه الشهوات وتوجيهها فيما خلقت له فقال: (وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى, فإن الجنة هي المأوى)(3). وقال مستنكراً على الذين جعلوا شهواتهم آلهة لهم: (أفرأيت من اتخذ إلهه هواه)(4). بل إن الإسلام قد حرر الإنسان من التبعية للشيطان, وقرر بوضوح أن الشيطان لا يملك على ابن آدم سلطة حقيقية, وإنما الوسوسة والجذب فحسب, فقال: (إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون)(6). ولذلك نبه الله تعالى على أن المؤمنين بحق هم الذين تخلصوا من حذب الشيطان ووسوسته فقال تعالى: (إن الذبن اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون)(7). وأرشد المؤمنين إلى الوسائل التي تساعدهم على التغل على هذه الوسوسة, ومنها الاستعاذة: (فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم)(8), وقال: (وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم)(9).
1. سورة الزخرف, آية 23
2. سورة البقرة, آية170
3. سورة النازعات, الآيات:39-40
4. سورة الجاثية, آية23
5. سورة النحل, آية99
6. سورة إبراهيم, آية 22
7. سورة الأعراف, آية 201
8. سورة النحل, آية 98
9. سورة الأعراف,آية 200
69


"أنت أكثر من يعلم عن عيوب نفسك ومواطن ضعفها, ولذا فعندما تحطم نفسك بنفسك سيكون الدمار أكثر مما يستطيع أن يفعله الآخرون" (ستيفن بولان)
وقد ذكر القرآن الكريم جملة من الأعذار و الأوهام التي يتعذر بها الناس عن تحمل مسؤولياتهم, وتسمى في علم النفس (الإسقاطات).
فحكى عن الذين قالوا كاذبين: (شغلتنا أموالنا وأهلونا)(1), والذين قالوا منافقين: (بيوتنا عورة)(2) والذين ذكروا متعذرين: (لاتنفروا في الحر)(3), والذين تحججوا كاذبين بقولهم: (ائذن لي ولا تفتني)(4), والذين تخوفوا قائلين: (نخشى أن تصيبنا دائرة)(5), كل ذلك في معرض الذم وعدم الإقرار. كل هذه حيل نفسية وإسقاطات معنوية تذرع بها هؤلاء السلبيون عن القيام بواجبهم في نصرة الإسلام, والجهاذ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.
"إنه لم يتعلم أهم درس في الحياة من لا يتحرر في كل يوم من أحد مخاوفه المزمنة" (أيميرسون)
وسحب الإسلام البساط أيضاً من تحت أرجل الذين يتعذرون بأن هذه مشاعرهم التي لا يستطيعون التحكم بها. فبعد أن قرر لهم ورباهم-كما سبق أن أشرنا- على الأسس النظرية لبطلان هذه الطريقة في التفكير أرشدهم إلى حلول عملية كثيرة تساعدهم على التحكم في هذه المشاعر وتغييرها بشكل عملي. لنأخذ مثالاً واحداً وهو الغضب. فقد حذر الإسلام من الغضب بشكل نظري في مثل قول النبي صلى الله
1. سورة الفتح, آية 11.
2. سورة الأحزاب, آية13.
3. سورة التوبة, آية49
4. سورة المائدة,آية 52
70


عليه وسلم: "لاتغضب"(1) وامتدح الذين يضبطون غضبهم ووصفهم بالأشداء والأقوياء: " ليس الشديد بالصرعة ولكن الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب"(2) وحعل التحكم في نتائج الغضب من صفات المؤمنين: (وإذا ما غضبوا هم يغفرون)(3) وقال صلى الله عليه وسلم: "من كظم غيظاً وهو قادر أن ينفده دعاه الله على رؤوس الخلائق يوم القيامة حتى يخيره من الحور العين ماشاء"(4). ثم هو زاد على ذلك بأن أرشد إلى الأساليب العملية للتحكم في الغضب وتخفيف حدته: ومن ذلك الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم, والجلوس إن كان واقفاً,والاضطجاع إن كان جالساً, والوضوء, وغير ذلك.
كل هذه الأمثلة والنصوص توضح بجلاء أن الإسلام أعاد مقود السيطرة للإنسان نفسه, ورباه على أن تصرفاته, وأعماله ليست ردود فعل آلية لظروف قاهرة أو أرواح شريرة, وإنما هي في الأصل نابعة من الإنسان نفسه ومن ثم فهو المسؤول عنها,وقرر بوضوح لا يقبل الجدل أن الإنسان: (على نفسه بصيرة, ولو ألقى معاذيره) (5). وأعتقد أن هذه الآية القصيرة المعجزة هي الفارق بين الشخصية السلبية المتأثرة والشخصية الفعالة البادرة.
والإسلام- بوصفه ديناً عملياً واقعياً- لم ينكر أن هناك عوامل عديدة تؤثر قطعاً في الإنسان, وتدفعه إلى تصرف ما أو عمل ما. فقد حذر الإسلام من وسوسة الشيطان, وأمرنا أن نستعيذ بالله منها, وحذر من قرناء السوء,وأمر بتربية الأبناء وتنشئتهم التنشئة الصالحة وهكذا.
"لن تكون خاسراً حتى تتوقف عن المحاولة" (ماديك ديتكا)
1. رواه البخاري, رقم (5651)
2. رواه أحمد, رقم (3444)
3. سورة الشورى,آية 37
4. رواه الترمذي, رقم (24,17)
5. سورة القيامة, آية 16,15
71


وهو بكل ذلك بين السيطرة الداخلية والتحكم في النفس وبين محاولة السيطرة على العوامل الخارجية التي تؤثر في الإنسان. مما سبق ومما سيأتي يتضح لك بوضوح, أن هناك نظرية فكرية متكاملة ومنهجاً عملياً منتظماً في الإسلام لتربية الفاعلية الفردية والمسؤولية الشخصية في حياة المسلم.
الخلاصة:
نجد من خلال هذا العرض المجمل أن الإسلام قد أجرى ينابيع عدة تصب كلها في تنمية الفاعلية لدى المسلم,من خلال التفريق بين المؤثر والاستجابة, وركز على أن استجابة الإنسان لما يمر به من أحجاث لا بد أن تكون متوافقة مع رسالته في الحياة نجد ذلك ملخصاً في النقاط التالية:
1. عقيدة القضاء والقدر التي تذكر الإنسان بأن ما أصابه مكتوب عليه.
2. تقرير الفوائد الجليلة والحكم العظيمة لكل ما قدره الله على الإنسان, وأنه كله في مصلحته إن كان خيراً أو شراً.
3. تقرير أن الأخذ بالأسباب و العمل على تغيير الواقع هو من صميم التوكل.
4. توضيح الاستجابات الإيجابية المناسبة لجملة من الحوادث والمؤثرات.
5. كشف الحيل النفسية التي يتذرع بها السلبيون وتفنيدها.
72


بعد هذا العرض النظري المهم, لننتقل الآن إلى الواقع وننظر في حملة مختارة من مئات الأمثلة الموثقة والمحتوية على تطبيقات مشرقة لهذه المعاني.

ولا يزيد الجهل عليه إلا حلماً
الدارس لشخصية النبي صلى الله عليه وسلم يلحظ أنها كانت شخصية مبادرة بحق. ففي مجال التحكم بردود الأفعال كان النبي صلى الله عليه وسلم أحلم الناس, والقصص التي تحمل فيها صلف بعض الأعراب وسوء أدبهم عديدة, فكم دخل الناس عليه صلى الله عليه وسلم يتهمونه بأبشع التهم, بل يؤذونه بالاعتداء الجسدي, وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقابل ذلك بالابتسامة في أغلب الأحيان, ويلتمس العذر لهم في أحايين أخرى, ولعل من أنصع الأمثلة القصة التي رواها أنس رضي الله عنه فقال: "كنت أمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم وعليه برد نجراني غليظ الحاشية, فأدركه أعرابي فجذبه بردائه جذبة شديدة, حتى نظرت إلى صفحة عاتق رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أثرت بها حاشية البرد من شدة جذبته, قال: يامحمد, مر لي من مال الله الذي عندك! فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ضحك, ثم أمر له بعطاء"(1).ففي هذه القصة تتجلى بوضوح قدرة النبي صلى الله عليه وسلم على أن يتحكم في نفسه ويضبط أعصابه حتى مع غلاظ الأعراب.
وأعجب من هذه القصة قصة إسلام زيد بن سعنة, وهو حبر من أحبار اليهوتد وقد كان مهتماً بالإسلام, ولكنه قال: "ما من علامات النبوة شيء إلا وقد عرفتها في وجه محمد صلى الله عليه وسلم إلا اثنتين: أنه يسبق حلمه جهله, ولا يزيده الجهل عليه إلا حلماً" قال: فاشتريت من رسول الله صلى الله عليه وسلم تمراً معلوماُ إلى أجل, بثمن عاجل,فجئته قبل حلول الأجل, فأخذت بمجامع قميصه وردائه, ونظرت إليه
1. رواه البخاري, رقم(5326)
73


بوجه غليظ فقلت له: ألا تقضي يا محمد حقي, فوالله لقد علمتكم يا بني عبد المطلب لمطل, ولقد كان لي بمماطلتكم علم.فقام إليه عمر وهم به. فقال صلى الله عليه وسلم: "ياعمر, أنا وهو كنا أحوج إلى غير هذا, تأمرني بحسن الأداء, وتأمر بحسن التباعة" ثم أمره بإيفائه حقه وزيادة عشرين صاعاً من التمر مكان ما روعه عمر. فلما رأى زيد هذا التعامل لم يلبث أن أسلم وحسن إسلامه(1).
ففي هذه القصة يتبين لنا كيف واجه النبي صلى الله عليه وسلم هذا الموقف الذي اجتمعت فيه جميع عناصر الاستفزاز والشراسة وقلة الأدب. فالرجل أولاً يهودي, ولم يأت حقه بعد, وقد طالب بأسلوب هو في منتهى الاستفزازية, وتطاول على قبيلة النبي صلى الله عليه وسلم, وآذاه جسدياً, ولم يعرف له مقامه وحقه بين المسلمين. فكيف كان رد فعل النبي صلى الله عليه وسلم؟ هل انساق للمشاعر الفطرية الانعكاسية في مثل هذه المواقف كما فعل عمر رضي الله عنه؟ أم حكم العقل والمصلحة وتصرف بناءً على ما أراد هو, لا كما أملته ظروف الموقف؟ وانتهى الأمر به إلى أكرام هذا الرجل, وتعليم البشرية درساً بليغاً في التحكم بالنفس والسيطرة عليها.
"لو شئت أطبقت عليهم الأخشبين":
وكذلك فلم يؤد عداء قريش للنبي صلى الله عليه وسلم وافتراؤهم عليه بكل وسائل الإيذاء إلى أن حول المعركة التي بينهم وبينه عن أساسها الحقيقي وهو البعد الديني العقدي إلى البعد الشخصي, ففي أسد لحظات الإحباط النفسي والإيذاء الجسدي وبعدما واجهت دعوته صلى الله عليه وسلم طريقاً مسدوداً في مكة ولقيه من الأذى مالقيه, وبعدما عرض نفسه على القبائل يستنصرهم قوبل بأشد مما كان يلاقي في مكة, قولل بالتكذيب والإهانة والأذى الجسدي, وقد أخذ الهم منه كل مأخذ, وصار يمشي.
1. رواه البيهقي في "دلائل النبوة" , والطبراني ,وابن حبان,والحاكم وقال: صحيح الإسناد.
74


خارجاً من الطائف. فلم بفق من شريط ذكريات الإهانات والصدود إلا وهو في قرن الثعالب, أي أنه قد مشى مسافة لا تقل عن ثلاثين كيلو متراً وهو في حالة ذهول تام, فأفاق فإذا بسحابة ضخمة فوق رأسه, وإذا بجبريل ومعه ملك الحبال يقول له: "إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك, وقد بعث إليك ملك الحبال لتأمره بما شئت فيهم, فنادى ملك الجبال فقال: يامحمد, لو شئت أطبقت عليهم الأخشبين".
هنا مر ذلك الفؤاد العظيم بأعظم اختبار للشخصية المبادرة, الخيار بين موافقة هوى النفس التي تدعوا بقوى إلى الانتقام والتشفي, النفس التي هدها طول الدعوة وآذتها مرارة الإهانة وأضنتها كثرة التكرار, أن يختار ما يرضي هذه النفس من الانتقام و التشفي, وبين أن يضبط هذه النفس ويلجمها بلجام العقل, وأن يتحكم في ردة الفعل السريعة, ولا يترط لها المجال, وإنما يتصرف بناءً على ما ارتضاه لنفسه من رسالة, وما اختطه لنفسه من طريق, وكان الاختيار المبادر العظيم: "بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئاً"(1).

(لاتحزن إن الله معنا)
وتتكرر المشاهد الإيجابية المذهلة في السيرة كلها, ففي الموقف الرهيب الآخر, وفي لحظة الضعف الأخرى, في غار ثور, لاحقه المشركون فاراً بدينه مهاجراً إلى المدينة, فاختبأ عنهم في الغار, هو وصاحبه, واقترب المشركون منهم حتى إن أحدهم لو نظر موضع قدميه لرآهم وكانت النهاية, ولكن هذا القلب المبادر الإيجابي, لم تهتز فيه ذرة, ولم يتردد فيه معنى, بل تعلق بالسبب الوثيق, إذ قال لصاحبه في الغار: "لا تحزن إن الله معنا" ,ما أروعها من روح عظيمة, تغلبت على المعاني الطبيعية من الخوف والرهبة و التردد, وتمركزت حول منطلقاتها الأساسية ومصدر الأمن الشامل والمحيط, "ما ظنك باثنين الله ثالثهما" (2).
1. رواه البخاري, رقم (2992).
2. رواه البخاري, رقم (3380)
75


"اذهبوا فأنتم الطلقاء":
بعدما انتهت قصة الصراع الدامي بين النبي صلى الله عليه وسلم وقريش بانتصار النبي وفتحه لمكة, تحكي ينا كتب السير أمثلة فذة في التحكم بالنفس وضبطها وفق المبادئ والقيم العليا, دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة مطأطئ الرأس حتى مست لحيته سرج فرسه, ثم قرر ذلك المعنى الذي عبر عنه مجازاً بوضعية جسده الشريف, قرره بالبيان الواضح الصريح, الذب لم تمسه لوثات الانتقام, ولم تتعرض له نزعات النفس, بل قرر بعد كل هذا الكم الهائل من الإيذاء و الطرد والافتراء قرر: "اذهبوا فأنتم الطلقاء".

"ولا نقول إلا ما يرضي الرب"
ومن المواقف العظيمة في الدعوة والمواجهة إلى مواقف كثيرة على النطاق الشخصي, موت الولد, أعظم اللحظات ألماً في قلب الإنسان, تعتصر اعتصاراً, وتستخرج منه أقصى المدى من عبودية الصبر, وقف النبي صلى الله عليه وسلم يبكي على قبره ابنه إبراهيم يوم موته, يطلق لنفسه الإنسانية العنان في التعبير عن المشاعر الطبيعية التي جبلت عليها, لا يكتبها ولا يتصنع غير آدميته الكاملة, ولكنها بعد ذلك وقبله روح المبادرة, متحكمة في أركانها, عائدة إلى أصولها, مسيطرة على ردود أفعالها, "إن العين لتدمع والقلب ليحزن, ولا نقول إلا مايرضي ربنا, وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون" (1).

"صبراً آل ياسر"
ولقد انعكست هذه الشخصية الأيجابية الجبارة على شخصيات أصحابه رضي الله عنهم أجمعين, فظهرت فيهم نماذج تاريخية في المبادرة والشعور بالمسؤولية. ففي مجال اختياره ردة الفعل و التحكم في
1. ؤواه البخاري, رقم (1220)
76


العالم الداخلي النفسي أمام التحديات و المتغيرات الخارجية, ظهرت لنا قصص الصبر الشهيرة, من أمثال قصص بلال بن رباح رضي الله عنه, تلك الشخصية الفذة في التاريخ, هذا الرجل الذي مورست معه أقصى أساليب التعذيب الجسدي والنفسي من الإهانات وانتهاك الكرامة إلى وضع الحجار الكبيرة على بطنه عارياً في صحراؤ مكة اللاهبة, وهو عبد معتاد طول عمره على السمع والطاعة والاستجابة للأوامر, ولكن شيئاً تغير, إن نفساً مبادرة تفجرت مع بزوغ شمس الإيمان بين جنبيه: "أحد أحد" لايزيد عليها ولا ينقص.
وإذا عرجت على آل ياسر لم تخطئك نفوس بلغت من الصبر و التحكم في النفس قمماً شامخة. هذه النفوس تمحورت حول فكرة واحدة: الصمود في سبيل التوحيد, لم تتذرع بالأعذار التي كان أقلها كافياً لأن تنسحب من الموقف, لم تتزحزح عن مبادئها وعقيدتها مع أول اختبار, ولقد كانت هذه الروح هي روح ذلك الجيل كله, تنفسوها مع الهواء, وتشبعوا منها مع الطعام و الشراب, كيف لا , وهم قد ملؤووا قلوبهم وعقولهم بتلك الآيات الكثيرة-التي ذكرنا طرفاً منها أعلاه- التي ربت فيهم الإيجابية والمبادرة.

نفوس عملاقة:
وفي مجالات أخرى من الابتلاء, تطل علينا نماذج تلك الأرواح العظيمة, لتعلمنا الدروس في طريق التحكم في النفس واختيار ردود الأفعال, فعندما فقد ابن عباس رضي الله عنه نور عينيه لم يجزع, ولم يسخط على قضاء الله وقدره, ولكنه بحث هن الجوانب الإيجابية في هذا الابتلاء, فتمتم بهذه الأبيات الرائعة:
إن يأخذ الله من عيني نورهما ففي لساني وقلبي منهما نور
قلبي ذكي وعقلي غير ذي دخل وفي فمي صارم كالسيف مأثور
لله درها من روح إيجابية عملاقة رضي الله عنه. وهذا عروة بن الزبير
77


رضي الله عنه بلغ المرض من قدمه مبلغاً انهزمت أمامه حيل الطب ولم يبق إلا البتر, والبتر-نسأل الله السلامة- من أكثر العمليات إيلاماً لنفس المريض, يحتاج قبلها المريض كثير من التهيئة النفسية والدعم المعنوي, إضافة للألم العضوي الناتج من العملية, فلما عرض الأمر على هذه النفس الكبيرة, كان عندها من القوة المعنوية الأيمانية ماهانت معه كل هذه المعاني, أما الألم العضوي فإنه لا يريد له مخدراً, قال: "سأشرع في الصلاة, فإن استغرقت, فافعلوا ما شئتم", وأما الألم المعنوي فقابله بهذه العقيدة الإيجابية الراسخة: "لئن أخذ الله مني رجلاً فقد أبقى أخرى".
ومن أمثلتها الموقف المعبر الذي دار بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين أحد الأعراب الذي كان يتأوه من الحمى. فلما عاده النبي صلى الله عليه وسلم قال له:" طهور إن شاء الله", قال الأعرابي: "بل هي حمى تفور على شيخ كبير تزيره القبور", قال النبي صلى الله عليه وسلم: "فهي إذن"(1). وفي هذا تنبيه دقيق إلى أن ردة الفعل التي تختارها لنفسك استجابة لما يصيبك ستنعكس على روحك المعنوية وعلى تصرفاتك المستقبلية.
"دائماً عندما تسقط التقط شيئاً" (أسولد أفري)
وفي كل صفحة وبين كل سطر من كتب التراجم عبارة إيجابية وتلميحة مبادرة, خذ مثلاً قول ثابت البناني: " مامدحني أحد قط إلا تصاغرت إلي نفسي" , انظر إلى هذا الرجل العظيم الذي تملك نفسه وتحكم بها إلى ذلك الحد. إن ردة الفعل الطبيعية للمدح أن يمتلئ القلب فخراً وعجباً, ولكن هذه النفس المبادرة تحكمت في ردة الفعل هذه, وحولتها إلى ردة فعل أكثر إيجابية.
1. رواه البخاري, رقم (3347)
78


"أنا جنتي وبستاني في صدري"
وإن عجبي لا ينتهي من العبارات النورانية العظيمة التي رويت عن شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله- في أول سجنه, إذ إنها تمثل الذروة في عمق إدراك هذه الحقيقة الجوهرية, يقول رحمه الله تعالى: "مايصنع أعدائي بي, أنا جنتي وبستاني في صدري, أين رحت فهي معي لا تفارقني, أنا حبسي خلوة, وقتلي شهادة, وإخراجي من بلدي سياحة" , وكان يقول:"المحبةس من حبس قلبه عن ربه تعالى, والمأسور من أسره هواه"(1).
إن هذه الكلمات في نظري أقوى وأوضح وهي بلا شك أسبق زمناً من كلمات فيكتور فراتكل التي استشهد بها ستيفن كوفي في كتابه. إن استقرار هذه الحقيقة في نفس شيخ الإسلام وتمكنها من نفسه الكبيرة منحه طاقة نفسية كبيرة تجدها متكررة دائماً في الكبار والعظماء وفي إشعاعهم وتدفقهم بالإيجابية وقوى النفس.
وصفه تلميذه المقرب ابن القيم رحمهما الله فقال: "وعلم الله, ما رأيت أحداً أطيب عيشاً منه قط, مع ماكان فيه من ضيق العيش وخلاف الرفاهية والنعيم, ومع ما كان فيه من الحبس والتهديد والإرجاف, وهو مع ذلك من أطيب الناس عيشاً, وأشرحهم صدراً, وأقواهم قلباً, وأسرهم نفساً. وكنا إذا اشتد بنا الخوف, وساءت منا الظنون, وضاقت بنا الأرض, أتيناه, فما هو إلا أن نراه ونسمع كلامه, فيذهب عنا ذلك كله, وينقلب انشراحاً وقوة ويقيناً وطمأنينة". وصدق من قال: "إن الفاعلية والإيجابية معدية"!
أيها الشاكي وما بك داء كيف تغدوا إذا غدوت عليلا
إن شر الجناة في الأرض نفس تتوقى قبل الرحيل الرحيلا
وترى الشوك في الورود وتعمى أن ترى فوقها الندى إكليلا
1. الوابل الصيب, لابن القيم.
79


هو عبء على الحياة ثقيل من يظن الحياة عبئاً ثقيلا
والذي نفسه بغير جمال لا يرى في الوجود شيئاً جميلاً
فتمتع بالصبح مادمت فيه لا تخف أن يزول حتى يزولا
وإذل ما أظل رأسك هم قصر البحث فيه كيلا يطولا(1)
1. الأبيات لأيليا أبي ماضي
80


العادة الأولى
<<كن مبادراً>>
المعنى الثاني
أنت مسؤول عن حياتك
81


صفحة فارغة
82


ليس التعلل بالآمال من أربي ولا القناعة بالإقلال من شيمي
ولا أظن بنات الدهر تتركني حتى تسد عليها طرقها هممي
(المتنبي)
83


صفحة فارغة
84


لقد أعطى الإسلام المسؤولية الفردية مكانة كبيرة. فإن من أوكد أصول الإسلام أن الإنسان المكلف مسؤول عن جميع تصرفاته. يقول الله تعالى: (كل نفس بما كسبت رهينة)(1) هي هي مرتهنة بها. ويقول سبحانه مقرراً ومذكراً بهذه الحقيقة الحتمية: (وقفوهم إنهم مسئولون)(2).

مسؤولية شاملة:
هذه المسؤولية في الإسلام غير مقتصرة على الأعمال الكبيرة التي يتعدى نفعها وضررها للآخرين, بل إنها شاملة. إنها تشمل كل حركات الإنسان وسكناته و أقواله وأفعاله, (ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد)(3), (إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا)(4),حتى أن الإنسان ليعجب يوم القيامة من إحاطتها وشمولها فيقول: (مال
1. سورة المدثر, آية38
2. سورة الصافات, آية 24
3. سورة ق , آية 18
4. سورة الإسراء, آية36
85


هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أخصاها)(1).
هذا الحساب سيكون مكتوباً في سجل الإنسان يوم القيامة, وسيذاع على الملأ في ذلك اليوم , ويشهد به الإنسان على نفسه, يقول تعالى: (وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتاباً يلقاه منشوراً, اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً)(2). ولقد أخبرنا الإسلام بأساسيات المسؤولية في الدين , وأبرز أوجه السؤال يوم القيامة حتى نعد للسؤال جواباً, وندرك ركائز هذه المسؤولية, قال صلى الله عليه وسلم : "لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيم أفناه , وعن علمه فيم فعل, وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه, وعن جسمه فيم أبلاه"(3).

ومسؤولية دقيقة :
وهي مسؤولية دقيقة ومتضمنة لما قد لا يلتفت إليه من الأعمال والأقوال: (فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره, ومن يعمل مثقال ذررة شراً يره)(4), "أن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقي لها بالاً يرفعه الله بها درجات, وإن العبد لتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً يهوي بها في جهنم"(5), وهي مسؤولية غير متعدية بل هي خاصة. يقول الله تعالى: (وكلهم آتيه يوم القيامة فرداً) (6) أي سيحاسب كل إنسان على ما فعل فرداً ويقول: (ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازة وزر أخرى)(7). والمسؤولية في الإسلام متعددة المستويات, فهناك المسؤولية
1. سورة الكهف, آية49
2. سورة الإسراء, آية13-14
3. رواه الترمذي وقال حسن صحيح, رقم(2341).
4. سورة الزلزلة, آية8-9
5. رواه البخاري, رقم (5997).
6. سورة طه,آية 95.
7. سورة الأنعام, آية 164.
86


الفردية: (وكلهم آتية يوم القيامة فرداً) ومنها مسؤولية الجماعية, كما في فروض الكفايات وهكذا. وإذن فحقيقة المسؤولية هي حقيقة في الصميم من العقيدة الإسلامية والفكر الإسلامي.
"حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا, وزنوها قبل أن توزنوا, وتزينوا للعرض الأكبر على الله, يوم لا تخفى منكم خافية" (عمر بن الخطاب رضي الله عنه)

(فبما كسبت أيديكم):
ولا يقف الإسلام عند تقرير المسؤولية الفردية على الأقوال والأفعال في الآخرة ولكنه يقرر بوضوح أن ما يصيب الإنسان في هذه الدنيا من الخير أو الشر هو نتيجة لما كسبت يده. يقرر هذه الحقيقة بوضوح على النطاق الشخصي كما في قول الله تعالى: (وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير)(1), ويقول : (ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك)(2).
وقد أسهم علماء الأسلام في بيان الآثار السيئة للذنوب والمعاصي على حياة الفرد والجماعة(3). وهذا المعنى مطرد في جميع المعاني الشرعية دون استثناء.
خذ مثلاً آخر, هو: ترتيب الله تعالى زيادة النعمة على شكرها, ومحقها على كفرها, وكلاهما أمرات داخلان تحت قدرة الإنسان ومسؤوليته: قال تعالى: (و إذ تأذن ربكم لئن شكرتن لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد) (4), وخذ مثلاً عملياً على مستوى المجتمع: (وضرب الله مثلاً قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغداً من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله
1. سورة الشورى, آية 30
2. سورة النساء, آية 79
3. راجع مثلاً: "الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي" للإمام ابن القيم رحمه الله.
87


لباس الجوع والخوف بما كانو يصنعون)(1).
بل يقرر الإسلام أن الهداية والغواية نفسها هي نتيجة لما كسبت يد الإنسان: (والذين اهتدوا زادهم هدى وأتاهم تقواهم)(2), (فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم)(3). ويحدد خطوات عملية للتيسير لليسرى: (فأما من أعطى واتقى, وصدق بالحسنى) (4) إذن: اعمل واتق وبادر, بعد ذلك يأتي التيسير: (فسنيسره لليسرى) (5), وبالمقابل ( وأما من بخل واستغنى , وكذب بالحسنى, فسنيسره للعسرى) (6). إذن أنت المسؤول بتصرفاتك عن أن تيسر لليسرى أو للعسرى.
" البشر ثلاثة أقسام: أناس يجعلون الأمور تحذث, وأناس يشاهدون الأمور وهي تحدث, وأناس لا يعرفون ما يحدث) (مجهول).
ثم يؤكد هذا المعنى أكثر بأن النصر الآتي من عند الله مرتبط بالنصر الذي ينصر به الناس الله , فقال تعالى: (إن تنصروا الله ينصركم)(7). وكذلك فهو يرتب الهداية إلى سبل الله تعالى وطرقه بالاجتهاد في الوصول إليها فقال: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا) (8). فلابد إذن من جهاد النفس ومغالبتها, ومن المصابرة حتى تصل إلى سبل الله وطرقه, واختتم نفس الآية بأن كرر المعنى ثانية وقرر-بأكثر من مؤكد- أن معية الله تعالى مع المحسنين فقال: (وإن الله لمع المحسنين)(9).
1. سورة النحل, آية 112
2. سورة محمد, آية 17
3. سورة الصف, آية 5
4. سورة الليل, آية 5-6
5. سورة الليل, آية 7
6. سورة الليل, آية 8-10
7. سورة محمد, آية 7
8. سورة العنكبوت, آية 69
9. سورة العنكبوت, 69
88



"إذا كنت تعتقد أنك تستطيع أو كنت تعتقد أنك لا تستطيع أنت على حق في الحالين" (هنري فورد)
وبعد تقرير المسؤولية الفردية في حياة الإنسان بهذا الوضوح, والتأكيد وعلى محاور متعددة, يقرر الإسلام مسؤولية الفرد فيما يصيب الجماعة كما في قوله تعالى بعد الهزيمة الكبيرة التي مني فيها المسلمون في غزوة أحد (أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم)(1), ويقول: (ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض)(2) ويقول: (فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفاراً, يرسل السماء عليكم مدراراً, ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهاراً)(3).
ثم يخطوا الإسلام خطوات إضافية عملاقة عندما يحمل الإنسان مسؤولية البيئة وفسادها في مثل قوله تعالى: (ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون)(4). إذن مسؤولية الإنسان الفردية في الدنيا والآخرة في الفكر الإسلامي هي مسؤولية متأصلة في عقيدة هذا الفكر بشكل متكامل وشامل.

تنمية الشخصية المستقلة:
ولقد نزل القرآن الكريم في أمة العرب, وهي أمة قبلية بطبعها, تولى الولاءات الاجتماعية أهمية قصوى. وفي مثل هذه التجمعات يكون الولاء للقبيلة والجماعة أمراً ضاغطاً شديد التأثير والتحكم في الفرد, حتى أنه كثيراً ما يلغي شخصيته ويقودها إلى ما قد لا يريد. وما أصدق التعبير عن هذه العقلية من قول دريد:
1. سورة آل عمران, آية 156
2. سورة الأعرف, آية 96
3. سورة نوح, آية10-12
4. سورة الروم, آية41
89


وما أنا إلا من غزية إن غوت غويت وإن ترشد غزية أرشد
فهنا هو ألغى عقله, وسلب عن نفسه المسؤولية والمحاسبة, وأعطاها كلها للقبيلة. فجاء الإسلام العظيم بإعادة مركز التحكم إلى الإنسان نفسه, وذلك من خلال المسؤولية الفردية, التي ناقشناها على عجل أعلاه, ومن خلال إعادة مركز التحكم إلى عقل الإنسان نفسه وقراراته الشخصية, وهذا عنصر أصيل في هذه العادة المهمة.
قال صلى الله عليه وسلم: "لا تكونوا إمعة تقولون: إن أحسن الناس أحسنا وأن ظلموا ظلمنا, ولكن وطنوا أنفسكم, إن أحسن الناس أن تحسنوا, وإن أساؤوا فلا تظلموا"(1). فالإمعة مثال معبر على الشخصية التأثرية عديمة الفاعلية, والمسلم الحق مثال على الشخصية المسؤولة المبادرة. ومن الطريف أن النبي صلى الله عليه وسلم استخدم عبارة "وطنوا أنفسكم". ففي هذه التعبير إيحاءان في نظري. الأول أنه يقرر ما تحدثنا عنه سابقاً من أن هذه العادات تحتاج إلى ممارسة وتعود وتدريب, وأنها لا تأتي من فراغ, والثاني أن الكثير من هذه العادات مكتسبة وليست أصيلة في الإنسان, وتحتاج إلى تعلم ورعاية وتطوير.
" إن ما هو وراءنا وما هو أمامنا أمور صغيرة, الأمر الأهم من ذلك كله هو ما هو بداخلنا" (أوليفر هولمز)
1. رواه الترمذي, رقم (1930)
90

العادة الأولى - كن مبادراً – المعنى الثاني

الخلاصة
(حتى يغيروا ما بأنفسهم):
ولا أجد شيئاً ألخص به هذا المعنى من هذه العادة أفضل من هذه القاعدة الشرعية العظيمة الجامعة، التي يقرر فيها ربنا عز وجل بوضوح أن التغيير لابد أن يبد من الداخل. يقرر أن التغيير من الوضع السيء إلى الوضع الأفضل لا يأتي إلا إذا سبقه تغيير في الإنسان نفسه والمجتمع نفسه، فإذا حدث هذا التغيير فإن الله تعالى يكافئ عليه بأن يغير الحال العام: (نَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ) (1).وبالمقابل فإن الله تعالى لا يغير الوضع الجيد الحسن الذي أنعم به على أحد من الناس أو أمة من الأمم إلا إا غيروا هم ما بأنفسهم: (ذَ?لِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى? قَوْمٍ حَتَّى? يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ? وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)(2).
هذه سنة الله الكونية والشرعية التي لا تحابي أحداً ولا تجامل مخلوقاً.
___________
3. سورة الرعد، آية 11.
4. سورة الأنفال، آية 53.
91


العادة الأولى - كن مبادراً – المعنى الثاني

الأنبياء والمسؤولية الفردية:
يصور لنا القران الكريم الأنبياء جميعاً وقد تجلت فيهم هذه الخاصية المهمة، وهي خاصية الشعور بالمسؤولية الفردية، فأول ما قاله آدم عليه السلام وزوجه عندما عرفا ذنبهما (قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ)(1)، وأول ما قاله موسى عليه السلام عندما قتل الرجل من بني إسرائيل خطأً: (رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ) (2)، لم يقل موسى استفزني الرجل، لم يقل: لقد قتلوا قومي كذا وكذا، لم يقل: هذه طبيعتي كثير الغضب، بل قال: (إني ظلمت نفسي).
وكذا يونس عليه السلام عندما التقمه الحوت كان من دعائه الخالد: (لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ)(3).


"إليك أشكو ضعف قوتي"
ولقد تجسدت في شخصية النبي صلى الله عليه وسلم كل معاني المسؤولية الفردية، فقد كان صلى الله عليه وسلم حريضاً كل الحرص على هداية الناس، باذلاً في سبيل ذلك الغالي والنفيس. حتى إن الله تعالي لامه على المبالغة في الشعور بالمسؤولية في أكثر من موطن في الكتاب العزيز فقال له: (فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ على آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا)(4)، وقال له في تعبير بديع يدل أعظم الدلالة على مقدار الشعور بالمسؤولية في هذا القلب الكبير: (فلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ
___________
5. سورة الأعراف، آية 23.
6. سورة القصص، آية 16.
7. سورة الأنبياء، آية 87.
8. سورة الكهف، آية 6.

92


العادة الأولى - كن مبادراً – المعنى الثاني

عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ) (1)، وعنما كان النبي صلى الله عليه وسلم يستفرغ جهده في الدعوة ثم لا يصل إلى مراده كان يلوم نفسه أيما ملامة، وكان الله تعالى يهون عليه بأن يذكره أن دوره محدود وأن الهداية بيد الله تعالى: (فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّر،لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ)(2)، وكان يقول له: (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَ?كِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ)(3)، ونجد ذلك في العديد من مواقفه صلى الله عليه وسلم. وإن من أكثرها وهجا موقفه يوم آذاه وطرده أهل الطائف إبان عرض دعوته عليهم. فلما خرج النبي صلى الله عليه وسلم من الطائف وقد بلغ الجهد والألم منه كل مأخذ جلس يستريح في ذلك البستان. وفي تلك الأجواء عطر الجو نشيج عبقري حزين، ودعاء رقراق مصفى قال فيه: "إليك أشكو ضعف قوتي، وقلت حيلتي، وهواني على الناس" إذن هو يعيد المسؤولية على نفسه، ويطلب العون عليها، هو يشعر بأنه هو المسؤول وحده عن نفسه، يحزنه ويعذبه ألا يكون أعظم حيلة وأقوى همة، ثم يقرر بروح إيجابية بلغت الحد الأقصى من المبادرة: "إن لن يكن بك عَلَيّ غضب فلا أبالي"، إذن المسألة ليست في حقيقتها شكوى، وليست تذمراً؛ بل هي حساسية مفرطة، وخوف دفين من أن يكون فرط في الدعوة، وأخل بالمسؤولية. فهل رأيتم روحاً مسؤولة ونفساً مبادرة مثل هذه النفس الزكية وهي تقول هذا الكلام في أضعف حالة من حالاتها.


"هذا بذنبي ويعفو عن كثير"
ولقد انتقل هذا الشعور المتقد بالمسؤولية الفردية إلى أصحابه؛ فضربوا أمثلة سطرها التاريخ بالعجب، فهذا أبو بكر الصديق رضي الله تعالى
___________
9. سورة فاطر، آية 8.
10. سورة الغاشية، آية 22.
11. سورة القصص، آية 65.
93


العادة الأولى - كن مبادراً – المعنى الثاني

عنه يمسك بلسان نفسه فيقول "هذا الذي أوردني الموارد" وهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يصدع بكلماته النورانية الشهيرة: "لو أن بغلة عثرت في أرض العراق لسئلت عنها، لمَ لَمْ أمهد لها الطريق"، ولما سأله معاوية: لماذا لا تنام يا أمير المؤمنين؟ قال: "لئن نمت النهار لأضيعن الرعية، ولئن نمت الليل لأضيعن نفسي، فكيف بالنوم مع هاذين يا معاوية". وهذه عائشة رضي لله عنها تمسك برأسها حال الصداع لتقول: "هذا بذنبي ويعفو عن كثير". شعور عام بأن الانسان مسؤول عن تصرفاته الخاصة والعامة، وأن ما يحدث له هو نتيجة حتمة لتلك التصرفات.
وقد درج العلماء والزهاد والصالحون على في هذه الامة على هذا النهج، وقد رويت عنهم قصصٌ كثيرة، بعضها بلغ حد المبالغة، ولن المعنى الطرد فيها هو شدة محاسبتهم لأنفسهم، وشعورهم العميق بالمسؤولية الفردية، ومن ذلك ماوصفه ابن عربي عن أشياخه قال: "كان أشياخنا يحسبون أنفسهم على ما يتكلمون به ويفعلونه، ويقيدون ذلك كله في دفتر، فإذا كان بعد العشاء حاسبوا أنفسهم، وأحضروا دفاترهم، ونظروا فيما صدر عنهم في قول وعمل، وقابلوا كلاً بما يستحقه"(1). وكان الإمام أبو حنيفة رحمه الله إذا اشكلت عليه مسألة قال لأصحابه: "ما هذا إلا بذنب أحدثته"، وكان يستغفر وربما قام يصلي، فتنكشف له المسألة(2).
___________
12. ذكره المام المناوي في "فتح القدير"، ص67.
13. "طبقات الحنفية" للقاري، ص487.
94












العادة الأولى:
>>كن مبادراً<<


المعنى الثالث:
بادر بالتغيير


95


صفحة فارغة
96


العادة الأولى - كن مبادراً - المعنى الثالث





إن كان ما تنويه فعلاً مضارعاً مضى قبل أن تلقى عليه الجوازم
(المتنبي)

97


صفحة فارغة
98



العادة الأولى - كن مبادراً - المعنى الثالث


إذا اقتنعت معي أن الإسلام يعطي مساحة كبيرة بين الفعل وردة الفعل، ويضع للإنسان حرية اختيار رد فعله على ما يحدث له من خلالعقيدة القضاء والقدر وغيرها كما حاولت أن أبين، وأن الانسان مسؤول عن حياته مسؤولية شاملة، تبين أن المشروع الإسلامي للتغيير لابد أن يبدأ بتغيير الذات. وهو كذلك فعلاً. فإن الله تعالي يقرر في هذه الآية، التي أعتبرها من أعظم قواعد التغيير على الإطلاق، أن التغيير الجماعي لابد أن يبدأ بالتغيير الفردي: (إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ)(1)

((كن في نفسك التغيير الذي تريد أن تراه في العالم حولك)) – نيلسون مانديلا
هذه القاعدة العظيمة نتيجة حتمية لما سبق من الأفكار، فإذا كان ما يحدث للإنسان في حياته، وإذا كان الحساب الذي سيجزى به الإنسان

___________
14. سورة الرعد، آية 11.
99


العادة الأولى - كن مبادراً - المعنى الثالث

بعد مماته كل مبني عل ما كسبت يداه فإن أولى خطوات تغيير أي واقع سيء أو أليم أن تبدأ بتغيير نفسك. هذه نقطة البداية.

نصوص إيجابية
والإسلام العظيم لا يقف عند تبرير هذه الحقيقة العظيمة تقريراً نظرياً؛ بل إنه يحض الناس على التغيير بأخذ الخطوات العملية الإيجابية إليه. وفي الكتاب العزيز تكثر العبارات الإيجابية المغذية لروح العمل والإنتاج والمبادرة: (هُوَ الَّذِي جَعَلَلَكُمُالْأَرْضَذَلُولًافَامْشُوافِيمَنَاكِبِهَاوَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ ? وَإِلَيْهِ النُّشُورُ)(1)، (وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْوَرَسُولُهُوَالْمُؤْمِنُونَ)(2)، (فإذا قضيت الصلاة فانتشروافيالأرضوابتغوا من فضل الله)(3). ويقرر القرآن أن هذا الدين لابد أن يؤخذ بجدية وإيجابية فيقول آمراً نبيه عليه السلام: (يَايَحْيَى?خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ)(4) ولك أن يسرح جسمك في الظلال والأبعاد الكبيرة لهذا الإيحاء المبدع، ويقول صلى الله عليه وسلم: "بادروا بالأعمال، فتناً كقطع الليل المظلم"(5)، ويقول صلى الله عليه وسلم: "استعن بالله ولا تعجز"(6)، ويستعيذ بالله من: "العجز والكسل"(7)، يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوها قبل أن توزنوا".
((لا تتمنى أن تكون ظروفك أسهل، تمنى فقط أن تكن أقوى)) – جيم رون
___________
1. سورة تبارك، آية 15.
2. سورة التوبة، آية 105.
3. سورة الجمعة، آية 10.
4. سورة، آية 12.
5. رواه مسلم، رقم 169.
6. رواه مسلم، رقم (2664)
7. رواه البخاري، رقم (2369)
100


ويبلغ الإسلام آفاقاً جديدة في الإيجابية ووجوب التحرك لتغيير الحال . ففي القرآن الكريم درر في الإيجابية حتى في المعجزات . فعندما أوشكت مريم عليها السلام على وضع عيسى عليه السلام ، أراد الله تعالى أن ييسر لها هذه الولادة المعجزة ، ولكنه أمرها أيضاً أن تهز جذع النخلة فقال : ( وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطباً جنياً)(1). ولا يخفى أن هز جذع النخلة من امرأة تلد لا يظن منه أنه يؤدي إلى تساقط التمر ، ولكنه أمرها بذلك إقراراً لهذه السنة الكونية العظيمة وهي الإيجابية والمبادرة ، فكان لا بد لها أن تعمل شيئاً وإن كان قليلاً وغير مؤثر.
(( إنك ستفشل في مئة بالمئة من الأعمال التي لا تقوم بها )) ( وين كريتسكي )

وكذا في قصة موسى عليه السلام عندما ضرب البحر بعصاه فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم ، فإن عاقلاً لا يشك في أن ضربة موسى بالعصا في ذاتها لم تؤثر في انشقاق البحر ، الذي تم بمعجزة إلهية ، ولكنه – مرة أخرى – إقرار بهذه السنة الكونية العظيمة ، وتذكيراً بالأخذ بالأسباب . ويجرى النسق مضطردًا في قصة أيوب عليه السلام عندما أمره الله تعالى بأن يفعل شيئاً بسيطًا وهو أن يضرب برجله الأرض ، فكانت هذه النتيجة العظيمة أن تفجرت الأرض بالماء ، ( اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب)(2) ، فأمره بأن يقوم بجهد ولو كان رمزياً مع ما كان فيه من المرض الذي بلغ منه كل مبلغ .
(( هناك شيء واحد في هذا الكون يمكنك أن تثق بأنك تستطيع تحسينه بالتأكيد ، هذا الشيء هو أنت )) ( ألدوس هكسلي )
(1) سورة مريم آية25
(2) سورة ص, آية 42
101


(يا أيها المدثر ):
وهذا مقطع من القرآن مثير . يمكن أن يساق كمثال على الحس الإيجابي المبثوث في القرآن . نزلت هذه الآيات في أوائل ما نزل من القرآن الكريم . جاءت بعدما نزل الوحي على النبي صلى الله عليه وسلم ؛ فزلزل كل ذرة من ذرات كيانه الشريف ، وحول حياته ؛ بل حياة البشرية والكون والوجود إلى شيء آخر . إنه الحدث الأكبر في التاريخ الإنساني . جاء النبي صلى الله عليه وسلم إلى خديجة ينتفض من الذعر والخوف يقول : (( زملوني زملوني ، دثروني دثروني )). هنا علم الله تعالى أن نبيه بحاجة إلى جرعة عالية من الإيجابية والتشجيع ، فنزلت هذه الآيات العجيبة القصيرة في مبناها ، العظيمة في معناها ، النابضة بالإيجابية والحركة والعمل والمجاهدة والمدافعة . لم تكن هذه الآيات طبطبة على هذا القلب المذعور ، لم تكن طمأنة سلبية لهذه النفس الخائفة ؛ بل كانت مجموعة من الأعباء الثقال والمهمات الجسام والعمل المستمر المضني . أطرق سمعك لهذا السيل الجارف من الإيجابية والمبادرة : ( يا أيها المدثر ، قم فأنذر ، وربك فكبر ، وثيابك فطهر ، والرجز فاهجر ، ولا تمنن تستكثر ، ولربك فاصبر )(1) .

سباق مستمر :
ومن معاني المبادرة ن المسابقة إلى الخير والمسارعة إليه . وهذا معنى إسلامي أصيل مبثوث في كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم . ففي الكتاب العزيز إطلاق لصفارة البدء في سباق عظيم كبير إلى الجنة : ( سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض أعدت للذين آمنوا بالله ورسله )(2) ، وفيه تحميس وتشجيع إلى بذل أقصى الجهد في هذا السباق : ( وسارعوا إلى مغفرة من ربكم

(1) سورة المدثر آية 1-7
(2) سورة الحديد آية 21
102


وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين )(1)وفيه أمر بالتنافس : ( وفي ذلك فليتنافس المتنافسون )(2) وفيه وصف للفائزين : (أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون )(3) وتكريم للفائزين في السباق بوصفهم ب : ( السابقون السابقون )(4) . وفي السنة إشارات كثيرة إلى الخطط الفنية والمهارات العملية للفوز بالسباق : (( بادروا بالأعمال ستا : طلوع الشمس من مغربها ، أو الدخان ، أو الدجال ، أو الدابة ، أو خاصة أحدكم ، أو أمر العامة ))(5) . وفيها تأصيل معاني السبق في الأمة ، وتعويد لها على المبادرة والتأهل : (( أنا سابق العرب ، وصهيب سابق الروم ، وبلال سابق الحبشة ، وسلمان سابق الفرس ))(6) . إذن فالجو كله مشحون بالإيجابية والتنافس والحركة والنشاط .

لك صدقة :
عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( تبسمك في وجه أخيك لك صدقة ، وأمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر صدقة ، وإرشادك الرجل ي أرض الضلال صدقة ، وبصرك للرجل الرديء البصر لك صدقة ، وإماطتك الحجر والشوكة والعظم عن الطريق لك صدقة ، وإفراغك من دلوك في دلو أخيك لك صدقة ))(7) . فهل سمعتم بدين أوثقافة هما أكثر إيجابية ومبادرة من هذا الدين العظيم ؟
(( إن شعاعا واحدا من الشمس يكفي لطرد الظلمة )) ( فرانسيس إسيس)
1. سورة آل عمران آية 133
2. سورة المطففين اية 26
3. سورة المؤمنون آية 61
4. سورة الواقعة آية 10
5. رواه مسلم رقم (5240)
6. رواه الحاكم والطبراني
7. رواه الترمذي. رقم (1879), وصححه الألباني
103


وفي الإسلام لا عذر مطلقا للبطالين الذين يدعون أنهم لا يمكنهم أن يقدموا شيئا ؛ فعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال : (( قال النبي صلى الله عليه وسلم : على كل مسلم صدقة ، قالوا : فإن لم يجد ؟ قال : فيعمل بيده فينفع نفسه ويتصدق ، قالوا : فإن لم يستطع أو لم يفعل ؟ قال : فيعين ذا الحاجة الملهوف ، قالوا : فإن لم يفعل ؟ قال : يأمر بالخير أو قال بالمعروف ، قالوا : فإن لم يفعل ؟ قال : فيمسك عن الشر فإنه له صدقة ))(1) . فلا مفر من أن تتصدق بحر مالك فتعمل في الإغاثة والأعمال الخيرية ، أو تلتفت إلى عمل مهني حرفي تنفع به نفسك ومن حولك ، أو تنشط في الدعوة وتعليم الناس الخير ، أو تعين الملهوف ، فإن لم تستطع أن تقوم بأي شيء فلا أقل من أن تكف أذاك عن الناس . وكذلك يعلمنا الإسلام ألا نحتقر أي عمل إيجابي مهما كان صغيرا في أعيننا فيقول الله تعالى ( فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره )(2) ويقول صلى الله عليه وسلم : (( لا تحقرن من المعروف شيئا ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق ))(3).

فليغرسها !
والإسلام دين عملي ، يأمر الإنسان أن يستفرغ جهده فيما يستطيع وجعل هذا الأمر هو مناط التكليف ، العمل وليس النتائج . فإن الإنسان إذا قام بالعمل على الوجه التام الكامل ثم لم يرد الله تعالى أن تتحقق النتائج ؛ فقد أعذر إلى الله وحاز على الأجر ورفع عنه الوزر . وفي هذا المعنى العظيم يطلع علينا حديث عظيم أعتبره القمة في إيجابية الإسلام وروحه المبادرة التي لا يقف أمامها شيء والتي أتحدى أي حضارة أخرى أن تكون قد قاربتها فضلا عن أن تصل إليها ، يقول النبي صلى الله
1. رواه البخاري , رقم(1353)
2. سورة يوسف آية 8,7
3. رواه البخاري في الأدب المفرد وابن حبان والترمذي وصححه الألباني
104


عليه وسلم : ((إن قامت القيامة ، وبيد أحدكم فسيلة ، فإن استطاع ألا تقوم حتى يغرسها فليغرسها ، فله بذلك أجر ))(1) ، فتأمل حال الناس يوم القيامة ، ذلك اليوم الذي تذهل فيه المرضعة عما أرضعت ، وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وماهم بسكارى ، اليوم الذي يفر فيه المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه ، في هذا اليوم العظيم والهول الجسيم ، يحضنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نقوم بهذا العمل الإيجابي البسيط الذي يستحيل عقلا أن يثمر عن أي شيء في واقع الأمر المفضي إلى النهاية الوشيكة ، ولكنه والله أعلم قبل أن يكون غرسا للفسيلة في أرض المحشر والقيامة تقوم ، فهو غرس لفسيلة المبادرة في نفس المسلم وفي روح الأمة وهي في الحياة الدنيا ، هو غرس لفسيلة العمل الإيجابي في كل الظروف وطرد بائن لنفسية الانهزامية والسلبية .
((إن أفضل وقت لغرس شجرة تستمتع بها الآن كان قبل عشر سنوات ، وثاني أفضل وقت لغرس الشجرة هو الآن )) . ( مثل صيني )
مجتمع منتج
وفي الإسلام حض مستمر على العمل والإنتاج . ففي باب كسب القوت يقول صلى الله عليه وسلم : (( من أمسى كالا من عمل يده أمسى مغفورا له ))(2) ، وقال : ((لأن يحتطب أحدكم حزمة على ظهره خير له من أن يسأل أحدا فيعطيه أو يمنعه ))(3) . وقد كان أفضل الأمثلة في ذلك الأنبياء عليهم السلام إذ تميز كل منهم بوظيفة أو حرفة يأكل
1. رواه أحمد, رقم(12512) والبخاري في "الأدب المفرد". وقال الألباني: صحيح على شرط مسلم
2. رواه الطبراني
3. رواه البخاري. رقم (2201)
105


منها إضافة إلى مهمته ووظيفته الأصلية في البلاغ عن رب العالمين . وقرر الإسلام في باب الكسب أن المبادرة والعمل والإيجابية أفضل من الاعتمادية والاتكال ؛ فقال صلى الله عليه وسلم : (( اليد العليا خير وأحب إلى الله من اليد السفلى ))(1) . وهذا الحديث عام في أن المبادر خير من المتخاذل ، والمعطي خير من الآخذ ، و المنتج خير من المستهلك ، والباذل خير من العالة . وكذلك في الشؤون الاجتماعية : (( المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم أعظم أجرا من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم ))(2) .
وفي الإسلام ، لا يعتبر التواضع الخوف من الرياء سببا وجيها في التخلف عن الريادة والمبادرة . فهذا نبي الله يوسف عليه السلام يتقدم مبادرا واثقا من نفسه : ( اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم )(3) .
(( الذين لا يخطئون لم يجربوا شيئا جديدا ذا قيمة )) ( إينشتاين )
1. رواه البخاري. رقم (1338)
2. رواه ابن ماجه رقم (4022) والترمذي رقم (2431)
3. سورة يوسف آية 55
106


تطبيقات هذا المعنى
الأنبياء المبادرون
يصور القرآن الكريم الأنبياء جميعا وقد تجلت فيه بوضوح صفة الإيجابية والهمة العالية وروح المبادرة ، فالله تعالى يصف داوود بهذا الوصف العجيب الموحي : ( اصبر على ما يقولون واذكر عبدنا داوود ذا الأيد إنه أواب ) . وفي التعبير : ( ذا الأيدي ) إيحاء دقيق إلى أنه كان كثير العمل ، دؤوبا ، متعدد الجهود ، له في كل ميدان يد وعمل وجهد . ثم عمم الله تعالى هذا الوصف لعدد كبير كمن الأنبياء في موضع آخر فقال : (أولي الأيدي والأبصار ) . ففي هذه الآية الجامعة وصف الله تعالى هؤلاء الأنبياء العظماء بصفتين هما في الحقيقة مصدران من مصادر العادة الأولى والثانية من عادات كوفي ، الأولى هي صفة المبادرة والإيجابية المتمثلة في وصف (( ذي الأيدي )) ، والثانية هي صفة تحديد النهاية وامتلاك رؤية بعيدة المدى ، المعبر عنها بصفة ذوي (( الأبصار )) . ووصف الله تعالى نبيه إبراهيم عليه السلام بأوصاف إيجابية عالية منها : (( إن إبراهيم كان أمة)) ، كان أمة بإخلاصه وجهده وهمته . وقد كان يوسف عليه السلام مبادرا إيجابيا عندما طلب الوزارة بقوله : ( اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم ) . وليس أفضل من خاتمة لهذه الفقرة مما وصف الله به المبادرين من أنبيائه بقوله : ( فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل ).
(( إن أكثر إنسان إعاقة في هذا العالم هو صاحب التفكير السلبي )) (جوان لونديل )
107


وقد كان نبينا صلى الله عليه وسلم سيد المبادرين وزعيم الإيجابيين . وتتبع صور مبادراته المتعددة يخرج بنا عن مبتغانا وهوالتمثيل وليس الاستقصاء ، وقد ذكرنا طرفا من ذلك في الفقرات الماضية . ولكني أذكر هنا قصة جميلة في مبادرته صلى الله عليه وسلم حتى في بعض الأشياء التي قد يكفيه غيره منها حيث روى البخاري أنه كان في المدينة فزع ، فركب النبي صلى لله عليه وسلم ثم خرج يركض وحده ، فركب الناس يركضون خلفه ، فاستقبلهم وهو يقول : (( لم تراعوا ، لم تراعوا )) . ومن الطريف أن الإمام البخاري رحمه الله بوب لهذا الحديث بقوله : (( باب مبادرة الإمام عند الفزع )) .

مبادرون آخرون
ولم يكتف القرآن بذكر أخبار مبادرات الأنبياء الكرام عليهم السلام ، بل حدثنا عن أتباع الأنبياء من الصالحين المصلحين ، وحدثنا عن قصصهم في المبادرة والإيجابية . فحدثنا مثلا عن قصة مؤمن آل فرعون في سورة غافر وحدثنا عن قصة الرجل الصالح الذي وعظ أصحاب القرية في سورة يس ، بل حكى لنا القرآن قصة إيجابية طريفة عن الجن الذين استمعوا إلى القرآن من النبي صلى الله عليه وسلم فما لبثوا أن عادوا إلى قومهم دعاة إلى الله تعالى . ولم يكتف القرآن بذلك فضرب لنا قصصا إيجابية غاية في الروعة والتحدي ، فحكى لنا قصصا إيجابية عن بعض الحيوانات والدواب.حكى لنا مثلا قصة تلك النملة الشجاعة التي أنقذت قومها من أن يهلكهم جيش نبي الله سليمان فقالت : ( يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون ).
108


وحكى لنا في السورة نفسها قصة الهدهد المبادر الذي أتى بخبر ملكة سبأ دون أن يطلب منه ذلك أحد (فمكث غير بعيد فقال أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبإ بنبإ يقين ) . وبهذا نجد أن هذا القرآن المعجز لم يدع وسيلة إلا وحضنا بها على المبادرة والإيجابية .
(( لن تستطيع أن تبني سمعة جيدة على ما تنوي القيام به ولكن على ما قمت به فعلا )) ( هنري فورد )

((وماذا أعددت لها ؟)):
وقد اهتم الإسلام بالعمل الدؤوب الإيجابي الذي تنعكس آثاره على الإنسان والمجتمع دون إضاعة الوقت في التنظير المطول والسفسطات الفكرية العقيمة ، ومن أمثلة ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان جالسا يوما ما فجاءه أعرابي فقال : متى الساعة ؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم : (( ما أعددت لها ؟ )) . إذن المهم في نهاية الأمر ماذا قدمت أنت . ففي هذا الموقف أخرج النبي صلى الله عليه وسلم هذا الأعرابي من دائرة الاهتمام ( أريد أن أعرف متى الساعة ) إلى دائرة التأثير ( ماذا أعددت لها أنت ) . وفي مواضع أخرى كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلق على موعد قيام الساعة بأمور عملية يحذر منها في مثل قوله : (( إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة )) ، كل ذلك غرضه تحويل النفسية المترهلة المتربصة لقدوم الساعة حتى تجتهد قبلها فقط إلى موعد غير معروف دافعا على العمل الإيجابي والسعي الحثيث ، وتحويل المسألة من مسألة توقعات وإرهاصات مستقبلية إلى أمر دافع إلى العمل الجاد الدؤوب.

109


وقد كان هذا ديدن النبي صلى الله عليه وسلم في شتى شؤونه ، فكان صلى الله عليه وسلم يدعو بهذا الدعاء فيقول : (( اللهم إني أعوذ بك من قلب لا يخشع ، ودعاء لا يسمع ، ومن نفس لا تشبع ، ومن علم لا ينفع )) . وقد أدرك الصحابة الكرام هذا المعنى الدقيق ؛ فكان اهتمامهم بمقتضيات العلم والفكر من العمل والإنتاجية أكبر من اهتمامهم بالتنظير الفكري فحسب وتجميع المعلومات ، فعلى سبيل المثال ، كان أبو الدرداء رضي الله عنه يقول : (( إن أخوف ما أخاف إذا وقفت على الحساب أن يقال قد علمت فماذا عملت فيما علمت )) ، وكان الحسن رضي الله عنه يقول : (( الذي يفوق الناس في العلم جدير بأن يفوقهم في العمل )) ، ومن تمام تمسكه بهذا المعنى العظيم وتذكيرا لنفسه به فقد كان نقش خاتمه رضي الله عنه (( علمت فاعمل )) . لخص الإمام الشاطبي هذه المسألة بقوله : (( كل مسألة لا ينبني عليها عمل فالخوض فيها خوض فيما لم يدل على استحسانه دليل شرعي )) .

((أنا يا رسول الله )):
انظر مثلا إلى شخصية مبادرة عجيبة هي شخصية أبي بكر الصديق رضي الله عنه . انظر إليه مثلا في يوم عادي جدا من أيامه المباركة ، حيث جلس النبي صلى الله عليه وسلم مع أصحابه قبل أن ينتصف النهار وأخذ يسامرهم ويسألهم : (( من أصبح منكم اليوم صائما؟ قال أبو بكر : أنا ، قال : فمن تبع منكم اليوم جنازة ؟ قال أبو بكر : أنا ، قال فمن أطعم منكم اليوم مسكينا ؟ قال أبو بكر : أنا ، قال : فمن عاد منكم اليوم مريضا ، قال أبو بكر : أنا ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : ما اجتمعن في امرئ إلا دخل الجنة )) ، فلله درها من نفس مبادرة منجزة سباقة إلى الخير ، أنجزت كل هذه الأعمال قبل أن ينتصف النهار .
110


((ربما يخيب أملك إذا فشلت ، ولكنه حتما سيخيب إذا لم تحاول أصلا)) . ( بيفيرلى سيلز)
والأمثلة في مبادرة السلف الصالح وهمتهم في طلب العلم وفي العبادة وفي أمور الدنيا أكثر من أن تذكر ، وبعضها بلغ الذروة في الإعجاز حتى لكأنه من ضرب الخيال . وأكتفي هنا بإشارات عابرة . ففي مجال طلب العلم الشرعي خذ مثلا وصف ابن عباس رضي الله عنه لنفسه يقول: « وإن كان ليبلغني الحديث عن الرجل فآتيه وهو قائل ، فأتوسد ردائي على بابه ، فتسقي الريح على وجهي التراب فيخرج فيراني فيقول : يا ابن عم رسول الله ، ما جاء بك ؟ ألا أرسلت إلي فآتيك ، فأقول : لا أنا أحق أن آتيك » رواه الدارمي.
وكان أبو حاتم رحمه الله يصف رحلته في طلب الحديث فقال : « أحصيت ما مشيت على قدمي فكان زيادة على ألف فرسخ ، ثم تركت العدد بعد ذلك وقد والله خرجت من البحرين إلى مصر ، ثم إلى الرملة ، ثم إلى دمشق ، ثم أنطاكيا وطرسوس ، ثم رجعت إلى حمص ، ثم إلى الرقة ، كل ذلك ماشيا ، وكان هذا في سفري الأول وأن ابن عشرين سنة أطلب الحديث » .
وفي وصف جامع مذهل يصف إبراهيم الحربي شيخه الإمام أحمد رحمه الله حيث فيقول : « لقد صحبت الإمام عشرين سنة صيفا وشتاء حرا وبردا ليلا ونهارا ، فما لقيته في يوم إلا وهو زائد عليه بالأمس » ، فاملأ فؤادك عجبا من هذا السعي الحثيث إلى الكمال .
111


صورتان متقابلتان:
وفي نهاية هذه النقطة أود أن أقارن بين مثلين اثنين ذكرا في القرآن والسنة؛ مثل للشخصية المؤمنة الإيجابية المبادرة، ومثل للشخصية السلبية المعذارة. فأما مثل الشخصية المبادرة فالأنصار يوم بدر عندما جس نبضهم النبي صلى الله عليه وسلم بكلمته قبل المعركة ، يستشف استعدادهم للمعركة فقال صلى الله عليه وسلم : « أشيروا علي أيها الناس » ، فقام سعد بن معاذ حامل لواء الأنصار رضي الله عنه فقال : " والله لكأنك تريدنا يا رسول الله . . . فامض يا رسول الله لما أردت ، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد ، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدا ، إنا لصبر في الحرب صدق في اللقاء ، ولعل الله يريك منا ما تقر به عينك ، فسر بنا على بركة الله ". استعداد تام وإيجابية مطلقة وإقدام من غير تردد . ونجد في المقابل مثل بنى إسرائيل الذين قالوا لنبيهم : ( قالوا يا موسى إن فيها قوما جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون ) سورة المائدة آية 22 . اذهب أنت فأنت المسؤول عنا وسوف ننتظرك والله معك !
« إن أكبر نعمة في هذه الدنيا هي أن يتاح لك أن تعمل بجد في مشروع تحبه ويستحق العناء» (روسفيلد)
هلا كنت الطائر المبصر؟
أحب أن أختم هذه النقطة بقصة طريفة ، مليئة بالمعاني ، مفعمة بالإيجابية والمبادرة . مختصر هذه القصة أن تاجرا صالحا تقيا سافر في رحلة تجارية يوما ما ، وبينما هو يستريح في شعب هادئ من الطريق. وبعد صلاة الفجر والتاجر يردد أذكار الصباح رأى طائراً جميلاً. فأخذيقترب منه يتأمله ، ولاحظ أن الطائر لا يتحرك مهما اقترب منه ، ثم تبين له بعد طول تأمل أن الطائر في الحقيقة أعمى .
112


وسرح التاجر في تأمل عميق وتساؤل محير: كيف يأكل هذا الطائر المسكين وكيف يعيش دون بصر؟! وبعد قليل، جاء طائر آخر وجمع ما استطاع من الحب، وأطعم هذا الطائر الاعمى ثم سقاه. تعجب التاجر من هذا المشهد أيما تعجب وأثر في نفسه أيما تأثير، فقال: ان كان الله تعالى قد تكفل بإطعام هذا الطائر الأعمى ولم ينسه فلم العناء والسفر والسعي في طلب الرزق ؟ لم أخرج من بلدي وأتغرب وأنا في هذا السن ؟ فقرر عند ذلك أن يعود أدراجه إلى قريته ولا يسافر للتجارة بعد ذلك أبدا . وحين وصل إلى بلده مر على شيخه يزوره، وقص عليه قصة الطائر الأعمى، وذكر له ما تركته في نفسه من الأثر؟ قال الشيخ الذي كان يجمع بين العقل والصلاح للتاجر: يا بني ، هلا كنت الطائر المبصر ! !
وبعد القصة، غصة:
إن عجبي لا ينتهي من هذا الكم الهائل من الإيجابية وروح المبادر التي اكتظت بها النصوص الشرعية والمفاهيم الإسلامية، وكيف أنها ترجمت إلى روح متحررة إيجابية قوية ومؤثرة في حياة الرعيل الأول والعظماء من المتأخرين، ثم يتزايد عجبي عندما أرى ما أصابنا في العصور المتأخرة من البعد البين عن هذه المعاني . لقد تحولت تلك المعاني الإيجابية المؤثرة إلى أعذار يتعذر بها الناس ، فبدلا من أن تحرك عقيدة القضاء والقدر في المسلم معاني الصبر والإنابة والدعاء والتوبة والتصحيح والمراجعة والإقدام والشجاعة ، أصبحت ذريعة إلى ترك العمل وإهمال النفس بحجة أن كل شيء مقدر مسبقا ، وبدلا من أن تدفعنا عقيدة التوكل إلى الأخذ بالأسباب وعمل القلب في الاعتماد
113


على الله وحده وعمل الجوارح في سعي حثيث للتغيير ، أصبحت عبارات جوفاء تلوكها الألسن دون أن يكون لها في واقع الأمر تأثير ، تماما مثل ما حدث مع التاجر الذي سقنا قصته آنفا . هذه الجبرية الحديثة والقدرية المتأخرة هي من أهم أسباب تخلف أمتنا في هذا العصر.
انظر مثلا إلى عقلية ردة الفعل التي سيطرت على حياتنا ، انظر إلى نظرية المؤامرة التي تضخمت في حياتنا بشكل شلت معه كل إراداتنا ، حتى أصبحن نتوهم أن أعداءنا . أو من نصبناهم أعداء لنا يتسمعون لدقات قلوبنا ويتحكمون فيها، ويتسللون بين جلودنا ولحومنا ليؤثروا فينا، وأنهم قد امتلكوا حياتنا كلها فلم يبقوا لنا حيلة، انظر إلى السلبية القاتلة في المواطن المسلم المقهور ، الذي لا يشعر أبدا بالمسؤولية عن أي شيء في حياته ، فمزاجه العصبي وراثة ، وفشله في حياته العملية بسبب الحكومة ، وانحراف أولاده بسبب فساد الزمن ، وفقره بسبب غلاء الأسعار ، وتخلف مجتمعه بسبب القوى الغربية . . . . وقائمة من المعاذير المعروفة التي مللنا منها. إننا لا ننكر أن كل هذه العوامل ساعدت وهيأت للنتائج السيئة التي نتلظى بويلاتها الآن، ولكننا نعتقد تديناً وعقلا أننا نحن مسؤولون مسؤولية مباشرة عن حياتنا، وأن شيئا لن يتغير حتى ندرك هذه الحقيقة المرّة ونبدأ بالتغيير من أنفسنا، عندها فقط سوف يغير الله حالنا .
إذا أظمأتك أكف اللثام كفتك القناعة شبعاً وريا
فكن رجلا رجله في الثرى وهامة همته في الثريا
أبيا لنائل ذي ثروة تراه بما في يديه أبيا
فإن إراقة ماء الحياة دون إراقة ماء المحيا
114


العادة الثانية:
« ابدأ والنهاية في ذهنك »
قال الله تعالى: ( ولتنظر نفس ما قدمت لغد ) .
( سورة الحشر )
115


صفحة فارغة
116


أريد من زمني ذا أن يبلغني ما ليس يبلغه من نفسه الزمن
( المتنبي )
117


صفحة فارغة
118


ملخص هذه العادة :
هذه العادة هي عادة الريادة ، هي العادة التي تسيطر على جميع العادات الأخرى ، هي العادة التي يتمحور حولها سبب وجودك في الحياة ومعنى الحياة بالنسبة إليك .
بعدما تقرر لديك في العادة الأولى أنك مسؤول عن حياتك وبيدك أنت - بعد الله تعالى . مفاتيح تغييرها، ومن ثم لا بد أن تبادر إلى هذا التغيير عاجلاً غير آجل، لا بد هنا أن تتوقف لتسأل نفسك عن وجهة هذا التغيير ونتيجته. ان حياتنا ونهايتنا فيها مرتبطة ارتباطا وثيقا بأفكارنا، ولذلك لا بد أن تسأل نفسك هذا السؤال الضخم العظيم: ماذا أريد من الحياة؟ ما الأشياء التي تعنى لي الكثير؟
يشبه كوفي هذه القاعدة بالبوصلة التي تدلك دائما على الشمال باعتباره الاتجاه الذي تريد ان تسير فيه ، فإذا ضاعت البوصلة وفقدت الاتجاهات فلا أمل بعد ذلك في أي تغيير ذي بال .

" معظم الناس لا يدرون ما الذي يحدث ، بعض الناس ينظرون إلى الأشياء كما هي ويتساءلون لماذا ؟ أنا أحلم بالأشياء التي لم تحدث بعد وأتساءل : لم لا" ( برنارد شو )
119


في هذه القاعدة لا بد أن يجلس الإنسان مع نفسه جلسة مصارحة عميقة يحدد فيها بشكل عام سبب وجوده ومعنى حياته ، ويحدد في بادئ الأمر رسالته في الحياة ، التي هي عبارة عن جملة مختصرة مركزة توضح الهدف العام من حياة الإنسان . هذه الرسالة لا بدّ أن تكون نابعة منه هو ، إذ لا يمكن لأحد أن يكتب لك رسالتك في الحياة والا فقدت كل معنى . لا بد أن تكون هذه الرسالة نابعة منك أنت وممثلة لرغباتك أنت، ثم لا بد أن تكون قصيرة مركزة، وأن تكون شاملة وليست مختصة بجانب واحد من الحياة دون الآخر. لا بدّ بعد ذلك لهذه الرسالة أن تكون محمسة حافزة لك إلى تحقيقها ، فإذا ضاقت بك السبل وفتر منك العزم تذكرت رسالتك في الحياة ؛ فاتقدت نفسك حماسا وتوهجت همتك من جديد.

"الكثير من الفاشلين أناس لم يدركوا كم كانوا قريبين من النجاح عندما استسلموا" ( أديسون)

وكتابة رسالة الإنسان في الحياة أمر قد يكون صعباً خاصة على الشباب في مقتبل العمر، ومما يساعد على تصورها وصياغتها أن يسأل الإنسان نفسه أسئلة عامة من جنس : تخيل نفسك بعد عشرين سنة من الآن ، كيف تحب أن تكون وتكون الحياة من حولك ؟ لو قيل لك أنك تموت بعد أسبوع ، ما هي الأشياء التي تحب أن تقوم بها في هذا الاسبوع ؟ ما هي أهم خمسة أشياء في حياتك ؟ من هو قدوتك في الحياة من الأشخاص التاريخيين ومن الأحياء ولماذا أنت معجب به ؟ تذكر آخر مرة كنت فيها في منتهى السعادة والانشراح ، ماذا كان السبب ؟ تخيل لو بعد عشر سنوات من الآن أراد صحافي أن يكتب عنك تحقيقاً صحافياً وفي أثناء هذا التحقيق قابل أحد أصدقائك ، وقابل والديك ، وقابل أحد زملائك في العمل ، ماذا تحب أن يقال عنك في هذا التقرير ؟ ما هو الشي الذي تتقنه فعلا ؟ ما الشيء الذي تحب أن تعمله كثيرا لدرجة أنك
120


مستعد لان تدفع مالا حتى يسمح لك بعمله ؟ ما الشيء الذي تحب ان تعمله ويحتاج اليه الاخرون ؟ . ان الاجابة المتأنية العميقة لهذه الاسئلة الجوهرية وامثالها سيساعدك كثيرا في معرفة غايتك من الحياة , ومعناها الحقيقي بالنسبة اليك ,وبعد ذلك التقط اهم هذه المعاني وصغها في عبارة واحد مختصرة ومركزة ومحفزة . ولا باس في ان يراجع الانسان رسالته في الحياة كل فترة ,فيضيف عليها ويحذف منها .
((اذا كنت بنيت قصورا في الهواء ,فان عملك لم يضع, فهذا هو المكان الذي يجب ان تكون فيه خذه القصور ,ما عليك الان هو ان تضع تحتها الاساسات )) (هنري ثورو )
وبعد كتابة رسالتك في الحياة انتقل الان الى كتابة ادوارك في الحياة .ما الادوار التي تقوم بها الان: اب , اخ, ابن, صديق, موظف, مدرس ... ؟ حدد جميع هذه الادوار بدقة .بعد ذلك حدد اهدافك الكبرى التي تريد في دورك كابن يمكن ان يكون هدفك الاساس هو ان اكون بارا بوالداي في جميع الاوقات ,وفي دورك كموظف: ان اؤدي عملي بإتقان وبتميز , هذه اهداف عامة ,اكتبها في كل دور من ادوار حياتك .
بعد ذلك تأمل وقياسها. من هذه الاهداف وفرع عليه اهدافا اجرائية قصيرة المدى توصلك الى الهدف الاساسي. هذه الاهداف الاجرائية لابد ان تتوفر فيها صفات معينة , منها ان تكون:
1 . محددة : اذ لابد ان تكون واضحة , فالأهداف الغامضة المطاطة يصعب تحقيقها وقياسها . وفي هذا الصدد يوصي كوفي وغيره من الكتاب ان تكون هذه الاهداف مكتوبة , لان الكتابة عادة تؤدي الى مزيد من تحديد الهدف وبلورته
2 . واقعية: فالأهداف المستحيلة التي نسجها الخيال بعيد عن الواقع غالبا ما تصيب الانسان بالإحباط ؛ اما لأنها خارجة عن قدرته بالمرة , او
(121 )


لان العوائق خارجة عن ارادته تقف دونها .
3 . طموحة : وبالمقابل فان الاهداف لابد ان تكون طموحة , لابد ان تدفع بحدود الطاقة شيء ما , وان تتوفر فيها الاثارة وتحدي . لا مانع من ان تكون بعض احلامنا احلاما تدغدغ مشاعرنا , وتستثير هممنا على الا تطغى على النصيب الاكبر من الاهداف .
يقول تود لورنس : (( هناك نوعان من الحالمين , هناك الذين يحلمون بالليل وهؤلاء يستيقظون ليجدوا احلامهم ذهبت ادراج الرياح , وهناك الذين يحلمون بالنهار وهؤلاء هم الاخطر ؛ لانهم يمكنهم ان يحولوا احلامهم هذه الى واقع )) .
((لا يمكن ان تستهلك خيالك , كلما استخدمته اكثر ازدهر اكثر )) ( مايكل انجل )
4 . مقيدة بمدة زمنية : لابد حتى يكون الهدف معنا واقعي ان يرتبط تحقيقه بمدة محددة , والا فانه لا يعدو ان يكون فكرة او امنية .
(( الفرق بين الحلم والهدف ليس الا ان الهدف حلم صاحبه موعد تنفيذ )) ( جاي جريفيث )
5 . المتابعة : لابد ان يكون هناك نوع من المحاسبة والمتابعة التي تقيم لنا مسيرنا نحو الهدف المنشود , وقربنا منه , والعوامل المساعدة على ذلك , وكذلك العوامل المثبطة عنه . فعلى سبيل المثال , اذ كان حد اهدافك العامة تحت دور "ابن" ان "تكون بارا بوالدتك في جميع الاحوال ",فمن الممكن ان يكون بعض اهدافك الفرعية ما يلي مثلا: ان ازور امي مرة في الاسبوع على الاقل , ان احادثها بالهاتف مرة كل يوم , وان اشتري لهادية مرة في الشهر .
واذ كان هدفك العام تحت دور موظف "ان اكون افضل موظف في القسم ", فمن الممكن ان تكون بعض اهدافك الفرعية الموصلة لهذا
(122 )


الهدف العام ان احضر دورة تدريبية في الصيف في مجال تخصصي , ان اتعرف على فلان من الناس خلال شهرين , ان اقرأ الكتاب المحدد خلال اسبوع وهكذا. وكما تلاحظ في هذه الاهداف الفرعية انها محددة , وواقعية , وطموحة , ومقيدة بزمن .ثم لابد من تحديد موعد للمتابعة الاسبوعية لتأكد من تحقيق هذه الاهداف .
بعد تحديد الاهداف العامة والخاصة في كل دور من ادوار الحياة , يأتي تنظيم الحياة اليومية وفقا لهذه الاهداف, وهذا مضمون العادة الثالثة . ولكن كوفي ينبه الى نقطة مهمة جدا وهي انه ينصح بان يكون التنظيم الوقت-او تنظيم النفس في الوقت المتاح – اسبوعيا وليس يوميا . لابد ان يحدد الانسان يوما في الاسبوع يضع فيه الخطة العامة لذلك الاسبوع. هذه النظرة عبرة سبعة ايام تعطي الانسان الفرصة لان يوازن بين ادواره في الحياة ,ويلاحظ نسبها وطغيان بعضها على بعض الاخر , هذه النظرة تمكنه من التكامل بين جميع ادواره في الحياة .
" " لا يكون الانسان (عجوزا) حتى تزيد حسراته عن احلامه " " (جون باريمور )
ثم ينصح كوفي بعد ذلك بان يكون للإنسان دقائق في اول كل يوم يرجع فيها مشاغله ومسؤولياته ذلك اليوم ,ويعد نفسه لها . وبنظر الى الامثلة التي سقناها سابقا عن بر الوالدة وتطوير الوظيفة , يمكن ان تحدد في راس كل اسبوع الوقت المحدد الذي ستكلم فيه الوالدة يوميا , والوقت المحدد الذي ستزورها فيه اسبوعيا . ثم تحدد وقتا للقيام بالترتيبات الخاصة بدورتك التدريبية ,وتحدد موعد ومكان التعرف على زميلك, وتحدد عدد الصفحات التي سوف تقرؤها كل يوم فيذلك الكتاب. وبهذا تقسم الاعمال الكبيرة الى اجزاء صغيرة يمكن التعامل معها وتنظيمها, تحدد للإنسان وجهته وتضمن له تحقيق الكثير
(123 )


من اهدافه . فهو وهوا يضع راسه على الوسادة في اخر اليوم يعرف بالضبط اين هو من تحقيق اهدافه وما المطلوب منه يوم الغد بدقة . قارن هذا بحال الغالبية العظمى منا والذين لا يعرفون ما يريدون , حتى ان عرفوا لم يعرفوا كيف يصلون اليه , حتى ان عرفوا لم يستطيعوا ان ينظموا اوقاتهم للحصول عليه . اذا قمت بهذه المقارنة المؤلمة , تبن لك
الفرق بين الامم المتقدمة والامم المتخلفة .
(( ان الاخفاق في التخطيط هو تخطيط للإخفاق )) (إفي جونز )
يقدم كوفي ضمن هذه العادة ملاحظة رائعة , وهي ان كل شيء يصنع مرتين يصنع اولا في ذهن المنفذ , ثم يصنع بعد ذلك في عالم الواقع . فالمهندس الذي يبني لك البيت , هل يأتي فورا الى الارض ويبني البيت عليها كيفما اتفق , ام انه يبنيه في ذهنه اولا , ويسطر خطته على الورق , ثم ينفذه لك في الواقع ثانيا . وهكذا حياتنا المستقبلية لابد ان نبنيها اولا في اذهاننا وتصوراتنا واحلامنا , ثم نخطط لها حتى تتحقق لنا في مستقبلنا .
(( اذا كان لديك اهداف عظيمة طويلة المدى فلن تأثر فيك الاخفاقات المؤقتة )) ( تشارلز نوبل )
يبين لنا كوفي في كتابه تطبيقات عديدة بهذه العادة , لكن اطرفها واكثرها ابداعا المثال الذي يضربه عن يوم الوفاة . يقول كوفي: تخيل انك مت , وان الناس اجتمعوا حولك يوم موتك يعددون محاسنك, ماذا تريد ان يقال عنك ذلك اليوم ؟ فكر في هذا الامر مليا , ماذا تريد ان يقولوا عنك ؟ ما الذي تريد ان توصف به ؟ ما الاثر الذي تريد ان تتركه بعدك ؟ تخيل ان هؤلاء الاشخاص اتيحت لهم الفرصة ان يتحدثوا عن حياتك بعد موتك : رجل من الاسرة , زميل في العمل , امام مسجد , صديق مقرب , ماذا تريد ان يقول كل واحد من هؤلاء عنك ؟
(124)


لو تأمل كل منا هذا السؤال, وطبق هذه التجربة البسيطة العميقة بصدق , وتجرد لوصول الى معنى حياته بحق .
(( ان الهدف الحقيقي من هذه الحياة هو الحياة لهدف )) ( روبن شيرما )
(125)


تأملات حول العادة الثانية
اليوم الاخر :
المثال الجميل الذي بدأ به كوفي شرحه لهذه العادة , وهو مثال يوم الوفاة , واعتبار الاشياء التي تريد ان يذكرك بها الناس ويتحدث بها عنك يوم وفاتك مبدأ لأهدافك في الحياة هو معنى من صميم العقيدة المسلم بل المؤمنين جميعا. ذلك ان المسلم يعتقد يقينا انه راجع الى الله تعالى , وانه سيساله عن كل اعماله واقواله:(ثم تردون الى عالم الغيب والشهادة فينباكم بما كنتم تعملون ). ( سورة الجمعة , اية 8 ) المسلم عندما يعمل العمل, ويلفظ القول ؛فانه يعلم انه مسجل عليه, وانه سيواجه به يوم القيامة فلابد له ان يعد للسؤال جوابا وللجواب صوابا . وسيؤتى الانسان كتابه اما باليمين او وراء ظهره . اذن فالمسلم بطبيعته يفكر في مالات الاعمال ونتائجه ؛الانه يؤمن انه مسؤول عن كل شيء . في حس كل مسلم مسبقا شعور يعرف من خلاله ان كل عمل يقوم به سيكون معلنا ومعروفا يوم القيامة , وسيذاع على رؤوس الخلائق , وكذا كل عمل سيء , ومن ثم , فانه لا يحتاج الى ان يتخيل يوم وفاته وما الذي سيقوله الناس فيه ؛ الانه يعتقد بان هذا سيحصل فعلا؛ بل هو مذكور في القرآن الكريم :( ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين من ما فيه ويقولونا يا ويلاتنا ما لا هذا الكتاب لا يغادروا صغيرة ولا كبيرة الى ان احصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك احدا ) (سورة الكهف , اية 49 )
((كل يوم يقال فيه : مات فلان وفلان , ولا بد من يوم يقال فيه : مات عمر )) ( عمر بن خطاب رضي الله عنه)
وفي الاسلام يعتبر اليوم الاخر اهم المحركات التي تتحكم في نشاطات الانسان وقراراته .ذلك ان الاسلام استخدم اسلوب الترغيب
(126)


بالجنة و الترهيب من النار لصيغة حياة الانسان كلها وتنميها على الوجهة اللائق بحياة الانسان وتكريم الله له . والامثلة على ذلك اكثر من ان تحصى . فعلى سبيل المثال : استعمل القران التذكير بيوم الاخرة عند الزجر عن قضية اقتصادية , وهي الغش والتطفيف في الميزان فقال : (ويل للمطففين ,الذين اذا اكتالوا على الناس يستوفون , واذا كالوهم او وزانوهم يخسرون , الا يظن اولئك انهم مبعوثون , ليوم عظيم , يوم يقوموا الناس لرب العالمين ) (سورة المطففين , اية 1 ) .واستخدم الترغيب في الجنة في الحض على قضايا اجتماعية كثيرة ومنها : ((انا وكافل اليتيم في الجنة هكذا )) (رواه البخاري , رقم (5546 ). واستخدم الترهيب بالحرمان من الجنة في التذكير في قضايا سياسية ومن ذلك: (( وما من عبد يسترعيه الله رعية , يموت يوم يموت وهو غاش برعيته , الا حرم الله عليه الجنة )) (رواه مسلم , رقم 203 ) .
وقد لخص لنا عمر بن خطاب رضي الله عنه هذا الاثر العظيم للإيمان بالأخرة والجزاء في حياة الناس بقوله العبقري :( (من خاف الله لم يشف غيضه , ومن التقاه لم يصنع ما يريد , ولولا يوم القيامة لكن غير ما ترون)) ( رسالة المستبشرين للمحاسبي , ص 84 ) . وهكذا نجد ان الجنة والنار والمسؤولية في يوم الاخر وهي ــ نهاية طريق الدنيا في حس المسلم قد استعلمت في الاسلام بصياغة الحياة الدنيا كلها وتنميطها على المنهج الرباني الذي اراده الله لعباده.
(( لا يمكنك ان تختار طريقة او موعد موتك , ولكنك تستطيع ان تختار طريقة حياتك )) ( جون بيينر)
(أفحسبتم انما خلقناكم عبثا ):
من المستقر في عقل المسلم وحسه انه لم يخلق في هذه الحياة عبثا ؛
(127)


و انه لم يوجد فيها سدى ؛ بل وجد فيها لهدف عظيم , يقول تعالى : ( أفحسبتم انما خلقناكم عبثا وانكم الينا ترجعون ) ( سورة المؤمنون اية 115 ) ويقرر الله تعالي ان ذلك ليس منطبقا على خلق الانسان فقط ؛بل هو منطبق ايضا على خلق السماوات والارض : ( وما خلقنا السماء والارض وما بينهما باطلا ) ( سورة ص , اية 24 ) .
ولان رسالة الانسان في هذه الحياة مسألة مصيرية وجوهرية في وجوده فان الله تعالى لم يتركها للتخمين والظن ؛ بل قررها في كتابه الكريم بشكلها الكلي العام قال تعالى : (و اذ قال ربك للملائكة اني جاعل في الارض خليفة )( سورة البقرة , اية 30 ) . ثم بين تلك الخلافة وحددها في اطار علاقة العبودية بين الخلق والمخلوق في قوله :( وما خلقت الجن والانس الا ليعبدون ) ( سورة الذاريات اية 56 ) . فقرر ان عبادته بالمعنى الشامل المستوعب لكل مناشط الحياة هو سبب الخلق وغاية الوجود . ثم بين ذلك وقرره في شكله العملي في قوله : ( هو انشأكم من الارض واستعمركم فيها ) ( سورة هود , اية 61 ) .
اذن هذه هي الغاية من الخلق وهذه هي الحكمة من وجود الانسان : العبودية لله بمعناها الشامل المتضمن للاستعمار في الارض , الخلافة , وتحقق العدل , نشر الخير , غرس الفضيلة , وكل ما ينطوي تحت هذا المعنى العظيم . بعد ذلك بين ملامح تلك العبودية في تأطير الاسس العامة لعلاقة الانسان بالله , وعلاقته بأخيه الانسان على نحو من العمومية في اغلب الاحيان , وعلى نحو من التفصيل في احايين اخرى . اذن فالإسلام حسم هذه القضية بان اعطانا في ايدينا البوصلة التي
تدلنا على الاتجاه الحقيقي الذي ينبغي ان نسعى اليه , هذه هي
(128)


بوصلتنا ,وهذه هي رسالتنا في الحياة . بيد انه ترك لنا الحرية الكاملة والمجال متسعا لنصوغ ضمن هذه الرسالة اهدافنا البعيدة والقريبة وادوارنا المتعددة ,على الا نفقد الاتجاه او نهمل البوصلة (وان الى ربك المنتهى)( سورة النجم , اية 42 ) .
ويرشدنا القرآن بشكل نظري , وبشكل عملي الى ان ننظر الى المستقبل نظرة استشرافية , مدركين النهاية الحتمية فيقول : ( ولتنطر النفس ما قدمت لغد)( سورة الحشر , اية 18 ) .
وهذه قاعدة عامة مركزية ,ان ينظر الانسان ماذا قدم لنهايته التي يريد ,اذا كان يريد الجنة ورضا الله ماذا قدم لذلك, ماذا عمل اليوم لذلك الغد ؟ هكذا يرشدنا القرآن الكريم بان تكون اعمالنا كلها مرتبطة ومتوجهة نحو الهدف الاساسي وهو تحقيق العبودية لله وجل .ثم هو يوضح هذا المعنى اكثر في هذه الآية الشمولية التي تمثل ترجمة عملية لهذا المنهج : ( قل ان صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين ) (سورة الانعام , اية 126 ) اذن فالعبادة بمعناها المقيد ( وهي الشعائر ومثالها النسك ) والعبادة بمعناها الشامل (وهو الحياة كلها ) بل النهاية ايضا كل ذلك المتجه الى الهدف الاسمى ومتمركز حوله . هذا هو الاطار النظري للغاية من خلق الانسان , وتمحورها حول تحقيق العبودية بوصلة المسلم : ثم اعطى الله تعالى الانسان بوصلة فريدة في الاسلام ؛ تضبط له الاتجاه وتوجه في المسار : (وابتغ فيما اتاك الله الدار الاخرة ولا تنس
نصيبك من الدنيا ) ( سورة القصص , اية 77 ) . تلكم هي النية . النية التي يتحول العمل بها من عادة الى عبادة , النية التي تصير الاكل والشرب والنوم واللعب عبادة
(129)


يثاب عليها الانسان , فطالما ان البوصلة تشير الى الاتجاه الصحيح فان أي خطوة مهما كانت صغيرة فأنها تحسب في الريق الطويل الى الهدف . وامثلة ذلك اكثر من تحصى ومنها : ((وفي بضع احدكم صدفة )), (( انك ما انفقت نفقة تريد بها وجه الله الا اجرت عليها حتى ما تجعل في فم امرأتك )) ( رواه بخاري , رقم 54 ) .
(( انني لم اعد مسافة الف ميل في حياتي ابدا ولا استطيع ان افعل ذلك , كل ما عملته هو انني عدوت مسافة ميل واحد الف مرة )) ( ستو ميتسلمان , بطل العالم في عدو الف ميل )
وبالمقابل , حتى الخطوات العملاقة والتحركات الكبيرة اذا فقدت البوصلة وضاع الاتجاه فأنها لا تحسب؛ بل قد تكون بالاتجاه المعاكس فتؤخر المرء اكثر من ان تقدمه . ومن امثلة ذلك ان اول من تسعر به النار يوم القيامة قارئ القرآن المرائي , والمجاهد في سبيل الله المرائي , والمنفق في سبيل الله المرائي .. ( كما في الحديث الذي رواه بخاري , رقم 2304 ) . ومثال آخر : تلك الوجوه الخاشعة الذليلة يوم القيامة حيث وصفت بانها : ( عاملة ناصبة ) ( سورة الغاشية , اية 3 ) . لأنها اهتمت بالعمل , ولكنها لم تهتم بالوجهة والغرض من العمل ؛ فجعل الله عملها هباء منثورا ( قدمنا الى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا ) ( سورة الفرقان , اية 32 ) . انه لا اتعس من هذه الارواح التي تعذبت في الدنيا وتتعذب في الآخرة , خسرتهما كليتهما . لذلك وصفهم الله تعالى بانهم اكثر الخاسرين فقال : ( قل هل ننبئكم بالأخسرين اعمالا , الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون انهم يحسنون صنعا ) ( سورة الكهف , اية 104 ) . ضل سعيهم لتعطل البوصلة ,
(130 )


ضل سعيهم لفساد النية ، ضل سعيهم لغياب الهدف ، وهم مع ذلك يحسبون أنهم يحسنون صنعًا ، فغاب الوعي أيضُا . إذن لقد بين لنا ربنا الهدف وأعطانا البوصلة فليس لنا إلا أن نسير.
بعد ذلك حذرنا من معوقات الطريق ومشتتات الفكر التي قد تصرفنا عن أهدافنا: {فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ? } سورة فاطر، آية 5. { لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ?} سورة النور ، آية 21.
كما ضرب لنا النبي صلى الله عليه وسلم أمثلة بديعة في تأثير هذه البوصلة على كل مناشط الحياة الأخرى: (من كانت الآخرة همه جعل الله غناه في قلبه ، وجمع له شمله ، وأتته الدنيا وهي راغمة ، ومن كانت الدنيا همه جعل الله فقره بين عينيه ، وفرق عليه شمله ، ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له ) فتوحد الهدف والتمحور حوله يوفر الجهود ، ويجمع الهم ، ويزيد الفاعلية .
وبهذا نرى أن الإسلام العظيم لم يترك الإنسان سدى ؛ بل أرشده إلى الغاية من خلقه في أساسها النظري ، وبين له الطرق العامة للوصول إليها ، ثم حذره من المثبطات والمعوقات عنها .
(فقط الذين يخاطرون ويذهبون إلى آخر الطريق يمكنهم أن يعرفوا آخر مسافة يمكن أن يصلوا إليها) (إليوت)
131


تطبيقات على العادة الثانية
هدف واضح وسعي حثيث:
لقد ضرب لنا صلى الله عليه وسلم بحياته مثالًا عمليًا لوضوح الهدف والتركيز على الغاية . كان الهدف من دعوته واضحًا : {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ (107)} سورة الأنبياء. وكان يرى هذا الهدف متحققًا أمام عينيه ، ويبذل نفسه كلها في سبيل الوصول إليه . عندما حاول المشركون أن يثنوه عن الوصول إلى هذا الهدف ، وأن يشغلوه بأهداف أخرى لم يزده ذلك إلا تمسكًا بهدفه ، عرضوا عليه المال والجاه والنساء والملك فكان رده واضحًا ممنعًا في الرسوخ والثبوت: (والله لو جعلوا الشمس في يميني والقمر في شمالي على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه) . فلما لم يجد الترغيب ، مارسوا عليه أقسى أنواع الترهيب فلم يزده ذلك إلا رسوخًا ، خرج يبحث لدعوته عن أرض خصبة في الطائف فقابله أهلها بأسوأ مما عامله به أهل مكة ، لم ييأس وعرض نفسه على القبائل حتى فتح الله تعالى عليه بالهجرة إلى المدينة غير متزحزح عن الهدف السامي الذي وضعه لنفسه في نهاية الطريق.
استشراق المستقبل :
((أفضل طريقة للتنبؤ بالمستقبل هي ان تصنعه )) (مجهول)
كان النبي صلى الله عليه وسلم يستشرف المستقبل ، ويعيش عز الإسلام وظهور المسلمين قبل أن بحقق الله تعالى ذلك في أرض الواقع بسنين عديدة ، ففي القصة التي ذكرناها آنفًا عندما جاءه ملك الجبال وهو في لحظة الضعف والإرهاق في قرن الثعالب ، لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم ليرضى بالأهداف الفرعية ، ولم يكن لينصرف عن هدفه الذي يراه بوضوح حتى قبل أن تبدو منه ملامح للنصر, قال: "بل أرجو أن يخرج الله من أصلابكم من يعبد الله ولا يشرك به شيئا".
132


وفي أحد أحلك المواقف , في غزو الخندق, وبعدما حاصر الأحزاب المدينة, وتكالبت على رسول الله صلى الله عليه وسلم قوى الباطل , وبينما هو يحفر مع أصحابه في الخندق, و قد أحاطت بهم الأحزاب من كل مكان , استعصت عليهم صخرة كبيرة, فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم المعول وقال: بسم الله, وضرب الصخرة فكسر ثلث الحجر فقال: الله أكبر, أعطيت مفاتيح الشام, والله إني لأبصر قصورها الحمر من مكاني هذا, ثم قال: بسم الله , وضرب ثانية فكسر ثلث الحجر, وقال: الله أكبر, أعطيت مفاتيح فارس, والله إني أعطيت مفاتيح فارس , والله إني لأبصر المدائن وأبصر قصرها الأبيض من مكاني هذا, ثم يقول: بسم الله ويضرب ثالثة فيقتلع الحجر, وقال: الله أكبر, أعطيت مفاتيح اليمن , والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني هذا)) (1)
وقال في موقع آخر متفائلا ومتمثلا تحقق هدفه:"ليبلغن هذا الأمر مابلغ الليل والنهار, ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا ادخله الله هذا الدين بعز عزيز او بذل ذليل, عزا يعز الله به الإسلام وأهله وذلا يذل الله به الكفر وأهله" (2)
لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يدع شيئا يمنعه في التركيز على هدفه النهائي, او شيئا يضع له أهدافا غير التي ارتضاها الله فارتضاها لنفسه وهي الآخرة, فلما دمعت عينا عمر عندما رأى حال النبي صلى الله عليه وسلم وفقره المادي, فذكر له ما عند الفرس والروم من النعيم الدنيوي, قال له النبي صلى الله عليه وسلم مذكرا بالهدف الأوحد ومحذرا عن الخروج عن الطريق إلى ذلك الهدف: "اوفي شك أنت يا
(1) رواه الإمام أحمد, رقم (17946)
(2) رواه أحمد, رقم (16344)
133

ابن الخطاب؟ أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا" (1)
لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم رجلا ذا أهداف واضحة , حددها لنفسه, أهمها هو هداية البشرية. إن هذا هدفه الذي أنفق فيه كل لحظة من لحظات عمره المبارك بعد البعثة. هذا الهدف العظيم كان محددا وواضحا. لم تصرفه عنه أي نتوءات في الطريق إغراءات على الدرب.
" الخطر الأعظم بالنسبة إلى معظمنا لا يكمن في أن هدفنا أبعد مما ينبغي فلا نستطيع تحقيقه؛ بل في أن هدفنا سهل أكثر من اللازم فنحققه ونقف" (مايكل أنجلو)
ويذكر كوفي في هذه العادة أيضا مسألة في غاية الأهمية في تربية النفس ودفعها إلى الجد والعمل في سبيل غاياتها. وهي الآن أساس علم النفس. وهي: تخيل نفسك وقد تحقق لك هدفك, أو أن تعيش حياتك وكأن هدفك تحقق فعلا في عالم الواقع, وأن كنت في الواقع أبعد ما تكون عن ذلك. ونحن نجد أن القرآن الكريم يكثر من وصف الجنة ونعيمها وكأن المسلم قد دخلها حقا, ونجده يخاطب نبيه صلى الله عليه وسلم بهذه الصيغة: (إنا فتحنا لك فتحاً مبينا) (2) قبل أن يتحقق الفتح, مما يدفعه إلى العمل إليها والسعي في تحصيلها. وكذلك نرى الأمثلة السابقة, مثل قصة الخندق وقصة سراقة, أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستشعر أهدافه , ويحاول أن يعيشها في واقعه قبل أن تتحقق بكثير .

" لاتأخذ دائما الطريق الذي يأخذه الناس, جرب طرقا لم يسر فيها أحد وأترك أثرا" (رالف إيميرسون)
-----------------------------------
(1). رواه البخاري رقم (2288)
(2). سورة الفتح, آية 1.
134


العادة الثالثة :
"ضع الأهم أولاً"
قال تعالى: (والذين هم عن اللغو معرضون)
(سورة المؤمنون)
135

صفحة فارغة
136

وما كل هاو للجميل بفاعل ولا كل فعال له يتمم
(المتنبي)
137


صفحة فارغة
138


ملخص هذه العادة:
هذه العادة العمل والتنفيذ.فإذا تقرر عند الإنسان أنه مسؤول عن حياته, وأنه بيده مفاتيح تغييرها, ثم عرف معنى حياته والهدف من ورائها, بقي عليه أن يعيش حياته بطريقة تضمن له تحقيق هذه الأهداف والوصول إلى تلك النتائج .
إنها عادة الإدارة . ويفرق كوفي بين القيادة والإدارة. القيادة هي مفهوم كوفي هي: معرفة الأهداف والأوليات ومعنى العمل, وهذا ما تعرضت له العادة الثانية "ابدأ والنهاية في ذهنك " وأما الإدارة فهي : توظيف الإمكانيات المتاحة للوصول إلى الأهداف المحددة, وهو محور هذه العادة "ضع الأهم أولا"
ويستشهد كوفي دائما بمقولة دركر وبينيس اللذين يقولان: "الإدارة هي فعل الأشياء بشكل صحيح , بينما القيادة هي فعل الشيء الصحيح".
ويرى كوفي أننا الآن بحاجة إلى القياديين أكثر من حاجتنا إلى الإداريين.
ويضرب لذلك مثلا بديعا , يقول : تخيل أن شركة تقطيع أشجار أتت بمئة عامل ليبدؤوا في قطع الأشجار في غابة ما. وبدأ منظم العمال
139


يوزع العمال في الغابة, ويرتب مواقعهم , ويحدد لهم ساعات العمل وساعات الراحة. وبعد العمل لأكثر من يوم أتى مدير الشركة واعتلى أعلى شجرة فيها لينظر في كيفية العمل. وكانت المفاجأة أنه صاح بأعلى صوته : "إننا نقطع في الغابة الخطأ, ليست هذه هي الغابة التي أتينا لنعمل في فيها! منظم العمال في هذه القصة البسيطة هو الإداري الذي يهتم بتوزيع الموارد وتنظيم العمل, ولكن مدير الشركة يمثل القيادي الذي يعنى بتحديد المسار, وترتيب الأولويات, ومتابعة الاستمرار في الطريق الصحيح , ويا الله, كم نحن بحاجه إلى قياديين!! ونعود ثانية إلى العادة الثالثة وهي عادة الإدارة: "ضع الأهم أولا".في هذه العادة يبتدع كوفي نموذجا جديدا فريدا في تنظيم الوقت لا يعتمد على تنظيم الوقت فحسب؛ ولكنه يعتمد على تنظيم النفس في الوقت المتاح. يذكر أن هذه الطريقة هي الطريقة الحديثة في هذا العلم, إذ إن الوقت في الحقيقة واحد ومتاح للناس جميعا ولا يمكن زيادته, ولكن السر هو في تنظيم النفس لحسن استغلال الوقت المتاح.
|" إذ لم يكن لديك وقت لتقوم بالعمل بإتقان متى تجد الوقت لتقوم بالعمل مرة أخرى؟" (جون ودين)
ثم يقدم كوفي نظريته الفريدة: نظري المربعات الأربعة. يبدأ كوفي بتعريفين مهمين لفهم هذه النظرية وتطبيقها. يعرف كوفي "الأمر الملح" بأنه: الأمر الذي يضغط على الإنسان ويدفعه دفعا إلى إنجازه, إما لأنه لا يمكن تأخيره, أو لأنه يبدو أنه لا يمكن تأخيره, بغض النظر عن أهمية هذا العمل وأولويته. بينما يعرف "الأمر المهم" بأنه الأمر المترتب على فعلة تحقق أحد أهداف الإنسان, ويترتب على تركه تضييع أحد هذه الأهداف بغض النظر عن ضغطه على الإنسان وشعور الإنسان بالعجلة على تحقيقه. بعد ذلك يقدم كوفي نظرية المربعات الأربعة؛ وفيها يقسم الأعمال أو المهام التي يقوم بها الناس عادة بناء على أهميتها وضغط الوقت فيها إلى أربعة أقسام .
140

المربع الأول / مهم وطارئ المربع الثاني / مهم غير طارئ
المربع الثالث / غير مهم وطارئ المربع الرابع / غير مهم وغير طارئ

ففي المربع الأول : تقع الأمور الملحة والمهمة ، وهي : الأمور التي تضغط على الإنسان بشكل عاجل وتدفعه دفعًا إلى عملها ، وهي في الوقت نفسه أمور مهمة متوافقة مع أهدافه ، مثال الأعمال التي يمكن تصنيفها في هذا المربع : أخذ الابن المريض إلى الطبيب ، فهذا عمل ضاغط يصعب تأخيره ، ثم هو مهم لتعلقه بالأهداف العامة وهي رعاية الأسرة ، ومثاله أيضًا إصلاح السيارة المعطلة ؛ فهو أمر عاجل ومهم.
وفي المربع الثاني : تقع الاعمال غير الملحة ، ولكن المهمة أي التي لا تضغط على الإنسان ولا تدفعه دفعًا إلى فعلها ويسوغ له تأخيرها ، ولكنها أمور مهمة للإنسان نظرًا إلى تعلقها بأهدافه ورسالته في الحياة . مثال ذلك الجلوس مع العائلة ، القراءة ، الرياضة ، التأمل ، تنظيم الوقت ، الاستعداد لاختبار بعيد ، تطوير المهارات ، وغير ذلك . فكل هذه الأمور لا يشعر بها الإنسان نحوها بأي ضغط ، أي أنه يستطيع أن يؤجلها ، وألا يفعلها اليوم. ولكنها مهمة ؛ لأنها منصبة في أهدافه ورسالته في الحياة.
وفي المربع الثالث : تقع الأمور الملحة وغير المهمة ، هذه الأمور التي تبدو ضاغطة وتدفع الإنسان دفعًا إلى عملها ، ولكنها غير مهمة ؛ أي أنها لا ترتبط مباشرة بأهداف الإنسان ورسالته في الحياة ، وقد تعطله عن أمور هي أهم منها بكثير. مثال الأعمال الواقعة في هذا المربع : الرد على الهاتف ، فتح البريد في وقت العمل ، الإجابة على الرسائل الإلكترونية غير المهمة ، تصفح الإنترنت ، التأخر عن المنزل بسبب الحديث مع صديق ... فكل هذه الأعمال في وقتها تشعر الإنسان بالضغط عليهلأن أن يفعلها ، ولكنها قد لا تكون مهمة في حقيقتها ، وقد تفوت عليه ما هو أهم منها.
141


والأعمال التي تقع في المربع الرابع : هي الأعمال غير الملحة وغير المهمة ، ومثالها : الإكثار من مشاهدة التلفاز ، قراءة المجلات الفارغة ، الإفراط في النوم ، الجلسات الاجتماعية المطولة وغير ذلك.
يقرر كوفي بعد ذلك أن الأشخاص الفعالين يقضون معظم أوقتهم في إنجاز الاعمال اتي تقع في المربع الثاني ثم المربع الأول . المربع الأول لا فرار منه ، لابد أن يتم التعامل معه ، ولكنه في العادة هو الاستثناء ومن المفترض ألا يزيد في حياة الجادين على عشرة في المئة من أوقاتهم ، ولكن الفعالين بحق هم الذين يقضون معظم أوقاتهم في المربع الثاني ؛ أي في الأنشطة التي فيها استثمار للمستقبل ، وفيها تحقيق للأهداف دون أن يكون فيها إحساس بالعجلة والضغط الوقتي.
وكلما قضى الإنسان وقتًا أكبر في إنجاز أعمال المربع الثاني ضاق نطاق المربع الأول والعكس . فالشخص الذي يخصص وقتًا للرياضة المستمرة والاهتمام بمواعيد فحوصاته الطبية مثلًا ، هو أقل عرضة، بإذن الله ، للذهاب إلي الطبيب في حالة إسعافية ، والشخص الذي يملأ خزان وقود سيارته عند وصول المؤشر عند الربع. لاحظ لا يوجد أي ضغط نفسي لملء الخزان عند هذا الحد، ولكنه أمر وقائي وهام . لا سيكون عرضة للتوقف ؛ لأن سيارته تعطلت من دون وقود ، والشخص الذي يقضي أوقاتًا تربوية متميزة مع أولاده على مدى أعوام طوال يقل الاحتمال في أن ينادى في الليل ليأخذ ابنه من قسم الشرطة ؛ لتورطه في جريمة أخلاقية وهكذا. فكلما قضيت وقتًا أطول في المربع الثاني . وهي الامور الوقائية الاستثمارية غير العاجلة. ضمر المربع الأول الذي فيه الأمور الطارئة الملحة ، وبالمقابل فإن إهمال الأعمال الوقائية الاستثمارية يؤدي إلى زيادة عدد الطوارئ والأزمات ، ويصبح الإنسان دائمًا في حالة ردة الفعل وإطفاء الحرائق بدلُا من بناء المستقبل. يقول يوتانج: (( بالإضافة إلى فن عمل الأشياء المهمة هناك فن آخر اسمه ترك الأشياء غير المهمة ، ويبقى التحدي الأكبر في الحياة ، أن تميز بين المهم وغير المهم))
142


هذه القاعدة باختصار تقول : إن الأشياء المهمة يحب ألا تكون ضحية للأشياء غير المهمة وإن بدت عاجلة. وتفاضل الأعمال عند الشخص الفعال ليس بضغطها عليه ، ولكن بأهميتها في تحقيق أهدافه . إنها تعلمنا أن تقول : ((لا)) للأشياء التي سوف تشتتنا عن أهدافنا ، وتؤخرنا عن الأمور الأكثر أهمية في حياتنا وإن بدت عاجلة أو ممتعة . إننا إذ نقول : ((لا)) لهذه الأعمال التافهة فإننا نقول : ((نعم)) للأمور التي تعني لنا الكثير في حياتنا.
143


تأملات حول العادة الثالثة
المسلم في المربع الثاني
إن المتأمل في أكثر التكاليف الشرعية يجد أنها بالفعل تقع في المربع الثاني بحسب تصنيف كوفي ، ذلك أنها مهمة لأنها متعلقة بالهدف الذي اتخذه المسلم لنفسه وهو عبادة الله تعالى بمعناها الشامل ، ولكنها ليست بالضرورة عاجلة أو طارئة . فالصلاة مثلًا لا يصليها لأنه يخاف إذا تركها من مضار فورية . وإن كان في تضييعها مضار فورية . ولكنه في الحقيقة يصليها يرجو ، أول ما يرجو ، ما اذخره الله لعباده من الأجر عليها والذي قد لا يتحقق إلا بعد عشرات السنين . إنه يقدم الصلاة على أمور قد يكون نفعها عاجلًا وواضحًا ومباشرًا مثل أن ينام ، إنه يقوم من نومه وهو أمر طارئ عاجل له ضغطه وثقله وجاذبيته ليصلي الفجر على الرغم من أن جزاءها قد يكون مؤجلًا . وبهذا نعرف أن النداء الخالد في صلاة الصبح منصب في هذا المعنى : ((الصلاة خير من النوم)). وكذا معظم العبادات ؛ مثل : قراءة القرآن ، والصدقة ، وتعلم العلم ...
(وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ) سورة الكهف ، آية 28:
يلفت الله تعالى نظر نبيه الكريم إلى أن يبقى جل وقته ومعظم تركيزه في المهمة التي أرسل بها ، وفي كل ما يصب في هذا المجال ، وألا يصرفه بهرج الحياة الدنيا وما فيها من معالم الزخرف والعجلة عن الباقيات الصالحات ، فيقول له : ( وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (28() سورة الكهف. وإن عجبي لا ينقضي من هذا التعبير القرآني الفريد ( وكان أمره فرطا ) حيث يلقي بظلال موحية بإعجاز على من اتبع هواه ، وأطلق لنفسه العنان من دون منهجية أو تفكير أو تقنين ، إنه كالشيء (المفروط) الذي يضبطه ضابط , ينبه الله نبيه صلى الله عليه وسلم أيضًا إلى أن يبقى جل تركيزه وتفكيره وطاقته في مهمته الأساس ، وألا يغتر بزخرف الدنيا وبهرجها فيقول تعالى : (فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ ? إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (55)) سورة التوبة . ويقول له : (وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى? مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ? وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى? (131)) سورة طه.
144


(وذروا البيع) :
وقد نبه الله تعالى المؤمنين إلى الأوليات في أكثر من نص في كتابه الكريم ، ووضع لهم تمارين يومية يمارسون بها هذه العادة الثالثة بشكل عملي. وصف الله تعالى المؤمنين الصالحين بقوله : (رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ? يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (37)) سورة النور . إن جميع هذه الأمور هي في الصميم من أوليات المسلم ، ولكنها ليست ضاغطة عليه بالضرورة ، فقد يأتي معها أمور ضاغطة أخرى ، ومنها : التجارة والبيع ، وفي حياتنا اليوم الهاتف ، والتلفاز وهكذا. ولكن المؤمن يدرك أن هذه الأمور وإن كانت ضاغطة فإنها ليست مهمة بالضرورة ، أو على أقل تقدير ليست بأهمية الصلاة ، ومن ثم فإنه يمتدح على أنه يتركها ويقدم الأمور الأهم. وفي هذه الآية البديعة أيضًا ربط بين العادة الثالثة والعادة الثانية حيث ذكر – سبحانه وتعالى – أن السبب من أن المؤمنين اختاروا هذا الخيار وقدموا هذا الأمر أنهم يخافون الآخرة . وقال تعالى أيضًا في نفس هذا المعنى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى? ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ? ) سورة الجمعة ، آية 9.
145


(وعن اللغو معرضون ) :
وكما حض القرآن المؤمنين أن يبقوا جل وقتهم ومعظم اهتمامهم في الأمور المهمة ؛ حذرهم من أن يضيعوا أعمارهم في الأمور غير المهمة ، التي لا ترتبط بمهمتهم في الحياة وأهدافهم فيها . ففي مطلع سورة (المؤمنين) يذكر الله من صفات المؤمنين المستحقين لأن يكونوا في الجنات مكرمين أنهم كانوا (عن اللغو معرضون) فقال : (وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (3)) سورة المؤمنون . واللغو في اللغة : كل ما لا فائدة منه ولا طائل . إنه بتعريف كوفي : الأمر الذي يحتل بجدارة المربع الرابع ( الأشياء غير الهامة وغير العاجلة ).
((واعتزل الفضول تسلم )) (المحاسبي)
وفي الحديث الصحيح : ((من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه )) رواه الترمذي . ففي هذا التوجيه العظيم يرشدنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نبقى جهودنا وأفكارنا واهتماماتنا فيما يعنينا ، وهذا يعني أن تكون على الأقل في دائرة الاهتمام إن لم تكن في دائرة التأثر . بل إن الإسلام حذر من العلم الذي لا ينفع ؛ ذلك لأنه علم نظري مجرد ، لا يلحق به عمل محقق لهدف من أهداف الإنسان وتطلعاته ، ولذلك فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو : ( اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع ) رواه مسلم.
(من اتبع الصيد غفل) :
وحذر النبي صلى الله عليه وسلم من بعض الأنشطة والألعاب التي يكون فيها إضاعة للوقت من غير أن نكتنز أهمية كبيرة ؛ لأنها تؤدي إلى تضييع أمور هي أهم منها وأولى ، ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم : (ومن اتبع الصيد غفل) رواه الترمذي.
146


(فارجعوا هو أزكى لكم):
ونبه في أدب الاستئذان إلى تقديم المهم على الطارئ ، فأمر المستأذن أن يرجع إن لم يؤذن له بعد ثلاث ، ذلك أن المطروق عليه قد يكون في شغل هو أهم من هذا الطارئ الذي طرأ عليه ، قال تعالى : (وَإِن قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا ? هُوَ أَزْكَى? لَكُمْ ? ) سورة النور ، آية 28. وهذا واضح في تقديم المهم على الطارئ وقول : (لا) للطارق الطارئ إذا كان الإنسان مشتغلًا بالمهم ، ووجوب قبول ذلك .
أي الأعمال أفضل ؟
وفي الإسلام ، ليست كل الأعمال سواء في الفضل والأجر . ولذلك قدم الله تعالى الفرائض على غيرها ، وقال في الحديث القدسي : ((وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضه عليه )) رواه البخاري . وبذلك يضع الله تعالى قاعدة التفاضل أولى وهي الفرضية ، ولولا علم الله تعالى لأهمية هذه الأعمال بالنسبة لنا لما افترضها علينا . ونلاحظ هنا أنها جميعًا يمكن ان تعد في المربع الثاني بتعبير كوفي . ويقول تعالى : (أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ? لَا يَسْتَوُونَ عِندَ اللَّهِ ? وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (19)) سورة التوبة . فسقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام أعمال فاضلة ومهمة ، ولكنها لا تستوي عند الله ، بالإيمان بالله والجهاد في سبيل الله لاختلاف الأهمية .
((من الخطأ الكبير أن تنظم الحياة من حولك ، وتترك الفوضى في قلبك)) (الرافعي)
147


ثم تتفاضل الأعمال (بعد تفاوتها في الفرضية ) بتعدي نفعها إلى الآخرين ، فقد أعظم الله الأجر على الأعمال التي يعم نفعها إلى العدد الكبير من الناس على الأعمال التي يقتصر نفعها على الإنسان ذاته ، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم : ((خير الناس أنفعهم للناس)) رواه الطيراني . وقال : ((أحب الناس إلى الله أنفعهم ، وأحب الأعمال إلى الله سرور تدخله على مسلم ، أو تكشف عنه كربة ، أو تقضي عنه ديْنًا ، أو تطرد عنه جوعًا . ولأن أمضي مع أخي المسلم في حاجة أحب إلي من أن أعتكف في المسجد شهرًا )) رواه الطيراني .
ثم تتفاضل الأعمال بحسب زمانها ومكانها ، وهذا مما يدل على أن لكل زمن عمله الذي يتميز به ، ولأن المسلم مأمور بأن يمتلك مهارة المفاضلة بين الأعمال . ومن ذلك أيضًا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحب من الأعمال أدومها، ذلك أن العمل الدائم وإن كان قليلًا يتراكم ، ويكون أقرب إلى تحقيق الأهداف من العمل الكثير المنقطع على ما في العمل الكثير المنقطع من جاذبية ودافع .
كل هذه الأمثلة فيما أرى واضحة في تفاضل الأعمال ، وأن تفاضلها يكون بأهميتها وخدمتها لرسالة الإنسان في الحياة ، وليس في أنها تبدو ذات جاذبية وقوة ضاغطة تشعر بضرورتها . وقد تنبه شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – إلى هذا المعنى العظيم فقال : (( ليس العاقل الذي يعلم الخير من الشر ، وإنما العاقل الذي يعلم خير الخيرين وشر الشرين )) ويقول الإمام ابن الجوزي رحمه الله : ((ويندر من الخلق من يلهمه الله الكمال وطلب الأفضل ، والجمع بين العلوم والأعمال ومعاملات القلوب ، وتتفاوت أرباب هذا الحال)).
148


الإسفنجة :
ناقشنا في عادة المبادرة بشكل سريع قضية في غاية الأهمية في التحكم في النفس والسيطرة عليها ، وهي : التحكم في الأفكار ، وشغل الذهن بالأفكار الإيجابية الطيبة ، وأثر ذلك في المشاعر والسلوكيات . وفي هذه العادة، نطبق القاعدة نفسها . فكل فكرة تمر على خاطرنا لا بد لنا أن نضعها في أحد المربعات الأربعة لهذه العادة ؛ فإن كانت في المربع الثاني رحبنا به واجلسناها ضيفة في أدمغتنا ، فأنبتت مشاعر إيجابية في قلوبنا ، وولدت سلوكًا مرغوبًا فيه في حياتنا متوافقًا مع أهدافنا ومشاريعنا الكبرى ؛ ذلك أنها من المربع الثاني . وبالمقابل ، إذا خطرت على بالنا فكرة من المربع الرابع مثلًا طردناها فورًا ولم نسمح لها بأن تجد مكانًا في عقولنا . مثال ذلك قول الله تعالى عن المؤمنين : (إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ (201)) سورة الأعراف . وفي هذا المعنى المهم العظيم يروي لنا الإمام ابن القيم هذه القصة المهمة : (( كنت أورد على شيخ الإسلام ابن تيمية بعض الإيرادات فقال لي : لا تجعل قلبك للإيرادات والشبهات مثل الإسفنجة ، يتشربها فلا ينضح إلا بها ، ولكن اجعله كالزجاجة المصمتة ، تمر الشبهات بظاهرها ولا تستقر بها ، فيراها بصفائه ويدفعها بصلابته)) (مفتاح دار السعادة) لابن القيم . والمتأمل للكثير مما يشغل الناس من الجدال العقيم الذي تعج به بعض الفضائيات ، ومن إضاعة أوقات الناس بتفاصيل المباريات الرياضية ، وحياة المشاهير ، ودقائق السياسة مما هو خارج بشكل كبير عن دائرة التأثير لمعظم الناس يجدر به ان يتذكر هذا التشبيه البليغ ، ولا يجعل قلبه مثل الإسفنجة يمتص أي شيء ، وإنما يفرغه بقدر الإمكان للأفكار الإيجابية ، والمعاني التي يمكن أن يستفيد منها في دائرة تأثيره اليومي والمستقبلي .
((إني لا أسمح للآخرين لأن يدخلوا إلى عقلي بأحذيتهم المتسخة)) غاندي
149


((يعرفك في الشدة)) :
((تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة)) رواه الإمام الأحمدي والترمذي . في هذا المقطع البديع من وصية النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس يرشده صلى الله عليه وسلم إلى أن من يتعرف إلى الله في الرخاء بترك مناهيه ، وفعل مأموراته ، ومراقبته في أقواله وأفعاله ، فإن الله يقدر له ذلك ويكون له عونًا في الشدة الضيق . لماذا خص النبي صلى الله عليه وسلم وقت الرخاء ، لماذا يغفل عنه أغلب الناس ؟ لأنه من أعمال المربع الثاني ! هذا العمل ليس له ضغط أو إحساس بالعجلة ، فالإنسان تحت تأثير روتينية الحياة ، وغلبة مشاعلها ، والانغماس في ملذاتها ينسي ربه في الرخاء ، ولكن مراقبة الله تعالى في حياة المسلم أمر في غاية الأهمية ؛ ولذلك صارت أمرًا مهمًا غير عاجل، أمرًا استثماريًا وقائيًا ، ولذلك حض عليه النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث . وأما معرفة الله تعالى في الشدة فهي أمر في المربع الأول ، وهي أمر لا يحتاج إلى تنبيه أو إرشاد ؛ لأن فيه صفة الضرورة والضغط النفسي ؛ ولذلك فإن المؤمن والكافر والتقي والفاجر كلهم يلجؤون إلى الله تعالى في حال الرخاء والضيق ، ومن ثم يعينه الله ويكون معه حال الضيق .
((احرص على ما ينفعك)):
ويلفت النبي صلى الله عليه وسلم النظر إلى أحد معاني القوة في قوله صلى الله عليه وسلم : ((المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير ، احرض على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز)) رواه مسلم . فمن معاني القوة التي قد تستنبط من هذا الحديث الحرص على ما ينفع .
150

على ما ينفع. والحرص على ما ينفع يعني بالضرورة ضبطاً كبيراً للنفس, وتقديماً للأولويات ,وادارة للحياة بناء على هذه الاولويات .ان هذا الحديث في نظري واضح الدلالة على وجوب صرف اغلب الجهد والوقت في دائرة التأثير بتعريف كوفي , وليس في دائرة الاهتمام. ذلك ان الشيء الذي ينفع هو بالضرورة في دائرة التأثير ,وإلا فليس كل ما في دائرة الاهتمام ينفع.
151


تطبيقات على العادة الثالثة
(فكأنه لا يعرفنا):
لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم متمثلاً للمعنى الوارد في هذه العادة بشكل عملي في حياته. فقد روت عنه عائشة رضي الله عنها مثلاً: انه كان في مهنة اهله فإذا سمع الاذان خرج الى الصلاة, فهنا النبي صلى الله عليه وسلم يفاضل بين مشاغله, ويطبق المفاضلة بينها بشكل صارم ودقيق . وقد اثر عمل مشابه لهذا عن عدد من السلف, ومن ذلك ما رُوي من ان احدهم كان اذا رفع مطرقته يعمل فأَّذن المؤذن فإنه لم يكن ينزلها, ولكن كان يبادر الى الصلاة.
(ولا ليلة صفين):
عندما طلبت فاطمة وعلي رضي الله عنهما خادماً من النبي صلى الله عليه وسلم ارشدهما الى التسبيح والتكبير والتحميد قبل النوم, وقال لهما فإنه خيرلكما من خادم. قال علي رضي الله عنه: (فما تركتهن منذ سمعتهن من رسول الله صلى الله عليه وسلم ,قيل ولا لية صفين , قال: ولا ليلة صفين) فعلي رضي الله عنه لم يلهه القتال والاستعداد له, وهو امر طارئ ضاغط (المربع الاول) عن امر استثماري , غير عاجل, ولكنه مهم (المربع الثاني).
لأجل البكور:
وفي قصص الاولياء والعلماء مالا ينتهي منه العجب في تحكمهم في شهواتهم واهوائهم وتقديم الاولويات في تنظيم اوقاتهم , ومن اطرف هذه الامثلة ما أقر به الإمام عيسى بن موسى الهاشمي –رحمه الله- قال:
152


(مكثت ثلاثين سنة اشتهي ان اشارك العامة في اكل هريس السوق , فلا اقدر على ذلك ,لأجل البكور الى سماع الحديث) فانظر الى تحكم هذا الامام العظيم بنفسه, ووقته, وتطبيقه العادة الثالثة بعبقرية وانضباط فريد, وان كنا نظن ان صنيعه على ما فيه من الاعجاز في التحكم بالنفس, ومراعاة الاولويات في الحياة, والتحكم في الشهوات, فإنه قد لا يحقق الفاعلية لما فيه من عدم الاتزان واعطاء النفس حقها من الراحة والمتعة المباحة. وقد ذكر ابن الجوزي رحمه الله في كتابه الفريد (صيد الخواطر) عدداً من الامثلة المبهرة في دقة السلف الصالح في الاهتمام بأوقاتهم , وحرصهم على الاعمال التي تصب في اهدافهم دون الاعمال الاخرى المضيعة للوقت, فكان مما ذكر: ان قوماً دخلوا على عابد من السلف فقالوا :لعلنا اشغلناك؟ فقال: اصدقكم القول: نعم كنت اقرأ فتركت القراءة من اجلكم. وكان داود الطائي يستف الفتيت ويقول :بين سف الفتيت واكل الخبز قراءةُ خمسين آية . وجاء رجل الى عامر بن عامر بن عبد القيس وقال له: كلمني, فقال له عامر: امسك الشمس!!

(احياناً عندما ارى النتائج الكبيرة لتنظيم الاشياء الصغيرة في الحياة, اكاد اقول: لا تود اشياء صغيرة) –بروي بارتون-
ولا املك نفسي من العجب في قصة وفاة الامام البيروني حيث حدث عنه ابو الحسن علي بن عيسى , قال: دخلت على ابي الريحان وهو يجود بنفسه, وقد حشرج نفَسه, فقال لي: كيف قلت لي يوماً في حساب الجدات الفاسدة في الميراث؟ - يسأله عن مسألة علمية من الفقه- فقلت له :أفي هذه الحالة؟ قال: لن اودع الدنيا وانا عالم بهذه المسألة خيرٌ لي من ان اودعها وانا جاهلٌ بها. فقد كان هذا هدفه من الدنيا ان يطلب العلم ويستزيد منه, ولم يبالِ بأكثر الامور عجلة وإضراراً
153


وهو الموت. وقد روُيت قصص كثيرةِ مثل هذه عن الإمام ابي يوسف صاحب ابي حنيفة رحمهم الله جميعاً وغيرهم كثير.
كل هذه القصص مع ان فيها امثلة بديعة في الحرص على الوقت وعلو الهمة في هذه الحياة الا ان فيها ايضاً دروساً وامثلة في تقديم الاهم على العاجل, وفي وضع الاولويات موضعها الصحيح , ومن اراد الاستزادة من هذه التحف فليرجع الى كتاب الشيخ عبد الفتاح ابي غدة رحمه الله بعنوان (قيمة الزمن عند العلماء) ففيه ما يذهل الفؤاد من امثال هذه القصص الموثقة.
قطع الكاغد:
وفي هذا السياق اسوق لكم قصة طريفة مبهرة تدل على تطبيق علمائنا لهذه العادة بأساليب مبتكرة . وبطل هذه القصة الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى الذي يقول : ( اعوذ بالله من صحبة البطالين) , لقد رأيت خلقاً كثيراً يجرون معي فيما قد اعتاده الناس من كثرة الزيارة , ويسمون ذلك التردد خدمة, ويطيلون الجلوس ويجرون في حديث الناس وما لا يعني , وما يتخلله غيبة .فلما رأيت ان الزمان اشرف شيء والواجب انتهازه بفعل الخير, كرهت ذلك, وبقيت معهم على أمرين, ان انكرت عليهم وقعت وحشة لموضع قطع المألوف , وان تقبلته منهم ضاع الزمان. فصرت ادافع اللقاء جهدي, فإذا غلبت قصرت الكلام لأتعجل الفراق. ثم اعددت اعمالاً لا تمنع من المحادثة لأوقات لقائهم لكيلا يمضي الزمان فارغاً, فجعلت من الاستعداد للقائهم قطع الكاغد , وبري الاقلام, وحزم الدفاتر, فإن هذه الاشياء لا بد منها ولا تحتاج الى فكر وحضور قلب, فأرصدها لوقت زيارتهم, لئلا يضيع شيء من وقتي) ففي هذه القصة نتبين استراتيجية الامام ابن الجوزي في تنظيم وقته بناءً على اهدافه واولوياته .فأول ما حاول ان يعمل مع
154


مضيعات الوقت من اعمال المربع الرابع انه كان يحاول جهده ان يقول لها: لا, فكان يدافع هذه اللقاءات ما استطاع . فإذا غلب عليها قصرها وقلصها وجعلها في اضيق الحدود . وهو عند ذلك لا يضيعها تماماً وإنما يجمعها بعضها مع بعض, فيعمل اكثر من عمل من اعمال المربع الرابع التي لا بد منها سوياً حتى يستثمر وقته اعظم استثمار. ولقد والله اثمر هذا الحرص الكبير على الوقت إرثاً علمياً ضخماً خلفُه هذا الامام الفذ وموضعاً اثيراً في الفكر الاسلامي حازه باقتدار.
155


تلخيص للعادات الثلاث الاول:
عادات الاعتماد على النفس
بانتهاء العادة الثالثة تنتهي العادات الخاصة بتعامل الانسان مع نفسه, وبذلك ينتقل الانسان من مرحلة الاعتماد على الناس الى مرحلة الاعتماد على نفسه.
فالعادة الاولى تقول له باختصار: انت المسؤول عن حياتك. صحيح ان الكثير من العوامل الوراثية والاجتماعية والبيئية والاقتصادية وغيرها قد اثرت في تكوينك وفي الحياة التي تعيشها الآن , ولكن في النهاية انت حر في ان تختار ردود الافعال المناسبة تجاه تلك المؤثرات ,وان تستثمرها في صالحك بناء على رؤيتك انت ومبادئك انت , ومن ثم فأنت السؤول عن كل الذي يحدث لك, وان شيئاً لن يتحقق في حياتك ابداً حتى تبدأ انت بالتغيير.
وفي العادة الثانية تتعلم ان تبدأ أي عمل والنهاية في ذهنك, بل تبدأ الحياة كلها ونهايتها في ذهنك. ان يكون لك رسالة واضحة في الحياة تعيش من اجلها وتتمحور حولها كل اهدافك.
وفي العادة الثالثة تتعلم ان تعيش حياتك وتصرف وقتك المتاح في تحقيق هذه الاهداف والوصول الى غايتك في الحياة . ولن يتم لك ذلك حتى تتعلم ان تقدم الاشياء المهمة وان لم تكن عاجلة, على الاشياء غير المهمة وان كانت عاجلة, وبذلك تتحكم في وقتك انت بناءً على اهدافك ورسالتك في الحياة وليس بناءً على ضغوطات الآخرين او المزاج والهوى.
هذه العادات الثلاث بهذا الترتيب هي ركائز اساسية في أي عملية تغيير . هي عناصر النجاح الذاتي والتفوق على النفس , وبتحقيقها يتحقق للإنسان الشعور بنفسه واحترامها والقدرة على التحكم بها وقيادتها الى اهدافه. انه من دون فهم الانسان لنفسه واحترامه لها لا يمكن ان يكون هناك علاقات ناجحة ومثمرة بين الناس. ذلك ان قيمة الانسان الحقيقية لا تأتي من خلال
156


نظرة الناس له وإقرارهم بإعماله ,وانما باستقرار نفسه هو, وتحقيق ذاته اولاً, وبهذا يتبين لك ان أي جهد يبذل في محاولة اصلاح العلاقات الاجتماعية بين الناس (وهو مجال العادات الرابعة والخامسة والسادسة) دون ان يمر بهذه العادات (الثلاث الاولى) لا يكون مجدياً بالشكل المطلوب , ومن هنا لابد ان نركز جهودنا بشكل اكبر على التغيير من الداخل للفرد اولاً قبل ان نتوقع أي تغيير حقيقي على مستوى المجتمع او الامة .
ان جميع المعارك الخارجية يمكن الانتصار فيها اذا انتصرنا في المعركة الداخلية اولاً. كل العظماء في التاريخ انتصروا على انفسهم اولاً, ورتبوا بيتهم الداخلي اولاً , ثم انتقلوا الى غيرهم . كما وصف بكر المزني ابا بكر الصديق رضي الله عنه قال: ما فاق ابو بكر اصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بصوم ولا صلاة, ولكن بشيء وقر في قلبه. وقد نبه الى هذا المعنى طبيب القلوب ابن القيم رحمه الله فقال: (نهاية الكمال ان يكون الشخص كاملاً في نفسه مكملاً لغيره).
157


صفحة فارغة
158


العادة الرابعة
(فكر بعقلية:
اربُح ويربح الآخرون)
قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( لا يؤمن احدكم حتى يحبَ لأخيه ما يحبُ لنفسه )
(رواه البخاري)


صفحة فارغة
160


أجزني إذا أنشدت شعراً فإنما بشعري أتاك المادحون مردداً
(المتنبي)
161


صفحة فارغة
162


ملخص هذه العادة:
هذه أول القواعد في التعامل مع الآخرين. إنها أساس كل تعامل يحدث خارج نطاق النفس البشرية . إنها العادة التي تقرر أنك لا تعيش في هذه الحياة وحدك ، وأن تفاعلاً ما سيحدث بينك وبين الآخرين شئت أم أبيت. هذه التفاعلات كثيراً ما يكتنفها التنافس المحموم على الشيء الواحد ، والتسابق البغيض على الوصول أولاً. يقرر كوفي في هذه العادة أن العلاقات الإنسانية بين الناس من حيث النفع والضر تنقسم إلى أربعة أنواع:
1. علاقة ( أربح أنا ويربح الآخرون) : في هذه العلاقة يقوم التعامل على أساس المصلحة للجميع،أن أربح أنا ويكون لي عائد جيد من العلاقة ويربح الطرف الآخر من العلاقة أيضاً.
2. علاقة (أربح أنا ويخسر الآخرون):هذه العلاقة هي العلاقة المبنية على الأنانية وحب الذات ، إنها علاقة تركز على الربح للإنسان فقط دون الاكتراث بالطرف الآخر في العلاقة أو مع تعمد الخسارة للطرف الآخر.
3. علاقة( أخسر أنا ويربح الآخرون ) :هذه العلاقة مبنية على السذاجة
163


والحمق ففي هذه العلاقة يضحي الإنسان بربحه ونفعه مقابل أن يربح الآخرون منه ويستغلوه.
4. علاقة (أخسر أنا ويخسر لآخرون): هذه علاقة سلبية في جميع أطرافها . هي علاقة مبنية على عقلية تخريبية لا تنظر للخير لنفسها ولا للآخرين ، هي عقلية مريضة تفكر بطريقة "علي وعلى أعدائي".
إن المتأمل في هذه الأنواع الأربع من العلاقات يلحظ بشكل واضح أن العلاقة الأفضل والأكثر نضجاً ونفعاً للجميع هي العلاقة الأولى: أن تربح أنت ويربح الطرف الآخر . هذه العلاقة التي تليق بالإنسان بوصفه مخلوقاً مكرماً راقياً ، هي العلاقة التي تملأ حياة الإنسان بالسعادة فتفيض على من حوله.

" إن كلمة دافئة واحدة بإمكانها أن تدفئ العالم "
(مثل ياباني)

هذه العلاقة - كما يعبر كوفي - مبنية على عقلية (الوفرة)، وعقلية الوفرة باختصار، هي: أن تعتقد أن هناك خيراً يكفي جميع الناس ، وأنه ليس من الضروري أن تؤذي الناس حتى تنتفع ، ليس من الضروري أن يخسر النا حتى تستفيد ؛بل إن هذه الدنيا من الوفرة في الخير ما يسمح بأن ينتفع الجميع. وبمقابل هذه العقلية هناك عقلية (الشح) وهي العقلية التي تنبني عليها العلاقات الثانية والرابعة . هذه العقلية مبنية على أنه لابد أن أسبق أنا وأخطف اللقمة قبل أن يأخذها غيري، وكأنه لا لقمة في الدنيا سوى هذه اللقمة.

"أفضل طريقة لمضاعفة السعادة هي أن تقسمها"
(بول شيرز)

164


تأملات حول العادة الرابعة
عقلية الوفرة في الإسلام:
عقلية الوفرة هذه التي ينادي بها كوفي هي في الصميم من التصور الإسلامي للإنسان والكون والحياة. فأولاً يصف ربنا تعالى نفسه العلية بأنه : الجواد ،الكريم ، المعطي ،ذو الجلال والإكرام. ويعبر عن الوفرة والخير والإغداق في رحمته فيقول :( ورحمتي وسعت كل شيئ)2 . ويعد عباده المؤمنين في الجنة بوافر عطائه وإكرامه ؛ فقال تعالى على لسان نبيه الكريم :(( أعددت لعبادي الصالحين مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ))3 .ووعد المتصدقين في سبيله بأن يضاعف لهم أضعاف كثيرة :(مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم)4 .وحض عباده على التأسي به في الكرم والعطاء ،كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : ((إن الله كريم يحب الكرماء ، جواد يحب الجودة ، يحب معالي الأمور ، ويكره سفسافها ))5 . ووعد عباده بأن يعاملهم بالكرم والفضل فقال :(من جاء بالحسنة فله عشر امثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها)6. بعد , فنجمل هذه الخاصية التي وصف الله بها نفسه العلية ودينه العظيم بهذه الآية الجامعة : (يا أيها الناس أنتم الفقراء الى الله والله هو الغني الحميد)7.
وفي المقابل يصور القرآن الشيطان الرجيم على أنه صاحب عقلية الشح فيقول تعالى :( الشيطان يعدكم الفقر و يأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا والله واسع عليم)8.


" إن أهم سؤال في هذه الدنيا هو :ماذا تفعل للآخرين؟ " (مارتن لوثر كينغ)


وعلى النطاق العملي ؛ يعلمنا الإسلام مبدأ الوفرة بشكل سهل وجميل ، ففي باب الطعام يقول النبي صلى الله عليه وسلم : (( طعام الواحد يكفي الاثنين ، وطعام الاثنين يكفي الأربعة ، وطعام الأربعة يكفي الخمسة))9، ويوصي النبي صلى الله عليه وسلم حكيم بن حزام وصية رقيقة موضحاً أثر العطاء في حلول البركة فيقول : (( يا حكيم ، إن هذا المال خضر حلو ،فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه ،وكان كالذي يأكل ولا يشبع ،واليد العليا خير من اليد السفلى))10. وفي مجال الخدمة الاجتماعية يفضل الإسلام العمل متعدي النفع على العمل القاصر النفع ؛ لأن الثاني يقتصر على نفع النفس دون أن ينتفع به الآخرون ( النوع الثاني من العلاقات)،وأما الأول فإنه ينفع نفسه بالأجر وينفع غيره بالخير (النوع الأول من العلاقات)فيقول صلى الله عليه وسلم :((خير الناس أنفعهم للناس ، وأحب الأعمال إلى الله عز وجل سرور تدخله إلى مسلم ،ولأن أسعى في حاجة أخي المسلم أحب إلي من أن أعتكف في المسجد شهراً))11.

"اجعلها عادة كل ليلة ألا تنام إلا إذا استطعت أن تجعل شخص واحداَ ممن قابلته ذلك اليوم:أحكم ،أو أسعد ، أو أفضل"
(تشارلز كينجزلي)


166


((حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)):
((لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه))12. وفي رواية الإمام أحمد: (( لا يبلغ عبد حقيقة الإيمان حتى يحب للناس ما يحب لنفسه من الخير )). هذا الحديث هو أيضاً في الصميم من معاني هذه العادة الرابعة ،حيث أنه يدلنا على أن نحرص على نفع الآخرين ومصلحتهم كما نحرص على نفع أنفسنا وذواتنا .ولأهمية هذه القضية في صلاح الناس وبعدهم عن الفتن عدها النبي صلى الله عليه وسلم من الأساسيات التي يجب التمسك بها عند الفتنة فقال : ((إن هذه الأمة جعل عافيتها في أولها، وسيصيب أخرها بلاء وأمور تكرهونها ،فمن أراد أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر ، وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه))13.

"لا يمكنك أن تحمل مصباح تنير به طريق غيرك دون أن تملأ طريقك بالضوء"(مجهول).

وقد طبق النبي صلى الله عليه وسلم هذا المبدأ تطبيقاً عملياً في أكثر من موضع في تعليمه للصحابة رضي الله عنهم .من ذلك مثلا قوله لأبي ذر رضي الله عنه : ((يا أبا ذر ، إني أراك ضعيفاً ، و إني أحب لك ما أحب لنفسي، لا تتأمرن على اثنين ، ولا تولين على مال يتيم ))14. وقوله لعلي رضي الله عنه: ((إني أرضى لك ما أرضى لنفسي ، وأكره لك ما أكره لنفسي ،لا تقرأ القرآن وأنت جنب ، ولا وأنت راكع ، ولا وأنت ساجد))15. ومن الأحاديث التي تندرج تحت هذه العادة قوله صلى الله عليه وسلم: (( أنصر أخاك ظالماً أو مظلوماً))، فقال رجل : يا رسول الله ، انصره إذا كان مظلوما ،أرأيت إن كان ظالماً كيف أنصره؟
167


قال صلى الله عليه وسلم : (( تحجزه عن الظلم فإن ذلك نصره ))16. ففي هذا الحديث يبين النبي صلى الله عليه وسلم أن العلاقة بين المسلمين هي دائماً علاقة النصرة، هي دائما المنفعة ،وإن تقديم المنفعة للطرف الآخر هو أمر مبدئي غير مرتبط بظلمه او عدله ؛ لأنه إن كان ظالماً أردنا له النفع بأن نكفه عن ظلمه ،وإن كان مظلوماً أردنا له الخير بأن ننصره على من ظلمه ،فالعلاقة في الحالتين مبنية على منفعته . وفي الحديث الآخر: (( من استطاع منكم ان ينفع اخاه فليفعل ))17.

"الحب لغة يقرؤها الأعمى ويسمعها الأصم" (مارك توين)

((المؤمن مرآة أخيه)):
ومن أبداع التشبيهات التي شبه بها النبي صلى الله عليه وسلم العلاقة بين المؤمن و أخيه المؤمن قوله صلى الله عليه وسلم : (( المؤمن مرآة المؤمن))18 وفي رواية أبي داود (( يكف عليه ضيعته و يحوطه من ورائه))19. والمتأمل لبعض معاني هذا البيان المعجز البديع يتبين له أن من معانيه أن أي نفع أو مصلحه أو خير يصيب أخ المؤمن فإنه بالضرورة ينعكس عليه كما تنعكس صورة الإنسان في المرآة ، وبالمقابل فإن أي ضرر يصيب الأخ ينعكس مباشرة على الإنسان نفسه كما تنعكس الصورة في المرآة .إن هذه الصورة البليغة معبرة عن معنى هو أعمق وأرقى في نظري من معنى أربح ويربح الآخرون ،إنه مبدأ أنا وأخي شيء واحد ؛ إذا ربح فقد ربحت ، وإذا خسر فقد خسرت.
168


"إذا قطعت الكعكة فإنه يوجد دائماً نصفان مهما حاولت أن تحظى بالنصف الأكبر " (باروش سبينوزا)

يعبر عن معنى هذا أيضاً الحديث الشهير الذي فيه تمثيل النبي صلى الله عليه وسلم هذه القضية الحساسة بقوم استهموا على سفينة فصار بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها فكان الذين في أسفلها إذا استقوا الماء مروا على من فوقهم فقالوا : (( لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً ، فاستقينا منه ، ولم نؤذ من فوقنا ، فإن تركوهم وأمرهم هلكوا جميعاً ، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعاً ))20. فهذا تمثيل عملي لمفهوم المرآة . فإن أي ضرر يصيب فرد من أفراد الجماعة المسلمة أو مجموعة منها ينعكس بالضرر على مجموعها ، وبالمقابل فإن أي نفع يصيبهم فإنه ينعكس على مجموعهما كذلك . والمعنى مطرد في قوله صلى الله عليه وسلم : (( مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إن اشتكى له عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر ))21.


((و النصح لكل مسلم )):
ومن أعجب معاني هذه العادة في الإسلام مفهوم النصيحة. ذلك العنصر المهم من ديننا الذي أكد النبي صلى الله عليه وسلم على أهميته بقوله: (( الدين النصيحة)) قالها ثلاثاً : قالوا لمن يا رسول الله :قال (( الله ، ولرسوله ، ولكتابه ، ولأئمة المسلمين وعامتهم))22.

"إننا نقضي أوقاتاً كثيرة من حياتنا نحسد أشخاصاً لو علمنا حقيقة حياتهم لم نتمن ما هم فيه "
(جين روستاند)
169


وبايع الصحابة رضي الله عنهم عليه في أول الإسلام كما قال جرير بن عبد الله رضي الله عنه : (( بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على إقامة الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، والنصح لكل مسلم )) 23. وقال الإمام ابن رجب في شرح هذا الحديث : (( و أما النصيحة للمسلمين : فأن يحب لهم ما يحب لنفسه ويكره لهم ما يكره لنفسه ، ويشفق عليهم ، ويرحم صغيرهم ، ويوقر كبيرهم ، ويحزن لحزنهم ، ويفرح لفرحهم ، وإن ضره ذلك في دنياه ))24.
إذن فالناصح يظفر بالأجر الجزيل من الله تعالى على تطبيقه لهذا الأمر النبوي الهام ، وهو يريد الخير والنفع للمنصوح بنصيحته.

أنواع " الإخوان ":
في أثناء تصفحي لكتاب ( أدب الدنيا والدين ) للماوردي فوجئت بفصل يتحدث فيه الماوردي عن ( أقسام الداخلين في عدد الإخوان ) ويقسم الإخوان إلى أربعة أصناف في تصنيف قريب جداً من تصنيف كوفي فيقول رحمه الله : (( تنقسم أحوال الإخوان إلى أربعة أقسام : منهم من يعين ويستعين ، ومنهم من لا يعين ولا يستعين ، ومنهم من يستعين ولا يعين ، ومنهم يعين ولا يستعين . فأما الأخ المعين المستعين فهو معاوض منصف يؤدي ما عليه ويستوفي ماله ، فهو مشكور في معونته ومعذور في استعانته ، فهذا أعدل الإخوان )) وهو بذلك قد أصاب أصل العادة الرابعة حيث قدم الأخ المعين المستعين ( وهو بمفهوم كوفي الأفضل كذلك ) على المعين غير المستعين والذي يبدو في الظاهر أنه هو الأفضل ترسيخاً منه لقاعدة النفع المتبادل ، وإدراكاً منه لتوافق هذه العلاقة مع الفطرة بشكل أكبر من العلاقات الأخرى جميعاً.
170


العادة الرابعة "فكِّر بعقلية: أربح ويربح الاّخرون"
" لا ضرر ولا ضرار"
وإذا كنا قررنا أن الإسلام العظيم يحضُّ الناس على تقديم الخير للآخرين، ويطلب منهم دائمًا أن يفكروا في نفع الآخرين كما يفكرون في نفع أنفسهم، فإن الإسلام حذر أيضًا من عكس ذلك. لقد حذر من جميع أطراف المعادلة التي يكون فيها الضرر بالآخر متحققًا. فقد قررت القاعدة الشرعية العظيمة هدم مبدأ "أخسر أنا ويخسر الآخرون" في قول النبي صلى الله عليه وسلم "لا ضرر ولا ضِرار". ونهى أن يبادل الضرر بالضرر في قوله تعالى "ادفَع بِالَّتِي هِيَ أَحسَنُ فَإذا الَّذِي بَينك وَبَينَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلي حَمِيمٌ"(1).

لا يمكنك أن تكون محقاً في كل وقت، ولكن"
يمكنك أن تكون سعيدا دائمًا" (مجهول)

أبعاد أخرى:
وفي الإسلام يمتد مفهوم (المنفعة للجميع) إلى أبعاد أخرى لا يمتد إليها مفهوم كوفي في عادته هذه. ذلك أن المسلم لديه بُعد الآخرة، ومن ثم فإن النفع الحاصل له يكون على مدى أوسع من الدنيا، حيث يمتد ليشمل الآخرة. فحتى على فرض أن إرادة النفع للآخرين لم تجلب للإنسان النفع الدنيوي العاجل فإنها بلا شك تجلب له النفع الأخروي الباقي، مما يوسع مفهوم المنفعة بشكل كبير. إنك عندما تريد الخير لأخيك وتسعى في ذلك، فإنك مأجور على ذلك إن أخلصت النية، وإن لم يصبك نفع في هذه الحياة كما قال صلى الله عليه وسلم: "من فرَّج عن مسلم كربة من كرب الدنيا فرَّج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلمًا ستره الله يوم القيامة "(2). بل إن المسلم مأمور ألا يتوقع النفع الدنيوي ولا ينتظره كما في قول الله تعالى: (إِنَّما نُطعِمُكُم لِوَجهِ اللهِ لا
1.سورة فصلت، آية41.
2.رواه البخاري، رقم (2262).
171


العادة الرابعة "فكِّر بعقلية: أربح ويربح الاّخرون"

نُريدُ مِنكُم جزاءً وَلاَ شُكُوراً، إنَّا نَخَافُ من رَبنا يَوماً عَبُوساً قَمطَريراً، فَوَّقَاهُم الله شَرَّ ذَلِك اليوم وَلَقاهُم نَضرَة وَ سُرُورا ً)(1) فالعلاقة هنا علاقة النفع للجميع ذاتها، ولكنها بمعناها الأوسع والأشمل والمتوافق مع المعنى الإسلامي الأشمل للعادة الثانية، وهي النهاية الحقيقية للإنسان.
"قد تصاب بالإحباط إذا وثقت في كل الناس، ولكنك
ستشعر بالتعاسة الحقيقية إذا لم تثق في أحد أبداً "
(فرانك كرين)
والإسلام بهذا قد حلَّ الإشكال الأكبر في هذه العادة، حيث إن معظم الناس في تصوري لا يرضون بحل: "أخسر ويخسر الآخرون" إلا عند اليأس المطبق ومعظمهم أيضاً لن يرضوا بحل: "أخسر ويربح الآخرون" المشكلة دائماً هي في تعارض ربح الآخرين مع ربحي أنا، أو في عدم وجود ربح لي في العمل، مع وجود ربح أكيد للآخرين، وهنا يزول الحافز للعمل.
ففي الإسلام نتعلم ان ربحك من العلاقة يمتد كما بيّنا ليشمل الآخرة أساسًا والدنيا تبعًا، ومن هنا فإن أي علاقة مهما كانت يمكن أن يتحقق فيها الربح للإنسان، ويكون هناك دافع دائم إلى العمل النافع للآخرين.
التضحية:
بهذا الفهم الأوسع نستطيع أن نفهم مبدأ التضحية في الإسلام، وهو المبدأ الذي يحاول كوفي أن يفلسفه بطرق لا تتواءم مع العصر المادي الذي نعيش فيه. حيث يضطرب كوفي عند مناقشة الكثير من الأعمال التطوعية التي لا يرجى منها نفع دنيوي، وهي منتشرة حتى في بعض المجتمعات غير المسلمة، بل يؤسفني أن أقول: إنها منتشرة في المجتمعات غير المسلمة أكثر منها في الكثير من المجتمعات المسلمة. ففي نظر كوفي أن المعطي وإن تضرر في بعض الأحيان فإنه يجازى بلذة
1.سورة الإنسان الآيات 11.8.
172


العادة الرابعة "فكِّر بعقلية: أربح ويربح الاّخرون"
روحية ومتعة ذاتية تكون هي عوضه عما أعطى، وأن مجرد العطاء في نفسه هو عامل جالب للسعادة والسرور. وهذا مفهوم صحيح وحاصل بلا شك، ويشعر به من جربه من المسلمين وغير المسلمين، ولكنه مفهوم هو أقصر نظرًا وأقل عمقاً من المفهوم الواسع للجزاء في الدنيا والآخرة الذي يؤمن به المسلم. المؤمن يطبق نفس قاعدة كوفي وهي النفع للجميع، ولكن نفعه من هذه العلاقة لا يجب أن يكون مقتصراً على هذه الحياة الدنيا؛ بل لا بدَّ أن يكون متجها في أصله إلى النفع في الدار الآخرة بابتغاء ما عند الله من الأجر العظيم. ولا مانع بعد ذلك أن يحصل له النفع الدنيوي كذلك.
ولا أجد فيما اجتمع عندي من القصص والأمثلة قصة هي أكثر إبهارًا من قصة جرير بن عبدالله رضي الله عنه- وهو الصحابي الذي روى حديث النصيحة السالف الذكر – وقد رواها الطبراني بإسناده، واختصارها أن جريرًا رضي الله عنه أمر مولاه أن يشتري له فرسًا، فاشترى له فرسًا بثلاث مئة درهم، وجاء به وبصاحبه لينقده الثمن. فلما اطلع جرير على الفرس رأى أنه يستحق أكثر من ثلاث مئة درهم، فقال للرجل: فرسك هذا خير من ثلاث مئة درهم، أتبيعه بأربع مئة درهم؟ فقال الرجل: أجل، قال جرير، والله إنه لخير من أربع مئة، أتبيعه بخمس مئة؟... ولم يزل جرير بالرجل يزيده مئة بعد مئة إلى أن بلغ ثمان مئة درهم فاشتراه منه. فقيل لجرير في ذلك: فقال: إني بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على النصح لكل مسلم. ففي هذه القصة العجيبة دليل على أن معنى النفع المتحقق للإنسان من العلاقة لا ينحصر في الإسلام على النفع الدنيوي وإلا لاعتبرنا هذه العلاقة هي القصة كم علاقات "أخسر أنا ويربح الآخرون" ولكنها في المفهوم الإسلامي من صميم "أربح أنا ويربح الآخرون". وبالمناسبة، فالقصة أيضًا دالة دلالة عظيمة على عادة المبادرة. فهذه الشخصية العظيمة قدمت مبادئها وقيمها ومراقبتها لله تعالى واحترامها للعهد الذي أخذته على نفسها أمام النبي
173


العادة الرابعة "فكِّر بعقلية: أربح ويربح الاّخرون"
صلى الله عليه وسلم على المنفعة الذاتية الوقتية، وبذلك تجلت فيها القمة من المبادرة في أسمى معانيها وأروع تطبيقاتها. كما أن فيها تطبيقًا للعادة الثانية حيث قدم جرير رضي الله عنه المهم في نظره (وهو نفع المسلم أخيه المسلم وعدم غشه والمحافظة على العهد بالنصيحة لكل مسلم) على العاجل الملح الأقل أهمية (وهو الاكتساب من هذه الصفقة).
وبهذا ترى أن موقفاً واحدا ًيمكن أن يكون فيه إبراز للعادات الثلاث معاً مما يبرهن على عظيم تربية النبي صلى الله عليه وسلم للصحابة على مبادئ النجاح والفاعلية بشكل عملي ومؤثر، ويدل أيضاً على أن هذه العادات السبع هي فعلاً منظومة فكرية وعملية مترابطة.
نموذج إسلامي آخر يوضح أن النفع لا يقتصر على النفع الدنيوي، بل قد يشمل نماذج أخرى كثيرة من النفع يظهر في مثل الحديث الشريف: " مَنْ صَنَعَ إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مَا تُكَافِئُونَهُ فَادْعُوا لَهُ" (1).
فهذه العلاقة هي من صميم علاقة أكسب ويكسب الآخرون، ولكن مفهوم الكسب للآخر أخذ شكلاً مختلفاً وبأبعاد أخرى.
صور مقابلة:
أهمية هذه النقطة في حياتنا اليومية كبيرة جدًا، فقد تحولت للأسف البالغ كثير من علاقاتنا التي ينبغي أن تكون من نوع (أربح ويربح الآخرون) إلى أحد الأنواع الأخرى. ما أكثر ما تجد عقلية التنافس المحموم على الدنيا تطغى على مجتمعاتنا، تنافس محموم يصادم أساسيات الإيمان بالقدر، وبأن الرزق من عند الله تعالى، سباق محموم يضطر الإنسان إلى أن يكون مكسبه الشخصي هو مركز كل اهتماماته و مركز التوازن في حياته، يفعل ذلك غير عابئ بمصالح الآخرين أو مشاعرهم. هذه العقلية هي العقلية التي يتعامل بها السائق الذي يسابقك عند تقاطع الطرق، ويشير إليك بالأضواء العالية، يدفعك دفعاً
1.رواه أبو داوود والنسائي وأحمد والبخاري في الأدب المفرد وصححه النووي.
174


العادة الرابعة "فكِّر بعقلية: أربح ويربح الاّخرون"
إلى أن تتحرك من مساره بسرعة، وكأنما قد فاته موعد استلام جائزة نوبل! وهي العقلية التي يفكر بها قليل الحياء الذي يتسلل إلى مقدمة الصف، وقد اصطف عشرات الناس قبله، وهي العقلية التي يرمي بها أحدنا القمامة من نافذة سيارته في استفزاز للذوق العام، وهي العقلية التي يجبر فيها أحد الشباب كل من في الصالة على استنشاق دخان سيجارته رغم اللوحة الكبيرة التي تخرق العيون "ممنوع التدخين". كل هذه صور يومية لعقلية أربح أنا ويخسر الآخرون.
وبالمقابل تعاني كثير من أعمالنا الإغاثية ومنظماتنا غير الربحية من عقلية قريبة من عقلية أخسر أنا ويكسب الآخرون؛ أي أنها تقوم دائمًا على افتراض تبرع الناس بأوقاتهم وعدم أخذ الأجر الدنيوي على جهودهم، هذه العقلية الكريمة النزيهة المضحية هي زينة الأرض، وسبب بركتها، ولكن هذه العقلية سرعان ما يصيبها الفتور ويتسلل إليها الذبول، ذلك أنها لا تستطيع أن تصمد وحدها أمام الأعاصير. هذه العقلية هي التي تعمل بها أكثر مؤسساتنا التطوعية والإغاثية، هي العقلية التي يتوقع منا جميعًا أن نعمل بها، والحق أن الله تعالى عندما أمرنا أن نعبده لم يأمرنا أن نفعل ذلك متطوعين. وهو تعالى الغني عن عبادتنا. بل رتَّب على ذلك الجزاء العظيم، والأجر الجزيل في الدنيا والآخرة، ومن ثم فإن عقلية التطوع هي عقلية مطلوبة ومهمة، ولكن لا بدَّ أن تكون محدودة بحدود، من أهمها: أن لا نتوقعها من كل أحد، وإذا قام بها شخص ألا نتوقعها منه دائمًا، وإن قام بها لفترة أن لا نستغلها نحن فيه. زمما يستفزني في هذا السياق ما يلمز به بعض الناس عددًا من الدعاة أو المصلحين أو المفكرين الذين أسسوا شركات أو مؤسسات ربحية في مجال تخصصهم نفع الله بها الناس، وعم بسببها خير كثير، فيتهم الناس نيلت القائمين على مثل هذه المؤسسات أنهم لم يبتغوا بها وجه الله وأن غرضهم الربح المالي، فهل العمل الإيجابي المفيد مرتبط دائمًا بالتطوع والتضحية؟ هل إنشاء مشروع يفيد المسلمين ويفيدني
175


أيضًا فيه تناقض مع احتساب الأجر من الله تعالى؟ إن الأعمال الكبيرة المؤثرة يندر أن يستمر عليها الإنسان فترة طويلة إذا كان مظلومًا ماديًا ومضيقًا عليه في رزقه، وبالمقابل إن التوسعة في الرزق بالمعقول من أهم أسباب الإبداع والتفرغ للإنتاج المثمر. فما أحوجنا إلى أن نعود لأرض الواقع، ونفكر دائمًا بعقلية الربح للجميع.
"لا تسر أمامي فربما لا أتبعك، ولا تسر خلفي فربما لا
أقودك إلى المكان الصحيح، كل ما أطلبه منك هو أن تسير
معي وسنصل حتماً". (ألبرت كاموس)
176


العادة الخامسة:
"احرص أولاً أن تَفهمَ
ثم أن تُفهم"

قال تعالى
(ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون)
(سورة الأنفال)


صفحة فارغة
178


العادة الخامسة "احرص أولاً أن تَفهمَ ثم أن تُفهم"
وفي النفس حاجات وفيك فطانة سكوتي بيان عندها وخطاب
(المتنبي)
179


صفحة فارغة
180


العادة الخامسة "احرص أولاً أن تَفهمَ ثم أن تُفهم"
ملخص هذه العادة:
هذه العادة المهمة هي ثاني العادات في العلاقات العامة. إنها تتحدث عن فن الاستماع. يسجل هنا كوفي ملاحظة جميلة، وهي: أن الكثير من الناس يتقنون فن الحديث، يتدربون عليه ويمارسونه أمام الناس ويأخذون الدورات فيه، ولكن كم منا يتقن فن الاستماع ويتدرب عليه؟ يقرر كوفي أن من حاجات الإنسان الأساسية أن يُفهم، ولا يمكن أن يكون هناك فهم حقيقي من دون أن يكون هناك استماع جيد. الاستماع الجيد يُشبع في المتحدث غريزة التقدير والاحترام ويعزز من ثقته بنفسه، ثم هو بعد يخفف من وطأة الخلاف، ويفتح مجالات جديدة للنقاش والتفاهم، وعندما تصبح احتمالية أن يفهمك الآخر عندما تتحدث أكبر. يُشبِّه كوفي الحاجة إليه الطبيعية في الإنسان لأن يفهم بحاجة البشر إلى الهواء. هذا الهواء يحتاجه كل أحد ولكنه رخيص الثمن لا يحصل عليه نزاع؛ لأنه متوفر وبكثرة ولكن متى ما فقد بدت قيمته وعزت على كل شيء آخر. وكذا حاجة الإنسان إلى الفهم، متى ما أعطيت له بالاستماع الجيد استطاع أن ينتقل منها إلى غيرها، ومن
181



ذلك أن يفهم وأن يستمع إليك . وأما إذا نزعت منه هذه الحاجة وخرمته منها بسوء الاستماع فإنه سيظل يبحث عنها ويطلبها ومن ثم تكون احتمالية أن يلتفت إليك أو أن تؤثر أنت فيه ضعيفة جداً .
إنك لا تستطيع أن تصافح الناس وكفك مقبوضة " ( غاندي )
ثم يناقش كوفي مفهوم الاستماع الفعال ، ويقترح له أموراً نظرية وعملية مهمة . فمن الأمور النظرية ألا تستمع إلى الأخرين من منطلقاتك الشخصية ، ولكن حاول أن تستمع لما يقولون بالعفل ، وأن تحاول أن تفهمهم وتقبلهم كما هم . حاول أن ترى الحياة بصورة جديدة من خلال آرائهم وكلامهم بدلاً من أن تراها بناءً على نظرتك أنت وتجاربك أنت .
يقول كوفي : " معظم الناس لا يستمعون بهدف الفهم ، فهم يستمعون بهدف الرد ، وهم إما يتحدثون أو أنهم يستعدون للتحدث " . وهذه مشكله كبيرة خاصة عندما يكون النقاش أو الحوار بين شخصين بينهما تباين مافي العمر أو الثقافة أو المستوى الاجتماعي ،.
حيث إنه عادة ما يستمع الأعلى منزلة للآخر من خلال تجاربه هو وخبراته هو والطريقة التى يراها هو للحياة وليس من خلال ما يقوله الآخر بالعفل . تماماً كما قال إبراهام ماسلو :" إن الشهص الماهر في الضرب بالمطرقة يرى كل شيء أمامه مسماراً ".
قيل" أن أستطيع المشي بحذاء الآخرين لابد أن أخلع حذائي أولاً"( مجهول )
يقول كوفي : إن هناك على الأقل ثلاثة عناصر تسهم في الثأثير في الناس ، وهي أولاً : الأخلاق ( مصداقيتك الشخصية ) من حيث تمثلك لما تربد أن تقول في تفسك ، ويمكن أن نطلق على ذلك القدوة .
182


ثانياً : الشفقة ( وهي رحمتك بالآخر وحبك له وتعاطفك معه ) .
وأخيراً : المنطق ( وهي الحجة العقلية والإستماع ). ولكن كوفي يقرر أن معظم الناس يذهبون مباشرة إلى المنطق ، فيحاولون أن يقنعوا الآخر بالعقل فقط ، ولكن كوفي يقترح أننا نستطيع أن نقنع الآخرين أكثر إذا التزمنا بالتسلسل التالي : القدوة ، ثم الشفقة ، ثم المنطق . وهذه العادة
( الاستماع الفعال ) هي من أنجع وسائل تحقيق العنصر الثاني من وسائل الإقناع وهو الشفقة .
ومن النصائح العملية ، أن يواجه المتحدث ، وينظر عينيه ، وأن يبتسم له ويساعده على المزيد من الحديث بإعطائه الإشارات الدالة على اهتمامه بالحديث ولكن الأهم من ذلك كله أن يستمع لع بقلبه قبل أن يستمع لع بأذنيه .
( ???)


تأملات حول العادة الخامسة .
" لقد علمتني الحياة أن أفضل طريقة الإقناع الإخرين ، هي أن تستمع إليهم " ( دين رسك)"

( لا يسمعون ) :
عندما كنت أقلِّب الطرْفَ في القرآن الكريم متتبعاً الآيات التى تحث على الاستماع ذهلت لأمرين ؛ الأول : هو كثرة هذة الآيات وتنوعها ، والثاني هو اشتمالها على عوائق الاستماع الجيد . فعلى سبيل المثال ينعي الله تعالى على الذين لا يستمعون إلى الحق ويصدون عنه فيقول : (فأعْرَض أكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُون ) ?
ويقول : (أَمْ تحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُون أَوْ يَعْقِلُونَ ) ? ،
ويقول : ( لَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا ) ? . ثم يصف الله تعالى الذين يستمعون بآذانهم ، ولكنهم لا يستمعون استماعا حقيقيّا يؤدي إلى التأثير في قلوبهم فيقول : (وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ ) ? ، وقال : (  وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا ) ? ، فهذا دليل على أنهم كانوا يسمعون بآذانهم فقط ، ولم يفتخوا قلوبهم لفهم ما سمعوه . واعتبر القرآن عدم القدرة على الاستماع المؤدي إلى الهداية عقوبه ربانية :( وَخَتَمَ عَلَى سَمْعه ) ? ، وقال مُنكراً : ( الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَن ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا ) ?
فهؤلاء لم يكونوا صما بالتأكيد ولكنهم لم يكونوا يستمعون الاستماع الذي يؤدي إلى
1. سورة فصلت ، آية ?
2. سورة الفرقان ، آية ??
3. سورة الأعراف ، آية ???.
4. سورة الآنفال ، آية ?? .
5. سورة محمد ، آية ?? .
6. سورة الجاثية ، آية ??.
7. سورة الكهف ، آية ???
184


الفهم والوعي . ولذلك قال في الآية الآخرى مبيناً الاستماع الحقيقي وأثره : (إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ ) ? ، وقال : ( الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ) ? .
وقال مبيناً إن الانتفاع بآيات مرتكز على الاستماع الفعال : ( إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ )? . ولذلك أمر العبد الصالح في قصة القريه في سورة يس قومه بهذا الاستماع الحقيقي المؤدي إلى الفهم الصحيح ؛ فقال : ( إِنِّي آمَنْت بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ ) ?. وضرب الله تعالى لنا في القرآن أمثلة عديدة في فن الا ستماع الجيد المؤدي إلى الفهم الصحيح . من ذلك مثلاً هذا المثال العجيب الذى حكاه الله تعالى عن الجنّ  ، فقال تعالى : (  (وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّيَسْتَمِعُونَ الْقُرْآَنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ ، قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَى? مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى? طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ ، يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآَمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ) ? . فياله من استماع تخطى كل الحواجز الطبيعيه بين الأنس والجن وظروف الزمان والمكان وأدى إلى هذا الفهم العميق والاستجابه السريعه . وفي المقابل ، ضرب الله أمثله للأستماع غير المجدي ، فبالإضافه إلى ماذكرنا طرفاً منه أعلاة تطل علينا هذه الصورة من الاستماع غير الجاد الذي ليس الهدف منه فهم الطرف الآخر واستيعاب موقفه وإنما الاستماع لمجرد السماع ، فقال تعالى وأصفاً المشركين : ( مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ ) ? ، وفي مثال آخر
1. سورة الأنعام ، آيه ??.
2. سورة الزمر ، آيه ??
3. سورة يونس ، آيه ??.
4. سورة يس ، آيه ?? .
5. سورة الأحقاف ، الآيات ?? _ ??.
6. سورة الأنبياء آيه ?.
185


(إِذْ يَسْتَمعُونَ إِلَيْكَ وَإذْ هُمْ نَجْوَى )(?).
ففي هذين المثالين سببان من أسباب ضعف الاستماع الفعال ، وهما : الاستهزاء بالطرف الآخر وعدم الاكتراث به ،والتحدث أثناء حديثه وعدم الإنصات له.
الثرثارون :
"لقد سمعنا هذا النقد كثيرا :إنه يتكلم كثيرا هل سمعت في حياتك أحدآ انتقد لانه يستمع كثيرا ؟"
(نور م اجستين)

في المقابل نجد الإسلام ينهى عن الثرثرة وكثرة الكلام من غير فائده ،في مثل قول النبي صلى الله عليه وسلم :" وإن أبغضكم إلي وأبعدكم مني مجلساً يوم القيامة الثرثارون والمتشدقون والمتفيقهون " (?)وقوله :" أمسك عليك لسانك "(?) وفي رواية أخرى :"املك عليك لسانك " (?)

وفي القرآن حوار :
المتأمل في القرآن الكريم يتابع مجموعة متميزة من الحوارات التي وردت في الإقناع والتأثير .ونحن نجد أن هذه الحوارات في القرآن هي حوارات حقيقية تُعرض فيها حجج الطرف الآخر وتُبين وتُناقش في جو مفتوح غير مكبوت .وهذا كما بيّنا ،من اهم عناصر الاستماع الجيد وهو أن يكون الاستماع من أجل فهم الطرف الآخر بصدق ، وليس إستماع من يعد العده الرد ، خذ مثلاً عرض القرآن لهذه الحجه من المشركين المنكرين للبعث :( وَقَالُوا إنْ هَذَا إلاّ سحْرٌ مُبينٌ ،أَئَذا مِتْنَا وَكُنّا تُرَاباً وَ عِظَاماً أَئِنّا المبْعُوثُونَ، أوَبآؤنَا الأوّلُونً) (?) .
ـــــــــــــــــــــــــــ
?.سورة الإسراء، ايه ??.
?. رواه الترمذي، رقم ( ????).  ورواه أحمد رقم ( ?????)
?.رواه الترمذي، رقم (????).
?.رواه أحمد رقم ( ????) . وأبو داود رقم ( ????).
?.سورة الصافات ايه ??_?? .
(???)


العادة الخامسة احرص اولا ان تفهم ثم ان تفهم
عرضة لدميع الحجج التي ساقها المشركون متتابعة(ام خلقوا من غير شيء ام هم الخالقون , ام خلقوا السموات والارض بل لا يوقنون, ام عندهم خزائن ربك ام هم المسيطرون ,ام له سلم يستمعون فيه فليأت مستمعون بسلطان مبين...) (1) ففي هذه الأيات العظيمة-وان لم تكن حوارا تقليديا بين طرفين –نجد ان الله تعلى يسوق حججهم كلها ويعرضها دون اخفاء او كبت وانظر اخيرا الى هذا الحوار:(قل من يرزقكم السماء والارض امن يملك السمع والابصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الامر فسيقولون الله)
فاذا كان القران الكريم وهو الكتاب الذي لهداية البشرية وارشادها الى الحق يعرض بتجرد كبير حجج الكافرين كما هي ويسجلها الى يوم القيامة في كلام يتعبد الناس بقراءته في كل مكان وزمان فما بالنا لا نستطيع ان نستمع للأخرين ونحاول ان نتفهم وجعة نظرهم من خلال مرجعياتهم هم وتصوراتهم هم؟
ان اهم ميزة للعقل المثقف ان يستطيع التأمل في أي فكرة مهما كانت ويتعامل معها من دون ان يقتنع بها بالضرورة (ارسطو)
(وانا او اياكم):
النقطة التي ذكرها كوفي في اصول الاستماع الجيد, وهي ان المستمع لابد ان يتخلى قليلا عن خلفيته المعرفية والثقافية, وينطر للقطية من وجهة نطر الاخر ومن منطلقة هو, هي نقطة اصيلة في الفكر الاسلامي بل هي من أداب الحوار بالتي هي احسن الذي اوصى به الله تعالى
1- سورة الطور ,الايات25-38.
2- سورة يونس ,اية 31.
187


العادة الخامسة احرص اولا ان تفهم ثم ان تفهم
في قولة (وجادلهم بالتي هي احسن ) (1) وفي هذا الصدد يقول الله تعالى على لسان المحاورين من الانبياء في حوارهم لأقوامهم (قل من يرزقكم من السموات والارض قل الله وانا او اياكم لعلى هدى او في ظلال مبين ) (2) ففي هذه الايه بيان لاحد اهم أداب الحوار وهي ان يبدا الحوار من غير تعصب وتشنج كل طرف لنظرته, وبالتتالي تصور الايه هنا جميع الاحتمالات الممكنة الناتجة عن هذا الحوار على لسان النبي ( وانا او اياكم لعلى هدى او في ظلال مبين) أي يمكن ان نكون نحن على هدى او في ضلال مبين , ويمكن أي اضا ان تكونوا انتم على هدى او في ضلال مبين , اذن فكل الاحتمالات وارادة مع بداية الحوار , واظراف الحوار ليس لديهم قرارات سابقة وانما هم منفتحون تماما لتقبل الرأي الاخر.
فاذا كان هذا المبدأ مندوبا الية في الحوار في اصل العقيدة فكيف يكون الحال في الحوارات في الامور الفرعية الاخرى؟؟ ثم تتلوا هذه الايه اية عظيمة اخرى في ادب الحوار يقول الله تعالى (قل لا تسألون عما اجرمنا ولا نسأل عما تعملون)(3). ففي هذه الايه الى ان كل طرف من اطراف الحوار مسؤول عن نفسة, وليس مسؤولا عن الاخر وبالتالي فلا داعي لاتهام النيات والدخول في القلوب, ولا داعي ايضا الى اقحام الرأي على الاخر, وفرضة علية بالقوة بل يطرح كل من الطرفين حجته على الاخر, ويستمع الاخر اليها استماعا ايجابيا محاولا بصدق تفهم وجهة النظر الاخرى, ثم يرد علية برفق, فاذا لم يتوصل الى اتفاق تفرق الحوار عن روح ايجابية لا يشعر فيها احد من الطرفين بأنه ملزم الزاما بأقناع الطرف الاخر برأيه. وتطبيقا لهذا المبدأ العظيم اثر عن غير واحد من الائمة الاربعة.
1- سورة النحل, اية 125.
2- سورة سبأ, اية 23.
3- سورة سبأ, اية24.
188


العادة الخامسة احرص اولا ان تفهم ثم ان تفهم
قولهم(رأيي صواب يحتمل الخطأ, ورأيك خطأ يحتمل الصواب ). وكم سطر التاريخ من المناظرات الشهيرة بين العلماء المسلمين التي انتهت بان اقتنع كل من الطرفين برأي الاخر وتبناه .
(اننا لا نرى الواقع كما هو في الحقيقة وانما نراه كما نتصوره ). (أنايس نين)
189

تطبيقات حول العادة الخامسة
ان تجد خيراً فخذه واطرح ما ليس حسناً
ان بعض القول فن فاجعل الإصغاء فناً

"أفرغت يا أبا الوليد؟"
من أهم الأمثلة العملية لتطبيق النبي صلى الله عليه وسلم لأسلوب الاستماع و الفهم من الآخر القصة المشهورة التي فيها أن عتبة بن ربيعة جلس إلى النبي صلى الله عليه و سلم فقال له : يا ابن أخي, إنك منا حيث قد علمت من السلطة في العشيرة و المكان من النسب, وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم, فرقت به جماعتهم, وسفهت به أحلامهم, وعبت به آلهتهم, وكفرت به من مضى من آبائهم, فاسمع مني أعرض عليك أموراً تقبل بعضها. قال النبي صلى الله فيله وسلم: "قل يا أبا الوليد أسمع" , فقال له عتبة ما قال, حتى إذا فرغ قال له النبي صلى الله عليه وسلم "أوقد فرغت يا أبا الوليد" فقال : نعم , قال:" فاسمع مني",قال"أفعل, فقرأ عليه النبي صلى الله عليه وسلم مطلع سورة فصلت"(1). فانظر إلى حلم النبي صلى الله عليه وسلم وقدرته على الاستماع, لقد جاءه هذا الصنديد من صناديد قريش, واتهم النبي صلى الله عليه وسلم في وجهه بما هو كذب وافتراء, ثم قال له : سأعرض عليك أموراً لعلك تقبل بعضها. لقد كان من الطبيعي بعد هذه المقدمة السمحة التي قدم بها عتبة حديثه أن يقول له النبي صلى الله عليه و سلم: لقد قلت ما عندك فدعني أرد عليك, كان من الممكن أن يقول له: وماذا عساك أن تعطيني من البدائل, أو أن يقول: وفر على نفسك ما تريد أن تقول, فإني لن أرضى بأي حلول منك. ولكن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقل أياً من ذلك , بل تنازل وأعطى الرجل حرية الحديث,
1 روى القصة الإمام ابن كثير في تفسيره, وحسن القصة الألباني
190


فقال: " قل يا أبا الوليد أسمع لك". وبعدما بدا أنه انتهى لم يبادر النبي صلى الله عليه وسلم بالرد مباشرة منتهزاً فرصة انقطاع حديثه ليبادئه بالحديث و الهجوم, بل تأكد من أنه فرغ من كل ما لديه, وقال كل ما عنده, فخاطبه بكنيته احتراماً قائلاً:"أو قد فرغت يا أبا الوليد". ثم تمم النبي صلى الله عليه وسلم التسلسل بعد ما حاول أن يفهم محاوره بأن استعد الآن, بعدما فرغ الآخر من كل ما لديه, وشعر باحترام رأيه و سماع صوته, قال :"فاسمع مني".

حاطب:
وهذه قصة عجيبة, يتبين فيها تنفيذ النبي صلى الله عليه وسلم لهذا المبدأ المهم بشكل عملي. وملخص القصة أن الصحابي الجليل حاطب بن أبي بلتعة خاف على ماله و أهله في مكة قبل فتح مكة بقليل, فأراد أن تكون له يد عند زعماء مكة, فأرسل برسالة إلى أهل مكة ينبئهم فيها بشيء من أمر النبي صلى الله عليه وسلم. فلما علم النبي صلى الله عليه وسم بالخبر, أرسل الفرسان ومنهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه ليلحقوا بالمرأة التي أرسل معها حاطب رسالته. فلما أتوا بالرسالة قال عمر رضي الله تعالى عنه:"قد خان الله ورسوله و المؤمنين, دعني أضرب عنقه", يعني حاطباً. فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم إلى حاطب, وقال:"ما حملك على ما صنعت؟" فقال حاطب:" و الله ما بي ألا أكون مؤمناً بالله ورسوله, أردت أن يكون لي عند القوم يد يدفع الله بها عن أهلي ومالي, وليس أحد من أصحابك إلا له هناك من عشيرته من يدفع الله به عن أهله وماله", فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" أليس من أهل بدر, لعل الله اطلع على أهل بدر, فقال: اعملوا ما شئتم, فقد غفرت
191


لكم", فدمعت عينا عمر وقال:"الله ورسوله أعلم"(1).
ففي هذه القصة مثال آخر يبين تطبيق النبي صلى الله عليه وسلم لهذه القاعدة المهمة. ففي هذه القصة نجد أن حاطباً رضي الله عنه قد أفشى سر النبي صلى الله عليه وسلم لألد أعدائه وعرض الجيش للخطر. فلما انكشف الأمر وتبين ما صنع, بادر عمر رضي الله عنه إلى التصرف الذي تمليه عليه ردة الفعل الطبيعية على فعل كهذا, بدا في ظاهر الأمر أنه خيانة عظمى و نفاق وردة, قال عمر: دعني أضرب عنقه فقد نافق. ولكن النبي صلى الله عليه وسلم كان يريد أن يعرف من حاطب مباشرة السبب الحقيقي من وراء فعله هذا, هل فعل هذا موالاة للكافرين وطعناً في المؤمنين, أم أنه فعل ذلك طلباً للدنيا وخوفاً على نفسه و أهله وماله في لحظة ضعف, والفرق بين الموقفين كبير, فبادر النبي صلى الله عليه وسلم بالاستماع إلى حاطب أولاً قبل أن يصدر حكمه عليه, أراد أولاً أن يفهم الطرف الآخر وخلفيته ودوافعه قبل أن يصدر الأحكام في حقه, فقال صلى الله عليه وسلم: ياحاطب ما حملك على ماصنعت؟ ثم بدا له بعد الاستماع أن المسألة كانت في أصلها خوف على الدنيا, وليست خيانة عقدية كما بدا في أول الأمر فعفا عنه.
"إننا نبني أسواراً كثيرة و لا نبني جسوراً بالقدر الكافي" (إسحاق نيوتن)
"ما حملك أن بُلت في مسجدنا؟"
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : أتى النبي صلى الله عليه وسلم أعرابي فبايعه في المسجد ثم انصرف, فقام ففحج ثم بال, فهمّ الناس به, فقال النبي صلى الله عليه وسلم:" لا تقطعوا على الرجل بوله" ثم قال"ألست بمسلم؟" قال : بلى, قال:"ما حملك أن بلت في مسجدنا؟" قال: والذي بعثك بالحق ما ظننته إلا صعيداً من الصعدات فبلت فيه,
1 رواه البخاري, رقم (3684)
192


فأمر النبي صلى الله فيه وسلم بذنوب ماء فصب على بوله.
فانظر إلى حسن استماع النبي صلى الله عليه وسلم واستفساره عن هذا الرجل, بدلا من الأخذ بالشدة ومحاكمته بناءً على تصورات مسبقة, فتصورات الصحابة كانت أن هذا المسجد مكان مقدس لا ينبغي أن يدنس بالبول, ولا يليق فيه هذا العمل, ولكن مرجعية هذا الأعرابي مختلفة, فقد ظن أن المسجد صعيد من الصعدات, فبال فيه, ولم يكن هناك من سبيل لأن يفهم الطرف الأول الطرف الثاني إلا بالاستماع الجيد. فطلب النبي صلى الله عليه وسلم من الرجل أن يبين له السبب الذي دعاه إلى عمل هذا , وأنصت له, وتفهم موقفه كما قاله, وتصرف بناءً على ماسمع وفهم من الرجل. وقد كان لأثر هذه العبقرية في التعامل من قبل النبي صلى الله عليه وسلم أن لم ينفر الأعرابي البسيط وإنما حببه في الإسلام وفي شخصه الكريم وألف قلبه كما تبين نهاية القصة.

"ما عندك يا ثمامة"
أسر الصحابة رضي الله عنهم ثمامة, وكان سيداً في قومه, فربطوه بسارية المسجد, فخرج إليه النبي صلى الله عليه وسلم , فقال:"ما عندك يا ثمامة؟",فقال: عندي يا محمد خير. إن تقتِل تقتل ذا دم, وإن تُنعم تُنعم على شاكر, وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ماشئت. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" أطلقوا ثمامة" فانطلق ثمامة فاغتسل ثم دخل المسجد فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله, يا محمد والله ما كان على وجه الأرض أبغض إلي من وجهك, فقد صار وجهك أحب الوجوه كلها إلي....."(1) وشاهدُنا في هذه القصة كذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم بدأ أول ما بدأ بالاستماع قبل الكلام, وقبل الحكم فقال لثمامة:"ماذا عندك يا ثمامة؟"
1 رواه البخاري, رقم(4024)
193


وهو سؤال استفتاحي يحض الآخر على الحديث. وبعدما استمع إليه النبي صلى الله عليه وسلم وفهم منطلقه, واستوعب موقفه, تصرف صلى الله عليه وسلم بناءً على هذا الفهم فأطلقه, فحصل هذا التحول العجيب في توجه الرجل وتعامله بعد ذلك.

"ماحملك؟"
والقصص أكثر من أن تحصى في تقرير هذا الأسلوب من النبي صلى الله عليه وسلم في استبيان نوايا الناس ومرئياتهم في ما صدر منهم قبل استصدار الأحكام عليهم جزافاً بناءً على استنتاجات شخصية مسبقة. ولقد تتبعت مواقف كثيرة استخدم فيها النبي صلى الله عليه وسلم الأسلوب نفسه, فضلاً عن أساليب أخرى كثيرة في محاولة الفهم قبل الحكم. وأختم بقصة الرجل الذي ظاهر من امرأته, فأتى النبي صلى الله عليه وسلم يستفتيه في أنه وقع عليها,فابتدره النبي صلى الله عليه وسلم أول ما ابتدره بقوله الاستفتاحي الاستنطاقي الرقيق" ماحملك على هذا يرحمك الله؟"(1).

"ألا تحدثوني!":
وكان النبي صلى الله عليه وسلم في الحملة كثير الاستماع إلى الناس, فعلى سبيل المثال: كان صلى الله عليه وسلم يسأل أصحابه أن يقصوا عليه أحلامهم ومناماتهم. ولما رجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مهاجرة البحر قال:"ألا تحدثوني بأعاجيب ما رأيتم بأرض الحبشة"(2). وكان لا يحقر حديثاً مهما كان, ومن ذلك القصة المشهورة التي أخذت فيها عائشة رضي الله عنها تقص على النبي صلى الله عليه وسلم قصة أبي زرع وأم زرع, وهي قصة طريفة مشهورة في حكاية أخبار النساء
1 رواه الترمذي, رقم (1120)
2 رواه ابن ماجه, وحسنه الألباني
194


مع أزواجهن. فاستمع النبي صلى الله عليه وسلم إلى القصة منصتاً مستجمعاً أذنه وذهنه, حتى انتهت عائشة رضي الله عنها من هذه القصة الطويلة, على الرغم من مشاغل النبي صلى الله عليه وسلم الكثيرة و مهامه الكبيرة ومقامه العالي. والدليل على أنه استمع إلى القصة حقاً- ولم يكن ككثير من الأزواج الذين لا يستمعون حقاً- أنه قال:"كنتُ لك كأبي زرع لأم زرع"(1)

"ما تنقمون على علي؟"
وقد اتبع هذا النهج المبارك في حوار المخالف والاستماع له أولاً الصحابة من بعد النبي صلى الله عليه وسلم , وقصصهم في ذلك أكثر من أن تحصى وقد فصلت في كتب مستقلة. ولكني أسوق إليك مثلاً واحداً, وهو قصة الحوار الشهير بين ابن عباس و الخوارج, ذلك أن فيه عبراً كثيرة. فقد روى الباقلاني و الشاطبي وغيرهما أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه بعث ابن عباس إلى الخوارج يناظرهم, والقصة طويلة, وفيها أن ابن عباس أول ما بدأ القوم بالحوار قال أول ما قال: ماذا تنقمون على علي بن أبي طالب؟ قالوا: ننقم عليه ثلاثة أمور. قال:هاتوا. وأخذوا يعددون مآخذهم على أمير المؤمنين رضي الله عنه, وهو يفندها لهم ويناقشهم فيها حتى إذا فرغوا, قال: أو قد فرغتم؟ قالوا: نعم. فانظروا إلى تمثل ابن عباس رضي الله عنه هذا الفن في الحوار وهو البدء بالاستماع الإيجابي قبل محاولة الإسماع الإقناعي ثم انظروا إلى نتيجة هذا الحوار التاريخي مع هذه الفئة الباغية العنيدة من فرق المسلمين, قال الراوي: فرجع منهم عن مذهب الخوارج ألفان(2).
1 رواه البخاري, رقم (4790)
2 أخرج القصة عبد الرزاق في " المنصف", وأحمد في " المسند", والحاكم في "المستدرك" وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم.
195


لسان وأذنان:
و الآثار في الحض على الاستماع إلى الأخرين كثيرة. منها على سبيل المثال قول أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه حين يقول:"إن الله خلق لي أذنين ولساناً واحداً, كي أسمع أكثر مما أقول". منها قول عبد الله بن الطاهر بن حسين:"أكثر الأذن للناس عليك, وأبرز لهم وجهك, وسكن لهم حواسك". وقد روي عن أبي الدرداء رضي الله عنه أنه قال:"لا خير في الحياة إلا لأحد رجلين: منصت واع, أو متكلم عالم". وقد كان من نصيحة بعض الحكماء لابنه أن قال له:" يابني, تعلم حسن الاستماع كما تتعلم حسن الحديث, وليعلم الناس أنك أحرص على أن تسمع منك على أن تقول".
ومن أهم عناصر الاستماع التعاطفي أن تستمع لتفهم, ولترى وجهة النظر الأخرى, لا أن تستمع لترد وتتصيد الأخطاء, أن تستمع لما يقوله الآخر من وجهة تظره هو لا من وجهة نظرك أنت, وقد تنبه الإمام ابن حزم لهذا المعنى الدقيق عندما قال:"من أراد الإنصاف فليتوهم نفسه مكان خصمه, فإنه يلوح له وجه تعسفه". ومن ذلك أيضاً قول الإمام الشافعي رحمه الله:"ما كلمت أحداً قط إلا ولم أبال بيّن الله الحق على لساني أو لسانه". وأختم بهذين البيتين الطريفين لابن الرومي:
من لي بإنسان إذا خاصمته وجهلت كان الحلم رد جوابه
وتراه يصغي للحديث بسمعه وبقلبه ولعله أدرى به
196


العادة السادسة
<<التعاون الإنمائي>>
قال تعالى:"وتعاونوا على البر و التقوى"
(سورة آل عمران)


صفحة فارغة
198


وتوقدت أنفاسنا حتى لقد أشفقت تحترق العواذل بيننا
(المتنبي)
199


صفحة فارغة
200


ملخص هذه العادة :
تحدثنا في العادة الرابعة - وهي أساس العلاقات الناجحة بين الناس - أن العلاقة لا بدَّ أن تكون مبنية على النفع للطرفين, وبناءً على ذلك فإن كلا طرفي العلاقة يكون كاسباً. ولكن هذه العادة السادسة المبدعة تفتح أفقاً هو في مجاله أوسع من العادة الرابعة وأكثر تميزاً. في هذه العادة لا يشترط النفع العام لكلا الطرفين وحسب؛ بل يجب أن تكون المحصلة النهائية للعلاقة أكبر من مجموع العطاء المودع فيها. إن عادة النفع لجميع الأطراف تعني أن واحداً زائد واحد يساوي اثنان, ولكن عادة التعاون الإنمائي المبدع تعني أن واحداً زائد واحد يساوي ثلاثة أو أكثر. إنها لا تعني الحلول الوسط, ولا تعني التنازل, ولا تعني حل المشكلة كيفما اتفق. إنما تعني الحلول المبدعة المبتكرة التي تؤدي إلى النتائج الجديدة التي تراعي الاختلافات بين الناس, وتجد الحلول لما كان يبدو مستحيلاً من قبل.
« إنني أحاول أن أستخدم كل إمكانيات عقلي, ولا أكتفي بذلك؛ بل أستعير عقولاً أخرى كذلك ».
(ودروويلسون)
201


أول خطوة لقدح شرارة التعاون الإنمائي أن نفكر بعقلية جديدة, وننظر إلى المشكلة من زاوية جديدة. هذه الخطوة المهمة مستوحاة من الحكمة المشهورة التي أطلقها أينشتاين عندما قال : "إن المشكلات العميقة التي نواجهها لا يمكن حلها بالعقلية نفسها التي كنا نفكر بها عندما صنعناها". إن علينا أن نفكر بأسلوب جديد. بعد ذلك نحاول أن نتعاون لكي نتوصل لحلول مبدعة ومبتكرة لهذه المشكلات. في هذه الحلول يعطي كل منا أحسن ما عنده, ويقدم كل منا عصارة فكره وتجربته, وتكون النتيجة في العادة حلولاً أكثر عملية وعمقاً للمشكلة المزمنة التي بدت أول الأمر كأنها كارثة.
مثلاً إذا كان هناك شخصان مشتركات في غرفة ما, وكان أحدهما يحب البرد والآخر يحب الحر, وقد بدأت الخلافات تدب بينهما حول هذا الأمر, فإن أول حل لهذه المشكلة أن يستمع كل منهما للآخر ويتفهم وجهة نظره. ثم ليس أمامهم سوى تطبيق أحد العادتين الرابعة أو السادسة. فإذا حاولنا تطبيق العادة الرابعة فإنهم لابد أن يجدوا وسيلة إلى أن يكسبوا كليهما, وإلا إذا تنازل أحدهما أو انتقل إلى غرفة أخرى فلن نكون قد طبقنا العادة الرابعة حقيقة, ولذا فنجن بحاجة إلى العادة السادسة حتى نطبق العادة الرابعة, فلابد لهم من حل جديد ومبتكر ليضمن لهم الاستفادة من هذه العلاقة, فمثلاً يمكنهم أن يضعوا جدولاً لتشغيل المكيف, أو تغيير مكان أسرتهم, أو تغيير نوع المكيف, أو تبديل غرفهم مع أناس آخرين يحبون البرد أو الحر مثلهم وهكذا.. المهم أن يجدوا طريقة مبتكرة جديدة مختلفة عن الحلول الجاهزة التي تضمن حق أحدهما فقط بل تضمن حقوقهما معاً.
« إذا كان الرجلان في مكان العمل متفقين في كل شيء فإن العمل بحاجة إلى واحد منهما فقط, وإذا كانا مختلفين في كل شيء فإن العمل ليس بحاجة إلى أي منهما ».
(داريل زانوك)
202


تأملات حول العادة السادسة
(وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى) (1) :
هذه العلاقات التكاملية الإبداعية نجدها بوضوح في كثير من تشريعات الإسلام الاجتماعية. نجدها مثلاً في التعاون على البر والتقوى, نجدها في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, نجدها في مبدأ الشورى. كل هذه المبادئ من المفترض أن تتكامل فيها الجهود بحيث تتفاعل العناصر الاجتماعية بعضها مع بعض, فتعطي نتيجة هي أكبر من مجموع أفرادها بما يتحقق به معنى الأمة الحق.
وشبَّك بين أصابعه :
أرأيت إلى البنيان وقد وضعت فيه اللبنات دون أن يجمع بينهما الإسمنت؟ هل يصمد بناء مثل هذا في وجه أبسط العوامل البيئية؟ قال صلى الله عليه وسلم : ( المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً, وشبَّك بين أصابعه ) (2). ففي هذا الحديث إشارة واضحة إلى أن وجود اللبنات بعضها بجوار بعض يشد بعضها بعضاً, ويؤدي إلى نتيجة هي أعظم وأكبر بكثير من الأثر والقوة الموجودة في آحادها وفي مجموعها العددي.
البركة :
ومن المرتبط بهذه العادة المهمة من المنظور الإسلامي مفهوم البركة. ذلك أن البركة تعني الزيادة الحاصلة أكثر من المتوقع بفضل الله ومنته. هذه البركة تتحقق بتقوى الله وابتغاء رضاه في كل وقت, ومن ذلك التعاون على البر والتقوى الذي أمر الله به. فهذا النبي صلى الله عليه
(1) سورة المائدة, آية 2.
(2) رواه البخاري, رقم (459).
203


وسلم يقول : ( طعام الواحد يكفي الاثنين, وطعام الاثنين يكفي الأربعة, وطعام الأربعة يكفي الخمسة ) (1).
«أعلمه أنك تحبه» :
من وسائل تنامي الألفة والمحبة بين المسلمين وصية شديدة التأثير عميقة الدلالة. ذلك أننا أمرنا إذا أحببنا أحداً أن نعلمه أننا نحبه. هذا الإعلام له في النفس أثر كبير في تنمية الحب وتدعيمه, كما لا يعرف إلا من جرب. فقد روي أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم, فقال بعض أصحابه : إني لأحبه في الله, فقال صلى الله عليه وسلم : فأخبرته؟ قال : لا, قال : فأخبره. فقال : تعلم أني أحبك في الله. قال : فقال : أحبك الذي أحببتني فيه (2). هذا الاخبار من شخص للآخر في نظري يؤدي إلى تضاعف كبير لقوة العلاقة بين هذين الشخصين وتنام كبير لها.
«القليلون منا الذين يستطيعون عمل أشياء عظيمة, ولكننا جميعاً يمكننا القيام بأشياء بسيطة بحب عظيم».
(الأم تريسا)
(1) رواه مسلم, رقم (3836).
(2) رواه أحمد, رقم (12130).
204


تطبيقات حول العادة السادسة
المؤاخاة
من أوضح الأمثلة العملية في التاريخ الإسلامي على مفهوم التكامل أو التعاون الإنمائي في نظري المؤاخاة التي عقدها النبي صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار بعد الهجرة. تلك المؤاخاة التي لم يعرف التاريخ مثلها, استطاعت أن تتغلب على جميع الفروق النفسية والشخصية بين البشر, وتتغلب على الكثير من الصعوبات الحقيقية في النسيج الاجتماعي لتلك الدولة الوليدة, وتخلق جواً جديداً ومناخاً متميزاً لتنامي فرص جديدة من التكافل والتعاون والأخوة.
عن أنس رضي الله تعالى عنه قال : قدم عبد الرحمن بن عوف المدينة فآخى الني صلى الله عليه وسلم بينه وبين سعد بن الربيع الأنصاري, وكان سعد ذا غنى, فقال لعبد الرحمن بن عوف : أقاسمك مالي نصفين, وأزوجك إحدى زوجتَيَّ, فقال عبد الرحمن : بارك الله لك في أهلك ومالك, دلني على السوق.
ففي هذه القصة التي سقتها مختصرة تطبيقان بديعان لثلاث عادات من العادات السبع, الجزء الأول من العادة السادسة التي نحن بصددها, وهو التعاون الإنمائي, فانظر إلى هذا الصحابي الجليل الذي ابتدع هذا الحل التعاوني العجيب مع أخيه المهاجر, مع ما فيه من التضحية والإيثار, هذا الحل المبتكر الذي يحقق المصالح جميعاً بل وينميها, ولكن انظر إلى الحل المبتكر الآخر الذي قام به عبد الرحمن بن عوف, إذ أراد أن يكون أكثر إنمائية وزيادة؛ فقال : ( دلني على السوق ).
إضافة إلى ما ذكرت من الروح التعاونية الإنمائية بين الرجلين فإن تصرف سعد رضي الله عنه فيه تطبيق إسلامي أصيل للعادة الرابعة؛ أربح ويربح الآخرون, حيث يربح أخوه المال والزوجة, ويربح هو الأجر من الله تعالى. كما أن في تصرف عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه قمة

205


المبادرة والشعور بالمسؤولية. فما أعظمها من قصة.
ثم انظر بعد إلى ثمرة هذه العقليات المبدعة المؤثرة في بقية الحديث : ثم لبث ما شاء الله فجاء عبد الرحمن وعليه وضر من صفرة, فقال النبي صلى الله عليه وسلم : (مهيم؟ ), فقال : يا رسول الله تزوجت امرأة من الأنصار, قال : ( ما سقت إليها؟ ), قال : نواة من ذهب, قال : ( أولم ولو بشاة ) (1).
تلخيص للعادات الثلاث ( من الرابعة حتى السادسة ) :
تحقيق الاعتماد التكاملي
بتحقيق العادات الرابعة والخامسة والسادسة يكون الإنسان قد انتقل من مرحلة الاعتماد على نفسه إلى مرحلة التكامل مع غيره. إنه بعد أن حقق نفسه, وعرف ما يريد وكيف يحصل عليه في العادات الثلاث الأول, تعلم هنا ثلاث عادات فعالة في كيفية التعامل مع الآخرين. هذا التعامل الذي ينبغي أن يكون مبنياً أصلاً على إرادة الخير لطرفي العلاقة, هذا هو الحد الأدنى من العلاقة, أن يخرج طرفا العلاقة كاسبين.
ولكن هناك مرحلة هي في حقيقتها أعلى وأرقى من المرحلة السابقة, إنها مرحلة التعاون الإنمائي, وهنا لا يراد النفع والمكسب لطرفي العلاقة فقط, بل يراد أن توجد حلول وتصنع أفكار تصل بالطرفين إلى نتيجة هي أفضل من مجرد الاجتماع, وتخلق بينهم حلولاً إبداعية تتخطى المشكلات, هي الكيمياء السحرية التي تتفاعل بواسطتها الأفكار المختلفة والقدرات المتباينة في الخروج بالحلول المبتكرة للمشكلات المزمنة. وبين هاتين المرحلتين هناك عادة الاستماع, وهو أساس الحوار وجوهر فهم الآخر الذي تعتمد عليه العادتان الرابعة والسادسة.
(1) رواه البخاري, رقم (1908).

206


العادة السابعة :
( اشحذِ المنشار )
قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( ساعة وساعة )
( رواه مسلم )

207


صفحة فارغة


208


كل السيوف إذا طال الضرب بها يمسها غير سيف الدولة السأم

(المتنبي)


209



صفحة فارغة.

210


العادة السابعة "اشحذ المنشار"

ملخص هذه العادة:
هذه العادة هي عادة التجديد الذاتي المستمر. ذلك أن النفس ميالة إلى الركون والتبلد، فلا بّد من تجديد حيويتها وتنمية قدراتها. هذا التجديد لا بد أن يشمل نواحي الحياة كلها: الروح والعقل والجسد. فالروح تُنمي –كما يفترح كوفي- بالتأمل والصلاة والعزلة. والعقل يجدد بالتفكير المستمر والقراءة وأدمان تعلم المهارات والعلوم الجديدة. والجيد ينمي بالرياضة والحركة والحفاظ على الصحة.
يذكر كوفي في هذه القاعدة مثالاً جميلاً يوضح به أهمية هذه القاعدة. تصور مزارعاً أو عاملاً يعمل على قطع جذع شجرة كبير بمنشاره. وفجأة، مر عليه رجل آخر فرأى العامل قد أعياه العمل حتى إنه يتصبب عرقًا، وتتصاعد أنفاسه تعباً، فقال له مقترحاً: هلا سننت المنشار حتى يساعدك على القطع؟ فأجابه العامل: ألا ترى أني مشغول، أريد أن أنهي قطع هذه الأشجار الكثيرة، لا وقت لدي!!

"الطريق إلى النجاح لابد أن يخضع لصيانة مستمرة"
(ليلى توملين)

211


العادة السابعة "اشحذ المنشار"
هذا مثال بديع يبين لك تفاهة العذر الذي يبديه بعضهم من أنه مشغول بشؤون الحياة ومشاغلها عن نفسه، وقد نسى أن العناية بنفسه توفر له الوقت، وتشحذ همته؛ ليكون أكثر فاعلية وإيجابية، وتملؤه بالنشاط والحيوية. هذه العادة كما ترى مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بمفهوم كوفي للفاعلية، وإنها ليست مجرد الإنتاج، وإنما القدرة المستمرة على الإنتاج. وهي مرتبطة أيضاً بالعادة الثالثة؛ حيث إن هذه الأعمال كلها في المربع الثاني، وهي أعمال مهمة؛ لأنها متعلقة بأهداف الإنسان ورسالته في الحياة، ولكنها ليست ملحة، وليس بها جانب الضغط النفسي؛ بل هي عادةً ما تدفن تحت ركام الإعمال اليومية التي تبدو مهمة وعاجلة. ولكن، لو لم يتنبه الإنسان الى هذه العادة فإنه سرعان ما يضعف ويفقد الفاعلية.
"السعادة هدية يستحقها فقط أولئك الذين يفتحونها" (مجهول)
الإنسان بحاجة ماسة إلى التجديد والنمو المستمر. إن الإنسان يحكم على نفسه بالموت عندما يتوقف عن التعلم والتأمل. هذا الكون الفسيح كتاب مفتوح تسرح فيه النفي الإنسانية في تأمل عميق. الإنسان وكوامنه وتجاربه. هذا الكم الهائل من الكتابات والمحاضرات والمعلومات كلية متحركة تستطيع من خلالها أن تتجاوز قدراتك العقلية المحدودة إلى عالم غير محدود من العقول والخبرات المختلفة، وأنت في كرسيك لم تتحرك. ولكن هذا كله كما ذكرنا سابقاً لا يمثل للإنسان العادي أي أولوية، ولذلك فإن مناشيرنا غالبًا غير مسنونة، ومن ثم فهي غير فعالة بشكلٍ كاف.


212


تأملات حول العادة السابعة
لم يُعن دين أو منهج عرفه البشر بالإنسان بوصفه وحدة متكاملة مثل ما عني الإسلام. خاطب في الإنسان عقله وروحه واعتنى بجسده وضبط له علاقاته الاجتماعية. ولذلك كان المسلم الحق متوازناً لا يطغى فيه جانب على جانب. كما اهتم الإسلام بالتنمية المستمرة والتجديد المتتالي للطاقة والقدرة.
"كثيرون يفوتهم نصيبهم من السعادة، ليس لأنهم لم يجدوها؛ بل لأنهم لم يتوقفوا ليستمتعوا بها"
(دبليو فيزر)
"ساعة وساعة":
والإسلام بوصفه دين الفطرة، أدرك أن الإنسان على الرغم من كونه مكلفاً في هذه الحياة، وأنه قد تحمل الأمانة العظيمة التي تهربت منها السماوات والأرض والجبال وأبين أن يحملنها، إلا أنه لا بد له من شيء من الترويح الذي يفرج به الهم ويجدد به النشاط. وقد تنبه إلى هذا المعنى الصحابة الكرام بحساسيتهم المعهودة.
يقول حنظلة بن الربيع الأسيدي رضي الله عنه:" كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكرنا بالنار والجنة، حتى كأنا رأي عين، ثم جئت الى ابيت فضاحكت الصبيان ولاعبت المرأة، فانطلقت أنا وأبو بكر حتى دخلنا على النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: نافق حنظلة يارسول الله! فقال: مه، وما ذلك؟ قلت: يارسول الله نكون عندك فتذكرنا بالجنة والنار حتى كأنا رأي عين، فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات، فنسينا كثيراً. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"والذي نفسي بيده لو أنكم تدومون على ماتكونون عندي وفي الذكر لصافحتكم
213


الملائكة على فرشكم وفي طرقاتكم، ولو كانت تكون قلوبكم كما تكونون عند الذكر، لصافحتكم الملائكة حتى تسلم عليكم في الطرق، ولكن ياحنظلة: ساعة وساعة، ساعة وساعة، ساعة وساعة"25. ففي هذا الحديث تقرير مباشر وصريح لمبدأ الترويح في الإسلام وأثره الفعال في الفاعلية. والحق أن مشكلة أمتنا الآن لا تكمن في الحقيقة في قلة الترويح، وإنما في كثرته وتفاهته، وكون كثير منه مدمر للفاعلية. أضف إلى ذلك انسياب الحواجز بين ساعة الترويح وساعة الجد حتى إن الأولى كثيراً ما تطغى على الأخرى.
"لا يمكنك أن تتحكم في طول حياتك، ولكن يمكنك أن تتحكم في عرضها وعمقها وارتفاعلها."
(إيفان أيزر)
(لعلكم تتفكرون)
ومن أمثلة تنمية الجانب العقلي الإشارات القرآنية الكثيرة إلى التأمل والتفكر في ملكوت الله تعالى في الأكوان، ومن ذلك قوله تعالى:
(أفلا ينظرون الى الإبل كيف خلقت، والى السماء كيف رفعت، والى الجبال كيف نصبت، والى الأرض كيف سطحت) 26 ،
وقوله: (أفلم ينظروا الى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج، والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج، تبصرة وذكرى لكل عبد منيب)27
أذن فمن نتائج التفكير في هذه الأشياء التبصرة والذكرى. ويقول تعالى: ( وهو الذي أنزل من السماء ماءً فأخرجنا به نبات كل شيء فأخرجنا منه خضراً ونخرج منه حباً متراكباً ومن النخلِ
214


من طلعها قنوان دانية وجنات من أعناب والزيتون والرمان مشتبهاً وغير متشابه انظرا الى ثمره إذا أثمر وينعه إن في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون)28 .
ثم ينكر الله تعالى على الذين هم في غفلة عن التأمل في ملكوته وآياته فيقول: (وكأين من آية في السموات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون)29 . ثم دعا الإنسان الى ان يتأمل في السنن الاجتماعية التي بثها الله في هذا الكون فقال مثلاً: (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودةً ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون)30، ثم دعا الإنسان الى أن يتإمل في نفسه التي بين جنبيه فقال: (وفي انفسكم افلا تبصرون)31
"إن الحياة التي لا تراجع لا تستحق أن تعاش"
(سقراط)
(اقرأ باسم ربك الذي خلق)32 :
ومن الدلائل على اهتمام الإسلام بتنمية العقل بالتعليم أن الوحي بدأ في دين الإسلام بلفظ: (اقرأ) مؤكداً بيان أهمية القراءة والتعلم. إن بداية أول كلمة من القرآن الكريم وبدء الوحي ونشأة الأمة المسلمة بهذا اللفظ المعجز، اقرأ، له دلالات عميقة من الناحية الفكرية والعلمية لا يتسع المجال لبسطها، ولكن يكفي هنا الإشارة إلى أن الله تعالى قادر بأن يبدأ الوحي بألفاظ مثل: آمن أو صل أو حتى اعلم... ولكنه بدأ بـ (اقرأ)
"جذور التعليم قد تكون مرة، ولكن ثمرته دائماً حلوة"
(ارسطو)
215


"فجددوا الإيمان":
وأما المجال النفسي والروحي فلن يزايد فيه الإسلام أحد، فالصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة والذكر والقرآن كلها تجعل المسلم موصولاً بربه ابداً وحاضر القلب والروح. انظر مثلاً الى قوله صلى الله عليه وسلم:"أرأيتم لو أن نهراً بباب احدكم يغتسل منه في اليوم خمساً، ماتقول ذلك يبقى من درنه، قالوا: لا يبقى من درنه شيء، قال: فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا"33 . فعملية الغسيل اليومية للدرن هي بمثابة سن المنشار الروحي بتعبير كوفي. وقد نبه النبي صلى الله عليه وسلم الى هذا المعنى المهم في الحديث الصحيح: "جددوا ايمانكم، قالوا: وكيف نجدد ايماننا؟ قال: أكثروا من قول: لا إله إلا الله." 34

ذكر مستمر:
والمتأمل لنظام الأذكار في الإسلام يجد العجب والعجاب في أن لكل مناسبة ذكر يجعل المسلم موصولاً بالله تعالى في كل حين مجدداً لإيمانه. فمع أول انتباه المسلم يبدأ أولى لحظات يومه بذكر:"اللهم بك أصبحنا وبك أمسيناو وبك نحيا وبك نموت، وإليك النشور."35، ثم يبادر الى الوضوء فيتلو الذكر بعد الوضوء:" أشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين."36 وبعد صلاة الفجر سلسلة متصلة من الأذكار التي تجدد لعهد التوحيد لله تعالى:" اللهم إني أصبحت أشهدك وأشهد حملة عرشك وملائكتك وجميع خلقك أنك أنت لا إله إلا أنت وإن محمدًا عبدك ورسولك."37
216


واستحضار لنعمة الله تعالى: ((اللهم ما أصبح بي من نعمة أو بأحد من خلقك فمنك وحدك لا شريك لك، فلك الحمد، ولك الشكر)) (?)، واستعانة بالله على اليوم: ((حسبي الله لا إله الا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم))، واستعاذة بالله من الشيطان ومن شرار الخلق الذين يصرفون الإنسان عن هدفه وهو السير في هذا اليوم بناء على ما يرضي الله تعالى: ((أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق)) (?).
بعد ذلك يسن له أن يجلس في ذكر الله تعالى حتى تطلع الشمس. وعند خروجه من المنزل يدعو بهذا الدعاء العظيم الذي يمثل منهج المسلم في علاقته مع الاخرين علاقة السلم وعقلية المنفعة للجميع: ((اللهم إني أعوذ بك أن أضِل أو أضَل، أو أزِل أو أزَل، أو أظلِم أو أظلَم، أو أجهَل أو يجهل علي)) (?). وهكذا يمضي يومه في ذكر الله تعالى في طعامه وشرابه ولباسه وتهره. فأي جرعة روحية عميقة هذه. إن هذا المنهج المتميز لا نظير له في أي منظومة روحية أخرى. ولقد فصل الامام ابن القيم رحمه الله في كتابه (الفوائد) الكثير في هذا النظام الإيماني المتكامل، ولكن مما ذكر من الفوائد ما يتعلق بقضية الفاعلية. قال رحمه الله معددا مئات القوائد من الذكر: ((وفي ذكر الله تعالى أكثر من مئة فائدة: يرضي الرحمن ويطرد الشيطان، يزيل الهم ويجلب السرور، ويقوي القلب والبدن، وينور القلب والوجه، ويجلب الرزق، ويكسب المهابة والحلاوة. . ..)) إلى أن قال رحمه الله: ((الحادية والعشرون من فوائد الذكر أنه يعطي الذاكرة قوة، حتى إنه ليفعل مع الذكر مالم يظن فعله بدونه)) (?). فنبه رحمه الله إلى أهمية الذكر في زيادة الفاعلية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
?.رواه أبو داود، رقم (????)
?.رواه الترمذي، رقم (????)
?.رواه أبو داود، رقم (????)
?.رواه الترمذي، رقم (????). وأبو داود، والنسائي.
?.انظر: ((الوابل الصيب))، ص ???.
217


هذه غدوتي:
وقد كان لهذه المحطات النفسية أهمية كبرى في حياة السلف الصالح وكثير من المتأخرين. فلقد كان الورد القرآني مثلا والورد من قيام الليل جزءا لا يتجزأ من البرنامج اليومي للمسلم العادي فضلا عن السابقين الأولين. فها هو عمر رضي الله تعالى عنه يقول معللا ومفسرا عدم النوم ((لو نمت النهار ضاعت الرعية، ولو نمت الليل ضاعت نفسي)).
وهذا شيخ الإسلام ابن تيمية كان يواظب على الجلوس للذكر من بعد صلاة الفجر حتى طلوع الشمس، وكان هذا بمثابة الرياضة الروحية اليومية التي كان يقوم بها، التي لولاها لتقلصت قدراته الروحية والذهنية، فكان يقول: ((هذه غدوتي وإن لم أتغذ خارت قواي)) (?).

(إن السعادة لا تحدث نتيجة حدث خارجي وإنما هي حالة روحية داخلية). (بول ماكننا)

وإن لجسدك عليك حقا:
وأما الجانب البدني فقد حرص الإسلام بمبادئه العامة على رعاية الصحة العامة وصيانتها بأساليب مؤثرة وفاعلة تتغلغل في حياة الانسان نفسه.
وقرر هذا المبدأ بوضوح في قوله صلى الله عليه وسلم (وإن لجسدك عليك حقا). وهذا أيضا مما يطول فيه البسط، وحسبنا محاربة الإسلام للخمر والمخدرات، وحضه على التداوي، وتشجيعه على القوة البدنية والحركة المستمرة، ودعوته إلى اهتمام النبي صلى الله عليه وسلم بالرياضة ودمجها ببعض الأنشطة الاجتماعية، بحيث يشمل النشاط تنمية للجانبين معا. فها هو صلى الله عليه وسلم يقطع ملل السفر ويكسر روتين الطريق بملاعبة لطيفة لزوجه عائشة رضي الله عنها، تجمع بين تحريك الجسم والرياضة الخفيفة، وبين الترويح وتنمية العلاقة الزوجية،
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
?.المصدر السابق.
218


قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: كنا في سفر فسابقني رسول الله صلى الله عليه وسلم فسبقته على رجلي، فلما أرهقني اللحم سابقته، فسبقني، فقال: ((هذه بتلك السبقة)) (?). وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم في تلك المرحلة فق الستين من العمر.

((أريحوا القلوب فإن القلب إذا أكره عمي)). (عبد الله بن مسعود رضي الله عنه)

تلخيص نبوي:
ومن اللطيف أن النبي صلى الله عليه وسلم قد لخص هذه الابعاد جميعا في الحديث الصحيح الذي ذكرناه سابقا عندما افر النبي صلى الله عليه وسلم سلمان الفارسي عندما اشتكى أبا الدرداء رضي الله عنمها، الذي كان يكثر من قيام الليل، وصيام النهار، في غير توازن بين حاجاته الأخرى، فقال صلى الله عليه وسلم: ((أن لربك عليك حقا، ولنفسك عليك حقا، ولأهلك عليك حقا)) (?) وفي بعض الروايات الصحيحة ((ولجسدك عليك حقا)) وفي بعضها ((ولزورك عليك حقا)). ففي هذا الحديث الجامع جمع النبي صلى الله عليه وسلم بين الحاجات الجسدية، والحاجات النفسية والحاجات الاجتماعية والحاجات الروحية وأمر بعد ذلك بوجوب التوازن بينها.

((ليس هناك نبل حقيقي في أن تكون أفضل من الآخرين، النبل الحقيقي هو أن تكون أفضل مما كنت عليه في السابق)). (مثل هندي)
ـــــــــــــــــــــــــ
?.رواه ابن حبان، وأبو داود، وأحمد.
?.رواه البخاري، رقم (????).
219


صفحة فارغه
220




حول هذه العادات
أسئلة ومناقشات

221



صفحة فارغة

222

كدعواك كل يدعي صحة العقل ومن ذا الذي يدري بما فيه من جهل

(المتنبي)

223


صفحة فارغة

224


في ختام تطوافنا بالعادات السبع أحبٌّ أن أثير مع القارئ الكريم والقارئة الكريمة أسئلة وإشكاليات حول استفادتنا من هذه العادات .
هذه الإشكاليات طرقت سمعي كثيراً ممن حولي , وقضيت وقتاً طويلاً أفكر فيها وأتناقش حولها. ونظراً الى أنها إشكاليات معتبرة ومهمة , ولأن إيماني بالحوار وتقديري للرأي الآخر كبير , فقد رأيت أن أناقش بعض هذه الاعتراضات والمرئيات على عجل .

هل نحن بحاجة الى هذه العادات ؟
ليس عندي تردد مطلقاً في أننا من أحوج الناس إلى مثل هذه الأفكار التي تقنن للفاعلية والتأثير , وبخاصة مثل هذه العادات السبع , من أحوج الناس أفراداً , ومن أحوج الناس أمة . لن نختلف طويلا ً في أن لدينا مشكلة ضخمة مع الفاعلية والإنتاجية . وإذا لم تكن مقتنعاً بذلك فأرجو أن تهز رأسك قليلاً , وأن تنظر حولك , بل تنظر داخلك ! إن حالة الخور والشلل وانعدام الفاعلية التي يعيشها الكثير منا انعكست على مجموعنا فبثت فينا الخدر والضعف , ودفعتنا دفعاً الى مؤخرة الأمم


225


والى هامش التاريخ , بعد أن كنّا له كُتَّاباً وصانعين ! إنك لن تفتح عينيك يوماً وتخطئ مظاهر التسيب والإهمال وانعدام الشعور بالمسؤولية , وترى كيف يخفق الإنسان في أن يتحكم في وقته فيصرفه في الوصول الى أهدافه وتحقيق آماله , وترى كيف تخفق المجموعة في العمل فريقاً واحداً للوصول الى الأهداف المشتركة , وتقديم المصلحة العامة على المصالح الفردية والأنانيات الخاصة . وفي المقابل فإنك لن ترى إلا نادراً مشاريع بعيدة المدى , طويلة الأمد يشرف عليها أكفاء من ذوي النَّفس الطويل . وبالمثل , ترى في المجتمعات الإسلامية التي تتشدق بالتراحم والتكافل صوراً مفجعة من الأنانية والفردية وتقديم الذات على كل شيء . كل هذه الأعراض التي لن ينكرها إلا أعمى , تدل على أن الوضع على أقل تقدير ليس كما يرام , وأننا بحاجة إلى التغيير .
ومن بين أنقاض هذا التخلف المقيم وركام انعدام الفاعلية المشين , نتلمس اليوم بوادر صحوة فكرية حقيقية على مستوى العالم الإسلامي كله , بل على مستوى العالم الثالث , ملّت الهوان فانتفضت فيها بقايا الهمة وتحركت ولو بشكل مبدئي محاولات جادة في التغيير . وموضوع التغيير موضوع ذو شجون , وهو الآن علوم وفنون . هو باختصار الانتقال من حالة حالية الى حالة أخرى منشودة . هذا الانتقال لا يتم في مكان في مكان هو خارج نطاق حكم الله وعلمه وإحاطته , فإن ربنا سبحانه وتعالى هو العلام المحيط القادر الذي لا يخرج شيء أبداً عن علمه وقدرته وإحاطته . وكما أن انتقال السيارة من مدينة الى مدينة تحكمه مجموعة من القوانين الفيزيائية والرياضية والبيئية وغيرها , فإن انتقال إنسان من حال التفريط والتخبط والضياع الى حال التنظيم والتركيز والفاعلية أمر تحكمه قوانين وأنظمة وضعها الله في هذا الكون , تحكم عملية التغيير هذه . صحيح أن الرغبة في التغيير هي الخطوة الأساس في أي عملية تغيير , ولكن عند الشروع في عملية التغيير لابدَّ ان تراعى هذه القوانين والنواميس الكونية التي تجكم عملية التغيير هذه .

226


(( في الحقيقة , لا يوجد طرق سريعة للوصول إلى أي مكان يستحق الوصول إليه )) . ( بيفرلي هيلز ) .
هذه القوانين والسنن الكونية مثلها مثل السنن الطبيعية التي وضعها الله في الكون لا تحابي أحداً , ولا تجامل مخلوقاً , بل أمرها أمر الله تعالى أن تخدم من وافقها , وأن تعاند من خالفها , فكما أن المؤمن البر التقي إذا ألقى نفسه من أعلى عمارة فإنه يسقط – بسبب قانون الجاذبية الذي خلقه الله في هذا الكون – وقد يتعرض للموت , فإن الفاجر الفاسق الظالم إذا استخدم مظلة هوائية – مستفيداً من قانون فيزيائي طبيعي آخر خلقه الله – فإنه ينجو بإذن الله . هذه السنن الاجتماعية كذلك , لا تفرِّق بين الناس على أساس لونهم أو عرقهم أو بلدهم , بل إنها لا تفرِّق بينهم حتى على أساس دينهم , فهي ماضية في طريقها تحكم نظام هذا الكون بإذن الله جارية على المؤمن والكافر والبر والفاجر : ( فَهَل يَنظُرُونَ إِلاَّ سُنَّةَ الأَوَّلِينَ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّه تَحوِيلاً ) . (1)
هذه السنن لا تتغير ولا تتبجل الا بالمعجزات التي يجريها الله لمن يشاء من عباده الأنبياء في حالات نادرة لا تزيد هذه السنن إلا ثبوتاً ورسوخاً . فما الذي يجعلنا نتصور أن أمتنا أو مجتمعنا يمكنه أن ينهض أو يتغير دون مراعاة هذه السنن ؟ هل خلقنا من مادة غير تلك التي خلق منها بقية البشر ؟ هل لدينا طاقات داخلية مختلفة عن طاقات البشر ؟ هل وعدنا الله في كتابه , أو وعدنا نبيه صلى الله عليه وسلم في سنته بأنه سيمكن لنا في الأرض حتى لو لم نتخذ الأسباب الموصلة لذلك ؟ هذه أماني الضعاف وأحلام البطَّالين , التي يردها القرآن الكريم بحزم , يصفع أصحابها , ليوقظهم الى جريان سنن الله عليهم , كما جرت على غيرهم فيقول سبحانه : ( لَيسَ بِأمَانِيِّكُم وَلا أمَانِيِّ أَهلِ الكِتَابِ مَن يَعمَل سُوءاً
(1) سورة فاطر , آية 43 .

227


يُجزَ بِهِ ) (1) . إذن فدراسة هذه السنن والسعي في النهضة والتغيير بمقتضاها أساس في أعملية تغيير ناجحة .
والحق أن العلماء المسلمين , المتقدمين منهم المتأخرين , قصروا تقصيراً بيناً في دراسة السنن الاجتماعية التي تحكم تغيرات المجتمعات وضعفها وقوتها , وهذا موضوع كبير ليس مجالنا مناقشته باستفاضة . ولكن المفكر والمؤرخ الاجتماعي العبقري ابن خلدون نبَّه الى هذا الخلل كثيراً , وحاول بجهده الضخم أن يؤسس في هذا المضمار , ولكن للأسف لم يُبنَ على ملاحظات ابن خلدون , ولم يكمل مشواره . ومن ذلك قوله رحمه الله في سنن الله في قيام الدول وسقوطها منتقداً علماء التاريخ الذين سبقوه : ( .. وأدوها إلينا كما سمعوها, ولم يلاحظوا أسباب الوقائع والأحوال ولم يراعوها , فالتحقيق قليل , والتقليد في الآدميين عريق وسليل , فللعمران طبائع في أحواله , ترجع إليها الأخبار وتحمل عليها الروايات والأخبار .. , ثم إذا تعرضوا لذكر الدولة نسقوا أخبارها نسقاً , لا يتعرضون لبدايتها ولا يذكرون السبب الذي رفع من رايتها وأظهر من آيتها , ولا علة الوقوف عند غايتها .. ) (2) .
إنني أرى في عيون الناس رغبة صادقة للتغيير , وأحس بين أنفاسهم بعاطفة قوية للتقدم الى الأمام , ولكن إهمالنا لهذه السنن الكونية ونحن نقدم على عملية التغيير يجعلنا أشبه بالسجين الذي مل من الذل , وعاف الهوان , وتجمع عنده شيء من بقايا الهمة وفتات العزيمة , فقام بكل جهده , وأخذ يحاول أن يكسر باب السجن برأسه .
(( إن النجاح من غير مبادئ كالطعام المالح جداً , يمكن أن يسد رمقك ولكنه لا يمكن أن يشبع شهيتك )) ( جو باتيرلو ) .
(1) سورة النساء , آية 123
(2) انظر : ( المقدمة ) , لابن خلدون .

228


كيف يسوغ لنا أن نأخذ هذه العادات من الغرب ؟
فإذا تقرر أن التغيير والتجديد ضرورة وأننا بأمس الحاجة إليها , وأن هذا التغيير لابدَّ أن يخضع لسنن الكونية والشرعية التي وضعها الله في هذا الكون , نكون قد أجبنا على السؤال الأول يبقى لنا السؤال الثاني الذي كثيراً ما يثار ويسبب الكثير من البلبلة والتشويش , وهو : لماذا نأخذ مثل هذه السنن من الغرب أو الشرق ؟ أليس في ديننا وثقافتنا ما يغنينا عن كل ذلك ؟ لقد أخذنا منهم المعدات والآلات والتقنية التي تفوقوا بها علينا , فكيف تريدون أن نأخذ منهم العادات والأفكار التي انحرفت بهم عن منهج الله , وأدت بهم إلى التحلل الأخلاقي , والتفكك الأسري , وانعدام القيم , ونحن في الأصل أصحاب المبادئ والقيم , ونحن عندنا الدين الخالد ؟
والجواب على هذه المسألة سهلٌ وواضحٌ في نظري , ولكنه يحتاج إلى شيء من النقاش والبسط في عناصر سبعة :

أولاً :
لا يشك مسلم أن دين الإسلام هو الدين الخاتم الذي ارتضاه الله تعالى لعباده , وصاغ لهم فيه الأسس العامة لفلاحهم ونجاحهم وسعادتهم في الدنيا والآخرة . إن ثقتنا في هذا الدين وصلاحية هذا المنهج ليست محل النقاش هنا , ولا يجوز أن ندخل حولها في مزايدات , فالدين هو هويتنا وتاريخنا وهو مستقبلنا , وتعاليمه لابدَّ أن تكون هي أساس التغيير ولبه وجوهره . وبالتالي , فإن أساسيات كل خير ومنطلقات وكل تغيير نافع موجودة في أصولنا وثقافتنا الإسلامية .

ثانياً :
على الرغم من الاختلافات الجوهرية بين النظرة الإسلامية للحياة والنظرة الغربية المادية فإن هناك مساحة مشتركة يشترك فيها الناس جميعاً , فبعض
229


تلك الأفكار والمناهج فطر منطبعة في النفس الإنسانية ومتأصلة فيها , قد تذكيها أو تطمس بعضها العوامل الاجتماعية والتاريخية , ولكن لابدَّ أن يبقى لها أثر , ويمكن تفعيلها في معظم الأحيان بشيء من الصقل . هذه العناصر الفطرية والنفسية هي إرث مشترك بين الناس جميعاً , فطبائع الآدميين وان اختلفت في الصورة بسبب العوامل البيئية والتاريخية فإنها في أصلها واحدة ومتشابهة . فكما أن الغربيين يتميزون بالشعور الشقراء والعيون الزرقاء بعكس الشرقيين الذين يتميزون بالشعور السوداء والعيون السوداء , إلا أن لدى الجميع عيوناً , وأن لديهم جميعاً شعراً . إذن هناك مساحة مشتركة بين الناس جميعاً حتى في هذه الأفكار والرؤى والمناهج ولكن الاختلاف أكثره في الشكل والطرقة والنكهة .
(( نحن نستورد أدوات المدنية ولكن لا نتعامل معها بشكل حضاري )) . ( مالك بن نبي )

ثالثاً :
إن الثقافة الإسلامية لم تكن يوماً ثقافة منغلقة على نفسها , بل كانت على الدوام – إلا في عصور الانحطاط – ثقافة متفاعلة متحركة , ثقافة راسخة واثقة من مبادئها لكنها في الوقت ذاته ليست مغرورة , بل هي منفتحة على غيرها من الثقافات الأخرى ومتفاعلة معها . هذه العلاقة المنفتحة المحاورة انطلقت من الآية الكريمة التي حددت أصل العلاقة بين الأفراد والشعوب في هذا العالم , التي قال ربنا عز وجل فيها : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقنَاكُم مَن ذَكّر وّأُنثَى وَجَعَلنَاكُم شُعُوباً وقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ) (1) ,فمفهوم التعارف هنا مفهوم واسع وشامل وهو أساس في النظرة الإسلامية الى الآخر . والأمثلة على ذلك أكثر من أن تحصى , ومنها : التفاعل الثقافي المذهل الذي حصل بين الثقافتين الإسلامية والأوروبية
(1) سورة الحجرات , آية 13 .

230


في الأندلس , ومع الثقافة الشرقية في الهند وإندونيسيا وبلاد فارس وغيرها . هذا التفاعل الصحي مبني على ثقة مطلقة بأساسيات الدين ورغبة في تعريف الناس به ودعوتهم إليه : ( قُل يَا أَيُهَا النَّاسُ إنِّي رَسُولُ اللَّه إِلَيكُم جَمِيعاً ) (1) , وإدراك كامل أن الحق بوصفه معنى هو منشود المؤمن ومرغوبه , بغض النظر عن الجهة التي جاءت به , كما في الأثر المشهور : ( الحكمة ضالة المؤمن أنَّا وجدها فهو أولى بها ) التي تروى حديثاً ضعيفاً عن النبي صلى الله عليه وسلم (2) , وتحتوي على منهج عجيب في الانفتاح على الآخرين وتلقي الحكمة منهم . إنه منهج يدفع بالعقل حراً طليقاً يتجاوز الحدود الجغرافية والقيود التاريخية والأعراف والحضارات ليفتش عن الحكمة التي هي ضالته ومطلوبه , لا يأبه من أين جاءت , ذلك أن النور قد يبزغ من قلب الظلمات والحي قد يخرج من الميت . وبناء على ذلك صار كل علم أو فن أو فكر سليم , حكمة ينبغي للمسلم أن يبحث عنها ويدعي أحقيته بها , ما لم تتعارض مع ثابت عقيدته , أو أصول دينه , وما لم يؤدِ تبنيها الى محظور شرعي .

رابعاً :
مع أن الحضارة الغربية اليوم مبنية أساساً على الماديات , وتتآكل فيها القيم والمبادئ بشكل مخيف , ومع أن مرجعية هذه الحضارة ومنطلقاتها ليست دينية وأخلاقية في الأعم الأغلب من منطلقاتها , إلا أن في هذه الحضارة عناصر أخلاقية واجتماعية كثيرة تستحق الإشادة وتستدعي الإعجاب . هذه الأمور الإيجابية في الشؤون النفسية والاجتماعية معظمها في الأصل معان إسلامية عتيدة تم تفعيلها وتقنينها بشكل عملي , أدى عندهم الى نتائج مذهلة . من ذلك على سبيل المثال : نظم التكافل الاجتماعي , التي هي في الأصل مبادئ إسلامية خالدة ,
(1) سورة الأعراف , آية 158 .
(2) رواه الترمذي , وابن ماجة , وهو ضعيف .

231


ولكنها الآن نظم وقوانين فاعلة في كثير من المجتمعات الغربية . إن أكثر الكتب رواجاً اليوم في المكتبات الغربية ليست هي الكتب الداعرة ولا الروايات الماجنة , إن بعضها كتب تتكلم عن القيم والأخلاق , وكتب تعالج مشكلات الفقر والطلاق . إن هناك صحوةً واضحةً في الغرب الى تدارك النفس وإصلاح المشكلات الكبيرة , التي تولدت عن اللهاث المادي والسعار الغزيري , هذه الحملة الكبيرة أدت الى تدني مستوى إدمان المخدرات والتدخين في معظم الدول الأوروبية , والى تناقص في معدلات الطلاق والتفكك الأسري في أمريكا , والى آلاف الجمعات والمنظمات المعنية بالمشكلات الاجتماعية والنفسية . وفي المقابل فإن تدهوراً كبيراً يحدث الآن على مستوى القيم والأخلاق في العالم الإسلامي , وتزايداً مخيفاً في التفكك الأسري والمشكلات الاجتماعية . وهو للأسف يقابل في الغالب بالتشدق بالقيم الإسلامية والأعراف الشرقية , فما الذي تغنيه هذه القيم والأعراف في مجتمع لا يطبقها ؟ وما الذي تجديه هذه المبادئ إذا لم تفعل في حياة الناس ؟
ومع أن هذا الكلام قد يكون ثقيلاً على بعضنا , وقد يتهم مقرره بما يتهم به , إلا أن واقع موثوق لا يختلف عليه منصفان , والاعتراف به أمر إلهي , وواجب شرعي أصيل , قرره النداء الخالد : ( يَا أَيُهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالقِسطِ شُهَدَاءَ للَّه وَلَو عَلَى أَنفُسكُم أَو الوَاَلِدَينِ وَالأقرَبِينَ إِن يَكُن غَنِيَّاً أَو فَقِيراً فَاللَّه أَولَى بِهمَا فَلا تَتَّبِعُوا الهَوَى أَن تَعدِلُوا ) (1) .
والحق ضالة المؤمن عند النزاع بغض النظر عن المتغيرات الأخرى : ( وَلا يَجرِمَنَّكُم شَنانُ قَوم عَلَى ألاّ تَعدِلُوا اعدِلُوا هُوَ أقرَبُ لِلتَّقوَى ) (2) , والإنصاف عند الله أحبُّ وأولى من التعميم الجائر : ( لَيسُوا سَواءَ من أَهلِ الكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتلُونَ آياتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيلِ وَهُم يَسجُدُونَ ) (3) .
(1) سورة النساء , آية 135 .
(2) سورة المائدة , آية 8 .
(3) سورة آل عمران , آية 113.

232


وبالفعل ،فقد كان القرآن الكريم منصفًا جدًا عندما تحدث عن الآخر فلم يكن يعمم ومن ذلك مثلاً قوله تعالى): وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ)(1)، وقوله: (وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَّا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا)(2)ففي هذه الآية العجيبةَ ينصف الله تعالى أهل الكتاب حتى في هذه الجزئية البسيطة ولا يحكم عليهم جميعًا حكمًا واحدًا ، وإنما يفرِّق بينهم ويحكم على كل منهم بحسب عمله ، إنصافًا وعدلاً. ومن ذلك أيضًا قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تُطِيعُوا فَرِيقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ )(3)،وقوله: (أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ)(4)، وقوله: (أَوَ كُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُم بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ) (5)، وقوله: (وَدَّت طَّائِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ)(6)ففي جميع هذه الآيات وغيرها نجد التخصيص باستخدام لفظ(فريق منهم) أو (طائفة)وعدم التعميم. إذن فالقرآن حريص كل الحرص على أن لا يعمم و أن لا يعامل الآخر بوصفه كلاً واحدًا، وإنما هو ينصفه ويفرّق بينه، بحسب موافقته ومعارضته للحق. الأخرون ،بكلمة مختصرة جامعة:(لَيْسُوا سَوَاءً)(7).
وأما في السُّنة وفي السيرة فإن الأمثلة كثيرة كذلك في هذا المعنى المهم ؛ من ذلك مثلاً:الوصف الذي وصف به النبي صلى الله عليه وسلم النجاشي عندما أمر أصحابه أن يخرجوا إليه وكان ذلك قبل إسلامه:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
?-سورة الأعراف ،آية???.
?-سورة آل عمران،آية ??.
?-سورة آل عمران،آية ???.
?-سورة البقرة ،آية ??.
?--سورة البقرة ،آية ???.
?-سورة آل عمران،آية ??.
?-سورة آل عمران،آية ???.
233


لو خرجتم إلى أرض الحبشة ، فإن بها ملكًا لا يظلم عنده أحد ،وهي أرض صدق"(1). وها هو صلى الله عليه وسلم يغير رأيه في مسألة الغيلة(2) التي كانت شائعة في البيئة الجاهلية،بعد أن رأى أنها لا تضر الروم والفرس ، فاستفاد صلى الله عليه وسلم من هذه المعلومة التي أتته من ألد أعدائه ،وتبناها وطبقها، فقال صلى الله عليه وسلم :"لقد هممت أن أنهى عن الغيلة فنظرت في الروم وفارس فإذا هم يغيلون أولادهم فلا يضر أولادهم ذلك شيئًا"(?). وكذلك فقد استجاب النبي صلى الله عليه وسلم لفكرة الخندق ونفذها في الجهاد، واتخذ الخاتم، واستعمل الرسائل ،وخاطب ملوك العالم في عصره بألقابهم ،و أعطاهم حقهم من التعظيم وغير ذلك .كل ذلك يدل على تفاعل إيجابي منفتح على الأخر حتى في مضمار الأفكار والرؤى والأطروحات الاجتماعية والنفسية.
إن التشنج المقيت الذي أصاب بعضنا فجعلنا نظن أننا احتكرنا كل خير،وجئنا بكل صواب ، وأن غيرنا لا يملك مايستحق أن يلتفت إليه أو يستفاد منه،منطقٌ مخالفٌ للفطرة وللنصوص الشرعية .فالفطرة تدل على أن التواصل والتدافع والحوار والتقارب بين الشعوب والبشر يؤدي بالضرورة إلى تلاقح الأفكار ونمو المعرفة وتطور العلم .والنبي صلى الله عليه وسلم يقول :"إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق "(?)ذلك يعني أن الكثير من الأخلاق الطيبة كانت موجودة من قبله صلى الله عليه وسلم ،وكانت سائدة بأثر الوحي الذي نشر سناه الأنبياء عليهم السلام
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1- رواه ابن إسحاق في السير والمغازي، ورواه ابن هشام في "السيرة"، وقال الدكتور مهدي رزق الله أحمد في كتاب "السيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية ":إسناده حسن، وقال الألباني :إسناده جيد في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" ،رقم(????).
2- الغيلة: هي معاشرة الزوجة أثناء الرضاعة.
3- رواه مسلم.
4- رواه الإمام أحمد في "المسند "،رقم (????).وصححه الألباني في "صحيح الجامع الصغير"، رقم(????).
234


وأتباعهم من رجال ونساء مخلصين من ملل شتى وأعراق مختلفة،وجاء الإسلام العظيم ليتمم ذلك كله ، ويضعه في إطار متكامل ارتضاه الله تعالى لعباده إلى أن يرث الأرض ومن عليها.
ولا بدَّ أن أنبِّه هنا-اعترافًا لكوفي-أنه في مقدمة كتابه،وفي مواضع كثيرة من أشرطته ،يذكر أنه لم يكتشف هذه العادات السبع،وإنما هو يعتقد أنها قواعد طبيعية موجودة في الحياة ،وقد دلت عليها بعض الأديان والتقاليد ،وإنما كان دوره أنه نظمها وشرحها ووضعها في قالب قشيب.
نخلص من هذه النقطة -التي أطلت فيها متعمدًا لأهميتها-إلى أننا لا بدَّ أن ننفتح على الآخرين ،وننظر فيما عندهم من الخير والهدى ،ونقتبسه منهم إذا لم يكن يتعارض مع أساسيات ديننا ومسلماته.

خامساً:
على الرغم من أننا نمتلك القيم والمبادئ التي نستمدها من ديننا العظيم إلا أنه قد حصل في العصور المتأخرة ضمور عجيب في أثر هذه القيم والمبادئ في حياة الناس وتعاملاتهم. هذا الضمور له أسباب كثيرة ، منها:ضعف التدين الحقيقي ،وقلة الجاذبية في الخطاب الدعوي السائد،وأسباب أخرة كثيرة لا يتسع المجال لمناقشتها:إذن المشكلة لدينا ليست في أصل وجود القيم والمبادئ الصحيحة ،ولا في اقتناع الناس بجدواها وصلاحيتها ، ولكن في تفعيلها في حياة الناس، وتحويلها إلى واقع معاش ،في ظل متغيرات عالمية ومحلية كثيرة وتحديات كبيرة ، ولذلك يفِّرق الأستاذ الكبير مالك بن نبي رحمه الله في العديد من كتبه بين(الفكرة الصالحة)و (الفكرة الفاعلة)، وهذان الوصفان غير متلازمين بالضرورة ،فهناك الكثير من الأفكار الصالحة ولكنها غير فاعلة، وهناك الكثير من الأفكار الفاعلة ولكنها  غير صالحة .فنحن لدينا الكثير من الأفكار الصالحة التي كانت فاعلة في يوم ما،ولكنها فقدت فاعليتها
235


الأن ،وهي بحاجة إلى مَن يقدمها بقالب جديد و طرح عملي ينعش فيها الفاعلية من جديد .إنني عندما أجوب في رحلة ماتعة في كتب السير والتراجم لسلفنا الصالح من الصحابة والتابعين أرى أن أكثر ماميز تلك الفئة المذهلة وقادها إلى هذه الإنجازات العظيمة أنها فعَّلت المعاني الدينية في حياتها، وعاشت التدين  الحق معنى وممارسة .هذا التفعيل للدين والقيم  والمبادئ هو الشيء الذي نفتقده الآن ، وهو الشيء الذي بدأ الغرب يصحو له وينادي به، بعدما ذاق ويلات التحلل والمادية .إذن فهذا التشدق بالانتماء إلى أمة الإسلام،أمة المبادئ والقيم لا يكفي؛ بل لا بدَّ أن تُفعَّل تلك المبادئ والقيم في حياة الناس كما فعَّلها النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه؛ لنكون مجتمع المُثل والقيم بحق. وفي هذا السياق نذكر الحديث المخيف،الذي أرجو ألا نكون قد وصلنا إلى ما حذَّر منه ،الذي ذكر فيه النبي صلى الله عليه وسلم شيئًا، فقال :"وذلك عند ذهاب العلم "،فقال زياد بن لبيد رضى الله عنه: وكيف يذهب العلم ونحن نقرأ القرآن ونُقْرئُه أبناءنا ، وأبناؤنا يُقرئُونه أبناءهم إلى يوم القيامة ؟ فقال :" ثكلتك أمَك يا ابن لبيد ، إن كنَت لأراك من أفقه رجال المدينة ،أوَ ليس هذه اليهود والنصارى يقرؤون التوراة والإنجيل ولاينتفعون مما فيهما بشيء "(?).ففي هذا الحديث العظيم،يبيّن النبي صلى الله عليه وسلم سنةً كونيةً أخرى ،تدلنا على أنه يمكن أن يذهب العلم ،وعند الناس مصدره يقرؤونه ليل ونهار. ومن ثم،فإن كوننا أمة المبادئ والقيم والأخلاق لا يعني بالضرورة أنها مطَّبقة في حياتنا ،وفاعلة في حضارتنا المعاصرة.
سادساً:
التقنية من أكبر مميزات العصر الذي نعيش فيه. ولقد أدرك الإنسان مؤخرًا أن مفهوم التقنية مفهوم يمكن أن يوسع ليشمل-بالإضافة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
?- رواه أحمد ، رقم(?????).وابن ماجه،رقم(????( .
236


إلى المخترعات والمنجزات المرتبطة بالتكنولوجيا والأجهزة - تقنيات الاتصال والحوار والتأثير . وإن من أهم العلوم التي تخصص لها الأن الأقسام الخاصة في الكليات والجامعات المتقدمة علوم مثل:علوم التغيير وصناعة السعادة . هذه العلوم تُنفق في سبيل أبحاثها ملايين الدولارات ، وتُقني في استقصائها وتطويرها الأعمار ، فلماذا يبقى المسلمون في مؤخرة الركب في الأنواع الأخرى من التقنيات والعلوم ؟
فلو طبقنا ما سبق من النقاط على هذه العادات السبع لوجدنا أنها مبادئ عامة أشبه ما تكون بالسنن الكونية ، التي وضعها الله لعباده في هذه الأرض ، وبالتالي فهي ليست إرثًا لفئة معينة ، أو حضارة بعينها، وأن من واجبنا الشرعي والعملي أن ندرس هذه العادات ونستفيد منها ، غاضين النظر عن مصدرها .
هل نحن بحاجة إلى أن" نؤسلم"هذه العادات ؟
وبمقابل الاعتراضات التي ترد على الاستفادة من هذه العادات السبع التي ناقشت اثنين منها باختصار أعلاه ، ترد اعتراضات أخرى على الطرف المقابل تتلخص في السؤال التالي:هل نحتاج دائمًا إلى أن "نؤسلم" مايرد علينا من أفكار أو طروحات من غيرنا ، وأن نبحث لها عن الأصول الشرعية، وإن كان هذا في بعض الأحيان على سبيل التعسف ولي أعناق النصوص ؟ ألا يمكن لنا أن نتعترف بأن (غيرنا) قد سبقنا في الكثير من العلوم ، ومنها :العلوم الإنسانية ، والمهارات النفسية ،التي يمكن أن نأخذها منهم كما هي ، دون أن نكون بحاجة إلى إلباسها العقال العربي والثوب الإسلامي؟
الجواب في نظري واضح ، لا أعتقد أننا بحاجة إلى أن "نؤسلم "كل مايرد علينا من أفكار جديدة ومفاهيم اجتماعية ونفسية جديدة ، وأعتقد أنه لا مانع من أخذ هذه المناهج والأفكار والاستفادة منها كما

237


هي ،مثلما يستفاد من الماديات والمعارف الأخرى ، طالما أنها لا تتعارض مع أساسيات الدين ومقتضيات العقيدة. ولكن ، لا بدَّ لنا أن ندرك أيضًا أن استيراد الأفكار والمناهج الاجتماعية والنفسية من الغرب أو الشرق ليس كاستيراد السيارة أو الطائرة ،ذلك أن الأفكار والمناهج هي في طبيعتها مرتبطة بنظرة الإنسان للكون والنفس والحياة ،التي يحكمها أول مايحكمها الدين والثقافة والتاريخ والبيئة وغير ذلك . فلا بدَّ إذن أن نكون حذرين من الإقبال الأعمى على هذه الأفكار ،دون التأمل العميق في كنهها وأهدافها وحقائقها ،ولا بدَّ لنا بعد ذلك من عرضها على مسلماتنا الشرعية وثوابتنا الدينية والثقافية. فكما أن السيارات المستوردة تعرض على هيئة المواصفات والمقاييس ،فإن الأفكار والرؤى -من باب أولى - لا بدَّ أن تعرض على المفكرين والعلماء القادرين على تمييزها والغوص في أغوارها. وقد تكون هذه الورقات خطوة صغيرة في هذا الطريق . وبالإضافة إلى ذلك ، فإني أعتقد أن في إرجاع بعض هذه المفاهيم والمناهج إلى الأصول الإسلامية والمعاني الحضارية فوائد كثيرة أخرى ،ومنها:
اولاً:
تدعيم إيصال هذه الأفكار المهمة إلى الناس وتقربيها إليهم ، فإنه من المهم-في نظري- عند محاولة التأثير على الأخرين أو إقناعهم بفكرة ما أن تقرَّب هذه الفكرة إلى قلوبهم وعقولهم ؛ حتى يتفاعلوا معها بشكل أكبر، و ذلك من خلال ربطها بواقعهم وحضارتهم وبيئتهم المحلية.
والمسلم الحق ،حضارته الإسلام وبذلك فإن قناعته بهذه العادات أو غيرها يكون أقوى وأكمل عندما تربط بالمعاني الدينية والتاريخية . فأنا عندما أريد أن أقرِّب المعاني العظيمة التي تتضمنها العادات السبع - على سبيل المثال- للقارئ المسلم فإن أمثلتي لن تكون بالتأثير ذاته والقبول نفسه إذا كانت بعيدة عن واقع المتلقي ،وغير منسجمة مع ثقافته. فمثلاً
238


عندما تحدث كوفي عن بعض أمثلة الإيجابية والمبادرة ضرب أمثلة من أقوال أحد الأطباء اليهود الذين عُذبوا في معسكرات التعذيب إبان الحرب،وكيف استطاع أن يطور طريقة جديدة في التفكير النفسي تعتمد على الفصل بين المؤثر والأثر،وعلى الرغم من أنني أعتقد أننا لابدَّ وأن نستفيد من كل أحد ونأخذ الحكمة والفائدة من الجميع ،فهل تظن أن تفاعل القارئ المسلم مع هذا المثال يكون مماثلاً لتأثره ببعض الأمثلة التي ذكرتها في هذه التأملات من القرآن والسنة وقصص المسلمين؟
ثانياً:
إن الثقة العمياء بالنفس والانغلاق المقيت عن الأخر الذي أصاب كثيرًا من المسلمين في السنوات الأخيرة ولَّدت فكرًا متشنجًا ،وحالة عدم توازن في الفكر الإسلامي أدت عند بعض المثقفين إلى ردة فعل عنيفة تنكرت فيها لحضارتها ،وانسلخت فيها من جلدها ، وتململت فيها من إرثها ،مما أدى إلى اختلال ثقة الناس بالمعاني الإسلامية الأصيلة،وإن تتبع أصول مثل هذه العادات في التاريخ ، بل والواقع الإسلامي يسهم - في نظري- في تعزيز ثقة المسلمين في دينهم وحضارتهم العظيمة ، تلك الحضارة التي وازنت بين المادة والروح ،الحضارة التي لا بدَّ أن نرفع بها الرأس عاليًا. يقول الدكتور عبدالكريم بكار:"الأمة التي تعجز عن توظيف تراثها النفسي والاجتماعي ستكون أشد عجزاً عن الانتفاع بتراث الأخرين ومنجزاتهم".
ثالثاً:
إنني إذ أتتبع الأصول الإسلامية لهذه العادات وأمثلتها التطبيقية من الحضارة الإسلامية ،و أبين للقارئ غزارتها وشموليتها فإنني اشحذ همم الباحثين التربويين والاجتماعيين والنفسيين إلى القيام بعمل أكبر وأنفع وأبقى ،وهو استلهام المزيد من المعاني النفسية وقواعد النجاح
239


وسنن التغيير من الإرث الحضاري الإسلامي ابتداءً، وتقديمها للناس في قوالب تطبيقية منمَّقة،سهلة الفهم، شيقة الطرح،عملية التطبيق.
وفي الختام فإن مما أحبُّ أن أناقش به المعترضين على تتبع الأسس الشرعية للعادات السبع ما أورده كوفي نفسه في أخر كتابه عن العادات السبع بوصفه أحد المتدينين من طائفة (المورمنز)حيث كتب صفحة كان عنوانها :"ملاحظة خاصة"، ذكر فيها ما نصه:"و أنا أنهي هذا الكتاب، أحبُّ أن أشارككم في رأيي الخاص في الذي أؤمن أنه لابدَّ أن يكون مصدر المبادئ الصحيحة في حياتنا . أنا أؤمن أن المبادئ الصحيحة هي قوانين طبيعية ، وأن الله الخالق هو مصدرها جميعًا" إلى أن يقول :" أنا أؤمن بأن هناك أجزاءً من الطبيعة البشرية لا يمكن الوصول إليها عن طريق التنظيمات أو التعليم ، ولكنها بحاجة إلى قدرة الله ،و أعتقد كذلك أننا معشر البشر لا يمكن لنا أن نتقن حياتنا بأنفسنا ".
فإذا كان مؤلف الكتاب ذاته يرجع عاداته إلى أسس دينية فكيف يلام المتلقي عندما يفعل الشيء نفسه؟
240


خاتمـــــــــــــة وتلخــــــيص
241


( صفحه فارغة )
242


وما قضى أحد منا لبابته ولا أنتهى أرب إلا إلى رب
( المتنبي )

243


(صفحة فارغة )
244


خاتمة وتلخيص
" ينبغي لنا ألا نتوقف عن الاستكشاف , وستكون نهاية كل
هذا الاستكشاف أن نعود إلى المكان الأول الذي كنا بدأنا
به , ونكتشفه للمره الأولى " (إليوت )
وهكذا , طفنا بالعادات السبع للأشخاص الفعالين التي صاغها وشرحها
ستيفين كوفي.
ووضحنا فيما أرجو أن هذه العادات في حقيقتها سنن كونية ربانية تحكم حياة الناس ومنهج التغيير في حياتهم .
وسلطنا الضوء على الأصول الشرعية والحضارية لهذه العادات في ديننا الحنيف , مستندين على بعض النصوص الشرعية , وممثلين ببعض الوقائع والشواهد العلمية من حياة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه والمتأخرين من المسلمين .
إنني أشعر بأن بث الوعي بهذه العادات وغيرها من السنن الكونية التي تحكم حياة الناس بإذن الله أمر في غاية الاهمية في هذا العصر , الذي ضعفت فيه فعالية الأمة وحيويتها .
إن أمتنا غنية بمصادرها وبإرثها الثقافي الضخم , الذي لاتمتلك مثله أمة من الأمم , غير أن نظرنا لهذا الإرث الثقافي أصابه الكثير من الغبش والتجمد في عصور الانحطاط
حتى حالت بينه وبين الناس حوائل التخلف والفوضوية .
يقول المفكر المبدع الأستاذ الدكتور عبدالكريم بكار : " إن تقدم الأمة مرتهن بحصول تقدم على صعيد الحياة الشخصية لشريحة واسعة من أبنائها وبناتها .
وهذا التقدم ملموس اليوم لكنه بطيء للغاية وضيق النطاق , والسبب في هذا ربما كان كامناً في عدم امتلاكنا تقاليد ثقافية تمجد العمل الشاق , وتعلي من شأن الإنجاز "
ومن قبل أشار العبقري مالك بن نبي إلى أن " حركة التاريخ إنما تصنعها الآف الجهود الصغيرة التي لاتلقي لها بالاً " .

245


ولقد دبت في أوساط شبابنا الهمة من جديد وتعالت الأصوات بالنهضة الجديدة , وبدأت الكتابات الجادة تنتشر والعقول المستنيرة تعمل , ولكننا مازلنا بعيدين عن تفعيل موروثنا الثقافي وتحويله إلى برامج عملية واقعية واضحة تؤثر في الناس في حياتهم اليومية .
إن المتأمل لحال صحفنا وقنواتنا الفضائية لن تخطىء عينه تطوراً ملحوظاً في أسلوب الطرح وعمق المعالجة وتنوع الخطاب وجرأة الحوار , مما يدل على وعي حقيقي بدأ ينتشر , ويجد أيضاً معالجات متميزة لكثير من القضايا المصيرية والحيوية بصراحة معقولة كانت في السابق ضرباً من الخيال .
ولكننا نريد أن ننطلق من هذه المرحلة التنظيرية المهمة إلى المرحلة العملية التي تتبلور فيها هذه الأفكار والمناقشات إلى أعمال في أرض الواقع تثمر ثمرات ملموسة .
نريد لهذه الأفكار أن ترى النور في صورة مؤسسات المجتمع المدني , ومراكز بحث استراتيجي , ودور رعاية إجتماعية , ومؤسسات تأهيلية , وبرامج تربوية , وإعلام قوي وهكذا .. كل هذه البرامج العملية الواقعية لابد أن تبنى على تفعيل الموروثات الشرعية والحضارية للأمة في حياة الناس اليوم .
فمفهوم المسؤولية الفردية مثلاً من أهم المفاهيم التي ينبني عليها التغيير في النفس والمجتمع
انظر اليه ضامراً محجماً منزوياً في زاوية مظلمة هامشية من فكرنا التربوي والاجتماعي , فلا يكاد إنسان يشعر بأنه مسؤول عما يحدث له وأن بيده تغييره بإذن الله , وأن العوامل الخارجية مهما كانت قوية ومؤثرة فهي في حقيقتها تحديات ليس أكثر يمكن أن تتجاوزها الإرادة الصارمة مع توفيق الله .
انظر إلى هذا المعنى وقد قيدته نظرية المؤامرة الكبرى , وكبلته أهواء النفوس , وسيطرت عليه الموروثات التاريخية المريضة .
انظر إلى غياب الأهداف وضبابية الرؤى تأملها في القرارات المرتجلة والتخبط الذي يعيشه كثير من شبابنا على أرصفة الدنيا , عذب نفسك بالأوقات الثمينة
246


الضائعة والأعمار المستهلكة , راقب الناس من حولك , وانظر كيف افترستهم المادية بمخالبها , فحولت بعضهم إلى وحوش بشرية لاهثة لاتفكر إلا في نفسها , انظر إلى غياب الحوار الهادف والاستماع المهذب من قواميسنا الاجتماعية , حتى لكأن بعض مجالسنا حلبات مصارعة , تأمل غياب الروح الجماعية , وتفتت التنسيق الجمعي بين الناس , وعدم تقديم المصلحة العامة , ابحث عن الروح المبتكرة المبدعة التي لاتقف مكتوفة أمام التحديات , بل تعالجها بخلق فرص جديدة
وفتح آفاق جديدة , وبعد ذلك كله وقبله انظر إلى غياب التجديد والصقل النفسي والعقلي والجسدي في حياتنا .
كل هذه أعراض شيخوخة فكرية وضمور إبداعي وحضارة فشل أهلها في أن يحيوها من جديد بشكل فعال حتى الآن .
" إذا عرفنا كيف فشلنا , عرفنا كيف ننجح " ( همنجواي )
إن مشكلة الفاعلية في مجتمعنا هي مشكلة مزمنة ولكنها من أهم مشكلاتنا , ذلك أن طموحات أكثرنا اقتصرت على الطعام والشراب والملبس والمسكن .
حتى في هذه أصاب الكثير منا الإسراف وفقدنا الفاعلية .
الفاعلية الحقة : هي أن تعيش لهدف وأن تحققه في أسرع وقت ممكن .
أن تعيش دوماً تلاحق أهدافك وتطاردها , تريد أن تظفر بأكثرها ثم يفاجئك الموت وأنت تطارد أحدها .
الفاعلية : هي أن تحقق أكثر من قدراتك وأن تعيش لأكثر من مادية وجودك .
ولكنها مع ذلك كله أن تعيش متوازناً سعيداً , مرضياً لربك سائراً وفق منهجه .
إنني لأعجب والله من أنا ممن رأيت في الغرب ممن يوقن حقيقةً لا مراء فيها عنده أنه بعد موته سيتحول إلى تراب وأن حياته قد أنتهت
247


إلى الأبد , ولكنه مع ذلك متعدد المواهب , يملأ يومه بأعمال ومهام لو توزعت على عشرة من البطالين لشغلتهم , مواهب متعددة , وهموم متفرقة , وأهداف لاتنتهي , وسعي حثيث نحو التفوق والتميز .
هذه الفاعلية العالية إذا مزجت بإتقان العمل حصلت النتائج الباهرة التي نرى أمامنا .
وبالمقابل قد تجد عندنا شيئاً من التشدق الفكري أو التكافل الاجتماعي , ولكن الفاعلية ضعيفة وبالتالي فالنتيجة لاتسر .
وفي الواقع ترى نماذج كثيرة من أعمال كبيرة ضيعت وطاقات كثيرة أهدرت ليس بسبب قلة المواهب ولاندرة الموارد وإنما بسبب مشكلات نفسية وإعاقات فكرية .
إن واقعنا أليم جداً , بعيد كل البعد عما أراده الله لنا عندما وصفنا بأننا خير أمة أخرجت للناس , وبعيد عما نريده نحن لأنفسنا بوصفنا مخلوقات مكرمة .
ولكني أشعر بأن الساعة قد حانت لنقول كفانا إحباطاً كفانا ذلاً , كفانا تخاذلاً , كفانا استهتاراً
بوسعنا أن نغير واقعنا بإذن الله وبمقدورنا أن نصنع الحياة من جديد .

" من يبدأ يكون قد أنجز نصف العمل " ( فرانسيس مارتن )
أرجو أن يكون هذا العمل قد سد ثغرة ولو بسيطة , وأشعل شمعة ولو خافتة وبذر بذرة ولو صغيرة في بناء أمة الفاعلية والتميز الحضاري .
ومثل هذه الأعمال في نظري هام جداً في هذه المرحلة بالذات , التي تميزت فيها الحضارات واصطدمت فكرياً وعسكرياً , والخطوة اللاحقة في نظري التي لا أجد نفسي مؤهلاً لها في هذا الوقت هي أن نعود إلى أصولنا ومصادر حضارتنا , وأن نستلهم منها مباشرة هذه السنن الكونية
وقواعد التغيير الفطرية , وأن نتبع سير العظماء الخالدين من حضارتنا ونتعلم منهم خصائص الفاعلية العبقرية وأن ندرس تاريخ الشعوب وحضاراتهم ونستخلص منها سنن النجاح وأسباب
248


الفشل , وأن نكون سباقين إلى صقلها وتوصيفها وتفعيلها وتقديمها للناس في قوالب قشيبة .
وهذه مهمة عظيمة , ألملم لها بقايا الهمة من زوايا نفسي , وأستحث لها المفكرين والتربويين من أبناء أمتي فإن هذا فيما أعتقد من أوجب الواجبات في هذه المرحلة .
أسأل المولى الكريم أن ينفع بهذا الجهد المتواضع وأن يجعله لبنة في بناء الفاعلية والتأثير في حياة
المسلم المعاصر .
والحمدلله الذي بنعمته تتم الصالحات

249



(صفحة فارغة )
250


تم إنجاز هذا العمل تحت جهود فريق الكتابة التطوعي .
المجموعة الثانية
بإشراف: سارة حسين
والمتطوعات:لينة باموسى
لينة المحمادي
نورا بأفضل
أمة الرحمن محمد
جنى جريس
المجموعة السابعة
بإشراف:لجين بدرالدين طيب
والمتطوعات:أسماء عادل باسكران
أمل مصلح الشعيبي
ربى المخامرة
بيان الحربي
المجموعة العاشرة
بإشراف:إيمان
والمتطوعات:بيان
آمنة
رانيا
فاطمة
شوق
المجموعة الثانية عشر
بإشراف:مآثر عبدالله السويّل
والمتطوعات :أثير فهد المحيميد
البتول فهد اليحيى
رناد عبدالرحمن البسّام
نجوى عاتق الحربي
نورة ابراهيم الدهيمان
نورة علي البوعينين



2سورة الأعراف، آية 156.
3رواه البخاري، رقم (3005).
4سورة البقرة، آية 261.
5رواه ابن عساكر، وصححه الألباني في صحيح الجامع رقم (1800).
6سورة الأنعام، آية 160.
7سورة فاطر، آية 15.
8سورة فاطر، آية 15.
165
9رواه مسلم، رقم (3836).
10رواه البخاري، رقم (2910).
11رواه الدارقطني، وحسنه الألباني في "صحيح الجامع".
12رواه البخاري ، رقم (12).
13رواه مسلم ، رقم (3431).
14رواه مسلم ، رقم (3405).
15رواه أحمد ، رقم (1180).
16رواه البخاري ، رقم (6438).
17رواه مسلم ، رقم (4076).
18رواه البخاري ، رقم (1852).
19رواه أبو داود ، رقم (4213).
20رواه البخاري ، رقم (2313).
21رواه مسلم ، رقم (4685).
22رواه مسلم ، رقم (82).
23رواه البخاري ، رقم (55).
24انظر "جامع العلوم والحكم ".


25رواه مسلم
26سورة الغاشية، آية ??-??
27سورة ق، آية ?-??
28سورة الأنعام، آية ??
29سورة يوسف، آية ???
30سورة الروم، آية ??
31سورة الذاريات، آية ??
32سورة العلق، آية ?
33رواه البخاري، رقم (???)
34رواه احمد، رقم (????)
35رواه الترمذي، رقم (????)
36رواه الترمذي، رقم (??)
37رواه ابو داود، رقم (????)
---------------

------------------------------------------------------------

---------------

------------------------------------------------------------