Advertisement

التنبيه تحسين القرارات بشأن الصحة والثروة والسعادة


Table of Contents
التنبيه
التنبيه
شكر وتقدير
المقدّمة
القسم I البشريون والاقتصاديون
1 التحيّزات والأخطاء5
2 مقاومة الإغراء24
3 اتباع القطيع31
4 متى نحتاج إلى تنبيه؟
5 تصميم الخيارات
القسم II النقود
6 ادّخار المزيد في الغد73
7 الاستثمار الساذج95
8 أسواق الائتمان
9 خصخصة الضمان الاجتماعي: أسلوب التنوّع118
القسم III الصحة
10 أدوية بوصفات طبية: القسم (د) للتهويل128
11 كيف نزيد وهب الأعضاء
12 إنقاذ الكوكب
القسم IV الحرّية
13 تحسين اختيار المدارس
14 هل يجب إجبار المرضى على شراء بطاقات اليانصيب؟
15 خصخصة الزواج185
القسم V التوسّعات والاعتراضات
16 اثنا عشر تنبيهاً
17 اعتراضات
18 الطريق الثالث الحقيقي
المراجع
Notes






التنبيه
تحسين القرارات بشأن
الصحة والثروة والسعادة




التنبيه
تحسين القرارات بشأن
الصحة والثروة والسعادة

رتشارد هـ. ثالر كاس ر. سنشتاين
CASS R. SUNSTEIN RICHARD H. THALER

ترجمة
عمر سعيد الأيوبي

مراجعة وتحرير
مركز التعريب والبرمجة






شكر وتقدير

ما كان إجراء أبحاث هذا الكتاب ممكناً من دون الدعم المالي من كلية الدراسات العليا لإدارة الأعمال وكلية الحقوق في جامعة شيكاغو. وقد حصلنا على دعم سخيّ أيضاً من مؤسسة جون تمبلتون عبر منحة مقدّمة إلى مركز أبحاث القرارات.
ساعدنا كثير من الأشخاص في هذا الكتاب. زوّدنا وكيلنا سيدل كرامر بالنصح الرائع على الدوام. وقدّم محرّرنا، مايكل أومالي، اقتراحات قيّمة بشأن المخطوطة. وهذّب كاتبنا الإبداعي، دان هيتون، كتابتنا بأسلوبه وحسّه الفكاهي. ونقدّم شكراً خاصاً لفريقنا المرح والمتميّز من مساعدي الباحثين الذين امتدّ عملهم صيفين، وضمّ الفريق جون بالز (نشكره شكراً مضاعفاً لأنه تحمّلنا صيفيتين)، وراكيل ديزارد، وكاسي فونك، وماثيو جونسون، وهايدي ليو، وبرِت رينولدز، وماثيو توكسون، وآدم وِلز. وقدّمت لنا كيم بارتكو مساعدة قيّمة بالأعمال الفنية في الكتاب وتصميم الغلاف.
ساهم كثير من الزملاء في إضفاء تحسين كبير على الكتاب، بما قدّموه من أفكار وملاحظات وتنبيهات أيضاً تتجاوز نداء الصداقة والواجب، ونذكر منهم على وجه الخصوص: شلومو بنارتزي، وإليزابيت إيمين، ونيك إيبلي، ودان جيلبرت، وطوم غيلوفتش، وجوناثان غولريان، وجستين هاستنغز، وكريستين جولز، ودانييل كانيمان، وإمير كامينيكا، ودين كارلان، وديفيد ليونهاردت، ومايكل لويس، وبريجيت مادريان، وكيد ماسي، وفيل مايمين، وسندهِل مولاناثان، ودون نورمان، وإريك بونسر، ورتشارد بونسر، وراجهو راجان، ودنيس ريغان، وطوم راسل، وجس شابيرو، وجنيفر تشر، وإدنا أولمان مارغليت، وأدريان فيرميول، وإريك وارنر، ورومان وايل، وسوزان وودورد، وماريون روبل. وكما هي الحال دائماً، فقد جاءت المشورة الأقسى والأكثر حكمة من فرانس لكليرك ومارثا نوسباوم. وساعدت فيكي دروزد في كل شيء، كعهدها دائماً، وحرصت على دفع أجور كل المساعدين، وهو ما قدّروه لها. ونشكر أيضاً لألين روديك سنشتاين على نقاشها، وصبرها، وبصيرتها في الاقتصاد السلوكي، ومرحها.
وندين بشكر خاص لكل العاملين في مطعم نودلز في الشارع 57. فقد أطعمونا واستمعوا إلينا سنوات عديدة ونحن نخطّط لهذا الكتاب ونناقشه، ونتحدّث في أشياء أخرى. وسنعود إلى هناك في الأسبوع القادم.





المقدّمة
المطعم
صديقتك كارولين هي مديرة خدمات التغذية لنظام المدارس في مدينة كبيرة. وهي مسؤولة عن مئات المدارس، ويأكل مئات الالاف من الأولاد في مطاعمها كل يوم. درست كارولين التغذية (حصلت على شهادة الماجستير من جامعة الولاية)، وهي من النوع الخلاّق الذي يحبّ أن يفكّر في الأمور بطرق غير تقليدية.
ذات مساء، توصّلت إلى فكرة مثيرة للاهتمام مع صديقها آدم، وهو مستشار إداري ذو توجّه إحصائي يعمل مع سلاسل السوبرماركت. قرّرا أن يجريا بعض التجارب في مدارسها، من دون تغيير قوائم الطعام، لتحديد هل تؤثّر طريقة عرض الأطعمة وترتيبها في اختيارات الأولاد. وجّهت كارولين لمديري مطاعم عشرات المدارس تعليمات محدّدة بشأن كيفية عرض خيارات الأطعمة. في بعض المدارس وُضعت الحلويات أولاً، وفي بعضها آخراً، وفي مدارس أخرى في صفّ منفصل. تباينت مواقع الأطعمة المختلفة من مدرسة إلى أخرى. وفي بعض المدارس وضعت البطاطا المقلية على مستوى العينين، ولكن وُضع الجزر المقطّع في مدارس أخرى.
توقّع آدم أن تكون النتائج مذهلة، نظراً إلى خبرته في تصميم مخططات طوابق السوبرماركت. وكان مصيباً. فبإعادة ترتيب المطاعم، تمكّنت كارولين من زيادة أو إنقاص استهلاك العديد من بنود الطعام بما يصل إلى 25 في المئة. وقد تعلّمت كارولين درساً كبيراً: يمكن أن يتأثّر أولاد المدارس، مثل البالغين، تأثّراً كبيراً بإجراء تغييرات صغيرة على السياق. ويمكن ممارسة التأثير نحو الأفضل أو الأسوأ. على سبيل المثال، تعرف كارولين أن في وسعها أن تزيد من استهلاك الأغذية الصحية وتقلّل من استهلاك الأغذية غير الصحية.
وبوجود مئات المدارس التي يجب العمل فيها، وفريق من المتطوّعين من طلاب الدراسات العليا الذين استخدموا لجمع البيانات وتحليلها، تعتقد كارولين أن لديها الآن قدرة كبيرة على التأثير في ما يأكله الأولاد. وتفكّر كارولين في ما تفعله بهذه القدرة الجديدة. وإليكم بعض الاقتراحات التي تسلّمَتها من أصدقائها وزملائها في العمل المخلصين في العادة، والذين يبدون شيئاً من الخبث في بعض الأحيان:
1. ترتيب الطعام لينتفع الطلاب بالأفضل، بعد أخذ كل شيء في الحسبان.
2. اختيار ترتيب الأطعمة عشوائياً.
3. محاولة ترتيب الأطعمة لجعل الأولاد يختارون الأطعمة نفسها التي يختارونها بمفردهم.
4. تعظيم مبيعات المورّدين المستعدّين لعرض أكبر الرشى.
5. تعظيم الأرباح فحسب.
للخيار الأول جاذبية واضحة، مع ذلك فإنه يبدو تدخّلياً بعض الشيء، بل أبوياً. لكن البدائل أكثر سوءاً! ويمكن اعتبار الخيار الثاني، ترتيب الأطعمة عشوائياً، منصفاً ومبدئياً، وهو محايد إلى حدٍّ ما. لكن إذا رتّبت الأطعمة عشوائياً في جميع المدارس، فسيحصل الأطفال في بعض المدارس على أنظمة غذائية ذات جودة صحّية أقل مما يحصل عليه الأطفال في مدارس أخرى. هل هذا هو المنشود؟ هل يجب على كارولين اختيار هذا النوع من الحياد إذا كان في وسعها أن تجعل معظم الطلاب أفضل حالاً، بتحسين صحّتهم؟
يبدو الخيار الثالث محاولة نزيهة لتجنّب التدخّل: محاولة محاكاة ما يختاره الطلاب أنفسهم. ربما يكون ذلك اختياراً محايداً فعلياً، وربما يتعيّن على كارولين أن تتيع رغبات الآخرين بحياد (عندما تتعامل مع الطلاب الكبار على الأقل). لكن التفكير في الأمر قليلاً يبيّن أن من الصعب تنفيذ هذا الخيار. فتجربة آدم تثبت أن ما يختاره الأولاد يتوقّف على الترتيب الذي تعرض فيه البنود. ما هي إذاّ التفضيلات الحقيقية للطلاب؟ ماذا يعني أن على كارولين أن تحاول معرفة ما الذي يمكن أن يختاره الطلاب "بمفردهم"؟ فمن المستحيل في الكافتيريا تجنّب تنظيم الأطعمة.
الخيار الرابع يروق للشخص الفاسد الذي يشغل وظيفة كارولين، والتلاعب في ترتيب الأطعمة يضيف سلاحاً آخر إلى ترسانة الوسائل المتاحة لاستغلال السلطة. لكن كارولين شريفة ونزيهة، لذا فإنها لا تفكّر في هذا الخيار البتة. وللخيار الخامس بعض الجاذبية، مثل الخيارين الثاني والثالث، وبخاصّة إذا كانت كارولين تعتقد أن الكافتيريا الأفضل هي الكافتيريا التي تحقّق أكبر قدر من المال. لكن هل يجب على كارولين أن تحاول تعظيم الأرباح إذا كانت النتيجة تراجع صحّة الأطفال، وبخاصة أنها تعمل في المنطقة التعليمية؟
كارولين هي ما نسمّيه "مصمّمة خيارات". وتقع على مصمّم الخيارات مسؤولية تنظيم السياق الذي يتخذ فيه الناس قراراتهم. وعلى الرغم من أن كارولين شخصية مختلقة من بنات أفكارنا، فإنه يتبيّن أن العديد من الأشخاص مصمّمو خيارات من غير أن يدرك معظمهم ذلك. إذا صمّمت ورقة الاقتراع التي يستخدمها المقترعون في انتخابات لاختيار المرشّحين، فأنت مصمّم خيارات. وإذا كنت طبيباً وعليك أن تصف العلاجات البديلة المتوفّرة لأحد المرضى، فأنت مصمّم خيارات. وإذا صمّمت الاستمارة التي يملؤها الموظفون الجدد للالتحاق بخطة الرعاية الصحّية للشركة، فأنت مصمّم خيارات. وإذا كنت والداً تصف الخيارات التعليمية الممكنة لابنك أو بنتك، فأنت مصمّم خيارات. وإذا كنت مندوب مبيعات، فأنت مصمّم خيارات (لكنك تعرف ذلك بالفعل).
هناك العديد من التشابهات بين تصميم الخيارات والأشكال التقليدية للعمارة. وثمة تشابه حاسم في عدم وجود شيء يسمّى تصميماً "محايداً". لننظر في عمل تصميم مبنى أكاديمي جديد. يُعطى المعماري بعض المطالب. يجب أن يكون هناك متّسع لـ 12 مكتباً، و8 صفوف دراسية، و12 غرفة اجتماعات للطلاب، وما إلى هنالك. ويجب أن يقام المبنى في موقع محدّد. وستُفرض مئات القيود الأخرى - بعضها قانوني، وبعضها جمالي، وبعضها عملي. وفي النهاية على المعماري أن يأتي بمبنى فعلي ذي أبواب، وسلالم، ونوافذ، وممرّات. وكما يعلم المعماريون البارعون، يكون للقرارات الاعتباطية في الظاهر، كتحديد مكان وجود الحمّامات، تأثير دقيق على كيفية تفاعل من يستخدمون المبنى. فكل زيارة للحمّام تتيح الالتقاء بصديق (سواء أكان ذلك جيداً أم سيّئاً). المبنى الجيّد لا يكون جذّاباً فحسب، وإنما يحدث تفاعلاً أيضاً.
وكما سنرى، فإن التفاصيل الصغيرة وغير المهمّة في الظاهر قد تكون ذات تأثيرات كبيرة في سلوك الناس. والقاعدة العملية الجيّدة هي أن نفترض أن "كل شيء يهمّ". وفي كثير من الحالات، تتأتّى قوة هذه التفاصيل الصغيرة من تركيز اهتمام المستخدمين في اتجاه معيّن. وثمة مثال رائع على هذه المبدأ يأتي من مراحيض الرجال في مطار شيفول في أمستردام. فقد حفرت السلطات هناك صورة ذبابة منزلية سوداء في كل مِبولة. ويبدو أن الرجال لا يهتمّون عادة بالمكان الذي يصوّبون عليه، ما يمكن أن يحدث فوضى، لكن إذا رأوا هدفاً، فإن الاهتمام، وبالتالي الدقّة، يزدادان كثيراً. وقد أحدث ذلك الأعاجيب وفقاً لمن جاء بالفكرة. ويضيف آد كيبوم (Aad Kieboom)، "إنها تحسّن التصويب. فإذا شاهد رجل ذبابة، فإنه يصوّب عليها". ويدير كيبوم، وهو اقتصادي، توسعة مطار شيفول. وقد أجرى موظفوه اختبارات على المِبولة ذات الذبابة وتبيّن لهم أن الصور المحفورة تخفّض رشاش البول بنسبة 80 في المئة.1
يمكن أن تؤدّي فكرة "كل شيء يهمّ" إلى التعجيز أو التمكين. المعماريون البارعون يدركون أن في استطاعتهم صنع بعض الخيارات التصميمية ذات الآثار المفيدة، رغم أنهم لا يستطيعون بناء مبنى كامل. على سبيل المثال، ربما تنتج آبار السلالم المفتوحة مزيداً من التفاعل في مكان العمل ومزيداً من المشي، وقد يكون كلاهما مرغوبين. ومثلما يتعيّن على المعماري بناء مبنى معيّن في نهاية المطاف، فإن على مصمّمة الخيارات مثل كارولين أن تختار ترتيباً معيّناً لخيارات الأطعمة على الغداء، وبالقيام بذلك تستطيع التأثير في ما يختار أن يأكله الآخرون.

الأبوية التحرّرية
إذا كنت تعتقد، بعد النظر في كل شيء، أن على كارولين أن تنتهز الفرصة لتنبيه الأولاد إلى الأغذية المفيدة لهم، الخيار الأول، فإننا نرحّب بك في حركتنا الجديدة: "الأبوية التحرّرية". إننا ندرك تماماً أن القرّاء لن يجدوا هذا المصطلح محبّباً على الفور. فكلا الكلمتين منفّر، مثقل بالقوالب النمطية من الثقافة الشعبية والسياسة ما يجعلهما غير جذّابين للكثيرين. والأسوأ من ذلك أن المفهومين يبدوان متناقضين. لمَ يُجمع بين مفهومين مستهجنين ومتناقضين؟ إننا نرى أن كلا المفهومين يعكس الحسّ السليم إذا فُهما كما ينبغي - وهما معاً أكثر جاذبية من كل منهما على حدة. لكن مشكلة الكلمتين أن العَقَديين تلقفوهما.
يكمن الجانب التحرّري من استراتيجياتنا في الإصرار المباشر على وجوب أن يكون الناس أحراراً فعل ما يريدون - ورفض الاشتراك في أي ترتيبات غير مستحبّة إذا شاؤوا ذلك. وباستعارة عبارة ملتون فريدمان (Milton Friedman)، فإن دعاة الأبوية التحرّرية يحثّون على أن يكون الناس "أحراراً في الاختيار".2 إننا نسعى إلى تصميم سياسات تحافظ على حرّية الاختيار أو تزيدها، وعندما نستخدم مصطلح "تحرّري" لوصف كلمة "أبوية"، فإننا نعني المحافظة على الحرّية. وعندما نقول المحافظة على الحرّية، فإننا نعني ما نقول. إن دعاة الأبوية التحرّرية يريدون أن يسهّلوا على الناس التصرّف كما يشاؤون، ولا يريدون أن يُثقلوا على من يريدون ممارسة حرّيتهم.
يكمن الجانب الأبوي في الادّعاء بأن يجوز لمصمّمي الخيارات محاولة التأثير في سلوك الناس لجعل حياتهم أطول، وأكثر صحّة، وأفضل حالاً. بعبارة أخرى، إننا ندعم المساعي المتعمّدة والواعية التي تبذلها المؤسسات في القطاع الخاص والحكومة أيضاً لتوجيه خيارات الناس في اتجاهات تحسّن حياتهم. ونحن نعتبر السياسة "أبوية" إذا حاولت التأثير في الخيارات بطريقة تجعل من يختار أفضل حالاً، "كما يحكمون على ذلك بأنفسهم".3 وباستخدام بعض النتائج الراسخة في العلوم الاجتماعية، نبيّن أن الأفراد يتّخذون قرارات سيّئة إلى حدّ ما - قرارات لا يتخذونها لو كانوا يولون انتباهاً تاماً ويمتلكون معلومات كاملة، وقدرات إدراكية غير محدودة، وسيطرة تامّة على النفس.
الأبوية التحرّرية نوع ضعيف وناعم وغير تدخّلي نسبياً من الأبوية لأن الخيارات لا تكون مكبوتة أو مسيّجة أو محمّلة بأعباء ثقيلة. فإذا أراد الناس تدخين السجائر، أو تناول كثير من السكاكر، أو اختيار خطة رعاية صحّية غير ملائمة، أو عدم الادّخار للتقاعد، فإن الأبوية التحرّرية لن تجبرهم على فعل خلاف ذلك - أو لن تزيد من صعوبة ذلك عليهم. ومع ذلك، النهج الذي نزكّيه يعدّ أبوياً لأن مصمّمي الخيارات الخاصّين والعامّين لا يحاولون تتبّع خيارات الناس المتوقّعة أو تنفيذها فحسب. بل إنهم يحاولون مدركين ومتعمّدين دفع الناس في الاتجاهات التي تجعل أفضل. إنهم ينبّهون.
التنبيه، كما سنستخدم المصطلح، هو أي جانب من جوانب تصميم الخيارات يغيّر سلوك الناس بطريقة متوقّعة من دون منع أي خيار أو إدخال تغيير كبير على حوافزهم الاقتصادية. ولكي يعدّ التدخّل مجرّد تنبيه، يجب أن يكون من السهل وغير المكلف تجنّبه. التنبيهات ليست إملاءات. فوضع فاكهة على مستوى العينين يعدّ تنبيهاً. لكن حظر الأطعمة الخالية من القيمة الغذائية لا يعتبر كذلك.
إن كثيراً من السياسات التي نوصي بها يمكن أن ينفّذه، بل نفّذه، القطاع الخاص (بتنبيه من الحكومة أو بلا تنبيه). على سبيل المثال، أصحاب العمل مصمّمو خيارات مهمّون في العديد من الأمثلة التي نناقشها في هذا الكتاب. ونعتقد أن أصحاب العمل يمكن أن يقدّموا بعض التنبيهات المفيدة في المجالات التي تشمل الرعاية الصحّية والتقاعد. وتستطيع الشركات الخاصة التي تريد جني الأموال، والقيام بعمل جيّد، الاستفادة من التنبيهات البيئية أيضاً، والمساعدة في خفض تلوّث الهواء (وإصدار غازات الدفيئة). لكن النقاط نفسها التي تبرّر الأبوية التحرّرية للمؤسّسات الخاصة تنطبق على الحكومة أيضاً كما سنبّين لاحقاً.


البشريون والاقتصاديون: لماذا يمكن أن تفيد التنبيهات
غالباً ما يدّعي من يرفضون الأبوية أن البشريين يقومون بعمل رائع في الاختيار، وإذا لم يكن رائعاً، فإنه أفضل بالتأكيد مما يقوم به الآخرون (وبخاصة إذا كانوا يعملون لدى الحكومة). ويبدو أن كثيراً من الأشخاص يلتزمون ضمنياً على الأقل بفكرة الإنسان الاقتصادي (homo economicus)، سواء أكانوا درسوا الاقتصاد أم لم يدرسوه - الفكرة التي تفيد بأن كلاً منا يفكّرون ويختارون بدقّة، وبالتالي تتلاءم مع الصورة التي يرسمها الاقتصاديون للبشريين في الكتب الدراسية.
إذا ألقيت نظرة على الكتب الدراسية للاقتصاد، تعلم أن الإنسان الاقتصادي يمكن أن يفكّر مثل ألبرت أينشتاين، ويخزن ذاكرة قدر ذاكرة حاسوب بيغ بلو الذي طوّرته شركة أي بـي إم، ويبدي قوة إرادة مهاتما غاندي. لكن الأشخاص الذين نعرفهم ليسوا كذلك. الأشخاص الحقيقيون يواجهون مشكلة في القسمة الطويلة إذا لم يكن لديهم مكنة حاسبة، وينسون في بعض الأحيان عيد ميلاد أزواجهم، ويصابون بصداع الخمر في أول أيام السنة الجديدة. إنهم ليسوا أناساً اقتصاديين، بل أناساً عاقلين (homo sapiens). وللإبقاء على استخدام اللاتينية في حدّه الأدنى، فسنشير إلى هذين النوعين الخيالي والحقيقي بأنهما الاقتصاديون والبشريون.
لنأخذ مسألة السمنة. تقترب معدّلات السمنة في الولايات المتحدة الآن من 20 في المئة، ويعتبر أكثر من 60 في المئة من الأميركيين سمينين أو مفرطي الوزن. وثمة أدلة ساحقة على أن السمنة تزيد مخاطر مرض القلب والسكّري، وغالباً ما تؤدّي إلى الوفاة المبكّرة. وسيكون من العجيب اقتراح أن يختار الجميع النظام الغذائي الصحيح، أو النظام الغذائي الذي يفضّل على ما يمكن أن ينتج ببضعة تنبيهات.
يهتمّ الأشخاص العاقلون بمذاق طعامهم بطبيعة الحال، ولا يهتمّون بالصحّة فحسب، والأكل بحدّ ذاته ولذاته مصدر للذّة. ولا يمكننا أن نزعم أن كل مفرطي الوزن لا يتصرّفون بعقلانية بالضرورة، لكننا نرفض الادعاء بأن كل الأميركيين أو معظمهم يختارون غذاءهم الأمثل. وما ينطبق على الأنظمة الغذائية ينطبق على المخاطر ذات الصلة بالسلوك، بما في ذلك التدخين وشرب الكحول. ولا يمكن الادّعاء بعقلانية أن الخيارات الحالية للأشخاص في ما يتعلّق بالنظام الصحي والتدخين وشرب الكحول هي أفضل وسيلة لتعزيز رفاههم. بل إن كثيراً من المدخّنين وشاربـي الكحول، والمفرطين في الأكل مستعدّون لدفع النقود لأطراف ثالثة لمساعدتهم في اتخاذ قرارات أفضل.
لكن مصدر معلوماتنا الأساسي هنا هو علم الاختيار الناشئ الذي يتكوّن من الأبحاث المتأنّية التي أجراها علماء الاجتماع في العقود الأربعة الأخيرة. وقد أثارت تلك الأبحاث أسئلة خطيرة بشأن عقلانية العديد من الأحكام والقرارات التي يتخذها الناس. ولكي يصبح الناس مؤهّلين بمثابة اقتصاديين، لا يُطلب منهم إجراء توقّعات كاملة (فذلك يتطلّب العلم بكل شيء)، لكن يًطلب منهم إجراء توقّعات غير منحازة. أي أن التوقّعات قد تكون خاطئة، لكنها لا يمكن أن تكون خاطئة بانتظام في اتجاه يمكن توقّعه. لكن من المتوقّع أن يخطئ البشريون، خلافاً للاقتصاديين. لنأخذ مثلاً "وهم التخطيط" - أي الميل المنهجي إلى التفاؤل غير الواقعي بشأن الوقت اللازم لإنجاز المشاريع. لن يُفاجأ كل من استخدم مقاولاً عندما يعرف أن كل شيء يستغرق وقتاً أطول مما تعتقد، حتى إذا كنت تعلم بشأن وهم التخطيط.
تؤكّد مئات من الدراسات أن التوقّعات البشرية معيبة ومنحازة. كما أن اتخاذ القرارات البشرية ليس عظيماً. ولنأخذ ثانية مثالاً واحداً فحسب، فكّروا في ما يسمّى "الانحياز للوضع الراهن"، وذلك اسم منمّق للخمول. فللناس ميل لمسايرة الوضع الراهن أو الخيار الافتراضي لأسباب كثيرة نستعرضها لاحقاً.
عندما تحصل على هاتف خلوي جديد مثلاً، يكون أمامك سلسلة من الاختيارات. كلما كان الهاتف أكثر زخرفة، تواجه المزيد من هذه الخيارات، من الخلفية إلى صوت الرنّة إلى عدد مرّات الرنين قبل أن يرسَل المتّصل إلى البريد الصوتي. ينتقي المصنّع خياراً افتراضياً لكل من هذه الخيارات. وتشير الأبحاث إلى أن الكثير من الأشخاص يبقون على الخيارات الافتراضية أياً كانت، حتى عندما تكون الرهانات أعلى بكثير من اختيار الصوت الذي يصدره الهاتف عندما يرن.
يمكن استخلاص درسين مهمّين من هذه الأبحاث. أولاً، لا تقلّل البتة من قوّة القصور الذاتي. ثانياً، يمكن استغلال تلك القوّة. وإذا اعتقدت الشركات الخاصة أو المسؤولون العامّون أن إحدى السياسات تعطي نتائج مفضّلة، فإن في وسعهم التأثير في النتيجة يجعلها الخيار الافتراضي. وكما سنبيّن لاحقاً، فإن تحديد الخيارات الافتراضية، واستراتيجيات تغيير القوائم الأخرى المماثلة التي تبدو تافهة في الظاهر، يمكن أن يؤثّر تأثيراً عظيماً في النتائج، من زيادة المدّخرات إلى تحسين الرعاية الصحّية إلى وهب الأعضاء لعمليات غرس الأعضاء المنقذة للحياة.
تقدّم نتائج الخيارات الافتراضية المنتقاة بعناية بياناً عملياً واحداً على القوّة الناعمة للتنبيهات. وانسجاماً مع تعريفنا، التنبيه هو أي عامل يضفي تغييراً كبيراً على سلوك البشريين، رغم أن الاقتصاديين يمكن أن يتجاهلوه. الاقتصاديون يستجيبون للحوافز بالدرجة الأولى. فإذا فرضت الحكومة ضرائب على السكاكر، فإنهم يقلّلون من شراء السكاكر، لكنهم لا يتأثّرون بالعوامل "العَرَضية" مثل ترتيب عرض الخيارات. ويستجيب البشريين للحوافز أيضاً، لكنّهم يستجيبون للتنبيهات.4 وباستخدام الحوافز والتنبيهات استخداماً ملائماً، يمكننا تعزيز قدرتنا على تحسين حياة الناس، والمساعدة في حل المشاكل الرئيسية للمجتمع. ويمكننا القيام بذلك مع استمرار تأكيدنا على حرّية الاختيار للجميع.

افتراض خاطئ وسوء إدراك مزدوج
يرفض كثير من الأشخاص الذين يحبّذون حرّية الاختيار أي نوع من الأبوية. وهم يريدون أن تدع الحكومة المواطنين يختارون بأنفسهم. لذا فإن السياسة القياسية التي يُنصح بها بناء على هذه الطريقة في التفكير هي منح الناس أكبر قدر ممكن من الخيارات، ثم تركهم يختارون ما يفضّلون (بأقل قدر ممكن من التدخّل أو التنبيه الحكومي). يكمن جمال هذه الطريقة في التفكير أنها تعرض حلاً بسيطاً للعديد من المشاكل المعقّدة: ما عليك إلا تعظيم الخيارات (عدداً وتنوّعاً) - نقطة على السطر! وقد روّجت هذه السياسة في العديد من المجالات، من التعليم إلى خطط تأمين الأدوية التي تصرف بوصفة طبّية. وفي بعض الدوائر، أصبح "تعظيم الخيارات فحسب" شعاراً سحرياً للسياسات. وفي بعض الأحيان يُعتقد أن البديل الوحيد لهذا الشعار أمر حكومي يُسخر منه بوصفه "مقاس واحد ملائم لكل الأحجام". ولا يدرك من يفضّلون تعظيم الخيارات فحسب أن هناك حيّزاً واسعاً بين سياستهم والأمر الواحد. وهم يعارضون الأبوية، أو يعتقدون ذلك، ويتخذون موقفاً متشائماً بشأن التنبيهات. ونحن نعتقد أن تشاؤمهم قائم على افتراض خاطئ وسوء إدراك مزدوج.
الافتراض الخاطئ هو أن معظم الناس ينتقون، في كل الأوقات تقريباً، الخيارات الأفضل لمصلحتهم أو الأفضل من اختيارات الآخرين على الأقل. ونحن نزعم أن هذا الافتراض خاطئ - بل خطأ واضح. ولا نعتقد أن أحداً يؤمن به بعد التفكير بعناية.
لنفترض أن مبتدئاً في الشطرنج لعب ضدّ لاعب متمرّس. من المتوقّع أن يخسر المبتدئ بسبب اختياراته الرديئة بالضبط - وهي خيارات يمكن تحسينها ببعض التلميحات المفيدة. وفي العديد من المجالات، يكون العملاء العاديون مبتدئين يتفاعلون في عالم يقطنه مهنيّون متمرّسون يحاولون بيعهم مختلف الأشياء. وعلى العموم، فإن مقدار حسن اختيار الناس سؤال تجريبـي، من المرجّح أن تتباين الإجابة عنه تبعاً لاختلاف المجال. ويبدو من المعقول القول إن الناس يجيدون الاختيارً في السياقات التي يتمتّعون فيها بالخبرة، والمعلومات الجيدة، والتغذية الراجعة السريعة - لنفترض الاختيار من بين نكهات الأيس كريم. يعرف الناس إذا كانوا يحبّون الشوكولا، أو الفانيليا، أو القهوة، أو السوس، أو نكهة أخرى. ويكون أداؤهم أقل جودة في السياقات التي تعوزهم فيها الخبرة، والمعلومات الجيّدة، والتي تكون فيها التغذية الراجعة بطيئة وغير متكرّرة - لنفترض الاختيار بين الفاكهة والأيس كريم (حيث التأثيرات الطويلة الأمد بطيئة والتغذية الراجعة سيّئة) أو الاختيار بين المعالجات الطبية، أو خيارات الاستثمار. إذا مُنحت خمسين خطة أدوية تصرف بوصفة طبية، مع تعدّد المزايا وتنوّعها، فربما تستفيد من تقديم بعض المساعدة. وما دام الناس لا يختارون اختيارات مثالية، فإن إجراء بعض التغييرات على تصميم الخيارات يمكن أن يجعل حياتهم أفضل (بالحكم على ذلك من تفضيلاتهم، لا تفضيلات بيروقراطي ما). وكما سنحاول أن نبيّن، لا يمكن تصميم الخيارات لجعل الناس أفضل حالاً فحسب، بل من السهل القيام بذلك في العديد من الحالات أيضاً.
سوء الإدراك الأول أن من الممكن تجنّب التأثير في خيارات الناس. في كثير من المواقف، يتعيّن على مؤسسة أو وكيل القيام باختيار يؤثّر في سلوك بعض الأشخاص الآخرين. وما من طريقة في تلك المواقف لتجنّب التنبيه في اتجاه معيّن. وكما يوضح مثال مطاعم كارولين، تتأثّر اختيارات الناس تأثّراً واسعاً بتصميم العناصر التي ينتقيها مصمّمو الخيارات. لكن بعض التنبيهات لا تكون مقصودة بطبيعة الحال، فقد يقرّر أصحاب العمل هل يدفعون أجور الموظفين شهرياً أو كل أسبوعين من دون أن يقصدوا إحداث نوع من التنبيه. وربما يتفاجؤون عندما يكتشفون أن الناس توفّر أكثر إذا تقاضت الراتب كل أسبوعين لأنهم يحصلون على ثلاثة رواتب في شهر واحد مرّتين في السنة. ومن الصحيح أيضاً أن المؤسسات الخاصّة والعامّة تستطيع السعي وراء نوع أو آخر من الحياد - كما عند الاختيار عشوائياً أو محاولة معرفة ما يريده معظم الناس مثلاً. لكن يمكن أن يكون للتنبيهات غير المقصودة تأثيرات كبيرة، وفي بعض السياقات لا تحظى هذه الأشكال من الحياد بالجاذبية، وسنقابل العديد من الأمثلة على ذلك.
يتقبّل بعض الأشخاص هذه النقطة راضين من المؤسّسات الخاصة، لكنهم يعترضون بشدّة على مساعي الحكومة للتأثير في الاختيار بغية تحسين حياة الناس. فهم يشعرون بالقلق من عدم إمكانية الثقة بكفاءة الحكومة أو عدم خبثها. ويخشون أن يقدّم المسؤولون المنتحبون والبيروقراطيون مصالحهم، وأن يولوا الاهتمام للأهداف الضيّقة للجماعات الخاصّة الانتهازية. ونحن نتقاسم هذه المخاوف، لا سيما أننا نوافق بشدّة على أن مخاطر الخطأ، والانحياز، والتجاوز حقيقية، وفي بعض الأحيان خطيرة في حالة الحكومة. ونحن نفضّل التنبيهات على الأوامر، والمطالب، والنواهي لهذا السبب إلى حدّ ما. لكن على الحكومات، والمطاعم أيضاً (التي تديرها الحكومات في كثير من الأحيان)، أن توفّر هذا النوع أو غيره من نقاط البداية. ولا يمكن اجتناب ذلك. وكما سنشدّد لاحقاً،
فإنها تقوم بذلك عبر القواعد التي تضعها، وبطرق تؤثّر في الخيارات والنتائج لا محالة. ولا يفيد الموقف المناهض للتنبيه في هذا الصدد - إنه خيار غير ناجح البتة.
سوء الإدراك الثاني هو أن الأبوية تنطوي على الإكراه دائماً. في مثال الكافتيريا، لا يفرض اختيار ترتيب عرض الأطعمة نظاماً غذائياً معيّناً على أحد، ومع ذلك فإن كارولين، وآخرين يقفون موقفها، قد تختار بعض ترتيبات الأطعمة على أسس أبوية بالمعنى الذي نستخدم فيه المصطلح. هل يعترض أحد على وضع الفاكهة والسلَطة قبل الحلويات في كافتيريا مدرسة ابتدائية إذا كانت النتيجة ستحثّ الأولاد على أكل مزيد من التفّاح وقليل من كعكات توِنْكيز؟ وهل يختلف هذا السؤال اختلافاً جذرياً إذا كان العملاء مراهقين أو حتى بالغين؟ بما أنه لا يوجد إكراه، فإننا نعتقد أن بعض أنواع الأبوية يجب أن تكون مقبولة حتى لمن يعتنقون أكبر قدر من حرّية الاختيار.
سنقدّم اقتراحات محدّدة تنسجم مع نهجنا العام في مجالات شديدة التنوّع مثل الادّخار، ووهب الأعضاء، والزواج، والرعاية الصحّية. ونعتقد أن مخاطر التصاميم غير الملائمة أو حتى الفاسدة تنخفض بالإصرار على عدم تقييد الخيارات. إن حرّية الاختيار هي أفضل حماية من تصميم الخيارات الرديئة.

تصميم الخيارات في أثناء العمل
يمكن أن يحدث تصميم الخيارات تحسينات كبرى على حياة الآخرين بتصميم بيئات مواتية للمستخدمين. وقد ساعدت كثير من أنجح الشركات الناس، أو نجحت في السوق، لذلك السبب بالضبط. في بعض الأحيان يكون تصميم الخيارات عالي الوضوح، ويُسرّ العملاء وأصحاب العمل به كثيراً. (الآيبود والآيفون مثالان جيدان لا لأن تصميمها أنيق فحسب، وإنما لأن من السهل على المستخدم أيضاً الحصول على الأجهزة التي يريدها). وفي بعض الأحيان يعتبر التصميم أمراً مسلّماً به ويمكن أن يستفيد من بعض العناية المتأنّية.
لنأخذ بياناً عملياً من صاحب عملنا، جامعة شيكاغو. للجامعة، على نحو كثير من أصحاب العمل الكبار، فترة "تسجيل مفتوحة" في كل شهر نوفمبر، عندما يسمح للموظفين بتنقيح اختياراتهم بشأن المزايا، مثل التأمين الصحّي وادّخار التقاعد. ويتعيّن على الموظفين الاختيار عبر الإنترنت. (تتوافر الحواسيب العامّة لمن ليس لديهم اتصال بالإنترنت). ويتسلّم الموظفون، بالبريد، حزمة من الموادّ التي توضح الخيارات المتاحة والتعليمات الخاصة بكيفية تسجيل الدخول للقيام بالاختيار. ويتسلّم الموظفون إشعارات تذكيرية ورقية وبالبريد الإلكترونية على حدٍّ سواء.
بما أن الموظفين بشر، فإن بعضهم يهمل تسجيل الدخول، لذا من المهمّ جداً اتخاذ قرار بشأن الخيارات الافتراضية لهؤلاء الموظفين المشغولين أو الغافلين. وللتبسيط، لنفترض أن هناك بديلين ينظر فيهما: يمكن منح من لا يقدّمون خياراً فاعلاً الخيار نفسه الذي انتقوه في السنة الماضية، أو يمكن ضبط خيارهم على "صفر". لنفترض أن جانِت ساهمت بألف دولار في خطة تقاعدها في السنة الماضية. إذا لم تقدّم خياراً فاعلاً للسنة الجديدة، يكون أحد البديلين الافتراض بأنها ستساهم بألف دولار، والبديل الآخر الافتراض بأن مساهمتها ستكون صفراً. ولنسمّ هذين الخيارين "الوضع الراهن" و"العودة إلى الصفر". كيف يتعيّن على مصمّم الخيارات الاختيار من بين هذين الخيارين الافتراضيين؟
يرغب الأبويون التحرّريون في ضبط الخيار الافتراضي بسؤال الموظفين المفكّرين الذين يقفون موقف جانِت عما يريدونه بالفعل. وعلى الرغم من أن هذا المبدأ قد لا يؤدّي إلى خيار واضح دائماً، فإنه أفضل بالتأكيد من انتقاء الخيار الافتراضي عشوائياً، أو جعل "الوضع الراهن" أو "العودة إلى الصفر" الخيار الافتراضي لكل شيء. على سبيل المثال، إن عدم رغبة معظم الموظفين بإلغاء تأمينهم الصحي المدعوم كثيراً تخمين جيّد. لذا فإن خيار الوضع الراهن الافتراضي (خطة السنة الماضية نفسها) بالنسبة للتأمين الصحّي يبدو أفضل بكثير من خيار العودة إلى الصفر الافتراضي (ما يعني عدم استمرار التأمين الصحّي).
قارن ذلك "بحساب الإنفاق المرن" للموظف، حيث يفرد الموظف جانباً نقوداً يمكن استخدامها لدفع نفقات معيّنة (مثل نفقات رعاية الأطفال أو الرعاية الصحية التي يشملها التأمين). ويجب إنفاق النقود في هذا الحساب كل سنة وإلا فقدت، وتتفاوت النفقات المتوقّعة كثيراً من سنة إلى أخرى (على سبيل المثال، تنخفض نفقات رعاية الطفل كثيراً عندما يدخل المدرسة). في هذه الحالة يكون الخيار الافتراضي الصفري أكثر عقلانية على الأرجح من خيار الوضع الراهن.
هذه المشكلة ليست افتراضية فحسب. فقد عقدنا اجتماعاً ذات مرّة مع ثلاثة من كبار إداريي الجامعة لبحث قضايا مماثلة، واتفق أن الاجتماع عقد في اليوم الأخير من فترة التسجيل المفتوحة للموظفين. ذكرنا ذلك وسألنا إذا كان الإداريون قد تذكّروا الوفاء بالموعد النهائي. فقال أحدهم أنه كان يعتزم القيام بذلك لاحقاً في ذلك اليوم وأنه سعيد لتذكيره بالأمر. واعترف آخر بأنه نسي، وقال الثالث إنه كان يأمل أن تتذكّر زوجته القيام بذلك! وبعد ذلك انتقلت المجموعة إلى السؤال عما يجب أن يكون الخيار الافتراضي لبرنامج خفض الراتب التكميلي (وهو برنامج ادّخار محميّ من الضرائب). وكان الخيار الافتراضي في هذه الحالة مضبوطاً على "العودة إلى الصفر". لكن بما أنه يمكن وقف المساهمات في هذا البرنامج في أي وقت، فقد اتفقت المجموعة على أن من الأفضل التحوّل إلى خيار الوضع الراهن الافتراضي "مثل السنة الماضية". ونحن واثقان من أن العديد من الأساتذة الغافلين سيحظون بتقاعد أكثر راحة نتيجة لذلك.
يوضح هذا المثال بعض المبادئ الأساسية لتصميم الخيارات الجيّدة. من يختارون بشر، لذا على المصمّمين تسهيل حياتهم قدر الإمكان. أرسل إشعارات تذكيرية، ثم حاول تقليل التكاليف المفروضة على من يغفلون على الرغم من أفضل الجهود التي تبذلها. وكما سنرى لاحقاً، يمكن تطبيق هذه المبادئ (وكثير غيرها) في القطاعين الخاصّ والعامّ، وهناك متّسع كبير لتجاوز ما يتم القيام به الآن.


مسار جديد
سيكون لدينا الكثير مما سنقوله عن التنبيهات الخصوصية. لكن الكثير من أهمّ تطبيقات الأبوية التحرّرية خاصة بالحكومة، وسنعرض عدداً من التوصيات المتعلّقة بالسياسات والقوانين العامّة. ونأمل أن تروق لجانبـي الانقسام السياسي. ونحن نعتقد أن السياسات التي تقترحها الأبوية التحرّرية ستجد القبول لدى الجمهوريين والديمقراطيين على حدٍّ سواء. ومن الأسباب المركزية أن العديد من هذه السياسات تكلّف القليل أو لا شيء، ولا تفرض أعباء البتة على دافعي الضرائب.
يسعى كثير من الجمهوريين الآن إلى تجاوز المعارضة البسيطة لإجراءات الحكومة. وكما بيّنت تجربة إعصار كاترينا، غالباً ما يكون مطلوباً من الحكومة أن تتصرّف، لأنها الوسيلة الوحيدة التي يمكن بوساطتها جمع الموارد اللازمة، وتنظيمها، وتوزيعها. الجمهوريون يريدون جعل حياة الناس أفضل، وهم يشكّكون، على نحو مشروع، بإلغاء خيارات الناس.
الديمقراطيون من جانبهم يرغبون في التخلّي عن حماستهم للتخطيط الحكومي القويّ. ويأمل الديمقراطيون العقلانيون بالتأكيد أن تتمكّن المؤسسات العامّة من تحسين حياة الناس. لكن الديمقراطيون يتفّقون في العديد المجالات على أن حرّية الاختيار أساس جيّد ولا غنى عنه للسياسة العامّة. وثمّة أساس حقيقي هنا لتجاوز الانقسامات الحزبية.
إننا نعتقد أن الأبوية التحرّرية أساس واعد لإيجاد أرض مشتركة بين الحزبين. وسنقدّم الحجّة في كثير من المجالات، بما في ذلك حماية البيئة، وقانون الأسرة، واختيار المدرسة، على أن الحوكمة الرشيدة تتطلّب القليل من الإكراه والقيود الحكومية، والكثير من حرّية الاختيار. وإذا حلّت الحوافز والتنبيهات محل المتطلّبات والممنوعات، فستصبح الحكومة أقلّ حجماً وأكثر تواضعاً. لذا لنكن واضحين: "إننا لا ندعو إلى حكومة أوسع، وإنما إلى حوكمة أرشد فحسب".
لدينا في الواقع دليل على أن تفاؤلنا (الذي نعترف أنه قد يكون منحازاً) أكثر من مجرّد تفكير وردي. فقد حظيت الأبوية التحرّرية الخاصّة بالادّخار، وهو ما يُبحث في الفصل السادس، بحماسة وتأييد واسع من الحزبين في الكونغرس، بمن فيهم الشيوخ الجمهوريين المحافظين الحاليين والسابقين مثل روبرت بينِت (يوتاه) وريك سانتوروم (بنسلفانيا)، والديمقراطيون الليبراليون مثل رام إيمانويل (إيلينوي). وفي سنة 2006، سنّت بعض الأفكار الرئيسية في قانون. وسيساعد القانون الجديد الأميركيين في الحصول على تقاعد مريح أكثر، لكنه لا يكلّف شيئاً أساساً من أموال دافعي الضرائب.
باختصار، الأبوية التحرّرية ليست يميناً أو يساراً، ولا ديمقراطية أو جمهورية. ففي العديد من المجالات، يتجاوز الديمقراطيون الأكثر مراعاة لحقوق الآخرين حماستهم لبرامج إلغاء الاختيارات. وفي العديد من المجالات، يتخلّى الجمهوريون مراعاة لحقوق الآخرين عن معارضتهم التلقائية للمبادرات الحكومية البنّاءة. وعلى الرغم من كل اختلافاتهم، فإننا نأمل أن يبدي الجانبان رغبة في التلاقي دعماً لبعض التنبيهات اللطيفة.





القسم I البشريون والاقتصاديون






1 التحيّزات والأخطاء5

انظر إلى هاتين الطاولتين إذا سمحت:

الشكل 1.1: طاولتان (نقلاً عن Shepard [1990])

لنفترض أنك تفكّر في أي من الطاولتين أفضل بمثابة طاولة للقهوة في غرفة الجلوس. ما أبعاد كل من الطاولتين؟ خمّن نسبة طول كل منهما إلى عرضها. ما عليك إلا التحديق فيهما عن قرب.
إذا كنت مثل معظم الأشخاص، فإنك تعتقد أن الطاولة اليسرى أطول وأقل عرضاً بكثير من الطاولة اليمنى. والتخمينات النموذجية لنسبة الطول إلى العرض تبلغ 3:1 للطاولة اليسرى، و1.5:1 للطاولة اليمنى. خذ الآن مسطرة وقس كل طاولة. ستجد أن سطحي الطاولتين متطابقان. قس إلى أن تقتنع لأن الرؤية في هذه الحالة لا تعني التصديق. (عندما عرض ثالر هذا المثال على سنشتاين على مائدة غدائهما المعتادة، أمسك سنشتاين بعود الطعام للتحقّق من ذلك.)


الشكل 2.1: سطحا الطاولتين (نقلاً عن Shepard [1990]).

ماذا نستخلص من هذا المثال؟ إذا رأيت أن الطاولة اليسرى أطول من اليمنى وأقل عرضاً منها، فأنت بشري بالتأكيد. وأنت لا تشكو من أي عيب (لا يمكننا أن نكتشف ذلك من هذا الاختبار على الأقل). مع ذلك فإن حكمك في هذه المهمة كان منحازاً، ويمكن توقّع ذلك. فلا أحد يعتقد أن الطاولة اليمنى أقلّ عرضاً! ولعلك لم تكن مخطئاً فحسب، بل ربما واثقاً من أنك على صواب. ويمكنك إذا شئت أن تستخدم هذا الرسم جيداً عندما تقابل أشخاصاً آخرين بشريين مثلك ولديهم ميل للرهان على نقودهم في حانة مثلاً.
انظر الآن في الشكل 2.1. هل يبدو هذا الشكلان متطابقين أم مختلفين؟ أنت بشري ثانية وبصرك جيد، لذا سترى هذين الشكلين متطابقين. لكنهما سطحا الطاولتين المعروضتين في الشكل 1.1، بعد نزعهما عن قوائمهما وإعادة توجيهما. القوائم والتوجيه يسهّلان الوهم بأن سطحي الطاولتين مختلفان في الشكل 1.1، لذا فإن نزع هذين العاملين الصارفين للانتباه يعيد الجهاز البصري إلى حالته الدقيقة على نحو مدهش.6
يلتقط هذان الشكلان الفكرة الرئيسية التي استعارها علماء الاقتصاد السلوكي من علماء النفس. فالعقل البشري يؤدّي عمله جيداً على نحو رائع عادة. يمكننا التعرّف إلى أشخاص لم نرهم منذ سنوات، وفهم تعقيدات لغتنا الأصلية، والجري نزولاً على الدرج دون أن نقع. ويستطيع بعضنا التحدّث باثنتي عشرة لغة، وتحسين أكثر الحواسيب تطوّراً، و/أو وضع نظرية النسبية. غير أن أينشتاين ربما يُخدع بهاتين الطاولتين. لا يعني ذلك وجود عيب فينا بوصفنا بشريين، لكنه يعني أن في وسعنا تحسين إدراكنا البشري بفهم كيف يخطئ الناس بانتظام.
لتحقيق ذلك الإدراك، علينا أن نستعرض بعض نواحي التفكير البشري. وقد أتاحت معرفة شيء عن الجهاز البصري لروجر شِبَرد (Roger Shepard, 1990)، وهو عالم نفس ورسّام، أن يرسم هاتين الطاولتين الخادعتين. وعرف ماذا يرسم لتضليل عقلنا. وأتاحت معرفة شيء عن النظام الإدراكي لآخرين اكتشاف الانحيازات المنهجية في طريقة تفكيرنا.
نظامان يوضحان كيف تفكّر
إن طريقة عمل الدماغ البشري محيّرة أكثر مما نعتقد. فكيف يمكن أن نكون مبدعين جداً في بعض المهامّ وشديدي الحماقة في مهامّ أخرى؟ فقد كتب بيتهوفن سمفونيته الرائعة التاسعة وهو مصاب بالطرش، لكن ألا نتفاجأ جميعاً إذا عرفنا أنه غالباً ما كان ينسى أين وضع مفاتيح منزله؟ كيف يمكن أن يكون الناس أذكياء وأغبياء جداً في الوقت نفسه؟ يلتقي كثير من علماء النفس وعلماء الأعصاب على تعريف لوظيفة الدماغ تساعدنا في فهم هذه التناقضات الظاهرية. وينطوي النهج على التمييز بين نوعين من التفكير، أحدهما حدسي وتلقائي، والآخر تأمّلي وعقلاني.7 وسنسمّي الأول الجهاز التلقائي، والآخر الجهاز التأمّلي. (في أدبيات علم النفس، يسمّى هذان الجهازان أحياناً النظام 1 والنظام 2 على التوالي.) ويظهر الجدول 1.1 المزايا الرئيسية لكل منهما.
الجهاز التلقائي سريع وهو حدسي أو يعتقد ذلك، ولا يشتمل على ما نربطه عادة بالتفكير. عندما تخفض رأسك لأن كرة رميت عليك فجأة، أو تتوتّر عندما تمرّ الطائرة اضطراب هوائي، أو تبتسم عندما ترى جرواً لطيفاً، فأنت تستخدم الجهاز التلقائي. ويستطيع علماء الدماغ القول إن أنشطة الجهاز التلقائي ترتبط بالأقسام الأقدم من الدماغ، الأقسام التي نشترك فيها مع السحالي (والجراء أيضاً).8

الجدول 1.1: جهازان إدراكيان
الجهاز التلقائي الجهاز التأمّلي غير متحكّم فيه متحكّم فيه لا يتطلّب جهداً يتطلّب جهداً ترابطي استدلالي سريع بطيء غير واعٍ يعي ذاته ماهر يتبّع القواعد
الجهاز التأمّلي أكثر تعمّداً وإدراكاً للذات. إننا نستخدم الجهاز التأمّلي عندما نسأل، "كم يساوي 411 ضرب 37"؟ ومن المرجّح أيضاً أن يستخدم معظم الناس الجهاز التأمّلي عندما يقرّرون أي طريق يسلكونه في رحلة ما، أو هل يلتحقون بكلية الحقوق أو كلية إدارة الأعمال. وعندما نؤلّف هذا الكتاب نستخدم الجهاز التأمّلي (في الغالب)، لكن الأفكار تردّ إلى ذهننا عندما نستحمّ أو نمشي من دون أن نفكّر في الكتاب على الإطلاق، وربما تأتي هذه الأفكار من الجهاز التلقائي. (الناخبون، بالمناسبة، يعتمدون على ما يبدو على جهازهم التلقائي بالدرجة الأولى.9 المرشّح الذي يعطي انطباعاً أولياً سيّئاً، أو يحاول كسب الأصوات بالحجج المعقّدة والإثباتات الإحصائية ربما يواجه متاعب.)10
معظم الأميركيين يتفاعلون بجهازهم التلقائي مع درجة الحرارة المعطاة بالفرنهايت لكن عليهم استخدام جهازهم التأملّي لحساب درجة الحرارة المعطاة بمقياس سلزيوس، وينطبق العكس على الأوروبيين. ويتكلّم الناس لغتهم الأم باستخدام جهازهم التلقائي ويميلون إلى بذل جهد باستخدام جهازهم التأمّلي عند التحدّث بلغة أخرى. ويعني أن تكون ثنائي لغة حقيقياً أن تتحدّث اللغتين باستخدام الجهاز التلقائي. ويتميّز لاعبو الشطرنج المتمرّسون والرياضيون المحترفون بحدس ممتاز، إذ تتيح لهم أجهزتهم التلقائية تقدير المواقف المعقّدة بسرعة والاستجابة بدقة مدهشة وسرعة استثنائية على حدٍّ سواء.
من طرق التفكير في ذلك أن الجهاز التلقائي هو تفاعلك الداخلي والجهاز التأمّلي هو تفكيرك الواعي. يمكن أن تكون المشاعر الداخلية دقيقة إلى حدٍّ كبير، لكن غالباً ما نرتكب أخطاء لأننا نفرط في الاعتماد على جهازنا التلقائي. الجهاز التلقائي يقول، "الطائرة تهتزّ، وسأموت"، في حين يستجيب الجهاز التأمّلي بالقول، "الطائرات آمنة جداً". ويقول الجهاز التلقائي، "سيؤذيني ذلك الكلب الضخم"، فيردّ الجهاز التأمّلي، "معظم الحيوانات المنزلية لطيفة". (الجهاز التلقائي يشكو طوال الوقت في كلا الحالتين.) الجهاز التلقائي يبدأ من دون أي فكرة عن كيفية لعب الغولف أو التنس. لكن تجدر الإشارة إلى أن ساعات التدريب التي لا تحصى تمكّن لاعب الغولف المتمرّس من تجنّب التأمّل والاعتماد على جهازه التلقائي - ويتكرّر ذلك كثيراً بحيث يعرف لاعبو الغولف الجيّدين، كسائر الرياضيين الجيّدين الآخرين، مخاطر "التفكير كثيراً" وربما يكون أداؤهم أفضل عندما "يثقون بأحاسيسهم الداخلية"، أو يفعلون ما عليهم فحسب. ويمكن تدريب الجهاز التلقائي بالكثير من التكرار - لكن مثل هذا التدريب يتطلّب كثيراً من الوقت والجهد. ومن أسباب القيادة المتهوّرة للمراهقين أن جهازهم التلقائي لم يتمرّس بالقدر الكافي، واستخدام الجهاز التأمّلي بطيء جداً.
لمعرفة كيف يعمل التفكير الحدسي، جرّب الاختبار الصغير التالي. ابدأ بكتابة الإجابة الأولى التي تخطر ببالك عن كل من الأسئلة الثلاثة. ثم توقّف قليلاً للتفكير.
1. المضرب والكرة يكلّفان 1.10 دولار بالإجمال. المضرب يكلف دولاراً أكثر من الكرة. كم تكلّف الكرة؟ ــ سنت.
2. إذا كانت 5 مكنات تستغرق 5 دقائق لصنع 5 قطع، كم تستغرق 100 مكنة لصنع 100 قطعة؟ ــ دقائق
3. توجد بقعة من أوراق الزنبق في بحيرة. ويتضاعف حجم البقعة كل يوم. إذا استغرقت البقعة 48 يوماً لتغطّي البحيرة بأكملها، كم تستغرق البقعة لتغطي نصف البحيرة؟ ــ يوماً
ما كانت إجاباتك الأولية؟ معظم الأشخاص يقولون 10 سنتات، و100 دقيقة، و24 يوماً. لكن كل هذه الإجابات خاطئة. وستعرف لماذا إذا فكّرت برهة. إذا كانت الكرة تكلّف 10 سنتات والمضرب يكلف أكثر منها بدولار واحد، أي 1.10 دولار، فستساوي تكلفة الاثنين معاً 1.20 سنت، لا 1.10. ولن يقدّم أحد ذلك الجواب إذا كان يهتمّ في التدقيق في صحّة إجابته الأولية 10 سنتات، لكن الأبحاث التي أجراها شين فردريك (Shane Frederick) (أسمى هذه السلسلة من الأسئلة اختبار التفكير المعرفي) في سنة 2005 تبيّن أن هذه أكثر الإجابات شيوعاً حتى في أوساط الطلبة المتفوّقين.
الإجابات الصحيحة هي 5 سنتات، و5 دقائق، و47 يوماً، لكنك عرفت ذلك، أو يفعل ذلك جهازك التأملّي ذلك على الأقل، إذا كلّفت نفسك عناء استشارته. الاقتصاديون لا يتخذون البتة قراراً مهمّاً من دون الرجوع إلى جهازهم التأمّلي (إذا كان لديهم الوقت). لكن البشريين يختارون أحياناً ما يشعرون به في داخلهم من دون التوقّف للتفكير. إذا كنت من المعجبين بالتلفزة، فكّر في مستر سبوك في برنامج "ستار ترك" الشهير بأن جهازه التأمّلي تحت السيطرة دائماً. (الكابتن كيرك: "أنت تماثل حاسوباً رائعاً يا مستر سبوك". مستر سبوك: "هذا لطف منك يا كابتن"!) بالمقابل، يبدو أن هومر سمبسون نسي أين وضع جهازه التأمّلي. (في تعليق على الحدّ من الأسلحة، ردّ هومر ذات يوم على الموظّف في متجر الأسلحة الذي أبلغه عن فترة انتظار إلزامية لمدة خمسة أيام قبل شراء سلاح، "خمسة أيام؟ لكنني غاضب الآن"!)
من أهدافنا الرئيسية في هذا الكتاب معرفة كيف يمكن جعل العالم أكثر سهولة، أو أكثر سلامة لمن يماثلون هومر بيننا (وهومر الكامن في كل منا). إذا كان في وسع الناس الاعتماد على أجهزتهم التلقائية من دون أن يقعوا في مشاكل رهيبة، فستكون حياتهم أسهل، وأفضل، وأطول.
القواعد العملية
معظمنا مشغولون، وحياتنا معقّدة، ولا نستطيع أن نمضي كل وقتنا في التفكير في كل شيء وتحليله. وعندما يتعيّن علينا أن نصدر أحكاماً، مثل تقدير عمر أنجلينا جولي أو المسافة بين كليفلند وفيلادلفيا، فإننا نستخدم قواعد عملية بسيطة لمساعدتنا. ونحن نستخدم القواعد الأساسية لأنها سريعة ومفيدة في معظم الأوقات.
هناك في الواقع مجموعة عظيمة حرّرها توم باركر (Tom Parker) بعنوان "القواعد العملية" (Rules of Thumb). لتأليف الكتاب، طلب باركر من أصدقائه أن يرسلوا إليه قواعد عملية جيدة. على سبيل المثال، "بيضة نعامة واحدة تكفي 24 شخصاً لوجبة برانش (فطور وغداء)". و"عشرة أشخاص يرفعون درجة حرارة غرفة متوسّطة الحجم درجة واحدة في الساعة". وواحدة سنعود إليها لاحقاً: "لا حاجة لأن يأتي أكثر من 25 في المئة من الضيوف في حفل عشاء من قسم الاقتصاد ليفسدوا المحادثة".
على الرغم من أن القواعد العملية يمكن تكون مفيدة جداً، فإن استخدامها يمكن أن يؤدي إلى انحيازات منهجية. وهذه الفكرة، التي طوّرها قبل عقدين من الزمن عالما نفس إسرائيليين، عاموس تفيرسكي (Amos Tversky) ودانيال كانيمان (1974Daniel Kahneman,)، غيّرت طريقة تفكير علماء النفس (والاقتصاديين في نهاية المطاف) في التفكير. وقد حدّد عملهما الأصلي ثلاثة استدلالات، أو قواعد عملية - الارتساء (anchoring)، والتوافر، والصفة التمثيلية - والانحيازات المصاحبة لكل منها. وأصبح برنامجهما البحثي يعرف باسم نهج "الاستدلالات والانحيازات" لدراسة أحكام البشريين. وتمكّن علماء النفس مؤخّراً من إدراك أن هذه الاستدلالات والانحيازات تبرز من التفاعل بين الجهاز التلقائي والجهاز التأمّلي. ولنرَ كيف.

الارتساء
لنفترض أنه طُلب منا أن نخمّن عدد سكّان مِلواكي، وهي مدينة على بعد نحو ساعتين من شيكاغو، حيث نقيم. لا يعرف أي منا الكثير عن مِلواكي، لكننا نعتقد أنها أكبر مدينة في وسكُنسن. كيف نقوم بالتخمين؟ يمكننا أن نبدأ بشيء نعرفه، وهو عدد سكّان شيكاغو الذي يبلغ ثلاثة ملايين نسمة تقريباً. لذا ربما نفكّر بأن مِلواكي مدينة كبيرة، لكن من الواضح أنها ليست أكبر من شيكاغو، لذا ربما يكون حجمها ثلث حجم شيكاغو، ولنقل إن عدد سكّانها مليون نسمة. لنأخذ الآن امرءاً من غرين باي في وسكُنسن طُرح عليه السؤال نفسه. إنه لا يعرف الإجابة، لكنه يعرف أن غرين باي تضمّ نحو مئة ألف نسمة وأن مِلواكي أكبر منها، لذا يخمّن أنها أكبر بثلاث مرات، أي أن عدد سكّانها ثلاثمئة ألف نسمة.
تسمّى هذه العملية "الارتساء والتعديل". تبدأ بنقطة ارتساء معيّنة، الرقم الذي تعرفه، وتجري تعديلاً بالاتجاه الذي تعتقد أنه ملائم. ويحدث الانحياز لأن التعديلات غير كافية عادة. وتبيّن الاختبارات باستمرار أنه في المسائل المشابهة لمثالنا، يرجّح أن يكون تخمين المقيمين في شيكاغو مرتفعاً (بناء على نقطة ارتسائهم المرتفعة)، في حين أن تخمين المقيمين في غرين باي يكون منخفضاً (بناء على نقطة ارتسائهم المنخفضة). والواقع أن عدد سكان سكان مِلوكي يبلغ 580,000 نسمة.11
ومن الواضح أيضاً أن نقاط ارتساء غير متصلة بالموضوع تتسلّل إلى عملية اتخاذ القرار. جرّب ما يلي بنفسك. خذ الأرقام الثلاثة الأخيرة في رقم هاتفك وأضف إليها مئتين. اكتب الرقم. الآن متى تعتقد أن أتيلا الهوني هاجم أوروبا؟ هل كان قبل تلك السنة أو بعدها؟ ما أحسن تخمين لديك؟ (سنقدّم لك تلميحاً: كان ذلك بعد ميلاد المسيح.) إذا كنت لا تعرف الكثير عن التاريخ الأوروبـي، فإنك تدرك أن ليس لرقم هاتفك أي علاقة بما قام به أتيلا. ومع ذلك عندما نجري هذا الاختبار للطلاب، فإننا نحصل على إجابات تزيد على ثلاثمئة سنة من الطلاب الذين يبدؤون بنقطة ارتساء مرتفعة لا منخفضة. (الإجابة الصحيحة هي سنة 411.)
يمكن أن تؤثّر نقاط الارتساء على نظرتك إلى مجريات حياتك. ففي أحد الاختبارات، طُرح سؤالان على طلاب جامعيين: (أ) ما مقدار سعادتك؟ وما وتيرة مواعدتك للجنس الآخر؟ عندما طُرح السؤالان بهذا الترتيب، كان التلازم بين الاثنين منخفضاً إلى حدٍّ ما (11 في المئة). لكن عندما عُكس ترتيب السؤالين، بحيث أتى سؤال المواعدة أولاً، ارتفع التلازم إلى 62 في المئة. ويبدو أن الطلاب عندما يحفّزون بالسؤال عن المواعدة، يستخدمون ما يسمّى "استدلال المواعدة" للإجابة عن السؤال المتعلّق بمقدار سعادتهم. "أوه، لا أذكر متى واعدت آخر مرّة. لا بدّ أنني تعيس". ويمكن الحصول على نتائج مماثلة من الزوجين إذا استعيض عن سؤال المواعدة بسؤال ممارسة الحب.12
تفيد نقاط الارتساء في لغة هذا الكتاب بمثابة تنبيهات. ونستطيع التأثير في الرقم الذي تختاره في موقف محدّد عن طريق الإيحاء الدقيق بنقطة بداية لعملية التفكير التي تتبعها. عندما تطلب منك الجمعيات الخيرية التبرّع، فإنهم يعرضون عليك عادة مجموعة من الخيارات مثل 100 دولار، أو 250 دولاراً، أو 1000 دولار، أو 5000 دولار، أو "مبلغ آخر". وإذا كان جامع التبرّعات يعرف ماذا يفعل، فإن هذه القيم لا تُنتقى عشوائياً لأن الخيارات تؤثّر في المبلغ الذي يقرّر الناس التبرّع به. الناس تعطي إذا كانت الخيارات 100$، و250$، و1000$، و5000$، أكثر مما تعطي إذا كانت 50$، و75$، و100، و150$.
تُظهر الأدلّة في العديد من المجالات أنه كلما كان ما تطلبه أكبر، ضمن الحدّ المعقول، حصلت على المزيد. وغالباً ما يكسب المحامون الذي يرفعون دعاوى قضائية على شركات السجائر مبالغ فلكية، ويرجع ذلك إلى حدّ ما إلى أنهم نجحوا في إقناع المحلّفين بالارتساء على مبالغ من عدّة ملايين من الدولارات. ويحصل المفاوضون الأذكياء على نتائج تُذهل عملاءهم في الغالب بإدخال عرض افتتاحي يجعل الخصم مسروراً بدفع نصف ذلك المبلغ المرتفع.
التوافر
كم يجب أن تقلق بشأن الأعاصير، أو الطاقة النووية، أو الإرهاب، أو مرض جنون البقر، أو هجمات التماسيح، أو إنفلونزا الطيور؟ وما مقدار العناية التي يجب أن تتوخّاها لتجنّب المخاطر التي يرتبط بعضها ببعض؟ وماذا عليك أن تفعل بالضبط لاجتناب المخاطر التي تواجهها في الحياة العادية؟
عند الإجابة عن أسئلة من هذا النوع، يستخدم معظم الأشخاص ما يسمّى استدلال التوافر. فيقيّمون احتمال حدوث المخاطر بالسؤال عن الأمثلة التي ترد إلى ذهنهم. وإذا كان في وسع المرء التفكير بسهولة في أمثلة ذات صلة، فإنه سيبدي على الأرجح خوفاً وقلقاً أكثر مما يبديه من لا يستطيع. وسينظر إلى المخاطر المألوفة، كتلك المرتبطة بالإرهاب في أعقاب 11 سبتمبر، بأنها أكثر جدّية من المخاطر الأقل ألفة، كتلك المرتبطة بالتشمّس أو الصيفيات الحارّة. وجرائم القتل أكثر توافراً من الانتحار، لذا يميل الناس للاعتقاد خطأ بأن من يموتون نتيجة لجرائم القتل أكثر ممن يموتون بالانتحار.
وترتبط القدرة على الوصول والبروز ارتباطاً وثيقاً بالتوافر، ويتسمان بالأهمية أيضاً. إذا شهدت زلزالاً شخصياً، فستعتقد على الأرجح أن الزلزال أكثر احتمالاً مما لو قرأت عنه في مجلّة أسبوعية. وبالتالي فإن أسباب الموت الحيّة في الذاكرة والتي يسهل تصوّرها (مثل الأعاصير) تحصل على تقديرات احتمال مضخّمة في الغالب، وتحصل الأسباب الأقلّ حيوية (مثل نوبات الربو) على تقديرات منخفضة، حتى إذا كانت تحدث بوتيرة أعظم بكثير (عشرين ضعفاً هنا). لذا فإن للأحداث الحديثة تأثير أعظم في سلوكنا، ومخاوفنا، من الأحداث القديمة. وفي كل هذه الأمثلة العالية التوافر، يدرك الجهاز التلقائي المخاطر (ربما إدراكاً شديداً)، من دون الرجوع إلى أي جداول إحصائية مملّة.
يساعد استدلال التوافر في تفسير كثير من السلوك المرتبط بالمخاطر، بما في ذلك القرارات العامّة والخاصّة لتوخّي الحذر. ويتأثر احتمال شراء الناس التأمين على الكوارث الطبيعية تأثّراً كبيراً بالتجارب الحديثة.13 في أعقاب حدوث زلزال، يشهد شراء بوالص التأمين الجديدة على الزلازل ارتفاعاً حادّاً - لكن المشتريات تتراجع بثبات منذ تلك النقطة، بانحسار الذكريات الحيّة. وإذا لم تقع فيضانات في الماضي القريب، يقل احتمال إقدام من يسكن في السهول الفيضية على شراء التأمين. ومن المرجّح أن يشتري من يعرف أحداً شهد فيضاناً تأميناً على الفيضان لأنفسهم، بصرف النظر عن مخاطر الفيضان التي يواجهونها بالفعل.
يمكن أن يؤثّر التقييم المنحاز للمخاطر تأثيراً شديداً على كيفية استعدادنا للأزمات، وخيارات العمل، والعملية السياسية واستجابتنا لها. فعندما يكون أداء أسهم الإنترنت جيّداً جداً، يمكن أن يشتري الناس أسهم الإنترنت حتى إذا أصبحت استثماراً رديئاً في تلك المرحلة. لنفترض أن الناس يعتقدون خطأ أن بعض المخاطر (حادث طاقة نووية) مرتفعة، في حين أن مخاطر أخرى (السكتة الدماغية) منخفضة نسبياً. يمكن أن تؤثّر مثل هذه الاعتقادات الخاطئة في السياسات، لأن من المرجّح أن تخصّص الحكومات مواردها بطريقة تتلاءم مع مخاوف الناس بدلاً من الاستجابة للخطر الأكثر احتمالاً.
عندما يعمل "انحياز التوافر"، يمكن أن تتحسّن القرارات العامّة والخاصّة إذا أمكن تنبيه الأحكام في اتجاه الاحتمالات الحقيقية. ومن الطرق الجيدة لرفع خوف الناس من نتيجة رديئة تذكيرهم بحادثة ذات صلة بالأمور التي أحدثت مشاكل، ومن الطرق الجيدة لرفع ثقة الناس تذكيرهم بموقف مماثل جرت فيه الأمور على ما يرام. المشاكل الواسعة الانتشار هي الأحداث التي يسهل تذكّرها وربما تضخّم أحكام الناس بشأن الاحتمالات، وإذا لم ترد مثل هذه الأحداث إلى الذهن، فربما تبخس أحكامهم تقدير الاحتمالات.
الصفة التمثيلية
تحمل ثالثة الاستدلالات الأصلية اسماً غير عملي: الصفة التمثيلية. فكّر فيها باعتبارها استدلال التماثل. والفكرة أنه عندما يُطلب من الناس الحكم على احتمال انتماء "أ" للفئة "ب"، فإنهم (وبخاصة أنظمتهم التلقائية) تجيب بطرح سؤال عن مقدار التشابه بين "أ" والصورة أو الصورة النمطية التي لديهم عن "ب" (أي مقدار تمثيل "أ" لـ "ب"). وعلى نحو مماثل للاستدلالين الآخرين اللذين بحثناهما، يستخدم هذا الاستدلال لأنه ينجح في الغالب. نحن نعتقد أن احتمال أن يكون الأميركي الأفريقي الذي يبلغ طوله مترين لاعباً محترفاً لكرة سلّة أكير من احتمال أن يكون يهودي يبلغ طوله 175 سم لأن هناك كثيراً من لاعبـي كرة السلّة السود الطوال وقليلاً من اللاعبين اليهود القصار (في هذه الأيام على الأقل). وتكون الصور النمطية صحيحة في بعض الأحيان.
يمكن ثانية أن تتسلّل الانحيازات عندما يتباعد التماثل والوتيرة. ومن أشهر الإثباتات على هذه الانحيازات حالة امرأة افتراضية تدعى ليندا. في هذه التجربة، يبلّغ المختَبرون ما يلي: "ليندا امرأة غير متزوّجة في الثلاثين من العمر، تحسن التحدّث وذكيّة جداً. وقد درست الفلسفة. وعندما كانت طالبة، تركّز اهتمامها على قضايا التمييز والعدالة الاجتماعية، وشاركت أيضاً المظاهرات المضادّة للطاقة النووية". وبعد ذلك طُلب من المشاركين ترتيب ثمانية احتمالات لمستقبل ليندا وفقاً لإمكان حدوثها. الإجابتان الحاسمتان هما "صرّافة في بنك" و"صرّافة في بنك وناشطة في الحركة النسوية". وقد قال معظم الأشخاص احتمال أن تكون ليندا صرّافة في بنك أقل من احتمال أن تكون صرّافة في بنك وناشطة في الحركة النسوية.
ذلك خطأ منطقي واضح. فليس من الممكن منطقياً لأي حدثين أن يكونا أكثر احتمالاً من أحدهما بمفرده. ويجب أن يكون احتمال عمل ليندا صرّافة في بنك أكبر من احتمال أن تكون صرّافة في بنك وناشطة نسوياً، لأن كل صرّافات البنوك الناشطات في الحركة النسوية صرّافات في بنوك. ويرجع الخطأ إلى استخدام الاستدلال التمثيلي: يبدو أن وصف ليندا يتطابق مع "صرّافة في بنك وناشطة في الحركة النسوية"" أكثر بكثير مما يتطابق مع "صرّافة في بنك". وكما لاحظ ستيفن جاي غود (Stephen Jay Gould, 1991)، "إنني أعرف [الإجابة الصحيحة]، ومع ذلك ثمة أنيسان في رأسي لا ينفك يقفز إلى أعلى وأسفل ويصرخ عليّ - ’لكنها لا يمكن أن تكون مجرّد صرّافة في بنك، اقرأ الوصف‘". وأنيسان غود هو الجهاز التلقائي في أثناء العمل.
يمكن أن يسبّب الاستدلال التمثيلي سوء إدراك خطيراً للأنماط في الحياة اليومية. عندما تحدّد الأحداث بالمصادفة، مثل سلسلة من رميات قطعة النقود، يتوقّع الناس أن تكون سلسلة الطرّات والنقشات ممثّلة لما يعتقدون أنه عشوائي. لكن لا يوجد لدى الناس تصوّرات دقيقة لما تكون عليه السلاسل العشوائية. وعندما يشاهدون نتائج عمليات عشوائية، فإنهم غالباً ما يكتشفون أنماطاً يعتقدون أن لها معنى عظيماً لكنها في الواقع ناجمة عن المصادفة. ربما ترمي قطعة نقدية ثلاث مرات، وترى أن النتيجة طرّة في كل مرّة، وتستنتج أن هناك أمراً مريباً بشأن قطعة النقود. لكنك إذا رميت أي قطعة نقود مرّات كثيرة، فلن يكون من المستغرب كثيراً أن تشاهد ثلاث نتائج طرّة على التوالي. (جرّبها وسترى. على سبيل التجربة، بعد الانتهاء من هذه الفقرة، رمى سنشتاين بنساً منتظماً ثلاث مرّات - وحصل على طرّة في كل مرّة. فدُهش، وما كان ينبغي له.)
ثمة مثال أقل تفاهة، من عالم النفس في كورنل طوم غيلوفتش (Tom Gilovich, 1991)، يأتي من تجربة المقيمين في لندن في أثناء حملات القصف الألمانية في الحرب العالمية الثانية. فقد نشرت صحف لندن خرائط، كتلك المبيّنة في الشكل 3.1، تعرض موقع الضربات الألمانية بقذائف في-1 وفي-2 التي أصابت مركز لندن. وكما ترى، لا يمكن أن يكون النمط عشوائياً البتة. بل يبدو أن القنابل تتجمّع حول نهر التايمس وفي القطاع الشمالي الغربـي من الخريطة. وقد عبّر الناس في لندن عن قلقهم في ذلك الوقت لأن النمط يوحي على ما يبدو أن في وسع الألمان تصويب قنابلهم بدقّة عظيمة. بل إن بعض اللندنيين خمّنوا أن الفراغات ربما تكون أحياء يعيش فيها جواسيس ألمان. لكن الألمان في الواقع لم يكن في وسعهم سوى أن يصوّبوا قنابلهم على مركز لندن وأن يأملوا بحدوث الأفضل. وقد حدّد تحليل إحصائي مفصّل لتفرّق مواقع ضربات القنابل داخل لندن أن توزيع ضربات القنابل كان عشوائياً بالفعل.



مع ذلك فإن موقع ضربات القنابل لا يبدو عشوائياً. فما الذي يجري؟ غالباً ما نشاهد أنماطاً لأننا ننشئ اختباراتنا غير الرسمية بعد النظر في الأدلّة. ويقدّم المثال عن الحرب العالمية الثانية إيضاحاً ممتازاً لهذه المسألة. لنفترض أننا قسّمنا الخريطة إلى أرباع، كما في الشكل 4.1 (أ). إذا أجرينا بعد ذلك اختباراً إحصائياً رسمياً - أو أحصينا عدد الإصابات في كل مربع فحسب، لغير ذوي الميول الإحصائية - فإننا نجد دليلاً على وجود نمط غير عشوائي. لكن لا يوجد في الطبيعة ما يوحي أن تلك الطريقة الصحيحة لاختبار العشوائية. ولنفترض بدلاً من ذلك أننا أنشأنا الأرباع قطرياً كما في الشكل 4.1 (ب). لا يمكننا الآن رفض فرضية سقوط القنابل عشوائياً. غير أننا للأسف لا نخضع تصوّراتنا لمثل هذا الاختبار البديل الصارم.



يعدّ غيلوفتش (مع زميليه غالون وتفيرسكي [1985]) مسؤولاً أيضاً عن أشهر سوء فهم للعشوائية (أو أكثرها سوء سمعة)، وتحديداً الرأي الواسع الانتشار بين مشجّعي كرة السلّة بأن هناك نمطاً قوياً "لليد الساخنة". لن نتناول ذلك بالتفصيل لأن خبرتنا تفيدنا بأن الوهم المعرفي هنا قوي جداً بحيث أن معظم الأشخاص (متأثّرين بنظامهم التلقائي) غير راغبين حتى في النظر في أن تكون معتقداتهم التي يتمسّكون بها بشدّة خاطئة. لكن إليك خلاصة ذلك. يعتقد معظم مشجّعي كرة السلّة أن من المرجّح أن يسجّل اللاعب الرمية التالية إذا كان قد نجح في تسديدته الأخيرة، أو تسديداته الأخيرة. ويقال إن اللاعنين الذين سجّلوا بضع رميات على التوالي، أو معظم رمياتهم الأخيرة "يداً ساخنة"، وهو ما يعتبره معظم المعلّقين الرياضيين إشارة جيدة إلى المستقبل. ويعدّ تمرير الكرة إلى اللاعب الساخن جزء من استراتيجية جيدة.
تبيّن أن "اليد الساخنة" ما هي إلا خرافة. فليس من المرجّح أن يسجّل اللاعبون الرمية التالية بعد النجاح في تسجيل رمياتهم القليلة الأخيرة (بل يقل احتمال ذلك في الواقع). وهذه حقيقة.
عندما يبلّغ الناس بهذه الحقائق، فإنهم يسارعون إلى تشكيل روايات بديلة عن نظرية اليد الساخنة. ربما عدّل الدفاع طريقة لعبه وراقب اللاعب "الساخن" مراقبة لصيقة. وربما عدّل اللاعب الساخن طريقة لعبه وبدأ يرمي رميات أكثر صعوبة. وهذه ملاحظات مقبولة تحتاج إلى استقصاء. لكن تجدر الإشارة إلى أن المشجّعين كانوا عندما يسألون، قبل أن يشاهدوا البيانات، عن النسبة المئوية للتسجيل الفعلي بعد سلسلة من الرميات الناجحة يوافقون تلقائياً على نظرية اليد الساخنة - دون حاجة إلى تقييدها. وكان كثير من الباحثين واثقين جداً أن نتائج غيلوفتش الأصلية كانت خاطئة بحيث شرعوا في البحث عن اليد الساخنة. ولم يعثر عليها أحد حتى تاريخه.14
أجرى جاي كوهلر (Jay Koehler) وكارين كونلي (Caryn Conley) في سنة 2003 تجربة نظيفة جداً باستخدام مسابقة رمية النقاط الثلاث السنوية التي تجرى في مباراة كل النجوم للاتحاد الوطني لكرة السلة. وفي هذه المسابقة، يسدّد اللاعبون (وهم من أفضل رماة الثلاث نقاط في الدوري) سلسلة من الرميات من خارج قوس تسديدة الثلاث نقاط. والهدف تسجيل أكبر عدد ممكن من النقاط في ستين ثانية. ونظراً إلى عدم وجود أي دفاع أو رميات بديلة، فإن ذلك يبدو وضعاً مثاليا لملاحظة اليد الساخنة. لكن لم يظهر أي دليل على اليد الساخنة، كما في الدراسة الأصلية. ولم يمنع غياب اليد الساخنة المعلّقين من اكتشاف تباينات فجائية في درجة حرارة اللاعبين. ("دانا باروس ساخن!" و"لغلر على نار حامية!") لكن ليس لتلك الصرخات التي يطلقها المعلّقون أي سلطة تنبّؤية. فقبل أن يتحدّث المعلّقون عن الحرارة، سجّل اللاعبون 80.5 في المئة في تسديدات الثلاث نقاط السابقة. وبعد الإعلان عن الحرارة، سجّل اللاعبون 55.2 في المئة فقط - ليس أفضل بكثير من النسبة المئوية للتسجيل في المسابقة، أي 53.9 في المئة.
ليس هناك مشكلة عظيمة بطبيعة الحال إذا التبس على مشجّعي كرة السلة ما يشاهدونه عندما يتفرّجون على المباريات على التلفزة. لكن الانحيازات المعرفية نفسها تحدث في مجالات أخرى أكثر ثقلاً. ولنأخذ ظاهرة "تكتّلات السرطان". يمكن أن تُحدث هذه الاعتقادات قدراً كبيراً من الخوف الخاصّ والعامّ، وغالباً ما تجتذب استقصاءات دائمة مصمّمة لمعرفة سبب حدوث تفشٍّ مفاجئ ولا يمكن تفسيره في حالات السرطان. لنفترض أننا عثرنا في حي من الأحياء على معدّل مرتفع للسرطان - ربما يشخّص عشرة أشخاص، في مجموعة من خمسمئة، مصابين بالسرطان خلال فترة ستة أشهر. وربما يقيم العشرة ضمن ثلاثة مربعات سكنية من بعضهم بعضاً. ويتلقّى المسؤولون الأميركيون في الواقع تقارير عن أكثر من ألف تكتّل سرطاني مشتبه به كل سنة، ويُتقصّى العديد من التكتّلات المشتبه بها بحثاً عن "وباء" محتمل.15
تكمن المسألة في أنه من المحتّم في بلد يبلغ تعداد سكانه ثلاثمئة مليون نسمة أن تشهد بعض الأحياء معدّلات مرتفعة للسرطان في أي سنة. وربما تكون "تكتّلات السرطان" الناجمة ناتجة عن تقلّبات عشوائية. ومع ذلك يصرّ الناس على أنها لا يمكن أن تحدث مصادفة. فيدبّ فيهم الذعر، وتتدخّل الحكومة مخطئة لصالحهم في بعض الأحيان. وفي معظم الأحيان لا يكون هناك من سبب يدعو للقلق، سوى أن استخدام الاستدلال التمثيلي يمكن أن يدفع الناس إلى الخلط بين التقلّبات العشوائية والأنماط السببية.

التفاؤل وفرط الثقة
قبل بدء صف ثالر (Thaler) في اتخاذ القرارات الإدارية، ملأ الطلاب مسحاً مغفل الأسماء على الموقع الإلكتروني للمقرّر. وكان أحد الأسئلة "في أي عُشير (10 في المئة) تتوقّع أن تكون عند توزيع الدرجات على الصف"؟ ويستطيع الطلاب الإشارة إلى أعلى 10 في المئة، وثاني 10 في المئة، وهكذا دواليك. وبما أن الطلاب ملتحقون ببرنامج الماجستير في إدارة الأعمال، فإنه يفترض أن يدركوا أنه في أي توزيع يكون نصف المجتمع الإحصائي في النصف الأعلى ونصفه في النصف الأسفل. ولا ينتهي في العُشير الأعلى إلا 10 في المئة من الطلاب في الواقع.
مع ذلك كشفت نتائج المسح عن قدر كبير من التفاؤل غير الواقعي بشأن الصف. وتوقّع أقل من 5 في المئة أن يكون أداؤهم دون الوسطي (الشريحة المئوية الخمسون) وتوقّع أكثر من نصف الطلاب أن يكون أداؤهم في العُشيرين الأعلى. ووضعت أكبر مجموعة من الطلاب نفسها في العُشير الثاني. ونعتقد أن ذلك يفسّر بالتواضع على الأرجح. فهم يعتقدون أنهم سينتهون في العُشير الأعلى، لكنهم أشدّ تواضعاً من أن يذكروا ذلك.
طلاب الماجستير في إدارة الأعمال ليسوا الوحيدين الذين لديهم ثقة مفرطة في قدراتهم. فأثر "فوق المتوسّط" واسع الانتشار. وهكذا يعتقد تسعون في المئة من السائقين أنهم فوق المتوسّط في قيادة السيارات، حتى إذا لم يكونوا من المقيمين في ليك وُبيغون.16 ويعتقد الجميع تقريباً (بمن فيهم من نادراً ما يشاهد مبتسماً) بأن لديهم حساً فكاهياً فوق المتوسّط. (لأنهم يعرفون ما المضحك!) وينطبق ذلك على أساتذة الجامعات أيضاً. ويعتقد نحو 94 في المئة من الأساتذة في جامعة كبيرة أنهم أفضل من الأستاذ المتوسّط، وثمة سبب وجيه يدعو للاعتقاد بأن مثل هذا الفرط في الثقة ينطبق على الأساتذة على العموم.17 (نعم، نحن نقرّ بهذا الفشل المحدّد.)
يبدي الناس تفاؤلاً غير واقعي حتى عندما تكون المخاطر مرتفعة. وينتهي نحو 50 في المئة من الزيجات بالطلاق، وتلك نسبة إحصائية سمع بها معظم الناس. لكن قبيل حفل الزفاف، يعتقد كل الأزواج تقريباً أن احتمال انتهاء زواجهم بالطلاق يبلغ صفراً تقريباً - حتى من طلّق حديثاً!18. (سخر صموئيل جونسون (Samuel Johnson) من الزواج الثاني قائلاً، "إنه انتصار الأمل على التجربة".) وتنطبق نقطة مماثلة على روّاد الأعمال الذين يبدؤون عملاً جديداً، حيث يبلغ معدّل الفشل 50 في المئة على الأقل. ففي أحد مسوح الأشخاص الذين يبدؤون أعمالاً جديدة (منشآت صغيرة عادة، مثل شركات المقاولات، والمطاعم، وصالونات التجميل)، طرح سؤالان على المشاركين: (أ) ما رأيك في فرصة نجاح عمل نموذجي كعملك؟ (ب) ما فرصة نجاحك؟ وكانت الإجابة الأكثر شيوعاً عن هذين السؤالين 50 في المئة و90 في المئة على التوالي، وأجاب عديدون 100 في المئة عن السؤال الثاني.19
يمكن أن يفسّر التفاؤل غير الواقعي كثيراً من المخاطر التي يقدم على ركوبها الأفراد، وبخاصة في مجال المخاطر على الحياة والصحة. وعندما يُسأل الطلاب عن تصوّرهم لمستقبلهم، فإنهم يقولون عادة إن احتمال أن يُصرفوا من العمل، أو يُصابوا بنوبة قلبية أو سرطان، أو يطلّقوا بعد بضع سنوات على الزواج، أو يواجهوا مشكلة في شرب الكحول أدنى بكثير من الاحتمالات لدى زملائهم في الصف. ويقلّل الرجال المثليون منهجياُ من فرصة إصابتهم بالإيدز، مع أنهم يعرفون مخاطر الإيدز على العموم. ويبخس المتقدّمون في العمر تقدير احتمال وجودهم في حادث سيّارة أو معاناتهم من أمراض خطيرة. ويدرك المدخّنون المخاطر الإحصائية، ويبالغون فيها في الغالب، لكن معظمهم يعتقد بأن احتمال تشخيص سرطان الرئة ومرض القلب لديهم أقل من معظم المدخّنين. ويرجع نجاح ألعاب اليانصيب إلى حدّ ما إلى التفاؤل غير الواقعي.20
التفاؤل غير الواقعي سمة منتشرة من سمات الحياة البشرية، وهي تميّز معظم الأشخاص في معظم الفئات الاجتماعية. وعندما يبالغ الناس في تقدير حصانتهم الشخصية من الأذى، فربما لا يُقدمون على اتخاذ خطوات وقائية معقولة. وإذا ركب الناس المخاطر بسبب التفاؤل غير الواقعي، فربما يمكن أن يستفيدوا من التنبيه. بل إننا ذكرنا أحد الاحتمالات بالفعل: إذا ذُكّر الناس بحادثة سيّئة، فربما لا يواصلون فرط التفاؤل.

الأرباح والخسائر
يكره الناس الخسائر (ويمكن أن تثور مشاعر أنظمتهم التلقائية حيالها). وتسبّب لك خسارة شيء ما أسى مضاعفاً عما يسبّبه لك ربح الشيء نفسه من سعادة. وبتعبير تقني، الناس ينفرون من الخسارة. فكيف نعرف ذلك؟
لننظر في تجربة بسيطة.21 يعطى نصف طلاب صفّ ما أقداح قهوة محفور عليها شعار جامعتهم. ويُطلب من الطلاب الذين لم يحصلوا على أقداح تفحّص أقداح جيرانهم. وبعد ذلك يُطلب من مالكي الأقداح بيعها ويُدعى غير المالكين لشرائها. وينفذ ذلك بالإجابة عن السؤال "بيّن إذا كنت راغباً في (التخلّي عن القدح/شراء القدح) عند كل من الأسعار التالية". وتظهر النتائج أن من يمتلكون الأقداح يطلبون مقابل التخلّي عن أقداحهم ضعف ما يرغب الآخرون في دفعه للحصول على قدح. وقد استُخدمت آلاف الأقداح في تكرار هذه التجربة، لكن النتائج ظلّت نفسها تقريباً. عندما أحصل على قدح، لا أرغب في التخلّي عنه. لكن إذا لم يكن لدي قدح، فإنني لا أشعر بحاجة ملحّة لشرائه. ما يعنيه ذلك أن الأشخاص لا يعيّنون قيمة محدّدة للأشياء. وعندما يضطرّون للتخلّي عن شيء ينزعجون أكثر من السرور الذي يشعرون به إذا حصلوا على الشيء نفسه.
ويمكن أيضاً قياس النفور من الخسارة في المقامرة. لنفترض أنني سألتك هل تريد المراهنة. الطرّة تكسبك س دولار، والنقشة تخسّرك 100 دولار. كم يجب أن يكون س كي تقبل بالمراهنة؟ الإجابة عن هذا السؤال تقع عند حدود 200 دولار لدى معظم الأشخاص. ويعني ذلك أن احتمال ربح 200 دولار يعادل احتما خسارة 100 دولار.
يساعد النفور من الخسارة في إنتاج الخمول، أي الرغبة الشديدة في التمسّك بما لديك حالياً. فإذا كنت متردّداً في التخلّي عما لديك لأنك لا تريد تكبّد الخسائر، فسترفض العمليات التجارية التي ربما تقدم عليها بخلاف ذلك. في تجربة أخرى، حصل نصف طلاب الصف على أقداح للقهوة (بالطبع) وحصل نصفهم على ألواح كبيرة من الشوكولا. تتساوى تكلفة قدح القهوة ولوح الشوكولا تقريباً، وفي الاختبارات المسبقة تبيّن أن اختيار هذا أو ذاك سيّان عند الطلاب. مع ذلك عندما أتيحت فرصة إبدال قدح بلوح شوكولا أو العكس، لم يبدّل إلا واحد من عشرة.
وسنرى لاحقاً إن النفور من الخسارة يعمل بمثابة تنبيه معرفي، يلحّ علينا بعدم الإقدام على التغيير حتى عندما تكون التغييرات في مصلحتنا.
الانحياز للوضع الراهن
النفور من الخسارة ليس السبب الوحيد للخمول. فثمة أسباب عديدة تجعل لدى الناس ميلاً عاماً للتمسّك بوضعهم الحالي. أطلق وليام صموئيلسن (William Samuelson) ورتشارد زكهاوزر (Richard Zeckhauser) في سنة 1988 على هذه الظاهرة اسم "الانحياز للوضع الراهن"، وأثبتت في العديد من الأوضاع. على سبيل المثال، يعرف معظم المعلّمين أن الطلاب يميلون إلى الجلوس على المقاعد نفسها في الصفّ، حتى من دون وجود مخطّط للجلوس. لكن الانحياز للوضع الراهن يمكن أن يحدث عندما تكون المجازفات أكبر بكثير، ويمكن أن يوقعنا في العديد من المشاكل.
على سبيل المثال، في خطط الادّخار للتقاعد، مثل 401(k)،22 يختار معظم المشاركين تخصيصاً للأصول ثم ينسون أمره. وفي إحدى الدراسات التي أجريت في أواخر ثمانينيات القرن العشرين، تبيّن أن العدد الوسطي للتغييرات التي أجراها المشاركون في خطة TIAA-CREF، وهي خطة معاشات التقاعد للعديد من أساتذة الجامعات، بلغ صفراً. بعبارة أخرى، لم يُجرِ أكثر من نصف المشاركين أي تغيير على طريقة تخصيص إسهاماتهم طوال مسيرتهم المهنية. ولعل الأهم من ذلك أن أمّهات العديد من المشاركين المتزوّجين الذين كانوا عازبين عند الانضمام للخطة ما زالت مدرجة باعتبارهن منتفعات منها.
من السهل استغلال الانحياز للوضع الراهن. قبل عدة سنوات كتبت أميركان إكسبرس لسنشتاين رسالة تبلغه أنه يمكن أن يحصل على اشتراك مجاني لمدة ثلاثة أشهر في خمس مجلات من اختياره. يبدو الاشتراك المجاني صفقة جيدة حتى إذا كانت المجلات لا تقرأ إلا نادراً، لذا اختار سنشتاين المجلات مسروراً. وما لم يدركه أنه سيستمرّ في استلام المجلات والدفع مقابلها بالسعر العادي ما لم يتخذ أي إجراء لإلغاء الاشتراك. واستمر اشتراكه بالمجلات التي لا يكاد يقرأها نحو عقد من الزمن. (وظل يعتزم إلغاء الاشتراكات، لكنه لم ينفّذ ذلك البتة. ونأمل أن نتناول التسويف والتأجيل في الفصل التالي.)
إن قلّة الانتباه من أسباب الانحياز للوضع الراهن. فكثير من الأشخاص يعتمدون ما ندعوه استدلال "أياً يكن". ومن الإيضاحات الجيدة لذلك الأثر المرحّل في مشاهدة التلفزة. يمضي مدراء الشبكات كثيراً من الوقت في العمل على البرمجة لأنهم يعرفون أن المشاهد الذي يبدأ الأمسية بقناة إن بـي سي يميل إلى الاستمرار في متابعة تلك القناة. وبما أن أداة التحكّم من بعد منتشرة في هذا البلد منذ عقود، فإن تكلفة تبديل القناة في هذا السياق لا تزيد على الضغط بالإبهام على الأداة. لكن عندما ينتهي أحد البرامج ويبدأ البرنامج التالي، من المفاجئ أن عدداً كبيراً من المشاهدين يقولون (ضمناً)، "أياً يكن" ويواصلون التفرّج. وسنشتاين ليس الضحية الوحيد للتجديد التلقائي للاشتراكات. فالمسؤولون عن التوزيع يعرفون أنه عندما يكون التجديد تلقائياً، وعندما يتعيّن على المرء إجراء اتصال هاتفي لإلغائه، فإن احتمال التجديد يكون أعلى بكثير مما عندما يكون على المرء الإبلاغ أنه يريد الاستمرار في استلام المجلة.
إن اجتماع النفور من الخسارة والاختيار دون تفكير يعني أنه إذا سمّي خيار بأنه "افتراضي"، فسيجتذب حصّة كبيرة من السوق. لذا تعمل الخيارات الافتراضية بمثابة تنبيهات. وفي بعض السياقات يكون للخيارات الافتراضية قوة تنبيهية إضافية لأن العملاء ربما يعتقدون، صواباً أو خطأ، أن الخيار الافتراضي يحظى بتصديق ضمني من واضع الخيار، سواء أكان صاحب عمل أم حكومة أم مبرمج تلفزة. ولهذا السبب وسواه، فإن تحديد أفضل الخيارات الافتراضية الممكنة سيكون من الموضوعات التي سنستعرضها في هذا الكتاب.
التأطير
لنفترض أنك تعاني من مرض قلبـي خطير وأن الطبيب اقترح عليك عملية جراحية صعبة. من المفهوم أن تتساءل عن الاحتمالات. فيجيبك الطبيب، "لا يزال تسعون من بين مئة مريض خضعوا لهذه العملية أحياء بعد خمس سنوات". ماذا أنت فاعل؟ إذا ملأنا الوقائع بطريقة معيّنة، فستكون إجابة الطبيب مريحة جداً، ولعلك ستجري العملية.
لكن لنفترض أن الطبيب وضع إجابته في إطار مختلف نوعاً ما. لنفترض أنه قال، "توفي خمسة بعد خمس سنوات من بين مئة مريض خضعوا لهذه العملية". إذا كنت مثل معظم الأشخاص، فإن إجابة الطبيب ستثير كثيراً من القلق، وربما لن تجري العملية. يفكّر الجهاز التلقائي كما يلي: "توفّي عدد كبير من الأشخاص، وربما أكون واحداً منهم"! وفي العديد من التجارب، جاء ردّ الفعل على المعلومات بأن "تسعين من مئة لا يزالون أحياء" مختلفاً جداً عن ردّ الفعل على المعلومات بأن "عشرة توفّوا من بين مئة" - مع أن مضمون الجملتين متطابق تماماً. بل إن الخبراء يتعرّضون لآثار التأطير. عندما يبلّغ الأطباء بأن "تسعين من بين مئة لا يزالون أحياء"، فإن احتمال أن يوصوا بالعملية يكون أكبر مما لو قيل لهم إن "عشرة توفّوا من بين مئة".23
التأطير مهمّ في العديد من المجالات. عندما أخذت بطاقات الائتمان تصبح أشكالاً مشهورة للدفع في سبعينيات القرن العشرين، أراد بعض تجّار التجزئة استيفاء أسعار مختلفة من العملاء الذين يدفعون نقداً والذين يدفعون ببطاقات الائتمان. (تستوفي شركات بطاقات الائتمان عادة 1 في المئة من بائعي التجزئة مقابل كل معاملة بيع.) وللحؤول دون ذلك، اعتمدت شركات بطاقات الائتمان قواعد تمنع بائعي التجزئة من استيفاء أسعار مختلفة مقابل الدفع نقداً أو ببطاقة الائتمان. لكن عندما عُرض مشروع قانون على الكونغرس لإبطال مثل هذه القواعد، وجّهت مجموعة الضغط المؤيّدة لشركات بطاقات الائتمان اهتمامها إلى اللغة. وكان تفضيلها أنه إذا استوفت شركة أسعاراً مختلفة من العملاء الذين يدفعون نقداً والذين يدفعون ببطاقات الائتمان، فإن سعر الائتمان يجب أن يعتبر السعر "العادي" (الافتراضي) والسعر نقداً مخفّضاً - بدلاً من جعل السعر نقداً السعر العادي واستيفاء رسم إضافي من عملاء بطاقات الائتمان.
كان لشركات بطاقات الائتمان إدراك حدسي جيّد لما يسمّيه علماء النفس "تأطيراً". وتقوم الفكرة على أن الخيارات تتوقّف، إلى حدٍّ ما، على الطريقة التي تصاغ بها المشاكل. وهذه نقطة مهمّة جداً في السياسات العامّة. وتتلقّى المحافظة على الطاقة كثيراً من الاهتمام، لذا انظروا في حملتي المعلومات التاليتين: (أ) إذا استخدمتم أساليب المحافظة على الطاقة فستوفّرون 350 دولاراً في السنة، (ب) إذا لم تستخدموا أساليب المحافظة على الطاقة فستخسرون 350 دولاراً في السنة. وتبيّن أن حملة المعلومات (ب) المؤطّرة بعبارة الخسارة أكثر فعّالية بكثير من حملة المعلومات (أ). وإذا أرادت الحكومة التشجيع على المحافظة على الطاقة، فإن الخيار (ب) يشكّل تنبيهاً أشدّ قوة.
يفيد التأطير لأن الناس يميلون إلى حدٍّ ما لأن يكونوا صنّاع قرارات غافلين وسلبيين. ولا يقوم نظامهم الانعكاسي بالعمل المطلوب للتدقيق ورؤية إذا كانت إعادة تأطير الأسئلة تنتج إجابات مختلفة. ومن أسباب عدم قيامهم بذلك أنهم لا يدرون كيف يستفيدون من التناقض. ويعني ذلك ضمناً أن الأطر تنبيهات قوية، ويجب اختيارها بحذر.
ماذا بعد؟
كان مرادنا في هذا الفصل عرض لمحة موجزة عن قابلية الخطأ عند البشريين. فبرزت صورة أشخاص مشغولين يحاولون تدبّر أمورهم في عالم معقّد لا يسعهم فيها التفكير بعمق في كل خيار ينتقونه. لذا يعتمد الناس قواعد عملية معقولة تقودهم إلى الضلال في بعض الأحيان. ولأنهم مشغولون ومحدودو الانتباه، فإنهم يقبلون الأسئلة كما تُطرح بدلاً من أن يحاولوا تحديد هل يمكن أن تتغيّر إجاباتهم عندما تُطرح بصيغ بديلة. خلاصة القول، من وجهة نظرنا، إن الناس قابلون للتنبيه. فخياراتهم، بما في ذلك أهمّ قرارات حياتهم، تتأثّر بطرق غير متوقّعة في إطار اقتصادي قياسي. وإليكم مثال أخير للإيضاح.
يعدّ ليك شور درايف في شيكاغو من أجمل الطرق العامة الحضرية في العالم، إذ يعانق ساحل بحيرة متشِغن التي تشكّل الحدّ الشرقي للمدينة. ويعرض الشارع مشاهد مذهلة لخطّ أفق شيكاغو. وثمة قطعة من هذا الطريق تُدخل السائقين في سلسلة من منحنيات S الخطيرة. فكثير من السائقين لا ينتبهون إلى حدّ السرعة المخفّض (40 كم/سا) فيتعرّضون لحوادث كبيرة. وقد استخدمت المدينة مؤخّراً طريقة جديدة لتشجيع السائقين على إبطاء سرعتهم.
في بداية المنحنى الخطير، يواجه السائقون إشارة مطلية على الطريق تنبّههم إلى حدّ السرعة المخفّض، ثم سلسلة من الأشرطة البيطاء المدهونة على الطريق. لا توفّر الأشرطة كثيراً من المعلومات الملموسة، هذا إذا وفّرت أصلاً (فهي ليست مطبّات للسرعة) وإنما ترسل إشارة مرئية للساقين. عندما تظهر الأشرطة أولاً، يكون التباعد في ما بينها متساوياً، لكن عندما يصل السائقون إلى القسم الأكثر خطورة من المنعطف، تتقارب الأشرطة بعضها من بعض فتعطي إحساساً بأن السرعة تزداد (انظر الشكل 5.1). فتكون الغريزة الطبيعية للمرء إبطاء السرعة. وعندما نقود السيارة في هذه القطعة المألوفة من الطريق، نجد أن تلك الخطوط تخاطبنا، وتحثّنا بلطف على الدوس على المكابح قبل بلوغ ذروة المنحنى. لقد نُبّهنا.







2 مقاومة الإغراء24

الإغراء
قبل عدّة سنوات، استضاف ثالر بعض الضيوف (اقتصاديون آخرون شبّان في ذلك الوقت) إلى مائدة العشاء ووضع وعاء كبيراً مليئاً بالكاجو لتناول القليل منه مع أول زجاجة نبيذ. وخلال بضع دقائق اتضح أن الكاجو سيلتهم بأكمله، وأن الضيوف ربما يفقدون الشهية الكافية للاستمتاع بالطعام الذي سيلي. أسرع ثالر في الإمساك بوعاء الكاجو ونقله (بينما التقط بضع حبّات إضافية لنفسه) إلى المطبخ بعيداً عن الأنظار.
وعندما عاد، شكره الضيوف على رفع الكاجو. وانتقل الحديث على الفور إلى السؤال النظري عن كيف يمكن أن يسرّوا بعدم وجود وعاء الكاجو أمامهم. (يمكنك الآن أن ترى حكمة القواعد العملية المذكورة في الفصل الأول عن وضع سقف لنسبة الاقتصاديين في أوساط المدعوّين إلى حفلة عشاء.) في الاقتصاد (وفي الحياة العادية)، يشير المبدأ العامّ إلى أنك لا يمكن أن تصبح في حالٍ أسوأ بالحصول على مزيد من الخيارات، لأن في وسعك أن ترفضها دائماً. قبل أن يرفع ثالر الكاجو كان أمام المجموعة خيار تناول الكاجو أو عدمه - والآن لم يعد ذلك الخيار متاحاً. وفي مجال الاقتصاديين، السرور لذلك مخالف للقانون!
لمساعدتك في فهم هذا المثال، فكّر كيف بدا تطوّرت تفضيلات المجموعة بمرور الوقت. في الساعة 7:15، قبل أن يرفع ثالر الكاجو، كان لدى الضيوف على العشاء ثلاثة خيارات: تناول قليل من الكاجو، وتناول الكاجو بأكمله، وعدم تناول المزيد من الكاجو. الخيار الأفضل هو تناول بضع حبّات إضافية فحسب، يليه عدم تناول مزيد من الكاجو. والخيار الأسوأ هو تناول الكاجو بأكمله، لأن ذلك سيفسد العشاء. لكن في الساعة 7:30، لو ظلّ الكاجو على الطاولة لالتهمته المجموعة بأكمله، وبالتالي تصل إلى الخيار الأقل تفضيلاً. لماذا غيّرت المجموعة رأيها في غضون خمس عشرة دقيقة؟ أو هل نريد حقاً أن نقول إن المجموعة غيّرت رأيها؟
بلغة الاقتصاديين، يفترض أن تظهر المجموعة سلوكاً غير متّسق ديناميكياً. في البداية يفضّل الأشخاص (أ) على (ب)، لكنهم يختارون لاحقاً (ب) بدلاً من (أ). ويمكننا مشاهدة عدم الاتساق الديناميكي في العديد من الأمكنة. في صباح يوم السبت ربما يقول الناس إنهم يفضّلون التمرين على مشاهدة التلفزة، لكن ما إن يحلّ العصر حتى يضطجعون على الأريكة في المنزل لمشاهدة مباراة في كرة القدم. فكيف يمكن فهم مثل هذا السلوك؟
يجب تقديم عاملين لفهم ظاهرة الكاجو: الإغراء والغفلة. والبشر يدركون مفهوم الإغراء منذ زمن آدم وحوّاء، لكن المفهوم بحاجة إلى مزيد من التفصيل بغية استيعاب قيمة التنبيهات. فماذا يعني أن يكون شيء "مغرياً"؟
كما في حكمة القاضي في المحكمة العليا بوتر ستيوارت (Potter Stewart) "أعرف عندما أرى" بشأن الموادّ الإباحية، فإن معرفة الإغراء أسهل من تعريفه. ويتطلّب تعريفنا المفضّل الإقرار بأن حالة الإثارة تتفاوت مع الزمن. ولتبسيط الأمور سننظر في النقطتين الطرفيتين: الحرارة والبرودة. عندما تكون سالي جائعة جداً وتتصاعد الروائح الشهيّة من المطبخ، يمكننا القول إنها في حالة حارّة. وعندما تفكّر سالي بتجرّد يوم الثلاثاء في عدد حبّات الكاجو التي يجب أن تأكلها قبل العشاء في يوم السبت، فإنها تكون في حالة باردة. وسنصف شيئاً بأنه "مغرٍ" إذا تناولنا منه في حالة الحرارة أكثر مما نتناول في حالة البرودة. ولا يعني ذلك أن القرارات التي تتخذ في حالة البرودة أفضل على الدوام. على سبيل المثال، يتعيّن علينا في بعض الأحيان أن نكون في حالة حارّة للتغلب على مخاوفنا من تجربة أشياء جديدة. وأحياناً تكون الحلوى لذيذة، ويفضّل الإقبال عليها. وأحياناً من الأفضل أن نقع في الحب. لكن من الواضح أننا غالباً من نتعرّض لمشاكل عندما نكون في حالة حارّة.
يدرك معظم الأشخاص أن الإغراء موجود، ويتخذون خطوات للتغلّب عليه. والمثال الكلاسيكي على ذلك أوليس الذي واجه خطر الحوريات وأغانيهن التي لا تقاوم. ففي أثناء الحالة الباردة، أمر أوليس بحّارته أن يملؤوا آذانهم بالشمع كي لا تغريهم الموسيقى. وطلب منهم أيضاً أن يربطوه بالصاري كي يستمع لنفسه ويمتنع عن الخضوع لإغراء الاقتراب بالسفينة عندما تجعله الموسيقى في حالة حارّة.
نجح أوليس في حل المشكلة. غير أن مشكلات ضبط النفس تبرز عند معظمنا لأننا نبخس تقدير الإثارة. وهو أمر أسماه عالم الاقتصاد السلوكي جورج لوِنشتاين (George Loewenstein, 1996) "فجوة تعاطف الحرارة والبرودة". عندما نكون في حالة باردة، لا نقدّر حجم تغيّر رغباتنا وسلوكنا عندما نخضع لنفوذ الإثارة. ونتيجة لذلك، يعكس سلوكنا بعض السذاجة تجاه تأثيرات السياق على الاختيار. على سبيل المثال، يتبّع طوم نظاماً غذائياً خاصاً بيد أنه يوافق على الخروج في عشاء عمل معتقداً أن في وسعه أن يحدّ نفسه بكأس من الشراب دون تناول الحلوى. لكن المضيف يطلب زجاجة شراب ثانية ويحضر النادل عربة الحلوى، فتسقط كل الرهانات. وتعتقد مارلين أن في وسعها دخول متجر متعدّد الأقسام عندما يجري تنزيلات كبيرة لترى إذا كان لديهم شيء مخفّض السعر تحتاج إليه بالفعل. وينتهي بها الأمر إلى شراء حذاء غير مريح (لكن بسعر مخفض 70 في المئة). ويعتقد روبرت أنه لن يقيم علاقات غير آمنة، لكن يجد نفسه مضطراً لاتخاذ كل القرارات الحاسمة في حالة إثارة. وتؤثّر مشاكل مماثلة على من يعانون من التدخين، أو شرب الكحول، أو عدم ممارسة الرياضة، أو الإفراط في الاقتراض، أو عدم كفاية المدّخرات.
يمكن الإضاءة على مشكلات ضبط النفس بالتفكير في أن الفرد يجمع بين نفسين شبه مستقلّتين: مخطّط بعيد النظر، وفاعل قصير النظر. ويمكن التفكير في أن المخطّط يتحدّث باسم الجهاز التأمّلي، أو السيد سبوك الكامن في داخلك، والفاعل يتأثّر تأثّراً شديداً بالجهاز التلقائي، أو أنه هومر سمبسون. يحاول المخطِّط تعزيز مصلحتك على المدى الطويل، لكن عليه التعامل مع مشاعر الفاعل المعرّض للإغراءات القوية التي تأتي مع الإثارة، وضرره، وإرادته القوية. وقد وجدت الأبحاث الحديثة في الاقتصاد العصبـي (أجل، يوجد مثل هذه المجال بالفعل) أدلّة متوافقة مع مفهوم نظامي ضبط النفس. تشعر بعض أقسام الدماغ بالإغراء، وتعدّ الأقسام الأخرى لتمكيننا من مقاومة الإغراء بتقييم كيف يجب أن نتفاعل مع الإغراء.25 وفي بعض الأحيان يمكن أن يدخل قسما الدماغ في صراع حادّ - نوع من المعارك التي لا بدّ أن يخسرها أي من الطرفين.
الاختيار الغافل
مسألة الكاجو لا تتعلّق بالإغراء فحسب، بل تشمل أيضاً نوع السلوك الغافل الذي تناولناه في سياق الخمول. في العديد من المواقف، يضع الناس أنفسهم في وضع "الطيار الأوتوماتي"، حيث لا ينتبهون تماماً للمهمّة التي ينجزونها (يكون الجهاز التلقائي مرتاحاً جداً بتلك الطريقة). في صباح يوم السبت عندما نخرج للقيام بجولة قصيرة، يمكن بسهولة أن نجد أننا نقود السيارة في الطريق المعتادة إلى العمل - إلى أن ندرك أننا نقود في الاتجاه المعاكس لمتجر البقالة. وفي صباح يوم السبت، نتبع الروتين المعتاد مع القهوة والجريدة - إلى أن ندرك أننا رتّبنا للالتقاء بصديق قبل ساعة على فطور متأخّر. ويظهر أن الأكل من أكثر الأنشطة الغافلة التي نقوم بها. وكثير منا يتناول ما يوضع أمامه أياً يكن. ولذلك من المرجّح أن تلتهم حتى الأوعية الكبيرة المليئة بالكاجو، بصرف النظر عن نوعية الطعام الذي سيقدّم عما قريب.
الأمر نفسه ينطبق على الفوشار - وحتى الفوشار البائت. قبل بضع سنوات، أجرى بريان وانسيك (Brian Wansink) وزملاؤه تجربة في صالة للسينما في شيكاغو وجد فيها روّاد السينما أنفسهم مع علبة مجانية من الفوشار البائت.26 (أعدّ قبل خمسة أيام وخزّن بطريقة تضمن أن يقرمش عند أكله.) لم يبلّغ الناس بأن الفوشار بائت، لكنهم لم يحبّوه. وكما قال أحد مرتادي السينما، "إنه أشبه بتناول ستايروفوم يغلّف فولاً سودانياً". وفي تلك التجربة تسلم نصف روّاد السينما علبة كبيرة من الفوشار، وتسلّم النصف الآخر علبة متوسّطة الحجم. وقد تناول متلقّو العلبة الكبيرة 53 في المئة من الفوشار بالمتوسط - مع أنهم لم يحبّوه. وفي أعقاب الفيلم، سأل وانسيك متلقّي العلبة الكبيرة إذا كانوا قد تناولوا المزيد بسبب حجم العلبة. فأنكر معظم الاحتمال قائلين، "مثل هذه الأمور لا تنطلي علي". لكنهم كانوا مخطئين.
وينطبق الأمر نفسه على الشوربة. ففي تجربة رائعة أخرى أجراها وانسيك (2006)، جلس الناس أمام كاسة كبيرة من شورية الطماطم كامبل وطُلب منهم أن يتناولوا منها قدر ما يريدون. ولم يكونوا يعرفون أن كاسات الحساء مصمّمة لتُملأ ثانية تلقائياً (حيث تتصل قيعانها الفارغة بمكنة تحت الطاولة). وهكذا فإنها لا تفرغ بصرف النظر عن مقدار الشوربة التي يتناولها المشاركون. وقد واصل كثير من الأشخاص الأكل، دون أن ينتبهوا إلى أنهم يتناولون كمية كبيرة من الشوربة، إلى أن أنهيت التجربة (رحمة بهم). الأطباق الكبيرة والطرود الكبيرة تعني مزيداً من الأكل. إنها شكل من أشكال تصميم الخيارات، وتعمل بمثابة تنبيهات كبرى. (ملاحظة: إذا كنت تودّ أن تفقد وزناً، احصل على أطباق صغيرة، واشترِ طروداً صغيرة مما تحب، ولا تحتفظ بالطعام المغري في البرّاد.)
عندما تجتمع مشاكل ضبط النفس والاختيار الغافل معاً، تكون النتيجة سلسلة من المخرجات السيّئة للأشخاص الحقيقيين. فلا يزال ملايين الأميركيين يدخّنون على الرغم من الأدلّة على أن للتدخين عواقب صحية وخيمة، وتجدر الإشارة إلى أن الغالبية العظمى من المدخّنين يقولون إنهم يريدون الإقلاع عن التدخين. وكثير من الأشخاص لا يتمكّنون من الانضمام في الوقت الملائم لخطة ادّخارات التقاعد في الشركة، حتى عندما تكون مدعومة بشدّة. وتوحي هذه الوقائع معاً أن عدداً كبيراً من الأشخاص يمكن أن ينتفعوا من التنبيه.

استراتيجيات ضبط النفس
بما أن الناس يدركون مواطن ضعفهم جزئياً على الأقل، فإنهم يتخذون خطوات للاستفادة من مساعدة خارجية. فيعدّون القوائم لمساعدتهم في تذكّر ما يشترونه من متجر البقالة. ونشتري ساعة تنبيه لمساعدتنا في النهوض في الصباح. ونطلب من الأصدقاء منعنا من تناول الحلوى أو تعزيز جهودنا للإقلاع عن التدخين. في هذه الحالات، يتخذ المخطِّط فينا خطوات للتحكّم بأعمال الفاعل، وغالباً ما يقوم بذلك عن طريق محاولة تغيير الدوافع التي يواجهها الفاعل.
من الصعب كبح الفاعلين في الغالب (فكّر في السيطرة على هومر)، كما أنهم يستطيعون إحباط أفضل المخطّطين. لنأخذ مثال المنبّه البسيط ولكن الكاشف. يضبط المخطّط المتفائل المنبّه على الساعة 6:15 صباحاً، على أمل قضاء يوم حافل بالعمل، لكن الفاعل النعسان يوقف المنبّه ويعاود النوم حتى الساعة 9:00. يمكن أن يؤدّي ذلك إلى معارك شرسة بين المخطّط والفاعل. فبعض المخطّطين يضعون المنبّه في الجانب الآخر من الغرفة بحيث يضطّر الفاعل على الأقل للنهوض لإيقافه، لكن الفاعل يزحف ثانية إلى الفراش، وتضيع المحاولة هباء. ومن حسن الحظّ أن الشركات الجريئة تعرض المساعدة على المخطّط أحياناً.
لنأخذ المنبّه "كلوكي" المبيّن في الشكل 1.2. كلوكي "منبّه يهرب ويختبئ إذا لم تنهض من الفراش". وباستخدام كلوكي، يحدّد المخطّط عدد دقائق الإغفاء المسموح بها للفاعل في الصباح. وعندما ينتهي ذلك الوقت، يقفز كلوكي من موقعه الليلي ويتحرّك مصدراً أصواتاً مزعجة. والطريقة الوحيدة لإيقافه هي النهوض من الفراش والعثور عليه. وفي غضون ذلك يستيقظ الفاعل حتى إذا كان مترنّحاً.
يوجد لدى المخطّطين عدد من الاستراتيجيات المتاحة، مثل كلوكي، للسيطرة على الفاعلين الجامحين، لكن في وسعهم أحياناً استخدام بعض المساعدة من أشخاص خارجيين. وسنستعرض كيف تستطيع مؤسسات عامة وخاصة أن تقدّم تلك المساعدة. وتشتمل إحدى الاستراتيجيات في الحياة اليومية على الرهانات. وقد ساعد ثالر ذات يوم زميلاً شابّاً باستخدام هذه الاستراتيجية. استُخدم الزميل (ولنسمّه ديفيد) بمثابة عضو جديد في الهيئة التعليمية على أمل أن يكون قد استكمل متطلّبات الحصول على شهادة الدكتوراه قبل قدومه، أو خلال سنته الأولى في الهيئة التعليمية على أسوأ تقدير. وكان لدى ديفيد العديد من الدوافع لإنجاز أطروحته، بما في ذلك حافز مالي قوي: يعامل معاملة "مدرّس" بدلاً من أستاذ مساعد إلى أن يتخرّج في الجامعة، ولا يقدّم مساهماته العادية في خطة تقاعده التي تبلغ 10 في المئة من راتبه (آلاف الدولارات في السنة). كان المخطّط الداخلي لدى ديفيد يعرف أن عليه الكفّ عن التسويف وإنجاز أطروحته، لكن الفاعل كان منغمساً في العديد من المشروعات الأخرى المثيرة ويؤجّل دائماً الجهد الشاق الذي تنطوي عليه كتابة الأطروحة. (التأمّل في أفكار أكثر متعة عادة من كتابة أفكار قديمة.)


هنا تدخّل ثالر بعرض الصفقة التالية على ديفيد. يحرّر ديفيد سلسلة من الشيكات بقيمة 100 دولار تُدفع في اليوم الأول من الأشهر القليلة التالية. يصرف ثالر كل شيك إذا لم يضع ديفيد نسخة من فصل جديد من الأطروحة تحت بابه بحلول منتصف ليل بداية الشهر التالي. وتعهّد ثالر باستخدام النقود لإقامة حفل لا يدعى إليه ديفيد. فأكمل ديفيد أطروحه في الموعد المحدّد بعد أربعة أشهر، ولم يفوّت أي موعد شهري (رغم أن معظم الفصول أنجزت في الدقائق الأخيرة لموعد استحقاقها). من المثير للاهتمام نجاح هذا الحافز مع أن الحافز النقدي المقدّم من الجامعة، من ناحية المساهمة في التقاعد بمفردها، أكبر من المئة دولار شهرياً.
نجح المخطط لأن الألم الناتج عن صرف الشيك من قبل ثالر والشرب من دون ديفيد أكثر وضوحاً من المساهمة المجرّدة والمهملة في خطة ادّخار تقاعده. وقد هدّد العديد من أصدقاء ثالر بمنافسته في هذه الخطة الحافزة، رغم أن الدخول في المنافسة تقتضي أن تكون معروفاً بأن لديك من الحماقة ما يكفي لصرف الشيك.
في بعض الأحيان يستطيع الأصدقاء اعتماد مثل هذه الاستراتيجيات القائمة على الرهانات. فقد اعتمد جون رومالِس (John Romalis) ودين كارلان (Dean Karlan)، وهما اقتصاديان، ترتيباً بارعاً لخفض الوزن. عندما كان جون ودين يتابعان الدراسة العليا في كلية الاقتصاد، لاحظا أنهما اكتسبا بعض الوزن، وبخاصة في أثناء الفترة التي دخلا فيها سوق العمل وأصبحا يشربان ويتناولان العشاء مع أصحاب العمل المحتملين. فتعاهدا على أن يخسر كل منهما نحو 14 كيلوغراماً خلال تسعة أشهر. وإذا فشل أحدهما فعليه أن يدفع 10,000 دولار. فحقّق الرهان نجاحاً كبيراً، والتزم كلاهما بالهدف المحدّد. وبعد ذلك التفتا إلى المسألة الأكثر صعوبة وهي المحافظة على وزنهما. وكانت القواعد التي اتبعاها أن في وسع أي منهما بعد تقديم إخطار مدته يوم واحد الدعوة إلى قياس الوزن. وإذا تبيّن أن أحدهما يزيد على الوزن المستهدف، فإن عليه أن يدفع للآخر مبلغاً متفقاً عليه. وجرى قياس وزنهما عدّة مرّات في أربع سنين، ولم يزد أحدهما عن الهدف إلا مرة واحدة (ودُفعت الغرامة الناجمة كاملة على الفور). وتجدر الإشارة إلى أنه كما في حالة الرهان على أطروحة ديفيد، أقرّ دين وجون أنه لولا الرهان لتناولا الكثير من الطعام، مع أنهما ما زالا راغبين في خفض وزنهما.
من السهل تصوّر صيغ رسمية أكثر لهذه الاستراتيجيات. في الفصل السادس عشر سنقابل الموقع الإلكتروني Stickk.com (شارك في إنشائه كارلان) الذي يقدّم للناس طريقة يستطيع بواسطتها المخطّط تقييد الفاعل لديه. وفي بعض الأوضاع، ربما يرغب الناس في مساعدة الحكومة لهم في التعامل مع مشاكل ضبط النفس لديهم. وفي الحالات القصوى،، ربما تحظر الحكومات بعض البنود (مثل استخدام الهيروين، والدعارة، وقيادة المخمورين). ويمكن اعتبار هذا الحظر نقياً لا أبويّة تحرّرية، مع أن مصالح الأطراف الثالثة على المحكّ. وفي حالات أخرى، ربما يفضّل الأفراد دوراً حكومياً أقل تدخّلاً. على سبيل المثال، ربما يستفيد المدخّنون من الضرائب على السجائر التي تثبط الاستهلاك دون أن تمنعه.27 كما أن بعض الولايات حاولت مساعدة المقامرين بوضع آلية يمكن بموجبها أن يضعوا أنفسهم على قائمة الممنوعين من ارتياد الكازينوهات (انظر الفصل السادس عشر أيضاً للاطلاع على التفاصيل). وبما أنه لا يطلب من أحد الانضمام، وبما أن القيام بذلك لا يكلّف شيئاً، فإنه يمكن في الواقع أن يعدّ هذا النهج تحرّرياً كما نفهم المصطلح.
من الأمثلة المثيرة للاهتمام على استراتيجية لضبط النفس تفرضها الحكومة التوقيت الصيفي. وتكشف أعمال المسح أن معظم الأشخاص يعتقدون أن التوقيت الصيفي فكرة عظيمة، لا سيما أنهم يتمتّعون بساعة "إضافية" من النهار في المساء. لا شكّ في أن عدد ساعات النهار في أي يوم ثابت، وتقديم الساعات ساعة واحدة لا يصنع شيئاً لزيادة مقدار النهار. بل إن التغيير البسيط لأسماء ساعات النهار، بتسمية السادسة باسم السابعة ينبّهنا إلى الاستيقاظ مبكّرين ساعة واحدة. وينتهي بنا الأمر إلى توفير في الطاقة، بالإضافة إلى مزيد من الوقت للاستمتاع بمباراة سوفت بول في المساء. وتجدر الإشارة هنا إلى أن أول من اقترح هذه الفكرة هو بنيجامين فرانكلين (Benjamin Franklin) عندما كان موفداً لأميركا في باريس. وهو من المشهود لهم في البخل، فحسب أنه يمكن توفير آلاف الكيلوغرامات من الشمع بهذه الفكرة. غير أن الفكرة لم تشتهر حتى نشوب الحرب العالمية الأولى.
توفّر الأسواق خدمات ضبط النفس في حالات كثيرة، ولا يكون هناك حاجة إلى الحكومة البتة. فالشركات تستطيع جني الكثير من المال بتقوية المخطّطين في معركتهم مع الفاعلين، وأن تنجح في الغالب بصنع الخير. ومن الأمثلة المثيرة للاهتمام مؤسسة خدمات مالية مميّزة كانت تحظى بشهرة كبيرة: نادي مدّخرات الميلاد. ففي شهر نوفمبر (على مقربة من عيد الشكر) يفتح العميل حساباً في مصرفه المحلّي ويلزم نفسه بإيداع مبلغ محدّد (لنفترض 10 دولارات) كل أسبوع في السنة القادمة. ولا يمكن سحب الأموال إلا بعد مرور سنة، عندما يسترجع المبلغ بأكمله، في الوقت الملائم لموسم التسوّق في الميلاد. ويكون معدّل الفائدة المعتاد على هذه الحسابات قريباً من الصفر.
فكّروا في نادي الميلاد من ناحية اقتصادية. هذا حساب يفتقر إلى السيولة (لا يمكنك سحب النقود قبل سنة)، وذو تكاليف مرتفعة للمعاملات (عليك أن تودع نقوداً كل أسبوع)، وذو عائد فائدة يقرب من الصفر. ومع ذلك ظلّت أندية الميلاد واسعة الاستخدام سنوات عديدة، وبلغت استثماراتها مليارات الدولارات. وإذا أدركنا أننا نتعامل مع بشريين لا اقتصاديين، فلن يصعب علينا أن نشرح لماذا ازدهرت أندية الميلاد. تقرّر الأسر التي تفتقر إلى النقود الكافية للإنفاق في الميلاد الانضمام إلى نادي الميلاد. ويعدّ إزعاج الإيداعات وخسارة نقود الفوائد ثمناً ضئيلاً مقابل ضمان الحصول على المال الكافي لشراء الهدايا. ولنفكّر في أوليس ثانية، عندما ربط نفسه بالصاري - يشكّل عدم القدرة على سحب النقود نقطة إيجابية لا سلبية. فالافتقار إلى السيولة هو المقصود بالضبط. وتشكّل أندية الميلاد من أوجه عديدة صيغة حصّالة نقود للبالغين، مصمّمة لتسهيل إيداع النقود بدلاً من سحبها. بل إن صعوبة سحب النقود هي مقصد هذه الأداة بأكمله.
مع أن أندية الميلاد لا تزال موجودة، فقد جعلتها بطاقات الائتمان28 غير ضرورية لمعظم الأسر. وبما أن التسوّق في الميلاد يمكن تمويله الآن، فإن الأسر لم تعد تجد أن من الضروري الادّخار مسبقاً. ولا يعني ذلك القول إن النظام الجديد أفضل من كل الجوانب. ربما يبدو الادّخار بمعدّل فائدة صفري، ومن دون وجود فرصة لسحب النقود خياراً أحمق، ومن الواضح أنه أسوأ من مجرّد إيداع النقود في حساب يدرّ فائدة، لكن يفضّل الحصول على معدّل فائدة صفري على دفع 18 في المئة أو أكثر على دين بطاقة الائتمان.
تقدّم المعركة بين بطاقات الائتمان وأندية الميلاد في السوق إيضاحاً جيداً لنقطة عامّة، وهي ما سنعود إليه لاحقاً. فالأسواق توفّر حوافز قوية للشركات لتلبية طلبات المستهلكين، وتتنافس الشركات على تلبية تلك الطلبات، سواء أكانت تمثّل الخيارات الأكثر حكمة أم لا. ربما تستنبط شركة أداة لضبط النفس مثل نادي الميلاد، لكنها لا تستطيع أن تمنع شركة أخرى من عرض إقراض النقود للناس مستبقة إيرادات تلك الصناديق. وهكذا تتنافس بطاقات الائتمان وأندية الميلاد، ويقدّم كلاهما المؤسسات نفسها، أي المصارف. ومع أن المنافسة تدفع الأسعار إلى الهبوط، فإنها لا تؤدّي دائماً إلى النتيجة الأفضل للمستهلكين.
تجد الأسواق التنافسية طرقاً تحملنا على التغلّب على آخر قدر من المقاومة للخيارات الرديئة، حتى عندما نكون في طريقنا للتوصّل إلى طرق جيّدة. في مطار أوهير في شيكاغو، يتنافس بائعا طعام على جانبـي الممرّ الذي يفصل بينهما. أحدهما يبيع الفاكهة واللبن والأغذية الصحّية الأخرى، ويبيع الآخر حلوى سينّابون، وهي كعكات القرفة المحلّى التي تحتوي على 724 سعرة حرارية و24 غراماً من الدهون. ربما يحدّد المخطّط لديك المسار نحو اللبن والفاكهة، لكن منفذ بيع السينّابون يصدر الروائح من فرنه إلى الممرّ المواجه للمتجر. هل تودّ أن تخمّن أيّ من المتجرين يحظى بصف انتظار أطول دائماً؟
الحساب الذهني
المنبهّات وأندية الميلاد أدوات خارجية يستخدمها الناس لحلّ مشاكل انضباطهم الذاتي. ومن الطرق الأخرى لمقاربة هذه المشاكل اعتماد أنظمة السيطرة الداخلية التي تسمّى "الحساب الذهني". والحساب الذهني هو النظام (الضمني أحياناً) الذي تستخدمه الأسر لتقييم، موازنتها المنزلية وتنظيمها وتنفيذها. ويستخدم معظمنا الحسابات الذهنية، حتى عندما لا نعي أننا نقوم بذلك.
يتّضح هذا المفهوم على نحو بديع بحوار بين الممثّلين جين هاكمان (Gene Hackman) وداستن هوفمان (Dustin Hoffman) في أحد المشاهد الإضافية التي تقدّم في أقراص الفيديو الرقمي (دي في دي). كان هاكمان وهوفمان صديقين في بدايات مشوارهما التمثيلي، ويروي هاكمان أنه زار هوفمان في شقّته وطلب منه مضيفه قرضاً. فوافق هاكمان على إقراضه، وبعد ذلك دخلا مطبخ هوفمان، حيث توجد عدّة جرار زجاجة مصفوفة على الطاولة ويحتوي كل منها على نقود. كان أحدها يحمل وسم: إيجار"، وآخر "الخدمات العامة"، وهكذا. فسأل هاكمان لماذا يحتاج هوفمان إلى قرض إذا كان لديه كل هذه النقود في الجرار. وعندئذٍ أشار هوفمان إلى الجرة التي تحمل وسم "طعام"، وكانت فارغة.
وفقاً للنظرية الاقتصادية (والمنطق البسيط)، النقود "أصول مثلية"، أي أنها لا تأتي مع وسوم. العشرون دولاراً في جرّة الإيجار يمكن أن تبتاع المقدار نفسه من الطعام الذي يبتاعه المبلغ نفسه الموجود في جرّة الطعام. لكن الأسر تعتمد خطط الحساب الذهني التي تنتهك المثلية للأسباب نفسها التي تجعل المؤسسات تعتمدها: السيطرة على الإنفاق. فلجميع المؤسسات موازنات لمختلف الأنشطة، وكل من عمل في مثل هذه المؤسسات شهد إحباط عدم التمكّن من شراء شيء مهمّ بسبب استنفاد الحساب ذي الصلة. والواقع أن وجود نقود لم تُنفق في حساب آخر لا يعتبر مناسباً للغرض أكثر من النقود الموجودة في جرّة الإيجار على طاولة مطبخ هوفمان.
تنتشر انتهاكات المثلية في كل مكان على مستوى الأسرة. ومن الأمثلة الأكثر ابتكاراً على الحساب الذهني ما ابتكره أحد أساتذة المالية الذين نعرفهم. ففي بداية سنة، يخصّص مقداراً محدّداً من النقود (لنقل 2000 دولار) بمثابة تبرّع يعتزم تقديمه لجمعية يونايتد واي الخيرية. وبعد ذلك إذا لحق به أي مكروه، مثل مخالفة إيقاف سيارة، يخصم الغرامة ذهنياً من التبرّع ليونايتد واي. ويمنحه ذلك "تأميناً" ضدّ الحوادث المالية المؤسفة.29
يستخدم الحساب الذهني في الكازينوهات أيضاً. راقب مقامراً لديه من الحظ ما يكفي لربح بعض النقود في وقت مبكّر من الأمسية. ربما تشاهده يأخذ النقود التي ربحها في جيب والنقود التي جلبها معه للمقامرة في تلك الليلة (حساب عقلي آخر) في جيب مختلف. بل إن لدى المقامرين مصطلحاً خاصاً بذلك. تسمّى النقود التي رُبحت للتوّ "نقود المحل" إذ يسمّى الكازينو في لغة المقامرين المحل. ويسمّى الرهان ببعض النقود التي كسبتها "المقامرة بنقود المحل"، كما لو أنها مختلفة عن أنواع النقود الأخرى. وتكشف الأدلّة التجريبية أن الناس أكثر رغبة في المقامرة بما يعتبرونه نقود المحلّ.30
تؤثّر العقلية نفسها على من لا يقامر البتية. عندما تكسب الاستثمارات، يكون الناس أكثر رغبة في الإقدام على مجازفة أكبر بالنقود المكتسبة. على سبيل المثال، أسهم الحساب الذهني في الارتفاع الكبير الذي شهدته أسعار الأسهم في تسعينيات القرن العشرين، إذ أقدم مزيد من الأشخاص على ركوب المزيد من المخاطر مبرّرين ذلك بأنهم يخاطرون بالأرباح التي جنوها في السنوات القليلة الماضية. وعلى نحو مماثل، من المرجّح أن يسرف الناس في الإنفاق على شراء الكماليات عندما يحصلون على ربح مفاجئ أكثر مما يسرفون بالمدّخرات التي راكموها على مرّ السنين، حتى إذا كانت هذه المدّخرات متاحة لإنفاقها بأكملها.
لا يفيد الحساب الذهني إلا لأن الحسابات تعامل باعتبارها غير مثلية. صحيح أن الجرار الزجاجية التي استخدمها داستن هوفمان (وجيل والديه) اختفت إلى حدّ كبير، لكن العديد من الأسر لا تزال تخصّص حسابات لمختلف الاستخدامات: تعليم الأبناء، والإجازات، والتقاعد، وما إلى هنالك. وفي كثير من الحالات تكون هذه الحسابات مختلفة بالفعل مقارنة بالمداخل في سجلّ الحسابات. ويمكن أن تؤدّي حرمة هذه الحسابات إلى تصرّفات غريبة في الظاهر، كالاقتراض والإقراض المتزامن بمعدّلات فائدة مختلفة. وفد وجد ديفيد كروس (David Gross) ونِك سوليلز (Nick Souleles) في سنة 2002 أن لدى الأسرة النموذجية في عيّنتهما أكثر من 5000 دولار من الأصول السائلة (حسابات ادّخار تدرّ عوائد تقل على 5 في المئة في السنة) وما يقرب من 3000 دولار في أرصدة بطاقات الائتمان التي تبلغ معدّلات الفوائد عليها 18 في المئة أو أكثر. ويعادل استخدام النقود من حساب الادخّار لتسديد ديون بطاقات الائتمان ما يسمّه الاقتصاديون فرصة المراجحة - الشراء بسعر منخفض والبيع بسعر مرتقع - لكن غالبية الأسر لا تستفيد من ذلك.
لكن على نحو أندية الميلاد، ربما لا يكون هذا السلوك أحمق بالقدر الذي يبدو عليه. فكثر من الأسر تقترض لتبلغ حدود الاقتراض في بطاقات الائتمان التي لديها. وربما تدرك أنها إذا سدّدت دين بطاقات الائتمان من حساب الادّخار، فإنها سرعان ما ستبلغ حدّ ائتمان البطاقات ثانية. (وبما أن الشركات تدرك ذلك تماماً، فإنها غالباً ما تبدي استعداداً كبيراً لتقديم مزيد من الائتمان لمن بلغ حدّه الائتماني، ما داموا لا يتأخّرون في سداد دفعات الفوائد.) وهكذا فإن الاحتفاظ بالنقود في حسابات منفصلة استراتيجية مكلفة أخرى لضبط النفس، مماثلة لنادي الميلاد.
لا شكّ في أن العديد من الأشخاص لا يعانون من عدم القدرة على التوفير. بل إن بعضهم يواجهون صعوبة في الإنفاق. وإذا كانت مشكلتهم مفرطة، نسمّيهم بخلاء، لكن ربما يجد الأشخاص العاديون أيضاً أنهم لا يفعلون ما يعود عليهم بالمتعة. لدينا صديق يدعى دنيس اعتمد استراتيجية حساب ذهني ذكيّة للتعامل مع هذه المشكلة. عندما بلغ دنيس الخامسة والستين، بدأ بتلقّي دفعات الضمان الاجتماعي، على الرغم من أنه وزوجته لا يزالان يعملان طوال الوقت. وبما أن دنيس كان مقتصداً جيداً على مرّ السنين (يرجع ذلك جزئياً إلى أنه كان لصاحب عمله خطة تقاعد إلزامية وسخية)، فقد حرص على القيام بما يستمتع به (لا سيما الرحلات إلى باريس مع تناول كثير من الطعام) فيما لا يزال بصحة جيّدة، وعلى ألا تنفّره من ذلك المصاريف. لذا فتح حساباً خاصاً لدفعات الشيكات التي يتلقّاها من الضمان الاجتماعي وسمّى النقود الموجودة في الحساب "حساب المتعة". ويستخدم هذا الحساب لدفع ثمن مشتريات مثل الدرّاجة الجديدة الجميلة أو صندوق من النبيذ الجيّد، أما إصلاح سقف البيت مثلاً فإنه لا يدخل ضمن هذا الحساب.
يمكن ان يكون استخدام الحسابات الذهنية ذا قيمة عظيمة لكل منا. فهي تجعل الحياة ممتعة وأكثر أماناً. ويستطيع كثير منا الاستفادة من حساب شبه مقدّس للاستخدام في وقت الحاجة، ومن حساب متاح بيسر "للاستمتاع والتسلية". ويؤدّي فهم الحسابات الذهنية إلى تحسين السياسة العامة. وكما سنرى، إذا كنت تريد تشجيع الادّخار، من المهم توجيه المدّخرات المتزايدة إلى حساب ذهني (أو حقيقي) حيث لا توجد مغريات كبيرة لإنفاقها.






3
اتباع القطيع31

كان جيم جونز (Jim Jones) مؤسس معبد الشعب وقائده. في سنة 1978، واجه جونز تهماً بالتهرّب من الضرائب، فنقل معظم أتباعه البالغ عددهم ألف شخص من سان فرنسيسكو إلى مستوطنة صغيرة في غويانا، اسماها جونزتاون. وعندما واجه تحقيقاً اتحادياً في تقارير عن الإساءة للأطفال والتعذيب، اتخذ قراراً بأن يسمّم أتباعه أطفالهم وأنفسهم. وأعدّ خوابـي السمّ لهذه الغاية. قاوم بضعة أشخاص، وصاح بضعة أشخاص آخرون تعبيراً عن احتجاجهم، لكنهم أسكتوا. وبناء على أوامر جونز والضغوط الاجتماعية التي فرضها بعضهم على بعض، قدّم الآباء والأمّهات السمّ لأبنائهم ثم سمّموا أنفسهم. وعثر فيما بعد على جثثهم ممدّدة معاً يداً بيد.32
الاقتصاديون (وبعض علماء الاقتصاد الذين نعرفهم) كائنات غير اجتماعية إلى حدّ كبير. لا يتّصلون بعضهم ببعض إلا إذا كان يمكن الاستفادة من اللقاء، ويهتمّون بسمعتهم، ويتعلّمون من بعضهم بعضاً إذا أمكن الحصول على معلومات فعلية، لكن الاقتصاديين لا يتبّعون الموضة الرائجة. وهكذا لا ترتفع أطراف ملابسهم أو تنخفض إلا لأسباب عملية، ولا تضيق ربطات العنق، إذا وجدت في عالم الاقتصاديين، ولا تعرض وفقاً للزي. (بالمناسبة، كانت ربطات العنق تستخدم بمثابة مناديل في الأصل، وكان لها وظيفة فعلية.) أما البشريون فإنهم يتعرّضون لتنبيه البشريين الآخرين. وفي بعض الأحيان تبدأ تغيّرات اجتماعية واسعة في الأسواق والسياسة على السواء، بتنبيه اجتماعي صغير.
البشريون ليسوا متهوّرين، لكنهم يتأثّرون بسهولة بأقوال الآخرين وأفعالهم. (وبالمناسبة ثانية، المتهوّرون لا يرتكبون انتحاراً جماعياً باتباع بعضهم بعضاً إلى المحيط. فمعتقداتنا الشائعة والتشهيرية إلى حدّ ما عن المتهوّرين تستند إلى أسطورة حضرية بشرية - أي أن الناس يؤمنون بذلك لأنهم يتبعون أناساً آخرين. بالمقابل، فإن قصّة الانتحار الجماعي في جونزتاون ليست أسطورة.) إذا شاهدت مشهداً في فيلم يبتسم له الناس، فإنك ستبتسم على الأرجح (سواء أكان الفيلم مضحكاً أم لا)، والتثاؤب معدٍ أيضاً. وتقول الحكمة الشائعة إن الشخصين اللذين يعيشان معاً مدة طويلة يصبحان متماثلين, وقد تبيّن أن هذا الجزء من الحكمة الشعبية صحيح. (لمن يشعر بالفضول: يصبحان متماثلين بسبب التغذية من ناحية - النظام الغذائي وعادات الأكل المشتركة - وتقليد التعابير الوجهية من ناحية ثانية.) ويميل الزوجان اللذان يصبحان في النهاية متشابهين لأن يكونا أكثر سعادة!
في هذا الفصل، سنحاول فهم لماذا تعمل المؤثّرات الاجتماعية وكيف. ولفهم هذه المؤثّرات أهمّية كبيرة في سياقنا لسببين اثنين. أولاً، يتعلّم معظم الأشخاص من الآخرين. وذلك أمر جيد عادة بطبيعة الحال. فالتعلّم من الآخرين هو الطريقة التي يتطوّر بها الأفراد والمجتمعات. لكن كثيراً من أكبر المفاهيم الخاطئة يأتي من الآخرين أيضاً. فعندما تتسبّب المؤثّرات الاجتماعية في اعتناق الناس معتقدات خاطئة أو منحازة، فربما يفيد بعض التنبيه. السبب الثاني لأهمية هذا الموضوع لأغراضنا أن التأثير الاجتماعي من أكثر طرق التنبيه فعالية (للخير أو الشرّ). في جونزتاون، كان ذلك التأثير قوياً جداً بحيث دفع مجتمعاً بأكمله إلى الانتحار. لكن التأثيرات الاجتماعية أحدثت أعاجيب كبيرة وصغيرة. ففي كثير من المدن، بما فيها مدينتنا، يحمل أصحاب الكلاب الآن أكياساً بلاستيكية عندما ينزّهون كلابهم، ولذك أصبح المشي في الحديقة العامّة أكثر متعة. حدث ذلك مع أن مخاطر التغريم بسبب مشي كلب غير نظيف تبلغ صفراً. فعلى مهندسي الخيارات معرفة كيف يشجّعون سلوكاً آخر مفيداً اجتماعياً، وكيف يثبطون أيضاً أحداثاً كذلك الذي وقع في جونزتاون.
تأتي التأثيرات في فئتين أساسيتين. الأولى تشمل المعلومات. فإذا فعل كثير من الأشخاص شيئاً أو فكّروا في شيء، فإن أفعالهم وأفكارهم تنقل معلومات عما قد يكون من الأفضل لك أن تفعله أو تفكّر فيه. والثانية تشمل ضغط النظراء. فإذا كنت تهتمّ بما يعتقده الآخرون عنك (ربما عن اعتقاد خاطئ بأنهم يولون بعض الاهتمام لما تقوم به - انظر أدناه)، فإنك قد تجاري المجموع لتجنّب غضبهم أو خطب ودّهم.
لإلقاء نظر سريعة على قوّة التنبيهات الاجتماعية، لننظر في بعض نتائج الأبحاث:
1. المراهقات اللواتي يرون مراهقات أخريات ينجبن أطفالاً من المرجّح أن ينجبن أطفالاً أيضاً.33
2. السمنة معدية. إذا كان أصدقاؤك المفضّلون سماناً، تتزايد مخاطر أن تكتسب مزيداً من الوزن.
3. يقلّد المذيعون أحدم الآخر، فينتجون بدعاً لا يمكن تفسيرها في البرمجة. (فكّر في برنامج أميركان أيدول، وأشقاؤه، وبرامج الألعاب التي تأتي وتذهب، وصعود الخيال العلمي وهبوطه، إلخ.)
4. المجهود الأكاديمي لطلاب الجامعات يتأثّر بمجهود نظرائهم، لدرجة أن التوزيع العشوائي لطلاب السنة الأولى على المنامات أو الزملاء في الغرف يمكن أن يؤثّر تأثيراً كبيراً على علاماتهم ومن ثم توقّعاتهم المستقبلية. (ربما يتعيّن على الأهل ألا يهتمّوا بالجامعة التي يلتحق بها أبناؤهم قدر اهتمامهم بزميل غرفته.)
5. يتأثّر القضاة الاتحاديون في الهيئات المكوّنة من ثلاثة قضاة بتصويت زميليهم. فيظهر القاضي الجمهوري النموذجي المعين أنماط تصويت ليبرالية جداً عندما يجلس بين معيّنين ديمقراطيين، ويظهر القاضي الديمقراطي النموذجي المعيّن أنماط تصويت محافِظة جداً عندما يجلس مع معيّنين جمهوريين. وتظهر مجموعتا القضاة المعيّنين أنماط تصويت معتدلة كثيراً عندما تجلسان مع قاضٍ واحد على الأقل يعيّنه رئيس من الحزب السياسي الآخر.34
خلاصة القول إن من السهل تنبيه البشريين عن طريق بشريين آخرين. لماذا؟ من أسباب ذلك أننا نحبّ التوافق.
فعل ما يفعله الآخرون
تصوّر أنك وجدت نفسك وسط مجموعة من ستة أشخاص، منشغلين في اختبار للتصوّر البصري. وأنك منحت مهمّة بسيطة إلى حدّ السخف، حيث يفترض بك أن تطابق بين خطّ معيّن معروض على بطاقة كبيرة بيضاء، وواحد من ثلاثة خطوط للمقارنة معروضة على شاشة، تماثله في الطول.
في الأشواط الثلاثة الأولى من هذا الاختبار، يتقدّم كل شيء بسلاسة وسهولة. ويعلن الأشخاص عن المطابقات بصوت مرتفع، وبالتسلسل، ويتفق كل واحد مع الآخرين. لكن في الشوط الرابع، يحدث أمر غريب. يعلن الأشخاص الخمسة الآخرون في المجموعة عن مطابقاتهم قبلك - ويرتكب كل منهم خطأ واضحاً. ويحين الآن دورك لتقدّم إعلانك. ماذا ستفعل؟
إذا كنت مثل معظم الأشخاص، فإنك تعتقد أن من السهل توقّع سلوكك في هذا الاختبار: ستقول ما تفكّر فيه بالضبط. وتعلن عنه كما تراه. وأنت تتمتّع باستقلالية التفكير، لذا فإنك ستقول الحقيقة. لكن إذا كنت من البشريين، وشاركت حقاً في هذه التجربة، فإنك ربما تحذو حذو من سبقوك، فتقول ما قالوا، وبالتالي تعارض الأدلّة التي حصلت عليها حواسّك.
في خمسينيات القرن العشرين أجرى سولومون آش (Solomon Asch, 1995)، وهو عالم نفس اجتماعي لامع، سلسلة من التجارب في هذه الحالة بالضبط. عندما يُطلب من الأشخاص اتخاذ قرار بمفردهم، من دون معرفة أحكام الآخرين، لا يخطئ الأشخاص البتة تقريباً لأن الاختبار سهل. لكن عندما يقدّم الآخرون كافّة إجابة خاطئة، فإن أكثر من ثلث الأشخاص يقعون في الخطأ. وفي سلسلة من اثني عشر سؤالاً، جارى ما يقرب من ثلاثة أرباع الأشخاص المجموعة مرة واحدة على الأقل، معارضين الدليل الذي توصّلت إليه حواسّهم. وتجدر الإشارة إلى أن الأشخاص في تجربة آش كانوا يستجيبون لقرارات غرباء ربما لا يلتقون بهم ثانية البتة. وليس لديهم أي سبب محدّد يدعوهم إلى الرغبة في أن يكون هؤلاء الغرباء مماثلين لهم.
يبدو أن نتائج آش تلتقط أمراً عاماً وشاملاً عن الإنسان. فقد كُرّرت تجارب التوافق ووُسّعت في أكثر من 130 اختباراً أجريت في سبعة عشر بلداً، بما فيها زائير، وألمانيا، وفرنسا، واليابان، والنرويج، ولبنان، والكويت (Sunstein, 2003). ولا يظهر النمط الإجمالي للأخطاء - حيث يتوافق الأشخاص بين 20 و40 في المئة من المرات - اختلافات كبيرة بين البلدان. وعلى الرغم من أن نسبة 20 إلى 40 في المئة من المرّات لا تبدو كبيرة، فإن عليك أن تتذكّر أن المهمة كانت بسيطة جداً. وتبدو إلى حدّ كبير كما لو أنه يمكن تنبيه الأشخاص إلى تحديد صورة كلب على أنها صورة لقطة ما دام الأشخاص الآخرين قد فعلوا ذلك من قبلك.
لماذا يتجاهل الناس الأدلّة التي تشير إليها حواسّهم؟ لقد رسمنا الإجابتين بالفعل. الأولى تنطوي على المعلومات التي تنقل عن طريق إجابة الأشخاص. وتشمل الثانية ضغط الزملاء والرغبة في عدم مواجهة رفض المجموعة. ووفقاً لدراسات آش، قال العديد من المنصاعين للآخرين في مقابلات خاصة إنه لا بد أن تكون تصوّراتهم الأولية خاطئة. إذا قبل كل الموجودين في الغرفة اقتراحاً معيّناً، أو شاهدوا أموراً بطريقة معيّنة، فربما تخلص إلى أنهم قد يكونون على صواب. ومؤخّراً أوحت أعمال التصوير الدماغي بأنه عندما يتوافق الأشخاص في إعدادات شبيهة بإعدادات آش، فإنهم يشاهدون الوضع كما يشاهده الجميع.35
من ناحية أخرى، يجد علماء الاجتماع على العموم توافقاً متدنّياً، في الظروف الأساسية نفسها التي أجريت فيها تجارب آش، عندما يطلب من الأشخاص تقديم إجابات مغفلة الاسم. فمن المرجّح أن يصبح الأشخاص متوافقين عندما يعرفون أن الآخرين سيرون ما يقولونه. وفي بعض الأحيان يذهب الأشخاص مذهب المجموعة حتى عندما يعتقدون، أو يعرفون، بأن كل الآخرين أخطؤوا. وتستطيع المجموعات ذات الرأي الجماعي أن تقدّم أقوى التنبيهات - حتى عندما يكون السؤال سهلاً، ويجب أن يعرف الأشخاص أن كل الآخرين أخطؤوا.
شملت تجارب آش أعمال تقييم ذات إجابات واضحة جداً. وتبيّن في معظم أن من الصعب تقييم طول الخطوط؟ فماذا لو جُعلت المهمّة أكثر صعوبة؟ ولهذا السؤال أهمّية خاصة لأغراضنا، لأننا مهتمّون على وجه الخصوص في كيفية تأثّر الناس، أو جعلهم يتأثّرون، عند التعامل مع مسائل صعبة وغير مألوفة. وقد أجرى عالم النفس مظفّر شريف (Muzafer Sherif, 1937) بعض الدراسات الرئيسية في ثلاثينيات القرن العشرين. في تجربة شريف، وُضع الأشخاص في غرفة مظلمة ووُضع ضوء دقيق على مسافة معيّنة أمامهم. كان الضوء ساكناً في الواقع، لكن بدا كأنه يتحرّك بسبب وهم إدراكي يُدعى التأثير الحركي التلقائي. وفي كل من عدة محاولات، طلب شريف من الأشخاص تقدير المسافة التي تحرّكها الضوء. عندما استُطلعت آراء المشاركين كل على حدة، فإنهم لم يتفقوا مع بعضهم بعضاً، وتباينت إجاباتهم من محاولة إلى أخرى. وذلك ليس مفاجئاً لأن الضوء لم يتحرّك، وأي حكم على المسافة ما هو إلا ضرب من التخمين.
لكن شريف وجد توافقاً كبيراً عندما طُلب من الأشخاص العمل في مجموعات صغيرة وتقديم التقديرات علناً. هنا تقاربت أحكام الأفراد وسرعان ما تطوّر معيار للمجموعة يثبّت إجماعاً على المسافة. وظل المعيار ثابتاً بمرور الوقت في المجموعات المحدّدة، وبالتالي أدّى إلى وضع تكوّنت فيه مجموعات مختلفة ذات التزام قويّ بأحكام متباينة إلى حدٍّ بعيد. وثمة تلميح مهمّ هنا بشأن كيفية تقارب مجموعات ومدن وحتى بلدان مختلفة في الظاهر حيال معتقدات وأفعال شديدة الاختلاف بسبب تباينات صغيرة بل عشوائية في نقاط البداية.
جرّب شريف تنبيهاً ايضاً. ففي بعض التجارب أضاف حليفاً له غير معروف للأشخاص المشاركين في الدراسة. وعندما فعل ذلك حدث شيء جديد. إذا تحدّث الحليف بثقة وحزم، يكون لحكمه تأثير قوي على تقييم المجموعة. وإذا كان تقدير الحليف أعلى بكثير من تلك التي حدّدها الآخرون في البداية، فسيتضخّم تقدير المجموعة، وإذا كان تقدير الحليف منخفضاً جداً، فسيهبط تقدير المجموعة. وهكذا قد يكون للتنبيه الصغير تأثير كبير على نتيجة المجموعة إذا عُبّر عنه بثقة. والدرس الواضح هنا أن الأشخاص المتسّقين والجازمين، في القطاع العام أو الخاص، يستطيعون تحريك المجموعات والممارسات في الاتجاه الذي يفضّلونه.
ومن الملاحظ أن أحكام المجموعة تصبح مقبولة تماماً، بحيث يتمسّك الأشخاص بها حتى عندما يبلّغون عن رأيهم بمفردهم - بل بعد سنة، وحتى عند الممارسة في مجموعات جديدة قدّم أعضاؤها تقديرات مختلفة. وتبيّن أيضاً أن للأحكام الأولية تأثيرات عبر "الأجيال". فعندما أدخل مشاركون جدد وآخرون متقاعدون بحيث أصبح جميع المشاركين جدداً على العملية، أظهر حكم المجموعة الأولي ميلاً إلى الثبات، على الرغم من أن الشخص المسؤول أصلاً عنه رحل منذ مدة طويلة.36 وفي سلسلة من التجارب، أظهر أشخاص استخدموا طريقة شريف الأساسية أن "التقليد" العشوائي، على شكل حكم على مسافة، يمكن أن يترسّخ مع الزمن، بحيث يتبعه العديد من الأشخاص على الرغم من اعتباطيته الأصلية.37
يمكننا أن نرى لماذا تقع كثير من المجموعات فريسة لما يعرف باسم "المحافظة الجماعية"، أي ميل المجموعات إلى التمسّك بالأنماط الثابتة حتى عندما تبرز احتياجات جديدة. عندما تترسّخ ممارسة (كارتداء ربطات العنق)، من المرجّح أن تدوم، حتى إذا لم يكن لها أساس محدّد. وفي بعض الأحيان يمكن أن تدوم التقاليد مدة طويلة، وتحصل على الدعم أو التسليم على الأقل من أعداد كبيرة من الناس، مع أنها نتجت أصلاً عن تنبيه صغير من بضعة أشخاص أو حتى شخص واحد. ولا شكّ في أن المجموعة ستغيّر رأيها إذا تبيّن أن الممارسة تتسبّب في مشاكل جدّية. لكن إذا كان هناك غموض حيال المسألة، فربما يستمرّ الناس في القيام بما يقومون به دائماً.
ثمة مشكلة مهمّة هنا هي "الجهل الجماعي" - أي جهل كل الأشخاص أو معظمهم بشأن ما يعتقده الأشخاص الآخرون. ربما نتبع ممارسة ما أو أحد التقاليد لا لأننا نحبه، أو نعتقد أنه يمكن الدفاع عنه، بل لأننا نعتقد أن معظم الأشخاص الآخرين يحبّونه. وتستمرّ كثير من الممارسات الاجتماعية لهذا السبب، لكن يمكن أن تزحزحهم صدمة أو تنبيه صغير.38 ومن الأمثلة على ذلك الشيوعية في الكتلة السوفياتية السابقة، فقد استمرّت إلى حدٍّ ما لأن الناس لم يكونوا على علم بمقدار عدد الأشخاص الذين يحتقرون النظام. ويمكن في الغالب إحداث تغييرات دراماتيكية، لكن أقل من تغييرات عالمية تاريخية، ترفض ممارسات قائمة منذ مدّة طويلة، بتنبيه يبدأ نوعاً من مفعول التقليد.
ووجدت تجارب إضافية تتبع طريقة آش الأساسية آثار توافق كبير في أحكام مختلفة الأنواع.39 لننظر في النتيجة التالية. سئل أشخاص "أي من الأمور التالية تشعر أنها أهمّ المشكلات التي تواجه بلدنا الآن"؟ وقدّمت خمسة بدائل: التراجع الاقتصادي، والمرافق التعليمية، والأنشطة التخريبية، والصحّة العقلية، والجريمة والفساد. عند طرح السؤال على انفراد، اختار 12 في المئة الأنشطة التخريبية. لكن عند مواجهة إجماع ظاهر للمجموعة على انتقاء هذا الخيار، انتقى 48 في المئة ذلك الخيار!
في نتيجة مماثلة، طُلب من الأشخاص التفكير في الجملة التالية: "بما أن حرية الكلمة امتياز لا حقّ، فمن الملائم للمجتمع تعليق حرّية الكلمة عندما يشعر أنه مهدّد". وعند طرح هذا السؤال على انفراد، وافق 19 في المئة فقط من المجموعة الضابطة، لكن عندما ووجهوا بالرأي المشترك لأربعة آخرين فقط، وافق 58 في المئة. وترتبط هذه النتائج ارتباطاً وثيقاً بإحدى اهتمامات آش الأساسية، وهي فهم كيف كانت النازية ممكنة. اعتقد آش أن التوافق يمكن أن ينتج تنبيهاً دائماً، ما يولّد في النهاية السلوك الذي ربما لا يمكن تصوّره (مثل أحداث جونزتاون).
وسواء أقدّم عمل آش رواية ملائمة عن صعود الفاشية أم لا، أم حتى أحداث مثل جونزتاون، فما من شكّ في أن الضغوط الاجتماعية تنبّه الناس إلى قبول بعض النتائج الغريبة جداً - وربما تؤثّر هذه النتائج في سلوكهم. والسؤال الذي يطرح هو هل يستطيع مصمّمو الاختيارات استغلال هذا الواقع لنقل الناس إلى اتجاهات أفضل. لنفترض مثلاّ أن ثمة مدينة تحاول تشجيع الناس على القيام بمزيد من التمارين، كي يحسّنوا صحّتهم. إذا تمرّن كثير من الأشخاص، ربما تتمكّن المدينة من إحداث تغييرات كبيرة بذكر ذلك الواقع. ويمكن أن يُحدث أثراً مماثلاً بضعة أشخاص نافذين، يقدّمون إشارات قوية بشأن السلوك الملائم.
لننظر في نجاح مسعى تكساس المبتكر والمفاجئ لخفض رمي القمامة على الطرقات السريعة.40 فقد واجه المسؤولون في تكساس إحباطاً شديداً لفشل حملتهم الإعلانية الجيدة التمويل والتي حظيت بدعاية كبيرة، وهي تحاول إقناع أن الناس أن من واجبهم المدني التوقّف عن رمي القمامة. كان كثير ممن يلقون القمامة شبّان بين سنّ الثامنة عشرة والرابعة والعشرين، ولم تثر إعجابهم فكرة رغبة النخبة البيروقراطية في أن يغيّروا سلوكهم. فقرّر المسؤولون العامّون أنهم بحاجة إلى "شعار كلامي قوي يخاطب أيضاً الروح الفريدة لافتخار تكساس". وفي استهداف صريح للجمهور غير المتجاوب، استعانت الولاية بلاعبـي كرة القدم من فريق دالاس كاوبويز للمشاركة في إعلان تلفزيوني يجمعون فيه القمامة، ويسحقون علب البيرة بأيديهم وهم يزمجرون، "لا تعبثوا بتكساس". وشملت إعلانات أخرى مغنّين مشهورين، مثل ويلي نلسون.
ويستطيع الناس الآن الحصول كل أنواع المنتجات التي تحمل شعار "لا تعبثوا بتكساس"، من الملصقات إلى القمصان إلى أقداح القهوة. ويقدّم ملصق شهير الألوان الوطنية التي تعكس العلم الأميركي، وعلم تكساس - وربما هو الأهم (الشكل 1.3).
يعرف نحو 95 في المئة من سكان تكساس هذا الشعار الآن، وفي سنة 2006 اختير "لا تعبثوا بتكساس" الشعار المفضّل في أميركاً بتصويت كاسح وكُرّم في موكب في جادّة ماديسون في مدينة نيويورك. وخلال السنة الأولى من الحملة، انخفضت القمامة في الولاية بنسبة ملحوظة بلغت 29 في المئة. وفي سنواتها الست الأولى، حدث انخفاض بنسبة 72 في المئة في القمامة المرئية على الطرقات. ولم يحدث كل ذلك عبر الأوامر، أو التهديدات، أو الإكراه وإنما عن طريق تنبيه خلاّق.
أثر الأضواء
من الأسباب التي تدعو الناس إلى بذل جهد كبير للتوافق مع المعايير والموضة الاجتماعية الاعتقاد بأن الآخرين يراقبون ما يقومون به باهتمام. فإذا ارتديت بدلة وتوجّهت إلى فعّالية اجتماعية ذهب إليها الآخرون بملابس عادية، فستشعر كأن الجميع يعتبرونك مضحكاً ويتساءلون عن مظهرك الغريب. إذا كنت معرّضاً لمثل هذه المخاوف، إليك فكرة ربما تكون مريحة: إنهم لا يبدون اهتماماً كبيراً بك كما تعتقد.

الشكل 1.3: شعار لا تعبثوا بتكساس (استخدم بإذن من لا تعبثوا بتكساس،
إدارة النقل في تكساس)

أظهر طوم غيلوفتش وزملاؤه أن الناس يقعون فريسة ما أسماه "أثر الأضواء".41 في تجربة نموذجية، بدأ فريق غيلوفتش بعض الأبحاث بشأن من أقلّ الفنّانين مسايرة للموضة لعرضه على صدر قميص تي شيرت. أجري هذا البحث في تسعينيات القرن العشرين، وفاز بهذا الشرف المريب المغنّي باري مانيلو. عندما وصل طالب للمشاركة في التجربة، طُلب منه ارتداء تي شيرت تظهر على صدره صورة بارزة لباري مانيلو. وطُلب من الطالب الانضمام إلى مجموعة أخرى من الطلاب المشغولين بتعبئة استبيانات. وبعد دقيقة أو نحو ذلك، عاد مجري التجربة وأبلغ الطالب الذي يرتدي التي شيرت أنه أخطأ ويريد منه المشاركة في دراسة أخرى. وبعد ذلك غادر الطالب ومجري الاختبار الغرفة. وطلب عندئذ من الطالب أن يخمّن عدد الطلاب الآخرين في الغرفة الذين تمكّنوا من تحديد صاحب الصورة على قميصه. وكان التخمين المتوسّط أقل من النصف بقليل، 46 في المئة. لكن لم يستطع أن يجيب في الواقع سوى 21 في المئة عمن يظهر في الصورة على التي شيرت.
المغزى أن الناس أقلّ اهتماماً بك مما تعتقد. وإذا كانت توجد بقعة على قميصك، فربما لن يلاحظوها. لكن بما أن الناس يعتقدون أن أعين الآخرين ترقبهم، فإنهم يمتثلون لما يعتقدون أن الناس يتوقّعونه.
التغيير الثقافي، والتغيير السياسي، وعدم قابلية التنبّؤ
هل يمكن أن تتأثّر الثقافة والسياسة بالتوافق؟ وهل تتمكّن الشركات من جنى الأموال باستخدام التوافق؟ لننظر في بعض الأدلة المشتملة على تحميل الموسيقى. أنشأ ماثيو سالغانيك (Matthew Salganik) ومشاركوه المؤلّفون (2006) سوقاً مصطنعة للموسيقى، تضمّ 14,341 مشاركاً من زوّار موقع إلكتروني شهير في أوساط الشبّان. وأعطي المشاركون قائمة بأغان سابقة مجهولة لفرق مجهولة. وطُلب منهم الاستماع إلى مجموعة صغيرة من الأغاني الذي لفتت انتباههم، واتخاذ قرار بشأن الأغاني التي يحمّلونها (إذا وجدت)، وتصنيف الأغاني التي اختاروها. طُلب من نحو نصف المشاركين اتخاذ قراراتهم باستقلالية، بناء على أسماء الفرق والأغاني وحكمهم على جودة الموسيقى. وكان في وسع النصف الآخر مشاهدة عدد مرّات تحميل كل أغنية من قبل مشاركين آخرين. وكان كل مشارك في المجموعة الثانية مخصّصاً عشوائياً أيضاً لواحد من ثمانية "عوالم" تطوّر كل منها بمعزل عن الأخرى، ويستطيع الموجودون في عالم معيّن مشاهدة التحميلات في عالمهم فقط. السؤال الأساسي هو هل يتأثّر الأشخاص باختيارات الآخرين - وهل يمكن أن تصبح موسيقى مختلفة مشهورة في "عوالم" مختلفة؟
هل يتنبّه الناس بما يقوم به الآخرون؟ ليس هناك أدنى شكّ في ذلك. ففي كل العوالم الثمانية، كان من المرجّح أن يحمّل الأفراد الأغاني التي حُمّلت سابقاً بأعداد كبيرة. ومن المفاجئ أن نجاح الأغاني كان غير قابل للتنبّؤ، وأن الأغاني التي أبلت بلاء حسناً أو سيّئاً في المجموعة الضابطة، حيث لا يشاهد الأفراد أحكام الآخرين، يمكن أن يكون أداؤها مختلفاً في "العوالم الخاضعة للتأثير الاجتماعي". في تلك العوالم، يمكن أن تصبح معظم الأغاني شهيرة أو غير شهيرة، ويتوقّف الكثير على اختيارات المحمّلين الأوائل. ويمكن أن تحقّق الأغنية المماثلة النجاح أو الفشل لأن أشخاصاً أخرين شوهدوا في البداية وهم يختارون تحميلها أو عدمه.
يشعر الناس في كثير المجالات بإغراء التفكير، بعد وقوع الحدث، أن النتيجة كانت متوقّعة تماماً، وأن نجاح موسيقي، أو ممثّل، أو مؤلّف، أو سياسي كان محتوماً في ضوء مهاراته وخصائصه. حاذر من هذا الإغراء. فالتدخّلات الصغيرة والمصادفات أيضاً، في مسرح رئيسي، يمكن أن تُحدث تباينات كبيرة في النتيجة. المغنّي الشهير الآن ربما كان لا يمكن تمييزه عن عشرات بل مئات من المغنّين الذين يماثلونه موهبة ولم تسمع بأسمائهم قطّ. ويمكننا أن نتقدّم خطوة إلى الأمام. من الصعب تمييز معظم الحكّام اليوم عن عشرات أو مئات السياسيين الذين فشلت ترشيحاتهم.
يمكن أن يتعمّد أشخاص معيّنون تخطيط التأثيرات الاجتماعية أو لا يتعمّدونها. وللاطلاع على مثال حيوي ومرح إلى حدٍّ ما عن كيف يمكن أن تؤثّر التأثيرات الاجتماعية على المعتقدات، حتى عندما لا يخطّط أحد لشيء، انظر في آفة تنقّر زجاج السيارات الأمامي في سياتل.42 في أواخر مارس 1954، لاحظت مجموعة من الأشخاص في بلنغهام، بولاية واشنطن، ثقوباً صغيرة، أو تنقراً، على زجاج سياراتهم الأمامي. توقّعت الشرطة المحلية أن تكون النقر ناجمة عن أفعال مخرّبين باستخدام بنادق الخردق أو ما شابه. وسرعان ما أفاد بعض الأشخاص في مدن جنوب بلنغهام عن تعرّض زجاج سياراتهم الأمامي لضرر مماثل. وخلال أسبوعين، وصل عمل المخرّبين في الظاهر إلى أماكن بعيدة جنوباً، إلى حدّ الإفادة عن تضرّر ألفي سيارة - ومن الواضح أن ذلك ليس من فعل مخرّبين. واقترب التهديد من سياتل. وهكذا أفادت جرائد سياتل عن المخاطر في أواسط أبريل، وسرعان ما وصلت العديد من التقارير عن النقر في زجاج السيارات الأمامي إلى عناية الشرطة المحلية.
ولم يمض وقت طويل حتى بلغت هذه التقارير نسب الآفة، ما دفع إلى التخمين بشأن سببها. لم تجد عدّادات غايغر أي اثر على نشاط إشعاعي. واعتقد بعض الأشخاص بأن حدثاً جوّياً غريباً هو المسؤول عن ذلك، ولجأ آخرون إلى الموجات الصوتية والتحوّل المحتمل في المجال المغنطيسي الأرضي. وأشار آخرون إلى الأشعة الكونية الصادرة عن الشمس. وبحلول 16 أبريل أفيد عن تنقّر ما لا يقلّ عن ثلاثة آلاف زجاج سيارة أمامي في منطقة سياتل، فكتب عمدة سياتل إلى حاكم الولاية والرئيس أيزنهاور: "إن ما بدا أنه انتشار محدود لتخريب زجاج السيارات الأمامي في القسم الشمالي من ولاية واشنطن امتدّ الآن عبر منطقة بودجت ساوند... أحثّ على توجيه التعليمات إلى الوكالات الاتحادية (ووكالات الولايات) للتعاون مع السلطات المحلية على أساس الحالة الطارئة". واستجابة لذلك، أنشأ الحاكم لجنة من العلماء للتحقيق في هذه الظاهرة المشؤومة والمذهلة.
ما النتيجة التي توصّلوا إليها؟ ربما كان الضرر "نتيجة الظروف العادية لقيادة السيارات التي يتفق فيها أن تضرب أجسام صغيرة زجاج السيارات الأمامي". ووجد تحقيق لاحق داعم للنتيجة التي توصّل إليها العلماء أن السيارات الجديدة تفتقر إلى النقر. وكان الحكم النهائي أن النقر "موجودة منذ مدة طويلة، لكن لم ينتبه إليها أحد حتى الآن". (ربما يجدر بك إلقاء نظرة على سيارتك الآن، وإذا وجدت أن النقرة موجودة منذ مدة طويلة، من المرجّح أن يكون لديك نقرة أخرى، أو اثنتان، أو أكثر.)
إن آفة تنقّر زجاج السيارات الأمامي في سياتل مثال متطرّف عن التنبيه الاجتماعي غير المقصود، لكننا نتأثّر يومياً بأشخاص لا يحاولون التأثير فينا. ومعظمنا يتأثّر بعادات أكل رفاقنا في تناول الطعام، أياً تكون نواياهم. وكما قلنا، السمنة مُعدية ومن المرجّح أن تكون مفرط الوزن إذا كان لديك العديد من الأصدقاء المفرطي الوزن. ومن الطرق الجيدة لكسب الوزن تناول العشاء مع أشخاص آخرين.43 ومن يتناول الطعام مع شخص آخر يأكل نحو 35 في المئة في المتوسّط أكثر مما عندما يأكل بمفرده. ويأكل الأشخاص في مجموعات من أربعة نحو 75 في المئة أكثر، ويأكل الأشخاص في مجموعات من سبعة أو أكثر ما يزيد على 96 في المئة من الطعام.44
نتأثّر كثيراً أيضاً بمعايير الاستهلاك في المجموعة ذات الصلة. فمن يأكل قليلاً يتناول المزيد في مجموعة نهمة. والآكل النهم يبدي مزيداً من الانضباط في مجموعة من ضعاف الأكل. وهكذا فإن متوسّط المجموعة يفرض تأثيراً كبيراً. لكن هناك تباينات بين الجنسين أيضاً. النساء يتناولن قليلاً من الطعام بصحبة من يواعدنه، ويميل الرجال إلى الأكل أكثر، معتقدين في الظاهر أن النساء يعجبن بالأكل الرجولي. (ملاحظة للرجال: النساء لا يعجبن بذلك.) لذا إذا كنت تريد أن تفقد بعض الوزن، ابحث عن زميلة نحيفة وتناول الغداء معها (دون أن تتناول ما بقي من طعام في طبقها).
إذا وجدت أن خيارات أكل زملائك تنبّهك، فمن غير المرجّح أن يحدث ذلك لأن أحدهم قرّر تنبيهك. وفي الوقت نفسه، غالباً ما تستخدم التأثيرات الاجتماعية استراتيجياً. ويدرك المعلنون على وجه الخصوص قوّة التأثيرات الاجتماعية. وغالباً ما يشدّدون على أن "معظم الأشخاص يفضّلون" منتجهم، أو أن "أعداداً متزايدة من الناس" تنتقل إليهم من علامة تجارية أخرى، أضحت في خبر كان مقارنة بعلامتهم التجارية التي تمثّل المستقبل. ويحاولون تنبيهك بإخبارك بما يقوم به معظم الأشخاص الآن.
يفعل المرشّحون للمناصب العامّة، أو الأحزاب السياسية، الأمر نفسه. فيشدّدون على أن "معظم الناس يتطلّعون" إلى مرشحّيهم المفضّلين، على أمل أن تحقّق المقولة نفسها وتصبح حقيقة. فما من شيء أسوأ من تصوّر أن الناخبين يبتعدون عن المرشّح بالجملة. وقد ساعد مثل هذا التصوّر على تفسير تسمية الحزب الديمقراطي لجون كيري في سنة 2004. وعندما تحوّل الديمقراطيون من هوارد دين إلى جون كيري، لم يكن ذلك لأن كل ناخب ديمقراطي قدّم حكماً مستقلاً لصالح كيري. وإنما يرجع ذلك إلى تصوّر واسع النطاق بأن الآخرين يتوجّهون جماعات نحو كيري. ويجدر بنا هنا إيراد رواية دنكان واط (Duncan Watts) بأكملها:
قبل بضعة أسابيع على المؤتمر التحضري في أيوا، بدت حملة كيري ميتة، لكنه بعد ذلك فاز على نحو غير متوقّع في أيوا، ثم نيو هامبشير، ثم في انتخابات تمهيدية تلو أخرى. كيف حدث ذلك؟... عندما يتطلّع الجميع إلى شخص آخر للوقوف على رأيه - محاولين على سبيل المثال اختيار المرشّح الديمقراطي الذي يعتقدون أن كل الآخرين سيختارونه - من المحتمل أن تُفقد المعلومات التي لدى الأشخاص الآخرين، وبدلاً من ذلك نحصل على تقليد متعاقب، كالقطيع الهارب الذي يبدأ في الهرب دونما سبب ظاهر ويتبع لاحقاً أي اتجاه باحتمالات متساوية... نحن نعتقد أننا أفراد مستقلّون، يندفع كل منا بقدراته الداخلية ورغباته، وبالتالي فإننا المسؤولون الوحيدون عن سلوكنا، لا سيما عندما يتعلّق الأمر بالتصويت. وما من ناخب يعترف - حتى لنفسه - أنه اختار كيري لأنه فاز في نيو هامبشير.
التنبيهات الاجتماعية باعتبارها تصميماً للخيارات
الدرس العامّ واضح. إذا أراد مصمّمو الخيارات إحداث تغيير في السلوك والقيام بذلك عن طريق التنبيه، فربما يبلغون الناس عما يقوم به الآخرون. في بعض الأحيان تكون ممارسات الآخرين مفاجئة، ومن ثم يتأثّر الناس كثيراً بتعلّم ما هم عليه. وللنظر في أربعة أمثلة.
التوافق والامتثال الضريبي
في إطار الامتثال الضريبـي، أجرى مسؤولون في منيسوتا تجربة واقعية أسفرت عن تغييرات كبيرة في السلوك.45 منحت مجموعات من دافعي الضرائب أربعة أنواع من المعلومات. أبلغ بعضهم أن ضرائبهم توجّهت إلى مختلف الأعمال الجيدة، بما في ذلك التعليم، والحماية الشرطية، ومكافحة الحريق. وهدّد آخرون بشأن مخاطر التعرّض للعقوبة على عدم الامتثال. وقدّمت لآخرين معلومات عن كيفية الحصول على مساعدة إذا التبس عليهم الأمر بشأن كيفية تعبئة نماذج الضريبة. وأبلغ بعض آخر بأن أكثر من 90 في المئة من سكّان منيسوتا امتثلوا تماماً لالتزاماتهم بموجب قانون الضرائب.
كان لأحد هذه التدخّلات فقط تأثير مهمّ على الامتثال الضريبـي، وهو الأخير. والظاهر أن من المرجّح أن ينتهك بعض دافعي الضرائب القانون بسبب الفهم الخاطئ - استناداً إلى توافر روايات وسائل الإعلام أو سواها عن المتهرّبين - بأن مستوى الامتثال منخفض جداً. لكن عندما أبلغوا بأن مستوى الامتثال الفعلي مرتفع، أصبح الغشّ أقلّ احتمالاً. وبالتالي يمكن زيادة السلوك المرغوب أو غير المرغوب، إلى حدٍّ ما على الأقل، بلفت الانتباه العامّ إلى ما يفعله الآخرون. (ملاحظة للأحزاب السياسية: إذا أردتم رفع نسبة التصويت، رجاء لا تشتكوا من الأعداد الكبيرة لمن لا يقترعون.)46
المحافظة على الخشب المتحجّر
يكون وقوع السلوك غير المرغوب مرتفعاً في العديد من السياقات. ويبدو أن هذا الواقع البائس عقبة حقيقية أمام التغيير: إذا كان الناس يحذون حذو بعضهم بعضاً، فربما ينتهي بنا الأمر إلى حلقة مفرغة. فهل من الممكن رغم ذلك تنبيه الناس لسلوك اتجاهات أفضل؟
توحي دراسة بديعة بوجود إجابة إيجابية، وتعزّز وجهة النظر بأن للتأطير المحدّد للمشكلة تأثيراً كبيراً. أجريت الدراسة في المحمية الوطنية للغابة المتحجّرة في أريزونا، حيث يحبّ بعض الزوّار أخذ عيّنات للذكرى معهم، وهي ممارسة تهدّد وجود المحمية نفسها. تناشد اللافتات في المحمية الناس ألا يأخذوا معهم عيّنات. والمسألة المطروحة هي ماذا يجب أن تقول الافتات. كان الباحثون، بقيادة روبرت سيالديني (Robert Cialdini)، الخبير العظيم في التأثير الاجتماعي والأستاذ في مدينة تمب، واثقين جداً بأنه يمكن تحسين اللافتات المستخدمة حالياً في المحمية.47 لذا أعدّ تجربة.
نثرت في كل شروط التجربة قطع من الخشب المتحجّر على أحد الدروب، ما يغري الزوّار بأخذ شيء معهم. وأجري تغيير على لغة اللافتات على طول الدرب كل مسافة ساعتين. شدّدت بعض اللافتات، على نحو تلك المستخدمة في المحمية حالياً، على مقدار استفحال المشكلة: "أزال كثير من الزوّار السابقون الخشب المتحجّر من المحمية، ما يغيّر في الحالة الطبيعية للغابة المتحجّرة". وشدّدت لافتات أخرى على المعيار التنبيهي: "الرجاء عدم إزالة الخشب المتحجّر من المحمية للمحافظة على الحالة الطبيعية للغابة المتحجّرة". كانت نظرية سيالديني تتوقّع بأن يكون المعيار التنبيهي الإيجابـي أكثر فعالية من المعيار الإعلامي السلبـي. وثبّتت التجربة هذا التوقّع.48
إضفاء الطابع الاجتماعي على الامتناع عن الشرب
من الأمثلة ذات الصلة نهج "المعايير الاجتماعية" الذي يحاول خفض الشرب وأنشطة أخرى غير مرغوبة.49 لنأخذ مثلاً مشكلة أفراط طلاب الكليات (القاصرين في الغالب) في شرب الكحول. فقد وجد مسح أجرته كلية الصحة العامّة في هارفرد أن نحو 44 في المئة من طلاب المدارس أسرفوا في الشرب في فترة الأسبوعين التي سبقت المسح.50 وتلك مشكلة بطبيعة الحال، لكن ثمة دليل على صحّتها يكمن في أن معظم الطلاب يعتقدون أن الإفراط في شرب الكحول أكثر انتشاراً مما هو في الواقع.51
ينشأ سوء الفهم من هذا النوع من توافر الاستدلال. من السهل تذكّر حوادث الإفراط في شرب الكحول، ما يترتّب عليه تضخيم التصوّرات. ويتأثّر طلاب الكلّيات بمعتقداتهم عما يفعله الطلاب الآخرون، ومن ثم فإن الإفراط في شرب الكحول سيزداد حتماً إذا كان لدى الطلاب فكرة مبالغ فيها عن كيفية شرب الطلاب الآخرين.
إدراكاً لإمكان تغيير السلوك بالتشديد على الواقع الإحصائي، حاول كثير من المسؤولين العامّين تنبيه الناس لاتباع اتجاهات أفضل. اعتمدت مونتانا على سبيل المثال حملة تثقيفية واسعة النطاق، تشدّد على أن الغالبية العظمة من مواطني مونتانا لا يشربون.52 وحاول أحد الإعلانات تصحيح المعايير المغلوطة عن حرم الكلّيات بالتشديد على أن "معظم طلاب جامعات مونتانا (81 في المئة) يشربون أربع كؤوس من الكحول أو أقل في الأسبوع". وتطبّق مونتانا النهج نفسه على تدخين السجائر بإعلان يفيد بأن "معظم مراهقي مونتانا (70 في المئة) لا يدخّنون". وقد نتج عن هذه الاستراتيجية تحسّن كبير في دقّة التصوّرات الاجتماعية وهبوط إحصائي كبير في التدخين.53
الابتسام، والعبوس، وتوفير الطاقة
يمكن استخدام التنبيهات الاجتماعية لخفض استهلاك الطاقة. ولمعرفة كيف، سنأخذ دراسة لقوّة المعايير الاجتماعية شملت ما يقرب من ثلاثمئة أسرة في سان ماركوس، كاليفورنيا.54 أبلغت كل الأسر عن مقدار الطاقة التي استهلكتها في الأسابيع السابقة، وقدّمت لها معلومات (دقيقة) أيضاً عن متوسّط استهلاك الطاقة في حيّهم. وجاءت الآثار على السلوك واضحة ومفاجئة على حدٍّ سواء. في الأسابيع التالية، خفّض من يفوق استهلاكهم المتوسّط استهلاك الطاقة كثيراً، في حين رفع من يقل استهلاكهم عن المتوسّط استهلاك الطاقة كثيراً. وتسمّى النتيجة الأخيرة الأثر الارتدادي، وهي تقدّم تنبيهاً مهماً. إذا أردت أن يتّبع أناس سلوكاً مرغوباً اجتماعياً، لا تدعهم يعرفون بأي حال من الأحوال أن أفعالهم الحالية أفضل من المعيار الاجتماعي.
لكن ثمة نتيجة أكثر إثارة للاهتمام. لم يمنح نحو نصف الأسر معلومات وصفية فقط وإنما إشارة صغيرة غير لفظية بأن استهلاكهم للطاقة مقبول أو مرفوض اجتماعياً. وعلى وجه التحديد، تسلّمت الأسر التي استهلكت أكثر من المعيار "أيقونات وجه تعبيري" حزين، كتلك المبيّنة في الشكل 2.3 (أ)، في حين تسلّم من استهلك دون المعيار أيقونة وجه باسم، كتلك المبيّنة في الشكل 2.3 (ب).
لم يكن من المفاجئ أن يحقّق المفرطون في استهلاك الطاقة خفضاً كبيراً عند تلقّي أيقونة المشاعر. لكن النتيجة الأهمّ هي أن الأثر الارتدادي تلاشى تماماً عندما تلقّى من يقلّ استهلاكهم عن المتوسّط أيقونة الوجه الباسم! عندما أبلغوا فقط أن استهلاكهم للطاقة دون المتوسّط، شعروا أن لديهم "مجالاً" لرفع الاستهلاك، لكن عندما جمعت الرسالة الإعلامية مع تنبيه أيقونة الوجه التعبيري، فإنهم لم يعدّلوا استهلاكهم صعوداً.


ب أ
الشكل 2.3: قدّمت تغذية راجعة بصرية لمستهلكي الطاقة في سان ماركوس، كاليفورنيا.

يقدّم كثير من الأشخاص، بمن فيهم الجمهوريون والديمقراطيون على حدٍّ سواء، الحجج لصالح المحافظة على الطاقة بناء على الأمن الوطني، والنموّ الاقتصادي، وحماية البيئة. ولتعزيز المحافظة على الطاقة، يمكن تحقيق الكثير بالاختيار الجيّد للتنبهات الاجتماعية. وسيكون لنا عودة إلى كيفية استخدام تصميم الخيارات لمساعدة البيئة لاحقاً.
التهيئة
ركّزنا حتى الآن على اهتمام الناس بأفكار الآخرين وسلوكهم. وثمة عمل على صلة وثيقة يظهر قوّة التحضير. يشير التحضير إلى الأعمال الغامضة إلى حدٍّ ما للجهاز التلقائي في الدماغ. وتكشف الأبحاث أن التأثيرات الدقيقة يمكن أن ترفع سهولة ورود بعض المعلومات إلى العقل. تصوّر أنك تلعب لعبة ترابط الكلمات مع هومر سمبسون وستفهم المقصود. في بعض الأحيان، تطلق أبسط تلميحة أو فكرة أو مفهوم ارتباطاً يمكن أن يحفز العمل. وتحدث هذه "التهيئات" في الأوضاع الاجتماعية، وقد تكون آثارها قوية على نحو يدعو للدهشة.
في أعمال المسح، غالباً ما يسأل الناس إذا كان من المحتمل أن يشاركوا في سلوك معيّن - التصويت، أو فقد الوزن، أو شراء منتجات محدّدة. ويريد من يشاركون في أعمال المسح تصنيف السلوك، لا التأثير فيه. لكن اكتشف علماء الاجتماع حقيقة غريبة: عندما يقيسون نوايا الناس فإنهم يؤثّرون في سلوكهم. ويشير "أثر القياس الصرف" إلى الاكتشاف بأنه عندما يُسأل الناس عما ينوون أن يفعلوا، فإن سلوكهم يصبح متوافقاً مع إجاباتهم على الأرجح. ويمكن إيجاد هذه النتيجة في العديد من السياقات. إذا سئل الناس إن كانوا يعتزمون تناول أطعمة معيّنة، أو اتباع نظام غذائي معيّن، أو ممارسة التمارين، فإن إجاباتهم عن الأسئلة تؤثّر على سلوكهم.55 وفي لغتنا، يعدّ أثر القياس الصرف تنبيهاً، ويمكن أن تستخدمه جهات التنبيه الخاصة أو العامة.
يريد المسؤولون عن الحملات تشجيع مؤيّديهم على التصويت. فكيف يستطيعون القيام بذلك؟ من الأساليب الواضحة التركيز على المخاطر، وثمة أسلوب آخر يقلّل التكلفة والأعباء بتسهيل وصول الناس إلى مراكز الاقتراع. لكن ثمة طريقة أخرى. فقد تبيّن أنك إذا سألت الناس في اليوم الذي يسبق الانتخابات إذا كانوا يعتزمون التصويت، فإنك تستطيع أن تزيد احتمال التصويت بما يصل إلى 25 في المئة.56 أو لنفترض أن الهدف هو زيادة مشتريات منتج محدّد مثل الهواتف الخلوية. فقد طرحت دراسة لعيّنة ممثّلة على الصعيد الوطني تضمّ أكثر من أربعين ألف شخص سؤالاً بسيطاً: هل تعتزم شراء سيارة جديدة في الأشهر الستة القادمة؟57 وأدّى ذلك السؤال إلى رفع معدّلات الشراء بنسبة 35 في المئة. أو لنفترض أن أحد المسؤولين يريد تشجيع الناس على اتخاذ خطوات لتحسين صحّتهم. في ما يتعلّق بالسلوك المتصل بالصحّة، أنتجت تغييرات كبيرة عن طريق قياس نوايا الناس.58 إذا سئل الناس عن عدد المرات التي يتوقّعون أن ينظفوا فيها أسنانهم بالخيط في الأسبوع القادم، فسيزداد عدد مرّات التنظيف بالخيط. وإذا سئل الناس إذا كانوا يعتزمون استهلاك أطعمة مدهنة في الأسبوع القادم، فسيقلّ استهلاكهم للأطعمة الدهنية.
يمكن إبراز التنبيه المقدّم بسؤال الناس عما ينوون فعله بسؤالهم متى يعتزمون القيام بذلك وكيف. وتقع هذه الفكرة في الفئة التي أسماها عالم النفس العظيم كيرت ليوين (Kurt Lewin) "عوامل التوجيه"، وهو مصطلح استخدمه للآثار الصغيرة التي يمكن أن تسهّل سلوكيات معيّنة أو تحبطها. فكّر في "التوجيه" باعتباره شبيهاً بالمسار الذي يسلكه النهر بعد ذوبان الثلج في الربيع. يمكن تحديد المسار عن طريق تغييرات دقيقة في الظاهر في المشهد الطبيعي. أما بالنسبة للأشخاص، فيرى ليوين أن العوامل الصغيرة المماثلة يمكن أن تحدث كوابح قوية للسلوك الذي "يريد" الأشخاص اتباعه. ويمكننا في الغالب تسهيل السلوك الحميد بإزالة عقبة صغيرة أكثر من محاولة دفع الناس في اتجاه معيّن. وقد قدّم ليفنثال (Leventhal)، وسنغر (Singer)، وجونز (Jones) في سنة 1965 إيضاحاً مبكّراً لفكرة ليوين في حرم جامعة يال. كان المشاركون من الطلاب الأقدمين في يال الذي قدّم لهم تعليم مقنع عن مخاطر الكُزاز وأهمية التوجّه إلى المركز الصحي لتلقّي اللقاح. اقتنع معظم الطلاب بالمحاضرة وقالوا إنهم يعتزمون تلقّي اللقاح، لكن هذه النوايا الطيّبة لم تؤدّ إلى أفعال كثيرة. ولم يتوجّه لتلقّي الحقنة إلا 3 في المئة فقط.
أعطي مشاركون آخرون المحاضرة نفسها، ولكن قدّم لهم أيضاً نسخة من خريطة لحرم الجامعة تبيّن موقع المركز الصحي. وبعد ذلك طُلب منهم تفحّص برامجهم الأسبوعية، ووضع خطة متى يريدون التوجّه وتلقّي اللفاح، والنظر إلى الخريطة واتخاذ قرار بشأن الطريق الذي سيسلكونه. وبهذه التنبيهات، بلغت نسبة الطلاب الذين توجّهوا لتلقّي اللقاح 28 في المئة. كان الطلاب جميعاً من السنة الثالثة ويعرفون أين يوجد المركز الصحي بالتأكيد (حرم جامعة يال ليس كبيراً)، ولم يمنحوا مواعيد فعلية. ومع ذلك حصل تسعة أضعاف من تلقحّوا في المجموعة الأولى على اللقاح، ما يوضح القوة الكامنة لعوامل التوجيه.
بتوسيع هذه النتائج قليلاً، وجد علماء الاجتماع أن في وسعهم تهيئة الناس لاتباع أشكال معيّنة من السلوك بتقديم تلميحات بسيطة وغير متصلة بالموضوع في الظاهر. وقد تبيّن أنه إذا جُعلت بعض الأشياء مرئية وبارزة، فإن سلوك الناس يمكن أن يتأثّر. الأشياء الخاصة ببيئة الأعمال، مثل الحقائب وطاولات الاجتماعات، تجعل الناس أكثر تنافساً، أو أقل تنافساً، أو أقل سخاء.59 وللروائح أهمية أيضاً: التعرّض لرائحة منظّف عامّ تجعل الناس يحافظون على نظافة بيئتهم في أثناء تناول الطعام.60 وفي كلا الحالتين، لم يكن الناس يدركون بوعي أثر التلميح في سلوكهم. ولننظر في ما يلي: تتأثّر أحكام الناس على الغرباء عندما يشربون قهوة مثلّجة أو قهوة ساخنة. فمن المرجّح أن يرى من أعطوا قهوة باردة الآخرين بأنهم أكثر أنانية، وأقل ميلاً إلى المخالطة الاجتماعية، وأبرد مما يراهم من أعطوا قهوة ساخنة.61 ويحدث ذلك دون وعي أيضاً.
يمكن أن تستخدم جهات التنبيه العامّة والخاصّة المؤثّرات الاجتماعية الثلاثة التي أبرزناها - المعلومات، وضغط النظراء، والتهيئة - بسهولة. وكما سنرى، تستطيع الشركات والحكومات استخدام قوة التأثير الاجتماعي لتعزيز العديد من الأسباب الوجيهة (أو السيّئة).





4
متى نحتاج إلى تنبيه؟

رأينا أن الناس يقومون بأعمال مدهشة لكنهم يرتكبون أخطاء سخيفة أيضاً. ما أفضل إجابة؟ لا يمكن اجتناب تصميم الخيارات وآثاره، لذا فإن الإجابة القصيرة هي الإجابة الواضحة، سمّ ذلك القاعدة الذهبية للأبوية الليبرالية: قدّم التنبيهات التي تساعد على الأرجح ويقلّ احتمال أن تحدث ضرراً.62 والإجابة الأطول قليلاً أن الناس بحاجة إلى تنبيهات لاتخاذ قرارات صعبة ونادرة، لا يحصلون على تغذية راجعة آنية بشأنها، وعندما يواجهون مشكلة في ترجمة جوانب الوضع بألفاظ يسهل فهمها.
في هذا الفصل نحاول كسوة هذه النقاط ببعض الوقائع. ونبدأ بتحديد أنواع الأوضاع التي من غير المرجّح أن تكون خيارات الناس فيها جيّدة. وبعد ذلك نتناول أسئلة عن سحر الأسواق المحتمل ونتساءل إذا كانت الأسواق الحرّة والمنافسة المفتوحة تميل إلى مفاقمة آثار ضعف البشر بدلاً من تخفيفها. النقطة الأساسية هنا هي أن الأسواق على الرغم من كل فضائلها غالباً ما تمنح الشركات حافزاً قوياً للعناية بمَواطن ضعف البشر (والاستفادة منها)، بدلاً من محاولة القضاء عليها أو استئصالها أو التقليل من آثارها.

الخيارات الكثيرة
لنفترض أنك أبلغت بأنه يتعيّن على مجموعة من الأشخاص انتقاء خيار ما في المستقبل القريب. أنت مصمّم الخيارات، وتحاول أن تقرّر كيف تصمّم بيئة الاختيار، وما أنواع التنبيهات التي تقدّمها، وما مقدار دقّة التنبيهات. ما الذي تحتاج إلى معرفته لتصميم أفضل بيئة اختيار ممكنة؟
المنافع الآن - والتكاليف لاحقاً
رأينا أن المشكلات التي يمكن توقّعها تنشأ عندما يتعيّن على الناس اتخاذ قرارات تختبر قدرتهم على ضبط النفس. وكثير من الخيارات في الحياة، مثل هل ترتدي قميصاً أزرق أو أبيض، تفتقر إلى عناصر ضبط النفس المهمّة. فمن المرجّح أن تبرز قضايا ضبط النفس عندما تكون الخيارات وعواقبها منفصلة زمنياً. يوجد في أحد الطرفين ما يسمّى السلع الاستثمارية، مثل التمرين، وتنظيف الأسنان بالخيط، واتباع حمية. وهذه السلع تُدفع تكاليفها على الفور، لكن منافعها تأتي متأخّرة. وفي السلع الاستثمارية، يخطئ معظم الناس بقيامهم بأقلّ القليل. وعلى الرغم من وجود بعض الشغوفين بالتمرين والمهووسين بتنظيف الأسنان بالخيط، يمكن القول إن قليلاً من الأشخاص يقرّرون في ليلة رأس السنة تقليل وتيرة تنظيف أسنانهم والتوقّف عن الإفراط في التمرّن بالدرّاجة.
ويوجد في الطرف الآخر ما يمكن أن يسمّى سلعاً أثيمة: يقع التدخين، والكحول، ودو نت الشوكولا الكبير الحجم في هذه الفئة. نحصل على المتعة الآن ونعاني من العواقب لاحقاً. يمكننا ثانية استخدام اختبار قرار رأس السنة الجديدة: كم عدد الأشخاص الذين يتعهّدون بتدخين مزيد من السجائر، أو شرب مزيد من المارتيني، أو تناول مزيد من دو نت الشوكولا في الصباح في السنة التالية؟ تعدّ السلع الاستثمارية والسلع الأثيمة مرشّحة أساسية للتنبيهات. لا يحتاج معظم الأشخاص (غير المصابين بفقد الشهية) إلى أي تشجيع خاص لتناول قطعة براوني إضافية، لكن يمكنهم استخدام بعض المساعدة للإكثار من التمرين.

درجة الصعوبة
يستطيع كل من تجاوز السادسة من العمر تقريباً ربط شريط الحذاء، وممارسة لعبة تيك تاك تو (الدوائر والإكسات)، أو تهجئة كلمة باب. لكن قلّة منا يستطيعون أن يعقدوا ربطة عنق فراشية أنيقة، أو لعب مباراة متقنة في الشطرنج أو تهجئة اسم عالم النفس ميهالي تشيكسنتميهاليي (Mih?ly Cs?kszentmih?lyi) أو لفظه. لكننا نتعلّم التعامل مع المشكلات الصعبة بطبيعة الحال. وبإمكاننا شراء ربطة عنق فراشية مسبقة الربط، وقراءة كتاب عن الشطرنج، والبحث عن تهجئة اسم تشيكسنتميهاليي على الإنترنت (ثم نسخه ولصقه كلما تعيّن علينا استخدام الاسم). ونستخدم المدقّقات الإملائية وجداول البيانات للمساعدة في حل المسائل الصعبة. لكن كثيراً من المشاكل في الحياة صعبة جداً، وغالباً ما لا تتوافر تكنولوجيا سهلة للمساعدة في حلّها مثل المدقّق الإملائي. ومن المرجّح أن نحتاج إلى مساعدة في اختيار الرهن الملائم أكثر مما نحتاج في اختيار رغيف الخبز الملائم.
الوتيرة
المسائل الصعبة تصبح سهلة بالممارسة. وقد تمكن كلانا من تعلّم كيفية إرسال كرة المضرب في الملعب بانتظام معقول (وسرعة أيضاً في حالة سنشتاين)، لكن ذلك استغرق بعض الوقت. عندما يحاول الأشخاص تنفيذ هذه الحركة لأول مرّة، يكونون محظوظين إذا تجاوزت الكرة الشبكة، فما بالك إذا سقطت في مربّع الإرسال. فالمران يؤدّي إلى الكمال (أو الأحسن على الأقل).
إن مما يؤسف له أن بعض أهمّ قرارات الحياة لا تأتي مع فرص عديدة للممارسة. فمعظم الطلاب يختارون كلية ما مرة واحدة فقط. ومعظمنا، خارج إطار هوليود، يختار زوجة، حسناً ليس أكثر من مرتين أو ثلاث مرات. وقليل منا يجرّب كثيراً من المهن المختلفة. وتتاح لنا خارج إطار الخيال العلمي فرصة واحدة للادّخار للتقاعد (مع أن في وسعنا إجراء تعديلات على الطريق). وكلما ارتفعت المخاطر على العموم، قلّ مجال تمكّننا من الممارسة. ومعظمنا يشتري المنازل والسيارات، لكن لا يتكرّر ذلك أكثر من مرة أو اثنين في عشر سنين، لكننا متمرّسون في التسوّق من البقالة في الواقع. ومعظم الأسر أتقنت فن مراقبة مخزون الحليب، لا عن طريق المعادلة الرياضية ذات الصلة، وإنما عن طريق التجربة والخطأ.63
لا يعني أي من ذلك القول إن على الحكومة أن تبلغ الناس من يتزوّجون أو ماذا يدرسون. فهذا كتاب عن الأبوية التحرّرية. وفي هذه المرحلة لا نريد إلا التشديد على الخيارات النادرة والصعبة التي تصلح للتنبيهات.
التغذية الراجعة
المران لا يؤدي إلى الكمال إذا كان الناس يفتقرون إلى الفرص الجيدة للتعلّم. ويتمّ التعلّم على الأرجح إذا حصل الناس على تغذية راجعة فورية وواضحة بعد كل تجربة. لنفترض أنك تتمرّن على تطبيق المهارات على الملعب الأخضر. إذا سدّدت عشر كرات نحو الحفرة نفسها، من السهل أن تكوّن إحساساً بشأن الشدّة اللازمة لضرب الكرة. وسرعان ما سيتعلّم حتى أقل لاعبـي الغولف موهبة قياس المسافة في ظل هذه الظروف. لنفترض بدلاً من ذلك أنك تضرب كرات الغولف لكنك لا ترى إلى أين تتجه. في هذه البيئة، يمكن أن تضرب الكرات طوال اليوم دون أن تتحسّن البتة.
إن كثيراً من خيارات الحياة تشبه للأسف التمرّن على ضرب الكرات دون أن تتمكّن من أن ترى إلى أين تصل، ويرجع ذلك إلى سبب واحد: الوضع غير مهيّأ لتقديم تغذية راجعة جيدة. على سبيل المثال، إننا نحصل عادة على تغذية راجعة بشأن الخيارات التي ننتقيها، لا الخيارات التي نرفضها. وما لم يبذل الناس جهداً كبيراً في التجربة، فإنهم ربما لا يعرفون البتة عن وجود بدائل للخيارات المألوفة. فإذا كنت تسلك الطريق الطويل إلى البيت كل ليلة، فربما لا تعرف البتة أن هناك طريقاً أقصر. ونادراً ما تقدّم العمليات الطويلة الأجل تغذية راجعة. وربما يتناول المرء نظاماً غذائياً عالي الدهون دون ظهور أي علامات إنذار إلى حين الإصابة بنوبة قلبية. وعندما لا تنجح التغذية الراجعة، فإننا ربما نستفيد من تنبيه.
معرفة ما تحب
معظمنا يعرف جيداً إذا كنّا نفضّل الأيس كريم بنكهة القهوة على الفانيليا، وفرانك سيناترا على بوب دلان، والألغاز على الخيال العلمي. هذه أمثلة أتاح لنا الوقت أن نعرف بدائلها ونتعرّف إلى أذواقنا. لكن لنفترض أن عليك توقّع تفضيلاتك بشأن غير المألوف، مثل تناول العشاء للمرة الأولى في بلد ذي مطبخ غريب. غالباً ما يعتمد السيّاح الأذكياء على الآخرين (النادل مثلا) للمساعدة: "معظم الأجانب يحبّون س ويكرهون ص". وقد يكون من الذكاء أيضاً أن تدع شخصاً آخر يختار عنك، حتى في الأماكن الأقل غرابة. ثمة اثنان من أفضل المطاعم في نيويورك (ألينيا وتشارلي تروترز) يقدّمان لمن يتناولون العشاء أقل الخيارات. ففي ألينيا يقرّر المتعشّون إذا كانوا يريدون خمسة عشر طبقاً صغيراً أو خمسة وعشرين طبقاً صغيراً جداً. وفي تشارلي تروترز، لا يُسأل المتعشّي إلا إذا كان يريد أن يقتصر عشاؤه على الخضراوات أم لا. (وفي كليهما يُسأل المرء إذا كان لديه قيود غذائية وأرجيات.) وتكمن فائدة قلّة الخيارات في تخويل الطاهي أن يعدّ لك أشياء ما كنت لتفكّر فيها أو تطلبها قطّ.
من الصعب على وجه الخصوص أن يتخذ الناس قرارات جيدة عندما يكون لديهم مشكلة في ترجمة الخيارات التي يواجهونها إلى الخبرات التي لديهم. ومن الأمثلة البسيطة على ذلك طلب طبق من قائمة طعام بلغة لا تعرفها. لكن حتى لو كنت تعرف معنى الكلمات المستخدمة، فإنك ربما لا تتمكّن من ترجمة البدائل التي تنظر فيها إلى كلمات ذات معنى لك.
لنأخذ مشكلة اختيار صندوق استثمار مشترك لمحفظة تقاعدك. إن معظم المستثمرين (بمن فيهم نحن) يجدون صعوبة في مقارنة صندوق يحقّق أكبر قدر من نموّ رأس المال بصندوق يمنح أرباحاً متحرّكة، ولو عرفنا ماذا تعنيه هذه التسميات، فإن المشكلة لن تحلّ. فالمستثمر بحاجة إلى معرفة كيف يؤثّر الاختيار بين هذين الصندوقين في قدرته على الإنفاق عند التقاعد في مختلف السيناريوهات - وهو أمر يمكن أن يواجه الخبير المزوّد بحزمة برمجية جيّدة ومعرفة كاملة للمحافظ التي يستثمر بها كل صندوق صعوبة في تحليله. وتنشأ المشكلة نفسها عند الاختيار بين الخطط الصحية، حيث ربما لا نفهم سوى القليل عن آثار اختيارنا. إذا أصيبت ابنتك بمرض نادر، هل ستتمكّن من زيارة اختصاصي جيّد؟ وما طول المدة التي يتعيّن عليها انتظارها؟ عندما يواجه الناس صعوبة في توقّع كيف ستؤثّر اختياراتهم على حياتهم، فإن كثرة الخيارات لن تفيدهم، وربما لن يجديهم أيضاً الاختيار بأنفسهم. ويكون التنبيه هنا موضع ترحاب.
الأسواق: حُكم مختلط
اقترح البحث حتى الآن أن الناس ربما يحتاجون إلى تنبيه جيد للخيارات ذات الآثار المتأخّرة، وتلك الصعبة، وغير المتكرّرة، والتي تقدّم تغذية راجعة سيّئة، وكذلك عندما تكون العلاقة بين الخيار والتجربة غامضة. والسؤال الطبيعي الآن هو هل تساعد الأسواق في حلّ مشكلات الناس، حتى في مثل تلك الظروف؟ لكن في بعض الأحيان تجد الشركات حافزاً قوياً للتوجّه إلى مواطن ضعف الناس واستغلالها.
تجدر الإشارة أولاً إلى أن العديد من منتجات التأمين مشحونة بالسمات التي ذكرناها. تؤخّر المنافع من الاحتفاظ بالتأمين، ومن الصعب تحليل احتمال التقدّم بمطالبة، ولا يحصل المستهلكون على تغذية راجعة مفيدة بشأن هل يحصلون على عائد جيّد من مشتريات التأمين، كما أن الارتباط بين ما يشترونه وما يحصلون عليه بالمقابل قد يكون غامضاً. لكن سوق التأمين تنافسية، لذا فإن السؤال الطبيعي الذي يُطرح هو هل يمكن الاعتماد على قوى السوق "لحلّ" مشكلة الخيارات المشحونة.
لنتخيل عالمين مختلفين. في أحدهما، عالم الاقتصاديين، كل المستهلكين اقتصاديون وليس لديهم مشكلة مع الخيارات الصعبة. وكل القرارات الكمّية، بما في ذلك مشتريات التأمين، أمر هيّن بالنسبة إليهم (الاقتصاديون خبراء إلى حدّ ما في حسابات التأمين). والعالم الآخر يدعى عالم البشريين، وفيه بعض المستهلكين بشريون يتمتّعون بكل السمات التي تميّز القبيلة على العموم، والآخرون اقتصاديون. وفي كلا العالمين، توجد أسواق تؤدي وظائفها جيداً وبعض الشركات العقلانية على الأقل التي يديرها اقتصاديون. السؤال الرئيسي هو هل ستكون مشتريات التأمين في عالم البشريين مماثلة لتلك المشتريات في عالم الاقتصاديين. بعبارة أخرى، هل تجعل الأسواق التي تؤدّي عملها جيداً البشرية لدى البشريين عديمة الأهمّية؟
لتحليل هذا السؤال، لنبدأ بمثال بسيط أوحت به قصيدة رائعة لشل سلفرشتاين (Shel Silverstein, 1974) بعنوان "ذكي". والقصيدة تتسم بالمرح والبراعة، لذا إذا كان لديك حاسوب على مقربة، نقترح عليك أن تكتب "Smart" و"Shel Silverstein" في غوغل وتقرأ القصيدة الآن.64 وسننتظركم كي تعودوا قبل أن نواصل.
وللذين يقرؤون الكتاب في طائرة (أو الكسالى العاجزين عن النهوض من السرير)، نقول إن قصة القصيدة بسيطة. يوضح الراوي الطفل أن والده أعطاه دولاراً فبادله بحكمة بربعين لأنه (خلافاً لشركائه الحمقى) يعرف أن اثنين أكثر من واحد. وتابع المبادلة - الربعان بثلاثة قطع من فئة عشر سنتات، والثلاثة بأربع نكلات. وأخيرا الأربع نكلات بخمسة سنتات. وفي النهاية عاد الصبـي إلى والده ليخبره بسلسلة المقايضات الباهرة التي قام بها. وعندما فعل ذلك، أفاد بأن والده كان "شديد الفخر [به] فعجز عن الكلام".
لنفترض أن بعض البشريين في سوق تعمل جيداً يفضّلون الربعين على دولار واحد لأن اثنين أكبر من واحد. ماذا يحصل لمحبّي الأرباع؟ هل يتضرّرون؟ وهل يؤثّرون على أسعار السوق؟ تتوقّف الإجابة عن هذين السؤالين قليلاً على مقدار غباء محبّي الأرباع، لكن لنفترض أنهم مع تفضيلهم للربعين على دولار واحد- يفضّلون أيضاً المزيد من الأرباع على القليل منها (لأنهم يحبّون الأرباع). يعني ذلك أنه رغم أنهم من حيث المبدأ يرغبون في مقايضة ربعين مقابل دولار واحد، فإنه ليس عليهم القيام بذلك لأن المصارف (إلى جانب أمور أخرى) ستتنافس على عملهم وستكون سعيدة بمنحهم أربعة أرباع مقابل كل دولار. سيعتقد محبّو الأرباع بطبيعة الحال أنهم يحصلون على مقايضة عظيمة، لكن ما دام هناك منافسة في تقديم الأرباع، فإن الأرباع ستظل تباع بخمسة وعشرين سنتاً وسيكون الحبّ غير العقلاني للأرباع غير مضرّ بالمصابين بهذا الداء.
من الواضح أن المثال متطرّف، لكن العديد من الأسواق لا تختلف كثيراً عن هذا الوضع. تضمن المنافسة في معظم الأحيان أن يكون السعر إشارة جيّدة إلى الجودة. فزجاجات النبيذ التي يبلغ سعرها خمسين دولاراً تكون عادة (لا دائماً) أفضل من زجاجة يبلغ سعرها خمسة وعشرين دولاراً. ولن يغيّر المستهلكون غير العقلانيون السوق ما لم يصبحوا سائدين. لذا إذا اختار بعض الأشخاص النبيذ تبعاً لإعجابهم بوسمه، لن يتضرّروا، لكن إذا بدأ كثيرون في فعل ذلك، فسيصبح النبيذ ذو الوسم الجذّاب مفرط السعر.
لا بدّ من وجود منافسة لحماية المستهلكين غير العقلانيين، لكن في بعض الأحيان لا توجد مثل هذه المنافسة. ولننظر في حالة الكفالات الممدّدة على الأدوات الكهربائية الصغيرة، وتلك صفقة سيّئة عادة للمستهلكين. ولنفترض في مثال افتراضي أن هاتفاً خلوياً يكلّف مئتي دولار. يحظى الهاتف الخلوي بكفالة مجانية في السنة الأولى، لكن شركة الهاتف الخلوي تمدّد الكفالة سنة ثانية مقابل عشرين دولاراً. وبعد ذلك يفكّر المستهلك في شراء هاتف جديد. ولنفترض أن احتمال تعطّل الهاتف في السنة الثانية يبلغ 1 في المئة، لذا فإن المستهلكين يحصلون في المتوسّط على ما قيمته دولارين من المنافع من تلك السياسة - لكن ثمن الكفالة الممدّدة يبلغ عشرين دولاراً كي يشمل الربح العادي لمصدر الكفالة، والعمولة لمندوبـي المبيعات في متجر الهواتف الخلوية.
يدرك الاقتصاديون ذلك بطبيعة الحال، ولذلك لا يشترون كفالات ممدّدة. لكن البشريين يرغبون في الكفالات الممدّدة، ربما لأن مندوب المبيعات قدّم نصيحة "ودّية" بأن الكفالة الممدّدة فكرة جيدة، أو ربما لأنهم يعتقدون مخطئين أن الهواتف الخلوية تتعطّل بنسبة 15 في المئة بدلاً من 1 في المئة، أو لأنهم يعتقدون أن "السلامة أفضل من الندم".
ماذا يحدث؟ هل تطرد قوى السوق هذه الكفالات الممدّدة الغالية دون وجه حق من السوق؟ أو هل تخفّض المنافسة سعر الكفالات الممدّدة إلى دولارين، وهي قيمة المطالبات المتوقّعة؟ والإجابة عن هذين السؤالين هي لا. (قبل أن نشرح، تجدر الإشارة إلى أن الكفالات الممدّدة كثيرة في العالم الحقيقي وأن كثيراً من الأشخاص يشترونها. فلا تفعلوا ذلك.)65
الكفالة الممدّدة في افتراضاتنا منتج غير موجود ببساطة. وإذا أدرك البشريون أنهم يدفعون عشرين دولاراً مقابل تأمين قيمته دولارين، فإنهم لن يشتروا التأمين. لكن إذا لم يدركوا ذلك، فإن السوق لن تكشف الموقف ولا تستطيع ذلك. لن تدفع المنافسة السعر إلى الانخفاض، ويرجع ذلك، من جهة، إلى أن مندوب المبيعات يستغرق وقتاً لإقناع أحدهم بدفع عشرين دولاراً مقابل تأمين قيمته دولارين، وإلى صعوبة دخول أطراف ثالثة هذه السوق بكفاءة من جهة أخرى. ربما تعتقد أن في وسع الشركات إبلاغ الناس ألا يشتروا الكفالة، ويمكنها ذلك بالفعل. لكن لماذا تفعل الشركات ذلك؟ إذا كنت تشتري شيئاً يجدر بك ألا تشتريه، كيف أكسب مالاً بإقناعك ألا تشتريه؟
توجد نقطة عامة هنا. إذا كان لدى المستهلكين اعتقاد عقلاني أقل من كامل، فسيكون لدى الشركات في الغالب حافزاً لتلبية ذلك الاعتقاد يفوق حافز استئصاله. عندما كان كثير من الأشخاص لا يزالون يخشون الطيران، كان من الشائع بيع تأمين الطيران في المطارات بأسعار باهظة. ولم تكن توجد أكشاك في المطار تنصح الناس بعدم شراء مثل هذا التأمين.
تتنافس الشركات على المستهلكين أنفسهم في العديد من الأسواق، لكنها تبيع منتجات ليست مختلفة فحسب وإنما تتعارض مع بعضها بعضاً تعارضاً مباشراً. تبيع بعض الشركات السجائر، وتبيع شركات أخرى منتجات تساعد في الإقلاع عن التدخين. وتبيع شركات الوجبات السريعة، وتبيع أخرى نصائح الحمية. ولو كان كل المستهلكين اقتصاديين، فلا حاجة عندئذٍ للقلق بشأن من سيربح من بين هذه المصالح المتنافسة. لكن إذا كان بعض المستهلكين بشريين ينتقون خيارات سيّئة في بعض الأحيان (كما يحكمون بأنفسهم على ذلك بطبيعة الحال)، عندئذٍ يكون لنا جميعاً مصلحة في معرفة الشركات التي ستربح في المنافسة. وتستطيع الحكومة جعل بعض أنواع الأنشطة غير قانونية بطبيعة الحال، لكننا باعتبارنا أبويين تحرّريين فإننا نفضّل التنبيه - وندرك تماماً أن الحكومات تضمّ بشريين.
ما الذي يمكن فعله للمساعدة؟ في الفصل التالي نصف أداتنا الأساسية: تصميم الخيارات.





5 تصميم الخيارات

في وقت مبكّر من مهنة ثالر، كان يدرّس صفّاً عن اتخاذ القرارات التجارية لطلاب كلية إدارة الأعمال. وكان الطلاب يتركون الصف باكراً أحياناً لحضور مقابلات الأعمال (أو مباراة في الغولف) ويحاولون التسلّل خارج القاعة خفية قدر الإمكان. ومن سوء حظّهم أن الطريق الوحيد إلى خارج القاعة عبر باب كبير مزدوج في المقدّمة، على مرأى من الصفّ بأكمله (مع أنه لا يقع أمام ناظري ثالر مباشرة). وكان البابان مزوّدين بمقبضين خشبيين كبيرين جميلين، مركّبين رأسياً يبلغ طولهما قدمين. عندما يصل الطلاب إلى هذين البابين، كانوا يواجهون غريزتين متنافستين. إحداهما تقول إن مغادرة القاعة تتطلّب دفع الباب. وتقول الغريزة الأخرى عندما يواجه الطالب المقبضين الخشبيين الكبيرين المصمّمان للإمساك بهما فعليه جذب الباب. وتبيّن أن الغريزة الأخيرة تفوّقت على الأولى، وبدأ كل طالب يهمّ بالخروج بجذب المقبض. لكن الباب كان يفتح إلى الخارج للأسف.
وذات مرّة أوضح ثالر ذلك للصف، فيما كان أحد الطلاب المحرجين يجذب مقبض الباب محاولاً الهرب من الصف. وبعد ذلك نهض طالب للمغادرة، وانتظر بقية الصفّ متلهّفين لرؤية إذا كان الطالب سيجذب الباب أم يدفعه. كانت أجهزتهم التلقائية تفوز، ولم يكن يمكن تقبّل الإشارة التي يصدرها المقبض الخشبـي الكبير. (وعندما عمد ثالر إلى مغادرة القاعة في مناسبات أخرى، وجد نفسه يجذب الباب أيضاً دون تفكير.)
هذان البابان سيّئا التصميم لأنهما ينتهكان مبدأ نفسياً بسيطاً ذا اسم غريب: توافق الحافز والاستجابة. وتقوم الفكرة على أنك تريد أن تكون الإشارة (الحافز) التي تتلقّاها متّسقة مع الفعل المرغوب. وعندما يكون هناك تناقضات، يعاني الأداء ويرتكب الناس الأخطاء.
لنأخذ مثلاً تأثير لافتة كبيرة حمراء مثمّنة الشكل تقول انطلق. من السهل إثبات المصاعب التي تحدثها مثل هذه التناقضات عن طريق التجربة. ومن أشهر هذه الإثباتات اختبار ستروب (Stroop, 1935). في النسخة الحديثة من هذه التجربة يشاهد الأشخاص كلمات تومض على شاشة حاسوب ويكون لديهم مهمة بسيطة. يضغطون على الزرّ الأيمن إذا شاهدوا كلمة معروضة بالأحمر، ويضغطون على الزرّ الأيسر إذا شاهدوا كلمة معروضة بالأخضر. يجد الناس المهمة سهلة ويتعلّمون أداءها بسرعة كبيرة ودقّة عظيمة. يستمرّ ذلك إلى حين إرسال كرة مائلة، على شكل كلمة أخضر معروضة باللون الأحمر، أو كلمة أحمر معروضة باللون الأخضر. عند تلقّي هاتين الإشارتين غير المتوافقتين، يتباطأ زمن الاستجابة ويرتفع معدّل الخطأ. ومن الأسباب الرئيسية أن الجهاز التقائي يقرأ الكلمة بسرعة تفوق سرعة نظام تسمية اللون في تقرير لون النص. عندما تشاهد كلمة أخضر مكتوبة بالأحمر يسارع الجهاز التلقائي إلى الضغط على الزر الأيسر دون تفكير، وهي الاستجابة الخاطئة بطبيعة الحال. ويمكنك تجربة ذلك بنفسك. أحضر مجموعة من أقلام التلوين واكتب قائمة بأسماء الألوان، مع الحرص على أن تكون معظم الأسماء مكتوبة بلون مغاير للون الذي كتبت به. (والأفضل أن تطلب من طفل أن يقوم بذلك بدلاً منك.). ثم سمّ أسماء الألوان بأسرع ما يمكنك (أي اقرأ الكلمات وتجاهل اللون): الأمر سهل أليس كذلك؟ الآن قل اللون الذي كُتبت به الكلمات بأسرع ما يمكنك وتجاهل الكلمة نفسها: الأمر صعب، أليس كذلك؟ في مثل هذه المهامّ، يتغلّب الجهاز التلقائي على الجهاز التأمّلي دائماً.
على الرغم من أننا لم نرَ قط إشارة وقوف خضراء، فإن الأبواب كذلك المذكور أعلاه شائعة، وهي تنتهك المبدأ نفسه. الألواح المنبسطة تقول "ادفعني" والمقابض الكبيرة تقول "اجذبني"، لذا لا تنتظر أن يدفع الناس المقابض الكبيرة. وذلك فشل للتصميم في استيعاب المبادئ الأساسية لعلم النفس البشري. والحياة مليئة بمنتجات تعاني من هذه العيوب. أليس من الواضح أن الأزرار الكبيرة في جهاز التحكّم من بعد يجب أن تكون مخصّصة للطاقة، والأقنية، والتحكّم بالصوت؟ ومع ذلك كم عدد أجهزة التحكّم من بعد التي نجد فيها زرّي التحكّم بالصوت مساويين في الحجم لزرّ التحكّم "بالمدخلات" (وهو الزرّ الذي إذا ضُغط عليه عَرَضاً يمكن أن يسبّب اختفاء الصورة)؟
غير أن من الممكن إدخال العوامل البشرية في التصميم، كما يوضح كتاب دون نورمان (Don Norman) الرائع "تصميم الأشياء المستخدمة يومياً" (The Design of Everyday Things,1990). ومن أفضل أمثلته تصميم موقد أساسي ذي أربع شعلات (الشكل 1.5). تكون الشعلات في معظم المواقد مرتّبة ترتيباً متناظراً، كما في الموقد المبين في أعلى الشكل، ومقابض الإشعال مرتّبة ترتيباً خطياً أدناها. وفي هذا التصميم، من السهل أن يلتبس عليك أي مقبض يحكّم بالشعلة الأمامية وأيها يتحكّم بالشعلة الخلفية، وقد احترقت كثير من القدور والمقالي نتيجة لذلك. والتصميمان الآخران اللذان عرضناهما ما هما إلا اثنان من كثير من الاحتمالات الأفضل.
الدرس الأساسي الذي يسوقه نورمان هو أن على المصمّمين ألا يغفلوا عن أن مستخدمي تصميماتهم بشريون تواجههم كثير من الخيارات والأدلة يومياً. ويهدف هذا الفصل إلى تطوير الفكرة نفسها لمصمّمي الخيارات. وبما أن الخيارات التي تؤثّر فيها ينتقيها البشريون، يجب أن يعكس تصميمك كيفية سلوك البشر. وعليك تحديداً أن تحرص على عدم إرباك الجهاز التلقائي. وفي هذا الفصل، نقدّم بعض المبادئ الأساسية لتصميم الخيارات الجيّد (والرديء).





الخيارات الافتراضية: سلوك المسار الأقلّ مقاومة
بناء على الأسباب التي ناقشناها، يتّبع كثير من الأشخاص الخيارات التي تتطلّب الجهد الأقل، أو المسار الأقل مقاومة. أتذكرون مناقشة الخمول، والانحياز للوضع الراهن، واستدلال "أياً يكن". تعني كل هذه القوى ضمناً أنه إذا كان هناك خيار افتراضي، وهو الخيار الذي يحصل عليه من لم يفعل شيئاً، يمكننا عندئذٍ أن نفترض أن عدداً كبيراً من الأشخاص سيحصلون على ذلك الخيار في النهاية، سواء أكان جيداً لهم أم لم يكن. وكما شدّدنا أيضاً، تتعزّز هذه الميول السلوكية نحو عدم فعل شيء إذا جاء الخيار الافتراضي مع اقتراح ضمني أو صريح بأنه يمثّل مسار العمل السوي أو المزكّى.
الخيارات الافتراضية واسعة الانتشار وقوية. كما أنه لا يمكن اجتنابها، بمعنى أنه يجب أن يكون كل نظام لتصميم الخيارات مرتبطاً بقاعدة تحدّد ماذا يحدث إذا لم يفعل من يتخذ القرار شيئاً. وتكون الإجابة عادة أنه لا يتغيّر شيء إذا لم أفعل شيئاً، أي يستمرّ ما يحدث على حاله. لكن ليس دائماً. فبعض المكنات الخطيرة، كالمنشار السلسلي وجزّازة العشب، مصمّمة "بمفاتيح الرجل العاجز"، بحيث تتوقّف عندما لا تعود ممسكاً بالمكنة. عندما تغيب عن حاسوب مدّة معيّنة للردّ على الهاتف، لا يحدث شيء على الأرجح إلا إذا تحدّثت مدّة طويلة، وفي تلك الحالة يظهر حافظ الشاشة، وإذا غبت عن حاسوبك طويلاً، فربما يقفل نفسه.
تستطيع بطبيعة الحال اختيار طول المدّة قبل أن يظهر حافظ الشاشة، لكن تنفيذ ذلك الخيار يتطلّب بعض العمل. وربما يأتي حاسوبك مع فترة تخلّف افتراضية وحافظ شاشة افتراضي. وهذه هي الإعدادات التي لا تزال لديك على الأرجح.
اكتشف كثير من المؤسسات في القطاعين العامّ والخاصّ القوة الكبيرة للخيارات الافتراضية. ولا شكّ في أن الشركات الناجحة اكتشفتها أيضاً. أتذكر فكرة التجديد التلقائي لاشتراكات المجلات؟ إذا كان التجديد تلقائياً، فسيشترك كثير من الأشخاص فترات طويلة بمجلات لا يقرؤونها. وتدرك المكاتب التجارية في معظم المجلاّت هذا الواقع. عندما تحمّل برمجية جديدة، غالباً ما يتعيّن عليك اختيار العديد من الخيارات. هل تريد التركيب "العادي" أو "الخاص"؟ ويكون أحد مربعات الانتقاء مدقّقاً بالفعل، ما يشير إلى الخيار الافتراضي. ما المربّعات التي يدقّقها المورّدون؟ ثمة دافعان مختلفان واضحان: الإفادة والخدمة الذاتية. في فئة الإفادة يكون التركيب العادي الخيار الافتراضي إذا كان معظم المستخدمين يجدون صعوبة في التركيب الخاص. وفي فئة الخدمة الذاتية يكون الخيار الافتراضي الرغبة في تلقّي رسائل بريد إلكتروني تحمل معلومات عن المنتجات الجديدة. ومن خلال تجربتنا، تأتي معظم البرمجيات مع خيارات افتراضية مفيدة تتعلّق بنوع التركيب، لكن كثيراً منها يأتي مع خيارات خدمة ذاتية أخرى. سيكون لدينا ما نضيفه عن الدوافع لاحقاً، أما الآن، فتجدر الإشارة إلى أن ليس كل الخيارات الافتراضية تنتقى لجعل حياة من يختارها أكثر سهولة أو أفضل.
يمكن أن يكون انتقاء الخيار الافتراضي مثيراً للخلاف. وإليكم مثالاً على ذلك. يتطلّب قسم غامض من قانون عدم إهمال أي طفل أن تزوّد مقاطعات المدارس أسماء الطلاب، وعناوينهم، وأرقام هواتفهم إلى مكاتب التجنيد في فروع القوات المسلّحة. غير أن القانون ينصّ على أنه "يجوز للطالب في الصفوف الثانوية أو والده أن يطلب عدم إصدار اسم الطالب وعنوانه ورقم هاتفه دون موافقة الأهل المسبقة، وعلى الهيئة التعليمية المحلية أو المدرسة الخاصة إبلاغ الأهل بخيار تقديم الطلب والامتثال لأي طلب". وقد فسّرت بعض مقاطعات المدارس، مثل فيربورت ونيويورك، هذا القانون بأنه يتيح لها تنفيذ سياسة "اختيار المشاركة". أي يبلّغ الأهل بأن في وسعهم اختيار جعل معلومات الاتصال بأبنائهم متاحة، لكن إذا لم يفعلوا شيئاً، فسيحتفظ بهذه المعلومات.
لم يحظَ هذا التفسير للقانون بموافقة وزير الدفاع في ذلك الوقت دونالد رامسفِلد (Donald Rumsfeld). وأرسلت وزارتي الدفاع والتعليم رسالة إلى مقاطعات المدارس تؤكّد أن القانون يطلب اختيار عدم المشاركة. أي لا تحجب معلومات الاتصال الخاصة بالأبناء إلا إذا طلب الأهل ذلك صراحة. وفي اللغة البيروقراطية النموذجية، أكّدت الوزارتان على أن القوانين المعنية "لا تسمح للهيئات التعليمية المحلية باعتماد سياسة عدم تقديم المعلومات المطلوبة ما لم يوافق الأهل على تقديم المعلومات على نحو قاطع".66 لقد أدركت وزارة الدفاع ومقاطعات المدارس أن سياسة اختيار المشاركة أو عدم المشاركة تؤدي إلى نتائج مختلفة جداً. ولا غرو أن يلي ذلك كثير الاحتجاج. وسنناقش موضوعاً حسّاساً مماثلاً يشتمل على خيارات افتراضية في الفصل الخاص بالتبرّع بالأعضاء.
لقد شدّدنا على أن القواعد الافتراضية لا يمكن اجتنابها - أي أن المؤسسات الخاصة والنظام القانوني لا يمكنها تجنّب اختيارها. وفي بعض الحالات، وإن ليس كلها، ثمة قيود على هذا الادّعاء. ويستطيع مصمّم الخيارات أن يجبر المختارين على الاختيار. ويمكننا تسمية ذلك النهج "الخيار المطلوب" أو "الخيار الملزم". في مثال البرمجيات، ينفّذ الخيار المطلوب بترك جميع المربّعات دون تدقيق، وطلب تدقيق أحد المربعات في كل فرصة كي يتقدّم المرء إلى الخيار التالي. وفي حالة تقديم معلومات الاتصال إلى جهات التجنيد العسكرية، يمكن أن يتصوّر المرء نظاماً يكون فيه على جميع الطلاب (أو أهليهم) تعبئة استمارة تشير إلى أنهم يريدون أن يجعلوا معلومات الاتصال بهم متاحة أو لا. وفي القضايا المشحونة بالعاطفة كهذه، تتمتّع مثل هذه السياسة بجاذبية عالية لأن الناس لا يريدون أن يعتبر خياراهم الافتراضي ما قد يكرهونه (لكنهم لا يرفضونه بسبب الخمول، أو ضغط اجتماعي حقيقي أو ظاهري).
إننا نعتقد أن الخيار المطلوب، الذي يحبّذه كثير ممن يحبّون الحرية، هو الطريقة الفضلى المتبعة في بعض الأحيان. لكن لننظر في نقطتين بشأن هذا النهج. أولاً، غالباً ما يعتبر البشريون الخيار المطلوب مزعجاً أو أسوأ من ذلك، ويفضّلون وجود خيار افتراضي جيّد. وفي مثال البرمجية، من المفيد أن نعلم ما الإعداد الموصى به. فمعظم المستخدمين لا يريدون قراءة دليل صعب لتحديد الإعداد السرّي الذي يختارونه. فعندما يكون الخيار معقّداً وصعباً، ربما يقدّر الناس كثيراً خياراً افتراضياً حكيماً. ولا يكاد يتضح لماذا يجب أن يفرض عليهم الاختيار.
ثانياً، يكون الاختيار المطلوب ملائماً على العموم لقرارات نعم أو لا البسيطة أكثر من الخيارات المعقّدة. في المطاعم يكون الخيار الافتراضي أخذ الطبق الذي يعدّه الطاهي عادة، مع خيار طلب مكوّنات معيّنة إليه أو نزعها منه. وفي الحالات المتطرّفة، يتطلّب الاختيار ضمناً أن يقدّم المتعشّي وصفة كل طبق يطلبه! وعندما تكوزن الخيارات معقّدة جداً، ربما لا يكون الاختيار المطلوب فكرة مستحبّة، وربما لا يكون مجدياً أيضاً.
توقّع الخطأ
يرتكب البشريون الأخطاء. والنظام الجيد التصميم يتوقّع من مستخدميه ارتكاب الأخطاء ويكون متسامحاً قدر الإمكان. وتوضح بعض الأمثلة من العالم الواقعي هذه النقطة:
? في نظام مترو الأنفاق في باريس، يدخل المستخدمون بطاقة ورقية بحجم تذكرة دخول السينما في مكنة تقرأ البطاقة وتجعلها "مستخدمة"، ثم تلفظها من أعلى المكنة. ويوجد على أحد جانبـي البطاقات شريط مغنطيسي، لكنهما متطابقان بخلاف ذلك. عندما زار ثالر باريس، لم يكن واثقاً من كيفية استخدام النظام، لذا جرّب إدخال البطاقة والشريط المغنطيسي إلى أعلى وسُر عندما اكتشف نجاح ذلك. لذا حرص بعد ذلك على أن يكون الشريط إلى أعلى عند إدخال البطاقة. وبعد عدّة سنوات وسفرات إلى باريس لاحقاً، كان يوضح متباهياً لصديق زائر الطريقة الصحيحة لاستخدام نظام المترو عندما أخذت زوجته تضحك. وتبيّن أن طريقة إدخال البطاقة في المكنة لا تهم!
النظام المستخدم في معظم مواقف السيارات في شيكاغو يتباين تبايناً صارخاً مع مترو أنفاق باريس. عندما تدخل الموقف، تضع بطاقة ائتمانك في المكنة التي تقرأها وتتذكّرك. ثم عندما تغادر، عليك إدخال البطاقة ثانية في مكنة أخرى عند المخرج. ويشتمل ذلك على مدّ يدك في نافذة السيارة وإدخال البطاقة في الشقب. وبما أن بطاقات الائتمان غير متطابقة الوجهين، فإن هناك أربع طرق ممكنة لإدخال البطاقة في الشقب (الوجهة إلى أعلى أو أسفل، والشريحة إلى اليمين أو اليسار). وإحدى تلك الطرق هي الصحيحة. وعلى الرغم من الرسم الموضح فوق الشقب، من السهل جداً أن تضع البطاقة بطريقة خاطئة، وعندما تُلفظ البطاقة لا يتضح على الفور ما سبب رفض البطاقة أو لا يذكر المرء طريقة إدخالها في المرة الأولى. وكلانا علق بضع دقائق مؤلمة خلف أحمق وجد صعوبة في التعامل مع المكنة، ونعترف بأننا كنا المغفّلين اللذين جعلا سائر الناس خلفهما يطلقون أبواق السيارات.
? أصبحت السيارات على مرّ السنين أكثر تآلفاً مع مشغّليها البشريين. فإذا لم تربط حزام الأمان، تصدر السيارة تنبيهاً. وإذا أوشك الوقود على النفاد، تظهر علامة تنبيه، وربما تسمع صفيراً. وإذا كان عليك تغيير الزيت، فربما تعلمك السيارة بذلك. وتأتي كثير من السيارات بمفتاح تلقائي للمصابيح الأمامية التي تضيء عندما تشغّل السيارة، وتطفئ عندما توقف تشغيلها، ما يلغي احتمال نسيان أنوار السيارة مضاءة في الليل واستنزاف البطارية.
لكن اعتماد بعض الابتكارات المتسامحة مع الأخطاء بطيء على نحو مفاجئ. لنأخذ حالة غطاء خزّان الوقود. في أي سيارة معقولة يرتبط غطاء خزّان الوقود بقطعة من البلاستيك بحيث لا يمكن أن تقود السيارة من دون الغطاء إذا ما نزعته. ونعتقد أن تلك القطعة من البلاستيك لا تكلّف أكثر من عشرة سنتات. وعندما تتوصّل شركة إلى فكرة جيدة لإدراج هذه الميزة، هل يعود هناك أي عذر لصنع سيارة من دونها؟
إن نسيان غطاء خزّان الوقود نوع خاص من الأخطاء المتوقّعة التي يسمّيها علماء النفس خطأ "ما بعد الإنجاز".67 وتقوم الفكرة على أنك عندما تنهي مهمّة رئيسية، تميل إلى نسيان أشياء ذات صلة بخطوات سابقة. وتشمل أمثلتنا ترك بطاقة الصرّاف الآلي في المكنة بعد الحصول على النقود، أو ترك النسخة الأصلية في مكنة النسخ بالتصوير بعد الحصول على النسخ. ولا تسمح معظم أجهزة الصراف الآلي بهذا الخطأ (لكن ليس كلها) لأنك تحصل على البطاقة على الفور. ومن الاستراتيجيات الأخرى التي اقترحها نورمان استخدام ما أسماه "وظيفة الإكراه"، أي لكي تحصل على ما تريد، ينبغي لك أن تفعل شيئاً أولاً. لذا للحصول على النقود، يتعيّن عليك أخذ البطاقة، ولن تنسى القيام لذك.
? من التصميمات الأخرى الجيّدة للسيارات فوّهات الأنواع المختلفة من البنزين. الفوّهات التي تضخّ وقود الديزل كبيرة جداً لا تلائم فتحات السيارات التي تستخدم البنزين، لذا ليس من الممكن ارتكاب خطأ تعبئة الديزل في سيارتك التي تعمل بالبنزين (مع أن من الممكن ارتكاب الخطأ المعاكس). وقد استُخدم المبدأ نفسه لخفض عدد الأخطاء التي تشتمل على البنج. فقد كشفت إحدى الدراسات أن الخطأ البشري (لا إخفاق الأجهزة) سبّب 82 في المئة من "الحوادث الحرجة". ومن الأخطاء الشائعة وصل خرطوم أحد العقاقير بالمأخذ الخاطئ بحيث يتلقّى المريض العقار غير المقصود. وقد حُلّ هذا الخطأ بتصميم فوّهات غازات وموصّلات مختلفة لكل عقار. فأصبح من المتعذّر مادياً ارتكاب هذا الخطأ المتكرّر السابق.68
? من المشكلات الرئيسية في الرعاية الصحية ما يسمّى "التقيّد بالدواء". فعلى كثير من المرضى، لا سيما المسنّين، أن يتناولوا الأدوية بانتظام وبالجرعة الصحيحة. لذا هنا يطرح سؤال متعلّق بتصميم الخيارات. إذا كنت تصمّم دواء، ولديك مرونة تامّة، ما الوتيرة التي تريد أن يتناول بها مرضاك دواءهم؟
إذا استبعدنا الجرعة الواحدة التي يقدّمها الطبيب على الفور (وهي الأفضل في كل الأبعاد لكنها غالباً ما تكون غير ممكنة تقنياً)، فإن ثاني أفضل حل دواء يؤخذ مرة في اليوم، ويفضّل في الصباح. ومن الواضح لماذا مرّة في اليوم أفضل من مرّتين (أو أكثر) في اليوم، إذ كلما ازداد عدد مرات أخذ الدواء، ازدادت فرص نسيان تناوله. لكن الوتيرة ليس مصدر القلق الوحيد، بل الانتظام مهمّ أيضاً. مرّة في اليوم أفضل بكثير من مرة كل يومين إذ يمكن تعليم الجهاز التلقائي على التفكير: "أتناول الحبوب كل صباح عندما أستيقظ". ويصبح تناول الحبّة عادة، والعادات تخضع لسيطرة الجهاز التلقائي. بالمقابل، يتجاوز تذكّر تناول الدواء كل يومين قدرات معظمنا. (على نحو ذلك، الاجتماعات التي تعقد كل أسبوع أسهل تذكّراً من تلك التي تعقد كل أسبوعين.) وبعض الأدوية تؤخذ مرّة في الأسبوع، ومعظم المرضى يأخذون هذا الدواء أيام الأحد (لأن ذلك اليوم مختلف عن الأيام الأخرى عند معظم الناس وبالتالي من السهل ربطه بتناول الدواء).
تمثّل حبوب منع الحمل مشكلة خاصة مماثلة لما سبق، لأنها تؤخّذ كل يوم لمدة ثلاثة أسابيع ثم يتوقّف عن تناولها لمدة أسبوع. لحل هذه المشكلة وجعل العملية تلقائية، تباع الحبوب عادة في علبة خاصة تحتوي على ثمانية وعشرين حبة، كل منها في موضع مرقّم. ويطلب من النساء تناول حبّة كل يوم بالترتيب. والحبوب للأيام الثاني والعشرين حتى الثامن والعشرين غُفل لا دور لها سوى تسهيل الامتثال للمستخدمين البشريين.
? في أثناء العمل على هذه الكتاب، أرسل ثالر رسالة بريد إلكتروني إلى صديقه عالم الاقتصاد هال فاريان (Hal Varian) المنتسب لغوغل. وكان ثالر يريد إرفاق نسخة من المقدّمة ليعطي هال فكرة عن موضوع الكتاب، لكنه نسي الإرفاق. وعندما ردّ هال سائلاً عن المرفق المغفل، أشار متباهياً إلى أن غوغل تختبر ميزة جديدة في برنامجها للبريد الإلكتروني "gmail" تحل هذه المشكلة. وفيها يحثّ المستخدم الذي يذكر كلمة "مرفق" لكنه لا يرفقه، "هل نسيت المرفق"؟ فأرسل ثالر المرفق وقال إن هذا الكتاب يتناول هذا الأمر بالضبط.
? يجد زوّار لندن الذين يأتون من الولايات المتحدة أو أوروبا مشكلة في المشي بأمان. فقد أمضوا حياتهم بأكملها وهم يتوقّعون أن تأتي إليهم السيارات من اليسار، ويعرف جهازهم التلقائي كيف ينظر في ذلك الاتجاه. لكن السيارات في المملكة المتحدة تسير على الجانب الأيسر من الطريق، لذا فإن الخطر يأتي في الغالب من اليمين. وتقع كثير من حوادث المشاة نتيجة لذلك. وتحاول مدينة لندن المساعدة بالتصميم الجيد. وفي العديد من الزوايا، لا سيما في الأحياء التي يرتادها السيّاح، يوجد على الرصيف علامات تقول، "انظر إلى اليمين"!
تقديم التغذية الراجعة
تقديم التغذية أفضل طريقة لمساعدة البشريين في تحسين أدائهم. والأنظمة الجيّدة التصميم تبلغ الناس متى يحسنون العمل ومتى يرتكبون الأخطاء. وفي ما يلي بعض الأخطاء:
? تقدّم الكاميرات الرقمية عادة تغذية راجعة لمستخدميها أفضل مما تقدّم كاميرات الأفلام. إذ يستطيع المصوّر أن يشاهد بعد كل لقطة نسخة (صغيرة) عن الصورة الملتقطة. وذلك يلغي كل أنواع الأخطاء التي كانت شائعة في حقبة الأفلام، من عدم تعبئة الفيلم تعبئة صحيحة، إلى نسيان رفع غطاء العدسة، إلى بتر رأس الشخصية المركزية في الصورة. غير أن الكاميرات الرقمية المبكّرة فشلت في أحد أبعاد التغذية الراجعة الحاسمة. عندما تلتقط صورة، لم يكن هناك دليل مسموع يشير إلى أن الصورة التقطت. أما النماذج الحديثة الآن، فإنها تصدر صوتاً مرضيا جداً لإغلاق المصراع لكنه مزيّف تماماً عند التقاط الصورة. (وتضم بعض الهواتف الخلوية، المخصّصة للمسنّنين، صوت قرص مزيّف، لأسباب مماثلة.)
? من أنواع التغذية الراجعة المهمّة تنبيه بأن الأمور تسير نحو الخطأ، أو توشك أن تقع في الخطأ. فحواسيبنا الشخصية تنبّهنا بوصلها بالكهرباء أو إغلاقها عندما ينخفض منسوب شحن البطارية انخفاضاً خطيراً. لكن يجب أن تتجنّب أنظمة التنبيه مشكلة تقديم تنبيهات كثيرة بحيث تُتجاهل. فإذا كان حاسوبنا ينبّهنا باستمرار بشأن هل نحن واثقون من الرغبة في فتح المرفق، فإننا نبدأ بالنقر على "نعم" دون تفكير. وبالتالي تصبح هذه التنبيهات عديمة الجدوى.
? إن نظام الإنذار من الإرهاب المرمّز بالألوان الذي تستخدمه وزارة الأمن الداخلي إيضاح رائع للتغذية الراجعة التي تكون عديمة الفائدة مع أنها مستمرّة. فعند السير في مطار أميركي ما في أي وقت منذ سنة 2002، لا بدّ أن يسمع المرء الإعلان التالي: "رفعت وزارة الأمن الداخلي درجة التنبيه من الإرهاب إلى البرتقالي". ما الإجراءات المتوقّع اتخاذها بالضبط نتيجة هذا التنبيه، إلى جانب وضع أدوات العناية الشخصية في كيس يقفل بسحّاب سعته 284 مل؟
إن إلقاء نظرة إلى الموقع الإلكتروني لوزارة الأمن الداخلي تقدّم لنا الجواب. فهو يبلغنا أن "على كل الأميركيين المحافظة على اليقظة، والتنبّه إلى محيطهم، وإبلاغ السلطات المحلية عن أي بنود أو أنشطة مشبوهة على الفور". ألا يفترض بنا أن نفعل ذلك عند اللون الأصفر؟ يمكننا الثقة بأن هذه الإعلانات عديمة الجدوى. (الأفضل من ذلك تزويد المسافرين الغافلين بأكياس تقفل بسحّاب سعتها 284 مل، وكثير من المطارات توفّرها في الواقع.)
? يمكن تحسين التغذية الراجعة في كثير من الأنشطة. لنأخذ مثلاً مهمة بسيطة هي طلاء سقف. هذه المهمّة أصعب مما تبدو عليه لأن كل الأسقف تقريباً تدهن بالأبيض، وقد يكون من الصعب أن ترى ماذا دهنت. وعندما يجفّ الدهان لاحقاً، تصبح بقع الدهان السابقة مرئية بما يثير الإزعاج. كيف تحلّ هذه المشكلة؟ ابتكر أحد الأشخاص نوعاً من دهان الأسقف يبدو زهري اللون عندما يكون رطباً لكنه يتحوّل إلى الأبيض عندما يجفّ. ويستطيع الدهّان أن يميّز بين الأبيض والزهري ما لم يكن مصاباً بعمى الألوان، وهذا يحلّ المشكلة.
فهم "المطابقات": من الخيار إلى الرفاه
بعض المهام سهل، كاختيار نكهة أيس كريم، وبعضها الآخر صعب، كاختيار علاج طبّي. لنأخذ مثلاً متجر أيس كريم تختلف فيه الأنواع بالنكهة فحسب، لا السعرات الحرارية أو المحتويات الغذائية الأخرى. ويتوقّف اختيار الأيس كريم الذي تأكله على انتقاء المذاق الأفضل. إذا كانت كل المذاقات مألوفة، مثل الفانيليا، والشوكولا، والفراولة، يستطيع معظم الأشخاص توقّع العلاقة بين اختيارهم وتجربة الاستهلاك النهائية بدقّة كبيرة. ولنسمّ ذلك العلاقة بين الاختيار والرفاه. وإذا كان هناك نكهات دخيلة، يستطيع متجر الأيس حل مشكلة المطابقة بعرض التذوّق المجاني.
الاختيار من بين معالجات خاصة بمرض ما مسألة أخرى. لنفترض أنك أبلغت بأنه تبيّن من التشخيص أنك مصاب بسرطان البروستات، وأن عليك الانتقاء من بين ثلاثة خيارات: الجراحة، والأشعة، و"الترقّب الحذر" (أي عدم فعل أي شيء الآن). ويأتي مع كل من هذه الخيارات مجموعة معقّدة من النتائج المحتملة المتعلّقة بالآثار الجانبية للمعالجة، ونوعية الحياة، وطول الحياة، وما إلى هنالك. وهكذا فإن المقارنة بين هذه الخيارات تنطوي على مثل المقايضات التالية: هل أنا مستعدّ للمخاطرة بنسبة الثلث بالإصابة بالعجز الجنسي أو سلس البول لزيادة العمر المتوقّع 3.2 سنوات؟ القرار صعب على مستويين. أولاً، من غير المحتمل أن يعرف المريض هذه المقايضة، وثانياً، لن يستطيع على الأرجح أن يتخيّل ما ستكون عليه الحياة إذا أصيب بالسلس. مع ذلك إليكم حقيقتين مخيفتين عن هذا السيناريو. أولاً، معظم المرضى يقرّرون الإجراء الذي يتخذ في الاجتماع نفسه الذي يتلقّون فيه الأخبار السيّئة من الطبيب عن التشخيص. ثانياً، يتوقّف خيار المعالجة الذي يختارونه بقوّة على الطبيب الذي يزرونه.69 (بعضهم مختص بالجراحة، وآخرون بالأشعة. ولا يوجد اختصاصي بالترقّب الحذر. خمّنوا الخيار الذي ربما يحظى بأقل قدر من الاستخدام.)
توضح المقارنة بين الأيس كريم وخيارات المعالجة مفهوم المطابقة. ويساعد نظام تصميم الخيارات الجيّد الناس في تحسين قدرتهم على المطابقة، وبالتالي انتقاء الخيارات التي تجعلهم في حال أفضل. ومن طرق القيام بذلك جعل المعلومات المتاحة عن مختلف الخيارات مفهومة، بتحويل المعلومات الرقمية إلى وحدات تترجم بسهولة استخدام فعلي. إذا كنت اشتري تفّاحاً لصنع شراب التفّاح، فمن المفيد معرفة القاعدة العامة بأن ثلاث تفّاحات تنتج كوباً واحداً من شراب التفّاح.
لنأخذ مثال اختيار كاميرا رقمية. تعلن الكاميرات قدرتها بالميغا بكسل، ولا شكّ في أن الانطباع الناشئ هو أنه كلما زادت قيمة الميغا بكسل كان ذلك أفضل. وهذا الافتراض نفسه خاضع للمساءلة لأن الصور الفوتوغرافية المرتفعة الميغا بكسل تشغل مزيداً من الحيّز في أداة التخزين في الكاميرا والقرص الصلب في الحاسوب. لكن ما يثير المشاكل للمستهلكين هو ترجمة الميغا بكسل إلى ما يهمّهم (ليس النهج الأكثر بديهية). هل يجدر بـي دفع مئة دولار إضافية للارتقاء من أربعة ميغا بكسل إلى خمسة؟ ولنفترض بدلاً من ذلك أن المصنّعين أدرجوا أكبر حجم يوصى به للطباعة. وبدلاً من منحهم خيارات ثلاثة أو خمسة أو سبعة ميغا بكسل، يمكن أن يبلّغ المستهلكون بأن الكاميرا يمكن أن تنتج صوراً عالية الجودة مقياسها 4x6 إنشات، أو 9X12 إنشاً، أو "مقياس الملصق".
غالباً ما يواجه الناس مشكلة في مطابقة المنتجات مقابل النقود. في الاختيارات البسيطة، تكون مثل هذه المطابقات تافهة بطبيعة الحال. فإذا كان لوح شوكولا سنيكرز يكلّف دولاراً واحداً، يمكنك بسهولة أن تعرف كم يكلّف تناول لوح سنيكرز كل يوم. لكن هل تعرف كم يكلّفك استخدام بطاقة الائتمان؟ من بين الرسوم التي ربما تدفعها: (أ) الرسم السنوي لامتياز استخدام البطاقة (شائع في البطاقات التي تقدّم مزايا مثل أميال المسافر المتكرّر)، (ب) فائدة على اقتراض النقود (تتوقّف على جدارتك الائتمانية)، (ج) رسم التأخّر في التسديد (وربما ينتهي بك الأمر إلى التأخّر في التسديد أكثر مما توقّعت)، (د) فوائد على المشتريات خلال الشهر لا تحتسب عادة إذا سدّدت رصيدك لكن يبدأ احتسابها إذا تأخّرت يوماً واحداً في تسديد حسابك، (هـ) رسم لشراء أشياء بعملة غير الدولار.
بطاقات الائتمان ليست الوحيدة التي لديها مخططات تسعير معقّدة غير شفّافة ولا يفهمها المستهلكون. فكّر في الرهن، وخطط مكالمات الهواتف الخلوية، وبوالص تأمين السيارات، على سبيل المثال لا الحصر. ونحن نقترح لهذه المجالات والمجالات ذات الصلة شكلاً معتدلاً جداً من أشكال الرقابة، نوع من الأبوية التحرّرية نسمّيها "ركاب"، أي تسجيل الأسعار البديلة وتقييمها ومقارنتها.
إليكم كيف يعمل "ركاب" في سوق الهواتف الخلوية. لا تراقب الحكومات مقدار الرسوم التي يحتسبها المصدرون على الخدمات، لكنها تراقب ممارسات الإفصاح التي تتبعها. والهدف المركزي هو إبلاغ العملاء بكل أنواع الرسوم الموجودة حالياً. ولا ينجز ذلك بطباعة وثائق طويلة غير مفهومة بحروف صغيرة. بدلاً من ذلك يتعيّن على المصدرين الإعلان عن جدول رسومهم على شكل جدول بيانات يضمّ كل الصيغ ذات الصلة. لنفترض أنك في تورنتو ورنّ هاتفك الخلوي. كم سيكلّفك الردّ عليه؟ ماذا لو حمّلت بعض رسائل البريد الإلكتروني؟ توضع كل هذه الأسعار في الصيغ. وهذا هو جانب الإفصاح من الرقابة؟
يشترط مطلب الإفصاح عند الاستخدام أن يكون على المصدرين أن يرسلوا لعملائهم مرة واحدة في السنة قائمة كاملة بكل الطريق التي استخدموا فيها الهاتف وكل الرسوم المتكبّدة. ويرسل هذا التقرير بطريقتين، بالبريد، وإلكترونياً، وذلك الأهم. وتخزن النسخة الإلكترونية في موقع إلكتروني مؤمّن ويمكن تنزيلها منه.
لا يكلّف إنتاج تقارير "ركاب" شركات الهواتف الخلوية إلا القليل، لكن التقارير شديدة الأهمية للمستهلكين الذين يريدون مقارنة خطط تسعير مزوّدي الهواتف الخلوية، وبخاصة بعد أن يتلقّون بيانهم السنوي الأول. وتبرز المواقع الإلكترونية الخاصة على نحو مواقع السفر في إتاحة طريقة سهلة لمقارنة الخدمات. فيستطيع المتسوّق ببضع نقرات سريعة أن يعرف كم احتسبت الشركات المختلفة من رسوم بالنظر إلى أنماط الاستخدام.70 ويتعيّن على المستهلكين الحديثي العهد بالمنتج (الحصول على هاتف خلوي للمرة الأولى مثلاً) تخمين معلومات الاستخدام لمختلف الفئات، لكنهم يستطيعون في السنة التالية الاستفادة الكاملة من قدرات النظام. وسنرى أن برنامج "ركاب" يمكن أن يدخل تحسيناً كبيراً على قدرة الناس على اتخاذ قرارات رشيدة، من الرهن العقاري وبطاقات الائتمان إلى استخدام الطاقة وإلى الرعاية الطبّية.
تنظيم الخيارات المعقّدة
يعتمد الناس استراتيجيات مختلفة تبعاً لحجم الخيارات المتاحة وتعقيدها. عندما نواجه عدداً صغيراً من البدائل المفهومة، نميل إلى تفحّص خصائص كل البدائل ثم نجري مقايضات عند اللزوم. لكن عندما تتسع مجموعة الخيارات، فإن علينا استخدام استراتيجيات أخرى، وهو ما يمكن أن يوقعنا في مشاكل.
لنأخذ مثلاً جنى التي عُرض عليها وظيفة في شركة موجودة في مدينة كبيرة بعيدة عن مكان سكنها الحالي. وأجروا مقارنة بين خيارين تواجههما: ما المكتب الذي تختاره وما الشقة التي تختارها. ولنفترض أنه عُرض على جنى خيار من ثلاثة مكاتب في مكان عملها. ثمة استراتيجية معقولة يمكن أن تتبعها وهي النظر في المكاتب الثلاثة، وملاحظة طرق اختلافها، ثم اتخاذ بعض القرارات بشأن أهمية خصائص مثل الحجم، والمنظر، والجيران، والمسافة إلى أقرب دورة مياه. يسمّى ذلك في أدبيات الاختيار الاستراتيجية "التعويضية"، لأن القيمة المرتفعة لإحدى الخصائص يمكن أن تعوّض عن القيمة المنخفضة لخاصية أخرى (جيران مزعجون).
من الواضح أنه لا يمكن استخدام الاستراتيجية نفسها لاختيار شقة. ففي مدينة كبيرة كلوس أنجلس، تتوافر آلاف الشقق. وإذا أرادت جنى أن تبدأ العمل فإنها لن تتمكّن من زيارة كل شقّة وتقييمها جميعاً. بدلاً من ذلك، يرجّح أن تبسّط المهمّة بطريقة ما. من الاستراتيجيات المستخدمة ما أسماه عاموس تفيرسكي (Amos Tversky, 1972) "الاستبعاد تبعاً للنواحي". في بعض الأحيان يقرّر أولاً عند استخدام هذه الاستراتيجية ما هي النواحي الأكثر أهمية (لنقل مسافة الذهاب والإياب)، ويحدّد مستوى الاستبعاد (لنقل ألا يزيد وقت الذهاب والإياب على ثلاثين دقيقة)، ثم استبعاد كل البدائل التي لا تفي بهذا المعيار. وتكرّر العملية لكل خاصية (لا يزيد إيجارها على 1500 دولار في الشهر، تضمّ غرفتي نوم على الأقل، السماح بدخول الكلاب) إلى حين التوصّل إلى خيار أو تضيق المجموعة بالقدر الكافي للانتقال إلى التقييم التعويضي للخيارات النهائية.
عندما يستخدم الناس استراتيجية تبسيطية من هذا النوع، يمكن استبعاد البدائل التي لا تلبّي درجات الاستبعاد الدنيا حتى إذا كانت رائعة في كل الأبعاد الأخرى. لذا لا يُنظر في الشقة التي يستغرق الذهاب منها والإياب إليها خمس وثلاثين دقيقة حتى إذا كان المنظر الذي تطل عليها رائعاً وتقل تكلفتها مئتي دولار في الشهر عن أي من البدائل الأخرى.
تكشف أبحاث علم الاجتماع عن أنه عندما تصبح الخيارات أكثر عدداً و/أو تتباين في مزيد من الأبعاد، فمن المرجّح أن يعتمد الناس استراتيجيات تبسيطية. وترتبط تبعات ذلك على تصميم الخيارات بعضها ببعض. وعندما تصبح الخيارات أكثر عدداً وأكثر تعقيداً، يتعيّن على مصمّمي الخيارات المزيد من التفكير والمزيد من العمل، ومن المرجّح أن يؤثّروا في الخيارات (تأثيراً جيداً أو سيّئاً). وهكذا في دكّان الأيس كريم الذي يبيع ثلاث نكهات فقط، تفي أي قائمة تذكر هذه النكهات بأي ترتيب بالغرض، ويرجّح أن يكون الأثر على الخيارات (مثل أثر الترتيب) ثانوية لأن الناس يعرفون ما يحبّون. لكن عندما يتزايد عدد الخيارات، يقدّم تصميم الخيارات الجيد التنظيم، ويؤثّر التنظيم في النتائج.
لنأخذ مثال متجر دهانات. تبيع شركات الدهانات أكثر من ألفي لون يمكن طلاء الجدران بها في أي منزل، حتى إذا تجاهلنا احتمال الطلبات الخاصة. من الممكن التفكير في كثير من الطرق لتنظيم كيفية عرض ألوان الدهانات على العملاء. تصوّر مثلاً إدراج ألوان الدهانات ألفبائياً، وهكذا ربما يلي الأزرق اللازوردي الأبيض القطبـي، وهلمّ جراً. وفي حين أن الترتيب الألفبائي طريقة مقبولة لتنظيم المعجم (إذا كنت تعرف كيف تهجّئ الكلمات على الأقل)، فإنه طريقة رديئة لتنظيم متجر دهانات.
بدلاً من ذلك، استخدمت متاجر الدهانات منذ مدة طويلة شيئاً يشبه دولاب الدهانات، حيث تطلب عيّنات الألوان وفقاً للتماثل: تجمع كل درجات ألوان الأزرق معاً، يليها الأخضر، وتوجد درجات ألوان الأحمر قرب البرتقالي، وهكذا. وتسهّل مشكلة الاختيار كثيراً لأن في وسع الناس مشاهدة الألوان الفعلية، وبخاصة لأن أسماء لا تقدّم معلومات كثيرة. (يوجد في الموقع الإلكتروني لدهانات بنجامين مور ثلاث درجات من البيج تسمّى "بذر السمسم المحمّص"، و"قمح أوكلاهوما"، وحبوب كانساس".)
أصبحت كثير من مشاكل الاختيار التي يواجهها المستهلكون أكثر سهولة بفضل تكنولوجيا الحواسيب والشبكة العنكبوتية. ولا يتيح الموقع الإلكتروني لدهانات بنجامين مور تصفّح عشرات درجات ألوان البيج فحسب، وإنما يسمح لهم أيضاً بمشاهدة (ضمن قيود شاشة الحاسوب) كيف تبدو درجة لون معيّنة على الجدران مع دهان السقف بلون متمّم. ويعدّ تنوّع ألوان الدهانات صغيراً مقارنة بعدد الكتب التي تبيعها أمازون (ملايين) أو الصفحات الإلكترونية التي يغطّيها غوغل (مليارات). وقد حقّق كثير من الشركات مثل نتفليكس، شركة تأجير أفلام الدي في دي بالطلب بالبريد الإلكتروني، النجاح إلى حدٍّ ما بسبب تصميم الخيارات المفيد جداً. فيستطيع العملاء الذين يبحثون عن فيلم لاستئجاره البحث عن الأفلام وفقاً للممثّل، والمخرج، والنوع، وأكثر، وإذا صنّفوا الأفلام التي شاهدوها، يمكنهم الحصول أيضاً على توصيات استناداً إلى تفضيلات محبّي الأفلام الأخرى من ذوي الأذواق المماثلة، وتلك طريقة تسمّى "الترشيح التعاوني". تستخدم أحكام الأشخاص الآخرين الذي يشاطرونك ذوقك لترشيح (تصفية) عدد كبير من الكتب الأفلام السينمائية المتوافرة لزيادة احتمال أن تختار ما تحبّ. والترشيح التعاوني جهد لحل مشكلة تصميم الخيارات. فإذا كنت تعرف ما يميل الأشخاص المماثلون لك إلى تفضيله، فربما تشعر بالارتياح في اختيار منتجات لا تعرفها لأن أشخاصاً مماثلين لك يحبّونها. ويعدّ الترشيح التعاوني لكثير منا تسهيلاً للخيارات الصعبة.
ملاحظة تنبيهية: يمكن أن تكون المفاجأة والاكتشاف بالمصادفة ممتعة للآخرين، وجيدة لهم أيضاً، وربما لا يكون من الممتع استقاء المعلومات الأولية مما يحبّه أشخاص مماثلون لنا. فمن المفيد في بعض الأحيان أن تعرف ما يحبّه أشخاص مختلفون عنا - وتعرف إذا كنت ستحبّه أيضاً. فإذا كنت تحبّ كاتب الألغاز روبرت باركر (Robert B. Parker) (ونحن نقرّ بأنه عظيم)، فربما يقودك الترشيح التعاوني إلى كتاب ألغاز آخرين (نقترح بالمناسبة أن تجرّب لي تشايلد Lee Child)، لكن لمَ لا تجرّب جويس كارول أوتس (Joyce Carol Oates)، أو ربما هنري جيمس (Henry James)؟ وإذا كنت ديمقراطياً وتحبّ الكتب التي تلائم ميولك، فربما ترغب في معرفة ما يفكّر به الجمهوريون. فما من حزب يمكن أن يحتكر الحكمة. ويعرف مصمّمو الخيارات ذوو الاهتمامات الاجتماعية - مثل من يديرون الصحف اليومية - أن من المفيد تنبيه الناس في اتجاهات ربما لم يختاروها مسبقاً. ويعني تنظيم الخيارات أحياناً مساعدة الناس في التعلّم، حتى يتمكّنوا من انتقاء خيارات رشيدة بمفردهم.71
الحوافز
موضوعنا الأخير هو الموضوع الذي يبدأ به معظم الاقتصاديين: الأسعار والحوافز. مع أننا نركّز على العوامل التي غالباً ما تهملها النظرية الاقتصادية التقليدية، فإننا لا نعتزم الإيحاء بأن القوى الاقتصادية القياسية غير مهمّة. ويشكّل ذلك مناسبة جيدة لنعلن رسمياً أننا نؤمن بالعرض والطلب. فإذا ارتفع سعر منتج ما، ينتج المورّدون المزيد منه عادة وتقلّ رغبة المستهلكين فيه. لذا يتعيّن على مصمّمي الخيارات التفكير في الحوافز عند تصميم نظام ما. ويضع المصمّمون العقلانيون الحوافز الملائمة للأشخاص الملائمين. ومن طرق البدء في التفكير في الحوافز طرح أربعة أسئلة عن تصميم معيّن للخيارات:
من يستخدمه؟
من يختاره؟
من يدفع؟
من يربح؟
غالباً ما تحلّ الأسواق الحرّة المشكلات الرئيسية بمنح الناس حافزاً لصنع منتجات جيدة وبيعها بسعر ملائم. وإذا كانت سوق أحذية السنيكرز جيدة، فستحدث منافسة قوية وتُطرد أحذية السنيكرز الرديئة خارج السوق وتسعّر الأحذية الجيدة وفقاً لأذواق الناس. ويكون لدى منتجي السنيكرز ومشتريها الحوافز الملائمة. لكن ينشأ تعارض في الحوافز في بعض الأحيان. لنأخذ حالة بسيطة. عندما نذهب إلى غدائنا الأسبوعي، يختار كل منا وجبته ويدفع مقابل ما أكل. ويقدّم لنا المطعم الغذاء ويحتفظ بنقودنا. لا يوجد أي تعارض هنا. لنفترض الآن أننا قرّرنا تبادل الأدوار في الدفع مقابل الغداء. يصبح لدى سنشتاين الآن حافز ليطلب شيئاً ذا ثمن مرتفع في الأسابيع التي يدفع فيها ثالر، والعكس بالعكس. (لكن في هذه الحالة، تضيف الصداقة تعقيداً. ربما يطلب أحدنا شيئاً رخيصاً إذا كان يعلم أن الآخر سيدفع. وهذا عاطفي لكنه صحيح.)
تزخر كثير من الأسواق (وأنظمة تصميم الخيارات) بتعارض المصالح. ولعل أكثرها سوء سمعة نظام الرعاية الصحية الأميركي. يتلقّى المريض خدمات الرعاية الصحية التي يختارها طبيبه وتدفع مقابلها شركة التأمين، ويأخذ الجميع من مصنّعي الأجهزة إلى شركات الأدوية إلى المحامين المتخصّصين بسوء الممارسة حصّة من الإجراء. ولمن يأخذون حصصاً مختلفة حوافز مختلفة، وربما لا تكون النتائج مثالية للمرضى أو الأطبّاء. وهذه النقطة واضحة بطبيعة الحال لكل من يفكّر في هذه المشكلات. لكن من الممكن كالعادة توسيع التحليل القياسي وإثراؤه بتذكّر أن البشريين هم الوكلاء في الاقتصاد. ولا شكّ في أن البشريين الحمقى أيضاً يقلّ طلبهم عندما يلاحظون أن السعر ارتفع. لكن هل يلاحظون ذلك؟ لا يلاحظونه إلا عندما يولونه الاهتمام.
إن التعديل الأهمّ الذي يجب أن يجرى على التحليل القياسي للحوافز هو شدّة الملاحظة. هل يلاحظ من يختارون الحوافز التي يواجهونها؟ الإجابة نعم عادة في الأسواق الحرّة، لكنها لا في حالات مهمّة. لنأخذ مثال أفراد أسرة حضرية يريدون اتخاذ قرار بشأن شراء سيارة أم لا. ولنفترض أن أمامهم خياري ركوب سيارات الأجرة والمواصلات العامة أو إنفاق عشرة آلاف دولار لشراء سيارة مستعملة يمكن أن يركنوها في الشارع أمام منزلهم. التكاليف البارزة الوحيدة لامتلاك سيارة هي الوقود، وفواتير الإصلاح بين الحين والآخر، وفاتورة التأمين السنوي. ومن المرجّح إهمال تكلفة الفرصة البديلة للعشرة آلاف دولار. (بعبارة أخرى، عندما يشترون السيارة، يميلون إلى نسيان العشرة آلاف دولار ويتوقّفون عن معاملتها بوصفها نقوداً كان يمكن إنفاقها على شيء آخر.) بالمقابل، تواجه الأسرة التكلفة كلما استخدمت سيارة أجرة، حيث يتكّ العدّاد كل بضعة مربّعات. لذا فإن التحليل السلوكي لحوافز ملكية السيارة يتوقّع أن يبخس الناس أهمية تكاليف الفرصة البديلة لامتلاك السيارة، وربما جوانب أخرى أقل بروزاً مثل الاستهلاك، وربما يبالغون في أهمية التكاليف البارزة لاستخدام سيارة أجرة.72 ويجب أن يجري تحليل أنظمة تصميم الخيارات تعديلات مماثلة.
يمكن التلاعب بالبروز بطبيعة الحال، ويستطيع مصمّمو الخيارات البارعون اتخاذ خطوات لتوجيه انتباه الناس إلى الحوافز. الهواتف في كلية إنسياد لإدارة الأعمال في فرنسا مبرمجة لعرض التكاليف الجارية للمكالمات الخارجية. وإذا أردنا حماية البيئة وزيادة الاستقلال الطاقوي، يمكن استخدام استراتيجيات مماثلة لجعل التكلفة أكثر بروزاً. لنفترض أن منظّم الحرارة في بيتك مبرمج ليبلغك بالتكلفة في الساعة الناجمة عن خفض الحرارة بضع درجات في أثناء موجة الحرّ. ربما يكون لذلك تأثير أكبر في سلوكك من رفع سعر الكهرباء بهدوء، وهو تغيّر لا تشهده إلا في نهاية الشهر عندما تصل الفاتورة. ولنفترض في ضوء ذلك أن الحكومة تريد زيادة حفظ الطاقة. لا شكّ في أن لرفع سعر الكهرباء تأثيراً، لكن لجعل الزيادات ملحوظة تأثيراً أعظم؟ وربما يكون لأجهزة تنظيم الحرارة التي تكشف عن التكلفة تأثير أكثر من زيادات الأسعار (المتواضعة) المصمّمة لخفض استهلاك الكهرباء.
ربما يرغب الناس في بعض المجالات معاملة بروز الأرباح والخسائر معاملة غير متكافئة. على سبيل المثال، لا يرغب أحد في التوجّه إلى نادٍ صحّي يحتسب رسوم المستخدمين على أساس استخدام أجهزة ستيرماستر. لكن العديد من مستخدمي أجهزة ستيرماستر يستمتعون بمشاهدة عدد "السعرات الحرارية المحروقة" في أثناء التمرّن (لا سيما أن هذه العدّادات تمنح تقديرات سخيّة على يبدو للسعرات الحرارية المحروقة بالفعل). وريما يكون من الأفضل لبعض الأشخاص وجود عرض مرئي يشير إلى السعرات الحرارية التي يحرقها المرء من حيث الغذاء: بعد عشر دقائق من التمرين تكسب كيس جزر فحسب، ولكنك تكسب قطعة حلوى كبيرة بعد أربعين دقيقة.
لقد تناولنا ستة مبادئ للتصميم الجيد للخيارات. ونزولاً عند الذاكرة المحدودة لقرائنا، ظننّا أنه قد يكون من المفيد تقديم أداة تذكيرية للمساعدة في تذكّر هذه المبادئ الستة. بإعادة ترتيب المبادئ واستخدام خدعة صغيرة، نحصل على ما يلي:
الحوافز (iNcentives)      
فهم المطابقات (Understand mappings)
الخيارات الافتراضية (Defaults)
تقديم التغذية الراجعة (Give feedback)
توقّع الأخطاء (Expect errors)      
تنظيم الخيارات المعقّدة (Structure complex choices)

إليكم: NUDGES، أي تنبيهات
عندما يولي مصمّمو الخيارات اهتماماً لهذه التنبيهات، فإنهم يستطيعون تحسين نتائج المستخدمين البشريين.






القسم II النقود

ليس من المفاجئ أن يختلف البشريون اختلافاً جذرياً عن الاقتصاديين في التعامل مع النقود. فالاقتصاديون منفقون ومقتصدون متعقّلون. إنهم يدّخرون النقود لوقت الحاجة، والتقاعد، ويستثمرون تلك النقود كما لو أنهم حائزون على شهادات ماجستير في إدارة الأعمال. وعندما يقترض الاقتصاديون، لا يواجهون مشكلة في الاختيار بين الرهن العقاري بفائدة ثابتة أو متغيّرة، ويسدّدون فواتير بطاقات ائتمانهم في الوقت الملائم كل شهر. إذا كنت اقتصادياً، بإمكانك تجاوز هذا القسم من الكتاب، ما لم تشأ أن تفهم سلوك زوجتك، وأولادك، والبشريين الآخرين. ومن الأهداف الرئيسية للفصول الأربعة التالية استعراض كيف يمكن أن يحسن الناس عملهم في مهامّ الادّخار، والاستثمار، والاقتراض الصعبة. ونقدّم أيضاً بعض الاقتراحات بشأن كيف تستطيع المؤسسات الخاصة والعامة تنبيه الناس لسلوك الاتجاهات التي تجعلهم أكثر ثراء بقليل وأكثر أمناً.






6 ادّخار المزيد في الغد73

في سنة 2005 كان معدّل المدّخرات الشخصية للأميركيين سالباً للمرّة الأولى منذ سنتي 1932 و1933 - سنتي الكساد العظيم. وتنفق الأسر الأميركية في المتوسّط أكثر مما تكسب وتقترض أكثر مما تدّخر. وقد أثار النموّ الكبير للقروض بضمان رهن المساكن وديون بطاقات الائتمان ارتفاع معدّلات الاقتراض. وكانت معدّلات الادّخار، وبخاصة مدّخرات التقاعد، منخفضة جداً لدى كثير من الأميركيين، إن لم تكن صفراً. لنأخذ مثلاً حالة طوني سنو (Tony Snow,)، السكرتير الصحفي السابق للبيت الأبيض الذي استقال في سنّ الثانية والخمسين في سنة 2007 للعودة إلى القطاع الخاص. قال سنو إن دافعه للاستقالة مالي. وأبلغ الصحافيين، "نفدت نقودي. أخذنا قرضاً عندما جئت إلى البيت الأبيض، وصرف ذلك القرض الآن. لذا علي أن أدفع الفواتير". وكان سنو قبل أن توليه منصب السكرتير الصحفي يعمل مذيع ربط في قناة فوكس نيوز، وهي وظيفة تدرّ عليه دخلاً أكبر. لكنه وصل إلى البيت الأبيض دون أن يتعلّم دروس التقاعد الأولية. وأقرّ سنو، "لقد تصرّفت في الواقع بحماقة شديدة فلم ألتحق بخطة التقاعد 401(k)".74
إن عدم ادّخار كثير من الأشخاص للتقاعد يفاقم المشاكل الوشيكة التي تواجه نظام الضمان الاجتماعي. فكل السياسيين يعرفون أن علينا أن في نهاية المطاف أن نقبل المحتوم لجعل الضمان الاجتماعي مليئاً، عبر مزيج من زيادة الضرائب أو خفض المزايا، لكن قليلاً منهم يرغب في التحدّث عن ذلك. وسيكون الأميركيون في وضع أفضل للتعامل مع هذه المشكلة لو يدّخرون من تلقاء أنفسهم. وقد أقرّت الحكومة قانوناً يرمي إلى تشجيع الادّخار الشخصي، عن طريق إنشاء حسابات ادّخار ذات أفضلية ضريبية مثل حسابات الادّخار الشخصية و401(k). وتتسم مثل هذه البرامج بحسن النيّة، لكن العديد من الأميركيين المؤهّلين لمثل هذه الخطط لا يستفيدون منها استفادة كاملة.
ما الإجراء الذي يمكن اتخاذه. سنقدّم اقتراحين مركزيين. الأول هو الالتحاق التلقائي بخطط الادّخار، والثاني هو برنامج ادّخار المزيد للغد. ولفهم لماذا تنجح هذه التنبيهات، ولماذا تشكّل جزءاً من مخزون الاقتصاد المعتاد، علينا أن نرجع إلى الوراء قليلاً.
النظرية الاقتصادية القياسية للادّخار للتقاعد نظرية أنيقة وبسيطة في آن معاً. يفترض أن يحسب الناس كم سيجنون في ما تبقّى من حياتهم، ومعرفة كم سيحتاجون إليه عندما يتقاعدون، ثم ادّخار ما يكفي للتمتّع بتقاعد مريح دون التضحية بالكثير بينما لا يزالون يعملون.
وهذه النظرية ممتازة بوصفها مبدأ توجيهياً لكيفية التفكير بحكمة في الادّخار، لكنها تواجه مشكلتين خطيرتين بوصفها نهجاً لسلوك الناس الفعلي. أولاً، أنها تفترض أن الناس قادرون على حل مسألة رياضية معقّدة للتوصّل إلى المبلغ المطلوب توفيره. فمن دون برمجية حاسوبية جيدة، يجد حتى الاقتصادي المتمرّس هذه المسألة مخيفة. ولا نعرف إلا بضعة اقتصاديين (ولا يوجد محامون) حاولوا القيام بذلك جدّياً (حتى باستخدام برمجية).75
المشكلة الثانية في النظرية أنها تفترض أن لدى الناس قوة الإرادة الكافية لتنفيذ الخطة ذات الصلة. فبموجب النظرية القياسية، لا تصرف السيارات الرياضية اللامعة والإجازات الرائعة الناس عن مشروع الادّخار للتقاعد في شقّة خاصة في فلوريدا. باختصار، النظرية القياسية تخصّ الاقتصاديين لا البشريين.
لم يهتمّ البشريون طوال معظم فترة وجودهم على الأرض في الادّخار للتقاعد، لأن معظم الناس لم يكونوا يعمّرون طويلاً بحيث يعيشون مدّة تقاعد طويلة. وفي معظم المجتمعات، يهتمّ الأبناء بمن امتدّ بهم العمر. وفي القرن العشرين، حتّم اجتماع ارتفاع العمر المأمول والتشتّت الجغرافي للأسر على الناس التفكير في توفير دخل عند تقاعدهم بدلاً من الاعتماد على أبنائهم في ذلك. وبدأ أصحاب العمل والحكومات في اتخاذ خطوات للمساعدة في حل هذه المسألة، وقاد برنامج التأمين الاجتماعي الذي طرحه بسمارك (Bismarck) في ألمانيا الطريق في سنة 1889. 76
كانت خطط التقاعد المبكّر تميل إلى أن تكون خطط مزايا محدّدة (defined-benefit plans). وفي هذه الخطط، يحقّ للمشاركين الحصول على معاش تقاعدي يتوقّف على صيغة خاصة، تقوم عادة على راتب المشترك وعدد سنوات عضوية المشترك في الخطة. وفي الخطة الشخصية النموذجية، يحقّ للعامل أن يتلقّى معاشاً تقاعدياً يشكّل نسبة من راتبه يدفع في السنوات القليلة الأخيرة من العمل، وتتوقّف النسبة على سنوات الخدمة.
ومعظم أنظمة الضمان الاجتماعي، بما في ذلك النظام المعمول به في الولايات المتحدة، أنظمة مزايا محدّدة. ويتوقّف معاش التأمين الاجتماعي على المبلغ الذي دفعته بمثابة ضرائب وعدد السنوات العمل. بل إن الدفعات تعدّل مراعاة للتضخّم، لذا تعرف بالضبط ما سيدفع لك (وما لم يغيّر الكونغرس رأيه، إذ يحقّ له ذلك، فإن الدستور لا يحمي حقّك في مزايا الضمان الاجتماعي).
لخطط المزايا المحدّدة فضيلة واحدة كبيرة من منظور مصمّمي الخيارات: أنها تسامح حتى البشريين المغفّلين. ومع الضمان الاجتماعي، لا يتخذ العامل إلا قراراً واحداً وهو تاريخ بدء تلقّي المزايا. والاستمارة الوحيدة التي تملؤها هي التي تكتب فيها رقم الضمان الاجتماعي، ويتعيّن عليك تعبئتها إذا كنت تريد أن يدفع لك. وخطط المزايا المحدّدة سهلة ومتسامحة أيضاً في القطاع الخاص، ما دام العمال يعملون لدى صاحب العمل نفسه، وظل صاحب العمل في السوق. ولا يتسم قرار موعد التقاعد بسهولة مماثلة، لكنه قرار واحد فقط. وينطبق الأمر نفسه على قرار موعد المطالبة بمزايا الضمان الاجتماعي. وسنناقش ذلك القرار، وكيف تستطيع الحكومة أن تقدّم بعض التنبيهات المفيدة، في نهاية هذا الفصل.
وفي حين أن عالم المزايا المحدّدة يمكن ان يكون سهلاً لمن يظلّ في وظيفة واحدة طوال حياته، فإن الموظفين الذين يغيّرون وظائفهم على نحو متكرّر قد ينتهي بهم الحال إلى عدم الحصول على مزايا التقاعد، إذ إن هناك في الغالب فترة توظيف دنيا (مثل خمس سنوات) قبل أن تكتسب المزايا (أي أن يمتلكها الموظف). كما أن إدارة خطط المزايا المحدّدة مكلفة لأصحاب العمل. وكثير من الشركات تتحوّل إلى خطط الاشتراكات المحدّدة، وتعرض كل الشركات الجديدة تقريباً خطط اشتراكات محدّدة. وبموجب هذه الخطط، يقدّم الموظفون، وأحياناً أصحاب العمل، اشتراكات محدّدة إلى حساب محمي من الضرائب باسم الموظف. وتتوقّف المعاشات التي يتلقّاها الموظفون عند التقاعد على القرارات التي يتخذونها بشأن مقدار الادّخار وكيفية الاستثمار.
لخطط الاشتراكات المحدّدة، مثل 401(k) في الولايات المتحدة العديد من المزايا للعمال الحديثين. فالخطط قابلة للنقل تماماً، لذا فإن الموظف حرّ في الانتقال من وظيفة إلى أخرى. والخطط مرنة أيضاً، ما يمنح الموظفين الفرصة لتعديل مدّخراتهم وقرارات الاستثمار بما يعكس وضعهم المالي وأذواقهم. غير أن خطط الاشتراكات المحدّدة غير متسامحة كثيراً. فعلى الموظفين التعامل مع الانضمام، ومعرفة مقدار الادّخار، وإدارة محفظتهم على مرّ عدد من السنين، ثم اتخاذ قرار بشأن ما يفعلونه بالعوائد عندما يتقاعدون في النهاية. ويمكن أن يجد الناس العملية بأكملها مخيفة ويبدو أن الكثيرين لا يحسنون أداء المهمّة.
هل يدّخر الناس ما يكفي؟
السؤال الرئيسي بطبيعة الحال هو هل يدّخر الناس ما يكفي من النقود؟ وقد تبيّن أن هذا السؤال معقّد ومثير للخلاف. فعلماء الاقتصاد لا يتّفقون على مقدار الادّخار الملائم، لأنهم لا يتّفقون على المستوى الملائم للدخل بعد التقاعد. ويرى بعض علماء الاقتصاد أنه يجب أن يتطلّع الناس إلى الحصول على دخل تقاعدي يساوي على الأقل الدخل الذي كانوا يجنونه في أثناء عملهم، لأن سنوات التقاعد تتيح فرصة القيام بأنشطة مكلفة كالسفر. وعلى المتقاعدين أن يهتمّوا أيضاً بتكاليف الرعاية الصحية المتنامية. ويزعم آخرون أن المتقاعدين يمكنهم استخدام معظم وقتهم متبعين نمط حياة اقتصادي: توفير النقود التي كانت تنفق ذات يوم على ملابس العمل، وإيلاء الوقت للتسوّق بعناية وإعداد الوجبات في البيت، والاستفادة من الحسومات المخصّصة للمسنّين.
لن نتخذ موقفاً قوياً من هذا النقاش، لكننا سننظر في بعض النقاط. ويبدو من الواضح أن تكاليف قلّة المدّخرات أكبر من تكاليف فرط الادّخار. وثمة عدد من الطرق للتعامل مع فرط الادّخار - من التقاعد في وقت أبكر من المتوقّع، إلى ممارسة الغولف، إلى السفر إلى أوروبا، إلى تدليل الأحفاد. بيد أن التعامل في الاتجاه المعاكس أقل مدعاة للسرور. ثانياً، يمكننا القول بثقة كبيرة إن بعض الأشخاص في مجتمعنا يدّخرون القليل حتماً - وتحديداً الموظفين الذي لا يشتركون البتة في خطة تقاعدهم، أو يدّخرون نسبة مئوية منخفضة من دخلهم بعد بلوغهم الأربعينيات (أو أكثر). وهؤلاء الأشخاص يمكنهم الاستفادة من التنبيه.
يقول كثير من الموظفين أن عليهم أن يدّخروا المزيد. ففي إحدى الدراسات، قال 68 في المئة من المشتركين في خطة التقاعد 401(k) إن معدّل مدخّراتهم "منخفض جداً"، وقال 31 في المئة إن معدّل مدّخراتهم "ملائم إلى حدّ ما"، ولم يقل إلا 1 في المئة إن معدّل مدّخراتهم "مرتفع جداً". ويميل علماء الاقتصاد إلى الاستخفاف بمثل هذه البيانات، ويرجع ذلك جزئياً إلى سبب وجيه. من السهل القول إنه "يتوجّب" عليك فعل كثير من الأشياء الجيدة - الحمية، والتمرين، وقضاء مزيد من الوقت مع أبنائك - لكن أفعال الناس ربما تكون أبلغ من كلماتهم. فقليل من المشتركين الذين يقولون إن عليهم أن يدّخروا المزيد يقومون بتغيير سلوكهم في النهاية. ومثل هذه البيانات لا معنى لها أو عشوائية. فكثير من الأشخاص يعلنون عن عزمهم التخفيف من الأكل وزيادة التمرين في السنة المقبلة، لكن القليل يقولون إنهم يأملون في تدخين المزيد في السنة المقبلة أو مشاهدة المزيد من برامج كوميديا الموقف (الست كوم) المعادة. ونحن نفسّر الإعلان "علي أن أدّخر المزيد (أو أتمرّن أو أتبع حمية)" بأنه يعني أن الناس منفتحون على استراتيجيات يمكن أن تساعدهم في تحقيق هذه الأهداف. بعبارة أخرى، إنهم منفتحون على التنبيه. وربما يكونون شاكرين لذلك.
قرارات الالتحاق: تنبيه الناس للانضمام
الخطوة الأولى للاشتراك في خطة محدّدة، مثل 401(k)، هي الالتحاق بها. ويجد معظم العمّال أن الانضمام إلى الخطة جذّاب. فالاشتراكات تقتطع من الضريبة، والضرائب على النقود المتراكمة مؤجّلة، وفي العديد من الخطط يسهم صاحب العمل بما يقابل جزءاً من اشتراكات الموظف. على سبيل المثال، من الخطط الشائعة أن يقدّم صاحب العمل 50 في المئة من اشتراكات الموظف وصولاً إلى عتبة معيّنة، مثل 6 في المئة من الراتب.
هذا الإسهام المقابل نقود مجانية في الواقع. والاستفادة التامة من المساهمة المقابلة يجب ألا تتطلّب تفكيراً كبيراً لجميع الأسر باستثناء الأسر الأكثر تبرّماً أو افتقاراً للنقود. مع ذلك، فإن معدّلات الالتحاق بمثل هذه الخطط بعيدة جداً عن 100 في المئة. فما يقرب من 30 في المئة من الموظفين المؤهّلين للانضمام إلى خطة 401(k) لا يلتحقون بها.77 ويقل احتمال انضمام الموظفين الشبّان، الأقل تعليماً، والأدنى دخلاً في العادة، لكن بعض العمال ذوي الأجور المرتفعة لا يلتحقون أحياناً، كما يوضح مثال طوني سنو.
لا شكّ في أن هناك أوضاعاً، لا سيما للعمال الشبّان ذوي الاحتياجات المالية الأخرى، قد يكون من الحكمة فيها عدمن الانضمام حتى عندما يقدّم صاحب العمل مساهمة مقابلة. لكن عدم الانضمام خطيئة في العديد من الحالات. ويأتي أحد الأمثلة المتطرّفة من المملكة المتحدة، حيث توجد بعض الخطط ذات المزايا المحددة التي لا تتطلّب أي اشتراكات من الموظفين ويدفعها صاحب العمل كاملة. لكنها تتطلّب من الموظفين الالتحاق بالخطة. وقد كشفت البيانات المتعلّقة بخمس وعشرين خطة مماثلة أن نحو نصف الموظفين المؤهّلين (51 في المئة) وقّعوا على الالتحاق بالخطة!78 ويماثل ذلك عدم الاهتمام بصرف شيك راتبك.
بعض العمال الأميركيين المتقدّمين في السنّ يرفضون "النقود المجانية" أيضاً. فللحصول على خيار النقود المجانية، على العامل أن يفي بثلاثة مؤهّلات: يجب أن يزيد عمره على 59.5 سنة، بحيث لا يتعرّض لعقوبة ضريبية عندما يسحب الأموال من حساب تقاعده؛ وعلى شركته أن تقدّم اشتراكاً مقابلاً (أي أن تقدّم الشركة شيئاً إذا قدّم الموظف اشتراكاً)؛ وأن يسمح صاحب العمل للموظفين بالسحب من حسابات تقاعدهم بينما لا يزالون يعملون. يشكّل الانضمام إلى الخطة لمثل هؤلاء الموظفين فرصة للربح المضمون، إذ يستطيعون الالتحاق، ثم سحب اشتراكاتهم على الفور دون أي جزاء، ومع ذلك يحافظون على اشتراك صاحب العمل المقابل. غير أن دراسة بيّنت أن نحو 40 في المئة من العمال المؤهّلين لا ينضمّون إلى الخطة على الإطلاق، أو لا يدّخرون ما يكفي للحصول على الاشتراك المقابل الكامل.79
هذه الأمثلة المتطرّفة ما هي إلا أوضح الحالات التي يكون فيها عدم الانضمام إلى خطة ما حماقة دون شك. وفي كثير من الحالات الأخرى، يستغرق العمال أشهراً أو سنوات للانضمام إلى الخطة، ومن الافتراضات العقلانية أن معظم هؤلاء العمال يسوّفون بدلاً من اتخاذ قرار معلّل باستخدام نقودهم استخداماً أفضل. كيف يمكننا تنبيه هؤلاء الأشخاص للانضمام بمزيد من السرعة؟80
جعل الادّخار تلقائياً
الإجابة الواضحة هي تغيير القاعدة الافتراضية. فالخيار الافتراضي في الموقف الحالي هو عدم الالتحاق، إذ عليك القيام بقليل من العمل للالتحاق بخطة للتقاعد. فعندما يصبح العمال مؤهّلين للانضمام (فور التوظيف أحياناً)، يتلقّون استمارة لملئها عادة. وعلى الموظفين الراغبين في الانضمام اتخاذ قرار بشأن المبلغ الذي يضعونه جانباً، وكيف يخصّصون استثماراتهم بين الصناديق الي تعرضها الخطة. وقد تسبّب الاستمارات صداعاً، لذا يضعها العديد من الموظفين جانباً.
ثمة بديل هو اعتماد الالتحاق التلقائي. وإليكم كيف يعمل. عندما يصبح الموظف مؤهّلاً، يتسلّم استمارة تشير إلى أنه سيلحق بالخطة (بمعدّل ادّخار محدّد وتخصيص محدّد للأصول)، ما لم يملأ الاستمارة طالباً عدم الالتحاق. وقد أثبت الالتحاق التلقائي أنه طريقة فعّالة جداً لزيادة الالتحاق في خطط المزايا المحدّدة في الولايات المتحدة.81
في إحدى الخطط التي دُرست في بحث مبكّر أجرته في سنة 2001 بريجيت مادريان (Brigitte Madrian) ودنيس شي (Dennis Shea)، لم تكد معدّلات المشاركة بموجب نهج اختيار الالتحاق تصل إلى 20 في المئة بعد ثلاثة أشهر من الوظيفة، مع الارتفاع تدريجياً إلى 65 في المئة بعد ستة وثلاثين شهراً. لكن عندما اعتُمد الالتحاق التلقائي، قفز التحاق الموظفين الجدد إلى 90 في المئة على الفور وارتفع إلى أكثر من 98 في المئة خلال ستة وثلاثين شهراً. وهكذا فإن للالتحاق التلقائي أثرين: ينضمّ المشاركون مبكّراً، وينضمّ مزيد من المشاركين في نهاية المطاف.
هل يتغلّب الالتحاق التلقائي على خمول العمال ويساعدهم في اعتماد الخيار الذي يفضّلونه بالفعل؟ أو هل يغري الالتحاق التلقائي العمال إلى حدّ ما بالادّخار بينما يفضّلون الإنفاق؟ من الأدلّة البليغة أن قلّة قليلة جداً من الموظفين تتخلّى عن الخطة بعد الالتحاق بموجب الالتحاق التلقائي. وفي دراسة لأربع شركات اعتمدت الالتحاق التلقائي، كانت نسبة المشاركين في خطة 401(k) الذين تخلّوا عنها أعلى بنسبة 0.3 إلى 0.6 في المئة فقط مما كانت عليه قبل إدخال الالتحاق التلقائي.82 وعلى الرغم من أن انخفاض معدّل ترك الخطة، يعود جزئياً إلى الخمول، فإن قلة عدد التاركين توحي بأن العمال لا يكتشفون فجأة أنهم يدّخرون أكثر مما يريدون.
الاختيار القسري والمزيد من البساطة
من بدائل الالتحاق التلقائي الطلب من كل موظف اتخاذ قرار فاعل بشأن الانضمام إلى الخطة. فإذا كان العامل مؤهّلاً عندما استخدم لأول مرة، فربما يطلب منه التدقيق في خانة "نعم" أو "لا" للاشتراك من أجل الحصول على أجر. وبطلب الاختيار على الفور، يتعيّن على الموظفين تحديد تفضيلاتهم ولا يتوافر هناك خيار افتراضي. ومقارنة بنهج اختيار الانضمام المعتاد (لا تكون ملتحقاً ما لم تقرّر تعبئة الاستمارات)، ينبغي أن يؤدّي الاختيار المطلوب إلى رفع معدّلات الاشتراك. وقد انتقلت إحدى الشركات من نظام اختيار الالتحاق إلى القرارات الفاعلة وتبيّن أن معدّلات الاشتراك ارتفعت نحو 25 في المئة.83
ثمة استراتيجية ذات صلة هي تبسيط عملية الالتحاق. وقد اختبرت إحدى الدراسات هذه الفكرة بتحليل استمارة التحاق مبسّطة.84 فوزّع على الموظفين الجدد بطاقات التحاق في أثناء التوجيه التعريفي تحتوي على خانة "نعم" للانضمام إلى الخطة بمعدّل ادّخار يبلغ 2 في المئة وتخصيص مسبق الاختيار للأصول. لم يكن على الموظفين قضاء وقت لاختيار معدّل المدّخرات وتخصيص الأصول، وإنما تدقيق خانة "نعم" للاشتراك. ونتيجة لذلك، قفزت معدّلات الاشتراك في الأشهر الأربعة الأولى للتوظيف من 9 في المئة إلى 34 في المئة. وتنسجم إجراءات الالتحاق المبسّطة كثيراً "عوامل التوجيه" التي ذكرناها في الفصل الثالث. فالناس يريدون الالتحاق بالخطة، وإذا أتحت لهم قناة يسلكونها تزيل العوائق الصغيرة الظاهرية التي تعترض طريقهم، فإن النتائج قد تكون مذهلة.
في حين أن الالتحاق التلقائي أو الالتحاق "السريع" يجعل عملية الالتحاق بخطة التقاعد أقل رهبة، فإن توسيع عدد الصناديق المتاحة للمشاركين قد يكون ذا اثر معاكس. وقد بيّنت إحدى الدراسات أنه كلما زادت الخيارات في الخطة، انخفضت معدّلات الاشتراك.85 ويجب ألا تكون هذه النتيجة مفاجئة. مع تزايد الخيارات، تصبح العملية أكثر إرباكاً، ويرفض بعض الأشخاص الاختيار أصلاً.
اختيار معدّلات الاشتراك
تعتمد برامج الالتحاق التلقائي وخطط الاختيار القسري معدّل مدّخرات افتراضي منخفض عادة بين 2 و3 في المئة، وخيار استثمار متحفّظ جداً، مثل حساب سوق النقد. وتبيّن أن العديد من الموظفين يستمرّون في الادّخار بالمعدّل الافتراضي البالغ 2 في المئة. وهذا المعدّل منخفض جداً عادة لا يوفّر ما يكفي من النقود عند التقاعد. ويظل العديد من الموظفين أيضاً في صندوق الاستثمار الافتراضي، ويمكن أن يفقدوا نقودهم نتيجة لذلك. وسنعود إلى استراتيجيات الاستثمار في الفصل التالي. لكننا سننظر هنا في كيفية المساعدة بتنبيه الأشخاص الذين يدّخرون القليل.
من المؤشّرات على أن الناس بحاجة إلى مساعدة في اختيار معدّل الادّخار ولا يدركون أنهم بحاجة إلى مساعدة أن معظم الأشخاص يمضون وقتاً قليلاً جداً في اتخاذ هذا القرار المالي المهمّ. وكشفت إحدى الدراسات المسحية أن 58 في المئة يمضون أقل من ساعة واحدة لتحديد معدّل الاشتراك واتخاذ قرارات الاستثمار.86 ويمضي معظم الناس وقتاً أطول من ذلك لاختيار مضرب جديد للتنس أو جهاز تلفزة جديد. ويبدو أن العديد من الأشخاص يستخدمون طرقاً مختصرة بسيطة. وفي العديد من الخطط، يطلب من المشاركين ذكر معدّل الادّخار المطلوب بوصفه نسبة مئوية من الأجر. ويختار كثير من الأشخاص "أرقاماً مدوّرة"، تساوي عادة 5 أو 10 أو 15 في المئة من دخلهم. وليس هناك بطبيعة الحال أي سبب وجيه يدعو لأن تكون النسبة المئوية من دخلك الذي تريد توفيره مضاعفاً مضبوطاً للعدد 5.
من القواعد العامة الأخرى الاشتراك في حساب تقاعدي بالحدّ الأدنى المطلوب للحصول على المشاركة الكاملة لصاحب العمل. وإذا قابل صاحب العمل اشتراكات الموظف وصولاً إلى 6 في المئة من أجره، عندئذٍ يشارك العديد من الموظفين بنسبة 6 في المئة. إذا تصرّف المشتركون كذلك، فإن الشركات التي تريد تشجيع الموظفين على الادّخار ربما تغيّر صيغة اشتراكها المقابل لمساعدة العاملين. فتغيير صيغة الاشتراك المقابل من 50 في المئة على أول 6 في المئة من الأجر إلى 30 في المئة على أول 10 في المئة من الأجر ربما يرفع معدّلات الاشتراك. وتشير القاعدة العامة إلى أن من يستخدمون عتبة الاشتراك المقابل سيدّخرون المزيد بارتفاع عتبة الاشتراك المقابل. وباختيار رقم مدوّر بمثابة عتبة، تنبّه الشركات من يستخدمون استدلال "مضاعفات 5".

التعليم
ماذا يستطيع أصحاب العمل أن يفعلوا أيضاً إذا أرادوا أن يلتحق عدد أكبر من الموظفين بخطط التقاعد، والمساهمة بمبلغ يبني ادّخاراً معقولاً للتقاعد، وتخصيص الأموال بين الأصول تخصيصاً متنوّعاً ملائماً؟ التعليم هو الإجابة الواضحة، وقد حاول العديد من أصحاب العمل تعليم موظفيهم على اتخاذ قرارات أفضل. لكن الأدلة لا توحي للأسف بأن التعليم بحدّ ذاته حل ملائم.
بعد أن عرض صاحب عمل كبير على موظفيه فرصة الانتقال من خطة المزايا المحدّدة إلى خطة اشتراكات محدّدة، قدّم لهم برنامج تعليم مالي مجاناً.87 وقاس صاحب العمل فعالية هذا التعليم بإجراء اختبار سابق للمعرفة المالية ولاحق. واستخدم الاختبار صيغة أسئلة الخطأ والصواب، لذا تحصل الإجابة العشوائية على نتيجة 50 في المئة بالمتوسّط. قبل التعليم، بلغت النتيجة 54 في المتوسّط، وبعد التعليم ارتفعت النتيجة المتوسّطة إلى 55 في المئة. التعليم صعب!
وغالباً ما يترك الموظفون المحاضرات التعليمية متحمّسين بشأن ادّخار المزيد لكنهم لا يتابعون ذلك في خططهم. وقد كشفت إحدى الدراسات أن الجميع في إحدى المحاضرات عبّروا عن اهتمامهم بادّخار المزيد، لكن 14 في المئة فقط انضمّوا بالفعل إلى خطة الادّخار. ويشكّل ذلك تحسّناً، لكن ليس كبيراً، مقارنة بنسبة 7 في المئة للموظفين الذين لم يحضروا المحاضرة وانضمّوا إلى خطّة الادّخار.88 وكشفت دراسة تأثيرات الحضور في "معرض الفوائد" عن تأثير صغير فقط على المشاركة في حساب ادّخار مؤجّل الضرائب.89
ادّخار المزيد في الغد
على الرغم من أن الالتحاق التلقائي فعّال في حمل العمال الجدد والشبّان على الالتحاق في وقت أبكر مما يفعلون بخلاف ذلك، فإن المشاركين يميلون إلى التمسّك بمعدّل الاشتراك الافتراضي، وهو منخفض جداً عادة. لتخفيف هذه المشكلة، دعونا ننظر في برنامج للتصاعد التلقائي للاشتراكات، وضعه ثالر ومعاونه المعتاد شلومو بينارتزي (Shlomo Benartzi)، يدعى ادّخار المزيد في الغد.
ادّخار المزيد في الغد نظام لتصميم الخيارات وضع بالاستناد الوثيق إلى خمسة مبادئ نفسية يقوم عليها السلوك الإنساني:
? يقول العديد من المشتركين إنهم يعتقدون أن عليهم ادّخار المزيد، ويعتزمون ادّخار المزيد، لكنهم لا يتابعون ذلك.
? من السهل اعتماد قيود ضبط النفس إذا حدث ذلك في وقت ما في المستقبل. (كثير منا سيبدؤون حمية عما قريب، لكن ليس اليوم.)
? النفور من الخسارة: يكره الناس انخفاض شيكات أجورهم.
? وهم النقود: تستشعر الخسائر بالدولارات الاسمية (أي لا تعدّل مقابل التضخّم، لذا فإن الدولار في سنة 1995 يعدّ مساوياً للدولار في سنة 2005).
? يؤدّي الخمول دوراً قوياً.
ادّخار المزيد للغد يدعو المشتركين إلى إلزام أنفسهم مسبقاً بسلسلة من الزيادات في الاشتراكات تحدّد أوقاتها بالتزامن مع ارتفاع الأجور. وعن طريق المزامنة بين ارتفاع الأجر وزيادة المدّخرات، لا يجد المشاركون أن المبالغ التي يحملونها معهم إلى البيت قد تراجعت، ولا يعدّون زيادة اشتراكاتهم التقاعدية خسارة. وعندما ينضم أحد إلى البرنامج، تزداد المدّخرات تلقائياً، باستخدام الخمول لزيادة المدّخرات بدلاً من الحؤول دون الادّخار. وعندما يجتمع ذلك مع الالتحاق التلقائي، يمكن أن يحقّق هذا التصميم معدّلات مشاركة مرتفعة ومعدّلات ادّخار مرتفعة.
جرى تنفيذ برنامج ادّخار المزيد في الغد لأول مرة في سنة 1998، في شركة متوسّطة الحجم. وقد منح الموظفون فرصة اجتماع وجهاً لوجه مع مستشار مالي. وكان لدى المستشار حاسوب محمول فيه برمجية لحساب معدّلات الادّخار المقترحة بناء على المعلومات ذات الصلة التي يقدّمها كل موظف (مثل الادّخارات السابقة وخطة تقاعد الزوج). وافق نحو 90 في المئة من الموظفين على عرض الاجتماع بالمستشار المالي. وتفاجأ العديد منهم عندما سمعوا بذلك. وبما أن معظم الموظفين كانوا يدّخرون بمعدّلات منخفضة جداً، فقد أبلغ المستشار كل الموظفين تقريباً بأن عليهم ادّخار المزيد. وغالباً ما اقترحت البرمجية معدّل ادّخار يساوي المعدّل الأقصى المسموح به في الخطة، 15 في المئة من الراتب. لكن سرعان ما أدرك المستشار بأن هذه الاقتراحات ترفض على الفور لعدم قابلية تطبيقها، لذا اقترح على العموم زيادة معدّل الادّخار بمقدار 5 في المئة من الراتب.
وافق نحو 25 في المئة من الموظفين على هذه النصيحة وزادوا معدّلات ادّخارهم بنسبة الخمسة في المئة المقترحة. وقال الباقون إنهم لا يحتملون الاقتطاع من الراتب، فعُرض على هؤلاء المدّخرين المتردّدين برنامج ادّخار المزيد في الغد. وعُرض عليهم تحديداً خطة ترتفع فيها معدّلات ادّخارهم 3 في المئة كلما حصلوا على زيادة في الراتب. (تبلغ زيادة الرواتب النموذجية 3.25 إلى 3.50 في المئة.) انضمّ إلى البرنامج نحو 78 في المئة من هذه الفئة من الموظفين غير الراغبين في زيادة معدّلات ادّخارهم على الفور من أجل زيادة اشتراكاتهم مع كل ارتفاع في الأجور.
تقدّم النتائج إثباتاً واضحاً للقدرة الكامنة لتصميم الخيارات. قارنوا سلوك ثلاث فئات من الموظفين. الأولى تتكوّن ممن اختاروا عدم الاجتماع مع المستشار. وكانت هذه الفئة تدّخر 6 في المئة من دخلها عندما بدأ البرنامج، ولم تتغيّر تلك النسبة في السنوات الثلاث التالية. وتضمّ الفئة الثانية الموظفين الذي وافقوا على نصيحة رفع معدّلات ادّخارهم بمقدار 5 في المئة. فارتفع متوسّط مدّخراتهم من أكثر من 4 في المئة بقليل إلى أكثر من 9 في المئة بعد حدوث الزيادة الأولى. واستمرّ هذا المعدّل ثابتاً في السنوات القليلة التالية. وتضمّ الفئة الثالثة من انضمّ إلى برنامج ادّخار المزيد في الغد. بدأت تلك الفئة بأدنى معدّل ادّخار بين الفئات الثلاث، نحو 3.5 في المئة من الدخل. لكن بموجب البرنامج، ارتفعت معدّلات ادّخارهم بثبات، وبعد ثلاث سنوات ونصف وأربع زيادات في الأجر، تضاعفت مدّخراتهم أربع مرات تقريباً فبلغت 13.6 في المئة - أعلى بكثير من معدّل ادّخار 9 في المئة للذين قبلوا توصية المستشار الأولية برفع المدّخرات 5 في المئة.
ظلّ معظم من التحقوا ببرنامج ادّخار المزيد في الغد عالقين فيه على مدى أربع زيادات في الأجور، وبعد ذلك توقّفت زيادة معدّل الادّخار لأن الموظفين بلغوا الحدّ الأقصى لمسموح لهم بادّخاره بموجب الخطة. أما الموظفون القلائل الذين تركوا البرنامج فإنهم لم يطلبوا خفض معدّلات ادّخارهم إلى المستويات المنخفضة السابقة. وبدلاً من ذلك توقّفوا عن زيادة معدّلات اشتراكاتهم.
في السنوات التي تلت تنفيذ هذا البرنامج التجريبـي، اعتمد العديد من إداريي خطط التقاعد فكرة ادّخار المزيد في الغد، بما في ذلك فانغارد، وت. رو برايس، وفيدلتي، وهويت أسوشيتس. واليوم يتوافر ادّخار المزيد في الغد في آلاف خطط أصحاب العمل. وأفاد المجلس الأميركي لتشارك الأرباح بأن 39 في المئة من كبار أصحاب العمل في الولايات المتحدة اعتمدوا اعتباراً من سنة 2007 نوعاً من أنواع خطة التصاعد التلقائي. ومع تنفيذ الخطة بطرق مختلفة، تعلّمنا المزيد عما يجعل البرنامج ناجحاً.
في التنفيذ الأول، كما شهدنا، زادت المشاركة على 80 في المئة، لكن ذلك حدث ذلك في بيئة توجّهت لكل موظف على حدة عن طريق مستشار مالي، وتمكّن المستشار من تعبئة الاستمارات ذات الصلة على الفور. بالمقابل، كانت معدّلات المشاركة صغيرة في بعض الحالات التي يتعيّن فيها على الموظفين البحث عن مكان غامض في موقع إلكتروني للخدمات المالية من أجل تسجيل الدخول. ويجب ألا تكون النتيجة الرئيسية التي توصّلنا إليها مفاجئة لكل من قرأ حتى هذه الصفحة في الكتاب: ترتفع معدّلات المشاركة عندما يكون الالتحاق سهلاً. ويفيد إجراء محاضرة لشرح الخطة، كما إن وجود الاستمارات هناك لتعبئتها يفيد أكثر. (هل ذكرنا عوامل التوجيه؟)
إن أكثر الطرق فعالية لزيادة الالتحاق في خطة ادّخار المزيد في الغد هي جمعه مع الالتحاق التلقائي. وكانت مجموعة سيفليت أول من نفّذ الالتحاق التلقائي في خطة ادّخار المزيد في الغد. وقد أدخل البرنامج للموظفين في سنة 2003. لم يتخذ 93 في المئة من الموظفين أي إجراء وبالتالي التحقوا بالبرنامج تلقائياً. وفي السنة التي تلت تنفيذ البرنامج، اختار 6 في المئة فقط الخروج منه. وسيجد من استمر في البرنامج أموالاً أكثر بكثير عند تقاعدهم.
مؤخّراً أدخلت شركة فانغارد ثلاث عشر خطة للالتحاق ببرنامج ادّخار المزيد في الغد90 وتشمل هذه البرامج المستخدمين الجدد، وهي معدّة عادة بمعدّل تأجيل يبلغ نحو 3 في المئة من الراتب وزيادة سنوية بنسبة 1 في المئة من الأجر. في الأشهر الاثني عشر السابقة لتنفيذ الالتحاق التلقائي، اختار 23 في المئة فقط من الموظفين المشاركة في برنامج ادّخار المزيد في الغد. وفي الاشهر الاثني عشر التي تلت الالتحاق التلقائي، شارك 78 من المدّخرين في البرنامج. ويوضح التغيّر الكبير في المشاركة قوة الخمول - والدور الحاسم لتصميم الخيارات في الادّخارات.
دور الحكومة
اقتصرت المبادرات التي ناقشناها حتى الآن على القطاع الخاص بأكملها. فقد جرّبت الشركات الالتحاق التلقائي من دون أي تنبيه من الحكومة. والدور الأساسي الذي يجب أن تقوم به الحكومة هو التنحّي جانباً بخفض العوائق أمام اعتماد هذه البرامج. وقد فعلت الحكومة الاتحادية ذلك بالضبط إلى حدّ كبير. فابتداء من يونيو 1998، وجّه مارك إيوري (Mark Iwry)، وكان في ذلك الوقت مسؤولاً في وزارة الخزانة عن سياسة معاشات التقاعد الوطنية، مكتب ضريبة الدخل الأميركي بإصدار سلسلة من الإحكام (والإعلانات الرسمية) التي تحدّد استخدام الالتحاق التلقائي في خطة التقاعد 401(k) وسواها من خطط ادّخارات التقاعد الأخرى، وتقرّها وتعزّزها.
وفي صيف سنة 2006 أقرّ الكونغرس قانون حماية معاشات التقاعد، بدعم حماسي من الحزبين. وتفاصيل ذلك معقّدة ومملّة، لذا سنضعها في حاشية في أخرى الكتاب ونشير ببساطة إلى أن القانون يمنح أصحاب العمل حافزاً بتسديد اشتراك مقابل لاشتراكات الموظفين، وإلحاقهم تلقائياً في الخطة، وزيادة معدلات اشتراكاتهم تلقائياً بمرور الوقت.91 والحافز هو إعفاء صاحب العمل من قانون مزعج. وعلى الرغم من أن في وسع الأشخاص العاقلين الاعتراض على الأحكام الخاصة لمشروع القانون (وهو يمثّل النوع المعتاد من التسويات السياسية)، فإننا نعتقد أنه مثال ممتاز على التنبيه. ليس على اصحاب العمل تغيير خططهم، لكن إذا فعلوا ذلك، فإنهم يحصلون على مكافأة توفّر في الواقع أموال دافعي الضرائب (إذ لا يتعيّن على أحد قراءة الاستمارة التي لم تعد هناك حاجة إلى تعبئتها أو التدقيق فيها).
لا يعني ذلك إنكار أن الحكومة يمكن أن ترتكب خطأ شنيعاً. لنأخذ حالة في صلب الموضوع وهي إدارة الضمان الاجتماعي. فكما ذكرنا سابقاً، الاشتراك في الضمان الاجتماعي عمل يستطيع أكثر البشريين جهلاً القيام به لأن هناك قراراً واحداً يتخذ فقط: متى تبدأ المطالبة بالمزايا. (إن قرار متى تبدأ بتلقي المزايا مستقلّ عن متى تترك العمل. إذ يستطيع المرء بدء تحصيل المزايا في أثناء العمل كما يستطيع المرء التوقّف عن العمل وتأخير التحصيل.) وعلى العموم يستحقّ العامل البدء بالمطالبة بالمزايا عندما يصل إلى سنّ الثانية والستين. لكنه يستطيع تأخير البدء إلى سنّ السبعين. وكلما طال انتظار البدء بتسلّم النقود، تعاظمت قيمة شيكات المعاشات. غير أن اتخاذ قرار بشأن متى تبدأ بتلقّي الأموال مسألة صعبة، حتى على عالم اقتصاد. ومن العوامل التي يجب أن تدخل في الحساب:
? ما مدّة العمر المتوقّع
? السنّ، والصحة، وسجل العمل، وتوقّعات تقاعد زوجك.
? ما مقدار النقود التي تعتزم جنيها في المستقبل القريب. (إذا كنت تجني النقود، فإن مزايا الضمان الاجتماعي تخضع لضرائب مرتفعة.)
? انعدام الصبر. كلما زاد توقك إلى الحصول على النقود (كلما ارتفع "معدّل الخصم" لديك بلغة الاقتصاديين)، تحتّم عليك أن تبدأ باكراً.
ترسل إدارة الضمان الاجتماعي لكل عامل أميركي بياناً سنوياً يقدّر مقدار ما يمكن أن يحصل عليه إذا تقاعد في أعمار مختلفة. لكن للمساعدة في اتخاذ قرار بشأن متى تبدأ في تلقّي المزايا، يحال المشتركون إلى الموقع الإلكتروني لإدارة الضمان الاجتماعي للمساعدة.
وهناك نكتشف أن الأداة الوحيدة لمساعدتك هي ما يسمّى حاسبة سن التعادل (Break-Even Age).92 وتلك أداة تهدف إلى مساعدتك في تقرير إذا كنت ستبدأ التحصيل في سنّ الثانية والستين أو الانتظار حتى السادسة والستين مثلاً. ربما يفترض المرء أن هذه الحاسبة تتيح لك إدخال بعض المعلومات عن العوامل الأربعة المذكورة أعلاه والتي تؤثّر في هذا الاختيار. لكن كل ما تقوم به الحاسبة هو إبلاغك، بالنظر إلى تاريخي البدء المحتملين لتلقّي النقود، كم عدد السنوات التي يجب أن تعيشها لبلوغ نقطة التعادل.93 ولا تأخذ الحاسبة الفوائد، أو الضرائب، أو الأزواج، أو أي شيء آخر في الحسبان. ربما يتعيّن على إدارة الضمان الاجتماعي أن تمنح كل مسنّ معداداً.94
لو كان يوجد مصمّم خيارات في إدارة الضمان الاجتماعي، لكان بإمكانه أن يؤدّي عملاً أفضل من ذلك دون ريب. فمن الممكن طرح سلسلة من الأسئلة لمعرفة العوامل المهمة الأربعة (على سبيل المثال: هل أنت في صحة جيدة؟ هل تعتزم الاستمرار في العمل؟ إذا كان كذلك، كم ستجني؟ في أي سنّ توفّيت زوجتك؟ ما عمر زوجتك؟ هل تعمل؟) وبعد ذلك يمكن تقديم بعض النصائح المعقولة - وربما خيار افتراضي أيضاً. (ملاحظة لشركات الخدمات المالية: طوّروا مثل هذه الحاسبة وضعوها على موقعكم الإلكتروني.)
الادّخار للتقاعد أمر يجده البشريون صعباً. فعليهم حل مسألة رياضية صعبة لمعرفة كم ينبغي لهم أن يدّخروا، وبعد ذلك عليهم أن يُظهروا كثيراً من قوة الإرادة لمدة طويلة لتنفيذ هذه الخطة. ولذلك فإنه مجال مثالي للتنبيه. فعلينا أن نبذل جهداً أكبر لمساعدة الناس في القيام بالعمل الصحيح حيث يتعيّن عليهم أن يتخذوا قراراً واحداً فقط في العمر.





7 الاستثمار الساذج95

استعرضنا القسم الأول من الادّخار للتقاعد: الالتحاق بخطة واتخاذ قرار بشأن مقدار ما تدّخر. وننتقل الآن إلى القسم الثاني الشديد الأهمية: كيف تستثمر نقودك.
نعيد القول إن الانتقال من خطط المزايا المحدّدة إلى خطط الاشتراك المحدّد منح الموظفين مزيداً من السيطرة، ومزيداً من الخيارات، ومزيداً من المسؤولية. وعلى الرغم من أن حلّ مسألة مقدار ما تدّخره صعب، فإن اختيار المحفظة الملائمة أكثر صعوبة. وفي محاولة لجعل ما نقوله بشأنها مفهوماً، فإننا سنبسّط المشاكل الفعلية التي يواجهها الناس. وما عليك إلا أن تثق بما نقوله من أن الأمور أصعب في الواقع مما نعلن عنه.
السؤال الأول الذي يواجهه المستثمرون هو: ما مقدار المخاطرة التي تريد القيام بها؟ تنصّ القاعدة العامة على أن الاستثمارات الأكثر خطورة مثل الأسهم تحقّق معدّلات عوائد أعلى مما تحقّقه الاستثمارات الأكثر أماناً مثل السندات الحكومية أو حسابات أسواق النقود. ويسمّى اختيار المزيج الملائم من الأسهم والسندات (وربما أصول أخرى مثل العقارات) قرار تخصيص الأصول. إذا كان المستثمر راغباً في تخصيص مزيد من نقوده للأصول الخطيرة، فإنه يجني عادة مزيداً من النقود، لكن تزايد المخاطر يعني بطبيعة الحال المخاطرة بأن تكون العائدات أدنى في الواقع. ويرتبط قرار مقدار ما تدّخره بطرق معقّدة بالرغبة في تحمّل المخاطر. ويجدر بمن يصرّ على استثمار كل شيء في حساب سوق نقد آمن يحقّق معدّل فائدة متواضع أن يدّخر كثيراً إذا أراد أن يكون لديه ما يكفي للحصول على تقاعد مريح.
لنفترض أن المستثمر اختار استثمار 70 في المئة من نقوده في الأسهم و30 في المئة في السندات. لا يزال هذا الخيار يترك عدة أسئلة محدّدة مفتوحة بشأن كيفية استثمار النقود. وفي حسابات التقاعد، لا يختار معظم المستثمرين الأسهم اختياراً فردياً وإنما يستثمرون في صناديق استثمارية مشتركة. وتختلف الصناديق نفسها في مقدار خطورتها، وكم تتقاضى رسوماً مقابل خدماتها. بعض الصناديق متخصّصة (لا تستثمر إلا في شركات في صناعة معيّنة أو بلد معيّن، على سبيل المثال) في حين تستثمر صناديق أخرى استثماراً أكثر اتساعاً. وهناك أيضاً صناديق مصمّمة لتقديم الخدمات في محطة واحدة، فتمزج الأسهم والسندات معاً. فهل يشكّل المستثمرون مزيجهم الخاص أو يختارون صندوقاً ممتزجاً لأنفسهم؟ ومما يزيد من تعقيد المزيج أن بعض الشركات تمنح الموظفين الفرصة للاستثمار في أسهم الشركة نفسها. فهل يجب على الموظفين امتلاك أسهم في الشركة التي يعملون لها؟
إن اتخاذ كل هذه القرارات عمل صعب (أو يجب أن يكون كذلك إذا أدّي بعناية)، وربما يُعذر المشاركون إذا فكّروا بأن اتخاذ تلك القرارات يمكّنهم من الاسترخاء والتطلّع إلى تقاعد رائع. غير أنه تجب مراجعة كل القرارات دورياً. فربما يجد مستثمر اختار استثمار نصف نقوده في الأسهم ونصفها في السندات أن الأسهم تعاظمت وأن ثلثي محفظته مستثمر الآن في الأسهم. هل يجب القيام بشيء حيال ذلك؟ وهل يجب بيع بعض الأسهم للعودة إلى المناصفة بين الأسهم والسندات؟ أو هل عليه استثمار المزيد في الأسهم إذ يبدو أنها تحقّق نتيجة طيّبة؟ لا يواجه الاقتصاديون مشكلة في كل هذه القرارات، لكن من الممكن أن يصاب البشريون بالحيرة بسهولة. وكما سنرى، فإن المستثمرين البشريين يرتكبون كل أنواع الأخطاء في هذا المجال، ويمكن أن يستفيدوا من تصميم خيارات استثمار أكثر إسعافاً وتسامحاً.

الأسهم والسندات
كيف تقرّر ما مقدار ما يجب أن يُستثمر في الأسهم في محفظتك؟ (هل تعرف ما مقدار ما يستثمر في الأسهم في الأسهم في محفظتك؟) لا ريب في أنك تعرف أن الأسهم حقّقت تاريخياً معدّلات عائد أكثر ارتفاعاً، لكن كم؟
لنأخذ فترة الثمانين سنة بين سنتي 1925 و2005. لو كنت استثمرت دولاراً في سندات الخزينة الأميركية (سندات تصدرها الحكومة قصيرة الأجل، وآمنة تماماً)، لتحوّل الدولار إلى 18 دولاراً، أي معدّل عائد سنوي يساوي 3.7 في المئة. وذلك لا يبدو سيّئاً إلى أن تدرك أن عليك أن تجني 3.0 في المئة في السنة لمجاراة التضخّم فحسب. ولو كنت قد استثمرت نقودك في سندات طويلة الأجل، لأصبح الدولار 71 دولاراً، وبلغ معدّل العائد 5.5 في المئة سنوياً، وهو أفضل بكثير. لكن لو كنت قد استثمرت في الصناديق المشتركة التي تحتفظ بأسهم في كبريات الشركات الأميركية (مثل صناديق مؤشّر ستاندرد أند بورز 500)، لأصبح دولارك 2658 دولاراً، وبلغ معدّل العائد 10.4 في المئة، ولو كنت قد استثمرت في محفظة واسعة من أسهم الشركات الصغيرة، فلربما حقّقت عائداً أفضل.
وفي مصطلحات الاقتصاديين، يسمّى الفارق بين سندات الخزينة والأسهم "علاوة الأسهم". وتعتبر هذه العلاوة تعويضاً عن المخاطر الكبيرة المرتبطة بالاستثمار في الأسهم. فالاستثمار في الأسهم خطير، في حين أن سندات الخزينة تضمنها الحكومة الاتحادية وتخلو من المخاطر أساساً. وعلى الرغم من أن متوسّط معدّل العائد بلغ 10 في المئة، فإن هناك سنوات انخفضت فيها الأسهم أكثر من 30 في المئة، وفي 19 أكتوبر 1987، هبطت مؤشّرات الأسهم 20 في المئة أو أكثر في كل أنحاء العالم في يوم واحد.
كيف يقرّر الاقتصاديون مقدار ما يستثمرونه من محفظتهم في الأسهم؟ يجري الاقتصادي مقايضة بين المخاطر والعائد تستند إلى تفضيلاته بشأن دخل التقاعد. أي، يقرّر إذا كان احتمال ازدياد ثروته بنسبة 25 في المئة مثلاً يستحق المخاطرة بأن تتراجع ثروته 15 في المئة. ولا حاجة بنا إلى القول إنه لو فكّر البشريون في المسألة بهذه الطريقة فإنهم لا يعرفون كيف يجرون الحسابات الضرورية. وسيكون القرار الذي يتخذونه مختلفاً عن قرار الاقتصاديين بطريقتين. الأول أنهم سيتأثّرون دون حاجة بالتقلّبات على المدى القصير، والثاني أن من المرجّح أن تستند قراراتهم إلى القواعد العامّة. ولننظر في كل منهما.
عدّ نقودك وأنت جالس إلى المكتب
تذكرون من الفصل الأول أن البشريين ينفرون من الخسارة. وهم على العموم ينفرون من المخاطر ضعفي ما يحبّون المكاسب. عند أخذ ذلك في الحسبان، لننظر في سلوك مستثمرين، فريد ورفيق. فريد سمسار أسهم يحصل باستمرار على معلومات عن قيمة كل استثماراته. وفي نهاية كل يوم، يشغّل بحكم العادة برنامجاً صغيراً لحساب مقدار النقود التي ربحها في ذلك اليوم أو خسرها. ولأن فريد بشري، فإنه يشعر بالتعاسة عندما يخسر خمسة آلاف دولار في يوم واحد - وتماثل تعاسته مقدار فرحته عندما يكسب عشرة آلاف دولار. ما شعور فريد حيال الاستثمار في الأسهم؟ شديد التوتّر! فالأسهم تنخفض يومياً بمقدار ما ترتفع تقريباً، لذا إذا كنت تشعر بأن آلام الخسارة أكثر حدّة من سرور الأرباح، فستكره الاستثمار في الأسهم.
قارن الآن فريد بصديقه وعميله رفيق. عندما زار رفيق طبيبه أبلغه أنه يوشك أن يتبع تراث العائلة القديم وسرعان ما سيدخل في سبات لمدة عشرين سنة. وطلب منه الطبيب الحرص على أن يقتني سريراً مريحاً، واقترح عليه الاتصال بسمساره للتحقّق من أن تخصيص أصوله ملائم. كيف سيكون شعور رفيق حيال الاستثمار في الأسهم؟ هدوء تامّ! لا شكّ في أن الأسهم شهدت ارتفاعاً في العشرين سنة الماضية. (ليس هناك أي فترة عشرين سنة في التاريخ تراجعت فيها القيمة الحقيقية للأسهم، أو تفوّق أداء السندات فيها على الأسهم.) لذا اتصل رفيق بفريد وطلب منه استثمار كل نقوده في الأسهم ونام كالطفل.
الدرس المستفاد من قصة فريد ورفيق هي أن المواقف من المخاطر تتوقّف على الوتيرة التي يراقب فيها المستمرون محافظهم. وكما ينصح كِني روجرز (Kenny Rogers) في أغنيته الشهيرة "ذا غامبلر" (المقامر): لا تعدّ نقودك وأنت جالس إلى المكتب/ سيكون هناك متّسع من الوقت عندما تنجز المعاملة". لا يبالي كثير من المستثمرين بهذه النصيحة الجيّدة ويستثمرون القليل جداً من نقودهم من الأسهم. ونحن نعتقد أن ذلك يعادل الخطأ، إذ لو عُرض على المستثمرين الدليل على مخاطر الأسهم والسندات على مدى فترة طويلة، مثل عشرين سنة (الأفق الملائم لكثير من المستثمرين)، فسيختارون استثمار كل نقودهم تقريباً في الأسهم.96
تحيّن السوق: الشراء بسعر مرتفع، والبيع بسعر منخفض
خلال تسعينيات القرن العشرين، كان الناس يرفعون النسبة المئوية لنقود التقاعد المستثمرة في الأسهم، من حيث النسبة المئوية للنقود المساهم بها كل سنة وأرصدة الحسابات المحتفظ بها على حدٍّ سواء. ما الذي أحدث هذا التغيّر في السلوك؟ من الاحتمالات (البعيدة) أن المستثمرين أمضوا عقداً من الزمن يقرؤون المجلات المالية والاقتصادية، فعرفوا أن عائدات الأسهم كانت أعلى بكثير من عائدات السندات في القرن الماضي أو نحو ذلك، لذا قرّروا استثمار المزيد في الأسهم. وثمة احتمال آخر (أكثر ترجيحاً) أن المستثمرين صاروا يعتقدون بأن الأسهم ترتفع فقط - أو أنه حتى إذا هبطت اسعار الأسهم، فإن ذلك مجرّد فرصة أخرى للشراء لأنها سرعان ما تعاود الارتفاع. وقد أتاحت سوق الأسهم اختبار هذين الفرضين المتنافسين في فترة هبوط السوق بين سنتي 2000 و2002.
من طرق تحليل قدّرة المستثمرين على تحيّن السوق دراسة كيف تغيّرت قراراتهم بشأن تخصيص النقود (أي النسبة المستثمرة في الأسهم من محافظهم) بمرور الوقت. مشكلة هذا النهج أن معظم الأشخاص، كما لاحظنا سابقاً، لا يكادون يغيّرون محافظهم ما لم يغيّروا أعمالهم ويملؤوا مجموعة جديدة من الاستمارات. لذا فإن ثمة طريقة أفضل للحكم على ما يفكّر فيه الناس بتفحّص النسبة المئوية للنقود التي يستثمرها في الأسهم المشتركون الجدد الذين اتّخذوا قرارهم للتوّ. ولدينا بيانات عن مجموعة كبيرة من هؤلاء المشتركين الذين كانوا عملاء لدى شركة فانغارد للصناديق الاستثمارية المشتركة. في سنة 1992 كان المشتركون يخصّصون 58 من أصولهم للأسهم، وبحلول سنة 2000 ارتفعت تلك النسبة المئوية إلى 74. لكن في السنتين التاليتين، هبط تخصيص المشتركين الجدد للأصول للأسهم إلى 54 في المئة. وكان تحيّنهم للسوق بالمقلوب. كانوا يشترون الأسهم بكثافة عندما ترتفع أسعارها، ثم يبيعون الأسهم عندما تنخفض أسعارها.
إننا نلاحظ سلوكاً مماثلاً في تخصيص الأصول ضمن الأسهم. فبعض الخطط تتيح للمستثمرين اختيار الصناديق المتخصّصة في صناعات أو قطاعات معيّنة. ولدينا بيانات من إحدى هذه الخطط التي عرضت على الموظفين خيار الاستثمار في صندوق التكنولوجيا. في سنة 1998، في أوائل مرحلة الارتفاع السريع لأسهم شركات التكنولوجيا، كان 12 في المئة فقط من الموظفين يستثمرون في صندوق التكنولوجيا. وبحلول سنة 2000، عندما بلغت أسعار أسهم التكنولوجيا أوجها، استثمر 37 في المئة من الموظفين نقودهم في ذلك الصندوق. وفي أعقاب هبوط أسعار هذه الأسهم، تراجع عدد المشتركين الجدد الذين يستثمرون في صندوق التكنولوجيا إلى 18 في المئة في سنة 2001. مرّة أخرى كان المشتركون يشترون في صندوق التكنولوجيا بإقدام في ذروته، ويبيعون بعد هبوط أسعار الأسهم.
القواعد العامّة
يجد حتى أكثر المستثمرين حنكة أن اتخاذ قرار بشأن كيفية استثمار النقود مخيف في بعض الأحيان، ويلجؤون إلى قواعد عامّة بسيطة. لنأخذ على سبيل المثال عالم الاقتصاد المالي الفائز بجائزة نوبل هاري ماركوفتز (Harry Markowitz)، أحد واضعي نظرية المحافظ الحديثة. عندما سُئل كيف خصّص حساب تقاعده، اعترف قائلاً: "كان علي أن أحسب التغايرات التاريخية لطبقات الأصول والتوصّل إلى مجموعة المحافظ المثلى. وبدلاً من ذلك... قسّمت اشتراكاتي مناصفة بين السندات والأسهم".97
لم يكن ماركوفتز وحيداً في ذلك. ففي أواسط ثمانينيات القرن العشرين كان لمعظم المعلّمين خطة تقاعد ذات اشتراكات محدّدة تقدّمها شركة معروفة بالأحرف الأولى من اسمها تيا كرِف (TIAA-CREF). وفي ذلك الوقت كان للخطة خياران - تيا، التي تستثمر في أوراق مالية ذات دخل ثابت كالسندات، وكرِف التي تستثمر في الأسهم. وقد اختار أكثر من نصف المشتركين في هذه الخطة، وكثير منهم أساتذة جامعات، القسمة مناصفة بين هذين الخيارين. وكان سنشتاين واحداً من مستثمري المناصفة. مع ذلك فإن صداقته الطويلة لثالر، الذي أخبره قبل عدّة سنوات بأن كرِف رهان أفضل من تيا على المدى الطويل، لم تغيّر من الأمر شيئاً. فقد وضع ذلك على قائمة ما يقوم به بعد إلغاء الاشتراكات في المجلات.
إن القسمة مناصفة بين الأسهم والسندات ليست محفظة خرقاء بيّنة بذاتها، لكن إذا لم يغيّر التخصيص الأولي (أو "يعاد توازنه" بلغة الماليين)، عندئذ يصبح مزيج الأصول متوقّفاً على معدّل العائد. على سبيل المثال، استثمر سنشتاين مبالغ متساوية في تيا وكرِف مدّة تزيد على خمس وعشرين سنة، ولديه الآن أزيد بكثير من 60 في المئة في كرِف. ولو استثمر معظم نقوده في الأسهم لكان أداؤه أفضل بكثير.
يمكن النظر إلى استراتيجية ماركوفتز بمثابة مثالٍ على ما قد يسمّى استدلال التنويع. "نوّع عندما يساورك الشكّ". ولا تضع كل البيض في سلّة واحدة. وفكرة التنويع عظيمة على العموم، لكن ثمة فارق كبير بين التنويع العقلاني والتنويع الساذج. ومن الحالات الخاصة لهذه القاعدة العامّة ما يمكن تسميته استدلال "1/n": "عندما تواجه n خيار، قسّم الأصول بالتساوي بين الخيارات".98 ضع العدد نفسه من البيض في كل سلّة.
التنويع الساذج يبدأ في سنّ مبكّرة على ما يبدو. لننظر في التجربة الذكية التالية التي أجراها دانيال ريد (Daniel Read) وجورج لُوِنشتاين (George Loewenstein) في ليلة الهالوين.99 كان "المشاركون" الأطفال الذين يطرقون الأبواب ويقولون الحلوى أو الأذيّة. وفي إحدى الحالات اقترب الأطفال من منزلين متجاورين وعرض عليهم الاختيار من بين لوحين السكاكر نفسهما (الفرسان الثلاثة أو مِلكي واي) عند كل منزل. وفي حالة أخرى، طرقوا باب منزل واحد وطُلب منهم "اختيار أي لوحين من السكاكر يرغبون فيهما". وعُرضت أكوام كبيرة من السكاكر لضمان ألا يعتقد الأطفال أن من الفظاظة أخذ اثنين من النوع نفسه. وقد أعطت الحالتان نتائج مختلفة جداً. في البيت الذي قدّم نوعي السكاكر نفسهما، اختار كل طفل واحداً من كل نوع. بالمقابل، لم يختر إلا 48 في المئة من الأطفال واحداً من كل نوع عندما كانوا يختارون من المنزلين بالترتيب.
على الرغم من عواقب أن اختيار لوحي سكاكر مختلفين متدنية (الفرسان الثلاثة ومِلكي واي جيدان)، فإن عواقب التنويع الساذج في اختيار المحفظة قد تكون كبيرة على ما يفعله الناس وعلى مقدار النقود التي يحصلون عليها في النهاية. وفي دراسة كاشفة، سئل موظفون في جامعة كيف سيستثمرون نقود التقاعد إذا كان أمامهم صندوقان فقط يختاران من بينهما.100 في الحالة الأولى، استثمر أحد الصندوقين استثماراً تاماً في الأسهم، والآخر في السندات. واختار معظم المشتركين استثمار نقودهم مناصفة ما جعل تخصيص الأصول للأسهم يبلغ 50 في المئة. وأبلغت مجموعة أخرى أن أحد الصندوقين استثمر في الأسهم استثماراً تاماً والصندوق الآخر "المتوازن" استثمر النصف في الأسهم والنصف في السندات. وفي استطاعة الأشخاص الموجودين في هذه المجموعة أيضاً استثمار 50 في المئة من النقود في الأسهم بوضع كل نقودهم في الصندوق المتوازن. وبدلاً من ذلك اتبعوا قاعدة 1/n وقسّموا نقودهم بالتساوي بين الصندوقين - ما جعلهم يستثمرون معظم النقود في الأسهم. ومُنح الأشخاص في مجموعة ثالثة خياراً بين صندوق متوازن وصندوق للسندات. وبإمكانكم أن تخمّنوا ماذا حدث.
تعني هذه النتيجة ضمناً أن مجموعة الصناديق المعروضة في خطة معيّنة يمكن أن تؤثّر تأثيراً كبيراً على اختيارات المشاركين. ولاختبار هذا التوقّع، تفحّص بِنارتزي (Benartzi) وثالر (2001) السلوك في خطط ادّخار التقاعد في 170 شركة. فتبين لهما أنه كلما زاد عدد صناديق الأسهم التي تعرضها الخطة، ارتفعت النسبة المئوية للمشاركين الذين يستثمرون نقودهم في الأسهم.
حاول عدّة خطط مساعدة المشتركين في التعامل مع مشكلة إنشاء المحفظة الصعبة بطريقة مصمّمة للوفاء باحتياجات مختلف مستويات احتمال المخاطر. على سبيل المثال، ربما يعرض صاحب عمل عرض ثلاثة صناديق وفقاً لنمط الحياة: محافظ، ومعتدل، ومقدام. وهذه الصناديق منوّعة بالفعل، بحيث لا يتعيّن على الأفراد إلا اختيار تفضيلات المخاطر. وتعدّل بعض الصناديق أيضاً تخصيص الأصول وفقاً لسنّ المشترك.
إن مثل هذه التشكيلة من الصناديق فكرة جيدة وتمثّل مجموعة ممتازة من الخيارات الافتراضية (إذا كانت الرسوم معقولة). لكن عندما تمزج الصناديق مع صناديق أخرى، يتبيّن أن العديد من الأشخاص لا يدركون كيف يستخدمونها. على سبيل المثال، قليل من المشتركين يضعون كل نقودهم في أحد هذه الصناديق، مع أن هذه هي المهمّة التي صمّمت من أجلها. ويعادل ذلك متعشٍّ غير جائع ذاهب إلى مطعم يقدّم قائمة معدّة من خمسة أطباق فيطلب القائمة المعدّة بالإضافة إلى بطّة مشوية وحلوى. وقد تفحّصت إحدى الدراسات سلوك المشتركين في خطة تعرض ثلاثة صناديق وفقاً لنمط الحياة، وستة صناديق أخرى (صندوق مرتبط بمؤشّر، وصندوق نموّ، وصندوق سندات، وما إلى هنالك).101 ومن المثير للاستغراب أن المشتركين الذين استثمروا في صندوق نمط الحياة المتحفّظ خصّصوا 31 في المئة لذلك الصندوق، وقسّموا الباقي بين الصناديق الأخرى. وبما أن صناديق الأسهم تسيطر على قائمة الصناديق الأخرى، فإن التعرّض الناتج للأسهم لمن استثمروا في الصندوق المتحفّظ بلغ 77 في المئة. وانتهى المطاف بهؤلاء المشتركين في محفظة مقدامة إلى حدٍّ ما، ربما دون أن يدركوا ذلك.
أسهم الشركات
لننظر في حالة تشارلي برستوود (Charlie Prestwood) الذي أمضى أفضل سنواته في أعمال الطاقة في تكساس. بدأ في القاع في سنة 1967 بكنس الأرصفة وإفراغ صناديق القمامة في شركة تدعى هيوستن ناتشرل غاز. وكان لا يزال يعمل في سنة 1985 عندما أعدّ الرئيس التنفيذي للشركة كنيث لاي (Kenneth Lay) بيعها لشركة منافسة في نبراسكا تدعى إنترنورث. ساعد لاي في إعادة هيكلة الشركة الجديدة، إنرون، التي توزّع الكهرباء والغاز في كل أنحاء الولايات المتحدة. ويقول برستوود، "كان عملي في خط الأنابيب المحافظة على تدفّق الغاز لكل العملاء. وقد كرّست كل حياتي للقيام بذلك".
كانت الحياة بمثابة موظف في إنرون جيدة. فقد ارتفع راتب برستوود السنوي تدريجياً إلى خمسة وستين ألف دولار، مع مزايا تقاعد إضافية مدفوعة بأسهم إنرون. عندما اندمجت هيوستن ناتشرَل وإنترنورث، تحوّلت كل استثمارات برستوود تلقائياً إلى أسهم أنرون. واستمرّ في ادّخار النقود في صندوق الشركة التقاعدي، واشترى مزيداً من الأسهم. وكانت الشركة تحضّ على ملكية أسهم الشركة في الداخل. وكانت النشرات الإخبارية تعلن عن نموّ إنرون بأنه "مذهل"، ولاي يحثّ الموظفين في فعاليات الشركة على شراء مزيد من الأسهم. لم يجد برستوود مشكلة في ارتباط حياته بشركة إنرون مباشرة. فقد التزمت به إنرون، وهو يظهر امتنانه للشركة. ويصف برستوود ذلك، "هذه هي الطريقة الأميركية بالنسبة لي، الولاء لصاحب عملك".
كان برستوود مخلصاً حتى النهاية المرّة. فعندما تقاعد في سنة 2000، كان قد راكم 13,500 سهم من أسهم إنرون بقيمة 1.3 مليون دولار في ذروتها. ثم في سنّ الثامنة والستين، فقد برستوود فجأة كل مدّخراته. وهو يعيش الآن على معاش تقاعدي من صاحب عمل سابق يبلغ 521 دولاراً في الشهر وراتب من الضمان الاجتماعي بقيمة 1294 دولاراً. ويقول عن ذلك، "لم يعد هناك حلم قط". ويقيم برستوود في مزرعة مساحتها ثلاثة فدادين شمال هيوستن ورثها طفلاً في سنة 1938 عندما توفيت والدته. "لم أخطّط كثيراً لتقاعدي. أردت ممارسة صيد السمك والصيد، والسفر قليلاً". وسيبيع أرض عائلته الآن. ويقول إنه مضطر لذلك لأن عليه تسديد الرهن الذي يدين به.102
إن حالة برستوود ليست غير مألوفة من بعض النواحي. فغالباً ما لا ينوّع الناس استثماراتهم البتة، وفي بعض الأحيان يستثمر الموظفون كثيراً من نقودهم في أسهم صاحب عملهم. وثمة 5 ملايين أميركي يمتلكون أكثر من 60 في المئة من مدّخرات تقاعدهم في أسهم الشركات،103 وهو أمر مدهش لكنه حقيقي. وهذا التركيز خطير من ناحيتين. أولاً، الورقة المالية الواحدة أكثر خطورة بكثير من المحافظ التي تعرضها الصناديق الاستثمارية المشتركة. ثانياً، يخاطر العمال بخسارة أعمالهم وجلّ مدّخراتهم التقاعدية دفعة واحدة، كما اكتشف موظفو إنرون وورلد كوم من تجربتهم المريرة.
من الملاحظ أن العديد من الموظفين ما زالوا يعتقدون أن هذه المخاطر لا تنطبق على صاحب عملهم. وثمة ثلاث مشكلات هنا. أولاً، يبدو أن الموظفين لا يدركون مخاطر وعوائد أسهم الشركات. فعندما أجرت مجموعة بوسطن للأبحاث مسحاً للمشتركين في خطة التقاعد 401(k) في سنة 2002، تبيّن أنه على الرغم من ارتفاع مستوى إدراك تجربة إنرون، فإن نصف المجيبين اعتقدوا أن مخاطر أسهم شركتهم مماثلة لمخاطر لصناديق الأموال في السوق أو أقل. وكشف مسح حديث آخر أن ثلث المجيبين الذين يمتلكون أسهم شركتهم يدركون أنها أكثر خطورة من "الصندوق المتنوّع ذي الأسهم المختلفة".104
ثانياً، يميل المشتركون في الخطة إلى إسقاط الأداء السابق على المستقبل. فموظفو الشركات الذين أظهرت أسهمها أداء جيداً في السنوات العشر الماضية يميلون إلى الاستثمار في الشركة أكثر من موظفي الشركات التي كان أداؤها ضعيفاً. لكن هذا الأداء السابق ليس توقّع للمستقبل. وربما تعتقد أن لدى الموظفين معلومات جيدة جداً عن توقّعات الشركة في المستقبل، لكن الدراسة المتأنية التي أجراها شلومو بينارتزي (2001) أظهرت خلاف ذلك. وتحديداً أن ليس هناك علاقة بين الاحتفاظ بأسهم الشركة والأداء اللاحق للأسهم. لذا فإن العاملين في شركات مثل أنرون، كانت أسهمها تحلّق عالياً، يواصلون ضخّ نقودهم في أسهم الشركة (بتشجيع من المديرين) إلى أن يأتي يوم تنفجر فيه الشركة من الداخل، ويصبح السهم عديم القيمة.
ثالثاً، يعدّ الموظفون الذين يتلقّون اشتراك صاحب العمل المقابل بأسهم الشركة أن ذلك الاشتراك نصيحة ضمنية. وتحديداً، يخصّص من يكون عليهم أخذ اشتراك صاحب العمل المقابل على شكل أسهم في الشركة 29 في المئة من اشتراكاتهم الاستنسابية - أي النقود التي يتحكّمون فيها - لأسهم الشركة. بالمقابل، يخصّص من لديهم خيار، لا مطلب، أخذ اشتراك صاحب العمل المقابل على شكل أسهم في الشركة 18 في المئة فقط من أموالهم لسهم الشركة.105
ما مقدار خطورة الاحتفاظ بسهم واحد بدلاً من تنويع محفظة الأسهم؟ وفقاً لتقديرات عالمة الاقتصادي ليزا ميلبروك (Lisa Meulbroek) في سنة 2002، فإن الدولار في سهم الشركة يساوي أقل من نصف قيمة الدولار في الصندوق المشترك! بعبارة أخرى، عندما تمنح الشركات أسهمها لموظفيها، فإن ذلك مماثل لدفع 50 سنتاً مقابل كل دولار. والحصيلة أن العمال يكونون على العموم أحسن حالاً في الصناديق الاستثمارية المشتركة مما هو عليه الحال مع أسهم الشركة. (ملاحظة: إذا كان أكثر من 10 في المئة من نقود تقاعدك مستثمراً في الشركة التي تعمل لها، نوّع استثمارك بأسرع ما يمكن.)
ما التنبيهات التي يمكن أن تساعد في حل هذه المشكلات؟106 إننا نفضّل النهُج الليبرالية، لكن علينا الإقرار بأنه يمكن تقديم حجّة غير ليبرالية للحدّ من النسبة المئوية لأسهم الشركة في محفظة تقاعد الموظفين - ولنقل 10 في المئة. وقد رُفعت مشاريع قوانين بهذا المعنى إلى الكونغرس. بيد أن ثمة خياراً أكثر ليبرالية يقضي بمعاملة أسهم الشركة كأي استثمار آخر في خطة التقاعد 401(k). وتتمتّع أسهم الشركة في خطط الاشتراكات المحددة الآن بميزة مهمة الآن بموجب القانون الاستئماني الاتحادي، وبموجب القانون الشديد الأهمية والغامض إلى حدّ كبير الذي يسمّى قانون أمن دخل تقاعد الموظفين لسنة 1974 (إريسا). يحدّد إريسا ثلاثة مبادئ استئمانية لاستثمارات خطة التقاعد: قاعدة المنفعة الحصرية، وهي تقتضي إدارة الخطط لمنفعة المشتركين حصرياً، وقاعدة الحكمة التي تتطلّب استثمار أصول الخطة وفقاً لمعيار "المستثمر الحكيم"، وقاعدة التنويع التي تتطلّب تنويع أصول الخطة من أجل تقليل مخاطر الخسائر الكبيرة. والملحوظ أن سهم الشركة يستثنى من مطلب التنويع في خطط الاشتراكات المحددة - ويرجع ذلك إلى حدّ كبير إلى أنه عند إقرار إريسا، ضغط أصحاب العمل الكبار الذين لديهم خطط تقاسم الأرباح لاستثنائهم من مطالب التنويع المفروضة على خطط المزايا المحدّدة.107 غير أنه ما زال يُنتظر أن يتصرّف أصحاب العمل بحكمة في تحديد إذا كان سهم الشركة استثماراً ملائماً أو لا.
لماذا منح الكونغرس مكانة تفضيلية لسهم الشركة؟ ما من تعريف معقول للحكمة يمكن أن يستوعب موقفاً متركّزاً في سهم شركة واحدة - لا سيما إذا كان أداء السهم مرتبطاً بإيرادات عمل المشترك. وبمنح سهم الشركة معاملة تفضيلية غريبة، فإن القانون القائم يشجّع في الواقع على إدخال سهم الشركة في خطط التقاعد 401(k). وهذا أمر خاطئ من وجهة نظر رفاه العمّال. والبديل الطبيعي هو معاملة سهم الشركة مثل أي استثمار آخر، من دون أي نوع من الأفضلية. وربما يحل هذا التغيير البسيط بحدّ ذاته المشكلة لأن الشركات ربما تخلص إلى أن المخاطر الاستئمانية لمنح مقادير كبيرة من اسهم الشركة إلى الموظفين غير جدير بالاحتمال.
وفي غياب تغيير القانون، يمكن أن تتخذ بعض الشركات الراغبة في مساعدة المجتمع بعض الخطوات لتنبيه الموظفين إلى خفض المقتنيات الكبيرة جداً من أسهم الشركة. وإليكم نهجاً مألوفاً الآن: بع المزيد في الغد. وتقوم الفكرة على حل مشكلتين. الأولى، حتى إذا أقرّت الشركات بأن سهم الشركة ليس أمراً عظيماً للموظفين، فإنها لا ترغب أن يبيع كل الموظفين أو معظمهم أسهمهم على الفور مخافة أن يخفّض هذا البيع سعر السهم. ثانياً، لا ترغب الشركات في إصدار إشارة بأنها تعتقد أن سهمها استثمار رديء. إن خطة "بيع المزيد غداً" تمنح الموظفين خيار بيع أسهمهم تدريجياً بمرور الوقت (لنقل ثلاث سنوات)، وتوجيه العائدات إلى محفظة منوّعة. ويمكن تنفيذ البرنامج على أساس اختيار الدخول أو اختيار عدم الدخول.
تنبيهات
يمكن أن تساعد الخطط المشتركين فيها في العديد من الأبعاد، عن طريق تصميم خيارات أفضل. وقد أصبح الاهتمام بتصميم الخيارات أمراً متزايد الأهمية على مرّ السنين لأن الخطط زادت كثيراً من عدد الخيارات التي تعرضها، ما صعّب على الناس الاختيار الجيد.
الخيارات الافتراضية
لا يوجد تاريخياً خيار افتراضي لمعظم خطط الاشتراكات المحدّدة، إذ يّمنح المشتركون الذين يلتحقون بالخطة قائمة بالخيارات مع تعليمات لتخصيص نقودهم كما يشاؤون بين الصناديق المعروضة. ولم يكن هناك أي خيار افتراضي ضروري إلى أن بدأت الخطط تعتمد الالتحاق التلقائي، وهو نظام يتطلّب خياراً افتراضياً: إذا كان المشتركون يلتحقون تلقائياً، فيجب أن يلتحقوا بأحد التخصيصات المحدّدة للأصول. وقد اختارت الشركات تقليدياً خيار الاستثمار الأكثر تحفّظاً بمثابة خيار افتراضي، وهو عادة حساب في السوق النقدية.
يرى معظم المختصين أن تخصيص 100 في المئة لحساب في السوق النقدية خيار محافظ جداً. فمزيج معدّلات العوائد المنخفضة التي تجنى في هذه الصناديق (لا تكاد تزيد على معدّل التضخّم) ومعدّلات الادّخار المتدنّية للعديد من الموظفين إنما يشكّل وصفة للفقر عند التقدّم في السنّ. لم تختر الشركات هذا الخيار لأنها تعتقد أنه ذكيّ وإنما خوفاً من أن تواجه دعاوى قضائية إذا جعلت الخيار الافتراضي للموظفين أكثر عقلانية (ولكن أكثر خطورة). وتفاقم هذا الخوف بتردّد وزارة العمل في إصدار مبادئ توجيهية تساعد رسمياً (بمنح مكانة "الملاذ الآمن") أي صندوق يمكن أن تهبط قيمته. لكن وزارة العمل أصدرت أخيراً مبادئ توجيهية جديدة معقولة جداً، لذا فإن العائق القانوني أمام اختيار صندوق افتراضي جيد لم يعد قائماً.
تتوفّر العديد من الخيارات الافتراضية الجيدة. ومن البدائل منح مجموعة من المحافظ النموذجية ذات درجات المخاطر المتباينة. وقد أشرنا إلى أن بعض المشرفين على الخطط يعرضون محافظ أنماط الحياة المحافظة، والمعتدلة، والمقدامة. وكل ما على المشترك أن يقوم به هو اختيار صندوق نمط الحياة الذي يتلاءم على أفضل نحو مع تفضيلاته. وثمة بديل آخر متاح للمشرفين على الخطط وهو عرض "صناديق استحقاق مستهدف". ويكون لصناديق الاستحقاق المستهدف سنة في أسمائها، مثل 2010، أو 2030، أو 2040. يختار المشترك الصندوق الذي يتوافق مع تاريخ تقاعده المتوقّع. ويختار مديرو صناديق الاستحقاق المستهدف درجة المخاطر ويبتعدون تدريجياً في التخصيص عن الأسهم نحو الاستثمارات المحافظة كنُهُج التواريخ المستهدفة.
وقد بدأ بعض البائعين والمشرفين على الخطط عرض حلول آلية لاختيار المحفظة. ويعيّن بعض المشرفين على الخطط المشتركين تلقائياً في صندوق استحقاق مستهدف بناء على سنّ التقاعد القياسي. وهناك آخرون يوجّهون المشتركين إلى خيار "الحسابات المدارة" الافتراضي، وهي عادة محافظ أسهم وسندات يستند فيها التخصيص إلى سنّ المشتركين وربما معلومات أخرى.
تنظيم خيارات معقّدة
إن خطة التقاعد 401(k) مجال ممتاز تقدّم فيه عملية لاتخاذ القرارات التي تتلاءم مع احتياجات المشتركين الذين لديهم مستويات متفاوتة من الاهتمام والحنكة. وإليكم مخطّط لنهج واعد. يبلّغ الملتحقون الجدد بأنهم إذا لم يكونوا راغبين في اختيار خطة استثمارهم، فبإمكانهم اختيار الصندوق الافتراضي الذي اختاره خبراء عالمين ببعض العناية. وقد يكون ذلك الحساب المدار الذي تناولناه أعلاه. ويعرض على المشتركين الذين يريدون أن يكونوا أكثر انخراطاً خيار من بين مجموعة صغيرة من الصناديق المتوازنة أو المتلائمة مع نمط الحياة (بغية أن يستثمر كل من المشتركين كل نقوده في صندوق واحد). أما الذين يريدون المشاركة الحقيقية في الاختيار فتعرض عليهم قائمة كاملة بالصناديق المشتركة، ما يتيح للمستثمرين المحنّكين (أو من يعتقدون أنهم محنّكون) القدرة على الاستثمار وفقاً لمشيئتهم. وهناك كثير من الشركات التي بدأت تنفّذ خططاً شبيهة بهذه.
توقّع الخطأ
لمساعدة من لا يستطيعون اتخاذ قرار على الانضمام، نشجّع الالتحاق التلقائي الذي يجمع مع برنامج توفير المزيد في الغد لمساعدة الأشخاص في تحقيق معدّل ادّخار ملائم. أما لمن لم يستثمروا في صندوق دورة الحياة، فإننا نوصي بعرض خطة إعادة توازن تلقائي بحيث يعدّل تخصيص أصول المشترك بمرور الوقت.

المطابقات والتغذية الراجعة
يجد معظم الموظفين صعوبة في فهم كيف تترجم الأرقام كمعدّلات الادّخار، ومعدّلات العوائد المتوقّعة، والتقلّب إلى تغييرات في نمط حياتهم عندما يتقدّمون في السنّ. ويمكن توجيه الاهتمام إلى هذه المفاهيم المجرّدة بتقديم تفسير يحوّلها إلى مفاهيم يستطيع الجميع فهمها. على سبيل المثال، يمكن أن يضع المرء صوراً لمختلف خيارات السكن المتاحة مع مختلف مستويات دخل التقاعد البديلة. وهكذا يعرض على المشترك ذي الدخل الأكثر انخفاضاً شقّة صغيرة جداً وربما متهالكة. وعلى المشتركين ذوي المداخيل المرتفعة بيوتاً أكبر مع أحواض للسباحة. ويمكن إدراج هذه العروض البصرية في التغذية الراجعة المنتظمة للمشتركين بشأن تقدّمهم على طريق تحقيق أهداف ادّخارات التقاعد. لذا يمكن أن يبلّغ المشترك في تقريره السنوي بأنه متجّه حالياً إلى كوخ حقير، لكن إذا زاد معدّل الادّخار الآن (أو انضمّ إلى ادّخار المزيد في الغدّ)، فإن في وسعه الحصول على شقّة من غرفتي نوم.
الحوافز
تكمن المشاكل الرئيسية للحوافز في هذا السياق في تضارب المصالح المحتمل بين صاحب العمل والموظف. والمشاكل المتعلّقة بأسهم الشركة مثال جيد على ذلك. غير أن قوانين إريسا تطلب من الشركات مراعاة أفضل مصالح الموظفين، ويجب إنفاذ هذه القوانين.
إن إنشاء محفظة استثمارية وإدارتها مدّة طويلة من الوقت أمر صعب. وتطلب معظم الشركات من فريق من الخبراء الداخليين، يساعدهم مستشارون خارجيون، القيام بهذه المهمّة للأصول التي يديرونها. لكن المشتركين الأفراد يضطلعون عادة بهذه المهمّة بمفردهم، أو بمساعدة زميل في العمل أو قريب لديه حسن البديهة لكنه يفتقر إلى التدريب اللازم لأداء المهمّة. وتكون النتيجة شبيهة بما يتوقّع إذا حاول معظمنا قصّ شعرهم بأنفسهم - أي الفوضى. فمعظم الناس بحاجة إلى بعض المساعدة، ويمكن أن يفيد تصميم الخيارات الجيد واختيار التنبيه بعناية في التغلّب على كثير من المصاعب.






8 أسواق الائتمان

ذكرنا في الفصل السادس أن الأميركيين يقترضون اليوم أكثر مما يدّخرون. ويجب ألا نفاجأ عندما نعلم بأن المستهلكين البشريين ليسوا أكثر حنكة في الاقتراض من حنكتهم في الادّخار. ولننظر في تجربة هومر سمبسون عند تأجير مركبة للاستجمام تدعى كانيونيرو.
مندوب مبيعات كانيونيرو: إليك تحليل الإيجار. هذه دفعتك الأولى، ثم هذه دفعتك الشهرية، وهذه دفعتك الأسبوعية.
هومر: وهذا كل شيء، أليس كذلك.
مندوب المبيعات: نعم... ثم بعد دفعتك الشهرية الأخيرة توجد دفعة سي بـي بـي الروتينية، أو الدفعة الضخمة الأخيرة.
هومر: لكنها لا تدفع إلا بعد حين، أليس كذلك؟
مندوب المبيعات: صحيح!
هومر: ذلك أمر لطيف!108
إن سذاجة هومر أقل غرابة، وأكثر دلالة مما يبدو في الظاهر. ولنتفحّص ثلاث أسواق مهمّة للإقراض - الرهون العقارية، وقرض الطلاب، وبطاقات الائتمان - لنرى إذا كانت التنبيهات يمكن أن تساعد الكثير من أمثال هومر بين ظهرانينا.

الرهون العقارية
كان البحث عن رهن عقاري سهلاً جداً ذات يوم. ولمعظم الرهون العقارية معدّل ثابت طوال عمر الرهن، وهو ثلاثون سنة عادة. ويقدّم معظم المقترضين دفعة أولى تبلغ 20 في المئة. وكانت مقارنة القروض في هذا النظام سريعة - ما عليك إلا اختيار القرض ذي معدّل الفائدة الأدنى. وقد أضفى على هذه المهمّة مزيداً من السهولة إقرار قانون توخّي الصدق في الإقراض (يسمّى أيضاً قانون زد)، وهو يطلب من جميع المقرضين الإبلاغ عن معدلات الفائدة بالطريقة نفسها، باستخدام ما يسمّى معدّل الفائدة السنوي. وفي ذلك الوقت كان قانون توخّي الصدق في الإقراض ينطوي على تصميم ممتاز للخيارات لأنه سهّل المقارنة بين القروض. فبغياب طريقة بسيطة، كمعدّل الفائدة السنوية، للحكم على القروض يكون تقييم مختلف خيارات الرهن العقاري صعباً للغاية. وقد كشفت دراسة أجرتها سوزان شو (Suzanne Shu) في سنة 2007 أن طلاب الماجستير في إدارة الأعمال في أفضل الكلّيات يجدون صعوبة في اختيار أفضل القروض، وتلك مهمّة أبسط بكثير مما يواجهونه في العالم الحقيقي.
أصبح البحث عن رهن عقاري أكثر تعقيداً بكثير الآن. فباستطاعة المقترضين الاختيار من العديد من القروض ذات معدّل الفائدة الثابت (لا يتغيّر سعر فائدتها طوال عمر القرض)، والعديد من القروض "المتغيّرة الفائدة" التي يرتفع فيها سعر الفائدة ويهبط تبعاً لتحرّكات السوق. ويمكن أن ينظر المقترضون أيضاً في منتجات غريبة مثل قروض الفائدة فقط، وبموجبها لا يسدّد المقترض أي مبلغ من أصل القرض، ما يعني أنه لا يسدّد البتة إذا لم يبع البيت (مع ربح إذا حالف الحظ المقترض) أو إذا كسب المقترض ورقة يانصيب أو أعاد تمويل القرض. وهناك العديد من الرهون المتغيّرة الفائدة التي تزيدها تعقيداً ما تسمّى معدّلات الفائدة الترغيبية (teaser rates) - يطبّق سعر فائدة منخفض لمدة سنة أو اثنتين، وبعد ذلك يرتفع المعدّل (والدفعات)، ارتفاعاً كبيراً في بعض الأحيان. ثم هناك مسألة الرسوم التي يمكن أن تتفاوت تفاوتاً كبيراً؛ والنقاط، وهي دفعات ثابتة يسدّدها المقترض للحصول على سعر فائدة منخفض؛ وعقوبات التسديد المسبق التي يجب أن تدفع إذا سدّد القرض باكراً. وفي هذا العالم، يتسم اختيار الرهن العقاري بصعوبة كبيرة تجعل اختيار محفظة تقاعد يبدو أمراً سهلاً. كما أن المخاطر كبيرة بالقدر نفسه.
هنا، وفي أماكن أخرى، يمكن أن تؤدي إضافة مزيد من الخيارات إلى جعل الناس في وضع أفضل، لكن لا يمكن تحقيق هذا الاحتمال إلا إذا تمكّنوا من اختيار القرض الذي يلائم وضعهم وتفضيلاتهم على أفضل وجه. كيف يتصرّف الناس عند البحث عن رهن عقاري؟ تفحّصت دراسة أجرتها سوزان وودوُرد (Susan Woodward) في سنة 2007 أكثر من سبعة آلاف قرض تضمنها إدارة الإسكان الاتحادية، وهي وكالة حكومية تضمن القروض الصغيرة وتتيح تسديد دفعة أولى منخفضة. ودرست وودوُرد المقترضين الذين حصلوا على أفضل الاتفاقات، وفي أي ظروف، بعد السيطرة على عوامل المخاطر وسواها. وإليكم بعض النتائج الرئيسية التي توصّلت إليها:
? يدفع الأميركيون الأفارقة 425 دولاراً إضافياً مقابل قروضهم، ويدفع المقترضون اللاتينيون 400 دولار إضافي. (كان الرسم المتوسّط لكل المقترضين 3133 دولاراً على القروض التي يبلغ متوسّطها 105,000 دولار.)
? يدفع المقترضون المقيمون في أحياء يبلغ المستوى التعليمي للبالغين فيها الثانوية العامة 1160 دولاراً إضافياً على قروضهم مقارنة بالمقترضين المقيمين في أحياء يبلغ تعليم البالغين فيها مستوى جامعياً.
? القروض التي يعدّها وسطاء الرهن العقاري أكثر تكلفة من تلك التي يعدّها المقرضون مباشرة بنحو 600 دولار.
? مصادر تعقيد القروض كالنقاط ومساهمات البائعين في تكاليف الإغلاق (ما يجعل مقارنة القروض أكثر صعوبة) مكلفة للمقترضين، وتزيد التكلفة الإضافية للقروض عن طريق الوسطاء على القروض المباشرة.
يمكننا أن نتعلّم دروساً عامّة من هذا التحليل. فعندما تصبح الأسواق أكثر تعقيداً، يصبح المتسوّقون غير المحنّكين وغير المتعلّمين في موقف غير مواتٍ بسبب التعقيد. ومن المرجّح أيضاً أن يقدّم للمتسوّقين غير المحنّكين مشورة رديئة أو تغلب عليها المصلحة الذاتية من قبل أشخاص يؤدّون أدواراً تبدو مساعدة واستشارية صرفاً. وفي هذه السوق، ربما يكون لوسطاء الرهن العقاري الذين يعملون لصالح العملاء الأغنياء حافز كبير لترسيخ سمعتهم بالتعامل النزيه. بالمقابل، غالباً ما يكون وسطاء الرهن العقاري الذين يعملون لصالح الفقراء أكثر اهتماماً بتحقيق الربح السريع.109
تتفاقم هذه العوامل في قسم السوق الذي يخدم المقترضين الأكثر فقراً والأعلى مخاطرة، أي ما تسمّى سوق القروض دون الممتازة (subprime). وكما هي الحال في الغالب، ثمة رأيان متطرّفان بشأن القروض دون الممتازة. فبعض الأشخاص، لا سيما من ينتمون إلى يسار الوسط أو وسائل الإعلام الإخبارية، يزدرون كل هذه القروض بتسميتها قروضاً نهبية. لكن هذه التسمية العامة لا تقرّ بأن القروض دون الممتازة تخضع لمعدّلات فائدة مرتفعة لتعويض المُقرضين. كما أن تقاضي معدّلات فائدة مرتفعة من المقترضين الفقراء والمحفوفين بالمخاطر لا يجعل تلك القروض "نهبية". بل إن قروض التمويل الأصغر في البلدان النامية التي أدّت إلى منح محمد يونس جائزة نوبل مستحقّة في سنة 2006 غالباً ما تبلغ معدّلات فائدتها 200 في المئة أو أكثر، ومع ذلك فإن أحوال المقترضين تتحسّن بهذه القروض.110 من ناحية أخرى، يعتقد بعض المراقبين أن الاحتجاج الشديد على الإقراض النهبـي يستند استناداً تاماً إلى عدم فهم الصحافيين والآخرين ذوي الميول اليسارية أن القروض المحفوفة بالمخاطر تتطلّب معدّلات فائدة مرتفعة. وتكمن الحقيقة كالعادة بين هذين الموقفين المتطرّفين. فالإقراض دون الممتاز ليس كلّه خير ولا كله شرّ.
الميزة الجيدة للإقراض دون الممتاز أنه يمنح الائتمان لمن لا يستطيعون الاقتراض بخلاف ذلك، ويتيح لبعض الأسر الفقيرة أو المحفوفة بالمخاطر أن تصبح مالكة للبيوت (أو مالكة للأعمال). كما أن القروض العالية المخاطر تمنح الناس فرصة ثانية قيّمة. ويقدّم المقرضون في السوق دون الممتازة التمويل لأي مشتريات كبيرة. وغالباً ما تساعد هذه المشتريات الناس في تحقيق الحلم الأميركي - تحسين ملكية البيوت. بل إن الغالبية العظمى من القروض دون الممتازة هي رهون أعيد تمويلها أو قروض يضمان رهن المسكن.
إذاً كيف تكون القروض دون الممتازة نهبية؟ غالباً ما يكون المقترضون دون الممتازين غير محنّكين، ويخضعون في بعض الأحيان لاستغلال الوسطاء. فقد وصف خبر في الصفحة الأولى من صحيفة "وول ستريت جورنال" بشيء من التفصيل سلوك أحد هؤلاء الوسطاء، ألطاف شيخ، وكان لاعباً محترفاً للكريكت ذات يوم لكنه تحوّل إلى مقرض ملحاح بضمان رهن عقاري.111 تنقّل ألطاف من شركة رهن عقاري إلى أخرى، وعقد سلسلة طويلة من العقود التي عادت عليه بربح كبير لكنها كانت أقلّ منفعة لعملائه. وإليكم النمط الذي اتبعه ألطاف مع المقترضين الذين يفضّلهم. يتقدّم الوسيط من المقترضين ويتصرّف كما لو أنه يسدي لهم خدمة، لذا ربما لا يطرحون كثيراً من الأسئلة. ويمكن أن يكون التماس العملاء شخصياً أو بالبريد أو عن طريق أي وسط آخر. على سبيل المثال، ربما يتوقّف مقاول إصلاح منازل عند أحد المنازل لاقتراح تجديده، ثم يحيل المقيمين إلى وسيط الرهن العقاري.
في اجتماع المتابعة، يقترح الوسيط رهوناً عقارية مختلفة على المقترض المحتمل. وهنا يستطيع المقترض "اختيار" معدّل الفائدة، والدفعة الشهرية، وعدد النقاط التي يريد دفعها. وهذا الخيار الأخير مربك على وجه الخصوص: النقاط تتيح للمقترضين دفع رسم (مبلغ يضاف إلى القرض لأن المقترض يستدين النقود عادة للدفع مقابل النقاط) مقابل معدّل فائدة أكثر انخفاضاً، لكن قليلاً من المقترضين يستطيعون معرفة إذا كانت النقاط تستحقّ الدفع في مقابلها. (لا تستحقّ عادة.)
بعدما يوافق المقترض على رهن عقاري ما، يتطلّب القانون عرض "تقدير النيّة" الذي يوضح كل تكاليف القرض، بما في ذلك الرسم الذي يدفع للوسيط. وعلى الرغم من وجوب عرض هذا التقدير على المقترض خلال ثلاثة أيام من تقديم الطلب الأولي، فإنه يُمسك في بعض الأحيان إلى ما قبل توقيع المقترض على الرهن العقاري. وفي ذلك الوقت، يكون التقدير جزءاً من كدسة ضخمة من الأوراق التي غالباً ما تقلّب بدلاً من قراءتها. وذلك يحبط الغرض من التقدير. وتقع المشكلة نفسها عند إتمام الاتفاق، إذ يحضر الوسيط كدسة من الأوراق لتصفّحها والتوقيع عليها. ومع أن هذه الاستمارات تصف شروط الرهن العقاري وأحكامه، فإن توقيع الأوراق أمر شكلي لدى معظم الأشخاص. وفي مثل هذه المرحلة المتأخّرة، لا يكون معظم المقترضين في موقف يتيح لهم إعادة التفكير (أو التفكير في هذه الحالة).
من المثير للسخرية أن جزءاً من هذه المشكلة ناجم عن حسن النيّة. فقد كان قانون توخّي الصدق في الإقراض يهدف إلى إيجاز شروط القرض بعبارات واضحة. لكن من الصعب رؤية "الحقيقة" عندما تكون مدفونة في نصوص طويلة مكتوبة بخطوط صغيرة. وللقروض العالية المخاطر، يفترض بالإفصاح بموجب قانون حماية ملكية المنازل والقيم العقارية أن يقدّم تنبيه إضافي للمقترض. لكن استمارة الإفصاح لا تنصّ صراحة على "ارتفاع المخاطر"، ويتعيّن على المقترض التوقيع على الاستمارة. وكما يعلم كل من اشترى منزلاً، فإن هناك كثيراً من النماذج المطلوب توقيعها، وغالباً ما يبدأ المشترون بالتوقيع دون أن يقرؤوا كثيراً.
ثمة استمارات مربكة أخرى تجعل من الصعب على المقترض أن يميّز بين القرض نفسه والرسوم التي ينطوي عليها. فاستمارات الرهن العقاري تتكوّن من مئات من السطر، ويمكن أن تحجب الأرقام التي تحتشد فيها مختلف الرسوم. وثمة كثير من الرسوم غير المعرّفة. ولا يعرف بعض المقترضين أن عليهم دفع مزيد من الرسوم إذا بكّروا في تسديد الرهن العقاري- أي أنهم يواجهون غرامة السداد المبكّر. وليس من المسعف أن لمعظم القروض دون الممتازة معدّلات فائدة متغيّرة تعقّد مشكلة فهم المعاملة.
في سنة 2007 حدثت فورة في حبس الرهون دون الممتازة، ما أحدث ارتدادات في الأسواق المالية في أنحاء العالم، وحفز العديد من الهيئات الحكومية على التفكير الجدّي في كيفية المساعدة. لا شك في أن الأسواق تستطيع حلّ بعض هذه المشكلة إذا تركت بمفردها، لأن المستثمرين الذي يشترون القروض دون الممتازة تعلّموا بالتجربة المريرة أن القروض أكثر خطورة مما تبدو عليه. (كان وسطاء الرهن العقاري يخدعون المستثمرين الذين اشتروا القروض بالإضافة المقترضين.) لكن قوى السوق لم تحل دون وقوع المشكلة، لذا أطلقت دعوات إلى مزيد من التدخّل. ويطالب بعض الأشخاص بوضع حدّ للإقراض النهبـي، لكن بما أن القروض لا تأتي ممهورة بكلمة "نهبية"، فمن الصعب تنفيذ مثل هذا الحظر من دون حرمان العديد من المقترضين العالي المخاطر من أي مصدر تمويل. ونحن دعاة الأبوية الليبرالية لا نحبّذ الحظر بطبيعة الحال. وبدلاً من ذلك نفضّل إدخال تحسين على تصميم الخيارات يساعد الناس في التوصّل إلى خيارات أفضل وتجنّب القروض النهبية حقاً - القروض التي تستغلّ جهل الناس، واختلاط الأمور عليهم، وضعفهم. بل إننا نعتقد أن سوق الرهن العقاري بأكملها ستستفيد من إدخال تحسين رئيسي على تصميم الخيارات.
المشكلة الأساسية تمكن في أن قانون توخّي الصدق في الإقراض القديم غير ملائم البتة اليوم. فعندما تتفاوت أسعار الفائدة وتكثر الرسوم المدفوعة، لا يكفي مجرّد تفحّص معدّل الفائدة السنوي. وقد اقترح أستاذ القانون لورن ولكنز (Lauren Wilkins) في سنة 2006 استراتيجية للإصلاح تقضي بالحدّ من مجموعة الرهون العقارية المسموح بها لتسهيل المقارنة. ويشمل ذلك حظر الرهون العقارية التي تتسم بمزايا مثل إطفاء الدين السالب أو الدفعات المفرطة الحجم في نهاية القرض. وفي هذه الرهون العقارية، تستحقّ دفعات كبيرة في النهاية لأن الرهن والفائدة لم يسدّدا تماماً خلال مدة القرض. وتقوم الفكرة على أنه إذا كان أنواع قليلة من الرهون العقارية - مثل القروض لمدّة ثلاثين سنة بمعدّل فائدة ثابت فقط - فسيسهل على المقترضين الاختيار بحكمة. ويعتقد ولكنز أن تكاليف الرهون العقارية الغريبة تفوق منافعها. ويقترح ولكنز أيضاً أن يظلّ تقدير القرض صالحاً لمدة ثلاثين يوماً وأن يتعيّن على المقترض الانتظار قبل شراء القرض. وعلى الرغم من أننا نجد بعض الحسنات لهذا الاقتراح، ونتعاطف مع هدف تسهيل التسوّق، فإن اقتراح ولكنز لا يصلح بوصفه أبوياً تحرّرياً لأنه يحظر العقود التي قد تكون ذات منفعة متبادلة. فالرهون العقارية بمعدّل فائدة متغيّر ليست سيّئة بطبيعتها حتى وإن كانت بفائدة ترغيبية. فقد تكون هذه الرهون العقارية جذّابة جداً لمن يعتزمون بيع بيتهم أو إعادة تمويله في غضون بضع سنوات.
بدلاً من ذلك، نعتقد أن نوعاً من خطة "ركاب" ربما يكون مفيداّ. ولدينا ضربان من "ركاب" في هذا الميدان. في الشكل المبسّط، يكون على مقرضي الرهون العقارية الإبلاغ عن تكاليف الإقراض في فئتين: الرسوم والفائدة. وفي أحد ضروب مثل هذا الإبلاغ التي اقترحها ولكنز، يجب الإبلاغ عن كل أنواع الرسوم المختلفة، لكنها تجمع معاً في رقم واحد واضح.
وجدت بحوث وودورد أن من يحصلون على أفضل الصفقات - عن طريق الحظّ! - هم من لا يدفعون أي رسوم مقدّماً. (ويعني ذلك أن الوسيط يدفع كل الرسوم من عمولته. قد يكون هناك وجبات غداء مجانية بين الحين والآخر، لكن لا يوجد شيء يسمّى رهناً عقارياً مجّانياً.) والتفسير الأرجح لهذه النتيجة أنه عندما يكون الرسم صفراً، يصبح من الأسهل على المقترضين مقارنة الشروط، لأن معدّل الفائدة هو الأمر الوحيد الذين عليهم النظر فيه. ويشمل هذا الكشف عن معدّل الفائدة سعر الفائدة بطبيعة الحال، لكنه يبيّن أيضاً جدول الدفعات على المدّة بالسنين، بافتراض أن معدّلات الفائدة التي تقوم عليها لا تتغيّر. ويضمن ذلك للمقترضين أن يعرفوا على الأقلّ ما ستكون عليه دفعاتهم عندما ينتهي سعر الفائدة الترغيبـي. ومن المستحسن أيضاً إضافة نوع من المعلومات عن سيناريو أسوأ حالة بحيث يتمكّن المقترضون من أن يعرفوا مقدار الارتفاع الذي يمكن أن تبلغه دفعاتهم في المستقبل.
ويتعيّن على المقرضين أن يوفّروا أيضاً تقرير "ركاب" مفصلاّ يُقرأ بالمكنة، وهو تقرير يدرج كل أحكام الرسوم ومعدّلات الفائدة، بما في ذلك الفائدة الترغيبية، وبماذا ترتبط التغيّرات غلى معدّلات الفائدة المتغيّرة، وسقوف التغيّرات في السنة، وما إلى هنالك. ونعتقد بشدّة أنه لو توفّرت بيانات "ركاب"، فستظهر خدمات الأطراف الثالثة للمقارنة بين المقرضين. ويجب توخّي العناية كي لا يرعى النظام التواطؤ، لكننا نعتقد أن من السهل مراقبة ذلك ومنعه.
وهكذا فإن بيانات "ركاب" تسهّل تسوّق الرهون العقارية على الإنترنت، ما يجعل سوق الرهن العقاري أكثر تنافسية. ومن المرجّح أن يساعد التسوّق على الإنترنت فئات النساء والأقليات. فقد وجدت دراسة عن تسوّق السيارات أن النساء والأميركيين الفارقة يدفعون المبلغ نفسه الذي يدفعه الذكور البيض عندما يشترون السيارات على الإنترنت، لكنهم يدفعون أكثر للوكالة، حتى بعد أخذ العوامل الأخرى في الحسبان، مثل الدخل.112
قروض الطلاب
ترتفع تكلفة الالتحاق بالجامعة بالسرعة نفسها تقريباً التي ترتفع فيها تكلفة الرعاية الصحية وبطاقات البيسبول النادرة. ففي كثير من الجامعات الخاصة، بما في ذلك جامعتنا، يتكلّف الطالب أكثر من خمسين ألف دولار في السنة مقابل الرسوم التعليمية، والغرفة، والطعام والشراب. ولا تغطّي المنح والعمل بعض الوقت تكلفة الدراسة عادة. لذا غالباً ما يلجأ الطلاب وأهلهم إلى قروض الطلاب للمساعدة. بل إن القروض خيار شائع. ويكون نحو ثلثي طلاب الدراسة في الجامعة لمدة أربع سنوات مديونين عندما يتخرّجون.
هناك نوعان من القروض في السوق: قروض شخصية صرف تمنحها المؤسسات المالية، وقروض تدعمها الحكومة الاتحادية، وتدعى قروض ستافورد. تستند قروض ستافورد إلى الحاجة. فتدفع الحكومة الفائدة على القروض في أثناء دراسة الطالب، وتضمن التسديد للمقرض إذا تخلّف الطالب عن الدفع، وتدعم القروض. ويجد المقرضون أن تقديم هذه القروض مربح جداً.
غير أن المقترضين الطلاب وأسرهم يواجهون للأسف أنواع الصعوبات نفسها التي يواجهها المقترضون دون الممتازين. وعلى نحو مماثل، ترد رسائل استدراج إلكترونية مماثلة من المقرضين الخاصين تستهدف الجمهور الشاب. وبعض هذه الاستدراجات شديدة السخافة، لكن يبدو أنها فعّالة أيضاً. على سبيل المثال، يوحي واحد عشرات منشورات القروض التي يتلقّاها طلابنا بالبريد في السنة الأخيرة من الدراسة الثانوية بأن الحصول على قرض قيمته أربعون ألف دولار يمكن أن يكون سهلاً مثل طلب بيتزا، ويصوّر طاهي بيتزا يعد "باتخاذ قرار في غضون 15 دقيقة"!
إن التسوّق للحصول على قرض طالبـي يماثل البحث عن رهن عقاري في التعقيد. يحاول الطلاب عادة الحصول على قرض اتحادي لأنه أرخص (وهي حقيقة لا يذكرها طاهي البيتزا في الإعلان)، ثم يبحثون عن قرض خاص عند اللزوم. ولتقديم طلب للحصول على اتحادي، على الطالب أن يملأ أولاً طلباً مجانياً للإعانة الاتحادية للطلاب. وإذا كان الطالب قد قدّم أيضا طلباً للحصول على إعانة مالية من الجامعة الخاصة، فإن عليه أيضاً استكمال ملف الإعانة المالية لمجلس الجامعة. ويحتوي كل نموذج على أكثر من مئة سؤال تتفاوت تبعاً للكلّيات المعنية، ويستغرق ملؤها ساعات. (يتندّر بعض الطلاب الثانويون والجامعيون بأنه يستغرق وقتاً أطول من طلب الالتحاق بالجامعة.)
وعلى نحو نموذج الرهن العقاري المثالي، يكون نطاق هذه الأسئلة واسعاً جداً. يُسأل الطلاب عن الأوضاع المالية لأبويهم، حتى إذا كانوا لا يعرفون الكثير عنها. وبعد ملء النماذج، تحدّد وزارة التعليم مقدار ما تستطيع أن تدفعه الاسرة للجامعة (يسمّى مساهمة الأسرة المتوقّعة). وبعد ذلك تقرّر الجامعة مقدار القرض.
وبدلاً من ذلك يستطيع الطلاب التوجّه إلى القطاع الخاص للحصول على قرض. وبإرسال إثبات على الالتحاق بالجماعة إلى المقرض، يستطيع الطالب الحصول المبلغ الذي يعتقد أنه ضروري. وخلافاً للقروض الاتحادية، يمكن استخدام هذه النقود لأي مصروفات، لذا فإن القروض الموجّهة للاستهلاك يمكن أن تشجّع الطلاب على اقتراض الكثير والإفراط في الإنفاق.
وكما في حالة الرهن العقاري، حيث غالباً ما يطلب المقترض بسذاجة نصيحة الوسيط، فإن الطلاب وأهلهم يلجؤون تقليدياً إلى مكاتب الإعانات المالية طلباً للنصح. ومعظم هذه المكاتب مفيدة وصادقة بطبيعة الحال. غير أن بعضها لا يبدي اهتماماً أكثر من لاعب الكريكت الذي تحوّل إلى وسيط رهن عقاري. يقدّم المسؤولون عن القروض النصح، لكن بدلاً من التنبيه الحسن النيّة، فإن النصيحة غالباً ما تخفي مساعدة الذات. كما أن بعض مكاتب الإعانة في الجامعات تتشارك مع المقرضين الذين يقدّمون الهدايا وخيارات الأسهم، و"التبرّعات" إلى الجامعة لكي يصبحوا "المقرضين المفضّلين" - وذلك نوع من خاتم "التدابير الجيدة" لقروض الطلاب.113 ويبلغ موظف في الإعانة المالية في الجامعة الطلاب أن بإمكانهم اختيار المقرضين من قائمة المقرضين "المفضّلين" فحسب، حتى إذا كان هؤلاء المقرضون لا يقدّمون القروض تبعاً لأفضل مصالح الطلاب. وفي إحدى الجامعات، سُمح لأحد المقرضين بتقديم موظفين لمركز اتصال باسم الجامعة. وعندما يتصل الطلاب للسؤال عن القروض، يقوم هؤلاء الموظفون "غير المتحيّزون" بالترويج لقروض شركتهم. وعندما يأخذ الطلاب هذه القروض، يتكرّم المقرض بتقاسم الأرباح مع الجامعة.
ربما يتساءل المرء لماذا يتلهّف المقرضون لتقديم القروض للطلاب بحيث يبدون استعداداً للانخراط في ممارسات غير أخلاقية على الأقل وربما تكون غير قانونية. والجواب أن ائتلاف ضمان القروض والإعانة من الحكومة تجعل هذه القروض مربحة جداً، لذا يتنافس المقرضون بشدّة على دخول هذا المجال. ومن المفترض أن الأمل بهذه المنافسة هو ما دفع الحكومة إلى تصميم البرنامج بهذه الطريقة الخاصة جزئياً، حيث تقدّم الحكومة الاتحادية الإعانات لكنها تعتمد على القطاع الخاص لتوزيع القروض. غير أن المنافسة لم تركّز على السعر. وبدلاً من ذلك، انخرط المقرضون في ما أسماه الاقتصاديون أنشطة السعي للإيجار. وتقوم الفكرة على ان العارضين سيكونون مستعدّين لإنفاق الكثير من الوقت والنقد لدخول هذا المجال من العمل إذا كانت الأرباح مرتفعة. وبالنظر إلى الأرباح المفرطة المتاحة للمقرضين الذين يقدّمون قروض الطلاب، فإن هناك مغريات للقيام بكل ما يلزم لتصدّر المتنافسين.
يوضح هذا المثال، كما هي الحال في الرهون العقارية، مشكلة توجيه الناس لطلب نصح "الخبراء" عندما يواجهون مشاكل صعبة وعالية المخاطر ويحارون بشأن ماذا يفعلون. وإذا لم يردّوا على إعلان البيتزا لأنه سهل، ولكن حصلوا على النصح بدلاً من ذلك، فربما ينتهي بهم الأمر إلى الحصول اقتراحات مفيدة ذاتياً شبيهة باقتراح رجل البيتزا. فالعملاء المحتارون هم كنز المستشار الذي يلجؤون إليه. وفرصة سرقة العملاء المحتارين كبيرة. هناك نقود على الطاولة، ومن الصعب وضع سياسات عامّة تكبح "المستشارين" من تلقّف تلك النقود. الأفضل إبلاغ العملاء بتحسين تصميم الخيارات. فإذا تمكّن المقترضون من المقارنة بين القروض بسهولة، فعندئذٍ ربما تبرز المنافسة السعرية التي كان يؤمل بها.
من التنبيهات التي تعود بالنفع تبسيط طلب الإعانة المالية. فالصيغة المعقّدة لهذه الطلبات يمكن أن تثني الطلاب عن تقديم طلب إعانة مالية وتدفعهم بدلاً من ذلك إلى التماس القروض الغالية المقدّمة للمستهلكين مباشرة. ومع أن وزارة التعليم لم تصدر صيغة محدّدة تبيّن كيف تحدّد مقدار الإعانة التي تحصل عليها الأسرة، فإن تطبيق "رِكاب"، أي تسجيل الأسعار البديلة وتقييمها ومقارنتها، على قروض الطلاب يبدأ بتقليص عدد الأسئلة في طلب الإعانة الاتحادية للطلاب وجعلها منتظمة لكل القروض، الاتحادية والخاصة.
يمكن أيضاً جمع طلب الإعانة الاتحادية للطلاب مع الإقرار الضريبـي السنوي. ففي إحدى الدراسات المستمرّة في أوهايو، قدّم خبراء الضرائب في شركة إتش أند آر بلوك برمجية لطلب الإعانة الاتحادية للطلاب إلى الأسر التي تستحق الإعانة المالية الاتحادية أو من الولاية على الأرجح. وقد استخدمت هذه البرمجية الإقرار الضريبـي لاستكمال معظم طلب الإعانة الاتحادية للطلاب.114 كما أن سياسة "رِكاب" تسهّل على الطلاب مقارنة مختلف خيارات القروض من خلال مدرستهم. بل إن تعلّم استخدام جداول بيانات "رِكاب" يمكن أن يكون واجباً ممتازاً في صف الرياضيات للسنة الثانوية الأخيرة.
ثمة احتمال آخر هو مساعدة الأسر في تجنّب القروض أصلاً، أو على الأقل الحاجة إلى مثل هذه القروض، بمساعدتهم ببدء الادّخار للتعليم الجامعي باكراً عبر حسابات الادّخارات الجامعية ("529 خطة"). وفي البحث المستمر الذي يجريه إريك بتنغر (Eric Bettinger)، وبردجيت لونغ (Bridget Long)، وفيل أوريوبولوس (Phil Oreopoulos)، يجب أن يجتمع طلاب الصف الثامن وأسرهم مع مرشدين مدرسيين للحصول على تنبيه صغير. وفي الاجتماعات، يُعرض على الأسر خيار إيداع النقود مباشرة في حساب الادّخار الجامعي كل شهر. ولتحفيزهم على ذلك، يحصلون على مئة دولار في حساب الادّخار عند التوقيع. ومن خلال هذه العملية، تستطيع الأسر ادّخار النقود للتعليم الجامعي بطريقة ملائمة.115
بطاقات الائتمان
بطاقة الائتمان من مزايا الحياة الحديثة الواسعة الانتشار. ومن المستحيل تقريباً العمل في المجتمع من دون واحدة. حاول تسجيل الدخول إلى فندق، أو استئجار سيارة، أو استئجار مجموعة من مضارب الغولف من دون بطاقة ائتمان. وأرجو لك حظاً سعيداً. بطاقات الائتمان تخدم غايتين. أولاً، توفير طريقة دفع بدلاً من النقود، وقد حلّت إلى حدّ كبير محلّ الشيكات لذلك الغرض في المعاملات وجهاً لوجه، على الرغم من أنك ما زلت تعلق بين الحين والآخر خلف امرئ في صف انتظار الدفع في متجر البقالة يريد أن يكتب شيكاً مقابل شراء ما قيمته 7.37 دولارات. والغاية الثانية لبطاقة الائتمان هي توفير مصدر جاهز للسيولة إذا أردت أن تنفق أكثر من النقود التي حالياً. أما بطاقات الخصم المباشر، وهي تبدو مماثلة تماماً لبطاقات الائتمان، فإنها تخدم الوظيفة الأولى فقط، لأنها مرتبطة بحساب مصرفي ولا تسمح بالاقتراض ما لم تكن مرتبطة بخط ائتماني. (تنبيه: تقدّم بعض بطاقات الخصم المباشر خطوطاً ائتمانية برسوم مرتفعة. إذا استخدمت بطاقة خصم مباشر للاقتراض، عليك أن تحرص على أن تكون الرسوم اتي تدفعها أدنى من تلك التي تدفعها باستخدام بطاقة ائتمان.)
بطاقات الائتمان ملائمة جداً. وغالباً ما يكون الدفع ببطاقة ائتمان أسرع من الدفع نقداً، ويجنّبك المعاناة من الفكّة: يخلّصك من إزعاج البحث في جيبك عن قطعة النقود الملائمة، وجرّة السنتات في المنزل. وهناك أيضاً أميال السفر بالطائرة! لكن إذا لم تتوخّ الحذر، فقد تصبح بطاقات الائتمان إدماناً. انظر في الأرقام التالية:
? أفاد مكتب الإحصاء أنه كان هناك أكثر من 1.4 مليار بطاقة ائتمان في سنة 2004 تعود إلى 164 مليون حامل بطاقة ائتمان - 8.5 بطاقة ائتمان في المتوسّط لكل حامل بطاقة.
? ينقل 115 مليون أميركي حالياً دين بطاقة الائتمان من شهر إلى آخر.
? في سنة 1989 كانت الأسرة الأميركية العادية تدين لشركات بطاقات الائتمان بنحو 2679 دولاراً، وفي سنة 2007 ارتفع الرقم إلى 8000 دولار. وربما تكون هذه الأرقام متدنية جداً لأنها تستند إلى الإقرار الذاتي. وباستخدام بيانات مجلس الاحتياطي الاتحادي، يرى بعض الباحثين أن الأسر الأميركية ربما تدين لبطاقات الائتمان بمبلغ 12,000 دولار في المتوسّط. يترجم ذلك وفقاً لمعدّل فائدة مثالي يبلغ 18 في المئة في السنة إلى دفع أكثر من 2000 دولار في السنة مقابل الفائدة فقط.116
بالعودة إلى مشكلات ضبط النفس التي تناولناها في الفصل الثالث، يمكننا أن نرى كيف تحدث بطاقات الائتمان مشكلات خطيرة لبعض الأشخاص. في حقبة ما قبل بطاقات الائتمان، كانت الأسر مجبرة على استخدام نظام حساب الدفع الفوري. ولذلك كان الناس يستخدمون جرار النقود الموسومة وفقاً للغاية أو المدفوع له. الآن لديك دائماً بطاقة الائتمان إذا لم يكن لديك نقود لملء سيارتك بالبنزين. وتثبط بطاقات الائتمان ضبط النفس بطرق أخرى. فقد كشفت دراسة أجراها درازن بريلك (Drazen Prelec) ودَنْكَن سِمِستر (Duncan Simister) في سنة 2001 أن الناس مستعدّون لدفع ضعف ما يدفعونه للحصول على تذاكر لمباراة فريق بوسطن سلتكس لكرة السلّة لو كان في وسعهم الدفع ببطاقات الائتمان بدلاً من نقداً. ومن المتعذّر تخمين مقدار النقود التي يدفعها الناس للحصول على أميال الطيران الثمينة. وعندما يُبلغ حدّ الإنفاق لإحدى بطاقات الائتمان، فإن هناك دائماً بطاقة أخرى يمكن استخدامها، أو حساب جديد يمكن فتحه باستخدام إحدى البطاقات التي تصل يومياً بالبريد وتعلن منحك "الموافقة المسبقة".
هل تستطيع الأبوية التحرّرية المساعدة؟ إننا نعتقد أن هذا مجال مثالي لنظام "رِكاب"، على نحو الرهن العقاري. ونقترح أن يُطلب من شركات بطاقات الائتمان أن ترسل بياناً سنوياً، ورقياً وإلكترونياً، يدرج كل الرسوم التي تُكبّدت خلال السنة ومجموعها. ويفيد هذا التقرير غايتين. أولاً، يستطيع مستخدمو بطاقات الائتمان استخدام النسخة الإلكترونية من التقرير للحصول على اتفاقات أفضل. فعندما يعرف العملاء استخدامهم الدقيق والرسوم المدفوعة، فإنهم يحصلون على فكرة أفضل عما يدفعون في المقابل.
وإليكم مثالاً على ذلك. من الطرق التي رفعت بها شركات الائتمان الأسعار بتكتّم خفض عدد الأيام المتاحة لديك بين وقت حصولك على الفاتورة وتاريخ استحقاق الدفع. وإذا ما فوّتَّ تلك الدفعة فإنك لن تدفع جزاء فحسب، وإنما فائدة أيضاً على كل ما تشتريه في الشهر التالي، حتى إذا كنت تدفع الفاتورة كاملة عادة. وبالنسبة لمن يستخدم بطاقة الائتمان بكثافة، مثل من يسافر تكراراً للعمل، يمكن أن يؤدّي تفويت تسديد دفعة بقيمة خمسة آلاف دولار يوماً واحداً إلى دفعة إضافية تزيد على مئة دولار.
ثانيا، يوضح التقرير للمستخدمين مقدار ما يدفعونه خلال السنة. وثمة بعض بطاقات الائتمان التي تصدر الآن موجزاً سنوياً بالمشتريات، وفقاً للفئة، ما قد يساعد في إعداد الإقرار الضريبـي، لكن مطلب "رِكاب" يجبر مصدري بطاقات الائتمان على إدراج معلومات عن رسومهم في هذه الوثيقة. فغالباً ما تكون تلك الرسوم خفية. على سبيل المثال، إذا اشتريت شيئاً بعملة أجنبية، تتقاضى شركة بطاقة الائتمان رسماً على تحويل ذلك الشراء إلى دولارات (وهو أمر لا يكلّف المصارف شيئاً فعلياً). وفي بيان "رِكاب" (تسجيل الأسعار البديلة وتقييمها ومقارنتها)، تبلّغ بمقدار ما دفعت مقابل امتياز استخدام بطاقتك في إجازتك في المكسيك. وبما أن الفائدة على بطاقات الائتمان لا تقتطع من الضريبة، فليس هناك من سبب يدعو المستخدمين للتدقيق في مقدار ما دفعوا من فوائد في السنة الماضية على كل بطاقات الائتمان لديهم، ومن المرجّح أن تكون الرسوم خفية وأن تُتجاهل تماماً. تخيلوا الدعوة إلى الاستيقاظ التي يتلقّاها مستخدم بطاقة الائتمان عندما يبلّغ أنه دفع في السنة الماضية 2153 دولاراً فائدة، و247 دولاراً رسوم تأخير، و57 دولاراً رسوم معاملات بعملات أجنبية.
يمكن أن تفيد بعض التنبيهات أيضاً. على سبيل المثال، تذكر بطاقات الائتمان دائماً الدفعة الدنيا التي يمكن أن تسدّدها عندما تستلم فاتورتك الشهرية. يمكن أن يفيد ذلك بمثابة مرتكز وتنبيه بأن هذه الدفعة الدنيا مبلغ ملائم.117 وبالنظر إلى أن الدفعة الدنيا صغيرة مقارنة بإجمالي الفاتورة، فإن دفع هذا المبلغ يعظّم مدفوعات الفائدة مع الوقت. بل إن شركات بطاقات الائتمان تجعل من الصعب عليك أن تلزم نفسك بتسديد دفعة بطاقة الائتمان كاملة كل شهر. حاول تفعيل ميزة الدفع التلقائي مع مصرفك، وستجد على الأرجح أن الخيار الافتراضي الوحيد هو تسديد الدفعة الدنيا، لا الفاتورة بأكملها. ونعتقد أنه يجب على الشركات أن تسمح بالتسديد التلقائي للفاتورة بأكملها.
لقد تناولنا عدداً من الموضوعات في هذا الفصل، لكن الرسالة الموحّدة بسيطة. الحياة معقّدة أكثر بكثير مما يجب بالنسبة للرهون العقارية، والقروض الدراسية، وبطاقات الائتمان، ومن الممكن استغلال الناس. وغالباً ما يكون من الأفضل الطلب إلى الناس أن يعتنوا بأنفسهم، لكن عندما يقترض الناس، يمكن أن تؤدّي سهولة استسلام البشر للإغراء إلى مصاعب خطيرة بل كوارث. وعلى الحكومة هنا، كما في كل مكان آخر، أن تحترم حرّية الاختيار، ولكن مع إدخال قليل من التحسينات على تصميم الخيارات يقلّ كثيراً احتمال أن يسيء الناس الاختيار.





9 خصخصة الضمان الاجتماعي: أسلوب التنوّع118

في حملة الانتخابات الرئاسية الأميركية لسنة 2000، دعا جورج دبليو بوش إلى الخصخصة الجزئية لنظام الضمان الاجتماعي. ووفقاً لخطّته، يخصّص جزء من الضريبة على الراتب لحسابات الادّخار الفردية. وبينما كانت هذه القضيّة تناقش في الولايات المتحدة، أطلقت السويد نظاماً مماثلاً لاقتراح الرئيس بوش. وعلى الرغم من أن خطّة بوش لم تلقَ كثيراً من الاهتمام في سنوات إدارته الأولى، فإنها برزت بقوّة في سنة 2005. ومع أنها فشلت في الكونغرس، فإن من المرجّح أن يُنظر في إحدى صيغ ذلك الاقتراح ثانية في وقت ليس ببعيد، إما في الولايات المتحدة، وإما في بلدان أخرى. ويمكن استقاء دروس مهمّة من التجربة السويدية - دروس أهمّها حدود أي احتفاء بسيط بحرية الاختيار.
وسنرى أن المسؤولين السويديين أجادوا في بعض نواحي تصميم الخيارات لكنهم ارتكبوا خطأ مهماً واحداً على الأقل أدّى إلى اختيار المواطنين محافظ ليست جيّدة بالقدر الممكن. وثمة مجموعة من التنبيهات التي كان يمكن أن تساعد. وبإدراكنا السبب، يمكننا أن نتعلّم الكثير عن إصلاح الضمان الاجتماعي، وعن أشياء كثيرة إلى جانب ذلك.
تصميم خطة الخصخصة السويدية
إذا كان علينا استخدام عبارة واحدة لوصف تصميم الخطة السويدية، فإنها "داعمة للاختيار". فالخطة مثال جيد في الواقع على استراتيجية "تعظيم الخيارات فحسب". امنح الناس أكبر قدر ممكن من الخيارات، ثم اتركهم يفعلون ما يحلو لهم. فقد اعتمد المصمّمون نهج حرّية العمل في كل مرحلة تقريباً. وتضمّ الخطّة المزايا الرئيسية التالية تحديداً:
1. سُمح للمشتركين بتشكيل محافظهم باختيار ما يصل إلى خمسة صناديق من قائمة معتمدة.
2. اختير أحد الصناديق (مع بعض العناية) ليكون صندوقاً افتراضياً لكل من لم يختر صندوقاً لأي سبب كان.
3. حُثّ المشتركون (عبر حملة إعلانية ضخمة) على اختيار محافظهم بدلاً من الاعتماد على الصندوق الافتراضي.
4. سُمح لأي صندوق يفي بالمعايير الائتمانية بدخول النظام. وهكذا حدّد دخول السوق مزيج الصناديق التي يمكن أن يختار منها المشتركون. ونتيجة لهذه العملية، كان هناك 456 (!) صندوقاً في البداية. (واعتباراً من 14 آب/أغسطس 2007، أصبح هناك 783 صندوقاً في الخطة، لكن كان يوجد منذ البداية أكثر من 1000 صندوق، لذا فإن بعض الصناديق تدخل وتخرج بسرعة.)
5. قدّمت المعلومات عن الصناديق، بما في ذلك الرسوم والأداء السابق والمخاطر، على شكل كتاب لكل المشتركين.
6. سُمح للصناديق (باستثناء الصندوق الافتراضي) بالإعلان لاجتذاب النقود.
لو كان كل المواطنين السويديين اقتصاديين، لما أثار أي من هذه الخيارات التصميمة خلافاً. فمزيج حرّية الدخول، والمنافسة غير المقيّدة، وكثير من الخيارات الأخرى تبدو عظيمة. لكن لو كان السويديون بشريين، فإن تعظيم الخيارات يمكن ألا يقود إلى أفضل نتيجة ممكنة. ولم يؤدّ إلى ذلك كما بيّنت النتيجة.
الصندوق الافتراضي
هناك مجموعتان من المسائل المتعلّقة بالصندوق الافتراضي. ماذا يجب أن يكون في المحفظة؟ وما المكانة الذي سيحصل عليها من الحكومة - أي هل تريد الحكومة أن تحثّ الناس على اعتماد الصندوق، أو تثنيهم عن ذلك، أو ماذا؟ وإليكم قليل من العديد من الخيارات المحتملة التي يمكن انتقاؤها:
أ. لا يمنح المشتركون أي خيار: الصندوق الافتراضي هو الصندوق الوحيد المعروض.
ب. اختير صندوق افتراضي، لكن يُثنى عن اختياره.
ج. اختير صندوق افتراضي، ويحثّ على اختياره.
د. اختير صندوق افتراضي، ولا يحثّ على اختياره أو يُثنى عنه.
هـ. الخيار مطلوب. ليس هناك خيار افتراضي، وعلى المشتركين الاختيار وإلا يخسرون مساهماتهم.
أي من هذه الخيارات يمكن أن ينتقيه التصميم الجيد؟ يتوقّف ذلك على مستوى ثقة المصمّم في قدرة المشتركين على الاختيار الجيد من تلقاء أنفسهم واستعدادهم لذلك. الخيار (أ) لا يعدّ تنبيهاً. فهو يلغي كل الخيارات، ومتوافق جداً مع الأبوية التحرّرية. ولا نوصي به.
في الطرف الآخر، يستطيع مصمّمو الخطة تجنّب اختيار صندوق افتراضي تماماً بإجبار الجميع على اختيار محفظة بأنفسهم - الخيار (هـ)، الخيار مطلوب. إذا كان المصمّمون واثقين من أن الناس سيحسنون اختيار المحافظ بأنفسهم، عندئذ يمكن أن ينظروا في هذه السياسة. وعلى الرغم من الاختيار المطلوب يمكن أن يكون جذّاباً في بعض المجالات، فإننا نعتقد أن الحكومة السويدية أصابت بعدم الإصرار على هذا الخيار المحدّد.119 فمن المحتّم ألا يستجيب بعض المشتركين لمحاولات الوصول إليهم (ربما لأنهم خارج البلد، أو مرضى، أو مشغولون، أو غير قادرين على الاتصال، أو أنهم حمقى). وحرمان هؤلاء من كل المنافع أمر قاسٍ، وربما غير مقبول من الناحية السياسية أو من حيث المبدأ. وعلى أي حال، ليس من السهل الاختيار من بين أكثر من أربعمئة صندوق، فيما يفضّل بعض الأشخاص الاعتماد على رأي الاختصاصيين، كما يفعل الخيار الافتراضي.
لذا يبقى أمامنا الخيارات الوسطى. إذا كان يجب أن يكون لدينا خيار افتراضي بالإضافة إلى الخيارات الأخرى، فهل نحثّ على استخدامه أو نثني عنه؟ من الواضح أن هناك تشكيلة واسعة من الخيارات على السلسلة الممتدّة من الثني بشدّة عن الخيار الافتراضي إلى تشجيعه بقوّة. فما هو الخيار الأفضل؟ للخيار (د) جاذبية واضحة: حدّد خياراً افتراضياً لكن لا تُحثّ عليه أو تُثنى عنه. لكن من الوهم الاعتقاد بأن هذا البديل يحلّ المشكلة تماماً. فماذا يعني الوقوف على الحياد؟ إذا أبلغنا الناس بأن الخطة صمّمها خبراء وأنها ذات رسوم منخفضة (وكلاهما صحيح بشأن الخيار الافتراضي الفعلي)، هل يشكّل ذلك تشجيعاً؟ لا نريد إجراء تمييز بسيط هنا. بل إننا نقصد أن على المصمّمين اتخاذ قرار بشأن كيفية وصف الخطة الافتراضية، وستساعد هذه القرارات في تحديد الحصّة التي تجتذبها الخطة من السوق.
لتحليل الخيارات الوسطى، علينا أن نعرف شيئاً عن كفاءة من صمّم الخيار الافتراضي وكفاءة من ربما يبتعدون عنه وتنوّعهم. إذا كان المصمّمون رائعين، وإذا كان الخيار الافتراضي ملائماً للجميع، وإذا كان من المرجّح أن يخطئ المختارون، فمن المنطقي عندئذٍ حثّ الناس على انتقاء الخيار الافتراضي. وإذا كان المصمّمون يخمّنون أساساً، والمختارون يعرفون الكثير، وإذا كانت أوضاع المختارين المختلفين مختلفة نسبياً، فربما يكون من الأفضل ارتكاب خطأ بشأن حجم الحياد الرسمي.
على أي حال، اعتمدت الخطة السويدية نوعاً من الخطة (ب). فقد حُثّ المشتركون بقوّة على اختيار محافظهم عبر حملة إعلانية واسعة. ويبدو أن المسعى الإعلاني حقّق الأثر المرجوّ لأن ثلثي المشتركين اختاروا المحافظ بأنفسهم. ومن المرجّح أن يختار المشتركون فعلياً إذا كان لديهم مزيداً من النقود في الميزان، وعند تثبيت عامل النقود، فإن من المرجّح أن يختار المشتركون الشبان والنساء فعلياً. (لدينا نظرية تتعلّق بالسبب الذي يرجّح أن تختار النساء فعلياً: نعتقد أن من غير المحتمل أن تفقد النساء استمارات الالتحاق، ومن المرجّح ألا يغفلن عن إرسالها بالبريد. ونعترف بأننا لا نمتلك بيانات تدعم هذه النظرية، ونقرّ بذنبنا في احتمال أن نكون مفرطي التأثّر - عبر انحياز التوافر120 - بأن نصفنا الحلو أكثر تنظيماً منا بكثير.)
انتهى الأمر بثلث المشتركين بطبيعة الحال إلى انتقاء الخيار الافتراضي، وربما تبدو هذه النسبة مرتفعة. فقد حظيت في الواقع بحصّة أكبر من أي صندوق آخر في السوق. لكن الحكومة أجرت حملة واسعة كي يختار الناس فعلياً، ويمكن استنتاج أن الحملة كانت مؤثّرة مما حدث في السنوات التي تلت بدء الخطة. فمع تراجع حدّة الحملة الحكومية، أصبح من غير المرجّح أن يختار الناس محافظهم بأنفسهم.
وإليكم بعض التفاصيل. عندما أطلقت الخطة في ربيع سنة 2000، طُلب من كل مشارك كان في ذلك الوقت في عداد القوة العاملة اختيار محفظة. وفي السنوات التي تلت الإطلاق، انضمّ عمال جدد إلى الخطة (معظمهم من الشبّان)، وطُلب منهم أيضاً اختيار محفظة. لكن بعد فترة الالتحاق الابتدائية، أنهت الحكومة الحملة الإعلانية التي تحثّ المشتركين على الاختيار الفاعل. كما أن الصناديق الخاصّة قلّصت إعلاناتها الهادفة إلى اجتذاب الاستثمارات. وربما هبطت نسبة الأشخاص الذين يختارون محافظهم بأنفسهم نتيجة لهذين العاملين. فلم يختر إلا 8 في المئة فقط من العمّال الذين انضمّوا إلى الخطة في نيسان/أبريل 2006 (أحدث فترة التحاق لدينا بينات عنها)، محافظهم بأنفسهم.121 وبما أن المشتركين الجدد عمال شبّان بالدرجة الأولى، فإن هذه النسبة تقارن بنسبة العمال الذين كانوا تحت سنّ الثانية والعشرين عند إطلاق الخطة في سنة 2000. وقد اختارت تلك الفئة محافظها بأنفسها بنسبة 56.7 في المئة في سنة 2000، أي أكثر بكثير مما هي عليه الآن.

هل كانت خيارات من اختاروا فعلياً جيدة؟
هل كانت حال الناس أفضل باختيار محافظهم بأنفسهم؟ ليس لدينا بطبيعة الحال أي طريقة نعرف بها تفضيلات المشتركين الأفراد، ولا نعرف أيضاً ما الأصول التي يحملونها خارج نظام الضمان الاجتماعي، لذا من غير الممكن لنا أن نقول أي شيء قاطع بشأن حسن اختيار المحافظ. لكن يمكننا أن نعرف مع ذلك الكثير بمقارنة المحافظ التي ركّبها الناس فعلياً إلى جانب الخيار الافتراضي بناء على أبعاد يقدّرها المستثمرون العقلانيون - مثل الرسوم، والمخاطر، والأداء. وباختصار، لم يكن أداء من اختاروا فعلياً عظيماً جداً.
يبدو أن الصندوق الافتراضي اختير ببعض العناية (انظر الجدول 1.9). فتوزيع الأصول هو 65 في المئة للأسهم الخارجية (أي غير السويدية)، و17 في المئة للأسهم السويدية، و10 في المئة للأوراق المالية ذات الدخل الثابت (السندات)، و4 في المئة لصناديق التحوّط، و4 في المئة للأوراق المالية الخاصة. ومن بين كل الأصول، يدار 60 في المئة سلبياً، أي أن مديري المحافظ يشترون وفقاً لمؤشّر أسعار الأسهم ولا يحاولون التغلّب على السوق. ومن الأمور الجيّدة بشأن صناديق المؤشّر أنها رخيصة. فالرسوم التي تتقاضاها من المستثمرين أدنى بكثير من تلك التي تتقاضاها الصناديق التي تحاول التغلّب على السوق. وقد ساعدت هذه الرسوم المنخفضة لصناديق المؤشّر في المحافظة على التدنّي الشديد للتكاليف في الصندوق الافتراضي، 0.17 في المئة. (يعني ذلك أن المستثمر يدفع 17 سنتاً في السنة مقابل كل 100 دولار يستثمرها.) وعلى العموم، يرى معظم الخبراء أن هذا الصندوق جيد التصميم.


ملاحظة: يقارن الجدول بين الصندوق الافتراضي ومتوسّط المحافظ المختارة فعلياً. البيانات عن توزيع الأصول مستقاة من البيانات عن أرصدة الصناديق من مورننغ ستار. الرسم هو نسبة التكلفة السنوية لأصول الصناديق. الأداء الفعلي هو العوائد على السنوات الثلاث الأولى في الفترة بعد الإصلاح (31 تشرين الأول/أكتوبر 2000 إلى 31 تشرين الأول/أكتوبر 2003). وقد استخدمت حصص الصناديق في السوق في أعقاب اختيار المحافظ في سنة 2000 بمثابة ترجيحات لحساب خصائص متوسّط المحافظ المختارة فعلياً.

لمعرفة كيفية أداء من اختاروا فعلياً بوصفهم فئة، يمكننا أن نتفحّص الأرقام القابلة للمقارنة للمحفظة العامة التي اختارها في البداية المشتركون الذين اختاروا بأنفسهم. وثمة ثلاث نقاط مهمّة في هذه المقارنة. أولاً، على الرغم من أن الاستثمار في الأسهم في الخطة الافتراضية كان مرتفعاً إلى حدّ ما، فإنه أكثر ارتفاعاً في المحافظ التي اختيرت فعلياً: 96.2 في المئة. وربما اختار الناس الاستثمار في الأسهم لأن سوق الأسهم كانت مزدهرة في السنوات القليلة الماضية.
ثانياً، اختار من انتقوا فعلياً استثمار نصف نقودهم تقريباً (48.2 في المئة) في أسهم الشركات السويدية. ويعكس ذلك الميل المعروف جيداً للمستثمرين للشراء من بلدهم، وهو ما يسمّيه الاقتصاديون الانحياز للوطن.122 ربما تظن أن الاستثمار في الوطن منطقي: اشترِ ما تعرفه! لكن عندما يتعلّق الأمر في الاستثمار، فإن شراء ما تعتقد أنك تعرفه ليس منطقياً بالضرورة. فكما رأينا في الفصل السابق، فإن الموظفين الذين اشتروا أسهماً من الشركة التي يعملون فيها لا تظهر أي قدرة على اتخاذ قرارات تجارية مربحة.
لننظر في الحقيقة التالية. تستأثر السويد بنحو 1 في المئة من الاقتصاد العالمي. والمستثمر العقلاني في الولايات المتحدة أو اليابان يستثمر 1 في المئة من أصوله في الأسهم السويدية. فهل من المنطقي أن يستثمر المستثمرون السويديون 48 ضعف ذلك؟ لا.123
ثالثاً، كان 4.1 في المئة من الصناديق المختارة مرتبطاً بمؤشّر. ونتيجة لذلك، فإن الرسوم التي يدفعها من يختارون فعلياً أعلى بكثير: 0.77 في المئة مقارنة بـ 0.17 في المئة يتقاضاها الصندوق الافتراضي. ويعني ذلك أنه إذا استثمر شخصان عشرة آلاف دولار، فإن المستثمر الفاعل يدفع 60 دولاراً في السنة أكثر ممن اختار المحفظة الافتراضية. وذلك يتراكم بمرور الزمن.124 وباختصار، إن من اختاروا المحافظ بأنفسهم اختاروا التعرّض أكثر لمخاطر الأسهم، ومزيداً من الإدارة الفاعلة، ومزيداً من التركيز على الأسهم المحلية، ورسوماً أكثر ارتفاعاً.
كان من الصعب في وقت القيام بهذه الاستثمارات تقديم حجّة على أن استثمارات من اختاروا المحافظ فعلياً أفضل من الاستثمار في الصندوق الافتراضي. ومع أن بضع سنوات من العائدات لا تثبت أي شيء، فإن الصندوق الافتراضي لم يكن مصمّماً تصميماً أفضل فحسب، وإنما حقّق أداء أفضل أيضاً. ونظراً إلى تراجع السوق في أعقاب إطلاق هذه الخطة، لم يكن أداء المستثمرين جيداً في السنوات الثلاثة الأولى (من 31 تشرين الأول/أكتوبر 2000 إلى 31 تشرين الأول/أكتوبر 2003)، لكن معاناة من استثمر في الصندوق الافتراضي كانت أقلّ. فقد خسر الصندوق الافتراضي 29.9 في المئة في تلك السنوات الثلاث، في حين خسرت المحفظة المتوسّطة للمشتركين الذين اختاروا صناديقهم فعلياً 39.6 في المئة.
وفي السنوات اللاحقة استمر الصندوق الافتراضي في الأداء الأفضل من أداء اختيارات المشتركين. وبحلول تموز/يوليو 2007، كان الصندوق الافتراضي قد ارتفع 21.5 في المئة في حين ارتفع متوسّط المحفظة المدارة فعلياً 5.1 في المئة. لقد كان أداء الصندوق الافتراضي جيداً جداً في تلك الفترة حتى إن مؤسسة التصنيف مورننغ ستار منحت الصندوق أعلى تصنيفاتها، خمس نجوم (مقارنة بالصناديق "العالمية" الأخرى)، منذ سنة 2003. في المقابل، ربما كانت المحفظة العامة التي اختارها المشتركون حصلت على ثلاث نجمات لو نظر إليها بمثابة صندوق عالمي واحد.
من المزايا المهمّة للتجربة السويدية أن الصندوق أطلق عندما كانت الأسهم الصاعدة (وفقّاعة أسهم التكنولوجيا) قد وصلت إلى نهايتها. وعلى الرغم من تعذّر تحديد التأثير الدقيق لهذا التوقيت في اختيارات الناس (أو حتى في قرار إطلاق برنامج الخصخصة)، فإن البيانات تقدّم بعض التلميحات القوية. فقد أشرنا إلى أن المحافظ المختارة فعلياً استثمرت أكثر من 96 في المئة من نقودها في الأسهم. ولو حدث الإطلاق بعد ذلك التاريخ بسنتين، لكانت النسبة المستثمرة في الأسهم أقل على نحو شبه مؤكّد. وكما شاهدنا في الفصل الثامن، يميل المستثمرون الأفراد إلى اتباع الاتجاهات في قرارات تخصيص الأصول، لا المتوقّعين الجيّدين.
ليس من المفاجئ أن تميل الاستثمارات نحو أسهم التكنولوجيا عندما كانت تلك الأسهم لا تزال تحلّق عالياً. ولإعطاء مثال إيضاحي واحد، كان "روبر أكتيفُند كُنتورا" (Robur Aktiefond Contura) الصندوق الذي اجتذب أكبر حصة في السوق (إلى جانب الصندوق الافتراضي)، بحصوله على 4.2 في المئة من مجموع الاستثمارات. (تلك حصّة هائلة من السوق: تذكّروا أنه كان هناك أكثر من 456 صندوقاً، وأن ثلث النقود ذهبت إلى الصندوق الافتراضي.) واستثمر "روبر أكتيفند كنتورا" في أسهم التكنولوجيا والرعاية في السويد وسواها بالدرجة الأولى. وفي السنوات الخمس المفضية إلى الاختيار، ارفعت قيمته بنحو 534.2 في المئة، وذلك أعلى ارتفاع في مجموعة الصناديق بأكملها. وفي السنوات الثلاث الأولى التي أعقبت إطلاق البرنامج، فقد 69.5 من قيمته. وفي السنوات الثلاث اللاحقة، استمرّت العائدات في التقلّب.
بالعودة إلى الوراء، لا يمكن أن يكون من المفاجئ أن يحصل صندوق مثل "روبر أكتيفُند كُنتورا" على نسبة مئوية كبيرة من مجموع الاستثمارات. فكّروا في ما طُلب من الناس أن يفعلوا. لقد حصلوا على كتاب يذكر عوائد 456 صندوقاً في آفاق زمنية متنوّعة، إلى جانب كثير من المعلومات المهمّة الأخرى، ومنها الرسوم والمخاطر، التي ليسوا مهيّئين لفهمها. الأمر الوحيد الذي ربما يكونون متأكّدين منه هو أن العائدات المرتفعة جيدة. وتلك عائدات سابقة بطبيعة الحال، لكن المستثمرين واجهوا تقليدياً صعوبات في التمييز بين العائدات السابقة وتوقّعات العائدات في المستقبل. ولا يسعنا إلا تخيّل وقوع الحوار الآتي على طاولة المطبخ في مكان ما في السويد بين السيد والسيدة سفنسون:
السيد سفنسون: ولما، ماذا تفعلين بذلك الكتاب؟
السيدة سفنسون: أبحث عن أفضل صندوق للاستثمار فيه يا بيورن. وأعتقد أنني وجدت واحداً. "روبر أكتيفُند كُنتورا" هو الصندوق الرابح. فقد ارتفع بمقدار 534 في المئة في السنوات الخمس الماضية. إذا استثمرنا فيه، فيمكننا التقاعد في مايوركا!
السيد سفنسون: نعم. أيمكنك أن تناوليني الغرافلكس؟125
نظراً إلى أن استثمارات المشتركين تتأثّر بالعائدات الحديثة، فمن الممكن أن يكون لتوقيت إطلاق البرنامج تأثير قوي في خيارات المشتركين. ويمكن أن يكون هذا التأثير طويل الأمد لأن نسبة ضئيلة فقط من المشتركين يقرّرون تغيير محافظهم. فالانحياز للوضع الراهن قوي في السويد. ففي السنوات الثلاث الأولى، بلغت النسبة المئوية للمشتركين الذين أجروا تغييراً واحداً على الأقل في محافظهم خلال السنة 1.7، و2.7، و3.1 على التوالي. وذلك مماثل لما تبيّن في الولايات المتحدة بشأن خطط 401(k).126 ويعني مزيج الاهتمام غير المتناسب الذي يولى للعائدات الحديثة والخمول في إدارة المحفظة أن حدث التوقيت (عندما يطلق النظام الجديد) يمكن أن يكون ذا تأثير عميق على الاستثمارات التي يختارها المشتركون.
ربما تكون عبارة "حدث التوقيت" خطأ في الواقع، إذ يبدو أن من المرجّح اعتماد خطة الخصخصة بعد مرور وقت طويل على ارتفاع السوق. لاحظوا تراجع الدعم السياسي لخطة بوش بعد هبوط السوق في سنتي 2001 و2002. فالأحكام السياسية، شأنها شأن القرارات الاستثمارية، يمكن أن تتأثّر بالأحداث الواقعة الحديثة.127
الإعلان
يبدو أن قرار السماح للصناديق بالإعلان لا يثير خلافات محدّدة. وبالنظر إلى ما تبقّى من تصميم النظام، من الصعب تصوّر وجود حظر على الإعلان. فإذا كانت الصناديق حرّة في دخول هذه السوق، فمن المفترض أن تكون حرّة في استمالة العملاء بكل الوسائل القانونية، وهي تشمل الإعلان (الصادق) بطبيعة الحال. ومن المثير للاهتمام أن نعرف تأثير الإعلان في السوق. فماذا يجب أن نتوقّع؟
لننظر في سيناريوهين متطرّفين "للحلم". في الحلم الأول، وهو الذي يحلم به اقتصادي السوق الحرّة ببسمة مطمئنّة على وجهه، يساعد المعلنون في تثقيف العملاء بشرح منافع التكاليف المنخفضة، والتنويع، والاستثمار على المدى الطويل، بالإضافة إلى حماقة استكمال العائدات الحديثة في المستقبل. وفي هذا الحلم، تساعد الإعلانات كل عميل في اكتشاف المكان المثالي في ما يسمّيه الاقتصاديون "الجبهة الكفوءة" - أي المكان الذي يريد كل المستثمرين العقلانيين إيجاده. بعبارة أخرى، يساعد الإعلان في جعل العملاء يختارون خيارات أفضل وأكثر ذكاء.
الحلم الآخر أقرب إلى الكابوس، وهو يبقي علماء النفس وعلماء الاقتصاد السلوكي قلقين. وفي هذا الحلم، يحثّ المعلنون المشتركين على التفكير بطموح، وعدم الاكتفاء بالمتوسّط (عن طريق الارتباط بمؤشّر)، والتفكير في الاستثمار بمثابة طريقة للإثراء. وفي هذا الكابوس، لا تأتِ الإعلانات على ذكر الرسوم. لكنها تتحدّث كثيراً عن الأداء السابق، مع أنه ليس هناك أي دليل على أن الماضي يتنبّأ بالأداء المستقبلي. (من يحب المراهنة على الأحداث الرياضية يدركون أمراً مماثلاً في الإعلانات التي تبلغ الناس عن "اليقينيات" بشأن المباريات القادمة، وعن التوقّعات المدهشة والتي لا تخطئ تقريباً للأسابيع الثلاثة الماضية مثلاً.)
كيف ظهرت الحقيقة؟ عرض أحد الإعلانات الممثل هاريسون فورد، بطل أفلام "ستار وورز" و"إنديانا جونز" الشهير، يمتدح منتجات صندوق سويدي. ووفقاً لنسخة الإعلان، "يستطيع هاريسون فورد مساعدتكم في اختيار معاش التقاعد الأفضل". (إننا نعرف أن إنديانا جونز صوّر بصفته أستاذاً في جامعة شيكاغو، لكن من المؤسف أنه لم يكن في كلية إدارة الأعمال أو في قسم الاقتصاد.)
تبيّن دراسة أجراها هنريك كرونكفست (Henrik Cronqvist) في سنة 2007 أن الإعلانات أشبه بالكابوس من الحلم السعيد. فلا يمكن اعتبار سوى نسبة صغيرة فقط من الإعلانات عن الصناديق بأنها تقدّم معلومات مباشرة عن المزايا المتصلة بالمستثمرين العقلانيين، مثل رسوم الصناديق. وفي حين أن الصناديق تشدّد في الإعلانات على العوائد السابقة (للصناديق ذات العوائد المرتفعة)، فإن هذه الإعلانات لا تتوقّع عوائد جيدة في المستقبل بأي حال من الأحوال. مع ذلك، فإن الإعلانات عن الصناديق أثّرت تأثيراً قوياً في خيارات محافظ المستثمرين. ووجّهت الناس نحو المحافظ ذات العوائد المتوقّعة المنخفضة (بسبب ارتفاع الرسوم) والمخاطر المرتفعة (عبر التعرّض المرتفع لمخاطر الأسهم، والمزيد من الإدارة الفاعلة، والمزيد من القطاعات "الساخنة"، والمزيد من الانحياز للوطن).
الأداء السيئ من دون تنبيهات
تقدّم قصة خصخصة الضمان الاجتماعي في السويد معلومات مهمّة. تكمن المشكلة الأساسية في أن المخطّطين الحكوميين لم يختاروا التصميم الأفضل للخيارات. وبدلاً من ذلك اعتمدوا على نوع من الالتزام الجازم بشعار "تعظيم الخيارات فحسب"، ما أدّى إلى تأثيرات متوقّعة نتيجة الانحياز للتوافر والخمول. وكان من الممكن أن يساعد التصميم الأفضل للخيارات.
لقد شدّدنا على أن مصمّمي الخطة السويدية قاموا بعمل ممتاز في مسألة انتقاء الخيار الافتراضي الرئيسي. فقد انتقي الخيار الافتراضي بعناية، ونعتقد أن كثيراً من الأشخاص من خارج السويد يمكن أن يستثمروا في الصندوق إذا كان ذلك متاحاً. وهذه النتيجة تظهر عدم صحّة فكرة أن الحكومات غير قادرة على القيام بأي شيء صحيح. غير أن أسوأ مزايا الخطة السويدية هو القرار بحثّ المشتركين على اختيار محافظهم. وفي الأوضاع المعقّدة، ربما تكون الحكومة قادرة بالفعل على تقديم بعض التلميحات المفيدة. تذكّروا درساً رئيسياً من القسم الأول: إذا كان القرار الأساسي صعباً وغير مألوف، وإذا لم يحصل الناس على تغذية راجعة فورية عندما يخطئون، فإن من المشروع، بل المستحسن، تقديم بعض التنبيه.
وفي هذا السياق، كان من الأفضل للحكومة أن تقول شيئاً كما يلي: "لقد صمّمنا برنامجاً يضمّ مجموعة شاملة من الصناديق لتختاروا من بينها. فإذا لم تكونوا مرتاحين لاتخاذ هذا القرار بأنفسكم، بإمكانكم استشارة خبير، أو اختيار الصندوق الافتراضي الذي صّممه الخبراء لأشخاص مثلكم". ويبدو أن الحكومة السويدية متفقة معنا: فهي لم تعد تحثّ الناس على اختيار محافظهم.
إذا اعتمدت الولايات المتحدة خصخصة جزئية مماثلة لنظام الضمان الاجتماعي، سواء أكان ذلك بديلاً للنظام التقليدي أو رديفاً له، فإن هناك كثيراً من الدروس المفيدة من التجربة السويدية. ونظراً إلى أن الاقتصاد الأميركي أكبر بثلاثين مرة من الاقتصاد السويدي، فإن نظاماً مماثلاً للدخول الحرّ ربما ينتج آلاف الصناديق. وربما يسرّ ذلك من يؤمنون بشعار "تعظيم الخيارات فحسب"، لكن معظم البشريين سيجدون أن الاختيار من مثل هذه القائمة الطويلة محيّر. ويمكن أن تبدأ خطة أفضل بحذو حذو السويد في اختيار خطة صندوق افتراضي جيدة، تحتوي على صناديق مرتبطة بمؤشّر واختيار مديريها بالعطاء التنافسي. وبعد ذلك يوجّه المشتركون عبر عملية اختيار بسيطة (يفضّل على الإنترنت). تبدأ العملية بسؤال نعم أو لا: "هل تريد الصندوق الافتراضي"؟ ومن يجيب "نعم"، تنتهي مهمّته (رغم أن في وسعه تغيير رأيه في تاريخ لاحق). ويعرض على من يرفضون الخيار الافتراضي مجموعة صغيرة من الصناديق المختلطة، ربما بناء على عمر المشترك (تدار إدارة خاصة برسوم تنافسية أيضاً). ولا يحصل على القائمة الشاملة إلا من يرفضون كل هذه الصناديق. وتوحي الأدلة المستقاة من القطاع الخاص أن قلّة من المشتركين يستخدمون القائمة الطويلة، لكن يتمتّع حقّهم في القيام بذلك بحماية تامة.
يقدّم تفحّص التجربة السويدية درساً أوسع بكثير. كلما قدمت مزيداً من الخيارات للناس، ازدادت المساعدة التي يجب عليك تقديمها. وذلك هو الدرس الذي لم يتعلّمه من صمّم برنامج مدِكير للأدوية التي تصرف بوصفة (Medicare Prescription Drug)، كما سنرى.





القسم III الصحة

يرى دعاة الأبوية التحرّرية فرصاً لا عدّ لها لتحسين صحّة الناس. فيمكن الاستفادة من التأثيرات الاجتماعية: إذا كان معظم الأشخاص يعتقدون أن معظم الناس أخذوا يتجنّبون الأغذية غر الصحية، أو يتمرّنون، فسيتجنّب مزيد من الأشخاص الأغذية غير الصحية ويمارسون التمارين. وكما رأينا، من يعرف أشخاصاً سمينين يكون سميناً على الأرجح، ويمكن أن يكون خفض الوزن معدياً أيضاً. كما أن التأطير مهمّ: من المرجّح أن ينخرط الناس في الفحوصات الذاتية لسرطان الجلد والثديين إذا لم يبلّغوا عن انخفاض المخاطر إذا قاموا بذلك، وإنما عن ارتفاع المخاطر إذا لم يفعلوا ذلك. والأطباء مصمّمو خيارات مهمّون، وعند فهم كيف يفكّر البشريون، يمكنهم أن يفعلوا الكثير لتحسين صحّة الناس وبالتالي إطالة أعمارهم.
سنركّز على ثلاث مشكلات محدّدة هنا. تثير الأولى أسئلة معقّدة عن تصميم الخيارات. فلدى الحكومة الاتحادية الآن خطة مكلفة جداً للأدوية التي تصرف بوصفة لكبار السنّ، وهي خطة تعمل بناء على الفرضيّة المألوفة بأن على الحكومة أن تمنح الناس كثيراً من الخيارات ثم تبتعد عن الطريق. ويعاني البرنامج الناتج من مشكلات كبرى كما سنرى، ويرجع ذلك جزئياً إلى أن كثيراً من الناس لا يستطيعون أن يفهموه. والمشكلة الثانية أكثر بساطة. وتستطيع الولايات المتحدة أن تنقذ كثيراً من الأرواح إذا تبرّع الناس بأعضائهم. كيف يمكن رفع معدّلات التبرّع بالأعضاء؟ لن تُدهش إذا سمعت أن إدخال تغيير على القاعدة الافتراضية سيُحدث تأثيراً كبيراً. وتشمل المشكلة الثالثة صحّة البشر لكنها تمتدّ إلى أبعد من ذلك: ما الذي يمكن القيام به لحماية البيئة؟ التنبيهات غير كافية، لكن فهم قوّتها يقدّم بعض الإجابات الجديدة عن ذلك السؤال.





10 أدوية بوصفات طبية: القسم (د) للتهويل128

كانت التغطية التأمينية للأدوية التي تصرف بوصفات موضوعاً ساخناً في حملة الانتخابات الرئاسية في سنة 2000. وقد اقترح الديمقراطي آل غور تفويضاً حكومياً كلاسيكياً حلاً لذلك. أراد غور أن يضيف تغطية الدواء بوصفة إلى الرعاية الطبية (مدِكير) في خطة واحدة، وجمع لجنة من الخبراء الطبيين لصياغة التفاصيل، وتقديم الصفقة الشاملة لكل المسنّين. في المقابل، قدّم الجمهوري جورج بوش ما يمكن اعتباره مثالاً جيداً على موضوع حملته: نزعة محافِظة متعاطفة. حاول بوش في الواقع الجمع بين النزعة المحافظة المتعاطفة ودور رئيسي للأسواق الحرّة والقطاع الخاص. فعرض على المسنّين برنامج استحقاق جديداً مكلفاً - لكنه برنامج يقدّم تشكيلة واسعة من خطط الأدوية التي وضعتها شركات الرعاية الصحية الخاصة ويسمح للمستهلكين بخيار الانضمام والخطة التي يختارونها.
بعد ذلك بثلاث سنوات، أقرّ الكونغرس نسخة الرئيس بوش بهامش تصويتي ضئيل. شكّلت خطة بوش أكبر تعديل في تاريخ الرعاية الطبية (مدِكير) واستحدثت إعانة اتحادية تبلغ نصف تريليون دولار لتغطية الأدوية بوصفة تدعى القسم (د). وأبلغ الرئيس بوش نادياً للمسنّين في فلوريدا في سنة 2006 فيما يجري الإعداد لإطلاق الخطة، "السبب الذي جعلنا نشعر أن من الضروري توفير الخيارات هو أننا نريد نظاماً يلبّي احتياجات المستهلك. فكلما ازدادت الخيارات التي لدينا، ازداد احتمال أن تجدوا برنامجاً يلائم احتياجاتكم الخاصة. بعبارة أخرى، برنامج الحجم الواحد الذي يلائم الجميع ليس برنامجاً مواتياً للمستهلكين. وأنا أؤمن بالمستهلكين، وأؤمن بالثقة بالشعب".129
حمّلت ثقة الرئيس بوش بالمسنّين الأميركيين جزءاً كبيراً من المسؤولية عن اتخاذ القرار. لكن لم يكن ذلك نظاماً يقوم على حرّية العمل، إذ فرضت الحكومة الوطنية الكثير من التنظيم. فقبل أن يتمكّن المستهلكون من البدء بالاختيار، حدّدت الحكومة متطلّبات التغطية التأمينية الدنيا واعتمدت كل الخطط الخاصة. ربما يبدو هذا النظام من حرّية الاختيار المقيّدة مثالاً جيداً على الأبوية التحرّرية في أثناء التطبيق. ونحن نعتقد أن بوش كان على المسار الصحيح في بعض الأبعاد. فالقسم (د)، بوصفه نظاماً لتقديم الرعاية الصحية، يفي وفاء معقولاً بتوقّعات معدِّيه. لكنه يعاني، بوصفه نوعاً من تصميم الخيارات، من تصميم معقّد يعوق اتخاذ قرار جيد. فقد عرض قائمة تضمّ كثيراً من الخيارات، وهو أمر مقبول، لكن تشوبها أربعة عيوب رئيسية:
? يمنح المشتركين القليل من التوجيه لمساعدتهم في الاختيار الأفضل من القائمة.
? خياره الافتراضي لمعظم المسنّين هو عدم الالتحاق.
? يختار خطة افتراضية عشوائياً (!) لستة ملايين شخص التحقوا تلقائياً، ويقاوم بفاعلية الجهود للتوفيق بين الأشخاص والخطط بناء على سجلاتهم للأدوية بوصفات.
? لا يقدّم الخدمة للسكّان الأشدّ تعرّضاً للمخاطر، لا سيما الفقراء وذوي التعليم الرديء.
لا تسيئوا الفهم. فقد أدخل القسم (د) الكثير من الأمور الجيدة. وخلافاً لاتهامات المنتقدين، فإنه ليس كارثة تامّة. بل إن هناك مجالاً كبيراً لتحسين تصميم الخيارات.
سيكون نقاشناً في هذا الفصل مفصّلاً إلى حدّ ما، فمن الصعب فهم البرنامج وما فيه من أخطاء من دون فهم الخيارات وأين أخفق. لكن إذا لم نغفل عن العيوب الأربعة، فلن نغرق في التفاصيل بحيث نضيع الصورة الكبيرة.

تصميم القسم (د) من برنامج مدِكير
قبل القسم (د)، كان لدى نحو نصف المسنّين الأميركيين - ما يقرب من واحد وعشرين مليون نسمة - شكلاً من أشكال التغطية التأمينية للأدوية بوصفة عبر الخطط الخاصة أو مصدر حكومي مثل وزارة شؤون المحاربين القدامى. وكان لدى المسؤولين الحكوميين آمال مرتفعة في توفير التغطية التأمينية للبقيّة عبر القسم (د). وقد استند مبدأ العمل إلى تقديم أكبر قدر ممكن من الخيارات المعتمدة اتحادياً للمسنّين. وكانت النتيجة سياسة ذات ست مواصفات رئيسية.
1. القسم (د) خطة طوعية بالنسبة إلى معظم الأشخاص، لا يستفيدون منها إلا إذا التحقوا بها. ويطبّق استثناء على 6.2 ملايين مسنّ وعاجز كان يغطيهم سابقاً برنامج مدِك إيد (برنامج التأمين الطبّي الحكومي للفقراء Medicaid). ويفترض بهاتين الفئتين الاختيار من مجموعة فرعية من الخطط الخاصة، وتحديداً الخطط الأساسية والأرخص التي تفي ببعض المعايير المرجعية (في سنة 2007 كان يوجد في الولايات ما بين خمس وعشرين خطة أساسية). ويُلحق كل من لا يختار عشوائياً بإحدى هذه الخطط.
2. امتدّت فترة الالتحاق الأولية من تشرين الثاني/نوفمبر 2005 إلى أيار/مايو 2006، مع فترات التحاق مفتوحة في نهاية كل سنة لاحقة. ويواجه المسنّون الذين لا يلتحقون عندما يصبحون ممن يستحقّون الالتحاق، وليس لديهم خطة خاصّة مماثلة، عقوبة على أقساط كل شهر يتأخّرونه.
3. يستطيع المسنّون الالتحاق بقائمة بذاتها للأدوية بوصفات أو بخطة مشتركة للرعاية الطبية - الأدوية بوصفة.130
4. تختلف الخطط بين الولايات، من 45 خطة قائمة بنفسها في ألاسكا إلى 66 في وست فيرجينيا وبنسلفانيا. وتقدّم معظم الولايات ما بين 50 و60 خطة قائمة بنفسها وما بين 15 و142 خطة مشتركة. وقد ارتفع العدد الإجمالي للخطط المتوافرة منذ سنّ القانون.
5. في فترة الالتحاق الأولية، رعت الحكومة، بمساعدة من جماعات مثل الجمعية الأميركية للمتقاعدين، حملة توعية عامة بقيمة 400 مليون دولار تحثّ على اختيار خطة. وجاب مسؤولو مدِكير، بمن فيهم وزير الصحة والخدمات الإنسانية، البلد في حافلة زرقاء ضخمة للترويج للبرنامج. وأطلقت الشركات إعلاناتها أيضاً. وينصح المسنّون حالياً "بالاعتماد على نصح العارفين أو الثقاة"، أو "اختيار خطة مألوفة لهم"، أو استخدام دليل خاص يدعى "دليل إيجاد خطة مدِكير للأدوية بوصفة" على موقع مدِكير (Medicare) الإلكتروني.131
6. تبدأ التغطية بالوصفة الأولى التي يحتاج إليها المريض، لكن تتوقّف بعد ذلك مدّة من الزمن بعد أن ينفق المريض مبلغاً محدّداً من المال، لتعاود البدء ثانية عند بلوغ مرحلة إنفاق أخرى. وتوصف هذه الفجوة في التغطية في الصحافة العامة بأنها "ثقب الدو نت". وبالنظر إلى أننا نعرف جيداً أن مناقشة تفاصيل الخطة (د) يمكن أن يسبّب صداعاً خطيراً حتى من دون ذكر ثقب الدو نت، فسنحصر أي مناقشة إضافية لهذه المسألة بالحواشي. لكن دعونا نقول إنه ما من اقتصادي يوصي ببوليصة تأمين فيها هذه الميزة.
إذا كان من يستحقّون هذه الخطط اقتصاديين، فلن يمثّل أي من هذه المواصفات التصميمية مشكلة. وقد كتب الحائز على جائزة نوبل دانيال مكفادن (Daniel McFadden)، وعالم الاقتصاد في جامعة كاليفورنيا بيركلي، الذي درس القسم (د) دراسة وافية، "إذا كان المستهلكون أهلاً للمهمّة، فستضمن اختياراتهم أن تكون الخطط وجهات التأمين الناجحة في السوق هي التي تفي باحتياجاتهم. لكن إذا كان الكثير منهم مشوّشين ومرتبكين، فلن تحصل السوق على الإشارات التي تحتاج إليها لتعمل كما ينبغي".132 وبوجود كثير من الخطط المعقّدة التي يُختار منها، فلن يكون من المفاجئ جداً أن يجد المسنّون صعوبة في إرسال الإشارات الصحيحة.
الارتباك بانتظار الوضوح
عندما شارفت نافذة الستة أشهر للالتحاق بالخطة (د) على الانتهاء، اجتهد الناس للاشتراك. ولنأخذ تجربة المسنّين في مك ألن، تكساس. تدعى مك ألن مدينة النخيل، وهي بلدة تضمّ مئة ألف نسمة، تقع في وادي ريو غراندي على مقربة من الحدود المكسيكية. وتشكّل مك ألن محوراً صناعياً للشركات المتعدّدة الجنسيات، وهي من البلدات الفقيرة - يعيش نحو خُمس المقيمين الذين بلغوا الخامسة والستين أو أكثر في فقر - التي أريد أن تستفيد استفادة كبيرة من القسم (د).
لكن للحصول على هذه المنافع، على المقيمين المستحقّين أولاً أن يتفحّصوا أربعاً وسبعين خطة للأدوية بوصفة. وقالت د. إ. لِندا فيلاريل (E. Linda Villarreal)، وهي رئيسة سابقة لجمعية مقاطعة هيدالغو ستار الطبية: "البرنامج فكرة طيّبة من الناحية الفكرية. لكن ثمة شواش وفوضى تامّين في أوساط مرضاي الذين لا يفهمون النظام وكيفية العمل به". وقال راميرو باريرا (Ramiro Barrera)، مالك مشارك لصيدلية رتشاردز: "إن برنامج مدِكير الجديد عمل بدوام كامل. فالمستفيدون يغرقوننا بطلبات المساعدة".133
لم تكن تجربة مك ألن فريدة على الإطلاق. فقد شعر المسنّون بالارتباك في كل مكان، وكذلك أطبّاؤهم والصيادلة. فاكتسحوا معاً خطوط مدِكير المباشرة المعدّة لتقديم المساعدة في التوصّل إلى أفضل لهم. وأصبح انتقاد تعقيد القسم (د) من مدِكير شائعاً جداً بحيث سخر برنامج "سَتَرداي نايت لايف" من متاهة التفاصيل في إعلان مزيّف للخدمة العامة. وقد وعد الإعلان بخطة بسيطة وسهلة للمسنّين الذين يحسنون استخدام التكنولوجيا ونجحوا في إتقان استخدام حواسيبهم، وأجهزة آيبود، والتلفزة الفضائية.
أبدى الرئيس بوش تعاطفه مع الإحباط لكنه قال إن البرنامج سيكون في النهاية جديراً بالمعاناة. وقال للمسنّين في فلوريدا: "عرفت أنه عندما... وضعنا فكرة منح المسنّين خيارات، فإن ذلك سيحدث إرباكاً قليلاً لبعضهم. أعني أنه حتى الآن لم يكن هناك... خيارات كثيرة في النظام، وفجأة بالنسبة للمسنّ الذي يشعر بالارتياح لما هي عليه الأمور جاء جورج دبليو... وظهر أربعة وستون خياراً فجأة".
كيف كان يُتوقّع أن يتعامل المسنّون مع كل هذه الخيارات؟ حثّهم الرئيس بوش على التذرّع بالصبر واللجوء إلى المؤسسات الخاصة للمساعدة. وقال: "شجّعنا كل الأشخاص على المساعدة. وتقوم الجمعية الأميركية للمتقاعدين بالمساعدة، ويساعد الأبناء والبنات، وتقدّم البرامج القائمة على المعتقد المساعدة في فرز البرامج لتصميم برنامج يلبّي كل احتياجاتهم. إنني أقرّ بأن بعض المسنّين قالوا إن هناك كثيراً من الخيارات، لذا لا أعتقد أنني سأشارك. ونصيحتي أن هناك كثيراً من المساعدة لكم".
الدافع هنا محمود، لكنكم قرأتم الآن ما يكفي لتعرفوا أن عرض أربعة وستين خياراً على الناس والطلب إليهم أن يلجؤوا للمساعدة سيكون على الأرجح مماثلاً لعدم تقديم المساعدة على الإطلاق. وفي حالة القسم (د) من مدِكير، شعرت كثير من المجموعات التي تريد مساعدة المسنّين بالارتباك. وانتشر الارتباك ليصل إلى المسؤولين الطبيين الذين اتفقوا مع مرضاهم على أن عدد الخطط في البرنامج الحالي يحيّر الجميع. وقرّرت مجموعات أخرى، مثل الجمعية الأميركية للمتقاعدين، دخول مجال عرض خطط تأمين بالإضافة إلى تقديم النصح بشأن الخطة التي يختارونها، وذلك تعارض واضح للمصالح.
في النهاية، تبيّن أن إدخال المسنّين في خطة ما ليس المشكلة الكبرى. فقد نجحت المؤسسات في نهاية المطاف في إشراك أعداد كبيرة من المستفيدين.134 واعتباراً من كانون الثاني/يناير 2007، كان أقل من 10 في المئة من كل المستفيدين من مدِكير - أي نحو أربعة ملايين - من دون تغطية تأمينية للدواء، عبر القسم (د) أو أي خطة خاصة مكافئة.135 وربما كان ربع من لديهم خطة أصحّاء لا يحتاجون إلى الالتحاق بخطّة على الفور.136 غير أن المشاركة كانت حاسمة لبقاء القسم (د) لأنها تساعد في إعانة المسنّين المرضى. وشكّل الالتحاق المرتفع علامة على النجاح لا يمكن إنكارها بالنسبة للمسؤولين الاتحاديين. لقد نجحت حرّية الاختيار بهذا القدر - وتلك نقطة جيدة لمن يرفض مثلنا فكرة الحجم الواحد الذي يلائم الجميع.
وعلى العموم، يبدو المسنّون سعداء بالبرنامج (كما يجدر بهم لأنه يقدّم لهم إعانة حكومية هائلة). ومنذ إقرار قانون مدِكير الجديد، تراجعت المآخذ على البرنامج باطراد في حين ارتفعت الموافقة عليه، تنويهاً في الظاهر بالتعلّم السريع بمرور الوقت. وفي تشرين الثاني/نوفمبر 2005، عندما كان المسنّون يحصلون على المذاق الأول لأكثر من أربعين خطة، أبدى نصف ألف وثمانمئة مسنّ جرى مسحهم عدم الرضى عن البرنامج، مقارنة بنحو 28 في المئة أبدوا رضاهم عنه. وفي تشرين الثاني/نوفمبر 2006 انخفض التصنيف غير المواتي للبرنامج إلى 34 في المئة، في حين ارتفع التصنيف المواتي إلى 42 في المئة. وعندما سئل المسنّون عن تجاربهم الشخصية، كان لثلاثة من أربعة رأي إيجابـي "جداً" أو "إلى حدّ ما" عن القسم (د).137
بالنظر إلى هذه الأنماط، يستطيع المدافع الشرس عن القسم (د) الادّعاء بأن المشتركين خضعوا لعملية تعليمية مؤلمة، كما هي الحال مع أي برنامج جديد، لكن كانوا راضين عن الخطة التي اختاروها على العموم. اعتقدت الغالبية العظمى أن خياراتها كانت جيدة، رغم أننا نشكّ، لأسباب نتناولها بعد قليل، في أن كثيراً من الأشخاص لديهم أساس لهذا التقييم.
صحيح أن الخيارات التي كانت صعبة تصبح سهلة بسبب التعلّم، لكننا نعتقد أن تعلّم القسم (د) كان أقلّ بكثير مما توحي به النظرة العادية. في البداية، تحقّقت معدّلات الالتحاق المرتفعة جزئياً لأن ثلثي المسنّين تقريباً التحقوا بسهولة أو تلقائياً عبر أحد الطرق العديدة: خطط أصحاب العمل أو النقابات؛ أو مدِكير، أو شؤون المحاربين القدماء، أو التغطية التأمينية للموظفين الاتحاديين؛ أو برنامج مدِكير الشامل المعروف باسم مدِكير أدفانتج. ولا شكّ في أن الحملات الإعلانية وتغطية وسائل الإعلام عزّزت الوعي، لكن يجب ألا يقرأ أحد الإحصاءات ويستنتج أن ثمانية وثلاثين مليون مسنّ ملؤوا طلب القسم (د) لأن الحكومة طلبت منهم ذلك.
بالإضافة إلى ذلك، لا يزال كثير من الأشخاص غير ملتحقين بالبرنامج، على الرغم من اتضاح أن عليهم ذلك. ثمة أربعة ملايين أميركي غير خاضعين للتغطية التأمينية، وذلك عدد كبير. وتوحي الدراسات بأن هذه الفئة ربما يغلب عليها الأشخاص غير المتعلّمين جيداً والذين يعيشون فوق خط الفقر مباشرة (وبالتالي غير مؤهّلين لبرنامج مدِك إيد). كما أن ربع 13.2 مليون مسنّ مستحقّين لإعانة الدخل المنخفض - ومعظمهم أيضاً رديئي التعليم ويعيشون بمفردهم - لا يستفيدون منها. ونظراً إلى أن تغطية هذه الفئة الأخيرة مجانية عملياً عندما تضاف الإعانة، فإن عدم التحاق 25 في المئة نسبة مرتفعة على نحو مقلق.
ولو اختار الناس الالتحاق، فسيواجهون كمّاً هائلاً من الخيارات. فمنذ إقرار قانون مدِكير الجديد والمسنّون يبلغون من يجرون المقابلات معهم بأنهم يجدون القسم (د) محيّراً. وبعد سنة من اختبار البرنامج، قال واحد من عشرة فقط إنه يعمل بنجاح وليس بحاجة إلى "تغييرات حقيقية". وفي تشرين الثاني/نوفمبر 2006، بعد سنة من التجربة والمعرفة أيضاً، قال 73 في المئة من المسنّين إن القسم (د) "معقّد جداً"، ووافق 60 في المئة على أنه يجب على طرف غير مسمّى، الحكومة على الأرجح، أن "تختار مجموعة من الخطط... لتسهيل الاختيار على المسنّين". وكان إجماع المجتمع الطبّي أقوى من ذلك. فقد وافق أكثر من 90 في المئة من الأطبّاء والصيادلة، الذين تدفّقت عليهم أسئلة المرضى طوال فترة الالتحاق، على أن البرنامج شديد التعقيد.
توحي هذه الاستجابات بأن الرضا العام للمستهلكين يمكن أن يكون أعلى بكثير إذا تحسّن التصميم. فالتعقيد هو المشكلة الأكثر وضوحاً. لكنها ليست المشكلة الوحيدة. بل ثمة أجزاء أخرى من تصميم خيارات القسم (د) أكثر إثارة للحيرة.
خطط افتراضية عشوائية للأكثر تعرضاً للخطر
في المقدّمة، ناقشنا الخيارات التي تواجهها كارولين، المسؤولة عن المطاعم. من هذه الخيارات عرض بنود الطعام عشوائياً. وقلنا إن هذا الخيار يمكن اعتباره منصفاً ومبدئياً، لكنه يؤدّي إلى أنظمة غذائية غير صحّية في بعض المدارس. ولم نجد أن هذا الخيار مرغوب لأنه يعاقب بعض الطلاب دون وجه حقّ بحثّهم على تناول نظام غذائي يتكوّن بأكمله من البيتزا، ولفائف البيض، والأيس كريم.
مع ذلك، فإن هذا الخيار هو الذي اعتمدته الحكومة لستة ملايين من أفقر مواطنيها وأشدّهم مرضاً. فهو يخصّص تلقائياً كل شخص لم يختر خطة من تلقاء نفسه لخطة افتراضية منتقاة عشوائياً وذات أقساط مساوية لبعض المعايير المرجعية في منطقته أو أدنى منها. ونتيجة لإعادة هيكلة الخطة، أصبح 1.1 مليون شخص إضافي مستحقّين للتعيين العشوائي في سنة 2007. وقد قاومت إحدى الولايات، ماين، هذا النظام بحكمة لصالح عملية "تخصيص ذكي" لخمسة وأربعين ألف شخص. وسنعود إلى ماين الحكيمة بعد قليل، أما الآن فسنركّز على التسعة والأربعين ولاية الأخرى.
إن غير الملتحقين الأشد فقراً ومرضاً هم الأشخاص المستحقّين لبرنامجي مدِكير ومدِك إيد (وبالتالي يسمّون "مزدوجي الاستحقاق"). ينتمي هؤلاء الأشخاص على نحو غير متناسب إلى الأميركيين الأفريقيين، واللاتينيين، والنساء. ومن المرجّح أن يكون مزدوجو الاستحقاق مصابين بالسكّري والسكتات أكثر من المستفيدين الآخرين من مدِكير، وهم يستخدمون عشرة أدوية بوصفة أو أكثر في المتوسّط.138 ويشملون الأميركيين الأشدّ عجزاً، والمعاقين بدنياً وإدراكياً من الرجال والنساء من كل الأعمار، والمرضى المسنّين الذين يعانون من الخرف ويحتاجون إلى رعاية طوال الوقت. لم تحدّد الحكومة بالضبط عدد مزدوجي الاستحقاق الذين اختاروا خطة بأنفسهم، لكن الأدلّة التي لدينا توحي بأن قلّة قليلة منهم فعلت ذلك. ويستطيع مزدوجو الاستحقاق تغيير الخطة في أي وقت - لكن إذا كانت قلّة تختار الخطط فعلياً، فإننا نشكّ في أن القليل يستفيد من خيار التغيير المرن.
يمكن أن يلحق التخصيص العشوائي الضرر بغير المحظوظين الذين يوضعون في خطط لا تلائم احتياجاتهم. فالخطط تتباين تبايناً كبيراً في تغطية الأدوية التي يأخذها مزدوجو الاستحقاق في الغالب، والتي تقع في الفئات التي يغطّيها القانون، ويتراوح ذلك من نسبة منخفضة تبلغ 76 في المئة إلى مرتفعة تبلغ 100 في المئة. ويعني ذلك أن بعض مزدوجي الاستحقاق خصّصت لهم خطط افتراضية لا تغطي الأدوية التي يأخذونها كثيراً. ويمكنهم تغيير الخطة بطبيعة الحال، لكن معظمهم يبقون في الخطة التي اختيرت لهم عشوائياً بمحبّة لأنهم بشريّون. وبالنظر إلى تباين فرص الوصول إلى الأدوية، فإنه ليس من المفاجئ أن تكون الخيارات الافتراضية العشوائية قد أضرّت بصحة هؤلاء الأشخاص. وفي مسح أجري مؤخّراً لمزدوجي الاستحقاق، أفاد 10 في المئة عن تحسّن فرص الوصول إلى الأدوية، بينما قال أكثر من 22 في المئة إنهم توقّفوا عن أخذ الأدوية مؤقّتاً أو دائماً لمشكلات في إدارة الخطة الجديدة.139
السبب الرسمي الذي قدّمته الحكومة لرفض التخصيص لصالح التخصيص العشوائي هو وجوب تغيير وصفات الملتحقين. فالاستخدام السابق لا يشكّل ضمانة للاستخدام اللاحق. وقد واجه مجتمع الرعاية الصحية صعوبة كبيرة في فهم هذه الحجّة. وينطبق ذلك على المسنّين على وجه الخصوص، الذين غالباً ما يأخذون عدّة أدوية على المدى الطويل، حيث الدواء المستخدم في السنة الماضية ينبئ في الغالب تنبّؤاً ممتازاً بدواء السنة التالية، ولا شكّ في أنه أفضل إنباء من الاختيار العشوائي للخطة.
إن تخصيص الخطط من دون تفحّص احتياجات الناس الخاصة يقع في منزلة بين القسوة وانعدام المسؤولية على ما يبدو. كما أن التخصيص العشوائي لا يتوافق مع فلسفة الخطة القائمة على السوق. فالمنتجات الأفضل تحصل على أعلى حصّة من السوق، ومعظم اقتصاديي السوق الحرّة يعدّون ذلك ميزة جيّدة. إننا لا نعتقد أن كل صانع سيّارات يجب أن يحصل على الحصّة نفسها من السوق مثلما لا نعتقد أن على الأسر أن تختار سيّاراتها عشوائياً. فلماذا نرغب في العشوائية لخطط التأمين؟
كم بلغت تكلفة الأخطاء وسوء التخصيص الناجم عن هذا التخصيص العشوائي؟ من طرق تفحّص هذه المسألة معرفة عدد الأشخاص الذين اختاروا تغيير الخطط بعد السنة الأولى. (يشكّل شهر تشرين الثاني/نوفمبر فترة التحاق مفتوحة يستطيع خلالها المشتركون تغيير خططهم.) لكن ليس لدينا للأسف الكثير من المعلومات مثلما نودّ عن تغيير الخطط لأن الحكومة لم تكن منفتحة جداً على تحرير البيانات. فقد أعلنت أن نحو 2.4 مليون - 10 في المئة من الملتحقين بالقسم (د) - غيّروا خططهم في فترة الالتحاق المفتوحة المخصصة لسنة 2007. لكن 1.1 مليون ممن غيّروا كانوا من المستفيدين ذوي الدخل المنخفض، ومعظمهم نقلتهم الحكومة كي لا يدفعوا أقساطاً مرتفعة. ويعني ذلك أن 6 في المئة غيّروا الخطط فعلياً، إذا استثنينا مزدوجي الاستحقاق. (ونشتبه بأن نسبة الذين غيّروا الخطة من تلقاء أنفسهم أدنى من ذلك إذا أدخلنا مجموعة الملتحقين بأكملهم.)140
ثمة تفسيران ممكنان لهذا الانخفاض في معدّلات التغيير. أحدهما يفضّله المدافعون عن الخطة، وهو التفسير الصحيح لو كنا ندرس جماعة من الاقتصاديين، أي أن كل شيء على ما يرام - التنوّع الواسع للخطط يتعامل مع الحالات الصحّية المتنوّعة، وأن المسنّين اختاروا الخطة الأفضل التي تلائم احتياجاتهم. والتفسير الثاني، وهو الأكثر وجاهة إذا كان المشتركون بشريون، أن الخمول والانحياز للوضع الراهن يحولان دون قيام الناس بالتغيير. كيف يمكننا أن نعرف أي التفسيرين صحيح؟ إحدى الطرق هي مقارنة المشتركين الذي اختاروا خطتهم بأنفسهم بمن اختيرت خطتهم لهم عشوائياً. ولا يمكن الافتراض للفئة الأخيرة بأن الخطة التي بدؤوا بها هي الأفضل. لذا يوحي انخفاض معدّلات التغيير في كلا الفئتين بأن التفسير الثاني صحيح. ويبدو أن معظم المشتركين يجدون أن عبء التغيير - الوقت والطاقة اللازمان لاتخاذ قرار بشأن الخطة الأفضل - لا يستحق بذل الجهد.
هل يستحقّ ذلك بذل الجهد؟ تتوقّف الإجابة على مقدار تنوّع الخطط، وكيف تختلف التكاليف تبعاً لمجموعة الأدوية التي يستخدمها المشتركون. لننظر في دراسة مقارنة لأسعار الأدوية التي تغطيها الخطط الأساسية (النوع الذي يُختار افتراضياً للمستفيدين الفقراء) في ثلاث مناطق في البلد. أفادت الدراسة عن توفير ما بين 5 دولارات و50 دولاراً للدواء في الشهر عندما يحوّل الأفراد إلى خطة الأدوية الأدنى تكلفة والأفضل ملاءمة.141 ويجب أن يتوافر عما قريب مزيد من البيانات التي تقارن الخطط بأكملها، مقابل الأدوية الفردية، ونعتقد أنها ستؤكّد النتائج التي بدأت فرق أكاديمية أخرى التوصّل إليها. فقد قدّر فريق كلِنْغ وجود اختلاف سنوي يبلغ نحو 700 دولار الخطة المختارة عشوائياً وأدنى الخطط تكلفة. لذا فإن اختيار خطة صحيحة، بدلاً من خطة عشوائية، يمكن أن يوفّر على المسنّين والحكومة أموالاً كثيرة. وإذا كانت مئات الدولارات في الميزان لكل شخص، فإن كثيراً من المسنّين سيجدون أن من المجدي قضاء ساعة أو اثنتين على الأقل للتوصّل إلى أفضل خطة (مثلما يفعلون عند اختيار غسّالة جديدة أو مضرب غولف).
ليست مواتية للمستخدمين
إن قضاء ساعة أو اثنتين لن ينجز العمل للأسف. فالأداة الرئيسية المتاحة للمساعدة في اختيار خطة هي الموقع الإلكتروني لمدِكير. ويقول مدير مكاتب مدِكير الاتحادية: "يساعد ذلك الناس في اتخاذ قرارات كفوءة. وسيحصلون على مجموعة غير مسبوقة من الأدوات التي تساعدهم في إيجاد خطة للأدوية".142 لكن ثمة مشكلة واضحة في الاعتماد المفرط على الموقع الإلكتروني. فمعظم المسنّين لا يستخدمون الإنترنت، فضلاً عن الموقع الإلكتروني لمدِكير، ومن يستخدمونها نادراً ما يتقنون استخدام المواقع الإلكترونية (مع أن ذلك سيتغيّر مع الزمن). ومعظم المسنّين يحصلون على معلوماتهم عن القسم (د) بطريقة سلبية من رسائل شركات التأمين، والحكومة، ومجموعات مثل الجمعية الأميركية للمتقاعدين. ومن غير المحتمل جداً أن تحتوي هذه الرسائل على معلومات شخصية. لذا فإن الموقع الإلكتروني هو أفضل مصدر للمساعدة. فعلى من تقع مهمّة دخول الموقع الإلكتروني؟ على الأبناء البالغين للمسنّين بطبيعة الحال.
ثمة اقتصادية صديقة لنا، كيتي مِرِل (Katie Merrell)، وهي تجري بحوثاً عن التغطية الصحية وقد أخذت على عاتقها اختيار خطط لوالديها المسنّين. وتبيّن لها أن المهمّة تستغرق ساعات، حتى إذا اضطلع بها خبير مثلها. وسمحت لنا كيتي بالاطلاع على مقدار عناء اختيار خطة بتزويدنا بقائمة بالأدوية التي تتناولها والدتها. فدخل ثالر على الموقع الإلكتروني للقسم (د) وجرّب حظّه. فتبيّن أن الأمر كابوس! ولتقديم مثال واحد على ذلك، فإن الموقع لا يحتوي على مدقّق إملائي. فإذا كتبت "Zanax" بدلاً من "Xanax"، لا تحصل على أي مساعدة (خلافاً لغوغل على سبيل المثال). وتلك مشكلة لأن أسماء الأدوية تشبه سلاسل الحروف العشوائية، لذا يتوقّع الخطأ في الكتابة. كما أن الحصول على الجرعات الصحيحة صعب. فعليك أن تعرف حجم الحبّة (25 مغ مثلاً) ووتيرة تناولها. ويفترض الموقع الإلكتروني أنك تستخدم دواء مكافئاً، إذا كان متاحاً، ويمنحك خيار الاحتفاظ بدواء العلامة التجارية الممتازة. غير أن كثيراً من الأشخاص يأخذون أدوية مكافئة بينما يسمّونها باسم العلامة التجارية، ما يتطلب توخي العناية الشديدة عند انتقاء كل دواء. وبعدما يتمكّن المستخدم من إدخال كل البيانات، يقدّم الموقع الإلكتروني ثلاث خطط مقترحة مع تقديرات التكلفة السنوية. (يستطيع المسنّون الذين يخشون التكنولوجيا الاتصال بالرقم 1-800-MEDICARE والطلب من ممثّل خدمة العملاء تقديم ثلاث خطط مقترحة وأسعارها، لكن لا يُقدّم أي تفسير لكيفية اختيار هذه الخطط.)143
في النهاية (وبمساعدة من كيتي)، تمكّن ثالر من الحصول على بعض الأجوبة، مع أنها ليست نفسها التي حصلت عليها كيتي. مع ذلك، ظنّ ثالر، وهو قريب من سنّ مدِكير، أن أحد الشبّان ربما يجد الأمر أكثر سهولة. لذا طلبنا من أحد مساعدي البحوث من طلابنا في الدراسات العليا تجربة الأمر. وقد ساعد صغر سنّه وصبره، لكنه حصل على مجموعة أخرى من الأجوبة. وبعد ذلك بذلنا ما في وسعنا وكلّفنا أصغر أعضاء فريقنا وأكثرهن ذكاء، وكانت تعتزم التوجّه إلى كليّة مرموقة في فصل الخريف، القيام بالمهمّة. ومع أنها في العادة تجد كل شيء سهلاً، فإنها ارتبكت أحياناّ في هذه العملية. ولم يتوصّل أي اثنين منا، مع أننا مزوّدين بالبيانات نفسها، إلى تقديرات التكلفة نفسها أو الخطط الموصى بها نفسها.144
واجهنا ارتباكاً شديداً في البداية. لكن تبيّن أن أربعة اقتصاديين لم يستطيعوا محاكاة أحدهم الآخر محاكاة تامّة. فقد حصلنا جميعنا على تقديرات مختلفة لأن خطط الأدوية بوصفة تحدّث أسعار الأدوية باستمرار. وليس هناك ضمانة بأن الخطة الأرخص لأمك اليوم ستكون الخطة الأرخص لأمك غداً. بل إن اتحاد المستهلكين تتبّع اختلافات الأسعار في خمس ولايات كبيرة ووجد تغيّرات شهرية مستمرّة. بعض هذه التقلّبات في الأسعار لا تزيد على بضعة دولار فقط، وأحياناً أكثر. وقد شهد ما يقرب من 40 في المئة من 225 خطة تغيّرات زادت على 5 في المئة، ما يعني عدّة مئات من الدولارات في السنة.145 وتشكّل تغيّرات الأسعار المتكرّرة عقبة إضافية أمام البشريين، وفي ضوء تجربتنا، يمكن أن تشكّل صدمة لمن لا يعرف عنها.
هل كانت خيارات من اختاروا جيدة؟ ليس دائماً
كيف كان اختيار خطة للأدوية بوصفة؟ وما مقدار صعوبة اختيار الخطة الملائمة؟ الإجابة القصيرة هي صعب جداً. لنتجاهل من أجل المناقشة القرارات المتعلّقة بالالتحاق بالقسم (د) من مدِكير، أو الالتحاق بخطة أدوية بوصفة قائمة بنفسها، أو بخطة مدِكير أدفانتج. ولنفترض أنك تقوم باختيار خطة قائمة بنفسها، على نحو معظم الملتحقين. عندئذٍ يتعيّن عليك مقارنة الخطط وفقاً لخمسة عشر بعداً. (إذا كنت تشكّ في أن ذلك مربكاً، اقرأ الحاشية التي تقدّم بعض التفاصيل، لكن نقترح عليك أن تأخذ حبّتي أسبرين قبل أن تبدأ القراءة.)146
إن الموقع الإلكتروني لمدِكير يحاول مساعدة المسنّين في بعض هذه الأبعاد. لكننا أشرنا بالفعل إلى الألم والمعاناة اللذين يصاحبان استخدام الموقع الإلكتروني، وعليك ألا تتنفّس الصعداء حتى إذا وصلت إلى الصفحة الختامية وشاهدت أرخص ثلاث خطط متاحة. فلن تتمكّن من أن تعرف من الموقع إذا من الصعب الحصول على ترخيص مسبق في وضعك، أو ما الحدّ الموضوع لكمّية دواء معيّن. وربما تكون هذه المعلومات متاحة فقط بعد أن تشترك في إحدى الخطط وتحاول ملء الوصفة المعيّنة.
إن معرفة إذا كان المسنّون يختارون جيداً يتطلّب معلومات عن خصائصهم الصحّية وعن خططهم. وبالنظر إلى المخاوف الواضحة المتعلّقة بالخصوصية، فإن الحكومة لم تصدر هذه البيانات. لكنها تعتقد في الظاهر، بل تقول، إن المسنّين يختارون جيداً. ونحن لسنا واثقين من ذلك تماماً. الخيار الجيد هو الذي يفي بالاحتياجات الخاصة للفرد. وفي إحدى التجارب، حاول الاقتصادي دانيال مكفالدن وفريقه تقييم مقدار جودة (رداءة) خيارات المسنّين.
منح أعضاء فريق مكفالدن المسنّين فرصة ثانية. وحاولوا أن يتيحوا لهم فرصة معقولة للاختيار جيداً. لم يكن على المسنّين أن يقلقوا بشأن شبكات الصيدليات والترخيص المسبق. بل منحوا أربعة خيارات فقط. ولتسهيل الاختيار، استُبعدت أيضاً الظروف الاقتصادية الخاصة بالمرء. وكانت الخطط الأربع المعروضة تكلّف المقدار نفسه من المال. واقتصر الاختلاف فقط على مستوى الحماية المقدّم بارتفاع الفواتير.
كانت خيارات نسبة مئوية مرتفعة من المسنّين سيّئة من بين الخطط الأربع المتاحة، حتى في هذه البيئة المبسّطة، إذ إنهم لم يربطوا خياراتهم بصحّتهم الفعلية، واستخدام الوصفة، والموقف من المخاطر. وعلى العموم، فشل نحو ثلثي الملتحقين في اختيار الخطة التي تقلّل التكاليف التي يدفعونها من جيوبهم.147
التنبيهات الممكنة
لقد صفّقنا لإدارة بوش لإصرارها على حرّية الاختيار في القسم (د) بصفتنا من دعاة الأبوية التحرّرية. ونترك للآخرين مناقشة حسنات ومساوئ خطة الدافع الواحد. لكن خلافاً لأي خطة ذات خيارات عديدة، فإن تحسين تصميم الخيارات يمكن أن يساعد كثيراً.
التخصيص الذكي
إن التخصيص العشوائي لخطة الخيار الافتراضي فكرة رهيبة. فإذا خصّص لأحد لبفقراء خطّة سيّئة، ولم يغيّرها، فربما ترتفع فواتير أدويته، أو ربما يقرّر التوقّف عن تناول دواء مرتفع الثمن، مثلما فعل بعضهم بالفعل. وربما يوفّر ذلك المال على الحكومة على المدى القصير، لكنه سيكون مكلفاً على المدى البعيد، وبخاصة لأمراض مثل السكّري، إذ إن عدم المواظبة على نظام الأدوية يمكن أن يؤدّي إلى مضاعفات عديدة. كما تدفع الحكومة أكثر بكثير إذا خصّصت خطة معيّنة لأحد الأشخاص في حين هناك خطة مختلفة تغطّي كل أدوية ذلك الشخص وتقلّ تكلفتها 15 في المئة أو أكثر.
الاستجابة الأوضح هي إنهاء التخصيص العشوائي لصالح ما أسمي التخصيص الذكي. وكما أشرنا، فإن ماين هي الولاية الوحيدة التي تستخدم نظام تخصيص ذكي لوضع مزدوجي الاستحقاق في خطة للأدوية بوصفة.148 فقد أدّى التخصيص العشوائي "إلى سوء التلاؤم للعديد من المستفيدين المزدوجي الاستحقاق في ماين"، وفقاً لتقرير عن مكتب المساءلة الحكومية. فبموجب التخصيص العشوائي، وُضع ثلث المستفيدين في خطط تغطّي كل أدويتهم المستخدمة حديثاً، وربعهم في خطط تغطّي أقل من 60 في المئة من تلك الأدوية.149
للتوفيق بين كل مشترك مستحقّ وإحدى الخطط في ماين، قوّمت الخطط العشر التي تفي بمعايير التغطية المرجعية للولاية وفقاً لسجل بيانات لمدّة ثلاثة أشهر عن استخدام الوصفات. ونُقل المشتركون في خطط تغطّي أقلّ من 80 في المئة من أدويتهم المطلوبة تلقائياً (مع احتفاظ المشتركين بخيار إلغاء إعادة التخصيص). وتسلّمت مجموعة أخرى من المشتركين رسائل تبلغهم بوجود مطابقات أفضل، وتنصحهم بالاتصال بالمسؤولين في الولاية للحصول على مزيد من المعلومات. وقد نقل التخصيص الذكي ما يزيد على عشرة آلاف شخص - 22 في المئة من كل مزدوجي الاستحقاق - وأعطى نتائج ممتازة. وعلى الرغم من أن نقص البيانات والأعطال التكنولوجية أحدثت بعض المشكلات في البداية، فإن المسؤولين في ماين يقولون الآن إن كل واحد من مزدوجي الاستحقاق موجود في خطة تغطّي 90-100 في المئة من الأدوية التي يحتاج إليها.150
لم تكن ماين الولاية الوحيدة المهتمة بالتخصيص الذكي. ففي سنة 2005 تعاونت مجموعتان صيدليتان، الجمعية الوطنية للصيدليات المتعدّدة الفروع والجمعية الوطنية لصيادلة المجتمع، مع شركة لتكنولوجيا معلومات الرعاية الصحية في تامبا بولاية فلوريدا، لتطوير برمجية توفّق بين الأشخاص والخطط. وقد استُقبلت العروض الإيضاحية التي قدّمها الائتلاف للمسؤولين في الحكومة الاتحادية بتهذيب ولكن بفتور. (ربما كان يجدر بدعاتها تسميتها "تصميماً ذكياً".) ونتيجة لتشكيك واشنطن والتحدّيات القانونية التي يشكّلها المؤمّنون، فإن التخصيص الذكي لا يستخدم إلا في ماين. ومن الواضح أن على الولايات الأخرى أن تتشجّع، لا أن تثبط عزيمتها من الأساليب المماثلة، والأهم من ذلك أنه يجب إدخال تعديل على القانون الذي يخوّل التخصيص العشوائي.
تسجيل الأسعار البديلة وتقييمها ومقارنتها (رِكاب)
يمكن تقديم مساعدة كبيرة للمسنّين إذا طبّق نظام "رِكاب" على مدِكير. كما أن "رِكاب" يجعل استخدام الموقع الإلكتروني لمدِكير سهلاً (نسبياً).
إليكم كيف يعمل "ركاب". ترسل الشركات للمسنّين مرّة سنوياً، قبل فتح فترة الالتحاق، قائمة كاملة مفصّلة بكل الأدوية المستخدمة في السنة الماضية وكل الرسوم المدفوعة. ويكون على المؤمّنين أن يقدّموا أيضاً جدول أسعارهم الكامل لكل من يريده. تتاح المعلومات على الإنترنت بحيث يمكن توريدها إلى الموقع الإلكتروني لمدِكير أو برامج مقارنة الأسعار التي يمكن أن تعرضها الأطراف الثالثة بسهولة الآن. والغاية من المعلومات تنبيه المسنّين لإبعادهم عن الانحياز للوضع الراهن وتشجيعهم على إجراء مقارنة للأسعار عن طريق إبراز تكاليف الأدوية بوصفة قدر الإمكان. وبالنظر إلى ارتفاع تكاليف التأخّر بالنسبة لغالبية المسنّين، يمكن استخدام تنبيهات مماثلة لغير الملتحقين. ويمكن إرسال كشوفات الأسعار للمسنّين الذين أخّروا الالتحاق مع تحديد الأقساط الحديثة والراهنة لعيّنة من الخطط الشهيرة. ومن أهداف ذلك تسليط الضوء على مقدار التكاليف المالية التي يتكبّدها المسنّون بسبب التأخير.
ونحن نعتقد في هذا المجال، كما في المجالات الأخرى، أن إلزام المؤمّنين بتقديم تقرير "رِكاب" يدفع شركات القطاع الخاص إلى تقديم خدمات تسمح للمشتركين بإدخال بياناتهم للمساعدة في اختيار أفضل خطّة. وقد طوّرت شركة في ماساتشوستس تدعى "إكسبيريون سستمز" أداة مساعدة لخطة الأدوية بوصفة على الإنترنت، وهي نسخة أكثر سهولة في الاستخدام من نموذج الموقع الإلكتروني الحكومي. وتطرح نسخة مبكّرة من الأداة على الأشخاص أسئلة تساعد في اتخاذ قرار أفضل. وانضمّت إكسبيريون أيضاً إلى صيدلية متعدّدة الفروع، سي في إس فارمسي، لتمكين توريد معلومات استعمال من النوع الموجود في تقرير "رِكاب". وإذا كانت قاعدة "رِكاب" معمولاً بها، فإن في وسع إكسبيريون استيراد بيانات الاستعمال ذات الصلة بصرف النظر عن مكان حصول الناس على وصفاتهم.
ويمكن أيضاً استخدام معلومات "رِكاب" لتحسين برامج التخصيص الذكي. فقد أنتج فريق أبحاث بعض الأدلّة الأولية على أن التنبيه بأسلوب "رِكاب" واعد. وفي دراسة أجريت على المستفيدين في وسكُنسُن، قدّر الفريق أنه لو انتقل المشتركون من خطتهم الحالية إلى الخطة ذات التكلفة الأدنى التي تواصل الوفاء باحتياجاتهم إلى الأدوية، فإن في وسعهم أن يوفّروا نحو خمسمئة دولار في السنة في المتوسّط.151 ولمعرفة إذا كان الناس سيستفيدون من هذه الوفورات بتنبيه بسيط، أرسل الباحثون رسالة شخصية إلى عيّنة عشوائية من المشتركين في الدراسة ممن وافقوا على تقاسم سجلات أدويتهم الشخصية. وأوضحت الرسالة التكاليف المتكبّدة في خطتهم الحالية، والخطة المماثلة الأرخص، والوفورات التي يمكن تحقيقها بتغيير الخطط. وتسلّمت عيّنة أخرى عشوائية نشرات عامة صادرة عن القسم (د) بدلاً من ذلك. وكانت الرسائل لكلا العيّنتين تحتوي على عنوان الموقع الإلكتروني لأداة إيجاد خطة مدِكير على الإنترنت، ومعلومات عن كيفية استخدامها. ويبدو أن الرسائل الشخصية نبّهت أشخاصاً أكثر عدداً إلى اختيار خطط أدنى تكلفة. فقد بلع المعدّل الإجمالي للتغيير بين المسنّين الذين تسلّموا الرسائل 27 في المئة - أعلى بعشر نقاط مئوية ممن تسلّموا النشرات. وبلغت نسبة متسلّمي الرسائل الذين اختاروا الخطة الأرخص - الخطة المذكورة في الرسالة - ثلاثة أضعاف نسبة من تسلّم النشرات (على الرغم من أن النسبة الإجمالية لا تزال دون العشرة في المئة). وتتسق هذه النتائج مع دراسات أخرى تظهر أن الناس يرتكبون أخطاء في اختيارهم من بين الخطط، وأن المعلومات البسيطة والواضحة يمكن ان تقلّل من هذه الأخطاء.
الدرس المستفاد من القسم (د) مماثل لذلك المستفاد من إصلاح الضمان الاجتماعي السويدي. ففي الأوضاع المعقّدة، لا يكفي شعار "تعظيم الخيارات فحسب" لإنشاء سياسة صالحة. فكلما ازدادت الخيارات، واشتدّ تعقيد الوضع، ازدادت أهمّية وجود تصميم متنوّر للخيارات. ولإنتاج تصميم موات للمستخدمين، على المصمّم أن يدرك كيف يساعد البشريين. ثمة شعار يعمل به مهندسو البرمجيات والمباني: المحافظة على البساطة. وإذا كان لا بدّ من أن يكون المبنى معقّداً للقيام بوظائفه، فمن الأفضل عرض الكثير من اللافتات التي تساعد الناس في التنقل فيه. وعلى مصمّمي الخيارات الاستفادة من هذه الدروس.






11 كيف نزيد وهب الأعضاء

أجري أول غرس ناجح لعضو في سنة 1954، عندما قدّم رجل لأخيه التوأم إحدى كليتيه. وأجري أول غرس لكلية من واهب متوفّى بعد ذلك بثماني سنوات. وما تبقّى معروف جيداً بحيث لا حاجة إلى ذكره.
غُرس أكثر من 360,000 عضو منذ سنة 1988، وجاء ما يقرب من 80 في المئة من الأعضاء من واهبين متوفّين. لكن الطلب على الأعضاء يزيد كثيراً على العرض للأسف. وكان أكثر من 90,000 أميركي في يناير 2006 على قوائم انتظار الأعضاء، ومعظمهم بحاجة إلى كلى. وسيموت كثيرون (ربما ما يصل إلى 60 في المئة) بينما لا يزالون على القائمة، وتكبر قائمة الانتظار بمعدّل 12 في المئة سنوياً.152 ومع أن هذا الموضوع شائق ومهمّ بالقدر الذي يستحقّ أن يُفرد له كتاب، فإننا سنعلّق بإيجاز فحسب على التأثير المحتمل لتصميم الخيارات الأفضل في زيادة الأعضاء المعروضة.153 ونحن نعتقد أن بعض التدخّلات البسيطة تنقذ آلاف الأرواح سنوياً - من دون فرض أي أعباء جديدة على دافعي الضرائب.
إن المصدر الأساسي للأعضاء هم المرضى الذين أعلن عن وفاة دماغهم، أي أنهم يعانون من فقدان نهائي لوظيفة الدماغ، لكن يحافظ على حياتهم مؤقّتاً عبر أجهزة التنفّس. ويوجد في الولايات المتحدة ما بين اثني عشر ألف وخمسة عشر ألف واهب محتمل في هذه الفئة سنوياً، لكن أقل من نصفهم يهبون أعضاءهم. وبما أنه يمكن استخدام كل واهب للحصول على ثلاثة أعضاء على الأكثر، فإن استمالة ألف واهب آخرين يمكن أن تنقذ ثلاثة آلاف حياة. غير أن العقبة الرئيسية أمام زيادة الأعضاء الموهوبة هي الحاجة إلى موافقة أعضاء الأسرة الأحياء. وقد تبيّن أن قواعد الخيار الافتراضي الجيدة يمكن أن تزيد الأعضاء المتوافرة وبالتالي تنقذ الأرواح. ولننظر في النُّهُج الممكنة.
الموافقة الصريحة
في الولايات المتحدة، تستخدم معظم الولايات ما يسمّى قاعدة الموافقة الصريحة، أي أن على المرء اتخاذ بعض الخطوات الملموسة لإثبات أنه يريد أن يصبح واهباً. ومن الواضح أن كثيراً من الأشخاص الراغبين في وهب الأعضاء لا يتّخذون الخطوات الضرورية لذلك. وتؤكّد دراسة أجراها شلدون كورتز (Sheldon Kurtz) ومايكل ساكس (Michael Saks) على المقيمين في أيوا هذه النقطة. "أشار تسعون في المئة من المستجيبين إلى تأييدهم العام لغرس الأعضاء. وقالت غالبية كبيرة إنهم مهتمّون في وهب أعضائهم وأعضاء أبنائهم (إذا وقعت ظروف مأسوية تجعلهم مؤهّلين)". غير أن استعداد الناس المعبَّر عنه لأن يصبحوا واهبين لم يترجم إلى إجراء ضروري. "وكان 43 في المئة فقط ممن عبّروا عن تأييدهم قد دقّقوا المربّع الموجود في رخصة القيادة. ومن بين من ذكروا أنهم يريدون وهب أعضائهم، أشار 64 في المئة فقط إلى ذلك في رخصة القيادة، ولم يوقّع على بطاقة وهب أعضاء إلا 36 في المئة فقط".154
باختصار، يبدو أن الخطوات الملموسة للتسجيل بمثابة واهب للأعضاء تردع الراغبين في وهب الأعضاء عن التسجيل. وكثير من الأميركيين الذين لم يسجّلوا أنهم واهبون للأعضاء يعترفون على الأقل بأنهم راغبون في وهب أعضائهم. وكما في مجالات أخرى، فإن للقاعدة الافتراضية تأثيراً كبيراً، ويمارس الخمول تأثيراً قوياً. لذا فإن تغيير تصميم الخيارات يساعد في ضمان توافر مزيد من الأعضاء بطريقة لا تنقذ الأرواح فحسب، وإنما تتلاءم مع رغبات الواهبين المحتملين أيضاً.
الاستئصال الروتيني
يدعى النهج الأكثر إقداماً الاستئصال الروتيني، وهو أكثر من قاعدة افتراضية. وبموجب هذا النظام، تمتلك الولاية حقوق أعضاء من يموتون في بعض الظروف الميؤوس منها، وتستطيع استئصال أعضائهم من دون طلب إذن من أحد. ومع أن ذلك يبدو غريباً، فليس من المتعذّر الدفاع عن الاستئصال الروتيني. فهو ينقذ الأرواح نظرياً، ويتم ذلك دون أي تطفّل على أي شخص لديه أي أمل في الحياة.
ورغم أن كل الولايات لا تستخدم هذا النهج استخداماً شاملاً، فإن كثيراً من الولايات تستخدم هذه القاعدة للحصول على القرنيّات (التي يمكن غرسها لمنح بعض المرضى الكفيفين البصر). وفي بعض الولايات يسمح للفاحصين الطبيين الذي يجرون تشريح الجثث باستئصال القرنيَات من دون طلب إذن أحد. وقد شهد غرس القرنيات ارتفاعاً هائلاً حيث تستخدم هذه القاعدة. ففي جورجيا على سبيل المثال، رفع الاستئصال الروتيني عدد عمليات غرس القرنيّات من خمسة وعشرين في سنة 1978 إلى أكثر ألف في سنة 1984. 155ولا شكّ في أن الممارسة الواسعة النطاق للاستئصال الروتيني للكلى ستسمح بتجنّب آلاف حالات الوفاة المبكّرة، لكن الناس يعترضون على قانون يسمح للحكومة باستئصال أعضاء من جثث أشخاص لم يوافقوا على ذلك مسبقاً. فمثل هذا النهج ينتهك مبدأ مقبولاً على العموم، وهو أن على الأفراد، ضمن حدود عامّة، أن يكونوا قادرين على اتخاذ قرار بشأن ما يُفعل بجثثهم.

الموافقة المفترضة
تسمّى السياسة التي تحظى بقبول الأبوية التحرّرية وفقاً لمعاييرنا الموافقة المفترضة. تحفظ الموافقة المفترضة حرّية الاختيار، لكنها تختلف عن الموافقة الصريحة لأنها تغيّر القاعدة الافتراضية. فبموجب هذه السياسة، يفترض أن كل المواطنين واهبون راضون، لكنهم يحظون بفرصة تسجيل عدم رغبتهم في الوهب، وبإمكانهم القيام بذلك بسهولة. ونودّ أن نشدّد على كلمة "بسهولة"، إذ كلما ازدادت صعوبة عدم رغبتك في المشاركة، قلّت تحرّرية السياسة. تذكّروا أن دعاة الأبوية التحرّرية يريدون فرض تدنّي التكاليف على من يريدون التصرّف باستقلالية، بل إلغاء التكاليف إذا أمكن. وعلى الرغم من أن الموافقة المفترضة معاكسة للموافقة الصريحة إلى حدٍّ ما، فإن هناك تماثلاً رئيسياً: بموجب كلا النظامين، على كل من يخالف التفضيل الافتراضي أن يسجّل لاختيار عدم المشاركة.
لنفترض جدلاً إمكانية تنفيذ الموافقة الصريحة والموافقة المفترضة بتكنولوجيا "نقرة واحدة". وتصوّروا تحديداً أن في وسع الولاية الاتصال بكل مواطن بنجاح (وبأهل القصّر) بالبريد الإلكتروني، وأن تطلب منهم التسجيل. في عالم الاقتصاديين، تنتج السياستان نتيجة متماثلة. وبما أن تكلفة التسجيل ضئيلة، فسينقر الجميع على الخيار المفضّل. لكن الخيار الافتراضي مهمّ حتى في عالم النقرة الواحدة إذا كان السكان يتكوّنون من البشريين.
السكان يتكوّنون من البشريين بطبيعة الحال، وبفضل تجربة مهمّة أجراها إرِك جونسون (Eric Johnson) ودان غولدشتياين (Dan Goldstein) في سنة 2003، فإننا نعرف شيئاً عن مقدار أهمية الخيار الافتراضي في هذا المجال. سأل الباحثان الناس، بطرق مختلفة، إذا كانوا يريدون أن التبرّع بأعضائهم. وفي حالة شرط الموافقة الصريحة، أبلغ المشاركون أنهم انتقلوا للتوّ إلى ولاية جديدة حيث الخيار الافتراضي ألا يكون المرء متبرّعاً بأعضائه، ومنحوا خيار توكيد موقفهم أو تغييره. وفي حالة الموافقة المفترضة، كان النص مطابقاً لكن الخيار الافتراضي أن تكون متبرّعاً. وفي الحالة الثالثة، المحايدة، لم يُذكر الخيار الافتراضي - أي عليهم الاختيار. وكان الردّ يُدخل في الحالات الثلاث بنقرة واحدة بالفعل.
وكما تتوقّع الآن، فإن الخيار الافتراضي مهمّ، ومهمّ جداً. عندما كانت الموافقة على التبرّع مطلوبة، لم يفعل ذلك إلا 42 في المئة. لكن عندما كان رفض التبرّع مطلوباً، وافق 82 في المئة على التبرّع. ومن المفاجئ أن نسبة مماثلة تقريباً (79 في المئة) وافقوا على التبرّع في الحالة المحايدة.
على الرغم من أن كل الولايات تقريباً تستخدم حالة الموافقة الصريحة، فإن العديد من البلدان الأوروبية اعتمدت قوانين الموافقة المفترضة (على الرغم من تفاوت تكلفة الرفض وأنها تنطوي على أكثر من نقرة واحدة دائماً). وحلّل جونسون وغولدشتاين آثار مثل هذه القوانين بمقارنة البلدان التي اعتمدت الموافقة المفترضة بتلك التي اعتمدت الموافقة الصريحة. وتبيّن أن معدّلات الموافقة هائلة. ولتقدير قوّة قاعدة الخيار الافتراضي، لنأخذ الاختلاف في معدّلات الموافقة بين بلدين متماثلين، النمسا وألمانيا. في ألمانيا التي تتطلّب الموافقة للتبرّع، لم يمنح سوى 12 في المئة من المواطنين موافقتهم، في حين وافق الجميع تقريباً (99 في المئة) في النمسا.
بعض التعقيدات
تبدو الموافقة المفترضة جيّدة جداً حتى الآن، لكن يجب علينا التشديد على أن هذا النهج ليس الدواء الشافي لكل العلل. فالبرنامج الذي يأخذ الأعضاء من المتبرّعين المتوفّين للذين يحتاجون إلى غرس أعضاء يتطلّب بنية تحتية كاملة. وتتصدّر إسبانيا العالم حالياً في تطوير تلك البنية التحتية، محقّقة ما يقرب من خمسة وثلاثين متبرّعاً في المليون، مقابل أكثر قليلاً من عشرين متبرّعاً في المليون في الولايات المتحدة. لكن معدّل التبرّع في الولايات المتحدة أعلى مما هو عليه في العديد من البلدان التي تعتمد الموافقة المفترضة لتفوّق النظام الطبّي الأميركي في الموافقة بين المتبرّعين والمتلقّين، وتسليم الأعضاء، وإجراء عمليات الغرس بنجاح. لذا فإن قاعدة الموافقة المفترضة ليست الشيء الوحيد المهمّ. مع ذلك كشف التحليل المتأنّي للإحصاءات الذي أجراه الاقتصاديين أبادي (Abadie) وغاي (Gay) في سنة 2004 أن التغيير من الموافقة الصريحة إلى الموافقة المفترضة يزيد معدّل التبرّع في البلد بنحو 16 في المئة، إذا ثبّتنا كل العوامل الأخرى. وحصل جونسون وغولدشتاين على أثر مماثل، وإن أصغر بقليل. وبصرف النظر عن الرقم الدقيق، من الواضح أن التغيير ينقذ آلاف الأرواح كل سنة.
من الصعب تحديد أثر تغيير قاعدة الخيار الافتراضي بالضبط لأن هناك اختلافاً واسعاً في كيفية تنفيذ ذلك. ففرنسا من البلدان التي تعتمد الموافقة المفترضة من الناحية التقنية، لكن الأطباء يطلبون موافقة أعضاء أسرة المتبرّع عادة، ويتّبعون عادة رغبات الأسرة. وتشوّش هذه السياسة التمييز بين الموافقة المفترضة والموافقة الصريحة.
مع ذلك فإن الموافقة المفترضة مهمّة. ففي الولايات المتحدة، ترفض الأسر طلبات الوهب في نصف الحالات تقريباً إذا لم يكن هناك بطاقة واهب صريح يراها الأحياء. وينخفض معدّل الرفض كثيراً في البلدان التي تعتمد قواعد الموافقة المفترضة، مع أنه ليس هناك سجلّ لرغبات الواهب. ويبلغ المعدّل في إسبانيا 20 في المئة، وفي فرنسا 30 في المئة تقربياً.156 وكما عبّر عن ذلك أحد التقارير: "يمكن مفاتحة أقرب الأقرباء بطريقة مختلفة عندما يفترض أن صمت المتوفّى يشير إلى قرار بالوهب بدلاً من الافتراض أنه قرار بعدم الوهب. فنظام الموافقة المفترضة يتيح للمؤسسات التي تحصل على الأعضاء وموظفي المستشفيات مفاتحة الأسرة باعتبارها أسرة ’واهب‘ بدلاً من أسرة ’غير واهب‘. وربما يسهّل هذا التحوّل على الأسرة قبول وهب الأعضاء".157
الخيار الواجب
على الرغم من أن الخيار المفترض طريقة فعّالة لزيادة عرض الأعضاء المتاحة للغرس، فربما لا يكون تسويقه سهلاً سياسياً. فبعض الأشخاص يرفضون فكرة "افتراض" أي شيء عندما يتعلّق الأمر بمسألة حسّاسة. ونحن لسنا واثقين من أن اعتراضاتهم مقنعة، لكن لا شكّ في أنه مجال يكون فيه للخيار المفروض، أو ما يسمّى في هذا المجال الخيار الواجب، جاذبية كبيرة.
يمكن تطبيق الخيار الواجب عبر إضافة بسيطة إلى خطة تسجيل رخصة القيادة تستخدم في العديد من الولايات. وبموجب الخيار الواجب يتحقّق تجديد رخصة القيادة بمطلب التدقيق في مربّع يذكر تفضيلاتك بشأن وهب الأعضاء. ولا يقبل طلبك ما لم تدقّق أحد المربعات. وقد تضمّ الخيارات "نعم أرغب في الوهب" و"لا، غير راغب في الوهب". ومن الأسئلة المثيرة للاهتمام هل يجب على الولاية أن تضيف خيار "غير متأكّد" أو "لا أعرف". إذا كان هناك مثل هذا الخيار، لا يكون النظام "خياراً واجباً" حقاً، وإنما "خيار واجب إذا شعرت بالميل إليه"! وتوحي الأدلة التجريبية في مجالات أخرى أنك إذا منحت الناس خيار التسويف بشأن قرار ما، فإنهم ينتقون هذا الخيار في الغالب.
نعتقد أن اعتماد الخيار الواجب يؤدّي إلى تراجع الواهبين المسجّلين عما هو عليه في سياسة الموافقة المفترضة، لكنه يمكن أن يؤدّي مع ذلك إلى ارتفاع كبير في الوهب وبالتالي في إنقاذ كثير من الأرواح. ويبدو من المرجّح أن يكون أعضاء الأسرة أكثر استعداداً لاحترام الرغبات المعبّر عنها للواهب الذي قال بالفعل "نعم" مقارنة بمن لم يقل "لا"
المعايير
نعتقد أن على الولايات أن تفكّر ملياً في الموافقة المفترضة أو الخيار الواجب، لأن أياً من الخيارين ينقذ كثيراً من الأرواح ويحافظ على الحرّية في الوقت نفسه. لكن تستطيع الولايات، بموجب الموافقة الصريحة، اتخاذ خطوات بسيطة يمكن أن تحقّق كثيراً من المنفعة. وتظهر خطة ولاية إيلينوي مثلاً إدراكاً حدسياً عظيماً لتصميم الخيارات.
القسم الرئيسي من الخطة هو سجل إيلينوي لموافقة الطرف الأول، سُنّ في سنة 2006، الذي ساعد في اجتذاب أكثر من 2.3 مليون واهب مسجّل. ومن المزايا المركزية في السجل أنه بعد أن يقدّم الشخص موافقته، لا تُطلب موافقة إضافية من أسرة الواهب في الوقت الملائم. وذلك مهمّ لأن التوقيع على رخصة القيادة ليس موافقة قانونية كاملة، إذ يستطيع أعضاء الأسرة إبطال الموافقة. وبموجب نظام إيلينوي السابق، لا يمكن الالتفاف على ذلك إلا بإرسال بطاقة واهب موقّعة، أو بتقديم وثيقة ممهورة بتوقيع شاهدين. ويخفّض سجل موافقة الطرف الأول الجديد تكلفة الموافقة كثيراً بإتاحة التسجيل على الإنترنت لمن يريد.

الشكل 1.11: ترويج على الإنترنت لوهب الأعضاء في إيلينوي (بإذن من "دونيت لايف إيلينوي")

ونعتقد أن صفحة الوب (الشكل 1.11) المستخدمة لاجتذاب الواهبين مثال ممتاز على التنبيه الجيد. أولاً، تشدّد الولاية على أهمية المشكلة العامة (ثمة تسعة وسبعين ألفاً على قائمة الانتظار)، ثم تشير إلى حجم المشكلة في الولاية (يوجد أربعة آلاف وسبعمئة شخص على قائمة في إيلينوي). ثانياً، تستخدم المعايير الاجتماعية مباشرة بالاستفادة من قوة المؤثّرات الاجتماعية: "يشعر 87 في المئة من البالغين في إيلينوي بأن التسجيل بمثابة واهل للأعضاء هو الصواب" وأن "60 في المئة من البالغين في إيلينوي مسجّلون". تذكّروا أن المرء يحبّ أن يفعل ما يعتقد معظم الناس أنه صواب. ومن ثم فإن الولاية تستخدم المعايير القائمة في اتجاه خيارات إنقاذ الأرواح - والقيام بذلك دون إكراه أحد. ثالثاً، ثمة روابط بشبكة التواصل الاجتماعي "ماي سبيس"،158 حيث يستطيع الناس إرسال إشارة إلى أنهم مواطنون مهتمّون. وفي سياق الحماية البيئية، غالباً ما يقوم الناس بما يعتقدون أنه الصواب، ويرجع ذلك جزئياً إلى أن المرء يعرف أن الآخرين سيرونه يقوم بما يعتقدون أنه صواب. وربما ينطبق الأمر نفسه على وهب الأعضاء.
لا شكّ في أن هذا الموقع الإلكتروني يساهم في إنقاذ الأرواح، ويقدّم نموذجاً تحتذي به الولايات الأخرى.






12 إنقاذ الكوكب

تتخذ الحكومات في كل أنحاء العالم خطوات جريئة لحماية البيئة في العقود الأخيرة. ومخافة من تلوّث الهواء والماء، وانتشار مبيدات الآفات والمواد الكيميائية السامّة، وفقدان الحيوانات المهدّدة بالانقراض، خصّصت الحكومات موارد كبيرة على أمل تحسين صحّة البشر وخفض الآثار المضرّة للأنشطة البشرية على الحياة الفطرية في المناطق البرّية. وكان لكثير من إجراءاتها آثار حميدة، إذ جنّبت الجهود لخفض تلوّث الهواء مئات الآلاف من الوفيات المبكّرة وملايين الأمراض أيضاً. غير أن العديد من الجهود الرقابية كانت مكلفة ومبدّدة، وفاقم بعضها المشكلات التي سعت لحلّها. فعلى سبيل المثال، يمكن أن تؤدّي الضوابط الشديدة على المصادر الجديدة لتلوّث الهواء إلى إطالة عمر المصادر القديمة الوسخة، وبالتالي تزيد من تلوّث الهواء، على المدى القصير على الأقل.
وفي السنوات الأخيرة، انتقل الاهتمام إلى المشكلات البيئية الدولية، بما في ذلك استنزاف طبقة الأوزون التي تمّت السيطرة عليها الآن بعدد من الاتفاقيات الدولية التي نجحت في حظر المواد الكيميائية المستنزفة للأوزون. لكن الأهم من ذلك أن الاهتمام العام يتركّز على تغيّر المُناخ الذي لا يخضع لضوابط دولية فعّالة حتى الآن، وسنتناوله هنا لاحقاً. هل يمكن أن تخفّض التنبيهات وتصميم الخيارات المحسّن غازات الدفيئة؟ بكل تأكيد، وسنقدّم بعض الاحتمالات الواعدة.
غالباً ما تجاوزت الحكومات الساعية لحماية البيئة والسيطرة على الآثار المضرّة للتلوّث التنبيه، واتخذت خطوات غير تحرّرية. وفي هذا المجال، نادراً ما كانت حرّية الاختيار مبدأ توجيهياً. فقد اختار المنظّمون عادة نوعاً من القيادة والسيطرة التي يمنعون بموجبها الخيارات والأسواق الحرّة ولا يتيحون للناس إلا القليل من المرونة في الترويج للأهداف البيئية. وتتجسّد القيادة والسيطرة أحياناً في الواجبات التكنولوجية التي تطلب عبرها الحكومات التقنيات المواتية للبيئة التي تفضّلها، ومن الأمثلة على ذلك المحوّلات التحفيزية.159 في السيارات.
غالباً ما لا يحدّد المسؤولون الحكوميون التقنيات، لكنهم يطلبون تخفيضات شاملة في الانبعاثات. ربما يقولون مثلاً، يجب على كل السيارات الجديدة أن تقلّل خلال عشر سنوات 90 في المئة في المتوسّط من انبعاثات أول أكسيد الكربون عما هي عليه اليوم، أو أن على محطات توليد الطاقة ألا تتجاوز مستويات معيّنة في انبعاثات ثاني أكسيد الكبريت. أو ربما تحدّد الحكومة معياراً وطنياً لجودة الهواء المحيط، وتصرّ على أن تفي به كل الولايات في تاريخ محدّد، ويجب ألا تسمح بأن تتجاوز مستويات التلوّث المعيار (إلا نادراً).
تشكّل القيود الوطنية على الانبعاثات المفروضة على مصادر التلوّث الرئيسية القاعدة لا الاستثناء في الولايات المتحدة. وقد تبيّن أن مثل القيود فعّالة، إذ أصبح الهواء أكثر نظافة بكثير عما كان عليه في سنة 1970. غير أن مثل هذه القيود تبدو من الناحية الفلسفية مماثلة لأسلوب الخطط الخمسية السوفياتي، حيث يعلن البيروقراطيون في واشنطن أن على ملايين الأشخاص تغيير سلوكهم في السنوات الخمس التالية. في بعض الأحيان يتغيّر الناس، لكنهم قد لا يتغيّرون في أحيان أخرى، أو يتبيّن أن تكلفة إجراء التغييرات مرتفعة على نحو غير متوقّع، ويتعيّن على البيروقراطيين عندئذٍ العودة إلى العمل ثانية. وإذا كان الهدف حماية البيئة، هل يمكن أن يساعد التصميم الجيد للخيارات؟
إننا ندرك جيداً أن التنبيهات اللطيفة في المشكلات البيئية ربما تبدو غير كافية للغاية، وتشبه السعي لأسر أسد بفخّ لفأرة. عندما يكون الهواء أو الماء وسخاً جداً، فإن التحليل القياسي يفيد بأن الملوّثين يفرضون الضرر على من يتنفّسون أو يشربون. لذا يميل دعاة التحرّرية أيضاً إلى الموافقة على أن الأسواق بمفردها لا تحقّق أفضل النتائج عندما يكون الضرر قائماً. ومن يلوّثون (أي جميعنا) لا يدفعون التكاليف الكاملة التي يفرضونها على البيئة، ومن يتضرّرون من التلوّث (جميعنا أيضاً) يفتقرون عادة إلى أي طريقة مجدية للتفاوض مع الملوّثين لحملهم على تنظيف تبعات أعمالهم. ويدرك جيداً من يحتفون بحرّية الاختيار أنه عندما تكون "تكاليف المعاملات" (المصطلح التقني لتكاليف دخول اتفاقيات طوعية) مرتفعة، فربما لا يكون هناك طريقة لتجنّب بعض أنواع التدخّل الحكومي. وعندما لا يكون الناس في موقف يتيح الاتفاقيات الطوعية، فإن معظم دعاة التحرّرية يميلون إلى الموافقة على احتمال تدخّل الحكومة.
من المساعد التفكير في البيئة بوصفها نتاج نظام عالمي لتصميم الخيارات تتخذ بموجبه الخيارات من قبل كل الجهات الفاعلة، من المستهلكين إلى الشركات الكبيرة إلى الحكومات. وتشكّل الأسواق جزءاً كبيراً من هذا النظام، وعلى الرغم من كل فضائلها فإنها تواجه مشكلتين تساهمان في المشكلات البيئية. أولاً، أن الحوافز غير متوافقة توافقاً ملائماً. فإذا شاركت في سلوك مكلف بيئياً عبر خياراتك الاستهلاكية في السنة القادمة، فربما لا تدفع شيئاً مقابل الأضرار التي ألحقتها بالبيئة. وذلك ما يسمّى في الغالب "مأساة المشاعات" (tragedy of the commons). يوجد حافز لدى كل منتج ألبان لإضافة مزيد من البقر إلى قطيعه، لأنه يستفيد من البقر بينما يتحمّل جزءاً يسيراً من التكاليف. لكن مجمل البقر يتلف المراعي، وعلى مزارعي الألبان إيجاد طريقة ما لاجتناب هذه المأساة، ربما عبر اتفاقية للحدّ من عدد الأبقار التي يسمح لكل منهم بإضافتها. وتفسد مشكلات مماثلة صناعة صيد السمك.
المشكلة الثانية التي تسهم في فرط التلوّث أن الناس لا يحصلون على معلومات (أو تغذية راجعة) عن التبعات البيئية المترتّبة على أفعالهم. إذا كان استخدامك للطاقة ينتج تلوّثاً للهواء، فمن غير المرجّح أن تعرف ذلك أو أن تقدّره، ولن تعرفه باستمرار بكل تأكيد. ولو عرفت عن العلاقة، فربما لا تبرز في سلوكك. فمن يشغّلون مكيّف الهواء ويتركونه مشتغلاً بضعة أسابيع لا يفكّرون على الأرجح في أي لحظة أو أي يوم في كل التكاليف الشخصية أو الاجتماعية. وبالتالي سنستهلّ نقاشنا للمشكلات البيئية بالناحيتين التاليتين من نواحي تصميم الخيارات: الحوافز والتغذية الراجعة.
حوافز أفضل
عندما تكون الحوافز غير متوافقة جيداً، فمن الملائم أن تحاول الحكومة إصلاح المشكلة بإعادة التوفيق فيما بينها. وقد اقتُرح نهجان عريضان في المجال البيئي. الأول فرض الضرائب أو الجزاءات على من يلوّثون. وتشكّل الضريبة على انبعاثات غازات الدفيئة، التي يحبّذها كثير من دعاة المحافظة على البيئة (والاقتصاديين أيضاً) مثالاً بسيطاً في ميدان تغيّر المناخ. ويسمّى النهج الثاني نظام السقف والمتاجرة. وفي مثل هذه الأنظمة يُمنح من يلوّثون (أو يباعون) "حقوقاً" بالتلويث بمقادير معيّنة ("السقف") ويتاجر بعد ذلك بهذه الحقوق في السوق. ويعتقد معظم الاختصاصيين أنه يجب أن تحلّ مثل هذه النظم القائمة على الحوافز محل نظام القيادة والسيطرة. ونحن نوافق على ذلك. فالنُّهج القائمة على الحوافز أكثر كفاءة وفعالية، وتزيد حرّية الاختيار.160
إننا نقرّ صراحة بأن مثل هذه النُّهج غير أصيلة، لكن اتفاقنا مع معظم الاقتصادين بشأن هذه المسألة لا يبدو سبباً كافياً لرفض الفكرة! (سنقدّم أدناه بعض التفاصيل السلوكية التي تنطوي على أن العملاء في الاقتصاد بشريون.) ونعتقد أيضاً أن هذا النهج الأساسي متوافق مع الأبويّة التحرّرية لأن في وسع الناس أن يتجنّبوا دفع الضريبة بعدم التلويث. وللحوافز عنصر تحرّري قوي، وبخاصة عند مقارنتها بأنظمة القيادة والسيطرة. ويكون الناس عندما يُقال لهم: "يمكنكم الاستمرار في سلوككم ما دمتم تدفعون مقابل الضرر الاجتماعي الذي يحدثه" أكثر حرّية مما عندما يُقال لهم: "عليكم التصرّف مثلما تقول الحكومة بالضبط". وتفضّل الشركات أنظمة السقف والمتاجرة كثيراً على الأوامر الحكومية الصارمة، إذ تتيح هذه الأنظمة مزيداً من الجرّية وتفرض تكاليف أكثر انخفاضاً. فإذا أراد الملوّث زيادة مستوى نشاطه، ومن ثم مستوى التلوّث الذي يحدثه، فإنه لا يواجه بمنع باتّ. بل يستطيع شراء إذن من السوق المفتوحة. وإذا افترضنا أن هناك حاجة لتنظيم انبعاثات غازات الدفيئة، فإن الشركات الأميركية تناقش نظام السقف والمتاجرة لهذا السبب بالضبط. وإذا أريدت معالجة مشكلة تغيّر المناخ معالجة جادّة، فإن الاستراتيجية النهائية ستستند إلى الحوافز، لا القيادة والسيطرة.
إن النهج الأفضل لعلاج مشكلات التلوّث في معظم الأحيان هو فرض ضريبة على السلوك المضرّ وترك تحديد الاستجابة للتكلفة المرتفعة لقوى السوق. فسيرتفع سعر إنتاج الضرر بحسن نيّة، ويتراجع الاستهلاك. فليس منا أحد يحبّ الضرائب بطبيعة الحال. لكن رفع الضريبة على البنزين مثلاً يحثّ السائقين في النهاية على شراء مزيد من السيارات الأكفأ في استهلاك الوقود، أو التقليل من القيادة، أو كليهما. ونتيجة لذلك، تتراجع انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، المساهم الأول في الاحترار العالمي. وإذا ارتفعت الضرائب على الغاز، فسيجد صانعو السيارات حوافز كثيرة لتطوير تقنيات جديدة تلبّي الطلب على السيارات الأكثر كفاءة في استهلاك الوقود.
خيار السقف والمتاجرة البديل مماثل في الروح والنهج. ففي سياق التلوّث، يسمح لمن يخفّضون التلوّث دون المستوى المحدّد أن يبيعوا "حقوق الانبعاثات" المخصّصة لهم مقابل النقود. وبالتالي فإن هذا النظام ينشئ بخبطة واحدة عوائق أمام التلوّث وحوافز للحدّ من التلوّث قائمة على السوق. ويكافئ مثل هذا النظام أيضاً الابتكار التكنولوجي للسيطرة على التلوّث بدلاً من معاقبته، ويقوم بذلك بمساعدة الأسواق الخاصّة. وقد ازادت شهرة نظم المتاجرة، بناء على مبادئ السوق، على المستوى الدولي. ويحتوي بروتوكول كيوتو المصمّم للحدّ من غازات الدفيئة على آلية للمتاجرة مصمّمة خصّيصاً لخفض تكاليف خفض الانبعاثات.161
اكتسبت هذه الأنظمة القائمة على الحوافز دفعاً سياسياً على الدوام - ويرجع ذلك على ما نعتقد إلى أنها تضفي الشفافية على تكاليف تنظيف البيئة. فالإعلان عن معيار جديد لكفاءة الوقود يبدو "مجانياً" على نحو مضلّل، في حين يبدو فرض ضريبة على الكربون مكلفاً، حتى إذا كان طريقة أقلّ تكلفة لتحقيق الهدف نفسه. وقد يكون أحد حلول المشكلة السياسية الخاصّة بإقرار مثل مشاريع القوانين هذه استخدام بعض الحساب الذهني. على سبيل المثال، يمكن ربط الإيرادات المتحقّقة من الضريبة على الكربون بخفض معدّلات الضرائب الشخصية، أو تمويل الضمان الاجتماعي ومدِكير، أو توفير تأمين صحّي شامل. ويمكن على نحو مماثل بيع "حقوق" التلويث بموجب نظام السقف والمتاجرة بالمزاد، واستخدام الإيرادات بالطريقة نفسها. وربما يساعد هذا الربط بين التكاليف والمنافع في تسويق الأمر بسهولة أكبر.
يمكن إيجاد برنامج الحوافز الاقتصادية الأكثر تأثيراً في الولايات المتحدة في التعديلات التي أقرّت على قانون الهواء النظيف في سنة 1990. ويعتمد القانون الذي روّج له الرئيس جورج إتش دبليو بوش، وحظي بدعم كبير من الجمهوريين والديمقراطيين، على نظام للمتاجرة بالانبعاثات للحدّ من "المطر الحمضي". وقد كان قسم كبير من الشركات الأميركية راغباً في قبول النظام على أساس أن القدرة على المتاجرة بحقوق الانبعاثات سيدفع إلى انخفاض التكلفة. وبهذا البرنامج، اتخذ الكونغرس قراراً خاصاً بشأن "سقف" الملوّثات - مستوى الانبعاثات الإجمالي - التي تنتج المطر الحمضي. وسُمح للملوّثين صراحة بالمتاجرة بالنسب المخصّصة لهم. ومن ثمّ أنشئت حوافز قوية للسلوك الذي يعود بالمنفعة على البيئة نظراً إلى أنه يمكن تحويل خفض التلوّث إلى نقود.
حقّق برنامج المطر الحمضي نجاحاً رائعاً.162 وكان التقيد بالبرنامج كاملاً تقريباً. وحدثت متاجرة كبيرة، إذ تطوّرت سوق فعّالة للتراخيص كما كان متوقّعاً. ومنذ إقرار البرنامج، شهدت تكلفة نقل الفحم انخفاضاً كبيراً بسبب تخفيف حدّة اللوائح، وأثبت البرنامج قدرته على التعامل مع هذه المفاجأة حيث تدنّت المتاجرة بالتراخيص كثيراً عن التوقّعات. فمقارنة بنظام القيادة والسيطرة، يقدّر أن آلية المتاجرة وفّرت 357 مليون دولار سنوياً في السنوات الخمس الأولى. وكان يتوقّع أن توفّر الآلية 2.28 مليار دولار سنوياً في أول عشرين سنة، وأن تزيد الوفورات الإجمالية على 20 مليار دولار.
من المنصف القول إن برنامج المطر الحمضي يعدّ من أروع قصص النجاح في اللوائح البيئية الأميركية بأكملها. وبما أن تكاليف البرنامج تقل كثيراً عن المتوقّع، فإن نسبة الكلفة إلى المنفعة تبدو عظيمة، إذ يتوقّع أن تبلغ تكاليف التقيّد 870 مليون دولار مقارنة بتقديرات المنافع التي تتراوح بين 12 مليار دولار و78 مليار دولار - بما في ذلك تخفيض ما يقرب من 10,000 وفاة مبكّرة وأكثر من 14,500 حالة التهاب رئوي مزمنة.
من المعقول الأمل في ما يتعلّق بغازات الدفيئة، بأن يعتمد الكونغرس ضرائب الكربون (على الأرجح) بناء على نموذج المطر الحمضي، واستخدام الحوافز لخفض الانبعاثات الكلّية. وقد أولي اهتمام كبير باحتمال إنشاء أسواق عالمية للمتاجرة بحقوق انبعاثات غازات الدفيئة، ووضع سقف للانبعاثات العالمية.163 ومن المزايا المركزية لمثل هذا النظام أنه يضمن تحقيق التخفيضات من قبل من يستطيع ذلك بأقلّ التكاليف - وأن يدفع من لديهم احتياجات حقيقية لتراخيص الانبعاثات لمن يفضّلون الحصول على النقود، لا سيما في البلدان الفقيرة.
التغذية الراجعة والمعلومات
على الرغم من أننا نعتقد أن الخطوة الأهم في التعامل مع المشكلات البيئية هي الحصول على الأسعار الملائمة (أي الحوافز)، فإننا ندرك أن مثل هذا النهج صعب سياسياً. فعندما يشكو الناخبون من ارتفاع أسعار البنزين، يكون من الصعب على السياسيين الاتحاد على حلّ يرفع السعر. ومن الأسباب الرئيسية أن تكاليف التلوّث خفيّة، في حين أن السعر عند المضخّة بارز. لذا نقترح اتخاذ خطوات شبيهة بالتنبيه، إلى جانب الحصول على الأسعار الملائمة (أو في أثناء انتظار الشجاعة السياسية لتحديد الأسعار الملائمة)، يمكن أن تساعد في خفض المشكلة بطرقة أكثر استساغة سياسياً.
ثمة خطوة مهمّة وشديدة التحرّرية هي تحسين عملية التغذية الراجعة للمستهلكين عبر تحسين المعلومات ووسائل الكشف عنها. وتستطيع مثل هذه الاستراتيجيات تحسين عمل السوق والحكومة على حدٍّ سواء، وهي أقل تكلفة بكثير أيضاً، وأقلّ تدخّلاً، من نُهُج لقيادة والسيطرة التي يحبّذها المشرّعون الوطنيون في الغالب. ولا شكّ في أن كثيراً من دعاة المحافظة على البيئة يخشون من أن المكاشفة بحدّ ذاتها لا تحقّق سوى القليل. وربما يكونون مصيبين. لكن المعلومات تشكّل حافزاً قوياً على نحوٍ مفاجئ في بعض الأحيان.
ربما تكون الرسائل الإلزامية بشأن مخاطر تدخين السجائر، وهي التي استُحدثت أولاً في سنة 1965 وعدّلت في سنتي 1968 و1984، المثال الأكثر ألفة على سياسة المكاشفة. وطالما اتبعت إدارة الأغذية والأدوية سياسة تطلب وضع الوسوم التي تبلّغ عن المخاطر على المنتجات الدوائية. وقد حذت هيئة حماية البيئة حذوها بشأن مبيدات الحشرات والأسبستوس. وقبل وقف العمل بالمواد الكيميائية التي تستنزف الأوزون، كانت الوسوم التحذيرية مطلوبة على المنتجات التي تحتوي على مثل هذه الموادّ الكيميائية. ويطلب الكونغرس وضع تنبيهات على المنتجات التي تحتوي على السكرين. وفي عهد إدارة ريغان، وهو ليس من هواة اللوائح، أصدرت إدارة السلامة المهنية والصحية معيار الإبلاغ عن الأخطار. وعلى جميع أصحاب العمل اعتماد برنامج للإبلاغ عن الأخطار - بما في ذلك التدريب الفردي - وإبلاغ العمّال بالمخاطر المحتملة. وقد جعل معيار الإبلاغ عن الأخطار أماكن العمل أكثر سلامة بكثير، وتحقّق ذلك عن طريق المكاشفة الإلزامية دون إلزام أصحاب العمل بتغيير سلوكهم.
صمّمت بعض قوانين المكاشفة كي تطلق آليات سياسية بدلاً من آليات السوق. ولا يكون الهدف هنا تقديم تغذية راجعة للمستهلكين بشأن القرارات وإنما إبلاغ الناخبين وممثّليهم. ومن أشهر هذه القوانين القانون الوطني للسياسة البيئية الذي سنّ في سنة 1972. والهدف الرئيسي للقانون إلزام الحكومة بجمع المعلومات البيئية والكشف عنها قبل أن تمضي قدُماً بأي مشروع يؤثّر تأثيراً كبيراً في البيئة. والغاية من المكاشفة هي تفعيل الضمانات السياسية المستمدّة من أحكام الحكومة نفسها عندما تتضح الآثار البيئية، أو من الضغط الخارجي من المواطنين الذين اطلعوا تلك الآثار. وتكمن الفكرة خلف القانون في أنه إذا انزعج الرأي العام، تتعرّض الحكومة لضغوط لمنح الآثار البيئية بعض الثقل، لكن إذا جاء ردّ فعل الرأي العام فاتراً، تجد الحكومة مبرّراَ لعدم القيام بأي شيء.
من قصص النجاح المهمّة لمتطلّبات المكاشفة قانون التخطيط للطوارئ وحقّ المجتمع في المعرفة، وهو قانون أقرّه الكونغرس في سنة 1986 في أعقاب كارثة مفاعل تشرنوبيل في سنة 1986 في أوكرانيا.164 وكان القانون في الأصل تدبيراً متواضعاً وغير خلافي، ولم يصمّم لتحقيق مناقع بيئية. بل كان أساساً تدبيراً محاسبياً يرمي إلى توفير شيء عما يجري لوكالة حماية البيئة. وتبيّن أن القانون يقوم بأكثر من ذلك بكثير. بل إن مطلب المكاشفة المندرج في جرد إطلاق الموادّ السامّة (Toxics Release Inventory)، ربما يكون من أكثر قصص النجاح وضوحاً في كل القوانين البيئية.
لإنشاء جرد إطلاق المواد السامّة، على الشركات والأفراد تقديم تقرير للحكومة الوطنية عن كمّيات الموادّ الكيميائية الخطيرة التي خزّنت أو أطلقت في البيئة. وتتوافر اليوم المعلومات بسهولة على الموقع الإلكتروني لوكالة حماية البيئة لكل من يريدها. وتكشف أكثر ثلاثة وعشرين ألف منشأة عن معلومات مفصّلة عما يزيد على 650 مادّة كيميائية، تشمل أكثر 4.34 مليار باوند من الموادّ التي تم التخلّص منها داخل المواقع المخصّصة لها وخارجها أو الموادّ الأخرى التي أطلقت. وعلى من يستخدم الموادّ الخطيرة أيضاً إفادة أقسام المطافئ المحلية عن مواقع الموادّ الكيميائية المخزونة، وأنواعها، وكمّياتها. ويجب عليهم الكشف عن معلومات عن المضارّ الصحّية المحتملة.
إن مما يثير الدهشة أنه كان لهذه القوانين آثار مفيدة هائلة من دون الإلزام بأي تغيير سلوكي، ما حفز على إجراء تخفيضات كبيرة على إطلاق الموادّ السامّة في كل أنحاء الولايات المتحدة.165 وتوحي هذه النتيجة غير المتوقّعة بأن متطلّبات الإفصاح بحدّ ذاتها قد تكون قادرة على إحداث تخفيضات كبيرة في الانبعاثات.166 (وسنرى عما قريب كيف يمكن تكرار نجاح جرد إطلاق المواد السامّة في إطار تغيّر المناخ.)
لماذا حقّق جرد إطلاق الموادّ السامّة مثل هذه الآثار المفيدة بالضبط؟ من الأسباب الرئيسية ميل الجماعات المعنية بالبيئة، ووسائل الإعلام على العموم، إلى استهداف أسوأ المسيئين، وإنتاج نوع من "القائمة السوداء البيئية".167 وذلك مثال رائع على التنبيه الاجتماعي. فما من شركة تحب أن تكون على تلك القائمة، إذ يمكن أن يتسبّب سوء الدعاية في كل أنواع المضارّ، بما في ذلك انخفاض أسعار الأسهم.168 ومن المرجّح أن تتخذ الشركات التي ينتهي بها الأمر إلى الظهور في القائمة خطوات لخفض انبعاثاتها. والأفضل من ذلك أن تجد الشركات حافزاً لضمان عدم ظهورها في تلك اللائحة. والنتيجة حدوث نوع من المنافسة التي تتخذ فيها الشركات مزيداً من التدابير الأفضل لتجنّب الظهور بمظهر مساهم كبير في التلوّث السامّ. وإذا تمكّنت الشركات من خفض الانبعاثات بتكلفة متدنّية، فإنها ستفعل ذلك لتجنّب سوء الدعاية وما يترتّب عليها من ضرر.
وبهذا المثال في البال، يمكننا أن نرسم الآن صورة مبدئية لتنبيه منخفض التكلفة لمشكلة تغيّر المناخ. على الحكومة أن تنشئ جرداً لغازات الدفيئة يتطلّب إفصاح أكبر مصدري الانبعاثات. ويسمح جرد غازات الدفيئة في الولايات المتحدة بتتبّع التغيّرات مع الزمن. فبرؤية تلك القائمة، تستطيع الولايات والمقاطعات الاستجابة لذلك بالنظر في التدابير التشريعية. وفي كل الاحتمالات، تلفت الجماعات المعنية، بما في ذلك أعضاء وسائل الإعلام، الانتباه إلى أكبر المصدرين. وبما أن مشكلة تغيّر المناخ تتسم بالبروز، فمن المتوقّع أن يكون لجرد غازات الدفيئة أثراً مفيداً مماثلاً لأثر جرد إطلاق الموادّ السامّة. ومما لا شكّ فيه أن مثل هذا الجرد قد لا ينتج تغيّرات كبيرة من تلقاء نفسه. لكن التنبيه ليس مكلفاَ، وسيساعد بكل تأكيد.
يمكن اعتماد مساعٍ للكشف عن معلومات أخرى. فقد طلب الكونغرس منذ سنة 1975 أن تفي السيارات الجديدة بمعايير الاقتصاد في الوقود. وقد صمّم أحد المكاشفات الإلزامية، المصاحبة لمتطلّبات معايير الاقتصاد في الوقود، لتشجيع المنافسة بإلزام الشركات بالإعلان بالبنط العريض عن الاقتصاد في الوقود الذي يتوقّعه المشترون من كل سيارة (انظر الشكل 1.12).
لكن ما الذي تعنيه أرقام المسافات بالأميال؟ الإجابة ليست واضحة لمعظمنا. ويمكن أن يتحقّق هدف تشجيع المنافسة بفعالية أكبر بكثير بترجمة بيانات الأميال بالدولارات، ما يحل مشكلة المطابقة بين الاقتصاد والكلفة. بل إن وكالة حماية البيئة تراجع وسم الاقتصاد في الوقود لإبراز تكلفة الوقود السنوية المقدّرة، بالإضافة إلى منهجية تحديد ذلك الرقم. ويوضح الوسم الجديد بيانياً موقع المركبة المحدّدة ضمن تصنيفات الأميال بالغالون في فئتها (انظر الشكل 2.12). وستصبح هذه اللائحة نافذة اعتباراً من مركبات موديلات سنة 2008.

الشكل 1.12: ملصق عن الاقتصاد في الوقود (وكالة حماية البيئة)

إننا نصفّق للملصقات الجديدة، رغم اعتقادنا بأنها قد تكون أكثر قوّة إذا حسبت النقود التي تنفق على الوقود في خمس سنوات. تصوّروا وجود الملصق على مركبة هامر! والأفضل من ذلك وضع هذه الأرقام على مؤخّر السيارة كي يشاهدها السائقون الآخرون. ومن أسباب النجاح الكبير لسيارة تويوتا بيروس مقارنة بالسيارات الهجينة الأخرى هو أن بيروس تباع بوصفها سيارة هجينة (خلافاً لسيارة كامري مثلاً، التي تباع بطرازين تقليدي وهجين). فمن يريد الإعلان عن مؤهّلاته البيئية يسعدون بسيارة بيروس أكثر من سيارة كامري إذ لا يعرف أحد إذا كانت كامري هجينة أو لا ما لم يتفحّص بعض الوسوم الموجودة على السيارة بعناية.
ويمكن أن تنتج متطلبات مكاشفة مشابهة مساكن أكثر خضرة. وتتخلّل مشكلات الحوافز صناعة بناء المساكن لأن تكاليف بناء منزل أكثر كفاءة للطاقة يتحمّلها الباني مسبقاً، في حين أن تكاليف التدفئة أو التبريد يدفعها المالكون لاحقاً. فليس من المفاجئ أن تجد منازل تفتقر إلى أنواع الأجهزة الموفّرة للطاقة الشائعة عندما يصمّم المبنى المستخدم النهائي (دافع فاتورة شركة الكهرباء). لنأخذ مثالاُ من مجال أعمال الفنادق. تتطلّب
كثير من غرف الفنادق، وبخاصة في أوروبا، إقحام مفاتيح الغرف البلاستيكية المستخدمة للدخول في شقب قرب الباب لإضاءة الأنوار. وعندما يرفع المفتاح، تنطفئ الأنوار ومكيّفات الهواء، لكنها لا تنقطع عن الراديو المنبّه. لماذا تصمّم الغرف بهذه الطريقة؟ لأن الشركة الفندقية تدفع فواتير الطاقة، وتعرف الإدارة أنه ليس هناك حوافز لدى العملاء لإطفاء الأنوار. لذا فإن الشركات الفندقية مستعدّة لدفع التكلفة الإضافية مسبقاً لإدخال هذه المزية.
لكن لماذا لا يوجد لدينا مفتاح مماثل في منازلنا؟ ألا تحبّ أن تكون قادراً على الضغط على مفتاح واحد عندما تغادر المنزل فتنطفئ كل الأنوار من دون أن تتوقّف كل الساعات؟

الشكل 2.12: ملصق منقّح عن الاقتصاد في الوقود (وكالة حماية البيئة)

تنبيهات بيئية طموحة
إليكم فكرة أكثر طموحاً. ماذا لو أمكن إيجاد طريقة لضمان أن يرى الناس، كل يوم، مقدار الطاقة المستهلكة؟ استعرض كلايف طومبسون (Clive Thompson) في سنة 2007 مساعي شركة إديسون ساوث كاليفورنيا لتشجيع المستهلكين على المحافظة على الطاقة - وحلّها التنبيهي المبتكر. وكانت قد جرت محاولات سابقة لتنبيه الناس إلى ما يستهلكونه من طاقة عن طريق الرسائل الإلكترونية أو الرسائل النصية الهاتفية من دون طائل، لكن تحقّق النجاح بإعطاء الناس كرة محيطية، وهي كرة صغيرة تتوهّج باللون الأحمر عندما يستهلك العميل الكثير من الطاقة لكنها تخضرّ عندما يكون استهلاك الطاقة متواضعاً. وفي غضون أسابيع، خفّض مستخدمو الكرة استخدام الطاقة بنحو 40 في المئة في فترات الذروة. فتلك الكرة الحمراء الوامضة تلف انتباه الناس وتحثّهم على التقليل من استهلاك الطاقة. (ونعتقد أنها يمكن أن تعطي نتائج أفضل إذا أصدرت أصواتاً مزعجة، مثل مقاطع من أسطوانة فريق آبا غولد: غريتست هتس، عندما يفوق استهلاك الطاقة عتبات معيّنة.)
وكما لاحظ طومبسون، المشكلة الأساسية أن الطاقة غير مرئية، لذا لا يعرف الناس متى يستهلكون الكثير منها. وتكمن عبقرية الكرة في أنها تجعل الطاقة مرئية. وشدّد طومبسون على أهمية التغذية الراجعة مقترحاً أننا قد نجد طريقة لرؤية استهلاكنا اليومي للطاقة - وربما وضع الأرقام ذات الصلة في مكان عام، مثل صفحة فيسبوك. بل إن شركة تصميم، دي آي واي (بناء على بروتوكول كيوتو، وهو المسعى الدولي للحدّ من انبعاثات غازات الدفيئة)، تبيع بالفعل جهاز واطسون الذي يعرض استخدام الطاقة ويتيح لك إرسال البيانات إلى موقع إلكتروني، ما يسمح بعقد مقارنات بين مستخدمي واطسون في أمكنة أخرى. ويوحي طومبسون بأن مثل هذا النهج يمكن أن ينتج "شلاّلاً من المحافظة على الطاقة".
إن عدد الأشخاص المستعدّين لإشاعة استهلاكهم للطاقة على الملأ غير واضح، ولا نعتقد أننا في مرحلة يجب فيها على المسؤولين إلزام الناس بذلك. لكن من يستطيع الاعتراض إذا أراد الناس الدخول في نوع من المنافسة على المحافظة على الطاقة؟ وأبسط ما في الأمر أنه إذا استطعنا إيجاد طرق لجعل استهلاك الطاقة مرئياً، فسننبّه الناس إلى خفض استهلاك الطاقة من دون إلزامهم بإجراء مثل تلك التخفيضات.
وإليكم فكرة ذات صلة: برامج المشاركة الطوعية غير المصمّمة لمساعدة المستهلكين الأفراد وإنما الشركات الكبيرة والصغيرة على حدٍّ سواء. وبوجود مثل هذه البرامج، لا يطلب المسؤولون العامّون من أحد القيام بأي شيء. وبدلاً من ذلك يسألون الشركات إذا كانت راغبة في اتباع معايير معيّنة يتوقّع أن يكون لها الأثار المنشودة في البيئة.169 وتكمن الفكرة الأساسية في أن الشركات، حتى في الأسواق الحرّة، لا تستخدم في الغالب أحدث المنتجات، وأن الحكومة تستطيع في بعض الأحيان مساعدتها في جني المال مع خفض التلوّث في الوقت نفسه.
على سبيل المثال، في سنة 1991 اعتمدت وكالة حماية البيئة برنامج الأضواء الخضراء المصمّم لزيادة كفاءة الطاقة، وهو هدف مربح وملائم للبيئة في الوقت نفسه (من وجهة نظر الوكالة). ودخلت وكالة حماية البيئة في عدد من الاتفاقيات الطوعية مع شركات ربحية وغير ربحية على حدّ سواء (بما في ذلك المستشفيات والجامعات). وتعهّدت الشركات بموجب هذه الاتفاقيات بتنفيذ تحسينات على الإضاءة موفّرة للطاقة. وفي سنة 1992 اعتمدت الوكالة ابتكاراً مماثلاً، برنامج منتجات نجم الطاقة، وهو يتوخّى تعزيز كفاءة الطاقة أيضاً، لكن بالتركيز على الطابعات، والناسخات، وأجهزة الحاسوب، والأجهزة الكهربائية المنزلية على العموم. وحدّدت الوكالة معايير أداء طوعية وسمجت للشركات المشاركة باستخدام شعار نجم الطاقة الخاص بالوكالة. بالإضافة إلى ذلك، أعلنت الوكالة عن التعاون مع المجموعات الصناعية، واعتمدت حملات واسعة في وسائل في الإعلام، وعرضت جوائز على الشركات التي تظهر مكاسب معيّنة في كفاءة الطاقة.
كان من الأهداف الرئيسية لوكالة حماية البيئة أن تظهر أن كفاءة الطاقة ليست مفيدة للبيئة فحسب، وإنما تحقّق وفورات كبيرة أيضاً. لكن يجب عدم توقّع مثل هذه الوفورات من وجهة النظر الاقتصادية. وإليكم السبب. لو كان في وسع الشركات توفير النقود في سعيها للمحافظة على البيئة، لقامت بذلك بالفعل. وفي اقتصاد السوق، يجب ألا تكون الشركات بحاجة إلى مساعدة الحكومة لخفض تكاليفها. فسرعان ما توضح الضغوط التنافسية لمن لا يخفّض تكاليفه أنه يخسر نقوداً - ويخرج من السوق.
غير أن الأمور لا تحدث بهذه الطريقة دائماً. فالمديرون في الشركات مشغولون ولا يولون انتباهاً لكل شيء. ولإحداث بعض التغيير، ينبغي لأحد في الشركة أن ينتصر للتغيير. وفي معظم الشركات، لا يعتقد المديرون أن الدفع باتجاه سياسة للتوفير في تكلفة الطاقة هو الطريق إلى مكتب الرئيس التنفيذي للشركة، وبخاصة عندما يكون الوفر في التكلفة صغيراً بالنسبة للمستوى المرجعي. لذا يبدو المشروع مضجراً ومقتّراً، وربما ينتهي بالمدير الذي يقترحه إلى شغل وظيفة محاسبية بدلاً من مكتب الرئيس.
ما كان يجب أن ينجح برنامج وكالة حماية البيئة من الناحية النظرية. لكن نجح البرنامجان كما تبيّن في تشجيع المزيد من استخدام تقنيات كفاءة الطاقة المنخفضة التكلفة. ونتيجة لذلك، أصبحت مثل هذه التقنيات أوسع انتشاراً مما كانت عليه في السابق. وبسبب الأضواء الخضراء، اعتُمدت برامج الإضاءة الموفّرة للطاقة في العديد من الأماكن. وأدّت منتجات مكتب نجم الطاقة إلى إدخال تحسينات كبيرة في كفاءة الطاقة، ووفّرت التكاليف على من استخدم الأجهزة ذات الصلة. وحقّقت الحكومة كل ذلك من دون إلزام، ولكن بتنبيه بسيط.
يقدّم نجاح هذه البرامج دروساً عريضة لحماية البيئة. وكان الدرس واضحاً لا سيّما للقلقين من مشكلة تغيّر المناخ، حيث تستطيع الحكومات المساعدة في خفض استهلاك الطاقة، وبالتالي خفض انبعاثات غازات الدفيئة بتنبيه بسيط، سواء اختارت نوعاً من النظم القائمة على الحوافز أو لا. وغالباً ما يكون المسؤولون العامّون جهلة، لكن يكون لديهم معلومات مقيدة في بعض الأحيان، وتستطيع الشركات الاستفادة منهم فعلياً. ونتيجة لذلك، يمكن أن تؤدي عملاً جيداً وتُحسن أداءه.





القسم IV الحرّية

يهتمّ دعاة الأبوية التحرّرية بالحرّية، ويشكّكون في النُّهُج التي تحول دون أن يتصرّفوا على هواهم. وبعض التنبيهات سيّئة أو غير مرحّب بها، لكننا نستفيد جميعاً إذا سُمح لبعضنا القيام بالتجربة. وفي كثير من المجالات، نودّ إشاعة الحرّية حيث لا توجد الآن.
لقد استعرضنا مثال حماية البيئة البارز، حيث حاولت العديد من الحكومات تحقيق ذلك بلوائح صارمة تقوم على القيادة والسيطرة. بيد أن نُهُج المتاجرة بالانبعاثات، ووضع سقف للتلوّث، وإنشاء أسواق جديدة، تقدّم مزيداً من الحرّية. وللحرّية المتنامية جاذبية كبيرة في هذا المجال. وقد بدأ المسؤولون العامّون والمواطنون العادّيون من كل فئات الطيف السياسي يدعمون المتاجرة بالانبعاثات، والاستجابة لتهديد تغيّر المناخ على الأقل.
سننتقل الآن إلى ثلاثة أمثلة تثير خلافاً شديداً. فنحن ندعم توسيع الخيارات في التعليم على أساس أن من المرجّح أن تفيد المنافسة أبناءنا. ونريد أيضاً زيادة حرّية المرضى والأطبّاء، وعلى الأخصّ زيادة قدرتهم على التعاقد بعضهم مع بعض (حتى إذا خسر المحامون نتيجة لذلك). وأخيراً، نريد إخراج الحكومة من ميدان الزواج، حيث يمكن تبريد بعض أكثر النقاشات حماوة في السياسة الأميركية، ومنها زواج المثليين والقضايا ذات الصلة، بقليل من فصل الكنيسة عن الدولة - وبالإصرار على حرّية المنظّمات الدينية والأشخاص الذين يحبّون بعضهم بعضاً.





13 تحسين اختيار المدارس

في سنة 1944 أدرج الرئيس فرانكلين ديلانو روزفلت "الحقّ في التعليم الجيد" في ما أسماه ميثاق الحقوق الثاني، المصمّم لتعزيز "الأمن" الملائم للديمقراطية الحديثة.170 ويبدو أن معظم الأميركيين يعتقدون أن لأبنائهم الحقّ في الحصول على تعليم جيد، وثمة إجماع على هذه النقطة. ومن أسباب هذا الإجماع أن المتعلّمين أكثر حرّية بكثير. لكن هذا الإجماع ينهار عندما يستعرض الناس كيفية تحقيق هذا الحقّ بالضبط.
يبقى اختيار المدرسة قضية شديدة الاستقطاب في السياسة الأميركية. وكان الاقتصادي التحرّري العظيم ملتون فريدمان (Milton Friedman) قد شهر في الأصل الحجة الداعية للاختيار. وحجّته بسيطة: أفضل طريقة لتحسين مدارس أبنائنا هي إدخال المنافسة إليها. فإذا تنافست المدارس، كسب الأطفال. والأسر الثرية لديها فرصة "اختيار المدرسة" لأنها تستطيع إرسال أنائها إلى المدارس الخاصّة. وإذا منحنا الآباء قسائم لإرسال أبنائهم إلى أي مدرسة يشاؤون، فإننا نجعل أبناء الأسر الفقيرة متساوية تقريباً مع نظرائها من ذوي الامتيازات من الطبقتين المتوسّطة والغنية. ألا يجدر بالأطفال الفقراء أن يحظوا بالحقوق نفسها التي يحظى بها الأثرياء؟
يرى منتقدو اختيار المدرسة أن مثل هذه البرامج تعادل في الممارسة هجوماً على نظام التعليم العامّ الذي ساعد في جعل أميركا عظيمة. ويعبّر المنتقدون عن قلقهم من أن تفقد المدارس العامّة، التي تخدم أشخاصاً متنوّعين وتتيح لهم التعلّم معاً، الطلاب والمال على السواء. ويخشون من أن القسائم ستتحوّل إلى إعانة للأهالي الأغنياء الذين لديهم المال الكافي لإرسال أبنائهم إلى مدارس خاصّة ممتازة - والأسوأ من ذلك أن تنتهي المدارس العامة إلى الحصول على الأولاد الذين لا تريدهم المدارس الخاصّة.
وبوصفنا تحرّريين، فإننا نميل بشدّة إلى مفهوم اختيار المدرسة، لأن الحرّية فكرة جيدة عادة ولأن المنافسة تحسّن التعليم على الأرجح. لكن التفضيل المطلق للاختيار لا يتيح لنا اختيار أي خطة معيّنة، والدليل على ذلك يكمن في التجربة بطبيعة الحال. وقد رأينا أن شعار تعظيم الخيارات لا يؤدّي إلى أفضل النتائج الممكنة دائماً. لذا علينا أن نسأل، عندما يتعلّق الأمر بالمدارس، هل المزيد من الخيارات مفيد؟ لقد جرّبت المدن في كل أنحاء البلد منذ سبعينيات القرن العشرين برامج الاختيار، مانحة المراقبين فرصة تقييم الآثار الفعلية لمثل هذه البرامج. وتوحي الأدلّة بأن برامج الاختيار تحسّن أداء الطلاب بالفعل، مع أنها ليست العلاج الحاسم. وقد وجدت كارولين هُكسبـي (Carolyn Hoxby)، وهي عالمة اقتصاد حلّلت برامج مدارس القسائم والمدارس الميثاقية، أن المدارس العامّة تحقّق نتائج تعليمية أفضل عندما تواجه المنافسة مقابل كل دولار يتمّ إنفاقه. ويمكن أن يتراوح تحسّن نتائج الاختبارات من 1 إلى 7 في المئة في السنة تبعاً للمدرسة والطلاب - ويكون التحسّن أكبر عادة في أوساط الطلاب الصغار، والطلاب ذوي الدخل المنخفض، وأعضاء الأقلّيات.171
ومع أن النتائج توحي بأن اختيار المدرسة مفيد ويمكن أن يساعد، فإننا نعتقد بأن النتائج يمكن أن تتعزّز كثيراً بمساعدة الأهل على الاختيار الأفضل لمصلحة أبنائهم. فكثير من الأهالي لا يستخدمون خياراتهم وبدلاً من ذلك يرسلون أبناءهم إلى المدارس الافتراضية (المدارس المجاورة لهم عادة، ولكن ليس دائماً). ومن يختارون لا يكونون مستعدّين جيداً لاختيار المدارس الملائمة. ولأننا نقرّ بمنح مزيد من الخيارات، فإننا نريد التركيز على جزء مهمّ من مسألة اختيار المدرسة - كيف نضع خططاً تجعل الأهل في موقع جيد لاتخاذ قرارات سليمة من أجل أبنائهم.

خيارات معقّدة وطرق مختصرة ذهنية
لنأخذ حالة ورسِسْتَر الكاشفة في ماساتشوستس. فقد وقّع الرئيس بوش قانون "عدم تخلّف أي طفل عن الركب" الاتحادي في سنة 2001، بغية رفع مساءلة المدارس العامّة بفرض معايير اختبارات محدّدة. (نضع جانباً العديد من الأسئلة الخلافية التي أثارها ذلك القانون.) وبحلول حزيران/يونيو 2003 وُصفت اثنتي عشرة مدرسة من مدارس ورسستر الخمسين بأنها "بحاجة إلى تحسين" للسنة الثانية على التوالي، وخمس منها للسنة الثالثة على التوالي. وفي تلك السنة كان أربعة آلاف وسبعمئة طالب، أي خمس عدد الطلاب في المنطقة، مؤهّلين للانتقال، وألف وثمانمئة طالب لديهم الحقّ في الحصول على أموال اتحادية لخدمات التعليم التكميلي. لكن بعد ستة أشهر، لم يغيّر المدرسة إلا طالب واحد فقط، ولم يستفد من الخدمات التكميلية إلا طالبان فحسب.
كان الإداريون في ورسستر مسؤولين هم المسؤولين في المقام الأول. صحيح أن النظام المدرسي أبلغ الأهل في المدارس المنخفضة الأداء عن حقوقهم بموجب قانون "عدم تخلّف أي طفل عن الركب"، لكنه شارك أيضاً في ما يسمّيه عالم السياسة وليام هُوِل (William Howell) "تثبيطاً ودّياً"، ما جعل الأهل متردّدين في ممارسة حقّهم في الاختيار.172 فقد قيّد نظام المدارس لغته بشأن معنى "منخفضة الأداء"، وشدّد على حدود معايير تقييم "عدم تخلّف أي طفل عن الركب"، وأبرز أجزاءه غير الجذّابة، ملاحظاً أن قيود الأماكن الشاغرة ربما لا تسمح بتنفيذ الانتقالات. وأوضح نظام المدارس أنه لا يحاول التحسين أيضاً.
كانت ممارسة الاختيار عملية شاقّة ومتعدّدة المراحل للذين لم يرتدعوا. أولاً، كان على الأهل الاجتماع بمدير مدرستهم. وقلة منهم فعلت ذلك. ثم عليهم حضور اجتماع ثانٍ في مركز إعلام مدرسي. وقال مدير المركز إن اثنين من الأهل عبّرا اهتمام بمثل هذا الاجتماع. وفي هذه الاجتماعات، شدّد مسؤولو المنطقة أيضاً على أن الانتقال غير ممكن دائماً وأنه لا توجد ضمانات بشأن المواصلات أو موقع المدرسة. وكان كل ذلك قبل أن يقدّم الأهل أوراق الانتقال. والأسوأ من ذلك أن الطلاب لم يستطيعوا الوصول إلى الخدمة التعليمية وشركات إعداد الاختبارات من دون مباركة المنطقة لأن المنطقة المدرسية تتحكّم في الوصول إلى المعلومات. والشركات تعتمد أساساً على الملاحظات الإيجابية الصادرة عن المنطقة المدرسية.
وكما هو حال الخطة (k)401، فإن الأهل العاديين يعرفون القليل عن مدرسة أبنائهم، فما بالك بكل المدارس الأخرى المتاحة. وربما يحافظون على الوضع الراهن أو يتخذون قرارات رديئة. وتكمن الصعوبة في تعزيز الحرّية الفعلية - ليس عن طريق منح الناس كثيراً من الخيارات فحسب (مع أن ذلك يمكن أن يساعد)، وإنما بوضع الناس أيضاً في موقف ملائم لاختيار الأفضل لأبنائهم. ولننظر في بعض التفاصيل.
عندما يختار الأهل المدارس، يكون للانحياز إلى الوضع الراهن دور كبير. وربما تحظى مدرسة الحيّ التي يعرفها المرء، سواء أكانت فاشلة أم لا، بالأفضلية على مدرسة مجهولة على بعد نصف ساعة. وعلى أي حال، فإن الطبيعة البيزنطية لجمع البيانات عن المدارس وتوزيعها تجعل من الصعب على الأهل التفكير في خياراتهم. ففي تشارلوت، بولاية نورث كارولينا، على سبيل المثال، يتلقّى الأهل كتيّباً من مئة صفحة يحتوي على أوصاف 190 مدرسة كتبها ممثّلون عن المدارس أنفسهم، وتشدّد على النواحي الإيجابية لكل مدرسة. ولا يشمل الكتيّب معلومات عن المواقع المادية، ونتائج الاختبارات، ومعدّلات الحضور والغياب، والتركيب العرقي - تتوافر هذه المعلومات على الموقع الإلكتروني للمنطقة فقط. وفي غضون ذلك، يُطلب من الموظفين في مركز تقديم الطلبات الخاص بالمنطقة بأكملها الردّ على أسئلة مثل "أي مدرسة هي الأفضل؟" بالقول إن "المدرسة الجيدة تتوقّف على كل طفل فرد" وينصحون الأهل بالتحدّث إلى أبنائهم بشأن احتياجاتهم، وزيارة مختلف المدارس لتحديد المدرسة الأفضل لأبنائهم. وعلى الرغم من عدم إمكانية الاعتراض على هذه النصيحة، فإنها ليست مسعفة أكثر من ردّ النادل في مطعم عن الاستعلام عما هو جيد بالقول: "كل شيء"!
تظهر إحدى التجارب الخلاّقة في تشارلوت أنه يمكن تحسين الخيارات عن طريق تقديم معلومات أفضل وأكثر سهولة.173 فقد منحت تشارلوت الأهل خيار تقديم طلب للقبول في مدارس عامّة متعدّدة إلى جانب مدرستهم الافتراضية. ويميل الأهل ذوو الدخل المنخفض إلى التشديد أقلّ من الأهل ذوي الدخل المرتفع على جودة المدرسة، كما تقاس بنتائج الاختبارات، ونادراً ما يحاولون إلحاق أبنائهم بالمدارس العالية الأداء. وقد اختيرت عيّنة عشوائية من الأهل لتلقّي "ورقة حقائق" مختصرة عن المدارس - بما ينسجم كثيراً مع فكرة "رِكاب" التي اقترحناها في مجالات أخرى. وقد طُبع على كل ورقة قائمة بنتائج الاختبارات، ومعدّلات القبول، من الأعلى إلى الأدنى، في المدارس المتاحة للطفل المعني.
كان من أجروا الاختبار يريدون معرفة إذا كان الأهل، وبخاصّة ذوي الدخل المنخفض، سيختارون المدارس الأفضل. وقد تحقّق ذلك، واختيرت مدارس أفضل بكثير. واتخذ الأهل الذين حصلوا على أوراق الحقائق قرارات تعني ضمناً أن الترجيح الذي يمنحونه لجودة المدرسة (مقيسة بنتائج الاختبارات) قد تضاعف. وكانت المدارس التي اختاروها قد حقّقت نتائج اختبارات أعلى من النتائج التي حقّقتها المدارس في حيّهم بنحو 70 في المئة في المتوسّط. وجعل ذلك خياراتهم مماثلة لخيارات الأهل الذين يزيد دخلهم على 65,000 دولار في السنة. كما أن أداء الطلاب يتحسّن كثيراً عندما يكونون محظوظين بالانتقال إلى مدارس أفضل. ومن غير المرجّح أن يتعرّض الطلاب المحظوظون بالفوز في القرعة التي تجرى لتقرير من يلتحق بالمدارس العامّة الأفضل للإيقاف كما أنهم يحقّقون نتائج أعلى في الاختبارات من الطلاب الذين خسروا في القرعة.174
تعارض الحوافز وتطابقها
يمكن أن يفيد التصميم الجيد للخيارات أكثر من مساعدة الأهل في تحقيق مصلحتهم الذاتية بالفعل. ففي وسع المصمّم المساعدة في خفض تعارض الحوافز الكامن بين الأهل المحظوظين والمحرومين في أثناء عملية الاختيار.
تتوافر البرامج القائمة على السوق لقليل من الطلاب نسبياً في كل أنحاء البلد، على الرغم من الاهتمام الذي تلقاه في وسائل الإعلام. ومن البدائل الشهيرة سياسة تدعى الاختيار المتحكّم به، وقد ظهرت في أعقاب أحكام المحاكم في سبعينيات القرن العشرين التي تمنع ركوب الحافلات بغية تحقيق إزالة التفرقة العنصرية. وكانت الفكرة تقضي باستمرار الدمج بضمان حيّز يحظى بالأولوية في مدرسة قريبة أو مدرسة التحق بها أحد الإخوة، ومنحهم في الوقت نفسه خيار تقديم طلب للالتحاق بمدرسة في مكان آخر.
اعتمد إداريو المدارس في بوسطن خوارزمية حاسوبية مصمّمة لتوزيع قدر ما أمكن من الطلاب على مدارس الخيار الأول، مع منح الأولوية في الوقت نفسه لطلاب الحيّ. ومن الصعب أن يُعرف بالضبط عدد المناطق التي تستخدم ما يسمّى نظام بوسطن لأن الإداريون لا يشرحون دائماً سياسات الاختيار المتحكّم به بالتفصيل، لكن بعض مناطق المدن الكبرى التي تستخدم تلك الخوارزمية أو شيئاً مماثلاً تشمل دنفر، وتامبا، ومنيابولِس، ولِوِيفيل، وسياتل. (إذا تقدّم طالبان إلى مدرسة لديها مقعد واحد، تكسر سياتل ولِوِيفيل التعادل على أساس العرق، وهو سلوك قضت المحكمة العليا بأنه غير دستوري في سنة 2007.)
يبدو أن مطابقة أكبر قدر من الخيارات الأولى أمراً منطقياً، باستثناء مشكلة واحدة. فقد تبيّن أن اختيار المدارس في نظام بوسطن لعبة استراتيجية معقّدة، يجني فيها الفائزون الغنائم. كيف يكسب الفائزون؟ يكذبون قليلاً. وذلك ما يسمّيه الاقتصاديون سوء تمثيل استراتيجي.
ثمة سبب رياضي (معقّد) يفسّر لماذا يشكّل الكذب استراتيجية جيّدة في نظام بوسطن، لكن للحصول على فهم حدسي تخيّل أن القبول في الجامعات أصبح يُدار فجأة بنظام اختيار وطني متحكّم به. سيكون الطلب على جامعات مثل هارفرد وستانفورد مفرطاً جداً، وسيحصل الطلاب المحليون على معاملة تفضيلية. تصبح فرصك أفضل قليلاً في دخول إحداهما من الفوز بالجائزة الكبرى للوتو باوربول. (أتعتقد الآن أن العقار في كمبردج أو بالو ألتو مكلف؟ ماذا لو كانت الإقامة هناك تضمن لابنك مقعداً في هارفرد أو ستانفورد؟) الأهل الأذكياء غير المقيمين في كمبردج، لكنهم يحلمون بإرسال ابنهم إلى هارفرد منذ أيام الحفاض، يدركون عدم جدوى إدراجها خياراً أولاً. ويحاول نظام بوسطن مطابقة أكبر عدد ممكن من الخيارات الأولى، لذا إذا أدرج كل والد نزيه في أميركا هارفرد بمثابة خيار أول، فإن المقيمين في كمبردج وحدهم يستطيعون النوم هانئين ليلاً.
بدلاً من تجربة الحظّ في محاولة منخفضة الفرص، يكون الأهل المقيمون خارج كمبردج في وضع أفضل إذا كان اختيارهم جامعة أقل شهرة مثل دارتموث أو كورنل، حيث يقل أيضاً الطلاب المجاورون الذين يحظون بمعاملة تفضيلية. وفي نظام بوسطن، يخسر الأهل الذين يصنّفون مدرسة خياراً ثانياً أو ثالثاً أمام كل من يصنّفها خياراً أولاً - ما يجعل استخدام الخيار الأول لمدرسة يشتدّ الطلب عليها مخاطرة إذا كان الطالب يحظى بأولوية منخفضة، ويجعل إدراج مثل هذه المدرسة خياراً ثانياً خسارة تامّة. وتتوافر المعلومات عن الطلب على المدارس على الإنترنت عادة، ما يمنح الأهل حافزاً لتحسين التصنيفات بناء على معدّلات القبول وأين يتمتّع أبناؤهم بالأولوية.
عندما طُوّر نظام بوسطن لأول مرّة، لم يكن أحد تقريباً يدرك هذه الاستراتيجية. (بل إن نفراً قليلاً من الأشخاص كانوا يعرفون كيف تعمل الخوارزمية!) لكن بعض الأهل توصلوا بمرور الوقت إلى طرق لاكتساب الأفضلية. وليس من المفاجئ أن يكون الأهل الموسرون والمتعلّمون الذين لديهم شبكات اجتماعية واسعة (يتطوّعون في المدارس مع الأهالي الموسرين والمتعلّمين الآخرين) أول من يتعلّم الحيل. لذا كان أداؤهم أفضل من الأهل الأقل ثراء وتعلّماً، الذين يدرجون عادة مدرسة يكثر الطلب عليها بمثابة خيار ثانٍ، وتلك أسوأ غلطة يمكن أن ترتكب. ومن يدري كم عدد الأبناء خسروا القبول في مدارس ممتازة بسب ذلك؟
لا يزال نظام بوسطن معمولاً به في كل أنحاء البلد، ولكن ليس في بوسطن. ففي سنة 2003، أشار فريق من علماء الاقتصاد بقيادة آل روث (Al Roth) في هارفرد إلى هذه المشكلات أمام إداريي مدارس بوسطن المشكّكين في البداية. وبعد السماح لعلماء الاقتصاد بالاطلاع على بيانات داخلية، اقتنع الإداريون بوجود عيوب في نظامهم.175
واستجابة لذلك اعتمدوا آلية الاختيار الجديدة المثبتة استراتيجياً التي وضعها الاقتصاديون بناء على آلية تستخدم في المستشفيات للمطابقة بين المستشفيات والأطباء المقيمين. ولا تعاقب الآلية الأهل غير المحنّكين في عملية الاختيار، وتسمح لهم بزيارة المدارس ورؤية المعلّمين بدلاً من تقدير مستوى المنافسة على الدخول في كل مدرسة. وفي المقابل، ليس على الإداريين أن يخمّنوا بشأن تفضيلات الأهل الحقيقية بحيث يمكن تعديل السياسة كما ينبغي بناء على التغذية الراجعة.
تنبيه الطلاب الثانويين بشأن الجامعات
لا حاجة إلى نشأة التصميم الجيد للخيارات مع أستاذ شديد التدقيق وخوارزمية حاسوبية قوية. فربما يكون من بنات أفكار مسؤول مدرسي محلي أو اثنين. ففي سان ماركوس، تكساس، كانت المشرفة على المدرسة وإداري في كلية أوستن للمجتمع يبحثان عن طريقة لإدخال مزيد من طلاب سان ماركوس اللاتينيين إلى حدّ كبير إلى الجامعة. فعثرا على تنبيه بسيط جداً وفعّال انتشر في الولاية أسرع من انتشار كليب على يوتيوب. (ربما ليس بتلك السرعة.) وكان التنبيه كما يلي: لكي يتخرّج الطالب من ثانوية سان ماركوس، عليه أن يكمل طلباً للالتحاق بكلية أوستن للمجتمع. وبما أن كل ما يلزم للقبول بكلية المجتمع هو الشهادة الثانوية، وسجل بالخضوع لاختبار معياري، فإن إكمال الطلب كما ينبغي يعادل القبول.
تدار المدارس في سان ماركوس بموازنة شحيحة، ولا يشهد ثلثا الطلبة الثانويين تعليماً جامعياً قطّ. لم يكن لدى المشرفة تمويلاً خارجياً لتنفيذ الفكرة، لذا طلبت المساعدة من المعلّمين في مدرستها وكلية المجتمع. فكان الطلاب يُخرَجون من صفوف اللغة الإنكليزية للاجتماع بمستشارين من كلية المجتمع. ولم يكن على المستشارين أن يحاولوا إقناع الطلاب بالأهمية الشديدة للتعليم. وبدلاً من ذلك ربطوهم بالرمز العامّ لحرّية المراهقين، أي السيارة. تحدّثوا عن مقدار المال الإضافي الذي يستطيع الخريجون في الكلية جنيه مقارنة بالخرّيجين في المدرسة الثانوية، وفسّروه بأنه بمثابة الاختلاف بين سيارتي مرسيدس وكيا. وبعد ذلك أخضع إداريو كلية المجتمع الطلاب لامتحان قبول معياري مجّاني. وقدّم الإداريون أيضاً معلومات عن الإعانة المالية للطلاب، وجعلوا مستشارين ضريبيين يعقدون جلسات مع الأهل في عطلة نهاية الأسبوع.
في النهاية، حقّق التنبيه نتائج كبيرة. ارتفعت النسب المئوية لطلاب ثانوية سان ماركوس الذين التحقوا بكليّات تكساس من 11 في المئة في سنة 2004 إلى 45 في المئة في سنة 2005. ويوجد الآن برامج مماثلة في أكثر من خمس وأربعين مدرسة ثانوية في تكساس، ووضعت المدارس الثانوية في فلوريدا وكاليفورنيا برامج مستلهمة من نموذج سان ماركوس. وفي ماين، طرح أحد مشرّعي الولاية قانوناً يفرض على طلاب السنة النهائية في الثانويات تقديم طلب واحد على الأقل للالتحاق بالكلية قبل أن يتخرّجوا.
لقد تناولنا كثيراً من الأمور في حيّز صغير. كان ملتون فريدمان مصيباً: اختيار المدرسة في المطلق على الأقلّ فكرة ممتازة لأنها تزيد الحرّية وتعد بتحسين التعليم. ومن حسن الحظّ أن ثمة أدلّة توحي بأن اختيار المدارس واعد جداً.
المشكلة الرئيسية، ومصدر قلقنا الرئيسي هنا، أن ما ينطبق على الاستثمارات والأدوية بوصفات طبّية ينطبق على التعليم أيضاً: لا يكفي أن نقدّم الكثير من الخيارات المتاحة والأمل بعد ذلك أن يختار الأهل بحكمة. بل على الأنظمة المدرسية أن تجعل الأهل في موقف يتيح لهم التفكير في خياراتهم، وممارسة حرّيتهم بدلاً من الاعتماد على خيار افتراضي. ويحتاج الأهل والأبناء إلى الحوافز الصحيحة. إن "الحقّ في تعليم جيّد" الذي وضعه فراكلين روزفلت ليس جزءاً من الدستور، لكنه أصبح التزاماً ثقافياً، وثمة خطوات قليلة بسيطة قد تمكّن المزيد من الأطفال من التمتّع بهذا الحقّ.






14 هل يجب إجبار المرضى على شراء بطاقات اليانصيب؟

في كل دورة انتخابية، يكشف المتنافسون على الرئاسة عن خطط لجعل تغطية الرعاية الصحية متاحة لعشرات الملايين من الأميركيين الذين يفتقرون إلى تأمين صحّي. ويستنكر المرشّحون فشل حكومتهم في تنفيذ خطّة فعّالة، حتى الآن.
بصرف النظر عما يحدث على المدى الطويل، فإن من الصعب تصميم مثل هذه الخطط لسبب بسيط: الرعاية الصحية مكلفة في الواقع. ويرجع ذلك جزئياً إلى أن الأميركيين يريدون الحصول على أفضل الخدمات: الأطبّاء، والمستشفيات، والأدوية الموصوفة، والأجهزة الطبّية، ودور الرعاية، على سبيل المثال لا الحصر.
يمكننا بطبيعة الحال أن نحاول من تلقاء أنفسنا جعل الرعاية الطبية ميسورة، باتباع أنماط حياة صحّية، وألا نشتري إلا ما نحتاج إليه من منتجات وخدمات الرعاية الصحّية. ويمكننا توفير النقود بزيارة الطبيب عند الضرورة فحسب، وإذا اشترينا تأميناً صحّياً، يمكننا اختيار خطة تشمل الأمراض الخطيرة فقط بدلاً من تغطية منخفضة الاقتطاعات (مبالغ التحمّل)، وهي أكثر تكلفة بكثير. لكن ثمة شيء يُفرض شراؤه على كل عميل للرعاية الصحّية في أميركا، سواء رغب في ذلك أو لا: أي حقّ مقاضاة الطبيب على الإهمال.
مطلبنا الرئيسي هنا هو وجوب أن يكون المرضى والأطبّاء أحراراً في صياغة اتفاقياتهم بشأن ذلك الحقّ. وإذا أراد المرضى التخلّي عن حقّهم في المقاضاة، فيجب السماح لهم بالقيام بذلك بالضبط. ومن المرجّح أن تساعد هذه الزيادة في الحرّية الأطبّاء والمرضى على السواء، في تقديم مساهمة قيّمة، حتى لو كانت متواضعة، في حلّ مشكلة الرعاية الصحّية.
ربما يكون مستغرباً التفكير في أننا "نشتري" حقّ المقاضاة. وهذا الحقّ ليس جزءاً مفصّلاً ببند في فاتورة التأمين - لكن من الواضح أنه يدخل في السعر. قارن بين شراء رعاية صحّية وشراء تأمين لسيارتك ضدّ الصدمات. يتوقّف السعر الذي تدفعه على الاقتطاعات التي تختارها. إذا اخترت اقتطاعاً صغيراً، مثل 100 دولار، فستدفع سعراً أعلى بكثير مما إذا اخترت اقتطاعاً كبيراً، مثل ألف دولار. (نصيحة: خذ دائماً أكبر اقتطاع تستطيع تحمّله. فسيوفّر عليك الكثير من النقود على المدى الطويل.) أو لنأخذ ناقلاً للطرود مثل شركة فدرال إكسبرس التي تسمح لك بدفع المزيد لرفع حدّ المسؤولية عن البضاعة التي تشحنها. يطبّق المبدأ نفسه هنا - كلما زاد ما تدفعه الشركة لك إذا فقدت طردك، ارتفعت الرسوم التي تتقاضاها الشركة منك مسبقاً. لكن في حالة التأمين الصحّي (وكثير من مجالات الحياة الأخرى للأسف)، لا يمكن شراء التأمين حسب الطلب، وخفض حقوق مقاضاة الآخرين إذا أفسدوا الأمور.
إذا كان لا يزال مستغرباً الاعتقاد بأنا نشتري حقّ المقاضاة، فكّر في هذه الحقيقة البسيطة: يدفع عملاء الشركات أسعاراً مرتفعة لأنهم يحتفظون بحقّهم في مقاضاة تلك الشركات. وقد كتب عالم الاقتصاد العظيم جورج ستِغلر (George Stigler) مقالة مسلية عن عالم وهمي يتمتّع فيه الطلاب بالحقّ في مقاضاة الأساتذة الذين علّموهم شيئاً تبيّن أنه خاطئ. وعنوان تلك المقالة "رسم لتاريخ حقيقة التعليم" (“A Sketch of the History of Truth in Teaching”). يرتعد الأساتذة من الفكرة، لكن تخيّلوا كم سيكون التعليم مكلفاً اليوم إذا تحتّم على الجامعات وموظفيها تحمّل تأمين ضدّ سوء التعليم! (في قصة ستِغلر الخيالية "منعت المحاكم فرع علم الاقتصاد الذي يتعامل مع كيفية إثراء أمة جديدة [كان العنوان "التنمية الاقتصادية"] بناء على عدم قدرة أي جامعة على دفع الأضرار التي تسبّب بها أساتذتها".) ولن يكون التعليم أكثر تكلفة فحسب، وإنما سيكون أقلّ فعّالية لأن الأساتذة سيخشون المخاطرة، مخافة تعرضهم للمقاضاة. ونعتقد أن العديد من الجامعات ستعمد، إذا أمكنها، إلى إخراج نفسها من الفوضى التي تخيّلها ستِغلر عن طريق التعاقد والموافقة على التعليم من دون حقّ مقاضاة التعليم الرديء.
وعلى نحو ذلك، يمكن أن يتفق كثير من المرضى ومقدّمي الرعاية الصحّية بسرور على ترتيب لإلغاء الحقّ بمقاضاة الإهمال.176 وفي مقابل التخلّي عن ذلك الحقّ، يمكن أن يعرض الطبيب أو المستشفى أو شركة التأمين على المريض سعراً منخفضاً للرعاية الصحّية. يختار بعض المرضى أخذ السعر المنخفض وتحمّل المخاطر بأنفسهم. ويفضّل آخرون التخلّي عن المسؤولية الطبية عن سوء التصرّف ويشترون بدلاً من ذلك تأميناً خاصاً ضدّ العجز أو الإصابة. لكن هذه الترتيبات غير متوافرة للمرضى لأن المحاكم تتمسّك منذ مدة طويلة بأن التخلّي عن المسؤولية الطبية عن سوء التصرّف لا يمكن إنفاذه لأنه "يتعارض مع السياسة العامّة". وهذه الأحكام هي نقيض التحرّرية، إذ إنها تحرم الأفراد من حرّية التعاقد كما يرون مناسباً.
ربما تكون تبدو الأحكام القانونية عظيمة للمرضى، وشكلاً رائعاً من أشكال الحماية، وسنعود بعد قليل إلى مسألة الحماية. أما الآن، فلاحظوا أن ليس من مصلحتكم دائماً أن تُجبَروا على شراء حقّ المقاضاة. لنفترض مثلاً أن للأشخاص الحقّ بمقاضاة الحلاّقين إذا كانت قصّة الشعر سيّئة، وأن تكلفة هذا التأمين رفعت سعر قصّات الشعر 50 دولاراً بعد أن ربح شخص حصل على قصّة شعر شنيعة جداً حكماً بتعويض قدره 17 مليون دولار. هل تكون مهتماً بتوفير 50 دولاراً في كل قصّة شعر بالتخلّي عن الحقّ بالمقاضاة إذا حصلت على قصّة شعر رديئة؟ ألا تغضب إذا منعت من القيام بذلك؟
إننا ندرك أن المقارنة ليست كاملة، لكن انظر في الحقيقة التالية: يجبر الآن عملاء الرعاية الصحّية ودافعو الضرائب على المساعدة في الدفع مقابل الخمسة والثمانين ألف دعوى التي ترفع بسبب الأخطاء الطبّية كل سنة.177 وتكلّف هذه المحاكمات الكثير من النقود - تتراوح التقديرات بين 11 و29 مليار دولار سنوياً.178 ويقدّر أن التعرّض لمخاطر الأخطاء الطبّية يستأثر بما بين 5 و9 في المئة من نفقات المستشفيات - ما يعني أن تكاليف التقاضي تسهم في نفقات نظام الرعاية الصحّية.179 وهذه الأرقام المحدّدة خلافية بطبيعة الحال وربما يكون مبالغاً فيها، لكن ما من شكّ في أن عدّة مليارات من الدولارات يجب أن تُدفع سنوياً لشراء التأمين وتلافي المسؤولية. وعلى كثير من الأطبّاء أن يدفعوا 100,000 دولار، أو أكثر بكثير، لفواتير التأمين سنوياً. وتعكس فواتيرك الطبّية تلك التكاليف.
إن التكاليف الكاملة للتقاضي لا تقتصر في الواقع على الأحكام التي تدفع للمدّعين وتكاليف التقاضي - أي "التكاليف المباشرة". فهناك تكاليف غير مباشرة أيضاً، وعلى المرضى أن يتحمّلوا تلك التكاليف أيضاً. على سبيل المثال، يمارس العديد من الأطبّاء "الطبّ الدفاعي"، فيطلبون معالجات مكلفة، ولكن غير ضرورية، للمرضى لتجنّب المسؤولية ليس إلا. ومن التكاليف غير المباشرة الأخرى للمسؤولية - والسيّئة جداً - الثني عن الإبلاغ عن الأخطاء في المستشفيات وفي أوساط الأطبّاء.
ربما يبدو من الواضح للوهلة الأولى أن المرضى يستفيدون من النظام الناتج. إذا طُلب من المرضى التخلّي عن حقّهم في المقاضاة، ألا يكونون أسوأ حالاً؟ ألا يخسرون شيئاً مهماً ولا يكسبون شيئاً في المقابل؟ تتوقّف الإجابات على ما يحدث في سيناريو انتفاء حقّ المقاضاة. وكما سنرى بعد قليل، ليس من الواضح أن المرضى يكسبون كثيراً من حقّ المقاضاة. وفي الوقت نفسه، فإن جزءاً من التكلفة الحالية يحوّل إلى المرضى على شكل فواتير مرتفعة، وقد يكون الطبّ الدفاعي طبّاً سيّئاً لمن يريدون رعاية جيدة. وربما يرغب بعض المرضى أيضاً في تجنّب دفع حصّة من تكاليف مسؤولية الطبيب، لكن المحاكم - وتلك هي النقطة الرئيسية - ستمنع أي اتفاق بين المرضى والأطبّاء تستبدل فيه المعالجة المنخفضة التكلفة بالتخلّي عن حقّ المريض في المقاضاة.
لماذا تمنع المحاكم مثل هذه الاتفاقات؟ الإجابة ببساطة هي الأبوية غير التحرّرية. ويبدو أن المحاكم تعتقد بأن المرضى الحكيمين لن يتخلّوا عن حقّهم في المقاضاة، وأن على الأطبّاء ألا يعالجوا المرضى من دون خطر تحمّل المسؤولية عن سوء التصرّف لردع الإهمال في المعالجة. ونحن يسعدنا الاعتراف بأن المرضى بشريون وربما يتخذون قرارات سيّئة. لكننا نتساءل إذا كانت الأوامر والنواهي حكيمة في هذا السياق - وإذا كان من الأفضل منح حرّية التعاقد مع بعض التنبيهات.
من أسباب السماح للمرضى بالتخلّي عن حقّ المقاضاة أن التأثير الرادع للمسؤولية عن الضرر مبالغ فيه. ولا يرتبط تسعير التأمين على المسؤولية الطبّية بالخبرة، ما يعني (بلغة غير تقنية) أن الطبيب يدفع القسط نفسه بصرف النظر عن عدد مرّات مقاضاته بسب سوء التصرّف. وكل طبيب يرغب في تجنّب المحنة والإحراج الذي تسبّبه المحاكمة على سوء التصرّف، لكن ليس عليه أن يخشى العبء المالي المفروض عليه على العموم. لذا ليس هناك سبب كبير للاعتقاد بأن المخاطر المالية للمقاضاة بسبب سوء التصرّف عامل مهمّ في حمل الأطبّاء على تحسين الأداء.
تضعف حجّة الردع أيضاً بسوء التلاؤم المذهل بين المطالبات بسبب سوء التصرّف والإصابات الناجمة عن الإهمال الطبّي. وللتعبير عن ذلك بصراحة، فإن معظم المرضى لا يقاضون حتى إذا كان الطبيب مهملاً، وكثير من الذين قاضوا، وحصلوا على تسويات مواتية في نهاية المطاف، لا يستحقون النقود. وقد وجدت إحدى الدراسات أن أقل من 2 في المئة من المرضى الذين تعرّضوا للإصابة في مستشفى نيويورك خلال سنة قدّموا دعوى بسبب سوء التصرّف.180 ومن بين الدعاوى التي رفعت، تبيّن للمراجعين الخبراء أنه ليس هناك دليل على الإهمال (أو حتى الإصابة) في العديد من الدعاوى التي قضت بالدفع للمدّعين. لكن في العديد من الدعاوى التي خسر فيها المدّعون، تبيّن للمراجعين أن الإهمال تسبّب في إصابة. باختصار، إن معظم المرضى الذين تضرّروا من الأخطاء الطبية لا يحصلون على أي تعويض، وكثير من المرضى الذين حصلوا على تعويض لم يتضرّروا البتة أو لم يتعرضوا لإهمال في معالجتهم.
وتجد دراسات أخرى أدلّة قليلة على أن النظام الحالي يقدّم ردعاً كبيراً للإهمال الطبّي.181 ولعل من الصحيح أن قليلاً من الأطبّاء على الأقلّ يتوخّون مزيداً من العناية بسبب خطر بالمقاضاة، لكن لا توجد على العموم أدلّة موثوقة بأن هذا الخطر يحقّق نتائج طيّبة جيداً. ولنأخذ حقيقة صغيرة ولكن ذات صلة. من العوامل التي تؤثّر في قرار المريض بالمقاضاة إذا كان الطبيب قد اعتذر عن الضرر واعترف بخطئه. وإذا كان الاعتذار يحول دون المحاكمة، فإن الأثر الرادع لحقّ المقاضاة يزداد تهافتاً.
إننا لا نحاجّ بأن على القانون أن يكفّ عن جعل الأطبّاء يدفعون مقابل إهمالهم. لكننا نعتقد أن على المرضى العارفين أن يكونوا أحراراً في التعاقد كما يشاؤون، وأن كثيراً من المرضى العارفين ربما يرغبون في التخلّي عن المسؤولية القانونية للحصول على اتفاق أفضل. فإذا عُرض ما يكفي من المال، فإن من المنطقي التخلّي. ولننظر في أن المرضى الذين يقاضون ويكسبون لا يحصلون إلا على جزء من التعويض - يذهب نحو 40 في المئة إلى المحامين في النهاية. ومن حسن الحظّ أن قليلاً منا يعالج بإهمال، وقليلاً من هؤلاء يرفعون دعاوى في النهاية. إذا كان في وسعك توفير شيء بالتخلّي عن حقّك في المقاضاة، فربما تختار القيام بذلك. وهذه النقطة مهمّة على وجه الخصوص للأشخاص الذين لا يمتلكون كثيراً من المال. وبما أن من المتعذّر شراء معالجة طبّية من دون الشراء الضمني لحقّ المقاضاة، فإن المرضى الذين يحتملون كلفة المعالجة لكن ليس المعالجة بالإضافة إلى خيار المقاضاة سيخرجون من السوق. لذا إذا كانت مخاطر المسؤولية عن الإهمال تقلّص فعلياً وتيرة الإصابات الناجمة عن أخطاء الأطبّاء، فإن هذه المكاسب توازن بسهولة بخسائر من لا يحتملون تكاليف المعالجة على الإطلاق.182
من المشكلات الأخرى للنظام الحالي أن التعويضات التي تمنحها هيئات المحلّفين عن الآلام والمعاناة التي ربما ترتبط بدعاوى الأخطاء الطبية تتسم بعدم اتّساق شديد.183 ومن الصعب التوقّع، استناداً إلى وقائع الدعوى، إذا كان المدّعي سيحصل على كثير أو قليل. ففي حالات الأخطاء الطبية، يمنح الأشخاص أحياناً "تعويضات عقابية" أيضاً لمعاقبة المسيء. لكن التعويضات العقابية عن الأضرار تتسم بكثير من التباين أيضاً.184 لذا يُجبر المرضى بالفعل على شراء ورقة يانصيب، ورقة ربما تساوي أي شيء من ملايين الدولارات إلى لا شيء، لكن ذلك لا يزيد في المتوسّط على 60 في المئة من كل دولار يتمّ إنفاقه (والباقي يذهب للمحامين). قد يكون لعب اليانصيب ممتعاً، لكن هل يجب أن يُجبر الناس على القيام بذلك؟
يجب أن يكون مصمّمو الخيارات مستعدّين للاعتراف بأن العديد من الأشخاص سيكونون أفضل حالاً إذا مُنحوا حرّية التخلّي عن المسؤولية. ولا تشمل هذه الفئة فقط من لا يستطيعون شراء المعالجة بخلاف ذلك، وإنما تشمل أيضاً كل من يشتري الرعاية الصحّية ويفضّل النقود بدلاً من الحقّ في المقاضاة. بل إننا نعتقد أن المسؤولية عن الإهمال ربما تكون اتفاقاً خاسراً لكثير من الأشخاص. فالدفع مقابل الحقّ في المقاضاة يشمل دعماً للنفقات الإدارية لنظام مقاضاة سوء التصرّف، بالإضافة إلى التعويضات ورسوم المحامين عن دعاوى تفتقر إلى الجودة. من الطبيعي القلق من أن المرضى سيُجبرون، نوعاً ما، على التخلّي عن حقوقهم - القيام بذلك من دون الحصول على مقابل في الأساس لأن مقدّمي الرعاية الصحية يريدونه. لكن الأسواق لا تحبّ ذلك عادة. تذكّروا أن شراء مزيد من التأمين يعني دفع المزيد، والحقّ في المقاضاة شكل من أشكال التأمين. وما دامت توجد منافسة، فسيحصل المرضى على شيء مقابل التخلّي عن حقوقهم. ونحن على ثقة من أنه إذا اعتُمد الاقتراح الذي نقدّمه، فإن كلينا سنختار التخلّي عن الحقّ في المقاضاة، وأن كثيراً من أفضل مقدّمي الرعاية الصحّية سيعرضون ذلك الخيار بخصم حقيقي.
إذا ماذا نقترح؟ اقتراحنا المتواضع هو أن ينظر مصمّمو الخيارات جدّياً في السماح بحرّية التعاقد في إطار الإهمال في الرعاية الصحّية - اعتقاداً منا بأن النهج التحرّري ربما يساعد المرضى والأطبّاء على حدّ سواء. ونحن بطبيعة الحال من دعاة الأبوية التحرّرية، لا التحرّرية فحسب. ونقرّ بأن المرضى ربما يجدون صعوبة في فهم طبيعة المسؤولية عن الأخطاء الطبية وتبعات التخلّي عنها. كما يجب ألا يتمّ التخلّي عن المسؤولية بخفّة أو من دون تبصّر. وتنعكس وجهة النظر هذه في مجالات أخرى في قوانين الولايات، التي غالباً ما تتطلّب أن يكون التخلّي مصحوباً بضمانات إجرائية مصمّمة للحرص على أن يكون الطرف المتخلّي على اطلاع تامّ. ويجب أن يكون التخلّي خطياً على العموم، وأن ينصّ بدقّة على ما يتمّ التخلّي عنه. والأهم من ذلك أن المحاكم لا ترغب عادة في إنفاذ التخلّي المخبّأ بحروف صغيرة في عقود طويلة.
وهكذا فإننا نقترح أن يُسمح لشركات التأمين بعرض خطط مع حقّ مقاضاة الإهمال ومن دونه. وبما أن معظم التأمين الصحّي يُشترى عن طريق أصحاب العمل، فإننا نأمل أن يساعد أصحاب العمل موظفّيهم في الاختيار الرشيد. ونحن نعرف بطبيعة الحال أن تأطير الخيار الافتراضي مهمّ جداً. فإذا كان التخلّي عن حقّ المقاضاة هو الخيار الافتراضي، والاحتفاظ به يكلّف المزيد، فربما يتخلّى معظم المرضى عن ذلك الحقّ (تذكّروا أن الخيار الافتراضي يثبت عادة).
ولدينا اقتراح أكثر طموحاً لمن يشكّكون في الدعاوى القضائية بشأن سوء التصرّف: يجب الافتراض بألا يُسمح للمرضى بالمقاضاة إلا إذا كان الخطأ متعمّداً أو طائشاً - وليس لمجرّد الإهمال. (يعرّف الإهمال عادة بأنه عدم الوفاء بما يسمّى "المعيار العادي للرعاية"، وهو مفهوم غامض يدفع المحامين إلى التقاتل والقضاة إلى شدّ شعر رؤوسهم. أما الخطأ المتعمّد أو الطائش فإنه معيار يصعب على المدّعين الوفاء به.) وبموجب هذا النهج، يعرض على المرضى حقّ "شراء" حقّ مسؤولية أكثر قوة، لكنه يكلّفهم قليلاً. ويعني هذا النهج دون ريب أن يشيع التخلّي. ويجب أن يكون عرض الشراء مصحوباً بمعلومات ذات صلة، كي يعرف الناس ما الذي سيخسرونه فعلياً إذا لم يقبلوا ذلك العرض. والمغزى من ذلك أن بعض الأشخاص العارفين تمام المعرفة سيشترون نوعاً من التأمين، على شكل حقّ في المقاضاة، لكن كثيراً غيرهم سيجرّبون حظوظهم.
إن التخلّي عن حقّ المقاضاة هو مجرّد طريقة ينتفع فيها الأطبّاء والمرضى من حرّية التعاقد. وقد اتخذت عدّة ولايات خطوات لخفض تكاليف دعاوى سوء التصرّف. على سبيل المثال، تحدّ كاليفورنيا التعويضات بوضع سقف "للتعويضات غير الاقتصادية" (مثل تلك المتعلّقة بالألم والمعاناة). ويمكننا تصوّر تحقيق الأهداف نفسها لا عن طريق القانون ولكن عبر الاتفاقات الحرّة - السماح للمرضى وصنّاع السياسات بالاتفاق على تحديد المسؤولية عن التعويضات غير الاقتصادية بمبلغ معيّن في العقد. وقد اعتمدت بعض البلدان، مثل نيوزيلندا والدنمرك والسويد وفنلندا، نظاماً إدارياً شاملاً يستخدم في نظام تعويض العمّال الأميركيين أيضاً. تقدّم تلك البلدان دفعات في مواعيد محددة للإصابات الطبّية المسبقة التحديد بصرف النظر عما إذا كانت ناجمة عن الإهمال. إن هذا النهج يجب أن يحدث خفضاً هائلاً في الأعباء الإدارية وينأى عن عملية تقاضٍ مجهدة مصمّمة للتوصّل إلى المبلغ الذي يُمنح إلى المرضى مقابل الإصابات التي لحقت بهم.
ونحن نرى أن على واضعي القوانين في الولايات أن يفكّروا جدياً في زيادة حرّية التعاقد في مجال الأخطاء الطبّية، ولو كان ذلك فقط لمعرفة هل تخفّض هذه التجارب تكلفة الرعاية الصحّية من دون تقليل جودتها. لن تحلّ زيادة الحرّية التعاقدية أزمة الرعاية الصحّية، لكن ربما تساعد - وكل مساعدة صغيرة مهمّة في هذا المجال.






15 خصخصة الزواج185

نأمل أن تقدّم فكرة الأبوية التحرّرية بعض الطرق الجديدة للتفكير في المشكلات القديمة. وننتقل الآن إلى مؤسّسة الزواج القديمة جداً، ونستعرض بعض الأسئلة التي أثيرت مؤخّراً بشأن الزواج وعلاقات المثليين.
نبدأ بعرض اقتراح شديد التحرّر، يحمي الحرّية، بما في ذلك الحرّية الدينية، ويجب من حيث المبدأ أن يكون مقبولاً من جميع الأطراف. إننا نقرّ بأن كثيراً من الأشخاص، بما في ذلك المنتمين للعديد من الفئات الدينية، يعارضون زواج المثليين معارضة شديدة. وتصرّ المنظّمات الدينية على حقّها في أن تقرّر بنفسها أنواع الزواج التي ترغب في الاعتراف بها، مع الاهتمام بالجندر، والدين، والسنّ، والعوامل الأخرى. ونعرف أيضاً أن العديد من أزواج الجنس الواحد يريدون إقامة التزامات دائمة بين أحدهما والآخر. ولاحترام حرّية الفئات الدينية وحماية الحرّية الفردية في الوقت نفسه على العموم، فإننا نقترح الخصخصة الكاملة للزواج. وبموجب اقتراحنا، لا تظهر كلمة "زواج" في أي قانون، ولا تمنح تراخيص الزواج أو يعترف بها على أي مستوى من مستويات الحكومة. وتقوم الولاية بعملها، بينما تقوم المنظمات الدينية بعملها. ونلغي الغموض الناجم عن أن كلمة "زواج" تشير الآن إلى الوضع الرسمي (القانوني) والوضع الديني على حدٍّ سواء.
وبموجب نهجنا، فإن الوضع القانوني الوحيد الذي تمنحه الولايات للأزواج هو الاقتران المدني، الذي يشكّل اتفاق شراكة منزلية بين أي شخصين.186 وتكون الزيجات مسائل خصوصية حصراً، تؤدّيها المنظمات الدينية والخاصة الأخرى. وتكون منظمات عقد القران حرّة، ضمن قيود عريضة، في اختيار القواعد التي تريد للزواج الذي يعقد بإشرافها. لذا تستطيع الكنيسة، على سبيل المثال، أن تقرّر أن تزوّج أبناء تلك الكنيسة فقط، ويستطيع نادٍ للغوص أن يقرّر حصر مراسمه بالغوّاصين المجازين. وبدلاً من توجيه كل شراكة إلى ترتيبات الزواج نفسها في الولاية التي تلائم الجميع، يستطيع الأزواج اختيار منظمة عقد القران التي تلائم احتياجاتهم ورغباتهم. ولا يطلب من الحكومة التصديق على أي علاقة بمنحها مصطلح "زواج". وسنوضح تفاصيل كيفية عمل ذلك أدناه.
وبعد ذلك ننتقل إلى أسئلة تصميم الخيارات. وباستخدام المبادئ التي ساعدتنا في تحليل سياسات الادّخار ونواحي الحياة الأخرى، نسأل: كيف تستطيع الولاية تصميم قواعد جيدة تحكم الترتيبات التعاقدية بين الشركاء المنزليين (الذين يسمّون أحياناً زوجة وزوجة نتيجة مرسم خاصّة)؟
ما الزواج؟
الزواج بموجب القانون ليس أقل أو أكثر من وضع رسمي تنشئه الولاية ويكون مصحوباً باستحقاقات الحكومة وتفويضاتها. وعندما تتزوّج، تحصل على العديد من مزايا الزواج الاقتصادية وغير الاقتصادية.187 ومع أن قوانين الولايات متباينة، فإن هذه المزايا تقع ضمن ست فئات رئيسية.188
1. مزايا الضرائب (والأعباء). يقدّم النظام الضريبـي مكافآت كبيرة للعديد من الأزواج نتيجة الزواج - على الأقل إذا كان أحد الزوجين يكسب دخلاً أكبر بكثير من الزوج الآخر. (يمكن أن يكون هناك جزاء زواج كبير إذا كان الزوجان يحقّقان مداخيل كبيرة.)
2. الاستحقاقات. يفيد القانون الاتحادي الزوجين عبر عدد من برامج الاستحقاقات. فبموجب قانون الأسرة والإجازة الطبية، على سبيل المثال، يتعيّن على صاحب العمل أن يسمح بالإجازة غير المدفوعة للعامل الذي يسعى لرعاية زوجه، ولا يتعيّن عليه أن يفعل ذلك "للشريكين".189 وغالباً ما تمنح قوانين الولايات مزايا مماثلة للزوجين.

3. الميراث ومزايا الوفاة الأخرى. يحصل الزوج على عدد من المزايا في حالة الوفاة. ويستطيع الزوج أو الزوجة منح عقار بأكمله إلى الزوج من دون تكبّد أي ضرائب على العقارات.
4. مزايا الملكية. بموجب قانون الولاية والقانون الاتحادي، ربما يكون للزوجين حقوق ملكية تلقائية يفتقر إليها الشريكان غير المتزوجين. وفي ولايات الملكية المشتركة، يكون للأشخاص حقوق الملكية التلقائية لحيازات أزواجهم، ولا يستطيعون التعاقد حول القواعد القانونية.
5. اتخاذ قرار التوكيل. يمنح الزوجان حقّ اتخاذ قرارات التوكيل المختلفة في حالة عجز الزوج الآخر. وعندما تنشأ حالة طارئة، يسمح للزوج باتخاذ الأحكام لصالح زوجه. ومن غير المرجّح أن يحصل الشركاء على هذه المزايا.
6. المزايا الاستدلالية. تقرّ المحاكم الاتحادية، وعدد من محاكم الولايات، مزايا الزواج، بما في ذلك الحقّ بالمحافظة على سرّية الاتصالات الزوجية واستبعاد شهادة الزوج المعاكسة.
باختصار، إنها مجموعة كبيرة ومتنوّعة من المزايا، ولا نستطيع إيرادها بأكملها. وتميل هذه المزايا لأن تكون ثابتة نوعاً ما على مرّ الزمن. تذكّروا أن الوضع الراهن قوي، وأن هناك قيوداً سياسية حادّة على أي مسعى لإعادة التفكير فيها. لكن المزايا الاقتصادية والمادّية من هذا النوع لا تكاد تستنفد معنى الزواج. ومن الأمور المهمّة أن الولايات تربط هذه الحقوق والواجبات الزوجية بالمزايا الرمزية والصريحة المرتبطة بحالة الزواج. وتشكّل هذه المزايا الرمزية والصريحة، بالنسبة للعديد من الأشخاص، وربما لمعظمهم، الكثير مما يعنيه أن يكونوا متزوّجين. وما دامت الولاية تمنح تراخيص الزواج، فإن وضع "الزواج الرسمي" - أي الزواج الذي يحمل معه الوضع القانوني - يتمتّع بأهمية كبيرة. والزوجان المتزوّجان ضمن تقاليد دينية أو خاصة، ولكن من دون سلطة من الولاية، يفتقران إلى نوع مهمّ من الصلاحية، بصرف النظر عن قوّة الالتزام الخاص للزوجين أو أهمّية العنصر الديني في زواجهما.
ولمعرفة أهمّية ترخيص الولاية، لنفترض أن زوجين مختلطي الأعراق أبلغا أن في وسعهما الحصول على كل المزايا الزوجية للزواج لكنهما سيكونان في وضع "الاتحاد المدني" بدلاً من "الزواج". يشكّل الاستبعاد من مؤسسة الزواج بحدّ ذاته، أي من الوضع الرسمي، إساءة للزوجين المختلطي الأعراق. بل إنه غير دستوري. لا تستطيع الولاية أن تبلغ مثل هؤلاء الأزواج أنهم يحصلون على مزايا مادّية لكن لا يسمح لهم بدخول مؤسسة الزواج القانونية. ولا يهمّ الأزواج المختلطي الأعراق أن يلقى زواجهم دعم المؤسسات الخاصة وتصديقها. وباختصار: عندما يتزوج الناس، لا يحصلون على مزايا مادّية فحسب، وإنما يحصلون أيضاً على نوع من الشرعية الرسمية من الولاية، أو خاتم إقرارها.
عدم منح تراخيص الولاية
يمكننا الآن أن نرى أن الزواج خطة ترخيص رسمية بمقدار ما يتعلّق بالحكومة - وأن الولاية عندما تمنح التراخيص للزواج، إنما تمنح المزايا المادّية والرمزية للأزواج الذين تعترف بهم. لكن لماذا الجمع بين الوظيفتين؟ وما يضيفه الاستخدام الرسمي لكلمة "زواج"؟
قارن الزيجات بأنواع الشراكات الأخرى. عندما قرّرنا تأليف هذا الكتاب معاً، كان علينا عقد مجموعة من الاتفاقات. ووقّع كلانا على عقد مع الناشر، نتفق بموجبه على كيفية تقسيم دفعات الحقوق التي نحصل عليها إذا اختار أحد شراء الكتاب، وعقدنا عدّة اتفاقات غير رسمية أخرى بشأن كيفية تأليف الكتاب. إن النظام القانوني يحمينا عبر قوانين حقوق الملكية إذا حاول أحد إعادة نشر نصنا (ويقدّم أيضاً بعض القواعد إذا وقع نزاع دفع أحدنا إلى التخلّي عن المشروع مشمئزّاً قبل إنهاء الكتاب). لكن ليس هناك شيء في النظام القانوني ينصّ على أن علينا أن نقسم أو ألا نقسم يميناً بأن نكون أفضل الأصدقاء، أو أن نتناول الغداء معاً مرّة واحدة في الأسبوع على الأقل لكن ليس أكثر من مرّتين، أو أن نقسم مسبقاً على مشاريع تعاون أخرى. فلا حاجة إلى أن يكون تأليف الكتب زواجاً أحادياً. لكننا نأخذ اتفاقاتنا على محمل الجدّ حتى لا تكون رسمية، ولا يدعمها أي تصديق قانوني، ونلتزم بها على الأرجح. فلماذا لا تعامل الولايات الشراكات المنزلية كأي شراكات أعمال؟ لماذا لا نخصخص؟
رقابة الولايات على الزواج تنطوي على مفارقة تاريخية
إن ادّعاءنا الرئيسي هنا أن الزواج الذي تديره الولايات يجعل من المتعذّر حماية حرّية المؤسسات الدينية في اتباع ما تراه ملائماً وفي الوقت نفسه صيانة حرّية الأزواج في إجراء الالتزامات التي يسعون إليها من دون أن تعاملهم الولاية بمثابة مواطنين من الدرجة الثانية. لكننا نعتقد أيضاً أن نظام الترخيص الرسمي لم يعد يلائم الواقع الحديث. فلمؤسسة الزواج الذي تديره الولاية ماضٍ تمييزي شديد، مشوب بانعدام المساواة الجنسية والعرقية. ولا يمكن فصل هذا الماضي عن النسخة الراهنة من مؤسسة الزواج.190
كانت مؤسسة الزواج وسيلة كي ترخّص الحكومة الأنشطة الجنسية وتربية الأطفال، ما دامت تدار عبرها. فإذا أردت الحصول على الجنس أو الأطفال، تكون في وضع أفضل بكثير إذا كان لديك ترخيص من الولاية. بل إنك ربما تحتاج إلى ذلك الترخيص مثلما أنت بحاجة إلى رخصة للقيادة. فقد كانت رخصة الولاية طريقة لضمان ألا يكون النشاط الجنسي جريمة، وكان من الصعب تبنّي الأطفال خارج العلاقة الزوجية. لكن لم يعد الزواج الرسمي يقوم بهذا الدور. فللناس الآن حقّ دستوري بإقامة علاقات زوجيّة حتى إذا لم يكونوا متزوّجين - ويصبح الأشخاص آباء، وآباء بالتبنّي، من دون ميزة الزواج. وبعدما لم يعد الزواج الآن شرطاً قانونياً مسبقاً للحصول على الجنس أو الأطفال، فإن دور الترخيص الذي تضطلع به الولاية يبدو أقل أهمّية.
من الناحية التاريخية، لم يكن السبب الرئيسي لمؤسسة الزواج الرسمية الحدّ الدخول ولكن الرقابة على الخروج - لزيادة صعوبة تخلّي الأشخاص عن التزاماتهم تجاه أحدهم الآخر. وثمة أسباب وجيهة بطبيعة الحال لهذا النوع من المراقبة، الذي يمكن أن يعمل بمثابة تنبيه أو أكثر من ذلك بكثير. فربما يعتبر الزواج إلى حدّ ما حلّاً لمشكلة ضبط النفس، حيث يتخذ الأشخاص خطوات لزيادة احتمال استمرار علاقتهم. فإذا كان الطلاق صعباً، فإن من المرجّح أن تكون الزيجات مستقرّة. والاستقرار الزوجي مفيد عادة للأطفال (مع أن الأطفال يمكن أن يستفيدوا من إنهاء زواج رديء أيضاً). ويمكن أن يكون الاستقرار الزوجي مفيداً للزوجين، اللذين قد يستفيدان من الحماية من القرارات المتهوّرة والهدّامة التي تضرّ بعلاقتهما ورفاههما على المدى الطويل.
ولا شكّ في أن البشريين، مقابل الاقتصاديين، مستعدّون للنظر في الحماية القانونية من القرارات المتهوّرة. (لو كان لدى الاقتصاديين تهوّر، فإن جهازهم التأمّلي يبقيه تحت السيطرة.) بل يمكننا النظر إلى مؤسسة الزواج القانونية بأنه استراتيجية التزام مسبق، لا تختلف عن التزام أوليس بالاقتراب من الحوريات، حيث يختار الناس وضعاً قانونياً قائماً على المعرفة لحماية أنفسهم من أخطائهم. وقد جرّبت بعض الولايات في الواقع مؤسسة تسمّى الزواجي الميثاقي الذي يجعل الخروج شديد الصعوبة. ويستطيع الأشخاص الدخول الطوعي في مثل هذه الزيجات، مثلما يستطيعون اتخاذ خطوات لحماية مصالحهم على الطويل.
لكن الخروج من الزواج في الحقبة الحديثة لم يعد يخضع لمراقبة صارمة. ويستطيع الناس في معظم الولايات الخروج من الزواج متى شاؤوا القيام بذلك. وتبيّن أن الزواج الميثاقي لم يُحدث أي تأثير تقريباً في مؤسسة الزواج. فلا يختار إلا 1-3 في المئة من الأزواج الزواج الميثاقي عندما يكون متاحاً، وليس من المفاجئ أن يميل الأزواج الذين يلجؤون إلى هذا الخيار إلى أن يكونوا متديّنين، ولديهم رؤية تقليدية للزواج، وتربية الأطفال، والطلاق.191 ولمثل هؤلاء الأزواج على العموم التزامات ورغبات تميل إلى إنتاج زيجات مستقرّة. ليس بالأمر السيئ أن يتمكّنوا من اختيار شكل الزواج الذي يلائم أهدافهم. لكن عدم الشهرة النسبية للزواج الميثاقي، والفشل البيّن للحركة التي تقف وراءه، يظهر أن الخيار غير الميثاقي "لاصق" جداً لجميع الأزواج تقريباً.
الزواج لم يعد على عقداً استثنائياً خاصاً. ويمكن حلّه بمشيئة الطرفين، بدلاً من أن يكون وضعاً دائماً. ولم يعد الآن الخروج ممنوعاً أو نادراً، ومن الصعب التأكيد بأن مؤسسة الزواج الرسمية ضرورية بصفتها طريقة لتعزيز استقرار العلاقات. وعلى أي حال، يجب أن يكون شكل الاتحاد المدني الذي نؤيّده، إلى جانب المؤسسات الخاصة ومعاييرها المتنوّعة، قادراً على أداء العمل المنشود لتعزيز مثل هذا الاستقرار.
ولتراخيص الزواج الرسمية أيضاً تبعات مؤسفة تقسّم العالم إلى وضع "المتزوّجين" و"العازبين"، بطريقة تعود بمساوئ اقتصادية ومادية خطيرة على الفئة الأخيرة (وعلى الفئة الأولى في بعض الأحيان). ومن المتعذّر الدفاع عن كثير من هذه اللامساواة الاقتصادية والمادّية. على سبيل المثال، هل هناك أي سبب وجيه ألا يكون شخص يقيم علاقة مع أحد أبناء جنسه قادراً على اتخاذ قرارات طبّية لصالح شريكه أو أن يورّث بعض أصوله عند وفاته من غير دفع ضرائب عليها؟ يمكن أن تكون العلاقات الخاصة، الحميمة وسواها، منظّمة بطرق مختلفة، والانقسام البسيط بين "عازب" و"متزوّج" لا ينصف ما قد يختاره الناس. بل إن الانقسام البسيط وصف غير دقيق على نحو متزايد لما يختاره الناس. فكثير من الأشخاص يقيمون علاقات حميمة، وملتزمة، وأحادية - ولكن من دون مزايا الزواج. وكثير من الأشخاص في حالة زواج غير حميم وغير أحادي. وثمة تباينات لا حصر لها. فلماذا لا يُترك للناس اختيار علاقاتهم، وفقاً لأحكام المؤسسات الخاصة، الدينية وخلافها؟
هل الزواج الرسمي مفيد؟
إن من يريدون المحافظة على الزواج الرسمي، ومن يخيفهم اقتراحنا على الأرجح، ربما يشعرون بالقلق حرصاً على مصالح الأطفال أو مصالح الشريك الأكثر ضعفاً (المرأة عادة). وهذه البواعث على القلق مشروعة. وسنتناولها بالتسلسل.
غالباً ما فُهم الزواج بأنه وسيلة لحماية الأطفال، ومن نافلة القول إن هذا الهدف مهمّ. لكن مؤسسة الزواج الرسمية أداة بدائية جداً لتقديم تلك الحماية التي يمكن ضمانها بسهولة بطرق أفضل ومباشرة أكثر.192 على سبيل المثال، يمكن أن يوفّر القانون المزيد لضمان أن يقدّم الوالدان الغائبان المساعدة المالية لأبنائهم. وعندما تكون مصالح الطفل معنية، تصبح التكليفات ملائمة تماماً. ويستطيع المجتمع أن يتجاوز الأبوية التحرّرية، ويفعل ذلك، لجعل الآباء غير القادرين على تسديد فواتيرهم يدفعون لإعالة أطفالهم. ويمكن أن يضيف من يفضّلون التنبيهات أن بعض الأدوات البسيطة ربما تساعد. لننظر مثلاً في الالتحاق التلقائي (من دون حق اختيار الخروج في هذه الحالة) للآباء الغائبين في خطة للدفع، بحيث يخصم مبلغ محدّد من حساب الشيكات الملائم شهرياً.
وعلى أي حال، ليس هناك أي سبب للتفكير في أن الاتحادات المدنية والترتيبات الخاصة، الدينية وخلافها، لا تستطيع أن توفّر الحماية للأطفال بقدر ما يوفّرها الزواج الرسمي. وإذا كان الأطفال بحاجة إلى دعم مادّي، يمكن طلب ذلك الدعم مباشرة عبر المؤسسات القانونية. وإذا كان الأطفال بحاجة إلى بيوت مستقرّة، تصبح المسألة هل تساهم خطة الترخيص الرسمي التي تحمل اسم "زواج" بما يكفي لاستقرار الأسرة بحيث تجعلها جديرة ببذل الجهد؟ ربما يكون الأمر كذلك، لكن من الصعب رؤية أي أساس لإجابة تحظى بالثقة.
إذا كان القلق على المعالين المعرّضين للمخاطر بعد حلّ علاقة طويلة الأمد، فإن القواعد الافتراضية الجيدة هي مكان الانطلاق الأفضل. وتوجد أدبيات مفصّلة عن هذه المسألة، وبعض الاقتراحات الأكثر فائدة تحرّري وأبوي على حدٍّ سواء، بمعنى أنه يحافظ على حرّية الاختيار بينما يوجّه الناس أيضاً في الاتجاهات المرغوبة.193 وسيكون لدنيا ما نضيفه بشأن النُّهُج المحتملة بعد قليل. أما الآن فإننا نشير فقط إلى أن مؤسسة الزواج الرسمية ليست ضرورية ولا كافية للقواعد الافتراضية الجيدة.
لذا ثمة مشكلة مركزية في خطّة الترخيص الراهنة من وجهة نظر تصميم الخيارات الجيدة، وهي أنها ليست تحرّرية بالقدر الكافي. إننا نقرّ بالطبع بأن ليس هناك من هو مجبر على الزواج بموجب القانون. وبهذه الطريقة، فإن مؤسسة الزواج مختلفة تماماً عن أنواع الأوامر الحكومية الصارمة التي يهدّد معظمها الحرّية الشخصية. وعندما ترخّص المجتمعات الديمقراطية الزواج، فإنها تفعل شيئاً شديد الاختلاف عما تفعله عندما تطلب مثلاً من كل أصحاب العمل تقديم مستوى معيّناً من الرعاية الصحية، أو من كل الموظفين أن يدّخروا مبلغاً معيّناً من النقود. بل يمكن أن يبدو الزواج طريقة لتسهيل الخيارات الخاصة بدلاً من إلغائها. لكن خطة الترخيص ليست مجرّد أداة للتسهيل. وهي مختلفة جداً عن قانون التعاقد. فالولاية لا تسمح للناس بالزواج من داخل أديانهم فحسب، ولا تنفّذ اتفاقات الناس فحسب. بل إنها تنشئ أيضاً احتكاراً على شكل الزواج القانوني، وتفرض قيوداً حادّة على من يدخل وكيف، وترفق الشكل القانوني بمزايا مادّية ورمزية يعود إليها فقط حقّ منحها. ومن الصعب أن يكون ذلك خيراً واضحاً لكل من يؤمن بالحرّية.
إننا نقرّ بأن العديد من الأزواج يمكن أن يستفيدوا، بطريقة أو بأخرى، من الإعلانات العامة عن التزاماتهم تجاه أحدهم الاخر. ويعتقد كثير من الأشخاص أن مؤسسة الزواج الرسمية تساعد في تأمين التزامات الأشخاص بطريقة تعود على الفرد والمجتمع بالخير. لكن إذا كانت الالتزامات مهمّة، فلماذا لا نعتمد على الاتحادات المدنية والمؤسسات الخاصة، بما فيها الدينية؟ هل الترخيص الحكومي بمصطلح "زواج" ضروري؟ ثمة كثير من الالتزامات المستقرّة من دون رخص من الولاية. ويبقى الأشخاص مرتبطين بأصدقائهم، وكنائسهم، ومشاركيهم في التأليف، وأصحاب عملهم مدّة طويلة. والناس يأخذون التزاماتهم الخاصة على محمل الجدّ حتى من دون خطة ترخيص حكومية. ويشعر أعضاء المنظمات الدينية، وجمعيات أصحاب المنازل، والأندية الريفية بالارتباط، بقوة أحياناً، بأنظمة مثل هذه المنظمات وقوانينها. تذكّروا أنه إذا كان نوع من الالتزام مرغوباً، فإنه لا يوجد شيء في اقتراحينا يمنع الناس من تقديم الالتزامات عبر شكل الاتحاد المدني أو عبر المؤسسات الخاصة المحضة.
في ضوء ذلك، ما هي ميزانية الزواج الرسمي؟ إن مزاياه منخفضة على نحو مفاجئ، وهو مفارقة تاريخية من نواحٍ عديدة. وأكثر ما يمكن قوله إن الزواج الرسمي ربما يسهم في نوع من الالتزام الذي يعود بالنفع على الزوجين وأطفالهما. ومن ناحية التكلفة، لا يحدث الزواج الرسمي قدراً كبيراً من الضرر. لكنه يحدث استقطاباً غير ضروري، والتباساً بشأن العلاقة بين الزواج الذي ترعاه الولاية والزاج الديني، وشجاراً حادّاً بشأن القضايا والتعريفات الجوهرية. وفي الحقبة الراهنة، توجد أكثر الصعوبات وضوحاً في أن المنظمات الدينية تصرّ على وجوب السماح لها بتحديد الزواج كما تريد، في حين يصرّ الأزواج من الجنس نفسه على أن يكونوا قادرين على إقامة التزامات طويلة الأمد من دون يحظوا بوضع الدرجة الثانية من الناحية القانونية. إن اقتراحنا يرضي كلا هاتين الفئتين المتعارضتين في آن معاً. ويمكن تجنّب المشكلات الأساسية بسهولة بإعلان بسيط عن أن "الزواج" يجب أن يصبح شأناً للمؤسسات الخاصة، لا شأناً للولاية، وأن تكون المنظمات الدينية حرّة في وضع قواعدها الخاصة المتعلّقة بمن تستطيع تزويجهم. ولهذا الإعلان - وهو شكل من أشكال فصل الدين عن الدولة - ميزة إضافية نتناولها الآن.
تنبيه الأزواج
إنا نرى أن مؤسسة الزواج الرسمية، والنقاش بشأن طبيعته ومستقبله، حرفا الانتباه عن السؤال الرئيسي الذي يواجه مصمّمي الخيارات: ما القواعد الافتراضية الملائمة للأشخاص الذي يقدّمون التزامات بعضهم لبعض؟
هنا يستطيع مصمّمو الخيارات الجيدون إجراء تحسينات حقيقية. لا يمكننا طرح كل القضايا المعقّدة في هذا الحيّز، لكن دعونا نقدّم بضعة اقتراحات يمكن تطبيقها على أي شكل من أشكال العلاقة المنزلية القانونية (بما في ذلك الزيجات بشكلها الراهن). ودافعنا بسيط: إذا كنا نبدأ من الصفر، فإنه ما من شخص عاقل يمكن أن يضع النظام القائم المليء بالالتباس والاعتباطية بحيث غالباً ما لا يكون للمحامين المتمرّسين بالطلاق في العديد من الولايات أي فكرة عما يمكن أن تؤول إليه النزاعات. ويجب على الأقل تغيير مصمّم الخيارات كي يحصل الناس على فكرة أوضح عن حقوقهم وواجباتهم. ويمكن أن نطمح إلى إدخال تنبيهات لحماية الأشخاص الأكثر ضعفاً، وهم من النساء في الغالب، والأطفال قبل كل شيء.
وكما هي العادة، نبدأ بالأهداف الفعلية للأشخاص ونيّاتهم. إذا كان الأشخاص يقدّمون وعوداً صريحة أحدهم للآخر، فيجب على القانون على العموم أن ينفذ هذه الوعود. ويجب أن يختار القانون قائمة من القواعد الافتراضية، بقدر ما يترك الأشخاص فجوات أو نقاطاً مثيرة للشكوك. ومن المؤسف أن الناس بحاجة إلى بعض التوجيه عند تقديم التزامات متبادلة طويلة الأمد. وكما اقترحنا، يكون التفاؤل غير الواقعي مفرط التطرّف في سياق الزواج. وفي دراسات حديثة على سبيل المثال، تبيّن أن لدى الناس فهماً دقيقاً لاحتمال قيامهم بالطلاق (نحو 50 في المئة). لكن تذكّروا أنه كان هناك تفاؤل غير معقول بشأن احتمال قيامهم بالطلاق. ويجدر بنا تكرار النتائج الرئيسية: يعتقد نحو 100 في المئة من الأشخاص أنهم على يقين أو شبه يقين بأنهم لن يطلّقوا!194
وفي هذه الظروف، وبسببها إلى حدّ ما، يُحجم الناس كثيراً عن عقد اتفاقات قبل الزواج. فنظراً إلى الاعتقاد بأن الطلاق غير محتمل، ومخافة أن تفسد مثل هذه الاتفاقات المزاج، يجرّب معظم الأشخاص حظوظهم مع قانون الطلاق القائم المتسم بالفوضى، والذي لا يمكن فهمه في الغالب حتى من قبل المختصّين في هذا المجال. كما أن الأزواج المحنّكين والأغنياء هم الذين يرجّح أن يعقدوا اتفاقات قبل الزواج، ويفهموا القانون، ويحصلوا على تمثيل قانوني رفيع المستوى في حال الطلاق. وينتج عن كل ذلك ترك معظم الناس معرّضين لأهواء المصادفة - ولنظام قانوني يحتوي على قدر كبير من انعدام اليقين. وعندما لا تعقد اتفاقات قبل الزواج، فإننا نعتقد أن القواعد ذات الصلة يجب أن تنبّه النتيجة بطريقة تساعد الأطراف الأضعف - النساء عادة. فالفرص الاقتصادية للنساء تتراجع بعد الطلاق، في حين تزداد فرص الرجال.195 ومن المعقول اعتماد قواعد افتراضية تقدّم ضمانات مقابل أشدّ أنواع الخسائر حدّة.
ويجب السماح للأشخاص، على سبيل الافتراض، بتقديم أحكامهم إذا كان ذلك ما يرغبون فيه. وإذا اتفق الرجال والنساء بحرّية على نتيجة تعود بالفائدة على الرجال عموماً، فإن على القانون احترام ذلك الاتفاق - واستخدام أقسام أخرى من النظام القانوني، بما في ذلك نظام الضرائب وانتقال الملكية، لمساعدة من يحتاجون إلى المساعدة. ومن غير المرجّح أن تحقّق القواعد الإلزامية التي تمنع الناس من الاتفاق على شروطهم المفضّلة الأهداف المرجوّة. وسيتعاقد الناس حول القواعد بتعديل أقسام أخرى من الاتفاق. لكن من المرجّح أن يتأثّر ما يقوم به الأشخاص بالقواعد الافتراضية للقانون. فإذا أسّس القانون ممارسة قياسية، فسيتّبعها كثير من الأشخاص.
إذا كانت القاعدة الافتراضية تنصّ على تقديم مساعدة خاصة للرعاة الأساسيين للأطفال، فمن المرجّح أن يُلتزم بتلك القاعدة. وإذا كانت الوصاية المشتركة القاعدة الافتراضية الواضحة عندما لا يكون أي من الوالدين راعياً مهملاً، فإن الأشخاص يدركون بوضوح ماذا سيحدث عند حلّ الأسرة. وإذا كانت القاعدة الافتراضية تنصّ على أن الراعي الأساسي يستمرّ على تلك الحال ويتسلّم مساعدة مالية، فإن تلك القاعدة تميل إلى البقاء. وفي هذا السياق، يمكن إدراج الالتزام بالقواعد الافتراضية لتحصين الأشخاص الأشدّ ضعفاً أمام أسوأ النتائج.
وإلى جانب مساعدة الضعيف، يجب أن تكون القواعد الافتراضية واضحة في هذا المجال، لأن البشريين، خلافاً للاقتصاديين، لديهم انحياز لخدمة الذات عندما يتعلّق الأمر بالتفاوض على التسويات.196 وتعني خدمة الذات أساساً أننا نميل في المفاوضات الصعبة أو المهمّة إلى التفكير بأن النتيجة "العادلة" موضوعياً والنتيجة الأكثر ترجيحاً هي النتيجة التي تميل لصالحنا. (في أعقاب مباراة بين شيكاغو بيرز وغرين باي باكرز، اسأل مشجّعي بيرز ومشجّعي باكرز عن اتجاه تحيّز الحكم.) عندما يعاني كلا الجانبين من الانحياز لخدمة الذات، من المرجّح أن تصل المساومة إلى طريق مسدود، وسيُمضي الأشخاص كثيراً من الوقت وهم يتقاتلون في المحاكم، ويهدمون حياتهم في بعض الأحيان (لبعض الوقت على الأقل). وفي حالات الطلاق، تكون العواطف مشحونة، ومن المرجّح أن يفكّر كل جانب بأنه محقّ تماماً، وأن يفترض أن القاضي سيرى الأمور بالطريقة نفسها بالتأكيد. وربما تعتقد أنه إذا كان الزوجان خاضعين لانحياز خدمة الذات، فإن المحامين لا يخضعون له، ومن ثم يجب أن يكونوا قادرين على التقليل من توقّعات عملائهم. لكن المحامين، في العديد من الحالات، يعانون من تحيّز خدمة الذات أيضاً.
حصيلة ذلك أنه عندما يكون القانون غير واضح، من المرجّح أن تقع نزاعات طويلة وشديدة. ويمكن أن يستفيد الجانبان إذا أمكن تنبيههما نحو مجموعة صغيرة من النتائج المحتملة، بحيث تتداخل بعض توقّعاتهما. وستستفيد الأسر التي تواجه الطلاق إذا وفّر القانون سنداً يساعد الناس في معرفة ما يشكّل نتيجة عادلة أو محتملة.
لتحقيق ذلك الهدف، فإن الحلّ الأفضل إدخال شيء شبيه بالمبادئ التوجيهية للأحكام الجنائية - مجموعة ضيّقة إلى حدّ ما من النتائج المحتملة التي يكون للقاضي ضمنها صلاحية تقديرية للنظر في عوامل أخرى. وفي كثير من الولايات، يوجد شيء مماثل معمول به، لكن لأغراض خدمة الذات، تصبح القواعد أقل فائدة إذا لم يكن يعرفها الناس. وقد بيّنت البحوث أن العديد من الأشخاص الذين يتزوّجون ليس لديهم فكرة واضحة عما يحدث على العموم في ما يتعلّق بإعالة الطفل، أو دفعات النفقة عند الطلاق.197 (إذا كنت متزوّجاً، أو تخطّط للزواج، هل تعلم كيف تحسب النفقة وإعالة الطفل في ولايتك؟ عفواً، لا تهتمّ لذلك. فليس هناك احتمال للطلاق.) وعلى الولايات أن تعلن بوضوح عن مدى الإعالة المقبول على العموم بمثابة نسبة من الدخل (ربما يكون خاضعاً لحدود عليا).
ربما يكون النهج الأفضل صيغة صريحة تستند إلى عوامل مثل عمر كل من الزوجين، وقدراتهما على كسب دخل، وطول مدّة الزواج، وما إلى هنالك. وعند البدء بالصيغة بمثابة سند، يستطيع القاضي أن يزن الاعتبارات الأخرى مثل مستوى المعيشة في أثناء الزواج، وصحة الزوج الذي يسعى للإعالة، والاحتمالات المالية لكلا الجانبين، وعوامل أخرى ذات صلة. ويجب الإفصاح بوضوح عن أسباب أي "ابتعاد" عن المدى والحدّ منها بعدد صغير من الأسباب المقبولة للتعديل، لأن هدف الشفافية في العملية هو تنبيه الزوجين إلى التسوية ضمن المدى المتوقّع.
لكن دعونا نختتم بنقطة عامة. ثمة حجج قوية لصالح خصخصة الزواج - ما يسمح للمؤسسات الخاصة، الدينية وخلافه، بالقيام بما تريد، على أن تخضع للقواعد الافتراضية والنواهي الجنائية. وقد حاججنا بأن على الولايات إلغاء "الزواج" والاعتماد على الاتحادات المدنية بدلاً منه. وإذا أرادت المؤسسات الدينية تقييد "الزواج" بالأشخاص المتغايرين جنسياً، فيجب السماح لها بالقيام بذلك بالضبط. وإذا كانت تلك المؤسسات تريد الحدّ من الطلاق (أي إنهاء "الزواج")، ففي وسعها القيام بذلك أيضاً. ويكمن جمال ذلك الاقتراح في أنه يتيح مجالاً واسعاً للتجارب - زيادة حرّية الأفراد والمنظمات الدينية على حدٍّ سواء، وخفض النقاشات العامة الراهنة غير الضرورية والحادّة أحياناً في الوقت نفسه.






القسم V التوسّعات والاعتراضات






16 اثنا عشر تنبيهاً

شرحنا العديد من التنبيهات، لكنا على يقين من أن هناك كثيراً غيرها. وإليكم اثني عشر تنبيهاً صغيراً إضافياً. ويشجّع القرّاء بحرارة بأن يضيفوا إلى القائمة بإرسالها إلى موقعنا الإلكتروني: www.Nudges.org.
1. أعطِ المزيد غداً. يوجد لدى كثير من الأشخاص دوافع خيرية قوية، ونعتقد أنهم يقدّمون أقل بكثير مما يريدون أن يقدّموا بالفعل بسبب الخمول. فجهازهم التأمّلي يريد أن يكون خيّراً، لكن جهازهم التلقائي لا يجد الوقت للقيام بذلك. كم من مرّة فكّرت أنه يجدر بك تقديم بعض المساعدة لكنك لم تفعل ذلك لأن اللحظة مرّت وركّزت على أمور أخرى؟
ثمة تنبيه بسيط هو برنامج إعطاء المزيد غداً. والفكرة الأساسية، التي تقوم على نموذج ادّخار المزيد في الغد، هي سؤال أشخاص آخرين إذا كانوا يريدون تقديم مبلغ صغير لجمعياتهم الخيرية المفضلة والبدء بذلك عما قريب، ثم الالتزام بزيادة تبرّعاتهم كل سنة. (ربما لا يكون ربط الزيادات بارتفاع الأجر أمراً عملياً.) وإذا أراد الأشخاص الخروج من برنامج إعطاء المزيد في الغد، ما عليهم إلا إجراء مكالمة عاجلة أو إرسال بريد إلكتروني موجز في أي وقت. ونعتقد أن كثيراً من الأشخاص سينضمّون بسرور إلى مثل هذا البرنامج.
أجرت آنا برِمَن (Anna Breman) في سنة 2006 تجربة استرشادية باستخدام هذه الفكرة بالتعاون مع جمعية خيرية كبيرة. وطُلب من المتبرّعين الذين يقدّمون تبرّعات شهرية زيادة تبرّعاتهم على الفور أو ابتداء من بعد شهرين. وقد زادت المجموعة الأخيرة تبرّعاتها بنسبة 32 في المئة. ونحن منخرطون في تجارب مماثلة بالتعاون مع جامعتنا، وتبدو النتائج الأولية واعدة. إذا كان الهدف زيادة العطاء الخيري، فهذه طريقة بسيطة للقيام بذلك. ولن يكون من المفاجئ على الإطلاق إذا أنتج برنامج إعطاء المزيد غداً مزيداً من النقود لمن يحتاجون إليها - وأرضى في الوقت نفسه المتبرّعين الغافلين ولكن ذوي النية الحسنة الذين يريدون العطاء لكنهم لا يجدون الوقت للقيام بذلك.
2. بطاقة الخصم المباشر الخيرية والتخفيضات الضريبية. ثمة تنبيه ذو صلة يسهّل على الناس خصم مساهماتهم الخيرية. فمتابعة التبرّعات وإدراجها في التصريح عن الضريبة يشكّل عبئاً على بعض البشريين الذين يتبرّعون أقل مما يريدون لو كانت الوفورات الضريبية تلقائية. ومن الحلول الواضحة بطاقة الخصم المباشر الخيرية - وهي بطاقة خصم مباشر خاصة تصدرها المصارف ولا تقبلها إلا الجمعيات الخيرية. وباستخدام بطاقة الخصم المباشر الخيرية، تُخصم أي تبرّعات خيرية من حسابك العادي، ويرسل مصرفك كشفاً في نهاية السنة بتبرّعاتك مفصّلة في بنود ومجملة. ويمكنك أيضاً استخدام البطاقة للاحتفاظ بسجلّ يبين متى تبرّعت ببنود غير نقدية مثل الأثاث أو السيارات، وتحرص على أن يعرف مصرفك القيمة ويضيفها إلى كشف نهاية السنة. ويمكن إرسال الكشف مباشرة إلى مصلحة الضرائب بحيث تتمكّن الحكومة من تنفيذ الخصم الملائم لك تلقائياً. وبجعل التبرّعات ملحوظة، يمكن أن تبسّط مثل هذه البطاقات العمل الخيري وتزيد جاذبيته.
3. الإقرار الضريبـي التلقائي. بالحديث عن الضرائب والمعالجة التلقائية، لا يوجد تصميم معقول للخيارات يضع تصميماً لنظام ضريبة الدخل الراهن، وهو نظام شهير بتعقيده. وكان اقتطاع ضريبة الدخل من المنبع تقدّماً كبيراً بسّط حياة الجميع. ويمكن أن يحقّق الأشخاص العاديون ومصلحة الضرائب فائدة أكبر إذا جُعلت العملية أكثر تلقائية. وثمة خطوة بسيطة، اقترحها عالم الاقتصاد أُستَن غولسبـي (Austan Goolsbee) في سنة 2006، وهي الإقرار الضريبـي التلقائي. وبموجب هذا النهج، يتسلّم كل من لا يفصّل الخصومات في بنود وليس لديه دخل يبلّغ عنه مصلحة الضرائب إقراراً ضريبياً معبّأً بالفعل. ولإرساله، لا يحتاج دافع الضرائب إلا إلى التوقيع عليه وإرساله بالبريد (والأفضل التوجّه إلى موقع إلكتروني مؤمّن لمصلحة الضرائب، والتوقيع، والنقر). (يطلب من دافع الضرائب بالطبع إجراء تغييرات إذا تغيّر وضعه، أو إذا بدأ تسلّم دخل غير مبلّغ عنه.)
يقدّر غولسبـي أن هذا الاقتراح يوفّر ما يصل إلى 225 مليون ساعة من وقت الإعداد الضريبـي وأكثر من ملياري دولار في السنة رسوماً للإعداد الضريبـي. وذلك صحيح، لأن كثيراً من الأشخاص لا يثقون بمصلحة الضرائب، لذا فإن هذه طريقة تضمن لهم أن يكون جامعو ضرائبنا نزيهين: إذا وقع خطأ، تسترجع النقود، بالإضافة إلى علاوة (لنقل 100 دولار).
4. Stickk.com. يحتاج كثير من الأشخاص إلى المساعدة في تحقيق أهدافهم وطموحاتهم. ومن طرق تحسين فرص النجاح إلزام النفس بإجراء محدّد. في بعض الأحيان يكون من السهل الالتزام، كما عندما تقطّع بطاقة الائتمان مثلاً، أو ترفض تخزين البراونيز والكاجو في مطبخك، أو تقوم زوجتك بإخفاء جهاز التحكّم من بعد بالتلفاز إلى أن تُجمع أوراق الشجر المتناثرة في الحديقة. ويكون ذلك صعباً في أحيان أخرى. أتذكر رهان فقد الوزن الذي أشرنا إليه بين طالبـي الدراسات العليا في الفصل الثاني؟ أحدهما، دين كارلان، أصبح الآن أستاذاً للاقتصاد في يال، تشارك مع زميه في يال إيان أيرس (Ian Ayres) لاقتراح عمل يقوم على الإنترنت استناداً إلى المفهوم نفسه. وسمّى أيرس وكارلان العمل ستِك دوت كوم.198
يقدم ستِك طريقتين لتقديم الالتزامات: مالية وغير مالية. في الالتزامات المالية، يقدّم فرد النقود ويوافق على تحقيق هدف في تاريخ معيّن. ويحدّد أيضاً كيفية التحقّق من أنه استوفى هدفه. على سبيل المثال، ربما يوافق على وزن نفسه في عيادة طبيب أو منزل صديق، أو إجراء فحص للبول بحثاً عن النيكوتين في عيادة، أو التحقّق من نظام ثقة. إذا حقّق الشخص هدفه، يستعيد نقوده. وإذا فشل، تذهب النقود للجمعيات الخيرية. ولديه أيضاً خيار الدخول في مجموعة التزامات مالية، حيث تقسّم نقود المجموعة التي تم جمعها بين أعضاء المجموعة الذين يحقّقون أهدافهم. (الخيار الأصعب والأخبث من ذلك، وربما الأكثر فعالية، منح النقود إلى أشخاص يكرههم من يريد الالتزام، مثل حزب سياسي معارض، أو نادي مشجّعي المنافس الرئيسي للفريق الذي يشجّعه - مثل اليانكيز وَرِد سُكس.) وتشمل الالتزامات غير المالية ضغط الزملاء (رسائل إلكترونية إلى الأسرة أو الأصدقاء تعلن عن نجاحاتك أو إخفاقاتك) ومراقبة هدف المرء عبر مدوّنة للمجموعة.
ربما يكون هدف الملتزم خفض الوزن، أو الإقلاع عن التدخين، أو التمرّن بوتيرة أكبر، أو تحسين الدرجات، أو ما شابه. وثمة قسم إبداعي للأشخاص الذين لديهم أهداف شخصية: تسلّق جبل كلمنجارو بينما لا يزال الثلج على قمّته (يُتحقّق من ذلك بالصور الفوتوغرافية)، أو السفر إلى منغوليا (يُتحقّق من ذلك بالخاتم على جواز السفر)، أو تعلّم التلاعب بسبع برتقالات وبطّيخة (يُتحقّق من ذلك بفيلم فيديو)، أو ركض ماراثون، أو ادّخار مزيد من النقود (أقلّ إبداعاً من دون شك)، أو تقليل استهلاك الوقود والكهرباء (ليس كثير الإبداع لكنه يدعو إلى الإعجاب)، أو أي تحسين ذاتي يستطيع الناس استحضاره ورفعه إلى الموقع الإلكتروني.
5. الإقلاع عن التدخين من دون لزقة. توجد مؤسسات لمساعدة الناس في القيام بالتزامات وتحقيق الأهداف. وتمثّل كيرز (CARES، الفعل الملتزم لخفض التدخين وإنهائه) برنامج ادّخار يقدّمه غرين بنك أوف كاراغا في مندناو، بالفلبين. يفتح من يريد الإقلاع عن التدخين حساباً برصيد أدنى مقداره دولار واحد. ويودع لمدة ستة أشهر النقود التي ينفقها بخلاف ذلك على السجائر في حسابه. (في بعض الحالات، يقوم ممثّل عن المصرف بزيارة أصحاب الحساب كل أسبوع لجمع الودائع.) وبعد ستة أشهر، يخضع العميل لفحص بول لتأكيد أنه لم يدخّن في الآونة الأخيرة. إذا نجح في الفحص، يستعيد نقوده. وإذا فشل في الفحص، يغلق الحساب ويُتبرّع بالنقود للأعمال الخيرية.
أجرى مختبر إجراءات مكافحة الفقر في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا تقييماً للنتائج المبكّرة لهذا البرنامج وتبيّن أنها تبدو جيدة جداً. ففتح حساب يزيد احتمال نجاح من يريدون الإقلاع عن التدخين في تحقيق هدفهم بنسبة 53 في المئة.199 ولا يبدو أن هناك تكتيكاً آخر لمكافحة التدخين، بما في ذلك لزقة النيكوتين، يحقّق مثل هذا النجاح.

6. خوذات الدرّاجات النارية. تحظر العديد من الولايات الأشخاص من ركوب الدرّاجات النارية من دون خوذات. وهذا الحظر مثير لشكوك دعاة التحرّر. وهم يسألون: إذا كان الأشخاص يريدون المجازفة، ألا يجب أن يُسمح لهم بذلك؟ وثمة نقاش حادّ اليوم يفصل دعاة الأبوية المتشدّدين، الذين يؤكّدون على المخاطر ويدعمون الحظر، عن مشجّعي حرّية العمل الذين يصرّون على وجوب أن تترك الحكومة الناس يفعلون ما يريدون. وقد اقترح كاتب العمود جون تيرني (John Tierny) في سنة 2006 طريقة شبيهة بالتنبيه ربما تعزّز الولايات بموجبها السلامة مع المحافظة على الحرّية في الوقت نفسه. وتقوم الفكرة الأساسية على وجوب حصول الركّاب الذين لا يريدون ارتداء خوذة على رخصة خاصّة. وللتأهل للحصول على الرخصة، على الراكب أن يلتحق بدورة قيادة إضافية وتقديم إثبات على حصوله على تأمين صحّي.200
يفرض نهج تيرني بعض التكاليف على من يريد أن يشعر بمداعبة الريح لشعره، دورة القيادة الإضافية والإثبات على التأمين ليسا تافهين. لكن مثل هذا النوع من المتطلّبات أقلّ تدخّلاً من الحظر - وربما يحقّق كثيراً من النتائج الطيّبة.
7. الحظر الذاتي للقمار. يثير القمار مشكلات معقّدة، من دون مبالغة، وسنستعرض بالتفصيل ماذا يمكن أن يفعل داعية الأبوية التحرّرية في هذا المجال. (يكفي القول إننا لو كنا مسؤولين، لن نمنح حكومات الولايات حقّ احتكار القمار - وبخاصة إذا اختارت التخصّص في المقامرات التي تعرض على الزبائن أسوأ الفرص، وتحديداً يانصيب الولايات الذي يحقّق ما يقرب من خمسين سنتاً لكل دولار. ملاحظة: إذا أردت المقامرة بفرص جيّدة، أنشئ مجمّع رهان على مباريات كرة القدم مع أصدقائك.) لكن من الواضح أن المدمنين على القمار يعيشون في وسطنا، وأنهم بحاجة إلى مساعدة حقيقية.
إليكم حلاً مبتكراً. في العقد الماضي، سنّت عدّة ولايات، من بينها إلينوي، وإنديانا، وميسوري، قوانين تمكّن المدمين على القمار من وضع أنفسهم على قائمة تمنعهم من دخول الكازينوهات أو جمع أرباح القمار. وتقوم الفكرة على أن من يعاني من مشكلات في ضبط النفس يدرك عيوبه ويريد من جهازه التأمّلي أن يسيطر على جهازه التلقائي. وفي بعض الأحيان يفعل المقامرون بغية التسلية ذلك من تلقاء أنفسهم أو مع أصدقائهم، وفي بعض الأحيان يمكن أن تساعدهم المؤسسات الخاصة. لكن يمكن أن يكون من الأفضل للمقامرين المدمنين التوصّل إلى طريقة للحصول على دعم من الولاية. ونحن نعتقد أن الحظر الذاتي فكرة عظيمة ونقترح إجراء بحوث لاستعراض طرق استخدام هذا المفهوم في ميادين أخرى.
8. خطة القدَر الصحية. لا تحبّ شركات التأمين دفع الفواتير الطبية الكبيرة مثلما لا يحب المرضى ذلك. وثمة مجال لبعض الجهود الخلّاقة من جانب مثل هذه الشركات للعمل مع عملائها على تحسين صحّة الناس وخفض الفواتير الطبية على الجميع في الوقت نفسه. وسننظر هنا في خطة القدَر الصحية التي تقدّم في أربع ولايات (إلينوي، ووسكُنسُن، ومتشيغن، وكولورادو). تعرض الخطة برنامجاً للحيوية الصحية مصمّماً صراحة لمنح الناس حافزاً على الاختيارات الصحية. ويستطيع المشارك كسب "دولارات الحيوية" إذا تمرّن في نادٍ صحّي في أسبوع معيّن، أو ضمّ ابنه إلى رابطة لكرة القدم، أو أنجز فحصاً لضغط الدم وكانت النتائج عادية. ويمكن استخدام دولارات الحيوية للحصول على تذاكر طائرات، وغرف فندقية، واشتراكات في المجلات، وأجهزة إلكترونية. وتشكّل خطة القدَر الصحية مسعى ذكيّاً للجمع بين التأمين الصحّي والتنبيهات المصمّمة لجعل الناس يعيشون حياة أكثر عافية.
9. دولار في اليوم. يمثّل حمل المراهقات مشكلة خطيرة لكثير من الفتيات، ومن يحملن في الثامنة عشرة، مثلاً، يحملن في الغالب ثانية خلال سنة أو اثنتين. وقد جرّبت عدة مدن، ومنها غرينزبورو في نورث كارولينا، برنامج "دولار في اليوم"، تحصل بموجبه الفتيات المراهقات اللواتي أنجبن طفلاً على دولار مقابل كل يوم لا يكنّ فيه حوامل.201 وكانت النتائج مشجّعة جداً حتى الآن. ويشكّل دولار في اليوم تكلفة زهيدة على المدينة، حتى لمدة سنة أو اثنتين، لذا فإن التكلفة الإجمالية للخطة منخفضة جداً، لكن من الواضح جداً أن الدفعات الصغيرة المتتالية تشجع الأمّهات المراهقات على اتخاذ خطوات لتجنّب الحمل ثانية. ولأن دافعي الضرائب يسدّدون مبالغ كبيرة للعديد من الأطفال الذين تلدهم مراهقات، فإن التكاليف تبدو أقل بكثير من المنافع. ويصف العديد من الأشخاص برنامج "دولار في اليوم" أنه برنامج نموذجي للمساعدة في خفض الحمل بين المراهقات. (لا شكّ في أن هناك مزيداً من البرامج التي يمكن ابتكارها. اعتبر ذلك بمثابة تنبيه للتفكير في واحد.)
10. مرشّحات لمكيّفات الهواء، الضوء الأحمر المفيد. يعتمد الناس على مكيّفات الهواء في الطقس الحارّ، ويحتاج العديد من أنظمة تكييف الهواء المركزية إلى تغيير مرشّحاتها بانتظام. وإذا لم يغيّر المرشّح، يمكن أن تحدث أمور سيّئة، كأن يتجمّد النظام وينهار. لكن ليس من السهل للأسف تذكّر متى يجب تغيير المرشّح، وليس من المفاجئ أن يتكبّد كثير من الأشخاص فواتير إصلاح مرتفعة. الحلّ بسيط: يجب إبلاغ الناس عبر ضوء أحمر في مكان ملائم وظاهر يشير إلى أن المرشّح بحاجة إلى تغيير. وكثير من السيّارات الحديثة تنبّه الأشخاص متى يجب تغيير الزيت، ويوجد في كثير من البرّادات ضوء تحذيري لمرشّحات الماء المبيتة. ويمكن فعل الأمر نفسه مع مكيّفات الهواء.
11. طلاء أظافر يمنع قضمها وثنائي السلفيرام. يرغب من يأمل في تغيير عادات سيّئة معيّنة في شراء منتجات تجعل مواصلة الانغماس في تلك العادات كريهة أو مؤلمة. وباتباع هذا الأسلوب، يستطيع الجهاز التأمّلي اختيار تأديب الجهاز التلقائي عبر منتجات تقول للجهاز التلقائي كفى!
هناك العديد من المنتجات التي تحقّق تلك المهمّة الآن. ومن يريد التوقّف عن قضم أظافره يستطيع شراء طلاء مرّ للأظافر مثل مافالا وأورلي نو بايت. وثمة نسخة أكثر تطرّفاً لهذا المفهوم هي ثنائي السلفيرام، الذي يعطى لبعض المدمنين على الكحول. يسبّب ثنائي السلفيرام لشاربـي الكحول القياء والمعاناة من صداع الخمر ما إن يبدؤوا الشرب. وقد كان لثنائي السلفيرام، في إطار برنامج علاجي، تأثير قوي وإيجابـي في من يعانون الإدمان المزمن على الكحول.
12. التحقّق من التهذيب. احتفظنا باقتراحنا المفضّل إلى الأخير. فالعالم الحديث يعاني من عدم كفاية التهذيب. وفي كل ساعة من كل يوم، يبعث الناس برسائل إلكترونية غاضبة سرعان ما يندمون عليها، ويسبّون أشخاصاً لا يكادون يعرفونهم (أو الأسوأ، أصدقاءها وأحبّاءهم). ولم يتعلّم إلا القليل منا إحدى القواعد البسيطة: لا ترسل رسالة إلكترونية غاضبة من دون تفكير لأنك غاضب، بل احتفظ بها، وانتظر لليوم التالي قبل أن ترسلها. (ربما تكون قد هدأت في اليوم التالي كثيراً ونسيت حتى أن تتفحّصها. وذلك أفضل.) لكن كثيراً من الأشخاص لم يتعلّموا تلك القاعدة أو لا يتّبعونها دائماً. يمكن أن تساعد التكنولوجيا بسهولة. بل إننا لا نشكّ في أن الماهرين في التكنولوجيا يمكنهم تصميم برنامج مفيد في الشهر القادم.
إننا نقترح تحقّقاً من التهذيب يمكن أن يميّز إذا كانت الرسالة الإلكترونية التي توشك أن ترسلها غاضبة وينبّهك إلى ذلك، "تحذير: يبدو أن تلك رسالة إلكترونية غير مهذّبة. هل تريد إرسالها حقّاً"؟ (توجد برمجية بالفعل لكشف اللغة البذيئة. ما نقترحه أكثر دقّة، لأن من السهل إرسال رسالة إلكترونية شنيعة لا تحتوي على كلمات بذيئة.) ثمة نسخة قوية يستطيع الناس اختيارها أو يمكن أن تكون الافتراضية، وتنصّ على ما يلي، "تحذير: يبدو أن تلك رسالة إلكترونية غير مهذّبة. ولن ترسل ما لم تطلب إعادة إرسالها خلال أربع وعشرين ساعة". وباستخدام النسخة الأقوى، ربما تكون قادراً على تجاوز التأخير بالقيام ببعض العمل (بأن تدخل مثلاً رقم الضمان الاجتماعي وتاريخ ميلاد جدّك، أو ربما بحل مسألة رياضية مزعجة!).202
يمكن أن يكون الجهاز التأمّلي أكثر لطفاً وذكاء من الجهاز التلقائي. وأحياناً يكون ذكياً حرصاً على إبداء اللطف. ونعتقد أن البشريين سيكونون في حال أفضل إذا عزّزوا ما أسماه أبراهام لنكلن "ملائكة طبيعتنا الأفضل".






17 اعتراضات

من يعارض التنبيهات؟ إننا ندرك أن دعاة مناهضة الأبوية المتشدّدين، وربما سواهم، لديهم اعتراضات جدّية.203 وللنظر في المقولات المضادّة المحتملة بالترتيب. نبدأ بتلك التي تبدو لنا الأضعف، ثم ننتقل إلى تلك التي تثير مسائل أكثر تعقيداً.
المنحدر الزلق
من المغري القلق من أن من يعتنقون الأبوية التحرّرية يسيرون على منحدر زلق مثير للخوف. وربما يخشى المشكّكون من أننا عندما نقبل أبوية متواضعة للادّخار أو لعرض الطعام في الكافتيريا، أو لحماية البيئة، فسيلي ذلك تدخّلات تطفّلية بالتأكيد. وربما يعترضون على أننا إذا سمحنا لحملات نشر المعلومات التي تشجّع الناس على المحافظة على الطاقة، فإن آلية الدعاية الحكومية ستتحرّك بسرعة من التثقيف إلى التلاعب الصريح إلى الإكراه والحظر.
ويتصوّر النقّاد بسهولة هجوماً يبدو لهم شكلاً من أشكال من الأبوية التدخّلية غير المقبولة. فالحكومات التي تبدأ بالتعليم ربما تنتهي بغرامات قاسية، وربما أحكام بالسجن. وتشكّل عروض السجائر مثالاً محتملاً. فهنا انتقلنا من وسوم التنبيه المتواضعة، إلى حملات معلومات أكثر عدائية بكثير، إلى ضرائب مرتفعة على السجائر، إلى منع التدخين في الأماكن العامة، ولن يكون المدخّن مصاباً بذُهان ارتيابـي إذا اعتقد أنه ربما يأتي يوم تخضع فيه السجائر لرقابة شديدة أو تُمنع بأكملها. وهناك في الواقع كثير ممن يرحّبون بذلك للسجائر، مع أن معظمهم لا يرحّبون به في ما يتعلّق بالكحول. فأين نتوقّف؟ من غير المرجّح بالتأكيد أن يحدث انزلاق إلى أسفل المنحدر الزلق، لكن يمكن أن يعتقد النقّاد، الذين يواجهون مخاطر التجاوز، أن من الأفضل تجنّب بدء الانزلاق أصلاً.
لدينا ثلاث إجابات على هذا النمط من الهجوم. الأولى أن الاعتماد على حجّة المنحدر الزلق تتفادى مسألة وجود حسنات لاقتراحاتنا. إذا كانت اقتراحاتنا تساعد الناس في ادخار المزيد، وتناول طعام أفضل، والاستثمار بمزيد من الحكمة، واختيار خطط تأمين وبطاقات ائتمان أفضل - وفي كل حالة عندما يريدون فحسب - ألا يكون ذلك أمراً جيداً؟ لو كانت سياساتنا غير حكيمة، فإن انتقادها مباشرة بدلاً من الاعتماد فقط على الخوف من منحدر افتراضي يكون بنّاء. وإذا كانت اقتراحاتنا جديرة بالاهتمام، فلنحدث تقدّماً عليها، ونفعل كل ما يلزم لنثر بعض الرمل على المنحدر (بافتراض أننا قلقون حقاً من مقدار زلاقتها).
الإجابة الثانية هي أن شرطنا التحرّري، الذي يتطلب حقوق الخروج بتكلفة منخفضة، يخفّض من شدّة انحدار المنحدر الزلق في الظاهر. وتشدّد اقتراحاتنا على المحافظة على حرّية الاختيار. وفي العديد من الميادين، من التعليم إلى حماية البيئة إلى سوء الممارسة الطبّية إلى الزواج، نستحدث مثل هذه الحرّية حيث لا توجد الآن. وما دام يمكن اجتناب التدخّلات الأبوية بسهولة من قبل من يسعون لاتباع مسار من تلقاء أنفسهم، فإن المخاطر التي يدينها مناهضو الأبوية تصبح متواضعة. وتكون حجج المنحدر الزلق مقنعة عندما لا يكون من الممكن تمييز مسار العمل المقترح عن مسارات العمل الكريهة، أو غير المقبولة، أو المخيفة. وبالنظر إلى أن الأبويين التحرّريين يحافظون على حرّية الاختيار، فإننا يمكننا القول عن قناعة إن نهجنا يعارض أنواع التدّخلات الحكومية التي تثير أكبر اعتراض.
النقطة الثالثة شدّدنا عليها طوال الوقت: تكون بعض أنواع التنبيه حتمية في كثير من الحالات، لذا من غير المجدي الطلب من الحكومة أن تقف جانباً. ويتعيّن على مصمّمي الخيارات، الخاصين أو العامين، أن يفعلوا شيئاً. إذا كانت الحكومة ستعتمد خطة للأدوية بوصفات، فإنه يجب وضع نوع من تصميم الخيارات. وفي ما يتعلّق بالتلوّث، يجب وضع القواعد، حتى لو كانت تقول فقط إن الملوّثين لا يواجهون أي التزام ويمكنهم أن يلوّثوا بحصانة. ولو تخلّصت من الولايات من الزواج والاتحادات المدنية، فإنه يجب أن يكون قانون التعاقد متاحاً لمعرفة ما يدين به الزوجان المنفصلان أحدهما للآخر (إذا كانا يدينان بأي شيء).
غالباً ما تكشف الحياة عن مشكلات لم يتوقّعها الناس. وتحتاج المؤسسات الخاصة والعامة إلى قواعد لتحديد كيفية التعامل مع هذه المشكلات. وعندما تبدو هذه القواعد غير مرئية، فإن ذلك يعود إلى أن الناس يجدونها واضحة ومعقولة جداً فلا يرونها بمثابة قواعد. لكن القواعد موجودة، ولا تكون معقولة جداّ في بعض الأحيان.
إن من يعترضون على التنبيهات قد يقبلون هذه النقطة الخاصة بالقطاع الخاص. ولعلهم يعتقدون أن الضغوط التنافسية يمكن أن تكافح أسوأ أنواع التنبيهات. فربما تجد شركات تأجير السيارات أو الهواتف الخلوية التي تدفع الناس في اتجاهات سيّئة أنها تفقد العملاء. وقد أثرنا أسئلة عن هذه الرؤية وسنطرح المزيد. لكن دعونا نضع هذه الأسئلة جانباً ونركّز على حجّة المنحدر الزلق للحكومة بمفردها. إن من يقدّمون هذه الحجّة يتحدّثون في بعض الأحيان كما لو أن الحكومة يمكن أن تكون غائبة - كما لو أن الشروط الافتراضية التي تعدّ الخلفية تأتي من الطبيعة أو من السماء. وذلك خطأ كبير. فلا شكّ أن الشروط الافتراضية التي تطبّق الآن في أي سياق معيّن قد تكون الأفضل، بمعنى أنها تعزّز مصالح الناس على العموم أو عندما تؤخذ العوامل في الحسبان. لكن يجب الدفاع عن تلك الرؤية بدلاً من افتراضها. وسيكون من المستغرب للذين يقلّلون جداً من تقدير الحكومة الاعتقاد في كل الميادين أن الحكومات السابقة اكتشفت مجموعة من الترتيبات المثالية مصادفة.204

التنبيهات الشرّيرة والتنبيهات السيّئة
ربما يكون لمصمّمي الخيارات أجندات خاصة بهم عند عرض تنبيهات مفيدة على ما يفترض. وربما يُقدم من يفضّلون قاعدة افتراضية ما على سواها على ذلك لأن مصالحهم الاقتصادية على المحكّ. فعندما تقدّم لك الشركات معدّل فائدة خاصاً في الشهر الأول، ثم تعيد إلحاقك تلقائياً في برنامج ذي معدّل أكثر ارتفاعاً في نهاية الفترة التمهيدية، لا يكون هدفها الأساسي توفير عناء التسجيل عليك. لذا دعونا نقول صراحة إن لمصمّمي الخيارات في كل مشارب الحياة حوافز لتنبيه الناس في اتجاهات تفيد المصمّمين (أو أصحاب عملهم) بدلاً من المستخدمين. لكن ما الخلاصة التي يمكن أن نتوصّل إليها من هذه الملاحظة؟ يمكن أن يكون للمعماريين الحقيقيين تضارب مصالح مع عملائهم أيضاً، لكنا لا نعتقد أن عليهم أن يتوقّفوا عن تصميم المباني. بدلاً من ذلك، نحاول التوفيق بين الحوافز عندما نستطيع ذلك، وأن نستخدم المراقبة والشفافية عندما لا نستطيع.
هل يجب علينا أن نقلق من مصمّمي الخيارات العامة أكثر من قلقنا من مصمّمي الخيارات الخاصة؟ ربما، لكننا نقلق من الاثنين. في الظاهر يكون من المستغرب القول إن مصمّمي الخيارات العامة أكثر خطراً دائماً من مصمّمي الخيارات الخاصة. في النهاية، على المديرين في القطاع العام تحمّل المسؤولية أمام ناخبيهم، ويكلّف المديرون في القطاع الخاص بتعظيم الأرباح وأسعار الأسهم، لا برفاه المستهلكين. ويعتقد بعض من لديهم أعظم الشكوك في الحكومة أن المسؤولية الوحيدة للمديرين في القطاع الخاص هي تعظيم أسعار الأسهم. وكما شدّدنا، تقود اليد الخفية في بعض الظروف من يحاولون تعظيم الأرباح إلى تعظيم رفاه المستهلكين أيضاً. لكن عندما يكون المستهلكون مشوّشين بشأن مزايا المنتجات التي يشترونها، يمكن أن يؤدّي استغلال تشوّشهم إلى تعظيم الأرباح، وبخاصة على المدى القصير وربما على المدى الطويل أيضاً.
تعمل اليد الخفيّة على أفضل وجه عندما تكون المنتجات بسيطة ويتكرّر شراؤها. إننا نولي اهتماماً ضئيلاً بشأن احتمال أن يسرق عامل التنظيف على الناشف المستهلكين. لكن عامل التنظيف على الناشف الذي يفقد القمصان أو يضاعف الأسعار فجأة لن يمكث في العمل طويلاً. كما أن سمسار الرهن العقاري الذي لا يشير إلى أن سعر الفائدة المنخفضة الابتدائي سينتهي بسرعة يكون قد خرج من العمل منذ مدّة طويلة عندما تصل الأخبار السيّئة إلى العميل.
عرض محرّرو مجلة "إيكونومست"، متعاطفين مع النزعة الأبوية التحرّرية، هذه الملاحظة التحذيرية: "ثمة خطر جدّي من التجاوز من وجهة نظر الحرّية، لذا ثمة أسس لتوخّي الحذر. فالسياسيون في النهاية ليسوا غرباء عن فنّ تأطير خيارات الرأي العام والتلاعب بقراراتهم لغايات حزبية. وما الذي يمنع جماعات الضغط، ومن يعملون لتحقيق غاياتهم، والمتدخّلين في شؤون الآخرين من كل الأنواع من اختطاف الجهد بأكمله"؟205
إننا نقرّ بأن المسؤولين الحكوميين، المنتخبين أو غير المنتخبين، تستحوذ عليهم في الغالب مصالح القطاع الخاص الذي يسعى ممثّلوه إلى تنبيه الناس في اتجاهات تعزّز مصالحهم الأنانية. وذلك أحد الأسباب التي تدعونا للمحافظة على حرّية الاختيار. لكن إذا كانت مصالح القطاع الخاص تتبع اليد الخفية في تعزيز مصالح عملائه، فما المشكلة في ذلك؟206 النقطة الأكثر خطورة هي أن علينا أن نقلق من كل مصمّمي الخيارات، في القطاعين العام والخاص على حدٍّ سواء. وعلينا وضع قواعد التعامل التي تخفّض الاحتيال والإساءات الأخرى، وتعزّز المنافسة الصحّية، وتقيّد قوة الجماعات ذات المصالح الخاصة، وتخلق حوافز لجعل مصمّمي الخيارات يخدمون المصلحة العامة على الأرجح. وقد صمّمت مختلف اقتراحات رِكاب (تسجيل الأسعار البديلة وتقييمها ومقارنتها) خصّيصاً لتسهيل معرفة المستهلكين حجم الخدمة التي يستخدمونها ومقدار ما يدفعون مقابلها. وفي المجال البيئي، رأينا أن كشف المعلومات يمكن أن يكون أداة مراقبة فعّالة ومنخفضة التكلفة.
إننا نودّ أن نرى مبادئ مماثلة تُستخدم لمراقبة الحكومات. وتطلب من المسؤولين الحكوميين نشر كل أصواتهم، وأموالهم المرصودة، ومساهمات جماعات الضغط على مواقعهم الإلكترونية. وتطلب ممن يحدّدون سياسة الطاقة في المستقبل (لذكر مثال عشوائي) أن يكشفوا عن الشركات التي دعيت إلى تقديم أيديها الخفية جداً في عملية تصميم القواعد من بين الشركات التي تتوخّى تعظيم الأرباح. وتطلب ممن يحدّدون السياسة التعليمية المستقبلية الكشف عن مجموعات المصالح الخاصة، والاتحادات التي قدّمت لهم النقود في أحدث الحملات. وتطلب من الهيئات الحكومية، لا القطاع الخاص فحسب، أن تكشف عن مساهماتها في تلوّث الهواء والماء، وغازات الدفيئة التي تصدرها. وقد شدّد القاضي في المحكمة العليا لويس براندِس على أن "ضوء الشمس أفضل المطهّرات". ويمكن أن تستخدم الحكومات الديمقراطية، فضلاً عن الاستبدادية، المزيد من ضوء الشمس.
بالتشديد على آثار تصميم خطة الخيارات، فإننا نأمل في تشجيع مصمّمي الخطط على الاسترشاد بمزيد من المعلومات. وبتأييد التدقيق الليبرالي في الخطط السيّئة، فإننا نأمل في وضع ضمانة قوية ضدّ الخطط غير المدروسة جيداً أو ذات الدوافع السيّئة. وبمقدار ما تكون المصلحة الذاتية للفرد كابحاً جيداً للمخطّطين، فإن حرّية الاختيار عامل تصحيحي مهمّ.
الحقّ في أن تخطئ
ربما يحتجّ المشكّكون بأن للناس في المجتمع الحرّ الحقّ في أن يخطئوا، ومن المفيد لنا أحياناً أن نرتكب أخطاء، لأننا نتعلّم من ذلك. ونحن نوافق بشدّة على النقطة الأولى، ولذلك نصرّ على الحقّ في عدم المشاركة. ولا نمانع إذا أراد الناس حقاّ استثمار محفظة تقاعدهم بأكملها في أسهم التقانة العالية الرومانية. لكن لا يضير أن نضع بعض الإشارات التنبيهية على الطريق لغير المحنّكين في الاختيار. فنحن نقرّ الإشارات في بعض أماكن التزلّج التي تحذّر المتزلّجين المبتدئين وغير المتمرّسين: "لا تفكّر في المضيّ إلى أسفل إذا لم تكن متمرّساً."
إننا نهتم لأمر المساكين الذي خُدعوا في قبول رهن عقاري سرعان ما يعجزون عن احتمال تكاليفه أكثر من اهتمامنا لأمر الشركات الاستثمارية التي اشترت محافظ هذه الرهونات. فالأخيرون يجب أن يعرفوا أكثر (مع أن تحسين المكاشفة مفيد هنا أيضاً)، ومن المرجّح أن يستنبطوا بمفردهم أساليب محسّنة لتقييم مخاطر القروض. لكن ما مقدار التعلّم الذي تعتقدون أنه مفيد للناس؟ إننا لا نؤمن بأن على الأطفال أن يتعلّموا مخاطر برك السباحة بالسقوط فيها والأمل بحدوث الأفضل. فهل يجب أن تصدم حافلة بطبقتين المشاة في لندن ليتعلّموا أن ينظروا إلى اليمين؟ أليس من الأفضل وضع لافتة تنبيهية على الرصيف؟
عن العقاب، وإعادة توزيع الثروة، والاختيار
يقدّم بعض أكثر منتقدينا تطرّفاً اعتراضاً يُدهش العديد من القرّاء بغرابته. فهؤلاء النقّاد يعترضون على أي تبادل قسري. ولا يحبّون أن يأخذوا أي شيء من زيد لتقديمه لعمرو، حتى إذا كان زيد شديد الثراء وعمرو شديد الفقر. وهم يعترضون بوضوح على الضرائب التصاعدية (بل معظم الضرائب في الواقع). وفي المجالات التي تعنيناً، يرفض هؤلاء النقّاد السياسات التي تفيد صراحة الضعيف، أو الفقير، أو غير المتعلّم، أو غير المحنّك. وهم لا يعترضون على هذه السياسات لأنهم لا يتعاطفون مع هذه الفئات بل لأنهم يعتقدون أنه يجب أن تأتي أي مساعدة طوعاً من القطاع الخاص، مثلما تأتي من الجمعيات الخيرية، ولأن السياسات الحكومية تأتي على حساب الفئات الأخرى (الأقوياء، والأثرياء، والمتعلّمون، والمحنّكون). وهم لا يحبّون أي سياسة حكومية تأخذ موارد من بعض الأشخاص لمساعدة أشخاص آخرين.
علينا الاعتراف بأننا لا نوافق على الرأي بأن كل إعادة توزيع للثروة مشروعة. ونعتقد أن المجتمع الصالح يجري مقايضات بين حماية البائسين وتشجيع المبادرة والمساعدة الذاتية - بين منح الجميع حصّة جيّدة من الكعكة وزيادة حجم الكعكة. كما نرى أن المستوى الأمثل لإعادة توزيع الثروة ليس صفراً. لكن يجب حتى على من يكرهون إعادة توزيع الثروة أكثر منا ألا يقلقوا كثيراً من سياساتنا. فالتنبيه يساعد في معظم الأوقات من يحاجون إلى مساعدة بينما يفرض أدنى التكاليف على من لا يحتاجون إليه. إذا كان الناس يدّخرون للتقاعد، فإن عرض برنامج ادّخار المزيد في الغد لا يسبّب لهم أي مشكلة. وإذا كان الناس لا يدخّنون، أو نحيفون نحافة طبيعية (أو غير طبيعية)، فإن الحملات لمساعدة المدخّنين والسمينين لا تعود عليهم بضرر.
ربما يعترض بعض المشكّكين على أن بعض اقتراحاتنا تتطلّب من الاقتصاديين أن يدفعوا شيئاً (ليس كثيراً) لبرامج لا يحتاجون إليها ولا تعود بالفائدة عليهم. لكن إذا كان الأشخاص الذين يحتاجون إلى مساعدة يفرضون تكاليف على المجتمع أيضاً - عبر ارتفاع التكاليف الصحّية مثلاً - فإن حمل الاقتصاديين على المشاركة في تكاليف مساعدة البشريين يبدو ثمناً متواضعاً يدفعونه. هناك بطبيعة الحال بعض أنواع مناهضي إعادة توزيع الثروة ممن يعارضون أي نظام صحّي يفرض على سائر الأشخاص أن يدفعوا للذين يحتاجون إلى رعاية صحّية. ولا نجانب الصواب على أساس نسبـي إذا قلنا إن الاقتصاديين ربما يخسرون من بعض السياسات التي تساعد البشريين. فإذا كانت سعادة زيد تتوقّف إلى حدّ ما على أنه أغنى من عمرو، فإن كل ما يحسّن حال عمرو يلحق ضرراً بزيد. لكننا نعتقد، مع أننا نعترف بأننا لا نملك دليلاً يدعم وجهة نظرنا، أن معظم أمثال زيد يسعدهم في الواقع مساعدة أفراد المجتمع البائسين (حتى إذا كان أمثال عمرو يحصلون على المساعدة من الحكومة لا من جمعية خيرية خاصة). أما من يشعرون بالتعاسة إذا ضيّق جيرانهم الفقراء الفجوة التي تفصل ما بينهم، فإننا نأسف لحالهم ولا نتعاطف معهم.
ثمة سهم آخر في جعبة أكثر دعاة الليبرالية حماسة. فهم يشعرون بالقلق بشأن الحرّية والاختيار الحرّ بدلاً من القلق بشأن رفاههم. ولذلك يفضّلون الاختيار المطلوب على التنبيهات. ويريدون على الأكثر تقديم المعلومات الضرورية للناس للاختيار الرشيد، ثم يقولون لهم اختاروا بأنفسكم: من دون تنبيهات! وينعكس هذا المنظر في حملة الحكومة السويدية لجعل الناس يختارون محافظهم الاستثمارية، وفكرة وجوب الإقرار الصريح لوهب الأعضاء من دون أي قاعدة افتراضية. وتمثّل السياستان قراراً متعمّداً بعدم التنبيه.
على الرغم من أنه لا يمكن اجتناب التنبيهات في الغالب، فإننا نوافق بحماسة على أن الاختيار الفاعل المطلوب (أو الذي يشجّع بقوة) هو الطريق الصحيح في بعض الأحيان، وليس لدينا أي مشكلة في تقديم المعلومات والحملات التعليمية (نحن أستاذان في النهاية). لكن الاختيار القسري ليس الأفضل دائماً. عندما يكون الاختيار صعباً والخيارات عديدة، فإن الطلب من الناس الاختيار بأنفسهم قد يكون مفضّلاً وربما لا يؤدّي إلى أفضل القرارات. وبالنظر إلى أن الناس يختارون في الغالب ألا يختاروا، فمن الصعب أن نفهم لماذا يفضّل محبّو الحرّية فرض الاختيار مع أن الناس يقاومونه (بحرّية وطوعاً). وإذا طلبنا من نادل أن يختار زجاجة نبيذ جيدة تلائم عشاءنا، فإننا لن نكون سعداء إذا قال إن علينا اختيارها بأنفسنا.
أما بالنسبة للمعلومات والحملات التعليمية، فإن أحد الدروس الرئيسية المستمدّة من علم النفس أن من المستحيل أن تكون مثل هذه البرامج "محايدة"، بصرف النظر عن الدقّة التي يتوخّاها المصمّمون في محاولة تحقيق ذلك الهدف. لذا نقول ببساطة إن إجبار الناس على الاختيار ليس حكيماً دائماً، والبقاء على الحياة غير ممكن دائماً.
رسم الحدود ومبدأ الإعلام
قبل مدّة أخذ سنشتاين ابنته المراهقة إلى لولابالوتزا، وهو مهرجان للروك يعقد سنوياً في شيكاغو ويستغرق ثلاثة أيام. وفي مساء يوم الجمعة، كان هناك لافتة ضخمة ذات رسائل إلكترونية متغيّرة، تعرض في الغالب برنامج الحفلات، لكن كان يتخلّل تلك المعلومات رسالة مفادها، "اشربوا مزيداً من الماء"، مكتوبة بخط كبير، وكانت الرسالة مصحوبة برسالة أخرى: "تعرقون في الحرارة، فتفقدون الماء".
ما هي جدوى هذين الإعلانين؟ كانت ثمة موجة حرارة شديدة تضرب شيكاغو، لذا حاول من يديرون المهرجان تجنّب حدوث مختلف المشكلات الصحّية التي ترتبط بالتجفاف. وكانت اللافتة تنبيهاً. لم يُجبر أحد على الشرب. لكن من أنتجوا اللافتة كانوا حسّاسين لكيفية تفكير الناس. كما أن اختيار كلمات "مزيداً من الماء" كان ممتازاً. فتلك الكلمات أكثر فعالية على الأرجح من بدائل ألطف مثل "اشربوا ما يكفي من الماء" أو "اشربوا ماء". كما أن اقتراح "تفقدون الماء" يستفزّ نفورنا من الخسارة بذكاء كي لا نصاب بالتجفاف. (نمنّى سنشتاين لو أنه شاهد اللافتة من قبل، فقد عطش كثيراً في أثناء أداء فريق دِث كاب فور كيوتي، لكن المكان كان شديد الازدحام بحيث تعذّر عليه الخروج لطلب الماء.)
قارن الآن بديلاً متخيّلاً. لنفترض أنه بدلاً من وجود لافتة مرئية "اشربوا مزيداً من الماء"، كانت جداول الأداء اليوم تقاطع لمدّة وجيزة وغير مرئية بإعلان دون عتبة الشعور، "اشربوا مزيداً من الماء"، أو "ألستم عطشى؟؟؟"، أو "لا تشرب وتقود السيارة"؛ "المخدّرات تقتل"، أو "ادعموا رئيسكم"؛ "الإجهاض جريمة"، أو "اشتروا نسخاً من التنبيه". هل يمكن رؤية الإعلان الموجّه إلى العقل الباطن شكلاً من أشكال الأبوية التحرّرية؟ فهو في النهاية يوجّه الناس نحو الاختيار، لكنه لا يتخذ القرار عنهم.
هل نوافق على الإعلان الموجّه إلى العقل الباطن إذاً - ما دام لصالح الغايات المنشودة؟ وما الحدود التي يجب أن ترسم على مثل هذا التلاعب الخاص أو العام؟ ربما يكون الاعتراض العام على الأبوية التحرّرية، وبعض أنواع التنبيهات، أنها ماكرة - وتمكّن الحكومة من توجيه الناس في الاتجاهات التي تفضّلها، وفي الوقت نفسه تزوّد المسؤولين بأدوات ممتازة تحقّق تلك المهمّة. لنقارن الإعلان الموجّه إلى العقل الباطن بشيء مماثل في المكر. إذا أردت أن يفقد الناس الوزن، ثمة استراتيجية فعّالة هي وضع المرايا في الكافتيريا. فعندما يشاهد الناس أنفسهم في المرآة، ربما يأكلون القليل إذا كانوا ممتلئين. هل هذا مقبول؟ وإذا كانت المرايا مقبولة، ماذا عن المرايا التي تضخّم الشكل عن عمد؟ (يبدو أننا نواجه المزيد منها كل سنة.) هل مثل هذه المرايا استراتيجية مقبولة لصديقتنا كارولين في الكافتيريا؟ إذا كان كذلك، ماذا يجب أن يكون رأينا بالمرايا تنحّف الشكل في مطاعم الوجبات السريعة؟
لمقاربة هذه المشكلات نعتمد ثانية على أحد مبادئنا الإرشادية: الشفافية. وفي هذا السياق ما أسماه الفيلسوف جون رولز (John Rawls 1971) مبدأ الإعلام. يمنع مبدأ الإعلام في أبسط أشكاله الحكومة من اختيار سياسة غير قادرة على الدفاع عنها علناً أمام مواطنيها أو لا ترغب في ذلك. ونحن نحبّ هذا المبدأ لسببين. الأول عملي. إذا اعتمدت الحكومة سياسة لا تستطيع الدفاع عنها علناً، فيمكن أن تواجه إحراجاً كبيراً، وربما الأسوأ بكثير، إذا كُشف عن السياسة وأسسها (من شارك فيها، أو أقرّها، لعل الأفعال القاسية والمهينة في سجن أبو غريب كانت لتستفيد من استخدام هذا المبدأ.) والثاني والأهم يشمل فكرة الاحترام. على الحكومة أن تحترم الشعب الذي تحكمه، وإذا اعتمدت سياسات لا تستطيع الدفاع عنها علناً، فإنها تفشل في إبداء هذا الاحترام. وبدلاً من ذلك تعامل مواطنيها بمثابة أدوات تتلاعب بها. وبهذا المعنى، يرتبط مبدأ الإعلام بمنع الكذب. فمن يكذب يعامل الناس بمثابة وسائل لا غايات.
إننا نعتقد أن مبدأ الإعلام مبدأ توجيهي جيد لتقييد التنبيهات وتنفيذها، في القطاعين العام والخاص. لنأخذ اقتراح ادّخار المزيد في الغد، هنا يبلغ الناس صراحة بطبيعة الاقتراح، ويسألون تحديداً إذا كانوا يريدون قبوله. وعلى نحو ذلك، عندما تعتمد الشركات الإلحاق التلقائي، فإنها لا تجعل ذلك سرّاً، وتستطيع أن تقول بنزاهة أنها فعلت ذلك لأنها تعتقد أن معظم العاملين فيها سيكونون في حال أفضل إذا انضمّوا إلى الخطة. هل تستطيع الشركات أن تقول الأمر نفسه عن إجبار موظفيها على الاحتفاظ بأسهم الشركة؟
وتنطبق الخلاصة نفسها على القواعد الافتراضية القانونية. إذا غيّرت الحكومة مثل هذه القواعد - لتشجيع وهب الأعضاء أو خفض التمييز تبعاً للعمر - فيجب ألا تعتمد السرّية بشأن ما تقوم به. ويمكن قول الأمر نفسه عن الحملات التعليمية التي تستخدم النتائج السلوكية لتقديم توجيه مفيد. فإذا استخدم المسؤولون الحكوميون لافتات مكتوبة بذكاء لخفض رمي القامة، أو ردع سرقة الخشب المتحجّر، أو تشجيع الناس على التسجيل بمثابة واهبين للأعضاء، فيجب أن يكونوا سعداء بالكشف عن أساليبهم ودوافهم على جدٍّ سواء. ولنأخذ إعلاناً قبل بضع سنوات، يعرض بيضة تُقلى على موقد ساخن يصاحبها الصوت، "هذا هو مفعول المخدّرات في دماغك". وقد صمّمت الصورة الواضحة لإطلاق الخوف من تعاطي المخدّرات. يمكن أن يعتبر الإعلان تلاعبياً، لكنه لم ينتهك مبدأ الإعلام.
إننا نوافق بلا تردّد على أن الحالات الصعبة متصوّرة. والإعلان الموجّه إلى العقل الباطن يبدو أنه يتعارض مع مبدأ الإعلام في المطلق. ويغضب الناس من مثل هذه الإعلانات إذ يخضعون للتأثير من دون إبلاغهم بذلك. لكن ماذا لو أعلن عن استخدام الإعلان الموجّه إلى العقل الباطن مسبقاً؟ ماذا لو أعلنت الحكومة صراحة أنها ستعتمد على الإعلان الموجّه إلى العقل الباطن لمكافحة الجرائم العنيفة، والإفراط في الشرب، وعدم دفع الضرائب مثلاً؟ هل يكفي الكشف عن ذلك؟ إننا نميل إلى الاعتقاد أنه لا يكفي - ومثل هذا التلاعب مرفوض لأنه غير مرئي وبالتالي تتعذّر مراقبته.
الحياد
لقد شدّدنا على أن الحكومة لا تستطيع أن تكون محايدة في العديد من الأوضاع، لكن ثمة شكلاً من أشكال الحياد ممكناً ومهمّاً على حدٍّ سواء. لنأخذ حالة التصويت. يجب أن تذكر بطاقات الانتخاب المرشّحين بترتيب معيّن. ومن المعروف جيداً أن المرشّحين يستفيدون من إدراج اسمهم أولاً. وبيّنت إحدى الدراسات أن المرشّح الذي يدرج اسمه أولاً يكسب 3.5 في المئة نقطة في التصويت.207 ويجب ألا يكون أحد راضياً عن وضع يسمح فيه للحكومات - أي الحكومات القائمة - باختيار ترتيب أسماء المرشّحين. إن مبدأ الحياد معقول جداً بالنسبة لتصميم بطاقة الاقتراع، وغالباً ما يعتقد أن الحياد يتطلّب العشوائية في ذلك السياق.
لماذا إذاً نعتقد أنه يجب الوثوق بالحكومات في تنبيه المشاركين ببرنامج مديكير نحو خطة التأمين الأفضل لهم، أو في الدفع لإعلانات تبلغ الناس ألا "يعبثوا بتكساس"؟ لماذا جعل بطاقات الانتخابات عشوائية جيّد وجعل تخصيص بوالص التأمين عشوائياً أمر سيئ؟208 يكمن جزء من الإجابة في أن للناس الحقّ في بعض الأحيان، بل من حقّهم الدستوري، أن تكون الحكومة محايدة إلى حدّ ما. وفي ما يتعلّق بحقّ التصويت، على الحكومة أن تتجنّب التنبيه المتعمّد بمعنى أنه يجب ألا يكون مصمّم خياراتها قادراً على محاباة أي مرشّح معيّن. ويمكن استخدام شيء مماثل بشأن حقّ الممارسة الحرّة للدين والحقّ في حرّية التعبير. فلا يجوز أن تشجّع الحكومة الناس على الانضمام إلى خطة "مزيد من الصلاة ليسوع في الغد" أو خطة "قليل من الانشقاق في الغد".
ثمة سؤال أكثر عمومية عن الحياد، خارج سياق الحقوق الدستورية، وهو يمتدّ إلى القطاعين الخاص والعام على حدٍّ سواء. لقد انتقدنا الشركات التي تنبّه موظفيها إلى امتلاك كمّيات مفرطة من أسهم الشركة، لكننا صفّقنا للشركات التي تنبّه بعض موظفيها إلى ادّخار المزيد. وخلاصتنا الأساسية أن تقييم التنبيهات يتوقّف على آثارها - إذا كانت تضرّ بالناس أو تساعدهم. وربما يحتجّ المشكّكون أن من الأفضل تجنّب التنبيهات تماماً في بعض المجالات. لكن كيف تستطيع الشركات أن تفعل ذلك؟ لا يمكن تجنّب تصميم الخيارات، وبذلك المعنى لا يمكن تجنّب التأثير في الآخرين. ونحن نوافق على أن الاختيار القسري أفضل في بعض الحالات. لكن ذلك غير ممكن في الغالب، وأحياناً يكون ذلك مزعجاً أكثر من جدواه.
إن بعض التنبيهات حتمية. الحملات التعليمية والإعلانية اختيارية، ويمكن اجتنابها. هل على الحكومة أن تعلم الناس عن مخاطر التدخين، والجنس من دون وقاية، والدهون المتحوّلة، والأحذية ذالت الكعوب العالية؟ هل على أصحاب العمل عرض حملات تعليمية عن موضوعات مماثلة؟ للإجابة عن هذه الأسئلة، علينا أن نعرف شيئاً عن المنبِّهين والمنبَّهين. ثمة سؤال عما إذا كان من المرجّح أن يتمكّن عميل خارجي (المنبِّه) من مساعدة أحد الأفراد (المنبَّه) في تحسين الاختيار. يتوقّف جزء من ذلك على مقدار صعوبة الخيارات على المنبَّهين. فكما رأينا، يحتاج الناس إلى التنبيه على الأرجح عند اتخاذ قرارات صعبة، ومعقّدة، وغير متكرّرة، وعندما تكون التغذية الراجعة رديئة وتقلّ فرص التعلّم.
لكن احتمال التنبيه المفيد يتوقّف أيضاً على قدرة المنبِّهين على التخمين الجيد لما هو أفضل للمنبَّهين. وعلى العموم، يتمكّن المنبِّهون من التخمين الجيد عندما يتاح لهم مزيد من الخبرة، وعندما لا تكون الاختلافات في أذواق الأفراد وتفضيلاتهم كبيرة جداً (الجميع تقريباً يفضّلون أيس كريم الشوكولا على السوس) أو عندما يكون من السهل كشف الاختلافات في الأذواق والاحتياجات (كما عندما تستنتج الحكومة أنك ستفضّل على الأرجح خطة أدوية تعرض أدنى الأسعار للأدوية التي تأخذها بانتظام). ولكل هذه الأسباب التي ناقشناها، يكون التنبيه منطقياً للرهون العقارية أكثر من المشروبات غير الكحولية. فالرهون العقارية معقّدة، ويستطيع العملاء الخارجيون تقديم كثير من المساعدة. بالمقابل، لا يوجد لدى أي خبير ما يعرضه بشأن هل من المحتمل أن تفضّل الكوكا كولا على الببسي ولا يمكن الحصول على إجابة أفضل بشرب القليل من كليهما. لذا باختصار، عندما تكون الخيارات كثيرة، وعندما يتمتّع المنبِّهون بالخبرة، وعندما تكون الاختلافات بين تفضيلات الأفراد غير مهمّة أو يسهل تقديرها، يرتفع احتمال تقديم تنبيه مفيد.
علينا أن نقلق بطبيعة الحال بشأن عدم كفاءة المنبّهين وانتفاعهم الذاتي. فإذا كان المنبِّه غير كفء، فمن السهل أن يكون ضرره في توجيه اختيارات الناس أكثر من نفعه. وإذا كانت مخاطر الانتفاع الذاتي عالية، فمن الصواب الحذر من محاولات التنبيه. هناك بعض الأشخاص الذين يعتقدون أن من المرجّح أن تكون أي محاولة يقوم بها مسؤول حكومي عديمة الكفاءة وفاسدة. ويريد من يحملون هذا الرأي إبقاء التنبيه الذي ترعاه الحكومة في حدّه الأدنى - أي حصره بالحالات التي يكون فيها بعض التنبيه محتوماً، كانتقاء الخيارات الافتراضية. لكن من لديهم وجهات نظر أقل تشاؤماً بشأن الحكومة، ويعتقدون أن السياسيين والبيروقراطيين مجرّد بشريين، ليس من المرجّح أن يكونوا أغبياء أو غير مستقيمين أكثر من المديرين التنفيذيين للشركات أو المحامين أو علماء الاقتصاد مثلاً، فبإمكانهم أن يسألوا إذا كان الوضع ينطوي على مخاطر الانتفاع الذاتي. وذلك يوضح لماذا يكون ترك تصميم بطاقات الاقتراع للسياسيين فكرة رديئة، في حين أن ترك السياسيين يستخدمون خبراء للمساعدة في انتقاء خيارات افتراضية معقولة للمشاركين في مديكير ربما يكون فكرة جيدة (وبخاصة إذا كان على السياسيين الإفادة عن التبرّعات التي يتلقّونها من حملات التأمين).

لماذا التوقّف عند النزعة الأبوية التحرّرية؟
نأمل أن يتمكّن المحافظون، والمعتدلون، والليبراليون، ومن يعلنون أنهم من دعاة التحرّرية، وكثير غيرهم من تأييد الأبوية التحرّرية. لقد شدّدنا حتى الآن على انتقادات بعض المحافظين وأشدّ دعاة التحرّرية حماسة. ويمكن توقّع مجموعة مختلفة من الاعتراضات من الجانب المعاكس. ربما يشعر دعاة الأبوية المتحمّسون بالجرأة لوجود أدلّة على ضعف البشريين. ويشعرون بجرأة شديدة فيحثّون في كثير من المجالات على أن التنبيه والأبوية التحرّرية متواضعان جداً وحذران. وإذا أردنا حماية الناس، فلماذا لا نتقدّم أكثر؟ ألا تصبح حياة الناس أفضل في بعض الظروف إذا تخلّصنا من حرّية الاختيار؟
الحقيقة أنه لا توجد هناك نقاط توقّف ثابتة ومحدّدة. لقد حدّدنا أن الأبوية التحرّرية تشمل الأفعال والقواعد والتنبيهات الأخرى التي يمكن تجنّبها بسهولة باختيار عدم المشاركة. وليس لدينا تعريف واضح "لسهولة التجنّب"، لكننا نؤيّد أبوية "النقرة الواحدة" لنقترب أكثر ما يمكن من التكنولوجيا القائمة. (ويمكننا أن نأمل بتكنولوجيا "الفكرة الواحدة" أو "طَرفة العين الواحدة" في المستقبل القريب.) وهدفنا هو السماح للناس بسلوك طريقهم بأدنى تكلفة ممكنة. لا شك في أن بعض السياسات التي دعونا إليها تفرض تكاليف تزيد على نقرة واحدة. فلاختيار عدم الاشتراك في خطة إلحاق تلقائي، على الموظف ملء استمارة ما وإعادتها - وتلك ليست تكلفة مرتفعة لكنها أكثر من نقرة واحدة. إن من الاعتباط والسخف إلى حدٍّ ما عرض قاعدة غير مرنة لتحديد متى تكون التكاليف مرتفعة بالقدر الكافي بحيث لا تسقط أهليّتها باعتبارها تحرّرية، لكن السؤال الدقيق عن الدرجة غير مهمّ في الواقع. ودعونا نقول ببساطة أننا نريد أن تكون التكاليف صغيرة. السؤال الحقيقي هو متى نكون راغبين في فرض تكاليف غر زهيدة لصالح تحسين رفاه الناس.
ثمة نهج جيد للتفكير في هذه المشكلات اقترحته مجموعة من علماء الاقتصاد السلوكي والمحامين باسم "الأبوية غير المتناظرة".209 ومبدؤهم الإرشادي أن علينا تصميم سياسات تساعد الأشخاص الأقل حنكة في المجتمع بينما تفرض أقل تكاليف ممكنة على الأكثر حنكة. (الأبوية التحرّرية شكل من أشكال الأبوية غير المتناظرة تظل فيها التكاليف المفروضة على المحنّكين قريبة من الصفر.) ومن الأمثلة البسيطة على الأبوية غير المتناظرة المصابيح الشمسية. المصابيح الشمسية أجهزة استهلاكية تتيح للمستخدمين الحصول على سمرة من دون الذهاب إلى الشاطئ. يتمدّد المستخدم عادة تحت المصباح، ويغلق عينيه، ويظل ممدّداً بضع دقائق. والبقاء تحت المصباح أكثر من بضع دقائق خطير لأنه يمكن أن يتسبّب بحروق خطيرة. (إن استخدام المصباح بحدّ ذاته خطير ويمكن أن يسبّب سرطان الجلد، لكننا سنحذو حذو مستخدمي هذا الجهاز ونتجاهل المشكلة هنا.) ومن طبيعة المصباح الشمسي أن يكون دافئاً. لذا فإن مصمّم الخيارات الذي يتوقّع خطأ يدرك أن هناك خطراً جدّياً هنا: بعض المستخدمين الممدّدين تحت المصباح الدافئ وعيونهم مغمضة يمكن أن يناموا ويستيقظوا مصابين بحروق من الدرجة الثالثة.
لنفترض الآن أنه يمكن تجهيز المصباح الشمسي بتكلفة متواضعة بمفتاح توقيتي يمكن تشغيله لفترات وجيزة، وبعد ذلك يطفئ تلقائياً - وذلك تصميم شائع لمصابيح التدفئة الموجودة في بعض حمّامات الفنادق. هل يجب أن تفرض الحكومة بيع المصابيح الشمسية المجهّزة بهذا المفتاح؟ يعتقد دعاة الأبوية غير المتناظرة أن الإجابة تتوقّف على نوع من تحليل التكاليف والمنافع. فإذا كانت تكلفة المفتاح منخفضة بالقدر الكافي ومخاطر الحروق مرتفعة، فإن الإجابة تكون نعم.
وبؤيّد دعاة الأبوية غير المتناظرة أيضاً مجموعة من الأنظمة التي تتطلّب "فترات للتهدئة". ويرجع المنطق وراء ذلك إلى أن المستهلكين ربما يتخذون قرارات متسرّعة أو من دون تفكير. وتكمن مشكلات ضبط النفس خلف هذا القلق. وتقدّم فترة التهدئة الإلزامية للبيع المتجوّل، من النوع الذي فرضته لجنة التجارة الاتحادية في سنة 1972 إيضاحاً للفكرة.210 فبموجب قاعدة لجنة التجارة الاتحادية، يجب أن يكون أي بيع متجوّل مصحوباً ببيان خطي يبلغ المشتري بحقّه في إبطال الشراء في غضون ثلاثة أيام من الصفقة. وقد سنّ القانون بسبب الشكاوى من أساليب البيع ذات الضغوط المرتفعة والعقود المكتوبة بخطّ صغير. يمكن أيضاً استخدام اختبار التكاليف والمنافع للنظر في المنافع التي تعود على من تساعدهم والتكاليف التي يتكبّدها من لا تساعده، لتقرير متى يمكن فرض مثل هذه القوانين. وباستخدام مثل هذا الاختبار، ينظر المنظّمون في في مقدار حجم الإلزام على من يجب أن ينتظر بضعة أيام لتسلّم المنتج، وما مقدار تكرّر تغيير الرأي لدى المشترين. عندما تكون التكاليف منخفضة (هل يحتاج أحد لشراء موسوعة على الفور، حتى قبل إصدار ويكيبيديا على الإنترنت؟) ويكون تغيير الرأي متكرّراً، فإن مثل هذا التنظيم يكون معقولاً بالنسبة لنا.
في ما يتعلّق بالقرارات الجوهرية، التي تتخذ في الغالب فجأة، يمكن أن يكون من الأفضل اتباع استراتيجية مماثلة. وتفرض بعض الولايات فترة انتظار إلزامية قبل أن يطلّق الزوجان.211 ويبدو أن طلب التمهّل والتفكير من الناس قبل اتّخاذ قرار بذلك الحجم فكرة معقولة، ونجد صعوبة في التفكير لماذا يحتاج أحد إلى الطلاق على الفور. (صحيح أن الزوجين يكرهان أحدهما الآخر في بعض الأحيان، لكن هل من المقيت الاضطرار لانتظار فترة قصيرة قبل أن يتم الأمر؟) ويمكننا بسهولة تصوّر قيود مماثلة على قرار الزواج، وقد تحرّكت بعض الولايات في الاتجاه أيضاً.212 يدرك المنظّمون أن الناس ربما يتصرّفون بطريقة يندمون عليها لاحقاًأ لذا لا يمنعون الخيارات بل يضمون وجود فترة للتأمّل العاقل. وتجدر الإشارة في هذا الإطار إلى أن فترات التهدئة الإلزامية معقولة جداً، وتفرض عادة عندما يتحقّق شرطان: (أ) ألا يتكرّر اتخاذ الناس القرارات ذات الصلة وبالتالي يفتقرون إلى قدر كبر من الخبرة، (ب) أن تكون العواطف مرتفعة على الأرجح. وهذه هي الظروف التي يميل فيها الناس إلى اتخاذ القرارات التي يندمون عليها.
تتجاوز قوانين السلامة المهنية والصحّة الأبوية غير المتناظرة، وتفرض حظراً عاماً، ولا شكّ في أنها تضرّ ببعض الأشخاص.213 ولا تسمح مثل هذه القوانين للعمال الأفراد بمقايضة حقّهم (ما تعتبره الحكومة) في بيئة عمل آمنة مقابل أجر أعلى، حتى إذا كان من المحتمل أن يرغب الأشخاص المحنّكون والعارفون في القيام بذلك. وبرامج الضمان الاجتماعي لا تشجّع على الادّخار فحسب، بل تتطلّبه. كما لا يمكن التنازل عن القوانين التي تحظر التمييز بناء على العرق والجنس والدين. ولا يمكن أن يُطلب من موظف مقايضة الحقّ بالتحرّر من التحرّش الجنسي مقابل الحصول على أجر أعلى. إن مختلف أنواع الحظر المذكورة ليست تحرّرية بأي شكل من الأشكال، لكنها ربما يمكن الدفاع عن بعضها بالرجوع إلى أنواع أخطاء البشريين التي استعرضناها هنا. وربما تحبّ الأبوية غير التحرّرية الاستفادة من مثل هذه المبادرات للقيام بالمزيد، ربما في مجالات الرعاية الصحية وحماية المستهلكين.
إن لكثير من هذه الحجج جاذبية كبيرة، مع ذلك فإننا نقاوم المضيّ قدُماً على المسار الأبوي. ما أسس مقاوماتنا؟ فقد سلّمنا في النهاية أن التكاليف التي تفرضها الأبوية التحرّرية ربما لا تكون صفراً، لذا من المراوغة القول إننا نعترض دائماً وبقوّة على الأنظمة التي ترفع التكاليف من زهيدة إلى صغيرة. ونحن لا نعارض شخصياً كل الإلزامات. لكن من الصعب اتخاذ قرار يحدّد متى نتوقّف ومتى نسمّي التنبيه دفعاً خشناً. فعندما يتعلّق الأمر بالتعليمات الإلزامية ولا يكون عدم المشاركة متاحاً، فإن حجة المنحدر الزلِق تبدأ باكتساب بعض المزايا، وبخاصة إذا كان المنظّمون قساة. إننا نقرّ بأن الحظر العام مبرّر في بعض السياقات، لكنه يثير مخاوف بارزة، ونفضّل على العموم التدخّلات الأكثر تحرّراً والأقل تطفّلاً. ونحن أكثر ميلاً إلى فترات التهدئة. بل إن موقفنا دافئ تجاهها. ففي الظروف الملائمة، يمكن أن تكون المكاسب من مثل هذه القواعد كافية لتجعلها تستحقّ اتخاذ خطوات بضع خطوات حذرة نحو أسفل المنحدر الزلِق المحتمل.






18 الطريق الثالث الحقيقي

في هذا الكتاب قدّمنا ادّعائين اثنين. الأول أن ثمة مزايا صغيرة ظاهرياً يمكن أن يكون لها آثار هائلة في سلوك الناس. فالتنبيهات موجودة في كل مكان، حتى إذا كنا لا نراها. وتصميم الخيارات، الجيد والرديء، منتشر ولا يمكن اجتنابه، ويؤثّر تأثيراً كبيراً في قرارتنا. والادّعاء الثاني أن الأبوية التحرّرية ليست تناقضاً لفظياً. ففي وسع مصمّمي الخيارات المحافظة على حرّية الاختيار بينما ينبّهون الناس في اتجاهات تحسّن حياتهم.
لقد تطرّقنا إلى مجالات كثيرة، بما في ذلك الادّخار، والضمان الاجتماعي، وأسواق الائتمان، والسياسة البيئية، والرعاية الصحّية، والزواج، وكثير غيرها. لكن مدى التطبيقات المحتملة أوسع بكثير من الموضوعات التي تمكّنا من تناولها. ونأمل أن يؤدّي يدفع تصميم الخيارات وقوة التنبيهات الاخرين إلى التفكير في طريق خلّاقة لتحسين حياة البشر في ميادين أخرى. وتشمل كثير من هذه الميادين الأفعال الخاصة. وربما تتمكّن أماكن العمل، ومجالس إدارة الشركات، والجامعات، والمنظمات الدينية، والأندية، وحتى الأسر من استخدام الممارسات الصغير للأبوية التحرّرية والاستفادة منها.
أما بالنسبة للحكومة، فإننا نأمل أن يكون النهج العام بمثابة أرض وسطى في مجتمعنا المستقطَب بلا ضرورة. لقد تخلّل القرن العشرين كثير من الكلام الاصطناعي عن إمكانية وجود "طريق ثالث". ونأمل أن تعرض الأبوية التحرّرية طريقاً ثالثاً حقيقياً - طريقاً يمكن أن يخترق بعض النقاشات الأقل سلاسة في الديمقراطيات المعاصرة.
لقد أظهر الحزب الديمقراطي منذ الاتفاق الجديد لفرانكلين ديلانور روزفلت قدراً كبيراً من الحماسة للمتطلّبات الوطنية الصارمة ولنظام القيادة والسيطرة. فبعد تحديد مشكلات خطيرة في السوق الخاصة، غالباً ما أصرّ الديمقراطيون على الإلزامات الثابتة التي تلغي حرّية الاختيار عادة أو تخفّض منه على الأقل. وردّ الجمهوريون بأن مثل هذه الإلزامات لا تقوم على المعرفة في الغالب أو تعطي نتائج عكسية - وفي ضوء تنوّع الأميركيين، لا يمكن لحجم واحد أن يلائم. وقدّموا الحجج معظم الوقت لصالح حرّية العمل وضدّ تدخّل الحكومة. وكانت حرّية الاختيار مبدأهم المحدّد في ما يتعلّق بالاقتصاد على القل.
يبدو النقاش الناتج لمعظم الأشخاص العاديين مملّ على نحو متزايد ومجرّد وغير مفيد لمعظم الأناس العاديين - طرح شعارات عديمة الجدوى. ويدرك كثير من الديمقراطيين العقلانيين تماماً أن الإلزامات قد تكون غير فعّالة وذات نتائج معاكسة أيضاً، وان الحجم الواحد لا يلائم الجميع. فالمجتمع الأميركي متنوّع جداً، والأفراد شديدو الإبداع، والظروف تتغيّر بسرعة، والحكومة معرّضة جداً للخطأ. ويعرف كثير من الجمهوريين العقلانيين أنه لا يمكن اجتناب تدخّل الحكومة حتى في الأسواق الحرّة. فالأسواق الحرّة تعتمد على الحكومة، التي يجب أن تحمي الملكية الخاصة وتضمن تنفيذ العقود. ولا بدّ من استخدام الأسواق في مجالات تتراوح من حماية البيئة إلى التخطيط للتقاعد إلى مساعدة المحتاجين. بل إن بعض أفضل التنبيهات تستخدم الأسواق، ويشمل التصميم الجيد للخيارات إيلاء انتباه شديد للحوافز. لكن ثمة اختلاف كبير في العالم بين المعارضة غير العقلانية لكل "التدخّلات الحكومية" بحدّ ذاتها والادّعاء المعقول بأن الحكومات عندما تتدخّل، فإن عليها القيام بذلك بطريقة تعزّز حرّية الاختيار.
رغم كل الاختلافات بين الليبراليين والمحافظين، فإنهم بدؤوا يدركون هذه النقاط الجوهرية. ويستطيع المسؤولون الحكوميون، بقدر لا يقل عن المسؤولين في القطاع الخاص، تنبيه الناس في اتجاهات تجعل حياتهم أفضل بينما يؤكّدون أيضاً على أن الخيار النهائي للأفراد، لا للولاية. فالتعقيد المجرّد للحياة الحديثة، والسرعة المذهلة للتغيّر التكنولوجي والعالمي، تضعف الحجج المقدّمة لصالح الأوامر الإلزامية أو حرّية العمل العقدية. ويجب أن تقوّي التطوّرات الناشئة، على الفور، الالتزام المبدئي بحرّية الاختيار والحجّة لصالح التنبيه اللطيف.
















المراجع

Abadie, Alberto, and Sebastien Gay. “The Impact of Presumed Consent Legislation on Cadaveric Organ Donation: A Cross Country Study.” NBER Working Paper no. W10604, July 2004. http://ssrn.com/abstract_563048.
Abdulkadirog? lu, Atila, Parag A. Pathak, and Tayfun Sonmez. “The Boston Public School Match.” American Economic Review 95, no. 2 (2005): 368-71.
Ackerman, Bruce A., and William T. Hassler. Clean Coal/Dirty Air: Or How the Clean Air Act Became a Multibillion-Dollar Bail-Out for High-Sulfur Coal Producers and What Should Be Done About It. New Haven: Yale University Press, 1981.
Akerlof, George A., Janet L. Yellen, and Michael L. Katz. “An Analysis of Out-of- Wedlock Childbearing in the United States.” Quarterly Journal of Economics 111 (1996): 277-317.
Alkahami, Ali Siddig, and Paul Slovic. “A Psychological Study of the Inverse Relationship Between Perceived Risk and Perceived Benefit.” Risk Analysis 14 (1994): 1085-96.
Allais, Maurice. “Le comportement de l’homme rationnel devant le risque, critique des postulats et axioms de l’ecole Americaine.” Econometrica 21 (1953): 503-46.
Ameriks, John, and Stephen P. Zeldes. “How Do Household Portfolio Shares Vary with Age?” Working paper, Columbia University, 2001.
Asch, Solomon. “Opinions and Social Pressure.” In Readings About the Social Animal, ed. Elliott Aronson, 13. New York: W. H. Freeman, 1995.
Ayres, Ian, and Robert Gertner. “Filling Gaps in Incomplete Contracts: An Economic Theory of Default Rules.” Yale Law Journal 99 (1989): 87-130.
Ayres, Ian, and Barry Nalebuff. “Skin in the Game.” Forbes, November 13, 2006.
Babcock, Linda, and George Loewenstein. “Explaining Bargaining Impasse: The Role of Self-Serving Biases.” Journal of Economic Perspectives 11, no. 1 (1997): 109-26.
Badger, Gary J., Warren K. Bickel, Louis A. Giordano, Eric A. Jacobs, George Loe- wenstein, and Lisa Marsch. 2004. “Altered States: The Impact of Immediate Craving on the Valuation of Current and Future Opioids.” Journal of Health Economics 26 (2007): 865-76.
Baker, Lynn A., and Robert E. Emery. “When Every Relationship Is Above Average: Perceptions and Expectations of Divorce at the Time of Marriage.” Law and Human Behavior 17 (1993): 439-50.
Baker, Tom. The Medical Malpractice Myth. Chicago: University of Chicago Press, 2005.
Bargh, John. “The Automaticity of Everyday Life.” In Advances in Social Cognition, vol. 10, The Automaticity of Everyday Life, ed. Robert Wyer, Jr., 1-61. Mahwah, N.J.: Lawrence Erlbaum 1997.
Baron, Robert, Joseph A. Vandello, and Bethany Brunsman. “The Forgotten Variable in Conformity Research: Impact of Task Importance on Social Influence.” Journal of Personality and Social Psychology 71 (1996): 915-27.
Bateman, Ian J., and Kenneth G. Willis, eds. Valuing Human Preferences. Oxford: Oxford University Press, 1999.
Baumeister, Roy F., Ellen Bratslavsky, Catrin Finkenauer, and Kathleen Vohs. “Bad Is Stronger Than Good.” Review of General Psychology 5 (2001): 323-70.
Beattie, Jane, Jonathan Baron, John C. Hershey, and Mark D. Spranca. “Psychological Determinants of Decision Attitude.” Journal of Behavioral Decision Making 7
(1994): 129-44.
Becker, Gary S. “A Theory of Competition Among Pressure Groups for Political Influence.” Quarterly Journal of Economics 98 (1983): 371-400.
———. Accounting for Tastes. Cambridge: Harvard University Press, 1996.
Becker, Gary S., and Julio Jorge Elias. “Introducing Incentives in the Market for Live and Cadaveric Organ Donations.” Journal of Economic Perspectives 21, no. 3 2007): 3-24.
Beland, Daniel. Social Security: History and Politics from the New Deal to the Privatization Debate. Lawrence: University Press of Kansas, 2005.
Benartzi, Shlomo. “Excessive Extrapolation and the Allocation of 401(k) Accounts to Company Stock.” Journal of Finance 56 (2001): 1747-64.
Benartzi, Shlomo, and Richard H. Thaler. “Risk Aversion or Myopia? Choices in Repeated Gambles and Retirement Investments.” Management Science 45 (1999): 364-81.
———. “Naive Diversification Strategies in Defined Contribution Savings Plans.” American Economic Review 91, no. 1 (2001): 79-98.
———. “How Much Is Investor Autonomy Worth?” Journal of Finance 57 (2002): 1593-1616.
———. “Heuristics and Biases in Retirement Savings Behavior.” Journal of Economic Perspectives 21, no. 3 (2007): 81-104.
Benartzi, Shlomo, Richard H. Thaler, Stephen P. Utkus, and Cass R. Sunstein. “The Law and Economics of Company Stock in 401(k) Plans.” Journal of Law and Economics 50 (2007): 45-79.
Benjamin, Daniel, and Jesse Shapiro. “Thin-Slice Forecasts of Gubernatorial Elections.” Working paper, University of Chicago, 2007.
Bentham, Jeremy. An Introduction to the Principles of Morals and Legislation. Oxford: Blackwell, 1789.
Berger, Jonah, Marc Meredith, and S. Christian Wheeler. “Can Where People Vote Influence How They Vote? The Influence of Polling Location on Voting Behavior.” Stanford University Graduate School of Business Working Paper no. 1926, 2006. https://gsbapps.stanford.edu/researchpapers/library/RP1926.pdf.
Berns, Gregory S., Jonathan Chappelow, Caroline F. Zink, Giuseppe Pagnoni, Megan E. Martin-Skurski, and Jim Richards. “Neurobiological Correlates of Social Conformity and Independence During Mental Rotation.” Biological Psychiatry 58 (2005): 245-53.
Bettinger, Eric, Bridget Long, and Phil Oreopoulos. “Momentum, Savings, and College.” Research in progress (a).
———. “Simplifying the FAFSA: The Effects on College Enrollment.” Research in progress (b).
Bikhchandani, Sushil, David Hirshleifer, and Ivo Welch. “Learning from the Behavior of Others.” Journal of Economic Perspectives 12, no. 3 (1998): 151-70.
Boaz, David. Libertarianism: A Primer. New York: Free Press, 1997.
Bond, Rod, and Peter Smith. “Culture and Conformity: A Meta-Analysis of Studies Using Asch’s Line Judgment Task.” Psychological Bulletin 119 (1996): 111-37.
Boston Research Group. “Enron Has Little Effect on 401(k) Participants’ View of Company Stock.” 2002.
Breman, Anna. “Give More Tomorrow: A Field Experiment on Intertemporal Choice in Charitable Giving.” Working paper, Stockholm University, November 7, 2006. http://www.hhs.se/NR/rdonlyres/A6055D0E-49AE-4BBF-A9FC-ECC965E9 DF84/0/GMT_jobmarket.pdf.
Brickman, Philip, Dan Coates, and Ronnie J. Janoff-Bulman. “Lottery Winners and Accident Victims: Is Happiness Relative?” Journal of Personality and Social Psychology 36 (1978): 917-27.
Brodie, Mollyann, Erin Weltzien, Drew Altman, Robert J. Blendon, and John M. Benson. “Experiences of Hurricane Katrina Evacuees in Houston Shelters: Implications for Future Planning.” American Journal of Public Health 96 (2006): 1402-8.
Brown, Hazel N., Rebecca B. Saunders, and Margaret J. Dick. “Preventing Secondary Pregnancy in Adolescents: A Model Program.” Health Care for Women International 20 (1999): 5-15.
Brown, Lester R., Christopher Flavin, and Sandra Postrel. Saving the Planet: How to Shape an Environmentally Sustainable Global Economy. New York: Norton, 1991.
Buehler, Roger, Dale Griffin, and Michael Ross. “Inside the Planning Fallacy: The Causes and Consequences of Optimistic Time Predictions.” In Gilovich, Griffin, and Kahneman (2002), 250-70.
Burke, Edmund. Reflections on the Revolution in France. Ed. L. G. Mitchell. Oxford: Oxford University Press, 1993.
Burnum, John F. “Medical Practice a la Mode: How Medical Fashions Determine Medical Care.” New England Journal of Medicine 317 (1987): 1220-22.
Byrne, Michael D., and Susan Bovair. “A Working Memory Model of a Common Procedural Error.” Cognitive Science 21 (1997): 31-61.
Calabresi, Guido, and A. Douglas Melamed. “Property Rules, Liability Rules, and Inalienability: One View of the Cathedral.” Harvard Law Review 85 (1972): 1089-1128.
Calle, Eugenia E., Michael J. Thun, Jennifer M. Petrelli, Carmen Rodriguez,
and Clark W. Heath. “Body-Mass Index and Mortality in a Prospective Cohort of U.S. Adults.” New England Journal of Medicine 341 (1999): 1097-1105.
Camerer, Colin F. “Prospect Theory in the Wild: Evidence from the Field.” In Kahneman and Tversky (2000), 288-300.
———. Behavioral Game Theory: Experiments in Strategic Interaction. Princeton: Princeton University Press, 2003.
———. “Neuroeconomics: Using Neuroscience to Make Economic Predictions.” Economic Journal 117 (2007): C26-42.
Camerer, Colin F., and Robin M. Hogarth. “The Effects of Financial Incentives in Experiments: A Review and Capital-Labor-Production Framework.” Journal of Risk and Uncertainty 19 (1999): 7-42.
Camerer, Colin F., Samuel Issacharoff, George Loewenstein, Ted O’Donoghue, and Matthew Rabin. “Regulation for Conservatives: Behavioral Economics and the Case for ‘Asymmetric Paternalism.’” University of Pennsylvania Law Review 151 (2003): 1211-54.
Caplin, Andrew. “Fear as a Policy Instrument.” In Time and Decision: Economic and Psychological Perspectives on Intertemporal Choice, ed. George Loewenstein, Daniel Read, and Roy Baumeister, 441-58. New York: Russell Sage, 2003.
Carroll, Gabriel D., James J. Choi, David Laibson, Brigitte Madrian, and Andrew Metrick. “Optimal Defaults and Active Decisions.” NBER Working Paper no. 11074, 2005. http://www.nber.org/papers/w11074.pdf.
Chaiken, S., and Y. Trope. Dual Process Theories in Social Psychology. New York: Guilford, 1999.
Chambers, David L. “What If ? The Legal Consequences of Marriage and the Legal Needs of Lesbian and Gay Male Couples.” Michigan Law Review 95 (1996): 447-91.
Childress, James F., and Catharyn T. Liverman, eds. Organ Donation: Opportunities for Action.Washington, D.C.: National Academies Press, 2006.
Choi, James J., David Laibson, and Brigitte Madrian. “$100 Bills on the Sidewalk: Violation of No-Arbitrage in 401(k) Accounts.” Working paper, University of Pennsylvania, 2004.
Choi, James J., David Laibson, Brigitte Madrian, and Andrew Metrick. “Defined Contribution Pensions: Plan Rules, Participant Decisions, and the Path of Least Resistance.” In Tax Policy and the Economy, vol. 16, ed. James Poterba, 67-113. Cambridge: MIT Press, 2002.
———. “For Better or For Worse: Default Effects and 401(k) Savings Behavior.” In Perspectives in the Economics of Aging, ed. David Wise, 81-121. Chicago: University of Chicago Press, 2004.
———. “Saving for Retirement on the Path of Least Resistance.” In Behavioral Public Finance, ed. Edward McCaffery and Joel Slemrod. New York: Russell Sage, 2006.
Christakis, Nicholas A., and James H. Fowler. “The Spread of Obesity in a Large Social Network over 32 Years.” New England Journal of Medicine 357 (2007): 370-79.
Cialdini, Robert. Influence: The Psychology of Persuasion. New York: Quill, 1993.
———. Influence: Science and Practice. 4th ed. Needham Heights, Mass.: Allyn and Bacon, 2000.
———. “Crafting Normative Messages to Protect the Environment.” Current Directions in Psychological Science 12 (2003): 105-9.
Cialdini, Robert B., Raymond R. Reno, and Carl A. Kallgren. “A Focus Theory of Normative Conduct: Recycling the Concept of Norms to Reduce Littering in Public Places.” Journal of Personality and Social Psychology 58 (1990): 1015-26.
———. “Activating and Aligning Social Norms for Persuasive Impact.” Social Influence 1 (2006), 3-15.
Clark, Andrew E., Ed Diener, Yannis Georgellis, and Richard E. Lucas. “Lags and Leads in Life Satisfaction: A Test of the Baseline Hypothesis,” DELTA Working Paper 2003-14, 2003. http://www.delta.ens.fr/abstracts/wp200314.pdf.
Coleman, Stephen. “The Minnesota Income Tax Compliance Experiment State Tax Results.” Minnesota Department of Revenue, 1996.
http://www.state.mn.us/legal_policy/ research_reports/content/complnce.pdf.
Coleman, Thomas F. “The High Cost of Being Single in America; or, The Financial Consequences of Marital Status Discrimination.” Unmarried America Web site, n.d. http://www.unmarriedamerica.org/cost-discrimination.htm.
Colin, Michael, Ted O’Donoghue, and Timothy Vogelsang. “Projection Bias in Catalogue Orders.” Working paper, Cornell University Economics Department, 2004.
Cooper, Arnold C., Carolyn Y. Woo, and William C. Dunkelberg. “Entrepreneurs’ Perceived Chances for Success.” Journal of Business Venturing 3, no. 2 (1988): 97-108.
Cronqvist, Henrik. “Advertising and Portfolio Choice.” Working paper, Ohio State University, 2007.
Cronqvist, Henrik, and Richard H. Thaler. “Design Choices in Privatized Social-Security Systems: Learning from the Swedish Experience,” American Economic Review 94, no. 2 (2004): 425-28.
Cropper, Maureen L., Sema K. Aydede, and Paul R. Portney. “Rates of Time Preference for Saving Lives.” American Economic Review 82, no. 2 (1992): 469-72.
———. “Preferences for Life Saving Programs: How the Public Discounts Time and Age.” Journal of Risk and Uncertainty 8 (1994): 243-65.
Crutchfield, Richard S. “Conformity and Character.” American Psychologist 10 (1955): 191-98.
Cubanski, Juliette, and Patricia Neuman, “Status Report on Medicare Part D Enrollment in 2006: Analysis of Plan-Specific Market Share and Coverage.” Health Affairs 26 (2007): w1-12.
Cuomo, Andrew. Testimony to the U.S. House of Representatives Committee on Education and Labor, April 25, 2007.
http://edlabor.house.gov/testimony/042507 AndrewCuomotestimony.pdf.
Daughety, Andrew, and Jennifer Reinganum. “Stampede to Judgment.” American Law and Economics Review 1 (1999): 158-89.
De Bondt, Werner F. M., and Richard H. Thaler. “Do Security Analysts Overreact?” American Economic Review 80, no. 2 (1990): 52-57.
Department of Health and Human Services. “Medicare Drug Plans Strong and Growing.” Press release, Washington D.C., June 30, 2007.
De Rothschild, David. The Global Warming Survival Handbook. Emmaus, Pa.: Rodale, 2007.
Diamond, Peter A., and Jerry A. Hausman. “Contingent Valuation: Is Some Number Better Than No Number?” Journal of Economic Perspectives 8, no. 4 (1994): 45-64.
Drabek, Thomas E. “Social Processes in Disaster: Family Evacuation.” Social Problems 16 (1969): 336-49.
Draut, Tamara, and Javier Silva. “Borrowing to Make Ends Meet: The Rise of Credit Card Debt in the ’90s.” Demos Web site, 2003.
http://www.demos.org/pubs/borrowing_to_make_ends_meet.pdf.
Duflo, Esther, William Gale, Jeffrey Liebman, Peter Orszag, and Emmanuel Saez. “Saving Incentives for Low- and Middle-Income Families: Evidence from a Field Experiment with H&R Block,” NBER Working Paper no. 11680, 2005. http://www.nber.org/papers/w11680.pdf.
Duflo, Esther, and Emmanuel Saez. “The Role of Information and Social Interactions in Retirement Plan Decisions: Evidence from a Randomized Experiment.” Massachusetts Institute of Technology Department of Economics Working Paper no. 02-23, 2002.
http://papers.ssrn.com/sol3/papers.cfm?abstract_id_315659.
Dworkin, Gerald. The Theory and Practice of Autonomy. Cambridge: Cambridge University Press, 1988.
Dynes, Russell R. “The Importance of Social Capital in Disaster Response.” University of Delaware Disaster Research Center Preliminary Paper no. 327, 2002. http://www.udel.edu/DRC/Preliminary_Papers/PP327-
THE%20IMPORTANCE%20OFpdf %20.pdf.
Economist, The. Editorial. “The State Is Looking After You,” April 8, 2006.
Edgeworth, Francis Ysidro. Mathematical Psychics. London: C. K. Paul, 1881.
Ellerman, A. Denny, Paul L. Joskow, Richard Schmalensee, Juan-Pablo Montero, and Elizabeth M. Bailey. Markets for Clean Air. Cambridge: Cambridge University Press, 2000.
Ellickson, Robert C. Order Without Law: How Neighbors Settle Disputes. Cambridge: Harvard University Press, 1991.
Ellsberg, Daniel. “Risk, Ambiguity, and the Savage Axioms.” Quarterly Journal of Economics 75 (1961): 643-69.
Elster, Jon. Sour Grapes: Studies in the Subversion of Rationality. Cambridge: Cambridge University Press, 1983.
Epley, Nicholas, and Thomas Gilovich. “Just Going Along: Nonconscious Priming and Conformity to Social Pressure.” Journal of Experimental Social Psychology 35 (1999): 578-89.
Epstein, Richard A. “In Defense of the Contract at Will.” University of Chicago Law Review 51 (1984): 947-82.
———. “Contractual Principle Versus Legislative Fixes: Coming to Closure on the Unending Travails of Medical Malpractice.” DePaul Law Review 54 (2005): 503-26.
Fineman, Martha A. The Autonomy Myth: A Theory of Dependency. New York: New Press, 2004.
Frank, Richard G., and Joseph P. Newhouse. “Mending the Medicare Prescription Drug Benefit: Improving Consumer Choices and Restructuring Purchasing.” Brookings Institution Web site, April 2007.
http://www.brookings.edu/views/papers/200704frank_newhouse.htm.
Frank, Robert. Choosing the Right Pond. New York: Oxford University Press, 1985.
Frederick, Shane. “Measuring Intergenerational Time Preference: Are Future Lives Valued Less?” Journal of Risk and Uncertainty 26 (2003): 39-53.
———. “Cognitive Reflection and Decision Making.” Journal of Economic Perspectives 19, no. 4 (2005): 24-42.
Frederick, Shane, George Loewenstein, and Ted O’Donoghue. “Time Discounting and Time Preference: A Critical Review.” Journal of Economic Literature 40 (2002): 351-401.
French, Kenneth R., and James M. Poterba. “Investor Diversification and International Equity Markets.” American Economic Review 81, no. 2 (1991): 222-26.
Friedman, Milton, and Rose Friedman. Free to Choose: A Personal Statement. New York: Harcourt Brace Jovanovich, 1980.
Fung, Archon, and Dara O’Rourke. “Reinventing Environmental Regulation from the Grassroots Up: Explaining and Expanding the Success of the Toxic Release Inventory.” Environmental Management 25 (2000): 115-27.
Gallagher, Maggie. “Banned in Boston.” Weekly Standard, May 15, 2006.
Gerber, Alan S., and Todd Rogers. “The Effect of Descriptive Social Norms on Voter Turnout: The Importance of Accentuating the Positive.” Working paper, 2007. http://www.iq.harvard.edu/NewsEvents/Seminars-WShops/PPBW/rogers.pdf.
Gilbert, Daniel T. “Inferential Correction.” In Gilovich, Griffin, and Kahneman (2002), 167-84.
Gilbert, Daniel T., Erin Driver-Linn, and Timothy D. Wilson. “The Trouble with Vronsky: Impact Bias in the Forecasting of Future Affective States.” In The Wisdom in Feeling: Psychological Processes in Emotional Intelligence, ed. L. F. Barrett and P. Salovey, 114-43. New York: Guilford, 2002.
Gilbert, Daniel T., M. Gill, and Timothy D. Wilson. “How Do We Know What We Will Like? The Informational Basis of Affective Forecasting.” Manuscript, Harvard University, 1998.
Gilbert, Daniel T., Elizabeth C. Pinel, Timothy D. Wilson, Stephen J. Blumberg, and Thalia P. Wheatley. “Immune Neglect: A Source of Durability Bias in Affective Forecasting.” Journal of Personality and Social Psychology 75 (1998): 617-38.
Gilbert, Daniel T., and Timothy D. Wilson. “Miswanting: Some Problems in the Forecasting of Future Affective States.” In Feeling and Thinking: The Role of Affect in Social Cognition, ed. Joseph P. Forgas, 178-97. Cambridge: Cambridge University Press, 2000.
Gilovich, Thomas. How We Know What Isn’t So: The Fallibility of Human Reason in Everyday Life. New York: Free Press, 1991.
Gilovich, Thomas, Dale Gri.n, and Daniel Kahneman. Heurisitics and Biases: The Psychology of Intuitive Judgment. Cambridge: Cambridge University Press, 2002.
Gilovich, Thomas, Victoria H. Medvec, and Kenneth Savitsky. “The Spotlight Effect in Social Judgment: An Egocentric Bias in Estimates of the Salience of One’s Own Actions and ppearance.” Journal of Personality and Social Psychology 78 (2000): 211-22.
Gilovich, Thomas, Robert Vallone, and Amos Tversky. “The Hot Hand in Basketball: On the Misperception of Random Sequences.” Cognitive Psychology 17 (1985): 295-314.
Glaeser, Edward L. “Paternalism and Psychology.” University of Chicago Law Review 73 (2006): 133-56.
Glaeser, Edward L., Bruce Sacerdote, and Jose Scheinkman. “Crime and Social Interactions.” Quarterly Journal of Economics 111 (1996): 507-48.
Goldstein, Noah J., Robert B. Cialdini, and Vladas Griskevicius. “A Room with a Viewpoint: The Role of Situational Similarity in Motivating Conformity to Social Norms.” Manuscript in preparation, 2007.
Goodin, Robert E. “Permissible Paternalism: In Defense of the Nanny State.” Responsive Community 1 (1991): 42.
Goolsbee, Austan. “The Simple Return: Reducing America’s Tax Burden Through Return-Free Filing.” Brookings Institution Web site, July 2006. http://www.brookings.edu/papers/2006/07useconomics_goolsbee.aspx.
Gould, Stephen Jay. Bully for Brontosaurus: Reflections in Natural History. New York: Norton, 1991.
Government Accountability Office. “Toxic Chemicals.” Report to the Congress, 1991.
———. “Medicare Part D: Challenges in Enrolling New Dual-Eligible Beneficiaries.” June 2007. http://www.gao.gov/cgi-bin/getrpt?GAO-07-272.
Greenwald, Anthony G., Catherine G. Carnot, Rebecca Beach, and Barbara Young. “Increasing Voting Behavior by Asking People if They Expect to Vote.” Journal of Applied Psychology 2 (1987): 315-18.
Grether, David M. “Bayes Rule as a Descriptive Model: The Representativeness Heuristic.” Quarterly Journal of Economics 95 (1980): 537-57.
Gross, Daniel. “The Empty 401(k): If White House Press Secretary Tony Snow Won’t Save for Retirement, Why Should You?” Slate, September 4, 2007. http://www.slate.com/id/2173288/.
Gross, David B., and Nicholas S. Souleles. “Do Liquidity Constraints and Interest Rates Matter or Consumer Behavior? Evidence from Credit Card Data.” Quarterly Journal of Economics 117 (2002): 149-85.
Gruber, Jonathan. “Smoking’s ‘Internalities.’” Regulation 25, no. 4 (2002): 52-57.
Hamilton, James. Regulation Through Revelation. New York: Cambridge University Press, 2005.
Hastings, Justine S., Richard Van Weelden, and Jeffrey M. Weinstein. “Preferences, Information, and Parental Choice Behavior in Public School Choice.” NBER Working Paper no. 12995, 2007.
http://www.nber.org/papers/w12995.
Hastings, Justine S., and Jeffrey M. Weinstein. “No Child Left Behind: Estimating the Impact on Choices and Student Outcomes.” NBER Working Paper no. 13009, 2007. http://www.nber.org/papers/w13009.
Heath, Chip, and Dan Heath. Made to Stick: Why Some Ideas Survive and Others Die. New York: Random House, 2007.
Heinrich, Joseph, Wulf Albers, Robert Boyd, Gerd Gigerenzer, Kevin A. McCabe, Axel Ockenfels, and H. Peyton Young. “What Is the Role of Culture in Bounded Rationality?” In Bounded Rationality: The Adaptive Toolbox, ed. Gerd Gigerenzer and Reinhard Selten, 343-59. Cambridge: MIT Press, 2001.
Henry J. Kaiser Family Foundation. “Seniors and the Medicare Prescription Drug Benefit.” December 2006.
http://www.kff.org/kaiserpolls/pomr121906pkg.cfm.
———. “Low-Income Assistance Under the Medicare Drug Benefit.” July 2007. http://www.kff.org/medicare/7327.cfm.
Herzog, Don. Happy Slaves: A Critique of the Consent Theory. Chicago: University of Chicago Press, 1989.
Hirshleifer, David. “The Blind Leading the Blind: Social Influence, Fads, and Informational Cascades.” In The New Economics of Human Behavior, ed. Mariano Tommasi and Kathryn Ierulli, 188. Cambridge: Cambridge University Press, 1995.
Hirshleifer, David, and Tyler Shumway. “Good Day Sunshine: Stock Returns and the Weather.” March 2001.
http://papers.ssrn.com/sol3/papers.cfm?abstract_id_265674.
Hoadley, Jack. Testimony to Government Reform Committee Briefing on the Medicare Drug Benefit. U.S. House Committee on Oversight and Government Reform. January 20, 2006.
http://oversight.house.gov/documents/20060120130100-17757.pdf.
Hoadley, Jack, Laura Summer, Jennifer Thompson, Elizabeth Hargrave, and Katie Merrell. “The Role of Beneficiary-Centered Assignment for Part D.” Georgetown University and the National Opinion Research Center at the University of Chicago for the Medicare Payment Advisory Commission. June 2007. http://www.medpac.gov/documents/June07_Bene_centered_assignment_contractor.pdf.
Holland, Rob W., Merel Hendriks, and Henk Aarts. “Smells Like Clean Spirit.” Psychological Science 16 (2005): 689-93.
Howarth, Richard B., Brent M. Haddad, and Bruce Paton. “The Economics of Energy Efficiency: Insights from Voluntary Participation Programs.” Energy Policy 28 (2000): 477-86.
Howell, William. “School Choice in No Child Left Behind.” In Choice and Competition in American Education, ed. Paul E. Peterson, 255-64. Lanham, Md.: Rowman and Littlefield, 2006.
Hoxby, Caroline. “School Choice and School Productivity: Could School Choice Be a Tide That Lifts All Boats?” In The Economics of School Choice, ed. Caroline Hoxby, 287-341. Chicago: University of Chicago Press, 2003.
Hsee, Christopher K. “Attribute Evaluability and Its Implications for Joint-Separate Evaluation Reversals and Beyond.” In Kahneman and Tversky (2000), 543-63.
Huberman, Gur, and Wei Jiang. “Offering vs. Choice in 401(k) Plans: Equity Exposure and Number of Funds.” Journal of Finance 61 (2006): 763-801.
Hyman, David A., and Charles Silver. “Medical Malpractice Litigation, and Tort Reform: It’s the Incentives, Stupid.” Vanderbilt Law Review 59 (2006): 1085-1136.
Investment Company Institute. “401(k) Plans: A 25-Year Retrospective.” 2006. http://www.ici.org/pdf/per12-02.pdf.
Ivkovic, Zoran, and Scott Weisbrenner. “Local Does as Local Is: Information Content of the Geography of Individual Investors’ Common Stock Investments.” NBER Working Paper no. 9685, May 2003. http://www.nber.org/papers/w9685.pdf.
Iyengar, Sheena S., Gur Huberman, and Wei Jiang. “How Much Choice Is Too Much? Contributions to 401(k) Retirement Plans.” In Pension Design and Structure: Lessons from Behavioral Finance, ed. Olivia S. Mitchell and Stephen P. Utkus, 83-95. Oxford: Oxford University Press, 2004.
Jacobs, R. C., and D. T. Campbell. “Transmission of an Arbitrary Social Tradition.” Journal of Abnormal and Social Psychology 62 (1961): 649-58.
Jin, Ginger Zhe, and Phillip Leslie. “The Effect of Information on Product Quality: Evidence from Restaurant Hygiene Grade Cards. Quarterly Journal of Economics 118 (2003): 409-51.
Johnson, Branden B. “Accounting for the Social Context of Risk Communication.” Science and Technology Studies 5 (1987): 103-11.
Johnson, Eric J., and Daniel Goldstein. “Do Defaults Save Lives?” Science 302 (2003): 1338-39.
Johnson, Eric J., John Hershey, Jacqueline Meszaros, and Howard Kunreuther. “Framing, Probability Distortions, and Insurance Decisions.” In Kahneman and Tversky (2000), 224-40.
Jolls, Christine, Cass R. Sunstein, and Richard Thaler. “A Behavioral Approach to Law and Economics.” Stanford Law Review 50 (1998): 1471-1550.
Jones-Lee, Michael, and Graham Loomes. “Private Values and Public Policy.” In Conflict and Tradeoffs in Decision Making, ed. Elke U. Weber, Jonathan Baron, and Graham Loomes, 205-30. Cambridge: Cambridge University Press, 2001.
Kahneman, Daniel. “New Challenges to the Rationality Assumption.” Journal of Institutional and Theoretical Economics 150 (1994): 18-36.
Kahneman, Daniel, and Shane Frederick. “Representativeness Revisited: Attribute Substitution in Intuitive Judgement.” In Gilovich, Griffin, and Kahneman (2002), 49-81.
Kahneman, Daniel, Barbara L. Fredrickson, Charles A. Schreiber, and Donald A. Redelmeier. “When More Pain Is Preferred to Less: Adding a Better End.” Psychological Science 4 (1993): 401-5.
Kahneman, Daniel, Jack L. Knetsch, and Richard H. Thaler. “Experimental Tests of the Endowment Effect and the Coase Theorem.” Journal of Political Economy 98 (1990): 1325-48.
———. “Anomalies: The Endowment Effect, Loss Aversion, and Status Quo Bias.” Journal of Economic Perspectives 5, no. 1 (1991): 193-206.
Kahneman, Daniel, and Richard H. Thaler. “Anomalies: Utility Maximization and Experienced Utility.” Journal of Economic Perspectives 20, no. 1 (2006): 221-34.
Kahneman, Daniel, and Amos Tversky, eds. Choices, Values, and Frames. Cambridge: Cambridge University Press, 2000.
Kahneman, Daniel, Peter. P. Wakker, and Rakesh Sarin. “Back to Bentham? Explorations of Experienced Welfare.” Quarterly Journal of Economics 112 (1997): 375-405.
Karlan, Dean S., and Jonathan Zinman. “Expanding Credit Access: Using Randomized Supply Decisions to Estimate the Impacts.” 2007.
http://research.yale.edu/karlan/deankarlan/downloads/ExpandingCreditAccess.pdf.
Kay, Aaron C., S. Christian Wheeler, John A. Bargh, and Lee Ross. “Material Priming: The Influence of Mundane Physical Objects on Situational Construal and Competitive Behavioral Choice.” Organizational Behavior and Human Decision Processes 95 (2004): 83-96.
Kennedy, Robert. “Strategy Fads and Strategic Positioning: An Empirical Test for Herd Behavior in Prime-Time Television Programming.” Journal of Industrial Economics 50 (2002): 57-84.
Kessler, Daniel, and Mark McClellan. “Do Doctors Practice Defensive Medicine?” Quarterly Journal of Economics 111 (1996): 353-90.
Ketchum, Christopher. “Enron’s Human Toll.” Salon.com, January 23, 2002. http://archive.salon.com/tech/feature/2002/01/23/enron_toll/index1.html.
Klevmarken, N. Anders, “Swedish Pension Reforms in the 1990s.” April 2002. http://www.nek.uu.se/Pdf/wp2002_6.pdf.
Kling, Jeffrey, Sendhil Mullainathan, Eldar Shafir, Lee Vermeulen, and Marian Wrobel. “Choosing Well: The Case of Medicare Drug Plans.” Working paper, Harvard University, August 2007.
Koehler, Jay, and Caryn Conley. “The ‘Hot Hand’ Myth in Professional Basketball.” Journal of Sport and Exercise Psychology 25 (2003): 253-59.
Koppell, Jonathan G. S., and Jennifer A. Steen. “The Effects of Ballot Position on Election Outcomes.” Journal of Politics 66 (2004): 267-81.
Korobkin, Russell. “The Status Quo Bias and Contract Default Rules.” Cornell Law Review 83 (1998): 608-87.
Kraut, Robert E., and McConahay, John B. “How Being Interviewed Affects Voting: An Experiment.” Public Opinion Quarterly 37 (1973): 398-406.
Krech, David, Richard S. Crutchfield, and Egerton S. Ballachey. Individual in Society. New York: McGraw-Hill, 1962.
Krueger, Alan B. What Makes a Terrorist. Princeton: Princeton University Press, 2007.
Kruse, Douglas L., and Joseph Blasi. “Employee Ownership, Employee Attitudes, and Firm Performance.” NBER Working Paper no. 5277, September 1995. http://www.nber.org/papers/w5277.v5.pdf.
Kunreuther, Howard. “Mitigating Disaster Losses Through Insurance.” Journal of Risk and Uncertainty 12 (1996): 171-87.
Kuran, Timur. Private Truths, Public Lies: The Social Consequences of Preference Falsification. Cambridge: Harvard University Press, 1998.
Kuran, Timur, and Cass R. Sunstein. “Availability Cascades and Risk Regulation.” Stanford Law Review 51 (1999): 683-768.
Kurtz, Sheldon F. and Michael J. Saks. “The Transplant Paradox: Overwhelming Public Support for Organ Donation vs. Under-Supply of Organs: The Iowa Organ Procurement Study.” Journal of Corporation Law 21 (1996): 767-806.
Laibson, David. “Golden Eggs and Hyperbolic Discounting.” Quarterly Journal of Economics 112 (1997): 443-77.
Layton, Deborah. Seductive Poison: A Jonestown Survivor’s Story of Life and Death in the People’s Temple. New York: Anchor, 1999.
Leavitt, Michael. Remarks as Prepared to America’s Health Insurance Plans (AHIP). U.S. Department of Health and Human Services. March 22, 2007. http://www.hhs.gov/news/speech/sp20070322a.html.
Ledoux, Joseph. The Emotional Brain: The Mysterious Underpinnings of Emotional Life. New York: Simon and Schuster, 1998.
Leebron, David. “Final Moments: Damages for Pain and Suffering Prior to Death.” New York University Law Review 64 (1989): 256-360.
Levav, Jonathan, and Gavan J. Fitzsimons. “When Questions Change Behavior.” Psychological Science 17 (2006): 207-13.
Leventhal, Howard, Robert Singer, and Susan Jones. “Effects of Fear and Specificity of Recommendation upon Attitudes and Behavior.” Journal of Personality and Social Psychology 2 (1965): 20-29.
Lichtenstein, Sarah, and Paul Slovic. “Reversals of Preference Between Bids and Choices in Gambling Decisions.” Journal of Experimental Psychology 89 (1971): 46-55.
Lieberman, Matthew D., Ruth Gaunt, Daniel T. Gilbert, and Yaacov Trope. “Reflection and Reflexion: A Social Cognitive Neuroscience Approach to Attributional Interference.” In Advances in Experimental Social Psychology 34, ed. Mark Zanna, 199-249. New York: Elsevier, 2002.
Linkenbach, Jeffrey W. “The Montana Model: Development and Overview of a Seven-Step Process for Implementing Macro-Level Social Norms Campaigns,” in Perkins (2003), 182-208.
Linkenbach, Jeffrey W., and H. Wesley Perkins. “MOST of Us Are Tobacco Free: An Eight-Month Social Norms Campaign Reducing Youth Initiation of Smoking in Montana.” In Perkins (2003), 224-34.
Lipman, Larry. “Medicare Offers Web Tools for Choosing a Drug Plan,” Cox News Service. October 20, 2005. http://www.coxwashington.com/reporters/content/reporters/stories/ 2005/10/20/BC_MEDICARE18_COX.html.
Localio, A. Russell, Ann G. Lawthers, Troyen A. Brennan, Nan M. Laird, Liesi E. Hebert, Lynn M. Peterson, Joseph P. Newhouse, Paul C. Weiler, and Howard H. Hiatt. “Relation Between Malpractice Claims and Adverse Events Due to Negligence: Results of the Harvard Medical Practice Study III.” New England Journal of Medicine 325 (1991): 245-51.
Loewenstein, George. “Out of Control: Visceral Influences on Behavior.” Organizational Behavior and Human Decision Processes 65 (1996): 272-92.
———. “Costs and Benefits of Health- and Retirement-Related Choice.” In Social Security and Medicare: Individual Versus Collective Risk and Responsibility, ed. Sheila Burke, Eric Kingson, and Uwe Reinhardt. Washington, D.C.: Brookings Institution Press, 2000.
Loewenstein, George, and Lisa Marsch. “Altered States: The Impact of Immediate Craving on the Valuation of Current and Future Opioids.” Working paper, Carnegie-Mellon University, 2004.
Loewenstein, George, Ted O’Donoghue, and Matthew Rabin. “Projection Bias in Predicting Future Welfare.” Quarterly Journal of Economics 118 (2003): 1209-48.
Loewenstein, George, and David Schkade. “Wouldn’t It Be Nice: Predicting Future Feelings.” In Well-Being: The Foundations of Hedonic Psychology, ed. Daniel Kahneman, Ed Diener, and Norbert Schwarz, 85-108. New York: Russell Sage, 1999.
Loewenstein, George, Elke U. Weber, Christopher K. Hsee, and Ned Welch. “Risk as Feelings.” Psychological Bulletin 127 (2001): 267-86.
Madrian, Brigitte C., and Dennis F. Shea. “The Power of Suggestion: Inertia in 401(k) Participation and Savings Behavior.” Quarterly Journal of Economics 116 (2001): 1149-1225.
Mahar, Heather. “Why Are There So Few Prenuptial Agreements?” John M. Olin Center for Law, Economics, and Business, Harvard Law School, Discussion Paper no. 436. September 2003.
http://www.law.harvard.edu/programs/olin_center/papers/pdf/436.pdf.
Malmendier, Ulrike, and Stefano DellaVigna. “Paying Not to Go to the Gym.” American Economic Review 96, no. 3 (2006): 694-719.
McClure, Samuel M., David I. Laibson, George Loewenstein, and Jonathan D. Cohen. “Separate Neural Systems Value Immediate and Delayed Monetary Rewards.” Science 306 (2004): 503-7.
McFadden, Daniel. “Free Markets and Fettered Consumers.” American Economic Review 96, no. 1 (2006): 5-29.
———. “A Dog’s Breakfast.” Wall Street Journal, February 16, 2007. Opinion section, Eastern ed.
McKay, Kim, and Jenny Bonnin. True Green.Washington, D.C.: National Geographic, 2007.
Medicare Prescription Drug Plan. “Tips and Tools for People with Medicare and Those Who Care for Them.” U.S. Department of Health and Human Services. N.d. http://www.medicare.gov/medicarereform/drugbenefit.asp.
Medicare Rights Center. “Part D 2007: Addressing Access Problems for Low Income People with Medicare.” November 2006.
http://www.medicarerights.org/policybrief_autoreenrollment.pdf.
Mello, Michelle, and Troyen Brennan. “Deterrence of Medical Errors: Theory
and Evidence for Malpractice Reform.” Texas Law Review 80 (2002): 1595-1637.
Meulbroek, Lisa. “Company Stock in Pension Plans: How Costly Is It?” Harvard Business School Working Paper no. 02-058, 2002.
http://www.hbs.edu/research/facpubs/workingpapers/papers2/0102/02-058.pdf.
Meyer, Robert J. “Why We Under-Prepare for Hazards.” In On Risk and Disaster: Lessons from Hurricane Katrina, ed. Ronald J. Daniels, Donald F. Kettl, and Howard Kunreuther, 153-74. Philadelphia: University of Pennsylvania Press, 2006.
Milgram, Stanley. Obedience to Authority. New York: HarperCollins, 1974.
Mitchell, Olivia S., and Stephen P. Utkus. “The Role of Company Stock in Defined Contribution Plans,” In The Pension Challenge: Risk Transfers and Retirement Income Security, ed. Olivia Mitchell and Kent Smetters, 33-70. Oxford: Oxford University Press, 2004.
Mokdad, Ali H., Barbara A. Bowman, Earl S. Ford, Frank Vinicor, James S. Marks, and Jeffrey P. Koplan. “The Continuing Epidemics of Obesity and Diabetes in the United States.” Journal of the American Medical Association 286 (2001): 1195-1200.
Morrison, Edward R. “Comment: Judicial Review of Discount Rates Used in Regulatory Cost-Benefit Analysis.” University of Chicago Law Review 65 (1998): 1333-70.
Morton, Fiona S., Florian Zettelmeyer, and Jorge Silva-Risso. “Consumer Information and Discrimination: Does the Internet Affect the Pricing of New Cars to Women and Minorities?” Quantitative Marketing and Economics 1 (2003): 65-92.
Morwitz, Vicki G., and Eric Johnson. “Does Measuring Intent Change Behavior?” Journal of Consumer Research 20 (1993): 46-61.
Moser, Christine, and Christopher Barrett. “Labor, Liquidity, Learning, Conformity, and Smallholder Technology Adoption: The Case of SRI in Madagascar.” Manuscript, 2002.
http://papers.ssrn.com/sol3/papers.cfm?abstract_id_328662.
Nemore, Patricia B. “Medicare Part D: Issues for Dual-Eligibles on the Eve
of Implementation.” Center for Medicare Advocacy for the Henry J.
Kaiser Family Foundation. November 2005.
http://www.kff.org/medicare/7431.cfm.
Nisbett, Richard E., and David E. Kanouse. “Obesity, Hunger, and Supermarket Shopping Behavior.” Proceedings of the Seventh Annual Meeting of the American Psychological Association 3 (1968): 683-84.
Nock, Steven L., Laura Sanchez, Julia C. Wilson, and James D. Wright. “Covenant Marriage Turns Five Years Old.” Michigan Journal of Gender and Law 10 (2003): 169-88.
Nordhaus, William D. “The Stern Review on the Economics of Climate Change.” Journal of Economic Literature 45 (2007): 686-702.
Nordhaus, William D., and Joseph Boyer. Warming the World: Economic Models of Global Warming. Cambridge: MIT Press, 2000.
Norman, Donald. The Design of Everyday Things. Sydney: Currency, 1990.
Normann, Goran, and Daniel J. Mitchell. “Pension Reform in Sweden: Lessons for American Policymakers.” Heritage Foundation Backgrounder no. 1381, 2000. http://www.heritage.org/Research/SocialSecurity/bg1381.cfm.
O’Donoghue, Ted, and Matthew Rabin. “Doing It Now or Later.” American Economic Review 89, no. 1 (1999): 103-24.
———. “Studying Optimal Paternalism, Illustrated by a Model of Sin Taxes.” American Economic Review 93, no. 2 (2003): 186-91.
Okin, Susan Moller. Justice, Gender, and the Family. New York: Basic, 1989.
Payne, John W., James R. Bettman, and David A. Schkade. “Measuring Constructed Preferences: Towards a Building Code.” Journal of Risk and Uncertainty 19 (1999): 243-70.
Peacock, Walter G., Betty Hearn Morrow, and Hugh Gladwin, eds. Hurricane Andrew: Ethnicity, Gender, and the Sociology of Disasters. New York: Routledge, 1997.
Pear, Robert. “In Texas Town, Patients and Providers Find New Prescription Drug Plan Baffling.” New York Times, June 11, 2006, section 1, East Coast ed.
Perkins, H. Wesley, ed. The Social Norms Approach to Preventing School and College Age Substance Abuse. New York: Jossey-Bass, 2003.
Perry, Ronald W. Comprehensive Emergency Management: Evacuating Threatened Populations. Greenwich, Conn.: JAI Press, 1985.
Perry, Ronald W., and Michael K. Lindell. “The Effects of Ethnicity on Evacuation Decision-Making.” International Journal of Mass Emergencies and Disasters 9 (1991): 47-68.
Perry, Ronald W., Michael K. Lindell, and Marjorie R. Greene. Evacuation Planning in Emergency Management. Lexington, Mass.: Lexington, 1981.
Peterson, Paul E., William Howell, Patrick Wolf, and David E. Campbell. “School Vouchers: Results from Randomized Experiments.” In The Economics of School Choice, ed. Caroline Hoxby, 107-44. Chicago: University of Chicago Press, 2003.
Pittsburgh Post-Gazette. “D Is for Daunting: The Medicare Drug Program.” November 6, 2005, Health section, Five-star ed.
Polikoff, Nancy D. “We Will Get What We Ask For: Why Legalizing Gay and Lesbian Marriage Will Not ‘Dismantle the Legal Structure of Gender in Every Marriage.’” Virginia Law Review 79 (1993): 1535-50.
Prelec, Drazen, and Duncan Simester. “Always Leave Home Without It: A Further Investigation of the Credit-Card Effect on Willingness to Pay.” Marketing Letters 12 (2001): 5-12.
Prendergast, Canice. “The Provision of Incentives in Firms.” Journal of Economic Literature 37 (1999): 7-63.
Prestwood, Charles. Testimony Before the Senate Committee on Commerce, Science, and Transportation. December 18, 2001.
Rawls, John. A Theory of Justice. Oxford: Clarendon, 1971.
Read, Daniel, Gerrit Antonides, Laura Van Den Ouden, and Harry Trienekens. “Which Is Better: Simultaneous or Sequential Choice?” Organizational Behavior and Human Decision Processes 84 (2001): 54-70.
Read, Daniel, and George Loewenstein. “Diversification Bias: Explaining the Discrepancy in Variety Seeking Between Combined and Separated Choices.” Journal of Experimental Psychology: Applied 1 (1995): 34-49.
Read, Daniel, George Loewenstein, and Shobana Kalyanarama. “Mixing Virtue and Vice: Combining the Immediacy Effect and the Diversification Heuristic.” Journal of Behavioral Decision Making 12 (1999): 257-73.
Read, Daniel, and B. Van Leeuwen. “Predicting Hunger: The Effects of Appetite and Delay on Choice.” Organizational Behavior and Human Decision Processes 76 (1998): 189-205.
Redelmeier, Donald A., Joel Katz, and Daniel Kahneman. “Memories of Colonoscopy: A Randomized Trial.” Pain 104 (2003): 187-94.
Redelmeier, Donald A., Paul Rozin, and Daniel Kahneman. “Understanding Patients’ Decisions: Cognitive and Emotional Perspectives.” Journal of the American Medical Association 270 (1993): 72-76.
Revesz, Richard L. “Environmental Regulation, Cost-Benefit Analysis, and the Discounting of Human Lives.” Columbia Law Review 99 (1999): 941-1017.
Ross, Lee, and Richard Nisbett. The Person and the Situation. New York: McGraw-Hill, 1991.
Rottenstreich, Yuval, and Christopher Hsee. “Money, Kisses, and Electric Shocks: On the Affective Psychology of Risk.” Psychological Science 12 (2001): 185-90.
Rozin, Paul, and Edward B. Royzman. “Negativity Bias, Negativity Dominance, and Contagion.” Personality and Social Psychology Review 5 (2001): 296-320.
Sacerdote, Bruce. “Peer Effects with Random Assignment: Results for Dartmouth Roommates.” Quarterly Journal of Economics 116 (2001): 681-704.
Sageman, Marc. Understanding Terror Networks. Philadelphia: University of Pennsylvania Press, 2003.
Salganik, Matthew J., Peter Sheridan Dodds, and Duncan J. Watts. “Experimental Study of Inequality and Unpredictability in an Artificial Cultural Market.” Science 311 (2006): 854-56.
Samuelson, William, and Richard J. Zeckhauser. “Status Quo Bias in Decision Making.” Journal of Risk and Uncertainty 1 (1988): 7-59.
Schkade, David A., and Daniel Kahneman. “Does Living in California Make People Happy? A Focusing Illusion in Judgments of Life Satisfaction.” Psychological Science 9 (1998): 340-46.
Schkade, David, Cass R. Sunstein, and Daniel Kahneman. “Deliberating About Dollars: The Severity Shift.” Columbia Law Review 100 (2000): 1139-76.
Schneider, Carl E. The Practice of Autonomy: Patients, Doctors, and Medical Decisions. Oxford: Oxford University Press, 1998.
Schreiber, Charles A., and Daniel Kahneman. “Determinants of the Remembered fare of Aversive Sounds.” Journal of Experimental Psychology: General 129 (2000): 27-42.
Schultz, P. Wesley, Jessica M. Nolan, Robert B. Cialdini, Noah J. Goldstein, and Vladas Griskevicius. “The Constructive, Destructive, and Reconstructive Power of Social Norms.” Psychological Science 18 (2007): 429-34.
Schwarz, Norbert. Cognition and Communication: Judgmental Biases, Research Methods, and the Logic of Conversation. Mahwah, N.J.: Lawrence Erlbaum, 1996.
Scitovsky, Tibor. The Joyless Economy. Oxford: Oxford University Press, 1992.
Scott, Elizabeth. “Rational Decisionmaking About Marriage and Divorce.” Virginia Law Review 76 (1990): 9-94.
Sen, Amartya. Development as Freedom. New York: Knopf, 1999.
Shapiro, Ian. “Long Lines, Even Longer Odds, Looking for a Lucky Number? How About 1 in 76,275,360?” Washington Post, April 12, 2002.
Shepard, Roger. Mind Sights: Original Visual Illusions, Ambiguities, and Other Anomalies, with a Commentary on the Play of Mind in Perception and Art. New York: Freeman, 1990.
Sherif, Muzafer. “An Experimental Approach to the Study of Attitudes.” Sociometry 1 (1937): 90-98.
Sherman, Steven J. “On the Self-Erasing Nature of Errors of Prediction.” Journal of Personality and Social Psychology 39 (1980): 211-21.
Shiller, Robert J. Irrational Exuberance. Princeton: Princeton University Press, 2000.
Shu, Suzanne B. “Choosing for the Long Run: Making Trade-offs in Multiperiod Borrowing.” Working paper, UCLA, 2007.
Silverstein, Shel. Where the Sidewalk Ends. New York: HarperCollins, 1974.
Simon, Ruth, and James Haggerty. “Mortgage Mess Shines Light on Brokers’ Role.” Wall Street Journal, July 5, 2007, front section, Eastern ed.
Simonson, Itamar. “The Effect of Purchase Quantity and Timing on Variety-Seeking Behavior,” Journal of Marketing Research 28 (1990): 150-62.
Simonson, Itamar, and Russell S. Winer. “The Influence of Purchase Quantity and Display Format on Consumer Preference for Variety.” Journal of Consumer Research 19 (1992): 133-38.
Slovic, Paul, Melissa L. Finucane, Ellen Peters, and Donald G. MacGregor. “The Affect Heuristic.” In Gilovich, Griffin, and Kahneman (2002), 397-420.
Slovic, Paul, Howard Kunreuther, and Gilbert F. White. “Decision Processes, Rationality, and Adjustment to Natural Hazards.” 1974. Rpt. in The Perception of Risk, ed. Paul Slovic, 1-31. London: Earthscan, 2000.
Smith, Vernon, Kathleen Gifford, Sandy Kramer, and Linda Elam. “The Transition of Dual Eligibles to Medicare Part D Prescription Drug Coverage: State Actions During Implementation.” Henry J. Kaiser Family Foundation. February 2006. http://www.kff.org/medicaid/7467.cfm.
Smock, Pamela J., Wendy D. Manning, and Sanjiv Gupta. “The Effect of Marriage and Divorce on Women’s Economic Well-Being.” American Sociological Review 64 (1999): 794-812.
Stephenson, Denice, ed. Dear People: Remembering Jonestown. Berkeley, Calif.: Heyday, 2005.
Stewart, Richard B., and Jonathan B. Wiener. Reconstructing Climate Policy: Beyond Kyoto.Washington, D.C.: American Enterprise Institute Press, 2003.
Stone, Arthur A., Joan E. Broderick, Laura S. Porter, and Alan T. Kaell. “The Experience of Rheumatoid Arthritis Pain and Fatigue: Examining Momentary Reports and Correlates over One Week.” Arthritis Care and Research 10 (1997): 185-93.
Strack, Fritz, L. L. Martin, and Norbert Schwarz. “Priming and Communication: The Social Determinants of Information Use in Judgments of Life-Satisfaction.” European Journal of Social Psychology 18 (1988): 429-42.
Stroop, John R. “Studies of Interference in Serial Verbal Reactions.” Journal of Experimental Psychology 12 (1935): 643-62.
Sunstein, Cass R. “Endogenous Preferences, Environmental Law.” Journal of Legal Studies 22 (1993): 217-54.
———. “Selective Fatalism.” Journal of Legal Studies 27 (1998): 799-823.
———. “Human Behavior and the Law of Work.” Virginia Law Review 87 (2001): 205-76.
———. Risk and Reason: Safety, Law, and the Environment. Cambridge: Cambridge University Press, 2002.
———. “Switching the Default Rule.” New York University Law Review 77 (2002): 106-34.
———. Why Societies Need Dissent. Cambridge: Harvard University Press, 2003.
———. “Lives, Life-Years, and Willingness to Pay.” Columbia Law Review 104 (2004 [a]): 205-52.
———. The Second Bill of Rights. New York: Basic, 2004 (b).
———. “The Right to Marry.” Cardozo Law Review 26 (2005): 2081-2120.
———. Republic.com 2.0. Princeton: Princeton University Press, 2007.
Sunstein, Cass R., Daniel Kahneman, and David Schkade. “Assessing Punitive Damages (With Notes on Cognition and Valuation in Law).” Yale Law Journal 107 (1998): 2071-2153.
Sunstein, Cass R., Daniel Kahneman, David Schkade, and Ilana Ritov. “Predictably Incoherent Judgments.” Stanford Law Review 54 (2002): 1153-1216.
Sunstein, Cass R., David Schkade, Lisa Ellman, and Andres Sawicki. Are Judges Political? Washington, D.C.: Brookings Institution Press, 2006.
Sunstein, Cass R., and Richard H. Thaler. “Libertarian Paternalism Is Not an Oxymoron.” University of Chicago Law Review 70 (2003): 1159-1202.
Sunstein, Cass R., and Edna Ullman-Margalit. “Second-Order Decisions.” Ethics 110 (1999): 5-31.
Thaler, Richard H. Quasi-Rational Economics. New York: Russell Sage, 1991.
———. The Winner’s Curse: Paradoxes and Anomalies of Economic Life. New York: Free Press, 2002.
Thaler, Richard H., and Shlomo Benartzi. “Save More Tomorrow: Using Behavioral Economics to Increase Employee Saving.” Journal of Political Economy 112 (2004): S164-87.
Thaler, Richard H., and Eric J. Johnson. “Gambling with the House Money and Trying to Break Even: The Effects of Prior Outcomes on Risky Choice.” Management Science 36 (1990): 643-60.
Thaler, Richard H., and Hersh M. Shefrin. “An Economic Theory of Self-Control.” Journal of Political Economy 89 (1981): 392-406.
Thaler, Richard H., and Cass R. Sunstein. “Libertarian Paternalism.” American Economic Review 93, no. 2 (2003): 175-79.
Thompson, Dennis F. Political Ethics and Public Office. Cambridge: Harvard University Press, 1987.
Tierney, John. “Magic Marker Strategy.” New York Times, September 6, 2005, Section A, Late ed.
———. “Free and Easy Riders.” New York Times, June 17, 2006, Opinion section, Late ed.
Tierney, Kathleen J., Michael K. Lindell, and Ronald W. Perry. Facing the Unexpected: Disaster Preparedness and Response in the USA. Washington, D.C.: Joseph Henry, 2001.
Toderov, Alexander, Anesu N. Mandisodza, Amir Goren, and Crystal C. Hall. “Inferences of Competence from Faces Predict Election Outcomes.” Science 308 (2005): 1623-26.
Towers Perrin, Tillinghast. “2006 Update on U.S. Tort Cost Trends.” 2006. http://www.towersperrin.com/tp/getwebcachedoc?webc_TILL/USA/2006/200611/Tort_2006_FINAL.pdf.
Tversky, Amos. “Elimination by Aspects: A Theory of Choice.” Psychological Review 76 (1972): 31-48.
Tversky, Amos, and Daniel Kahneman. “Availability: A Heuristic for
Judging Frequency and Probability.” Cognitive Psychology 5 (1973):
207-32.
———. “Judgment Under Uncertainty: Heuristics and Biases.” Science 185 (1974): 1124-31.
———. “The Framing of Decisions and the Psychology of Choice.” Science 211 (1981): 453-58.
Van Boven, Leaf, David Dunning, and George Loewenstein. “Egocentric Empathy Gaps Between Owners and Buyers: Misperceptions of the Endowment Effect.” Journal of Personal and Social Psychology 79 (2000): 66-76.
Van Boven, Leaf, and George Loewenstein. “Social Projection of Transient Drive States.” Personality and Social Psychology Bulletin 29 (2003): 1159-68.
Van De Veer, Donald. Paternalistic Intervention: The Moral Bounds on Benevolence. Princeton: Princeton University Press, 1986.
Vaughan, William, and Delani Gunawardena. “Letter to CMS Acting Administrator Leslie Norwalk.” Consumers Union. Washington, D.C., December 18, 2006.
Vicente, Kim J. The Human Factor: Revolutionizing the Way People Live with Technology. New York: Routledge, 2006.
Viscusi, W. Kip. “Alarmist Decisions with Divergent Risk Information.” Economic Journal 107 (1997): 1657-70.
Vitality Program. “Overview.” Destiny Health. 2007. http://www.destinyhealth.com.
Waldfogel, Joel. “Does Consumer Irrationality Trump Consumer Sovereignty? Evidence from Gifts and Own Purchases.” April 2004. http://knowledge.wharton.upenn.edu/papers/1286.pdf.
Wansink, Brian. Mindless Eating: Why We Eat More Than We Think. New York: Bantam, 2006.
Watts, Duncan. “The Kerry Cascade: How a ’50s Psychology Experiment Can Explain the Democratic Primaries.” Slate, February 24, 2004. http://www.slate.com/id/2095993/.
Wechsler, Henry, Jae Eun Lee, Meichun Kuo, and Hang Lee. “College Binge Drinking in the 1990s: A Continuing Problem. Results of the Harvard School of Public Health 1999 Alcohol Study.” Journal of the American College of Health 48 (2000): 199-210.
West, Joyce C., et al. “Medication Access and Continuity: The Experiences of Dual-Eligible Psychiatric Patients During the First Four Months of the Medicare Prescription Drug Benefit.” American Journal of Psychiatry 164 (2007): 789-96.
Westen, Drew. The Political Brain: The Role of Emotion in Deciding the Fate of the Nation. New York: PublicAffairs, 2007.
White House, The. “President Bush Discusses Medicare Prescription Drug Benefit.” Press release, Washington, D.C., May 2006. http://www.whitehouse.gov/news/releases/2006/05/20060509-5.html.
Wilkins, Lauren. “Decisionmaking and the Limits of Disclosure: The Problem of Predatory Lending: Price.” Maryland Law Review 65 (2006): 707-840.
Wilson, Timothy D., and Daniel T. Gilbert. “Affective Forecasting.” Advances in Experimental Social Psychology 35 (2003): 345-411.
Winter, Joachim, Rowilma Balza, Frank Caro, Florian Heiss, Byung-hill Jun, Rosa Matzkin, and Daniel McFadden. “Medicare Prescription Drug Coverage: Consumer Information and references.” Proceedings of the National Academy of Sciences 103 (2006): 7929-34.
Woodward, Susan E. “A Study of Closing Costs for FHA Mortgages.” Working paper, Sand Hill Econometrics, 2007.
Zeliadt, Steven B., Scott D. Ramsey, David F. Penson, Ingrid J. Hall, Donatus U. Ekwueme, Leonard Stroud, and Judith W. Lee. “Why Do Men Choose One Treatment over Another?” Cancer 106 (2006): 1865-74.
Zelinsky, Edward A. “Deregulating Marriage: The Pro-Marriage Case for Abolishing Civil Marriage.” Cardozo Law Review 27 (2006): 1161-1220.
Zweig, Jason. “Five Investing Lessons from America’s Top Pension Fund.” Money, January 1998, 115-18.
Notes
[?1]
انظر http://www.coathanger.com.au/archive/dibblys/loo.htm. ويبحث Vicente (2006) المثال أيضاً.
[?2]
Friedman and Friedman (1980).
[?3]
للاطلاع على تعريف مماثل، انظر Van De Veer (1986).
[?4]
سيلاحظ القرّاء النبهاء أن الحوافز تأتي بأشكال مختلفة. وإذا اتخذت خطوات لرفع الجهد الإدراكي لدى الناس - مثل وضع الفاكهة على مستوى العينين والسكاكر في مكان أكثر إبهاماً - يمكن رفع "تكلفة" اختيار السكاكر. وبعض التنبيهات تفرض تكاليف إدراكية (لا مادية) إلى حدٍّ ما، وتغيّر الحوافز بهذا المعنى. ولا تعتبر التنبيهات كذلك، ولا تتأهّل بوصفها أبوية تحرّرية، إلا إذا كانت التكاليف منخفضة.
[?5]
نوصي كل من يريد التعمّق في البحث المناقش في هذا الفصل بمجموعتين:
: Kahneman and Tversky (2000) وGilovich, Griffin, and Kahneman (2002)
[?6]
من الخدع المستخدمة في رسم هاتين الطاولتين أن الخطوط الرأسية تبدو أطول من الخطوط الأفقية. ونتيجة لذلك، فإن قوس غيت واي في سانت لويس يبدو أطول من عرضه، على الرغم من أن الارتفاع مساوٍ للعرض في الواقع.
[?7]
للاطلاع على مسح جيد للبحوث بشأن نظريات العمليات الثنائية في علم النفس، انظر Chaiken and Trope (1999).
[?8]
Lieberman et al. (2002); Ledoux (1998).
[?9]
انظر Westen (2007).
[?10]
من الممكن توقّع نتيجة انتخابات الكونغرس بدقّة مخيفة بأن تطلب من الناس إلقاء نظرة سريعة على صور المرشّحين وقول من الأكثر كفاءة على ما يبدو. وتتوقّع هذه الأحكام، التي يطلقها طلاب لا يعرفون المرشّحين، الفائز في الانتخابات بسنبة الثلثين في كل مرة! (Toderov et al. [2005]; Benjamin and Shapiro [2007])
[?11]
من أسباب عدم كفاية التعديل في الغالب أن من السهل غالباً مقاطعة الجهاز التأمّلي - يتطلّب موارد معرفية كبيرة، وبالتالي عندما تكون الموارد شحيحة (تتلهّى أو تتعب على سبيل المثال) فإنه لا يستطيع تعديل نقطة الاستناد. انظر Gilbert (2002).
[?12]
Strack, Martin, and Schwarz (1988).
[?13]
Slovic, Kunreuther, and White (1974).
[?14]
للاطلاع على أكثر مما ترغب في أن تعرف عن هذا الموضوع، بما في ذلك التعليمات بشأن كيفية إجراء اختبارك الخاص، انظر الموقع الإلكتروني:Hot Hand Web site: http://thehot hand.blogspot.com/.
[?15]
انظر http://www.cdc.gov/nceh/clusters/.
[?16]
Lake Wobegon، وهي بلدة خيالية في ولاية منيسوتا الأميركية - المترجم
[?17]
Paul Price, “Are You as Good a Teacher as You Think?” 2006. متاح على الرابط
http://www2. nea.org/he/heta06/images/2006pg7.pdf.
[?18]
Mahar (2003)..
[?19]
Cooper, Woo, and Dunkelberg (1988).
[?20]
للاطلاع على مراجع للنتائج المركزية في هذه الفقرة، انظر Sunstein (1998).
[?21]
Kahneman, Knetsch, and Thaler (1991).
[?22]
خطة للادّخار للتقاعد يرعاها صاحب العمل. وتتيح للموظفين ادّخار قسم من راتبهم قبل اقتطاع الضريبة واستثماره. ولا تدفع الضرائب إلا عند سحب النقود من الحساب - المترجم.
[?23]
Tversky and Kahneman (1981).
[?24]
طوّر نموذج المخطّط/الفاعل في Thaler and Shefrin (1981). ولمراجعة البحوث الأخيرة في ضبط النفس والاختيار بين الزمني انظر Frederick, Loewenstein, and O’Donoghue (2002). وتشمل معالجات الاقتصاد السلوكي الحديثة Laibson(1997) and O’Donoghue and Rabin (1999).

[?25]
انظر Camerer (2007), McClure et al. (2004).
[?26]
انظر Wansink (2006) للاطلاع على خلاصة.
[?27]
انظر Gruber (2002).
[?28]
على الرغم من أن أندية الميلاد لم تعد مشهورة، فإن معظم الأميركيين لا يزالون يستخدمون أداة من دون فوائد يمكن تسميتها حساب الفصح. يستردّ ثلاثة أرباع الأميركيين بعض النقود عندما يقدّمون إقرارهم الضريبـي، حيث يزيد متوسّط المال المستردّ على ألفي دولار. وإذا وصفت هذه الأموال المستردّة بأنها قروض من دون فوائد للحكومة، فربما لن تحظى بشهرة كبيرة. ومع أن في وسع دافعي الضرائب تعديل معدّلات الاقتطاع لخفض مقدار الأموال المستردّة، ويمكنهم الحصول على فوائد على هذه الأموال خلال السنة، فإن كثيراً منهم يفضّلون استرداد الأموال بمثابة طريقة لإجبارهم على الادّخار. وعندما يصل المال المستردّ، فإنه يبدو كسباً غير منتظر.
[?29]
ربما تعتقد أن ذلك يحرم يونايتد واي من النقود، لكن الأمر ليس كذلك. فالأستاذ يحرص على أن يكون التبرّع كبيراً بالقدر الكافي لتغطية كل الحوادث المؤسفة.
[?30]
Thaler and Johnson (1990).
[?31]
لقد اعتمدنا في قسم من هذا الفصل على Sunstein (2003). وهناك كتابات كثيرة عن المعايير الاجتماعية وأثرها. وثمة عرضان عامان جيدان على وجه الخصوص هما Ross andNisbett (1991) and Cialdini (2000).
[?32]
انظر Layton (1999) and Stephenson (2005).
[?33]
في هذا المثال والأمثلة الأخرى، نمتنع عن ذكر "مع المحافظة على ثبات كل الأشياء الأخرى". لذا فإن ما نعنيه هنا أنه عند السيطرة على عوامل المخاطر الأخرى التي تتوقّع أن تحمل المراهقات، فإن من المرجّح أن تحمل الفتيات إذا رأين فتيات أخريات حوامل.
[?34]
انظر Akerlof, Yellen, and Katz (1996) (حمل المراهقات)؛ Christakis and Fowler (2007) (السمنة)؛ Sacerdote (2001) (تخصيص زميل في الغرفة في الجامعة)؛ Sunstein et al. (2006) (أنماط التصويت القضائي).
[?35]
انظر Berns et al. (2005). ترتبط الإجابات المتوافقة بالتغيّرات التي تطرأ على الخصائص الإدراكية للدماغ بدلاً من التغيّرات في القشرة أمام الفصّ الجبهي، التي ترتبط باتخاذ القرارات الواعي. وقد تبيّن أن الناس ربما يقولون فقط أنهم يرون الأمور كما يراها الآخرون. فإذا رأى معظم الآخرين الأمور بطريقة معيّنة، فربما نراها بتلك الطريقة في الواقع.
[?36]
Ross and Nisbett (1991), 29-30.
[?37]
Jacobs and Campbell (1961).
[?38]
Kuran (1998).
[?39]
انظر Crutchfield (1955).
[?40]
للاطلاع على رواية جيدة انظر http://www.dontmesswithtexas.org/history.php.
[?41]
Gilovich, Medvec, and Savitsky (2000).
[?42]
يمكن إيجاد مجمل على الرابط
http://www.historylink.org/essays/output.cfm?file_id_5136
[?43]
Wansink (2006).
[?44]
أخبرنا صديق يربّي الدجاج أن الدجاج يتصرف بطريقة مماثلة. فالدجاجة التي أكلت بالفعل ما يكفي لتشبع تبدأ في الأكل ثانية إذا أحضرت دجاجة جائعة إلى القفص المجاور.
[?45]
Coleman (1996).
[?46]
ويأتي في الفئة نفسها النتيجة بأن الناس سيقبلون على إعادة التدوير على الأرجح إذا عرفوا أن كثيراً من الناس يقومون بإعادة التدوير. وإذا أراد فندق من النزلاء إعادة استخدام مناشفهم، لأسباب بيئية واقتصادية، يجدر به التشديد على أن معظم النزلاء الآخرين يعيدون استخدام مناشفهم. ويحقّق الفندق نتيجة أفضل عندما يزوّد النزلاء بمعلومات عن المسؤولية التي كان يتحلّى بها النزلاء السابقون في غرفهم!
[?47]
انظر مثلاً Cialdini (1993).
[?48]
انظر Cialdini, Reno, and Kallgren (2006).
[?49]
انظر على العموم Perkins (2003), 7-8.
[?50]
Wechsler et al. (2000).
[?51]
انظر Perkins (2003), 8-9.
[?52]
انظر Linkenbach (2003).
[?53]
Linkenbach and Perkins (2003).
[?54]
انظر Schultz et al. (2007).
[?55]
انظر Sherman (1980).
[?56]
انظر Greenwald et al. (1987)..
[?57]
انظر Morwitz and Johnson (1993).
[?58]
انظر Levav and Fitzsimons (2006).
[?59]
انظر Kay et al. (2004).
[?60]
انظر Holland, Hendriks, and Aarts (2005).
[?61]
انظر Bargh (1997).
[?62]
يدعو كاميرر وزملاؤه Camerer et al. (2003) إلى "الأبوية غير المتناظرة"، التي يعرّفونها بأنها اتخاذ الخطوات لمساعدة الناس البسطاء ولا تلحق إلا أقلّ الأضرار بالآخرين. وقاعدتنا الذهبية تدخل في روح صيغتهم.
[?63]
توجد سخرية عميقة هنا. فقد استبعد كثير من علماء الاقتصاد تجارب علم النفس على أساس أن التجارب تختصّ "بالمخاطر المنخفضة" فقط وأن الناس يمنحون في الغالب فرصاً كافية للتعلّم. ورأى هؤلاء الاقتصاديون أنه إذا ارتفعت المخاطر، ومنح المشاركون محاولات للتمرّس، فإنهم سيحسنون الأداء. ثمة مشكلتان على الأقل في هذه المقولة. أولاً، الأدلّة قليلة على أن الأداء يتحسّن عندما ترتفع المخاطر. وفي المقاربة الأولى، لا يبدو أن المخاطر تهمّ كثيراً (انظر Camerer and Hogarth, 1999). ثانياً، ولا يقل ذلك في الأهمية، من المفترض أن يساعد علم الاقتصاد في تفسير القرارات الكبيرة في الحياة، وهذه هي القرارات التي تتخذ دون العديد من محاولات التمرّس. ربما ينخفض معدّل الطلاق لو تزوّج الناس العديد من "زيجات الممارسة" في العشرينيات والثلاثينيات من العمر قبل الاستقرار على زواج حقيقي (مع أننا غير واثقين بشأن ذلك التوقّع)، لكن اختيار شريك العمر في الحياة الواقعية أمر صعب وغالباً ما يفشل الناس. وعلى نحو ذلك، ربما يقل عدد حملة شهادة الدكتوراه الذين يقودون سيارات الأجرة لو كانت خيارات كلية الدراسات العليا تتم بعد محاولات للتمرّس، لكن من الصعب في سنّ الخامسة والثلاثين أن تطلب القيام بذلك من جديد.
[?64]
منح سلفرشتاين شخصياً ثالر إذن استخدام القصيدة في بحث أكاديمي نشر في سنة 1985 - قال إنه سرّ لظهور عمله في مجلة "أميركان إيكونوميك ريفيو" - لكن القصيدة الآن خاضعة لمديري تركته الذين بعد عدّة تنبيهات (أو مناشدات يائسة)، رفضوا منحنا إذناً بإعادة طباعة القصيدة هنا. وبما أننا كنا سنسرّ أن ندفع مقابل الحقوق خلافاً للمواقع الإلكترونية التي تجدها عبر غوغل، فإننا نخمّن أن مديري تركته لا يعرفون (إذا أعدنا صياغة القصيدة) أن الحصول على بعض خير من عدم الحصول على شيء.
[?65]
لنأخذ حلقة برنامج "سمبسونز" التي أدخل فيها قلم في أنف هومر لخفض حاصل ذكائه. (لا تسأل.) يوضح المؤلّفون انخفاض حاصل ذكاء هومر بجعله يتفوّه بمزيد من العبارات الحمقاء. ويعرف الجرّاح أن العملية اكتملت عندما يتساءل هومر في النهاية: كفالة ممدّدة! كيف يمكن أن أخسر"؟ (نشكرماثيو رابين على هذه الحكاية.)
[?66]
رسالة في 10 تموز/يوليو 2003 إلى مسؤولي المدارس في الولايات موقّعة من وليام هانس، نائب وزير التعليم، وديفيد تشو، وكيل وزارة الدفاع.
[?67]
Byrne and Bovair (1997).
[?68]
Vicente (2006), 152.
[?69]
انظر Zeliadt et al. (2006), 1869.
[?70]
ندرك بطبيعة الحال أن السلوك يتوقّف على الأسعار. إذا كان مزوّد هاتفي الخلوي الحالي يحتسب الكثير على إجراء المكالمات في كندا، واستجبت لذلك بعدم إجراء مثل هذه المكالمات، فلن أتمكّن من الحكم على القيمة الكاملة للخطة البديلة ذات السعر الرخيص للمكالمات في كندا. لكن يمكن أن تكون خطة "ركاب" مفيدة جداً حيث يوفّر الاستخدام السابق توقّعاً جيداً للاستخدام في المستقبل.
[?71]
يستعرض Sunstein (2007) هذه النقطة بمزيد من التفاصيل.
[?72]
يمكن أن تستفيد شركات مثل زيب كار متخصّصة في تأجير السيارات لأجل قصير بمساعدة الناس في حل مثل هذه المشاكل الذهنية المحاسبية.
[?73]
يعتمد هذا الفصل كثيراً على بحث مشترك مع شلومو بينارتزي وبخاصة Benartzi and Thaler (2007).
[?74]
Gross (2007).
[?75]
هناك منتجات برمجية جيدة من العديد من شركات صناديق الاستثمار المشتركة فضلاً عن شركات مستقلّة مثل فايننشل إنجنز ومورننغ ستار، لكن العديد من البشريين يجدون استخدام هذه البرامج صعباً ومملاً.
[?76]
Beland (2005), 40-41.
[?77]
Investment Company Institute (2006).
[?78]
نشكر لديفيد بليك ووزارة العمل ومعاشات التقاعد البريطانية لتزويدنا بهذه البيانات.
[?79]
Choi, Laibson, and Madrian (2004). ويجد Duflo et al. (2005) فرصة مماثلة للمراجحة غير المستغلّة في سياق معبّئي الإقرارات الضريبية الذين يستحقون الائتمان الضريبـي للمدّخرين.
[?80]
بالمناسبة، هل تقدّم الاشتراك الأقصى لخطة تقاعدك، أو تشارك على الأقل للحصول على اشتراك مقابل كامل من صاحب العمل؟ وهل يفعل أبناؤك الكبار ذلك؟ إذا لم تكن كذلك، كفّ عن القراءة وأشغل نفسك. فلديك أشياء أهم للقيام بها من قراءة هذا الكتاب.
[?81]
Madrian and Shea (2001); Choi et al. (2004), (2002).
[?82]
Choi et al. (2006).
[?83]
Carroll et al. (2005).
[?84]
Carroll et al. (2005).
[?85]
Iyengar, Huberman, and Jiang (2004).
[?86]
Benartzi and Thaler (1999).
[?87]
Benartzi and Thaler (2007).
[?88]
Choi et al. (2002).
[?89]
Duflo and Saez (2002).
[?90]
بحلول سنة 2007، عمد 50 عميلاً إضافياً لشركة فانغارد إلى تنفيذ البرنامج على أساس اختيار الخروج.
[?91]
ينص قانون حماية معاشات التقاعد على أنه إذا قدّم أصحاب العمل الخطة 401(k) التي يشارك فيها أصحاب العمل بمساهمات مقابلة لمساهمات الموظفين، فإن المساهمات تعطى لمدة سنتين، ويكون الإلحاق التلقائي بمعدّل 3 في المئة من الدخل على الأقل، وتكون الزيادات التلقائية بنسبة 1 في المئة على الأقل في السنة لمدة ثلاث سنوات أو أكثر، وبعد ذلك يفترض بصاحب العمل الوفاء بشيء يدعى قاعدة عدم التمييز. (وتحديداً، على صاحب العمل أن يقدّم مساهمات مساوية بنسبة 100 في المئة للواحد في المئة الأول من الأجر الذي يدّخره الموظف، ثم 50 في المئة على الأقل وصولاً إلى 6 في المئة من معدّل الادّخار، ليبلغ إجمالي المساهمة المقابلة 3.5 في المئة إذا ادّخر الموظف 6 في المئة.) تحدّ قواعد عدم التمييز نسبة المزايا التي يمكن أن تدفع لأعلى العاملين أجراً في الشركة. وبما أن خطط 401 (k) ذات سقوف محدّدة بالفعل لكل موظف، فإنه يفترض أن هذا الائتلاف لخصائص الخطة يجتذب ما يكفي من الموظفين المنخفضي الأجر للالتحاق بالخطة للنجاح في الاختبار. وعلى الرغم من أن الأشخاص العقلانيين يمكن أن يعترضوا على الأحكام المحدّدة لمشروع القانون (الذي يمثّل الشكل المعتاد للتسويات السياسية)، فإننا نعتقد أنه مثال ممتاز على التنبيه. وليس على أصحاب العمل تغيير خططهم، لكن إذا فعلوا ذلك، فإن عليهم أن يملؤوا استمارة مزعجة.
[?92]
انظر http://www.ssa.gov/OACT/quickcalc/when2retire.html.
[?93]
بعبارة أخرى، إنها تجيب عن السؤال التالي، هل يكون لدي مزيد من النقود في الإجمال إذا بدأت تلقّي مبالغ منخفضة الآن، أو هل أنتظر بضع سنوات حتى أتمكّن من سحب مبالغ أعلى؟ يوضح مثال بسيط أن هذا الحساب يستطيع حتى البشريين إجراؤه بأنفسهم. لنفترض أن في وسعك الحصول على 1000 دولار شهرياً في سن الثانية والشتين و1500 دولاراً شهرياً في سنة السادسة والستين. عند تحصيل 1000 دولار شهرياً لمدة أربع سنوات (ثمانية وأربعين شهراً) فإنك تجمع 48,000 دولار. كم عدد الشهور التي يجب أن تجمع فيها 500 دولار إضافية للتعويض عن ذلك؟ ستة وتسعون
[?94]
اكتشفنا أمراً غريباً آخر عن الموقع الإلكتروني لإدارة الضمان الاجتماعي، وهو أنه لا يعمل 24 ساعة في اليوم. وإليكم الساعات:
الاثنين حتى الجمعة طوال اليوم (باستثناء بين 2:00 و3:00 صباحاً)
السبت، 5:00 صباحاً - 11:00 مساء
الأحد، 5:00 صباحاً - 10:00 مساء
العطلات، 5:00 صباحاً - 11:00 مساء
لم نسمع قطّ عن موقع إلكتروني يعمل وفقاً لساعات دوام الحكومة (حتى المطوّلة)!
[?95]
يعتمد هذا الفصل كثيراً على بحث مشترك مع شلومو بينارتزي وبخاصة.
[?96]
انظر Benartzi and Thaler (2007).
[?97]
نقلاً عن Zweig (1998).
[?98]
انظر Benartzi and Thaler (2001).
[?99]
Read and Loewenstein (1995). انظر أيضاً Simonson (1990) الذي أطلق الفكرة.
[?100]
Benartzi and Thaler (2001).
[?101]
Benartzi and Thaler (2007).
[?102]
مصادرنا لهذه القصة هي Ketchum (2002) and Prestwood (2001).
[?103]
Mitchell and Utkus (2004).
[?104]
Benartzi, Thaler, Utkus, and Sunstein (2007).
[?105]
Benartzi (2001).
[?106]
لمزيد من التفاصيل عن هذا الموضوع، انظر Benartzi, Thaler, Utkus, and Sunstein (2007).
[?107]
يفيد Mitchell and Utkus (2004) أن لدى بائع االتجزئة سيرز خطة اتشارك الأرباح تستثمر إلى حدّ كبير في أسهم الشركة وشدّد على الكونغرس ليعفي الخطط ذات الاشتراكات المحدّدة من قاعدة التنويع بنسبة 10 في المئة التي تطبّق على الخطط ذات المزايا المحدّدة. وكانت سيرز شركة ناجحة جداً ذات يوم، وكان موظفوها يتقاعدون تاريخياً بأرصدة ضخمة من خطّة أسهم الشركة.
[?108]
نشكر لفيل مايمين على اقتراح ذلك.
[?109]
ثمة ملحوظة جانبية موجزة هنا: غالباً ما يرى الاقتصاديون أنه عندما ترتفع المخاطر، يصبح لدى الناس حافز للاستعانة بمشورة الخبراء. وهذه المقولة صحيحة، لكنها لا تستتبع أن يطلب هؤلاء المشورة المساعدة ويحصلوا عليها. وفي سوق الرهن العقاري، يعتقد كثير من الأشخاص مخطئين أن وسيط الرهن العقاري يقدّم هذه الخدمة، لكن الوسيط لا يكاد يكون مصدراً غير منحاز. ونحن لا نهدف بأي حال من الأحوال إلى إفراد وسطاء الرهن العقاري في هذا الإطار. فغالباً ما يُسلب الفقراء من قبل أشخاص يدّعون أنهم يقدّمون لهم النصح.
[?110]
Karlan and Zinman (2007).
[?111]
Simon and Haggerty (2007).
[?112]
Morton, Zettelmeyer, and Silva-Risso (2003).
[?113]
انظر Cuomo (2007).
[?114]
Bettinger, Long, and Oreopoulos (research in progress [a]).
[?115]
Bettinger, Long, and Oreopoulos (research in progress [a]).
[?116]
Draut and Silva (2003).
[?117]
وعلى نحو ذلك، يمكن أن تفيد حدود بطاقات الائتمان، الموجودة اسمياً للحدّ من الإنفاق، بمثابة مرتكزات مرتفعة تشجّع على الإنفاق في الواقع.
[?118]
يعتمد هذا الفصل كثيراً على Cronqvist and Thaler (2004). ونشكر هنريك كرونكفست لحساب بعض النتائج المحدّثة لنا.
[?119]
للاطلاع على نقاش للاختيار الفاعل المطلوب، انظر Carroll et al. (2005).
[?120]
منح الأفضلية للمعلومات الأحدث، والملاحظة الشخصية، والأكثر التصاقاً بالذاكرة - المترجم.
[?121]
تراجعت نسبة من اختاروا اختياراً فاعلاً باطراد، عن 17,6 في المئة في سنة 2001، وهي السنة الأولى بعد إطلاق الخطة.
[?122]
French and Poterba (1991).
[?123]
إذا كنت قلقاً بشأن مخاطر العملة، فمن السهل حل هذه المشكلة، بل إن الصندوق الافتراضي حلها بالتحوّط في أسواق العملات (وهو نوع من الضمان أساساً).
[?124]
الرسوم التي نتحدّث عنها هنا هي التي أعلن عنها. وفي وقت لاحق عرضت بعض الصناديق تخفيضات، لذا تراجعت الرسوم.
[?125]
طبق اسكندنافي يتكوّن من السلمون النيء المحفوظ بالملح والسكّر والشبث - المترجم.
[?126]
انظر Samuelson and Zeckhauser (1988); Ameriks and Zeldes (2001).
[?127]
انظر Kuran and Sunstein (1999).
[?128]
"القسم د للتهويل" كان عنواناً رئيسياً في القسم الخاص من جريدة "بيتسبرغ بوست غازيت" عن اختيار الخطط في سنة 2005. ونتقدّم بالشكر الجزيل لكاتي مريل وماريون روبل لمساعدتهما في توجيهنا عبر هذا الوضع المربك.
[?129]
White House (2006).
[?130]
يشيع شراء الخطط القائمة بنفسها من قبل أفراد لديهم تغطية تأمين صحّي منفصلة عبر الرعاية الصحية (مدِكير) التقليدية، أو خطة تقاعد، أو صاحب عمل خاص. والخطط المشتركة مخصصة لمن يلتحقون بمدِكير أدفانتج، وهي سلسلة خاصة من الخطط المدارة إدارة خاصة (مؤسسات المحافظة على الصحة [HMOs]، ومؤسسات المزوّد المفضّل [PPOs]، وخطط الخدمة الخاصة مقابل رسوم) تميل إلى تقديم منافع أكبر مما يقدّمه برنامج مدِكير التقليدي لكنها تحدّ من اختيار الأطباء.
[?131]
Medicare Prescription Drug Plan (n.d.).
[?132]
McFadden (2007).
[?133]
نقلاً عن Pear (2006).
[?134]
Cubanski and Neuman (2007).
[?135]
Henry J. Kaiser Family Foundation (2007).
[?136]
Winter et al. (2006).
[?137]
Henry J. Kaiser Family Foundation (2006).
[?138]
Nemore (2005).
[?139]
West et al. (2007).
[?140]
أفاد Kling et al. (2007) عن أرقام منخفضة مماثلة من المسح الذي أجروه على المستحقّين المزدوجين. ووجدوا أن 6-7 في المئة من المشتركين في مديك إيد الذين سئلوا اختاروا بفاعلية خطة تختلف في سنة 2007 عما كانت عليه في السنة الماضية.
[?141]
Hoadley et al. (2007).
[?142]
نقلاً عن Lipman (2005).
[?143]
أجرى فريق Kling et al. (2007) تدقيقاً على نطاق ضيّق لخدمة مدِكير 1-800-medicare. ووجدوا أن خطة الكلفة الأدنى قد حدّدت في ثمانية من اثني عشر اتصالاً أجروها.
[?144]
أبلغتنا كيتي بأن علينا ألا نستاء من ذلك. فقد استخدمت مهمّة اختيار خطة لأمها في محاضرة أمام مجموعة من الخبراء في المجال ووجدت نطاقاً مماثلاً من الإجابات المختلفة والإحباط المماثل.
[?145]
Vaughan and Gunawardena (2006).
[?146]
يتعيّن عليك، تبعاً للولاية التي تقيم فيها، أن تكون مستعداً للتعامل مع رعاة الخطط المختلفين: شركات التأمين الوطنية والإقليمية، ومديرو وصفات الأدوية، مع مشاركين في الرعاية يشملون سلاسل الصيدليات، وبائعو التجزئة، والجمعية الأميركية للمتقاعدين. وتتراوح الأقساط الشهرية من أقل من 20 دولاراً إلى أكثر من 100 دولار. وتحدّد الاقتطاعات بين صفر و265 دولاراً (اعتباراً من سنة 2007). وتشمل بعض الخطط الأساسية 75 في المئة من فواتير الأدوية، في حين أن لمعظم الخطط تغطية على مستويات. وإذا استخدمت أي نوع من التأمين المشترك، أو إذا اشتريت أدوية تكفي ثلاثة أشهر، كما يفعل بعض المسنّون، تختلف ترتيبات المشاركة في التكلفة. وتتراوح الدفعات المشتركة للأدوية غير المحدّدة العلامة التجارية من صفر إلى 10 دولارات للوصفة، وتتراوح الدفعات المشتركة للأدوية ذات العلامات التجارية من 15 إلى أكثر من 60 دولاراً. وعليك أن تتتبّع كل هذه الأرقام لأن تغيّر الأسعار الشهري يمكن أن يؤثّر في الفاتورة الإجمالية. وتغطي الخطط بين 73 و96 في المئة من مئتي دواء من الأدوية التي يشيع استخدامها، لذا عليك أن تقوم بواجبك في البيت في الجمع بين قوائم الأدوية التي تغطيها الخطة. وتتفاوت معدّلات تغطية الأدوية الأقل شيوعاً. ولا تستطيع الشركة على العموم رفع أدوية من قائمة أدويتها في منتصف السنة، لكن في وسعها التحوّل إلى أدوية غير محدّدة العلامة التجارية إذا أصبحت متاحة، ويمكن أن تسقطها بأكملها في نهاية السنة. وتكون كل شبكة صيدليات مختلفة عن الأخرى. وهناك قواعد مختلفة لملء وصفة أدوية طارئة واستخدام شبكة صيدليات بديلة. ويكشف عن قيود التغطية التي تنطبق على الترخيص ما قبل منح الدواء، والمعالجة المتدرّجة، والحدود الكمّية في حواشٍ تتطلّب عينين حادتي البصر. وأخيراً، على كل مستهلك أن يتوقّع إذا كان سينفق ما بين 2510 و5726 دولاراً - ما يسمّى ثقب الدونت، وهو فجوة لا تقدّم الحكومة إعانة لتغطية تكاليفه - ومعرفة إذا خطته من بين قلة تقدّم بعض التغطية في هذه الفجوة. وبالإضافة إلى أن ثقب الدونت لا يقوم على أي منطق من منظور تأميني (من الأفضل بكثير منح الجميع خصماً متفاوتاً مع الدخل - وربما صفر للفقراء)، فإن وجوده يجعل عملية اتخاذ القرار أكثر صعوبة.
[?147]
McFadden (2006).
[?148]
تستخدم ست ولايات أخرى التخصيص الذكي لمجموعة فرعية صغيرة من الأشخاص الفقراء لكنهم غير مؤهّلين لمديك إيد.
[?149]
Government Accountability Office (2007).
[?150]
Medicare Rights Center (2006).
[?151]
Kling et al. (2007).
[?152]
لدى الاقتصاديين حلّ بسيط لهذه المشكلة، وهو السماح بسوق للأعضاء. ومع أن للفكرة حسناتها الواضحة، فإنها كريهة جداً لأسباب غير مفهومة جيداً. لن نتناول هذه المسألة هنا، وللاطلاع على خلاصة جيدة للحجّة المؤيّدة لإدخال الأسواق، انظر بكر وإلياس (Becker and Elias, 2007). وعلى الرغم من تعذّر تطبيق الأسواق الصريحة الآن لأسباب سياسية، فإن نوعاً من المقايضة يبدو مقبولاً. لنفترض أن كلا منا بحاجة إلى كلية، ولكل منا أخ أو أخت مستعدّ للتبرّع لكن ليس لديه فئة الدم نفسها (وذلك ضروري). إذا كانت أخت سنشتاين مطابقة لثالر وأخو ثالر مطابقاً لسنشتاين، عندئذٍ يمكن إجراء مقايضة. وتبذل جهود كبيرة الآن في محاولة لتنظيم مثل هذه التطابقات، باستخدام تقنيات مماثلة لتلك التي نناقشها أدناه وتشمل اختيار المدرسة. وثمة سؤال للتفكير فيه: لماذا من المقبول اجتماعيا لستنشتاين وثالر ترتيب هذه المقايضة وغير مقبول أن يعرض سنشتاين شراء سيارة جديدة لأخي ثالر مقابل كليته؟
[?153]
نوصي بالتقرير الممتاز الذي كلّف بتقديمه Institute of Medicine, Childress and Liverman (2006)، للاطلاع على معالجة شاملة لهذا الموضوع.
[?154]
Kurtz and Saks (1996), 802.
[?155]
Childress and Liverman (2006), 241.
[?156]
Childress and Liverman (2006), 253.
[?157]
Childress and Liverman (2006), 217.
[?158]
كانت شبكة التواصل الاجتماعي الأولى في العالم في سنة 2006، وتجاوزتها شبكة فيسبوك في سنة 2008. وشهدت مكانتها تراجعاً شديداً بعد ذلك - المترجم نقلاً عن ويكيبيديا.
[?159]
أجهزة للسيطرة على الانبعاثات تحوّل الغازات السامّة والملوّثات المنبعثة من عوادم السيارات إلى ملوّثات أقل سمّية بتحفيز تفاعل أكسدة أو اختزال - المترجم.
[?160]
ثمة نهج بديل يشمل تقديم إعانات حكومية للذين يشتركون في خفض المخاطر. ويجب أن يكون تحليل الإعانات مماثلاً من وجوه عديدة لتحليل العقوبات.
[?161]
انظر Nordhaus and Boyer (2000).
[?162]
انظر على العموم Ellerman et al. (2000).
[?163]
انظر Stewart and Wiener (2003). لا نقصد اتخاذ موقف بشأن الاختيار بين ضريبة غازات الدفيئة وبرنامج السقف والمتاجرة. يتخذ ستيوارت ووينر موقفاً لصالح الأخيرة، لكن أشخاصاً عقلانيين يخالفونهما الرأي.
[?164]
مدوّنة قوانين الولايات المتحدة 42 U.S.C. §§9601 et seq.
[?165]
انظر Hamilton (2005).
[?166]
يوثّق بحث أجراه جنجر زهي جن (Ginger Zhe Jin) وفيليب لزلي (Phillip Leslie) في سنة 2003 نتيجة مماثلة خاصة بالمطاعم. ففي سنة 1998، أدخلت مقاطعة لوس أنجلس بطاقات درجة جودة حفظ الصحة التي يجب أن تعرض على واجهات المطاعم. ووجد الباحثان أن بطاقات درجات الجودة أدّت إلى تحسّن نتائج التفتيش الصحي للمطاعم، وزيادة حساسية المستهلكين لحفظ الصحة في المطاعم، وانخفاض الاستشفاء من الأمراض الناجمة عن الغذاء.
[?167]
انظر Fung and O’Rourke (2000).
[?168]
أنظر Hamilton (2005).
[?169]
انظر Howarth, Haddad, and Paton (2000).
[?170]
Sunstein (2004[b]).
[?171]
Hoxby (2003); Peterson et al. (2003).
[?172]
Howell (2006).
[?173]
Hastings, VanWeelden, and Weinstein (2007).
[?174]
Hastings and Weinstein (2007).
[?175]
Abdulkadiroglu, Pathak, and Sonmez (2005).
[?176]
نتحدّث في المحاكمات عن الإهمال، وهي الغالبية العظمى لحالات سوء التصرّف. ويثير التخلّي عن الحقّ بمقاضاة الخطأ المقصود - مثل الهجوم أو الضرب - اعتبارات خاصة لا نناقشها هنا.
[?177]
Hyman and Silver (2006), 1089.
[?178]
يعرض Baker (2005) العدد الأدنى، وTowers Perrin (2006), 18 الأعلى.
[?179]
Kessler and McClellan (1996), 383.
[?180]
Localio et al. (1991), 245-46.
[?181]
Mello and Brennan (2002), 1619-20.
[?182]
Epstein (2005), 512-14.
[?183]
Leebron (1989).
[?184]
Sunstein, Kahneman, and Schkade (1998).
[?185]
اعتمدنا في أجزاء من هذا الفصل على Sunstein (2005). وثمة نقاش مفيد تعلّمنا منه الكثير في Fineman (2004).
[?186]
لا نطرح مسألة هل يمكن أن تشمل الاقترانات المدنية أكثر من شخصين.
[?187]
انظر Coleman (n.d.).
[?188]
اعتمدنا هنا على Chambers (1996).
[?189]
مدوّنة قوانين الولايات المتحدة 29 U.S.C. 2601-54.
[?190]
انظر Polikoff (1993).
[?191]
انظر Nock (2003).
[?192]
Fineman (2004), 123: "يجب أن ننقل الإعانات والامتيازات الاجتماعية والاقتصادية التي يحصل عليها الزواج الآن إلى رابطة أسرية اساسية - بين المعيل والمعال.
[?193]
انظر Fineman (2004) للاطلاع على معالجة متأنية ومفصّلة.
[?194]
Mahar (2003).
[?195]
Smock, Manning, and Gupta (1999).
[?196]
انظر Babcock and Lowenstein (1997).
[?197]
انظر Baker and Emery (1993).
[?198]
انظر http://www.poverty-action.org/ourwork/projects_view.php?recordID_ 33 لاطلاع على خطة مماثلة.
[?199]
ما زالت البحوث مستمرّة، لكن انظر http://www.povertyactionlab.com/projects/ project.php?pid_65.
[?200]
اقترح أحد قرّاء عمود تيرني في رسالة إلى المحرّر وجوب أن يعرض الراكب الذي لديه هذه الرخصة الخاصّة ملصقاً يثبت أنه وقّع على أن يكون واهباً للأعضاء.
[?201]
Brown, Saunders, and Dick (1999).
[?202]
في أثناء انتظار ابتكار هذا البرنامج، اعتمدنا أداة لضبط النفس من عندنا بمثابة بديل. عندما يغضب أحدنا بالفعل، يصيغ الرسالة الإلكترونية ويرسلها للآخر لتحريرها. ولن ينجح ذلك بطبيعة الحال إذا كان أحدنا غاضباً من الآخر، لذا نأمل في أن يبتكر البرنامج بسرعة.
[?203]
ثمة تحدّ شديد نستمدّ منه هنا هو Glaeser (2006).
[?204]
من الردود المحتملة اللجوء إلى إدموند بورك، أحد البريطانيين العظماء المتمسّكين بالتقاليد، لا سيما حجج بورك لصالح الحكمة المرجّحة للممارسات الاجتماعية القائمة منذ زمن طويل، انظر Burke (1993). اعتقد بورك أن مثل هذه الممارسات لا تعكس أفعال الحكومة وإنما أحكام كثير من الأشخاص في كثير من الفترات، وأن القانون غالباً ما يجسّد تلك الأحكام. ويلجأ العديد من المتمسّكين بالتقاليد إلى حجج بورك في مواجهة الهندسة الاجتماعية من أي نوع.
إننا نقرّ بأن التقاليد القائمة منذ مدة طويلة قد تكون معقولة جداً، لكننا لا نعتقد أن للمتمسّكين بالتقاليد حجّة وجيهة ضدّ الأبوية التحرّرية. وغالباً ما تدوم الممارسات الاجتماعية والقوانين التي تعكسها لا لأنها حكيمة وإنما لأن البشريين، الذين يعانون من مشكلات ضبط النفس في الغالب، يتبعون البشريين الآخرين. وغالباً ما يدفع الخمول، والتسويف، والتقليد سلوكنا. وعندما تواجه تقاليدنا الواقع، تبدو الحجج التي تساق لصالحها أكثر قوة أو ضعفاً تبعاً لسياقها. ونحن لا نقصد هنا التشكيك في الرأي بأن القوانين التي تجسّد أحكام كثير من الأشخاص تستحقّ الدعم في الغالب لهذا السبب.
[?205]
Economist (2006).
[?206]
طرح بعض علماء الاقتصاد هذه النقطة في الواقع. انظر Becker (1983).
[?207]
انظر Koppell and Steen (2004). يقلّ التأثير عندما يكون المرشّحون معروفين، كما في الانتخابات الرئاسية، لكن عندما لا تكون أسماء المرشّحين معروفة جيداً أو لا يحصلون على تغطية إعلامية جيدة (كما في العديد من الانتخابات المحلية إن لم يكن أكثرها)، يمكن أن يكون التأثير كبيراً.
[?208]
نشكر لجسي شابيرو لطرح هذا السؤال المفهومي.
[?209]
Camerer et al. (2003).
[?210]
مدوّنة الأنظمة الاتحادية 16 CFR 429.1 (أ) (2003).
[?211]
انظر على سبيل المثال، قانون الأسرة في كاليفورينا 2339 (أ) (يتطلّب انتظار مدة ستة أشهر قبل أن يصبح مرسوم الطلاق نهائياً)، والقوانين العامة لكونتيكت 46 ب - 67 (أ) (يتطلّب انتظار مدة تسعين يوماً قبل أن تنظر المحكمة في شكوى الطلاق).
[?212]
انظر Camerer et al. (2003)، يورد قوانين ولايات "تفرض على المتزوّجين الجدد المحتملين الانتظار مدة قصيرة من الوقت بعد إصدار الترخيص قبل أن يتمكّنوا من عقد القران".
[?213]
يمكن إيجاد دفاع مثير للاهتمام عن مثل هذه القوانين في Frank (1985).