Advertisement

الطريق إلى الامتياز



الكتاب: الطريق إلى الامتياز
المؤلف: إبراهيم الفقي
الناشر: دار الراية للنشر والتوزيع
الطبعة: الأولى، 1430 هـ - 2009 م
عدد الأجزاء: 1
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] إهداء
إلى والدتي الحبيبة
رحمها الله سبحانه وتعالى
وتقبلها في فسيح جناته..
وإلى زوجتي آمال الفقي
أهدي هذا الكتاب
د. إبراهيم الفقي
(1/3)

كلمة شكر وعرفان
إلى كل من ساهم في بناء هذا الكتاب سواء من قريب أو بعيد
جزاكم الله سبحانه وتعالى كل الخير
د. إبراهيم الفقي
(1/4)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
{وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [التوبة: 105]
(1/5)

الطريق إلى الامتياز
د. إبراهيم الفقي
(1/6)

الطريق إلى الامتياز
يا ترى.. ما هو السبب في أن هناك أشخاصًّا متميزين وآخرين غر متميزين؟! وكذلك هناك أناس ناجحون وآخرون غير ناجحين؟! وهناك من يعيش حياته بطريقة أفضل من غيره، وهناك من يحقق أحلامه وأهدافه، في حين أن هناك أناساً غير ذلك؟!
فهل الناس التي لا تعيش حياتها بالطريقة التي تفضلها ولا تحقق أحلامها وأهدافها لا يريدون أن يكونوا سعداء؟! أو أن يكونوا متميزين؟! بالطبع كلا.. فما هو الفارق بين الفريقين؟!
(1/7)

إن كل البشر على وجه هذه الأرض منذ أن خلق الله - عز وجل - سيدنا آدم - عليه السلام - متحدون في أربع أشياء وهي:
1- الخامات: أي الحواس الخمسة.
2- الوقت: 1440 دقيقة، أو 24 ساعة في اليوم.
3- الفكر: فكل الناس متحدون في الفكر؛ لأن الله - عز وجل - قد أعطى لنا العقل البشري والمنطق والقدرة على التفكير والتحليل.
4- الطاقة: التي تخرج بسبب هذا الفكر والمنطق والتحليل.
وطالما أن جميع الناس يملكون كل هذه الأشياء، فما هو السبب في أن هناك أناساً متميزين وأناساً غير متميزين؟! وطالما أن كل الناس يتأثرون بالزمان والمكان والمادة والطاقة، فما هو السبب كذلك في أن هناك أناساً متميزين وأناساً غير ذلك؟!
إن السبب يسير جدًّا، وهو أن هذا الشخص المتميز يستخدم خاماته ووقته وقوة تفكيره وطاقته كي يكون متميزاً، ولكن هل الشخص الآخر لا يريد أن يكون متميزاً؟! بالطبع كلا؛ فإنه لا يدرك أن الذي يفعله لا يصل به إلى الذي يريده، فهو يقوم بأعمال ويظن أن هذه الأعمال هي التي تصل به إلى السعادة.
(1/8)

فمن الممكن أن تجد طالباً لا يهتم بالدراسة، أو حتى لا يذهب إلى المدرسة، وقد تجد عاملاً لا يعمل بالطريقة التي ترضي الله - عز وجل - عنه، وتجده دائماً يتشكى، أو يقارن بينه وبين غيره ممن فتح الله عليه من الدنيا، أو ينتقد وينتقص الشخص المتميز، أما الشخص المتميز فهو يستخدم خاماته ووقته وتفكيره وقدراته وطاقته في أن يكون متميزاً، وإذا واجهته أي مشكلة فهو يفكر فوراً في طريقة حلها، وإذا واجهه أي تحدٍّ فهو يفكر فوراً كيف يواجهه، ويتوكل على الله - عز وجل -، ويرضى دائماً بما وهبه الله - عز وجل -، أما ذلك الشخص الآخر فهو حقود باستمرار، وينكر الذي يملكه، ولا يرضى أبداً بما وهبه الله - عز وجل -.
وكلمة الرضا هنا تعني أنه يرضى بالذي أعطاه له الله - عز وجل -، وبالتالي فهو يبدأ من هنا حتى يتقدم، وهذا يذكرني بشاب صغير منذ أن كان في الجامعة وهو غير راضٍ عن أهله وعائلته، وغير راضٍ عن الحي الذي يعيش فيه، بل غير راضٍ عن حياته مطلقاً، وكانت حياته عبارة عن سلسلة من المشكلات والمتاعب، ولكنه كان هناك بداخله ما يقوله له:
إنه متميز، ولكنه لا يعرف طريق الامتياز أين يوجد وكيف يكون.
ثم كان ذات يوم يمشي على شاطئ البحر فإذا به يجد رجلاً يضع يده
(1/9)

على كتفه، فالتفت إليه فإذا به أحد أفراد عائلته، فقال له: أنا مهموم جدًّا.. فرد عليه ذلك الرجل قائلاً: نحن نعرف أن حياتك كلها متاعب وهموم.. فقال له الشاب: أنا غير راضٍ عن نفسي، ولا أعرف ماذا أفعل، ولكني أعرف أنني من الممكن أن أكون متميزاً، وإلا فلماذا نجح هؤلاء الناجحون في حياتهم المالية والعلمية والشخصية والزوجية والاجتماعية ولم أنجح أنا؟! ولماذا يملك أولئك الأثرياء كل هذه الثروات وأنا لا أملكها؟! وأنا أعرف أنني من الممكن أن أنجح، فكل ما أفتقر إليه هو شخص يرشدني ويدلني إلى طريق الامتياز..
فنظر له ذلك الرجل وقال له: إن كل إنسان متميز؛ لأن الله - عز وجل - خلقنا يوم خلقنا متميزين، ما قال - عز وجل -: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} (1) ؛ ومن أجل ذلك فقد سخر لنا السماء والأرض وما بينهما، قال - عز وجل -:
{أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً} (2) ، ولكن كل هذا يُنسى في ظل تحديات الحياة، ونحن نريد ولكن أغلبنا لا يفعل أي شيء لتحقيق ما يريده.. ثم اقترب منه الرجل أكثر ونظر إلى عينيه وقال له: يا بني إن الطريق إلى الامتياز موجود
__________
(1) سورة التين: 4.
(2) سورة لقمان: 20
(1/10)

أمامنا ولكننا لا نراه، ولكن أنا سأساعدك إن شاء الله؛ فأنا أعرف رجلاً يسمى بالرجل الحكيم يستطيع أن يرشدك إلى الطريق القويم نحو التميز والنجاح، ولكنك سوف تتعب كثيراً إن أردت أن تصل إليه.. فرد عليه الشاب على الفور: أنا على أتم استعداد لفعل أي شيء يصل بي إلى طريق الامتياز.. فقال له: إن ذلك الرجل يسكن فوق أحد الجبال، ولن تجد ما يصل بك إليه إلا السر على الأقدام.. فقال له: سأسير إليه على الأقدام، وسوف أصعد إليه الجبل، وأتجشم الصعاب حتى أصل إليه.. فقال له: إنه بعيد جدًّا، وسوف تضطر أن تسافر له.. فقال له: أنا مستعد للسفر إليه.. فقال: ولكن هذا قد يكلفك كثيراً.. فقال له: سوف أفعل كل شيء أستطيع فعله لأصل إلى هذا الرجل..
فوصف له مكان ذلك الرجل، وكان على بعد أميال بعيدة، ويحتاج إلى تجشم عناء السفر، مع الإمكانيات والأموال اللازمة كي يسافر بالطائرة، وفوق كل ذلك فهو يحتاج إلى تخطيط، فقال له الشاب: إن الأمر فعلاً شاق وعسير، ولكن المهمة تستحق تحمل هذه المشقة للوصول إلى هذا الرجل، وللوصول إلى طريق الامتياز..
فشعر الرجل بصدق العزيمة، ووجد في عينيه رغبة مشتعلة في أن
(1/11)

يلتقي بهذا الرجل الحكيم، ولم يكن الشاب يصدق أنه أخيراً سيجد ضالته، وسيلقى ذلك الرجل الذي يأخذ بيده إلى طريق الامتياز، فشكر الشاب الرجل كثيراً أن منحه هذه الفرصة الثمينة ودله على طريق التميز.
وظل الشاب يفكر طوال الليل ماذا سيفعل؛ فهو يحتاج إلى الكثير من الأموال، فخطط لنفسه أن يقابل هذا الرجل في خلال شهر، فأرسل إليه برسالة يوضح فيها أنه يريد أن يقابل هذا الرجل في خلال شهر، فأرسل إليه برسالة يوضح فيها أنه يريد لقاءه، ورد عليه الرجل الحكيم بالموافقة وأرسل إليه بذلك، وأراد الشاب أن يعد نفسه ويتجهز لهذه الرحلة، فأخذ يعمل في كل عمل يجده للحصول على الأموال اللازمة لتلك الرحلة، فكان ينظف المكاتب والكراسي، وعمل في الحراسة طوال الليل، وكان لا يضيع أي وقت إطلاقاً، وكان مع العمل يذاكر لينجح ويحصل على شهادته، وعندما أتم عمله ونجح وحصل على الشهادة كان لديه من الأموال الكثير، وكان حتى هذه اللحظة لا يصدق أن لديه لقاءه، وعندما ركب الطائرة أغمض عينيه، وكان يحلم باليوم الذي يصبح فيه متميزاً ورائعاً، وشعر أنه الآن في طريقه إلى الامتياز، وعندئذٍ
(1/12)

فتح عينيه ونظر إلى الخارج ورأى السحاب، وغرق في روعة ذلك المنظر الذي شاهده في الخارج، ثم تأمل كيف أن الله - عز وجل - أعانه حتى وصل إلى هناك، ثم إذا بقائد الطائرة يعلن الوصول بحمد الله - عز وجل -، وكان الشاب لم يزل بعد لا يصدق أنه قد وصل إلى المكان الذي سيل تقي فيه بالحكيم، وأنه بعد لحظات سوف يأخذه إلى الطريق إلى الامتياز، وبسرعة نزل من الطائرة واستقل إحدى سيارات الأجرة، وكان لا يملك الكثير من الأموال، وحين وصل إلى الجبل ونظر إليه فوجئ به جبلاً ضخماً عظيماً، وقد يستغرق منه ما لا يقل عن يوم كامل من التسلق للوصول إلى قمة الجبل، ولكنه لم يضيع وقته، فقد بدأ في تسلق الجبل والصعود إلى قمته حاملاً حقيبته التي فيها كل متعلقاته، وبعد يوم كامل من المشقة والعناء وصل أخيراً إلى قمة الجبل، وهناك وجد بيتاً صغيراً، فطار إلى الباب وهو لا يكاد يصدق أنه قد وصل الآن إلى ذلك الحكيم، وأنه بعد لحظة سيكون أمامه وجهاً لوجه.
وحين طرق الباب إذا به يجد أمامه امرأة عجوزاً لا يقل سنها عن الثمانين سنة، فنظرت إليه وقالت له: من أنت؟! فقال لها: إن عندي موعداً سابقاً مع الحكيم؛ فأنا الشاب الذي أرسلت إليه بتلك الرسالة
(1/13)

التي طلبت فيها مقابلته منذ فترة؛ فهل أستطيع لقاءه الآن؟! فقالت له: لقد تأخرت.. فقال لها على الفور: أنا لم أتأخر، ولقد أتيت في الميعاد المحدد.. فقالت له: إن الحكيم لا يمكث في مكان واحد أكثر من شهر واحد، ولقد ظل معنا هنا لمدة شهر ونصف؛ لذلك فأنت يجب أن تعود أدراجك، وتأتي إليه بعد شهر من الآن، واحرص ألا تتأخر..
فنظر إليها الشاب وهو يملأه الشعور بالألم لضياع الفرصة التي ظل طوال هذه المدة ينتظرها، وكان في شدة الضيق والحزن، ولكن لم يكن لديه أي حل آخر، فنزل من فوق الجبل وعاد أدراجه إلى بلده مرة أخرى، ولكن.. ماذا سيفعل وهو الآن لا يمتلك أي أموال؟! وبدأ يفقد الأمل مرة أخرى، ولكن كان هناك صوت بداخله يقول له: لا تيأس؛ فلا حياة مع اليأس، ولا يأس مع الحياة.
ومن هنا بدأ يفكر في أن يضع نفسه في الفعل مرة أخرى، وبالفعل وضع نفسه في الفعل مرة أخرى، وأخذ يعمل ليل نهار، ولا يضيع لحظة من وقته، وحان وقت لقائه بالحكيم، وجمع الأموال اللازمة للسفر، وركب الطائرة، وكرر نفس الرحلة العصبية مرة أخرى، وهو يحدوه الشوق ويدفعه الأمل، خاصة وأنه جاء في موعده تماماً هذه المرة، وتسلق
(1/14)

الجبل مرة أخرى حاملاً معه حقيبته، ثم أخذ يطرق الباب، وإذا بنفس المرأة العجوز تفتح له وتقول له من جديد: لقد تأخرت، والحكيم لا يمكث في مكان واحد أكثر من شهر، ولقد ظل هنا لفترة طويلة وأنت تأخرت.. فقال لها: ولكني أرسلت إليكم رسالة أخبرتكم فيها بموعد وصولي؟! فقالت له: لكنك تأخرت، وهو لا ينتظر، فلابد وأن تعود بعد شهر آخر.. فقال لها الشاب: إن هذا جنون.. لا يمكن أن يكون هذا الرجل حكيماً؛ فهو لا يصدق في الوعد، ولا يحترم الوقت، بل إنه حتى لا يحترم الناس ولا وقتهم، وهو دائماً يذهب ويعود كما يشاء، وأنا أرسل له برسالة، فماذا أفعل، وما هو المتوقع أن أفعله؟!! قال ذلك وهو ينظر إلى المرأة ويتساءل ماذا يفعل الآن.. فقالت له بمنتهى الهدوء: قد تغضب، وقد تحزن، بل وقد تنفعل، ولكن هذا لا يغير أي شيء، ارجع وفكر وتعالَ في الوقت المناسب.. ثم أغلقت بابها وانصرفت.
فعاد الشاب في هذه المرة وهو غضبان جدًّا، ولم يكن يمتلك أي أموال، وكان قد قرر في نفسه أن لا يعود مرة أخرى؛ لأنه لو عاد مرة أخرى فسوف يتكرر معه هذا الموقف مرة أخرى، واستمر أسبوعاً على هذه الحال.. متألم نفسيًّا، ولا يكلم أحداً، ولا يسمح لأي شخص
(1/15)

بمقابلته مهما كان هذا الشخص، وظل على هذه الحال لدرجة أنه كان يبكي طوال الوقت، وبعد تفكير طويل قرر أخيراً أن يكرر التجربة مرة أخرى، وبدأ في العمل ليل نهار مرة أخرى، ولم يضيع وقتاً، حتى حصل على الأموال، وسافر مرة أخرى، وتسلق الجبل مرة أخرى، وحين طرق الباب كانت المفاجأة، فلقد وجد أمام عينيه نفس المرأة، وإذا بها تقول له: لقد تأخرت أربع ساعات؛ لذا فقد ذهب الحكيم.. فقال لها غاضباً: إن هذا غير ممكن.. إن هذا الرجل يستحيل أن يكون عنده أي نوع من الحكمة ... فقالت له: لا داعي للغلط.. فقال لها: بل لابد وأن أغلط؛ فهذا الرجل ليس عنده أدنى إحساس بالناس.. فقالت له: ليس لديك أي اختيار غير أن تعود، وإذا فكرت أن تأتي مرة أخرى فلابد وأن تأتي قبل الموعد؛ حتى تنتظره وتقابله.. ولاحظ هذه المر أنها أمرته بالرجوع ككل مرة، ولكنها أرشدته إلى الطريق، وهدته ماذا يفعل، وفتحت له باباً إلى الأمل، فرجع الشاب وبدأ العمل مرة أخرى من أول يوم، وأخذ يكدُّ ليل نهار، واستطاع أن يجمع الأموال، وسافر وتسلق الجبل، وطرق الباب، وكان قد وصل في هذه المرة قبل الموعد بأسبوع كامل، وظل في هذا المكان الموحش خارج البيت لمدة أسبوع كامل.
(1/16)

ثم بعد مرور والأسبوع نظر فإذا بالرجل الحكيم يمر أمامه، فهرول إليه كي يكلمه، فإذا بتلك المرأة مرة أخرى تقف أمامه وتقول له: أتظن أنك وحدك من ينتظر؟! لابد وأن تأخذ دورك.. وظل في مكانه فوق الجبل لمدة أربع ساعات أخرى، وبعد طول انتظار جلس مكانه وأغمض عينيه وأخذ يبكي بكاء شديداً، وفجأة وجد يداً تربت على كتفه، وكأنها يد قد ملئت حكمة، ففتح عينيه ونظر بجواره فإذا بالرجل الحكيم بنفسه يقف بجواره، وبمجرد أن رأى الحكيم أمامه نسي كل متاعبه وكل المشاق التي لاقاها في سبيل لقاء هذا الرجل، وهذه هي طبيعة الإنسان، بمجرد أن يصل إلى النجاح إن نظر وراءه إلى ما لاقى في سبيل نيل هذا النجاح لا يشعر بأي مشقة لاقاها، وينسى كل شيء إلا هذا النجاح الباهر، ويقول: لقد تعبت جدًّا في هذا الطريق، ولكنني الآن أستحق هذا النجاح.
وعندئذٍ قال له الحكيم: أخبرني أيها الشاب.. ماذا تريد؟ فقال له: لقد تعبت جدًّا، وتحملت المشاق.. قال له: أعرف ذلك.. فقال الشاب: أريدك أن تعلمني كيف الطريق إلى الامتياز.. فقال له الرجل الحكيم: انظر حولك؛ فأنت الآن في هذا الطريق.. في طريق الامتياز، ولكنك لا
(1/17)

تدرك أنك متميز وأنت في طريق الامتياز.. ثم قال له: عندما أتيت إلى هنا للمرة الأولى هل خططت؟! فقال له: نعم.. قال له: هل فكرت وعملت؟! فقال له: بالتأكيد.. فقال له: وجمعت الأموال؟! قال: نعم.. فقال له: وهل عندك رؤية؟! قال: بالطبع نعم.. قال: وركبت الطائرة وأتيت إلى هنا؟! فقال له: نعم.. فقال: وأتيت إلى بلد لا تعرفها، وأنت تتوقع أن يحدث لك أي شيء؟! قال: نعم.. قال: ولو لم تجد طائرة لكنت بحثت عن أي سيارة لتركبها بعد أن تصل بك إلى هنا؟! فقال له: نعم.. فقال له: ولو لم تجد سيارة لتركبها بعد أنزلت من الطائرة لأتيت ماشياً؟! قال له: مؤكد.. فقال له: وتسلقت هذا الجبل وأنت لا تعرف إلى أين ستذهب؟! قال: نعم.. قال له: فعندما وصلت ثم عدت دونما أي تقدم فبمَ شعرت؟ قال: شعرت بفشل ذريع.. فقال له: وهل تركت هذا الفشل يتحكم فيك؟! فقال: بالطبع لا.. فقال له: ثم ماذا فعلت؟! قال: في البداية كنت مغضباً جدًّا، ولكن فكرت وهدأت، وعملت من جديد، وجمعت الأموال وقررت أن أراك مهما كان الثمن.. قال له: وعندما أتيت إلى هنا ثم عدت مرة أخرى بدون فائدة ماذا شعرت؟! قال له: كنت أشد غضباً من المرة الأولى، ووصلت إلى مرحلة
(1/18)

صعبة من الحزن والاكتئاب، واستمر هذا الوضع لفترة لا أفعل فيها أي شيء، ولكني عدت إلى العمل بجد مرة أخرى، وعزمت على لقائك بأي طريقة، وجمعت الأموال، وسافرت إليك، وكان عندي احتمال ألا ألقاك، وبالفعل لم ألقَك، ولكني في هذه المرة وجدت باب الأمل يفتح أمام وجهي من جديد، أن آتيك مبكراً، وعندما أتيتك ومكثت أسبوعاً بالخارج قلت في نفسي: لا شيء في ذلك؛ فأنا سوف أراك، ولكني إنسان؛ فكنت أحياناً أشعر باليأس يطرق بابي، فكنت أبكي بكاء مرًّا، وأغمض عيني وأنا في منتهى الحزن، ولكني أغمضت عيني وتوجهت إلى الله - عز وجل -، وقلت: يا رب، وتذكرت قول الحق - عز وجل -: {إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا} (1) .. وأنا أحسنت عملاً، وأتيت إلى هنا، وأريد أن أقابل هذا الرجل، وحينها وجدت يدك على كتفي، وهنا لاحظت شيئاً هامًّا جدًّا، وهو أن الله - عز وجل - قريب جدًّا منا، وأنه سميع ومجيب الدعوات.
فقال له الرجل الحكيم: إن كل هذا الذي ذكرتَه هو الطريق إلى الامتياز، وأنت كما عند كثير من الناس تسير في الطريق إلى الامتياز ولا تدرك ذلك، تماماً مثل الذي يعيش في سعادة ومع ذلك تجده يفني عمره
__________
(1) سورة الكهف: 30.
(1/19)

في البحث عن السعادة، وكالذي يعيش في نجاح ومع ذلك تجده يبحث عن النجاح.
ثم أردف قائلاً له: يا بني.. إن كل هذا الذي قلته لي هو الطريق إلى الامتياز، ولكن أنا سوف أرتبه لك فحسب؛ حتى تتجه من محطة إلى أخرى، ثم تصل إلى الامتياز، وبسبب إصرارك والتزامك فأنا سأساعدك كي تصل إلى طريق الامتياز، فهيا بنا معاً لنصل إلى طريق الامتياز.
نظر الحكيم إلى عيني الشاب وقال: إن الطريق إلى الامتياز يبدأ بالأسباب.. ثم سأله: ما الذي تريده؟ فقال له: أريد أن أكون متميزاً.. فقال لهل: هذه رسالة عامة، وكل الناس يريدون أن يكون متميزين، ولكن ما هي رؤيتك؟ فقال له: وما هي الرؤية؟! قال: إن الرؤية هي نهاية الطريق، فما هي رؤيتك ونهاية طريقك الذي تسير فيه؟ فقال له: أن أكون متميزاً.. فقال له: لقد سمعت هذه الكلمة من قبل، وإذا كررتها مرة أخرى فسأتركك وأمضي، ولكن أخبرني عن رؤيتك بالتحديد، ماذا تريد أن تكون؟ فقال له: قررت أن أؤسس شركة خاصة بي.. فقال له: في أي مجال ستكون هذه الشركة؟ فقال له: في مجال الإلكترونيات..
(1/20)

فقال له: لماذا؟ قال: لأن العالم الآن يمضي قدماً بالتقدم العلمي؛ لذلك فأنا أريد أن أكون من ضمن العالم المتقدم، وأريد أن أكون متميزاً.. فقال له: حسناً.. هذه هي رؤيتك، ولكني بعد كم سنة تريد أن تحقق رؤيتك هذه؟! فقال له: بعد خمس سنوات.. فقال له: وماذا ستفعل خلال هذه السنوات الخمس؟! ففي نهاية السنوات الخمس ينبغي أن تكون هذه الرؤية قد تحققت..
وهنا بدأ الحكيم يشرح للشاب الفرق بين الرؤية، والهدف، والهدف المستمر في الزمن، وقال له: استمع جيداً أيها الشاب إليَّ.. فما هو الفرق بين الرؤية والهدف؛ فكثير من الناس يعتقدون أن الرؤية هي الهدف، ولكن الهدف هو جزئيات الرؤية، فالرؤية هي نهاية الطريق، ومعظم الناس ينظرون إلى نهاية الطريق على أنه هو الهدف، ثم إذا به يصاب بالإحباط؛ لأنه يقارن بين ما هو عليه الآن، وبين ما يريد أن يكون؛ فإذا به يصاب بالإحباط؛ وما ذاك إلا لأنه الطريق طويل، ولكن هذا هو الطريق الصحيح الذي أريدك أن تصل إليه من الآن.
إن الرؤية هي نهاية الهدف.. هي أن تمتلك الشركة التي تريدها، وأما الهدف فهو الدرجة الأولى، والدرجة ستصل بك إلى الدرجة
(1/21)

الثانية، وأول طريق إلى الامتياز هو أن تعرف الرؤية، وتجزئ الرؤية إلى أهداف، بحيث أن يأخذك كل هدف إلى الهدف الذي يليه، وكل هدف يأخذك إلى الرؤية، فما هي رؤيتك مرة أخرى؟ فقال له: أن أمتلك شركة من شركات دكتور/ نياب.. فقال له: فما هو الهدف الأول؟ قال له: سوف أدرس كل شيء يختص بالحاسب الإلكتروني.. قال له: وما هو الهدف الثاني؟ قال: أن أتعلم اللغات.. فقال له: ولماذا اللغات؟ قال: لأن اللغة تساوي الإنسان، وتقرب الناس من بعضهم البعض.
فقال له: في هذه الحالة لابد وأن تتعلم فن الاتصال.. فقال له: أنت الآن تعلمت الإلكترونيات، وتعلمت اللغات، فماذا تفعل بعد ذلك؟ قال له: سوف أتعلم فن الاتصال بالناس.. فقال له: لماذا؟ قال: كي أتصل بالناس وأعرف كيف أبيع لهم بأحسن الطرق.. قال له: وبعد ذلك؟! قال: سأتعلم فن التسويق.. فقال له: لماذا؟ قال: لأعرف كيف أسوق هذه المنتجات للناس.. فقال له: وبعد ذلك؟! قال: سأتعلم خدمة العملاء.. فقال له: ماذا تسمي كل ذلك؟! فقال: اهتمام.
قال له: يعني هدفك الأول بالنسبة لرؤيتك هو أن تعرف كل شيء
(1/22)

عن الإلكترونيات؟! قال: نعم.. فقال له: هل هذا الهدف يخدم رؤيتك؟ قال: نعم.. فقال له: وإلى أين سيصل لك هذا الهدف؟ قال: إلى تعلم اللغات.. فقال له: وهل هي تخدم رؤيتك؟ قال: نعم.
وكما نرى أن الهدف الأول يخدم الهدف الثاني، والهدف الأول يخدم الرؤية، وبالتالي فإن كل الأهداف تصل إلى الرؤية، وهي عبارة عن درجات، وكل درجة تأخذك إلى الدرجة الأخرى، وهذا يسمى الطريق إلى الامتياز بطريقة متطورة، فهي عملية تطويرية، وكل شيء يأخذك إلى الذي يليه، وكل شيء يخدم الرؤية الأساسية، وهذا هو طريقك إلى الامتياز، فلتبدأ من هنا، وعندما تبدأ من هنا أرسل إلى برسالة لتطمئنني، وأنا سوف أرسل لك برسالة كي أخبرك ما هي المحطة القادمة.
وكان الشاب حتى هذه اللحظة لا يصدق أنه قد بدأ طريق الامتياز.
ثم عاد إلى بلده فوراً وأمسك بورقة وقلم وبدأ يخطط أنه في خلال خمس سنوات من الآن سيحقق الرؤية الأولى، ويكون صاحب أكبر شركة في مجال الإلكترونيات، والهدف الأول اليوم هو أن أتعلم كل شيء يتعلق بالإلكترونيات.
(1/23)

وبدأ الشاب فعلاً في تعلم كل شيء عن الإلكترونيات، وبعد ذلك بدأ يقوم بالبحث، كان يبحث عن شركات الإلكترونيات الموجودة.. وعن عددها، وبدأ يزورهم ويفحصهم، وأخيراً قرر أن يتعلم مع واحدة منها، وأثناء ذلك دخل على الإنترنت وأخذ يتفحص أكثر وأكثر، وبدأ يصبح كفئاً لتأسيس الشركة، وأصبح عنده معرفة ومهارة، وبعد ذلك أصبح كفئاً جدًّا في مجال الإلكترونيات.
ثم بعد ذلك بدأ يدرس اللغات الأجنبية، وبعد ذلك شعر بالأمل؛ لأن العملية أصبحت متطورة وتأخذه من مكان إلى مكان، وأصبح ينجز أعمالاً، والإنسان عندما ينجز يشعر بطاقة هائلة بداخله، وأنه يريد أن ينجز أكثر وأكثر، وهذا شيء مهم جدًّا؛ لأن الإنسان عندما ينجز يزداد تقديره الذاتي، وتتحسن صورته الذاتية، فينجز أكثر.. فالشاب بدأ بالإلكترونيات، ثم إلى اللغات، ثم إلى فن الاتصال؛ ليكون أفضل مع نفسه ومع الناس، ووجد أن كل هدف يأخذه إلى الهدف الذي يليه، وبعد ذلك بدأ يتعلم قوة التحكم في الذات؛ وذلك لكي يواجه أي نوع من التحديات وهو متحكم في ذاته، ولقد قام بكل ذلك والوقت يمر بسرعة، ومرت السنوات الخمس، وجمع الشاب الأموال، وعمل
(1/24)

وكافح، حتى استطاع أن يؤسس الشركة، وقام بعمل افتتاح كبير لها، وأخذ يدعو أناساً كثيرة جداً، ولكن بعد شهرين فقط فشلت الشركة فشلاً ذريعاً، وطبعاً لم يكن يتخيل هذا إطلاقاً، وهو الذي قام بكل شيء لازم، وأخذ بكل الأسباب، وتعب جداً، وخطط، ونفذ، وصبر، والتزم، وأصر، وكانت عنده المهارة، وكان عنده كل شيء، فما هو السبب في هذا الفشل الذريع من أنه قد فعل كل ذلك؟!
فسارع وأخذ الطائرة ورجع إلى الرجل الحكيم، وحدث له كما حدث أول مرة، كلما وصل إلى هناك رجع مرة أخرى وكرر ذلك أربع مرات إلى أن قابله أخيراً، فقال له الرجل: ماذا بك؟! فقال له الشاب: إن الذي قلته لي لم ينفعني.. فقال له: ماذا فعلت؟! قال: حددت الرؤية، وخططت للهدف، ونفذت، وأصررت، والتزمت، وحققت كل الأهداف التي أريدها، وافتتحت الشركة، وقمت بعمل افتتاح كبير لها، وقمت بعمل خطة تسويقية رائعة، وصرفت أموالاً كثيرة جداً على الإعلان، وعينت أناساً في العلاقات العامة، وقمت بكل شيء ممكن كي أنجح، وأخذت بكل الأسباب الممكنة، ومع ذلك فلم أنجح، فما هو السبب؟!
(1/25)

فنظر إليه الرجل الحكيم بابتسامة هادئة، وقال له: أيها الشاب.. ... لقد أخذت بالأسباب كلها، لدرجة أنك فتنت بالأسباب، ولم ترجع إلى مسبب الأسباب؛ فهلكت بالأسباب..
فنظر إليه الشاب، وقال له: ماذا تقول؟! إنك لم تقل لي هذا الكلام من قبل.. فقال له: عندما أتيتَ إلى هنا في المرة قلتَ جملة أعجبتني جداً، وهي: أن الله - عز وجل - مجيب الدعوات، فأنت دعوت الله - عز وجل - فوجدتني عندها مباشرة أضع يدي على كتفك، ولكنك عندما رجعت أخطأت نفس الخطأ الذي يخطئه كثير من الناس، وهو أنهم يظنون أن الأسباب هي التي تنفعهم بذاتها، ونسوا أن مسبب الأسباب هو صاحب هذه الأسباب، وهو الذي ينفعهم؛ ولذلك فلابد وأن تعي جيداً قول الله - عز وجل -: {فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} (1) .. فنظر الشاب إلى الرجل الحكيم وبكى، وقال: لا أعرف كيف أعتذر لك.. فقال له: لا تعتذر؛ فربنا - عز وجل - قريب ويسمعك جيداً، وربنا وضعك هناك لترجع إليه أولاً، وتذكر دائماً قول الحق - عز وجل -: {إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا} (2) ..
__________
(1) سورة آل عمران: 159.
(2) سورة الكهف: 30.
(1/26)

فقال له الشاب: أنا آسف جداً.. لقد أخطأت.. فقال له الحكيم: بل على العكس، أنت لم تفشل، ولكنك كان ينقصك شيء هام جداً، وهي جذور النجاح.. فقال له الشاب: وما هي جذور النجاح؟! وما هي جذر التميز؟! وما هي جذور الطريق إلى الامتياز؟! فقال له الرجل: لقد وقعتَ في نفس الخطأ الذي يقع فيه الكثيرون؛ فلقد سرتَ في طريق الامتياز دون أن تعرف ما هي جذور الطريق إلى الامتياز، ولقد طلبتَ مني الطريق إلى الامتياز؛ فأخبرتك عن الطريق إلى الامتياز، وأنت تريد أن تكون متميزاً، ولقد سألتك: ماذا تريد؟ فقلت: أن تمتلك شركة متخصصة في مجال الإلكترونيات، وليس هذا هو الطريق إلى الامتياز، ولكنه الطريق إلى الهدف المنتهي بمجرد تحققه، وأنت فعلاً بدأت، وتعلمت كل شيء عن الإلكترونيات، وتعلمت اللغات، وفن الاتصال، وبعد ذلك حققت هدفك ووصلت إلى الرؤية، فهل كنت متحكماً في ذاتك عندما افتتحت الشركة ثم فشلت؟! فقال له: كلا.. فقال: هل كنت متصلاً بنفسك جيداً؟! فقال: كلا.. فقال له: واللغة التي تعلمتها كيف كنت تكلم نفسك بها؟! فقال له: سلبيًّا.. فقال له: إن الذي تعلمته استخدمته ضد نفسك؛ ولذلك فمن فُتن بالأسباب هلك
(1/27)

بنفس تلك الأسباب، ثم خرج بعد ذلك إلى العالم الخارجي يحقد ويقارن ويلوم ويشك، وينسى قول الله - عز وجل -: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} (1) .. ونحو بذلك نرمي أنفسنا في التهلكة، مع أنك قد أخذت بكل الأسباب، ومعظم الناس يخطئون نفس الخطأ، فتجدهم يأخذون بالأسباب وينسون مسبب الأسباب.
فهيا يا بني.. هلم لنبدأ من جديد، واعلم بأنك لن تبدأ من جديد تماماً؛ فأنت أخذت فعلاً بالأسباب، والأسباب لازالت موجودة عندك، ولكنك نسيت شيئاً هاماً جداً، وهو أنك لكي تنجح فلابد وأن تمر الفشل؛ لأن الفشل هو بداية النجاح، والمتاعب هي بداية الراحة، كما أن الليل هو بداية النهار، وبالتالي فلا يمكن أن تشعر بروعة الشيء إلا عندما تذوق عكس هذا الشيء.
وهنا سأل الشاب: ماذا أفعل إذاً؟! وكيف أبدأ؟! وإلى أين أذهب الآن؟! أنا أعرف كيف يمكن أن أخطط وأنفذ، وكيف يكون عندي رؤيا، وأعرف كيف أكون مرناً، وكيف أكون ملتزماً، وكيف أصرّ على
__________
(1) سورة الرعد: 11.
(1/28)

الوصول، وأعرف كل الأسباب.. فماذا ينبغي أن أفعل الآن؟!
فنظر إليه الحكيم بابتسامة، وقال له: أخيراً سألت السؤال الصحيح، وهذه هي أول خطوة في الطريق إلى الامتياز، وهي جذور الامتياز، وأول جذور الامتياز هو الارتباط بالله - عز وجل -.
(1/29)

الطريق إلى الامتياز
الارتباط بالله عز وجل
(1/31)

الارتباط بالله عز وجل
الارتباط بالله: ما أعظم هذا الاستقرار والسكينة والطمأنينة عندما ترتبط بالله - عز وجل - وأنت حر طليق.. لا عبودية لك إلا بالله - عز وجل -..
إن الارتباط بالله - عز وجل - والتمسك بأوامره ونواهيه في كل حركة من حركات الإنسان وكل سكنة من سكناته يجعل ذلك الإنسان في مقام القدوة على صعيد الأسرة والمجتمع..
وعندئذٍ يتذوق الإنسان هذه اللذة التي ما بعدها لذة.. لذة الإيمان.. كما قال - عز وجل -: "ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربًّا وبالإسلام ديناً وبمحمد رسولاً" (1) .
__________
(1) أخرجه مسلم 49.
(1/33)

والارتباط بالله - عز وجل - يشتمل على ركائز، وأول ركيزة من هذه الركائز لكي ترتبط بالله - عز وجل - هي التسامح..
* التسامح:
أن تسامح الناس جميعاً، وإلا فسوف تحمل في قلبك وصدرك الغل والغضب والشك، وستجد نفسك تحمل طاقة سلبية ليس لها أي داعٍ إطلاقاً.. فقال الشاب: وكيف أتسامح؟! فلقد كان والدي يضربني بدون أي سبب، وكانت والدتي تخاصمني وتهجرني باستمرار، وكان إخوتي يستهزئون بي، فكيف أسامحهم؟! فقال له الحكيم: كيف تشعر وأنت تقول هذا الكلام؟ فقال له: أشعر بطاقة سلبية جداً.. فقال له: وهل هذا هو الطريق إلى الامتياز؟! فسكت الشاب، وقال له: وهل ينبغي أن أسامحهم بعد كل الذي فعلوا معي؟! فقال له: افهم يا بني، إن التسامح من صفات الأقوياء، والتسامح يكون لله - عز وجل - وليس للناس وهذا بينك وبين الله - عز وجل -، وأنت تصلي وتدعو الله أن يسامحك وأنت تخطئ وتذنب كثيراً، وكلنا نخطئ ونذنب كثيراً ومع ذلك ندعو الله - عز وجل - أن يغفر لنا وأن يسامحنا، فعن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله
(1/34)

- صلى الله عليه وسلم - يقول: "قال الله تبارك وتعالى: يا ابن آدم.. إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان فيك ولا أبالي، يا ابن آدم.. إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة" (1) .
وأنت الآن أيها الشاب.. هل تريد أن تسامح أم لا؟ فنظر إليه الشاب وقال له: لقد قررت أن أسامحهم.. فقال له الرجل: أغمض عينيك وخذ نفساً عميقاً واجعل الزفير أطول من الشهيق، وهنا تدخل في مرحلة من الاسترخاء.. ثم قال: خذ الآن نفساً عميقاً، ثم دعه يخرج ببطء إلى أن تشعر باسترخاء في جميع جسمك، والآن.. عد بذاكرتك إلى الوراء وفكر في والدك ووالدتك، وسامحهم الآن..
فأخذ الشاب في البكاء، فقال له الحكيم: لماذا تبكي؟! فقال له الشاب: لأني شعرت أني ظلمتهم، وأني كنت السبب في مشاكل كثيرة.. فقال له: اذهب الآن إلى أخوتك وسامحهم.. فقال له: لقد سامحتهم الآن.. فقال له: هل تعرف لماذا سامحتهم؟! لأنك بدأت تسامح، وشعرت بجمال التسامح، وعندما بكيت شعرت بأن الطاقة السلبية تخرج منك، وحل محلها طاقة روحانية، فكان أسهل عليك أن تسامح
__________
(1) أخرجه الترمذي وأحمد.
(1/35)

أكثر وأكثر، والآن سامح الناس جميعاً، ونظف طاقتك، ثم بعد ذلك عد إلى هنا.
وفعل الشاب، وعاد وعلى وجهه الابتسامة وعيناه مليئة بالدموع، وقال له: إنني لم أشعر بجمال التسامح من قبل؛ لأني في وقت من الأوقات كنت غضبان جداً، وكنت أركز على الغضب.. فقال له: إن هذا مدخل من مداخل الشيطان؛ لأنه يدخل إليك في الوقت الذي يعرف أنك غضبان فيه، ويضخم المشكلة بداخلك، ويقول لك: لقد فعل معك كذا وكذا.. وهو يريد بذلك أن يبعدك عن الارتباط بالله - عز وجل - ويبعدك عن الإيمان بالله وعن الحب لله، وهذا هو عمل الشيطان، فوجد لك باباً يدخل إليك منه، وأنت تسير في طريق الامتياز، وتحمل معك هذه الطاقة وهذا الحمل الثقيل؛ ولذلك فلابد أن ترتبط بالله - عز وجل -، وهذه هي أول جذور الامتياز.. التسامح المتكامل، وأنت الآن بدأت بها.. فقال له الشاب: وبعد ذلك؟! قال الحكيم: الحب في الله..
* الحب في الله:
عليك بالحب في الله والحب لله.. قال له: فماذا أفعل؟ قال: أن تحب
(1/36)

الناس في الله، فعندما تقول لشخص: إنك تحبه في الله فما أجمل تلك العبارة، والله - عز وجل - وعد المتحابين في الله بمحبته، فعن أبي إدريس الخولاني أنه قال: دخلت مسجد دمشق فإذا فتى شاب براق الثنايا، وإذا الناس معه إذا اختلفوا في شيء أسندوا إليه وصدروا عن قوله، فسألت عنه فقيل: هذا معاذ بن جبل.. فلما كان الغد هَجَّرْتُ (الهجير هو نصف النهار، والمعنى أنه ذهب مبكراً لصلاة الظهر فود معاذاً - رضي الله عنه - قد سبقه) فوجدته قد سبقني بالتهجير، ووجدته يصلي، قال: فانتظرته حتى قضى صلاته، ثم جئته من قِبَل وجهه، فسلمت عليه ثم قلت: والله إني لأحبك لله.. فقال: ألله؟ (يعني: والله؟) فقلت: أالله.. فقال: أالله؟ فقلت: أالله؟ فقلت: أالله.. قال: فأخذ بحبوة ردائي فجذبني إليه وقال: أبشر؛ فإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "قال الله تبارك وتعالى: وجبت محبتي للمتحابين فيَّ، والمتجالسين فيَّ، والمتزاورين فيَّ، والمتباذلين فيَّ" (1) .
فعندما يقول شخص للآخر: إنه يحبه أكثر من أي أحد.. أو عندما تقول الزوجة لزوجها: إنها تحبه أكثر من أي شيء.. أو يقول الزوج
__________
(1) رواه مالك في الموطأ، وأحمد في مسنده.
(1/37)

لزوجته مثل ذلك، فإنهم بذلك قد يكونون نسوا الله - عز وجل -، فتكون النتيجة أن يتخلى الله - عز وجل - عنهم؛ فتحدث فجوة وفرقة بينهم، وتصبح حياتهم ضنكاً؛ لأن الحب ينبغي أن يكون في الله ولله، فلابد وأن يقول الزوج لزوجته: إني أحبك في الله ولله.. وكذلك تقول الزوجة لزوجها: إني أحبك في الله لله، والله - سبحانه وتعالى - أكرمني بك، وأنا أشكر الله - سبحانه وتعالى - على هذه النعمة العظيمة التي وهبها لي.. ثم التفت الحكيم إلى الشاب وقال له: هذا هو الحب الحقيقي أيها الشاب.
فنظر الشاب إلى الرجل الحكيم وقال له: على فكرة.. أنا لم أقل لك إني أحبك في الله.. فابتسم الرجل الحكيم وقال له: وأنا أحبك في الله.. وهنا شعر الشاب بالحب فعلاً.. بالحب الحقيقي.. شعر بالحب الرائع الجميل لله - سبحانه وتعالى -.. شعر بدفء في كل جزء من أجزاء جسمه.. شعر بسلام داخلي وخارجي، وشعر بأمان وضمان داخلي، وشعر بالحب الحقيقي بحب الله - سبحانه وتعالى -، ثم نظر للحكيم وقال لهل: أنني مهما شكرتك فلن أستطيع أن أوفيك شكرك على قدر المعلومات التي تعلمتها منك اليوم.. فقال له: يجب أن توفر هذه الطاقة لله - عز وجل -؛ لأن الله - سبحانه وتعالى - جعلني سبباً من الأسباب التي تصل بك إلى الطريق إلى الامتياز، وهو في الحقيقة الطريق
(1/38)

إلى الله - عز وجل -، وأنت بدأت الطريق إليه - عز وجل -، فتذكر أيها الشاب أن أول خطوة هي الارتباط بالله - عز وجل -.. فرد عليه الشاب بسرعة وقال له: لقد تعلمت أن أول شيء في المرحلة هو التسامح المتكامل.. فقال له: وبعد ذلك؟! قال: الحب في الله ولله.. فقال: وبعد ذلك؟! قال له الحكيم: العطاء..
* العطاء:
إن ثالث ما ينبغي عليك هو العطاء بغير شروط، فابدأ بالعطاء دون أن تشترط، فلا تقل: أنا أعطي فلاناً وفلاناً ولا أحد يعطيني شيئاً، أو: أنا أعطي أصدقائي ولا أحد يعطيني، أو: أعطي جيراني ولا أحد يعطيني، أو: أعطي أهلي ولا أحد يعطيني.. بل إنك طالما أعطيت فإن الله - عز وجل - يستقبل منك، وإذا شكوت انقطع عنك ذلك الاستقبال من الله العظيم - عز وجل -، والله - سبحانه وتعالى - سوف يعطيهم عن طريق آخر؛ ولذلك فلن تشعر بلذة العطاء إذا شكوت أنك تعطي ولا تستقبل، وهذه هو ثالث شيء في الارتباط بالله - عز وجل -، وهو أن تعطي لله - عز وجل - لا للإنسان، وأن تعلم أن الله - عز وجل - قد جعلك مصدراً من مصادر العطاء، ومعنى ذلك أن الله - عز وجل - قد جعلك
(1/39)

كريماً ومحسناً، وتذكر أن الله - سبحانه وتعالى - قد أعطاك صفة من الصفات الرائعة، فإن الله - عز وجل - يحب المحسنين.
ومن هنا عرفنا أن هناك ثلاثة ركائز أساسية للارتباط بالله - عز وجل -.. هي التسامح المتكامل، والحب في الله ولله، والعطاء غير المشترط.
فنظر الشاب إلى عيني الحكيم وقال له: هذا الكلام جميل جداً، وأنه أشعر الآن بلذة هذا الكلام، وأشعر بجماله، وأشعر الآن بطاقة تقربني أكثر من الله - عز وجل -، ولقد شعرت الآن بطريق الامتياز، وهذا هو الطريق إلى الامتياز، فنظر له الحكيم بابتسامة جميلة، ثم وضع يد على كتفه وقال له: ولكننا لم ننته بعد.. فقال له الشاب: أنا الآن ممتاز.. فقال له الرجل: كلا!! فقال الشاب: وماذا بقي بعد التسامح المتكامل والحب في الله ولله والعطاء غير المشترط؟! فقال الرجل: يبقى الإيمان بالله - عز وجل -..
* الإيمان بالله:
عند ذلك قال الشاب للحكيم: لقد آمنت بالله - عز وجل -.. فقال له: بلى تذكَّر أنك مؤمن، ومن علامات الإيمان أن تشعر بحلاوته، ومن الشعور بحلاوته أن تؤمن على نفسك وعلى صحتك وعلى الناس جميعاً
(1/40)

وأموالهم وأعراضهم؛ فالمؤمن لا يسرق الناس، ولا يكذب عليهم، ولا يخونهم، والمؤمن أخلاقه طيبة؛ ولذلك فالارتباط بالله - عز وجل - يجعلك تؤمن، وهذا الإيمان يقربك أكثر من الله - سبحانه وتعالى -، والمؤمن يؤتمن على الناس وأموالهم وأسرارهم.. ثم نظر إلى عيني الشاب وقال له: أخبرني الآن.. هل أنت مؤمن؟ فقال له: أنا مؤمن، ولكن ليس بهذا الأسلوب الذي تتحدث عنه؛ فمن الممكن أن يكون هناك من يؤمن بالله - عز وجل - ولكنه يسرق الناس، وهو كذلك يصلي ويصوم، وأنت علمتني شيئاً هاماً جداً، فقد يكون هناك من يتعامل مع الناس بالحسنى في ظاهره ويصلي ويصوم، ولكنه قد يسرق أو يكذب عليهم أو يخونهم في أمانتهم، وهذا فيه سمة من سمات المنافق، فالله - عز وجل - هو الذي يوزع الأرزاق، وهو - سبحانه وتعالى - قد يغفر أي شيء، ولكن في حقوق الناس فلابد من طلب المسامحة من صاحب هذا الحق، فإذا أردت أن تصل إلى الطريق إلى الامتياز، ولكي تصل إلى الطريق إلى الله - عز وجل - فلابد من التقرب إلى الحق - سبحانه وتعالى -، والله - عز وجل - أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين، وهو - سبحانه وتعالى - لا يرضى بالظلم أبداً، كما روى الإمام مسلم عن أبي ذر - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما روى عن الله تبارك وتعالى أنه قال: "يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً
(1/41)

فلا تظلموا ... " (1) .. وطالما أنك في الطريق إلى الامتياز فلابد من أن تعطي الناس حقوقها، ومن العطاء الذي تحدثنا عنه أن تعطي الناس حقوقهم، ومن العطاء والحب في الله أن تكتم أسرار الناس، وأن تبتعد عن الغيبة والنميمة، وسوف نتكلم عن ذلك بالتفصيل في المحطة القادمة إن شاء الله - عز وجل -، ونحن مازلنا نتكلم عن الارتباط بالله - عز وجل - من التسامح المتكامل، والحب في الله ولله، والعطاء غير المشترط، والإيمان بالله - عز وجل -، وهذا الإيمان باللهب - عز وجل - سيصل بك إلى شيء هام جداً في الارتباط بالله.. فنظر الشاب وقال له: وما هو؟! فأنا الآن أشر بحلاوة لم أشعر بها من قبل فما هو السبب أني أشعر بهذه الحلاوة؟! لقد شعرت أن هذا هو الطريق إلى الامتياز.. فقال له: إنك كنت تركن إلى الأسباب -كما يفعل بعض الناس- دون أن تنتبه إلى أن الجذور الأساسية الموصلة للنجاح أساسها من عند الله - عز وجل -.. ثم قال له: سوف أكرر لك مرة أخرى، كي تظل ذاكراً لهم ولا تنساهم في خضم الحياة، فكرر معي: ما هو أول شيء؟ فقال: التسامح المتكامل.. قال له: وبعد ذلك؟ فقال له: الحب في الله والحب لله.. قال له: وبعد ذلك؟ فقال: العطاء غير المشترط.. فقال له: يعني أن
__________
(1) سورة آل عمران: 159.
(1/42)

لا تشكو من أنك تعطي الناس ولا تأخذه منهم.. ثم قال له: وبعد ذلك؟ فقال: الإيمان بالله، وأن أي شخص يكون معي فسيكون في أمان وضمان، وسأحافظ على الناس، وعلى أموالهم، وعلى أسرارهم، وأعمل في تجارتي كما علمنا الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وهو الصادق الأمين، وأنا سأكون صادقاً وأميناً إن شاء الله.. فقال له: أنت الآن تمشي في الطريق الصحيح إلى الامتياز، وبعد ذلك لكي تصل إلى الارتباط بالله - عز وجل - فطالما أنك وصلت للإيمان فتسجد نفسك وصلت للطاعة دون أن تشعر أو تتكلف ذلك..
* الطاعة:
وحينئذٍ قال الشاب للحكيم: أنا أطيع الله - عز وجل -.. فقال له: فماذا تفعل؟ قال: أصلي وأصوم وأفعل ما أمرني الله به.. فقال له: ولكنك قد تكذب أحياناً، وقد تحقد أو تشك أو تكره، وما شابه ذلك، ولكنك يجب أن تعلم أن الطاعة تنقسم إلى قسمين، وهما:
أولاً: فعل المأمور.. أي فعل كل ما أمر الله - عز وجل - به، من صلاة وصيام وصدقة وحج.. إلخ تلك الطاعات.
(1/43)

ثانياً: ترك المحذور.. أي الابتعاد تماماً عن كل ما نهى الله - عز وجل - عنه، فقد نهانا أن نبتعد عن السرقة والزنا وشرب الخمر، ونهانا عن كل مساوئ الحياة بما فيها التدخين، فابتعد أيها الشاب عن التدخين؛ لأنه من أسوأ المساوئ التي اخترعها الإنسان لتدمير نفسه؛ فالتدخين يسبب الأمراض، والمدخن يكون ظالماً لنفسه ولمن حوله، فابتعد أيها الشاب عن التدخين فإن فيه عذاب الدنيا، وفيه عذاب القبر، وفيه عذاب يوم الدين، ولسوف يسألك الله - عز وجل - عن كل شيء.. عن عمرك ومالك وشبابك، فعن أبي برزة الأسلمي قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن عمره فيمَ أفناه، وعن علمه فيمَ فعل، وعن ماله من أين اكتسبه وفيمَ أنفقه، وعن جسمه فيم أبلاه" (1) .. فإن سألك وقال لك: أنت تأكل لأنك جوعان، وتشرب لأنك عطشاه، فلماذا تدخن؟! فهل ستجد إجابة على هذا السؤال..
فقال له الشاب: على فكرة، أنا مدخن.. فقال له الرجل: كرر معي الآن: أنا كنت مدخناً، والحمد لله تخلصت من هذه العادة من الآن.. فردد الشاب معه قوله، ثم قال له: لقد أقلعت عن التدخين منذ هذه
__________
(1) سورة آل عمران: 159.
(1/44)

اللحظة.. فقال له الحكيم: لقد أقلعت عن التدخين لترضي الله - سبحانه وتعالى -، فأنت تركتها لله، ومن ترك شيئاً لله - سبحانه وتعالى - عوضه الله خيراً منه.
عوضك الله المال والصحة والزوجة الصالح والسعادة في الحياة، ويعوضك بأناس تحبهم ويحبونك، فتخيل أنك أعطيت وتركت لله وفي الله، وأحببت لله وفي الله، فالله - عز وجل - سوف يعطيك أفضل منها، وسيعطيك أكثر مما تتخيل.. فقال له الشاب: الحمد لله فقد تركتها وأقلعت عن التدخين.. فقال له: إن هذا لا يكفي، بل لابد من أن تساعد أكبر عدد من الناس كي يتخلص من هذه العادة الذميمة.. فقال له: سوف أساعد أكبر قدر ممكن من الناس للإقلاع عن التدخين، وأن ذلك مكاسب له، منها كسب الصحة؛ فبدون الصحة لا يستطيع العمل، ولا يستطيع اتخاذ القرار.
* الصلاة:
قال الشاب: وماذا بعد ذلك؟ فقال الرجل: إن الصلاة على وقتها من الطاعة التي تحدثنا عنها، فلابد من اتصال الصلة مع الله - عز وجل -، فعندما
(1/45)

تقول: "الله أكبر" لابد وأن تعرف أن الله أكبر من كل شيء، ولا ينبغي أن تصلي قبل أن تكون مدركاً فعلاً ماذا ستفعل، وعندما تصلي يجب أن تصلي صلاة صحيحة، وعندما تنفق من وقتك في أي شيء فيجب أن يكون في شيء صحيح، فعندما تزكي مثلاً يجب أن تزكي زكاة صحيحة، وأي إنسان جاهل أو ضال يجب أن تساعده وأن تستفيد منه.. فقال له: وكيف أستفيد منه؟! فقال له: ساعده فهذه صدقة، والمسه واربت على كتفه، فهذه صدقة؛ لأنك حنوت عليه، وابتسم في وجهه، وادعُ له أن يفتح الله عليه، فعن أبي ذر - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "تبسمك في وجه أخيك لك صدقة، وأمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر صدقة، وإرشادك الرجل في أرض الضلال لك صدقة، وبصرك للرجل الرديء البصر لك صدقة، وإماطتك الحجر والشوكة والعظم عن الطريق لك صدقة، وإفراغك من دلوك في دلو أخيك لك صدقة" (1) .. فأنت إن فعلت ذلك أجراً عظيماً وحسنات متعددة في عمل واحد، فكل شيء تفعله في سبيل الله تستفيد منه؛ لأنه يقربك من الله - سبحانه وتعالى - أكثر.. ثم قال الرجل: كرر لي مرة أخرى أيها الشاب ما قلنا.. فقال له: التسامح المتكامل.. فقال له:
__________
(1) رواه الترمذي.
(1/46)

وبعد ذلك؟! فقال: الحب في الله والحب لله، وبعد ذلك العطاء غير المشترط، وبعد ذلك الإيمان بالله - عز وجل -.. فقال الرجل: أنا سأوقفك عند الإيمان بالله.. ثم قال له: هل تعرف ماذا يعني الإيمان بالله؟! فقال: أعرف.. فقال له الرجل: فماذا يعني؟ فقال الشاب: أن أكون مؤمناً بوجود الله - عز وجل -.. فقال الرجل: إن هذا لا يكفي.. فقال الشاب: فماذا يعني؟! قال له: من كمال الإيمان بالله - عز وجل - أن تؤمن بكل ما جاء عن الله - عز وجل - وعن رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وتؤمن بكل الكتب التي ذكرها والتي لم يذكرها، وأن تؤمن بكل الرسل وأنبياء الذي ذكرهم والذين لم يذكرهم، ولتقُل معي: اللهم إني أشهدك وأشهد حملة عرشك وملائكتك ورسلك وجميع خلقك أنك أنت الله وحدك لا شريك لك، فأنت الأول والآخر، وأنت الظاهر والباطن، وأنت المقدم والمؤخر، وأنت المعطي والكريم، وأنت المنتقم الجبار، وأنت أرحم الراحمين.. فإذا بالشاب قد أخذ يبكي من حلاوة ذلك الكلام، ثم أكمل الحكيم: وأشهد أن الجنة حق، وأن النار حق، وأشهد باليوم الآخر، وأشهد بالملائكة، وأشهد بكل ما جاء من عند الله - سبحانه وتعالى -، وبذلك تكون مؤمناً حقاً.. فقال الشاب: آمنت بالله.. فقال له: وتؤمن بأن محمد - صلى الله عليه وسلم - رسول الله ونبيه.. فقال الشاب: أشهد أن
(1/47)

سيدنا محمداً رسول الله، وأشهد أن الجنة حق، وأن النار حق، وأشهد بالملائكة، وباليوم الآخر، وأشهد بجميع الرسل والأنبياء الذين ذكرهم والذي لم يذكرهم.. فقال له: أنت الآن آمنت بالله - عز وجل -؛ فاخرج إلى الناس الآن وقد تسلحت بهذه الأسلحة الرائعة من عند الله - عز وجل -.
التسامح المتكامل، والحب في الله ولله، والعطاء غير المشترط، والإيمان بالله.. ثم سكت الرجل الحكيم وابتسم، فقال له الشاب: يبدو أنت هناك الكثير والكثير.. فقال له الرجل: نعم فكل هذا جميل، ولكنه لا يكفي أيضاً.. فقال الشاب: وماذا أيضاً؟!
* الإخلاص:
وهنا قال له الحكيم: إنه الإخلاص، فإذا نظرت أيها الشاب فتسجد أن الإيمان بالله يأخذك إلى الطاعة، والطاعة تأخذك إلى الإخلاص؛ فأنت لا يمكن أن تطيع إنساناً دون أن تكون متأكداً من أن عنده القدرة على فعل شيء أنت تريده منه، فأنت توكل محامياً وأنت تعرف أن عند هذا المحامي القدرة على أن يدافع عنك؛ ولذلك فأنت تطيعه، وعندما تذهب للطيب ويحدد لك موعد لعمل عملية ما فإنه يقوم بعمل العملية
(1/48)

في الموعد الذي ضربه لك، وأنت تطيعه في كل ذلك، وعندما يقول لك أي شيء فأنت تطيعه ويخدرك بالبنج وتسمع كلامه، ويفتح قلبك ولا تتكلم؛ وذلك لأنك معتقد في قدراته، فالإيمان بالله يصل بك إلى الطاعة، والطاعة تصل بك إلى الطريق الذي يليها وهو الإخلاص، فلا يمكن أن تؤمن بالله - عز وجل -، والله - سبحانه وتعالى - يقول: {فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} (1) ، وقال - عز وجل -: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} (2) ، وقال - عز وجل -: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} (3) ، وعن أمير المؤمنين أبي حفص عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه" (4) ، وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن الله لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم،
__________
(1) سورة غافر: 14.
(2) سورة الكهف: 110.
(3) سورة البينة: 5.
(4) متفق عليه.
(1/49)

ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم" (1) .
إن هذا هو الإخلاص، فعندما تكون مخلصاً لله - سبحانه وتعالى - تجد أنك قد أخذت هذا الإخلاص صفة وسمة، ويفتح الله عليك، فأي عمل بدون إخلاص وكأنك لا تعمل؛ لأنك تجد حلاوة العمل عندما تشعر فيه بالإخلاص والارتباط بالله - سبحانه وتعالى -، وحلاوة الطاعة هي الارتباط بالله، فالطاعة لابد أن تكون لله وفيها إخلاص لله - عز وجل -.
* الوفاء:
وعندئذٍ قال الشاب: وبعد ذلك؟! فقال: الوفاء.. قال الله - سبحانه وتعالى - في كتابه العزيز: {وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا} (2) ، وقال أيضاً: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} (3) ، وعن عبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "أربع من كُنَّ فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا اؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذ عاهد غدر، وإذا خاصم فجر (4) .. ثم نظر إليه الحكيم
__________
(1) رواه مسلم.
(2) سورة الإسراء: 34.
(3) سورة المائدة: 1.
(4) متفق عليه.
(1/50)

وقال له: لو أن شخصاً عاهدك ثم لم يوف معك بذلك العهد، فماذا ستشعر؟ قال: سأغضب منه غاية الغضب.. فقال له: فهل يمكن أن تثق فيه بعد ذلك يوماً ما؟ فقال له: كلا؛ فقد كذب عليَّ قبل ذلك ولم يوف بعهده، فكيف أثق فيه؟! فقال له: ولله المثل الأعلى، فمن الممكن أن تكون طائعاً ومؤمناً ومخلصاً، ولكنك لا توفي بالعهد مع الله - عز وجل -، وبالتالي فلن توفي بعهدك مع الناس.. وعدم الوفاء بالعهد أضاع منك كل شيء.. من الإيمان والطاعة والإخلاص..
إن الإيمان بالله يجعلك تشعر بروعة الطاعة، ولكي تشعر بروعة الطاعة لابد وأن يكون عندك إخلاص تام لله - عز وجل -، وحتى يكون عندك إخلاص، وطالما أنك وفيٌّ للمولى - عز وجل - فأنت تتحلى بهذه الصفات، وكما يقول الله - عز وجل -: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ} (1) .. فالوفاء بالعهد مع الله - سبحانه وتعالى - من أهم جذور الطاعة، والطاعة من أهم جذور الإيمان بالمولى - عز وجل -، وكما ترى أيها الشاب أن كل ذلك من أساس الطريق إلى الامتياز، فالناس تأخذ
__________
(1) سورة الصف: 2، 3.
(1/51)

بالأسباب وتنسى مسبب الأسباب، فتهلك بهذه الأسباب، فليست الأسباب وحدها هي التي تُنجِح، فمن الممكن جداً -كما حدث لك- أن تأخذ بكل الأسباب ثم لا تنجح، ولكن عندما تأخذ بالأسباب مع التوكل على مسبب هذه الأسباب - سبحانه وتعالى - فلابد وأن تنجح، حتى ولو كان في مجال آخر غير المجال الذي اخترته لنفسك.. من تسويق وإدارة وخدمة عملاء وعلاقات عامة، وبمجرد توكلك على الله - عز وجل - تجده يعطيك أشياء أخرى لم تكن تتوقعها..
وهنا نظر الرجل إلى الشاب وقال له: ماذا تعلمت حتى هذه اللحظة؟ فقال له الشاب: تعلمت أن الارتباط بالله - عز وجل - من أهم جذور النجاح.. فقال له الرجل: وكيف ترتبط بالله - عز وجل -؟ فقال: التسامح المتكامل.. فقال له: لماذا؟ فقال: حتى أضع هذا الحمل الثقيل من على كتفي، وأتخلص من هذه الطاعة السلبية التي تبعدني عن الله - سبحانه وتعالى -.. قال له: وبعد ذلك؟ قال: الحب في الله والحب لله، وبعد ذلك العطاء، غير المشترط، ولا أشتكي من أنني أعطي الناس ولا أحصل منهم على شيء، ثم بعد ذلك الإيمان.. فقال له: وماذا يعني الإيمان؟ فقال له: الإيمان بالله - عز وجل -، وبكل ما أخبر به المولى - عز وجل -، وبأنه الأول والآخر والظاهر والباطن،
(1/52)

وهو الوالي والمتعالي والبر المنتقم والعفو والرءوف، وهو أرحم الراحمين، وهو أكرم الأكرمين، والإيمان بكل ما جاءنا عن الله - سبحانه وتعالى - وبكل ما أمر به، وبكل الرسل والأنبياء الذين ذكرهم والذي لم يذكرهم، وأشهد بأن الجنة حق وأن النار حق..
فنظر إليه الرجل بابتسامته الهادئة، وقاله له: تعلمت الكثير أيها الشاب.. فقال له: تعلمته منك.. فقال له: كلاَّ، بل أنا مجرد سبب من ضمن الأسباب في طريقك إلى الامتياز، وقد سخرني الله - سبحانه وتعالى - كي أساعدك، وأنت أيضاً ستعلم أكبر عدد من الناس.. فقال الشاب: وأنا أعدك بذلك.. فقال له الرجل: لا تَعِدْ دون أن تكون قادراً على تنفيذ ما تعد به، فاجعل الوعد في وقته الصحيح.. فقال له الشاب: هل هذا هو آخر شيء؟! فقال الرجل: كلا، فأنت قمت بكل شيء، بداية من التسامح المتكامل، والحب في الله ولله، والعطاء غير المشترط، والإيمان التام بالله - عز وجل -، والطاعة التامة، والإخلاص، فتجد نفسك مرتبطاً أكثر بالله - سبحانه وتعالى -، ولكن تبقى أشياء أخرى، مثل التوكل على الله - سبحانه وتعالى -..
(1/53)

* التوكل على الله:
فقال الشاب: وما هو التوكل على الله؟ فقال له الرجل: يجب أن تتوكل على الله - عز وجل -، حيث إن الله - سبحانه وتعالى - أمرك بالأخذ بكل الأسباب ثم تتوكل على الله، كما قال - سبحانه وتعالى -: {فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} (1) .. ومعنى ذلك أن تضع العزم أولاً، ولكن كي تضع العزم وتتوكل على الله فلابد وأن تنوي؛ لأنك بمجرد أن ترغب فقد تولدت النية، وحين تقرر تحقيق هدف تتولد النية، إذن فينبغي عليك أن تتعرف على النية أيها الشاب؛ لأن النية هي أعماق أفكارك، والنية تسبب ضميرك، وضميرك يسبب أحاسيسك وسلوكك، ثم تخرج إلى العالم الخارجي؛ لأن الله - سبحانه وتعالى - ينظر إلى النيات، ينظر إلى النية في القلوب، وينظر إلى ضمائر الناس؛ ولذلك يجب عليك قبل أن تبدأ في أي عمل أن تقول: نويت أن آخذ بالأسباب وأتوكل عليك يا رب العالمين، ونويت الإيمان التام يا رب العالمين، ونويت طاعة تامة وإخلاصاً تاماً ووفاء تاماً يا رب العالمين، ونويت أن آخذ بالأسباب كلها يا رب العالمين، ونويت التوكل عليك يا رب العرش العظيم.. ثم تبدأ في الطريق إلى الامتياز، فالنية
__________
(1) سورة آل عمران: 159.
(1/54)

تسبق كل شيء..
ثم نظر الحكيم إلى الشاب وقال له: والآن أيها الشاب هل نويت؟ فقال الشاب: نعم نويت.. فقال له: على أي شيء نويت؟ فقال له: نويت الإيمان بالله - عز وجل -.. فقال له: وبعد ذلك؟ فقال: نويت الطاعة التامة والإخلاص.. قال له: ثم ماذا أيضاً؟ قال: ونويت الوفاء التام.. قال له: بذلك أنت الآن جيد جداً، ولكن يبقى شيء آخر.. فقال له: وما هو؟ فقال له: التفاؤل..
* التفاؤل:
وهنا نظر الحكيم إلى الشاب بعينين براقتين يملؤهما نور التفاؤل، ثم قال له: يا بني لا يمكن للمؤمن أن كون مؤمناً إلا إذا كان متفاءلاً بأن الله - سبحانه وتعالى - سيمنحه الخير؛ لأن ربنا - سبحانه وتعالى - طمأنك أنه لا يضيع أجر من أحسن عملاً، وأنت حين تضع نفسك في حيز الفعل، وتأخذ بكل الأسباب، وتتوكل على الله - عز وجل - في طاعة تامة، وتحب في الله ولله، وتخلص لله، وتفي لله.. بعد كل ذلك هل تظن أن الله لن يمنحك ما تريد؟! فقال له: كلا، بل إنه يقيناً سيمنحني.. فقال له الرجل: هذا اليقين هو ما أوصانا به
(1/55)

رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهو توقع مجيء الإجابة بعد الدعاء، وهذه هي الخطوة القادمة يا بني، وهي الدعاء والذكر لله - عز وجل -..
* الدعاء والذكر:
وعندئذٍ قال الحكيم: يا بني.. طالما أنك في هذه الحياة الدنيا يجب عليك أن تدعو الله - سبحانه وتعالى -، فالدعاء من أفضل العبادات التي تقرب بها إلى الله - سبحانه وتعالى -، بل لقد أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن الدعاء هو نفس العبادة، فعن النعمان بن بشير - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "الدعاء هو العبادة" (1) ..
وكذلك الذكر، فالذكر هو زاد المؤمن في طريقه إلى الله - عز وجل -، ومن أفضل الذكر عند الله - عز وجل - قول: لا إله إلا الله.. فالزم هذه الكلمة طوال وقتك، وكذلك الزم دائماً قول: الحمد لله.. قُلها في السراء والضراء.. قل: الحمد لله، وكلما أصابك شيء فقُل: الحمد لله، وسوف تستفيد منها دائماً، ولو أن هناك خطراً محدقاً بك ثم قلت: الحمد لله فسيبتعد عنك هذا الخطر، وإذا اتقيت الله - سبحانه وتعالى - فسيجعل لك مخرجاً دائماً وسيرزقك من حيث لا تحتسب، وطالما أنك في هذه الحياة الدنيا فعليك بقول: لا إله إلا الله
__________
(1) رواه أبو داود والترمذي.
(1/56)

وقول: الحمد لله، وكلما وجدت وقتاً فيجب عليك أن تملأ بذكر الله - عز وجل - وشكره وحمده ودعائه والثناء عليه، فيستمر الربط بينك وبين الله - سبحانه وتعالى -..
فقال له الشاب: هل هذه هي النهاية؟ فقال له الرجل: كلا؛ فكل هذا جزء صغير مما قد أعطانا الله - سبحانه وتعالى -، وهناك أشياء كثيرة سوف نتعلمها معاً ونحن في الطريق إلى الامتياز.. وهذه يا بني هي أول جذور الارتباط بالله - سبحانه وتعالى -..
فقال له الشاب: وبعد ذلك، ما هي الجذور الثانية؟
فقال له الرجل: إنها الأخلاق..
(1/57)

الطريق إلى الامتياز
الأخلاق
(1/59)

الأخلاق
إن الأخلاق من أهم صفات المؤمن المطيع لله - عز وجل - والمخلص والمحب له - سبحانه وتعالى -، فقد تكون جيداً في مهنة ما.. أو في مادة ما.. ولكن إذا لم تكن أخلاقك ممتازة فكيف ستتعامل مع نفسك ومع الناس؟!
بالأخلاق تستطيع أن تتمكن من قلوب الناس.. وأن تقنعهم بما تريد.. وبالأخلاق ترى مصالح الناس قبل أن ترى مصلحة نفسك..
وفي ذلك يقول الحق - سبحانه وتعالى - لرسوله العظيم - صلى الله عليه وسلم -: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} (1) .. فلم يذكر الخلق فقط، وإنما ذكر الخلق العظيم، وأكد ذلك قول رسول الكريم - صلى الله عليه وسلم -، حين قال: "إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق" (2) ..
__________
(1) سورة القلم: 4.
(2) سورة القلم: 4.
(1/61)

فإذا نظرت أيها الشاب إلى هاتين الحكمتين لوجدت أن الله - سبحانه وتعالى - قد أكد لنا وصفه لرسوله الكريم - صلى الله عليه وسلم - بأنه على خلق عظيم، ذلك الرسول الكريم الذي أخبرنا أنه بعث ليتمم مكارم الأخلاق، فيا لها من روعة أيها الشاب!!
فعليك أن تنتبه دائماً لأخلاقك، ولطريقة كلامك مع الناس، وأنا في لحظات قليلة سوف أعطيك معادلة بسيطة عن كيفية الوصول للأخلاق الحميدة؛ لأنك بدونها لن تستطيع أن تتماشى مع الدنيا.. فعقب الشاب على هذا الكلام وقال له: لقد قرأت ذات مرة في كتاب يقول: إن إحدى الجامعات الكبيرة في العالم تقول: إن المهارات المهنية لا تمثل أكثر من 7%، وأن الأخلاق تمثل 93%، وساعتها لم أفهم هذا الكلام، لدرجة أنني تركت الكتاب؛ لأني لم أفهم منه شيئاً؛ فأنا مثلاً درست في الدراسة أنني تركت الكتاب؛ لأني لم أفهم منه شيئاً؛ فأنا مثلاً درست في الدراسة الابتدائية، ثم بعدها دخلت الإعدادية، ثم الثانوية، ثم دخلت الجامعة، ثم الدراسات العليا، وحصلت على الماجستير، ثم الدكتوراه، وبعد كل ذلك كل هذا لا يمثل 7% فقط؟! ثم أنا أستمع الآن إليك في حديثك عن الأخلاق، وأن الأخلاق هي كل شيء، وأن الأخلاق أهم من أي شيء آخر، وأن الأخلاق عند الله - سبحانه وتعالى - هامة جداً، وتقربك أكثر من المولى
(1/62)

- عز وجل -، وبالأخلاق تتعامل مع الناس، وبالأخلاق تجعل الناس تحبك وتلتف حولك.. ولكن كيف تكون المهارات المهنية لا تعدو 7% فقط؟!
فقال له: لأنك من الممكن أن تتعلم أي مهنة كانت صعبة، وطالما أن شخصاً واحداً قد تعلمها أي مهنة موجودة في الإدراك، وموجودة في الكتب، ومن الممكن أن يتعلمها أي شخص آخر، سواء في يوم أو في شهر أو في سنة، ولكنه في النهاية سيتعلمها، ولكن ما هو السبب أن هناك أناساً ناجحين وأناساً غير ذلك، وأناساً متميزين وأناساً غير ذلك، مع أن كل الناس عندهم نفس أشياء الأربع التي قدمناها، فكل البشر عندهم الخامات، أي الحواس الخمس، وعندهم الطاقة، وأسلوب الفكر والمنطق والتحليل، والوقت 24 ساعة في اليوم، فما الفارق بين شخصٍ وآخر؟! وما الفرق بين الشخص المتميز والشخص غير المتميز؟! سنجد أن السبب يكمن في كل الذي ذكرناه سابقاً، وسنجد أن أخلاق الشخص المتميز عالية، وإذا واجهته أية مشكلة فهو يتسامح بسرعة، والسبب في أنه ليس لديه وقت ليضيعه هنا وهناك؛ لأنه يعرف أن وقته محدود في الدنيا، وأن هذه اللحظة قد تكون آخر لحظات حياته، فهو يفكر بطريقة سليمة، والإنسان المتميز يسأل نفسه دائماً: هل
(1/63)

يمكن أن تكون هذه اللحظة هي آخر لحظات حياتي؟ والإجابة: بالطبع نعم.. فاسأل نفسك: هل الذي تفعله في هذا الوقت يساوي هذا الاستثمار؟ فستجد أنك - إذا لم تكن أخلاقك جيدة- أعصابك وأحاسيسك مشتعلة، وستجد أن العقل العاطفي مشتعل، وفي هذه الحالة لن تحقق أي شيء؛ فالأخلاق أفضل وأحسن ما يدخر لمثل هذه الملمات؛ ولذلك فنحن تكلمنا عن الإيمان وعن التسامح المتكامل، فلا يمكن أن تسامح بشكل متكامل إلا عندما تكون مؤمناً بالله - عز وجل -، وتطيع الله، وتخلص للحق - سبحانه وتعالى -، وعندك وفاء تام لله - عز وجل -، وعندما تفكر في كل ذلك ستجد أنه يصل بك إلى الأخلاق الحميدة، ونحن نرى أن الإنسان طالما أن حسن الأخلاق فإن الناس تحبه وتحب أن تكون معه دائماً، وقد تجد شخصاً ناجحاً جداً ولكنه مع ذلك وحيد؛ لأن الناس لا تحبه لسوء خلقه، والأخلاق تجعلك تصل إلى كل شيء جميل، والله - عز وجل - جعلنا شعوباً وقبائل لنتعارف، كما قال - عز وجل -: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} (1) ، ونحن كذلك نرى أن الناس تنقض من حول الشخص
__________
(1) سورة الحجرات: 13.
(1/64)

الفظَّ، كما قال الله - عز وجل -: {وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} (1) .. فيسبب أخلاقك وحبك لله - سبحانه وتعالى - ولسانك الحلو الجميل العذاب الذي يذكر الله - عز وجل -، ويحب الله - سبحانه وتعالى -، بسبب كل ذلك تجعل الناس التي معك تشعر بطاقة إيجابية..
وهنا رد عليه الشاب وقال له: أظن أن مما يؤيد هذا الكلام ما قرأتُ لأحمد شوقي حين قال:
إنما الأمم الأخلاق ما بقيت ... فإذا همو ذهبت أخلاقهم ذهبوا
فقال له: فعلاً كما قلت تماماً، وكذلك مما يؤيد هذا الكلام ما قاله حافظ إبراهيم:
وإذا رُزقت خليفة محمودة ... فقد اصطفاك مقسم الأرزاق
فقال له: تدبر هذه الروعة أيها الشاب، فأنت الآن تعقب على كلامي بكلام طيب جميل، وهذا الكلام خرج منك الآن لأنك تحب الله - عز وجل -؛ فجعل الله لسانك عذباً وجميلاً، وجعلني أذكر لك حكمة عربية تقول: (تواضع عن رفعة، واصبر عن حكمة، وأنصف عن قوة، واعفُ عن قدرة) فقال له الشاب: هذا كلام جميل جداً، وأنا أشهر الآن أني مستعد أن أقابل أكبر عدد من الناس؛ لأني متسلح بحب الله - عز وجل -، وبارتباطي بالله
__________
(1) سورة آل عمران: 159.
(1/65)

- عز وجل -، وبطاعتي وإخلاصي له، وبالوفاء والنية التامة له - سبحانه وتعالى -، وبأخلاق رائعة أعامل الناس..
فاقترب منه الحكيم، وقبَّل جبينه بابتسامة رائعة وجميلة، ثم قال له: فتح الله عليك، وسوف ترى كيف سيفتح الله عليك أكثر مما كنت تتخيل؛ لأنك استطعت أن تعرف الحكمة من الطريق إلى الامتياز، وهو في الحقيقة (الطريق إلى الله - سبحانه وتعالى -) ؛ فكل شيء أنت تعمله أنت تعمله لله - سبحانه وتعالى - وفي الله، وتعامل الناس لله وفي الله، وتسامح الناس لله وفي الله، وتحب الناس لله وفي الله، ولكن هناك شيئاً هاماً جداً أيها الشاب.. ثم اقترب منه وقال له: يا بني.. إياك أن تعامل الناس بسلوكياتهم، وهذا هو أول درس في فن الاتصال مع الناس، فاحرص دائماً على أن تفصل بين الشخص وبين سلوكه.. فقال له الشاب: لا أفهم، كيف أستطيع أن أفضل بين الشخص وبين سلوكه؟! فرد عليه الحكيم وقال له: إن الإنسان هو أفضل مخلوق عند الله - سبحانه وتعالى -؛ فلقد قال الله - عز وجل -: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} (1) ، ويكفينا فخراً أن الله - سبحانه وتعالى - خلقنا بيده الكريمة، ولذلك سخر لنا ما بين السماوات والأرض، فلقد قال - سبحانه وتعالى -: {اللَّهُ الَّذِي
__________
(1) سورة التين: 4.
(1/66)

خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ (32) وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (33) وَآَتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} (1) .
فكان من الممكن أن يقول لك كما يقول لأي شيء: كن فيكون، ولكنه - سبحانه وتعالى - عظمك وشرفك فخلقك بيده الكريمة، وخلق لك كل شيء.. خلق لك المخ، ذلك المخ الذي عندك أيها الشاب فيه 150 مليار خلية عقلية، وعنده القدرة على استيعاب 2 مليون معلومة في الثانية الواحدة، وهو أسرع من الضوء 186 ألف ميل في الثانية الواحدة..
فنظر له الشاب متعجبًّا!! فقال له الحكيم: أتعجب والله - عز وجل - يقول: {وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ} (2) ؟!
يا بني.. إن فيك مضغة (قطعة لحم) ، وهي القلب يدق أكثر من 100 ألف مرة في اليوم الواحد، بدون أن تفكر أنت في ذلك، وكل شيء فيك يتحرك بحكمة رائعة، فالله - سبحانه وتعالى - سخر لك كل شيء، وبمجرد أن تقرر أن ترفع يدك فإنك تستطيع أن ترفعها، وبمجرد أن تقرر أن تتحرك فإنك تستطيع أن تتحرك، والله - عز وجل - أمر كل شيء فيك أن يطيعك ويتحرك
__________
(1) سورة إبراهيم: 32: 34.
(2) سورة الذاريات: 21.
(1/67)

كما تريد، ولذلك فيجب أن تنتبه يا بني إلى الفصل بين الشخص وبين سلوكه؛ لأن هذا الشخص هو أفضل مخلوق عند الله - عز وجل -، ونفخ فيه من روحه، وجعله خليفة له في الأرض؛ ولذلك يجب أن تفصل بين الشخص وبين سلوكه، وعندما تركز على شخص فركز على الشخص نفسه؛ لأن الإنسان هو أفضل مخلوق عند الله - عز وجل -، فحاول أن تغير سلوكه..
فقال له الشاب: وكيف أغير سلوك شخص قد أهانني مثلاً؟! فقال له:
ركز على رسالته هو؛ فهذه الإهانة هي النتيجة التي سمعتها أنت، كتعبيرات وجهه، وتحركات جسمه، وتنفسه، ولكن ما هو السبب الذي جعل هذا الشخص يصل إلى هذه الحالة؟
فنظر إليه الشاب وقال له: أنا فعلاً قال لي شخص ذات يوم: يا غبي.. فقلت له: لماذا قلت لي ذلك؟! فقال: لأنك أهنتني.. فقلت: أنا لم أهنك.. فقال لي: كلا، بل أهنتني حين قلت لي كذا وكذا.. فقلت له: بالعكس، فأنا لم أقصد ذلك نهائياًَ، لقد كنت أقصد شيئاً آخر، وأنا في جميع الأحوال أعتذر لك.. فقال لي الرجل: وأنا آسف على ما قلت لك..
(1/68)

فقال له الحكيم: فهذه هي الأخلاق، وهذا هو التركيز على الرسالة؛ لأن سلوك كل شخص يكون وراء رسالة، وكل رسالة فيها قيمة، وكل قيمة فبها نية، والنية إيجابية للشخص، ولك أيضاً، فإذا ركزت على رسالته فستعرف قيمته، وإذا عرفت قيمته فستعرف نيته، وعندما تتعامل مع هؤلاء تكون أفضل الناس في فن الاتصال، وهذا النوع من الاتصال يصل بك إلى نقطة رائعة وهي التوافق، وعندما تصل إلى ذلك تأكد أن الله - عز وجل - سيبارك لك أكثر وأكثر؛ لأن الشخص الذي أمامك إذا كان شديد الغضب فبحكمتك ستعينه على أن يذهب عنه ما به، وطالما أنك ستعينه فليس هو الذي هدأ فحسب، بل أنت أيضاً؛ فمن هذه اللحظة أوصيك يا بني أن تركز على الرسالة، ولا تركز على السلوك؛ لأن كل سلوك وراءه رسالة، وعندما تركز على الرسالة يكون هناك اتصال، وإذا ركزت على السلوك يكون هناك رد فعل، وطالما كان هناك رد فعل إذن فأنت تدافع عن نفسك، وأنت لا تحتاج لأن تدافع عن نفسك، بل كل ما في الأمر أنك تتصل وتعطي رأيك في الشيء، ولا تعطي رأيك في الشخص، فعندما تكون في مشكلة عميقة يجب عليك أن تركز على أن هذا الإنسان أفضل مخلوق عند الله - عز وجل -، وابدأ باستمرار أيها
(1/69)

الشاب من نقطة الاتفاق، وإياك أن تبدأ من نقطة الاختلاف مع أي شخص؛ لأنك بمجرد أن تبدأ من نقطة الاختلاف فيبدأ هذا الشخص في أن يدافع عن نفسه، وتزداد خفقات قلبه، ويتسارع تنفسه، تزداد درجة حرارة الجسم، ودمه يغلي، وهكذا.. وتتكون لديه كمية كبيرة من الأدرينالين بهذه القوة مع شخص آخر حتى ترجعه كما كان أولاً فستأخذ منك المسألة وقتاً كبيراً، ولكن ابدأ دائماً من نقطة الاتفاق، وهذه هي أعلى نقاط الاتصال التي تبنيها، وهي التوافق مع الآخرين.. فسأله الشاب: وإذا اختلفت مع شخص ما فماذا أفعل؟ فقال له الحكيم: اعمل شيئاً مهماً جداً، وهو التعاطف.. فقال له: وماذا يعني التعاطف؟
* التعاطف:
قال الحكيم: أنا أسمعك جيداً، وأراك جيداً، وأشعر بك جيداً، ثم بعد ذلك أسألك بالتحديد، فعندما نتعاطف معاً نصبح أنا وأنت في نفس المكان، ولكن إذا لم يكن هناك تعاطف لأصبح أحدنا ضد الآخر، وبالتعاطف تصبح متواصلاً مع الشخص، وبالتفكير والتركيز تحل
(1/70)

المشكلة، ومهم جداً في الأخلاق أن تستمع وتنصت جيداً للشخص؛ ولعل هذا هو السبب أن الله - سبحانه وتعالى - قد وهبنا فماً واحداً وأذنين، لكي نسمع أكثر مما نتكلم، و (خير الكلام ما قل ودل) ، وأنت كلما تسمع وتنصلت تفهم من تستمع إليه أكثر، وتقيِّمه أفضل، وعندما تتكلم فأنت تفهم ما تقوله أنت، وأنت في جميع الأحوال فاهم لكلامك، فأين تظن الفائدة الأكبر؟!
فقال له الشاب: لقد فهمت ما تعني.. أن أسمع أكثر مما أتكلم، ولكن ماذا تعني بأن أنصت؟! فقال له الرجل: تسمع بأذنك، وتنصب بقلبك، وهنا لابد وأن تقول للشخص باستمرار، إن هذا الذي قلته رائع، وإن ذاك الذي فعلته عظيم، ولكن كيف فعلت هذا؛ فأنا مهتم أن أعرف كيف فعلت هذا.. وبهذا تجعل الشخص يقترب منك أكثر، ويحكي لك أكثر؛ لأنك تنصت له، والإنصات يولد الاهتمام، والاهتمام يولد الحب، وطالما ولد الحب فالإنصات من القلوب، والسمع من الأذن..
فقال له الشاب: ممتاز، لأول مرة أعرف الفرق بين الإنصات والاستماع.. ثم قال: ماذا هناك أيضاً؟
(1/71)

فقال له الرجل: أنا سعيد جداً بك الآن؛ فلقد أصبح عندك حب استطلاع شديد، وتريد أن تتعلم أكثر وأكثر، وهذا من ضمن الطريق إلى الامتياز، أن تريد أن تتعلم، وأنا سوف أقدمك لها في مراحل متقدمة.. فقال له: وبعد ذلك؟ فقال الحكيم: التبسم..
* التبسم:
فقال الشاب: التبسم؟!! فقال الرجل: بالطبع، هل تذكر قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "تبسمك في وجه أخيك صدقة" (1) .. ثم قال له: هل تعلم أن وجهك يوجد فيه 80 عضلة، وبمجرد أن تبتسم فقط فإنك تستخدم 14 عضلة، وكل عضلة في الوجه مرتبطة بخلايا عقلية، والخلايا العقلية في المخ تريح الجسم، فعندما تبتسم يرتاح الوجه ويسترخي، وبالتالي يسترخي المخ، وعندما يسترخي المخ يسترخي الجسم كله، وبالتالي ترداد كمية الأدرينالين في الجسم.. فقال له: وماذا تعني زيادة الأدرينالين؟ فقال له: إن الأدرينالين هو المادة التي تزيد من قوة جهاز المناعة في الجسم، وليست هذه هي نتيجة الابتسامة فحسب، ولكن
__________
(1) رواه الترمذي عن أبي ذر رضي الله عنه.
(1/72)

الابتسامة معدية؛ فالشخص الآخر عندما يرى وجهك يبتسم ويرتاح ويسترخي فيبتسم هو الآخر.. فقال له الشاب: فإذا لم تبتسم في وجهي؟ قال له: فتعاطف معه، ووجهه إلى القيادة.. فقال له: وماذا تعني بالقيادة؟! فقال له فقال له: أي القيادة في الابتسامة، فالابتسامة معدية، وبمجرد أن تبتسم أكثر من مرة تجد أن الشخص بدأ يبتسم معك، وعندما يبتسم الشخص تجد أن كل جزء داخله يدعو لك؛ لأنك عندما ابتسمت جعلته يبتسم، وبالتالي فكل جزء فيه ارتاح واسترخى؛ فتأخذ حسنات على كل مكان بداخله، تأخذ حسنة من الكبد، وأخرى من الطحال، وثالثة من الكلى ... وهكذا كل مكان تأخذ عليه حسنات، وهذا يسمى عند علماء الصين (الابتسامة الداخلية) ، وهذه الابتسامة الداخلية عندما قام العلماء بالبحث فيها وجدوا أنها تولد حامضاً يسمى (الجليكوجين) ، هذا الحامض مثل العسل الأسود، فتخيل أنك عندما تبتسم تولد هذا لنفسك، وعندما تجعل الشخص الآخر يبتسم تولد هذا الحامض بداخله، وبالتالي فإن تبسمك في وجه هذا الشخص ليس هو الذي تأخذ عليه حسنة فقط، ولكن كل مكان بداخله تأخذ عليه حسنة؛ لأنها ارتاحت، وعندما ارتاحت أصبحت أفضل، وبالتالي أصبحت
(1/73)

صحتها أفضل، وعندما أصبحت صحتها أفضل فبالتالي هي تدعو لك عند الله - سبحانه وتعالى -..
فقال له الشاب: أنا مستمتع وسعيد جداً لحضوري إلى هنا، وسعيد جداً لأني صبرت على مشقة هذه الرحلة.. فقال له الرجل: هل رأيت أنك عندما تكون ملتزماً بشيء ما وتكون الرؤية واضحة بالنسبة لك وتكون صابراً عليه فكل هذه تكون منحاً ومنًّا من الله - سبحانه وتعالى -، فلقد كان من الممكن أن تمل، ولكن الله - عز وجل - هو الذي وجهك وأعطاك هذا الإيحاء لتصبر وتسمع وتعرف الطريق إلى الامتياز، فالطريق إلى الامتياز أيها الشاب لا يرتبط بالمادة إطلاقاً، وطالما أنك تريد أن تصل إلى الطريق إلى الامتياز فلابد وأن هذا الطريق ينجحك في الدنيا وفي الآخرة، ولو كان النجاح في الدنيا فحسب، فهو نجاح ينتهي بمجرد تحقيقه، وتجد نفسك حين تنجح لا تشعر بالسعادة المطلقة، نعم قد تشعر ببعض اللذة أو ببعض السعادة، ولكنك لا تشعر بالسعادة الحقيقية، فالمال لا يمكن أن يمنح الصحة، والمال لا يمكن أن يمنح راحة البال، ولا الهدوء ولا السلام الداخلي، وكل هذا ستجده في الارتباط بالمولى - عز وجل -، والله - سبحانه وتعالى - يوجهك ويفتح عليك ويجعل لك مخرجاً من كل مأزق، وتذكر طيلة
(1/74)

حياتك أن لا يفارقك أن تقول: الحمد لله، وأن تشكر الله - عز وجل -، وإذا تعثرت فلتبتسم، وبذلك تكون الآن قد عرفت المعادلة، وطالما أنك تتوجه إلى الله - عز وجل - باستمرار فلسوف يفتح عليك - سبحانه وتعالى - أكثر مما تتخيل، فقد تواجه صعوبات كثيرة في حياتك وتريد الحل، ولكن عندما تمر بك الأيام والسنين في محطات حياتك، ثم تنظر خلفك فستعرف أن الذي حدث هذا كان أحسن شيء في حياتك، ولولا الذي حدث لما كنت تزوجت بفلانة مثلاً التي هي أفضل، ولولا الذي حدث لما كنت في تلك الوظيفة الأفضل، أو لما كنت ناجحاً بالمرة، ولما كنت في الطريق إلى الامتياز الآن.. فرد عليه الشاب وقال له: أنا الآن عرفت ما هو الطريق إلى الامتياز، ولقد كنت أظن أن الطريق إلى الامتياز هو أن شخصاً سيعطيني بعض النصائح فقط كي أنجح..
فرد عليه الرجل الحكيم وقال له: أيها الشاب.. إن النصائح موجودة في الكتب، وهي موجودة حولك في الحياة، ولكن الحكمة موجودة في ابتسامة طفل صغير، انظر إلى روعة الخلق، ستراها في جناح فراشة، ستجدها في تغريد العصفورة، ستجدها في روعة السماء ورونقها، ستجدها في موجة هادئة تبعث صوتاً جميلاً يعجبك، أو قليل من الهواء
(1/75)

يلمس خدودك، هذه هي السعادة..
قال له: الآن عرفت جمال الطريق إلى الامتياز، وأصبحت لا أستطيع الانتظار كي أسير في الطريق إلى الامتياز.. فابتسم الرجل الحكيم وقال له: لقد نسيت شيئاً مهماً جداً!! فقال له الشاب: أنا آسف.. أنا آسف.. فقال له: وعلى أي شيء تتأسف؟! فقال له: أنا الآن فعلاً في الطريق إلى الامتياز..
وبحب استطلاع شديد نظر الشاب إلى الرجل الحكيم وقال له: أريد أكثر وأكثر.. فنظر إليه وقال له: اعفُ..
* العفو:
فقال له الشاب: ماذا تعني أن أعفو؟! فقال له: أعفُ عند المقدرة؛ فمجرد أن تجد نفسك تقدر على لإنسان إذن فالله - عز وجل - وضعك في اختبار، وطالما أنك مرتبط بالله - سبحانه وتعالى -، وتحب في الله ولله، وتتعامل مع الناس بالخلق الحسن، إذن فهذا تحدٍّ، وإذا عفوت فستجد أن الله - سبحانه وتعالى - يعطيك أكثر مما تتخيل؛ لأنك وضعت في اختبار، وأي إنسان في الدنيا سواء مثقف أم لا، متعلم أم لا، غني أم فقير، من عائلة كبيرة أم لا، ذو مركز كبير أم
(1/76)

لا.. كل الناس جميعاً في امتحان واختبار وتحديات، وفي أثناء هذه التحديات تظهر أخلاق الإنسان، فعندما يوضع الإنسان في موقف صعب تعرف جيداً كيف يتصرف؛ لذلك هناك حكمة عربية تقول: أعط الإنسان السلطة تعرف أخلاقه، فبمجرد أن تضعه في موقف اختبار فإنه تظهر أخلاقه، وليس شرطاً أن يكون ذا منصب كبير، فمن الممكن أن يكون طفلاً صغيراً، ولكن عنده القدرة، بل ويكون أقوى من شخص آخر أكبر منه، فالأمر كله في أن تعرف كيف أن تسامح السلطة، وكيف تتقرب بها إلى الله - عز وجل - أكثر، فأنت تعرف أن التسامح المتكامل والعقل العاطفي والعقل التحليل لابد وأن يكونوا جميعاً متوافقين، مهما كانت الظروف، فأنت تسامح لأنها لله وفي الله، ولابد وأن تنتبه فمن الممكن أن يوجد بها باب من أبواب الشيطان، فحين تكون غضبان يدخل إليك الشيطان فوراً من هذا الباب، ويقول لك: إن هذا الشخص يحقد عليك؛ فاحقد أنت أيضاً عليه.. وأول ما يبدأ معك يبدأ معك في الخلق أجمعين، وطالما أنك شككت في الناس إذن فقد ضاع ارتباطك بالله بالله - سبحانه وتعالى -، فإذا عرف الشيطان أن لك مسلكاً من هذا الباب فسيدخل
(1/77)

إليك كل فترة من هذا الباب، ويسهل عليه أن يحطمك كل فترة، فلابد وأن تتذكر جيداً أن هذه اللحظة قد تكون آخر لحظة في حياتك، وهذا هو الذي ذكرناه في البداية، هل تذكر؟! فقال له الشاب: طبعاً.
فقال له الرجل: فإذا كانت هذه اللحظة هي آخر لحظة في حياتك فارتبط بالله - عز وجل -، وفرصتك أن تعفو وتتقرب أكثر من الله - سبحانه وتعالى -، وإذا وضعت في موقف فقل: يا رب لقد سامحت من أجلك، يا رب لقد عفوت من أجلك.. ومهما فعل معك ذلك الشخص فاعفُ عنه.. فقال له: هل تقصد أن أتعامل مع الناس ببلاهة؛ حتى يخدعني الناس وأسامحهم؟! فقال له الحكيم: كلا؛ فلم يقل أحد مثل هذا الكلام أبداً، ولكن أنت حين تقرر أن تعفو فإنك تركز كل طاقتك ومجهودك على نجاحك، ولكنك إذا قررت أن تحارب العالم كله ففي هذه الحالة ستجد أن طاقتك كلها قد ذهبت سدى، وستجد أنك لم تحقق أي شيء مما كنت تريد؛ لأنك قد استهلكت طاقتك في هذه الحرب التي أنشأتها.. فابحث باستمرار عن نقطة الاتفاق، وابحث دائماً عن الأخلاق، وحاول دائماً أن تعرف النقطة التي قد تكون سبباً في الاختلاف.. قال له: فمن الممكن أن اختلف مع والدي أو والدتي!! فقال له: إنهم هم الذين قاموا بتربيتك
(1/78)

أحسن تربية، ولقد وصاك الله - عز وجل - بهم فقال: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} (1) .. وهم سهروا الليالي، وتعبوا في تربيتك، فلا تخرج أنت إلى الدنيا كي تكون سبباً في تعاستهم في هذه الحياة الدنيا.. فقال له الشاب: حتى وإن كانوا قاسين؟! فقال الحكيم: وكيف يكونون قاسين وأنت قرة أعينهم وفلذة أكبادهم؟! إن هذه ليست قسوة، ولكن فكر أولاً بهدوء، ماذا أنت تفعل؟ فقال له الشاب: أعتقد أنك محق أيها الحكيم؛ فأنا كثيراً ما أفعل أخطاء جسيمة؛ فأنا مثلاً أخرج ولا أعود إلى البيت إلا في وقت متأخر جداً، وأنا للأسف الشديد أدخن.. فنظر إليه الحكيم، ولابد من أن تكون صاحب سلوكيات حميدة.. فقال له: صحيح؛ فإذا كانت اللذة تنتهي بمجرد الحصول عليها فأنا سوف أتركها؛ لأن (من ترك شيئاً لله عوَّضه الله خيراً منه) ، فالسلوكيات هامة جداً.. فقال له الرجل: وهل تدخن؟! فقال له الشاب: لقد كنت أدخن.. ثم ابتسم الشاب ابتسامة صافية تدل على ما قد عقد عليه العزم، فقال له الحكيم: كم أنا سعيد بهذا القرار؛ لأن النية الصادقة لله لا جزاء
__________
(1) سورة الإسراء: 23.
(1/79)

لها إلا إعانة الله لك على الوفاء بها.. وطالما أنك أقلعت عن التدخين فمهما كانت المسألة صعبة تأكد أن الله - عز وجل - سوف يعنيك ويمنحك القوة والقدرة على الوفاء؛ ولذلك فمهما كان الشيء صعباً ولكنه يغضب الله فانو نية صادقة وتوكل على الله - عز وجل - واستعن به أيها الشاب ويقيناً هو سيعينك، ولن يتخلى عنك أبداً..
قل الآن: نويت يا رب أن أتخلص من كل السلوكيات السلبية، ونويت أن أعفو عند المقدرة، ونويت أن أسامح حتى ولو كنت أشعر بالظلم ممن أسامحهم، ونويت يا رب أن أرتبط بك أكثر؛ لأني فهمت المعادلة، وهي أنني قد تكون هذه اللحظة هي آخر لحظات حياتي فقررت يا رب أن أجعلها لك..
ثم ابتسم الرجل الحكيم وقال له: وتأكد أنك طالما فكرت في ذلك فإن الله - سبحانه وتعالى - سيعطيك أكثر مما كنت تظن في الدنيا وفي الآخرة.. فابتسم الشاب وقال له: حقاً أنا سعيد جداً بما تعلمت؛ فلقد كان لدي صديق، وكان قد أغضبني جداً، ولقد كنت في شدة الغضب منه، ولكنني الآن قررت أسامحه، ولكني لا أستطيع بعد أن أعفو عنه.. فقال له الرجل: إذن فأنت لم تسامحه بعد.. ثم قال له: هل تقدر على صديقك هذا؟ قال:
(1/80)

نعم أقدر عليه.. فقال له: وكيف تقدر عليه؟ فقال له: أقدر عليه جسمانيًّا، فأنا أقوى منه، وأقدر عليه اجتماعيًّا؛ حيث إن عندي علاقات أكثر منه، وأقدر عليه ماديًّا؛ فإن عندي أموالاً أكثر منه، بل وأعرف من الناس من يستطيع أن يحطمه تماماً..
فقال له الرجل: لا يستطيع أي شخص أن يحطم أي شخص إلا فبإذن الله - عز وجل -، وقد تكون فتنة لك، ويكون الله - سبحانه وتعالى - قد وضعك في ابتلاء من ابتلاءات الدنيا، والآن.. هل قررت أن تعفو عنه، أم لازلت لا تستطيع؟! فقال له: بل قد عفوت عنه.. ثم قال له: أم لازلت لا تستطيع؟! فقال له: بل قد عفوت عنه.. ثم قال له: إنني أشعر الآن بروعة وإحساس رائع.. فقال له الرجل: ادعُ لصديقك هذا.. فقال له: وبمَ أدعو له؟! قال: ادعُ الله أن يهديه، وأن يفتح عليه ويعينه ويقويه؛ فإنك تستطيع أن تستفيد من الشخص الذي يكون بينك وبينه تحدٍّ وأن تأخذ من ورائه ثواباً وأجراً، وهذه هي المعادلة الصحيحة، ومن علامات العفو عند المقدرة أن تدعو لهذا الشخص أن يهديه الله كما هناك؛ فلقد كان من الممكن أن تكون بهذا العقل، وبهذا الحقد والغضب، وأن تحمل من الذنوب والآثام ما الله به عليم، وقد يدخلك الشيطان من كل هذه الأبواب، ولكن الله - عز وجل - قد فتح عليك، فادعُ الله
(1/81)

- عز وجل - أن يفتح عليه كما فتح عليك، وستجد هذه الدعوات عند الله - سبحانه وتعالى -، وأسأل الله أن يجعلك من عباده الصالحين، الذين قال فيهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن من الناس مفاتيح للخير مغاليق للشر، وإن من الناس مفاتيح للشر مغاليق للخير، فطوبى لمن جعل الله مفاتيح الخير على يديه، وويل لمن جعل الله مفاتيح الشر على يديه" (1) ..
جرب وستجد نفسك إن شاء الله تساعد الناس، وتتقرب أكثر إلى المولى - عز وجل -، وستجد نفسك من الدعاة إليه - سبحانه وتعالى -، وستكون إن شاء الله من المبشرين بالخير، فنظر الشاب إلى الحكيم، وقال له: هل تعتقد أني من الممكن أن أكون من المبشرين؟! فقال له: طالما أنك قد طلبت الطريق إلى الامتياز فهذا هو الطريق إلى الله - سبحانه وتعالى -، وتأكد أيها الشاب أنك طالما أنك تسير في هذا الطريق فستجد أن الله - سبحانه وتعالى - يقربك منه أكثر، وقد تقابلك صعوبات كثيرة، وقد تتعب كثيراً، وقد تجد الحياة صعبة، وقد تجد نفسك مريضاً ولا أحد من حولك، وقد تشعر بالوحدة أحياناً، وقد تشعر بالألم وظلم الناس كثيراً، كل ذلك وارد، ولكن في النهاية تذكر أن بعد الليل نهاراً، وبعد التعب راحة، وأي فشل فإنما يأتي بعده النجاح، وكما قال الحق - سبحانه وتعالى -: {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا
__________
(1) رواه ابن ماجة.
(1/82)

شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} (1) .. فاتقي الله - سبحانه وتعالى - يا بني حيثما كنت، وأينما كنت..
فنظر إليه الشاب وقال له: يا سيدي.. إن كنوز الدنيا لا توفيك حق هذا الكلام ولا نصيفه، ولو أن الناس تعرف هذا الكلام لما جلس شخص في بيته وتقاعد وتكاسل.. فقال له: ولذلك خلقك الله - عز وجل -، فطالما أنك مشيت في الطريق إلى الامتياز وتعبت كل هذا التعب، فمعنى ذلك أن الله - سبحانه وتعالى - قد اختارك، ولو لم تختر هذا الطريق لكنت كما أنت، ولما تغيرت، ولكنت ظللت تغضب وتتألم وتتشاجر مع الكون كله، وتشعر بالظلم والوحدة، وتشعر أنه لا يوجد شخص يحبك، ولكن ربك - سبحانه وتعالى - اصطفاك وطهرك، وجاء بك إلى هنا كي يطهرك، فإذا جعلت كل ذلك لنفسك فستكون في منتهى النعاسة، وكلما أعطيت كلما أخضت، وكلما أصبحت في معية الله - عز وجل -.
فقال له الشاب: هل نكون بذلك قد انتهينا؟ فقال: لا، بل لابد عندما تتكلم أن تتكلم بحكمة، وأن تتكلم على أنك قدوة، وأن تتكلم بوضوح..
__________
(1) سورة البقرة: 216.
(1/83)

فقال له: ماذا تعني؟! فقال: إن الله - سبحانه وتعالى - جعلنا نفكر بالصور.. فقال له الشاب: وكيف نفكر بالصور؟! فقال له الرجل: هيا لنرى ماذا أعطانا الله - عز وجل - من السمع والأبصار والأفئدة، إذن فلابد وأن نسمع الكلمة ومعناها.. فقال له: وكيف أعرف معناها؟! فقال له: إن الله - سبحانه وتعالى - حين خلق أبانا آدم - عليه السلام - علمه كل شيء، قال - صلى الله عليه وسلم -: {وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ} (1) .. فالله - سبحانه وتعالى - علمنا إدراك الكلمة، إذن فنحن عندنا إدراك للمعنى، وعندنا أسماء هذه الإدراكات للمعاني، فالأسماء هي روابط المعنى، والمعنى هو رابط الإدراك، والإدراك هو سبب وجود المخ، والله - عز وجل - خلق الإنسان ليدرك، ولكي يدرك لابد من أن يعمل المخ، ويدرك وعظمة الخالق - سبحانه وتعالى -..
فنظر إليه الشاب وقال له: وكيف أتكلم بالحكمة؟ فقال له: أن تتكلم بالتحديد؛ لأن كل كلمة تخرج بصورة، وكل صورة لها معنى مختلف من شخص لآخر، فعندما تتكلم من الممكن أن تجد كلاماً كثيراً ليس له معنى، فبعض الناس يزيد في الكلام وبعضهم ينقص في الكلام.. فقال له الشاب: نعم، أعرف ذلك جيداً؛ فهناك من يقول: أنا
__________
(1) سورة البقرة: 31.
(1/84)

سأضبط لك المسألة، والآخر يقول: واخد بالك، وهكذا..
فابتسم الحكيم وقال له: حقاً، فكثير من الكلام والجمل التي تقولها لا داعي له، ومعظم المشكلات الموجودة في هذه الحياة الدنيا لا داعي له، ولو ركزنا فقط في الكلام، وحددنا ما يقال وما لا يقال لكي يرتبط الشخص بالكلام فستصبح الجملة متكاملة، وبالتالي يستطيع أن يرد عليك أيضاً بطريقة متكاملة، فتكلم بالتحديد، وتكلم بالحكمة، وأنصت أكثر مما تتكلم، واجمع المعلومات عن ما تتكلم، وعندما تتكلم ركز على الرسالة وليس على الشخص، وامدح الشخص، وفي النهاية أنه برسالة إيجابية.. فقال له: ولماذا؟ فقال له: لأن العقل البشري يبني دائماً على آخر جملة تصل إليه، وإذا نظرت في كلام الله - عز وجل - فستجد عجباً، حيث يقول الحق - سبحانه وتعالى -: {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} (1) .. فالله - سبحانه وتعالى - يريد أن ينبه على آخر تجربة، والمخ يبني على آخر تجربة.. ثم قال له: يا بني.. أنت الآن تكلمني، فحاول أن تتذكر في لحظة أي شيء من كلامي الذي قلته.. فقال له: سأتذكر حالاً ثم أقول لك.. فقال له: كلا، بل وأنا أكلمك الآن، فيمَ كان أكبر تركيزك؟! فقال له:
__________
(1) سورة البقرة: 155 - 157.
(1/85)

فعلاً كان في آخر كلامك.. فقال له: إن العقل البشري لا يستطيع التركيز إلا على معلومة واحد فقط في وقت محدد، فأنت إذا ركزت على الذي تقوله ستتكلم كثيراً، أما إذا ركزت على أن تكون في طاعة تامة، وبإخلاص تام، ووفاء تام لله - عز وجل -، فستجد نفسك في أعلى درجات الذات.. فقال له: وماذا يعني الذات؟ فقال: إن فيك ذاتين، ذاتاً عليا وذاتاً سفلى، أو بمعنى آخر: النفس المطمئنة والنفس اللوامة، والنفس الأمارة بالسوء، والنفس العليا أي الجهات العليا.. فقال له: وما هي الجهات العليا؟ فقال له: وهي التي تتجه إلى الله - سبحانه وتعالى -، ولقد قال الله - عز وجل -: {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (28) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (29) وَادْخُلِي جَنَّتِي} (1) .
فلمعت عينا الشاب وقال له: لكم أتوق لأن أكون كذلك.. فقال له: ستكون إن شاء الله.. فقال الشاب: وهل بذلك أكون قد تعلمت فن الاتصال؟ فقال له: إن فن الاتصال جزء يسير من الأخلاق، والأخلاق تصلك أكثر بالله - سبحانه وتعالى -، فهيا بنا نرجع مرة أخرى إلى الطريق الذي بدأناه ووصلنا منه إلى الأخلاق.. فقال له: ماذا كان قبل الأخلاق؟ قال: النية.. قال: وقبل النية؟ قال: التوكل على الله - سبحانه وتعالى -.. قال: وقبل
__________
(1) سورة الفجر: 27 - 30.
(1/86)

التوكل؟ قال: الوفاء.. قال: وقبل الوفاء.. قال: الإخلاص.. قال: وقبل الإخلاص؟ قال: الطاعة.. قال: وقبل الطاعة؟ قال: الإيمان بالله - عز وجل -.. فقال له: هذا هو الطريق إلى الامتياز من أوله إلى آخره، أو من آخره إلى أوله، في النهاية سيصل بك إلى الله - عز وجل -، فهيا بنا الآن إلى المحطة القادمة، ونحن في الطريق هيا بنا ندعوا الله - رضي الله عنه - ونقول: الحمد لله.. الحمد لله..
(1/87)

الطريق إلى الامتياز
وقل اعملوا
(1/89)

وقل اعملوا
إن الله - رضي الله عنه - يريد منا أن نكتشف قدراتنا اللامحدودة التي بداخلنا.. يريد منا أن نكتشف هذا العقل البشري الذي وهبنا إياه بكل ما يحويه من معجزات لا تخطر على بال بشر.. ذلك العقل الذي أعطاه للإنسان لكي يعظمه ويجعله فوق كثير من مخلوقاته..
(1/91)

سأل الرجل الحكيمُ الشابٌّ: بعد أن وصفنا كل الجذور الأساسية في الطريق إلى الامتياز هل تعتقد أيها الشاب أن الطريق قد انتهى؟ فرد الشاب قائلاً: من الممكن أن أكتفي بذلك وأجعل كل تركيزي على مرضاة الله - عز وجل -.
فقال الحكيم: طبعاً يمكنك ذلك، ولكن أين العمل؟! أين الجهاد؟! أين الكفاح؟! ثم قال: إن الارتباط بالله - عز وجل - يجب أن يكون ممزوجاً بالعمل، وقد قال المولى - عز وجل -: {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} (1) .. فالله - سبحانه وتعالى - يريد منا أن نكتشف قدراتنا اللامحدودة التي بداخلنا، يريد منا أن نكتشف هذا العقل البشري الذي وهبنا إياه بكل ما يحويه من معجزات لا تخطر على بال بشر، ذلك العقل الذي أعطاه للإنسان لكي يعظمه ويجعله فوق كثير من المخلوقات، فتجد هذا الإنسان أفضل من تلك الجبال التي وصلت إلى أقصى درجة من نموها ولكنها لا تتحرك، ولكن الإنسان يستمر في النهوض إلى آخر لحظة في حياته، وعنده القدرة على الحركة، وأما النباتات فهي تنمو ولكنها لا تتحرك، والحيوان ينمو ويتحرك ولكنه لا يفكر، وإن فكر فإنه يفكر
__________
(1) سورة التوبة: 105.
(1/92)

بالغريزة، أما الإنسان فهو أفضل عند الله من كل هذه المخلوقات، وقد أعطانا المولى - عز وجل - العقل لكي يفضلنا على كثير من مخلوقاته.
وهنا قال الشاب: أعرف ذلك أيها الحكيم، ولكن ما هي الأسباب الأساسية التي من أجلها أعطانا الله نعمة العقل؟ فرد الحكيم مبتسماً وقال: على قدر علمي هناك أربعة أسباب رئيسية هامة وهي:
1- الاستدلال: فبالعقل يستطيع الإنسان أن يستدل على الخالق - عز وجل -؛ ولذلك قال الله - عز وجل - في كتابه الكريم: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} (1) .. ثم قال الرجل الحكيم للشاب: في هذه الآية الكريمة يحثنا المولى - عز وجل - أن نستخدم قدرات العقل ونستدل عليه بخلقه ومعجزاته، فننظر إلى السماء ونرى ما نستطيع أن نراه ونفهم ما نراه، ونرى الشمس ونفهم روعتها وقوتها والغرض من وجودها؛ فنزداد إيماناً وحبًّا لله - عز وجل -، ونرى النجوم والطيور والمطر، ونشعر بالرياح، ونرى ما في الأرض من مخلوقات ومعجزات، ونرى الآيات ونفهمها؛ فنستدل بقوة العقل على وجود الخلق، وأن هناك
__________
(1) سورة آل عمران: 190، 191.
(1/93)

خالقاًَ لهذا الخلق، فنجد أنفسنا نسأل عن هذا الخلق وعن الخالق - عز وجل -، ولكي نجد الإجابات على هذه الأسئلة فبعث الله - عز وجل - لنا الرسل والأنبياء والمرسلين لكي يجيبونا على أسئلتنا.
2- المعرفة: وبذلك يكون السبب الثاني من خلق العقل هو المعرفة، فمن الاستدلال إلى المعرفة، ونحصل عليها من المرسلين والأنبياء فنعرف أن الخالق - عز وجل - خلق كل شيء في هذا الكون من أجل الإنسان، وسخر له الشمس والقمر والرياح والأمطار والبحار والنباتات، وأعطاه القدرة العقلية على البناء والبقاء والنمو والتقدم، وبذلك أصبح الإنسان على معرفة بالخالق وبما يريده الله - عز وجل - من الإنسان، وهو العبادة، فقد قال الله - سبحانه وتعالى -: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} (1) .. فمن الاستدلال إلى المعرفة، ومن المعرفة يأتي السبب الثالث في خلق العقل، وهو المهارة.
3- المهارة: وهنا يصبح الإنسان ماهراً في استخدام العقل البشري، فينمو ويتقدم ويعرف من الأسباب والاختراعات وكيفية الدفاع عن النفس ما يؤمن له البقاء والمعيشة؛ فيزداد حبًّا وتعلقاً بالله
__________
(1) سورة الذاريات: 56.
(1/94)

- عز وجل -، ولكن هناك من الناس من لا يعتقد أن الأسباب هي التي جعلته يحقق أهدافه؛ فيتقن بالأسباب، ويهلك بالأسباب.. فمن الاستدلال إلى المعرفة، ومن المعرفة إلى المهارة، ومن المهارة إلى الابتكار.
4- الابتكار: وهنا يصبح الإنسان قادراً على الابتكار الرائع فكانت نتيجة هذا الابتكار هو صناعة الطائرات والسفن والصواريخ، وهذا التقدم العلمي والطبي، وهذا التقدم الهائل في كافة المجالات، وهنا نجد المؤمنين يزدادون إيماناً وحبًّا وارتباطاً وإخلاصاً للمولى - عز وجل -، أما الآخرون فيزدادون فتنة بالأسباب، فتصبح حياتهم ضنكاً ومملوءة بالصعوبات والأمراض النفسية والعضوية، وكلما ازدادوا فتنة بالأسباب كلما صعَّب الله - عز وجل - عليهم الحياة.
وهنا سأل الشاب: إذاً فكيف لي أن أستخدم روعة العقل البشري بطريقة روحانية تعطيني العلم وتمنحني أسباباً أقوى وأشد ارتباطاً بالله - سبحانه وتعالى -؟
فابتسم الحكيم وقال: كي تصل إلى الحكمة أيها الشاب فهيا بنا إلى المحطة التالية نتعلم فيها كيف نستخدم هدية المولى - عز وجل - في حياتنا اليومية، هيا بنا إلى استخدام العقل في التعرف على
(1/95)

(الرؤية والغاية والغرض والأهداف) .. ولنبدأ بالرؤية..
* الرؤية الواضحة:
هي شيء يريده الإنسان أكثر من أي شيء آخر في حياته، ويرى نفسه بوضوح محققا لها ويعيش فوائدها، والشخص الذي عنده رؤية واضحة لا يريد يكون موضع هجوم أو حتى استهزاء من الآخرين؛ لأنه يرى رؤيته بوضوح، ويراها حقيقة واقعة، أما الآخرون فلا يرون ما يرى، ولا يدركون ما يدرك، ولا يعرفون ما يعرف، مثل كل الابتكارات والاختراعات التي نعيشها الآن في كافة المجالات، سواء كان ذلك في الطب أو المعمار أو أي شيء آخر.
ثم قال الرجل الحكيم للشاب: هؤلاء (الإخوة جويس) ، الذين كانت عندهم رؤية واضحة بأن الإنسان يستطيع أن يطير، فكانوا يلبسون ملابس من الريش كالطيور، ثم يقفزون من أعلى الجبل على أمل أن يطيروا، ولم ينتبهوا لقانون الجاذبية الأرضية، وأن أي شيء أثقل من الهواء لا يطير؛ فكانوا يقعون بشدة على الأرض وتنكسر عظامهم وضلوعهم، حتى أشرفوا على الموت عدة مرات، وكان الناس يسخرون
(1/96)

منهم ويستهزئون بهم، بل وسموهم الإخوة المتخلفين، ولكن (الإخوة جويس) لم يعطوهم أي انتباه لسخريتهم واستمروا في التجارب، تجربة تلوا الأخرى، وكانوا يعتمدون على قانون الطفو، وكيفية تفريغ الهواء، وتمكنوا من اختراع الطائرة التي يستخدمها الجميع الآن، وهذه هي الرؤية الواضحة.
فسأل الشاب: ولكن أيها الحكيم أين تقع الأهداف من الرؤية، فأنا كنت أعتقد أن الرؤية هي الهدف..
فرد الحكيم قائلاً: إن الرؤية هي الشعور والمعرفة واليقين بأن أي شيء يريده الإنسان سيتحقق بإذن الله، وهذه هي نهاية المطاف، أما الأهداف فهي الخطوات المؤدية إلى الرؤية، وعموماً فالهدف ينتهي بمجرد تحقيقه، ولكنه لو كان مرتبطاً برؤية كي يصبح مستمراً في الزمن.. ثم قال الحكيم: لو كانت رؤيتك مثلاً أن تصبح مديراً عاماً لشركة كبيرة وتريد تحقيق ذلك في خلال خمس سنوات، فهذه رؤية، ولو كانت واضحة ويعتقد الشخص أنه يستطيع تحقيقها تتولد الرغبة وتصبح النية واضحة تماماً، وهنا يبدأ الشخص في تجزئة الرؤية إلى خطوات، هذه الخطوات هي الأهداف، وكل هدف يتماشى مع
(1/97)

الإمكانات والمصادر المتاحة للشخص في هذا الوقت، وعندما يحققه الشخص يستمر في طريقه إلى الهدف الذي يليه.. وهكذا حتى تتحقق الرؤية..
إذاً فالأهداف ليست إلا الدرجات التي يصعدها الإنسان لكي يصل إلى الرؤية، وكل هدف يخدم الهدف الذي يليه، وكل هدف يخدم الرؤية ويقرب الإنسان من الوصول إليها، فتعجب الشاب من الفرق بين الرؤية والهدف، وشكر الحكيم على هذا الكم الهائل من المعلومات.
* الغاية:
ثم سأل الشاب الحكيم: ولكن ما هي الغاية؟ وأين يكون موقعها بين الرؤية والهدف؟ ولماذا توجد غاية ما دامت هناك رؤية واضحة؟ فابتسم الحكيم وقال: بدون الغاية تصبح الرؤية ضائعة، ولكي يكون هدفك مستمراً في الزمن، ولكي تكون الرؤية واضحة تماماً فلابد أن تكون مرتبطة بغاية ليكون نجاحك مستمراً في الدنيا والآخرة.
وهنا يسمى الهدف هدفاً مستمراً في الزمن، والغاية يجب أن تكون روحانية، وتكون مرتبطة أساساً بالله - سبحانه وتعالى -، وإن لم تكن كذلك -كما قلت
(1/98)

لك- فإن الهدف ينتهي بمجرد تحقيقه.
إذن لو كان الهدف هدفاً بمفرده ينتهي بمجرد تحقيقه، فمثلاً إذ كنت تريد سيارة، فعندما تشتري السيارة وتتمتع بها لفترة قصيرة فإنك لن ترى السيارة جديدة؛ لأنها انتهت فأصبحت كما تقول.
إذن الغاية هي القيمة العليا التي تجعل الرؤية أقوى وأوضح وأسهل في التركيز والتقييم والوصول إلى تحقيق الهدف.
فبدون الغاية يضيع الإنسان في المادة، ويضيع الإنسان في الأسباب، ويضيع في الإمكانيات.
لذلك اجعل رؤيتك مرتبطة بالله - سبحانه وتعالى -، بهذه الطريقة فقط تستطيع أن تكون موازناً بين الدنيا والآخرة.
فقال الشاب: هل معنى ذلك أن الغاية هي القيمة العليا؟
فرد الحكيم: نعم، وبدونها تضيع في الأسباب -كما قلت.
فقال الشاب: هل تعني ذلك أن الناجحين في الحياة عندهم غاية؟
فرد الحكيم وقال: نعم، ولكن إذا كانت الغاية مرتبطة بالمادة يعطيها الله في الدنيا ويمتع بها، فمثلاً الكافر الذي يكون غنيًّا جداً يراه المؤمن فيقول: كيف يكون لمثل هذا الكافر هذا الثراء؟ ولماذا أعطاه الله - سبحانه وتعالى - كل
(1/99)

هذا الثراء؟
والسبب الأول: أنه فتنة له؛ حيث يكون هذا الثراء نقمة عليه في الدنيا والآخرة.
والسبب الثاني: أن الله - سبحانه وتعالى - هو أكرم الأكرمين، ويعطي الجميع، وهذا الكافر الذي يعمل ويجد ويجتهد يعطيه الله حقه في الدنيا، ويأخذ كل ما يحتاجه من ثراء ومن مال ومن أصدقاء ومن علاقات، وعندما يقابل الله - سبحانه وتعالى - يكون فقيراً جداً ولا يملك أي شيء.
* الغرض:
فشكر الشاب الرجل الحكيم، ثم سأله: ولكن أين يقع الغرض من كل ذلك؟ وما هو الغرض؟
فرد الحكيم بسؤال الشاب فقال: هل تريد أن تنجح؟
فقال: نعم.
فسأله الحكيم: لماذا تريد النجاح؟
فرد الشاب: لأنه بدون النجاح لا أستطيع أن أتقدم في حياتي، وبدون النجاح لا يكون لي أي شيء في تقدمي أو نموي في الحياة.
(1/100)

فرد الحكيم: كل ما قلته لي هو تعميم وليس تحديداً، وهذا هو السؤال مرة أخرى، لماذا تريد النجاح؟
فابتسم الشاب وقال للحكيم: الآن فهمت النجاح في أي شيء بالتحديد.
فرد الحكيم مبتسماً: الآن فهمت، ودائماً خذ التحديد من السؤال لكي تعرف كيف ترد بالتحديد.
إن نجاحك في الحياة لابد وأن يتضمن أركاناً سبعة.. بداية من الركن الروحاني إلى الركن الصحي إلى الشخصي إلى العائلي إلى الاجتماعي إلى المهني إلى المادي.
ونريد أن نتكلم الآن عن الركن الروحاني بشيء من التفصيل..
لماذا تصلي؟
فرد الشاب: لكي أتقرب إلى الله - سبحانه وتعالى - وأطيعه - عز وجل - بإخلاص ووفاء كما علمتني.
فرد الحكيم: إذن هذا هو الغرض من الصلاة!
وقال: لماذا تريد أن تكون صحتك ممتازة؟
فرد الشاب: لأنه بدون الصحة لا أستطيع عمل أي شيء فلو كنت
(1/101)

مريضاً لا أستطيع أن أتقدم؛ لأن المرض سيكون إعاقة لي.
فابتسم الشاب وقال: لا طبعاً؛ لأن الصحة أعطاها لي المولى - عز وجل - هدية، وهي باب من أبواب الطاعة، وأقول لله - سبحانه وتعالى -: يا رب أعطيتني هذه الهدية، ولقد حافظت عليها بإذنك.
فقال الحكيم: هذا هو الغرض؛ فبدون الغرض لا توجد رؤية، وبدون الرؤية لا يوجد مورد للغاية، وبدون الغاية لا يوجد الغرض، فيجب أن تكون الرؤية ثم الغاية ثم الغرض.
فسأل الشاب: ولكن هل الغرض هو السبب؟
فرد الحكيم: نعم؛ فالأسباب تعطي الأحاسيس المشتعلة، والأحاسيس المشتعلة هي الرغبة المشتعلة؛ حيث نجد الله - سبحانه وتعالى - يقول للرسول - صلى الله عليه وسلم -: {وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ} (1) ؛ فبالرغبة هي إحساس مشتعل، فالله - سبحانه وتعالى - يريدنا أن نتجه إليه ونطيعه، ونريده باختيارنا، وبرغبة مشتعلة، وحب متفان، وبإسلام وطاعات، وبإخلاص ووفاء، وبتوكل تامٍّ، وبتفاؤل من الله - سبحانه وتعالى -.
__________
(1) سورة الشرح: 8.
(1/102)

* الأهداف:
فقال الشاب: كيف لي أن أشكرك أيها الرجل الحكيم، تعلمت منك ما لم أتعلمه في حياتي بأكملها، وذلك في أيام قليلة، والآن أين الهدف من كل ذلك؟
فقال الحكيم: يبدو أنك نسيت؛ فالهدف هو تجزئة الرؤية، فمعظم الناس تقول: إن عندي هدفاً ولكن في الحقيقة هي رؤية، والرؤية هي نهاية المطاف لشيء تريده أكثر من أي شيء آخر في حياتك، أما الأهداف فهي تجزئة الرؤية، فكل هدف يبنى عليه الهدف الذي يليه، وكل هدف يخدم الرؤية، وهنا قال الحكيم: كما ترى أن الرؤية هي نهاية المطاف للشيء المحدد الذي يريده الإنسان، والغاية يجب أن تكون مرتبطة بالله - سبحانه وتعالى -؛ لكي تكون رؤيتك مستمرة في الزمن، وهذا هو النجاح المستمر في الزمن.
أما عندما نتكلم عن الهدف فهو تجزئة الرؤية ... هي الخطوات ... هي السلالم التي يصعدها الإنسان درجة درجة كي يصل إلى القمة ... هذه هي الرؤية.
(1/103)

إذن يجب أن تعرف مرة أخرى أنه لولا الرؤية لما كانت الغاية، ولولا الغاية لما كان الغرض، ولولا الغرض لما كان الهدف، ولولا الهدف لما كان المعنى، ولولا المعنى لضاعت الأحلام، ولولا الأحلام لضاع الإنسان.
ويجب أن تعرف من الآن رؤيتك لابد أن تكون واضحة تماماً، وعندما تكون واضحة تماماً يتكون فيها الحماس، وعندما يكون فيها الحماس تصبح إرادتك قوية، ومن هنا تعرف تماماً أنه يجب عليك أن تحققها؛ لأنها تقربك من الله - سبحانه وتعالى -، وأصبحتَ تعيش هذا الارتباط لحظة بلحظة بذكر المولى عز وجل، وشكر المولى - عز وجل - ... بعرفان تامٍّ، فتريد تحقيق هذه الرؤية لتقترب منه، ولذلك لا تتركها على الإطلاق.
فقال الشاب: لا.
فسأل الحكيم: لماذا؟!
فقال الشاب: لأن الله خلقني أشرب وآكل، ولولا الطعام والشراب سأموت وتكون نهايتي.
قال الحكيم: إذن هي مهمة بنسبة لك؛ فالأهمية والاهتمام من أهم الأشياء التي يجب أن تعلمها وتعرفها لكي تصل إلى رؤيتك.
(1/104)

فقال الشاب: لو عندي رؤية وربطتها فعلاً بغاية الله - سبحانه وتعالى -، والغرض فيها واضح، وجزأتها إلى أجزاء، وبدأت فعلاً أن أفعلها في الفعل هل هذا يكفي؟
فابتسم الحكيم وقال: أيها الشاب، إنك باستمرار على عجلة في أن تحقق هدفك، ولكن في الحقيقة لكي تحقق شيئاً لا يضيع منك؛ لذلك يجب عليك المعرفة، ثم تأخذ هذه المعرفة وتضعها في اعتبارك حتى تصبح مهارة.
فقال الشاب: هل هناك فرق بين المعرفة والمهارة؟
فقال الحكيم: فرق كبير؛ فبمجرد أن تأخذ الكتاب وتقرأ فيه بعض المعلومات أصبح عندك معرفة بهذه المعلومات، وقبل ذلك لم يكن عندك معرفة، وإذا قلت لك بعض الأشياء فيمكن أن تعطيك بعض المعرفة؛ فالمعرفة هي التي تتعلمها بنفسك أو عن طريق الآخرين كالعلماء أو الحكماء، أو من الكتب، أو تسمعها في أشرطها، أو تراها في شاشة عرض، وبذلك يكون عندك معرفة.
ومعظم الناس عندهم معرفة إن لم يكن جميع البشر؛ لأننا جميعاً عندنا العقل، والعقل عنده القدرة على الاستبدال، فالعقل قدرته أن يعرف،
(1/105)

فمبجرد أن تسأل أحداً ما: ماذا تعمل؟ فيقول لك: أن نجار، أو أنا حداد، وأنا مهندس، أو أنا دكتور، فأنت عرفت مهنته، ولكن لم تعرف كيف تفعلها.
فالمعرفة أنك تعرف المعلومات، أما المهارة فأن تعرف كيف تفعلها، فقد تجد شخصاً بسيطاً جداً عنده بعض المعرفة، ويتكلم معك في المعرفة، أو تأخذ منه معرفة ثم يذهب كلٌّ منكما إلى طريقه، ولكن تجد الرجل في سعادة تامة، وليس ذلك فقط ولكن يحقق أهدافه وأحلامه ورؤيته، أما أنت فلا.
فقال الشاب: لماذا؟
قال الحكيم: لأنك عندك المعرفة، ولكن الرجل عنده المعرفة التي تحولت إلى المهارة؛ فالمهارة هي التي تعرف كيف تفعل الشيء؛ لذلك عندما تقرأ عن السباحة فأنت أصبح عندك معلومات عن السباحة، ولكنك لا تستطيع أن تسبح إلا إذا كانت مهارة متكاملة، وهي تأتي بالفعل، وعندما تكرر هذه المهارة في الفعل تصبح من الناجحين -إن شاء الله-؛ لذلك يجب أن تكون عندك المعرفة والمهارة المتكاملة، ولكي تتحصل عليهما يجب أن تحقق أربعة أقسام أساسية:
(1/106)

أولاً: القراءة
وهنا قال الله - سبحانه وتعالى -: {اقْرَأْ} (1) ، وكانت هذه هي أول آية نزلت على الرسول - صلى الله عليه وسلم - من الوحي سيدنا جبريل - عليه السلام -، وقال: {اقْرَأْ} ، فماذا تقرأ؟
نقرأ القرآن الكريم؛ لأنه يكون معك في الدنيا والآخرة إذا كنت من أهله؛ لذلك عليك أن تقرأه وتفهمه وتكون ماهراً فيه وتعلمه للآخرين، وبذلك يكون التعليم والمعرفة مستمرين في الزمن إلى آخر يوم في هذه الحياة.
إذن المعرفة تبدأ بالقراءة، ولذلك يجب أن تقرأ يوميًّا على الأقل 20 دقيقة، فالقراءة مهمة، وهي تعطيك القوة، ومن هنا قال الله - عز وجل -: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} (2) ، فمبجرد أن تقرأ فأنت تعلم، وأصبحت من العلماء في هذا العلم، فأي شيء تفعله وتعمله تصبح عالماً فيه؛ لأنك فعلته.
لذلك ابدأ بالقراءة واقرأ على الأقل 20 دقيقة يوميًّا، وبذلك فأنت
__________
(1) سورة العلق: 1.
(2) سورة الزمر: 9.
(1/107)

تنمي قوة ذهنك، وقوة تفكيرك، وقوة إدراكك، وقوة تركيزك، وقوة انتباهك، وقوة أحاسيسك، وتصبح عندك معرفة في منتهى الروعة.
وعندما تقرأ المعلومة أكثر من مرة فإنها ستصبح جزءاً منك، وتصبح أنت جزءاً منها، وستصبح جزءاً منك، وتصبح أنت جزءاً منها، وستصبح مهارة، وستصبح ماهراً في إلقاءها والتكلم عنها؛ لأنك أصبحت ماهراً في وضعها في الفعل، وهذا هو الذي يجب أن تفعله.
وأنا سأتكلم معك بعد ذلك في الفعل الاستراتيجي، وهنا قال الشاب: الفعل الاستراتيجي!!!
فقال الرجل: نعم الفعل الاستراتيجي.
فقال الشاب: ما هو الفرق بين الفعل والتنفيذ والفعل الاستراتيجي؟
فابتسم الحكيم وقال: فيما بعد، ولكن الآن دعنا نتكلم في المعرفة، ولكي تكون عندك معرفة فابدأ بالقراءة ولو 20 دقيقة يوميًّا وستجد عندك الوقت، وتأكد أن عندك الوقت؛ فنصف عمرك تضيعه في النوم، ومعظم عمرك تضيعه في الطعام وفي بالكلام عن الآخرين، وفي انتظار الأشياء؛ لذلك فالوقت موجود عندك وستجد 20 دقيقة موجودة عندك الأشياء؛ لذلك فالوقت موجود عندك وستجد 20 دقيقة موجودة عندك
(1/108)

مهما كانت الظروف، ومهما كانت حالتك النفسية، ومهما كانت الأسباب، ومهما كانت المؤثرات، ومهما كانت ظروف الطقس، ثم نظر إلى الشاب في عينيه وقال: أتفهمني أيها الشاب مهما كانت الظروف.
ثانياً: الاستماع
قال الشاب: هل القراءة كافية؟
فرد الحكيم: من الممكن أن تكون كافية، ولكن المهارة المتكاملة يجب أن تلمس بها الحواس الخمسة؛ لذلك عندما تسمع بعد الأشرطة -والتكنولوجيا الحديثة قوية جداً سواء بالأقراص المدمجة (السيديهات) أو الأشرطة السمعية- فأنت تقوي حاسة السمع؛ فالعلماء العرب وعلماء الغرب تتعلم منهم معلومات أكثر من رائعة تجعل المعرفة عندك قوية، وعندما تسمعها أكثر من مرة تصبح ماهراً فيها، وعندما تتكلم عنها تتكلم بطلاقة ترداد مهارة؛ لذلك -أولاً- اقرأ على الأقل 20 دقيقة يوميًّا واسمع ولو شريطاً واحداً أو قرصاً مدمجاً (سي دي) واحداً يوميًّا، ثم نظر إليه الرجل وقال: يوميًّا أيها الشاب إذا أوردت فعلاً أن تكون عندك المعرفة والمهارة.
(1/109)

ثالثاً: المشاهدة
قال الشاب: وهل هذا يكفي؟
فرد الحكيم وقال: من الممكن أن يكفي، ولكن أريدك أن تطور مهاراتك البصرية، لذلك يجب أن تشاهد بنفسك على شاشات العرض، وهناك ما يسمى بالفيديو أو والدّي في دي فترى العالمِ أمامك، وترى حركات وتعبيرات وجهه، وتحركات جسمه، وتنفسه وأسلوب إلقائه، ونبرة صوته وحدته وقوته؛ لأن الإنسان يفكر بالصور، لذلك قال لنا الله - سبحانه وتعالى -: {وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (1) ، وبذلك فأنت تنمي الجزء الحسي عندك عندما تلمس الكتاب وتعرفه، وتنمي الجزء السمعي عندما تسمع الأشرطة، وتنمي الجزء البصري عندما تشاهد الفيديو أو الدّي في دي.
رابعاً: التحضير
وهناك شيء آخر هو أن تكون متواجداً وحاضراً على الأقل -وأنا أقول على الأقل-؛ لأنه عندما تحضر بنفسك تكون مع مجموعات من الناس تريد أن تنمي مهاراتها وتتقدم وتنمو في الحياة بطريقة إيجابية،
__________
(1) سورة النحل: 78.
(1/110)

ومن الممكن أن تتعرف على بعض الناس الإيجابيين، وتكوّن لك طاقة إيجابية تساعدك على التقدم والنمو في تحقيق أهدافك، والوصول إل الرؤية.
فقال الشاب: أيجب علي أن أفعل ذلك كل شهر؟
فقال الرجل: ألا تأكل كل شهر؟ ألا تشرب كل شهر؟ ألا تريد أن تكون ممتازاً كل شهر؟
إذن هذه هي الطريقة، فالطعام هو غذاء الجسد، أما القراءة فهي غذاء العقل والذهن، وبالاثنين تصل في طريقك إلى الله - عز وجل - إن شاء الله-، وبذلك تغذي روحك، وبدون القراءة لن تتعلم كيف تغذي أيًّا من ذلك، فالناس دائماً تبحث عن أفصل أنواع الطعام لجسدها، وأنا أريدك أن تنمي ذهنك وتنمي روحك بالقراءة والتقرب أكثر من الله - عز وجل -.
وهذه -أيها الشاب- أسميها بالمهارة المتكاملة التي تلمس الحواس بأكملها، فتجعل كل حاسة عندك ماهرة، فتعرف متى تسمع وتنصت، وكيف تسمع وتنصت، وتعرف كيف تتكلم وتنطق بالحروف والجمل والكلمات، وتعرف كيف تعبر عن رأيك فتتكلم كما يتكلم العلماء
(1/111)

والحكماء، فيسمعك الناس ويحبون أن يكونوا حولك؛ لأن عندك المعرفة، وتذكر أن الشخص الذي عنده المعرفة يلتف حوله الناس لكي يتعلموا منه، ولذلك قال الله - سبحانه وتعالى -: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} (1) ، فأنت تعلم وتريد الناس أن تتعلم منك، فتستمر رسالتك، وتصبح صدقة جارية -إن شاء الله-.
فقال الشاب: بعد كل ما تعلمته منك أهذا يكفي لكي أحقق أهدافي وأصل إلى الرؤية، فقد أخذت بكل الأسباب، وتوكلت على مسبب الأسباب، ووضعت كل شيء بهذه الطريقة في موضعه، وأخذت المهارة المتكاملة، فهل هذا يكفي؟
فرد الحكيم وقال: من الممكن أن يكفي.
فقال الشاب: أنت تقول لي دائماً، من الممكن، ولكن هل هناك المزيد؟
فقال الرجل الحكيم: نعم؛ لأن المتميز والامتياز ليس له نهاية، وليس له حدود، باستمرارٍ هناك تكملة.
لذلك دعنا نسير معاً في الطريق إلى الامتياز إلى المحطة التالية وهي:
__________
(1) سورة الزمر: 9.
(1/112)

* الفعل الاستراتجي:
الفعل هو الذي يفرق بين النجاح والفشل، وبين السعادة والتعاسة، وبين التقدم والوصول إلى القمة، أو القعود عن الوصول إليها.
الفعل لا يفصل بين الكلام وبين الحقيقة.. بين الخيال والحلم الخيالي.. بين الخيال والحلم الذي يتحول إلى واقع.
الفعل كما قلت لك من قبل عندما تقرأ عن السباحة وتزيد من قراءتك عن السباحة تصبح ماهراً تماماً في معلوماتك عن السباحة، وهذا لا يعطيك الفرصة إطلاقاً لكي تصبح فعلاً سباحاً، ولكن يجب أن تسبح وهو الفعل.
وإذا لم تضع معلوماتك وخبراتك وتجاربك في الفعل لن تستخدمها ولن تنجح فيها لذلك عليك بالفعل الاستراتيجي.
فقال الشاب: الفعل الاستراتيجي!
ثم سأل: بماذا أبدأ؟
فقال له: بعد كل ذلك ولكي تكون في الفعل الاستراتيجي عليك أن تبدأ بالتخطيط فهو الخطوة الأولى، فمثلاً إذا أردت أن تتعلم لغة من اللغات فيجب أن تعرف لماذا تريد أن تتعلمها؟ وتعرف الغرض منها،
(1/113)

وهي رؤية يجب أن تساعدك -مثلاً- لكي تكون مديراً كبيراً في شركة ما، فعندما تصل إليها يجب أن تساعد أكبر عدد ممكن من الناس، وبذلك ترتبط أكثر بالله - سبحانه وتعالى -، فاللغة تعطيك قوة أكبر، واللغة تساوي إنساناً بأكمله؛ لأنك تتعلم لغة وتتكلم بها مع الناس وبذلك توسع لك الآفاق، فتقرأ وتصبح ماهراً، وبذلك تصبح من أقوى المتميزين.
أولاً: من الممكن أن تتعلم من التلفاز.
ثانياً: ممكن أن تتعلم من القاموس.
ثالثاً: ممكن أن تتعلم من الكتاب.
رابعاً: من الممكن أن تتكلم مع أحد الأصدقاء الأجانب.
فمثلاً ممكن أن تذهب إلى معهد أو مركز لتعليم اللغات، وبذلك فأنت خططت، ثم تبدأ بالخطوة الأولى أن تذهب بنفسك وتشاهد ماذا يفعلون، وتشترك يوميًّا، وتقرأ أربع كلمات وتحفظها تماماً، ثم توزع جهدك على مجموعات من الأشياء، فمثلاً تقول: لو كنت في مطعم
(1/114)

وأريد أن أتكلم فقط بهذه اللغة، أو أنا في بلد تتكلم فقط هذه اللغة، فتتعلم كيف تطلب الطعام، وكيف تطلب الفاتورة، فأنت تتعلم بالتحديد المعلومات اللازمة لك في هذا المطعم، ثم في المطار تتعلم المعلومات اللازمة لك في المطار وهكذا، وبذلك تتعلم اللغة بطريقة فعالة وسريعة، وهذا هو الفعل الاستراتيجي الذي يبدأ بالتخطيط، فأنت تخطط لتتعلم لغة.
وبفرض أنك تريد أن تسافر إلى بلد أجنبي أو أي بلد آخر فأنت تخطط من البداية فتسأل أية شركة سياحة: ما هي التذاكر وما نوعها وما هو سعرها؟ وما الطريقة التي تسافر بها إذا كانت بالطائرة أو بالسيارة أو بالحافلة.
فأنت تخطط قبل كل شيء، وهذا هو التخطيط الاستراتيجي فبمجرد أن تخطط وتحدد ما الذي تريده وكيف تبدأ للوصول إليه وتضعه في الفعل.
مثلاً: هيا نرجع إلى اللغة فأنت بدأت فعلاً تضع اللغة في الفعل، وبمجرد أن تضعها في الفعل تبدأ بالتقييم، فيجب أن تقيم هدفك، وتقسم هذه الخطوة، أي: هل أنت تسير في الطريق الصواب؟ وهل
(1/115)

تتعلم فعلاً ما تريد؟ وهل هذا هو المركز الذي تريده؟ وهل هذه هي المعلومات التي تريدها؟ ولذلك فأنت تقيم، وعندما تقيم من الممكن أن تبدأ في التعديل؛ لأن ما قيمته في أسلوبك للتعليم من الممكن أنك لا تستطيع أن تفهمه من المدارس، ولكن من الممكن أن تفهم من مجموعة من مصادر المعلومات بما فيها المدرس والكتاب والقراءة، وكل ذلك تتعلم منه.
لذلك نقول: إن أفضل طريق للتعليم الطريقة البصرية؛ حيث تبدأ تشاهد وتتعلم أكثر.
ومن هنا فإن التقييم يأخذنا للتعديل، فالتعديل يعدل من خطتك، وعندما تعدل من خطتك تقف للحظة وتتعلم مما قيمته وعدلته وتتعلم منه قبل أن تضعه في الفعل مرة أخرى، فعندما تعلمت منه تضعه في الفعل مرة أخرى، وتستمر في هذا التخطيط الاستراتيجي، وهو جزء كبير من الفعل الاستراتيجي، فتخطط وتضعه في الفعل، وتقيم وتعدل وتتعلم، ثم تضعها في الفعل مرة أخرى، وهذا هو الفعل الاستراتيجي الذي يعلمك خطوة بخطوة إذا كنت في الطريق الصواب أم لا.
لأن هناك بعض الناس يضعون أنفسهم في الفعل ويستمرون بكل
(1/116)

قوة وحماس، وعندما يصلون إلى نهاية الطريق يجدون أنهم لم يحققوا أي شيء؛ لأنهم لم يدركوا أن الطريق التي كانوا يسلكونها ليست هي الطريق الصحيحة للوصول إلى القمة، فيبدءون في الشكوى والشعور بالإحباط، وترك الرؤية بما فيها الغاية والغرض والهدف؛ لأنهم شعروا أنهم بعيدون عنها، وأن ما يفعلونه يجعلهم يفشلون، ولكن في الحقيقة هذا الفشل لازماً للنجاح.
فسأل الشاب وقال: كنت أعتقد أن الفشل لا يسبب إلا الإحباط! فرد الرجل وقال: الحقيقة لا يوجد فشل، ففي الطريق إلى الامتياز والقمة يوجد كل شيء.
وقال: ألا توجد الأمطار؟
فقال الشاب: نعم.
وقال: ألا توجد الرياح؟
فقال: نعم.
وقال: ألا توجد الصواعق؟
فرد: نعم.
والزلازل؟
(1/117)

فرد: نعم.
وقال: ألا توجد الأمراض؟
فرد: نعم.
وعندما تأكل في أي مكان فمن الممكن أن تصاب بتبسم.
فقال: نعم.
فسأله الرجل الحكيم وقال: هل عندما أكلت وأصبت بالتسمم بعدت كليًّا عن الطعام؟
فقال: بالطبع لا.
فقال له الرجل الحكيم: لماذا؟
فقال الشاب: لأنني سأموت.
فقال الرجل: ونفس الشيء بالنسبة إلى الطريق إلى الامتياز فلن تقف بسبب أي عائق مهما كان، فالفشل لازم للنجاح، وفي الواقع هو ليس فشلاً، ولكنه تجربة وخبرة ومهارة، ولكنك وقفت في هذا المكان لكي تفكر وتقيم.
وهنا التقييم والتعديل والتعلم عندما تقف مرة أخرى، وعندها لن يستطيع أن مخلوق على وجه الأرض أن يأخذ مهاراتك ومعلوماتك
(1/118)

ومعرفتك وقوتك؛ لأنك أصبحت جزءاً منك، وأصبحت جزءاً منها.
وعندما تعلم الطريق إلى الامتياز وتضع الاحتمالات لكل ما يمكن أن يحدث..
وقبل أن يكمل الرجل الحكيم كلامه رد الشاب وقال: احتمالات! ما هي الاحتمالات؟
فضحك الرجل وقال: هذه هي الخطوة التالية، وكنت على وشك أن أكلمك عنها، كما ترى أنك وضعت كل شيء في الفعل من: الأخذ بالأسباب، والتوكل على مسبب الأسباب، والارتباط بالمولى - عز وجل -، وعرفت ما هو الفرق بين الرؤية والغاية والغرض والهدف والفعل الاستراتيجي، وأن تضع كل ذلك في الفعل، ولا تضعه في أي شيء.
فرد الشاب وقال: إذن ما هي النهاية حتى أصل إلى الامتياز؟
فرد الرجل وقال: الطريق إلى الامتياز لا ينتهي بمجرد الوصول إلى النهاية، وعندما تصل إلى النهاية تجد بداية جديدة، فالنهاية في بأي شيء هي بداية الشيء الذي يليه، وعندما ينتهي الشيء الذي يليه تصل إلى بداية جديدة، وهذا هو الحال حتى آخر يوم في هذه الحياة.
والآن دعنا نتكلم عن الاحتمالات في خلال خطوة التخطيط، فأنت
(1/119)

تفكر في كل العوائق التي من الممكن أن تحدث وتضع لها الاحتمالات مقدماً، وعندما تعرفها مقدماً فأنت تضع لها الحل مقدماً، وهنا في طريقك إلى الامتياز عندما تواجه أي تحد من تحديات الحياة تكون جاهزاً تماماً؛ لأنك تعرفه وتدربت عليه.
فسأل الشاب وقال: هل من الممكن أن تكون هناك أشياء لم أتوقعها، ولم أضع لها الاحتمالات؟
فقال الرجل: نعم، ولكنك خططت للاحتمالات التي تعرفها، والتي لا تعرفها فأنت جاهزاً لها أيضاً.. لماذا؟ لأنك تعرف أن الطريق إلى الامتياز سيكون فيه بعض الاحتمالات، ولا يوجد مخلوق على وجه الأرض يعرف كل الاحتمالات، ويعرف كل العوائق؛ لأن الله - سبحانه وتعالى - يعلمنا لحظة بلحظة، وعندما تحقق الهدف وتصل -بإذن الله- إلى الطريق الصواب والطريق المستقيم، وتقترب أكثر من الله - سبحانه وتعالى -، وتكون قد تعلمت تماماً، وتعرف حق الله - سبحانه وتعالى -، وروعة الله - سبحانه وتعالى -، وتعرف جماله وقدرته وحنانه، وكيف أن يبعث فيك كل ذلك ولكي تكون أفضل، وعندما ترى ما حدث وتنظر إلى الماضي فتجد أنه يتحول من أنه كان مؤلماً في يوم من الأيام إلى أنه أصبح مفرحاً، فتعلّم هذه الحكمة -أيها
(1/120)

الشاب- فأحياناً تنظر إلى الماضي فتجده مؤلماً، وتنظر إلى المستقبل فتجده مظلماً، ولكن انظر في داخلك وتوكل على الله بحب تام، ثم انظر من أخرى ستجد الماضي مفرحاً والمستقبل مشرقاً، وهذا هو الطريق إلى التميز، وهذا هو الطريق إلى الامتياز.
وبذلك فنحن تقريباً وصلنا إلى نهاية الطريق، ثم ابتسم.
وهنا ابتسم الشاب وقال: أية نهاية؟
قال الحكيم: اتفقنا أن نهاية الطريق هي بداية طريق جديد، فكل نهاية لها بداية، وكل بداية لها نهاية مستمرة في الزمن، فدعنا نصل إلى نهاية هذه الفكرة، وهي المهارة المتكاملة، ونهاية الفكرة التي تليها وهي الفعل الاستراتيجي، ونهاية الفكرة التي تليها وهي وضع الاحتمالات لكل شيء، وهنا دعنا نسير معاً في الطريق إلى التميز لكي نصل إلى العوائق الأساسية التي من الممكن أن تعوقك وتبعدك عن الطريق إلى الامتياز، وأنا أسمي هذه الأشياء -أيها الشاب- لصوص الحياة ولصوص التميز والنجاح، وأول لص هو الذي حلف بعزة المولى - عز وجل - أن يبعدنا عن الطريق المستقيم وقال: {لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ} (1) ، وهو
__________
(1) سورة الأعراف: 16.
(1/121)

الشيطان الرجيم.
ويجب أن تعرف أن إستراتيجية الشيطان تتكون من ثلاثة أجزاء أساسية هي:
الجزء الأول: هو أن يوقعك في الشرك بالله -لا قدر الله-، ومن ضمن أنواع الشرك التي يقولها بعض الناس بدون علم، ودون أن يعرفوا ما يفعلون فيقولون: توكل على الله وعليك وهذا شرك؛ لأنك عطفت بهذه الواو شخصاً فأصبح هذا الشخص في نفس المستوى الذي تتوكل عليه - سبحانه وتعالى -، ولذلك كن حذراً، فتوكل على الله - سبحانه وتعالى - فقط، ثم قل: وعندي ثقة -إن شاء الله- فيك.
الشرك بالله يجعلك تبتعد تماماً عن هذه الطاقة الروحانية؛ لأنك أصبحت ضائعاً في المادة وفي الدنيا.
وبعض الناس يعقدون أن الأسباب هي السبب.
الجزء الثاني: إن لم يستطع أن يوقعك في الشرك فإن يبعدك عن الطاعة.
فسأل الشاب: كيف؟
قال الرجل: هناك قصة كتبها الشيخ الشعراوي -رحمه الله- وهو
(1/122)

يتحدث عن أبي الدرداء - رضي الله عنه - عندما ذهب إليه رجل وقال له: إنه خسر كل شيء، وإنه وضع ثروته ودفتها في مكان ما، ولا يعرف أي وضعها، وطلب من هذا الولي من أولياء الله الصالحين أن يجيبه عليها.
وأجاب أبو الدرداء - رضي الله عنه - قائلاً: كيف أستطيع أن أفعل ذلك، ولكن ما أستطيع أن أقوله له: إن غداً -إن شاء الله- اذهب لصلاة الفجر وبنية تامة اطلب من الله - سبحانه وتعالى - أن ينير لك الطريق لكي تجدها.
فشكره الرجل وذهب.
وفي اليوم الثاني استيقظ مبكراً وذهب إلى المسجد لصلاة الفجر، وفي طريقه للمسجد تذكر أين وضع ثروته، فذهب مسرعاً ووجدها فعلاً وأخذها، وكان في منتهى السعادة، وذهب أبي الدرداء - رضي الله عنه - وقال له: وجدتها وجدتها، لقد وجدتها.
فسأله أبو الدرداء - رضي الله عنه - بابتسامة وقال له: هل صليت الفجر؟
فنظر له الرجل بنظرة حزن وقال: لا.
فقال أبو الدرداء - رضي الله عنه -: علمت أن الشيطان لن يتركك هذه الليلة.
وهذا هو البعد عن الطاعة، فاعبده عنك، واجعل تركيزك يذهب إلى هدفك ورؤيتك.
(1/123)

والشيطان قد يلبس باطله ببعض الحق، فمثلاً وأنت تصلي من الممكن أن تأتي لك أية فكرة عن أهدافك وعن أحلامك وكيف تحققها، وهذا تفكير إيجابي، ولكن ليس هذا وقته؛ لأنك في حضرة المولى - عز وجل -، وهنا عندما تصلي يجب أن تحمي نفسك من التفكير السلبي والإيجابي، ومن أي تفكير يبعدك عن الصلاة والوصل والاتصال بالله - سبحانه وتعالى -، فهنا التفكير الإيجابي في هذا الوقت يعمل ضدك، فالتفكير هنا ليس تفكيراً؛ لأن الشيطان يبعدك عن الطاقة الروحانية والارتباط بالله - سبحانه وتعالى -، فهو يبعدك عن الطاعة ويجعلك تركز على أهدافك وعلى أحلامك وتقودك، ويخيفك من الحياة، ويجعلك تبتعد وتشعر بعدم الأمان.
الجزء الثالث:
إن لم يستطيع أن يوقعك في الشرك فإنه يبعدك عن الطاعة، أو يشتتك في الطاعة ويجعلك تشك فيها مثلاً: عندما تتوضأ يجعلك تشك في الوضوء وهل توضأت أم لا؟ وهل توضأت بطريقة صحيحة أم لا؟ وعندما تصلي يجعلك تشك هل صليت ركعة أم ركعتين؟ وماذا قلت؟ ويجعلك تصل إلى اللخبطة والتشتت في الطاعة.
هذه هي إستراتيجية هذا اللص، فأولاً يضعك في الشرك، وإن لم يستطع يبعدك عن الطاعة، وإن لم يستطع يشتت طاعتك ويجعل اللخبطة
(1/124)

في ذهنك وأنت تطيع الله - سبحانه وتعالى -، فهذه اللخبطة تبعدك عن الطاعة، وهذه هي طريقته المستمرة في الزمن، ولن يتركها طالما أنك قررت أن تكون متميزاًَ بحب الله - سبحانه وتعالى -، فلن يتركك الشيطان أبداً؛ لأنه يعلم تماماً أنك تقترب من الله - سبحانه وتعالى -، ووظيفته فعلاً وحلفه أنه نم ألد الأعداء الذين حذرنا منهم الله - سبحانه وتعالى -.
فيجب أن تعرف أن من أول اللصوص المستمرين في الزمن حتى يوم الدين الشيطان الرجيم.
وقد تكتسب منه بعض الصفات مثل الغرور، فقد تصاب بالغرور؛ لأنك حققت شيئاً لم يحققه الآخرون، وبين الغرور والثقة فرق بسيط جداً؛ فالشخص المغرور لا يرى إلا نفسه فيقع في مطبات الذات السفلى، ويتكلم دائماً عن نفسه، وتكون كلمة أنا عنده عالية جداً، والإنسان المغرور يرى الناس أقل منه، ويرى نفسه أعلى منهم؛ لأنه إنسان مغرور ودليله على ذلك ما حققه من أسباب، وبذلك يوقعه الشيطان في البعد عن الطاعة؛ لأنه بهذه الطريقة وهذا الغرور يتصف بصفة اتسم بها الشيطان؛ لأنه قال: أنا أفضل منهم، وأنا مخلوق من النار، وآدم - عليه السلام - مخلوق من طين، فبدأ بالغرور والكبرياء، ولذلك أخرجه الله - سبحانه وتعالى - من أرضه،
(1/125)

فكن حذراً من الغرور.
أما الثقة بالنفس فالشخص الذي يثق بنفسه هو وهو شخص متواضع وشخص بسيط جداً، ويثق ويصل إلى كل البشر، وينزل إلى أي إنسان، فإن عزمك أي شخص على الغداء وهو إنسان بسيط جداً فتقبل الدعوة وكن فرحاً واجلس معه على الأرض، وأسعده بأية طريقة لم تخطر لك على بال، فالبساطة موجودة في كل شيء، ستجدها في الشمس وهي تخرج بالنهار، تخرج وتشرق وترى شروق الشمس ببساطة شديدة، وترى القمر ببساطة شديدة، والنجوم، وكل شيء يسير في مجاله، وكل شيء يسير في ملكوت الله - سبحانه وتعالى - ببساطة شديدة، لذلك المتميز هو إنسان بسيط جداً لدرجة لم تخطر لك على بال.
فابتسم الشاب واقترب من الرجل فقبل يده وقال له: مثلك أيها الرجل الحكيم، فكل هذا الوقت وهذه المعلومات تعطيها لي بدون مقابل، وأنا تعلمت منك هذه البساطة.
فرد الرجل وقال: الآن أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وأطلب من الله - سبحانه وتعالى - أن يعينني على ما قلته؛ لأن كل ذلك أعطيه لله - سبحانه وتعالى -، وأنا أيها الشاب لست إلا سبباً من الأسباب التي سخرها الله - سبحانه وتعالى - لك لكي تكون متميزاً.
(1/126)

فاعلم أيها الشاب أن الله - سبحانه وتعالى - يحبك ويريدك أن تكون متميزاً، فاستخدمها بارتباط أكثر بالله - سبحانه وتعالى -.
ثم نظر إليه وقال: وبعد الغرور والأنانية، والأنانية أولها أنا وآخرها نية، إذن هذه هي النية المرتبطة بالأنا، فالأنانية هي الذات السفلى الموجودة بداخلنا، وهي تعني أنه لا يوجد غيرك أنت، فالنقود تملكها أنت، والأفكار تملكها أنت، وتأخذ كل شيء بنفس ك، ولا تحب الآخرين، وحتى إذا كنت تحب لهم الخير فأنت لا ترى إلا نفسك في كل شيء، وهذه هي الأنانية، فالأنانية أن الإنسان لا يرى إلا نفسه في كل شيء، ولا يحب أن يعطي أي شيء، فهو إنسان أناني، فتجده عندما يكون على مائدة الطعام يأكل أكثر من الآخرين، ويمكث أكثر من الآخرين، ويهتم بنفسه أكثر من الآخرين، ولا يهتم بالآخرين، ولا يهتم بمشاعر أو أحاسيس الناس، ولا يهتم بأي شيء.
وهذه الأنانية تجعل الناس تبعد عنه، فيشعر بوحدة فظيعة وقطيعة بينه وبين الناس.
اعلم أن الضياع في الأسباب بسبب التكنولوجيا الموجودة في هذا العصر والتقدم السريع الذي يحدث حولنا، والمنافسة في الفرص التي
(1/127)

نراها في كل لحظة من لصوص الطريق إلى التميز والنجاح والتقدم، فقد يضيع الإنسان في هذه الأسباب، ومواضيع الكون والعالم في هذه اللحظة هو التقرب من الأسباب والبعد عن مسبب الأسباب كما قلنا من قبل، وقد وضعتك أنا شخصيًّا في هذا الفخ عندما طلبت منك أن تضع كل شيء، فأخذت بكل الأسباب لكي تحصل عليها، ووجدت نفسك أخيراً أنك لم تحصل على أي شيء؛ لأنك لم ترجع إلى مسبب الأسباب.
ففي الطريق إلى الامتياز تكون الأسباب من الجوارح، أما التوكل فهو في القلوب، فأنت مستمر في قلبك على التوكل على الله - سبحانه وتعالى -، واستخدام أسبابه التي سخرها لك، وعندما تستخدم الأسباب تتوكل على المولى - عز وجل - وتشكره وتحمده بعرفان تامٍّ.
ولذلك الضياع الموجود في هذه الدنيا مرده إلى الأخذ بالأسباب والاعتماد على التكنولوجيا، والاعتقاد أن هذا هو النجاح، أو أن هذه الأسباب هي التي نجحت الإنسان، فكن حريصاً جداً من هذا التقدم السريع أو الضياع فيه، فكلما وجدت اختراعاً يساعدك على التقدم فارجع في الحال إلى مسبب الأسباب الذي أعطاك القدرة على التفكير وعلى الابتكار فابتكرت ذلك، فاشكره واحمده وتوكل عليه؛ لأنه الذي
(1/128)

سخر لك الأسباب، وبذلك تكون طائعاً للمولى - عز وجل -.
وهنا تذكر أنه ورد في الآثار أن الله - سبحانه وتعالى - قال: عبدي أطعني أجعلك عبداً ربانيًّا تقول للشيء كن فيكون، وهنا دعني أشرح لك -أيها الشاب- هذه الجملة الرائعة:
- عبدي: وهذا تخصيص وتحديد، فمن الممكن أن يقول: يا عبد، ولكن الله - سبحانه وتعالى - قال: عبدي كما أنت تقول: ربي، أو أنك تقول: ابنتي، وهذا فيه تعظيم وتخصيص وتحديد للشخص الذي أمامك.
أطعني: أنت تقول: لماذا يا رب؟
فيقول لك الله - سبحانه وتعالى -: ابتعد عما أردتك أن تبتعد عنه، واقترب مما طلبت منك أن تقترب منه، وأطعني بما طلبت منك، أطعني تماماً أجعلك عبداً ربانيًّا؛ لأن الله - سبحانه وتعالى - هو الذي يقول للشيء: كن فيكون، فيجعلك عبداً ربانيًّا، فالرسل والأنبياء جميعهم عباد الله الربانيون يقولون للشيء: كن فيكون، وسخر لهم الأسباب، فمنهم من كان يسير على الماء، ومنهم من كان يحيي الموتى، ومنهم من كان يكلم الطيور والحشرات والنباتات، وسخر الله لهم الجن، ومنهم من أعطاه الله - سبحانه وتعالى - معجزة القرآن الكريم المستمر إلى يوم الدين.
(1/129)

وهنا: عبدي أطعني أجعلك عبداً ربانيًّا تقول -أنت الذي تقول- للشيء كن فيكون لأن الله - سبحانه وتعالى - سخر لك أسباب الكون، وقوانين هذه الدنيا، ومنها قوانين توافق الخواطر.
وسأل الرجلُ الشابَ وقال له: هل حدث لك في أي يوم من الأيام أنك فكرت في شخص ما فوجدته يتصل بك أو وجدته أمامك وكنت تفكر فيه وهو يقول لك: وأنا أيضاً كنت أفكر فيك؟
قانون توافق الخواطر وقانون الانجذاب وقانون الجذب هو أن تفكر في شيء وتجده يحدث، وقانون الرجوع هو عندما تفكر في شيء يعود عليك من نفس النوع.
أترى أيها الشاب كيف يسخر لك الله - سبحانه وتعالى - قوانين الأهداف، فعندما تفكر في هدف يفكر فيك، وعندما تفكر فيه يتواجد في إدراكك، وعندما تكتبه يتواجد في وجدانك، وعندما تضيعه في الفعل يصبح جزءاً لا يتجزأ منك، ولن تستطيع ألا تحققه؛ لأن هذا الهدف أصبحت له طاقة، فمثلاً عندما تكون الأم حاملاً سيخرج الطفل بعد 9 شهور مهما كانت الظروف، ولن تستطيع أي أم مهما كانت الظروف أن تقول: سأحتفظ بابني لمدة 3 شهور زيادة، وهذا نفس الشيء بالنسبة للهدف، فعندما
(1/130)

يتبلور الهدف يجب أن يولد ويخرج للحياة.
وخذ هذه الحكمة أيها الشاب: ما يوجد في قلبي ويجري في دمائي ويسيطر على فكري يجب أن يخرج للحياة، وهذا هو الهدف الذي هو جز لا يتجزأ من الرؤية.
ومن لصوص النجاح أيضاً.. الوعود الكاذبة..
* الوعود الكاذبة:
فنظر الرجل إلى عين الشاب وقال له: تعلّم أيها الشاب ألا تعطي وعداً لأي إنسان إن لم تستطع أن توفي بوعدك، وتذكر ما قاله الله - سبحانه وتعالى - في كتابه العزيز: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ} (1) ، وهذا مقت وكذب كبير عند الله - سبحانه وتعالى -، فلا تعد أي إنسان إن لم تستطع فعلاً أن توفي بوعدك، بما في ذلك أن تعطي ميعاداً لأحد بفرض أنك مثلاً تقول لشخص: سأقابلك الساعة الثالثة ثم تذهب متأخراً ساعة، وافرض مثلاً أنك ذهبت ووجدت الرجل قد مات في هذه الساعة كيف سيكون إحساسك وشعورك؟ فلماذا ينتظرك أنت ساعة، فساعة تضيع من عمره وهو ينتظرك فيها ولا يفعل شيئاً
__________
(1) سورة الصف: 2، 3.
(1/131)

فتخيل عقابك عند الله - عز وجل -، فلا تعد أي إنسان بأي شيء، وباستمرار اطلب وقتاً للتفكير، وعندما تعد لابد أن تنقذ وعدك.
فقال الشاب: خذها مني أيها الرجل الحكيم: لن أعد أي إنسان بعد هذا اليوم إلا وأنا قادر بإذن الله على تنفيذ هذا الوعد، بل سأفعل أكثر من ذلك فعندما أعد أي شخص سأكتب الميعاد؛ لأنه لو حدث وتوفاني المولى - عز وجل - سيأتي شخص آخر من بعدي سيوفي بالوعد.
فابتسم الرجل الحكيم وقال: بارك الله فيك ستجد -إن شاء الله- أنك ستصل إلى أعلى الدرجات من التقدم والنجاح في طريقك إلى الله - سبحانه وتعالى -؛ لأن هذا هو الطريق إلى الامتياز.
ثم واصل الرجل الحكيم وقال:
من لصوص الطريق إلى الامتياز أيضاً.. الكذب..
* الكذب:
فلا تكذب على أي شخص في الحياة مهما كانت الظروف أو التحديات، فابعد الكذب عن لسانك؛ لأنك لو نطقت به في يوم ما سيأخذها الشيطان عليك ويساعدك أكثر وأكثر لتكون كذاباً محترفاً فلا
(1/132)

تكذب إطلاقاً، وخذ وقتاً أكثر، وفكر بطريقة تكون إستراتيجية، ثم تكلم بالصدق، ولا تقل إلا الصدق، وتذكر أن رسولنا الكريم - صلى الله عليه وسلم - كان يسمونه: الصادق الأمين، فالصادق أولاً ثم الأمين، فهو كان يصدق فيما يقول، وأميناً في تعاملاته مع الناس.
فلابد أن تفي بالوعد، وأن تعطي الأمانة لأصحابها مهما كان الشخص سواء كان مسلماً أم غير مسلم، مؤمناً أم كافراً طالما أنه هو صاحب الحق، ولا تقل: إن هذا من حقي؛ لأن هذا ليس من حقك طالما أخذت مالاً أعطه لمن يستحقه، وإلا ستعاقب عليه من الله - سبحانه وتعالى -، كن متأكداً أنه طالما أن مالك أخذته أو ملكته بالحلال تأكد أنه سيأتيك؛ لأنك كنت صبوراً فلا تكسب إلا بالحلال.
ولا تكذب مهما كانت الظروف، ولا تأخذ ما ليس لك سواء أكان بالنصب أم بالاحتمال أم بالرشوة، فلا تأخذ إلا ما تستحقه فقط، ولا تفرض نفسك على الناس، وتذكر أنك في الطريق إلى الامتياز ستقابل أناساً كثيرين، وستقابل إغراءات كبيرة بالمال، فلا تأخذ إلا ما يرضي الله - سبحانه وتعالى -، ولا تكسب إلا بالحلال، وتذكر أن الله - سبحانه وتعالى - سيسألك عن المال الذي حصلت عليه، فإذا كان حلالاً وصرفته في الحلال سيسألك عليه الله
(1/133)

- سبحانه وتعالى -، وإذا كان حلالاً وصرفته في الحرام فسيحاسبك عليه الله - سبحانه وتعالى -؛ لأنهم حلال وأنت وضعته في الحرام، وإذا كان حراماً ووضعته في الحرام ستحاسب عليه، وإذا كان حراماً واستخدمته في الحلال ستأخذ حقك في الدنيا، ومن أخذه بالحلال سيتمتع بهذا الحلال، ولكنك ستدفع الثمن لأن جذوره من الحرام، فلا تكسب إلا بالحلال.
وكن حريصاً من الفرق بين الدخل والمكسب، والرزق الحلال والرزق غير الحلال، والرزق المبارك والرزق غير المبارك.
فنظر إليه الشاب وقال له: بارك الله فيك وفي علمك.
وقال له: فما هو الفرق؟
فرد الرجل الحكيم وقال: المكسب هو أنه لو عندك شركة وهذه الشركة أعطتك 100 دولار فهذا هو مكسب الشركة ودخلك الشخصي منها هو 20000، ومن الـ 20000 أعطيت لوالدك ولوالدتك 2000 و2000 لأولادك ولإخوتك ولزوجتك، وسددت بعض الديون، ودفعت الضرائب المستحقة، وتفضل لك أخيراً من ألـ 20000 مبلغ 2000 فهذا هو رزقك.
والرزق المبارك هو الذي يبعد عنك الله منه الصرف غير الضروري،
(1/134)

والحقد على الذين معهم، والمقارنة بينك وبينهم، فتجد نفسك تصرف كل الـ 2000 في أول عشرة أو خمسة عشر يوماً من الشهر، ثم تعيش الباقي من الشهر في ديون، وهذا هو الرزق غير المبارك.
أما الرزق المبارك فيبعد عنك الله - سبحانه وتعالى - كل أساليب الصرف غير اللازمة، فتجد نفسك راضيًّا ومكتفياً وسعيداً ومرضيًّا، وتوفر من هذا المبلغ أيضاً، وهذا المبلغ هو المكسب، وهو الدخل، وهو الرزق.
والرزق الحلال الذي كلمتك عنه، والحلال الذي قسمه الله - سبحانه وتعالى - لك فتكون راضياً وتقول: الحمد لله خذ 1000 لك هذا حقك، فطالما أنك لم تتعب فيها فلا تأخذها وأنت عندك شك بها؛ لأنها رشوة، وأنت ستقابل الله - سبحانه وتعالى - فإن لم يكن اليوم فسيكون غداً، فهل أنت جاهز؟ هل أنت مستعد؟ فابتعد عن الدخل غير المشروع والرزق غير المشروع؛ لأنه رزق معك ولكنه غير مشروع وغير حلال.
فالرزق المبارك هو الذي يبعد عنك المصاريف التي ليس لها أي ضرورة، أما الرزق غير المبارك فهو الذي يضعك في المقارنة بينك وبين ما عند الآخرين، وعندها تشعر بالإحباط وأنك ليس عندك حظ، فتصاب
(1/135)

بالحسد وتحسد الناس، ولا تترك حتى وأنت نائم فتنام تعيساً تماماً.
فقال الشاب: هل يوجد هناك أشياء أخرى من لصوص النجاح؟
فرد الرجل وقال: هناك لصوص كثيرة، ولكنك ستكتشفها من خلال طريقك إلى الامتياز.
ومن هذه اللصوص أيضاً.. عدم الصبر..
* عدم الصبر:
فإن لم تصبر لن تنال أي شيء؛ فالصبر خير ولكن بشرط أخذك بكل الأسباب والتزمت واستمررت في هذا الالتزام مهما كانت الظروف ومهما كانت التحديات.
فقال الشاب: عدم الصبر!! هل بعد كل ذلك وبعد كل ما فعلته لم أصل إلى ما أريد؟
فقال الرجل: في الوقت المناسب عندما يقرر الله - سبحانه وتعالى - أن هذا الوقت خير لك وأنه الوقت المناسب، لذلك يجب عليك الصبر، قال الله - سبحانه وتعالى -: {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} (1) ، وقال أيضاً: {وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ} (2) ..
__________
(1) سورة البقرة: 155.
(2) آل عمران: 146.
(1/136)

فكن من الصابرين؛ لأنك فعلت كل شيء، ولم تستطع فعل أي شيء في الوقت الحاضر، فالصبر إن الله يحب الصابرين.
عبدي أطعني أجعلك عبداً ربانيًّا تقول للشيء كن فيكون
فالله - سبحانه وتعالى - يحب إذا عزمت أن تتوكل عليه، {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} (1) ، {وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ} (2) .
فقال الشاب: وإذا صبرت هل هذه هي نهاية المطاف؟
فابتسم الرجل وقال له: كما قلت لك أيها الشاب: إن نهاية المطاف هي بداية مطاف جديد، ونهاية هذا المطاف الجديد هي بداية مطاف آخر جديد، ولا يتوقف ذلك حتى النهاية، إلا وقد انتهت الحياة بنهاية الرسول - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنه لم ينته ولكن علمه وأسلوبه وطريقته وأخلاقه وعلومه وما أعطاه الله - صلى الله عليه وسلم - له ما زال مستمراً، وسيكون مستمراً إلى يوم الدين، وهذا ما فعله الله - سبحانه وتعالى - مع الرسل والأنبياء والصحابة ومع الأولياء، وهذا ما فعله الله - سبحانه وتعالى - أعطانا لكي تستمر عجلة المعرفة، وهذه العجلة تعطي فتعطي، وعندما تأخذها أنت فتعطيها تصبح قناة وصل تأخذها من المولى - عز وجل - وتعطيها للآخرين، فأصبحت أنت القناة، فتتمتع بما
__________
(1) سورة آل عمران: 159.
(2) آل عمران: 146.
(1/137)

أخذه، وتتمتع بما تعطي، وبذلك لن تكون لك خاتمة، ولن تكون لك نهاية؛ لأنك مستمر في الزمن؛ فالجسد ذهب أما أفكارك فلا تنتهي، ولذلك فالطريق إلى الامتياز يعتمد على الأفكار وليس فقط على الأشخاص، فالشخص عندما يموت تنتهي أفكاره، ولكن الشخص المتميز يعطي غيره.
وهذه الأشياء التي أريدك أن تتذكرها -أيها الشاب- بعدما تعلمت ما هم لصوص النجاح، وأخذت بالأسباب، وتوكلت على مسبب الأسباب، وارتبطت بمسبب الأسباب، وتعلمت المهارة المتكاملة، وتعلمت التخطيط الاستراتيجي، والفعل الاستراتيجي، وأصبحت حريصاً من الوقوع في براثن لصوص النجاح، ولكن يبقى بعض الأشياء.
فنظر له الشاب وقال: أعرف أن النهاية هي البداية، والبداية هي النهاية.
فقال له الرجل: دعنا نستمر في طريقنا إلى الامتياز لكي نصل إلى الإخوة الثلاثة وهم:
(الالتزام والإصرار والانضباط) .
(1/138)

وأخذ الرجل الحكيم الشاب من يده وهو يشعره بالحنان والتواضع التام حتى بكى وشعر بالامتنان، وهنا وقف للحظات وهو ينظر إلى السماء فتركه الحكيم تماماً لكي يكون في خلوته اللحظية، وبعدها استمر الشاب في السير فسأله الحكيم: هل قضيت الواجب؟
فقال الشاب: شكرت المولى - عز وجل -.
والدموع في عينيه، ونظر الشاب إلى الرجل الحكيم فوجد دموعه تسيل على وجهه فقال له: لماذا تبكي؟
فقال: أنا لا أبكي، فهذا هو حبي لله - سبحانه وتعالى - الذي يتدفق من كل جزء مني، فتعانق الرجلان وهما يسيران معاً في طريقهما إلى الامتياز، حتى وصلا إلى المحطة التالية فقال الحكيم: دعني أكلمك عن.. الالتزام..
* الالتزام:
الالتزام يجعلك تستيقظ عندما تريد أن تنام.
الالتزام يجعلك تهتم بصحتك وأنت لا تريد أن تفعل أي شيء.
الالتزام يجعلك تقرأ وأنت لا تشعر أنك تريد أن تقرأ.
الالتزام أن تكون ملتزماً بهذا الفكر، وأن تكون قويًّا في هذا الفكر،
(1/139)

ولا تتركه إطلاقاً مهما كانت الظروف.
فقال الشاب: إذن الالتزام في منتهى القوة.
فقال: نعم.
* الإصرار:
فقال الشاب: إذن ما هي فائدة الإصرار؟
فقال الرجل: الإصرار يجعلك مصراً على الالتزام، فلا تتركه مهما كانت الظروف، وهنا يأتي الإصرار، فأنا ملتزم أن أمشي عشر دقائق يوميًّا، ومصر عليه مهما كانت الظروف والتحديات.
* الانضباط:
فسأل الشاب: فما هو الانضباط؟
فرد الرجل الحكيم بابتسامة وقال: الانضباط هو الاستمرارية؛ فالانضباط يزيد الإصرار قوة، والإصرار يزيد الالتزام قوة، ولذلك أنا أسميهم الإخوة الثلاثة.
والانضباط هو الاستمرارية في الشيء؛ لذا قال لنا الرسول - سبحانه وتعالى - عندما
(1/140)

سئل: أي الأعمال أحب إلى الله؟ قال: "أدومها وإن قل" (1) ، فهذا القليل الذي تفعله كل يوم يصبح جزءاً منك، فتفعل قليلاً آخر غير هذا القليل، فالقليل مع القليل يحدث الكثير.
وهذه هي الطريقة، وهذا هو حالي مع الهدف، فهدف مع هدف مع هدف مبني على الغاية يوصلك إلى الرؤية، وبذلك فإن الإخوة الثلاثة: الالتزام والإصرار والانضباط يجعلونك لا تترك هدفك مهما كانت الظروف، ولا تترك رؤيتك مهما كانت التحديات، ومهما كان الشيء فأنت ملتزم ومصرٌّ عليه ومنضبط فيه.
ثم ابتسم الرجل الحكيم وقال: لا تسألني هل هذه هي النهاية هي عادتك؟
فقال الشاب: أعلم أنها ستكون البداية، فما هي البداية الجديدة؟
فقال الرجل: المرونة التامة، وهي أن تكون مرناً في الحياة، فمن الممكن أن تكون ملتزماً بشيء ومصراً عليه ومنضبط فيه، ولكنك تسير في الطريق الخطأ وتنسى طريق الصواب؛ لأن في طريقك من الممكن أن تأخذ طريقاً أخرى فرعية فتضيع فيها، وتعتقد أنك تسير في الطريق الصواب؛ لأنك لا تقيم كما تكلمنا في التخطيط الاستراتيجي والفعل
__________
(1) أخرجه البخاري (6465) وغيرها: مسلم (1864) .
(1/141)

الاستراتيجي، فلم تقيم الطريق؛ لأنك فرحت به وبما أنجزته، فتجد نفسك في الطريق إلى الشيطان؛ لأنك فرحت بما أنجزته وحققت إنجازاً آخر، ونسيت أن تشكر الله - سبحانه وتعالى -، فضعت في الأسباب، وفتنت بالأسباب، فهلكت بالأسباب.
ولكن الله - سبحانه وتعالى - يحبك فسيجعلك تقف فتفشل، فهذا الفشل بركة من الله - سبحانه وتعالى -؛ لأنك عندما تقع فتمرض فهذا المرض بركة، أو تتألم فهذا الألم بركة؛ لأنه عند الأمراض والآلام وعند الفشل يحدث الأمل، فلولا الألم لما وجد الأمل، ولولا العلم لما وجد العمل، ولولا السير لما كان الوصول، لذلك فإن هذه التحديات هي البداية للوصول إلى ما نريده.
فتذكر أيها الشاب أنه لولا وجود عكس المعنى لما كان للمعنى معنى، فلولا وجود الألم لما كان للراحة معنى، ولولا وجود الفشل لما كان للنجاح معنى، ولولا وجود الليل لما كان للنهار معنى، ولولا وجود المرض لما كان للصحة معنى، ولولا وجود العسر لما كان لليسر معنى؛ فالعسر واليسر قال لهما الله - سبحانه وتعالى -: أنت معاً، وقال لنا: {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا} (1) ، وكررها مرتين، وستجد في العسر الألف واللام؛ لأنه محدود، أما اليسر فهو ليس محدوداً، فلولا العسر لما كان لليسر
__________
(1) سورة الشرح: 5، 6.
(1/142)

معنى؛ فالشخص الذي عنده اليسر مستمر في الزمن لا يشعر به، فيجب أن يكون العسر موجوداً لكي تتمتع باليسر، ففي العسر فوائد.
فتعجب الشاب وقال: في العسر والتعب فوائد؟
فقال الرجل الحكيم: نعم فعندما تكون متعسراً تقول: يا رب، فيقول لك الله - سبحانه وتعالى -: لبيك عبدي، وعندما تكون متعسراً تفكر بطريقة مختلفة لكي تخرج من العسر، وعندما تكون متعسراً تتعلم شيئاً جديداً فتنمي أفكارك، لذلك ففي العسر فوائد، ومن العسر تذهب إلى اليسر، لذلك يجب أن تكون مرناً تماماً.
فقال الشاب: وما هو الفرق بين المرونة والضياع في الطريق؟
فقال الرجل: كن ملتزماً بهدفك ومصراً عليه ومنضبطاً فيه، ولكن كن مرناً في أسلوبك، فمن الممكن أن تسلك أكثر من طريق حتى تصل إلى نهاية المطاف، وحتى تصل إلى النجاح والتميز الذي تريده، وتصل إلى تحقيق هدفك، فالمرونة هي أسلوب، والالتزام والإصرار والانضباط في الهدف معناه ألا تتركه إطلاقاً، ولكن كن مرناً في أسلوبك، ومن هنا دعنا نسير إلى المحطة التالية.
وهنا لم يسأل الشاب وبدأ في السير مع الحكيم دون أن ينطق بأية
(1/143)

كلمة، ولكن بداخله كان يذكر الله - سبحانه وتعالى -، وكان يسبح الله - سبحانه وتعالى -، وكان يشكر الله - سبحانه وتعالى -، ويحمد المولى - عز وجل -، وكان في وجهه ابتسامة جميلة، وعيناه مليئة بالدموع، دموع الحب لله - سبحانه وتعالى -، حتى وصل الاثنان إلى المحطة التالية، وهنا توقف الرجل ونظر إلى الشاب وقال له: حان الوقت لتساعد أكبر عدد ممكن من الناس، فما أعطاكه الله - سبحانه وتعالى - ليس ملكك، ولك أن تتمتع به، وعندما تعطيه تزيد متعتك، وهذه هي السعادة أيها الشاب، فلكي تجعل من السعادة عادة يجب أن تكون في حب الله - سبحانه وتعالى -، ولذلك عندما تساعد الناس تشعر بهذه السعادة، فساعد أكبر عدد ممكن من الناس بعلمك ... بفكرك كما أفعل أنا وأساعدك بعلمي وفكري الذي أعطانيه الله - سبحانه وتعالى -.
فمن أول لحظة وبمجرد أن تتعلم فعل، وبمجرد أن تحصل أعط، وتذكر أننا نعيش -بإذن الله- من أجل أكل عيشنا من النقود والمال الذي تعمل لأجله، ولكن نصنع حياتنا بأكملها عندما نعطي.
وهنا نظر الشاب إلى الرجل الحكيم نظرة حب وعرفان بكل هذا العلم، وهذا الصبر، وهذا الالتزام، وهذا الإصرار، وهذا الانضباط، وهذه المرونة في معاملة شاب ضائع لا يعرف أين الطريق، وقال الشاب: هذا وعد مني لك.
(1/144)

فقال الحكيم: لا تَعِد.
فقال الشاب: وأنا مصرٌّ على هذا الوعد: أنني لن أتخلى مهما كانت الظروف أو التحديات عن ارتباطي بالله - سبحانه وتعالى -، ولن أتخلى لحظة عن ذكر المولى - عز وجل -، وعن شكر الله - سبحانه وتعالى -، وعن الحمد بعرفان تامٍّ، وهذا وعد مني بذلك، وسأصلي كل يوم ركعتين على الأقل حمداً وشكراً لله - سبحانه وتعالى -، ولن أتخلى في لحظة أن أدعو لك بطول العمر، وأدعو لك أن يبارك الله - سبحانه وتعالى - لك في صحتك وعافيتك، ويزيدك علماً، ويعطيك علماً لن يعطيه لأي شخص من هذا العصر، وأن ينفع بك الإسلام والمسلمين والعرب والعلماء، وأن ينتشر علمك في الأرض، وسأكون أنا خادماً لك -إن شاء الله- ولن أتركك لحظة بعد اليوم، فهل تقبلني عندك من تلامذتك؟
وهنا عانقه الرجل وقال: إذن أنت هديتي من الله - سبحانه وتعالى -، وهذا وعد مني أيها الشاب -أنا لا أعد-: أنني لن أتركك -إن شاء الله- ما دمت على وعدك، وتذكر كما فعلت معك فخذ معك أصدقاءك، وخذ معك تلاميذ، وعلم أكبر قدر ممكن من الناس الذين تعرفهم، وعلمهم أن الطريق إلى الامتياز هو الطريق إلى الله، وعلمهم أن الأسباب من
(1/145)

مسبب الأسباب، وعلمهم أن الإمكانيات من القدرات، فلا يفتن الإنسان بإمكانياته، ولا يفتن الإنسان بأسبابه، ولكن يعرف أن صاحب القدرات هو الذي أعطانا القدرات لكي نحصل بها على الإمكانيات، ومنها وصلنا إلى المصادر، وبذلك تجعل مصادرك أن تعلم أكبر قدر ممكن من الناس، فتصبح من المبشرين -إن شاء الله-.
وتذكر -أيها الشاب- أن تحترم كل الديانات، وكن متزناً، وكن من المبشرين، واجعل وجهك باستمرار مبتسماً.
وتذكر أيها الشاب أيها الصديق أيها الرفيق أنه ليس اسمك ولا اسم عائلتك ولا طولك ولا شكلك ولا مالك ولا وظيفتك ولا من أنت ولا ماذا تكون ولا ماذا كنت، فكل هذه أسباب وأشياء إذن من أنت؟
أنت أفضل مخلوق عند الله - سبحانه وتعالى - الذي خلقك بيده الكريمة، فكان من الممكن أن يقول لك: كن فتكون.
وأنت الذي سخر لك السماء والأرض، وأنت الذي جعلك خليفة له في الأرض، وأنت القدرات اللامحدودة التي وضعها فيك الله - سبحانه وتعالى -.
(1/146)

وأنت المعجزات؛ فالمعجزات ليس لها حدود.
فهذا هو أنت، ولذلك عش كل لحظة كأنها آخر لحظة في حياتك؛ لأنها من الممكن أن تكون آخر لحظة فعلاً، فعش بحبك وإخلاصك ووفائك وطاعتك لله - سبحانه وتعالى -، ثم تطبع بأخلاق الرسول - سبحانه وتعالى - الذي قال الله - سبحانه وتعالى - له: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} (1) ، وقال رسولنا الكريم - سبحانه وتعالى -: "إنما بعثت لأتمِّم مكارم الأخلاق" (2) ..
وكانت والدتي -رحمها الله- تقول لي: ربنا -يا بني- يجعل وجهك جوهرة، ولسانك سكرة فعش -أيها الشاب- كل لحظة كأنها آخر لحظة في حياتك، عش بالتطبع بأخلاق الرسول - سبحانه وتعالى - والرسل والأنبياء والصالحين، ثم عش بالكفاح، عش بالفعل، عش بالالتزام، عش بالصبر، عش بالمرونة، عش بالاستمرارية، عش بالحب والأمل، وأخيراً قدر قيمة الحياة.
وهيا بنا لأننا وصلنا إلى نهاية المطاف في الطريق إلى الامتياز لكي تكتشف البداية الجديدة في الطريق إلى الله - سبحانه وتعالى -..
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته؛؛
__________
(1) سورة القلم: 4.
(2) أخرجه البيهقي في السنن الكبر، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة.
(1/147)

من الإسكندرية
30 من شهر أغسطس 2008م
وننتظر حلول شهر رمضان المعظم؛ لأنه من الممكن أن يكون غداً -إن شاء الله- وأدعو لك أيها القارئ أن تصل في طريقك إلى الامتياز إلى أعلى الدرجات، وأن تبدأ طريقك اليوم إلى الله - سبحانه وتعالى -، وأرجو منك أيها القارئ الكريم أن تعطي ما تعلمته لأكبر عدد ممكن من الناس، حتى يجمعنا الله - سبحانه وتعالى - في جنات النعيم مع الرسول - سبحانه وتعالى - ومع الرسل والأنبياء والصالحين والصديقين، ولن أقول لك، حظاً سعيداً، ولكن قم إلى الله وتوضأ وتقرب إلى الله، ستجد أنك تصنع حظك بنفسك.
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته؛؛
د. إبراهيم الفقي
(1/148)

الدكتور الفقي في سطور
- مؤسس ورئيس مجلس إدارة شركات إبراهيم الفقي العالمية.
- مؤسس ورئيس مجلس إدارة المركز الكندي لقوة الطاقة البشرية (ctcpe) ، والمركز الكندي للتنويم بالإيحاء (ctch) ، والمركز الكندي للتنمية البشرية (ctchd) ، والمركز الكندي للبرمجة اللغوية العصبية (ctcnlp) .
- مؤسس ورئيس مجلس إدارة شركة كيوبس (cis) .
- دكتور في علم الميتافيزيقا من جامعة ميتافيزيقي بلوس أنجلوس بالولايات المتحدة الأمريكية.
- د. إبراهيم الفقي هو المؤلف لعلم ديناميكية التكيف العصبي
(ro conditioning dynamics TM) NCD TM.
- مؤسس علم قوة الطاقة البشرية
(1/150)

(power human energy TM) PHE TM.
- مدرب معتمد في البرمجة اللغوية العصبية (NLP) من المؤسسة الأمريكية للبرمجة اللغوية العصبية.
- مدرس معتمد للعلاج بخط الحياة (time line therpy TM) .
- مدرس معتمد في الذاكرة من المعهد الأمريكي للذاكرة بنيويورك.
- مدرب معتمد للتنمية البشرية من حكومة كيبيك بكندا للشركات والمؤسسات.
- مدرب ريكي من..
(the reiki training center of Canada) بكندا، ومن (global reiki association) .
- حاصل على مرتبة الشرف الأولى في السلوك البشري من المؤسسة الأمريكية للفنادق.
- حاصل على مرتبة الشرف الأولى في الإدارة والمبيعات والتسويق من المؤسسة الأمريكية للفنادق.
(1/151)

- حاصل على 23 دبلوم، وثلاث من أعلى التخصصات في علم النفس والإدارة والمبيعات والتسويق والتنمية البشرية.
- شغل منصب المدير العام لعدة فنادق خمسة نجوم في مونتريال بكندا.
- له عدة مؤلفات بثلاث لغات هي (العربية والإنجليزية والفرنسية) حققت له لأكثر من مليون نسخة في العالم.
- درب أكثر من 600000 شخص في محاضراته حول العالم، وهو يحاضر ويدرب بثلاث لغات (العربية والإنجليزية والفرنسية) .
- بطل مصر السابق في تنس الطاولة، وقد مثل مصر في بطولة العالم في ألمانيا الغربية عام 1969م.
- يعيش الآن في مونتريال بكندا مع زوجته آمال، وابنتيهما التوأم نانسي ونرمين.
(1/152)

قالوا عن الدكتور/ إبراهيم الفقي
- في رأيي يعتبر الدكتور/ إبراهيم الفقي من أفضل المحاضرين العالميين.
برناديت ديكارت - مذيعة - ك ب ل، لويزيانا، الولايات المتحدة الأمريكية.
- أكثر من رائع، ومهارة منقطعة النظير في فن العرض.
دكتور: كليمنت جونسون - طبيب - تكساس، الولايات المتحدة الأمريكية.
- ممتع ومتمكن، ويصل إلى المستع بسرعة وقوة لم أرها من قبل.
كريستيان ماكدونالد - بريستول مايرز - مونتريال - كندا.
- دكتور/ إبراهيم الفقي علمني فن الحياة، وأضاء لي الطريق إلى السعادة.
ميشيل جويان - محرر بجريدة أكتواليتي - مونتريال - كندا.
(1/154)

- ندوات الدكتور/ إبراهيم الفقي هي خبرة العمر، ويجب أن تتاح الفرصة لكل فرد لكي يحضرها.
روز سولازو - مونتريال - كندا.
- دكتور/ إبراهيم الفقي أضاء لي الطريق لحياة أفضل.
سوزيت جورجدو - شركة الطيران الكندية - كندا.
- فريد من نوعه، ويعتبر من أقوى وأفضل المحاضرين العالميين.
فرانس مارتل - مذيعة - تليفزيون كيبيك - قناة س ج م - كندا.
- استطاع الدكتور/ إبراهيم الفقي في ثمانِ ساعات أن يثير في نفس المحاضرين آمالاً وطموحاً، كما استطاع أن يوضح الرؤية والطريق، وأن يثير في قلوبنا حبًّا وارتباطاً بشخصه، وهذه معادلة في منتهى الصعوبة، لم أقابل من استطاع النجاح فيها في يوم واحد.
أوديت اسكندر - رئيس مجلس إدارة شركة مصر والشرق الأوسط - مصر.
- ممتاز، متميز، وأسلوبه شيق، ومحاضرته لسمت قلبي وإحساسي، وغيرت مجرى تفكيري في الحياة.
عزة فرحات - مدير الموارد البشرية - جونسون واكس - مصر.
(1/155)

- دكتور/ إبراهيم الفقي يعزف موسيقى خاصة، تملأ العوالم الداخلية طاقة؛ فتحرك الآخرين نحو أفلاك الحياة مشحونة ديناميت ورغبة في الصعود.
الكاتبة الصحفية/ منى عبد الجليل - الكويت.
- ممتاز جداً، لم أكن أتوقع أن يكون في مثل هذا التواضع وهذا الاهتمام بالمتدربين.
عبد الله حارث الرميثي - رئيس قسم الموسيقى - إذاعة وتليفزيون دبي - الإمارات العربية المتحدة.
- دكتور/ إبراهيم الفقي فخر للأمة العربية والإسلامية.
هيثم عبد الغني - نائب المدير العام - الشركة السعودية لاستيراد وتصدير الورق - المملكة العربية السعودية.
(1/156)