Advertisement

الموظف غير المرئي


الموظف غير المرئي




الموظف غير المرئي

استخدام التحفيز لاكتشاف الطاقة الكامنة لدى الموظفين

تأليف
أدريان جوستيك وتشيستر إلتون

ترجمة
شيماء سليمان شلبي
مراجعة
هبة عبد المولى أحمد



الموظف غير المرئي

The Invisible Employee

أدريان جوستيك وتشيستر إلتون

Adrian Gostick, and Chester Elton

??
جوستيك، أدريان.
الموظف غير المرئي: استخدام التحفيز لاكتشاف الطاقة الكامنة لدى الموظفين/تأليف أدريان جوستيك، تشيستر إلتون.
     تدمك: ???? ??? ??? ??? ??
?
     ?- الموظفون
     ?- التنمية البشرية
          أ- العنوان

?????

تصميم الغلاف: إسلام الشيمي.

يُمنَع نسخ أو استعمال أي جزء من هذا الكتاب بأية وسيلة تصويرية أو إلكترونية أو ميكانيكية، ويشمل ذلك التصوير الفوتوغرافي والتسجيل على أشرطة أو أقراص مضغوطة أو استخدام أية وسيلة نشر أخرى، بما في ذلك حفظ المعلومات واسترجاعها، دون إذن خطي من الناشر.
Arabic Language Translation Copyright © 2016 Hindawi Foundation for Education and Culture.
The Invisible Employee
Copyright © 2010 by O. C. Tanner Company.
All Rights Reserved.
Authorised translation from the English language edition published by John Wiley & Sons, Inc. Responsibility for the accuracy of the translation rests solely with Hindawi Foundation for Education and Culture and is not the responsibility of Wiley. No part of this book may be reproduced in any form without the written permission of the original copyright holder, John Wiley & Sons Inc.



شكر وتقدير


هذا الكتاب الذي بين أيديكم هو خلاصة إسهامات قدَّمها العديد من الأشخاص الذين نَدِين لهم بكل الشكر والتقدير.
أولًا: نشكر لاري ألكساندر ولوري هارتينج من شركة جون وايلي آند صنز؛ لأنهما استوعبا رؤيتنا فيما يتعلَّق بفكرة الكتاب، وفي غضون أسبوع واحد من الاطِّلاع على الاقتراح وافَقَا على نشْرِ الكتاب. كما نشكر مدقِّقتَنا الجديدة، شانون فارجو، التي جعلت نشْرَ الطبعة الثانية من هذا الكتاب حقيقةً واقعةً.
ثانيًا: نشكر جهات اتصالنا الأساسية لدى الشركات الوارد عنها اقتباساتٌ على مدار الكتاب: بيل نيوبي من شركة إكسيل إنيرجي، وراي ماجو من شركة إيبكور، وشيريل هاتشينسون من شركة فريندليز، وريتش سيجانتلر وديبي فورندران وبوب جويس من مجموعة ويستفيلد، وتوني تريجليا وجوان كيلي وروزماري ماجرون وسكوت نورثكت من شركة دي إتش إل، وإريك لانج من شركة في إن يو ميديا ميجرمنت.
نتوجَّه بالشكر لعملائنا الكثيرين الذين تعلَّمْنا منهم الكثيرَ، والذين شاركونا الكثير من القصص والأمثلة التي لم يتَّسِعِ الكتابُ لها جميعًا.
نشكر ديفيد جاكسون وآلان أكتون من شركة هيلثستريم البحثية لمساعدتهما في الأبحاث الموظَّفة في الكتاب. كما نشكر مدقِّقينا وباحثينا الرائعين: تود نوردستروم، وكريستي جيلز، وجلين نيلسون.
نحن ممتنُّون لعائلتنا لدى شركة أُو سي تانر التي تشمل كلًّا من: جويس أندرسون، وكاي جورجنسن، وجون ماكفي، وكينت ميردوك، وديفيد بيترسن، وكيفن سالمون، وديفيد ستارت، وتيم ترو، وفِرَق عملهم الرائعة؛ على قيادتهم ورؤيتهم. كما نشكر كلَّ العاملين في التسويق والمبيعات، وكلَّ مَن نَسينا ذِكْرَ أسمائهم؛ على ريادتهم الفكرية في مجال التقدير ومَنْح الجوائز.
نشكر فريقنا الرائع؛ فريق «التحفيز والتقدير»، وأعضاءه: سكوت كريستوفر، وستيف جيبنز، وبوب آن هول، وآنجي هوجن، وكريستي شاتلين، وكريس كندريك، وتود نوردستروم، وأندريه جابماير، وكيم كوكسي، وأندرو هان، وباتريك بويفير، وستيفاني رودريجز، وشونا رازو، وجاروند سومان.
وكما هي الحال دومًا، علينا أن نتوجَّه بالشكر لعائلاتنا؛ نشكر جينيفر وتوني، ونشكر هايدي وكاسي وكارتر وبريندن، وجاريت أيضًا. لقد قضينا أيامًا لا حصرَ لها في وضْعِ هذه الأفكار؛ ولذا نشكركم على صبركم وحبِّكم ودَعْمكم وحسِّكم الفكاهي.
من الوارد أن نَغفُل عن بعض الأسماء خلال سردنا لهذه القائمة؛ لذا، إذا كنتَ تقرأ هذا الشكر ووجدتَ أننا لم نأتِ على ذِكْركَ … إذا كنتَ تشعر أنكَ غير مرئي وجهودكَ غير مرئية بالنسبة إلى مديريكَ … فمن فضلك لا تتردَّد في أن تكتب لنا وتُعْلِمنا بالأمر، وسنرسِل إليكَ اعتذارًا متواضعًا.
وفي الختام، نتوجَّه بالشكر إلى كل المديرين الجيدين؛ لأنهم أخرجوا موظفيهم إلى النور، ولكل المديرين الجيدين الذين عملنا تحت إدارتهم، نقول: شكرًا لأنكم كنتم مثالًا يُحتذَى به. وماذا عن المديرين السيئين؟ حسنًا، نقول لهؤلاء: إننا نقدِّر المادةَ الكوميدية التي أمددْتُمونا بها.

مقدمة


لك أن تتخيَّل مدى السعادة التي شعرنا بها عندما نُشِر هذا الكتاب لأول مرة عام ????، وصنَّفته جريدةُ نيويورك تايمز كواحد من أكثر الكتب مبيعًا. كنَّا نعلم أن لدينا رسالةً مهمة عن إمكانات الموظفين الذين لا يحظَوْن بالقدر الكافي من التقدير، وأنَّ علينا مشاركة هذه الرسالة ونشرها. كانت لدينا رغبة قوية في أن نوضِّح للمؤسسات سُبل تطوير نفسها؛ وذلك عن طريق الاستفادة من قدرات الموظفين وتوظيفها لتحقيق قدرة هائلة على الإنجاز. لقد أذهَلَنَا مدى النجاح الذي حقَّقَه الكتاب، كما أننا سعداء بأن الكتاب لا يزال رائجًا بين القُرَّاء بعد مرور عدَّة سنوات.
لعل المصدر الأكبر لسعادتنا كان الأحاديثَ التي دارَتْ بيننا وبين عشرات الآلاف من المديرين حول العالم؛ فالكتاب يساعدهم في اكتشاف الكنوز الدفينة المخبَّأة داخل مكاتبهم؛ وهي موظَّفوهم. إنَّ إبداء التقدير مفهوم بسيط لكنه فعَّال؛ فهو مفهومٌ سَهْلُ التطبيق وسرعان ما تَظهر نتائجُه على حجم الدخل الصافي للشركات ومحصلة العمل النهائية؛ وهنا يكمن سر نجاح الكتاب.
لكن دوام الحال من المحال؛ فبينما نكتب هذه الكلمات، لا تزال حالة الاقتصاد العالمي غير مستقِرَّة؛ الأمر الذي يدفع أي إنسان عاقل إلى التساؤل ما إذا كان الاقتصاد على وشك الانهيار. تسريح العمالة، والإفلاس، وإنقاذ المؤسسات المتعثرة ماليًّا، وإغلاق الرهن، ولافتات الإغلاق النهائي لشركة أو أخرى؛ أصبحَتْ كلُّها ملامحَ تشكِّل المشهد الجديد لقطاع الأعمال التجارية.
بإمكاننا أن نتخيَّل الأحاديث التي تدور بين الموظفين في شركتك وهم يقفون أمام مبرِّد الماء؛ لقد تحوَّلَ المكانُ الذي كان في يومٍ من الأيام مكانًا للحديث عن الاستفتاءات المتعلقة بالرياضة ومناقشة أمور السياسة وتجاذُب أطراف الحديث حول أمور العمل، إلى مكان يلتقي فيه الموظفون البائسون كي يقولوا أشياءَ من قبيل: «هل سمعتَ مَنِ الذي حان الوقت لتسريحه من العمل؟»
يبدو أن الموظفين لا ينجزون الكثير من العمل، أليس كذلك؟
والنتيجة هي فريقٌ من الموظفين يركضون في كل اتجاه كدجاجةٍ تلتقط أنفاسَها الأخيرة بعد قَطْع رأسها؛ كلُّ واحد من هؤلاء الموظفين يعتقد أن دوره في التسريح قادم لا محالة. إن الخوف يولِّد مزيدًا من الخوف، والجميع يتساءلون إلى متى سيستمر هذا الجنون! في حالِ كنتَ من هؤلاء المتسائلين، فإن معدل بقاء دجاجة على قيد الحياة بعد قطع رأسها — وفقًا لموسوعة جينيس للأرقام القياسية — هو ?? شهرًا، وهي مدة تعادِل تقريبًا متوسط مدة أي كساد اقتصادي.
لكن الأشخاص الذين يعملون في شركتك قد لا يظنون أنَّ هناك مَنْ ينقذهم، والإدارةُ بمنزلة عدوٍّ في نظرهم؛ فما هي الاستراتيجية التي يطبِّقها هؤلاء الموظفون إذن وهُم كالدجاج المقطوع الرأس؟ إنهم يختبئون ويتمنَّوْن أن يبقوا في مخبئهم إلى أن تزول الغمة، وخلال فترة الاختباء تلك يحاول هؤلاء الموظفون إنجازَ ما يكفي من العمل بحيث يتجنَّبون الطردَ. هذه هي اللحظة التي يصبح فيها الموظفون أشخاصًا غير مرئيين.
لكن الطريف في الأمر هو أن هذه الحالة من السعار النفسي بإمكانها أن تستمرَّ حتى بعد انقضاء الأزمة، وعندها يصبح عزوفُ الموظف عن المخاطرة بهدف تجنُّب التميُّز بين أقرانه، سلوكًا محفورًا في عقلية الموظفين. وحتى هؤلاء الموظفون الذين يملكون أكبر قدرٍ من الإمكانات، ويرتقون في العادة لإدارة فريقِ عملٍ خاص بهم، يعزفون أيضًا عن المخاطرة. إن هؤلاء الموظفين لا يريدون الفشلَ، ويتصوَّرون أن عواقب الفشل في مثل هذه الظروف الاقتصادية ستكون وخيمة.
إذا كان ثمة وقت يمكن فيه لأي مدير أن يكتشف إمكاناتِ موظفيه ويرعاها، وأن يشجِّع الإبداع ويحتفظ في شركته بأفضل الموظفين وألمعهم ذكاءً؛ فهذا الوقت هو الآن. وفي الواقع، نظرًا لخطورة الأوضاع الحالية، إنْ لم يبادِر المديرُ بإنجاز كلِّ هذه الأمور الآن، فلن يتمكَّن من فعلها على الإطلاق.
لقد بدأ الإعلام مؤخرًا في مقارَنة الأزمة الاقتصادية لعام ???? بالكارثة الاقتصادية التي حدثت عام ????، وقد ذكَّرنا هذا بآبائنا الذين نَشَئوا في أعقاب الكساد العظيم؛ كيف نجحوا؟ وحتى بعد انقضاء فترة الكساد، كيف كان تأثيره على طريقة عمل الناس وعلى قِيَمهم؟
مِن صُوَر والدَيَّ (والدَي أدريان) المفضَّلة لديَّ، صورةٌ الْتُقِطت لهما في فترة الخمسينيات من القرن العشرين. في تلك الصورة، يجلس والدِي على دراجة بخارية متهالِكة طراز نورتون ???، وبجانبه كانت والدتي تجلس في العربة الجانبية وفي حِجْرها كلبهما الاسكتلندي الذي كان يُدعَى بوتشيني، وكانت ثمة خيمة بيضاء كبيرة وحقيبة سفر مربوطتان في المقعد الخلفي وراء مقعد والدي.
كان والداي في إجازة على الساحل الإنجليزي قبل أن يُرزَقَا بأطفال، كانت هذه الإجازة ملاذًا سريعًا من وظيفة والدِي بشركة رولزرويس، وكانت هذه الدراجة هي أول «سيارة» متواضِعة يمتلكانها.

عندما رأيتُ الصورة منذ بضع سنوات، ابتسمتُ وسألتُ والدِي مداعِبًا: «لم تكن تتقاضى راتبًا جيدًا في شركة رولزرويس، أليس كذلك؟»
ضحك والدِي وروى لي قصةَ الْتِحاقه بالعمل لدى شركة رولزرويس في دربي بإنجلترا، وقتما كان مصمِّمًا شابًّا يصمِّم قِطَع غيار الطائرات. في تلك اللحظة، كان والدِي متفقًا مع حقيقة أن الشركة لم تمنحه قطُّ راتبًا كبيرًا. في الواقع، غادَرَ والدِي إنجلترا بعد ?? عامًا متَّجِهًا إلى كندا؛ حيث حصل على ثلاثة أضعاف راتبه، وعلى الرغم من أنه تَلقَّى عددًا كبيرًا من الترقيات خلال سنين عمله هناك، يؤسفني أن أقول إن رولزرويس لم تستطع ترقية جوردون جوستيك إلى منصب في الإدارة العليا؛ إذ كان أمامه طابور طويل من الموظفين الموهوبين الذين يكبرونه سنًّا؛ ومع ذلك، فقد بقي في عمله هناك لأكثر من عقدين؛ فما السبب إذن؟
فسَّرَ لي والدي الأمر وقال: «أَتَعْلم، لقد استمتعتُ بكل يومٍ قضيتُه هناك؛ لم يكن الموظف الذي يعمل لدى رولزرويس مجرد رقم، كان المديرون يتحدثون فعليًّا إليك ويستمعون لما تقوله، وعندما كنَّا نكتشف مشكلةً في تصميمِ محركٍ ما كانت الشركة على وشك أن تُصنِّعه، كان الموظفون الأعلى منك في قسمك وغيره من الأقسام الأخرى يحترمون المعرفةَ التي اكتسبتَها في مجال تخصُّصك، وكانوا يعدِّلون التصميمَ بهدف تحسين النموذج النهائي للمحرك. كان للجميع إسهاماته ومشاركاته.»
وعندما سألتُه عمَّا حدث عندما قدَّمَ فكرةً لإدخال تحسينٍ ما على أحد المحركات، ردَّ ببساطة وقال: «كان اسمي مكتوبًا على التصميم.»
يا لها من معادلة بسيطة! عندما كان يتحدَّث كان يجد مَن يُصغِي إليه، وعندما كان ينجز عملًا متميِّزًا يساهم في دفع الشركة إلى الأمام، كان يُكتَب اسمه على التصميم الذي عُرِض على الإدارة. وفي ضوء هذا كله، كان يستمتع بالذهاب إلى عمله كلَّ يوم، وهو أمر على قدر كبير من الأهمية.
هل ترى أن الاستمتاع بالذهاب إلى العمل أمرٌ مهم؟ هل يعتقد موظفوك ذلك؟
هل تعتقد أن هناك مَنْ يستمتع حقًّا بالذهاب إلى العمل في يومنا هذا؟
ألن يكون من الرائع لو كانت شركتك مليئةً بموظفين من أمثال جوردون جوستيك، متحمِّسين مثله للذهاب إلى عملهم؟ ألن يكون هذا أفضل من أن تكون شركتك مليئةً بالموظفين الذين يغمغمون بدعاءٍ بائسٍ أثناء استقلالهم القطار؛ حيث يقولون أمورًا من قبيل: «اللهم اقبض روحي قبل أن أصل إلى هناك»، «اللهم لا تدعهم يفصلونني من العمل اليوم»، أو أمورًا أسوأ مثل: «اللهم ارزقني بخبر وفاة مديري في حادث غريب أثناء عمله في حديقة منزله خلال عطلة الأسبوع الماضي.»
في الظروف الاقتصادية الجيدة والسيئة على حدٍّ سواء، تظلُّ المعادلةُ التي تضمن تحقيقَ النجاح الإداري للشركة واحدةً؛ وهي: أبدِعْ، طوِّرْ، نافِسْ. إن أفضل الشركات هي تلك التي تنتهز كل فرصة ممكنة، وهو أمر ينطوي على مخاطر بقدرِ ما ينطوي على مكافآت. تُبقِي هذه الشركات على أفضل موظفيها وتكافئهم وتحفِّزهم؛ إنَّ هذه الشركات لديها بُعْد نظرٍ. تحظى الإنتاجية بأهمية كبيرة، لا سيما في الأوقات الصعبة، وفي تلك الأوقات غالبًا ما يجد المديرون أنفسهم مضطرين أن ينجزوا قدرًا أكبر من العمل بقدرٍ أقل من الموارد؛ ولكنْ كيف يتمكَّن المديرون من فعل ذلك؟
لسوء الحظ، يعمل معظمنا لدى مؤسسات كالتي وردَ ذِكْرُها في دراسةٍ نشرَتْها جريدة نيويورك تايمز، وجاء فيها ما يلي: قال ?? بالمائة من الموظفين إنهم تعرَّضوا لأمورٍ دفعتهم إلى حدِّ البكاء في مكان العمل.
يشير ?? بالمائة من الموظفين إلى مكان عملهم بوصفه مكانًا يتعرضون فيه للاعتداء اللفظي والصراخ.
يجد ?? بالمائة من الموظفين أنفسهم مُجبَرين بصفةٍ دائمة على الالتزام بمواعيد غير واقعية لإنهاء عملهم وتسليمه.
يجد ?? بالمائة من الموظفين أنفسهم مُجبَرين على العمل لمدة ?? ساعة متواصِلة كي يتمكَّنوا من إنهاء عملهم.
إن المُحزِن في الأمر أن المديرين الذين يعمل هؤلاء الموظفون تحت إدارتهم، ليست لديهم أدنى فكرة عن الحالة المزرية التي وصلَتْ إليها أماكن العمل التي يديرونها؛ إنهم يركضون كالدجاج المقطوع الرأس؛ فيحاولون تنفيذَ الكثير من الأمور بسرعة دون رويَّة أو حكمة، مثلهم في ذلك مثل موظفيهم. لدى هؤلاء المديرين فكرةٌ واضحة عمَّا يريده مديروهم، كما أنهم يعلمون الكثيرَ عن عملائهم واحتياجات كل عميل، ويمكن لهؤلاء المديرين أن يَسْرُدوا قوائم منتجات شركاتهم التي يحفظونها عن ظهر قلب. ولكن ما الذي يعلمه هؤلاء حقًّا عن احتياجات الأشخاص الذين ينجزون العمل فعليًّا؟ حسنًا … ليس الكثير.
لِمَ تُعَدُّ معرفة احتياجات الموظفين أمرًا مهمًّا؟ لأن الموظفين — ببساطة شديدة — يزداد معدل اجتهادهم في عملهم مع الأشخاص الذين يهتمون بهم كأفراد. أليس هذا ما تفعله أنت أيضًا؟ فَكِّرْ قليلًا! أيٌّ من هذين النمطين ستبذل مزيدًا من الاجتهاد في عملك كي تسعده: المدير الذي يعيش بمعزل عن موظفيه ولا ينتبه لهم ويركز جُلَّ اهتمامه على تعزيز وضعه الوظيفي، أم المدير الذي يهتمُّ اهتمامًا جادًّا وفعَّالًا بإنجازاتك في العمل، ويسألك عن أحوال أولادك وعن شغفك بصيد السمك خلال عطلة نهاية الأسبوع؟ ثمة مقولة قديمة تقول: «لا يهم إنْ كانوا لا يحبونني ما داموا يحترمونني.» ولكن هذه المقولة ليست خاطئةً فحسب، بل إنها خطيرة إذا هي طُبِّقت في مكان العمل في العصر الحديث. بصراحة، هل ستقول يومًا شيئًا من قبيل: «إن الجميع يكرهون تلك المرأة، ولكن لا يسعك إلا أن تحترم إدارتها»؟
إنَّ مثل هذا الأسلوب الإداري يولِّد مشاكلَ كثيرة في مكان العمل، وإحدى هذه المشاكل هي مشكلة الحضور الشكلي. من السهل عليك أن ترصد مشكلة كمشكلة الغياب بين موظفيك، ولكن من الصعب عليك رصد الموظفين الذين يحضرون حضورًا شكليًّا؛ حيث يحضر هؤلاء الموظفون فعليًّا إلى العمل كلَّ يوم، ولكنهم في الواقع يَبْقَون شاردي الذهن طوال فترة العمل؛ إنهم حاضرون حضورًا جسديًّا، ولكنهم إما يعانون من مشاكل جسدية أو عقلية تعيقهم عن العمل، وإما تشغلهم مشاكلُ متعلقة بالمنزل، وإما غالبًا ما يساورهم قلقٌ شديد إزاء مشاكل تتعلق بالعمل. الكثير جدًّا من هؤلاء الناس يعانون من العمل تحت إدارة مديرين يعرضونهم للإرهاق والتوتر، أو لا يستفيدون من مواهبهم على خير وجهٍ، أو يتجاهلونهم كليًّا. وفقًا لتقديراتٍ نشرتها مجلة هارفارد بيزنس ريفيو، فإن الحضور الشكلي للموظفين يكبِّد الولايات المتحدة الأمريكية تكاليفَ تصل إلى ??? مليار دولار سنويًّا على هيئة تكاليف مباشِرة وغير مباشِرة. وعلى الرغم من أن معظم الدراسات تشير إلى أن معدلات الغياب بين الموظفين، تعادل هَدْرَ ? أيام في المتوسط من إنتاجية الموظف الواحد سنويًّا، تشير بعض الدراسات الأخرى إلى أن معدلات الحضور الشكلي بين الموظفين تعادل تقريبيًّا ضياعَ ما بين ?? و?? يومًا من إنتاجية الموظف الواحد سنويًّا. أَلَا يعادل ذلك ضياعَ شهرٍ كامل من العمل؟
لدينا هنا أخبارٌ أشدُّ وقعًا تتعلَّق بمدى كفاءتنا على الصعيد الإداري. وفقًا لعدد من الدراسات الحديثة، فإن نسبة كبيرة تصل إلى ?? بالمائة من متوسط القوة العاملة تعاني من «عدم الانخراط فعليًّا في العمل»؛ هذا يعني أن ? من بين كل ?? أشخاص في مكان العمل الذي تديره يُبْدُون عدمَ اكتراثٍ، ليس فقط تجاه وظائفهم وجودة العمل الذي يؤدونه وتقديم أفضل ما لديهم من أفكار وأقصى ما لديهم من طاقة، بل يعملون أيضًا على تجنيد الآخرين في حالة العصيان والانشقاق التي يمرون بها.
وعلى ما يبدو، فإن المتداوَل الآن أن هذا الوضع لن يتحسَّن قريبًا. وفقًا لأحد استطلاعات الرأي، يقول ?? بالمائة من الموظفين إنهم يريدون من مديريهم أن يلاحظوا الجهودَ التي يبذلونها، وأن يحسِّنوا معدلات التقدير ومَنْح المكافآت، قبل أن يشعر هؤلاء الموظفون بالالتزام تجاه مؤسساتهم.
باختصار، كان يمكننا أن نؤلِّف كتابًا عن ظاهرة الموظف غير المرئي المستشرية، والفوضى التي يخلِّفها أمثال هذا الموظف عقب تركه العملَ؛ وقد كان.
بدأنا العمل على هذا الكتاب منذ بضع سنوات مضت، كجزءٍ من سلسلة كتب التحفيز التي ألَّفناها في مجال الأعمال، والعديدُ مِمَّنْ قرءوا كُتُبَنا دَعَوْنا إلى الحديث عنها في مؤسساتهم، ووجَدْنا عندها أننا نلتقي قادةً ومديرين تنفيذيين يعملون في العديد من المجالات في دول كثيرة حول العالم.
للوهلة الأولى، بَدَا لنا أن كل المديرين الذين قابلناهم أشخاص رائعون؛ كانوا يرتَدُون ملابسَ رسميةً أنيقة، ويُحسِنون اختيارَ الألفاظ المناسبة في حديثهم، ويقفون وقفةً لا تشوبها شائبة، وعلى درايةٍ جيدة بالمجالات التي يعملون فيها والمصطلحات المستخدَمة فيها؛ ولكنَّ الحجم الحقيقي لقدراتهم وكفاءاتهم ظهر لنا عندما تحدَّثنا إلى الموظفين الذين يعملون تحت إدارتهم. في الغالب، كان الموظفون الذين يعملون لدى مديرين رائعين؛ واثقين في أنفسهم ولديهم مرونة في التعامُل. بَدَا هؤلاء الموظفون وكأنَّ لديهم القدرة على فعل أي شيء، ولم يَبْدُ عليهم الخوف من التغيير أو المنافسة، بَدَوْا أيضًا وكأنهم يستمتعون بتقديم أفضل ما لديهم من عمل وأفكار من أجل دفع أهداف مؤسستهم إلى الأمام.
لكننا تقابلنا أيضًا مع فئة من الموظفين كانت تختلف تمامًا عن سابقتها؛ كان بعض الأشخاص في تلك الفئة أكثر هدوءًا وتحفُّظًا، بينما كان البعضُ الآخَر منشغِلًا إلى حدِّ الهوس بأحوالِ السوق المخيفةِ التي تهدِّد مستقبلهم، وفي أسوأ الحالات، كان البعض يتعامل مع الموقف بتهكُّم وازدراء واضحَيْن. شكا هؤلاء الموظفون من طلبات عملائهم التي لا تنتهي، ومن زملائهم في العمل، ومن مديريهم السيئين على وجه الخصوص.
ما هي المواصفات التي يتَّسِم بها المدير السيئ؟ قد يبدو من المناسب لو أعددنا قائمةً بتلك المواصفات، أو أجرينا استطلاعَ رأيٍ في هذا الكتاب بشأن الموضوع؛ ولكنَّ الحقيقة هي أنه ليس ثمة مواصفاتٌ معينة سوى هذه: إذا شعر الموظفون بأن مديرهم سيئٌ، فهو مدير سيئ. قُلْ إنها قاعدة ظالمة أو جائرة، ولكنها الحقيقة! إن الإدارة هي وظيفة المدير؛ وإنْ لم يستَجِبِ الموظفون لهذا المدير على النحو المناسب، فسوف تتولَّد مشكلات جمَّة.
تحدَّثْنا إلى موظفين يصنِّفون مستوى المديرين الذين يعملون لديهم على أنه عادي أو سيئ؛ كان هؤلاء الموظفون يقضون يومهم في التقليل من شأن الجهود التي يبذلها مديروهم وفِرَق عملهم وشركاتهم في هدوء، ولكن بعضهم كانوا يعبِّرون بوضوحٍ عن نظرتهم التشاؤمية إزاء تلك الجهود. لماذا؟ لأن هؤلاء الموظفين عاشوا في الظل طوالَ حياتهم، دون أن يلاحظهم أحدٌ.
لقد كان هؤلاء الموظفون غيرَ مرئيين.
نودُّ لو كان في وسعنا أن نقول إننا لم نفهم المشاعرَ التي أحسَّ بها هؤلاء الموظفون، ولكننا قد جرَّبْنا بأنفسنا العملَ لدى مديرين جيدين ومديرين سيئين، والفرق بين الفئتين عظيم؛ لذا فقد عَلِمْنا أنه علينا تأليف هذا الكتاب عندما فكَّرْنا في كلِّ الأشخاص الذين يعانون من العمل لدى مديرين سيئين، وكلِّ المديرين الذين يرغبون في أن يصبحوا مديرين جيدين ولا يعلمون السبيل إلى ذلك، أو لا يملكون الوقتَ والأدواتِ اللازمَيْن لتحقيق ذلك.
وها هو الكتاب بين أيديكم. في الصفحات التالية قصصٌ لمديرين تعلَّموا السبيلَ إلى إدارة الموظفين بطُرُقٍ تجعل هؤلاء الموظفين يشعرون بأن ثمة مَنْ يقدِّرهم ويعرف قيمتهم. والكلمة الأهم في العبارة السابقة هي كلمة «تعلَّموا»؛ السبب في أهمية تلك الكلمة هو أن معظمنا في حاجة إلى تعلُّم سُبُل تقدير أعضاء فريق العمل الذي يديرونه نظيرَ عملهم الرائع. إن غريزتنا الفطرية تدفعنا إلى الاهتمام بأفضل واحد بين أعضاء الفريق وتجاهُل الباقين، ولكنَّ أفضلَ المديرين هم أولئك الذين «يتعلَّمون» فنَّ التقدير، وهو فنٌّ يستحِقُّ أن تُبذَل كلُّ الجهود في تعلُّمه؛ ففي نهاية الأمر، سيؤدي اهتمامُك بملاحظة جهود الموظفين — ومكافأتهم عليها — إلى نتائج إيجابية لم تكن لتتحقَّق بأي سُبُلٍ أخرى. وتتلخَّص هذه النتائج فيما يلي: قوة استراتيجية (وذلك عن طريق مكافأة الموظفين على السلوك الذي تودُّ منهم تكراره).
وسيلة تواصُل ممتازة (فما من شخصٍ يستطيع التعامُلَ بتجاهُل مع حدَثِ تكريمِ أحد زملائه).
رابطة عاطفية قوية بين الموظفين والمديرين (منذ متى كان لنشرة أخبار الشركة الشهرية مثل هذا الأثر؟).
تحسين أداء الموظفين والمديرين (عندما تتلقَّى جائزةً، فلا يسعك سوى أن تشعر بمزيدٍ من الالتزام ووضوح الهدف).
زيادة الدخل الصافي لشركتك (إن الأشخاص الذين يحظَوْن بالتقدير يصبحون أفضل في عملهم؛ الأمر الذي يؤدِّي إلى تحقيق عائدات لحاملي الأسهم، تصل إلى ? أضعاف العائدات التي يحقِّقها المنافسون، بحسب ما جاء في الأبحاث التي أجريناها).
في بيئة اليوم بطابعها التنافُسي، يتطلَّع كلٌّ منَّا إلى أحدث منتج قادم؛ إلى أحدث إمكانية أو حل قادم. ولكن السبيل الوحيد إلى تحقيق مثل هذه النتائج هو وجود قوة عاملة يكون موظفوها ملحوظين من قِبَل مديريهم، وملتزمين ومهتَمِّين بعملهم. ابحث عن مصدرٍ للإلهام في جدول بيانات أحد المشروعات، أو في أحد المستندات المتعلِّقة باستراتيجيات الشركة؛ وستفشل فشلًا ذريعًا، ولكنِ استثمرْ وقتَك في ملاحظة موظَّفِيك ومكافأتهم، وستجد أن استثمارك هذا كان استثمارًا حكيمًا سيسهم في استمرار نجاح شركتك. استثمرْ وقتَك مع موظفيك وسيقدِّرون لك استثمارَك هذا.
كُنْ متأكِّدًا من ذلك.
نأمل وأنت على وشك أن تبدأ رحلتك مع هذا الكتاب، أن تجد فيه ما ينفع مؤسستك، وأن يرشدك إلى أسرار تحفيزِ موظفيك على الانخراط في عملهم بهدف تقوية مؤسستك. وكما سترى في الصفحات التالية، فإن تقديرَ العمل الرائع الذي يقوم به موظفوك وتشجيعَهم على الانخراط في العمل، لا يُعَدُّ نوعًا من خلْطِ العاطفة بالعمل، وإنما هو أساسُ وسرُّ النجاح في العمل وفي الحياة بوجهٍ عامٍّ. الكلُّ يحتاج إلى التقدير؛ بدايةً من الشخص الذي يعمل مديرًا تنفيذيًّا في شركة عالمية، وحتى الطفل الذي لم يتخَطَّ مرحلةَ الروضة.
لن أنسى (أنا، تشيستر) ذلك الطفلَ التعيسَ المتقلِّبَ المزاجِ، الذي رأيتُه في المدرسة الابتدائية عندما ذهبتُ كي آخذ ابني من هناك؛ كانت المرأة المسئولة عن رعايته (أو ربما كانت والدته) تستمع بفتورٍ إلى المعلِّم الذي كان يصف التحسُّنَ الذي أظهَرَه الولدُ في ذلك اليوم، على الرغم من الصعوبات التي يبدو أنه كان يواجهها، وحاوَلَ المعلِّم تحديدَ بعض الأمور الإيجابية التي قام بها الولد. في نهاية الأمر، قاطعَتِ المرأة المعلِّمَ وأومأت برأسها، ثم قالت بنبرة ساخرة: «حسنًا، أليس هذا رائعًا؟ أراكَ غدًا!»
بَدَا الإحباط على وجه الطفل وهو يهزُّ رأسَه يمينًا ويسارًا، بينما جرَّتْه المرأة وراءها إلى الخارج. في اعتقادك، كَمْ من المجهود سيبذل هذا الولد في تكرار هذه السلوكيات؟ ليس الكثير.
قارِنْ هذه القصة مع القصة التي رَوَتْها لنا ساندي سايمون، التي تدير إحدى فِرَق العمل في شركة إكسيل إنيرجي في دنفر، عندما تحدَّثنا إليها. كانت ساندي واحدةً من بين العديد من الموظفين الذين نالوا أرفعَ جائزةِ إنجازٍ لدى الشركة، ويُطلَق عليها اسم «جائزة القمة».
قالت ساندي: «كلُّ ما كنتُ أفكِّر فيه وأنا أغادِر خشبةَ المسرح بعد تسلُّمي الجائزة، هو: ما الذي يتعيَّن عليَّ فعله كي أعود لأعتلي خشبةَ المسرح وأفوز بتلك الجائزة العام القادم؟»
إنها موظفةٌ متَّقِدة الحماس، موظفةٌ ستُحدِث فَرْقًا في مسيرة شركتها هذا العام والعام الذي يليه؛ والسبب في ذلك كله هو أنها وجدَتْ مَنْ يلاحظ إسهاماتها ويكافئها عليها. لم تكن ساندي مستعِدَّة لتكرار السلوكيات التي نالت عنها الجائزة فحسب، ولكنها بدأت بالفعل في البحث عن سُبُلٍ لتقديم أداءٍ يفوق ذلك الأداء الذي نالت الجائزةَ من أجله.
إنَّ أملنا بسيط؛ وهو أن تجد الموظفين غير المرئيين في مؤسستك وتُخرِجهم من الظلِّ إلى النور، وتساعدهم في اكتشاف كلِّ إمكاناتهم وطاقاتهم الكامنة. إنَّ هذا الكتاب يُعَدُّ في نظرنا بيانًا رسميًّا باسم الموظفين الذين لا يراهم أحدٌ، ولا يقدِّرهم أحدٌ، ونُهْدِيه لكل الذين يعملون بجدٍّ ويحقِّقون الكثيرَ من الإنجازات كلَّ يوم. ونحن على ثقةٍ من أن رؤيةَ إنجازات هؤلاء الناس وتقديرَهم عليها، هما سبيلك إلى بناء فريقِ عملٍ وشركةٍ أقوى.
وستكتشف بنفسك أن الاهتمامَ بالموظفين وتقديرَهم يعني الإنجاز، في كل وقت، وفي كل مكان، ومع كل الناس.

الفصل الأول
الموظفون غير المرئيين


«غير المرئيين»، هو الاسم الذي أَطْلقه أفراد قبيلة الهايلاندرز على أولئك الأشخاص الغامضين الذين مَلَئُوا خزائنَهم بالكنوز، دون أن يتمكَّن أحدٌ من رؤيتهم إلا فيما ندر (يُطلَق لفظ «الهايلاندرز» في الأصل على قبائل السكان الأصليين، التي استقرَّتْ على المرتفعات الاسكتلندية، ولكنْ في سياق القصة الرمزية هنا يُستخدَم لفظُ «الهايلاندرز» كمعادِل رمزي لأصحاب المناصب الإدارية العليا في الشركات، وهم الفئة الموجَّهة إليها رسالة هذا الكتاب).
في المناسبات الخاصة، كان رؤساء القبيلة يجتمعون أحيانًا ببقية أفرادها في قاعات تُضِيئها الشموعُ، ويقصُّون عليهم في صوتٍ خافتٍ أسطورةَ غير المرئيين الذين عاشوا يومًا بينهم، قبل أن يندثروا شيئًا فشيئًا حتى تلاشت آثارهم فلم يَبْقَ منهم سوى أشباحٍ لنساء ورجال.
يستطرد الراوي وقد اعتلَتْ وجهَه نظرةٌ غامضةٌ سلَّطَها لما وراء أضواء الشموع المتراقصة: «ولكنهم ما زالوا يعيشون بيننا … إنهم يشكِّلون جزءًا منَّا، وهم الذين يتسلَّقون الجبالَ كي يأتوا لنا بالجواهر الثمينة، ولهم نترك ثمرةَ جهودِ العُمَّال.»
هنا سيعتري أفرادَ الهايلاندرز شعورٌ غامرٌ بالإثارة؛ سيرفع الكثير منهم نظرَهم في توتُّر كي يشاهدوا ظلالَ المقاعد والأطفال وأباريق المياه وهي تتراقص عند أطراف الغرفة، إلا أن عيونهم التي وَهَنَتْ قوَّتُها بعد عقود طويلة من الخمول، لن ترى شيئًا أكثر من تلك الظلال.
وكما هي الحال دومًا، سيرفع طفلٌ صوتَه في هذه اللحظة ليتساءل في براءةٍ: «أَلَا يراهم أحدٌ الآن مطلقًا؟»
ويردُّ عليه رئيسُ القبيلة بحزم: «لا أحدَ يراهم مطلقًا؛ هكذا تسير الأمور دومًا.»
ستتردَّد عندئذٍ تنهيدةٌ جماعية في أنحاء الغرفة إثرَ تنفُّس الجميع الصعداء. لقد كان شعورًا جيدًا أن يعلموا بأن غدًا سيسير كلُّ شيء كما سار دومًا على جزيرتهم المطلَّة على بحر ميديوكر Medeokr Sea (اسم من خيال المؤلِّف، لَعِبَ فيه على كلمة mediocracy التي تتشابه صوتيًّا مع Medeokr Sea عند نطق الثانية بسرعة؛ وتعني: «نظام يقوده أشخاص غير أَكْفاء، وعادةً ما يكونون متوسطي الذكاء وعديمي الموهبة». يرمز هذا البحر المحيط بالجزيرة إلى المناخ السائد في الشركات التي لا تقدِّر جهودَ موظفيها)؛ فثمة أيادٍ مجهولة ستتولَّى إنجازَ العمل كله. وكما جرَتِ العادة، سيرى الهايلاندرز ما اعتادوا رؤيتَه، وسيعجزون عن رؤيةِ ما عجزوا دومًا عن رؤيته؛ كلُّ شيء سيسير وفقًا للنظام، وقد كان هذا كافيًا بالنسبة إليهم … ماذا إذن عن غير المرئيين؟ في اجتماعهم الذي عقدوه عند أعلى نقطة من سفح الجبل، احتشد أفراد قبيلة الووركرز Wurc-Urs (اسم من خيال المؤلِّف، لعب فيه على كلمة workers التي تتشابه صوتيًّا مع Wurc-Urs، وتعني: «عُمَّال». في سياق القصة، يُعَدُّ «الووركرز» معادِلًا رمزيًّا للموظفين) — كما يطلقون على أنفسهم — حول النار التي كانت تُصدِر أصواتَ طقطقةٍ بين الحين والآخَر. قالت إحدى نساء القبيلة الأكبر سنًّا لمَن هم دونها: «إنْ كنتم تَنْشُدون الأمانَ، وتريدون الراحةَ، وترغبون في تجنُّب الفشل والنقد والإرهاق؛ فعليكم بإتقان فنِّ الصمت وفنِّ الاختفاء عن الأنظار.»
هزَّ أحد كبار أفراد القبيلة رأسَه بالموافقة، وأضاف قائلًا: «هذا هو ملاذنا الوحيد.»
كان بإمكان يانج ستار (تعني «النجمة الصغيرة»، وتُعتبَر معادِلًا رمزيًّا لصغار الموظفين الذين لديهم أفكارٌ مميزة ولكنهم يخشَوْن مشاركتَها خوفًا من تلقِّي اللوم)، وهي فتاة طويلة ورشيقة من أبناء الووركرز، أن تُكمِل سردَ الجزء التالي من الرواية غيبًا؛ كانت شفتاها تتحرَّكان في صمتٍ لتحكيَا عن تلك الأيام التي نال فيها الهايلاندرز اسمَهم نسبةً إلى تسلُّقهم الجبالَ بأنفسهم.
كانت ثمة وفرة كبيرة في الأحجار الكريمة في تلك الأيام، حتى إن الهايلاندرز جلبوا آلافًا من الووركرز إلى الجزيرة كي يساعدوهم في جمعها؛ وفي اللحظة المناسبة، أصبح الووركرز ماهرين لدرجةٍ جعلَتِ الهايلاندرز يتوقَّفون عن تسلُّق الجبال بأنفسهم، إلا فيما ندر، مفضِّلين بذلك البقاءَ عند سفح الجبل؛ حيث كانت تجري المياه العذبة الباردة وتنمو الأشجار العالية القوية.
وعلى الرغم من ذلك، احتفظ الهايلاندرز باسمهم كعلامةٍ ترمز إلى مكانتهم العالية بين سكان الجزيرة؛ حيث سيطروا على كل الجبال بخيراتها، وعلى السهول ببساتينها التي نَمَتْ فيها فاكهةٌ تحاكي الجواهرَ في جمالها.
تقول كبيرة الووركرز مستعيدةً تلك الذكريات: «لقد استخرجْنا الكثيرَ من الياقوت في ذاك الوقت … والكثيرَ من الماس أيضًا؛ كان هذا قبل … قبل الأيام الحالكة.»
قالت ستار متذكِّرةً: «نعم، تلك الأيام الحالكة، التي قَتَل فيها الهايلاندرز مئات الووركرز.» كدحَتْ بعدها القلةُ المتبقِّية من أفراد القبيلة في عملها، ولكن جهودهم نادرًا ما قُوبِلت بالاستحسان؛ ممَّا دفعهم إلى التراجُع في نهاية الأمر والاختفاء وراء ظلال الجبال وقد ثَبِطَتْ عزيمتهم. كانت ستار طفلةً صغيرة آنذاك، ولكنَّ والدها شهد تلك الفترة وعلم بما حدث.
قطعَتْ ستار عهدًا على نفسها ألَّا تدع الشيءَ نفسه يحدث من جديد.
ومن ثَمَّ، فقد تعلَّمت ستار ألَّا تتميَّز بين أقرانها، وألَّا تُظهِر نقاطَ قوتها، وألَّا تفعل أكثر مما هو ضروري؛ لقد تعلَّمَتْ — شأنها في ذلك شأن الآخرين — أن تذوب في محيطها وتعيش كالباقين دون أن تتميَّز عنهم في شيء. كان هذا بمنزلة فنٍّ تعلَّمَتْه هي وآخرون وأتقنوه جيدًا.
أو على الأقل، كان هذا هو حال معظم الووركرز؛ فمنذ سنوات قليلة مضت، حدث في إحدى المرات أنْ قام رجلٌ من القبيلة — وكان يتَّسِم بالابتكار والالتزام في عمله — برحلةٍ إلى قمة أحد الجبال التي كانت شقوقها زاخرةً بالماس. لم يكن الكثيرون من أبناء القبيلة قد سبق لهم أنْ وصلوا إلى مثل هذا الارتفاع؛ كانت الرحلة محفوفة بالمخاطر ومنهِكة ومُوحِشة، ومع ذلك فقد خاض الرجل رحلتَه وعاد منها بحقيبة مكتظَّة بالأحجار الكريمة النادرة واللامعة التي استقبلها الهايلاندرز بطمعٍ. وفي خلال الفترة القصيرة التي أعقبَتْ ذلك، اشتعل حماس الووركرز من جديد، ووجدوا في أنفسهم حافزًا كبيرًا للوصول إلى قمة الجبل؛ إلا أن هذه الجهود الإضافية لم تَلْقَ صدًى لدى الهايلاندرز، الذين تصرَّفوا وكأنَّ التنقيب عن هذا الماس العالي الجودة لم يكن سوى جزءٍ من عمل الووركرز المتوقَّع منهم إنجازه؛ ومن ثَمَّ، فقد عدل الووركرز في نهاية الأمر عن أي خطط كانت لديهم لتسلُّق الجبل من جديد، وعادت حياتهم الهادئة إلى وضعها الطبيعي بعد مدة قصيرة؛ إذ لم يكن ثمة ما يدفعهم إلى المخاطرة بالكثير في مقابل الحصول على القليل.
قالت ستار محدِّثةً نفسها: «أنا لن أجد ماسة أبدًا، أو حتى زمردة.» كانت مقولتها بمنزلة حقيقة ثابتة، أو ربما حتى قَسَمٍ أخذَتْه على نفسها، أكثر منها تعبيرًا عن الحسرة أو الندم؛ ذلك أنها لم ترغب يومًا في التسلُّق والوصول إلى مثل هذه الارتفاعات أصلًا. في الواقع، لم يُرِدْ أحدٌ فعْلَ ذلك.
وهكذا، عاش الهايلاندرز ضعيفو الرؤية والووركرز غيرُ المتميِّزين جنبًا إلى جنبٍ على ظهر جزيرة كوباني الجبلية (اسم من خيال المؤلِّف، ويتشابه صوتيًّا مع كلمة company وتعني «شركة»؛ أيْ إن الجزيرة التي يعيش فوقها الهايلاندرز والووركرز ترمز إلى الشركة التي يعمل بها المديرون والموظفون). عاشوا حياةً آمنة ولكنها راكدة ليس فيها أبطال ولا أشرار، وأعجبهم هذا الوضع كما هو. أو على الأقل كان هذا ظنَّهم …
(?) الموظفون غير المرئيين

(?-?) لماذا يشعر الموظفون أنهم غير مرئيين؟

بإمكان هذا الشعور أن يتسرَّب إلى نفس أي شخص … في أي وقت … في أي مكان. تخيَّلْ نفسك وقد جلستَ منكبًّا فوق مكبِّر الصوت أثناء مكالمة جماعية، في محاولةٍ جاهدةٍ منك لسماع المتحدِّث على الطرف الآخَر جيدًا، أو تخيَّلْ أنك تقف في انتظار تلقِّي فاكس، عندما يباغتك هذا الشعور من دون سابق إنذار؛ فجأةً تشعر أنك أصبحتَ شخصًا غير مرئي.
كحال معظم الناس، لم تكن أليسون تتوقَّع مطلقًا أن تمرَّ بمثل هذا الشعور. بوصفها موظفةً في قسم العلاقات العامة لدى أحد البنوك الوطنية البارزة، كانت من بين مهام وظيفتها مهمةُ كتابةِ تقريرٍ عن تكاليف المعيشة ورَفْعها إلى الخبير الاقتصادي للشركة. استغرقَتْ مهمتها كثيرًا من الوقت. وقد الْتَقت أليسون بالخبير الاقتصادي بضع مرات كلَّ شهر بهدف الإعداد للمؤتمر الصحفي ومراجعة التقرير؛ كانت الأمور تسير على ما يرام إلى أن جاء ذلك اليوم …
تقول أليسون: «كنتُ أسير عبر الممر ودون قصدٍ سمعتُه (تقصد الخبير الاقتصادي) يتحدَّث إلى رئيسي، قائلًا له: «هل يمكنك أن تدع هذا الأمر للفتاة التي تعمل على تقرير تكاليف المعيشة؟» الفتاة؟ كان وَقْعُ تلك الكلمة أشبهَ بتلقِّي ضربةٍ قويةٍ في معدتي؛ لقد اشتغلنا معًا لأكثر من عام، وقد رفعتُ من جودة التقرير، ووسَّعْتُ نطاقَ تواصُلِنا الإعلامي، وقضيتُ مئات الساعات في العمل على هذا المشروع، كما أنني كنتُ أقابله مرتين على الأقل شهريًّا؛ وعلى الرغم من ذلك كله لم يتذكَّر حتى اسمي.»
يا لها من صدمة! من دون مقدمات ومن دون تفسير منطقي وجدَتْ أليسون نفسَها غيرَ مرئية.
واستطردَتْ قائلةً: «إنه لم يَرَنِي كإنسانة؛ كنتُ فقط مجردَ ترسٍ في آلة كبيرة. كانت هذه التجربة بمنزلة لحظةِ تنويرٍ بالنسبة إليَّ.»
للأسف، ليست أليسون الموظَّفة الوحيدة في هذه الأيام التي تشعر أنها غيرُ مرئية. وفقًا لأديل بي لين، التي أسَّسَتْ معاملَ لين للتعلُّم، فإن حوالي ?? بالمائة من الموظفين الذين خضعوا لاستطلاعات الرأي، قالوا إن أكبر شكوى لديهم من المؤسسة التي يعملون بها تكمن في «عدم تلقِّيهم القدرَ الكافيَ من التقدير مقابل عملهم». قد يبدو هؤلاء وكأنهم قلةٌ من الموظفين الساخطين، لكنهم في الواقع يمثِّلون نسبةً كبيرة تصل إلى ? من بين كل ?? موظفين يشعرون بعدم التقدير.
وها هي إحصائية مرعبة أخرى: تشير مجلة «تايم» إلى أن ?? بالمائة من الموظفين يرون أنهم لا يحظَوْن بالاحترام في مكان عملهم. إن التعرُّضَ لمثل هذا النوع من الازدراء قد يكسر قلبك بكل ما تعنيه الكلمة من معنًى؛ فقط استمِعْ إلى هذا: في دراسةٍ أُجرِيت على موظفي الرعاية الصحية، تبيَّنَ أن الموظفين الذين يكرهون رئيسَهم في العمل، كان ضغطُ الدم لديهم مرتفعًا بنسبةٍ أكبر من أولئك الموظفين الذين يحبون رئيسَهم. يرى العالِم البريطاني جورج فيلدمان، أن ارتفاع ضغط الدم على هذا النحو قد يؤدي إلى زيادة خطر الإصابة بأمراض القلب التاجية بنسبة السُّدس، وزيادة فُرَص الإصابة بالجلطة بنسبة الثُّلث.
قد نقول في مَعْرض الحديث عن واحدٍ من المديرين السيئين: «هذا المدير يقتلني.» على سبيل الدعابة، إلا أن هذه الدعابة المجازية قد تكون حقيقيةً.
(?-?) الموظفون المختفون لا يُنتِجون عملًا متميِّزًا

من وجهة نظر موظفيك، فإن المديرين وكبار المسئولين لديهم السلطة الكاملة؛ فالإدارة هي التي تقرِّر متي يأتون ومتى يذهبون، وطبيعة المهام المنوطة بهم، والراتب الذي يتقاضونه، ونظام التأمين الصحي الخاص برعاية أسنانهم، ومواعيد حصولهم على إجازة، والأوقات التي يتعرَّضون فيها للتوبيخ أو يحظون فيها بالإشادة؛ وفي حال كان أداءُ الشركة جيدًا، ستجني الإدارةُ وحدها كلَّ المكافآت.
نظرًا لما يشعر به الموظفون غير المرئيين من تجاهُل وعدم تقدير، فإنهم يردُّون بالطريقة الوحيدة المعروفة لهم؛ أَلَا وهي: طريقة البقاء غير مرئيين في ظلال الشركات الضخمة، وإنجاز القدر اللازم من العمل للبقاء في وظائفهم، والتذمُّر بخصوص هذا وذاك، وتمرير هذه الوسائل إلى الوافدين الجُدد.
إنَّ لسانَ حالِ هؤلاء الموظفين يقول: «ما الذي قد يدفعك إلى التفوُّق في عملك إن لم يكن ثمة مَنْ سيلاحظ إنجازاتك التي تفوق ما هو مطلوب؟ ما الذي قد يدفعك إلى تكبُّد عناء المحاولة، في الوقت الذي يمكن أن يكون اسمك مُدرَجًا ضمنَ لائحة الموظفين الذين تنوي الشركةُ تسريحَهم في الحركة القادمة؟»
هذا الوضع كثيرًا ما يراه ديفيد سيروتا، الذي شارَكَ في تأليف كتاب «الموظف المتحمِّس»؛ يقول ديفيد: «حوالي ?? بالمائة من الشركات التي نتعامَلُ معها لديها قوًى عاملة تتَّسِم بالعدائية، ولكن أساس المشكلة لا يكمن في عدائية الموظفين بقدرِ ما يكمن في أنهم قد أصبحوا غيرَ مبالين بعملهم؛ هذا هو القاتل الصامت.»
وقد قدَّرْنا حجْمَ المشكلة بدقةٍ في أواخر عام ????، عندما استعنَّا بشركة «تاورز بيرين» — وهي شركة عالمية تعمل في مجال الخدمات المهنية — كي تُجرِي لنا استطلاعَ رأيٍ عالميًّا، يقيس أثرَ التقدير على معدل انخراط الموظفين في عملهم؛ ووجدنا أنه في المجمل ?? بالمائة من القوى العاملة على مستوى العالم يعانون من عدم الانخراط في العمل. وفي حين أن هذه النسبة وحدها مخيفةٌ، فإن الوضْعَ قد يكون أسوأ في بعض المؤسسات؛ فقد كشفَتْ دراسةٌ أجرَتْها شركة «هويت أسوشيتس» حول معدل التزام الموظفين حول العالم، عن أن ?? بالمائة من القوى العاملة لدى الشركات ذات الأداء المنخفض تتكوَّن من موظفين غير متفانين في عملهم، وأشخاصٍ يعطون الأولويةَ لأنفسهم أو لمساراتهم المهنية على حساب احتياجات الشركة. هذه النتيجة يدعمها استطلاعُ رأيٍ أجرَتْه شركة «كونفرنس بورد» وشاركَتْ فيه ???? أسرة؛ كشف هذا الاستطلاع عن أن اثنين من كل ثلاثة موظفين لا يجدان في أنفسهما الحافزَ القوي للعمل على تحقيق الأهداف التي وضعَتْها الشركة.
بعبارةٍ أخرى، هذا عمل لا يتلقَّى مَنْ ينجزه كلمةَ شكرٍ؛ ومن ثَمَّ، فإن الموظفين لا يرغبون في إنجازه؛ وحتى لو أنجزوه، فإنهم لا يرغبون في إنجازه على نحوٍ متقنٍ.
(?-?) حلٌّ يساعد الموظفين على الانخراط في العمل

لكن هذا الوضع لا ينطبق على الجميع. بعض المديرين يدفعون موظفيهم إلى الإيمان بأهداف الشركة، ويجدون طريقةً لحثِّهم على بذل أقصى ما لديهم. كيف يفعلون هذا؟
إنَّ مثل هذا الأمر لا يتحقَّق بمنْحِ الموظفين مزيدًا من المال، على الرغم من أن هذا هو الملاذ الأول من وجهة نظر الكثيرين. فقط امنحْ موظفيك بعضًا من المال لإرضائهم أو لإبقائهم راضين؛ إلا أن الرواتب (حتى إنْ كانت ضخمةً) قد تدفع الموظفين إلى الحضور إلى العمل، لكنها لن تضمن التزامَهم بالعمل على المدى الطويل.
يقول ماركوس بكينجهام وكيرت كوفمان في كتابهما «أولًا، كسر كل القواعد»: «إذا كانت قيمةُ الرواتب التي تمنحها أقلَّ بنسبة ?? بالمائة من متوسط قيمة الرواتب في السوق، فإنك ستجد صعوبةً في جذب الموظفين واستقطابهم؛ ومع ذلك، فإن رفع قيمة الرواتب والمزايا إلى مستوى السوق — وإنْ كان إجراءً منطقيًّا للوهلة الأولى — لن يُحدِث فارقًا كبيرًا. الأمر أشبه بشراء تذاكر للدخول إلى استاد ملعب البيسبول؛ فالتذاكر ستمكِّنك من الدخول ومشاهدة المباراة، ولكنها لن تساعد فريقك في إحراز الفوز.»
إنَّ الطريقةَ التي يرفع بها أفضلُ المديرين أداءَ فريقهم من العادي إلى المتميِّز أبسطُ من ذلك بكثيرٍ، وتتمثَّل في الخطوات التالية: وَضْع رؤية إرشادية.
الاطِّلاع بدأبٍ على إنجازات الموظفين التي من شأنها الدفع بالشركة نحو تحقيق أهدافها.
الاحتفاء بهذه الإنجازات.
إنَّ القادة العِظام — كما ترون — يقودون أشخاصًا، وليس أنظمة أو عمليات أو تكنولوجيا أو استراتيجيات أو مهامَّ؛ ذلك أن المرء عندما ينظر في الأمر يجد أن كل تلك الأشياء يمكن تَكْرارها، أما الأشخاص الذين تعمل معهم فلا.
روبن رومان هو شاب قوي البنية يعمل مديرًا لمحطة «كومانشي» لتوليد الطاقة، التابعة لشركة «إكسيل إنيرجي» التي يقع مقرُّها في ولاية كولورادو الأمريكية. يدرك رومان أن تقدير إنجازات الموظفين ليس نوعًا من الخلط بين العواطف والعمل. في الواقع، هو يدرك أن برنامج التقدير الذي تبنَّتْه الشركةُ ويُعرَف باسم «إكسبريس أيدياز»، والذي يكافِئ الموظفين على الأفكار والحلول المُبتكرة؛ قد وفَّرَ للشركة مدخراتٍ تزيد قيمتها عن ?? مليون دولار في سنة واحدة.
حدث ذات مرة في المحطة التي يديرها رومان أن تعطَّلَتْ وحدةُ التهوية المحكمة الغلق، التي تُستخدَم في توليد مجال هوائي إيجابي حول مغذِّيات الفحم أثناء الليل. كان غبار الفحم المنتشر في الهواء قد خلَّفَ بيئةً خطيرةً بالنسبة إلى العمَّال؛ ونظرًا لعدم وجود مروحة تهوية بديلة أو نظام تهوية إضافي، كان الحلُّ الوحيد هو فصل وحدة التهوية عن العمل إلى حين وصول مروحة تهوية بديلة في غضون يومين.
يقول رومان: «ولكنَّ موظفي إكسيل إنيرجي دائمًا ما يسارِعون في البحث عن حلٍّ فورَ سماعِهم بوجود مشكلة؛ ومن ثَمَّ، فقد تَمكَّنَ الموظفون من إيجاد طريقةٍ لتوصيل خراطيم الهواء بأنابيب الهواء المضغوط بحيث لا نضطر إلى فصل الوحدة كليًّا.»
يُقدِّر رومان تكلفةَ الخسارة التي كانت المحطة ستتكبَّدها في حال انقطاع التيار لمدة يومين، بإجمالي نصف مليون دولار تقريبًا؛ وربما كان هذا ما سيحدث بالضبط لو لم يكن موظفوه متفانين في عملهم وتوصَّلوا إلى فكرة مبتكرة حالَتْ دون وقوع هذا السيناريو. وماذا فعل رومان بعد ذلك؟ منَحَهم في اليوم التالي مباشَرةً جوائزَ تقديرية ملموسة لم تكلِّفه سوى بضع مئات من الدولارات، وقد سُرَّ الموظفون بالتقدير العلني الذي تلقَّوْه مقابلَ إنجازهم.
بمرور الوقت، يتَّضِح المنطق الذي يكمن وراء مثل هذه الأفكار.
يقول رومان: «من المؤكَّد أن التقدير يشجِّع الموظفين على التقدُّم بأفكار؛ فقد ترى شخصًا يحمل في يده جهازَ آي بود، وعند سؤاله عن مصدره فإنه يُجِيب بأنه حصل عليه كجائزة تقديرية عن إنجازٍ أحرَزَه. فجأةً، تجد أن الكل لديه الكثير من الأفكار بخصوص أمورٍ اعتاد الناسُ تقبُّلَها، فقط لأنها دائمًا ما كانَتْ على هذه الحالة … إنه أمر مفيد للشركات أن تتبنَّى مثلَ هذه البرامج، وإلا فإن الأفكار ستبقى مخبَّأةً في عقول الموظفين.»
وبالطبع، لا يمكن إغفال أثر عوامل مثل استراتيجية الشركة ومنتجاتها والتكنولوجيا التي تستخدمها، ولكن الشركات لا تحيا فقط بالأوراق والأرقام المسجَّلة في جداول البيانات؛ فثمة عاملٌ إضافي لا بد أن تمتلكه الشركاتُ الناجحة كي تظلَّ لديها القدرةُ على البقاء في السوق؛ هذا العامل الإضافي هو حماس الموظفين الذين يشعرون بأن ثمة مَنْ يلاحظهم ويدرك قيمتَهم ويقدِّرهم، أو — بعبارة أخرى — يُشعِرهم بأنهم مرئيون وجهودهم ملحوظة.
وفقًا لاستطلاعِ رأيٍ تُجرِيه حاليًّا منظمةُ «جالوب»، ويشارك فيه أكثر من مليون موظف حول العالم، فإن ثمة أدلةً ملحوظةً تشير إلى أن تقدير الموظفين والثناء عليهم يترك أثرًا على العمل؛ ففي تحليلٍ مسانِدٍ خضعَتْ له ?? آلاف وحدةِ عملٍ، يتوزَّع نشاطُها بين ?? مجالًا، وجدَتْ «جالوب» أن الموظفين الذين يحظَوْن بالتقدير على نحوٍ منتظمٍ: ترتفع إنتاجيتهم الفردية.
يندمجون على نحوٍ أكبر مع زملائهم في العمل.
يكون بقاؤهم في مؤسساتهم أكثرَ احتمالًا.
يحصلون على نقاطٍ أعلى من العملاء، فيما يتعلَّق بأمور الولاء والرضا.
سجلاتُ السلامة الخاصة بهم أفضلُ من غيرهم، ويتعرَّضون لنسبةٍ أقل من الحوادث أثناء تأدية العمل.
هذه نتائج ليست سيئة على الإطلاق! بل إنها منطقية أيضًا؛ وإلا فكيف لك أن تؤسِّس شركةً عالميةً كشركة «دي إتش إل» التي تمتلك شبكةَ توصيلٍ سريعٍ على مستوى العالم، أو كشركة «ذا مينز ويرهاوس» حيث يعامِلُك الجميع بنفس الكياسة التي يعاملون بها مالِكَ الشركة ذا اللحية الذي يظهر في الإعلانات، أو كشركة جوجل التي حصلَتْ على المركز الأول لعامَيْن على التوالي في تصنيف مجلة فورتشن لأفضل ??? مكان للعمل؟
الإجابة: لا يمكنك ذلك، لا يمكنك فعل ذلك من دون موظفين ملتزمين بالعمل ومتفانين فيه.
إذا أردتَ تحقيقَ أهدافك، سواء أكانت هذه الأهداف تتعلَّق بالربح أم تنمية الشركة أم رضا العملاء أم الابتكار، فلا بد أن يكون لديك موظفون يحرصون على عملهم، ولا بد أن يكون لدى هؤلاء الموظفين التزامٌ بالعمل، ولا بد أن يشعروا بالارتياح حيال العمل الذي يؤدونه، كما يجب أن يشعروا أن في مقدورهم الثقة في أن إدارة الشركة ستستمع لهم، وستُقِرُّ بمجهوداتهم وأفكارهم وإنجازاتهم.
إنَّ قدرة الموظفين على فعل ذلك كله تتوقَّف على ما إذا كان مديرهم قادرًا على تنفيذ الخطوات التالية التي أشرنا إليها سابقًا، ونشير إليها الآن مجددًا فيما يلي: (?) تبنِّي قِيَمٍ أساسيةٍ يسترشد بها فريقُ العمل أو الشركة، وهي قِيَم يرى المديرُ أنها ستحقِّق مزيدًا من الإنتاجية والربح، وستحرز حصةً أكبر في السوق.
(?) الانتباه إلى الأعمال الرائعة التي يقوم بها الموظفون، وهي أعمال تدعم القِيَم الأساسية التي تتبنَّاها المؤسسة، وتكون لها قيمةٌ مادية أيضًا.
(?) الاحتفاء بهذه السلوكيات على نحوٍ علني عن طريق التقدير؛ الأمر الذي يساهِم في التعريفِ بالأنشطة الأكثر أهميةً بالنسبة إلى المؤسسة، والحثِّ على تَكْرارها.
أيُّ مديرٍ ينفِّذ هذه الخطوات، فسيكون النجاح حليفه.
نفَّذَ كينت موردوك، المدير التنفيذي المتقاعِد لشركة «أوه سي تانر» المتخصِّصة في مجال التقدير المهني، هذه الخطواتِ على النحو التالي: في اجتماعٍ على مستوى الشركة كان يدور حول إجراء عملية صيانة شاملة لأجهزة الكمبيوتر، وهو أمر كان سيشكِّل عبئًا ماديًّا على الشركة بأكملها، طلب كينت من جميع الموظفين — البالغ عددهم ???? موظف — مساعدتَهم الشخصية؛ وكان ذلك في واحد من أفضل الخطابات الإنسانية المؤثرة التي سمعناها في حياتنا.
قال موردوك: «سأقول لكم كيف سننقذ هذه الشركة … أنا لا أعرف كيف، ولكن إذا كان في مقدور الإبداع البشري الإتيانُ بمعجزةٍ أو شيءٍ أقل، فسنفعله، وسأبذل كلَّ ما أوتيتُ من قوةٍ لتحقيق ذلك. إلا أن قوتي تلك لا تشمل كلَّ الأفكار أو كلَّ العمل الفردي والجماعي الذي نحتاجه، وعقلي كذلك لا يمكنه أن يحوي بداخله كلَّ الحلول، ولكنني قادرٌ على اكتشاف الحلول الجيدة فور سماعها، وسأقدِّر الشخصَ الذي يقترحها. إن مستقبلنا يكمن في عقولكم مجتمِعةً، ويمكننا معًا أن نصبح في ذكاء ألبرت أينشتاين؛ يمكننا أن نصبح عباقرة، فما قولكم؟ هل يمكننا أن نفعلها؟»
فتح موردوك بعد ذلك باب مكتبه، وسار عبر الممرات يستمع لكل الأفكار التي اقتُرِحَتْ عليه.
كانت الأفكار قد ظهرت ظهورًا حذرًا في البداية، ولكن عندما عبَّرَ موردوك عن تقديره للأفكار الجيدة، واحتفى بها على الملأ، انهالَتِ الأفكارُ عليه. والنتيجة؟ في السنوات الأربع التي تَلَتْ ذلك الخطابَ، وبفضل متابعةِ جهود الموظفين وتقديرِها، حقَّقَتْ شركته، التي مضى على تأسيسها ?? عامًا، نموًّا بنسبة ?? بالمائة، وذلك بالتزامن مع انخفاض عدد الموظفين بالطرق العادية، سواء بالاستقالة أم التقاعد.
إنَّ المعادلة بسيطة، ولكنَّ معظم المديرين يغفلون عنها.
لكنها مسألة ربما يشوبها بعضُ الالتباس المفهوم؛ فلقد كنَّا وما زلنا نعمل تحت وطأة عقلية إدارية مَعِيبة. وثمة مُسلَّمة متعارَف عليها، تقول بأن زيادة ولاء العملاء والمستثمرين والموظفين هي ثلاثة أهداف مختلفة ومنفصلة من أهداف العمل؛ إلَّا أننا قد وسَّعنا مفهومَ هذه المُسلَّمة كي يشمل الاعتقادَ بأن هذه الأهداف متعارِضة؛ بمعنى أن تحقيقَ أيٍّ منها سيعني بالضرورة انتفاءَ تحقيقِ الهدفين الآخَرين.
وكانت النتيجة أنْ حَدَثَ تحوُّلٌ جماعي لبوصلة عقليتنا الإدارية، خلال الفترة ما بين تسعينيات القرن العشرين وبداية الألفية الثانية، لتركِّز على حاملي الأسهم؛ وهو الأمر الذي أفضى بنا إلى تجاهُل الموظفين.
كانت هذه فترةً عصيبةً حقًّا، وكان الطمع الذي أفرزَتْه سببًا في موجة الركود الاقتصادي التي واجهناها مؤخرًا.
ولكن حتى في يومنا هذا لا يزال كلُّ كبار المسئولين التنفيذيين تقريبًا (أو ?? بالمائة منهم كما وردَ في أحد الأبحاث)، يرون أن الموظفين هم أهمُّ الأصولِ التي تمتلكها شركاتهم، بل إن ?? بالمائة من هؤلاء المسئولين يُقِرُّون بأن زيادة الإنتاجية من شأنها تحسين الدخل الصافي للشركات. ولكن الأمر لا يتعدَّى كونه مجرد كلام؛ فعندما جاءتهم الفرصةُ لترتيب الاستراتيجيات التي يمكن على الأرجح أن تضمن النجاحَ للشركات، بحسب أولويتها، وضَعَ المسئولون التنفيذيون المسائلَ التي تخصُّ الموظفين — كالأداء المهني والاستثمار في القوة العاملة — في مؤخرة الاستراتيجيات تقريبًا.
من ثَمَّ، فقد كشف استطلاعُ الرأي العالمي الذي أَجْرَتْه لنا «تاورز بيرين»، عن أن ?? بالمائة من الموظفين — وهي نسبة صادمة — لا يشعرون أنهم يتلقَّوْن أيَّ تقديرٍ مقابل عملهم المتقَن. والأمر لا يقف عند هذا الحد؛ إذ إن نِصْفَ المديرين يتَّفِقون على أنهم لا يعبِّرون عن تقديرهم لأداء موظفيهم ولا يكافئونهم، كما أن حوالي ?? بالمائة منهم لا يرون أن ثمة ما يدعو إلى تبنِّي برنامجٍ مُمنهَجٍ يُطبَّق على مستوى الشركة لإدارة أداء الموظفين.
في المقابل، ثمة إحصائية من جانب الموظفين تقول بأن ?? بالمائة منهم فقط راضون تمامًا عن وظائفهم، وذلك بحسب استطلاعِ رأيٍ أَجْرَتْه شركةُ «ذا كونفرنس بورد». أقل ما يمكن قوله عن هذا المعدل من الانخراط الوظيفي، أنه معدلٌ ليس بالممتاز؛ والحقُّ أنه معدلٌ في غاية السوء.
ما العمل إذن؟ هذا ما سنعرفه لاحقًا.
(?) استطلاعات الرأي: تجربة فتحَتْ عيوننا

هل اقشعَرَّ جسدُك لِمَا قرأتَه في الأسطر السابقة؟ هذا أمر متوقَّع؛ فلقد ذكرنا توًّا عددًا من الإحصائيات المخيفة عن رضا الموظفين ومدى انخراطهم في العمل. وعلى الجانب الآخر، قد تشعر أن لدى فريقك أو شركتك نسبةً من الأشخاص المتفانين في عملهم تفوق بكثير تلك النِّسَب التي وجدناها في أماكن أخرى، وبالطبع نتمنَّى أن تكون على صوابٍ.
في كلتا الحالتين، يُستحسَن أن تتأكَّد؛ في إمكانك أن تُجرِي استطلاعَ رأيٍ بين الموظفين، وسيخبرك هذا الاستطلاعُ عن وضْعِ الشركة التي تديرها بالضبط، هذا إنْ أجريتَه على النحو السليم.
لذا عليك توخِّي الحذر؛ فاستطلاعاتُ الرأي قد تكون خادعةً. مؤخرًا، كنَّا في زيارةٍ لشركة من كبرى الشركات في العالم، بعد أن أُجرِي لديهم استطلاعُ رأيٍ حول رضا الموظفين، وكان مديرو هذه الشركة، التي تبلغ قيمتها مليارات الدولارات، سعداءَ جدًّا لدى اكتشافهم أن نسبة عدم الرضا بين صفوف موظفيهم — كما جاءت في الاستطلاع — لم تصل إلى العشرة؛ إلا أنه عندما تحدَّثنا إلى الموظفين، سمعنا منهم عن تحضيرات مبتكرة جرَتْ من قِبَل المديرين التنفيذيين حول العالَم قبل استطلاع الرأي. يقول أحد الموظفين بمركز اتصالات غربي الولايات المتحدة: «أعلن مديرُنا قبلَ استطلاع الرأي مباشَرةً عن علاوة ?? سنتًا في الساعة، لكل موظفي الشركة على اختلاف مراكزهم.» ويقول موظف آخَر في كندا: «حذَّرَنا رئيسُ القطاع من أن المراكز التي أحرزَتْ معدلاتِ رضا منخفضةً في الماضي قد تمَّ إغلاقها.»
ربما هذه ليست البيانات الأكثر حياديةً على الإطلاق، وهذا يقودنا إلى السؤال التالي: هل التلاعب ببيانات مؤسستك لإعطاء مظهرًا إيجابيًّا يترك أثرًا إيجابيًّا؟ أَلَا يؤدي استخدامُ أساليب التخويف والمظاهر الزائفة إلى خلق المزيد من غياب الثقة والاستياء والخلاف؟
إذا كنتَ تريد فعلًا معرفةَ نسبةِ عدم الانخراط بين موظفيك، فاستَعِنْ بشركة خارجية — لو أمكن ذلك — كي تُجرِي لك بحثًا دقيقًا، واستمِعْ إلى نصائح الشركة حول إجراءات الاختبار كي تحدِّد نوعه (استطلاع رأي أم تعداد)، والأسئلة التي سيتضمَّنها، ومعدلات الاستجابة المقبولة، وهلمَّ جرًّا.
من ناحية أخرى، إذا كانت لديك مؤسسةٌ صغيرةُ الحجم، أو كنتَ تدير فريقًا وترغب في جمْعِ النتائج بنفسك، فليس ثمة مَن يشكِّك في قدرتك على القيام بتلك المهمة؛ ولكن معرفة هويتك قد تمنع كثيرًا من موظفيك من الإجابة بصراحةٍ عن أسئلةِ استطلاعٍ رسميٍّ. يمكن التغلُّب على هذا المشكلة بطريقة بسيطة؛ أَلَا وهي إجراءُ مقابلاتٍ شخصية في مكتبك مع كل موظف على حدة. أغلِقْ هاتفَك، وعلِّقْ على باب مكتبك لافتةً تقول: «ممنوع الإزعاج»، واطرحْ هذه الأسئلة المفتوحة: هل وجدتَ الوظيفةَ متوافِقةً مع توقُّعاتك؟ وهل تواجِه أيَّ عقبات على طريق تحقيق أهدافك؟
هل تحصل على المعلومات التي تحتاج إليها لأداء وظيفتك، وهل تشعر أنك جزءٌ من الفريق؟
ما هو أفضل حدث مرَّ عليك خلال الفترة التي قضيتَها هنا؟
هل لاحظتَ أن ثمة شيئًا يمكننا تحسينه؟
هل تشعر أن إسهاماتك محلُّ تقديرٍ؟
يمكنك عن طريق هذه الأسئلة البسيطة وأسئلةٍ أخرى تضعها بنفسك، أن تستشفَّ صورةً دقيقةً إلى حدٍّ كبير لمكان العمل الذي تديره. وأهم من ذلك هو أن مجرد قياس رضا الموظفين أو الاستفسار عنه له فوائد جمَّة؛ إذ إنه يُظهِر أنك تهتم، وهذه دائمًا بداية جيدة.
تدريب عملي

«اختبار»: إذا انطبَقَ عليك الآتي، فاعلمْ أنك موظفٌ غير مرئي:
(?) ليسَتْ لديك أدنى فكرة عن الأهداف أو القِيَم التي يتبنَّاها فريقُك أو شركتُك رسميًّا، ولا تهتمُّ بمعرفتها أصلًا.
(?) لم تُوضَع أيٌّ من أفكارك موضعَ تنفيذٍ من جانب الإدارة منذ عدَّة سنوات.
(?) رئيسُك في العمل لا يستمِع إليك، بل إنه نادرًا ما يتوقَّف عن مطالعة بريده الإلكتروني كي ينظر إليك حينما تكون في مكتبه.
(?) لم تتلقَّ تقديرًا من مشرفك المباشِر، ولم يُثْنِ عليك شخصيًّا خلال الأسبوع الماضي.
(?) منذ ما يقرب من سنة على الأقل، لم تتلقَّ جائزةً ملموسةً في إطارٍ علني عن إنجازٍ عظيمٍ قمتَ به.
(?) عندما تتلقَّى تقديرًا عن عملك، غالبًا ما تتلقَّاه بعد أسابيع أو شهور من إنجازك هذا العمل.
(?) لا يمكنك تذكُّر آخِر مرة احتفى فيها مديرك بانتصار مهم حقَّقَه الفريق.
(?) كلُّ مَنْ يعملون في نفس مجالك يحصلون على المكافآت نفسها، بصرف النظر عن حجم المساهمة الفردية التي يقدِّمها كلٌّ منهم.
(?) من المُستبعَد جدًّا أن ترشِّح شركتَك لأحد أصدقائك.
(??) كلَّ يومٍ في الساعة ?:?? مساءً تكون في طريقك إلى المنزل.
النتيجة

إذا كنتَ تتفق مع:
«نقطة واحدة أو نقطتين»: قد تكون موظفًا غير مرئي.
«ثلاث أو ثماني نقاط»: أنت موظف غير مرئي.
«تسع أو عشر نقاط»: أنت على وشك التبخُّر.

الفصل الثاني
ظاهرة الاختفاء المفاجئ


صاحت ستار في الرجل الذي كان يتقدَّمها ببضع خطوات، بينما كانت تحاول الْتِقاطَ أنفاسها قائلةً: «قُلْ لي مجددًا لِمَ نفعل هذا؟» ضحك جون من كلامها وهو يشقُّ طريقَه إلى أعلى الجبل بسرعةٍ وسهولةٍ وكأنَّ الأمرَ لا يتطلَّب مجهودًا.
ثم أجاب جون مداعِبًا بصوتٍ لم يُوحِ بأنه كان يواجِه أيَّ صعوبةٍ في التنفس على الإطلاق: «هل تحبِّين الطعام؟»
تمتمَتْ ستار وهي تحاول الابتعادَ قدر الإمكان عن ذلك الثعبان الذي كان يرقد فوق صخرةٍ ليتشمَّس: «ربما يمكنني تعلُّم العيش دون طعام.» لم يكن هذا رأي ستار وحدها؛ ففي تلك الأيام لم تكن مهمة تسلُّق الجبال بالنسبة إلى معظم الووركرز مملةً فحسب، بل كانت مثيرةً للجنون أيضًا؛ فثمة الملل من المسيرة الشاقة التي تستمرُّ لأيامٍ في ظل الحرارة اللاذعة التي لا يلقون منها سوى الجحود، وثمة أيضًا الخوف من أن يراهم الهايلاندرز الذين يراقِبون جانبَ التل من مكانهم بالأسفل … كان الأمرُ كلُّه أشبهَ بمحاولةٍ مستمرة لتحقيق ذلك التوازُن بين بذل القدر المطلوب من الجهد لإنجاز العمل، وتوخِّي القدر اللازم من التحفُّظ حتى لا يلفتوا الأنظارَ إليهم. وهكذا، قضَتْ ستار وغيرها من الووركرز جزءًا كبيرًا من اليوم في الشكوى بعضهم إلى بعض، وفي الاختباء من الهايلاندرز؛ ليس لأنهم يراقبونهم — فَلَمْ يَعُد الهايلاندرز يراقبونهم كثيرًا على أي حال — ولكن لأن الاحتياط واجب.
وقفت ستار تحت شجرة صغيرة تحتمي في ظلها، ونظرَتْ باتجاه جون من مكانها بالأسفل وقالت: «تمهَّلْ، أَلَا ترغب في استراحة؟»
غمز جون بعينيه موافِقًا وعاد أدراجه لينضمَّ إليها بالأسفل. كان جون قويَّ البنية كأقرانه من الووركرز، وكان لونُ شعره وبشرته شاحبًا لدرجة جعلته يبدو شبهَ شفاف. قالت ستار في نفسها: «إنَّ الأمر لَيتطلَّب شخصًا حادَّ الرؤية من الهايلاندرز كي يستطيع رؤيةَ جون، هذا إنِ اهتمَّ أحدُهم بإلقاء نظرةٍ من الأساس.»
غمغمَتْ ستار بلهجةٍ تعبِّر عمَّا تكنُّه لِجون من احترام: «أنا لا أعلم كيف يتأقلم مع الأمر على هذا النحو الجيد، حتى إنه لا يلاحظه أحدٌ.» لم يكن يخفى على أحدٍ أن جون هو أكثر متسلِّقي الجبال احترافًا بين الووركرز؛ فلقد وصل في إحدى المرات إلى تلك النقطة العالية التي يمكن العثور عندها على الماس الثمين، ولكن عندما سألَتْه ستار عن هذا الأمر أعرَضَ عن الإجابة.
كانت الحقائب التي معهما فارغةً في تلك اللحظة؛ فقد اعتادَا جمْعَ الجواهر في طريقهما إلى النزول من الجبل وليس في أثناء تسلُّقِه؛ كانت تلك واحدةً من حِيَل توفير الجهد التي تعلَّمَتْها ستار من جون، أما الحيلة الأخرى فكانت الدَّفْعَ بالحقائب المملوءة على المنحدرات الوعرة كي تتدحرج بنفسها إلى الأسفل، بدلًا من أن يُضطرَّ أحدٌ لحمْلِها. وبالطبع، كانت بعض الأحجار الكريمة تنكسر خلال هذه العملية، ولكن تلك الحيلة كانت تهوِّن كثيرًا من مشقة رحلتهما إلى أسفل الجبل. لقد كانت تلك إحدى الطرق المختصرة التي تعلَّمَاها، والتي تسهِّل عليهما عملهما.
قالت ستار مشيرةً باتجاه قرية الهايلاندرز التي استقرَّتْ بعيدًا عند سفح الجبل: «انظر، يبدو أنهم يستعِدُّون لحفل توزيع ثمار العُمَّال.»
كان الهايلاندرز يتَّجِهون إلى أماكن تقديم القرابين عند سفح الجبل مرةً عند ظهور الهلال في بداية الشهر، ومرةً عند انتصاف القمر، وهناك كانوا يحصدون صناديقَ الجواهر من الووركرز ويتركون لهم ثمارَ العُمَّال، التي كانت عبارةً عن سِلالٍ تحتوي على الفاكهة والحبوب والخضراوات التي شكَّلَتِ الغذاءَ الأساسي للووركرز. كانت تلك الثمار الغريبة التي قُطِفت من بساتين الهايلاندرز تتلألأ تحت ضوء القمر بألوانها البنفسجية والزرقاء والقرمزية والذهبية، فتُصدِر بريقًا يضاهي بريقَ الجواهر.
مجرد التفكير في هذه الثمار الطازجة الحلوة جعَلَ لُعابَ ستار يسيل.
كانت ستار تَعْلم أن تقديم تلك الثمار لم يكن مجرد ثمن يدفعه الهايلاندرز مقابل الجواهر فحسب، وإنما كان أيضًا رشوة للووركرز كي يجلبوا المزيدَ من تلك الجواهر. وعادةً ما كانت هذه الرشوة تُثبِت فعاليتها؛ فحصيلةُ الجواهر لم تكبر في الحجم ولم تتحسَّن جودتها قط، ومع ذلك فقد استمر الووركرز في جلب حقائب مليئة بها عامًا بعد عام … على الرغم من المخاطر؛ ففي نهاية المطاف، كان الووركرز في حاجةٍ إلى الغذاء في وقتٍ لم يكن الهايلاندرز يفرضون سيطرتَهم على الجبال فحسب، وإنما أيضًا على الحقول التي شكَّلَتِ المصدرَ الوحيد للغذاء على الجزيرة.
لكن كان ثمة شيءٌ ما يحدث مؤخرًا، شيء عكَّرَ صفْوَ الحياة على جزيرة كوباني. حاولَتْ ستار بكل ما في استطاعتها أن تقترب من كبار السن الذين عاشوا عمرًا على هذه الجزيرة؛ كي تسمع ما كانوا يتهامسون به فيما بينهم، عندما يجلسون معًا حول النار في المساء والقلقُ بادٍ على وجوههم العابسة، غير أن محاولاتها قد باءت بالفشل.
ولكن جون استطاع سماعهم.
سألها جون وهو يتحرَّك نحوها كي يجلس إلى جانبها: «هل سمعتِ ما يقوله الآخرون؟»
أومأت ستار بالنفي، ومالت ناحيته وكأنهما يخطِّطان لمؤامرةٍ ما.
استطرد جون قائلًا: «التبخُّر؛ هذا هو ما يحدث.» لاحظَتْ ستار في كلامه نبرةَ فخرٍ بأنه قد كشفَ لها عن هذا السر، ولِلَحظةٍ بَدَا لها أن هذا الشعور بالفخر قد جعل جون يبدو مرئيًّا قليلًا، فلم يَعُدْ ذلك الشخصَ الشاحبَ الذي بالكاد يراه الآخرون.
قال جون مفرقعًا أصابعه: «الووركرز يتبخرون، إنهم يتبخرون هكذا في الهواء، والكبار لا يَعْلمون السرَّ وراء ذلك أو السبيلَ إلى إيقافه.»
وكسا الخوفُ وجهَه بينما استطرد قائلًا: «لقد اختفى أربعةٌ من الووركرز خلال هذا الأسبوع فقط.»
فكرت ستار وهي تَقْطع طريقها إلى أسفل الجبل بصعوبة: «هذا هو الأمر إذن؛ يتبخرون. هل يُعقَل أن يكون هذا حقيقيًّا؟» تبادرت إلى ذهنها صورُ كل أصدقائها الأعزاء الذين قد تفقدهم. تذكَّرَتِ المهارات الفريدة التي كانت لدى كل واحد من المتسلِّقين المهدَّدين بالاختفاء، تذكَّرت ساريا التي دائمًا ما كانت تَعْرف السبيلَ إلى العثور على تلك الممرات الضيقة التي حوَتْ داخلَها الجواهرَ الثمينة، ثم تذكَّرَتْ كيف كان الباقون متسلِّقين محترفين، وكيف نقلوا خبرتهم إلى الصغار. وماذا لو فقدوا ريمي التي كان بإمكانها التنبُّؤ بحالة الجبال وما إذا كانت غير آمِنة للتسلُّق؟ بل إنها وجدَتْ نفسها تفكِّر بكل أنانية في كل رحلات التسلُّق الإضافية التي سيتعيَّن عليها القيام بها لو اختفى المزيد من أفراد قبيلتها.
ثم جاء وقت الاحتفال ليقاطع أفكارها.
كانت ليلةً رائعةَ الجمال … ليلةً صافية ودافئة ازدانت سماؤها بالنجوم اللامعة.
كانت ستار تقف على حافة تلك الرقعة من الأرض التي خَلَتْ من الأشجار تقريبًا، لتشاهد الهايلاندرز وهم يرقصون في ملابسهم المنمَّقة، مشكِّلين صفًّا طويلًا يدور حول نفسه ويرقص كلُّ مَنْ فيه على قدم واحدة، بينما كانت أعلامهم البرتقالية ترفرف فَيَتَمَاهى لونها مع أضواء النجوم، لتبدو وكأنها عصيٌّ مشتعلة انتُزِعت من النار ولوَّحَ بها أحدهم في هواء الليل.
كانت ستار تقف إلى جانب جون عندما سمعَتْه يفكِّر بصوتٍ خافت تُخالِجه نبرةُ تعجُّب: «إنهم حقًّا لا يبالون من أين تأتي الأحجار الكريمة ما دامت هنا، ولن يبالوا بمصدرها حتى لو كانت تنزل عليهم من السماء.»
لم تكن ستار لتخالفه الرأي في معظم الأيام، ولكن كان من الصعب عليها أن تنتقد الهايلاندرز في هذا اليوم الذي كانوا يقدِّمون فيه القرابين للووركرز؛ ومن ثَمَّ قالت: «ولكنهم يرقصون من أجلنا.»
ابتسم جون ابتسامةً كتلك الابتسامة التي قد يُبدِيها أبٌ في وجه طفله الساذج، قائلًا: «ربما كانوا يرقصون من أجلنا في السابق، ولكنَّ الحالَ قد تغيَّرَ؛ إنهم يرقصون لأن في رقصهم ما يضمن لهم المزيدَ من الجواهر. هم لا يرقصون من أجلنا، لم يَعُدْ أحدٌ يبالي بنا؛ إنهم يرقصون الآن لأنفسهم.»
فكَّرَتْ ستار مليًّا ثم أعرضَتْ عن الأمر؛ لم تكن الليلةُ مناسبةً للنقاش.
قالت ستار: «دَعْ عنكَ كلَّ هذا، إنها ليلةٌ جميلة و…»
حدث الأمر في غضون لحظة؛ لم تكد ستار تدير رأسها نحو جون مداعِبةً إياه لتخفِّف من حزنه حتى سمعَتْ فرقعةً طفيفةً! فجأةً وعلى نحوٍ صادم، لم يَعُدْ جون موجودًا! لم يتحوَّل إلى رجلٍ خفي، ولم يتلاشَ تدريجيًّا، وإنما تبخَّرَ كليًّا في غمضة عين.
ولم يخلِّف وراءه سوى صمت عميق.
(?) ظاهرة الاختفاء المفاجئ

(?-?) لماذا يترك الموظفون عملهم؟

ماذا لو قلنا لك إن ثمة سببًا واحدًا يَعْزُو إليه ?? بالمائة من الموظفين قرارَهم عندما يتركون عملهم؟ هل ستفعل شيئًا حيال هذا؟ حسنًا إذن، وفقًا لجمعية إدارة الموارد البشرية (وهي أكبر جمعية في العالم تكرِّس جهودَها لإدارة الموارد البشرية، ويقع مقرُّها في الولايات المتحدة الأمريكية)، فإن ?? بالمائة من الموظفين يتركون عملهم بسبب عدم التقدير.
اليوم، وفي ظلِّ هذا المشهد الاقتصادي الذي ترتفع فيه نسبةُ البطالة، قد لا يبدو هذا الأمر مُقلِقًا من وجهة نظر بعض المديرين، ولكنه ينبغي أن يكون كذلك؛ إنهم في حاجة إلى فهم نوعية الموظفين الذي يتركون وظائفَهم أثناء الركود الاقتصادي؛ إذ إن مثل هؤلاء الموظفين غالبًا ما يكونون من ذوي الأداء المهني الأعلى كفاءةً، ودائمًا ما تكون لديهم خيارات، وهم من الأشخاص الذين يُعَدُّ وجودُهم عنصرًا أساسيًّا لبقاءِ مؤسسةٍ ما ونموِّها عندما يدخل الاقتصادُ منعطَفَ الركود.
لا عجبَ إذن في أن برودينشال فاينانشيال قد خرجَتْ بالنتائج نفسها، عندما أشرفَتْ على مشروعٍ على مستوى الشركة كان يهدف إلى جمع معلومات من موظفي الشركة الحاليين والسابقين، وكذلك من الأشخاص المرشحين للعمل بالشركة مستقبلًا؛ وكانت النتائج أن الموظفين السابقين ذكروا «عدمَ تلقِّيهم التقديرَ نظيرَ العمل الذي أنجزوه»، على رأس قائمة الأسباب التي دعَتْهم إلى ترك عملهم بالشركة.
في زمن يجد الموظفون فيه أنفسَهم مطالَبين ببذل الكثير مقابل القليل، من الطبيعي أن يتمردوا، إلا أنهم لا يعبِّرون عن هذا التمرُّد بالوقوف أمام بوابة مصنعك حاملين لافتاتِ اعتصامٍ أو إضرابٍ، بل يعبِّرون عنه بالتذمُّر والاستسهال في العمل إلى أن يتركوا العمل فجأةً، أو «يتبخروا» من المكان كله في نهاية الأمر.
هل ثمة علاقة بين الحب والعمل؟ نعم، ثمة علاقة وثيقة على ما يبدو، ولا سيَّما عندما يتعلَّق الأمر برضا الموظفين.
إنَّ الموظفين لا يتركون عملهم سعيًا وراء المال.
بل يتركونه هربًا من هؤلاء المشرفين الذين يرأسونهم.
ثمة قناعة سائدة بين معظم المديرين الذين قابلناهم بأن الراتب الذي يمنحونه لموظفيهم مرتين شهريًّا، هو المقابل الذي يشترون به التزامَ موظفيهم، ولكن المفاجِئ في الأمر هو أن المال نادرًا ما يأتي على رأس قائمة العوامل التي تجعل الموظفين راضين عن عملهم؛ فعلى الرغم من أن الراتب قد يُجبِر الموظفين على الحضور إلى العمل بصفة يومية، فإنه لا يضمن انخراطَهم في العمل على المدى الطويل. وربما لا يبدو الأمر مفاجِئًا إلى هذه الدرجة، إذا أنت أنعمتَ النظر فيه جيدًا.
لنفكِّرْ كَمْ من المال سيكسب هؤلاء الموظفون عندما يتركون العمل لديك؛ ربما يقول أحد الموظفين: «إنهم يمنحونني ضِعْفَ الراتب الذي كنتُ أحصل عليه.» حسنًا، هذا غير معقول. وهناك مَنْ يقول: «لقد زاد راتبي بمعدل النصف.» وهذا أمر غير وارد أيضًا. بالطبع، قد يترك بعضُ الموظفين عملهم بهدف تحسين وضعهم المادي ليس إلا، ليتقاضوا راتبًا أعلى بنسبة ?? بالمائة مثلًا، ولكن معدل زيادة الرواتب في أمريكا الشمالية قد استقرَّ تقريبًا عند نسبة ? بالمائة، فهل يخبرك هذا بشيء؟ نعم، يخبرك هذا بأن بعض الناس في الواقع يتركون عملَهم ليحصلوا على راتبٍ أقلَّ بكثير من الذي كانوا يتقاضونه.
الحقيقة هي أن بعض الموظفين يفضِّلون الحصولَ على راتب أقل عن البقاء والعمل معك … أنت.
كشفَتْ دراسةٌ أجراها معهد ساراتوجا عن أن ?? بالمائة من نسبة الرضا الوظيفي تتوقَّف على علاقة الموظف برئيسه المباشِر، وأنَّ تدهوُرَ هذه العلاقة يعني تدهوُرَ وضْعِ مكان العمل ككلٍّ. وفي مقابَلات أُجرِيت مع ?? ألف موظف كانوا قد تركوا عملَهم توًّا، وَجَدَ معهد ساراتوجا أن سلوك رؤساء هؤلاء الموظفين كان السببَ الرئيسي الذي دفَعَ معظمَهم إلى الاستقالة من عملهم. قد تجد صعوبةً في تصديق هذا الأمر إنْ لم تكن قد تعرَّضْتَ له بنفسك.
الْتَقينا مؤخرًا بسيدة أعمال شديدة الذكاء عقب تحدُّثنا في الاجتماع السنوي للرابطة الدولية لخبراء الاتصال في إدارة الأعمال. جاءتنا هذه السيدة بعد حديثنا مباشَرةً، بينما كنَّا في عجلةٍ من أمرنا كي نحزم أمتعتنا ونلحق بالطائرة، ولكن كلامها استوقفنا؛ قالت — بعد أن أخبرتنا أنها كانت تعمل في مجال الرعاية الصحية: «لم أكن أصدِّق أن الناس قد يتركون عملَهم هربًا من رؤسائهم، ولكنني مررتُ بهذه التجربة؛ إذ كانت لديَّ رئيسةٌ مريعة.» ارتجَفَ جسدها في اشمئزازٍ عندما تذكَّرَتْها ثم استطردَتْ: «لم تكن تهتمُّ إلا بنفسها.»
سألناها إنْ كان هذا قد دفَعَها إلى ترْكِ عملها.
أومأت برأسها وقالت: «تركتُ العملَ معها ووجدتُ وظيفةً في مكانٍ آخَر، والآن لديَّ رئيسٌ رائعٌ يشكرني طوالَ الوقت.»
هذا أمر جيد في حق الشركة الجديدة التي تعمل معها، ولكنه أمر سيئ في حق الشركة القديمة التي تركتها. والأمر ليس سيئًا فحسب، بل لعله أسوأ حتى ممَّا يعتقد مديرو هذه الشركة؛ فكَمْ من موظَّف آخَر يشعر بهذا الاشمئزاز ذاته عندما يحضر إلى العمل كلَّ يوم؟ وهل يقدِّم أيُّ موظف أفضلَ أداءٍ لديه، أم يبحث الجميع عن مهرب؟
(?-?) الموهوبون يفرُّون أولًا

لعلك قرأتَ أو سمعتَ أنه في الماضي كان ثمة عصفور صغير في مناجم الفحم للتنبُّؤ بالخطر؛ كان العُمَّال دائمًا ما يأخذون معهم عصفورَ كناري أو أيَّ طائرٍ آخَر إلى مكان عملهم تحت الأرض؛ ليكون لهم بمنزلة جهاز إنذار مبكر. كانوا يعلمون أنه في حال انبعاث أي غازات مُمِيتة غير مرئية، فإن الطائر سيكون أولَ مَنْ يتأثَّر بها؛ بعبارة أخرى، كان موتُ الطائر بمنزلة جرس إنذار للعُمَّال لمغادرة المنجم فورًا.
إنَّ حال هذا الطائر يشبه حال موظفيك المتميزين في كل شيء، عدا أن الموظفين — لحُسْن الحظ — لا يسقطون صرعى، وإنما «يتبخَّرون» فحسب.
يقول مارشال جولدسميث، المدير المؤسِّس لشركة أليانز فور ستراتيجيك ليدرشب: «عند سؤال الموظفين ذوي الأداء المهني المرتفع عن سبب ترْكِهم عملَهم، فإنهم يُجِيبون بأنْ لم يطلب أحدٌ منهم البقاءَ. كثير من المديرين التنفيذيين لا يخبرون الموظفين ذوي الأداء المرتفع بأن لهم مكانةً خاصةً؛ خشيةَ أن يشعر ذوو الأداء العادي من الموظفين بالتهميش. إلا أن مثل هذه الممارسات تجعل الاحتفاظَ بأصحاب الأداء المتميِّز صعبًا.»
كلَّفَ جاك ويلش، الرئيسُ التنفيذي السابق لشركة جنرال إلكتريك، نفسَه عناءَ التعرُّف على الموظفين ذوي الأداء المرتفع في شركته وإعلامهم بأنهم يُحدِثون فَرْقًا. يقول ويلش عن هؤلاء الموظفين: «هؤلاء الموظفون المتميِّزون الذين يشكِّلون نسبةَ عشرين بالمائة، لا بد أن يشعروا بالحب والرعاية، ولا بد أن يتلقَّوْا المكافآت المادية والمعنوية؛ فهؤلاء هم الذين يصنعون المعجزات.»
ولكن عندما يكون مناخ العمل في شركةٍ ما لا يُطاق مطلقًا، فإن أفضل الموظفين هم عادةً أول مَن يغادر.
ما الذي يمكنك فعله إذن لإيقاف هذه الهجرة الجماعية للموظفين؟ الإجابة تكمن في رفع معدل تقدير الموظفين.
عُدْ بذاكرتك للأمس وفَكِّرْ كم مرة وجَّهْتَ انتقادًا (حتى إنْ كان بنَّاءً) لأحد الموظفين أو قمتَ بتقويمه، ثم قارِنْ ذلك بعدد المرات التي أثنيتَ فيها على أحد الموظفين أو عبَّرْتَ عن امتنانك له.
بالنسبة إلى كثيرٍ من الموظفين الذين يتلقَّون هذا وذاك من رؤسائهم، فإن هذا المعدل من التقدير ليس إيجابيًّا. قال لنا أحد الموظفين في قطاع الخدمات: «عندما أخطِئ فالأمر يكون معلومًا بنسبة ??? بالمائة، لكن عندما أنجز عملًا رائعًا فالأمر لا يكون معلومًا بنسبة ?? بالمائة.»
شهادة مفزعة، أليس كذلك؟ هذا الكلام يعني أن نسبة التقدير التي يتلقاها هذا الموظف عن عمله لا تتعدَّى واحدًا بالمائة.
لكن ماذا لو ارتفعت نسبة التقدير الذي يتلقَّاه الموظفون عن عملهم لتصل إلى ? بالمائة؟ بل أفضل من ذلك، ماذا لو وصلَتْ إلى ?? أو ?? أو حتى ?? بالمائة؟ قد يفاجئك ما سيحدث. في الواقع، ووفقًا لما لدينا من بيانات، فإنك من دون شك ستتفاجأ؛ فالنتائج مذهلة حقًّا.
فيما يلي مثال على ما قد يحدث في مجال واحد فقط؛ مجال الخدمات الغذائية.
إذا كان قد سبق لك العمل في مطعم، فلا بد أنك تعلم أن بيئة العمل هي التي تُحدِث الفرق كله؛ فالمطاعم بإمكانها أن تكون بيئة تقوم على العمل الجماعي وسط زملاء عمل مَرِحين، ومنتجات رائعة، ورؤساء ذوي شخصيات مَرِحة وجذَّابة، أو بإمكانها أن تكون مكانًا يعجُّ بالطلبات المرهقة؛ ومن ثَمَّ يصعب فيه التعامُل مع زملاء العمل، ويندر فيه مدح الموظفين على أدائهم، ويشهد نسبةً هائلةً من دوران العمالة (قد تصل إلى ??? بالمائة سنويًّا).
لا تكاد تدخل أحد مطاعم فريندليز للآيس كريم، حتى تلاحظ بيئةَ العمل الممتازة التي يوفرونها لموظفيهم.
خُذْ على سبيل المثال فرعَهم في مقاطعة هيرشي بولاية بنسلفانيا؛ حيث تعمل بيفرلي جوميز مديرًا عامًّا. إنْ كنتَ تعتقد بأن وقتك مشغول بمحاولة التعرف على موظفيك، فَلْتقابلْ بيفرلي التي لديها ?? موظفًا يعملون تحت إدارتها، ومع ذلك فمنذ تولِّيها إدارة المطعم منذ سنتين، تراجعَتْ نسبةُ دوران العمالة بنسبة ?? بالمائة وأصبح الوضع المالي للمطعم ممتازًا.
تُرَى ما هو السر وراء نجاح بيفرلي؟
تقول بيفرلي: «عليك أن تهتمَّ اهتمامًا صادقًا بموظفيك، عليك أن تعامِلَ الجميع على أنهم سواء، ولكن دون إهمال الفروق الفردية فيما بينهم؛ فعليك أن تراقب وترى الأمور المختلفة التي تحفِّز كلَّ واحدٍ منهم على العمل.»
روت لنا هذه المديرة العظيمة قصةَ واحدةٍ من عاملاتِ غسلِ الأطباق بالمطعم؛ كانت هذه الموظفة جديدة نسبيًّا وأبطأ قليلًا في أدائها من أقرانها، وقد لا يُقْدِم الكثير من المديرين على مكافأةِ موظفٍ أداؤه أقل من العادي؛ خوفًا من الانطباع الذي قد يتركه هذا عند بقية الموظفين، ولكن جوميز تختلف عن كل هؤلاء المديرين.
تقول جوميز: «مؤخرًا، أنجزَتْ هذه الموظفة عملًا رائعًا بالنظر إلى مستواها؛ حيث تمكَّنَتْ من تنظيف أماكن رصِّ الأطباق بالكامل في غضون نصف ساعة، وقد كان ذلك الأمر في العادة يستغرق منها ?? دقيقة.» ثم تستطرد جوميز قائلةً: «أهديتُها كعكةَ آيس كريم كي تأخذها معها إلى المنزل، وتحدَّثْتُ إليها شخصيًّا وأَشَدْتُ بذلك العمل الرائع الذي أنجزَتْه على وجه التحديد. ولو كنتَ رأيتَها وقتها، لَظننتَ أنني قد أهديتُها العالَمَ وما فيه.»
وماذا عن رد فعل الموظفة؟ تقول جوميز: «أصبحَتْ أكثر انفتاحًا في التعامُل معي، وأصبحت تتحدث إليَّ أكثر من السابق. إنَّ منصب المدير العام عادةً ما يخيف الكثير من الناس؛ ومن ثَمَّ فإنني بإهداء الكعكة إلى هذه الموظفة قد جعلتُها تشعر بمزيد من الارتياح في التعامُل معي. واليومَ، نحن أقرب بكثيرٍ إحدانا إلى الأخرى، حتى إنني أحيانًا ما أشمِّر عن ساعدي وأساعدها في غسل الأطباق عندما تبدأ في التراكم.»
كان هذا مجرد تقدير بسيط تلقَّتْه موظفة كان أداؤها أقل من العادي، ولكن هذا التقدير قد ساعَدَ كثيرًا في ترسيخ علاقة قوية بينها وبين المديرة.
في هذه الأيام التي تَسُودها التقلبات الاقتصادية، بعضُ المجهود الخارق من جانب الموظفين مع جرعةٍ جيدةٍ من التقدير، سيكون من شأنهما إلهام فريقٍ بأكمله؛ فالمرء منَّا يقلِّد الأشخاص الذين ينجذب إليهم ويُعجَب بهم. ولكن الفك المتناسِق والعضلات البارزة التي تجذبنا للأبطال الخارقين وتجعلنا نقلِّدهم، ليست هي ما يجذبنا إلى الموظفين الخارقين (على الرغم من أن القدرة على الاندفاع عبر جدران المباني قد تكون جذَّابةً حقًّا)؛ إن ما يجذبنا إليهم ويدفعنا لتقليدهم هو بكل بساطة التقديرُ الإيجابي الذي يتلقَّوْنه عن عملهم.
تسعى مؤسسة خدماتِ ما بعد التقاعُد التابعة للكنيسة المشيخية بولاية أوهايو — التي تُعَدُّ أقدمَ وأكبر مؤسسة غير ربحية تعمل في مجال تقديم الرعاية المستمرة للمتقاعدين في الولاية — إلى تقدير موظفيها الذين يلتزمون بالقِيَم الأساسية للمؤسسة، لا سيَّما في وقت التقلُّبات الاقتصادية. تقول دانا أولوم فوسيليتش، نائب رئيس المؤسسة: «في وقتِ المِحَن، نجد أنفسنا مطالَبين بإيجاد طريقةٍ نجمع بها بين تقدير الموظفين ونجاح الميزانية. في كثير من المؤسسات، تتجه الإدارة إلى قَطْع كلِّ ما يتعلَّق بالمزايا الإضافية للموظفين، ولكننا نقاوم اتخاذَ مثل هذه الإجراءات بأن نطرح على أنفسنا هذه الأسئلة: «كيف تساهِم هذه المزايا في نجاحنا؟ وما هي الطُّرُق التي يمكننا من خلالها الاستمرار في إظهار التقدير لموظفينا؟»»
على سبيل المثال: لم تكن ميدي سويجر — التي كانت تستعِدُّ في إحدى الليالي لمغادرة عملها في مؤسسة خدماتِ ما بعد التقاعُد التابعة للكنيسة المشيخية بولاية أوهايو — تعتقد أنها قد تغدو بطلةً في يوم من الأيام. كانت تسير عبر الرواق وهي تحمل قالبًا من الشوكولاتة، كانت قد اشترته من أحد محلات الهدايا عندما قابلت آن رولر، المديرة التنفيذية للمؤسسة، التي سألتها بعفويةٍ ما إذا كانت قد اشترت الشوكولاتة لترضي تلك الرغبة المفاجئة في تناوُل السكريات التي تصيب الناس بعد الظهر. أجابَتْها ميدي: «إنها ليست لي، بل هي لواحدة من النزلاء كانت تشتهي حلواها المفضَّلة طوال اليوم، وأردتُ أن أحضرها لها قبل أن أغادر.»
هذه المبادرة الطيبة على الرغم من بساطتها قد عَلِقَت في ذهن المديرة التنفيذية كمثال عظيم على الخدمة الصبورة والعطوفة. تأثَّرَتْ آن كثيرًا بهذا الموقف، حتى إنها أرسلت خطابَ شكرٍ إلى منزل ميدي، وداخل الخطاب وضعت بضعةَ دولارات مقابل قالب الحلوى الذي اشترته ميدي، وطلبت منها أن تشتري واحدًا لنفسها في المرة القادمة؛ ولكن ميدي بشخصيتها البطولية لم تشترِ شوكولاتة لنفسها، بل تبرَّعَتْ بالمبلغ فورًا لصندوق الرعاية مدى الحياة، وهو صندوق أُنشِئ بهدف توفير التمويل اللازم لرعاية النزلاء الذين غَدَوْا عاجزين عن دفع تكاليف الرعاية الخاصة بهم.
تقول دانا: «تشير الأبحاث إلى أن السعادة التي يشعر بها الموظفون السعداء ترجع إلى التقدير الذي يتلقَّوْنه مقابل العمل العظيم الذي ينجزونه؛ وعندما يكون الموظفون سعداء، ويشعرون بالتقدير، فإنهم يَبْقَوْن في عملهم؛ وعندما يبقى هؤلاء الموظفون بكل الخبرة والمعرفة التي لديهم عن المؤسسة، فإن هذا يعني أننا سنكون في أمان أثناء الأوقات العصيبة.» إن كلامها صحيح تمامًا؛ إذ تشير دراساتنا إلى أن فُرَص بقاء الموظفين الذين يشعرون بالتقدير في المكان الذي يعملون فيه، أكبر ثلاث مرات من فُرَص بقاء أقرانهم الذين يشعرون أنهم لا يتلقَّوْن القدرَ الكافي من التقدير.
بالإضافة إلى ما تقدِّمه تلك المؤسسة من برامج تقدير غير مسبوقة، وبرامج تدريب للمديرين على تقدير الموظفين، وجوائز مقابل الخدمة، وغيرها من أساليب الإشادة والتقدير؛ فإن المؤسسة تؤمن أيضًا بأن ثمة أساليبَ بسيطةً يمكن من خلالها التعبير عن تقدير جهود الموظفين دون صرف قرش واحد من الميزانية، ومن هذه الأساليب مَنْح الموظفين خطابات شكر مكتوبة بخط اليد، على سبيل المثال. إن المؤسسة كثيرًا ما تقدِّم خدماتها للأفراد البالغين الذين يعانون من الوحدة، والذين قد لا يأتيهم زوَّار من الخارج؛ وقد ذكرَتْ لنا دانا مثالًا لبستانيٍّ كان يبذل كلَّ ما في وسعه لتحفيز النزلاء على الكلام والاندماج في محادثة، ولا سيما هؤلاء النزلاء الذين لم يكن لديهم أحدٌ يزورهم. ولكي يعبِّر مدير الصيانة عن شكره لهذا الشاب، كتب إليه خطابًا شخصيًّا يشكره فيه على تكلُّفه عناء القيام بهذه الأعمال الطيبة تجاه النزلاء، على الرغم من أنها لا تقع ضمن متطلبات وظيفته. وبالمصادفة، كان جَدُّ هذا العامل الشاب نزيلًا في المؤسسة، وخلال الاستراحة أخرَجَ الشابُّ الخطابَ وقرأه على الرجل العجوز الذي ما كان منه إلا أن عبَّرَ عن فخره بحفيده، وشارَكَ مشاعِرَه مع غيره من النزلاء. كانت هذه لحظة مؤثِّرة تحقَّقَتْ بفضل تقدير بسيط، ولكنها غدَتْ مؤثِّرةً أكثر عندما تُوفي جدُّه بعد ذلك بأسابيع قليلة.
كيف لك أن تحصل على مديرين خارقين يقدِّرون موظفيهم في مؤسستك؟ تخبرنا مؤسسة خدماتِ ما بعد التقاعُد، التابعة للكنيسة المشيخية بولاية أوهايو، أن الحل يكمن في التدريب؛ إذ لا يمكنك أن تضع برنامجًا لتقدير الموظفين وتتوقَّع من الجميع أن يقتنع به ويطبِّقه. إن ارتداء زيِّ سوبرمان لن يجعلك تطير، وبالمثل، فإنَّ توافُرَ أدوات التقدير لديك دون معرفةِ كيفيةِ استخدامها، لن يجعل منك شخصًا محفِّزًا، ومع ذلك، ثمة أخبار جيدة؛ حيث يشير البحث الذي أجريناه إلى أن تدريب المديرين على طُرُق تقدير الموظفين على النحو الصحيح، يرفع نسبةَ التطبيق الفعلي لسياسة التقدير بنسبةٍ تصل إلى ?? بالمائة؛ الأمر الذي يؤثِّر تأثيرًا مباشِرًا على معدل الاحتفاظ بالموظفين وأدائهم وانخراطهم في العمل.
(?-?) أجزِلِ الثناءَ لموظفيك

مِن فترةٍ ليست ببعيدة، كشف استطلاعُ رأيٍ شارَكَ فيه آلافٌ من الموظفين الذين يعملون بدوامٍ كاملٍ، عن أن الموظفين الذين يعملون لدى شركات تطبِّق مبادرات التقدير، كانت فُرَص كونهم «راضين جدًّا جدًّا» عن شركاتهم أعلى أربع مرات من فُرَص رضا الموظفين الذين يعملون لدى شركات لا تقدِّم أيَّ جوائز تقديرية. وبالطبع، مِن المستبعَد أن يقدِّم موظفون راضون عن عملهم استقالتَهم عاجلًا أو آجلًا. إننا بصفتنا قادة نستطيع — وينبغي علينا — أن نقدِّم نموذجَ قيادةٍ أكثرَ إيجابيةً مِن الذي نقدِّمه الآن.
ما هي إذن نسبة التقدير الكافية مقارَنةً بنسبة الانتقاد؟ يرى توم راث ودونالد كليفتون في كتابهما «إلى أيِّ مدًى تشعر بالإيجابية في حياتك؟»، أن الثناء يجب أن يفوق الانتقاد بنسبةٍ تتراوح بين خمسة وواحد لتشجيع ثقافة الأداء المرتفع بين الموظفين، وذلك بحسب ما جاء في أبحاثٍ أَجْرتها منظمةُ جالوب.
بعض المديرين وقعوا فريسةَ اعتقادٍ خاطئٍ بأنهم لا بد أن ينتهجوا سياسةَ المساواة بين الثناء والانتقاد، بحيث يكون أمامَ كلِّ انتقادٍ يوجِّهونه مجاملةٌ تقابله. ولكن أبحاثنا التي شملت عددًا من كبرى المؤسسات في العالم، تؤكِّد أن النسبة خمسة إلى واحد هي الأصح، بل تشير أبحاثنا أيضًا في ملاحظة جانبية مهمة إلى أن سياسة المساواة بين الثناء والانتقاد، التي تعتمد نسبة واحد إلى واحد في التعاملات الإيجابية والسلبية مع الموظفين، هي في الواقع سياسةٌ تضرُّ بالعلاقة بين الموظفين والإدارة في مكان العمل.
هذا يذكِّرنا بتلك المديرةِ الحسنةِ النيةِ التي أقبلَتْ علينا بعد حديثٍ كنَّا قد ألقيناه في اجتماعٍ لإدارة أحد المستشفيات في تكساس؛ قالت المديرة إنها تعطي موظفيها حفنةً من القِطَع المعدنية في بداية العام، وكلما أنجزوا عملًا جيدًا يحصلون على المزيد من هذه القِطَع، وفي ديسمبر يمكنهم استبدالَ هذه القِطَع بجائزة.
أجبناها بأنها فكرة رائعة حقًّا.
ولكنها أضافت قائلةً: «وإذا قاموا بخطأٍ ما، فإنني كنتُ أسترِدُّ منهم إحدى القِطَع.»
وهنا لم يسعنا إخفاء الامتعاض الذي شعرنا به.
فَكِّرْ للحظةٍ إلى أي مدًى يمكن لاعتماد نسبة واحد إلى واحد في التعامُل مع شريك حياتك في المنزل أن يكون فعَّالًا. مجاملة واحدة مقابل كل انتقاد؟ إلى متى سيظل هذا فعَّالًا؟ فقط فَكِّرْ في هذا؛ كم مجاملة ستحتاج أن توجِّهها إلى نصفك الآخَر قبل أن يسامحك على انتقادٍ واحدٍ قد وجَّهْتَه إليه؟ «هذا الثوب يبدو رائعًا عليكِ، ولا يجعلكِ تبدين بدينةً جدًّا.»
إذا اعتمدتَ نسبة واحد إلى واحد في علاقتك مع نصفك الآخر، فمن المرجَّح أنك ستبيت في حديقة المنزل؛ وكذلك بالنسبة إلى علاقتك مع موظفيك بالعمل؛ فهذه النسبة لن توصلك إلى أي مكان. «شكرًا على حضورك مبكرًا وبقائك حتى وقتٍ متأخِّر على مدى الأسبوعين الماضيين لتعمل على ذلك المشروع. ربما عليك الاستغناء عن استراحة الغداء في المرة القادمة كي لا يستغرق الأمر كلَّ هذا الوقت.»
يعود تاريخ الأبحاث التي تؤكِّد مدى فعالية الثناء مقارَنةً بالانتقاد إلى حوالي قرنٍ، وبالتحديد إلى عام ????، عندما قاست د. إليزابيث هيرلوك الأثرَ الذي تركته أنواع مختلفة من التعليقات على أداء طلاب الصفَّيْن الرابع والسادس في حصة الرياضيات؛ في ذلك الاختبار، لاقت إحدى المجموعات الخاضعة للدراسةِ الثناءَ، بينما لاقَتِ الثانيةُ الانتقادَ، وقُوبِلت الثالثة بالتجاهُل، وقِيس عدد المسائل الحسابية التي حلَّتْها كلُّ مجموعةٍ، بدايةً من اليوم الثاني وحتى الخامس.
بدأت النتائج في الظهور بدايةً من اليوم الثاني؛ حيث كان أداء طلاب المجموعة التي لاقَتِ الثناءَ أعلى بكثيرٍ من أداء طلَّاب المجموعة التي لاقَتِ الانتقادَ أو المجموعة التي قُوبِلت بالتجاهل؛ الأمر الذي أدَّى إلى زيادة عدد المسائل الحسابية التي حلتها هذه المجموعة الأولى بنسبة ?? بالمائة خلال زمن الدراسة. وعلى النقيض، زاد عدد المسائل الحسابية التي حلتها المجموعة الثانية بنسبة ?? بالمائة، بينما ارتفع عدد المسائل التي حلتها المجموعة الثالثة بنسبة ? بالمائة فقط. إن هذه النتائج لا تشير فحسب إلى أنَّ تلقِّي المرء تعليقًا على عمله — حتى إن كان تعليقًا انتقاديًّا — أفضل من التجاهل وعدم تلقِّي أي تعليق على الإطلاق، ولكنها تشير أيضًا إلى ميزة التعزيز الإيجابي مقارَنةً بالتعزيز السلبي.
يقارن تريفور جرامز، الذي يعمل مهندسًا ومديرًا للعمليات بشركة إيبكور لتوليد الطاقة بمدينة أدمنتون في إقليم ألبرتا بكندا، بين أثر الثناء والانتقاد فيقول: «في هذا المكان، علينا أن نكون منتجين وننجز الكثير من العمل، وفي كل عامٍ علينا أن ننجز عملًا أكثر من الذي أنجزناه العام الماضي. ولكن بغضِّ النظر عن ذلك كله، يبدو لنا أن العمل الذي ننجزه عندما نلقى تعزيزًا إيجابيًّا هو أكثر بكثيرٍ من ذلك الذي ننجزه في وجود تعزيز سلبي.»
مرَّ جرامز عندما كان مديرًا شابًّا لإحدى محطات التوليد بحيِّ روزديل في ألبرتا بموقفٍ علَّمه الكثير؛ حدث هذا الموقف بينه وبين أحد الموظفين الذين يشرف عليهم مباشَرةً، وكان يعمل كضابط سلامة بالمحطة. «كنتُ قد أثنيتُ عليه بعد أن قام ببعض الأنشطة الإضافية التي لم تكن سهلةً، وكان قد أنجزها على نحو جيد. دخلتُ إلى مكان عمله واستغرقتُ وقتًا حتى عثرتُ عليه ثم شكرتُه، وقد كانت عنده الشجاعة الكافية كي يأتي إليَّ بعد ذلك ويتحدَّث في الأمر. قال بكل بساطة إن هذا الثناء هو ما يجعل لتلك الوظيفة معنًى.»
بعبارة أخرى، إنَّ رضا ضابط السلامة هذا لم يكن مرهونًا براتبه؛ فهو مؤهَّل جيدًا ويمكنه أن يحصل على الراتب نفسه من العمل في أي مكانٍ آخَر، ولم يكن رضاه مرهونًا كذلك بالمزايا التي يتلقَّاها؛ فثمة شركات أخرى يمكنها توفير نفس التأمين الطبي أو التأمين الذي يغطي العنايةَ بصحة الأسنان؛ إن رضا هذا الموظف كان مرهونًا بالتعليق الفوري الذي تلقَّاه من تريفور، والذي بيَّنَ له أن رئيسه يقدِّر ما لديه من نقاطِ قوةٍ فريدةٍ وما يقدِّمه من إسهامات، وقد عَلِمَ عندها أنه لن يستطيع أن يجد هذا عند شركة أخرى.
إنَّ عدد المجاملات الصادقة التي يتوقَّع الموظفون سماعَها قد يفوق توقعاتك. في الواقع، هم يحتاجون إلى سماع مجاملة واحدة على الأقل في الأسبوع. عندما نخبر المديرين بهذا، غالبًا ما يضحكون ويقولون إن الموظفين سيصيبهم الغرور والخيلاء بسبب كل هذه المجاملات، والغرور مشكلة لأن …
يعلِّق كوينت ستودر — الرئيس المتقاعد لأحد المستشفيات الناجحة للغاية، والرئيس الحالي لمجموعة ستودر الاستشارية — على هذا الأمر مازحًا، فيقول: «هل استُدعِيتَ إلى مكتب مديرك من قبلُ؟ ما هي أول فكرة تبادرَتْ إلى ذهنك عندها؟ هل قلتَ لنفسك: «حسنًا، ها نحن أولاء مجددًا. المزيد من المكافآت والتقدير. متى ستتوقَّف هذه المجاملات التي لا يمكن حَصْرها؟ إنها تقتل قدرتي على الإنتاج»؟»
بالطبع لا، إن أول فكرة ستتبادر إلى ذهنك هي: ما الخطأ الذي فعلتُه؟
لا تقلق، فمن المُستبعَد جدًّا أن تبالِغ في مجاملة موظفيك؛ فلم يسبق لأحدٍ قطُّ أنْ ذهب إلى مستشفى مايو كلينيك وهو يشكو من أعراض الغرور المبالَغ فيه بسبب كثرة الإطراء الذي يتلقَّاه في العمل. من الأيسر بكثير أن يتقاعس المرء عن أداء عمله ويتدنى مستواه نظرًا لغياب التقدير.
بصفتك قائدًا، من المهم أن تتذكر أن المدح المحدَّد والمتكرِّر لا يمثِّل الجانبَ الحماسي والأقل صرامةً في حياتك، وإنما هو مكوِّن مهم من مكونات القيادة، ويلعب دورًا أساسيًّا في خلق بيئة عمل جيدة.
وكما عَلِمَ ضابط السلامة في ولاية ألبرتا الريفية في القصة التي أشرنا إليها سابقًا، فإن هذا الثناء هو الشيء الوحيد الذي لم يكن ليستطيع الحصولَ عليه في مكانٍ آخَر.
(?-?) الفوائد الملموسة للثناء

إنَّ الموظفين الذين يتلقَّوْن الثناءَ لا يميلون فحسب إلى مواصلة العمل لدى مؤسساتهم، وإنما يقدمون أيضًا أفضل أداء لديهم.
تأمَّلْ في نتائج استطلاع الرأي الذي أَجْرته شركة واطسون وايت حول خطط المكافآت، والذي خضعَتْ له ??? جهة من أصحاب الأعمال. تَبيَّنَ من هذا الاستطلاع أن معدل دوران العمالة لدى أصحاب الأعمال، الذين لديهم استراتيجية واضحة لمكافأة العاملين، كانت أقل بنسبة ?? بالمائة من معدل دوران العمالة لدى الشركات التي لم تكن استراتيجيتها مُعلَنةً بوضوح للموظفين.
هل تذكُر الإحصائية التي قالت بأن ?? بالمائة من الموظفين يتركون عملهم بسبب انعدام التقدير؟ قارِنْ تلك الإحصائية بهذا البحث الذي أَجْرَتْه شركة هويت مؤخرًا، ووجدَتْ فيه أنه في «أفضل» الشركات — التي يقول ?? بالمائة من موظفيها إنهم «يثقون في أن الإدارة العليا ستحافظ على تحقيق التوازن المناسب بين مصالح الموظفين ومصالح المؤسسة ككلٍّ» — يقول ?? بالمائة من الموظفين إنهم «متحمِّسون لتقديم أفضل ما لدينا كلَّ يوم».
يقولون إن مستوى الموظفين يعكس مستوَى مَنْ يقودهم، وباتِّباع سياسةِ الثناء ستكون أنت وموظفوك دائمًا في أفضل مستوًى.
ولا شكَّ أن هذا هو أقصى مبتغاك كقائدٍ.
(?) دوران العمالة يكلِّف الكثير

إنَّ المشكلة في دوران العمالة هي أنه مكلِّف للغاية، بل إنه مكلِّف حتى أكثر ممَّا يَعتقد أغلب المشرفين.
في الواقع، إن دوران العمالة هو أكبر تكلفة يتجاهل الجميعُ حسابَها في عالَم الشركات.
وفقًا لويليام بليس رئيس شركة بليس آند أسوشيتس الاستشارية — التي يقع مقرُّها في مدينة وين الصناعية بولاية نيو جيرسي، وتعمل في مجال تقديم الاستشارات بخصوص تحسين الأداء المؤسسي — فإن كثيرًا من الشركات تتعامل مع معدل دوران العمالة بمنظور سطحي.
يقول بليس: «تقدِّر الإدارةُ التكاليفَ التي سيخلِّفها استبدالُ موظفٍ بآخَر جديد، بمبلغ يتراوح ما بين ???? و???? دولار تقريبًا، ولكنْ بحسب ما وثَّقناه فإن الأمر سيكلِّف الشركةَ ??? بالمائة من مستحقات الموظف المالية التي يحصل عليها سنويًّا.» ودلَّلَ بليس على ذلك بأن استبدال موظَّف جديد بموظف يحصل على ?? ألف دولار سنويًّا، غالبًا ما يكلِّف الشركة مبلغًا ضخمًا يصل إلى ?? ألف دولار.
هذه هي الأرقام التي دائمًا ما تجذب انتباهَ المديرين التنفيذيين والمديرين الماليين.
تلك الحسابات تأخذ في الاعتبار تكاليفَ الإعلانات، وتكاليفَ الموظف البديل الذي سيؤدي مهامَّ الوظيفة الشاغرة مؤقتًا، أو تكاليفَ ساعات العمل الإضافية التي سيقوم بها موظفٌ ثابت لحين شغْلِ الوظيفة، وتكاليفَ الفُرَص البديلة، وأتعابَ شركة التوظيف، وتكاليفَ الانتقال، والوقتَ الذي سيُخصَّص لعقد المقابلات مع المتقدمين للوظيفة، والوقتَ المطلوب لتوجيه الموظفين الجُدد وتهيئتهم مبدئيًّا، والوقتَ اللازم لتدريب الشخص الجديد. لكنْ تلك الحسابات لا تأخذ في اعتبارها — ولا يمكنها أن تأخذ — خسارةَ الخبرة والمعرفة القيِّمة، وعرقلةَ سيرِ العمل في خدمة العملاء، وخسارةَ معرفة العملاء، وتكاليفَ المبيعات المُهدَرة، والتكاليفَ الشعورية، وانهيارَ الروح المعنوية، والإجهادَ أو الغيابَ بين الموظفين الباقين، وضياعَ الخبرة، وعدمَ الاستمرارية … وهكذا.
لدينا هنا وجهة نظر كلية موسَّعة للمشكلة لا نعتقد أنها قد نُشِرت من قبلُ؛ ففي الولايات المتحدة وبعد عقود من البحث، تبيَّنَ أن حوالي ? ملايين موظف في الشهر — أيْ ما يعادل ?? مليون موظف في السنة — يتركون وظائفَهم بمحض إرادتهم. يصل متوسط الراتب الآن إلى ????? دولارًا، بتكلفة متحفظة تبلغ ??? بالمائة من الراتب لاستبدال موظَّف بآخَر؛ ويعني هذا أن تكلفة دوران العمالة في الولايات المتحدة لا تقل عن ??? تريليون دولار سنويًّا، وهذا في الولايات المتحدة فقط؛ أما على مستوى العالم، فالرقم فلكي.
أما إذا تناولنا المشكلة من وجهة نظر مصغَّرة، فإن دوران العمالة بالنسبة إلى أمثالنا من المديرين، الذين يكافحون من أجل أن يظلوا متقدِّمين خطوةً على منافسيهم؛ يُعَدُّ خسارةً فادحةً، لا سيَّما أن الموظفين الموهوبين هم أول مَنْ يغادر؛ لماذا؟ لأنهم يمتلكون المهارات الأكثر رواجًا وطلبًا.
وماذا عن أفضل موظفيك؟ من الغريب أنهم يختفون فجأةً.
ومَنِ الذي يبقى معك؟ الممرضةُ التي لا تستطيع حقْنَ المحلول في وريد المريض على نحوٍ صحيح، والمهندسُ المتذمِّر الذي يخشاه الجميع، وعاملةُ الصيانة المصابة بوسواس المرض، ومن ثَمَّ تستنفد كلَّ إجازاتها المرضية كلَّ عام؛ هؤلاء هم الأشخاص الذين ينشر لهم زملاؤهم سِيَرَهم الذاتية على موقع Monster.com. هل تعتقد أنهم سيذهبون إلى أي مكانٍ آخَر؟ قطعًا لا؛ لقد كان لديك من سوء الحظ ما يكفي لكي تعيِّن هؤلاء الناس من البداية، وسيبقون لديك إلى الأبد. وإلى الأبد هذه تعني وقتًا طويلًا للغاية.
تدريب عملي

تغيير الأوضاع

هل تبحث عن أداةٍ تساعد بها مؤسستَك في استيعاب تكلفة دوران العمالة؟ لدينا معادلة بسيطة؛ ببساطة، اضربْ عددَ الموظفين الذين يتركون العملَ في مؤسستك بإرادتهم (وليس هؤلاء الذين يُطرَدون من العمل) في التكلفة المتحفِّظة لمائة بالمائة من متوسط الراتب السنوي في مؤسستك؛ على سبيل المثال: إذا كانَتِ القوى العاملة لديك ??? موظف، وكان متوسط معدل دوران العمالة ?? بالمائة؛ فإن هذا يعني أن ?? موظفًا قد استقالوا من عملهم في العام الماضي. إذا بلغ متوسطُ الراتب الذي تمنحه في الساعة ????? دولار سنويًّا، فهذا يعني أن دوران العمالة قد كلَّفَكَ ????? دولار مضروبة في ??؛ أيْ ??? مليون دولار؛ ولك أن تتخيَّل ماذا ستعني ??? مليون دولار إضافية بالنسبة إلى صافي دخلك؟
ستجد على شبكة الإنترنت أداةً أكثر تفصيلًا تتيح لك إدخالَ نوعِ الوظيفة، والمزايا، وغيرها من الخيارات، وذلك على الموقع الإلكتروني: carrots.com.
الفصل الثالث
الاهتمام بالموظفين وإدراك إمكاناتهم


شعرت ستار برعشة تسري في جسدها؛ لقد اختفى صديقها وبقيت هي وحدها. حَفْل توزيع الثمار والضجة والغناء كلها أصوات قد تلاشت من وعيها، فلم تَعُدْ تشعر بأيٍّ منها. مدَّت يدها واتكأت على جذع إحدى الأشجار كي لا تسقط مغشيًّا عليها؛ فَعَلَتْ ذلك وهي لا تزال تشعر بأثر الدخان الذي نتج عن اختفاء جون عالقًا في الجو. أحسَّتْ ستار بدوار شديد … وشعرت أنها وحدها تمامًا.
تساءلت ستار: «ما هذا الذي حدث توًّا؟» لا يُعقَل أن يكون هذا واحدًا من حوادث الاختفاء، أليس كذلك؟ مستحيل أن يكون جون قد اختفى. لا، ليس جون.
لكن ستار كانت تعلم في قرارة نفسها أنه قد اختفى بالفعل، وكان ثمة سؤالٌ آخَر يجول في خاطرها: «لماذا اختفى جون الآن؟ لماذا لم يَبْقَ من أجل حفل توزيع الثمار؟ ألم يكن هذا الحفل هو المكافأة العظمى؟»
ثم أدركَتْ ستار — وقد أصابها التوتر — أن ثمة مشكلةً أخرى؛ فهي لم تكن وحدها. استدارَتْ ستار وأنعمت النظرَ في الغابة المظلمة، ثم حبسَتْ أنفاسَها في خوفٍ.
خَلْف الأشجار وعلى مسافةٍ ليست ببعيدة، وقف أحد شباب الهايلاندرز مذهولًا؛ إنه أمر لا يُصدَّق، ولكن يبدو أن هذا الشاب قد شهد اختفاء جون المفاجئ، وهو الآن قد تفرَّغَ لمراقبتها هي.
كان ثمة صوت في ذهنها يصرخ فيها ويحثُّها على أن تختفي هي الأخرى وتتلاشى من المكان، ولكنها لم تستطع فعْلَ ذلك، أو بالأحرَى لم تكن لديها الرغبة؛ كانت ثمة قوة غامضة تسيطر عليها.
رأت ستار ذلك الشاب يدير رأسه قليلًا ويتحدَّث إلى واحدة من نساء الهايلاندرز الأكبر سنًّا، كانت تقف بجانبه؛ قال الشاب: «شيءٌ ما يحدث هناك خلف تلك الأشجار.»
نظرت المرأة إلى حيث أشار ولم تَرَ شيئًا، فتجهَّمت وقالت: «اسمع، ليس لديَّ وقتٌ لهذه السخافات الآن يا إيان، فقط دعنا ننتهِ من هذا الحفل الغبي كي نعود إلى القرية، فلديَّ أمورٌ أكثر أهميةً كي أقوم بها.»
فجأةً، عادت ستار إلى رُشْدها، ثم صرخَتْ وهي تقبض على يدها في إحباطٍ وحيرةٍ: «ما هذا الذي أفعله؟» لقد تمكَّنَ أحدهم من رؤيتها، وهذا أمر غير مقبول بين أبناء قبيلتها. أغلقَتْ ستار عينَيْها وركَّزَتْ على الأشياء التي قالها أفرادُ القبيلة الأكبرُ سنًّا.
كان الكبار قد قالوا لهم: «إنْ كنتم ترغبون في الأمان وتريدون الراحة وترغبون في تجنُّب الفشل والنقد والإرهاق، فعليكم بإتقان فنِّ الصمت وفنِّ الاختفاء عن الأنظار.»
استدعت ستار إلى مخيلتها تجاعيدَ وجهِ تلك السيدة العجوز، وتذكَّرَتْ كيف تحرَّكت شفتاها الشاحبتان وهي تقول: «هذا هو ملاذنا الوحيد.»
غمغمَتْ ستار بصوتٍ مسموع: «هكذا تسير الأمور!» ثم أخذت نَفَسًا عميقًا وتوارت بجانب التل.
شاهَدَ إيان — من موقعه الذي كان يمنحه رؤيةً أفضل — ظِلَّ ستار يبتعد سريعًا بين الأشجار إلى أن اختفى من مجال رؤيته. هزَّ رأسَه وتساءَلَ إنْ كان ما رآه هو ما ظنَّ أنه قد رآه فعلًا! ثم عاد إلى الحفل وحاوَلَ التركيزَ على مجرياته.
لم تنتهِ الاحتفالات إلا عند اكتمال القمر، وكانت ثمة ثمانية احتفالات أُقِيمَ كلٌّ منها عند جبل مختلف.
سار جميع الهايلاندرز عائدين إلى القرية، ولكن إيان كان في مؤخرة السائرين؛ إذ كان يتوقَّف بين حينٍ وآخَر ليُلقِي نظرةً خاطفة باتجاه الغابة، على أمل أن يَلْمح واحدًا آخَر من غير المرئيين؛ فقد كان مقتنعًا بأن الظل الذي رآه كان ظلَّ واحدٍ منهم.
اختلطت من حوله أصواتُ الهايلاندرز بأصوات الليل.
«بعض الصناديق لم تكن ممتلئةً هذه المرة.»
«وثمة المزيد من الجواهر المكسورة.»
«باور، أين بيث؟ هل هي معك؟»
«أوه، سأشعر بأثرِ كلِّ هذا المجهود في الغد. لقد كبرت على كل هذا الرقص.»
«لا يوجد الكثير من الياقوت هذه المرة، ولا يوجد أيُّ زمرد على الإطلاق. علينا أن نخصم من كمية الثمار التي نقدِّمها.»
ولكن إيان كان بالكاد يسمعهم؛ فقد كان غارقًا في أفكاره. شيء غامض كان يحدث بين الووركرز، وسيناقش إيان هذا الأمرَ غدًا مع كبار القبيلة أثناء الاجتماع الأسبوعي، وسيخبرهم بما رآه في الغابة، وهم سيعرفون ما ينبغي فعله.
وكما ظنَّ إيان، أثارَتِ الأخبارُ التي أتى بها ردَّ فعلٍ قويًّا لدى الهايلاندرز، ولكنَّ رَدَّ الفعلِ هذا جاء مختلفًا عمَّا كان يتوقَّع.
قال سيد كبار القبيلة: «إن ما أتيتَ به لا يمكننا وَصْفه إلا بكلمةٍ واحدةٍ … جنون!»
أصاب الذهول إيان: «أنا لستُ مجنونًا، لقد رأيتُ اثنين منهم، رأيت اثنين من غير المرئيين، وقد اختفى رجلٌ منهم أمام عينيَّ؛ أظن أن هذا هو السبب في أن الصناديق لم تَعُدْ تأتي ممتلئةً، هذا هو السبب في أننا لم نَعُدْ نرى الزمرد، هذا هو السبب في أنهم قد أصبحوا عاجزين عن تلبية مطالبنا؛ إنهم يختفون!»
ضَحِكَ عدد من الأطفال الموجودين في الاجتماع، واحمرَّ وجهُ إيان من الخجل، ونظر إليه الكبار بوجوهٍ عابسةٍ. أما نظرات الشك التي اعتلت وجوه أهل القرية، فقد جعلت إيان يودُّ لو أنه كان يستطيع أن يتوارى وراء الظلال كما فَعَلَتِ الشابة الشاحبة التي كان قد رآها.
قال إيان على استحياءٍ: «أودُّ القيامَ برحلةٍ إلى أعالي الجبل؛ أعتقد أنه بإمكاني أنْ أجد هؤلاء الناس، يمكنني أن أتحدَّثَ معهم. إذا استطعتُ أن أفهمهم وأعلم المزيدَ عنهم — وهذا مجرد تخمين — فلربما يمكننا عندها أن نُبلي بلاءً أفضل من ذلك، وأن ننجز قدرًا أكبر من العمل.»
قال واحد من الكبار: «سيكون هذا مضيعة لوقتك. إنَّ هؤلاء الناس — أيًّا كانوا — يؤدون عملهم دون إزعاجنا، هكذا تسير الأمور.»
أضاف آخَر: «إنهم يقبلون القرابين التي نقدِّمها إليهم في أول كل شهر. لا حاجةَ للحديث إليهم؛ فنحن نقدِّم لهم طعامًا نظيرَ ما يقدِّمونه لنا من أحجارٍ كريمة؛ وهذا هو كل ما في الأمر ببساطة.»
وقال آخَر: «ويوجد الكثير من العمل كي تقوم به هنا في القرية.»
همست إحدى النساء وهي تغادر الاجتماع: «لقد جُنَّ جنونه.»
غادر إيان وقد ثبطت عزيمته. لعلهم على صواب؛ إنهم أكبر سنًّا وأكثر خبرةً، وهم على دراية بالطريقة التي تسير بها الأمور.
شعر إيان بذراع أبيه وهي تضمُّه إليه، حذَّرَه أبوه بحنان: «لطالما كنتَ حالمًا يا إيان.» ثم أضاف الأب وهو يصطحبه إلى خارج الغرفة الكبيرة: «انْسَ كلَّ هذا! إن وظيفتك كحارسٍ تقضي بأن تجمع صناديقَ الجواهر من عند الجبل، وأنت جديد في عملك. راقِبِ الآخرين وافعل كما يفعلون؛ إنها وظيفة جيدة.»
لم يكن ثمة الكثير من الكلام كي يُقال في طريق العودة إلى المنزل؛ فقد كان إيان وأبوه كلٌّ منهما غارق في أفكاره. وفي تلك اللحظة، لم يكن إيان مشغولًا بشأن غير المرئيين بقدرِ ما كان مشغولًا بأمر العلاقة بينه وبين أبيه.
عندما وصلوا إلى باب المنزل، استدار إيان حتى أصبح في مواجهة أبيه وقال: «أنا لم أجلب لك العار، أليس كذلك؟»
أومَأَ الأب نفيًا وأشاح بنظره إلى الأرض، ثم قال: «لقد شُغِلتُ يومًا بالقضية نفسها، ولكنَّ أبي تحدَّثَ معي في الأمر على انفرادٍ، وهذا ما ستفعله أنت مع ابنك يومًا ما. لقد كانت الأمور هكذا دائمًا وستظل هكذا أبدًا. اذهب واخلد إلى النوم، وستتضح الأمور في الغد.»
شاهد إيان أباه وهو يمضي في طريقه حتى غاب عن ناظريه، ثم أغلق باب مقصورته. ومن دون حتى أن يشعل شمعة، ألقى بنفسه في السرير وقد تملَّكَه إرهاقُ اليوم.
وعلى الرغم من الإرهاق الذي كان إيان يشعر به، فإنه لم يستطع النومَ. لقد كانت ردودُ أفعال كبار القبيلة صادمةً إلى حدٍّ ما بالنسبة إليه؛ كل هذه القصص التي رُوِيت في تلك الغرفة الكبيرة، وكل كلامهم عن أن غير المرئيين هم جزء من عالم الهايلاندرز، وكلامهم عن أهميتهم بالنسبة إلى نجاحِ الهايلاندرز، بل بالنسبة إلى بقائهم أيضًا.
هل كان هذا كله مجرد كلام؟ هل كان هو الشخص الوحيد الذي صدَّقَ بالفعل أن الهايلاندرز والووركرز كانوا متعايِشِين معًا، وأن العلاقة التي جمعتهم لم تكن مجرد علاقةٍ بين أسياد بارزين وخادمين غير مرئيين؟
مع بزوغ ضوء النهار، غادَرَ إيان منزلَه كي ينضمَّ إلى بقية الحُرَّاس في أبراج المراقبة، كان الشيء الوحيد الذي يمكن رؤيته على بُعْدِ أميال من أي جبلٍ، هو أن ذلك الجبل لا يزال واقفًا ولم يتحرك من مكانه. كَمْ من سنوات طوال قضاها إيان في صغره وهو يتمنَّى أن يقف هنا في أحد هذه الأبراج ويصبح حارسًا! كان ذلك قبل أن يكبر ويكتشف أنه ليس في وسعه فعْلُ شيءٍ لتغيير طريقة سير الأمور على الجبل! ومن أين له أن يؤثِّر على أشخاصٍ غير مرئيين لا يمكن رؤيتهم؟
هزَّ إيان كتفَيْه. ربما كان الكبار محقِّين، ربما عليه أن يبذل قصارى جهده ويؤدِّي مهامَّ وظيفته فحسب.
رفع إيان منظاره المزدوج ونظر إلى قمة جبل ساكس الذي كان تحت مسئوليته، وتخيَّل أنه رأى نقاطًا برَّاقة صغيرة؛ هي في الواقع بريق الماس الموجود هناك. لم يستطع تمالُكَ نفسه؛ إذ تراءى له أنه يرى أناسًا حقيقيين عند سفح الجبل يتحرَّكون صعودًا إلى حيث كان هو والحُرَّاس الآخَرون يقفون.
وفجأةً، قفز سؤال إلى ذهنه؛ كان سؤالًا جريئًا ومخيفًا، لدرجة أنِ اعترَتْ جسدَه رعشةٌ خفيفةٌ عندما طَرَحَ هذا السؤال على نفسه بصوت مسموع.
«إذا كنتُ مؤمنًا فعلًا بأن هؤلاء الناس مهمُّون بالنسبة إلينا، فهل ثمة ما يمكنني فعله حيال ذلك؟ أيمكن لرجل واحد من الهايلاندرز أن يُحدِث فارقًا حقيقيًّا؟»
سأله واحد من الحُرَّاس وهو ينظر إليه متشكِّكًا: «هل كنتَ تقول شيئًا؟»
أومأ إيان بالنفي ولكنه لم يستطع نسيان هذا السؤال الذي ظلَّ عالقًا في الهواء الدافئ الراكد من حوله ينتظر إجابة. لم تظهر الإجابةُ فورًا، ولكنها كانت في طريقها إلى الظهور.
لم يَبْدُ على إيان، وهو يسير عائدًا إلى المنزل بكتفين مترهلتين ورأس منحنٍ، أنه كان أول شخص يرى غير المرئيين بأم عينَيْه منذ مئات السنين، ولكن تلك كانت الحقيقة.
نام إيان نومًا متقطعًا تلك الليلة، وأخذ يحلم بأن الأمور ستتغير. رأى في حلمه الأكواخَ الطينية وهي تتحوَّل إلى بيوت، والحشائشَ وهي تنمو فتنبثق منها الأزهار. ثم استيقظ وعدَّلَ وسادته وتقلَّبَ في سريره دون أن يَدري بأن الإجابة التي ستغيِّر كلَّ شيء كانت تكمن في داخله؛ هذه الإجابة لن تغيِّر كلَّ شيء بالنسبة إليه فقط، ولكن بالنسبة إلى كلِّ مَنْ يعيش على جزيرة كوباني.
لقد بدأ التغيير.
(?) الاهتمام بالآخرين وإدراك إمكاناتهم

(?-?) أصحاب الرؤية الثاقبة في العصر الحديث

إنَّ أصحاب الرؤية الثاقبة في العصر الحديث لا يرون المستقبل، وإنما يصنعونه من خلال قدرتهم على رؤية الناس من حولهم وإدراك إمكاناتهم.
كان المدربُ الراحِلُ كوتون فيتزسيمونز، المدربُ السابقُ لفريق فينيكس صنز لكرة السلة، يتمتع بتلك القدرة؛ كان يهتم بلاعبيه اهتمامًا صادقًا، وكان لاعبوه يشعرون بهذا الاهتمام.
كان رجلًا لا يبخل على لاعبيه بالمَشُورة، سواء أكان الأمر يتعلق بالمشاكل المالية أم الخلافات الزوجية. كان يقدِّم النصيحة عندما تُطلَب منه، ويُصلح الأمور إذا رأى مشكلة، سواء أكان ذلك في الملعب أم خارجه. كان رجلًا صاحبَ مبدأ، وكان مثالًا يَحتذي به الآخرون. في ستينيات القرن العشرين، عندما كانت العنصرية أسلوبَ حياةٍ في أجزاءٍ من الولايات المتحدة، وقف هذا الرجل ضد التيار ورفض أن يأكل في مطعمه المفضَّل، الذي كان قد امتنع عن تقديم خدماته إلى اللاعبين ذوي الأصول الأفريقية الأمريكية.
يسترجع إيدي جونسون — اللاعب السابق في فريق فينيكس صنز — ذكرياتِه عن الرجل قائلًا: «كان كوتون بمنزلة أبٍ لي تقريبًا. لم يكن مجرد مدرب؛ لقد كان المدرب الوحيد الذي كان يبدي اهتمامًا حقيقيًّا بحياتك الشخصية.»
ولقد كانت تلك القدرة على الاهتمام بالناس سببًا في إحداث تغيير، هذا التغيير لم يقتصر على اللاعبين فحسب، وإنما امتدَّ ليشمل مؤسسة فريق صنز بأكملها. كانت المؤسسة تعاني معاناةً قاسية؛ حيث أنهَتِ الموسمَ، الذي سبق تعيين فيتزسيمونز كمدرِّبٍ، بمرات فوز عددها ?? مرة فقط (في العام الذي تلا ذلك تمكَّنَ الفريقُ نفسه تحت إدارة فيتزسيمونز من تحقيق الفوز في ?? مباراة).
يقول جيف هورناكيك، وهو لاعب سابق في الفريق: «أَسَرَ اللاعبين بحماسه وإيجابيته، وقد جعلهم يلعبون على نحوٍ أفضل.» واستطرد قائلًا: «لن أنسى أبدًا واحدة من السنوات الأولى التي وصلنا فيها إلى المباريات النهائية؛ حيث أتاح فيتزسيمونز وزوجته جوان الفرصةَ أمام زوجات اللاعبين للقدوم ومرافقة أزواجهن. إن اللاعبين يقدِّرون مثلَ هذه الأشياء الصغيرة. أعتقِد أنه غيَّرَ مؤسسة فينيكس صنز بأكملها حتى وصلَتْ إلى ما هي عليه، وصارت فينيكس مكانًا يرغب اللاعبون في الانضمام إليه. إنَّ الفضل يعود إليه في تغيير كل شيء، والخروج بالمؤسسة من تلك الأوقات المظلمة في تاريخها.»
كان فيتزسيمونز رجلًا إيجابيًّا لدرجة أنه عندما تولَّى مسئوليةَ فريقٍ آخَر كان يحتلُّ المركزَ الأخير، ألقى أمام الفريق خطابًا يتمحور حول مفهوم «التظاهر»، وقال فيه: «يا شباب، عندما تخرجون إلى الملعب الليلةَ، لا تفكِّروا في أننا في المركز الأخير، ولكن تظاهَرُوا بأننا في المركز الأول، وبأننا لم نخسر مبارياتٍ متتاليةً وإنما فزنا بمباريات متتالية، وبأن هذه ليست مباراةً عاديةً، وإنما واحدة من المباريات النهائية.»
بعد هذا الخطاب خرج الفريق إلى الملعب في تلك الليلة وتلقَّى هزيمةً ساحقةً على يد فريق بوسطن سيلتكس. وبالطبع، كان المدرِّب غاضبًا، ولكن واحدًا من اللاعبين ربَّتْ على كتفه وقال له: «لا تحزنْ أيها المدرب، وتظاهَرْ بأننا فزنا.»
ضحك فيتزسيمونز من نفسه؛ فهو دائمًا ما يتعامل مع لاعبيه على نحوٍ جادٍّ، ولكنه لا يفعل هذا مطلقًا مع نفسه. وكان هذا سببًا آخَر وراء كونه شخصًا مؤثرًا.
إنَّ قصصًا كهذه نسمعها في كل مكان حول العالم، وبالطبع، يمكنك أن تجد لديك بعض القصص المشابهة كي ترويها. إن كثرة سماعنا لهذه القصص الملهمة تجعلنا نعتقد أنها ظواهر شائعة، ولكن دعونا نتذكَّر السببَ الذي يجعل بعضَ القصص تتحوَّل إلى أساطير؛ إن الحقيقة المُرَّة تقول بأن السبب وراء كثرة تكرار هذه القصص على مسامعنا هو أنها ظواهر فريدة.
وهذا الأمر يذكِّرنا بتأثير الفراشة؛ وهي ظاهرة علمية تعني أن أي تغيير بسيط في الظروف المبدئية لأي تجربة علمية، قد يؤدِّي إلى تغيير نتائج التجربة جذريًّا على المدى الطويل. إيان ستيوارت، مؤلِّف كتاب «هل هي فوضى عشوائية؟ الفوضى في الرياضيات»، يستخدم التشبيهَ التالي كي يشرح تلك الظاهرة: «إذا قامَتِ اليومَ فراشةٌ واحدة بتحريك جناحَيْها، فسينتج عن هذه الحركة تغييرٌ ضئيل جدًّا في حالة الجو، ولكن بمرور الوقت، ستنحرف حالة الجو عن المسار الذي كان من المفترض أن تتبعه؛ ومن ثَمَّ، فإنه في غضون شهر واحد قد لا يهبُّ ذلك الإعصار الذي كان من المفترض أن يدمِّر الساحل الإندونيسي؛ وفي المقابل، قد يهبُّ إعصارٌ لم يكن من المفترض أن يهبَّ.»
الآن، تخيَّلْ مديرًا يُحْدِث وحده فَرْقًا في مؤسسته. تخيَّلْ أن هذا المدير هو أنت، وأنك تبدِّل أحوالَ مؤسستك وتخرج بها من كبوتها بمجرد فعلٍ أو حركةٍ أو كلمةٍ تصدر عنك، كيف يبدو لك هذا؟ باربرا رودي هي واحدة من الموظفين المحظوظين الذين يعملون تحت إشراف مديرٍ من هذا النوع.
عملت رودي بوزارة الأمن الاقتصادي بولاية أريزونا لمدة ?? عامًا، وخلال الخمسة عشر عامًا الأولى من تقلُّدها تلك الوظيفة، لم تكن رودي تنال التقديرَ عن عملها إلا نادرًا، حتى إنها تلقَّتْ مكافأةَ مرورِ ? سنوات في الخدمة ومكافأةَ قضاءِ ?? سنوات في الخدمة، على نحوٍ غير شخصي عن طريق البريد. أما مكافأة قضاء ?? عامًا بالخدمة، فقد تلقَّتْها بعد ? سنوات من تاريخ استحقاقها؛ وذلك لأن مديرها لم يكلِّف نفسه عناء ملء الأوراق الخاصة بذلك. هل تتخيَّل أن تتلقَّى مكافأةَ قضاءِ ?? عامًا بالخدمة في العام الثامن عشر من خدمتك؟
ولكن مكافأة قضاء ?? عامًا بالخدمة كانت مختلفة؛ حيث حشد المديرُ الجديد زملاءَها واستعرَضَ ملفها الشخصي، وعرض أمامهم قائمةً سردَ فيها كلَّ منصب تولَّتْه رودي في الوزارة خلال العَقدين المنصرمين. تقول رودي: «وفي نهاية العرض، شكرني على كلِّ ما قدمتُه للوزارة؛ وعندها ترقرقت عينايَ بالدموع؛ لأن أحدًا لم يُعرِب عن تقديره لي من قَبْلُ أمام زملائي.»
تأثرت رودي كثيرًا بهذا العرض البسيط لدرجة أنها طلبت تولِّي مسئولية الإشراف على برنامج التقدير الخاص بالوزارة؛ كي تتمكَّن من تعليم المديرين كيفيةَ تقديم مكافآت الخدمة على نحوٍ يؤثِّر في موظفيهم عاطفيًّا؛ ومن ثَمَّ تنشأ رابطةٌ عاطفية بين هؤلاء الموظفين وبين المؤسسة ككلٍّ.
في بضع ثوانٍ فقط، استطاع مدير رودي أن يغيِّر شكل تجربتها المهنية؛ وفي المقابل، استطاعت هي تغيير ثقافة مؤسسةٍ بأكملها. والرائع أنهم لم يتعاملوا مع قصة رودي على أنها قصة فريدة من نوعها؛ ففي إمكان جميع المديرين أن يتركوا هذا النوع من التأثير … إن أرادوا ذلك.
إن المشكلة هي أن معظم المديرين يعتقدون أنهم يُبْلُون بلاءً حسنًا في هذا الصدد. قال لنا أحد المديرين التنفيذيين عندما شرعنا في تأليف هذا الكتاب، إنَّ عملنا لن يبدأ من الصفر، بل من نقطة أقل من الصفر بكثير؛ فقال لنا: «عليكم أن تدركوا أن كل شخص يرى في نفسه أنه شخص لطيف.»
لكن، في الواقع، من الصعب العثور على مديرين لطفاء حقًّا؛ لذا، عندما نعثر على مدير لطيف من هؤلاء، فإننا نبقى في عملنا ونلتزم به.
(?-?) كان يجب أن يكون هذا أنت

إنك على الأرجح لا تدرك إلى أيِّ مدًى يمكنك التأثير في موظفيك بصفتك مديرًا لهم، ولكنْ تأمَّلْ هذه الحقيقة المذهلة: هل تعلم أن رأيك كمديرٍ أهم بالنسبة إلى موظفيك من رأي الرئيس التنفيذي؟ أشارَتْ مجلة «إنسينتيف» في تقريرٍ لها، إلى أنه عند سؤال الموظفين عن الشخص الذي يفضِّلون تلقِّي الثناء منه، فإن ?? بالمائة من الموظفين اختاروا مديرهم المباشِر، بينما أجاب ?? بالمائة منهم بأنهم يفضِّلون تلقِّي الثناء من رئيس الشركة.
يشير استطلاعُ رأيٍ تلو آخَر إلى أن الموظفين يعلِّقون قيمةً كبيرةً على آراء مشرفيهم المباشِرين. إن الموظفين يرغبون في الحصول على معلومات من مديريهم، ويقتدون بسلوكهم والتزامهم وولائهم؛ لذا فإن التأثير الفعلي لأي رسالة تريد المؤسسةُ إيصالَها إلى الموظفين، يبدأ على المستوى الإداري أو الإشرافي.
عندما يعبِّر المديرون عن تقديرهم للموظفين ويعترفون بقيمتهم، فإن الأمور تتغيَّر إلى الأفضل؛ وعندما لا يفعلون ذلك، فإن الأمور تتغيَّر أيضًا، ولكن إلى الأسوأ.
وهذا ما يُطلَق عليه دوران العمالة.
لنأخذ مثالًا نموذجيًّا على ذلك عندما تَحدَّثْنا منذ بضعة أشهر إلى روب، الذي يعمل مُبرمِجًا لدى شركة تأمين صغيرة متعثرة ماليًّا. أخبرنا روب أن الفرصة كانت سانحةً أمامه كي يحصل على وظيفةٍ براتب أكبر في مكان آخَر، إلا أنه ظلَّ في عمله لدى هذه الشركة التي تعاني من المشاكل لمدة خمس سنوات. والسبب؟ يقول روب: «لأنني أحب مديري، ولأن مناخ العمل هنا رائع جدًّا.»
ولكن في تحوُّلٍ مثير للاهتمام، حدث مؤخرًا أنْ تَواصَلَ روب معنا مجدَّدًا ليخبرنا أنه يعمل حاليًّا على إرسال سيرته الذاتية إلى عدة شركات، وعندما سألناه عن سر هذا التغيير، جاء رده في كلمة واحدة: «مديري.»
بالنسبة إلى روب، تعيين مدير جديد كان يعني تغيُّرًا في مناخ العمل بأكمله. وهذا الأمر يتكرر أكثر مما تعتقد.
تَعْلم سوزان بارانوسكي، التي تعمل لدى مجموعة شركات جونز للملابس، مدَى التأثير الذي يمكن أن يُحْدِثه مدير واحد. تُعَدُّ مجموعةُ جونز للملابس واحدةً من الشركات الرائدة في مجال تصميم الأزياء والأحذية والإكسسوارات ذات العلامات التجارية المميَّزة، وتسويقها وبيعها بالجملة. قد تشكِّك في أهمية مثالٍ يأتينا من عالَم الأزياء — خاصةً وأنت تقلق بشأن مواعيد التسليم العاجلة ومشاكل الموظفين ومشاكل الاقتصاد — ولكن بوسعنا جميعًا أن نتعلَّم بعضَ الأشياء من سوزان ومن مجموعة جونز؛ فاللون البرتقالي هو أحدث صيحة هذا العام، على الأقل في عالَم الموضة الإدارية.
تشرح سوزان تلك الصيحة الجديدة قائلةً: «لقد وصلنا توًّا إلى ختام يومين من البرنامج التدريبي لتحفيز الموظفين وتقديرهم، في واحد من المواقع المقرَّر عقد البرنامج فيها، وكنَّا في مَعرض الحديث عن جزءٍ بعنوان «لماذا؟» من برنامج التقدير المهني المُسمَّى «حافز في اليوم»، ووصلنا أثناء العرض التقديمي إلى تلك الشرائح التي تَعْرِض قصةَ البطة الأم التي فقدَتْ بعضًا من صغارها؛ لأنها عَبَرَتْ بهم دون اكتراثٍ فوقَ غطاء بالوعة صرف مياه الأمطار.»
حسنًا، يبدو هذا مروعًا، وهو أمر مروع بالفعل! وقد رأينا في الشرائح أن بعض صغار البطة ينزلق بالفعل إلى داخل البالوعة من خلال الفتحات الموجودة في الغطاء. وعلى الرغم من أننا متأكِّدون أن صغار البطة قد جرى إنقاذهم، فإن الشرائح الكئيبة كانت بمنزلة تذكرة للمديرين الذين لا يبدون اهتمامًا بما قد يحدث لموظفيهم نتيجةً لسلوكهم. فجأةً ومن حيث لا يدرون، سيتبخَّر موظفوهم ويتركون العمل معهم؛ ممَّا سيؤدي إلى دوران العمالة.
أردفَتْ سوزان قائلةً: «أثارَ العرضُ ضحكاتِ بعض الحضور، ولكنَّ شيئًا رائعًا قد حدَثَ.»
واصلت سوزان حديثها وشرحت لنا كيف رفعت واحدةٌ من المديرين يدها بعد عرض الشرائح التي روَتْ قصةَ البطة. على ما يبدو، هذه المديرة نادرًا ما كانت تشارك بأي حديث خلال اجتماعات الإدارة، وعادةً ما كانت تفضِّل تجنُّبَ لفْتِ الأنظار، ولكن هذه المرة كانت مختلفة؛ هذه المرة رفعت المديرة يدها وقالت: «أتدرون؟ لقد كنتُ مثل هذه البطة الأم؛ فقد ركَّزْتُ كلَّ اهتمامي على العمل الذي كان عليَّ إنجازه، لدرجة أنني تجاهلتُ الطريقةَ التي أعامِل بها الموظفين؛ ومن ثَمَّ حدث عندنا دوران للعمالة، وعلمتُ عندها أنني خذلتُ الموظفين، ولكنني تغيَّرتُ بمجرد أنْ علمتُ بذلك، ولن تعود الأمور أبدًا إلى ما كانت عليه.»
قالت سوزان: «خمِّنوا ماذا حدث؟ كان كلامها صحيحًا! لقد كانت المديرة بالفعل مثل هذه البطة؛ في بداية هذا العام، كانت هذه المديرة معروفةً بسلوكها المتشدِّد مع الموظفين؛ كانت واحدةً من هؤلاء الذين يصرخون في وجه موظفيهم طوال اليوم، كما أنها لم تكن تُظهِر أيَّ اهتمام نحوهم؛ حيث انحصر اهتمامها في معرفة إنْ كان الموظفون قد أنجزوا العملَ المنوط بهم أم لا؛ وبالطبع، اشتكى الموظفون. لقد كان إدراكها لما كانت تفعله واعترافها بخطئها، بمنزلة نقطة تحوُّل بالنسبة إليها.»
وأردفت سوزان بنبرة تعجُّب: «لقد تأثرتُ للغاية عندما وقفَتْ تلك المديرة وشاركتنا قصتها بكل شجاعةٍ، لدرجة أنني كنتُ على وشك البكاء.»
بعض الناس يعتقدون أن هذا المثال القائم على قصة تلك البطة يجب ألَّا يظهر في العرض التقديمي؛ لأن أحداث القصة تتخذ ذلك المنحى المخيف لخدمة أهداف درامية. ولكن انعدام التقدير قد يؤدِّي إلى سيناريوهات مخيفة بالقدر نفسه؛ إن انعدام التقدير قد يؤدِّي إلى تفشِّي السلبية بين الموظفين، وانتشارِ ثقافةِ عملٍ خاطئة، واستمرار دوران العمالة أو حضور الموظفين جسديًّا دون انخراطٍ حقيقي في العمل. فَكِّرْ في مدى خطورة خسارة الموظفين على نحوٍ متواصِلٍ لأنهم ببساطة لا ينالون أيَّ تقدير! عندما يتسرَّب الموظفون على النحو الذي سقط به البط الصغير في الفجوات، فإنهم يسلكون أحد طريقين: إما الأداء المهني السيئ، وإما الاستقالة.
تقول سوزان: «لقد وصلَتِ الرسالة إلى جميع مَنْ كانوا في الغرفة ذلك اليوم، وقد جعلني هذا الأمر متحمسةً جدًّا لنشر الوعي بشركتي، ومساعدة المديرين الآخرين الذين كانوا في موقفٍ مماثِلٍ لموقف البطة الأم.»
من الواضح أن سوزان أدركت أهميةَ إشراك المديرين وجذْبِ اهتمامهم وتطبيق استراتيجيات التقدير، ولا سيَّما في ظل هذه الظروف الاقتصادية المتردية. قد تعتقد أن فريقَ إنقاذٍ سيكون في طريقه لتخليص موظفيك إذا انزلقوا عبر الفجوات كما حدث مع صغار البطة، ولكن في الواقع أنت على الأرجح قد خسرتَ موظفيك إلى الأبد.
(?-?) إظهار الحب

كان ثمة برنامج كارتون قديم يُعرَض في صباح كل سبت، وكان أبطالُه توءمين، هما أخ وأخت يُطلَق عليهما اسم التوءمين الخارقين. لعلك تتذكرهما؛ كانا يلمسان خواتمهما السحرية في الوقت نفسه كي يتحوَّلَا بعدها إلى أي شيء يريدانه.
كانا يصيحان بهذه الكلمات في صوت واحد: «تفعيل قوة التوءمين الخارقين! شكل الثعبان!» ثم ينطلقان بعدها إلى الخارج وينقذان العالم.
إن المديرين يتمتعون بنفس قوة التحوُّل الخارقة تلك، ولكن — مع الأسف — يسلك الكثير منهم الاتجاهَ الخاطئ؛ حيث يركزون كل اهتمامهم على كسب رضا مديرهم المباشِر أو الإدارة العليا؛ ومن ثَمَّ فهم لا يصغون إلى موظفيهم ولا يرونهم ولا يقدِّرونهم. يعيش هؤلاء المديرون في عزلةٍ عن موظفيهم. إن بيئة عمل كهذه لا يخرج منها شيء عظيم.
والمبهر في الأمر أنه في معظم ثقافات العمل السائدة، يشجِّع كبار المديرين مثل هذا السلوك بوعيٍ أو بغيرِ وعيٍ منهم. وفي أكثر تلك الثقافات فسادًا، تجد المدير الأكبر سنًّا يتحدَّث على انفرادٍ مع المدير الجديد، ويشرح له «طريقةَ سير الأمور»؛ التي تقضي بأن الموظفين كسالى ومخادعون، وأنه من الواجب التعامُل معهم بقسوةٍ ومراقبتهم عن كثب؛ لأنهم يميلون إلى التكاسُل ولا يقدِّمون المستوى المتوقَّع منهم، وأنَّ التقدير يأتيهم كل أسبوعين على هيئة راتب شهري.
إنَّ هذه الفلسفة الإدارية قد لخَّصَها الكاتِب العظيم دكتور سوس في كتابه «هل أخبرتُكَ كم أنت محظوظ؟» يروي هذا الكتاب قصةَ رجلٍ كانت وظيفتُه أن يقف في الصحراء لمراقبة نحلة. ولكن، كي يضمن صاحب العمل أن الرجل كان يؤدي وظيفته في مراقبة النحلة، عيَّنَ رجلًا آخَر كي يراقب الأول؛ في غضون فترة وجيزة، أصبح ثمة طابور من الرجال يمتد عبر الصحراء إلى أبعد نقطة على مرمى البصر، يتكون هذا الطابور من رجال تتلخَّص مهمة كلِّ واحدٍ منهم في مراقبة الرجل الذي يقف أمامه مباشَرةً.
أمر سخيف، أليس كذلك؟ بالطبع، ولكن الكثير منَّا قد عمل لدى شركات تتبع نفس النهج الإداري تقريبًا، وإنْ كان على نحوٍ أقلَّ دراميةً من ذلك. في معظم ثقافات العمل السائدة اليوم، تُمرَّر هذه الفلسفة الإدارية إلى المديرين الأصغر بطريقة غير ملحوظة؛ إذ لا يتلقَّى المديرون أيَّ أدوات توافق عليها الإدارة لتقدير موظفيهم، كما أنهم لا يتلقَّوْن أيَّ إرشادات بخصوص المكافآت المناسبة التي يمكنهم منحها للموظفين الذين يبذلون جهدًا أكبر من المطلوب، وبذلك لا يفعل المديرون المباشِرون شيئًا غالبًا سوى تصيُّد الأخطاء. وحتى المديرون الذين يدركون جيدًا أهميةَ الدور الذي يلعبه التقديرُ في تحفيز الموظفين وتشجيعهم على الانخراط في العمل، يجدون أنفسهم مُجبَرين على إخفاء أي شيء قد يدلُّ على تقديرهم للموظفين أمام مديريهم.
منذ بضع سنوات، عقدنا جلسات مع مجموعةِ اختبارٍ شملت فئةً تضمُّ عددًا من المديرين المباشرين، وفئةً ثانيةً تشمل مجموعاتٍ من موظفي الموارد البشرية يعملون في سان فرانسيسكو ونيويورك وأتلانتا؛ أردنا من تلك الجلسات أن نقيس معدلَ أنشطة التقدير غير الرسمية التي تقوم بها كل فئة.
وقد كانت النتائج معبِّرةً للغاية؛ حيث قال معظم الموظفين في مجموعات الموارد البشرية — وهم يمثِّلون السياسات الرسمية التي تنتهجها الإدارة العليا تجاه الموظفين في شركاتهم — إن الميزانية التي لدى مديريهم محدودةٌ للغاية، ولا تكفي لتغطية تكاليف التقدير غير الرسمي أو اليومي للموظفين. وعندما سألناهم عمَّا إذا كان المديرون ينفقون أموالًا على تقدير الموظفين على الرغم من محدودية ميزانيتهم، أجاب عدد من موظفي الموارد البشرية بغضبٍ وكأنَّ السؤال قد أهانهم؛ قال أحدهم: «ليس من شِيَم مديرينا أن يكسروا قواعدَ الشركة.»
ومع ذلك، فإن نسبة كبيرة من الأشخاص في مجموعات المديرين قالوا إنهم يقدِّرون موظفيهم؛ قالوا إنهم مضطرون إلى فعل ذلك لضمان الحفاظ على الروح المعنوية المرتفعة بين موظفيهم، وكي يحقِّقوا أهدافهم. ولكن كل مَنْ قالوا إنهم ينفقون أموالًا على تقدير الموظفين، قد اعترفوا بأن ذلك التقدير لم يكن جزءًا من سياسة الشركة، وقد ظنَّ معظمهم أن هذا الأمر قد يضعهم في مأزقٍ في حالِ عَلِمَت الإدارة العليا بما ينفقونه من أموالٍ.
وها هي بضعة أمثلة:
قال أحدهم من أتلانتا: «لقد أخذتُ فريقي توًّا إلى سباقٍ للسيارات، ولا أعلم إن كان ذلك يتماشى مع سياسة الشركة أم لا، ولا أعلم أيضًا ما إذا كان مناسبًا أم لا.»
وقال مدير آخَر من نيويورك: «مرةً كلَّ شهر على الأقل، أصطحِب واحدًا أو اثنين من أفراد فريقي للغداء في مطعم تشيليز أو أي مطعم يقدِّم شرائحَ اللحم البقري؛ كمكافأةٍ على جهودهم.»
واعترفَتْ سيدة من المجموعة نفسها بنبرة مرتبكة: «لقد اصطحبتُ أفرادَ فريقي وأزواجَهم منذ أسبوعين إلى العشاء كي نحتفل، ودفعتُ الفاتورةَ من ميزانية أدواتي المكتبية. لا أعلم إنْ كنتُ سأُطرَد من العمل بسبب ذلك، لكنني لا أبالي.»
إلا أننا نعتقد أنها تبالي؛ فلو لم تكن تبالي فعلًا، لَمَا كانت ستبدو متوترةً أثناء اعترافها بالأمر، وما كانت ستقضي بقيةَ الشهر وهي تحاوِلُ الترشيدَ في استخدامها حبرَ الطباعة.
(?-?) التحديد: الوظيفة الرئيسية لأي مديرٍ هي تحديد الرؤية

يرى معظم الموظفين أن بيانات المهام والخرائط الاستراتيجية هما وثائق مليئة بالمصطلحات المعقَّدة وغير المفهومة التي لا تعني شيئًا؛ لكنَّ القادةَ العظماء يترجمون هذه الكلمات الرنَّانة إلى أنشطةٍ يومية؛ حيث يحدِّدون للفريق أولوياتٍ واضحةً تنطلق من الأهداف العامة للشركة، أو الأهداف التي تريد الشركةُ تحقيقَها في مجالٍ بعينه؛ بمعنًى آخَر، يساعد هؤلاء القادةُ الموظفين في معرفة الأمور الأكثر أهميةً بالنسبة إلى الشركة.
يستطيع الموظفون تحقيقَ أيِّ هدفٍ بمجرد أن يصبح هذا الهدفُ واضحًا ومفهومًا بالنسبة إليهم؛ فتأديةُ العمل على نحوٍ جيدٍ هو كلُّ ما يطمح إليه معظمُ الموظفين في نهاية الأمر. إن الموظفين يريدون إرضاء الإدارة، ولكنهم لا يعرفون الطريق إلى ذلك.
في الواقع، عندما سألْنا الموظفين عن الأمر الذي يجعل وظيفتهم مميَّزةً عن بقية الوظائف، أجاب الموظفون الذين تُعَدُّ تجاربُهم المهنية الأفضلَ من حيث الرضا والعائد المادي والإنتاجية، بأن ما يجعل وظيفتَهم مميَّزةً هو أنهم يعلمون ما الذي تنتظره منهم الإدارةُ.
في أفضل الأحوال، تدرك الإدارة — التي تحتلُّ أعلى مركزٍ بالمؤسسة — الحاجةَ إلى وجود أهدافٍ واضحةٍ ومختصرة؛ ومن ثَمَّ تعمل هذه الإدارةُ على خلْقِ لغةٍ تعكس هذه الأهداف.
لنأخذ مثالًا على ذلك شركة فريندليز للآيس كريم؛ تُحقِّق هذه الشركة إيراداتٍ سنويةً تبلغ ??? مليون دولار، وتتنوَّع مصادر هذه الإيرادات ما بين أرباحِ أكثر من ??? مطعم لها في شرقي الولايات المتحدة، وجهودِ توزيعِ الآيس الكريم في مناطق أخرى. وإن دلَّ هذا على شيء، فهو يدل على أن الشركة نَشِطة وتُدَارُ على نحوٍ جيد. لدى الشركة رؤيةٌ واضحة تتلخَّص فيما يلي: «أن تصبح أفضلَ سلسلةِ مطاعم ومحلات آيس كريم تقدِّم لعملائها خدمةً شاملةً يوميًّا، وأن تصبح أفضلَ موزِّعِ آيس كريم بالجملة في شرقي الولايات المتحدة، وأن تشتهر بعملِها المتميِّز، والأطباقِ الفريدة، وحلوى الآيس كريم الباهظةِ التي تقدِّمها مطاعمُها، ومرافِقِها النظيفة، وخدمتِها الودودة والمخلصة، وموظفيها الموهوبين؛ وكلُّ هذا سيؤدِّي إلى بناء قاعدةٍ عريضةٍ من العملاء الأوفياء، وضمانِ زيادةِ مكاسب الشركة بصفةٍ مستمرةٍ.»
ولكن كل هذه الكلمات الجميلة ستظلُّ مجردَ كلماتٍ إنْ لم يكن ثمة توجيهٌ واضح من قِبَل المديرين. ولقد تُرجِمت رؤيةُ شركة فريندليز من كلماتٍ إلى أفعالٍ، في ظل إدارة بيفرلي جوميز لفرع المطعم في هيرشي بولاية بنسلفانيا. قالت جوميز: «عندما أعيِّن أيَّ موظف جديد، فإنني أشرح له التوقُّعات والمسئوليات المحدَّدة التي أنتظرها منه، أو القواعد الأساسية للعمل.» وأردفَتْ: «أقول له: إذا بقيتَ فعليك فِعْل هذا وذاك. هذا ما أفعله وهذا ما يفعله الجميع؛ أكنس الأرضيات وأنظف المراحيض، والكل يتَّبِع القواعدَ ويعمل كفريق. يجب أن تستوعب هذه القواعد والمسئوليات جيدًا من البداية. كما أشدِّد على أهمية الاحترام من أول مقابلة. أتوقَّع منهم أن يحترم بعضهم بعضًا، وفي المقابل يحظَوْن باحترامي.» ولكنها أضافت: «لا أتوقَّع منهم أن يحترموني، وإنما أعمل على كسب احترامهم.»
تُتابِع جوميز أداء موظفيها البالغ عددهم ?? موظفًا عن طريق تقدير السلوك الجيد عندما تراه من أي واحد منهم. تقول جوميز: «إن التقدير هو أفضل طريقة للتواصل.» وتقول أيضًا: «التقدير أداةُ توصيلٍ رائعةٌ؛ فالموظفون يرون ما يفعله زملاؤهم وكيف يفعلونه، كما أنه يُرِيهم كيف يسير العمل ككلٍّ. إن تقدير الموظفين يُرِيهم أن وَضْع العمل على ما يرام. وأفضل شيء في تقدير الموظفين هو أنه يساعدني على وَضْع المعايير التي تحدِّد توقُّعاتي منهم.»
وبالطبع، يقدِّم فرع هيرشي تجسيدًا حقيقيًّا لتلك الرؤية العظيمة لشركة فريندليز.
أنت المسئول في شركتك عن ترجمة رؤيتك إلى واقع؛ لذا، عندما تقول: «إننا نتعامل على نحوٍ استراتيجي مع عملائنا من أجل تحسين أداء منتجاتنا.» يجب أن توضِّح أن ذلك يعني: «إن غسالاتنا دقيقةٌ بنسبة ? على المائة من المليمتر.» وإذا قلتَ: «نحن الأفضل في مجال خدمة العملاء»، فيجب أن توضِّح أن ذلك يعني: «إنه لَمِن دواعي فخرنا أننا نستجيب لمكالمات عملائنا خلال ?? ثانية، ونحل ?? بالمائة من مشاكل العملاء من أول مكالمة.»
في شركة إيبكور جينيريشن القائمة في إدمنتون بمقاطعة ألبرتا في كندا، يقول تريفور جرامز، مدير العمليات هناك، إن العمل على وضْعِ رؤية واضحة للشركة يبدأ من مستوًى أعلى منه بخريطةٍ استراتيجيةٍ تضعها الإدارة العليا. ويضيف قائلًا: «انطلاقًا من هذه النقطة، نبدأ نحن في وضع خريطة استراتيجية لكل قطاع، وهذا يوفر مزيدًا من الوضوح بالنسبة إلى المديرين كأفراد، ولنا كمجموعة … وتصبح هذه الخريطة بمنزلة نموذج يَجري استخدامه لتطوير أدوات إدارة الأداء الخاصة بكل شخص.»
تُوضَع أهداف لكل شخص تتماشى مع أهداف وحدة العمل التابع لها ومع أهداف الشركة ككلٍّ، ثم يحين إجراءٌ مهمٌّ للغاية يقوم به القادة؛ وهو وضع قائمة بالسلوكيات التي من شأنها دَعْم هذه الأهداف والسلوكيات المحددة التي يجب على الموظفين التركيز عليها.
يقول جرامز: «ثمة طريقة جيدة لفعل ذلك؛ وهي تتلخص في تحديد أربعة أو خمسة أمور للموظفين كي يتمكَّنوا من التركيز ومن إحراز نجاحٍ ملحوظٍ فيها. لكن، إذا صارت القائمةُ أطولَ من اللازم، فإن الحفاظ على هذا التركيز يكون صعبًا.»
وقد لاحَظَ جرامز أن تغيُّرات كبيرة قد حدثت بفضل توضيح الأهداف للموظفين. كان هدف أحد الموظفين في مجال التدريب هو أن يعرف إلى أيِّ مدًى يؤثِّر دورُه على بقية الشركة؛ بحيث يتسنَّى له اتخاذ قرارات أفضل وتقديم أفضلِ خدماتِ تدريبٍ لديه، بما سيكون له مردوده على المؤسسة ككلٍّ. لاحَظَ جرامز أن هذا الموظف قد غدا عاجزًا عن رؤية الصورة الكاملة بعد أن قضى ?? عامًا يعمل في نفس المكان.
كان الهدف واضحًا، ولكن جرامز قرَّرَ أن يتخذ خطوةً إضافيةً لم يكن يتَّخِذها معظم المديرين؛ حيث حدَّدَ السلوكيات المرغوب فيها، التي ستساعد الموظف على تحقيق أهدافه؛ على سبيل المثال: كان أحد السلوكيات التي ينبغي على هذا الموظف اتِّبَاعها، هو «التفاعُل مع صُنَّاع القرار الأساسيين في قطاعات أخرى من الشركة على الأقل مرةً واحدةً أسبوعيًّا». وعندما أُتِيحت الفرصةُ للموظف كي يؤدِّي عملَه على نحوٍ جديدٍ ومختلف، ولاقَى تشجيعًا على ذلك، ازدهر أداؤه.
يقول جرامز: «بمجرد أن بدأ في تكوين علاقات مع الأشخاص الرئيسيين في مجالات العمل الأخرى، بدأت رؤيته واختياراته التدريبية تتغيَّر؛ لقد أصبحَتْ رؤيته تنطلق من احتياجات الشركة.»
إنَّ الفضل في كل ذلك التحسُّنِ يعود إلى كلمةٍ واحدةٍ؛ وهي: التحديد.
(?-?) تحديد الأهداف الصحيحة

من المهم أن تتأكَّد من أنك تترجِم الأهدافَ على نحوٍ صحيح. منذ بضع سنوات كان صديقٌ لنا مسافرًا على متن طائرة تجارية من مطار بيتسبرج.
غادرَتِ الطائرةُ البوابةَ، وكانت تسير على مدرج الإقلاع عندما حدث ما كان يخشاه الجميع، وأعلن الطيار أن الطائرة لن تقلع لسوء الأحوال الجوية. بعد ساعتين قضاهما صديقنا محبوسًا في مقعده الضيق على متن الطائرة المزدحمة التي لم تقلع، ضغط على الزرِّ ونادى المضيفة.
كان يظنُّ أنه يتحدَّث بلسان جميع مَنْ كانوا على الطائرة عندما قال: «نريد العودة إلى البوابة.»
قالت المضيفة إنَّ ذلك سيتسبَّب في فقدان الطائرة لدورها في طابور الإقلاع، وإنَّ حظْرَ الإقلاع قد ينتهي في غضون دقائق معدودة من الآن.
وبعد مرور ثلاث ساعات أخرى عادت الطائرة إلى البوابة، وسُمِحَ لصديقنا الضخم البِنية، الذي كان يلعب كرة القدم في فريق جامعة بيتسبرج، أن يقوم من مقعده الصغير.
بعد هذه التجربة المريعة تحرَّى صديقنا الأمر، واكتشف أن السبب الحقيقي وراء بقاء طائرات هذه الشركة على مدرج الإقلاع، هو أن جودة شركات الطيران في ذاك الوقت كانت تقاس بعدد الرحلات التي تغادر في موعدها، وكان موعد المغادرة يقاس وفقًا لموعد مغادرة الطائرة للبوابة، وليس وفقًا للموعد الفعلي الذي تقلع فيه الطائرة من المدرج أو الموعد الذي تصل فيه إلى وجهتها! كانت الشركة قد قرَّرَتْ أن الالتزام بموعد مغادرة البوابة هو أهم أولوية لديها؛ ومن ثَمَّ فقد ضحَّتِ الشركةُ برضا العملاء من أجل أن تحقِّق الرقمَ القياسي في الالتزام بمواعيد مغادرة البوابة.
لقد قطعت تلك الشركة تذكرةَ ذهابٍ فقط إلى وجهة غير معلومة!
إنَّ شركة بلا أهداف واضحة — أو أسوأ من ذلك، شركة لديها أهداف واضحة ولكنها محدَّدة على نحوٍ غيرِ صحيح — لن تنجح في دفع موظفيها لتقديم أفضل ما لديهم. من ناحية أخرى، أي شخص في منصب قيادي — بغضِّ النظر عن مستواه — يضع أمامَ موظفيه أهدافًا استراتيجية واضحة، يمكنه أن ينطلق بمؤسسته نحوَ نجاحاتٍ لا حصرَ ولا حدَّ لها.
(?-?) الرؤية: المديرون العظماء لديهم نظرة ثاقبة

قال بول سماكر، المدير التنفيذي السابق لمجموعة جي إم سماكر وشركاه، ذات مرة: «اسمعْ بآذانٍ مُصْغية، وابحثْ عن الأشياء الجيدة في الآخرين، وتَحَلَّ بحسِّ الدعابة، وعبِّرْ عن شكرك لمَنْ أنجَزَ عملَه على نحوٍ جيد.»
هذا هو بالضبط ما كنَّا ننوي قوله! لقد كان سماكر على حقٍّ. إن عالمنا هذا مليء بالمديرين الأذكياء الذين يمتلكون القدرة والكفاءة، والذين لديهم خلفيةٌ ومؤهلات مثالية؛ ولكنه يفتقر إلى المديرين العظماء الذين يكلِّفون أنفسَهم عناءَ الاستماع إلى موظفيهم، والذين ينقِّبون بنشاطٍ وهمَّةٍ عن إنجازات هؤلاء الموظفين.
واحد من مديرينا المفضَّلين هو كوينت ستودر. انتقل ستودر في عام ???? إلى فلوريدا كي يعمل مديرًا لفندق بابتيست الطبي، الذي هو بمنزلة منتجع استشفائي ويضمُّ ??? سريرًا. عندما بدأ هذا المدير المبدِع مهامَّ عمله في ذلك المرفق الطبي، لم يُوقِف سيارتَه أمام الباب الرئيسي في المكان المخصَّص لإيقاف سيارة المدير، وإنما أوقَفَها في أبعد مَرْأَب ممكن، واستغلَّ بُعْدَ المسافة في التحدُّث إلى موظفيه طوال الطريق من مكان السيارة وحتى المدخل الرئيسي للمستشفى؛ كما أنه قد قام بجولات في المكان، تَحدَّث خلالها إلى الموظفين وألقى عليهم التحية قائلًا: «أهلًا! اسمي كوينت ستودر، وأنا المدير الجديد هنا. إنني أعمل لديكم؛ ماذا بوسعي أن أقدِّمه لكم اليومَ؟»
يقول ستودر إن الطريقة التي نظر بها الموظفون إليه عندما حيَّاهم وتَحدَّثَ إليهم على هذا النحو، جعلَتْه يظنُّ أن الكثيرين منهم سيظنون أنَّه يتعاطى المخدرات!
ولكنْ، بعد وهلة قصيرة، بدأ الموظفون في التفاعُل معه بأفكار بسيطة للغاية. قالت واحدة من الممرضات: «عندما تنتهي مناوبتي الليلةَ، سيكون الظلام قد حلَّ. إننا نعمل في حيٍّ خَطِر، وأنا معتادة على إيقاف سيارتي بجانب الشجيرات، وتلك الشجيرات لم يقلِّمها أحدٌ منذ شهور، وأنا الآن قَلِقة من أنني عندما أخرج كي استقلَّ سيارتي سيكون أحدهم مختبِئًا هناك؛ فهل من الممكن أن تكلِّف أحدًا بتقليم هذه الشجيرات؟»
خلال الاثنتي عشرة ساعة التي تلت ذلك، وبينما كانت الممرضة تمارس عملها، طلب ستودر من أحدهم أن يقلِّم الشجيرات، بل طلب أيضًا من موظفي الصيانة وضْعَ سور حول المكان. لاحظَت الممرضة عندما ذهبت إلى مكان سيارتها أن ستودر قد أصغى إلى طلبها واستجاب إليها؛ وعندها شعرت بالأمان وعلمت أنها تعمل تحت إدارةٍ تهتمُّ بها على المستوى الإنساني.
خلال السنوات التي عمل فيها ستودر هناك، ومع تركيزه على رضا الموظفين، شيءٌ عظيم تحقَّقَ؛ إذ ارتفع معدلُ رضا المرضى ليصل إلى ?? بالمائة، مقارَنةً ببقية المستشفيات في الولايات المتحدة، وهو الذي كان يتراوح في السابق بين ? و?? بالمائة؛ كما تراجَعَ معدلُ دوران العمالة بنسبة ?? بالمائة، وأصبحَتِ المؤسسة تنعم بوضعٍ ماليٍّ مستقر لدرجةٍ جعلت وكالةَ موديز ترفع التصنيف الائتماني للمستشفى. واليومَ، لا يخلو تصنيفٌ من تصنيفات مجلة فورتشن لأفضل مائة مكانٍ يمكن العمل بها، من مركزٍ لمستشفى بابتيست.
إنَّ ما يعلمه المديرون أمثال ستودر عن موظفيهم من مخاوف ونقاط قوة وضعف ورغبات واحتياجات، هو الذي يجعلهم قادرين على تحفيز جهود موظفيهم على نحوٍ فعَّالٍ، وتوجيه تلك الجهود نحو أهداف استراتيجية؛ وهذا ما يثبت صحةَ المقولة التي تقول بأن وراء كل موظفٍ عظيم مديرًا استثنائيًّا.
التقينا مؤخرًا أحد الموظفين، وكان يعمل في قسم خدمة العملاء لدى إحدى المؤسسات الكبرى (التي طلبت ألَّا نفصح عن هويتها لأسباب تنافسية). كان صديقنا هذا قد طلب مضاعَفةَ مهامِّ عمله على نحوٍ تطوُّعي لِيَنوبَ عن مديرته التي كانت في إجازة رعاية طفل لمدة ? أشهر، فكان يقوم بمهام عمله بالإضافة إلى مهام عملها. لم يكن ذلك الموظف قَلِقًا عندما اتخذ ذلك القرار؛ لأنه كان يعلم أنه سيتلقَّى تقديرًا في مقابل جهوده.
وقد كان على حقٍّ؛ فقد تلقَّى هذا الموظف مقابلَ إسهاماته الاستثنائية أرفعَ جائزةِ إنجازٍ تمنحها الشركة في حفلٍ علني تقديرًا لجهوده، وكان ذلك جزءًا من برنامجِ تقديرٍ تتبعه الشركة، وأدَّى هذا البرنامج أيضًا إلى ارتفاعٍ كبيرٍ في معدلات رضا العملاء.
عندما تحدَّثنا إلى هذا الموظف سألناه عن إسهاماته، ولكنه كان شخصًا متواضِعًا وتَجاهَل السؤال وقال: «إنَّ الإدارة هنا تبلي بلاءً جيدًا للغاية في تقدير الأشخاص الذين يبذلون أقصى مجهود لديهم.» ولكن، لكوننا أذكياء فقد سألناه هل كان سيقدِّم الإسهامات نفسها لو لم تكن الشركة تُحسِن تقديرَ الموظفين لديها؟
هزَّ كتفَيْه بأدبٍ، وطلب منَّا أن ننتقل إلى السؤال الذي يليه.
في منطقة ديترويت، تلقَّتْ سينثيا باريش، التي تعمل كممرضةٍ مساعِدةٍ في مستشفى مونت كليمنس العام، جائزة «قوة الهدف» نظير عنايتها الفائقة بالمرضى، التي جسَّدت من خلالها قيمةَ الرحمة بوصفها إحدى القِيَم الرئيسية التي يتبنَّاها المستشفى. منذ أن بدأ المستشفى في تطبيق هذا البرنامج، تَراجَعَ معدلُ دوران العمالة إلى النصف، وأصبح لدى المستشفى أقل نسبة أسِرَّة شاغرة على مستوى المنطقة.
إنه لَأمر مفروغ منه أن المستشفيات تتطلَّب الكثير من الموظفين العاملين بها؛ حيث إن ارتكاب الأخطاء في بيئة عمل مشحونة كهذه، قد يكون له عواقب أكبر من مجرد الخسارة المادية أو ضياع الفُرَص، وهذه العواقب قد تتمثَّل في أن يدفع أحدهم حياتَه ثمنًا لخطأٍ ما. ولكن دعونا نَعُدْ إلى التجربة التي تَحدَّثنا عنها سابقًا، والتي أُجرِيت عام ???? وخضع لها ثلاث مجموعات من طلابٍ في سن المدرسة، وتلقت فيها المجموعةُ الأولى الثناءَ على أدائها، بينما تعرَّضَتِ الثانية للنقد، ولاقَتِ الثالثة التجاهُلَ؛ بالعودة إلى تلك التجربة ستلاحِظ أنه بغضِّ النظر عن مكان العمل (سواء أكان في قطاع الرعاية الصحية أم في بيئة تُسيطِر عليها الاتحاداتُ النقابيةُ، أم على متن غوَّاصة نووية في المحيط الهادي)، يميل الموظفون إلى اتخاذ القرارات الصحيحة في عملهم عندما يشعرون أن مديريهم يلاحظون الجهودَ التي يبذلونها ويقدِّرون تلك الجهود.
(?-?) التجوُّل خارج المكتب والتحدُّث إلى الموظفين

واحدة من خطوات التقدير المهمة تتمثَّل في أن تخطو خارج مكتبك كلَّ يوم وتتحدَّث إلى موظفيك.
يذكِّرنا هذا بإعلانٍ كان يروِّج لقِطَع الأثاث المكتبي؛ كان الإعلان يقول: «بريد بين المكاتب، بريد إلكتروني، بريد صوتي؛ تُرى ماذا حدث للتواصل وجهًا لوجه؟»
إنَّ السؤال الذي يطرحه الإعلان سؤالٌ جيد، وهو سؤال يسأله الكثير من الموظفين.
قد يبدو الأمر بسيطًا على نحوٍ محرج، ولكن عندما نسأل الموظفين أفرادًا أو مجموعات عن مديريهم، فإن أول شكوى نسمعها منهم دائمًا هي أن المديرين لا يكلِّفون أنفسهم حتى عناء إلقاء التحية عليهم كلَّ يوم. ربما يبدو هذا أمرًا بسيطًا، ولكن تبادُل التحية عند اللقاء جزءٌ أساسي فعليًّا من عملية تكوين قوةِ عملٍ تتَّسِم بالانخراط في العمل، وهذا أمر لا يمكنك القيام به من داخل مكتبك. ثمة حقيقة يَغفَل عنها الكثيرون؛ وهي أن معظم المديرين لديهم بُعْدُ نظرٍ (وبُعْد النظر هنا ليس أمرًا جيدًا)، وهذه حقيقة تفسِّر لنا الكثير؛ فالتركيز على أداءِ موظفيك من مقعدك في حجرة الاجتماعات، أو من مكتبك الجديد المميَّز، أمر صعب، ولكن عندما تنظر عن قُرْبٍ، فإن رؤية التحدياتِ التي يواجهها الموظفون واهتماماتِهم ونجاحاتِهم تصبح أسهل.
سلك جوردون مور، الرئيس المتقاعد لشركة إنتل، توجُّهًا خاصًّا به في مجال التواصل وجهًا لوجه مع الموظفين. في الواقع، لقد أخذ مور الأمرَ إلى مستويات جديدة؛ حيث عمل هو وكل فرد في الشركة داخل مكاتب تتَّخِذ شكلَ الكبائن المفتوحة، ولعل الجانب الأغرب من هذه القصة هو أنه كلما كان رئيس الشركة موجودًا في كابينته، كان يترك الباب مفتوحًا للموظفين. هذا إن كان ثمة باب من الأساس!
لا مكتبَ مميَّز، ولا أثاثَ جلديًّا يثير الإعجاب، ولا عقبات تعيق التواصل بين المدير وموظفيه، ولا أيَّ شيء من ذلك الهراء. يبدو أن مفهوم القيادة قد تطوَّر.
ومعظمنا يعي تلك الحقيقة. عندما نقابل المديرين في هذه الأيام، ونخبرهم بأنهم في حاجة إلى أن يراهم الموظفون بصورة أكثر، فإن معظمهم يتفقون معنا في أن هذا الأمر لا بد أن يكون ضمن أولوياتهم؛ ولكن في إحدى المرات قال لنا أحد المديرين المخضرمين: «إذا بدأتُ في الظهور أمام الموظفين فجأةً، فإن ذلك سيثير لديهم الشكوك.»
وقد ذكَّرَنا هذا الأمرُ بمديرٍ حاوَلَ فعْلَ الشيء نفسه، ولكنه نفَّذَه على نحوٍ خاطئ؛ فقد قضى هذا المدير وقتًا أكبر مع فريقه، ولكنه بات أكثر انتقادًا لعملهم، وأصبح يتحكَّم في أدق التفاصيل؛ ومن هنا، بدأ الموظفون في الشكوى من وراء ظهره من عادته الجديدة؛ إذ كان يظهر أمامهم فجأةً لمدة وجيزة ينتقد خلالها كلَّ شيءٍ قاموا بعمله قبل أن يهمَّ بمغادرة المكان؛ وأصبح الموظفون يشيرون إليه باسم «طائر النورس».
نحن نوصي المديرين بالخروج من مكاتبهم لمدة محدَّدة (?? دقيقة أو أكثر) على الأقل مرةً واحدة يوميًّا، بدلًا من الخروج على فترات متقطِّعة. في أثناء تلك الفترة التي ستقضيها خارجَ مكتبك، ركِّزِ اهتمامك على طرح الأسئلة والإصغاء إلى الموظفين بدلًا من توجيه الانتقاد لهم. إننا كمديرين نقضي قدرًا هائلًا من الوقت في إعطاء الأوامر إلى الموظفين، ولكننا بالكاد نخصِّص وقتًا كافيًا للإصغاء إليهم.
علاوة على إظهار الاهتمام بالمشروعات الطويلة أو القصيرة الأمد التي يعمل عليها الموظفون، كُنْ حريصًا على أن تسألهم عن هواياتهم وعائلاتهم وأيِّ اهتمامات أخرى قد تكون لديهم خارج نطاق العمل؛ اسأل عن ذلك النموذج المصغَّر من سيارة الموستانج موديل ???? الذي يضعه أحد الموظفين في الرف العلوي من مكتبه، أو عن أفراد الأسرة الذين يَظهرون في الصورة التي لَصَقَها آخَرُ على طرف حاسوبه، أو عن تلك النسخة المطبوعة من لوحةٍ للفنان الفرنسي مونيه التي علَّقها أحدهم على الحائط، أو عن السر وراء اختيار هذا الموظف أن يضع صورة لأسطورة الكاراتيه بروس لي على مكتبه (على الرغم من أن الإجابة ستكون بديهيةً: ومَنْ منَّا لا يرغب في أن ينظر أمامه أثناء العمل، فيجد صورة «التنين» في مواجهته؟) اسأل الموظفين عن المكان الذي يفضِّلون تناول الغداء فيه، واعرِفْ منهم أين قضوا أفضلَ إجازةٍ لهم، وأين يخطِّطون قضاء إجازتهم هذا العام.
إنَّ معرفتك لنوع الحلوى التي يفضِّلها أحد موظفيك، أو علمك بأنه يخشى المرتفعات، كلها أمور ستدرك أهميتها عندما يحين الوقت لتقدير جهود هذا الموظف (فقد ترغب في أن تكافئه برحلةٍ في منطاد، ولكن علمك بخوفه من المرتفعات سيجعلك تفكِّر في مكافأةٍ بديلة).
في أثناء استماعك إلى موظفيك، دوِّنْ ملاحظاتٍ عن كلِّ ما ستكتشفه عنهم من أمور شخصية أو مهنية؛ قد تظن أنك ستتذكر كل شيء، ولكن ثِقْ بنا عندما نقول إنك سريعًا ما ستنسى. يخبرنا بعض المديرين بأنهم يحملون معهم دفترَ ملاحظات صغيرًا، أو يكتبون ملاحظاتهم على كمبيوتر محمول كي يتذكروا تلك الأمور، بينما يقول البعضُ الآخَر إنهم يخصِّصون وقتًا لإدخال المعلومات التي جمعوها على الكمبيوتر، أو لتدوينها في دفتر الملاحظات عقب زيارتهم اليومية مباشَرةً.
قد يبدو الأمر تافهًا، ولكن تلك الخطوة البسيطة ستجعل منك مديرًا مميزًا. في الواقع، إن اتخاذك تلك الخطوة البسيطة سيجعلك مميزًا عن بقية المديرين على نحوٍ يفوق كل تصوراتك. إن عدد المديرين الذين يُصغُون فعلًا إلى موظفيهم قليلٌ، ولكن عدد المديرين الذين يأخذون كلامَ الموظفين بعين الاعتبار أقلُّ. هل تذكر ظاهرةَ «تأثير الفراشة» التي أشرنا لها سابقًا؟ إن إبداءك الاهتمام بما تسمعه من موظفيك سيكون له تأثير مماثل، ولكنه سيكون أقرب في قوته إلى تأثير المحرك النفاث منه إلى تأثير الفراشة؛ فالنتائج ستكون مذهلة. ولعل المؤلف والفيلسوف الأمريكي هنري ديفيد ثورو كان يتحدَّث بلسان حال كل الموظفين عندما قال: «إنَّ أفضل مجاملة تلقَّيْتُها في حياتي كانت عندما سُئِلتُ عن رأيي، وأَخَذَ السائلُ هذا الرأي بعين الاعتبار.»
وكي لا تظن أننا نخفي عنك شيئًا، ثمة أمر يجب أن نحذِّرك بشأنه؛ أَلَا وهو أن عملية التعارف بينك وبين موظفيك ستكون مُحرِجة وغريبة في البداية بالنسبة إليك وبالنسبة إليهم. قد ينظر لك بعض الموظفين نظرةً غريبة، وقد تبدو على بعضهم علاماتُ عدمِ الارتياح، وقد يعجز بعضهم عن الكلام، وذلك كله من فرط دهشتهم لأنك أول شخص يقترب منهم. أما بالنسبة إليك، فقد ترتكب بعض الأخطاء في بعض الأحيان، كأنْ تتعثر في إيجاد ما تتحدَّث عنه في بداية الأمر، ولكنْ عليك أن تستمرَّ في المحاولة وسيتحسن مستواك بالممارسة؛ إن الأمر أشبه بتجربةِ تعلُّم المشي أو التزحلق على الجليد أو قيادة السيارة حتى، ولكنك قد تعلَّمتَ كل تلك الأمور وتَحسَّنَ مستواك فيها بالممارسة. تخيَّلْ ما الذي كان سيحدث إنْ لم تقفز قفزةَ الثقة اللازمة لفعل كل ذلك! كان سيكون من الصعب عليك كسب الاحترام في وظيفتك وابنك المراهق لا يزال مضطرًّا لإيصالِك إلى مكان العمل، والمرورِ لاصطحابك بعد انتهاء الدوام؛ لأنك لا تعرف كيف تقود بنفسك.
عليك إذن أن تقفز هذه القفزة كما فعلتَ سابقًا، ولكنْ كُنْ مستعِدًّا كي تقفز مجدَّدًا مرات عديدة!
يروي لنا أحد أصدقائنا كيف انضمَّ إلى العمل ككاتِبٍ في وكالة الإعلانات الداخلية بإحدى الشركات في بداية حياته المهنية؛ كان عمره ?? عامًا فقط آنذاك، وقد جعل منه ذلك أصغر عضوٍ في فريق العمل. كان مُعجبًا بالعمل الذي ينفِّذه الأعضاءُ الأكثر خبرةً من الفريق، وكان يعتبرهم جميعًا — ولا سيَّما كبيرة الكُتَّاب — مثلًا أعلى له. وكانت كبيرة الكُتَّاب سيدة تُدعَى لارا، وقد عملت في الشركة لأكثر من ?? سنوات؛ وفي أحد الأيام، بعد حوالي شهرين من بَدْء صديقنا العمل بالشركة، مرَّ مؤسِّس الشركة ورئيسها التنفيذي على الفريق، وعبَّرَ أمام الجميع عن تقديره للإعلان الذي كتبه الشاب وقال له: «استمِرَّ في العمل يا بُني، وفي يومٍ من الأيام ستكون بمهارة لارا!»
وكما هو متوقَّع، سُرَّ صديقنا بالتقدير الذي تلقاه وقال لنفسه: «يا لها من شركة عظيمة! الرئيس التنفيذي يتجوَّل بكل بساطة في أنحاء الشركة ويتحدَّث إلى الموظفين، بل ربَّت على كتفِي أيضًا، على الرغم من أنني أصغر وأحدث عضو في الفريق!»
في وقت الغداء، جلست لارا إلى جانبه وتململت قليلًا؛ ظنَّ صديقنا أنها ربما شعرت بالتهديد مما حدث، ولكن العكس كان هو الصحيح؛ إذ نظرت لارا إلى زميلها الجديد وقد دمعت عيناها وقالت: «لقد عملتُ في هذه الشركة لمدة ?? سنوات، واليوم هو أول يوم أسمع فيه المدير التنفيذي يقول اسمي أو يشير إلى عملي.»
اقفزْ قفزةَ الثقة وأظهِرِ الاهتمامَ، واجعل ذلك عادةً تمارِسُها مع كلِّ الموظفين!
وتذكَّرْ أنه لا مكاسب دون عناء، وثِقْ بنا عندما نقول إن الأمر في هذه الحالة يستحقُّ العناءَ كله، وإن رؤية نجاحات موظفيك تمهِّد الطريقَ لأخذ الخطوة التالية من أجل خلق مكان يرغب الناسُ في العمل به؛ وهذه الخطوة التالية هي الاحتفال.
ومَنْ منَّا لا يحبُّ أن يحتفل؟!
(?) كسر الحاجز المادي

يقال إن المال لا يشتري السعادة، ولكننا لم نَرَ من قبلُ شخصًا حزينًا يقود يختًا فارهًا وضخمًا؛ إن أصحاب تلك اليخوت يبدون سعداء جدًّا بالنسبة إلينا.
هل النقود هي الحافز الأكبر لرضا الموظفين؟ دَعْنا نقُلْ إن المال يلعب دورًا مؤثرًا بالطبع، ولكن عندما نتحدَّث عن الموظفين السعداء المتفانين في عملهم الذين يقدِّمون أداءً مبهرًا، فإن المال لا يكون الجائزة الكبرى.
أظهرت دراسةٌ أُجرِيت عام ????، أنه عند سؤال الموظفين الفيدراليين عن الأماكن التي يفضِّلون العمل بها، فإنهم ذكروا الأماكن التي توفر قيادةً قوية وإجاباتٍ واضحةً مباشرة على رأس الأولويات قبل الراتب والمزايا الإضافية. ووفقًا لتلك الدراسة الشاملة التي خضعت لها القوة العاملة الفيدرالية، فإن اللجنة التنظيمية النووية تتربع على رأس قائمة أفضل المصالح الحكومية التي يمكن العمل بها؛ وذلك لأن الإدارة العليا تخصِّص جزءًا من وقتها للإصغاء إلى الموظفين. صدِّق أو لا تصدِّق!
يوصي استطلاعُ الرأي المديرين بالتواصُل ثم التواصُل ثم التواصُل. في الواقع، يقول ?? بالمائة من الموظفين الفيدراليين الذين خضعوا للاستطلاع إنهم يتلقَّوْن المعلومات التي يحتاجونها من مديريهم، وهي نسبة تفوق نظيرتها في القطاع الخاص بفارق كبير تبلغ نسبته ?? بالمائة.
ولكن عندما يتعلَّق الأمر بالمكافآت، فإن المال يصبح أول الأولويات، أليس كذلك؟ حسنًا، الإجابة هي: لا، ليس بالضرورة. لقد ثبت أن تأثير المال كحافزٍ يدفع الموظفين إلى العمل هو تأثيرٌ مؤقت وسرعان ما يزول؛ إلا أن الحافز المالي طالما كان هو المفضَّل لدى الموظفين من بين أنواع الحوافز الأخرى، منذ أن بدأَتِ الشركات في العمل بفكرة منْحِ الموظفين حوافزَ لحثِّهم على العمل، وطالما أذعن المديرون لاختيارات الموظفين في هذا الشأن.
يقول الموظف: «أفضِّل المال.»
«ولكننا سنوزِّع تذاكرَ مجانيةً للسينما بقيمة ? دولارات.»
«لا يهم، ما زلتُ أفضِّل المال.»
هذه هي إحدى الحالات التي سنوصيك فيها بعدم الإصغاء إلى موظفيك.
لماذا؟ أولًا: لأن منْحَ موظفيك مكافأةً مالية لن يبقى محفورًا في ذاكرتهم كمكافأتهم بسلع أو رحلات أو أي أشياء ملموسة أخرى (اللهم إلا إذا كانت المكافأة المالية تبلغ آلاف الدولارات). كشف استطلاعٌ أجرَتْه شركةُ ويريثلين وورلدوايد الاستشارية، وخضع له ???? من الموظفين الحاصلين على مكافآت؛ عن أن ?? بالمائة من الموظفين الذين حصلوا على علاوات مالية استخدموا هذا المال في سداد فواتيرهم، بينما عجز ?? بالمائة منهم عن أن يتذكروا فيما أنفقوا المال الذي تلقَّوْه، وقال ?? بالمائة منهم إنهم استغلوا المال في شراء مستلزمات منزلية. ليس ثمة ما قد يجعل من سداد فواتير الغاز تجربةً لا يمكن نسيانها، أليس كذلك؟
ثمة مشكلة أخرى تثيرها المكافآت المالية بالنسبة إلى المديرين؛ أَلَا وهي شعور الموظفين بالاستحقاق؛ إذ تصبح العلاوة جزءًا من رواتب الموظفين بعد فترة وجيزة؛ فإذا أعطيتَ أحدهم علاوةً ماليةً تبلغ ??? دولار، فما الذي سينتظره منك بعد ذلك؟ سينتظر نفسَ المبلغ على الأقل، أو مبلغًا أكبر إذا أدَّى مهامَّ إضافيةً.
ثانيًا: إن المكافآت الملموسة تعادل في قيمتها قيمةَ الجوائز التذكارية التي تظلُّ محفورةً في أذهان الموظفين؛ على سبيل المثال: افترضْ أن عطلة عيد الميلاد قد اقتربَتْ، وأنك ستنفق ?? دولارًا لشراء هدية لكل شخص، من السهل عليك أن تضيف هذا المبلغ إلى رواتبهم وسيحصل الموظفون على حوالي ?? دولارًا بعد خصم الضرائب، ولكن كَمْ كلمة شكر ستتلقَّاها في الأول من يناير؟ ولا كلمة؛ وكَمْ واحدًا من هؤلاء الموظفين سيقول لنفسه: «لقد بذلت جهدًا خرافيًّا في العمل لديه. أعتقد أن كل هذا المجهود كان يستحق ?? دولارًا»؟ على الأرجح سيفكِّر كلُّ الموظفين بتلك الطريقة.
الآن، افترضْ أنك أنفقتَ هذا القدر الضئيل من المال في شراء عددٍ من صناديق الهدايا بدلًا من إضافته إلى الرواتب، وأرسلتَ هذه الصناديق إلى منازل كل الموظفين وفيها بعض أطعمة عيد الميلاد التقليدية، وأرفقت معها خطابَ شكرٍ مكتوبًا باليد وموجَّهًا لكل موظف بعينه؛ كَمْ موظفًا سيتذكَّر أنك شخص يهتمُّ بمشاعر الآخرين؟ جميعهم تقريبًا.
لذا، بدلًا من أن تمنح موظفيك المال، ركِّزْ على الأشياء الملموسة التي يمكن استخدامها مرة بعد مرة، أو عرضها، أو ارتداؤها، أو الاستمتاع بها بصحبة العائلة أو الأصدقاء؛ إنَّ المكافآت العظيمة هي تلك التي تذكِّر صاحبَها بالسبب الذي نالها من أجله، وبالشخص الذي منحه إياها، وبالهدف الذي تحقَّقَ بفضل مجهوده.
وعلى عكس المال، هذه الذكريات تظل حاضرة.
تدريب عملي

الترحيب بالموظفين الجُدد وتجديد العلاقات مع الجميع

دائمًا ما تَرِدنا أسئلةٌ تستفسر عن المفتاح السري لرفع الروح المعنوية للموظفين، ونجيب عن تلك الأسئلة بشيء من الدعابة ونقول: «بدايةً، حاوِلْ ألَّا تقتل الروح المعنوية الموجودة لديهم.»
في العادة، يبدأ معظم الموظفين ممارسةَ مهام وظيفتهم ولديهم رغبةٌ في النجاح والإنجاز؛ ما عليك إلا أن تسترجع تاريخك المهني وتتذكَّر كَمَّ التفاؤُل الذي كنتَ تشعر به عندما بدأتَ مسيرتَك؛ هل سبق أن شعرتَ بالنفور من العمل عندما بدأتَ عملك في أي وظيفة جديدة، وسارعتَ في إيجاد طرق مختصرة تنفِّذ بها عملك وتتملص بها من المسئولية؟ بالطبع لا. إن كل شخص تقريبًا في مستهل وظيفته الجديدة يشعر بالحماس، ويأمل في نفسه أن تكون هذه الشركة هي التي ستلبِّي احتياجاته (من بين كل الشركات التي مرَّ بها). لقد وعَدَك إعلانُ الوظيفة الذي كنتَ قد رأيتَه على الإنترنت بأشياء رائعة، كما أخبرك مسئولُ التعيينات بالشركة — وغالبًا ما يكون هذا الشخصُ من بين أسعد الموظفين في المؤسسة — أنه يحبُّ العملَ بالشركة، لدرجة أنه لن يترك وظيفته بها إلا لو جرُّوه جرًّا إلى خارج مبنى المؤسسة وهو يصرخ ويضرب بقدمَيْه في الأرض. إن كل هذه الأمور تبدو رائعة ومحفِّزة ومُلهِمة!
ولكن ما يحدث بعد ذلك كلنا نعرفه.
إنَّ فترة التسعين يومًا الأولى من العمل في أي وظيفة تكون فترةً حَرِجة؛ إنْ لم تُلَبِّ الوظيفةُ الاحتياجاتِ الشخصيةَ للموظف خلال أول ثلاثة شهور، فستتراجع روحُ الموظف المعنوية إلى حدٍّ كبير. ومن هنا، فإن أي روح معنوية لدى الموظف ستموت ميتةً بطيئةً ومؤلمة أيضًا.
ولكن الأمور يجب ألَّا تسير على هذا النحو بالضرورة؛ فالمديرون العظماء يَعْلمون أن إبقاءَ الروح المعنوية حيةً في نفوس موظفيهم والبناءَ عليها، هما أمران أسهل بكثير مِن تَرْك روحهم المعنوية تموت بداخلهم، ومن ثَمَّ محاولة إحيائها؛ لذا، فإن مثل هؤلاء المديرين يبدءون في تحديد الأمور التي تحفِّز كل موظف من بداية عمله بالشركة، ويقدِّمون لكل موظف نوعَ التقدير الذي يرغب فيه بناءً على ذلك.
ولقد وجدنا أن أكثر وسيلة فعَّالة في اكتشاف الأمور التي تحفِّز الموظفين، هي أن تسأل الموظفين عمَّا يحفِّزهم (على الرغم من أن هذا قد يبدو أمرًا جريئًا جدًّا). نحن نوصي المديرين بأن يطرحوا هذا السؤال على موظفيهم الجُدد في اجتماعٍ شخصي مع كلٍّ منهم على حدة، وأن يُعقَد هذا الاجتماع خلال الأيام الأولى من الْتِحاق الموظفين بالعمل. اجعل الاجتماعَ مخصَّصًا لهذا السؤال فقط، ولا تُدخِل فيه أيَّ بنود أخرى؛ لا تتحدَّثْ عمَّا تتوقَّعه من الموظفين في هذه المرحلة، ولا تجعلهم يوقِّعون أيَّ أوراق تتعلَّق بالرعاية الصحية.
قد ترغب في بدء الاجتماع بأن تقول للموظف: «بما أنك ستكون عضوًا حيويًّا في فريقنا، فهذا يعني أنني سأودُّ التعبيرَ عن تقديري لجهودك الإضافية. بعض الموظفين يفضِّلون تلقِّي التقدير علانيةً، ولكن البعض الآخَر يفضِّلون تلقِّي التقدير على نحوٍ شخصي وفي مناخ هادئ. عندما يحين الوقت لتقديرك، أودُّ أن أقدِّم لك هذا التقدير بالطريقة التي تفضِّلها.»
واطرح بعد ذلك الأسئلة التالية:
(?) ما نوع الاحتفاء الذي تفضِّله؟ ??
(أ) احتفاء شخصي: تَلقِّي كلمةِ شكرٍ صادقة دون جذب الكثير من الانتباه من قِبَل زملائك، وهذا يمكن القيام به خلال موعد غداء.
(ب) احتفاء غير رسمي: تَلقِّي التقدير من المدير أمام زملائك خلال اجتماعٍ للموظفين.
(?) احتفاء رسمي: حفل توزيع جوائز يحضره الزملاء وغيرهم من الضيوف.
(?) ما هي المكافآت التي تفضِّل الحصولَ عليها كعلامة على تقدير جهودك؟ ??
(أ) عشاء لشخصين.
(ب) حضور دورة تدريبية أو مؤتمر.
(?) جائزة من جوائز برنامج التقدير المهني الذي تتبناه الشركة.
(د) بطاقات هدايا من مراكز السبا والمنتجعات الصحية.
(?) موسيقى على أقراص مدمجة أو شرائط.
(و) كتاب من تأليف كاتِبك المفضَّل.
(ز) تذاكر لحضور مباراة لكرة القدم.
(?) تذاكر لحضور عرض مسرحي أو حفل باليه أو عزف سيمفوني.
(ط) فرصة للعمل بمشروع رفيع المستوى.
(ي) إجازة من العمل.
(ك) غير ذلك.
(?) مَنِ الشخص الذي تفضِّل أن يسلِّمَك الجائزة؟ ??
(أ) مديرك.
(ب) الشخص الذي رشَّحك للحصول على هذه الجائزة.
(?) الإدارة العليا.
(?) ما نوع التقدير المستمر الذي تفضِّله؟ ??
(أ) خطاب شكر مكتوب بخط اليد.
(ب) خطاب مطبوع يُدرَج في ملفك.
(?) شهادة إنجاز.
(د) جائزة تذكارية ملموسة تحمل نقشًا.
(?) هل تفضِّل أن نكتب عن إنجازاتك في نشرة الشركة؟
(?) إنْ كان لديك يوم تقضيه كما تحب، صِفْ ما الذي ستفعله وأين ستذهب.
إنَّ هذه مجرد بداية بالطبع؛ فالتعرُّف على الموظفين يتطلَّب التواصُلَ معهم بصفة متواصلة ويومية، ولكن هذه المقابلة البسيطة ستمنحك بداية جيدة. إن المقابلة نفسها نوعٌ من أنواع التعبير عن تقديرك لِمَا لدى الموظف من إمكانات. وما ستحصل عليه من معلومات خلال المقابلة سيتيح لك الفرصةَ لأنْ تتبع ذلك بالتقدير المناسِب خلال الأسبوع الأول من عمل الموظف لديك. وبالمناسبة، يُعَدُّ هذا النوعُ من المقابلات وسيلةً جيدة للبدء في تجديد علاقتك مع الموظفين الذين يعانون من انخفاض حالتهم المعنوية.
لذا، تَذكَّرْ عندما تكون في حيرة من أمرك أن تتشجَّع وتسأل عمَّا يحيِّرك.

الفصل الرابع
التقدير


بدأ إيان في تنفيذ خطته. كان الوصول إلى تلك الخطة قد استغرق بعض الوقت، ولكنه استغرق وقتًا أطول وهو يحاول أن يستجمع شجاعته كي يجرِّبها. والآن، سار إيان في ضوء الفجر إلى موقع تقديم القرابين، وألقى بسلة الفواكه والحبوب بقوة عند هذا المكان؛ أصدرت السلة صوتًا عاليًا عندما ارتطمت بالأرض، وحكَّ إيان كتفه. لقد كانت هذه هي المرة الثانية التي يذهب فيها إلى الجبل كي يترك هناك قربانًا إضافيًّا خلال أسبوعين.
ظنَّ إيان أن الفواكه والخضراوات الإضافية كانت هي كل ما يحتاجه العُمَّال، ولكن نتائج خطته كانت مُحبِطة. في كل يوم كان إيان يجد السلةَ خاليةً؛ وهو ما يعني أن العُمَّال كانوا يقبلون القربان، ولكنه لم يَرَ أيَّ علاماتٍ تُبشِّر بأن كمية الجواهر ستزداد.
جثا إيان على ركبتَيْه وفتَّشَ بأصابعه عن الجواهر المكسورة في قاع الصندوق، واكتشف عندها أن جودة الجواهر لم تتحسَّن هي الأخرى. كان إيان على وشك إغلاق الصندوق، ولكنه أعرض عن ذلك؛ لقد جاءته فكرة!
قال إيان لنفسه وهو يبحث في جيوبه إلى أن وجد ورقةً صغيرة: «لِمَ لا؟!» وبكل حرصٍ، كتب إيان على الورقة أفضل جملة استطاع أن يصوغها: «شكرًا على عملكم الجيد. أحسنتم صُنعًا.»
شعر إيان بالذهول وتأمَّلَ لدقيقةٍ كلماته الزائفة، ثم طوى الورقة في يده وأخرج ورقةً جديدة وحاوَلَ كتابة جملة جديدة: «لاحظتُ إضافة أربعين جوهرة سليمة اليومَ إلى الصندوق؛ إنها تبدو رائعة. أعلم أن التعامُل برفقٍ مع الجواهر وحمايتها من الضرر يتطلَّب الكثيرَ من الجهد؛ لذا شكرًا على ما تبذلونه من جهد.»
وضع إيان الورقةَ فوق الجواهر في منتصف الصندوق وأغلقه.
في هذه اللحظة، لم يكن في وسعه سوى الانتظار لِيَرى ما سيحدث.
لم يَعُدْ إيان إلى مكان الصندوق إلا بعد مرور أسبوع آخَر، وقد فاجَأَه كمُّ التوتر الذي كان يشعر به وهو يفتح الصندوق.
لقد اختفى الخطاب الذي تركه وحلَّتْ محله كومةٌ من الجواهر؛ كانت بعضُ الجواهر مكسورةً ولكن بقيتها كانت سليمة. قال إيان لنفسه مبتسمًا: «ثمة تحسُّنٌ ملحوظ.» كان الصندوقان الآخَران مملوءين أيضًا بجواهر تعادل الجواهر الأخرى في جودتها العالية. ألقى إيان بنظره نحو الأشجار التي أحاطت برقعة الأرض المستوية التي كان يجلس فيها، وتساءَلَ هل كان غير المرئيين واقفين هناك في تلك اللحظة يشاهدونه دون أن يراهم؟
في هذه المرة، كتب إيان: «ثمة تحسُّنٌ كبيرٌ في حصاد هذا الأسبوع. لم أَرَ في حياتي عددًا أقلَّ، من حيث الجواهر المكسورة، من الذي رأيته هذه المرة. لم تذهب جهودكم سدًى. شكرًا جزيلًا على عنايتكم.»
بالكاد استطاع إيان أن يمنع نفسه من أن يقفز في الهواء من السعادة أثناء هبوطه من الجبل، وكان الشيء الوحيد الذي منعه من ارتكاب أي حماقة، هو فكرة أنه قد يكون ثمة مَنْ يشاهده من بعيد، ولكن المانع قد زال بمجرد أن أغلق عليه باب منزله.
لقد نجحَتِ الخطة! سمح إيان لنفسه بدقائق من السعادة قبل أن يهدأ ويبدأ التفكير في السؤال الأهم: وماذا بعدُ؟ كانت الإجابة واضحةً في تلك اللحظة.
ربما كان من السهل على الإنسان معرفة الأمور التي يجب عليه فعلها، ولكن المشكلة هي أن يفعل تلك الأمور ويضعها في حيِّز التنفيذ؛ وقد اتضح له هذا الأمر بعد مرور ساعة على تسلُّقه الجبل. كان إيان قد بدأ رحلته قبل الفجر، ولكن العرق كان قد بدأ يتصبَّب من جبهته ويتسرَّب إلى عينَيْه أثناء التسلُّق، كما أنه كان يلتقط أنفاسه بصعوبة؛ نظرًا لقلة كثافة الهواء على هذا الارتفاع.
قال إيان لنفسه: «اعترِفْ يا إيان! لقد فقدتَ رشاقتك، كما أنك تقوم الآن بنشاطٍ مُرهِق لم تَعْتَدِ القيام به.»
لم يكن إيان يتوقَّع أن تسلُّق الجبل سيكون بتلك الصعوبة. كان قد أحضر معه حقيبةً يجمع فيها الجواهر التي سيلتقطها في طريقه، ولكن لم يَرَ أيَّ جواهر! ربما كان لا يزال يتوجَّب عليه التسلُّق إلى أن يصل إلى الارتفاع المطلوب، أو ربما كانت عمليةُ إيجادِ الجواهر أصعبَ ممَّا كان يظن. حسنًا! حتى إن استطاع أن يجد بعض الجواهر، هل يعني ذلك أنه ستكون لديه القوة الكافية كي ينزل من الجبل وهو يحمل حقيبةً ثقيلةً فوق ظهره؟
كان إيان ينوي الوصول إلى مسافة أعلى، ولكن عندما وصل إلى مكانٍ فيه صخرة كبيرة، شعر أن قدمَيْه لم تَعودَا تستطيعان حمل جسده، فتَوقَّفَ عن السير وجلس خلف الصخرة في الظلِّ ينتظر ويراقب المكان حوله.
لم يمر الكثير من الوقت حتى سمع إيان صوتَ سير أقدام، ولكن هذه الأقدام كانت تسير نزولًا من الجبل؛ كانت هذه هي أقدام نفس المرأة التي رآها من قبلُ بين الأشجار عندما اختفى الرجل الطويل، ولكن في هذه المرة كانت المرأة تحمل حقائبَ مكتظَّةً بالجواهر.
ابتسَمَ إيان، ولكن عندما نظر إلى وجه المرأة لم يَرَ سوى الغضب والإحباط. ألقت ستار بالحقائب فوق الصخرة الكبيرة وهي تتمتم في غضب وتقول: «تهانينا يا ستار! لقد جلبتِ حقيبة أخرى مليئة بالجواهر. لا أعلم ما الذي يدفعني إلى المحاولة أصلًا! ما الهدف من هذا؟ أنا لا أستطيع فعل كل هذا بمفردي.»
ثم ضَربَت حجرًا من الأحجار الملقاة على الأرض بقدميها.
فجأةً، اقشعرَّ جسدُ إيان؛ كان ثمة تيارٌ كهربائي غريب في الهواء من حوله. وقفَتِ المرأةُ وحكَّتْ ذراعَيْها. لاحَظَ إيان بشرتها الشاحبة التي تبدو نصف شفافة، وأدرك عندها أن صورتها تهتزُّ أمامَه وكأنها تتلاشى لوهلةٍ ثم تعود ثم تتلاشى مجدَّدًا. في أقل من ثانية، تَذكَّرَ إيان ذلك الشاب الأشقر الذي اختفى فجأةً في الغابة، وتساءل ما إذا كانت هذه المرأة على وشك أن تختفي من المكان مثلما تبخَّرَ ذلك الشاب.
صرخ إيان وأظهر نفسه أمامها دون تفكير: «انتظرِي!»
تَجمَّدَت المرأة في مكانها ونظرت إليه وكأنها لا تصدِّق ما تراه، ولكنها لم تختفِ على الرغم من صدمتها.
تَجمَّدَ إيان في مكانه هو الآخَر وقد ملأه الخوف؛ إذ أدرك أنه لا يعلم ما يجب عليه قوله.
صاحت المرأة: «هل تستطيع رؤيتي؟»
فَهِمَ إيان كلامها على الرغم من لكنتها الثقيلة.
تَكلَّمَ إيان بصعوبةٍ وقال: «لقد جئتُ كي أشكركم على الجواهر.» نظرتْ إليه المرأة باستغراب؛ فظنَّ إيان أنها لم تفهمه فقال: «أنا … أنا الرجل الذي يترك لكم الخطابات … في الصندوق.»
بَدَتْ على وجهها نظرةُ تذمُّرٍ توحي بأنها تعرَّفَتْ عليه.
«أنتِ …» كان إيان على وشك إتمام جملته عندما قاطعه صوت شخص مرعوب ينادي من الأسفل عند سفح الجبل: «ستار! تعالَي إلى هنا بسرعة! إنها لي!»
همَّتِ المرأة بالنزول مُسرِعةً دون أن تنبس ببنت شفة، مخلِّفةً وراءها سحابة ترابية من سرعة حركتها، وتاركة الحقائب المملوءة بالجواهر في مكانها. وَقَفَ إيان في مكانه لِلَحظة ثم الْتَقَطَ الحقائبَ وتتبع أثرها بأقصى سرعة ممكنة.
كانت المرأة سريعةً جدًّا. وعلى الرغم من أن إيان انتظر لساعات، فإنه لم يستطع رؤيتها مجدَّدًا ذلك اليوم.
تساءَلَ إيان في تلك الليلة — عندما جلس يشاهد المطر وهو ينهمر خارج النافذة — هل كان ظهوره أمام تلك المرأة في اللحظة المناسبة قد منعها حقًّا من الاختفاء؟ لقد بَدَا الأمر وكأنه كذلك. هل استطاع حقًّا أن يغيِّر الأوضاعَ لمجرد أنه رآها؟ بدأت فكرةٌ تتبلور في ذهنه؛ كانت الفكرةُ جنونيةً، ولكنه … لم يستطِعْ مَنْعَ نفسه من أن يتساءل …
سأل إيان بصوتٍ عالٍ: «هل يمكنني منع الووركرز من الاختفاء عن طريق تقديرهم؟»
كان أمرًا غير معقول ومستحيلًا وجنونيًّا … ولكنه كان يعلم أن عليه أن يجد الإجابة عن ذلك السؤال.
لم تَمُر سوى أيام قليلة حتى وجد إيان نفسَه جالسًا عند الصخرة الضخمة الموجودة على الجبل مرةً أخرى. كان قد قضى هناك ساعتين، وكان على وشك أن يهمَّ بالنزول من الجبل عندما سمع صوت أقدام تنزل وتتقدَّم نحوه؛ كانت هذه أقدامَ المرأة نفسها وكانوا ينادونها باسم «ستار». ابتسم إيان عندما أدرك أنها لم تستسلم في نهاية المطاف، ولكنه لاحَظَ فيها شيئًا مختلفًا هذه المرة؛ لقد بدت ستار أكثر وضوحًا مما بَدَتْ عليه في تلك الليلة التي رآها فيها لأول مرة. كان إيان واثقًا من ذلك! لم تَبْدُ ستار وكأنها نصف شفافة كما بَدَتْ من قبلُ، ولكنها أيضًا لم تَبْدُ واضحةً تمامًا بعدُ. لاحَظَ إيان أن شخصًا ما كان بصحبتها.
قال إيان وهو يخطو نحو الطريق الجبلي: «اممم، يوم لطيف.» كانت هذه أول تحية رسمية يتبادلها شخص من الهايلاندرز مع أحد الووركرز منذ عقود، ومع ذلك لم يستطع إيان سوى أن يقول: «اممم، يوم لطيف.» شعر بالخجل من تحيته المخزية وأراد أن يصفع نفسه.
أومأَتْ ستار برأسها ردًّا على تحيته. لاحَظَ إيان أن ستار — على الرغم من حذرها — لم تَبْدُ عليها الدهشةُ من تصرُّفه. قال إيان لنفسه: «لا بد من أنها كانت تنتظر رؤيتي.» مدَّتْ ستار يدها إلى الخلف، وجذبت الشابة الصغيرة التي كانت تقف وراءها برفق؛ كانت الفتاة صغيرةً ولكنها كانت قويةَ البنية ولديها عضلات بارزة، وكانت بشرتها نصفَ شفافة؛ كانت شفافةً لدرجةٍ جعلت إيان يظن أنه إن أنعم النظر فقد يستطيع الرؤيةَ من خلال جسدها نصف الشفاف. قال إيان لنفسه: «إنها تبدو كالشبح.» وتساءل ما إذا كانت تلك الفتاة في المراحل الأخيرة التي تسبق الاختفاء.
«هذا هو الرجل الذي أخبرتُكِ عنه يا لي، هذا هو الرجل الذي يرانا.»
الرجل الذي يرانا؟ اندهش إيان وأدرك أنه لم يخبرها عن اسمه بعدُ.
استطردت ستار بلكنتها الثقيلة: «هذه أختي وتُدعَى لي، أردتُك أن تراها. أنت تستطيع رؤيتها، أليس كذلك؟»
أومأ إيان برأسه وقال: «نعم، أستطيع رؤيتها. إنها تتحرك بسرعة مثلك.»
ابتسمت ستار وقالت: «بالفعل. أنا سعيدة جدًّا أنك تستطيع رؤيتها.»
لم تعرف ستار سرَّ السعادة الغامرة التي كانت تشعر بها، ولكنها كانت تعلم أن شيئًا إيجابيًّا يحدث لأختها. لقد كانت قَلِقة جدًّا على لي منذ اليوم الذي لاحظوا فيه أنها كانت تتلاشى بسرعةٍ من أمامهم.
سألهما إيان: «هل تتسلَّقان الجبلَ كلَّ يوم؟»
فأجابتا لي وستار: «نعم، نتسلَّق الجبل عدة مرات في اليوم الواحد. لقد صار عددُ مَنْ يتسلَّقون الجبالَ منَّا قليلًا جدًّا، ولا سيَّما هؤلاء الذين يتسلَّقون بهدف الوصول إلى المناطق الشاهقة من الجبل.»
سارت كلٌّ من لي وستار على الطريق الذي يقود إلى أعلى الجبل، ومِن خلفهما إيان، وقد خَفَّفَتَا من سرعتهما مراعاةً لظروفه. شرحَتْ له ستار أنواعَ الجواهر المختلفة التي يمكن أن توجد على ارتفاعات مختلفة من الجبل، كما ساعدت إيان في العثور على أول قِطَع الياقوت كي يضيفها إلى ما يوجد في حقيبته. وفي النهاية، شرحت ستار بكل حماسٍ المخاطرَ التي سيسبِّبها الاختفاءُ المفاجئ — أو التبخُّر كما سمَّتْه — بالتفصيل الممل. ثم اجتازت عقبةً في الطريق وتوقَّفَتْ عند منحنًى حادٍّ يمتدُّ حتى سفح الجبل بالأسفل وقالت: «وهذا هو أحد المنحدرات التي اعتدنا أن نُلقِي الحقائبَ المليئة بالجواهر من عليه.» ثم ابتسمت ابتسامةً نادمة واستطردت: «ولكننا لم نَعُدْ نفعل ذلك كثيرًا.»
لم يَقُلْ إيان الكثير، وإنما أصغى وراقَبَ فقط. ولكن، بمرور الوقت، أدرَكَ أنه كان بصدد تعلُّم أشياء أكثر من تلك التي تَعلَّمَها أيٌّ من الهايلاندرز عن الجبال وعن الأشخاص الذين يتسلَّقونها بحثًا عن الجواهر.
يبدو أن الوقت قد مرَّ سريعًا؛ في لمح البصر كانت الشمسُ قد غابت في الأفق، وكانوا يهبطون من الجبل حاملين معهم الحقائبَ التي اكتظَّتْ بالجواهر الثمينة. لاحَظَ إيان في سرورٍ أن بَشَرَة لي لم تَعُدْ نصفَ شفافة بالقدر الذي كانت عليه، وأنها قد اكتسبَتْ لونًا ورديًّا شاحبًا بدلًا من ذلك.
فَكَّرَ إيان وهو يسير عائدًا إلى منزله وقتَ الغسق: «إن الخطة تسير جيدًا. هل هناك ما هو أفضل من نجاح تلك الخطة؟»
لم يستغرق الأمر الكثير من الوقت حتى وجد إيان الإجابةَ عن ذلك السؤال. في اليوم التالي، عندما وصل إيان إلى الصخرة الضخمة، وجد مفاجأةً في انتظاره؛ كان ثمة ستة من الووركرز ينتظرونه كي يراهم، أو بالأحرى، كانوا يريدون منه أن يراهم.
لم يكن إيان قد ذهب إلى برج المراقبة الذي يعمل فيه منذ أسابيع؛ كان يقضي الكثير من الوقت على الجبل، وعندما عاد إلى أبراج المراقبة كانت بَشَرَته قد اكتسبت سمرةً، وكانت البثور التي في قدمَيْه قد شفيَتْ كلها تقريبًا. أراد إيان أن يُطلِع الحراسَ الآخرين على تفاصيل ما كان يحدث على الجبل، على أمل أن يساعدهم ذلك في تغيير وجهة نظرهم كما حدث معه.
عندما وصل إلى منصة المراقبة استقبله الهايلاندرز الآخَرون بنظرات فاترة.
قال أحدهم: «انظروا مَنْ جاء ليزورنا؛ إنه ملك الجبل.»
ضحك عدد من الحُرَّاس.
وأضاف آخَر: «لقد قضيتَ الكثيرَ من الوقت هناك بالأعلى، هل صرتَ تجمع الجواهر بنفسكَ؟»
فتح إيان فمه كي يجيب ولكن أحدهم قاطَعَه.
قال آخَر وقد اعتلت وجهه نظرة تشاؤمية: «لن يأتي شيء جيد من وراء هذا الأمر أبدًا.»
بعد مرور دقيقة، هزَّ إيان رأسه في إحباطٍ والْتَقط حقيبةَ ظهره وهمَّ بالمغادرة.
فكَّرَ إيان وهو يسير باتجاه الجبل: «ولكن ثمة أشياء جيدة تحدث بالفعل.» لم يَعُدْ أحدٌ يُلقِي بالحقائب من فوق الجبل؛ ومن ثَمَّ فقد قلَّ عددُ الجواهر المكسورة التي كان يجدها في صناديقه؛ لقد كان هذا الأمر على رأس أولوياته. كما بدأ بعض الووركرز في تسلُّق الجبل لمسافات أعلى بحثًا عن الزمرد، إلا أنه لم يعثر أحدٌ على أيٍّ منه بعدُ.
سمع إيان صوتًا ينادي اسمَه من بعيد.
نظر إلى أعلى الطريق الجبلي ورأى على مسافة بعيدة جدًّا شخصًا يلوِّح له بذراعَيْه، ثم أخذ الشخص في الهبوط مُسرِعًا مخلِّفًا وراءه سحابةً ترابية، وكان يقول شيئًا بصوت عالٍ لم يستطع إيان فهمه.
هرع إيان نحو الشخص متسائلًا: «هل أُصِيب أحدهم؟»
كان ذلك الشخص هو ستار، عرفها إيان من صوتها قبل أن يراها.
صاحت ستار: «لقد فعلتُها! لقد عثرتُ عليه!» أبطأ إيان من سرعته قليلًا وقد هدأ روعه. كانت نشوةُ الانتصار لا رهبةُ الخوف هي ما يملأ صوتها.
صرخت ستار وهي تحمل حقيبة في يديها: «لقد عثرتُ على أول زمردة في حياتي! لقد فعلتُها! إنني أعلم أين يمكن العثور على الزمرد، ويمكنني أن أُرِي الآخرين المكان.» ثم قالت وهي تلقي بالحقيبة في اتجاه إيان: «انظر!»
عندما فتح إيان الحقيبة وجدها مكتَظَّة بالزمرد الذي يجمع لونُه بين الخضرة والزرقة. لم يكن إيان قد رأى في حياته كميةً كبيرةً كهذه من الزمرد.
قال إيان: «كنتُ أعلم أنكِ ستكونين الشخصَ الذي يفعلها. لم يجلب أحدٌ أيَّ زمرد منذ فترة طويلة يا ستار؛ ومن ثَمَّ فالأمر يدعو إلى الاحتفال.»
أخذت ستار تروي لإيان تفاصيلَ رحلتها طوالَ الطريق أثناء هبوطهما من الجبل؛ حَكَت له كيف استيقظَتْ مبكرًا، وكيف كانت على وشك الاستسلام ولكنها قرَّرَتْ أن تتسلَّق لمسافة أعلى، وكيف اكتشفَتِ الشقَّ الذي لم يكتشفه أحدٌ قبلَها. واستمع إيان لتفاصيل رحلتها في سرور.
عندما وصلَا إلى سفح التل تركته ستار كي تخبر عائلتها بما حدث، واستعان إيان ببقية الووركرز في إعداد احتفال خاص. ثم انفرد بنفسه في مكان معزول كي يفكِّر في الكلمات المناسبة التي سيُلقِيها في الاحتفال. فكَّرَ إيان في مدى التقدير الذي لم تزل ستار تكنُّه لِجون الذي رآه بأم عينَيْه وهو يختفي؛ فقد كانت ستار تتحدَّث عنه كثيرًا؛ كما تَذكَّرَ كيف أحضرَتْ ستار أختها لي إلى الجبل كي يراها؛ وفكَّرَ أيضًا فيما قالته الآن عندما قالت: «سأُرِي الآخرين.» لعلها عَنَت بذلك أنها ترغب في بعضٍ من المسئولية الإضافية.
في تلك الليلة، تجمَّع الووركرز حول نيران المخيَّم بعد أن هبطوا جميعًا من الجبل. كان خبرُ الإنجاز الذي حقَّقَتْه ستار قد شاع بينهم، وقد لمعت عيونهم في شوقٍ لما سيحدث. كانت ثمة عدة احتفالات خلال الأسابيع الأخيرة، وعلم إيان أنهم أصبحوا يترقَّبون مثل هذه الاحتفالات في لهفة.
وقف إيان وقال: «كما تعلمون، لقد حقَّقْنا إنجازًا تاريخيًّا اليومَ.»
رفع إيان الحقيبة المليئة بالزمرد أمامَهم وهتف الووركرز وصاحوا في فرحة.
استطرد إيان قائلًا: «لقد حَقَّقَتْ واحدة منَّا إنجازًا لم يحقِّقه أحدٌ منذ سنوات عديدة. ستار، هلَّا تقدَّمْتِ إلى هنا؟»
تقدَّمت ستار وقد احمرَّتْ وَجْنتاها خجلًا، وانضمَّتْ إليهم كي تجلس في ضوء النار.
«اليومَ، جلبتْ ستار أولَ حقيبة زمرد أراها في حياتي.»
أفرغ إيان محتويات الحقيبة برفقٍ على الأرض ليكشف عن حبات الزمرد البرَّاقة التي بَدَتْ وكأنها شُهُب خضراء صغيرة من اللهب؛ الأمر الذي جعل الووركرز يهلِّلون فرحًا.
انتظَرَ إيان حتى هدأت الضجة ثم قال: «اعتادَتْ ستار تسلُّقَ الجبل مع جون قبل أن يختفي، وقد رأى جون ما لديها من إمكانات. لعلكم تَذْكرون أن جون كان أول مَنْ جلب الماس في الماضي، وأعتقد أنه كان سيكون فخورًا بها لو كان معنا اليومَ.»
خفضت ستار رأسها، ولاحَظَ إيان أنها كانت تغلق عينَيْها وتفتحهما بسرعةٍ، وكأنها تحاول إخفاءَ دموعها.
«إن ستار تعلم مكانَ وجود الزمرد، وكلكم تعلمون أنها سريعة وماهرة في التسلُّق، كما أنها حَذِرة ويمكن الوثوق بها؛ لذا، من اليوم ستقود ستار فريقًا من الووركرز إلى منجم الزمرد بصفة يومية، وأودُّ أن تكون «لي» أولَ عضوٍ في هذا الفريق.»
أخذ إيان زمردةً كبيرة على شكل نجمة وربطها بسرعةٍ في حبل جلدي، ثم لفَّ القلادةَ حول رقبة ستار وقال: «هذه القلادة يا ستار ستخلِّد لديك ذكرى اليوم الذي جلبتِ فيه أولَ قطعةٍ من الزمرد من جبل ساكاس.»
هلَّلَ الووركرز فرحةً، وبدءوا في الرقص بكل عفويةٍ، وعُزِفت الموسيقى وأجهشت ستار بالبكاء.
(?) التقدير

(?-?) الاحتفاء!

من السهل عليك أن تعتقد أن المال سيحلُّ مشاكلَ موظفيك، وأن زيادة الرواتب ستحسِّن من الإنتاجية، أو تحفِّز الأفكارَ لدى الموظفين، أو تنمِّي علاقتك بالعملاء. ولكن على الرغم من أهمية الرواتب التنافُسية، فإن زيادة الرواتب عمَّا هو متداوَل في سوق العمل — حتى إن كانت هذه الزيادة في حدود ميزانيتك — لن تدفع الموظفين إلى تحسين أدائهم. في الواقع، إن الحلول الفعلية لمشاكل موظفيك ستكلِّفك أقلَّ من ذلك بكثيرٍ؛ فكلُّ واحد من موظفيك يودُّ أن تراه وتعترف بقيمته وتقدِّره.
يقول ريتشارد كوفاسيفيتش، مدير شركة ويلز فارجو للخدمات المالية: «إن التقدير هو أداةُ التحفيز الأقلُّ استخدامًا في الولايات المتحدة.» كوفاسيفيتش واحد من الإداريين الذين اكتشفوا أنه في ظِل تبنِّي ثقافة التقدير، سيستحيل على أيٍّ من الموظفين أن يبقى غير مرئي لمدة طويلة. يعلم كوفاسيفيتش أن الناس يفضِّلون أن يكونوا أعضاءً في الفريق الرابح، وأنَّ أهم ما يميِّز الفريقَ الرابح هو الاحتفاء بإنجازاتِ أيِّ عضوٍ من أعضائه.
في هذا القسم من الكتاب، سنناقش سمات التقدير والثناء الفعَّال؛ وهي أن يكون خاصًّا محدَّدًا وصادقًا وعلنيًّا ومناسبًا ومتكرِّرًا.
(?-?) كُنْ محددًا!

إنَّ الثناء العام غير الموجَّه إلى شخصٍ بعينه لا يترك أثرًا يُذكَر.
دَعْنا نكرِّر ذلك: الثناءُ العام لا يترك أثرًا يُذكَر.
إذا سبق لك أن شاهدتَ أحدَ المدربين في دوري كرة السلة تحت سن ?? عامًا وهو يقوم بعمله، فلا بد من أنك قد تساءلْتَ عن الطريقة التي يحصل بها هذا المدرب من فريقه على أفضل أداء؛ هل يعود السرُّ في ذلك إلى سلطة المدرب على هذا الفريق الذي يتكوَّن من مجموعة من الأطفال الصاخبين، أم إن ثمة أمرًا آخَر؟ إنَّ الفَرْق بين العظماء والفاشلين من هؤلاء المدربين لا يقتصر فقط على مدى معرفتهم باللعبة، وإنما يشمل أيضًا الطريقةَ التي يتفاعلون بها مع لاعبيهم.
لعلك شاهدتَ واحدًا من هؤلاء المدربين الذين يقفون على حدود الملعب ويصرخون في غضب من كل كبيرة وصغيرة؛ يخالون أنفسَهم بيل بارسيلز، وهو واحد من أشهر مدربي لعبة كرة القدم الأمريكية. والنتيجة هي ملعب مليء بالأطفال المرعوبين الذين يعيشون في خوفٍ مستمر من ارتكاب أيِّ خطأ يثير غضبَ المدرب؛ ومن ثَمَّ يعزفون عن المخاطرة. إن مثل هذا الفريق قد يصبح فريقًا جيدًا تحت إدارة هذا المدرب، ولكنْ هيهات أن يصبح عظيمًا.
بل إن ثمة احتمالًا كبيرًا أن هؤلاء الأطفال لن يلعبوا كرةَ السلة مجدَّدًا في العام التالي.
لعلك رأيتَ أيضًا ذلك المدرب الذي يظن أنه مستر روجرز — واسمه الكامل فريد روجرز، وهو مذيع أمريكي كان يقدِّم برامجَ تعليميةً للأطفال — إنَّ هذا المدرب لا يهتم بنتائج المباريات، ولا يتابع الإحصائيات الرياضية، وإنما يربِّت على كتف كلِّ اللاعبين وهم يغادرون أرض الملعب ويقول: «أحسنتَ، أحسنتَ، أحسنتَ.» الجميع رائعون في نظره، حتى ذلك الولد الذي لم يفعل شيئًا سوى أنه تمكَّنَ من ربط حذائه بنفسه، يبدو رائعًا بالنسبة إليه. ستقول إنَّ ما يقوم به هذا المدرِّبُ يحفِّز جميعَ اللاعبين.
في الواقع، هو يظن أن ما يفعله يحفِّز جميعَ اللاعبين، ولكن هذا ليس حقيقيًّا.
ثمة نوع ثالث قلَّمَا تراه بين المدربين، وهو نوع المدربين الذين يثنون على لاعبين محددين في الوقت المناسب، كي يتعلَّم لاعبوهم مبادئَ اللعبة، فيقول المدرب منهم: «لقد ألقيتَ بنفسك أمام الكرة أثناء الضربة المنخفضة كما قلتُ لك يا توني. ربما تكون قد فشلتَ في التقاط الكرة، ولكنك أُصِبتَ بخدشٍ جميل! لقد قمتَ بمجهود رائع.» أو يقول: «بريندن، لقد جريتَ مسافة جيدة بالكرة في البداية، وقد منحك هذا مساحةً أكبر، وماذا حدث بعد ذلك؟ نعم، لقد تمكَّنتَ من إخراج اللاعب الآخَر من منطقتك؛ أَلَا يبدو ذلك رائعًا؟»
كانت هذه هي الفلسفة التدريبية التي كان يطبِّقها بوب جونز أثناء تدريبه ابن زميلٍ لنا يُدعَى سكوت كريستوفر. كان مات يبلغ من العمر ?? عامًا، وكان هذا أولَ فريقٍ لكرة سلة رسميٍّ ينضمُّ إليه. لم يكن لدى مات أيُّ دراية باللعبة، ولكن كابتن جونز لاحَظَ أنه طويل ويتمتَّع بجسدٍ رياضي، فضمَّه إلى الفريق لأنه توسَّمَ فيه إمكانية أن يصبح لاعبًا حقيقيًّا في يومٍ من الأيام، وكان المدرب يستقطع وقتًا إضافيًّا كي يشرح الأمور لمات ويعلِّمه أساسيات اللعبة؛ وفي المقابل، كتب مات خطابَ الشكر التالي بخط يده وأرسله إلى مدربه. (كان مات هو صاحب الفكرة في إرسال هذا الخطاب. وإنْ دلَّ هذا على شيءٍ، فهو يدل على أن مات لديه فطرة جيدة!)أيُّها المدرب

شكرًا على تدريبك لي. لقد لاحظْتُ أنكَ تُولِيني اهتمامًا أكثر من ذلك الذي تُولِيه معظمَ الأولاد الآخَرين. أشعر أن مستواي قد تحسَّنَ كثيرًا عمَّا كان عليه في بداية هذا الموسم، والفضل في هذا يعود إليك. أنت مدرِّب عظيم؛ أنت تعلِّمنا كلَّ الأمور الصغيرة التي لن يعلِّمها المدربون الآخَرون لِلَاعبيهم، ولكن هذه الأمور الصغيرة التي تُعلِّمنا إياها لها تأثيرٌ كبير على الأمور الكبيرة. ما أقصده هو أنني كنتُ أتعلم أمورًا لم أكن لأتعلَّمها. كنتَ تبسِّط كلَّ الأمور التي كنتُ أعتقد أنني أعرفها، مثلما فعلتَ مع حركة السلم، عندما قلتَ لي أن أقفز بيدٍ واحدة، وما إلى ذلك من الأمور الصغيرة. ولكن كل هذه الأمور الصغيرة تُحدِث فارقًا؛ فما من مدربٍ قد ينصح لاعبيه بالاستماع إلى الموسيقى قبل المباراة مثلما نصحتَنا أنت! أنت مدرب رائع وتشرح الأمور لنا جيدًا. شكرًا لك. أعلم أن بدايتي لم تكن سهلةً، ولكنك جعلتَني أتمالك نفسي وأصير أقوى. شكرًا لك.
مات كان هذا مثالًا لمدرب عظيم أَلْهَمَ أحدَ لاعبيه أن يكتب له خطابَ شكرٍ عظيمًا مثله. إنَّ خطاب مات — الذي لا يتعدَّى عمرُه أحد عشر عامًا — كان أفضل كثيرًا من عبارة «أحسنتَ صنعًا» التي تقال كثيرًا، أَلَا تعتقد ذلك؟ ثِقْ بنا عندما نقول إنَّ مَن يتلقَّوْن خطابات الشكر هذه يعتقدون ذلك.
وهكذا سيكون رأيُ موظفيك.
عبِّرْ عن تقديرك لموظفيك بالطريقة التي تريد، ولكن حذارِ من أن تصير هذا المديرَ الذي يتجوَّل في المصنع ويتظاهر بأنه شخص ودود، ويكرِّر عبارات مصطنعة من قبيل: «أحسنتم يا شباب!» أو «إلى الأمام، واصلوا هذا العمل الرائع!» إنَّ مثل هذا الثناء غير الموجَّه إلى شخصٍ بعينه لا يحفِّز أحدًا على العمل. في الواقع، يبدو مثل هذا النوع من الثناء العام؛ مهينًا إلى حدٍّ ما، ويجعل الموظفين يتساءلون: «هل يعلم هذا الأحمق ما هي الوظيفة التي أقوم بها في هذا المكان من الأساس؟»
لكن عندما يقف مديرُك المباشِر ويتباهى بإنجازاتك الشخصية لمدة ?? دقائق، فمن المستحيل أن تشك في مدى إلمامه بما يجري في المكتب، كما أنك لن تشعر بأنك شخص غير مرئي لا أحدَ يرى جهوده. في الواقع، لن تشعر بشيء سوى الزهو والفخر.
فيما يلي نصٌّ لمثالٍ عظيم على الثناء الخاص المحدد في مكان العمل؛ سمعنا هذا الثناء في حفل توزيعِ جوائز الأداء المهني الذي حضرناه في مجموعة شركات ويستفيلد للتأمين، والتي تُقدَّر قيمتُها بثلاثة مليارات دولار، ويقع مقرُّها في ولاية أوهايو. يقدِّم بوب — المديرُ في هذا المثال — الجائزةَ إلى براين أمام زملائه.
بوب: يشرِّفني أن أقدِّم الجائزةَ البلاتينية إلى براين، وهي أرفع جائزة يمكن أن تُمنَح لأحدٍ في ويستفيلد إكسلانس. وهذا حدث عظيم. كَمْ جائزة بلاتينية قد وزَّعناها هذا العامَ؟أحد أعضاء المجموعة: ست جوائز.بوب: مذهل! ست جوائز! لا تغترَّ يا براين! (يضحك الجميع ويمسك بوب بكتف براين، وينظر براين إلى بوب نظرةً مليئة بالدفء.)بوب: لقد حصل براين على هذه الجائزة لأنه أدَّى خدمةً للشركة في وقته الخاص؛ كنَّا في طريقنا إلى مؤتمر في فلوريدا، وأردنا أن نعرض هناك أحدَ منتجاتنا، وهو نظام ويستكوم، وما كان من براين إلا أن خرج في وقته الخاص، وأحضر معه برنامج الكمبيوتر الذي كان سيساعدنا في عرض مزايا هذا النظام. تَعلَّمَ براين العملَ على البرنامج بنفسه، ونجح في ذلك من دون مساعدة، وقد أحدث هذا فَرْقًا كبيرًا في قدرتنا على عرض المنتج. وكان العرض جيدًا لدرجة أننا صعَّدناه إلى قسم التسويق بالشركة، وسنأخذه إلى خارج نطاق الشركة. (هتاف.)براين: واوو! (يبتسم في دهشة ويومئ برأسه.)بوب: براين، أنت تجسيد لكلِّ ما نحن عليه، وكلِّ ما نسعى إلى تحقيقه هنا في ويستفيلد. لقد ضربتَ مثالًا على واحدة من أهم قدراتنا؛ وهي القدرة على تطوير الذات؛ تلك القدرة التي ساعدَتْنا على الاهتمام بعملائنا على نحوٍ أفضل، وهذا واحد من أهم أهدافنا. لذا، شكرًا لك وتهانينا على الجائزة! خطاب قصير، بالطبع. ولكن أَلَمْ تكن لحظةَ تقديرٍ رائعةً؟ بلى. ونحن واثقون من أن براين يشاركنا الرأي.
إنَّ الفرق بين اللحظات الرائعة واللحظات السيئة يكمن في تحديد الأمور ذات الأهمية القصوى بالنسبة إلى فريقك أو شركتك. ولكي تصبح محددًا، عليك أن تكون مستعِدًّا. في الفصول السابقة، كنَّا قد حَثَثْناك على الاحتفاظ بسجلٍّ يضمُّ المعلومات المثيرة للاهتمام عن موظفيك؛ إنَّ الاحتفاظ بذلك السجل سيمنحك معلوماتٍ يمكنك استخدامها أثناء مراسم تقديم الجائزة للموظف المعنِيِّ.
فيما يلي كيفية استخدام هذه المعلومات: قُبَيْل المراسم، خَصِّصْ فترةً قصيرة من الوقت دون مقاطعة واستغلها في التحضير لما ستقوله. استخرِج السجل الخاص بنشاط هذا الموظف وراجعه. دوِّن بعض الملاحظات؛ لن تستغرق هذه العملية ساعة واحدة، وقد تستغرق ? أو ?? دقائق إذا كنتَ سريعًا، وهو وقت كافٍ كي تقرِّر فيه الإنجازات المحدَّدة التي ستتحدث عنها، وكي تقرِّر ما إذا كنتَ تريد أن ينضمَّ إليك شخصٌ آخَر في أثناء المراسم (هذا الشخص يمكن أن يكون زميلَ عملٍ حاليًّا، أو شخصًا من قسم آخَر)، وكي تتأكَّد من صحة أي معلومات عن الموظف قد تكون غير متأكِّد من صحتها.
إنَّ الدقائق القليلة التي ستقضيها في التحضير قُبَيْل مراسم تقديم الجائزة ستؤتي أكلها عندما تحين لحظةُ التقدير، ويشعر الموظف بأن ثمة مَنْ يقدِّره حقًّا. وإذا أردتَ أن تعرف ما إذا كان المجهود الذي ستبذله في تقدير موظفيك سيؤتي ثماره في المستقبل أم لا، فتشبَّثْ جيدًا؛ لأنك ستشهد تغييرًا قد يستمر لبقية عمرك. نعم، هذا ما سمعته، سيستمر هذا التغيير لبقية عمرك.
ما الذي حدث منذ أول مرة قال فيها أحدهم لجيسي أوينز — العدَّاء الأمريكي الشهير الذي حصل على الميدالية الذهبية في دورة الألعاب الأولمبية أربع مرات — إنه سريع؟ وماذا حدث منذ أول أو ثاني أو ثالث مرة قال فيها أحدهم لفرانك سيناترا إنه يستطيع الغناء؟ أو عندما قال أحدهم لجيري ساينفيلد إنه مضحك؟ أو لمارلين مونرو إنها جميلة؟ أو لجرينسبان، وهو اقتصادي أمريكي شهير تستعين أكبرُ الشركات والمؤسسات المالية بخبرته، إنه ذكي؟
ما الذي قيل لك؟ وكيف شعرتَ عندما تلقيتَ التقدير؟ ربما تلقَّيْتَ التقديرَ عن قدراتك الحسابية أو الفنية أو الرياضية، أو عن حسِّك الفكاهي، أو حتى عن تسريحة شعرك؛ هذا كله لا يهم، ما يهم هو أنَّ فعل التقدير نفسه على الأرجح قد دفعك إلى تكرار الفعل أو المجهود الذي نلتَ التقدير من أجله، أو جعلك تركِّز أكثر على صفاتك التي كانت سببًا في هذا التقدير. دَعْنا نواجه الأمرَ بصراحة؛ لقد كان بافلوف مُحِقًّا؛ إن التقدير هو الجرس الذي يحفِّز رنينُه السلوكَ الإنساني، ويجعلنا نكرِّر ذلك السلوك. تأمَّلْ أهدافك المهنية، أو الإنجازات التي تفخر بها، أو حتى الهوايات التي تشعر بالشغف نحوها أكثر من أي شيء آخَر؛ وستجد أنك على الأرجح قد اخترتَ لمستقبلك المهني طريقًا يبعد عن مجال اهتماماتك؛ لقد اخترتَ طريقًا يتصل مباشَرةً بنشاطٍ تلقيتَ عنه في لحظةٍ ما في حياتك تقديرًا كان موجَّهًا إليك تحديدًا.
فَكِّرْ في هذا الأمر؛ لقد كان التقديرُ الموجَّهُ إليك على وجه التحديد مصدرَ إلهامٍ لك، فلماذا تعتقد أن هذا لن يكون مصدرَ إلهامٍ لموظفيك أيضًا؟
(?-?) الصدق مهم

من الصعب أن تكون صادقًا إن لم تكن مستعِدًّا؛ فقد تفلح في ارتجال أي شيء كي تتجنَّب الإحراج أثناء اجتماعِ عملٍ مع موظفيك، ولكنك لن تفلح في فعل الشيء نفسه عندما تحين اللحظةُ التي ستعبِّر فيها عن تقديرك لموظفٍ ما.
«تيم، أعني توم، لا أعلم كَمْ قضيتَ من الوقت وأنت تعمل هنا، ولكنك قضيتَ مدةً طويلةً. لقد أبليتَ بلاءً رائعًا في التعامُل مع هذا ا? … ا? … في ذلك اليوم، ولقد أردنا أن نعبِّر لك عن مدى تقديرنا لكل ما تفعله.» إنَّ هذا، كما ترى، لن يفي بالغرض.
لا يوجد ما هو أسوأ من أن يُخطِئ المدير، الذي لم يستعِدَّ جيدًا، في اسم الموظف الذي سيحصل على الجائزة (لقد سمعنا هذه القصة عشرين مرة على الأقل)، أو أن يخطئ في المعلومات التي لديه عن الموظف، أو ألَّا يجد ما يقوله. انتظر! لقد فكَّرْنا في الأمر مجدَّدًا، ويبدو أن ثمة ما هو أسوأ من ذلك؛ إنَّ أسوأ لحظات التقدير هي تلك اللحظات التي لا يعبأ فيها الإداريون بالحضور لتقدير الموظفين بأنفسهم من الأساس.
«سنكلِّف أيَّ شخصٍ غير مشغول باصطحابك إلى العشاء يا تيم.» لن يفي هذا بالغرض أيضًا.
لا تُسِئْ فهمنا، إن اصطحاب أفضل الموظفين لديك إلى عشاءٍ رائعٍ في مطعم فاخَر، في الغالب يكون طريقةً جيدة لتقديرهم. إنَّ هذا النوع من التقدير يأخذ الموظفين بعيدًا عن بيئة العمل في المكتب، ويسمح لهم بالاستمتاع بوجبة ممتازة لم يكونوا ليسمحوا لأنفسهم بالاستمتاع بها في الأوقات العادية؛ ولكن هذه التجربة ستكون أفضلَ بكثير إذا ذهب الموظف إلى العشاء مع واحدٍ من أكبر المديرين التنفيذيين بمؤسستك؛ حيث إنَّ ذلك سيُظهِر له أن الإدارة العليا تهتمُّ لأمر الموظفين، وسيتيح للموظفين الفرصةَ للتعبيرِ عن أفكارهم، والحديثِ عن نجاحاتهم أمام شخص يملك السلطةَ الكافية لتحويل هذه الأفكار إلى واقعٍ.
يعمل واحد من أقدم أصدقائنا في الحي المالي بمانهاتن، ويُعَدُّ صديقنا هذا واحدًا من أفضل مديري المَحافظ الاستثمارية في شركته، وقد ظلَّ أداؤه الوظيفي عاليًا على مرِّ السنوات. مؤخرًا، قرَّرَتْ شركتُه تكريمَ أفضل سبعة مديرين لديها باصطحابهم إلى عشاءٍ في مطعم فاخر في المدينة، وقد تلقَّى كلٌّ من المديرين السبعة بطاقةً جميلة تدعوه لِلِّقاء في ذلك المطعم في وقتٍ محدَّد وفي ليلة محدَّدة.
عندما جاء اليوم المنتظَر، اتجه صديقنا إلى المطعم بعد أن عمل لوقت متأخِّر كالعادة. كان من اللطيف أن يقضي ليلةً بصُحبة أهم الشخصيات بالشركة، وقد كان متحمِّسًا حقًّا.
عندما وصل إلى المطعم لم يَرَ أيَّ شخصٍ يعرفه؛ لم يَرَ مديرَه ولا مديرَ مديره. انتظَرَ قليلًا وظلَّ يراوغ إلى أن لاحَظَ أن ثمة بضعة أشخاص يفعلون الشيء نفسه، وفي نفس الوقت تقريبًا تجمَّعَ هؤلاء الأشخاص وسأل بعضهم بعضًا عن مكان عملهم. نعم، تخمينك في محله! كان هؤلاء هم أفضلَ سبعة مديرين، وقد ذهبوا إلى مدير الحجوزات بالمطعم واكتشفوا أن الحجز قائمٌ بالفعل، ولكنه يقتصر على سبعتهم ولا يشمل أيًّا من المديرين؛ سيكونون مجرد سبعة موظفين لم يتقابلوا في حياتهم قبل تلك الليلة، يتناولون العشاء معًا. لن يتعرَّفوا عن قُرْب على كبار المديرين بالشركة، ولن تكون ثمة جوائز؛ لن يكونوا سوى سبعة أشخاص منزعِجين، ولديهم صلاحية الإنفاق في هذه الليلة من حساب الشركة.
بالطبع، طلب الموظفون الأكلات والخمور الأغلى ثمنًا على قائمة المطعم، وقضوا الليلة وهم يَشْكُون من الشركة ومن بلادة إحساس الإدارة.
غالبًا ما تَرِدنا أسئلةٌ حول ما إذا كان التقدير يُجْدِي نفعًا مع الموظفين الذين يحصلون على دَخْل مرتفع. وقد يسألنا أحدهم ويقول: «أَلَا تبدو مثل هذه الأمور تافهةً بالنسبة إلى هؤلاء الموظفين؟» حسنًا، الإجابة أمامك: لقد كان هؤلاء سبعةً من أفضل الموظفين في الشركة، وكلهم يتقاضَوْن رواتب خيالية، ومع ذلك فقد غضبوا لأن أحدًا لم يهتم لأمرهم بالقدر الكافي كي يقضي معهم ليلةً واحدةً يعبِّر لهم فيها عن شُكْره.
وبدلًا من أن يقضوا الليلةَ في الاحتفال بما حقَّقوه من نجاحات وإنجازات، قَضَوْها في الشكوى من الإدارة غير الفعالة لشركتهم وانتقادها. وبالطبع، فقد روى هؤلاء الموظفون ذلك الموقف لأصدقائهم، وهكذا انتقلَتْ إلينا هذه القصة. أَلَا تعتقد أنهم قد حكوا الموقفَ نفسه لزملائهم؟
عندما تعبِّر عن احترامك الصادق لموظفيك، فإن خبر احترامك لهم ينتشر بسرعة؛ ولكن عندما تسيء معاملتهم، فإن أخبار معاملتك السيئة لهم تنتشر أسرعَ مثلما، تنتشر النارُ في الهشيم. إن العلة تكمن في التفاصيل؛ لذا، عليك أن تنتبه وتكون حاضرًا عندما يحين وقتُ تقديرِ أفضلِ الموظفين لديك، وأنْ تعمل على تكريمهم تكريمًا يلمسون فيه صِدْقَ مشاعرك. إذا فعلتَ ذلك، فسيبقى هؤلاء الموظفون في شركتك وسيواصلون التزامهم بعملهم. وتذكَّرْ دائمًا أن تقدير أيِّ شخصٍ يتطلَّب وجودَ شخصٍ آخَر كي يعبِّر له بنفسه عن هذا التقدير.
بمرور السنوات، اكتشفنا أن واحدة من أفضل الطرق التي تجعل التقدير حقيقيًّا، هي أن توجِّه التقديرَ نحو الأشياء الأكثر أهميةً في مجال عمل الموظف؛ إذا أردتَ تقديرَ موظف ينظِّف أرضيةَ المتجر، يمكنك أن تُثنِي على خلوِّ الأرضية من العيوب؛ وإذا أردتَ تقديرَ موظف يعمل في تحميل البضائع، يمكنك أن تُثنِي على الْتِزامِه بمعايير الأمان وتحميلِه للبضاعة بالكامل دون أن ينسى منها شيئًا؛ وإذا أردتَ تقديرَ ممرضةٍ تعمل في وحدة العناية المركَّزة لحديثي الولادة في أحد المستشفيات، يمكنك أن تُثنِي على دقتها في العمل ورأفتها بالمرضى؛ وإذا أردتَ تقديرَ موظفٍ يعمل في مجال التسويق، يمكنك أن تُثنِي على إبداعه.
لكن إنْ لم تتبنَّ مفهومَ التقدير وتطبِّقه في هذه الأيام الصعبة التي نمرُّ بها، فسيكون من الصعب الاستفادة بالأثر المكثَّف للتقدير لاحقًا. ولا أحدَ يدرك حقيقةَ هذا الأمر أكثر من راي بلانشيت، المدير التنفيذي لسلسة مطاعم جوز كراب شاك، وقد قابلنا راي وفريقه المتميِّز في هيوستن. قال راي: «إنَّ أكبر خطرٍ يهدِّد عملَنا حاليًّا، هو الوضع الاقتصادي القائم.» وأضاف: «ومن ثَمَّ، فعلينا أن نتخذ خطواتٍ إضافيةً كي لا نَدَعَ هذا الوضعَ الاقتصادي يهزمنا. إنَّ تقديم الخدمة الممتازة لعملائنا هدفٌ لن يتحقَّق إلا إذا أبقينا موظفينا منهمِكين في عملهم ومتفانين فيه عن طريق التقدير.»
تحت إدارة بلانشيت، خلقَتْ شركةُ جوز كراب شاك مفهومًا جديدًا ينطبق على الخدمة، وعلى الطعام الذي تنتجه الشركة، وكان هذا المفهوم بمنزلة رسالة موحَّدة تُبَثُّ عبر الشركة ككلٍّ؛ إنه مفهوم الكمال. يقضي هذا المفهوم بتحقيق الكمال في كل شيء؛ بحيث تقدِّم الشركةُ مأكولاتٍ ومشروباتٍ وخدمةً مثاليةً. وكما هو واضح، فإنها ليست بالمهمة السهلة.
يقول راي: «نعلم أننا لن نصل إلى الكمال أبدًا، ولكننا نسعى إلى الكمال على أمل أن نحقِّق التميُّزَ. إذا جعلتَ هدفَك أن تصيب قلب الهدف، فستصيب الهدفَ على الأرجح؛ ولكن إذا صوبتَ نحوَ الهدف عمومًا، فقد تفشل في إصابته كليًّا.»
ولكي يُصِيب راي هدفَه، فإنه يحرص على وضع الأشخاص المناسبين في الأماكن المناسبة بالشركة، ثم يتبع ذلك ببثِّ رسالةٍ موحَّدةٍ وتعميمها على مستوى الشركة.
يقول راي: «إننا نستخدم كلمة «مثالي» في التسويق للمأكولات والمشروبات والخدمة التي تقدِّمها الشركة، لكننا نستخدم هذه الكلمة داخل الشركة أيضًا؛ هذه الكلمة يستخدمها المحاسبون وموظفو التسويق، ونشير بها إلى جميع المنتجات الداخلية بالشركة. والهدف من ذلك هو ترسيخ رسالتنا؛ فتكرارُ الرسالة مرةً بعد مرة سيخلق لنا أساسًا نبني عليه فيما بعدُ. إن الاستمرارية في نشْرِ أيِّ رسالةٍ هي العامل الذي يحوِّل أيَّ مفهوم مجرَّد إلى واقع ملموس.»
ومثل هذه الاستمرارية تستمِدُّ وقودَها أيضًا من مراسم تقديم جوائز التقدير، التي تكافِئ فيها الشركةُ الموظفين الذين يسعون جاهدين إلى تحقيق مسعى الشركة نحو الكمال.
تنامى لدى بلانشيت، أثناء فترة عمله بمنصبٍ قياديٍّ في سلسلة مطاعم تي جي آي فرايدايز، اهتمامٌ خاصٌّ بمفهوم التقدير. قال بلانشيت: «إن مطاعم فرايدايز مهووسةٌ بمفهوم التقدير. كان الحصول على زرٍّ مكتوب عليه كلمة «رائع» مقابل تقديم خدمة جيدة للعملاء، أو إهداء زرٍّ مكتوب عليه عبارة «أهم لاعب في الفريق» لأفضل موظَّف في المناوبة؛ أمرًا يعني الكثير بالنسبة إلى الموظفين. ولقد اكتسَبَ مفهومُ التقدير الأهميةَ نفسها بالنسبة إليَّ خلال مسيرتي المهنية؛ لديَّ إيمان بأن مهمة خلق المناخ المناسب لسير العمل تقع على عاتق المدير، وهذا الإيمان يقودني بدوره إلى إيمانٍ آخَر قويٍّ بأهمية تبنِّي ثقافة التقدير.»
وأضاف راي أن مفهوم التقدير هو مفهوم عالمي؛ فهو يعمل في موسكو بنفس الفعالية التي يعمل بها في ميلووكي. يسترجع راي ذكرى هذه اللحظة التي أدرك فيها الحاجة الماسَّة إلى تبنِّي مفهوم التقدير. كان راي قد شارك توًّا في إطلاق أول فرع لمطاعم تي جي آي فرايدايز في العاصمة الروسية موسكو، وكان قد جمع الموظفين في اليوم الذي سبق الافتتاح الكبير من أجل إهدائهم تلك المكافآت التي استحقُّوها عن جدارة؛ إلا أن واحدةً من الموظفين الذين تلقَّوْا التقديرَ قد أجهشَتْ بالبكاء. يقول راي: «عندما تحدَّثْتُ إليها قالت إنها هي التي ينبغي أن تشكرني على أن وظيفتها الجديدة كانت أفضل شيءٍ حدث لها في حياتها. أدركتُ في تلك اللحظة مدى التأثير الذي يمكن للتقدير أن يتركه على الموظفين، وأدركتُ أيضًا أن التقدير لا بد أن يشكِّل جزءًا كبيرًا من ثقافة العمل لدى أي شركة تودُّ أن تنمو وأن يكون موظفوها متفانين في عملهم.»
إنَّ شركة جوز كراب شاك تعطينا الدليل على أن اصطحاب الموظفين إلى عشاءٍ في مطعم فخم، ليس سوى طريقة واحدة من بين طرق أخرى كثيرة لمكافأة الموظفين. إنَّ أي مدير أهدى موظفيه بطاقةَ شكرٍ مكتوبةً بخط اليد — أو أي شخص تلقَّى بطاقة مماثلة — يدرك مدى قوة القلم؛ لذا، فإذا كنتَ تريد فعل شيء واحد بعد الانتهاء من هذا الكتاب، فمن فضلك ابدأ في إرسال عددٍ من بطاقات الشكر المكتوبة بخط اليد إلى موظفيك. يمكنك شراء دفتر يحتوي على بطاقات شكر عبر الإنترنت، أو يمكنك شراؤه من أي متجر لبطاقات التهنئة. لقد رأينا مثل هذه البطاقات لدى موظفين لصقوها على حوائطهم، وأخرجوها من جيوب المحفظة، وخبَّئوها في سجلات ذكرياتهم السعيدة، واحتفظوا بها لسنوات. لماذا فعلوا كل هذا؟ لأن تلقِّيَ التقدير حدثٌ نادر، ولأن هذا التقدير قد صدر عنك أنت، هذا التقدير قد تلقَّوْه من مديرهم، والأهم في ذلك أن هذا التقدير كان تقديرًا صادقًا، وأُشِيرَ فيه بالتحديد إلى الإنجاز العظيم الذي حقَّقوه.
بدأ زميلنا راندل دايموند في إرسال بطاقاتِ شكرٍ شخصيةٍ إلى موظفيه؛ كانت البطاقات التي أرسلها كثيرةً إلى درجة أنه أرسَلَ مائتَيْ بطاقة في عام ???? وحده، وكان في طريقه إلى تحطيم ذلك الرقم القياسي في عام ????. لقد اكتشف راندل أن ثمة خلطة سرية يمكنها أن تُضفِي مذاقًا أطيب على رسائلك. فيما يلي تفصيلٌ دقيق لبطاقةِ شكرٍ أرسَلَها إلينا راندل:
عندما يرسل راندل بطاقات الشكر، دائمًا ما يأخذ من وقته ?? ثانية كي يكتب عنوان المرسَل إليه بخط اليد، ويضيف إلى ذلك ثواني إضافية يكتب فيها العنوان بالكامل من دون الاختصارات المعتادة (فيكتب «عَقَار» بدلًا من «ع»، و«شارع» بدلًا من «ش»). يقول راندل إن الأمر لا يستغرق منه أكثر من عدة دقائق، ولكن الشخص الذي يتلقَّى تلك البطاقة المكتوبة بخط اليد يعلم أنها لا يمكن أن تكون موجَّهةً إلى أحدٍ غيره؛ وهذا يعني الكثير جدًّا بالنسبة إليه.
ويضيف راندل: «كلما شكرتُ مزيدًا من الأشخاص الرائعين الموجودين حولي، لمستُ أكثرَ حجمَ المساعدة التي أتلقَّاها منهم. لقد تغيَّرَتْ حياتي بفضل هذا الأمر، وأنا واثق من أن الأمر نفسه سيغيِّر حياةَ أشخاصٍ آخَرين.»
(?-?) اجعل التقدير علنيًّا!

إذا سقطَتْ شجرةٌ فوق منزلٍ في الغابة، هل ستُحدِث صوتًا؟ ماذا عن التقدير غير العلني؟ هل يترك الأثرَ نفسه؟
الإجابة — في معظم الحالات — هي: لا.
في مجموعة شركات ويستفيلد للتأمين، خضع المديرون لتدريبٍ على أهمية مراسم تقديم جوائز التقدير. يقول تي إل بروسو، مدير العمليات بالشركة: «عقب كل جائزة تُقدِّمها، ستلاحظ زيادةً في الإنتاجية والمجهود والأفكار؛ لذا، كُنْ متأكِّدًا وأنت تقدِّم الجائزةَ أمام بقية الموظفين، من أن ما تفعله ستكون له نتائج كبيرة وأصداء كثيرة فيما بعدُ. هذه هي الطريقة التي نشجِّع بها الموظفين كي يفكِّروا خارجَ الصندوق، ويفعلوا شيئًا مختلفًا، ويُحدِثوا فَرْقًا في ويستفيلد.»
إنها طريقة فعَّالة؛ ففي خلال العامين اللذين أعقبَا التحسينَ الذي أَجْرَتْه ويستفيلد على آلية التقدير الرسمي للموظفين، ارتفع معدلُ رضا الموظفين بنسبةٍ هائلةٍ بلغت ?? بالمائة، وقد كان معدل رضا الموظفين لديها جيدًا إلى حدٍّ معقولٍ قبل ذلك.
وفقًا لاستطلاعِ رأيٍ خضع له أكثر من ?? ألف شخص من الحاصلين على جوائز تقديرية في الولايات المتحدة وكندا، فإن مراسم تقديم جوائز التقدير التي تُدار بطريقة فعَّالة تترك انطباعًا عظيمًا. في الواقع، تؤثِّر طريقةُ تقديمِ الجائزة على صورة الشركة ككلٍّ لدى الموظفين.
في هذا الاستطلاع، قال ?? بالمائة من فئة الموظفين الذين وصفوا مراسمَ تقديم الجوائز في شركتهم بأنها «ممتازة»، إنهم شعروا أن «إسهاماتهم كانت محلَّ تقديرٍ». وبالطبع، هذا هو الهدف الذي تسعى إلى تحقيقه؛ فأنت تريد لموظفيك أن يشعروا بأن ثمة مَنْ يدرك قيمتهم ويقدِّرهم، وتريد لهم أن يشعروا بأن ثمة علاقة وطيدة تربطهم بمؤسستك؛ ولكنِ انظرْ إلى حال تلك الفئة من الموظفين الذين وصفوا مراسمَ تقديمِ الجوائز في شركتهم بأنها كانت «سيئةً»، أو إلى هؤلاء الذين لم تُقِمْ شركتُهم مراسمَ لتقديم الجوائز من الأساس وتلقَّوْا جائزتهم عن طريق البريد! فقط ?? بالمائة من متلقِّي الجوائز التقديرية في تلك الفئة قالوا إنهم شعروا بأنهم تلقَّوْا التقدير عمَّا قدَّموه للشركة من إسهامات.
يبدو أن الوقت قد حان لطلب المساعدة.
قد يقول البعض إنَّ تلقِّي أي تقديرٍ هو أفضل من عدمه، ونحن نتفق مع ذلك؛ ولكن مراسم تقديم جوائز التقدير مهمةٌ جدًّا، بل إنها تعادل في أهميتها أهميةَ إهداء الزهور لمَن نحب في عيد الحب.
إريك لانج هو واحد من كبار المديرين في شركة نيلسن (أو واحد من الأشخاص المسئولين عن تقييم معدلات مشاهدة البرامج التليفزيونية كما يسميهم الناس، على الرغم من أن وظيفتهم لا تقتصر على هذا الأمر). روى لنا إريك القصةَ التالية مؤخرًا، وقد وجدَتْها جريدةُ وول ستريت رائعةً بما يكفي لأنْ تُدْرِجَها في مقالٍ نشرَتْه عن تقدير الموظفين.
قبل أن ينضمَّ لانج إلى العمل في شركة نيلسن — تلك الشركة الرائعة التي تضمُّ هذا الفريق المتميِّز — كان يعمل في شركة للشاحنات لن نذكر اسمَها حرصًا على حماية المذنبين، وكان زميله في المكتب (سنفترض أن اسمه «بول») قد فاز بلقبِ موظفِ العام، ونال جائزةَ «رئيس مجلس الإدارة»؛ وكي تكرِّم الشركةُ هذا الموظفَ الذي يُعَدُّ أفضلَ موظف لديها، فقد منحَتْه ساعةً ذهبية طراز روليكس يُطلَق عليها اسم الساعة الرئاسية.
قد تظن أن لحظةَ تقديرٍ كهذه لا يمكن لشيء أن يفسدها، ولكنك مخطئ. بدايةً، لم يتسلَّم بول الجائزةَ من مديره، وإنما تَسلَّمَها عن طريق شركة براون. نعم، براون يو بي إس؛ شركة البريد المتحدة.
ذات صباح جميل، ذهب بول إلى مقر عمله ووجد طردًا ينتظره على مكتبه، وفي داخل الصندوق كانت توجد الجائزة التي انتظرها طويلًا؛ الساعة الروليكس. لم يكن ثمة مراسمُ لتقديم الجائزة، ولا كلماتٌ طيبة قِيلت في حقِّه، ولا زملاءُ عملٍ محِبُّون، ولا زوجةٌ تبكي فرحًا، لم يتثنَّ له حتى أن يرى غيرةَ الرجل الذي حصل على المركز الثاني؛ لم يكن يوجد سوى صوت الهواتف التي ترنُّ في الكبائن التي تملأ بَهْوَ الشركة.
وقد صادَفَ أنْ كان إريك حاضرًا ليشهد تلك اللحظة، وعندما سأل بول عن محتويات الصندوق، ردَّ بول قائلًا: «إنها جائزتي، كما تعلم … الروليكس.»
لاحَظَ إريك نظرةَ الإحباط في عينَيْ زميله، وحاوَلَ أن يغيِّر تلك اللحظة المحبطة ويجعل منها لحظةً لا تُنسَى؛ ومن هنا، التقَطَ إريك الساعةَ ونادَى على عددٍ من الزملاء الذين كانوا قد حضروا مبكرًا، وقدَّمها إلى بول أمامهم قائلًا: «سيداتي وسادتي، فَلْتحيُّوا معي الفائزَ بجائزة رئيس مجلس الإدارة؛ بول!»
بعد عدة جولات من التصفيق، بَدَا أن الأمور قد تحسَّنَتْ قليلًا بالنسبة إلى بول، ولكن ذلك التحسُّن لم يستمر طويلًا. لاحَظَ إريك أن الصندوق كان لا يزال به مظروفٌ لم يُفتَح بعدُ؛ وظنًّا منه أن المظروف لا بد أنه يحوي داخلَه خطابَ تهنئةٍ من رئيس مجلس الإدارة، أَخْرَجَ إريك المظروفَ وقرأ ما في داخله.
لقد أُدرِجت قيمةُ الروليكس في بند الدخل؛ دخل خاضع للضريبة. كما أن الخطاب لم يكن من رئيس مجلس الإدارة، وإنما كان استمارةً تحمل الرقم ????، وتقول إن الشركة لم تسدِّد الضرائبَ المستحقة على الساعة، وأن بول — الموظف رقم واحد لديها — سيكون عليه دَفْع ? آلاف دولار كضريبة دخل.
عندما تفكِّر في الأمر، فستجد أن شركة الشاحنات تلك قد باعت إلى بول ساعة روليكس ذهبية مقابل ? آلاف دولار.
والآن، دَعْنا نكمل القصة؛ بعد شهر، سأل إريك صديقَه بول عن سرِّ عدم ارتدائه للساعة، فأجابه بول باقتضاب: «لقد بعتها كي أسدِّد الضرائبَ بثمنها.»
بعد ذلك بعدة أشهر، قدَّمَ بول استقالته؛ وهكذا تحوَّلَ بول من الموظف رقم واحد إلى موظفٍ مستقيلٍ من الشركة في غضون شهور قليلة. والسبب؟ هل كانت فاتورةُ الضرائب التي دفعها هي السبب؟ لقد زادت تلك الفاتورة الطين بلَّة، ولكنها لم تكن السببَ الرئيسي وراء استقالته. هل كان عدم إظهار التقدير الصادق له علنًا هو السبب؟ بالتأكيد، ولكن أسوأ ما في الأمر هو وجود شركةٍ كهذه، مليئةٍ بمديرين لا يدركون الحاجةَ إلى جعل مراسم تقديم الجوائز حدثًا مميَّزًا؛ كي يُبقوا على الموظفين المتميزين بشركتهم.
والآن، ننتقل إلى قصة مختلفة تمامًا، وهي قصة أولجا جونزاليس.
تشغل جونزاليس منصب مدير مباشِر بإحدى شركات المرافق، وقد تَلقَّت التقديرَ مؤخرًا في اجتماعٍ للإدارة كنَّا قد دُعِينا للحديث فيه.
قبل أن نبدأ حديثنا، دعا المدير جونزاليس كي تقف أمام الحاضرين. ذكَّرَ المدير الجميعَ بالتحديات التي كانوا سيمرون بها أثناء العملية الشاقة لترقية نظام الكمبيوتر بالشركة، ثم تحدَّثَ بأسلوبٍ مباشِر وقال: «أريد أن أعبِّر عن تقديري لأولجا عن الروح التي تعمل بها، وعن تقديرها لفريقها من الموظفين. إنها تجسِّد كلَّ الصفات التي نريد أن نراها في أي مديرٍ مباشِرٍ يعمل لدينا، وهذه الصفات تتلخَّص في وضْعِ أهدافٍ واضحةٍ للموظفين، وتقديرِ أدائهم، وبثِّ روحٍ إيجابيةٍ في مكان العمل، بصرف النظر عن كل المهام التي كانت تثقلها خلال فترةِ تحديثِ النظام.»
واصَلَ المديرُ كلامَه، وشَرَح كيف أحدثَتْ جونزاليس تغييرًا حقيقيًّا في فريقها خلال تلك الأيام الصعبة. ولم يَسَعْنا سوى أن نراقب تعبيرات وجه جونزاليس وهي تقف هناك أمام أكبر قيادات الشركة؛ كان وجهها مُشرِقًا وتملؤه الحياة. نودُّ لو أنه كان بإمكانك رؤيتها؛ لقد احتفظ وجهها بإشراقته حتى همَّتْ بمغادرة الاجتماع بعد ساعةٍ كي تعود إلى مباشَرةِ عملها. هل تعتقد أن التقدير كان سيكون له نفس الأثر عليها، لو أن المدير قال لها هذه الأشياء فيما بينهما فقط؟ نشكُّ في ذلك.
فيما يلي مثالٌ رائع رَوَتْه لنا بيفرلي جوميز، مدير عام مطعم فريندليز بولاية بنسلفانيا. كنَّا قد التقينا بجوميز في نهاية أغسطس الماضي، وهو الوقت الذي يرحل فيه الكثيرون من طلاب الجامعات الذين يعملون ضمن فريق عملها خلال شهور الصيف، كي يعودوا إلى دراستهم. بعد رحيلهم، أصبحت جوميز في حاجةٍ للبحث عن شخصٍ كي يعمل في مناوبة يوم السبت المكروهة لكثيرٍ من الموظفين.
سنترك جوميز تروي لكم هذه القصة بنَصِّ كلامها، ومن دون أي تعديلٍ من جانبنا:
«لديَّ موظفة تعمل هنا منذ ?? عامًا. هذه الموظفة تباشِر عملَها في أيام معينة من الأسبوع دون زيادة أو نقصان، وهي لا تعمل يومَ السبت مطلقًا، ولكنني طلبتُ منها ذلك وقلتُ لها: «جوان، أنا أعلم أنك لا تعملين يومَ السبت، ولكنني في حاجةٍ إلى شخصٍ كي يعمل في هذا اليوم.» وافقَتْ فورًا دون حتى أن تفكِّر. عندها جمعتُ كلَّ الموظفين، وأخرجتُ ذلك الصندوق الفارغ الذي اعتدتُ أن استعمله كمنصةٍ ارتجاليةٍ أخاطب منها الموظفين. وقفتُ فوق الصندوق وأنظار روَّاد المطعم تتجه نحوي، وكان الموظفون يتساءلون: «مَن الذي سيتعرَّض للإحراج هذه المرة؟» إن الموظفين يتذمَّرون بشأن مراسم توزيع الجوائز ولكنهم يحبونها، بل إنهم يحبونها جدًّا؛ كما أنهم يسخرون من الشخص الذي ينال الجائزة، ولكنهم يفعلون هذا بروح ودودة على سبيل الدعابة. على أي حال، أخرجتُ البوق الخاص بي — وهو في الواقع ليس بوقًا حقيقيًّا، وإنما حركة أفعلها بيدي كي تتَّخِذ شكل بوق افتراضي — ثم قلَّدْتُ صوتَ البوق، وطلبتُ من الجميع المجيءَ إلى حيث كنتُ أقف. أدليتُ بعد ذلك بخطابٍ قصيرٍ عن جوان قلتُ فيه: «سأمنحك ? آلاف نقطة من نقاط التميُّز يا جوان؛ لأنني أقدِّر المجهودَ الذي تقومين به من أجل الفريق. كما أنني أقدِّر لك موافقتك على العمل يوم السبت دون تردُّد.» ضحك الجميع على جوان، ولكن شيئًا جيدًا كان يحدث.»
لا بد أن تصدِّق أن شيئًا جيدًا كان يحدث؛ فبعد عامين من تولِّي جوميز إدارة المطعم، انخفض معدل دوران العمالة بنسبة ?? بالمائة، وأصبح الفرع الذي تديره واحدًا من الفروع التي تحقِّق أفضلَ الإيرادات المالية في سلسلة مطاعم فريندليز.
أضافت جوميز: «دائمًا ما أتصرَّف تصرُّفاتٍ مَرِحةً ومُحرِجةً فيما يتعلق بمراسم التقدير، ومن المؤكَّد أن الموظفين الذين يعملون لديَّ يعتقدون أنني مجنونة قليلًا، ويضحكون مني لهذا السبب، ولكن هذا لا يهم لأنني أحصل على النتائج التي أريدها في نهاية الأمر.»
تَعْلم جوميز أن أثر التقدير على الأشخاص الذين ينالونه هو إحدى أهم فوائد التقدير العلني، التي غالبًا ما يتجاهلها الكثيرون. قد يحضر الموظفون حفلَ توزيع الجوائز فقط من أجل الطعام المجاني — أو المثلجات كما في حالة مطعم فريندليز — ولكنهم يغادرون الحفلَ ومعهم رؤية أفضل لأولويات فريقك وأهدافه.
سيجلس أحدُ هؤلاء الموظفين هنا أو يقف هناك ويشاهد زميله وهو يتلقَّى التقديرَ بسبب دعمه إحدى القِيَم الأساسية للشركة، ولن يَسَعه سوى أن يسأل نفسه: «تُرَى ماذا كانوا سيقولون عني لو كنتُ في مكانه؟»
سيعود هذا الموظف إلى عمله وداخله رغبة متزايدة في معرفة الإجابة عن هذا السؤال.
(?-?) احرص على أن يكون التقدير ملائمًا!

إنَّ الأذواق حتمًا تختلف عندما يتعلَّق الأمر بالتقدير؛ فأسلوب التقدير لا بد أن يكون شخصيًّا بحيث يلائم اهتمامات الموظف واحتياجاته وتفضيلاته.
خُذْ على سبيل المثال الأسلوبَ الإداري المتطوِّر الذي يتبعه تيم جاريت؛ أحد كبار المديرين الميدانيين لمركز معالجة تكنولوجيا المعلومات بشركة دي إتش إل. يشرف تيم من مكتبه على ?? موظفًا يعملون في أماكن نائية لصالح شركة دي إتش إل، التي تُعَدُّ أكبر شركةِ نقلٍ للتوصيل السريع في العالم.
اعترف تيم أن موظفيه كادوا أن يطلقوا عليه اسمَ «رجل القهوة»؛ فقد اعتاد لفترة وجيزة أن يكافئ كلَّ شخصٍ يقوم بعمل استثنائي بشهادةٍ يحصل بها على هدية من أحد متاجر القهوة. كان الأمر منطقيًّا، أليس كذلك؟ ولم يحدث قطُّ أن اعترض أحدٌ من الموظفين على ذلك؛ ولكن بعد أن قرأ تيم في واحد مِن كُتُبنا عن ضرورة ابتكار طريقةِ تقديرٍ تتفق مع اهتمامات كل موظف، سأل الموظفين عمَّا إذا كان أسلوبه في التقدير فعَّالًا.
بإمكانك أن تتخيَّل المحادثةَ التي دارت بينه وبين أحد أعضاء فريقه:
«أتعجبك شهادات القهوة المجانية تلك؟»
فأجابه قائلًا: «في الواقع، أنا بصراحة لا أحبُّ شربَ القهوة، وهذه الشهادات أعطيها لجاري.»
لقد وقع خطأٌ ما! طوال هذا الوقت كان هذا المدير الحَسَن النية يكافئ جارَ الموظف وليس الموظف نفسه.
يقول تيم: «كان عليَّ أن أتعلَّمَ أن القهوة ليست المشروب المفضَّل لدى الجميع، وأن كل شخص يفضِّل مطعمًا مختلفًا عن غيره. إن الموظفين يقدِّرون المجهودَ الذي أبذله في تقديرهم، ولكن التقدير يصبح أكثرَ فعاليةً عندما أبذل المزيدَ من الوقت في محاولة معرفة الأشياء التي يحبونها. ما زلتُ أتعلَّم أشياءَ عن الأشخاص الذين أعمل معهم، وعن الأشياء التي يقدِّرونها فعلًا.»
كما سيخبرك تيم، فإن شهادات القهوة المجانية قد تكون جائزةً رائعةً بالنسبة إلى هؤلاء الأشخاص الذين يحبون القهوة ويتعاملون مع متجر القهوة القريب منهم وكأنه مكان مقدس، ولكنها جائزةٌ غيرُ ملائمة بالنسبة إلى الآخرين.
واليوم، أَدخَلَ هذا المدير العظيم تحسيناتٍ على الأسلوب الذي يتبنَّاه في تقدير الموظفين، وهو الآن عاكف على معرفة الأشياء المهمة بالنسبة إليهم؛ إنه يحفِّز موظفيه عن طريق تقديرهم تقديرًا شخصيًّا يعني شيئًا بالنسبة إليهم، والنتيجةُ هي قوةُ عملٍ متفانيةٌ في العمل والالتزام به، ويعرف الموظفون فيها أن مديرهم يرى السلوكيات الاستثنائية، ويكافئ أصحابها على النحو المناسب.
وكما قال لنا تريفور جرامز، مدير العمليات في شركة إيبكور لتوليد الطاقة بإدمنتون ألبرتا: «عندما كنتُ مديرَ محطةٍ، كان التقدير يتمُّ عن طريق إهداءِ الموظفِ قبعةً أو تي-شيرت … عندما أصبحتُ مديرًا لأول مرة، كانت هذه هي كل الأدوات التي أعرفها، وسريعًا ما تَبيَّنَ لي أنها غير فعَّالة. ظننتُ أنني كنتُ أعبِّر للموظفين عن تقديري لهم، ولكنني لم أشهد أيَّ نتائج لذلك، وعندها علمتُ أنني في حاجةٍ إلى تغييرِ أسلوبِ التقدير لإعطائه مزيدًا من الطابع الشخصي.»
لعلَّ التقدير الذي يحترم الاحتياجات الشخصية لكل موظف ويلبيها هو الأفضل للموظفين من بين أنواع التقدير الأخرى. ولقد استمعنا إلى مثالٍ مؤثِّر يتعلَّق بهذا الأمر من مديرةٍ قابلناها؛ لاحظَتْ هذه المديرة أن واحدة من أفضل الموظفين لديها كانت تعاني من ضغط نفسي زائد، بسبب المشاكل التي يعانيها ابنُها في دراسة الرياضيات. بدأت المديرة في البحث عن فرصةٍ كي تعبِّر لها عن تقديرها، وعندما سنحَتِ الفرصةُ قدَّمَتِ المديرة إلى الموظفة شهادةً تتيح لابنها فرصةَ الحصول على دروس مجانية في مادة الرياضيات بالمنزل لمدة ستة أشهر.
بعبارة أخرى، لا بد للتقدير أن يلائم كلَّ موظف، وأن يكون متَّصِلًا باحتياجاته؛ وهنا يأتي دورُ سجلِّ التقدير الذي سيساعدك في معرفة الأشياءِ التي سيقدِّر موظفوك قيمتَها، والأشياءِ التي ستجعلهم يشعرون بالتقدير.
والآن وقد أوضحنا كلَّ تلك الأمور، دَعْنا نَقُلْ إن الجوائز التقديرية ليس بالضرورة أن تكون ثمينةً، ولكنها يجب أن تكون «عادلة» من وجهة نظر الموظفين؛ بمعنى أن قيمة الجائزة لا بد أن تكون مقبولةً للموظفين عندما يقارنونها بمهام وظيفتهم ومتطلباتها. إنَّ تحديد ما هو مقبول وما هو ليس مقبولًا من الجوائز، قد يكون أمرًا شخصيًّا جدًّا ولا يمكن قياسه قياسًا موضوعيًّا؛ ولذلك فثمة مجال للخطأ. ولكن ثِقْ بنا عندما نقول إن الموظفين سيشعرون بالخطأ في لحظةِ وقوعه، كما حدث مع هؤلاء المبرمجين الذين يعملون لحساب شركة صغيرة ناشئة.
أخبرنا المبرمجون أنهم كانوا سعداء في بداية الأمر، عندما أعلنَتِ الشركة التي تعاني من مصاعب مالية عن تبنِّيها برنامجًا لتقدير الموظفين، ولكن حماسهم هذا لم يُكتَب له أن يدوم طويلًا.
قال أحدهم: «اتضح لنا أن جائزة الأداء المتميِّز هي كيسٌ من السكاكر، ومصباحٌ على شكل نجمة من النوع الذي يعمل بالبطاريات ويشتريه الأطفال من مدينة الملاهي.»
وسرعان ما وجد الموظفون التقنيون الذين أصابهم الإحباطُ اسمًا ملائمًا للجائزة، وكان الاسم هو: «بايت مي» (هناك تشابُه صوتي بين كلمة byte وهي وحدة قياس حجم البيانات الرقمية، وكلمة bite التي تظهر في تعبير Bite me!، وهو تعبير عامي يعني «اذهب إلى الجحيم»، وقد استغلَّ المبرمجون هذا التشابه في صياغة هذا الاسم الساخر الذي يعبِّر عن فشل الجائزة، التي بَدَتْ وكأنها تقول للموظفين اذهبوا إلى الجحيم، بدلًا من أن تعبِّر لهم عن تقدير الإدارة لمجهودهم). في رأينا، كانت القصة ستصير مخزيةً بما فيه الكفاية لو أنها انتهت عند هذا الحد، ولكن هذه ليست هي النهاية. قال واحد من المبرمجين الذين بذلوا مجهودًا استثنائيًّا في العمل، مسترجِعًا ذكرياته: «في اليوم الذي حصلتُ فيه على الجائزة، لم يجد مديري الوقتَ كي يشتري السكاكر، وقال لي إن بإمكاني أن أنتزع المصباحَ من مكتب أحد زملائي وأضعه على مكتبي.»
من الواضح أن هذا المدير لم يُعِرِ الموضوعَ أيَّ اهتمامٍ يُذكَر.
ومع ذلك، فثمة أوقات يحقِّق فيها الموظفون إنجازات صغيرة؛ في هذه الأوقات ستبدو جوائز مثل كوب أو تي-شيرت أو حتى مصباح على شكل نجمة، مناسِبةً للموظفين وسيقدرونها. في أحد المكاتب التي زُرناها، يضع المدير لعبةً صغيرةً تُدار بالزنبرك (هي في الواقع واحدة من تلك اللُّعَب التي تحصل عليها مع وجبة الهابي ميل من ماكدونالدز) على مكتب الموظف الذي أنجَزَ عملًا رائعًا. تتَّخِذُ اللعبة شكلَ الجني الأزرق الذي يرافق علاء الدين، وفي الوقت الذي تتحرَّك فيه اللعبة وتهتزُّ على المكتب، «يحقِّق» المديرُ أمنيةً واحدةً للموظف، بشرط ألَّا تكون الأمنيةُ تتعلَّق بطلب المال. يمكن للموظف أن يطلب أن يتأخَّر ساعةً عن موعد الحضور إلى العمل، لينام تلك الساعة الإضافية من صباح كل يوم لمدة أسبوع، أو أن يستخدم سيارةَ الشركة الكبيرة خلال عطلة نهاية الأسبوع، أو ما إلى ذلك من الأمنيات. يقول المدير إنه لم يضطر قطُّ إلى الامتناع عن تحقيق أي أمنية جاءته.
إنها بكل تأكيد فكرةٌ عاطفية على نحوٍ مبالَغٍ فيه، ولكنها قَطْعًا فكرةٌ مَرِحة والموظفون يحبونها.
فيما يلي مثال بسيط آخَر: بعض الشركات التي نعرفها تستخدم تلك النسخة الضخمة من لعبتنا المحشوَّة، التي نطلق عليها اسم «الجزرة جاريت»، كجائزة متنقلة (يتداولها الموظفون فيما بينهم). شركةُ ساذرن ماريلاند إلكتريك كوأوبريتيف وشركةُ برايت هاوس نيتووركس، هما شركتان من بين الشركات التي تمنح تلك النسخةَ الضخمة من لعبة الجزرة جاريت — التي يبلغ طولها ? أقدام، ولونها برتقالي فاقع (ولها نفس العيون الكبيرة والابتسامة العريضة التي تُظهِر الأسنان) — للموظفين المستحقين لها الذين بذلوا مجهودًا إضافيًّا، وبعد أسبوع تَطْلب الشركة من الموظف الفائز أن يساعد في ترشيح شخص آخَر يستحقُّ الجائزة.
إنها لَمسئولية المدير أن يعرف الموظفين جيدًا بالقدر الذي يتيح له معرفة الأشياء التي سيقدِّرونها، والأشياء التي ستجعلهم يشعرون بأهميتهم، أو يدعهم كي يختاروا شيئًا يكون له أبلغ تأثير فيهم.
والآن، ننتقل إلى الجوائز الرمزية التي هي من أبرز أنواع التقدير كافةً؛ نظرًا لأثرها الذي يدوم لمدةٍ أطول مقارَنةً بأثر أنواع الجوائز الأخرى. هذه الجوائز عادةً ما تكون مقصورةً على الإنجازات الكبيرة، وعادةً ما تكون قيمتُها أكبر؛ ولكنْ ليست هذه هي الحال دائمًا بحسب ما أَوْرَده أحد المديرين التنفيذيين الذين نعرفهم، وهو محامٍ سابق، حين قال: «لديَّ قطعة صغيرة من الحجر الملوَّن فوق مكتبي وأستعملها كثقالة ورق، على الرغم من أنها قبيحة المنظر. وما السبب في احتفاظي بهذه القطعة من الصخر النفطي؟ السبب هو أنني قد شاركتُ لمدة سبع سنوات في تأسيس صناعة الوقود الاصطناعي في الولايات المتحدة، ولا أحدَ يمتلك قطعةً مماثلةً لهذه سوى القلة القليلة من الذين شاركوا في ذلك. إنها تذكار سأحتفظ به للأبد.»
ما الذي قد يجعل حجرًا صغيرًا كهذا يحمل قيمة معنوية كبيرة كهذه؟ إن ما يُكْسِب الحجر تلك القيمة المعنوية هو أنه يرمز إلى الاحترام والتقدير. في عام ????، شاهَد العالم بأسره عملة معدنية كندية تكتسب نفس القيمة المعنوية لدى دولة بأكملها.
بإمكان أي مواطن كندي أن يخبرك عن قصة وين جريتزكي، رئيس المنتخب الكندي للهوكي وأحد أعظم لاعبي الهوكي السابقين، الذي انتزع عملة معدنية من الجليد الموجود في منتصف ملعب الهوكي في استاد إي سنتر بمدينة سولت ليك سيتي، عقب فوز كندا على الولايات المتحدة في الألعاب الأولمبية الشتوية لعام ???? وحصولها على الميدالية الذهبية.
والآن، لكي نفهم أهمية هذا الحدث، من المهم أن نعلم أنه بالنسبة إلى ملايين الكنديين، فإن الألعاب الأولمبية الشتوية ليست مجرد حدث رياضي متعدد الثقافات؛ إن الألعاب الأولمبية في الواقع ما هي إلا مسابقة هوكي كبيرة بالنسبة إليهم. أدرك جريتزكي أن الفوز بالميدالية الذهبية كان تحديًا مهمًّا؛ ومن هنا، فقد اتخذ خطوة مبدئية مهمة عندما وجد شخصًا كنديًّا يعمل في الاستاد، واتفق معه سرًّا على أن يدفن العملة المعدنية من فئة دولار كندي في الجليد الموجود عند خط النصف، قبل أن تبدأ المسابقة بأيام، ولم يخبر أحدًا سوى لاعبيه بهذا السر الذي دفنه في الجليد.
ما هي الرسالة التي أوصلتها هذه العملة المخبَّأة إلى اللاعبين؟ كانت الرسالة هي أن كندا هي التي تملك الملعب في المسابقة. كان بإمكانه أن يخبر لاعبيه ألَّا يقلقوا من أن فريق الولايات المتحدة يحظى بميزة اللعب على أرضه؛ ذلك لأن الكنديين هم مَنِ اخترعوا لعبة الهوكي، وقد لعبوها لفترة أطول من الأمريكيين. كان يمكنه أن يذكِّر اللاعبين بمهاراتهم الفنية التي تفوق مهارة الفريق المنافِس. ولكنه لم يفعل أيًّا من ذلك؛ كل ما فعله هو التحدُّثُ بصوت خافت خلال أول اجتماع مع الفريق، وإخبارُهم عن العملة السرية المدفونة تحت الجليد، التي كانت تعني أن كندا تملك الملعب. لقد قدَّمَ جريتزكي جوهرَ الكلام على الكلمات، وأشرك الجميع في تجربته من خلال استخدامه للرمز.
اليوم، تُعرَض هذه العملة في صندوقٍ زجاجيٍّ بقاعة مشاهير الهوكي في تورونتو؛ والسبب في عرض العملة داخل صندوق زجاجي هو أن الزائرين كانوا يلمسونها عندما عُرِضَت لأول مرة، وسرعان ما بدأت تفقد ملامحها. لقد أراد الجميع لَمْسَ العملة اعتقادًا منهم أنها تجلب الحظ الجيد.
هذه هي إذن قوة الرمز؛ لقد أصبحت قيمة هذه العملة التي تساوي دولارًا واحدًا، تعادل قيمةَ الميدالية الذهبية التي كانت قد ساعدَتِ الفريق في ربحها.
وفيما يلي رواية أخيرة تذكِّرنا بقوة الرمز، وهي رواية شخصية. عندما تُوفيت حمَاة تشيستر، ذهبت زوجته هايدي إلى منزل عائلتها كي تشارِكَ في قداس والدتها وتقفَ بجانب والدها، وخلال إقامتها هناك عرض والدُها عليها هي وإخوتها أن يأخذ كلٌّ منهم شيئًا خاصًّا من بين الممتلكات الشخصية لوالدتهم بغرض الاحتفاظ به.
وكما تتوقَّع، لم تحدث مشاجرات بينهم على آلة صنع الوافل أو المكنسة الكهربائية، وحتى جهاز الاستيريو والتليفزيون لم يقربهما أحدٌ. لقد كان الجميع يبحثون عن شيء رمزي، كانوا يبحثون عن شيء ذي طابع شخصي أكثر.
اختارت هايدي تمثالًا صغيرًا لفتاة من فتيات الكشَّافة.
لم يكن ثمة شيء مميَّز في هذا التمثال.
كما أن التمثال ليس مصنوعًا من معدن ثمين، ولكنْ نُقِشت عليه كلمات بسيطة تقول: ماريون أولسن، ????.
فتيات الكشافة بالولايات المتحدة.
طالما عملت والدة هايدي كمديرةٍ لفريق فتيات الكشَّافة الخاص بالحي. تقول هايدي: «كنتُ صغيرةً ولكنني أذكر الجلوس على الأرض واللعب بينما كانت تحضر أحد الاجتماعات الكثيرة لفريق الكشَّافة.» بالطبع، كان الوقت قد حان كي تَخْلُف هايدي والدتَها وتنضمَّ إلى فريق الكشَّافة وتكمل المسيرة التي بدأتها والدتها. إن التمثال لم يكن فقط رمزًا لفريق الكشَّافة، وإنما كان أيضًا رمزًا للأوقات التي قضتها في صحبة والدتها، والخدمة المجتمعية التي كانت سمةً مميزةً في حياة والدتها.
«في وجود هذا التمثال، لن أنسى أبدًا الخدمةَ التي قدَّمَتْها أمي للآخرين، وتلك الدروسَ الحياتية التي يمكن تعلُّمها منها.»
لم يكن ذلك مجرد تمثال صغير لفتاة من فريق الكشَّافة.
بل كان التمثال تذكارًا يخلِّد ذكرى الأم، ويعطي درسًا في مفهوم الخدمة.
نعم هذه هي قوة الرمز. لا يهم إذا كان هذا الرمزُ إرثًا يتداوله أفراد العائلة، أو خاتمًا يرمز لنجاح قائدِ سيارةٍ في اجتياز ??? ألف ميل دون وقوع حادث، أو سترةً تحمل شعار الشركة ولا يحصل عليها أحدٌ سوى مَنْ نال شهادة إتمام أحد الاختبارات الفنية الدقيقة، أو جائزةً من الكريستال تتَّخِذ شكلَ تفاحة وينالها الموظف الذي يحصل على درجة علمية متقدِّمة؛ هذه هي الأشياء التي تلمس قلوبنا وتثير مشاعرنا؛ إنها أشياء تُورَّث للأجيال القادمة، وليست أشياءَ تُباع في المزاد في الربيع القادم.
الاحترام والتقدير … تلك هي القِيَم الخالدة التي تمثِّلها الجوائز الرمزية. وستبقى تلك الجوائز خالدة، مثلها مثل القِيَم التي ترمز إليها.
(?-?) زيادة مرات التقدير

«تريد أن تفطر مجددًا؟ أَلَمْ أطعمك بالأمس؟» هكذا نداعب أولادنا الذين يضحكون على الرغم من أنهم سمعوا هذه المزحة من قبلُ مراتٍ عديدةً. لماذا يضحكون إذن؟ يضحكون لأن الفكرة برمتها سخيفة؛ كلنا نعلم أننا في حاجة إلى تناوُل الطعام بصفة مستمرة كي نبقى على قيد الحياة.
والأمر لا يختلف كثيرًا بالنسبة إلى التقدير.
ولن ننسى أبدًا الكلمات التي سمعناها من أحد صانعي الأثاث في نورث كارولينا. كان الرجل قد نال توًّا جائزة تقديرية في حفل صادق وشخصي حضره زملاؤه ورؤساؤه في العمل؛ كان رجلًا ساحرًا وصريحًا في كلامه، وكان هذا ما قاله عن الجائزة وعن مراسم تقديم الجائزة: «الأمر برمته يجعلك تشعر شعورًا جيدًا، ويحفِّزك على مواصلة المثابرة على العمل.»
لكن هذه المثابرة لن تدوم للأبد. تشير الأبحاث إلى أن التقدير يكون أكثر فعاليةً عندما يُمنَح للموظفين كلَّ سبعة أيام، كما أنه يكون أكثر تأثيرًا عندما يتلقَّاه الموظف بعد تحقيقه إنجازًا ما بفترة وجيزة.
قال لنا أحد المديرين: «إن المديرين، ولا سيَّما المديرين الجُدد، دائمًا ما يكونون مشغولين بتحقيق كل الأهداف التي يطمحون إلى تحقيقها بأنفسهم، لدرجة أنهم يعجزون عن رؤية تلك اللحظات التي يحقِّق فيها شخصٌ آخَر شيئًا عظيمًا. إن إخبار أحدهم بأنه قد قدَّمَ عملًا جيدًا بعد أسبوع من إنجازه هذا العمل، لن يكون مؤثرًا بالنسبة إليه كما لو خصَّصتَ جزءًا من وقتك كي تخبره بذلك في يومها أو في صباح اليوم التالي وتقول: «إنَّ ما فعلتَه كان مهمًّا بالنسبة إليَّ، وكان مهمًّا بالنسبة إلى الفريق. لقد أحدثتَ فرقًا حقيقيًّا».»
إنَّ الجوائز التقديرية غير الرسمية، التي تُعرَف أيضًا بالجوائز اليومية، هي وسيلة جيدة لتكرار التقدير. تتَّسِم هذه الجوائز بأنها أكثرُ عفويةً وأقلُّ تكلفةً من الجوائز الرسمية؛ ومع ذلك، فإن هذه الجوائز قد تكون سببًا في عددٍ من أكثر لحظات التقدير فعاليةً، في حال تقديمها على الوجه الصحيح.
يقول كيفن ويلر، رئيس شركة جلوبال ليرنينج ريسورسز، وهي شركة متخصِّصة في التخطيط الاستراتيجي في مجال الموارد البشرية، ويقع مقرها في فريمونت بولاية كاليفورنيا: «يبحث الناس عن التقدير الهادئ الذي يعني أن مديرك يقدِّرك بهدوء.»
عُرِفَ عن دي هانسفورد، التي كانت ترأس برنامجَ تقديرِ الموظفين في ديزني وورلد كوربوريشن في منتصف التسعينيات من القرن العشرين، أنها كانت تظهر بكل عفويةٍ في أي مكان في مدينة ديزني وتقدِّر الموظفين. كانت تسير عبر أروقة المطبخ الموجود في أحد المطاعم بالمدينة، وتعلِّق على نظافة المكان وتألُّقه، وتقول بأن تصنيف ديزني لدى لجنة وزارة الصحة سيحطِّم كلَّ المقاييس.
في عام ????، ودُونَ تعيين أي موظفين جُدد، قدَّمَ الموظفون الخدمات لنسبة إضافية من الزوَّار تبلغ ?? بالمائة، وذلك دون أن يتلقَّوْا زيادةً في الرواتب أو علاوات، ومع ذلك فقد زاد رضاهم الوظيفي بنسبة ?? بالمائة.
كما غدت معدلاتُ رضا الزوَّار ومعدلاتُ «الفائدة بالمقارنة بالعائدات»، «عاليةً على نحوٍ لا يُصدَّق». وعلاوة على ذلك، فقد أظهر التقرير السنوي لشركة ديزني أن ثمة زيادة بنسبة ?? بالمائة في الإيرادات هذا العام تُعزَى مباشَرةً إلى المدينة.
إنَّ الثناء البسيط والموجَّه بإمكانه أن يترك أثرًا عظيمًا. وكما أشرنا من قبلُ، فإن الخطابات الشخصية قد تكون أحيانًا من أفضل طرق التقدير. كلانا يسافر بصفةٍ متكررة، وفي كل مرة، نحرص منذ بداية إقامتنا على ترك خطاب (ومعه إكرامية) لعاملة تنظيف الغُرَف، نخبرها فيه كم كان لطيفًا أن نجد تلك الغرفة منظَّمةً ونظيفةً كلما كنَّا نعود إليها. وفي المقابل، دائمًا ما نجد خطابًا ظريفًا منها، ومعه أحيانًا بعض قطع الشوكولاتة الإضافية.
لقد أثَّرت الخطابات تأثيرًا كبيرًا على شركات الخدمات المالية التي عملنا معها في بالتيمور؛ فبمجرد دخولك مبنى إحدى هذه الشركات، لا يسعك إلا أن تلاحظ كل بطاقات ورسائل الشكر الإلكترونية التي تعجُّ بها أماكن عمل الموظفين، والتي وصل عددها إلى ?? ألف بطاقة ورسالة إلكترونية في السنة الأولى من إطلاق الشركة لبرنامج «سبوتلايت»؛ الذي يعني تسليط الأضواء.
شجَّع هذا البرنامج الموظفين والمديرين على إرسال «بطاقات سبوتلايت» إلى الموظفين، لتسليط الأضواء على أدائهم الاستثنائي في مجالات الخدمة والعمل الجماعي والقيادة والإبداع، وتعبيرًا لهم عمَّا يكنُّونه من تقديرٍ لهذا الأداء، وكلها مجالات تجسِّد القِيَم الأساسية التي تتبنَّاها الشركة.
يقول نائب رئيس الشركة للتواصل مع العملاء: «نريد أن نشدِّد على السلوكيات التي نرغب في أن يكرِّرها الموظفون … وفي هذا الصدد، أرى أن هذا البرنامج يؤتي ثماره المرجوَّة. ولقد رأينا بأنفسنا ارتفاعَ معدلات رضا العملاء؛ ويشعر الموظفون الآن بقدرٍ أكبر من السعادة والتقدير.» ولعلَّ أكبر علامة على نجاح هذا البرنامج بعد مرور عام واحد من إطلاقه، هي وصول معدلات رضا الموظفين عنه إلى ?? بالمائة. كَمْ برنامجًا من برامج الموارد البشرية في شركتك حقَّق معدل رضًا كهذا؟
إنَّ كلمة شكر صغيرة يمكنها أن تحقِّق نتائجَ مذهلةً.
(?) ?? طريقة لتقدير الموظفين

هل سبق أن وجدتَ نفسك عاجزًا عن التفكير في طريقةٍ لتقدير موظفيك؟ لا تقلقْ! إنَّ هذا الأمر يحدث لأفضل الناس. لحُسن الحظ، اكتشفنا وجود الكثير من الطرق التي يمكنك الاستعانة بها للتعبير عن التقدير الذي تكنُّه لموظفيك، وإنها تعادل في عددها عددَ الأشخاص الذين تسعى إلى تقديرهم. بل في الواقع، إن عدد طرق التقدير المتاحة أمامك قد يفوق عددَ الأشخاص الذين تسعى إلى تقديرهم؛ وهذا هو ما يجعل من التقدير أمرًا مسليًا؛ فحدود التقدير تنتهي عند حدود مخيلتك. ومساهمةً منَّا في تحفيز مخيلتك الإبداعية، جمعنا لك ?? طريقة مَرِحة تعبِّر بها عن تقديرك لأفضل الموظفين لديك وألمعهم.
إذا كنتَ تريد تقدير موظف لديك على إنجاز شخصي، يمكنك الاستعانة بإحدى الطرق التالية: (?) أثناء حفل التقدير، قدِّمْ باقةً من الزهور إلى الموظف المعنيِّ، ولكنْ قدِّمْ له الزهور كلًّا على حدة، ومع كل زهرة تعطيها له عبِّرْ عن امتنانك لإنجازٍ معيَّن حقَّقَه.
(?) كلِّفِ الموظف بالعمل في أبرز مشروع واعِد في الشركة؛ أحيانًا تكون الفرصة هي أفضل جائزة يمكن أن تقدِّمها إليه.
(?) ادعُ أحدَ الموظفين للانضمام إليك على الغداء مع مديرك. قدِّمْه على نحوٍ جيد أمام المدير، وتَحدَّثْ عن آخِر ما حقَّقَه من إنجازات.
(?) صمِّمْ تذكارًا مبهجًا يتداوله الموظفون فيما بينهم — قد يكون ذلك تاجًا أو دجاجة مطاطية أو دمية جي آي جو (إذا كنتَ تريد جائزةً تدلُّ على الجسارة) — وامنحها للموظف الذي كان أداؤه متميزًا طوال الأسبوع.
(?) كلِّفْ أحدًا بتنظيف الجليد المتراكِم على سيارة الموظفة التي ترغب في تقديرها، أو إحماء موتور سيارتها قبل أن تغادر المكتب في يومِ عملٍ يتساقط فيه الجليد.
(?) ضَعْ جنيًّا يتحرك بالزنبرك على مكتب الموظف الذي حقَّقَ الكثيرَ من الإنجازات، وحقِّقْ له أمنيةً خلاف الأمنيات المتعلِّقة بالمال.
(?) امنح الموظفة المعنِيَّة تمثالًا تضعه في حديقة منزلها الجديد (وضَعْ عليه نقشًا يذكِّرها بتقديرك الذي ينمو يومًا بعد يوم).
(?) اشترِ زينةَ حفلات الأطفال للموظفة التي كانت مشغولةً بالعمل، لدرجة أنها لم تستطع الإعدادَ لعيد ميلاد ابنها أو ابنتها بنفسها (واحرص على أن تكون الزينة من النوع المفضَّل لابن الموظفة أو ابنتها).
(?) جدِّدْ مكانَ عملِ الموظف بإضافة كرسي جديد أو معدَّات جديدة لجهاز الكمبيوتر.
(??) ادفعْ للموظف المعنيِّ تكاليفَ إيقافِ سيارته لمدة شهر أو حتى سنة.
(??) استدعِ أحدَ عُمَّال تلميع الأحذية أو اختصاصيةَ عنايةٍ بالأظافر لتدليل الموظفة التي ترغب في تقديرها.
(??) خصِّصْ سيارة ليموزين تنقل الموظفَ المعنيَّ من العمل وإليه.
(??) رتِّبْ لزيارةِ أكثر شخصية شهيرة مفضَّلة لدى الموظف المعنيِّ في مكتبه وامنحه جائزةً ظريفةً.
(??) خصِّصْ مكانًا أمام باب المبنى كي يُوقِف فيه الموظفُ المتميِّز سيارتَه (لا تنسَ أن تعلِّق لافتةً تحمل اسم الموظف، وتقول إن هذا المكان مخصَّص لسيارته).
(??) ادعُ عازف كمان إلى الشركة، ودَعْه يعزف موسيقى هادئة للموظفة المعنِيَّة عند مكتبها لبضع دقائق.
(??) استأجِرْ طاقمًا يكنس أوراقَ الشجر، أو يزيح الجليد المتراكم في مكان خروج سيارة موظفك من منزله، وادفع تكاليف ذلك.
(??) استأجر طاهيًا شخصيًّا يطهو العشاء للموظف في منزله لمدة أسبوع.
(??) استأجِرْ مصوِّرًا يلتقط للموظف صورةً عائليةً كهدية منك.
(??) كلِّفْ أحدَهم بكتابة أغنيةٍ أو قصيدةٍ طريفةٍ تُكتَب خِصِّيصَى من أجل الموظفة أو الموظف الذي تريد تقديره.
(??) بدِّلْ تذكرة الطيران الخاصة بموظفتك لتصبح تذكرةً لمقعد في الدرجة الأولى. وبينما هي في طريقها إلى المطار، اترك لها رسالة بريد صوتي تشرح لها فيها ما فعلتَ وتفسِّر سبب ذلك (وشاهِدْ مستوى التزامها بالعمل وهو يعلو أمام عينَيْك).
(??) اسمح للموظف المعنيِّ بالسفر على متن طائرة الشركة إلى الاجتماع القادم الذي سيسافر لحضوره.
(??) إذا كان موظفك من محبِّي الحيوانات، فدَعْه يُحضِر حيوانه الأليف لقضاء يوم في المكتب (ولكنْ تأكَّدْ من أن بقية الموظفين لا يعانون من أي حساسية ضد الحيوانات قبل أن تتَّخِذ هذا القرار).
(??) إذا ربحتَ صفقةً كبيرةً — كصفقة بمليون دولار مثلًا — فضَعْ نسخة من الشيك الذي ربحته في برواز أبيض كبير، ووقِّع عليها واكتب تحتها: «لقد كان لك دور كبير في فوزنا بهذه الصفقة.»
(??) استأجِرْ شخصًا يعلِّق أضواء أعياد الميلاد (التي ستكون هديةً منك) خارج منزل الموظف أو الموظفة، ودَعْ نفسَ الشخص يحضر لإنزالها بعد انقضاء العطلة.
(??) إذا أرسلتَ الموظف إلى مدينة رائعة في رحلة عمل، فقدِّمْ إليه دعوةً لقضاء يوم إضافي للراحة والاستجمام على حسابك.
(??) قدِّمْ للموظف أو الموظفة صورةً لفريق العمل، وضَعْها في برواز ذي خلفية بيضاء كبيرة، ثم اطلب من أعضاء الفريق أن يوقِّعوا أسماءهم على الخلفية ويتركوا رسالةَ تهنئةٍ.
(??) خطِّطْ لاحتفالٍ مَرِحٍ يأتي فيه الموظف الأعلى أداءً إلى المنصة كي يتسلَّم ميدالية. أضِفْ بعضَ المراسم والمواقف الطريفة إلى برنامج الحفل. إنَّ حدثًا كهذا قد لا يكون حدثًا كبيرًا، ولكن مجرد تفكيرك في إقامته سينقل صِدْقَ مشاعرك.
(??) أرسِلْ كتابًا لابنِ أو ابنةِ موظفتك في عيد ميلاده أو ميلادها، واكتب إهداءً بتوقيعك على الغلاف الداخلي للكتاب تقول فيه: «إنَّ والدتك واحدة من الشخصيات المهمة في هذا المكان.»
(??) اسمح لموظفك بأن ينام ساعتين إضافيتين في صباح أحد الأيام، عندما تشعر بأن الإجهاد قد بدأ يصيبه. سيكون من الرائع ألَّا يضطر إلى ضبط المنبه على موعد الاستيقاظ للعمل ليومٍ واحدٍ على الأقل، أليس كذلك؟
(??) إذا كان الموظف يعمل في الخارج في يوم حار، فحاوِلْ معرفةَ مشروبه غير الكحولي المفضَّل، وأرسِلْ إليه كوبًا كبيرًا باردًا من هذا المشروب. لا يوجد ما يمكن أن يعبِّر عن امتنانك له مثل كوب كبير من الكولا.
(??) أرسِلْ سلةً من الفواكه إلى منزل موظفك، ولا تَنْسَ أن ترفقها ببطاقةِ شكرٍ موجَّهة له شخصيًّا ومكتوبة بخط يدك (ستشكره عائلته أيضًا على تلك الهدية).
(??) في أعياد الميلاد، امنح موظفك ساعتين من الراحة في وقت الغداء كي يشتري فيهما الهدايا، أو كي يعود مبكرًا إلى المنزل.
(??) امنح موظفك لوحةً مطبوعةً من عمل فنَّانه المفضَّل.
(??) اعرض على موظفك أن تكون مساعِده لمدة يومٍ، وساعِده في إتمام مهام وظيفته.
(??) عندما تسافر موظفةٌ عندك في رحلة عمل، فاحجز تذكرةً لها كي تحضر أفضل عرض مسرحي في المدينة التي سافرَتْ إليها (على سبيل المثال: إذا كانت الموظفةُ ستسافر إلى نيويورك، فاحجزْ تذكرةً لإحدى المسرحيات في برودواي).
(??) اسمح للموظف وعائلته بالجلوس في المقصورة الخاصة بالشركة في أثناء حدثٍ رياضيٍّ أو حفلٍ موسيقيٍّ ما.
(??) تكفَّلْ بالمصاريف اللازمة لرعاية الحيوان الأليف الخاص بموظفتك عندما تكون خارج البلدة في رحلة عمل.
(??) إذا كان موظفك من محبي الحيوانات، فقدِّمْ له طوقًا فخمًا يضعه حول رقبة حيوانه الأليف، أو امنحه بطاقة هدايا تسمح له بالحصول على جلسة تجميل مجانية لحيوانه الأليف.
(??) شكِّلْ فريقًا لتنظيف حديقة منزل موظفك أثناء وجوده في العمل أو أثناء غيابه في رحلة عمل؛ إن ساعة واحدة (من الخدمة) بإمكانها أن تترك أثرًا مذهلًا على مستوى التزام الموظف بالعمل.
(??) عندما يتولَّى الموظف منصبًا أكبر وأفضل من منصبه الحالي، امنحه تذكارًا بهذه المناسبة؛ على سبيل المثال: قدِّمْ له تمثالًا صغيرًا يضعه على مكتبه.
(??) اكتب إذنًا يسمح للموظف الذي تريد تقديره بمغادرة العمل في الظهيرة.
(??) إنَّ إهداء أحدهم هدية طبيعية مثل شتلات أنواع من الزهور أو بذور نباتات أو شجرة في عالَم يغلب عليه الطابع التكنولوجي، سيجعل منها هدية لا تُنسَى.
(??) امنح موظفتك فرصة الحصول على جلسة تجميل أو عناية بالأظافر.
(??) أرسِلِ الموظفَ في رحلةٍ للتجديف النهري.
(??) خُذْ موظفك الشغوف بقيادة السيارات إلى اختبار قيادة سيارة فيراري أو غيرها من السيارات الفريدة، وانطلق!
(??) إذا كان الموظف من هُوَاة لعب الجولف، فرتِّبْ له فرصةً كي يلعب الجولف في مضمار خاص في مدينتكم، أو في المكان الذي سيذهب إليه في رحلة عمل.
(??) إذا كانت إحدى الموظفات لديك من محبِّي التزحلق على الجليد، فاحجز لها مكانًا في منتجعها المفضَّل ليوم واحد، وتكفَّلْ بكل التكاليف.
(??) أرسِل الموظفَ المعنيَّ إلى مدرسة «ناسكار» لقيادة السيارات، أو إلى واحد من أرقى المخيَّمات الرياضية.
(??) اطلب من الفريق كله أن يعمل ليوم كامل في خدمة الجهة الخيرية التي يفضِّلها الموظف الذي ترغب في تقديره.
إذا كنتَ ترغب في تقدير فريقك على ما حقَّقَه من نجاحات، يمكنك تجربة إحدى الطرق التالية: (?) رتِّبْ لإقامة مباراة كرة قدم أو تنس طاولة في أي يوم جمعة.
(?) استضِفْ حفلًا مسائيًّا في القسم على طراز كازينوهات لاس فيجاس؛ يحصل جميع مَنْ في الحفل على فيشات، ومَنْ يَفُزْ في نهاية اللعبة يستبدل الفيشات التي معه بجوائز.
(?) خُذِ الفريق في رحلةٍ إلى مكان يلعبون فيه بالطائرات الورقية.
(?) حوِّلْ وقتَ الغداء إلى حفلٍ لتناوُل البيتزا، فمَنْ منَّا لا يحب الحفلات؟
(?) خُذِ الجميع إلى السينما لمشاهدة فيلمٍ في ظهيرة أي يوم جمعة. أفضلُ فيلمٍ تستمتع بمشاهدته في وقتٍ كان المفترض أن تعمل فيه، هو فيلم دينزل واشنطن الجديد.
(?) بعد يومٍ شاقٍّ في العمل، ادعُ الجميع إلى اجتماع إجباري طوال اليوم في منتجع صحي نهاري.
(?) استحضِرْ ممثِّلًا كوميديًّا مهذَّبًا يسلِّيهم أثناء وقت الغداء.
(?) خُذِ الجميع للتزحلُق على الجليد أو التزلُّج في حلبةٍ باستخدام الأحذية المناسبة لذلك. استأجِرِ المعدات وادفعْ تكاليفَ الدخول.
(?) اشترِ مجموعةً من الأوشام المصنوعة من الحِنَّاء، التي تحمل شعار الشركة، ودَعِ الموظفين يقضون وقتًا مَرِحًا معًا.
(??) أحضِرْ سيارات سباق مزوَّدة بمحرك آلي ونظِّمْ سباقًا؛ يحصل مَنْ يَفُزْ بالسباق على جائزة، ولكنْ يأخذ الجميع سياراتهم معهم إلى المنزل.
(??) استحضِرْ عرَّافًا ليتنبَّأ بالأحداث السعيدة التي ستحدث في حياة الجميع على سبيل المرح والتسلية.
(??) نظِّمْ يومًا للألعاب الأولمبية يتضمَّن سباقات الحواجز، والسباقات المحدَّدة بوقتٍ، والأحذية المقاوِمة للجاذبية، وغيرها من الأنشطة البدنية الممتعة.
(??) اخرجوا معًا واصنعوا رجلًا من الثلج.
(??) استحضِرْ فرقة موسيقى مكسيكية ودَعْها تعزف أثناء استراحة الغداء.
(??) في يوم الهالوين، أحضِرْ أقنعةً وشَعْرًا مستعارًا للجميع، والشخص الذي يحصل على شعر بتسريحة الموليت المضحكة، سيضطر لارتداء شعره المستعار طوال اليوم.
(??) قدِّمْ لهم المثلجات أثناء عملهم خارج المكتب في يومٍ حار.
(??) اجعل مكان العمل أكثر راحةً بناءً على اقتراحاتهم.
(??) استأجِرْ ماكينةً لعمل الفُشار، ودَعْهم يأكلون الكميةَ التي يريدونها طوال الظهيرة.
(??) اشترِ لهم قهوةً من ماركة فخمة، وقدِّمْها لهم كتحية في الصباح.
(??) خصِّصْ مكانًا يقدِّم المشويات أو التاكو للجميع أثناء الغداء.
(??) استفِدْ أقصى استفادة ممكنة من حفلات توزيع جوائز التقدير الرسمية لتقدير فريقك. اجمعْ كلَّ أعضاء الفريق معًا في كل مرة تقدِّم فيها جوائز الخدمة والأداء والمبيعات.
(حسنًا، كانت هذه ?? طريقة وليست ??؛ فلم نستطِعْ أن نقاوم رغبتنا في إضافة المزيد من طرق التقدير. وهكذا هي حال مَنْ يعتنق مفهوم التقدير؛ فبمجرد أن تبدأ في تقدير موظفيك، سيكون من الصعب عليك أن تتوقَّف عن تقديرهم. وما الذي يمكن أن يَثْنِيك عن هذه الرغبة؟)
للحصول على ??? فكرة إضافية لطرق التقدير، نُوصي بالاحتفاظ بنسخة من كتابنا «حافز في اليوم» في مكتبك. اقرأ فكرةً واحدةً في اليوم، وستصبح مديرًا أفضلَ لديه مَعين لا يَنضُب من الأفكار التي يستخدمها لمكافأة موظفيه.
تدريب عملي

رسالة في زجاجة إلكترونية

الآن، قبل أن تقلب صفحة جديدة، فَكِّرْ في شخص معيَّن من بين أعضاء فريقك يستحِقُّ التقديرَ على جهوده الرائعة، وأرسِلْ إليه بطاقةَ تقديرٍ إلكترونيةً.
اربطْ رسالتَك بإحدى القِيَم الأساسية المهمة بالنسبة إلى فريقك، وكُنْ محددًا في شرح العمل المميَّز الذي قدَّمَه هذا الموظف، وكيف أسْهَمَ عملُه هذا في الاقتراب من تحقيق أهداف الفريق. بعد أن تنتهي من ذلك، وقبل أن تنسى أو يصيبك التردُّد، اضغط على زرِّ الإرسال.
فيما يلي مثالٌ لرسالة بريد إلكتروني، يمكن أن تستعين به: «عزيزتي إيمي، أردتُ فقط أن أشكركِ على تطوُّعِك للمساعدة في المراجعة الشهرية للحسابات. كما تعلمين، كان تاي منهمِكًا في تجميع البيانات المالية، ولا أعرف كيف كنَّا سننتهي من حسابات نهاية الشهر من دون مساعدتك. لقد أظهرتِ قدرةً ممتازةً على العملِ الجماعيِّ، والعملُ الجماعيُّ — كما تعرفين — واحد من الأهداف الأساسية التي نسعى إلى تحقيقها هنا. شكرًا مرةً أخرى!»
إنَّ الأمر بسيط جدًّا، أليس كذلك؟ ابدأ في العمل إذن! يمكنك أن ترسل بطاقةَ شكرٍ مجانيةً بالبريد الإلكتروني عبر أحد المواقع المتخصِّصة، أو يمكنك أن ترسل رسالةَ بريدٍ إلكتروني عاديةً؛ المهم هو أن تعبِّر عن شكرك.
عبِّرْ عن شكرك لموظفيك بانتظام، وسيشكرك الموظفون بتحسُّن أدائهم وارتفاع روحهم المعنوية.

الفصل الخامس
نتائج واضحة


مرَّ الوقت سريعًا، أو هكذا بَدَا الأمر لإيان، وكان الوقت قد حان لإقامة حفل جديد لتوزيع ثمار العُمَّال. تَسارعت الأفكار في ذهن إيان بينما كان يرتدي ملابس الاحتفال؛ كان يفكِّر في أن هذا الاحتفال سيكون مختلفًا عن كل الاحتفالات التي سبقته، وعلى الأرجح سيكون فريدًا من نوعه.
لكن، على ما يبدو، كان إيان هو الشخص الوحيد الذي سَيْطَرَ عليه التوترُ في تلك الليلة المميَّزة؛ كان الناس من حوله مستغرقين في مهام عملهم اليومية، منهمِكين دون اهتمام يُذكَر في التجهيز لاستقبال حصادهم من الجواهر خلال الاحتفالات التي ستقام في مساء تلك الليلة.
في حركة جماعية، حمل الهايلاندرز السِّلال المليئة بالفواكه والحبوب والخضراوات على أكتافهم، وساروا في طريقهم إلى سفح أول جبل. تَوقَّف الهايلاندرز قبل وصولهم إلى تلك الأرض المستوية المحاطة بالأشجار حيث يقدِّمون القرابين للووركرز؛ لكي يرتِّبوا صفوفَهم، بينما حجبتهم الخمائلُ الكثيفة، التي أحاطَتْ بالمكان، عن الأنظار. تَهامَس الهايلاندرز فيما بينهم وهم يرتِّبون سلالهم، بينما قام شخص كان يقف خلف إيان بتعديل حقيبة ظهره.
فجأةً، بدأ قرع الطبول وشقَّ رئيسُ القبيلة طريقَه بين الأشجار، ووصل إلى مكان تقديم القرابين ثم تَوقَّفَ فجأةً. تدافَعَ الهايلاندرز من خلفه على إثر توقُّفه المفاجئ واصطدم بعضهم ببعض؛ الأمر الذي أدَّى إلى اصطدام السلال بعضها ببعض، وسقوط عددٍ منها على الأرض. اضطرب إيقاع الطبول وتلاشى صوتها تدريجيًّا مع دخول الهايلاندرز إلى مكان تقديم القرابين واحدًا تلو الآخَر، إلى أن توقَّفوا جميعًا غير مصدِّقين ما أمامهم.
كانت الصناديق خاليةً.
لم يكن يوجد في الصناديق سوى حِفنة من الجواهر المحطَّمة في قاع واحد منها؛ أما بقية الصناديق فكانت خاليةً تمامًا. هبَّت زوبعة رملية، وأحدَثَ مِفصلٌ في أحد الصناديق صوتًا كالصرير. لوهلةٍ، استقرَّتْ أنظارُ الجميع على تلك الزوبعة الصغيرة التي أخذت تضرب الأشياء بعشوائية عند سفح الجبل.
ولكنَّ صوتًا عاليًا أفزَعَهم وأيقظهم من شرودهم في ذلك المشهد.
كان ذلك هو صوت رئيس القبيلة الذي سار إلى الأمام تاركًا خلفه الهايلاندرز المسئولين عن هذا الجبل وقال: «حسنًا يا جماعة، ليس ثمة ما يدعو للقلق، لدينا الكثير من الجبال كي نتفقَّدَها اليومَ، دَعُونا فقط ننتقل إلى موقعِ تقديمِ القرابين التالي.»
استأنَفَ قارِعو الطبول قرْعَ طبولهم في حماسٍ، واستمروا على ذلك طوال الطريق أملًا في أن يساعد ذلك على تحفيز بقية الهايلاندرز. وهكذا، تفشَّتْ روحٌ متفائلة بين صفوف الهايلاندرز، وبدأ الجميعُ في التشوُّق للحصاد التالي إلى أن وصلوا إلى موقع آخَر ووجدوه خاليًا من الجواهر؛ لم يعثر الهايلاندرز على شيءٍ في هذا المكان سوى بعض الصناديق الخالية تقريبًا.
استمرَّ الوضْعُ على تلك الحال وهم يتفقَّدون جبلًا تلو الآخَر طوال ساعات الليل.
بحلول الوقت الذي كان فيه الهايلاندرز قد وصلوا لأبعد جبل، كان الخوف قد تَمكَّنَ منهم. دخلوا إلى موقع تقديم القرابين دون أي مظهر احتفالي يُذكَر، وتقدَّموا في مجموعاتٍ تضمُّ شخصين أو ثلاثة، إلى أن توقَّفوا غيرَ مصدِّقين ما يرونه.
لم يتوقَّع الهايلاندرز العثورَ على شيءٍ في ذلك المكان، ولكنهم وجدوه عامرًا بالصناديق التي اكتظَّتْ بالياقوت الأحمر والياقوت الأزرق والزمرد؛ كانت الجواهر مكدَّسةً في أكوام على الأرض أو في براميل؛ مما يشير إلى أن الحصاد كان وفيرًا بحيث لم تستطِعِ الصناديقُ استيعابَه.
سأل رئيس القبيلة وكان آخِر مَنْ يصل إلى الموقع: «ما الذي يجري هنا؟» كان لاهِثَ النَّفس، يدقُّ عكَّازَه على الأرض بصوت مسموع. في تلك اللحظة، كان الرئيس يشقُّ طريقَه بين الحشود في غضب وارتباك، إلى أن توقَّفَ مذهولًا من المشهد الذي رأته عيناه. استدار الرئيس وتفقَّدَ الحشد الذي أمامه ثم سأل: «مَنِ المسئول عن هذا الجبل؟»
أجاب أحدهم: «إيان هو المسئول.» الْتَفت الرئيس إلى الوراء كي يبحث عن الشاب، ثم سأل: «إيان، أين أنت؟»
شقَّ إيان طريقَه بين الهايلاندرز ووقف أمامهم.
سأل رئيس القبيلة وهو يشير بحركات عشوائية نحو الجواهر التي كانت وراءه: «ها أنت ذا. أنا … ماذا فعلتَ … كيف فعلتَ …»
ردَّ إيان في هدوء: «لستُ أنا مَنْ فعل ذلك.»
نظر إليه الرئيس نظرةً متحيِّرة.
قال إيان وهو ينظر مبتسِمًا نحو الجواهر التي كانت وراء رئيس القبيلة: «بل نحن.»
صاح عدد من الهايلاندرز في دهشة.
لم يلتفت رئيس القبيلة مباشَرةً عند سماعهم وكأنه كان يخشى ما سيراه، ولكنْ عندما التفَتَ لم يكد يصدِّق عينَيْه؛ كان ثمة أشخاصٌ يقفون بين الجواهر … أيُعقَل أن تكون رؤيته سليمةً؟ … هل كان هؤلاء هم … غير المرئيين؟
تركه إيان وتَقدَّمَ ليقف أمام المجموعة بجانب ستار.
قال إيان مشيرًا إلى الأشخاص الذين وقفوا صامتين بين الصناديق: «هؤلاء هم الووركرز الذين يعملون تحت إدارتي، وهذه ستار، وهي واحدة من أنبغ عُمَّالنا وأكثرهم موهبةً.»
نظرت ستار إلى إيان وابتسمَتْ.
استطرد إيان: «لقد عانى الووركرز دون أن يلتفت أحدٌ لهم، ولكنهم في حاجةٍ لأنْ نراهم، ونحن في حاجةٍ إلى أن نراهم إذا كنَّا نريد أن ننجح جميعًا. من دون الووركرز سنختفي كلُّنا.»
راقب إيان حركةَ عينَيْ رئيس القبيلة وهو ينظر إليه تارةً، وإلى الووركرز تارةً، وإلى الجواهر التي افترشَتِ الأرضَ تارةً أخرى. لقد حلم إيان بهذه اللحظة وتَخيَّلَ نفسَه وهو يقف في هذا المكان وقفةَ المنتصِر ومن خلفه الووركرز، ولكنه أدرك في تلك اللحظة أن تلك الصورة فيها عيبٌ سرعان ما أدركه؛ وحينها، تردَّدَ للحظة ثم تراجَعَ إلى الصفوف الخلفية ليقف وراء الووركرز.
سمع إيان أصواتًا تهمس في حماس من حوله، واقترب بعض الهايلاندرز في حَذَرٍ ليتفقدوا الجواهرَ الرائعة، ثم انضمَّ إليهم عددٌ من غير المرئيين، وتبادَلَ الطرفان الحديثَ في خجلٍ.
وقف إيان وراء الووركرز، وقد ساوره شعورٌ غريب بأن هذه هي المرة الأولى في حياته التي يشعر فيها أنه مرئي، وأن جهودَه ملموسةٌ إلى هذه الدرجة.
(?) نتائج واضحة

(?-?) العائدات المادية لإدراك جهود موظَّفِيك وتقديرها

ماذا لو كانت ثمة استراتيجية واحدة تتيح لك تحقيقَ كل أهداف شركتك دفعةً واحدة؟ ألن يكون ذلك رائعًا؟ حسنًا، إليك طريقةَ عملِ هذه الاستراتيجية: إنَّ ولاءَ العملاء وولاءَ المستثمرين لشركتك يعتمد كليًّا على مدى تفاني موظفيك وانخراطهم في العمل وولائهم للشركة؛ الأمر الذي يحفِّز الأداءَ الوظيفي المرتفع. وما السبيل إلى رفع معدلات تفاني الموظفين وولائهم؟ الإجابة هي: تقدير الموظفين.
والتقدير يبدأ بمديرٍ لديه الرغبة في أن يقدِّم موظفيه على نفسه، وأن يقف خلفَهم كي يدعهم يستمتعون بالتقدير.
يشرح ماركوس باكينجهام، مؤلِّف كتاب «الشيء الوحيد الذي تحتاج إلى معرفته»، الأمرَ قائلًا: «إن المديرين الجيدين ليسوا في حاجةٍ إلى أن يُذكِّرَهم أحدٌ بأهمية المدح والثناء. إنَّ هؤلاء المديرين، على ما يبدو، لديهم ما يكفي من الحَدس كي يدركوا أن الثناء على الموظفين ليس مجرد ردِّ فعلٍ على الأداء الرائع الذي يقدِّمونه في العمل، بل هو سبب فيه.»
ثمة شيء رائع يحدث عندما يلاحِظ الموظفون أن مديريهم قد بذلوا جزءًا من وقتهم وجهدهم الثمين من أجل العمل على تكريمهم؛ إنَّ مثل هذا الأمر يسمح لهم بجرعةٍ من الغرور. (دَعْنا نكُن صُرحاء، مَنْ منَّا لا يحب أن يُثنَى عليه وينال التقدير؟) وثمة ما هو أكثر من ذلك؛ حيث يُوجِد التقديرُ لحظةً مشتركة بين المدير والموظف؛ هذه اللحظةُ المشتركة بما تحمله من احترام متبادَل، تشكِّل أساسًا تقوم عليه علاقةٌ عاطفية وثيقة بين الشركة والمدير والموظف، وبفضل هذه العلاقة سيصبح الموظف متفانيًا في عمله وملتزمًا به، وستنمو لديه الرغبةُ في أن يمنح الشركةَ شيئًا آخَر بجانب الوقت الذي يقضيه في العمل؛ الأمر الذي يعزِّز ثقافةَ العمل في الشركة، ويمكِّن المديرين من إنجاز أعمالٍ أكثر لصالح الشركة، من خلال جهود الأشخاص الفعليين الذين ينجزون العمل؛ أيِ الموظفين. باختصار، ستتمكَّن من خلال هذه العلاقة أن تكوِّن قوةً عاملةً متفانِيةً في أداء عملها.
كيف يبدو الموظف المتفاني في عمله إذن؟ إنَّ الأمر لا يتعلَّق بمظهر الموظف بقدرِ ما يتعلَّق بالأسلوب الذي يتعامل به مع عمله. إنَّ الموظفين المتفانين يهتمون بجودة عملهم وجودة شركاتهم، كما أنهم يستمتعون بالعمل الذي يؤدونه. ولكن أسهل طريقة لمعرفةِ ما إذا كانت القوة العاملة بشركةٍ ما تتَّسِم بالتفاني أم لا، هي أن تنظر إلى صافي الدخل الذي حقَّقَتْه الشركة على المدى الطويل؛ أيْ أنْ تنظر إلى المحصلة النهائية المتحقِّقة.
وفقًا للعمل الذي نفَّذَته شركة هويت في مجال التفاني الوظيفي، فإن «ثمة علاقة وثيقة تربط بين التفاني الوظيفي والمعايير الأساسية لنجاح الشركات؛ مثل: معدلات الإنتاجية، والاحتفاظ بالموظفين، ورضا العملاء، والعائدات الإجمالية لحاملي الأسهم، ومعدل نمو المبيعات. ولقد أدركت المؤسسات، التي نجحت في تحسين معدلات التفاني لدى موظفيها، أن ذلك التحسُّن قد أدَّى إلى تحسُّنٍ في معايير النجاح لديهم».
يروي لويس إيه ميشكيند ومايكل إيروين ميلتزر، في كتابهما الذي يحمل عنوان «العائدات الضخمة لتلبية رغبات الموظفين»، النتائجَ التي صدرت عن استطلاعِ رأيٍ أَجْرَتْه شركةُ سيروتا الاستشارية. من بين ?? شركة خضعت لهذه الدراسة، شهدت ?? شركة — وكانت كلها شركات يتمتع موظفوها بروح معنوية عالية — زيادةً في أسعار الأسهم بمتوسط ?? بالمائة، وذلك في الوقت الذي كان فيه متوسطُ الزيادة في أسعار الأسهم بالسوق ? بالمائة؛ أما الشركات الست التي كان موظفوها يعانون من انخفاض في روحهم معنوية، فقد ارتفع سعرُ أسهمها بنسبةٍ لم تتخطَّ ? بالمائة.
لكن، قد يكون أبلغ دليلٍ على وجود علاقة إلزامية وطيدة بين تقدير الموظفين ومعدل صافي الدخل للشركات، هو على الأرجح الاستطلاع الذي أجريناه على ?? ألف موظف من كل المستويات في ?? مؤسسة. أجرت لنا استطلاعَ الرأي منظمةُ هيلثستريم البحثية، وقد تَبيَّنَ من الاستطلاع أن ثمة علاقةً مباشِرةً بين تقدير الموظفين وهامش التشغيل وعائدات الملكية وعائدات الأصول.
في الشركات التي سجَّلَ موظفوها أقلَّ نسبةِ موافَقةٍ على عبارة «تقدِّر مؤسستي التميُّز» في الاستطلاع، بلغ متوسط نسبة العائد السنوي على حقوق الملكية ??? بالمائة فقط. وعلى النقيض، وصلَتْ نسبةُ متوسط العائد على حقوق الملكية، لدى الشركات التي سجَّلَ موظفوها أعلى نسبةِ موافَقةٍ على العبارة نفسها، إلى ??? بالمائة. بعبارة أخرى، حقَّقَتِ الشركات التي تقدِّر التميُّزَ على نحوٍ فعَّالٍ عائدًا أكبر، مقارَنةً بتلك الشركات التي لا يلقى فيها التميُّزُ هذا التقديرَ.
ولكن هذه مجرد معالجة سطحية للموضوع؛ حيث أظهرت الدراسة التي أجرَتْها مؤسسة هيلثستريم علاقةً مماثِلةً بين التقدير والعائد على الأصول؛ حيث كان العائد على الأصول لدى الشركات التي تتَّخِذ إجراءاتٍ فعَّالةً لتقدير الأشخاص المتميزين، يَفُوق ثلاثة أضعاف العائدات نفسها لدى الشركات التي لا تتَّخِذ إجراءات مماثِلة. وبما أن العائد على الأصول مقياسٌ لكفاءة الشركة في استغلال الأصول التي تملكها في تحقيق مكاسب، فهذا يعني أن الشركات التي تقدِّر تميُّزَ الموظفين، يمكنها استغلال ما تملكه في تحقيقِ إنجازاتٍ أكثرَ من تلك الشركات التي أهملت هذه الأداة المهمة.
بوجهٍ عامٍّ، الشركات التي لديها هامشُ تشغيلٍ كبيرٌ، عادةً ما تكون تكاليفها الثابتة أقلَّ وهامشُ الربح الإجمالي لديها أفضل؛ الأمر الذي يمنح تلك الشركات مرونةً أكبرَ في التسعير، ومزيدًا من الأمان خلال الأوقات الاقتصادية العصيبة. أما ما توصَّلَ إليه الباحثون، فهو أن تقدير الموظفين هو المعيار الأكثر تأثيرًا على هامش التشغيل مقارَنةً بالمعايير الأخرى. ووفقًا للبيانات التي لدينا، فإن الشركات التي سجَّلَ موظفوها أقلَّ نسبةِ موافَقةٍ على عبارة «تقدِّر مؤسستي التميُّز» في الاستطلاع، قالت إنها حقَّقَتْ هامشَ تشغيلٍ تبلغ نسبتُه ??? بالمائة، بينما حقَّقَتِ الشركاتُ التي سجَّلَ موظفوها أعلى نسبةِ موافَقةٍ على العبارة نفسها، نسبةً تبلغ ? بالمائة فقط.
أرقام كثيرة، ولكنْ وراء هذه الأرقام موظفون متفانون ومنتِجون. هل تعلم؟ ربما يكون لديك ما يكفي من الحَدْس كي تدرك أن التقدير له أثرٌ على الدخل الصافي للشركة طوال الوقت، ولكن الآن لديك ما يكفي من الحقائق كي تُثبِتَ صحةَ هذا الحَدْس.

الفصل السادس
عودة المختفين


في صباح اليوم التالي، كان إيان يحاول أن يطرد بقايا النوم من عينَيْه، بينما كان ينتظر الحُرَّاسَ الآخَرين كي ينضموا إليه عند سفح الجبل. كانت الليلةُ الماضية قد شهدت ساعاتٍ من الموسيقى والرقص والاحتفالات، واليومَ كان إيان يعلم أنَّ ثمة الكثيرَ من الأسئلة التي سيودُّ بقيةُ الحُرَّاس أن يطرحوها عليه.
انتظَرَ إيان إلى أن أشرقت الشمس كليًّا، ثم انطلق بحثًا عنهم. وجد إيان الحُرَّاسَ عند برج المراقبة يراقبون جبالهم، التي كانت خاليةً، بلا حماسٍ عبر عدسات التليسكوب.
سألهم إيان: «ما الذي تفعلونه هنا؟ لقد انتظرتكم عند سفح الجبل لساعات، وكان العُمَّالُ مستعِدِّين للعودة إلى الجبال برفقتكم. ماذا حدث؟»
استدار الحُرَّاسُ ونظروا إليه، لكنَّ أحدًا لم يُجِبْ عن أسئلته.
ولكنْ فجأةً أدرك إيان سببَ المشكلة؛ ببساطة، لم يكن الحُرَّاسُ يعرفون الخطوةَ التالية التي يجب عليهم اتخاذها.
«حسنًا، تعالوا معي!» نظر إيان إلى وجوههم القَلِقة، ثم قال: «ثقوا بي.» استدار إيان بعدها وقادهم في الطريق إلى جبل ساكس.
لحُسْن الحظ، كان توب هو أول مَنْ قابلوه هناك من الووركرز، وقد كان من العُمَّال الملتزمين للغاية. كان توب يفرِّغ محتوياتِ حقيبةٍ من الياقوت الأحمر بحرصٍ في صندوقٍ عند سفح الجبل، وقد حدَّقَ الحُرَّاسُ في المشهد الذي كان أمامهم بإنعام.
سأل إيان وهو ينظر باتجاه الحبال التي تدلَّت من أعلى: «ما أخبار نظام المصاعد الجديد؟»
أشار توب بإبهامه علامة على أن النظام يعمل بصورة ممتازة.
التفتَ إيان للحُرَّاس وقال: «إنها طريقة جديدة بدأنا في تطبيقها منذ أيام، وقد كان توب هو مَنِ اقترحها. وبهذه الطريقة، سيركِّز الووركرز اهتمامَهم على جمع الجواهر بدلًا من إهدار الكثير من الوقت في تسلُّق الجبل والهبوط منه؛ حيث إنهم يتسلَّقون الجبلَ في الصباح، ويبقون هناك حتى موعد الغداء.»
بينما كان إيان يتحدَّث، انزلقَتْ حقيبة على الخط واتجهت ناحيتهم. التقط توب الحقيبةَ وأفرغ محتوياتها من الأحجار الحمراء والزرقاء والخضراء بحرصٍ في الصندوق.
«بفضل توب وفكرته، لم نَعُدْ نرى الكثيرَ من الجواهر المكسورة وقد ارتفعت جودةُ حصادنا من جرَّاء ذلك. كما أن عُمَّالنا أصبحوا أكثر سعادةً بسبب قلة عدد المرات التي يضطرون فيها لصعود الجبل والنزول منه؛ الأمر الذي يُعَدُّ أكثرَ أمانًا بالنسبة إليهم؛ وعلاوة على ذلك، فقد زاد حصادنا اليومي من الجواهر. كما ترون، هذه هي أهدافنا: رضا الووركرز وسلامتهم، ورفع مستوى الجودة، وزيادة حصادنا.»
نظر إيان إلى توب الذي كانت علامات الفخر قد اعتلت وجهه.
سأل أحد الحُرَّاس وتفاجَأَ إيان؛ إذ كانت هذه هي المرة الأولى التي يتكلَّم فيها أحد الحُرَّاس منذ بداية اليوم: «كيف تعمل هذه المصاعد إذن؟»
قال إيان: «لِمَ لا تريهم يا توب؟»
استمع الحُرَّاس باهتمام إلى توب وهو يشرح طريقة عمل النظام، ثم قادهم توب ببطء إلى أعلى الجبل، وأخذ يشرح لهم خطوات عمل النظام خلال صعودهم.
في نهاية اليوم، عاد الحُرَّاس وهم يشعرون بالحرِّ والتعب والتشوُّق للبدء في تطبيق النظام نفسه في الجبال التي كانوا مسئولين عنها.
في الليل جلس الجميع حول نار المخيَّم، وعرَّفَ إيان كلَّ حارسٍ بالووركرز الذين يعملون في الجبل الذي كان يُشرِف عليه.
خمدت النيران تدريجيًّا وعاد الووركرز إلى منازلهم، ولكن المشرفين بَقَوْا في أماكنهم وكأنهم ينتظرون شيئًا. كان إيان يعرف الشيءَ الذي ينتظرونه.
«الخطوة التالية بعد أن تحدِّدوا أهدافَكم معًا، هي أن تروا الووركرز وتقدِّروا جهودهم.»
ابتسَمَ إيان عندما رأى نظرات التعجُّب التي اعتلَتْ وجوههم، ثم سار في الظلام باتجاه منزله.
في الصباح التالي، ذهب إيان إلى برج المراقبة أولًا؛ خشيةَ أن يجد الحُرَّاس مجتمعين هناك مثلما حدث في المرة السابقة، ولكنه اطمأن عندما ذهب إلى هناك ووجد منصة المراقبة خالية.
اتجه إيان إلى الجبل الأول، وإذا أحد الحُرَّاس يمر في الطريق وكان يسير برفقة أحد الووركرز.
قال الحارس: «لم أكن أعلم أن الطريق منحدرٌ إلى هذه الدرجة، كما أنه ليس طريقًا مباشِرًا أيضًا. كنَّا نتحدَّث عن أهدافنا في صباح اليوم، وقد أرانا الووركرز طرقًا غير مألوفة ستجعل مهمتنا أسرع وأسهل. سيستغرق الأمرُ بعضَ الوقت؛ إذ إننا سنحتاج إلى توسيع الطريق وتحسينه، ولكن حجم الاستفادة سيكون هائلًا؛ سيزداد رضا الووركرز بسبب هذا الأمر، وستزداد مع رضاهم حصيلةُ الجواهر. والفضل في الاقتراح يعود إلى كيندال الواقفة معنا هنا.»
قال إيان: «عظيم، لقد بدأتَ في رؤية الووركرز. الخطوة التالية التي ينبغي عليك اتباعها هي تقدير كيندال على فكرتها. فَكِّرْ في طريقةٍ تحتفل بها الليلةَ بهذا الإنجاز.»
سأل الحارس: «أتعني الطريق الجديد؟ لكننا لم نبدأ في العمل عليه بعدُ.»
شرح إيان الأمر للحارس في صبرٍ وقال: «إنك تقدِّرها على الفكرة لا على تطبيقها. سيكون لتطبيق الفكرة وتنفيذها احتفالٌ آخَر في يوم آخَر.»
ابتسم إيان واتجه إلى الجبل التالي. عند كل جبل ذهب إليه، وجد إيان حُرَّاسًا مرهَقين ومنهَكين يسيرون على الممرات الجبلية، وتعتلي وجوهَهم نظرةُ أملٍ.
كان الوقت قد تأخَّرَ عندما وصل إيان إلى الجبل قبل الأخير. كان هذا الجبل بلا شكٍّ الأكثرَ تحديًا من بين كل الجبال؛ وذلك بسبب وعورة منحدراته وشدة انحنائه؛ الأمر الذي يجعل نزوله صعبًا. بَدَتْ على وجه الحارسة علاماتُ الإحباط عندما ذكَرَ إيان الاحتفالَ، واعترفَتْ قائلةً: «لكنني لا أستطيع التفكيرَ في شيء واحد يمكننا الاحتفال به؛ لقد كان يومًا شاقًّا على الجميع.»
ردَّ إيان بنبرة اقتراح: «بالطبع، لن تحتفلوا كلَّ يوم، ولكنكم قد أنهيتم أولَ يومٍ لكم في العمل كفريقٍ. كنت سأحتفل بهذا لو كنتُ مكانك؛ إنَّ الاحتفالات تخلق أسبابًا للمزيد من الاحتفالات. وعلى أي حال، إنَّ الوقت الذي لا ترين فيه داعيًا للاحتفال، دائمًا ما يكون هو الوقت الذي يحتاج فيه فريقك إلى أن يحتفل.»
تساءَلَ إيان وهو يسير مغادرًا المكان عمَّا إذا كانت الحارسةُ التي أصابها الإحباطُ ستعمل بنصيحته، وتمنَّى أن تفعل ذلك.
في تلك الليلة، ترك إيان اجتماعَ فريقه لعدة دقائق فقط كي ينصت للأصوات التي جاءت من الأماكن المحيطة بالجبل؛ سمع إيان هتافًا وضحكًا متقطِّعًا يتردَّد صداه عبر الوادي، ولكن أفضل ما في الأمر كان رؤية النار المشتعلة وسماع موسيقى قادمة من ناحية الجبل الوعر القريب للجبل الذي يُشرِف عليه، والذي لم يكن لدى روَّاده سببٌ للاحتفال سوى انقضاء أول يوم لهم في العمل معًا دون مشاكل.
كانت هذه علامة جيدة، ولم يكن في استطاعته أن ينتظر حتى صباح الغد أو صباح بعدِ غدٍ أو بعدِ بعدِ غدٍ.
بعد أول ليلة من الاحتفالات، بدأت الأمور تتحسَّن تدريجيًّا على جزيرتهم التي تطل على بحر ميديوكر. صار الووركرز يحصدون الزمرد بانتظام من كل الجبال، وأصبح العملُ أسهلَ ومردودُه أكبرَ، كما ازداد حجم المحصول وارتفعت جودته عن السابق. الووركرز والهايلاندرز يعملون الآن جنبًا إلى جنب بحيث أصبح من الصعب التفرقة بينهم؛ كان الجميع يُعامَلون باحترام، وكانت أفكارُ الكل مسموعةً، والعمل الرائع يُحتفَل به، ولكن أفضل ما في الأمر هو انقضاء فترة طويلة دون أن يختفي أحدٌ من الووركرز.
وهكذا نما الكنز، وازداد العائد.
بعد مضي عام على حفل توزيع ثمار العُمَّال الماضي، الذي كان صادمًا إلى حدٍّ ما وقتَها لكنه صار الآن تاريخيًّا؛ رتَّبَ الهايلاندرز والووركرز لإقامة احتفال كبير بمناسبة التغييرات التي حدثت خلال هذا العام. ومع اقتراب نهاية الليلة، وقف إيان فوق صخرة كبيرة محاطة بمئات السلال التي اكتظَّتْ بالفاكهة ذات الألوان المتلألئة كالجواهر، وأشار إيان بيديه طالبًا الهدوءَ، وتوقَّفَ قَرْعُ الطبول وصمَتَ الحشد.
قال إيان: «في العام الماضي، حقَّقْنا ما كنَّا نخطِّط لتحقيقه.» هتف الجميع. أردف: «ولكنني سمعت الكلام الذي يدور بينكم. تتحدثون عن الماس؛ تقولون إنه علينا أن نجلب الماس من جديد. لقد نجحنا في جلب الماس على مدى سنوات مضت، ويمكننا أن نفعل هذا الآن. معًا، هذا العام، يمكننا أن نجلب أولَ دفعة من الماس بعد مرور أكثر من عَقد من الزمان.»
تعالت أصوات الطبول والهتاف، وقفز إيان عن الصخرة ثم وقف بجانب ستار.
كانت ستار تبتسم، ولكنه لمح نظرةً في عينَيْها. عرف إيان معنى تلك النظرة.
قال لها: «كنَّا في حاجةٍ إلى أن يكون جون معنا في مثل هذا اليوم، أليس كذلك؟»
أومأت ستار برأسها موافقةً.
فجأةً، شعر إيان بلسعة في الجو المحيط به. لوهلة، قَلِقَ إيان وظنَّ أنه كان على وشك أن «يتبخَّر» ويختفي، ثم سمع صوت فرقعة طفيفة رأى بعدها رجلًا ظهر أمامه فجأةً من العَدْم. تعرَّف إيان على الرجل على الفور.
إنه جون.
سمع إيان ستار تصرخ من هول المفاجأة ورآها تجري لتعانِق جون. تبعها آخرون من الووركرز، وإذا بنا أمام مشهدٍ امتزجَتْ فيه نشوةُ الابتهاج الغامر بالفوضى.
قالت ستار وهي تبكي فرحًا: «لقد ظننا أنك مُتَّ، أين كنتَ؟»
ضحك جون قائلًا: «لا، لم أمُتْ! ولكنني … ذهبتُ إلى مكان آخَر كان فيه أشخاص يحتاجونني، والآن، يبدو أن هذا المكان هنا هو أفضل مكان لي.»
رفع جون رأسه ونظر إلى إيان وقال: «إنَّ أخبار جزيرة كوباني تنتشر بسرعة، وأراهن أن الكثير من الووركرز الذين اختفوا سيعودون مثلما عُدْتُ.»
كان جون على حقٍّ؛ بعد عودته، عاد الكثير من الووركرز. كان هؤلاء قد سمعوا بالتغييرات التي حدثت وبنجاح الجزيرة، وقد عادوا كي يكونوا جزءًا من هذا كله. أحضر جون أول ماسة من سنوات عديدة، وقد ساعَدَ أعدادًا لا تُحصَى من الووركرز من أمثال ستار وريمي وتوب في الوصول إلى الارتفاع الذي وصل إليه.
وحتى الآن، لا يزال الووركرز والهايلاندرز يجلسون في ضوء الشموع أو حول نار المخيَّم ليَرْوُوا أسطورةَ الرجل الذي رأى غير المرئيين وقدَّر جهودهم، فصارت رؤيتُه هي السببَ الذي أنقذ شعب كوباني.
قال أحد كبار القبيلة: «اليومَ، نعمل معًا من أجل النجاح. من الصعب أن نصدِّق أن الوضع كان مختلفًا عمَّا هو عليه الآن في يومٍ من الأيام.»
وقد يتوقَّف أحد الشباب الصغار، الذي كان يلهو بعصاه في النار، ويسأل: «ولكن أَلَسْنا نحن مَن نحكم الووركرز؟ نحن رؤساؤهم، أليس كذلك؟»
عندها سيبدو القلق في عيون الهايلاندرز الكبار الذين تجمَّعوا حول النار وكأنهم يشهدون عودة حقبة مُرعِبة جديدة.
ولكن رئيس القبيلة سيردُّ بهدوء وحزم ويقول: «كل ما هنالك أن الوضع يتغيَّر للأفضل عندما نعمل معًا.»
وسينظر دائمًا طفل صغير في توتُّرٍ ناحيةَ الظلال المتراقصة في أنحاء المكان ويسأل: «هل سيكون ثمة أشخاص غير مرئيين بعد الآن؟»
سيردُّ الكبار دائمًا: «قطعًا لا. هكذا تسير الأمور.»
(?) عودة المختفين

(?-?) ماذا يتوقَّع منك الموظفون؟

لعلك سمعت قصة موظف المبيعات المتميِّز في عمله الذي قُتِل في حادث مأساوي باستخدام مفرمة ثوم يدوية. (لا تسألنا عن التفاصيل!) عندما وصل هذا الموظف عند الأبواب اللؤلؤية، حيَّاه القديس بطرس وقال له: «ينبغي عليك أن تقضي يومًا في الجنة ويومًا في النار قبل أن تختار مكانًا تقضي فيه حياتك الأبدية.»
كان عليه أن يقضي اليوم الأول في النار، ولكنه لم يشهد أيًّا من النحيب والعويل والأسنان المُحطَّمة التي كان يتوقَّع أن يراها، بل وجد نفسه في مكان جميل يأكل فيه طعامًا لذيذًا، ويقابل فيه أشخاصًا مُبهِرين بَدَا عليهم الانبهارُ والاهتمام بخلفيته. قضى الموظف وقتًا جيدًا في هذا المكان، لدرجة أنه لم يجد لديه رغبة في مغادرته عندما انتهى اليوم.
بعد تجربته المفاجئة في النار، كان الموظف يشعر بشيءٍ من التوتُّر بشأن ما سيشهده خلال يومه في الجنة (تساءَلَ الموظف في قلقٍ عمَّا إذا كانت الأيام تحمل عكس معانيها في الحياة الأخرى). ولكن على ما يبدو، كانت الجنة لطيفةً مثلها مثل النار، وكان بها أصواتُ موسيقى تُعزَف على آلة القيثارة، والكثيرُ من السُّحب المخملية البيضاء، كما توقَّعَ.
كان القرار صعبًا، ولكن في نهاية المطاف قرَّرَ الموظف أن يقضي حياته الأبدية في النار؛ إذ ارتأى أن هذا الاختيار كان ينطوي على قدرٍ أكبر من الإثارة مقارَنةً بالجنة.
ولكن عندما وصل هناك، وجد أن المكان قد تغيَّرَ؛ بحيث صار من الصعب التعرُّف عليه؛ رأى هناك أشخاصًا شاحبين يجوبون الصحراء تحت وطيس الشمس الحارقة بلا هدف، ويؤدُّون مهامَّ لا معنى ولا نهاية لها.
صرخ الموظف في وجه الشيطان وسأله: «ماذا حدث؟ منذ يومين فقط، كنتُ هنا وحضرتُ حفلًا رائعًا برفقة أناس مُبهِرين، ولكن الجميع الآن بائسون والوضع لا يُطاق.»
ابتسم له الشيطان ابتسامةَ العارف بالأمر وقال: «حسنًا، لقد كان هذا يوم التوظيف، وأنت الآن قد صرتَ موظفًا.»
في كل مرة حكينا فيها تلك القصة كان الناس ينظرون إلينا النظرةَ نفسها؛ كانت نظرتهم تقول: كم كانت القصة ستصبح مضحِكةً وخفيفةَ الظل لو لم تكن حزينةً إلى هذا الحد! إنه واقع مُحزِن ولكنه حقيقي.
إنَّ الصورة التي يرسمها الموظفون في ذهنهم للشركة أثناء المقابلات التي تسبق انضمامَهم إلى العمل، تختلف كل الاختلاف عن حياتهم اليومية في العمل؛ وأكبر اختلاف يراه الموظفون هو الاختلاف الذي يرونه في العلاقة الشخصية بينهم كموظفين وبين المدير المشرِف عليهم.
تأمَّلْ هذا: في أثناء المقابلة الشخصية، يحصل الموظف المحتمل على كامل انتباه المشرف؛ يعدِّد المشرِفُ الإنجازاتِ التي حقَّقَها الموظف ويناقشها نقاشًا مطوَّلًا، كما يسأله عن سيرته المهنية والأهداف التي يتمنَّى تحقيقَها خلال السنوات الخمس المقبِلة، ويشجِّعه على طرح الأسئلة. بعبارة أخرى، يشعر الموظف أن ثمة مَنْ يسمعه ويحترمه ويعرف قيمته ويقدِّره على ما أنجزه في الماضي، ثم يحصل الموظفُ على الوظيفة.
وغالبًا ما يتغيَّر كلُّ شيء بعد ذلك.
خُذْ على سبيل المثال قصةَ جيف الذي حصل على وظيفة أحلامه، ثم اكتشف أنه يعيش أسوأ كابوسٍ في حياته.
قال جيف: «وصلتُ هناك في يومِي الأول، ولم أستطع تصديقَ ما رأيتُ؛ لم يكن أحدٌ في انتظاري، وكانت مديرتي المباشِرة في إجازة، ولم ينظف أحد مكتبي، فنظَّفتُه بنفسي، كما أنني اضطررتُ أن أنتظر حتى عودة مديرتي من الإجازة كي أبدأ العمل؛ إذ لم يعرف أحدٌ كيف يتصرَّف معي. كانت هذه أطول خمسة أيام قضيتُها في حياتي المهنية كلها.»
في الواقع، تحوَّلَ الوضع من سيئ إلى أسوأ؛ فحتى عندما عادَتِ المديرة من إجازتها لم يرها إلا بعد مضي أسبوع آخَر.
«هذه ليست مزحة؛ كنتُ أجد تعليماتٍ مكتوبةً على مكتبي، أو أتلقَّاها عن طريق أحد زملائي أو عبر البريد الإلكتروني أو البريد الصوتي. وتمكَّنتُ من رؤيتها أخيرًا في الاجتماع الشهري للموظفين، عندها نظرَتْ إليَّ وكأنَّ شيئًا لم يحدث وقالت: «مرحبًا بك في الشركة!» علمتُ عندها أنني قد لا أراها إلا بعد شهر؛ ومن ثَمَّ قدَّمْتُ إشعارًا مسبقًا بالاستقالة في التوِّ واللحظة.»
إنَّ عدم الإبقاء على الموظفين وإهدار مواهبهم بصفةٍ مستمرة يقتل شركتك، وعليك أن تعترف بأنَّ قسم الموارد البشرية في مؤسستك يشهد معدلًا مرتفعًا من دوران العمالة عندما تكون الأوضاعُ الاقتصادية جيدةً. في أي شركة عادية، تستنزف تكاليفُ دوران العمالة نسبةً تتراوح ما بين ?? و?? بالمائة من دَخْل الشركة قبل خصم الضرائب، وذلك بحسب دراسة أجرَتْها شركةُ برايس ووتر هاوس كوبرز في عام ????. يا له من أمر مُخجِل! ربما كان من الأفضل أن تقتلع حصةً ضخمة من مؤسستك وتُلقِي بها في النهر.
وفقًا لوزارة العمل الأمريكية، فإن استبدال موظف جديد بموظف حاليٍّ يكلِّف الشركةَ الواحدة ??? ألف دولار على الأقل. ووفقًا لتقديرات هذه الوكالة، فإن تكاليف استبدال الموظف الواحد تبلغ أربعة أضعاف راتبه السنوي، وليس بنسبة ??? بالمائة من راتبه السنوي كما أشرنا سابقًا. تتراوح معدلات دوران العمالة في معظم المجالات بين ?? و?? بالمائة، ولكن بعض المجالات الأخرى، مثل قطاع الخدمات ومجال البيع بالتجزئة، دائمًا ما تشهد معدلاتِ دورانِ عمالةٍ تبلغ ??? بالمائة. يتوقَّع المعهد القومي لإدارة الأعمال أنه على الرغم من المناخ الاقتصادي السيئ، فإن أصحاب الأعمال سيفقدون ?? بالمائة من موظفيهم؛ ومن ثَمَّ سيستبدلون بهم آخَرين خلال السنوات الثلاث القادمة. في مؤسسةٍ يعمل بها ??? موظفًا، يتقاضون رواتبَ بمتوسط ?? ألف دولار سنويًّا، ستبلغ تكلفة استبدال هؤلاء الموظفين أكثرَ من ?? مليون دولار. وبالنظر إلى خطورة ضياع هذا القدر الهائل من المال، فإن الأمر يستحِقُّ منَّا أن نبحث عن الخطأ ونعرف سُبُلَ إصلاحه.
في كتابنا الذي يحمل عنوان «مبدأ التحفيز»، تَمكَّنَّا من نشر نتائج استطلاعٍ خضع له ??? ألف موظف، وأَجْرَتْه لنا مؤسسةُ هيلثستريم البحثية. أشار الاستطلاع إلى أن كل الموظفين تقريبًا يقرِّرون ما إذا كانوا سيستمرون في العمل على المدى الطويل لدى شركةٍ ما، في الأيام الأولى من بداية عملهم في تلك الشركة. (سيفاجئك عدد الموظفين الذين يتركون عملهم بعد اليوم الأول!) في الواقع، ?? بالمائة من الموظفين الذين لم تنقضِ ? أشهر على تاريخ تعيينهم، يبحثون بالفعل عن وظيفتهم التالية.
عندما يترك هؤلاء الموظفون العمل لديك، فإنك تضطر في نهاية الأمر إلى إنفاق المزيد من المال كي تُعلِنَ عن حاجتك لأشخاص يتقدَّمون لشغل الوظيفة الشاغرة، فضلًا عن الوقت الذي سيضيع في إجراء المقابلات الشخصية مع المتقدِّمين للوظيفة، وما ستشهده شركتك من خسائر في الإنتاجية أثناء فترة البحث عن موظفين جُدد. كما أن عملاءك سيعانون لأن الشركة لا تعمل بكامل طاقتها. وقُلْ وداعًا للعمل الجماعي؛ لأن الجميع سيتزاحمون لأداء المهام التي كان يؤدِّيها أصحابُ الوظائف التي أصبحَتِ الآن شاغرةً.
وفي نهاية المطاف، ستحتاج وقتًا لتدريب الموظفين الجُدد؛ الأمر الذي سيستهلك موارد. بالطبع، كان بإمكانك أن تُلقِي بهم في عرين الأسود منذ اليوم الأول وتتمنَّى أن يخرجوا سالمين، ولكن تلك الطريقة لم تُجْدِ نفعًا معك في الماضي، أليس كذلك؟
ثمة معركة دائرة من أجل العثور على الموظفين الموهوبين والاحتفاظ بهم. في الماضي، كان الهدف من هذه المعركة هو الاستحواذ على الموظفين الموهوبين، ولكن اليومَ تغيَّرَ المشهدُ وصار هدف المعركة هو الاحتفاظ بهؤلاء الموظفين. إنَّ هذا التغيير لا يعود إلى نقصٍ في عدد الأشخاص المؤهَّلين؛ فالعكس هو الصحيح. ولكن السؤال بسيط: ما هي التكاليف التي تتكبَّدها كلما ترك موظف جيد العملَ لديك؟ وثمة نقطة أخرى يجب إثارتها: عندما يترك أفضل موظفيك العملَ لديك، إلى أين تظنهم سيذهبون؟ إلى منافسيك؟
الغريب في الأمر هو أن الموظفين المستقيلين الذين خضعوا للاستطلاع، يقولون إنهم يتركون عملهم في أغلب الأحيان بسبب أمورٍ يمكن لصاحب العمل إصلاحَها بسهولة. يقول معظم الموظفين في المقابلة التي تُجرَى عند استقالتهم، إنَّ سبب تركهم وظيفتَهم هو الرغبة في جَنْي مزيدٍ من المال، ولكن في المقابلات السرية التي يُجرِيها طرفٌ ثالث، اعترف معظمُ الموظفين الجُدد بشيء مختلف تمامًا؛ قال هؤلاء الموظفون إنهم لم يشعروا بالتقدير أو الاندماج، لم يشعر هؤلاء الموظفون أنهم جزء من الفريق أو المؤسسة، لم يكن الموظفون راضين عن الشخصيات التي تعاملوا معها، ولا عن التوترات التي كانت تسود مكانَ العمل. إنَّ هؤلاء الموظفين قد تركوا عملهم بسبب مشاكل في العلاقات؛ ففي معظم الأحيان، عَزَا الموظفون سببَ رحيلهم إلى مشاكل بينهم وبين مديرهم المباشِر.
دعونا إذن نُصلِح الأمرَ.
إنَّ بداية العمل في أي وظيفة جديدة تُشبِه القيادةَ على طريق سريع؛ أنت في سيارتك ولديك خريطةٌ ووجدتَ المدخلَ الصحيح، وبعد عدة محاولات ماهِرة تمكَّنتَ من الهروب من الزحام المروري لتجد أمامك ممرًّا منحدِرًا. أنت في موقف صعب ويتطلَّب منك قليلًا من العراك والتحدِّي، وتنجح في نهاية الأمر في إجبار السيارات الأخرى على أن تُفسِح لك الطريقَ كي تدخل. في نهاية المطاف، تصعد المنحدر بسيارتك ومِن حولك أصوات محركات السيارات المسرِعة. نظرة واحدة على جانبك وسترى الطريق السريع، ستجد السيارات والشاحنات تقترب نحوك بكل سرعتها، هذه السيارات والشاحنات لن تخفِّف من سرعتها كي تدعك تمر. وما الذي قد يدفعها إلى ذلك؟ ما الذي ستفعله إذن كي تسير بمحاذاة هذه السيارات دون أن تدهسك إحداها؟
على الطريق السريع، توجد حارة مخصَّصة لذلك؛ أَلَا وهي الحارة التي تندمج فيها السيارات بكل أنواعها مع حركة السير. لكل سيارة في هذه الحارة مسافةٌ صغيرة كي تلتزم بالسرعة المطلوبة، وإما ستواجه حادثًا. إنَّ الفترة التي يقضيها قائد السيارة على هذا المنحدر تعادِل فترةَ إعدادِ الموظفين الجُدد في مؤسستك.
هذه هي الطريقة التي تعمل بها فترة الإعداد (في الواقع، دَعْنا أولًا نشرح الأسباب التي تعيق العمل في هذه الفترة). في العادة، يقابل الموظفون المحتملون مديريهم المستقبليين، ويحصلون منهم على ملخصٍ عامٍّ للمهام المطلوبة لتأدية وظائفهم. إذا نجح هؤلاء الموظفون في إقناع المدير والحصول على الوظيفة، فإنهم يحضرون في اليوم الأول دون معرفة ما عليهم فعله مباشَرةً، وهذا لحُسْن حظهم؛ لأنهم في العادة لا يجلسون على مكاتبهم إلا بعد فترة؛ ومن ثَمَّ، يذهب هؤلاء الموظفون إلى قسم الموارد البشرية ويملئون العديدَ من الاستمارات. يجلسون في قاعات المؤتمرات (لو كانوا محظوظين)، يشاهدون فيديو يعطيهم نظرةً عامة على عملية التدريب، ويجد الموظفون أنفسَهم مُحاصَرين بسيلٍ من المعلومات، معظمها ليس له علاقة مباشِرة بالمهام التي سيُطلَب منهم تأديتها قريبًا، ويجلسون مع أشخاص من أقسام أخرى، ولن يروا هؤلاء الأشخاص مجدَّدًا إلا فيما ندر. تبدو المحاضرة عامةً وغير مُمتِعة على الرغم من ضرورتها؛ إنَّ مثل هذه المحاضرة هي التعريف الدقيق لتعبير وحدةِ تفريغٍ معلوماتيٍّ.
وأخيرًا، يَخرج الموظفون الجُدد من مكتب الموارد البشرية وقد أصابهم دوَّارٌ شديد؛ ومن ثَمَّ يُحالون إلى أحد الأشخاص العاملين في قسمهم الجديد، وهنا يبدأ التلقين. يقابل الموظفون الكثيرَ والكثيرَ من الأشخاص؛ ولكونهم غرباء، فإن هؤلاء الأشخاص لا يتعاملون معهم بطريقة ودودة للغاية. ويُوجَّهون إلى مكاتبهم، وربما يحصلون على غداء مجاني خلال ذلك. يبدأ الموظفون الجُدد في استيعاب أنشطة المكان وسياساته وطبيعة الشخصيات التي سيتعاملون معها. يتراكم العمل على مكاتبهم، وقبل أن يسأل أحدهم نفسه قائلًا: «ما الذي دفعني إلى العمل هنا؟» سيدرك أنه قد أصبح غارِقًا تمامًا في العمل.
كنَّا نسمِّي اليومَ الأول يومَ الإعداد والتوجيه، لكن هذا اليوم هو يوم مُرهِق ومُربِك بالنسبة إلى الكثير من الموظفين الجُدد. في الواقع، بنهاية اليوم الأول، لم يكن ?? بالمائة من الموظفين قد قرَّروا ما إذا كانوا سيستمرون في العمل لدى الشركة أم لا، ومع ذلك فإن ?? بالمائة فقط من الشركات، لديها عمليةٌ رسمية فعَّالة لإعداد الموظفين الجُدد وتهيئتهم للاضطلاع بمهام وظائفهم.
ثم يأتي دور الموظف الجديد كي يُرِي الشركةَ ما لديه. هل سينجح أم سيفشل؟ وعندما نقول يفشل، فإننا نعني ينسحب.
إنَّ هذه الممارسات هي المعادِل المؤسسي للممارسات المهنية التي يخضع لها الأفراد الجُدد في كليةٍ أو جامعة. يمكننا توضيح الأمر على نحوٍ أفضل.
تخيَّلْ ردَّ فعلِك لو خضعتَ لأيٍّ من التجارب التالية كموظف جديد في مرحلة الإعداد: قبل تعيينك، يخبرك المدير بكلِّ شيء عن المؤسسة وكلِّ ما عليك فعله كي تحقِّقَ النجاح فيها، ثم يشرح لك مديرُك المباشِر كلَّ شيء عن الفريق بالتفصيل، ويخبرك عن قِيَم الشركة ويعطيك أمثلةً على الأعمال والسلوكيات التي تجسِّد الأهدافَ الأساسية للمؤسسة. قبل أن تصل إلى الشركة في يوم عملك الأول، تتلقَّى هديةً من المؤسسة تعبِّر لك من خلالها عن ترحيبها بك شخصيًّا، وتمنحك إحساسًا بأنك ستكون مهمًّا بالنسبة إلى المؤسسة كفردٍ.
في اليوم الأول، تقابلك مديرتُك عند البوابة الأمامية. دَعْنا نفترض أن اسم مديرتك الجديدة هو باربارا. ستعطيك باربارا فكرةً عامة عن الأشياء التي تنتظرك في اليوم الأول؛ تطلب منك الذهاب إلى قسم الموارد البشرية لساعتين، وستقابلك بعدَها كي تصطحبك في جولةٍ في أنحاء المكان، ثم ستنضمُّ إليكما مجموعةٌ من زملائك لتناوُل الغداء.
في ظهر هذا اليوم، تجلس معك باربارا، لا بهدف أن تُمطِرك بوابل من مهام العمل؛ ولكن بهدف أن تتعرَّف على توقُّعاتك. تسألك باربارا عن أهدافك، وتُقِرُّ بأن العمل في وظيفة جديدة أمر مُرهِق، وتسألك عمَّا إذا كان ثمة طريقةٌ يمكنها أن تساعدك بها، ثم تتحدَّث عن الإرشاد والتدريب والمهام الأولية التي ستضعك على الطريق من أجل تحقيق بعض الانتصارات السهلة.
توضِّح باربارا كمَّ المعرفة التي يُتوقَّع منك أن تكتسبها خلال الأسابيع الأولى من العمل والمهارات التي سيكون من اللازم توافُرها فيك. ستكون كلُّ تصريحاتها وأسئلتها مستمَدَّةً من القِيَم الأساسية للمؤسسة، وستوضح لك أهميةَ كلِّ مهمةٍ من المهام التي ستؤديها بالنسبة إلى الشركة ككلٍّ.
لا تتوقَّف تجربةُ إعدادك للوظيفة عند اليوم الأول لك في العمل؛ حيث تتابع باربارا تقدُّمَك في العمل على فتراتٍ منتظِمةٍ، أو على الأقل كلَّ أسبوع، وتسلِّط الضوءَ على إنجازاتك المهمة، لا سيَّما تلك الأعمال التي تجسِّد المعاييرَ المؤسسية، كما يعرض عليك زملاؤك في العمل المساعدةَ بلا حرجٍ. تتزايد المسئوليات التي تُوكَل إليك، وتتلقَّى التقديرَ والمكافآتِ كلما أحرزتَ مزيدًا من النجاح في عملك.
كيف إذن سيكون ردُّ فعلِك إذا كانت هذه هي تجربتك عند تسلُّم العمل بوظيفة جديدة؟
لعلك تُشكِّك في مدى قابلية هذه التجربة للتطبيق على أرض الواقع؛ بالطبع تقول إن هذه التجربة قد تكون تجربةً مثاليةً، ولكن مؤسستك ليس لديها الوقت لتقديم مثل هذا الدعم الحثيث للموظفين الجُدد. وهنا سنردُّ ونقول: ليس لديكم الوقت لتقديم الدعم، ولكن لديكم الوقت للبحث عن موظفين جُدد وتعيينهم وتدريبهم والبحث عن آخَرين بعد أن يرحل هؤلاء، ثم تعيينهم وتدريبهم وتكرار العملية للمرة الثالثة عندما يرحل هؤلاء أيضًا، وهكذا؟
هل تبدو لك هذه الطريقة في التعامل مع الموظفين الجُدد طريقةً ناعمةً؟ كانت الشكوك نفسها ستراودنا إنْ لم نطَّلِع على الإحصائيات. إنَّ الموظفين الجُدد لا يتركون عملهم بسبب أعباء العمل أو عدد ساعات العمل أو قيمة الراتب، والأمر لا يتعلق كذلك بمساحة مكاتبهم أو المزايا المالية الإضافية التي يحصلون عليها؛ إنَّ الأمور التي تدفع الموظفين إلى الاستقالة هي طبيعة علاقتهم بالأشخاص الذين يعملون معهم وحقيقة شعورهم أثناء العمل. يكرِّر الموظفون العبارات نفسها (أثناء التقديم لوظيفة جديدة) فيقولون: «لم أشعر بالانتماء»، «لم أشعر أن ثمة مَنْ يقدِّرني»، «لم أشعر بالتوافق بيني وبين مديري.» يشعر هؤلاء الموظفون بأنهم أشخاص غير مرئيين.
يُلقي المديرون اللومَ في ذلك على قسم الموارد البشرية، ويردُّ قسم الموارد البشرية ويقول: «لقد أرسلتم إلينا فشلًا جديدًا، لماذا لا تستطيعون الاحتفاظ بأي شخص؟» وبما أن الجميع مختلفون حول الشخص المسئول عن المشكلة، فإن الشركة تلقي باللوم على الشخص المتقدِّم للوظيفة وتقول: «يوجد نقص حاد في الأشخاص الموهوبين.» وهكذا، يدور الجميع في حلقة مفرغة، وترتفع التكاليف، وتزداد نسبة دوران العمالة، ويُلقَى العبءُ كله على عاتق الموظف الجديد الذي كان في السابق متفائلًا بعمله.
دعونا نضع حدًّا لهذه المعركة الدائرة منذ عصور. هل يمكننا أن نفعل هذا؟
إنَّ إعداد الموظفين الجُدد هو وظيفة المدير. يحتاج الموظفون الجُدد إلى علاقات مستمرة؛ يريد هؤلاء الموظفون أن يشعروا بأن ثمة مَنْ يقدِّرهم ويدرك قيمتهم من أول يوم لهم في العمل، كما أنهم يتوقَّعون استمرارَ التواصُلِ مع مديريهم، ويرغبون في أن يشعروا بأنهم موضع ثقةٍ. إنَّ هؤلاء الموظفين يعتقدون أنه من العدل — بل من الواجب أيضًا — أن يكونوا مسئولين أمام الإدارة عن تحقيق الأهداف المطلوبة، ولكنهم يريدون أيضًا أن يتلقَّوْا التقديرَ من الإدارة عندما يؤدُّون عملهم بإخلاص.
قد يستطيع قسم الموارد البشرية أن يساعد في تحقيق الأمور المذكورة أعلاه، وبالتأكيد فإن هذا القسم يلعب دورًا كبيرًا في ذلك، ولكن أهم علاقة يقيمها الموظف في العمل، هي علاقته مع أفراد الفريق؛ ففي نهاية الأمر، ما من شخصٍ يترك عملَه بسبب أحد موظفي الموارد البشرية، أليس كذلك؟
لعلك تذكر رسمة ديلبرت الهزلية التي حصل فيها كلُّ موظف على كمبيوتر محمول، لكن الحواسيب كلها كانت مربوطة في المكاتب بسلاسل؟ (بالمناسبة، فكرة هذه الرسمة الهزلية أرسَلَها موظف كان قد شهد هذه القصة بنفسه.) إنَّ التفكير المتناقض، الذي يجعل المديرين يخشون من أن يسرق الموظفون الجُدد أجهزةَ الكمبيوتر المحمول، هو إحدى المشاكل الشائعة في عملية إعداد الموظفين الجُدد لمواكبة الأداء المطلوب؛ فنحن نريد من الموظفين الجُدد أن يبدءوا العملَ بسرعة، ولكننا نعيقهم عن ذلك بإعطائهم تعليمات غير ملائمة. نريد منهم أن يشعروا بالانتماء، ولكننا لا نساعدهم على الانخراط في العمل. نريد منهم أن يعملوا بجدٍّ وذكاء، ولكن عندما يؤدُّون عملهم على نحوٍ صحيحٍ لا نقدِّرهم؛ ومن ثَمَّ فهم لا يعلمون ما هي الجوانب التي نقدِّرها في الموظف. عندما ندرِّبهم في الأسابيع الأولى تدريبًا غير مُتقَن، فإننا ندرِّبهم على الفشل ونقودهم دون قصدٍ إلى باب الخروج من المؤسسة.
هل تذكرون قصة جيف الذي حصل على وظيفة أحلامه، ثم قدَّمَ استقالته لمديرته التي لم يكن يستطيع مقابلتَها؟ لحُسن الحظ، لم تنتهِ القصة عند هذا الحد؛ فبعد أن قدَّمَ جيف إشعارًا بالاستقالة قبل أسبوعين من تفعيلها، اتخذت المديرة إجراءً فوريًّا وقابلَتْه واستمعَتْ له وهو يقرُّ لها بما يشعر به من إحباطات ومخاوف، ثم غيَّرت الوضع. ولحُسن الحظ، بقي جيف في عمله.
قال جيف: «أدركتُ أنَّ العمل مع مديرةٍ لديها رغبة حقيقية في تحسين الأوضاع باستمرارٍ، وتصغي إليَّ، وتتَّخِذ إجراءاتٍ بشأن الأمور التي ذكرتُها، وتمنحني ما أحتاج من التقدير؛ هو أمر استثنائي ويعني الكثير بالنسبة إليَّ.»
إنَّ جيف ليس هو الشخص الوحيد الذي يعتقد ذلك؛ ففي استطلاعِ رأيٍ أَجْرته مجموعة نيرنبرج، بالتعاون مع معهد الإدارة التابع لجامعة نيويورك، سُئِل الموظفون عن الأمور التي قد تدفعهم إلى إعادة التفكير في قرارهم والبقاء في وظيفةٍ كانوا يخطِّطون لتركها، وكانت ردودُهم تتلخَّص فيما يلي: توافُر المزيد من فُرَص التطوير.
زيادة الراتب والمزايا.
تقدير مساهماتهم على نحوٍ أفضل.
ولكن إذا كان لدينا مدير يرى جهودَ موظفيه ويقدِّرهم ويحتفي بهم، فمَنْ ذا الذي سيحتاج إلى مزايا مالية ترغمه على البقاء في عمله؟
(?-?) قوة التغيير

إنَّ السر يكمن في التغيير؛ يشمل هذا التغيير تغييرَ المكتب بحيث يصبح مطابِقًا للصورة التي رسمها الموظفون عند تعيينهم، وتغييرَ الطريقة التي يتعامل بها جميع المديرين لديك مع موظفيهم، وتغييرَ مؤسستك لكي تصبح مكانًا لا يريد الموظفون الحاليون مغادرتَه أبدًا، ويحلم الموظفون السابقون بالعودة إليه.
نعم، يمكنك أن تعيد موظفيك الذين تركوا العمل في مؤسستك.
كل ما يتوجَّب عليك فعله هو أن تهيئ بيئةً يشعر فيها الموظفون بأنك تعاملهم كأفرادٍ مساهمين ومهمين في الفريق، وكأشخاص بالغين لا كأطفال في حاجةٍ إلى مَنْ يقودهم ويأخذ بأيديهم. وبالطبع، عليك ألَّا تعاملهم كخصومٍ يجب السيطرة عليهم وتقويض حركتهم. إنَّ الجميع تقريبًا يحضرون إلى عملهم وفي نفوسهم رغبة في بذل أقصى ما لديهم من جهد، ويَحْدُوهم الأمل على أن يشعروا بالفخر بما حقَّقوه من إنجازات. ولكن هذا الالتزام بالعمل سرعان ما يتلاشى، عندما نجد أنفسنا مُلزَمين بوقتٍ محدَّد ندخل فيه إلى دورة المياه، أو مُجبَرين على التعرُّض للتفتيش عندما نعبر من الأبواب، أو مُعامَلين بتجاهُل بعد كلِّ المساهمات التي قدَّمناها.
في أفضل المؤسسات وفِرَق العمل، تدرك الإدارةُ حقيقةَ أن الموظفين هم الذين ينجزون العمل وتحتفل بذلك، ويكون المديرون مدرَّبين على الاستماع إلى كل موظف والتعامُل مع كل موظف بالأسلوب الذي يلائمه؛ وفي المقابل، يشعر الموظفون بالالتزام والولاء.
لكن إذا كنتَ تقرأ هذا الكلام وتشعر بالحيرة لأنك لا تعلم السبيلَ إلى تكوين مؤسسة من هذا النوع، فاعلم أنك لستَ وحدك؛ فمعظم المديرين لم يتلقَّوْا التدريبَ اللازم لتحقيق هذا. خلال عملنا مع مديرين من كل أنحاء العالم، اعترَفَ العديدُ منهم على استحياءٍ بأنهم لا يعرفون كيف يحفِّزون الموظفين الذين يشرفون عليهم.
كيف إذن وصل هؤلاء إلى منصب المدير من الأساس؟ إنَّ الشخص الذي يصل إلى مثل هذا المنصب، دائمًا ما يصل إليه لكونه أفضلَ خبيرٍ في تشغيل آلات المصنع ومعداته، أو أقدمَ فني معامل في المؤسسة، أو لأنه المهندس الذي حصل أيضًا على ماجستير في إدارة الأعمال؛ ولكن هل تؤهِّلُك هذه الأمور كي تقود أشخاصًا وتحفِّزهم؟ الإجابة هي: لا، هذه الأشياء لن تؤهلك لهذا المنصب، تمامًا مثل رخصة القيادة التي لن تؤهِّلك لقيادة قطار الأنفاق في نيويورك.
وكما قال بيل نوبي الذي يعمل كمدير إداري لإدارة عمليات المؤسسة بشركة إكسيل إنيرجي: «منذ عام تقريبًا، أدركنا أن ثمة فجوةً؛ حيث كان الموظفون ينالون الترقية بسبب إنجازاتهم في العمل لا لأنهم مديرون جيدون؛ وذلك يعني أننا في حاجةٍ إلى أن نزوِّدهم بالأدوات والتدريب والتشجيع الذي يحتاجونه كي يصبحوا مديرين جيدين.»
وهذا كلام صحيح؛ فالمدير الجيد يجب أن تكون لديه الأدواتُ المناسبة لممارسة مهامِّ وظيفته.
(?-?) أهمية التدريب

وما هي وظيفة المدير؟
إنَّ أهم وظيفة على الإطلاق لدى أي مدير هي أن يركِّز اهتمامه على الموظفين وإسهاماتهم. إنَّ أهمية هذه الوظيفة تفوق أهميةَ الميزانيات والمشاكل التقنية وتقديم المنتجات أو الخدمات الجديدة وإرضاء إدارة الشركة.
أدرك كينت موردوك، الرئيس التنفيذي المتقاعد لشركة أوه سي تانر، هذه الحقيقة بعد فترة قصيرة من توليه إدارة شركته العالمية. يقول كينت: «استغرق مني الأمرُ بعضَ الوقت كي أُدرِك المعنى الحقيقي لمنصبي كمدير. قضيتُ السنوات القليلة الأولى في التركيز على ميزانيات الشركة واستراتيجيات العمل والتقنيات المستخدَمة فيه، إلى أنْ أدركتُ أن أهم شيء يمكنني أن أفعله أنا (وأي مدير آخَر)، هو التركيز على الموظفين ووَضْع ثقافة العمل المناسبة من أجلهم؛ وهي ثقافة التقدير.»
في الحقيقة، إنَّ الأمر ليس مفاجِئًا بالنسبة إلينا؛ لأن مفهوم القيادة لدينا ولدى الكثيرين لا يعني إتقانَ أسرار مهنة الإدارة وحِيَلها، أو «تقمُّصَ» شخصية المدير. على العكس، إنَّ القدرة على القيادة هي الناتج الطبيعي لوجود علاقة صادقة أساسها الاحترام المتبادل بين الموظفين ومديريهم المباشِرين. ويشكِّل التقدير الصادق، الذي يحظى به الموظفون على نحوٍ منتظمٍ، جزءًا من هذه العلاقة. إنَّ هذه العلاقة هي ما يضمن للمؤسسة رؤيةَ نتائج إيجابية مستدامة على المدى الطويل؛ إنَّ مثل هذه العلاقة هي التي تمكِّن الموظفين من بذل كلِّ ما لديهم من أفكارٍ وجهودٍ ومواهب في عملهم؛ هذه هي العلاقة التي تجعل الموظفين أشخاصًا مرئيين.
سأل بيل نوبي، من شركة إكسيل إنيرجي، مستنكرًا: «إذا لم تسلِّط الضوء على السلوكيات المهنية المرغوب فيها، ولم تكن لديك برامجُ لتقدير الموظفين، وإذا كنتَ لا تُجرِي استطلاعًا تجمع فيه اقتراحاتِ الموظفين؛ فكيف ستتمكَّن إذن من تغيير وضْعِ شركتك؟ قد تتمكَّن من تغيير وضْعِ شركتك في ظل هذه الأوضاع، ولكن هذا التغيير لن يدوم طويلًا. إن تقدير الموظفين بأسلوب استراتيجي هو ما يجعل هذا التغييرَ يستمر.»
ما السبب إذن في أن التدريب على القيادة يركِّز على كل شيء ما عدا تقدير الموظفين؟
إنَّ السبب في ذلك يعود إلى أننا قد ضللنا عن هدفنا في منتصف الطريق، وبدأنا ننظر إلى الإدارة بوصفها القدرةَ على تحليل البيانات المالية، واتخاذ القرارات بناءً على هذا التحليل، وإدارة المشروعات المعقَّدة، وإعداد رسوم بيانية لسير الأعمال. بدأَتِ الشركات في أمريكا الشمالية في إنفاق مليارات الدولارات كلَّ عام على برامج تدريب المديرين التنفيذيين التي ركَّزَ معظمها على مهارات القيادة؛ ولكن المفارقة أن كل هذه النفقات التي أُنفِقت على برامج تدريب المديرين التنفيذيين لم تَعُدْ على الشركات الراعية لتلك البرامج إلا بمعدلاتٍ ضئيلة للغاية من عائدات الاستثمار، وهذه حقيقةٌ ليست بغائبة عن إدارة كل شركة من تلك الشركات.
ثمة سبب آخَر وراء إهمال التدريب على تقدير الموظفين، حتى في الشركات التي تتبنَّى مفهومَ التقدير؛ هذا السبب هو أن الإدارة العليا للشركة تعتقد أن التقدير يجب أن يحدث بطريقة فطرية كالتنفُّس ونموِّ الشعر.
ولكن الطريف في الأمر هو أن معظم الأمور في حياتنا لا تحدث بطريقة فطرية؛ على سبيل المثال: يحتاج المرء إلى تعلُّم أمور مثل تناوُل الأطعمة الصلبة أو النوم طوال الليل أو الكلام أو الكتابة أو ركوب الدراجة أو المشي أو الجلوس، والتقدير شأنه شأن كل هذه المهارات، هو مهارة يجب تعلُّمها، ونادرًا ما يمكن للمرء اكتسابُ القدرة على تقدير الموظفين من خلال خبرته المهنية، حتى إنْ كانت هذه الخبرة تصل إلى عشرة أعوام أو عشرين أو ثلاثين عامًا.
كما ترى، إنَّ المدة التي قضاها شخصٌ ما في عمله ليست مؤشرًا جيدًا على مهارة ذلك الشخص أو قدرته على الإدارة. يشرح ستيفن بي روبينز، مؤلِّف كتاب «الحقيقة وراء إدارة الموظفين»، الأمرَ كالتالي: «إنَّ خبرة العشرين عامًا ما هي غالبًا إلا عام واحد من الخبرة تكرَّر عشرين مرةً.»
في الواقع، إنَّ المعيار الوحيد الذي يقيس النجاحَ الإداري بدقةٍ، هو قدرة المدير على تبنِّي ثقافةِ عملٍ يستطيع الموظفون النجاحَ في ظلِّها؛ ثقافةٍ تجعلهم يشعرون بقيمتهم ويرغبون في البقاء، أو بعبارةٍ أخرى ثقافة تقوم على تقدير الموظفين.
وأول خطوة يمكن للمدير أن يتَّخِذها كي يتبنَّى ثقافةَ عملٍ تقوم على التقدير، هي أن يدرك حاجته إلى التدرُّب على تقدير الموظفين. كتب جون سي ماكسويل في كتابه «الخيار لك» فصلًا بعنوان «التطوُّرُ اختيارٌ»، وهذا العنوان يعجبنا لأنه يبدو وكأنه عظة مكوَّنة من كلمتين؛ فتطويرُ الذات هو بالفعل اختيار.
هذه هي الحكمة من وراء التدريب على تقدير الموظفين؛ فالتدريب هو اختيارٌ يرفع من مستواك وينقلك إلى المرحلة التالية؛ التدريب يولِّد نوعًا من الجذب والشد بين مستوانا الحالي والمستوى الذي نحتاج إلى أن نكون عليه؛ التدريب هو الذي يجعل المديرين يدركون مدى حاجتهم إلى إشعال الحماس لدى أقسامهم وفي نفوس موظفيهم.
من فترة قصيرة، تلقَّيْنا خطابًا من سيدة كانت قد أُجبِرت على حضور عرض تقديمي قمنا به في شركتها؛ اعترفَتِ السيدة بأنه كانت لديها شكوك بشأن الحضور إلى فعالية خاصة بالتدريب على تقدير الموظفين، ولكنها سمعَتْ شيئًا في أثناء العرض غيَّرَ رأيها وأسلوب إدارتها إلى الأبد.
تقول السيدة: «كنتم قد أشرتم في أثناء العرض إلى أن أهم وقت للاحتفال، هو الوقت الذي يبدو فيه أنْ ليس ثمة ما يدعونا للاحتفال. إنَّ الأمر مخالف للحَدْس ولكنه منطقي لسببٍ ما؛ أعتقد أن هذا الأمر قد ساعدنا على النهوض من نكباتنا. لقد حضرتُ مئات الفعاليات الخاصة بالتدريب على تقدير الموظفين على مرِّ الثلاثة والعشرين عامًا الماضية، ولكنني لم أتأثَّر بأيٍّ منها مثلما تأثَّرْتُ بفعاليتكم؛ لذا، أردتُ فقط أن أعبِّر لكم عن شكري على نصيحتكم الواقعية والعملية.»
وبعد الجملة الأخيرة أضافَتِ السيدةُ جملةً أخرى بين قوسَيْن، قالت فيها: «أرأيتم؟ لقد تعلمتُ أن أقدِّر الآخرين على الإسهامات التي قدَّموها بطريقة محددة وموجَّهة.»
وهكذا، يمكن لأي مدير من المديرين الذين يختارون بوعي منهم أن يطوِّروا من ذواتهم، أن يتعلَّم تقديرَ الآخرين.

خاتمة


حقِّقِ النجاح!
عُدْ بذاكرتك إلى الوراء قليلًا لقصة جوردون جوستيك، والِد أدريان، الذي كان يعمل مصمِّمًا شابًّا لدى شركة رولزرويس. كانت كلمات جوردون تبوح بالكثير. عندما تحدَّث عن الدور الذي كان يقوم به منذ خمسين عامًا لدى هذه الشركة العظيمة، قال:
«كنت أعلم ما هو المتوقَّع مني.» حدِّد أهدافك «كان المديرون مدرَّبين على الإصغاء للموظفين.» لاحِظْ موظفيك «كان اسمي مكتوبًا على التصميم.» احتفِ بموظفيك وقال أيضًا إنه «استمتَعَ بكل يوم هناك»، وهذا هو النجاح. ولكن، لماذا يُعتبَر استمتاع الموظفين بعملهم نجاحًا للشركة؟
عندما أخبرْنا جوردون أننا سننشر قصتَه في هذا الكتاب، عاوَدَ الاتصالَ بنا بعدها بأيام قليلة وقال مُضِيفًا إلى كلامه السابق: «لقد أَنْعمتُ التفكيرَ في الموضوع، وتوصَّلتُ إلى أن الأمر يتلخَّص فيما يلي: إنْ لم تكن تشعر بأن عملك ممتع بالنسبة إليك، فلن ترغب في الاستيقاظ والذهاب إلى العمل في الصباح، مهما يكن حجمُ راتبِكَ.»
يبدو أن الأب دائمًا على حقٍّ كما يقولون (بالمناسبة، شكرًا يا أبي).
إنَّ السر وراء الموظفين المتفانين في عملهم ومكان العمل الناجح، هو أن تكون الشركة مليئةً بالأشخاص الذين يستيقظون كلَّ صباح، ويرفعون أيديهم في الهواء ويقولون: «مرحى، سأذهب إلى العمل اليومَ.» والسبيل إلى تأسيس شركةٍ كهذه هو التركيز على ثلاث كلمات: حدِّدْ، لاحِظْ، احتفِ. وعندما تركِّز على هذه الكلمات، فلن يكون النجاح بعيدًا.
دعونا نطرح السؤال مجدَّدًا: لماذا يُعتبَر استمتاعُ الموظفين بالقدوم إلى العمل كلَّ يوم نجاحًا للشركة؟ الإجابة هي لأن ?? مليون وظيفة ستكون متاحةً قبل حلول عام ????. يقول مؤسِّس موقع مونستر الإلكتروني للتوظيف: «هل تعتقد أن عام ???? كان عامًا سيئًا للتوظيف؟ إنَّ ذلك العام لم يكن سوى لمحة صغيرة مما سنشهده؛ سنواجه أسوأَ موجةٍ من نقص العمالة قد نشهدها في حياتنا خلال السنوات الخمس القادمة.»
يُستحسَن أن تتمسَّك بموظفيك جيدًا. أو إذا أردتَ حلًّا أفضل، يُستحسَن أن تعبِّر لهم عن تقديرك.
أَتَذْكُرُ ما قلناه في بداية الكتاب عن نتائجِ تقدير المدير لواحد من الموظفين، واللحظةِ المشتركة التي يخلقها مثل هذا التقدير، والعلاقةِ العاطفية القوية التي تولِّدها هذه اللحظة بين الموظف والمدير والشركة، وحماسِ الموظف لتحقيق نتائج إيجابية في المستقبل؟ حسنًا، إن هارييت جونسون، التي تعمل استشاريَّ تسعيرٍ لوحدات العمل بشركة إكسيل إنيرجي، تَعْلم هذا الشعور جيدًا: بمجرد أن تنال التقديرَ، ستشعر أن في مقدورك فعل أي شيء مهما بلغَتْ صعوبتُه من أجل الشركة، ستشعر بأن طموحاتك قد عَلَتْ قليلًا في تلك اللحظة، وهذا الشعور يعني الكثير. بالنسبة إليَّ، إنَّ التقديرَ والشعورَ الذي يخلِّفه لدى فريقنا، هما من الأشياء التي تساعدني على النهوض والذهاب إلى العمل في الصباح. إنَّ السعي نحو تحقيق محصلة نهائية جيدة يتطلَّب مجهودًا مشتركًا. إنَّ التقدير يرافقه شعورٌ بالاحترام تجاه هذا المجهود، والفريق يستمِدُّ قوتَه من هذا الشعور.
لدينا هنا مثال أخير يوضِّح هذه العملية برمتها، وهو مثال شهدناه مؤخرًا ووجدناه مؤثرًا. سكوت كريستوفر هو مدير قسم التدريب على التقدير المهني لدينا. يعلم سكوت أن العملاء لهم الأولوية لدينا؛ وذلك لأن هذا الشعار من بين الأهداف البسيطة التي حدَّدْناها. يؤمن سكوت بهذا الشعار إيمانًا عميقًا، ونحن واثقون من أن هذا الشعار بالنسبة إليه كالهواء الذي يتنفسه، أو الطعام الذي يأكله؛ ومع ذلك، فقد ذُهِلنا عندما قام سكوت بشيء مُبهِر للغاية. في إحدى ليالي الأحد، وصل سكوت في وقت متأخِّر إلى مطار سينسيناتي كي يركب طائرةً متَّجِهةً إلى بافلو؛ كان من المفترض أن يرأس ورشةً تدريبيةً في شركة ريتش برودكتس في صباح اليوم التالي، ولكنه وجد نفسَه واقفًا عند البوابة أمام لوحة تُعلِن إلغاءَ الرحلةِ التي كان من المفترض أن يكون على متنها.
قالت موظفة الحجز المتعاوِنة: «لقد حجزنا لك مقعدًا على الطائرة المتَّجِهة إلى بافلو يوم الثلاثاء.»
ولكن سكوت قال مذكِّرًا إياها: «الثلاثاء؟ ولكنْ لديَّ عرضٌ في الثامنة من صباح الغد الذي يوافق يوم الإثنين.»
تفقَّدَتِ الموظفة قوائمَ المسافرين لدقائق، ثم أقرَّتْ بأنه لا يمكنها فِعْل أيِّ شيء حيال الأمر.
ولكن سكوت لم يلغِ موعده، وإنما التقَطَ خريطةً لشرق الولايات المتحدة ونظر فيها؛ وجد سكوت أن بافلو لا تبعد سوى ثلاث بوصات عن سينسيناتي على الخريطة؛ ويعني هذا أنها تبعد عنها بمسافة قصيرة، وأنَّ بإمكانه أنْ يقود هذه المسافة بالسيارة.
دون تفكيرٍ ودون أن يتَّصِل سكوت بأحدٍ منَّا، وجد آخِر سيارة متاحة للإيجار وقفز بداخلها، ثم قادها أثناء العاصفة الثلجية طوال الليل إلى أن وصل إلى بافلو. وصل سكوت إلى الفندق في السادسة والنصف صباحًا؛ وهناك، اغتسل وحلق ذقنه ومرَّ شخصٌ ليأخذه إلى الشركة في السابعة.
قدَّمَ سكوت عرضًا مذهلًا في صباح ذلك اليوم؛ ونحن لا نقول ذلك لأن سكوت يعمل معنا، ولكن سكوت كان يعمل في مجال الكوميديا الارتجالية قبل أن ينضمَّ للعمل لدينا، وهذا يجعل منه أفضل مدرِّب عندنا. إنَّ سكوت شخصٌ مَرِح يجذب اهتمامَ الجمهور، ودائمًا ما يلتزم بسياق الموضوع. (يبدو أن ثناءنا على سكوت ليس ثناءً عامًّا، وإنما ثناء موجَّه يستهدف جوانبَ محدَّدة من سلوكه الوظيفي، أليس كذلك؟) وبعد ذلك، لم يأخذ سكوت قسطًا من النوم، ولكنه استقلَّ السيارة المستأجَرة وعاد بها إلى سينسيناتي التي تبعد عن بافلو ثماني ساعات؛ إذ كان عليه تسليم السيارة إلى المطار في اليوم نفسه.
هل احتفينا بما فعله سكوت؟ بالطبع، احتفينا به. لقد أبهرَنا سلوكُ سكوت البطولي، لدرجة أننا لم نمنحه جائزةً واحدة بل جائزتين رسميتين أمام جميع أعضاء فريقنا؛ وذلك لتفانيه في خدمة عملائنا وقدرته على الابتكار.
وأفضل ما في الأمر أن سلوك سكوت كان مثالًا احتذى به شخص يكبر سكوت سنًّا؛ فبعد مرور عدة أشهر، عندما أُلغِيت رحلة تشيستر، التي كان من المفترض أن تتجه إلى روتشيستر في وقتٍ متأخِّر من الليل، عرف تشيستر ما كان عليه فعله (لم يكن من الممكن أن يدع الكوميديان يتفوَّق عليه)؛ استأجر تشيستر سيارةً وقادها طوال الليل حتى وصل إلى وجهته. لقد كان سكوت كريستوفر نموذجًا للسلوك البطولي في خدمة العملاء، وقد بيَّنَ هذا للجميع نوعَ السلوكيات التي نكافئ الموظفين عليها.
هل تستطيع أن تدرك ذلك؟ هل تلمس مدى أهمية تقدير الموظفين؟ إننا متحمِّسون جدًّا لأنْ يدرك جميعُ المديرين أهميةَ التقدير؛ فبمجرد أن تدرك هذا، لن يقف شيء في طريقك.
هل أنت مستعِدٌّ؟ انطلِقْ … حدِّدْ! لاحِظْ! احتفِ!
وحقِّقِ النجاح!