Advertisement

الهامسون بالكتب

الهامسون بالكتب
دونالين ميلر
المحتويات
من أفضل ما قيل عن الكتاب‏
شكر وتقدير‏
تقديم‏
مقدمة المؤلفة‏
? - الاهتداء للسبيل‏
? - كلنا قُرَّاء‏
همسة‏
? - الوقت والمكان متاحان دائمًا‏
? - حرية القراءة‏
همسة‏
? - المضي قدمًا‏
? - كسر قيود المعلم‏
همسة‏
? - إدارة الفصل المدرسي أم التحكم به‏
خاتمة‏
ملحق (أ): العناية بمكتبة الفصل وإمدادها بالكتب‏
ملحق (ب): قائمة أفضل الكتب‏
ملحق (ج): نماذج الطلاب‏
المراجع‏
الهامسون بالكتب
الهامسون بالكتب
إحياء القارئ الكامن داخل كل طفل
تأليف
دونالين ميلر
ترجمة
أميرة علي عبد الصادق
مراجعة
سارة عادل

الهامسون بالكتب

The Book Whisperer
دونالين ميلر
Donalyn Miller

الطبعة الأولى ????م
رقم إيداع ??????/?????
جميع الحقوق محفوظة للناشر مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة
المشهرة برقم ???? بتاريخ ???/???/?????
مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة
إن مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة غير مسئولة عن آراء المؤلف وأفكاره
وإنما يعبِّر الكتاب عن آراء مؤلفه
?? عمارات الفتح، حي السفارات، مدينة نصر ?????، القاهرة
جمهورية مصر العربية
تليفون: ?+ ??? ?????????        فاكس: ?+ ??? ?????????
البريد الإلكتروني: hindawi@hindawi.org
الموقع الإلكتروني: http://www.hindawi.org??

ميلر، دونالين.
الهامسون بالكتب: إحياء القارئ الكامن داخل كل طفل/تأليف دونالين ميلر.
     تدمك: ???? ??? ??? ??? ???
?- القراءة
     ?- الكتب
          أ- العنوان
?????

تصميم الغلاف: خالد المليجي.

يُمنَع نسخ أو استعمال أي جزء من هذا الكتاب بأية وسيلة تصويرية أو إلكترونية أو ميكانيكية، ويشمل ذلك التصوير الفوتوغرافي والتسجيل على أشرطة أو أقراص مضغوطة أو استخدام أية وسيلة نشر أخرى، بما في ذلك حفظ المعلومات واسترجاعها، دون إذن خطي من الناشر.
Arabic Language Translation Copyright © 2016 Hindawi Foundation for Education and Culture.
The Book Whisperer
© 2009 by John Wiley & Sons, Inc.
All rights reserved.
Authorised translation from the English language edition published by John Wiley & Sons, Inc. Responsibility for the accuracy of the translation rests solely with Hindawi Foundation for Education and Culture and is not the responsibility of Wiley. No part of this book may be reproduced in any form without the written permission of the original copyright holder, John Wiley & Sons Inc.
من أفضل ما قيل عن الكتاب
إن حُبَّ ميلر الشديد للقراءة ورغبتها في تنشئة قرَّاء لا يتوقفون عن القراءة طوال حياتهم أمرٌ مُلهِمٌ؛ فهي بارعةٌ في أسلوب جذبها لطلابها إلى عالم القراءة الخاص بها. إنه كتاب رائع؛ سوف يشجِّع المعلمين على النظر باهتمامٍ أكبر إلى الطلاب القارئين في فصولهم، وإلى أسلوبهم في تعليم القراءة ودعم هؤلاء الطلاب.
آرلين سكولنيك
معلمة قراءة بمدرسة ويست سكول،
مدينة لونج بيتش بنيويورك
هذا الكتاب (الذي أحب عنوانه) مُلهِمٌ واجتمع المحتجون والمصلحون على اختلافعمليٌّ على نحو مذهل، وقد ميَّزتُ الكثير من فقراته كي أتشاركها مع طلابي والمعلمين الآخرين، وأَنْوِي كذلك الاستعانة به كنص دراسيٍّ العامَ المقبلَ عند تدريسي لمادة أساليب القراءة للطلاب الجامعيين.
باتريشيا إم كانينجهام
أستاذ التربية بجامعة ويك فورِست
كتاب ميلر الجديد أشبه بنسمة هواء عليل في هذا العصر الذي تَسُود فيه دروس الإعداد لاختبارات القراءة الخاضعة لهيمنة المعلم. تطرح ميلر حُججًا وأدلة على ضرورة دفع الأطفال إلى الانغماس في القراءة كبديل لدروس القراءة غير الهادفة في الغالب، التي تُقدَّم لهم على أمل تحسين نتائج الاختبارات. تَكتب ميلر عن فصل الصف السادس الذي تتولى التدريس له حيث تتوقع من الطلاب قراءة ?? كتابًا على الأقل كل عام. ستقنعك القصص التي ترويها ميلر بأن الوقت قد حان للتركيز على التدريس للأطفال بدلًا من تدريس الكتب أو القصص. وستُقنِعك بأن الوقت قد حان أيضًا للتوقف عن تكليف الطلاب بكتابة تقارير عن الكتب، وقراءة الروايات المقررة على الفصل بأكمله، وكتابة قوائم المفردات، والاختبارات، وأوراق التدريبات، وإتاحة الفرصة للطلاب بدلًا من ذلك لاختيار ما سيقرءونه (في حدود معينة). وستُقنِعك أيضًا بتخصيص الوقت الدراسي اللازم فعليًّا لقراءة ?? كتابًا خلال عام واحد. إن هذا الكتاب مؤثر وعمليٌّ، وسيقدِّم لك الدعم الذي تحتاج إليه لتغيير فصلك المدرسي إلى الأفضل، بينما سيساعدك في الوقت نفسه على إدراك كيفية التغلُّب على الثقافات الحالية التي تسود الفصول المدرسية حيث يتعلم بعض الأطفال القراءة، بينما يتعلم الكثيرون كرهها.
د. ريتشارد إل ألينجتون
جامعة تينيسي
إن أفكار دونالين ميلر العملية عن الأطفال والكتب ذات أسس راسخة؛ ففي عصر تتحكم فيه الاختبارات في المناهجِ، ستُذكِّر قراءةُ هذا الكتاب المعلمين والإداريين والآباء بالأسباب التي تجعل رد الطلاب للقراءة الإجراء السليم الذي يجب اتخاذه.
د. كارول دي ويكستروم
أستاذ قراءة مشارك في جامعة نورث تكساس
تنتمي ميلر إلى تلك الفئة من المعلمين الذين يرغب المرء دائمًا في أن يتتلمذ أطفالُه على أيديهم؛ فهي تَفْهم كيفية تعليم القراءة، لكنها تعرف في الوقت ذاته أن تعليم القراءة يختلف عن معرفة كيفية «حبِّ» القراءة. تستكشف ميلر مصادر هذا الحب؛ ذلك الشعور الذي ينتابنا تجاه مكان معين، أو وقت محدد من اليوم، أو صديق معين، أو حلم معين؛ فالقراءة تعني الاندهاش والانجذاب والافتتان والانتقال من الواقع إلى أماكن أخرى ترغب على الأغلب في العودة لزيارتها من جديد. قليلون هم المؤلفون الذين ينقلون هذه الفكرة لأولياء الأمور والمعلمين بنحو جيد مثلما تفعل ميلر في هذا الكتاب.
جاي ماثيوز
مؤلف وكاتب عمود عن التعليم
في صحيفة واشنطن بوست
يُذكِّر هذا الكتاب أي شخص — حالفه الحظ بدرجة كافية ليحب كتابًا — بما خسرته الفصول المدرسية والأطفال في ظل سعيِنا المحموم ? «تغطية» المحتوى وتنميط أداء الطالب تحت اسم القراءة. وهذا الكتاب هو الخطوة الأولى نحو كيفية جعل القراءة ساحرة من جديد.
كارول آن توملينسون
أستاذ التربية بجامعة فيرجينيا

إلى دون،
مَنْ يهمسُ لي
شكر وتقدير
إن تأليفَ كتابٍ عملٌ شاقٌّ، ليس فقط للمؤلف. وأقصى ما أطمح فيه هو أن يكون هذا الكتاب جديرًا بما قدمه لي الأشخاص الذين دعموني بلا كلل أو ملل خلال تأليفي له. يشاركني هؤلاء الأشخاص رؤية واحدة؛ وهي التزامنا تجاه الأطفال وهدفنا المتمثل في حثهم على القراءة وتحفيزهم على ذلك.
بادئ ذي بدء، لا بد أن أتقدم بالشكر لدار النشر التي أعمل معها، جوسي باس. لقد قبلت عرضهم بنشر هذا الكتاب لأن إيمانهم الصادق بمساعدة المعلمين والطلاب تجلَّى واضحًا على كل شخص قابلته. تحمَّسَت ليزلي إيورا، وبول فوستر، وديمي بيركنر، وكريستي هكيم للكتاب منذ البداية، ومنحوني قدرًا كبيرًا من الحرية في أثناء كتابته. أُقدِّر ثقتهم. وعندما اكتشفتُ حب بول لرواية «حيث ينمو السرخس الأحمر»، كان ذلك بمنزلة دافع أكبر لي! أتوجه بالشكر أيضًا لجوليا بارمر وباميرا بيركمان وكارولين أونو وكاري رايت وبقية أفراد فريقَي التحرير والتسويق، الذين خاضوا كثيرًا من الصعاب ليخرج هذا الكتاب إلى النور.
منحني كذلك فريق موقع «تيتشر ماجازين دوت أورج» الإلكتروني الدفعة الأولى في عام ???? عندما عيَّنوني لكتابة عمود «اسأل الخبير»، ثم عرضوا عليَّ كتابة مدونة «الهامسة بالكتب». وقد كانت بداية هذا الكتاب في موقع «تيتشر ماجازين دوت أورج» الإلكتروني. وأَدين بالفضل لكلٍّ من فيرجينيا إدواردز وماري إلين فيلبس ديلي وأنتوني ريبورا لدعمهم لي. وأشعر بالامتنان أيضًا للكثير من قرَّاء المدونة الذين دفعتني تعليقاتهم للتفكير، وألهموني بمعرفتهم التربوية واهتمامهم بالطلاب في فصولهم. وأتوجه بالشكر كذلك لجين روبنسون التي تضيف روابط لمدونتي دائمًا بموقعها الإلكتروني المتميز.
أما إليزابيث ريتش، فوَصْفُها بالمحررة لا يفي إسهامها حقَّه؛ فهي التي عرَّفَتْني على موقع «تيتشر ماجازين دوت أورج» الإلكتروني، ودعَّمت عملي، وخلَّصتني من مخاوفي بشأن كتابة هذا الكتاب عندما وافقت على تحريره. لقد نقحت كل سطر في هذا الكتاب من خلال حكمها وحدسها الحصيف في الرواية، وصار هذا الكتاب أفضل بفضلها. لم تخشَ إليزابيث قط مِن دفعي للأمام عندما كانت ترى أنه بإمكاني فعل المزيد، فعلَّمَتني كيف أكون كاتبة، وكيف أنظر لهذا الكتاب نظرة أكثر اتساعًا، مقارنةً بما كنت أعتقد أنه ممكن في البداية. شكرًا لكِ إليزابيث ليس فقط لاهتمامك، وإنما لشخصيتك الممتعة أيضًا. أنتِ أكثر من محررة؛ أنتِ فرد من أفراد عائلتي.
ما كان لهذا الكتاب أن يصير ممكنًا من دون ناظر المدرسة التي أعمل بها، دكتور رون مايرز. رون هو رمز القائد التعليمي؛ فهو يكرس جهوده لتحقيق تطوره المهني، وتطوُّر فريق عمله أيضًا. وهو يقول دائمًا: «الأمر يتعلق بالأطفال، لا الكبار»، ولا يسمح لنا مطلقًا بنسيان سبب عملنا في التعليم؛ وهو تحسين حياة الأطفال. وقد كان مؤيدًا متفانيًا لهذا الكتاب، بدءًا من قراءته للمسودات، وفتحه منزله لي، وصولًا إلى كتابته للخاتمة. رون، على الرغم من إعجابك بجامعة أوكلاهوما ونكاتك السخيفة، سأعمل معك ما دمت سمحت لي بذلك.
عندما أقرضتني سوزي كيلي نسختها من كتاب «في أعماق الفكر» منذ سنوات عديدة، وضعتُ قدمي على أول الطريق نحو تدريس أفضل. سوزي أكثر مَن عرفتهم كرمًا؛ فهي تقدم كتبها وأفكارها وصداقتها دون قيد أو شرط، ومشاهدتُها وهي تدرِّس والتحدث معها عن التعليم أشبه بحضور فصل دراسات عليا كل يوم.
أَدين بالفضل أيضًا لهيذر فريمان وميلي جوينر اللتين ساعدتاني لمقابلة جانيت آلين، وقدَّمتاني بوصفي مؤلفة. أشكر أيضًا ديبي بروكس — مساعدة الناظر الاستثنائية — التي تدعوني بالصديقة، وتعنيها بالفعل. وأشعر بالامتنان كذلك للكثير من الإداريين والمعلمين بمنطقة كيلر للمدارس المستقلة الذين دعموا تأليف هذا الكتاب.
ما كنت لأصدق قط أنه بإمكاني تأليف كتاب حتى شاركتُ في مشروع الكتابة القومي. شكرًا للقائمين على مشروع «نورث ستار أوف تكساس» بجامعة نورث تكساس؛ وهم: ليزلي باترسون، وكارسول ويكستروم، وجانيل ماثيز، وجوان كيرتيس، وتيريزا بيرس. وشكر خاص لكارول التي قرأَتْ كتابي وقدَّمَت لي النصح. وتحية كبيرة لزميلاتي من استشاريات التعليم اللاتي كنَّ يسألنني عن أحوال الكتاب في كل مرة أقابلهن فيها، وأخص بالذكر أودري ويلسون، وكيري هاريس، وجينيفر روبرتس؛ اللاتي منعنني من التكبر بشأن هذا الأمر. أيتها السيدات، أنتن المعلمات اللاتي أود أن أصير مثلهن عندما أكبر.
أتوجه بالشكر كذلك لألكسندرا ليفيل، التي علمتني الفرق بين «ما هو مستند إلى الأبحاث» و«ما هو مثبت بالأبحاث»، والتي أقنعتني أنه بإمكاني تقديم عرض تقديمي في المجلس القومي لمعلمي اللغة الإنجليزية. وأَدين بفضل كبير أيضًا لجيف آندرسون الذي شارك مقدمًا في هذا الكتاب بمشاركته لخبراته بوصفه معلمًا وكاتبًا، ولأنه لم ينظر إليَّ كمتطفلة.
أما زوجي دون، فهو يعلم عن تعليم القراءة أكثر مما ينبغي لأي زوج معرفته؛ فقد قرأ كل مسودة كتبتها عدة مرات، وقام بكيِّ ملابس العمل خاصتي على مدار ثمانية أشهر، وجلب لي العشاء وأنا جالسة أمام الكمبيوتر كل ليلة تقريبًا، وأخبرني بأنه يتمنى لو كان طالبًا في فصلي. ومعرفتي بأننا سنتقدم في العمر معًا ونحن نقرأ كتبنا العزيزة على قلبينا بسعادة ترسم ابتسامة واسعة على وجهي.
لقد رُزِقت بابنتين استثنائيتين، سيليست وسارة، اللتين تُذكِّرانِنِي بحاجتي لقضاء بعض الوقت في لعب الدومينو ومشاهدة الأفلام معهما كي أحافظ على سلامة عقلي. شكرًا لكما، يا ابنتيَّ، لتضحيتكما بكثير من الوقت الذي من المفترض أن تقضياه معي.
وشكر خاص لأمي التي علمتني كيف أقرأ، ومنحتني من خلال ذلك كل شيء؛ تعليمي ومهنتي وشغفي في الحياة.
وأدين بالفضل للطلاب الرائعين الذين درَّستُ لهم على مدار سنوات. شكرًا لكل أولياء الأمور والطلاب الذين وافقوا على ذكرهم في هذا الكتاب، وأرسلوا لي صورًا، وشجعوني. إن كلماتكم وإنجازاتكم جديرة بأن تصل إلى الناس.
تقديم
صَوْت دونالين ميلر هو صوت معلمة حقيقية؛ فقد همست في آذاننا بأفكار عملية، وتوثيقات، وحقائق جوهرية بشأن تعليم القراءة المستقلة التي تضيع في كثير من الأحيان وسط صخب الاستعدادات الدائمة التزايد للاختبارات؛ فخوفًا من الفشل أو بسبب الضغوط المفروضة علينا من خارج الفصول التي نُدرِّس لها، نتخلى عن الاستراتيجيات والبرامج التي قد تساعد طلابنا في تحقيق النجاح في القراءة والتفكير والكتابة. وترى عينا دونالين الناقدتان ما يحدث حاليًّا في فصولنا، فتأسف للكيفية التي غالبًا ما تتحول بها فصول القراءة إلى أماكن لا محل فيها للقراءة؛ أو بالأحرى القراءة الحقيقية كما يصفها التربويُّون. وتشير دونالين إلى أن لجنة القراءة الوطنية قد نبذت قيمة القراءة المستقلة، لكنَّا لا يسعنا أن نفعل ذلك ببساطة؛ فما الذي قد يدفعنا إلى التركيز على القراءة الزائفة؟
هذا الكتاب كتابٌ عمليٌّ وحماسيٌّ، لا تطرح فيه دونالين ميلر نصوصًا معقدة، أو وصفات لا حصر لها، أو حلولًا سريعة غير واقعية؛ وإنما — بأساليب واضحة ومتيسرة — تشاركنا ميلر التفاصيل العملية لبرنامج قراءة مستقلة، مقدمةً اقتراحات بشأن كيفية البدءِ في منهجية ورشة عمل لا تجعلك تفقد أعصابك والحفاظِ على استمرارها. هل تساءلتَ يومًا كيف تحفِّز شخصًا رافضًا القراءة؟ تقدِّم لك دونالين نصيحةً عمليةً بسيطةً في هذا الشأن. هل تساءلتَ يومًا كيف تجعل طلابك يسجلون ما يقرءونه؟ هل توصلتَ إلى كيفية تشجيع الطلاب على الاستجابة للقراءة دون تجريدها من كل جوانب المرح التي تنطوي عليها؟ لقد فعلتْ دونالين ذلك، وفي كل صفحة من صفحات هذا الكتاب، توضِّح دونالين كيف يمكن لأي معلم الإنصات بذكاء لطلابه والرد عليهم، والوصول بهم إلى آفاق جديدة قد تبدو بعيدة المنال من التحصيل والفخر بالقراءة. ومن خلال الرسوم التخطيطية التي يصممها الفصل، وتدوين الملاحظات، ومحادثات الطلاب، وأنشطة الكتابة؛ تثبت ميلر كيف يمكن للتعليم الذي نقدمه أن يتدفق بسهولة ويُسْر من خلال تفاعلات الطلاب مع النص ومعنا وبعضهم مع بعض.
دونالين صديقةٌ تحب أن تجلس معها على سجيتكَ والتحدث إليها لبعض الوقت، وهي أيضًا من الأصدقاء الذين لا يتجنبون أبدًا الخوض في الموضوع مباشرةً؛ فتُصرِّح بما تفكر فيه وتعرفه بالضبط، ولا تُحجِم عن فعل ذلك. وتنبع مصداقيتها من الخبرة والتجربة، الفشل والتقويم، البديهة الفطرية والاهتمام الصادق، العناد والقدرة على التخلي عن الأشياء. إن دونالين تعلمنا من خلال قصص فصولها وآراء طلابها، وتقدِّم لنا معلومات للتوسع، وتبديل بؤرة اهتمامنا، وجعل فصولنا سبيلًا نحو القراءة الممتعة على مدار الحياة.
تظل دونالين ثابتة على موقفها ومخلصة للممارسات التي أصقلتها في فصولها، مذكِّرةً إيانا بأن تعليم القراءة يتعلق بأمر واحد فقط؛ ألا وهو القراءة. لا مجال هنا لأوراق التدريبات، أو الاختبارات الحاسوبية، أو البرامج التحفيزية، أو النصوص الجاهزة، أو النصوص التي تكتسب قيمتها من كونها كتبًا مهنية. تعبِّر دونالين ميلر عن متعة القراءة، وتذكِّرنا بما ينبغي علينا المحاربة من أجله — طلاب منشغلة أيديهم وأنظارهم وعقولهم بكتب حقيقية يختارونها بحُرية — وما ينبغي أن نصرف اهتمامنا عنه.
ستدفعك قصة دونالين الشخصية إلى التأملِ في برنامج القراءة الذي تطبِّقه وتحسينه. وسواء أكانت تتحدث عن أنواع القرَّاء وحلول التدريس لهم، أم كانت تُذكِّرك (أو تعرِّفك) بعبقرية شروط كامبورن للتعلم وقابليتها للتطبيق، أم تفسر لك لماذا يجب علينا الكفاح من أجل الحصول على وقت للقراءة المستقلة في فصولنا؛ سوف تستمع إلى صوت معلمة حقيقية يقع على مسامعك.
اتخِذْ لنفسك جلسة مريحة مع هذا الكتاب الجيد؛ فالكتب الموصَى بها شخصيًّا هي الأفضل، أليس كذلك؟ ومثلما ترشح دونالين وطلابُها بعضهم لبعض الكتبَ، أرشِّح لك هذا الكتاب. فلتقرأْه الآن، وسيُلهِمك لفتح كتابٍ ما وتعزيز برنامج القراءة المستقلة الخاص بك أو إعادة بدئه لأجلك ولأجل فصلك؛ فقد حدث لي ذلك.
بين طيَّات هذا الكتاب، تحثُّنا دونالين على التأمل في كيفية اشتراك طلابنا في برنامج القراءة الخاص بكلٍّ منا من خلال عرض قصتها الشخصية. إنها تقدِّم لنا رؤية لما يبدو عليه برنامج القراءة الفعَّال، ومدى السهولة التي يمكن تنفيذه بها. لا شك أن أي شيء بهذه الروعة يحتاج إلى بعض الجهد، لكن أي جهد هادف لا نشعر مطلقًا أن به صراعًا. ومع هذا الكتاب، سوف نسترخي فحسب مع تدفق الكلمات ونكتشف كل الأماكن التي يمكننا الذهاب إليها.
جيف أندرسون
مقدمة المؤلفة
لست باحثة متخصصة في القراءة أو خبيرة في سياساتها، ولا أحمل درجة الدكتوراه، إنما أنا معلمة قراءة، شأني شأن الكثيرين منكم، ومصدر مصداقيتي هو أنني معلمة أحثُّ طلابي على القراءة كثيرًا، وعلى حبٍّ للقراءة يستمر لوقت طويل بعد تَرْكِهم فصلي؛ فأطلب منهم قراءة أربعين كتابًا خلال الفترة الزمنية التي يقضونها في فصلي المدرسي للصف السادس؛ وبمرور العام تلو الآخر، يصل طلابي إلى هذا الهدف الخاص بالقراءة أو يتجاوزونه. لا يقرأ طلابي عددًا هائلًا من الكتب فحسب، وإنما يحصلون أيضًا على درجات عالية في تقييم القراءة الذي تجريه ولايتنا، وهو تقييم المعرفة والمهارات بولاية تكساس (تاكس). لم يفشل أيٌّ من طلابي على الإطلاق في تقييم الولاية على مدار أربعة أعوام، ويحصل معدل ?? بالمائة من طلابي على درجات تتجاوز التسعين بالمائة في هذا التقييم، وهو نطاق الدرجات الذي يحظى بالاحترام في تكساس. لقد درَّسْتُ لطلاب من جميع الخلفيات الاقتصادية والعلمية، بدءًا من أبناء المهاجرين غير المتحدثين بالإنجليزية الذين يعانون من صعوبات مع اللغة الإنجليزية وصولًا إلى أبناء أساتذة الجامعات. لكن الظروف التي أُهيئها في فصلي تنجح مع هؤلاء الطلاب كافة.
عندما طلب منِّي موقع teachermagazine.org «تيتشر ماجازين» الإلكتروني الإجابة عن أسئلة القرَّاء المطروحة في عمود «اسأل الخبير» في خريف عام ????، كان تحفيز الطلاب على قراءة عدد هائل من الكتب هو مصدر مصداقيتي معهم ومع آلاف القرَّاء الذين جعلوا هذا العمود بالغ الشهرة. وانهالت الأسئلة على موقع «تيتشر ماجازين دوت أورج» الإلكتروني من المعلمين والإداريين وأولياء الأمور بشأن انتقاء الكتب، ودفع الطلاب للاهتمام بالقراءة، وتهيئة ظروف من شأنها تشجيع الأطفال على القراءة في الفصول المدرسية وغرف المعيشة بالمنازل.
ونظرًا للطلب الواضح على المعلومات العملية المتعلقة بتنشئة أطفالٍ قرَّاءٍ، عرض عليَّ المحرِّرون في موقع «تيتشر ماجازين دوت أورج» بعد ذلك مهمةً طويلةَ المدى، تتمثل في كتابة مدونة بعنوان «الهامسة بالكتب» The Book Whisperer. وهذه المدونة هي المكان الذي يمكنني فيه رفع شعار القراءة الحرة خاصتي ومناقشة المشكلات التي يواجهها المعلمون يوميًّا؛ ألا وهي: السياسات القومية وسياسات الولايات والمقاطعات التي تفرض علينا ما ندرِّسه، وسعينا الأبدي لحث طلابنا على القراءة.
ما الذي يجعل الحاجة لتحفيز القرَّاء الصغار وإلهامهم مسألة بهذا القدر من الأهمية؟ لماذا يحتاج المعلمون وأولياء الأمور بشدة إلى معلومات حول كيفية دفع الأطفال إلى القراءة؟ يقع هذا الموضوع في بؤرة الضوء لأن كثيرًا من الأطفال لا يقرءون؛ فهم لا يقرءون بالإتقان الكافي، ولا يقرءون بالقدر الكافي، وإذا تحدثت مع الأطفال، فسيخبرونك بأنهم لا يعتبرون القراءة ذات مغزًى في حياتهم.
يُصْدر مجال الدراسات البحثية المتعلقة بالقراءة دراسةً تلو الأخرى في محاولة لتفسير سبب عدم تعلم القرَّاء الناشئين القراءة على نحو جيد بوصولهم إلى الصف الثالث، وعدم اهتمام طلاب المرحلة المتوسطة بالقراءة، وتراجع مقدار قراءات طلاب المرحلة الثانوية مع كل عام يمر عليهم في المدرسة، وعدم تمكُّن العديد من الطلاب من فهم المعلومات التي تحويها كتبهم الدراسية أو اجتياز الاختبارات القياسية. وبدلًا من إعادة النظر في الأساس الواهي الذي قام عليه عدد هائل من برامج القراءة على المستوى الفيدرالي ومستوى الولايات، يطلب واضعو السياسات في التقرير الصادر عن لجنة القراءة الوطنية عام ????، الذي يحمل عنوان «تعليم الأطفال القراءة»، الحصولَ على المزيد من الأموال، ويرجون منا جميعًا مَنْح هذه البرامج مزيدًا من الوقت (المعهد الوطني لصحة الطفل والتنمية البشرية، ????). الأطفال لا يمكنهم الانتظار، وليس أمامهم الكثير من الوقت؛ فبينما يتهافت واضعو السياسات، ومجالس التعليم على مستوى الولايات والمقاطعات، والإداريون، على اكتشاف أفضل الممارسات لدفع الأطفال إلى القراءة، واضعين برنامجًا تلو الآخر يدَّعون أن كلًّا منها يحوي الحلول المطلوبة؛ ينهي هؤلاء الأطفال دراستهم ويتنفَّسون الصعداء لعدم اضطرارهم لقراءة أي كتاب على الإطلاق بعد ذلك.
لقد عملنا بكدٍّ لوضع أنظمة لتعليم القراءة، لكنني أرى أنه ليس لدينا أي مبرر لتنظيم فعلٍ مثل القراءة في المقام الأول. والجهات الوحيدة المستفيدة من الاتجاهات الحالية الهادفة لإنتاج برامج لا نهاية لها لتعليم القراءة هي دور النشر وشركات الاختبارات التي تَجْني مليارات الدولارات من البرامج والاختبارات التي تنتجها. والمثير للضيق أنَّ مَن يستأثرون بالقدرة على دفع الأطفال للقراءة — وهم مؤلفو كتب الأطفال وأولياء الأمور والمعلمون — يحصلون على أقل قدرٍ من التقدير سواء من الناحية المالية أو أي نواحٍ أخرى.
أعتقد أن هذه الآلية المؤسسية المتمثلة في البرامج المكتوبة، وأوراق تدريبات الاستيعاب (الأوراق القابلة للنسخ، أو المذكرات، أو الأوراق القابلة للطباعة، أو أي اسم تودُّ إطلاقه عليها)، وحزم الحوافز الحاسوبية، والمناهج القائمة على التدرُّب على الاختبارات؛ تدعم أرباح الشركات التي تبيعها. قد تخدع هذه البرامجُ المدارسَ بإيهامها بأنها تَستخدم كل الموارد المتاحة لتعليم القراءة، لكن مصير هذه البرامج يكون الفشل؛ لأنها تتجاهل الفكرة الأهم؛ فعند التدقيق في كل هذه البرامج، سنجد أنها تطمس فكرة «الطفل الذي يقرأ كتابًا».
في عام ????، استبعدت لجنةُ القراءة الوطنية القراءةَ المستقلةَ من توصياتها المتعلقة بتحسين تعليم القراءة، مشيرةً إلى أن «اللجنة لم تتمكن من التوصُّل إلى علاقة إيجابية بين كلٍّ من البرامج والتعليم الذي يشجع على قدر كبير من القراءة الحرة وتَحَسُّن التحصيل في القراءة» (المعهد الوطني لصحة الطفل والتنمية البشرية، ????: ??-??). ما يحيِّرني أن مبادرةً تهدف لتحسين تحصيل الطلاب في القراءة تَستبعد القراءة الحرة المستقلة. يحدد الباحث والناشط المرموق، ستيفن كراشين، مؤلف كتاب «قوة القراءة»، إحدى وخمسين دراسة تثبت أن الطلاب في برامج القراءة الحرة يحققون أداءً أفضل أو معادلًا لأداء الطلاب في أي نوع آخر من برامج القراءة. وتَوصَّل كراشين إلى أن حافز الطلاب للقراءة واهتمامهم بها يكونان أكبر عندما تُتاح لهم فرصة القراءة في المدرسة. وتشير نتائج كراشين إلى أنه يجدر بأي نشاط آخر مُتَّبَع في الفصول المدرسية لتعليم القراءة أن يحقِّق نفس نتائج القراءة المستقلة — ليس فقط من حيث التحصيل في القراءة، وإنما أيضًا من حيث «التحفيز» — وإلا فسيكون مُضِرًّا بالطلاب.
وقد سُئِلت مؤخرًا خلال فعالية كنت ألقي فيها خطابًا عن الكيفية التي أبرِّر بها لناظر المدرسة مسألة الساعات التي أخصصها من وقت الفصل المدرسي لقراءة الطلاب. وعندما أشرتُ إلى نتائج الاختبارات التي حصل عليها طلابي، تعالت صيحات الانبهار من جميع أنحاء القاعة، لكن التركيز على درجات الاختبارات أو عدد الكتب التي يقرؤها طلابي لا يفي الأمر حقَّه؛ ولا حتى نصف حقه؛ فطلابي — كما ترى — ليسوا قرَّاءً ضليعين وبارعين فحسب؛ وإنما هم مُحِبون للكتب والقراءة.
من هنا يجب أن تبدأ تنشئة قرَّاء يواظبون على القراءة مدى الحياة. وأي شخص يصف نفسه بالقارئ يمكنه أن يخبرك بأن الأمر يبدأ بالتعرُّف على كتب عظيمة، والحصول على ترشيحات صادقة، ومعرفة مجموعة من القرَّاء يشاركونك هذا الشغف. إن أوراق التدريبات التي يقدمها أي معلم لطلابه لا تجعل منهم قرَّاءً، ولو كثرت؛ بل الكتب وحدها هي التي تفعل ذلك.
إن ابتكار التربويين لمصطلحات «القراءة الفعلية» و«القراءة الأصيلة» و«القراءة المستقلة» للتفريق بين ما يفعله القرَّاء في المدرسة وما يفعله القرَّاء في الحياة؛ يشكل جزءًا من المشكلة. لماذا يجب أن يكون هناك اختلاف؟ لماذا ينفصل الهدف من تعليم القراءة عن القراءة في بقية حياة الطالب؟ متى أصبحت القراءة عملية تكنوقراطية حتى فقدنا الكتب والأطفال في خضم الجدل القائم بشأنها؟ إنني مقتنعة بأننا إذا أوضحنا للطلاب كيفية تبنِّي القراءة بوصفها مسعًى مستمرًّا على مدار حياتهم، وليست مجرد مجموعة من المهارات اللازمة من أجل الأداء المدرسي، فسوف نحقق بذلك ما أعتقد أننا مُكلَّفون بفعله؛ ألا وهو تنشئة أشخاص قارئين.
بغضِّ النظر عن المرحلة التي وصلتَ إليها من حياتك المهنية كمعلم، ثمة شيء سيقدمه لك هذا الكتاب. يستكشف كلُّ فصل من هذا الكتاب جانبًا من جوانب عملي كمعلمة، يمثل جزءًا من خطة مترابطة الأجزاء تهدف إلى بناء ثقافة للفصل المدرسي يقرأ الطلاب في إطارها. وتشمل الموضوعات المطروحة ما يلي:
«تأملاتي الشخصية حول شغفي بالقراءة طوال حياتي»: يتمثل أقوى عناصر ممارستي لمهنة التدريس في استمتاعي بالقراءة وتجاربي معها. تابِعْ رحلتي كقارئة، وتَدبَّرْ فيما تعنيه القراءة لك.
«استراتيجيات عملية يمكنك تطبيقها في فصلك»: استكشِفِ التفاصيل العملية لإنشاء مكتبة عامة في الفصل المدرسي، وتحديد متطلبات القراءة، وتخصيص وقت للقراءة، وتغيير أسلوبك في التدريس ليتماشى مع عادات القرَّاء الحقيقيين.
«قصص واقتباسات من طلاب أصبحوا قرَّاءً»: إن أفضل الدروس التي تعلمتُها بشأن تدريس القراءة استقيتُها من طلابي. فلتَدَعْ كلماتهم بشأن عيشهم مع القراءة، والكيفية التي تمنعهم بها المدارس غالبًا من أن يصيروا قرَّاءً، ترشدك وتلهمك. كل اقتباسات الطلاب المذكورة في هذا الكتاب لطلابي من الصف السادس.
«همسات»: تَعرِض هذه الفواصلُ القصيرةُ الموزَّعةُ عبر صفحات الكتاب التدريباتِ التي استخدمتُها في المراحل المبكرة والمتوسطة والمتقدمة من العام الدراسي للتشجيع على الحوار حول القراءة بيني وبين الطلاب.
ما الداعي إذن من وراء تأليف كتاب آخر حول دفع الطلاب إلى القراءة؟ هل أنا منافقة لاستهجاني صناعة البرامج المتَّبَعة في تعليم القراءة، ثم مشاركتي فيها عن طريق إصدار كتاب آخر يدَّعي احتواءه على إجابات؟ على الرغم من قراءتي وتطبيقي العديدَ من هذه الأفكار بنفسي، بما في ذلك الأفكار المتعلقة بكيفية إقامة وِرَش عمل للقراءة والكتابة وتدريس استراتيجيات الفهم، فإن هذا الكتاب يقدِّم شيئًا مختلفًا. وقد قال توني موريسون: «إذا كان هناك كتاب ترغب في قراءته بشدة لكنه لم يُكتَب بعد، فعليك إذن بكتابته» (جيكوبز ويالمارسون، ????). وهذه حقيقة هذا الكتاب؛ فهو الكتاب الذي تمنيتُ أن أجده عندما كنت أتعلم كيفية التدريس؛ فقد كنت بحاجة لكتاب يوضح لي كيفية ربط حبي للقراءة بتدريسي لها، وكيفية استخدام ما أعرفه بالفعل عن معنى أن يكون المرء شغوفًا بالقراءة طوال حياته لتشجيع طلابي على القراءة، لكنني لم أعثر عليه قط.
أتصور أن بعض قرَّاء هذا الكتاب ستَثْبُت لهم صحة الممارسات الممتازة التي يتبعونها بالفعل لتحفيز طلابهم على القراءة. انعموا بهذا الشعور بالتثبُّت؛ فأنتم جديرون به! وبعضكم بحاجة إلى النصائح العملية التي أقدِّمها، فافعلوا ما يفعله المعلمون العظماء دائمًا: استولوا على ما يمكنكم استخدامه من أفكار. لكن ثمة قلة بيننا بحاجة لتغيير جوهري، وهو تبديل نموذجنا الفكري بشأن ما يجب أن تكون عليه القراءة، سواء لطلابنا أو لأنفسنا. أتمنى أن تعثروا على هذا التغيير. ربما يلهمك هذا الكتاب لبدء البحث عنه. وبغضِّ النظر عن أي نوع من القُرَّاء أنت، اعلم أنني أُقدِّرك وأرحب بك في هذا الكتاب.
الفصل الأول
الاهتداء للسبيل
ما أحببناه سيحبه آخرون، وسنُعلِّمهم كيف يفعلون ذلك.
ويليام ووردزوورث
لقد ساعدَتْني القراءة كثيرًا في تأليف كتابي. فكل الكتب التي قرأتُها منحَتْني أفكارًا وخواطرَ للكتابة. ولولا الكتب، ما كان لي أن أكتب كتابًا قصصيًّا الآن.
جوناثان
يمثل تعلُّم القراءة إحدى ذكرياتي المبكرة. كانت والدتي تملك شركة مقاولات كهربائية، ونظرًا لكونها أمًّا عزباء، كانت تضطر أحيانًا لاصطحابي معها في رحلات برية، وفي أثناء رحلاتنا على الطرق السريعة بين تكساس وأركنساس، كانت تقرأ لي لافتات الطرق، وتشيد بي كلما «قرأتُ» لافتة ماكدونالدز أو تكساكو. وبما أنني كنت أبلغ بالكاد ثلاث سنوات آنذاك، كنت بلا شك أردد الألوان وأشكال اللافتات التي تعرَّفتُ عليها، لكنني سرعان ما تمكنت من القراءة بنفسي. كانت أمي هي كل عالمي، وهي التي أدخلت القراءة إلى هذا العالم. وعندما أسترجع كيف قضيتُ طفولتي منكبةً على قراءة الكتب على الدوام، أتساءل أحيانًا إن كانت أمي قد ندمت على أنها حفَّزتني على القراءة في هذه السن المبكرة للغاية.
كانت والدتي تخشى من أن أصبح غير ناضجة اجتماعيًّا بسبب انهماكي في القراءة وحدي في غرفتي، لكن القراءة — على العكس من ذلك — كانت تربط بيني وبين أهم أشخاص في حياتي. فزوجي، دون، قارئ. وقد أيقنت أنه مقدَّرٌ لنا الحياة معًا للأبد عندما اكتشفتُ في موعدنا الثالث أنه قد قرأ — وأحبَّ — أحد كتبي المفضلة آنذاك؛ وهو كتاب ستيفن كينج «الصمود»، الذي يتناول الصراع بين الخير والشر في أعقاب انتشار وباءٍ ما. يسير دونُ عادةً بخطًى بطيئة أمام خزانة الكتب في غرفة معيشتنا، وينادي عليَّ متسائلًا: «ماذا لديكِ لي لأقرأه؟» إن الكتب خطابات حب (أو اعتذار) نمررها بيننا، مضيفةً مستوًى آخر من الحوار يتجاوز كلماتنا المنطوقة. ولا يستطيع أيٌّ منا تخيُّل قضاء حياته مع شخص لا يقرأ.
تدور بعضٌ من ذكرياتي المفضلة مع ابنتيْنا أيضًا حول الوقت الذي قضيناه معًا في تشارك الكتب؛ فقد قرأنا — أنا ودون وسيليست — معًا سلسلة هاري بوتر كاملةً بصوت مرتفع؛ حيث كنا نقرأ كل كتاب من السلسلة بمجرد أن يُنشَر؛ وقد بدأنا قراءة أول كتاب من هذه السلسلة عندما كانت سيليست في التاسعة من عمرها، وبعد انتهائنا من آخر كتاب منها كانت قد بلغت السابعة عشرة. بكيتُ آنذاك، ليس فقط لأن ملحمة رولينج قد انتهت، وإنما لأنني رأيت أن رحلة تنشئة طفلتنا الجميلة قد أوشكت كذلك على الانتهاء. وعندما انقطع التيار الكهربي عن منزلنا لمدة ثلاثة أيام خلال عواصف الربيع الأخيرة، توسلَتْ إلينا ابنتُنا سارة البالغة من العمر تسعة أعوام لكي نقرأ لها قصص الأشباح على ضوء الشموع، مشيرةً إلى أن هذه القصص هي — على حد قولها — «أفضل» خيار للقراءة في منزل مليء بالصمت المخيف والظلال المريبة.
حتى صداقاتي تحمل في جوهرها حب الكتب؛ فقد تَوثَّقَت أواصر الصداقة بيني وبين ماري — أفضل صديقاتي — لكوننا والدتين وقارئتين عندما كنا نصطحب أطفالنا إلى المكتبة العامة كل يوم أربعاء على مدار إجازتَين صيفيتين. كنا المستعيرتين الوحيدتين بالمكتبة اللتين كانتا تحتاجان إلى عربة تُجَر باليد ماركة راديو فلاير لحمل جميع الكتب التي كنا نستعيرها كل أسبوع. نتحدث أنا وماري عن كثير من الأمور الرائعة — مثل أبنائنا وآبائنا وزوجينا والسياسة وما نسمعه بالإذاعة الوطنية العامة — لكننا دائمًا ما نخصص وقتًا للحديث عن الكتب المحبَّبة إلى قلبينا أيضًا.
إنني قارئة أنتمي إلى تلك الفئة من القرَّاء الذين يقرءون على ضوء مصباح الجيب تحت الأغطية، ويحملون كتابًا معهم أينما ذهبوا، ولا ينظرون إلى فاتورة موقع أمازون الإلكتروني خاصتهم. وأختار حقائب اليد على أساس إن كان بإمكاني حشر كتاب ذي غلاف ورقي فيها أم لا، وتكون كتبي أول الأشياء التي أحزمها في حقيبة السفر. وأنا ذلك الشخص الذي يتصل به أفراد الأسرة والأصدقاء عندما يحتاجون إلى ترشيح لكتاب يقرءونه، أو عندما لا يمكنهم تذكُّر مَن كتب رواية «هايدي» (كتبتها يوهانا شبيري).
إن هُويَّتي الشخصية شديدة التداخل مع محبتي للقراءة والكتب لدرجة أنني لا أستطيع الفصل بين الاثنتين. وشخصيتي هي نتاج الجمع بين كل شخصيات الكتب التي أحببتها بقدرِ ما هي نتاج الأشخاص الذين التقيت بهم؛ فأنا لن أتسلق جبل إيفرست أبدًا، لكنني رأيت قمته المخيفة المهيبة بعيون جون كراكور وبيك مارتشيلو. أما زيارتي لمدينة نيويورك للمرة الأولى وأنا في الأربعين من عمري، فكانت أشبه بزيارة صديق قديم عرفته من رواية الكاتبة إلين لوبل كونيجسبرج «من الملفات المختلطة للسيدة بازِل إي فرانكويلر»، ورواية مارك هلبرين «حكاية شتاء». أردت أيضًا الذهاب إلى متحف متروبوليتان للفنون، والاختباء في دورة المياه حتى يغلق المتحف أبوابه، ثم أبحث عن الملائكة. وأعرف من واقع خبرتي الشخصية أن القرَّاء يعيشون حياةً أكثر ثراءً، بل ويعيشون حيوات أكثر من هؤلاء الذين لا يقرءون.
إن هَوَسِي بالكتب والقراءة هو محور حياتي، وعندما اخترت التدريس ليكون مهنتي الثانية (بعد مهنتي الأولى كموظفة حسابات)، دخلتُ فصلي المدرسي وأنا مقتنعة بأنني سأشارك طلابي هذا الشغف. وبصرف النظر عن أي شيء آخر يمكنني تقديمه لهم، كان بإمكاني منحهم حماسي للكتب.
لكن الأمر لم يكن بهذا القدر من السهولة.
(?) نداء اليقظة
خلال فصل الصيف الذي سبق أول مهمة تدريس توليتُها، قضيتُ شهرًا في التخطيط لوحدة يدور موضوعها حول أحد كتبي المفضلة؛ ألا وهو «رؤية من أيام السبت» بقلم إلين لوبل كونيجسبرج. كان لهذه القصة، التي تدور أحداثها حول السيدة أولينكسي — المعلمة المُدمَّرة عاطفيًّا وبدنيًّا، لكنها في الوقت نفسه معلمة مُلهِمة — وطلابها غير العاديين الذين تعلموا حب واحترام بعضهم بعضًا على مدار العام الدراسي؛ تأثير قوي عليَّ، واعتقدتُ أنْ سيكون لها صدًى لدى طلابي في الصف السادس. أردتُ أن أكون عطوفة وحازمة في الوقت نفسه — مثل السيدة أولينكسي — وأشجِّع طلابي على توطيد علاقاتهم بعضهم ببعض مثلما فعل طلابها العباقرة — الذين كوَّنوا فريقًا وأطلقوا على أنفسهم «الأرواح» — في هذا الكتاب.
قرأتُ الكتاب مجددًا، وأضفتُ ملاحظات دقيقة في هوامش نسختِي عن النقاط الحوارية التي سأتناقش فيها، وصممتُ أنشطة ملحقة مرتبطة بالأحداث في حبكة الكتاب؛ كنا سندرس عادات هجرة السلاحف البحرية، ونقيم حفلات شاي، ونكتب بفنون الخط، ونناقش الاختلافات الثقافية الرئيسية بين الشخصيات. وضعتُ كذلك أسئلة فَهْم واستيعاب مباشرة لكلِّ فصل من فصول الكتاب، واجتهدتُ في تنويع صعوبة الأسئلة وفقًا لمجالات تصنيف بلوم، مثلما تعلمتُ بالضبط في مقررات المناهج في الكلية، واخترت المفردات الرئيسية التي شعرت بأنه يجب على الطلاب معرفتها، فنويت وضع ألغاز الكلمات المتقاطعة الخاصة بنا! كانت الوحدة مذهلة، وكانت تتويجًا لكلِّ ما تعلمتُه عن التدريس الناجح، وشعرت بالفخر بها.
لكنها كانت كارثية.
(?) ضلال الطريق
مثلما يحدث غالبًا للمعلمين حَسَنِي النية، انهارت خططي عندما أقبل طلابي. لا تزال ذكرى استخدامي هذا الأسلوب في التدريس ذات مرة تطاردني حتى الآن؛ لم يرتبط طلابي بشخصيات الرواية إلى الحد الذي تصوَّرْتُه، وشقُّوا طريقهم بتثاقل عبر صفحات الكتاب، بينما يطرحون عليَّ أسئلة من قبيل: «ما الطول الذي يتعين أن تكون عليه إجاباتي؟» و«هل يمكنك الاطلاع على رسمي الخاص بالسؤال ? وإخباري إن كان هذا ما تريدينه أم لا؟» كان الأطفال مطيعين ونفذوا المطلوب منهم، لكنهم كانوا يفتقرون إلى الشغف. ويمكنني القول بأنهم لم يستفيدوا كثيرًا من الكتاب على المستوى العاطفي أو الفكري؛ فكانوا أشبه بالروبوتات، يتقدمون متثاقلين عبر الوحدة ويؤدون التدريبات المطلوبة منهم. كانت القراءة في نظرهم تكليفًا؛ مهمة أخرى ينبغي عليهم الانتهاء منها في خضم الروتين المدرسي اليومي. لم أستطع إدراك الخطأ الذي حدث؛ فقد كان الكتاب رائعًا، والوحدة مُخططة بعناية لإثارة اهتمام الطلاب، لكن الأطفال لم يهتموا.
لاحظتُ، كذلك، أن الطلاب القليلين المحبِّين للقراءة بالفعل كانوا يُسرِعون في أداء أنشطة الوحدة ليسألني كلٌّ منهم بعد ذلك قائلًا: «لقد انتهيت من واجبي؛ هل بإمكاني قراءة كتابي الآن؟» أدركت حينها وأنا مذعورة أن فصلي المدرسي قد أصبح نفس ذلك النوع من الفصول المدرسية التي كنت أحتقرها في ذكرياتي عن المدرسة، وهو فصل القراءة الذي لا مكان فيه للقرَّاء. أذكر إسراعي في دراسة الكتب المفروضة علينا في المدرسة (وأداء كل التكليفات المصاحبة) كي أتمكن من العودة لكتبي، أيضًا.
وفي ظل ما انتابني من ذهول، عرضت ملاحظاتي على المعلمين الأكثر منِّي خبرةً في المدرسة، وطلبتُ منهم المساعدة. لكني سمعت منهم تعليقات أزعجتني من قبيل: «الأطفال كسالى، هذا كل ما في الأمر، وسيبذلون أقل ما يمكنهم بذله من جهد للنجاح»، أو «معظمهم يكرهون القراءة؛ فأنا أُرْغِم طلابي إرغامًا على الانتهاء من دراسة كل وحدة.»
أخبرني هؤلاء المعلمون أيضًا أن رواية «رؤية من أيام السبت» — التي تدور أحداثها حول طلاب في الصف السادس — صعبة للغاية على فصل الصف السادس الذي أُدرِّس له. وفقًا لرأي زملائي، كان طلابي يكرهون القراءة، وأما من كانوا يحبونها، فسيقرءون على الرغم من تدريسي لهم، وليس بسببه. أدركتُ حينئذٍ أن المشكلة لم تكن تتمثل في هذا الكتاب الحائز ميدالية نيوبري؛ وإنما في كيفية تدريسي له. إذن، ما الذي كان عليَّ فعله حيال هذا الأمر؟ كان لا بد من وجود طريقة أفضل.
(?) إلى أين أتجه؟
يُقال إن المعلمين يُدرِّسون بنفس الأسلوب الذي دُرِّس لهم به. عندما كنت في المدرسة، كان جميع الطلاب يقرءون نفس الكتاب ويؤدون نفس التدريبات. هكذا درَّستُ القراءة أيضًا؛ وهذا ما فعله جميع المعلمين في مدرستي. وبالرغم من كل ما سمعناه في الكلية عن القراءة الحقيقية، لم يكن هناك كثير من الدعم لتعليم القراءة بأي أسلوب آخر غير أسلوب تكليف الفصل كله بدراسة رواية واحدة بحيث يكون جميع الطلاب في الصفحة ذاتها في نفس الوقت. وعند دخولك أي متجر لمستلزمات المعلمين أو تصفحك لأي فهارس للمصادر، سيؤكد لك القَدْر الوافر من المواد المُعَدة مسبَّقًا لوحدات الروايات أن هذه أفضل وسيلة لتعليم القراءة.
إذا كان طلابي يستحقون ما هو أكثر من ذلك، فهم لم يتوقعوا الحصول عليه. من وجهة نظرهم، القراءة في المدرسة متشابهة دائمًا؛ فما عليك سوى قراءة الفصول، وحل التدريبات التي لا حصر لها على كل فصل، والخضوع لاختبار عن الكتاب عند الانتهاء منه أخيرًا، ثم بدء العملية برمتها من جديد مع كتاب آخر. لم تكن قراءة ما يزيد عن بضعة كتب كل عام أمرًا ممكنًا لهؤلاء الطلاب؛ لأن الانتهاء من كل وحدة من هذه الوحدات المتماثلة استغرق وقتًا طويلًا للغاية. وعلى عكس الاسم الواعد لمدرسة «إبيفاني ميدل سكول» — الذي يعني بالعربية «التجلي» — في رواية «رؤية من أيام السبت»، لم يحمل لي ذلك العام كثيرًا من التجليات الإلهية. وقضيتُ ما تبقَّى منه في محاولة إعدادِ ما اعتقدت أنها ستكون وحدات روايات أكثر إثارةً لاهتمام الطلاب، فجمعت عددًا أكبر من التدريبات الممتعة والمشروعات الفنية، دون الإقرار مطلقًا بانخفاض معدل أنشطة القراءة والكتابة التي يؤديها طلابي. ظَل تدريسي يتمحور حول أهدافي والنصوص التي حددتُها، وكنت آمل أنني إذا اجتهدت أكثر في العمل، وحسَّنت أدائي في إعداد ما أُدرِّسه، فسأنجح في النهاية. لكنِّي يئست من أن أتمكن أبدًا من تحفيز طلابي على إيجاد المتعة المذهلة التي كنت أجدها في القراءة.
(?) على الطريق الصحيح
عندما أتذكر تلك الأيام الآن، أُدرِك أن الإجابة كانت جلية أمام عيني؛ ففي الفرص النادرة التي كنت أسمح فيها للطلاب باختيار كتبهم بأنفسهم، اتقد حماسهم لأداء واجباتهم المدرسية. لكنني فشلت في الربط بين الأمرين؛ فالسماح للطلاب باختيار كتبهم في كل واجب مدرسي لم يكن مُتَّبَعًا في أي فصل سبق لي الالتحاق به، وكنت أجهل كيفية الإعداد لتدريسٍ من شأنه تحقيق أهداف منهجِي والسماح للطلاب في الوقت نفسه بالاختيار. وعزوتُ آنذاك فشلي في حث طلابي على القراءة إلى عدم خبرتي كمعلمة. ولم يخطر ببالي قط أنني كنت أحاول إعداد برنامج للقراءة باستخدام مواد منقوصة. لقد كانت الأساليب التي اتبعتُها هي المعيبة، وليس تطبيقي لها.
ومع مُضِي عامي الأول في مهنة التدريس، اكتشفت تزايد فترات التحضير التي أقضيها على عتبة باب مكتب الناظر المساعد (الذي صار ناظرًا فيما بعد)؛ السيد رون مايرز. لقد كان مُستمِعًا رائعًا وأدرك تَوْقِي الشديد للنجاح مع طلابي ورغبتي في إقامة روابط بينهم وبين الكتب، فحثني على التحدث إلى سوزي كيلي؛ وهي معلمة بلغت خبرتها في المجال عشرين عامًا، وميسِّرة المناهج في مدرستنا، وقد أصبح فصلها ملاذًا لي. وبالرغم من معرفة سوزي الواسعة بممارسات القراءة والكتابة، فإنها كانت تبحث دائمًا عن أساليب لتحسين عملية تدريسها للقراءة والكتابة في فصلها المدرسي، ولا تزال تسعى جاهدةً من أجل «إتقان» ما تفعله. تعيش سوزي بمبدأ «إذا اعتقدتَ يومًا بأنك تملك كل الإجابات، فقد حان الوقت لتتقاعد»، لقد شجعتني على الاستمرار في المحاولة والمواظبة على التعلم.
استمررتُ طبعًا في القراءة. ومع تردد عدد هائل من الأسئلة حول كيفية تعليم القراءة في رأسي، كان السعي للحصول على أجوبة عن طريق إغراق نفسي في كل كتاب يمكنني العثور عليه حول هذا الموضوع خطوة منطقية بالنسبة إليَّ. وفي خضمِّ شعوري بضلال الطريق وسط غابات التدريس، سمحتُ للرواد المعترَف بهم في مجال تعليم القراءة والكتابة بإرشادي. واتضح لي حينذاك أن المشكلة — على الأرجح — كانت تكمن في الكيفية التي كنت أدرِّس بها القراءة؛ فرشَّحتْ لي سوزي كتبًا عن التدريس بأسلوب وِرَش العمل؛ وعثرتُ على كتب أخرى في المكتبات والفهارس المهنية. وقرأت بِنَهَمٍ ما كَتَبَه معلمون عِظام استفادوا من أساليب ناجحة في تعليم القراءة. ومن هنا، بدأتُ أكتشف نقاط الفشل في أسلوبي والكيفية التي يمكنني إصلاحها بها.
حددت ووضعت خطوطًا تحت كل فكرة عميقة ونصيحة عملية تمكَّنتُ من استقائها من هؤلاء الخبراء؛ وكانت أوراق الملاحظات اللاصقة تبرز — وكأنها أشواك — من عدد لا نهائي من الصفحات في كتب أساليب التدريس خاصتي. من بين ما قرأته في ذلك العام أربعة كتب على وجه التحديد هي التي شكَّلَت فلسفتي في التدريس، ووضعتني على الطريق الذي لا أزال أسير عليه حتى الآن؛ وهذه الكتب هي: كتاب نانسي آتويل المميز عن التدريس بأسلوب ورش العمل «في المنتصف»؛ ودليل إيرين فونتس وجاي سو بينيل العمليُّ لوضع الجداول الزمنية، وإعداد الدروس، والتقييم داخل فصول وِرش العمل الذي يحمل عنوان «دليل القرَّاء والكتَّاب (للصفوف من الثالث إلى السادس): تدريس الفهم، واللون الأدبي، والإلمام بالمحتوى»؛ وكتاب إلين كين وسوزان زيمرمان «في أعماق الفكر»، الذي يحلل فهم القراءة إلى عناصره الأساسية؛ ودليل جانيت آلين الواقعي السهل الاستخدام للعمل مع القرَّاء المراهقين بعنوان «على دروب النجاح: طرق مشتركة وموجهة نحو القراءة المستقلة ?–??». ومن خلال هؤلاء الممارسين الحكماء، بدأتُ أتوصل إلى الكيفية التي يمكنني من خلالها سَد الفجوة بين ما لدي من رؤًى عن فصل القراءة المثالي والكيفية التي اعتقدت أن بإمكاني الوصول إليه بها.
حوَّلتُ فصلي المدرسي إلى ورشة عمل؛ أيْ مكان يصقل فيه المتدربون مهاراتهم تحت رعاية خبير. وتعلمتُ أن كوْني أفضل قارئة وكاتبة في الفصل لا يعني ممارسة السلطة والسيطرة، وإنما ينبغي عليَّ أن أكون مصدرًا للمعرفة يمكن لطلابي الاستعانة به في أثناء تعلمهم كيفية القراءة والكتابة. وبدلًا من الوقوف على المسرح كل يوم لأوزع المعرفة على رعاياي الصغار، ينبغي أن أوجههم في طريقهم نحو الفهم بأنفسهم. والمعنى المُستقَى من أي نص يجب ألا ينبع من مفاهيمي أو من دليل المعلم — حاشا لله — وإنما يجب أن ينبع من فهم الطلاب أنفسهم، تحت إشرافي.
إن القراءة رحلة معرفية ووجدانية في الوقت نفسه، وقد اكتشفتُ أنه من واجبي بصفتي معلمةً أن أُعِد المسافرين في هذه الرحلة بما يحتاجونه من أدوات، وأعلِّمهم كيفية قراءة الخرائط، وأوضح لهم ما ينبغي عليهم فعله عندما يضلون الطريق، لكن الرحلة تظل في النهاية رحلتهم وحدهم.
كان هدفي أن يقرأ طلابي ويكتبوا جيدًا على نحو مستقل؛ فإذا لم أطلب من طلابي مطلقًا أن يُطلعوني على ما تعلموه من خلال أعمالهم وكلماتهم الصادقة، فكيف أتأكد من استيعابهم لما علمتهم إياه؟ وما دام تدريسي متعلقًا بأنشطتي وأهدافي، يظل الطلاب معتمدين عليَّ في اتخاذ القرارات وتحديدِ ما سيتعلمونه. وقد أثبتت ممارسات رواد تعليم القراءة والكتابة التي اكتشفتُها خلال تلك الفترة صحة حدْسي بأن الطلاب يجب أن يقضوا أغلب وقتهم في الفصل في القراءة والكتابة على نحو مستقل، ومؤلفات هؤلاء الرواد قدمت لي البرهان البحثي الذي كنت بحاجة إليه للدفاع عن معتقداتي، وأدركتُ كذلك أن كل درس واجتماع وردٍّ وواجب مدرسي أقدِّمه لطلابي يجب أن يقودهم بعيدًا عني ونحو استقلاليتهم بوصفهم أشخاصًا متعلمين.
العناصر الأساسية لورشة عمل القراءة
«الوقت»: يحتاج الطلاب إلى قدر كبير من الوقت لقراءة الكتب وتصفحها.
«الاختيار»: يحتاج الطلاب إلى فرصة اختيار ما سيقرءونه بأنفسهم.
«التفاعل»: يجب أن يتفاعل الطلاب بأساليب طبيعية مع الكتب التي يقرءونها من خلال الاجتماعات، والتدوينات التحريرية، والمناقشات التي تُجرَى في الفصل، والمشروعات.
«المجتمع»: الطلاب جزء من مجتمع القراءة في الفصل المدرسي؛ حيث يستطيع جميع الأفراد تقديم مساهمات هادفة لتعلم الجماعة.
«القاعدة»: تقوم ورشة العمل على قاعدة من البرامج الروتينية والإجراءات التي تدعم الطلاب والمعلمين.
(المصدر: آتويل، ????.)
كان الافتقار للتحكم في خيار القراءة هو مشكلة وحدة الرواية التي أعددتُها عن رواية «رؤية من أيام السبت» والروايات الأخرى التي درَّستُها ذلك العام. وكان مَنْح الطلاب حرية الاختيار بشأن ما يقرءونه أمرًا غريبًا على أي فصل جلستُ أو درَّستُ فيه. فبدأت أفكر كيف يمكن أن تتوافق القراءة المستقلة وخيارات الطلاب مع منهجي. لم أُدرِّس بعد ذلك أي وحدة تتناول رواية يكلَّف الفصل كله بقراءتها؛ ومن ثم، بدأت عامي الثاني في التدريس بحماس وأنا مزودة بمعرفتي الجديدة وبقاعدة أراها منطقية — بصفتي معلمة وقارئة — يمكنني تعليم القراءة بناءً عليها. وكان الوضع أفضل بكوجَّهَت قاعدةُ ورشة العمل كلَّ شيءٍ فعلتهثير ذلك العام؛ فقد كانت لديَّ خطة.
أو بالأحرى حصلت على خطة؛ إذ كانت تخص شخصًا آخر.
(?) المضي قدمًا «نوعًا ما»
مع وجود قاعدة جاهزة لورشة العمل، صار طلابي أكثر اهتمامًا بالقراءة والكتابة، وأكثر تحمسًا. وبدلًا من تدريس الكتب، درَّستُ للطلاب استراتيجيات فهْم وعناصر لتعلم القراءة والكتابة يمكنهم تطبيقها على مجموعة واسعة النطاق من النصوص. وطبقتُ استخدام دفتر ملاحظات القارئ المستمَد مباشرةً من نموذج فونتاس وبينيل، لإدارة القراءة المستقلة لطلابي. وأَعددتُ متطلبات القراءة لطلابي بناءً على النوع الأدبي بصفته سبيلًا للاختيار، وفرضتُ إجراء الحوارات حول الكتب التي كُلِّف الطلاب بقراءتها بدلًا من تقارير الكتب التي يخشونها. فنسختُ أتلالًا من أوراق التدريبات التي تتناول استراتيجيات القراءة، وقوائم عوامل الحث على الاستجابة في القراءة، ونماذج إدارة وِرش العمل، واشتريتُ كل كتاب مصوَّر رشحه الخبراء الذين اهتديت بهم في ورشة العمل هذه.
وجَّهَت قاعدةُ ورشة العمل كلَّ شيءٍ فعلته، وتركتني محبطة؛ فبدلًا من العثور على أسلوبي الخاص، صرت منكبَّة على توصيل أفكار هؤلاء المعلمين البارعين. وعندما كنت أعجز عن اتباع خطط الدروس — التي وضعها خبراء القراءة — خطوة بخطوة بسبب الاحتياجات والشخصيات المتمايزة لطلابي، أو أسلوبي الخاص في التدريس، أو القيود الزمنية في المؤسسة التعليمية التي أعمل فيها، أو الوصول للموارد؛ كنت أشعر بالفشل. وظللت أسعى لجعل فصلي أشبه بتلك الفصول التي أقرأ عنها؛ أي مليئًا بالأطفال المهتمين بالدراسة والمعلمين المثاليين. وعندما كنت أعجز عن تحقيق هدفي، ما كنت أعرف ما ينبغي عليَّ فعله سوى المحاولة بقدر أكبر. صار إنجاح وِرش العمل أهم في نظري من الاستعداد والاهتمام لدى الطلاب ولديَّ. كما ترى، بينما كنت أبحث عن سبيل لأصبح معلمة قراءة بارعة، نسيت الهدف الأساسي من التدريس بأسلوب ورش العمل — أيْ دوري بصفتي قارئة بارعة — الذي يتجاوز مجرد اتباع سلسلة رتيبة من الدروس التي نصحني باستخدامها بعض المرشدين البعيدين.
الغريب في الأمر أنني عرفت كيف أُلْهِم القرَّاء منذ ثلاثين عامًا؛ لأنني علمتُ ما جعل القراءة ملهمة لي. أما الآن، فأُعلِّم طلابي ما لم يكن باستطاعة أي خبير في تعليم القراءة والكتابة تعليمه لي مطلقًا؛ أُعلِّمهم أن القراءة تغيِّر حياتك، القراءة تفتح لك أبواب عوالم مجهولة أو منسية، تأخذ المسافرين من خلالها في رحلات حول العالم وعبر الزمن، القراءة تساعدك على الهروب من قيود المدرسة والسعي وراء تعليمك الشخصي. ومن خلال الشخصيات — التقية أو الآثمة، الحقيقية أو المُتخيَّلة — توضح لك القراءة كيف تصبح إنسانًا أفضل. وأنا أتقبَّل الآن فكرة أنني قد لا أصل إلى عالم التدريس المثالي، لكن ما دمتُ أتمسك بحبي للكتب وأُظهِر لطلابي ما يعنيه حقًّا أن يحيا المرء على القراءة، سأقترب من هذا العالم أكثر من أي وقت مضى. وأخيرًا، كان هذا ما تجلى لي.
الفصل الثاني
كلنا قُرَّاء
إن اكتساب عادة القراءة يعني أن تقيم لنفسك ملاذًا بعيدًا عن مآسي الحياة.
ويليام سومرست موم
لقد تعلمت أنه لا يمكنك أن تكره كتابًا ما حتى تجربه! فلتفعل ذلك.
إميلي
لقد نضجتُ كثيرًا خلال أول عامين لي في مهنة التدريس، لكني ظللت في حاجة لتعلم كثير من الأمور كي أكون معلمة متجاوبة. فما كنت أعتقد أن طلابي بحاجة إليه كل أسبوع عندما أكتب خطط الدروس الخاصة بي لم يكن مهمًّا بقدر كيفية استجابتي لاحتياجاتهم عندما كانوا يعبِّرون لي عنها.
وفي أول يوم من عامِي الثالث في التدريس، وبعد أن ألقيتُ محاضرة طويلة على طلاب فصلي الجديد بشأن قواعد الفصل ومتطلبات الواجبات المنزلية وإجراءات استخدام الخزانات ودورات المياه؛ توقفتُ لأسألهم إن كانت لديهم أي أسئلة، فرفع صبي يده محدقًا في حائط الكتب الذي يمثل مكتبة الفصل، والموجود بأحد جوانب القاعة، وسألني قائلًا: «متى يمكننا استعارة الكتب؟» فاجأني سؤاله؛ فلم أنظر لنفسي من قبل قط كمعلمة تسمح أو لا تسمح لطلابها بالقراءة، فهل كان هناك وقت سحري غير محدد يُسمَح فيه للطلاب بالقراءة؟ حسنًا، لا يوجد. فما كان مني إلا أن طرفت بعيني بضع مرات وقلت دون تفكير على نحو أدهش الطلاب وأدهشني أنا نفسي: «الآن، سنستعير الكتب الآن.»
قام التلاميذ عن مقاعدهم في تردد؛ فبعد الاستماع إلى محاضرتي عن القواعد على مدار الخمس عشرة دقيقة الماضية، أعتقد أنهم اندهشوا من سماحي لهم بلمس كتبي دون مزيد من الخُطَب الحادة اللهجة. يمكنني تصوُّر الأفكار التي جالت بخواطرهم: «ماذا؟! ألن تتحدث عن بقع الجيلي وثني الصفحات؟» «ألن تهددنا بالتوبيخ الشديد في حالة وَضْعِنا الكتب في غير مواضعها الصحيحة؟» «لقد قضت ثلاث دقائق في إخبارنا عن كيفية ذهابنا لدورة المياه، ثم ستسمح لنا بهذه البساطة بقراءة هذه الكتب بحُرية؟» راح عدد قليل من الطلاب المبادرين يتصفحون الكتب. وعندما رأيت إحدى الفتيات تختار كتاب شارون كريتش — عن رحلة اكتشاف الذات — «رحلة عبر حياة أخرى»، سألتها إن كانت قد قرأتْه من قبل. وكانت قد قرأته بالفعل، فوجهتها إلى كتاب أحدث لكريتش، وهو كتاب «الرحال»، فتجمعت حولي مجموعة من الطلاب.
علت أصوات الطلاب طلبًا لترشيحاتٍ للكتب، وأخذوا يسألونني إن كنت قد قرأت الكتب القيِّمة التي صار كثيرون منهم يمسكون بها آنذاك في أيديهم. فرفعت فوق رأسي نسخة من أحد كتبي المفضلة — وهو رواية كورنيليا فونكه الساحرة «سيد اللصوص»، التي تدور أحداثها حول أيتام يعيشون في شوارع مدينة البندقية — وسألتهم قائلةً: «هل قرأ أحدكم هذه الرواية؟ لقد أحببتها.» فرفع صبيَّان — كانا يبحثان في قسم كتب الفانتازيا بالمكتبة — أيديهما. فتساءلتُ: «اثنان، اثنان فقط؟ هذا لا يكفي!» وتوجهت إلى خزاناتي حيث احتفظت بصناديق تحوي مجموعات الكتب الخاصة بي التي يرجع كثير منها لأيام الوحدات الدراسية التي تُفرَض على الفصل بأكمله. وسحبت صندوقًا ورفعت الغطاء عنه، ووزَّعْتُ عليهم نسخ رواية «سيد اللصوص». وعندما أوشكَت الكتب في ذلك الصندوق على النفاد، فتحتُ صناديقَ أخرى اشتملت على رواية جيري سبينِلي «ستار جيرل»، ورواية جوردون كورمان «لعبة الكُنى بالصف السادس»، و«رؤية من أيام السبت» أيضًا.
انتزع الطلاب الكتب، وأخذوا يقدمون الترشيحات بعضهم إلى بعض وَإليَّ، وأخذتُ أتحدث مع أحد الأطفال عن الكتب، ثم مع طفل آخر، ثم طفل ثالث. عثرتُ على بعض بطاقات الفهرسة، ثم طلبت من الطلاب تدوين أسمائهم وعناوين الكتب التي استعاروها. بدا فصلي أشبه ببورصة غريبة من نوعها والطلاب يلوحون بالبطاقات ويصيحون بعناوين الكتب. ولا يزال جيس، الذي كان طالبًا في ذلك الفصل، يتذكر تلك التجربة؛ إذ قال لي مؤخرًا: «لقد خرجت ذلك اليوم بثلاثة كتب، ولا تزال هذه الكتب على قائمة كتبي المفضلة.» آنذاك، لم يكن جيس قارئًا متحمسًا، لكنه اندمج في موجة الحماس التي انتابت زملاءه وانتابتني.
منذ ذلك اليوم المشهود حين قررتُ الاستماع إلى ما يحتاج إليه طلابي، وعدم إخبارهم بما أعتقد أنهم بحاجة إلى سماعه، اعتدتُ دائمًا بدء أي عام دراسي بهذه النوبة من الحماس للكتب. ومن خلال جعل اختيار الكتب ومشاركة الكتب المفضلة السابقة أول نشاط يقوم به الفصل المدرسيُّ، أؤكد لطلابي على الأهمية التي ستشغلها القراءة على مدار العام، وأوضح لهم كذلك أنني واسعة المعرفة بالكتب، وأنني أقدِّر تجاربهم وتفضيلاتهم السابقة فيما يتعلق بالقراءة. ويُشكِّل جنون الكتب بعد ذلك الاتجاه العام للفصل الذي أُدرِّس له؛ فجميع الطلاب يقرءون يوميًّا على مدار العام.
في هذه الأيام الأولى من العام الدراسي، لا أعظُ طلابي مطلقًا بشأن حاجتهم للقراءة، ولا أتحدث معهم مطلقًا عن أن كثيرين منهم لا يحبون القراءة، أو يواجهون صعوبات مع مهارات القراءة، أو لا يرون أن القراءة ذات مغزًى لهم على المستوى الشخصي؛ فلو أنني أقررت بأهمية هذه الأعذار، لَسَمَحْتُ لها بأن تصبح أسبابًا لعدم القراءة من جانب الطلاب. هكذا يختار الطلابُ الكتبَ في اليوم الأول من العام الدراسي، ويقرءون. وإذا لم يُثِرِ الكتاب الذي اختاروه في تلك النوبة الأولى من جنون الكتب اهتمامَهم، يتركونه ويختارون كتابًا آخر. لكن اختيار عدم القراءة لا يكون محلًّا للنقاش مطلقًا؛ فهو ببساطة ليس خيارًا مطروحًا. وعلى الرغم من عدم تصريحي بذلك مباشرةً لطلابي، فإن تكليفي لهم بالقراءة والحماس الذي أُظهره للكتب يرسل رسالة قوية. إنني أرغب في أن يعرف الطلاب أنني أرى في كلٍّ منهم قارئًا. إن جميع الطلاب في الفصل قرَّاء، صحيح أنهم على مستويات مختلفة من الاستعداد والاهتمام، لكنهم قرَّاء في النهاية. يجب أن أُومِن بأن طلابي قرَّاء — أو سيكونون كذلك — كي يتمكنوا هم بدورهم من الإيمان بذلك. وفكرة عدم تمكنهم من القراءة أو عدم رغبتهم فيها ليست مطروحة على الإطلاق.
يبدأ تبنِّي الطلاب للقارئ الموجود بداخل كلٍّ منهم باختيارهم للكتب التي سيقرءونها بأنفسهم. وهذه الحرية ليست هدفًا مستقبليًّا ربما يحققه الطلاب بنهاية العام الدراسي، وإنما هو الإنجاز الأول لنا في الفصل المدرسيِّ. لكن ما السبب وراء أهمية هذا الاختيار؟ إن إتاحة الفرصة للطلاب لاختيار الكتب التي سيقرءونها بأنفسهم تمكِّنهم وتشجِّعهم. ويَزيد الاختيارُ أيضًا من ثقتهم بأنفسهم، ويحترم اهتماماتهم، ويعزز من موقفهم الإيجابي تجاه القراءة من خلال تقدير القارئ ومَنْحه مستوًى معينًا من التحكم؛ فالقرَّاء الذين يفتقرون لسلطة الاختيار بأنفسهم يفتقرون إلى الحماس.
(?) أنواع القرَّاء
يأتي الطلاب إلى فصولنا المدرسية محمَّلين بشتى أنواع الخبرات في القراءة، وكثيرٌ منها غير إيجابي. وبانتقال الطلاب إلى المدرسة الإعدادية، تكون لديهم صورة عن أنفسهم؛ إما قرَّاءً وإما غير قرَّاء. فيرى الطلاب الذين لا يقرءون أن القراءة موهبة لا يتمتعون بها، وليست مهارة يمكن اكتسابها. أما نحن، فنصنِّف الطلاب وفقًا لنجاحهم في اختبارات القراءة القياسية وحافزهم الشخصي للقراءة؛ بحيث يُصَنَّف الطلاب الذين لا يستوفون الحد الأدنى من المعايير في أداء الاختبار تحت فئة «القرَّاء المتعثرين». أما الطلاب الذين لا يقرءون الكتب خارج المدرسة أو يحتاجون إلى تحفيز كبير ليقرءوا كتابًا، فنصنِّفهم تحت فئة «القرَّاء الراغمين». وليكن الله في عون الطلاب الذين يُصنَّفون في هاتين الفئتين.
إلا أنني في حاجة إلى طرح تعبيرات أكثر تشجيعًا لتصنيف طلابي بدلًا من التعبيرَين السلبيَّين الشائعَين «متعثرِين» و«راغمِين»؛ فأين الأمل في تلك المصطلحات؟ إنني أُفضل استخدام لغة إيجابية لتعريف القرَّاء في فصولي. حين أنظر إلى فصلي المدرسي، أرى ستين قارئًا مختلفًا لكلٍّ منهم تفضيلاته وقدراته الفردية في القراءة، لكنني أميِّز دائمًا ثلاثة اتجاهات من هؤلاء القرَّاء؛ ألا وهم: القرَّاء الناشئون، والقرَّاء الخاملون، والقرَّاء السريُّون.
(?-?) القرَّاء الناشئون
إن فئة الطلاب الذين أسميهم «القرَّاء الناشئين» يُشار إليهم عادة ? «القرَّاء المتعثرين». ولأسباب كثيرة — منها تجارب القراءة غير الكافية أو صعوبات التعلم — تقل كفاءة هؤلاء الطلاب في القراءة عن الكفاءة المتوقعة منهم في الصف الدراسي المُسجلين فيه، ويعانون من صعوبة في فهمِ ما يقرءونه في كل جانب من جوانب حياتهم. وبوصول القرَّاء الناشئين إلى صفوف المستوى المتوسط، تكون الغالبية العظمى منهم قد تلقت برامجَ تَدَخُّل ودروسًا خصوصية في القراءة لسنوات عديدة. يحصل هؤلاء الطلاب على درجات منخفضة في الاختبارات القياسية، ويفشل بعضهم في تقييمٍ واحد على الأقل من تقييمات الولاية. هؤلاء الطلاب لا يَرَوْن في أنفسهم القدرة على أن يصيروا قرَّاءً ماهرين، ويبدأ اليأس في التسلل إلى نفوسهم (ونفوس أولياء أمورهم)، وربما يفكرون في أنهم لن يتمكنوا مطلقًا من الوصول إلى درجة الكفاءة في القراءة.
لماذا يستمر الطلاب الناشئون في المعاناة على الرغم من كل جهود التدخل التي تُبذَل في هذا الصدد؟ حسنًا، ربما يكون السبب الرئيسي في ذلك هو مقدارَ ما يقرؤه هؤلاء الطلاب فعليًّا. يوضح ريتشارد ألينجتون — خبير سياسات القراءة، في كتابه «أمور مهمة للقرَّاء المتعثرين» — أنه عندما درس متطلبات القراءة في المادة الأولى من قانون التعليم الابتدائي والثانوي الأمريكي وبرامج التعليم الخاص، اكتشف أن الطلاب في بيئات التعليم العلاجي يقرءون بنسبة أقل من أقرانهم في فصول القراءة العادية بحوالي ?? في المائة تقريبًا. وبغضِّ النظر عن مقدار التعليم الذي يتلقاه الطلاب حول كيفية تفسير المفردات أو تحسين الفهم أو زيادة الطلاقة لديهم، فإنهم إذا لم يطبِّقوا ما تعلموه في سياق تجارب القراءة الواقعية إلا نادرًا، فسيفشلون في التحسن قدر الإمكان.
تترتب على قِلَّةِ قدرِ ما يقرؤه طلاب التعليم العلاجي عواقب وخيمة بالنسبة إلى القرَّاء الناشئين؛ فالطلاب الذين لا يقرءون بانتظام يزدادون ضعفًا في القراءة عامًا تلو الآخر. وفي الوقت نفسه، تزداد الكفاءة في القراءة لدى أقرانهم ممن يقرءون أكثر؛ مما يسفر عن خلق فجوة في التحصيل تزداد اتساعًا باستمرار. تدل هذه الفجوة التي يطلِق عليها كيث ستانوفيتش «أثر متَّى» — مشيرًا في ذلك إلى تلك الفقرة من الكتاب المقدس (متَّى ??: ??) التي تُفسَّر عادةً ? «الأثرياء يزدادون ثراءً والفقراء يزدادون فقرًا» — على أنه بغض النظر عن التدخل، يجب أن يقضي القرَّاء الناشئون قدرًا كبيرًا من وقتهم التعليمي في القراءة الفعلية لكي يَصِلوا إلى درجة الكفاءة في القراءة.
إن السبب وراء ما أشعر به من أمل تجاه الأطفال الذين يتخلفون عن أقرانهم، ووصفي لهم بالقرَّاء الناشئين بدلًا من المتعثرين؛ هو أن هؤلاء الطلاب لديهم القدرة على أن يصبحوا قرَّاءً بارعين. ربما يتأخرون قليلًا عن أقرانهم على مقياس تطور القراءة، لكنهم يظلون على نفس الطريق. إن ما يحتاجون إليه هو الدعم في مرحلة التطور التي يخوضونها، والفرصة لكي يشعروا بالنجاح كقرَّاءٍ بدلًا من شعورهم بالفشل في القراءة. أيضًا، هم في حاجة إلى القراءة كثيرًا؛ فقد رأيت مرارًا وتكرارًا أن الجرعات المكثفة من القراءة المستقلة المقترنة بتدريس واضح لاستراتيجيات القراءة تحوِّل أفرادًا غير قارئين إلى قرَّاء.
كيلسي
أول مرة رأيت فيها اسم كيلسي كان مذكورًا على «اللائحة»؛ لائحة الطلاب الذين رسبوا في تقييم الولاية ثلاث مرات، لكنهم نُقِلوا إلى الصف السادس رغم ذلك؛ على فرض أن المزيج المناسب من التدخل التعليمي الخصوصي والدعم القوي لهم في القراءة سيمكِّنهم من اللحاق بأقرانهم. لم تكن كيلسي قارئة متعثرة فحسب، وإنما كانت منهزمة أيضًا. كانت كيلسي تخشى الرسوب في تقييم الولاية مجددًا، والإبقاء عليها لإعادة الصف السادس. كانت والدتها تمنحها الدعم، لكنها لم تكن تعرف ما ينبغي عليها فعله أيضًا. كانت تقرأ كثيرًا لكيلسي وتقرأ معها، وكانت تقضي ساعاتٍ طوالًا على مائدة غرفة الطعام لتعمل مع كيلسي على حل المواد التدريبية على الاختبارات القياسية من كتُب التدريبات المدرسية التي أرسلها معلمو كيلسي إلى المنزل، وظلت مهتمة ومشغولة بحياة كيلسي المدرسية. لكن لم تساعد جهودها في تحسين قدرة كيلسي على القراءة إلى الدرجة التي كانت تأملها.
على الرغم من أن كيلسي كانت قادرة على تدوين قائمة مذهلة من استراتيجيات غزو عالم القراءة في أي اختبار قياسي، فإنها كانت تفتقر إلى الخبرة في قراءة الكتب بنفسها لأنها كانت تقضي معظم وقتها أثناء دروس تعلُّم القراءة في التدرب على حل الاختبارات واستراتيجيات الفهم؛ ومن ثم لم تسنح لها كثير من الفرص لتطبيق أو ممارسة ما تَعلَّمَته على كتبٍ حقيقية. كان من الجليِّ أن وصفة الإنقاذ التي تتألف من التعليم الخصوصي، والتدريب على الاختبارات، والدعم الأسري بالتساوي — التي تُقدَّم عادةً للقرَّاء الناشئين — لم تكن تجدي نفعًا مع كيلسي. كانت كيلسي متخلفة كثيرًا عن بقية الطلاب في فصلها، ومن دون تعويض هذا الفارق الشاسع في القراءة، لم يكن الأمل كبيرًا في لحاقها بزملائها. وعندما أدركت كيلسي أنني أتوقع منها القراءة كثيرًا في فصلي، اعترفت لِي بأنها لا تعرف كيف تختار كتابًا مناسبًا لها أو مثيرًا لاهتمامها، وبأنها تواجه صعوبة في قراءة الكتب التي يقرؤها زملاؤها في الفصل؛ لأن تلك الكتب صعبة عليها للغاية.
ولمَّا كنت أعلم بحب كيلسي للحيوانات، خاصةً الخيول، وجهتها نحو كتب سلسلتَي «سفينة الحيوانات» و«هارتلاند»، المكتوبتَين بلغة تناسب طلاب الصفين الثالث أو الرابع الدراسي؛ لأنني كنت أعلم أن كيلسي كان بإمكانها قراءة هذه الكتب بسهولة، وتكوين خبرة إيجابية عن الكتب بوجه عام. ومع تطوير كيلسي لخبرتها في القراءة، ازدادت ثقتها وأخذت تقرأ كتابًا تلو الآخر. ومع مواصلتها القراءة، ازدادت درجة صعوبة وتعقيد الكتب التي كانت تختارها على نحو طبيعي، وصارت كيلسي قارئة أكثر تمكنًا. لقد أحرزت تقدُّمًا مذهلًا، وأصبح مستواها في القراءة يقارب مستوى الصف الدراسي الذي تنتسب إليه بحلول نهاية العام الدراسي. وأهم من ذلك أنها اكتشفت حبها للكتب، ورأت في نفسها قارئة جيدة لأول مرة. كانت كيلسي تحصل على خدمات تدخُّل تعليمي في القراءة من اختصاصيِّ القراءة بالمدرسة على مدار العام، كما كان الحال دائمًا، وتذهب إلى دروس خصوصية بعد المدرسة، كما كان الحال دائمًا، وتستذكر بمساعدة والدتها في المنزل، كما كان الحال دائمًا؛ لكنها في ذلك العام، كانت تقرأ كل يوم أيضًا.
وفي الربيع، لمحتُ كيلسي ووالدتَها في رَدْهَة المدرسة بعد انتهاء اليوم الدراسي، فركضتُ نحوهما لأزفَّ إليهما الخبر السار، قائلة: «لقد نجحتْ كيلسي في تقييم تكساس للمعرفة والمهارات الخاص بالقراءة بتفوق!» فما كان من والدة كيلسي إلا أن انهمرت دموعها، وتعلَّقَت بي كيلسي وهي تبكي فرحًا، وهي تقول لي: «شكرًا لكِ، شكرًا لكِ!» شعرتُ بالتأثُّر بدوري؛ فيا له من أمر مؤسف أن تحتاج كيلسي إلى التصديق الذي قدمتْه لها درجةُ ذلك الاختبار لتُثبت أنها قارئة جيدة! فلقد قَرَأَت — على أي حال — اثنين وأربعين كتابًا ذلك العام. كان ربط كيلسي بالكتب وحثُّها على القراءة كثيرًا العنصرَين الناقصين في وصفة الإنقاذ المُتَّبَعَة معها. لم تخضع كيلسي لبرنامج تدخُّل للقراءة منذ ذلك الحين، وفي الصف الثامن حصلت على تقدير دراسي جدير بالإشادة في اختبار الولاية. ولم تتوقف عن القراءة قط.
(?-?) القرَّاء الخاملون
نظرًا لمتطلبات الاختبارات القياسية في عالم يحكمه قانون «تجنب تخلُّف أي طفل»، ولذلك الدافع للحرص على بلوغ جميع الطلاب الحدَّ الأدنى من التحصيل في القراءة؛ يحصل القرَّاء الخاملون على مقدارٍ غير متكافئ من الموارد في أي مدرسة. فبينما يركز المعلمون جهودهم التعليمية على الطلاب المعرَّضين لخطر الرسوب في تقييمات الولاية أو في الفصول، ثمة مجموعة كاملة من القرَّاء لا يُلقى لها بالًا. لكني أرى أن الأعداد الهائلة من القرَّاء، الذين ينتقلون بين فصولنا دون حافز للقراءة أو اهتمام بها، لا يقلون إثارةً للقلق عن القرَّاء الناشئين؛ بيد أن فكرةَ إن كان هؤلاء الطلاب يقرءون أم لا ليست محل اهتمام في كثير من الأحيان ما داموا يجتازون اختبار الولاية كل عام.
هؤلاء القرَّاء الراغمون — أو الخاملون إذا أردنا تعريفهم على نحو أكثر إيجابية — هم الطلاب الذين يقرءون ليجتازوا فصولهم أو لينجحوا في اختبارات الولاية، لكنهم لا يتبنون القراءة مطلقًا بوصفها مسعًى جديرًا بالاهتمام خارج المدرسة. هؤلاء الطلاب يقرءون الكتب المقررة عليهم، ويحلون التدريبات المكلفين بها، لكنهم يهجرون الكتب تمامًا عند حلول عطلات نهاية الأسبوع والإجازات الصيفية حين لا يضطرون للقراءة مرة أخرى. إن القراءة في نظرهم عمل، وليست متعة. ودون وجود دعم لاهتمامات هؤلاء الطلاب في القراءة ودون وجود نماذج يحتذون بها تحضهم على القراءة، فإنهم لا يكتشفون مطلقًا أن القراءة ممتعة.
إنَّ ما يمنع القرَّاءَ الخاملين من أن يصيروا قرَّاءً حماسيين ليس ضعفَ مهارات القراءة لديهم أو إصابتهم بعجز يعوق قدرتهم على القراءة؛ ففي النهاية، أغلبية مَن يتخرجون في المدرسة لا يكون مستواهم في القراءة متراجعًا للحد الذي يمنعهم من تدبر أمورهم في الحياة. لماذا إذنْ يختار كثيرٌ من الأشخاص الذين يمكنهم القراءة ألا يقرءوا؟ أعتقد أن القرَّاء الخاملين قد يصبحون قرَّاء متحمسين إذا أوضح لهم شخصٌ ما أن القراءة مثيرة حقًّا للاهتمام.
إنني أُومِن بأن كل قارئٍ خاملٍ يخفي داخله قارئًا، في مكانٍ ما، لكنهم بحاجة فقط للظروف الموائمة لكي يطلقوا العِنَان لهذا القارئ الموجود بداخلهم؛ وهي الظروف نفسها التي يحتاج إليها القرَّاء الناشئون: قضاء ساعات طويلة في القراءة، والحرية في اختيارِ ما يقرءونه بأنفسهم، وبيئة الفصل الدراسي التي تقدِّر القراءة المستقلة. يحب الأطفال القصص، التي تفتح لهم أبوابًا يفرون عبرها إلى عوالم مجهولة ويعيشون فيها حيوات الشخصيات التي يقرءونها بصورة غير مباشرة، وارتباطُ الأطفال بقصص ألعاب الفيديو والمسلسلات التليفزيونية يؤكد ذلك.
ما يفتقر إليه الطلاب هو الخبرات التي توضح لهم أن الكتب لها السحر ذاته الذي تتسم به ألعاب الفيديو والمسلسلات التليفزيونية؛ إذ إن الفرصة لم تُتَح لهم قط لاكتشاف العوالم التي تضمها الكتب بين طياتها. ونظرًا لأن كثيرًا من خيارات القراءة الخاصة بالطلاب يُمْليها عليهم معلموهم، لا يعرف هؤلاء الطلاب مطلقًا كيفية اختيار الكتب بأنفسهم؛ فكيف يمكنهم تشكيل هويتهم الذاتية كقرَّاء إذا لم تُتَح لهم الفرصة لاكتشاف ما يحبونه؟ فإذا كنت طالبًا وكان فصلك الدراسي بأكمله يقرأ كتابًا واحدًا (وهي ممارسة شائعة)، فماذا ستفعل إذا لم يعجبك ذلك الكتاب؟ كيف سيشكل هذا الكتاب غيرُ المثير للاهتمام نظرتَك للكتب بوجه عام؟ إن المعلمين بحرمانهم الطلابَ من فرصتهم في اختيار الكتب التي يقرءونها بأنفسهم كأنهم يعطونهم سمكةً عامًا تلو الآخر، لكنهم لا يعلمونهم مطلقًا الاقترابَ من الماء، فضلًا عن اصطياد السمك بأنفسهم.
وبما أن الطلاب الخاملين قرَّاء جيدون بما يكفي، وقادرون على التكيُّف مع أنشطة القراءة في الفصل المدرسي النموذجي، فإنهم لا يحظون بقدر كبير من اهتمام المعلمين، لكنهم يجب أن يحظوا بهذا الاهتمام؛ فالطلاب الذين لا يقرءون — حتى وإن كانوا قادرين على إنجاز مهام القراءة في المدرسة — معرضون لخطر التخلُّف عن الطلاب الذين يقرءون أكثر منهم. فعلى أي حال، ينبهنا مارك توين إلى أن «الإنسان الذي لا يقرأ كتبًا عظيمة ليس أفضل حالًا ممن لا يستطيع قراءتها.» إنني أجد في بداية كل عام دراسيٍّ أن القرَّاء الخاملين يشكلون أكبر قطاع من القرَّاء في الفصول التي أدرِّس لها.
هوب
تُعَد هوب نموذجًا لما يبدو عليه القارئ الخامل عند انتقاله لأحد فصولنا المدرسية؛ فعلى الرغم من نجاح هوب في واجباتها المدرسية وتفوقها في تقييمات الولاية كل عام، فإنها لم تكن ترى نفسها قارئةً، وكانت ترى أن كتبًا قليلة هي التي تستحق القراءة. وضعتُ في يديها كتابًا تلو الآخر على أمل أن تجد بينها ما تحبه. كانت هوب تَقْبل ما أقدمه لها من باب تأدية الواجب في البداية؛ فقرأتْ بعض الكتب، بينما أعادت كتبًا أخرى إلى الرف. لكنها — شيئًا فشيئًا — بدأت تعثر على الكتب التي تعبر عن شخصيتها الانتقائية، فانجذبت نحو الكتب التي تدور أحداثها في أماكن غريبة وتتضمن عناصر خيالية، مثل «المعطي» لِلويس لاوري، و«كورالين» لنيل جِيمان. وعندما بدأت هوب تعبِّر عن تفضيلاتها لأنواع معينة من الكتب، كانت قد صارت لديَّ بذور المعلومات التي ساعدتني في إرشاد هذه الفتاة إلى مزيد من الكتب. إنني مولعة بالفانتازيا، والخيال العلمي، والأدب الشعبي (الخرافات والأساطير والقصص الخيالية)، وقد توثَّقَت علاقتي بهوب بفضل حبنا المشترك للأساطير اليونانية على وجه التحديد، واقترحتُ عليها كتبًا كنت أعلم أنها ستستمتع بقراءتها. وكلما زاد عدد الكتب التي رشحتها لها وأعجبتها، ازداد اعتمادها عليَّ في اقتراح الكتب عليها.
ما كانت هوب بحاجة إليه هو فرصة لتصفُّح كثيرٍ من الكتب كل يوم، وفرصة للقراءة على نطاق واسع. وأتذكر الآن — كلما رأيتها جالسةً في رواق المدرسة في انتظار السيارة التي ستقلها إلى المنزل، وقد دفنتْ رأسها في أحد الكتب منهمكةً في قراءته — كم كانت هوب راغبة عن القراءة. ولا تزال هوب إلى الآن زائرة مستديمة لمكتبتي، على الرغم من تركها فصلي منذ فترة طويلة.
(?-?) القرَّاء السريون
القرَّاء السرِّيُّون هم قرَّاء موهوبون، لكنهم يرون أن الكتب التي يُطلَب منهم قراءتها في المدرسة لا تمُتُّ بأي صلة للكتب التي يفضلون قراءتها وحدهم. وكل ما يرغب به هؤلاء الطلاب هو أن يقرءوا وأن ينصرف عنهم المعلمون ويتركوهم وشأنهم. وقد كنت أنتمي لهذه الفئة من القرَّاء في المدرسة الثانوية. فبينما قضت معلمتي ستة أسابيع في إرغام الفصل على قراءة رواية «الحرف القرمزي» لناثانيال هاوثورن — التي انتهيت من قراءتها في أسبوع واحد — قضيت ذلك الوقت بالعيش في الأجواء المرعبة لرواية ستيفن كينج «سالِمز لوت»، والسفر إلى بولينيزيا مع رواية «هاواي» لجيمس ميتشنر. ونظرًا للاتفاق غير الكتابي بيني وبين معلمتي، تجاهلَت هي شعوري بالملل مما تدرِّسه للفصل، وأبقيت أنا فمي مغلقًا ورأسي مطأطَأً أقرأ كتابي، الذي خبأته داخل مكتبي في الفصل. وشعرت بالفخر بيني وبين نفسي لحصولي على درجة «ممتاز» في الاختبار النهائي حول رواية «هاكلبري فين»، على الرغم من عدم استكمالي قراءة الثلث الأخير من ذلك الكتاب؛ فقد استفاضت المعلمة في شرح حبكة الرواية وتأويلها لها لفترة طويلة للغاية، لدرجة أني أدركت ما ستطرحه علينا من أسئلة حولها في الاختبار حتى من دون أن أقرأ الكتاب.
وفي حين يسارع المعلمون لدعم الطلاب الذين لا يزالون ينمون مهاراتهم في القراءة، ويتساءلون عما يمكنهم فعله لتحفيز القرَّاء الخاملين الذين لا يحبون القراءة؛ يشكِّل القراء السريُّون مجموعة ثانوية تسقط احتياجاتها من حسابات المعلمين. وهؤلاء الأطفال هم أولئك الذين يأتون إلى فصولنا قرَّاءً نهمين. إن فرصة تصفح كميات ضخمة من الكتب، وانتقاء ما يبدو مثيرًا للاهتمام من بينها، والحصول على وقت للقراءة لساعات في المدرسة هي حلم كل قارئ سريٍّ، إلا أن القرَّاء السريُّون يضطرون لتقبل فكرة أنهم لن يحصلوا على هذه الحرية في معظم الفصول التي يَدْرسون فيها عامًا تلو الآخر. يتمتع هؤلاء الطلاب بقدرات عالية وأذواق رفيعة المستوى في القراءة، حتى إن عددًا قليلًا من المعلمين هم من يضعون خطط تدريس قائمة على احتياجات هؤلاء الطلاب؛ إذ يفضِّل المعلمون وضع منهج يدعم معظم الطلاب الآخرين الذين يقرءون بنفس مستوى الصف الذي يدرسون فيه أو دونه.
راندي
يمثل بعض القرَّاء السريِّين النجوم اللامعة والبراقة في فصول القراءة، فهُم الذين يَعرف عنهم الطلابُ الآخرون أنهم قرَّاء، وهم الذين يؤكدون للمعلمين على نجاح بعضٍ من جوانب منهجيتهم التدريسية بالضرورة؛ نظرًا لتفوقهم في التقييمات التي يجريها هؤلاء المعلمون. ولا شك أن هؤلاء الطلاب كانوا سيُبْلُون حسنًا في هذه التقييمات من اليوم الأول في الدراسة. على الجانب الآخر، يمكن أن يكون القرَّاء السريُّون مثل راندي، الذي فشل في فصلي وفقًا لمعظم مقاييس النجاح المدرسية (كنت لا أزال آنذاك مقيَّدة بتوقعات الآخرين مني في التدريس). اعتاد راندي حمل مجلد ضخم، على غلافه صورة تنين. علمت أنه قارئ، لكنه لم يهتم على الإطلاق بأداء التكليفات المدرسية، وكل ما كان يرغب به هو القراءة. ونظرًا لأن درجاته كانت منخفضة للغاية، اقتضت الإرشادات التوجيهية في المدرسة أن أضمه إلى مجموعة التقوية الخاصة التي كنت أدرِّس لها بعد الدوام المدرسي، على الرغم من معرفة كِلَيْنا بأنه ليس بحاجة إليها. وبينما كنت أنا ووالدته وزملائي من المعلمين الآخرين نعقد اجتماعات لا حصر لها ذلك العام لكي نناقش ما سنفعله مع راندي، كان هو يجلس في الردهة ويقرأ في سعادة.
وكما هو متوقَّع نظرًا لقراءته المستمرة، حصل راندي على نسبة تفوق ?? بالمائة في اختبار القراءة الخاص بالولاية، ونُقِل إلى الصف السابع. وأنا على ثقة بأنه في مكانٍ ما الآن يقرأ كتابًا من أربعمائة صفحة، ولا يهتم مطلقًا بفصل القراءة الذي يُدرَّس له. لقد خذلتُ راندي! وهل من معلم لا تطارده ذكرى طفل خذله يومًا ما؟ لَكَمْ أتمنى لو كان باستطاعتي أن أكون معلمة ذلك الفتى مجددًا كي أوضح له أنني أدركت الأمر الآن! سوف أسمح له بقراءة كتب التنانين طوال العام، ولن أحاول أبدًا إجباره على الالتزام بأهداف القراءة المؤقتة التي وضعتها له، وسأبحث عن طرق لاستخدام الكتب التي يقرؤها بالفعل لتحقيق أهدافي التعليمية، مثلما أفعل الآن.
يقرأ راندي كل يوم، تمسكًا منه بنظرته حول ما تعنيه القراءة له وعزوفًا منه عن المساومة مع أي قوًى خارجية مثل المعلمين الذين ينتهكون قيم القراءة الجوهرية لديه. كان من المفترض أن يكون ذلك كافيًا لِي؛ فَراندي نموذج للقارئ الحقيقي، وما بذلتُه من جهود لإجباره على الامتثال لأهدافي القصيرة الأجل المتعلقة بقراءته — بينما كان هو بالفعل في طريقه نحو تشكيل هويته كقارئ على مدى الحياة — كانت بلا جدوى. إن القرَّاء السريِّين الذين يمتثلون أو لا يمتثلون لمفهوم المعلم حول القراءة ينبغي ألا يضطروا للانتظار لوقت الغداء أو إجازة الصيف أو التخرج لكي تبدأ حياتهم القرائية.
ليس عليَّ الآن سوى أن أُلقي نظرة واحدة على فصلي المدرسيِّ كي أرى إلى أيِّ مدًى وصل بي هذا التغيير في التوجه. فما إن تقبلت فكرة أن هدفي الأساسي كان غرس العادات الحياتية للقرَّاء في نفوس جميع طلابي — تلك العادات التي يتمتع بها بعض الطلاب بالفعل مثل راندي — حتى صار هناك توافق أخيرًا بين مهنتي في التعليم ووجهة نظري في الحياة بشأنِ ما يجب أن تكون عليه القراءة في نظر القرَّاء. تمتد هذه الرؤية إلى ما هو أبعد من الطلاب الجالسين في فصل القراءة، وتشمل هويات القرَّاء التي يملكها الطلاب بالفعل عند دخولهم إلى فصلي. ثقَّفَ أليكس — وهو مثال على هؤلاء القرَّاء السريين — نفسَه على مدار أعوام عن طريق القراءة سرًّا في الفصل المدرسي. ونظرًا لما كان يتمتع به من حرية في قراءةِ ما يريده، عبَّر عن أن فصلنا هو «جنة القراءة». واستمر في قراءة الكتب التي كان يخبئها داخل مكتبه طوال العام، على الرغم من أنه لم يكن مضطرًّا لذلك؛ فكنت أمزح معه كلما فعل ذلك بقولي إنه يدين لي بحقوق الملكية لأنني مَن اخترعت هذه الخدعة قبل ذلك الحين بثلاثين عامًا.
(?) اختبار المعلم
الواقع هو أن الأعداد الكبيرة من الأطفال الذين يأتون إلى فصولنا المدرسية هم طلاب يحبون القراءة أو أحبوها يومًا ما، قبل أن تجعل سنوات التدريس النمطي للقراءة — الذي يركز على أوراق التدريبات على الفهم وتقارير الكتب ووحدات الروايات التي تُقرَّر على الفصل بأكمله — من تجربة القراءة تجربةً مملة وشاقة. على سبيل المثال، يكشف سجل ميشيل الذي تدوِّن فيه تأملاتها القرائية عن معتقداتها بشأن القراءة قبل انضمامها إلى فصلي:
عندما أخبرتِنا بأنكِ تتوقعين منا قراءة ?? كتابًا هذا العام، أول ما خطر ببالي هو: «إنها مجنونة!» كنت أكره القراءة أكثر من كرهي لسلاطة البطاطس التي تعدها العمَّة إلينور (وصدقيني، هذا الشيء كريه للغاية). وأعتقد أن أحد أسباب هذا الكره للقراءة هو أن الكتب الوحيدة التي قرأتها العام الماضي هي الكتب التي فَرضتْ علينا المدرسة قراءتها. كنا نملأ الكثير من أوراق التدريبات بمقالات نقدية ومفردات لكل فصل من فصول هذه الكتب.
إن توقعي قراءة أربعين كتابًا في العام من طلابي ليس الشاغل الأساسي للكثيرين منهم، وإنما ما يريدون معرفته عادةً هو التدريبات التي سأكلفهم بها مع الكتب التي يقرءونها؛ لأن أوراق التدريبات واختبارات المفردات وتقارير الكتب طالما كانت الهدف الأساسي من كل كتاب سبق لهم قراءته في المدرسة؛ ولم يكن الهدف مطلقًا الاستمتاعَ أو الاجتذابَ؛ لذا، يكون من العسير عليهم تصديق أنني لم أقيِّد كتبهم بكثير من قيود المعلمين، فيعمدون إلى اختباري والبحث عن الخدعة في الأمر:
«كيف ستحددين الدرجات على هذا، سيدة ميلر؟»
«لا تقلقوا بشأن الدرجات؛ إذا قرأتم باستمرار، فستكونون بخير.»
«هل يمكنني قراءة كتب أحضرها معي من المنزل؟ أم ينبغي عليَّ قراءة كتبكِ فقط؟»
«أولًا: إنها «كتبنا»، وليست كتبي أو كتبك. ثانيًا: نعم، يمكنك قراءة الكتب التي تحضرها معك من المنزل.»
«كيف ستعرفين أننا نقرأ حقًّا؟»
«ثقوا بأني سأعرف ذلك.»
إنهم لا يثقون بي كثيرًا؛ فإذا لم أكن سأختبرهم في كل كتاب وأراقب كل ما يفعلونه في أثناء قراءتهم، فكيف لِي أن أتحكم في تعلمهم القراءة؟ إن المدرسة — من وجهة نظرهم — تتمثل في تقديم أداء يرقى لتوقعات المعلمين، وأداء العمل الذي يطلبه هؤلاء المعلمون.
ليس لدى طلابنا أي فكرة سابقة عن الكيفية التي يمكن أن يكون بها الفصل مختلفًا. يبدأ هؤلاء الطلاب كل عام دراسي والأمل يحدوهم بأن يكون هذا العام أكثر اجتذابًا وإثارة للاهتمام من العام السابق، بيد أن العمل المجهِد الممل المتعلق بالقراءة يستمر عامًا تلو الآخر. يستغرق الطلاب وقتًا ليعرفوني ويثقوا بي، ثم ليصدقوا أنهم يتمتعون بالحرية التي أزعم أنهم يملكونها في القراءة. على سبيل المثال، عندما رأى كوربين الجدار الذي تصطف عليه الكتب في فصلي، لم يشعر بالترقب، وإنما بالهلع:
أتذكر تلك اللحظة جيدًا؛ كان أول يوم ألتقي فيه بمعلمة الفصل. دخلت إلى فصل آداب اللغة والدراسات الاجتماعية، فكان كل ما رأيته هو الكتب. ثم جاءت السيدة ميلر، لتخبرنا بأنه ينبغي علينا قراءة ?? كتابًا، فكان أول شيء خطر ببالي في تلك اللحظة هو «تقارير الكتب».
(?) ظروف التعلُّم
ما لم أكن أعلمه عندما بدأت العمل بمهنة التدريس هو أنه بغض النظر عن مدى فعالية تدريسي وحسن التخطيط له، إذا لم يكن فصلي المدرسي يمثل بيئة تحفيزية للقرَّاء، فإن تدريسي محكومٌ عليه بالفشل. واستنادًا إلى عقود من ملاحظة الفصول المدرسية من حيث الظروف التي تدعم عملية التعلم، يحدد الباحث الأسترالي برايان كامبورن العوامل التالية التي تساهم في التعلم الناجح:
«الانغماس»: يجب أن يُحاط الطلاب بكل أنواع الكتب، وأن يُمنَحوا الفرصة للقراءة يوميًّا. ويجب أن تكون المحادثات عن القراءة — أي ما يقرؤه الطلاب والاستفادة التي يحصلون عليها من الكتب — حدثًا مستمرًّا. في فصلي المدرسي، تُتاح للطلاب مئات الكتب من جميع الألوان الأدبية وكل مستويات القراءة، بالإضافة إلى ما يحصلون عليه من تشجيع للقراءة على نطاق واسع.
«الشروح»: يحتاج الطلاب إلى شروح وافية عن بنية النصوص وسماتها، وكيفية استخدام النصوص لتحقيق أهداف التعلم المختلفة، وكيفية الوصول للمعلومات المتضمنة فيها. لذا، فإنني أُدرِّس يوميًّا دروس القراءة باستخدام نصوص واقعية، مثل الكتب والمقالات والكتب المدرسية، مع إعداد كل درس بناءً على المهارات التي يحتاج إليها القرَّاء حقًّا لتنمية إتقانهم للقراءة.
«التوقعات»: يرتقي الطلاب إلى مستوى توقعات المعلم؛ لذا، فإنني أتوقع من طلابي أن يقرءوا يوميًّا، وأن يقرءوا كمية كبيرة من الكتب. وليس لديَّ توقعات عالية المستوى بشأن القراءة فحسب، وإنما بشأن نجاح الطلاب أيضًا، فلستُ أُشعرهم، سواء على نحو صريح أو ضمنيٍّ، بأنني أشك في قدرتهم على إنجاز أي مهمة قراءة.
«المسئولية»: يجب أن يقوم الطلاب ببعض الخيارات بأنفسهم على الأقل في أثناء سعيهم لبلوغ أهداف التعلم. يوضح كامبورن قائلًا: «إن الطلاب الذين يفقدون القدرة على الاختيار يصبحون مغلوبين على أمرهم.» لذا، فإنني أحدِّد لطلابي تكليفات بقراءة عدد معين من الكتب في كل لون أدبي، لكنني أمنحهم حرية اختيار الكتب التي سيقرءونها لتنفيذ هذه التكليفات.
«التطبيق»: يحتاج الطلاب إلى الوقت اللازم لممارسة ما يتعلمونه في سياقِ مواقف واقعية؛ لذا، فإن كل درس أدرِّسه لهم يصبُّ في قراءاتهم في النهاية؛ فيُمنَح الطلاب الوقت اللازم يوميًّا لتطبيق المهارات التي يكتسبونها على كتبهم، والقراءات المتعلقة بنطاق محتوًى معين، والواجبات البحثية.
«المقاربات»: يحتاج الطلاب إلى الحصول على التشجيع فيما يتعلق بالمهارات والمعرفة التي يتمتعون بها بالفعل، وينبغي أيضًا السماح لهم بارتكاب الأخطاء في أثناء سعيهم نحو التفوق. لذا، فإنني أساعد الطلاب في العثور على الكتب المناسبة لمستوياتهم في القراءة، حتى وإن كانت لا تتناسب مع المستوى المتوقع في الصف الذي ينتسبون إليه، والاحتفاء علنًا بإنجازات كل قارئ في أثناء تقدُّمه نحو امتلاك قدرة أكثر نضجًا على القراءة.
«الاستجابة»: يحتاج الطلاب إلى تقييم مباشر لا ينطوي على أي تهديدات بشأن ما يُحرزونه من تقدم. لذا، من خلال عقد الاجتماعات باستمرار مع الطلاب، وتكليفهم بكتابة رسائل رد عن الكتب التي يقرءونها، ومناقشتهم فيما يقرءونه يوميًّا؛ أمنحهم التشجيع والتوجيه والتصديق على تطورهم في القراءة.
«جذب الاهتمام»: حتى في ظل توافُر كل الظروف الأخرى، يُعَد جذب الاهتمام العاملَ الأهم في التعلم، ويجب توافُره في الفصل المدرسي الناجح. فيجب أن تكون القراءة مسعًى:
* «يحمل قيمة شخصية للطلاب»: هل يجد الطلاب سببًا للقراءة بعيدًا عن الحاجة لفعل ذلك من أجل المدرسة؟ هل يجد الطلاب أي متعة في القراءة؟ أم إنها ليست سوى مهمة عمل في نظرهم؟
* «يرى الطلاب أنهم قادرون على تحقيقه»: هل يرى الطلاب أنفسَهم قرَّاءً أم لا؟ هل يشعر الطلاب بالإحباط بسبب فشلهم في القراءة في الماضي؟ هل يرَوْن أنفسهم قادرين على تعلم القراءة ببراعة؟
* «يخلو من أي شعور بالتوتر»: هل القراءة مثقلة بكثير جدًّا من متطلبات الأداء لدرجة أنها ترتبط في عقول الطلاب بكونها مادة معضلة؛ ومن ثَمَّ ترتبط بالشعور بالتوتر؟ هل تَعرَّض الطلاب للعقاب من قبل لعدم أدائهم تكليفات القراءة في المدرسة؟
* «أعده شخص يحبه الطلاب ويحترمونه ويثقون فيه ويرغبون بالسير على خطاه»: هل يقدِّم المعلم نموذجًا يُحتذَى به من حيث عادات القراءة في حياته؟ هل يحترم الطلابُ المعلمَ باعتباره شخصًا واسع المعرفة بالقراءة؟ هل أَوْضَحَ المعلم للطلاب إيمانه بأنهم يتمتعون بالقدرة الكافية لاتخاذ بعض القرارات المتعلقة بالتعلم؟
لم أَعُد أقضي معظم وقت التخطيط الخاص بي في إعداد وحدات الروايات الرائعة، وإنما أركز جهودي بدلًا من ذلك على تهيئة بيئة فصل مدرسي تجذب الطلاب، بناءً على ظروف التعلم التي حددها كامبورن. إن بإمكاننا أن نقضي ساعات في تحديدِ ما ينبغي أن يعرفه الطلاب وما ينبغي أن يكونوا قادرين على فعله؛ حيث نجهز منهجية التدريس بحرص وعناية لتحقيق النتائج المرجوة، لكن دون أن نضع في الاعتبار حق الطلاب في مكان جذاب وجدير بالثقة وخالٍ من المخاطر يتعلمون فيه، سيظل — دائمًا — هناك قصور فيما نُدَرِّسُه. يجب أن يؤمن الطلاب بقدرتهم على القراءة، وبأن القراءة جديرة بتعلم كيفية إتقانها. يجب أن نبني مجتمعًا يحتضن كل طالبٍ، ويقدِّم القبول والتشجيع بغض النظر عن مستوى الطلاب في القراءة.
همسة
استقصاءات الطلاب
في نهاية اليوم، أُغْلِقُ الباب، متنهدةً، وأستمتع بهدوء بيتي الثاني: فصلي المدرسي. إنه أول أسبوع في الدراسة، ولم أَعْتَدْ بعدُ على التحدث والوقوف طوال اليوم؛ مما يجعلني أشعر بألم شديد في حلقي وقدميَّ. أسير بتثاقل إلى مكتبي، وأتهاوى على مقعدي منهارةَ القوى، وأبدأ في تقليب الاستقصاءات التي ملأها طلابي الجدد في الفصل.
كان في انتظاري مجموعتان من هذه الأوراق؛ إحداهما لاستقصاء «إيه لايزر للميول القرائية»، تطلب هذه الاستقصاءات — التي أعدتها سالي ريس بناءً على نموذج وضعه جوزيف إس رينزولي — من الطلاب وصف عادات القراءة الخاصة بهم وفصل آداب اللغة المثالي من وجهة نظرهم. أما المجموعة الأخرى، فتحتوي على استقصاءات الاهتمامات العامة، وهي نسخ مُعدَّلة لاستقصاء وضعته سوزان واينبرينر (انظر الشكلين ? و?). تتنوع الموضوعات ما بين تفضيلات الطلاب في الكتب والأفلام والبرامج التليفزيونية، وصولًا إلى المشاهير الذين يود الطلاب إجراء لقاءات معهم. وكثيرًا ما يستخدم المعلمون الاستقصاءات المتعلقة بالميول كوسيلة لمعرفة تفضيلات طلابهم وشخصياتهم. أما أنا — علاوة على ما سبق — فأحلل هذه الاستقصاءات للحصول على معلومات من شأنها مساعدتي في تشجيع طلابي على القراءة.


شكل ?: نموذج لإجابات طالبة في استقصاءات المعلمين (المصدر: كريستينا، الصف السادس).


(استكمال الشكل السابق.)


شكل ?: نموذج لإجابات طالبة في استقصاءات المعلمين (المصدر: راشيل، الصف السادس).


(استكمال الشكل السابق.)
لكي أقدم لطلابي ترشيحات القراءة الشخصية، أحتاج إلى معرفة خبراتهم السابقة وميولهم في القراءة، سواء داخل المدرسة أو خارجها؛ فأبحث بدقة في هذه الاستقصاءات عن أي معلومات من شأنها أن تشكل أساسًا لترشيحات الكتب التي أقدمها؛ فربما لا يتمكن الطلاب من وصف أنواع الكتب التي قد يحبون قراءتها، لكنني إذا كنت على علم بميولهم الشخصية، فسأتمكن من العثور على الكتب التي تناسب أي موضوع يستمتعون به.
أتجاهل أصوات إغلاق الخزانات الصادرة من الرواق، وأركز على ما تهمس به كلمات الطلاب في أذني. كيف يمكنني الوصول إلى كلٍّ منهم عن طريق الكتب؟ ما الكتب التي يمكنني ترشيحها لهم ومن شأنها أن تحضهم على قراءة المزيد؟ ما الأفكار الكاشفة التي يمكن أن أتوصل إليها من خلال الإجابات التي دَوَّنها هؤلاء الطلاب بالتزام بالغ؟ وبتذكر كل طفل من هؤلاء الأطفال في أثناء قراءتي للاستقصاءات، أحاول الربط بين ملاحظاتي المبدئية عنهم من جانب وتعليقاتهم المكتوبة من جانب آخر.
(?) كريستينا
كريستينا فتاة تشع حيوية، وذات شخصية بشوشة ومرحة، حتى شعرها المعقوص في ذيل حصان يتراقص بحيوية. إن كريستينا فتاة ذكية، لكنها تتعلم بالفعل إخفاء ذكائها مثلما تفعل كثيرات من الفتيات المراهقات. لاحظتُ أنها ليست شديدة الحماس للقراءة. وبفحص الاستقصاء الذي ملأته كريستينا، كنت أبحث عن علامات قد تساعدني في العثور على كتب تثير اهتمامها.
«ما نوع البرامج التليفزيونية الذي تفضله/تفضلينه؟ ولماذا؟»
«أحب قنوات كرة القدم؛ لأنها تساعدني على تعلم حركات جديدة في كرة القدم.»
«ما أول شيء تختار/تختارين فعله عندما يكون لديكَ/لديكِ وقت فراغ في المنزل؟»
«ألعب كرة القدم مع والدي.»
«إذا كان بإمكانكَ/بإمكانكِ التحدث مع شخصية لا تزال على قيد الحياة، فمَن ستكون؟ ولماذا؟»
«أود التحدث مع ميا هام لأنها رائعة حقًّا.»
إن وصف كريستينا بالتعصب لكرة القدم لا يفيها حقها؛ فهي تضع الأرجنتين على رأس الدول التي تود زيارتها، والسبب في ذلك — مثلما أوضحت لاحقًا — هو أن الأرجنتين لديها فريق كرة قدم «مذهل»! ألاحظ أيضًا أنها تعتبر اللغة الإنجليزية المادة الأقل أفضلية لديها؛ لذا، من الواضح أن تعريف كريستينا على كتب ترتبط بحبها لكرة القدم سيكون خطوتي الأولى معها. فكرتُ للحظة، وتذكرت شرائي لكتاب «شاهد عيان: كرة القدم» خلال فصل الصيف لأن الكثير من طلابي العام الماضي عبَّروا عن اهتمامهم بهذه الرياضة. وعندما عثرت على هذا الكتاب، دوَّنتُ ملاحظة على ورقة ملاحظات لاصقة أسأل فيها كريستينا إن كانت تود أن تكون أول مَن يقرؤه. وبما أنها كانت في فصل الفترة الصباحية، توجهتُ إلى مكتبها ووضعت أمامها الكتاب والملاحظة فوقه.
(?) راشيل
راشيل فتاة ذكية — شأنها شأن كريستينا — لكنها لا تمانع أن يعرف الآخرون ذلك. وهي من نوع الطلاب الذي ينجذب إليه الطلاب الآخرون لِمَا تتمتع به من تمهلٍ وثقة بالنفس، علاوة على ذكائها الحاد. أعتقد أنها تجيد التكيُّف الاجتماعي، وتتأقلم جيدًا مع الأطفال الآخرين، لكنني أتساءل إن كانت تظهر كثيرًا من جوانب شخصيتها الحقيقية أم لا. والسبب وراء هذا التساؤل هو أنه من الصعب عليَّ تحديد تفضيلاتها من خلال إجاباتها على الاستقصاء (انظر الشكل ?).
إذا كان بإمكانك الحصول على أي شيء تريده/تريدينه، بغض النظر عن المال أو القدرة الطبيعية، فماذا ستختار/ستختارين؟
«إذا كان بإمكاني الحصول على أي شيء أريده، فسيكون السلام العالمي والقدرة على الطيران …»
ما المهنة (المهن) التي تعتقد/تعتقدين أنها قد تناسبكَ/تناسبكِ عندما تصبح/تصبحين بالغًا/بالغة؟
«أعتقد أن العمل في الكوميديا أو التمثيل سيناسبني …»
على الرغم من أن راشيل قد تحزم كتبًا في حقيبتها في رحلة إلى الفضاء تستغرق خمسة عشر عامًا، وتقضي وقتًا في القراءة مع أسرتها، فإنها تُصنِّف آداب اللغة على أنها المادة الأقل أفضلية لديها. وأتساءل عن السبب وراء ذلك؛ ربما تكون قارئة سرية فصلت بين حياتها الخاصة بصفتها قارئة وبين حياتها المدرسية. من خلال حديثي معها، عرفت أنها لم تكن تقرأ كثيرًا العام الماضي، وإذا تمكنت من دفعها لقراءة المزيد، فتأثيرها على أواصل هذه العملية لمدة ساعةالطلاب الآخرين يمكن أن يساعد في نشر أجواء التحمس للقراءة؛ لذا، أتوجه إلى مكتبة الفصل الموجودة بالجانب الآخر من القاعة، وأبدأ في جمع مجموعة من الكتب لتعاينها راشيل. التقطتُ كتبًا عن أطفال مثلها، أطفال يُخْفون من شخصياتهم الحقيقية أكثر مما يظهرون؛ مثل بول في رواية «تانجرين»، وبالمر في رواية «رينجر»، وبوبي وإيدي في رواية «المنبوذون»، والبطل الفاشل المفضل لدي، ألفريد كروب. جمعتُ عددًا كبيرًا من الكتب ووضعتها على مكتبها، أيضًا. يمكنها معاينتها في الغد واختيار الكتب التي تروق لها.
•••
أواصل هذه العملية لمدة ساعة؛ حيث أُفرِغ ملاحظاتي الحدسية عن الأطفال، وأقرأ الاستقصاءات وأعيد قراءتها، وأتجول جيئةً وذهابًا أمام صناديق الكتب في الفصل. أتناول الكتب واحدًا تلو الآخر، وأكدِّس الكتب على مكتب كل طالب من طلاب الفترة الصباحية، بينما أَصُفُّ أكوامًا من الكتب على الطاولة الموجودة خلف مكتبي مع وضع ملاحظات لاصقة عليها بأسماء المتلقين المعنيين، وذلك لطلاب المجموعة المسائية. وأواصل هذه العملية في اليوم التالي واليوم الذي يليه حتى أُعد أكوام كتب المعاينة أو أحدد عناوين كتبٍ للاختيار من بينها لجميع طلابي الستين الجدد. إن احتياجاتهم بوصفهم قرَّاءً — وأشخاصًا — تناديني من بين صفحات الاستقصاء، فأردُّ عليها هامسةً بالكتب.
الفصل الثالث
الوقت والمكان متاحان دائمًا
بغض النظر عن مدى انشغالك من وجهة نظرك، يجب أن تجد الوقتَ للقراءة، أو تستسلم للجهل الذي اخترته بنفسك.
آتوود إتش تاونسيند
أقرأ في الفصل؛ وهذا يدفعني للقراءة في أي مكان آخر.
مارلين
متربعةً في سريري، متلحِّفةً بالأغطية حتى ذقني، أقرأ رواية «أزرق وأسود» للكاتبة آنَّا كويندلين، وهي قصة سيدة تعاني من سوء معاملة زوجها. تتسم الرواية بجودة كتابتها وحبكتها الآسرة؛ مما يصعِّب عليَّ تركها. لكن قرعًا مزعجًا على الباب يقتلعني من كتابي، فأنطق بكلمتين مألوفتين لأحبائي «الفصل الأخير!» لم يختلف حالي الآن عن حالي منذ عشرين عامًا، لكن مع استبدال رواية كويندلين برواية إدجار لورانس دوكتورو التاريخية «راجتايم». فبغضِّ النظر عن أي مهام ينبغي عليَّ أداؤها — تصحيح الأوراق، أو طيِّ الملابس المغسولة، أو الرد على رسائل البريد الإلكتروني — يظل بداخلي دائمًا نازع يدفعني للرجوع إلى كتبي. تتأمل كويندلين في كتابها «كيف غيَّرَتِ القراءة حياتي» هوسَها طوال حياتها بالقراءة قائلةً: «الكتب هي الطائرة والقطار والطريق. إنها الوجهة والرحلة. إنها الموطن.» أعلم أن طريق حياتي تميزه لافتات بأسماء الكتب المحببة إلى قلبي، فكلٌّ منها يرمز إلى الشخصية التي كنت عليها في أثناء قراءتها، مشكلًا الشخصية التي أصبحت عليها. وقد يظن غير المتمرس أنني ضائعة بين كتبي، لكنني أعلم أنني أجد نفسي — أكثر مما أضيع — بين كتبي.
وهذا ما أريده لطلابي؛ أن يضيعوا ويجدوا أنفسهم في الكتب. فخلال أيامهم الممتلئة بممارسة كرة القدم والكشافة والواجبات المنزلية والأعمال الروتينية، لا يتبقى لهم سوى القليل من الوقت للقراءة؛ لذا لزم عليَّ أن أحرص على منحهم وقتًا للقراءة في الفصل كل يوم، ففي النهاية، إذا لم أمنحهم الوقت للقراءة في المدرسة، فما الذي سيدفعهم لتخصيص الوقت لها في حياتهم؟
لكن ما مقدار الوقت الذي نتحدث عنه هنا؟ تبدأ حصتي كل يوم بفترة مخصصة للقراءة المستقلة. في بداية العام الدراسي، يمكن ألا تزيد هذه الفترة عن خمس عشرة دقيقة؛ إذ أريد أن يعتاد الطلاب على روتين بدء الحصة على هذا النحو. وفي بداية العام الدراسي، قبل أن أبدأ اجتماعاتي المنتظمة مع الطلاب، أقوم أنا أيضًا بالقراءة؛ إذ يحتاج الطلاب أمامهم إلى نموذج يُحتذَى به في القراءة. وأريد أيضًا أن أوضح لهم أن وقت القراءة ليس فرصة للتحدث معي بشأن واجبهم المنزلي أو طلب الذهاب إلى قاعة الموسيقى. وهو ليس أيضًا وقت فراغ لأداء المهام الشخصية أو تنظيف المجلدات؛ وقت القراءة للقراءة. إنني أُقدِّر هذه التجربة كثيرًا؛ ما يجعلني أخصص لها وقتًا كل يوم، بغض النظر عن أي شيء آخر نفعله. ودائمًا ما أمزح مع طلابي قائلةً إنه إذا كان وقتُ الحصة عشرين دقيقة، فسوف نقضيها كلها في القراءة.
(?) وقت القراءة هو وقت مُستَغلٌّ جيدًا
أوضح لطلابي أن القراءة ليست إضافة للحصة المدرسية، وإنما هي حجر زاويتها؛ فالكتب التي نقرؤها وملاحظاتنا وتساؤلاتنا بشأن هذه الكتب تغذي عمليتي التعليم والتعلم في الفصل. في البداية، يكون وقت القراءة تكليفًا مني للطلاب؛ فهم يقرءون لأنني أمرتهم بذلك، فأنا أريد أن أغرس فيهم عادة القراءة يوميًّا. والقراءة — شأنها شأن غسل الأسنان — مسئولية يدرك طلابي أنني أنتظر منهم تحملها. بيد أن الوقت الذي يقضيه المرء في القراءة يؤدي إلى المزيد منها؛ فكلما قرأ طلابي أكثر وصاروا جماعة من القرَّاء، ازدادت رغبتهم في القراءة. ومع وصولنا لذروة النشاط في العام الدراسي، أخصص قدرًا أكبر قليلًا من الوقت كل يوم للقراءة المستقلة. وبحلول الربيع، يقضي الطلاب نحو ثلاثين دقيقة من حصة آداب اللغة التي تبلغ مدتها تسعين دقيقة في قراءة كتبهم المستقلة. لا يدرك طلابي حتى مقدار الوقت الذي يقضونه في القراءة كل يوم، لكنني أدرك جيدًا مدى تقديرهم للوقت الذي أمنحه لهم من أجل القراءة بسبب كل أصوات الاستياء والشكاوى التي أسمعها عندما أُعلنُ أن وقت القراءة قد انتهى، فأسمع كثيرًا مَن يقول: «سيدة ميلر، هل يمكننا تخصيص يوم لا نفعل فيه شيئًا طوال الحصة سوى القراءة؟» وقد حدث ذلك بالفعل في الربيع عندما غاب نصف طلاب الفصل لذهابهم إلى مسابقة للفرق الموسيقية!
القراءة في الفصل تجعلني أُكثِر من القراءة في المنزل وفي عطلات نهاية الأسبوع؛ لأن الكتاب الذي أقرؤه يأسرني بحيث لا يكون أمامي خيار سوى الانتهاء من قراءته.
مولي
مهما كان الوقت الذي يقضيه الطلاب في التلقِّي المباشر لتدريس القراءة، ومن دون إتاحة الوقت لهم لتطبيق ما يتعلمونه في سياقٍ عمليٍّ من القراءة الحقيقية، فلن يطوِّر الطلاب مطلقًا قدرتهم على القراءة. ومن دون قضاء فترات زمنية متزايدة الطول في القراءة، لن يطوِّروا أيضًا جَلَدَهم كقرَّاء. إن الطلاب بحاجة لوقت ليقرءوا، وبحاجة لوقتٍ كي يصبحوا قرَّاءً.
في كتاب ستيفن كراشين «قوة القراءة»، الذي يقدم فيه تحليلًا ما ورائيًّا لأبحاثه حول القراءة المستقلة التي أجراها على مدار الأعوام الأربعين الماضية، يكشف عن أنه ما من نشاط تعليمي آخر له أثر أكثر إيجابية على فهم الطلاب ومعرفتهم بالمفردات والهجاء والقدرة على الكتابة والتحصيل الأكاديمي العام من القراءة الحرة الطوعية. ومن خلال ملء اليوم التعليمي بالتدريبات المعتمدة على الحفظ، مثل قوائم الهجاء والمفردات الأسبوعية واختباراتها، وتدريبات النحو في كتب التدريبات، وتكليفات قياس الفهم المنخفضة المستوى — وهي أشياء لها جميعًا أثر ضعيف للغاية، بل وسلبي في كثير من الأحيان، على تحصيل الطلاب — يؤكد كراشين على أننا نحرم الطلاب من حقهم في أداء النشاط الوحيد الذي ثَبَت مرارًا وتكرارًا أنه يَزيد من اكتسابهم للغة وبراعتهم في التواصل؛ وهو القراءة الحرة الطوعية، مجددًا. لقد لاحظت أن طلابي على الأغلب يستكملون في المنزل قراءة الكتب التي بدءوها في المدرسة. كذلك تُحرِّر القراءة الحرة القرَّاءَ السريِّين من قيودهم، فتُعْفيهم من التبديل بين كتاب المدرسة وكتابهم الخاص.
أعتقد أن التزامنا بالقراءة كل يوم في الفصل أمر رائع. وأحيانًا، يكون أفضل جزء من يومي هو القراءة لمدة نصف ساعة.
بيثاني
لا يمكن أن يظل السؤال الذي نطرحه هو: «كيف يمكننا تخصيص وقت للقراءة المستقلة؟» وإنما يجب أن يكون: «كيف لا يمكننا فعل ذلك؟» منذ أن جعلت القراءة المستقلة جوهر برنامج القراءة في فصلي المدرسي، شهدت زيادة في تحصيل الطلاب، فضلًا عن ارتفاع حادٍّ في مستوى الحماس والالتزام لديهم؛ فالطلاب أمثال كيلسي ممن اعتادوا الرسوب في تقييمات الولاية، صاروا ينجحون فيها بعد عامٍ من القراءة المكثفة. والطلاب، الذين لم يسبق لهم قراءة أي كتب أخرى غير العدد القليل من الكتب المفروضة عليهم في الفصل المدرسي، باتوا يقرءون كتابًا تلو الآخر. وإذا تساءلنا عن آثار القراءة المكثفة، فسنجد أن تحسُّن الكتابة، وثراء المفردات، وزيادة المعرفة العامة في الدراسات الاجتماعية والعلوم؛ هي نتائج طبيعية لقراءات طلابي المكثفة.
أحاول استغلال أي فرصة تُتاح لي للقراءة في المدرسة؛ لأن المدرسة في الغالب تكون مملة للغاية. وعندما أقرأ في الفصل، فإن ذلك يملأ ذلك الفراغ الصغير الذي أشعر به في قلبي (إنني أمزح)!
جون
حتى إن كان التدريس التقليدي قادرًا على تقديم مكاسب مكافئة، فإن تحسُّن موقف الطلاب تجاه القراءة يُعَد سببًا كافيًا لتخصيص وقت كبير للقراءة المستقلة. يعود طلابي السابقون إليَّ ويقولون لي إن الوقت المخصص لقراءة كتبهم الخاصة في الفصل يكاد يكون معدومًا في المدرسة الإعدادية والثانوية. لماذا لا نمنح الطلاب مزيدًا من الوقت للقراءة المستقلة في الفصل؟ أسمع كثيرين من المعلمين يقولون إنه ليس باستطاعتهم تخصيص وقت قراءة للطلاب لأن هناك محتوًى كبيرًا ينبغي على هؤلاء المعلمين تغطيته، لكنْ ما الغاية من ذلك المحتوى؟ بالنظر لأن أثر القراءة على تحصيل الطلاب يفوق أثر أي نشاط آخر في المدرسة، فإن تخصيص الوقت للقراءة يجب أن يكون أول نشاط نسجله — نحن المعلمين — في خطط الدروس الخاصة بنا، وليس الأخير. ثمة قول شائع بأن الإنسان يخصص الوقت للشيء الذي يقدِّره، فإذا كنا نُقدِّر القراءة، فلا بد أن نوجِد الوقت لها.
(?) اختلاس لحظات للقراءة
قرِّرْ أن تدفع نفسك للقراءة قليلًا كل يوم، حتى وإن كانت جملة واحدة، وإذا غنمت خمس عشرة دقيقة يوميًّا من القراءة، فستشعر بأثر ذلك في نهاية العام.
هوراس مان
قد يبدو تخصيص جزء كبير من العملية التعليمية للقراءة المستقلة أمرًا مستحيلًا في ظل عالم الاختبارات البالغة الأهمية القائم على المعايير الذي نحيا فيه اليوم، لكن الأمر ليس مستحيلًا؛ فحتى إذا كنت مضطرًّا لاتِّباع برنامج مفروض من المنطقة التعليمية أو المدرسة ويتضمن أنشطة تلقينية مُخطَّطًا لها ومنهجًا موحَّدًا، يمكنك إيجاد الوقت للقراءة المستقلة. بفضل ناظر مدرستي الثاقب الفكر، أحظى بدعم لإعداد دروس مادتِي بالكامل بناءً على القراءة المستقلة، لكني أعرف أن المعلمين الآخرين قد لا يتمتعون بهذه الحرية. رغم ذلك، ثمة أساليب مبتكرة لاستخلاص وقت إضافي للقراءة من أجل طلابك — حتى وإن كنت تتبع برنامجًا روتينيًّا صارمًا — وذلك عن طريق استغلال لحظات اليوم الدراسي التقليدي إلى أقصى حدٍّ ممكن.
(?-?) المقاطعات في الفصل المدرسي
أتولى تدريس حصتين مزدوجتين لمادتَي آداب اللغة والدراسات الاجتماعية كل يوم؛ حيث تبلغ الفترة التعليمية لكل مادة ساعتين وثلاثين دقيقة. ولقد تتبعت مؤخرًا المقاطعات التي تتخلل الوقت التعليمي في فصلِي المدرسي على مدار أسبوع واحد، فسجلت أربع عشرة زيارة من موظفي المكتب المدرسي لتوصيل رسائل، ووجبات غداء منسية، وملاحظات يلزم نقلها للمنزل، بالإضافة إلى تسع مكالمات هاتفية من أعضاء آخرين في هيئة التدريس، ومناقشتَين في الرواق حول سلوك الطلاب، واجتماع غير مخطط له مع أحد أولياء الأمور. وإجمالًا، خسرت أنا وطلابي أربعين دقيقة من الوقت التعليمي في ذلك الأسبوع، وذلك في مدرسة تبذل جهدًا للحدِّ من المقاطعات في أثناء اليوم الدراسي. وهذه القائمة لا تختلف كثيرًا لدى معظم المعلمين؛ فلا شك أنك على علم بمشتتات الذهن هذه، ففي كل مرة تحدث فيها هذه المقاطعات، ينبغي علينا التوقف عن التدريس، ثم العودة مرة أخرى لكي نستأنف من حيث توقفنا. إن المشكلة الكبرى التي تَحُول دون الحد من المقاطعات التي تتخلل الفصل المدرسي هي مشكلة متعلقة بالنظام، لكن تعويض الوقت الضائع مع الطلاب في متناول المعلم.
خلال السنوات القليلة الأولى من اشتغالي بمهنة التدريس، لم يكن هناك ما يثير قلقي مثلما يفعل رنين الهاتف في الفصل أو النقر على الباب؛ فأنا لا أفقد حبل أفكاري فحسب، وإنما يصعب عليَّ أيضًا جذب اهتمام الطلاب عندما يتعين علينا التوقف ثم البدء من جديد. هذا فضلًا عن أنني كنت أجاهد خلال هذه المقاطعات لأوزع انتباهي ما بين الزائر والطلاب الذين قد يستغلون الموقف لإساءة التصرف؛ فالحفاظ على سيطرتي على الفصل في أثناء المقاطعات يتطلب أن تكون توقعاتي بشأن سلوك الطلاب واضحة، بحيث يعرف الطلاب ما ينبغي عليهم فعله في هذه الحالات. خلال الأسابيع الأولى من الدراسة، يتدرب طلابي على إخراج كتبهم عند حدوث مقاطعات في الفصل. أبدأ بحثِّ طلابي على القراءة عند مقاطعة الحصة، لكن مع تقدم العام الدراسي، يستوعب الطلاب هذا الإجراء، كعادةٍ في البداية، لكنه يتحول في النهاية إلى رغبة لاختلاس مزيد من الوقت للقراءة؛ فصارت الكتب تنادي عليهم أيضًا طوال الوقت.
(?-?) التدريبات التذكيرية والإحمائية
عندما أقيِّم ممارسة تعليمية، أسأل نفسي أولًا: «ما الغاية التي يخدمها هذا النشاط؟» فمهما كان النشاط حماسيًّا أو ممتعًا أو فعالًا في الفصول المدرسية، يكن هدفي الشامل هو زيادة قدرة الطلاب على القراءة. وأي مسعًى لا يحقق هذا الهدف المحدد أستبعده تمامًا.
لقد اعتدت — شأني شأن كثيرٍ من المعلمين — إعداد الواجبات مثل تمرينات التحرير أو التدريبات على الكتابة، وعرضها باستخدام جهاز عرض الشرائح العلوي على طلابي لكي ينجزوها عند دخولهم الفصل. ظاهريًّا، صُمِّمَت هذه التدريبات لدمج الطلاب في نوع من تعليم القدرة على القراءة والكتابة أو في ممارستها، لكننا نعرف جميعًا الهدف الحقيقي من التدريبات التذكيرية أو الإحمائية، وهو إبقاء الطلاب على مقاعدهم ليعملوا في هدوء في أسرع وقت ممكن. ومن خلال تقييمي لهذه التدريبات بعين ناقدة، أدركتُ أن كل نشاط لا يتعلق بالقراءة يُضيِّع دقائقَ ثمينةً من وقت القراءة يوميًّا.
وإذا ألقينا نظرة على أحد الدروس الإحمائية المعتادة بالفصول المدرسية، فسنجد أن الطلاب يُطالَبون بالبحث عن الأخطاء النحوية وأخطاء علامات الترقيم في جملة مكتوبة. قد يستغرق تصحيح هذه الجملة خمس دقائق، وقد تستغرق مناقشة التصحيحات مع الطلاب وتقديم التغذية الراجعة عليها عشر دقائق أخرى. وبوضعنا في الاعتبار ضآلة الفائدة الفعلية التي تعود على مهارة الكتابة لدى الطلاب من هذا التعليم المباشر للقواعد النحوية (آلسوب وبوش، ????؛ وتوماس وتشودي، ????؛ وويفر، ????)، سنجد أنه من الأفضل قضاء هذه الدقائق الخمس عشرة في القراءة، وهي النشاط الذي ثَبَت أنه يحسِّن مهارات الكتابة والنحو لدى الطلاب (إيلي، ????، اقتباس في كتاب كراشين، ????).
ومع ازدياد أهمية الوقت التعليمي في كل فصل مدرسي، لا يمكننا تحمل تكلفة إهدار أي لحظة منه. وقد أكدت الأبحاث على أن القراءة المستقلة هي أفضل استغلال للوقت. يأتي الطلاب إلى فصلِي كل يوم، ويُخرجون كتبهم، ويشرعون في القراءة؛ فلا يعملون في هدوء فحسب (الهدف الضمني لكل التدريبات الإحمائية)، وإنما ينهمكون أيضًا في نشاط إنتاجي يحسِّن من أدائهم في القراءة. ومقدار الوقت الذي أوفره عن طريق عدم الاضطرار للتخطيط للأنشطة الإحمائية غير الفعالة وتقييمها يزيد من فائدة هذا النشاط الإنتاجي.
لا أقصد هنا التحقير من شأن التدريبات التي قد تستخدمونها كأساليب تمهيدية في الفصل؛ فبعضها قد يحمل قيمة تعليمية بالفعل، لكنني أتحداكم أن تجدوا أي شيء أكثر تأثيرًا على التحصيل في القراءة من القراءة المستقلة.
نحن المعلمين لدينا ما يكفي من شهادات على أن الطلاب الأكثر ممارسة للقراءة هم الأفضل في الهجاء والكتابة والتفكير؛ فما من نشاط يحمل قيمة تعليمية أكثر من القراءة. أما عن الميزة الإضافية التي سنتمتع بها بوصفنا معلمين، فقد توصلتُ إلى أن القراءة المستقلة تمثِّل أحد أكثر الممارسات التعليمية سهولة في التخطيط والصياغة والتنفيذ.
(?-?) ما يفعله الطلاب عند الانتهاء من مهامهم
يتسم طلابي في الصف السادس بغرابة سلوكهم؛ فهم يودِّعون مرحلة الطفولة ويقفون على أعتاب مرحلة المراهقة. لا يزالون يحبون المعلمين، وإن كانوا لا يحبون إظهار ذلك، ويتلهف العديد منهم دائمًا لمساعدتي في فرز الأوراق، أو أداء المهام، أو تنظيف السبورة عند انتهائهم من عملهم في الفصل لذلك اليوم. وقبل أن أملأ كل لحظة مختلسة بالقراءة المكثفة، كان الطلاب يسألونني إن كان بإمكانهم الرسم أو أداء الواجب المنزلي لمواد أخرى عند انتهائهم من تكاليفهم الخاصة بحصتي، ويكون هناك دائمًا بضعة طلاب يشوشون على زملائهم عند انتهائهم من تكاليفهم؛ فكان حديثهم وتجولهم في الفصل يشتت انتباه الطلاب الذين لا يزالون يعملون على تكاليفهم، ويشتتون انتباهي أنا أيضًا بينما أحاول مساعدة الآخرين. لكن منذ أن أعدتُ إعداد الحصة بحيث يستغل الطلاب كل دقيقة من وقت فراغهم في القراءة المستقلة، تَوقَّف هذا التشويش. السؤال هو: ما الذي ينبغي على الطلاب فعله عند انتهائهم من جميع مهامهم في الحصة؟ والإجابة هي أنَّ تعلُّم الطلاب — أي القراءة والكتابة والتفكير — يجب أن يستمر بدءًا من جرس بداية الحصة حتى جرس انتهائها؛ فبينما نندد — نحن المعلمين — بنقص الوقت المخصص للتدريس، يبدو أننا نهدر قدرًا كبيرًا من هذا الوقت في مهام الفصل المدرسي والأعمال التي لا طائل منها.
من الممارسات الشائعة في كثيرٍ من الفصول المدرسية تجميع ملفات ممتلئة بالتدريبات وأوراق التمرينات الإضافية واستخدامها؛ وهي تدريبات مصممة لشَغْل أوقات الطلاب الذين ينتهون من مهام الفصل سريعًا. ولقد استخدمتُ هذه الملفات بدوري في بداية عملي في التدريس؛ إذ كانت تسيطر على ذهني آنذاك فكرةُ فِعل ما يفعله الجميع من حولي. لم تكن تلك الملفات المسلية المخصصة للطلاب الذين يفرغون من تكاليفهم سريعًا تنطوي إلا على قيمة تعليمية ضئيلة باستثناء التكرار والممارسة، شأنها شأن التدريبات الإحمائية، بل كان تخطيطها ووضعها يستغرقان ساعات. لكن عندما سألني طلابي إن كان بإمكانهم قراءة كتبهم بدلًا من أداء التكليفات الموجودة في الملفات، أدركتُ الرسالة.
وعندما فحصت هذه الملفات بدقة أكبر، اتضح لي السبب وراء كونها أنشطة مضيِّعة للوقت، وعملًا غير مثمر؛ وفي بعض الأحيان، تكون عقابًا أيضًا للطلاب ذوي القدرات العالية. يكره الطلاب ملفات أوراق التدريبات هذه التي من المفترض أن تكون ممتعة. وقد اكتشف زوجي — الذي كان يَعتبر نفسه طالبًا كسولًا في المدرسة — أنه عندما كان ينهي واجباته قبل الطلاب الآخرين، كانت المكافأة التي يحصل عليها هي المزيد من العمل. فبدأ يتباطأ شيئًا فشيئًا في عمله، ويتلكأ في أداء الواجبات التي يمكنه إنهاؤها بسهولة لكي يتجنب أي عمل إضافي. وأنا بالتأكيد أرفض أي نشاط يعزز تدنِّي مستوى التحصيل لدى طلابي! لذلك، تخلصت من هذه الملفات، وبدأ طلابي في القراءة. تساعد القراءةُ المكثفةُ الطلابَ في تحقيق أهداف القراءة الخاصة بالمادة، وتشغلهم في نشاط ممتع يساهم في تحصيلهم الأكاديمي، وتمنحني الوقت اللازم للعمل مع الطلاب الذين قد يحتاجون لمساعدتي، وتقلل إلى أقصى حد ممكن من مشكلات السلوك الناجمة عن عدم انشغال الطلاب في مهام مدرسية. يمكنني أن أعرف أن طلابي قد فرغوا من أداء مهامهم عن طريق الاستماع إليهم، ليس بسبب ارتفاع الأصوات والضوضاء في الفصل، وإنما لتخييم الهدوء عليه بسبب انشغال كل طالب بالقراءة.
خلال اجتماع على مستوى المنطقة التعليمية كنت قد حضرته مؤخرًا لمناقشة كتابة المناهج، عبَّرَت لي إحدى الزميلات عن قلقها عندما أخبرتها بعدم تخطيطي لأنشطة إضافية ينجزها طلابي عند انتهائهم من عملهم بالفصل، قائلةً: «ألا تقلقين من أن يسرعوا في إنجاز التكليفات المطلوبة منهم ليعودوا إلى كتبهم؟» وانتظرتُ لحظةً مستمتعةً بتعبير الصدمة الذي ارتسم على وجهها، ثم أجبتها قائلة: «يا إلهي، كم أتمنى أن يفعلوا ذلك!»
عند التفكير في عادات القرَّاء المداومين على القراءة طوال حياتهم، يتضح أن هذا الوقت المخصص للقراءة يتفق مع ما يفعلونه على أي حال؛ فما الذي يفعله القرَّاء البالغون عندما ينتهون من عملهم اليومي؟ إنهم يكافئون أنفسهم بالاستلقاء في ارتياح برفقة كتبهم.
(?-?) يوم التقاط الصور
وحدهم العاملون في المدارس يمكنهم إدراك مدى أهمية يوم التقاط الصور؛ حيث تتأنق فتيات الصف السادس في هذا اليوم في كنزات، بشعرهن متموجًا، مرتديات أحذية عالية الكعب لا يخلعنها إلا قبل دخولهن قاعة الألعاب الرياضية. أما الصِّبية، فيغلقون أزرار القمصان (التي تغطي الفانلات التي يرتدونها عادةً)، ويضعون كميات خطيرة من الجيل على شعورهم للحفاظ على ثبات الخصلات المصففة لأعلى. إن الانتهاء من تصوير ??? طالبًا وطالبة في أقل من ثلاث ساعات يُعَد معجزة من معجزات الآلية التعليمية. ربما يحب طلابي حصتي، لكن الهروب منها للوقوف في طابور وتبادل أطراف الحديث مع أصدقائهم لمدة ثلاثين دقيقة يمثل عاملَ جذبٍ قويًّا لهم. في الماضي، كنت أقضي معظم الوقت في يوم التقاط الصور في التجوال جيئة وذهابًا بمحاذاة الطابور، مراقبةً سلوكيات الطلاب ومحاولةً إسكاتهم. وكان الطلاب الذين ينتهون من التصوير ويقفون في انتظار بقية الفصل هم الأكثر إثارةً للضوضاء. لم يقتصر الأمر آنذاك على شعوري بالإحباط بسبب سلوك طلابي، وإنما كنت أشعر بالضيق أيضًا لإهدار وقت الحصة.
ومرة أخرى، قَدَّمَت عاداتُ القرَّاء في فصلي وخبرتي المتمثلة في اصطحابي كتابًا في كل مكان أذهب إليه الحلَّ لهذه المشكلة. وأدركت الأمر في أحد أيام التقاط الصور عندما وجدت نفسي أحمل ثلاثة كتب لبعضٍ من طلابي القرَّاء النهمين، بينما ذهبوا لالتقاط صورهم؛ ومن ثم، أصبحنا الآن نصطحب كتبنا في يوم التقاط الصور مستغلين وقت الانتظار كوقت للقراءة. أحمل كتب الطلاب في سلة بينما تُلتَقَط لهم الصور، ثم يأخذونها مني، ويجلسون قبالة الحائط، ويقرءون في أثناء انتظارهم بقية الفصل. وفي أحد الأعوام، كان طلابي معتادين تمامًا على حمل كتبهم معهم في يوم التقاط الصور، بل وأصروا كذلك على أن تُلتَقَط لهم صورة الكتاب السنوي للفصل في ذلك الربيع وهم ممسكون بكتبهم.
أعلم أنه كلما ازداد مقدار الوقت الذي يقضيه الطلاب في القراءة كل يوم، ازداد ترسُّخ القراءة بداخلهم كعادة يومية. وإدراكًا مني لنجاح جهودي في استخلاص المزيد من الوقت للقراءة لطلابي، أبحث دائمًا عن فرص أخرى لهم للقراءة في أثناء الأوقات غير المُخطَّط لها. على مدار العام الدراسي، يُهدَر من الوقت ما لا حصر له في انتظار الاجتماعات وركوب الحافلات والوقوف في الطوابير؛ لذا، فقد انتزعتُ هذا الوقت غير المُخطَّط له لكي يمضيه طلابي في القراءة. ومن ثم صار السلوك السيئ الذي تشهده هذه الأوقات شبه منعدم، وأصبح طلابي يقضون وقتًا طويلًا في القراءة كانوا يقضونه من قبل في التحدث أو الوقوع في المشكلات أو الوقوف شاعرين بالملل (انظر الشكل ?-?). لعلِّي أضيف هنا أيضًا أن الطلاب المحترفي المماطلة أثناء وقت القراءة في الفصل لا يمكنهم إخفاء حقيقة عدم قراءتهم عندما تكون هذه القراءة نشاطًا عامًّا في الفصل على مدار اليوم الدراسي. هكذا، حين يكون جميع طلاب الفصل جالسين قبالة الحائط يقرءون في أثناء انتظارهم التقاط الصور، بينما لا يفعل عدد قليل منهم ذلك، سرعان ما يصبح الأمر واضحًا. ومن خلال فرض التوقع بأن تكون القراءة ما نفعله دائمًا في أي مكان، تصبح القراءة جوهر ثقافة الفصل. وحتى أكثر القراء عزوفًا لا يمكنهم المقاومة إذا امتثل لها جميع أصدقائهم.
(?-?) وقت المكتبة
المكتبات! يا إلهي، كم أحبها! تلك الصفوف المتراصَّة من الكتب القابعة في انتظاري، والكراسي المريحة التي تغريني بالجلوس عليها طويلًا والانغماس في القراءة. تقدِّم المكتباتُ المليئةُ بما تسميه فيرجينيا وولف «الكنوز الخفية» ثروةً لأي قارئ. ومن أعظم الأمور التي تشعرني بالسعادة ذهابي للعمل كل يوم في مبنًى يضم مكتبة.


شكل ?-?: طالبات يقرأن في أثناء انتظارهن وصول حافلة الرحلة الميدانية.
وعلى الرغم من وجود مكتبة كبيرة في الفصل المدرسي تضم ما يزيد عن ألفَي كتاب، فإنني أصرُّ على اصطحاب طلابي إلى مكتبة المدرسة بانتظام، مرة كل أسبوعين على الأقل، إن لم يكن أكثر من ذلك؛ فجزء من التمتع بشخصية القارئ هو تعلم كيفية التجوُّل في المكتبة والشعور بالراحة كما لو كان المرء في بيته. يمثِّل تأمل مجموعات الكتب مع طلابي فرصة عظيمة لأوضح لهم كيفية العثور على الكتب، ولأعرِّفهم على مجموعة أضخمَ منها، ولأعلِّمهم آداب زيارة المكتبات.
أطلقت عليَّ كيم جاردنر، أمينة المكتبة صديقتي، اسم «زمَّار هاملين» عندما شاهدت صف الطلاب الذي يتبعني في أنحاء المكتبة؛ فقد رأت كيف كان الطلاب مسلوبي الألباب بينما كنا نلقي النظر على الكتب ونختارها معًا. ومع ذلك، ليس دائمًا ما يأتي الطلاب إلى فصلي مكتسبين بالفعل مهارات تركيز الجهود على البحث عن الكتب والقراءة في أثناء زيارات المكتبة؛ فهذه السلوكيات يجب أن تُجسَّد وتُدَرَّس لهم بوضوح. يَنظر الكثير من الطلاب لزيارة المكتبة على أنها فرصة أخرى لاكتساب بعض وقت الفراغ أو للتسكع مع أصدقائهم والتجمع في مجموعات للدردشة تحت ستار البحث عن الكتب. ولا ينبغي أن يقضي المعلمون أو أمناء المكتبات وقت زيارات الفصول المدرسية للمكتبة في مراقبة سلوك الطلاب، وإنما يُستَحسَن استغلال هذا الوقت في مساعدة الطلاب على العثور على كتب ليقرءوها. ولا ينبغي كذلك الاعتقاد بأن وقت المكتبة هو وقت فراغ غير مُخطَّط له من جانب الطلاب، أو وقت تعليمي ضائع من جانب المعلمين، وهو الأمر الأسوأ؛ فأنا أعرف معلمين في المدرسة الإعدادية لا يأخذون طلابهم إلى المكتبة لأنها في نظرهم «مضيعة لوقت الفصل». لكن إذا تمحور التركيز في زيارات المكتبة حول اختيار الكتب واختلاس الوقت لقراءتها، فلن تكون هناك حاجة للصياح في وجه الطلاب للبحث عن الكتب أو لإسكاتهم. إن الطلاب يرتقون لمستوى توقعات معلمهم؛ لذا وضِّحْ توقعاتك لسلوكياتهم خلال زيارات المكتبة.
وضع الأهداف لاستخدام المكتبة
إن وضع الأهداف المتعلقة بالقراءة واختيار الكتب عند ذهاب طلابي إلى المكتبة يحدث في أول زيارة لنا إلى هناك. ويبدأ تمثيلي دور القدوة بإظهاري الحماس مع اقتراب أول يوم زيارة للمكتبة؛ فأبدأ بإخبار الطلاب أننا سنذهب للمكتبة قبل الموعد بعدة أيام، وأتخيل معهم الكتب الرائعة التي سيجدونها هناك، وأنشر أيام زيارة المكتبة على الموقع الإلكتروني الخاص بفصلنا، وأودُّ من ذلك أن يدرك الطلاب اعتقادي بأن أيام زيارة المكتبة حدث ينبغي ترقبه. وفي اليوم المنتظر، أطلب دائمًا من الطلاب تذكيري قبل الموعد المحدد لزيارة المكتبة ببضع دقائق كي نتمكن من الاصطفاف والذهاب إلى هناك عاجلًا.
وعندما نصطف للذهاب للمكتبة، لا بد أن يكون لدى كل طالب كتاب ليعيده إلى المكتبة، أو ليجدد استعارته، أو ليقرأه؛ وإن لم يكن، فعليه أن يخطط للحصول على كتاب من المكتبة. ونظرًا لأن المصدر الرئيسي للكتب لدى طلابي هو مكتبة الفصل، فقد يجلب الطلاب معهم الكتب إلى المكتبة في حالة عدم رغبتهم في البحث عن كتاب آخر في مكتبة المدرسة. وإذا لم يكن الطلاب يحملون كتابًا، فسيقضون وقتهم في المكتبة في البحث عن كتاب. والهدف هو أن يخرج كل طالب من المكتبة حاملًا كتابًا للقراءة. ويمزح معي طلابي بصياحهم «هذا ليس عدلًا» عندما يدركون أنني أقوم بزيارتين للمكتبة في اليوم الواحد بسبب تدريسي مادتين.
عند وصولنا إلى المكتبة، يكون لدى جميع الطلاب أهداف خاصة بهم. فإذا كانوا سيتفقدون الكتب، يبدءون مباشرةً في البحث، والطلاب الذين لن يتفقدوا الكتب يتوجهون إلى أركان هادئة ويقرءون؛ ما من أحد يجلس فحسب، ما من تجمعات، ما من أحد يتحدث؛ وإن كانت هناك مجموعة من الطلاب تتبعني عادةً يتحدثون معي في أثناء تجوُّلنا بين صفوف الكتب، للبحث عنها وجمعها؛ فأقضي وقت الزيارة بالكامل في مساعدة الطلاب على تحديد أماكن الكتب، لكنني لا أستطيع التحكم في شعوري بالإثارة عندما أعثر على كنوز أود قراءتها بدوري. يغار الطلاب من المزايا التي يتمتع بها المعلمون فيما يتعلق باستخدام المكتبة — ما من غرامات أو تواريخ لإعادة الكتب المستعارة، بالإضافة إلى العدد غير المحدود من الاستعارات — وهي المزايا التي أستغلها بالكامل.
ونظرًا لأنني أعمل مع الطلاب على إيجاد الكتب وأقلِّص السلوكيات الناجمة عن عدم انخراط الطلاب في المهام المدرسية المكلفين بها داخل المكتبة، تُتاح الفرصة لأمين المكتبة لتسجيل استعارة الكتب ومساعدة الطلاب الذين يحتاجون للمساعدة في البحث في كتالوج المكتبة على الإنترنت. وعندما يكون لدى كل طالب كتاب ليقرأه، نجلس جميعًا ونقرأ حتى ينتهي وقت المكتبة أو نترك المكتبة ونعود إلى الفصل لنستكمل القراءة هناك.
(?-?) كم من الوقت نخصص للقراءة، حقًّا؟
بحساب جميع الدقائق التي أتمكن من جمعها في أسبوع الدراسة العادي، كم من وقت القراءة أتمكن من توفيره حقًّا لطلابي؟ من خلال إحلال وقت القراءة محل التدريبات الإحمائية، واختلاس أكبر قدر ممكن من الوقت الضائع، أتوصل من خلال حساباتي إلى أنني أكتسب لطلابي فترة تتراوح ما بين عشرين إلى ثلاثين دقيقة للقراءة يوميًّا. ويوصي التقرير المعياري لِلَجنة القراءة، الذي يحمل عنوان «لكي نصبح أمة تقرأ»، بأن ينخرط الطلاب في القراءة الصامتة المتواصلة لمدة ساعتين أسبوعيًّا (آندرسن وهيبرت وسكوت وويلكنسن، ????). يمكنك تخصيص ساعتين للقراءة أسبوعيًّا لطلابك بسهولة ومن دون التضحية بأي جزء من الوقت التعليمي. وإذا كنت راغبًا أيضًا في تخصيص جزء من وقت الفصل للقراءة المستقلة؛ يمكن أن يصل عدد الساعات التي يقضيها طلابك في القراءة إلى أربع ساعات أسبوعيًّا «في المدرسة».
لقد صار طلابي الآن يختلسون الوقت للقراءة بأنفسهم، وذلك باستغلال الوقت الضائع وسط روتينهم اليومي للقراءة؛ فيقرأ بول في محطة الحافلات في الصباح، بينما يقرأ دانيال في أثناء انتظار والدته لتقلَّه إلى البيت بعد اليوم المدرسي، أما أليكس فيقرأ في وقت الغداء، بينما تقرأ ماديسون في فترة الراحة وهي تجلس تحت شجرة. بمجرد أن يكتسب الطلاب عادة القراءة، سوف يفعلون أقصى ما بوسعهم لإيجاد الوقت للقراءة.
بينما كنت أُلقي التحية على طلابي في الرواق ذات صباح، ركضت مولي نحوي لاهثةً لتخبرني بأسلوب مبتكر تمكَّنَت من خلاله من مواصلة قراءة آخر كتاب ألغاز وتشويق عمدت لقراءته، وهو كتاب «قبر الشبح» بقلم بيج كيريت، فقالت لي: «سيدة ميلر! لقد كان لكِ تأثير عظيم عليَّ؛ ففي الليلة الماضية، قرأت وأنا أستحم!»
سألتُها مستمتعةً بما تقوله: «كيف تمكَّنت من القراءة في أثناء الاستحمام مع الحفاظ على الكتاب جافًّا؟»
تجمَّع طلاب آخرون حولنا، لا ليشاهدوا مولي المهووسة بالقراءة، وإنما ليستمعوا إلى نصيحتها كي يتمكنوا من تطبيقها بأنفسهم. قالت مولي: «كنت قد قاربت على الانتهاء من الكتاب عندما أخذتْ أمي تناديني لأستحم، فمددت ذراعي إلى خارج حوض الاستحمام إلى أبعد مسافة تمكنت من الوصول إليها لأواصل القراءة.»
واقترح طالب آخر: «أعتقد أنه كان بإمكانك وضع كيس بلاستيكي فوق الكتاب لحمايته وأنتِ تقرئينه في أثناء الاستحمام!»
على الرغم من رفضي التوصية بقراءة الكتب في أثناء الاستحمام؛ حفاظًا على صحة القارئ وسلامة الكتاب، فمن المهم تشجيع القرَّاء الصغار عند اكتشافهم خيارات للقراءة في أي مكان يمكنهم فعل ذلك فيه. لقد احترف القرَّاء الكبار هذا الأمر؛ إذ يقرءون في المطارات، أو خلال رحلتَي الذهاب والعودة إلى العمل ومنه، أو في عيادات الأطباء للتغلب على الملل. إن القرَّاء يختلسون الوقت للقراءة.
(?) تخصيص مكان للقراءة
إن وقت القراءة يمكن أن يكون أي وقت؛ لا معدات لازمة وليس هناك ضرورة لتحديد موعد أو مكان. إن القراءة هي الفن الوحيد الذي يمكن ممارسته في أي ساعة من النهار أو الليل. وحينما يحين الوقت وتدعوك الرغبة، يكون هذا هو وقت القراءة الخاص بك؛ في الفرح والحزن والصحة والمرض.
هولبروك جاكسون
يحمل زوجي، دون، كتابًا معه أينما ذهب. وعلى الرغم من أنني قارئة أيضًا، فقد أزعجني هذا الأمر في السنوات الأولى من زواجنا حين كان يجلب معه كتابًا إلى عشاء عيد الشكر في منزل والدتي أو عند ذهابنا إلى متجر البقالة. وفي إحدى المرات، اصطدم بشجرة في منتصف الرصيف بالمدينة بسبب قراءته في أثناء سيره متثاقلًا من العمل إلى المنزل. أتعجَّب من قدرةِ دون على القراءة في أي مكان، حتى وهو موجود وسط حشود صاخبة أو وهو واقف! وبعد عديد من لحظات الغيرة حين كنا نجد أنفسنا عالقَين على نحو غير متوقع في مكانٍ ما، فيكون لدى دون كتاب يقرؤه بينما لا يكون معي أي كتب، بدأتُ أنا أيضًا أحمل كتابًا معي أينما ذهبت. نفضِّل أنا ودون قراءة كُتُبنا ونحن جالسَين ضامَّين رُكَبنا إلى صدرينا على الأريكة في المنزل، لكننا لسنا بحاجة لأجواء مثالية لاختلاس بعض الوقت للقراءة. ومع هذا الموقف الذي لا يقيد القدرة على القراءة بمكان معين، فإنني لا أؤيد فكرة رُكْن القراءة؛ الأمر الذي سرعان ما سيلاحظه أي شخص يزور فصلي.
تخيَّلْ غرفة صغيرة تضم تسعة وعشرين طالبًا بالصف السادس من جميع الأطوال والأحجام، ومكتبة مكتظة بالكتب التي يزيد عددها عن ألفَي كتاب، بالإضافة إلى جميع الأشياء التي تَطْلب المدرسة من المعلم أن يبقيها في متناول اليد (مثل صناديق الأزمات وخزانات الملفات وملحقات الكتب المدرسية) هذا هو فصلي المدرسي، فليس لديَّ مكان متاح لأخصصه رُكنًا للقراءة.
مثلما تعلمون، كنت أقرأ في منزل أقاربي في ميامي. لا أعتقد أنهم كانوا يهتمون بالأمر حقًّا. بالطبع، من المحتمل أنهم كانوا يتكلمون عني بالإسبانية، لكنني ما كنت لأعلم ذلك.
ميشيل
عندما كنا في إحدى مسابقات الروديو لرعاة البقر المحترفين، وكان العرض الرئيسي يتمثَّل في طفلين صغيرين يرقصان في أنحاء الحلبة بالأشرطة الملونة، والمتسابقون يستعدون، أخرجتُ رواية «خلف حائط غرفة النوم» وانتهيت من قراءتها قبل أن يبدأ سباق البراميل.
مارلين
تبرع جيس — الشهير بجنونه بالكتب — ووالدته بأريكة جلدية قديمة لفصلي منذ بضع سنوات عند شرائهما أريكة جديدة. وبعد ترشيح عدة أسماء وتصويت الفصل، أطلق طلابي على هذه الأريكة «العمة فاني» (انظر الشكل ?-?). والآن صارت العمة فاني المسكينة محشورة تحت حافة النافذة. لدينا أيضًا في الفصل مجموعة متنافرة من المقاعد المصنوعة من الأكياس القماش المحشوة بالفاصوليا المجففة التي جمعتها على مدار السنوات من التبرعات ومعارض بيع الأغراض المنزلية المستعملة التي تقام في الجراجات؛ وهذه هي المقاعد التي يجلس عليها طلابي دائمًا. ولدينا أيضًا إضاءة رائعة يمكن ضبطها، وهي إحدى ميزات الوجود في مدرسة جديدة. فأُبقي الأضواء خافتة بعض الشيء كي يتمكن الطلاب من القراءة دون الوهج العالي لإضاءة الفلوريسنت. لا يهمني المكان أو الكيفية التي يقرأ بها الطلاب في فصلي، بل كل ما يهمني هو أنهم يقرءون؛ فيمكنهم الاستلقاء على الأرض، أو خلع أحذيتهم، أو البقاء على مكاتبهم، فما أهمية ذلك؟


شكل ?-?: الطلاب يقرءون وهم جالسون على «العمة فاني».
في صباح أحد الأيام، بينما كنت أُوقِفُ طلابي عن القراءة بندائي المعتاد «آنساتي سادتي! فلتتوقفوا عن القراءة الآن»، لاحظت أن دانيال، الذي كان واحدًا من أصعب الطلاب فيما يتعلق بإبعاده عن الكتاب الذي يقرؤه، لم يَعُدْ إلى مكتبه. فذهبت لأبحث عنه، واكتشفت أنه قد حشر نفسه في أحد الأركان بين الأريكة وخزانة كتب؛ إنه ملاذ أنشأه لنفسه حيث يمكنه القراءة في سلام بعيدًا عن حركة الطلاب في الفصل.
يؤكد عدد لا حصر له من خبراء القراءة في كتبهم وورش عملهم على أهمية إعداد مكان مخصص للطلاب ليقرءوا فيه. ويجب وضع جميع السجاجيد الصغيرة والوسائد والمصابيح وخزانات الكتب ببراعة وتأنٍّ لإنشاء محراب للقراءة؛ لذا، فقد شعرت بالغضب بسبب القيود المكانية في فصلي، وبالإحباط لعدم تمكُّني من ترتيب الأثاث والطلاب في مكان أشبه بواحة للقراءة. لقد كنت أخذل الخبراء، وربما أيضًا الطلاب. ذكرت في إحدى المرات لرون، ناظر المدرسة، أنني أرغب بإخراج جميع المكاتب من الفصل وإدخال أرائك وطاولات قهوة مكانها لأحول فصلي إلى مكان أشبه بمتجر بارنز آند نوبل لبيع الكتب، فضحك وهز رأسه؛ لقد ظنَّ أنني أمزح …
مثلما أفعل عادةً عند مواجهتي نموذجًا مثاليًّا لا يمكنني تحقيقه، تراجعت لإعادة التفكير في الهدف الحقيقي من الرُّكن المخصص للقراءة. تهدف منطقة القراءة في الفصل المدرسي من وجهة نظري لتحقيق غايتين؛ ألا وهما: إظهار أهمية القراءة للطلاب عن طريق تخصيص مكان بارز لها في الفصل، ومنح الطلاب الظروف المريحة للقراءة من خلال عدم تقييدهم في مكان جلوس مفروض من إدارة المدرسة على مكاتبهم تحت الإضاءة القوية. هل يمكننا فعل ذلك دون البساط الكبير والمصابيح الأرضية؟ بالطبع، يمكننا.
هل جربت من قبل القراءة وجسمك معلق رأسًا على عقب في ألواح التعلق؟ دعنا نقُل إن هذه الطريقة لم تُفلح معي؛ فقد سقط الكتاب وفقدت الصفحة، حاولت الوصول إليه، فسقطت على رأسي. لم يكن تصرفًا ذكيًّا!
بريتاني
لم أَرَ من قبل طالبًا أصبح قارئًا لأنه تَمكَّن من الجلوس على مقعد مصنوع من كيس محشو بالفاصوليا الجافة. ما الذي نطمح في أن نحققه بتصميم غرفة معيشة يمكن للطلاب القراءة فيها؟ ألا نتحسر على أن الطلاب لا يقرءون في غرف المعيشة بمنازلهم؟ لذا، إذا كان لديك ركن هادئ للقراءة، فاستخدمه بأي وسيلة. إنني أدعم أي تصميم للفصل المدرسي يجعله أقل رسمية وأكثر جذبًا للطلاب، لكن لا تأسف إذا لم يكن لديك الموارد أو المكان اللازم لمنطقة مخصصة للقراءة؛ إذ يتسم القرَّاء بالبراعة وسعة الحيلة على نحو مذهل عندما يتعلق الأمر بالعثور على مكان للقراءة.
في مدينة نيويورك، رأيت رجلًا في مترو الأنفاق يتمسك بإحدى الحلقات الجلدية المعلقة بالعربة بيد، بينما يمسك بالكتاب الذي يقرؤه باليد الأخرى — لا حاجة لركن منعزل مريح للقراءة. وأتذكر دائمًا زوجي الذي يقرأ دائمًا الكتب في القطار بينما يردد الأغاني التي يستمع إليها في جهاز آي بود الخاص به ويتراقص على نغماتها. وهناك عدد من الطلاب الذين أدرِّس لهم كل عام يقرءون في أثناء سيرهم في الرواق (يبدو أن لديهم جهازَ تحديدِ مواقعَ داخليًّا يَحُول دون اصطدامهم بالأشياء من حولهم!) أو أثناء ركوبهم الحافلة، أو أثناء جلوسهم في غرفة طعام مزدحمة صاخبة. إن أجواء الفصل المشجعة على القراءة لا تنبع من الأثاث ومكانه بقدرِ ما تنبع من توقُّع المعلم القراءة من طلابه. وبقبولي لهذه الحقيقة، أعلم أن فصلي بالكامل يمثل ملاذًا للقراءة؛ حيث يمكن للطلاب القراءة كما يشاءون، وحيث لا تتطلب القراءة منطقة مخصصة لكي تحظى باهتمامنا كل يوم. يجب أن نوصِّل فكرة أن أي مكان يمكن أن يكون مناسبًا للقراءة، سواء أكان ذلك في مترو الأنفاق أم في ركن منعزل. يجب ألا ينتظر الطلاب الظروف المثالية للبدء في القراءة؛ فالوقت الآن، والمكان هنا.
أماكن غريبة للقراءة (بقلم طلاب فصل السيدة ميلر)
تحت الدُّش.
حوض استحمام فارغ.
تحت السرير.
متجر البقالة.
الخزانة.
سطح المنزل.
السلالم.
أعلى صندوق البريد المصنوع من الأحجار.
الأَسْوِجة النباتية والأشجار.
الترامبولين.
استخدام الكلب كوسادة.
في حقيبة سيارة مفتوحة.
(?) من فضلكم، ليلزم الجميع الهدوء (ربما باستثناء المعلمة)
أُصرُّ على التزام الهدوء خلال وقت ورشة عمل القراءة؛ وأعتقد أن السبب في ذلك هو أنني أحتاج إلى الهدوء لأقرأ بدوري، وأعلم كذلك أن عددًا لا بأس به من طلابي لا يمكنهم الاستغراق في قراءة أي كتاب دون وضع قيود على الضوضاء. منذ بضعة أعوام، وفي أثناء تجوُّلي في الفصل بحثًا عن طلاب يحتاجون لمساعدة في العثور على كتب، لاحظت أربعة صِبْية — جرانت، وتيان، وجويل، وبريت الذين أطلقتُ عليهم فيما بعد اسم «جماعة إيراجون» لاشتراكهم في حب كتاب كريستوفر باوليني (الذي أصبح الآن ثلاثية) — يتهامسون في رُكن قَصِيٍّ من الفصل؛ فصِحْتُ وأنا أسرع نحوهم قائلةً: «أيها الفِتْيانُ الجالسون في الخلف! من الأفضل أن يكون حديثكم عن الأدب!» كنت عازمة على إيقاف أي سلوك لا علاقة له بالقراءة، فرفع جرانت رأسه في خجل وقال لي: «نحن كذلك بالفعل!» مؤكِّدًا لي أنهم يؤدون المهمة المطلوبة منهم.
نظرًا للإحراج الذي شعرت به في ذلك الموقف، صِرت الآن في الغالب أمشي بجانب الطلاب المتهامسين لأحدد إن كانوا يتحدثون عن الكتب أم لا قبل أن أحاول إسكاتهم. إن بناء علاقة قائمة على الثقة مع الطلاب يكون أيسر عندما تتوقع منهم فعل الصواب بدلًا من أن تفترض عكس ذلك. وفي أثناء وقت القراءة المستقلة، يتشارك الطلاب الأكثر ثرثرةً ترشيحات الكتب أو يقرأ بعضهم لبعض أجزاءً مثيرةً من كتبهم. يكون لدى هؤلاء الطلاب كثير من الوقت للتحدث بعضهم مع بعض في أثناء اليوم، لكن ذلك الوقت يكون وقت حديثهم عن القراءة، ويستمتع هؤلاء الطلاب بفرصة الدردشة بعضهم مع بعض بشأن ما يقرءونه والاستفادة التي يحققونها من كتبهم.
وإحقاقًا للحق، على الأغلب أكون أنا الشخص الأكثر إثارةً للضوضاء في أثناء وقت ورشة عمل القراءة؛ فلست هادئة بطبعي، وأجد صعوبة في الهمس خلال الاجتماعات، وأشعر عادةً بالحماس الشديد تجاه الكتب التي أناقشها مع طلابي؛ ما يجعلني أطرح أسئلة بصوت مرتفع على بقية الفصل، مثل: «هل قرأ أحدكم رواية «تانجرين»؟ هل توصون بها لجوناثان؟ إنه يريد اقتراحًا برواية واقعية!»
إن فَرْض القيود على الحديث بين الطلاب في أثناء وقت القراءة المستقلة يؤكد للطلاب مدى أهمية احترام زملائهم الذين يحتاجون لبيئة هادئة للقراءة، لكنني أدرك أن هناك لحظات مشروعة للأحاديث الطبيعية التي تدعم القراءة أيضًا، حتى وإن كانت المعلمة هي التي تتحدث!
بينما كنت أسير بجوار طاولة ميشيل في صباح أحد الأيام، توقفت للتحدث معها عن الفيلم الذي سيُعرَض قريبًا «إنكهارت»، والذي يستند إلى أحد كتبنا المفضلة، وأكدت ميشيل على أن محبي ذلك الكتاب سيحبون مشاهدة الفيلم. وبدأنا في التحدث عن آمالنا بشأن الفيلم وأكثر الأجزاء التي نتطلع لرؤيتها على الشاشة من هذا العمل لكورنيليا فونكه الذي يتغنى بقوة الكتب. لم يتسبب حديثي الحماسي مع ميشيل في صرفها عن الكتاب الذي كانت تقرؤه فحسب، وإنما جذب إلينا أيضًا الطلاب الخمسة الذين كانوا يجلسون حولها. ويمكنني تبرير إلهاء الطلاب على هذا النحو لأنني أعلم أن التحدث عن الكتب ضروري لمجتمع القرَّاء، كما أن هذه المحادثات تنمي العلاقات بيني وبين الطلاب.
الفصل الرابع
حرية القراءة
إن أي كتاب يساعد الطفل على تنمية عادة القراءة؛ أيْ جَعْل القراءة من الاحتياجات الدائمة والعميقة بداخله، هو كتاب نافع له.
ريتشارد ماكينا
القراءة هي ما أفعله الآن، خاصةً عند شعوري بالملل. وأعرف أنني سأفعل ذلك. أعرف وحسب.
براندون
أقف أمام طلابي بالفصل، وقلم التأشير في يدي ولوح الكتابة في انتظاري. أدير مناقشةً مع طلابي الجدد حول كيفية اختيار القرَّاء لكتبهم بأنفسهم. وعلى الرغم من نوبة حماس اختيار الكتب التي شهدها الفصل في اليوم السابق، لم يتقبَّل طلابي بعدُ فكرةَ أن هذا الفصل سيكون مختلفًا، وأن اختياراتهم في القراءة وصراحتهم هما العاملان اللذان سيوجهان كل ما نفعله. يرفع الطلاب أيديهم للرد بالإجابات التي يظنون أنني أود سماعها:
«ألقي نظرة على الغلاف والعنوان.»
«أقرأ الملخص الموجود على ظهر الكتاب.»
نتوقف ونناقش الاختلافات بين الملخص، الذي يصف حبكة الكتاب بالتفصيل، بما في ذلك الحل؛ والنبذة التشويقية التي تمنحك لمحة عن الكتاب دون الكشف عن حبكته بالكامل؛ والتعريف بالكتاب الذي يوضح رأي أحد النقاد فيه. وبعد تناوُل هذا الموضوع الجانبي، يواصل الطلاب إخباري بكيفية اختيارهم لكتبهم، فيقولون أشياءَ من قبيل:
«أبحث عن كاتب قرأت له من قبل.»
«أحب قراءة السلاسل التي يمكنني متابعتها.»
«أحصل على ترشيحات من أختي؛ فقد كانت في الصف السادس العام الماضي.»
نضيف الأصدقاء وأفراد الأسرة وأمناء المكتبات والمعلمين إلى مجموعة الأشخاص الذين نحصل منهم على ترشيحات بالكتب التي يمكن قراءتها.
يقول طالب آخر: «أختار الكتب من واجهة متجر الكتب.»
أشك في أن معظم طلابي يختارون كتبهم من إحدى واجهات بارنز آند نوبل الأنيقة، وربما لم يسبق لبعضهم من قبل اختيار كتاب بأنفسهم. إنهم يجسون نبضي؛ فتعليقاتهم تبدو كالأسئلة، وينتظرون تأكيدًا على هذه الردود المتوقعة. وإذا قبلت بهذه الإجابات الجاهزة، التي يمكن حتى للطلاب الذين لم يقرءوا قط أن يقدموها، فسوف يعلمون أن حديثي الحماسي عن الصدق ليس سوى كلام بلا بأس من أن تعترفوا بذلك؛قيمة؛ لذا، فإنني أتحداهم بأسئلةٍ ما كانوا ليتوقعوا مني طرحها.
أنا المعلمة، وثمة جوانب لاختيار الكتب لا يعتقد هؤلاء الطلاب الجدد أن بإمكانهم الاعتراف أو النطق بها أمامي؛ لأنها تكشف عن عادات للقراءة يُنظَر لها على أنها عادات «خادعة» أو «ليست قراءة حقة». فسألتهم: «مَن اختار كتابًا لأنه قصير؟ مَن اختار كتابًا بالتحقق من طوله؟» بابتسامات مرتبكة، رفع معظم مَن في الفصل أيديهم (وأنا من بينهم). «هلموا يا أولاد! فأنا أفعل ذلك أيضًا. لا بأس من أن تعترفوا بذلك؛ ففي بعض الأحيان، لا أملك الطاقة أو الوقت اللازمين لقراءة كتاب طويل، لكنني أرغب في الوقت نفسه في قراءة شيءٍ ما.» نتناول هذا الموضوع الجانبي لعدة دقائق، نتناقش خلالها حول أفضل الكتب القصيرة التي سبق لنا قراءتها، ونضع قائمة بها أيضًا.
ومع إزالة هذا الحاجز، نناقش الأساليب التي يستخدمها الطلاب لقراءة الكتب ويمتنعون عن الاعتراف بها. لم يدرك الكثير من الطلاب — الذين لا يَعتبرون أنفسهم قرَّاءً جيدين — قبل هذه المناقشة أن «جميع» القرَّاء «يغشون».
لامَنِي أولياء الأمور وزملائي المعلمون لسماحي للطلاب بقراءة كتاب واحد أكثر من مرة. إن أعز الكتب على قلبي أقرؤها عدة مرات، وفي كل مرة أكتشف شيئًا مختلفًا فيها؛ فالكتب متعددة الطبقات، وقراءة واحدة لها لا تكفي، وهذا أمر لا يعلمه سوى القرَّاء الحقيقيِّين.
(تعليق من جو آن على منشور بمدونة «الهامسة بالكتب» بعنوان «كيفية القراءة على جهاز كيندل»، ?? ديسمبر ????.)
نضيف ما يلي لقائمة أساليب اختيار الكتب التي وضعناها:
«أحب قراءة بعض الكتب مرارًا وتكرارًا.»
«أقرأ الخاتمة أولًا، وإذا أعجبتني، أقرأ الكتاب كله.»
«أقرأ الفقرة الأولى، وإذا لم تُثِرِ اهتمامي، لا أكمل قراءة الكتاب.»
«أقرأ الكتب السهلة.»
«أقرأ كتب الخيال، وتحاول أمي دفعي لقراءة كتب أخرى، لكنني لا أحب كتبها.»
لقد أُثيرَ اهتمامُ الطلاب الآن، وصارت آراؤهم الخفية تتطاير من أفواههم من كل ركن من أركان الفصل. وبينما أحاول جاهدةً تدوين كل تعليقاتهم على لوح الكتابة، إذا بِبرايان يتمتم متذمرًا: «الكتب مملة.»
توقفتْ فجأة الضحكات والتعليقات المنطلقة من جميع أنحاء الفصل. يا للهول، هل من المفترض الاعتراف للمعلمة بأننا نرى الكتب مملة؟ يبتعد الطلاب عن برايان خوفًا من غضبي الحتمي الذي سيُصَبُّ عليه، وأخبرتني النظرات التي استرَقَها الطلاب ناحية برايان أن الحواجز لم تُزَل بالكامل بعد. نظر الطلاب إليَّ ليروا كيف سأتعامل مع تعليق برايان، وكان ما يلي.
استدرت ناحية برايان، مدركةً أن جميع الأطفال ينبغي أن يسمعوا ما سأقوله: «أنا سعيدة للغاية لأنك قلت ذلك! فبعض الكتب مملة بالفعل.» وأخبرتهم بتجاربي مع كتاب «مايفلاور» للكاتب ناثانيل فيلبريك، الذي قرأته مؤخرًا مع مجموعة القراءة التي أشترك فيها. «قرأت مائة صفحة من ذلك الكتاب، لكنني لم أندمج فيه رغم ذلك. لقد حاولت؛ فالجميع كان مهووسًا بذلك الكتاب الذي ضمَّته جميع قوائم «أفضل الكتب» لهذا العام، لكنني شعرت بالملل من الحروب الهندية والقوائم الطويلة للأشخاص والأماكن. فتركتُه في النهاية. وعندما ذهبت إلى نادي القراءة هذا الشهر، شعرت بالارتياح عندما اكتشفت أن بعض الأعضاء الآخرين في النادي انتابهم الشعور نفسه إزاء الكتاب!»
تعيد شهادتي فتح الباب مجددًا أمام التعليقات التي تنهال من الطلاب، فنبدأ مناقشةً حول ما يجب فعله عندما يكون الكتاب مملًّا، فأعطي لطلابي تصريحًا كاملًا بترك الكتب التي لا تثير اهتمامهم. إن القرَّاء يختارون ما يقرءونه، ويحددون متى يتوقفون عن قراءة كتابٍ ما إذا لم يَرْقَ إلى المستوى. لا أريد مطلقًا أن يشعر طلابي بأنهم متورطون في قراءة كتابٍ ما لمجرد أنهم شرعوا في قراءته. إن الإحاطة بالأنواع الأدبية ومستوى القراءة الأكثر ملاءمة للفرد تتطلب قراءة العديد من الكتب، ويتضمن ذلك بعض البدايات الخاطئة. «اسمعوا! ثمة كتاب آخر في انتظاركم دائمًا؛ فإذا كنت تقرأ كتابًا صعبًا أو مملًّا للغاية بحيث لا يمكنك الانتهاء منه، فاتركه، واحصل على كتاب آخر. المهم هو ألا تسمح لاختيار كتاب سيئ أن يعطل زخم القراءة لديك. إن القرَّاء يفعلون ذلك طوال الوقت، فلا تَشعر بأنك مضطر إلى قراءة كتابٍ ما لمجرد أنك شرعت في قراءته.»
تغني كورتني نسخة معدلة من أغنية «دوري» في فيلم والت ديزني «البحث عن نيمو»، قائلة: «فلْتُواصِلِ القراءة، وَاصِلِ القراءة!» يضحك الجميع، فأعرف حينئذٍ أن الطلاب بدءوا يسترخون.
سأل بونجاني: «ما الكتب التي سنقرؤها في الفصل هذا العام؟ لقد قرأنا «جوني تريمين» العام الماضي.»
تجاهلتُ همهمات التذمر الصادرة من الطلاب الآخرين الذين كانوا بلا شك في نفس الفصل مع بونجاني في الصف الخامس، وأجبتُ على سؤاله: «لا أعلم. ماذا تحبون أن تقرءوا؟ هل هناك كتب ينبغي أن يشترك الفصل بأكمله في قراءتها؟ ما الكتب التي تقترحونها؟ أَعْلِموني بالكتب التي قد تكون لديكم والتي ترون أننا سنستمتع بقراءتها في الفصل، ويمكننا إجراء مناقشة بشأنها. إن لديَّ بعض الكتب التي أحِبُّ قراءتها على فصولي بصوت عالٍ كل عام لأن الجميع يحبها، لكنني في الوقت نفسه كلي أذان مصغية لأفكاركم.»
أُومِن بضرورة تمكين الطلاب من اتخاذ أكبر قدر ممكن من خيارات الكتب، بما في ذلك الكتب التي نقرؤها معًا. إن فكرة مطالبة الطلاب بقراءة كتبهم المفضلة يصبُّ في مصلحة هدفي المتمثل في إثارة حماسهم للقراءة. ومن خلال تقدير آرائهم، حتى عن الكتب التي يشترك الفصل بأكمله في قراءتها، أجعلهم يدركون أن تفضيلاتهم مهمة بقدر أهمية تفضيلاتي.
بعد بضعة أيام، أقرأ على طلابي قائمة «حقوق القارئ» التي كتبها المؤلف الفرنسي دانيال بِناك. وهذه القائمة متاحة على الإنترنت في شكل ملصق يمكن تنزيله مع رسوم كوينتين بليك ذات الطابع المميز من خلال الرابط التالي: http://www.walker.co.uk/bookshelf/the-rights-of-the-reader-poster.aspx. لكن لا ريب أنك — بصفتك قارئًا — ستدرك هذه الحقوق بنفسك.
أود التحذير هنا من تعليق هذا الملصق في الفصل المدرسي؛ لأنه سيصبح مجرد ورقة حائط سيتوقف الطلاب عن رؤيتها بعد بضعة أشهر. على الرغم من أن كثيرًا من الدروس التي أُدرِّسُها عامًا تلو الآخر لا تتغير، فإنني أقاوم إغراء إعداد ملصقات لهذه الدروس وإعادة استخدامها بعد ذلك؛ وذلك لأنني لا أرغب بأن يعتقد الطلاب أن آراءهم ليست مبتكرة، أو أنه بإمكاني التنبؤ بما سيقولونه. إن كل فصل مختلف عن الآخر، ومن المهم أن يرى طلابي أفكارهم وكلماتهم — لا أفكار شخص آخر وكلماته — معلَّقة على جدران الفصل في صورة نصائح على جميع القرَّاء اتباعها؛ لذا، عليك أولًا بالتحاور مع طلابك بشأن عادات القراءة الخاصة بهم، ثم قَدِّم لهم قائمة الحقوق الخاص ببناك فيما بعد بوصفها تصديقًا على ما قالوه.
حقوق القارئ (بقلم دانيال بناك)
(?) الحق في عدم القراءة.
(?) الحق في تخطي الصفحات.
(?) الحق في عدم الانتهاء من القراءة.
(?) الحق في إعادة القراءة.
(?) الحق في قراءة أي شيء.
(?) الحق في الهرب من الواقع.
(?) الحق في القراءة في أي مكان.
(?) الحق في التصفح.
(?) الحق في القراءة بصوت مرتفع.
(??) الحق في عدم الدفاع عن الذوق.
(المصدر: بناك، ????.)
(?) خطط القراءة
بالإضافة إلى إعادة قراءة الكتب المفضلة، واختلاس الوقت للقراءة، وترك الكتب غير المثيرة للاهتمام؛ يتطلع القرَّاء دومًا إلى كتابهم التالي. صارت قراءة الكتب الحائزة على ميدالية نيوبري كل عام جزءًا من خطة القراءة الخاصة بي منذ أن كنت في الصف الرابع. أما الآن، فأقرأ بنهمٍ القوائمَ والمراجعات النقدية بمجلة «بوكليست» وموقع أمازون الإلكتروني. وعندما أدركت أنني ملأتُ ظهر كل دفاتر الشيكات والإيصالات الموجودة في محفظتي بعناوين الكتب وأسماء المؤلفين — التي أسجلها دائمًا في أثناء المحادثات مع أصدقائي القرَّاء — بدأتُ أحتفظ بدفتر يوميات في حقيبة يدي. أَستخدم دفترًا جديدًا كل عام، وأسجل على عجلٍ كلَّ الترشيحات التي أحصل عليها، ثم أستخدم هذه الملاحظات عند شرائي الكتب أو ذهابي إلى المكتبة. والدفتر الذي اشتريتُه هذا العام مفكرة مولسكين حجمها ثلاث في خمس بوصات يمكن حملها في الجيب، والورق الخالي من الأحماض في هذا الدفتر يحمي قوائم الكتب الخاصة بي من التلطخ والبَهَت، هذا فضلًا عن أن استخدام نوع دفتر اليوميات نفسه الذي يُفتَرَض أن هيمنجواي كان يستخدمه يجعلني أشعر أنني مثقفة.
ثمة خزانة كتب كاملة في غرفة معيشتي مملوءة بالكتب التي أخطط لقراءتها؛ وهي كتب اقترضتها، أو استعرتها من المكتبة، أو اشتريتها. وهذا الكم الهائل من الكتب، الذي يُشار إليه على سبيل المزاح باسم «جبل ميلر»، لا يتضاءل حجمه مطلقًا، ويضمن لي عدم نفاد الكتب لديَّ. وهذه الكومة الهائلة تكون في كثير من الأحيان العذر الذي أسامح من أجله الطلاب عندما لا أسترد منهم أي كتاب يقترضونه في الوقت المحدد لذلك، لكنها تذكِّرهم كذلك بأنني أخطط دائمًا لقراءة كتاب آخر.
نظرًا لعدم اعتياد الطلاب في البداية على اختيار ما سيقرءونه بأنفسهم، لا يضع عدد كبير من الطلاب — لا سيما مَن لا يَعتبرون أنفسهم قرَّاءً — خططًا للقراءة المستقبلية؛ ففي المدرسة، يملي عليهم المعلم ما سيقرءونه من كتب وتوقيت قراءتها. ولا يتمتع هؤلاء الطلاب بقدر كبير من المعرفة بشأن أنواع الكتب المتاحة، فضلًا عن عدم امتلاكهم كثيرًا من الخبرات الإيجابية مع الكتب التي قد تدل على اختياراتهم في القراءة. إنهم بحاجة لنقطة انطلاق يبدءون منها؛ لذا، فإنني أوضِّح لطلابي المنهجية الذي سيتبعونها في القراءة في فصلي؛ وذلك لأقدم لهم دعامة تساعدهم على وضع خططهم الخاصة.
(?) فروض القراءة: لماذا أربعون كتابًا؟
إن مطالبتي الطلاب بقراءة أربعين كتابًا قد تبدو صادمة في نظر أي طالب لم يقرأ أكثر من كتاب أو كتابين في العام، لكن هذا الفرض الثقيل يَحُول دون تفاوُضِ الطلاب معي بشأنِ إن كانوا سيقرءون كثيرًا؛ فأي معلم يتوقع من الطلاب قراءة أربعين كتابًا لن يقبل بكتاب واحد أو كتابين! وإذا توقعت عددًا أقل من الكتب، فسوف يقرءون أقل، أو سيؤجلون بدء القراءة إلى وقت لاحق من العام.
إن عشرة كتب أو عشرين كتابًا ليست كافية لغرس حب القراءة في نفوس الطلاب، فلا بد أن يختاروا ويقرءوا كثيرًا من الكتب بأنفسهم ليكتسبوا الحماس للقراءة. وبوضع مطلبٍ بهذه الدرجة من الصعوبة، أضمن استمرار الطلاب في القراءة. فمن دون الحاجة لقراءة كتاب كل يوم للوفاء بالمطلب الذي وضعته، سيقرأ الطلاب أقل قدر ممكن من الكتب، وقد لا يكتسبون عادات القراءة المستقلة إذا طالبتهم بفرض يتوقع منهم قدرًا أقل من القراءة. وما يجعلني أعلم أن هذا الأسلوب ناجح هو أنه ما من طالب لديَّ استكمل قراءة الأربعين كتابًا وتوقف عند هذا الحد؛ إذ يواصل الطلاب القراءة حتى بعد تلبيتهم للمطلب.
يفتقر بعض الطلاب إلى الثقة في قدرتهم على تحقيق هذا الهدف، لكنني أطمئنهم بأن باستطاعتهم فعل ذلك. أشجعهم وأدعمهم، لكن بحزم، قائلةً لهم: «لنخترْ كتابًا ونبدأ. كثير من الطلاب، القرَّاء باختلاف أنواعهم، فعلوا ذلك. وأنا أعلم أن بإمكانكم أنتم أيضًا فعل ذلك.» وعلى مدار الأعوام، شهدت طلابًا يقرءون عددًا هائلًا من الكتب، وأعلم أن فرض القراءة الذي أكلفهم به لا يصبح مشكلة لمعظمهم في النهاية. تتذكر بريتاني ما حقَّقَتْه من إنجازات خلال العام، فتقول: «عندما علمت أنه ينبغي علينا قراءة أربعين كتابًا هذا العام، طار عقلي شَعَاعًا؛ فما كنت قد قرأت سوى كتابين فقط العام السابق. وشعرت بأني سأفقد وعيي. لكنني حين بدأت أتحسس طريقي عبر هذه الفروض، أدركت تدريجيًّا مدى ما أتمتع به من قدرة على القراءة.»
أعتقد أن فروض القراءة أمرٌ مفهومٌ تمامًا؛ لأنه إذا لم يكن لدينا فرضٌ مكلفون به، فسيقرأ مَن هم مثلي كتابًا واحدًا فقط على مدار العام.
جون
وعندما يسألني طلابي عما سيحدث لهم إذا لم يقرءوا أربعين كتابًا، أردُّ عليهم بإجابات مبهمة؛ فالفشل ليس خيارًا، لِمَ الحديث عنه إذن؟ أعتقد أنه من المروِّع أن تقتصر فكرة الطلاب عن القراءة على كونها فعلًا لا يستحق القيام به إلا للنجاح في المادة. في الواقع، ليست هناك عواقب سلبية لعدم بلوغ هذا الهدف؛ ففي النهاية، إذا قرأ الطالب اثنين وعشرين كتابًا في العام الدراسي (وهو أقل عدد سبق أن قرأه أيٌّ من طلابي على الإطلاق)، فمَن يمكنه الاعتراض على ذلك؟
على مدار الأعوام، صار فرض القراءة الذي أُكلِّف به فصلي مزيجًا من الألوان الأدبية المقترحة من كتاب «إرشاد القرَّاء والكتَّاب (من الصف الثالث إلى السادس)» عن ورش عمل القراءة لفاونتس وبينيل الذي أعتمد عليه في التدريس؛ وأهداف منهج الدراسات الاجتماعية ودراسات آداب اللغة للصف السادس بولاية تكساس؛ وأنواع الكتب التي لاحظتُ أن طلابي يحبون قراءتها.
يختار طلابي من بين مجموعة متنوعة من المواد، وفي ذلك الشعر والأدب الروائي والواقعي. وكتبُ المقتطفات الشعرية، ونصوص الأدب غير الروائي (مثل التراجم والنصوص غير المعلوماتية)، والاختيارات الأدبية الكلاسيكية (مثل الأساطير والحكايات الشعبية والخرافات)؛ تقل بوجهٍ عام عن مائة صفحة. أما كتب الأدب الروائي (مثل الفانتازيا، والخيال العلمي، والروايات التاريخية، والروايات الواقعية) فتكون بالطول المعهود للكتب المقسمة لفصول. أحدِّد عددًا معينًا من الكتب التي ينبغي على الطلاب قراءتها في كل لون أدبي، لكنني أسمح لهم أيضًا باختيار تسعة كتب من أي لون لاستكمال الأربعين كتابًا. وعدد الكتب المحدد لكل نوع قابل للتغيير، بل إنني في الواقع أغيِّره من عام لآخر؛ فعندما طلب مني طلابي إدراج فئة لكتب الألغاز والتشويق، فعلتُ. وعندما وَضَعَ منهجُ المنطقة التعليمية توجيهاتٍ إرشاديةً تقضي بإدراج وحدة للشعر، أضفتُ مزيدًا من الكتب لفروض قراءة الشعر التي أكلِّف طلابي بها.
الأربعون كتابًا المكلَّف بقراءتها
المقتطفات الشعرية (?).
الأدب الشعبي (?).
الروايات الواقعية (?).
الروايات التاريخية (?).
الفانتازيا (?).
الخيال العلمي (?).
الألغاز والتشويق (?).
كتب المعلومات (?)
التراجم، والسِّيَر الذاتية، والمذكرات (?).
خيارات الكتب المقسمة إلى فصول (?).
يُعرِّض فرضُ القراءة الطلابَ لمجموعة متنوعة من الكتب والأنواع الأدبية؛ بحيث يمكنهم استكشاف الكتب التي قد لا يقرءونها عادةً، وتطوير فهمهم للعناصر الأدبية، والملامح النصية، وبِنى النصوص لمعظم الكتب. علاوةً على ذلك، يمكِّنني النطاقُ الواسعُ من الألوان الأدبية من إعداد خطتي للتدريس على نحو يتوافق مع تعليمات المنطقة التعليمية ومعايير الولاية، مع منح طلابي الفرصة في الوقت نفسه لاختيار كتبهم بأنفسهم من أجل إنجاز التكليفات التي هي في الأساس جزء من المنهج. ويمكن للطلاب استخدام مجموعة كبيرة متنوعة من الكتب للوصول إلى الموضوعات والمفاهيم الشاملة التي من المتوقَّع منهم تعلُّمها. وبوصفي معلمة لآداب اللغة والدراسات الاجتماعية، أُفضِّل دمج هذه الموضوعات عن طريق تضمين أنشطة القراءة والكتابة في منهج ثقافات العالم الخاص بالصف السادس بولاية تكساس.
يعجبني أنني مُلزَمة بقراءة مجموعة متنوعة من الكتب؛ لأنني ما كنت لأفعل ذلك لولا هذا الإلزام.
راشيل
لكلِّ منطقةٍ نَدْرُسها، أجمع كتبًا عن تاريخ هذا الجزء من العالم وشعبه وأدبه؛ على سبيل المثال، عندما ندرس تاريخ أوروبا وثقافتها، يقرأ الطلاب الحكايات الشعبية والقصص الخيالية للأخوين جريم وشارل بيرو وهانز كريستيان آندرسن. ويجرِّب الطلاب كتابة الأدب الشعبي عن طريق محاكاة أفكار الأعمال الكلاسيكية التي نقرؤها وموضوعاتها. وعندما نستكشف ثقافة اليابان، نقرأ ونكتب شعر الهايكو.
لقد تعلمتُ أن الطلاب يتعطشون إلى مزيدٍ من المعلومات، إذا بادرنا بتقديم هذه المعلومات لهم، متجاوزين ما يقدمه لهم كتاب الدراسات الاجتماعية المدرسي. ولهذا الغرض، أرصُّ مجموعات من النصوص الإقليمية على حامل أقلام التأشير الموجود تحت السبورات البيضاء في الفصل؛ مما يتيح للطلاب فرصة إضافية للقراءة عن الثقافات الإقليمية والبحث فيها، والانغماس في الأدب الإقليمي. كذلك، يشجع ذلك الطلابَ على استكشاف اهتماماتهم الثقافية الخاصة ومتابعتها، ويرتد ذلك كله إلى مناقشتنا في مادة الدراسات الاجتماعية؛ مما يؤدي إلى مزيدٍ من الاستفسارات.
(?-?) الغاية هي القراءة، لا الفروض
أسفرت مطالبة طلابي بقراءة عدد معين من الكتب عن بعض التحديات غير المتوقعة؛ ففي أول عام وضعتُ فيه هذا الهدف الخاص بالقراءة، لاحظتُ أن القرَّاء الناشئين والخاملين اختاروا أقصر الكتب التي يمكنهم العثور عليها لتحقيق هذا الهدف. كما مثَّل توقُّع هذا العدد الكبير من الكتب مشكلةً أيضًا للقرَّاء السريين؛ فكيف سيمكنهم قراءة أربعين كتابًا بينما أقرب الكتب إلى قلوبهم هي المجلدات الملحمية ذات العدد المذهل من الصفحات؟ فتوصلتُ إلى حل لهذه المشكلة بأن سمحتُ للطلاب بحساب أيِّ كتاب يزيد عدد صفحاته عن ??? صفحة باعتباره كتابين فيما يتعلق بتحقيق هدف قراءة الأربعين كتابًا. ويَحُول ذلك دون اختيار الطلاب للكتب لمجرد أنها قصيرة، ويأخذ في الاعتبار تفضيلات الطلاب الذين يحبون قراءة المجلدات الكبيرة، ويمنحهم جميعًا الحرية في قراءة أي كتب يريدونها، سواء أكانت قصيرة أم طويلة.
يتذكر بونجاني ردَّ فعلِه عندما سمع أنه ينبغي عليه قراءة هذا العدد الهائل من الكتب، فيقول: «عندما قُلْتِ أربعين كتابًا، توقَّفَ قلبي وفقدتُ الوعي لعدة ثوانٍ، ثم خطرت ببالي فكرة؛ أربعون كتابًا من كتب دكتور سوس لمدة أربعين يومًا! لكن عندما أخبرتِنا بشروط أنواع الكتب، قلتُ على الفور: «سأفجر هذا الفصل!»»
في أثناء اجتماعي مع بول، اعترف لِي بأنه بدأ العام الدراسي باختيار أقصر كتب يمكنه العثور عليها من كل نوع حتى يتمكن من تحقيق أهداف المادة، لكنه توقف عن فعل ذلك. وعندما سألته عن السبب وراء هذا التغيير، قال لي إنه كان قد قرأ بالفعل سبعة عشر كتابًا بعد أول تسعة أسابيع من الدراسة، وأدرك أنه سيحقق هدف الأربعين كتابًا بحلول شهر يونيو. وأضاف قائلًا: «سوف أقرأ أي شيء أرغب في قراءته، وأدع الأمور تأخذ مجرياتها.» يوضح لي ذلك أن بول اكتسب ثقةً في قدرته على القراءة. لم يكن يعتقد أن بإمكانه تحقيق الهدف؛ لأنه لم يُمنَح من قبلُ قطُّ حريةَ اختيار كتبه بنفسه أو الوقت الطويل اللازم لقراءتها، ولم يسبق لأيٍّ من معلميه أن تَوقَّع منه هذا التوقع العالي المستوى. أسابيع قليلة في فصلي غيَّرَت وجهة نظر بول عن نفسه كقارئ، وعما يمكنه تحقيقه.
أدركت هذا العام أن بإمكاني الاستمتاع حقًّا بالأدب الواقعي! اعتدت قراءة كتب الفانتازيا فحسب، لكنني صرت الآن أقرأ كثيرًا من الأنواع الأخرى.
أليكس
هل ينجح دائمًا توقُّع قراءة كل طالب للألوان الأدبية المحددة في فروض القراءة؟ لا، لا ينجح؛ ففي كل عام، يكون في فصلي طلاب مرتبطون للغاية بالألوان الأدبية التي يحبونها؛ ما يجعلهم في الواقع لا يؤدون فروض القراءة في الأنواع الأدبية المحددة. في أحد الأعوام، قرأ تومي — وهو محب مخلص لكتب الخيال — خمسة وستين كتابًا في الفانتازيا والخيال العلمي، لكنه تجنب أغلب الأنواع الأخرى من الكتب؛ فكانت هويته كقارئ قوية، شأنه شأن راندي. كان يعلم ما يحبه، واستمتع بحُرية قراءة أي شيء يريده. حاولت إغراءه بقراءة كتب أخرى، لكن في حالة عدم إظهاره أي اهتمام على الإطلاق، لم أكن أمارس أي ضغط عليه. فأدركت الأمر هذه المرة، وتركته يقرأ ما يرغب في قراءته. فهل من أحد يمكن أن يشكِّك في أن تومي قارئ لأنه لم يكمل قراءة كل الأنواع الأدبية التي ألزمتهم بقراءتها؟
أحب أن يكون لديَّ نطاق واسع من الاختيارات لأنني قارئة انتقائية للغاية ولا يمكنني إرغام نفسي على قراءة كتاب لا أحبه. وأُفضِّل اختيار الكتاب الذي سأقرؤه على أن أُكلَّف بقراءة كتاب محدد!
مولي
إن التوسع في مجالات القراءة يوسِّع من معرفة القارئ بمجموعة متنوعة من النصوص، لكن هناك فوائد أيضًا للتعمق في قراءة لون أدبي واحد فقط؛ فحديثي مع تومي لمدة دقيقتين كشف لي عن عمق المعرفة التي اكتسبها عن الحصون والأسلحة والأساطير وتاريخ العصور الوسطى من كل كتب الفانتازيا التي قرأها، هذا فضلًا عن فهمه للأفكار الأدبية المعقدة، مثل الأسلوب والرمز والنماذج للشخصيات فور أن شرحتُها للفصل؛ نظرًا لاكتشافه عديدًا من الأمثلة لهذه الأفكار بالفعل من الكتب التي يقرؤها.
(?-?) التواصل مع الطلاب بكل مستوياتهم
لم تنجز ماديسون أيضًا فروض القراءة المكلفة بها. لم تكن قارئة متحمسة أو سريعة عند انضمامها للفصل، ولم تجد متعةً كبيرةً في القراءة، لكن مع التشجيع وكثير من الترشيحات من زملائها ومني، قرأتْ ستة وعشرين كتابًا في الصف السادس؛ وبذلك قرأتْ ذلك العام عددًا من الكتب يفوق إجمالي الكتب التي قرأتْها بنفسها منذ دخولها إلى المدرسة، مما يعد إنجازًا مذهلًا. وقد عكست تفضيلات ماديسون في الكتب الموضوعات المفضلة لديها؛ فاستمتعت بقراءة الروايات الواقعية التي تتناول مشكلات المراهقين، مثل الشعبية والمواعدة. وإذا اختفى مجتمع القرَّاء الذي يقدِّم لها الدعم، أو انعدم توقُّع مواظبتها على القراءة يوميًّا، فلن تقرأ ماديسون بهذا القدر على الأرجح بعد ذلك.
يقرأ الطلاب الذين يستمتعون بالجوانب الاجتماعية للمدرسة — مثل ماديسون — عندما تكون القراءة لازمة للمشاركة في ثقافة الفصل، لكنهم قد لا يفعلون ذلك في حال تغيُّر المناخ العام للفصل. وهذه النقطة مرتبطة تحديدًا بالمدرسة الإعدادية، التي يرتبط فيها سلوك الطلاب بالأمور التي تحظى بتقدير أقرانهم. كانت ماديسون تقرأ لأن جميع أصدقائها في الفصل فعلوا ذلك؛ لذا، يجب عدم الاستهانة بضغطِ الأقران والحاجةِ للانتماء التي يخضع لها جميع المراهقين؛ بوصفهما قوة شديدة الأثر في تحفيز الطلاب على القراءة. لقد رأيتُ الكثير من الطلاب ينتقون كتابًا ما لأن أحد أصدقائهم رشَّحه لهم، وما كانوا ليختاروه لولا ذلك.
أرفض سحب السلطة من الطلاب فيما يتعلق باختيار ما يقرءونه، حتى وإن كانوا لا يرغبون بها. ولنأخذْ براندون مثالًا على ذلك؛ ففي أول يومين بالدراسة، انهار براندون وأخبرني بأنه لن يتمكن مطلقًا من قراءة جميع الكتب التي توقعتُ منه قراءتها لأنه يكره القراءة وليس قارئًا جيدًا. اختار على مضض كتاب «أمنيات جيدة» بقلم فراني بيلينجزلي لإعجابه بفتاة في الفصل كانت تقرأ هذا الكتاب. ما كنت لأرشح قطُّ هذا الكتاب لصبي نشط ورياضي مثل براندون؛ إذ بدا أنه كتاب يثير اهتمام الفتيات الحالمات المحبات للخيال. وكما هو متوقع، عانى براندون في قراءته للكتاب التي استمرت نحو شهر. في البداية، سألتُه في سعادة عن حاله مع الكتاب، فكان يتمتم بأنه على ما يرام. لكنني عرفتُ أنه لم يكن معجبًا بالكتاب، ولم يكن يركز في قراءته.
تَرَجَّيْتُ براندون أن يترك الكتاب ويختار كتابًا آخر، لكنني أدركت أن هذا بالضبط ما كان براندون يحاول تجنبه؛ فتَرْك كتاب «أمنيات جيدة» يعني أنه سيضطر لاختيار كتاب آخر، وهو لم يُرِدْ كتابًا آخر، بل إنه لم يُرِدْ أي كتاب على الإطلاق. أعتقد أن براندون تمنَّى أن أستسلم، لكنه استهان بي وبنفسه، وأنا موقنة بأنه تمكَّن من إرهاق المعلمين الذين مروا عليه قبلي، وتَجنَّبَ مسألة القراءة برمتها.
تَمثَّل تكتيكي الجديد في أن أعطي له أكوامًا من الكتب التي قد يستمتع بها على نحو أكبر؛ وهي الكتب التي تدور حول صبية يخوضون مغامرات، وكل ما فعلته هو أن جعلته يتعامل مع الكتب، أكوام وأكوام منها. ظللنا نتحدث عن الكتب في كل اجتماع، لكننا صرنا نتحدث عن الكتب التي قد يقرؤها براندون، لا الكتاب الذي لم يكن يقرؤه آنذاك. وأخيرًا، استسلم براندون ذات يوم، واختار كتاب «البلطة» بقلم جاري بولسن. قرأ براندون النصف الأول من ذلك الكتاب على مضض، لكنه أحبه وقرأ آخر خمسين صفحة منه سريعًا. وأعلن لي مفتخرًا أنه كان في الفصل الأخير من الكتاب، ثم سألني: «هل لديكِ أي كتب أخرى من نوعية «البلطة»؟» وهو الآن يقرأ بِنَهَمٍ جميعَ قصص برايان (ونشكر لجاري بولسن إنتاجه الغزير!) ويخطط لرحلات تخييم مع أسرته؛ الأمر الذي ألهمه بولسن بفعله.
برفضي تولِّي مسئولية قراءة براندون أو عدم قراءته، أجبرتُه على توليها؛ فقد كانت القراءة في السابق عملًا يسيطر عليه المعلم نيابةً عنه؛ ومن ثم كان براندون يرى أن فشله في القراءة لم يكن خطأه.
إن هدفي مع جميع الطلاب هو دَفْعُهم إلى اكتشاف أنهم قرَّاء، لكن بعضهم يلقى صعوبات في التحول من أشخاص لا يقرءون إلى أشخاص كثيري القراءة في عام دراسي واحد؛ لذا، من المهم الاحتفال بالإنجازات المهمة مع الطلاب، والتركيز على نجاحاتهم في القراءة، لا فشلهم في إنجاز الفروض المكلفين بها؛ فالتركيز على هذا الفشل لا يؤدي إلا إلى تثبيط همم الطلاب. لذا، فأنا — بدلًا من ذلك — أشجعهم وأطرح عليهم أسئلة من قبيل: «هل قرأتم أكثر مما توقعتم من أنفسكم قراءته؟» «كم عدد الكتب التي قرأتموها العام الماضي؟» «يا للروعة، انظروا عدد الكتب التي قرأتموها هذا العام! هل قرأتم كتبًا استمتعتم بها؟» «ما الذي أثار دهشتكم في ذلك الشأن؟» وعندما يخبرني طالب بأنه لم يقرأ سوى كتاب واحد طوال حياته، لكنه قرأ هذا العام ثلاثة وعشرين كتابًا بحلول شهر مارس، فكيف لي أن أفعل أي شيء سوى الاحتفاء به وتشجيعه؟
(?) إقرار خيارات القراءة
من الملامح الأخرى المميزة للقرَّاء أننا نقرأ من أجل التهرب من الواقع فقط أحيانًا؛ فكم من القرَّاء المراهقين يقرءون كتبًا يعتبرها البالغون محدودة الفائدة في نظام القراءة الخاص بهم؟ ليس عليَّ سوى إلقاء نظرة على ما يقرؤه طلابي لأعرف كل ما أريد معرفته؛ أندرو — ذلك القارئ غير النهم — مستغرق حاليًّا في قراءة سلسلة كتب تتبع نفس الخط القصصي للعبة الفيديو المفضلة لديه، هالو؛ وبرايس يقرأ مقتطفات أدبية مختارة من قصص «حرب النجوم» المجمعة؛ ولورين وباتي لا تملَّان من قراءة كتب المانجا المصورة اليابانية؛ أما تيفاني، فترشِّح كتاب الألغاز والتشويق «الوجه المرسوم على علبة اللبن» لجميع أصدقائها. ما من كتاب من هذه الكتب يمكن أن يظهر في قائمة أفضل الكتب للقرَّاء الصغار، لكن طلابي أحبوا قراءتها. وبغضِّ النظر عن الكتب التي أحاول تقديمها لطلابي عن طريق مكتبة الفصل أو أرشحها لهم، لا بد أن أُقرَّ أيضًا ببعض من خياراتهم التي لا ترتقي إلى مستوى الثقافة الرفيعة في مواد القراءة.
إن الكتب التي تُقرأ على نطاق واسع ليست دائمًا الكتب التي يكتبها المؤلفون الأكثر حظوة بالاحترام أو الكتب التي تحصل على أفضل المراجعات النقدية. وبالمثل، كثيرٌ من الكتب التي توصَف بأنها أعمال ذات قيمة أدبية عظيمة لا يقرؤها الكثير من القرَّاء. ويتجول القرَّاء في هذين العالمين؛ عالم الفن الراقي وعالم الثقافة الشعبية. أعتقد أن كل أمريكي يجب أن يقرأ رواية «أن تقتل طائرًا بريئًا» الحاصلة على جائزة بوليتزر، لكنني أعتقد كذلك أنهم يجب أن يقرءوا رواية «البريق» لستيفن كينج، التي تحظى بقاعدة عريضة من المعجبين المخلصين. والكتب التي أختارها للقراءة مع الطلاب أو لاستخدامها في التدريس أو لأعرضها في مكتبتي قد تختلف عن الكتب التي أودُّ من كل قلبي أن يقرأها الطلاب؛ فمن خلال السماح للطلاب بقراءة ما يودون قراءته وتشجيعهم على ذلك، أُظهر إقراري لثقافتهم واهتماماتهم، الأمر الذي لا نفعله بما يكفي في المدارس.
تذكرنا كلمات لوسي كالكين في كتابها «فن تعليم الكتابة» بأنه: «ستفتقر ورش العمل التي نعقدها إلى الحيوية والأهمية، إذا جلس الطلاب خلالها غير مشاركين وشاعرين بالملل، منتظرين رنين جرس انتهاء وقت الورشة وبدء الحياة من جديد.» يفقد المعلمون مصداقيتهم مع الطلاب عندما يتجاهلون التوجهات والمسائل الثقافية التي تهم هؤلاء الطلاب، ويخططون لدروس القراءة في الفصل بناءً على الكتب «التي تنال إعجابهم الشخصي». يكنُّ المعلمون قدرًا معينًا من الاحتقار تجاه الروايات الشعبية الموجهة للأطفال؛ لأن بعض هذه الكتب لا تثري العقول، لكنني على يقين من أن بعض هؤلاء المعلمين يقرءون عند عودتهم إلى منازلهم كتبًا يتهربون بها من واقعهم، مثل «إدمان التسوُّق» أو إحدى قصص التشويق لجيمس باترسون، ولا يربطون مطلقًا بين الأمرين. هل ندرِّس للكتب أم للقرَّاء؟ إنني أُفضِّل أن يقرأ طلابي كتبًا مُختَلَفًا على قيمتها الأدبية على ألا يقرءوا على الإطلاق؛ فبمجرد أن يعثر الطلاب على كتاب واحد على الأقل يثير إعجابهم ويحصلون على الموافقة على قراءة كتب من اختيارهم، يصبح من اليسير توجيههم للكتب التي يقترحها المعلم.
على سبيل المثال، لم تكن ماري قارئةً نَهِمة عند التحاقها بفصلي؛ فلم يسبق لها سوى قراءة كتاب واحد فقط استمتعتْ به للغاية، وهو كتاب «يوم أن جُنَّت مؤخرتي» بقلم آندي جريفيث. هذا الكتاب، الذي يُعَد الأول في سلسلة مكوَّنة من ثلاثة كتب، يتناول قصة مراهق من بلدة صغيرة تكشف مؤخرته ومؤخرات أهل المدينة الآخرين عن كونها سلالة من الكائنات الفضائية التي تنوي السيطرة على العالم. نعم، فهم من كوكب أورانوس! رشحت ماري الكتاب لي، وعرضتْ أن تقرضني نسختها التي قرأتها كثيرًا، فخلعتُ عباءة المعلمة، وتعاملتُ مع الموضوع بصفتي قارئة، وفعلت ما يفعله القرَّاء عندما يرشح لهم شخصٌ ما كتابًا بهذا القدر من الحماس؛ فأخذتُ الكتاب وقرأتُه، ووجدتُ أنه إذا كان الكتاب — بما يحتويه من دعابات قبيحة عن الجسد وتوريات بغيضة وتسلسل أحداث فاضح — قد أضاف شيئًا لحصيلة ماري اللغوية، فستكون هذه الإضافة على الأرجح كلمات ليست بحاجة إلى معرفتها.
المهم حقًّا في الأمر هو أن ذلك الكتاب كان يعني كل شيء لماري؛ مما جعلني أقرؤه وظللنا نضحك عليه معًا طوال العام. ونظرًا لثقتي بماري كقارئة وإقراري بذلك، وَثِقتْ هي بدورها في نفسها. ومنذ ذلك الحين، قبلتْ كثيرًا مما رشحتُه لها من مواد للقراءة، فتحولت إلى قراءة روايات أكثر تعقيدًا، وصارت تحب الروايات التاريخية. وعندما حان وقت انتقالها من فصلي، كان كتابها المفضل على الإطلاق هو رواية «فتاة في الملابس الزرقاء» بقلم آن رينالدي — التي تتناول قصة فتاة تتنكر في زي فتًى لتشارك في الحرب الأهلية. كثيرٌ من الطلاب الذين يبدءون بقراءة كتب من نوعية «يوم أن جُنَّت مؤخرتي» لأنهم قرَّاء غير ناضجين، لا يتمتعون بخبرة كبيرة في اختيار الكتب بأنفسهم، أو لم يحصلوا على الإرشاد الكافي، ويوسِّع معظم هؤلاء الطلاب نطاق قائمة الكتب خاصتهم بدعمٍ من قارئ أكثر خبرة، وهنا يأتي دور المعلم؛ فما ينبغي علينا فعله هو منح الطلاب موافقتنا عندما يختارون ما سيقرءونه بأنفسهم، بغضِّ النظر عن الكتب التي يختارونها؛ لأن هذا أفضل كثيرًا من اتخاذهم قرارًا بعدم القراءة على الإطلاق.
وأعتقد أن السماح للطلاب — ولا سيما الصِّبْية — بقراءة الكتب المستفزة، أو التي تكاد تكون غير ملائمة — مثل كتابَي روبرت كورمير المثيرَين للجدل «حرب الشوكولاتة» و«متجر الخردة»، أو كتاب كريستوفر بول كورتيس الصادم «القضاء على سارج» — يعد محفزًا لهم. فما يجذب الصِّبْية بالمدرسة الإعدادية والثانوية لموضوعات أفلام وألعاب فيديو معينة، والصور الدقيقة، والمشاهد الإيحائية، والأسلوب التخريبي؛ يمكن العثور عليه في كتب الشباب، لكنهم يجهلون ذلك. في أحد الأعوام، تداولتْ مجموعة كبيرة من الصِّبية كتاب «حرب الشوكولاتة» فيما بينهم لإيمانهم بأنه ما من كتاب يمكنه تناول مسألة التنمُّر وتجربة صبي مراهق بمثل هذا الأسلوب الصريح والصادق.
يزدري المعلمون وأولياء الأمور على الأغلب أكثرَ نوع من القراءة يستمتع به الصِّبية؛ مَن يهتم بما إذا أراد هؤلاء الصِّبية قراءة كتاب يحتوي على نكات عن دورات المياه أو يتناول حوادث اصطدام السيارات؟ لماذا يجب على هؤلاء الصِّبية القراءة إذا لم يتمكنوا مطلقًا من العثور على اهتماماتهم أو الشخصيات التي يشعرون بترابط بينهم وبينها في الكتب التي يوجههم الكبار لقراءتها؟ لذا، فإنني أرغب في أن أوضِّح للصبية في فصلي أن بإمكانهم العثور على أنفسهم في الكتب، وجَعْل القراءة سبيلًا للسعي وراء الموضوعات التي تستحوذ على اهتمامهم.
(?) التعريف بالمؤلفين عن طريق القراءة بصوت مرتفع
أُدرِّس لطلاب الصف السادس؛ لذا فإن الكثير من الكتب التي أقرؤها لهم بصوت مرتفع مرتبطة بهذه السن تحديدًا وبمخاوفهم بشأن الانتقال إلى المدرسة الإعدادية. وأول كتاب أقرؤه بصوت مرتفع كل عام هو «الفتاة المتعثرة في غدائها»، تحرير نانسي ميركادو، وهو مقتطفات مختارة من قصص مدرسية بقلم كتَّاب مشهورين. تتناول هذه القصص مجموعة متنوعة من الموضوعات التي تهم طلابي؛ مثل الطالب الجديد في المدرسة، والمعاناة من عسر القراءة، وصعوبات العمل مع مجموعة من الغرباء على استكمال مشروع ما للفصل. ونتشارك كذلك كل عام في قراءة كتاب جوردون كورمان — وهو أحد الكتَّاب المفضلين لديَّ — «لعبة الاسم المستعار للصف السادس» (بمعنى أن أقرأ ويتبعني الطلاب بقراءة نسختهم من الكتاب). ولا حاجة لشرح سبب اختياري لهذه القصة الواقعية التي تدور حول مجموعة من طلاب الصف السادس الذين لا يُعتبَرون من أفضل القرَّاء، لكنهم يتمكنون من التفوق في اختبار الولاية للقراءة عن طريق قراءة أعداد مهولة من الكتب، التي منحتْهم القوة لفعل ذلك.
من الكتب المفضلة لديَّ دائمًا أيضًا مذكرات جاري بولسن. إن روايات بولسن — مثل روايته الكلاسيكية عن النجاة «البلطة» — رائعة، لكن مذكراته الشخصية، من ذلك حكاية نجاته الشخصية «شَجاعة»، وروايته التذكارية عن كلابه العزيزة «سنواتي مع الكلاب»، وروايته عن تصرفاته المتهورة في مرحلة المراهقة «كيف حصل آنجيل بيترسون على اسمه؟»؛ كلها من أنجح الكتب التي نقرؤها كل عام. ونظرًا لأن تجارب الطلاب المحدودة مع كتب التراجم والسِّيَر الذاتية عادةً ما تبدأ بواجب بحثي، فإنهم يأتون إلى فصلي معتقدين أن هذين النوعين من الكتب سَرْد مُمِلٌّ لإنجازات أبطالٍ موتى. لكن مغامرات بولسن الشخصية يمكن أن تزيد من تقدير الطلاب للقراءة عن حيوات أشخاص آخرين.
ومن خلال قراءة هذه الكتب المنتقاة وغيرها مع طلابي في مرحلة مبكرة من العام، أعرِّفهم على نحو خمسة عشر كاتبًا تُنشَر أعمالهم على نطاق واسع وتُعرَف بأنها تثير اهتمام القرَّاء الصغار. وتمكِّنني تجارب القراءة المشتركة هذه من تقديم الترشيحات عن طريق الربط بين الكتب الجديدة للمؤلفين أنفسهم والقصص التي استمتعنا بقراءتها معًا في الفصل. وتشمل القائمة التالية للكتب المفضلة التي ستُقرأ بصوت مرتفع مع الفصل مجموعة متنوعة من الكتب لمؤلفين مشهورين وألوان أدبية يستطيع المعلم استخدامها مع فصله. إن النطاق العمري المقترَح لكتب المرحلة الابتدائية هو من الصف الثالث حتى الصف الخامس، ولِكتب المرحلة الإعدادية من الصف السادس حتى الصف الثامن. وقد تكون كتب المرحلة الابتدائية مفيدة لصفوف المرحلة الإعدادية أيضًا، وكذلك قد تفيد كتب المرحلة الإعدادية صفوف المرحلة الابتدائية، وذلك حسب احتياجات أو اهتمامات مجموعة الطلاب المحددة التي تدرَّس لها. قد تكون لديك قائمة الكتب المفضلة الخاصة بك والمخصصة للقراءة بصوت مرتفع في الفصل، لكن تَذكَّرْ أن هدفي من قراءة هذه الكتب هو مشاركة عديدٍ من الكتب المثيرة للاهتمام إلى حدٍّ كبير مع الطلاب كنوع من التعريف بالمؤلِّفين الذين كتبوا عديدًا من الكتب الأخرى التي يستطيع الطلاب قراءتها وحدهم.
قائمة الكتب المفضلة المخصصة للقراءة بصوت مرتفع في الفصل
(أ) الأدب الروائي
المرحلة الابتدائية
«كل طائر صغير مغرِّد»، بقلم ديبورا ويلز.
«لعبة الاسم المستعار للصف السادس»، بقلم جوردون كورمان.
«ملفات حوادث الطوارئ»، بقلم بيتسي بايرس.
«آكل الكلمات»، بقلم ماري أماتو.
المرحلة الإعدادية
«الوحوش»، بقلم ويليام سليتور.
«بالأسفل»، بقلم كاثي أبيلت.
«شوا كان هنا»، بقلم نيل شوسترمان.
«البذور الأولى»، بقلم بول فلايشمن.
«سارق البرق»، بقلم ريك رايردن.
(ب) المذكرات
المرحلة الابتدائية
«شجاعة»، بقلم جاري بولسن.
«عقد في خيط اليويو»، بقلم جيري سبينلي.
«رُتَيْلاء في حقيبتي»، بقلم جين كريجهيد جورج.
المرحلة الإعدادية
«سنواتي مع الكلاب»، بقلم جاري بولسن.
«خطوات صغيرة: العام الذي أُصبتُ فيه بشلل الأطفال»، بقلم بيج كيريت.
«كيف حصل إنجيل بيترسون على اسمه؟» بقلم جاري بولسن.
(?) تأسيس خلفية معرفية عن النوع الأدبي
ينبغي على الطلاب — في إطار تعلُّمهم القراءة — تعلُّم اللغة المشتركة التي يتحدث بها القرَّاء عند مناقشتهم للكتب وتدارسها؛ لذا، فإنني أخطط تدريسي والمناقشات التي نجريها في الفصل على مدار العام حول مسألة اللون الأدبي، وهو التصنيف الرسمي للكتب. بعض الطلاب يجهلون المصطلح، لكنهم يفهمون الفرق بين الأدب الروائي وغير الروائي، وأن الكتب يمكن أن تشترك في أنواع الشخصيات والحبكة والإطارَين الزماني والمكاني. لقد شرحتُ هذه العناصر القصصية في حصص سابقة، لكن من المتوقع مني تناولها مجددًا وفقًا لمعايير الولاية.
وبدلًا من إجبار الطلاب على تحمُّل إعادةٍ مُملَّةٍ للمعلومات التي سبق لهم تعلُّمها، أوظِّف ما يعرفه الطلاب بالفعل لدعم استيعابهم كيفية اختلاف هذه العناصر بين الألوان الأدبية المختلفة، وكيفية استخدام التشخيص والحبكة والسياق في تصنيف الكتب. ومن خلال مناقشات الفصل، نضع توجيهات إرشادية لتحديد نوع الأدب غير الروائي أيضًا؛ حيث نستكشف أنواع المعلومات التي تقدمها التراجم والكتب المعلوماتية، وكذلك خصائص النص وأساليب صياغته. ونظرًا لأن معظم طلابي في الصف السادس لم يتعرفوا من قبلُ على المذكرات، أجد أن هذا هو الوقت المناسب لتعريفهم بها؛ وأُعرِّف المذكرات بأنها سيرة ذاتية تركز على فترة محددة من حياة الكاتب. أما الشِّعر، فأتركه ليكون آخر ما أتناوله من الألوان الأدبية؛ وذلك لأنه لا يتشارك في بنيته مع الألوان الأخرى، ولديه عناصره الفريدة الخاصة به وحده. أبدأ دراستنا لِلَّون الأدبي بالأسلوب ذاته كل عام؛ لأن ذلك يسمح لي بتقييم معرفة الطلاب السابقة بالمبادئ الأدبية، ووَضْع أساس في الوقت نفسه للقراءة المستقبلية بناءً على متطلبات اللون الأدبي؛ فينبغي عليَّ إدراك ما يعرفه الطلاب بالفعل قبل أن أتمكن من الانتقال إلى المرحلة التالية.
(?-?) اللون الأدبي هو الخطوة التمهيدية
أحمل في يدي كومة من الكتب وترتسم على وجهي ابتسامة عريضة — وهو المنظر الذي سيعتاد طلابي على رؤيته كثيرًا على مدار العام — وأنادي على الطلاب: «آنساتي سادتي! فلتُخرجوا أوراق الملاحظات الخاصة باللون الأدبي لكي نتحدث عن الفانتازيا»؛ فيُخرجون أوراق ملاحظات اللون الأدبي حيث سجلوا خصائص كل نوع في أثناء تناولنا له، ويبحثون عن عنوان قسم الفانتازيا. وأتابع حديثي قائلةً: «لتتذكروا محادثاتنا عن الشخصيات وأخبروني: ما الذي نعرفه بالفعل عن شخصيات كتب الفانتازيا؟»
فيقول طالب: «حسنًا، معظم الشخصيات في كتب الفانتازيا إما سَحَرة وإما ساحرات كما هو الحال في روايات هاري بوتر.»
«أتفق معك أن وجود ساحر أو ممارس للسحر في الكتاب يجعله يندرج تحت لون الفانتازيا، لكن هل كل كتب الفانتازيا تتضمن هذين النوعين من الشخصيات؟ هل يمكن أن يعطيني أي أحد مثالًا على كتاب لا يتضمن ساحرًا، لكنه يظل كتاب فانتازيا؟»
يقدِّم العديدُ من الطلاب أمثلة على كتب ذات سياقات وشخصيات واقعية وتتضمن أحداثًا سحرية؛ مثل «تَك الخالد» و«آكل الكلمات». فيؤدي ذلك إلى مناقشة أخرى حامية الوطيس حول إن كانت الكتب التي تضم حيوانات ناطقة، مثل «شبكة تشارلوت» و«ريدوول»، كتب فانتازيا أم لا. ونقرر أنها كذلك بالفعل. أسجل سريعًا أكبر عدد ممكن من أفكار الطلاب على لوح ورقي، وأحث الطلاب طوال هذه الفترة على تجنُّب التعميمات عن طريق تجنب كلمات مثل «جميع» و«كل» عند تقديم اقتراحاتهم. وبما أن الأطفال في عمر الثانية عشرة يتمتعون بدرجة كافية من الثقافة، أوضح لهم أن هناك اختلافات واضحة حتى داخل اللون الأدبي الواحد.
أنبِّههم قائلة: «في الواقع، يمكن أن تضم كتب الفانتازيا أي نوع يمكن تصوره من الشخصيات، ومنهم الأشخاص العاديون، لكن ما نبحث عنه هو أنواع الشخصيات التي لا يمكن وجودها في أي نوع أدبي آخر سوى كتب الفانتازيا.»
نحدد في النهاية بعض الأنواع العامة للشخصيات التي تُختصُّ بها كتب الفانتازيا؛ ألا وهي ممارسو السحر، والحيوانات الناطقة، والكائنات الخرافية. وفي أثناء هذه المحادثة، ناقشْنا كثيرًا من الكتب، بل وبعض الأفلام أيضًا، لتقديم الأدلة الداعمة لآرائنا؛ فقد لا يكون لدى الطلاب ما يكفي من خبرات القراءة لتوضيح مناقشة اللون الأدبي بأمثلة من الكتب، لكنهم يعرفون قصصًا. والقواعد الأساسية للقصة موجودة في الأفلام والبرامج التليفزيونية التي يشاهدونها أيضًا. وتشجيع الطلاب على تقديم أمثلة بناءً على أي معرفة لديهم، وليس فقط الكتب، يَحُول دون هيمنة القرَّاء النَّهِمين على جميع المناقشات المبكرة التي نجريها حول الكتب، ويوضح للطلاب أنني أُقدِّر ما يفهمونه بالفعل. توفِّر هذه الممارسة كذلك سبيلًا آخر للتواصل مع الطلاب أيًّا كان مستواهم.
وبالانتقال إلى مناقشة السياقات والحبكة الشائعة في روايات الفانتازيا، نضيف هذه الخصائص إلى القائمة. وعلى مدار أسبوعين أو نحو ذلك، ندرس جميع الألوان الأدبية للكتب الموجودة في مكتبة الفصل، وننشئ قوائم بعناصر كلٍّ منها. ونراجع أيضًا التشخيص والحبكة والإطارَين الزماني والمكاني وبنية النص واللغة المجازية. ونتحدث عن كيف أن السفر عبر الزمن بواسطة السحر يجعل الكتاب يندرج تحت لون الفانتازيا، بينما السفر عبر الزمن بواسطة التكنولوجيا المتقدمة يجعله ينتمي إلى لون الخيال العلمي. ونتناقش حول إن كانت الأحداث التاريخية يجب أن تكون محور الحبكة لتجعل من الكتاب روايةً تاريخيةً؛ فتنبثق تلقائيًّا مصطلحات جديدة، مثل «المقتطفات الأدبية» و«الرواية القصيرة»، من هذه المحادثات أيضًا. وهكذا، لا يكف حديثنا عن الكتب.
من خلال هذه المحادثات، أتمكَّن من تقييم خبرات القراءة والمعرفة السابقة لطلابي؛ على سبيل المثال، تُظهر ملاحظات ميليسا حول هذه السلسلة من مناقشات الفصل كيف شكَّلَت هذه المحادثات فَهْمَها لخصائص كل لون أدبي (انظر الشكل ?-?).


شكل ?-?: ملاحظات طالبة حول خصائص الأنواع الأدبية (المصدر: ميليسا، الصف السادس).


(استكمال الشكل السابق.)
وفي الوقت الذي نصوغ فيه التعريفات، نلقي نظرة أيضًا على عديدٍ من الكتب لتحديدِ إن كانت معرفة الطلاب لخصائص كل لون أدبي يمكن أن تساعدهم أم لا في تحديد اللون الأدبي لأي كتاب عند استعراضهم له؛ ففَهْم البنية الأساسية والحبكة لكلِّ لون أدبي يساعد الطلاب على اختيار الكتب والتكهُّن أثناء القراءة. والطلاب الذين يفتقرون لِهُوية قرائية، ممن لا يعرفون ما يكفي من المعلومات عن الكتب ليعرفوا ما قد يعجبهم قراءته، يكوِّنون قدرًا أكبر من الفهم لأنواع الكتب المتاحة لهم أيضًا.
(?-?) التعرف على الكتب المندرجة تحت كل لون أدبي
لكي ننقل مناقشاتنا حول خصائص الألوان الأدبية إلى مستوًى يتجاوز مجرد التدريب الأكاديمي، أتوقع من الطلاب أن يتمكنوا من تطبيقِ ما تعلموه على الكتب التي ربما لم يسبق لهم قراءتها. إن مكتبة فصلنا المدرسي منظمة حسب اللون الأدبي، وأرغب في معرفةِ إن كان بإمكان الطلاب استخدام فهمهم للَّون الأدبي لاختيار الكتب من هذه المكتبة ووضع افتراضات بشأنِ ما يقدمه كل كِتَاب للقرَّاء.
بعد مرور بضعة أسابيع من دراستنا لوحدة اللون الأدبي، يدخل الطلاب الفصل ليجدوا عديدًا من الصناديق التي لا تحمل أي شيء يدل على نوع الكتب التي تحتويه من مكتبة فصلنا في انتظارهم عند كل مجموعة من المكاتب.
أقدم للطلاب موضوع اليوم عن طريق مشاركة أحد صناديق الكتب معهم، فأقول: «في هذا الصندوق، لديَّ عديد من الكتب التي تنتمي للَّون الأدبي ذاته. عند قراءتي للنبذات التشويقية الموجودة على الأغلفة الخلفية لهذه الكتب، استخدِموا أوراق الملاحظات ومناقشات الفصل التي أجريناها لتحديد اللون الذي تعتقدون أن هذا الصندوق يحتوي عليه.»
بعد أن يقرر الطلاب أن الكتب الموجودة في صندوقِي تنتمي للأدب الواقعي لأن الأحداث والأطر الزمانية والمكانية والشخصيات تبدو واقعية في نظرهم، أَلْفِتُ انتباههم للصناديق الموجودة على مكاتبهم، وأقول لهم: الأطر الزمانية والمكانية «والآن، أريدكم أن تعملوا على المجموعات الخاصة بكم. استخدموا معرفتكم بخصائص الألوان الأدبية للتعرُّف على اللون الأدبي للكتب الموجودة داخل الصناديق الموضوعة على مكاتبكم.»
يفحص الطلاب الصناديق الموضوعة على مكاتبهم، وينغمسون في تدوين الملاحظات واستعراض الكتب. تلوِّح فتاتان في الجانب الخلفي من الفصل لي كي أحكم بينهما؛ فثمة خلاف في مجموعتهما ولا يمكن لأفرادها الاتفاق على اللون الأدبي للكتب التي يحتوي عليها الصندوق البلاستيكي.
«نعتقد أن الكتب تنتمي لفئة الروايات التاريخية لأن الأغلفة الخلفية لكتب مختلفة منها تَذْكر أمورًا تاريخية، مثل بن فرانكلين والحرب العالمية الثانية، لكنني لا أعتقد — وكذلك ستيسي — أن الصبي في هذا الكتاب شخصية تاريخية حقيقية.»
يقاطع كودي — أحد أفراد المجموعة — الحديث قائلًا: «بن فرانكلين كان شخصية حقيقية، والحرب العالمية الثانية حدثتْ بالفعل. هذه الكتب معلوماتية.»
أرشدتُهم لمراجعة مناقشاتنا في الفصل، وقلت لهم: «حسنًا، ما الفرق بين الكتاب المعلوماتي وكتاب الأدب التاريخي؟»
فأكد كودي: «نحن لا نعلم إن كان هذا الصبي شخصية مختلقة أم لا؛ فربما يكون حقيقيًّا.»
أَحُثُّ المجموعة على استخدام ملاحظاتهم حول الألوان الأدبية كقائمةِ مراجعةٍ لمعرفةِ إن كانت جميع الكتب الموجودة في الصندوق تتضمن عناصر الرواية التاريخية أم عناصر الكتب المعلوماتية. وتحديدُ إن كانت الأحداث والشخصيات في كل الكتب واقعية أم لا هو العامل الفاصل هنا.
خسر كودي المعركة؛ فقد كانت الفتاتان على حق، وما حسم الأمر هو رواية «حرب فوستر» بقلم كارولين ريدر. فتوصلوا إلى أنه بالرغم من أن النبذة التشويقية تذكر أن الحرب العالمية الثانية هي محور الإطار الزماني لأحداث الرواية وحبكتها، فإن بطل القصة — فوستر سيمونز — شخصية خيالية. ووافق كودي مُكرَهًا على أن الصندوق كان يحتوي على روايات تاريخية. لكنه لم يخسر في الحقيقة؛ إذ رأيته ينقل الكتاب خلسة إلى مكتبه في وقت لاحق.
هذه الجلسة العملية لا تسمح للطلاب بتعزيزِ ما تعلموه عن اللون الأدبي عن طريق تطبيق ما تعلموه على كتب حقيقية فحسب، وإنما تتيح لهم أيضًا إمكانية مراجعة كتبٍ كثيرةٍ والتعرُّف على مخطط مكتبة الفصل. وبعد هذا الاختبار، ألاحظ دائمًا العدد الكبير من الكتب الذي يختفي من الصناديق وتنتقل إلى مكاتب الطلاب لكي يتحققوا منها لاحقًا. وختامًا لدراستنا لِلَّون الأدبي، أمنح الطلاب اختبارًا عمليًّا؛ فيحصل كل طالب على أربعة كتب، وينبغي عليه التعرف على نوع كلٍّ منها. ونادرًا ما أجد طالبًا لا يمكنه التعرف على أنواع معظم الكتب.
في خلال بضعة أسابيع فقط، نكون قد وضعنا الأساس لعامنا الذي سنقضيه في القراءة. يعتاد الطلاب على روتين القراءة كل يوم، وتكون لديهم خطة للقراءة قائمة على تكليفات واسعة النطاق لنصوص اختاروها بأنفسهم. في هذه الفترة، أشكِّل الخلفية المعرفية للطلاب عن مجموعة متنوعة من الألوان الأدبية والمؤلفين، ويعرفون أنني أقدِّر خياراتهم من الكتب وأحتفي بأي قراءة يقومون بها. ما أفعله وما يفعلونه يحيط بهذه القاعدة، ويوفر أساسًا لأنشطة القراءة والكتابة والتفاعل في المستوى التالي من ورشة عملنا.
(?) متابعة الطلاب: دفتر القارئ
لمَّا كان كل طالب في فصلي يقرأ كتابه الخاص، لزمني التحاور مع كلٍّ منهم لتحديد مدى تقدُّمهم في تحقيق أهداف القراءة ومَنْحهم الدعم الفردي الذي يحتاجون إليه؛ فلا يمكنني الانتظار لأسابيع لأكتشف أن داني لا يقرأ أو أن كيتلين قد انصرفت عن قراءة آخر أربعة كتب خاصة بها. إذا انتظرتُ نتائج أنشطة القراءة التي نقوم بها، مثل المراجعات النقدية للكتب أو الممارسة المستقلة للاستراتيجية، فسأكتشف أن بعض طلابي كانوا يواجهون صعوبات في قراءة كتبهم أو فهمها، وسيكون الأوان قد فات؛ لذا، من خلال الاجتماعات ورسائل آرائهم في الكتب التي يقرءونها، أقيِّم إن كان الطلاب يستمتعون بكتبهم ويفهمونها أم لا. وينطلق هذا التفاعل بيني وبين طلابي من نقطة مشتركة؛ ألا وهي دفاتر القراء.
دفتر القارئ الذي نستخدمه، وهو نسخة مصممة من كتاب «إرشاد القرَّاء والكتَّاب (للطلاب من الصف الثالث إلى السادس)» بقلم فاونتاس وبينيل، هو دفتر سلك مكوَّن من سبعين صفحة، ملصق على جهته الأمامية نُسَخ ضوئية مقصوصة الحواف لمخططات وقوائم، ويتضمن هذا الدفتر عدة أقسام لتسجيل أنشطة القراءة التي يقوم بها الطلاب:
«قائمة التسجيل»: تنقسم هذه الصفحة إلى أعمدة للألوان الأدبية وعدد الكتب التي أطلب من الطلاب قراءتها، ويسجل الطلاب الكتب التي يقرءونها خلال مُضيِّهم في القراءة، أما أنا فأشطب على تكليفات القراءة الخاصة بكل لون أدبي ينتهون منه.
«قائمة القراءة»: يسجل الطلاب في هذه القائمة كل الكتب التي قرءوها أو حاولوا قراءتها وتركوها. ويتضمن كل تسجيل لأي كتاب عنوانه ومؤلفه وتاريخ الانتهاء من قراءته وتقييم الطالب لمدى صعوبة قراءته.
«قائمة الكتب المخطط لقراءتها»: تعمل هذه القائمة كقائمة تسوق أو كخطة لقراءة الطالب المستقبلية. يسجل الطلاب أجزاءً تكميلية لم تُنشَر بعدُ لكتبٍ قرءوها، والكتب التي يرشحها أقرانهم أو أرشحها لهم، أو الكتب التي عاينوها وأرادوا قراءتها لاحقًا.
«رسائل الآراء»: يخصَّص معظم دفتر القارئ لرسائل الرأي، ويكون تركيز هذه الخطابات جماليًّا؛ فيفكر الطلاب في آرائهم الشخصية تجاه الكتب التي قرءوها وفي أسلوب المؤلفين. وأكتب لهم بدوري خطاباتٍ ردًّا على ما كتبوه، وأطرح عليهم فيها أسئلة وأستكشف من خلالها تفسيرات الطلاب وتقديرهم للكتب.
أخصص دفترًا لنفسي أيضًا، وأسجل فيه كل الكتب التي قرأتها منذ بداية الصيف حتى نهاية العام دراسي، وأحمل هذا الدفتر معي إلى الفصل كل يوم. وفي أثناء الإعلانات عن الكتب (أي الترشيحات المباشرة للكتب المقدمة من الطلاب)، أدوِّن أي كتب يرشحها الطلاب وأود قراءتها، وأفتح هذا الدفتر في أثناء الاجتماعات ومناقشات الفصل عندما يحتاج أي طالب إلى اسم مؤلف أو ترشيح كتاب يعرف هذا الطالب أنني قرأته. وفي القسم الموجود في دفتري، الذي يقابله القسم الذي يسجِّل فيه الطلاب آراءهم تجاه الكتب، أكتب ملاحظات حول الاجتماعات. يمسك الطلاب بدفاتر القرَّاء الخاصة بهم كل يوم في بداية الحصة، ويرجعون إليها باستمرار ليضيفوا مزيدًا من الكتب، أو يؤشروا على متطلبات القراءة، أو يدونوا آراءهم. وعندما نلتقي في الاجتماعات، أتوقع من الطلاب إحضار دفاترهم معهم كي نتمكن من التحقق منها معًا والتحدث بشأنها، وأجلب دفتري بدوري أيضًا.
همسة
دفاتر القرَّاء
إن فصلي أشبه بكثيب النمل؛ فهو مفعم بالنشاط والحيوية، يعمل فيه كل طالب على نحو مستقل، لكننا متحدون في تحقيق غايتنا المشتركة؛ ألا وهي القراءة. فتعزز أصوات الطلاب الخافتة — وهم يهمسون بعضهم لبعض — من الشعور بالاجتهاد والعمل الهادف. يتمدد جوش وجون على كومة من الكراسي المصنوعة من أكياس القماش المحشوة بالفاصوليا في أحد الأركان، منهمكَين في قراءة كتبهما. أما كورتني ولورين، فتجلسان على الأريكة، رأساهما متلاصقان، تتشاركان في قراءة أحدث كتاب شِعر سردي لسونيا سونز «ما لا تعرفه أمي»، بينما يجلس بيشوب على جهاز الكمبيوتر متصفحًا موقع أمازون بحثًا عن اقتباسات يمكنه الاستشهاد بها في مراجعته النقدية لكتاب «القمة». أما جيكوب وماديسون، فيُحدِّثان قوائم القراءة الخاصة بهما، ودانيلا تكتب خطاب رأي. إن كتابة الطلاب ومحادثاتهم هي نتاج طبيعي لقراءاتهم، أما أنا، فأجلس في المنتصف على كرسيِّ المشرف الأخضرِ اللون، متبادلةً أطراف الحديث مع إريك عن آخر كتاب قرأه، وهو رواية «دكتور جيكل ومستر هايد»، وخبراته في قراءة هذا العمل الصعب:
«إن المفردات في رواية «دكتور جيكل ومستر هايد» معقدة جدًّا، كيف تمكنتَ من التعامل معها؟»
«حسنًا، لقد بحثتُ عن بعض الكلمات، وتجاوزتُ بعضها الآخر؛ وتمكنتُ من فهم الفكرة بوجه عام.»
«نعم، وكانت قراءتي أبطأ أيضًا.»
«إن الاستراتيجيات التي اتبعتَها — يا إريك — من الإبطاء في القراءة، والبحث عن الكلمات الصعبة، وتجاوز الكلمات عند تمكنك من استشفاف معناها؛ كلها استراتيجيات يستخدمها القرَّاء عند مواجهتهم كلمات لا يعرفونها.»
«لقد استغرقتْ قراءة هذا الكتاب مني بعض الوقت، لكنني فخور لتمكُّني من الانتهاء منه.»
تحدثتُ مع إريك عما يخطط لقراءته بعد ذلك، وكان روايتَي الخيال العلمي المعاصرتين للكبار «حديقة الديناصورات» و«العالم المفقود». وسجلتُ بضعة تعليقات في دفترِي بشأن استخدامه لاستراتيجيات القراءة للتعرُّف على المفردات التي لا يعلمها.
تنشأ اجتماعاتنا على صفحات دفاتر ملاحظات الطلاب حيث يسجلون آراءهم لكي أقرأها مرة واحدة أسبوعيَّا، ثم أعيدها إليهم (انظر الشكل ? للاطلاع على نموذج لإحدى رسائل الرأي). فأدرس التقدم الذي يحرزه كل طفل في القراءة بنحوٍ أكثر تفصيلًا في الأقسام الثلاثة الأولى من دفاترهم.
تخبرني هذه الصفحات عن إيقاع الطالب في القراءة؛ فأبحث عن ثغرات في قوائم القراءة وأساليب الملاحظات التي قد تشير إلى كون الطالب قد يُنهي قراءة الكتب أم يتجنب أنواعًا معينةً، مثل كتب التراجم أو الشعر. وعندما ألاحظ أن أحد الطلاب يواجه مشكلات في التقدم بقراءة الكتب، أو متشبث بقراءة لون أدبي واحد فقط، أو لا يضع خططًا للقراءة المستقبلية؛ أفكر فيما إذا كان الطالب متعسرًا.
وبعد انتهاء اليوم الدراسي، أفحص بدقةٍ صندوقَ عبوات اللبن الكرتوني الموجود تحت مكتبي حيث يعيد إليَّ الطلاب دفاترهم، أسحب دفتر مولي من أعلى مجموعة الدفاتر، فيرسم آخِرُ خطابِ رأيٍ كَتَبَتْهُ الابتسامةَ على وجهي. تقرأ مولي رواية «إنكهارت» بقلم كورنيليا فونكه لاقتراحي عليها قراءتها. لقد أحرزنا تقدمًا كبيرًا مقارنةً بالأسابيع الأولى من الدراسة التي كنت أقترح عليها خلالها كتابًا تلو الآخر، ورفضتْهم جميعًا؛ فقد كانت متشككة في أي كتاب أرشحه لها آنذاك. أما الآن، فهي تعلم أن اقتراحاتي نابعة من حماسِ قارئة، وليست جدول أعمال معلمة. وما كتبتْه في بيان رأيها تجاه الكتاب (انظر الشكل ?) يقدم دلالات قيِّمة عن مولي كقارئة، وما تحصِّله من الكتاب الذي تقرؤه.


شكل ?: مقتطف من دفتر القارئ الخاص بإحدى الطالبات (المصدر: مولي، الصف السادس).
لاحظتُ قدرة مولي على سرد أحداث «إنكهارت»، وهي مهارة فهم أساسية، لكن رأيها يكشف أكثر من ذلك بكثير؛ فترقبها للنهاية يوضح ارتباطها بالقصة واستثمارها في التفكير فيما تنتهي إليه الأحداث. وبالتماسها النصيحة بشأن قراءة الجزء الثاني من الرواية، تكشف مولي عن العلاقة القائمة على الثقة بيننا كقارئتين.
لديَّ ذكريات أثيرة أيضًا مرتبطة بقراءة «إنكهارت»، ويسعدني استمتاع مولي بها بالقدر الذي تمنيته. ويشكل فضولي بشأن جوانب ارتباطها الشخصي بالكتاب أساس ردِّي عليها:
عزيزتي مولي
لقد استمتعتُ برواية «إنكهارت» أيضًا! فهي من كتبي المفضلة (أعلم أنني أقول ذلك دائمًا، لكنني أعنيه تمامًا!) فلم أقرأ كتابًا قط يستكشف قدرة القراءة على تغيير حياة الإنسان (سلبيًّا وإيجابيًّا على حدٍّ سواء) بهذا الأسلوب المثير للاهتمام. أسأل دائمًا قرَّاء هذه الرواية عن الكِتاب الذي يفضلون الدخول فيه إذا تمكنوا من ذلك؛ فهل لديكِ قصة مفضلة تودين زيارتها؟ ما الشخصية المفضلة لديكِ؟ هل يمكنكِ التنبؤ بشخصيتي المفضلة؟ «إنكسبيل» رواية رائعة وتستحق بالتأكيد القراءة، لكن ربما ينبغي أن تأخذي قسطًا من الراحة بين رواية «إنكهارت» والجزء الثاني منها؛ فكلا الكتابين طويل للغاية!
لم ينطوِ حديثي على أي زيف؛ فقد قرأتُ «إنكهارت» بالفعل. وأسلوبي في الحديث مع مولي عن كتاب استمتعتْ به كِلْتَانَا ونصيحتي لها بشأن قراءة «إنكسبيل» تعزز من الصلة بيننا كقارئتين. وأطرح على مولي أسئلة فَهْمٍ عالية المستوى تتطلب منها تقييم الكتاب وانطباعاتها عنه وتحليلها.
تمثل هذه الخطابات تفاعلًا بين قارئ أكثر خبرةً وقارئ أقل خبرةً، لا قائمة من الأسئلة التي تهدف لمعرفةِ إن كانت مولي قد قرأت الكتاب أم لا. إنني أتحدى مولي للتفكير بعمق أكبر في الكتب؛ وذلك انطلاقًا من صفتي قارئة أكثر حنكة سبق لها قراءة «إنكهارت» بدورها. إن القرَّاء يتبادلون الهمسات فيما بينهم عن خبراتهم في القراءة، هكذا يجب أن تكون القراءة.
الفصل الخامس
المضي قدمًا
عندما أتذكر الماضي، أتأثر بشدة مجددًا بقوة الأدب الواهبة للحياة. وإذا عدتُ الآن صغيرةً تبحث عن ذاتها في هذا العالم، فسأفعل ذلك عن طريق القراءة، تمامًا مثلما فعلتُ وأنا صغيرة.
مايا أنجيلو
ينتابني شعور سيئ حقًّا بشأن كل الكتب الرائعة التي لم أقرأها بعد.
باركر
عند العودة من عطلة الشتاء، يتجمع طلابي حولي في الرواق. تسألني ماديسون: «حسنًا، هل نجحتِ؟» مشيرةً إلى هدفي المتمثل في قراءة كتاب واحد كل يوم من أيام الإجازة الاثني عشر.
«كلا، لم أفعل، فلم أقرأ سوى ثمانية كتب فقط.»
يضحك جون ساخرًا وهو يهز رأسه ويقول: «ثمانية فقط؟ ثمانية فقط؟!»
فاعترفتُ قائلة: «نعم، لقد تعثرتُ في قراءة كتاب لم أستمتع به، وبدأت أقرأ بقدر أقل كي لا أضطر للتعامل معه.»
يسأل أحد الطلاب: «ما عنوان هذا الكتاب، سيدة ميلر؟»
«إنه كتاب «المعنى الحقيقي ليوم الكابتن سمِك»، يندرج هذا الكتاب في الكثير من قوائم أفضل الكتب لذلك العام، وتدور أحداثه حول غزو كائنات فضائية للأرض؛ قد تظنون أنه مثير للغاية، لكن أحداثه في الحقيقة مملة جدًّا.»
فجأة يرتفع صوت ستيسي قائلةً: «حدث ذلك معي عندما حاولتُ قراءة «القُبَحاء». أعلم أن كل الفتيات متحمسات لذلك الكتاب، لكنني لم أتمكن من الاستمتاع به.»
تستدير ماديسون إليَّ، وتسألني: «ماذا فعلتِ إذن؟»
«وضعتُه جانبًا وقرأتُ «قوة لاكي العليا» بدلًا منه! وقد انتهيت من قراءة «شبح مارلي» أيضًا. رايلي! شكرًا لترشيحك لي إياه. لقد أحببتُه، لكنه كان مثيرًا للحزن!»
فضحك رايلي قائلًا: «أعلم ذلك!»
سألتُ الطلاب: «هل يرغب أحد في قراءة «يوم الكابتن سمِك»؟ أنا على يقين بأنه سيكون جيدًا لقارئ آخر، لكنني لن أُكمل قراءته.»
تزاحَمَ العديد من الطلاب للحصول على الكتاب مني، وأعطيته لهم؛ فطلابي يحبون قراءة الكتب التي أقرؤها وأرشحها لهم، لكنهم يحبون كذلك قراءة الكتب التي أنصرف عن قراءتها ليُثبتوا لي أنني كنت مخطئة. قبل بضعة أعوام، راح جاريد يتباهى طوال العام بقراءته كتاب رودمان فيلبريك «آخر كتاب في الكون» وإعجابه به، وهو كتاب يطرح فيه المؤلف تكهنًا بمستقبل محتمل بلا كتب. كنتُ قد أعدتُ تسمية هذا الكتاب باسم «آخر كتاب سأنتهي من قراءته»؛ لأنني انصرفت عن قراءته مرتين. لكن جاريد أعلن أنه أحد كتبه المفضلة، وشجع العديد من الطلاب الآخرين على قراءته أيضًا.
(?) الحاجة إلى نماذج يُحتذَى بها في القراءة: جوهر أزمة القراءة
تنبع مصداقيتي مع الطلاب وسبب ثقتهم بي عندما أرشح لهم كتبًا من قراءاتي كل يوم من حياتي، وتحدثي الدائم عن القراءة؛ فلا أفرض عليهم نشاطًا لا أقوم به بنفسي. أنا لا أشجع طلابي على القراءة لأنها نافعة لهم أو لأنها لازمة لنجاحهم في المدرسة، وإنما أناصر القراءة لأنها ممتعة وتثري الإنسان، وعندما يتذكرني طلابي في المستقبل، أريدهم أن يتذكروني قارئةً أحمل كتابًا في يدي وترشيحًا على لساني.
إن العلاقات التي أُقِيمها مع طلابي هي في المقام الأول علاقة قارئ بقارئ. أنا شديدة الحماس للقراءة، شديدة الاستمتاع بالكتب، وشديدة الرغبة في مشاركة آرائي وخبراتي في القراءة مع طلابي إلى درجة أن طلابي ينجرفون في فيض حبي للكتب ويرغبون في تجربة هذا الشعور بدورهم. نتحدث عن الكتب معًا طوال اليوم من لحظة تحيَّتي للطلاب في الرواق حتى حزمنا للكتب لقراءتها في المنزل كل ليلة. يضحك الطلاب مني وهم يَرَوْنني أدخل إلى الفصل مترنحة غائمة العينين، فأخبرهم بأنني ظللت مستيقظة حتى وقت متأخر من الليل أقرأ أحدث كتاب لديَّ. ربما يضحكون، لكنهم يلاحظون أيضًا أن القراءة شيء أقدِّره بدرجة كافية لأضحي بالنوم ليلًا من أجله.
تشير نتائج استطلاع الرأي الذي أَجْرته وكالة أسوشيتد برِس عام ????، ونشرتْه جريدة واشنطن بوست، إلى أن المواطن الأمريكي البالغ العادي قرأ أربعة كتب فقط على مدار ذلك العام. هذه الإحصائية لا تعكس الصورة كاملةً؛ فمن بين البالغين الذين قرءوا، بلغ متوسط القراءة سبعة كتب، لكن ?? بالمائة من المجيبين على استطلاع الرأي لم يقرءوا أي كتاب على الإطلاق (فرام، ????). والمعلمون ليسوا أفضل حالًا في الاستقصاءات التي تُجرَى عن سلوكيات القراءة لدى البالغين مقارنةً ببقية الناس بوجهٍ عام؛ ففي مقال بعنوان «أثر بيتر» في عام ????، أشار أنتوني وماري آبلجيت إلى أنه من بين معلمي ما قبل الخدمة الذين أُجريتْ عليهم الدراسة، كانت نسبة ???? بالمائة منهم غير متحمسين للقراءة؛ مما لا يبشر كثيرًا بأن يتمكن هؤلاء المعلمون من حثِّ الطلاب على ممارسة نشاط لا يستمتعون به هم أنفسهم. وتكون هذه البيانات أكثر إثارةً للقلق عند التفكير في أن «أحد العوامل الرئيسية لتحفيز الطلاب على القراءة هو المعلم الذي يقدِّر القراءة ويتحمس بشأن مشاركة حبه للقراءة مع طلابه» (جامبريل، ????). ما الذي يحدث هنا؟ لماذا لا يقرأ البالغون، وفيهم المعلمون؟ وما تأثير ذلك على طلابنا؟
لقد خلقنا ثقافة قوامها فقر القراءة يمكن في إطارها أن تتفاقم دائرة الأمية الاختيارية (معرفة القراءة مع عدم الرغبة بها) المفضية إلى أمية فعلية (عدم معرفة القراءة والكتابة) لدى عديد من الطلاب. وبترك الطلاب يجتازون فصولنا دون أن يتعلموا حب القراءة، نُنشئ أفرادًا بالغين (يصيرون فيما بعد آباءً ومعلمين) لا يقرءون كثيرًا، وقد يكونون قادرين على القراءة جيدًا بما يكفي للقراءات الأكاديمية والمعلوماتية، لكنهم لا يحبون القراءة ولا يتمتعون إلا بالنزر اليسير من عادات القراءة الحياتية التي يمكن أن يمثلوا من خلالها نماذج يُحتذَى بها للأطفال.
مَن سيكون قدوةً في القراءة مستقبلًا إذا لم نُنتج أي قدوة في فصولنا المدرسية؟ من الشائع إلقاء اللوم على الآباء فيما يتعلق بابتعاد أطفالهم عن القراءة، لكن حتى الآباء الذين يقرءون لأطفالهم ويصحبونهم إلى المكتبات، ويَكُونون لهم قدوة في عادات القراءة الجيدة في المنزل يعانون من صعوبة في التغلب على افتقار فصول أطفالهم للقراءة حيث قد لا يقرأ معلموهم؛ ففي ظل هذه الظروف، لا يحظى الأطفال بفرصة في المدرسة لتطوير مهارات قرائية تستمر معهم على مدى الحياة. عندما أدخل فصل ابنتي بالصف الثالث في ليلة «اجتماع أولياء الأمور مع المعلمين» ولا ألمح أي كتاب ليقرأه الطلاب على مرمى البصر، فأعلم أنني أنا — وليس معلمها الجديد — مَن سيؤدي دور القدوة فيما يتعلق بالقراءة المستقلة لهذا العام. لكن ماذا عن الطلاب الذين لا يقرأ آباؤهم؟ ماذا عن الآباء الذين لم يتعلموا مطلقًا حب القراءة وليس لديهم كثير ليقدموه لأطفالهم كقدوة يُحتذَى بها في القراءة؟ مَن يتحمل مسئولية هؤلاء الآباء؟
يشكو المعلمون من افتقار الطلاب لخبرات القراءة قبل دخولهم المدرسة، وعدم حصولهم على دعم للقراءة في المنزل. لكن يبدو أن المعلمين لا يدركون أن آباء هؤلاء الطلاب، الذين نؤمن بأنهم يجب أن يكونوا نماذجَ يُحتذَى بها في القراءة، كانوا في السابق طلابًا بدورهم؛ لذا، عندما يلتحق الطلاب بفصلي ولم يسبق لهم قراءة أي كتاب، أو عندما تقتصر قراءتهم على كتب مثل «يوم أن جُنَّت مؤخرتي» وقصص الرسوم المتحركة للقط «جارفيلد»، أُدْرِك غياب النماذج المطَّلعة والحماسية التي يُحتذَى بها في القراءة من حياتهم، ليس فقط من منازلهم، وإنما أيضًا من فصولهم المدرسية. إن القرَّاء يُصنَعون ولا يولَدون قرَّاءً، وقليلون هم الطلاب الذين يُولدون قرَّاءً مكتملي التكوين من تلقاء أنفسهم. إنهم بحاجة إلى المساعدة، ولا يمكننا افتراض أنهم سيحصلون على هذه المساعدة من المنزل، لكن ينبغي أن يحصلوا عليها دائمًا منَّا، نحن المعلمين.
(?) ماذا تعني لك القراءة؟
ثمة أدلة تثبت أن آراء المعلم فيما «تعنيه القراءة» تؤثر على مفاهيم الطلاب للقراءة واهتمامهم بها على المدى الطويل أيضًا. فتحدد نظرية روزنبلات في التلقي — التي تحلِّل كيفية تعامل القرَّاء مع النص وغايتهم من قراءته — نوعين من القرَّاء: قرَّاء عمليُّون وقرَّاء جماليُّون. والمعلمون، الذين يتخذون موقفًا عمليًّا، يرون أن القراءة وسيلة لاكتساب المعرفة بالتعمق في النص من أجل استخلاص المعلومات منه. وهؤلاء المعلمون يقدمون القراءة بوصفها سلسلة من المهارات التي يجب إتقانها؛ أيْ عمليات يجب ضبطها بدقة وتطبيقها لجمع المعلومات. وهناك عدد لا حصر له من الكتب التي تشرح للمعلمين هذا الأسلوب العملي في تعليم القراءة. أرى أن هذه المنهجية القائمة على المهارات طريقة في القراءة تسري من الخارج إلى الداخل؛ حيث إنها طريقة لمهاجمة أي حدث قراءة بقائمة من الاستراتيجيات التي يجب تطبيقها، على أمل أن يقود ذلك الطلاب إلى الفهم.
أما المعلمون الذين يتخذون موقفًا جماليًّا من القراءة — بعبارة أخرى، مَن يرون أن القراءة رحلة شعورية وفكرية — فيتناولون تعليم القراءة والكتابة على نحو مختلف. هذه النظرة النابعة من الداخل إلى الخارج للقراءة تضع في الاعتبار الانطباعات الشخصية لكل قارئ إزاء ما يقرؤه، فضلًا عن أذواقه وتفضيلاته في القراءة. ولكلتا المنهجيتين فوائدهما عند العمل مع القرَّاء الصغار؛ ففي النهاية، يتناول القرَّاء النصوص لغايات مختلفة؛ معلوماتية وتجريبية، بالتناوب.
ليس عليك سوى النظر إلى أي فصل مدرسي لرؤية هاتين الفلسفتين التبادليتين في التدريس. هل الأطفال قادرون على القراءة بجودة كافية للأغراض الأكاديمية؟ هل يقضون وقتًا طويلًا في الاستمتاع بالقراءة في الفصل؟ كم من الطلاب يختارون القراءة خارج المدرسة؟ هل يقرأ المعلمون؟ يتبع معظم المعلمين غير القارئين نهجًا قائمًا على المهارات، وقد لا يتحدثون مطلقًا مع طلابهم عن حب الكتب والتوق للقراءة، لكنهم يحدثونهم بدلًا من ذلك عن الحاجة إلى القراءة جيدًا للتقدم في الدراسة والحياة. لكن عند الوضع في الاعتبار أن المعلمين الذين يتبنون وجهة نظر جمالية تجاه القراءة لديهم التأثير الأكبر على حافز القراءة والاهتمام بها لدى طلابهم (روديل، ????)، فضلًا عن أن لهم تأثيرًا أكبر على عادات القراءة الطويلة المدى لدى طلابهم مقارنةً بمن يرون أن القراءة مهارة يلزم إجادتها؛ فإن الكفة التعليمية تَرْجح لصالح المعلمين الذين يرون أن القراءة هبة، وليست هدفًا.
(?-?) المعلم قائد
إن الحافز للقراءة والتوجهات إزاءها ليسا الجانبين الوحيدين اللذين تؤثر فيهما عادات القراءة لدى المعلمين وآراؤهم على سلوكيات القراءة لدى طلابهم. اكتشف لاندبيرج وليناكيلا (????، مشار إليه في «أبلجيت وأبلجيت»، ????) وجود رابط بين عادات القراءة لدى المعلمين وتحصيل طلابهم في القراءة؛ لذا، عندما يُجري ناظر المدرسة التي أعمل فيها مقابلات وظيفية مع المرشحين لِشَغْل وظيفة معلم في المدرسة، سواء أكانت وظيفة معلم لآداب اللغة أم غيرها، فإنه يطلب منهم دائمًا مناقشة آخر كتاب قرءوه؛ فهو يدرك أهمية وضع نماذج يُحتذَى بها في القراءة أمام الطلاب كل يوم. وفي الوقت الذي تنقل فيه برامج إعداد المعلمين منهجيات تعليم القراءة للمعلمين، يدرك الناظر أن حياتنا كقرَّاء عنصر مهم أيضًا في قدرتنا على تعليم القراءة.
يحتاج طلابنا إلى كثيرٍ من رؤية النماذج التي يُحتذى بها والممارسة فيما يتعلق بكيفية قراءة الأنواع الصعبة من النصوص، لكن إرشادهم إلى كيفية القراءة ليس هو الفعل الوحيد الذي ينبغي علينا أن نكون قدوةً فيه لطلابنا. إذا كنا نريد أن يقرأ طلابنا وأن يستمتعوا بالقراءة لبقية حياتهم، فلا بد أن نوضح لهم ما تكون عليه الحياة مع القراءة؛ وإذا كانت خبراتنا في القراءة تشكل وجهات نظرنا عما تعنيه القراءة، فمن المفيد تقييم توجُّهاتنا وسلوكياتنا القرائية.
(?) البحث عن القارئ بداخلك
بالنظر إلى آرائك الناتجة عن تفكرك في ذاتك، ماذا عرفت عن نفسك بصفتك قارئًا؟ هل القراءة ليست سوى أداة للوصول إلى المعلومات والنجاح في المدرسة والعمل، أم أنها أيضًا متنفَّس ممتع لك؟ فكِّرْ في الكيفية التي ينتقل بها توجهك حيال القراءة إلى فصلك المدرسي وتشكيله لأسلوب تدريسك. هل ينعكس رأيك في القراءة على أنشطة تعليم القراءة والكتابة التي تطبقها مع طلابك؟ إذا كنت ترى القراءة كأداة، فحاولْ إتاحة الفرص لطلابك للقراءة من أجل المتعة أيضًا.
إذا كانت لديك ذكريات سلبية عن القراءة في المدرسة عندما كنتَ طفلًا، فكيف تظهر هذه الخبرات في تدريسك؟ لعلك لا ترى قيمة القراءة كمسعًى ممتع لأنك لم تلقَ تشجيعًا من قبلُ قَطُّ للقراءة من أجل المتعة. من الممكن لخبراتك السلبية كقارئ في الصغر أن تشحذ همتك لتحقيقِ ما هو أفضل في تحفيز طلابك، وربما كان ذلك هو السبب وراء عملك معلمًا! شارِك طلابك معاناتك مع القراءة، وصِفْ لهم كيفية تغلبك عليها.
إذا كانت لديك ذكريات أثيرة عن القراءة في طفولتك، فكيف تشارك هذه الذكريات مع طلابك؟ كيف انتقل حبك المبكر للقراءة إلى حياتك عندما كبرتَ؟ وإذا لم يحدث ذلك، فلماذا؟ تأمَّلِ الأسباب وراء أنك لم تَعُد تستمتع بالقراءة بقدر استمتاعك بها في السابق أو تخصص وقتًا لها.
إذا كنت لا تزال قارئًا متحمسًا، فأعتقد أنه بإمكانك الإشارة إلى بعض الخبرات الإيجابية مع الكتب في طفولتك، حتى وإن لم تحدث هذه التجارب في المدرسة. يمكنني أن أغلق عينيَّ الآن وأتذكر رسوم جاريث ويليامز في النسخة التي قرأتها كثيرًا من رواية لورا إنجلس وايلدر «بيت صغير في الغابة الكبيرة». ولا أزال أضحك مع إخوتي حتى الآن عندما نتذكر محاولاتنا العيش مثل الرواد في الفناء الخلفي لمنزلنا بعد قراءة كتب «البيت الصغير». وعندما أوصي الآن برواية «انثناء في الزمن» لمادلين لينجيل لأحد طلابي، أُخبره بأنني أعددت تقريرًا عن ذلك الكتاب وأنا في الصف السابع مزودًا برسم تسراكت هندسي (مكعب فائق رباعي الأبعاد)، واستخدمت خيطًا للتعبير عن الانثناء في الزمان والمكان، كما في الكتاب. بدأ وَلَعي بالفانتازيا والخيال العلمي، الذي استمر معي طوال حياتي، بهذا الكتاب. ولا أزال أضع هذين الكتابين أعلى قائمة أفضل عشرة كتب لديَّ، على الرغم من قراءتي آلافًا من الكتب منذ ذلك الحين.
نشاط التفكر في الذات
ما هي خبراتك مع القراءة في مرحلة الطفولة؟
هل كانت خبرات إيجابية أم سلبية بالنسبة لك؟
هل تَعتبر نفسك قارئًا الآن؟
كيف تشارك تجارب القراءة الخاصة بك — سواء الحالية أو الماضية — مع طلابك؟
ما هي فئة القرَّاء في فصلك التي تشعر أنك أكثر تماشيًا معها؛ القرَّاء الناشئون أم الخاملون أم السريُّون؟
ما النماذج التي احتذيتَ بها في القراءة؟
اذكر آخر خمسة كتب قرأتها.
كم من الوقت استغرقتْ قراءة هذه الكتب؟
ما الكتب التي قرأتها من أجل العمل أو لأغراض تتعلق بالدراسة؟
ما الكتب التي قرأتَها بغرض المتعة؟
إذا كنت تحب القراءة بالفعل، لكنك لا تخبر طلابك مطلقًا بذلك، فلماذا لا تفعل؟ لا تفعلْ مثلما فعلتُ في السنوات القليلة الأولى من عملي، وتترك القارئ الكامن بداخلك في المنزل لخوفك ألا يفهم أحد في المدرسة ما تفعله. نحن لا نريد أن يقسم الطلاب حياتهم مع القراءة إلى قسمين منفصلين — أحدهما في المدرسة والآخر في المنزل — وينبغي ألا نفعل ذلك أيضًا بدورنا. إن حبك للقراءة هو أفضل ما فيك. بوسعك استخدام معرفتك بالقراءة والكتب لإقامة علاقات مع الطلاب الذين لا يزالون يشكلون مفهومًا لِلذَّات كقرَّاء ويحتاجون إلى نموذج قوي يحذون حذوه؛ لذا، فإن ذلك هو أهم مورد تجلبه للفصل كل يوم.
(?-?) خطة تحسين القراءة
حتى إن لم يسبق لك أن كنت قارئًا نَهِمًا أو إن كنت قد فقدتَ حماسك للقراءة على مدار السنين، فإن الأوان لم يَفُتْ بعدُ على تنمية حب القراءة بداخلك. «تظاهر به حتى تكتسبه»، تَبَنَّ توجهًا أكاديميًّا إذا كان سيفيد. ضع خطة قراءة خاصة بك. إذا كنت تواجه صعوبةً في البدء، فإليك بعضَحتى إن لم يسبق لك أن كنت قارئًا نَهِمًا الخطوات التي يمكنك القيام بها:
«التزم بقدر محدد من القراءة يوميًّا»: عندما أسافر لمكان بعيد سواء كي أحضر مؤتمرًا أو ألقي خطابًا في إحدى المناسبات، أسمع دائمًا المعلمين يصرِّحون بعدم وجود وقت لديهم للقراءة. لكنني أعتقد أن بإمكاننا دائمًا إيجاد الوقت للشيء الذي نقدِّره. خصِّصْ خمس عشرة دقيقة يوميًّا للقراءة، وأنت في انتظار انتهاء طهي العشاء أو في أثناء ممارستك الرياضة على المشاية الكهربائية. هل يمكنك الاستيقاظ خمس عشرة دقيقة مبكرًا أو النوم متأخرًا عن موعدك المعتاد بخمس عشرة دقيقة؟ ماذا عن الوقت الذي تنتظر فيه أطفالك وهم في تدريب كرة القدم أو الباليه؟ هل لديك وقت في أثناء رحلتك اليومية من العمل وإليه؟ لماذا لا تقرأ في أثناء تنقلك بالحافلة أو القطار مثلما يفعل زوجي؟ إنني أقرأ ليلًا بعد نوم ابنتَيَّ. اختلِسْ بضع دقائق في الفصل كل يوم، واقرأ أثناء قراءة الطلاب.
«اختَرْ كتبًا تهتم بها بصفة شخصية»: قاوِمْ إغراء اختيار كتابٍ ما لأنك تعتقد أنه يمكنك استخدامه لاحقًا في التدريس. والأمر نفسه ينطبق على قراءة كُتب عن التربية أو أي موضوع يمكنك تدريسه؛ فخطة القراءة التي أتحدث عنها هنا تتعلق بالبحث عن المتعة في القراءة، لا العمل. وإذا لم يكن بإمكانك العثور على أي كتب تثير اهتمامك، تحدَّث مع الزملاء أو الأصدقاء الذين يقرءون أكثر منك واطلب منهم بعض الترشيحات. انظر أيضًا في واجهات متاجر الكتب وفي المكتبات. انضم إلى نادٍ للقراءة، أو أسِّسْ واحدًا مع زملائك. ابدأ في قراءة المراجعات النقدية للكتب.
«اقرأ مزيدًا من كتب الأطفال»: إذا كنتَ قد أحببتَ القراءة في طفولتك، فارجع إلى أنواع الكتب التي أحببتَها من البداية. إنني أحب قراءة كتب الأطفال لأن القصص والشخصيات فيها أكثر براءةً ونقاءً من الشخصيات التي أجدها في روايات الكبار. هذا فضلًا عن أن هذه الكتب تنتهي دائمًا نهايةً سعيدةً! إذا لم تتعلم حب القراءة في طفولتك، فقد حُرِمت من تجربة ممتعة. تملِك صديقتي جين روبنسون — صاحبة الموقع الإلكتروني «جين روبنسونز بوك بيدج» — حجةً قويةً بشأن السبب وراء وجوب قراءة مزيدٍ من كتب الأطفال على الكبار. فترى جين أن الكبار الذين لم يقرءوا في طفولتهم فقدوا جزءًا من إرثهم الثقافي، وفرصتهم في الإلهام، ووسيلة للتواصل مع الصغار في حياتهم. وعلى الرغم من أن جين ليست معلمة بالفصول المدرسية، فإن آراءها تعكس ما يعرفه الأشخاص الذين يقرءون طوال حياتهم.
بطبيعة الحال، إذا كنت تقرأ كثيرًا من كتب الأطفال، فستقترح بعض الكتب التي سبق لك قراءتها على طلابك أو ستقرأ كتابًا عظيمًا اكتشفتَه معهم. وسيشعر الطلاب بالامتنان لاهتمامك بنفس الكتب التي يحبونها أيضًا. عندما أقرأ كتب الأطفال أو كتب الشباب، أفكر في طلاب فصلي الذين سيَوَدُّون قراءة هذه الكتب بعدي. ما من شيء يشجع طلابي على قراءة مزيدٍ من الكتب من أن أناول أحدهم كتابًا وأقول له: «لقد انتهيت من قراءته لتوي، وأعرف أنه سينال إعجابك.»
لماذا يجب على الكبار قراءة كتب الأطفال؟ (بقلم جين روبنسون)
(?) لأنها ممتعة.
(?) لأنها تُبقي خيالك نشطًا.
(?) لأنها توطِّد علاقتك بالأطفال الذين يقرءون في حياتك.
(?) لأنها تجعل منك نموذجًا يُحتذَى به للأطفال في حياتك؛ مما يزيد من احتمالية أن يصيروا قرَّاءً.
(?) لأنها تثري معرفتك بالإشارات الثقافية التي ربما لم تكن قد عرفتَها (سواء الحالية أو الكلاسيكية).
(?) لأنها سريعة؛ فكتب الأطفال أقصر عادةً من كتب الكبار؛ لذا إذا لم تكن تعتقد أن لديك الوقت للقراءة، فلديك بالتأكيد وقت لقراءة كتب الأطفال.
(?) لأنها تسمح لك بقراءة عديدٍ من الأنواع الأدبية؛ فكتب الأطفال ليست قاصرةً على نوع واحد مثل الإثارة والتشويق أو الخيال العلمي أو الفانتازيا أو الرواية الأدبية، وإنما تشمل كل هذه الأنواع.
(?) لأنها أشبه بالسفر عبر الزمن؛ فهي وسيلة سهلة لتذكر الطفل الذي كنت عليه في السابق عندما قرأتَ كتابًا لأول مرة في حياتك.
(?) لأنها تكون تحفيزية في أغلب الأحيان؛ فالقراءة عن الأبطال والشجاعة والولاء تجعلك ترغب في أن تكون شخصًا أفضل. أَلَسْنا كلُّنا بحاجة إلى ذلك؟
(??) هل ذكرت أنها ممتعة؟
(المصدر: جين روبنسونز بوك بيدج، ????.)
«احصل على ترشيحات من طلابك»: عندما تختار القراءة في أدب الشباب أو الطفل، اسأل طلابك عما يمكنهم ترشيحه لك من كتب. إن لديَّ مجموعة كبيرة من الكتب أَعَارَها لي طلابي لأقرأها، ودائمًا ما يندهشون حين يقرءون كتابًا لم يسبق لي أن قرأتُه، ودائمًا ما يتلهَّفون إلى توسيع آفاق قراءاتي بالعناوين التي يقترحونها. لديَّ حاليًّا اثنا عشر كتابًا أعلى «جبل ميلر» أَقْرَضَها لي الطلاب، وأؤكد لك أنهم ينتظرون مني تقريرًا كاملًا عند انتهائي من قراءتها!
عندما تقرأ ما يقرؤه الطلاب، تكتسب معرفة متعمقة بشأن عادات القراءة والتفضيلات الخاصة بهؤلاء الطلاب؛ وفي ذلك الأنواع الأدبية التي يستمتعون بها، والسلاسل التي يخلصون لقراءتها، ومستوى القراءة الذي تنتمي إليه كتبهم، وجودة النصوص التي يقرءونها. يمكنك أيضًا إيجاد الكثير من الفرص لتوسيع آفاق قراءة الطلاب عن طريق النظر إلى ما لا يقرءونه بالإضافة إلى ما يقرءونه. فبتحديد الألوان الأدبية التي يتجنب الطلاب قراءتها، أو تحليل إن كانت الكتب التي يختار الطلاب قراءتها سهلة للغاية أم صعبة للغاية، يمكنك تحديد الجوانب التي يمكنك مساعدة الطلاب فيها لتطوير أنفسهم كقرَّاء.
«ابحث عن ترشيحات للقراءة من مصادر مجال صناعة الكتب»: تربطني علاقة مَحبة وكراهية في الوقت نفسه مع قوائم الكتب؛ فأي قائمةِ كتب تصبح قديمة على الفور، ويصعب الاحتفاظ بقائمة كتب مقترحة لا تصير قديمة بمجرد نشرها؛ لهذا السبب، أرفض نشر أي نوع من قوائم القراءة الموصى بها للمعلمين الذين يرغبون في نقطة انطلاق يدخلون من خلالها إلى عالم القراءة. لكنك إذا رجعت إلى الملحق (ب)، فسترى أن طلابي قد شاركوا «قائمة أفضل الكتب» الخاصة بهم التي تزخر بترشيحات مذهلة. ومن المهم البقاء على اطلاع بالكتب المتاحة قراءتُها لطلابك؛ أي الكتب الجديدة وذات الصلة من الناحية الثقافية، بالإضافة إلى الكتب الكلاسيكية الثابتةِ الفائدةِ والقيِّمة. ذُكِر أيضًا كثير من الكتب على مدار هذا الكتاب، ويمكنك الاستقاء من أيٍّ من الموارد التي ذكرتها لوضع قائمة أساسية بالكتب التي ثبت أنها تثير اهتمام الطلاب.
أستعين بمواقع الإنترنت والمجلات المتخصصة في مجال الكتب كموارد للترشيحات؛ لأنها تُحدَّث أو تُنشَر على فترات متقاربة غالبًا. إنني أجد أن كتب القوائم التي أستعين بها، مثل كتاب بلاسينجيم «الكتب التي لا تصيبهم بالضجر»، تحتوي عادةً على أوصاف تفيد في تقديم الكتب المناسبة للقرَّاء، أو لقاءات مع مؤلفين مرموقين، أو معلومات أخرى تظل مفيدة لي بعد أن تصبح القوائم قديمة.
كتب ومواقع إلكترونية مفيدة
«جمعية الخدمات المكتبية للأطفال»: الجوائز الأدبية (http://www.ala.org/ala/alsc/awardsscholarships/literaryawards/literaryrelated.cfm) يتضمن هذا الموقع الإلكتروني جوائز نيوبيري، وكالديكوت، وبرينتز، وكوريتا سكوت كينج، التي تمنحها جمعية المكتبات الأمريكية كل عام. وقائمة نيوبيري وحدها مصدر ثري لأفضل نصوص الأدب الأمريكي على مدار القرن الماضي للأطفال.
«الكتب التي لا تصيبهم بالضجر»: «كتب الشباب التي تتواصل مع هذا الجيل» (بلازينجيم، ????). من خلال قوائم الكتب التي تتناول موضوعات مثل «ضد التيار» و«المرفوضون والمنبوذون»، يقدم بلازينجيم نظرة عامة عن الكتب الشهيرة التي تتناول المسائل الاجتماعية والاهتمامات الشخصية للشباب. وهذا النص لا يقتصر فقط على القوائم، وإنما يتضمن أيضًا لقاءات متعمقة مع مؤلفين مشهورين، مثل آفي ونانسي فارمر، بالإضافة إلى نصائح حول كيفية انتقاء الكتب العالية الجودة، التي تثير اهتمام المعلم والطلاب على نحو كبير.
«جودريدز» (www.goodreads.com): جودريدز موقع إلكتروني مجاني للتواصل الاجتماعي بين القرَّاء. ينشئ الأعضاء أرففًا للكتب التي قرءوها، أو يقرءونها، أو يخططون لقراءتها، ويتشاركون هذه القوائم مع أصدقائهم المدعوين. وهذا المخزون اللانهائي من مراجعات الكتب، والمسابقات، والقوائم يثري أكثر الأشخاص ولعًا بالقراءة؛ فأنا عن نفسي أشارك الكتب والقوائم مع طلابي السابقين والمعلمين بجميع أنحاء الولايات المتحدة، وأتصفح عادةً قوائم أصدقائي وأرفف كتبهم بحثًا عن كتب جديدة.
«جين روبنسونز بوك بيدج» (http://jkrbooks.typepad.com/): تمثل جين — التي حصلت على درجة الدكتوراه في الهندسة الصناعية وشاركت في تأسيس شركة برامج الكمبيوتر الخاصة بها — نموذج الشخص الذي يقرأ على مدار حياته الذي نأمل في تنشئته. وتزخر مدونتها ومنشوراتها الثرية على الويب بالآراء النقدية والأفكار الشخصية المفصلة حول عالَم كتب الأطفال ومؤلفيها ونشر هذه الكتب. تقرأ جين أكثر مني، وذوقها في الكتب سديد. أتابع مدونتها بانتظام فقط كي أتفقَّدَ ما تقرؤه!
«تين ريدز دوت كوم» (www.teenreads.com/): لا يستهدف هذا الموقع الإلكتروني المعلمين، وإنما يستهدف الطلاب. إن التصميم والسمات المتطورة فيه مثل «الفيديو/البودكاست» وقسم «كول آند نيو»، والاستفتاء الشهري تجمع جميعًا بمهارة بين أحدث أدوات التواصل لإنشاء موقع ممتع وعصري عن القراءة للقرَّاء المراهقين في الوقت المعاصر. تصفح قائمة أفضل ما يقرؤه المراهقون «ألتيمت تين ريدينج» المحدثة للاطِّلاع على أكثر من ??? كتابًا رشحها القرَّاء على الموقع لتكون من بين خيارات القراءة المثالية. وأنا أستعين برابطَي «كتب جديدة ذات أغلفة ورقية» و«يصدر قريبًا» لكي أظل متقدمة على طلابي في الاطلاع على أحدث الكتب.
«أَعِدَّ دفتر القارئ خاصتك»: في بداية كل عام، بينما ينشغل كل طالب بالقص واللصق مُعِدًّا دفتر القارئ الخاص به، أُعِدُّ أنا الأخرى دفترًا جديدًا لنفسي. وأسجِّل كل الكتب التي قرأتُها أو تركتها على مدار عام كامل في دفتر واحد، مثلما أطلب من الطلاب أن يفعلوا. وكل دفتر يمثل سجلًا لما قرأتُه على مدار الأعوام، وأستخدم قوائم القراءة الخاصة بي لطلب الكتب لمكتبة الفصل أو تقديم الترشيحات لطلابي وأصدقائي.
«تأمَّلْ ما تقرؤه»: لا أقترح أن تكتب ملخصات عن كل كتاب تقرؤه أو ردود فعلك الشخصية تجاهه، لكن يمكنك فعل ذلك إن أردت. فكِّرْ فيما تقرؤه، ولاحِظْ ما يعجبك في الكتاب أو ما لا يعجبك. ما الذي يجعل قراءته صعبة أو ممتعة؟ ما الذي يعلق في ذاكرتك بشأن الكتاب عند انتهائك منه؟
(?-?) أَخبِر الطلاب عن الصعوبات التي تواجهها
بالإضافة إلى النصائح التي ذكرتُها فيما سبق، أرى أنه من المهم إخبار طلابي بالصعوبات التي أواجهها في القراءة. حين قرأت رواية «زوجة المسافر عبر الزمن» في نادي القراءة الذي أشترك فيه، تحدثت مع طلابي بشأن مدى الصعوبة التي لاقيتها من قراءة الكتاب. لقد استمتعت به كثيرًا، لكن التبديل بين الرواة والتغييرات في السياقات جعلت من الصعب عليَّ متابعة الأحداث. واعترفت لطلابي بأنني اضطُررت إلى الإبطاء في إيقاع قراءتي والتركيز على التفاصيل بقدرٍ أكبر مما أفعله مع أي سرد متسلسل زمنيًّا. وقد اندهشوا عندما عرفوا أنني، أيضًا، أواجه صعوبات في القراءة.
أَخبِر طلابك بما تستمتع به في الكتب التي تقرؤها، وما يجعلها صعبة عليك، والاستراتيجيات التي تتبعها لتجاوز النصوص الصعبة. يشعر الطلاب بالنقص عندما يضطرون إلى التقدم بصعوبة، لكن معرفتهم بالصعوبات التي تواجهها في القراءة يمكن أن تساعد في تعزيز اعتدادهم بأنفسهم. لقد رأيت معلمين «يتصنَّعون» أنهم يواجهون عقباتٍ في القراءة أمام طلابهم، خلال توجيههم لهؤلاء الطلاب في التدريب على الاختبارات. لكن الطلاب يعلمون أنه ما من معلم يواجه صعوبات في قراءة فقرة بمستوى طلاب الصف الخامس، وادعاءُ ذلك لا يسفر إلا عن تراجع ثقتهم بالمعلم؛ لذا، من الأفضل أن تكون صادقًا.
إن التنحي جانبًا ومطالبة الطلاب بالقراءة لا يجدي نفعًا مع معظمهم، فكيف يتسنى لهم أن يصبحوا قرَّاءً إذا لم تكن أمامهم نماذج يحتذون بها؟ تذكَّرْ أنك أفضل قارئ في الفصل، القارئ المحترف. أَظهِر حبَّك للقراءة بفخر أمام الطلاب كل يوم؛ ففي الواقع، لا يمكنك تشجيع الآخرين على فعلِ ما لا تجد في نفسك حافزًا للقيام به في المقام الأول.
الفصل السادس
كسر قيود المعلم
القراءة ليست فرضًا؛ وعليه، ما من سبب يدعو لتحويلها إلى أمرٍ كريه.
أوجستين بيريل
أعتقد أن أسوأ كابوس مررت به كان العام الماضي عندما فُرض علينا جميعًا قراءة نفس الكتاب، وحل أوراق التدريبات، وتسجيل ملاحظاتنا بعد كل فصل من الكتاب.
كريستينا
في خريف عام ????، مَنحتْ معاهد الصحة الوطنية الأمريكية ?? مليون دولار لأربعة مراكز بحثية — وهي جامعة كولورادو في بولدر، وجامعة ولاية فلوريدا، وجامعة هيوستن، ومعهد كينيدي كريجر في بالتيمور — في محاولة منها للكشف عن سبب تراجع الاهتمام بالقراءة والقدرة عليها مع اقتراب الطلاب من مرحلة المراهقة (صامويلز، ????). وفي حين أني لا أستطيع تقديم تفسير وافٍ لانخفاض الهمة في القراءة أو سبب إصابة كثيرٍ من الطلاب بها، يمكنني إخباركم بمَن يجب أن تسألوه عن هذا الأمر؛ إنهم الأطفال أنفسهم.
على مدار عملي بمهنة التدريس، يخبرني الطلاب باستمرار بأن القراءة على النحو الذي تُدرَّس وتُقيَّم به عادةً تشجعهم في الواقع على كرهها. أخبرتني طالبتي سكايلر في أثناء أحد اجتماعاتنا: «تكون القراءة أمرًا شاقًّا عندما نستغرق وقتًا أطول في حل أوراق التدريبات حول كتابٍ ما مقارنةً بقراءتنا الفعلية لكتاب.» وأخبرتني دانا كذلك عن خبراتها السابقة في الصف الخامس قائلةً: «كنا نقرأ كل يوم فصلًا من أحد الكتب، ونقضي بقية اليوم إما في مناقشته وإما في حل أوراق التدريبات الخاصة به. وعندما جاء وقت تقارير الكتب، كنت أقرأ الكتاب في يومين وأنتهي من التقرير الخاص به بحلول نهاية الأسبوع. وكان لا يزال علينا أن نعمل على التقرير لأسبوعين لاحقين، بينما أنا لا أجد ما أفعله نظرًا لانتهائي منه بالفعل.»
لقد أصبحت القراءة عملًا مدرسيًّا، لا نشاطًا يؤديه الأطفال طوعًا خارج المدرسة. يقيِّد المعلمون القراءة بكثير من القيود؛ مما يمنع الطلاب من بناء علاقة ممتعة مع القراءة سواء داخل الفصل أو — للأسف — خارجه. كتبت جوردان، إحدى طالباتي، قائلة: «أود أن أصرخ قائلةً: «هذا لا يفيدنا»»، مشيرةً إلى التدريبات اللانهائية المرتبطة بقراءة الكتب في المدرسة.
(?) الالتفات للممارسات التقليدية
يطلب منا ناظر المدرسة التي أعمل بها، باعتبارنا فريق التدريس في المدرسة، أن ندقق في الممارسات التقليدية ونتساءل إن كانت هذه الممارسات هي ما يصفه رائد السياسات التعليمية ريتشارد إلمور ? «الممارسات المُسلَّم بها»؛ أيْ ممارسات الفصل المدرسي والسياسات المؤسسية المتأصلة في ثقافة المدرسة أو النظام الفكري للمعلم إلى درجة تَحُول دون التحقق من قدرتها على التأثير في تعلم الطلاب على الإطلاق. هل الأنشطة والتقييمات التي نستخدمها تحقق الأهداف التعليمية التي نرمي إليها؟ أم إننا اعتدنا على أدائها دائمًا فحسب؟
مثلما ذكرت في الفصل الثالث من هذا الكتاب، عندما أصادف إحدى الممارسات المنتشرة على نطاق واسع في فصول القراءة، أفكر في الهدف منها، ثم أبحث عن سبل لتصحيح وضعها كي تكون أكثر تحفيزًا لطلابي وأكثر تماشيًا مع معتقداتي الشخصية عن القراءة والعادات والمهارات التي يتمتع بها القرَّاء المداومون على القراءة طوال حياتهم، وليس من يقرءون في المدرسة فقط.
لنكشف عن بعض الموارد المُجرَّبة والمفيدة (لا شك أنها مُجرَّبة، لكن هل هي مفيدة حقًّا؟) في آداب اللغة، ونتحقق من أهداف التعلم المرادة منها. علاوة على ذلك، لنفكرْ في البدائل التي تحقق الأهداف نفسها، لكنها أكثر تماشيًا مع عادات القرَّاء الحقيقيين وأكثر ما يهم الطلاب.
(?) ممارسة تقليدية: الروايات المفروضة على الفصل بأكمله
ليس علينا تدريس كتب عظيمة؛ وإنما علينا تعليم الطلاب حب القراءة.
بورهوس فريدريك سكينر
يضع المعلمون وحدات تعليمية مستفيضة حول روايات بعينها، مُحلِّلين نص الرواية إلى مفاهيم منفصلة لدراستها على نحو أكثر تفصيلًا. وإذا كنتَ معلمًا جديدًا، فقد ترى أن أفضل ما يمكنك أن تطمح فيه للاستمرار في المهنة هو أن يقدم لك معلم أكثر منك خبرةً حجر رشيد الذي سيفك لك شفرة الأسلوب الذي من المفترض منك اتباعه في تدريس القراءة، بالإضافة إلى جميع الأنشطة التي تحتاج إليها «لحمل الطلاب على الانتهاء» من قراءة الكتب. وإذا لم يكن لديك هذا المعلم المرشد الذي يقدم لك خططًا للدروس، فما عليك سوى البحث في متجر لوازم المعلم في منطقتك حيث يوجد كمٌّ هائل من وحدات الروايات المُعدَّة مُسبَّقًا في انتظارك.
تضع بعض المدارس والمناطق التعليمية قوائم بالروايات المطلوب من الطلاب قراءتها في كل صف. وتُبجَّل هذه القوائم كما لو كانت قانونًا مقدسًا، بالرغم من عدم وجود معيار قومي واحد يَفرض على الطلاب قراءة نصوص معينة.
إن تدريس الروايات المفروضة على الفصل بأكمله لا يؤدي إلى تنشئة مجتمع من المثقفين. لتَستطلِعْ آراء أصدقائك وأقاربك في هذا الشأن (ممن لم يصيروا معلمين)، واسألهم عن شعورهم تجاه الكتب التي قرءوها في المدرسة الثانوية، ثم عن مقدار قراءتهم الحالية. في المقال، الذي نُشِر بصحيفة «فاي دلتا كابان»، تحت عنوان «وداعًا لرواية «وداعًا للسلاح»: دحض مفهوم الرواية الواحدة للفصل بأكمله»، يثير دوجلاس فيشر وجاي أيفي التساؤلات حول الاستعانة الواسعة الانتشار بمنهجية التدريس القائمة على فرض رواية واحدة على الفصل بأكمله في فصول القراءة، مشيرَين إلى أن: «الطلاب لا يقرءون أكثر ولا يتحسنون في القراءة نتيجة تطبيق منهجية فرض رواية واحدة على الفصل بأكمله، وإنما على العكس يتراجع مقدار قراءتهم وحافزهم للقراءة وانجذابهم إليها واحتمالية أن يقرءوا في المستقبل.»
ومن ثم، إذا كان اشتراك الفصل في قراءة كتاب واحد لا يحسِّن قدرة الطلاب على القراءة أو يزيد استمتاعهم بها، فما الهدف من هذه الممارسة إذن؟ يؤكد بعض المعلمين على أن هذه الممارسة بالغة الأهمية لتعريف الطلاب بالأعمال الأدبية العظيمة (مثل أعمال جون ستاينبيك، ومارك توين، وناثانيال هوثورن) باعتبارها جزءًا من إرثهم الثقافي. لكن ما السبل الأخرى التي يمكننا تحفيز المراهقين من خلالها على القراءة لهؤلاء الكتَّاب من تلقاء أنفسهم؟
لا أختلف مع هذا الهدف من الناحية النظرية؛ فقد كان عليَّ أن أبتسم في الواقع عندما أشارت ابنتي المراهقة إلى مدينة «سالم» في مزحة من مزحاتها، بعد قراءة مسرحية «البوتقة». لكن هل كل ما استفادته من قراءة مسرحية آرثر ميلر هو القدرة على صياغة إشارة أدبية بليغة؟ لا ريب أن قراءة الأعمال الأدبية المهمة من الناحية التاريخية والثقافية تعزز المعرفة العامة للقرَّاء، لكن بأي مقابل؟ إن ابنتي المراهقة لا تقرأ سوى الكتب التي تفضلها في الصيف؛ لأنها تكون مثقلة بالقراءة المفروضة عليها في أثناء العام الدراسي. إن الاعتماد على حمية أدبية قوامها الأساسي الأعمال الكلاسيكية فحسب لا يتيح للطلاب فرصة استكشاف أذواقهم الشخصية في نصوص القراءة، ويضيِّق منظورهم للقراءة لتصبح قاصرة على كوْنها مهمة مدرسية مكلفين فيها بالتحليل المفرط للنصوص الأدبية؛ لذا، لا بد من وجود توازن بين ضرورة تعليم الطلاب الأدب وضرورة تيسير تطورهم ليصبحوا قرَّاءً لمدى الحياة. ماذا عن الهدف الأعظم المتمثل في تشجيع الطلاب على القراءة عند انتهاء وقت تحليل الأعمال الكلاسيكية؟
(?-?) ما يناسب البعض لا يناسب الكل
إن تلقين العقل أعمال الأدب الكلاسيكي يُبطل، على ما يبدو، جميع الأهداف الأخرى المحددة للقرَّاء في فصولنا. يستطيع المعلمون دائمًا الإشارة إلى قليل من الطلاب الذين يحبون هذه الأعمال الكلاسيكية، لكنني أعترض بأن هؤلاء أقلية، أو أن عددًا قليلًا منهم هم من يصيرون قرَّاءً في المستقبل نتيجة لقراءة هذه الأعمال؛ فما السبب وراء ذلك؟ ليس كل طالب يجتاز الدراسة في فصولنا يُقدَّر له أن يصير متخصصًا في الأدب الإنجليزي، ولا يمكننا إعداد منهجنا التدريسي كما لو كانوا جميعًا سيتخصصون في هذا المجال. إن استخدام وحدات الروايات المفروضة على الفصل كله كوسيلة أساسية لتعليم القراءة ينطوي على مشكلات متأصلة، وقد قادتني رؤيتي لهذه المشكلات في فصلي وفصول أخرى، واستماعي لشكاوى طلابي بشأن وحدات الروايات المفروضة عليهم جميعًا إلى الحقائق التالية:
«ما من نص واحد يمكنه تلبية احتياجات جميع القرَّاء»: فالفصل المدرسي النموذجي متباين العناصر قد يضم طلابًا تتفاوت مستوياتهم ما بين أربعة صفوف دراسية أو أكثر. من المستحيل أن تعثر على كتاب بمستوًى تعليمي مناسب لجميع هؤلاء الطلاب. والسبيل الوحيد للتمييز بين مثل هذه المجموعة المتنوعة من القرَّاء هو إتاحة حرية أكبر في اختيار مواد القراءة.
«قراءة الفصل كله لرواية واحدة يستغرق وقتًا طويلًا للغاية»: فقضاء شهر أو أكثر في تدريس نص واحد يستهلك وقتًا طويلًا كان من الممكن أن يقضيه الطلاب في قراءة عدد أكبر من الكتب في مجموعة أكبر من الموضوعات. فأبطأ قارئ في فصول الصف السادس التي أدرِّس لها يحتاج أسبوعًا واحدًا فقط أو نحو ذلك للانتهاء من أي كتاب في مستوى قدرته على القراءة. لك أن تقدِّر الأمر بنفسك.
«الاجتهاد في العمل على رواية واحدة يقلل من الفهم»: إن تقسيم الكتب إلى فصول يُصعِّب على الطلاب الاندماج في القصة. فلا يتبع الكثير من الناس خارج المدارس أسلوب التقسيم هذا.
«عدم كفاية وقت القراءة»: تمتلئ كثير من وحدات الروايات بما تطلق عليه لوسي كالكينز «الفنون والمهارات القائمة على الأدب»؛ تلك التدريبات الإضافية والممتعة التي يكون الغرض منها إثارة اهتمام الطلاب، لكنها تستهلك الوقت الذي كان من الممكن للطلاب القراءة أو الكتابة خلاله.
«منهجيةُ التدريسِ القائمةُ على فَرْضِ روايةٍ واحدةٍ على الفصلِ بأكملِه تتجاهلُ اهتمامَ الطلابِ بما يحبون قراءتَه»: تصبح القراءة تدريبًا على ما يتوقع المعلم من الطالب الاستفادة به من الكتاب الذي اختاره له، وهي طريقة أكيدة النجاح لقتل الدافع الداخلي لديه للقراءة.
«منهجيةُ التدريس القائمةُ على فرض رواية واحدة على الفصل بأكمله تستهين بخبرات القراءة السابقة»: ماذا عن الطلاب الذين سبق لهم قراءة الكتاب المفروض عليهم بالفعل؟ رغم أنه لا شك أنهم عدد قليل من الطلاب، لكن بعض طلاب الصف السادس الذين أدرِّس لهم قرءوا بالفعل روايتَي «أن تقتل طائرًا بريئًا» و«الغرباء»، وهما كتابان أعلم أنهما يُدرَّسان للصفوف الأعلى من الصف السادس؛ فهل من المتوقع من هؤلاء الطلاب قراءة هذه الكتب مرة أخرى؟ إن القرَّاء المتقدمين يستحقون بدورهم أن تُتاح لهم الفرصة لمتابعة تطورهم كقرَّاء.
لا شك أن الطلاب يستفيدون من التحليل العميق للأدب الذي تقدمه النظرة المتعمقة في كتاب واحد، لكن لا بد من وجود توازن بين تجزئة أي كتاب لدراسة محتوياته من جانب، واختبار مجمل ما يقدمه الكتاب من جانب آخر. وثمة سبل أخرى لتعليم مهارات القراءة والتحليل النقدي غير الاستفاضة في كتاب واحد لأسابيع. ولنتذكر دائمًا هدفنا الأعظم؛ حث الطلاب على القراءة على المدى الطويل.
(?-?) حل بديل: إعادة النظر في منهجية التدريس القائمة على فرض رواية واحدة على الفصل كله
إن أول اقتراح أقدِّمه بشأن موضوع منهجية فرض رواية واحدة على الفصل بأكمله هو تقييم إن كنت بحاجةٍ حقًّا لقراءة نصوص معينة مع طلابك أم إن ذلك ليس سوى تقليد اعتدنا عليه. فعندما تكون الإدارة التي تَتْبع لها قد استثمرت أموال الميزانية والوقت في عدد كبير من مجموعات الروايات المفروضة على الفصل بالكامل، يكون من الصعب الهروب من الموقف المتعصب المؤيد لفكرة أن فرض قراءة نفس الكتاب على كل طلاب الصف الدراسي هو أفضل أسلوب لتعليم الطلاب.
وإذا طالبَتْك المنطقة التعليمية، أو إدارة آداب اللغة، أو ثقافة المدرسة بقراءة نصوص معينة مع طلابك، فابحث عن سبل لتقديم الدعم لطلابك الذين قد يكونون غير قادرين على قراءة الكتاب وحدهم، وضَعْ قيدًا على مقدار الوقت الذي تقضيه في قراءة الكتاب.
وفيما يلي بعض الطرق التي يمكن اتباعها للوصول إلى حل وسط في هذا الشأن:
«اقرأ الكتاب بصوت مرتفع على طلابك»: فقدرتك على قراءة نص غير متاح أو عسير بالنسبة لكثير من الطلاب بطلاقة يساعدهم على الفهم وتطوير حصيلتهم من المفردات والاستمتاع. يستطيع الطلاب الاستعانة بجهدهم الذهني في بناء المعنى من الكتاب بدلًا من تفسير اللغة.
«شارِكِ الطلاب في قراءة الكتاب»: تتضمن هذه المشاركة أن تقرأ بصوت مرتفع للطلاب، بينما يتبعك كلٌّ منهم بالقراءة من نسخته. علاوةً على فوائد القراءة بصوت مرتفع، يمكن أن تزيد المشاركة في القراءة من سرعة الطلاب في القراءة؛ لأنه سينبغي عليهم مواكبة قارئ أسرع منهم في معدل القراءة، هذا فضلًا عن تحسُّن تعرُّف الطلاب على المفردات عند رؤيتها؛ لأن الكلمات التي يجهلونها تُنطَق لهم. مرة أخرى، يمكن توجيه تركيز الطلاب نحو الفهم بدلًا من محاولة التفسير.
«انظر بعين ناقدة في الأنشطة الإضافية والتدريبات المتعلقة بالفنون والمهارات»: إن أي نشاط لا يتضمن القراءة أو الكتابة أو المناقشة يمكن أن يكون نشاطًا زائدًا يسلب من الطلاب فُرَصَهم في أن يصبحوا قرَّاءً وكتَّابًا ومفكرين. ويذكِّرنا ريتشارد ألينجتون في كتابه «أمور مهمة للقرَّاء المتعثرين» بأننا «عندما نخطط لقضاء ستة أسابيع في تدريس رواية «جزيرة الدلافين الزرقاء»، فإننا نخطط للحد من قراءات الأطفال وشَغْل وقت الفصل بأنشطة أخرى.»
«قلِّصْ عدد العناصر الأدبية ومهارات القراءة التي تدرسها بنحو واضح مستعينًا بكتاب واحد (فيشر وآيفي، ????)»: لا تحاوِل استخدام نص واحد لتعليم الطلاب كل شيء يحتاجون لمعرفته عن الرمزية أو التشخيص أو اللغة المجازية. ركِّز على تدريس العناصر والمهارات التي يحتاج إليها الطلاب لفهم هذا النص تحديدًا. والأمر نفسه ينطبق على أهداف التدريس الصريحة المتعلقة بالمفردات؛ فأنا أُفضِّل تقديم خمسة عشر نصًّا مختلفًا لطلابي لتحقيق أهدافي التعليمية على أن استخدم كتابًا واحدًا فقط، متوقعةً أن يقدم هذا الكتاب كمًّا هائلًا من المفاهيم الأدبية لهم.
لا يمكنني إنكار مزايا قراءة كتاب واحد مع فصل كامل من الطلاب؛ فالنص يمثل نموذجًا للمهارات والمعرفة التي تدرسها، كما تحقق خبرة تثقيفية مشتركة يمكنك الإشارة إليها في المستقبل، وقراءة كتاب واحد معًا يعزز أيضًا الترابط بينك وبين طلابك. ويتضمن تحقيق التوازن البحثَ عن أساليب تحترم هذه الأهداف، مع التخلص من العوامل التي تجعل من منهجية فرض رواية واحدة على الفصل بأكمله ممارسة تضر بمصلحة الطلاب.
(?-?) حل بديل: التركيز على القرَّاء، لا الكتب
تتيح المنطقة التعليمية — التي أَتْبع لها — للمعلمين حرية اختيار المواد التي يستخدمونها للوفاء بالمتطلبات التعليمية لمعايير ولاية تكساس ومدى منهج المنطقة التعليمية وتتابعه. فلا بد أن يتخرج الطلاب في فصلي وهم يعرفون كيفية القراءة بأسلوب نقدي والكتابة جيدًا، لكن كيفية تدريس ذلك تُترَك لي. إذا كنت مثلي ومن المتوقع منك تدريس معايير فقط، لا كتب محددة، فعليك بالتفكير في الأساليب التالية:
«اختر موضوعًا أو مفهومًا من المتوقع من الطلاب فهمه، واجمع مجموعة واسعة النطاق من النصوص حول هذا الموضوع، وقسِّم الطلاب لمجموعات بحيث تشترك كل مجموعة في كتاب واحد»: إنني أستعين بمجموعات الكتب في مادة آداب اللغة أو الدراسات الاجتماعية لأن هذا النظام يسمح لي بتدريس المفهوم أو المهارة المنشودة، وتقديم نصوصٍ مختلفة للطلاب لتحقيق هذه الأهداف. بطبيعة الحال، يمثل استخدام عناصر أدبية أو موضوعات عامة كأساس للتدريس بدلًا من استخدام نص واحد إقرارًا على وجود مجموعة واسعة النطاق من مستويات القراءة والاهتمامات في الفصل المدرسي الواحد. ولقد توصلت إلى أن هذا هو أيسر سبيل أمام معلم القراءة لتمييز تدريس القراءة.
والخطوة الأولى في تطبيق مجموعات الكتب هو اتخاذ القرار بشأن المفهوم أو الموضوع الذي يتعين عليك تدريسه. اكتب بضعة أسئلة إرشادية تودُّ أن يتمكن الطلاب من الإجابة عنها للاستدلال على استيعابهم للمفهوم المستهدف من قراءة الكتاب الذي بين أيديهم. بعد ذلك، اختر كتبًا ذات صلة من ناحية المفهوم أو الموضوع، سوف يكوِّن الطلاب مجموعات على أساس اختياراتهم من الكتب التي جمعتها.
ولمساعدة الطلاب على استعراض الكتب، أستخدمُ نشاط تمرير الكتب، وهو نشاط ابتكرَتْه جانيت ألِن. يبدأ الطلاب باختيار كتاب لاستعراضه، ويسجلون العنوان واسم المؤلف في سجل تمرير الكتب؛ ومن ثم، يستعرض الطلاب الكتاب، ويطَّلِعون على عبارة النبذة الدِّعائية على الغلاف، ويقرءون الصفحة الأولى أو نحو ذلك، ويقلِّبون صفحات الكتاب للاطلاع على الصور. وبعد الاستعراض، يسجل الطلاب بضع ملاحظات عن الكتاب في السجل الخاص بهم، ويصنفون الكتاب بالنجوم للإشارة إلى مدى اهتمامهم بقراءته.
وعندما أُعلنُ انتهاء الوقت، يمرر كل طالب الكتاب الذي استعرضه للطالب المجاور له، ويواصلون عملية الاستعراض مع الكتاب التالي. وبعد الانتهاء من تمرير معظم الكتب، يكتب الطلاب أسماء أكثر ثلاثة كتب يودُّون قراءتها على ظهر سجل تمرير الكتب الخاص بهم، ويعطونني إياه، فأُلقي نظرة على اختياراتهم لتحديد مجموعات الدراسة، وأضع في الاعتبار مستويات القراءة للكتب المختارة، وبالاستعانة بما لديَّ من معرفة عن الكتب وقدرات كل طالب، أحدد الكتاب الأكثر ملاءمةً لكل طالب. وأضع في الاعتبار أيضًا المسائل الإدارية، مثل نشاط كل مجموعة وعدد النسخ المتوافِرة لديَّ من كل كتاب.
على سبيل المثال، عندما كان طلاب فصلي يَدْرسون الحرب العالمية الثانية في مادة الدراسات الاجتماعية، أردت أن يفهموا مجموعة وجهات النظر المتعددة حول هذا الصراع عن طريق قراءة مجموعة متنوعة من الكتب. ومن خلال نشاط تمرير الكتب، اختار الطلاب كتبًا تتناول موضوع الحرب العالمية الثانية من مكتبة الفصل الزاخرة، وقرءوها على مدار الأيام الثمانية لورشة عمل القراءة في الفصل، وحددت كل مجموعة أهدافًا للقراءة لأفرادها عن طريق الاجتماعات اليومية. وحين كان الطلاب يحتاجون إلى اصطحاب الكتاب معهم إلى المنزل لمجاراة بقية أفراد مجموعتهم، كانوا يفعلون ذلك.
تمحورت كل الكتابات والمناقشات فيما بين أفراد مجموعات الكتب، بل فيما بين أفراد الفصل بأكمله، حول سؤالين جوهريين؛ ألا وهما: «كيف اشتركت الشخصيات الموجودة في الكتاب (أو الأفراد في حال كان الكتاب غير روائي) في الحرب؟» و«ماذا كانت العواقب القصيرة المدى والطويلة المدى عليهم؟» وهذه الدراسة القائمة على الموضوع أتاحت لطلابي الفرصة لتقييم وجهات النظر المذكورة في الكتب التي قرأها طلاب آخرون، بالإضافة إلى وجهات النظر التي وجدوها في الكتب التي قرءوها بأنفسهم. فدَرَسْنا وجهات نظر أمريكيين من أصل ياباني وجنود ألمان، وضحايا الهولوكوست، وأطفال من الذين حارب إخوانهم وآباؤهم في الحرب. وقد وجدت أن مناقشاتنا في الفصل عن الحرب العالمية الثانية كانت أكثر ثراءً مما لو قرأنا جميعًا الكتاب نفسه؛ وذلك لأن الطلاب تناولوا الموضوع من وجهات نظر مختلفة، ومتناقضة في أغلب الأحيان. وخرج طلابي من هذه الوحدة بفهم أوسع نطاقًا للحرب وآثارها على جميع الأشخاص الذين مسَّتهم.
«استخدِمْ قصصًا قصيرة أو مقتطفات أو قصائد لتعليم العناصر الأدبية أو مهارات القراءة، واطلبْ من الطلاب تطبيق ما فهموه على كتبهم المستقلة»: من خلال استخدام التسلسل التعليمي المتمثل في تقديم الأمثلة والممارسة المشتركة والممارسة المستقلة، فما أقدمه من أمثلة وأمارسه مع الطلاب دائمًا ما يصبُّ في تطبيق مهارة أو تقييم مفهوم معين بالاستعانة بالكتب التي يختارونها بأنفسهم.
عندما أدرِّس مفهوم الصراع الأدبي لطلاب الصف السادس، أتناول تعريفات أنواع الصراع عن طريق ضرب أمثلة من الكتب والأفلام التي يعرفها الطلاب جيدًا. بعد ذلك، نقرأ عديدًا من القصص القصيرة من الكتاب الدراسي الخاص بالأدب، ونحدد الصراعات في هذه القصص، وأحلل الحلول في كل قصة منها؛ ثم أطلب من الطلاب بعد ذلك أن يعود كلٌّ منهم إلى روايته المستقلة، وأن يحدد الصراع (أو الصراعات) الموجودة فيها، وتقييم الكيفية التي حُلَّت بها هذه الصراعات. وتحاكي هذه العملية كيفية استعانة المعلمين عادةً بالروايات التي يقرؤها الفصل بأكمله لتعليم المفاهيم الأدبية، لكن مع اختلافين بارزين؛ ألا وهما: تستغرق خطوة عرض الأمثلة وقتًا أقل بكثير من وقت قراءة الكتاب بالكامل، وفي نهاية تدريسي يبدأ الطلاب في القراءة المستقلة، لا البحث عن الإجابات نفسها في كتاب واحد. والطلاب الذين يمكنهم إظهار المهارة بهذا الأسلوب لا يثبتون لي أنهم يستوعبون مفهومَي الصراع الأدبي والحل فحسب، وإنما يفهمون القصة التي يقرءونها أيضًا، دون الحاجة لتقارير الكتب.
لقد تعلمت أن منهجية التدريس بفرض رواية واحدة على الفصل بأكمله ليست أفضل وسيلة لتعليم القراءة والكتابة في الفصل المدرسي؛ لأنها تحرم الطلاب الذين لا يمكنهم قراءة الكتاب المكلف قراءته على الفصل وحدهم، أو الطلاب الذين لا يهتمون بهذا الكتاب؛ من حقوقهم. يتبادل الطلاب الكتب لإعجابهم بها وشعورهم بأنها هادفة، ويرجون منك قراءتها عليهم بصوت مرتفع، ويتجادلون حول دوافع الشخصيات في الكتب التي يقرءونها؛ كل هذه الأنشطة تشير إلى أن الطلاب يقرءون ويستوعبون كل ما نتمنى أن يستوعبوه من القراءة. وهكذا، فإن تفاعلاتي اليومية مع الطلاب توضح لي ما أحتاج إلى معرفته.
يرتبط كل مفهوم ومهارة أدرِّسها للطلاب — حتى وإن تضمنت القواعد — بعمل الطلاب المستقل في مرحلةٍ ما، وأنا أشعر بأن هذا العمل المستقل لا بد أن يتمثل في القراءة والكتابة التي يختارها الطلاب بأنفسهم، وليس هدفًا قصير المدى يتمثل في ورقة تدريبات أو تدريب على الاختبار. وإن لم يكن كذلك، فكيف لي أن أعرف إلى أي مدًى استوعب الطلاب ما أدرِّسه لهم؟ ومن ثم، فإن هذا الأسلوب في التدريس يعزز من استقلالية طلابي ويحررني من إعداد التقييمات والتدريبات لجميع القرَّاء في فصلي المدرسي. فلا يمكنني مطلقًا إعداد تقييمات لستين طالبًا توضح ما يعرفه الطلاب جيدًا بقدرِ ما يفعل تطبيقهم لاستراتيجيات القراءة والمفاهيم الأدبية على كتبهم الخاصة. عندما لا يستطيع المعلم العثور على منهجية لتقييم الطلاب تستعين بنصوصٍ أصليةٍ، فإنني أتساءل لماذا يستحق هذا المفهوم الذي يُقيَّم فيه الطالب أن يُدَرَّس من الأساس؟
(?) ممارسة تقليدية: اختبارات الفهم
بالنسبة لعدد لا يُحصى من الطلاب، تمثِّل درجات النجاح في اختبار الفهم الهدفَ الأسمى من وراء أي كتاب سبق لهم قراءته في المدرسة؛ لذا، بدلًا من الاستمتاع بالكتب التي يقرءونها أو الاحتفاء بما تعلموه منها، تصبح القدرة على اجتياز هذه الاختبارات هي هدف الطلاب من القراءة. إن اختبارات الفهم تغذي دورة صفِّية متمثلة في فرض تكليف بعينه ثم تقييمه، لكن أين التعلم والتعليم من هذه الدورة؟ يضع المعلمون هذه التقييمات التراكمية لتحفيز الطلاب على القراءة ولتحديدِ إن كان الطلاب قد قرءوا الكتاب بالفعل أم لا. أين المتعة إذن التي نتمنى أن يشعر الطلاب بها عند القراءة؟
يجب ألا نخلط أيضًا بين آليات التقييم وآليات التحفيز؛ فالقراءة بهدف الأداء لا تحفز الطلاب على تحقيق أي شيء يتجاوز حدود رغبتهم في الحصول على درجة جيدة في الاختبار، بل يمكن أن تقلل في الواقع من استمتاعهم بالقراءة وحماسهم لها خارج المدرسة؛ ففي النهاية، كم قارئًا بالغًا سيُؤْثر القراءة إذا كان ملزمًا بإجراء اختبار مكون من أسئلة اختيار من متعدد لكل كتاب انتهوا من قراءته؟ تخيَّلِ التراجع الهائل في كم العروض التليفزيونية المزعج الذي يشاهده الأمريكيون، إذا لزم عليهم إكمال اختبار بعد كل برنامج!
ربما يكون تذكُّر التفاصيل المتعلقة بشخصيات كتاب أو حبكته جزءًا من عملية الفهم، لكن تكرار هذه الحقائق لا يثبت للمعلم أن القارئ قد فهم الفروق الدقيقة بين الموضوعات في الكتاب أو حصَّل أي شيء ذي مغزًى (أو ممتع) من قراءته؛ فكثيرون من طلابي السابقين اشتركوا في برامج التحفيز على القراءة واختبارات قياس القدرة على القراءة المعتمدة على الكمبيوتر بمجرد التحاقهم بالمدرسة الإعدادية؛ ويخبرونني بكرههم لهذه البرامج، وكيف أنهم غشوا (ويمكنني القول بأنهم فعلوا ذلك بنجاح) في الاختبارات عن طريق مشاركة الأجوبة فيما بينهم دون أن يضطروا لقراءة الكتاب على الإطلاق.
إن برامج مثل «القارئ السريع» أو «تقييم أداء القراءة المدرسية»، التي تُعطَى فيها الكتب قيمة نقطية، ويلزم فيها على الطلاب استكمال اختبار أسئلة اختيار من متعدد بعد قراءة هذه الكتب؛ هي أسوأ تشويه يمكنني تصوُّره للقراءة. وعلى الرغم من أن كل المدافعين عن هذه البرامج يدَّعون أن الطلاب يتمتعون بحُرية القراءة، فالحقيقة هي أن اختيار الطلاب للكتاب يكون مقيدًا بالقيمة النقطية له وإن كان هناك اختبار مخصص له أم لا؛ ومن ثم، فإن الطلاب الناشئين في القراءة يكافحون لجمع ما يكفي من النقاط لتلبية متطلبات المعلم، بينما يتقيَّد القرَّاء السريُّون بالكتب التي يوجد لها اختبار في برنامج «القارئ السريع». وهذه البرامج المُسلَّم بها في تعليم القراءة في الكثير من المدارس تُفهِّم القرَّاء الصغار أن قيمة أي كتاب تكمن في عدد النقاط التي يستحقها، ويختزل الفهم إلى مجموعة من الأشياء المتدنية العديمة القيمة التي يلتقطها القارئ من الكتاب. كيف يُعِد إذن هذا النوعُ من البرامج الطلابَ للقراءة في عالمٍ ما خارج المدرسة؟
علاوةً على ذلك، فإن تحويل الهدف من قراءة أي كتاب إلى حفظ تفاصيل الحبكة بدلًا من الشعور العام بالتقدير تجاه الكتاب يغيِّر من الكيفية التي يقرأ بها الطلاب. وعلى هذا النحو يقرأ الطلاب القصة بسطحية، ويتصيدون فقط اللحظات التي يتوقعون أن يُختَبَروا فيها فيما بعد، بدلًا من الانغماس في الكتاب وخوض رحلة مع الشخصيات.
وإذا لم تكن بصفتك مُعلمًا قد قرأتَ ما يكفي من الكتب وكتبتَ اختبارات بنفسك، فكيف يمكنك تحديدُ إن كان الطلاب قد قرءوا بالفعل الكتاب وفهموه؟ مثلما أوضحتُ سابقًا في هذا الفصل، فإنني أطلب من الطلاب أن يُظهروا لي فهمهم للعناصر الأدبية التي دَرَّستُها لهم في الفصل عن طريق الانغماس في كتبهم. ولا يمكن للطلاب فعل ذلك بفاعلية إلا إذا كانوا قد قرءوا الكتاب وفهموه.
(?-?) كلمة عن التدرب على الاختبارات القياسية
نحن نعيش في عالم مليء بالاختبارات القياسية؛ لذلك، من المتوقع من طلابي في نهاية العام إثبات ما تعلموه من مفاهيم واستراتيجيات في فصلي في تقييم تكساس للمعرفة والمهارات. لا يقلقني هذا الهدف النهائي كثيرًا؛ لعلمي بأن المجهود الذي يبذله طلابي في كمِّ القراءات الكبير وتقديم الآراء حول قراءاتهم هو أفضل إعداد لهذا التقييم. وفي الواقع، هدف الولاية أضيق نطاقًا من هدفي؛ فتقييم الولاية لا يقيس سوى عدد صغير من المعايير التي تفرض عليَّ الولاية تدريسها. أما أنا، فأريد أن يصبح الطلاب قرَّاءً لمدى الحياة، أريدهم أشخاصًا يقرءون بِنَهَم.
أعرف أن الطلاب الذين يقرءون كثيرًا ويمكنهم التحدث والتفكير بأسلوب نقدي بشأن الكتب التي يقرءونها لا يجدون صعوبة كبيرة في تقييمات القراءة القياسية، ويؤكد طلابي على إيماني هذا بتفوقهم في اختبار الولاية كل عام. ولا أتحدث هنا عن القرَّاء الموهوبين فقط، وإنما أتحدث أيضًا عن الطلاب الذين رسبوا في هذا الاختبار العامَ السابق وكانوا عرضة للرسوب فيه مرة أخرى. ليست لديَّ مشكلة مع الاختبارات القياسية في حد ذاتها؛ فأنا أُومِن بأن الطلاب الذين لا يمكنهم اجتياز التوقعات الدنيا المحددة في هذه الاختبارات ليسوا قرَّاءً جيدين، لكنَّ ما يثير ريبتي هو النحو الذي أخلَّ به الطابع البالغ الأهمية لهذه الاختبارات بجودة تعليم القراءة.
في عديد من الفصول، أشاهد تحولًا من تدريس القراءة العميقة باستخدام مجموعة متنوعة من المواد إلى التدريبات اللانهائية والحفظِ الصمِّ لحيل حل الاختبارات. ليس ذلك تدريسًا للقراءة، وإنما تدريسٌ لخوض الاختبارات، فكثير من هذه الحيل لا يمكن أن تُطَبَّق على أي موقف للقراءة سوى اختبار القدرة على القراءة؛ ومن ثم فإنها لا تُعِدُّ الطلاب لأغلب أنشطة القراءة التي ينبغي عليهم أداؤها بعيدًا عن الاختبارات.
عند بلوغ طلابي الصف السادس، يكون معظمهم قد قضى ثلاثة أعوام على الأقل في فصول كان الإعداد فيها للاختبارات والتدريب المضني على استراتيجيات خوض الاختبارات هو النوع الأكثر شيوعًا من تعليم القراءة الذي تلقوه؛ ولم تسبق لهم قراءة كثيرٍ من الكتب بخلاف القليل من الروايات التي يدرسونها في الفصول؛ وفرصتهم في انتقاء نصوص القراءة بأنفسهم كانت شبه منعدمة؛ ولم يمارسوا الكتابة على الإطلاق تقريبًا. إن أي نشاط يحل محل أنشطة القراءة والكتابة والخطاب المكثفة في الفصل المدرسي يجب أن يكون أفضل مما يحل محله، ولا شيء — بما في ذلك الإعداد للاختبارات — أفضل لشحذ قدرة الطلاب على القراءة من القراءة يومًا بعد يوم. والإعداد اللانهائي للاختبارات هو السبب الأول وراء دخول الطلاب فصلي وهم كارهون للقراءة؛ فهم لا يرون الإعدادات للاختبار نوعًا من أنواع القراءة، وإنما يعتقدون أنه هو القراءة في حد ذاتها.
(?-?) القراءة إعدادًا للاختبار كنوعٍ من أنواع القراءة
بدلًا من حصر نطاق تركيزي في التدريس على الإعداد للاختبارات، أُفضِّل تدريس اختبارات القراءة القياسية كنوعٍ من أنواع القراءة في حد ذاتها؛ فأُعلِّم الطلاب كيفية قراءة الخرائط، وكيفية قراءة مقالات الصحف، وكذلك كيفية قراءة الاختبار. أقضي بضعة أسابيع قبل الاختبار القياسي السنوي في شرح كيفية وضع الاختبارات للطلاب، مع مناقشة الأنواع المختلفة من أسئلة الاختبارات معهم، ودراسة المصطلحات المستخدمة في رءوس الأسئلة. نتحدث عن المهارات والمعرفة التي تحاول هذه الاختبارات تقييمها وكيفية الاضطلاع بالبحث عن الأجوبة. أُعلِّم الطلاب كيفية قراءة الاختبارات، لكنني لا أعلمهم القراءة عن طريق الاختبار. ينبغي أن يكون لدى الطلاب بالفعل أساس في جميع الموضوعات التي سيتم تقييمها في أي اختبار قياسي قبل أن يطلعوا عليه. وأعتقد أنه لا ينبغي أن يرى الطلاب مصطلحات أدبية للمرة الأولى في سياق أسئلة الاختبار. وعندما نتحدث عن الاختبارات، نتحدث عن الكيفية التي يُصمَّم بها الاختبار لسؤالهم عما يفهمونه بالفعل عن القراءة والتحليل الأدبي.
ثمة أساليب عدة لتقييمِ ما تعلَّمَه الطلاب باستخدام المقاييس المرتبطة بالقراءة المستقلة، وإن كان أي تقييم سيحمل شيئًا من التصنُّع؛ ففي النهاية، لا يخضع القرَّاء المداومون على القراءة مدى الحياة لتقييمات. لكن الأساليب التي أقترحها أثرها على القارئ أقل وطأة وعدائية من اختبارات الفهم وتقارير الكتب التقليدية. وينبغي أن يكون الهدف من كل التقييمات هو الاحتفاء بإنجازات القرَّاء، والتشجيع على القراءة في المستقبل والتخطيط لها، وتعزيز التعاون بين أفراد مجتمع القراءة.
(?) ممارسة تقليدية: تقارير الكتب
إن الهدف العام — من وجهة نظري — لتقارير الكتب هو أن يثبت الطلاب للمعلم أنهم قد قرءوا بالفعل الكتاب عن طريق إظهار قدرتهم على سرد جميع الأحداث أو الحقائق المهمة فيه بالتفصيل. لكن في حالةِ ما إذا لم يكن الطالب قارئًا، فلا يتم أبدًا معالجة الكيفية التي تحفز بها تقارير الكتب هذا الطالب على التقاط كتاب من الأساس. وبعض الطلاب لا يقرءون لعدة أسابيع، ثم يشقون طريقهم بإصرار في القراءة خلال الأيام التي تسبق موعد تسليم تقرير الكتاب؛ فينجزون تقريرًا، ثم يتنفسون الصعداء، ثم يعودون إلى حالة عدم القراءة حتى وقت قصير من موعد التقرير التالي. يصير التقرير محفزًا خارجيًّا تمثل فيه الدرجة عامل ضغط من أجل القراءة. ولا يحاكي هذا النوع من التحفيز بأي شكل من الأشكال الدافع الداخلي الذي يشعر به القرَّاء المداومون على القراءة مدى الحياة، الذين تزيد متعتهم بالقراءة من رغبتهم فيها. لا تمثل القراءة أي أهمية شخصية للطلاب الذين يرون التقرير سببًا للقراءة؛ أيْ يرون دائمًا العقاب، لا الثواب. إن تكليفات كتابة تقارير الكتب لا تفشل فحسب في تشجيع الطلاب على تطوير سلوكيات القراءة المستمرة، وإنما تمثل أيضًا مهمة روتينية في كتابتها ومملة بالنسبة للطلاب الآخرين الذين يستمعون إليها؛ ففي النهاية، مَن الذي يرغب في سماع ملخص كامل عن كتاب ربما تكون قرأتَه أو لم تقرأه؟ هذا فضلًا عن أن تصحيح تقارير الكتب شيء ممل بالنسبة إلى المعلم أيضًا.
(?-?) فخ العروض التقديمية للكتب
لعل ذلك الملل المرتبط بتقارير الكتب هو السبب الذي أدى إلى حلول نشاط العروض التقديمة للكتب محل تقارير الكتب في كثير من الفصول المدرسية. ولا يتمثل هدف هذا النشاط في أن يثبت الطالب للمعلم أنه قرأ الكتاب بالفعل، وإنما الهدف منه هو مشاركة الطالب لكتاب قرأه مع القرَّاء الآخرين، وإقناعهم بقراءته بأنفسهم. إن ترشيح كتاب بهدف جَعْل صديقٍ ما يقرؤه يتماشى أكثر مع ما يفعله القرَّاء البالغون عند انتهائهم من قراءة أي كتاب.
ونظرًا لأنني أدرك العيوب المتأصلة في طلب إعداد تقارير الكتب من طلابي، طبقت نشاط العروض التقديمية للكتب لفترة من الوقت. لكنني — مع ذلك — ظللت غير سعيدة بالنتائج؛ فالطلاب، الذين اعتادوا على كتابة ملخصات تقارير الكتب وتقديمها على مدار أعوام، كانوا يقدمون كثيرًا من المعلومات في حديثهم عن الكتب. وعلى الجانب الآخر، عندما كنت أطلب من الطلاب التعبير عن لحظتهم المفضلة في قراءة الكتاب، غالبًا ما كنت أسمعهم يقولون: «أفضل جزء في نظري هو النهاية.»
لقد شجعَت العروض التقديمية للكتب بعضَ الطلاب بالفعل على قراءة الكتب التي رشحها أقرانهم، لكن كان عليَّ تخصيص يومين على الأقل من وقت التعليم كي نتمكن من الانتهاء من جميع العروض التقديمية. ومرة أخرى، لم يكن الطلاب يقرءون أو يكتبون شيئًا في هذا الوقت. ودائمًا ما كان عديد من الطلاب يقدمون نفس الكتاب؛ ومن ثم كنا نضطر جميعًا إلى الاستماع إلى كلمات متكررة. وقد علَّمْتُ طلابي مصطلح «كشف حبكة الكتاب»، مشجِّعةً إياهم على عدم الإفصاح عن الكثير من المعلومات لدرجة تجعل الآخرين يحجمون عن قراءة الكتاب بعد انتهاء العرض التقديمي عنه. وبدأت أتساءل فيما بعد إن كان هذا النشاط أفضل بأي حال من الأحوال من تقارير الكتب، وتوصلت إلى أنه ليس كذلك. تزامن هذا الإدراك مع اكتشافي لعدم قدرتي على استنساخ نموذج الفصل المدرسي الذي يشير إليه الخبراء في كل النواحي. كان يتعين عليَّ الاستجابة لملاحظاتي وحدسي بشأن ما نجح وما لم ينجح في فصلي المدرسي.
يمثِّل تقديمُ ما يكفي من المعلومات للأصدقاء لإثارة اهتمامهم بقراءة كتابٍ ما، والحصولُ على ترشيحات من قرَّاءٍ آخرين من ذوي الثقة؛ سببين قويين لمشاركة الآراء في الكتب. وعندما نشوِّه هذه المحادثة الطبيعية بين القرَّاء بتحويلها إلى موقف يقف فيه طفل في مقدمة الفصل بينما يجلس الآخرون معتدلين وصامتين ومستمعين على نحو مطيع إلى ساعات من العروض التقديمية، فإننا نجرد ذلك الحوار من طابع التدفق الحر الذي يميزه؛ لذا، استبعدتُ كلًّا من تقارير الكتب والعروض التقديمية للكتب، وانتقلت إلى إعلانات الكتب والمراجعات النقدية لها.
(?-?) حل بديل: إعلانات الكتب
إعلانات الكتب هي إعلانات ترويجية؛ أي شهادات قصيرة مرتجلة من الطلاب عن الكتب التي قرءوها واستمتعوا بها (على سبيل المثال، تخيل نفسك تتحدث مع صديق لك عن أحد الكتب في أثناء تناولكما وجبة الغداء). والهدف من إعلانات الكتب هو إتاحة منتدًى للطلاب يُمْكنهم من خلاله مشاركةُ الكتب التي أحبوها وترشيحها لقرَّاء آخرين في الفصل.
أسأل الطلاب مرة واحدة أسبوعيًّا تقريبًا، ويكون ذلك عادةً في يوم الجمعة، آخر يوم في الأسبوع الدراسي، قرب انتهاء وقت الحصة، إن كان أيٌّ منهم يرغب بترشيح كتاب للفصل. وكوسيلة لمشاركة الكتب التي قرأتها وقد يرغب الطلاب في استعارتها، أقدِّم إعلانات الكتب الخاصة بي لهم في كثير من الأحيان. ونناقش خلال هذه المحادثات ما لا أفصح به عن الكتاب. ونقرأ كثيرًا من عبارات الدعاية والنبذات التشويقية والنبذات الدعائية الموجودة على أغلفة الكتب الخلفية والأجزاء الداخلية من الأغلفة الورقية الخارجية؛ وذلك من أجل إعداد محادثتنا بعد هذه النماذج المنشورة.
يمكن للطلاب الوقوف بجوار مكاتبهم أو الجلوس على الكرسي الأخضر الخاص بي (رفاهية نادرة)، ليشاركوا ما قرءوه مع بقية الطلاب في الفصل بصفة ودية. وإذا كان هناك أيُّ طالب آخر سبق له قراءة نفس الكتاب، أطلب من هذا الطالب إضافة آرائه بشأنه أيضًا. ويسجل الطلاب أي كتب تثير اهتمامهم من هذه الإعلانات في جزء «الكتب المراد قراءتها» في دفتر القارئ الخاص بكلٍّ منهم، وأفعل أنا أيضًا الشيء ذاته.
أحتفظ بلائحة بأسماء الطلاب في الفصل على لوح مشبكي، وأضع علامة أمام الطلاب الذين قدموا مشاركتهم، مع التأكد من أن كل طالب قد قدم إعلانًا واحدًا على الأقل على مدار فترة وضع الدرجات وعدم استئثار أفراد بعينهم بالمناقشات الأسبوعية. وأعطي لكل طالب درجة على إعلان الكتاب الذي قدمه؛ ونتمكن جميعًا من التعرُّف على كتب أعجبَتْ قرَّاءً آخرين؛ ولا تتجاوز التجربة برمتها عشرين دقيقة أسبوعيًّا. يتحمس الطلاب لإخبار الآخرين عن الكتب التي قرءوها، ويمكننا التحدث جميعًا عن هذه الكتب بدلًا من الاستماع دون تفاعل إلى تقارير الكتب أو العروض التقديمية لها. ولا أضطر للتساؤل عن مدى فهم الطلاب الذين يقدمون الترشيحات لأن حماسهم وآراءهم تثبت لي أنهم قرءوا الكتاب وتجاوبوا معه بصدق. وإذا لم يعجبهم الكتاب، يمكنهم التعبير عن ذلك أيضًا!
(?-?) حل بديل: المراجعات النقدية للكتب
أعشق المراجعات النقدية للكتب، ويتضح ذلك من كمِّ الساعات التي أقضيها كل شهر في الاستغراق في قراءة مجلة «بوكليست» ودراسة الترشيحات المقدمة على موقعَي آمازون وجودريدز على الإنترنت. انظر في المنتديات الحقيقية للمراجعات النقدية للاحتفاء بالكتب ومشاركة المعلومات عنها في الفصل المدرسي أيضًا. يكتب طلابي مراجعات نقدية للكتب وينشرونها على مدونة الفصل، أو يطبعون نسخًا منها بحجم أعمدة الصحف ويلصقونها داخل الكتاب ذاته بجانب النبذة الدعائية والمراجعات النقدية للمتخصصين. وبينما قد أختار أنا كتابًا ميَّزَتْه مجلة «بابلشيرز ويكلي» بنجمة، ينتقي طلابي على الأرجح كتابًا رشحه لهم أحد زملائهم!
على مدار الأسبوع الماضي أو نحو ذلك، راح طلابي يقرءون مراجعات المتخصصين النقدية للكتب والنبذات الدعائية والنبذات التشويقية المنشورة على الأغطية الورقية الخارجية للكتب بهدف تحديد المعلومات التي يستخدمها المتخصصون عند تقييمهم للكتب. وقد وضعنا مخططًا للمعايير التي تتضمنها هذه المراجعات النقدية.
معايير المراجعات النقدية للكتب
اقتباسات من الكتاب.
اقتباسات من كتَّاب ومراجعين نقديين مشهورين.
أسئلة مشوِّقة.
آراء وردود فعل شخصية.
الجوائز التي حصل عليها الكتَاب والمؤلِّف.
السنُّ الموصى بها لقراءة الكتاب.
كتب أخرى للمؤلف نفسه.
مقارنات مع كتب أخرى.
يلاحظ جيكوب أن جميع المراجعات النقدية للكتب التي قرأها تضمنت كلمة «آسر»؛ ومن ثم نضيف إلى مخططنا قائمة بالكلمات التي يستخدمها المراجعون النقديون لإغراء القارئ وجعل الكتاب يبدو مثيرًا للاهتمام، وتتضمن القائمة كلمات مثل: «آسر»، «زاخر بالأحداث»، «مشوِّق»، «مثير»، «ممتع»، «يأسر الانتباه».
ومع وجود قائمة من المعايير للبدء، يقضي الطلاب الأسبوع التالي في تأليف المراجعات النقدية الخاصة بهم للكتب (انظر الإطارين القادمين للاطلاع على أمثلة). ويطلب منِّي طلابي تقديم اقتباسات لعدد لا نهائي من المراجعات النقدية لعلمهم أنني قرأت الكثير من الكتب التي يقرءونها، وأحرص على تجنب استخدام كلمة «آسر» لوصف أي كتاب، رغم ذلك.
لحثِّ الطلاب على القراءة عند استبعاد المتطلبات المدرسية، لا بد أن نتيح لهم فرصًا حقيقية ليخبروا القرَّاء الآخرين بما يحبونه عن الكتب التي قرءوها. وإذا كانت أنشطة الفصل المدرسي قاصرة فقط على تقييمِ إن كان الطلاب يقرءون أم لا — أو تنفيذ جدول أعمال التدريس — فإننا لا نشجع الطلاب على القراءة. إن التعليم التقليدي للقراءة — ذلك الذي يركز على التكليفات وليس على الطالب، وتثير فيه الحافز القائم على الخوف — يسلب القراءة من القرَّاء، وعلينا إعادتها إليهم.
(?) ممارسة تقليدية: سجلات القراءة
تُستخدَم أنواعٌ عديدة من سجلات القراءة في الفصول المدرسية، لكنها تشترك جميعًا في بعض الخصائص. يُطلَب من الطلاب تسجيل عدد الدقائق أو الصفحات التي قرءوها على مدار فترة زمنية معينة، ويَطلب المعلمون من الطلاب القراءةَ عددًا معينًا من الدقائق أو عددًا من الصفحات في اليوم أو الأسبوع أو فترة وضع الدرجات. ليس الاحتفاظ بهذه السجلات — التي يكون هدفها الأساسي هو تدوين الطلاب لقراءاتهم المستقلة لتكون إثباتًا للمعلمين على أنهم قرءوا — بالممارسة الفعالة؛ وذلك لأن الوقت الذي يُسجَّل قضاؤه في القراءة ليس دليلًا على أن الطلاب قد قرءوا كثيرًا بالفعل؛ فقد يدوِّن الطلاب مقدار ما قرءوه أو طول الفترة الزمنية التي قضوها في القراءة كل ليلة، لكنهم مع ذلك لا ينتهون من قراءة كثير من الكتب. وقد كشفت لي محادثة مع طلابي في السنة الأولى من عملي في التدريس عن عدم جدوى سجل القراءة المنزلية. باختصار، لا تحقق هذه السجلات الهدف المفترض بها تحقيقه.
مراجعة رايلي النقدية لرواية «انقر هنا» (المصدر: رايلي، الصف السادس)
عندما بدأت قراءة رواية «انقر هنا» لدينيس فيجا، لم أستطع التوقف! وعلى مدار الأيام الخمسة التالية، كنت أقرأ فيها كلما سنحت لي الفرصة. «انقر هنا» رواية مشوِّقة لا يمكنك تركها من بين يديك! تدور أحداثها حول فتاة تُدعَى إيرين انتقلت إلى الصف السابع. وفي تلك المدرسة الإعدادية التي التحقت بها، كانت الإدارة تقسِّم جداول الطلاب إلى ثلاثة مسارات؛ المسار «أ»، والمسار «ب»، والمسار «?». وعند الفصل بينها وبين صديقتها الحميمة جيلي في مسارين منفصلين، ظنت إيرين أنها ستموت! وما زاد الأمور سوءًا أن جيلي مرضت في اليوم الأول من الدراسة؛ مما أدى إلى ذهاب إيرين إلى المدرسة بمفردها. وعندما دخلت أول فصل لها، لاحظت وجود فتًى لطيف للغاية معها، شعرت إيرين آنذاك بشيء من السعادة لوجود جيلي في مسار مختلف لأنها لن تضطر للتنافس معها دائمًا على دفع الفتيان إلى الإعجاب بها. تبدأ إيرين في كتابة مذكراتها هذه على الإنترنت، لكنها وحدها من يمكنها رؤيتها، إلى أن نُشِرت على الموقع الإلكتروني لمدرسة «مولي براون الإعدادية» ورآها الجميع. اقرأ «انقر هنا» لتطَّلع على أسرار الصف السابع. «انقر هنا» كتاب رائع للفتيات من سن ?? إلى ?? على الأرجح. وأعتقد أن هذا الكتاب سينال إعجاب أي فتاة؛ فهو يتناول الأمور التي تحدث بالفعل في الصف السابع. لقد «أدمنتُ» قراءة «انقر هنا» ما إن بدأتُ فيها. لقد كانت رائعة لدرجة تدفعني لقراءتها مرة أخرى.
«كتاب رائع، ومدونة لطيفة» (جوردان).
مراجعة كينان النقدية لرواية «إنكسبيل» (المصدر: كينان، الصف السادس)
«إنكسبيل» رواية فانتازيا آسرة بقلم كورنيليا فونكه. تدور أحداثها حول فتاة في الثالثة عشرة من عمرها تُدعَى ميجي، التي قادها حبها للكتب وقدرتها السحرية على بث الحياة في موضوع أي كتاب إلى عالم «إينك وورلد»؛ ذلك العالم الزاخر بالأماكن المذهلة والمخلوقات العجيبة بما فيه من أخطار تحلِّق في كل ركن من أركانه. وفي «إينك وورلد»، تجد ميجي نفسها تهرب من باستا المتوعد لها الذي يحاول أن يثأر منها لقتلها سيده السابق، كابريكورن. كل عشاق الخيال سيغرمون بهذا الكتاب. إذا كنت قد أحببت «إنكهارت» و«راكب التنين» (وهما اثنان من أعمال كورنيليا الرائعة)، فسوف تحب «إنكسبيل» بلا أدنى شك.
تقول ميشيل: ««إنكسبيل» رواية آسرة لا يمكنك تركها من بين يديك، فلم أستطع أن أدعها، وقد كانت أحد كتبي المفضلة على الإطلاق.»
كان ذلك من أول الدروس التي علَّمَني إياها طلابي، وقد جرى الأمر على النحو التالي:
«حسنًا، يا شباب، هذا آخر يوم في الأسبوع، فلتسلموني سجلات القراءة الخاصة بكم.» فسمعت همهمات الاستياء التي تلاها تسليم الأوراق الخمس والعشرين.
«سيدة ميلر، لقد نسي والدي التوقيع على سجل القراءة الخاص بي.»
«حسنًا، أعتقد أنك ستضطر لتوقيعه منه في عطلة نهاية الأسبوع وإحضاره يوم الإثنين معك.»
وأواصل الحديث متسائلةً: «ألا يوقع والدك عليه كل ليلة؟ من المفترض أن تحصل على توقيعه كل ليلة بعد قراءتك.»
«يقول لي والدي إنه ليس لديه الوقت لفعل ذلك. فأوقعها منه صباح يوم الجمعة ونحن في السيارة.» وقد أدركت من إيماء بقية الطلاب برءوسهم تأكيدًا على ما يقوله هذا الطالب أن هذه ممارسة شائعة.
«هل معنى ذلك أن والديك لا يعلمان إن كنت تقرأ كل ليلة أم لا؟ ألا يتابعان مقدار قراءاتك في المنزل؟»
«تصدقني أمي عندما أخبرها بأنني أقرأ، وتوقِّع السجل فقط لأنكِ تلزميننا بأن نملأه للحصول على الدرجات.»
يقول الطلاب جميعًا في صوت واحد: «نعم، وأنا أيضًا.»
ورفعت جولي صوتها قائلةً: «إنني أكره هذا السجل، سيدة ميلر، فأنسى دائمًا تدوين ما أقرؤه كل ليلة فيه، ولا أفعل ذلك إلا في اليوم الذي سأسلمه فيه. لن أحتفظ بهذا السجل معي ليلًا في السرير كي أتمكن من تدوين ما أقرؤه.»
وتقول أماندا: «لا يعني تدويننا في السجل أننا نقرأ بالفعل.»
عندما سألتُ بقية طلابي عن هذا الأمر، اتضح لي أن معظمهم لا يدونون ما يقرءونه يوميًّا في السجل، وأن أغلبية الآباء لا يتابعون مقدار ما يقرؤه أطفالهم في المنزل، هذا إن فعلوا من الأساس. وفي ظل تراجع اهتمام الآباء بسجلات القراءة ونظرة الطلاب لها على أنها عبء يثقل عاتقهم، فمن المؤكد أن هذه السجلات زائفة. قد يكون في ذلك شيء من التضليل، لكنني أتصور أن هناك طلابًا في جميع الفصول يزيفون سجلات القراءة الخاصة بهم في مرحلةٍ ما، بما في ذلك الطلاب الدءوبون في القراءة. وبصفتي أمًّا، أقبل التوقيع على أي أوراق تدسها ابنتاي في يدي على عجل في أثناء هرولتنا الجنونية للخروج من الباب كل صباح.
إن مطالبة الآباء بالتوقيع على سجلات القراءة لا تسفر للأسف إلا عن الفشل؛ فما كنت أفعله في حقيقة الأمر هو فرض تكليف منزلي عائلي، يكون في أفضل الأحوال محاولة عشوائية. وبصفتي معلمة جديدة، كنت أكلف الطلاب بإعداد سجلات القراءة لأن ذلك ما كان يفعله كل المعلمين الآخرين، فهل من وسيلة أخرى يمكنني بها متابعة مقدار ما يقرؤه طلابي؟
يُعَد سجل القراءة مكافأة للطلاب الذين يحظون بدعم قوي في المنزل للقراءة، لكنه عقاب لمن لا يحصلون على هذا الدعم؛ لذا، فإنه لا يفيد مطلقًا الطلاب الذين من المفترض أن يفيدهم. علاوةً على ذلك، في حالة الطلاب الذين يقرءون في المنزل كل ليلة، لكنهم يرون سجل القراءة نوعًا من التعذيب، يكون هذا السجل دليلًا على أنني لم أكن أصدقهم عندما كانوا يخبرونني بأنهم يقرءون، ولا أحد يخرج فائزًا من هذه المعركة.
لماذا إذن نكلف الطلاب بهذه السجلات في المقام الأول؟ كيف أَصبح سجل القراءة نشاطًا واسع الانتشار إلى هذا الحد؟ أرى سببين لهذا الأمر؛ يطلب المعلمون من طلابهم الاحتفاظ بسجلات القراءة لاعتقادهم بأن الآباء سيستجيبون لتكليف القراءة في المنزل، ويراقبون قراءة أطفالهم على نحو أكثر دقة. ويعتقد معلمون آخرون أن تكليف الطلاب بالاحتفاظ بسجل للقراءة وتقديمه سيحفزهم على القراءة.
فكِّر طويلًا وبجدية في الطلاب الذين تدرِّس لهم. أراهن على أن الطلاب الذين لا يحتفظون بسجل للقراءة هم من تعتقد أنهم ليسوا متحمسين للقراءة؛ ولذا فإن أسلوب العصا والجزرة هذا — المتمثل في مطالبة الطلاب بتحمل مسئولية السجل؛ مما سيجعلهم يقرءون — ليس ناجحًا. فما دام الدافع للقراءة كان صادرًا من خارج الطالب، فإنه لن ينبع من داخله أبدًا. ولا تندهش إذا واجه الأطفال، الذين تعرف أنهم قادرون على القراءة بما في ذلك القرَّاء النهمون، صعوبات مع سجل القراءة. فهؤلاء الطلاب يفضلون قضاء وقتهم في القراءةِ، لا حساب الوقت الذي يقضونه فيها. فبعد أن يقضي أي طالب ساعة من الاستغراق في قراءة أيِّ كتاب، يذكِّره السجل بأن القراءة واجب مدرسي.
لماذا إذن تشيع سجلات القراءة شيوعًا كبيرًا بين المعلمين؟ يرجع السبب في ذلك إلى أنها — من الناحية النظرية — تقدم لنا دليلًا ماديًّا على أن الطلاب يقومون بالقراءة المستقلة. لكنها لا تحقق النتيجة التي نرجوها. والحقيقة هي أنه لا يمكنك مطلقًا فرض أو متابعة مقدار القراءة التي يقوم بها طلابك في منازلهم. لا شك أنه سيكون هناك دائمًا طلاب وآباء يحتفظون بسجل القراءة لأنك تفرضه عليهم، لكن أيضًا سيظل هناك دائمًا مَن لا يسفر معهم هذا السجل إلا عن تثبيط عزيمتهم على القراءة. ونظرًا لأن هذا السجل حافز خارجي، فإنه لا يحفِّز الطلاب على القراءة بعد إعفائهم منها. باختصار، يتعلق هذا السجل بالمعلم، لا الطلاب؛ فالسجلات لا تقدم حسابًا دقيقًا لمقدار ما يقرؤه الطلاب، والاحتفاظ بها لا يحفزهم على المزيد من القراءة كذلك.
(?-?) حل بديل: زيادة مقدار القراءة في الفصل
أتوقع من طلابي القراءة في المنزل مدة عشرين دقيقة على الأقل كل ليلة، لكنني لا أتحقق من ذلك مطلقًا أو أختبرهم بشأن ما إذا فعلوا ذلك أم لا. لا يمكنني مراقبة هذا الأمر بفاعلية بأي وسيلة معقولة. وإذا لم يحقق طالبٌ ما تقدُّمًا في متطلبات القراءة أو بدا أنه يقضي وقتًا طويلًا للغاية في قراءة كتاب واحد، أعقد معه اجتماعًا وأسأله عن مقدار الوقت الذي يقضيه في القراءة في المنزل. لكن هذا كل ما أفعله.
مثلما أوضحت في الفصل الثالث من هذا الكتاب، السبيل الوحيد للتأكد من أن طلابك يقرءون يوميًّا هو تخصيص وقت للقراءة في الفصل؛ فالطريقة الوحيدة لمعرفة إن كان الطلاب يقرءون كل يوم أم لا هي مشاهدتهم وهم يقرءون أمام عينيك. والقراءة اليومية هي التي تحوِّل القراءة إلى عادة تستمر مع الإنسان مدى الحياة، وتبني القدرة على القراءة؛ ومن ثم، فهي أفضل بكثير من تلك الفترات القصيرة التي يقضيها الطلاب في القراءة عند مغيب الشمس في الليلة التي تسبق مباشرة اليوم الذي يلزم فيه تقديم سجل القراءة. وتزداد احتمالية مواصلة طلابي قراءة كتابٍ ما في المنزل عندما يقرءونه في المدرسة أيضًا. أعرف ذلك لأنهم يأتون إلى المدرسة متحمسين بشأن ما قرءوه الليلة الماضية، أو متذمرين لاضطرارهم مرة أخرى للبقاء مستيقظين حتى وقت متأخر من الليل للقراءة مرة أخرى. والقرَّاء المتحمسون، الذين يخبرونني بحماس عما قرءوه في الليلة السابقة، هم الدليل الوحيد الذي أحتاج إليه ليثبت لي أنهم قد قرءوا في المنزل. وتقييمات نهاية العام التي حصلت عليها من طلابي هذا العام كشفت لي أن معظمهم كانوا يقرءون في المنزل، حتى عندما لم أكن أحاسبهم على ذلك. ويصرِّح كينان قائلًا: «لقد قرأت المزيد من الكتب بسبب الوقت الذي أقرأ فيه في الفصل، بل إنني أقرأ أكثر في المنزل بسبب ذلك أيضًا. فحين أصل إلى جزء مثير للغاية أو أقترب من نهاية الكتاب، أضطر لمواصلة قراءته في المنزل.» هكذا، يقرأ الطلاب لأنهم يريدون ذلك، وليس لأنني دفعتهم إلى القراءة.
(?-?) حل بديل: الحرية داخل إطار تكليف القراءة
يكون وضع هدفٍ ما لقراءات الطلاب المستقلة إجراءً مفيدًا إذا تَطلَّب منهم هذا الهدف إنهاء قراءة الكتب؛ فقد كان لديَّ طلاب يقرءون ويكتبون يوميًّا في فصلي أو يسجلون إلى الأبد ما يقرءونه كل ليلة، لكنهم لم ينتهوا فعليًّا قط من قراءة أي كتاب أو كتابة أي نص بالكامل. يصبح الطلاب قرَّاءً بارعين عندما يتمكنون من التعبير عن مشاعرهم بشأن الكتب التي قرءوها، لا الإشارة إلى عدد الساعات التي قضوها في قراءة كتاب. كيف ينجح ذلك مع الطلاب الذين يعانون من صعوبة في أداء تكليفات القراءة؟ توضح محادثتي التالية مع جون كيفية تشجيع الطلاب الذين لا يزالون في مرحلة الإعداد.
يشكو جون بصوت يسمعه جميع الطلاب في الفصل قائلًا: «لم أقرأ سوى ستة كتب فحسب هذا العام. وها قد بلغنا منتصف العام الدراسي تقريبًا. لن أتمكن أبدًا من قراءة الأربعين كتابًا.»
كان بإمكاني أن أتوجه ناحية جون وأن ألقي عليه خطابًا حماسيًّا عن القراءة، لكنني أعلم أن ثمة طلابًا آخرين في الفصل يمكنهم الاستفادة مما سأقول، فسألته قائلةً: «كم عدد الكتب التي قرأتها العام الماضي، يا جون؟»
«همم، كتابان أو ثلاثة!»
ولعلمي بأن جون مشجع رياضي متعصب، سألته قائلةً: «جون! إذا تحسَّن أداء لاعب رياضي بنسبة ??? في المائة على مدار موسم واحد، فما سيكون رأي مدربه؟»
«أعتقد أنه سيعتبر ذلك تقدمًا جيدًا للغاية.»
«هل قرأت بعض الكتب التي أعجبتك هذا العام، يا جون؟»
«نعم، قليل منها.»
أعرف أن جون قد رشح روايتَي «قلب جندي» و«هذا الكلب أحبه» لبعض من أصدقائه في الفصل؛ لذا يمكنني القول بأنه يقدِّر على الأقل بعضًا مما يقرؤه.
قلت له: «هل تتذكر عندما أخبرتكم بأن المواطن الأمريكي البالغ العادي لم يقرأ سوى أربعة كتب فقط العام الماضي؟ أي إنك تقرأ أكثر من معظم البالغين؛ فافرح بذلك، ولا تقلق كثيرًا بشأن التكاليف، ما عليك سوى أن تداوم على القراءة!»
جون يقرأ، وإن لم يكن بالقدر الذي يعتقد كلانا أنه يجب أن يقرأ به. تعكس مشاركتُه في مجتمع القراءة بفصلنا من خلال ترشيحه الكتب التي يقرؤها للقرَّاء الآخرين تزايُدَ اهتمامه بالقراءة، ولن أستفيض هنا في الحديث عن أن جون قد تَمكَّن في السابق من اجتياز عام دراسي كامل مع قراءة كتابين أو ثلاثة كتب فقط، وكان ذلك مقبولًا. لكنَّ ما أقدره حقًّا هو زيادة قدر قراءته؛ فبحلول نهاية العام الدراسي، كان جون قد قرأ في الواقع خمسة وعشرين كتابًا، وشعر — على الأقل في بعض الأحيان — بأن القراءة تستحق العناء المبذول في سبيلها.
(?) ممارسة تقليدية: القراءة بالاختيار العشوائي والتخصيص التناوبي
القراءة بالاختيار العشوائي هي ممارسة راسخة في الفصول تتمثل في نداء المعلم على الطلاب عشوائيًّا للقراءة بصوت مرتفع. ويستخدم بعض المعلمين صورة حديثة من هذه الممارسة — ألا وهي القراءة بالتخصيص التناوبي من جانب الطلاب — في محاولة منهم لإضافة مستوًى من المرح على تعذيب القراءة بصوت مرتفع. خلال القراءة بالتخصيص التناوبي من جانب الطلاب، ينادي المعلم على أحد الطلاب الذي يقرأ لفترة محددة من الوقت أو جزءًا محددًا من النص، ثم ينادي على طالب آخر ليكمل من حيث انتهى؛ مما يجعل الطلاب يتناوبون الوقوف للقراءة عبر الفصل مثل الفُشار في المقلاة. تشيع أنشطة القراءة بصوت مرتفع — مثل القراءة بالاختيار العشوائي من جانب المعلم أو بالتخصيص التناوبي من جانب الطلاب — بين المعلمين عندما يقرأ الفصل بأكمله نفس الكتاب أو القصة القصيرة أو نفس الفقرة من الكتاب المدرسي.
من خلال النداء عشوائيًّا على الطلاب للقراءة، تهدف هذه الأساليب إلى ضمان متابعة جميع الطلاب وأنهم يعيرون انتباههم لما يُقرَأ، وكذلك لضمان أن الجميع يقرأ بصوت مرتفع بين الحين والآخر، لكنني لا أظن أن هذه الأهداف تخدم احتياجات الطلاب، علاوة على أن عامل كراهية الطلاب لهذا النوع من التخصيص؛ الاختيار العشوائي للقراءة، يجعلها ممارسة تثير تشككي. اسأل أصدقاءك عن ذكرياتهم المتعلقة بالقراءة بصوت مرتفع بهذا الأسلوب، وأراهنك على أن الكثيرين سيتذكرون أن القراءة بالاختيار العشوائي كانت تثير توترهم بقدر يضاهي التوجه إلى السبورة لحل مسائل الرياضيات أمام الفصل بأكمله. إن القراءة بصوت مرتفع عند الطلب ما هي إلا نوع من التعذيب المتخفي في صورة نشاط ممتع؛ تعذيب لمن يقرءون ولمن يستمعون على حدٍّ سواء.
(?-?) نظرة عن كثب على القراءة بالاختيار العشوائي
لنُلقِ نظرة عن كثب على ما يحدث بالفعل خلال ممارسة القراءة بالاختيار العشوائي: ينادي المعلم على بيلي لقراءة جزء من الكتاب المدرسي لمادة الدراسات الاجتماعية. يجتهد بيلي — القارئ غير البارع — للانتهاء من الفقرة، متوقفًا عندما يلتقي كلماتٍ لا يعرفها حتى يساعده المعلم، أو الطلاب على الأرجح، على المواصلة. يشعر بيلي بالإحراج لضعف قدرته على القراءة، والإحباط الذي يشعر به من الطلاب الآخرين، ويشعر الجميع — ومنهم بيلي — بالارتياح عند انتهائه من القراءة. لا يتذكر بيلي كثيرًا مما قرأه لأنه لم يفهمه، لكن ذلك لا يهم، ولا يستمر في المتابعة مع الفصل؛ فلقد نودي عليه للقراءة مرة، وأصبح في مأمن ليوم آخر.
أعتقد أنه بإمكاننا تجنب إهانة القرَّاء الناشئين من خلال تجنب مطالبتهم بالقراءة بصوت مرتفع، والحال ليس أفضل كثيرًا أيضًا مع القرَّاء ذوي الإمكانات المرتفعة.
تنتهي سوزي — القارئة المذهلة — من الجزء الذي تقرؤه دون أن تواجه كثيرًا من المشكلات. يشعر القرَّاء الناشئون، الذين لا يمكنهم مجاراة إيقاع سوزي في القراءة، بالضياع. وحتى إن قرأت سوزي النص بطلاقة، لا يملك بعض الطلاب على الأرجح ما يكفي من المعلومات العامة عن الموضوع أو المفردات لفهم ما تقرؤه. ونظرًا إلى أن الهدف الأساسي لسوزي هو إذهال الفصل بمدى تفوقها على بيلي في القراءة، فإنها لا تنتبه كثيرًا لما تقرؤه كذلك. وعندما تنتهي من أداء دورها، لا تتابع قراءة بقية الطلاب في الفصل، لكنها تتقدم عليهم في القراءة لأن بإمكانها فعل ذلك.
يستمر التخصيص التناوبي بين الطلاب، يُستنزَف القرَّاء عقليًّا واحدًا تلو الآخر، ويتراجع مستوى الفهم لدى الجميع في الفصل.
لا يمكنني أن أصدق أن أي معلم سيظل يتبع أسلوب القراءة الجماعية هذا بعد أن يتأمل كيفية عمل هذا الأسلوب فعليًّا في الفصل المدرسي؛ فافتراض أن الطلاب يتابعون ما يُقرأ عليهم على مدار هذا النشاط افتراض خاطئ، ولك أن تفكر في المرات التي نودي فيها على الطلاب لكي يقرءوا وكان من الواضح عليهم أنهم لم يتابعوا ما كان يُقرَأ وكانوا بحاجة للمساعدة للعثور على النقطة التي يجب البدء منها؛ فالطلاب الضعاف المستوى في القراءة يخشون من النداء عليهم للقراءة، والطلَّاب البارعون فيها يشعرون بالملل من اضطرارهم للاستماع إلى قراءة القرَّاء الأبطأ والأقل قدرةً منهم. إن القراءة بالاختيار العشوائي لا تعزز الشعور بالنجاح في القراءة إلا لدى أفضل القرَّاء، ولا تبني القدرة على القراءة الجهرية أو حتى الطلاقة فيها لدى أحد.
(?-?) حل بديل: الإعداد للقراءة الجهرية وممارستها
من المهم أن يمارس الطلاب القراءة بصوت مرتفع ليكتسبوا الثقة والقدرة على القراءة الجهرية بطلاقة، فكيف يمكننا إذن تشجيع الطلاب على القراءة بصوت مرتفع، لكن مع تجنب سلبيات القراءة بالاختيار العشوائي والتخصيص التناوبي؟
«استعراض النص قبل قراءته»: وضِّح لطلابك خصائص النص، مثل الرسوم أو المفردات التي سيحتاج الطلاب إلى فهمها لاستيعاب الفقرة. حدِّد ما يعرفونه بالفعل عن مادة النص، وعلِّمْهم مسبَّقًا أيَّ مفاهيم أو مفردات لا يعرفونها، لكنهم سيحتاجون إلى فهمها.
«تخصيص أجزاء للطلاب ليقرءوها مسبقًا، ومنحهم الوقت لقراءتها»: فَقِراءة جزء من النص في صمت بضع مرات سيحسِّن من قدرة الطلاب على قراءة النص بصوت مرتفع لاحقًا. وإذا تمكن الطلاب من قراءة النص بصوت مرتفع بضع مرات أيضًا، فإن ذلك أفضل.
(?-?) حل بديل: بدائل القراءة الجهرية
يجب أن نفكر إن كنا نطلب من الطلاب القراءة بصوت جهوري لأننا نرى فائدة ستعود عليهم من هذا النشاط أم لأنه يوفر الوقت أو الجهد على المعلم؛ فقراءة الفصل بأكمله للنصوص بصوت مرتفع يستغرق وقتًا طويلًا يمكننا تجنب إهداره على نشاط لا يحسِّن من قدرة الطلاب على القراءة. وثمة أساليب أفضل لزيادة طلاقة الطلاب من القراءة بالاختيار العشوائي والتخصيص التناوبي، من ذلك القراءة المشتركة مثلما أشرت مسبقًا في هذا الفصل، وفيما يلي بعض الأفكار الأخرى:
«اجعل كل طالبين يشكلان فريقًا، ودعهما يقرآن النص معًا»: اختر شركاء متقاربين في مستوى القدرة على القراءة. ضَع القرَّاء الناشئين أو متعلمي اللغة الإنجليزية مع الطلاب الذين يقرءون على نفس مستوى الصف الدراسي الملتحقين به، ولا تجمع الطلاب الأقل كفاءة مع الأكثر موهبة في القراءة؛ فالطلاب ذوو القدرات العالية يستاءون من استخدامهم كمعلمين خصوصيين، وهم يستحقون أيضًا تمكينهم من التطور في القراءة؛ الأمر الذي لن يتمكنوا من تحقيقه بالقراءة مع قرَّاء أقل قدرة منهم. لا شك أن القرَّاء الناشئين يحتاجون إلى دعم من قارئ أفضل منهم كنموذجٍ يُحتذَى به، لكن جمعهم في فريق واحد مع قارئ شديد البراعة لا يسفر إلا عن تغذية شعورهم بالقصور في القراءة.
«استخدِم أشرطة صوتية أو أقراصًا مدمجة أو نشرات صوتية غير مختصرة»: مع هذه الوسائط، يكون لدى طلابك نموذج طليق في القراءة يتبعونه، ولن يضطر المعلم لقراءة النص ذاته ست مرات في اليوم الواحد. أنا موقنة من نجاح هذه الوسيلة؛ فبوسع طلابي أن يخبروك بأن أداء المؤلف جاري سوتو الذي تشوبه اللكنة الإسبانية لأغنية «لا بامبا» في قصته القصيرة التي تحمل الاسم نفسه أفضل كثيرًا من أدائي! وبينما يستمع الطلاب للتسجيلات الصوتية، يمكنك إيقاف التسجيل عند النقاط المهمة في النص أو إعادة تشغيل أجزاءٍ معينةٍ من أجل المناقشة. ويمكن لأمناء المكتبات في المدارس في كثير من الأحيان تحديد أماكن الأشرطة الصوتية أو الأقراص المدمجة الخاصة بعديد من كتب الأطفال، ويضيف الكثير من الناشرين حاليًّا الأقراص المدمجة الخاصة بالكتب المدرسية في أغلفة ملحقة بها، وثمة خدمات على الإنترنت — مثل «تامبل توكينج بوكس» (http://www.tumblebooks.com/talkingbooks/) و«أوديبل» (www.audible.com) — تقدم مجموعة ضخمة من النشرات الصوتية للكتب.
(?) ممارسة تقليدية: البرامج التحفيزية
بعد فترة وجيزة من إجازة عيد الشكر، ألقيتُ التحية على طلابي وفي يدي رِزْمة من الأوراق. قلت لهم: «آنساتي سادتي! أحمل معي هنا رِزْمة أوراق مسابقة «سيكس فلاجز» للقراءة. لعلكم اشتركتم في هذه المسابقة من قبل. إذا قرأتم لمدة ??? دقيقة خلال الفترة ما بين الآن وحتى ?? فبراير، فستحصلون على تذكرة مجانية للطلاب لمدينة ملاهي «سيكس فلاجز».»
قال كوربين متشككًا: «ثلاثمائة وستون دقيقة من الآن حتى ?? فبراير؟ لكننا سنقرأ أكثر من ذلك بكثير، سيدة ميلر، في شهر واحد.»
«هذا صحيح، يا كوربين، وأعتقد أنكم ما دمتم تقرءون بالفعل، فقد تحصلون على الأرجح على التذكرة المجانية كذلك.»
سأل دانيال — رائد الأعمال الصغير في فصلي: «إذا قرأنا أكثر، فهل يمكننا الحصول على مزيدٍ من التذاكر؟»
«لا يا دانيال، تذكرة واحدة فقط.»
تقول بريتاني متأففة: «هل سينبغي علينا التدوين في هذا السجل السخيف للحصول على التذكرة؟ لن تهمني التذكرة إذا كان ينبغي عليَّ تدوين الوقت الذي أقضيه في القراءة في هذا السجل.»
«يا شباب، إنكم تقرءون بالفعل، والحصول على التذكرة مكافأة جيدة، ألا تعتقدون ذلك؟ سأحتفظ بمجلد على مكتبي لسجلات مسابقة «سيكس فلاجز»، وعند استكمالكم للسجلات الخاصة بكم، ضعوها في المجلد. وسأسلمها للآنسة تايلور [أمينة مكتبة المدرسة] عند اقتراب الموعد المحدد للمسابقة.» أَخْرَجَ أحد الطلاب آلة حاسبة ليحسب عدد الأيام التي ينبغي عليه القراءة فيها داخل الفصل وليلًا لتحصيل ??? دقيقة.
«لنرَ، إذا قرأت لمدة عشرين دقيقة على الأقل يوميًّا في الفصل وعشرين دقيقة يوميًّا في المنزل، فسوف يستغرق مني الأمر تسعة أيام لتحصيل ??? دقيقة من القراءة. ما المدة المحددة لنا لفعل ذلك، يا سيدة ميلر؟»
«شهران أو نحو ذلك. أتصوَّر أن معظمكم سينتهي من ذلك قبل عطلة الشتاء.»
أشعر بالامتنان تجاه ملاهي «سيكس فلاجز» وأمينة المكتبة بالمدرسة لتنظيمهما برنامجًا يحفز على القراءة، وأعتقد أن هدفهما المتمثل في مكافأة الطلاب على القراءة بمنحهم يومًا ممتعًا في متنزه مثير ومشوق هدف نبيل، لكن وجه اعتراضي عليه هو مقدار القراءة القليل جدًّا إلى حد محرج الذي يُتَوقَّع من الطلاب إنجازه على مدار فترة زمنية طويلة للحصول على مكافأة. علاوةً على ذلك، لم أَرَ من قبلُ أي طالب اكتسب عادة القراءة على المدى الطويل بسبب برنامج تحفيزي. حتى عندما يكون الطلاب متحمسين بصورةٍ ما للقراءة بسبب التذكرة، أو بيتزا مجانية، أو أي جائزة أخرى، فمن المرجح أنهم سيتخلون عن القراءة بمجرد أن يحصلوا على الجائزة التحفيزية. للأسف، الغاية الوحيدة من هذه البرامج هي إقناع الطلاب بأنه لا توجد قيمة متأصلة في القراءة في حد ذاتها، وأنها جديرة فقط بفعلها إذا ارتبطت بالفوز بجائزةٍ ما.
(?-?) حل بديل: هبات القراءة للقارئ
أريد أن يتعلم طلابي أن القرَّاء مدى الحياة يعرفون أن القراءة مكافأة في حد ذاتها. القراءة درس في الحياة؛ فهي تجعلنا أكثر ذكاءً بزيادة حصيلة المفردات والمعرفة العامة لدينا حول عدد لا نهائي من الموضوعات. تتيح لنا القراءة السفر إلى وجهاتٍ ما كنا لنراها خارج صفحات الكتب، وبالقراءة نجد أصدقاء يعانون نفس مشكلاتنا، ويمكنهم تقديم النصائح لنا لحلها. وعن طريق القراءة، يمكننا أن نرى كل ما هو نبيل أو جميل أو مروِّع في أناس آخرين، ويمكننا أن نتعلم أيضًا كيف نحسن التصرف من شخصيات الكتب، وأهم من كل ذلك أن القراءة سلوك جمعي يجعلك تتواصل مع قرَّاء آخرين، رفقاء سافروا إلى نفس الأماكن المذهلة التي سافرت إليها، وتغيَّروا بسببها أيضًا.
إن منح الجوائز كمكافأةٍ على القراءة يحط من شأنها، ويقلل من قدر فرصة الطلاب في تقدير تجربة القراءة لما تجلبه من احتمالات إلى حياتهم. بالنسبة للطلاب الذين يكثرون من القراءة، لا تمثل هذه البرامج تحفيزًا أو تحديًا. حقًّا في الواقع، تشارك فصولي في البرامج التحفيزية التي تقام على مستوى المدارس عند طرحها؛ فسوف يلبون المتطلبات سريعًا على أي حال، لكنني لا أسمح لطلابي مطلقًا بنسيان الجائزة الحقيقية؛ وهي أن التقدير الحقيقي للقراءة سيضيف إلى حياتهم أكثر مما تستطيع أن تضيفه مائة يوم في ملاهي «سيكس فلاجز» على الإطلاق.
همسة
تقييمات نهاية العام
ينتهي العام الدراسي، ويقضي العديد من الطلاب الإيثاريين اليوم الأول من إجازتهم في مساعدتي على الانتقال إلى فصلي الجديد. تظهر ميلندا — واحدة من طلابي القدامى التي صارت الآن في المدرسة الثانوية — لتقديم يد العون مثلما تفعل كل صيف، وتشرف على المتطوعين الأقل خبرةً. وفي أثناء نقل صناديق الكتب وجرِّ خزائن الكتب في الرواق، أتساءل لِلَحظات إن كان عدد كتبي زائدًا عن الحد، لكنني أستبعد سريعًا هذه الفكرة؛ فالكتب مهما زاد عددها لا تكون أبدًا زائدة عن الحد.
أحوِّل انتباهي إلى مكتبي، وأتفحص أكوام النماذج المُجمَّعة والمشبوكة بمشابك الأوراق بنظام، التي لا أزال بحاجة لوضعها في الملفات. أُمسِك بمجموعة منها لاصطحابها معي إلى المنزل وقراءتها؛ إنها استقصاءات نهاية العام للطلاب، التي يملئون فيها استبيانًا صممته للتعرف على مدى تطور الطلاب في القراءة خلال العام الدراسي (انظر الشكل ?). ومن خلال قراءة هذه الاستقصاءات لاحقًا، أَدرس مشاعر طلابي الشخصية تجاه القراءة، وإن كانوا قد حققوا أهداف القراءة المطلوبة منهم أم لا، وكتبهم وأنواعهم الأدبية المفضلة، وآراءهم النابعة من القلب عن خطابات الآراء في الكتب، وتكليفات القراءة الخاصة بكل لون أدبي، ووقت القراءة في الفصل. تعكس البيانات المستقاة من هذه الاستقصاءات تطورًا مذهلًا في مقدار القراءة لدى الطلاب، وتغيُّرًا مميزًا في مواقفهم تجاه القراءة بوجه عام.


شكل ?: رأي إحدى الطالبات كما هو موضح في نموذج التقييم (المصدر: ميشيل، الصف السادس).


(استكمال الشكل السابق.)
في استطلاعات الآراء حول القراءة التي ملأها الطلاب في الأسبوع الأول من الدراسة، ذكر أربعة وخمسون طالبًا أنهم قرءوا ??? كتابًا في الصف الخامس بمتوسط ?? كتابًا لكل طالب؛ بينما قرأ أربعة وعشرون طالبًا ? كتب أو أقل طوال العام. أما في الصف السادس، فقرأت المجموعة نفسها من الطلاب ???? كتابًا بمتوسط ?? كتابًا لكل طالب. وأقل عدد من الكتب قرأه أي طالب كان ?? كتابًا. اختلفت مواقف الطلاب تجاه مقدار ما قرءوه ما بين عدم التصديق إلى الذهول والفخر؛ فقد وصلت درجة فخر بونجاني بعدد الكتب التي قرأها إلى حد أنه نسخ سجل القراءة الخاص عدة نسخ ضوئية لعرضه على أقاربه. وعبَّر بينهم عن شعوره بأسلوب دراميٍّ قائلًا: «أشعر بأنني وُلِدت من جديد!» وقال ماثيو الذي لم يقرأ أي كتاب في الصف الخامس وقرأ ?? كتابًا في الصف السادس: «لقد قرأت أكثر مما تصوَّرتُ أن أقرأه طوال عمري!»
ومن بين العوامل التي أشار الطلاب إلى أنها الأكثر إسهامًا في زيادة حافزهم واهتمامهم بالقراءة، اختار الطلاب الأربعةُ والخمسون جميعهم وقتَ القراءة في الفصل باعتباره عاملًا مهمًّا. اختار خمسون منهم مكتبة الفصل المدرسي، بينما أشار ستة وأربعون إلى أن وجود معلمة قارئة ساعدهم في أن يصبحوا قرَّاءً بدورهم. وما أدهشني — علمًا بأن فصلنا لم يتضمن تكليفات بالقراءة في المنزل — أن اثنين وأربعين طالبًا أشاروا إلى قضائهم قدرًا أطول في القراءة بالمنزل مقارنةً بما كانوا يفعلونه قبل التحاقهم بفصلي. وهذه المعلومة عزَّزَت من إيماني بأن الطلاب الذين يقرءون أكثر في المدرسة يزداد احتمال مواصلتهم للقراءة في المنزل.
إنني أستعين بآراء الطلاب كوسيلة لتحديد عناصر ورشة عمل القراءة التي تحتاج إلى تعديل في العام التالي؛ على سبيل المثال، المراجعات النقدية للكتب التي بدأتُ في تطبيقها في منتصف العام الدراسي لم تكن مفيدة بالقدر الذي كنت أتمناه في إثارة اهتمام القرَّاء. أعتقد أننا لو كنا قد بدأنا في كتابة المراجعات النقدية في وقت مبكر من العام، كانت ستصير أكثر نجاحًا؛ لأن الطلاب كانوا سيعتمدون عليها اعتمادًا أكبر مقارنةً باعتمادهم عليها مع العدد القليل الذي قمنا به. والأمر نفسه ينطبق على نادي القراءة بعد اليوم الدراسي الذي لم يبدأ إلا في فبراير.
من خلال هذا الاستطلاع، يحتفي الطلاب بإنجازاتهم في القراءة، ويعبِّرون لي عن آرائهم مرة أخرى بشأن تنظيم فصلي، ويضعون أهدافًا قرائية مستقبلية. ومن خلال تصوُّر خطط للقراءة بعد الانتقال من فصلي والإعلان عنها، أتمنى أن يواصل الطلاب تقدُّمهم في القراءة. أخبرهم قائلةً: «إن أهم الكتب التي ستقرءونها هي تلك التي تختارون قراءتها هذا الصيف، وبمواصلة القراءة ستثبتون أنكم قرَّاء الآن دون أن أطالبكم بذلك.»
الفصل السابع
إدارة الفصل المدرسي أم التحكم به
لم أحب القراءة يومًا إلا بعد أن خشيت فقدانها؛ فالمرء لا يحب التنفس!
هاربر لي
أدرك أنني لن أحظى مطلقًا — على الأرجح — بفرصة أخرى للقراءة بالقدر الذي أقرؤه الآن في الفصل.
ميشيل
يمكن التعبير عن مضمون رواية جاري شميت «حروب الأربعاء»، وهي إحدى رواياتي المفضلة الجديدة، في جملة واحدة هي: «يزرع المعلمون في الخريف ويحصدون ما زرعوه في الربيع.» وبالنظر حولي في الفصل المدرسي في هذا اليوم من شهر مارس، أُدرِك أن هذا حقيقي؛ فطلابي مُنْحَنُون على كتبهم؛ بل إن أحدهم يواصل القراءة بينما يتمخط ويسير ناحية سلة القمامة. أنهي العام الدراسي على النحو نفسه الذي بدأته به؛ جالسةً أقرأ في كرسيي الأخضر. لا أقرأ أمامهم بقدر ما أقرأ معهم. أتساءل أحيانًا إن كنت قد جمعت الطلاب حولي في دائرةٍ أم أنهم فتحوا دائرتهم وسمحوا لي بالدخول إليها. أيًّا كان الأمر، القراءة هي ما نفعله الآن، ونحن سعداء بممارستها.
وبدلًا من ملاحقتي في كل مكان، والتوسل إليَّ للحصول على ترشيحات للكتب، بدأ طلابي في جمع أكوام من الكتب لاستعراضها واقتراحها بعضهم على بعض؛ إنهم يحاكون ما فعلته معهم، إنهم لا يحتاجون إلى دعمي لهم كقراء بقدرِ ما كانوا في بداية العام الدراسي في أغسطس، وهذه الفكرة تشعرني بالحماس، لكنها تحزنني في الوقت نفسه. أعلم أنهم سيتركونني عما قريب. وفي نظري، أسوأ ما في مهنة التدريس هي توديع الأطفال الذين أحببتهم، والذين لن أرى كثيرين منهم بعد ذلك مطلقًا. كل ما سيتبقى لي هي تلك اللقطات الذهنية التي ألتقطها لهم الآن وأنا أختلس النظر إليهم من فوق صفحات كتابي.
إن أليكس شعلة قراءة، زادت مكتبتنا والوقت المخصص للقراءة من توجهه. إنه ينهمك في القراءة لدرجة أنه يصرف انتباهه عن كلِّ ما يحيط به، بما في ذلك أنا في بعض الأحيان. أتمنى ألا أكون المعلمة الوحيدة التي لا تمانع ذلك.
إذا كان معك كتاب تدور أحداثه حول كلب، فأعطه لميليسا. ولا تعطِ كتبًا حزينة لباركر؛ فهي تدَّعي أنها تكره هذه الكتب، وإن كان من الواضح أنها تقرأ كثيرًا منها.
أما مولي، فتحب الكتب المليئة بالتشويق والإثارة وذات الإيقاع السريع، وهي انتقائية للغاية بشأن ما تقرؤه. وقد أعطيتها عشرين كتابًا لتستعرضها في إحدى المرات، ولم يعجبها أيٌّ منها. فصار اختيار الكتب التي ستعجبها تحديًا شخصيًّا لي. أعتقد أنها سيكون لها مستقبل في مجال النشر.
يجلس كينان وميشيل متواجهين على مكتبيهما المتقابلين، ويتنافسان على مَن سينتهي من قراءة «إنكهارت» أولًا. يبدو أن كينان قد ترك نسخته من الرواية في المنزل اليوم، ويقرأ شيئًا آخر. وبذلك، تصير ميشيل في الصدارة مؤقتًا.
أما بيثاني وماديسون ودانا، فهم مفتونون بسلسلة «أبناء منتصف الليل» بقلم سكوت ويسترفيلد، لدرجة أنهم أقنعوني باستخدام الكلمات المكوَّنة من ثلاثة عشر حرفًا، التي تسيطر على كائنات الظلام في هذه الكتب، في قائمة المفردات التالية للفصل (انظر الشكل ?-?). هكذا، فإنهم يحضرون لي كلمات جديدة كل يوم. وبدلًا من الكلمات العشر التي اعتدنا على جمعها، ستحتوي هذه القائمة على ثلاث عشرة كلمة.
براندون، الذي لم يكن خبيرًا في أي شيء مطلقًا سوى الوقوع في المشكلات قبل التحاقه بفصلي، صار الآن خبير الفصل في كل شيء يتعلق بجاري بولسن. وعندما وصلت النسخ الجديدة من روايتَي «النهر» و«صيد برايان» إلى الفصل، وقف براندون أمام مكتبي وانتظر حتى انتهيت من تغليفها بورق التغليف اللاصق كي يتمكن من اصطحابها معه إلى المنزل. كنت أعلم عند طلبي لهذه الروايات أن براندون سيكون أول مَن يأخذها من الطلاب.


شكل ?-?: ملصق خزانة ماديسون الذي صممته في المنزل يوضح حبها لروايات «أبناء منتصف الليل».
لم أجد بعدُ كتابًا من تأليف مارجريت بيترسن هاديكس لم تقرأه جوردان. ولعل اقتراب العام من نهايته أمر جيد؛ لأن اقتراحاتي لها قد أوشكت على النفاد.
يحزم دانيال كتبًا كثيرة جدًّا في حقيبة الظهر خاصته ليحملها معه إلى المنزل لكي يقرأها في عطلة الربيع حتى إنني أخشى أن يصاب بمشكلات بالظهر جراء ذلك. ويسألني كل يوم إن كنت قد انتهيت من قراءة رواية «أبناء المصباح: يوم محاربي الجن» كي يقرأها بعدي.
يزعم جوش ورايلي — اللذان يتميزان بثقتيهما بأنفسهما وشعبيتهما بين زملائهما — أنهما ليسا قارئين، لكنهما كانا أكثر مَن قدَّم كتبًا للزملاء في الفصل. إنهما دليل على أن المعلم إذا تمكن من دفع الأطفال ذوي الشعبية إلى القراءة، فإن باقي الأطفال الآخرين سينتهجون نهجهم.
يتمتع بيشوب بحماس شديد تجاه الكتب التي يحبها؛ مما يجعل من الصعوبة بمكان أن يضع أي شخص آخر يده عليها. وأَدين له بالفضل في جعل «الطبول والفتيات والفطيرة الخطيرة» أكثر الكتب شيوعًا بين الطلاب هذا العام، رغم وجود نسخة واحدة فقط منه في الفصل.
نمزح مع بونجاني وبتينيا بشأن عدد الكتب التي يتحفظان عليها؛ فكلاهما نَهِمَان للكتب، لدرجة أنهما يجمعان تِلالًا منها في خزانتيهما كما لو كانا يخزنان الجوز لفصل الشتاء.
وأجدني مدفوعة إلى التساؤل إن كان شتاء القراءة سيحل عليهم قريبًا؟ أدرك مدى هشاشة حبهم الذي اكتشفوه حديثًا للقراءة، وقلة المعلمين الذين يسمحون للطلاب بالجموح في القراءة مثلما أفعل أنا.
أعرف ذلك لأن بعض هؤلاء الطلاب يعودون إليَّ ويخبرونني بذلك.
(?) العودة إلى نقطة البداية
تَظهر آلي وأختها التوءم هانا على باب فصلي بعد بدء العام الدراسي بفترة قصيرة لكي تعيدا إليَّ الكتب التي استعارتاها مني على مدار إجازة الصيف. تقضي الفتاتان — الثرثارتان النابضتان بالحيوية — معي بضع دقائق في الدردشة حول ما فعلَتَاه خلال الإجازة. وينتقل حديثنا إلى الكتب التي تُعيدَانِها لي وانطباعاتهما عنها، لكن الحديث يئول في النهاية إلى فصل اللغة الإنجليزية الحالي بالصف السابع.
تقول آلي متنهدةً: «أشعر بخيبة أمل يا سيدة ميلر؛ فمعلمتنا الجديدة لا تؤمن بضرورة مَنْحنا وقتًا للقراءة الحرة.»
فقلت لها: «حقًّا؟» كنت أحاول تحقيق التوازن في حديثي؛ فأردت الإقرار بمشاعر آلي دون الإساءة للمعلمة التي ستظل تدرِّس لها طوال العام.
«لقد حدَّدَت مسبقًا كل الكتب التي ينبغي علينا قراءتها، لكننا لا نحظى بأي وقت لقراءة كتبنا الخاصة.»
قاطعت هانا حديث أختها قائلةً: «نعم، نقرأ كلنا رواية «لعبة ويستنج»، وهي رواية مملة جدًّا.»
ما كنت لأرشح أبدًا قراءة رواية الإثارة والتشويق «لعبة ويستنج» بقلم راسكين لآلي؛ فليست من النوع الذي تفضله آلي؛ إنها قارئة عاشقة للخيال. ونظرًا لأن مستوى ذلك الكتاب أدنى عدة أعوام من مستوى قراءتها، فإن ذلك يمثل عاملًا ضده كذلك. يمكنني أن أرى هنا أننا عدنا إلى حيث بدأنا: قراءة روايات مفروضة من المعلم دون أي مراعاة لاهتمامات الطلاب أو مستوى قراءتهم. من المهين ألا تقدِّر المعلمة الجديدة خبرات آلي في القراءة؛ فمستوى قراءتها وحصيلة مفرداتها لن تتطور إذا كانت تقرأ كتبًا سهلة للغاية بالنسبة لها.
«ينبغي علينا الاحتفاظ بكتبنا في كيس بلاستيكي قابل للغلق لأن المعلمة تعتقد أنه ليس بإمكاننا الحفاظ عليها، وقد أخبرَتْنا بأنها تعلم بأننا لا نقرأ على الأرجح بالقدر الكافي، وأنها تريد أن تضمن أن نقرأ بقدر أكبر. ألا تعرف من أين أتينا؟ لقد قرأنا جميعًا عددًا هائلًا من الكتب العام الماضي، وهي تعاملنا كما لو كنا لا نقرأ.»
فاندفعتُ في انزعاج قائلةً: «هل أخبرتموها بذلك؟ هل أخبرتموها بأنكم كنتم تقرءون كثيرًا جدًّا العام الماضي؟»
«كلا، فلن يشكل ذلك فارقًا.» لا أعرف إن كان ذلك حقيقيًّا أم لا، لكن من الجلي أن آلي وهانا قارئتان سريَّتان لا تُراعَى مشاعرهما بشأن القراءة وخبراتهما فيها في فصل مادة اللغة الإنجليزية للصف السابع الذي تنتسبان إليه. لقد نَمَّتْ كلتا الفتاتين حبهما للقراءة في فصلي، وأكره التفكير في أنهما ستسعيان للبحث عن هذا الحب خارج المدرسة لكي تحافظا عليه. لقد عدنا إلى نقطة الصفر! إنَّ غَرْس عادات القراءة التي تستمر مدى الحياة في طلابي أشبه بمحاولة درء مياه المحيط بمقشة، أيْ محاولة عديمة الجدوى، إذا كانوا سيعودون إلى نفس البيئة المتسلطة التي كانوا فيها قبل التحاقهم بفصلي.
غادرت آلي وهانا ذلك اليوم وهما تحملان كتبًا جديدة لقراءتها بالطبع، لكنهما ستضطران لقراءة تلك الكتب في المنزل. سعدت للغاية بعودة الفتاتين لرؤيتي، لكنني شعرت بالاكتئاب الشديد لأنهما لن تحظيا بأي وقت للقراءة في المدرسة هذا العام — بخلاف الكتب المكلفتين بقراءتها — ولأنني ليس بيدي أي حيلة في هذا الشأن. أودُّ لو كان بإمكاني التحدث مع معلمتهما، لكن ليس بإمكاني على الإطلاق التحقيق مع معلمة أخرى بشأنِ ما تفعله في فصلها.
فعلت الشيء الوحيد الذي يمكنني فعله؛ ألا وهو ركوب سيارتي والبكاء طوال الطريق إلى المنزل. أسأل نفسي: هل كان طلابي سيصيرون أفضل حالًا إذا لم أدرِّس لهم على الإطلاق (أعلم أنها مبالغة في الحسرة، لكنني كنت ثائرة للغاية)؟ وتلك الحقائب البلاستيكية ترمز إلى أن القراءة فعل لا يمكن للطلاب تحمل مسئوليته دون مراقبة من المعلم. لماذا نسعى جاهدين على هذا النحو لبناء أسوار بين الطلاب والكتب؟ لعلي أضعهم على طريق القراءة مدى الحياة، لكنني لا أُعِدُّهُم لسنوات من المعاناة مع الأسلوب التقليدي لتعليم القراءة الخاضع لتحكم المعلمين بعد تركهم لفصلي. وأسوأ من ذلك أن طلابي السابقين يعلمون ما يفتقدونه ويشعرون بخيبة أمل بسبب ذلك؛ فهم يعلمون أن القراءة يمكن أن تكون مختلفة، وأن الفصول يمكن أن تكون مكانًا يُسمَح فيه لهم بالاختيار، مكانًا يحظون فيه بوقت لقراءة كتبهم الخاصة كل يوم، ويمنحهم فيه المعلم زمام السلطة في قراءتهم. بعد التحدث مع الفتاتين التوءمتين، بدا لي أن السبيل الوحيد الذي يمكنهما النجاة به كقارئتين متحمستين بعد تركهما فصلي هو القراءة سرًّا.
(?) ما الذي نُعِد الطلاب له؟
قيل لي عدة مرات، سواء على نحو مباشر أو عبر التعليقات على مدونتي، إنني لا أُعِد طلابي «للعالم الواقعي» بالسماح لهم بقراءة ما يرغبون في قراءته. نعم، هذا حقيقي، إذا كان العالم الواقعي يعني أعوامًا من أوراق التدريبات على الفهم والتمرين على الاختبارات؛ فإذا كانت هذه هي الأشياء التي يتألف منها تدريس القراءة، فأعتقد أن المعترضين على أسلوبي في التدريس على حق؛ فأنا لا أُعِد طلابي لهذا العالم.
لماذا يجب عليَّ أن أعرِّض طلابي لخبرات سلبية الآن لكي أُعِدهم لخبرات سلبية لاحقًا؟ لا أعتقد أن العمل غير الهادف هو ما ينبغي عليَّ إعدادهم له. لقد سئمت سماع المعلمين وهم يقولون: «يجب أن نجعلهم مستعدين للصف السابع أو المدرسة الثانوية أو الكلية.» إنهم في الصف السادس! لماذا لا نجعلهم يعيشون عامًا ثريًّا ومؤثرًا ورائعًا في الصف السادس؟ يجب ألا يكون الهدف من الدراسة هو إعداد الطلاب لمزيد منها. يجب أن نسعى لجذب اهتمام الطلاب على نحو كامل الآن.
إذا لم تكن هذه الحجة كافية من وجهة نظرك، فعليك التفكير في الأدلة التي تشير إليها فصول القراءة الحرة، مثل فصولي. إن السماح للطلاب باختيار كتبهم والتحكم في معظم قراراتهم بشأنِ ما يقرءون ويكتبون ويفكرون فيه أفضلُ في إعدادهم لحياة ثقافية مقارنةً بوحدات الروايات والتدريبات على الاختبارات والمشروعات العديمة الجدوى التقليدية الواسعة الانتشار. فما الذي ننتظره؟
أشارت النتائج التي تَوصَّل إليها ريتشارد ألينجتون منذ ثلاثين عامًا إلى أن الطلاب لا يقضون وقتًا كافيًا في القراءة الفعلية خلال دراستهم للقراءة، ولا يزالون على هذا الحال. وعنوان مقال ألينجتون المميَّز: «إذا كانوا لا يقرءون بالقدر الكافي، فكيف لهم أن يتحسنوا؟» يخبرني بالكثير من الأمور التي ينبغي عليَّ معرفتها. نُشِر هذا المقال في عام ????؛ أي قبل عام من التحاقي بالمدرسة الإعدادية. ولم أرَ بالطبع أي زيادة في معدل القراءة في فصلي بالمدرسة الإعدادية نتيجة لهذا البحث؛ الأمر الذي لا أراه الآن أيضًا في العديد من الفصول المدرسية. ومهما كانت استراتيجيات التدخل التي تتبعها لدعم القرَّاء الناشئين أو مشروعات الإثراء التي تقدِّمها لأكثر الطلاب موهبةً، فلن يؤثر أيٌّ منها على تحصيل كل طلاب فصلك في القراءة مثلما تفعل الساعات الطويلة من القراءة.
يوضح العديد من نتائج الأبحاث، ووثائق السياسات الفيدرالية، وكتُب الخبراء؛ للمعلمين أن القراءة الفعلية هي النشاط الأكثر قيمة في الفصل المدرسي. وعلى الرغم من قراءاتي لكثيرٍ من الأبحاث، فليس عليك بصفتك معلمًا سوى النظر إلى أي شيء غير الفهارس والمجلات التي يتلقاها أي معلم على بريده. فعند تصفحي فهرس «التطور المهني لجمعية القراءة الدوليَّة»، لا أجد إلا سبعة كتب فقط تركز بوضوح على تعزيز القراءة المستقلة وخيارات الطلاب للمواد التي يقرءونها. وإذا أضفت الكتب التي تشجع منح الطلاب بعض فرص الاختيار — عن طريق الدوائر الأدبية، على سبيل المثال — أو الكتب التي توصي بالقراءة المستقلة بصفتها جزءًا من نموذج التدريس الشامل؛ فسأحصي خمسة عشر كتابًا أخرى. يتضمن عدد مارس ???? من مجلة «بوك لينكس» — التي تَصْدر عن جمعية المكتبات الأمريكية — مقالًا عن تحفيز القراءة تحت العنوان الفرعي «إثارة اهتمام الطلاب»، ومقالًا افتتاحيًّا بقلم أحد المعلمين يدعو فيه لمبادرة وطنية لربط الطلاب بالكتب بدلًا من التركيز على الاختبارات.
بالرغم من الكم الهائل من المعلومات المتوافِرة حول تنفيذ برامج القراءة القائمة على الاختيار الحر والدعم البحثي الواضح لهذه الممارسات، لِم إذن لا تُمارَس القراءة الفعلية إلا بقدر ضئيل للغاية في المدارس؟ وعندما يتمكن الطلاب من قراءة كتاب بالفعل، لماذا يُثقَل هذا الكتاب بكثير من «الأشياء» — على حد وصف ألينجتون — بدلًا من القراءة؟ أعتقد أن السبب هو التأثر الثقافي؛ فالمعلمون يفعلون ما يفعله الآخرون. فكيف يمكنك التخطيط والتعاون مع المعلمين الآخرين إذا كانت رؤيتك للقراءة مختلفة عن رؤيتهم؟ كيف ستحصل على المواد اللازمة إذا كان رئيس القسم الذي تتبع له لن يطلبها من أجلك؟ كيف تبرر الثلاثين دقيقة التي يقضيها طلابك في القراءة المستقلة، إذا كان ناظر المدرسة لا يفهم قيمة هذا النشاط؟
حتى إذا كان المعلمون يرون أن السماح لطلابهم بالقراءة أكثر فاعلية من أي نشاط آخر فيما يتعلق بتطوير قدرتهم كقرَّاء بارعين، فإنه لا يوجد دعم مؤسسي كبير للقراءة المستقلة؛ القراءة المستقلة الحقيقية دون برامج قائمة على المهارات أو اختبارات الفهم أو أنشطة الاختبارات أو الحوافز المرتبطة بها. وثمة ضغط قوي من الزملاء والإداريين لمواصلة العمل بالأسلوب القديم.
لا أزال أشعر بالهلع عند رؤيتي معلمين آخرين لآداب اللغة يُجْرُون للطلاب اختبارًا تدريبيًّا كاملًا على تقييم ولاية تكساس للقراءة لبناء «قدرتهم على التحمل» في الاختبار الفعلي الذي سيخوضونه في خلال شهرين. وأتساءل إن كان يجب عليَّ فعل ذلك بدوري. وقد قال لي أحد زملائي في أسبوع الاختبار التدريبي: «لا يستطيع طلابي الجلوس لمدة ست ساعات في الاختبار والإبقاء على تركيزهم حتى النهاية، فأقول لهم إنني لن أطلب منهم خوض سباق ماراثون دون أن يركضوا بضعة أميال أولًا.» لكنني أعتقد أن القارئ البارع من المفترض ألا يقضي ست ساعات للانتهاء من اختبار قراءة، وأن أفضل وسيلة لتحسين القدرة على القراءة إلى حد كبير هي قراءة الكتب. بيد أنني أحتفظ بهذا الرأي لنفسي ولا أُصرِّح به.
(?-?) محاربة الثقافة السائدة
من الصعب محاربة الثقافة السائدة حتى وإن كان ما يراه المعلم في الفصل كل يوم يُثبت له أنه على الطريق الصحيح. أنا على الطريق الصحيح، وأعلم ذلك؛ فالدرجات التي يحصل عليها طلابي في الاختبارات تكون مساوية لدرجات الطلاب بجميع الفصول الأخرى في المدارس التي أعمل بها أو تَفُوقها. لكن لن يتباهى بهذه البيانات إلا مَن تكون المعايير الدنيا التي تضعها الولاية فيما يتعلق بأداء الطلاب هي هدفه الوحيد. ولكني أعترف أنني أتنفس الصعداء كل عام، شأني شأن أي معلم آخر، عند وصول الدرجات التي يحصل عليها طلابي في الاختبارات.
لماذا لا يزال هذا الشعور ينتابني على رغم ما لديَّ من بيانات جُمِّعت على مدار أعوام من الفصول المدرسية تثبت أن حرية القراءة لها أثر قوي على التحصيل في القراءة، وما يدعم هذه البيانات من عدد هائل من الأبحاث؟ يرجع السبب في ذلك إلى ثقافة التعليم المتمركز حول المعلم وهوس الاختبارات القياسية. هذه الثقافة تجعلني أشك في نفسي، وأعرف أنها السبب الذي يجعل كثيرًا من المعلمين يرفضون تغيير أسلوبهم؛ ففي النهاية، هذه الأساليب المتمركزة حول المعلم في تعليم القراءة تبدو فعالة فيما عدا جانبًا صغيرًا منها؛ ألا وهو أن الأطفال يتعلمون كره القراءة؛ فثمة خوف من الحياد عما هو فعال بالفعل لأن اتباع أسلوب جديد مع الطلاب قد لا ينجح، ومَن يمكنه المجازفة عندما تكون سمعتنا كمعلمين — وربما أيضًا وظائفنا — على المحك؟
لكن هذه الثقافة هي السبب ذاته الذي يُحتِّم علينا أن نقتنص الفرصة ونعيد القراءة إلى الطلاب بكل وسيلة ممكنة؛ فالتركيز المؤسسي على الاختبارات والبرامج المعدة مسبقًا يستنزف كل متعة من القراءة يَشعر بها الطلاب أو سيشعرون بها في المستقبل. لقد حوَّلْنا القراءة إلى قائمة من الواجبات، مع غض الطرف عن حقيقة أن الطلاب و«الكبار» على حدٍّ سواء يتحمسون بقدر أكبر للرغبات، لا الواجبات. إن واجبات القراءة — مثل التدريب على الاختبارات، وتدريس المهارات، والتحليل الأدبي — جزء مما يجب علينا تعليمه للطلاب، لا أجادل في هذه النقطة؛ فالطلاب بحاجة إلى أن يعرفوا كيفية حل اختبارات القراءة، وتحليل نص أدبي، وقراءة كتاب مدرسي. وأنا أدرِّس لهم هذه المفاهيم — شأني شأن المعلمين الآخرين — لكن تعليم القراءة القائم على المهارات في العالم كله لن يعلق في أذهان الطلاب إذا لم يكن من المُنتَظَر منهم قراءة الكتب أو يُسمَح لهم بذلك. وهذا النوع من التعليم كفيل بعدم قراءة الطلاب، في الصيف، وفي المنزل، بل «لن يقرءوا مرة أخرى أبدًا» بعد انتهاء دراستهم الرسمية.
(?) التعلم من نماذج يُحتذَى بها
قبل عملي في التدريس، كنت موظفة حسابات. عملت في إدارة الفنادق والمطاعم لمدة عشرة أعوام. وعلى الرغم من إقراري بأن الكثير مما احتجت إلى معرفته عن تعليم القراءة تعلمته من عادة القراءة التي لازمتني طوال حياتي، فإني حصلت على بعض الأفكار المفيدة من خبرتي في الشركات؛ فعندما يريد قادة الشركات تحسين كفاءة شركاتهم أو إنتاجيتها أو أرباحها، ينظرون إلى ما تفعله النماذج التي يُحتذَى بها في المجال، ويخططون لأساليب من أجل نقل الإجراءات والطرق التي تجعل هذه النماذج ناجحة.
والنهج المتَّبع في التعليم الآن هو صناعة القرارات بناءً على البيانات، وهو الأسلوب المستعار من عالم الشركات؛ فتقارن الولايات بين بياناتها، مثل نتائج الاختبارات ومعدلات التخرج وإحصائيات الاستعداد للكليات وما إلى ذلك، وتقارن المناطق التعليمية للمدارس بياناتها ببيانات مناطق أخرى، وتقارن المدارس بياناتها ببيانات مدارس أخرى. ورغم الاستخدام المتزايد للبيانات الواقعية في التوصل إلى القرارات المتعلقة بالتدريس وجهود كثير من الباحثين لتحديد أفضل أساليب زيادة تحصيل القراءة، فلا يزال كثيرون من المعلمين يعلِّمون الطلاب القراءة باتباع نفس الأسلوب الذي اتبعه المعلمون منذ ثلاثين عامًا.
هذه المقارنات بين البيانات تساعد الإداريين في مجال التعليم على التخطيط لكيفية إنفاق الموارد أو تعيين المعلمين وتدريبهم، لكنها لا تساعد المعلمين في تحديدِ ما يجب عليهم فعله كل صباح عند دخول الطلاب الفصل؛ لذا، بدلًا من البحث عن حلول للمسائل التعليمية خارج الفصول المدرسية، أعتقد أنه يجب علينا البحث داخلها والتعلم من طلابنا. إن النماذج التي يُحتذَى بها في الأداء موجودة داخل فصولنا. ما الذي يعرفه أفضل القرَّاء عن القراءة ولا يعرفه القرَّاء الناشئون؟ ما الذي يمكننا تعلمه من أفضل القرَّاء ويرشدنا في اتخاذ القرارات بشأن أكثر القرَّاء ضعفًا في فصولنا؟
ببساطة، إن الطلاب الأكثر ممارسة للقراءة هم الأفضل في كل جانب من جوانب الدراسة؛ القراءة والكتابة والبحث والمعرفة المحددة المحتوى جميعًا (كراشين، ????). وهم الأفضل في خوض الاختبارات أيضًا، والمعلمون يعرفون ذلك. القرَّاء الناجحون البارعون هم الذين لا يقلق المعلمون بشأنهم، وبإمكانهم اجتياز اختبار الولاية منذ أول يوم لهم في الفصل، ويحتاجون إلى كتبهم الخاصة لتثقيف أنفسهم في أثناء جلوسهم في فصولنا على مدار العام، ولا يتعلمون أي شيء جديد منا. لماذا لا نُعلِّم كل طلابنا تبنِّي أساليب أفضل القرَّاء وسلوكياتهم بدلًا من صرف انتباهنا عن هؤلاء الطلاب، والسعي جاهدين لتعليم القرَّاء الضعفاء؟
(?-?) الهدف هو تنشئة قرَّاءٍ لمدى الحياة
لا ريب أننا نُصعِّب الأمور على أنفسنا. من الصعب التخلي عن السلطة؛ ففي النهاية، إذا لم نكن ندير بدقةٍ كلَّ جانب من جوانب القراءة لطلابنا، فهل يمكننا وصف ما نفعله بالتدريس؟ للتخلي عن السلطة، يجب أن يغيِّر المعلم فكرته عن التدريس، وما يمكن أن يمثله لك، وليس فقط للطلاب. لا أزال أتعلم حتى الآن كيفية التخلي عن السلطة. ومن الأمور التي أدركتُها أن ثمة فارقًا مميزًا بين إدارة الفصل والتحكم به؛ فبإمكاني إدارة فصلي دون أن أُملي على طلابي كل فكرة أو قرار، ومفهوم الذات لدى طلابي بصفتهم قرَّاءً يجب أن يمتد إلى خارج الفصل المدرسي، بما في ذلك فصلي، وإلا فلن يكونوا قد حصلوا على فائدة مستديمة مني. إذا تحكَّم المعلمون في القراءة، فإنهم لا يمكِّنون الطلاب منها أبدًا. ولن يخرج الطلاب من فصولنا بحافز داخلي للقراءة إذا كانوا يرون أن القراءة فعل لا يحدث إلا في المدرسة تحت سيطرة معلميهم. إن القراءة تنتمي في النهاية للقرَّاء، لا المدارس، ولا معلمي المدارس.
والقراءة في نظر كثيرين جدًّا من البالغين تساوي المدرسة؛ ويفخر بعضهم بعدم قراءة أي كتاب منذ التخرج. ولا ينطبق هذا على القرَّاء الضعفاء فحسب؛ وإنما على معظم القرَّاء، ومن هؤلاء الذين كانوا ينجحون في فصولنا ويجتازون تقييمات الولاية عامًا تلو الآخر. وما من معلم أعرفه يعتقد أن هذا الوضع المؤسف أمر مقبول، لكننا لا نتحمل مسئوليته، مُلقين باللوم على أولياء الأمور لعدم تشجيعهم لأبنائهم على القراءة، وعلى الطلاب أنفسهم لعدم رغبتهم في القراءة.
أريد لطلابي ما هو أكثر من حالة عدم القراءة هذه؛ أريدهم أن يشعروا بأن القراءة مسعًى يواصلون التعلم من خلاله ويجدون فيه السلوى والمتعة على مدار الحياة. أريد ما يريده كريس كرو— المحرر وكاتب العمود بجريدة إنجلش جورنال — لأطفاله عندما يقول راجيًا: «أود، ولو لمرة واحدة فقط، أن يدخل أحد أطفالي متثاقلًا إلى المطبخ متأخرًا على موعد الإفطار غائم العينين لاستيقاظه طوال الليل للانتهاء من قراءة روايةٍ ما. أود أن أراهم جالسين في استرخاء على الأريكة ويعيدون قراءة كتابهم المفضل. سأموت راضيًا إذا سمعت أحد أطفالي قبل أن أموت وقبل أن يكبروا يتحدث بحماس مع صديق له عن كتاب انتهى لتوِّه من قراءته.» لم يكن هذا الاستجداء لومًا موجهًا لأطفاله أو رسالة من خبير؛ وإنما هو رجاء من أبٍ لمعلمي أطفاله لتشجيع أطفاله على القراءة.
(?) التواصل عن طريق الكتب
إن رحلتي مع الطلاب تعيدني إلى نفسي وإلى ما عرفته دائمًا عن القراءة. إن القراءة هي السبيل الذي اخترته لحياتي، لكل جانب فيها، سواء داخل الفصل المدرسي أو خارجه. وأتساءل في كثير من الأحيان إن كانت هويتي كقارئة — أيْ شخصية تقرأ بِنَهم ولديها دائمًا ترشيحات للكتب — هي كل ما لديَّ لأقدمه للآخرين. ربما يكون ذلك حقيقيًّا، لكنه مبالغة في التبسيط؛ فكيف يمكنني التعبير عن المدى الذي بلغته القراءة في تشكيل شخصيتي كإنسان؟
وبرغم أنني أرى نفسي شخصية حنون، فإنني لست من النوع الذي يُظهِر مشاعره، لكنني إذا جلبت لك كتابًا لم تطلبه، فاعلم أنني أهتم بك. لقد قلت لك كل شيء أود قوله لك من خلال ذلك الكتاب. لديَّ ما يكفي من الحكمة لأقرَّ بأن كلمات أي مؤلف أكثر بلاغة من كلماتي، وعندما نتقابل وأكتشف أننا قرأنا وأحببنا نفس الكتب، نصير أصدقاءَ على الفور، ونحن نعرف الكثير أحدنا عن الآخر بالفعل إذا كان كلانا قارئًا، وأعتقد أن هذا سبب سعيي الدائم لإحاطة نفسي بأشخاص يقرءون. إذا كنتَ لا تقرأ، فلا أعلم كيف أتواصل معك. أعلم أن ذلك عيبٌ. ولعل والدتي، التي شعرت بالقلق من أن تجعلني القراءةُ شخصيةً انطوائيةً، كانت محقة إلى حدٍّ ما؛ لا يمكنني التعبير أبدًا عن شخصيتي الحقيقية بكلماتي بالقدر نفسه من القوة التي يمكن أن تعبر بها كتبي.
هذا هو الأسلوب الذي أعبر به لطلابي عن حبي لهم: أضع الكتب بين أيديهم، ألاحظ أحوالهم، أبحث عن كتب تخبرهم بأنني أدرك ما يشغلهم، وبأنني أعرف شخصياتهم. وعلى الرغم من عدم تحدثنا عن تلك الأمور، فعند قراءتهم الكتب التي أقدمها لهم سيعرفون أنني أفهمهم. نتحدث معًا بلغة الكتب التي نتبادلها فيما بيننا، الكتب التي تقول: «أنت حالم، فاقرأ هذا»، أو «أنت تتألم بداخلك، فاقرأ هذا»، أو «أنت بحاجة للضحك، فاقرأ هذا!»
إن الوقت الذي يقضيه طلابي في فصلي يمر سريعًا للغاية، أو لعله يمر بهذه السرعة فقط من الناحية الزمنية، لكن الساعات التي نقضيها معًا في القراءة ستدوم ذكراها بعد العام الدراسي. الكتب تعني الخلود للكتَّاب، وباعتباري الوسيلةَ التي وصلَتْ من خلالها الكتبُ إلى أيدي الكثير من الأطفال، أشعر بأن الكتب تعني خلودي أنا أيضًا. وإذا تذكَّرَ طلابي عامهم معي بأنه العام الذي قرءوا فيه بِنَهَمٍ العشراتِ من الكتب، فهذا كافٍ في نظري. لا يمكنني التحكم فيما يحدث بعد أن يترك الطلاب فصلي، لكنني أتساءل إن كان ما قدمته كافيًا لهم. وبالنظر إلى عدد طلابي السابقين الذين لا يزالون يراسلونني بالبريد الإلكتروني إلى الآن للحصول على ترشيحات للكتب أو يَظهرون على باب فصلي بعد سنوات من تركهم له للتحدث عن الكتب، أعتقد أن ما قدمته ليس كافيًا.
(?-?) عودة الطلاب
بعد ظهيرة أحد أيام الجمعة، كان نادي القراءة الذي تَرَجَّاني طلابي لتأسيسه قد انتهى لتوِّه، وكنت أنظف الفصل. رفعت عيني عن مكتبي الذي كنت أسويه لأجد ماثيو واقفًا عند الباب. قال بعينين لامعتين: «هذه الرائحة … لَكَمْ أحب رائحة هذه القاعة! لا يمكنني أن أصفها؛ إنها أشبه برائحة الكتب الجديدة والنظيفة. كيف حالك، سيدة ميلر؟»
عانقتُه ولاحظتُ أن جسده قد نما مقارنةً بالربيع الماضي الذي ترك فيه فَصلي. قضينا نصف الساعة التالية في التحدث عن الكتب التي قمنا بقراءتها منذ الصيف الماضي. سألني: «هل قرأتِ «جريجور وشفرة المخلب»؟» (تنبيه بكشف أحداث الرواية: إذا لم تكن قد قرأت هذه الرواية بعدُ، يمكنك تخطي الجزء الأول من المحادثة التالية!)
«نعم، لقد قرأتها. توحي النهاية بأن السلسلة لم تنتهِ بعدُ. أعتقد أن ثمة شيئًا لم تخبرنا به سوزان كولينز عن ذلك الجار.»
«نعم، أعرف ما تعنيه. لا يمكنني أن أصدق أنها قتلت آريس؛ لقد كان أحد أفضل الشخصيات في القصة! هل تعلمين أن «معركة المتاهة» ستصدر قريبًا؟»
فقاطعتُه قائلةً: «? مايو! وإني لَأتساءل كيف سيستخدم ريوردان أسطورة المينوتور في هذه الرواية!»
«لقد سجلتُ أنا وميشيل اسمينا لدراسة علم الأساطير العام القادم.»
«ماثيو! إن بإمكانك تدريس هذا الفصل بفضل ما قرأتَه في علم الأساطير العام الماضي.»
يساعدني ماثيو في جمع المقاعد والتقاط القمامة في أثناء حديثنا الطويل عن الكتب. من اللطيف أن نتمكن من التحدث عن الكتب بهذه السهولة رغم عدم التقائنا منذ ثمانية أشهر؛ الأمر الذي يُثبت أن العلاقة بيني وبين ماثيو كقارئين مستمرة بعد انتهائي من دور المعلمة معه بوقت طويل. نتحدث عن كل السلاسل التي نُتابعها وتَنَاقشْنا مجددًا حول انطباعاتنا عن رواية «هاري بوتر ومقدسات الموت». أخبر ماثيو عن الفيلمين القائمين على روايتَي «إنكهارت» و«القبحاء» اللذين سيُعرضان قريبًا. وعرضتُ عليه كتب فانتازيا القطط — المحاربون — التي وجدتها بالمصادفة في أحد معارض الكتب (ترجَّتْني آلي وهانا وماثيو لشراء هذه الكتب في الربيع السابق). يصرِّح لي ماثيو قائلًا: «أشتري الكتب دائمًا. وأنفق كل أموالي في مكتبة بارنز آند نوبل.» وتبدأ محادثتنا تكشف عن المزيد من الحقائق المزعجة بشأن حال القراءة بعيدًا عن فصلي.
«لماذا لا تزور مكتبة المدرسة، يا ماثيو؟»
«لا تصطحبنا المعلمة مطلقًا إلى المكتبة. ولا يمكنني زيارتها بنفسي إلا قبل اليوم الدراسي أو بعده، لكنني أكون دائمًا في عجلة من أمري في هذه الأوقات. وكلما أجد كتابًا يعجبني في المكتبة، يكون الثالث أو نحو ذلك في السلسلة، ولا أجد مطلقًا الجزء الأول من السلسلة. إنهم لا يشجعون على القراءة في ذلك المكان [يقصد المدرسة الإعدادية] مثلما كنتِ تفعلين.» ويتنهد ثم يستطرد قائلًا: «لا أحد يشجع على القراءة مثلكِ.»
أتوجه إلى مكتبة الفصل وأبحث عن بعض الكتب لماثيو مما أعتقد أنه لم يقرأها العام الماضي، وأمزح معه قائلةً: «أعتقد أن الأمر ينطوي على استغلال من جانبي، لكنني إذا أقرضتُك بعض الكتب لكي تقرأها، فسوف تزورني لإعادتها.»
إن تصريح ماثيو المؤثر بأنه «ما من أحد» يشجع على القراءة مثلما أفعل قد لا يكون دقيقًا للغاية، وهو لم يتعامل إلا مع ثمانية معلمين فقط منذ أن كان في رياض الأطفال. إن تقديم أكوام من الكتب للطلاب ليختاروا من بينها، ومنحهم الوقت للقراءة يبدو سهلًا للغاية، لكنه فعال، ولستُ الشخص البالغ الوحيد الذي يعلم ذلك ممن يعملون على تحفيز الأطفال على القراءة. ويتضح ذلك من نماذج التعليقات على منشورات مدونتي.
•••
لماذا يجب أن نقرَّ باهتمامات الطلاب عند ترشيح الكتب واستخدامها في الفصل؟
إذا أردنا أن يصبح الأطفال قرَّاءً متحمسين ونهمين، يجب أن نسمح لهم بقراءة ما يثير اهتمامهم.
دونا جرين، نُشِر في ?? مارس ????
كيف يؤدي قضاء وقت أطول في تقييم الطلاب ووقت أقل في القراءة إلى القضاء على كل متعة يشعر بها هؤلاء الطلاب تجاه القراءة؟
من المحزن أن يأتي التعبير عن أهمية القراءة والكتابة (من خلال الاختبارات) على حساب الشغف الذي يكنُّه بعض الأطفال تجاه القراءة.
جيسون، نُشر في ?? فبراير ????
لماذا لا يزال أفضل برنامج للقراءة هو أول برنامج للقراءة يتلقاه معظم الأطفال وهم يجلسون على ساق أحد أبويهم حيث يتواصلون مع الكتب ويقضون الوقت في القراءة؟
إن مَنْح الأطفال المزيد والمزيد من الكتب الممتعة والوقت لقراءتها يبدو خاليًا من التعقيد، وبالغ السهولة، ومتسمًا بالمرونة. بالطبع لا يمكن أن ينجح.
إيرين، نُشِر في ?? فبراير ????
لماذا تتعلق القراءة بالأطفال والكتب، لا البرامج والمعلم؟
بصفتي معلمةً للغة الإنجليزية في مدرسة للتعليم الثانوي البديل، رأيت كثيرًا من الطلاب غير القرَّاء يتحمسون للقراءة بمجرد إتاحة الفرصة لهم لاختيار كتبهم بأنفسهم. من الضروري من وجهة نظري أن يتمكن طلابنا من الوصول بسهولة إلى الكتب التي يسهل عليهم التجاوب معها؛ فعندما يعثر الطلاب على هذه الكتب، يصبح من الصعب عليهم فجأة تركها. أحب ذلك عندما يحدث.
تيري، نُشِر في ?? فبراير ????
هذه النفحات من الحماس للقراءة ليست كافية، ونحن نَعْلم جميعًا أن هؤلاء المعلمين لا يمثلون الأغلبية. ينبغي ألا نضطر إلى أن نصبح معلمين سريِّين. ثمة شيء يجب أن يتغير. ينبغي ألا يعاني الطلاب. في كل مرة يختارون فيها كتابًا، نعاقبهم بأوراق التدريبات المبتذلة والتحليل والمناقشات اللانهائية. ما الذي سيدفعهم للقراءة بمحض إرادتهم؟ لا بد أن يكون هناك مزيد منَّا، لا بد أن تصل أصواتنا للإداريين والزملاء وأولياء الأمور بشأن ما نؤمن به. ولا بد أن نؤمن — بالطبع — بأن القرَّاء بحاجة إلى أن يقرءوا أكثر وأن يتمتعوا بمزيد من التحكم فيما يقرءون.
وإلى أن يحدث ذلك، سأظل أتلقى رسائل بريد إلكتروني مثل الرسالة التالية التي تلقيتها من والدة كيلسي:
ستخضع كيلسي لتقييم تاكس [تقييم تكساس للمعرفة والمهارات] مهم للغاية هذا العام. هل يمكنكِ مَنْحي بعض النصائح بشأنِ ما يجب علينا فعله لمساعدتها على النجاح؟ أعلم أنكِ مشغولة مع طلابكِ، لكن يبدو أنكِ تمكنتِ من التأثير في كيلسي.
إنها كيلسي — نفس الفتاة التي اجتازت بنجاح باهر تقييم تاكس في الصف السادس عندما كنتُ معلمتها. هل تشعر والدتها بالقلق بشأن تقييم تاكس مرة أخرى، واضطرت للاتصال بي لتستشيرني؟ هل أنا آخر معلمة تمكنتُ من التأثير في كيلسي، منذ عامين؟
يعود الطلاب إليَّ معًا، ويرسلون إليَّ رسائل بريد إلكتروني يلتمسون فيها مني قوائم للكتب أو يبحثون من خلالها عن أي شخص يهتم بأحدث إصدار من سلسلة روايات «العصبة». أتأثر بذلك، وأشعر أني أفتقدهم جميعًا، ويسعدني أن أعرف أنه كان لي هذه الدرجة من التأثير عليهم، وأنهم لا يزالون يقرءون، لكن ما كان ينبغي أن يعانوا إلى هذا الحد ليبقوا قرَّاءً، ومن المحزن أن مجتمعات القراءة الخاصة بهم لم تتوسع أو تتطور منذ أن كانوا في الصف السادس، وأعلم أنه من دون الوقت المخصص للقراءة في الفصل المدرسي، أو وجود مجتمع من الأقران القرَّاء الداعمين، يتوقف بعض هؤلاء الطلاب عن القراءة. إن خبرات القراءة التي أتشاركها مع طلابي هشة جدًّا.
يمكنك أن تقرأ كل ما كُتِب عن التعليم، وفي ذلك هذا الكتاب، لكن أحدث رسالة بريد إلكتروني تلقيتها من آلي — التي قضت فترة دراستها بالكامل في الصف السابع في بيئة قراءة تتحكم فيها المعلمة — توضح الأمر برمته:
كلفتنا السيدة/ … بفرض قراءة سنقرأ فيه كتبًا نريد «حقًّا» قراءتها! لم أعتقد قط أن ذلك ممكن … لقد جعلتنا نختار من بين كتب مثل «رمال الزمن» و«كتاب بدايات القصص»، و«بحر كائنات الترول» (هذه الرواية التي اخترتها)، و«إنذار كارثة بيولوجية». سأتمكن ولو مرة من قراءة كتاب ممتع في فصلها.
احتاج فصل آلي إلى الانتظار سبعة أشهر كي يعودوا إلى ما فعلوه في أول يوم لهم في الصف السادس. سيقرأ الطلاب إذا قدمنا لهم الكتب، والوقت، والتشجيع الحماسي لفعل ذلك. أما إذا جعلناهم ينتظرون حتى يحين موعد تلك الوحدة التي يُسمَح لهم فيها للمرة الوحيدة على مدار العام باختيار الكتب التي يريدون قراءتها لكي يصبحوا قرَّاءً، فقد لا تكون القراءة أحد خياراتهم أبدًا. لكي نُبقي طلابنا مواظبين على القراءة، يجب أن نسمح لهم بالقراءة.
خاتمة
«القراءة شيء أساسي.» نظرًا لنشأتي في الفترةِ ما بين أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات، فقد سمعتُ تلك الكلمات في إعلان تليفزيوني للخدمة العامة كان يُعرَض بين المسلسلين التليفزيونِيَّيْن المفضلَين لديَّ؛ وهما «بونانزا» و«بيج فالي». كانت هذه العبارة التي كان يقولها صبي صغير في العاشرة أو الحادية عشرة من عمره — أي في نفس سنِّي تقريبًا — دعوة لي للعمل؛ فالرسالة التي وصلتني هي أنني إذا كنت أتوقع معرفة المزيد عن العالم من حولي، فلا بد أن أقرأ. ولمَّا كنت أعيش في ريف أوكلاهوما، كان وصولي للكتب قاصرًا على المكتبة المحلية الصغيرة وما أنتقيه من الأرفف في فصول مدرستي. لكن التشجيع والحتمية التي حملها صوت ذلك الصبي ظلت بداخلي؛ فالرسالة التي أوصلها لي هي أن القراءة يمكن أن تمنحني الفرصة للتعرف على أشخاص آخرين وأماكن أخرى. ولم أنسَ ذلك قط.
في ذلك الوقت، كانت أمريكا تواجه تغيرًا سياسيًّا مزعجًا، تَمثَّل في حركة الحقوق المدنية، وحرب فيتنام، واستقالة الرئيس. ورأيت القراءة وسيلة للتواصل الاجتماعي، وسبيلًا لفهم هذه الثورة، ومن ضمن ذلك الأفكار والتحديات والأشخاص. أفادتني القراءة في استكشاف الحياة بعيدًا عن طفولتي في ريف أوكلاهوما. لقد كنت محظوظًا. وآمنت أن بإمكاني أن أكون جزءًا من شيء أكبر عن طريق القراءة. وبصفتي ناظر مدرسة ممارسًا الآن، فمن واجبي تهيئة مناخ يبعث بنفس هذه الرسالة لطلابي. لا بد أن أجد معلمين يؤمنون بأن القراءة وسيلة تسمح للطلاب بالارتحال إلى عوالم تتجاوز جدران فصولهم.
لكن ما مدى وضوح رسالة «القراءة شيء أساسي» التي نرسلها لصغارنا اليوم؟ هل يتعامل الطلاب مع القراءة في فصول مدارسنا الحكومية على أنها وسيلة للتفكير في العالم؟ أتمنى ذلك، لكنني كذلك متشكك فيما يتعلق بهذا الشأن. لقد اختُزِل نقاشنا القومي حول القراءة إلى نقطة حوار، إلى درجة قياس. كيف لنا أن نجعل طلابنا يفتحون كتبًا ويبدءون في القراءة، بينما يتمحور التركيز في الكثير من الفصول على الأداء في الاختبارات؟ إنني أُومِن بفكرة أن المعلمين والمدارس يجب أن يتحملوا مسئولية أداء الطلاب، وأدعم هذه الفكرة أيضًا، لكنني أخشى أننا — كموظفين في المدارس الحكومية — نُسيء تفسير الفكرة الأساسية للقراءة داخلنا؛ فالقراءة أكثر بكثير من مجرد رقم، إنها مسئولية مدنية، ينبغي أن تحيا داخل الفصل المدرسي وخارجه. والمعلمون والمدارس يؤدون دورًا محوريًّا في استمرار هذه الرسالة.
ومن خلال بث هذا الشعور بالمسئولية داخل طلابنا، نُعِدهم لأن يكونوا صنَّاع قرارات حَسَنِي الاطِّلاع ومساهمين في مجتمعاتهم. إذا زرعنا بداخلهم شغفًا بالقراءة، فسيكونون قادرين على الاستكشاف اللازم للعمل في نظامنا الديمقراطي. إنَّ طلابنا يُظلَمون عندما نفشل في تدريس القراءة خارج نطاق التعريف المحدود لنتائج الاختبارات. وطلابنا يكونون قد ظُلِموا إذا رأوا أن الرسالة الأساسية للقراءة مُختَزلَة في مجرد عبارة تشجيعية على ملصق، أو استمعوا إليها من صوت شخص مجهول في إعلان خدمة عامة. ونحن — العاملين مع الأطفال كل يوم في المدارس بجميع أنحاء أمريكا — نحمل على عاتقنا التزامًا بأن نحيا حياة القرَّاء بدورنا.
لا بد أن نؤمن بأن القراءة شيء أساسي لنا ولطلابنا ولجميع الطلاب؛ لكي نساعد في تعزيز الأفكار التي ستدفعنا جميعًا إلى التقدم. لا بد أن تأتي القراءة على رأس جدول أعمالنا بوصفنا معلمين وإداريين في المدارس الحكومية، ليس في إطار تعريفها الضيق وإنما على نحو يساعد الطلاب على اكتشاف إحساسهم الخاص بالهدف. وسواء أكان هؤلاء القرَّاء الصغار من مدن كبيرة أم مجتمعات ريفية تبعد آلاف الأميال، يمكننا مساعدتهم في تصوُّر احتمالات أخرى من خلال كلمات إلين لوبل كونيجسبرج أو إلوين بروكس وايت أو هاربر لي.
تؤمن دونالين ميلر بأنه ينبغي على المعلمين والإداريين في المدارس خلق فصول قراءة فعالة. وتؤمن كذلك بأن الطلاب يملكون من القدرات ما يتجاوز كثيرًا مجرد الخضوع إلى الاختبارات؛ فهي ترى أن جميع الطلاب قرَّاء، ولا بد أن يحيوا حياة لا تخلو من القراءة بعد سنوات دراستهم. إن صوتها مهم، يحمل رسالة «إن القراءة شيء أساسي» كل يوم في فصلها.
فلتنضم لحركة الهامسين بالكتب! فإن فعلت، فسنبعث برسالة مدوية بأن القراءة شيء جوهري ليس فقط لرفاهية طلابنا، وإنما أيضًا للحفاظ على رفاهة نظامنا الديمقراطي الدائمة. سنمكِّن طلابنا من الحفاظ على أنفسهم وعلى أمتنا. أدعوك للانضمام لهذه الثورة من أجل القراءة، والقيام بدورك كتربويٍّ في مدرسة حكومية في الولايات المتحدة. إن أطفالنا لا يمكنهم تحمُّل ثمن صمتنا.
د. رون دي مايرز
ناظر مدرسة ترينيتي ميدوز لمرحلة التعليم المتوسط
كيلر، تكساس
ملحق (أ): العناية بمكتبة الفصل وإمدادها بالكتب
لا تزال خزانة الكتب الصغيرة المؤلفة من ثلاثة أرفف، والمصنوعة من الخشب الحُبيبي، التي بدأت في استخدامها في أول عام درَّست فيه؛ جزءًا من فصلي المدرسي حتى الآن. لكنها صارت تحمل خطط الدروس المؤرشفة ودوريات «معلم القراءة»؛ فبدأت الأرفف في التقوس منذ بضعة أعوام جراء حملها لصناديق الكتب، وأَحَلْتُها «على المعاش» شأنها شأن الخيل العجوز مقوس الظهر. لكنني لن أتخلص من هذه الخزانة البالية الرخيصة حتى تنهار تمامًا؛ ففي الأيام التي أشعر فيها باليأس لعدم إنجازي الكثير مع طلابي، تذكِّرني هذه الخزانة البائسة بمدى التقدم الذي أحرزته في عملي.
عند افتتاح مدرستي، ترينيتي ميدوز، في عام ????، كان المعلمون يهرولون للذهاب إلى فصولهم بينما كانت أعمال البناء لا تزال قائمة. وفي أحد الأيام، بينما كان يَجري تركيب هواتف في الفصول، دخل أحد الفنيين إلى المكتب، وقال مرتبكًا: «هل تريدون تركيب هاتف في تلك المكتبة هناك؟» استغرق الأمر بضع لحظات ليدرك أعضاء هيئة التدريس الموجودون في المكتب أن الفنيَّ كان يعني فصلي!
إذا قلتُ إن فصلي يفيض بالكتب، فإنني لا أوفيه حقَّه. لا يوجد ركن مخصص للمكتبة، وإنما الفصل بأكمله ركن مكتبة. إن طلابي محاطون — بالمعنى الحرفي للكلمة — بالكتب من كل جانب (انظر الشكل ?). ولدينا في المكتبة، في الواقع، عدد كبير للغاية من الكتب؛ مما دفعنا لدسِّ المجموعات الضخمة من الكتب المخصصة للقراءة المشتركة ونادي القراءة، الذي نقيمه بعد الدوام المدرسي، في خزانة في الناحية الأخرى من الرواق.


شكل ?: مكتبة فصلنا المدرسي (المصدر: هوب مايرز، الصف السادس).
في إحدى المرات، جاء ضيف إلى فصلنا، فكدست أنا وطلابي كثيرًا من صناديق الكتب الكرتونية في الخزائن بحجرة الأشغال على الجانب الآخر من الرواق؛ نظرًا لعدم وجود أي مساحة فارغة أسفل طاولة الكمبيوتر الخاصة بي لهذه الصناديق. شعرت آنذاك بأنني أخبئ الملابس المتسخة من حماتي، فكنت أخشى ألا يفهم الزائر حاجتنا لوجود أكوام من الكتب بجميع أنحاء المكان.
(?) كتب في كل مكان
تصطف خزائن كتب بلاستيكية مملوءة بكتب الأدب الروائي على طول الحوائط، وتحيط بالفصل بالكامل، وتضم هذه الأرفف صفوفًا عديدة متراصة من صناديق الأحذية البلاستيكية. أشتري هذه الصناديق من متاجر التخفيضات عندما تكون معروضة للبيع مقابل دولار واحد فقط للصندوق الواحد، وأترك أغطيتها في المتجر. يحوي كل صندوق كتبًا أغلفتها موجهة لأعلى. ونظرًا لأن تكليفات القراءة في فصلنا قائمة على الألوان الأدبية، فإن الكتب منظمة وفقًا للألوان الأدبية. أرتِّب الكتب وفقًا لرواج الألوان الأدبية؛ إذ تبدأ الصناديق بالأدب الروائي الواقعي، ثم الفانتازيا والروايات التاريخية، ثم الخيال العلمي، ثم الإثارة والتشويق، ثم الأدب التقليدي، وأخيرًا الشعر. وتحمل كل بضعة صناديق بطاقة مصممة بالكمبيوتر مطبوعًا عليها اسم النوع الأدبي لإرشاد الطلاب الذين يبحثون عن الكتب.
الصناديق مرقمة، وكل كتاب يحمل ملصقًا على غلافه يتماشى مع الملصق الموجود على الصندوق الذي ينتمي له. وهذه الملصقات تيسر على الطلاب إعادة وضع الكتب على الأرفف الخاصة بها. وكل صندوق مرتب أبجديًّا — بوجه عام — في حدود اللون الأدبي الذي يتبع له. وفي حالة عدم وجود عدد كافٍ من الكتب تحت حرف معين من الحروف الأبجدية لملء صندوق بالكامل، يحمل صندوق واحد عددًا من الحروف. وعند امتلاء هذا الصندوق، أضيف صندوقًا آخر بنفس الرقم، وأضع الكتب الزائدة فيه. وبهذه الطريقة، لا أضطر لإعادة ترقيم كل الكتب كلما ازدادت في المكتبة. ولدينا ما يزيد عن ??? صندوق في مكتبة الفصل الآن.
تتكدس صناديق علب اللبن الكرتونية المليئة بكتب الأدب غير الروائي على الأرض بحيث يحتوي واحد على كتب العلوم، ويحتوي ثانٍ على كتب التاريخ، وكتب الأدب غير الروائي العامة وفي ذلك كتب الإرشادات والنصائح في صندوق ثالث، والتراجم والسير الذاتية والمذكرات في صندوقٍ رابعٍ.
أما الكتب ذات الأغلفة المقواة، فلا تتلاءم جيدًا في صناديق الأحذية البلاستيكية، وهي أيضًا أكبر حجمًا من الصناديق وثقيلة للغاية في وزنها ما يجعلها تقلب الصناديق؛ لذا، فثمة خزانة كتب خشبية طويلة بجانب النوافذ تحمل كل الكتب ذات الأغلفة المقواة في صفوف وتتسع في عمقها لوضع كتابين معًا. هذه الخزانة ليست مرتبة بأي شكل، ولا يمكن للطلاب رؤية الأغلفة، لكنني يجب أن أفعل ذلك لأتمكن من وضع كل الكتب فيها. ثمة طلاب قليلون يفضلون استكشاف الكتب بجذبها عشوائيًّا من رفوف الكتب؛ لذا، أعتقد أن هذا التنسيق العجيب يلبي هذه الحاجة.
توجد خزانة كتب كبيرة أيضًا بجوار الباب تحمل القواميس وقواميس المترادفات والأطالس وغيرها من المراجع المخصصة للكتابة والدراسات الاجتماعية. والخزانة الموجودة أسفل هذا الرف تحمل الأشرطة الصوتية وسماعات الرأس ومستلزمات الفهرسة التي أحتاجها ويحتاج إليها أمناء المكتبة في الفصل لإدارة المكتبة.
لكل طالب في فصولي، وكذلك لزوار المكتبة الآخرين، بطاقة مكتبة محفوظة في صندوق ملفات. وعندما يستعير القرَّاء كتابًا، يسجلون عنوانه، ثم يشطبونه عند إعادتهم له. أستخدم البطاقات نفسها التي يستخدمها أمناء المكتبات في جيوب الكتب لتسجيل تواريخ انتهاء الاستعارة، وتوفِّرها شركة لتوريد الأدوات المكتبية.
ومع زيادة عدد الكتب لدينا، أصطحب معي الأشياء التي تخصني أكثر مما تخص الفصل أو كتب التربية إلى المنزل لإفساح مساحة أكبر (لن نتطرق هنا إلى وضع الكتب في منزلي). إنني أخبئ أدلة التدريس وملحقات الكتب المدرسية في خزائن صغيرة خلف مكتبي. لا أزال أستخدم هذه الأشياء، لكنني لا أريد أن أمنحها الأولوية على الكتب التي أقرؤها مع طلابي. أما الكتب التي نقرؤها معًا، والكتب المصوَّرة التي أستخدمها لشرح الدروس، والكتب المتهالكة التي يسهل تعرضها للتلف — مثل كتب الصور المجسمة لروبرت سابودا — والكتب المبتكرة مثل «علم التنانين» و«علم المصريَّات» فأحتفظ بها خلف مكتبي في أرفف مدمجة.
(?) الحصول على الكتب
لقد اشتريت كل كتاب في مكتبة فصلنا بأموالي الخاصة. وأنا أتحرج قليلًا من الاعتراف بذلك، لكن لي أسبابي في ذلك. فلا يتوافَر ما يكفي من المال في ميزانيات المدارس لينشئ المعلمون مثل هذه المكتبات الضخمة. (أتحدث إلى كثير من المعلمين الذين يزعمون أنه لا يمكنهم تنفيذ برنامج قراءة قائم على حرية الاختيار في فصولهم لعدم امتلاكهم ما يكفي من الكتب.)
ثمة سببان شخصيَّان أيضًا يدفعانِنِي لإنشاء مجموعتي الخاصة من الكتب، فيمنحني ذلك بعض الحرية فيما أعيره من الكتب؛ مما يجعلني أعيرها لطلابي السابقين وإخوة طلابي والمعلمين الآخرين الذين لا يعمل بعضهم في المدرسة التي أعمل بها، ويمكنني أن أعير كتبي أيضًا لأي شخص أريد. وإن كانت الكتب في فصلي مملوكة للمدرسة، فما كنت لأفعل ذلك قط، بالطبع، فإن كانت مِلك المدرسة، فكنت سأضطر لبذل جهود جبَّارة لمتابعة عدد الكتب التي أعيرها، ولا يمكنني ببساطة تكريس هذا القدر من الجهد لمتابعة كل كتاب في فصلي. فتشرد الكتب بعيدًا لسنوات، لكن الكثير منها يعود.
تنهمر الكتب من طلابي السابقين على صندوق بريدي المدرسي — وكأنها رسائل أدبية في زجاجات تجرفها لي الأمواج — مع ملاحظات اعتذار للاحتفاظ بها لهذه الفترات الطويلة.
علاوةً على ذلك، في حال اضطررت لتغيير مقر عملي، تصاحبني مكتبتي دائمًا. وبغض النظر عن المواد التي أفتقر إليها في المدرسة الجديدة التي أعمل بها، يمكنني الاستغناء عنها ما دامت لدي مكتبتي. وهذا ما حدث بالفعل عندما غيَّرت المدرسة التي أعمل بها عام ????؛ فلم تكن لدي كتب مدرسية في اليوم الأول من الدراسة، لكنني لم أهتم؛ فقد كانت لدي كتبي.
لا أشجعك هنا على شراء الكتب لمكتبة فصلك، لكن كل المعلمين ينفقون الأموال على فصولهم آجلًا أو عاجلًا. بيد أنني لا أستثمر مطلقًا أموالي على الديكورات في فصلي؛ فما من ستائر على النوافذ، وما من ملصقات تحفيزية على الحوائط. وأنا أحث طلابي على التقاط كل قلم يجدونه في الرواق كي نتمكن من الحصول على المزيد من الكتب!
لكنني أتبع أساليب للحصول على الكتب أستغل فيها كل دولار؛ فأستغل الفرص لاقتناء الكتب من عمليات مبادلة الكتب، ومتاجر التخفيضات ومعارض الكتب. وأشتري الكتب عادةً من معارض المستلزمات المنزلية المستخدمة التي يُقِيمها الأشخاص في الجراجات حيث لا تحظى الكتب بإقبال كبير. أغادر هذه المعارض في كثير من الأحيان بصندوق من الكتب؛ حيث أدفع بضعة دولارات للبائع للحصول على الصندوق. وأنتقي بعد ذلك الكتب التي تستحق أن تُضاف إلى المكتبة، ثم أبادل باقي الكتب فيما بعد. أشتري أنا وطلابي كذلك الكتب من شركات شراء الكتب بالطلب، والتي تمنح المعلمين نقاطًا يستفيدون منها في شراء كتب جديدة. وبدلًا من هدايا الإجازات وتقدير المعلم، أشجِّع طلابي على التبرع بكتاب لمكتبة الفصل. ويجلب لي الطلاب أيضًا الكتب التي لم يعودوا — أو لم يعد إخوتهم — بحاجة إليها. وأكافئ المتبرعين بتصميم بطاقة توضع في الغلاف الأمامي الداخلي لتوضح اسم صاحب الكتاب بالكمبيوتر مطبوع عليها اسم الطالب والعام الذي التحق فيه بفصلي.
(?) العناية بالكتب
عند إضافة كتب جديدة للمكتبة، يكون هناك بعض الأشياء التي يجب فعلها في الكتب قبل إتاحتها للاستعارة. فأطبع اسمي على كل كتاب في مكانين، أحدهما داخل الغلاف والآخر على الحافة الخارجية لصفحات الكتاب. أشتري خاتمًا ذاتي التحبير من أحد متاجر مستلزمات المكاتب مقابل ?? دولارًا. ولقد دام معي خمسة أعوام قبل أن أضطر إلى إعادة ملئه بالحبر. وبالوضع في الاعتبار عدد الكتب التي تعود إليَّ من الرواق ومكتبة المدرسة والفصول الأخرى، أتيقن أن المبلغ المدفوع في هذا الخاتم قد أُحسِن استغلاله.
أغلبية كتبنا ذات أغلفة ورقية لأنها أقل تكلفة، لكنها لا تتحمل كثيرًا ما تتعرض له. ولزيادة عمر الكتب بالمكتبة، أغطِّي تقريبًا كل كتاب ورقي جديد أو مستعمل بورق بلاستيكي لاصق شفاف يمكنك شراؤه من أحد المتاجر الكبيرة أو متاجر التخفيضات مثل وول مارت. أقوم بتسوية الأطراف على شكل ألسنة، ثم أثني هذه الألسنة حول زوايا الكتاب مثلما تفعل بالضبط عند تغليف أي كتاب مدرسي بأغلفة الكتب الورقية. لكن مادة الفينيل تقوي غطاء الكتاب وتحميه من التجعد والتمزق والتلطخ. تعرض كتالوجات مستلزمات المكتبات أيضًا أغلفة بلاستيكية لاصقة، لكنها غالية الثمن، وليست أفضل كثيرًا من الفينيل في استخدامات الفصول المدرسية. وتغليف الكتب أمر مجهد؛ لذا فإنني أوازن بين تكلفة الكتاب والجهد وتكلفة المواد المستخدمة للتغليف. فإذا دفعت أقل من دولار في ثمن الكتاب، أختمه بالختم فقط وأضعه في المكتبة.
أعلِّم طلابي كيفية العناية بالكتب، وأتحدث معهم بشأن فتح الكتب عن آخرها، وأصف لهم كيف يسفر ذلك عن تلف الصمغ وتساقط الصفحات بعد فترة من الوقت، وأطلب منهم أيضًا عدم ثني الصفحات عند الزوايا لتعليمها، مشجعةً إياهم أن يستخدموا مؤشرات الكتب بدلًا من ذلك. وقد اعتدت شراء مؤشرات كتب صغيرة لطيفة من كتالوجات مستلزمات المكتبات، لكنني قررت أنها إهدار للنقود. ويصمم طلابي في كثير من الأحيان مؤشرات الكتب الخاصة بهم في المنزل، ويصنعونها من بطاقات الفهرسة أو أوراق الملحوظات اللاصقة لتحويل القراءة من شيء أختاره أنا إلى شيء يختارونه هم.
لا أدير عمليات الاستعارة أو إعادة الكتب في مكتبتنا؛ ففي الأيام الأولى من العام الدراسي، أوضح لطلابي أن الحرية في اختيار الكتب والاستمتاع بهذه المكتبة الضخمة يعنيان أنهم ملزَمون بتحمل المسئولية للحفاظ على حالة المكتبة. وعندما نختار مهام الفصل للعام المدرسي، أنتقي طالبين أو ثلاثة طلاب من كل فصل ليعملوا أمناءَ لمكتبة الفصل. وأمناء مكتبة الفصل يحافظون على المكتبة منظمةً عن طريق وضع الملصقات وختم الكتب، ووضع الكتب الجديدة على الأرفف. كما يقدم أمناء المكتبة الترشيحات، ويعملون مرشدين، فيساعدون زملاءهم في الفصل في العثور على الكتب عندما أكون مشغولة مع طلاب آخرين. ويستعير كل الطلاب الكتب ويعيدونها إلى الأرفف بأنفسهم.
دائمًا ما أبحث في المكتبة لأساعد الطلاب في العثور على الكتب، ولألتقط كتبًا للترشيحات خلال الاجتماعات. لكن كل شهر أو نحو ذلك، أقضي بعض الوقت في تفحص المكتبة فعليًّا؛ فأنظر أي الكتب بحاجة إلى الإصلاح، وأي الكتب من الواضح أنها لم تخرج للاستعارات. والكتب غير المقروءة تمثل فرصة يمكن استغلالها في تمرير الكتب أو إعلانات الكتب التي ستعرضها لعدد أكبر من القرَّاء. أنظر كذلك أي الكتب أغفَلتُها عند تقديم الترشيحات للأطفال، أي الكتب يجب فرزها جراء التلف أو طول فترة الاستخدام. أمسح أيضًا الكتب والصناديق بمناديل مبللة مضادة للبكتيريا بين الحين والآخر. وهذه المهمة أثقل من أن أتوقع أداء أمناء مكتبة الفصل لها، كما أنني أرغب بفحص مجموعة كتبنا. تتحمل المكتبة كثرة الاستخدام؛ وهذا يعني أن ثمة أيديًا كثيرة تلامس الكتب.
(?) ما هي الكتب المستهدفة؟
ربما تكون كيفية إعداد مكتبة مثل مكتبتنا ذات فائدة أو أهمية لك، لكن التفاصيل العملية للعناية بالمكتبة أمر ثانوي بالنسبة للأسئلة المتعلقة بالمكتبة والمتمثلة في: «أي الكتب توصي بها؟» و«ما الكتب التي يحب طلابك قراءتها؟» ورغم أنني أصدِّق على أي مواد يختار الطلاب قراءتها، فإنني انتقائية للغاية بشأن الكتب التي أضعها في مكتبة الفصل؛ فالمساحة محدودة في المكتبة، وأُفضل استغلالها في تقديم مجموعة كبيرة متنوعة من الكتب. هذا فضلًا عن أنني المسئولة — ليس بصفتي معلمةً فحسب، وإنما بصفتي قارئة أكثر اطلاعًا — عن إرشاد طلابي للكتب الزاخرة بأسلوب كتابة جيد، التي تحظى بتقدير جيد من النقَّاد أو القرَّاء الآخرين.
إذا مال ذوق الطلاب إلى الكتب المشكوك في قيمتها الأدبية، فيمكنهم العثور عليها بأنفسهم؛ فلا يمكنني دعم هذه الأذواق بملء مكتبتنا بالكتب التي دون المستوى. هل الكتابة جيدة أم رديئة؟ هل يتضمن الكتاب موضوعات اجتماعية، أو معلومات تاريخية، أو لغة مثيرة للاهتمام؟ تهيمن على مجموعة كتبنا الكتب الحائزة على جوائز، والكتب المفضلة المحبوبة، والكتب التي تحظى بمديح المؤلفين. تشتمل المكتبة كذلك على عدد قليل من الملحقات من الأفلام والعروض التليفزيونية وألعاب الفيديو التي يستند محتواها إلى كتب؛ والأمر نفسه ينطبق على السلاسل التي لا يختلف كل كتاب فيها عن الآخر. أقيد أيضًا عدد الكتب التي تعكس توجهات سائدة في فترة بعينها أو الكتب التي ترتبط صلاحيتها بفترة زمنية محددة، مثل كتب القوائم؛ فالكتب في مكتبتنا يجب أن تبقى لفترة طويلة من الوقت، والتوجهات السائدة السريعة الزوال أو الكتب التي لا تعيش طويلًا على الأرفف نوع من الترف.
لا تتضمن المكتبة أي كتب أدب روائي للبالغين، وإن كان بعض من طلابي بالصف السادس يمكنهم قراءة هذا النوع من الكتب؛ فقد قرأ إريك رواية الرعب الكلاسيكية «دكتور جيكل ومستر هايد» لروبرت لويس ستيفنسون، ثم انتقل إلى روايتَي المغامرات لمايكل كريتون «حديقة الديناصورات» و«العالم المفقود». أما ميشيل، فتتقدم ببطء في كتاب والدتها المفضل «جين إير». إنني أدعم القرَّاء المتقدمين بقدر دعمي للقرَّاء الناشئين، لكنني أنتبه للخيط الرفيع الذي يفرِّق بين الدعم وتقديم نصوص قراءة خاصة بالبالغين لأطفال في سن الحادية عشرة؛ فقدرة القارئ الموهوب على قراءة نصوص أكثر تقدمًا لا تعني استعداده العاطفي لموضوعات ومسائل خاصة بالبالغين. وهذا قرار ليس بيدي اتخاذه، وإنما بيد أولياء الأمور؛ فالطلاب الموهوبون يجب أن يقرءوا أدبًا روائيًّا يقارب مستواهم العمري، وأدبًا غير روائي من نفس مستوى قراءتهم المتقدم (هالستيد، ????). وتماشيًا مع هذا المبدأ، جمعتُ الكتب الدراسية الجامعية ونصوص الأدب غير الروائي للبالغين التي تتناول مجموعة من الموضوعات التي يهتم بها طلابي، لكنني قيَّدتُ ما أقدمه من أدب روائي على ما هو مناسب لفئة الطلاب العمرية.
إن أغلبية الكتب المختارة لمكتبتنا يكون مصدرها خبراتي السابقة في القراءة والترشيحات المستمرة من شبكة المعلمين وأمناء المكتبات والأصدقاء والطلاب الذين أتعامل معهم. كما أحاول قراءة أي كتاب قبل أن أضعه في المكتبة. ومن خلال قراءة كتاب كل بضعة أيام في الصيف والعطلات، وقراءة كتاب أسبوعيًّا في أثناء العام الدراسي، أُجمِّع نحو مائة كتاب في العام. وأضيف من حين لآخر كتابًا غير مقروء للمكتبة، لكن بشرط أن أكون قد قرأت شيئًا آخر لنفس المؤلف. وأضيفه أيضًا إلى قائمة القراءة الخاصة بي في أقرب وقت ممكن.
ملحق (ب): قائمة أفضل الكتب
يمكنني الاستفادة من معرفتي المتنوعة بالكتب لوضع قائمة مكتبة رائعة من أجلك؛ فشخصية مولعة بالكتب مثلي يمكنها قضاء ساعات هانئة في إعداد هذه القائمة (سيكون الأمر أشبه بِلَعِبِ لُعبة ممتعة!) لكن تماشيًا مع معتقداتي بأن الطلاب هم الذين يديرون مسألة القراءة بكل طريقة ممكنة، طلبت منهم وضع قائمة بالكتب التي يجب أن تكون لدى كل معلم في مكتبة فصله، بدءًا من الصف الخامس حتى الصف الثامن. وقد حاولت تحديد عدد إلزاميٍّ للكتب في القائمة، وهو مائة كتاب، لكن طلابي راحوا يَزيدون على هذا العدد! ونظرًا لأن هذه القائمة تعكس اهتمامات الطلاب وأذواقهم في الوقت الحالي، فقد لا تجد فيها مؤلفيك المفضلين أو الكتب العزيزة إلى قلبك. لكن تَذكَّرِ النقطة العاشرة في قائمة «حقوق القارئ» لبِناك، وهي «الحق في عدم الدفاع عن الذوق».
هذه الكتب هي الكتب التي يحب الأطفال قراءتها، وليست كتبًا اختارها المعلمون لهم. ولم أحاول الموازنة بين مستويات الكتب أو ألوانها الأدبية أو موضوعاتها. والعمود الثالث في الجدول يوضح الكتب التي لها جزء مُكمِّل أو الأَوْلى في سلسلةٍ ما. ويمكنك زيادة الكتب بمكتبتك عن طريق إضافة الأجزاء اللاحقة من هذه الكتب؛ فالطلاب بمجرد أن يتعلقوا بسلسلةٍ ما، يريدون قراءة بقية أجزائها.
جدول : قائمة أفضل الكتب.
الكتاب المؤلف جزء مُكمِّل أو سلسلة؟ الأدب الروائي الواقعي لا شيء غير الحقيقة إفي هوب كانَتْ هنا جون باور قواعد الطريق جون باور نعم تانجرين إدوارد بلور فريندل آندرو كليمنتس قصة مدرسة آندرو كليمنتس حرب الشوكولاتة روبرت كورمير نعم رحلة عبر حياة آخر شارون كريتش مطاردة الطائر الأحمر شارون كريتش سِيدفوكس بول فليشمان العصبة ليزي هاريسون نعم رؤية من أيام السبت ألين لوبل كونيجسبرج منبوذو منطقة سكايلر ?? ألين لوبل كونيجسبرج صامت حتى النخاع ألين لوبل كونيجسبرج لعبة الاسم المستعار للصف السادس جوردون. ورمان ابن العصابة جوردون كورمان نعم جيريمي فينك ومعنى الحياة ويندي ماس الفتاة المتعثرة في غدائها نانسي ميركادو البلطة جاري بولسن نعم الفتى الذي أنقذ كرة البيسبول جون ريتر شوا كان هنا نيل شوسترمان القمة رولاند سميث الطبول والفتيات والفطيرة الخطيرة جوردان سونينبليك ماجي المجنون جيري سبينيلي الفاشل جيري سبينيلي الخانق جيري سبينيلي ستار جيرل جيري سبينيلي نعم النجاة من آبل وايتس ستيفاني تولان كل طائر صغير مغرِّد ديبورا وايلز مع حبي، روبي لافندر ديبورا وايلز الفانتازيا آكل الكلمات ماري أماتو بالأسفل كاثي أبيلت أرتيميس فاول أوين كولفر نعم جرجور القادم من العالم العلوي سوزان كولينز نعم بحر كائنات الترول نانسي فارمر نعم سيد اللصوص كورنيليا فونكه إنكهارت كورنيليا فونكه نعم أكاديمية الأميرات شانون هيل أبناء المصباح فيليب كير نعم حرَّاس جاهول: الأسر كاثرين لاسكي نعم إيلَّا المسحورة جيل كارسون ليفاين الأسد والساحرة وخزانة الملابس كليف ستيبلز لويس نعم الشفق ستيفاني ماير نعم إيراجون كريستوفر باوليني نعم سارق البرق ريك ريوردان نعم هاري بوتر وحجر الفيلسوف جيه كيه رولينج نعم أبناء منتصف الليل سكوت ويسترفيلد نعم وريث المحاربين سيندا ويليامز تشيما نعم مغامرات ألفريد كروب المذهلة ريك يانسي نعم الروايات التاريخية حمى ???? لوري هالس آندرسون الاعترافات الحقيقية لتشارلوت دويل إفي كريسبين: الصليب الرصاص إفي نعم ساداكو وألف طائر كركي ورقي إلينور كوير آل واطسون يذهبون إلى برمنجهام (????) كريستوفر بول كيرتس باد، وليس بادي كريستوفر بول كيرتس كاثرين الشهيرة ببيردي كارين كوشمان ستون فوكس جون رينولدز جاردينر عَدُّ النجوم لويس لوري فتًى في حرب هاري مازر نعم مملكة كينسكي مايكل موربورجو الجندي بيسفول مايكل موربورجو قلب جندي جاري بولسن حيث ينمو السرخس الأحمر ويلسن راولز قيادة الحرية بام مينيوس رايان ارتقاء إسبيرانزا بام مينيوس رايان تحت الشمس الحارقة جراهام ساليسبري حروب يوم الأربعاء جاري شميت الطائر الشريد جلوريا ويلان سر سيد الغربان إلفيرا وودروف هيروشيما لورانس يب حساب الشيطان جين يولين الخيال العلمي أشياء لا تُرى آندرو كليمنتس الخارق أوين كولفر آخر كلب على الأرض دانيل إيرينهافت بيت العقرب نانسي فارمر الأذن والعين والذراع نانسي فارمر بين المخفيين مارجريت بيترسون هاديكس نعم هوية مزدوجة مارجريت بيترسون هاديكس ستورم بريكر أنتوني هورويتز نعم المُعطي لويس لاوري نعم الوحوش ويليام سليتور صائد الكريبتيد رولاند سميث القبحاء سكوت ويسترفيلد نعم الألغاز والتشويق البحث عن لوحة فيرمير بلو باليت نعم تحقيقات هاف مون أوين كولفر ذلك الوجه على علبة اللبن كارولين كووني نعم الضربة الأخيرة: لغز الدور قبل النهائي جون فاينستاين من الملفات المختلطة للسيدة بازيل إي فرانكوايلر إلين لوبل كونيجسبيرج على الطريق: مطاردة صائدي الصقور جوردون كورمان نعم كيف تختفي تمامًا ولا يعثر عليك أحد سارا نيكرسون سامي كييز ولص الفندق ويندلين فان درانين نعم الأدب التقليدي كتاب دولير عن الأساطير الإغريقية إنجري دولير كتاب دولير عن الأساطير الإسكندنافية القديمة إنجري دولير الأساطير والخرافات أنتوني هورويتز الفتاة ذات الوجه الخشن رافي مارتين الخارجون عن القانون في شيروود روبين ماكينلي الوحش دونا جو نابولي التزام دونا جو نابولي الأساطير الإغريقية المفضلة ماري بوب أوزبورن الملك السابق والمستقبلي تيرينس هانبري وايت جريلينج جين يولين تنانين في كل مكان جين يولين نعم الشعر هذا الكلب أحبه شارون كريتش إذا لم تكن هنا، فرجاءً ارفع يدك كالي داكوس ضوضاء ممتعة بول فليشمان شي حلوى الخطمي كريستين أوكونيل جورج لم أقل قط إنني لست صعب المراس سارا هولبروك كومة الغسيل المتسخ: قصائد بأصوات مختلفة بول جانيسكو الفارس المقطوع الرأس يظهر الليلة جاك بريلتسكي للضحك بصوت مرتفع جاك بريلتسكي حيث ينتهي الرصيف شيل سيلفرستين نور في العُليَّة شيل سيلفرستين أحد تلك الكتب البشعة التي تموت فيها الأم سونيا سونز ما لا تعرفه أمي سونيا سونز التراجم، والسير الذاتية، والمذكرات آن فرانك: مذكرات فتاة صغيرة آن فرانك هيلين كيلر: قصة حياة مصورة ليزلي جاريت نعم الرتيلاء في حقيبتي جين كريجهيد جورج أيام ووتر بافلو: النشأة في فيتنام كوانج نيهونج هاين، وجين تسينج، ومو سين خطوات صغيرة: العام الذي أُصِبتُ فيه بشلل الأطفال بيج كيهريت هزاز الشجر: قصة نيلسون مانديلا بيل كيلر كيف حصل آنجيل بيترسون على اسمه؟ جاري بولسن سنواتي مع الكلاب جاري بولسن شجاعة جاري بولسن الكتب المعلوماتية شباب هتلر سوزان بارتوليتي الحرب العالمية الثانية دي كيه آي ويتنس بووكس نعم كيفية عمل الأشياء ديفيد ماكولي القلعة ديفيد ماكولي نعم فئران! قصة الفئران والبشر ألبرت مارين، وسي بي موردان ما كنت لترغب بأن تكون مومياء مصرية! ديفيد ستيوارت، وديفيد سالاريا، وديفيد آنترام نعم ملحق (ج): نماذج الطلاب




المصدر: ريس وآخرون، ????. استطلاع «إيه لايزر لاهتمامات القراءة». حقوق الطبع والنشر © لعام ????. (بقلم سالي ريس بناءً على استطلاع «إيه لايزر للاهتمامات» الذي وضعه جوزيف رينزولي.)
















المراجع
Allen, J. (2000). Yellow brick roads: Shared and guided paths to independent reading 4–12. Portland, ME: Stenhouse.
Allington, R. L. (1977). If they don’t read much, how they ever gonna get good? Journal of Reading (later renamed Journal of Adolescent and Adult Literacy), 21, 57–61.
Allington, R. L. (2006). What really matters for struggling readers: Designing research-based programs. Boston: Pearson.
Alsup, J., & Bush, J. (2003). But will it work with real students? Scenarios for teaching secondary English language arts. Urbana, IL: National Council of Teachers of Language Arts.
Anderson, R. C., Hiebert, C. H., Scott, J. A., & Wilkinson, I.A.G. (1985). Becoming a nation of readers: The report of the Commission on Reading. Washington, DC: National Institute of Education.
Applegate, A. J., & Applegate, M. D. (2004). The Peter effect: Reading habits and attitudes of preservice teachers. Reading Teacher, 57(6), 554–563.
Atwell, N. (1998). In the middle: New understandings about writing, reading, and learning. Portsmouth, NH: Heinemann.
Blasingame, J. (2007). Books that don’t bore ’em: Young adult books that speak to this generation. New York: Scholastic.
Calkins, L. (1994). The art of teaching writing. Portsmouth, NH: Heinemann.
Cambourne, B. (1995). Toward an educationally relevant theory of literacy learning: Twenty years of inquiry. Reading Teacher, 49(3), 182–190.
Crowe, C. (1999, September). Young adult literature. English Journal, 89(1), 139.
Elmore, R. F. (2002, May). Hard questions about practice. Educational Leadership, 59(8), 22–25.
Fisher, D., & Ivey, G. (2007, March). Farewell to A Farewell to Arms: Deemphasizing the whole-class novel. Phi Delta Kappan, pp. 494–497.
Fountas, I., & Pinnell, G. (2001). Guiding readers and writers (Grades 3–6): Teaching comprehension, genre, and content literacy. Portsmouth, NH: Heinemann.
Fram, A. (2007, August 21). One in four read no books last year. Retrieved August 22, 2007, from The Washington Post at http://www.washingtonpost.com/wp-dyn/content/article/2007/08/21/AR2007082101045.html.
Gambrell, L. (1996). Creating classroom cultures that foster reading motivation. Reading Teacher, 50(1), 14–25.
Halsted, J. W. (2002). Some of my best friends are books: Guiding gifted readers from preschool to high school. Scottsdale, AZ: Great Potential Press.
Jacobs, B., & Hjalmarsson, H. (Eds.). (2002). The quotable book lover. Guilford, CT: Lyons Press.
Keene, E., & Zimmerman, S. (1997). Mosaic of thought: Teaching comprehension in a reader’s workshop. Portsmouth, NH: Heinemann.
Krashen, S. (2004). The power of reading: Insights from the research. Portsmouth, NH: Heinemann.
National Institute of Child Health and Human Development. (2000). Report of the National Reading Panel. Teaching children to read: An evidence-based assessment of the scientific research literature on reading and its implications for reading instruction (NIH Publication No. 00–4769). Washington, DC: U.S. Government Printing Office.
Pennac, D. (2006). The rights of the reader. London: Walker Books. Quindlen, A. (1998). How reading changed my life. New York: Ballantine.
Reis, S. M., et al. (2005). The Schoolwide Enrichment Model—Reading framework (SEM-R). Storrs: National Research Center on the Gifted and Talented, University of Connecticut.
Robinson, J. (2005, December 18). Why you should read children’s books as an adult. Retrieved March 30, 2008, from Jen Robinson’s Book Page at http://jkrbooks.typepad.com/blog/2005/12/why_you_should_.html.
Rosenblatt, L. (1969). Towards a transactional theory of reading. Journal of Reading Behavior, 1(1), 31–51.
Ruddell, R. (1995). Those influential literacy teachers: Meaning negotiators and motivation builders. Reading Teacher, 48(6), 454–463.
Samuels, C. A. (2007, September, 10). Experts eye solutions to ‘‘fourth grade slump.’’ Education Week, 27(3). Retrieved October 1, 2008, from http://www.edweek.org/ew/articles/2007/09/12/03slump.h27.html.
Stanovich, K. E. (1986). Matthew effects in reading: Some consequences of individual differences in the acquisition of literacy. Reading Research Quarterly, 21(4), 360–407.
Thomas, L., & Tchudi, S. (1999). The English language: An owner’s manual. Boston: Allyn & Bacon.
Weaver, C. (1996). Teaching grammar in context. Portsmouth, NH: Boynton/Cook.