Advertisement

حتى لا يموت الورد














حتى لا يموت الورد
بقلم/ رضا الجنيدي
رسوم/ساره السكري
حقوق الطبع والنشر محفوظة لكل مسلم ومسلمة بشرط عدم التبديل أو الإضافة أو الحذف من الكتاب.

















إلى زهورِ الحياة
إلى نبضٍ يسكن القلب وتاجٍ يعتلي الجباه
إلى أطفالِ العالمِ ..أُحبكم جميعا.




مقدمة
لماذا الورد؟
لماذا هذا الكتاب يتحدث عن الوردِ، ويربط بينه وبين الأطفالِ في شتى النواحي، وما علاقة تربية الأطفال بعالمِ الزهور والورود؟
يتحدث الكتاب عن الورد ويربط بينه وبين الأطفال؛ لأن الأطفال ما هم إلا زهور رقيقة، تنشر الجمال في كل مكان، ويفوح شذاها معطرا الأجواء ذلك إذا ما وجدت من يرعاها حق رعايتها، ويعتنى بها كما يعتنى البستاني الحاذق ببستانه فيجعل منه روضة غنَّاء تسرُ الناظرين.
الزهور تمنحنا الشعور بالإيجابية والتفاؤل والسعادة والأمل، وكذلك الأطفال حين يعيشون حياة مفعمة بالرحمة والتفاهم والحب والحنان.
الزهور تختلف في أشكالها ورحيقها وطبيعة حياتها، ونحن كالبستاني الذي يهذب أوراق هذه الزهور.. يرويها ويتعاهدها بالرعاية ليستمتع في النهاية برونقها وشذاها.
وأطفالنا كذلك كالزهور يختلفون في طباعهم وتفكيرهم وأسلوبهم، ونحن كالبستاني نسعى لتهذيب أطفالنا زهور حياتنا؛ لنستمتع بهم في رحلة الحياة، ونستخرج أجمل ما فيهم من شهد وعسل مصفى. ولكن منَّا مَن يُشبه النحلة فيدرك طبيعة الورد، ويعرف كيف يمتص رحيقه ليخرج للكون أحلى وألذ وأصفى شراب، ومنَّا مَن يُشبه الطفل الصغير الذي لا يُدرك قيمة الزهر فيقطفه، ويلهو بها قليلا ثم يمزقه ويطرحه أرضا رغم حبه له!
هذا العسل الذي يبرع البعض في استخراجه هو الخير الكامن داخل أطفالنا.. الروعة الموجودة فيهم، والتي لن تخرج إلى الوجود إلا عن طريق نحلة ماهرة تعرف كيف تستخرج العسل بذكاء. فهل نحن كأباء وأمهات على استعداد لنستخرج هذا الخير؟
هل نحن على استعداد لاكتشاف جمال ورودنا والتمتع بها أم سنظل طيلة حياتنا نهمل هذه الورود ولا نرى إلا أشواكها؟
مؤكد أننا على استعداد لهذا، لذلك هيا بنا ننطلق في بستان الطفولة لنتعرف على أهم الآفات التي تعيق الزهر عن النمو الطبيعي، وتحوله إلى أوارق ذابلة وهامدة.

سجون الحب
كلنا نعرف منذ كنَّا صغارا حكاية الدبة التي قتلت صاحبها من فرط حبها له، وخوفها عليه، وحرصها على حمايته.
نعرف كذلك أنها كانت تهيم بصاحبها حبا وعشقا، وأنها كانت تخاف عليه من أبسط الأمور وأهونها، وتعتقد أنَّ عليها أن تحميه من كل ما يحيط به!
حين رأت الدبة ذبابة صغيرة حطت على وجه صاحبها، هرولت والتقطت حجرا ضخما، ثم سرعان ما قذفت الذبابة بهذا الحجر وهي فرحة وفخورة بتصرفها!
ظنت الدبة أنها ستقتل الذبابة وتحمي حبيبها، ولم تعلم المسكينة أنها نصبت فخا لتقتل هذا الحبيب دون أن تدري!وبالفعل وقع الحجر على رأس الرجل الطيب فأرداه صريعا، فحق لكل من رأي مثل هذا الحب الخانق وعاش في أجوائه المهلكة أن يردد بكل كيانه: لا أريد مثل هذا الحب!وحق لنا أن نردد حين نرى مثل هذه المشاعر المريضة: "ومن الحب ما قتل"ومن الحب أيضا ما قتل الورد.. فربما أحبَّ البستاني زهوره، وهام بها عشقا إلى الحد الذي جعله يوفر لها كل ما تحتاج إليه، ولكنه من فرط حبه لها لم يعد يريد أن يقترب منها أحد، أو أن يلمسها، ظنا منه أن كل من حوله ربما ألحق ضررا بوروده سواء كان ذلك عن قصد أو دون قصد!لقد وفَّر البستاني للورد المياه، والسماد، والتربة الخصبة، ولكنه حجب عنه ضوء الشمس، ومنع عنه ضياء الحرية؛ فحرمه من النمو الطبيعي فكانت النتيجة الحتمية أن ذبل الورد ومات!
ولكن أتدرون.. بعض هذه الورود قد تكون تطلعاتها إلى الحرية أكبر من غيرها فتظل تبحث عن منفذ يعبر بها نحو الضوء، وعندما تجد هذا المنفذ سرعان ما تهرب من أسوار البستاني وتخرج من هذا الثقب لتتنفس هواء الحرية.أطفالنا كذلك ورود، وبعض الأباء يشبهون ذلك البستاني، يخافون على أبنائهم إلى الدرجة التي تجعلهم يحجبونهم عن كل تجارب الحياة، وعن العلاقات الاجتماعية المختلفة، وعن كل ما تتوهم عقولهم أنه سم قاتل سيقتل أبناءهم ويصبح سببا في ضياعهم!هذا هو حال الأباء والأمهات الذين يعانون من هوس الخوف على الأبناء، فيُضيقون عليهم الخناق، فيُصبح المباح حراما، والصداقات الطبيعية ممنوعة، وتفكير أبنائهم في الدخول في أي تجربة عادية هو بمثابة الخطر لديهم!
كذلك يتولى الأب والأم المبادرة بالقيام بكل مهام الطفل وكل ما يخصه، حبا له وحرصا عليه، فيصبح المصير الحتمي بمرور الوقت لهذه الورود الذبول ومن ثم الموت.
ولكن بعض هؤلاء الأبناء يستميتون دفاعا عن حقهم في الحياة الطبيعة، وعندما يتوفر لهم بصيص نور يهرولون نحوه وهم عطشى وفي أمس الحاجة إليه ليرويهم حتى وإن كان هذا الضوء كاذبا وخادعا، فإذا بهم ينخدعون لأصدقاء السوء، والكلمات المعسولة، والتجارب المثيرة التي تحفز عقولهم ونفوسهم للانغماس فيها رغم خطرها، ثم يفيقون في نهاية الطريق وقد ضاع مستقبلهم، وتحطمت آمالهم على صخرة الواقع القاسي.انقذوا أبنائكم من سجون الحب.. وكونوا على يقين بأن الحماية الزائدة سجن أسواره خانقه، وجدرانه قاتله.الحماية الزائدة تسبب للأبناء الضمور النفسي وعدم القدرة على النمو الاجتماعي السليم، وتنجب لنا طفلا اتكاليا اعتماديا، لا يستطيع أن يتحمل مسئولية ذاته، ولا يستطيع أن يتخذ أبسط القرارات التي تخص حياته، كما أن هذا الطفل سيعاني من الحساسية الزائدة، وفقدان الثقة بالذات، وعدم القدرة على مواجهة الصعوبات أو التحديات.لا تحاوطوا أطفالكم بالعناية الزائدة، ولا تقوموا بالمهام التي تخصهم نيابة عنهم خوفا عليهم أو حبا لهم وحرصا عليهم.
اتركوا لهم الفرصة ليجربوا بأنفسهم، وليكتشفوا الحياة، ودعوهم يتعلمون من أخطائهم؛ فلولا الخطأ ما تعلمنا وما اكتشفنا حقيقة الأشياء.أحبوا أطفالكم بعقل واعٍ.. وقلب مدرك لحقائق الأمور.
افتحوا أبواب السجون حتى لايموت الورد.. ولا تخنقوهم بسجون الحب.





القلب النازف
كم من ملامح بريئة تحولت مع الوقت إلى نفس في الظلم جريئة! وكم من جَمالٍ كُنا نعشقه ونهواه فإذا بنا مع مرور الوقت نتجنب قُبح سلوكه وآذاه!تُرى ما الذي يحول الطفل إلى إنسان عدواني مملوء بالغضب والكراهية لكل من حوله؟ !ما الذي يجعله يبطش بأقرب الناس إليه؛ فيتحول مع الوقت إلى أخ أو ابن أو أب مملوء بالقسوة والجبروت؟ !دعوني في البداية أقص عليكم قصة سامر ليصل إليكم مقصودي وما ترنو إليه كلماتي:سامر طفل ذو ملامح بريئة ومشاعر رقيقة، أتى إلى الحياة بعد سنوات عجاف من عدم القدرة على الإنجاب.. جاء ليحوِّل حياة الأسرة إلى بستان للأمل والسعادة.. يضحك فتضحك الحياة، ويملأ بصدى ضحكاته أركان منزله فرحة وبهجة، فيُسعد أمه وجده وجدته فتحلو بوجوده الحياة.تمر أعوام الطفولة المبكرة وسامر يكبر شيئا فشيئا وهو في قمة التميز والإحساس بروعة وجمال الحياة، ولكن يحدث ما تحزن له القلوب، وتدمع له العيون فها هي ابتسامته العذبة تختفي فجأة ليحل محلها حزن دفين، ويسكن العين دمع ثخين، ويمتلئ القلب بالألم والأنين، فمنذ أن عاد أبوه من السفر تحوَّل البيت إلى مرتع للصراخ والسباب والضرب.قُتلت الكرامة في مهدها لدى سامر، فقد كانت يد والده تمتد لتضربه كلما أخطأ خطأ ولو كان بسيطا، فإذا بالطفل البرئ يُضرب بالحذاء حينا، وبالحزام حينا، وحينا بالعصا ظنا من الأب أن هذا هو الأسلوب الأمثل للتربية، وأن هذه الطريقة ستجعل منه رجلا يُعتمد عليه!سامر يملؤه الخوف.. يرتعد رعبا.. وفي كل مرة يتوسل إلى والده أن يتركه ولكن دون جدوى.سامر يُحدِّث أمه في الخفاء: لا أحب أبي.. أريده أن يسافر مرة أخرى.. أريده أن يسافر ولا يعود للأبد.يحدث ربَّه في سجوده: أريد أن يموت أبي أو أموت أنا!تمر الأعوام وسامر ينحدر مستواه الدراسي بعد أن كان الأول على مدرسته، فأصبح في الصفوف المتأخرة بل ويكاد يصل إلى النجاح بصعوبة.
لم يعد يصلي كما عودته أمه.. لم يعد يناجي ربَّه.. لم يعد يكترث بأي شيء في الحياة.. لم يعد يشعر بأي شيء سوى الخوف والحزن والرعب واليأس.كبر سامر وأصبح في المرحلة الثانوية.. ولكن تبدلت أحواله فها هو طفل الأمس الخائف لم يعد يكترث بشيء، ولايخاف أحدا.. أصبح صوته يعلو على والدته.. ينظر إليها بغضب وقلبه مملوء غيظا وحنقا.. وكيف لا وهي في نظره تلك المرأة الضعيفة التي لم تستطع أن تحميه من ظلم والده، وكانت تراه يُضرب ويُهان فلا تفعل شيئا سوى البكاء؟ !
أصبح طفل الأمس يصرخ في وجه أمه عندما يتأخر وتسأله أين كنت، ثم بدأ التطاول بالكلمات والسباب.
اكتشفت أمه أنه يشرب السجائر، ويحادث الفتيات، ويتصفح المواقع الإباحية!تخشى أن تخبر والده كي لا يحدث مُصاب جلل في البيت.. لا تدري ماذا تفعل.. يرسب ابنها في الثانوية.. ورغم ذلك لا يعبأ بسباب أبيه أو تهديده فلم يعد طفل الأمس يخشى أحدا.تموت الأم فجأة، فيحزن سامر لأجلها، ويشعر أنها عانت كثيرا في هذا البيت القاسي، ومع هذا الزوج الظالم؛ فتشتد كراهيته لأبيه.اشتد عود الفتى ولم يعد الأب ليستطيع أن يسيطر على سامر، أو أن يتحكم في أفعاله أو قرارته أو خطوات حياته.
تمر الأيام ويظهر أثرها على جسد الأب، فإذا بالشعر يشتعل شيبا، والعظام تزداد وهنا، والأمراض تنتشر في هذا الجسد المسن.يرتمي الأب على فراش المرض عاجزا.. وسامر لا يعبا بمرضه ولا يهتم لأمره.. يصرخ في وجهه.. يسبه.. ثم ينتهي به المطاف بأن يلقي أباه في دار للمسنين، ثم سرعان ما ينسى والده تماما ويعيش حياته، ويتزوج بامرأة يحبها، ولكنه يكرر نفس مشاهد الماضي مع أطفاله فلا يعرف غير لغة الضرب والإهانة أسلوبا للتأديب والتربية! وتتكرر المأساة.. لنشاهد في الحياة أطفالا أخرى مملوءة بالبراءة.. تُعامل بظلم وقسوة فتُجرح قلوبها؛ فتنزف حزنا وألما وعذابا، ثم تتحول إلى شخصيات قاتلة تقتل كل من يتعامل معها.. تقتله بالكلمات الجارحة أو المعاملة القاسية، أو تقتله بتدمير حياته وأحلامه وطموحاته.. تماما كتلك الوردة الجميلة في عالم الزهور والتي تسمى بزهرة القلب النازف..زهرة جميلة ورائعة تأسر قلب كل من يراها.. زهرة تشبه القلب تماما ولكنه قلب أدماه الألم فها هي زهرتنا يخرج منها قطرات وكأنها نزيف دامٍ.تأسر من حولها بمظهرها الجميل وحين يقترب منها من يقترب إذا بها تقتله بسمومها؛ فيصبح صريعا في لحظات على إثر ذلك السم الذي بثته فيه.نحن الذين نحول أطفالنا بمعاملتنا القاسية من زهور بريئة إلى زهور القلب النازف التي تدمر كل من يقترب منها.فإذا أردت أن تجعل من طفلك إنساناً عدوانياً، وعاقاً، ومتمرداً، وظالماً، وقاتلا لكل الأحلام الجميلة لديك ولديه ولدى من حوله فاضربه ثم اضربه ثم اضربه.إذا أردت أن تصل مع طفلك لطريق مسدود حيث الضياع واللامبالاة والفشل والشتات النفسي فاتخذ الضرب سبيلا، ثم قل على طفلك وعلى أحلامك له السلام.
ولكن وأنت في طريقك لفعل هذا تذكر أن طفلك كقطعة صلصال لين وأنت الذي تشكل معالم شخصيته من خلال أسلوبك فكيف ستشكل طفلك وكيف ستكون شكل شخصيته وحياته على يديكِ أرجو ألا تكون من أولئك الذين يحولون طفلهم إلى زهرة القلب النازف.







طفلك يدور في فلك من؟
مَنْ مِنَّا لم تأسره النجوم وهي في أحضان السماء؟ !مَنْ مِنَّا لا يعشق النظر إلى القمر عند اكتمال قرصه الصافي في المساء؟ !مَنْ مِنَّا لا يحب نور الشمس حين تبدأ في إرسال أشعتها لتمحو ظلام الليل الدامس؟ !كل مِنَّا له عشقه الخاص في الطبيعة، هناك من يعشق الشمس، وهناك من يعشق القمر، ومن يحب النجوم، ولكن محال أن نجد نفسا سوية تعشق الأعاصير، أو الزلازل أو البراكين!محال أن نجد نفسا سوية تعشق النظر إلى المستنقعات ومستودعات القمامة والمخلفات، وتسعى للبحث عنها لتعيش بين أحضانها!والزهور كالبشر تحب الجمال، وتحب الضوء وتنتظره بشغف، ولكن زهرتنا التي نتحدث عنها الآن لا تحب الضوء فحسب بل هي تعشقه عشقا لا حدود له، يأسرها ضوء الشمس الرائع، ونورها المبهج، وقوة تأثيرها في الكون؛ فتدور في فلكها، فأينما يكون اتجاه الشمس تتجه زهرة دوار الشمس نحو ذلك الاتجاه.والأطفال كزهرة دوار الشمس لكل منهم شمسا تأسره ويرى فيها القدوة والجمال والجاذبية النفسية التى لا تقاوم.
وكم هو رائع أن يكون هذا الشخص الذي يتعلق به أطفالنا معلما فاضلا، أو أبا حكيما، أو أيا ممن يمتازون بدماثة الخلق، وكم هو مؤسف حقا أن يكون قدوةَ أبنائنا فنان فاشل لا يعرف من الحياة سوى الفساد والمجون والانحلال، فيدور الأبناء في فلكه، ويقتدون بسلوكه، وكلماته وأفعاله، ويسيرون على نهجه، لنجد أبناءنا في النهاية لا يشغلهم من الحياة سوى اللهو واتباع اخر صيحات الموضة في تسريحات الشعر العجيبة والتي نرى فيها الشاب وكأنه يحمل فوق رأسه برجا، أو يحمل فوق رأسه غابة تلتف فيها الشجيرات وتتداخل!ونرى الفتاة لا ندري من مظهرها أهي مسلمة حقا أم جاءت من كوكب آخر لم يسمع سكانه عن الإسلام شيئا قط!ونرى بعض الشباب يبذل قصارى جهده من أجل أن يظهر على الشاشات أو من خلال شبكة الانترنت، فإذا به يسجل بعض الأغاني الهابطة والسمجة، بأسلوب مبتذل أو بطريقة تدعو للسخرية، ويقوم بنشرها من خلال وسائل التواصل الاجتماعي أملا منه أن يشتهر ويصبح مثل مطربي المهرجات الخائبة والتي انتشرت بين الشباب انتشار النار في الهشيم!ولكن ما الذي أوصل أبناءنا لذلك الحال المتدني؟ !ما الذي جعلهم يدورن في فلك نجوم معتمة، لا تنشر إلا الظلام المفجع؟ !قد يكون وراء ذلك أسباب كثيرة لا دخل للوالدين في كثير منها ولسنا الآن بصدد ذكرها، ولكننا نتساءل الآن عن دور الوالدين فأين كان هذا الدور منذ البداية؟ !عرف أبناؤنا كل كبيرة وصغيرة عن الفنانين والمطربين فماذا عرفوا عن سيرة نبيهم؟
ماذا عرفوا عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وسعد وخالد ومعاذ وصهيب وطلحة وبلال؟ !ماذا عرفوا عن أمهات المؤمنين وعن سميه وأم عماره وبنت عميس، وماذا عرفوا عن رفيدة وعن النوار؟ !لقد قصَّرنا كثيرا في حق أبنائنا فشغلتنا أموالنا، وأعمالنا، واهتماماتنا، ومتاعب الحياة، وشغلنا السعي الدؤوب للبحث عن الذات، أو محاربة الأحزان والمشاكل التي تحاوطنا، وشغلنا أحيانا خداع النفس بأننا صرنا مصلحات ومصلحين ودعاة للدين فانشغلنا بإصلاح الناس ونسينا إصلاح أبنائنا، وانشغلنا بتعليم الآخرين بحثنا عن الثواب وأهملنا أبناءنا ، ولم يعد لأبنائنا سوى فتات الأوقات، ونسينا أن الثواب الأكبر سيأتينا فياضا حين نحسن تربيتهم ونعلمهم دينهم، وحين نسقيهم من شهد تاريخ عظمائنا، فهل فعلنا ذلك حقا؟ وإن كنا فعلناه هل فعلناه بشكل صيح؟ وهل داومنا على ما نفعله؟ تابعوا أبناءكم منذ نعومة أظفارهم .. اجعلوا لهم قدوة يتبعون ضوءها، ولا تفرضوا عليهم هذه القدوة بأسلوب فظ، بل اجعلوهم يعشقونها عشقا ويسعون لتقليدها.فإذا كان من البديهي أن تتبع زهرة دوار الشمس اتجاه الشمس دائما، و أن يكون لأبنائنا كذلك شمسا يتبعونها، فلنحرص على أن تكون هذه الشمس نقية ترفعهم وتسمو بهم وألا تكون شمسا مزيفة أو فاسدة تهوى بهم في وحل المستنقعات.اجعلوا لوردكم قدوة صالحة حتى لا نفاجأ بموت الورد.






الثناء التدميري تجنبيه مع طفلك
هل رأيت زهرة النرجس من قبل ؟ هل أعجبتك؟ زهرة النرجس زهرة رقيقة كرقة النسيم الذي مر على وجه الصيف ليلطف من قسوته.صافية كصفاء النهر حين تصافح أشعة الشمس صفحاته.آسرة للقلوب كطفلة بريئة قطعت ابتساماتها كآبة الحزن في قلوب المجروحين.ولكن رغم كل هذه الروعة إلاَّ أنها زهرة تحمل من المعاني المُنَفِّرةِ ما تأباه النفوس النقية، والقلوب الزكية؛ فهذه الزهرة الجميلة المظهر غرَّها منظرها الجميل، وجعلها تختال بجمالها فلا تسمح لمن حولها بالظهور، فهي تحب أن تكون وحدها في الصورة، لا أحد سواها، ومن يتجرأ على الظهور في حضورها فهو هالك لا محاله، فهي لا تسمح لأي نبتة أخرى أن تنمو إلى جوارها، تماما كذلك الإنسان الذي يُعجب بنفسه إلى الحد الذي يجعله يغضب حين يرى من يوازيه أو يعلو عليه فإذا به ينحِّيه جابنا بكل الحيل وبكل الطرق!هذا يأخذنا إلى الحديث عن الشخص النرجسي -كما يسميه علماء النفس- فهو شخص يعشق ذاته، ولا يرضى بغير المدح والثناء المُفرط بديلا.. شخص تذوب مشاعره مع الوقت، فلا يستطيع أن يشعر بمن حوله أو يشاركهم أفراحهم وأتراحهم، فهو مهموم بذاته فحسب. دعونا إذا نلقي نظرة سريعة على أصل تسمية زهرة النرجس:تقول إحدى الأساطير أن نرجس هذا كان شابا جميل المنظر.. يعشق النظر الدائم لصورته على صفحات الماء، وكلما رأى هذا الجمال المتدفق ازداد إعجابا بنفسه وعلا وارتفع غروره، وبينما هو على هذا الحال إذ سقط في النهر، وغرق فنبتت مكانه زهرة النرجس!هكذا تقول الأسطورة ورغم سذاجتها ومخالفتها للمنطق والعقل والدين ورغم أنها مجرد أسطورة إلاَّ إننا يمكننا أن نستخلص منها الحكمة.وقد رأيت في هذه الأسطورة حكمة تربوية أحببت أن أهديها لبعض الأباء والأمهات، فكم من أم تقضي جل وقتها في الاعتناء بمظهر أبنائها فحسب، والثناء على جمالهم وحسن صورتهم، واحتقار حسن الآخرين إلى جوار حسن أبنائها.فيجد الطفل نفسه محاطا بهاله من الثناء الجسدي، فيكبر وأكثر ما يعنيه في الحياة جماله ومظهره وحسن صورته.وبمرور الأيام تنمو داخله بذرة الغرور الفاسدة، فتتحول إلى شجرة ضاربة لجذورها في الأعماق، ثم سرعان ما يبدأ في احتقار كل من حوله، والانتقاص من شأنهم، وإقصائهم وإخفاء أي نجاح لهم، كما أنه يحيط نفسه بهالة فارغة وكاذبة رغم أنه من الداخل هش وضعيف للغاية مما يجعله عاجزا عن الوصول لأهداف عظيمة، وإن حدث ووصل إليها فهو يصل وهو فاقد للحب في قلوب الآخرين، وفاقد للاحترام في عقولهم؛ فتصبح حياته بائسة كحشرة تعيش داخل قوقعة تحسب نفسها عظيمة وما هي بعظيمة، وتحسب نفسها ذات قيمة وكل قيمتها تستمدها من تلك القوقعة فإذا كُسرت القوقعة ظهرت حقيقتها، وعرف الجميع أنها مجرد حشرة لا تحمل سوى الضرر لمن يقترب منها.كذلك أطفالنا.. إنهم زهور رقيقة صافية، فلا تجعلي منهم شخصيات نرجسية تتقوقع حول نفسها، بل اجعليهم كزهور النرجس في رونقها وصفاء مظهرها فحسب، أما داخلهم فعمرِّيه بالحب والإيثار والتقدير للآخرين. زهرة النرجس كذلك تضعف كلما عاشت في الشمس، فهي تحتاج إلى المزيد من الظل لتزداد نضارتها، وكذلك أطفالنا إذا سلطتِ ضوء الثناء الجسدي بشدة عليهم ذبلت أخلاقهم وعواطفهم وقدرتهم على التواصل فاتركيهم لينعموا بضوء خفيف لطيف، ولا تغرقيهم في أشعة هذه الشمس فيحترقوا.لا تجعلي ثناءك على أبنائك مرتبطا بشكلهم أو جسدهم، ولكن اجعلي ثناءك يتجه نحو صفاتهم وأخلاقهم وأفعالهم؛ لتنعمي بأبناء رائعين تسعدين بهم ويسعدون بك، وتأكدي أن الثناء المرتبط بالشكل والمظهر فحسب هو ثناء تدميري يقتل كل ما في الأبناء من براءة وجمال فاحذري الثناء التدميري حتى لا يموت الورد







الجمال الحزين
هل يمكن للبستاني أن يسقي زهوره بماء الحزن؟ !وهل يمكن للأمهات أن يغرسنَّ في نفوس أبنائهن وبناتهن بذور الحزن ليتحول إلى شجرة ضاربة بجذورها في أعماقهم؟ !نعم، يحدث ذلك كثيرا دون أن ندري، ودون أن نتعمد، فدعوني أخبركم كيف ينقل بعضنا زهوره من عالم السعادة والأفراح إلى عالم الحزن والأتراح.فلنبدأ بزهرة الفل تلك الزهرة التي رأيتها في بداية جولتي في بستان الزهور.. زهرة تجذب بعبيرها وعبق رائحتها وجمال منظرها النفوس وتأسر القلوب.كل هذا تفعله زهرة الفل رغم صغر حجمها وضآلة جسدها، فهل منعها جسدها النحيل أن تكون مثار إعجاب من حولها؟ !هل صغر حجمها مبرر مقنع لانصراف الوجوه عنها، أو السخرية منها، أو التعليق السلبي عليها، أو عدم اهتمام البستاني بها؟ !إذا كانت زهرة الفل تفعل كل ذلك فلماذا نحجِّم من جمال الفل في حياتنا؟ !دعونا نترك الفل جانبا وننتقل إلى زهرة أخرى تمتاز باللون الأسود الداكن، يلقبها البعض بالزهرة الحزينة، هذا الاسم جعل عقلي يأخذني لأتذكر حال كثير من الأمهات اللاتي يحولنَّ بناتهنَّ لزهور حزينة بالفعل! فأحيانا نرى فتاة داكنة اللون ورغم ما بها من جمال رقيق خلقها الله عليه إلا أن الأم تصر أن تنعتها بالسوداء وكأن هذا السواد عيبا فيها.. وما تدري هذه الأم أنها تغرس خنجرا في قلب ابنتها، وتعلن وفاة ثقتها بنفسها.فلماذا تقف الأم لثقة ابنتها ذات البشرة السمراء بالمرصاد؟ !لماذا تعلق تعليقات سلبية تفقدها تقديرها الذاتي لنفسها؟ !أما تدري هذه الأم أن اللون الأسود له عشاقه؟ وأن للبشرة الداكنة محبوها؟ !تنهد قلبي تنهيدة حزينة حين أنتقلت لركن آخر من أركان البستان، ركن في نهاية المطاف، تعلن زهوره وجودها فيه على استحياء، فالكثيرون لا يمرون عليها، وإذا مروا عليها مروا ليتعجبوا، وليلقوا كلماتهم السخيفة ونظراتهم المؤلمة ثم سرعان ما يولون وجهوههم بعيدا عنها.هناك في نهاية البستان وقفت أتأمل زهرة الجثة.. تلك الزهرة التي تعد من أضخم الزهور في العالم.. قد يكون مظهرها لطيفا ولونها جاذبا للبعض، ولكن رغم كل ذلك يبتعد عنها معظم رواد البستان حيث تنبعث منها رائحة غير محببة تنفر منها الأنوف والقلوب، زهرة لا تجذب إليها النحل ليصنع من رحيقها العسل بل تجذب إليها الحشرات والهوام فما أعجب تلك الزهرة حقا!إذا كان ذلك يحدث في عالم الزهور فهل في عالم البشر زهرة كتلك الزهرة .. هل في عالم البشر أنثى يلقبها والداها بالفيل أو الجثة لأنها سمينة؟ !هل في عالم البشر من يلقب ابنته بمثل تلك الألقاب المنفرة فيصيب ثقة ابنته في مقتل فإذا بها تتحول مع الأيام إلى جثة بالفعل، وإذا بها مع الأيام تصبح كزهرة الجثة لا تهتم بأنوثتها، وتهمل جمالها وكأنها تنتقم من كل من حولها، ومن نفسها، ومن هذا المجتمع الظالم الذي ظلمها بنعوته لها، وبتلقيبه لها بألقاب مفجعة للقلب ولو على سبيل المزاح السمج؟ ! فإذا بها مع الأيام تشبه زهرة الجثة .. فالأسم أنثى ولكن الحقيقة تخبرنا بغير ذلك!مؤسف حقا أن نرى البعض منا يحكم على الناس من خلال حجم أجسادهم أو لون بشرتهم، فإذا كانت المرأة بمواصفات معينة تروق للناظر فهي الجميلة الفاتنة وإلا انصرف عنها القلب وابتعدت عنها النفس!ومفجع أن تنتقل هذه الثقافة من الأباء والأمهات لتصب جام جهلها على الصغار فتحرق ثقتهم بأنفسهم وتحولها إلى رماد منثور!اقرأوا معي قصة ناهد وابنتها مروة لتكتشفوا حجم الجحيم الذي يمكن أن نقذف فيه أبناءنا وبناتنا، علما أن هذه القصة حقيقية رأيتها بعينى أيام الجامعة مع زميلة لي ولكنني غيرت الاسم احتراما لزميلتي.
ناهد لها ابنة رقيقة ومملوءة بالبراءة ولكنها ضعيفة الجسم.. ضئيلة الحجم ذات جسد نحيل، وبشرة داكنة، وملامح بسيطة، بدأت ناهد تعلق على ابنتها مروة.. فتصفها بالنحيلة وتقارن بين جسدها وبين جسد زميلاتها وقريناتها.مرت الأيام ومروة لا تظهر عليها علامات الأنوثة رغم دخولها في مرحلة المراهقة، زادت التعليقات المؤلمة والمحرجة من الأم والأب والأقارب.مروة تسمع في صمت.. تبتسم ابتسامة كلها حياء مدفون تحتها بركان من الحزن والحنق والضيق!مرت السنوات ومروة تزداد عزلة، ووحدة نفسية، وثقتها بنفسها تزداد اهتزازا.. وذات يوم حدث ما لم تتوقعه مروة داخل أسوار الجامعة، فها هو الحب يدق باب قلبها، ويعزف على أوتاره أجمل الألحان..هاهو الحب يناديها ويرتمي تحت قدميها النحيلتين، ويرحب أشد ترحيب ببشرتها الداكنة و ملامحها المتواضعة.
بدأ شاب وسيم في الجامعة يتقرب إليها..يحاول مرارا أن يلفت نظرها.. أرسل لها رسالة مملوءة بالعواطف الفياضة والمشاعر الجياشة.فوجئت مروة بمن يمدح جسدها ويصفه بغصن البان، وأنها كغزال ممشوق يهز الأرض بجماله.. ارتعدت أوصالها.. تسارعت دقات قلبها.. قفزت المشاعر فجأة إلى قلبها.. احتار عقلها.. تساءلت مع نفسها غير مصدقة لما تقرأه:هل يقصدني حقا؟ !هل هذا الكلام لي أنا؟ !تراقصت الأفراح في قلبها.. وبدأت تنسج بخيالها أحلاما لم تعتدها من قبل.تطور الأمر وأصبحت الأحلام تتجسد في شكل مكالمات تليفونية، ثم لقاءات ونزهات.الشاب الذي جذبها لم يكن بريئا كما خُيل لها.. بل كان يعرف من أين تؤكل الكتف.. يعزف على أوتار مشاعرها... يضغط برفق على احتياجاتها النفسية فيفجرها ويجعلها تزداد صراعا واشتياقا لمن يعيد إليها الثقة.بدأ مسلسل التنازلات فاليوم لقاء عابر، وغدا قبلة خاطفة، وبعد الغد لقاء منفرد في ركن منزو في الجامعة، وفي كل مرة تذوب مروة وترتعد أوصالها.. ولا تملك القدرة على التحكم في ذاتها ولا أدري إلى أي مدى وصلت العلاقة بينهما.دعونا ننتقل بالمشهد إليكم أنتم كأباء وأمهات.. هل لديكم ابنة نحيفة أو سمينة؟ هل لديكم من بناتكم من تمتاز بشرتها باللون الداكن؟ هل لديكم من هو أكثر طولا أو قصرا من أقرانه بشكل يلفت إليه الأنظار؟ هل لديكم من أبنائكم صاحب الشعر الخشن أو الصوت الأجش، أو بعض الاختلافات في جسده عن من هم في نفس مرحلته العمرية سواء كان ذكرا أو أنثى؟ لو كان لديكم مثل هؤلاء الأبناء فماذا تفعلون معهم ؟ هل تمطرونهم بوابل من التعليقات السلبية والكلمات الجارحة ولو على سبيل المزاح؟ إذا كان الأمر كذلك فانتبهوا فأنتم مرآة أطفالكم .. من خلال كلماتكم يكوِّنون صورة دائمة عن أنفسهم، فإذا كانت هذه الصورة سلبية طُعنت الثقة في النفس في مقتل، وضاع تقديرهم لذواتهم، لذلك لا تعلقوا كثيرا على شكل أبنائكم أو لون بشرتهم، أو حجم جسدهم!لا تجعلوا تقديرهم لذواتهم يستمد من شكلهم.حدثوهم عن عبدالله بن مسعود – رضي الله عنه- وعن ساقيه النحيلتين اللتين وصفهما النبي - صلى الله عليه وسلم –بأنهما أثقل في الميزان عند الله من جبل أُحد.حدثوهم عن المرأة السوداء التي أخبر - النبي صلى الله عليه - وسلم أنها من أهل الجنة.
حدثوهم عن عبدالله بن أم مكتوم الضرير الذي ذُكر في القرآن واستخلفه النبي صلى الله عليه وسلم على المدينة.
حدثوهم عن عمرو بن الجموح الذي ردد بقوة وثبات إني إريد أن أطا بعرجتى هذه في الجنة.كذلك وأنتم تتعاملون مع أبنائكم اعلموا أن لكل زهرة جمالها حتى وإن كانت ضئيلة أو ضخمة الحجم، أو داكنة اللون.فإن كنت أنت كأب لا تحب النحيفات أو البدينات أو السمراوات، أو كنتِ أنتِ كأم تفضلين الأكثر طولا أو الأقل طولا فهذا شأنكم أنتم وليس شأن أبنائكم، فدعوهم يعيشون حياتهم بلا ضغوط أفكاركم وميولكم، ولا تقذفوا بهم في عُقَدِ الحفر النفسية بسببكم.وإن كنتم تحملون هم زواج بناتكم فاطمئنوا ولا تحملوا هم المستقبل وتخضعوا فتياتكم لريجيم قاس أو تغذية مضاعفة.. أو عمليات التجميل، أو مساحيق تبيض البشرة خوفا عليهن من المستقبل وتأخر سن الزواج، وتذكروا أن" للناس فيما يعشقون مذاهب" فكم من فاتنة تأخر زواجها، وكم من فتاة تبدو عادية ضجرت من كثرة طلابها للزواج وتهافتهم على طلبها.. وكم من سمراء اللون تزوجت قبل الشقراء وعاشت عيشة هنية.فرفقارفقا رفقا بأبنائكم وبناتكم.. ولا تحولوا جمالهم إلى جمال حزين.

أشواك الورد كيف تتعاملون معها؟
هل تعانين من أشواك أطفالك؟ هل تعانين من سلوكياتهم المزعجة؟ طبيعي جدا أن يصدر من الطفل بعض السلوكيات المزعجة، لأنه في النهاية طفل صغير أو حتى مراهق ما زال في مرحلة التجربة والاكتشاف.فلكل طفل كبواته وهفواته وعثراته، ولكل طفل أشواكه، وهذه طبيعة البشر، وطبيعة الحياة فهل تندبين حظك لأن طفلك به من العيوب ما به؟
هل تجلسين مكانك حزينة لا تعرفين كيف تتصرفين؟
تشتكين لكل من تقابلينه من سوء تصرفات طفلك؟
إن كنتِ كذلك فعليك بمراجعة نفسك فليس المهم وجود الشوك في الورد، وليس المهم وجود العيوب في الطفل فهذا أمر بديهي، ولكن المهم كيف ستتعاملين مع هذا الشوك، وكيف ستخلصين طفلك من عيوبه.البستاني الحاذق والماهر ينزع الأشواك برفق شديد وذكاء كبير.. لا يسمح للشوك أن يجرح يده ولا يسمح لنفسه أن يتجاوز حدود تهذيب هذه الأشواك ليقص بعض أوراق الوردة فيصيبها بالإعاقة وهي على قيد الحياة..أما البستاني العجول الذي لا يتأنى بل يتعجل الأمور قبل أوانها نجد يده تُسرع لتتخلص من هذه الأشواك بكل قوة وحدة، فتطول يده أوراق الورد فيشوه منظرها دون قصد منه، وقد يقتلعها من جذورها، وقد يقضى عليها تماما وهو غير مدرك لذلك.
وكذلك الأباء.. منهم من يرى في طفله عيبا فيتعامل معه على أنه طبيب وأن طفله مريض جاء طالبا الشفاء فيمنحه الدواء المناسب بجرعات مناسبة ويجعله يتناولها في أوقات مناسبة، فيظل وراءه برفق وحلم وحسن تصرف حتى يكون سببا بعد الله -عز وجل- في شفائه من سوء سلوكه، وتمر الأيام فإذا به تقر عينه بأبنائه وينعم بهم وبحسن أخلاقهم.
ومنهم من يتعامل مع أبنائه كالجزار الذي يرى أنعامه مريضة فيسارع بذبحها بدلا من المسارعة لعلاجها!
إن كان لزاما عليك أن تهذب الورد وتقتلع منه الشوك فليكن ذلك بلين بغير ضعف وقوة بغير عنف.
تمسك بالرفق، فما وضع الرفق في شيء إلا صار جميلا ففي الحديث الصيح الذي رواه مسلم أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ"
البستاني الماهر حين يبدأ في اقتلاع الشوك يكون قد تعلم سابقا كيف يقتلع هذه الأشواك فهل أبناؤنا أقل شأنا من الورد؟
هل أبناؤنا لا يستحقون أن نقرأ ونتعلم كيف نهذبه؟
هل أبناؤنا لا يستحقون أن نخصص بعض الوقت لمعرفة الطرق الصحيحة لعلاج عيوبهم؟
اقرأوا ثم اقرأوا وابحثوا عن أفضل الطرق التي تساعدكم على تهذيب زهوركم دون وقوع خسائر فادحة، وتذكروا أن أطفالنا كالورود قد يملؤها الشوك ولكن الشوك لا يعيب الورود، بل يبقى الورد وردا بجمال منظره وبهاء طلعته وعبير رائحته.

لمن تبيعين سعادة طفلك؟ !
رائع هو الورد.. شكلا ورائحة وتأثيرا، والأروع أن يدوم تأثيره فلا تقطفه الأيدي فتنتزع منه الحياة، ولكن طبيعة الأمور تقتضي أن نقطف الورد أحيانا لنهادي به من نحب، ونمنحهم عبق الحب من خلاله.
ولكن هل يمكن أنْ نقطف سعادة أبنائنا بأيدينا لنهديها لمن حولنا سواء أحببناهم أم لا فنكتشف في النهاية أن سعادتهم ضاعت هباء من أجل إرضاء الآخرين، وأن ثقتهم بأنفسهم تفلتت بتكرار نفس المواقف عبر الأيام والسنين؟ !
هذا بالفعل ما تفعله بعض الأمهات بعفوية وتلقائية وهنَّ لا يدرين بشاعة ما يفعلنَّ؛ فقد يتصرف الطفل تصرفا طبيعيا يقوم به معظم من يمرون بنفس مرحلته العمرية.. قد يتفوه بكلمة غير لطيفة، أو بكلمة رفض يعبر بها عن رأيه في أمر ما، أو يلعب كما يلعب الأطفال ولكن حركته تكون زائدة نوعا ما لطبيعته الحركية، أو يُكثر من الثرثرة لطبيعته اللغوية.. قد يحدث ذلك بشكل عفوى من الطفل ولكن فجأة تخترق أذن الأم كلمة سمجة تأتي على لسان لا يحسن التفوه بالكلمات، فينتقد تربيتها، ويصف طفلها بالمشاغب أو قليل التربية، أو يقارن بينه وبين إخوته أو أقاربه الأقل حركة والأكثر هدوء.. رغم أن هذا الطفل قد يكون أفضل هؤلاء الأطفال خُلقا إلا أنه أكثرهم حركة أو تحدثا لطبيعة خلقه الله عليها.. فماذا تفعل هذه الانتقادات بالأمهات؟
بعض الأمهات ينفعلن على الطفل ويهرولن ليضربنه، ويصرخن فيه آمرين إياه بالصمت والجلوس كالصنم بلا أدنى حركة أو صوت حتى يحين وقت انتهاء هذه الزيارة.
حقيقة الأمر أن الأم التي تفعل ذلك ما تفعله إلا لترضي من حولها، ولكي ترضي نفسها المتعطشة لنظرات المدح في عيون الآخرين، أو نفسها الخائفة من نقد الآخرين، ولكي لا يصيبها سهم كلماتهم في مقتل فيُشعرها بالعجز والفشل في تربية أبنائها!
وبمرور الأيام يصبح هذا السلوك هو التصرف الطبيعي والتلقائي للأم مع طفلها في مثل هذه المواقف وفي وجود الآخرين، وبمرور الأيام يصبح الطفل خائفا مترقبا لنظرة الناس له، فاقدا للثقة في نفسه، شاعرا بتدني التقدير الذاتي، يملؤه الإحساس بالكبت والألم النفسي، وتتبخر سعادته وإحساسه برونق الحياة.. فلماذا تهدين سعادة طفلك للآخرين من أجل نظرتهم غير الموضوعية؟ !
لماذا تبيعين ثقة طفلك بنفسه بثمن بخس من أجل عدم التعرض للنقد؟ !
لا أقول لك اضربي بالذوقيات العامة عرض الحائط، ولكن تفهمي طبيعية مرحلة طفلك ونموه النفسي والحركي والاجتماعي في هذه المرحلة وبناء على ذلك تعاملي.
اشرحي لطفلك وأنت في بيتك المسموح والممنوع فعله في وجود الآخرين ولكن بحب ولطف، ودربيه على ذلك مرات ومرات عديدة حتى يصير السلوك الجديد طبعا وعادة لديه.
ضعيه في مواقف مشابهة باتفاق مسبق مع أشخاص ودودين ولطفاء، فهذه الطريقة تجعله أكثر ثقة في نفسه لأنه حين يتصرف بشكل جديد ولكن بسيط نوعا ما سيجد التقدير والمدح من هذه الفئة الإيجابية والمتفهمة، وبالتالي سيشجعه هذا على التصرف بشكل أفضل وأكثر لياقة في المرات القادمة عندما يوضع في مواقف حقيقية.
توقفي عن الكلمات السلبية التي تقذفين بها في وجه طفلك عقب كل زيارة أو كل تجمع عائلي، ولا تنعتيه بألفاظ تقلل من شأنه وتحط من قدره، ومهما كان حرجك تماسكي، وانتظري حتى يزول غضبك، ثم اجلسي مع طفلك وحدكما، وأخبريه بأنكِ تكنين له كل الحب والاحترام والتقدير، وأنك تقدرين رغبته في اللعب والتعبير عن رأيه وأن هذا حقه ولكن من حق الآخرين كذلك التمتع بجو هادئ وغير مزعج.
اشرحي له الذوقيات والآداب العامة بحب ودون تجريح، واتفقي معه على الوصول لهذا الهدف بالتدريج، واجعلي بينك وبينه كلمة سر، أو إشارة سرية تذكريه من خلالها بما اتفقتما عليه حال نسيانه وأثناء وجود أشخاص آخرين معكما.
بهذه الطريقة سيتعلم طفلك ما تريدينه منه بسلاسة ودون أن تكون هناك سلبيات نفسية أو خسائر في تكوينه النفسي، وتذكري أننا إذا كان من حقنا أن نقطف الزهور لنهادي بها من نحب ومن لا نحب فليس من حقنا أن نقطف ثقة أبنائنا لنرضي من حولنا.
عززي ثقة ابنك بنفسه، واغرسي لديه القيم المتعلقة بالذوقيات العامة والأخلاقيات في التعامل مع الآخرين من خلال بعض الوسائل البصرية لمن هم في نفس سنه، واجعلي هذه المشاهد تتكرر أمام عينيه دون تعليق سلبي منك، أو مقارنة بين سلوكهم وسلوك طفلك ومع الوقت ستترك هذه الطريقة فيه أثرا طيبا يساعده على تغيير سلوكه السلبي.
كذلك دربي نفسك على ألَّا تخضعي لضغوط الكلام السلبي للآخرين ولا تركزي معه كثيرا، وأخبري من حولك أنك لا تحبين توجيه النقد للأطفال بهذا الشكل.
عليك كذلك تجهيز ردود ذكية وقوية تردين بها على من يوجه اللوم لطفلك حال تعرضه للنقد المستمر ممن حوله ولكن احذري أن تقفي موقف المدافع بشكل مستمر حتى لا يتحول طفلك إلى شخصية سلبية.. فقط ردي على الآخرين في حدود الموقف بذكاء ولطف.
أخيرا ضعي الحدود لمن حولك في التعامل مع أطفالك ولكن بلطف، حتى لا تذبل ثقة طفلك بنفسه ويضيع شذى سعادته.





خاتمة
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، اللهم لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك، لك الحمد يارب في الأولين والآخرين وفي الملأ الأعلى إلى يوم الدين.
اللهم هذا جهد مقل فإنْ كان خيرا فهو منك، وإنْ كان غير ذلك فهو من نفسي ومن الشيطان فاغفر لي وارحمنى.

رضا الجنيدي
29 ذو الحجة1438 ه
20/9/2017 م



للتواصل مع الكاتبة

البريد الالكتروني:
redagenedy@yahoo.comقناة الكاتبة على
التلجرامhttps://telegram.me/redaalgeneedyصفحة الفيس
بوكhttps://m.facebook.com/Reda.Geneedy






الفهرس

مقدمة 3
سجون الحب 4
القلب النازف 6
طفلك يدور في فلك من؟ 9
الثناء التدميري تجنبيه مع طفلك 11
الجمال الحزين 13
أشواك الورد كيف تتعاملون معها؟ 16
لمن تبيعين سعادة طفلك؟ ! 17
خاتمة 20
الفهرس 21