Advertisement

حياة في الادارة







تحرير: المتطوعة، وداد الحربي.

غَازي عَبْــدالرحمنَ القُصَيْبِـي
حَيـــَـاة فيْ الإدارَة



















الإهداء
إلى يارا وسهيل وفارس ونجاد
واقــــــــــــرانهم في المـــملكة
وعبر الوطن العربي الكبير













مقدمة
كنت أحضّر للدكتوراه في لندن في صيف 1968م (1386هـ) عندما جاء سيدي الوالد رحمه الله إلى العاصمة البريطانية للراحة والاستجمام وإجراء بعض الفحوص الطبية . كان وقتها ، في السادسة والثمانين وكان مع ذلك ممتعاً بكل قواه النفسية والعقلية والكثير من قواه البدنية .طلبت منه أن نشترك في كتابة مذكراته –وقد عاصر أحداثاً كثيرة تستحق أن تُسجّل – إلا أنه رفض . كانت وجهة نظره أنه لا يستطيع أن يفشي الأسرار التي أوئتمن عليها ,وأن المذكرات إذا خلت من هذه الأسرار فلن تكون سوى سرد لأشاء يعرفها الناس جميعا, ولا مبرر لكتابة مؤلف جديد عنها .
كانت وجهة نظر أبي تستحق الاحترام إلا أنها ,ككل وجهة نظر ,تقبل المناقشة .من ناحية ,للسر ,ككل شيء في هذه الحياة محدد بنهايته يموت السر ,أي يفقد طبيعته السرية .من ناحية أخرى ,كاتب المذكرات قد يعترض لأحداث يعرفها الناس جميعا ولكنه يعالجها من زاوية جديدة وهامة للمعلومات المتداولة. عنما بدأت أدنو من الستين ,وبدأت أخشى أن تضعف الذاكرة وتبهت الألوان ,رأيت أن الوقت قد حان للكتابة عن سيرتي الإدارية .ظل المحذوران اللذان أشار إليهما أبي في ذهني .من ناحية ,ليس في هذا الكتاب أسرار .أدى التصاقي بالقيادة السياسية السعودية فترة من الزمن إلى أن أطلع على أمور حساسة , تتعلق في معظمها بالسياسة الخارجية ,ولا تزال بعض هذه الأمور أسرارا .عندما تفقد هذه الأمور طبيعتها السرية بانتهاء عمر السر ,يمكن أن يكون لها مجال في مؤلف آخر (لم أعترض في هذا الكتاب لعملي في موقعي الحالي سفيرا في لندن لأن قصة العمل لا يمكن أن تكتمل بدون رواية أشياء يصعب أن تروى في الوقت الحاضر )من ناحية ثانية ,حاولت ألا أضيع وقتي ووقت القارئ في تفاصيل الأحداث التي يعرفها الجميع ,وركزت جهدي على الجانب الخفي من الصورة :خلفية القرارات ا لتي أصبحت أحداثا معروفة للجميع. هذا الكتاب موجه إلى القارئ العادي على وجه العموم وموجه ,على وجه التحديد , إلى فئتين من القراء .الفئة الأولى هي أبناء الجيل الصاعد الذين آمل أن يتمكنوا من أن يتذوقوا من خلاله نكهة الثورة التنموية التي عاشتها المملكة ,والتي كان من قدري أن أعاصرها .أما الفئة الأخرى فهي فئة الإداريين الشباب ,في القطاعين العام والخاص ,الذين أرجو أن يجدوا في تجربتي الإدارية الطويلة بعض الدروس النافعة ,وأن يستخلصوا منها بعض العبر المفيدة .في الإدارة متغيرات كثيرة ,وثوابت أكثر .من البديهيات الأساسية أن الإصلاح الإداري عملية تراكمية متواصلة :كل إداري يتلقى شيئا ممن سبقه ويبقي شيئا لمن يخلفه .وإذا كنت قد قصرت حديثي على الأحداث التي عايشتها دون الأحداث التي سبقت دخولي إلى المسرح أوالتي تلت خروجي منه ,فلم يكن ذللك بهدف الإقلال من شأن سلف أوخلف كريم .هذا الكتاب يسجل تجربتي الشخصية ويقف عند هذا الحد لا يتجاوزه . من هذا المنطلق ,ومنه وحده آثرت ألا أتطرق إلى أحداث لم يكن لي دور مباشر في صياغتها ولا يحق لي أن أتصدى لتحليلها .اتخذت عبر تجربتي الطويلة في الإدارة الكثير من القرارات المؤلمة والصعبة وحاولت ,جهدي ,ألا أسيء على أي نحو إلى فرد أو أفراد. والآن وأنا أكتب عن هذه التجربة أرجو ألا يكون في الكتاب ما يمس بأي نوع من أنواع الأذى فردا أو أفرادا. إذا فشلت, والكمال لله وحده ,فها أنذا أستميح كل إنسان أخطأت في حقه وأنا أتخذ القرار ,أو أروي قصة القرار ,اعفو والمغفرة .(وما أبرئ نفسي إن


النفس لأمارة بالسوء إلا من رحم ربي إن ربي غفور رحيم )بقيت كلمة الأمانة التاريخية أن أقولها : لا أدعي أني قلت هنا الحقيقة كاملة ,ولكني أرجو أن كل ما قلته ,هنا, حقيقة
لا شك في أن علاقة الإنسان المعاصر بالإدارة تبدأ مع الطفولة ,ولكن متى تبدأ علاقة الطفل بالإدارة ؟تذهب مقولة شائعة إلى أن الإنسان لا يستطيع أن يبدأ حياته ,رسميا ,إلا بورقة إدارية ,هي شهادة الميلاد ,ولا يستطيع أن ينهيها إلا بورقة من جهة إدارية أخرى ,هي شهادة الوفاة . هذه المقولة صحيحة إلى حد كبير ,على الأقل في البلاد التي وصلت مرحلة معينة من التطور ـوالتعقيد !ـ الإداري (عندما ولدت في الإحساء سنة 1940م(1359ه)لم تكن المملكة تعرف شهادات الميلاد ,ولا الشهادات الأخرى).إلا أن الطفل لا يحس بوجود الورقة التي توثق ميلاده ,كما أن المتوفى لا يحس بوجود الورقة الثانية. الأدق أن نقول إن الطفل يلمس تأثير الإدارة ,وأنا أتحدث عن الإدارة بأوسع معانيها , بمجرد أن يدرك أنه كائن يعتمد وجوده ,كلية على قرارات يتخذها الآخرون :من الذي يستجيب لبكائه حين يبكي ,وأي نوع من الطعام سيعطى ,وما هو رد الفعل المتوقع عندما يخطئ ,وآلاف القرارات المشابهة التي تشكل في مجموعها , البيئة النفسية التي تؤثر في الطفل إلى درجة لا يزال علماء النفس مختلفين حول تحديدها .أتصور ,ولا أعلم ,أن الطفل مع سن الخامسة يكون قد وصل إلى هذا الإدراك ,أي إنه











ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في معظم بلاد العالم تصدر الشهادتان من وزارة الصحة التي تقوم فوق ذلك ,بمرافقة الإنسان عبر حياته ,فيا لشقاء هذه الوزارة ويا لعناء زبائنها ,و يا لسوء حظ أولئك الذين شاء القدر أن يكونوا وزراء صحة .





يتبين ,على نحو غامض وغير محدد ,أثر الإدارة في حياة .تكاد السنوات الخمس الأولى من حياتي تكون مطموسة في ضباب النسيان .لا أذكر شيئا ذا بال عن تلك الفترة ,وعظم ما أعرفه عنها جاء بطريق غير مباشر, رواية عن الأقارب .إن عجبي لا ينتهي من أولئك الذين يتذكرون وقائع وأحداثا حصلت في عامهم الأول أو الثاني أو الثالث .قال لي الكثيرون إنني رزقت ذاكرة قوية .إلا أن هذه الذاكرة لا تحتفظ بشيء يذكر عن الطفولة المبكرة .أفلتت التفاصيل في زحام السنين ,إلا أن الصورة العامة واضحة كل الوضوح .ولدت في بيئة مشبعة بالكآبة .توفي جدي لوالدتي ,رحمه الله ,قبل ولادتي بشهور .وتوفيت والدتي رحمها الله بعد ولادتي بتسعة شهور .ونشأت بلا أقران .كان الفارق بيني وبين شقيقي الذي يكبرني مباشرة نبيل رحمه الله خمس سنوات وهو فارق كبير بمقاييس الطفولة كنت العب بمفردي أو مع الحمائم الأليفة التي كانت تشاركنا السكن .ترعرعت أتأرجح بين قطبين رئيسيين . أولهما ,أبي رحمه الله وكان يتسم بالشدة والصرامة(كان الخروج إلى الشارع محرما على سبيل المثال )
وثانيهما جدتي لأمي رحمها الله وكانت تتصف بالحنان المفرط والشفقة المتناهية على الصغير اليتيم أستطيع أن أقول إن حصيلة السنوات الخمس الأولى من حياتي كانت وحدة مشوبة بالحزن وطفولة تنمو تحت عين أب حازم صارم وفي كنف جدة رؤوم حنون .هل تركت هذه الطفولة في عقلي الباطن ميراثا وسم بسماته حياتي الإدارية ؟علم هذا عند ربي .إن كان لي أن أحاول الإجابة فإنني أعتقد أنني نشأت وفي أعماقي إحساس كامن بأن السلطة بلا حزم تؤدي إلى تسيب خطر وإن الحزم بلا رحمة يؤدي إلى طغيان أشد خطورة .إلا أن الطفل في تصوري لا يبدأ تعامله الحقيقي مع الإداة إلا بعد أن يذهب إلى المدرسة .في المنزل هناك قرارات عديدة ولكنها تبقى قرارات عائلية يصعب على الطفل أن يتبين طبيعتها الإدارية .أما في المدرسة فيلتقي الطفل بالإدارة وجها لوجه ويرى كل محاسنها ومساوئها لا أعتقد أن أحدا يجادل أن المدرسة أي مدرسة مؤسسة بيروقراطية تتصرف وفق القوانين التي تحكم سلوك المؤسسات البيروقراطية قبيل بلوغي السادسة الابتدائية الشرقية في المنامة ودخلت عالم الإدارة
بدأ لقائي بالإدارة في الطابور كان الطلبة يصطفون في طوابير كل صباح ويتولى التفتيش على نظافة الأظافر مدرس مختلف كل يوم من هؤلاء المدرسين من كان تفتيشه شكليا سريعا ومنهم من كان بحثه دقيقا مستقصيا منهم من كان يكتفي بلفت النظر ومنهم من كان يستخدم مسطرة غليظة تهوي على الأظافر بل كان يسأل كل واحد منا إذا كان قد استحم ذللك الصباح إذا أجاب الطالب بالإيجاب نجا من العقاب وإذا ذكر الحقيقة , والحقيقة هي أنظفنا لم يكن يستحم سوى مرة واحدة في الأسبوع هوت المسطرة على الأصابع كان هذا المدرس لا يخلو من غرابة أطوار وكان توقعه أن يستحم أطفال صغار كل صباح في شهور البرد القارس قبل أن تصل المياه إلى معظم المنازل واحدا من تصرفاته الغربية كان المدرس يصدق من يزعم أنه استحم ولو كانت كل الشواهد تكذب هذا الزعم أعتقد أنه كان يستهدف تشجيعنا على النظافة والصدق إلا أن كل ما فعله هو إغراؤنا بالكذب كانت نواياه حسنة وكانت تلك هي المرة الأولى وليست الأخيرة التي ألتقي فيها بنوايا حسنة تقود إلى أوخم العواقب .
وإذا كان الطابور الصباحي يكشف للطفل في أسبوعه الدراسي الأول عدة نماذج إدارية فإن الفصول سرعان ما تكمل الصورة يرى الطفل الشخصية الإدارية المتشددة التي ترفض دخول الطفل الفصل بعد ابتداء الحصة بدقيقة أو دقيقتين وبقاؤه خارج الفصل له نتيجة محتومة واحدة :خيزرانة المدير ويرى الشخصية الإدارية المتساهلة التي لا ترى أن تأخر بضع دقائق يحول بين الطالب والدخول يرى الطفل المدرس المبتسم والمدرس العابس ,المدرس العصبي والمدرس الهادئ ,المدرس الذي يؤمن بالضرب والمدرس الذي يؤمن بالكلمة الطيبة .على أن أهم ما يتعلمه الطالب وهو درس يبغى معه إلى نهاية دراسته الجامعية وما بعد الجامعية هو التفرقة بين المدرس قوي الشخصية والمدرس ضعيف الشخصية المدرس الذي يتمتع بالشخصية القوية يسيطر على الفصل بسهولة ودون وعيد أو وعود .أما المدرس الذي يفتقر إلى الشخصية القوية فإنه يعجز عن السيطرة على الفصل حتى يعاقب كل طالب في الفصل .ماهو السر وراء قوة الشخصية ؟ هذا سؤال من الأسئلة التي حيرت البرية ولا تزال تحيرها ما يهمنا هنا هو أن الشخصية القوية تشع إشعاعا لا يخطئه أحد في الفصل وخارج الفصل في المدرسة وفي كل المكان في مهنة التدريس وفي كل مهنة .إذا كان المدرسون يمثلون عدة نماذج إدارية في عين الطفل ,فإن مدير المدرسة يبدو أمامه تجسيدا للغول الإداري .تعاقب على المدرسة خلال دراستي مديران كان أحدهما مشهورا بالشدة المتناهية وأعقبه مدير آخر كان قبل أن يتولى الإدارة مشهورا بطيبته ولكنهما إن أصبح مديرا حتى سلك مسلكا يفوق في الشدة مسلك سلفه .وهكذا يكتشف الطفل ,في سن مبكرة معنى تغير القبعة بتغير الموقع يتغير السلوك هذه الظاهرة يعرفها الناس منذ الأزل ويعزوها معظم الناس إلى الغرور الذي يولد فجأة مع الموقع الجديد قد تكون نظرية الغرور الصحية في بعض الحالات ,إلا أن ألأصح هو أن الموقع الجديد يفرض على شاغله سلوكا جديدا بحتمية لا دخل للغرور أو التواضع فيها , كما فرض موقع المدير على المدرس الرقيق أن يتصرف بغلظة وقسوة .
وإذا كانت الإدارة لا تستغني عن جانبي الثواب والعقاب , فقد كان المدير أيامها يمثل جانب العقاب وهذا الجانب وحده .كان إرسال طالب إلى المدير يعني بصفة تلقائية ,أن ترتفع الخيزرانة وتهوي يد الطالب مرتين على الأقل ,وعشر مرات على الأكثر .لم أسمع بحالة واحدة ذهب فيها طالب إلى المدير ليسمع ثناء أو يتلقى جائزة .كانت العلاقة بين الطلاب والمدير قائمة على الخوف ,ولا شيء غير الخوف أيامها ,لم يكن الواحد منا يعرف سببا للشدة اتي كيرا ما كانت تبدو مفرطة أو غير ضرورية .الآن ,يستطيع المرء بدون كبير عناء أن يدرك أنه مع وجود عدد لا يستهان به من الطلبة المشاغبين ,وعدد لا يستهان به المدرسين ضعيفي الشخصية ,كان وجود مدير صارم حازم أمرا ضروريا من دونه ينهار الانضباط المدرسي كلية .لقد لقيت نصيبي من الخيزرانة وكان العقاب في معظم الحالات عادلا وفي حالة أو حالتين تعسفيا بعد هذه السنين كلها ومع تقديري للخبراء التربويين ونظرياتهم ,أرى أن عقوبة الضرب يجب أن تبغى في المدارس الابتدائية دون الإعدادية والثانوية ,ويجبأن تبغى في يد المدير وحده أعرف كما عرف كل طالب ,أن هناك نماذج من الطلبة لا يفلح في تقويم مسلكها ,في هذا السن ,سوى العصا أو التلويح بها .في السنة الخامسة الابتدائية اصطدمت لأول مرة بالنتائج الوخيمة للتهاون الإداري وإن كنت وقتها لم أسمع بهذا التعبير . أوكلت الإدارة تدريس ثلاث مواد رئيسي إلى مدرس شاب قليل الخبرة ,عديمها هي الكلمة الأدق ,خال تماما من روح المسؤولية .كان سرورنا عظيما بهذا المدرس الذي لم يشرح شيئا ,ولم يطالبنا بواجب ,وكان يقضي الحصص كلها في الحديث عن السيارات ,أنواعها وخصائصها وسرعتها وأثمانها .لا أبالغ إذا قلت إننا لم نكد نلمس المناهج لمسا ,فضلا عن دراستها وقعت الواقعة في نهاية العام حيث رسب أكثر من الطلاب في مادة أو أكثرمن مواد المدرس المفتون بالسيارات تنبهت إدارة المدرسة بعد فوات الأوان ,إلى الخطاء وذهب المدرس غير مأسوف عليه إلا إن المذبحة كانت قد تمت اضطر الراسبون إلى إعادة السنة .كنت بدوري راسبا في مادة من مواد المدرس هي الحساب وكان النظام يقتضي أن أبقى مع الراسبين,إلا أنني وجدت نفسي أنتقل إلى السنة النهائية مع


الناجحين .سمعت أيامها لأول مرة في حياتي كلمة (الواسطة)ردد بعض الزملاء أنني نجحت لأن أبي استخدم نفوذه مع إدارة المدرسة أي إنني نجحت بالواسطة .حقيقة الأمر كما عرفت من المدرسين أنفسهم فيما بعد ,أن أبي لم يعرف أنني رسبت .حتى أنا لم أعرف بواقعة الرسوب إلا بعد انتقالي إلى السنة الأعلى .لم تكن هناك وساطة من أحد .رأى المدير وشاركه كل المدرسين الرأي أنه لا يجوز أن يرسب طالب متفوق منذ سنته الأولى لأن بعض الدرجات تنقصه في مادة واحدة. فرقت تلك السنة المشئومة بيني وبين عدد كبيرمن الزملاء الذين تخلفوا دون ذنب منم (لا يزال بعضهم متمسكين بنظرية الواسطة إلى الآن ) وخلّفت في نفسي أثراً لا يمحى عن جور النظام الذي يضطر الطالب إلى إعادة سنة بأكملها بسبب مادة واحدة . عندما وصلت إلى موقع كان بوسعي فيه أن أعمل شيئاً لتعديل نظام مماثل لم أتردد . لابد أن أقول قبل أن أترك هذا الموضوع إن الشجاعة كانت تتطلب من إدارة المدرسة أن تفكر عن ذنبها بقرار شجاع يسمح بنجاح جميع الضحايا . إلا أن الشجاعة ، كما سأكتشف المرة تلو المرة ، ليست من السجايا المأثورة عن البيروقراطية .
وفي المدرسة الابتدائية التقيت ، لأول مرة ، بتجربة السلطة وبذلك الشعور اللذيذ الذي ينتاب صاحب السلطة . جاءت هذه التجربة مع دور "المراقب" . لا أدري هل لا تزال هذه الظاهرة معروفه في المدارس في أيامنا هذه أم أنها ذهبت ضمن ما ذهب من عادات ما قبل الطفرة إلا أنها كانت ، في تلك الأيام البعيدة ، جزء لا يتجزأ من الانضباط المدرسي .
كان العرف يجري على أن يختار كل مدرس أفضل الطلبة في المادة التي يدرسها لكي يصبح المراقب في حصص تلك المادة (كان هناك عرف آخر وهو أن يصبح الطالب الأول مراقباً في كل الحصص ) . كنت ،دائماً ، أحصل على أعلى الدرجات في اللغة العربية وكنت ، في العادة ، المراقب في حصص اللغة العربية . وما أدراك ما المراقب ! بمجرد خروج المدرس من الفصل كان المراقب ينتقل فيقف في خلف طاولة المدرس بعد أن يحشد على وجهه كل ما يستطيع حشدة منا إمارات الحزم والعزم ؛ نسخة مصغرة من المدرس . كان المراقب يلفت نظر الطلاب اللذين يضجون ويصخبون بين الحصص إلى ضرورة التزام الهدوء ، وإذا لم ينفع الإنذار عمد إلى كتابة أسماء المشاغبين على السبورة . إذا دخل المدرس الفصل كان أول ما يقوم به معاقبة الطلبة الذين يجد أسماءهم على السبورة . كان المراقب ، والحالة هذه ، يستطيع تعريض أي طالب للعقاب . وكان المراقبون ، شأنهم شأن المدرسين ، يتراوحون بين مراقب شرس يهوى كتابة الأسماء ومراقب متسامح يكتبها ثم يمحوها في آخر لحظة .وكان المراقب يُكلف ، عادة ، بقرع الجرس نيابة عن المدرس . يا للسلطة ! يشعر الطالب أنه بهزة يد ينهي الحصص كلها في المدرسة . هكذا يتشّرب الطالب الصغير ، دون وعي ، حب السلطة ، وعشق رموزها .إلاّ أن السلطة المراقب كانت تنتهي

مع انتهاء الحصة والخروج إلى الساحة . ومع انتهاء السلطة كانت الحصانة تختفي و تبدأ العمليات الانتقامية . التعبير الشهير الذي يتوارثه جيل في الخليج بعد جيل " أن كان فيك خير إطلع بره!" يجد أصوله التاريخية في ظاهرة المراقب الذي يظل منأى عن الانتقام مادام داخل الفصل . كانت سلطة المراقب واسعة ، وكانت تفسد أحياناً ،ولكنها لم تكن مطلقة من النوع الذي يفسد بصفة مطلقة . مارست سلطة المراقب ، المهمة الإدارية الأولى في حياتي ، عبر عدة سنوات و أعتقد أنني مارستها بعدالة .لم تكن هناك ، على أية حال ، أية عمليات انتقامية .دخلت المدرسة الابتدائية طفلاً تغلب عليه الكآبة والعزلة والانطوائية ,وغادرتها بعد سبع سنوات صبياً متحرراً من تلك الصفات ,محاطاً بمجموعة من الأصدقاء ,لا يزال عدد منهم أصدقاء حتى هذه اللحظة .لا أفهم النقاش العقيم الذي يدور حول دور المنزل فلكل منهما دور كبير لا يغني عن دور الآخر وقد رأيت بنفسي كيف كان للمدرسة فعل السحر في نفسيتي .كانت تجربتي في المدرسة الابتدائية سعيدة كل السعادة ولا أذكر أنني تباطأت يوماً واحداً قبل الانطلاق إلى المدرسة .كانت الدراسة تستغرق اليوم بأكمله من السابعة إلى الرابعة مع فسحة للغداء ينصرف خلالها الطلاب إلى منازلهم ,وكنا نسارع في العودة قبل انقضاء مدة الفسحة كانت المدرسة تعج بنشاط لا صفي يسمح بتنمية كل المواهب الناشئة .كان الطلبة مقسمين إلى أربع فرق ,تحمل كل فرقة اسم شخصية إسلامية تاريخية ,وكانت المنافسة بين هذه الفرق قائمة على قدم وساق في مختلف المجالات .كانت هناك عدة جمعيات ,جمعية اللغة العربية وجمعية الموسيقى والنشيد ,وجمعية الرسم ,وجمعية التمثيل والكشافة كانت هناك على امتداد السنة عدة معارض فنية وكان هناك حفل تمثيلي كبير في نهاية كل عام .تجربتي السعيدة مع اليوم الدراسي الطويل جعلتني مقتنعاً أن الدراسة ,في المدرسة أوفي الجامعة, لا يمكن أن تؤتي كل ثمارها في ظل يوم دراسي قصير كافحت عندما أصبحت عميداً لإدخال اليوم الدراسي الكامل إلى الجامعة ولكني كنت أسبح ضد التيار .كان الجميع وقتها يقولون ولا يزالون الآن يرددون إن الظروف لا تسمح بعودة اليوم الدراسي الكامل لا في المدارس ولا في الجامعات .في المدرسة الثانوية ولم يكن في البحرين سوى مدرسة ثانوية واحدة تغيرت الأمور .لم يعد هناك ضرب بالخيزرانة إلا فيما ندر وأصبح المدرسون على وجه الإجمال ,أكثر تسامحاً مع الطلاب وتقلص وا أسفاه! اليوم الدراسي .لا حظت على نحو درامي مباشر ,أثر القيادة الإدارية في حياة المؤسسة .مر على المدرسة خلال فترتي فيها ثلاثة مدراء .كان الأول خاملاً لا يكاد يغادر مكتبه وكنا نسمع عنه ولا نراه .كان الأول خاملاً لا يكاد يغادر مكتبة لحظة وقد تحولت المدرسة ,بأكملها في عهده إلى خلية نحل نشطة .وكن عهد الثالث قصيراً فقد أصيب مع بداية السنة بمرض عضال أدى إلى عودته إلى مصر وتولى شئون المدرسة مدير بالنيابة



وهكذا رأيت بعيني كيف تنام المدرسة مع المدير الكسول ,وتستيقظ مع المدير الحي وتبقى
معلقة مع المدير بالنيابة (لا يوجد شيء يفت في عضد أي مسئول مثل قضية النيابة هذه ولي عودة إلى الموضوع)أنا لست من المؤمنين بنظرية البطل وأعتقد أن كتب التاريخ العربي والإسلامي ,قديمة وحديثة تخطئ خطأ فادحاً حين تركز على الخلفاء والحكام دون اهتمام بالقوى الاجتماعية والسياسية الاقتصادية السائدة في المجتمع .ومع ذلك لا يستطيع الباحث المنصف أن ينكر دور الفرد .تقتضي النظرة العلمية أن نعطي المؤسسة بأبعد معانيها دورها الكامل كما تقتضي ألا نقلل من دور الفرد الذي يقف على رأس هذه المؤسسة. وفي المدرسة الثانوية تفتحت عيناي على ضروب من الفساد الإداري ما كان لطالب الابتدائية أن يتبينها .لا حظت أن بعض المدرسين يعاملون الطالب طبقاً لوضعه الاجتماعي لا لأدائه المدرسي .ولا حظت كيف تصبح الدروس الخاصة مورد دخل إضافي يحرص عليها المدرس أكثر من حرصه على الدروس الأصيلة .وأذكر في هذا المجال أن مدرس اللغة العربية في سنة من سنوات الدراسة ,وكان شخصية غربية الأطوار ,اقترح علي أن أتلقى دروساً خاصة منه أبديت له استغرابي من الاقتراح ,وكنت قد حصلت في امتحان الفترة على تسع وأربعين درجة من أصل خمسين ,وأبدى هو استغرابه من الذين يتكبرون على العلم طلب مني المدرس نفسه في وقت لاحق أن أعد بحثاً عن الشاعر زهير بن أبي سلمى أعددت البحث المطلوب وكم كانت دهشتي بالغة وأنا أرى المدرس يطبعه ويوزعه على الطلاب ويعتبره جزءاً من المنهج دون أي إشارة إلى اسم المؤلف أعتقد أنني كنت أول طالب في تاريخ المدرسة وربما آخر طالب يقوم بإعداد جزء من المنهج وكانت غرائب هذا المدرس لا تنتهي ذات يوم كلفنا بكتابة موضوع عن النظام في حصة الإنشاء كان معنا في الفصل الصديق الشاعر المعروف عبدالرحمن رفيع وبدأ الموضوع على هذا النحو (كم كنت أتمنى لو كانت المواضيع التي يقترحها أستاذنا الفاضل تثير الخيال وتفتح المجال أمام القلم )لم يكن في هذه المقدمة ما يغضب ,إلا أن المدرس اعتبرها إهانة شخصية وأثار ضجة كبرى واضطر المدير إلى حرمان عبد الرحمن من الدراسة يوماً واحداً يستطيع الطالب قبل إنهاء دراسته الثانوية أن يلحظ بين المدرسين كل صفات البيروقراطيين التقليديين من النزاهة المطلقة إلى الانحراف الكامل وما بين هذا النقيض وذاك من طبقات ودرجات أعتقد أن الوهم الشائع أن بعض المهن تجتذب أناساً أشرف من بقية البشر لا ينهض على أساس من الواقع لا يوجد أنبل من مهنة التدريس ولا يوجد أفسد من بعض المدرسين .في كلية الحقوق بجامعة القاهرة التقيت لأول مرة بالبيروقراطية الحقيقية .كان الحصول على شهادة عادية تثبت انتسابي إلى الكلية عملية صعبة تحتاج إلى عدة أيام وعدة مراجعات عندما دخلت الكلية لاحظت وجود خطأ كتابي في اسمي وقد استغرقت محاولاتي إصلاح الخطأ طيلة سنوات الدراسة ولم تكلل بالنجاح إلا قبيل صدور الشهادة لم تنته مشاكلنا مع بيروقراطية الكلية إلا عندما تعرف أحد الزملاء على سكرتير العميد بعدها أصبحت الأمور ميسرة كل اليسر تعاقب على عمادة الكلية خلال فترة دراستي ثلاثة عمداء ولم يكن هناك أي أثر للتغير بلغ من قوة المؤسسة العتيدة ولكلية الحقوق تاريخ طويل مجيد أنها لم تبق دوراً يذكر للعميد هذا إذا كان العميد ينوي ممارسة أي دور يذكر . لم يقتصر الأمر على البيروقراطية الجامعية فقد كان هناك بيروقراطية أضخم :بيروقراطية الحكومة كان تجديد الإقامة يتطلب زيارة دورية إلى مبنى المجمع الحكومي في ميدان التحرير كانت الطوابير لا تنتهي وأوراق الدمغة لا تنتهي والتوقيعات لا تنتهي كان المحظوظ منا هو الذي يستطيع إنهاء معاملته في يوميين أو ثلاثة ولم يكن أحد يستطيع إنهاءها بهذه السرعة إلا بوساطات مع عدد من الموظفين يقتضي الإنصاف أن أضيف أني لا أعتقد أن الوضع يختلف في إي إدارة هجرة في العالم العربي لا في الماضي ولا في الحاضر (وأوشك أن أضيف ولا في المستقبل !)لم تكن المأساة تكمن في التعقيد فحسب مع التعقيد يجيء بحتمية لا مناص منها الفساد وأذكر في هذا الصدد أن مخصصات البعثة الدراسية السعودية وهي مخصصات سخية كانت تشمل مخصصاً لشراء الكتب إلا أن التعليمات لم تكن تسمح بصرف المخصص إلا طبقاً لفواتير معتمدة تثبت أن المبلغ صرف بالفعل في شراء الكتب كان المخصص يبلغ ثلاثة أضعاف قيمة الكتب الفعلية ولم يكن أحد منا مستعدا للتضحية بمبلغ يعرف أنه من حقه إرضاء للتعليمات سرعان ما ظهرت مكتبات تعطي الفواتير المعتمدة المطلوبة لو أعطي كل طالب المخصص بلا تعقيدات لما اضطر كل طالب إلى التزوير .وأذكر في هذا السياق سياق التعقيد والإفساد أني كنت مسافراً من القاهرة إلى جدة لم يذكر أحد شيئاً عن التطعيم عندما أنهيت كل الإجراءات في مطار القاهرة وكنت على وشك الصعود إلى الطائرة طلب مني موظف الصحة في المطار أن أصحبه إلى مكتبه داخل المكتب أخبرني أن التعليمات تقتضي تطعيمات الجدري والملاريا والحمى الصفراء وعدداً آخر من الامراض وأن أتلقاها حقناً وأقراصاً قبل الإقلاع أجبت صادقاً أن أخذ كل هذه التطعيمات دفعة واحدة سيؤدي إلى مرضي وربما قتلي ابتسم موظف الصحة وقال إن علينا في هذه الحالة أن نبحث عن حل وكان الحل الجنيه الذي تركته على طاولته بعد عودتي من الرحلة نفسها فوجئت بموظف من قسم الشرطة يطرق باب الشقة ويخبرني أن علي مراجعة القسم يومياً لمدة شهر كامل للتأكد من عدم إصابتي بمرض معدٍ كنت أظن أنه يمزح إلا أنه أخرج لي مرسوماً من العهد الخديوي يتضمن هذا الإجراء ولا يزال ساري المفعول .قلت له إني لا أستطيع والامتحان على الأبواب أن أقوم بهذه الزيارة اليومية وكان الحل في الجنيه الذي تسلمه الموظف وذهب بقي المرسوم الخديوي بلا تطبيق وتعلم الطالب اليافع تقديم الرشاوي (آسف! الإكراميات)بعدها كلما رأيت موظف صحة في مطار عربي دارت في ذهني ذكرى القصة وتساءلت عما يدور وراء المكاتب المغلقة كانت فرحتي بالغة عندما أعلنت منظمة الصحة العالمية اختفاء مرض الجدري واختفت الشهادات الصحية ,واختفى ,وهذا الأهم ,موظف الصحة من المطارات إلى ذلك العهد البعيد يعود إحساسي العميق بأن البيروقراطية إذا لم تلجم خنقت المواطن العادي المسكين وإلى ذلك العهد البعيد يعود إحساسي العميق أن الأنظمة المعقدة هي المسئولة عن كثير من الفساد وإلى ذلك العهد البعيد يعود اقتناعي أن السلطة العامة يجب أن تكون في خدمة الناس بدلاً من أن توظف الناس لخدمتها منذ أن توليت عملاً له علاقة بالآخرين وإلى هذه الحظة لا أذكر أني نمت ليلة واحدة وعلى مكتبي ورقة واحدة تحتاج إلى توقيع كنت ولا أزال أدرك أن التوقيع الذي لا يستغرق من صاحبه سوى ثانية واحدة قد يعطل مصالح الناس عدة أيام قيل الكثير عن تجربتي الإدارية سلباً وإيجاباً على أنه بالغة ما باغت عيوبي الإدارية وأنا أملك نصيبي منها فإن أحداً لم يزعم أن البطء أو التعقيد ضمن هذه العيوب .كانت تجربة دراستي في القاهرة غنية بل حدود ولكن خيبة أملي في الجو الجامعي كانت خيبة كبرى بعد الابتدائية والثانوية في البحرين حيث كان الجو أشبه ما يكون بجو الأسرة الواحدة وجدت نفسي في محيط لا يختلف عن محيط المدن الكبى حيث لا يعرف أحد أحداً, ولا يأبة أحد بأحد .كان المدرج يغص بأكثر من ألف طالب وكانت هناك حواجز نفسية سميكة تفصل بين أعضاء هيئة التدريس والطلاب . كان العميد أشبه مايكون بخصية أسطورية تسكن قمم الأولمب أذكر أن أحد الزملاء قال لنا مرة وهو لا يكاد يصدق نفسه إنه تجرأ وسلم على العميد وإن العميد رد عليه السلام . وكانت الطبقية الجامعية لا تختلف كثيراً عن الطبقية العسكرية يبدأ السلم من أسفله بالمعيد فالمدرس فالأستاذ المساعد فالأستاذ ,فأستاذ الكرسي (أقدم الأساتذة )وكانت الحواجز إلى أدنى حد ممكن وحققت نجاحاً لم يخل من انتكاسات .بانتهاء فترة الدراسة الجامعية حانت ساعة القرار وكان القرار أن أواصل دراستي العليا وأن ألتحق بعد ذلك بالخدمة العامة كان أبي رحمه الله بعد أن كبر أولاده شديد الاحترام لا ستقلالهم ولم يحاول قط التدخل في أي قرارات شخصية يتخذونها مهما كان شعوره نحوها إلا بالتلميح الرقيق سألني خلال حوار نادر عن مستقبلي عن خططي للمستقبل قلت له إني أنوي إكمال الدراسة قال (لماذا لا تعمل معي ومع إخوتك في التجارة ؟)قلت (أعتقد أنني لا أصلح للتجارة )قال :(وماذا تنوي أن تفعل بعد الدراسة العليا ؟)قلت :(أنوي الالتحاق بالخدمة العامة ).أطرق يفكر قليلاً ثم سأل
(تنوي أن تعمل موظفاً حكومياً؟)قلت :نعم .قال :هل تعرف المصير الذي ينتظر موظفي الحكومة ؟.قلت :لا .قال :الفقر أو السرقة !.قلت :أرجو ألا أفتقر ولا أنوي أن أسرق .قال: أنت وشأنك .
وقتها –سنة 1961م(1381ه)كانت الشهادات الجامعية نادرة في المملكة وكانت شهادات القانون بصفة خاصة أشد ندرة عندما ذهبت إلى الرياض محاولاً الحصول على بعثة دراسية كان هناك أكثر من محاولة لا جتذابي إلى وظيفة حكومية كانت هناك عدة عروض مغرية إلا أن أكثرها إغراء جاء من الأستاذ عبدالله الطريقي وزير البترول والثروة المعدنية وقتها رحمه الله عرض علي أن أتولى الإدارة القانونية في الوزارة وأن أحصل على مرتبة الثانية الثابتة مع إمكانية الابتعاث في المستقبل إلا أنني لم أقبل أي عرض كنت أخشى أن قبول أي وظيفة سوف يؤدي إلى ارتباط يستحيل فكه فيما بعد .سعى أبي لتيسير البعثة وكانت هناك هذه المرة وساطة حقيقية انتهت بحصولي على البعثة دون الحاجة إلى التوظف والانتظار حتى تجيء فرصة الابتعاث بعد سنة من الوظيفة لم أكن أفكر في غمرة حماستي لا ستكمال الدراسة في المزايا التي أضعتها بعجلتي :نصف الراتب خلال فترة الدراسة ,والأقدمية في الخدمة أيامها لم أكن أفكر بطريقة بيروقراطية .لماذا لم أقرر الاشتغال بالتجارة وهي عمل أسرتي عبر عدة أجيال ؟الجواب ,ببساطة هو أنني خلقت بل مواهب تجارية وكنت على إلمام تام بهذه الحقيقة .تتضح المواهب التجارية شأنها شأن معظم المواهب في سن مبكرة من عمر الإنسان روى لي تاجر مرموق أنه بدأ تجارته ببيع الدفاتر على زملائه ولم يكن قد بلغ السابعة .وروى لي تاجر مرموق آخر أنه كان قبل دخول المدرسة الابتدائية يدخر مصروفه الضئيل ويشتري حلوى يبيعها على الأطفال في الحارة إنني أعتقد جازماً أنني لو دخلت ميدان التجارة لما حققت أي نجاح غريزة التملك تضرب بجذورها في أعماق كل إنسان وأنا لا أختلف في هذا الصدد عن غيري إلا أني لم أحس قط بذلك التحرق إلى جمع ثروة طائلة وهذا التحرق بالذات هو الذي يحرك كل تاجر ناجح .في المملكة خلال فترة الطفرة نسي الكثيرون أن التجارة موهبة خص بها بعض الناس دون البعض الآخر وأقبل الناس من كل حدب وصوب على الأعمال التجارية كان غير المستغرب وقتها أن تجد الكثير من الضحايا :أولئك الذين اكتشفوا بعد فوات الأوان أنهم لم يخلقوا للتجارة إن اكتشاف المرء مجاله الحقيقي الذي تؤهله مواهبه الحقيقة لدخوله يوفر عليه الكثير من خيبة الأمل فيما بعد بين الحين والحين يجيء من يسألني عن سر نجاحي إذا كان ثمة سر فهو أنني كنت دوماً أعرف مواطن ضعفي بقدر ما أعرف مواطن قوتي .شاءت الظروف مرض أخي نبيل رحمه الله وكان يدرس بجامعة جنوب كاليفورنيا في لوس أنجلوس أن تغير تخصصي كنت أنوي إكمال الدراسة القانونية في جامعة من جامعات شرق الولايات المتحدة وحصلت بالفعل على قبول في عدد منها إلا أن مرض نبيل دفعني إلى الالتحاق به والبقاء معه في لوس انجلوس .اكتشف أن الموضوع الذي كنت أنوي التخصص فيه القانون الدولي لا يدرس في الجامعة فقررت أن أدرس العلاقات الدولية .قضيت في الولايات المتحدة ثلاث سنوات في تعلم اللغة الإنجليزية ثم في الحصول على الماجستير .تركت تلك الفترة في حياتي إدارياً آثاراً وبصمات لاتمحي في الجامعة كان هناك حد أدنى من الروتين كان التسجيل في بداية كل فصل دراسي يتم بسهولة ويسر كان بإمكان الطالب أن ينسحب من أي مادة بعد التسجيل فيها وإلى ما قبيل الامتحان النهائي كان من الممكن للطالب أن يطلب إعفاءه من حضور هذا الامتحان على أن يبقي وضعه معلقاً حتى يعيد أخذ المادة وكانت العلاقة بين الأستاذة والطلبة تقوم على ما يشبه الزمالة كان كل أستاذ يخصص ساعات معينة كل أسبوع يلتقي خلالها بالطلاب الذين يودون الاستفسار عن أشياء لم يفهموها كيفية عمل النظام الجامعي .كان أكثر ما أدهش الطالب القادم من بلاد الأرقام السرية أن يرى الامتحانات تتم أحياناً بلا أي رقابة سوى الرقابة الذاتية وكانت المفاجأة الأخرى لطالب قادم من بلاد (الحفظ عن ظهر قلب )أن يرى امتحان الكتاب المفتوح حيث يسمح للطالب باصطحاب أي كتاب يود إحضاره إلى الامتحان (سرعان ما يكتشف الطالب أنه من الأفضل أن يأتي بلا كتاب لأن الأسئلة لا تجيء من موضع واحد والبحث في الكتاب عن إجابة لن تكون له نتيجة سوى انتهاء الوقت قبل أن يكتب سطراً واحداً) كان هناك حد أدنى من الروتين في الجامعة وحد أدنى من الروتين خارج الجامعة الحصول على رخصة قيادة من الامتحان الطبي إلى النظري إلى العلمي لا يستغرق سوى صباح واحد . مكالمة هاتفية واحدة تكفي لربط منزلك ، خلال ساعات معدودة بخدمات الكهرباء والغاز والهاتف . كانت المفارقة مذهلة بين الشرق حيث لا تتم معاملة واحدة إلا بإجراءات لا تنتهي وبين هذا المجتمع حيث لا تكاد توجد معاملات إذا كانت إقامة في الولايات المتحدة نفعتني فكرياً وثقافياً فلا شك أنها أوجدت لدي وعياً إدارياً لم أكن أحمله من قبل لابد أن أضيف أن هذا كلة كان قبل ترهل الإدارة الأمريكية يقول لي الأصدقاء الأمريكيون أن الوضع لم يعد كما كان إن الروتين الآن يدخل كل شيء .على أنه لا ينبغي أن أترك لدى القارئ انطباعاً أن أساليب الإدارة الأمريكية يمكن نقلها بسهولة حقيقة الأمر أن المنظومة الإدارية مرتبطة بتربتها وجذورها على نحو لا يختلف عن ارتباط المنظومة السياسية بتربتها وجذورها . لا يمكن أن انقل دستوراً غربياً بحذافيره وأتوقع أن ينتج ديمقراطية شبيهة بالديمقراطية الغربية وهذا درس تعلمته دول العالم الثالث واحدةً بعد الأخرى . ولا يمكن بنقل خارطة تنظيمية إدارية من أمريكا أن أنقل الإدارة الأمريكية . إن الإدارة الأمريكية فعالة لأنها توزع بكفاءة خدمات تنتجها تجهيزات أساسية كبيرة استغرق بناؤها الكثير من الوقت واحتاج الكثير من المال لنأخذ قضية الهاتف على سبيل المثال . يقضي المواطن في العالم الثالث عدة شهور وربما عدة سنوات وربما بقية حياته قبل الحصول على خط هاتفي يحصل علية المواطن الأمريكي في دقائق لماذا ؟ يبدو أمام النظرة العجلى أن التعقيد الروتيني وما يتبعه من فساد هو المسئول عن هذا الفرق حقيقة الأمر بطبيعة الحال هي ان هناك فارقاً هائلاً في التجهيزات الأساسية في الولايات المتحدة تتولى الخدمة الهاتفية شركة عملاقة يفوق دخلها دخل معظم الدول في العالم الثالث .ولديه الإمكانيات الفنية والعملية والإدارية مالا يتوفر في معظم الدول النامية . في العالم الثالث هناك جهاز حكومي مهترئ ينفذ مشروعاً هاتفياً لا يكاد يفي بحاجة عُشر المستهلكين . من العبث والحالة هذه أن نكتفي بنظم قصائد المديح في الإدارة " المتقدمة" وقصائد الهجاء في الإدارة " المختلفة ". لو أتينا بمدير شركة الهاتف الأمريكية وجعلناه مديراً لمصلحة الهاتف في دولة نامية لما استطاع أن يفعل شيئاً ،سوى الاستقالة وربما الانتحار! إن النقد اللاذع الذي يلمسه قارئ هذا الكتاب للبيروقراطية ليس موجهاً إلى الموظفين أنفسهم ,وهم بشر لا يختلفون في حبهم للإنسانية ولخيرها عن قارئ هذا الكتاب أو مؤلفه ,ولكنه موجه إلى وضع التخلف الشامل الذي لا يمثل التخلف الإداري سوى وجه واحد من وجوهه العديدة إن الإصلاح الإداري الفعال يستطيع أن يقضي على التسيب والتعقيد وكثير من الفساد ولكنه في غياب التجهيزات الأساسية الضرورية لا يستطيع تقديم خدامات عامة تذكر .لا بد أن تكون هذه التجهيزات أولوية رئيسية عند كل دولة نامية .بدونها سيبقى المواطن في العالم الثالث واقفاً بذلة أمام الموظف الذي يردد كالببغاء (راجعنا بعد شهر )راجعنا بعد سنة راجعنا بعد اكتمال المشروع !هناك في العالم الثالث عدد كبير من الأكاديميين المعجبين بالنظام الجامعي الأمريكي والذين يحاولون جاهدين أن ينقلوه إلى دولهم يتجاهل هؤلاء أو يجهلون أن نجاح هذا النظام متعذر بدون استثمارات مالية ضخمة تسمح بوجود عدد كبير من الأساتذة وتسمح ببناء العدد الكافي من الفصول والمكتبات والمختبرات والمرافق الأخرى (هارفرد ,على سبيل المثال ,أغنى من معظم جمهوريات الموز واللوز )كما أن هؤلاء يجهلون ,أو يتجاهلون أن هذا النظام مرتبط بفلسفة تعليمية معينة تبدأ مع المدرسة الابتدائية كان من قدري خلال عملي في جامعة الملك سعود أن أشهد محاولة حسنة النية وقد سبق أن أحسن النوايا لا تضمن أفضل النتائج لزرع النظام الجامعي الأمريكي في قلب الرياض وستأتي التفاصيل بعد الحين .لقد تعلمت في الولايات المتحدة الكثير عن الإدارة ولكني استقيت أهم ما تعلمته في هذا المجال من دراستي المعمقة لعالم السياسة الألماني الأمريكي الشهير هانس .ج. مورجنثاو ,الذي كتبت عنه رسالة الماجستير. يرى هذا الباحث أن السياسة كانت منذ الأزل وتبقى إلى الأبد صراعاً على القوة وما المقصود بالقوة؟ محاولة إخضاع الآخرين لسلطة المرء يمضي مورجنثاو فيقول إنك لا تستطيع أن تخضع الآخرين لسلطتك أي تجعلهم ينفذون ما تريد أن ينفذوه ويمتنعوا عما تريد أن يمتنعوا عنه إلا عن طريق ثلاثة دوافع الرغبة في الثواب أو الخوف من العقاب أو الحب والاحترام .كل هذا يهم عالم السياسة فماذا عن الإداري ؟الدرس الإداري الكبير الذي تعلمته وقتها ولم أنسه حتى الآن يتعلق بترتيب الأولويات .عليك أن تبدأ بتحفيز الآخرين عن طريق الحب والاحترام أن تحبهم فتجعلهم يحبونك ,وتحترمهم فتجعلهم يحترمونك وسوف تجد كل رغابتك قد تحققت عندما يتعذر الوصول إلى الهدف عن هذا الطريق لك أن تلجأ إلى الإغراء بالثواب عندما يفشل هذا المسعى وعندها فقط لك أن تلجأ إلى آخر العلاج ,العقاب أو التلويح به كان هذا هو الأسلوب الذي اتبعته مع أبنائي وكان هذا هو الأسلوب الذي اتبعته في التعامل مع كل من عمل تحت رئاستي .هناك فرق شاسع بين من يطيعك حباً ومن يطيعك خوفاً.إنني مؤمن إيمانا جازماً أن القائد الإداري يخطئ خطأ فادحاً عنما يستخدم أسلوباً عنيفاً في سبيل الوصول إلى أهدافه إذا كان بوسعه استخدام الرقة كما أن القائد الإداري الذي يجبن عن استخدام الشدة حين لا يكون هناك بديل هو إنسان لا يستحق أن يوضع في موضع القيادة شعرة معاوية الإدارية التي تشد وترخى هي التي تشكل الفرق بين المدير الضعيف والمدير الفعال والمدير الطاغية .لا أود للقارئ أن يكون انطباعاً أن النظام الجامعي الأمريكي يخلو تماماً من المنغصات الإدارية كنت شخصياً ضحية مطب جامعي إداري كلفني دون ذنب مني الكثير من الجهد والوقت جرت العادة في رسائل الماجستير أن يكتها الطالب بإشراف أستاذ متخصص في موضوع البحث كما جرت العادة بعد انتهاء الرسالة أن تعرض على لجنة من ثلاثة أساتذة يرأسها الأستاذ المشرف توقع على نموذج في أول الرسالة وبهذه التوقيعات تعتبر الرسالة مجازة وبعبارة أخرى لاتوجد في رسائل الماجستير مناقشة أو امتحان في واقع الأمر بصرف النظر عن شكليات التوقيع يلعب الأستاذ المشرف الدور الحاسم ويتابع البحث خطوة خطوة وعندما يتم إعداد الرسالة على النحو الذي ارتضاه تصبح موافقة العضوين الآخرين روتينة خالصة بدأت كتابة البحث وكنت أناقش ما أكتب فصلاً فصلاً مع الأستاذ المشرف وأحصل على موافقته عنا كنت في منتصف البحث سافر المشرف ليعمل أستاذاً زائراً في كلية الحرب اسم عدواني بعض الشيء في واشنطن قال لي قبل سفره إن علي حين انتهي من إعداد البحث أن أقدمه للعضوين الآخرين في اللجنة ،وأن أرسله إليه بعد الحصول على موافقه هذين العضوين .أدى سفر الأستاذ المفاجئ إلى قلب الأمور رأسا على عقب . بدلاً من أن أذهب إلى العضوين وأخبرهما أن الأستاذ المشرف وافق على البحث (وأن عليهما البصم على الموافقة) كان علي الآن أن أذهب إليهما طالباً الموافقة قبل أن يرى المشرف البحث بأكمله .لم أكن أعرف أيا من الأستاذين كان أحدهما متخصصاً في أمريكا اللاتينية والآخر في المنظمات الدولية .لم ألق أي صعوبة مع الأستاذ الأول الذي قرأ البحث بأكملة ولم يكتف بالموافقة بل أبدى إعجابه بما قرأ . جاءت الطامة الكبرى مع العضو الثاني رجل المنظمات الدولية .لم يقرأ صاحبنا من البحث سوى ربعه الأول وملأ كل صفحة بملاحظات من كا نوع أخطر مافيا الأمرأنه أصر على إضافة فصل كامل جديد يتناول المنظمات الدولية لم أكن أرى أن البحث بطبيعته يحتاج إلى الأستاذ المشرف لم تكن الاتصالات الهاتفية البعيدة متيسرة حتى في الولايات المتحدة كما هي اليوم أخبره بما تم جاء الرد يقول بدبلوماسية تليق بأستاذ يدرس الدبلوماسية إنه مقتنع بوجهة نظري ولكنه يرى أن من الضروري أن آخذ ملاحظات عضو اللجنة في الاعتبار بقدر الإمكان كنت قد أنهيت كتابة البحث في فصل دراسي واحد المدة المعتادة في رسائل الماجستير ولو أن الأمور سارت في الطريق المعتاد لأنهيت دراستي بنهاية ذلك الفصل إلا أن الأمور تعقدت مع الملاحظات قدمت نسخة معدلة أخذت فيها ببعض الملاحظات دون بعضها إلاأن عضو اللجنة أصر على رأيه بإضافة فصل جديد عن المنظمات الدولية عاودت الكتابة إلى الأستاذ المشرف الذي رد يقول إنه يتفهم موقفي ولكنه لا يستطيع إرغام زميله على الموافقة بعد عدة لقاءات مع العضو الكريم كان بعضها عاصفاً بعض الشيء ثم الوصول إلى حل وسط :أضفت بضع صفحات جديدة عن المنظمات الدولية حصلت على الشهادة بعد موعدها بستة شهور تقريباً هذه السلطة المطلقة التي يمارسها الأستاذ على الطالب عند كتابة البحث حقيقة من حقائق الحياة الجامعية في كل مكان وإذا كانت الغالبية العظمى من الأستاذة تمارس هذه السلطة بما ينبغي أن يتصف به الأستاذ الجامعي من تجرد وعدالة فإن البعض كصاحبنا هذا يمارسها بطريقة لا تخو من تعنت لقد رأيت بعيني عدة مآس ناشئة عن تحكم الأستاذ المطلق في مصير الطالب وسوف أعود إلى هذا الموضوع عند حديثي عن الدكتوراه .كانت من أغنى تجاربي الإدارية خلال فترة دراستي في الولايات المتحدة رئاسة جمعية الطلاب العرب في الجامعة قرابة مائة وخمسين طالباً عربياً نصفهم من السعوديين وكانت هناك جمعية تضم شملهم في تلك الفترة سنة1963م (1383ه)انتقلت حالة التشرذم المزمنة من العالم العربي إلى جامعة جنوب كاليفورنيا ,وأوشكت جمعية الطلاب العرب أن تتمزق لكثرة الخلافات العربية \العربية .تقلص نشاط الجمعية حتى كاد ينحصر في إرسال برقيات الشجب والتأييد إلى هذا الزعيم أو ذاك من زعماء الأمة العربية .في تلك الظروف حضرت مع عدد من الزملاء السعوديين اجتماع الجمعية العمومية الذي انعقد لترشيح هيئة إدارية جديدة .كان هناك أكثر من مرشح لرئاسة الجمعية وقد فوجئت بكل منهم يقف ويلقي خطاباً مليئاً بالوعود المعسولة .كنت أسمع وأنا في حالة ذهول كنا جميعاً نعرف أننا إزاء جمعية مشلولة ممزقة مفلسة وأمامنا المرشحون يتحدثون وكأن الواحد منهم يوشك أن يتولى أمانة الأمم المتحدة .أصر الزملاء السعوديون الذين حضروا الاجتماع في وجه هذه الوعود الانتخابية المضحكة ,أن يرشحوني للرئاسة (كانت هناك سابقة عائلية تولى أخي نبيل ,رحمه الله ,رئاسة الجمعية قبل ذلك بثلاث سنوات )لم يكن هناك مجال للتفكير أوالتردد وكان لا بد أن ألقي بدوري ,بياني الانتخابي قلت على الفور ,إنني لا أستطيع أن أعد بشيء سوى محاولة القضاء على الفرقة .أضفت أن مستقبل الجمعية رهن بنشاط أعضائها جميعاً وليس بما يفعله الرئيس .كانت نتيجة الانتخابات فوزي بأغلبية ساحقة .لا أدري هل كان وجود الزملاء السعوديين هو المسئول عن النتيجة أم أن السبب يرجع إلى صدق البيان الانتخابي .الأرجح أن العاملين معاً كانا المسئولين كان هناك قراران استراتيجيان أقنعت الزملاء في الهيئة الإدارية بتبنيهما كان القرار الأول :لا قضية سوى قضية فلسطين .قررنا أن تتخلى الجمعية نهائياً عن الوقوف مع هذا الجانب العربي أو ذاك ,وتركز كل جهودها على القضية الواحدة التي لا يختلف حولها عربيان ,وهي قضية فلسطين .وكان القرار الثاني الثقافة قبل السياسة كنت أرى أن التحدي الأساسي الذي يواجهنا ونحن طلبة لا ساسة هو أن نقدم لزملائنا الطلاب القادمين من حضارات أخرى صورة إيجابية عن الحضارة التي ننتمي إليها وهذا لا يتأتى إلا عبر النشاطات الثقافية هذا ماكان لم تعد هناك برقيات شجب وتأييد وتقرر أن تقيم المعية نشاطاً ثقافياً كل شهر سواء كان هذا النشاط محاضرة أو عرضاً فلكلورياً أو أمسية طعام عربي خلال شهور قليلة كانت الجمعية أنشط جمعية طلابية في الجامعة .كان الجميع في الهيئة الإدارية يعملون بحماسة وكان عدد كبير من اللأعضاء يساهمون بحماسة إلا أن العبء الرئيسي وقع على عاتق الصديق القديم عبدالرحمن السدحان الذي تولى أمانة الصندوق وعلى عاتقي كنا عبدالرحمن وأنا نقوم بعمل كل شيء نكتب الدعوات وناصق الإعلانات ونطارد المتخلفين عن دفع الاشتراكات في كل مكان ونشرف على طبخ الطعام ونستقبل الضيوف ونبقى لغسل الصحون كان هناك عضو نشاز واحد في الهيئة الإدارية هونائب الرئيس لم يقم النائب بأي عمل ولم يحضر أي اجتماع وكنا لانراه إلا في الاحتفالات يحضر بعد الضيوف ويغادر قبلهم لم يكن بوسعي أن أقيل النائب الذي انتخب بطريقة ديموقراطية إلا أن عدالة السماء تدخلت في الوقت المناسب كانت أنظمة الجامعة لا تجيز للطالب أن يتولى مهمة تنفيذية في أي جمعية إذا انخفض مستواه الدراسي عن حد معين يبدو أن نشاط صاحبنا في الدراسة لم يختلف عن نشاطه في الجمعية كتبت إلى إدارة التسجيل تخطرني أن معدل النائب لم يعد يؤهله للبقاء في الهيئة الإدارية لم آمر بها ولم تسؤني ! كتبت أعرب عن أسفي الشديد لأن الظروف حتمت انسحابه من الهيئة كان الأسف الشديد من قبيل دموع التماسيح إلا أن رحيله لم يكن ليثير دموعاً من نوع آخر .تعلمت الكثير من هذه التجربة تعلمت كيف تتم الانتخابات وكيف يجري التصويت وحفظت قواعد روبرت التنظيمية عن ظهر قلب وعرفت عن طريق الممارسة والخطأ كيف تدار الجلسات إلا أن أهم درس تعلمته في تلك السن المبكرة ولم أنسه قط هو أن الذين لا يعملون حسب تعبير طه حسين الخالد (يؤذي نفوسهم أن يعمل الناس )فوق هذا كله أدى عملي في الجمعية إلى اصطدامي وجهاً لوجه باللوبي الصهيوني الذي يسرح ويمرح في كل مكان من الولايات المتحدة ماداً ذراعاً من أذرعته التي لاتنتهي ليطوق الجامعة .فلنأخذ بعض أساليب هذا اللوبي ولنبدأ بالرسائل الموجهة إلى الصحف في لوس أنجلوس وفي كل مدينة أمريكية هناك مكتب متخصص في إعداد هذه الرسائل بوسع كل متعاطف مع إسرائيل يرى مقالاً لا يعجبه عن إسرائيل أن يرسل المقال إلى المكتب وفي خلال ثمان وأربعين ساعة يصله رد جاهز بالأرقام والتواريخ ما عليه إلا توقيعه. وإرساله إلى الصحيفة المعنية هذا ما يفسر لنا أنه يستحيل أن ينشر مقال ضد إسرائيل في أي صحيفة أمريكية دون أن تصل إلى هذه الصحيفة عدة ردود عقلانية تعترض على المقال .كثير من العرب يكتبون رسائل إلى الصحف ولكنهم يكتبونها بطريقة انفعالية تحول بينها وبين النشر أو تسيء إلى القضية أكثر مما تخدمها إذا نشرت كتابة الرسائل إلى الصحف فن قائم بذاته لا علاقة له بالبلاغة ولا بعدالة القضية والحديث عن الرسائل المنفعلة يقودني إلى الحديث عن حيلة بسيطة يستعملها اللوبي الصهيوني بفعالية قاتلة لا يمكن لمتحدث عربي أن يتكلم دون أن يحضر الاجتماع عدد من الصهاينة أو المتعاطفين معهم يلزم هؤلاء الهدوء حتى تنتهي فترة المحاضرة وتبدأ فترة الأسئلة .بضعة أسئلة استفزازية ينجح هؤلاء في إثارة المحاضر الذي يفقد أعصابه ويفقد الجمهور الذي كسبه كنت أعجب وأنا أرى محاضراً عربياً ذكياً بعد محاضر عربي ذكي يقع هذا الفخ .يبدو أن الدراسة الصهيونية المستمرة للعقلية العربية لا تفتأ تعطي أروع النتائج .وهناك حيلة يلجأ إليها الصهاينة لجعل أي كتاب يودون رواجه رائجاً يذهب أعضاء في المنظمات الصهيونية إلى مكتبات صغيرة يعرفون سلفاً أن الكتاب لا يوجد لديها ويطلبون نسختين أو ثلاث نسخ ويفعلون هذا عبر الولايات المتحدة كلها تلجأ المكتبات بطبيعة الحال إلى طلب نسخ أكثر من الكتاب استعداداً لطلبات أخرى يفاجأ الناشر في نيويورك بآلاف الطلبات التي تنهال على الكتاب من كل مكان يدخل الكتاب تلقائياً قائمة الكتب الأكثر رواجاً حيث يبغى هناك عدة أسابيع أو عدة شهور بعبارة أخرى يستطيع ألف إنسان بتكاليف محدودة جعل أي كتاب مغموراً كتاباً مشهوراً كم تبدو سهلة وفعالة هذه الطرق وكم يبدو عجيباً ومذهلاً عجزنا عن استخدامها مع انتهاء دراستي في الولايات المتحدة وصلت إلى اقتناع لم يهجرني حتى هذه اللحظة وهو أن الفارق الرئيس بين العرب والصهاينة أننا نتصرف بطريقة فردية عفوية وهم يتصرفون بطريقة جماعية منظمة اللغز الذي حير ولايزال يحير الكثيرين عن ضعف العرب رغم كثرتهم وقوة اليهود رغم قلتهم ليس لغزاً على الإطلاق .عندما يتعلم العرب كيف ينظمون أنفسهم على كل المستويات داخل الأمة العربية وخارجها سوف تنتهي أسطورة التفوق الصهيوني لقد بدأ اللوبي العربي في الولايات المتحدة يمارس بعض النفوذ لأنه لجأ إلى استخدام بعض الأساليب التي يتبعها اللوبي الصهيوني ,كمقاضاة الذين يسيئون إلى العرب بألفاظ عنصرية وعندما يتمكن اللوبي من استكمال عدته التنظيمية ويستند إلى عمق كالعمق اليهودي في الحياة الأمريكية فإن فعاليته لن تقل عن فعالية اللوبي الصهيوني
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1ـالديمقراطية ,بصرف النظر عن كل معاني الليبرالية والتعددية والحرية ,مثال للتنظيم المحكم .يتعلم الطفل الانتخابات في المدرسة وتزداد خبرته التنظيمية إذا دخل حزباً من الأحزاب فيما بعد .كل أفراد المجتمع ,تقريباً موزعون على جمعيات ونقابات ومؤسسات تدار بالطريقة نفسها التي تدار بها الأحزاب .المجتمع الديمقراطي هو أشد المجتمعات تنظيماً في العالم رغم كل الحديث عن الحريات التي لا حدود لها .
2ـلا يوجد لوبي يتحرك في فراغ .رغم أن اليهود لا يشكلون سوى أقلية بسيطة من مجموع السكان في أمريكا إلا أنهم استطاعوا التغلغل في كل مكان :ربع المحامين والأطباء من اليهود وعشر الأساتذة في الجامعات (تصل هذه النسبة إلى الربع في الجامعات الرئيسية فضلاً عن التحكم في صناعات فعالة كصناعة الإعلام.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إن الأشياء التي تفرق اليهود لا تختلف في تنوعها وكثرتها عن الأشياء التي تفرق العرب إلا أن اليهود تعلموا من الحريق النازي الهائل أن بقائهم على قيد الحياة رهن بقدرتهم على إنشاء تنظيم فعال يتمحور حول إسرائيل .هذا درس لا يستوعب في جامعة ,ولا في منتدى فكري ولا تطلقه مؤسسة أبحاث ,وقد تعلمه اليهود في حمامات الغاز التي أبادت معظم اليهود في أوربا ,وكل ما أتمناه لا يحتاج العرب إلى فاجعة مماثلة قبل أن يستوعبوا أنه لا حياة بدون تنظيم
في خريف 1964م (1384ه)أنهيت دراسة الماجستير ووصلت إلى ثلاثة قرارات رئيسية .كان القرار الأول هو أن ألتحق بالجامعة وأن أجعل من التدريس الجامعي مهنة تستغرق حياتي كلها .كان هذا القرار يعتمل في نفسي منذ سنين طويلة ولكنه لم يتبلور على نحو قاطع إلا في هذه الفترة وكان القرارالثاني نابعاً بحتمية من الأول :ضرورة الحصول على الدكتوراه (إن عجبي لا ينتهي من الذين يحصلون على الدكتوراه وليس في نيتهم التدريس بالجامعة رغم أنني أعلم أن للناس فيما يدرسون مذاهب)وكان القرار الثالث أن أفصل بين مرحلتي الماجستير والدكتوراه بفترة من العمل . قررت أن أعود إلى الوطن لألتحق بالجامعة مدرساً مساعداً ثم أستكمل الدراسة بعد قضاء الفترة التي تتطلبها أنظمة الجامعة .كنت قد أدركت بالتجربة العلمية الفارق بين مبتعث يتلقى مخصص البعثة فحسب ,ومبتعث يتلقى فوقه نصف راتب الوظيفة كما أن الاحتكاك اليومي بعدد من الموظفين المبتعثين علمني أهمية الأقدمية في حسابات الخدمة والتقاعد تحول الطالب المتحمس للدراسة وحدها إلى مشروع موظف يود أن يواصل الدراسة مع الاحتفاظ بالمزايا الوظيفية .كان المجال الطبيعي أمامي هو جامعة الملك سعود التي كانت تسمى وقتها جامعة الرياض قبل أن تسترد اسمها الأصلي أنشئت هذه الجامعة بقرار جريء من الملك سعود رحمه الله وكان الملك فهد وقتها وزيراً للمعارف .كان القرار جريئاً لأن التجهيزات الأساسية المطلوبة لإنشاء جامعة لم تكن متوفرة :لا الأساتذة ولا المباني ولا المكتبات ولا المختبرات ولا الطلبة .بدأت الجامعة بكلية واحدة هي كلية الآداب ,ولم يكن عدد الطلبة يتجاوز العشرين .قصة جامعة الملك سعود قصة مثيرة يجب أن تروى إلا أنها قصة ليس هذا مكانها ,وهي قصة لا أصلح لروايتها لأني لم أعاصر بدايتها ما يهمني أن أذكره هنا هو أنني عنما قررت العمل بالجامعة كانت قد أنهت قرابة ثماني سنوات من عمرها ولم تكن قد انتهت بعد من مصاعب التسنين . كان وكيل الجامعة وقتها هو الدكتور عبدالعزيز الخويطر وكان قد أمضى في عمله قرابة خمس سنوات . عندما ذهبت مُسلحاً بشهادتين وتقديرات مرتفعة وكثير من الحماسة كنت أتوقع أن ألقى شيئاً من الترحيب إلا أنه قابلني بأدب واستمع إليّ واكتفى بالقول إن هناك مجالاً لي في قسم العلوم السياسية بكلية التجارة وأردف على الفور : " ولكننا لا نعطي سوى المرتبة الرابعة " أوضحت له أنني أرغب في أن



(1)يبدو أن مهمة الجامعة لم تكن واضحة في أذهان الجميع .أخبرني أحد الأصدقاء الذين عاصروا نشأتها الأولى أنه تلقى ذات يوم توصية بقبول شخص ما طالبا ً في الجامعة و أضافت التوصية "أو فراشاً "!
(2)انظر الكتاب الذي أصدرته جامعة الملك سعود "ربع قرن في حياة جامعة الرياض "مطبوعات الجامعة ،سنة 1982(1402هـ)



ألتحق بالجامعة بصرف النظر عن المرتبة قال أنه سعيد بسماع هذا الكلام وأضاف :"لأننا لا نعطي سوى المرتبة الرابعة " كان ديوان الموظفين – قبل أن يُسمى ديوان الخدمة المدنية – قد بدأ في تطوير السلك الوظيفي وجاء مع التطوير الكثير من التوصيفات . ذهبت تلك الأيام التي كان فيها حامل الماجستير يتطلع إلى وكالة الوزارة وجاءت أيام "وزن" الشهادات . قُسّمت شهادات الماجستير إلى صنفين ، ماجستير في العلوم تؤهل حاملها للمرتبة الثالثة وماجستير في الآداب تؤهل حاملها للمرتبة الرابعة وبقيت الماجستير في العلوم الاجتماعية ومنها العلاقات الدولية موضع أخذ ورد لم يكن الدكتور عبدالعزيز الخويطر مستعداً للدخول في أخذ ورد و آثر الطريق السهل : المرتبة الرابعة في تلك الأثناء كان صديقي القديم وزميل بعثتي خالد محمد القصيبي قد التحق بوزارة الزراعة والمياه بالمرتبة الثالثة وكان يحمل الماجستير في الاقتصاد . ما أن علم وزير الزراعة والمياه الأستاذ حسن المشاري بموقف الدكتور الخويطر من تعييني حتى اتصل به وأخبره أن تصنيف الشهادات لا يزال يبحث وفي لجنة من لجان مجلس الوزراء واقترح أن يطلب لي المرتبة الثالثة ويترك النتيجة لما ينتهي إلية مجلس الوزراء بعد ضغط شديد من الأستاذ حسن المشاري وبعد تردد طويل وافق الدكتور الخويطر على طلب المرتبة الثالثة (التي جاءت بعد شهور من التقييم والتصنيف ) سمعت أيامها كما سمعت بعد ذلك من يقول إن الدكتور عبدالعزيز الخويطر "احتضنني" ودفعني دفعاً إلى الجامعة وأغراني بالمرتبة الثالثة كان هذا القول أبعد ما يكون عن الحقيقة إلا أن الإشاعات في دنيا الإدارة تلعب دوراً قد يفوق دور الحقائق .جاءت العروض المغرية من خارج الجامعة عرض علي الأستاذ عمر فقيه وكيل وزارة التجارة والصناعة أن أستلم إدارات من أكبر الوزارة بالمرتبة الثالثة مع وعد بترقية سريعة وكان هناك عرض أشد إغراء عرض علي الأستاذ أحمد زكي يماني وزير البترول والثروة المعدنية أن ألتحق بجامعة البترول والمعادن جامعة الملك فهد فيما بعد بالمرتبة الثانية (كانت للجامعة المرونة الكافية لتقديم هذا العرض )وأن أبتعث بعد شهور قليلة اعتذرت للأستاذ عمر فقيه وأخبرته أني لا أستطيع العمل خارج الجامعة واعتذرت للأستاذ أحمد زكي يماني لأن جامعة البترول والمعادن لم يكن فيها مادة يمكنني أن أدرسها .فلنعد إلى الدكتور عبد العزيز الخويطر لم يكن استقباله الفاتر قائماً على اعتبارات شخصية لم أكن قد رأيته قبلها ولكنه كان موقفاً مبدئياً ثابتاً من كل الذين حاولوا الالتحاق بالجامعة كان موقفه أشبه مايكون بموقف أب ينظر بعين الريبة والشك إلى كل خاطب يتقدم إلى أبنته خوفاً ألا يكون جديراً بها كان يخشى أن تجتذب الجامعة عناصر لم تقبل على الجامعة إلا بسبب المزايا الوظيفية وكان حريصاً على ألا تكون هناك أي مزايا وظيفية قد يبدو هذا الموقف غريباً خاصة من مسئول عن جامعة ناشئة تحتاج إلى كل عنصر مؤهل إلا أنه موقف يتمشى مع فلسفة صديقاً من أقرب أصدقائي إلى نفسي ومع ذلك ظلت نظرتنا إلى الإدارة متباينة كل التباين .في كلية التجارة التقيت بعميدها الأستاذ حسين محمد السيد ونشأت بيننا منذ أيام لقائنا الأولى مودة عميقة متبادلة استمرت حتى وفاته رحمه الله بعد ذلك التاريخ بأكثر من ربع قرن لم يكن الأستاذ حسين أكاديمياً فقد كان يعمل قبل التحاقه بالجامعة مأمور ضرائب في مصر وقد أثرت حياته الوظيفية على مسلكه في الجامعة وصبغته تماماً بصبغتها كان يتصرف الموظف في أي مصلحة حكومية :الرئيس هو الرئيس والتعليمات والسلام ختام .بمجرد أنأ دركت هذه الحقيقة وتعاملت معه فيضوئها ,لم تكن هناك أي مشاكل في العلاقة .كان رجلاً بسيطاً متواضعاً دمث الأخلاق ,وكان دوامة نشاط وكان اهتمامه بالتفاصيل الصغيرة أسطورياً .ربما كنت الوحيد بين كل الزملاء السعوديين الذي استطاع أن يكون معه علاقة بلا شوائب وسوف نرى فيما بعد كيف كانت لهذه العلاقة نتائج بخلد أي منا في ذلك الربيع من سنة 1965م (1385ه).
استقبلني الأستاذ حسين بترحاب شديد وأبدى أسفه لأنه يستطيع تكليفي بتدريس أي مادة لأن السنة الدراسية قد بدأت قبل وصولي بفترة طويلة وقلت له إنني أتفهم الوضع .ثم أبدى أسفه مرة أخرى لأن المكان صغير والمكاتب مكتظة ويصعب تدبير مكتب لي في الوقت الحاضر (لم يكن يتكلم عن غرفة :كان يتحدث عن طاولة !)قلت له إني أقدر الظروف وسوف أداوم في المكتبة وأقضي وقتي في القراءة .أذكر هذا كله للعظة والعبرة أود أن يعرف القراء الذين لم يسمعوا بي إلا مسئولاً كبيراً أني بدأت حياتي العملية بدون مكتب وبدون طاولة إن عجبي لاينتهي من أولئك الموظفين الذين يصرون على مكتب فخم في يومهم الأول وأولئك الموظفين يقيمون الدنيا ولا يقعدونها إذا رأوا أن المكتب لا يتناسب وما يتصورونه لأنفسهم من مكانة .إنني أفخر بالفترة الطويلة التي قضيتها بلا طاولة وأفخر أكثر بأنني لم أضيع دقيقة واحدة من الدوام :كنت في المكتبة من الثامنة صباحاً إلى الثانية ظهراً من كل يوم .وما دمت أتحدث عن الدوام فأنا كما يعرف كل الذين عملوا معي أعاني من عقدة يرى البعض أنها تبلغ مبلغ الهوس تتعلق بالدوام لا يمكن لأي مؤسسة إدارية ,كبيرة كانت أو صغيرة أن تعمل بلا انضباط والحد الأدنى من الانضباط هو الوصول إلى المكاتب في بداية الدوام والبقاء فيها حتى نهايته .وضبط الدوام ليس معضلة كبرى كما يتصور البعض .وصول الرئيس في الموعد المحدد يضمن وصول باقي الموظفين في هذا الموعد وبقاؤه إلى نهاية الوقت المحدد كفيل ببقاء الجميع .وهوسي بالدوام ينصرف إلى هوسي بكل المواعيد .استطيع أن أقول ,وأنا واثق أن أحداً لن يكذبني إني عبر حياتي الإدارية كلها لم اتأخر عن موعد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
رأيت الأمير سلطان بن عبد العزيز لأول مرة في تلك الفترة كنت في المكتبة أداوم كالعادة عندما دخل المكتبة فجأة وتعرفت عليه كان وقتها وزيراً للمعارف بالنيابة وكان يقوم بجولة تفقدية في الجامعة على الذين يعتقدون أن الاتصالات الشخصية هي السبب في كل نجاح أن يتذكروا أن هذه الاتصالات يمكن أن تبدأ في مكتبة .
واحد فضلاً عن إلغائه إلا لظروف قاهرة إنني أعتقد أن الذين لا يستطيعون التقيد بالمواعيد لا يستطيعون تنظيم حياتهم على نحو يجعلهم منتجين بحد عال من الكفاءة ذات يوم وكنت وزير الصناعة والكهرباء رشح لي بعض الأصدقاء رجلاً قالوا إنه يصلح لمنصب وكيل الوزارة الذي كان شاغراً وقتها .حددت موعداً لمقابلته في منزلي وجاء بعد الموعد بأكثر من ساعة دون أن يعتذر عن التأخير .إذا كان هذا تعامله مع الوزير فكيف سيتعامل مع المراجعين؟ غني عن الذكر أن المرشح لم يصبح وكيل وزارة حتى هذه اللحظة. بعد شهور جاءت الطاولة وجاءت معها مهمة محددة :لصق صور الطلاب على استمارات الامتحان أي والله ! بدأت حياتي العملية بلصق الصور قمت بالعمل عن طيبة خاطر ,يوماً بعد يوماً حتى رقيت وكلفت بمراقبة الطلبة أثنا الامتحانات أذكر هذا بدوره للعظة والعبرة مرت علي نماذج عديدة من موظفين يتوقعون بمجرد حصولهم على الماجستير أن يكلفوا بأخطر المهام ويغضبون عندما لا يجدونها .الذين يبدأون بأعلى السلم لن يكون أمامهم إلا النزول لم أقل قط إن أي عمل كلفت بأدائه كان عملاً لا يليق بمستواي كان هذا سبباً من الأسباب التي وطدت علاقتي بالأستاذ حسين السيد الذي كان لا يستنكف عن القيام بأتفه المهام (على سبيل المثال كانت لديه مفاتيح كل المخازن في الكلية وكان يعتبر نفسه المسئول المباشر عن هذه المخازن )كان الأستاذ حسين ينقل للدكتور عبد العزيز الخويطر كل صغيرة وكبيرة مما يدور في الكلية ولا شك في أنه نقل لع قصة المدرس المساعد الجديد الذي لا يطالب بشيء ويقبل عمل أي شيء كانت العلاقات السياسية بين مصر والمملكة مضطربة وأزمة اليمن في أوج احتدامها وكان الحصول على أساتذة جامعيين من مصر أمر شبه مستحيل لم يكن في البلاد العربية فائض من هؤلاء الأساتذة كانت الجامعة مضطرة إلى التعاقد في كل مكان ولم يكن كل المتقدمين يحملون المؤهلات المطلوبة نتيجة ذلك أصبح من الممكن أن يدرس الأستاذ مادة خارج اختصاصه حين يتعذر الحصول على الأستاذ المتخصص قبيل نهاية السنة الدراسية أخبرني الأستاذ حسين أنني سأكلف في السنة القادمة بتدريس مبادئ القانون ومبادئ الإدارة العامة قلت له إنني لن أجد صعوبة في تدريس مبادئ القانون أما مبادئ الإدارة العامة فلن أستطيع أن أدرسها لسبب بسيط جداً وهو أنني لم أدرسها ضحك الأستاذ حسين وقال (الوضع كما تراه بنفسك لا يوجد أساتذة إما تدرس المادة أنت أو أدرسها أنا )وافقت على مضض .قضيت كل يوم من أيام العطلة الصيفية في الجامعة الأمريكية في بيروت أقرأفي المكتبة كنت في الواقع أدرس الإدارة العامة تمهيداً لتدريسها لم أكن وقتها أدرك أن هذا الكورس المضغوط سيكون ذا نفع كبير لي في المستقبل كل ما فكرت فيه هو أن علي أن أستوعب المادة لأتمكن من جعل الطلاب يستوعبونها .قرأت عدداً من الكتب الجامعية المعتمدة في الحقل ,باللغتين العربية والإنجليزية .بالإضافة إلى ذلك قمت بإعداد مذكرات للطلاب شملت في تصوري كل ما يحتاج إليه الطالب المبتدئ في دراسة الإدارة كان المجهود الذي قمت به في ذلك الصيف أضعاف الجهد المطلوب لإعداد رسالة الماجستير وهكذا وجدت نفسي ملماً رغماً عني بمبادئ التنظيم والتخطيط والتمويل والعلاقات الإنسانية والتفويض والمركزية واللامركزية وبقية المبادئ التي يعرفها كل دارسي الإدارة العامة .انتهى الصيف وعدت إلى الرياض وبدلاً من أن أبدأ التدريس وجدت أن علي أن أسافر إلى اليمن خلال ثلاثة أيام إلى اليمن ؟!ماذا حدث ولماذا أنا ؟! حدث أن الملك فيصل والرئيس جمال عبد الناصر رحمهما الله ,وقعا اتفاقية في جدة لإنهاء الحرب الأهلية في اليمن .ونصت الاتفاقية على إنشاء لجنة سلام تشرف على تطبيق بنودها وتتكون من جانب سعودي وجانب مصري ويتولى رئاسة كل جانب مسئول كبير وقع الاختيار في المملكة على الأستاذ عبدالله السديري وكان وقتها وكيل وزارة الداخلية لشئون البلديات ليرأس الجانب السعودي بحث الأستاذ عبدالله عن مساعد إداري وعن مستشار قانوني ينضمان إليه في اللجنة التي كانت مكونة في مجملها من العسكريين ولم يطل البحث اقترح الصديق عمران محمد العمران وكان وقتها يعمل مع الأستاذ عبدالله في وكالة البلديات الصديق صالح المساعد ,وكان أيامها في وزارة الزراعة والمياه ليكون المساعد الإداري واقترح أن أكون أنا المستشار القانوني .وافق الأستاذ عبدالله ورفعت الترشيحات إلى الملك فيصل رحمه الله وجاء الأمر بالموافقة لم أكن أعلم شيئاً عن هذا كله حتى عدت إلى الرياض .كان أول ما فعلته هو أني ذهبت إلى الدكتور عبد العزيز الخويطر لأبلغه أني لا أريد أن أذهب إلى اليمن .أطرق الدكتور عبد العزيز وقال (صدر أمر الملك ولا نستطيع تغييره )قلت (وماذا أعمل إذن ؟)قال ,وعلى وجهه كل علامات الجدية (تستطيع أن تدخل المستشفى وفي هذه الحالة يكون لدينا عذر مشروع )قلت (وماذا أفعل في المستشفى ؟)قال: تستطيع أن تستأصل الزائدة الدودية ).قلت (وماذا بعد استئصالها؟)قال وهو يبتسم (تبدأ مهمتك في اليمن وأنت في صحة جيدة )كانت هذه المرة الأولى التي أكتشف فيها حس الدعابة المتطور عند الدكتور عبد العزيز الخويطر ,ولم تكن الأخيرة .مع توثق معرفتي به فيما بعد أدركت أن الغطاء الخارجي الوقور يخفي تحته روحاً تحمل الكثير من الفكاهة وقدراً لا يستهان به من المشاغبة .مع عمران كان لقاء عاصف عاتب .قلت له :كيف تسمح لنفسك بإرسالي في مهمة كهذه دون أن تستشيرني ؟متى أصبحت وصياً علي؟) قال بهدوء : (أنا أعرف بمصلحتك منك ).قلت : (ماذاتقصد؟) قال (هذه فرصة نادرة قد لاتتكرر أبداً )قلت ثائراً(العمل في بلاد تمزقها الحروب والقلاقل وفي ظروف تعرض حياة المرء للخطر فرصة نادرة؟)قال : (لا تنظر إلى الموضوع من هذه الزاوية ) قلت (كيف تريد أن أنظر إليه ؟) قال (أنت مدرس مساعد موظف صغير مغمور لا يعرفه أحد .بسبب هذه المهمة سوف تتعرف على كبار المسئولين وسوف تفتح أمامك آفاق أكبر .هناك احتمالات مثيرة ومن يدري فقد تكتب رسالة الدكتوراه عن اليمن ولا تنس الانتداب !)حسناً كل ما تنبأ به عمران ,وهو يحاول إقناعي حدث .المهمة ماذا عن الانتداب؟ في نهاية المهمة وجدت مبلغ خمسة وعشرين ألف ريال في انتظاري كان المبلغ بمقاييس ما قبل الطفرة هائلاً ما يعادل رواتب سنتين كاملتين قررت أن أنفق عشرة آلاف ريال منه في رحلة إلى لندن للاستجمام من عناء المهمة ولبحث إمكانية الدراسة في جامعة لندن ,وسألت عمران عما يقترح أن أفعله بالمبلغ الباقي .اقترح عمران شراء أرض كانت الأراضي أيامها تمر بفترة كساد وبدا الاقتراح غريباً بعض الشيء إلا أنني كنت ولا أزال أحمل لمواهب عمران التجارية الكثير من الاحترام .اشترى عمران بالمبلغ قطعة أرض صغيرة في الملز وبدأت أسعار الأراضي في الارتفاع وعندما تضاعف سعر الأرض باعها عمران واشترى بالثمن أرضاً أكبر في الربوة على تلك الأرض بنيت أول منزل في حياتي (بناه عمران مشكوراً وتقاضى الثمن بالتقسيط )سكنت في هذا المنزل عدة سنين سعيدة ثم استؤجر عدة سنين بمبالغ مجزية ثم اشترى بثمن ممتاز أروي هذا استطراداً لأقول إن الله عزوجل عندما يطرح البركة في مال يتزايد ويتضاعف وعندما ينزع البركة من مال يتطاير كالبخار كان مال الانتداب مالاً مباركة جداً .كنت ولا أزال من المؤمنين بحرية الإدارة المحكومة بقدر الله وكنت ولا أزال أرى أن المرء أن خطط لمستقبله بكل مايملك من قوة وأن يعرف في الوقت نفسه أن إرادة الله لا تخطيطه هي التي سترسم مسار هذا المستقبل لم تكن مهمة اليمن سوى دليل جديد على ذلك فوجئت بتكليف محفوف بالصاعب والمخاطر ولو كنت أستطيع الاعتذار عنه لما قبلته أثبتت الأيام أن المهمة تمخضت عن إيجابيات عديدة مادية ومعنوية (فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً )ذهبت أزور رئيسي الجديد عبدالله السديري في منزله في الليلة التي سبقت سفرنا إلى اليمن ,ولم أكن قد تعرفت عليه قبل ذلك أثناء حديثاً زاره مسئول سعودي عسكري ليطمأنه إلى أن كل المواقع العسكرية الجمهورية قد أحيطت علماً بالطائرة التي تقلنا وخط سيرها وأضاف إنه لا يوجد خطر يذكر من هذه الناحية سأله عبدالله (وماذا عن المواقع الملكية ؟)ورد المسئول الحقيقة أننا لم نتمكن من الاتصال بها كلها حتى الآن .نظر عبدالله وابتسم وابتسمت على هذا النحو المطمئن المهمة في اليمن .أدى سفري إلى صنعاء إلى تحولي ,بغتة من نظرات العلاقات الدولية إلى واقعها الدامي .كانت الطائرة (الكونفير) تهتز فوق الجبال اهتزازاً عنيفاً جعلنا عبدالله وأنا نعتقد أن بعض المواقع لم تتلق الرسالة .لفتت نظري فور وصولنا إلى مطار صنعاء تلك الأعداد الهائلة من الطائرات الحربية المصطفة رتلا خلف رتل في المدرجات .بعد خروجنا من المطار قابلتنا صفوف لا أول لها ولا آخر من الدبابات والمدرعات والسيارات العسكرية بأنواعها .أمضت السيارة وقتاً طويلاً وهي مندفعة بسرعة كبيرة قبل أن تجتاز كل الصفوف عند قيام ثورة اليمن في سنة 1962م (1382 ه)
كنت مثل معظم الشباب العرب من جيلي وأوشك أن أقول كلهم متحمساً للثورة وللتدخل المصري الذي تبعها .عندما رأيت بعيني وما راء كمن سمعا هذه القوة الضاربة الهائلة متمركزة في اليمن ,بعيدة كل البعد عن ميدان المعركة الحقيقية في فلسطين أدركت أن هناك خللاً ما لا يمكن كائنة ما كانت الأسباب والمبررات أن يخوض أكثر من ثلث الجيش المصري غمار حرب أهلية عربية قال الرئيس جمال عبد الناصر للملك فيصل أثناء توقيع اتفاقية السلام في جدة في خريف سنة 1965م (1385ه)إن أنور السادات هو الذي أقنعه بالتدخل موضحاً أن ظهور طائرة واحدة كفيل بإفزاع القبائل وأضاف الرئيس المصري ضاحكاً إن على الملك فيصل أن يحاكم السادات باعتباره سبب الكارثة حقيقة الأمر كما يعرف الجميع أي كلمة يبقى القرار في نهاية المطاف مسئولية القائد الذي اتخذه ومسئوليته وحده بصرف النظر عن الآراء التي استمع إليها قبل اتخاذه إن كان قد استمع إلى آراء من أحد .إن لابد من تحديد مسئول حقيقي عن التورط فإن المسئولية تقع على نقص المعلومات لم يكن عبد الناصر أو أحد من الذين كانوا حوله يعرف شيئاً عن اليمن تاريخاً وشعباً وجغرافية وتقاليد وعادات كان الرئيس المصري يعتقد بالفعل أن تدخلاً عسكرياً رمزياً يكفي لتوطيد دعائم الجمهورية الوليدة جاء التصعيد على جرعات كما حدث للجيش الأمريكي في فيتنام قارن هذا الموقف بموقف الملك عبد العزيز رحمه الله من اليمن نفسها كان أبي رحمه الله في أوربا خلال الحرب السعودية /اليمنية سنة 1934م (1353ه)وما إن سمع بها حتى أسرع بالعودة ليساهم في المجهود الحربي .اكتشف فور عودته أن الملك عبد العزيز أمر بوقف قواته المتقدمة في اليمن ثم أمر بسحبها استغرب أبي هذا الموقف وأبدى استغرابه أمام الملك عدة مرات .في النهاية استدعاه الملك وقال له وهما على انفراد يا عبد الرحمن ! أنت لا تعرف شيئاً عن اليمن هذه بلاد جبلية قبلية لا يستطيع أحد السيطرة عليها كل من حاول عبر التاريخ فشل وكانت الدولة العثمانية آخر الغزاة الفاشلين . لا أريد أن أتورط في اليمن وأورط معي شعبي فيما بعد اقتنع عبد الناصر أن التورط في اليمن كان خطأ من أكبر الأخطاء التي ارتكبها في حياته خلال مؤتمر القمة الذي انعقد في القاهرة قبيل وفاته سنة 1970م (1390ه) طالب العقيد معمر القذافي بتدخل عسكري عربي لوقف الاقتتال بين الجيش الأردني والمقاومة الفلسطينية في الأردن إلا أن عبد الناصر اعترض فوراً على الفكرة وقال للرئيس الليبي (هل تريد أن تكرر الخطأ الذي وقعت فيه عندما تدخلت في اليمن ؟)أريد أن أصل إلى نتيجة سياسية محددة :على صانع القرار ألا يتخذ أي قرار إلا إذا اكتملت أمامه المعلومات وإذا كانت هذه القاعدة تنطبق على كل مسئول صغيراً كان أو كبيراً فإن تجاهلها عندما يكون صاحب القرار رئيس دولة يمكن أن يؤدي إلى كارثة العالم العربي يعيش اليوم حالة تمزق بدأت باحتلال الكويت هذه الفاجعة التي شقت الأمة العربية وحطمت العراق وقعت لأن زعيماً واحداً اتخذ قراراً دون أن يكلف نفسه عناء الإحاطة بكل المعلومات التي كان عليه أن يحيط بها .سكن الجانب السعودي في اللجنة عمارة صغيرة في صنعاء تقع في شارع الشهيد علي عبد المغني سرعان ما تبين أن الأوضاع الأمنية المضطربة في العاصمة جعلت من السكن إقامة جبرية ما يسمى في السعودية الدارجة حبس الحشمة لا نغادرها إلا تحت حراسة مشددة ذهبنا مرتين أو ثلاث مرات إلى دار السينما قرب المنزل ثم امتنعنا عن الذهاب عندما تعرضت الدار لهجوم بالقنابل (لا يدري أحد من حتى هذه الحظة هل كان للهجوم علاقة بوجودنا أو برداءة الأفلام المعروضة )
زاد في تعقيد حياتنا تلك العلاقة الغريبة بين الحكومة اليمنية وبين قيادة الجيش المصري من الناحية النظرية كانت السيادة التامة للحكومة اليمنية من الناحية الفعلية لم يكن بوسع الحكومة اليمنية اتخاذ أي قرار ذي شأن دون الرجوع إلى قيادة الجيش المصري وهكذا كان على لجنة السلام أن تتعامل لا مع الحكومتين المصرية والسعودية فحسب بل بالإضافة إليهما مع حكومة صنعاء ومع الجانب الملكي ومع قيادة الجيش المصري (التي لم تكن آراؤها تتفق دائماً مع آراء القاهرة !)كانت المهمة تتطلب صبراً لا حدود له وقد أتفقنا جميعاً تلك الأيام مهنة الصبر كانت الوسائل التي لجأنا إليها لا تخلو من طرافة ,وعندما أكتب كتاباً عن الطرائف في حياتي فسوف يكون لتلك الأيام نصيب لا بأس به من الكتاب .
كان أوسعنا صبراً عبدالله السديري أذكر في هذا المجال كيف أتقن التعامل مع نظيره المصري الفريق محمد فريد سلامة رحمه الله كان الفريق عسكرياً من الطراز التقليدي وقد سبق له أن درس الرئيس جمال عبد الناصر في الكلية الحربية كان بالعقلية العسكرية الخالصة لا يرى إلا العدو أو الصديق والأسود الأبيض ,واحتاج عبدالله إلى كل ذخيرته من عتاد الصبر في التعامل معه أكتفي بقصة واحدة كان هناك جبل بقرب صنعاء تسيطر عليه قبيلة تنتمي إلى الجانب الملكي .كان من مهمة اللجنة تسهيل تبادل الأسرى ,وكانت تلك القبيلة تحتفظ بعدد من الجنود الأسرى المصريين .بدأنا التخاطب مع شيخ القبيلة لإنهاء الموضوع الأسرى كانت المشكلة أن شيخ البيلة الذي خاض عدة معارك استعذب الأسلوب العسكري فقرر أن يمنح نفسه رتبة عقيد ,وكان يرقي نفسه بين الحين والحين حتى وصل إلى رتبة لواء في الوقت الذي بدأت فيه لجنة السلام ممارسة أعمالها أرسلنا رسالة إلى شيخ القبيلة وكانت معنونه إلى الشيخ فلان إلا أن الشيخ أصر على رفض الرسالة مالم تكن موجهة إلى اللواء فلان اتفقنا عبدالله وأنا أن المهمة الإنسانية التي نحن بصددها تبيح لنا تسمية الشيخ بأي رتبة عسكرية يختارها .إلا أن الفريق الحقيقي محمد فريد سلامة رفض بإصرار أن يمنح إنساناً لم يدخل الكلية الحربية لقب لواء .بعد جهد جهيد تمكن عبدالله من إقناعه أن الغاية النبيلة تبرر الوسيلة ووافق بامتعاض واضح على توقيع الرسالة إلى "اللواء" لابد أن أذكر للتاريخ أن "اللواء" لقي مصرعه بعد ذلك في معركة حربية لا أدري بأي رتبة مات وإن كنت لا أستبعد أن تكون رتبة المشير .
انعقد مؤتمر حرض الذي كان يفترض أن ينتهي بحكومة ائتلافية مؤقتة من الجانبين المتحاربين تمهد لحكومة دائمة إلا أن المؤتمر بعد شهر من المداولات المستمرة لم ينجح في الوصول إلى هذه النتيجة .لا يهمني هنا أن أستعرض تاريخ تلك الفترة وقد كتب كثير عنها بقدر ما يهمني أن أقول إنه مع بداية السنة الجديدة 1966م (1386ه)كان من الواضح أن السلام المطلوب لن يتحقق .خلال فترة الهدنة أعادت القوات المصرية انتشارها وتمركزت في مثلث صنعاء –تعز –الحديدة ,تاركة المناطق الجبلية لولاء القبائل الذي كان يتغير مع ولاء المشايخ الذي كان يتغير بين الحين والحين بلا سابق إنذار .
في ضوء ما تكشفت عنه الأحداث أصبح من الواضح أنه لم يعد للجنة السلام أي دور ,وهكذا عاد الجانب السعودي في ربيع ذلك العام .عدت إلى الكلية وعدت مرة أخرى ,إلى لصق صور الطلاب وإن كنت هذه المرة ظفرت بمكتب يضمني مع زميل آخر كانت مفارقة غريبة بعض الشيء أن يعود المرء من مهمة سياسية حساسة ,يقرأ خلالها ويكتب الكثير من التقارير الحساسة ,ويجتمع بعدد من الشخصيات المعروفة على مستوى العالم العربي كله ويعود فلا يجد سوى صور الطلاب والاستمارات .يحسن بالمرء في عالم الإدارة ,وفي عالم الحياة الواسع أن يوطن نفسه على التعامل مع جسام الأمور وتوافهها على حد سواء . لا يوجد منصب مهما ارتفع شأنه ومقام صاحبه ,يخلو من مشاغل روتينية لا تنتهي . حتى رؤساء الدول يجدون قسطاً كبيراً من أوقاتهم يهدر في التوقيع على آلاف الأوراق .في الولايات المتحدة حيث يوقع الرئيس مالا يعد لا يحصى من الوثائق حلت المشكلة بالقلم الإلكتروني الكمبيوتر الذي يوقع توقيعاً لا يختلف عن توقيع الرئيس ( لأنه توقيع الرئيس! ) الذين يتلقون صور الرئيس الأمريكي ممهورة بتوقيعه ,أولا يتلقون إجابات على رسائلهم مذيلة بالتوقيع لا يعرفون أن الكمبيوتر ,لا الرئيس ,هو الذي وقع على الصورة أو الرسالة في مصر اضطر الرئيس جمال عبد الناصر إلى الاستعانة بختم يستعمله مساعدوه بدلاً من التوقيع بعد وفاته ثار تساؤل على حالات أسيئ فيها استخدام الختم .وفي بريطانيا لا ترد الملكة شخصياً على أي رسالة إلا فيما ندر ,ولا ترسل صورتها موقعة إلا إلى شخص سبق أن قابلته شخصياً ,الأمر الذي يحد من طوفان التوقيعات .ومع هذا كله ,توقع الملكة على سيل عرم من الأوراق والوثائق .
جاء التعويض عن حرماني السابق غير المقصود من التدريس خلال الفترة الماضية أشبه ما يكون بالعقاب .كلفت بتدريس سبعة مناهج مختلفة (ليس من ضمنها منهج الإدارة العامة الذي وصل أستاذ متخصص فيها )كان قسم العلوم السياسية في الكلية في تلك السنة بعد أن توفي رئيس القسم الدكتور أحمد السمان رحمه الله فجأة مكوناً مني, ومني وحدي ,. وكان الأستاذ حسين السيد كالعادة يبتسم ويقول (إما أنا أو أنت )أخبرني الأستاذ حسين مرة ,أنه درس كل مادة في الكلية! لعل هذا هو المكان الأنسب للحديث عن أسلوبي في التدريس لأنه لم يتغير بعد حصولي على الدكتوراه يمكن تلخيص هذا الأسلوب على النحو التالي :لا يمكن للمادة أن تكون مفيدة مالم تكن مشوقة مالم تكن مبسطة ,ولا يمكن أن تكون مفيدة ومشوقة ومبسطة مالم يبذل المدرس أضعاف الجهد الذي يبذله الطالب .كنت أقول للطبة في المحاضرة الأولى إن رسوب أي منهم يعني فشلي في تدريس المادة قبل أن يعني فشله في استيعابها كنت أقضي وقتاً طويلاً في التحضير ثلاث ساعات من القراءة لكل ساعة في الفصل .لا يمكن لمدرس أن يعد محاضرة مشوقة إذا أكتفى بقراءة كتاب واحد .سرعان ما يكتشف الطلبة الفرق بين محاضر حقيقي يشد انتباههم وبين محاضر يردد كالببغاء ما يجدونه في الكتاب المقرر .التيسير والتعسير (أو التشويق والتعقيد) هذا هو الفارق بين الدرس الناجح والمدرس الفاشل .علمتني تجربتي الدراسية الطويلة أن المدرس الذي يستطيع تبسيط المنهج يفتح أمام الطالب آفاقاً جديدة من المعرفة ويحثه على الاستزادة منها .أما المدرس الذي يتعامل مع مادته وكأنها لغز أو طلسم فإنه سرعان ما ينجح في جعل الطلبة يتعاملون مع المادة وكأنها بالفعل من الألغاز أو الطلاسم .أذكر أن مدرساً في كلية الحقوق "هددنا" في أول محاضرة بأن نتوقع كتاباً لا يقل حجمه عن خمسمائة صفحة عجيب أمر مدرس يخوف طلبته بحجم كتابه ! كانت علاقتي مع طلبتي من محاضرتي الأولى إلى محاضرتي الأخيرة قائمة على الكثير من الاحترام المتبادل والكثير من المودة المتبادلة لم يكن أحد يرسب إلا أولئك الذين يصرون على الرسوب كنت بعد الانتهاء من تصحيح الأوراق أضيف 10% من درجة المادة إلى كل الذين يحتاجون هذه النسبة ليصلوا إلى الحد الأدنى المطلوب للنجاح لم أكن أفعل هذا مدفوعاً بسخاء حاتمي كنت أقوم به حرصاً على توخي العدالة .في العلوم الاجتماعية بخلاف العلوم الطبيعية ,لاتوجد أمام المصحح خطوات محددة يستطيع أن يصحح الأوراق على أساسها بموضوعية تامة كما يصحح الكمبيوتر أسئلة الخيار المتعدد .يتأثر المصحح بالأسلوب وبالتنظيم وبالخط إلى درجة لا بد وأن تؤثر على حياده .كنت حريصاً على ألا يظلم أحد بسبب ضغط الامتحان النفسي الذي قد يؤثر على عرض الأفكار وتنسيقها .وكنت حريصاً على ألا يجازى أحد بسبب رداءة خطه ( يوجد الخط الرديء في نفس المصحح شعوراً بالعداء نحو الطالب ,أما الخط الذي لا يقرأ فيولد رغبة لا شعورية في الانتقام )إن استغرابي لا ينتهي من مدرسي العلوم الاجتماعية الذين يصرون على رسوب الطالب بسبب نقص درجة أو درجتين وكأنهم قد وزنوا الإجابة بموازيين الذهب .
علاقة الطالب/المدرس علاقة حميمية فريدة تستمر عبر السنين .لا تزال فرحتي بالغة عندما يتقدم أحد مني ويخبرني إنه كان من طلبتي وفرحتي لا تعرف الحدود عندما أجد طالباً من طلبتي وقد نبغ في الميدان من الميادين .عندما شكلت الوزارة الجديدة في المملكة في صيف 1995م (1415ه)كم أسعدني أن أرى فيها وزراء كانوا طلبتي ,أو كانو طلبة في الكلية خلال عملي فيها .لابد هنا أقول إن التدريس فن لا علاقة لة بكمية العلم التي يختزنها المدرس .أغزر الناس علماً قد لايكون قادراً على نقل علمه إلى الآخرين ,وأنجح المدرسين قد لا يكون أعلمهم .قد يجمع الأستاذ الجامعي , بطبيعة الحال ,الحسنيين فيكون عالماً بارزاً ومدرساً موهباً .إلا أن هذا الجمع ليس سنة من سنن الحياة .في ضوء هذه الحقيقة كنت ولا أزال أرى أن التركيز على البحث وإهمال القدرة على التدريس عند إقرار الترقيات الجامعية أمر لا يخدم مصلحة الطالب .بدأ هذا الاتجاه في الولايات المتحدة ,واتخذ شعار "انشر أو مت "ومنها انتشر في كل مكان إن حرمان الأستاذ الجامعي من الترقية لأنه ركز جهوده على التدريس على نحو لم يترك له مجالاً كبيراً لإجراء البحوث مبدأ لا يخلو من ظلم .إهمال البحث ,من الناحية الأخرى, يؤدي إلى تخلف الجامعة عن التطورات العلمية المتلاحقة .الحل الأمثل في نظري هو حل وسط يقوم على تفضيل الأستاذ الباحث في الترقية دون أن يحرم الأستاذ الذي لا يقدم بحوثاً من أي أمل في الترقية إلا أنه لا تبدوعلى الأفق أي حلول وسط أصبح شعار الجامعات ,حيثما ذهب المرء "انشر أو مت "
جاءت تجربتي الناجحة مع الطلبة لتؤكد صحة القرار الذي اتخذته عندما قررت أن أجعل التدريس الجامعي مهنتي .لم يترك لي اهتمامي بطلبتي وموادي كثيراً من الوقت للتذمر من أوضاع الجامعة أو أوضاع الكلية لم تكن في جعبتي ,في تلك الفترة ,أي آراء تطويرية أو مشاريع إصلاحية .كان يكفيني أن أترك وشأني مع طلبتي .كانت علاقتي مع الجميع ,رؤساء وزملاء ,خالية تماماً من المشاكل والشوائب .كان السبب في تصوري أنني لم أطمح إلى شيء يتجاوز ماكنت أفعله ,بشغف ,كل يوم .
آه! الطموح ! تلك قضية معقدة بعض الشيء ,وقد لا يجوز لصاحب الشأن أن يدلي فيها برأي .قد يكون صاحب الشأن ,كالزوج الأسطوري المخدوع ,آخر من يعلم .ومع ذلك فإنني أستطيع أن أؤكد أنني في تلك المرحلة من العمر ,منتصف العشرينات أي فورة الشباب ,لم أكن أتحرق على نار الطموح .عبر حياتي الدراسية كلها لم أشعر ,قط ,أن هناك شيئاً في داخلي يحفزني إلى المنافسة والتفوق على الآخرين .عندما رزقني الله بنتاً وثلاثة أولاد كنت أقول لهم إنني أكتفي منهم بالنجاح ولا أتوقع الامتياز .أرجوألا أعطي شباب هذا الجيل مثلاً سيئاً إذا قلت إني لم أكن ,في إي فترة من حياتي الدراسية ,طالباً مثالياً يعكف على الدراسة آنا الليل وأطراف النهار .كنت أبذل الجهد المطلوب ,لا أكثر ولا أقل ولم يكن للمنافسة دور في تحديد الجهد .المنافسة ,حتى في الألعاب ,لا تستهويني .أقلعت عن لعب الشطرنج ,وكنت أولعت به فترة ,عندما لا حظت ذلك التصميم المتجهم على قتل الطرف الآخر ,لعبة الملاكمة ,في رأيي ,ردة وحشية إلى عصفور الغاب .عندما أتابع مباراة في كرة القدم ,وأنا لا أفعل ذلك إلا نادراً ,أتابعها بحد أدنى من الانفعال .إن رغبتي في إتقان ما أقوم به من عمل لم تعن ,قط رغبتي في التفوق على أي إنسان آخر .كنت ولا أزال ,أرى أن هذا العالم يتسع لكل الناجحين بالغاً ما بلغ عددهم وكنت ,ولا أزال ,أرى أن أي نجاح لا يتحقق إلا بفشل الآخرين هو في الحقيقته هزيمة ترتدي ثياب النصر وقع اختياري على جامعة لندن (كلية يونيفرستي كولج )لدراسة الدكتوراه .كنت قد وصلت إلى اقتناع أن دراسة الماجستير في الولايات المتحدة عرفتني على كل مايمكن أن أعرفه عن النظام الجامعي الأمريكي .وكنت قد وصلت إلى اقتناع آخر مؤداه أن احتكاك الأستاذ الجامعي بأكبر قدر ممكن من الأنظمة الجامعية سوف يعينه على أن يؤدي مهمته في جامعته بفعالية أكبر .كان في الكلية التي اخترتها أستاذان لامعان أحدهما البروفسور جورج شاورزنبرجر ,ويمثل المدرسة التقليدية في العلاقات الدولية وثانيهما الدكتور جون بير تون ويمثل التوجيهات والنظريات الجديدة .رأيت أني باختيار كلية يتنازعها تيارا القديم والجديد أستطيع أن أتعرف على الجديد دون أن أفقد صلتي بالقديم .قضيت ذلك الصيف من سنة1967م (1387ه)في الولايات المتحدة ,مشاركاً في "ندوة هارفرد الدولية "التي أسسها وكان يديرها الدكتور هنري كيسنجر .كانت هذه الندوة تستضيف أربعين "شخصية قيادية "
من مختلف أنحاء العالم ,يقضون في هارفرد ستة أسابيع ,يبحثون في الجزء الأول منها السياسة الداخلية الأمريكية ويبحثون في الجزء الثاني السياسة الخارجية .بالإضافة إلى هذا النشاط الأكاديمي ,هناك الكثير من النشاطات الثقافية والاجتماعية .كانت الندوة فرصة للتعرف على آراء جديدة وعلى أشخاص جدد .إلا أن ما يهمني هنا هو أن أروي قصة قبولي في الندوة .كانت الشروط تتطلب أن يكون المتقدم بين الخامسة والعشرين والخامسة والأربعين ,وأن يكون في مركز قيادي ,في الدولة أو في الأعمال الخاصة أو في الصحافة ,وكانت الأولوية للمتقدمين الذين لم يسبق لهم أن زاروا الولايات المتحدة .باستثناء شرط السن ,لم يكن أي من الشروط ينطبق علي .كان على كل متقدم أن يكتب رسالة طويلة يشرح فيها خلفيته ومؤهلاته وخبراته ,ويبين مايمكن أن يقدمه للندوة كان عدد المتقدمين يصل إلى المئات ,لايقبل منهم سوى أربعين .كان من الواضح أن احتمالات قبولي غير مشجعة .قررت أن الحل الوحيد يكمن في كتابة رسالة تختلف ,كلية عن أية رسالة سبق أن تلقتها الندوة في الماضي ,أو يمكن أن تتلقاها في المستقبل .
كانت الرسالة غريبة بالفعل كانت موجزة لا تكاد تصل إلى نصف صفحة .قلت في الرسالة ,بكل أمانة ,إن الشروط لا تنطبق علي موضحاً أني قضيت في الولايات المتحدة ثلاث سنوات ,ومضيفاً أنه لا يمكن حتى للخيال الجامح أن يعتبر المدرس المساعد شخصية قيادية وأضفت فوق ذلك أني لا أنوي الرجوع إلى بلدي بعد الانتهاء من الندوة وإنما سأذهب إلى لندن مواصلة دراستي .وختمت الرسالة قائلاً إنني لا أستطيع سلفاً أت أحدد نوع مساهمتي في الندوة لأن مساهمتي ستعتمد إلى حد كبير على مساهمات الآخرين .أخبرتني سكرتيرة الدكتور هنري كيسنجر فيما بعد أن لجنة الاختيار حارت في أمر هذه الرسالة التي يعرف صاحبها عن عدم حماسته للمشاركة ويعطي اللجنة كل المبررات اللازمة للرفض .كان رأي الجميع في اللجنة "يجب أن نرى هذا الرجل !"هل أريد أن أقول إن على طالب الولاية في هذه الحالة الندوة _أن يظهر بمظهر من لا يطلبها ؟أحسب أن هذا ما أريد أن أقوله .
كانت الندوة في أعقاب حرب حزيران ,وكان المفروض أن يشترك فيها أربعة إخوة عرب إلا أنهم قرروا في ذروة الانفعال العربي المعهود ,أن يقاطعوا الندوة احتجاجاً على الموقف الأمريكي .هذه العقلية التي ظلت .عبر السنين ترفض المواجهة بحجة المقاطعة هي المسئولة عن ترك المجال واسعاً أمام أعدائنا يسرحون ويمرحون كما يشاؤون .كان من حسن الطالع أنني لم أنسحب من الندوة :سرعان ما تبين عبر اللقاءات والاجتماعات أني الصوت الوحيد الذي يدافع عن القضية العربية بدأت التحضير للدكتوراه في الخريف .وجدت جو الدراسة في لندن مختلفاً كل الاختلاف عن جو الدراسة في جامعتي الأمريكية القديمة في الجامعة الجديدة كان حضور المحاضرات اختيارياً ولم تكن هناك امتحانات أو أوراق بحث فصيلة كانت هناك بصفة عامة حالة استرخاء تختلف تماماً عن الوضع المحمم الذي لا يعرف الاسترخاء في الجامعات الأمريكية تذكرت وقتها ما سبق أن قاله أحد أساتذتي الأمريكيين "في الولايات المتحدة التعليم يعني التدريب .أما في أوروبا فالتعليم يعني السماح لك بتثقيف نفسك بنفسك "هذه الملاحظة صحيحة إلى حد كبير فيما يخص الدراسات العليا على أية حال .كانت حرية النقاش أوسع بكثير من الحرية التي رفتها في الجامعة الأمريكية وكان النقاش في معظمه صراعاً بين المدرسة التقليدية ,البروفسور شوارزنبرجر وأتباعه والمدرسة الحديثة ,الدكتور بيرتون وأتباعه وكان النقاش يتخذ أحياناً شكلاً حاداً ويدور أمام الطلبة وبينهم المدرسة التقليدية لا ترى في أي مستجدات طارئة على مستوى الواقع أو على مستوى البحث ما يبرر التخلي عن التحليل القديم القائم على مفهومي الدولة والقوة ,أما المدرسة الحديثة فترى أن على العلاقات الدولية ,إذا أرادت أن تتحول إلى علم حقيقي أن تستفيد من كل تقدم يتحقق في العلوم الأخرى طبيعية كانت أو اجتماعية وترى أن التغييرات السريعة المتلاحقة على أرض الواقع لا يمكن أن تفسر بنظريات جامدة لا تتحرك كان من رأي الدكتور بيرتون أن مفهوم المنظومة الأجزاء المتفاعلة فيما بينها والتي لا تعترف بحدود سياسية يؤدي إلى فهم أفضل للعلاقات الدولية من المفهوم القديم .لا يكفي أن ندرس ما تفعله الحكومات بل علينا أن نتابع سلوك كل المنظومات سواء كانت منظومات تجارية أو سياسية أو رياضية أوعقائدية إذا أردنا أن نفهم ما يدور حولنا من متغيرات الدول من هذا المنطلق هي مجرد منظومة واحدة بين منظومات كثيرة وقد لا تكون بالضرورة أهم المنظومات. كان الدكتور بيرتون يذهب إلى أن تعمقنا في الدراسة المنظومات سيقودنا ذات يوم إلى مرحلة نستطيع فيها توقع ما يحدث على الساحة الدولية بدقة لا تختلف عن دقة التوقعات في العلوم الطبيعية .كنت قد قررت كما توقع الصديق عمران العمران أن أكتب رسالة الدكتوراه عن اليمن .كلفت الكلية الدكتور جون بيرتون أن يكون الأستاذ المشرف على البحث الذي كان يتكون من ثلاثين صفحة أو نحوها .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أتيح لي بعد أن أنهيت رسالة الماجستير عن نظرية مورجنثاو أن أرى "الرجل العظيم" شخصياً. سألته عن النقد الذي يعتبره هو أصدق ما وجه إلى نظريته من انتقادات أطرق قليلاً وقال :"أصدق ما قيل هو أن العالم يتغير ونظريتي ثابتة "منذ عهد بعيد وأنا أؤمن أن التغيير أساسي من قوانين الحياة يفرض نفسه على النظريات وأصحابها .


كان البحث ينطوي على ثلاثة أقسام .القسم الأول يتناول بالتحليل السنوات الأخيرة من الإمامة .والقسم الثاني يدرس ,بالتفصيل ,الثورة التي أطاحت بالإمامة .والقسم الثالث يعالج رد الفعل المصري ورد الفعل السعودي بعد الثورة .وكان كل قسم يتكون من عدة فصول .بذلت جهداً كبيراً في إعداد المخطط ,وكنت أتوقع نقاشاً مطولاً من المشرف ,كانت دهشتي بالغة عندما أعاد إلي الأوراق بعد نظرة عابرة .سألته "ما رأيك ؟"قال :رأيي في ماذا؟ قلت ؟في مخطط البحث .قال:أنت طالب ناضج تحضر للدكتوراه .وأفترض أنك تعرف ما تفعل .لا يهمني المخطط .تهمني النتيجة .انظر إلى الطاولة .مادامت الطاولة تفي بالغرض فليس من شأني أن أعرف المخطط الذي استعان به النجار .أستاذ مشرف لا يهمه مخطط البحث ! لا أريد أن يفهم أحد أن هذا هو النمط المتبع في بحوث الدكتوراه في بريطانيا .الأساتذة المشرفون ,في العادة يقضون وقتاً طويلاً في مناقشة المخطط مع الطلبة ويدخلون عليه الكثير من التعديلات .إلا أن الدكتور بيرتون لم يكن أستاذاً تقليدياً لا في نظرته إلى المادة التي يدرسها ولا في نظرته إلى الأعراف الجامعية .يرجع هذا ,في رأيي إلى أنه لم يكن أكاديمياً محترفاً .بدأ حياته الوظيفية دبلوماسياً في وزارة الخارجية الأسترالية وتدرج حتى وصل إلى مرتبة وكيل وزارة .لم يبدأ مهنة التدريس إلا بعد أن ترك العمل الدبلوماسي يبدو أن هذه الخلفية ,بالإضافة إلى تكوينه النفسي ,جعلت منه أستاذاً يختلف بعض الشيء عن بقية الأساتذة .بدأت أعد البحث وتوالت الشهور وأنا لا أبحث شيئاً مع الأستاذ المشرف .بعد مضي سنة ذهبت إلية أقول إنني أود أن أعرف رأيه في الجزء الذي أنجزته .طلب مني أن أكمل نصف البحث ثم أعرض عليه ما كتبته .بعدها بشهور ,قدمت إليه الجزء الذي انتهيت منه .طلب مني أن أترك الأوراق لديه وأعود بعد أسبوع .عندما رجعت أعاد الأوراق وقال بالحرف الواحد "حسنا ! البحث في طريقه إلى التبلور "ولم يضف شيئاً خرجت مذهولاً لا أدري هل وافق على ما قرأ أم أنه ينتظر اكتمال الطاولة قبل أن يعلن رأيه فقلت لسكرتيرته "لقد كتبت نصف البحث وحتى الآن لا أعرف إذا كان الدكتور بيرتون يتفق معي أولا يتفق
قالت السكرتيرة ألم يقل شيئاً قلت :قال إن البحث يتبلور ضحكت السكرتيرة وقالت إن هذا التعليق بلغة الدكتور بيرتون يعني أنه موافق على ما قرأ وأضافت أنه لو لم يرض عن البحث لطلب مني تمزيقه والبدء من جديد .عندما رأت السكرتيرة علامات الدهشة على وجهي قالت إنها رأته يفعل ذلك مع عدد من الطلبة .في بداة إقامتي في الولايات المتحدة أصبت بقرحة في الاثني عشر ,ولا أشك أن الصدمة الحضارية ضغوط المجتمع الجديد المختلفة وما تبعها من توتر كانت السبب بقيت القرحة ضيفاً ثقيلاً تثور وتهدأ حسب الأجواء المحيطة بي . عندما بدأت مرحلة الدكتوراه ثارات على نحو لم يسبق له مثيل .لم أشك ,ولم يشك طبيبي وقتها أن حالة القلق التي كنت أحياها وأنا لا أعرف مصير جهودي كانت المسئولة عن نشاط القرحة لم يعد هناك ما أستطيع عمله في هذا المجال ,بعد أن طلب إلي الدكتور بيرتون أن لا أعود إليه إلا بالرسالة في شكلها النهائي .
بعد ثلاث سنوات من التحضير أنهيت الرسالة وحملتها إلى الدكتور بيرتون الذي استلمها بلا تعليق كان العرف وقتها أن يكون هناك امتحان يحضره ممتحنان ,أحدهما ممتحن داخلي هو الأستاذ المشرف والآخر خارجي من كلية أخرى .وكان العرف وقتها ,أن تكون للممتحن الخارجي الكلمة النهائية باعتبار أن الأستاذ المشرف لا يعتبر الرسالة جاهزة للامتحان إلا إذا كان موافقاً عليها .في تلك المرحلة لم أكن أعرف إذا كانت الرسالة ستحظى بموافقة المشرف .كنت أحضر نفسي ذهنياً لكثير من التعديلات قبل أن أصل إلى مرحلة الامتحان .لم أسمع من أي زميل سبقني عن رسالة دكتوراه تقر بلا تغييرات .إلا أن الأمور جرت على نحو يختلف تماماً عن توقعاتي ,ويختلف تماماً عن ما حدث مع رسالة الماجستير .بعد أقل من شهر من تقديم البحث اتصلت بي سكرتيرة الدكتور بيرتون وقالت إنه يريد رؤيتي في مكتبة في صباح اليوم التالي .ذهبت متوجساً متوقعاً أن أسمع رأياً سلبياً في البحث .عندما دخلت المكتب وجدت بجانب الدكتور رجلاً لم أراه من قبل .قبل أن أجلس قال لي الدكتور بيرتون "لماذا لا تحضر فنجان قهوة ؟قد يستغرق هذا بعض الوقت "خرجت إلى حيث يوجد جهاز البيع الآلي وعدت بفنجان القهوة وأنا أتساءل ,سراً عن هذا الذي قد يستغرق بعض الوقت .قدم لي الدكتور بيرتون الرجل الجالس بجانبه ,البروفسور فاتيكوتس ,وقدمني له بدأ البروفسور يوجه إلى أسئلة عن الرسالة .هنا وهنا فقط ,أدركت أن الامتحان قد بدأ .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تغيرت االأمور بعض الشيء الآن لم يعد الممتحن الداخلي هو الأستاذ المشرف أصبح الممتحن أستاذاً آخر في الكلية يرشحه الأستاذ المشرف .إلا أن هذا التغيير في حقيقته تغيير في الشكل لا الجوهر من المستبعد أن يختار الأستاذ المشرف من بين زملائة ممتحناً يعترض على البحث الذي يعترض على البحث الذي أقره هو لازالت الكلمة النهائية للممتحن الخارجي .











كان امتحاناً فريداً من نوعه .رددت على أسئلة الممتحن الخارجي عن بعض جوانب البحث .تدريجياً ,بدأ النقاش يتحول من حوار بين الممتحن الخارجي وبيني إلى نقاش بين الممتحن الخارجي والأستاذ المشرف .كنت أتابع النقاش صامتاً وبكثير من الدهشة .كان الممتحن الخارجي ينتمي إلى المدرسة التقليدية وقد استغرب كثرة النظريات غير التقليدية التي تضمنتها الرسالة حاولت أن أشرح موقفي إلا أن الدكتور بيرتون قاطعني وتولى المهمة .كان من الواضح أنه استوعب الرسالة تماماً .بعد ساعتين كانت الأولى منهما حواراً بين الممتحن الخارجي وبيني والثانية نقاشاً بين الممتحنين ,شكرني الدكتور بيرتون وطلب مني الانتظار في الخارج "إذا اختلف الممتحنان ,هل يسقط المرشح أم ينجح ؟" كان هذا السؤال الذي عذبني على مدى ثلث ساعة بدت وقتها دهراً خرج الأستاذان وصافحني الدكتور بيرتون وهو يبتسم _ لم أراه قبلها يبتسم !ويقول مبروك يادكتور ! صافحني الممتحن الخارجي بدوره وهو يقول :"تستحق التهنئة هذه أول رسالة دكتوراه أجيزها منذ فترة طويلة امتحنت في الشهور الماضية خمسة مرشحين لم ينجح منهم أحد "لم أملك إلا أن أشكره وأقول "من حسن الحظ أني لم أعرف هذه الحقيقة إلا الآن "كان هذا الامتحان يخلو من الإهانات التي لم يخل منها امتحان واحد من امتحانات الدكتوراه التي حضرتها في القاهرة (بعد الإهانات العلنية في مدرج مزدحم تعلن اللجنة ,عادة فوز المرشح بالدكتوراه مع مرتبة الشرف )ولم يحضر الامتحان الجمع الصغير الذي يشهد امتحانات الدكتوراه في الولايات المتحدة ,الجمع الذي يتكون من المرشح وعائلته وأصدقائه وعدد من أساتذة القسم وعدد من طلاب الدراسات العليا بالإضافة إلى لجنة الامتحان الثلاثية ثم امتحاني وأنا أرتشف القهوة وأستمتع بجدل أكاديمي مثير .تبقى الحقيقة التي سبق أن أشرت إليها :سلطة الأستاذ المشرف على الطالب الباحث لا تعرف الحدود .فيما يخصني مر كل شيء كما رأينا بسلام لم يتغير حرف واحد من البحث الذي كتبته .إلا أن الأمور لا تنتهي دائماً هذه النهاية السعيدة كان معي زميلان يحضران للدكتوراه بإشراف الدكتور بيرتون ,وكان كل منهما باحثاً جاداً دؤوباً .قال الدكتور بيرتون لأحدهما إنه لا يتطيع الموافقة على الرسالة وإن عليه البدء من جديد كان الموقف صدمة قاسية غير متوقعة دفعت بالمرشح إلى ترك الدراسة نهائياً .أما الباحث الآخر فقد أخبره الدكتور بيرتون أن بحثه جيد ولكنه لا يؤهله للدكتوراه وإنما للماجستير .يبدو أن قدر الطلاب في مرحلة الدراسات العليا ,أن يعيشوا وسيف المسريف مصلت على رؤوسهم يمكن أن يهوي في أي لحظة .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في جو التقاضي والمقاضاة الذي يسود الغرب هذه الأيام يلجأ بعض الطلبة الذين يفشلون في امتحان الدكتوراه في بريطانيا إلى القضاء عندما يشعرون أن غبناً قد وقع عليهم من الذي يغبط طالباً حصل على شهادته بأمر من محكمة ؟!


"يادكتور" وصل اللقب السحري !هل شعرت بنشوة وأنا أستمع إليه لأول مرة ؟شعرت أني ودعت ,إلى الأبد ,مرحلة الدراسة كما قال زميل حصل على هذه الدرجة؟كان هناك بطبيعة الحال قدر من السعادة لأن هدفاً وضعته نصب عيني قد تحقق إلا أنه لم يكن هناك أي نوع من أنواع النشوة .بدا اللقب الجديد غريباً في بداية الأمر ثم تعودت عليه كما يتعود البشر على مختلف أنواع السراء والضراء .الشيء الوحيد الذي أزعجني هو أن بعض أصدقائي أخذوا يستعملون اللقب حتى اكتشفوا أن هذا يضايقني .أما عن الدراسة فقد كنت أعلم أنها عملية مستمرة تدوم ما دامت الحياة وإن اختلفت المدارس وتغيرت المناهج .
كنت ولا أزال أرى شهادة الدكتوراه لا تعني أن حاملها يمتاز عن غيره بالذكاء أو الفطنة أو النباهة فضلاً عن النبوغ أو العبرية .كل ماتنيه الشهادة أن الحاصل عليها يتمتع بقدر من الجلد وبإلمام بمبادئ البحث العلمي .الهالة التي تحيط بحاملي الدكتوراه , خاصة في العالم الثالث ,وتوحي أنهم مختلفون عن بقية البشر وهم لا أساس له من الواقع .قابلت عبر السنين عدداً لا يستهان به من حاملي الدكتوراه اللامعين وعدداً مما ثلاً لا أزال حائراً لا أعرف كيف حصلوا على الدرجة وأستغفر الله من سوء الظن لابد أن أضيف بكل صراحة ,أن أي دكتوراه يحصل عليها صاحبها من موقع وظيفي كبير تبقى في ذهني محاطة بالشبهات وأستغفر الله مرة ثانية من سوء الظن .قلت مرة مازحاً شبه جاد ,إن درجات الدكتوراه في العالم العربي يجب أن تقسم إلى قسمين ,د. ق. و, .و. د. ب .و ,دكتوراه ما قبل الوزارة ودكتوراه ما بعدها ,وأستغفر الله ,مرة ثالثة ,من سوء الظن .
في خريف سنة 1988م (1388ه)أثنا التحضير للدكتوراه تزوجت .لا أود أن أشغل القراء بقصة شخصية لا تهمهم أكتفي بالقول إن الزواج كان له تأثير إيجابي على حياتي بمختلف جوانبها ,بما في ذلك الجانب الإداري .بادئ ذي بدء لم تزد مصاريف الزواج ,بما فيها المهر وثوب الزفاف والهدايا ,عن خمسة آلاف ريال كان الاحتفال وليمة بسيطة دُعي إليها عدد قليل من الأصدقاء والأقارب .في الصباح سافرت مع زوجتي إلى لبنان لقضاء "شهر العسل "الذي لم يكن سوى أسبوع واصلنا بعده السفر إلى لندن .كان الزواج البسيط في تكاليفه ومظاهره هو القاعدة المتبعة بين المتعلمين على أية حال .كنا سنستغرب ونستنكر, لو تزوج أحد منا بأي طريقة أخرى ,فيما بعد جاءت الطفرة وأصبحت تكاليف الزواج ترهق الأغنياء وتقصم ظهور الفقراء أدخل الناس أنفسهم بأنفسهم في مأزق التكاثر والتفاخر هذا وعليهم وحدهم لا على الدولة ولا الوعاظ ولا المفكرين ,تقع مسؤولية الخروج منه. استطاعت زوجتي ,طيلة حياتي الوظيفية ,التأقلم مع كل متطلباتها .عنما كنت طالباً استطاعت تدبير أمورنا بالموارد القليلة المتاحة ,قرابة مائة وأربعين جنيهاً استرلينياً في الشهر (قامت على سبيل المثال ,بطبع رسالة للدكتوراه بنفسها ,الأمر الذي مكننا من الاستفادة من مخصص الطبع المقرر لطلبة الدكتوراه ضمن مخصصات البعثة ).عندما أصبحت أستاذاً جامعياً انتقلت ,بيسر من حياة الطالب إلى حياة المدرس .عندما انتقلت إلى عمل جديد في الدمام تقبلت الأوضاع الجديدة بلا شكوى .عندما أصبحت وزيراً وطالت ساعات العمل ,وتعددت الرحلات ,لم أرها أو أسمعها تتذمر قط .تقبلت بعد ذلك ,الواجبات الاجتماعية المرهقة المتوقعة من زوجة السفير عبر السنين كانت تتولى شئون الأولاد (كنت دائماً أحمل نصيبي من هذا العبء )وكل ما يتعلق بملابسي واحتياجاتي الشخصية كان في المنزل دوماً جو من السكينة والهدوء .أسمع قصصاً شبيهة بحكايات الرعب عن زوجات مشاغبات لا يقنعهن شيء ولا تنتهي مطالبهن ,لا يتحدثن إلا بالصراخ ,ويحققن مع الزوج مع كل دخول وكل خروج ,ولا يعرفن شيئاً عن الأطفال أو المنزل .لا أدري ماذا كنت سأفعل لو تزوجت امرأة من هذا النوع ,وإن كنت أرجح أن الزواج كان سينتهي قبل انتهاء "شهر العسل "كان حظي سعيداً مع الزواج وإذا كنت ,كما أسمع أحياناً ,قد تمكنت من تحقيق بعض النجاح في حياتي العامة ,فقد كانت زوجتي الشريكة الحقيقية في هذا النجاح ,المرأة المجهولة التي تقف بحب وصمت وولاء ,وراء رجلها المعروف .لولا زوجتي لما استطعت أن أنصرف ,بكل جوارحي ,إلى الخدمة العامة .
عدت إلى الجامعة مع بداية سنة 1971م (1391ه)وفي الرياض وجدت نفسي ,تدريجياً أنغمس في دوامة من العمل .في البداية كانت هناك تجربتي مع مهنة الاستشارات القانونية
وهي تجربة جعلتني مقتنعاً بعدم صلاحيتي لا للتجارة فحسب بل لأي نوع من الأعمال الحرة كان الصديق مطلب النفيسة قد فتح مكتباً للاستشارات القانونية وطلب مني أن أتولى شئون المكتب خلال غيابه في الولايات المتحدة لدراسة الدكتوراه .لابد أن أقول إن مطلبه لم يكن يستهدف الربح عندما فتح المكتب .كان يعتبر الاستشارات القانونية هواية شخصية يقضي معها وقتاً طيباً ويتعرف من خلالها على المزيد من الأصدقاء .ورثت عن مطلب النظرة نفسها وأحسبني بالغت فيها بعض الشيء :لا يجوز تقاضي شيء من هذا العميل لأنه صديق ولا من هذا العميل لأنه موظف صغير ولا من هذا العميل لأنه يستحق النصرة المجانية .قضيت في المكتب قرابة سنة حافظت خلالها على سمعة المكتب الطيبة وأرجعت عدداً من المفصولين بل حق إلى أعمالهم ,واستخلصت من شركات كبيرة حقوقاً لدائنين صغار .إلا أنه لم تكن هناك أية أرباح .كان المكتب يغطي مصاريفه كلها ,ولا يتجاوزها بريال واحد .علمتني تلك التجربة شيئاً غريباً عن الطبيعة البشرية :لا يأخذ الناس بجدية كافية أي خدمة تقدم لهم بلا مقابل أو بسعر منخفض كانت مكاتب الاستشارات القانونية في الرياض ,وعددها لا يتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة تتقاضى خمسة عشر ألف ريال مقابل إعداد عقد من عقود الشركات .لم يكن إعداد العقد يتطلب مجهوداً يذكر .كل ما علي المكتب عمله هو نقل النموذج الذي تصدره وزارة التجارة والصناعة وإضافة أسماء الركاء إلا أن العملاء لم يكونوا على علم بهذه الحقيقة .كانوا يتصورون أن الصفحات الكثيرة ,بالإضافة إلى التكلفة المرتفعة ,تعني أنهم يتلقون نتائج مجهود جبار .رأيت أن المبلغ مرتفع وقررت أن أتقاضى عن كل عقد أعده خمسة آلاف ريال .اتصل بي صديق يعمل في الحقل ونصحني بالعدول عن القرار .وأضاف أن القرار لن يضر أحاً غيري .لم أصدقه ,وقتها إلا ما توقعه حدث بالفعل .تجنب العملاء المكتب الرخيص الذي ينتج العقود الرخيصة وأصروا على التعامل مع المكاتب الفاخرة التي تنتج العقود الغالية تذكرت أيامها قصة الشاعر الطبيب إبراهيم ناجي .زاره في عيادته ذات يوم مريض فقير سرعان ما اتضح للطبيب أن مرضه الوحيد سوء التغذية كان ناجي إنساناً كريماً رقيقاً ,فأخرج من جيبه خمسة جنيهات دفعها إلى المريض وطلبي منه أن يشتري بها أطعمة يأكلها بعد فتره رأى ناجي المريض في الشارع فسأله عن أخباره رد المريض أنا بخير يا دكتور والفضل لك أخذت جنيهاتك ودفعتها لطبيب حقيقي يتقاضى أجراً من زبائنه .
حقيقة الأمر هي أن عدداً من العملاء لم يكونوا يبحثون عن خدمات قانونية .يجيء الواحد من هؤلاء ويخبرني إن معاملته معطلة في هذه الوزارة أو تلك وإنه على استعداد لإعطائي ربع المبلغ الذي يحصل عليه إذا نجحت في تحريكها كنت أقول بلباقة إنني مستعد لأن أكتب مذكرة قانونية إذا اقتنعت بعدالة موقفه ولست على استعداد لتحريك أي شيء لم أؤمن قط أن من حقي استخدام علاقاتي الشخصية لتحقيق مصلحة مادية شخصية وإن كنت أؤمن أن من حقي أن أستخدمها لمصلحة عامة أو مصلحة آخرين يحتاجون إلى المساعدة للحصول على حقوق مشروعة .بالإضافة إلى الطلبة والمناهج كان هناك عدد من الاهتمامات بدأت أكتب مقالات نصف شهرية في جريدة الرياض وبدأت أعد برنامجاً تلفزيونياً أسبوعياً يتابع التطورات الدولية باسم "أضواء على الأنباء "في البداية كان الصديق الدكتور سليمان السليم يشاركني تقديم البرنامج ثم انسحب وتركني بمفردي حقق لي هذا البرنامج من الشهرة خلال أسابيع مالم تحققه ثلاثة دواوين من الشعر خلال أكثر من عشر سنوات كان الناس حيثما ذهبت يسألون "هل أنت فلان الذي نراه في التلفزيون "قال اللورد بيرون "نشرت ديواناً ونمت وصحوت فوجدت نفسي مشهوراً "حسناً قدمت برنامجاً تلفزيونياً ونمت وصحوت فوجدت كل من ألقاه في الشارع يعرفني .وكانت هناك أعمال استشارية في جهات حكومية متعددة عملنا الصديق الدكتور محمد الملحم وأنا مستشارين قانونيين في وزارة الدفاع والطيران .لم تكن هناك أيامها نماذج موحدة للعقود ولا شروط عامة تضعها الدولة وتخضع لها الشركات المتعاقدة كانت كل شركة أجنبية تتعامل مع الوزارة تعد العقد الذي يناسب مصالحها وترسله مع كتيبة من المحامين تمكنا بدعم متواصل من الأمير سلطان بن عبد العزيز وزير الدفاع والطيران في وجه معارضة عنيفة من الشركات أن نضع شروطاً عامة تنطبق على كل العقود كانت كل شركة تصر على إعفائها من الأنظمة السعودية جملة وتفصيلاً وكنا نصر على تتقيد كل شركة بالأنظمة السعودية جملة وتفصيلاً انضم إلينا في وقت لاحق الصديق الدكتور أحمد المالك الذي تولى إدارة العقود في الوزارة استطعنا بعد سنوات من الجهد وضع نموذج موحد أهم ما فيه أولوية الأنظمة السعودية كانت المفاوضات أحياناً تستغرق الليل بأكمله أذكر أننا مرة بعد مرة كنا نغادر مبنى وزارة الدفاع والطيران في الرياض أو فرعها في جدة والمؤذن يؤذن لصلاة الفجر .أشار الأمير الفريق خالد بن سلطان بن عبد العزيز الذي كان وقتها مسئول في قيادة الدفاع الجوي في مذكراته إلى هذه المفاوضات الليلية وكان هناك عمل استشاري آخر في وزارة المالية والاقتصاد الوطني انضممت إلى لجنة كان يرأسها الأديب العالم الشيخ الصديق صالح الحصين كان من بين مهام الجنة الأشراف على بناء فندقين ضخمين كانا يشيدان في الرياض ومكة المكرمة بعد انتهاء البناء قامت الجنة بتفاوض مع شركة انتركونتننتال التي اختيرت لتشغيل الفندقين كانت المفاوضات أشبه ما تكون بمعركة صاخبة وخرجت في نهايتها بمعلومات لا أول لها ولا آخر عن الصناعة الفندقية كان من ضمن مهام اللجنة التوقيع على مستخلصات المالية كان الشيخ صالح يقول مازحاً أنه يدقق بعناية بالغة في كل مستخلص لا يتجاوز مائة ألف ريال وانه يتساهل في دراسة المستخلصات التي تتجاوز ذلك الرقم عنما سألته عن السبب قال ضاحكاً :"لو أخطأت وطالبتني الحكومة بتسديد المبلغ فقد تجد لدي مائة ألف ريال .ولكن عندما يكون المبلغ نصف مليون أو أكثر فلن يجد عندي أحد ما يطالب به "كنا في حقيقة الأمر ندق في كل المباغ صغيرها وكبيرها وكان هناك عمل أخر في معهد الإدارة العامة قررت الحكومة إنشاء برنامج خاص في المعهد يقدم دورة مكثفة في الأنظمة السعودية مدتها سنتان لخريجي كليات الشريعة في المملكة بحيث يتمكنون بعدها من العمل مستشارين قانونيين في وزارة الدولة. طلب مني الصديق الأستاذ فهد الدغيثر مدير المعهد أن أشرف على هذا البرنامج كانت المهمة تدياً مثيراً إلى أبعد الحدود وقد أعطاني فهد كل الصلاحيات المطلوبة ووقف معي في كل خطوة من الطريق وضعت مفردات المنهج بالتشاور مع عدد من المختصين واتفقت مع بعض الزملاء السعوديين على التدريس فيه سافرت إلى القاهرة للتعاقد مع أستاذة جامعين مصريين من أطراف ما مر بي خلال تلك الزيارة أنني ذهبت لأرى عميد حقوق القاهرة كليتي القدمية (تغير العميد ولم تتغير الكلية ) ذهبت بناء على موعد سابق إلا أن الحرس الجامعي العتيد استوقفني عند البوابة الرئيسية كان الوقت صيفاً وكنت أرتدي قميصاً بدون معطف أو ربطة عنق وقدمت نفسي للجندي بدون لقب .نظر إلي الجندي بشيء من الذهول وقال "هل أنت متأكد أن لديك موعداً مع سيادة العميد ؟! "قلت :لماذا لا تكلم مكتبه وتتأكد؟ أجرى المكالمة وعاد يعتذر بحرارة .ثم قال بشيء من العتاب :كان يجب أن تخبرنا أنك دكتور ,يا دكتور ! في كل المواعيد اللاحقة كنت حريصاً على ذكر اللقب ,وكان اللقب يفتح الأبواب كانت هناك نشاطات في كل اتجاه .بدا لي أحياناً أن ساعات الليل والنهار أضيق من أن تتسع لما كنت أعمله وكانت الحياة مثيرة كما لم تكن قبل .تدريجياً بدأ الأستاذ الجامعي يتحول إلى شخصية عامة .في تلك الفترة قبل الوزارة بسنوات بدأت أدفع ضريبة الشهرة ظهر الكلام عن "عاشق الأضواء" "عاشق البروز" "عاشق الظهور "وكانت هناك تعليقات لاذعة (معظمها بطبيعة الحال يور وراء ظهري )تعلمت تلك الأيام ولم أنس قط أنه إذا كان ثمن الفشل باهظاً فللنجاح بدوره ثمنه المرتفع لا أعزو السبب إلى حسد دفين كامن في صدور الناس ,وإن كان العالم لا يخلو من عدد من المنكودين المعذبين بسعادة الآخرين .ولا أعزو السبب إلى الغيرة وإن كان العالم يحتوي عدداً من الرجال لا تختلف غيرتهم من الآخرين عن غيرة المرأة من ضرتها أعزو السبب إلى نزعة فطرية في نفوس البشر تنفر من الإنسان المختلف الإنسان الذي لا يتصرف كما يتصرفون ليس من طبيعة الأمور أن يتولى الأستاذ الجامعي كل هذه المهام العديدة الكبيرة وأن يكون فوق ذلك كاتباً وشاعراً وليس من طبيعة الأمور أن تقابل هذه الظاهرة بالارتياح إن التمايز وليس بالضرورة التميز هو أسرع وسيلة للحصول على عداء غير المتمايزين .إنني أتحدث هنا عن الأقران والأنداد وزملاء المهنة أما القاعدة العريضة من الناس فأعتقد أنها بفطرتها السخية ترحب بنجاح الناجحين لأمر ما قال القائل "اللهم اكفني شر أصدقائي أما أعدائي فأنا كفيل ببهم " وقال غيره "أصدقاؤك يستطيعون التعايش مع فشلك ,مالا يستطيعون التعايش معه هو نجاحك في هذين القولين كثير من التجني على الأصدقاء الحقيقيين ولكنهما لا يتجنيان كثيراً على الأصدقاء العاديين .هل يختلف الصديق الحقيقي عن الصديق العادي ؟بكل تأكيد الصديق الحقيقي هو الإنسان الذي اختبرته المرة بعد المرة فوجدته صامداً في وفائه ثابتاً في ولائه .هو الإنسان الذي عرفك صغيراً فلم يزدرك وعرفك كبيراً فلم يتملقك .هو الإنسان الذي رآك فقيراً فلم يتأثر وأبصرك غنياً فلم يتغير .هو الإنسان الذي تستطيع أن تكل إليه وأنت على فراش الموت ,رعاية أولادك وتموت وأنت مطمئن البال هو الإنسان الذي "يضر نفسه لينفعك "كما قال شاعر عربي قديم ,وهو" غني عنك ما استغنيت عنه كما قال شاعر عربي قديم آخر "وطلاع عليك مع الخطوب "من نافلة القول إن مثل هذا الصديق عملة نادرة كثير من الناس يحيون ويموتون دون أن يعرفوا صديقاً حقيقياً واحداً من نعم الله علي وما أكثرها ! وما أعجزني عن شكرها ! أن رزقني عدداً من الأصدقاء الحقيقيين يصل إلى عدد أصابع اليد الواحدة وهو رقم قياسي عند من يعرفون .والحديث عن الأصدقاء الحقيقيين لا ينبغي أن يغمط حق العشرات من الأصدقاء العاديين .هناك الأصدقاء المؤقتون الذي يجمعك بهم حيز زماني تنتهي الصداقة بانتهائه .هناك أصدقاء العمل الشلة الأصحاب الذين يأنس المرء إلى رؤيتهم بانتظام سواء كانت الشلة تنعقد للعب الورق أو الجلوس على المقهى أو صيد السمك أو مطارحة الشعر أو أغراض أخرى إلا أن كل هؤلاء رغم أن وجودهم في حياة الإنسان ضروري ضرورة الماء والهواء والطعام لا يمكن تصنيفهم ضمن الأصدقاء الحقيقيين .وهناك دائرة ثالثة من المعارف والأقارب تشمل المئات وقد تتسع فتشمل الآلاف وهم بدورهم جزء أساسي من حياة الإنسان إلا أننا لا نستطيع أن نطلب من أعضاء الدائرة الثالثة ما نطلبه من أعضاء الدائرة الثانية السذج ,وحدهم ,هم الذين يخلطون بين هذه الدوائر الثلاث .
عنما كنت في المدرسة الابتدائية وصل أبي إلى متجره ذات يوم فوجدني مع مجموعة من الزملاء .سألني فيما بعد "مع من كنت ؟"قلت على الفور "مع أصدقائي "قال مستغرباً "كل هؤلاء أصدقاؤك ؟"قلت بثقة الطفولة "نعم كلهم "ضحك أبي وقال" أنت محظوظ لو خلص لك من بينهم صديق واحد "ثم مضى فروى لي قصة معروفة في المأثور النجدي الشعبي سمعتها منه لأول مرة .لاحظ أب شيخ في قرية من قرى نجد أن أبنه الفتى يقضي معظم وقته مع أصحابه الكثيرين ,يزورهم أو يزورونه .سأله مرة "يا بني !لماذا لا تقضي كل وقتك مع هؤلاء الفتيان ؟"رد الابن لأنهم أصدقائي قال الأب "أسمع ! لديك كل هؤلاء الأصحاب وليس لي سوى صاحب شيخ واحد .فلنختبر أصحابك وصاحبي ونرى النتيجة
عمد الأب إلى خاروف ذبحه ,ووضعه في كيس وأعطاه عبده وذهب الثلاثة يطوفون بأصحاب الابن واحداً بأصحاب الابن واحداً بعد الآخر كلما فتح الباب صاحب منهم أخبره الابن أنه أضطر إلى قتل رجل وأشار إلى الكيس الذي يقطر دماً وطلب المساعدة من صاحبه .تعلل الأصحاب بمختلف الأعذار ورفض أي منهم أن يقدم أي نوع من أنواع العون .بعد ذلك ذهبوا إلى صاحب الأب الأوحد ,وقال له الأب ما قاله الابن لأصحابه .استمع الشيخ بهدوء إلى القصة وسأل "هل شاهد الواقعة أحد ؟"رد الأب أن أحداً لم يشاهدها غي العبد .قبل أن يحس أحد بما حدث ,رفع الشيخ سيفه وأهوى به على رأس العبد قائلاً "قص رأسه يضيع خبر ! "حسنا !هذا امتحان دموي بعض الشيء ,وتبقى
الحقيقة أن الصداقة الحقيقية لا تولد إلا في أتون التجارب القاسية .رحم الله أبي قال لي ,في صغري ,أشياء كثيرة لم أتبين مدى صدقها إلا عنما كبرت .
أستغرب عنما يتحدث رجل اعتزل المنصب ,أو اعتزله المنصب عن انفضاض "الأصدقاء "عنه الأصدقاء الحقيقيون لا يجيئون مع المنصب ولا يذهبون بذهابه .ولأصدقاء العاديون لا يتوقع منهم عاقل أن يتبعوا الإنسان كظله أينما ذهب .أما معارف الوظيفة فمن البلاء الأكيد أن يبقوا رابضين أمام الباب بعد ذهاب الوظيفة .ماذا يفعل أصحاب المصانع بوزير صناعة سابق وماذا يفعل بهم ؟! أعتقد أن الذين بهرت السلطة أعينهم ,يوم كانوا في السلطة فعجزوا عن التفريق بين صاحب المصلحة المتملق وبين الصديق .قلت إن للنجاح ثمنه وأشرت إلى تعليقات وانتقادات لاذعة ولكن كان هناك ثمن آخر باهظ لم يخطر ببالي أن أتوقعه كان البرنامج الذي سبق أن أشرت إليه في معهد الإدارة العامة يقتصر على تدريس الأنظمة السعودية المطبقة في البلاد
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يكرر التاريخ نفسه أحياناً أصغر أبنائي نجاد ,عندما كان في المدرسة الابتدائية كان يعتبر كل من حوله من الزملاء "صديقه" قلت له ما قال أبي وأتمنى أن يكون حظه مع الأصدقاء سعيداً كحظي .
كل الناس أصدقاء السلطة ومن هنا قال الرئيس كيندي عند توليه الرئاسة "سأحتفظ بأصدقائي القدامى لأني لا أستطيع الحصول على أصدقاء جدد في هذا الموقع .من الواضح أنه كان يعرف الفرق بين الدوائر الثلاث .

ولم تكن له أي علاقة بقوانين أجنبية غير إسلامية .إلا أن بعض الإخوة الكرام المشتغلين بالعلوم الشرعية لم يتمكنوا من فهم طبيعة البرنامج وتصوره مقدمة لتطبيق القوانين الأجنبية الوضعية في المملكة ,وتصورني نصير هذه الأنظمة .كنت خلال الإعداد للبرنامج قد اجتمعت بعدد من هؤلاء الإخوة ,ولاحظت هذا القلق وتحدثت عن البرنامج بإسهاب وتصورت أنني نجحت في إزالة مخاوفهم حقيقة الأمر كما اتضح فيما بعد أنني لم أنجح في هذا المسعى .صدر ديواني الثالث "معركة بلا راية "في سنة 1970م (1390ه)وأجيز للتداول في المملكة وحظي بإقبال القراء وباهتمام النقاد .كتب أحدهم ,غفر الله له فقد أفضى إلى ما قدم ,مقالاً مثيراً في صحيفة كويتية بلا توقيع تحدث فيه عن الديوان كما لو كان نسخة جديدة من "رجوع الشيخ إلى صباه" وجد الخائفون من القوانين الوضعية في الديوان السلاح الفعال لمحاربة الرجل الذي أصبح في نظرهم رمزاً يجب أن يحارب ويحطم .ذهبت وفود عديدة إلى الملك فيصل رحمه الله تطالب باتخاذ أقصى العقوبات ضد صاحب الديوان (فصله من الجامعة على أقل تقدير )طلب الملك فيصل من بعض مستشاريه قراءة الديوان وإفادته وتم ذلك ,ورفع إليه تقرير يقول إن الديوان لا يحتوي على أي شيء يختلف عما يضمه أي ديوان شعري عربي آخر في الحاضر أو الماضي .إلا أن الضجة لم تهدأ .استمرت الوفود عبر أسابيع عديدة تطالب بالعقوبة .شكل الملك فيصل لجنة وزارية ضمت وزير العدل ووزير المعارف ووزير الحج والأوقاف وجميعهم من المتعمقين في دراسة الشريعة لدراسة الديوان انتهت اللجنة إلى أنه لا يوجد في الديوان شيء يمس الدين أو الخلق .بل الأستاذ حسن كتبي وزير الحج والأوقاف أراد أن يضيف إلى المحضر فقرة يقترح فيها تكريم صاحب الديوان لأنه كتب ديواناً يستحق التكريم لعل هذه أول مرة في التاريخ تشكل فيها لجنة على هذا المستوى "لمحاكمة "ديوان .ذهبت المشكلة ولكن الدرس لم يذهب :كل شيء ثمنه .يقول الأديب السوري المعروف محمد الماغوط "ما من موهبة تمر بدون عقاب ويمكننا أن نضيف :"وما من موقف يمر بلا ثمن "لم يكن الديوان سوى قميص عثمان :لم يقرأ أحد –إنسان واحد –من الوفود المحتجة الديوان أو يره بعينيه. كانت هذه الأزمة الأولى ولم تكن الأزمة الأخيرة .في كل مرة ,كان هناك قميص عثمان ظاهر ,يتعلق بالدين والأخلاق وسبب حقيقي لا علاقة له بالدين أو الأخلاق
"جزى الله الشدائد كل خير!"لم أكن أعرف الأمير عبدالله بن عبد العزيز قبل هذه الأزمة سمعت من أحد المقربين إليه أنه اتخذ خلال الأزمة موقفاً نبيلاً وحث الملك على عدم الاستجابة إلى مطالب الغاضبين المتشنجة .عندما سمعت بهذا الموقف ,بعد انتهاء الأزمة ذهبت لأسلم عليه وأشكره ,وكان هذا اللقاء بداية التعرف .على الذين يرون في الصلات الشخصية تفسيراً لكل شيء ,أن يذكروا أن هذه الصلات يمكن أن تبدأ في أعماق الأزمات لا أود أن أترك هذا الموضوع قبل أن أشير إلى قصة بيروقراطية ظريفة تدل على مكر البيروقراطية الذي تزول الجبال (كنت في هذه الحالة المستفيد من المكر! )عندما بدأت الأزمة أمر الملك فيصل وزير الإعلام الأستاذ إبراهيم العنقري بتشكيل لجنة من عدة جهات تناقش الذي أجاز الديوان .أبلغ الوزير وكيل الوزارة ,الأستاذ فهد السديري بالأمر واجتمعت اللجنة .كان من ضمن الأعضاء مستشار قانوني قال إنه لابد من رؤية الأمر الملكي لمعرفة مهمة اللجنة بالتحديد .دارات مراسلات عديدة انتهت بأن الأمر الملكي صدر شفوياً ولم يتضمن مهمة محددة (استغرقت الملية بضعة أسابيع )عندما اجتمعت اللجنة مرة أخرى تبين للمستشار القانوني أن الأمر الشفوي لم يحدد رئيساً للجنة وبالنظر إلى وجود عدة أشخاص من مراتب متساوية كان من الضروري طلب التوجيه (واستغرقت العملية بضعة أسابيع أخرى).عندما أمكن الإجابة عن كل الأسئلة القانونية كان الموضوع قد تجاوزه الزمن وإن كان ملأ ملفاً ضخماً بالمراسلات .فلنعد إلى نشاط متعدد الجوانب .لم يكن النشاط في سبيل النشاط (أو البروز أو الظهور)كنت في حاجة إلى كل ريال أحصل عليه من الأعمال الإضافية عندما أنهيت مرحلة الدكتوراه عقدت العزم على أن أعتمد على نفسي كلية وألا أكلف أسرتي أي عبء مالي .كنت قبيل سفري للدكتوراه قد حصلت على المرتبة الثانية .لم تكن هناك صعوبات هذه المرة كانت متطلبات متوفرة والمرتبة الثانية موجودة .كان راتب المرتبة وقتها ألفاً وثمانمائة ريال .عند عودتي وجدت أن الجامعة قد تمكنت من إضافة مكافأة تدريس إلى رواتب أعضاء هيئة التدريس وكان الراتب مع هذه المكافأة يقل قليلاً عن ثلاثة آلاف ريال .كانت متطلباتي المادية تفوق هذا الرقم بكثير .كنت أدفع ألف ريال قسط سيارة اشتريتها من الصديق عمران العمران .وكنت أدفع ألف ريال قسط سيارة اشتريتها من الصديق عبد الرحمن العيسى (باعها ,مشكوراً ,بلا مقدم )وكنت أدفع ألف ريال قسط الأثاث والمعدات الكهربائية .كان الدخل الإضافي ضرورياً لمواجهة هذه الأعباء .كنت أتقاضى من وزارة المالية والاقتصاد الوطني مبلغ ألف ريال شهرياً وأستلم مبلغاً مماثلاً من وزارة الدفاع والطيران وكنت أتلقي من معهد الإدارة العامة مبلغ ألف وخمسمائة ريال .على هذا النحو تمكنا ,زوجتي وأنا ,مقابلة كل التزاماتنا .كثيراً ما كان الشهر ينتهي دون أن يكون لدينا ريال واحد فائض (كان الفائض عندما يوجد ,يذهب في شراء الكتب ) أريد أن أتوقف هنا لأقول إن على الذين يريدون أن يتمتعوا بطيبات الحياة في هذه الحالة المنزل والسيارة والأثاث المريح ,أن يكونوا مستعدين للعمل الشاق .أخشى أن بعضنا خلال الطفرة بدأ يتوقع أن يلقى كل شيء دون أن يقوم من جانبه بعمل أي شيء .لا شك في أني أفدت من أعمالي الاستشارية خبرة لا تقدر بثمن من كيفية عمل الشركات متعددة الجنسية إلى كيفية وضع المناهج الأكاديمية .ولاشك أيضاً في أنه بدون الدخل الذي جاء من هذه الأعمال الإضافية لم يكن بوسعي أن أواجه التزاماتي المادية .بعد أن سددت الأقساط كلها ,وقد استغرق الأمر أربع سنوات من الجهد المضني ,قررت ألا أشتري بعدها شيئاً بالتقسيط . إذا لم يكن لدي ثمن شيء ما فسوف أنساه وأصرف النظر عن شرائه مهما كانت رغبتي في اقتنائه تمكنت بفضل الله وتوفيقه من ذلك الحين إلى الآن أن أعيش بدون ديون بدون ذلك الذل المزعج في النهار والهم المؤرق في الليل .لا أستطيع أن أفهم كيف يستطيع إنسان مكبل بالديوان أن يعرف الطمأنينة والسكينة خاصة عندما تكون الديون مخصصة لأغراض استهلاكية خالصة أو الترف لا علاقة له بالحاجات الحقيقة .أصل الآن إلى محطة هامة في حياتي الإدارية هامة في ذاتها وهامة في تأثيرها على ما تلاها من محطات ,وهي قصة تستحق أن تروى بشيء من التفصيل .كان هذا العمل أصعب ما توليته في حياتي من أعمال أصعب من وزارة الصناعة والكهرباء ,وأعب من وزارة الصحة وأصعب من السفرة البحرين وأصعب من السفارة في لندن والسبب في ذلك بسيط :مسئولية العميد كما أفهمها أنا لا كما يفهمها أنا لا كما يفهمها العمداء الصوريون لا توجد بجانبها سلطة تعادلها .لا شيء يشبه إحباط الإنسان الذي يرى نفسه مسئولاً عن أشياء لا أول ولا آخر دون أن تكون لديه أي سلطة الدرس الكبير الذي تعلمته من تلك التجربة وهو درس أوصي كل إداري ناشئ أن يضعه نصب عينيه طيلة الوقت هو: لا تتعامل مع أي موقف دون أن تكون لديك الصلاحيات الضرورية للتعامل معه لم أكن أعي هذا الدرس وجلبت لنفسي وللآخرين قدراً لا يستهان به من المتاعب .
فلنبدأ من البداية .لماذا أصبحت عميداً لكلية التجارة ؟سأحاول أن أكون صريحاً إلى أبعد الحدود لم تكن الكفاءة هي السبب فقد كان بين الزملاء من هو أكثر كفاءة ولم تكن الأقدمية هي السبب فقد كان معظم الزملاء أقدم مني ولم يكن التخطيط هو السبب فكل من قرأ الصفحات الماضية أدرك أنه لم يكن هناك تخطيط كان السبب الحقيقي أنني كنت عضو هيئة التدريس السعودي الوحيد الذي لم تكن لدي وكيل الجامعة تحفظات عليه وسبب الرضا هو أنه لم تكن لدي تطلعات قادت إلى ظلامات .أما بقية الزملاء فقد كان لدى معظمهم عدد من الظلامات النابعة من تطلعات لم تتحقق وكانت التطلعات في مجملها لا تفاصيلها ,تطلعات مشروعة .
وطنت نفسي منذ عرفت الأستاذ حسين السيد على أسلوبه في الإدارة وكنت أعرف أنه لا يستطيع تغييره حتى لو أراد لم لأضيع لحظة واحدة من وقتي أو من وقته في إقناعه بتفويض لم يكن يؤمن به أساساً ووطنت نفسي على طريقة الدكتور عبد العزيز الخويطر في الإدارة هذه الطريقة التي تشكل جزءاً لا يتجزأ من شخصيته .تركت الكلية لأوضاعها وتركت الجامعة لأوضاعها ولم أدخل صراعاً مع أحد .لم يكن هذا هو الحال مع معظم الزملاء السعوديين كانوا يشعرون شعوراً عميقاً بالغبن .ولم لا ؟كان لكل كليات الجامعة الأخرى ,العلوم والزراعة والصيدلة والطب والهندسة ,عمداء سعوديون .لم يكن هناك عميد غير سعودي إلا في كلية الآداب وكلية التجارة .لم يستطع الزملاء أن يفهموا السر الذي جعل زملاءهم في الكليات الأخرى قادرين على تولي العمادة .لم يكن من حقهم حضور مجلس الكلية إلا أعضاء مراقبين لا يجوز لهم التصويت وإنما يحضرون "بغرض التدريب "كان الوضع بالفعل لا يخلو من غرابة هناك أستاذ سعودي يتولى العمادة ويشارك في كل مجالس الجامعة ويساهم في رسم سياستها وهنا أستاذ سعودي لا يستطيع المشاركة حتى في مجلس الكلية .هذه الظلامة المشروعة أدت إلى توتر شديد في العلاقة بين الزملاء وبين وكيل الجامعة من ناحيته ,كان وكيل الجامعة يرى أن تؤخذ غلاباً وأن فترة من التدريب لا تضر أحداً وأن على الزملاء أن يثبتوا أنهم قادرون على التعامل معه بالحسنى قبل أن يطلبوا بعمل يتطلب احتكاكاً يومياً به كانت هناك محاولة للوصول إلى حل وسط كلف أحد الزملاء بوكالة الكلية إلا أن التجربة كانت فاشلة من يومها الأول .لم يترك العميد أي مجال للوكيل الذي وجد نفسه يشغل منصباً لا معنى له انتهت التجربة بشعور بالمرارة شمل جميع الأطراف .
كان الجو في الكلية عندما رجعت بالدكتوراه مليئاً بالمغناطيسية: عميد يرى أن ولاءه الأول والأخير لوكيل الجامعة ,وكيل جامعة لا يرى أي مبرر لتغيير العميد الذي يثق به ويعتمد عليه ؛وزملاء يرون أن العميد يجب أن يتغير (ووكيل الجامعة إن أمكن ) جرت بعض المحاولات لجري إلى جبهة "الصمود والتصدي "إلا أنني لم أستجب لم يكن لدي وقت فائض لمشاغبات لا تغني ولا تسمن من جوع عندما انتهت فترة الزميل الذي كلف بالوكالة اقترح الأستاذ حسين السيد علي ,بموافقة الدكتور عبد العزيز الخويطر أو بإيحاء منه أن أتولى الوكالة قبلت بلا تردد لأني كنت أعرف أن المنصب الجديد لا يحمل عبئاً أو مسئولية .قلت لزوجتي وقتها ,ولم أكن أمزح إن كل ما تعنيه الوكالة انتقالي إلى مكتب أوسع بكثير من المكتب الضيق الذي كان يشاركني فيه زميل آخر.
قبل أن يصدر قرار تعييني وكيلاً للكلية حدث شيء لم يكن في حساب أحد طلب وزير
المعارف الرئيس الأعلى للجامعة الشيخ حسن آل الشيخ رحمه الله من الدكتور عبد العزيز الخويطر أن يعين عميداً سعودياً لكل من كليتي الآداب والتجارة .وأبلغه أن هذه الرغبة لا تأتي منه شخصياً وإنما بتوجيه من الملك فيصل رحمه الله وأبلغه أن من الضروري وضعها موضع التنفيذ قبل بدء السنة الدراسية الجديدة 1971-1972م (1391-1392ه).لا أظن أن أحداً من القراء سوف يكون بحاجة إلى ذكاء خارق ليتوقع ما حدث :اقترح الدكتور الخويطر أن أتولى أنا العمادة إلا أنني لم أوافق على الفور لم يكن الأمر بهذه السهولة .وظيفة الوكيل الفخرية لم تكن لتعني شيئاً أو لتزعج أحداً أما العمادة فقضية مختلفة تماماً
هل سيقبل الزملاء التعاون مع زميل يفوقونه أقدمية ؟هل سيرضى الزملاء عن مرشح مؤهله الرئيسي علاقته الطيبة مع وكيل الجامعة ؟ماهو شعور الذين كافحوا من أجل التغيير عندما يجيء التغيير لصالح إنسان تأقلم مع الأوضاع الراهنة ولم يطالب بتغيير ؟وهل يستطيع العميد أن يدير شؤون الكلية بدون تعاون كامل من الزملاء ؟وماذا عن وكيل الجامعة ؟هل سيبقى الوكيل راضياً عندما تبدأ مطالب العميد ؟لم أكن خبيراً وقتها بالطبيعة البشرية ولا أدعي أنني الآن خبير بالطبيعة البشرية ولكني أدعي أنني كنت أعرف أني أسعى إلى حقل الألغام .
حاولت التملص كتبت إلى الدكتور الخويطر رسالة ضمنتها ثلاثة شروط "غير قابلة للتفاوض "لكي أقبل العمادة الشرط الأول هو أن تكون العمادة لفترة واحدة سنتين دون تجديد والشرط الثاني هو أن يتيح لي المجال للقيام بدوري في الإصلاحات التي أعتقد أن الجامعة تحتاج إليها .والشرط الثالث هو أن يوافق كل الزملاء السعوديين في الكلية كلهم بلا استثناء على تعييني وأضفت أن أي اعتراض من أي واحد من منهم سوف يكون في نظري بمثابة "فيتو"يمنع صدور القرار كنت واثقاً أن هذه الشروط المقدمة إلى رجل لم يسبق له التعامل مع شروط كفيلة بإنهاء الترشيح كتبت هذا كله وتنفست الصعداء . كانت المفاجأة أن يقول لي الدكتور الخويطر عندما زرته بعد يومين من الرسالة إنه لا يوافق على الشروط فحسب بل يرحب بها .فيما يتعلق بالمدة كان من رأي الخويطر أن هذه أفضل وسيلة لتداول العمادة بين كل الزملاء .فيما يتعلق بالإصلاحات ,قال إني أستطيع أن أطرح ما شئت من اقتراحات على مجلس الجامعة وإنه لن يعترض على شيء يقره المجلس وفيما يتعلق بموافقة الزملاء جميعاً ذكر لي أنه كلف الدكتور عبدالله الوهيبي أمين عام الجامعة ,بأن يجتمع بالزملاء ويحصل على موافقتهم تم الاجتماع بالفعل وأخبرني الدكتور الوهيبي أن الزملاء كافة وافقوا على تعييني وبلا تحفظات فيما بعد أصيب البعض بفقدان الذاكرة قال من قال إن المشاورة كانت شكلية وقال من قال إنه لم تكن هناك أية مشاورة وإنما كان هناك مجرد إبلاغ بقرار سبق أن اتخذ قوة الذاكرة ليست من سمات البيروقراطية ولهذا لم أكن وقتها ولست الآن من دهاة البيروقراطيين فقدان الذاكرة لا يهم , ما يهم هو أنني أصبحت في سن الحادية والثلاثين بعد سنة واحدة من حصولي على الدكتوراه ,عميداً لكلية التجارة .لابد قبل الحديث عن تجربتي الحلوة /المرة مع العمادة أن أتحدث عن دور العميد في الأنظمة الجامعية المختلفة .فرنسا يتداول العمادة أقدم الأساتذة ويتداولونها لأسباب أكاديمية خالصة من تمام الوجاهة الأكاديمية أن يتوج الأستاذ حياته المهنية بالعمادة . وكتب القانون مليئة بالإشارات إلى " الأستاذ العميد " انتقل هذا التقليد بحذافيره إلى مصر في النظام الأمريكي على النقيض تماماً يعتبر رئيس القسم أو مديرة مسئولاً عن الشؤون المالية والإدارية ولا تحمل الوظيفة معها أي نوع من أنواع "الوجاهة" في بريطانيا يتأرجح الوضع بين النقيضين : المنصب الفخري الخالص والمنصب الذي لا يكاد يختلف عن عمل السكرتير في جامعة الملك سعود التي نقلت نظامها بحذافيره من التقليد المصري / الفرنسي كان المفروض أن يسود التقليد المصري / الفرنسي حيث لا تكاد العمادة نعني شيئاً يتجاوز الوجاهة المظهرية إلا أن جامعة الملك سعود كانت جامعة وليدة لم تستقر بعد تقاليدها وكان هذا العميد بالذات شاباً متحمساً لا يحمل كثيراً من الاحترام للتقاليد المصرية / الفرنسية الجامعية .
"سعادة العميد "لقب سحري جديد! هل شعرت بدفقة جياشة من دفقات النشوة ؟لم تكن هناك نشوة بالمنصب ولا فرحة باللقب "تغيرت القبعة الجديدة ولد مخلوق جديد .الأكاديمي الذي كان لا يريد شيئاً سوى أن يترك وشأنه مع طلبته ومهامه الاستشارية أصبح الآن مسئولاً بارزاً في الجامعة ,ومع هذا الموقع جاءت مسئوليات وطموحات جديدة منذ الأسابيع الأولى وجدت نفسي في دوامة طاحنة من العمل لم تكن هناك دقيقة واحدة ,واحدة ,من الفراغ .طالب يدخل وآخر يخرج زميل يريد هذا وزميل يطلب ذاك ولي أمر يرجو قبول ابنه وآخر يرجو إعطاء ابنه فرصة أخيرة قبل فصله ولا ينقطع الهاتف عن الرنين .قرارات كثيرة متنوعة تتخذ على الفور وآراء ومقترحات تنهال من كل مكان.كان من حسن حظي أن وافق الصديق الدكتور منصور التركي على أن يتولى وكالة الكلية .عهدت إليه ,على الفور ,بشئون الطلاب كلها .لم تكن وكالة فخرية ؛كان شريكاً فعلياً في كل شيء .إذا كان قد تحقق أي إنجاز خلال عمادتي فما كان له أن يتحقق بدون منصور التركي .تمكنت ,بمساعدته أن أجد الوقت الكافي للتأمل وتمكنت بفضل وجوده الدائم أن أترك الكلية لمهامي الأخرى في الجامعة وأنا مطمئن كل الاطمئنان .
قلت إن المسئولية التي تقع على عاتق العميد كبيرة من الناحية النظرية "يتولى العميد إدارة شؤون الكلية العلمية والإدارية في حدود النظام ""كما يتولى حفظ النظام في الكلية أو المعهد "من الناحية العلمية كان العميد مسئولاً أمام الجميع عن كل شيء .كل الأساتذة العاملين في الكلية يحملون مطالبهم ومشاكلهم إلى العميد .كل الموظفين الإداريين العاملين في الكلية ليس لهم من مرجع سوى العميد .كل طالب يعاني أي مشكلة ,كبيرة أو صغيرة يجري بها إلى العميد (كان المكتب مفتوحاً على مصراعيه ولم يكن هناك سكرتير ينظم المواعيد )كل طلبات الكلية المادية من الأوراق إلى الطاولات ,تستقر على مكتب العميد .
في مقابل ذلك لا تكاد توجد أي صلاحيات سوى تلك التي ينتزعها العميد لنفسه انتزاعاً .المادة التي نصت على أن تكون إدارة العميد شئون الكلية "في حدود النظام "جردته بهذه الكلمات الثلاث من كل صلاحية لا توجد في أي نظام أي صلاحيات محددة للعميد (سوى رئاسة مجلس الكلية ! )لا يستطيع العميد صرف ريال واحد ,واحد ! دون موافقة إدارة الشئون المالية في الجامعة .ولا يستطيع تعيين فراش واحد ,واحد! بدون موافقة وكيل الجامعة .في الشئون الأكاديمية هناك مجالس الأقسام ومجلس الكلية ولا يستطيع العميد في هذا المجال فعل شيء دون موافقة هذه المجالس .على مستولى الجامعة لا يستطيع العميد إدخال أية تغييرات من أي نوع إلا بموافقة مجلس الجامعة (الذي يتكون من العمداء ومن أستاذ من كل كلية ويرأسه وكيل الجامعة ) هناك بعد هذه المجالس كلها ,المجلس الأعلى للجامعة ويرأسه وزير المعارف كان الأستاذ حسين السيد أمين عام المجلس الأعلى ومنه ورثت هذه المهمة إلا أن المجلس الأعلى لم يكن يجتمع إلا نادراً وكان غالباً يكتفي بالتصديق على قرارات سبق أن اتخذها مجلس الجامعة .في ضوء ماتقدم,لابد أنه قد اتضح للقارئ أن دور العميد الحقيقي لا يكاد يتجاوز دور ساعي البريد :ينقل الأوراق من الكلية إلى الجامعة وبالعكس .وكان المفروض أن أكتفي بهذا ىالدور إلا أنني في فورة الشباب كنت أنظر العمادة نظرة تختلف تماماً عن النظرة التي حددتها التقاليد وتختلف تماماً عن النظرة التي لرسمتها "الأنظمة "كنت أرى أن العمادة يجب أن تكون عملاً حقيقياً هاماً يمارس شاغله أعمالاً حقيقية هامة .
حسناً ماذا ما فعل العميد ذو الطموحات الكبيرة –طموحات العمل لا الطموحات الشخصية – بالصلاحيات المحدودة ؟بادئ ذي بدء صرفت همي إلى تلك القرارات التي كان بوسعي أن أتخذها دون الرجوع إلى أحد ,القرارات التي لا تتطلب اعتمادات مالية تذكر ,ولا تتطلب موافقة من أي مجلس ضمن هذا الحيز تحركت في كل اتجاه كان بوسعي أن أتحرك فيه كنت أتخذ قراراً بقبول الطلبة الذين أقتنع بصلاحيتهم للدراسة حتى عندما لا تتوافر شروط القبول التي وضعتها الجامعة .كنت أعطي الدرجات اللازمة لنجاح الطالب الذي يقف على شفا النجاح بسخاء يتجاوز سخاء "لجان الرأفة ":في كل كليات الجامعة مجتمعة دفعت النشاط الثقافي والفكري والاجتماعي في الكلية إلى أقصى مدى سرعان ما ظهرت ثلاث مطبوعات مجلة أكاديمية رصينة ومجلة ثقافية عامة ونشرة يصدرها الطلاب ( و يملأونها بالمواضيع الساخنة والتعليقات اللاذعة )اكتشفت أيامها سراً عظيماً من أسرار الإدارة :افتح المجال أمام الآخرين وسوف يذهلك ما تراه من منجزاتهم تفتحت مواهب المعيدين وانطلقت مواهب الطلبة .كان شعوري لا يختلف عن شعور الرجل الذي فتح قمقماً ليفاجأ بمارد جبار ينطلق ,مارد خير لا شرير (أخذت هذا المارد معي حيثما ذهبت !)قامت في الكلية عدة جمعيات علمية وكانت الجمعية الرائدة هي جمعية العلاقات الدولية التي أنشأها الدكتور سليمان السليم سرعان ما أصبح نشاط الكلية الثقافي الذي كان متنوعاً وشيقاً واستقطب محاضرين ممتازين حديث الرياض بأسرها هل أتجنى على الحقيقة إذا قلت إن كلية التجارة كانت في تلك الأيام كلية مثيرة ربما الكلية الوحيدة المثيرة في الجامعة ؟أترك الجواب لمن عاصروا تلك الفترة .ماذا عن القرارات والإدارية التي كانت تحتاج إلى موافقة وكيل الجامعة ؟كنت أنقض على الدكتور الخويطر بمطالبات لا تنتهي بإلحاح لا يمل لابد أن أقول إحقاقاً للحق إن الدكتور الخويطر كان متجاوباً مع الطلبات ,ولا بد أن أضيف إحقاقاً للحق إن الدكتور الخويطر كان متجاوباً بالقدر الذي تسمح به طبيعته الإدارية المحافظة .أهم ما أنجزته ,في هذا المجال هو إقناعه بتعيين ستة معيدين دفعة واحدة وكان هذا تقليداً حميداً استمر في السنة التي تلتها .في الماضي لم تكن الكلية تعين إلا معيداً أو معيدين في السنة ,وأحياناً لا تعين أحداً (لماذا؟ علم هذا عند ربي !) لم تقتصر مطالباتي المحة على وكيل الجامعة .اكتشفت في تلك الفترة ولم أنس قط أن القرار كثيراً ما يكون من صنع الموظف الصغير الذي أعده لا المسئول الكبير الذي وقعه كنت أقضي جزءاً كبيراً من وقتي أطوف على الإدارات أرجو هذا المدير وأتوسل إلى ذاك .
ماذا عن الشئون الأكادمية في الكلية ؟كنا سائلر الزملاء السعوديين وأنا مقتنعين أن مناهج الكلية التي لم تتغير منذ ميلادها في سنة 1959م (1379ه)في حاجة إلى تطوير شامل لم يكن في الكلية سوى تخصصين اثنين أولهما الإدارة والمحاسبة ,وثانيهما الاقتصاد والعلوم السياسية وكان التخصص يبدأ في السنتين النهائيتين .كان من رأينا جميعاً أن الأوان قد آن لتوسيع التخصصات وتنويعها وهذا ماكان .اشتمل المنهج الجديد على سنة أولى مشتركة تتفرع بعدها التخصصات وتقود إلى شهادات بكالوريوس في كل من الاقتصاد والمحاسبة وإدارة الأعمال والدراسات السياسية والدولية والإدارة العامة والأنظمة لم يكن إقرار المنهج الجديد عملية سهلة فقد كانت لكل منا آراؤه وتوجهاته وكثيراً ماكان مجلس الكلية ينعقد يومياً لبحث هذا الموضوع بعد بضعة شهور من هذا النشاط المكثف تمكنت من رفع المنهج المتكامل الجديد إلى مجلس الجامعة حيث أقربلا تعديلات (سوى تأخير منهج الأنظمة )
رحم الله الأستاذ حسين السيد !لم يتأقلم مع الوضع الجديد ,تحول الرئيس إلى مرؤوس فحسب بل قدم لي كل ما احتجت إليه من عون طلبت منه أن يستمر في أداء المهام التي أتقنها عبر السنين والتي لم يكن لدي الوقت أو الجلد أو الرغبة في تعلمها في مقدمة هذا المهام إعداد جدول المحاضرات .هذه مهمة تحتاج إلى صبر أيوب وإلى دهاء إياس وتتطلب الموازنة الدقيقة بين مصلحة الطلاب ورغبات الأساتذة وكان من بين المهام الإشراف على الكونترول "وما أدراك ما "الكونترول "لجنة الامتحانات التي تضم ما لا يكاد يحصى من اللجان الفرعية :لجنة الأرقام السرية ,ولجنة التصحيح ,ولجنة طبع الأسئلة ,ولجنة فتح المظاريف ,وغرائب أخرى من هذا القبيل .إلا أن الوضع الجديد كان يختلف عن الوضع القديم .لم يكن الأستاذ حسين الآن يتخذ قراراً إلا بعد الرجوع إلى العميد .تغيرت المواقع ولم تتغير العلاقة الممتازة .
ألا تبدو الصورة التي رسمتها عن العمادة حتى الآن وردية أو قريبة من اللون الوردي ؟لماذا قلت إذن إن العمادة هي أصعب عمل توليته في حياتي ؟أولاً تحدثت هنا عن الأشياء التي أنجزت وهي كثيرة ولم أتحدث عن الأشياء التي لم تنجز ,وهي أكثر .ثانياً تحدثت هنا عن النتيجة ولم أتحدث عن عملية المخاض البطيئة الأليمة التي كانت تسبق النتيجة كانت هناك إنجازات لا تنكر إلا أنه كانت هناك صعوبات لا يمكن أن يتجاهلها إلا فاقدو البصر وإلى هذه الصعوبات سوف أنتقل الآن كانت الصعوبة الأولى والأساسية تكمن في التعامل مع الزملاء السعوديين في الكلية ,أو معظمهم إذا أردنا الدقة في البداية كان هناك شهر العسل المعتاد ثم بدأت المشاكل ترفع رأسها كانت المشاكل كلها تتمحور حول سؤال واحد :أين تبدأ صلاحيات العميد وأين تنتهي ؟كنت أرى أنه مادام العميد ,بحكم النظام والواقع هو المسئول الأول والأخير عن كل ما يدور في الكلية فيجب أن تكون له كلمة ولا أقول الكلمة في كل ما يدور في الكلية وكان الزملاء أو معظمهم يرون أن أي تصرف يقوم به العميد خارج النطاق الضيق المحصور الذي تعودوا عليه دور ساعي البريد الذي سلفت الإشارة إليه هو اعتداء على استقلاليتهم وتعسف في استخدام السلطة يجب أن يقاوم بكل ضراوة هذه المسألة النظرية لا يمكن تفهمها إلا بأمثلة عملية .
كان عدد الطلاب يجيئونني شاكين من أنهم لا يستطيعون مقابلة أستاذ ما لاستيضاح بعض المسائل لأنه "من الفصل للسيارة ومن السيارة للفصل "هل من حق العميد أن يطلب من كل أستاذ أن يخصص ساعات محددة ومعروفة لمقابلة الطلبة الراغبين في مقابلته ؟كنت أرد بالإيجاب وكان معظمهم يردون بالنفي (نحن لسنا فراشين عندك!)كان بعض الطلبة يجيئون شاكين من أن الامتحان على الأبواب وأن أستاذ المادة لم يوزع مذكرات المنهج .هل من حق العميد أن يناقش أستاذ الحساب في موقف كهذا ؟كنت أرد بالإيجاب وكان معظمهم يردون بالنفي (أنا حر في مادتي ! وحر مع طلبتي !)كان بعض الطلبة يشتكون من أن أستاذ المادة سافر بغتة وأوكل مهمة تدريس المادة إلى زميل آخر .هل من حق العميد أن يطلب من الأساتذة ألا يسافروا إلا بعد التنسيق معه ,على السفر وعلى المدرس البديل ؟
كنت أرد بالإيجاب وكان معظم الزملاء يردون بالنفي (نسافر عندما نشاء ! وننيب في تدريس المادة من نشاء !)كان بعض الطلبة يجيئون شاكين من أن أستاذاً ما يوجه إليهم خلال المحاضرات ,أقذع الشتائم .هل من حق العميد أن يتخذ إجراء مع أستاذ كهذا؟
كنت أرد بالإيجاب وكان معظم الزملاء يردون بالنفي (ما علاقة العميد بموضوع كهذا ؟هذا اختصاص القسم !)كان الصراع وقتها يبدو صراعاً شخصياً إلا أنه من الواضح من هذا المدى الزمني البعيد أنه كان في جوهره صراعاً حول "حماية المواقع "كان العميد يريد أن يحمي موقعه من تدخل الزملاء وكان الزملاء يريدون حماية مواقعهم من تدخل العميد .بدأت هذه المشاكل اليومية تفسد العلاقة بين عدد من الزملاء وبيني .كان بالإمكان بشيء من الصبر والهدوء أن نصل إلى حلول وسط إلا أننا كنا شباباً متحمسين يفتقرون إلى الصبر والهدوء .كانت النتيجة توتراً شديداً أضر بالزمالات (وأحياناً بالصداقات ! ) مرت علي أسابيع لم تكن فيها علاقتي بعدد من الزملاء تتعدى التحية الروتينية أعتقد أن الزملاء عندما كانوا يتذكرون العميد القديم الذي حاربوا لإزاحته كانوا يرددون "رب يوم ....!"
تعقدت الأمور أكثر فأكثر عندما انتقل الدكتور عبد العزيز الخويطر من الجامعة ليصبح رئيس ديوان المراقبة العامة قبل نهاية السنة الدراسية الأولى من عمادتي حل محله الدكتور عبد العزيز الفدا ( الذي أصبح بعدها بفترة وجيزة مديراً للجامعة )تصور بعض الزملاء أن الوضع الجديد في الجامعة سيجعلني أقل إصراراً على موقفي في الكلية إلا أنني رأيت أن التغيير في إدارة الجامعة ليس له علاقة من قريب أو بعيد بما كنت أعتبره حقوق العميد المشروعة هنا أصيب بعض مفاجئ في الذاكرة تذكروا أنني عينت عميداً بسبب علاقتي الطيبة مع الوكيل السابق ولم يتذكر أن الجميع وافقوا على التعيين دون أي تحفظات .
كانت علاقتي بالوكيل الجديد حسنة إلا أنها كانت تفتقر إلى العمق الزمني الذي كان يميز علاقتي بالوكيل السابق .في البداية لم أجد أي صعوبة في التعامل مع الرئيس الجديد (شهر العسل المعتاد !)إلا أنني بدأت أشعر بالإحباط عنما اتضح لي أن طريقته في اتخاذ القرارات تختلف جذرياً عن طريقة سلفه .كان من عادتي أن أذهب لمقابلة الدكتور عبدالعزيز الخويطر مرة أو مرتين في الأسبوع ومعي قائمة بالأشياء التي تحتاج إلى موافقته كان يوافق على بعضها ويعترض على بعضها ونتفق على تأجيل البقية في أقل من نصف ساعة أكون قد حصلت على كل القرارات المطلوبة أو فشلت في الحصول عليها للدكتور الخويطر كبقية الإداريين سلبياته إلا أن أحداً لم يتهمه بالتردد قبل اتخاذ القرارات أو بالبطء في اتخاذها كان يعرف تماماً ما يريد حتى عندما يكون ما يريده غير صحيح (في نظري )لم يكن الدكتور عبدالعزيز الفدا جديداً على الجامعة فقد سبق له أن تولى عمادة كلية التربية إلا أنه لم يكن يؤمن بهذا الأسلوب الفوري في اتخاذ القرارات يمكن بطبيعة الحال تفهم موقعه :كان جديداً في موقع المسئولية العليا وكان يريد أن يتبين موقع قدمه قبل اتخاذ أي قرار .ولم أرتح بحكم تركيبتي النفسية من التعامل مع رئيس يحتاج إلى وقت طويل للتأمل قبل اتخاذ القرارات وصلت إلى ما يشبه الطريق المسدود كنت بين المطرقة والسندان بين رئيس لا يستجيب بسرعة وبين زملاء اكتشفوا فجأة في ما يشبه عودة الوعي "الحكيمية" أني فرضت عليهم بقوة السلاح (التي لم تعد موجودة )تحول العمل إلى قطعة يومية من العذاب أذكر أن منصور التركي قال لي وقتها إنه لاحظ أني كنت أصاب بنوبة شديدة من نوبات القرحة في أعقاب كل اجتماع لمجلس الكلية أو لمجلس الجامعة وكانت الملاحظة في محلها رغم ذلك لم أكن مستعداً للتنازل عن حقوق العميد كما كنت أفهمها .
كان هناك ما هو أخطر من هذه المنغصات كنت أشعر يوماً بعد يوم بعجزي عن أضع موضع التنفيذ أي جزء من فلسفتي في التعليم وهي فلسفة تبلورت تدريجياً عبر السنين كنت ولا أزال أرى أن فلسفة التعليم في العالم العربي ومعظم العالم الثالث فلسفة تتناقص كلية مع متطلبات التنمية وكنت ولا أزال أرى أنه مالم تتغير هذه الفلسفة فسوف تظل التنمية الحقيقية حلماً بعيد المنال أقتبس من مقال نشرته في تلك الفترة الملامح الرئيسة للنظام التعليمي الذي أومن بفعاليته "يتلقى النظام المقترح الطالب في سن السادسة ويدرسه لمدة سبع سنوات متوالية في مرحلة واحدة المواد الأولية الضرورية بعد هذه المرحلة يجري تقييم الطلاب عن طريق امتحانات موضوعية دقيقة عادلة وتقسيمهم إلى نوعين النوع الأول وهو غالبية الطلاب يوجه إلى المدارس المهنية من صناعية وزراعية وتجارية وسكرتارية إلخ ...والنوع الثاني وهو الأقلية ويشمل الطلاب الحائزين على نسب عالية جداً ويوجه إلى المدارس الثانوية لمدة أربع سنوات ومنها إلى الجامعة .أما في الجامعة فيصبح قبول الطلاب في الكليات والأقسام على أساس احتياجات البلاد الراهنة والمستقبلية لا رغبات الطلاب التي كثيراً ما تكون مبنية على اعتبارات السهولة .
كنت أرى نذر الخطر في الكلية كانت الكلية تقبل أعداداً متزايدة من الطلاب وكنت أخشى أن نصل يوم تصبح الكلية فيه شبيهة بكليات مصر حيث تغص المدرجات بالآلاف .وكان هناك بالإضافة إلى الطلبة المنتظمين طلبة منتسبون يحضرون آخر العام ويمتحنون وكانت أعداد هؤلاء بدورها في تزايد مستمر كنت أعتقد يا لأحلام الشباب ! أن بإمكاني أن أبدأ عملية الإصلاح إذا نجحت في تغيير الأوضاع في كلية التجارة إذا تمكنت من حصر القبول في عدد محدود من المتقدمين هو العدد الذي تحتاج إليه عملية التنمية في هذا المجال وتمكنت من إلغاء الانتساب فبإمكاني أن أجعل من الكلية نواة التغيير المنشود .
ناقشت الأمر بتوسع مع الدكتور عبد العزيز الخويطر الذي فاجأني عندما قال إنه يتفق معي تماماً حول النقطتين قال إنه يشعر بقلق وهو ينظر إلى الأعداد التي تتضاعف كل يوم من الطلبة المنضمين إلى الجامعة وأضاف إنه يعتبر الانتساب نظاماً عديم الجدوى من الناحية الأكاديمية قلت له بشيء من الدهشة "أنت في موقع المسئولية لماذا لا تحاول تغيير الأمور ؟"قال :"ما أؤمن به وما تؤمن به لا يتمشى مع السياسة العامة للدولة "قلت –يا لأحلام الشباب مرة أخرى !-مستغرباً :"ولماذا لا تعمل على تغيير هذه السياسة العامة "ابتسم وهو يقول :"إذا كنت تريد أن تحاول فلا مانع لدي أعطيك الضوء الأخضر "قلت :ولكن من أين أبدأ ؟قال :لماذا لا تبدأ من الدكتور رشاد ؟كان الدكتور رشاد فرعون رحمه الله المستشار الخاص للملك فيصل وأحد المقربين إليه وكنت قد تعرفت على الدكتور رشاد خلال مهمتي في اليمن وتوثقت علاقتي معه عبر الأسابيع التي قضيناها معاً في مؤتمر حرض (حيث حضر ممثلاً شخصياً عن الملك )كان منزل الدكتور رشاد فرعون لا يبعد سوى خطوات قليلة من مبنى الكلية في "عليشة " وتوقفت ذات صباح لرؤيته قلت له إن الجامعة لا تستطيع أن تدرب الطلاب تدريباً فعلياً ولأعداد تتضاعف بلا حساب وأضفت أن الانتساب قد يمكن المنتسب من الحصول على شهادة ولكنه لا يعلمه تعليماً حقيقياً أنصت الدكتور رشاد بعناية وطلب مني إعداد مذكرة مفصلة تبين وجهة نظري في اليوم التالي كانت المذكرة بين يديه أخذها وطلب مني أن أعود إليه بعد أسبوعيين ليخبرني بما تم .عدت إلى الدكتور رشاد في الموعد الذي حدده قال لي إنه سلم المذكرة إلى الملك فيصل الذي قرأها باهتمام شديد (كان الملك فيصل يقرأ كل شيء يصل إليه باهتمام شديد )وقال إن ماجاء في المذكرة كان موضع نقاش موسع بين الملك وبعض مستشاريه إلا أن الملك في النهاية ,لم يقتنع بما جاء في المذكرة .كان الملك يرى أنه لا يمكن للدولة أن تربط التوظيف بالشهادات ثم تقف حائلاً بين الطلبة وهذه الشهادات سواء تم الحصول عليها بالانتظام أو الانتساب .قدرت في الملك وقدرت ما انطوى عليه رأيه من عدالة وفرت على نفسي بهذا الاتصال المباشر الكثير من الجهد .إلا أنني شعرت وأنا أغادر بيت الدكتور رشاد بكثير من الخوف كنت مؤمناً أننا بعد مرحلة تطول أو تقصر سنجد أنفسنا في الوضع نفسه الذي واجهته معظم الدول في العالم الثالث :بطالة بين الخرجين وجوع إلى المهنيين هل أضيف ما تحقق الآن بالفعل ؟ جرّ على موقفي من الانتساب الكثير من المشاكل وأصبح قضية ساخنة في الصحف والمجالس .نظمت الكلية ندوة عن الموضوع دافعت فيها عن وجهة نظري ودافع الصديق الدكتور محسون جلال عن وجهة النظر المعاكسة التي تطالب بإبقاء الانساب عقدت الندوة في مدرج معهد الإدارة العامة الذي امتلأ حتى لم يعد فيه مكان شاغر واحد كان كل ما يقوله الدكتور محسون جلال يقابل بالتصفيق والاستحسان أما أنا فقد كان كل ما أقوله يقابل بصمت القبور أعتقد أنني ليلتها كنت الوحيد الذي يقف ضد الانتساب في وقت لا حق أمكنني إقناع الزملاء في مجلس الكلية بحل وسط .منع الانتساب في التخصصات التي تتطلب تفاعلاً بين المدرس والطالب كالمحاسبة وإدارة الأعمال وسمح به في تخصص واحد سمي الدراسات العامة لم يجر علي موقفي من البداية إلى النهاية سوى الهجوم العنيف الشعبية سوف يجيء فيما بعد من يقول إن الحرص على الشعبية هو الذي يحكم كل تصرفاتي الإدارية .هذا قول ليس له أدنى نصيب من الصحة لو كانت الشعبية في بالي لما اتخذت من الانتساب موقفاً لم يقرني عليه أحد من الشعب .ولو كانت الشعبية في ذهني لما دخلت كل المواجهات التي دخلتها مع الزملاء .أذكر في هذا المجال وكان الجو في الكلية ملبداً بالخلافات وكانت شعبيتي تحت الصفر أن الصديق الدكتور سليمان السليم قال لي :"لابد من المرونة يا غازي سوف تكون وزيراً ذات يوم كيف تستطيع أن تدير وزارة إذا كنت قد فشلت في إدارة كلية ؟قلت على الفور "أفضل أن أكون عميداً فاشلاً على أن أكون عميداً شكلياً وإذا كانت المرونة طريق الوزارة فلا أريد الوزارة "لم يكن سليمان يتنبأ بالوزارة كان يحاول إقناعي بقبول وجهة نظره مستخدماً مثلاً درامياً بعض الشيء ما دمنا بصدد الحديث عن الشعبية فلا بد أن يرضي ضميره وأن يؤدي واجبه إذا جاءت الشعبية بعد ذلك فبها ونعمت .أما إذا تناقضت متطلبات الشعبية مع متطلبات الواجب فيجب أن تكون للواجب الأولوية المطلقة .يتعلم العقلاء من التجارب بعد الاصطدامات التي أوشكت أن تشل العمل في الكلية أدركنا الزملاء وأنا أنه لا مفر من التعايش أدرك الزملاء أنه ليس بوسعهم تجاهل العميد .وأدرك العميد أن ما يراه منطقياً وضرورياً قد لا يبدو منطقياً وضرورياً للآخرين .بمرور الأيام عادت المياه إلى مجاريها ومع انتهاء فترة العمادة لم تكن هناك مشاكل تذكر رغب بعض الزملاء ولا أقول كلهم أن أستمر عميداً فترة أخرى إلا أنني صممت على تنفيذ ما التزمت به منذ البداية :فترة واحدة بلا تجديد حاول الدكتور عبدالعزيز الفدا بدوره إقناعي بالبقاء إلا أنني اعتذرت استنتجت بطريقة غير مباشرة أنه يحبذ التعامل مع الدكتور محمد الملحم عميداً جديداً تمكنت من إقناع مجلس الكلية بترشيح محمد للعمادة .جئت أنا بقرار إداري لم يكن لمجلس الكلية أي دور فيه جاء العميد الجديد بقرار مبني على ترشيح الكلية .ماذا حدث ؟رأت الدولة أن تعيد النظر في أنظمة الجامعات وكان ذلك خلال فترة عمادتي .شكل الدكتور عبدالعزيز الخويطر لجنة برئاسة الصديق عبدالله الوهيبي وعضوية الصديق الدكتور محمد عبده يماني وكيل كلية العلوم بالجامعة وقتها وعضويتي اقترحت هذه الجنة عدداً من التعديلات كان أهمها أن يتم تعيين العميد بناء على ترشيح مجلس الكلية صدر النظام الجديد يحمل هذا التعديل إنجازاً من أهم إنجازات حياتي
عميد بالانتخاب ! فكرة جميلة نبيلة كان من يمكن لو نجحت أن تكون مثلاً يحتذى .إلا أن النهاية لم تكن سعيدة كالنهايات التي تزدان بها قصص الأطفال .عندما بدأ تطبيق النص اندلعت المشاكل في كل كلية تقريباً كانت هناك انقسامات وتعذر على بعض المجالس ترشيح أحد كانت هناك شكاوى إلى أعلى سلطات الدولة أذكر وكنت وقتها وزيراً للصناعة والكهرباء أن عدداً من الأساتذة من كليتي القديمة وغيرها كان يزورني ويطالب أن أستصدر أمراً ملكياً بإلغاء الترشيح الذي انتهى إلية مجلس الكلية .عندما أعيد النظر في أنظمة الجامعات قبل عدة سنوات ذهب نص الترشيح وعاد نص التعيين .هل أنا بحاجة إلى القول إن الديموقراطية لا تنبع من النصوص وإنما من النفوس ؟ وهل أنا بحاجة إلى القول إن الديمقراطية لا تنبع من النفوس إلا بعد فترة من الحرث ووضع البذور والسقاية والعناية والرعاية ؟بانتهاء فترة العمادة شعرت أن صخرة ثقيلة زحزحت عن صدري عدت إلى طلبتي واهتماماتي الأخرى وبدأت أكتب حلقات أسبوعية في جريدة الجزيرة جعلتني تلك الفترة القصيرة المثيرة في العمادة أحس أنني كما يقول عنوان رواية الخيال العلمي ,"غريب في أرض غريبة "في مجلس الجامعة بعد انتهاء "شهر العسل " تبين أني كنت في واد والأغلبية في واد.لم تكن المسألة مسألة خطأ أو صواب ؛كانت خلافاً في الفلسفة كان معظم الزملاء كنظرائهم في جامعات العالم كلها ينحازون عن شعور أو لا شعور إلى وجهة النظر النقية الأكاديمية العلمية النظرية الخالصة .وكنت عن شعور أو لا شعور أنحاز إلى وجهة النظر الواقعية التطبيقية العلمية البراجماتية لابد من بعض الأمثلة لإيضاح الفارق بين النظرتين .
كنت أرى أن البحوث المطلوبة لترقية الأساتذة يجب أن تشمل الكتب التي يعدها الأستاذ لطلبته في منهج ما ,وكانت الغالبية ترفض اعتبار مثل هذه الكتب بحثاً علمياً (باعتبارها لا تحتوي على جديد !) محصلة ذلك أن بوسعي أن أكتب بحثاً عن نظام الدواوين في الدولة العباسية يقبل لأغراض الترقية ,وأكتب كتاباً عن ديوان الخدمة المدنية السعودية لا يقبل لهذا الغرض .وكنت أرى أن الترجمة يجب أن تشجع وأن أفضل وسيلة لتشجيعها اعتبار الكتب المترجمة مقبولة لأغراض الترقية وكان الزملاء يرفضون بإصرار "ترفيع" الترجمة إلى قمم البحث العلمي المقبول .عند مناقشة المناهج كنت ألاحظ أنها تخو خلواً تاماً من أي ملامح سعودية .إذا كان هذا مقبولاً في مناهج علمية ذات طبيعية واحدة لا تتغير عبر العالم فكيف يكون مقبولاً في مناهج الآداب والعلوم الإنسانية ؟عندما ناقش المجلس منهج كلية الآداب المقترح لاحظت أنه لا توجد أي مواد تركز على الأدب السعودي عندما أبديت هذه الملاحظة كان رد الفعل تعليقاً لاذاعاً من أحد الزملاء "لماذا لا تقول بصراحة إنك تريد أن ندرس شعرك ؟!"
لعل هذا هو المكان المناسب لرواية القصة التي ألمحت إليها من قبل :زراعة النظام الجامعي الأمريكي في قلب الرياض .لا بد من البدء بخلفية مبسطة توضح الأمور للقارئ غير المتخصص .لا يقوم النظام الأمريكي على سنوات وإنما على الوحدات (أوالساعات المعتمدة )يشترط للحصول على البكالوريوس الحصول على عدد معين من الوحدات في العادة مائة وعشرين وحدة يستطيع الطالب إكمالها في ثلاث سنوات(إذا درس الصيف كله أو في عشر سنوات (إذا لم يكن في عجلة من أمره )وإن كان معظم الطلاب ينجزونها في أربع سنوات ربع هذه الوحدات إلزامية يجب على كل طالب في الجامعة أن يأخذها مهما كان تخصصه ومن أمثلتها وحدات في اللغة الانجليزية والرياضيات والتاريخ الأمريكي .وربع هذه الوحدات اختيارية يسمح للطالب أن يتقنها من أي حقل .بمعنى آخر بوسع طالب الاقتصاد أن يدرس مواداً في تاريخ القبائل الهندية أو في علم النفس (أو في الرقص !).أما النصف الباقي من الوحدات فينصب على المادة التي اختارها الطالب لتخصصه .في هذا النظام لا يرسب الطالب أو ينجح في سنة دراسية وإنما في مادة معينة .من مجموع ما يحصل عليه الطالب في مختلف المواد ينتج "معدل تراكمي "لا يجوز أن ينخفض عن حد معين وإلا فصل الطالب .كان مدير الجامعة الدكتور عبدالعزيز الفدا متأثراً برأي زملائه في كلية التربية متحمساً كل الحماسة لإدخال هذا النظام في الجامعة رفعت كلية التربية مشروعاً تمت مناقشته في مجلس الجامعة عبر عدة شهور حاولت جهدي أن أوضح أن الشروط التي تسمح بنجاح النظام الأمريكي لا تتوفر في جامعتنا الوليدة لا يوجد في النظام الأمريكي كليات ذات استغلال حديدي وسيادة لا تمس (يقوم النظام الأمريكي على "القسم "لا الكلية )ولا يوجد في النظام السعودي ما يمكن الطالب من اختيار المواد على النحو الذي أوجزته إلا أن الزملاء فتنوا بالمثال النظري وتجاهلوا الواقع العلمي .كان من الظريف المبكي إذا أردنا الدقة أن يأتي أساتذة من كلية التربية ليشرحوا في جلسة بعد جلسة كيفية عمل النظام الأمريكي لأعضاء المجلس ومعظمهم لم يدرسوا في الولايات المتحدة كنت أقول ولا يسمع أحد إنه لا ينبغي لمجلس الجامعة أن يطبق نظاماً عجز بعض أعضائه رغم الشرح الطويل عن فهمه أقر مجلس الجامعة النظام وأصيب الجميع أساتذة وطلبة وأولياء أمور بالبلبلة التي استمرت حتى ألغي النظام قبل سنوات قليلة بقرار من مجلس الوزراء .
كنت أرى أن الجامعة يجب أن تنزل من برجها الأكاديمي وتلوث يديها بغبار التنمية أنقل بعض الفقرات من مقال كتبته في تلك الفترة "لقد ركزت جامعتنا حتى الآن على مهمة تخريج الطلبة وأهملت دورين آخرين هامين يجب أن تقوم بهما الجامعة :قيادة التقدم العملي والفكري في البلاد والمساهمة الفعالة النشطة في تحديث المجتمع وحل مشاكله الوضع السليم هو أن يكون لكلية التجارة دور قيادي في البحوث الاقتصادية والإدارية ويكون لكلية الزراعة رأي في كل ما يتصل بشؤون الزراعية وهكذا والوضع السليم هو أن يساهم أساتذة القانون في الجامعة في مناقشة الأنظمة وإعدادها ودراستها ويساهم أساتذة الاقتصاد في رسم الخطط الاقتصادية والمالية للدولة ويقود أساتذة الأدب الحركة الأدبية في البلاد باءت محاولتي لجر الجامعة إلى معترك الحياة اليومية بالفشل الذريع .
تبينت فكرة إنشاء مركز لدراسات الخليج إدراكاً لأهمية الخليج المتزايدة في السياسة الخارجية السعودية إلا أن الفكرة ظلت تحبو ببطء قاتل .حاولت تحويل كلية التجارة بأسرها إلى مركز استشاري يتعامل مع القطاعين العام والخاص إلا أن الأنظمة داخل الجامعة وخارجها وأدت المشروع في المهد كانت هناك محاولة لإعداد ميزانية منفصلة لكلية التجارة ضمن ميزانية الجامعة وقد تمت بالتفاهم مع وزارة المالية والاقتصاد الوطني التي كانت تفكر في اعتماد طريقة جديدة في ميزانية الدولة تقوم على أساس "البرامج "كانت الفكرة أن كلية التجارة بما لديها من أساتذة متخصصين ,تستطيع أن تعد هذه الميزانية المنفصلة التي ستعتبر برنامجاً لأغراض الميزانية وكانت الفكرة أن يطبق المشروع الجديد في كل مكان إذا ثبت نجاحه في الجامعة إلا أن الفكرة قتلت بسرعة في مجلس الجامعة (باعتبار أن الجامعة ليست معمل تجارب لوزارة المالية !)قطعت الكلية شوطاً طويلاً في المفاوضات مع كلية الملك عبد العزيز العسكرية , لإدخال منهج مشترك يحصل بموجبه المتخرج من الكلية العسكرية على شهادة جامعة مدنية بالإضافة إلى شهادته العسكرية ,وهذا تقليد حميد في عدد من الكليات العسكرية إلا أن هذا المشروع بدوره دفن في مجلس الجامعة (باعتبار أن العلم المدني شيء والعلم العسكري شيء آخر )باختصار كان معظم الزملاء يتخوفون من نزعاتي "الراديكالية "التي كانت تستهدف تشويه نقاء الجامعة وتحويلها إلى ما يشبه الورشة .
خلال فترة العمادة تبلورت ملامح أسلوبي في الإدارة هذا الأسلوب الذي نستطيع في غياب تعبير أفضل أن نسميه الأسلوب الهجومي أبادر فأقول إني لا أقصد بهذا الوصف أن الأسلوب ينطوي على روح قتالية أو عدوانية بقدر ما أقصد التفرقة بينه وبين الأسلوب الآخر الشائع بين الإداريين والذي يمكن أن نسميه الأسلوب الدفاعي ما لفرق بين الأسلوبين ؟الإداري الهجومي لا ينتظر القرارات ولكن يستبقها والإداري الدفاعي يحاول أن يبتعد عن اتخاذها الهجومي لا ينتظر حتى تتضخم المشاكل أما الدفاعي فلا يتعامل مع أي مشكلة إلا بعد أن تتخذ حجماً يستحيل معه تجاهلها الهجومي يدير المؤسسة من مكتبه ويحرص على أن يكون في الموقع أكبر وقت ممكن أما الدفاعي فلا يغادر مكتبه إلا في المحن والأزمات .الهجومي يعتبر نفسه مسئولاً عن تطوير الجهاز وإصلاحه ؛أما الدفاعي فلا يرى لنفسه مهمة تتجاوز الإدارة اليومية الهجومي لا يخشى أن يكون موضع جدل أما الدفاعي فيتجنب كل ما يثير الجدل .الهجومي ينفق كل الاعتمادات ويطالب بالمزيد ؛أما الدفاعي فيستوي عنده الإنفاق والتوفير .الهجومي لا يسمح للمعارضة أن تثنيه عن موقفه ؛ أما الدفاعي فيتراجع عند اصطدامه بأول جدار لعل الفارق الكبير أن الهجومي لا يهمه أن يخسر وظيفته أما الدفاعي فكل شيء يهون لديه في سبيل البقاء في موقعه .لا أريد أن يفهم أحد أن الأسلوب الهجومي هو بالضرورة أفضل من الأسلوب الدفاعي .هناك مؤسسات لا يمكن أن تدار بأسلوب هجومي ,كوزارات المالية والخارجية والتخطيط وأجهزة المراقبة ومؤسسات ينعشها الأسلوب الهجومي كوزارات الخدمات بصفة عامة .
انطلاقاً من هذا الأسلوب كنت في كل فرصة أغادر مكتبي متفقداً كل ركن من أركان الكلية .كنت أقضي الكثير من الوقت مع الطلبة آكل معهم في البوفية, أو ألعب تنس الطاولة كنت أعطي بعض محاضراتي في حدائق الكلية كانت لنشرة الطالب حرية واسعة في النقد لا أعتقد أنه وجد ما يماثلها في أي جامعة عربية (أو غير عربية ) في حفل ساهر قدم الطلبة تمثيلية مليئة بالسخرية من الكلية وكانت التمثيلية من تأليف العميد كنت أدعو طلبة البكالوريوس إلى عشاء وداعي في منزلي كنت حريصاً على تذويب الفوارق بين الأساتذة والطلبة والأساتذة والأساتذة كنت أعامل المدرس المساعد كما أعامل الأستاذ المساعد .كان بعض الزملاء يؤيدون هذا المسلك بينما كان البعض الآخر الأغلبية يرون فيه خروجاً على وقار التقاليد الجامعية أذكر في هذا المجال أن أستاذاً في دولة عربية شقيقة دخل مكتبي مرة وهو أقصى حالات الهياج سألته عن المشكلة فانطلق :" أسمع يادكتور ! لم يعد بوسعي السكوت "قلت "هات ماعندك "قال :"وضعت المعيد والأساتذة في غرفة واحدة ولم نعترض حاضرت في الهواء الطلق ولم نقل شيئاً لعبت تنس طاولة مع الطلبة وتحملنا .أما الآن فقد وصلت الأمور حداً لا يمكن السكوت عليه "سألته "ماذا فعلت الآن ؟"قال :كيف توقع خطابات رسمية دون أن تضع لقب دكتور قبل اسمك ؟"ضحكت وأنا أحاول تهدئته :"ولكن كل من في الكلية يعرف أني دكتور "قال:"هذا لا يهم المهم احترام التقاليد الجامعية "أي والله ! ألم أقل إني كنت "غريباً في أرض غريبة ؟"لا شيء يصور مشاعري تلك الأيام مثل محاضرة ألقيتها بعد تلك الأيام بفترة طويلة تحدثت عن مفهوم البحث في الجامعة وقلت "إن أسطورة البحث الخالص في الجامعات وليدة لا تكاد تملك من أسباب البحث الخالص شيئاً وفي مجتمع يحن حنيناً إلى البحوث التطبيقية الميدانية أسطورة استهلكت وآن لها أن توضع في متحف من متاحف التاريخ قرب أسطورة الأستاذي ذي الكرسي العتيد الذي لا يهتز ولا يميد وأسطورة الامتحانات التي لا تزور إلا مرة كل عام وكأنها لعنة موسمية وأسطورة الأرقام السرية وتحدثت عن كيفية الاستفادة من الكفاءات المتوفرة في الجامعة وأشرت إلى حسرتي وأنا أرى جامعاتنا تقف مكتوفة الأيدي أمام هذا السيل المتدفق من الشركات الاستشارية الأجنبية وجامعاتنا تضم بين أضلاعها ذخائر وكنوزاً من العلم والتجربة الوطنية وأضفت "أنني أدعو كل جامعة خليجية إلى أن تبدأ فوراً بإنشاء جهاز استشاري تابع لها يستقطب سائر خبراتها ويعمل وقفاً للأسس التجارية "ولخصت موقفي من قضية التنمية ودور الجامعة فيها فقلت "ليس من حق الجامعة أن تأوي إلى جبل يعصمها من طوفان التنمية فتعتزل المجتمع بخيرة وشره وتنصرف إلى كتبها وطلبتها وهمومها الصغيرة :تدرس حياة شاعر عاش في اسكتلندا قبل قرون أو تشرح نباتاً لا ينمو إلا على ضفاف البحيرات في كندا إن مكان الجامعة الطبيعي هو في قلب الإعصار في تنور الطوفان عند دفة القيادة من فلك التنمية ومكان القيادة لا يعطى بل ينتزع بالطموح والإصرار وبتلويث الساعدين بغبار المعضلات وتبليل القدمين بغبار الأزمات
ربما كان شعوري المتزايد بالغربة في العالم الأكاديمي هو الدافع الرئيسي وراء القرار الخطير الذي اتخذته في ربيع سنة 1973م (1393ه)عندما قبلت عملاً جديداً لا يمت بصلة إلى الجامعة أو إلى تخصصي العلمي كان القرار خطيراً بأكثر من معنى كان انعطافاً حقيقياً عن مسار العلمي كان القرار خطيراً بأكثر من معنى كان انعطافاً حقيقياً عن مسار مهني ارتضيته لنفسي بعد تأمل طويل وعن اقتناع راسخ وكان قفزة في الظلام من عالم أليف رغم عيوبه إلى عالم مجهول رغم مغرياته وكان يتطلب الانتقال من الرياض إلى الدمام بكل ما ينطوي عليه فراق الرياض الغالية من شجن الأهم من هذا كله إنه كان قراراً يستحيل الرجوع عنه كان من الواضح في ذهني وأنا أودع الجامعة أني أودعها بلا أمل في اللقاء ولكن فلنبدأ من البداية .
ذات صباح اتصل بي الأستاذ محمد عمر توفيق وزير المواصلات وطلب مني أن أزوره في المكتبه كنت قد التقيته عدة مرات في مناسبات رسمية إلا أنني لم أتبادل معه كلاماً يتجاوز التحية عندما قابلته في مكتبه ابتسم رحمه الله ابتسامته الفريدة التي تمزج المكر بالطيبة وقال "لدي عروس جميلة لك ! "قلت "ولكني متزوج بحمد الله زواجاً سعيداً "قال :"لا أتحدث عن عروس حقيقية أتحدث عن وظيفة /عروس "عندما رأى علامات الاستغراب على وجهي أضاف "أقصد سكة الحديد "السكة الحديد ! من الجامعة إلى سكة الحديد ؟! لابد أنه لاحظ أن الاستغراب قد تحول إلى ذهول فأضاف :"لا تستعجل قبل اتخاذ القرار فكر وعندما تستقر على رأي أخبرني ولكن تذكر أن هذه العروس قصدها كثير من الخطاب وتلقيت كثيراً من الضغوط إلا أن اختياري وقع عليك بدون سابق معرفة بناء على ما سمعته عنك تذكر أنها وظيفة حلوة لا أدري حتى هذه اللحظة لماذا وقع اختيار وزير المواصلات علي أو ماذا سمع عني .
لم أتخذ أي قرار شخصي رئيسي في حياتي إلا بعد بحثه بحثاً طويلاً مع زوجتي .كانت زوجتي على علم تام بالمصاعب التي واجهتها خلال فترة العمادة وعلى علم تام بالتحديات التي ينطوي عليها العمل الجديد وكانت تعرف أن العبء الكبير في الانتقال من بيت إلى بيت وبيئة إلى بيئة سوف يقع على عاتقها استمعت إلي وهي بالمناسبة تحسن الإصغاء وقالت إن علي أن أتخذ القرار الذي أرتاح إليه وسوف تقبله وتتأقلم مع أي وضع جديد يسببه كان هذا دائماً وأبداً موقفها من كل قرار بحياتي الوظيفية "أنت وحدك صاحب الشأن "كانت تدرك بغريزة الأنثى أن هناك قرارات يجب أن يتخذها الرجل والرجل وحده وكانت مستعده بولاء الزوجة أن تشارك في تبعات هذه القرارات عبر ليلة بعد ليلة من التفكير لم أستطع الوصول إلى قرار كان فراق الجامعة أصعب بكثير مما توقعت ومما تصور الكثيرون وقتها وكان أصعب ما في القرار الصعب البعد عن طلبتي كانت الوظيفة /العروس في المرتبة الخامسة عشرة درجة وكيل وزارة ولكن هذه القفزة الوظيفية في حد ذاتها لم تكن كافية لإغرائي بالعمل الجديد قبلها عرض علي الأمير نايف بن عبد العزيز وكان وزير الدولة للشئون الداخلية أن أعمل مديراًعاماً للجوازات والجنسية بالمرتبة الرابعة عشرة مع احتمالات سريعة للترقية إلا أنني اعتذرت وأقنعته أنني لا أصلح لهذه الوظيفة (التي تحتاج إلى أسلوب دفاعي )وكانت الوظيفة /العروس رئاسة مؤسسة عامة لمديرها العام من الصلاحيات ما يعادل صلاحيات الوزير ,وهذا اعتبار لم يكن بوسعي أن أتجاهله بسهولة وكانت المؤسسة تضم قرابة ألفي موظف وإدارة عمل بهذا الحجم كان لابد أن تثير شهية الإداري الذي ولد داخل الأكاديمي ومع ذلك كله كيف أترك الرياض وجامعتها وأصدقاءها وذكرياتها ؟ماذا أفعل في سكة الحديد ؟
استشرت الصديق الأستاذ عبدالعزيز القريشي الذي قضى أكثر من سبع سنوات في الوظيفة / العروس وكان رده "إقبل على الفور هذا عمل لذيذ بعد فترة وجيزة سوف تدمنه إدماناً "استشرت الصديق القديم خالد محمد القصيبي الذي خلف عبدالعزيز في إدارة المؤسسة وقضي فيها أكثر من ثلاث سنوات وسمعت النصيحة نفسها أضاف خالد :"ولا تنس أبا فاروق (يعني وزير المواصلات ) العمل مع أبي فاروق متعة لا تعادلها متعة "حملت مشكلتي إلى الأمير سلطان بن عبد العزيز وبحثت معه الجوانب المختلفة للعمل الجديد استمع إلي وقال :"إقبل وتذكر أنها وظيفة مؤقتة مرحلة عبور " كان من الواضح أن الأمير سلطان يشير إلى الوزارة وكان من الواضح أنه يؤكد فكرة شائعة هي السكة الحديد مدرسة لتدريب الوزراء .اثنان من مديري السكة السابقين الأستاذ عبد الرحمن آل الشيخ والأستاذ عبد العزيز القريشي وصلا إلى منصب الوزارة (في وقت لاحق انضم الأستاذ عمر فقيه إلى القائمة )لم يكن همي في ذلك الوقت المستقبل البعيد كنت حائراً في أمر الوظيفة الحالية المعروضة بعد أسبوعين من التردد ذهبت إلى الأستاذ محمد عمر توفيق وأخبرته أني أقبل العروس كان هذا بحمد الله قراراً موفقاً لم أندم عليه قط .
كانت المملكة تمر بمرحلة مثيرة على أبواب خطة خمسية ثانية تكاد تكون جنونية في طموحها وجدت من الصعب أن أبقى في الجامعة أدرس قواعد الأسبقية بين القناصل وفئات المجتمع في جمهورية أفلاطون والمملكة تمور بالتحديات كنت أشعر أن الله جلت قدرته منحني من الطاقات ما يمكنني من المساهمة في بناء مجتمع أفضل لبني وطني فشلت في جعل الجامعة تتحرك إلى معترك التنمية ولكن كان بوسعي أن أنتقل أنا إلى قلب المعترك وهذا ماكان .
كانت هناك فترة انتقالية أسابيع قليلة بين حديثي مع الوزير المواصلات وبين انتقالي إلى الدمام قضيت هذه الفترة أحضر للعمل الجديد كما يحضر طلبة الدكتوراه في أمريكا للامتحان الشامل طلبت محاضر الجلسات التي عقدها مجلس الإدارة منذ تأسيس المؤسسة في منتصف الستينات الميلادية (الثمانينات الهجرية )وقرأتها كلها قضيت مع مدراء المؤسسة السابقين ساعات طويلة أسأل أسئلة لا تنتهي قرأت كل ما وقع تحت يدي من وثائق وأوراق عن تاريخ السكة كانت المؤسسة مسئولة عن إدارة ميناء الدمام وطلبت كتباً عن الموانئ انكببت على قراءتها فيما بعد كان الزملاء في المؤسسة يفاجأون عندما يطرح موضوع ما بأنني على إلمام تام به هنا نصيحة هامة للإداري الناشئ لا تذهب إلى عمل الجديد إلا بعد أن تعرف كل ما يمكن معرفته عن العمل الجديد .
بدأت عهدي في المؤسسة بقرار أدهش بعض موظفيها قررت أن أسافر من الرياض إلى الدمام بالقطار .كان من الطبيعي في تصوري أن يسافر الرجل الذي أصبح مسئولاً عن القطار في قطاره .إلا أن ما بدا طبيعياً في عيني لم يبدُ طبيعياً في نظر بعض الزملاء الجدد الذين حاولوا إقناعي بالعدول عن الفكرة لأن الرحلة "متعبة وطويلة "يا لغرائب البيروقراطية !الجهاز الذي يقدم خدمة عامة للجمهور يريد حماية رئيسه من هذه الخدمة رأيت عبر حياتي الإدارية عدة نماذج لهذا النوع من التفكير مدير الشئون الصحية الذي يرفض أن يعالج في مستشفى من المستشفيات التابعة له ومسئول التعليم الذي يرسل أولاده إلى مدرسة خاصة (والمحامي الذي تزعم النكتة أنه يستشير أحد زملائه لأنه لا يستطيع أن يدفع تكلفة آرائه هو! )
ضربت بهذه الرحلة عدة عصافير بحجر واحد رأيت عن كثب كيف تعمل المؤسسة على أرض الواقع تحدثت مع المسافرين واستمعت إلى شكاويهم واقتراحاتهم (لم يسبق لأحد منهم أن رأى المدير العام في القطار )رأيت كل المحطات التي يقف عندها القطار وقابلت كل العاملين فيها تذوقت الطعام الذي يقدم للركاب .رأيت الغبار المتطاير في كل مكان .باختصار تعلمت من هذه الرحلة الواحدة ما لم يكن بوسعي أن أتعلمه من قراءة ألف تقرير هنا نصيحة أخرى للإداري الناشئ اختبر الخدمة التي يقدمها الجهاز واختبرها بنفسك .
فاجأني في يوم العمل الأول تقليد رائع درجت عليه المؤسسة منذ الولادة :الاجتماع الصباحي كل يوم في السابعة والنصف تماماً ينعقد اجتماع برئاسة المدير العام يحضره رؤساء الأقسام يأتي كل رئيس ومعه تقرير كامل عن التطورات التي جدت خلال اليوم المنصرم ويبحث المشاكل التي تواجهه ويحصل على القرارات التي يحتاج إليها .هذا الاجتماع الصباحي اليومي وصفة سحرية يحسن بكل إداري أن يتبناها في الاجتماع يدرك الرئيس ما يدور في الجهاز وتتاح الفرصة لنقاش حر مستفيض بين الزملاء وتجيء التعليمات بلا إبطاء خلال المرحلة الوزارية كان الاجتماع الصباحي تقليداً راسخاً لم أتخلّ عنه يوماً واحداً وإلى هذا التقليد يعود الفضل في أن القرارات كانت تتخذ بلا تأخير يبدو لي والله أعلم أن كثيراً من الرؤساء الذين يتجنبون هذه الاجتماعات إنما يتجنبونها خوفاً من اتخاذ قرارات سريعة وخجلاً من إظهار العجز عن اتخاذها .
في نهاية أسبوع العمل الأول فوجئت بتقليد جميل آخر من تقاليد المؤسسة وهوملف القراءة وما أدراك ما "ملف القراءة"!أعطاني مدير المكتب الزميل ناصر الدوسري ملفاً ضخماً يحتوي على صورة من كل معاملة صدرت من أقسام المؤسسة المختلفة في الأسبوع المنصرم يستطيع المدير العام عن طريق هذا الملف أن يعرف هل تصرف جهازه بحكمة أو حمق ويستطيع أن يعرف موطن الخلل .غني عن الذكر أنه يستطيع في الحالات التي يرى أنها تستدعي تدخله أن يتدخل بإيقاف قرار ما أو تعديله أو إلغائه "ملف القراءة "يحل المشكلة عويصة من مشاكل اللامركزية :كيف تفوض الصلاحيات دون أن تفط في المسئولية .كثير من الرؤساء يفوضون صلاحيات ولا يعرفون ما فعل بها المرؤوسون "ملف القراءة "هو وسيلة فعالة تضمن أن الذي فوض الصلاحية يعرف كيف استعملت فيما بعد خلال فترتي الوزارية كان "ملف القراءة "سلاحاً فعالاً من الأسلحة التي استخدمتها لمراقبة أداء الجهاز ولي إلى هذا الموضوع عودة أوسع كما أوصيت كل إداري بالاجتماع الصباحي اليومي أوصيه أن يبدأ فوراً في طلب نسخة من كل رسالة تصدر من الجهاز توضع في "ملف القراءة "(غني عن الذكر أن لا جدوى من إعداد "ملف القراءة "إذا كان لا ينوي قراءته )"سعادة المدير العام "لقب سحري جديد أسارع فأقول إن اللقب الجديد لم يحرك في أعماقي أي شعور بالنشوة :كان في الأعماق الكثير من الرهبة لأول مرة في حياتي أجد نفسي مسئولاً عن جهاز له علاقة مباشرة بأرواح الناس (كان الكابوس الذي لم يفارق عيني طيلة عملي بالمؤسسة هو جنوح قطار أو اصطدام باخرة والخسائر البشرية التي يمكن لمثل هذا الحادث أن يسببها )لأول مرة أجد نفسي مسئولاً أمام اله عن ألفي إنسان مسئولاً عن معاملتهم بعدالة عن إزالة الظلم عنهم وعن تحسين أوضاعهم هل يمكن لإنسان يستشعر مسئولية هائلة كهذه أن يحس بأي شعور يتجاوز الرهبة ؟
كان هناك هم كبير آخر يؤرقني منذ أن قررت قبول العمل الجديد كانت تواجهني حيثما ذهبت في الرياض عبارة واحدة "لا تدع هشام ناظر يقنعك برأيه "كان الأستاذ هشام ناظر وزيراً للدولة مسئولاً عن التخطيط ولم أكن أعرف رأيه الذي حذرني الجميع منه .ذهبت إليه في مكتبة ودار بيننا نقاش طويل صريح قال لي إن مشروع الخطة الخمسية الثانية لا يتضمن أي توسعة للسكة الحديد لأنها من الناحية الاقتصادية معدومة الجدوى وأضاف إن هذا ليس رأيه الشخصي ولكن رلأي الخبراء الذين يستعين بهم لإعداد الخطة قلت بصراحة تشبه صراحته إنني لم أتول العمل بعد ولا أستطيع أن أقطع بشيء سلباً أو إيجاباً فاجأني عندما قال إنه يترك الحكم لي في هذه القضية إذا اقتنعت بجدوى التوسعة فإنه مستعد لسماع وجهة نظري ومستعد لتغيير موقفه .خلال تلك المقابلة تبينت في هشام ناظر تلك الخصيصة التي يندر وجودها عند البيروقراطيين (والتكنوقراطين !)وهي المرونة الفكرية .فيما بعد توثقت الصلة بيني وبين هشام وتأكد الانطباع لم يكن هشام يتمسك بأي رأي إذا سمع ما يدعوه إلى تغييره .نشأ الخط الحديدي بقرار شخصي من الملك عبدالعزيز رحمه الله رأى الملك خلال زيارته الرسمية لمصر في منتصف الأربعينيات الميلادية (الستينات الهجرية )القطار واستخدمه في بعض تنقلاته خلال الزيارة كان الملك حريصاً كل الحرص على ربط أجزاء المملكة الشاسعة بعضها ببعض وأدرك على الفور أن وسيلة المواصلات الجديدة هذه يمكن أن تخترق الصحراء وتختزل المسافات إثر عودته من مصر أصدر الملك تعليماته إلى "أرامكو "ببناء خط حديدي من الدمام إلى الرياض .ترددت الشركة متذرعة بأن خبرتها لا تشمل بناء السكك الحديدية إلا أن إصرار الملك لم يترك لها مجالاً استعانت "أرامكو" بعدد من الشركات الاستشارية وشركات المقاولات وبنت الخط الذي وصل الرياض سنة 1951م (1371ه)تولت أرامكو في البداية إدارة المشروع مباشرة (وإلى هذا الأصل التاريخي تعود تقاليد الاجتماع الصباحي وملف القراءة والانضباط في الدوام )بعد ذلك أصبحت السكة إدارة تابعة لوزارة المواصلات وفي سنة 1966م (1386ه)تحولت إلى مؤسسة عامة يرأس وزير المواصلات مجلس إدارتها مع بناء الخط الحديدي بني ميناء الدمام كان الوصول إلى الميناء لا يتم إلا عبر خط حديدي فرعي وكان من المنطقي أن تسند إدارة السكة الحديد "مارد الدهناء" كما سمته النشرة التي أصدرتها السكة بدور لا ينكر في ربط المنطقة الشرقية بالمنطقة الوسطى وكان عبر سنين طويلة أفضل وسيلة للسفر بين المنطقتين تدريجاً جاءت وسائل مواصلات أخرى تمتاز بالسرعة والراحة والكفاءة انتظمت رحلات الطائرات وأخذت تحمل أعداداً متزايدة من المسافرين مع فتح طريق بري سريع تحول الكثيرون من القطار إلى السيارات عندما توليت إدارة المؤسسة كان عدد المسافرين بين المنطقتين لا يتجاوز خمسمائة راكب يومياً أي نسبة ضئيلة من مجموع المسافرين الكلي .وكانت البضائع المنقولة بالقطار تشكل نسبة صغيرة من البضائع التي تنقل على شاحنات البر العملاقة .كان كل من الأستاذ عبدالعزيز القريشي وخلفه الأستاذ خالد القصيبي يرى أنه لا مجال والحالة هذه لأي توسعة في الشبكة أو أي تطوير في الخط وأن الحكمة تقتضي إبقاء الأوضاع على ماهي عليه .إلا أن الأستاذ عمر فقيه الذي سبقني مباشرة في إدارة المؤسسة كان له رأي مخالف .كانت الأوضاع المالية في المملكة قد بدأت تتحسن مع زيادة الدخل من البترول ,وكان من رأيه أن من الضروري تطوير الخط القائم باختصاره واختزال الوقت وتوسعة الشبكة كلف عمر شركة استشارية عالمية بإعداد دراسة مفصلة عن التطوير وعن التوسعة .
تطور أو لا تطور ؟توسع أو لا توسع ؟لابد من الإجابة الحاسمة عن السؤالين .كيف يمكن لرئيس إداري أن يقود مؤسسة دون أن يعرف هل تنتمي مؤسسته إلى الماضي أو المستقبل ؟كيف يمكن له أن يتخذ قرارات ذات معنى وهو يجهل المصير الذي ينتظر المؤسسة ؟كيف يمكن التخطيط للمدى الطويل إذا كان المدى الطويل مغطى بضباب الغموض ؟كان من الواضح في ذهني ,من الأسبوع الأول أنني لن أستطيع أن أتحرك بفعالية أو بعقلانية –ولكي يكون التصرف فعالاً لا بد أن يكون عقلانياً –إلا إذا انتهيت إلى قرار واضح حول مستقبل المؤسسة .استدعيت الشركة الاستشارية وطلبت منها تقريراً مبدئياً لم أقتنع بالتقرير المتفائل الذي يبن في رأيي على حقائق وأرقام طلبت من الشركة أن تقدم تقريراً ينبع من الواقع كما نراه أمامنا لا كما نتمنى رؤيته جاء التقرير الثاني يؤكد رأي خبراء هشام ناظر الذين لا يرون جدوى من التوسعة أو من التطوير الشامل (لم أر التقرير النهائي الذي قدم بعد أن تركت المؤسسة ) اتصلت بهشام ناظر وقلت له إني مقتنع برأيه أبدى هشام كثيراً من الدهشة وهو يرى لأول مرة مسئولاً عن جهاز لا يحرص على مشاريع إضافية جديدة لا شيء يركز التفكير كما قال هنري كيسنجر مثل غياب البدائل طلبت من الزملاء في المؤسسة أن ينسوا التوسعة وينسوا التطوير الشامل وأن يركزوا على تحسين الأوضاع والخدمات القائمة .أتوقف هنا لأقول إنه لا ينبغي على الرئيس الإداري مهما كان تعلقه بالمؤسسة التي يرأسها أن يختلق جدوى لا توجد وأن يحرص على توسع لا ينفع فيما بعد كنت أقول إنه لو طال عهدي بالمؤسسة لأغلقتها كنت بطبيعة الحال أمزح مهما كانت مقتضيات المنطق البارد فالاعتبارات الاجتماعية والسياسية واللوبي الذي تكون عبر السنين لا يسمح بإغلاق مؤسسة تضم قرابة ألفي موظف .
هذا عن القطار ,فماذا عن الميناء ؟سرعان ما اكتشف كما المدراء الذين سبقوني أن أكثر من ثلاثة أرباع وقتي مكرس لشئون الميناء .الميناء كنت أزوره مره أو مرتين في اليوم وأحياناً خلال الليل وفي حالات نادرة قبيل الفجر .زادت أرصفة الميناء مع تزايد الواردات إلى المملكة واتخذت الزيادة شكل الانفجار عند ارتفاع أسعار البترول سنة 1973م بدلاً من أن يشكل الميناء الجزء الأصغر من اهتمامات المؤسسة أصبح شغلها الشاغل (يتحدث المثل الغربي عن الذيل الذي يحرك الكلب ,بدلاً من العكس )هذا الوضع في حد ذاته لم يكن ليسبب مشكلة جاءت المشكلة من ثنائية الملكية والإدارة كانت المؤسسة تدير الميناء ولا تملكه وكانت وزارة المواصلات تملك الميناء ولا تديره !
ما تحدثه هذه الازدواجية من ارتباك يصعب تصوره كانت الوزارة تتولى تصميم الأرصفة الجديدة وطرحها في مناقصة والإشراف على تنفيذها وعند الانتهاء منها تسلمها إلى المؤسسة وتفقد السيطرة عليها وعلى طريقة إدارتها وكانت المؤسسة تتولى إدارة الأرصفة الموجودة دون أن تعرف خطط الوزارة ومشاريعها القادمة كيف يستطيع المدير أن يبني دون أن يعرف وجهة نظر المدير ؟وكيف يستطيع المدير أن يدير وهو لا يعرف ما يدور في ذهن المالك ؟حقيقة الأمر أنه كانت هناك حرب باردة بين جهاز الوزارة والمؤسسة وكان الوزير الذي يرأس الجهتين يحاول التوفيق بين وجهات النظر .اقترحت على الوزير أن يكون هناك اجتماع شهري للتنسيق يمثل فيه المؤسسة المدير العام ويمثل مسئول كبير (وكيل الوزارة مثلاً )الوزارة كان الهدف من التنسيق أن تعرف الوزارة ,أولاً بأول ,خطط المؤسسة في مجال التشغيل ,وأن تطلع المؤسسة ,أولاً بأول على خطط الوزارة فيما يخص التوسعات القادمة .جاء الاجتماع الأول ووجدت أمامي موظفاً صغيراً من الوزارة لا يملك حق الكلام فضلاً عن التنسيق غني عن الذكر إنه لم يكن هناك اجتماع ثان !
حسناً !اتضح لي أن الأوضاع الراهنة لن تشهد أي تغيير لا فيما يخص القطار ولا فيما يخص الميناء وانحصر التحدي في تحسن الوضع القائم .بدأت بالعامل ينفي المؤسسة شكلت لجنة لإنهاء الترقيات المتأخرة وكنت أتابع عملها بصفة يومية حتى أصبحت الترقيات تتم بمجرد استحقاقها لاحظت وجود تفرقة في المعاملة بين نوعين من العاملين الموظفين الرسميين والموظفين المؤقتين الذي يتم التعاقد معهم دون تثبيتهم على وظائف رسمية وقد أدت هذه التفرقة إلى تدهور واضح في معنوية الموظفين المؤقتين .قمت بعمل كادر وظيفي جديد أدى إلى إعطاء المؤقتين .كل المزايا التي يتمتع بها الرسميون .أنشأت جامعاً كبيراً في الحي السكني ,ونادياً للنشاط الثقافي والرياضي .أعدت تقليداً قديماً من تقاليد المؤسسة هو إعطاء الموظفين شهادات خدمة ومع كل شهادة جائزة رمزية .إلا أن أهم ما استطعت تحقيقه في هذا المجال هو توزيع أراض من المؤسسة على الموظفين ذوي الخدمة الطويلة .
عندما أنشئ الخط الحديدي كان لا بد من حجز حمى على جانبيه وبقرب المحطات الرئيسية والفرعية أصبح هذا الحمى فيما بعد ,ملك المؤسسة بموجب المرسوم الملكي الذي أنشأها .أصبحت المؤسسة تملك الكثير من الأراضي الثمينة في الدمام والرياض ,وما بينهما وكانت المؤسسة تؤجر بعض هذه الأراضي للدوائر الحكومية كما كانت تؤجر بعضها للقطاع الخاص الذي يستعملها نصيبهم وضعت مخططاً سكنياً وبدأت محاولاتي لإقناع الوزير بالرفع إلى الملك لكي يمنح كل موظف قضى خمس عشرة سنة في خدمة المؤسسة قطعة أرض في المخطط .في البداية كان الوزير متردداً كان يخشى من مطالبات مماثلة تأتي من موظفي الوزارة .ذات يوم وكان صائماً في رمضان ,دخلت عليه ورجوته أن لا يخيب ظن الموظفين ونحن في شهر الخير والبركات .وافق ورفع الأسماء ووزت الأراضي على الدفعة الأولى من مستحقيها .كانت أسعار الأراضي قد بدأت في الارتفاع ,وكان حصول موظف على قطعة من أراضي السكة يعني أن بإمكانه قضاء بقية أيامه في مأمن من العوز .ولعل هذا هو المكان الأنسب لأقول كلمة حق عن أبي فاروق رحمه الله .خلال الفترة التي سعدت فيها بالعمل تحت رئاسته لم أجد منه سوى الثقة التام والدعم المطلق . لم يكن وزيراً ضعيفاً كما كان بعض الذين لم يعرفوه عن كثب يعتقدون .كان إذا اقتنع برأي دافع عنه بحماسته وإصرار .في مجلس الوزراء كان من أجرأ الوزراء دفاعاً عن مشاريعه .أذكر هنا طرفة حدثت ذات يوم عندما بدأ يدافع عن مشروع قدمه وقرر المجلس
وكان برئاسة الأمير فهد ولي العهد ,الموافقة على المشروع .استمر أبو فاروق بعد الموافقة يشرح المشروع .في النهاية اضطر الأمير فهد إلى أن يقول له إنه لو استمر في المطالبة بالموافقة بعد أن قرر المجلس الموافقة فسيضطر المجلس إلى إعادة النظر في المشروع .وكان أبو فاروق من أنزه من عرفت من المسئولين :في كل مناقصة لم يكن لديه سوى سؤال واحد :هل رسيت على صاحب العطاء الأقل (لم يسأل ,قط ,عن صاحب العطاء !)كان رجلا ً بسيطاً متواضعاً حاضر النكتة يخفي وراء المظهر البسيط المتواضع الكثير من الذكاء والاطلاع والمواهب .إذا كان في مسلكة الإداري أي شائبة – والكامل لله وحده –فقد كانت ثقته العمياء في الجهاز .كان يأخذ كل ما يجيئه من جهازه حقيقة ملمة ,وهذا ما أدى كما رأينا ,إلى سلخ الموانئ من الوزارة .
في تلك الفترة بدأ يتضح أنني أتحول شيئاً فشيئاً إلى "وزير التمرين "كنت قد رأيت الأمير فهد بن عبد العزيز في الستينات الميلادية (الثمانينات الهجرية )عدة مرات ,إلا أن المقابلات لم تتجاوز السلام العابر .لم يتح لي أن أعرفه معرفة حقيقية إلا أثناء عملي في المؤسسة .بعد أسابيع قليلة من انتقالي إلى الدمام زار الأمير فهد المنطقة وذهبت للسلام علية .طلب أن يراني على انفراد ,وبقيت بعد أن انصرف الحاضرون .بدأ يتحدث بانطلاق وعفوية وفوجئت خلال الحديث أنه يتحدث عن فلسفة تنموية لا تختلف عن تلك التي كنت أطمح إلى وضعها موضع التنفيذ .قال الأمير فهد :"أنا لست من حملة الشهادات العالية من المثقفين .ولا أعرف النظريات الاقتصادية .ولكني أعرف تماماً ما يريده كل مواطن .يريد المواطن بيتاً لائقاً يضمه ويضم أولاده .ويريد عملاً كريماً يرتزق منه .ويريد مدرسة في الحي يرسل إليها أطفاله ويريد مستوصفاً متكاملاً بقرب بيته .ويريد مستشفى لا تبعد كثيراً عن المستوصف .ويريد سيارة .ويريد خدمة كهربائية منتظمة ويريد ..."اتضح لي من خلال الحديث ,أن الأمير فهد كان عن غير قصد ,يتبنى النظرية التنموية التي عرفت فيما بعد ,باسم إشباع الحاجات الأساسية "كان الأمير فهد وقتها نائباً ثانياً لرئيس مجلس الوزراء ووزيراً للداخلية وقد بدأ يضطلع بدور متزايد في إدارة شئون الدولة .لم يقل الأمير فهد شيئاً عني ولكني في نهاية اللقاء خرجت بانطباع واضح وهو أن في ذهنه لي دوراً يتجاوز تسيير القطار وإدارة الميناء .بدأت مهام "الوزير تحت التمرين "تنافس مهام المدير العام .سافرت مع الأمير فهد في رحلتين رسميتين هامتين إلى الولايات المتحدة وفرنسا (من سمع بمدير سكة حديد يشارك في مهمات سياسية كهذه ؟)أصبحت عضواً في مجلس إدارة صندوق التنمية العقاري الذي أنشئ في هذه الفترة أصبحت عضواً في مجلس إدارة الشركة العربية للاستثمار التي كانت تضم عدة دول عربية .تم اختياري عضواً في وفد أرسل إلى بريطانيا لشرح سياسة المملكة البترولية ,وكان الوفد يضم الصديق الدكتور عبدالله نصيف والصديق الأستاذ عبدالله محمد علي رضا .

في خريف سنة 1974م (1394ه)قرر الملك فيصل رحمه الله أن يزور المنطقة الشرقية وقرر أن يأتي بالقطار أبلغنا بالخبر قبل الرحلة بأقل من أسبوعيين ووقع الخبر علينا وقع الصاعقة كان الملك سعود رحمه الله يحب استخدام القطار إلا أن الملك فيصل لم يسبق له خلال فترة حكمه أن استعمل القطار .كانت هناك عربة ملكية إلا أنها بعد سنين من عدم الاستعمال لم تعد صالحة أثبت الزملاء العاملون في الورشة أنهم على مستوى التحدي .خلال تلك الفترة الوجيزة تمكنوا من تجهيز عربة مالكية جديدة تحتوي على صالة وغرفة نوم (لم يستعملها الملك !) وغرفة طعام .في الموعد المحدد كان كل شيء جاهزاً وكنت في محطة الرياض أستقبل الملك وأسافر في معيته .
كنت قد رأيت الملك فيصل أول ما رأيته خلال عملي في اليمن بعد ذلك ,خلال عملي في الجامعة ,كنت أذهب للسلام عليه وتناول العشاء على مائدته مرة كل ثلاثة شهور أو أربعة .كان الجلوس على مائدته متعة كبرى .كانت الطاولة صغيرة وكان بوسع الموجودين جميعاً المشاركة في الحوار .كان الملك يتحدث في عدد من المواضيع أقربها إلى قلبه الشئون الخارجية .عبر حياته كلها كان الملك فيصل قليل الكلام إلا أنه في سنواته الأخيرة أصبح يميل إلى التأمل والسكوت ,وكان نادراً ما يتحدث .أتاحت لي سفرة القطار أن أشهد عن كثب الانضباط الصارم الذي كان مفتاح شخصيته .جلس على المقعد بقرب النافذة ولم يتحرك طيلة الرحلة التي استغرقت قرابة سبع الساعات لم ينطق إلا بجملتين أو ثلاث .ما أدهشني هو أنه استطاع البقاء هذه الفترة الطويلة دون أن يتململ ,أو يغير جلسته ,أو يطلب شيئاً أو يقول شيئاً .طلب مني الصديق الأستاذ محمد النويصر ,رئيس مكتب الملك الخاص وقتها ,أن أذهب إلى الملك وأشرح له معالم الطريق .لم يكن الملك يحب المتطفلين ,ورأيت أن من التطفل أن أحدثه عن مواقع يعرف عنها أضعاف ما أعرف أنا .رأيت على مائدته أكثر من مرة ,ما يحدث لأولئك الذين كانوا يخوضون في مواضيع لا يكادون يعرفون شيئاً عنها .كانت تعليقات الملك النفاذة تتركهم صامتين ولسان حالهم يردد "رب كلمة قالت لصاحبها دعني !"أثناء زيارة الملك كلفت بإلقاء كلمة الأهالي الترحيبية .كانت كلمة من طراز فريد :لم يكن فيها أي إطراء شخصي أخبرني الأمير سلطان ,فيما بعد أنه لم ير الملك يصفق إلا تلك الليلة .
خلال رحلة القطار هذه عرفت ولي العهد الأمير خالد بن عبد العزيز عن قرب .كنت قد سلمت عليه في مكتبه مرة أو مرتين ,ولكن كانت هذه هي المرة الأولى التي أتبادل فيها الحديث معه عبر ساعات طويلة .على خلاف الملك الذي كان صامتاً يتأمل الفضاء من النافذة ,كان ولي العهد يتكلم بطريقته العفوية المميزة .روى ذكرياته عن رحلات سابقة بالقطار في الولايات المتحدة وأوروبا .وكان حديث الذكريات مليئاً بالطرف والنوادر التي اشتهر رحمه الله بروايتها .عندما انتهت الرحلة كنت أشعر وكأنني قد عرفته طيلة حياتي (ولعله أحس بشعور مماثل !)أقول للذين يؤمنون بالتخطيط للوصول إلى أعلى المناصب إنه لم يكن بوسع أعظم المخططين ترتيب هذا اللقاء .لم يختلف الأسلوب (الهجومي )الذي اتبعته في المؤسسة عن الأسلوب الذي اتبعته أثناء العمادة .كنت خارج مكتبي ,معظم الوقت
في الورشة أو في الميناء أو في محطة من المحطات .كانت ابنتي يارا ,وقتها ,تدنومن الرابعة ,وكان ابني سهيل في سنته الأولى .لاشيء يسبب المتعة لأطفال في هذه السن مثل ركوب القطار .كنت كثيراً ما أصطحبهما في رحلة قصيرة .كانت الرحلة نزهة يستمتع بها الطفلان ولكنها كانت في الوقت نفسه ,زيارة تفتيشية مفاجئة خلال عملي في وزارة الصحة اتخذت الزيارات التفتيشية المفاجئة شكلاً يشبه الأساطير ,كما سنرى فيما بعد ,إلا أن مثل هذه الزيارات كانت دائماً جزءاً لا يتجزأ من أسلوبي في الإدارة .حقيقة الأمر أنه كانت ,في هذه الفترة زيارات مفاجئة للمستشفيات .كانت المؤسسة تتولى علاج موظفيها على نفقتها في عدد من المستشفيات الخاصة .كنت بين الحين والحين أزور هذه المستشفيات للاطمئنان على الزملاء المرضى وللتأكد من أن الخدمات المقدمة لهم تبرر الفواتير التي كانت ترسو على مكتبي كل يوم .
أسمع لنفسي والحديث عن المستشفيات أن أستطرد لأروي قصة إنسانية مليئة بالأبعاد والمعاني .كان في المؤسسة سائق عجوز مخضرم عمل في السكة منذ إنشاء الخط ,وكان قبل ذلك يعمل في الحكومة لفتت إدارة شئون الموظفين نظري ,عدت مرات إلى ضرورة إنهاء خدماته بالنظر إلى تقدم سنه وضعف بصره إلا أنني ,في ضوء خدماته الطويلة كنت أرفض فصله .لم تقبل أي إدارة أن يعمل بها واضطررت إلى إبقائه ليعمل في مكتبي .لاحظت وهو يقود السيارة في الليل أن أنوار السيارات القادمة تعشو بصره حتى يكاد يفقد السيطرة على السيارة بنفسي (وقيادتي كانت ,ولاتزال ,كما يقول أهل الخليج "تشكو"!)بعد ذلك ,رأيت أن يقتصر عمله على ساعات النهار .ذات عصر أرادت زوجتي الذهاب من الدمام إلى الخبر ولم يكن هناك سائق غيره .طلبت منها إرجاء المهمة إلا أنها قالت بالإمكان الذهاب والعودة قبل حلول الظلام .على مشارف الخبر اصطدمت السيارة ببكرة أسلاك ضخمة تابعة لشركة الكهرباء لم يرها السائق الكليل .كان الاصطدام عنيفاً رمى بزوجتي من المقعد الخلفي إلى المقعد الأمامي حيث ارتطم رأسها بزجاج النافذة وأصيبت بنوبة قصيرة من الإغماء .أصيب السائق بدوره بجروح ورضوض .مر مواطن كريم رأى الحادث فأسرع بنقل زوجتي والسائق إلى أقرب مستشفى في مدينة الخبر .من هناك اتصل بي هاتفياً وطمأنني على حالة زوجتي .رجوته أن يبقى حتى أحضر لكي يتاح لي أن أشكره شخصياً إلا أنه أعتذر .طلبت منه أن يخبرني باسمه وعنوانه حتى أتمكن من شكره كتابياً إلا أنه أعتذر مرة أخرى ,مردداً أنه لم يقم إلا بالواجب .بفضل الله ,خرجت زوجتي من المستشفى في اليوم التالي ,وخرج السائق بعد أسبوعيين .ظل شيء في نفسي يحوك لأنني لم أتمكن من شكر هذا المواطن الإنسان .بعد سبع سنوات من الحادث ,وكنت وزيراً للصناعة والكهرباء ,تلقيت رسالة من المواطن يخبرني فيها أنه مضطر إلى الاستعانة بي لقضاء خدمة ,وأنه يرجوا ألا أعتبر هذه الخدمة مقابل ما قام به عندما أسعف زوجتي .كان طلباً بسيطاً وقد أسعدني أن أحققه .طلبت منه أن يسمح لي بزيارته أو يزورني ,لكي أتمكن من شكره إلا أنه أعتذر مرة ثالثة .حتى هذه اللحظة لم أراه ولم يرني .
للقارئ الكريم أن يستنتج من القصة ما يشاء من دلالات إنسانية .أما أنا فقد خرجت منها بدرس إداري لم أنسه قط .لا يجوز لي مهما كانت عواطفي الإنسانية نحو زميل من الزملاء أن أبقيه في موقعه إذا كان بقاؤه يعرض سلامة الآخرين للخطر .كثير من القرارات التي اتخذتها في وزارة الصحة ,والتي بدت قاسية وشديدة في نظر الذين لم يطلعوا على خلفياتها ,لم أتخذها إلا حماية لأرواح الناس ,وكانت الحد الأدنى الذي يمكن اتخاذه .كان سلفي الأستاذ عمر فقيه قد وضع موضع التنفيذ مخططاً إدارياً أعدته المؤسسة في وقت سابق .كان من ضمن التنظيم أن يكون للمدير العام أربعة مساعدين للشئون الإدارية ,وللشئون المالية ,ولشئون النقل ,وللشئون الهندسية .كان عمر ينوي بعد فترة من الاختبار أن يعين أحدهم نائباً للمدير العام .مع تزايد مهماتي خارج الدمام كان من الضروري الإسراع في تعيين النائب .لم أتردد طويلاً قبل اختيار المهندس يوسف الحماد ,وقد كان مساعد المدير العام للشئون الهندسية .فيما بعد انتقل يوسف ,بعد إلحاح شديد مني ,ليعمل معي في وزارة الصناعة والكهرباء وكيلاً لشئون الكهرباء .كان رحمه الله ,في الموقعين مثال الإداري الحازم المخلص النزيه .
من ذكريات المؤسسة الطريفة أن أحد رجال الأعمال البارزين في المنطقة الشرقية زارني في مكتبي وطلب مني تحديد موعد لغداء أو عشاء يدعوني إليه ( كنت ولا أزال ,أمقت هذه المجاملات الفارغة التي تهدر الوقت والأعصاب والصحة )حاولت الاعتذار ولكنه أصر .قلت له معابثاً "أنت تعرفني منذ كنت مدرساً مساعداً في الجامعة .وكنت أزور الدمام مرة كل شهر على الأقل .لماذا لم تدعني وقتها؟ "قال بصراحة آسرة "هذه الدعوة ليست لك .إنها لهذ الكرسي الذي تجلس عليه "قلت :"تقديراً لصراحتك يسرني أن أقبل الدعوة " قال :"ومتى الوعد ؟" قمت وأشرت إلى الكرسي الذي كنت أجلس عليه وقلت :"خذ ضيف الشرف معك واطعمه متى شئت " تبين لي أن هناك ,عبر العالم ,ما يمكن أن نسميه "رابطة عاشقي القطار "كل يوم كانت تصلني رسائل من مختلف انحاء الدنيا تطلب تذكاراً من المؤسسة ,بعض التذاكر المستخدمة ,أو مقراضاً قديماً أو بعض الصور وكنت أرسل إلى أصحاب الرسائل ما يطلبونه .كان بعض الأشخاص ,متأثرين بمغامرات لورانس ,يكتبون طالبين قطعاً من حديدية صغيرة من خط الحجاز القديم .وكنت أرسل إلى هؤلاء قطعاً من حديد خطنا (لا أظن أنهم عرفوا الفرق )تلقيت مرة ,رسالة ذكر مرسلها أنه اخترع وسيلة جديدة ناجعة للقضاء على الغبار الذي يتسرب إلى داخل العربات .كانت ذرات الهباء الصغيرة التي تتسلل إلى داخل القطار مشكلة حقيقية تعاني منها كل الدول الصحراوية ولم يكن لها في تلك الأيام حل فعال كتبت إلى المخترع أسأل عن تفاصيل الاختراع .رد أن على المؤسسة أن تدفع خمسين ألف دولار قبل أن يستطيع البوح بالسر قلت إن المؤسسة مستعدة لدفع المبلغ إذا ثبتت فعالية الاختراع .رد قائلاً إن الاقتراح هو أن تزرع المؤسسة أشجار على طول الخط بحيث تشكل حاجزاً أخضر يحول بين الغبار والقطار .ومع هذا الاقتراح "العلمي "أرسل الفاتورة .غني عن الذكر أنه ينتظر الدفع .
تجلت لي بعض التقاليد "القطارية" إن جاز التعبير خلا زيارة رسمية قمت بها إلى الصين الوطنية بناء على دعوة من سكة الحديد هناك .فوجئت بعربة منفصلة مخصصة لي ولزوجتي لم أر في حياتي كلها ما يماثلها فخامة وأناقة .استفسرت من مضيفي ,مدير سكة حديد تايوان ,فأجاب أن هذه العربة مخصصة لفئتين من الضيوف :رؤساء الدول ومدراء السكك الحديدية .وأضاف أنه حتى رؤساء الحكومات لا يسمح لهم باستخدام هذه العربة .قبل أن يتحرك القطار فوجئت بموظف يتجه إلي ويلقي التحية العسكرية ويبدأ في قراءة تقرير ,ثم يقف صامتاً ينظر إلي .شرح لي المضيف أن العرف يقضي بتقديم تقرير عن عدد الركاب وخطة السير إلى أعلى مسئول في السكة الحديد يكون على متن القطار .وقال إن العرف يقضي بألا يتحرك القطار إلا بعد إذن من هذا المسئول .وأضاف أن من حقي باعتباري أعلى مسئول ذلك اليوم أن أستمع إلى التقرير وأن أعطي الإذن بالتحرك .دون أن أشعر بدأت ,شيئاً فشيئاً ,أصبح عضواً في "رابطة عاشقي القطار "صحت نبوءة عبد العزيز القريشي وبدأت "أدمن "هذا العمل
حرصت على أن أعطي العاملين في المؤسسة كل ما كان بوسعي أن أعطيه من حوافز تلرفع الروح المعنوية ,إلا أن الإدارة الحكيمة تتطلب الحزم بقدر ما تتطلب العطف .كان هناك مسئول قديم في المؤسسة لم أكن أسأله عن شيء إلا انفجر :"أنا لا أستطيع أن أتحمل الضغط كنت أريد الاستقالة ولكن كل المدراء الذين سبقوك أصروا على رفضها .بقيت مضطراً .أرجو ألا تحملني فوق ما أحتمل "استمعت إلى هذه الإسطوانة بهدوء مرتين أو ثلاث مرات .عندما بدأ .مرة أخرى ,يكرر الكلام نفسه قاطعته :"كم عدد الأبواب في مكتبي هذا؟ "سكت ثم قال مذهولاً :"بابان "قلت ولا تنسى الشباك .هناك ثلاثة مخارج تستطيع أن تستخدمها هذه اللحظة .الاستقالة مقبولة "لم يعد صاحبنا ,بعدها إلى حديث الاستقالة أو قصة الضغط .أوصي كل مدير ,بشدة ,ألا يخضع لابتزاز الاستقالة .عليه أن يخبر من يريد الاستقالة أن كل الأبواب مفتوحة .لا يستطيع أي إنسان أن يحيا حياة طبيعية في ظل الابتزاز مهما كان نوعه .والابتزاز في هذا المجال لا يختلف عن الابتزاز في كل مجال :إقبل الابتزاز مرة وسوف تضطر إلى قبوله إلى الأبد .كنت في كل عمل أتولاه أردد أمام الزملاء أنه لا يوجد موظف لا يمكن الاستغناء عنه وأنني أضع نفسي في مقدمة الذين يمكن أن يستغني عنهم (ولا أزال أقول ذلك )
كما أن على القائد الإداري ألا يتردد في اتخاذ القرارات الضرورية حتى ولو كانت مؤلمة .اتضح لي أن بعض المدراء الذين أمضوا سنين طويلة في مواقعهم لم يكونوا قادرين على الأداء الذي توقعته منهم .فوجئ الجميع ,ذات صباح ,بقرار حمل الكثير من التغييرات .جاء إعلان القرار مفاجئاً ولكني لم أتخذه إلا بعد دراسة متأنية وبعد استعراض للبدائل كلها .لم يكن هناك أي قدر من تأنيب الضمير .لم يكن القرار يتضمن فصل أي موظف ؛كل ما كان يتضمنه هو نقله من موقعه .إذا لم تكن للقائد الإداري القدرة على نقل موظف لم يعد قادراً على العطاء من موقعه فمن الأفضل ألا يتصدى للقيادة الإدارية .
في هذه الفترة جرت محاولة لرشوتي ,إلا أنني احتجت إلى بعض الوقت قبل أن أتبين المقصود .زارني مدير شركة أجنبية عاملة في الميناء وقال إن شركته تقدمت بعطاء في مناقصة عامة طرحتها المؤسسة .كانت قيمة العقد في حدود خمسة عشر مليون ريال ,وهو مبلغ ضخم بمقاييس ما قبل الطفرة قال المدير الأجنبي إن "البعض" اتصلوا به قائلين إن بوسعهم ترسية المناقصة على شركته مقابل مليوني ريال .وأضاف إنه قرر بدلاً من إضاعة الوقت مع الوسطاء الذهاب ,مباشرة ,إلى صاحب القرار .طلبت منه أسماء هؤلاء "البعض "إلا أنه رفض أن يذكر اسماً واحداً ,وأضاف إن شركته مستعدة لدفع المبلغ لصاحب القرار ,ولصاحب القرار وحده .ضحكت وقلت له إن الطريقة الوحيدة للحصول على مشروع هي تخفيض العطاء لأن صاحب القرار سيرسي المناقصة على العطاء الأقل دون أي عطاء آخر .كانت هذه المحاولة الأولى والأخيرة لرشوتي .يبدو أن الأخبار في دنيا الراشين والمرتشين والرائشين تنتشر بسرعة البرق .وقعت في فترتي الوزارية عقوداً بعشرات البلايين من الريالات ولم أسمع أحداً يتحدث تصريحاً أو تلميحاً ,عن شيء يقدم لصاحب القرار عندما حدثت المحاولة لم يكن حسابي في البنك يتجاوز عشرين ألف ريال .فور عودتي إلى المنزل قلت لزوجتي "عندي خبر عجيب .أضعت اليوم مليوني ريال "أدركت زوجتي على الفور ,ما حدث ,وقالت :"لا يهم .لا أعتقد أننا سنموت جوعاً "
في ربيع سنة 1975م (1395ه) استشهد الملك فيصل ,رحمه الله في مكتبة وأصبح ولي العهد الأمير خالد ملكاً ,وأصبح الأمير فهد ولياً للعهد ونائباً لرئيس مجلس الوزراء .بعدها أخذت شائعات التغيير الوزاري تتخذ طابعاً محموماً :أصبحت حديث كل المجالس .في كل مكان كانت هناك أسماء وترشيحات وقوائم تعد أو تطلب .بدأت التلميحات عن دخولي التشكيلة الجديدة تتزايد ,وأخذ بعضها طابعاً يتجاوز التلميح .وجه الأمير فهد بتعييني أميناً عاماً لمجلس البترول الأعلى الذي كان يرأسه ,بالإضافة إلى عملي .عندما ذهبت إلية أشكره قال :"هذا تكليف مؤقت .هناك مهمة أكبر في انتظارك "إلا أن التلميح لم يصل حد التصريح إلا عندما قال لي الملك خالد بنفسه في صيف سنة 1975م(1395ه) :"قريباً سوف يكون هناك تغيير وزاري وسوف تدخل الوزارة "لم أسمح لهذا كله أن يؤثر على عملي في المؤسسة .في هذه الفترة تلقيت عرضاً من الأمير سعود الفيصل الذي أصبح وزيراً للدولة للشئون الخارجية للانتقال إلى وزارة الخارجية ,وعرضاً من الأستاذ محمد العوضي وزير التجارة والصناعة للعمل معه وكيلاً للوزارة لشؤون التجارة .شكرت الوزيرين ,واعتذرت ,اقترحت على وزير التجارة والصناعة تعيين الدكتور سليمان السليم في المنصب وهذا ما كان .
إن عجبي لا ينتهي من أولئك الذين يتصورون أن الوزارة أصبحت في متناول أيديهم بعد سماع تعليق سريع أو مجاملة عابرة .أعرف كثيرين أصيبوا بصدمة كبرى عندما جاء التشكيل الوزاري خلواً من أسمائهم .يبدو أن قدرة البشر على تصديق ما يودون تصديقه لا تكاد تعرف الحدود أغرب ما في الأمر أن معظم هؤلاء "المرشحين "لم يرشحهم أحد سوى أنفسهم ,فكان شأنهم شأن جحا الذي أراد التخلص من أطفال مزعجين فأرسلهم إلى عرس وهمي في الحارة ,وما كادوا يذهبون حتى صدق نفيه وهرع بدوره إلى العرس المزعوم .
في يوم صدور الأمر الملكي بتشكيل الوزارة اتصل بي صباحاً صديق يعمل في الديوان الملكي وقال إنه رأى اسمي ضمن التشكيلة .وأضاف إن الخبر سيذاع في نشرة أخبار الثانية والنصف ظهراً .بقيت في مكتبي في المؤسسة أعمل كالعادة .رأيت أن ذهابي إلى المنزل للاستماع إلى النشرة ,أو إحضار مذياع إلى مكتبي وهماً أمران لم أفعلهما من قبل
فيه من استباق الأمور ما لا يليق بكرامة المنصب الذي أشغله وبكرامة المنصب الذي يمكن أن أشغله بعد إذاعة النشرة اتصلت بي زوجتي تهنئني بالعمل الجديد عندها ,وعندها فقط ,طلبت من مدير مكتبي أن يرسل الأوراق إلى نائب المدير العام الذي أصبح الآن تلقائياً المدير العام بالنيابة .
انتهت علاقتي بالسكة الحديد بعد سنة ونصف من بدئها .ماذا أنجزت في هذه الفترة ؟عندما غادرت المؤسسة كانت الروح المعنوية بين العاملين ,بسبب الحوافز العديدة التي قدمتها أعلى مما كانت عليه يوم دخلتها .وعندما غادرت المؤسسة لم تكن هناك فترة انتظار تجبر السفن على البقاء في الميناء حتى يحين دورها ,وكانت هذه الفترة في الماضي تصل إلى بضعة شهور .كان حظي سعيداً جداً ,ولكني ساعدت هذا الحظ بكل ما أوتيت من قوة .وما الذي أعطتني المؤسسة ؟أعطتني حباً متبادلاً مع زملاء العمل لا زال باقياً حتى هذه اللحظة ,وأعطتني أكثر من درس قيم في الإدارة .
كان الفارق شاسعاً بين صلاحيات العميد التي لا تكاد توجد وصلاحيات المدير العام التي لا تكاد تنتهي .كانت بعض المسائل تتطلب موافقة الوزير ,وكانت هذه الموافقة ,في الغالبية الساحقة من الحالات فورية .وكانت بعض القرارات تحتاج إلى موافقة مجلس الإدارة الذي يرأسه الوزير ويضم مندوبين من عدة جهات حكومية ذات علاقة بالمرفق وممثلين للقطاع الخاص ,وكان المجلس ,بدوره متجاوباً إلى أبعد مدى ومع ذلك تعلمت في المؤسسة أن السلطة مهما كانت واسعة ,لا تضمن تحويل القرارات إلى واقع مملوس .كان بعض الزملاء ,وخاصة من العاملين في القطار ,قد تعودوا على أنماط معينة من السلوك وجدت من الصعب تغييرها .كنت أقول ,مازحاً شبه جاد ,إن بوسعي أن أفصل موظفاً ولكن ليس بوسعي أن أجعله يحرك مقعداً واحداً في القطار من الزاوية التي كان المقعد يشغلها عبر السنوات الماضية .والعبرة؟! العبرة أن على الرئيس العاقل ألا يضيع الكثير من الوقت والجهد في محاولة يائسة لزحزحة المقاعد من مواقعها إن كان لابد من التغيير فلا بد أن يبدأ بالرجال لا بالمقاعد .علمتني تجربة العمادة أن الرغبة بدون سلطة لا تغني ولا تسمن من جوع وعلمتني تجربة المؤسسة أن اجتماع الرغبة والسلطة لا يكفي لصنع قائد إداري فعال .ماهي إذن تلك الوصفة السحرية التي تضمن للقائد الإداري النجاح ؟إلى هذا الموضوع المثير سوف أعود بعد قليل ,ولكن قبل ذلك لابد أن أتعرض لسؤال أحسبه على قدر من الأهمية .
لماذا أصبحت وزيراً ؟الجواب ,بكل أمانة ,أن الظروف وضعت مجموعة من المواطنين ,كنت أحدهم ,في دائرة الضوء عندما كانت المملكة على أعتاب ثورة تنموية شاملة .هذه المجموعة تمثل الأشخاص الذين تعرف على تسميتهم "التكنوقراطيين "الموظفين الذين تلقوا من التدريب العالي والتأهيل ما يجعلهم مختلفين عن الموظفين التقليدين ذوي الخبرة التقليدية .رأت القيادة السياسية أن تنفيذ الحلم التنموي الكبير يتطلب الاستعانة بالتكنوقراطيين .وكانت الجامعة هي "مكتب التوظيف "الذي التفتت إليه القيادة السياسية تبحث عن مرشحين للوزارة .
كان الذي يقرأ أسماء الوزراء الجدد يخيل إليه أنه يقرأ أسماء الأعضاء في مجلس من المجالس الجامعة .كان وزير الزراعة والمياه ,الدكتور عبد الرحمن آل الشيخ ,قبل الوزارة عميد كلية الزراعة ,بجامعة الملك سعود وكان وزير الصحة الدكتور حسين الجزائري ,عميد كلية الطب بالجامعة نفسها .وكان وزير الدولة وعضو مجلس الوزراء الدكتور محمد الملحم عميد كلية التجارة وفي الجامعة نفسها .وكان الدكتور سليمان السليم أستاذاً بالكلية نفسها قبل أن ينتقل إلى وزارة التجارة والصناعة وكيلاً للتجارة ,ثم يصبح وزيراً للتجارة .وكان وزير الإعلام الدكتور محمد عبده يماني مديراً لجامعة الملك عبد العزيز .وقد دخل الدكتور عبد العزيز الخويطر المجلس الجديد وزيراً لمعارف وكان قبلها وزيراً للصحة .بالإضافة إلى كل هؤلاء كان هناك وزيران من حملة الدكتوراه علوي كيال وزير البرق والبريد الهاتف ,والدكتور عبدالله العمران وزير الدولة وعضو مجلس الوزراء هل يستغرب أحد ,والحالة هذه أن يصبح اسم الوزارة الجديدة في الشارع السعودي "حكومة الدكاترة "؟ذكرت صحيفة أجنبية وقتها أن مجلس الوزراء السعودي في تشكيلته الجديدة من أكثر مجالس الوزراء في العالم ثقافة ومن أصغرها سناً .إذا كان هناك من الوزراء من يعتقد أنه تولى الوزارة بفضل ذكاء طبيعي خارق ,أو موهبة فطرية ذاتية أو نفوذ سياسي أو صلات عائلية ,فها أنذا أقول بصراحة إن الظروف وحدها هي التي وضعتني على المقعد المليء بالأشواك .
لابد هنا من كلمة حق أقولها عن النظام في المملكة .بخلاف بعض الأنظمة الثورية التي كانت تتخوف من المثقفين ,والتي كانت تصر على وضع الولاء فوق الكفاءة لم يكن النظام السعودي يعاني أي عقدة في التعامل مع المثقفين .لم يكن هناك وزير واحد من الوزراء الجدد لم ينتقد خلال فترة الدراسة ,الأوضاع في المملكة نقداً لا يخلو من حدة ولم يكن هناك وزير واحد لم ينجرف خلال مرحلة من المراحل مع التيار القومي الناصري الثوري .عندما رجعنا إلى المملكة لم نجد في المطار "لجان استقبال " تأخذنا إلى "دور ضيافة حكومية " عندما عملنا في الدولة لم يبحث أحد في "ملفاتنا"(أعتقد ولا أعلم أنه لم تكن لنا ملفات )كان النظام يفترض الولاء في كل المواطنين ,المثقفين وغير المثقفين كانت عاملاً هاماً من العوامل التي مكنت المملكة من إنجاز ما أنجزته من معجزات تنموية في فترة زمنية بالغة القصر .إن استمرار هذه الشراكة وتطويرها في العقود القادمة أمر بالغ الأهمية وذو أثر مباشر على استقرار النظام .
وهناك كلمة حق أخرى لا بد أن أقولها عن النظام .عبر تجربتي الوزارية التي استمرت قرابة عقد من الزمان ,لم يكن هناك أمر واحد موجه إلي بإعطاء هذا العقد أو ذاك لهذا الإنسان أو ذاك أو هذه الشراكة أو تلك .لم يكن هناك قرار واحد فرض علي فرضاً .لم يكن هناك عمل واحد قمت به وأنا معذب الضمير .إن للمملكة ,مثل غيرها من بلاد العالم ,نصيبها من الفساد واستغلال النفوذ ,إلا أنني أستطيع أن أقول إن تجربتي وتجربة عدد من الزملاء الوزراء وتجربة عدد من المساعدين الذين عملوا معي مباشرة ,كان بعضهم يوقعون عقوداً بمئات الملايين ولم يكن الواحد منهم يملك سكناً تدل أو أرجو أن تدل أن وضع المملكة فيما يخص النزاهة والانحراف أفضل من الوضع في كثير من دول العالم الثالث .
وهناك كلمة حق أخرى أكون من الجاحدين إذا لم أعلنها ,بأعلى صوت ,قبل أن أبدأ الحديث عن تجربتي مع الوزارة .لا أعتقد أن وزيراً في المملكة حظي بما حظيت به من ثقة القيادة السياسة .لولا الدعم الهائل غير المحدود الذي تلقيته عبر كل خطوة من الطريق لما كان بإمكاني أن أدخل معركة ضارية تلو أخرى وحديثي عن ما تحقق أثناء الوزارة ليس حديثاً عن مجد ذاتي .كل ما قمت به كان بمال الدولة تنفيذاً لسياسة الدولة ,استخداماً لصلاحيات سنتها الدولة ,عبر موظفي الدولة واستناداً إلى ثقة لا تعرف الحدود من القيادة في الدولة .عندما بدأت هذه الثقة تهتز أو هذا ما بدا لي شعرت أن تجربتي الوزارية تقترب من نهايتها وهذا جسر سنعبره عندما نصل إليه .

من نعم الله علي وما أكثرها ! وما أعجزني عن شكرها ! أنه سبحانه حين ابتلاني بالوزارة وأنا أستعمل البلاء بمعناه الأصلي المحايد :الاختبار ,ابتلاني وأنا في سن الخامسة والثلاثين ,عنفوان الشباب .لو كنت في سن أصغر لما أتيح لي أن أحصل على الحد الأدنى الضروري من المعرفة والخبرة .ولو كنت في سن أكبر لما كان بوسعي أن أصل الليل بالنهار في دوامة محمومة من العمل والمواجهات .لو توليت الوزارة في سني الحالية لكان من المشكوك فيه ,وأوشك أن أقول من المستحيل ,أن أواجه التحديات بتلك الروح العنيدة التي تؤججها حماسة الشباب .الأرجح أني كنت سأختار الطريق السهل وأترك كل شيء كما وجدته تماماً أو أسوأ قليلاً .
"معالي الوزير "لقب الألقاب !ها أنذا في سن مبكرة أصل إلى أقصى ما يطمح إليه إنسان يعمل في الخدمة العامة ,وأوشك أن أقول أي إنسان :الوزارة .أكذب على نفسي وعلى القراء إذا قلت إن قلبي لم يخفق بشيء يشبه النشوة .ويكذب كل من تولى الوزارة إذا زعم أنه تولاها مكرها مضطراً للوزارة في كل زمان ومكان بريق أخاذ يندر أن يقاومه أحد .
طه حسين ,ذلك العملاق الخالد لم يرتح إلى منصب كما ارتاح إلى الوزارة ,ولم يطرب للقب كما طرب للقب "معالي الباشا "(الذي ظل يحب أن يسمعه حتى آخر يوم في حياته !)والعقاد ذلك العملاق الخالد الآخر مات وفي نفسه شيء من الوزارة ,كما يقول لنا عدد م المقربين إليه .وفي بلادنا أعرف كثيراً من الرجال النابهين اللامعين يعيشون بمرارة خفية قابعة في نفوسهم لأنهم لم يصلوا إلى الكرسي الساحر المسحور .لا أعرف شخصياً أقول لا أعرف ولا أقول لا يوجد ,سوى حالتين في المملكة اعتذر فيهما صاحب الشأن عن قبول منصب وزاري عرضه عليه من يملك إعطاءه أما العشرات الذين يرددون القصص المسلية عن رفضهم عرضاً وزارياً بعد عرض فالأرجح أنهم رفضوا عروضاً لم تحدث إلا في أحلامهم .يقول لي صديق إنه شخصياً يعرف رجل أعمال على استعداد تام لدفع عشرات الملايين من الريالات مقابل أن يصبح وزيراً لمدة أسبوع واحد .عزاء كل هؤلاء أن يعرفوا أن الوزارة لا تجيء لأكثر الناس كفاءة بل لأسعدهم حظاً أتحدث عن الحظ بالمعنى المتعارف عليه بين الناس أما حين نتجاوز أمجاد الدنيا إلى هول الحساب يوم الحساب ,وحساب الوزارة لا يقتصر على أنفسهم بل يتجاوزه إلى كل من وما ولوا عليه ,فيمكننا القول ,صادقين إن الوزارة لا تجيء إلا لأشقى الناس حظاً !
إلا أن النشوة لا تطول وسحر اللقب لا يدوم .لا يصبح هناك فارق مع التكرار الرتيب بين "يا معالي الوزير "و" يا دكتور "و" يا شيخ "و" يا أخي "أو أي نداء آخر .ثقل المسئولية سرعان ما يغتال أي شعور بالفرحة .في أسبوع تعييني كلمني أحد الأصدقاء مهنئاً وقال بالحرف الواحد "أنت الآن تستطيع أن تتحكم في حياة آلاف البشر ,يا لها من سلطة "لم أستطيع أن أجيبه .كنت في واد وهو في واد .يتحدث عن
سلطة على البشر وأنا مقبل على تحد مرعب :أن تكون مسئولاً عن كهربة دولة بحجم القرة ,وعن إقامة قاعدة صناعية متطورة .مالي وما للتحكم في حياة آلاف البشر ؟!كان التحدي بالفعل مرعباً ولكنني واجهته بثقة كاملة .أعتقد أنني في هذه المرحلة الحاسمة من حياتي الإدارية كنت قد تمكنت من وضع يدي على سر القيادة الإدارية الفعالة .
هناك ثلاث صفات لا بد من توفرها في القائد الإداري الناجح الأولى صفة عقلية خالصة والثانية صفة نفسية خالصة والثالثة مزيج من العقل والنفس .لعل القارئ عندما ينتهي من قراءة هذا الجزء سيدرك أن كثيراً من النقاش الذي يدور حول الإدارة هو نقاش لفظي عقيم .لا يهم أن تكون الإدارة علماً أو فناً فالفرق بين العلم والفن مسألة تتعلق بالتعريف أكثر من تعلقها بالجوهر .ولا يهم أن يولد الإنسان إدارياً ,أو يكتسب المقدرة الإدارية من التجربة ,فما يعنينا هو النتيجة النهائية .ولا يهم أن يكون الإداري واسع الثقافة أو متوسطها ,فالموضوع لا يبدأ وينتهي بالثقافة .ولا يهم أن يكون الإداري هادئ الأعصاب أو متوترها
سمح الأخلاق أو شرسها ثقيل الظل أو خفيف الدم محبوباً أو مكروهاً فكل هذه صفات تهم الإنسان ولكنها لا تهم الكائن الإداري لا يهم عندما يتعلق الأمر بالقيادة الإدارية سوى الصفات الثلاث
الصفة الأولى العقلية هي القدرة على معرفة القرار الصحيح يبدو للوهلة الأولى أن هذا الشرط بديهي إلا أنه عند التأمل ليس بالبديهي كثر من الإداريين تغيم لديهم الرؤية وتلتبس الأشياء فتنعدم القدرة على تمييز القرار الصحيح من القرار الخاطئ .لابد هنا أن نتذكر أن الأمور في الإدارة وخارج الإدارة نادراً ما تظهر باللون الأبيض أو باللون الأسود في الإدارة كما في السياسة ,كثيراً ما يكون القرار صحيح هو الخيار الأقل سوءاً بين خيارات سيئة كلها البشر بفطرتهم السوية يستطيعون التفرقة بين الخير والشر ,إلا أن القرارات الإدارية لا تجيء مرتدية لباس الخير المطلق أو الشر المطلق .
لتوضيح المسألة سأضرب مثلاً رأيته بنفسي يتكرر في أكثر من بلد .عندما يتخذ وزير الصناعة في دولة من دول الاقتصاد الحر قراراً بالموافقة على تشريع يجعل من الصعب على القطاع الخاص بناء المصانع يكو قد عجز عن معرفة القرار الصحيح مهما حاول بعد ذلك أن يدفع عجلة التنمية الصناعية فإن جهوده ستبوء بالفشل .عندما يكون القرارالأصلي خاطئاً فلن تكون القرارات الفرعية النابعة منه صحيحة .وقبل أن يتساءل أحد هل يعقل أن يتخذ وزير صناعة في دولة تؤمن بالاقتصاد الحر قراراً يعرقل حركة القطاع الخاص في بناء المصانع ,أسارع إلى القول إن القرار لا يقدم إلى الوزير من جهازه وقد كتب عليه "هذا قرار القصد منه سد الأبواب أمام القطاع الخاص "يأتي القرار ومعه مذكرة مسهبة توحي لمن يقرأها أن هدف التشريع هو تشجيع الصناعة ,وأن القيود والعقبات ما هي في الحقيقة سوى ضوابط وضمانات .المضحك هو أن البيروقراطيين الذين أعدوا المذكرة يصدقون ما كتبوه والمبكي لأن يصدقهم الوزير !
الصفة الثانية المطلوبة النفسية ,هي القدرة على اتخاذ القرار الصحيح .ما أكثر القرارات التي يعرف صانع القرار الإداري أنها صحيحة ولكنه يعجز عن اتخاذها خوفاً من العواقب .إذا كانت الحكمة جوهر الصفة الأولى فالشجاعة هي روح الصفة الثانية .لا يجهل أحد على سبيل المثال أن السخاء والشجاعة خصلتان حميدتان ولا يجهل أحد كما قال المتنبي أن "الجود يفقر والإقدام قتال "لا يخفى على أي وزير أن القرار الذي يخدم مصالح الأغلبية أفضل من القرار الذي يخدم مصالح الأقلية ولكن معرفة القرار الصحيح لا تعني القدرة على اتخاذه .عباقرة المنظرين المثرثرين المفسرين يندر أن يكونوا قادة إداريين فعالين استمعت عبر حياتي الإدارية إلى مسئول بعد مسئول يحلل المشكلة تحليلاً صحيحاً دقيقاً ويضع يده على مكمن الخطأ لماذا لم يفعل شيئاً إذن ؟الجواب الذي يجهله المنظر المثرثر المفسر هو أنه لم يملك الشجاعة الكافية لاتخاذ القرار الصحيح .
والصفة الثانية المطلوبة وهي مزيج من الصفة العقلية والصفة النفسية ,هي القدرة على تنفيذ القرار الصحيح .نستطيع أن نجد في كل وزارة بل في كل إدارة مقبرة واسعة تضم القرارات الصحيحة التي اتخذت ولم تنفذ .الحكمة إذن لا تكفي ولا الشجاعة لا بد من صفة ثالثة هي المهارة .إن أحكم الناس ليس ,بالضرورة أشجعهم وأحكمهم وأشجعهم وأحكمهم وأشجعهم ليس بالضرورة أمرهم والمهارة المطلوبة لتنفيذ القرار الصحيح لا تتخذ شكلاً واحداً بل ألف شكل (لا يكاد يتشابه قراران في وسائل التنفيذ )هذه المهارة تشمل ضمن ما تشمل القدرة على إنشاء لوبي فعال واستخدامه القدرة على التحفيز القدرة على شرح القرار والقدرة على إزالة كل عقبة تقف في الطريق وتتطلب الكثير الكثير من الصبر والدأب .
فلنعد إلى المثل الذي ضربته قبل قليل .لنفترض أن وزير الصناعة عرف القرار الصحيح وتمكن من اتخاذه :رفض التشريع الذي يضع العقبات أمام القطاع الخاص .هي تنتهي الأمور عند هذا الحد ؟لا ! الجهاز الذي درج على التعقيد لن يتخلى عن عاداته لأنه خسر موقعة واحدة والقطاع الخاص الذي اكتوى بنار البيروقراطية لن يسترجع شجاعته بكلمة من الوزير .عملية التنفيذ إقناع الجهاز (أو جره جراً!)وتحفيز القطاع الخاص هي ذلك الجزء الأساسي الذي يظل القرار بدونه مهما كان عادلاً ورائعاً ومنطقياً كما يقول التعبير المشهور "حبراً على ورق "سوف أضرب مثلاً لقرار اكتملت فيه الصفات كلها .اتخذت وزارة الصحة السعودية في عهد الصديق الدكتور حسين الجزائري قراراً بتطعيم كل الأطفال حديثي الولادة بمصل ضد أمراض الطفولة ومن أخطرها شلل الأطفال قرار رائع ولكن كيف ينفذ والوعي عند المواطنين لا يستوعب مخاطر هذه الأمراض ؟اتخذت وزارة الصحة قراراً ألا تعطي شهادة الميلاد إلا عندما يقدم الأب شهادة تثبت أنه تم تطعيم الوليد .على هذا النحو أمكن تنفيذ القرار وأمكن إنقاذ آلاف الأرواح البريئة الصغيرة لولا ربط شهادة الميلاد بالتطعيم لظل القرار الرائد "حبراً على ورق "
لعلنا نستطيع الآن أن نتبين أسباب الفشل الإداري الغبي لا يستطيع معرفة القرار الصحيح ؛والإداري الجبان لا يستطيع اتخاذ القرار الصحيح ؛والإداري غير الماهر لا يستطيع تنفيذ القرار الصحيح .ما يبدو لغزاً أو شبيهاً باللغز يصبح عند تحليله في ضوء هذا المنظور أمراً بالغ البساطة لماذا فشل الأستاذ الجامعي اللامع النابه في الوزارة ؟لأنه افتقر إلى الشجاعة .لماذا فشل الإداري الشجاع المقدام في الوزارة ؟لأنه افتقر إلى الحكمة .ولماذا فشل الرجل /الفلتة الذي جمع بين الشجاعة والحكمة ؟لأنه لم يدرك أن القرارات لا تنفذ نفسها بنفسها .نستطيع أن نعتبر معظم الإداريين الفاشلين أعضاء في حزب "كتبنا !"لماذا لاتحسن خدمة الجهاز ياسيدي الإداري ؟"كتبنا نطلب اعتمادات ولم يحدث شيء "لماذا يستشري الفساد في جهازك ياسيدي الإداري ؟"طلبنا صلاحيات إضافية نستطيع بها مقاومة الفساد ولم يحدث شيء ؟"كتب هؤلاء فهل يجوز لأحد أن يلومهم ؟!
نعود إلى معالي الوزير الجديد ! على خلاف الذين يدعون أنهم فوجئوا بخبر تعيينهم يذاع المذياع ,وأنا على أي حال لا أكاد أصدق أحد منهم لم يكن في حالتي كما رأينا أي مفاجأة .جاءت المفاجأة عندما أدركت أن مسئولياتي الجديدة تشمل الكهرباء .قبل صدور التشكيل بأسابيع بدأت التلميحات تشير إلى وزارة الصناعة وكنت مهيأ نفسياً للعمل الجديد لم أكن بأي معيار من المعايير خبيراً صناعياً ولكني درست من مواد الاقتصاد في المرحلتين الجامعية والعليا ما جعلني على إلمام بالمبادئ النظرية الضرورية لممارسة المسئولية الجديدة .إلا أن جهلي بشؤون الكهرباء كان مطلقاً لا أعتقد أني عبر حياتي كلها أصلحت "فيوزاً " واحداً عند تعييني لم أكن أعرف الفرق بين "الكيلوات "و"الميجاوات "أدركت أنني في حاجة إلى دراسة سريعة مكثفة وانهمكت قي قراءة عدد من الكتب والكتيبات والدراسات .بعد أسابيع من تكليفي بالوزارة كنت قد ألممت بقدر لابأس به من المعلومات الأساسية عن الكهرباء .لا لأدعي أنني أصبحت من الخبراء ولكني أدعي أني استطعت أن أتحاور مع الخبراء وأفهم لغتهم .
يقودني هذا الحديث إلى موضوع التخصص .قلت قبل قليل إنه إذا اجتمعت لدى القائد الإداري الصفات الثلاث فلا يهم أي اعتبار آخر .إلا أنه في دول العالم الثالث تسود نظرة تذهب إلى أن الوزير يجب أن يكون من المتخصصين :طبيب لوزارة الصحة ومهندس كهرباء لوزارة الكهرباء ومهندس بترولي لوزارة البترول وهلم جرا .إن التخصص ,في غياب الصفات القيادية الثلاث ,لايعني شيئاً بل إني أذهب أبعد من ذلك فأقول إن الوزير المتخصص قد يكون أقل فعالية من الوزير غير المتخصص .لماذا؟هناك سببان رئيسيان .السبب الأول ينبع من غريزة بشرية متأصلة :الناس أعداء ماجهلوا وأصدقاء ماعرفوا .من هذا المنطلق لا نستغرب إذا وجدنا الوزير المتخصص يركز على تلك الأمور التي يتقنها والتي أفنى زهرة شبابه في دراستها .ينزع وزير الصحة الطبيب إلى الدخول في التفاصيل الطبية الدقيقة ,وينزع وزير الكهرباء المهندس إلى مناقشة كل صغيرة وكبيرة في المخططات الكهربائية الهندسية .لا ضرر ,من حيث المبدأ في هذا التركيز إلا أنه في الواقع يؤدي إلى إهمال الوزير ما هو أهم من التفاصيل الفنية الدقيقة والسبب الثاني ينبع من حقيقة معروفة :يشكل أعضاء كل مهنة نقابة _فعلية أو معنوية _يلتزم أعضاؤها بالولاء المتبادل لا تجد طبيباً ينتقد طبيباً آخر علناً ولا تجد مهندساً يغض صراحة من شأن مهندس آخر "روح النقابة "هذه تؤثر بطريقة شعورية أو لا شعورية على قرارات الوزير المنتمي إلى النقابة .عندما يكون وزير الصحة طبيباً فإنه يجد نفسه مشدوداً إلى زملاء مهنته على نحو يصعب معه أن يعاملهم بحياد أو موضوعية .لكل قاعدة استثناءاتها العديدة ,إذا تمكن الوزير من الجمع بين التخصص وبين الصفات القيادية فإنه يكون قد جمع المجد الإداري من أطرافه .انتقلت صبيحة اليوم التالي لتعييني إلى الرياض (بالطائرة هذه المرة !)عندما وصلت الطائرة إلى المطار قال المضيف للركاب الذين كانوا حولي :"أفسحوا المجال لمعالي الوزير "أصر المضيف وأصر الركاب أن أكون أول النازلين .لا حول ولا قوة إلا بالله !الوزير الذي نذر نفسه لخدمة الناس يجد نفسه في يومه الأول في الوزارة وقد تقدم الناس .لا بد من حصانة قوية داخلية تمنع الوزير من الانسياق للوهم الذي قد يزين له أنه أصبح الآن ,من طينة تختلف عن طينة البشر الذين يصرون أن يمشي أمامهم .من نعم الله علي وما أكثرها ! وما أعجزني عن شكرها ! أن كل طقوس التكريم ومظاهره كانت ولا تزال تحرجني أكثر مما تسعدني .في اليوم نفسه انطفأت الكهرباء في حي من أحياء الرياض قال ألأحد المواطنين لصديق من أصدقائي "ماذا فعل لنا صديقك الوزير الجديد ؟الكهرباء لا زالت تنقطع "حسناً !هذه بتلك ّ!في اليوم التالي اجتمع مجلس الوزراء الجديد ورأس الجلسة الملك خالد رحمه الله لا أزال حتى هذه اللحظة أذكر كلمته العفوية الرائعة التي بدأ بها الاجتماع :"اهتموا بالضعفاء .أما الأقوياء فهم قادرون على الاهتمام بأنفسهم "
كانت وزارة الصناعة والكهرباء وزارة جديدة وكان لابد أن تتكون من قطاعات تسلخ من أجهزة قائمة .السلخ بأنواعه ليس بالعملية السهلة إلا أن بعض السلخ أصعب من بعض .لم تكن هناك أي مشكلة فيما يتعلق بقطاع الكهرباء .انتقلت مصلحة الخدمات الكهربائية من وزارة التجارة والصناعة القديمة إلى الوزارة الجديدة .لم تكن هناك مشكلة فيما يتعلق بالإشراف على الصناعات القديمة إلى الوزارة الجديدة ولم تكن هناك مشكلة فيما يتعلق بالإشراف على الصناعات التي يقيمها القطاع الخاص ,فقد انتقلت إدارة الصناعة المعنية بهذا القطاع من الوزارة القديمة إلى الوزارة الجديدة .

ولم تكن هناك أي مشكلة في توزيع المسئولية على المؤسسات العامة القائمة .اتفقت مع الصديق الدكتور سليمان السليم على النقل في جلسة واحدة :انتقل مركز الأبحاث والتنمية الصناعية إلى الوزارة الجديدة وبقيت هيئة المواصلات والمقاييس ومؤسسة الصوامع والغلال مع وزارة التجارة كانت المعضلة الكبرى في المشاريع الصناعية البتروكيماوية والبترولية والمعدنية التي كانت المؤسسة العامة للبترول والمعادن "بترومين " مسئولة عنها قبل إنشاء الوزارة الجديدة .لم تتطوع "بترومين " بالتنازل عن شيء وسرعان اتضح أنها لا تنوي التنازل عن شيء .كان ولي العهد الأمير فهد قد كلف اللجنة العليا للإصلاح الإداري بتوزيع الاختصاصات بين الوزارات القديمة والوزارات المستحدثة ,وبدأت اللجنة تدرس موضوع هذه الصناعات .
كان الموضوع لا يخلوا من حساسية .كان في رأيي أن الدولة لم تقم بإنشاء الوزارة الجديدة إلا رغبة منها في تركيز المسئولية على الصناعة في جهة واحدة .وكان من رأي الأستاذ أحمد زكي يماني وزير البترول والثروة المعدنية ورئيس مجلس إدارة "بترومين "أن يبقى كل شيء كما كان عليه ,منطلقاً من أن الصناعات القادمة مرتبطة على نحو أو آخر بالبترول .انتهت اللجنة العليا للإصلاح الإداري بعد دراسة ضافية أعدتها اللجنة التحضرية إلى نتيجة اعتبرتها منطقية جداً تبقى مشاريع التكرير والتصفية عند "بترومين "باعتبارها جزءاً لا يتجزأ من الصناعة البترولية وتنتقل المشاريع البتروكيماوية والمعدنية إلى الوزارة الجديدة .استغرقت عملية الانتقال بضعة شهور وعندما انتهت كان هناك شيء من المرارة عند الطرفين .لم تزل هذه المرارة إلا بعد لقاء مصارحة طويل مع الأستاذ أحمد زكي يماني .عاتبته على التراخي في تسليم مشاريع كان من الواضح أنها أصبحت من اختصاص الوزارة الجديدة .وعاتبني على تسرعي في ضم مشاريع كان يفضل أن تنتقل ,تدريجياً وعبر سنوات ,إلى الوزارة الجديدة .بنهاية اللقاء كانت المرارة في ذمة التاريخ ولم أر طيلة فترتي الوزارية سوى التعاون الكامل من وزير البترول والثروة المعدنية .أود أن أقول إن لقاءاً شخصياً واحداً قد يحقق مالا تستطيع عشرات المراسلات الرسمية تحقيقه .
كان على الوزير الجديد أن يحدد شكل الوزارة الجديدة .كان هناك خياران رئيسيان .الخيار الأول هو تركيز كل شيء في يد الوزارة والخيار الثاني هو قصر دور الوزارة على التخطيط الإشراف والرقابة .بلا أدنى قدر من التردد انحزتُ إلى الخيار الثاني .لم أكن أتطلع إلى بناء إمبراطورية هائلة "تكوش" على كل شيء وكنت أعرف أن طبيعة المرحلة القادمة تتطلب من المرونة وسرعة الحركة ما يحمل الأجهزة البيروقراطية التقليدية فوق ما تطيق .رأيت أن تضم الوزارة وكالتين ,واحدة لشئون الكهرباء والثانية لشئون الصناعة .كنت مصمماً على ألا يتجاوز عدد الموظفين في الوزارة بأي حال من الأحوال ,المائتين وأحسبه لم يقترب من هذا الحد عندما تركت الوزارة .كنت أرى أن يتم التنفيذ خارج الوزارة وعن طريق كيانات تملك المرونة الكافية للتحرك السريع الفعال .لنبدأ بقطاع الكهرباء .كان في المملكة أيامها أكثر من مائة شركة كهربائية عاملة وعدد كبير آخر تحت الأسيس كانت مصلحة الخدمات الكهربائية هي الجهة الحكومية المسئولة عن الكهرباء ,وكانت مهمتها تتطلب منها أن تراقب شركات الكهرباء بالإضافة إلى تنفيذ بعض المشاريع الكهربائية مباشرة .هذا الدور المزدوج في الرقابة والتنفيذ منع المصلحة من القيام بدورها الكامل في الرقابة ودورها الكامل في التنفيذ .وكان هناك صندوق تمويل حكومي اسمه "صندوق تعميم الكهرباء "كان للصندوق مجلس إدارة يضم ممثلي الجهات الحكومية ذات العلاقة ,كان هناك للصندوق مجلس إدارة يضم ممثلي الجهات الحكومية ذات العلاقة ,وكان هدف الصندوق التعجيل بكهربة المناطق والقرى النائية عن طريق تقديم المساعدات المالية للشركات الكهربائية وعن طريق المساهمة أحياناً في رؤوس أموالها بالإضافة إلى ذلك ,قامت البلديات في عدد من مدن المملكة بتنفيذ بعض المشاريع الكهربائية التي استمرت مرتبطة بتلك البلديات .كان من الواضح لكل ذي عينين أن الوضع الكهربائي في حاجة ماسة إلى الترشيد .
بعد إنشاء الوزارة ,استقر الرأي على إنشاء مؤسسة عامة للكهرباء تكون مهمتها كهربة كل المناطق الخارجة عن امتيازات الشركات القائمة فور إنشاء المؤسسة تقرر وقف إنشاء أي شركات جديدة ألغي صندوق تعميم الكهرباء وانتقلت صلاحياته إلى المؤسسة وضمت كل مشاريع البلديات بدورها إلى المؤسسة .تبلورت ملامح الوضع الجديد :وزارة تتولى التخطيط والإشراف وترتيب التمويل ؛شركات كهربائية تعمل في مناطق امتيازها ؛مؤسسة عامة مسؤولة عن إيصال الكهرباء إلى كل منطقة تخرج عن امتياز الشركات العاملة .
ماذا عن المشاريع الصناعية الكبرى التي نصت الخطة الخمسية الثانية على إنشائها في الجبيل وينبع ؟اتجه تفكيري أول ما اتجه إلى إنشاء مؤسسة عامة جديدة تتولى تنفيذ هذه المشاريع .إلا أن الصديق محمد أبا الخيل الذي دخل التشكيلة الجديدة وزيراً للمالية والاقتصاد الوطني ,وكان قبلها وزير دولة لشئون المالية الاقتصاد الوطني ,اقترح علي يدلاً من المؤسسة العامة إقامة شركة مساهمة تجارية تعمل وفقاً للأسس التجارية الخالصة ويمكن مستقبلاً ,بيع جزء من أسمهما إلى الجمهور .كان محمد يكبرني سناً ويفوقني خبرة وقد قدم لي قبل الوزارة وبعدها من أنواع العون ما لا يحرجني أن أذكره وماكنت سأذكره لولا علمي أن هذا يحرجه هو .انتفعت بالكثير من آراء محمد ومقترحاته عبر السنين ,إلا أن فكرة الشركة المساهمة تجيء في رأس القائمة .في غمرة التطورات التي توالت نسي الجميع بمن فيهم محمد نفسه ربما كيف بدأ الاقتراح وها أنذا أنسب الفضل لأهله وجدت الفكرة صداها الفوري في نفسي وكلما تعمقت في دراستها ازددت إيماناً بفعاليتها حملت الفكرة إلى الأمير فهد الذي أصغى باهتمام وتحمس للفكرة حماسة شديدة ومنحني الضوء الأخضر .أهم ملمح جذب الأمير فهد إلى الفكرة هو وعدي القاطع بأن تتنازل الحكومة عن أسهمها مستقبلاً للمواطنين .كان الأمير فهد حريصاً كل الحرص على أن يمتلك المواطنون أسهماً في كل شركة تقيمها الدولة أو تساهم فيها .بدأت العمل الدائب لإنشاء الشركة السعودية للصناعات الأساسية ,التي سرعان ما اشتهرت باسمها المختصر "سابك"مع إنشاء الشركة بدأت ملحمة التصنيع التي سأعود إليها بعد قليل .
بعد بضعة شهور من إنشاء الوزارة استقر الهيكل التنظيمي وكان علي أن ألتفت فوراً إلى الهم التخطيطي .يحسن هنا لأن أقف وقفة قصيرة لأقول إن بعض الإداريين يخطئون خطأ بيناً عندما يبدأون التخطيط بجهاز لم يستكمل مقوماته التنظيمية .لكي تخطط لعمل جهاز ما يجب أن تكون الصورة الإدارية للجهاز متضحة في أذهان المخططين .في مجال الصناعة ,كفتني وزارة التخطيط المؤونة فقد جاءت الخطة الخمسية متضمنة المشاريع الصناعية الكبرى المقترحة .أما في مجال الكهرباء فقد كان علي أن أبدأ من نقطة البداية .بعد تكليفي بالعمل بأسابيع قليلة دعوت مدراء الشركات الرئيسية العاملة في مدن المملكة إلى اجتماع في الوزارة ,لأطلع بنفسي من خلاله على الخطط المستقبلية لهذه الشركات أسمح لنفسي بأن أنقل ما حدث في الاجتماع من محاضرة ألقيتها خلال فترة الوزارة "كانت خيبة أملي عنيفة وبالغة وأنا أستمع إلى تقرير عقب تقرير يتحدث عن آخر عقد وقع لإنشاء محطة توليد وإلى وعد عقب وعد أن الصيف القادم سوف يكون خالياً من المشاكل والانقطاعات .لم يتحدث مسؤول واحد عن نيته في تطوير جهازه الفني والإداري .ولم يملك مسؤول واحد أي تصور من أي نوع عما ستكون عليه الأوضاع الكهربائية في منطقة امتيازه بعد عامين أو خمسة أو عشرة
وزير جديد لا يكاد يفقه شيئاً في الكهرباء ,ولم تأخذه شركة كهرباء واحدة بأي قدر من الجدية ,وشركات كهرباء تعمل من مدن المملكة الرئيسية دون أن تملك أي فكرة عن المستقبل وتحدياته. ألا يبدو الوضع مأساوياً بعض الشيء ؟ما المخرج ؟الإنسان الذي يعرف نقاط ضعفه يملك فرصة حقيقية في تحويلها إلى نقاط قوة .على الذين لا يعرفون أن يستعينوا بلا تردد بمن يعرفون وهذا بالضبط ما فعلته .كان هناك برنامج تعاون أمريكي /سعودي واسع تشرف عليه من الجانب السعودي وزارة المالية والاقتصاد الوطني .بالتفاهم مع الأستاذ محمد أبا الخيل تم تكليف شركة أمريكية متخصصة ذات خبرة واسعة بوضع خطة كهربائية شاملة للمملكة تتناول ربع القرن القادم قلت وقتها وأقول الآن إنه "لا توجد لدى أي دولة نامية خطة تماثل هذه الخطة في شمولها ودقتها وما بذل خلال إعدادها من جهود "بمجرد انتهاء الخطة أصبحت "برنامج عمل "ينظم حركات قطاع الكهرباء ,برنامج عمل يتحدث بالتفصيل عن الأحمال المتوقعة والطاقة اللازمة لمواجهة هذه الأحمال والتمويل المطلوب لتوليد هذه الطاقة .هنا درس لكل إداري ناشئ :لا تستح أبداً من أن تعترف بجهلك وأن تعالجه بخبرة الخبراء لا يعلم إلا الله وحده ماذا كان سيحدث لو أن الوزير الجديد كان مهندساً كهربائياً وقرر الاكتفاء بخبرته ومعلوماته الشخصية .
قبل أن أبدأ الحديث عن المعارك التي اشتعلت فور جلوسي على المقعد الوثير المزعج ,أود أن أتطرق إلى أسلوبي في العمل وإلى بعض القضايا التي طُرحت ,ولا تزال تطرح ,حول هذا الأسلوب .بادئ ذي بدء أحب أن أوضح أن أسلوبي الإداري ,الذي سبق سميته الأسلوب الهجومي ,كان في الوزارة هو أسلوبي نفسه في السكة الحديد وفي الكلية .من الأسبوع الأول بدأت الزيارات المفاجئة .كثيراً ما فوجئ المواطنون الذين يقفون في طوابير شركات الكهرباء لتقديم طلبات التوصيل أو لدفع الفواتير بالوزير الجديد يقف معهم في الطابور .خلال انقطاع الكهرباء كنت حريصاً على أن أرافق فرق الصيانة التي تنطلق من مقر الشركة الرئيسي في الرياض إلى مختلف الأحياء لتصليح الأعطال .كنت أفعل هذا بمعدل مرة واحدة في الشهر .كنت أريد رفع الروح المعنوية للزملاء العاملين في فرق الصيانة من ناحية وكنت من ناحية أخرى أود أن يعرف المواطنون أن الجهاز بأكمله وعلى رأسه الوزير ساهر على خدمتهم فوجئ صديق بعد صديق وهو يراني أنزل من سيارة الشركة مع عمال الصيانة ولا شك في أنه كان هناك عدد كبير من المواطنين الذين لم يعرفوني ولعلهم تصوروا أنني مدير الصيانة في الشركة وأشارك موظفي السنترال تلقى الشكاوي الهاتفية .ذات ليلة ,اتصل مواطن غاضب وقال وهو يصرخ "قل لوزيركم الشاعر أنه لو ترك شعره واهتم بعمله لما انطفأت الرياض كلها "قلت ببساطة "شكراً ! وصلت الرسالة !"قال :"ماذا تعني ؟"قلت :"أنا الوزير "قال :" احلف بالله "قلت :"والله !"كانت هناك لحظة صمت من الجانب الآخر قبل أن تهوي السماعة .لا أدري حتى هذه اللحظة ,هل صدق المواطن الغاضب كلامي أم ظنني موظفاً صغيراً يسخر منه قلت علناً في أول شهر لي بالوزارة إنني مستعد لأن أفتتح بنفسي أي مصنع أدعى إلى افتتاحه كبيراً كان أو صغير في أي منطقة قريبة أو نائية (وأحسبني وفيت بالوعد )وقلت إنني أنوي أن أقوم بزيارة تفقدية لكل شركة كهرباء في المملكة ( وأحسبني زرت الغالبية الساحقة من هذه الشركات )
لابد هنا من الانتقال إلى نقطة يثيرها بعض الأصدقاء بين الحين والحين في السر غالباً وفي العلن احياناً وهي قصة حبي مع الإعلام الحديث عن "عاشق الأضواء "وهوحديث بدأ كما رأينا أيام الكلية ازداد حدة أيام الوزارة عندما بدأت الصحف تنشر عني ما يزيد على ما تنشره عن عدد من الوزراء مجتمعين .الذين يتحدثون عن حبي للأعلام ينسون أن الحب يحتاج إلى طرفين ,وكان عليهم أن يسألوا عن سبب حب الإعلام لي .كثير من كبار المسئولين ,ومنهم عدد من الوزراء ,كانوا يحاولون جاهدين إغراء الإعلام بالحديث عنهم ,إلا أن مجهوداتهم كانت تبوء بالفشل .أطلعني رئيس تحرير جريدة سعودية على رسالة شخصية وصلته من مسئول بارز .دهشت حين قرأت الرسالة كان المسئول الكبير "يتوسل "إلى رئيس التحرير عاتباً على تجاهل الجريدة لمنجزاته .لماذا اهتم الإعلام بي أكثر من اهتمامه بمسئولين لا يلقون عني كفاءة أو قدرة ؟السبب الذي غاب عن أذهان الكثيرين وأحسبه لا يزال غائباً هو أني كنت أعتبر نفسي دائماً من رجال الإعلام ,وكان الإعلاميون دائماً يعتبرونني واحداَ منهم .بدأت الصحف في البحرين والمملكة تنشر لي قصائد ومقالات وأنا في المدرسة الثانوية وخلال دراستي الجامعية لم أنقطع عن نشر القصائد في صحف المملكة والبحرين ومصر .خلال عملي في الجامعة كما رأينا قدمت برنامجاً تلفزيونياً
وكتبت ,بصفة منتظمة في "الرياض "و"الجزيرة "وبصفة غير منتظمة في كل الصحف السعودية .خلال الوزارة كتبت في "اليمامة "زاوية منتظمة سميتها "في رأي المتواضع "تحولت فيما بعد إلى كتاب يحمل الاسم نفسه .يقول الصديق الناشر إنه حقق أرقاماً قياسية في التوزيع .المسئولون الذين أرادوا أن تربطهم بالإعلام علاقة مماثلة نسوا أن الصحفيين كانوا يتعاملون معي باعتباري "زميل مهنه "قبل كوني مسئولاً .هل أذكر القارئ بما قلته قبل قليل عن "روح النقابة "؟
من ناحيتي كنت متعاوناً مع رجال الإعلام إلى أبعد الحدود .لم أكتم عن الصحفيين شيئاً باستثناء ما كانت الضرورة القصوى تقضي بكتمانه .كنت واسع الصدر في تقبل النقد حتى اللاذع منه .كنت أرجو رؤساء التحرير أن يوافوني بأصول رسوم الكاريكاتير الساخرة من الخدمة الكهربائية وفيما بعد الصحية وكنت أعلق هذه الرسوم في مكتبي .كنت أستجيب فوراً لكل صحفي جاد يريد مقابلتي لطرح أسئلة جادة .كنت عند كل افتتاح أبقى مع الصحفيين حتى تنتهي أسئلتهم كلها .لم يكن هناك شيء يكتب عن الوزارة إلا كان هناك رد فعل فوري مني .لم يكن الرد يجيء من قسم العلاقات العامة (لم يكن في الوزارة قسم كهذا ّ) وإنما كان يجيء بخط الوزير .الزملاء الذين أرادوا "شهد" الإعلام أرادوه دون أن يكونوا مستعدين لتحمل "إبر النحل "
لماذا الإعلام ؟الفرق بين الشخصية العامة والشخصية الخاصة أن الأولى تعمل في الضوء والضوء يعني الإعلام .التقيت عبر حياتي بمئات الشخصيات العامة ولم أر بينها من ينفر من الأضواء سوى عدد لا يصل إلى أصابع اليد الواحدة .لا يمكن أن يكون القائد الإداري فعالاً إذا ظلت منجزاته طي الكتمان .الإداريون الذين يسترون ما يقومون به لا يختلفون عن لأولئك الذين يقول المثل الشعبي عنهم إنهم "يغمزون في الظلام "جزء أساسي من فعالية القائد الإداري أن يبدو فعالاً أمام رؤسائه وأمام مرؤوسيه وأمام المواطنين وفي هذا الزمان كيف تظهر الفعالية إلا عبر وسائل الإعلام ؟.ولكن ماذا ينشر الإعلام ؟كان بوسعي أن أرسل إلى الصحف كل يوم قائمة بالأخبار الروتينية اليومية ,اجتماع مع سفير أو رئاسة لجنة أو سفر من مدينة إلى مدينة ( كان بعض الزملاء يرسلون أخباراً كهذه إلى الصحف بانتظام ويتابعونها حتى تنشر )لم أكن أفعل شيئاً من هذا .إلا أن المشاريع قصة أخرى .كنت حريصاً على أن تعرف وسائل الإعلام عن أي مشروع صناعي أو كهربائي يفتتح ,صغيراً كان أو كبيراً وكنت حريصاً على أن ينال الافتتاح نصيبه من التغطية لماذا؟ الذين يعيشون في قرية نائية معزولة يدركون عبر التغطية الإعلامية أنهم موضع اهتمام الدولة بأسرها .الجنود المجهولون الذين عملوا بصمت لإنجاز المشروع لا يتاح لهم الظهور على الملأ إلا من خلال التغطية الإعلامية .الدولة التي تنفق الملايين والبلايين من حقها لا بل من واجبها ,أن توضح للمواطنين أين أنفقت ما أنفقت .إذا كان هناك بعد هذا كله ,انطباع إيجابي يمتد إلى شخص الوزير فلا أقول إلا :لم لا ؟!
لم أعتذر قط ولا أعتذر الآن عن اهتمامي بوسائل الإعلام واهتمام وسائل الإعلام بي .أعتقد أنني خدمت وسائل الإعلام حين أتحت لها الحصول على كل ما أرادت الحصول عليه من معلومات في مجال عملي وأعتقد أن وسائل الإعلام خدمتني حين أتاحت للرأي العام أن يعرف منجزات الوزارة (والدولة عبر الوزارة )بسبب الإعلام كان المواطنون يشعرون حتى عندما كانت مدن المملكة غارقة في الظلام أن الدولة وضعت على رأس القطاع مواطناً يعايش مشاكلهم ويحيا معهم .وبسبب الإعلام كان المواطنون يعرفون أن التصنيع لم يكن جزأ من وهم لذيذ ولكنه كان استراتيجية مدروسة تتكشف في مشروع عملاق يتم بعد مشروع عملاق .
كانت هناك تغطية إعلامية واسعة وكانت هناك إنجازات حقيقة الإنجاز ! هذه نقطة هامة .الإعلام بدون إنجاز حقيقي جعجعة لا تلبث أن تهدأ دون أن تترك خلفها طحنا .لم يوجد في تاريخ البشرية كلها جهاز إعلامي فعال كالجهاز الذي أنشأه هتلر وأداره جوبلز .بلغ هذا الإعلام أقصى فعالية مع نجاحات الآلة العسكرية الألمانية التي حققت المعجزات حين بدأت الدوائر تدور ,وبدأ الجيش الألماني يتراجع من جبهة بعد جبهة فقد الإعلام الساحر سحره .لم تتغير كفاءة الإعلام ؛تغيرت الحقائق والذين يلومون الإعلام العربي اليوم على تقصيره ينسون أنه لا توجد ,عبر الأمة العربية كلها ,إنجازات فعلية يستطيع الإعلام العربي أن ينقلها للآخرين .
إن الذين قالوا إني اهتمت بالإعلام اهتماماً جاوز المعتاد والمألوف كانوا على حق .أما الذين زعموا أن الإعلام هو الذي صنع المنجزات التي تحققت فقد كانوا واهمين .كان العمل الذي يحقق الإنجاز عمل الزملاء وعملي ,يتم ,بالضرورة عن الإعلام أي صحفي رآني وأنا أقرأ عدة مجلدات ضخمة تتألف منها دراسة جدوى اقتصادية لمشروع صناعي ؟ وأي جريدة نقلت المجهود الجبار الذي بذل في إعداد الخطة الكهربائية ؟ومن الذي كان يعرف عن النقاش المكثف الذي كان يدور يومياً بين الزملاء وبيني عن مشاريع المستقبل ؟وأي وسيلة إعلام كانت تدري بما يحدث عبر سنوات مضنية من المفاوضات لإنشاء مشروع واحد ؟ الجهد اليومي للوزير ليس مادة ملائمة للإعلام ؛الإنجاز ,وحده ,هو المادة الإعلامية .عندما بدأ التركيز الإعلامي يتحول من عمل الوزير إلى شخصه ,كما حدث أيام وزارة الصحة ,بدأ السحر ينقلب على الساحر ولي إلى هذا الموضوع المثير عودة .
بعد العلاقة مع الإعلام أنتقل إلى العلاقة مع الجمهور .هنا أيضاً قال من قال إني كنت حريصاً على تملق مشاعر المواطنين بكل وسيلة ممكنة في سبيل الحصول على "الشعبية "
سوف أكتفي بإيراد الحقائق .كنت في كل يوم من أيام العمل ,ما لم يكن هناك ارتباط ملح آخر ,أقابل من يرغب في لقائي من المواطنين بلا موعد ,في لقاء مفتوح يبدأ بعد صلاة الظهر ويستغرق ,عادة قرابة الساعة .كان عدد المراجعين الذين يحضرون ,يومياً يتراوح بين العشرة والعشرين .وكنت أخصص لكل مواطن يريد موعداً منفصلاً ,مهما كان موقعه من السلم الاجتماعي ,الوقت الذي يريده بشرط أن يعطي الزملاء في المكتب فرصة تدبير الموعد (مهلة يومين أو ثلاثة على سبيل المثال )وكنت ألتقي بالمواطنين عبر الجولات والزيارات والافتتاحات .إلا أنني كنت أقف عند هذا الحد ولا أتعداه .لم يكن رقم هاتفي في المنزل معلناً وكنت حريصاً على إبقائه بعيداً عن متناول المراجعين .لم أكن أستقبل في منزلي أصحاب الشكاوى .مرة أو مرتين ,اقتحم بعض المراجعين المنزل اقتحاماً ( في المملكة لا توجد حراسة على بيوت الوزراء )وقد استقبلتهم وقدمت لهم الشاي ورفضت أن أستلم عرائضهم .كنت مصراً على ألا أحول المنزل إلى مكتب آخر .من ناحية ,لو فعلت هذا لما وجدت ثانية واحدة للراحة .من ناحية أخرى ,كنت حريصاً على أن ينشأ أطفالي نشأة طبيعية ,ولم يكن بالإمكان أن ينشأوا هذه النشأة والبيت يموج بحشود تبحث عن "معالي الوزير "أحياناً كنت أغادر المنزل أو أعود إليه فأجد بعض المواطنين في انتظاري على الباب .كنت أرفض أن أستلم ما لديهم من أوراق وكنت أرفض مجرد الاستماع إلى طلباتهم ,وكنت أقول لهم إن المكتب والمكتب وحده ,هو مكان العمل .
كنت ولا أزال ,أؤمن بسياسة الباب المفتوح ولكني لم أؤمن قط ولا أؤمن الآن بسياسة الباب المخلوع .لا أستطيع أن أعمل في مكتب تحول إلى مقهى يخرج منه الخارجون ويدخل إليه الداخلون في دوامة لا تنتهي من المجاملات الفارغة .كم من صديق لا أقصد الأصدقاء الحقيقيين بطبيعة الحال –غادر المكتب في أشد حالات الانفعال لأنه جاء بلا موعد ولم يتمكن من مقابلتي .وكم من وجيه أقام الدنيا وأقعدها لأنه أراد أن يشرب معي فنجان شاي فقيل له إني في اجتماع .الشعبية كما سبق أن قلت ,لا ينبغي أن تكون مطلباً لأحد ,والذين يطلبون الشعبية يندر أن يجدوها .عندما تتعارض متطلبات الواجب مع مقتضيات الشعبية يجب أن تكون الأولوية المطلقة للواجب .
قبل أن أترك هذا الموضوع يجب أن أقول إن لقاء المسئول بالمواطنين فضلاً عن كونه واجباً من أهم واجباته ,يقدم للمسئول خدمة إدارية لا تقدر بثمن أنقل محاضرة ألقيتها خلال فترة الوزارة ".......إن المواطنين يشكلون هيئة رقابة فعالة على أعمال الوزارة وموظفيها .المواطن الذي يراجع الوزير متظلماً من أن معاملته معطلة منذ أسابيع في قسم ما يعطي الوزير فكرة واضحة عن كفاءة هذا القسم .والمواطن الذي يبلغ الوزير أنه ينتظر الكهرباء من عدة سنوات يقدم أبلغ تقرير عن فعالية الشركة المسئولة عن الكهرباء في المنطقة .والمواطن الذي يشكو للوزير أن موظفاً ما في الوزارة قد نهره أو شتمه أو طرده يعطي الوزير انطباعاً يختلف تماماً عن الانطباع الذي سبق أن كونه عن ذلك الموظف وهو يتصرف أمامه كما لو كان تجسيداً حياً للأدب والأخلاق .حتى المواطن الذي يطلب من الوزير أمراً مستحيل التحقيق يؤدي خدمة كبرى للوزير إذ يذكره أن الشوط إلى رضا النفس ورضا الناس لا يزال طويلاً وصعباً .
نأتي الآن إلى علاقة الوزير الجديد بالزملاء الجدد .في البداية كان هناك شيء من الصعوبة في التأقلم .في سكة الحديد كان الانضباط الوظيفي يدعو إلى الإعجاب .
لم يسمع أحد عن موظف واحد يتأخر أو موظف واحد يغادر قبل نهاية ساعات العمل .ي الوزارة الجديدة ,التي لم تتعود على أسلوب الوزير الجديد ,كان الانضباط ترفاً لا يعم الجميع .بعد فترة وجيزة من تولي العمل طلبت من زميل الوزارة أن يرافقني في زيارة تفقدية خارج الرياض .قال الزميل إن الموعد لا يلائمه واقترح موعداً مختلفاً ذكر أنه يناسبه .أوشكت أن أقول له ما قال الحجاج لأهل العراق إلا أنني اكتفيت بإرسال رسالة بسيطة إليه فحواها أنني إذا لم أجده في الموعد الذي حددته فسوف أعتبر غيابه استغالة ,وسوف تكون الاستقالة مقبولة .حضر الزميل في الموعد إلا أن بقاءه في الوزارة لم يطل .خرج برغبة من جانبه لم تقابلها أي ممانعة من جانبي .زكان هناك زميل آخر يحضر عندما يروقه ,في منتصف النهار غالباً ويخرج عندما يروقه بعد الحضور بساعة غالباً أرسلت إليه من يخبره أن هذا التصرف غير مقبول فما كان منه إلا أن قال لمن حمل الرسالة "قل للوزير إني مستعد في أي لحظة ,لتسليمه المفاتيح "ابتزاز الاستقالة مرة أخرى ! عندما تكررت قصة المفاتيح مرتين طلبت منه أن يسلمها .لم تكن هناك مفاتيح حقيقية بطبيعة الحال وأرسل الاستقالة التي قبلتها على الفور .كانت هناك حالات كهذه تعد على أصابع اليد الواحدة .بعد أسابيع أدرك الجميع أن الدوام وضع ليحترم واحترمه الجميع .
كل عمل تمكنت من تحقيقه تم بمساعدة أعداد كبيرة من الزملاء الجنود المجهولين ,ومن أهم هؤلاء الزملاء الوكلاء والمسئولون العاملون معي مباشرة .أستطيع أن أقول ,صادقاً إني لم أندم على قرار واحد بتعيين مسئول واحد .كان السبب بعد توفيق الله أنني لم أنظر قط إلى الاعتبارات الشخصية .لم يكن العمل عملي الشخصي للأشرك فيه من أحب وأحجب عنه ما أكره .كان العمل عمل الدولة وكان من واجبي أن أبحث عن الأكفأ دون تأثر بمشاعر المودة أو الصداقة أو الزمالة .ولعلني ذهبت في هذا المجال إلى حد يتجاوز ما كان يتطلبه الواجب .لم أختر أحداً من زملائي أو أصدقائي أو أقاربي أو معارفي .عندما عينت في الوزارة وجدت الزميل أحمد التويجري مسئولاً عن الصناعة في الوزارة القديمة ,وانتقل معي إلى الوزارة الجديدة ليعمل وكيلاً لشئون الصناعة .لا أذكر أنني قابلت أحمد قبل الوزارة .وجدت الزميل المهندس محمود طيبة وكيلاً للوزارة القديمة ,وقد انتقل معي إلى الوزارة الجديدة قبل أن أختاره محافظاً للمؤسسة العامة للكهرباء .قبل الوزارة لم أكن قد رأيت محمود إلا مرة أو مرتين في لقاء عابر .رأيت المهندس يوسف الحماد أول ما رأيته في السكة الحديد ,وقد بذلت جهوداً مضنية استغرقت بضعة شهور قبل أن أتمكن من إقناعه بالانتقال للعمل معي وكيلاً لشئون الكهرباء .الزميل فهيد الشريف الذي أصبح مدير مكتبي ,ودينامو العمل في الوزارة كلها ,
لم أره منذ كان طالباً لدي أيام كنت مدرساً مساعداً في كلية التجارة .الدكتور جميل الجشي الذي أقنعت الصديق هشام ناظر بتعيينه مديراً عاماً لمنطقة الجبيل في الهيئة الملكية ,لم أره قبل تولي الوزارة .الزميل الوحيد الذي كنت أعتبره صديقاً قبل الوزارة هو المهندس عبد العزيز الزامل ,الذي سبق أن درس معي في الولايات المتحدة. من حسن حظ العمل أني وجدته نائباً للمدير العام في مركز الأبحاث والتنمية الصناعية .لو لم أجده هناك لكان من المشكوك فيه ,بسبب الصداقة التي تربطنا ,أن أستعين به ,ولخسر القطاع واحداً من أكفأ العاملين فيه وأنزههم .أما مدير عام مركز الأبحاث والتنمية الصناعية الزميل رضا أبار فلم أره بدوره إلا بعد توليت الوزارة .
حسناً ! تطورت علاقتي بالزملاء العاملين معي مباشرة وعمقت ورسخت ولكنها ظلت علاقة عمل .أعتقد أن على الإداري أن يفصل بقدر الإمكان بين حياته العامة وحياته الخاصة .كل إنسان يحتاج إلى "شلة" إلا أن الأمور تضطرب عندما تتداخل علاقات الشلة بعلاقات العمل :ل اشيء يقتل الكفاءة الإدارية مثل تحول أصحاب "الشلة "إلى زملاء العمل .عدد من الزملاء الذين عملوا معي عبر السنين لم يدخلوا منزلي ولم أدخل منازلهم .كائنة ما كانت عيوبي الإدارية فإني أعتقد أن أحداً لا يستطيع أن يزعم أني اخترت لأي إنسان للعمل معي لأني أستلطفه شخصياً أو لأنه ينتمي إلى "الشلة ".
اختيار المساعدين الأكفاء نصف المشكلة ,والنصف الآخر هو القدرة على التعامل معهم .الرئيس الذي يريد مساعداً قوي الشخصية عليه أن يتحمل متاعب التعامل مع هذه الشخصية القوية .من طبيعة الأمور أن يكون الشخص الموهوب النزيه الذكي معتداً بنفسه وقدراته وألا يتردد قبل إبداء رأيه الصريح في أي موضوع (بخلاف المساعدين الفاسدين الإمعات ) لا شيء يتعب أكثر من التعامل الشخصي مع الأبطال ,كما قال هنري كيسنجر ,وأضيف :والتعامل الشخصي مع المساعدين الأكفاء في هذا المجال أذكر بالذات يوسف الحماد رحمه الله .كان صريحاً إلى درجة توشك أن تتجاوز حدود الصراحة توشك ولا تفعل .كان النقاش العاصف بقوله :"أنت الوزير .إذا اتخذت القرار فسوف أنفذه ولكن لا تتوقع مني أن أقول لك إن القرار صحيح "
حدث هذا مرة بعد مرة كنت في معظم الحالات أتبنى في النهاية رأيه ,وكنت في بعضها أتمسك برأيي .في الحالات القليلة التي كان فيها قراري يختلف عن رأيه كان ,مع ذلك ,ينفذ القرار بحماسة وولاء .لم تكن هناك سوى مرة واحدة اتخذت فيها قراراً وجد من الصعب عليه أن يتعايش معه .طلب مقابلتي على انفراد وجاءني يحمل مظروفاً مغلقاً أدركت على الفور ما يحمله المظروف :الاستقالة رجوته رجاء حاراً ألا يقدم لي الرسالة ,وقلت له إنني أعرف في هذه الحالة أن رأيه هو الرأي الصحيح إدارياً ولكن هناك اعتبارات إنسانية لا بد من أن آخذها بعين الاعتبار وافق مشكوراً على البقاء فيما بعد ندمت لأنني لم آخذ برأيه وخفف هو رحمه الله على عبء الندم ! والأمر نفسه كان يتكرر مع عبد العزيز الزامل .كانت خلافاتنا حول العمل تحتدم إلى درجة نحتاج فيها ,أحياناً إلى تدخل وسيط .كان موقفه لا يختلف عن موقف يوسف "إذا كنت تصر على القرار فسوف أنفذه ولكني أنفذه وأنا غير مقتنع بصحته "أما التعامل مع الدكتور جميل الجشي الذي عمل معي فيما بعد نائباً لمحافظ المؤسسة العامة للكهرباء ووكيلاً لوزارة الصحة لشئون التخطيط والتطوير ,فقد كان يحتاج إلى أعصاب من فولاذ ومن ثلج في الوقت نفسه .أذكر عندما رشحته لهشام ناظر أن هشام قال لي "سمعت أنه متعب .لماذا تريد أن "تبتليني "به؟ قلت له "قد يتعبك وقد يتعبني ولكنه سيتعب أكثر و أكثر ,الشركات المتهاونة والمقاولين المتقاعسين والموظفين الكسالى "كان هذا على نحو أو آخر حالي مع كل المساعدين المباشرين .لولا الخلافات العنيفة ما أمكن الوصول إلى القرارات الصحيحة .هنا نصيحة للقائد الإداري الصاعد :إذا كنت لا تريد أن تسمع سوى "نعم !نعم ! نعم ! "فمن الأسهل –والأرخص –أن تشتري جهاز تسجيل ؛أما إذا كنت تريد بالفعل ,مشاركة الرجال عقولها فعليك أن تتذرع بصبر لا حدود له .بدون هؤلاء "المتعبين "لم يكن بوسعي تحقيق شيء ,أي شيء على الإطلاق .أود أن أنتقل الآن إلى ما يسمى في الإدارة العامة مدى الإشراف أو نطاق الإشراف ,والمقصود به عدد المرؤوسين الذين يرتبطون بالرئيس مباشرة .في اعتقادي الراسخ لا يستطيع أي رئيس أن يمارس إشرافاً فعالاً على مرؤوسين يزيد عددهم على ستة أو سبعة .وكنت حريصاً على اتباع هذه القاعدة .لم أكن أسمح للأحد بالاتصال المباشر بي باستثناء وكيلي الوزارة ووكيلها للشئون الإدارية ومحافظ المؤسسة العامة للكهرباء ,ونائب الرئيس والعضو المنتدب في "سابك "ومدير عام مركز الأبحاث والتنمية الصناعية كان الموظفون الآخرون بطبيعة الحال يحاولون بشتى الطرق أن يجدوا قنوات للاتصال المباشر مع الوزير إلا أن جهودهم كانت تبوء بالفشل .سرعان ما يكتشف الوزير كل الحيل البيروقراطية المستخدمة للوصول إليه .كنت مؤمناً بمبدأ "وحدة القيادة "كل الأيمان لا يمكن لموظف أن يتلقى التعليمات من الوكيل ومن الوزير دون حدوث خلل وارتباك هناك قاعدة عامة توشك أن تكون قانوناً من قوانين الإدارة :عندما يتلقى الموظف تعليماته من مرجعين أحدهما أعلى من الآخر فإنه سوف ينزع إلى تجاهل التعليمات الصادرة من المرجع الأدنى (فضلاً عن النزعة إلى الدس بين المرجعين ,مقصودا كان أو غير مقصود )اتصال الوزير المباشر بالموظفين يؤدي في رأي بتلقائية لا مناص منها إلى تآكل سلطة الوكيل ومع الزمن إلى انهيارها كلية .
لم أكن أريد لسلطة الوكيل أن تتأكل أو تنهار .كنت أرى أن الوكيل هو المسئول عن الإدارة اليومية للوزارة ,وأن على الموظفين أن يتلقوا التعليمات منه ومنه وحده .عندما توليت الوزارة أصدت قراراً بالتفويض يتكون من جملة واحدة "تفوض كل الصلاحيات الوزير المالية والإدارية للوكيل "اعترض ديوان المراقبة العامة على القرار وذكر بحق أن هناك ثلاث أو أربع صلاحيات لا يمكن بموجب الأنظمة تفويضها (تتعلق هذه الصلاحيات بترسية عطاءات فيما يفوق مبلغاً معيناً وببعض شئون الموظفين ) بعد ذلك عدلت القرار بحيث استثنى هذه الصلاحيات وأبقى التفويض المفتوح .لو لم أفعل ذلك لما وجدت الوقت الكافي للتفكير والتخطيط كيف يستطيع الوزير الذي يوقع كل يوم عشرات القرارات وربما مئاتها بالعمل خارج وقت الدوام أن يقرأ دراسة جدوى اقتصادية من ألف صفحة ؟الجواب أن الذين يوقعون قرارات كتلك لا يقرأون دراسات كهذه
كنت ولا أزال أعجب من الوزراء الذين يحصرون كل كبيرة وصغيرة في أيديهم ,لأنني أعلم أن الذين ينفق وقته في التوافه لن يجد متسعاً من الوقت للعظائم .كما أنني كنت ولا أزال أعجب من الوزراء الذين لا تربطهم بوكلائهم ثقة متبادلة وولاء متبادل لأني لا أعرف في غياب هذه الثقة وهذا الولاء ,كيف يمكن أن تسير الأمور في الوزارة .كنت أعرف أكثر من حالة لوزير لا يرى الوكيل إلا مرة كل بضعة شهور وكنت أشعر بالرثاء للاثنين معاً .بعض الوزراء يقولون إنهم مضطرون إلى "تجميد" وكيل فرض عليهم فرضاً لا أستطيع أن أعلق على هذا الموضوع لأنه لم يفرض علي أي وكيل ولو فرض على أحد لتركت الوزارة له ومشيت .قد يتخوف بعض الذين يقرأون هذه السطور من مغبة هذا التفويض وما يمكن أن يسببه من إساءة في استعمال السلطة .لم يحدث معي شيء من هذا كان هناك أولاً الاجتماع اليومي الصباحي مع الوكلاء وهو اجتماع لم أتخلف عنه إلا تحت ضغط قوة قاهرة .في هذا الاجتماع كان الوكيل المعنى يبحث معي القرارات مايرى ضرورة لبحثه حتى عندما يكون القرار ضمن صلاحيات المفوضة له .بعد شهور من اللقاء اليومي المتكرر يستطيع الوكيل أن يعرف اتجاهات الوزير ويستطيع أن يتجنب إصدار أي قرار لا يتمشى مع هذه الاتجاهات .وكان هناك "ملف القراءة "العتيد كنت أقرأ في الملف كل قرار صادر من أي وكيل أو أي مدير في الوزارة .في الحالات النادرة التي لم أكن فيها مقتنعاً بقرار الوكيل لم تكن هناك صعوبة في تغيير القرار .من الضروري أن أقول ,هنا إني كنت حريصاً أن يجيء التغيير بقرار جديد من الوكيل لا بقرار مني .مع مرور الزمن اختفت قرارات الوكلاء التي أرى حاجة إلى تعديلها .
كان حرصي على تدعيم صلاحيات الوكيل لا يعرف الحدود وفي هذا الصدد أروي قصة لا تخلو من طرافة .زارني ذات يوم خلال وجود الحكومة في الطائف مواطن لديه طلب من شركة الكهرباء الطائف .كان الطلب معقولاً ولم أتردد في الموافقة .طلبت من مدير مكتبي أن يتصل هاتفياً بوكيل الوزارة لشئون الكهرباء في الرياض ,ويخبره أنني أريد منه أن يعمد شركة كهرباء الطائف بالمطلوب .ذهل المواطن وهو يرى ما يحدث وقال :"لماذا لا تعطيني التعميد أنت ؟الشركة على مرمى حجر من هنا "كان من الصعب أن أشرح لمواطن بسيط ألغاز "وحدة القيادة "واكتفيت بالقول إن بوسعه أن يراجع الشركة غداً وسوف يكون القرار المطلوب قد وصل .لو أخذت أعطي الأوامر ,مباشرة لشركات الكهرباء لوجد وكيل الوزارة المسئول نفسه بلا عمل ,بل لوجدت الوزارة كلها نفسها بلا عمل ولغرقت أنا تحت جبال الأوراق (كل الذين كانوا يزورون مكتبي كانوا يستغربون عدم وجود جبال الأوراق التي يرونها في مكاتب الوزراء )كنت أحياناً أتولى بعض الوزارات بالنيابة بتكليف من الوزير مباشرة من كل فرع وأن الوزير كان يرد مباشرة على كل فرع حسناً لكل شيخ كما يقول المثل الشعبي طريقة وطريقتي أنه لا يمكن الإخلال بمبدأ "وحدة القيادة "دون الإخلال بمستوى الأداء إخلالاً خطيراً وربما قاتلاً .
ذات يوم وكنت في السيارة مع صديق نتجول خارج مدينة الرياض مررنا بخط كهربائي وسألني الصديق إلى أين يتجه الخط رددت عليه فوراً قائلاً إنني لا أعرف .لم يستطع كتمان دهشته وقال "أنت الوزير ولا تعرف مسار الخطوط ؟قلت :"هذه الأمور مهمة مدير الشركة وليست مهمتي. مهمتي أن أضع للشركة الخطة وأدبر الاعتمادات "إلا أن الصديق لم يقتنع وظل يردد "ولكن أنت الوزير .كيف لا تعرف ؟قلت له: "لو عرفت مسار كل خط كهربائي في الرياض لما كنت وزيراً بل كنت مدير شركة كهرباء بدرجة وزير "لا أعتقد أنه اقتنع .
على أن العلاقة مع الموظفين لا تبدأ وتنتهي بالصلاحيات .إذا كان الوزير يتلقى ,راضياً مسروراً المديح عن كل إنجاز فعليه أن يتقبل راضياً المسئولية عن كل خطأ .الوزير الذي ينسب النجاح إلى شخصه ويعلق الفشل في رقبة الموظف الصغير المسكين يستحيل أن يحظى بثقة العاملين معه بعد حين يخاف العاملون في الوزارة مغبة الخطأ فلا يعملون شيئاً وينعدم الإنجاز ,إنجاز الوزارة وإنجاز الوزير .هنا نصيحة للإداري الناشئ :إذا كنت لا تستطيع أن تتحمل مسئولية الخطأ الذي يرتكبه أحد العاملين معك فمن الأفضل أن تبقى في دارك .لولاء طريق ذو خطين ,وما أكثر المسئولين الذين يتوقعون ولاء مساعديهم دون أن يكونوا على استعداد لمقابلة الولاء بالولاء .
أعود إلى نقطة سبق أن ألمحت إليها وهي تعيين مسئول "بالنيابة "لا شيء يقتل الإبداع عند أي مسئول مثل شعوره أنه تحت التجربة ,أو أنه يتولى العمل بصورة مؤقتة .لم ألجأ إلى أحد "بالنيابة "إلا مضطراً ولفترة قصيرة ريثما تنتهي إجراءات التعيين .رأيت بعيني مسئولاً بعد مسئول يقضي في موقعه سنين عديدة "بالنيابة "ثم يعين بالأصالة فيجد نفسه عاجزاً عن التحرك بعد فترة طويلة من الحذر والترقب لابد في دنيا الإدارة وفي دنيا كل يوم أن يتخذ المرء قرارات فيها شيء من المغامرة .
اختيار وكيل مهما كانت دقة الاختبار عملية الا تخلو من المغامرة وقضية "النيابة "لا تحلها ولكن تزيدها تعقيداً كنت أقول لكل مساعد أختاره إنني أختاره واثقاً من حسن تصرفه ,إلا أنني كنت أضيف أنه لو تبين لي أنني أخطأت فب الاختيار فلن أتردد في تغيير رأيي والاعتراف بالخطأ .تغيير وكيل أصيل أفضل إدارياً بكثير من إبقاء وكيل "بالنيابة "سنة بعد سنة في محاولة لاختباره أو لتدريبه .
بعد ذلك تجيء قضية الحوافز .كنت أتابع بنفسي الترقيات وأستطيع أن أزعم أنه لم يكن هناك موظف منسي واحد في الوزارة .كان كل موظف يستكمل شروط الترقية يحصل عليها تلقائياً ,وكان كل موظف يرقى يستلم رسالة تهنئة شخصية مني .وكانت هناك رسائل شخصية لكل موظف تشاطره الأسى في المناسبات الحزينة والفرح في المناسبات السعيدة .كانت هناك تعليمات واضحة مشددة عند شئون الموظفين بابتعاث كل موظف يرغب في الابتعاث بمجرد توفر الشروط .لقد أعطتني الدولة الفرصة للحصول على أعلى الدرجات وكنت حريصاً على أن يحصل العاملون معي على فرصة نفسها .وكان المبدأ نفسه ينطبق على التدريب طويلاً كان أو قصيراً ,في الخارج أو في الداخل .كنت حريصاً على أن أقابل وجهاً لوجه ,كل الزملاء العاملين في الوزارة ,وخصصت ليلة في الأسبوع لهذا الغرض .في البداية كنت أقابل كل موظف على حدة ثم تبين أنني لن أستطيع بهذه الطريقة مقابلة الجميع .لجأت بعدها إلى مقابلة الموظفين في مجموعات صغيرة .من الطقوس التي لم أتخل عنها قط الطواف على الموظفين في مكاتبهم لتهنئتهم بالعيد .أعتقد أنني عندما تركت الوزارة كنت أعرف كل موظف معرفة شخصية ,يستوي في ذلك الزملاء السعوديون والزملاء المتعاقدون .أهم الحوافز التي وفقني الله عز وجل إلى تقديمها للزملاء كان يتعلق بالسكن .عند تخطيط المنطقة الصناعية الجديدة خارج الرياض طلبت بهدوء ,من الشركة الاستشارية أن تضع في طرفها جزءاً مخصصاً للسكن يحتوي على قطع تبلغ مساحة الواحدة منها قرابة ألف متر مربع .عندما انتهى المخطط حملته وذهبت به إلى الأمير فهد .
كان الدوام في الديوان الملكي وقتها على فترتين فترة صباحية تنتهي بعد صلاة الظهر وفترة مسائية تبدأ مع صلاة العصر وتنتهي بعد صلاة المغرب (فيما بعد أصبح الدوام فترة صباحية واحدة تمتد إلى ما بعد صلاة الظهر )اكتشفت بمحض المصادفة أن ولي العهد كان يجيء في الفترة المسائية مبكراً في حدود الثالثة ,لينهي أوراقه قبل قدوم الزوار .كان يجدني في انتظاره كلما أردت أن أبحث معه موضوعاً هاماً من مواضيع العمل .رجوت الأمير فهد أن يوافق على منح كل موظف يقضي فترة معينة في الوزارة قطعة أرض في المخطط .وافق على الفور .إلا أنني أصررت ألا أخرج إلا والأمر الموقع في يدي .ضحك ولي العهد ووجه رئيس ديوانه بإعداد الأمر المطلوب .خرجت وفي يدي القائمة الأولى من الموظفين الذين حصلوا على أراض سكنية ملائمة ,ومعظمهم للمرة الأولى في حياتهم .
في مركز الأبحاث والتنمية الصناعية كانت هناك وفورات في الميزانية تجمعت سنة بعد سنة حتى تجاوزت عشرة ملايين ريال .كانت وزارة المالية والاقتصاد الوطني تصر ,استناداً إلى المبدأ العام ,على أن تعود الوفورات إليها .وكان المركز يصر استناداً إلى نص في نظامه ,على إبقاء الوفر تحت تصرف المركز .عندما توليت الوزارة كانت وزارة المالية توشك أن تربح المعركة وتسترد الوفر. وجهت الزملاء في المركز باستخدام الميلغ فوراً في بناء شقق سكنية (كانت أزمة السكن على أشدها )عندما بدأ العمل في المباني ذهبت إلى ولي العهد ,في الفترة المسائية ذاتها ,وأخبرته بما حدث ,وأخبرته أني أنوي تأجير الشقق للموظفين بأجور رمزية ورجوته أن يقف معي عندما تعترض وزارة المالية .ضحك الأمير فهد وقال إنه سيؤيدني بلا تردد .كان ولي العهد يستخدم وزارة المالية بذكاء بالغ يناصرها حين لا يريد لمشروع ما أن يتم ويتجاهلها عندما يريد إتمام مشروع ما .احتجت وزارة المالية على تصرف المركز إلا أن الاحتجاج جاء متأخراً "طارت الطيور "كما يقول المثل السعودي "بأرزاقها"
يقودني هذا بالضرورة إلى ما ردده الكثيرون وأنا في مقدمتهم من أنه لم يكن بوسعي أن أحقق ما حققته لولا الحظوة التي نلتها لدى القيادة السياسية .هذه الحظوة كانت حقيقية يعرفها الجميع .على قمة القيادة السياسية ,وقتها كان الملك خالد رحمه الله رجلاً بسيطاً متواضعاً يتمتع بذكاء فطري وروح دعابة قوية وصراحة متناهية .كان لا يمقت أحداً كما يمقت المتكبرين من ناحية والمتملقين من ناحية أخرى .إذا سمعته يقول عن إنسان إنه "نافخ روحه "كان لك أن تستنتج أنه لا يحب هذا الإنسان وكان كثيراً ما يقاطع الذين يحاولون تملقه قائلاً :"هذا نفاق "الذين يعرفونني يعرفون أنني في بعض حالاتي على الأقل أجنح إلى الصراحة أكثر من نزوعي إلى المجاملة .ربما كانت هذه هي الخصلة التي استهوت الملك الذي بدأ يعاملني معاملة أبوية خاصة .كان يعتب إذا تخلفت عن زيارته يوماً واحداً إلا أن هذا التعامل اليومي مع الملك لم يثر أي مشاكل في المرجعية .بمجرد توليه الملك أصدر الملك خالد أمراً يعهد فيه إلى ولي العهد بإدارة شئون الدولة وظل الأمر ساري المفعول طيلة حياته .كان الملك رأس الدولة ,موضع احترام الجميع وموضع حب الكافة ,إلا أن رئيس الوزراء الفعلي كان بموافقة الملك ورغبته ,ولي العهد لم يكن أحد من الوزراء يبحث مسائل العمل إلا مع ولي العهد وكنا نكتفي بأن نبلغ الملك بصفة مختصرة وهو بطبعه لا يحب الشرح المطول ,بما كان يهمه من تطورات .

لم تتوطد علاقتي مع ولي العهد وتتعمق إلا من خلال الوزارة .عندما أتحدث عن علاقة وطيدة عميقة فأنا أتحدث عن علاقة عمل .لقد لقيت من عطف هذا الرجل ,أميراً وولياً للعهد وملكاً ,ما يجعلني عاجزاً عن أن أفيه حقه مهما فعلت أو قلت ,ولكنني أكذب عليه وعلى نفسي وعلى التاريخ إذا زعمت أن العلاقة بين الرئيس والمرؤوس تحولت إلى صداقة أو ما يشبه الصداقة .كان فارق السن بيننا يسمح لي أن أعتبره بمثابة الأب وكان الاحترام من جانبي يقودني إلى أن أعامله كما أعامل الأب الذين تصوروا ورددو أني كنت أقرب الناس إليه يتحدثون عن شرف لم أدعه وعن شيء لم يحدث .كان ولي العهد قائداً سياسياً لديه برنامج سياسي وكان بوسعي أن أنفذ برنامجه ,في مجال عملي بلا تحفظ أعتقد أنه لمس في القدرة على تنفيذ ما يكله إلي من المهام بقدر من الفعالية .كان الأمير فهد يدرك بخبرته الطويلة أن الجهاز البيروقراطي التقليدي عاجز عن تحقيق الأحلام التنموية التي كان يريد أن تتحقق وكان يعرف ببصيرته النافذة أن مجموعة التكنوقراطيين المحيطة به كانت قادرة على تذليل العقبات وتحريك الجهاز الحكومي البطيء كنت واحداً من تلك المجموعة الصغيرة التي حظيت بثقة ولي العهد .ومع ذلك اكتشف الأمير فهد منذ شهور الأولى عنصراً من عناصر شخصيتي كان يتمنى لو لم يوجد :الاندفاع الشديد كان يقول أحياناً في مجالسه الخاصة :"لو رزق فلان بعض الصبر لكان إنساناً مثالياً "قال لي أكثر من مرة "لماذا أراك "مشتطاً "طيلة الوقت ؟عمل الحكومة لا ينتهي "وقال لي مرة "إرفق بنفسك لو مت على المكتب هل ستعرف ماذا سيقول الناس ؟سيقولون :"مجنون قتل نفسه "لو ولدت صبوراً لكنت إنساناً أفضل من جميع الوجود ولكني كنت سأكون إنساناً مختلفاً عن الإنسان الذي عرفه الأمير فهد وعرفه الناس .في النهاية أدى "الاندفاع الشديد "إلى انتهاء تجربتي الوزارية .
وعلاقتي بالأمير عبدالله بن عبد العزيز تطورت ,يوماً بعد يوم ,خلال عملي في الوزارة .عندما أصبح الأمير فهد ولياً للعهد ونائباً لرئيس مجلس الوزراء أصبح الأمير عبدالله نائباً ثانياً ,وكان الأمير فهد كثيراً ما ينيب عنه في رئاسة جلسات مجلس الوزراء .عن هذا الطريق استطعت أن أعرف الكثير عن منطلقاته وتوجهاته .كان الأمير عبدالله ولا يزال رجلاً صريحاً إلى أبعد الحدود كان كلما سمع شيئاً سلبياً عن الوزارة قال لي على الفور "سمعت كذا وكذا .ما رأيك ؟هذه الطريقة في التعامل تريح الطرفين :تريح الرئيس الذي يريد أن يطمئن على الأداء وتريح المرؤوس الذي يدرك أن رئيسه لا يكتم شيئاً في صدره عن طريقة عمله في المعارك المتلاحقة التي ستجيء قصصها في الصفحات التالية كنت أجد في الأمير عبدالله دائماً السند القوي والدرع الحصينة .
أما الأمير سلطان بن عبد العزيز فتعود صلتي به كما أسلفت إلى أول عهدي بالوظيفة وبالجامعة كان الأمير سلطان حريصاً على توثيق الصلة بالثقفين وكان يلتقي في منزلي بصفة دورية بعدد من الأساتذة الجامعيين والأدباء قبل الوزارة وبعدها .في اثناء الوزارة لم أجد منه إلا الدعم والتشجيع وسأكتفي هنا بإيراد قصتين تبينان مدى هذا الدعم والتشجيع .
كانت وزارة التجارة والصناعة قد كلفت مركز الأبحاث والتنمية الصناعية بإقامة منطقة صناعية داخل الرياض تتوفر فيها كل المرافق الضرورية من كهرباء وماء وسفلته وتؤجر القطع فيها بأسعار رمزية للمواطنين الراغبين في إقامة مصانع .كانت هذه الأراضي من أهم الحوافز التي قدمتها الدولة للصناعة الوطنية .ضاقت المنطقة بالمصانع وعندما توليت الوزارة كانت هناك محاولة دائبة للحصول على أرض كبيرة خارج الرياض لإقامة منطقة صناعية جديدة عليها .كانت أسعار الأراضي في أوج ارتفاعها وكانت المبالغ المطلوبة خيالية .طلبت من الزملاء أن يبذلوا غاية الجهد للعثور على أرض تملكها الدولة .بعد بحث طويل عثرنا على أرض ممتازة كبيرة تملكها وزارة الدفاع والطيران .كان من شبه المستحيل أن تتخلى هذه الوزارة عن أرض كبيرة احتجزتها لتكون ذات يوم قاعدة أو جزءاً من قاعدة .كنت واثقاً أن المراسلات الرسمية ستنتهي باعتذار مهذب .قررت أن أستخدم أساليب "لوبي" البادية (وهو لوبي فعال إلى درجة مذهلة ) طلبت موعداً خاصاً من مكتب الأمير سلطان وقلت إنني أريد أن أقابله على انفراد حدد الموعد في اليوم التالي .بمجرد أن دخلت المكتب قلت للأمير "وجهك زين اليوم الحمدلله "رد "الحمدلله "عندها انطلقت كالقذيفة إليه وقبلت أنفه وقلت "عندي طلب "قال :"تفضل "قلت "قل تم ! قلتم "أخذته المفاجأة كان متعوداً على أساليب كهذه من رجال البادية ولكني لا أعتقد أن وزيراً قلبي –أو بعدي ! لجأ إلى هذا الأسلوب معه ضحك وقال "تم !"قلت "مهما كان الطلب ؟"قال "مهما كان الطلب قلت "أريد أرضاً "قال :"لا توجد مشكلة أين تريدها ؟قلت :"لا أريدها لنفسي "قال "لمن إذن " قلت :"أريدها لإقامة منطقة صناعية جديدة .وأنت خير من يشجع الصناعة الوطنية " بدأت علامات الحذر تتسلل إلى وجهه .قلت :لا تنس أنك وعدت "قال "وأين الأرض ؟قلت "الأرض التي تملكها وزارة الدفاع والطيران بين الخرج والرياض "قال "كل شيء إلا هذه الأرض الوزارة تحتاج إلى هذه الأرض .قلت "لولا معرفتي بأهمية الأرض وبحاجة الوزارة إليها لما هجمت عليك هذا الهجوم وألححت هذا الإلحاح "ابتسم ووافق حصلت وزارة الصناعة والكهرباء بلا مقابل على أرض كانت قيمتها تبلغ مئات الملايين من الريالات.
بعدها بأربع سنوات تكررت القصة .كنا نبحث عن أرض للمنطقة الصناعية الجديدة في الدمام وعثرنا على أرض ملائمة سرعان ما تبين أن وزارة الدفاع والطيران كانت قد حجزتها لتكون جزءاً من حمى المطار الجديد. تكرر الهجوم الصاعق بالطريقة نفسها على الأمير سلطان في مكتبه إلا أنه هذه المرة كان مستعداً .قال "سوف أقول لك "تم "مالم يكن الأمر متعلقاً بأرض للوزارة "قلت "أريد "تم "بلا شروط "كان كريماً مرة أخرى وحصلت وزارة الصناعة والكهرباء على أرض تقدر قيمتها بمئات الملايين بلا مقابل .
بعد هذه الحادثة بفترة كان هناك نقاش في مجلس الوزراء وأبدى وزير المالية والاقتصاد الوطني محمد أبا الخيل رأياً لم يرق الأمير سلطان (لم تكن آراء وزير المالية تروق أحداً من الوزراء :كان الجميع يطلبون المزيد من الاعتمادات وكان يرفض طلبات الجميع )أبديت رأياً فهم منه الأمير سلطان انحيازاً إلى موقف وزير المالية .بعد الجلسة قال لي الأمير سلطان ضاحكاً "لا تجئني بعد اليوم تطلب مناطق صناعية .اذهب إلى وزير المالية ! قلت "سوف أجيء كلما احتجت إليك .أنت أكرم من وزارة المالية .كان الأمير سلطان ولا يزال بطبعه من أكثر من عرفت سخاء .لا أود أن أعطي انطباعاً أن العلاقة مع القيادة السياسية كانت تخلو تماماً من المصاعب حتى داخل الأسرة الواحدة هناك مشاكل تثور بين الحين والحين .قلت قبل قليل إن على الوزير أن يتحمل مشقة التعامل مع الوزير المتعب .أشهد الله والناس أن القيادة السياسية عبر السنين تعاملت مع الوزير المتعب بحلم لا مثيل له .كان موقف هذه القيادة مني شبيهاً بموقف الأب من ابن مزعج لا يود الاستغناء عنه ولا يستطيع تقويم سلوكه أذكر أنني مرة قلت للملك فهد "ألم تتعب من هذا الابن العاق ؟ورد على الفور "أنت أبعد الناس عن العقوق "حسناً فلنعد إلى الوزير الجديد ! استكمل تنظيم الوزارة وضم كل القطاعات التي كان لابد من ضمها وعين المساعدين الأكفاء وبدأ عملية التخطيط الشامل تلفت حوله فرأى الأفق ملبداً بتحديات مخيفة .دخل مواجهة فورية مع هذه التحديات معتمداً بعد عون الله على ثقة القيادة السياسية وعلى ثقته في نفسه (البعض يعتقد أن الثقة في النفس ضرب من الغرور وهذا وهم لا يتسع المجال لبحثه )من اليوم الأول إلى اليوم الأخير كان قطاع الكهرباء يستحوذ على الجزء الأكبر من جهدي وتفكيري ويسبب الضغط الأكبر على مشاعري وأعصابي .فلنبدأ بهذا القطاع .
أشعرت شركات الكهرباء في رسالة واضحة بعد رسالة واضحة ,ا أن لوزارة الجديدة لن تقف موقف المتفرج من أداء الشركات ولم تحقق الرسائل أي هدف .يقتضي الإنصاف أن أقول إن شركات الكهرباء قامت بدور تاريخي لا ينكر في إدخال الكهرباء إلى مدن المملكة أيام لم تكن لدى الدولة الموارد الكافية لدخول هذا الميدان .وتقتضي الأمانة أن أضيف إن الحافز الوطني وراء إنشاء عدد من الشركات ,ولا أقول كلها ,كان لا يقل في أهميته إن لم يزد على حسابات الربح .كانت الأمور في الخمسينات والستينات الميلادية (السبعينات والثمانينات الهجرية )تسير على نحو مكن شركات الكهرباء من التعامل مع واجباتها .كانت التعرفة 14 هللة لكل كيلووات /ساعة مجزية ,وكان الاستهلاك يزيد سنوياً بوتائر بسيطة لا تتجاوز 5% كانت شركات الكهرباء أكثر الشركات العاملة في المملكة أرباحاً وكان القائمون عليها من أعظم الناس مكانة إلا أن دوام الحال من المحال ,كما يقولون .عندما تضاعف إيرادات الدولة في السبعينات الميلادية (التسعينات الهجرية )وبدأت عجلة التنمية تدور ,قفز استهلاك الكهرباء على النحو لم يعهد له مثيل في أي مكان في العالم .مع منتصف السبعينات كانت الزيادة السنوية في الاستهلاك تصل إلى 50%زاد الطين بلة ,من وجهة نظر الشركات ,أن الدولة قررت خفض التعرفة إلى النصف .كان هذا القرار سيؤدي إلى خسائر هائلة لولا أن الدولة قررت في الوقت نفسه ,إعطاء الشركات القروض التي تحتاج إليها لمواجهة الاستهلاك وضمنت للمساهمين أرباحاً مقدارها 15%(خفضت النسبة فيما بعد إلى 7%).عندما توليت الوزارة كان وضع شركات الكهرباء كما وصفته في محاضرة ألقيتها خلال فترة الوزارة "فوجئت هذه الشركات ....بالطفرة الهائلة التي تعيشها المملكة ...فأخذت تلهث خلفها مبهورة الأنفاس تحاول حيناً ملاحقة العمران المتفجر في كل زاوية ,وتحاول ,أحياناً إصلاح شبكاتها القديمة المهترئة وتحاول أحياناً أن تلتقط أنفاسها وتفكر في الغد وما بعد الغد وتبدو من خلال ذلك كله للمواطن عاجزة كل العجز فاشلة كل الفشل ,تسير بخطى حثيثة إلى الوراء "لم تتعود شركات الكهرباء وخاصة الكبرى منها على قبول أي رقابة حقيقية من مصلحة الخدمات الكهربائية ,ولم تكن تنوي تغيير عاداتها القديمة لأن وزارة جديدة ولدت .كان أعضاء مجلس الإدارة في كل شركة من أعيان المدينة ووجهائها وفي مجتمع محافظ يحترم التقاليد يتمتع الأعيان والوجهاء بمكانة اجتماعية لا تقل عن وقد تفوق مكانة الوزراء .لا أعتقد أن أحداً من المسئولين في شركات الكهرباء الكبيرة صدقني عندما قلت إن مرافق الكهرباء سوف يكون من الآن فصاعداً خاضعاً لإشراف فعلي من الوزارة .لم تع الشركات ماكان يحدث يوماً بعد يوم :التقلص التدريجي في نفوذها والتزايد التدريجي في نفوذ الوزارة .عندما بدأت الرؤية تتضح كانت الأمور قد أفلتت من أيدي الشركات .توقعت الشركات أقوى من الوزارة ,إلا أنها بدلاً من ذلك وجدت نفسها أمام حقائق الحياة الجديدة التي جعلت الوزارة أقوى من الشركات .
سوف أتحدث عبر الكتاب عن "المصالح "سواء في قطاع الكهرباء أو قطاع الصناعة أو قطاع الصحة ,ومن الضروري أن أقول بوضوح إني أتحدث عن هذه المصالح بكل موضوعية ,بل بقدر من التعاطف .من طبيعة الأشياء أن يحرص التاجر على أرباحه ويسعى إلى مضاعفتها ومن منطق الأشياء أن تسعى الشركة إلى الربح ,ومن البديهيات أن يقاوم التاجر كل اعتداء على مصالحه ,وأن تهب الشركات لحماية أرباحها لم تكن لدي أي مشكلة في التعامل مع المصالح الخاصة .مبدأ الاقتصاد .بأكمله , يقوم على قبول هذه المصالح باعتبارها القوى المسيرة للاقتصاد .كما أنني فوق ذلك كله أنتمي إلى عائلة كانت كما يزعم الزاعمون ,ذات يوم من أكبر العائلات التجارية في المملكة .لم تبدأ مشاكلي مع المصالح الخاصة إلا عندما اصطدمت مع المصلحة العامة التي اؤتمنت عليها .لم يكن هناك خيار كلما حصل .اصطدام كهذا ,ولتذهب الشعبية مع حمار أم عمرو الشهير .
كانت كل شركة من الشركات الكهربائية العاملة في المملكة كياناً مستقلاً تمام الاستقلال وكانت الشركات العاملة في المدن الكبرى مؤسسات ضخمة يفوق عدد العاملين فيها عدد الموظفين في بعض الوزارات (وبالتأكيد عدد العاملين في الجهاز الحكومي المعني بالكهرباء )وكانت بعض هذه الشركات تنفق على المسولين فيها بسخاء يخجل حاتم نفسه دفعت شركة لعلاج مسئول فيها ما يكاد يصل إلى ربع مليون ريال .كان عدد من الشركات يخصص لرئيس مجلس الإدارة وللمدير سيارة فخمة وسائقاً .في بعض الشركات كانت رواتب المسئولين تتجاوز راتب الوزير .وكانت هناك تلك الأهمية الاجتماعية التي ينعم بها كل إنسان يستطيع أن يأمر بمد الكهرباء إلى هذا المنزل أو ذاك لم تكن شركات الكهرباء مستعدة من أجل عيون الوزير الجديد ,أو عيون أحد أن تتنازل عن كل هذه الامتيازات ,المشروعة منها وغير المشروعة .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كان راتب الوزير عندما عينت في الوزارة خمسة عشر ألف ريال .بعدها ببضعة سنوات أقر مجلس الوزراء زيادة كبيرة في رواتب الموظفين .كان هناك تساؤل عن وضع الوزراء .فوجئت ومجلس الوزراء يبحث هذا الموضوع ,بزميل يقول إن ضميره لا يسمح له بقبول أي زيادة .وفوجئت بزميل آخر يؤيد يقظة الضمير هذه .تدخلت على الفور وكان الملك خالد رحمه الله يرأس الجلسة وقلت إنه لا يجوز للوزراء أن يناقشوا رواتبهم أو أن يحددوها ,وأن الأمر متروك للملك وحده .وأضفت أن على الوزراء الذين يؤنبهم ضميرهم إذا زيدت الرواتب أن يتبرعوا بالزيادة للجمعيات الخيرية .قرر الملك خالد مضاعفة الرواتب .بعدها بعدة سنوات زيد راتب الوزير إلى خمسة وأربعين ألف ريال وبقي عند هذا الحد .

...................................................................................................................................................
تحدثت عن الامتيازات المشروعة فماذا عن غير المشروعة ؟كان بعض المسئولين في بعض شركات الكهرباء وكلاء الشركات الأجنبية التي تزود الشركات بالمولدات .كان كل عقد يوقع مع الشركة يعني تلقائياً عمولات ضخمة في جيوب هؤلاء المسئولين (بمرور السنين وصلت هذه المبالغ إلى أرقام خيالية )وكان بعض المسئولين في بعض الشركات الكهرباء يقومون بشراء أرض بأسعار بخسة ,ثم يبيعونها بأسعار مرتفعة إلى الشركة .تحولت بعض شركات الكهرباء إلى دجاجات أسطورية تبيض كل منها كل صباح بيضة من ذهب .لم يكن من حقي ولا من واجبي أن أتدخل لتغيير شيء في أوضاع هذه الشركات ,فقد كان هذا الحق للمساهمين وحدهم وكان هذا الواجب على المساهمين وحدهم لم تبدأ مشاكلي مع شركات الكهرباء إلا عندما تبينت أنه لا بد من إجراء تغييرات جذرية على الوضع الكهربائي .ولكن كيف تستطيع وزارة أضعفت من الشركات أن تقوم بأي تعديل يمس مصالح الشركات ؟
أين المخرج ؟جاء المخرج من حيث لم أكن أحتسب :الشركة الموحدة للكهرباء في المنطقة الشرقية .القصة الحقيقية لولادة هذه الشركة تروي هنا لأول مرة .في بداية السبعينات الميلادية (التسعينات الهجرية )أدرك الأمير فهد وكان وقتها نائباً ثانياً لرئيس مجلس الوزراء ووزيراً للداخلية أن شركات الكهرباء لن تستطيع أن تجاري القفزة التنموية التي كان يخطط لها .أدرك أنه لابد من الاستعانة بجهة تملك الخبرة الفنية الكافية لإدارة مرفق الكهرباء في المملكة كانت أكثر الجهات خبرة فنية ,بلا جدال هي شركة "أرامكو" وإلى "أرامكو "التفت الأمير فهد .طلب من رئيس الشركة أن تتولى "أرامكو "إدارة شركات الكهرباء العاملة في مدن المملكة .فوجئ رئيس "أرامكو "بالطلب .كانت "أرامكو "تحرص ,دائماً وأبداً على أن تبغى في مجالها الطبيعي البترول وكانت تقاوم بضراوة أي محاولة لزجها في مجال آخر .إلا أن الأمير فهد أصر .تم الوصول إلى حل وسط :أن تكون "أرامكو "مسئولة عن إدارة الشركات الكهرباء العاملة في المنطقة الشرقية .إلا أن هذا الأشراف كان يتطلب بالضرورة دمج الشركات العاملة في المنطقة ,وعددها يتجاوز العشرين في كيان واحد .قبل أن أتولى الوزارة بشهور قليلة صدر قرار مجلس الوزراء بإنشاء شركة موحدة تضم كل الشركات في المنطقة .
عندما بدأت عملي كانت المفاوضات تدور بين الشركات "أرامكو" بإشراف مصلحة الخدمات الكهربائية .كانت أرامكو مسلحة بكتيبة من المحاسبين الأمريكيين ,ولم تكن مصلحة الخدمات الكهربائية مسلحة بشيء ,مرت الشهور ولم يتم إحراز أي تقدم .طلبت من يوسف الحماد أن يتولى بصفة شخصية مباشرة إدارة المفاوضات .بعد بضعة أسابيع جاءني يوسف يقول إن الأمور لو استمرت على نفس الوتيرة فإن التوحيد لن ينتهي في عشر سنوات .كانت المشكلة هي تقييم الموجودات التي تملكها كل شركة تمهيداً للدمج .كان النقاش حول هذه النقطة يبدأ ولا ينتهي .في ضوء القروض الضخمة والمساعدات التي بدأت تنهال من الدولة على الشركات .كان من الممكن أن ينتهي التقييم الفعلي للموجودات بمديونية للدولة تتجاوز رؤوس أموال الشركات وتضعنا أمام مأزق قانوني يصعب الخروج منه .فكرت طويلاً مع يوسف حتى اهتدينا إلى الحل .أقول بكل أمانة إني لا أذكر الآن هل جاء الاقتراح من يوسف ووافقت عليه أنا أم جاء مني وتحمس له يوسف وإن كنت أرجح الاحتمال الأول .كانت الفكرة هي أن تصرف النظر عن تقييم الموجودات ذاتها ونكتفي بتقييم أسهم المساهمين .عرضنا على المساهمين أن يدخلوا الشركة الجديدة .بحث يوسف الاقتراح مع مجالس الإدارة المعنية .اقتنع هؤلاء بوجاهة الفكرة ولم يوافقوا على العرض .أراد المساهمون أربعة أسهم في الشركة الموحدة مقابل كل سهم في الشركة القديمة .بعد أخذ ورد ومفاوضات دا~بة تم الوصول إلى حل وسط :ثلاثة أسهم جديدة مقابل كل سهم قديم .عندما ذللنا هذه العقبة ,أمكن تذليل بقية الصعوبات ,وصدر مرسوم ملكي بإنشاء الشركة الموحدة في المنطقة الشرقية .في هذه الأثناء كنت قد وصلت إلى اقتناع راسخ :لايجب أن يقف التوحيد عند المنطقة الشرقية بل يجب أن يعم مناطق المملكة كلها .أنقل من محاضرة ألقيتها في تلك الفترة حيثيات هذا الاقتناع "....الكيانات الكهربائية الهزيلة المبعثرة ظاهرة تجاوزها الزمن ولابد من سياسة جديدة تعتمد المنطق العلمي وتتفاعل مع المتغيرات الجديدة ....لابد من توحيد شركات الكهرباء في كيانات قوية قادرة فنياً ومالياً وإدارياً على ملاحقة التعطش المتحرق إلى الكهرباء .....إن الشركات الموحدة بالإضافة إلى حتمية إنشائها لأسباب فنية وإدارية وتخطيطية تمثل حلاً موفقاً بين ضرورة إشراف الدولة الفعال على مرفق الكهرباء وبين مبدأ الاقتصاد الحر الذي تنتهجه الدولة .إن الدولة ممثلة في المؤسسة العامة للكهرباء هي المساهم الرئيسي في جميع الشركات الموحدة .....غير أن للمساهمين القدامى دورهم بحثت فكرة توحيد الشركات في كل المناطق مع الأمير فهد وأبدى حماسة واضحة للفكرة (يجب ألا ننسى أن فكرة الشركة الموحدة الأولى نبعت من مبادرته الشخصية )أعلنت أننا سوف نبدأ الخطوات العلمية لدمج الشركات في المنطقة الوسطى ثم المنطقة الجنوبية ثم المنطقة الغربية .
كنت ولا أزال أرى أن الحلول "العاجلة "هي أقصر الطرق إلى الفشل .كنت ولا أزال أرى أن النجاح لا يمكن أن يتحقق إلا بالعمل الدائب المبني على تخطيط علمي .قلت علنا في أكثر من مناسبة إني لا أتوقع أي تحسن حقيقي أوضاع الكهرباء إلا بعد خمس سنوات قال لي الملك خالد ,مرة ممازحاً "هل أفهم من هذا أنك تريد البقاء في الوزارة خمس سنوات ؟"ورددت "على أقل تقدير "نسي الذين يتحدثون عن الشعبية أني كنت تلك الأيام أقل الوزراء وربما لأقل الناس شعبية في المملكة .كانت مشاكل الكهرباء تنغص على المواطن حياته اليومية وكان الوزير يتحدث عن تخطيط للمستقبل عندما فرضت علي الظروف مواجهة مع شركة كهرباء الرياض ,مواجهة حاولت جهدي أن أتجنبها حتى لم يعد هناك خيار .كان القائمون على شركة كهرباء الرياض النخبة من المواطنين البارزين كان معظمهم يعرف أبي معرفة حميمة وكنت ولا أزال شديد الضعف أمام كل إنسان عرف أبي .كنت لا أخاطب معظمهم إلا بلقب "العم "من الناحية الإنسانية الحض ,كان آخر شيء أريده هو الدخول في مواجهة مع أعمام يفوقونني سناً وخبرة ومكانة ,حاولت مراراً وتكراراً جر الشركة بحيث تستطيع التعامل بكفاءة مع المتغيرات الجديدة إلا أن الشركة استمرت تفكر وتعمل ببطء مذهل ,بالأسلوب القديم يوم كانت نسبة الزيادة السنوية لا تتجاوز 5% تدهورت الأوضاع وأصبحت الانقطاعات الشاملة ظاهرة مألوفة . جاء أسبوع "أسود "شهد انقطاعاً شاملاً كل يوم في ذلك الأسبوع تلقيت برقية عاجلة من ولي العهد الأمير فهد يوجه فيها بضرورة اتخاذ الإجراءات الكفيلة بمعالجة الأوضاع كتبت إلى الشركة أبلغهم فحوى الأمر وأضيف أنه إذا لم تتحرك الشركة كنت أتصور أن أنشر الرسالة سيضطر الشركة اضطراراً إلى التحرك السريع .كنت أتوقع كل شيء إلا رد الفعل الذي أحدثته الرسالة .اجتمع مجلس الإدارة وبحث الموضوع وبدلاً من اتخاذ قرار بمعالجة الأوضاع المتردية اتخذ قراراً بضرورة "توبيخ "الوزير علناً نشرت الصحف في اليوم التالي إعلانا أخذ صفحة كاملة عنوانه "معالي رئيس مجلس إدارة شركة كهرباء الرياض يرد على معالي وزير الصناعة والكهرباء أي والله ! كانت الرياض غارقة في الظلام وكانت الشركة تود دخول "مناظرة "مع الوزير تبين من المخطئ ومن المصيب .ألم أقل إن الشركات لم تستوعب حقائق الحياة الجديدة ؟لم يكن هناك خيار .صدر قرار مجلس الوزراء بحل مجلس الإدارة وتفويض الوزير باختيار مجلس إدارة جديد .قلت ليوسف الحماد :"أما أنا أو أنت" وافق يوسف مرغماً على تولي رئاس المجلس الجديد الذي حرصت على أن يضم عدداً من كبار المساهمين في الشركة .بدأ المجلس الجديد على الفور التحرك في كل اتجاه .خلال أسابيع كان هناك آلاف من العمال يعملون على إصلاح الشبكة .بعد سنوات ثلاث انتهت المشكلة .تحدث الناس ,وقتها ,ولا يزال بعضهم يتحدث الآن عن الوزير الذي حقق ما يشبه المعجزة حقيقة الأمر أن المسئول الحقيقي عن الإنجاز كان يوسف الحماد الذي لم يكن أحد يعرفه .كان يوسف من الشخصيات العامة النادرة التي تنفر من الأضواء نفوراً يقترب من العداء لا أذكر أنه استقبل صحفياً واحداً أو أعطى مقابلة صحفية واحدة .عاش في صمت ,ومات في صمت ولكن منجزاته لا تزال تسطع في قلب العاصمة رحمة الله !
لم أكد ألتقط أنفاسي حتى فوجئت بمعركة جديدة ,هي معركة إلغاء المناقصات .قبل أن أتحدث عن هذه المعركة لا بد أن أقول إني كنت دوماً من المؤمنين أن من أهم مسئوليات القائد الإداري أن يتأكد أن كل قرش ينفق في وجهه الصحيح .كل ريال يمكن توفيره يجبن أن يوفر يجب أن يصب الإنفاق في جيوب المواطنين المحتاجين لا في جيوب الشركات الأجنبية .عندما بدأت عهدي في وزارة الصناعة والكهرباء ,جاءت الشركة الاستشارية التي كانت تخطط للمنطقة الصناعية الجديدة في الرياض تعرض على ما أنجزته من رسومات .لم أصدق عيني ,كان المبنى المخصص لإدارة المنطقة عمارة هائلة معقدة يحتاج بناؤها إلى عشرات الملايين .قلت للمسئولين في الشركة :"أعتقد أنكم أخطأتم الطريق أعتقد أنكم كنتم تريدون الذهاب إلى شاه جهان لتطلعوه على مخطط تاج محل وسط ذهولهم المتزايد قلت :"مزقوا هذه الأوراق كلها .هذا المبنى لن يضم سوى عشرين موظفاً ولا لأريد أن تتجاوز كلفته مليوني ريال "اضطرت الشركة إلى أن تعيد النظر في كل شيء ,تكررت القصة مع مبنى الوزارة (حصلت على الأرض بإيجار رمزي من السكة الحديد :استغلال بريء للنفوذ!" وضعت شركة استشارية تصميماً لم يكن بالإمكان أن ينفذ إلا بتكلفة تقترب من بليون ريال .ألف مليون ريال لمبنى إداري! تذكرت من زياراتي للصين الوطنية ,عندما كنت في السكة الحديد الفندق الرائع الذي سكنت فيه وعلمت وقتها أنه من بناء شركة مقاولات محلية .اتصلت بسفير الصين الوطنية وطلبت منه مقابلتي .قلت له إني أريد تنفذ الشركة مبنى الوزارة .جاء المسئولون في الشركة وطلبت منهم وضع تصميم جديد ضمن حدود مالية واضحة .صمم المبنى ونفذ بتكلفة لم تكد تتجاوز مائة مليون ريال .أذكر أنني عندما رفعت الموضوع إلى مجلس الوزراء أطلب الموافقة كان الأمير عبدالله يرأس الجلسة كانت تكلفة المتر المربع الواحد بكل المواصفات العالية تقل عن خمسة آلاف ريال .في ذلك الوقت كانت المباني الحكومية تنفذ بأضعاف هذا المبلغ .استدعاني الأمير عبدالله بعد الجلسة وسألني :"ما القصة ؟كيف حصلت على هذا العرض المنخفض ؟"قلت :" تفاوضت ,مباشرة مع شركة من الصين الوطنية "قال :"ولماذا لا يفعل بقية المسئولين ذلك ؟"لم يكن بوسعي بطبيعة الحال أن أرد على السؤال .
نعود إلى المناقصات التي ألغيت طرحت المؤسسة العامة للكهرباء في مناقصة دولية أربعة مشاريع كهربائية مركزية تغطي مناطق الخرج والباحة وعسير وجيزان .لا بد هنا أن أتوقف لأقول إني كنت ولا أزال من المؤمنين أن المناقصة هي أفضل طريقة لضمان العدالة بين المتنافسين وللحصول على أفضل الأسعار .إلا أنه لكي تحقق المناقصة هدفها لا بد من توفر شرطين هامين (يندر أن يوجدا في المناقصات الحكومية في العالم الثالث ) الشرط الأول هو أن تكون لدى الجهة الحكومية فكرة دقيقة جداً عن تكلفة المشروع .بدون هذا الشرط يمكن أن ترسي المناقصة على صاحب عطاء منخفض يقل عن التكلفة الحقيقية بكثير .غنى عن الذكر أن هذا هو السبب في تعثر عدد كبير من المشاريع التي تطرح في مناقصة والشرط الثاني هو أن تتأكد الجهة المعنية أن الفرق بين عطاءات المتنافسين يبقى ضمن حدود مقبولة 25%مثلاًعندما يكون هناك عطاء بعشرة ملايين وعطاء بمائة مليون فلا بد أن يكون هناك خلل رئيسي قد يبرر إلغاء المناقصة .كثيراً ما يكون هذا الخلل اتفاقاً سرياً بين الشركات المتنافسة يخصص العقد ,مقدماً لواحدة منها ولضمان ذلك تتقدم الشركات الأخرى بعروض خيالية .كنت حريصاً في كل مناقصة تطرح من توفر هذين الشرطين .عندما جاءت العروض كلها مرتفعة ارتفاعاً هائلاً يفوق التكلفة الفعلية على نحو غير مقبول ,لم يكن هناك من سبيل سوى إلغاء المناقصة كلها .
أحدث قرار الإلغاء في الداخل والخارج دوياً يصم الآذان .أذكر أن هشام ناظر قال لي وقتها :"أفهم أن تثير ضجة عندما توقع على عقد ولكني لا أفهم أن تثير ضجة عندما تلغى مناقصة "كان يمزح بطبيعة الحال .ولم تكن الضجة من صنعي أنا .ضجت الشركات العالمية الدولية العملاقة التي صرف النظر عن عروضها ,وضج وكلاؤها في الداخل .بعبارة أخرى ضجت المصالح لم تكن الضجة تهمني بقدر ما كان يهمني البديل .سهل أن تلغي مناقصة وصعب أن تنفذ المشاريع بعد استبعاد الشركات الكبرى القادرة على تنفيذها .اتجه تفكيري على الفور إلى آسيا .لم تكن الشركات الآسيوية وقتها قد تغلغلت في السوق السعودي ولم يكتشف السوق السعودي وقتها كل الإمكانيات المتوفرة في آسيا .بعد التشاور مع الزملاء حول الإمكانيات الفنية المتوفرة في بعض الدول الآسيوية انتهينا إلى أن إمكانيات الهند تسمح لها بتنفيذ مشروع جيزان وأن إمكانيات الباكستان تتيح لها تنفيذ مشروع الخرج ,وأن أمكانيات الصين تمكنها من تنفيذ مشروع الباحة وأن أمكانيات كوريا الجنوبية تجعلها قادرة على تنفيذ مشروع عسير (لم أفكر في اليابان لأن كل الشركات الكهربائية اليابانية الكبيرة كانت تقدمت بعروض في المناقصة التي ألغيت )حصلت على تفويض من مجلس الوزراء يمنحني حق التفاوض المباشر مع حكومات الدول الأربع .لم يكن أحد باستثناء قلة قليلة من الزملاء العاملين معي ,يتوقع أن تنتهي المغامرة بنجاح .
كان الرأي السائد أني سأعود خائباً ,أستعطف الشركات التي استبعدتها .حقيقية الأمر أني كنت أشعر أني أقفز في الظلام ولكن الله سلم وجاءت النتائج تفوق الأمنيات حتى أمنياتي أنا قمت بزيارات متتابعة إلى الدول الأربع .في الهند كلفت الحكومة شركة حكومية بتنفيذ المشروع ,وفي كل من باكستان والصين الوطنية كلفت الحكومة الهيئة الوطنية للكهرباء بتنفيذ العمل المطلوب ,أما في كوريا الجنوبية فقد قررت الحكومة أن تحيل المشروع إلى شركة كورية تجارية .تم التفاوض مع هذه الجهات وتوصلنا ,خلال أسابيع إلى توقيع عقود بالمواصفات الأصلية ,وطبقاً للجدول الزمني الأصلي ,وفق تقديرات المؤسسة للتكلفة .ونفذت المشاريع كلها في الوقت المحدد ,على الوجه الأمثل وتجاوز الوفر الذي تحقق ألف مليون ريال .تبع عدد من الوزارات أسلوب الإلغاء وإعادة المناقصة وزال تدريجياً ذلك الجنون الذي كان يواكب تكلفة المشاريع في تلك الفترة .فيما بعد قال الصديق يوسف الشيراوي إن قرار الإلغاء قضى على "حمى الذهب "في المنطقة .خلال المفاوضات مع الحكومات الأربع وبعد ذلك مع رؤساء المؤسسات والشركات التي تولت تنفيذ المشاريع ,كررت المرة تلو المرة أن هذه عقود بين الحكومات وأنه لا يجب أن تدفع لأحد أية عمولات (فضلاً عن الرشاوي !)بعد توقيع العقود بفترة وجيزة جاءني محمود طيبة محافظ المؤسسة العامة للكهرباء ,بخبر وقع علي وقع الصاعقة .أخبرني أن مندوب شركة من الشركات التي تنفذ أحد المشاريع طلب مقابلته .خلال المقابلة قال المندوب لمحمود إن إدارة الشركة كلفته بتسليم محمود ثلاثة ملايين ريال نقداً ,يدفع مليون منها فوراً وتدفع البقية بعد شهر .كما قال المندوب لمحمود إن إدارة الشركة قررت إعطاء محمود 5%من كل عقد توقعه ,مستقبلاً مع المؤسسة .عقدت المفاجأة لسان محمود فلم يستطع أن يتكلم ,وقال للمندوب إنه يحتاج إلى مهلة للتفكير .عندما أخبرني ما حدث رأيت أنه لا بد من تلقين الشركة درساً قاسياً لا تنساه وتتعظ به الشركات الأخرى .اتفقت مع الأمير نايف بن عبدالعزيز وزير الداخلية على أن تقوم المباحث الإدارية بنصب كمين للمندوب .اتصل محمود بالمندوب وأخبره أنه موافق على العرض وأنه ينتظره في بيته في اليوم التالي .في الموعد المحدد جاء المندوب يحمل حقيبة ملابس تحتوي على مليون ريال عداً ونقداً (أخبرني محمود فيما بعد أنه لم يكن يعرف أن المليون ثقيل إلى هذه الدرجة !)ضبط المندوب بالجرم المشهود ولقي عقوبته طبقاً للأنظمة .ذهبت إلى الأمير فهد ورويت له ما حدث أضفت أن الرجل الذي رفض المليون ريال لا يملك هذا المبلغ .قال الأمير فهد على الفور "مادام قد رفضه حراماً فسوف يأخذه حلالاً "وقرر إعطاءه المبلغ مكافأة على نزاهته اقترحت على الأمير فهد تكريماً معنوياً يمنح لمحمود بالإضافة إلى التكريم المادي ووافق على منحه وساماً اقترحت عليه فرض غرامة على الشركة مقدارها عشرة ملايين ريال ووافق (مكنتنا هذه الغرامة من كهربة عدد إضافي من القرى الصغيرة لم يكن المشروع الأصلي يشملها ورُب ضارة نافعة !)لو تلقى محمود طيبة عمولة عن كل عقد وقعه لكان اسمه الآن في قائمة كبار الأغنياء في العالم .إلا أنه حقق ما هو أعظم من الثراء :سوف يظل اسمه يلمع ويبرق في كل قرية نائية دخلتها الكهرباء بفضل جهوده وجهود زملائه وما عند الله خير وأبقى .آه ! كهربة القرى النائية !هناك كان هوى قلبي !كنت كما رأى القارئ أبذل الكثير من الجهد في التعامل مع شركات الكهرباء في المدن الرئيسية ,إلا أن أولويتي المطلقة كانت إيصال الكهرباء إلى المناطق النائية المحرومة من الكهرباء .كانت المملكة بأسرها هدفاً وطنياً تبنته الدولة في خططها وكان تنفيذه واجباً في عنق كل مسئول .إلا أنه كان هناك وراء حماستي ,سببان آخران أولهما شخصي محض .في سنوات طفولتي الأولى في الإحساء لم تكن الكهرباء قد دخلت البلدة وكنا نعيش في ضوء الفانوس ("الفنر "كما يسمى في اللغة الدارجة )في المجلس وحده ما يعرف الآن بغرفة الاستقبال كان هناك مصباح أكثر قوة وضجة ! يسمى "الإتريك "عندما وصلت البحرين كان أول ما شد انتباهي وجود الكهرباء في البيت .كنت مأخوذاً بهذه الظاهرة السحرية :تضغط على زر فتسبح الغرفة المظلمة في نور ساطع .أذكر أنني كنت في ساعة الغروب أقف في ساحة قريبة من المنزل أنتظر وصول موظف البلدية المسئول عن المصابيح الكهربائية .يجيء الموظف وفي يده عصا طويلة يستطيع من خلالها إضاءة المصابيح .يسود الظلام ينتقل الرجل إلى ركن مظلم آخر وينتقل معه النور .كنت حريصاً أن يعرف كل مواطن الفرحة العارمة التي تملكتني وأنا أرى الكهرباء لأول مرة .وكان هناك سبب ثان ,أقل رومانسية كنت ولا أزال أرى أن الكهرباء هي باب القرن العشرين (والحادي والعشرين )مع الكهرباء يجيء المذياع ويجيء التلفزيون وتجيء الغسالة الكهربائية ويجيء الهاتف (وفي فترة لاحقة الفاكس والكمبيوتر والفضائيات ).كنت أنظر إلى الأمر ببساطة متناهية :كهربة قرية تعني إدخالها قلب الحياة الجديدة .قلت قبل قليل إني كنت أريد من الإجراءات المتخذة ضد الشركة التي حاولت رشوة محمود طيبة درساً رادعاً لبقية الشركات .ومن هنا حرصت على نشر القصة في وسائل الإعلام وعلى أوسع نطاق .ولكن هل تستطيع كما يقول المثل العربي ,أن تعلم الكلب العجوز عادات جديدة ؟بعد الحادثة بأسابيع قليلة ,جاءني يوسف الحماد يبتسم وهو يقص قصة مذهلة أخرى كان وقتها يفاوض شركة كبيرة (غير الأولى )وكانت قيمة العقد تتجاوز مائة مليون ريال .قال لي إن مندوب الشركة سلمه العرض المفصل وفي أسفله المبلغ الذي تطلبه الشركة .وتحت هذا المبلغ خانة لا يوجد فيها سوى علامة استفهام .سأل يوسف المندوب عن معنى هذه الخانة .قال المندوب إن هذه الخانة مخصصة للمبلغ الذي يريده يوسف لنفسه .ولما كانت الشركة لا تعرف هذا المبلغ فقد وضعت محله علامة استفهام .وأضاف المندوب إنه بمجرد أن يعرف هذا المبلغ فسوف يضيفه إلى العرض الأصلي .لا حول ولا قوة إلا بالله ! لم تكن عندي ولا عند يوسف الرغبة في ترتيب المزيد من الكمائن وفضلاً عن ذلك فإن المندوب بالمعنى القانوني الدقيق لم يرتكب جريمة الرشوة .طلب يوسف من المندوب أن يشطب الخانة وعلامة الاستفهام ووقع العقد بالمبلغ الأصلي .الرجل الذي فعل هذا ووقع عقوداً بالبلايين كان يسكن وقتها في منزل بالإيجار هذان مثلان نابضان لمسئولين تعرضا لإغراء رهيب وصمدا أمامه وقد مرت بي أمثلة عديدة ومماثلة كنت دائماً أقول إنه لا يجوز لإنسان أن يدعي العفة مالم يتعرض للفتنة .الذي يدعي أن مارلين مونرو راودته عن نفسه ورفض عليه أن يثبت لنا أن ما حدث لم يحدث في الأحلام .ما أسهل النزاهة على إنسان لم يعرض عليه أحد عشرات الملايين!
اعتقد أن هذا هو الوقت المناسب لأخذ استراحة قصيرة من حديث المعارك وإعطاء القارئ لمحة عن حياة الوزير اليومية .كنت أصل مكتبي في السابعة والنصف تماماً وأرى البرقيات والأوراق العاجلة .في تمام الثامنة كان الاجتماع الصباحي ينعقد .كان يحضر الاجتماع كل من محمود طيبة محافظ المؤسسة العامة للكهرباء وأحمد التويجري وكيل الوزارة لشئون الصناعة (وفي فترة لاحقة الدكتور فؤاد الفارسي الذي خلف أحمد )ويوسف الحماد وكيل الوزارة لشئون الكهرباء وعبدالله القرعاوي وكيل وزارة للشئون المالية والإدارية .في هذا الاجتماع كان التفاهم المباشر يتم حول كل الأمور التي تتطلب التفاهم المباشر –أو "المفاهمة "كما يقول التعبير السعودي البيروقراطي –وكانت كل القرارات المطلوبة تناقش وتتخذ على الفور ,باستثناء تلك التي تحتاج إلى المزيد من الدراسة .ينتهي الاجتماع في التاسعة تماماً وتخصص الساعة التالية للأوراق .الفترة من العاشرة إلى صلاة الظهر – قرابة ساعتين –كانت تخصص للمواعيد التي سبق أن حددت أربعة أو خمسة مواعيد في العادة في هذه الفترة







ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كنت ولا أزال أرى من سوء الأدب أن تحدد موعداً لأحد دون أن تكون قادراً على إعطائه بمفرده ثلث ساعة من وقتك على أقل تقدير وكنت ولا أزال عندما أستقبل أحداً أرفض أن أرد على أية مكالمة هاتفية وأخصص انتباهي كله لصاحب الموعد .


كنت أقابل أي مواطن يود رؤيتي لبحث أي موضوع يتعلق بقطاع الصناعة أو قطاع الكهرباء وأرى السفراء الذين يريدون مقابلتي وأجتمع بالوفود الرسمية بالإضافة إلى زيارات المجاملة التي يقوم بها عدد من رؤساء الشركات الكبرى الذين يزورون المملكة ,ولي إلى موضوع زيارات المجاملة عودة بعد حين .بعد صلاة الظهر تبدأ فترة المقابلات المفتوحة التي تنتهي بعد ساعة .ما تبقى من الوقت حتى نهاية الدوام في الثانية والنصف ظهراً كان يخصص للأوراق .لا يحتاج المرء إلى كثير من الذكاء ليدرك أن الوقت المخصص للأوراق لم يكن يتسع لرؤية كل شيء وكنت آخذ معي في حقيبة ضخمة الأوراق التي لم أتمكن من قراءتها (من نعم الله علي أني رزقت موهبة القراءة السريعة جداً)في نهاية الأسبوع كان هناك "ملف القراءة "الذي يضم كل ورقة صادرة من كل إرادات الوزارة .لا بد أن أقول هنا كلمة حق .لولا الحزم والانضباط الذان ميزا أداء الزميل فهيد الشريف ,مدير مكتبي وقتها لما أمكن الحفاظ على هذا النظام الدقيق استطاع فهيد أن يحمي وقتي من عبث العابثين وأن يخصص لكل مواطن يريد مقابلتي الوقت الذي يحتاج إليه .لا أدري حتى هذه اللحظة كيف استطاع تحقيق هذه المعادلة المستحيلة .
كانت وجبة الغداء هي الوجبة الوحيدة التي تجمع شمل العائلة كلها وتتيح لي أن أرى الأولاد (وكم كنت أمقت أي دعوة على الغداء كانت هناك قيلولة قصيرة لا تصل إلى ساعة بعدها كنت أذهب إلى الديوان وفي الفترات لاحقة إلى القصر الملك خالد حيث أبقى إلى ما بعد صلاة المغرب بعدها كنت أعود إلى المكتب كانت الفترة المسائية مخصصة لاجتماعات مجالس الإدارة أو اللجان المختلفة أو المواعيد العاجلة .كنت أعود إلى المنزل في التاسعة أتناول العشاء مع زوجتي وأعود إلى حقيبة الأوراق .لم أكن أفرغ منها في العادة إلا بعد منتصف الليل .وماذا يحدث بعد منتصف الليل ؟في أغلب الأحيان كان الإرهاق يؤدي إلى نوم سريع عميق .إلا أني لم أكن قادراً قط على الضغط على زر وهمي في دماغي يمنع متاعب العمل من التسلل إلى ساعات الراحة .عندما تكون أمامي مشكلة ملحة أجد من الصعب بل من المستحيل أن أتخلص منها في السرير .المعارك التي كانت تدور في المكتب خلال ساعات النهار تتحول إلى قلق خلال ساعات الليل .في فترة من الفترات أثناء وزارة الصحة كانت تمر بي عدة ليال بلا نوم حقيقي قالت لي زوجتي مرة" هذه الوظيفة سوف تقتلك "الحق أنها كادت -الوظيفة لا زوجتي ! ولكن الله سلم ألم أقل إن من نعم الله علي أنني وصلت إلى الوزارة وأنا لا أستعمل هذا التعبير مجازاً يوما بعد يوم ,سنة بعد سنة إذا لم يكن يتمتع بكل حيوية الشباب ؟
كان مجلس الوزراء ينعقد مرة في الأسبوع وكان الاجتماع يستغرق ما بين ساعتين وثلاث ساعات .كانت المواضيع التي تثار تبحث بكل حرية وفي كثير من الحالات لا يحسم الأمر إلا بالتصويت .كان الأمير فهد يرفض أن يمتنع أحد عن التصويت ويصر على سماع كل رأي (حتى عندما يخالف رأيه هو )إلا أن مجلس الوزراء لم يكن يبحث سوى المواضيع الهامة .إلا أن مجلس الوزراء لم يكن يبحث سوى المواضيع الهامة كثير من عمل الدولة الإداري والمالي الذي يصدر من مجلس الوزراء كان يتقرر في اللجنة العامة .بعبارة أخرى كانت اللجنة لا المجلس ,مكان المناقشات الصاخبة .كانت اللجنة تضم نصف أعضاء المجلس ,وكان من حق أي وزير أن ينضم إليها عندما تبحث أمراً يخص وزراته .كانت اللجنة تجتمع مرة في الأسبوع من العاشرة صباحاً إلى الواحدة بعد الظهر .كان النقاش كثيراً ما يحتد ويحتدم وكانت الخلافات تطفو بعنف على السطح أي خلافات ؟كانت الخلافات في معظم الحالات يبن معسكر المحافظين ومعسكر اللبراليين .
لابد من إيضاح لا أقصد بالمحافظين والليبراليين ما يعنيه التعبيران بالمفهوم الغربي .أتحدث عن محافظين وليبراليين من طبعة سعودية خالصة كان الخلاف في حقيقته خلافاً بين فلسفتين إداريتين الفلسفة المحافظة التي تود حصر الإنفاق في أضيق نطاق وترفض منح أي حوافز جديدة وترى التقيد الكامل بالأنظمة والقوانين ولا تؤمن بفتح أي باب تهب منه رياح مجهولة والفلسفة الليبرالية التي ترى أن الدخل المتزايد يتطلب سخاء أكبر في الإنفاق ولا ترى ما يحول دون تقديم المزيد من الحوافز وتحاول التخلص من الأنظمة التي تقيد الحركة السريعة وتؤمن بفتح أبواب جديدة كلما سنحت الفرصة كان يقف في قلب الخندق المحافظ محمد أبا الخيل وعبد العزيز الخويطر وسليمان السليم وحسين الجزائري أما في الخندق الليبرالي فقد كان هشام ناظر ومحمد عبده يماني وعبدالرحمن آل الشيخ وكاتب هذه السطور .كان بقية أعضاء اللجنة العامة يقفون بين الخندقين يميلون تارة مع هذا التيار وتارة مع ذاك في كل حالة بحالتها .
من حسن حظ الدولة أنه وجد فيها هذان التياران المتصارعان (كان الصراع أحياناً يتخذ مظهر الصراخ ؛ما أظرف منظر الوزراء وهم يصرخون !)لو خلا الجو للحافظين لما أمكن التحرك بالسرعة المطلوبة ولو خلا الجو لليبراليين لفرغت خزينة الدولة في شهر واحد .هذا التوازن بين المعسكرين كان يشرف عليه ,بدقة متناهية ولي العهد كان الأمير فهد يعرف اتجاهات كل وزير .عندما يشكل لجنة من وزراء محافظين لبحث مشروع جديد كان معنى هذا أن المشروع لن يبصر النور .عندما يختار لجنة من الوزراء الليبراليين يصبح المشروع في حكم النافذ .في المواضيع التي لم يكن له فيها رأي محدد كان حريصاً على أن يسمع رأي المعسكرين وكان يقف في كل حالة مع الحجج المقنعة .كان ولي العهد بطبيعته ليبرالياً وبحكم نشأته ومراعاته للتقاليد والعادات محافظاً وكان بوسعه أن يتعاطف مع آراء كل من الفريقين .
كان الأمير فهد وفيما بعد الملك فهد رجلاً جم الأدب شديد الحياء لم أراه قط يرفض طلباً من وزير أو من أي إنسان آخر بصفة مباشرة .مع الزمن تعودت وتعودبقية الوزراء على أسلوب ولي العهد عندما يوافق على طلب من وزير كان يوجهه بأن يمضي قدماً في التنفيذ (كان يستعمل عبارات مثل "على بركة الله "أو "توكل على الله "أو "هذا مناسب جداً "عندما تكون لديه تحفظات على الطلب كان يطلب من الوزير أن يكتب له رسالة عن الموضوع (يعني هذا أن احتمال الموافقة قد انخفض إلى 50%)عندما تكون لديه شكوك جدية حول حكمة القرار المطلوب كان يقول للوزير "دعني أفكر "عندما يقرر عدم الاستجابة لطلب كان يطلب من الوزير أن يبحث الموضوع مع وزير المالية (يعني هذا أن احتمال الموافقة أصبح 1%بالإضافة إلى الخلافات بين الليبراليين والمحافظين كانت هناك خلافات أخرى تتعلف بحماية المواقع .كان كل وزير يحرص على حماية موقعه من تدخل الوزراء الآخرين .لا يختلف الوزير ,في هذا الصدد ,عن أصغر موظف واضحة وضوح الشمس :لا شأن لوزارة الصناعة والكهرباء بما يدور في وزارة العدل .أحياناً كانت الحدود أبعد ما تكون عن الوضوح تشيع الصناعة الوطنية موضوع يهم وزارة الصناعة كما يهم وزارة التخطيط كما يهم وزارة التجارة كما يهم وزارة المالية .إلا أن الخلاف المزمن المتكرر كان بين وزارة المالية والاقتصاد الوطني (منفردة)وبين بقية الوزارات (منفردة وأحياناً مجتمعة ) كان لكل مشروع جانبه المالي وكانت وزارة المالية تعتبر نفسها بحق وأحياناً بلا حق طرفاً في كل شيء له جانب مالي (أي في كل شيء !) كان وزير المالية في يجد نفسه كل يوم طرفاً في صراع لا يعلم إلا الله وحده كيف استطاع محمد أبا الخيل تحمل هذه الضغوط الرهيبة طيلة هذه السنين .لولا مواهبه الإدارية المتنوعة قوة الذاكرة ,الجلد ,المهارة في الكر والفر القدرة على العمل ليل نهار لما استطاع الصمود أكثر من سنة أو سنتين .إلا أنه بصرف النظر عن الخلافات الناشئة عن الفلسفة الإدارية والخلافات التي فرضتها حماية المواقع تمكنت المجموعة الوزارية الاقتصادية أن تعمل بوئام كامل .كنا جميعاً وزير البترول والثروة المعدنية أحمد زكي يماني ووزير المالية والاقتصاد الوطني محمد أبا الخيل ووزير التجارة سليمان السليم ووزير الزراعة والمياه عبدالرحمن آل الشيخ ووزير التخطيط هشام ناظر وكاتب هذه السطور نؤمن إيماناً تاماً بعدد من الثوابت كنا جميعاً نؤمن بضرورة تشجيع الصناعات الوليدة والزراعة الناشئة لم يكن أحد منا ينظر إلى التنمية من زاوية بيروقراطية ضيقة ولم يكن أحد منا يود إمبراطورية بيروقراطية على حساب القطاع الخاص لولا هذه النظر المشتركة والعلاقة الودية الشخصية بين الوزراء المعنيين لتعطلت عجلة التنمية .كانت المشاريع الاقتصادية متشابكة على نحو يتطلب تعاوناً كاملاً في كل عضو في المجموعة ,وكان كل منهم قادراً على تعطيل أي مشروع لنأخذ مثالاً على ذلك مشروعاً من مشاريع "سابك "الصناعية المشروع في الأساس مسئولية وزير الصناعة والكهرباء .إلا أن التميل الازم للمشروع يتم عبر وزير المالية والاقتصاد الوطني .بنفذ الموضوع أرض تملكها الهيئة الملكية التي يشرف عليها وزير التخطيط .يتخذ المشروع شكل شركة مساهمة لابد أن يقرها وزير التجارة .يستخدم المشروع مواداً خاماً ناتجة من مشروع تجميع الغاز الذي يقع ضمن مسئوليات وزير البترول والثروة المعدنية .كان فيتو واحد من وزير واحد من هؤلاء كفيلاً بشل العمل إلا أنه ,عبر تجربتي كلها لم يكن هناك فيتو واحد .في عدد من الدول النامية لم توجد روح الفريق هذه وكانت النتيجة أن تهدم اليد اليسرى ما تبنيه اليد اليمنى .في إيران خلال حكم الشاه كانت وزارة ما تستورد معدات ضرورية لتنفيذ مشروع حيوي وترفض وزارة الصناعة الإفراج عنها حماية للصناعة الوطنية ! هناك كلمة حق لا بد أن أسجلها عن أحد وزراء المجموعة الاقتصادية ,هو الدكتور سليمان السليم وزير التجارة كان كل وزراء المجموعة كما أسلفت مؤمنين بدور القطاع الخاص إلا أن سليمان بلا نزاع كان أكثرنا إيماناً كان الاقتصاد يمر بعدة مخانق الفنادق والموانئ والأسمنت والتموين والسكن وكانت الضغوط على الحكومة من الرأي العام تتزايد "لعمل شيء ما "كان سليمان الوزير الوحيد الذي لم ير مبرراً لدخول الحكومة حتى بشكل مؤقت ومحدود في مجالات القطاع الخاص .كان يقول كلما اشتد الضغط "لاتستعجلوا اتركوا الفرصة للقطاع الخاص .ستتكفل المنافسة بفك المخانق "إلا أن الضغوط في مرحلة من المراحل كانت أقوى من أن تتجاهلها الحكومة .قامت الحكومة بعد مبادرات شكلت حلاً وسطاً بين مبدأ تدخل الدولة ومبدأ الاقتصاد الحر .انشأت الحكومة عدداً من الشركات المساهمة تساهم فيها الدولة والقطاع الخاص على أن تتنازل الدولة تدريجياً عن حصتها للمواطنين شملت هذه الشركات شركة للفنادق والمناطق السياحية وشركة للنقل العام وشركة للتنمية العقارية .
يقتضي الحق أن أقول إن سليمان لم يكن متحمساً لأي من هذه الشركات ولو كان الأمر بيده لما قامت واحدة منها .عندما أصدر مجلس الوزراء قراراً بإنشاء شركة للتموين ,تتعامل في الأطعمة حرص سليمان على أن تولد الشركة ميتة الآن يدرك الجميع أن سليمان كان على حق عندما أصر على تبقى الدولة بعيدة عن السوق .تكلفت المنافسة بالإضافة إلى قروض الدولة وتسهيلاتها بحل الأزمات واحدة بعد واحدة .إلا أن ما يبدو الآن سياسة حكيمة يؤمن بها الجميع كان يبدو وقتها موقفاً سلبياً .كان كل الناس تقريباً ,يلومون وزارة التجارة لأنها "لا تتحرك "وكان سليمان مؤمناً أن التحرك الوحيد الذي يمكن أن تقوم به الوزارة هو السماح للقطاع الخاص بأن يتحرك وإزالة العوائق من سبيلة .لم يكن سليمان يحب التعامل مع وسائل الإعلام وقد أدى هذا العزوف إلى ترسيخ الصورة السلبية (الخاطئة )عن الوزير والوزارة كان القطاع الخاص السعودي سعيد الحظ :خلال سنوات التنمية الحاسمة كان على رأس وزارة التجارة وزير آمن بالقطاع الخاص أكثر من إيمان القطاع الخاص بنفسه ! كانت هناك بين الحين والحين مهام تأخذ الوزير من دوامة العمل الروتيني اليومي .أبرز رؤساء الدول الذين يزورون المملكة ,والمساهمة في المؤتمرات المختلفة .بعض الأشياء التي اطلعت عليها بحكم هذه المهام لا يزال حساساً بعض الشيء ولابد من مرور مزيد من الوقت قبل أن يمكن رواية القصة الكاملة دون التسبب في إحراج أحد سأكتفي بومضات من هنا وهناك تعطي القارئ فكرة عن الجو العام الذي يكتنف هذه المهام .يرى المرء نماذج مختلفة من رؤساء الدول عبر الزيارات الرسمية وتبقى بعض النماذج في الذاكرة .زرت البيت الأبيض في عهد نيكسون قبل الوزارة في معية الأمير فهد وزرته في عهد كارتر ,مع الأمير فهد أيضاً وكان الفارق بين البيتين مثيراً للذهول .كان البيت الأبيض في عهد نيكسون أشبه ما يكون بقصر إمبراطور روماني ,وكان نيكسون يتصرف كالأباطرة .في عهد كارتر تحول القصر الروماني إلى منزل بسيط تسكنه أسرة بسيطة من الطبقة المتوسطة .كان الرئيس الجديد يتصرف كما لو كان مواطناً عادياً "الرجل الذي يعيش في المنزل المجاور "كما يقول التعبير الغربي .كنت أرى في الموقفين شيئاً من المغالاة .قلت لأحد مستشاري كارتر "لا يحق لي وأنا الأجنبي أن أحكم على توجهات الشعب الأمريكي .ومع ذلك فأنا أرى أن الرئاسة في أمريكا أحيطت بهالة تاريخية لا يجوز لأي رئيس أن يحاول تمزيقها "وردد المستشار :"الرئيس يعرف نبض الشعب والشعب يريد رئيساً بسيطاً
بمرور الأيام أدرك كارتر أنه ليس مواطناً عاد الطقس الرئاسي الذي كان قد ألغاه النشيد الذي يواكب دخول الرئيس وخروجه .منتجع كامب ديفيد ,الذي كان يفكر جدياً في بيعه باعتباره ظاهرة ارستقراطية تسئ إلى سمعة الرئيس باسم المنتجع :اتفاقية" كامب ديفيد "
من أطراف الذكريات التي لاتزال تعيش معي ذكريات زيارة رسمية قام بها الملك خالد رحمه الله إلى ليبيا وكنت ضمن الوفد المرافق عندما نزلنا في مطار بنغازي كان هناك استقبال "شعبي "مرتب "رسمياً "بكل تفاصيله








ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لا يعرف الكثيرون من هو ديفيد الذي يحمل المنتجع اسمه .كان ديفيد هو حفيد الرئيس أيزنهاور ,وكان الرئيس كثيراً ما يصطحبه معه خلال زياراته إلى المنتجع .أحب ديفيد المنتجع إلى درجة جعلت الرئيس يسمي المكان باسم الحفيد .

سأل الملك العقيد معمر القذافي إذا كانت الحكومة في بنغازي أو طرابلس .رد العقيد "أي حكومة ؟نحن في الجماهرية ألغينا الحكومة "قال الملك :"اين الوزراء ؟رد العقيد :"نحن ألغينا مناصب الوزراء لا يوجد وزارة قال الملك أين توجد أنت وأخوياك ؟رد العقيد في بنغازي .قال الملك "إذن فالحكومة في بنغازي ! ولم يتمالك العقيد نفسه من الابتسام .عنما وصلنا قصر الضيافة دخل الملك الصالون وهناك كانت فراشة تحلق قرب السقف .نظر إلي الملك خالد وقال "غازي ! هل تعتقد أن هذه هي الفراشة التي قال فيها الشاعر "فراشة لا تبالي ؟"تذكرت الحواجز الأمنية العديدة التي كان على الفراشة تخطيها لتصل إلى الصالون وقلت "هي بعينها !"خلال الزيارة تحدثت الى الأخ العقيد عن شعار المشهور "في الحاجة تكمن الحرية "قلت له :أنت تقصد أن الحرية تنعدم مع الحاجة .قال تماماً .قلت :ولكن كلمة تكمن لا تؤدي هذا المعنى .قال باستغراب : كيف ؟قلت :كلمة تكمن لا تعني تزول أو تنعدم .تعني أنها موجودة ولكنها مستترة ومن هذا الجذر اشتقت كلمة كمين قال :نعتبر لم يخبرني أحد بهذا من قبل !لم أشأ أن أقول إنه لو أخبره أحد بهذا لكان لنا أن نقول المتطوع الشجاع "فراشة لا تبالي "خلال هذه الزيارة رأيت بعيني على الجدران شعاراً غريباً سمعت عنه ولم أصدق بوجوده "لكل راكب مركوب "يعني الشعار أن من حق كل مواطن الحصول على وسيلة المواصلات الملائمة !
يتاح أحياناً ,للوزير الذي يرافق رئيس دولة زائر أن يتغلغل إلى ما وراء الشخصية الرسمية ليرى الإنسان داخل السياسي .لا أزال أذكر انفعال السيدة أنديرا غاندي وهي تتحدث عن أرملة ابنها سانجاي:"هذه المخلوقة !هذه المخلوقة البذيئة ! هذه المخلوقة المزعجة !"لم تكن ساعتها رئيسة حكومة الهند .كانت حماة عادية تتحدث بغضب عن زوجة ابنها .ولا أزال أذكر زفرات هيلموت شميث المستشار الألماني ,وهو يتحدث بحسرة عن التدخين :"كان التدخين متعتي الوحيدة وحرمني الأطباء منها "قلت :"ولكني أراك تستخدم العطوس .ألا يوجد فيه تبغ ؟"رد :"لا. يوجد فيه نعناع .تصور ! نعناع بدلاً من التبغ وأضاف :"هل تعرف شعوري وأنا أستنشق هذا النعناع ؟إنه شعور من يشاهد أفلاماً جنسية عن بعد ولا يستطيع المشاركة "لم يكن وقتها واحداً من ألمع الساسة في العالم ؛كان إنساناً يحن إلى عادة أدمنها .ولا أزال أذكر ما قاله لي هيلموت كول خلفه .كان صريحاً إلى درجة مذهلة .قال :إني أستمتع بكل ثانية أستمتع بها إلى درجة لا توصف .لم يكن وقتها قائد أقوى دولة في أورباء ؛كان إنساناً يصف الوقت الممتع الذي يقضيه .كانت الملاحظة بمثابة نسمة هواء منعشة .تعودت أن أسمع من رئيس بعد رئيس أنه لم يصل الحكم إلا مضطراً ولم يبق فيه إلا مجبراً !
خلال زيارة رسمية قام بها الشاه إلى المملكة أتيح لي أن أتبادل الحديث معه بعد حفل العشاء .قلت له إن مصانع البتروكيمياويات التي تقمها المملكة وإيران تلقى معارضة شديدة من المصانع الأوربية المماثلة وإن علينا أن نقيم حواراً مع أورباء تفادياً لأي مشاكل في المستقبل .كانت دهشتي بالغة عندما قال بالحرف الواحد :"لم الحوار ؟عليهم هم أن يغلقوا مصانعهم "خلال زيارة أخرى علمت أن السفرجي الذي كان يشرف على مائدة الملك خالد كان هو ذاته السفرجي الذي عمل في قصر الملك فاروق خلال حفل زواج الشاه وكان ولياً للعهد بأخت فاروق الأميرة فوزية .وعلمت أن هذا السفرجي هو الذي زف الأميرة بنفسه ,تلك الليلة .لم يتطوع أحد بإخبار الشاه عن هذا السفرجي وتطوعت أنا (فراشة لا تبالي ! )كنت أتوقع رد فعل إنسانياً :أن يسأل أين هو أو أن يطلبه ليسلم عليه أو أن يرسل إليه هدية صغيرة .إلا أنه نظر إلي وقال :"حقاً ؟لم يكن هناك رد فعل إنساني لأن "الأنسان "لم يكن حاضراً معنا: كنت أتحدث مع الإمبراطور "الذي لا يعرف كيف يتحدث مع سفرجي .
كان الشاه شخصية لا تخلو من متناقضات .كان على إلمام مذهل بالتفاصيل .قال مالا يعرفه عن أي وزير بترول في العالم .قال لي أحد الصناعيين الأوروبيين إن الشاه يعرف التفاصيل الفنية الدقيقة لصناعة الحديد والصلب (وهي تفاصيل لم أر من الضروري وأنا وزير صناعة أن ألم بها )وأخبرني صناعي آخر إنه لم ير في حياته إنساناً يعرف كل صغيرة وكبيرة عن أنواع الأسلحة المختلفة مثل الشاه .وجه الغرابة أن هذا الحاكم المولع بالتفاصيل عجز عن تحسس مشاعر شعبة .لو قضى الشاه من وقته بين شعبه الوقت الذي قضاه في دراسة البترول والحديد والأسلحة لتغير مجرى التاريخ في إيران .
مالا يعرفه الناس عن الزيارات الرسمية التي يقوم بها رئيس الدولة أن الاهتمام ينصب على رئيس الدولة وحده على نحو يجعل أعضاء الوفد المرافق أحياناً يشعرون وكأنهم متطفلون جاءوا بلا دعوة .يندر أثناء هذه الزيارات أن يجد المرء حقائبه في الغرفة عند الوصول ,وما يسببه هذا الوضع من إحراجات لا يخفى على أحد .اختفت حقيبة ملابسي خلال زيارة رسمية واضطرت إلى استعارة بشت من الملك خالد (ورفضت إرجاعه فيما بعد !).خلال زيارة أخري اختفت كل الحقائب .كان من ضمن الوفد المرافق الأستاذ محمد عمر توفيق وزير المواصلات .كان ضيق الصدر بالتنقلات الكثيرة وبالبرنامج المزدحم ,وعندما اختفت الحقائب كاد يصل إلى مرحلة الانفجار .نظر إلى بطريقته الفريدة وقال :"هل تعرف مانحن فيه الآن ؟"وقبل أن أجيب انطلق :"مانحن فيه الآن هو المجد ! هذا هو المجد الذي يحسدنا عليه الناس ! "رحم الله أبا فاروق كان يؤثر الحياة البسيطة على أعلى مراقي المجد .أحياناً كنت أشعر أن الشعوب العربية لو أدركت ما يدور في بعض اللقاءات سواء كانت لقاءات قمة أو لقاءات وزارية لأصيبت بما يشبه الصدمة العصبية .حضرت مرة مؤتمر قمة عربية تحول إلى ما يشبه المحاكمة :هذا الرئيس يستعرض جرائم ذلك الرئيس ضد بلدة من انفجارات واغتيالات معززة بالتواريخ والأرقام ,وذلك الرئيس يرد بقائمة اتهام مماثلة ..وحضرت أكثر من مرة مؤتمر قمة عربية كان من الواضح جداً أن بعض المشاركين فيه لم يقرأوا جدول الأعمال فضلاً عن استيعابه .أذكر خلال لقاء قمة أن أحد الرؤساء كان بمجرد أن ينتهي المؤتمر من الموافقة على قرار ما يلتفت إلى وزير خارجيته ويسأله "على ماذا وافقنا؟" ويشرح الوزير للرئيس القرار الذي وافق عليه دون أن يعرف مضمونه .وأذكر في لقاء قمة آخر أن عدداً من رؤساء الدول هاجموا مشروعاً سياسياً كان مطروحاً على الساحة وقتها ,وبعد الهجوم كانوا يقولون إن الفرصة لم تتح لهم لدراسة المشروع والتمعن فيه .في مؤتمر لوزراء الصناعة كان من المفروض أن يلقي كل وزير كلمة يشرح فيها استراتيجية التصنيع في دولته .تكلم أحد الوزراء عن الخطة الكهربائية في بلده ولم ترد في خطابة واحدة عن التصنيع (يبدو أن الخطاب أعد لمؤتمر آخر أو لوزير آخر) أرجو أن يسمح لي القارئ أن أنقل ,بشيء من التفصيل قصة اختيار بغداد مقراً لمنظمة التنمية الصناعية العربية ،محذراً في الوقت نفسه أن القصة غريبة بعض الشيء وأن الوزراء العرب ,عادة يتصرفون بعقلانية تفوق االعقلانية التي سيلحظها القارئ في تصرفات بعض أعضاء مجلس قيادة الثورة في العراق .
كانت الجامعة العربية قد انتقلت إلى تونس في أعقاب المقاطعة العبية لمصر وهناك التأم شمل وزراء الصناعة العرب .كان من ضمن المواضيع المدرجة في الجدول اختيار مقر لمنظمة عربية جديدة تعني بالتنمية الصناعية .كانت هناك طلبات من تونس ومن المغرب ومن ليبيا ومن العراق بتبني هذه المنظمة .كانت العادة تجري على أن تدور مشاورات هادئة وراء الكواليس حتى يتم الاتفاق على بلد معين وبعدها يصدر قرار المؤتمر بالاجتماع .كان الموضوع روتينياً وكان بالإمكان أن يعالج بصورة روتينية .إلا أن الأمور جرت على نحو درامي أبعد ما يكون عن الروتينية .فور وصولي إلى الفندق وجدت في انتظاري في جناحه .لم يجر العرف على أن يستدعي وزير وزيراً بهذه الطريقة الفجة ولكني ,بدافع المجاملة ,ذهبت إليه كما طلب دخلت الجناح فوجدت رجلاً مخيفاً لا أجد تعبيراً آخر –محمر العينين متجهم الملامح تحيط به مجموعة من الحراس .لم أكد أجلس حتى قال :"نحن نريد المنظمة في بغداد "قلت :"يسعدني هذا ولكن هناك طلبات أخرى .ويمكن بحث الأمر حتى نصل إلى قرار .قال:"نحن نريد المنظمة في بغداد ".حاولت أن أشرح أننا لا نستطيع أن نتجاهل رغبات الدول الأخرى إلا أنه قال :"نحن نريد المنظمة في بغداد ".كنت أعتقد أنه لا يستطيع أن يقول شيئاً سوى هذه الجملة عندما أضاف "الجمهورية العراقية تعتبر أي معارضة لهذا الطلب هملاً عدوانياً "لاحول ولا قوة إلا بالله !عمل عدواني ! هذا التعبير لا يستخدم إلا تبريراً لإجراء حربي ذهبت أبحث الأمر مع الوزير المضيف ,وزير الصناعة التونسي ,وكان لرجلاً رقيقاً دمث الأخلاق .قال لي إنه سمع الشيء نفسه وأضاف :في حياتي كلها لم أسمع وزيراً يتحدث عن عمل عدواني " .
كان لابد من تلقين عضو مجلس قيادة الثورة درساً في أصول التعامل الدولي .اتفقت مع الصديق يوسف الشيراوي وزير التنمية والصناعة في البحرين ,على خطة للإفشال مشروع صاحبنا العدواني .عندما استعرضنا مواقف الدول وجدنا أن أي تصويت سوف ينتهي لصالحه ,وكانت الخطة هي منه التصويت بأي ثمن .جاء عضو مجلس قيادة الثورة إلى الاجتماع يتبختر مع حراسه وهو واثق أن تهديداته ,التي سمعها كل وزير ,قد حققت غرضها .طلب يوسف الشيراوي الكلمة وقال بأسلوب عاطفي هز المشاعر :"أيها الاخوان ! لا نستطيع أن نترك موضوعاً كهذا للتصويت .من يستطيع أن يوازن بين بغداد وتونس والرباط وطرابلس ؟من يستطيع أن يقول إن عاصمة أفضل من عاصمة ؟من يجرؤ...."عندما انتهى طلبت الكلمة وأسهبت في تأييد يوسف قائلاً إننا نجرم في حق العروبة إذا صوتنا على موضوع كهذا .تفشت العدوى وتحدث وزير بعد وزير مكررين أنه لا يجوز التصويت .قرر المؤتمر تأجل البت في موضوع المقر .عندما انتهت الجلسة نظر عضو مجلس القيادة إلى يوسف وإلى بعينيه المحمرتين وقال :"ماذا فعلتما ؟كانت الأصوات معي ! اكتفينا بالابتسام . عاد عضو مجلس القيادة إلى بغداد وبعدها بأسابيع أعدمه الرئيس صدام حسين واختار لوزارة الصناعة عضو مجلس قيادة آخر في اللقاء التالي كان من الواضح أن العضو الجديد قد استوعب الدرس .عندما رآني سألني بأدب إذا كان من الممكن أن تكون بغداد مقر للمنظمة .كان يوسف الشيراوي معي وقال :"إذا أردتم المنظمة حقاً فليرسل الرئيس صدام حسين برسالة إلى الأمير فهد يرجو فيها أن تؤيد المملكة طلب بغداد .أوفد صدام حسين بالفعل عضو مجلس القيادة يحمل هذا الرجاء إلى الأمير فهد .سألني ولي العهد :"هل هناك فائدة من استضافة المملكة لهذه المنظمة ؟قلت :بصراحة لا توجد أي فائدة .نحن سبقنا هذه المنظمة بسنوات .قال :"وماذا عن طلب صدام حسين ؟قلت :إذا سمحت لي فسوف أقنع الدول الأخرى بالتنازل لصالح العراق .قال :هل تعتقد أنها ستوافق ؟قلت :لا أشك في ذلك .قال :على بركة الله .
هذا ما تم خلال مشاورات جانبية وافقت الدول المعنية على سحب طلباتها خلال لقاء من اللقاءات الرسمية طلب مندوب منظمة التحرير الفلسطينية – الذي لم يعرف ما تم في اللقاءات الجانبية –الكلمة وقال إنه يؤيد طلب ليبيا ,وإنه يرى أن تكون المنظمة في طرابلس .كانت العلاقات بين العراق والمنظمة متوترة جداً ,وانعكس هذا التوتر بصورة عنيفة على اللقاء .قبل أن يستطيع أحد الكلام فوجئت بعضو مجلس الثورة يصيح في مندوب المنظمة :"سوف أقتلك ! أقسم بالله أني سوف أقتلك ! لماذا تتدخل في مواضيع كهذه أيها اللاجئ المتشرد ؟ألا يكفي ما أعطيناه لرئيسكم ؟أعطيناه ..."معظم ما قاله لا يصلح للنشر ولكن التهديد بالقتل كان يتكرر بعد كل جملة .قمت من مكاني وذهبت إلى عضو مجلس قيادة الثورة وقبلته على جبينه واصطحبته معي إلى جناحي .قلت له إن بغداد سوف تكون مقراً لمنظمة التنمية ,وإنه لا يوجد ما يبرر غضبه .قال إن مكان المنظمة لا يهمه الآن بقدر ما يهمه قتل "أبو فلسطين هذا "وأضاف :"من يستطيع منعي ؟طائرتي في المطار .ومعي عشرة حراس مدججين بالسلاح .من يستطيع منعي ؟تطلب الأمر جهوداً كبيرة من يوسف الشيراوي ومني لإقناع صاحبنا بالعدول عن فكرة القتل .في نهاية المؤتمر تقرر بالإجماع ,أن تكون بغداد مقراً لمنظمة التنمية الصناعية الغربية .ذهبنا يوسف الشيراوي وأنا إلى عضو مجلس قيادة الثورة وقلنا له :انتهى كل شيء الآن .أرجو أن تخبرنا عن السبب وراء هذا الإلحاح الغريب على استضافة المنظمة "رد بصراحة آسرة "السبب ؟مو طلبناها وتورطنا ؟! مر المؤتمر بسلام .لا أعتقد أن أبو فلسطين عرف الدور الحاسم الذي لعبناه ,يوسف وأنا في إنقاذه من موت محقق .
كانت المؤتمرات الوزارية تشهد أحياناً أحداثاً غريبة درامية إلا أن معظمها كان روتينياً إلى درجة مميته. أستطيع أن أقول بلا مبالغة إنه لم يكن هناك قرار واحد ذو شأن في كل مؤتمرات وزراء الصناعة التي حضرتها عبر ثماني سنوات .درج وراء الصناعة العرب سنة بعد سنة ,على إهدار مؤتمر في البحث عن العنقاء :صياغة استراتيجية صناعية موحدة للأمة العربية .عبثاً كنا –مجموعة صغيرة من الوزراء العمليين وأنا –نقول إن معظم الدول العربية لم تطور استراتيجية صناعية داخل حدودها فكيف نحلم باستراتيجية تتعدى الحدود ؟عبثاً كنا نقول إنه لو اتفقنا في كل مؤتمر بعد مؤتمر على مشروع صناعي مشترك واحد لكان هذا أجدى من التوصيات الطنانة التي لا ينفذها أحد .إلا أن غالبية الدول لم تكن تنظر إلى هذه المؤتمرات بأي قدر من الجدية .كان الموضوع من ألفه إلى يائه مهرجاناً إعلامياً .أعلام بلا منجزات ! تلقى الكلمات وتقام المآدب وتعلن التوصيات المعلبة ,وترسل برقيات الشكر إلى رئيس الدولة المضيفة .لا بد أن أسجل هنا أن يوسف الشيراوي أسدى خدمة جلى إلى الأمة العربية بنجاحة في جعل هذه الكرنفلات الإعلامية تستغرق يوماً أو يومين بدلاً من الأيام الأربعة والخمسة المخصصة لها .كان بعض الوزراء –هل أقول معظمهم ؟-يحضرون المؤتمرات لأسباب شخصية تتعلق بالانتداب والأجنحة الفاخرة والمباهج السياحية ,أسباب لا علاقة بها بمستقبل الأمة العربية الصناعي (المشرق )
فلنعد الآن لنستكمل حديث الكهرباء .لا بد أنه قد اتضح للقارئ للأسباب التي أوضحتها ,أنه لم تكن هناك شركة كهرباء واحدة سعيدة بالضم إلا أن الأمر لم يكن فيه خيار .عندما انتهينا من دمج الشركات في المنطقة الشرقية انتقلنا إلى المنطقة الوسطى .استفهم الأمير سلمان بن عبد العزيز أمير منطقة الرياض الذي يحرص على متابعة كل كبيرة وصغيرة في العاصمة ,عن الشركة الموحدة المقبلة وتأثيرها على مستوى الخدمات الكهربائية .أرسلت إليه معلومات مفصلة وزارة يوسف الحماد يشرح خطط المستقبل .اتصل بي الأمير سلمان معرباً عن تشجيعه للفكرة وحماسته لتنفيذها .أثناء مناقشة مجلس الوزراء للشركة الموحدة في المنطقة الوسطى أثار بعض الأعضاء موضوع تقييم الموجودات .شكل المجلس لجنة من ستة وزراء لبحث الموضوع من مختلف جوانبه .اجتمعت اللجنة الوزارية واستمعت إلى وجهة نظر الوزارة .رفعت اللجنة تقريرها إلى المجلس الذي وافق على التقرير وأصدر قراراً بأن يتبع نفس المبدأ –ثلاثة أسهم في الشركة الجديدة مقابل كل سهم في الشركة القديمة –عند إنشاء الشركة الموحدة الجديدة وأي شركات أخرى في المستقبل .
انتقلنا بعد المنطقة الوسطى إلى المنطقة الجنوبية حيث تمت عملية الدمج بلا صعوبات .ثم انتقلنا إلى المنطقة الغربية لأمر ما لعله يعود إلى تقاليد الماضي ,توهمت بعض الشركات العاملة في المنطقة الغربية أنها ستظل بمنأى عن عملية التوحيد .عندما صدر المرسوم بإنشاء شركة موحدة في المنطقة الغربية وبدأنا عملية الدمج كانت هناك مقاومة ضارية استخدمت فيها مختلف أنواع الأسلحة .عندما تبين أن التوحيد سيتم رغم هذا المعارضة ,أصرت هذه الشركات على معاملة خاصة تختلف عن المعاملة التي لقيتها كل الشركات التي وحدت .إلا أن هذا الإصرار لم يؤد إلى نتيجة وفي النهاية تم الدمج وبالأسلوب نفسه .
عندما بدأت الشركات الموحدة الأربع تمارس أعمالها تحت إدارة كفء وفي وجود خطط واضحة ,شعرت أن ثلاثة أرباع مهمتي قد انتهت ,ولم يبق سوى الربع الباقي :ضمان حصول الشركات الموحدة على التمويل اللازم .لم تكن هذه بالملية السهلة فالاستثمارات المطلوبة كانت ضخمة ووزير المالية والاقتصاد الوطني محمد أبا الخيل ينسى اعتبارات الصداقة عندما يكون الأمر متعلقاً بمطالبات مالية .ومع ذلك فقد كنت أظفر بمعظم ما أحتاج إليه .في هذه الأثناء كانت المؤسسة العامة للكهرباء قد أنارت ما يقرب من ألفي قرية صغيرة .في هذه المرحلة بعد ست سنوات من إنشاء الوزارة ,وفي هذه المرحلة فقط ,بدأ الناس يتحدثون عن الوزير "الناجح "هنا عبرة للإداري الناشئ :إذا كنت تريد النجاح فثمنه الوحيد سنوات طويلة من الفكر والعرق والدموع .لو سألني سائل عن أهم ما تم في قطاع الكهرباء خلال فترتي لقلت :عند تعييني وجدت مائة شركة ضعيفة هي ,على ضعفها أقوى من جهاز الدولة الذي يشرف عليها وعندما تركت الوزارة تركت أربع شركات قوية هي ,على قوتها خاضعة لرقابة كاملة من هذا الجهاز .لم يكن الإنجاز الذي تحقق إنجاز فرد كان إنجاز دولة .آن الأوان للانتقال إلى القطاع الآخر :الصناعة .أود أن أبدا بأكثر الجوانب سهولة :الصناعات التي يقيمها القطاع الخاص .إحقاقاً للحق يجب أن أذكر في البداية أني هنا مضيت في الطريق الذي بدأه أسلاف كرام دون تغييرات تذكر سوى تلك التغييرات المرتبطة بالأسلوب الإداري المختلف .استمرت وكالة الوزارة لشئون الصناعة تؤدي المهام التي كانت إدارة الصناعة في وزارة التجارة والصناعة مسئولة عنها ,واستمر الزميل أحمد التويجري مسئولاً عن القطاع .كانت مهمة الوزارة تجاه المصانع التي يبينها القطاع الخاص متعددة الجوانب :منح الترخيص الازم لإقامة الصناعة ,اصدر الترخيص الازم عندما يكون هناك رأسمال أجنبي ,منح أرض في المنطقة الصناعية ,إعفاء واردات المشروع من الرسوم الجمركية فرض الحماية الجمركية (رفع الرسوم على البضائع المماثلة ) في الحالات التي تستدعي الحماية ,متابعة التمويل مع صندوق التنمية الصناعية وتشجيع الصناعة الوطنية في كل مجال .إلى هذه المهمة سوف أنتقل الآن بشيء من التفصيل .لنبدأ بالترخيص .ينص على أنه لا بد من صدور ترخيص وزاري لأي مشروع صناعي قبل أن يبدأ في ممارسة نشاطه .جرى العمل في الماضي على أن تمنح الوزارة الترخيص في الحالات التي تقتنع فيها بجدوى المشروع ,وتحجبه في الحالات التي لا تتضح فيها الجدوى وفي الحالتين لا يقوم حكمها إلا على تقيمها الذاتي .بمعنى آخر كان بوسع الوزارة أن تمنح الترخيص عندما تريد وتحجبه عندما تريد .عندما جئت قلبت هذا الوضع رأساً على عقب :قررت أن على الوزارة أن تعطي الترخيص لمن يطلبه بصرف النظر عن اقتناعها مالم يكن هناك مبرر للرفض ,وقررت أن المبرر الوحيد للرفض هو وجود مصانع قائمة أو تحت الإنشاء تغطي حاجة السوق .في الماضي كانت الإدارة كثيراً ما ترفض الطلب لمجرد أنها أصدرت عدداً من التراخيص يغطي حاجة السوق .إلا أن التجربة أثبتت أنه لا ينفذ من التراخيص التي تمنح سوى نصفها ,ولهذا ربطت الرفض بالمشاريع القائمة لا المرخص لها .كان لابد من بعض الوقت والجهد لتثقيف الجهاز .كنت أكرر في اجتماع مع الزملاء بعد اجتماع أن المواطن حرفي استخدام أمواله .وإذا قرر أن يستثمرها في الصناعة فهذا شأنه وحده ,وشأننا نحن تقديم المشورة والعون والمساعدة .لاحظت أن أقرر الترخيص في بعض الحالات لا يصدر إلا بعد عدة أسابيع من تقديم الطلب وفي بعضها بعد عدة شهور .لم يكن هذا التأخير مقبولاً أو معقولاً .بالاستقصاء عن السبب ,تبين أن العامل الرئيسي هو أن الطلب يقدم إلى القسم المعني غير مستكمل .عندما يبدأ القسم في دراسة الطلب يتبين أن بعض المعلومات الأساسية ناقصة .تدور استفسارات ومراسلات ويضيع وقت ثمين في الأخذ والرد .أعددنا نموذجاً مبسطاً يتضمن كل المعلومات اللازمة وأصدرت قراراً بعدم قبول أي طلب لا يستكمل المعلومات التي احتواها النموذج .أصدرت قراراً آخر بمحاسبة كل موظف يتأخر عنده الطلب المستكمل أكثر من أسبوعين .بعدها ,بشهادة الإخوة المواطنين العاملين في القطاع الصناعي ,لم يتأخر ترخيص واحد العبرة هنا هي أنه إذا عرف السبب زال العجب وأمكن معالجة المشكلة .في حالات كثيرة ,تبدأ محاولات العلاج قبل التشخيص .غني عن الذكر أنه إذا نجحت مثل هذه المحاولات فإن نجاحها لن يكون سوى ضربة من ضربات الحظ السعيد ,وفي الإدارة لا يمكن الاعتماد على الحظ السعيد .
تنبهت المملكة قبل معظم دول العالم الثالث إلى ضرورة اجتذاب رأس المال الأجنبي يتجه إلى عدة مجالات في المملكة إلا أن أهمها كان المجال الصناعي .هذا هو السبب الذي جعل نظام استثمار تحت إشراف وزير التجارة والصناعة ,ووزير الصناعة والكهرباء فيما بعد .كانت هذه اللجنة تضم ممثلين عن الوزارات ذات العلاقة وتنعقد بانتظام ,برئاسة الأمين العام وهو مسئول كبير في وزارة الصناعة والكهرباء .كما فعلت مع التراخيص كنت حريصاً على متابعة قرارات الاستثمار وحريصاً على ألا يتأخر قرار واحد .وقع الاختيار على الزميل مبارك الخفرة ليكون أميناً عاماً لهذه اللجنة ؛وقد مارس مهامه بكفاءة ونشاط .كانت اللجنة تجتمع مرتين في الشهر ,وأحياناً أكثر من ذلك ,وكانت القرارات تصدر بسرعة قياسية مقارنة بمثيلاتها في الدول النامية وبعض الدول الصناعية .كان بالإمكان للطلب الذي استكمل المعلومات أن ينتهي بالقرار الوزاري اللازم خلال أسابيع قليلة .
كان كل من نظامي استثمار رأس المال الأجنبي ,النظام القديم الذي وجدته والنظام الجديد الذي صدر خلال فترتي مرنا إلى أبعد الحدود .لم تكن لدينا أي عقد في التعامل مع مستثمرين أجانب .كنا نسمح للمستثمر الأجنبي بأن يمتلك نسبة من المشروع ,وكنا نسمح له بامتلاك المشروع بأكمله .ولم تكن هناك أي قيود على تحويل الأرباح إلى الخارج في أيامنا هذه موسم العولمة ,أصبحت دول العالم الثالث تتبارى في استدراج رؤوس الأموال الأجنبية .أما في تلك الفترة أيام الحرب الباردة والمد الاشتراكي ,فإن المملكة كانت من الدول القليلة النامية التي ترحب بالمستثمرين الأجانب .أذكر القراء الشباب أن الشراكة مع الأجانب في تلك الأيام الغابرة ,كانت تعتبر ضرباً من الخيانة القومية لا يقدم عليه سوى الرجعيين .
كان أهم حافز تقدمه الدولة للصناعين ولا يزال هو الأرض كل من عمل ميدان الصناعة يدرك أنه من المستحيل أن تقوم صناعة تتجاوز مرحلة الورش البسيطة ,إلا بتوفر التجهيزات الأساسية الضرورية :الأرض والطرق والكهرباء والصيانة .كانت الأراضي في المناطق الصناعية مزودة بكل هذه الخدمات .إيماناً بأهمية هذا الحافز حرصنا زملائي في الوزارة وأنا على تطوير المزيد من المناطق الصناعية .رويت فيما سبق قصة الحصول على أرضين كبيرتين أقيمت عليهما منطقتان صناعيتان جديدتان في الرياض والدمام .أقيمت منطقة صناعية جديدة في جدة ووسعت المنطقة القائمة في مكة المكرمة .أقيمت منطقتان جديدتان في القصيم والإحساء .حجزت الوزارة عدداً من الأراضي في عدد من المدن تمهيداً لإقامة مناطق صناعية حال توفر الاعتمادات اللازمة .عندما بدأت هذه المناطق تستكمل خدماتها وتظهر بالمظهر اللائق –أهم ما في هذا المظهر المصانع الحديثة المنتجة –رأيت أن أغير اسمها حتى لا تختلط بالمناطق الصناعية الصغيرة التي تخصصها البلديات للورش في كل مدينة .كان الاسم الجديد ,المدن الصناعية ,أقرب إلى تصوير الواقع من الاسم القديم .لابد تخطيطاً وتنفيذاً وإدارة ,يعود إلى الزميل أحمد التويجري ورفاقه في وكالة الصناعة .كانت قرارات الحماية تصدر بقرار من مجلس الوزراء بناء على توصية مشتركة من وزير المالية والاقتصاد الوطني ووزير الصناعة والكهرباء .لم ينشأ أي خلاف في الوجهات النظر بين محمد أبا الخيل وبيني على فلسفة الحماية أو تطبيقها .كنا نعتقد أنه لا يجب لأي مصنع أن يتمتع بالحماية إلا إذا غطى نسبة كبيرة من احتياجات السوق لا تقل عن 50%بجودة لا تقل عن جودة البضائع الأجنبية .وكنت متفقين على ألا تتجاوز نسبة الحماية 25% وكنا متفقين أن إجراء الحماية ترتيب مؤقت يجب أن يعاد النظر فيه بصورة دورية .وكنا متفقين على أنه إذا تعارضت مصالح المستهلكين مع مصالح صناعة ما فإن الأولية يجب أن تكون لصالح المستهلكين مع مصالح صناعة ما فإن الأولوية يجب أن تكون لصالح المستهلكين .الخلاف الوحيد الذي نشأ بيني وبين محمد في هذا المجال كانت نتيجة خطأ "مطبعي "خط محمد أبا الخيل عندما يكتب بتأن خط واضح مقروء مثل خطي عندما أكتب بتأن إلا أن ضغط الأوراق الهائل لم يكن يسمح لمحمد أو لي بالكتابة بتأن .في معظم "التأشيرات " كان خطانا لا يختلفان عن شخبطات الأطباء الشهيرة ,ولم يكن أحد سوى الزملاء العاملين في المكتب قادراً على فك ألغاز "التأشيرة "في الحالة التي تحدثت عنها كان هناك طلب للحماية انتهى بموافقة مني وذهب إلى محمد للحصول على موافقته تمهيداً للرفع لمجلس الوزراء .اقتنع محمد بالمبررات وكتب على المعاملة "لا ضير من الحماية ".اختفت المعاملة حتى أدركنا السبب وأمكن استخراجها ودفعها .
أقامت الدولة صندوقاً للتنمية الصناعية يعطي قروضاً لتمويل المصانع يمكن أن تصل إلى نصف رأس المال ,وتولى بنك أمريكي شهير إدارة الصندوق .كان الصندوق يرتبط بوزير المالية والاقتصاد الوطني .وكان مجلس إدارته مكوناً من ممثلين عن الجهات المعنية بالصناعة .على خلاف وزارة الصناعة والكهرباء التي لم تكن تتطلب دراسة جدوى مفصلة ,كان الصندوق حريصاً على استرداد قروضه ,وكان لا يعطي قرضاً إلا بعد دراسة شاملة ومستفيضة تغطي جوانب المشروع كلها .كانت وزارة الصناعة والكهرباء تساعد المصانع على الحصول على القروض عن طريق تزويدها بدراسات الجدوى التي يعدها مركز الأبحاث والتنمية الصناعية بسعر يقل عن التكلفة الحقيقية .كانت بعض المشاريع تنتظر فترة طويلة عدة شهور أحياناً ,قبل الحصول على القرض .إلا أن هذا التأخير ,الذي كان يزعجني كما يزعج أصحاب المصانع ,لم يخل من فوائد .كانت دراسة الصندوق تساعد صاحب المشروع على معرفة نواحي الضعف في مشروعه .يمكن القول بصفة عامة ,إن الصناعيين السعوديين كانوا يركزون على الجانب المتعلق بالتمويل والإنتاج ولا يعقلون أهمية كافية على النواحي المتعلقة بالإدارة والتسويق والإعلان وضمان الجودة .أعتقد أن الصندوق بالإضافة إلى دوره التمويلي الهام ,كان له دور رائد في تزويد أصحاب المصانع بالمهارات الازمة للمنافسة في سوق حر مفتوح .كنت حريصاً على أن تستمر المصانع في تحسين إنتاجها .اقترحت الوزارة إنشاء جائزة الملك للمصنع المثالي ووافق الملك خالد .كانت هذه الجائزة تعطى للمصنع الذي تتوفر فيه سائر المتطلبات التي ينبغي توفرها في مصنع حديث ,وكان نظام الموازنة بين المصانع دقيقاً وموضوعياً .كانت هناك جائزة ثانية من وزارة الصناعة والكهرباء ,وجائزة ثالثة من مركز الأبحاث والتنمية الصناعية .أوجدت هذه الجوائز روحاً من المنافسة الإيجابية البناءة وكان عدد المصانع المتقدمة للجوائز يتزايد سنة بعد سنة .
بعد ذلك كان على الوزارة أن تساعد المصانع على تسويق منتجاتها ما الفائدة في مصانع حديثة تنتج بضائع ممتازة لا يشتريها أحد ؟كانت المعركة الأولى التي واجهتنا مع أذواق الناس .من طبيعة الناس ,في المملكة وفي كل مكان ,أن يتعلقوا بمنتجات لها أسماء معروفة. عندما يدخل الاسم كل منزل مثل "البيبسي كولا "أو "الكلينكس "أو "التايد "تصبح منافسته ضرباً من المستحيل .كان المستهلك السعودي متعوداً على بضائع ذات أسماء معروفه ,كلها مستوردة ,وعندما بدأت البضائع السعودية تدخل السوق ,باستيحاء في البداية ,وبكثافة فيما بعد ,لم تجد من المستهلكين ما كانت تستحقه من إقبال .كان لابد من عملية توعية شاملة تتم بمختلف الطرق ,وكان لا بد لوزارة الصناعة والكهرباء أن تبدأ بنفسها .كان أثاث أول مكتب لي صناعة وطنية بأكمله ,وكنت أذكر هذه الحقيقة لكل زائر سأل أو لم يسأل .في مبنى الوزارة حرصنا على استخدام أكبر قدر ممكن من المواد الخام المحلية ,وكان معظم الأثاث من إنتاج مصانع وطنية .لعبت معارض الصناعة الوطنية التي كانت تنظم بإشراف مركز الأبحاث والتنمية الصناعية دوراً كبيراً في تعريف المواطنين بالصناعة المحلية .كان الإقبال على هذه المعارض هائلاً وكانت المبيعات ضخمة أقمنا "أسبوع الصناعة الوطنية "الذي يبدأ بمسيرة ضخمة من السيارات تنطلق من إمارة الرياض وعلى كل سيارة نماذج جميلة تلرمز إلى هذه الصناعة أو تلك .خلال هذا الأسبوع كانت وسائل الإعلام تتحدث عن منجزات الصناعة الوطنية ,وكان الطلاب في المدارس يكتبون مواضيع الإنشاء عن الصناعة الوطنية ,وكان عدد كبير من المصانع يفتتح .كلفت الوزارة شركة متخصصة بإعداد فيلم وثاقي عن الصناعة السعودية باللغتين العربية والإنجليزية ,ودفعت بعض المصانع الكبيرة التكلفة .كان التلفزيون يعرض هذا الفيلم بصورة دورية .كنت حريصاً على أن تكون الهدايا التي أقدمها للوزراء الضيوف من الصناعة الوطنية .بالاتفاق مع وزارة المالية والاقتصاد الوطني تم رصد مبلغ مليون ريال في ميزانية الوزارة ,وكنا نستخدمه في شراء منتجات وطنية تهدي إلى المسئولين ورجال الإعلام ,وتوزع على المساهمين في المؤتمرات المنعقدة في المملكة .كان لهذه التوعية التي لعبت وسائل الإعلام فيها دوراً مشكوراً .أثرها في اجتذاب المستهلك إلى الصناعة السعودية في بعض القطاعات ,الحليب ومشتقاته على سبيل المثال ,أصبح المستهلك يفضل الصناعة الوطنية على المستوردة .بعد ذلك اتسعت الآفاق أمام الصناعة السعودية وبدأت تغزو الأسواق العالمية .كم كان فخري بالغاً وأنا أرى ,في معرض صناعي سعودي أقيم في لندن منذ بضع سنوات ,ببيعات بملايين الجنيهات .
وكانت المعركة الثانية مع الجهات الحكومية التي لم تتعود التعامل مع الصناعة الوطنية (لأنها كانت غير موجودة )في هذا المجال كانت وزارة المالية والاقتصاد الوطني متعاونة إلى أبعد الحدود .نص نظام المشتريات الحكومية الجديد الذي أعدته تلك الوزارة في منصف السبعينات الميلادية (التسعينات الهجرية) على إمكانية التعاقد المباشر مع المصانع الوطنية وعلى حصر المنافسة بينها في الحالات التي تسمح بذلك ,وعلى تفضيل البضائع المحلية على المستوردة حتى حين تكون أسعارها أعلى بنسبة معينة .إلا أن التقدم في هذا الميدان كان بطيئاً حتى تبين السبب .كانت العلة تكمن في المواصفات الفنية للمشاريع التي لا تذكر شيئاً عن مواد منتجة محلياً وكانت المعركة الثالثة مع المكاتب الاستشاري الأجنبي مواصفات المنتجات المصنوعة في بلده سواء كانت أمريكية أو فرنسية أو بريطانية .كان هذا الوضع مقبولاً يوم لم تكن هناك منتجات صناعية سعودية ولكنه لم يعد مقبولاً بعد وجودها .بسلاح الإقناع حيناً وبسلاح التشريع أحياناً ,استطعنا حمل هذه المكاتب على تضمين المواصفات التي تضعها منتجات سعودية .لم ننجح كل النجاح والطبع يغلب التطبع إلا أنه بمرور الزمن ومع زيادة المصانع السعودية .لم يعد وجود منتجات سعودية في مواصفات المشاريع الحكومية بالأمر الغريب .
بالإضافة إلى كل هذه الجهود الرسمية لتشجيع الصناعة الوطنية ,كان هناك اللوبي الشخصي .كنت أكتب رسائل شخصية إلى مسئول بعد مسئول أرجو استخدام منتج سعودي مافي مشروع معين .وكنت كلما تطلب الأمر ,أذهب بنفسي لزيارة المسئول ورجائه .غني عن الذكر أن هذا "الهجوم "الشخصي كان يحقق مالا تستطيع المراسلات الرسمية تحقيقه لا بد أن أذكر هنا بالتقدير الخاص ,موقف هشام ناظر في كل المشاريع التي طرحتها الهيئة الملكية .كان هشام يصر على إعطاء الأولوية المطلقة لمنتجات الصناعة الوطنية وللمصانع الوطنية .بالإضافة إلى هذه المساعي الإيجابية ,أعتقد أنني خدمت الصناعة الوطنية خدمة جُلى ببعض المواقف السلبية .لابد من توضيح القرار الصحيح ليس بالضرورة قراراً بالمضي في تنفيذ شيء ما قد يكون القرار الصحيح قتل شيء ما في المهد .عندما توليت الوزارة وجدت القسم المختص قد أعد مشروع نظام جاهز للرفع إلى مجلس الوزراء .كان النظام يحمل اسماً بريئاً هو "السجل الصناعي "وكان يستهدف غرضاً بريئاً هو تزويد الوزارة بسجل كامل عن مصنع .أود أن أذكّر القارئ بالمثل الذي سبق أن ضربته عن وزير صناعة يقر تشريعاً ,يعتقد أنه يسهل حركة القطاع الخاص والحقيقة أنه يشلها .لم يراودني الشك أن الزملاء الذين وضعوا المشروع وقد جمعوه من عدة تشريعات عربية ,كانوا يعتقدون أنهم يخدمون الصناعة الوطنية .ولم يراودني شك بمجرد قراءة المشروع أنه لو أصبح تشريعاً لخضعت المصانع التي يقيمها القطاع الخاص لتدخل بيروقراطي مستحكم قادر على خنقها في أي لحظة .هل أنا بحاجة إلى أن أضيف أن المشروع كان عندما غادرت الوزارة لايزال يغط في قبر عميق ؟بدلاً من تشريعات جديدة أدخلنا في الوزارة "بنك معلومات "عن المصانع يمكن المسئولين من الحصول على المعلومات التي يريدونها في دقائق كانت الوزارة من أوائل الوزارات التي أدخلت الكمبيوتر في أعمالها اليومية عن طريق بنك المعلومات هذا .
كنت حريصاً كل الحرص على أن تظل الأنياب البيروقراطية الحادة بعيدة كل البعد عن عنق الصناعة الغض .ذات يوم اكتشف زميل في جهة حكومية مادة نظامية تتعلق بمتابعة الخطة الخمسية .وفسر الزميل هذه المادة على نحو كان كفيلاً بالسماح له ولجهازه بالتدخل حيث يشاء ومتى يشاء استناداً إلى "النظام "فوجئت ذات يوم برسالة منه يطلب فيها أن توجه الوزارة إلى كل مصنع قائم في المملكة أمراً بالتعاون التام مع جهازه وإعطائه كل المعلومات التي يطلبها ,بما في ذلك أرقام الربح والخسارة .عبثاً حاولت أن أشرح للزميل الكريم أني ,وأنا الوزير المسئول مباشرة ,لا أسمح لنفسي بالاطلاع على أسرار تجارية كهذه .تكرر إلحاح الزميل وتكرر رفضي حتى أخبرني أنه ,إذا لم توافق الوزارة على طلبه فسوف يقوم بإرسال "مفتشين "إلى المصانع مباشرة .ذهبت إلى ولي العهد ,في فترة ما بعد الظهر المعتادة أنقل إليه ما حدث .كان رأي الأمير فهد متطابقاً مع رأيي واستغرب تصرف الزميل وطلب مني أن أترك الموضوع له .بعدها ترك الزميل الكريم المصانع وشأنها ,ولعله شغل نفسه وجهازه بقطاع أقل قدرة على حماية نفسه .
أود أن استطرد هنا فأقول إنه لا الأمير فهد ولا مجلس الوزراء كان حريصاً على إصدار تشريع جديد كل يوم .كان ولي العهد يكرر دائماً "اتركوا الناس تتنفس ""ولا تكتموا أنفاس الناس "و"دعوا الناس تتحرك "كان أثقل شيء على نفس ولي العهد وعلى نفوس الوزراء إصدار نظام جديد يحتوي على قيود جديدة أو عقوبات جديدة قال لي أحد المواطنين ذات يوم "كل مرة تصدرون فيها نظاماً جديداً تنشأ رشوة جديدة !"من حسن حظ المواطنين أن مجلس الوزراء كان متعاطفاً على نحو آخر مع المشاعر التي عنها المواطن .
قبل أن أترك موضوع الصناعات التي يقيمها القطاع الخاص لابد أن أقول إن تساهل الوزارة في منح التراخيص كانت له في بعض الأحيان سلبياته .اندفع المستثمرون إلى مجالات كانت وقتها مربحة للغاية دون التفكير في المستقبل .كان من ضمن هذه المجالات البيوت الخشبية مسبقة الصنع (البريفاب )والبيوت الأسمنتية مسبقة الصنع (البريكاست ) في كل مكان كان هناك طلب شديد على منازل تبنى في أسرع فترة ممكنة وكان الجواب في هذه البيوت .كان من الواضح لنا ,زملائي في الوزارة وأنا ,أن هذه الفورة ستهدأ بعد حين ويعود الناس إلى البيوت الطبيعية التي تبنى وفق مواصفات فردية ,بالطريق التقليدي .إلا أن عدداً من المستثمرين أصروا رغم تحذير الوزارة على بناء المزيد من هذه المصانع في البداية ,كان الطلب لا ينقطع وكانت الأرباح مجزية ,تدريجياً بدأ الطلب ينحسر عن مصانع "البريفاب "أولاً ثم عن مصانع "البريكاست "وتعثرت هذه المصانع الواحد بعد الآخر .لم يكن بوسعي سوى أن أردد مع الشاعر العربي القديم :"رأيت لهم رأيي بمنعرج اللوى"
ومن الصناعات التي اندفع إليها المستثمرين اندفاعاً جنونياً صناعة المياه "الصحية "كانت مجرد مياه معقمة لا تكاد تختلف في شيء عن الماء العادي .إلا أن الماء العادي المتوفر في البيوت لم يصل في تلك الفترة إلى المستوى المطلوب من النقاء وكان الكثيرون يحرصون على استخدام المياه الصحية أعتقد بدون مبالغة أن الوزارة تلقت مئات الطلبات بإقامة مصانع لهذه المياه .كان كل من يملك نبع ماء في المملكة يتوهم أنه يملك منجم ذهب لم يكن بوسع الوزارة إغراق السوق بطوفان من هذه المياه .اتخذنا قراراً بالترخيص بمصنع في كل منطقة من مناطق المملكة (بحيث تكون الأولوية في الترخيص طبقاً للأولوية في تقديم الطلب )ثم أوقفنا إعطاء التراخيص لو لم نفعل ذلك لتولت "مناجم الذهب "إلى هوة بلا قرار ,تشرب الأموال المستثمرة ولا تعطي شيئاً .أعود الآن إلى ابنتي المفضلة –بعد ابنتي الحقيقية –"سابك "كل الكيانات التي عاصرتها قريبة من قلبي والكيانات التي نشأت بمبادرة مني قريبة إلى قلبي أكثر ,ولكن "سابك "تحتل موقعاً خاصاً لا ينافسها فيه منافس .من ناحية بدأت "سابك "معي ولم تكن هناك قبلي بدايات من أي نوع . من ناحية ثانية ,عاصرت ولادة "سابك "ثانية فثانية :كتبت المسودة الأولى لنظامها بخط يدي وراجعت المسودة النهائية مع الصديق الدكتور مطلب النفسية ,رئيس شعبة الخبراء ,كلمة كلمة .من ناحية ثالثه ,لم تعكس أي مؤسسة فلسفتي في الإدارة كما عكستها "سابك "حتى الاسم كما أسلفت كان من اختياري إلا أن "سابك "ولدت بعد الوزارة بأكثر من سنة .ماذا حدث قبل ذلك ؟
جاءت المشاريع من "بترومين "على هيئة دراسات ضخمة تملأ غرفة كبيرة ولم يجئ معها موظف واحد .ماذا يفعل وزير جديد بغرفة تكتظ بدراسات عن مشاريع تبلغ تكلفتها آلاف الملايين ؟أين يبدأ وكيف يبدأ ؟من أين يأتي بالقوة البشرية المؤهلة القادرة على التعامل مع هذا التحدي الهائل ؟جاءت فرقة الإنقاذ من مركز الأبحاث والتنمية الصناعية .أنشئ هذا المركز في منتصف الستينات الميلادية (الثمانينات الهجرية ) بالتعاون مع الأمم المتحدة لتقديم العون للقطاع الصناعي على هيئة دراسات وأبحاث وخدمات ميدانية متنوعة .كان من حسن حظ المركز أن تولي إدارته حين نشأته مسئولان على درجة عالية من الكفاءة المهندس محمود طيبة مديراً عاماً والأستاذ ناصر الصالح نائباً للمدير العام .نجحت إدارة المركز في استقطاب عدد من الشباب السعودي المؤهل ,وتمكنت من ابتعاث عدد آخر للحصول على الماجستير والدكتوراه .عندما تلفت حولي أبحث عن شباب مؤهل يتولى متابعة المشاريع الصناعية وجدت بغيتي في المركز .شكات "وحد المشاريع الجديدة "برئاسة المهندس عبد العزيز الزامل ,وكان وقتها نائباً للمدير العام ,وأوكلت إليها مهمة الإشراف على هذه المشاريع .كان هذا العدد الصغير من الشباب الدعامة التي قامت عليها "سابك " ولا يزال بعضهم حتى اليوم يشكلون القيادة العليا فيها .
هل يستطيع وزير بالغة ما بلغت كفاءته أو خبرته –فضلاً عن وزير جديد –أن يبت في مشاريع عملاقة لم تشهد لها المنطقة مثيلاً ؟قلت ولا أفتا أكرر أن معرفة نواحي الضعف هي الخطوة الأولى نحو بناء القوة .رأيت أن أستعين بجهة محايدة تملك من الخبرة ما يمكنها من إعطاء رأي موضوعي في جدوى هذه المشاريع .اتجه تفكيري إلى البنك الدولي في واشنطن .إلا أنه كانت هناك مشكلة كبرى .لم يسبق للبنك الدولي في تاريخه ,أن قام بدراسات من هذا النوع لصالح حكومة من الحكومات كانت كل الدراسات التي يجريها البنك لحسابه وتقتصر على مشاريع يمولها البنك ,معظمها من التجهيزات الأساسية .كانت المملكة قد بدأت تساهم مساهمة ملموسة في تمويل البنك وأعطتها هذه المساهمة قدرة تفاوضية لا يستهان بها عند التعامل مع البنك .لجأت إلى محمد أبا الخيل الذي تحمس للفكرة لم يكن باعتباره الوزير المسئول عن المال العام أقل حرصاً مني على معرفة المشاريع المجدية من غيرها ,واستخدم كل نفوذه مع البنك .سافرت إلى واشنطن لمقابلة روبرت ماكنمارا رئيس البنك الدولي ,وقتها واستخدمت كل قدراتي على الإقناع .بعد تردد شديد ,
وضغوط أشد ,وافق البنك الدولي على الطلب وقرر تخصيص فريق عمل متكامل يدرس جدوى كل مشروع .عندها وعندها فقط أمكنني أن أتنفس الصعداء واثقاً أن أي قرار سوف يتخذ سوف يكون مبنياً على أساس موضوعي متين .
في هذه الأثناء كنا ندخل مواجهة عنيفة مع عدة شركات كانت تطمع في الحصول على عقود لبناء المصانع دون أن تتحمل أي مسؤولية عن أداء هذه المصانع .كانت فلسفتنا قائمة على مبدأ " المشاركة "ولم تكن هذه الفلسفة تتيح لنا أن تتعامل إلا مع شركاء .جاء هذا الموقف صدمة كبرى لشركات المقاولة –ولوكلائها !-ولكنا لم نتزحزح عنه قيد شعرة .تمت كل مشاريعنا الكبرى بالاشتراك مع شركات عالمية بحيث يملك كل فريق 50%من المشروع .لم الإصرار على المشاركة ؟أنقل من محاضرة ألقيتها في تلك الفترة :"نحن نتعامل مع هذه الشركات لأننا بحاجة إلى ثلاثة أشياء تملكها هذه الشركات ونحن لا نملكها :هي تملك التكنولوجيا ونحن لا نملكها ,وهي تملك وسائل التدريب ونحن حتى الآن لا نملكها ,وهي تملك منافذ التوزيع ونحن لا نملكها "
عندما ولدت "سابك "وقع اختياري على عبد العزيز الزامل ليكون نائب الرئيس والعضو المنتدب وإلى عبد العزيز وزملائه الأوائل يعود الفضل الأكبر في تحويل "سابك "من وليد صناعي يحبو إلى عملاق صناعي يمشي بثقة في العالم مع عمالقة الصناعة .كانت نظرتي في معظم الأمور الرئيسية ,متطابقة مع نظرة عبد العزيز .كانت هناك عدة قرارات استراتيجية حددت مسار "سابك "منذ يومها الأول .القرار الأول ,أن تكون المسئولية كاملة في يد الشباب السعودي العامل في "سابك "لا عند موظفين ولا خبراء ولا مستشارين أجانب .لم أكن وقد وصلت إلى الوزارة في سن الخامسة والثلاثين ,أرى ما يحول دون تولي شاب في الثلاثين موقعاً قيادياً في "سابك "(وبعد ذللك في شركة من شركاتها ) كنت واثقاً أنه مع الثقة سوف تجيء القدرة على تحمل المسئولية ,وهذا ما حدث .أثبت كل الشباب ,كلهم بلا استثناء ,أنهم كانوا على مستوى المسئولية .القرار الثاني ,أن "سابك "لن تستغل وضعها كشركة لتعطي رواتب خيالية تجذب إليها الكفاءات المطلوبة .من ناحية ,كان أي قرار من هذا النوع سيخل بالتوازن في سوق العمالة المؤهلة .من ناحية ,كان أي قرار من هذا النوع سيخل بالتوازن في سوق العمالة المؤهلة .ومن ناحية ثانية كانت هذه الرواتب ستجذب كل العناصر ,النشطة وغير النشطة ,الصالحة .كنت أريد أن تكون فلسفة "سابك "شبيهة بالفلسفة التي تحكم عمل الشركات اليابانية :لن نغريك بالدخول ولكن إذا دخلت فسوف نغريك بالبقاء .كنت أريد أن تكون الحوافز متدرجة ومتصاعدة ومتمشية مع مستوى الأداء لا أحصى الشباب الجامعيين الذين غادروا مكتبي مذهولين وربما ساخطين .كانوا يسألون :"ماهي المزايا التي ستقدمها لنا "سابك "؟وكنت أرد "المزايا ؟لا توجد مزايا سوى الإرهاق "وكان القرار الثالث أن النوعية تغني عن الكمية .لم أرد "لسابك "أن تكون كياناً متضخماً مترهلاً يعج بالمئات ثم بالآلاف .كل من رأى حجم المشاريع الكبير وعدد الموظفين الصغير كان يصاب بالذهول .إلا أن المغامرة نجحت وأغنت النوعية عن الكمية .وكان القرار الرابع أن "سابك شركة بكل ما تحمله الكلمة من معنى, يجب أن تتصرف كما تتصرف الشركات ويجب أن يفكر كل من فيها كما يفكر أصحاب الشركات .لم يكن هدفي إنشاء شركة تجارية لا توجد بينها وبين مؤسسات الحكومة أي شبه .كنت عندما أدخل مبنى سابك وكنت أدخله مرة في الأسبوع على الأقل - أذكر نفسي أنني لا أدخله وزيراً ولكن رئيساً لمجلس إدارة شركة تجارية من اليوم الأول لم يكن هناك تفكير بيروقراطي ولا منظمات هرمية بيروقراطية ولا تسميات بيروقراطية هل هذا مشروع مربح أو غير مربح ؟ كان هذا هوا السؤال ولا سؤال غيرة وكان القرار الخامس أن الشركة لابد من أن تعمل بروح الفريق ولكي توجد روح الفريق يجب أن يشعر كل من يعمل في الفريق أن دورة لا يقل أهمية عن دور أي لاعب آخر بل عن دور قائد الفريق ولكي توجد روح الفريق لا بد أن تكون هناك نقاشات واسعة حرة قبل الوصول إلى قرار أسجل هنا بلا مبالغة أن المهندس السعودي الشاب الذي كان مسئولاً عن متابعة مشروع من مشاريع "سابك" كان لكلمته من الوزن فيما يخص هذا المشروع ما لكلمة الوزير كان القرار السادس والأهم هو ألا يعمل في "سابك" سوى المؤمنين بحلم سابك نحن قادرون على اقتحام ميدان التصنيع واقتحامه بثقه واصرار لم يكن في المؤسسة الوليدة مكان للمتمردين أو الخائفين أو المتشائمين وأشهد اني لم أجد في سابك متردداً واحداً أو خائفاً واحداً أو متشائماً واحداً .
في الأثناء التي كانت "سابك "تولد فيها كانت هناك مؤسسة رائدة رائعة أخرى تولد :"الهيئة الملكية للجبيل وينبع "نشأت الفكرة في وزارة التخطيط وتبناها الأمير فهد الذي أصبح رئيس الهيئة ,وتولى شئونها اليومية هشام ناظر الذي أصبح نائباً للرئيس .كانت مسئولية الهيئة الملكية أن تتولى إقامة المرافق اللازمة كافة لبناء الصناعات في كل من الجبيل وينبع ,وفي سبيل تحقيق هذا الهدف أعطيت كل الصلاحيات اللازمة .وهكذا أصبحنا أمام "جهة مسئولة واحدة تخطط للعملية من ألفها إلى يائها .تخطط للكهرباء ,وتخطط للطرق ,وتخطط للسكك الحديدية "بوجود الهيئة أمكن أن تنمو الصناعات جنباً إلى جنب مع توفر المرافق "لا تسيق الصناعات المرافق ولا المرافق الصناعات "من حسن حظ الصناعة أن هشام ناظر لم يكن يفكر بطريقة بيروقراطية :لم ينس قط ,أن الهيئة الملكية أقيمت لخدمة الصناعة (وليس العكس ) وكان التنسيق بيننا عميقاً ومستمراً وفعالاً .نتيجة كفاءة الهيئة الملكية وكفاءة "سابك "والتنسيق بينهما استغرقت فترة بناء مصنع الحديد والصلب بالجبيل وطاقته مليون طن سنوياً ,ثلاث سنوات .واستغرق بناء مصنع مماثل بطاقة مماثلة في الجزائر تسع سنوات, وفي ليبيا عشر سنوات ,رغم توفر الاعتمادات المالية الكافية في البلدين . بعد استكمال إنشاء "سابك "كان أول شيء حرصنا عليه هو أن نستبعد ,نهائياً ,المشروعات غير المجدية .بعد دراسة مفصلة ,قرننا صرف النظر عن كل مشاريع "البتروبرتين "كانت الفكرة في هذه المشاريع أنها تستخلص من المواد الخام البترولية مواداً بروتينية يمكن استخدامها علفاً للماشية .كانت الفكرة في مرحلة التجارب وكانت تواجه صعوبات فنية وقانونية ضخمة في الغرب .لم أر من الحكمة أن ندخل صناعة يغلب على الظن أنها لن تنجح .بعد دراسة مفصلة أخرى ,انتهينا إلى أن مشروع الحديد والصلب ,بالحجم الذي كان مقترحاً قرابة أربعة ملايين طن ,كان يفوق الطاقة الاستيعابية للسوق السعودي دون وجود مجالات واضحة للتصدير .قررنا إنشاء المصنع بربع الطاقة المقترحة على أن تتم توسعته على مراحل مع نشوء الحاجة .بقيت بعد ذلك المشاريع التي تبين بعد الدراسات الأولية جدواها ,وكان لابد أن تكون هناك خطوات أخرى تتبع الدراسات الأولية
حقيقة الأمر أنه كانت هناك عدة مراحل قبل إعطاء الضوء الأخضر النهائي لمشروع ما .أنقل من محاضرة ألقيتها في تلك الفترة "إني لا أبالغ إذا قلت لكم إنني لا أعتقد أن أي مشاريع صناعية في أي مكان في العالم درست بالكثافة والدقة اللتين تدرس بهما مشاريعنا الصناعية .نحن نبدأ بدراسات التسويق يقوم بها خبراؤنا الشريك المنتظر .وننتقل بعد ذلك إلى دراسة جدوى تفصيلية نساهم فيها مع الشريك المنتظر مستعينين بالعديد من بيوت الخبرة العالمية .ثم تخضع هذه الدراسة لتقييم موضوعي شامل اخترنا له البنك الدولي باعتباره جهة محايدة تتمتع بخبرة واسعة في تقييم المشاريع الكبرى .ويبقى بعد ذلك الامتحان الأصعب قرار مجلس الإدارة في الشركة السعودية للصناعات الأساسية (سابك) وهذا المجلس يضم خمسة من أبرز الاقتصاديين السعوديين هل أنا بحاجة إلى القول إني بعد هذا كله ,كنت أوقع على عقود المشاريع وأنا مرتاح الضمير؟ وهل يستغرب أحد إذا قلت إنه لم يفشل بفضل الله ,مشروع واحد من هذه المشاريع ؟لا يعلم إلا الله ماذا كان سيحدث لو كان الوزير خبيراً اقتصادياً وقرر الاكتفاء بخبرته الشخصية ؟
لم تنته المعركة بدراسات الجدوى والتقييم كانت المفاوضات مع الشركات "ماراثونية "لا تكاد تنتهي .الخبرة التي اكتسبتها خلال عملي في وزارة الدفاع والطيران أعطتني الثقة اللازمة للتعامل مع الشركات العملاقة .أعاد التاريخ نفسه .جاءت كل شركة ومعها جيش من المحامين .لو استجبنا للطلبات التي تقدم بها المحامون لأعفيت هذه الشركات من الالتزام بأي نظام من الأنظمة السعودية .كان موقفنا واضحاً وضوح الشمس :على كل شركة عاملة في المملكة أن تخضع لأنظمة المملكة .اختصاراً للوقت والجهد ,أعددنا مذكرة بشروط قانونية موحدة قلنا للشركات إنها لا تقبل التفاوض .بعد جهد جهيد قبلت الشركات ,وتجرعت ما كان يبدو ,في نظرها ,السم .لم يكن في "سابك "في أيامها الأولى إدارة قانونية كنت أنا ,بكل تواضع مستشار الشركة القانوني الوحيد !
كان الحافز البترولي من أهم العوامل التي مكنتنا من إتمام عملية المفاوضات بنجاح .في تلك الأيام كانت أسعار البترول تتصاعد ولم يكن أحد يعرف أين ستتوقف ,وكان "ضمان الإمداد "الشغل الشاغل لكل الدول ولكل الشركات العاملة في حقل البترول .قلنا للشركات التي كنا نفاوضها إننا سنعطي كل شركة تستثمر في مشاريعنا الصناعية عدداً معيناً من جالونات البترول مقابل كل مليون دولار (بالسعر الذي نحدده نحن ) كانت الشركات حريصة على الحصول على هذا الضمان باستمرار تدفق البترول إليها .لولا هذ الحافز الأساسي ,ولولا التسهيلات الأخرى التي قدمتها الدولة ومن أهمها القروض ,لما قام مشروع واحد .ما الذي يجبر شركة أمريكية أن تترك تكساس وكاليفورنيا وتستثمر في الجبيل وينبع ؟لا يستثمر أحد في دولة أجنبية حباً في سواد عيون أحد ,ولم يكن سواد العيون ضمن أسلحتنا في المفاوضات .
برغم هذا كله كانت المفاوضات عملية مليئة بالصعوبات .كان هناك حشد من التفاصيل التي لابد للشريكين من الاتفاق عليها. لم نكن ننتهي من حل مشكلة فرعية حتى نجد أنفسنا أمام مشكلة فرعية جديدة .كانت المعركة غير متوازية .في جانب تقع أقوى شركات العالم مزودة بترسانة قانونية ,وفي الجانب الآخر يقف بضعة شبان سعوديين في مطلع الثلاثينيات من العمر .إلا أن الثقة صنعت المستحيلات .أثبت الشباب السعودي أنهم قادرون على مواجهة الفريق الذي يجلس على الجانب الآخر من طاولة المفاوضات .استغرقت بعض المفاوضات عدة سنوات وكادت تصل إلى مرحلة الانهيار أكثر من مرة ,إلا أننا تمكنا ,في كل حالة ,من الوصول إلى اتفاق نستطيع أن نعيش معه نحن والشركاء .
في الوقت الذي كانت فيه معارك المفاوضات على أشدها كنا زملائي وأنا نجر إلى مناوشات جانبية للرد على الشكوك التي كانت تثار في الداخل والخارج .تبدو الحملات التشكيكية .من هذا المدى الزمني غير منطقية وواهية إلا أنها في ذلك الوقت ,كانت تؤخذ بكثير من الجدية وكان علينا أن نتصدى لها بصفة يومية .كان هناك من يقول إن كل مشاريعنا الصناعية غير المجدية –سبحان الله كلها !- وأثبتت الأيام سخف هذا القول .وكان هناك من يقول إن الصناعات ستجلب معها أعداداً هائلة من العمال الأجانب وأثبتت الأيام صحة ما قلناه :التقنية المتطورة لا تحتاج إلى أعداد كبيرة .وكان هناك من يقول إن الأجانب هم الذين سيديرون هذه الصناعات ,وأثبتت الأيام أن الخطة التي وضعناها للسعودة كانت واقعية جداً .كان هناك من يقول إن منتجاتنا البتروكيماوية ستغرق الأسواق ,وأثبت الأيام صحة ما قلناه :النسبة التي ننتجها لن تغرق أي سوق في أي مكان .
قلت إن لكل موقف ثمنه .لم يكن بالإمكان أن تمر هذه السنوات المثخنة بالأزمات دون أن تترك بصماتها على الروح وعلى الجسد .أما ألم الروح فحديثه يطول ,وليس هذا موضعه ,وأما الجسد فقد لقي نصيبه الكامل من العذاب .دخلت المستشفى مرتين على إثر نزيف حاد في القرحة .في المرة الأولى كان النزيف خطراً ولم توقفه إلا عملية جراحية عاجلة .دخلت المستشفى بعد ذلك أكثر من مرة بسبب أعراض مختلفة كان الأطباء مجمعين أنها نشأت بسبب الإرهاق .ماذا أقول ؟"لولا المشقة ساد الناس كلهم "وكان هناك ثمن باهظ لا علاقة له بصحة ,محاولات "اغتيال الشخصية "كنت لا أشكو وأنا أحارب ألف معركة "على الذي لا يطيق الحرارة أن يغادر المطبخ "كما يقول التعبير الإنجليزي وكان بوسعي أن أواجه الحرارة .إلا أن البعض لا يكتفون في المعارك باستخدام الأسلحة المشروعة –الحرب علنا وبوسائل علنية –وهي فتاكة بطبيعتها ,بل يلجأون إلى أساليب غير مشروعة :الدس الكاذب والتآمر الرخيص. ما حدث لي في هذا المجال يكاد يندرج ضمن قصص الخيال العلمي لغرابته .أكتفي بحادثة واحدة أدى قرار من القرارات التي اتخذتها لا داعي لتحديده إلى الإضرار بمصالح مجموعة من الناس .حاول بعضهم استثارة عدد من أصحاب الفضيلة العلماء على الوزير "الشيوعي "-"الاشتراكي "على أقل تقديراً ! ولم تفلح المحاولة .عثروا على مقابلة أجريتها في مطاع عهدي في الوزارة مع صحيفة أمريكية وتحدثت فيها عن التنمية .قلت إن التنمية أمر عاجل وضروري بعد حياة البؤس الاقتصادي الذي عاشه إنسان الجزيرة عبر تاريخه المكتوب كله هذا التاريخ الذي يتجاوز ثلاثة آلاف سنة .كان الحديث كله عن الاقتصاد ولم تكن له علاقة بالدين من قريب أو بعيد .إلا أن المكر الرخيص حاول تحويل ما قلته عن البؤس الاقتصادي إلى نقد للإسلام كالعادة كان هناك قميص عثمان يستثير أصحاب النوايا الطيبة ,وكالعادة كان السبب الحقيقي لا علاقة له بالقميص .ثارت زوبعة كبرى لم تهدأ إلا بتدخل فعال من ولي العهد .ولعل من المناسب بعد حديث الأزمات والأمراض أن أتحدث عن جانب من عمل الوزير لم أتطرق إليه من قبل ,وهو الزيارة الرسمية التي يقوم بها الوزير رئيساً للوفد ,وليس جزءاً من الوفد .الطقوس لا تكاد تتغير :الاستقبال الرسمي ,جلسة أو جلستان من المباحثات ,وليمة أو وليمتان ,ومقابلة مع الرئيس الدولة .كان الملك خالد يقول :"إذا وصلت دعوة من بنجلادش أو الحبشة فإن وزراءنا يعتذرون على الفور .أما دعوات أمريكا وفرنسا وبريطانيا فتقبل على الفور "وكان هذا القول لا يخلو من صحة .إلا أن الزيارات الرسمية في مجملها ,لم تكن بالشيء الممتع كان المرء يقوم بها بحكم واجبه لا رغبة في النزهة .
في الدول العربية والشرقية عموماً لا توجد مشاكل بروتوكولية فيما يتعلق في بالاستقبال .الوزير المضيف يستقبل الوزير الضيف في المطار .إلا أن المشكلة تنشأ في عدد من الدول الغربية التي لم يتعود وزراؤها استقبال الوزراء الضيوف في المطار (رغم أنهم تعودوا أن يستقبلهم الوزراء المضيفون في المطار وكانوا يستمتعون بهذا الاستقبال )
كنت أنظر إلى الموضوع من زاوية عملية محض :إذا طلبت أنا زيارة بلد لبحث أمر فيجب ألا أتوقع أي نوع من أنواع الاستقبال الرسمي .أما إذا دعيت دعوة رسمية فأتوقع أن أعامل كما أعامل أنا الضيف الذي أدعوه دعوة رسمية .عندما أستقبل وزيراً ما في المطار وهو يزور المملكة بدعوة مني ,أتوقع أن يستقبلني في المطار عندما أزور دولته بعوة منه .
كان الموضوع احياناً يتعقد ويوشك أن يتحول إلى أزمة .تلقيت دعوة لزيارة فرنسا زيارة رسمية وظل السفير الفرنسي في المملكة يلح علي عدة شهور لقبولها حتى قبلتها ,وكان البرنامج المتفق عليه ينص على أن يستقبلني وزير الصناعة الفرنسي في المطار .قبل وصولي بيومين اتصلت وزارة الصناعة الفرنسية بالسفير السعودي في باريس الصديق الأستاذ جميل الحجيلان ,الذي أمضى في المنصب الوزاري قرابة عقد من الزمان قبل أن يعمل في السلك الدبلوماسي ,وابلغته أنه يتعذر على الوزير استقبالي في المطار لظروف طرأت وأنه إذا لم يكن الوزير في استقبالي فسوف تلغى الزيارة .لم أعرف عن هذه الحادثة إلا بعد وصولي .كان لموقف جميل الحازم أثره ووجدت الوزير في انتظاري في المطار .
تكررت القصة مع ألمانيا الغربية .جاءتني دعوة رسمية قبلتها وناقشت تفاصيلها كلها مع السفير الألماني في المملكة .كان من ضمن هذه التفاصيل أن يستقبلني وزير الاقتصاد –الوزير المسئول عن الصناعة في ألمانيا –في المطار .قبل بدء الزيارة بيومين –دائماً بيومين ! اتصل بي السفير الألماني وقال إن الوزير سوف يكون مشغولاً جداً بمحادثات سياسية داخلية تتعلق بإعادة تشكيل التآلف الحاكم ,وإنه سوف يكلف وكيل الوزارة باستقبالي .وقعت في حرج شديد .من ناحية ,لم أكن أود لزيارة رسمية سوف تدور خلالها مباحثات صناعية هامة أن تلغى بسبب بروتوكولي .من ناحية أخرى ,لم أكن أقوم بهذه الزيارة بصفتي الشخصية ,ولم يكن بوسعي قبول موقف ينعكس سلباً على سمعة الدولة .كان ولي العهد وقتها خارج المملكة وذهبت إلى الأمير عبدالله بن عبد العزيز أطلب التوجيه .استمع إلى القصة كلها وقال :"إذا لم يستقبلك الوزير في المطار فألغ الزيارة "أبلغت السفير الألماني هذا القرار عندما وصلت كان الوزير ينتظرني في المطار .
في العادة لا توجد مشاكل من هذا النوع .حقيقة الأمر أن الغالبية العظمى من الزيارات مملة إلى درجة قاتلة ولا أود أن أسبب للقارئ الملل بالإسهاب في الحديث عنها إلا أنه توجد ومضات ضاحكة بين الحين والحين تخفف وطأة الروتين الجامد .أذكر خلال زيارة رسمية إلى البرازيل أن مرافقنا كان شاباً ظريفاً من وزارة الخارجية البرازيلية .أخذنا مرة إلى مطعم فاخر حيث تناولنا عشاء دسماً استغرق عدة ساعات اتفقنا ,خلال العشاء على مداعبته .عندما وصلنا إلى الفندق وجاء يستأذن في الانصراف قلت له وعلى وجهي كل علامات الجدية "ولكن إيفان !-أين العشاء ؟"بدت على وجهه علامات الحيرة وبدأ يتمتم :"ولكننا ذهبنا ....."قبل أن يكمل قاطعه عضو من أعضاء الوفد :"العشاء –إيفان ! –العشاء أكاد أموت جوعاً !"عندما بدأ عضو ثالث يطالب بالعشاء كاد إيفان يبكي .عندها وعندها فقط ,انفجرنا جميعاً نضحك وضحك إيفان معنا .
وأذكر عدة مواقف من زيارة رسمية قمت بها إلى السويد ,وكان معي عبد العزيز الزامل .كان من ضمن البرنامج زيارة الجمعية الملكية السويدية للفنون والآداب والعلوم ,وهي جمعية ذات تاريخ عريق وذات مهام متعددة من ضمنها اختيار الفائزين بجائزة نوبل .استمعنا إلى شرح مطول عن نشاطات الجمعية ,بعد انتهاء الشرح تكلم عبد العزيز الزامل فأطلق واحدة من الجمل التي يسميها الصديق يوسف الشيراوي "الجمل غير مفيدة "قال عبد العزيز "بوسعنا ,إذن ,أن نعتبر الجمعية نادياً ثقافياً "قوبل التعليق بوجوم سرعان ما تحول إلى غضب غير مكتوم .تحدثت عضو بعد عضو منكرين أن تعتبر الجمعية العريقة مجرد "ناد ثقافي "كانت شماتتي في عبدالعزيز لا تعرف الحدود .إلا أن الشماتة سرعان ما تنقلب على صاحبها وتورطت في جملة غير مفيدة أسوأ من جملة عبد العزيز .تضمن البرنامج زيارة إلى دار أوبرا أثرية جميلة .وكانت مديرة الدار ترافقنا وتشرح التاريخ الحافل للدار بغته ,التفتت إلي وسألتني "هل تحب الأوبرا؟" .كان من المفروض أن أرد رداً دبلوماسياً أو غامضاً على أقل تقدير ,إلا أنني قلت على الفور :"الحقيقة أنني لا أحب الأوبرا "بعدها أصرت المديرة على معاقبتي كانت تقول :"انظر إلى هذا المسرح الجميل .حتى الذين لا يحبون الأوبرا لا بد أن يعترفوا بجماله "وكانت تقول :"لهذه الدار تاريخ عظيم يعرفه الجميع حتى الذين لا يحبون الأوبرا "وفي نهاية الزيارة قالت :"أرجو أن تكون استمتعت بهذه الزيارة رغم أنك لا تحب الأوبرا" كانت شماتة عبد العزيز أوضح من أن يخفيها .
إلا أن القدر شاء أن تكون لي الضحكة الأخيرة .أخذنا الوزير المضيف في جولة مسائية في ميدان من ميادين استوكلهم انتهى بجلوسنا في مقهى يرتاده الشعراء والأدباء والرسامون المشهورون .كنا ,هناك ,نشرب القهوة عندما جاء أحد المرافقين وهمس في أذن الوزير المضيف أن هناك معلومات عن قنبلة ستنفجر في المقهى وأن على الزبائن جميعاً مغادرة المقهى على الفور .لم يكد عبد العزيز الزامل يسمع كلمة "قنبلة "حتى هب واقفاً على قدميه ونظر إلي وصاح :"قم !قم !ماذا تنتظر ؟"قلت :"لا ينبغي أن نبدو خائفين .لا بد أن أنتهى من شرب فنجان القهوة ".ظل عبدالعزيز يردد "قنبله ! قنبله ! ألم تسمع ؟"وأنا اتحدث مع الوزير المضيف حتى انتهى فنجان القهوة وقمت (تبين فيما بعد أن الإنذار كان وهمياً وهو ماكنت واثقاً منه )
كانت الزيارات الرسمية الوحيدة التي استمتعت بها حقاً هي زياراتي للبحرين ,وكان السبب في ذلك المضيف الصديق يوسف الشيراوي .ليوسف فلسفة رائعة في الضيافة :اترك الضيف يفعل ما يريده هو لا ما تريده ؟أنت (كم اتمنى لو تبنى كل مضيف هذه الفلسفة )
خلال زيارتي الأولى سألني يوسف إذا كان هناك شيء معين أود عمله .كانت هوايتي ,ولا تزال عندما تتاح لي الفرصة ,صيد السمك ,وقلت له إني اتمنى أن تتاح لي الفرصة لصيد السمك ,ورد يوسف:" هل تريد صيداً حقيقياً أم صيداً اجتماعياً ؟"قلت "وما لفرق ؟"قال :"إذا كنت تريد صيداً حقيقاً فسوف أمر عليك في الفندق قبل الفجر ,ونذهب في زورق صغير أنت وأنا ونعود قبل الظهر "قلت "وماذا عن الصيد الاجتماعي ؟قال :"نذهب في يخت صغير مع مجموعة من الأصدقاء قبيل الظهر ونتناول غداء فاخراً ونعود في المساء "اخترت البديل الثاني ودخل تعبير "الصيد الاجتماعي "القاموس .بعد أن انتهت الزيارة نفسها سأل الشيخ خليفه بن سلمان آل خليفة ,رئيس وزراء البحرين ,يوسف :هل أكرمت ضيفك ؟قال يوسف :بطبيعة الحال "قال "هل قدمت له هدية لائقة ؟قال يوسف :"سمكة .سمكة من نوع الكنعد "اصيب رئيس الوزراء بالدهشة .ظل بعد الحادثة ,بسنين ,يردد كلما قابلته :"سمكة !سمكة! واحدة !"وكان الشيخ خليفة يضيف :"وأغرب ما في الأمر أنه كان فخوراً بالهدية التي قدمها !"طرائف يوسف ونوادره تحتاج إلى كتاب منفصل أرجو أن تتاح لي فرصة كتابية مستقبلاً .
أود أن أعرج الآن على جانب من عمل الوزير لم أتطرق إليه من قبل :رئاسة مجلس الإدارة .كان من قدري أن أكون عضواً في عدد من المجالس ,قبل الوزارة ,وأن أرأس عدداً منها بعد الوزارة .سر النجاح في قيادة المجالس أمران سهلان /صعبان :التحضير الكامل واحترام مشاعر الأعضاء الآخرين ورغباتهم .لا يمكن للرئيس أن يدير الجلسة بكفاءة ما لم يكن مستوعباً كل مادة على جدول الأعمال استيعاباً تاماً ,ومالم يكن قادراً على الإجابة على كل تساؤل يمكن أن يثيره الأعضاء .عندما يحضر الرئيس جلسة ما دون استعداد كاف فهناك احتمال أن تسير الأمور في اتجاه غير الذي يريده أو تنتهي بلا قرارات حاسمة .إلا أن هذا الأمر السهل الصعب التحقيق :على الرئيس أن يبذل قبل كل جلسة من الجهد أضعاف ما يبذله أي عضو آخر في المجلس .والأمر الثاني هو احترام مشاعر الأعضاء ورغباتهم .الرئيس هو أعلى الموجودين منصباً وقد جرت العادة على أن يعامله الأعضاء بقدر كبير من الاحترام .إلا أن هذا الاحترام لا يعني أن الأعضاء مستعدون للتوقيع على بياض ,خصوصاً وأن بعضهم يمثل وزارات لها دورها ورأيها في ما يبحث من أشياء .كثيراً ما يكون لعضو أو أكثر رأي مخالف لرأي الرئيس ,وليس من الحكمة أن يحاول الرئيس الضغط أو يطلب التصويت .هناك عدة بدائل .بوسع الرئيس أن يطلب من إدارة المؤسسة إعداد تقرير مفصل عن النقطة موضع الخلاف .بوسع الرئيس أن يشكل لجنة من أعضاء المجلس تبحث الموضوع (يستحسن أن تكون برئاسة العضو المخالف !)وبوسع الرئيس وهذا أضعف الايمان ,أن يطلب التأجيل في البت إلى جلسة قادمة عندما يتبين للرئيس ,الذي يجب أن يكون آخر المتحدثين ,أن الأغلبية غير موافقة على قرار ما يصبح من واجبه أن يقف مع الأغلبية حتى عندما يكون هذا الموقف مختلفاً عن الموقف الذي تتبناه إدارة المؤسسة .يجب على الرئيس أن يحذر كل الحذر من استخدام عبارات مثل "هذا الموضوع فيه توجيهات عليا" أو "لابد من الموافقة "وإذا كان الرئيس الذي لايقرأ جدول الأعمال لا يستطيع أن يدير الجلسة بكفاءة ؛فإن العضو الذي لا يقرأ جدول الأعمال يسبب ضغطاً هائلاً على أعصاب الرئيس (وهنا جانب الصعوبة من الأمر السهل/الصعب ).الحيلة التي يلجأ إليها عادة ,كل من لم يستوعب الجدول قديمة قدم المجالس الإدارية :طلب المزيد من الدراسات .يجب أن يحذر الرئيس أن يكون رده على طلبات كهذه كرد رئيس ,لا أذكر اسمه ,قال لطالب الدراسة :"وما الفائدة ؟أنا واثق أنك لن تفهمها !"لا بد أن أضيف أن حظي كان سعيداً مع مجالس الإدارة التي رأستها ولم أتعرض لموقف صعب واحد .أرجو أن يكون الانطباع الذي تركته عند أعضاء هذه المجالس إيجابياً كالانطباع الذي تركوه معي .
ومن المهام الأخرى التي يستلزمها عمل الوزير تولى شئون وزارة أخرى بالنيابة .هاك طرفة إدارية شائعة عن الدكتور عبد العزيز الخويطر .تقول الطرفة إن عبدالعزيز كتب بصفته وزيراً للمعارف ,رسالة إلى وزير المالية يطلب اعتماداً معيناً وإن عبدالعزيز بعد ذلك كتب إلى نفسه وهو وزير المالية بالنيابة ,يرفض الطلب .يبدو الموقف غريباً أمام الإنسان العادي :أن يرفض المرء طلباً لنفسه .إلا أن الكائنات البيروقراطية تعرف أن تصرف عبد العزيز الذي تتحدث عنه الطرفة هو التصرف الإداري السليم .على الوزير بالنيابة أن يتبنى موقف الوزارة التي يشغلها مؤقتاً حتى عندما يختلف عن موقف وزارته الأصلية .وكل وزير بالنيابة مرت عليه تجارب عديدة مشابهة :يكتب طلباً ثم يكتب رداً بالرفض .
يلجأ الوزير عند اختيار وزير بالنيابة إلى اختيار وزير يتبع أسلوبه نفسه في العمل .إلا أن سليمان السليم خالف هذه القاعدة عندما اختارني مرتين ,لأكون وزيراً للتجارة بالنيابة في غيابه .في المرتين كانت هناك أزمات تموينية شديدة من النوع الذي كان شائعاً في منتصف السبعينات الميلادية (التسعينات الهجرية )لو كان سليمان موجوداً لعالج الأزمتين بأسلوبه الدفاعي الهادئ الوقور .إلا أنه لم يكن موجوداً ,وعالجت الأزمتين بأسلوبي الهجومي ,مستعيناً بسيارات نجدة طلبتها من الأمير نايف وزير الداخلية .بعدها ,لم يعد سليمان يطلب مني تولي الوزارة بالنيابة .وحدثت تجربة مماثلة مع الصديق الدكتور محمد الملحم وزير الدولة .كان عضواً في لجنة تبت في المشاريع التي تقل قيمتها عن عشرة ملايين ريال .سافر محمد بعد أن أنابني واكتشفت أنه ترك خلفه أكثر من مائة معاملة لأنها تحتاج إلى المزيد من الدراسة .عندما عاد محمد من الإجازة وطلب المعاملات المؤجلة قيل له إني وقعتها كلها .كانت هذه هي المرة الأولى والأخيرة التي يطلب فيها محمد لأن أنوب عنه .لابد أن أعترف أني خرجت في الحالتين عن قواعد لعبة الإنابة .سرعان ما تقلص عدد الوزراء الراغبين في إنابتي فلم يعد هناك سوى هشام ناظر وأحمد زكي يماني .كان الوزير بالنيابة المفضل عند كل الوزراء هو عبد العزيز الخويطر كان عبد العزيز يتمتع بجلد هائل على الأوراق ,وكان حريصاً على تأجيل أي قرار يخرج من دائرة الروتين حتى عودة الوزير الأصيل .كان من أهم جوانب عملي التنسيق مع دول الخليج الشقيقة فيما يتعلق بمشاريعنا الصناعية .كانت هناك لجنة تعاون مع الكويت يراسها من الجانب الكويتي وزير الصناعة والكهرباء وكانت تجتمع كل عام ,مرة في المملكة ومرة في الكويت .أمكن عن طريق هذه اللجنة تبادل المعلومات وتبني عدد من المواقف المشتركة .كانت قطر قد بدأت في تشييد مصانع بتروكيماويات وحديد وصلب ,واقترحت لجنة للتنسيق الصناعي بين البلدين ,وافقت عليها الحكومتان وبدأت اللجنة تجتمع بانتظام .مع البحرين كان هناك تنسيق يومي مستمر سهلته علاقتي الوطيدة بيوسف الشيراوي .كانت خطتنا الصناعية تتضمن إقامة مصهر كبير للألمونيوم في الجبيل .كان في نفسي شيء من إقامة المشروع .كان هناك مصهر ضخم في البحرين ومصهر ضخم في دبي ,وكانت الأرقام تقول إن المنطقة ,والأسواق العالمية لا تتحمل وجود مصهر ثالث .تفاهمت مع يوسف على أن نصرف النظر عن إقامة مشروعنا مقابل أن ندخل شركاء في مصهر البحرين .بارك الأمير فهد هذه الفكرة وتحمس لها .هذا ما كان واستفادت سائر الأطراف. تقتضي الأمانة أن أقول إن هذه الحادثة كانت قمة من إنجازات التنسيق العلمي لم نكن قادرين على الوصول إليها إلا فيما ندر .
بنشوء مجلس التعاون دخلت كل نشاطات التنسيق تحت مظلته في إطار "لجنة التعاون الصناعي "حديث مجلس التعاون يطول وليس هذا بالمجال الأفضل .يمكن أن أقول ,باختصار شديد ,إن المجلس بدأ بداية متواضعة ,ثم قطع شوطاً لا بأس به وحقق عدداً من المنجزات ,ثم عاد إلى مسيرة الإنجاز المتواضع .الأحلام العريضة التي تداعب العقول والقلوب في الخليج –السوق الواحد والعملة الواحدة والجيش المشترك وإلغاء كل القيود والعقبات –تبخرت الواحدة بعد الأخرى حتى كدنا نقنع من الغنيمة بالوجود ,مجرد بقاء المجلس على قيد الحياة .الأسباب التي عاقت مسيرة المجلس متشبعة وعديدة ,وسوف أكتفي هنا بالحديث عن عقبه واحدة هي العقبة البيروقراطية .من طبيعة الأمور أن يركز الموظفون على مجال اختصاصهم دون أن يمدوا أنظارهم إلى ما هو ابعد من ذلك .يعنى موظفو الأمن بالاعتبارات الأمنية وحدها ,ويهتم موظفو الجمارك بالاعتبارات الجمركية دون سواها ,وهلم جرا .هذه الاعتبارات البيروقراطية المحلية كثيراً ما تعترض تحقيق الأهداف الخليجية الكبرى .في اجتماع بعد اجتماع ,كان ممثلو كل دولة يدافعون عن مصالح القطاع الضيق الذي يمثلونه ,وكانت الاجتماعات تنتهي بالحد الأدنى المشترك لا بالحد الأعلى المطلوب .أقول بصراحة إنه مالم تستطع الإدارة السياسية انتزاع زمام المبادرة من الأجهزة البيروقراطية المحلية فإنه لن تكون هناك إنجازات تذكر في السنوات القادمة .فلنعد إلى سابك واجهتنا خاصة في البداية ضغوط لا يستهان بها لإدخال الاعتبارات السياسية في قرارات "سابك "التجارية .كان مصدر الضغوط الرئيسي السفراء الغربيين في المملكة .كان هؤلاء السفراء يمثلون مصالح دولهم الاقتصادية على نحو يجعلهم ,أحياناً ينسون حتى اعتبارات الدبلوماسية .خلال اجتماع مع سفير غربي قال لي :"تقدمت شركتنا بعطاء في مشروع من مشاريع "سابك "أريد أن أعرف وضع شركتنا بالضبط "قلت له على الفور "شركتكم ؟لم أكن اعرف أنك تملك شركة يا سعادة السفير "احمر وجهه وقال:" أعني شركة من دولتي "قلت :"سابك "لا تتعامل مع دول تتعامل مع عطاءات إذا تقدمت شركتكم بالعطاء الأفضل فسوف تحصل على العقد .هذا قرار لا اتدخل فيه أنا مالم أقله واعتقد أن السفير فهمه :ولا ينبغي أن تتدخل فيه أنت .
أذكر مرة أن رئيس دولة كان يزور المملكة رجا ولي العهد أن تحصل شركة من دولته تقدمت إلى مناقصة لبناء مشروع من مشاريع سابك على "معاملة خاصة "كان الأمير فهد حريصاً على إبعاد "سابك "عن أية ضغوط سياسية ,ورفض أن يلتزم بشيء أمام الرئيس الضيف .فيما بعد روى لي الأمير فهد ما حدث .تبين أن الشركة المعنية قد تقدمت بأقل العطاءات وكانت في سبيلها إلى الحصول على العقد .إلا أنني رأيت أن تدخل رئيس دولة يبرر معاملة الشركة "معاملة خاصة "طلبت من السفير المعني مقابلتي وقلت له إن "سابك "تقديراً لرجاء الرئيس حريصة على أن تعطي العقد للشركة ,وسوف تفعل ذلك إذا استطاعت الشركة أن تخفض عطاءها .كلمني السفير بعد يومين وقال إن الشركة مستعدة لتخفيض مائة مليون دولار .استطعنا تنفيذ المشروع بمبلغ يقل عن المبلغ المتوقع بمائة مليون دولار نتيجة هذا الضغط السياسي .ضحك الأمير فهد وهو يستمع إلى ما حدث ,ولا استغرب أن يكون قد تلقى رسالة شكر من الرئيس .
هناك جانب من عمل الوزير كنت أراه من أهم مسئولياته ,إن لم يكن أهمها على الإطلاق ,الجولات خارج المدن الكبيرة .هذه الجولات ,من لحظتها الأخيرة ,قطعة من العناء ,ولكنها قطعة من العناء الضروري تحقق الجولات عدة أهداف .يتمكن الوزير عبرها ,أن يشاهد جزءاً كبيراً من وطنه ,وأن يلمس التنوع الجغرافي والبشري والثقافي الذي يشكل خارطة البلاد .ويستطيع الوزير أن يتعرف على مشاعر المواطنين الحقيقة تلك المشاعر التي لا يستطيع فلاسفة المقاعد الوثيرة القابعون في مكاتبهم تخليها .فضلاً عن ذلك تتحول كل جولة بقصد أو بغير قصد ,إلى جولة تفتيشية على مرافق الوزارة وأنشطتها وموظفيها .تعلمت من هذه الجولات مالم يكن بوسعي أن أعرفه من ألف تقرير وتقرير .
كان هناك مشروع كهربائي مركزي في نجران وذهبت لوضع حجر الأساس .طلب مني أمير نجران وقتها ,الصديق فهد السديري أن أبقى بعد الاحتفال يومين أو ثلاثة للتجول في بعض النواحي .بقيت حسب طلبه وتبين أن "بعض النواحي "تشمل نجران بأكملها ,شبراً شبراً .كنا حيثما ذهبنا ,تلقى ترحيباً كبيراً من المواطنين .كان فهد بين الحين والحين يقول :"هذه القرية لا يشملها المشروع "أو "هذه الناحية لا يشملها المشروع "أو "هذا الوادي لا يشمله المشروع "عندما انتهت الجولة اتضح لي أن المشروع الذي أعدت مواصفاته شركة استشارية عالمية يترك ثلث نجران بلا كهرباء .إثر عودتي إلى الرياض تحدثت مع ولي العهد الذي وافق على توسعه إضافية تشمل ما أغفله المشروع الأصلي .واستعمل الأمير مقرن بن عبد العزيز أمير حائل أسلوباً مماثلاً .كنت في زيارة للإمارة ودعاني إلى التجول معه عبر المنطقة .لم يكن يقول شيئاً إلا أن الحر تكفيه الإشارة .كان من الواضح أن عدداً من التجمعات السكنية يعيش بلا كهرباء .حرصت على إضافة توسعة تغطي كل الثغرات في الخدمة .ما حدث في نجران وحائل كان يحدث ,مع اختلاف في التفاصيل ,حيثما ذهبت أتفقد المشاريع على الطبيعة .
كشفت لي هذه الجولات ما يتسم به المواطنون على امتداد المملكة من طيبة وكرم ضيافة ودماثة في الأخلاق ,إلا أنها كشفت لي ايضاً عن عنعنات قبلية كنت أعتقد ,وأنا أستاذ في الجامعة ,أن الزمن قد تجاوزها .يلحظ الوزير هذه العنعنات ,أول ما يلحظها ,في الجهود التي تبذل لدعوته إلى غداء أو عشاء أو "قهوة ".قبول دعوة من هذه الدعوات من قبيلة دون قبول دعوة مماثلة من قبيلة أخرى قد يؤدي إلى مالا تحمد عقباه .يحسن بالوزير أن يترك الموضوع برمته ,لأمير المنطقة الذي يعرف عن الحساسيات القبلية مالا يعرفه أي وزير .أحياناً تشكل هذه العنعنات ,لو استجيب لها ,عقبة تعترض طريق العمل ,خلال إحدى جولاتي قابلت مجموعة من المواطنين أصرت على أن أجلب لها الكهرباء من مدينة أخرى لأنها ترفض التعامل مع المدير شركة الكهرباء (الذي ينتمي إلى قبيلة ثانية )ولم استجيب ,بطبيعة الحال ,لهذا الطلب .وأذكر خلال جولة أخرى أن مواطناً شكرني على إيصال الكهرباء إلى قريته وأضاف أنه كان يتمنى لو تركت القرية المجاورة –التي يسكنها بطن آخر من القبيلة –بلا كهرباء .خلال جولة أخرى ,وكنت في وزارة الصحة ,جاءني وفد يطالب بمستشفى جديد .أحبتهم أن المستشفى القائم يغطي حاجة البلدة .سرعان ما تبين السبب الحقيقي :لا يريد هؤلاء المواطنون التعامل مع مستشفى تقع في منطقة "معادية ".هذه حقائق أتمنى من صميم قلبي أن تزول ,وأتوقع أن تزول ذات يوم ,إلا أنها مادامت قائمة فلا بد أن نعترف بوجودها وأن نتعامل معها بحكمة وحس مرهف .
عندما وقعت آخر عقد من عقود "سابك "الصناعية الكبرى شعرت أن مهمتي ,في مجال الصناعة ,توشك أن تتحقق .تأكد هذا الشعور عندما صدرت "سابك "أول دفعة من منتجاتها البتروكيماوية إلى الخارج .كانت فرحتي ,في ذلك اليوم التاريخي ,لا تصدق .كانت فرحتي أكبر يوم استطعت أن أفي بالوعد الذي قطعته على نفسي أمام ولي العهد :أن تبدأ الحكومة في التنازل على أسهمها للمواطنين .طرحت "سابك "30%من الأسهم للمواطنين السعوديين والخليجيين غطيت بسرعة .كان في نيتي أن أقترح أن تستمر "سابك "في طرح أسهمها حتى لا يبقى في يد الدولة سوى 25%من الأسهم .
كان" التخصص "أولية من أولياتي قبل أن يصبح في عهد مارجريت تاتشر كلمة على كل لسان .كانت الدولة تملك أسهماً في بعض شركات الكهرباء وفي شركة الأسمدة "سافكو "اتفقت مع محمد أبا الخيل على أن تباع هذه الأسهم للعاملين في هذه الشركات ,وأن تسدد أثمانها من الأرباح .تحمس الأمير فهد للفكرة ,ونفذت على الفور .ظل الأمير إني لأقول إني لا أدري في ضوء ما أعرفه عن حماسة الأمير فهد ,وبعد ذلك الملك فهد الشديدة للتخصيص لماذا لم تتمش سرعة الإدارة مع حماسة الملك .
وما دمنا بصدد الحديث عن "التخصيص "فمن الضروري لأن أتحدث عن تجربة هامة ,كنت أرجو أن تكون رائدة في الميدان .مع نهاية السبعينات الميلادية (التسعينات الهجرية )
بدأت أقتنع بفكرة تخصيص مركز الأبحاث والتنمية الصناعية ,وتحويله من ملكية الدولة إلى ملكية العاملين فيه واستقلاله ,نهائياً عن الدولة وعمله على أسس تجارية خالصة (جاءت الفكرة أساساً من عبد العزيز الزامل الذي أرجو أنه لا يزال يذكر ذلك !)من ناحية ,نما القطاع الصناعي في المملكة وتجاوز الفترة التي كان فيها بحاجة إلى دراسات مجانية .من ناحية ثانية ,كنت أود أن يكون المركز ,في شكله الجديد ,أنموذجاً يحتذى لدار استشارية تستطيع تقديم الخدمات كافة التي يمكن أن يحتاج إليها أي مشروع ,من الاقتصادية إلى الهندسية إلى الإدارية .وافق مجلس الوزراء على الفكرة وولدت "الدار السعودية للخدمات الاستشارية ".كان الزميل أحمد التويجري ,وكيل الوزارة لشئون الصناعة متحمساً حماسة شديدة للفكرة الجديدة .كان الزميل رضا أبار مدير عام المركز ,وهو من عائلة تجارية عريقة ,قد قرر التقاعد والتفرغ للعمل الحر .عندما عرضت على أحمد أن ينتقل للعمل نائباً للرئيس وعضواً منتدباً في الدار وافق على الفور (وقع اختياري على الدكتور فؤاد الفارسي ليكون وكيل الوزارة لشئون الصناعة .أثبت فؤاد خلال عمله معي الكفاءة والجد والإخلاص التي تميز عمله في موقعه الحالي وزيراً للأعلام )بقيادة أحمد تحولت المؤسسة الحكومية ,بسرعة مذهلة ,إلى مؤسسة خاصة .بدأت الدار برنامجي تدريب مكثفين مع داري خبرة عالميتين ,أولهما لتدريب المهندسين والثاني لتدريب الاقتصاديين والإداريين .كان الزملاء السعوديون العائدون من هذين البرنامجين يعودون بمستولى من الخبرة يعادل مستوى نظرائهم في المؤسسات العالمية المماثلة .بعد أقل من أربع سنوات على إنشاء الدار كانت في رأيي على الأقل ,واحدة من أفضل الدور الاستشارية في المنطقة كلها .
بعد أن تركت الوزارة ,بسنين طويلة ,قرأت في الصحف أن المؤسسة عادت القهقري لتصبح من جديد مؤسسة حكومية .لم أعاصر هذه الفترة ولا أستطيع التعليق على الملابسات التي قادت إلى هذا التطور .ومع ذلك لا أود أن أبرئ نفسي من المسئولية .لقيت الدار منذ يومها الأول ,هجوماً كاسحاً من المكاتب الاستشارية السعودية التي لم تنظر إليها ,كما كنت أرجو وأتوقع ,نظرتها إلى شريك يقف معها في وجه المكاتب الاستشارية الأجنبية بل إلى منافس ينتزع منها لقمة العيش مسلحاً بمرونة المؤسسة التجارية وبسلطة الدولة .قادني الهجوم الكاسح إلى اتخاذ موقف دفاعي .لم تتسن بين الهجوم المتشنج والدفاع المتشنج أي فرصة للحوار .هنا عبرة للإداري الناشئ :لا يمكن لحوار أن يتم في وجود التشنج ,أزل التشنج ثم ابدأ الحوار .أعرف الآن أن الوسيلة الوحيدة لطمأنة المكاتب الاستشارية كانت دعوتها للمشاركة في رأس مال الدار الوليدة .إلا أن هذا الحل لم يطرأ وقتها ,ببال أحد ,لا أصحاب المكاتب السعودية ولا أنا .لا أقول هذا من باب التبرير .ها أنذا أعترف ,الآن ,أن عدم اشتراك المكاتب السعودية في ملكية الدار كان خطأ أتحمل أنا وأنا وحدي كبره .
إداري يتحدث عن خطأ ارتكبه ؟! أليست هذه سابقة خطيرة ,توحي بالنذر ,في تاريخ البيروقراطية العريق ؟! حقيقة الأمر أنني من أشد المؤمنين بالمقولة الشائعة :إن الذي لا يخطئ هو الذي لا يعمل .مع ضغط القرارات التي اتخذها قد جانبها الصواب .لماذا لا أتحدث ,إذن ,عن هذه القرارات كما تحدثت عن القرارات الصائبة ؟الجواب يكمن في طبيعة الخطأ لا في طبيعتي الشخصية .من طبيعة الخطأ أن الذي يرتكبه لا يعرف أنه يرتكب خطأ .إنه لإداري شرير حقاً هذا الذي يقدم على خطأه وهو يدرك أنه مقبل على خطأ ,وكائنة ما كانت عيوبي فإنني لا أعتقد أني كنت إدارياً شريراً أريد أن أقول ,إن الآخرين أقدر من صاحب القرار على الحديث عن الأخطاء .
ومع ذلك لابد أن أشير إلى مشاريع لم تنجح ,أو لم تتم على النحو الذي أتمناه .هناك أولاً مشروع عصير البرشومي .خلال زيارة للصين الوطنية قدم لي عصير لذيذ جداً لم أشربه من قبل سرعان ما تبين أنه عصير البرشومي .خطرت ببالي ,على الفور ,تلك المساحات الهائلة المغطاة بأشجار البرشومي لقلة الطلب .بعد عودتي إلى المملكة ,فكرت في إقامة مصنع مماثل للمصنع الصيني في منطقة الباحة ,على أن تبدأ الوزارة الفكرة وتتخلى عنها للقطاع الخاص فور ثبوت جدواها .كلفت مركز الأبحاث والتنمية الصناعية بمتابعة الموضوع .جاء فريق من الصين الوطنية وزار المنطقة وشاهد الوضع على الطبيعة وقام بدراسة جدوى تفصيلية .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
من طبعي عندما أترك عملاً ما أن أنصرف عنه بوجهي كلية وأن أضع بيني وبينه أكبر مساحة ممكنة وأن لا أتتبع أخباره .يطبق هذا على عمادة الكلية كما ينطبق على السفارة في البحرين ,وما بينهما من مهام .أحسب أني في ذلك لا أختلف عن الشاعر القديم الذي أعلن :إذا انصرفت عن الشيء... لم تكن إليه بوجه آخر الدهر تقبل . لا يوجد أثقل من مسئول سابق يتابع أعمال المسئولين الحاليين .
تبين أن الثمار كانت متوفرة في موسم واحد فقط ,وأن المصنع لن يستطيع أن يعمل مالم يكن هناك إنتاج غزير متوفر على مدار السنة كان معنى هذا أن تتبع المشروع مزارع شاسعة ,الأمر الذي يتناقض مع الفكرة الأساسية وهي الاستفادة من الإنتاج الموجود .بشيء غير قليل من الأسى ودعت الفكرة .هناك ,ثانياً مشروع القرية الشمسية .كنت مقتنعاً أن المملكة لا بد أن تقوم بدور رائد في مجال الطاقة الشمسية (لأسباب واضحة وضوح الشمس ) وكنت أرى أن من واجب قطاع الكهرباء اتخاذ زمام المبادرة في هذا الميدان .وبالفعل ,اتفقت المؤسسة العامة للكهرباء مع مؤسسة فرنسية متخصصة على إقامة مشروع يمكن عن طريقه إضاءة قرية بأكملها بالطاقة المولدة من أشعة الشمس .بدأ العمل في المشروع وسرعان ما تبين أن المشروع سيفيد في أبحاث الطاقة ولكنه لم يقدم شيئاً يذكر في مجال توليدها .تم الاتفاق مع مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية على أن ينتقل المشروع إليها .كم كان بودي وأنا أترك الوزارة أن أترك خلفي قرية كاملة تضاء في العالم ,ولكن هذه الأمنية ظلت حلماً لم يتحقق .وهناك ,ثالثاً مسألة الصناعات التقليدية .لاحظت خلال زيارتي إلى المغرب وتونس أن هناك وزارة مستقلة تعنى بشئون الصناعة التقليدية .كانت هذه الوزارة تمول المعارض التي يعرض فيها إنتاج الحرفيين التقليديين ,وكانت تتولى تدريب أجيال جديدة من هؤلاء الحرفيين .في المملكة كان عدد كبير من الصناعات التقليدية –على سبيل المثال السيوف والخناجر والمجوهرات البدوية والمنسوجات اليدوية –ينقرض ,أو يكاد .تمثلت المشكلة الأساسية في رأي في وجود حلقة مفقودة بين المنتجين والمستهلكين .كان المنتج ,في قريته النائية بعيداً عن أسواق المستهلكين .ولم تكن أمام المستهلك في المدينة وسيلة للوصول إلى الحرفي في القرية النائية .لم تكن هناك جهة تعنى بالصناعة التقليدية .وصلت إلى اقتناع بأن وزارة الصناعة والكهرباء يجب أن تتخذ زمام المبادرة في هذا المجال .
رفعت الموضوع إلى ولي العهد أقترح إيجاد جهة تعني بهذا القطاع وشكل الأمير فهد لجنة من عدة وزارات لبحث الاقتراح .خلال الاجتماعات قال مندبو وزارة العمل والشئون الاجتماعية إن الصناعات التقليدية من اختصاص تلك الوزارة ,ومن صلب اختصاص مراكز التنمية الاجتماعية تحديداً .كنت وقتها أخوض معارك طاحنة على كل جبهة ولم أجد من الملائم دخول معركة جانبية مع وزارة أخرى .أدرك ,الآن ,أن واجبي كان يفرض علي أن أخوض هذه المعركة الجانبية .ظلت الصناعات التقليدية ,حتى هذه اللحظة ,بلا جهة حكومية تمد لها يد العون ,ولم يستفيد هذا القطاع ,كما كان ينبغي أن يستفيد ,من خيرات التنمية التي كانت توزع بكل سخاء .كان هناك عدد من القرارات السليمة وعدد من القرارات المعيبة ,أحلام كثيرة تحققت وأحلام كثيرة لم تتحقق ,معارك انتهت بالنصر ومعارك انتهت بالهزيمة ,وكانت عجلة السنين تدور .مبدأ المنفعة المتناقصة كان ينطبق بحذافيره ,السنة الأولى في الوزارة كانت أسعد من التي تليها ,والتي تليها أسعد من التي تليها ,حتى وصلت إلى مرحلة كنت أتحرك فيها بفعل الواجب ,والواجب وحده ,بعد أن توارت كل المشاعر النشوة والإثارة والمتعة التي واكبت قدوم المنصب الوزاري .عندما توليت وزارة الصحة كنت قد أمضيت في وزارة الصناعة والكهرباء سبع سنوات كان هناك إجماع ,أو أشبه أو شبه إجماع إذا أردنا الدقة ,أن الوزارة استطاعت تنفيذ كل البرامج المنوطة بها في الخطتين الخمسيتين الثانية والثالثة ,وكان في كل مكان تقريباً عن وزارة "ناجحة "إلا أن هناك معياراً آخر للنجاح لا علاقة له بالإحصائيات والأرقام .الإداري الذي لا يمكن أن يستغني العمل عن وجود لحظة واحدة .على النقيض من ذلك تماماً ,الإداري الناجح هو الذي يستطيع تنظيم الأمور على نحو لا تعود معه للعمل حاجة إلى وجوده .أعتقد أني بعد هذه السنوات السبع وصلت إلى هذه المرحلة .عندما توليت وزارة الصحة بالنيابة كنت قادراً على أن أعطيها ثلاثة أرباع وقتي وأحتفظ بربعه فقط للوزارة الأصلية ,هذه الوزارة التي استقر تنظيمها وأداؤها بحيث لم يعد يحتاج إلى المتابعة الدقيقة المباشرة
حقيقة الأمر أني كنت ولا أزال ,من المؤمنين أن الوزارة تكليف وليست مهنة .وكنت ولا أزال ,من المؤمنين أن مدة هذا التكليف يجب أن تكون خمس سنوات .في أقل من هذه الفترة لا يستطيع الوزير تحقيق إنجازات تبقى ,وبعد هذه الفترة يصعب عليه تحقيق إنجازات تذكر .بمعنى آخر ,يعطى الإنسان كل جديد لديه على مدى خمس سنوات ثم يبدأ في تكرار نفسه .إذا أثبت الوزير كفاءة استثنائية فمن الأفضل للعمل وله أن ينتقل إلى وزارة أخرى .والحديث عن الوزارة الأخرى يقودني إلى الحديث عن تجربتي القصيرة المثيرة جداً مع وزارة الصحة .
في خريف سنة 1981م(1401ه)كنت في الطائرة مع ولي العهد عائدين من مؤتمر قمة عربي إلى الرياض .صادف أن كنت بمفردي ,معه في الصالون ,وكان يقرأ معاملات أمامه ,ويتحدث إلى بين الحين والآخر ثم يعود إلى الأوراق .بغتة رفع رأسه من المعاملات وقال لي :"ماذا أفعل بوزارة الصحة ؟اخترت لها أكفأ الرجال ورصدت لها أضخم الاعتمادات ومع ذلك لم تتحرك .هذا هو القطاع الوحيد الذي يواكب التنمية .
كانت عندنا مشاكل مع الكهرباء وانتهت .كانت عندنا مشاكل مع التموين وانتهت .كانت عندنا مشاكل مع الموانئ وانتهت .في كل مجال انتهت المشاكل إلا في مجال الصحة .المشاكل تزداد يوماً بعد يوم ."لا أدري ما دفع ولي العهد إلى هذا الحديث المفاجئ عن وزارة الصحة ولعله كان يقرأ تقريراً عن الخدمات الصحية .لم أعلق واستمر في الحديث :"هذا الجهاز ميئوس منه .عندما ظهرت الحاجة إلى مستشفيات جديدة اضطررت إلى فرضها فرضاً على وزارة الصحة .تصور وزارة الصحة لا تريد مستشفيات جديدة "كنت أستمع صامتاً واستمر الأمير فهد :"هل تدري ماذا قررت أن أفعل ؟قررت أن اتولى وزارة الصحة بنفسي ,أتولاها شخصياً "لا أدري حتى هذه اللحظة ,هل كان ولي العهد يحاول بطريق غير مباشر إيصال رسالة إلي أم أنه كان يفكر بصوت عال .قلت على الفور :"إذا وصلت الأمور إلى هذا المرحلة فلماذا لا تبدأ بخيار آخر ؟قال :ماذا تقصد ؟.قلت :"أنا رهن إشارتك .دعني أحاول "قال :"بعد سنوات من الجهد بدأت تجني الثمار .تحسنت أوضاع الصناعة وتحسنت أوضاع الكهرباء .كيف تترك وزارة ناجحة وتنتقل إلى وزارة لم ينجح فيها أحد ؟قلت :"أنا رهن أشارتك "قال :"هذه تضحية لن أنساها لك ".بعدها ,تشعب الحديث إلى مواضيع أخرى .
هكذا بدأت القصة ,بلا تخطيط وبلا مقدمات ,بين الأرض والسماء .عندما عدت أخذت أفكر ,بعمق ,في ما قاله ولي العهد .لماذا ظل القطاع الصحي ,رغم وجود الوزراء الأكفاء والاعتمادات المالية متخلفاً عن بقية القطاعات ؟بدأت ما يمكن أن أسميه استفتاء شخصياً مع عدد من العاملين من القطاع .قال لي زميل سبق أن تولى وزارة الصحة إنه عجز عن فصل ممرضة سيئة مهملة كانت الوساطات تعيدها ,مرة بعد مرة رغم تعليمات الوزير حتى كف المحاولة .وقال لي زميل سبق أن تولى وزارة الصحة إن طبيباً أدين بالإهمال الإجرامي الذي أدى إلى موت عدة مرضى ,ومع ذلك لم يستطع أن يفصله .اضطر الوزير في النهاية إلى أن يقنت بعد صلاة العشاء داعياً المولى عز وجل أن يقي الناس شر هذا الطبيب .اتقوا سهام الليل !مات الطبيب في حادثة اصطدام .إذا لم يستطيع الوزير فصل ممرضة فكيف يستطيع تحريك جهاز يتكون من عشرات الآلاف ؟اتضح لي أن العقبة الرئيسية التي حالت دون تطوير المرفق الصحي هي انعدام الانضباط .في كل ركن هناك شخص مدعوم –أو يدعي أنه "مدعوم "- لا يستطيع أحد زحزحته .واتضح لي أنه بدون إدخال انضباط صارم يشمل كل موظف في الوزارة ,كبيراً كان أم صغيراً فإن شيئاً لن يتغير .مالم يستوعب القارئ هذه الأهمية القصوى التي علقتها على الانضباط فقد يصعب عليه فهم تصرفاتي في الوزارة .أعتقد ولا أعلم ,أن عدداً من أسلافي في المنصب بلغ بهم اليأس من إصلاح الجهاز حداً جعلهم يتركون الجهاز وشأنه ويحاولون تحقيق الإصلاحات عن طريق مجموعة صغيرة من الموظفين الذين يثقون بهم ,فالنتيجة هي المزيد من التسيب في الجهاز .
تبين لي أن السبب الثاني يعود إلى أن المراكز القيادية في وزارة الصحة لم تتغير عبر أكثر من ربع قرن رغم تغير الوزراء المتكرر .المسئولون أيام حديثي مع ولي العهد كانوا هم أنفسهم المسئولين يوم كان عدد المستشفيات لا يتجاوز عدد أصابع اليدين .كانت مشكلتهم لا تختلف عن مشكلة المسئولين عن شركات الكهرباء :تعودوا على الحركة البطيئة عبر السنين حتى فقدوا القدرة على الحركة السريعة .لم تكن المشكلة أنهم كانوا يفتقرون إلى النزاهة أو الكفاءة أو الاخلاص .كانت المشكلة أنهم درجوا على نهج معين من التفكير وكان من الصعب عليهم أن يغيروه .هنا درس للإداري الناشئ :محاولة تطبيق أفكار جديدة بواسطة رجال يعتنقون أفكار قديمة هي مضيعة للجهد والوقت .كانت الأولوية الثانية بعد الانضباط هي إدخال دماء هي مضيعة للجهد والوقت .كانت الأولوية الثانية بعد الانضباط هي إدخال دماء جديدة في الجسد العتيق .عندها فقط يمكن الانتقال إلى التنظيم والتخطيط والتنفيذ ,وهي عملية كنت أقدر أنها ستستغرق خمس سنوات قبل أن تؤتي أكلها .
لم يتحدث الأمير فهد معي عن وزارة الصحة مرة أخرى .مرت الأيام ولم يحدث شيء .في صيف سنة 1982 م (1402ه)توفي الملك خالد رحمه الله على إثر نوبة قلبية في الطائف .وأصبح ولي العهد الأمير فهد ملكاً ,وأصبح الأمير عبدالله ولياً للعهد ونائباً لرئيس مجلس الوزراء وأصبح الأمير سلطان نائباً ثانياً لرئيس مجلس الوزراء .لم تحدث أي تغييرات وزارية في عهد الملك الجديد .في خريف تلك السنة طلب الصديق الدكتور حسين الجزائري أن يعفى من وزارة الصحة لرغبته في الانتقال إلى وظيفة قيادية في منظمة الصحة العالمية ,ووافق الملك .كدت أنسى حديث الطائرة عندما فوجئت بمكالمة هاتفية من الملك فهد .قال :"هل تذكر حديثاً عن وزارة الصحة ؟"قلت: نعم قال :ألا زلت مستعداً لتوليها ؟قلت "سأبذل جهدي "قال :"حسناً ! أود أن تبدأ في مطلع الأسبوع القادم .سوف تكون وزيراً بالنيابة ,في البداية حتى أختار من يخلفك في وزارة الصناعية والكهرباء ثم تصبح وزيراً أصيلاً للصحة "قلت :"أنا على استعداد "قال :لابد أن أحذرك .التركة ثقيلة جداً أثقل مما تتصور قلت :بعون الله ثم بدعمك يمكن أن تذلل كل العقبات .قال :سوف أقف معك في كل خطوة .قلت :إذن لن تكون هناك مشاكل إن شاء الله .قال :على بركة الله .في هذه الأثناء عطلة نهاية الأسبوع ,كان أكثر من مواطن يتلقى التهنئة بعد أن سمع من مصادر مطلعة أنه سوف يكون وزير الصحة الجديد !
حتى أكون منصفاً في حق زملاء كرام سبقوني في وزارة الصحة وأسلاف كرام خلفوني فيها لا بد أن أقول بصراحة إن الخدمات الصحية في المملكة لم تكن قط موضع رضا من أحد .كان الناس يتذمرون في أيامي .وهذه الظاهرة ,الشكوى من الخدمات الصحية ,ظاهرة عالمية تشمل الدول كلها ,النامية والصناعية على حد سواء .
في الولايات المتحدة يضرب المثل بالقطاع الصحي في السوء وارتفاع التكلفة .إصابة المواطن الأمريكي بمرض مزمن تؤدي إلى إفقاره والقضاء على مستقبله .كل المحاولات الرئيس كلينتون الجاهدة لإدخال إصلاحات جزئية على القطاع باءت بالفشل الذريع .في بريطانيا ,وأتكلم هنا عن معايشة شخصية ,لا يمل الناس الشكوى من الخدمات الصحية .ذات يوم ذهبت والدة وزير الصحة في حكومة المحافظين السابقة إلى قسم الطوارئ في مستشفى قريب وكانت تشكو التهاباً حاداً في الزائدة الدودية ,وظلت ساعات طويلة تنتظر وصول طبيب يشخص حالتها .رأيت في حي من أحياء لندن الشعبية ,وأنا أعود مريضاً سعودياً ,مستشفى لم أر أقذر منه في حياتي (وقد رأيت عدداً لا يستهان به من المستشفيات القذرة !)فترة الانتظار في العمليات الجراحية البسيطة والمعقدة على حد سواء ,قد تصل عدة سنوات .أما حوادث تحرش الأطباء الجنسي بالمريضات فلا يكاد يوم واحد يمر دون خبر أو خبرين عنها .أقول ,بصراحة إن الذين اعتقدوا أن الخدمات الصحية تحسنت تحسناً جذرياً خلال فترتي القصيرة في الوزارة نظروا بعين العاطفة والرضا لا بعين المنطق والحياد .يجمع خبراء الإدارة العامة أنه لا يوجد مرفق تصعب إدارته كما تصعب إدارة المرفق الصحي .وتلمس السبب لا يتطلب الكثير من الجهد .لا يزور المواطن العادي وزارة الصناعة إلا إذا كان من الصناعيين ,ولا يزور وزارة الزراعة إلا إذا كان من المزارعين ,وقد يعيش أو يموت دون أن يدخل مخفر شرطة أو مكتب عمل .الوضع مع وزارة الصحة يختلف تماماً في المرفق الصحي يولد الطفل ويعطى التطعيمات ويختن الولد .وهناك فحص طبي قبل كل مرحلة هامة من حياة الإنسان .ولا يكاد يوم واحد يمر دون أن يمرض فرد من أفراد العائلة .إذا أضفنا إلى هذه العلاقة اليومية المتشعبة والمتشابكة ,حقيقة هي أن الناس الذين يتعاملون مع الخدمات الصحية لا يكونون وقتها في أفضل حالاتهم النفسية ,والأرجح أنهم في أسوئها أدركنا لماذا كان رضا الناس عن هذه الخدمات ضرباً من المستحيل .
وإذا كانت هناك عوامل موضوعية تحول دون رضا الناس عن الخدمات الطبية حتى في أكثر الدول تطوراً فإن في المملكة عوامل أخرى تضفى على الوضع المزيد من التعقيد .الأغلبية الساحقة من العاملين في الميدان الصحي من غير السعوديين .هذا في حد ذاته ,لا يعيب السعوديين ولا يعيب هؤلاء العاملين إلا أنه يؤدي إلى عدد من المشاكل .يتم التعاقد بسرعة يستحيل معها فرز العناصر الصالحة من الطالحة .عندما يكون الطبيب من الباكستان والممرضة من الفلبين ,وأخصائي المختبر من تايلاند ,نصبح أمام مجموعة يصعب عليها التخاطب المباشر فضلاً عن العمل بروح الفريق الواحد .الرغبة الجامحة في الحصول على قدر من المال يكفي للعودة إلى الوطن والاستقرار فيه تجعل الطبيب أو الممرض المتعاقد عرضة لإغراءات لا يتعرض لها الطبيب أو الممرض السعودي .حجم المملكة الهائل وتشعب جغرافيتها يجعل من العسير على المركز في الرياض أن يمارس الرقابة الفعالة المطلوبة في الأطراف .من الذي سيذهب إلى قمة جبل ناء ليري أداء العاملين في مستوصف صغير ؟
في الدول الصناعية هناك جهات عديدة يمكن أن يلجأ إليها المواطن الذي يتظلم من سوء الخدمات الصحية .هناك أولاً المحاكم .كل مريض يعتقد أن الطبيب أهمل في علاجه يرفع قضية مطالباً بتعويض ضخم (في الولايات المتحدة قد يصل التعويض إلى ملايين الدولارات وفي بريطانيا قد يصل إلى مئات الآلاف من الجنيهات )وهناك ثانياً ,نقابات الأطباء لا تستطيع نقابة ,بالغة ما بلغت قوة روح النقابة ,التساهل مع إجرام يسيء إلى سمعة النقابة كلها .شطب الاسم من النقابة سيف مصلت على رأس الطبيب يعني وجود رقابة يومية مستمرة .هناك ,ثالثاً وسائل الإعلام المتأهبة للانقضاض .عندما رفض مستشفى علاج طفل في بريطانيا تحول الحادث مادة مثيرة شغلت وسائل الإعلام عدة أيام .
في البلاد النامية لا تكاد توجد أمام المواطن المتظلم سوى وزارة الصحة .لا توجد نقابات فعالة ,ولم يتعود الناس رفع قضايا ضد الأطباء المهملين ,وهناك خطوط حمراء لا تستطيع وسائل الإعلام تجاوزها .وزارة الصحة هي الملاذ الوحيد ,الخصم والحكم .بحكم غريزة البقاء ,إضافة إلى روح النقابة ,ينزع جهاز الوزارة إلى الوقوف ,صفاً واحداً ضد شكاوى المواطنين .عندما أحس المواطنون أني أقف في صفهم لا في صف الجهاز كانت هذه ظاهرة جديدة عاملاً من عوامل نشوء الأسطورة التي سوف أتحدث عنها بعد قليل .
بدأت عهدي في وزارة الصحة بداية مدوية .بدأت بزيارة مستشفى في جدة دون إنذار مسبق (أعتقد ولا أعلم أن الزيارات المفاجئة كانت نادرة الحدوث قبلي ).دخلت بدون بشت –لم ألبس البشت في أي زيارة ووقفت مع المراجعين .بعد فترة ,عرفني أحد المرضى وجاء وسلم علي تنبه الموظفون وتنبه المدير الذي جاء مسرعاً بادى الاستغراب .كان خبر تكليفي بالوزارة أذيع ذلك الصباح ,ولم يكن الخبر انتشر .ماذا يفعل وزير الصناعة والكهرباء في المستشفى ؟عندما علم المدير أني وزير الصحة بالنيابة زاد استغرابه .ماذا يفعل وزير الصحة في المستشفى ؟وعندما قلت له إنني أريد أن أزور "كل شبر في المستشفى وصل الاستغراب حد الذهول .
كانت الأوضاع مزرية :كثير من النوافذ بلا زجاج ,وطاولات الكشف مغطاة بالصدأ .كلما سألت المدير عن شيء قال لي :"لا توجد نقود "عندما دخلت غرفة الغسيل اكتشفت جبالاً من الملاءات القذرة ,ووجدت أن الغسيل يتم بالأيدي وبالأرجل ,بطريقة لم تتغير منذ نصف قرن .والمطبخ !حسناً ! لا أود الحديث عن المطبخ ! عندما أنهيت الجولة كنت مقتنعاً أن المدير كان يرى الكثير من أجزاء المستشفى ,كما كنت أراها لأول مرة .في مكتبه وجدت طقم مفروشات فخماً لا تقل قيمته وقتها عن عشرين ألف ريال .قلت "كيف وجدت المبلغ لشراء هذا الطقم ولم تجد ألف ريال لإصلاح النوافذ ؟"لم يجب .نقلت المدير من موقعه إلى عمل آخر وجازيته بخصم راتب شهرين ,ونشرت الخبر في الصحف .يبدو من ردود الفعل الفورية ,أن هذه كانت المرة الأولى التي يتخذ فيها إجراء صارم كهذا ,أو على الأقل المرة الأولى التي يعرف فيها الناس باتخاذ إجراء صارم كهذا .
في الأسبوع الأول وجدت على مكتبي برقية جاهزة للتوقيع موجهة إلى الملك .تتحدث البرقية عن أمر ملكي بعلاج مواطن في عينه اليسرى وتضيف أنه تبين أن العلة في عينه اليمنى وترجو صدور أمر ملكي جديد بعلاج العين اليمنى بدلاً من اليسرى .ألم أقل أن الجهاز كان بحاجة إلى دماء جديدة ؟لم أوقع البرقية ولم أرسلها .كتبت للإدارة المعنية "عالجوا عينه اليمنى أو اليسرى أو كليهما !"
في يومي الأول بمبنى الوزارة في الرياض كانت هناك قنبلة إدارية أخرى شديدة الانفجار .كنت أعرف أني لن أجد معظم الموظفين على مكاتبهم وجئت مستعداً .أحضرت معي ثلاثمائة بطاقة شخصية تحمل اسمي وكنت قد كتبت على كل منها "حضرت بعد بداية الدوام بأكثر من ساعة ولم أجدك أرجو ألا يتكرر هذا التصرف "طفت بالمكاتب أترك البطاقة على كل مكتب لا أجد صاحبه عليه (كانت معظم المكاتب بالفعل خالية )في اليوم التالي قدم المسئول كبير استقالته احتجاجاً على هذه الإهانة لم آمر بها ولم تسؤني ! قبلت استقالته على الفور .
من ذلك اليوم الأول إلى أن تركت الوزارة لا أعتقد أن موظفاً واحداً تخلف عن العمل إلا لأسباب مشروعة .من أطرف ما مر بي في تلك الجولة أنني وجدت في مكتب من مكاتب الوزارة فراشاً يغط في نوم عميق .حاولت إيقاظه ,وعندما استيقظ نظر إلي بغيظ وقال :"ماذا تريد ؟ألا ترى أني "أصفر "على الباب وجدت زميلاً له يراقب ما حدث .سألت الزميل عن اسم صاحبنا النائم ورد الزميل "لماذا تريد اسمه ؟رجل متعب ويصفر .حقاً إنك فضولي "التفت إلى الزميل الدكتور حمد الصقير وكان وقتها وكيل الوزارة للشئون الصحية (قبل أن ينتقل ليرأس جمعية الهلال الأحمر السعودي )وقلت :لابد من اتخاذ إجراء "رد حمد :"أرجو ألا تبدأ بالفراشين .لعلة في من هم أكبر "كانت النصيحة في محلها ,وأغناني المسئول الكبير المستقيل عن اتخاذ أي إجراء مع أحد .
في أسبوعي الأول جاءتني أول قضية من قسم التحقيق. أصيب طفل بحروق من الدرجة الثانية والثالثة وذهب به والده إلى أقرب مستشفى .كان الطبيب وراء الطاولة ورفض أن يقوم ليفحص الطفل .عندما ضج الأب رمى الطبيب له –لم يعطه ولكن رمى له! علبة مرهم وقال إن عليه أن يدهن الطفل بها .ذهب الأب يصرخ أمام أمير المدينة الذي رتب سيارة إسعاف تأخذه إلى مستشفى كبير .هناك تلقى الطفل الإسعافات اللازمة وأمكن إنقاذ حياته .هذه وقائع القصة كما كشف عنها التحقيق .قررت مجازاة الطبيب بخصم راتب شهرين .لم أعتقد وقتها ولا أعتقد أن أي منصف بين القراء يعتقد الآن .أن العقوبة كانت قاسية .نشر الخبر في الصحف ,وكان هناك المزيد من الدوي .لابد أن أقول هنا إني لم أكن أنشر أسماء الأشخاص الذين تتخذ بحقهم إجراءات تأديبية ولا طبيعة عملهم ولا مكانه .كان الهدف الردع وليس التشهير .في حالة واحدة واحدة فقط قررت أن فداحة الجرم المرتكب تبرر التشهير ونشرت مع الخبر وظيفة الشخص .وحتى في هذه الحالة ,لم ينشر الاسم .
لابد هنا أن أوضح أن الناس كانوا يعتقدون أن كل العقوبات صادرة من وزير الصحة شخصياً .كان هذا أبعد ما يكون عن الواقع .كانت هناك في حقيقة الأمر ,ثلاثة أنواع من المخالفات .هناك أولاً المخالفات الطبية وهذه تبت فيها اللجنة الطبية الشرعية التي وجدت منذ عهد بعيد وربما منذ إنشاء الوزارة هذه اللجنة تضم أطباء متخصصين من عدة جهات حكومية بالإضافة إلى قاض شرعي .كل إهمال ينسب إلى طبيب أثناء العلاج كان يحال إلى هذه اللجنة .عدد كبير من القرارات الصارمة التي أعجب بها الناس وظنوها صادرة من الوزير الجديد ,كانت تصدر بانتظام من اللجنة قبل قدوم هذا الوزير .لم يسمع الناس عنها من قبل لأنها لم تكن تنشر من قبل ,وإلى موضوع النشر سأعود بعد قليل وكانت هناك أخطاء جنائية لا يمكن أن تبت فيها إلا المحاكم الشرعية في عهدي خطفت ممرضة تعمل في مستشفى ولادة توأماً من توأمين أنجبتهما مواطنة وذهبت إلى الحمام وادعت أن الطفل طفلها وأنها ولدته في الحمام .خطفت طفل ! هذا موضوع يخرج عن اختصاص وزير الصحة .اتخذت قراراً بإحالة الموضوع إلى المحكمة الشرعية التي أصدرت حكماً رادعاً يتضمن الجلد والحبس والإبعاد .وكانت هناك حالات اغتصاب .اغتصاب ! هذه جريمة بدورها ,من اختصاص المحاكم ,والمحاكم وحدها كنت أحيل كل خطأ جنائي على الفور إلى المحكمة .
يبقى نوع واحد من الأخطاء كنت أرى أنه يقع ضمن اختصاصي واختصاصي وحدي ,وهو التجاوزات الإدارية سواء ارتكبها طبيب أو غير طبيب .المدير الذي لم يكن يعرف ما يدور في مستشفاه لم يخطئ خطأ طبياً : كانت مخالفته إدارية .والطبيب الذي رفض أن يعالج الطفل ارتكب بدوره مخالفة إدارية .كل قرار تأديبي اتخذته كان من هذا النوع ,.ومن هذا النوع وحده .كان بوسع أي موظف يعتقد أن القرار المتخذ بشأنه مجحف أن يلجأ إلى ديوان المظالم .حسب علمي لم يتظلم أحد .
فلنعد إلى موضوع النشر .تذمر عدد من الاطباء من موضوع نشر العقوبات ,وقالو إن النشر يزعزع ثقة الناس في الأطباء .هذه جهة نظر أقدرها إلا أنها لم تكن تعكس الواقع .كانت الصحف تنشر الكثير عن تجاوزات الأطباء ,وبعض ما تنشره دقيق وبعضه مبالغ فيه وبعضه مختلق ,وكانت الثقة في أطباء الوزارة مزعزعة أصلاً كنت أرى النشر سيسهم في إعادة الثقة :عندما يشعر المواطن أن الطبيب المهمل سيحاسب يمكنه أن يتعامل ,باطمئنان مع الأطباء .كنت أقول إنه عندما تكف الصحف عن نشر التجاوزات سوف أكف عن نشر العقوبات .لم تكف الصحف ولم أكف أنا التهاون ,لا النشر ,كان سبب انهيار الثقة بعد إجراءات ترسيخ الانضباط بدأت عملية إدخال الدماء الجديدة إلى الوزارة .قيل الكثير عن "المذابح الإدارية "التي تمت وكنت خلال تلك الفترة أشجع هذا الحديث .كنت أريد أن يعرف الجميع أنه لا يوجد أحد يتمتع بحصانة ضد الفصل أو النقل .الحقيقة المجردة ,
بالأرقام لا تكشف الكثير من الضحايا ولا بحيرات من الدم المراق .عدد المسئولين الذين أنهيت خدماتهم لا يتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة .وعدد المسئولين الذين نقلتهم من موقع إلى موقع (استشاري غالباً)لا يتجاوز عدد أصابع اليدين .خمسة عشر موظفاً في جهاز من عشرات الآلاف هذا حديث الأرقام لا تستطيع أن تكشف الأسباب التي دفعت بعض الناس إلى الحديث عن مذبحة ,قيل إنها أعظم مذبحة إدارية في تاريخ المملكة !
هناك أسباب عديدة منها ما يتعلق بطبيعة المجتمع السعودي ,ومنها ما يتعلق بطبيعة الوظيفة في المملكة ,ومنها ما يتعلق بعمل الطبيب ومنها ما يتعلق بطبيعتي الشخصية .في المجتمع السعودي تربط الفرد بأسرته وبقبيلته روابط من حديد .عندما يتخذ المسئول موقفاً من موظف فإنه شاء أو لم يشأ ,يتخذ موقفاً من أسرته بأكملها ,ومن عشيرته كلها إذا كان ينتمي إلى عشيرة .هناك أفراد لا يتحدثون معي حتى هذه اللحظة للأني اتخذت إجراء بشأن موظف من أسرتهم قبل عقدين من الزمان ! من ناحية ثانية ,درج الناس في المملكة على أن يعتبروا الوظيفة حقاً لا ينتهي إلا بالموت أو التعاقد .والنقل من عمل إلى آخر في جو "الوظيفة حتى الموت "لا يبدو إجراء إدارياً معتاداً بل هجوماً مؤكداً على حق مكتسب .من ناحية ثالثة ,هناك خصوصية حميمة لعمل الطبيب لا توجد في أي مهنة أخرى .يدخل الطبيب البيوت ,ويرى العورات ,ويعالج كل أفراد الأسرة ويصبح بمرور الوقت بمثابة فرد منها .في القرى الصغيرة يتحول الطبيب إلى مركز قوة :يعالج أمير القرية ,ويعالج الشرطة ويعالج رئيس كل دائرة ويتحول كل هؤلاء إلى "لوبي "يقف معه ظالماً أو مظلوماً .فصل طبيب واحد يعني ببساطة معاداة عشرات الأفراد .كنت أقول إن قلع ضرس من اضراسي أسهل من إنهاء التعاقد مع طبيب .وهناك سبب يتعلق بطبيعتي الشخصية .كان من الممكن أن تتم الإجراءات تدريجياً وبالطريقة البيروقراطية المعروفة منذ وجدت الديموقراطية :تجميد الموظف أو "ركنه "حتى يسأم ويرحل ,أو تجاوزه إلى مرؤوسيه إذا رفض أن يسأم أو يرحل .لو فعلت هذا لكان من الممكن بعد سنتين أو ثلاث أن أصل إلى النتيجة التي وصلت إليها بعد أسبوعين أو ثلاثة .إلا أن هذا الأسلوب المراوغ لا يتفق مع طبيعتي ,ولا مع الروح التي قدمت بها إلى وزارة الصحة :الانضباط من أول يوم والانضباط بأي ثمن .
في القول الشهير المنسوب إلى عنترة يبدأ بطلنا بالجبان فيضربه ضربة ينخلع لها قلب الشجاع فينثني إليه فيقتله .أنا شخصياً أشك في حكمة هذه الإستراتيجية .لو بدأ فارسنا المعركة بقتل الشجاع لانتهت المعركة ,على الفور ,بفرار البقية .عندما بدأت بتحريك مسئولين كبار كان الاعتقاد الشائع أن أحداً لا يستطيع تحريكهم ,لم أعد بحاجة إلى اتخاذ أي إجراء مع المسئولين الصغار .بدون المذبحة الإدارية ,إذا سلمنا أنها مذبحة إدارية ,لم يكن ليتحقق الانضباط الذي لمسه كل مواطن من الشهر الأول .بعد ذلك جاء دور الدماء الجديدة . بدأت بحكم الطبيعة البشرية أنقب في المواضيع التي أعرفها معرفة جيدة جاء عدد من الشباب من الجامعة ومن كليتي القديمة تحديداً جاء البعض بصفة استشارية والبعض في إعارة مؤقته وجاء البعض وعملوا في الوزارة بصفة دائمه واخترت عدداً من العناصر الكفؤة من قطاع الصناعة والكهرباء يقل عن عدد اصابع اليد الواحدة حقيقة الأمر أن الدماء الجديدة في مجموعها جاءت من داخل وزارة الصحة كانت هناك عناصر كفؤة عديدة من الاطباء ومن المتخصصين في إدارة المستشفيات تبحث عن مواقع ومع تزحزح المسئولين القدامى أتيحت الفرصة لهذه العناصر لكي تتولى المراكز القيادية بدون هؤلاء الشباب الذين أصبح معظمهم معروفاً وبقي بعضهم مجهولاً لم يكن بالإمكان أن يتحقق أي تغيير حتى أعظم قائد أوركسترا في العالم لم يستطيع أن يفعل شيئاً بدون فرقة من الموسيقيين المدربين . لعل هذا هو المكان الأنسب للحديث عن الجوالات التفقدية لابد أن القارئ أدرك أنه ليس في هذه الجولات ما يختلف عن الجوالات التفقدية التي كنت أقوم بها خلال أعمالي السابقة إلا أن الفصول والميناء والقطار والمصانع والمحطات الكهربائية لا تمس حياة الناس ومشاعرهم كما تمسها المرافق الصحية هذه الجوالات التفقدية التي لم تكن سوى جزء روتيني طبيعي من عملي تحولت في نظر الإعلام والناس إلى شيء مذهل ساهم بدورة في نشوء الاسطورة . على خلاف ما كان يعتقده الناس لم تكن هذه الجوالات تستغرق معظم وقتي كنت حرصاً على أن أزور مرفقاً صحياً واحداً كل يوم أحياناً كنت أقضي ربع ساعة وأحيانا نصف ساعة ويندر أن أبقى أكثر من ساعة وبخلاف ما كان يعتقدة الناس لم تكن الجوالات تنتهي عادة بالعقوبات كثيراً ما كانت تنتهي برسائل شكر إلى موظفين وجدتهم يمارسون عملهم بكفاءة عالية رغم ضغط العمل الشديد كانت كل جولة تحقق بلا عقوبات نتائج لا تصدق أذكر مرة أني ذهبت لزيارة مستشفى خارج مدينة الرياض في أول غرفة دخلتها كانت الأوضاع سيئة قضيت في الغرفة دقيقتين أو ثلاثاً وعندما انتقلت إلى الغرفة الثانية وجدت الأوضاع فيها أفضل من السابقة (تسرب الخبر عن وصول الوزير !) عندما وصلت إلى الغرفة السادسة كان كل شيء كما ينبغي أن يكون من النظافة والترتيب في الغرفة السابعة رأيت زهوراً جُلبت على عجل من الحديقة ووزعت في أنحاء الغرفة في نهاية الجولة قلت لمدير المستشفى إن كل ما أرجوه أن تكون كل الغرف طيلة الوقت كالغرفة السابعة حين وصلتها .
كان الهدف الأساسي من الجولات هو أن أرى الأوضاع على الطبيعة بنفسي وكانت معروفة الأوضاع تساعد على اتخاذ القرار السليم تعودت أن اذهب إلى قسم الطوارئ في المستشفى المركزي "الشميسي" بالرياض قبيل منتصف الليل مرة كل أسبوع لم أكن أفعل شيئاً ولم أتخذ أي قرار تأديبي كنت أجلس وأراقب ما يدور حولي اكتشفت أن ضغط العمل كان هائلاً بحيث لا يستطيع أن يتخيله من لم يره بعينه كانت كل حوادث السيارات في العاصمة تنصب في هذا القسم وكانت كل إصابة تحدث أثناء الليل مهما كانت طفيفة تنتهي في هذا القسم أحيانا كانت تصل سيارات الإسعاف وتصل وعليها خمسة أو ستة مصابين في حوادث مرور وقد يصل العدد إلى تسعة أو عشرة . يستحيل على الطاقة البشرية الموجودة أن تتعامل مع هذا العدد الكبير من الإصابات الخطرة بالإضافة إلى أعداد لا تنتهي من الإصابات الطفيفة رأيت في قسم الطوارئ من كان يجئ لتضميد جرح سطحي ومن كان يجئ لأنه شعر قبل النوم بصداع خفيف . قادني ما رأيته إلى اتخاذ قرارين هامين كان القرار الأول هو توسعة قسم الطوارئ بحيث يصبح مستشفى صغيرة متكاملة وبدأ العمل على الفور في التوسعة . وكان القرار الثاني هو تخفيف الضغط على القسم لا يمكن لقسم واحد أن يخدم بمفردة سكان عاصمة تجاوز عددهم تلك الايام المليون حصلت من الملك على قرار بأن على كل مستشفى حكومياً كان أو خاصاً أن يفتح قسماً للطوارئ يستقبل الحالات العاجلة لم تكن أي مستشفى راغبة في تأخذ على عاتقها هذه المسئولية الإضافية ولكن مضيت في متابعة أمر الملك حتى فتح عدد من المستشفيات هذه الأقسام عندما تركت الوزارة كانت نسيبة كبيرة من الحالات البسيطة قد تصل إلى الثلث تنصب في طوارئ المستشفيات الأخرى . بعد قرابة شهر من التكليف سألني الملك فهد إذا كنت احتاج إلى شيء قلت له أن ميزانية الوزارة تتجاوز عشرة بلايين ريال ولم يكن يصرف منها سوى أكثر من النصف بقليل قلت إن ما احتاج إلية هو شعور الناس أنه يقف معي في كل الخطوات التي اتخذتها والتي سأتخذها مستقبلاً في بادرة سخية غير معهودة قال "أعد الخطاب الذي يتضمن تفويضك بالصلاحيات المطلوبة وسأوقعه "أعددت مسودة خطاب يؤكد تأييد الملك لي ويفوضني في اتخاذ "كافة الاجراءات " الضرورية لتطوير المرفق سألني الملك مرة أخرى :"هل أنت متأكد أنك لست بحاجة إلى اعتمادات إضافية ؟"كان حرص الملك على تحسين الخدمات الصحية لا يقل عن حرصي وقد يزيد قلت :"الاعتمادات تكفي ولكن الإجراءات المالية أحياناً بطيئة أستطيع أن اتحرك بسرعه أكبر إذا أمكن تحرير مبلغ معين ضمن ميزانية الوزارة من القيود الروتينية وافق الملك وتضمن الخطاب نفسه علاوة على التفويض تخصيص مبلغ مائة مليون ريال من ميزانية الوزارة يتفق بشأن تدبيره مع وزير المالية والاقتصاد الوطني ويجوز لوزير الصحة أن يصرف منه دون أن يتقيد بالإجراءات المالية المعتادة عندما انتهى المبلغ طلبت مبلغاً مماثلاُ ووافق الملك وعندما انتهى المبلغ الثاني لم تكن هناك حاجة إلى طلب مبلغ ثالث الذين يتحدثون عن الاعتمادات الهائلة التي جاءت معي لا يعرفون أن المشكلة وقتها لم تكن في وجود الاعتمادات ولكن في بطء صرفها . كانت ثقة الملك المطلقة التي عبر عنها الخطاب والتي عبر عنها شخصياً بأكثر من وسيلة في أكثر مناسبة كانت هذه الثقة المطلقة قبل الصلاحيات وقبل الاعتمادات هي سلاحي الأول والاخير في معارك وزارة الصحة وكانت هناك معركة كل يوم كنت أول من يعرف أ انحسار الثقة يعني ببساطة متناهية أني لن أكسب معركة واحدة .وأنني سوف أنضم إلى قائمة ضحايا وزارة الصحة وهي قائمة طويلة جداً .شعرت بعد بضعة أسابيع في الوزارة ,أن الانضباط قد أصبح حقيقة ملموسة ,وشعرت مع وجود عناصر شابه مؤهلة حولي ,أن بوسعي أن أنتقل بأولوياتي ,إلى عملية التنظيم .إحقاقاً للحق ,وحتى لا أبخس الناس أشيائهم ,يجب أن أقول إني وجدت الهيكل الإداري الذي أعده سلفي الدكتور حسين الجزائري جاهزاً للإقرار .كانت هناك تفاصيل فرعية صغيرة لم يتم الاتفاق عليها بين الوزارة واللجنة التحضرية للجنة العليا للإصلاح الإداري أمكن في أيام قليلة ,الوصول إلى اتفاق أرضى الجانبين وصدر قرار اللجنة العليا بالهيكل الجديد .كان التنظيم منطقياً ومبنياً على دراسات موسعة للواقع ولتجربة الوزارة .كان هناك وكيل وزارة للشئون التنفيذية يتبعه وكيلان مساعدان أحدهما للطلب العلاجي والآخر للطلب الوقائي ,ويرتبط به مدراء الشئون الصحية في مختلف مناطق المملكة .وكان هناك وكيل وزارة لشئون التخطيط والتطوير يتبعه وكيل وزارة مساعد للتخطيط ووكيل وزارة مساعد لتطوير القوة البشرية .أما الشئون المالية والإدارية فيتولاها مدير عام بدرجة وكيل مساعد .تفريغ وكيل للتفكير في خطط المستقبل وكيفية تنفيذها فكرة رائعة رائدة وجدتها ولم يكن لي فيها أي فضل ,فكرة أتمنى أن تنقلها كل الوزارات .
وقع اختياري على الدكتور نزيه نصيف ليكون وكيل الوزارة للشئون التنفيذية .كان نزيه مسئولاً في مركز الأبحاث والتنمية الصناعية وبعد ذلك ساهم مساهمة فعالة في تحويل المركز إلى الدار ,ثم انتقل ليعمل وكيلاً مساعداً في وزارة التخطيط .عندما طلبت منه يترك عمله الهادئ المريح ويعمل معي في وزارة الصحة مديراً للشئون الصحية في المنطقة الغربية كنت أعرف أني أطلب المستحيل ,ومع ذلك وافق على الفور بطيبة خاطر .قام بمهمته هناك بقدر عال من الكفاءة جعلني مقتنعاً أنه أصلح من يتولى الوكالة (ونزيه ,بالمناسبة ,من أتباع الأسلوب الهجومي في الإدارة )ووقع اختياري على الدكتور جميل الجشي ليكون وكيل الوزارة لشئون التخطيط والتطوير .كان جميل بدوره مسئولاً في مركز الأبحاث والتنمية الصناعية ,ثم أعيرت خدماته إلى الصندوق السعودي للتنمية ثم أصبح مدير منطقة الجبيل في الهيئة الملكية ثم نائباً للمحافظ في المؤسسة العامة للكهرباء (بعد أن أنتقل الدكتور عبد الرحمن الزامل من المؤسسة ليصبح وكيلاً لوزارة التجارة )في كل عمل تولاه جميل كان مثال الإداري الحازم الكفء المخلص .
استغرب البعض ,وقتها من تعيين اثنين من حاملي الدكتوراه في التخطيط الصناعي وكيلين لوزارة الصحة .لم أكن أنظر إلى مهن :كنت أبحث كفاءات .ولا أعتقد أن أحداً من الذين عاصروا نزيه وجميل يستطيع أن ينكر أن كلاً منهما مارس مهامه بكفاءة نادرة .ظلت المراكز القيادية الفنية في لأيدي أطباء :الدكتور عبد الرحمن السويلم أصبح وكيل الوزارة المساعد للطب العلاجي ,والدكتور جلال آشي الوكيل المساعد للطب الوقائي ,والدكتور عثمان الربيعة الوكيل المساعد لشئون التخطيط .هذه النقطة المتخصصون وغير المتخصصين ,تحتاج إلى المزيد من الإيضاح .
مهمة وزير الخدمات هي أن يوصل الخدمة إلى أكبر عدد من المواطنين بأقل كلفة ممكنة وبأكبر قدر ممكن من الكفاءة ,وهذه مهمة إدارية خالصة .لا يطلب من وزير الصحة أن يعالج المراجعين ,ولا يطلب من وزير الكهرباء إصلاح المولدات ,ولا يطلب من وزير المواصلات تصميم الطرق .وما ينطبق على الوزير ينطبق على الوكيل .لم يكن من مهام أي من وكيلي وزارة الصحة ضرب الحقن أو كتابة الوصفات .إلا أن سيطرة الأطباء المطلقة ,تخطيطاً وتنفيذاً على القطاع الصحي في الدول النامية ,جعلت الناس يستغربون عندما يجدون غير الطبيب في موقع قيادي من مرفق صحي لكل شيخ ,كما أسلفنا طريقته وفي طريقتي لا يعتبر التخصص من شروط القيادة الإدارية الناجحة .
حقيقة الأمر أني أشعر ,لأنني لم أكن متخصصاً بالحاجة إلى آراء الخبراء على نحو لم يكن بوسع أي وزير متخصص أن يشعر به .كونت لجنة فنية في مكتبي من أساتذة في كليات الطب ,ولم أكن أبت في أي موضوع ذي طبيعة فنية إلا بعد الرجوع إلى هذه اللجنة .تعاقدت مع أربعة مكاتب استشارية متخصصة ,أحدها في الولايات المتحدة والثاني في بريطانيا ,والثالث في سويسرا والرابع في ألمانيا الغربية ,وطلبت منها أن تكون على استعداد للرد على أي استفسار فني (كانت هناك استفسارات يومية !) يمكنني أن أزعم أني في أي قرار هام ذي جانب فني لم أكتف بسماع رأي أهل الخبرة المحليين بل كنت أحرص على معرفة آخر ما توصلت إليه البحوث العلمية في الموضوع في أكثر دول العالم تقدماً علمياً .مع احترامي الشديد لصيادلة الوزارة كنت أرى أنه لا يمكن لهم وهم بمعزل عن التطورات العلمية المتلاحقة ,أن يتخذوا القرار الصائب بشأن عقار من العقاقير الجديدة .عندما كان يطلب من وزارة الصحة إجازة دواء أو منع دواء لم يكن القرار يتخذ إلا بعد دراسة لوضع الدواء في كل الدول المتطورة .لم يتخذ قرار فني واحد في عهدي إلا بناء على أساس علمي متين .عندما استكملنا التنظيم أمكن التركيز على التخطيط .بدأ جميل وزميلاه الدكتور عثمان الربيعة والدكتور أنور الجبرتي (الوكيل المساعد لشئون تطوير القوة البشرية )في وضع خطة شاملة مفصلة تشمل برامج الوزارة والموظفين المطلوبين لتنفيذ البرامج خلال ربع القرن القادم .لا أقول عن هذه الخطة إلا ما سبق أن قلته عن الخطة الكهربائية :لا أعتقد أن أي وزارة صحة في أي دولة نامية كانت تملك تصوراً واضحاً للمستقبل كالتصور المفصل الذي تضمنته هذه الحطة .كنا نعرف أين سيوضع كل مركز من مراكز الرعاية الأولية وإلى كم طبيب سيحتاج وما هي نوعية المعدات المطلوبة ,وما هو عدد الفنيين اللازمين والتكلفة الدقيقة لهذا كله عندما تركت الوزارة كانت هذه الخطة تبحث مع وزارة التخطيط ولا أدري ماذا كان مصيرها .
لم يتغير الأسلوب القديم في مجال العلاقات الإنسانية .شكلت لجنة لمتابعة الترقيات المتأخرة ورقي خلال الفترة التي قضيتها في الوزارة عدد من الموظفين يفوق عدد الذين رقوا في أي فترة زمنية مماثلة أضعافاً مضاعفة .كان كل موظف يرقى يستلم رسالة تهنئة شخصية مني .كان كل طبيب سعودي داخل الوزارة وخارجها يتلقى تهنئة شخصية في العيد .الموظفون الذين أثبتوا كفاءة استثنائية حصلوا ,بأمر من الملك على ترقيات استثنائية
والموظفون الذين بذلوا جهداً يفوق المتوقع والمعتاد حصلوا ,بأمر من الملك ,على جوائز مالية سخية .كان للمسات الشخصية في التعامل مع المواطنين مفعول البلسم المواطن الذي يرى وزير الصحة ,بنفسه يعوده ويطمئن عليه وهو نائم في المستشفى ,سيحتفظ بهذه الذكرى بقية حياته (وقد رأيت آلاف المرضى )أهل كل طفل يولد في مستشفيات وزارة الصحة كانوا يتلقون بطاقة مني معها صورة الطفل و"دليل الأسماء العربية "الذي أعدته وزارة الصحة بالتعاون مع عدد من الجامعات السعودية .تكلفة هذا البرنامج ,من طبع الكتاب إلى شراء الكاميرات لم تتجاوز مائة ألف ريال .كنت أريد عبر هذا السبيل أن يبدأ الطفل حياته بعلاقة ودية حميمة مع الوزارة .
حرصي على بناء هذه العلاقة الودية الحميمة هو الذي دفعني إلى تبني اقتراح الدكتور عبدالرحمن السويلم بإنشاء جمعية من المواطنين تسمى "جمعية أصدقاء المرضى "رفعت الاقتراح إلى الملك وصدرت موافقته .برعاية عبدالرحمن ولدت أول جمعية في المنطقة الشرقية .كان الهدف من قيام الجمعية هو أن تغطي الجوانب التي لم يكن بوسعي موظفي الوزارة تغطيتها ,توزيع الألعاب والهدايا على الأطفال ,وزيارة المرضى في الأعياد ,وتقديم النصح والمشورة للوزارة .بعد أن تركت الوزارة بدأت أقرأ في الصحف أن جمعيات أصدقاء المرضى تبني موقفاً في هذا المستشفى وغرفة في ذاك .لم يكن في ذهن عبدالرحمن أو ذهني أن تتولى الجمعيات مهمات كهذه هي من صلب اختصاص الوزارة .لم يكن المطلوب المال بل الحنو الإنساني الذي لا يشترى بالنقود .
يقودني الحديث عن اللمسات الشخصية إلى الحديث عن التبرع بالدم .بدأت حملات توعية قبلي بفترة طويلة وكانت تتم بانتظام ويساهم فيها أمراء المناطق وعدد من كبار المسئولين .
كانت النتائج طيبة وكان الوضع يتحسن من سنة إلى سنة .ومع ذلك كانت الوزارة تضطر إلى استيراد كميات إضافية من الدم من الخارج .مع ظهور أوبئة فتاكة جديدة تنتقل عن طريق الدم أصبح من الضروري أن نضاعف أعداد المتبرعين .كانت هناك مكافأة مالية وكان بعض المقيمين يأخذها بعد التبرع (إذا كان يمكن اعتباره والحالة هذه تبرعاً )أما المواطنون السعوديون فقد كانوا بلا استثناء يرفضون استلام أي مقابل .وضعت بجانب المبلغ النقدي هدايا تذكارية قطع سجاد ونحوها –من الصناعة السعودية بطبيعة الحال!-وكان الجميع يقبلون هذه الهدايا .رأيت أن يعطى كل متبرع شهادة تقدير موقعة شخصياً من الوزير .وسرعان ما تبين أن فعالية هذه الشهادات تفوق فعالية الهدايا .أبرز ما استطعت تحقيقه في هذا المجال
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كنت أوقع كل يوم مالا يقل عن مائتي شهادة من هذه الشهادات كلما أحسست بالتعب من التوقيع تذكرت الهدف النبيل وزال التعب .لا أدري هل استمر التقليد بعدي أو ذهب بذهابي .


هو إعطاء ميدالية الاستحقاق لكل من يتبرع بدمه عشر مرات .لا أزال أقرأ في الصحف أسماء الذين يحصلون على الميدالية ,جزاهم الله وجزى الملك الكريم الذي أيد الاقتراح خيراً عندما تركت الوزارة كنا نوشك على الاستغناء عن الدم المستورد .قلت في أكثر من موضع إني لا أؤمن بالحلول العاجلة .لا أؤمن أن للنجاح أي سبيل سوى التخطيط الهادئ والتنفيذ الصحيح .إذا كان لابد من استخدام تعبير بلي من كثرة الاستخدام كنت أؤمن أن الأسلوب الأمثل هو "الإدارة بالأهداف "وجدت نفسي مدفوعاً دفعاً إلى أسلوب آخر :"الإدارة بالأزمات "كنت أضطر إلى اللجوء إلى حل عاجل بعد حل عاجل .عندما زرت المستشفى النفسي في المدينة المنورة قررت أنه لا بد أن ينتقل من مكانه على الفور .كلفت الدكتور أنور الجبرتي ,تلميذي القديم الذي غامر بالانتقال من عمله المريح في الجامعة ليعمل معي مديراً للشئون الصحية في المدينة المنورة ,ثم وكيلاً مساعداً للتطوير بالبحث عن مكان لائق .عثر أنور على فيلا فخمة قال صاحبها النبيل إنه مستعد أن يقدمها للوزارة بلا مقابل .وتم الانتقال خلال شهر واحد .وعندما زرت مستشفى الولادة والنساء في المدينة المنورة قررت أنه لابد من الانتقال من المبنى المهترئ المتآكل الذي كانت المستشفى تشغله .من حسن الحظ أن مجلس الأوقاف في المدينة كان قد انتهى لتوه من بناء عمارة ضخمة جميلة تمكنا من استئجارها .في أقل من سنة كان المبنى قد تحول إلى أفضل مستشفى نساء وولادة في المملكة .اتفقت مع محمد أبا الخيل على أن تنتقل ملكية فندقين ,أحدهما في الرياض والآخر في الظهران من شركة الفنادق والمناطق السياحية إلى الوزارة ,وتم تحويلها إلى مستشفيين .جاءني الزملاء في إدارة الشئون الصحية في الرياض يقولون إن العمليات الروتينية –كالبواسير واللوز –كثيراً ما تنتظر بعض الوقت في المستشفى المركزي لأن الأولوية كانت تعطى ,بحق للعمليات الرئيسية .اقترح الزملاء إنشاء مستشفى خاص بالعمليات البسيطة .في أسابيع معدودة تحولت عمارة سكنية في الرياض إلى مستشفى للجراحة البسيطة وانخفضت مدة الانتظار إلى الصفر .في كل منطقة كانت هناك حلول عاجلة مماثلة .رغم ذلك كنت مقتنعاً أن كل هذه الأشياء لا تعدو أن تكون تحسناً مظهرياً ,وأن التحسن في جوهر الخدمات الصحية لن يظهر إلا بعد بضع سنين .
وكانت هناك مبادرات لغوية وفكرية وروحية .عندما لاحظت أن المستشفيات التي تعنى بالاضطرابات النفسية كانت تسمى مستشفيات "الأمراض العقلية والنفسية "غيرت الاسم إلى مستشفيات "الصحة النفسية "مراكز علاج الإدمان المخصصة لضحايا الكحول والمخدرات تحولت إلى مراكز "التأهيل النفسي "(هل يعقل في مجتمع محافظ أن يقول أحد إنه أو أحد أفراد أسرته يتعامل مع مركز "إدمان "؟"مستشفى الجذام "الذي زرته زيارة مفاجئة أسعدت المرضى سعادة لا توصف تحول في أعقاب الزيارة إلى "مركز ابن سينا للأمراض الجلدية "طلبت من سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز الرئيس العام لإدارة البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد وقتها أن يكلف بعض العاملين معه بإعداد كتاب صغير يتضمن من الآيات الكريمة والأحاديث المطهرة ما يدخل الطمأنينة على نفوس المرضى ,وتجاوب سماحته مشكوراً مع الطلب وجهت أن تعد كل مستشفى رملاً "معقماً" يمكن يستخدم في التيمم انطلاقاً من اعتقادي الراسخ أن الايمان يلعب في تحقيق الشفاء دوراً لا يقل وقد يزيد عن دور العلاج وجهت بأن توضع في كل غرفة من كل مستشفى الآية الكريمة "وإذا مرضت فهو يشفين "عندما لاحظت أن المرضى في بعض المستشفيات لا يجدون ما يشغلون به أوقاتهم قررت أن يكون في كل مستشفى مكتبه .أنشأت جمعية لمكافحة التدخين وأوصيتها أن تركز جهودها على المراهقين الذين لم يبدأوا التدخين وهؤلاء هدف شركات السجائر الأول .
اللوحات التي الآية الكريمة لم تكلف الوزارة قرشاً واحداً تفاهمت مع الصديق القديم محمد الفائز ,وزير العمل والشئون الاجتماعية وقتها وتفضل وأوعز إلى مراكز التدريب التابعة للوزارة فقامت ,مشكورة بإعداد آلاف اللوحات بلا مقابل .تكرر الأمر مع صور الأطفال .كانت "أرامكو "ولا تزال تقيم مسابقة سنوية فنية لرسوم الأطفال .طلبت من "أرامكو "أن توافيني بهذه الرسوم ,وفعلت مشكورة .قامت مراكز التدريب بإعداد الإطارات اللازمة بلا مقابل ,تمكنا من تزيين الغرف في كل مستشفيات الأطفال في المملكة بلوحات من رسم الأطفال ,وفعلنا ذلك دون إنفاق شيء .هنا درس للإداري الناشئ :وفعلنا ذلك دون إنفاق شيء .هنا درس للإداري الناشئ :المال عنصر أساسي في الإدارة ولكنه ليس العنصر الأوحد وقد لا يكون العنصر الأهم .
لمست في أعماق وزارة الصحة عداء خفياً وأحياناً غير خفي –للمرافق الصحية التي يقيمها القطاع الخاص .كانت الشروط المقدمة لمن يطلب الترخيص بفتح مستشفى أو مستوصف شبه تعجيزية .كانت بعض العناصر في الجهاز تنظر إلى كل من يريد إقامة مرفق صحي خاص كما لو كان منافساً يجب أن يفرش طريقه بالعقبات البيروقراطية .كنت أكرر يوماً بعد يوم في اجتماع مع الزملاء بعد اجتماع أن هذه النظرة يجب أن تتغير .كل مستشفى يقيمه القطاع الخاص يزيح عن كاهلنا عبئاً كبيراً ويجب أن نبذل لتشجيع قيامه ما نبذله من جهد في بناء مستشفى من مستشفياتنا .من وجهة نظر المواطن والوطن ما يهم هو العلاج وليس اسم المالك .كنت أستأجر من المستشفيات الخاصة غرفاً يعالج فيها المرضى ,عندما تضيق المستشفيات الحكومية ,على نفقة الوزارة .لم أبتكر هذا الأسلوب .في لبنان لا تملك وزارة الصحة أي مستشفيات وتعتمد بصورة شبه كلية على استئجار أسرة في المستشفيات الأهلية .
كما لمست في أعماق وزارة الصحة شعوراً بالغيرة يواكبه شعور بالمرارة من المرافق الصحية التي تقيمها جهات حكومية أخرى مثل الحرس الوطني ووزارة الدفاع والطيران والجامعات .طبقاً لحسابات وزارة الصحة أيامها لم تكن وزارة المالية والاقتصاد الوطني تعتمد للسرير الواحد في مستشفيات الوزارة سوى تكلفة لا تتجاوز مائة ألف ريال سنوياً في الوقت الذي تصل فيه تكلفة السرير في بعض المستشفيات الأخرى إلى المليون .جاء شعور الغيرة بسبب المقارنة التي كان المواطنون يعقدونها بين مستشفيات الوزارة وبين المستشفيات الأخرى .وجاء الشعور بالمرارة من الاعتقاد أن الدولة تعامل وزارة الصحة معاملة الطفل اليتيم الذي لا يدافع عنه .لم أر أي مبرر للغيرة أو للمرارة .في كل مكان في العالم تبني القوات المسلحة مستشفياتها الخاصة .وفي كل مكان في العالم تحظى وزارة الدفاع باعتمادات لا تحظى بها وزارة الصحة .كنت أعتبر كل مستشفى في المملكة وكأنه من مستشفيات وزارة الصحة لأنه يتولى معها جزءاً من العبء .تنتفي كل مبررات الغيرة والمرارة إذا علمنا أن المستشفيات العسكرية والجامعية تفتح أبوابها لكل المواطنين .في بعض هذه المستشفيات يزيد عدد المواطنين العاديين على عدد منسوبي القطاع بدأت اجتماعات درية شهرية للتنسيق مع المسئولين عن الخدمات الطبية في الجهات الحكومية والجامعات .أدت هذه الاجتماعات إلى تبادل المعلومات على نحو ساعد في منع الازدواجية .كنت أقول في اجتماع بعد اجتماع مع هؤلاء المسئولين إن وزارة الصحة مستعدة إذا لزم الأمر أن تترك الرعاية الثانية والثالثة لهذه الجهات ,وأن تركز كل جهدها على الرعاية الأولية .
ماهي قصة هذه الدرجات الثلاث ؟ تتطلب أي خدمات صحية متطورة وجود هذه السلسلة المتدرجة .في البداية لا بد أن يوجد في كل حي وفي كل قرية مركز رعاية أولية يعني بكل الحاجات الصحية اليومية للأسرة من الولادة إلى التطعيمات إلى "الصداع الخفيف "على المواطن أن يبدأ بهذا المركز الذي يجب أن يحتفظ بملف لكل عائلة في المنطقة .عندما يرى المركز أن الحالة تتطلب عناية أكبر فعليه أن يحيلها إلى مراكز الرعاية الثانية ,المستشفيات .لا تتعامل المستشفيات إلا مع الحالات التي تأتيها من المراكز ,وإذا وجدت أنها تحتاج إلى علاج لا يتوفر فعليها أن تحيلها إلى مراكز الرعاية الثالثة ,المستشفيات التخصصية .وعلى هذه المستشفيات ألا تتعامل إلا مع الحالات المحولة من المستشفيات .الوضع في المملكة ,كمعظم بلدان العالم الثالث يتسم بالفوضى .يذهب المريض مباشرة إلى المستشفى ويرى أكثر من طبيب وقد يذهب ,مباشرة ,
إلى المستشفى التخصصي .إلا أن الذنب ليس ذنب المواطن .لا نستطيع أن نلوم المواطن على هذا "القفز "إلا بعد أن نضع بقربة مركز رعاية أولية يستطيع تلبية حاجته الصحية اليومية .ولا يمكن لهذا المركز أن يعمل بفاعلية بدون طبيب متخصص في طب العائلة , بالإضافة إلى الأطباء الآخرين .
كنت أرى أن النهضة الصحية لا تعكسها مستشفيات متطورة ومراكز تخصصية رائعة بقدر ما تعكسها خدمات الطب الوقائي والرعاية الأولية .عندما يشرب المواطن المياه الملوثة يصبح علاجه ,فيما بعد ,عملية صعبة ومعقدة .عندما يقيم المواطن في منطقة موبوءة بالبعوض تصبح إقامة المستشفيات لمعالجة الملاريا ضرباً من العبث .علينا أن نقضي على مصادر التلوث ونقضي على البعوض قبل التفكير في فتح أماكن العلاج .ومراكز الرعاية الأولية جزء لا يتجزأ من استراتيجية الطب الوقائي .عندما نستطيع عن طريق هذا المركز ,أن نطعم كل طفل نكون قد قضينا على عدد كبير من الأمراض .وعندما نستطيع عن طريق هذا المركز. أن نعلم الأم الوعي الصحي الضروري لتربية الأولاد نكون قد قضينا على عدد كبير آخر .إلا أن الطب العلاجي يفتقر إلى بريق المجد :لا توجد مستشفيات تسحر لب الضيوف ,ولا افتتاحات صاخبة ,ولا جراحون يتصرفون كممثلي السينما .لم يكن هوى قلبي في المستشفيات التي كنت أفتتحها بقدر من الضجيج .كان هوى قلبي مع مراكز الرعاية الأولية التي كان التخطيط لها يتم بلا ضجيج .كان حلمي الأكبر أن أغادر وزارة الصحة وقد تركت مركز رعاية أولية متكاملاً في حي وفي قرية .عندما تركت الوزارة كان هذا الحلم أبعد ما يكون عن التحقيق وإن كان قد قطع شوطاً كبيراً من التخطيط .
كما أنني لمست من الزملاء في الوزارة نفوراً شديداً مما تعورف على تسميته الطب البديل ,وسائل العلاج غير تقليدية ,من الأعشاب إلى الوخز بالإبر .كنت أنظر إلى الأمر نظرة واقعية خالصة :عدد كبير من المواطنين شئنا أو أبينا لا يزال يتعامل مع الطب الشعبي ويثق في ممارسيه عندما أعلن مواطن أن للماء ي بئر يملكها خصائص علاجية تدق عليه الآلاف .وعندما ظهر مواطن "يحجم "بزجاجة بيبسي كولا تدفق عليه عشرات الآلاف .أما المواطن الذي كان يعالج المرضى بإخراج الجن فقد كان عدد مرضاه كل يوم يفوق مراجعي أكبر مستشفى في المملكة .كنت أعرف شخصياً عدة حالات "يهرب "فيها المواطن المصاب في حادثة مرور من المستشفى ويذهب إلى مجبر العظام التقليدي .كنت أرى أن مهمتنا هي تطوير مهنة الطب الشعبي الذي يسمى اليوناني ,تعطي الخرجين شهادات تخولهم وحدهم الحق في ممارسة هذا النوع من الطب .في سريلانكا ,حيث يوجد ترتيب مماثل ,يعتمد ربع السكان على الطب الشعبي وجدت من المستحيل إقناع الزملاء بالتعايش السلمي .أقصى ما تمكنت من تحقيقه هو القيام بمسح شامل لمحلات الطب الشعبي .كانت الخطوة الأولى في نظري استبعاد أي مواد أو أعشاب ضارة .بعد ذلك تجيء خطوات أخرى لتطوير المهنة .عندما تركت الوزارة كان المسح الشامل في مراحله الأولى
بلغ العداء للطب البديل حداً جعل القسم المختص في الوزارة يرفض الترخيص لطبيب مؤهل تأهيلاً عالمياً بممارسة العلاج بالإبر .جاء الطبيب لمقابلتي .قلت له إنني لست طبيباً ولا أستطيع أن أتخذ القرار وأضفت أني سوف أتحرى وإذا وجدت أن العلاج الذي يمارسه بالمؤهلات التي يحملها مرخص له في الدول المتقدمة طبياً فسوف أعطيه الترخيص جاء الجواب من المكاتب الاستشارية بأن هذا العلاج ,بهذه المؤهلات يرخص له في كل عاصمة غربية .أعطيت الطبيب الترخيص اللازم رغم اعتراض القسم .بل إن عداء الزملاء للطب البديل بلغ حداً جعلهم لا يكتفون بحماية المواطنين السعوديين منه بل يمدون الحماية إلى مواطني الدول الأخرى .عندما طلبت بعثة الحج الباكستانية السماح لأربعة أطباء يمارسون الطب الشعبي بالانضمام إلى البعثة الطبية ,قوبل الطلب بالرفض .تدخلت وألغيت قرار الرفض .الناس ,أطباء وغير أطباء أعداء ما جهلوا كانوا ما يزالون .
بعد أن أمضيت قرابة سنة وزيراً للصحة بالنيابة رجوت الملك أن يسمح لي بالتفرغ للوزارة وافق مشكوراً وطلب مني مشكوراً أن أرشح من يتولى وزارة الصناعة والكهرباء بعدي المستشار مؤتمن حرصاً على القيام بمتطلبات الأمانة قدمت للملك قائمة تحتوي على أسماء أربعة مرشحين مع شرح واف مسهب عن خليفة كل منهم وتجربته ومؤهلاته ونواحي ضعفه ونواحي قوته وكان اسم عبدالعزيز الزامل على رأس القائمة .بعد أيام أخبرني الملك أن اختياره وقع على عبدالعزيز الزامل الذي عين وزيراً لوزارتي القديمة في الوقت نفسه الذي أصبحت فيه وزيراً للصحة بالأصالة .بعد أن أقسمت اليمين أمام الملك دنوت منه وشكرته ثم قلت "أرجو ألا تندم على هذا القرار "نظر إلي بشيء من الاستغراب وقال :"لن أندم إن شاء الله "ألا يبدو تعليقي غريباً بعض الشيء ؟خارجاً عن المألوف بعض الشيء؟حسناً! في الوقت الذي أصبحت فيه وزيراً أصيلاً للصحة كنت أرى على الأفق نذر خطر وكنت أراقبها بشيء من القلق شاعراً ,في مكان ما في الأعماق ,أنها ستؤدي ,شئت أو لم أشأ إلى نهاية مبكرة لوزير الصحة الذي أقسم اليمين لتوه ماهي هذه النذر ؟
فلنبدأ بالإعلام .في هذه الفترة اتخذ اهتمام وسائل الإعلام بي شكلاً تجاوز كل الحدود المعقولة (والمقبولة )كنت أقول ,ولا يصدقني أحد إني أنا حتى أنا سئمت رؤية صوري وأخباري على كل صفحة من كل جريدة .قال ولي العهد الأمير عبدالله بصراحته المعهودة مرة :"لا أرى في الجرائد شيئاً غير أخبارك "قلت لولي العهد "خرج الأمر من يدي "قبلها بفترة وجيزة كتبت رسالة شخصية إلى كل رؤساء الصحف أشرح فيها أن الاهتمام بدأ يسبب لي الكثير من المشاكل وأرجو ألا ينشروا سوى بيانات الوزارة الرسمية .كان يجب أن أتوقع رد الفعل .نشرت صحيفة بما نشيت كبير "وزير الصحة يطلب عدم نشر أخباره "
كان الكثيرون وأحسبهم لا يزالون يعتقدون أن كل ما تنشره الصحف عني كان ينشر بناء على ترتيب مسبق .كان الصديق عمران العمران أحد هؤلاء وكانت الزيارة والاستجمام .خلال عبورنا بالمدينة ثار الموضوع وأعرب عمران عن اعتقاده أني أخبر الصحف مسبقاً قبل أي زيارة "مفاجئة "أقوم بها لأي مستشفى أثناء هذا الحديث كنا نمر أمام مستشفى الملك فهد .طلبت منه أن يوقف السيارة قلت له "تعال معي وانظر بنفسك أنت تعرف أن هذه زيارة خاصة في العطلة .وأنت تعرف أني لم أكن أنوي أن أزور أي مستشفى .وأنت تعرف أن أحداً لم يرتب شيئاً جاء معي عمران بالفعل وبدأت الجولة في الدور الأول كالعادة ,لم يكد يعرفني أحد في الدور الثاني بدأ بعض المرضى وبعض العاملين في المستشفى يتعرفون علي .في الدور الثالث ,كان كل من في المستشفى يدرك أن وزير الصحة موجود في المبنى .عندما وصلت إلى الدور الرابع كان هناك عدة مصورين وعدة صحفيين .في اليوم التالي كانت أخبار الزيارة تملأ أكثر من صفحة في أكثر من صحيفة مع الصور والتعليقات .اقتنع عمران ولكن هل اقتنع الآخرون ؟
لا يحتاج المرء إلى ذكاء ثاقب ليعرف التأثيرات السلبية لهذه التغطية الإعلامية المحمومة .من القواعد الذهبية التي ألتزم بها ما استطعت :عامل الناس بمثل ما تحب أن يعاملوك به .وأنا لم أكن لأحب أن يعاملني وزير آخر ,عبر الإعلام بهذه الطريقة لم أكن لأحب أن أقرأ الصحف فأراها تتجاهلني وتركز على أخبار الوزير الآخر ولم أكن لأحب أن أجد مقالاً يطالب فيه كاتبه بالوزير الآخر وزيراً لكل وزارة بما في ذلك وزارتي .ماذا حدث؟ كيف تحول الاهتمام الإعلامي الذي بدأ منذ سنين ,في هذه المرحلة ,إلى ما يشبه الهوس ؟الجواب بسيط :ظاهرة النجم .إذا تحول المرء لأي سبب من الأسباب ,إلى نجم يتحول إلى مادة إعلامية مثيرة شاء أو لم يشأ غضب أو رضي ,فعل شيئاً أو لم يفعل .كنت في هذه المرحلة ,بلا تواضع كاذب نجماً أو شبه نجم .عندما قلت لولي العهد :"خرج الأمر من يدي لم أكن أكذب أو أبالغ .ا نقلب السحر بالفعل على الساحر .هنا نصيحة للإداري الناشئ :الإعلام سلاح فعال ولكنه ككل الأسلحة سلاح ذو حدين .
وكانت ,هناك المقارنات قرأت مرة في كتاب من كتب علم النفس أن المقارنات التي يجريها الأب بين أبنائه "لماذا لا تكون أول الفصل مثل أخيك الصغير ؟"أو "لماذا لا تصبح عضواً في فريق الكرة مثل أخيك الكبير؟" هي مقارنات "قاتلة "إذا أخذنا بعين الاعتبار ,تأثيرها المدمر على نفسية المقارن والمقارن به على حد السواء .أذهب أبعد من ذلك فأقول إن أي مقارنة هي على نحو أو آخر مقارنة قاتلة استطيع أن اتحمل ثناء الناس على وزير آخر ولكني لا أستطيع أن اتحمل تعليقاً يلومني لأني لا أتصرف كما يتصرف الوزير الآخر .أخبرني وزيرا صحة دولتين مجاورتين ووزير صحة من دولة غير مجاورة أني سببت لهم الكثير من الحرج .عندما تساءلت عن السبب قالوا "كل الناس يقولون لنا :"لماذا لا تفعلون ما يفعله وزير الصحة السعودي ؟"لم أكن ,يعلم الله أتعمد إحراج أحد في أي مكان .
وكانت هناك الشعبية .كنت أتوقع عندما توليت وزارة الصحة أن أكون أقل الناس شعبية .كنت أتوقع أن يتساءل الناس كما فعلوا في المرة الأولى :"ماذا فعل الوزير الجديد ؟"الحق أقول إني كنت أول من فوجئ بالشعبية التي انفجرت من الشهر الأول .كل من أراه تقريباً كان يتحدث عن عجائز في البيت يدعين لي .اللهم إيماناً كإيمان العجائز ! واللهم تقبل دعاء العجائز ! الأعداد التي تحضر مناسبات الافتتاح تضاعفت انهمرت رسائل الإعجاب –وقصائده .وزاد عدد المواطنين الذين يعبرون عن حبهم بإطلاق اسمي على مواليدهم .ومع الشعبية ولدت الأسطورة والأسطورة كما نعرف تقوم على جزء يسير من الحقيقة وجزء كبير من الخيال .بدأت أسطورة الوزير الذي يظهر في كل مكان ,ولا يهاب التعامل مع موظف "مدعوم "وينتصف للمواطن المظلوم من الجهاز الظالم .بدأت أتلقى مكالمات هاتفية من جيزان تشكرني على الزيارة التي قمت بها "البارحة "لمستشفى جيزان .بدأت أتلقى برقيات الشكر من تبوك على الزيارة التفقدية التي قمت بها "هذا الأسبوع "للمرافق الصحية في تبوك .الحقيقة كانت أنني لم أزر جيزان أو تبوك في تلك الفترة .بدأ الناس مراجعين وموظفين ,يرونني حيث لم أكن موجوداً .ذات مساء كنت أزور مستوصفاً في "الروضة "جلس الزميل السائق مع المواطنين الذين ينتظرون دورهم للدخول على الطبيب ,قال أحدهم :"هذا وزير الصحة "وقال الثاني "في الأسبوع الماضي رأيته في مستوصف الديرة جاء بعد نصف الليل ملثماً وفي سيارة تاكسي "تيوتا "وفصل جميع العاملين في المستوصف وقال الثالث :"وأنا رأيته بنفسي قبل أسبوعين .زار مستوصف في البطحة ملثماً حقيقة الأمر أني لم أزر هذين المكانين ولم أستخدم سيارة تاكسي قط ,لم أتلثم قط .أخذت حكاية اللثام تتكرر وتتكرر .أعتقد أن أصلها يعود إلى أسطورة أخرى أسطورة الفارس الملثم .
إذا كانت الشعبية تؤدي إلى السعادة فلا بد أنني أختلف عن بقية البشر .كانت الفترة التي قضيتها في وزارة الصحة أتعس فترات حياتي على الإطلاق .لا أبالغ إذا قلت إني لا أذكر يوماً واحداً سعيداً من تلك الفترة .كل أصدقائي الذي يعرفونني عن كثب لاحظوا أني كنت وقتها ,أعاني الكآبة الدائمة .كل أصدقائي الحقيقيين تمنوا الخروج حرصاً على صحتي (أما الآخرون فتمنوا الخروج لأسباب أخرى!)
كانت الأسباب التي تدعو إلى الكآبة تطل من كل مكان.هناك أولاً الخوف من هول المسئولية .عندما يتأخر القطار لا يموت أحد وعندما يخسر المصع لا يموت أحد .وعندما تنقطع الكهرباء لا يموت أحد .ولكن عندما يخطئ المرفق الصحي فإن احتمال موت أحد احتمال قائم .وإذا كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه خاف أن يحاسبه الله عز وجل عن شاة نفقت بعد أن عثرت في العراق فما بالك بالوزير المسئول مباشرة عن مرفق يمس مباشرة ,أرواح الناس ؟ لم تكن تراودني ذرة من الشك أني سأكون مسئولاً أمام الله مسئولية شخصية عن أي خطأ يرتكبه أي عامل في القطاع .وهناك ثانياً المناظر اليومية الفاجعة .كنت كلما زرت مستشفى من مستشفيات الصحة النفسية أو أبصرت ضحايا الحوادث من الشباب المصاب بالشلل ,عدت إلى المنزل محتقناً بالحزن .أحياناً كنت أبكي بمرارة بعد زيارة كهذه .وهناك ثالثاً ألم القرارات الصعبة لا يوجد إنسان يحب قطع رزق إنساناً آخر ,أو تعكير صفو حياته على أي نحو ,ولكن لم يكن أمامي خيار ,لعل القارئ عندما استعرض معه بعض التجاوزات التي كنت أراها بصفة يومية سيصل إلى اقتناع بأن الإجراءات التي اتخذتها كانت أقل لا أقصى ما يمكن اتخاذه إزاء هذه التجاوزات .
الطبيب الذي تحرش بممرضة وتبين في التحقيق أن في ملفه سبع مخالفات سابقة مماثلة هل كان بوسعي أن أبقيه ليتمتع بمزيد من التحرش مع مزيد من الممرضات ؟الطبيب الذي كان يقفل مصعداً ويخصصه لاستخدامه الشخصي وحده تاركاً المصعد الآخر الذي كان كثيراً ما يتعطل للمرضى والعاملين في المستشفى هل كان بوسعي أن أتركه حتى يقرر استخدام المصعدين معاً وترك المرضى يدبون على السلالم ؟الممرض الشاذ الذي أقنع المرضى أن هناك طريقة جديدة لقياس درجة الحرارة تعتمد على اليد التي تنتقل عبر الجسد كله ,هل كان بوسعي أن أبقيه حتى يستنبط وسائل جديدة لقياس درجة الحرارة ؟الطبيب (المزيف)الذي كان يرتدي زي الطبيب ويحمل سماعة ويأتي من خارج المستشفى ليفحص المريضات فحصاً موضعياً دقيقاً هل كنت استطيع أن أرسله إلى أي مكان سوى المحكمة الشرعية ؟الممرضة التي أعطتني رسالة حسبتها معروضاً وتبين أنها رسالة غرام تحمل رقم هاتفها (حدث هذا مرتين أو ثلاثاً )هل كان من يمكن أن أرد عليها بشيء سوى تذكرة الطائرة التي تعيدها من حيث أتت ؟متعهد الأدوية الذي قدم للوزارة مضادات حيوية أثبت الفحص المخبري أنها خالية من أي مواد فعالة ,هل كان المفترض أن أبني له نصب تذكارياً على هيئة حقنة ,عند مدخل الوزارة ؟والمتعهد الآخر الذي جاء بمصل ضد السموم تبين أنه ماء زلال هل كان من يتوقع مني شهادة تقديرية ؟لم أكن أبحث عن تجاوزات ولم يكن يسرني وجود التجاوزات ولكن كان لابد أن أتصرف والتجاوزات تمد أمامي أعناقها وأحياناً تدخل أصابعها في عيني .
مع كل قرار تأديبي يصدر كان هناك عدو يولد (أو عدوة )بمرور الأيام أصبح هناك جيش من الأعداء يستخدم كل الأسلحة والأسلحة غير المشروعة بوجه خاص .قال لي ولي العهد الأمير عبدالله "سمعت أن كل الذين عينتهم في الوزارة جاءوا من منطقتك "قلت لولي العهد "أنت تعرف أني مصاب بعمى الألوان حين يتعلق الأمر بالمناطق .هذه هي الأسماء وهذه هي الحقائق "قال :"كيف يكذبون عليك على هذا النحو ؟"قلت :"من هم ؟"قال :"جاءني وفد يتظلم من عنصريتك ""وفد "! وقال لي الأمير نايف وزير الداخلية إن "وفداً من المثقفين "جاءه يطلب منه أن يقف طغيان وزير الصحة .قلت "لو كنتم تعرفون حقيقة ما يدور في وزارة الصحة لذهبتم تشكرون الوزير بدلاً من أن تشكونه "
"وفد يقابل ولي العهد "و"وفد من المثقفين يذهب لوزير الداخلية "بدا وقتها أن كل قرار كنت أتخذه ,كل قرار ,كان يخلق مجموعة من الأعداء .تكرر الحديث عن "الطقيان "في عدد من المجالس .لم يتحدث أحد عن حالة واحدة تجاوز فيها الوزير صلاحياته التي حددتها الأنظمة .ولم يثبت أحد أن إنساناً واحداً ظلم .ومع ذلك استمر الحديث عن الطغيان يستثير مشاعر الحق والخير والعدالة ضد غول وزارة الصحة الذي كان ,كما قال أحد الظرفاء ,يذبح في كل وليمة يقيمها "طبيبين وثلاث ممرضات " آه أن يتحول شاعر مسالم بطبعه بغتة بعد الأربعين إلى طاغية دموي ! يا للشعور اللذيذ !
حسناً ! لا أعتقد أن الملك انزعج من شعبية الوزير وبروزه (كان الملك يعرف جيداً أن هو سبب الشعبية والبروز )ولا أعتقد أن الملك الذي يعرف الوزير جيداً صدق حكاية الطغيان .إلا أني أتصور أن ,هو قائد سياسي له حساباته السياسية ,بدأ يقلق من ظاهرة الأعداء الذين أخذوا يتزايدون يوماً بعد يوم في كل مكان .أتصور أن الملك عندما قرر تثبيت الوزير كان يأمل أن يؤدي هذا إلى أن يلجم الوزير اندفاعه الشديد .وأعرف أن الوزير فهم من التثبيت أن الملك يستطيع أن يتعايش مع الاندفاع الشديد .بعد ثلاثة شهور من القسم بدأت لأول مرة في العلاقة بين الملك والوزير ,بوادر أزمة .في الماضي ,أيام وزارة الصناعة والكهرباء كانت هناك مشاكل سرعان ما تنقشع ولم تكن هناك أزمات حقيقية ماذا حدث ؟أراد الوزير اتخاذ مجموعة من الإجراءات رأي أن مصلحة العمل تقتضيها ولم يوافق الملك .لأول مرة يجد الوزير نفسه عاجزاً عن التحرك في الاتجاه الذي يريد التحرك فيه ,وإلى هذا الموضوع سوف أعود بعد قليل .
فلنتحدث الآ ن قليلاً عن سير العمل اليومي في الوزارة .لم يتغير شيء بعد تثبيتي فقد كنت أتصرف من اليوم الأول تصرف الوزير الأصيل ولم تختلف وتيرة العمل ,كثيراً عن وتيرته أيام الصناعة والكهرباء .كنت أصل إلى المكتب في السابعة والنصف ,كان الاجتماع الصباحي يبدأ في الثامنة تماماً .كان يحضر الاجتماع وكيلا الوزارة الدكتور نزيه نصيف والدكتور جميل الجشي ,ومدير عام الشئون المالية والإدارية الدكتور عبدالله بن صالح الذي جاء من كليتي القديمة .كان شيء يبحث بحرية وتوسع وكان النقاش أحياناً شديد الصخب (والزملاء الثلاثة بحمد الله من المتعبين جداً المشاغبين جداً )عند انتهاء الاجتماع تجيء فترة المواعيد التي تنتهي مع صلاة الظهر .قصرت المقابلات المفتوحة على يومين في الأسبوع بعد الصلاة .كان عدد المراجعين لا يقل عن أربعين وقد يصل إلى ثمانين أو تسعين .كنت أرجو المراجعين ألا يجلبوا المريض معهم وأن يكتفوا بالتقارير الطبية إلا أن الرجاء كان يقع على آذن صماء .رأيت خلال تلك ا لفترة الوجيزة من أنواع الأمراض مالا يراه الإنسان عادة عبر حياة كاملة الأمراض التي تتراوح من البسيط العارض إلى الخبيث القاتل .أكثر ما كان يحز في نفسي ويؤرقني ,منظر طفل صغير يعاني مرضاً عضالاً لا يوجد له دواء ناجع .كنت أخصص فترة ما بعد الظهر للأوراق .وكانت الأوراق سيلاً لا ينقطع .كنت آخذ معي إلى المنزل كل يوم حقيبتين أو ثلاث حقائب (من حقائب السفر )كنت أعود في المساء عندما يكون هناك اجتماع أو مواعيد عاجلة .
"ملف القراءة "في هذه الفترة ,تضخم فأصبح يتكون من أكثر من ثلاثين ملفاً .هذه الملفات تشمل كل قرار صادر من الوكيلين ومن الوكلاء المساعدين ومن مدراء الشئون الصحية .كان الوكيلان مفوضين باستخدام صلاحيات الوزير (مع الاستثناءات التي سبق أن ألمحت إليها )وكانت صلاحيات مدراء الشئون الصحية .كان الوكيلان مفوضين باستخدام صلاحيات الوزير (مع الاستثناءات التي سبق أن ألمحت إليها )وكانت صلاحيات مدراء الشئون الصحية لا تقل كثيراً عن صلاحيات الوزير .كان لابد أن أعرف ما صنع الزملاء بهذه الصلاحيات الواسعة ولم يكن بوسعي أن أقرأ كل ورقة .اكتفيت بقراءة ما يصدر من الوكيلين واستعنت بمجموعة من أساتذة الجامعة تقرأ بقية الملفات بعناية وتلفت نظري إلى أي قرار يحتاج إلى مراجعة .صباح كل سبت كانت تصدر من مكتبي ثلاثون أو أربعون معاملة تحتوي على أسئلة تناقش بعض القرارات المتخذة .
كانت الرقابة على عمل الوزارة وفروعها عبر المملكة غاية في الإحكام .ابتكر الدكتور عبد العزيز داغستاني الذي جاء ,معاراً ,من كليتي القديمة ليعمل مسئولاً عن التحقيق والمتابعة فكرة "الخط الساخن "وضع في الوزارة هاتفاً من عدة خطوط يعمل على مدار الساعة ,وكان يعلن الرقم يومياً في الجرائد .كان بوسع أي مواطن ,من أي مكان في المملكة في أي ساعة من ساعات الليل والنهار أن يتصل بهذا الخط ليقدم شكواه أو تظلمه (أو اقتراحه )كان "سنترال "الخط الساخن يتألف من طلبة متحمسين من الجامعة وكانت أمامهم نماذج يملأونها وهم يستمعون إلى الشكاوى .كنت أقرأ كل الشكوى –كل واحدة –بعد وصولها بساعات قلائل .بعض الشكاوى بطبيعة الحال ,كانت كيدية أو مختلقة أو مبالغ فيها ولكن عدداً منها كان يتكشف بعد التحقيق الشامل (ولم يكن أي قرار يتخذ إلا بعد تحقيق شامل )عن غبن وقع بالفعل على مواطن .التأثير النفسي للخط الساخن ,شعور المواطن أنه قادر على الاتصال المباشر الفوري بالوزير وشعور الجهاز بوجود وسيلة الاتصال المباشر هذه كان يفوق بكثير تأثيره الفعلي (الشكاوى التي تأتي بالطريق المعتاد الرسائل ,كانت أكثر ,بكثير من شكاوى الخط الساخن )
أود أن أتحدث الآن عن تجربة مثيرة وزارة الصحة وموسم الحج .منذ إنشاء الوزارة في مطلع الخمسينات الميلادية (السبعينات الهجرية )وهي تقوم بدور كبير تزايد سنة بعد سنة ,في تقديم الرعاية الصحية لضيوف الرحمن .استقرت تقاليد هذه الخدمة عبر السنين ,وعندما جئت لم يكن هناك ما يمكن أن أضيفه سوى بعض اللمسات الشخصية .علمت أن معظم الموظفين المنتدبين إلى المشاعر ينتهزون الفرصة لأداء فريضة الحج .لا أدري ماهو الموقف الشرعي من موظف يحج بمال الانتداب وعلى حساب مهمته الأصلية ,ولكني أعرف الموقف الإداري :لا يجوز أن يتحول موظف انتداب لخدمة الحجيج إلى واحد من المخدومين !وافق الملك على اقتراحي أن يتفرغ موظفو الصحة لعلمهم خلال الموسم .اقترح بعض الزملاء فكرة رائعة :"حقيبة الحاج "ما يقي الحاج من ضربة الشمس :مظلة بلاستيكية وكيساً مليئاً بالثلج الصناعي .كما رأينا أن تضم مجموعة من الأدوية التي لا يستغني عنها إنسان :من قطرة العين إلى أقراص الأسبرين إلى دواء السعال .وافق الملك على الفكرة وأعددنا نصف مليون حقيبة .كانت الحقيبة تسلم مجاناً في المطار لكل حاج قادم مع بطاقة تحمل تمنيات وزارة الصحة .عندما وصلت إلى مبنى المستشفى في منى غرفة عمليات وزارة الصحة .عندما وصلت إلى مبنى المستشفى في منى ,غرفة عمليات وزارة الصحة ,قيل لي إن العرف جرى عبر السنين على أن يستضيف كبار المسئولين في الوزارة بعض أقاربهم الحجاج في غرف المستشفى .قلت إن العرف على العين والرأس ولكن المستشفى ليست دار ضيافة .أعدت الغرف لا التي كانت مخصصة لهذا الغرض إلى إدارة المستشفى لتستخدمها في إيواء المرضى .كانت الصدمة الكبرى التي واجهتني أثناء الحج هي انخفاض الوعي بأنواعه عند طائفة كبيرة من الحجاج "حقيبة الحاج "التي قدمت مجاناً تحولت للأسف الشديد ,إلى سلعة تباع وتشترى بأثمان باهظة (لم تكلفنا الحقيبة الواحدة سوى عشرة ريالات ).كنا قد أعددنا صوراً ملونة تحمل إرشادات صحية بعدد اللغات وسرعان ما اكتشفنا ان هذه الصور أصبحت تباع بدورها "تذكار يا حاج " كا الثلج يوزع مجاناً في كل مكان وكان هناك محتالون ظرفاء يأخذون الثلج يوزع المجاني ويبيعونه بأسعار خيالية على بعد أمتار من مكان التوزيع .رأيت بعيني حجاجاً يحاولون شرب مياه ملوثة قرب المستشفى في منى لأنهم اعتقدوا أنها آتيه من زمزم أدى انخفاض الوعي إلى مواقف صعبة لم تتطلب الزم فحسب بل أحياناً شيئاً من العنف .
اكتشف مستشفى في مكة المكمة وجود ميكروب الكوليرا عند مجموعة من الحجيج وتقرر وضعهم تحت الحجر الصحي .اتصل بي مدير المستشفى وقال إن المجموعة وهي مكونة من أكثر من ثلاثين رجلاً جميعهم غلاظ شداد ترفض البقاء في المحجر وتصر على مغادرة المستشفى بالقوة .طلبت منه أن يستمهلهم حتى حضوري اتصلت بالصديق الفريق عبدالله آل الشيخ مدير الأمن العام وشرحت له المواقف ورجوته أن يرسل معي ثلاث جنود .ذهبت آملاً أن يفلح رجائي الشخصي يمزح معنا من قبل !
والحديث عن الأطباء المؤهلين يجرني إلى برنامج ناجح بدأته الوزارة لا ستقطاب الكفاءات العالية .لم يكن كادر وزارة الصحة يغري أي طبيب ذي مؤهل عال بالتعاقد معها وشكوى المواطنين من عدم وجود أطباء من هذا النوع كانت شكوى في محلها .إلا أن أنظمة الخدمة المدنية تنص على أنه يجوز بالتفاهم بين الوزير المختص وديوان الخدمة المدنية إقرار كادر خاص لذوي المؤهلات العالية النادرة لا يتقيد بالكادر المعتاد .كان الصديق القديم الأستاذ تركي السديري رئيس الديوان متجاوباً كل التجاوب واتفقنا فعلاً على كادر خاص يحتوي على رواتب مغرية أرسلت وفداً للتعاقد في الولايات المتحدة ,وتمكنا من التعاقد مع عشرات الإخصائيين .لأول مرة كانت مستشفيات وزارة الصحة ,حتى خارج المدن الكبرى ,تضم أخصائيين على هذا المستوى .
وكانت هناك تجربة أخرى مثلت حلاً وسطاً بين أسلوب التشغيل الذاتي الذي تتبعه الوزارة وبين أسلوب إعطاء الإدارة الكاملة لشركة عالمية متخصصة وهو الأسلوب الذي يكان يتبع في المستشفيات العسكرية .كان هناك برنامج للتعاون الثنائي بين المملكة وألمانيا الغربية يشرف عليه من الجانب السعودي محمد أبا الخيل .لجأت إلى محمد أطلب مساعدته وكان كالعادة متجاوباً بلا تحفظ .تم الاتفاق ضمن هذا البرنامج أن تقوم مؤسسة ألمانية طبية بتزويدنا بالأطباء والأخصائيين اللازمين لإدارة المستشفى صحياً ,على أن تتولى الوزارة العبء الإداري التموين والصيانة والنظافة (عن طريق مقاولين محليين ) كانت تكلفة السرير بهذه الطريقة لا تتجاوز مائتي ألف ريال .بدأنا بثلاثة مستشفيات شغلت بهذه الطريقة ,وعندما تركت الوزارة كانت التجربة تبشر بالنجاح وتسمح بتعميمها على مستشفيات إضافية أعتقد أن الأوان قد آن للحديث عن خروجي من وزارة الصحة معفي بأمر ملكي ,في ربيع 1984م (1404ه)بعد سنة ونصف السنة في الوزارة منها سنة بالنيابة ونصف سنة بالأصالة .قصة الإعفاء دارما إنسانية معقدة ,وهي دراما لا موضع لها في كتاب عن الإدارة .عندما يتاح لي أن أكتب ذات يوم سيرتي الذاتية الكاملة فقد يكون للدراما الإنسانية مكانها في السيرة أما في هذا الكتاب ,السيرة الإدارية فسوف أكتفي بالجانب الإداري وبالجانب الإداري وحده .
من الناحية الإدارية لا يصعب فهم ماحدث .أراد الوزير أن يتخذ إجراءات اعتقد أنها ضرورية ولم يوافق الملك أوضح الوزير للملك بلا أي غموض أنه لا يستطيع أن يبقى في موقعه .فجر الوزير الموقف عندما نشر قصيدة "رسالة المتنبي الأخيرة إلى سيف الدولة "كان نشر القصيدة خروجاً صارخاً على قواعد اللعبة السياسية ؟الاجتماعية ؟الإدارية في المملكة :هذه القواعد لا تجيز بحث أي خلاف في العلن ,فضلاً عن النشر في الصحف ,فضلاً عن خلاف مع رئيس الدولة .لم يكن أمام الملك بعد نشر القصيدة خيار .بعد أسابيع قليلة من نشر القصيدة صدر أمر ملكي بإعفائي من وزارة الصحة .أعتقد ولا أعلم أن الإعفاء تراخى بعض الوقت لأن الملك أراد أن يختار التوقيت لا أن يفرض عليه التوقيت فرضاً .هذا كل ماحدث .إلا أن أصحاب نظرية المؤامرة كان لهم تفسير آخر .بعد أن انتهت كل مفرقعاتي الإعلامية ,عندما أفلست من المبادرات عندما تبينت أني سوف أفشل فشلاً ذريعاً في وزارة الصحة اخترعت أزمة بعد أزمة ومشكلة بعد مشكلة حتى أخرج لا خروج الفاشلين بل خروج الأبطال .لم أكن قط من المؤمنين بنظرية المؤامرة ولكني كنت دوماً أغبط أصحابها على خيالهم الواسع وهذ التحليل بلا ريب هو درة من درر الخيال .لم يكن خروجي بطولة كانت البطولة أن أبقى لأكمل ما بدأته ولكنني لأسباب سأوضحها بعد لحظة ,لم أستطع أن أبقى .وكان هناك تفسير آخر :حالة الغرور التي انتابتني في تلك الفترة نتيجة الشعبية والضجيج الإعلامي إذا كان المقصود بالغرور الثقة بالنفس فهذه علة لم تفارقني لحظة .أما إذا كان المقصود بالغرور الاستعلاء على أحد من خلق الله فهذا شعور لم أعرفه حتى هذه اللحظة وأرجو ألا أعرفه أبداً إذا كان لا بد من تفسير نفسي فإنه يكمن في "الأسطورة "كان الرجل أمام خيار :إما أن يبقى الوزير وتنتهي الأسطورة أو أن ينتهي الوزير وتبقى الأسطورة .انجاز صاحبنا بلا تردد إلى الأسطورة هذا ما حدث :ذهب الوزير وبقيت الأسطورة .بصرف النظر عن نظريات المنظرين هناك سؤال إداري هام لا بد أن أجيب عنه .لماذا شعرت أ، تلك الإجراءات أن أي إجراءات من الأهمية بحيث ربطت بينها وبين بقائي في الوزارة ؟لا بد أن أذكر القارئ بما قلته وكررته عن الانضباط لم اتصور الآن أني كنت أتمتع بأي ميزة شخصية على أي سلف من أسلافي الكرام في وزارة الصحة .كل ما ميزني عنهم أنني جئت بثقة مطلقة ,بتفويض كامل شامل ,لم يحظ وزير صحة أي وزير صحة آخر ,من قبل .عندما رفض الملك إجراءات كنت أراها ضرورية كان معنى هذا ,في نظري ,أن الثقة بدأت تهتز .لم يكن هذا إذا أردنا الدقة ,رأيي بمفردي .بدأت البيروقراطية –وهي أحد الكائنات بصراً وأرهفها سمعا-تلمس أن التفويض الكامل الذي بدأت به لم يعد كاملاً .موظف فاسد اختفى بعد أن أدانته محكمة شرعية بفعلة شنعاء ظهر الآن يطالب ,بإنصافه من الوزير الظالم .موظف فاشل فضل أن يستقيل على أن ينتقل ظهر بدوره يقول إنه استقال "مضطراً "ويطالب بالعودة إلى عمله القديم .في كل محل كانت هناك أمثلة من هذا النوع .كنت أرى أن الأمور بدأت تنزلق تدريجياً إلى الوراء ,وكنت أرى حليمة ستعود إلى عادتها القديمة ,ويعجز الوزير عن فصل ممرضة واحدة ,مالم يجدد الملك ثقته ويسمح لي أن أمضي قدماً في الإجراءات عندما وصلت إلى اقتناع عن حق أو عن خطأ أن موافقة الملك لن تجيء لم يعد لبقائي في الوزارة أي مبرر لا شيء يدعو إلى الحزن والرثاء مثل شبح وزير أو كما يقول التعبير الإنجليزي "مجرد ظل من نفسه القديمة"
جرت العادة في المملكة أن يزور الأصدقاء والمعارف أي مسئول يعفى من منصبه .الحق أقول إني لم أستسغ هذا التقليد قط ولم أجد له أي معنى .كنت من حيث المبدأ أرفض أن أزور صديقاً أعفي من منصبه ,ماذا أقول له ؟"أنا لا أزال أحبك "الأصدقاء الحقيقيون ,كما سبق أن قلت لا يتغيرون بتغير المواقع ,وبقية الناس لا يهم أن يتغيروا أو لا يتغيروا .اعتذرت عن عدم استقبال الزائرين حتى تبين أن موقفي هذا أثار شائعات كثيرة .بدأت أستقبل البعض وأعتذر عن عدم استقبال البعض حتى اتضح للجميع أني أفضل ألا يزورني أحد .كانت الزيارات مجاملات بلا مضمون .المشاعر الحقيقية كانت تدور في أماكن بعيدة عن منزلي .في يوم الإعفاء كانت هناك حفلات صاخبة في عدد من المستشفيات –احتفل العاملون لا المرضى !-وكانت هناك دموع كثيرة في بيوت كثيرة .هذه بتلك ! الإجراءات التي أدت إلى احتفال المحتفلين هي ذاتها التي أدت إلى بكاء الباكين
كنت أشعر بشيء من الأسى لأن علاقتي مع الملك الذي أحببته وأحبني ,تعرضت لهذه العاصفة .كنت أشعر بشيء من الأسى لأني أثرت من التطلعات لدى المواطنين الذي أحببتهم وأحبوني ,مالم أستطع تلبيته .كان هناك أسى ولم يكن هناك ندم .كنت مؤمناً وقتها ولا زلت مؤمناً الآن أني لو بقيت وزيراً روتينياً غير فعال لما تمكنت من خدمة الملك أو من خدمة المواطنين .
كنت نهباً لمشاعر شتى لعل أواها الشعور بالحرية بعد كابوس المسئولية الخانق ,إلا أنه لم يكن من بينها أي شعور بالمرارة .لا يوجد إحساس يعتقل الروح في سجن من الشفقة على الذات ويعرقل تفتحها على أيام جديدة وأحلام جديدة كالإحساس بالمرارة .ولم المرارة ؟الملك الذي يحق له تعيين الوزراء يحق له إعفاء الوزراء .والوزير الذي لم يناقش حق الملك في تعيينه لا يجوز له أن يناقش حق الملك في إعفائه .وصيغة الإعفاء "بناء على طلبه ""بناء على ظروفه الصحية". "بناء على رغبته "أو بلا أسباب لا تهم في كثير أو قليل كتبت للملك بعد يوم أو يومين من الإعفاء رسالة شخصية طويلة أشكره فيها ,صادقاً على الدعم الذي تلقيته منه عبر السنين وأعتذر صادقاً عن الحرج الذي سببته له عبر السنين ,واستأذنه في السفر في رحلة حول العالم .كنا زوجتي وأنا نفكر في هذه الرحلة منذ سنوات إلا أن ظروف العمل لم تتح لنا القيام بها ورأيت أن هذا هو الوقت المناسب .في تلك الأيام تلقيت من الصديق الأستاذ صلاح الحجيلان المستشار القانوني اللامع عرضاً كريماً بالانظمام إليه في مكتبه بأي صفة أريدها ,حتى صفة مدير ؟شريك .كان العرض صخياً بأكثر من معنى أولاً ,لأنه جاء في وقت لم تكن فيه ملامح الموقف قد اتضحت .وثانياً لأنه جاء مفتوحاً ,بمثابة شيك على بياض كما يقولون .ثالثاً .لأنه جاء من رجل يعرف تاريخي غير المجيد في إدارة المكاتب القانونية .شكرت صلاح بحرارة وقلت له إني لا أستطيع قبول العرض الآن ولكني سأحتفظ به خياراً من خيارات المستقبل .
لم أكن قد فكرت في الخطوة التالية .كانت أوضاعي المادية بحمد الله طيبة ولم أكن في عجلة من أمري .كان هناك أكثر من احتمال كنت أعرف أني لا أستطيع العودة إلى الجامعة .بعد هذه السنين سيكون "الغريب "أكثر غربة في "الأرض الغريبة "وكنت أعرف أني لا أستطيع في سن الرابعة والأربعين ,أن أنبغ فجأة في التجارة والمقاولات .كان



ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إن كان شيء من الشؤم في الوزارات ففي وزارة الصحة .من عادتي ,في كل عمل أتولاه أن أعلق صور المسئولين الذين سبقوني في العمل في المكتب أو في قاعة الاجتماعات تأكيداً للاستمرارية وكي لا أنسى أنه "لو دامت لغيرك ما وصلت إ ليك "جمعت صور الزملاء السابقين ,وتطلب جمعها متابعة شخصية وبعض الجهد ,ووضعت الصور في قاعة الاجتماعات علمت ,بعد خروجي من الوزارة أن حريقاً شب في القاعة ولم يحترق شيء سوى صور الوزراء .أكدت وزارة الصحة بألسنة من لهيب أنها فعلاً
"محرقة الوزراء ".

بوسعي أن أقوم بأعمال استشارية في عدد من المجالات .وكان بوسعي أن أعود إلى مهنة الاستشارات القانونية (بخبرة أكبر وطمع أشد ومثالية أقل !)وكان هناك الاحتمال الأكثر إغراء :التفرغ التام للقراءة والكتابة .عبر السنين كان الكثيرون يشيرون علي بهذا التفرغ .بدافع من حسن الظن في مواهبي الأدبية أو من سوء الظن في مواهبي الإدارية .كنت واثقاً أن علاقتي الشخصية الوطيدة مع الملك لن تتأثر .وكنت واثقاً أني لن أعود إلى الخدمة العامة .إلا أن قدر الله شاء أن تتجه حياتي اتجاهاً جديداً لم يكن في الحسبان وفي الخدمة العامة !
بعد أسبوعين من الإعفاء كنت بجانب الملك على مائدته نتبادل الأحاديث الودية .قلت له إنني أستطيع الآن أن أستأنف العلاقة الصافية ,علاقة الابن بأبيه ,عيداً عن مشاكل العمل .وقال عني كلاماً طيباً يمنعني الخجل من تكراره .سألني عن الرحلة التي أنوي القيام بها حول العالم وحدثته عن خط سيرها وتحدثنا بعض الوقت ,عن جزر هاواي التي لم يزرها أحد منا .سألني عما أنوي أن أفعله بعد عودتي من الرحلة وقلت له إنني قد أعمل في مجال الاستشارات القانونية ,ولكنني لم أقرر بعد .بعد العشاء بأسبوع تلقيت مكالمة هاتفية ليلية من الملك يسألني فيها عن موعد السفر ,قلت له إني سوف أسافر الأسبوع القادم .قال :"استمتع بكل يوم من الإجازة لأني أود بعدها أن تعود إلى العمل "عقدت المفاجأة لساني فتمتمت ببعض عبارات الشكر الغامضة وأنهى الملك المكالمة متمنياً لزوجتي ولي إجازة ممتعة .
أعود إلى العمل ؟كانت هذه مبادرة نبيلة من رجل نبيل وكان الولاء يقتضي أن أرد التحية بمثلها على الفور بقبول العودة ولكن إلى أي عمل أعود ؟لم أكن بحاجة إلى كثير من الذكاء لأدرك أن العمل الوحيد المناسب لوزير سابق .كل السوابق في كل مكان تؤكد هذه الحقيقة هناك أسباب موضوعية تجعل عمل السفير هو العمل الأمثل "لأصحاب السوابق "كما كان المرحوم الصديق جعفر رائد يقول عن المسئولين السابقين .من ناحية ,هناك مزايا مظهرية وبروتوكولية تكتنف السفارة وتجد إيحاء صادقاً أو كاذباً بأن العمل لا يخلو من أهمية .من ناحية ثانية هناك الصفة التمثيلية للسفر ,تمثيل رئيس الدولة الأمر الذي يعني أن العلاقة مع الرئيس الدولة لا زالت على نحو ما قائمة ومن ناحية ثالثة ,ربما هي الناحية الأهم ,من صالح كل الأطراف أن يبتعد الوزير السابق بعض الوقت عن الساحة .
ناقشت الموضوع بتوسع مع زوجتي وتبين أن كل الطرق تؤدي إلى البحرين .كنا قد بدأنا قبل شهور نخطط لبناء منزل في البحرين نقضي فيه بعض الإجازات .تعليم الأولاد لن يتأثر بالانتقال إلى بلد لا تختلف مناهجها كثيراً عن مناهج المملكة .كان أبي وأعمامي رحمهم الله يمثلون الملك عبد العزيز رحمه الله في البحرين منذ مطلع القرن الميلادي ,وظل أبي حتى وفاته "الوكيل التجاري "للمملكة هناك للعائلة جذور عميقة ومتشعبة في البحرين . بعد ليلتين أو ثلاث من التفكير العميق وجدنا أن البحرين هي أفضل البدائل المتاحة .اتصلت بالملك هاتفياً وأخبرته أنه إذا كان لا يزال يود أن أعود للعمل فإني أرجو أن يكون هذا العمل هو السفارة في البحرين .كان رد الملك عاطفياً مؤثراً ورحب بالفكرة وقال إنه سيبلغ رئيس الديوان الملكي بالمضي فوراً في الإجراءات لم يطل انقطاعي عن الخدمة العامة سوى شهر واحد .هذه هي القصة الحقيقية والكاملة لما حدث بعد الإعفاء ,وإن كانت الأساطير التي تأبى أن تفارقني نسجت فيما بعد ألف قصة وقصة .
لم يكن الأمير سعود الفيصل وزير الخارجية ,الذي تربطني به صلة قديمة تعود إلى أيام عمله في وزارة البترول والثروة المعدنية وكيلاً للوزارة وتعود إلى أيامي في الجامعة موجوداً في الرياض .تركت له رسالة شرحت فيها ماجد .وبدأت الرحلة حول العالم .شملت الرحلة عدداً من بلدان الشرق الأقصى وجزر هاواي والساحلين الغربي والشرقي للولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا .عندما وصلت طوكيو وجدت بانتظاري رسالة من عبدالعزيز الزامل .اتصلت بعبدالعزيز الذي أخبرني أن الأمير سعود كان يحاول الاتصال بي ولم يتمكن ,وأنه حمله رسالة لي .تقول الرسالة الأمير سعود إن العلاقات مع البحرين ممتازة ولا تحتاج لجهود سفير وإنه يفضل أن أعمل في عاصمة كبرى حيث المسئوليات والمشاغل .طلبت من عبدالعزيز أن يبلغ الأمير سعود شكري على حسن ظنه ورجائي ألا يتغير الموقع الذي اخترته .المسئوليات والمشاغل ؟!ألم أشرب الكأس حتى الثمالة ؟!
في أعقاب الإعفاء جاءت ردود فعل كثيرة من الصحافة العالمية كنت آخر من توقعها .هذه الصحافة لا تهتم عادة بوزير صحة عين أو أعفي حتى لو كان وزير الصحة في دولة هامة ,إقليمياً وعالمياً كالمملكة .قالت "اللومند "عن الوزير المعفى "نشط إلى أبعد الحدود ,مشهور بالنزاهة ,حصل على احترام مواطنيه واحترام المراسلين الدوليين "
(26 ابريل 1984)وقالت "دي ولت "نقلاً عن صناعيين غربيين "نشط ونزيه إلى درجة لا يمكن معها إفساده "(30ابريل 1984)وقالت "واشنطن بوست "نقلاً عن مصدر أمريكي "من أوائل التكنوقراطيين الواعدين الذين صعدوا بسرعة ,وأثبتوا قدرة فائقة وكلفوا بأداء مهام مستحيلة "(27مايو1984)وقالت مجلة "نيشون "الأمريكية "ربما كان أكثر التكنوقراطيين السعوديين موهبة "(26مايو 1984)وقالت "الول ستريت جورنال ""كان مثلاً أعلى للتكنوقراطيين الشباب "(25ابريل 1984)وقالت "الفايننشال تايمز ""كان أكثر التكنوقراطيين فعالية وكانت له شعبية كبيرة مع الطبقة المتوسطة ومع الصحافة "(25ابريل 1984)وفي مبالغة عجيبة قالت "التايمز "كان "يوصف بأنه أقوى رجل في المملكة خارج الأسرة المالكة "(17مايو 1984).
كنت أقرأ وأبتسم .من حسن الحظ أن هذه الأشياء كلها قيلت بعد الإعفاء لا قبله .ماذا كان أصحاب نظرية الغرور سيقولون ؟وماذا سيكون شعور الزملاء نحو زميل وصف بأنه أكثرهم فعالية ؟وماذا عن الذين يرون أن كل شيء ينشر كان مرتباً ؟وماذا عن الذين يرون أن كل شيء ينشر كان مرتباً ؟اعتبرت هذه التعليقات بصدقها وكذبها جزءاً من ماض ذهب ولن يعود ."هي صفحة طويت وحان ختام "كما قال ناجي .
كان هذا هو القرار الذي انتهيت إليه تأمل طويل هادئ في جزر وادعة حالمة ,عبر أسابيع طويلة .انتهى عهد من حياتي بخيره وشره وبدأ عهد جديد مختلف تماماً عندما راجعت سجل السنوات الماضية شعرت بقدر من راحة الضمير .كنت أدرك أنه كانت هناك أخطاء كثيرة ولكنني كنت أدرك أني لم أتخذ قراراً واحداً لأسباب شخصية أو أنانية لم اتخذ أي قرار إلا وأنا مؤمن أنه القرار الصحيح .قررت ألا أستسلم للعبة "لو "التي تفتح عمل الشيطان كما قال عليه الصلاة والسلام .لا جدوى من تساؤل عقيم عما كان يمكن أن يكون لو أنني فعلت هذا أو لم أفعل ذلك .لكل إنسان كما يقول التعبير لإنجليزي "لحظته تحت الشمس "وقد جاءت لحظتي وذهبت .كنت مصمماً على ألا أقضي بقية حياتي في زنزانة الماضي مهما كان مجيداً ومثيراً .كنت وزيراً ولم أعد وزيراً لكل شيء نهاية ,ولا أعرف أحداً خلد في وظيفة سوى إبليس الرجيم .
مع ذهاب العهد القديم كان لا بد أن تذهب أشياء كثيرة ,ومع قدوم العهد الجديد كان لابد أن تجيء أشياء كثيرة .كنت أعرف تمام المعرفة أن زمان المسئوليات الضخمة قد ولى ,وأن الفترة القادمة سوف تكون خالية من أي مسئولية حقيقية .وكنت أعلم علم اليقين أن عهد القرارات الكبيرة قد انتهى ,وأن الفترة المقبلة لن تشهد قراراً واحداً ذا شأن .لم يعد هناك مجال للأسلوب الهجومي الذي كان وسيلة ولم يكن قط غاية .لم يعد ثمة مبرر لأي معارك من أي نوع . لا توجد مصالح يمكن أن تتضرر بقرار اتخذه في الفترة المقبلة .كنت اتطلع إلى استراحة المحارب بعد سنوات من النزال .كنت أتطلع إلى إعطاء نفسي حقها كاملاً (وهذا يعني المزيد من القراءة والكتابة وإشباع الهوايات ) وكنت اتطلع إلى إعطاء أسرتي حقها كاملاً (وهذا يعني أن أكون مع زوجتي وأولادي وبقربهم كما لم يكن بوسعي أن أكون في الماضي )سعادة السفير ! لقب سحري جديد ! لم أشعر بنشوة ولم أشعر بتحد لم أكن غريباً عن المجال الدبلوماسي .درست القانون الدبلوماسي والقنصلي عدة سنوات في الكلية .عرفت العشرات من السفراء من مختلف الجنسيات .ورأيت عن كثب كيف يعمل السفراء السعوديون وكيف تدار السفارات السعودية .كنت أعلم أن الوظيفة الجديدة لن تحمل أي مفاجآت من أي نوع .كنت أدرك أن السفارة ,بعد الوزارة (مع الاعتذار لكل السفراء)سوف تكون بمثابة "إجازة مدفوعة الثمن "
قضية النجاح أو الفشل لم تطرأ على ذهني .هل يمكن للمرء أن يذهب سفيراً إلى دولة شقيقة مجاورة ترعرع فيها ويعرف أركان قيادتها السياسية منذ الغر ,ويعرف عدداً من وزرائها منذ الطفولة وله عشرات من أصدقاء الدراسة في كل موقع أقول هل يمكن للمرء في ظروف كهذه أن يفشل ,مالم يكن انتحارياً ؟أذكر أن الصديق السير جيمس كريج السفير البريطاني الأسبق في المملكة ,قال لي في البحرين خلال زيارة له :"يقضي السفير عدة سنوات لكي يتعرف على من حوله وما حوله وجئت أنت ووجدت كل شيء جاهزاً "لم يكن يتجنى على الحقيقة .لم يعاملني الأمير الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة ولا رئيس الوزراء الشيخ خليفة بن سلمان آل خليفة ولا وزير الخارجية الشيخ محمد بن مبارك آل خليفة ,لم يعاملني أحد في البحرين إذا أردت الدقة ,معاملة السفير العادي .إلا أنني حرصت ,وأرجو أن أكون أردت الدقة ,معاملة السفير العادي .إلا أنني حرصت وأرجو أن أكون قد وفقت ,في أن أتصرف كما يتصرف السفير العادي .السفير هو السفير بصرف النظر عن وضعه السابق أو الحالي داخل دولته .كنت أطلب المواعيد كما يطلبها بقية السفراء وكنت أتقيد تقيداً صارماً بمتطلبات الأسبقية ولم أشر قط إلى عمل من أعمالي السابقة .
قلت إن السفير هو السفير وأعتقد أن هذه النقطة تحتاج إلى إيضاح السفير داخل دولته موظف بمرتبة محددة ,هي في معظم دول العالم ,مرتبة وكيل وزارة ,وفي بعض الحالات تتجاوزها إلى مرتبة نائب وزير وفي حالات نادرة جداً إلى مرتبة وزير .أما في الدول المضيفة فالسفارة "عمل "وليست "مرتبة "بإمكان الدولة عندما ترشح سفيراً أن تختاره من مرتبة أدنى من مرتبة السفير الوظيفية وبإمكانها أن تختار شخصاً من خارج السلك الدبلوماسي أو من خارج العمل الحكومي .كل الدول قانوناً متساوية وكل السفراء قانوناً متساوون (أتحدث هنا عن القانون الدولي لا السياسة الدولية !)على السفير أن ينسى تماماً وضعه الوظفي في دولته وأن ينسى كلية وضع زملائه السفراء الوظيفي في دولهم وأن يتعامل مع الجميع من منطلق المساواة التامة بلا مركب عظمة أو مركب نقص .
على أنه إذا كان السفراء متساوين أمام القانون الدبلوماسي فهم غير متساوين في نظر رؤساء الدول التي توفدهم .من هنا تجيء التفرقة التقليدية بين السفير المحترف الذي تدرج في السلك الدبلوماسي من سفحه إلى قمته ,وبين السفير السياسي الذي يعينه رئيس الدولة بقرار سياسي من خارج السلك .تقاليد بعض الدول ,كالدول الأوروبية ,لا تكاد تعرف السفراء السياسيين .في تاريخ بريطانيا الحديث لا يذكر أحد سفيراً عين من خارج السلك إلا في حالة واحدة يتيمة .في الولايات المتحدة يسرف الرؤساء في تعيين السفراء السياسيين ,وقد تجاوزت نسبتهم أيام الرئيس جورج بوش 60% من مجموع السفراء .ودول العالم الثالث تتراوح في تعييناتها السياسية بين الإسراف الأمريكي والتقتير الأوربي .
لا يمكن التعميم عن السفير الأكثر فعالية ,المحترف أو السياسي ولا بد أن ننظر إلى كل حالة بحالتها .رأيت عبر حياتي الإدارية أمثلة لتعيينات سياسية موفقة وأمثلة لتعيينات سياسية غريبة (وأنا أستخدم كلمة مهذبة )

إلا أنه من المهم ألا يتم تعيين السفراء السياسيين لمجرد مكافأة الشخص ,كما يحدث في الولايات المتحدة ,ودون نظر إلى مؤهلاته الحقيقية .هناك غرائب وعجائب عن تصرفات بعض هؤلاء السفراء الأمريكيين ,تكفي لملء مكتبة كاملة .يجب ,وأنا أتكلم هنا عن رأيي الشخصي ,أن يظل الأساس هو الاستعانة بالسفراء المحترفين وأن تبقى نسبة السفراء السياسيين ضمن حدود مقبولة الربع على أكثر تقدير .
قدمت أوراق الاعتماد إلى الأمير في خريف سنة 1984م (1404ه) "أوراق الاعتماد "تثير في ذهن الإنسان العادي تصورات لا علاقة لها بالواقع .يتصور البعض أن هذه "الأوراق "تتكون من صفحات عديدة وأنها مليئة بالأشياء الهامة .حقيقة الأمر أنها تتكون من رسالتين موجهتين من رئيس الدولة الموفدة إلى رئيس الدولة المضيفة .في الرسالة الأولى يبلغ الرئيس نظيره أن المصلحة اقتضت نقل السفير السابق إلى موقع آخر (تسمى هذه الرسالة خطاب الاستدعاء ) وفي الرسالة الثانية يبلغ الرئيس نظيره أن اختياره قد وقع على السفير الجديد ويرجوه أن يعتمد كل ما ينقله إليه (وهذا هو خطاب الاعتماد بالمعنى الدقيق )هناك أحياناً وثيقة ثالثة تتضمن قرار رئيس الدولة الموفدة بتعيين السفير قنصلاً عاماً في الدولة المضيفة ,وهذه الوثيقة تسلم عادة إلى وزير الخارجية لا إلى رئيس الدولة .عندما يسألني أحد عن أوراق الاعتماد وأجيب أسمع على الفور "هل هذا كل ما هنالك ؟"هذا كل ما هنالك
في اليوم الذي قدمت فيه أوراق اعتمادي كنت واحداً من ثلاثة سفراء وكنت أولهم (لا أعتقد أن الأمر كان مجرد مصادفة !)ولأني كنت الأول أصبحت أتمتع بالأقدمية على الزميلين وأصبحت عميد السلك الدبلوماسي ,فيما بعد ,في وجودهما .في البرتوكول الدبلوماسي ,كالأقدمية العسكرية ,لكل ساعة حسابها .مراسم تقديم أوراق الاعتماد في البحرين بسيطة وخالية من التعقيدات .يصطف حرس الشرف في المدخل ويقف السفير أمامه ولا يستعرضه ,خلال عزف السلام الملكي السعودي والسلام الأميري البحريني .في الداخل يقف الأمير في انتظار السفير ومعه وزير الخارجية ورئيس الديوان الأميري .يلقي السفير كلمة قصيرة قبل تسليم الأوراق ويقدمها إلى وزير الخارجية ويلقي كلمة قصيرة رداً على كلمة السفير .يطلب الأمير من السفير الجلوس لتناول المرطبات وتبادل الأحاديث الودية .في ربع ساعة تكون العملية بدأت وانتهت .
لا بد أن أتوقف هنا لأتحدث عن معاملة الشيخ عيسى للسفراء الذين يعرفون أمير البحرين يعرفون أنه إنسان من طراز نادر رزق بتواضع فريد يصعب أن يوجد بين الناس العاديين فضلاً عن رؤساء الدول .من عادة الشيخ عيسى أن يستقبل ضيفه ,كائناً من كان عند مدخل مكتبه ومن عادته أن يودعه إلى السيارة ويقف حتى تتحرك السيارة السفراء وأنا أتحدث عن السفراء عموماً لا عني بالذات يحظون برعاية من الأمير يصعب على القارئ أن يتصورها إلا ببعض الأمثلة .
حدثني سفير دولة خليجية أنه كان على موعد لمقابلة الأمير وعندما كان على وشك مغادرة الدار أصيبت طفلته الصغيرة بضيق مفاجئ شديد في التنفس اضطره إلى أخذها إلى المستشفى واضطره إلى أن يتأخر عن موعد الأمير (والأمير دقيق في مواعيده دقة متناهية ) دقيقتين أو ثلاث دقائق .يبدو أن الأمير لاحظ على وجهه علامات القلق واستفسر عما حدث .أنكر السفير أن شيئاً حدث وألح الأمير .اضطر السفير إلى إخباره .سأل الأمير عن المستشفى وتمنى للطفلة الشفاء .بعد ساعتين فوجئ السفير بالأمير يعود الطفلة بنفسه .ظل بعد هذه الحادثة بسنين يستفسر عن الطفلة .كان السفير في المطار يستقبل الأمير الذي عاد بعد رحلة علاج طويلة .كان المطار يعج بالمستقبلين وعندما جاء دور السفير في السلام وقف الأمير أمامه وقال له :"كيف البنت ؟"كل سفير يدخل المستشفى يفاجأ بأن الأمير هو أول الزائرين .أعرف حالتين أحضر فيهما الأمير ,على نفقته ,جراحاً من لندن أجرى العملية لسفير مريض .هناك قصص عديدة من هذا النوع .لم يكن الشيخ عيسى يفعل ذلك لاعتبارات سياسية –لم يكن يفرق بين ممثلي أكبر الدول وممثلي أصغرها وإنما تمشياً مع فطرته العفوية السخية .وإذا كان الأمير يعامل كل السفراء هذه المعاملة فللقارئ أن يتخيل كيف كان يعامل السفير السعودي ,وهذا السعودي بالذات .
ساعات العمل تقلصت في الموقع الجديد بشكل ملحوظ .كنت في العادة ,أصل إلى المكتب قبيل التاسعة صباحاً وأغادره في الواحدة والنصف ظهراً .في عملي الوزاري كنت أقضي كما رأينا وقتاً لا يستهان به مع زيارات المجاملة .أدركت بعد فوات الأوان ,أنه كان بوسعي أن ألغي هذا الجزء من البرنامج اليومي دون أن تتأثر مصلحة العمل .في البحرين كنت مصراً على إنهاء الوقت الضائع في "المجاملة "كنت أعتذر عن عدم مقابلة كل من يود أن يقابلني دون أن يكون هناك عمل حقيقي .
كل يوم كانت هناك عدة طلبات من هذا النوع من مدراء البنوك إلى ممثلي الشركات المختلفة إلى المراسلين الأجانب .لم يكن في برنامجي لقاءات مفتوحة .ولم أكن أقابل أحداً إلا بموعد مسبق .كان عدد من المواطنين يراجع القسم القنصلي في السفارة يومياً (كل تأشيرات العمل لموطني سريلانكا ونسبة من تأشيرات العمل لمواطني دول آسيوية أخرى كانت تأتي عن طريق السفارة في البحرين ) وكان معظم هؤلاء المواطنين يودون السلام لو فتحت الباب لوجدت نفسي مع زائر بعد زائر في مجالات تستنزف وقتي وجهدي ولا تنفع الزائرين .يختلف الوضع عندما يكون أي مراجع مواطناً أو غير مواطن ,بحاجة فعلية إلى مقابلتي .في هذه الحالة يحدد له موعد على الفور .
خصصت ليلة في الأسبوع مساء الثلاثاء للمقابلات المفتوحة ,أرحب فيها بكل الزائرين .أعجب الناس "بديوانية السفير "ونسبوا إلى فضل الابتكار .حقيقة الأمر أن أول من بدأ هذا التقليد هو الصديق فهد السديري عندما كان سفيراً في الكويت في منتصف السبعينات الميلادية (التسعينات الهجرية )الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية في الكويت تتمحور حول الديوانيات التي لا يكاد يخلو منها بيت واحد .بمجرد أن لاحظ فهد هذه الظاهرة أسرع بفتح ديوانية يستقبل فيه الزوار ليلة في الأسبوع .بدأ هذا التقليد ينتشر في عدد من السفارات السعودية وأتمنى أن يعمها كلها ذات يوم .
تحقق الديوانية عدة أهداف .تتيح للمواطنين السعوديين وللمواطنين البحرينيين الفرصة لمقابلة السفير بلا موعد .تتيح للزملاء العاملين في السفارة أن يجتمعوا في جو بعيد عن جو العمل الرسمي .بالإضافة إلى المجلس ,كانت الديوانية تضم غرفة الألعاب ,الورق ,الشطرنج , والكيرم (وكنا ننظم مسابقات للبطولة في كل لعبة )كان بعض الرواد يذهبون إلى المجلس والبعض إلى الغرفة الأخرى والبعض ينتقل بين المكانين .مع توافد عدد من الأدباء والشعراء والصحفيين تحولت الديوانية إلى ما يشبه الصالون الأدبي .
يستطيع السفير أي سفير ,إذا شاء أن يعمل حتى منتصف الليل وسيجد نفسه إذا سمح لنفسه يعمل حتى ذلك الوقت كيف ؟فلأتحدث عن نفسي أتلقى كل يوم خمس أو ست دعوات لمناسبات مختلفة ,تصل في بعض الأحيان إلى عشر .لو كنت أستجيب لكل دعوة تصلني لدخلت في دوامة من الارتباطات تستنزف وقتاً يفوق الوقت الذي أقضيه في المكتب .حقيقة الأمر أني لم أكن أقبل سوى عدد صغير من الدعوات :حفلات اليوم الوطني ,مآدب الدولة الرسمية ,والمناسبات التي تحتوي على عنصر سعودي افتتاح شركة بحرانية /سعودية على سبيل المثال .وكنت أعتذر عن عدم تلبية بقية الدعوات .معظم الذي يوجهون الدعوات إلى السفراء يرسلونها بطريقة روتينية دون أن يتوقعوا حضورهم ؛أو حضور معظمهم ,هل يتوقع أحد مني أن أحضر حفلاً يقيمه محل تجاري بمناسبة وصول ماركة جديدة من العطور ؟وهل يتوقع أحد مني حقاً أن أحضر الذكرى الخامسة لإنشاء بنك ؟ "العذر عند كرام الناس مقبولاً" ومعظم الناس يقبلون الاعتذار بطيبة نفس .في أحوال نادرة جداً ,يغضب صاحب الدعوة أو يعتب ولكن النادر لا حكم له ولا عتبي .
في كل مهنة هناك خطر مهني .أشير على سبيل المثال إلى الطمع خطراً مهنياً في التجارة ,وإلى التسويف خطراً مهنياً في الخياطة وإلى الكسل ,وتذكروا صاحبنا "المصفر "خطراً مهنياً في البيروقراطية ,وإلى تمييع القضايا خطراً مهنياً في المحاماة ,وإلى الثرثرة خطراً مهنياً في الحلاقة .يقال إن كل التعميمات ,خاطئة (بما فيها هذا التعميم عن خطأ التعميمات !)ولكن بعضها لا يخلو من الصحة .لأمر ما اتفق الشرق والغرب أنه يستحيل أن يوجد حلاق صموت أو محام يعطيك رأياً واضحاً .خطر الدبلوماسية المهني هو الحساسية .السبب مفهوم .بعض السفراء يأخذون صفتهم التمثيلية بشكل حرفي إلى درجة تدعوهم إلى المبالغة في التمسك بكل مظاهر التكريم .الدبلوماسي المحترف الذي يقضي حياته كلها محكوماً بقواعد الأسبقية يصبح متيقظاً لأي تجاوز لها على نحو يستحيل أن يحس به الإنسان العادي والسفير السياسي الذي تعود على منصب كبير يود أن تستمر المعاملة الخاصة التي استمرأها في موقعه السابق .
أذكر أن زميلاً قال لي في البحرين إنه يعتبر غياب أي مدعو عن حفل اليوم الوطني لبلاده بمثابة "موقف "من دولته يجب أن يتبعه "موقف "مماثل من السفارة .دهش الزميل عندما أخبرته أني لا أتذكر أسماء الذين لا يحضرون ولا أعتب على أحد .رأيت أكثر من زميل يغادر المكان غاضباً لأنه لم يجد المكان اللائق كان الصديق النشط نبيل قمبر رئيس إدارة المراسم في وزارة الخارجية ,حريصاً كل الحرص على أن ينزل الناس منازلهم إلا أن الأمور كانت أحياناً لا تسير على النحو المخطط له .في مجتمع البحرين كمجتمع المملكة ,يتمتع الوجهاء والأعيان ,وكبار السن منهم بصفة خاصة ,بمكانة عالية .لا يستطيع رئيس المراسم أن يطلب من أحد هؤلاء أن يخلي مقعد السفير الذي احتله خطأ .المفروض في السفير أن يتصرف بدبلوماسية ويجلس في أي مقعد شاغر .كان معظمهم يفعل ذلك إلا أن البعض كان يصر ,بلا مبرر على افتعال أزمة –"وأنا أمثل رئيس الدولة يا أخي والخروج من المكان .
كنت مرة ضحية برتوكول الأمكنة هذا .أقمت حفلة غداء لضيف سعودي زائر .كان عدد المدعوين كبيراً وكان من الصعب وضع بطاقة تحدد موقع كل ضيف .جاءني أحد الزملاء يقول إن سفيرين سيغادران الحفل محتجين لأنهما لم يجدا مكاناً على الطاولة الرئيسية .كان المدعوون يجلسون على أول طاولة يرونها ,وأعتقد أن عدداً منهم لم يدرك أنه جلس على الطاولة الرئيسية .لم يكن بوسعي أن أطلب من أحد من ضيوفي القيام ولم أود أن يغادر السفيران الحفل .أخذت الصديقين يوسف الشيراوي وزير التنمية والصناعة ,وطارق المؤيد ,وزير الإعلام ,وذهبت بهما إلى الطاولة التي جلس عليها السفيران الغاضبان وقلت :"أصبحت هذه الطاولة الآن ,بدورها ,طاولة رئيسية "ضحك الزميلان ومر كل شيء بسلام .حرصت ,بعدها ,في كل وليمة أقيمها على ألا تكون هناك طاولة رئيسية .
رأيت في تجربتي الدبلوماسية أصنافاً من الحساسية إلا أن زميلاً من الزملاء في البحرين كان يحمل على كتفيه طيلة الوقت "إهانة توشك أن تقع "زارني في المكتب مرة وكنت مشغولاً بمكالمة هاتفية عاجلة مع الأمير سعود الفيصل .بمجرد أن انتهت المكالمة ,بعد دقيقتين بالضبط من وصوله ,خرجت لأصطحبه من الصالون إلى المكتب .لم أجده ,وقال لي الزملاء إنه غادر محتجاً .ظل بعدها فترة طويلة ,غاضباً على السفير السعودي الذي "لطعه "دقيقتين كاملتين !حسناً هنا نصيحة للدبلوماسي الناشئ :لا تسمح أن تلحق أي إهانة
بدولتك ولكن تذكر أن الإهانة بطبيعتها عمل مقصود .كل تصرف غير مقصود ينبغي أن يمر بلا مشكلة حتى لو بدا ظاهرياً في شكل الإهانة .
انضم المستشار الحديدي بسمارك ذات يوم إلى اجتماع بدأ قبله وجلس على أول كرسي صادفه .فزع أحد الموجودين وقال :"سيدي ! مكانك ليس هنا .مكانك في صدر الطاولة "ورد عليه بسمارك :"أيها الشاب .حيث أجلس فثم صدر الطاولة "لا أدري مدى صحة القصة التي تنسب إلى آخرين كما تنسب إلى بسمارك ,ولكن مدلولها لا يخلو من عمق .قرأت ,مرة في "الريدرز ديجيست "قولاً منسوباً إلى الملك فيصل :"الذين يعتقدون أنهم مهمون يجلسون حيث يعتقدون أنهم يجب أن يجلسوا أما المهمون فعلاً فيجلسون حيث يشاؤون "لا أدري هل قال الملك فيصل رحمه الله هذا بالفعل ,ولكن يندرج تحت السياق نفسه :الكبار لا يهتمون بالصغائر .وفي تراثنا الإسلامي هذه الجملة الخالدة :"قمت وأنا عمر ,ورجعت وأنا عمر "
قلت إن الحساسية خطر مهني في السفراء ولكني لا حظتها لدى السفراء العرب على نحو يفوق بمراحل ,حساسية السفراء الغربيين (الذين لم أر أحداً منهم يغادر أي حفل !) لا بد وأن هناك سبباً يتعلق بطبيعة العمل .سبب الحساسية أن المراسم تلعب جزءاً كبيراً من عمل السفير العربي ,وأحياناً الجزء الأكبر ,أما في عمل السفير الغربي فلهذه المراسم دورها المحدود .عندما يتكون عالم المرء بأكمله من رسميات وشكليات يأخذ أي إخلال بهذه الرسميات والشكليات مهما كان بسيطاً حجم الإهانة الكبرى .إلى هذه المقارنة "القاتلة "بين السفراء العرب والسفراء الغربيين سأعود بعد حين .
لم يكن في العمل الجديد أي ضرورة لتنظيم أو تخطيط .تشكيل السفارة في البحرين بسيط جداً السفير ,والرجل الثاني ,الذي يسمى في التعبير الشائع القائم بالأعمال ,وعدد محدود من الدبلوماسيين السعوديين ,وعدد أكبر من الموظفين المتعاقدين من جنسيات مختلفة .كان بوسع أي من الزملاء الدبلوماسيين الاتصال ,مباشرة ,بالسفير .هنا درس للإداري الناشئ :عندما يكون عدد الموظفين صغيراً فلا مبرر لتعقيد الوضع بتنظيم هرمي .لا توجد في السفارة أي سفارة خطط خمسية أو عشرية ولا توجد برامج تنفذ حسب جدول زمني معروف .كيف يمكن والحالة هذه ,الحكم على منجزات السفير ؟
الواقع أن الحكم على سفير ما بالنجاح أو الفشل أمر صعب ,وقد يكون مستحيلاً .على خلاف الإداري العادي الذي تبدو منجزاته ,عادة ,واضحة وضوح الشمس .لا يبدو من عمل السفير أمام الناس سوى جزء بسيط شبيه برأس الجبل الجليدي العائم في الماء .عندما ينجح السفير في تفادي أزمة بين البلدين ,هل بوسعه أن يتحدث عن هذه الأزمة ؟عندما يتمكن السفير من إخراج مواطن من مأزق ,هل بإمكانه أن يتحدث عن المواطن أو عن المأزق ؟عندما يتمكن السفير ,بهدوء وبعيداً عن الأضواء من "بيع " سياسة معينة لدولته هل بوسعه أن يتحدث ,علناً عن هذه البضاعة ؟إلا أن الناس يطلقون على السفراء طيلة الوقت أحكاماً قاطعة وهي أحكام أبعد ما تكون عن العدالة .بوسعنا أن نقول إن المواطنين العرب ,عموماً عندما يحكمون على سفير ما بالنجاح أو الفشل ينطلقون من اعتبارات شخصية بحت :السفير الذي يلقاهم بالترحاب والولائم يتحول تلقائياً ,إلى أنجح السفراء والسفير الذي تمنعه مشاغله من الإيلام لكل زائر يصبح ,تلقائياً ,أسوأ السفراء .أذكر أن مواطناً كريماً أنحى مرة أمامي ,على سفير سعودي لامع باللائمة ,وقال عنه ما قال .سرعان ما تبين السبب .زار صاحبنا السفارة وسلم على السفير ولم يدعه السفير إلى غداء أو عشاء .ليست العلة ,عند الحكم على السفير ,في السفير وإنما في الامتحان .
لكي يكون الامتحان دقيقاً وموضوعياً فعلى الامتحان أن يأخذ كل حالة على حدة :أن يحدد مهمة السفير ,في هذه الحالة بالذات ,ثم يحاول أن يعرف مدى نجاح السفير في تحقيقها .مهمة السفير تختلف من دولة إلى دولة بحيث يجوز لي أن أزعم ,بشيء يسير من المبالغة ,أنه لا توجد مهمتان متماثلتان .لنأخذ بعض الأمثلة .من أهم المؤشرات على نجاح السفير في دولة مثل الولايات المتحدة استطاعته إقامة علاقات وثيقة مع أعضاء البرلمان بمجلسيه .في معظم دول العالم الثالث تعتبر أي محاولة لمد الجسور إلى الجهاز التشريعي تدخلاً غير مشروع في الشئون الداخلية التعامل مع وسائل الإعلام في الغرب جزء هام من عمل السفير أما في بلاد الصحافة الموجهة فلا ينبغي للسفير العاقل أن يضيع ثانية من وقته في التعامل مع الصحفيين .في دولة مثل الكويت لا يمكن لأي سفير فعال أن يبقي بعيداً عن الديوانيات سيعامل السفير الذي يحاول القيام بزيارات منزلية معاملة الفضولي المتطفل .مهمة السفير في الدولة الصديقة ,غير مهمة السفير في الدولة العدوة ,غير مهمته في الدولة الصديقة التي توشك أن تصبح عدوة أو الدولة العدوة التي توشك أن تصبح صديقة .
وإذا كانت المهمة تختلف من بلد إلى بلد فظروف العمل تختلف اختلافاً لا يكاد يصدق .في بعض الدول يستطيع السفير كلما أراد مقابلة رئيس الدولة وفي بعضها لا يراه إلا عند تقديم أوراق الاعتماد وعند الوداع .في بعض الدول لا يوجد أي قيد على حركات السفير وفي بعضها تحصى على السفير سكناته وحركاته .أعرف أكثر من دولة عربية لا يستطيع فيها المواطن دخول سفارة إلا بإذن مسبق من "الجهة المختصة "الدعوات الموجهة لحضور أي حفل تقيمه أي سفارة ,وتختار هذه الجهة أسماء الذين يجوز لهم الحضور .في بعض الدول يصبح الحصول على ضروريات الحياة ,من طعام وكهرباء ودواء ,مجهوداً يستغرق طاقة البعثة الدبلوماسية .لا بد إذن قبل أن نحاسب السفير أن نأخذ بعين الاعتبار لا طبيعة المهنة فحسب بل طبيعة الجو الذي يحاول فيه تنفيذ مهمته .
لا يوجد "سفير لكل الفصول "يحسن والحالة هذه أن تحسن الدولة اختيار السفير .يحسن بالدولة أن توفد إلى الدولة المحافظة رجلاً محافظاً وأن توفد إلى الدولة العدوة رجلاً صلب المراس ,وأن ترسل إلى دول "الجهات المختصة "رجلاً من "الجهات المختصة "إلا أن هذه النصيحة تبقى أقرب ما تكون إلى الأحلام ويبقى الاختيار ,في الدول العربية محكوماً في معظم الأحيان ,بالاعتبارات الشخصية وفي أقلها ,بمبدأ الدورية .
فيما يخصني كنت أعرف تماماً أن العلاقات التاريخية الوطيدة بين المملكة والبحرين ,قيادة وشعباً ,تسير في طريقها المرسوم بقوة الاندفاع الذاتي .كنت أرى أن مهمتي الأساسية هي ألا أتحول إلى حجر عثرة أو عنق زجاجة يعوق تدفق العلاقات .يقول المثل الشعبي الأمريكي :"إذا لم يكن الشيء مكسوراً فلا تصلحه !"هنا درس هام للدبلوماسي الناشئ :قبل أن تفكر في تقويه العلاقات الثنائية حاول جهدك ألا تسيء إليها .هل يمكن للدبلوماسي الذي أرسل لتطوير العلاقات الثنائية أن يسيء إليها ؟بكل تأكيد ! سوف أشير إلى أمثلة حية رأيتها بعيني ضارباً صفحاً عن الأسماء .أهداف إلى التدليل ولا أريد التشهير .
البحرين مجتمع صغير يضم أكثر من طائفة وتحكمه تقاليد من التسامح الديني تعود إلى وقت بعيد ,ويعرف الناس فيه بعضهم بعضاً في هذا المجتمع ككل مجتمع ,حساسيات على كل سفير أن يراعيها .في مجتمع البحرين سرعان ما يصبح أي نشاط يقوم به أي سفير أن يراعيها في مجتمع البحرين سرعان ما يصبح أي نشاط يقوم به أي سفير مهما ظنه خفياً وذكياً سراً مكشوفاً يعرفه الجميع .دهشت وأنا أرى أكثر من سفير يفشل في مراعاة هذه الحساسيات .رأيت سفيراً يحاول بشكل فج استمالة طائفة على حساب طائفة .ورأيت سفيراً يحاول "جمع المعلومات "بطريقة بدائية يأنف من استعمالها أقل الجواسيس خبرة .رأيت سفيراً يصر أن تخوض البحرين مع دولته كل معارك دولته .تمتاز حكومة البحرين بالحلم والأناة ويندر أن يظهر منها في العلن ,ما يشير إلى استيائها من مسلك سفير معين .تبقى الحقيقة وهي أنها في هذه الحالات ,التي تشكل من حسن الحظ الاستياء لا القاعدة أضر السفير بالعلاقات وهو يحسب أنه يحسن صنعاً .
فيما يخصني كنت حريصاً على ألا أمس بأي نحو أي حساسية ,وبالذات حساسية الجار الصغير من جاره الكبير .هذه الحساسية حقيقة أزلية أبدية نلمسها في التعامل بين جيران المنازل ,وبين جيران المتاجر ,وبين الدول المتجاورة .لم أر إنساناً استوعب هذه الحساسية ,بسائر أبعادها مثل الملك فهد .كانت توجيهاته قبل أي اجتماع خليجي :"وافقوا على ما يوافق عليه الإخوان "حتى عندما يكون لدى المملكة موقف محدد كانت تعليماته "اعرضوا الموقف .ولا تصورا عليه إذا اعترض الإخوان "الذين يطالبون المملكة أن تقوم بدور قيادي هجومي إذا احتاج الأمر في مجلس التعاون لا يعرفون تأثير الحساسيات التي تنشأ شئنا أو أبينا ,عندما يتعامل جار أكبر مع جيران أصغر .
كنت أسمع كل شهر تقريباً أن المملكة ضغطت على البحرين في هذه المسألة ولم يكن هناك في الواقع ضغط .وكنت أسمع كل شهر تقريباً أن هذا الشيء لم يتم إلا لأن المملكة أصرت عليه وكان هذا الشيء في حقيقة الأمر قراراً بحرينياً داخلياً .عندما أوشك جسر الملك فهد على الانتهاء بلغت بورصة الإشاعات أوج نشاطها .لو صدقنا ما كانت الإشاعات تردده لأقفل كل فندق في البحرين بناء على طلب المملكة .لا يكفي أن يكذب السفير هذه الإشاعات بلسانه :يجب أن يكون مسلكه طيلة الوقت بعيداً عن إثارة الحساسيات (التي تطلق الإشاعات ).
كان أسعد أيامي في البحرين يوم افتتاح جسر الملك فهد .عاصرت فكرة الجسر منذ أن كانت في مطلع السبعينات الميلادية (التسعينات الهجرية )حلماً لا يصدقه أحد إلى أن تحولت في منتصفها قراراً اتخذ ولم يكن أحد يصدق أنه سينفذ إلى أن تبنى الملك فهد في أواخرها ,وكان ولياً للعهد ,القرار شخصياً وبدأ العمل الجدي بإشراف يومي منه .لم أدخر وسعاً في كل مناسبة في دعم المشروع في مراحله المختلفة بكل ما أوتيت من جهد كنت ولا أزال أومن أن المواصلات والاتصال هي السبيل الأسرع و الأضمن إلى الوحدة. مدى التقارب ينعكس في كثافة الاتصالات –بأنواعها الهاتفية والبريدية والشخصية – ويسر المواصلات –بأنواعها البحرية والبرية والجوية –أكثر مما ينعكس في عدد المواثيق والمعاهدات .من هذا المنطلق كنت ولا أزال أرى أن جسر الملك فهد هو أهم إنجاز وحدوي خليجي على الإطلاق .
كان هناك عمل هادئ دؤوب يتم بعيداً عن الأنظار لضمان انسياب الحركة على الجسر وكان لا بد من تنسيق دقيق بين الجانبين حول شئون الأمن والهجرة والجمارك .عندما افتتح الجسر خابت توقعات المتشائمين الذين توقعوا أن تستغرق الإجراءات معظم النهار .لم تكن هناك فترة تأخير تذكر سوى في نهاية الأسبوع .إلا أنه إذا كانت توقعات المتشائمين



ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أول من تحدث عن جسر بين المملكة والبحرين كان الملك سعود ,رحمه الله ,خلال زيارة رسمية قام بها للبحرين سنة 1954 م (1374 ه) إلا أن الظروف في مجملها ,لم تسمح للفكرة بأن تتجاوز نطاق الحديث العابر .
تولى محمد أبا الخيل متابعة المشروع في المملكة ,وتولى يوسف الشيراوي متابعة المشروع في البحرين ,وقام الوزيران ,ومساعدوهما ,بدور تاريخي في إنجاز المشروع .في يوم الافتتاح أنعم الملك فهد على يوسف بوسام عال وأنعم الشيخ عيسى على محمد بوسام مماثل .أترك للقارئ أن يستنتج من أين نبعت فكرة الوسام .

قد طاشت فإن آمال المفرطين في التفاؤل ,وأحسبني كنت أحدهم ,لم تتحقق .كنت أتمنى أن أترك البحرين والانتقال بين البلدين لا يتطلب جواز سفر ,وبقيت الأمنية في عالم الخيال .الجوازات باقية والسفراء زائلون !
سبق أن تحدثت عن الأزمات التي يسهم السفير في حلها دون أن يكون بوسعه الحديث عنها ,وأحسب أنني بعد مرور هذه السنين أستطيع أن أتحدث عن أزمة ,الأدق أن أسميها "أزيمه" غير متوقعه نشأت عند افتتاح الجسر ,وهي أزمة السيارات السعودية في البحرين .كان عدد كبير من المواطنين السعوديين الذين يصلون إلى البحرين مقتنعين اقتناعاً راسخاً أن رجال المرور البحرينيين "يتصيدونهم " بالمخالفات .وكان عدد كبير من رجال المرور في البحرين مقتنعين اقتناعاً تاماً أن السائقين السعوديين "يتعمدون "أن يخالفوا كل قاعدة من قواعد المرور في الجزيرة .حقيقة الأمر كانت أبسط من ذلك :لم يكن هناك تصيد من جانب ولا تعمد من جانب آخر .في البحرين انضباط مروري صارم يعود إلى تقاليد استقرت منذ سنين طويلة ,وفي المملكة لا يوجد هذا الانضباط بالصرامة نفسها .كان السائق السعودي يتصرف في البحرين كما يتصرف في المملكة إلا أن اختلاف درجة الانضباط أدى إلى ظهور المشكلة .كان تجاوب الصديق الشيخ محمد بن خليفة آل خليفة وزير الداخلية فورياً وفعالاً .أمكن ,بعد اجتماعات هادئة تجاوز "الأزيمة "بعد شهور من الافتتاح لم يعد أحد يتحدث عن "تصيد" أو "تعمد " .
كان هناك تخوف في أكثر من مكان أن يؤدي جو الانفتاح السياحي (النسبي ) في البحرين مع تدفق الزوار السعوديين من كل عمر وكل مزاج إلى مشاكل شائكة .كنت أتابع هذا الموضوع يوماً بيوم ,مخالفة مخالفة .منذ أن أفتتح الجسر إلى أن غادرت البحرين لم تكن هناك مشاكل تتجاوز المعتاد والمألوف ,ولم تكن هناك بحمد الله مشكلة خطيرة واحدة .
جزء أساسي من مهمتي اليومية كان تذليل العقبات البيروقراطية التي كان لابد أن تنشأ بين الحين والحين على هذا الجانب من الخليج أو ذاك .عندما يثور إشكال جمركي كنت أتصل بمحمد أبا الخيل .وعندما تكون المشكلة مع الحجر الزراعي كنت ألجأ إلى عبد الرحمن آل الشيخ وكنت ابحث أي مشكلة تجارية مع سليمان السليم .وكنت أفعل الشيء نفسه في البحرين .كان وزراء المجموعة الاقتصادية في البحرين ,شأنهم شأن نظرائهم السعوديين ,أبعد ما يكونون عن النظرة البيروقراطية الضيقة .لم تكن أي مشكلة يواجهها أي مواطن سعودي تستعصى على الحل ,بعد اتصال بوزير المالية والاقتصاد الوطني الصديق إبراهيم عبد الكريم ,أو بوزير التجارة والزراعة الصديق حبيب قاسم ,أو بوزير الماء والكهرباء والأشغال الصديق ماجد الجشي ,أو بعدو البيروقراطية الأشهر يوسف الشيراوي .كانت هذه الاتصالات الشخصية تحقق ما لا يمكن أن تحققه مجلدات من المراسلات .

لم يكن بوسعي أن أتجاوز القنوات المعتادة لولا تفهم الأمير سعود الفيصل وزير الخارجية ودعمه المستمر .عرفت هذا الرجل قبل أن أتولى الوزارة وزاملته في مجلس الوزراء قرابة عقد من الزمان ,ثم عملت تحت رئاسته ,وكان في أحواله كلها المثال الحي "للجنتلمان "هنا الصديق لم يتغير مع تغير المواقع بل ازدادت صداقته عمقاً أتيح لي عبر احتكاكي معه في العمل الجديد أن أطلع على جانب آخر يختلف عن جانب الوزير الدبلوماسي المحنك الذي عاصر الأحداث العربية والعالمية عبر عقدين كاملين اكتشفت فيه قارئاً نهماً يقرأ في كل مجال وحس الدعابة متطوراً إلى درجة لا يستطيع أن يتصورها المتعاملون مع الرجل الرزين الوقور .
كانت الغمامة الوحيدة التي رفضت أن تغادر أفق حياتي المشمس في البحرين هي أزمة "حوار "هذه الأزمة تثير الكثير من المشاعر الملتهبة في كل من البحرين وقطر ولن أتعرض هنا إليها .سأكتفي بالحديث عن ذلك الجانب الذي مس مهمتي في البحرين .كانت المملكة ,بطلب من الدولتين ,تقوم بالوساطة .لا يمكن لأي وسيط أن يحقق أي قدر من النجاح مالم يكن محايداً تماماً ومالم يظهر في كل مرحلة بمظهر الحياد التام .غني عن الذكر أن كل طرف في النزاع يحاول استمالة الوسيط إلى موقفه ,وإصرار الوسيط على الحياد كثيراً ما يبدو في عين كل طرف انحيازاً إلى الطرف الآخر مهمة السفير في كل الظروف والأحوال أن ينقل بأمانة ووضوح ,موقف دولته بصرف النظر عن ردود الفعل التي يتلقاها .السفير الذي يتطوع "بتجميل "هذا الموقف يفرط في الأمانة .والسفير الذي يقول لمضيفيه ما يريد مضيفوه أن يسمعوه يتخلى عن الأمانة نهائياً لا ينبغي لعواطف السفير الشخصية ,وهو إنساناً يحب ويكره كسائر البشر أن تدخل على أي نحو في أداء مهمته .كانت الرسائل التي أحملها لا تروق السامعين ,ومرت علي أيام صعبة (محدودة بفضل الله ) أذكر أن الأمير سعود الفيصل قال مرة لأمير البحرين "لم يعان أحد من الأزمة مثلما عانينا غازي وأنا .كم أتمنى أن يوجد حل من أجل هذا المسكين "كان "هذا المسكين "بطبيعة الحال ,كاتب هذه السطور .كان أغلى أحلامي أن أغادر موقعي في البحرين وقد انتهت الأزمة ,ولم يتحقق الحلم .لا أملك الآن إلا أن آمل أن تنتهي الغمة السوداء ,في يوم قريب ,بحل يرضاه الطرفان ويزيل هذا الكابوس من العلاقات الخليجية .
لا يوجد أكذب من مقولة "أعذب الشعر أكذبه "سوى ذلك التعريف الشائع الذي جاء به السير هنري وتن قبل قرابة أربعة قرون :"السفير الرجل شريف يرسل إلى الخارج ليكذب لصالح دولته ".ربما كان هذا التعريف دقيقاً أيام الاستعمار ودبلوماسية البوارج :يوم كان السفير يبتسم والجيوش تحتشد .وقد يصدق هذا التعريف في أيامنا هذه أثناء الحروب أما في الظروف العادية فلا توجد خصلة تضر بعمل السفير مثل الكذب التعريف الحقيقي للسفير ,في رأيي ,هو أن يكون مرآة بشرية ,مرآة تعكس مواقف دولته أمام الدولة المضيفة ,وتعكس مواقف الدولة المضيفة أمام دولته ,وأن يفعل ذلك بدقة المرآة وموضوعيتها .مع كل كذبة يكذبها السفير يحدث شرخ في المرآة ومع توالي الشروخ لا تعود المرآة صالحة للاستعمال .السفير الكذوب ,كالمرآة المشروخة ,لا ينفع – وكثيراً ما يضر !.
الخوف من أن تؤثر العواطف الشخصية على أداء السفير هو الذي يدفع كثيراً من الدول إلى نقل السفير من موقعه بعد فترة قصيرة (أربع سنوات وأحياناً ثلاث سنوات وأحياناً أقل"
تخشى هذه الدول أن ينقلب السفير كما يقول التعبير الغربي إلى "واحد من المحليين " لا أعتقد أن بوسع أي سفير أن يكون فعالاً في فترة سنتين أو ثلاث .خمس سنوات هي المدة المعقولة .أحسنت حكومة المملكة صنعاً عندما قررت مؤخراً ألا يبقى دبلوماسي في موقعه بعد أربع سنوات إلا في ظروف استثنائية يقدرها رئيس الدولة (وليتها جعلتها خمس سنوات!) كما سبق أن توقعت توفر مع العمل الجديد من الوقت مالم يكن متوفراً في الماضي .أصبح بوسعي أن أقضي في المكتبة مالا يقل عن أربع ساعات كل يوم بين القراءة والكتابة .بدأت بعد وصولي البحرين بفترة وجيزة في كتابة عمود أسبوعي في جريدة "الأضواء "سميته "ورقة ورد "(نشرت الحلقات في وقت لاحق ,في كتاب "100ورقة ورد "الذي أصدرته مؤسسة تهامة )استأنفت هوايتي المفضلة :صيد السمك اشتريت قارباً صغيراً وكان بوسعي أثناء موسم الصيد ,الربيع والصيف وأوائل الخريف ,أن أذهب إلى البحر مرتين أو ثلاث مرات في الأسبوع تمكنت من قضاء وقت أطول مع الأولاد باختصار كانت الفترة التي قضيتها سفيراً في البحرين من أسعد فترات حياتي وأخصبها فكرياً .
أسمح لنفسي هنا أن أتوقف لأقول إنني أتصور أن داخل كل إنساناً عدة شخوص .وإن الحياة الغنية هي التي تعطي كل شخص موسمه .يقبع في داخلي إنساناً مولع بالمعرفة والبحث ,وقد أتيح لهذا الشخص أن يعبر عن نفسه خلال عملي في الجامعة .ويقبع في داخلي الإداري الذي تستهويه تحديات السلطة ,وقد أتاحت الوزارة لهذا الشخص أن يتحرك ويطفو على السطح .ويقبع في داخلي الكاتب /الشاعر وهو الشخص الذي ترك له العمل في البحرين مجالاً واسعاً للتنفس والنمو .النمو ! كل كائن يكف عن النمو يبدأ في الموت .والإنسان السعيد هو الذي يستطيع أن يحول كل موسم من مواسم الحياة فرصة لنمو طاقات جديدة أو متجددة في أعماقه .
عندما وصلت البحرين كان عدد من السفراء يتأهب للمغادرة وبعد قرابة سنتين أصبحت عميد السلك الدبلوماسي (كان في البحرين وقتها حوالي عشرين سفارة وأحسب أن العدد زاد الآن )عمادة السلك كأوراق الاعتماد تثير في ذهن الإنسان العادي تصورات لا أساس لها في الواقع .في هذا الموقع أقل ,كما يقول التعبير الإنجليزي مما تراه العين .العمادة تعني ,ببساطة متناهية ,أن العميد هو السفير الأقدم .والعمادة تعطي صاحبها بعض المزايا وتفرض عليه بعض الواجبات .أهم المزايا أنه يتقدم السفراء في كل المناسبات ,وأن على كل سفير جديد أن يبدأ عمله بزيارة عميد .وأهم الواجبات أن على العميد إقامة حفل تكريمي عندما ينهي السفير عمله ويقدم له هدية تذكارية باسم الزملاء (جرى العرف أن تكون صينية فضية تنقش عليها أسماء السفراء ) وعليه أحياناً أن يبلغ السفراء نيابة عن وزارة الخارجية ,أو وزارة أخرى ,بالحضور في موعد معين لحضور مناسبة ما .في بعض الدول هناك احتفالات تتطلب من العميد إلقاء كلمة باسم السلك ,إلا أنه لم تكن في البحرين احتفالات من هذا النوع .وفي بعض الدول يقوم العميد ببحث أي مشاكل تثور وتمس السلك ,مع وزارة الخارجية ,إلا أنه في البحرين لم تكن هناك أي مشاكل .لم تضف العمادة ضغطاً يذكر على عملي اليومي .
جرت عادة وزير الخارجية الشيخ محمد بن مبارك آل خليفة أن يقيم حفل غداء تكريماً لكل سفير ينهي مهمته في البحرين في فندق من الفنادق الكبرى .كان الترتيب غاية في الدقة .في الواحدة تماماً يحضر المضيف ويتوافد الضيوف .وفي الواحدة والربع يكتمل العقد وتؤخذ الصور التذكارية ويبدأ الغداء .في الثانية تماماً يكون الجميع قد غادروا المكان نقلت هذا التقليد الجميل "السريع "إلى حفلات التي كنت أقيمها للسفراء المغادرين .يبدأ الحضور في الواحدة وفي الثانية تماماً يكون الضيوف في سياراتهم .لم تتجاوز الكلمة التي كنت ألقيها خمس دقائق .
في السفارة مهما كانت صغيرة كم كبير من الأوراق التي يجب على السفير أن يراها .بالإضافة إلى الخطابات والمذكرات يقضي العرف في وزارة الخارجية السعودية ومعظم نظيراتها العربية ,أن يؤشر السفير على كل مستند من مستندات الصرف (أحياناً تصل المستندات إلى العشرات في اليوم الواحد ).سبق أن قلت أن لكل منصب مهما ارتفع شأنه نصيبه من الأعمال الروتينية .كنت دائماً أعطي هذا الجانب حقه كاملاً بطيبة خاطر إلا أن الأوراق تبقى أشياء جامدة ولم أكن "أجد نفسي "إن جاز لي استخدام هذا التعبير المبتذل بعض الشيء إلا في مجالات بعيدة عن الأوراق .قبل أن أتحدث عن هذه المجالات أريد أن أتوقف لحظة لأشرح للقارئ العادي الفارق بين الخطابات والمذكرات .الخطابات هي الرسائل التي يوجهها السفير إلى مسئول بعينه في وزارة الخارجية المضيفة أو وزارة الخارجية الموفدة أو إلى سفير آخر ,وتنتهي بتوقيع السفير .هذه الخطابات لا تستخدم إلا في الأمور الهامة والحساسة .معظم عمل السفارة الروتيني يتم عن طريق المذكرات .المذكرات رسائل توجه إلى وزارة الخارجية المضيفة أو وزارة الخارجية الموفدة أو إلى سفارة أخرى دون تحديد اسم مرسلها أو اسم مستقبلها ,وترسل دون توقيع (ولكن بتأشيرة السفير) جرى العرف في كل دول العالم أن تبدأ المذكرة بديباجة معينة وتنتهي بصيغة معينة .تقول الديباجة "تهدي سفارة ...أطيب تحياتها إلى ....ويسرها أن تبلغها ...."لا يوجد في العمل الإداري الداخلي ما يشابه هذه المذكرات حدثني يوسف الشيراوي أنه تولى مرة وزارة الخارجية في البحرين بالنيابة ,عندما اطلع على مذكرة تتضمن أخباراً سيئة شطب على الديباجة وكتب :"لا أرى ما يدعو إلى السرور !" لا أعتقد أن يوسف تولى وزارة الخارجية بالنيابة مرة أخرى .
كان النشاط الثقافي من أقرب النشاطات إلى قلبي وكنت حريصاً أن تتبنى السفارة بين الحين والحين ,مناسبة ثقافية .زارنا في البحرين الأمير الشاعر عبدالله الفيصل ,وكان من خلال إقامته القصيرة موضع الحفاوة البالغة من شعراء البحرين .وساهم الأمير الشاعر خالد الفيصل في مهرجان شعري كبير ضم عدداً من شعراء الفصحى وعدداً من شعراء النبط وزار البحرين الأمير الشاعر بدر بن عبدالمحسن وكانت له أمسية شعرية حافلة ولقاء حافل مع طلبة جامعة البحرين وطالباتها .في الديوانية ,سعدت باستضافة الصديق الشاعر حسن عبدالله القرشي الذي أطرب الحاضرين بشعره وأدهشهم بسعة محفوظاته (ألقى قصيدة للجواهري من سبعين بيتاً !)وسعدت بحضور الصديق الشاعر عبدالله بن خميس والصديق الأديب عبدالله الجفري ,والصديق الأديب علوي الصافي والأديب الكبير محمد حسين زيدان يرحمه الله ,بالإضافة إلى مجموعة أخرى من الصحفيين والأدباء يضيق بحصرهم المجال .كان الصديق الشاعر عبدالرحمن رفيع القاسم المشترك في كل هذه اللقاءات .رغم أني لا أميل بطبعي إلى إقامة الأمسيات الشعرية ساهمت خلال إقامتي في البحرين في عدد من هذه الأمسيات .وبالإضافة إلى الشعر كان هناك النثر .ألقيت خطاب التخرج السنوي في جامعة البحرين ,وكان لي لقاء مفتوح مع طلبتها ,وخطاب التخرج السنوي في المدرسة الأمريكية .كان لي أكثر من مساهمة في جامعة الخليج .إلا أني لم أسعد بنشاط ثقافي كما سعدت بلقاء استغرق الصباح بأكمله مع طلبة مدرسة ابتدائية ولقاء آخر مع طلاب مدرسة إعدادية .قلت إني كنت أعتذر عن عدم تلبية الكثير من الدعوات إلا أني لم أعتذر قط عن دعوة تلقيتها من جامعة أو مدرسة .يبدو أنه العشق القديم !
والحديث عن هذا العشق يقودني إلى القول إني عندما كنت أدرس في الجامعة كان في الكلية عدد من طلبة البحرين شغلوا ,بعد تخرجهم مراكز قيادية في حكومة البحرين .كنت حريصاً على أن تستمر الهجرة إلى جامعات المملكة ودفعني هذا الحرص إلى أن أتابع بصفة منتظمة المنح الدراسية المقدمة لطلبة البحرين وأتابع بصفة شخصية ,قبول أي طالب يطلب المساعدة في قبوله بجامعة سعودية .هنا عبرة للدبلوماسي الناشئ :مع كل منحة دراسية تكسب دولتك صديقاً مدى الحياة .
وكنت أبذل جهدي لمساعدة الراغبين في المراكز الطبية المتقدمة في المملكة .سرعان ما أصبحت هذه المراكز تتمتع بسمعة ممتازة في البحرين كان عدد من المواطنين البحرينيين يفضلون العلاج في المملكة على العلاج في أوربا والولايات المتحدة .كان الملك فهد ,كعادته يتجاوب على الفور مع كل طلباتي الإنسانية .أرسل عدة مرات طائرة طبية خاصة لنقل مريض من عامة الناس إلى المملكة .كان لهذه المبادرات من الأثر الإيجابي في قلوب الناس مالم يكن بوسع أي مؤسسة من مؤسسات العلاقات العامة أن توجد ما يماثله عبر ألف حملة دعائية .
نسمع ,كل لحظة أن متغيرات العصر تتطلب أن يتغير معها دور السفير ,ولكن يتغير في أي اتجاه ؟الذين يعتقدون أن سهولة الاتصالات بين رؤساء الدول قضت على دور السفير يتحدثون عما يجهلون .إذا استثنينا الوضع الخاص في دول الخليج ,لا يكاد يوجد عمل دبلوماسي أعقد من ترتيب مكالمة هاتفية بين رئيسين .لا يوجد رئيس دولة يقول لعامل السنترال :"اطلب لي ,الآن رئيس الدولة الفلانية "هناك فارق التوقيت ,وفارق البرنامج اليومي وفارق اللغة .البرقية التي يرسلها السفير تصل في ثوان أما ترتيب المكالمة الهاتفية فكثيراً ما يتطلب بضعة أيام بالإضافة إلى الصعوبات اللوجستيكية لا يود أي رئيس دولة أن يتخذ قراراً هاماً أثناء مكالمة هاتفية .دور السفير في نقل الرسائل لم يتغير مع ثورة الاتصالات والمواصلات ,ولا أحسبه سيتغير مع تطوراتها القادمة .
إلا أنه إذا كان هذا الجانب من عمل السفير لم يتغير فهناك جانب من عمله يوشك أن يدخل التاريخ بسرعة :التقارير التحليلية المطولة .بوسع أي مسئول في أي وزارة خارجية في العالم أن يتابع آخر التطورات في واشنطن أو لندن أو موسكو على القنوات الإخبارية الفضائية قبل أن يبدأ السفير في الكتابة .وبوسع هذا المسؤول أن يحصل على المعلومات التي يريدها ,من خلال شبكة "الانترنت "عن أي بلد في العالم في لحظات معدودة .كنت ولا أزال في خضم الطوفان المعلوماتي الهادر أقتصر على إرسال تلك المعلومات التي لا يمكن الحصول عليها بوسيلة أخرى ,وتلك المعلومات وحدها .مخازن وزارات الخارجية ,على امتداد العالم ,مليئة بتقارير السفراء النشيطين التي لم يقرأها أحد .
هناك جانب آخر من عمل السفير يزداد مع قدوم السوق العالمية المشتركة أهمية وخطورة :الجانب الاقتصادي .سبق أن قلنا إن السفراء الغربيين في المملكة وربما في كل مكان يعتبرون الدفاع عن مصالح دولهم الاقتصادية جانباً هاماً لعله الأهم من عملهم .بدأت الحكومات العربية تنتبه إلى أهمية هذا العمل وهناك ملحقون تجاريون في سفارات عربية كثيرة .إلا أن السفارات العربية ,لا تزال على العموم تقف موقف الدفاع :تكتفي بالرد على الاستفسارات التي تتلقاها .لكي تنتقل من الدفاع إلى الهجوم ,لكي تسعى إلى زيارة الصادرات العربية بدلاً من المساعدات على تشجيع الواردات تحتاج هذه السفارات إلى طاقات بشرية مؤهلة لا تتوفر في الوقت الحاضر ,في معظمها وهذا يقودني إلى المقارنة القاتلة التي سبق أن ألمحت إليها بين السفراء العرب والسفراء الغربيين .
كل من السفير العربي والسفير الغربي يستقبل الوفود ويقيم الحفلات ويكتب التقارير ,وهنا تنتهي المقارنة .السفير الغربي يلعب دوراً كبيراً في الغالب الدور الأكبر في رسم سياسة دولته نحو الدولة المضيفة ويندر أن يلعب سفير عربي دوراً كهذا .الرسائل الخطية التي يرسلها رئيس الدولة الموفدة إلى رئيس الدولة المضيفة تكون في الأغلب من إعداد السفير الغربي ,أما السفير العربي فيقتصر دوره على حمل هذه الرسائل (وأحياناً يوفد مبعوث خاص "أرقى "من السفير لحملها رغم أنه لا يعرف شيئاً عن الأوضاع في الدولة التي يحمل الرسالة إلى رئيسها )السفير الغربي لا يلم ,أولاً بأول ,بسائر الاتصالات التي تتم بين دولته والدولة المضيفة فحسب ,بل يلم أولاً بأول ,بجميع الاتصالات التي تمس على أي نحو الدولة المضيفة الأجهزة الاستخبارية التي تعمل ,بغطاء دبلوماسي ,في السفارة تخضع لإشراف مباشر من السفير الغربي ,أما السفير العربي فيعتبر نفسه سعيد الحظ إذا سلم من تقارير هذه الأجهزة لا يوجد بجانب السفير الغربي سفراء هواة أما السفير العربي فيجد نفسه محاطاً بمائة سفير متطوع (وتقارير هؤلاء تلقى أحياناً من الأهمية مالا تلقاه تقارير السفير "المعتمد "! )لدى السفير الغربي بند كاف للولائم والحفلات أما السفراء العرب وأستثني هنا سفراء الدول المنتجة للبترول فينفقون على الولائم والحفلات من مرتباتهم .أعرف دولة عربية لا تخصص سيارة للسفير .على السفير مالم يكن من هواة الجري أن يشتري السيارة من جيبه الخاص .السفير الغربي يستطيع أن يستعين بمتخصصين في كل مجال ينتدبون للعمل في السفارة أما السفير العربي فيجد نفسه في أحوال كثيرة مضطرة إلى القيام بنفسه بالأعمال القنصلية .
لا ينبغي لنا والحالة هذه ,أن نلوم السفير العربي الذي أخفق بعد أن جردناه من كل وسائل النجاح وأسبابه .وعلينا ,والحالة هذه أن نشيد أيما إشادة بالسفير العربي الذي ينجح في مهمته معتمداً على مؤهلاته الشخصية ,وعليها وحدها .المعجزة أن عدداً من السفراء العرب يتمكنون في ظل ظروف العمل التسعة هذه ,من تمثيل دولتهم بفاعلية وقد رأيت بنفسي عدداً من هؤلاء .
قال لي الصديق الراحل السير انتوني بارسونز ,الذي سبق أن تولى منصب الوكيل الدائم لوزارة الخارجية البريطانية إن هذه الوزارة "لم تأخذ مأخذ الجد أي سفير عربي في لندن باستثناء حالة أو حالتين "وأضاف "كنا ندرك أنهم بعيدون عن صنع القرار وأن مهماتهم بروتوكولية محضه وكنا نتعامل معهم على هذا الأساس "قبل أن نلوم بريطانيا أو أي حكومة غربية أخرى على اتخاذ موقف كهذا يجب أن نلوم الحكومات العربية كيف تأخذ الحكومة الغربية السفراء العرب مأخذ الجد والحكومات العربية تنسى وجودهم وتفضل التعامل مع السفير الغربي في العاصمة العربية ؟كثر الحديث عن انقراض السفراء الوشيك .لا خوف في رأيي المتواضع ,من انقراض السفير العربي .لم يبدأ السفير العربي في مزاولة دور يذكر ,مقارنة بزميله الغربي ,فكيف ينقرض مالم يوجد ؟
غني عن الذكر أن الفارق الهائل بين دور السفير الغربي ودور السفير العربي لا ينبع من فراغ وإنما من الفارق الكبير في التقاليد التاريخية .للدبلوماسية الغربية تاريخ عريق يعود إلى قرون طويلة ويرتبط ارتباطاً وثيقاً بحقبة الاستعمار :كان "المندوب السامي "هو السفير وهو الحاكم .بمرور السنين استقرت تقاليد العمل الدبلوماسي ورسخت مؤسساته .يختلف الحال اختلافاً جذرياً في الدول العربية التي لم تحصل على استقلالها إلا منذ عقود قليلة والتي لم تتطور ,بعد مؤسساتها كما تطورت المؤسسات الغربية إلا أننا لا ينبغي أن نكتفي بالمقارنات والتبرير .آن الاوان لكي تولي الدول الربية جهازها الدبلوماسي ما يستحقه من عناية واهتمام (واحترام ).
في الفترة مابين انتهاء الحرب العراقية / الإيرانية واحتلال الكويت كنت أرى من موقعي في البحرين ,الكثير من التصرفات التي بدت وقتها غريبة وبلا معنى .بلا مقدمات طلع "مجلس التعاون العربي "ولم يستطع أحد فهم أهداف المنظمة الجديدة .
عرض الرئيس العراقي معاهدة عدم اعتداء على بعض دول الخليج ولم يعرضها على البعض الآخر ,ولم يحاول أحد أن يفسر لم عرض ولم حجب .زار وزير الدفاع العراقي البحرين زيارة رسمية ,وعبر محادثاته كلها كان يكرر أن العراق "لا يستغني عن إطلالة استراتيجية في الخليج ".لم الإطلالة بعد انتهاء الحرب مع إيران ؟ زار مسئول كبير في دولة من الدول التي تعاطفت مع العراق بعد احتلال الكويت البحرين وأعلن ,بغتة ,أن "الأغنياء في الخليج "في خطر داهم مصدره "الفقراء خارج الخليج ".تذكر شيوخ القبائل العراقية أقاربهم في الخليج وزار الخليج عدد من هؤلاء الشيوخ ذات يوم طلب سفير دولة من الدول التي تعاطفت فيما بعد مع العراق مقابلة "عاجلة جداً "معي .قابلته وكان لديه استفهام تلو استفهام عن مجلس التعاون الخليجي .لم يكن الأمر بحثاً عاماً ,كان أشبه ما يكون باستجواب .مع نهاية المقابلة اتضح هدفها الذي حاول جاهداً أن يخفيه :كان يريد أن يعرف ردود الفعل عند دول الخليج إذا وقعت دولة منها تحت الاحتلال !
تحدثت عن تجربتي الشخصية خلال أزمة الاحتلال في مكان آخر ولا أنوي أن أكرر هنا ما كتبته هناك .يكفي أن أشير إلى تأثير الأزمة على عملي اليومي :تضاعف الحمل عدة أضعاف .لم يكن يوم واحد يمر بي دون أن أكتب عدة مقالات ,ولم يكن أسبوع واحد يمر بي دون أن أجري عدة مقابلات صحفية أو إذاعية أو تلفزيونية .بالإضافة إلى هذا المجهود الإعلامي المتواصل كنت حريصاً على طمأنة الجالية السعودية الصغيرة في البحرين –لا يتجاوز عددها المائتين –بشتى السبل .كنت أعقد مع أركان الجالية اجتماعاً أسبوعياً في السفارة أشرح فيه آخر تطورات الموقف .عندما اقتربت ساعة المواجهة حرصت على تزويد أفراد الجالية بأقنعة واقية من الغاز .كان تجاوب الأمير محمد بن فهد بن عبدالعزيز أمير المنطقة الشرقية ,سريعاً ووصلت الأقنعة خلال أسبوع من طلبها (لم أدخل قناعاً من الأقنعة إلى منزلي )عندما توقف العمل في جسر الملك فهد مع بداية العمليات العسكرية أدى ذلك إلى شيء من التوتر بين الناس في البحرين ,وأجريت اتصالات سريعة لإعادة فتحه ,وتم ذلك بالفعل .كنت حريصاً خلال الأزمة أن يكون مسلكي ومسلك أبنائي أبعد ما يكون عن القلق وعن إثارة القلق .
لقيت بسبب موقفي أثناء الأزمة ,مالم يكن ليخطر ببالي من أنواع التكريم .منحتني الكويت أعلى أوسمتها ومنحني المواطنون عبر الخليج أغلى أوسمة المحبة .إلا أنه كما سبق أن كررت ما من موقف يمر بلا ثمن .بدأت تصلني رسائل تحمل من شحنات الكراهية مالم أكن أعتقد أن بوسع النفس البشرية ,أي نفس بشرية ,أن تختزنه .ثم بدأت تصلني تهديدات بالقتل .لم أنزعج :على الذين يرهبون ردود الفعل ,كائنة ما كانت ,أن لا يقوموا بأي عمل ,كائناً ما كان .كنت أقرأ رسائل الكره بشيء من الذهول ,وشيء من الشفقة على كاتبيها .وكنت أقرأ رسائل التهديد بشيء من الاستغراب .هل يمكن أن تزعج كتابات مجرد كتابات, أحداً على نحو يدفعه إلى قتل الكاتب ؟إلا أن التهديدات التي لم ألق لها بالاً في المنامة أخذت بكثير من الجدية في الرياض .فوجئت بولي العهد الأمير عبدالله ,يرسل لي بالطائرة ,سيارة المصفحة الخاصة .فوجئت ,في الأسبوع نفسه بالملك فهد يوفد فريقاً أمنياً لحراستي .اعقلها وتوكل !استعملت السيارة المصفحة ,شاكراً لولي العهد حرصه ,واصطحبت فريق الحراسة ,مقدراً للملك اهتمامه ,وبقيت مسلماً أمري لله وحده ,متوكلاً عليه وحده إنه نعم المولى ونعم النصير .






ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مع بداية الأزمة زارني صديق يرأس مؤسسة استثمارية وضعت لديها "تحويشة العمر "قال إن واجبه يقتضي أن يخبرني أن الكثيرين قرروا تحويل أموالهم إلى خارج الخليج ,وسألني إذا كنت أرغب في عمل الشيء نفسه كان ردي فعلي :"إذا ذهب الوطن هل ينفع المال ؟"ولم تتحرك "تحويشة العمر "



قال لي الأمير عبدالله بعد انتهاء الأزمة :"كنت أعرف عنك أشياء كثيرة ,ولكني لم أكتشف إلا أثناء الأزمة ,أنك شجاع "كانت هذه مجاملة كريمة من إنسان كريم .ذكرني تعليق ولي العهد بحوار طريف دار ,ذات يوم بين الملك خالد رحمه الله وبيني سألني الملك "غازي !هل أنت شجاع ؟"قلت :"لا أدري "ضحك الملك وقال :لا تدري ؟ماذا تقصد ؟"قلت :"لم يسبق أن مر بي موقف يتطلب شجاعة حقيقية .عندما أتعرض لموقف كهذا يمكن أن أجيب على السؤال "قال الملك :"معظم الناس لو سألتهم هل هم شجعان يردون بالإيجاب "قلت :ربما كان معظم الناس شجعاناً بالفعل .قال الملك "أشك في ذلك "الشجاعة ! هذه خصلة لا بد أن يترك الحكم في وجودها أو عدم وجودها للآخرين وللآخرين وحدهم .كان موقفي لا يختلف كثيراً عن موقف الرجل الذي اجتمع الناس لتهنئته بعد أن أنقذ طفلاً كاد يغرق في البحر .قال الرجل :دعوا هذا الكلام الآن أريد أن أعرف من فيكم الذي دفعني في الماء !.
أود أن أتحدث عن تجربة إعلامية واحدة أثارت ردود فعل أدهشتني تماماً .ظهرت مع لاري كنج في برنامجه الشهير في "السي أن .أن "استغرقت المقابلة نصف ساعة ,أو أقل قليلاً .بعدها وصلني عدد هائل من الرسائل من الولايات المتحدة أحسبه لا يقل كثيراً عن خمسمائة رسالة ,وكلها بدون استثناء ,تشيد بالمقابلة .لم أقل شيئاً مذهلاً أو خارقاً أو جديداً أو مثيراً .أعتقد أن السر يكمن في الأسلوب الذي اتبعته قاطعت المذيع عندما بدأ يسميني "السيد السفير "وقلت :"لا ري ! سمني غازي !"في المجتمع الأمريكي هناك هالة تحيط بلقب "السفير "لا تكاد توجد في مكان آخر ومشهد السفير الذي يطلب من محدثه عدم استخدام هذا اللقب كان شيئاً قرب المتحدث إلى قلوب المشاهدين والمشاهدات .لا بد أن نذكر أنه في المجتمع الأمريكي على خلاف المجتمع البريطاني ,يعتبر استخدام الأسماء الشخصية بادرة مودة وصداقة .هنا درس هام لكل إعلامي :أسلوب الرسالة لا يقل أهمية عن مضمونها وهذا الأسلوب يختلف من جمهور إلى جمهور ومن بلد إلى بلد .
أمتع ذكريات الأزمة إن كان في الأزمات شيء ممتع ذكريات اللقاء الذي كان ينعقد ,كل ليلة في منزل ولي العهد الشيخ حمد في "الصافرية "كان الاجتماع الذي ينتهي بالعشاء يضم عدداً صغيراً من مساعدي الشيخ حمد العسكريين وبعض مستشاريه وبعض المقربين إليه .كان الشيخ حمد يوافي المجموعة بآخر ما تمخضت عنه الاتصالات السياسية .وكان مساعدوه العسكريون يتحدثون عن الاستعدادات العسكرية المتنامية في المنطقة .وكان الصديق الدكتور حسن فخرو يوجز لنا التعليقات التي نشرتها وسائل الإعلام العالمية .وكان الصديق الدكتور محمد جابر الأنصاري يشير إلى النظريات التي طرحت لتفسير هذا الموقف أو ذاك .أما يوسف الشيراوي فكان ,كالعادة يتحدث في كل شيء .لا أذيع سراً إذا قلت إني كنت أستقي من هذا اللقاء الليلي الفكرة التي كانت تظهر في اليوم التالي في زاويتي "في عين العاصفة "في الشرق الأوسط .ولا أذيع سراً إلا إن كثيراً من الطروحات الليلية ظهرت بعد أن تبلورت ,في كتاب (أزمة الخليج :محاولة للفهم )لا أعتقد أن أي غرفة عمليات في أي مكان في العالم تابعت تطورات الأزمة ,يوماً بعد يوم ,كما تابعتها تلك المجموعة الصغيرة التي سميتها "كتيبة الصافرية "
خلال ليلة من تلك الليالي والأزمة في عنفوان احتدامها ,كنت أمشي مع الشيخ حمد بمفردنا ,عندما التفت إلي وقال :"أرجو أن تذكرنا ,وتذكر هذه الليالي بعد أن تذهب عنا "دهشت وقلت :"أذهب ؟إلى أين أذهب ؟هل لديك معلومات لا أعرفها ؟قال "لا توجد لدي معلومات تجهلها ولكني أعرف طبع الأيام .قلت :ماذا تقصد ؟قال :"الأيام تفرق عتدما لا نتوقع الفراق وتجمع عندما لا نتوقع اللقاء "أثبتت الأيام أن طبعها لم يتغير وتحققت النبوءة .
بعد تحرير الكويت بدأت أسمع إشاعات تتحدث عن انتقالي من البحرين .لم أعر هذه الإشاعات أي اهتمام .حينما كنت في الوزارة لم يكن يمر شهر واحد دون أن تملأ المجالس إشاعات عن تغيير وزاري وشيك ومنذ بدأت عملي في البحرين كانت هناك ,بين الحين والحين ,إشاعات عن انتقالي إلى هذا المكان أو ذاك .إلا أن الأمر بدأ يخرج عن دائرة الإشاعات .أرسل لي الأمير عبدالله ولي العهد في صيف سنة 1991م (1411ه ) عن طريق أحد مستشارية رسالة شخصية .قالت الرسالة إن المملكة سوف تبدأ في إقامة علاقات دبلوماسية مع الاتحاد السوفيتي (الذي كان لا يزال الدولة الأعظم الثانية )وأضافت الرسالة أن السفير السعودي في لندن الصديق الأستاذ ناصر المنقور أبدى رغبته في ترك موقعه هناك بعد أن قضي فيه أكثر من عقد منتج مرهق من الزمان .سأل الأمير عبدالله إذا كانت لدي رغبة في الانتقال إلى موسكو أو إلى لندن .لم يكن هناك طلب ؛كان الأمر يقتصر على السؤال .شكرت لولي العهد ثقته وقلت إنني مستعد إذا تطلب الواجب أن أعمل في أي موقع ,ولكني أفضل إذ كان الأمر متروكاً لي ,أن أبقى في موقعي .اعتبرت أن الموضوع قد انتهى ومضيت أتجاهل الإشاعات التي كانت تتصعد أسبوعاً بعد أسبوع .في خريف تلك السنة كلمني الملك فهد .قال ,بأدبه الجم إن هناك "اقتراحاً "بانتقالي إلى لندن وأضاف ,بخلقه الرفيع إنه لا يود أن يبت في الاقتراح وإنه يترك الموضوع برمته لي .هل كان أمامي خيار ؟قلت للملك على الفور :كل اقتراح يجيء عن طريقك هو أمر لا بد أن ينفذ .أنا جندي من جنودك يعمل على الجبهة التي تختارها .تفضل الملك فقال لي وعني ما يحرجني ,حتى بعد هذه السنين أن أكرره .
عندما انهيت مكالمتي مع الملك ذهبت بمفردي ,ووقفت فترة طويلة أمام الشاطئ (تقع دار السكن في "الجسرة "على البحر مباشرة )كنت أتأمل أنوار المنطقة الشرقية التي كانت تتلألأ في الأفق .اه أن يكون الإنسان سفيراً لبلد يستطيع من موقع عمله أن يرى أنوارها ! وكنت أتأمل السيارات المنطلقة على جسر الملك فهد .اه ! إنه يرى الإنسان بعينه ,كل يوم حلماً شارك على نحو متواضع ,في تحويله إلى اسمنت وحديد .تأملت السماء الصافية ونجومها وبدأت الدموع تسيل ببطء من عيني .قال لي يوسف الشيراوي الذي يعرفني معظم الناس "لن تجد نفسك السكينة إلا بقرب البحر "-وقد صدق .كنت أعرف أن وقتاً طويلاً سيمر قبل أن أعود إلى البحر ,وقد لا أعود إليه أبداً .كان هذا أول عمل وأحسبه سوف يكون آخر عمل أودعه بالدموع .عندما عدت إلى المنزل لاحظت زوجتي عيني وقالت :"إذن فالإشاعات صحيحة ؟"قلت :نعم قالت :"وسنذهب إلى لندن ؟"قلت :نعم قالت زوجتي التي تعرف تماماً حجم العبء الذي ينطوي عليه الانتقال ,وتعرف تماماً أنها سوف تتحمل النصيب الأوفى منه :"حسناً !إذن سوف نذهب إلى لندن "
لا أنسى ما حييت وداع البحرين المؤثر كسر الأمير عيسى كل قواعد البرتوكول أقام مأدبة كبرى تكريماً لي ,ولم يسبق لأي سفير أن كرم على هذا النحو ,ومنحني وسام البحرين ولم يسبق لأي سفير أن منح هذا الوسام .وفعل رئيس الوزراء الشيخ خليفة وولي العهد حمد الشيء نفسه :تجاوز كل رسميات البروتوكول كان وداع الصحافة حاراً وعاطفياً –روح النقابة مرة أخرى –وكانت مشاعر الناس العاديين أروع من رائعة .لا يقول هذا الوداع شيئاً عني أو عن عملي ولكنه يقول الكثير عن نبل البحرين ووفائها وحبها العميق للمملكة .
يدور بنا قدر الله جلت قدرته دورات غريبة بدايات الحياة بأواسطها وبنهاياتها .كنت وأنا طالب في الثانوية أساعد أبي في أداء أعمال الوكالة التجارية الروتينية .هل طاف بذهني أني سأشغل ذات يوم موقعاً لا يختلف عن موقع أبي ؟لا لم يطف شيء من هذا ببال طالب الثانوية .كنت خلال تحضير الدكتوراه في لندن أعبر الشارع من شقتي المتواضعة إلى الدارة الفخمة التي يقطنها السفير السعودي الصديق عبدالرحمن الحليسي لأحضر وليمة من ولائمه العديدة .هل طاف ببال الطالب الذي يسكن الشقة المتواضعة أنه سيسكن ذات مرة في الدارة الفخمة ؟لا ,لم يفكر طالب الدكتوراه في شيء كهذا والآن وأنا أقترب من الستين لا أتطلع إلى شيء سوى التقاعد من ربقة العمل اليومي لا من الحياة أتطلع ولكن هل تعلم نفس ماذا ستكتب غداً وفي أي أرض تموت ؟
بدأت مهمتي في لندن في ربيع سنة 1992م (1412ه) وسرعان ما تبين أنها مثيرة إلى أقصى الحدود ,ومرهقة إلى حد كبير .لن يكون بوسعي ,في هذا الكتاب أن أروي قصة عمل لا تزال الحساسية تكتنف معظم جوانبه إذا أتيح لي بعد حين أن أروي القصة فسوف يجد فيها القارئ بعض المواقف الصعبة وبعض الحكايات الطريفة وربما وجد فيها شيئاً من العبر والدروس إلا إنها في مجملها لا تضيق شيئاً يذكر إلى تجربتي الإدارية التي حاولت عبر الصفحات الماضية أن أرويها بتجرد وموضوعية .حاولت فإذا كنت قد نجحت فمن الله وإذا فشلت فمن نفسي والشيطان .
بعد ثلث قرن سوف يصل عدد سكان المملكة إلى أربعين مليون نسمة .تقديم الخدمات الضرورية لشعب بهذا الحجم كائناً ما سيكون دخل البترول وقتها هو تحد ترتعد أمامه فرائض أشجع التكنوقراطيين .أكاد أرى بعين الخيال إدارياً شاباً من إداري المستقبل يدفعه شغفه بالتاريخ القديم إلى قراءة هذا الكتاب .أكاد أسمعه وهو يقول لزميل له بعد أن ينتهي من القراءة :"كم يهول هذا الرجل ويبالغ .المشاكل التي قابلته مقارنة بالمشاكل التي نقابلها لا تعدو أن تكون ألعاب أطفال "لا أعتقد أن هذا التكنوقراطي الشاب يبالغ عندما يقارن على هذا النحو ,بين تحديات القرن الحادي والعشرين وتحديات هذا القرن الذي يوشك ,مثلي أن يطوي خيامه ويرحل بهدوء في ضباب الزمن .
لقد حاولت في كل موقع شغلته أن أخدم موطني بكل طاقتي خدمت أبناء هذا الجيل أما أبناء الأجيال القادمة ,الذين لن يتاح لي شرف رؤيتهم أو خدمتهم ,فلا أستطيع أن أقدم لهم شيئاً سوى قصة هذه الخدمة ,مصحوبة بكثير من المحبة وكثير كثير من الدعاء .






















من مؤلفات الدكتور غازي عبدالرحمن القصيبي الصادرة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر
* ورود على ضفائر سناء شعر
* عقد من الحجارة شعر
* سحيم شعر
* قراءة في وجه لندن شعر
* الأشج شعر
* بيت مختارات شعريه
* الإلمام بغزل الفقهاء الأعلام مختارات شعريه
* الجنية رواية
* أبو شلاخ البرمائي رواية
* سلمى رواية
* سعادة السفير رواية
* مع ناجي ومعها نقد
* الخليج يتحدث شعراُ ونثراً نقد
* الغزو الثقافي ومقالات أخرى مقالات
* صوت من الخليج مقالات
* الأسطورة (ديانا) نص
* حياة في الإدارة سيرة
* الوزير المرافق سيرة
* التنمية الأسئلة الكبرى بحث
* أمريكا والسعودية فكر سياسي





































1