Advertisement

خوارق اللاشعور

الدكتور علي الوردي
خوارق اللاشعور
أو أسرار الشخصية الناجحة
الطبعة الثانية - 1996
يبحث في غوامض العبقرية والتفوق والنجاح وما يسمى عند العامة «الحظ» وأثر الحوافز اللاشعورية فيها في ضوء النظريات العلمية.
تحذير
إن هذا كتاب ربما ينفع الراشدين من الناس – أولئك الذين خبروا الحياة وأصابهم من نكباتها وصدماتها ما أصابهم. أما المستجدون والمدللون والأغرار الذين لم يمارسوا بعد مشكلة الواقع ولم يذوقوا من مرارة الحياة شيئاً فالأولى بهم أن لا يقرأوا هذا الكتاب.. انه قد يضرهم ضرراً بليغًا.
المقدمة
أقدم للقارئ العربي بحثاً قد استنفد مني جهداً ووقتاً لا يستهان بهما. فأنا منذ سنتين تقريباً مشغول بمتابعة هذا البحث، وقد أولعت به ولعاً كدت أخشى على نفسي منه. وقد وصلت فيه إلى نتيجة ربما بدت للقارئ غريبة أو بعيدة عما ألف من حقائق ومعلومات.
والواقع أن هذه النتيجة التي وصلت إليها لم تكن تخطر مني على بال حين بدأت هذا البحث. ولعلني لا أغالي إذا قلت إني كنت حينئذ خالي الذهن من كل فكرة سابقة. وكل ما في الأمر أن كتاباً وقع في يدي صدفة أثناء رجوعي من أمريكا. وكان هذا هو الحافز الأول الذي دفعني إلى مواصلة هذا البحث1.
ومن حسن الحظ أو سوءه أني لم أستطع أن أشغل نفسي أثناء عبوري المحيط بما يشغل الناس به أنفسهم في الباخرة عادة من مراقصة أو مغازلة أو ملاعبة أو ما أشبه، فانكببت على دراسة ذلك الكتاب بحرقة، لعلها حرقة الحرمان والأسف على الشباب الضائع. ولقد كان هذا الكتاب والحق يقال مغرياً بالقراءة ومثيراً لحب الاستطلاع. ولذا فقد بقيت بعد وصولي العراق منهمكاً في موضوعه أود أن أدرس كل شيء يمت إليه بصلة قريبة أو بعيدة.
وإني لا أبغي أن أقنع القارئ بصحة النتيجة التي وصلت إليها. يكفيني أني قد اقتنعت بها شخصياً بعد ما كنت شاكاً بها. ولا أكتم القارئ أني كنت عند اطلاعي على مبادئ هذا الموضوع أراه مستنكراً أو مستحيلاً. فقد كنت كغيري من أبناء هذا الجيل أضحك على أي شيء لا يلائم ما تعودت عليه من مصطلحات فكرية أو تقاليد مدرسية.
لقد كنت في أول الأمر مغروراً بالمعلومات الساذجة التي تعودت على قراءتها في الكتب المدرسية، إذ كنت أسخر من كل معلومة أخرى لا تطابق في مقاييسها المنطقية تلك المعلومات البدائية. وسرعان ما كنت أحكم على كل أمر يخالف مفاهيمي السابقة بأنه مستحيل – ثم أمط شفتي غروراً واستكباراً –.
ويخيل لي أن بعض القراء سيجابهون بحثي هذا بمثل تلك السخرية التي كنت أجابه بها أمثاله فيما مضى. إنها على كل حال عادة عقلية قد ابتلى كل إنسان بها ولا مناص من الوقوع في شراكها إلا نادراً.
إن المقاييس التي نميز بها بين المستحيل والممكن من الأمور هي في الواقع مقاييس نسبية. إذ هي منبعثة من التقاليد والمصطلحات والمواضعات الاجتماعية التي تعود عليها الفرد أو أوحى بها إليه في بيته أو مدرسته أو ... فالفرد الذي لم ير مذياعاً ولم يسمع عن الإذاعة شيئاً من قبل لا يكاد يصدق إذا أخبره أحد أصدقائه بأن هناك آلة يسمع بها الإنسان صوت غيره على بعد آلاف الأميال2.
ومن الأقوال التي كان الغزالي يرددها في كتبه قوله «إن الإنسان يستغرب ما لم يعهده، حتى لو حدثه أحد، انه لو حك خشبة بخشبة، لخرج منها شيء أحمر، بمقدار عدسة، يأكل هذه البلدة وأهلها، ولم يكن رأى النار قط، لاستغرب ذلك وأنكره»3.
ومما لا مراء فيه أن كل واحد منا يشابه هذا الذي ينكر المذياع أو ينكر النار قليلاً أو كثيراً. إن تركيب العقل البشري متماثل في جميع الناس سيان في ذلك بين المتعلمين منهم وغير المتعلمين. فكل إنسان على عقله منظار أو إطار ينظر إلى الكون من خلاله، وهو إذن لا يصدق بالأمور التي تقع خارج هذا الإطار. وكثيراً ما يختلف اثنان على حقيقة من الحقائق: هذا يؤمن بها كأنه يراها رأي العين وذلك ينكر وجودها إنكاراً تاماً. فإذا فحصنا مصدر الخلاف وجدناه كامناً في الإطار الذي ينظر به كل منهما إلى الحقيقة. انهما ربما كانا على درجة متقاربة من الذكاء وقوة التفكير ولكن الإطار الذي وضع على عقل كل منهما جعل أحدهما ينظر إلى الحقيقة من زاوية تختلف عن زاوية الأخر.
إن من البلاهة إذاً أن نحاول إقناع غيرنا على رأي من الآراء بنفس البراهين التي نقنع بها أنفسنا. يجدر بنا أن نغير وجهة إطاره الفكري أولاً وإذ ذاك نجده قد مال إلى الإصغاء إلى براهيننا بشكل يدعو إلى العجب الشديد.
ولهذا السبب أقول وأكرر القول: بأني لا اقصد بهذا البحث أن أقنع جميع القراء. فإن الذي قد تعود أن ينظر إلى الحقيقة من ناحية مختلفة عن الناحية التي أنظر منها إليها أرى من المستحيل إقناعه مهما كانت قوة البراهين التي أعرضها عليه.
وبعبارة أخرى: إني لا أريد بهذا البحث أن أقنع إلا من يريد أن يقتنع. أما الذي لا يريد أن يقتنع فليس لدينا إزاءه أية حيلة.
***
لقد وصلت بهذا البحث إلى نتيجة هي في الواقع معاكسة لجميع ما دأب المعلمون والكتاب والخطباء في هذه البلاد أن يلقنونا إياها. فهم قد وعظونا وعلمونا على أن «من جد وجد» وأن «كل من سار على الدرب وصل» وأن مستقبل الفرد بيده إذ هو يستطيع أن يصنع نفسه حسب ما يشاء بحزمه وإرادته وسعيه واجتهاده.
إن هذه نصيحة لا بأس أن نلقيها على أطفالنا وتلاميذنا الصغار حيث نحرضهم بها على العمل والدأب ومواصلة الدراسة ثم نردعهم بها عن اليأس والخمول. هذا ولكن التطرف فيها وتلقين الكبار والبالغين إياها قد يؤديان إلى عكس النتيجة التي نتوخاها منها.
وكثيراً ما نحرص على شيء وندأب في سبيله ونذوب من أجله عزماً وإرادة وسعياً ثم نراه يبتعد عنا كلما أردناه ويصعب علينا بمقدار ما حرصنا عليه. حتى إذا أهملناه أو تغافلنا عنه وجدناه قد استلان بين أيدينا وتراضخ بشكل قد يثير فينا الدهشة والمرارة.
وقد قيل في المثل القديم: «تجري الرياح بما لا تشتهي السفن.
وأود أن أصارح القارئ بأني كنت أيام شبابي ضحية من ضحايا هذا المبدأ السخيف، مبدأ «من جد وجد». فقد كنت أضيع معظم أوقاتي بالكدح والحرص والمثابرة ووضع الخطط ثم محاولة تنفيذها بدقة. وقد وجدت نفسي أخيراً أضعف في معركة الحياة وأقل نجاحاً من أولئك المسترسلين الذين كانوا يسيرون على طبيعتهم من غير تكلف أو حرص أو جهد كبير.
آمن كثير من الناس بوجود الحظ. ولعل مما ساعد على انتشار فكرة الحظ بين الناس هو اعتقادهم بصحة ذلك المبدأ الذي ذكرناه آنفاً. فإن الإنسان يسمع دائماً بأن النجاح والرزق والتفوق هو من نتائج السعي والتدبير والمثابرة فيأخذ بالسعي والجد إذن لكي ينال النجاح على زعمه، ولكنه يرى نفسه قد تخلف عن الركب بالرغم من ذلك بينما سبقه غيره ممن هم أقل منه جهداً وأضعف إرادة، فيعزو صاحبنا ذلك إلى الحظ، ويأخذ عندئذ بالشكوى والبكاء من سوء حظه الذي لم يساوه مع أقرانه.
ومما لا ريب فيه أنه ليس هناك حظ بالمعنى الذي يفهمه الناس عادة من هذه الكلمة. إن هناك بالأحرى قوى لا شعورية تنبثق من أغوار النفس ويكون لها أثر لا يستهان به في نجاح الفرد أو نبوغه أو تفوقه. والفرق الذي نراه أحياناً بين فرد وآخر في مبلغ النجاح رغم تشابههما في السعي والذكاء ناتج في الأغلب من كون أحدهما يسمح لقواه اللاشعورية بالانبثاق ويستفيد منها في حياته العملية، بينما يكدح الآخر طول وقته ويجهد نفسه فيكبح بذلك تلك القوى ولا يصغي لحوادسها وحوافزها الخارقة، ولذا تراه قد ابتعد رغم أنفه عن طريق النجاح.
إن التقصد والتعمل والتكلف والتعجل أمور مناقضة لحوافز اللاشعور ومفسدة لها، كما سنرى في الفصول القادمة. ولهذا فإن الحريص المتكالب على شيء يخطئ كثيراً ويصيب قليلاً، وقد يضيع عليه إذن قسط كبير من معالم النجاح.
إن كثيراً من أسباب النجاح آتية من استلهام اللاشعور والإصغاء إلى وحيه الآني، فإذا تعجل المرء أمراً وأراده وأجهد نفسه في سبيله قمع بذلك وحي اللاشعور وسار في طريق الفشل.
ونحن لا نحاول بهذا أن نستصغر أهمية الإرادة والجهد والسعي أو ننكر أثرها في نجاح الفرد. ولكننا نريد أن نعين لهذه الأمور حدها الذي تقف عنده ونوضح مجالها الذي ينبغي أن لا تتعداه. فهناك أوقات يحتاج فيها الفرد إلى السعي والجهد. وهناك أوقات أخرى تقتضي من الفرد الانسياب والاسترسال واللامبالاة وقلة الحرص. والسعيد هو من استطاع أن يفرّق بين هذه الأوقات وتلك ثم يسلك في كل حين حسبما يقتضيه المقام.
***
وأرجو أن يفهم القارئ أيضاً بأني لا أحاول بهذا البحث أن أغفل أمر العامل الاقتصادي أو أستهين بأهمية النظام السياسي وبأثره في حياة الفرد. فلا نكران في أن النظام المتفسخ من الناحية السياسية والاقتصادية كثيراً ما يميت المواهب ويمنع الفرد من استثمار قواه النفسية استثماراً صحيحاً.
هذا ولكن النظام السياسي الاقتصادي مع ذلك لا يمس بحثنا مساساً مباشراً. فنحن نريد بهذا البحث أن نتغلغل في أعماق النفس البشرية ونتعرف إلى الأسباب اللاشعورية التي تؤدي إلى نجاح فرد أو إلى تفوقه على أقرانه العائشين في مثل ظروفه.
إن كل نظام من الأنظمة السياسية الاقتصادية يشمل مجموعة كبيرة من الأفراد حيث يوجد بينهم الناجح والمخفق. ونحن إذن نركز اهتمامنا على دراسة بعض العوامل النفسية التي جعلت هذا الفرد ناجحاً وذلك مخفقاً في داخل نظام معين. إن النجاح في الحقيقة أمر نادر لا يستطيع أن يناله إلا القليل من الناس مهما كان نوع النظام الذي يعيشون فيه، فلو نجح جميع الناس وبرعوا كلهم على درجة واحدة لوقف التطور الاجتماعي والأصبح البشر مثل أسراب النحل التي تصنع الخلية وتجمع العسل، كل نحلة بارعة في وظيفتها منهمكة فيها بحيث لا يتطرق الخلل أو النقص إلى شيء مما تعمل.
إن تطور المجتمع البشري ناشئ من هذه المنافسة الحادة التي تدفع كل فرد على أن يبرع وأن يتفوق على غيره. فالتطور قائم إذن على أكوام من أبدان الضحايا، أبدان أولئك الذين فشلوا في الحياة فصعد على أكتافهم الناجحون.
وسوف لا نتطرق إذن إلى أسباب النجاح الزائف الذي يأتي من الوساطة أو القربى أو الاستخذاء أو التملق أو السمسرة – تلك الطرق التي يلجأ إليها بعض ضعاف النفوس في سبيل الوصول إلى نجاح. إن هذا لا نعتبره نجاحاً بالمعنى الحقيقي. فالنجاح الذي نقصده هو الذي يستفيد منه الفرد والمجتمع معاً. وهذا هو النجاح الذي يبقى أثره على مرور الأجيال. إنه نجاح المخترع والمكتشف والعالم والباحث والمعلم والطبيب والمهندس والمحامي والمدير والتاجر والقائد والزعيم والخطيب وغيرهم من أولئك الذين يضيفون إلى تراث لحضارة البشرية كل يوم شيئاً جديداً.
لقد ثبت علمياً بأن قسطاً كبيراً من هذه الإنجازات الخالدة التي قام بها هؤلاء الناجحون والنابغون جاء نتيجة الإلهام الذي انبثق من أغوار اللاشعور، كما سيأتي بيانه بشيء من الإسهاب في ما يلي من الكتاب.
***
إن موضوع القوى النفسية موضوع جديد كل الجدة، فهو لم يبدأ بشكله التجريبي الراهن إلا حوالي سنة 1930. ففي هذه السنة التي يمكن اعتبارها نقطة تحول في تاريخ الفكر البشري أسست جامعة (ديوك) في أمريكا فرعاً خاصاً لدراسة هذه القوى دراسة مختبرية تحت إشراف البروفسور (راين). وقد ألف (راين) هذا عدة كتب لخص فيها نتائج بحوثه حيث أثار بذلك ضجة كبرى في الأوساط العلمية.
وقد جابه العلماء هذا الموضوع بشيء من السخرية والاستنكار أول الأمر وقاومه كثير من الأساتذة والهيئات الجامعية إذ اعتبروه نكسة في تطور العلم ورجوعاً إلى الخرافة والسذاجة البدائية. هذا ولكن جامعة (ديوك) ثابرت على خطتها في تشجيع هذا الموضوع.
وقد أخذت الضجة ضده تخفت أخيراً... وبدأ العلماء ينظرون إليه نظرة جدية بعد أن لمسوا نتائجه التجريبية التي تكاد لا تقبل الشك. وقد شرعت عدة جامعات أخرى تدخل هذا الموضوع في مناهجها تدريجاً وآخر ما وصل إلينا من نبأ في هذا الصدد هو أن بعض الجامعات المشهورة بتزمتها وبنفرتها من كل جديد كجامعتي أوكسفورد وكمبردج أخذت تشجع أخيراً هذا الموضوع عن طريق الهبات وتوزيع الزمالات.
ولعلنا لا نغالي إذا قلنا إن موضوع القوى النفسية قد أصبح اليوم موضوعاً تجريبياً محترماً يشتغل فيه أساتذة من طراز عالمي وتؤسس له المختبرات وتؤلف فيه الكتب الجامعية.
ويؤسفنا حقاً أن نرى العالم العربي بعيداً كل البعد عن مواكبة هذا التطور العلمي أو الاقتباس منه والتأثر به. فلا يزال مثقفونا غافلين عنه ولعل بعضهم لم يسمع عنه قليلاً أو كثيراً.
لقد كنت أتحدث ذات مرة مع أحد مثقفينا الكبار حول هذا الموضوع وكيف أن الإنسان يملك في أعماق عقله الباطن قوى نفاذة تخترق حجب الزمان والمكان فوجدته يتململ اشمئزازاً ويسرع إلى التكذيب والاستهزاء. وقد أخذ هذا المثقف الكبير يتعجب كيف جاز لرجل مثلي أن يصدق بمثل هذه السخافات التي لا تلائم على زعمه معايير المنطق والتفكير السليم. أما أنا فعجبت بدوري كيف جاز لرجل مثله وهو على تلك الدرجة العالية من الثقافة الحديثة أن يرفض نتائج بحوث مختبرية بحجة أنها تخالف معايير المنطق والعقل، غير دار أن تلك المعايير نسبية تستند على المصطلحات والتقاليد الحضارية وتتغير بتغيرها. وما الفرق إذن بين هذا المثقف وبين ذلك الأمي المتعصب الذي يرفض مقررات العلم الحديث لمجرد أنها تخالف ما تعود عليه من عقائد وتقاليد.
وعلى أي حال، لا يجوز لنا أن نشتد في لوم هذا المثقف المحترم. فكل إنسان كما ذكرنا من قبل ميال إلى رفض ما يخالف مألوفاته السابقة. والواقع أن موضوع القوى النفسية يستدعي بطبيعته الاستغراب أو التكذيب إذا جوبه به المفكر من غير أن يكون له معرفة سابقة به. انه موضوع غريب حقاً بالنسبة إلى ما تعودنا عليه في مدارسنا الحديثة من مفاهيم ومقولات منطقية.
إن الذي ينظر إلى الكون خلال المنظار الذي صنعه لنا (غاليلو) و(نيوتن) أو (داروين) و (باستور)لا يستطيع بسهولة أن يصدق بالخوارق النفسية التي تمكن الإنسان من قراءة فكر غيره أو من رؤية الأشياء من وراء حجاب أو من التنبؤ عن بعض ما يحدث في المستقبل من حوادث.
وقد صرح لي كثير ممن تحدثت إليهم في هذا الشأن بأن عقولهم لا تستسيغ النظر في مثل هذه الأمور أو التصديق بها. فهي في نظرهم من قبيل الشعوذة أو الخرافة. وحين سألتهم: لماذا؟ مطوا شفاههم حيرة ولم يستطيعوا جوابا.
ولو أن أحداً جاء إلى هؤلاء قبل اكتشاف الأشعة السينية وأخبرهم عن آلة تمكن الطبيب من رؤية أجهزة البدن الباطنية لربما جابهوه بالتكذيب أيضاً. أما اليوم فهم يعتبرون الأشعة السينية أمراً اعتيادياً لا يدعو إلى الاستغراب وذلك بعد أن تعودوا عليها وألفوا استعمالها مرة بعد مرة. وما يدرينا فلعلهم سيؤمنون بخوارق القوى النفسية في المستقبل بعد أن يصبح هذا الموضوع الجديد موضوعاً قديماً ويدخل في مناهج الدراسة كما دخلت مواضيع الفيزياء والكيمياء.
وأنا أعجب حقاً حين أرى شخصاً يصدق بالأشعة السينية وبالرادار وبالتلفزيون ثم لا يستطيع أن يصدق بالخوارق النفسية. فهو يؤمن بآلة يركبها الإنسان ولا يؤمن بالإنسان نفسه، هذا المخلوق العجيب الذي يحتوي بدنه على غرائب لا تحصى.
لقد بدأ العلماء حديثاً يكتشفون في خفايا بدن الإنسان من أعاجيب الكهرباء والأمواج الكهربائية ما أذهلهم. وربما استطاعوا في المستقبل أن يعثروا فيه على أنواع من الأجهزة العصبية الدقيقة التي تكون أجهزة الرادار والتلفزيون إزاءها ساذجة لا يأبه بها.
يحكى أن (وليام هارفي) عندما اكتشف الدورة الدموية في القرن السابع عشر وأعلن للعالم أن القلب هو بمثابة المضخة حيث يدفع الدم في أنابيب خاصة إلى أنحاء البدن ثم يسحبه منها قابله الناس بالسخرية والاستنكار4، ولم يستطيعوا أن يصدقوا بوجود مثل هذا الجهاز المحكم في البدن الإنساني. واليوم بعد أن تطور علم الفسلجة وجد الناس أجهزة أخرى أكثر إحكاماً ودقة من مضخة القلب. واني لواثق بأن الباحثين سوف يظلون يكتشفون في هذا البدن من العجائب ما لا ينتهي عند حد. فلعل في هذا الجرم الصغير قد انطوى العالم الأكبر!..
***
إن تاريخ القوى النفسية الخارقة طويل جداً. وقد اعتراها على توالي الأحقاب شتى الملابسات والمضاعفات. والمشكلة الأساسية في تاريخ هذه القوى آتية من كونها قد استخدمت في مختلف الأزمان والأماكن من قبل السحرة والكهان واختلطت من جراء ذلك بكثير من التدجيل والشعوذة.
ومما يؤسف له أن الناس قديماً كانوا ينسبونها إلى بعض القوى الروحية والغيبية ولهذا فهي كانت تعتبر رمزاً للخرافة ودعامة لكثير من حركات التعصب والرجعية.
وحين بدأت النهضة العلمية الحديثة في أواخر القرون الوسطى حدث في الأوساط العلمية رد فعل عنيف ضد الإيمان بتلك القوى. لقد كان اهتمام العلماء في ذلك الحين منصباً على محق الخرافة والتفكير الغيبي في شتى صوره، حيث وجدوا بأنهم لا يستطيعون أن يسيروا بالناس في طريق العلم الجديد إلا بنبذ كل ما كان سائداً في القرون الوسطى من عقائد وأساطير.
هذا ولقد بلغ التعصب ضد القوى النفسية قمته في القرن التاسع عشر. وقد غر العلماء في ذلك القرن بما وصلوا إليه من مكتشفات ونظريات في العلوم الطبيعية بحيث أصبحوا يعتقدون بأنهم فهموا أسرار الكون جميعاً ولم يبق مجهولاً لديهم إلا بضعة تفاصيل جزئية لا بد أن يتوصلوا على زعمهم إلى معرفتها عاجلاً أو آجلاً.
إن من الممكن اعتبار القرن التاسع عشر قرن الغرور العلمي. فكان مثل العلماء في غرورهم فيه كمثل ذلك التلميذ الذي يدخل الجامعة لأول مرة فيندهش بما يتعلم في الصف الأول منها من مبادئ العلوم الحديثة ويأخذه عند ذلك العجب والخيلاء إذ يتصور أنه قد استوعب كل أسرار العلم وتمكن من حل جميع المشاكل.
والغريب أن مثقفينا لا يزالون يعيشون في عقلية القرن التاسع عشر، غير دارين أن هذه العقلية أصبحت اليوم عتيقة يكاد يضحك عليها علماء هذا القرن ويندهشون من شدة غرورها وخيلائها.
وصل علماء القرن التاسع عشر في إيمانهم بالمادة وفي تكذيبهم بما سواها إلى الدرجة القصوى. فكانوا سريعين إلى إنكار كل ظاهرة لا يمكن تفسيرها تفسيراً مادياً. وقد أصدر (بوخنر) في منتصف ذلك القرن كتاباً سماه «القوة والمادة»5 حاول فيه أن يفسر الكون كله، من أبسط الأشياء فيه إلى أكثرها تعقيداً، بتفاعل المادة والحركة. وقد أصبح هذا الكتاب مرجع الماديين الأكبر في ذلك القرن حيث اعتبروه انجيلهم الذي لا يتطرق إلى براهينه الشك.
ومشكلة هؤلاء لم تنشأ عن نظرتهم المادية المتطرفة، إنما نشأت بالأحرى من أنهم كانوا يفهمون المادة على غير حقيقتها التي بدأ العلم يكشف عنها مؤخراً. فلو أنك سألت أحدهم عن ماهية المادة لعجبوا من سؤالك، حيث كانوا يتصورون المادة شيئاً لا يحتاج إلى تعريف. لقد كانت المادة في عرفهم هذه التي نراها ونلمسها فيما حولنا، ومفهومهم هذا إذن كان لا يختلف عن مفهوم رجل الشارع لها. ولا ننكر أنهم كانوا في ذلك الحين قد توصلوا إلى نظرية الذرة. ولكن نظريتهم تلك كانت مقتبسة من نظرية يونانية قديمة. ولم تكن إذن تختلف في جوهرها عما سماها أجدادنا العرب بنظرية (الجوهر الفرد).
ونظرية الذرة القديمة أو نظرية الجوهر الفرد تعد اليوم ساذجة كل السذاجة ومؤداها أن المادة مؤلفة من ذرات أو جسيمات بلغت الغاية في الصغر. وماهية هذه الذرات في نظرهم لا تختلف عن أي قطعة مادية أخرى إلا في كونها صغيرة جداً لا تقبل التجزئة.
وقد أفادتهم هذه النظرية بعض الفائدة حيث استطاعوا أن يفسروا بها بعض الظواهر الكيماوية. أما من حيث اطلاعهم على سر المادة وماهيتها الأصيلة فلم تكن تلك النظرية بذات نفع لهم قليل أو كثير.
ظل العلماء جاهلين حقيقة المادة حتى السنوات الأخيرة من القرن التاسع عشر. ففي سنة 1896 حدثت أول خطوة في سبيل اكتشاف ما في داخل الذرة من خفايا هائلة. وهذه الخطوة قام بها عالم اسمه (هنري بكريل) حيث اكتشف في شهر شباط من تلك السنة نوعاً من الإشعاع ينبعث من أحد المركبات الكيماوية6. وقد تواصلت بعدئذ البحوث والاكتشافات العجيبة: حيث اهتدى الباحثون أخيراً إلى أن هذا الجوهر الفرد الذي كانوا يظنون أنه لا يتجزأ ولا ينقسم هو عبارة عن عالم زاخر بالقوى الهائلة وهو مؤلف من أمواج كهربائية تدور على نسق غريب حول نواة كما تدور الكواكب حول الشمس.
إن هذا الاكتشاف قد قلب في الواقع الفكر البشري رأساً على عقب وجعل الفلاسفة في حيرة كبرى من أمرهم.
إن علم الفيزياء اليوم في هرج عظيم. ولعل من الممكن القول: بأن فيزياء القرن العشرين تختلف عن فيزياء القرن التاسع عشر بمقدار ما يختلف الرادار الحديث عن منظار المرحوم نابليون...
لقد انذهل رجل الشارع حين سمع بانفجار القنبلة الذرية لأول مرة. وفي الحقيقة أن انفجار القنبلة الذرية لا يعد حدثاً هاماً بالنسبة للانفجار الذي حدث في عقول العلماء والفلاسفة وفي نظرتهم إلى الكون. ولو فرضنا أن عالماً من علماء القرن التاسع عشر قد بعث اليوم حياً ورأى ما وصل إليه البحث الحديث من أسرار الكون وماهية المادة لربما وقع مغشياً عليه، أو لعله أسرع إلى تكذيب ما رأى وإلى رفضه رفضاً باتاً بحجة أنه مستحيل.. وأنه غير معقول.
لقد كاد علماء القرن العشرين يتفقون على أن المادة ليست «مادة» حسب ما كان يفهمه علماء القرن الماضي. إن هذه المادة التي نلمسها بيدنا ما هي في نظرهم إلا وهم من أوهام الحواس، إنها أمواج كهربائية قد كورت في حيّز ضيق.
يقول بعض العلماء: إنه ليس هناك من فرق جوهري بين قطعة المادة التي نتناولها بأيدينا وشعاع الضوء الذي نلمحه بأبصارنا، كل منهما عبارة عن أمواج كهربائية. والفرق الظاهري بين المادة والشعاع ناشئ من كون أمواج المادة معبأة أو مجمدة حيث هي تدور في دوائر صغيرة داخل الذرة بينما أمواج الشعاع منطلقة في الفضاء إذ تسير فيه بسرعة قصوى7.
إن هذا المفهوم الجديد للمادة قد قلل من غرور العلماء إلى حد بعيد وجعلهم أقرب إلى الحيرة منهم إلى اليقين. فأصبحوا لا يحكمون على الأشياء بسرعة كما كان زملاؤهم في القرن الماضي يفعلون.
لقد كان علماء القرن التاسع عشر لا يؤمنون إلا بما هو محسوس على اعتبار أن الحس هو المقياس الوحيد الذي يفرق بين الحق والباطل من الأمور. أما علماء هذا القرن فقد بدأوا يشكون من مقياس الحس سيما حين علموا بما وراء الحس من عالم خفي جبار لا يمكن الوصول إليه إلا عن طريق المعادلات الرياضية والفرضيات الوهمية.
لقد جاء (بلانك) و(اينشتاين) بنظريات عن طبيعة المادة يكاد العقل لا يستسيغ قبولها، إذ هي مناقضة في الواقع للأسس المنطقية التي نستند عليها في تفكيرنا. وهذا مما يدعونا إلى ابتداع منطق جديد غير ذلك المنطق العتيق الذي تعودنا أن ننظر إلى الكون من خلاله. إن من يريد أن يفهم طبيعة المادة والكون في ضوء هذا المنطق الذي نتحذلق به اليوم في مدارسنا ونوادينا ومحافلنا قد يرتطم بصعوبات فكرية قاسية ولعله ينتهي في غاية المطاف إلى الخبل...
ومن غرائب الصدف أنه في نفس الوقت الذي أخذ علماء الفيزياء والرياضيات يتغلغلون في أغوار المادة ويستشفون بعض أسرارها المدهشة، بدأ علماء أخرون يتغلغلون في أغوار النفس ويتطلعون إلى ما فيها من قوى عجيبة «غير معقولة».
أن القرن العشرين إذن قد شاهد انقلابين هائلين: أحدهما في بحث المادة والآخر في بحث النفس. والعجيب أن كلا الانقلابين يشيران إلى نتيجة واحدة. فبعدما أدرك علماء الفيزياء أن المادة أمواج كهربائية أخذ علماء المباحث النفسية يتلمحون في النفس انبعاثات تشبه تلك الأمواج على وجه من الوجوه.
ويخيل لي أن النفس والمادة وجهان لحقيقة واحدة – هي الكهرباء. ومشكلتنا الكبرى في هذا القرن أن نعرف ما هو الكهرباء؟؟؟ ومن مهازل القدر أننا نعرّف مجهولاً بمجهول آخر.
والكهرباء في الواقع أعجوبة الأعاجيب. ولعل العلماء سيقدرون بعد زمن قصير أو طويل على حل جميع رموز الكون بالكهرباء... ثم يقفون عند هذا الحد الذي تتهشم عليه الرؤوس والأفكار!.
***
يقال إن الكون يحتوي على ثلاثمائة بليون سلم من الأمواج الكهربائية ونحن لا نستطيع أن نتأكد من صحة هذا الرقم أو نثق بدقته، ولكننا على كل حال نتلمح فيه بشيء من الوضوح صورة لما في الكون من أمواج هائلة العدد. ولو رجعنا إلى القرن الماضي لوجدنا علماءه لا يعرفون من الأمواج الكهربائية إلا سبعة سلالم فقط، هي أمواج الألوان التي يتحلل إليها الضوء عند مروره بمنشور ثلاثي من الزجاج. وحتى هذه الألوان السبعة لم يفطن العلماء إلى طبيعتها الموجية إلا في منتصف ذلك القرن حين أعلن (ماكسويل) نظريته المعروفة حول طبيعة الضوء الكهربائية8.
ومنذ ذلك الحين، أي منذ أيام (ماكسويل)، أخذ الباحثون أمواجاً كهربائية جديدة مرة بعد أخرى. فقد اكتشف (هرتز) في سنة (1883) الأمواج اللاسلكية، واكتشف (رونتجن) في سنة (1895) الأشعة السينية. وفي سنة (1900) اكتشفت (مدام كوري) عنصر الراديوم حيث اتضح أخيراً أنه يبث ثلاثة أنواع من الإشعاع أهمها ما يسمى بالأشعة الجيمية. ثم اكتشف (مليكان) من بعد ذلك الأمواج الكونية... ومن المحتمل جداً أن العلماء سيظلون يكتشفون أمواجاً جديدة حيناً بعد حين إلى ما شاء الله.
ولقد أصبح العلماء اليوم يعتقدون بأن هذا الفضاء الذي نعيش فيه مملوء بأمواج غير منظورة يكاد يعجز العد عن إحصائها وهي تتراطم على أجسامنا في كل لحظة تمر علينا من غير أن نحس بها أو ندرك مبلغ أثرها على المجريات النفسية والحيوية فينا.
لقد كان علماء القرن الماضي إذن في غاية السذاجة والغرور عندما فسروا الكون كله بما فهموا في ذلك الحين من ظواهر المادة والحركة وغفلوا عما فيه من خفايا موجية هائلة تملأ أرجاء الفضاء. لقد كانوا في ذلك القرن يعتقدون بأن المادة هي الأصل في الكون، ولم تكن الأمواج في نظرهم آنذاك إلا عرضاً بسيطاً لا أهمية له. أما اليوم فقد انقلب الأمر رأساً على عقب حيث أصبحت الأمواج هي الأصل بينما أصبحت المادة تعتبر عرضاً أو وهماً. وقد ضعفت الثقة إذن من كفاية الحس البشري الذي لا يطلع الإنسان إلا على سبعة سلالم من الأمواج فقط، إذ هو يعمى عن البقية الباقية منها التي يصل عددها إلى مئات البلايين9!.
حين اكتشف (ماكسويل) موجية الضوء حار العلماء وتساءلوا: كيف يستطيعون أن يفسروا سير هذه الأمواج الضوئية في الفراغ بين النجوم. وقد أدت بهم حيرتهم إلى افتراض شيء وهمي سموه بالأثير وملأوا به الفضاء. وقد جمعوا في هذا الأثير الموهوم ما استطاعوا من صفات متناقضة لكي يفسروا بذلك سير الضوء مسافات شاسعة من غير أن يفقد شيئاً من طاقته. فقالوا عن الأثير انه ألطف من أي غاز معروف وأشد صلابة من الحديد، وأنه مرن لا يقاوم أي شيء يمر فيه.. وهو يشغل الفراغ القائم بين الأجرام السماوية من ناحية والذرات المادية من الناحية الأخرى.
جاء (اينشتاين) أخيراً فنسف فرضية الأثير من أساسها. فهو يقول: إنه لا حاجة لنا أن نفترض فكرة الأثير في سبيل أن نفهم كيف تسير الأمواج الضوئية وغيرها في الفراغ. إن الفراغ نفسه قد أمسى في عرف (اينشتاين) شيئاً له كيانه وصفاته الخاصة به. فهذا الفراغ أو الفضاء الموجود بين الأجرام السماوية ليس فراغاً بالمعنى الذي نفهمه عادة من هذه الكلمة؛ انه بالأحرى شيء حقيقي له وجوده الذاتي وفيه أربعة أبعاد: الطول والعرض والارتفاع والزمان. وقد سماه (اينشتاين) بالزمكان أو متصل الزمان والمكان10.
إن العقل البشري لا يستطيع أن يفهم هذه النظرية على حقيقتها لأنه قد تعود أن يفصل الزمان عن المكان ويعتبر كلاً منهما كائناً قائماً بذاته. أما (اينشتاين) فيعتقد بأن مادة الكون الأساسية هي الزمكان وأن الزمان لا ينفصل عن المكان. إذ أنهما باتصالهما يؤلفان كوناً مؤلفاً من أربعة أبعاد. وقد استطاع اينشتاين اعتماداً على هذه النظرية أن يشرح طبيعة الأمواج. إذ هي قد أصبحت في نظره تغضناً أو تعرجاً في كيان الفراغ. ويمكننا هنا أن نشبه الأمواج الكهربائية المنتشرة في الكون بالأمواج التي تحدث على سطح الماء، مع وجود فارق بسيط: هو الفرق بين طبيعة سطح الماء وطبيعة الزمكان.. فالأمواج التي تحدث على سطح الماء إنما تحدث في مستوى ذي بعدين طول وعرض فقط، حيث يكون التعرج في اتجاه البعد الثالث أي في اتجاه الارتفاع. أما الأمواج الكهربائية فهي تحدث في مكان له ثلاثة أبعاد – طول وعرض وارتفاع – ويكون التعرض في اتجاه البعد الرابع أي في اتجاه الزمان11. وعلى أي حال فإننا بهذا نستطيع أن نفترض وجود الفروق المتعددة بين فراغ وفراغ. فقد ذهب ذلك الوقت الذي كنا نتصور فيه الفراغ واحداً ومتماثلاً في كل منطقة منه. ولعلنا لا نخطئ إذا قلنا: إن الفراغ هنا يختلف عن الفراغ هناك، إذ أن تغضنه أو تعرجه يختلف في كل نقطة منه عن النقاط الأخرى وذلك لوجود مختلف الأمواج المتزاحمة فيه.
ونحن ننظر إلى سطح البحر فنعجب من كثرة الأمواج وتنوعها فيه. وسطح الماء لا يركد في أية لحظة من اللحظات، إذ أن الأمواج تتراكم وتتصادم عليه وهي على أنواع وحجوم وأشكال شتى. ان فضاء الكون يكاد يشبه سطح الماء على وجه من الوجوه.. ولو كان لنا حواس أخرى تدرك جميع الأمواج الكونية كما تدرك العين أمواج الضوء لرأينا في بحر هذا الفراغ الذي يكتنفنا ما يذهل أو يصعق لما فيه من بلايين الألوان والصور الهائلة.
وإذا أضفنا إلى ذلك النظرية القائلة بأن القوى النفسية تبعث أمواجاً من أنواع شتى جاز لنا أن نتصور هذا الكون المحيط بنا متزاحماً بالتغضنات التي تؤثر في الأشخاص والأشياء على نسق لم يتوصل العلم الآن إلى معرفته معرفة تامة.
ونحن اليوم نترقب ما سوف يكشف لنا العلم في المستقبل من مجاهل أخرى عن طبيعة الأمواج المادية والنفسية. وربما تتمكن البحوث الجديدة من أن تضع في أيدينا في يوم من الأيام المقبلة مفتاح القوى النفسية كما وضعت مؤخراً في أيدينا مفتاح الطاقة الذرية. واننا لهذا منتظرون!
فنحن الآن على أي حال نشهد، كما أشرنا من قبل، انقلابين هائلين في تاريخ الفكر البشري: أحدهما اكتشاف القوى الذرية، والآخر اكتشاف القوى النفسية. ولعل البحث سيؤدي إلى اكتشاف مصدر واحد لكلا هذين النوعين من القوى.. أو الأمواج الكهربائية. ومهما كان الأمر فإن موضوع القوى النفسية قد أصبح اليوم، كما ذكرنا سابقاً، موضع اهتمام الباحثين في مختلف أقطار العالم. وهو الآن ينمو نمواً يدعو إلى التفاؤل. وقد تنبأ باحث مشهور بأن هذا العصر سيكون عصر القوى النفسية12.
***
ولقد ظهر في اللغة العربية عدد من الكتب حول هذا الموضوع الخلاب، موضوع القوى النفسية الخارقة. ولكن الذي يؤسف له أن كثيراً ممن كتبوا فيه رأيناهم يؤمنون بالغيبيات، وهم إذن يعتبرون تلك القوى النفسية من الدلائل القاطعة على وجود عالم الروح أو ما يسمى أحياناً بعالم ما وراء المادة. وأود هنا أن ألفت نظر القارئ بأني لا أميل إلى إنكار الروح، ولا أميل أيضاً إلى الإيمان بها. وخير ما يمكنني قوله في هذا الصدد هو ترديد الآية القرآنية: «يسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً».
إن العلم الحديث لا يقول شيئاً عن الروح ولعله لا يستطيع أن يقول عنها شيئاً حتى أمد طويل. وربما جاز لنا القول: بأن منكر الروح كالمؤمن بها، كلاهما يعتبران في نظر العلم من أولي التعصب أو التحيز في الرأي. وقد يحلو لبعض المتعلمين أن يتباهوا بأنهم ينكرون الروح كأنهم يعدون هذا الإنكار من دلائل التحرر الفكري. والواقع أن المنكر كالمؤمن قد حفظ شيئاً وغابت عنه أشياء. والباحث الحقيقي هو الذي يقول في مثل هذه الأمور: لا أعلم. ويحكى أن أحد الفلاسفة العظام سئل عند موته: ماذا تعلمت؟ فأجاب: ان خير ما تعلمته في حياتي هو أني لا أعلم شيئاً.
إن الباحث كلما تعمق في علمه وتغلغل في دراسته لأسرار الكون ظهرت له منها مشاكل وغوامض أعوص من ذي قبل. والمغرور بالعلم لا يختلف عن ذلك المتمشيخ الذي غر بما نال من زعامة تافهة في محلته أو قريته، فهو يظن نفسه قد أصبح رئيساً كبيراً في الوقت الذي نرى فيه الرؤساء الجبارين الذين يحكمون نصف العالم قد انتابتهم الوساوس وأثقلت رؤوسهم الهموم.
ونحن اليوم لا يجوز لنا أن نتعصب لرأي من الآراء مهما بدا هذا الرأي قوياً أو مؤيداً بالبراهين العلمية. إن البراهين كما أسلفنا أمور اعتبارية وهي تتغير بتغير الأزمان. فالبرهان الذي نقبله اليوم ربما بدا لنا سخيفاً غداً.
على هذا الأساس نسير في بحث القوى النفسية. فنحن ندرسها على ما هي عليه في الواقع غير متجهين في تأويلها إلى ناحية دون الأخرى. ولسوف يجد القارئ بأن كتابي هذا يفترق عن بعض الكتب التي ألفت في هذا الموضوع بفارقين كبيرين: –
أولهما: أنب حاولت أن أجعل بحثي موضوعًا لا صلة له بالاتجاهات الدينية أو الروحية. فلقد حاولت جهدي في أن استند فيه على أحدث التطورات في فلسفة وفي المباحث النفسية وعلم الفيزياء. ولهذا سوف يجد القارئ فيه بعض التبسط في دراسة (بلانك) و(اينشتاين) وغيرهما من أقطاب العلم الحديث، وفي استعراض بعض المفاهيم الأساسية التي بني عليها بحث الذرة وتركيب المادة.
ولست أعني بهذا أني قد وفيت الموضوع حقه من الدراسة. فانا في الحقيقة لا أفهم (بلانك) و(اينشتاين) كما هما عليه في واقعهما الرياضي، إنما اعتمدت في دراستهما على ما كتب بعض الذين حاولوا تبسيطهما واستخلاص النتائج الفلسفية منهما أمثال: (رسل) و(جود) و(جينز) و(أدنكتن) و(بورن) و(راينباخ).
وثانيهما: اني لم أرد أن أعرض على القارئ موضوع القوى النفسية واكتفي به كما فعل غيري، إنما حاولت أن أطبق نتائج هذا الموضوع على وقائع الحياة اليومية واستضيء به فيما يتصل بالفرد من حيث أفكاره وأعماله التي تعين مصيره وتؤدي به إلى النجاح أو الفشل.
إن هذا طريق شائك على أي حال وقد يسهل فيه الخطأ. وغاية ما أتمناه في هذا الشأن أن أثير في القارئ شيئاً من الاهتمام بهذا الموضوع الجديد الذي أظن أنه سيلعب دوراً خطيراً في مستقبل الحضارة البشرية.
إنه ليؤسفني حقاً أن أرى المكتبة العربية خالية تقريباً من مثل هذه البحوث الحيوية. وعيب العرب الأكبر أنهم مولعون بالحذلقات اللغوية والشعرية في زمن نحن أحوج الناس فيه إلى ما ينير لنا سبيل الحياة ويشجع النبوغ والإبداع في الأفراد. هم أحدنا أن يكتب بحثاً عن أحد الشعراء البائدين أو يؤلف كتاباً عن رفع الفاعل ونصب المفعول أو يلقي خطاباً رناناً عن مجد الأجداد ثم يهتف منشداً: «حسبنا أننا عرب».
***
ربما كنت غير مخطئ إذا قلت بأن كل واحد منا يشعر بأثر القوى النفسية في حياته. وبعضنا يميل إلى الاعتراف بها إذا خلا إلى أقربائه وأصدقائه المقربين ثم ينكرها إذا واجه حفلاً أو جلس مجلس التمشدق والادعاء13.
وأظن بأن بحث القوى النفسية ينفع كثيراً منا. فهو يكشف لنا عما في أعماق نفوسنا من كنوز ودفائن. وطالما جر اغفالنا لها إلى خسائر ونكبات نحن في غنى عنها.
إن هذه القوى النفسية موجودة في جميع الناس تقريباً لكنها لا تظهر فيهم على درجة واحدة. فأغلب الناس يملكون منها قسطاً ضئيلاً لا يكادون يحسون به في أنفسهم، وهم قد ينتفعون منها من حيث لا يشعرون – كما سنذكره فيما بعد.
وهي على كل حال قد تظهر في غاية الوضوح لدى بعض النادرين من الناس فتجعلهم يأتون بالغرائب ويقومون بالخوارق المدهشة. إن هؤلاء كما قلنا نادرون قد قل ظهورهم في تاريخ العالم ولا يكاد يتجاوز عددهم في كل جيل عدد أصابع اليدين والرجلين. فمن هؤلاء النادرين أولئك الذين يمشون على النار حفاة والذين يضربون أنفسهم بالسلاح والذين يطيرون في الهواء والذين يحركون بعض الأشياء من غير أن يتقربوا منها والذين يقرأون أفكار غيرهم بجلاء والذين يتنبأون عن بعض حوادث المستقبل...
ولا يخفى على القارئ ما لعب هؤلاء في التاريخ من أدوار شتى. فمنهم ظهر عدد كبير من الأنبياء والقديسين والمتصوفة والكهان والسحرة والعباقرة وغيرهم. وقد ذهب (برجسون) و(توينبي) وغيرهما إلى أن الطفرات الحضارية قد قام بها في الغالب بعض هؤلاء النادرين14. واني لأعتقد بأن هؤلاء قد استطاعوا بما يملكون من قوى نفسية خارقة أن يقفزوا بالبشرية إلى الأمام وإلى الوراء على حد سواء. فبينهم نجد الأنبياء والعباقرة كما نجد الكهان والسحرة أيضاً. إن هذه القوى إذن كغيرها من مواهب الإنسان يمكن استخدامها في سبيل الخير والشر معاً15. فهي كمثل السلاح قد يستخدمه الإنسان في ظلم غيره وقد يستخدمه كذلك في كفاح الظالمين.
قلنا إن القوى النفسية الخارقة موجودة في كل إنسان. وما الفرق الذي نلاحظه بين بعض الناس وبعضهم الآخر في هذا الخصوص إذن إلا فرق بالدرجة.. لا بالنوع. وبعبارة أخرى: إن كل واحد منا نبي أو ساحر إلى حد ما، فالنبوة أو السحر كامنان في أعماق نفوسنا، بدرجة ضعيفة أو قوية، وكثيراً ما نستفيد منها في حياتنا العملية من حيث لا نشعر.
إن التجارب المختبرية التي أجراها (راين) وغيره على مئات الألوف من الأفراد دلت على أن كل فرد يملك في أعماق نفسه انبثاقات نفاذة مبدعة تفوق في مبلغ إدراكها للمغيبات نسبة الاصابة في الصدفة المحضة. فلو رمى أحدنا قطعة من النقد في الهواء مائة مرة وأخذ يتنبأ عن الوجه الذي سيظهر من القطعة في كل مرة ثم وجد أن عدد المرات التي يصيب فيها أكثر من خمسين لدل ذلك أن لديه قوة نفسية كاشفة تجعله قادراً على اجتلاء حوادث المستقبل بشيء من النجاح. ذلك أنه لو كان فاقداً إياها لكانت نسبة نجاحه في الحدس لا تتجاوز الخمسين في المائة كما يقتضيه قانون الاحتمالات في علم الإحصاء.
والمشكلة الكبرى التي تجابهنا في هذا السبيل هي أن المتعلمين من بيننا قد تعودوا أن ينظروا في الأمور على أساس المنطق القديم، وهو الذي يسمى ذي الحدين16. فالأمر في نظرهم إما أن يكون حقاً كله أو باطلاً كله ولا يجوز عندهم التوسط بين الحدين. فهم يريدون من القوى النفسية مثلاً أن تصيب دائماً لكي يصدقوا بها. فإذا أخطأت مرة وأصابت مرات لووا أعناقهم عنها وعزوها إلى الشعوذة والتدجيل.
وفي الحقيقة أن القوى النفسية الخارقة لا تستطيع أن تصيب في حدسها دائماً وبصورة كاملة. فهي كغيرها من مواهب الإنسان ليست مطلقة إنما يعتريها النقص والخلل والخطأ في كثير من الأحيان.
إن التجارب التي يجريها الباحثون اليوم على القوى النفسية لا تتطلب أن تصيب دائماً. فقد يكفي منها أن تكون نسبة الإصابة فيها أعلى، قليلاً أو كثيراً، من نسبة الإصابة التي تستوجبه الصدفة المحضة. فإذا كانت مثلاً نسبة الإصابة في الحدس المبني على الصدفة يناهز (%50) ثم استطعت أن تحدس وتصيب في حدسك بنسبة (%60) كنت بلا ريب تملك قوى نفسية خارقة.
يحدثنا (راين) عن فتاة تبلغ التاسعة من عمرها اسمها (ليليان) جاءت إلى مختبرات القوى النفسية في جامعة (ديوك) لفحص مقدرتها الخارقة في الحدس. ويقول عنها (راين) إنها كانت تصيب في حدسها إلى درجة عجيبة. ففي كل مرة يجري عليها الفحص كانت توجه ظهرها إزاء طاولة التجارب حيث تقف لحظة مغمضة العينين ثم تستدير نحو الطاولة وفمها يتحرك كأنها تقرأ شيئاً، وإذ ذاك تبدأ بالتجربة فتصيب في كل مرة إصابة صحيحة لا يعتريها شيء من الخطأ بتاتاً17.
إن هذه بلا ريب حالة نادرة لا يستطيع أن ينالها كل واحد، ولعل (ليليان) نفسها لا تستطيع أن تنالها في كل وقت.
والقوى النفسية في الحقيقة لا تأتي الفرد طوع إرادته، وهي قد تضعف أو تزول حين يريد الفرد أن يقويها في نفسه. إنها قوى لا شعورية تبعث من أعماق العقل الباطن ولذا فهي قد يعرقلها التفكير ويضعفها التمرين والتعليم. وقد روى لنا الثقاة قصصاً عديدة عن أفراد كانوا يملكون القوى النفسية بدرجة عظيمة في أوائل حياتهم ثم ضاعت عليهم تلك الملكة بعدما دخلوا المدرسة ومارسوا التفكير المركز والتمرين في أعمالهم العقلية.
وهؤلاء يشبهون أولئك الذين كانوا يتحدثون بلباقة وفصاحة طبيعية ثم تشوهت لغتهم بعد ما تعلموا النحو ومارسوا قواعده العويصة. كأن الملكات التي تنبعث من أغوار العقل الباطن تضعف إذا خالطها العقل الظاهر ووقفت في طريقها قواعد التفكير.
لقد سميت هذا الكتاب «خوارق اللاشعور» أو «أسرار الشخصية الناجحة» لأني أريد بذلك أن ألفت نظر القارئ العربي إلى ناحية من الشخصية البشرية ربما كان غافلاً عنها: هي ناحية اللاشعور أو ما يسمى أحياناً بالعقل الباطن.
إننا يمكننا تشبيه العقل البشري بجبل الجليد الطافي في البحار القطبية لا يظهر منه إلا جزء صغير فوق سطح الماء أما الجزء الأكبر فقد انغمس في الماء لا يرى منه شيئاً. إن أغلب حركات الإنسان وسكناته يسيرها ذلك الجزء المنغمس من العقل. وليس العقل الظاهر إذن إلا أخدوعة، الغرض منها التضليل والتمويه ووضع الطلاء والزخرفة على حقائق الأشياء.
إني أشتهي أن أجعل من هذا الكتاب الذي أقدمه بين يدي القارئ صرخة مدوية ضد هذا الدين السائد بين شبابنا المتعلم في هذه الأيام والذي جعلهم يؤمنون بالعقل ويتخذون منه إلهاً يعبد.
يحكى أن (روبسبير) بطل الثورة الفرنسية الكبرى جاء براقصة جميلة في عهد الإرهاب وأمر الباريسيين أن يعبدوها على اعتبار أنها رمز العقل البشري. إنه أراد بذلك أن يعزل الله عن عرشه فيضع مكانه العقل. ويبدو أن هذه كانت (المودة) الفكرية التي سادت روح الثورة الفرنسية... وقد جاءت هذه (المودة) لسوء الحظ إلى مصر مع جيوش نابليون وظلت باقية هناك تبث مبادئها في الأقطار العربية الأخرى. ولعلنا لا نغالي إذا قلنا بأن أغلب شباننا المستجدين قد تأثروا بها وانصاعوا إلى تعاليمها انصياعاً لا شعورياً.
فأنت لا تكاد تتحدث إلى أحدهم عن شخصية الإنسان وعن العوامل المؤثرة في تكوينها حتى تجده قد انبرى متحمساً يمجد العقل ويرى أنه الأساس الذي ترتكز عليه الشخصية في مختلف أطوارها. فهو يعتقد اعتقاداً جازماً بأن الإنسان إذا استعمل عقله وأحسن تدبيره حصل حتماً على ما يشتهي من شخصية مرموقة ونفوذ كبير18.
إني لا أكاد أرى نصيحة أسخف من هذه النصيحة. وأصحابنا هؤلاء الذين يؤمنون بهذه النصيحة يشبهون أولئك الفطريين الذين رأوا لأول مرة في حياتهم طيارة تهبط قرب أكواخهم فنظروا منذهلين إلى ساعدي الطيار وأخذوا يتساءلون في دهشة بالغة كيف استطاع هذان الساعدان الضعيفان أن يرفعا مركبة من المعدن في الهواء. إنهم يتخيلون بأن الطيار يرفع الطيارة بقوة ساعديه كما يرفع أحدهم ثقلاً في الهواء وقد غفلوا إذن عما اختفى في باطن الطيارة من محركات وآلات متنوعة.
إن الأبحاث النفسية الأخيرة تكاد تشير إلى أن الإنسان مسيّر في أغلب أعماله لا مخيّر، ففي أعماق النفس البشرية من العوامل الكامنة ما يكاد يشبه تلك الآلات المتنوعة المخفية في باطن الطيارة.
ولعلنا لا نغالي إذا قلنا بأن العلماء اليوم يميلون إلى القول بـ «الجبر» في موضوع الشخصية البشرية. ولكن مما يجدر ذكره في هذه المناسبة أن مفهوم الجبر الذي يقولون به يختلف عن ذلك المفهوم الذي اصطلح عليه علماء الكلام في الإسلام. فهو ليس جبراً مينافيزيقياً أو غيبياً. إنما هو بالأحرى جبر لا شعوري، قد انبعثت أسبابه من أعماق العقل الباطن.
إن الإنسان يسير بوحي العقل الباطن أولاً ثم يأتي العقل الظاهر أخيراً لكي يبرّر ما فعل ويبهرجه ويطليه فيظهره أمام الناس بالمظهر المقبول.
وقد يجوز لنا القول بأن الإنسان يعمل ثم يفكر، وهذا عكس ما كان القدماء يظنون به، فهو يندفع نحو شيء ثم يفكر به بعدئذ، كمثل ذلك الأعشى الذي داس على كلب من غير أن يراه ثم قال: اني أريد أن أقتله.
لقد كان القدماء يعتقدون بأن الإنسان حيوان عاقل. والواقع أنه حيوان متحذلق. فهو متعاقل لا عاقل. يتظاهر بالتعقل وهو في الحقيقة مجنون... على وجه من الوجوه.
***
وقد يسأل القارئ: ما هو هذا العقل الباطن الذي يسير الإنسان في أغلب أعماله؟ إن الجواب على هذا السؤال عسير جداً. فالعقل الباطن أمر قد اختلف فيه الباحثون وذهبوا فيه مذاهب شتى. وقد ظهر أخيراً علماء أنكروا وجوده إنكاراً تاماً.
واننا هنا سوف لا ندخل في هذا الجدل أو نحاول أن نحكم فيه والذي نريد أن يفهمه القارئ الآن هو أن العقل الباطن – أو اللاشعور19 – اصطلاح يراد به الإشارة إلى ما يحدث في داخل النفس من مجريات لا يشعر بها الفكر ولا تدخل في مجال الوعي والتأمل.
والذين أنكروا وجود العقل الباطن في الإنسان لم يستطيعوا مع ذلك أن ينكروا حقارة العقل الظاهر وضعف أمره في توجيه أعمال الفرد. وسواء أكان الباحث من اتباع (بافلوف) أو من اتباع (ماكدوجل) في اتجاهه العلمي فإن ذلك لا يمنعه من الاعتراف بوجود مجالات في أغوار النفس لا يصل إليها الشعور أو التأمل إلا نادراً.
وربما أمكن القول: بأن نظرية العقل الباطن على علاتها قد أحدثت انقلاباً عظيماً في تاريخ الفكر البشري، وأن (فرويد) قد أسدى للبشرية خدمة لا تقدر بابتداعه لنظرية اللاشعور.
إن المفكرين وإن كانوا اليوم لا يسلمون بنظرية العقل الباطن كما جاء بها (فرويد) ولكنهم مع ذلك يشعرون بعظم الأثر الذي تركته تلك النظرية في طبيعة الأبحاث النفسية التي تلتها. لقد كان المفكرون قبل (فرويد) متأثرين بالفلسفة القديمة التي كانت تؤمن بالعقل الظاهر كل الإيمان وتعتبره المسيطر الأكبر على جميع تصرفات الإنسان. فلم يكن يخطر ببالهم أن هنالك في باطن النفس منطقة غير واعية تعمل وتؤثر من غير أن يشعر بها الإنسان. وعلى هذا كانوا يفسرون كل حركة أو سكنة من سلوك الإنسان تفسيراً منطقياً مستنداً على الوعي والتفكير. فإذا عازهم السبب المنطقي لعمل من أعمال الإنسان اخترعوه له اختراعاً وتعسفوا في إتيانه تعسفاً ولهذا كانوا إذا رأوا رجلاً فاضلاً عزوا فضله حالاً إلى ذكائه وسلامة تفكيره، وإن رأوا مجرماً أسرعوا في تفسير الدافع في إجرامه إلى ضعف تفكيره أو التوائه.
أما إذا رأوا مجنوناً تعجبوا وحاولوا إقناعه بالبراهين المنطقية حتى يكون عاقلاً. فإذا لم يصغ هو إلى براهينهم غضبوا عليه وانهالوا عليه بالضرب والتعذيب انتقاماً منه. وهم بذلك يظلمونه من ناحيتين: فهم من ناحية يعاقبونه على ذنب ليس له يد فيه، وهم من الناحية الثانية يسيئون إلى مرضه النفسي ويعالجونه بنقيص ما يتطلب داؤه من دواء. وكذلك كانوا يعاقبون الجريمة بالعقاب الشديد على أساس أن الإنسان يرتدع عن الجريمة حين يرى العقوبة عليها شديدة – ناسين أن الإنسان عندما يقترف الجريمة كثيراً ما يكون مسوقاً بعوامل غير واعية لا صلة لها ببراهين الفكر أو المنطق.
وأخيراً جاء (فرويد) فألقى قنبلته الهائلة قائلاً: بأن للإنسان عقلين: ظاهر وباطن، وأن أغلب أعمال الإنسان مسيّرة بعوامل منبعثة من العقل الباطن الذي لا يشعر الإنسان به ولا يدري ماذا يحدث فيه.
إن من الممكن اعتبار نظرية (فرويد) نقطة تحول في تاريخ الدراسات النفسية، ويميل اليوم عدد كبير من الباحثين إلى الأخذ بنظرية العقل الباطن رغم اختلافهم مع (فرويد) على محتويات هذا العقل. وبعبارة أخرى: ان المفكرين اليوم يميلون إلى موافقة (فرويد) على هيكل العقل الباطن ويخالفونه على طبيعة ما في داخل هذا الهيكل من محتويات فهم أخذوا ينتقدونه على تطرفه في التأكيد على العامل الجنسي20. فلم يعد العقل الباطن في نظرهم مخزناً للرغبات الجنسية المكبوتة وحدها كما كان (فرويد) يتصور. إن العقل الباطن يعتبر بالأحرى مباءة لجميع الرغبات المكبوتة، جنسية كانت أم غير جنسية.
فإذا أهانك رجل أو اعتدى عليك بحيث لم تستطع الظروف خاصة أن ترد الإهانة عليه، دخلت رغبة الانتقام آنذاك في عقلك الباطن وبقيت هنالك كامنة تحاول الظهور والتنفيس عن ذاتها بشتى الصور والأساليب. فأنت تصبح إذن مسير من حيث لا تشعر برغبة مدفونة في أعماق نفسك. ولعلك قد تنسى حادثة الاعتداء إذ هي ربما جرت في أيام صباك وسحبت عليها الأيام ذيول النسيان، ولكنك تبقى رغم ذلك متأثراً بها تأثراً لا شعورياً. فلا تكاد ترى رجلاً آخر له شبه بذلك الذي أهانك أو اعتدى عليك حتى تشعر بكراهته والميل إلى الانتقام منه. فإذا سئلت عن سبب كراهتك له من دون معرفة سابقة له ربما كان جوابك: «إنك تكرهه من الله». إنك بذلك تنسب إلى الله ظلماً تقوم به أنت بتأثير من عقلك الباطن الدفين!.
ومن الجدير بالذكر في هذا الصدد أن المشتغلين ببحث القوى النفسية الخارقة انقسموا إزاء نظرية العقل الباطن إلى جماعتين متضادتين: فالجماعة التي تعتقد بروحية تلك القوى مالت إلى إنكار وجود العقل الباطن وأخذت تعتبر تلك القوى منبثقة من مصدر خارج النفس البشرية، أي أنها صادرة في نظرهم من روح الكون أو سرّه الخلّاق. أما الذين اعتبروا تلك القوى من خصائص الشخصية البشرية فقد أخذوا يثبتون وجود العقل الباطن ويصرون على أنه المنبع الذي تنبثق تلك القوى منه. إن الجماعة الأولى تتصور العقل البشري متجهاً في طبقاته الخفية إلى الأعلى أي نحو ملكوت الله أو الروح؛ أما الجماعة الثانية فترى عكس ذلك وتعتقد بأن العقل متجهاً نحو الأسفل حيث تغور طبقاته الخفية في أعماق النفس، أولئك يؤمنون بالله وهؤلاء يؤمنون بالإنسان!! ومن يدرينا فلعل الله والإنسان شيء واحد. ولقد قال أحد الحكماء قديماً: «من عرف نفسه فقد عرف ربه»21.
وعلى كل حال فإن أغلب الباحثين في هذا الموضوع يميلون إلى الاعتقاد بوجود العقل الباطن وأنه مصدر القوى النفسية الخارقة. ومعنى ذلك أن العقل الباطن أصبح في نظر هؤلاء مجالًا لنوعين من القوى الخفية: فهو مباءة للرغبات المكبوتة من جهة كما أشرنا إلى ذلك آنفاً، وهو منبع للقوى الخارقة من الجهة الأخرى22. إنه إذن مكان لله وللشيطان معاً. فهو يدفع الإنسان في سبيل الخير والإبداع أحياناً، ويدفعه في سبيل الشر والاعتداء أحياناً أخرى.
يقول (مايرز): إن العقل الباطن يحتوي على «منجم من الذهب وكومة من الأقذار أيضاً»23.
وقد يعترض هنا معترض فيقول: إذا كان العقل الباطن كما تقول مبعثاً لنوعين مختلفين من الحوافز، أحدهما صالح والآخر طالح، فكيف يتأتى للفرد العادي أن يميز بينهما لكي يستطيع أن يسير على زعمك في سبيل النجاح؟
الواقع أن هذه من المشاكل الكبرى التي تجابهنا في هذا البحث. فإننا إذا نصحنا الفرد بأن يصغي إلى حوافزه اللاشعورية من غير تفريق وأن يعتمد عليها دائماً في حياته العملية فربما أوقعناه في ورطة: إذ هو قد يندفع من جراء نصيحتنا هذه في سبيل إشباع رغباته المكبوتة وعقده الكامنة اندفاعاً طائشاً وربما يأخذ بإيذاء الناس وبالتهجم عليهم حالما يشعر بحافز لا شعوري يحفزه إلى ذلك.
إن الإنسان يجب أن يكون حذراً كل الحذر من حوافز عقله الباطن إذ لا يجوز له أن ينجرف بما توحي به إليه انجرافاً تاماً. فكثيراً ما يخطر ببال الإنسان خاطر أو تلمع في ذهنه فكرة، وهو يقف عند ذاك حائراً لا يدري هل أن هذا الخاطر قد انبعث من قواه الكاشفة أم من رغباته المكبوتة. إنه يحتاج في مثل هذه الحالة إذن إلى مفتاح يحل له هذا اللغز ويفرق له بين الصالح والطالح من حوافزه اللاشعورية.
فأنت مثلاً قد ترى شخصاً لأول مرة في حياتك فتكرهه فوراً وتتقزز نفسك منه وأنت لا تدري ما الذي دعاك إلى هذه الكراهية المفاجئة. إنك قد تقف حائراً متردداً بين تفسيرين إثنين: إما أن يكون هذا الشخص المكروه شبيهاً بشخص آخر كان قد آذاك فيما مضى من الأيام وترك هذا الأذى في أعماق عقلك الباطن عقدة كامنة ضد كل من يشبهه، وإما أن يكون قد كرهك هو في نفس الوقت الذي كرهته أنت فيه حيث حدث بينكما تجاوب لا شعوري، ولعله كان هو البادئ بشعور الكراهة فانتقل هذا الشعور إليك عن طريق الأمواج النفسية أو طريق تناقل الأفكار كما يسمى أحياناً.
إنها مشكلة عويصة حقاً ولست أدعي أني قادر على حلها حلاً صحيحاً. وجل ما أستطيع أن أقوله هنا هو أن الفرد قد يستطيع بعد ممارسته المستمرة لهذه المشكلة أن يجد لها حلاً خاصاً به. فالفرد الناضج قادر إلى حد ما أن يكشف ما في عقله الباطن من عقد ورغبات مكبوتة، وهو بعد مرور التجارب المتنوعة عليه يستطيع أن يفرق، قليلاً أو كثيراً بين ما هو ضار وما هو نافع من حوافز نفسه.
وربما صح القول: بأن الفرد كلما قلّت عقده النفسية كان أقدر على الانتفاع من قواه الخارقة. فالفرد الذي امتلأت نفسه بالعقد والرغبات المكبوتة يصعب عليه النجاح في معاملته مع الناس، ذلك لأن قواه الخارقة لا تكون إذ ذاك نقيه أو حرة في عملها. فهي قد تلتاث وتختلط بما يتاخمها من العقد والعواطف المغلوطة وبذلك يضيع على صاحبها ما تنتج من كشف مبدع أو إنجاز رائع.
يقال إن النبي محمد كان قوي الفراسة يحسن اختيار أصحابه وأعوانه وهذا كان من أسباب نجاحه العظيم في حياته. ويبدو لي أن فراسة محمد هذه لم تأته اعتباطاً فهو قد كان، كما هو معروف عنه، من أولي النفوس الصافية المطمئنة التي لا تحمل حقداً أو ضغينة على أحد. إن هذا الصفاء النفساني قد أدى بلا ريب إلى حسن استثماره لقواه الخارقة فكشفت له عن خبايا طبائع الناس.
إن الفرد المعقدة نفسه يكره ويحب على غير أساس صحيح. انه يجري وراء عواطفه المكبوتة ولذا فهو لا يستطيع أن يفهم حقائق الناس أو يتغلغل في أعماق نفوسهم. انه قد يميل نحو الأدنياء وينفر من الأكفاء فيحفر بذلك قبره بيده ويسعى إلى حتفه بظلفه24.
والخلاصة: ان في أغوار اللاشعور قوى مبدعة تستطيع أن تقود الفرد في سبيل النجاح لو أحسن استثمارها وطهرت مما يلحق بها من أدران الهوى والعاطفة الممسوخة. واني لأظن بأن ما يسمى بالحظ عند العامة ناتج عن استثمار هذه القوى اللاشعورية. وكثير من الناس ينفعون بهذه القوى في حياتهم العملية من غير أن يعرفوا مصدرها أو يفهموا ماهيتها، فينسبونها إلى الحظ وليست هي من الحظ في شيء، إنها حوافز تنبعث من داخل النفس ويعتقد الناس أنها آتية من الخارج...
***
وإني أود أن أختم هذه المقدمة بالاعتذار للقارئ عما فيها من تطويل يدعو إلى السأم. ولقد قصدت بهذه المقدمة أن أضع بين يدي القارئ ملخصاً لما سيجده بعد ذلك مفصلاً في ثنايا الكتاب.
وإني لأحسب أن بعض القراء سوف لا يجدون لديهم من الفراغ ما يستطيعون به أن يقرأوا هذا الكتاب كله. ولعل المقدمة ستغنيهم عن ذلك بعض الغناء.
أرجو من القارئ الذي لا يجد من نفسه ولعاً بمتابعة هذا البحث أن يقف عند هذا الحد فلا يتعداه... إذ يكتفي بما قرأ في المقدمة فيريح ويستريح...
أما الذي يريد أن يواصل القراءة فاليه أقدم الفصول التالية. إنها على كل حال فصول مسهبة فيها من التكرار والتناقض والسفسطة قسط لا يستهان به. وعذري أني أطرق بحثاً لم يطرقه أحد من قبل على هذه الشاكلة. وعساني أوفق فيما بعد إلى تنظيمه وتزويقه فأنال بذلك رضا القارئ – ورضاه على أي حال عسير.
***

الفصل الأول: الإطار الفكري
لقد أشرنا من قبل إلى أن الإنسان اعتاد أن ينظر إلى الكون من خلال إطار فكري يحدد مجال نظره، وأنه يستغرب أو ينكر أي شيء لا يراه من خلال ذلك الإطار. فالإنسان بهذا المعنى يشابه الحصان الذي يجر العربات حيث قد وضع على عينيه إطار لكي يتوجه ببصره إلى الأمام فلا يرتبك أو يتطوح في سيره.
وقد قلنا أيضاً بأن ليس هناك فرقاً أساسياً بين المتعلمين وغير المتعلمين في هذا الخصوص. فالفرق – إن وجد – إنما هو فرق بالدرجة لا بالنوع.
يروي البروفسور (وليم باريت): ان الحاكي الذي اخترعه (اديسون) حين عرض لأول مرة في أكاديمية العلوم بباريس أعلن العلماء الحاضرون جميعاً انه مستحيل حيث لا يمكن في زعمهم أن يسجل صوت الإنسان على أسطوانة من المعدن. وهم قد اتهموا حينذاك صاحب الحاكي بأنه يخفي تحت المنضدة رجلاً ينطق من حنجرته ليخدع الحاضرين. وقد وقف مثل هذا الموقف البروفسور (تيت) من جامعة (أدنبره) حين سمع عن اختراع التليفون، فقد قال: «إن كل ما في الأمر هو طنين، ذلك أن اختراع مثل هذا الشيء مستحيل فيزيائياً»1.
ومن الأقاصيص الظريفة التي تروى في هذا الصدد أنه عندما اكتشف (مسمر) طريقته المعروفة في التنويم المغناطيسي في أواخر القرن الثامن عشر ونبه الأذهان إلى أهمية الإيحاء في شفاء بعض الأمراض قابله العلماء بالسخرية والأذى وقد كتبت احدى الصحف الانكليزية حينذاك وصفات طبية للهزء به كالوصفة التالية:
«الاكسير المغنطيسي: خذ من زيت الخوف والرعب أربع أواقي ومن روح الوهم رطلين وضع المادتين في زجاجة الخيال واتركها فيها أياماً واشرب من ذلك اربعين نقطة في الصباح فتشفى من كل الأسقام»2.
ومن الممكن القول بأن كل جديد في العلم يقابله المتعلمون وغير المتعلمين من الناس بالهزء. والتاريخ مملوء بقصص العلماء والمخترعين والمكتشفين الذين قاسوا من الاضطهاد والحرق والاستهزاء والتحقير ما قاسوا من جراء ما جاؤا به من جديد في خدمة التطور العلمي والاجتماعي.
وهنا ينبغي أن نميز بين المتعلم والمثقف، فالمتعلم هو من تعلم أموراً لم تخرج عن نطاق الاطار الفكري الذي اعتاد عليه منذ صغره. فهو لم يزدد من العلم إلا ما زاد في تعصبه وضيق من مجال نظره. هو قد آمن برأي من الآراء أو مذهب من المذاهب فأخذ يسعى وراء المعلومات التي تؤيده في رأيه وتحرّضه على الكفاح في سبيله. أما المثقف فهو يمتاز بمرونة رأيه وباستعداده لتلقي كل فكرة جديدة وللتأمل فيها ولتملي وجه الصواب منها.
ومما يؤسف له أن المثقفين بيننا قليلون والمتعلمين كثيرون. ومتعلمونا قد بلغ غرورهم بما تعلموه مبلغاً لا يحسدون عليه. وهذا هو السبب الذي جعل أحدهم لا يتحمل رأياً مخالفاً لرأيه.
يقال إن المقياس الذي نقيس به ثقافة شخص ما هو مبلغ ما يتحمل هذا الشخص من آراء غيره المخالفة لرأيه، فالمثقف الحقيقي يكاد لا يطمئن إلى صحة رأيه، ذلك لأن المعيار الذي يزن به صحة الآراء غير ثابت لديه، فهو يتغير من وقت لآخر. وكثيراً ما وجد نفسه مقتنعاً برأي معين في يوم من الأيام ثم لا يكاد يمضي عليه الزمن حتى تضعف قناعته بذلك الرأي.. وقد تنقلب أحياناً ضده انقلاباً شنيعاً.
ومن يدرس جمهور المتعلمين في تطور أفكارهم بين حين وآخر يرى عجباً. فطالما رأيناهم يسخرون من فكرة في هذا اليوم ثم يقدسونها غداً. فإذا سألناهم عن سبب هذا الانقلاب المفاجئ قالوا: «إنهم كانوا يبحثون عن الحقيقة ثم وجدوها أخيراً». ومن يدرينا فلعلهم يتحولون إلى غيرها بعد زمن طويل أو قصير. هذا ولكنهم في كل مرحلة يمرون بها نراهم مؤمنين ايماناً قاطعاً بأنهم قد وصلوا إلى الحقيقة النهائية التي لا يمكن التحول عنها أبداً.
***
إن الاطار الفكري الذي ينظر الإنسان من خلاله إلى الكون مؤلف جزؤه الأكبر من المصطلحات والمألوفات والمفترضات التي يوحي بها المجتمع إليه ويغرزها في أعماق عقله الباطن. والانسان إذن متأثر بها من حيث لا يشعر. فهو حين ينظر إلى ما حوله لا يدرك أن نظرته مقيدة ومحدودة. وكل يقينه انه حر في تفكيره. وهنا يكمن الخطر، فهو لا يكاد يرى أحداً يخالفه في رأيه حتى يثور غاضباً ويتحفز للاعتداء عليه. وهو عندما يعتدي على المخالف له بالرأي لا يعد ذلك شيئاً ولا ظلماً إذ هو يعتقد بأنه يجاهد في سبيل الحقيقة ويكافح ضد الباطل.
وأغلب الحروب والاضطهادات التي شنها البشر بعضهم على بعض في سبيل مذهب من المذاهب الدينية أو السياسية ناتجة عن وجود هذا الاطار للاشعوري على عقل الانسان.
ومن الغريب أن نرى رجلاً يضطهد غيره من أجل دينه أو رأيه ثم ينقلب فجأة فيصبح بجانب الذي كان يضطهده حيث يأخذ إذ ذاك باضطهاد من كان على رأيه السابق. لقد تغير رأيه ثم بقي فيه شيء واحد لم يتغير، هو اطاره الفكري.
إن الانسان لا يستطيع أن يتخلص من اطاره الفكري إلا نادراً. فهو فرض لازب عليه. فالاطار شيء كامن في اللاشعور كما ألمحنا إليه آنفاً. والانسان لا يستطيع أن يتخلص من شيء لا يشعر به.
ولعل بعض الافذاذ النادرين من الناس يستطيعون أن يدركوا ما ركب على عقولهم من إطار، فهم يتحيزون في تفكيرهم قليلاً أو كثيراً ولكنهم يدركون في نفس الوقت أنهم متحيزون. وهؤلاء حين تخلو نفوسهم من الغرض يصبحون قادرين على الكشف العلمي وقد يظهر على أيديهم أحياناً كثير من المبتدعات والنظريات الجديدة.
إن الاختراع أو الابداع هو – كما سيأتي – تركيب بين شيئين قديمين. ولهذا السبب كان المتعصب لرأي من الآراء أو طريقة من الطرق بعيداً عن الابداع أو الاختراع أو التجديد. ولهذا السبب أيضاً كانت خطب المقلدين وأبحاثهم خالية في الغالب من كل روعة أو فكرة جديدة، انهم يكررون ما قال السلف من معنى بلفظ جديد.
إن الباحث المبدع يمتاز عن الرجل العادي بكونه يعترف باطاره الفكري، ولذا فهو أقدر على مواجهة الحقيقة الجديدة من غيره.
والعجيب أن بعض الناس ينكرون وجود إطار على عقولهم، إنهم بهذا يبرهنون على تعصبهم الشديد. «فكلما اشتد اعتقاد انسان بأنه حر في تفكيره زاد اعتقادي بعبوديته الفكرية».
يعتقد (وليم جيمس)، الفيلسوف الامريكي المشهور، بأن العقل البشري «جزئي ومتحيز بطبيعته»3 ويرى هذا الفيلسوف أن العقل لا يستطيع على التفكير المثمر إلا إذا كان جزئياً في نظرته ومتحيزاً في اتجاهه. ذلك لأن الحقيقة الخارجية في رأيه تحتوي على نواحي متعددة وتفاصيل شتى. فإذا لم يركز العقل انتباهه على ناحية ويترك النواحي الأخرى يصعب عليه الوصول إلى فكرة عملية واضحة عنها. يقول (جيمس): إن العقل لا يكون ذا مقدرة وكفاية إلا بتخيره ما ينتبه اليه، وبتركه ما عداه، أي بتضييقه وجهة نظره، وإلا توزعت قوته الضئيلة وضل في تفكيره4.
ولنأت بمثل مبسّط على هذا الرأي الذي جاء به (جيمس). ولنفرض أن مظاهرة كبرى حدثت في شارع الرشيد في بغداد حيث اختلط فيها الحابل بالنابل وتراطم فيها النساء والرجال، وبلغت الهتافات فيها عنان السماء. ولنفرض أيضاً أن عدداً من المتفرجين الباردين قد وقفوا على السطوح والنوافذ يراقبون هذه الظاهرة الاجتماعية. انها حقيقة خارجية بالنسبة إليهم، ولكنها ليست حقيقة واحدة في نظرهم جميعاً. فكل واحد منهم يركز انتباهه على جزء منها ويهمل الأجزاء الاخرى تقريباً. وإذا بهم يخرجون من هذا التفرج وقد انطبعت في ذاكرة كل منهم شهادة تختلف عن شهادات الآخرين في قليل أو كثير.
فهذا شاب قد شغفه الجمال الرائع في وجوه بعض الفتيات المشتركات فى المظاهرة، فهو إذن لا يكاد يرى من المظاهرة إلا ناحيتها الجنسية، حيث نجده قد خفق قلبه نحو فتاة ثم عزم على مطاردتها والعياذ بالله. وتلك امرأة وقفت تتفرج من نافذتها فهي لا تتأمل إلا في ملابس زميلاتها المتظاهرات وأيتهن قد لبست أحدث الازياء أو خاطت أجمل الفساتين. وذلك رجل من رجال السياسة المحلية قد غفل عن كل شيء من المظاهرة إلا ذلك الجانب الذي يعنيه منها أي ما هو أثرها في اسقاط الوزارة وتنصيب أخرى مكانها يكون له فيها نصيب... وهذا أديب متحذلق يستمع إلى الخطابات والهتافات فلا يهمه منها إلا أن يلتقط الاخطاء النحوية والصرفية فيها كأن المظاهرة في نظره ليست إلا مسرحية تمثل فيها حياة سيبويه ونفطويه... وذلك شاب قد بلغت به الوطنية والحماسة أقصاها فهو إذن لا يكاد يحس من المظاهرة إلا التهاب النار في أحشائه. وذلك شاعر قد ألهمته المظاهرة بعض الشعر وإذا به يسجل في ورقة في يده أبياتاً شعرية غافلاً عن كل ما سوى ذلك. وهذا مخبر صحافي لا يعرف من المظاهرة إلا عدد الجرحى والقتلى الذين سقطوا من بين المتظاهرين أو عدد المخازن التي نهبت وتحطم زجاج نوافذها. وعدا هؤلاء وأولئك نرى أصحاب المخازن والحوانيت الذين يرقبون سير المظاهرة وقد وضعوا أيديهم على قلوبهم إذ لا يدرون متى تنهب أموالهم وبضائعهم من قبل هؤلاء الوطنيين المتحمسين.
وملخص الأمر: أن كل واحد من هؤلاء المتفرجين ينظر إلى ناحية معينة من المظاهرة ويهمل غيرها – أي أن كل واحد ينظر اليها من خلال إطار خاص به وهو إذن لا يكاد يرى إلا ما يظهر في بؤرة ذلك الاطار. فالمرأة التي تركز انتباهها على خياطة الفساتين تحتقر ذلك الأديب الذي يلتقط الاخطاء النحوية وتضحك عليه. إنها تريد أن تلتقط أخطاء الخياطة وهو يريد أن يلتقط أخطاء الفاعل والمفعول. فهي بواد والأديب بواد آخر. وكذلك يضحك الوطني المتحمس من ذلك السياسي الانتهازي، هذا يريد أن يصير وزيراً وذلك يريد أن يبعث مجد الاجداد من جديد ويعيد عصر الرشيد إلى شارع الرشيد.
إن كل امرء في الواقع يلون الدنيا بلون ما في نفسه ويقيس الأمور حسب المقاييس التي نشأ عليها.
وهذا المثل الذي ذكرناه عن المظاهرة يكاد ينطبق على كثير من الحوادث النفسية التي يواجهها كل منا في كل يوم. فقد يقرأ صديقك كتاباً ويعجب به ويتحمس في مدحه ثم تأخذه منه أنت لتقرأه فلا تجد فيه ما يستدعي تلك الحماسة وذلك المديح. ولعلك قد تجد فيه على العكس من ذلك منتهى التفاهة والسخف. وقد يكون هذا الكتاب سبباً من أسباب الخصام بينك وبين صديقك: هو يقول عنه إنه كتاب عظيم، وأنت تقول عنه: إنه سخيف. إن السبب في هذا الاختلاف بينكما ناشئ أغلبه من الاختلاف بين وجهتي نظركما حين قرأ كل منكما الكتاب على حدة. فربما كان صديقك قد اعتاد على تذوق الجزالة في اللفظ والرنين في الأسلوب بينما أنت لا تتذوق هذه الناحية من الكتاب إنما تريد أن تقرأ فيه المعاني والأفكار الجديدة. ولهذا ترى الكتاب قد أصبح جيداً في نظر أحدكما وسيئاً في نظر الآخر.
ليس من العجيب أن يختلف الناس في أذواقهم وميولهم ولكن العجب بالاحرى أن يتخاصموا من أجل هذا الاختلاف.
وقد يذهب صديقك إلى فيلم في احدى دور السينما فيعجبه وتذهب أنت إليه فلا يعجبك. ولعل منشأ ذلك: أن صديقك يحب الروايات الغرامية المملوءة بالعواطف المشبوبة والخلجات النفسية بينما أنت تريد من الفيلم أن يكون اجتماعياً أو حربياً أو تاريخياً، وكل واحد منكما يعتقد أنه أفضل من صاحبه وأصح رأياً.
وقد يتنازع اثنان حول فتاة: هل هي جميلة أم لا؟ وقد ينتهي الأمر بينهما إلى الصفعات واللكمات. إذ أن كلاً منهما يعتبر الآخر سيء الذوق أو خبيث الطوية. والواقع أنهما كلاهما سخيفان. فالذوق كالنظر العقلي عليه إطار يحدد مجاله. وقد قال أحد الباحثين في هذا الصدد: إن كل رجل يحب من الفتيات تلك التي تشبه أمه. فملامح أمه إذن تؤلف في أعماق نفسه إطاراً لا شعورياً لا يستطيع هو أن يتذوق الجمال إلا من خلاله.
وأنا أعجب حقاً حين أرى الناس يتنازعون على مثل هذه الأمور من غير أن يقفوا لحظة ليتدبروا ما على من أبصارهم وأذواقهم من قيود لا شعورية.
ويؤسفني أن أرى القضاة لا يعيرون هذه الناحية الأهمية التي تستحقها في فحص الشهود الذين يتقدمون اليهم بشهادتهم. فهم يريدون ممن شهدوا حادثة معينة أن تكون شهادتهم متماثلة وكثيراً ما يعاقبون شاهداً على اختلاف بسيط في شهادته، غير دارين بأن تماثل الشهادات وانطباقها بعضها على بعض أمر غير طبيعي ولعله دليل على الاختلاق والكذب. إن كل شاهد يرى من الحادثة جانباً لا يراه الآخر إلا نادراً.
وطالما رأى أحد الشهود نزاعاً بين شخصين فينسب الاعتداء إلى أحدهما وهو صادق فيما يقول، بينما يأتي شاهد آخر فينسب الاعتداء إلى الثاني وهو صادق أيضاً. إن كلاً منهما ينظر بعين عواطفه وميوله ومقاييسه المنطقية الخاصة، فهو قد يغض النظر عن كلمة جارحة يتفوه بها أحد الخصمين بينما يؤكد على كلمة أخف من تلك الكلمة تفوه بها الخصم الآخر. إنه يتحيز في شهادته وهو غير قاصد أو شاعر بهذا التحيز.
وقل مثل هذا عن المؤرخين القدماء. فتجد إحدى الشخصيات التاريخية قد أصبحت في نظر بعضهم إلهاً يعبد وفي نظر الآخرين فاسقاً دنيئاً لا يستحق المدح. إن كل مؤرخ حين يدرس الأخبار عن تلك الشخصية التاريخية يركز بؤرة نظره على جزء منها ويهمل الأجزاء الأخرى. وهو حين يمر على الأخبار التي تخالف وجهة نظرته يعتبرها مكذوبة ويتركها. فإذا سألته عن السبب في تركه لبعض الأخبار دون البعض الآخر قال: إنها غير معقولة... وهو يعني بذلك أنها خارجة عن إطاره الفكري. فالمقياس الذي يفرق به بين المعقول وغير المعقول كما شرحنا سابقاً، هو مقياس ذاتي ونسبي. ولكن بعض المؤرخين سامحهم الله، يعتبرونه مطلقاً وخالداً. ولذا تراهم لا يفهمون في دراسة الشخصيات التاريخية إلا تلك الناحية التي يريدونها ويميلون اليها.
لقد وقع اختلاف بين المفكرين منذ أيام الاغريق القدماء حول موضوع الفكر البشري: هل هو الذي يخلق الحقيقة أم أنها هي التي تخلقه؟ وقد انقسم المفكرون في هذا إلى فريقين: فريق منهم وهم الذين نسميهم أحياناً بالافلاطونيين يقولون بأن العقل البشري ليس إلا مرآة للحقيقة حيث هو يعكس صورتها من غير تغيير أو تشويه. والفريق الآخر يميل إلى النقيض من ذلك إذ يرى بأن الحقيقة بنت العقل وأن ليس هناك حقيقة خارجة عنه ومن هؤلاء ظهر السوفسطائيون الذين سنتحدث عنهم في الفصل القادم. ففي رأي هؤلاء أن الانسان هو مقياس الحقيقة5، وأنه هو الذي يخلقها برغبته وهواه ومصلحته ولذا فهي تتغير من شخص إلى شخص ومن حضارة إلى حضارة. فما يكون صحيحاً في يوم قد يكون خطأ في يوم آخر وما هو حق في رأي فريق ربما كان باطلاً في رأي آخرين...
إن هذين الفريقين المتشادين في فهم الحقيقة يعتبران اليوم كليهما على خطأ. فالمنطق الحديث لا يميل نحو فريق منهما دون الآخر، إذ هو يكاد الآن يحكم بأن الحقيقة ذاتية وموضوعية في آن واحد: أي أن الحقيقة، على هذا الاعتبار الحديث، تخلق الفكر ويخلقها الفكر في نفس الوقت؛ فكل منهما سبب للآخر ونتيجة له أيضًا.
يرى (مانهايم)، وهو من دعائم هذه المدرسة الجديدة في المنطق، أن الحقيقة موجودة خارج العقل البشري، أي أنها ليست من خلق هذا العقل، ولكنها مع ذلك ذات أوجه متعددة. فالعقل حين ينظر اليها لا يستطيع في الغالب أن يطلع إلا على وجه واحد منها ولذا فهو لا يأخذ عنها صورة كاملة6. وبعبارة أخرى: ان العقل يقتبس من الحقيقة الخارجية جزءاً ثم يضيف اليها من عنده جزءاً آخر ليكمل بذلك صورة الحقيقة كما يتخيلها. وهذا هو الذي جعل كل فرد منا يحمل معه حقيقته الخاصة كما يحمل حقيبته.
ويمكن تشبيه الحقيقة بالهرم ذي الأوجه المتعددة حيث لا يرى الانسان منه إلا وجهاً واحداً في آن واحد. وقد يرى أحدنا وجهاً معيناً من وجوه الهرم هذا اليوم ثم يتحول عنه إلى غيره غداً: وهو في كل يوم مغرور بما يرى متعصب له إذ يعتبر كل الناس ما عداه مخطئين.
ويؤيد (جون ديوي) هذا الرأي تأييداً كبيراً. فهو يعتقد بأن العقل البشري ليس مرآة للحقيقة كما كان الأقدمون يتصورون. إن العقل في نظر (ديوي) لم يخلق من أجل الحقيقة، فله هدف آخر أهم من الحقيقة وأنفع، هو الفوز في تنازع البقاء.
كان القدماء يعتقدون بأن العقل هو قبس الحق ونور الهداية ومقياس الحقيقة. أما (ديوي) فيضحك على هؤلاء ويعدهم سخفاء. فالعقل في نظره عضو قد تطور في الانسان كما تطور الخرطوم الطويل في الفيل والناب الحاد في الأسد والساق الرشيقة في الغزال. إن العقل تطور في الانسان لكي يساعده في كفاح الحياة وتنازع البقاء. فهو لا يفهم الحقيقة إلا بمقدار ما تنفعه في هذا لسبيل. إن العقل مقيد بالرغبات المعاشة والاجتماعية والجنسية وغيرها.
فالانسان يحب الفتاة الجميلة أو يحب الضمان الاقتصادي والمنزلة الاجتماعية ولكنه لا يحب الحقيقة إلا إذا ساعدته في نوال شئ من هذه الأهداف اللذيذة المرغوبة.
قيل في أحد الأمثال الغربية: «غيّر معيشة الإنسان يتغير بذلك تفكيره». وهذا صحيح إلى حد بعيد. فالفقير الجائع يكاد لا يفهم الحقيقة إلا على شكل رغيف. أما المدلل المتخوم فتراه مستهاماً بالمثل العليا التي لا فائدة منها مثل الجمال الكامل أو الحق المطلق أو ما إلى ذلك من خزعبلات شوهاء.
يقول (ديوي): «إن العقل أداة الحياة»7 فهو إذن كخرطوم الفيل يستعان به لكفاح الخصم ونوال الانثى والحصول على الطعام. هذا ولكن أصحابنا المثاليين مثابرون على طلب الحقيقة المطلقة والتحذلق بها والادعاء بنوالها. ونجد أحدهم يحاول اقناع خصمه بأن الحقيقة معه وحده ثم يغضب إذا رآه لا يقتنع، غير دار بأن خصمه أيضاً يريد الحقيقة لنفسه وحده. وكل يدعي وصلاً بليلى... هذا مع العلم أن ليلى قد ذهبت إلى رحمة ربها منذ عهد بعيد.
يطلب المثالي من خصمه أن يفكر على أساس المنطق لكي يصل إلى الحقيقة، وهو يقصد بالحقيقة حقيقته الخاصة التي تنفعه. ومعنى هذا انه يريد من خصمه أن ينحاز إلى جانبه ويكون عوناً له على الحياة. أما خصمه فيداور ويراوغ لأنه هو نفسه يحمل حقيقته الخاصة به ويريد الانتصار لها، هكذا ينشأ النزاع وتثور الفتن بين الناس.
لقد دل التاريخ على أن كل دين، مهما كان نوعه، لا يكاد ينتشر حتى ينشق على نفسه؛ أي أنه لا يكاد ينتصر وينجح حتى تظهر فيه الفرق المتطاحنة والشيع المتنابذة. وكل فرقة تدعي انها هي الأحق والأعدل وانها وحدها الناجية من دون الفرق الأخرى. والعجيب أن نرى المؤرخين يعزون سبب التفرق في دين من الأديان إلى فلان أو فلان من شخصيات التاريخ ثم يأخذون بذمه وصب اللعنات عليه على اعتبار انه قد فرق الأمة وشق عصا الجماعة. الواقع أن التفرقة طبيعة لازبة من طبائع العقل البشري. والتفرقة لا تبدأ عادة إلا بعد النصر لأن نزاع المصالح يأخذ عند ذلك بالظهور.
فالجماعة تكون في فترة الكفاح الأولى متكتلة لا اختلاف فيها لأن مصلحة الفرد ومصلحة المجموع تكون آنذاك واحدة. اما حين يبدأ النصر وتنهال الغنائم، وحين يترف بضعة أفراد على حساب الآخرين، فتجد غول التفرقة قد أخذ يكشر عن أنيابه.
ألمحنا سابقاً إلى أنه ليس هناك مقياس عقلي دقيق يقتنع به كل أحد. فكل فرد منغمر في ذاته وتراه إذن قد نسي مساوءه وأكد على محاسنه، ولذا فهو يثور إذا رأى قريناً له يتقدم عليه في أي مجال من مجالات الحياة. ان المشكلة آتية من كون الانسان أنانياً بطبعه فهو مهما ادعى وتظاهر وتحذلق يحب أن يجر النار إلى قرصه. وهو حين يفعل ذلك يعتقد اعتقاداً جازماً بانه إنما يقصد الخير العام ويريد مصلحة الجماعة. ومعضلة العقل البشري انه ميال إلى جعل مصلحة صاحبه الخاصة والمصلحة العامة واحدة. فكل شيء ينفع صاحبه يصبح في نظره حقاً مطلقاً يجب أن يتبعه الناس جميعاً. وهذا هو الذي يدعونا إلى الشك في نزاهة أي إنسان يدعونا إلى اتباع الحق المطلق أو العدل المطلق. أو ما أشبه ذلك من مثل عليا لا وجود لها.
إن دراسة تاريخ الأديان والدول تعطينا أمثلة لا حصر لها على صحة هذا الرأي. فكل ثائر أو صاحب مذهب ديني أو سياسي يدعي أنه صاحب الحق الذي لا شبهة فيه. وهو بقدر ما يجمع من الأنصار ويحشد من السلاح، يعمل عقله على جمع البراهين والأدلة التي تؤيد قضيته – فهو يضرب خصمه بسيفه من ناحية وبرهانه العقلي من ناحية أخرى.
والمضحك أن المثاليين يشغلون أنفسهم دائماً بالبحث وبالتساؤل عمن فرق هذه الأمة أو شق كيان ذلك الدين. وتراهم لذلك في سباب متبادل ومشادة لا حد لها. وما دروا أن كل حركة اجتماعية تحوي بذرة انشقاقها في صميم تكوينها. فهي لا تنجح حتى تنقسم. مثلها في ذلك كمثل الاميبة التي لا تكاد تصل إلى حد معين في نموها حتى تنشق إلى أميبتين، وكل واحدة منهما تنشق بدورها إذا وصلت في نموها إلى الحد المعين.
إن النجاح يحمل بذرة الفشل في أساس طبيعته. ولن ننتظر من دين ينتشر أو حركة تنتصر أن تسير الأمور فيه بعد النصر هوناً كما سارت سابقاً. فما دامت هناك فئة تنتفع من هذا النصر فلا بد أن تظهر فئة مقابلة لها تنافسها على هذا الانتفاع. ويدخل العقل البشري في هذه المعمعة سلاحاً ماضياً في يد كل حزب – وكل حزب بما لديهم فرحون.
ونحن حين ندرس تاريخ الإسلام نرى فيه مصداق هذا الأمر جليًا. ولعل الانشقاق قد ظهر في الاسلام أسرع مما ظهر في غيره من الأديان. وكأن ذلك نشأ من السرعة الهائلة التي نجحت بها دعوة الاسلام وانتشرت فتوحاته في أقاصي الأرض. يقال إن قضية الخلافة كانت المنبع الرئيسي لجميع أنواع الفرق في الاسلام. وهذا قول له ما يؤيده من الواقع، فالخلافة في أول أمرها عندما كانت زهداً وتقوى وخشونة كان الخلاف عليها ضعيفاً جداً يكاد لا يشعر به أحد. أما حين بدأ الترف يأخذ مأخذه فيها وحفت بها الابهة وشاعت فيها شتى اللذات8 فقد تحرقت الأنفس نحوها وأخذت العقول تنشئ المذاهب الفكرية والفرق الدينية في سبيل الظفر بها.
***
ويمكن القول بان النجاح يحمل بذرة فشله معه في القضايا الفردية أيضاً. فالفرد حين ينجح يتغير بنجاحه إطاره الفكري. فهو يأخذ آنذاك بالنظر في الأمور نظراً جديداً يوائم وضعه الجديد. وهذا التغير في النظر قد يجلب أسباب الفشل معه أحياناً. (فهتلر) مثلاً قد جعله النجاح متفائلاً إلى أبعد حدود التفاؤل. والتفاؤل سبب من أسباب النجاح كما سنذكره فيما بعد، ولكنه إذا خرج عن حده انقلب ضاراً مهلكاً.
فحين رأى (هتلر) نفسه قد ارتقى من رتبة عريف إلى رتبة زعيم عظيم في أمة عظيمة تملكه الغرور والطيش وأخذ يعتقد بأنه مقدس وانه لا يخطأ في أحكامه أبداً... وهكذا دفع أمته في مهاوي سحيقة.
وكذلك قل عن غنى الحرب فإن المال الكثير الذي انصب عليه في وقت قصير جعله يعتقد بانه محظوظ وانه سوف لن يصيبه الفقر أبداً، وتراه لذلك قد انهمك في البذخ والغرور والعجرفة على منوال قد يودي به.
وأصحاب الشهادات في مجتمع جاهل قد يصيبهم مثل ما أصاب أغنياء الحرب. فهم يرون أنفسهم في علو شاهق بالنسبة إلى من حولهم من الناس. وتجدهم لذلك قد اكتفوا بما درسوا قبلاً وجمدوا على ما هم عليه؛ فشغلوا أنفسهم بالمكايدات والمؤامرات يحوكها بعضهم على بعض في سبيل المناصب الجامعية أو التزلف نحو رجال الحكم.
والمصيبة في هذا الأمر أن الانسان لا يد له أحياناً في صنع إطاره الفكري أو في تغييره، فإطاره يتطور حسب نواميس خاصة به لا يستطيع هو أن يتحكم فيها إلا قليلاً.
إن الاطار الفكري لا شعوري كما أسلفنا. والانسان غير قادر على التحكم في شيء لا يشعر به.
ونحن نحاول في هذا الفصل أن نخرج الاطار الفكري من اللاشعور إلى دائرة الوعي والشعور، ولعلنا نتمكن بهذا من مساعدة الفرد في التعرف إلى ما يقيد عقله ويحدد مجال نظره ويعرقل طريق نجاحه.
***
يجدر بنا الآن أن نفهم ما هي القيود التي تقيد عقل الانسان في نظره الى الحقيقة، أو بعبارة أخرى، ما هي العناصر التي يتألف منها إطاره الفكري.
إن من الممكن القول بأن هنالك ثلاثة أنواع من القيود موضوعة على عقل الانسان عند تفكيره أو عند نظره في الأمور. وهذه الأنواع الثلاثة هي:
(1) القيود النفسية (2) القيود الاجتماعية (3) القيود الحضارية.
(1) فالانسان قبل كل شيء يملك نفساً معقدة فيها كثير من الرغبات المكبوتة والعواطف المشبوبة والاتجاهات الدفينة. ففكره إذن مقيد بهذه القيود النفسية التي لا يجد عنها محيصاً إلا نادراً. والانسان قد يدعي أنه يفكر تفكيراً حراً لا تحيز فيه ولا تعصب، وهو صادق أحياناً في ما يقول، لأنه لا يعلم ماذا كمن في عقله الباطن من عقد وعواطف ونزوات خفية.
وقد تسأل احدهم مثلاً: لماذا تحب (هتلر) من دون بقية الزعماء؟ فيجيبك بانه يحبه لعظمته ونزاهته واخلاصه وعبقريته وما اشبه. فهو يخلق الحجج والبراهين لكي يثبت لك انه يطلب الحقيقة في حبه (لهتلر). والواقع انه احب (هتلر) لأن قصة هذا الرجل قد اشبعت بعض رغباته المكبوتة من حيث حب القوة أو الاعتداء أو الفخار أو بعد الصيت... فصاحبنا يشعر بنقص في نفسه وقد وجد في (هتلر) لا شعورياً ما يسد هذا النقص فهام به كما هام المجنون بليلاه.
(2) وفكر الإنسان مقيد أيضاً بقيود اجتماعية علاوة على قيوده النفسية. فهو ينتمي إلى جماعة أو طبقة أو بلد أو طائفة أو غير ذلك. ولذا فهو يتعصب لجماعته في الحق والباطل على منوال ما كان عرب الجاهلية يفعلون حين قالوا: «انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً».
وقد وجدت مثلاً في طبقة «الجندرمة»9 في العراق احتراماً للعهد العثماني وتمجيداً لآثاره بشكل يدعو إلى العجب الشديد. لقد كان الحكم العثماني في العراق حكماً خبيثاً دنيئاً من غير ريب، هذا ولكن أفراد «الجندرمة» يحملون عنه صورة تختلف عن الواقع اختلافاً بيّناً. والسبب راجع إلى تكوين إطارهم الفكري. فهم كانوا من حكام ذلك العهد وقد نالوا فيه من الامتيازات وأنواع الترف والتعالي ما جعلهم يعتبرونه أسعد عهد مر في تاريخ البشر. انهم ينظرون إلى ذلك العهد من زاوية معاكسة للزاوية التي ينظر بها أبناء الشعب اليه.
لقد كان أحد هؤلاء «الجندرمة» تحدث معي ذات مرة وهو يتأفف ويتذمر من تسفل أخلاق الموظفين هذه الأيام. فهو يقول بأن الموظف كان في أيام العهد العثماني أنيقاً متعالياً لا يخالط عامة الناس ولا يتكلم بلغتهم ولا يعيش معهم. أما اليوم فقد أصبح الموظف في نظره سفيهاً يتكلم مع الرعية ويلبس كما يلبسون ويتكلم كما يتكلمون. ثم ختم كلامه بقوله: «لقد ذهب ذلك العهد المجيد الذي كانت الحكومة فيه حكومة بمعنى الكلمة والرجال رجالًا».
لم استطع بالطبع أن أجادله. فكل جدل معه يثير غضبه ويحفز أعصابه. لقد تكون إطاره الفكري على هذا الطراز فهو لا يملك من ذلك مناصاً. انه ينظر إلى الحكومة نظرة تختلف عما أنظر به اليها. فالحكومة في نظري خادمة الشعب والموظف أجيره. ولكن الأمر في نظره على العكس من ذلك. إنه ينتمي إلى جماعة غير الجماعة التي أنتمي اليها. فهو من طبقة الحكام وأنا من طبقة المحكومين، ولكل من هاتين الطبقتين إطارها أو منظارها الخاص الذي تنظر به إلى الأمور.
(3) والعقل البشري، إضافة إلى قيوده النفسية والاجتماعية، له قيوده الحضارية وهي القيود التي تشترك بها كل الجماعات في داخل حضارة معينة. فالبدو مثلاً لهم قيم ومثل وأهداف في الحياة عامة يؤمنون بها جميعاً رغم اختلافهم في تعصبهم القبلي أو الطبقي أو الاجتماعي. وهذه القيم الحضارية تتغلغل في اللاشعور عميقاً إذ ينشأ عليها الفرد ويعتاد عليها حتى تصبح جزءاً لا يتجزأ من منطقه وأسلوب تفكيره.
فالبدوي يقتل أخته مثلاً إذا اشتبه بسلوكها فهو يفعل ذلك مفتخراً كأنه يجاهد في سبيل الحق أو الفضيلة. فإذا جادلته في الأمر اندهش من جدلك واتهمك في شرفك وعرضك. وفي أمريكا يرحّب الأب بصديق ابنته ويتركهما وحدهما يتحاضنان ويتعانقان في بيته. فإذا سألته في ذلك قال إن ذلك هو السبيل الوحيد لكي تتعرف ابنته على زوج المستقبل ولكي تمتحن شخصيته وأخلاقه. فالأمريكي يستهجن عمل البدوي ويعتبره وحشية، والبدوي يعتبر عمل الأمريكي دياثة. وكل واحد منهما واثق من صحة ما يقول وثوقاً تاماً.
***
التقى فارسان من فرسان القرون الوسطى عند نصب قديم فاختلفا في لونه، احدهما يقول إنه أصفر والآخر يقول إنه أزرق. والواقع أن النصب كان أصفر وأزرق في آن واحد، حيث كان مصبوغاً في أحد وجهيه بلون يخالف لون الوجه الآخر. ولم يشأ هذان الفارسان الشهمان أن يقفا لحظة ليتفحصا لون النصب من كلا وجهيه. لقد كان هم كل منهما منصباً على تفنيد الآخر وإعلان خطأه. وكانت النتيجة أنهما تبادلا الشتائم اللاذعة ثم تبادلا ضرب السيوف والرماح من بعد ذلك.
هكذا يتنازع الناس في أغلب أمورهم. فكل واحد منهم ينظر إلى الحقيقة من زاويته الخاصة ثم يريد من الغير أن يرى مثل ما يراه هو.
إن مشكلة النزاع البشري هي مشكلة المعايير والمناظير قبل أن تكون مشكلة الحق والباطل. وما كان الناس يحسبون أنه نزاع بين حق وباطل هو الواقع نزاع بين حق وحق آخر10. فكل متنازع في الغالب يعتقد أنه المحق وخصمه المبطل، ولو نظرت إلى الأمور من نفس الزاوية التي ينظر منها أي متنازع لوجدت شيئاً من الحق معه قليلاً أو كثيراً.
تقول مدام (شتايل) في قول لها مشهور: «لو عرفت كل شيء لعذرت كل فرد» وهذا قول صحيح من بعض الوجوه. فكل انسان تستطيع أن تعذره لو نظرت إلى الأمور بنفس المنظار الذي ينظر اليها به. والغريب أن الناس يعذرون المجنون فيما يعمل ولا يعذرون المجرم. هذا مع العلم أن المجرم كالمجنون له عقليته الخاصة التي تدفعه إلى الجريمة. وربما كان المجتمع الذي يعاقب المجرم هو الذي يستحق العقاب بدلا منه.
ولا يعني هذا أننا لا نجيز عقاب المجرم. فالمجرم كثيراً ما تجب معاقبته في سبيل الصالح العام. هذا ولكننا ينبغي أن نعترف بأننا حين نعاقب المجرم نظلمه. ومعنى ذلك أن عقاب المجرم شر لا بد منه. فهو ظلم قليل في سبيل عدل كثير.
إن المنطق الحديث لا يؤمن بالعدل المطلق كما أنه لا يؤمن بالحق المطلق. فليس هناك في نظر هذا المنطق عدل يمكن أن يشمل الناس جميعاً. وكل من يدعو إلى الحق المطلق إنما هو يريد، من حيث يشعر أو لا يشعر، أن يخدع الناس أو أن يجذبهم لجانبه وجانب جماعته، فالحياة في الواقع هي نزاع بين المصالح المختلفة. وكل إنسان، حتى القاتل وقاطع الطريق، يرى الحق من خلال منظاره الخاص، ولذا كان العدل هو في أن تنحاز إلى جانب العدد الأكبر ضد العدد الأصغر. وبعبارة أخرى: ان الظلم ضروري أحياناً، وذلك حين يتصادم حقان ويكون أحدهما عائداً لفئة صغيرة تريد أن تتنعم على حساب الفئة الكبيرة. إن الحق يدعوك عند ذاك إلى أن تكون ظالماً حتى تمحق ذلك الحق الضعيف وتنسفه من الوجود نسفاً.
للقارئ أن يتأمل، على سبيل المثال، في نظام التجنيد الإجباري المطبق على رؤوس المساكين من أبناء العراق، فانه سيرى من غير ريب كيف يتحكم الاطار الفكري في عقول فئة صغيرة فيحملهم على ظلم الناس من حيث لا يشعرون.
لا مراء في أن سواد الشعب العراقي يكره التجنيد الإجباري كرهاً شديداً ولا يكاد أحد أبناء الشعب يعلم بأنه قد بلغ سن التجنيد حتى يتملكه الفزع وتسود الدنيا في عينيه. انه قد يختلق شتى الأعذار ويحاول مختلف المحاولات، وتراه يبكي ويشكو ويكذب ويماري، في سبيل أن يتخلص من هذا النظام الخبيث. هذا ولكن أصحابنا الذين أرادوه لم ينظروا في الأمر مثل هذه النظرة الواقعية. فأنت لا تتحدث إلى أحدهم عن التجنيد حتى تراه قد أخذ منه الحماس كل مأخذ وامتلأ قلبه بشعور الوطنية الفياض.
إنهم يسمون التجنيد بخدمة العلم. وما ندري ماذا يقصدون بالعلم وبخدمته. إنها أقاويل سلطانية قد لقنوا بها منذ أيام طفولتهم الأولى، فهم يتشدقون بها ويعتقدون أنهم قد وصلوا بها إلى الحق الذي لا ريب فيه.
إن الشعب العراقي في حاجة إلى التعليم الإجباري أو المعالجة الإجبارية أو غير ذلك من ضرورات الحياة وترى أصحابنا ينسون هذا كله ويفرضون عليه التجنيد الإجباري. فإذا اعترضت عليهم في ذلك اتهموك بالخيانة ثم هتفوا بأعلى أصواتهم: ليحيى الوطن! وأنت مضطر في مثل هذه الحالة إلى أن تطلق ساقيك للريح...
إنهم في الواقع غير ملومين فيما يفكرون به وما يعملون. فهم قد ينطبق عليهم قول مدام (شتايل) الآنف الذكر. ذلك أنهم مسوقون في هذا بعقليتهم الخاصة التي نشأوا عليها. وهم ينظرون في الأمور إذن من خلال الاطار الذي اعتادوا عليه وتمازجت مصلحتهم الخاصة به. إنهم يجدون في التجنيد الإجباري خيراً ولا يبالون بعد ذلك ماذا يجري على الشعب من جرائه من مصائب ونكبات.
حدثني صديق، وكان من أولئك العراقيين البؤساء الذين كانوا يساقون في العهد العثماني إلى مجازر الحرب كالأغنام، فقال: انه جيء به وبمن معه من المجندين جبراً إبّان الحرب العالمية الأولى إلى ساحة (القشلة) في بغداد. فخرج عليهم المفتي وبدأ يخطب فيهم خطاباً حماسياً. وكان مما قاله لهم ذلك الرجل الديني الكبير انه أخذ يذكرهم بواجبهم في الدفاع عن الدين والدولة وبضرورة التضحية بالنفس والنفيس في سبيل حماية القرآن... ثم اغرورقت عينا الخطيب بالدموع من شدة الحماس والتأثر.
لا ريب أن ما قاله الخطيب حق، ولكنه حق خاص بفئة قليلة – هي فئة المستفيدين من الدين والدولة. أما سواد الشعب، الذي كان يرزح تحت عبء ذلك الحكم اللئيم ويقاسي من ظلمه وتفسخه ما يقاسي، فلم يكن يفهم من ذلك الخطاب الرنان شيئاً.
لقد كان المفتي منعماً بنعمة الدين والدولة، وكان هو وأبناؤه وانسباؤه وأصهاره معفوّين – طبعاً – من التجنيد الاجباري. فإذا جند أحدهم بفلتة من فلتات القدر نهض الوسطاء، وقد افعوعمت قلوبهم رحمة وحناناً، فجاهدوا في سبيل تخليص هذا المحظوظ من ويلات الحرب وتشغيله في بعض المهام التي لا خطر فيها، حيث يجعلونه يخدم الدين والدولة وهو آمن مطمئن ترعاه العناية الربانية من كل جانب.
الغريب في أمر هؤلاء انهم حين ينتفعون من شيء يظنون ان الناس كلهم قد انتفعوا به، وتراهم لذلك يفرضون أهواءهم وشهواتهم على الناس ثم يريدون منهم الطاعة والرضوخ... والتقديس أيضًا.
خوارق اللاشعور لقد دل التاريخ على أن كل طاغية من طغاة العالم كان يعتقد بانه عادل بر صالح. وهو يجد في من حوله ما يؤيده على هذا الاعتقاد. انه يظلم أكثر الناس ويسلبهم أموالهم ولكن هؤلاء المظلومين المسلوبين لا يعرفون فن الكلام ولذا تراهم يتحملون الظلم وهم صامتون واجمون، فهو لا يدري أنه يظلمهم لأنه قد وضع بينه وبينهم حجاباً كثيفاً يمنع نفوذ الشكوى إليه منهم.
والطاغية يعمد في الغالب إلى اجزال العطاء والنعمة على من يحذق فن الكلام، من الشعراء والفقهاء والمؤلفين، ويجعلهم يحيطون به ويملأون رحاب قصره بأناشيد المدح وقصائد التمجيد.
إنه إذن ينظر في الأمور من خلاف الاطار الذي يضعه له هؤلاء المادحون والمنافقون والراتعون بنعمه الجزيلة. فهو عادل من غير شك في نظرهم.
وكثيراً ما يسجل التاريخ قصص عدله وبرّه وفضله بأحرف من نور. فالتاريخ يكتبه أولئك الكتاب والفقهاء الذين غمرهم الطاغية بفضله. وهم حين يصفونه بالفضل والبر لم يقولوا كذباً لأنه قد تفضل عليهم وبرّ بهم حقاً. وكل انسان يقيس الأمور غالباً بمقياس ما في نفسه عنها – كما أشرنا إلى ذلك آنفاً.
أما السواد الأعظم من الرعية، وهم الذين ذاقوا من ويلات هذا «الظالم العادل» ما ذاقوا، فقد ينخدعون بما يقوله لهم أصحاب فن الكلام عنه، وتراهم لذلك مثل الفراش: يرمون بأنفسهم إلى النار من حيث لا يشعرون. فإذا ظهر من بين هذه الأكثرية المظلومة من يستطيع أن يرفع صوته بشعر أو نثر جذبه الطاغية إليه وأسبغ عليه من نعمه ما ينسيه ذلك الظلم الشامل الذي يرتع فيه اخوانه السادرون.
فإذا رفض هو النعمة الجديدة التي قدمها إليه الطاغية وأخذ ينطق بلسان اخوانه البائسين، حاك فقهاء الطاغية حوله تهمة الزندقة أو الكفر أو حب العصيان والتفرقة وما إلى ذلك. وهنا يأخذ النزاع الفكري شكلاً آخر.. وتتحرك الأذهان نحو انقلاب جديد.
ان كل حركة اجتماعية تعتبر في أول أمرها زندقة أو تفرقة.. أو جنونًا. فإذا نجح أصحابه في دعوتهم أصبحوا بعد ذلك أبطالًا خالدين.
***
أما في مصر وما شهدته إبّان خلع الملك فاروق (آخر ملوك مصر)، فقد كنّا نسمع مدح هذا الملك على كل لسان. ويبدو أن فاروقاً كان ينهب أموال الأمة فيوزع بعض ما ينهب على أرباب الصحف وأولي الأقلام والألسنة. وبهذا رأينا أنباء فضله ورحمته واخلاصه منتشرة في جميع الأرجاء. أما الأمة المنهوبة أموالها فلم تفصح عن نفسها لأن الناطقين بلسانها قد انحازوا إلى جانب الملك وألهاهم نعيمه.
إن الذين خلعوا فاروق قد أصبحوا بعد ذلك في نظر الأمة أبطالًا – وقد كانوا قبل ذلك مهددين بخطر الموت شنقاً حيث هم قد شقوا عصا الطاعة على ولي نعمتهم المفدّى – السيد فاروق رضي الله عنه.
إن التاريخ سار على هذا المنوال في جميع العصور. لا فرق في ذلك بين العصور الذهبية منها والفحمية. وكلما قرأتُ عن أحد الملوك في أحد العصور المذهبة انه كان عادلاً، سألت نفسي: كم من الناس شملهم عدله؟ فإذا رأيت هذا العدل الذي يتبجح به المؤرخون قد أصاب عدداً معيناً ممن حذق فن الكلام بالاضافة إلى أولئك الذين حذقوا فن الرقص والعزف والغناء.. وبقي سواد الناس في حرمان، قلت حالًا: ساعد الله الأمة.
إن أي عصر من العصور التاريخية هو ذهبي لمن يتنعم به وفحمي لمن يبتئس به. وما عليك إلا أن توازن بين عدد المتنعمين والمبتئسين فتحكم بما يمليه عليك رجحان الميزان.
إن المنطق الحديث لا يعترف بوجود خير مطلق أو عدل مطلق – كما ألمحنا إلى ذلك آنفاً. فكل إنسان ينظر إلى العدل أو الخير من ناحيته الخاصة أو من خلال اطاره الفكري. وكل من يدعوك إلى الخير المطلق فاعلم انه يريد أن يغشك ويخدعك.
إن مثل هذه الدعوة هي في الحقيقة دعاية، وتطبيل وتزمير وما على الذين يريدون الإبداع في العلم أو الأدب إلا أن يتجنبوا هذا السبيل الموحل.
كنت أستمع مرة إلى حديث في الاذاعة العراقية ألقاه أحد هؤلاء الذين ابتلوا بداء المثل المطلقة فهالني ما وجدت فيه من تفاهة وسخف. إن مشكلة هؤلاء انهم قد اعتادوا على النظر في الأمور من خلال اطار تقليدي لا يخرجون في بحوثهم عنه. فهم قد لقنوا ببعض الأقاويل الرنانة فدأبوا على ترديدها والزعيق بها من غير أن يقفوا لحظة للتفكير في مرمى هذه الأقاويل من الناحية الاجتماعية.
لقد ابتلينا في البلاد العربية بطائفة من الأدباء قد انغمسوا في ما يسمونه «الأدب للادب» وتراهم لذلك قد انعزلوا عن واقع الناس وصعدواً في أبراجهم العاجية يترنمون فيها بأناشيدهم الانطوائية المعتادة فلا يكاد أحدهم يكتب مقالاً أو يلقي خطاباً حتى تراه قد أخذ يتغزل بلون الشفق أو ضوء القمر، وبظلال النخيل أو جريان النهر. وقد لا يكتفي بعضهم بهذا فتجده يتغنى بالناقة والصحراء والخيمة والطلل... ثم يأتي بالألفاظ الرنانة فيلوي شفتيه بها لياً ويمطهما مطاً يذكرنا بأيام الشنفري أو تأبط شراً أو المزدوج أبي العتاهية.
إن هؤلاء ينظرون إلى الحياة بنفس المنظار الذي كان ينظر به الذبياني في مدحه للنعمان بن المنذر أو البحتري في وصفه بركة المتوكل. فهم لا يرون الحياة إلا في ضوء الجائزة التي يمنحها لهم الملك أو في ضوء الجارية الدعجاء الهيفاء التي قد يهبها لهم أيضاً.
لعلنا لا نغالي إذا قلنا بأن الأدب العربي قد طبع في بعض أطوار تاريخه بطابع المدح المأجور حيث كان الناثر أو الشاعر يتكسب بأدبه كما تتكسب الجارية بغنائها وغنجها وهز بطنها. فهو أدب لا يصلح للحياة الديمقراطية الجديدة التي تنظر بمنظار الفقير والبائس والصعلوك والمظلوم.
ومن المؤسف أن نجد مدارسنا مكتظة بهذا الأدب الأرستقراطي. فبينما نرى العالم المتمدن يدرس أدب (هوغو) و(تولستوي) و(فولتير) و(دستوفسكي) و(برنارد شو) – هذا الأدب الذي يعبر عن آلام البؤساء والمساكين، نجد مدارسنا تدرس القصائد التي تمدح الطغاة وتتغنى بقصورهم وجواريهم... وبانحرافاتهم الجنسية أيضاً.
عندما تترجم روائع الأدب الغربي إلى اللغات المختلفة لا تفقد من قيمتها إلا قليلا. ذلك انه أدب حر يخاطب الإنسانية في كل مكان فهو لا يتقيد بقيود النفس أو المجتمع أو الحضارة ولا يتأثر بعنجهياتها الخاصة. ولذا تراه حبيباً إلى كل قلب منتشراً في جميع الأمم. فنحن نتذوق أدب (برناردشو) مثلاً في كل لغة، ولكننا حين نترجم أدب البحتري إلى لغة أخرى لا نكاد نحصل من جراء ذلك إلا على سواد الوجه.
يقال ان الأديب العبقري هو الذي تنعكس على صفحة نفسه خوالج الملايين من الناس. وهذا قول صحيح – إنما يجدر أن نضيف إلى ذلك شيئاً آخر: هو أن خوالج الملايين لا تكتفي بالانعكاس على صفحة النفس العبقرية كما تنعكس صور الأشياء في المرآة. إنها حين تدخل أغوار تلك النفس تأخذ بالتلاقح والاختمار والتفاعل هناك لتخرج بعدئذ على طراز غير طرازها الأول.
فالأديب العبقري لا يكتفي بتسجيل الواقع كما هو. إنما يعمد بالأحرى إلى التركيب والتوفيق بين أشتات المعاني حيث يبتدع من ذلك روائع خالدة تخلب الألباب.
ونستطيع أن نشبه العقل الباطن في هذا الأمر بمثابة البودقة التي تذوب فيها مختلف أنواع المعادن ليخرج منها بعد ذلك معدن من نوع جديد.
***
وهنا يعرض لنا سؤال له صلة مباشرة بموضوع هذا الكتاب، وهو: ما هي العبقرية؟
والجواب على هذا صعب جداً. فلا يزال الباحثون مختلفين في موضوع العبقرية اختلافاً شديداً. وكل باحث يأتي بتفسير للعبقرية يفترق عن تفسير الآخر في قليل أو كثير.
ولكن الذي يلفت النظر في أمر العبقرية هو أن الكثيرين ممن بحثوا هذا الموضوع كادوا يتفقون على وجود شيء من التشابه بين بعض ظواهر العبقرية وظواهر الجنون. والغريب أننا نجد ما يقارب هذا المعنى لدى كثير من الشعوب الفطرية والأمم القديمة11.
ولفظة (العبقرية) في اللغة العربية منسوبة إلى وادي عبقر الذي كان عرب الجاهلية يعتقدون أنه وادٍ مملوء بالجن. ويقابل هذه اللفظة في اللغة الإنكليزية كلمة (جينس) وهي مأخوذة من لفظة (جني) العربية على أرجح الظن12.
إن الأبحاث النفسية الحديثة تشير إلى أن العبقري حين ينتج انتاجه الرائع لا يشعر بنفسه، فهو يدخل في حالة شاذة لها شبه بالصرع أو الغيبوبة أو الهذيان13. ويرى بعض الباحثين: أن العبقري يتقمص عند الانتاج شخصية أخرى غير شخصيته الاعتيادية وهو حين يرجع إلى حالته الاعتيادية ينذهل من روعة انتاجه ويعجب كيف استطاع هو نفسه أن ينتجه.
يقول (كيتس) الأديب الانكليزي المعروف: إنه كان يشعر عند الانتاج بأن شخصاً آخر في داخله يملي عليه، وهو لا يكاد يدرك جمال الأفكار التي يأتي بها إلا بعد أن ينتهي من كتابتها.
ويقول (شيللي): إنه عندما يستحر دماغه ببعض الأفكار يأخذ بالغليان فيقذف عند ذلك بالصور والتعابير بسرعة أكبر مما يستطيع هو أن يسجلها على الورق14.
إن هذا على كل حال موضوع سنعود إلى البحث فيه باسهاب في فصل قادم ولكن ما نريد أن يفهمه القارئ هنا هو أن العبقرية فيها شيء من الخروج عن الذات والدخول في عالم آخر لا نعرف مداه الآن معرفة تامة. فهي تعتبر نوعاً من أنواع الجنون أحياناً لأنها تخرج بصاحبها عن حالته الاعتيادية وتجعله ينظر إلى الحياة بمنظار ثاقب نفاذ لم يعهده الناس من قبل.
والواقع أن المنغمس في إطاره الفكري والذي يجمد على ما اعتاد عليه من مألوفات اجتماعية وحضارية يصعب عليه أن يكون مبدعاً أو عبقرياً.
إن الاطار الفكري مؤلف، كما ذكرنا، من العقد النفسية والعادات الاجتماعية والقيم الحضارية، وهذه تعتبر بمثابة العراقيل التي تقف في طريق الابداع الحر.
إن العبقري كثيراً ما يضحك على نفسه وعلى جماعته، وهو لا يكاد يعرف الخجل أحياناً15.
إن نفسه قد تحررت من القيود التي يتقيد بها غيره عادة، فهو منطلق يطير في الأجواء حيث يستطيع أن يرى ثمة ما لا يراه المتحذلقون والمتكلفون.
ولنا أن نقول في هذا الصدد: إن القوى النفسية الخارقة تنبعث من أغوار النفس العبقرية انبعاثاً طليقاً فتنتج على يد العبقري ما لا يستطيع أن ينتجه المنافقون والمتعصبون والمقلدون.
***
إن ثلاثة من كبار الفلاسفة المحدثين بحثوا في العبقرية ووصلوا فيها إلى نتيجة تكاد تكون متشابهة – وهي أن العبقرية خروج عن الذات وانغمار في عالم أسمى وأوسع.
وهؤلاء الفلاسفة هم (شوبنهور) الألماني و(برجسون) الفرنسي و(توينبي) الانكليزي.
أما (شوبنهور) فيعتقد بأن العبقري يختلف عن الفرد العادي بشيء واحد هو قلة التقيد بما يتقيد به عامة الناس من اندفاع في سبيل الحياة وتنازع على البقاء. إن ارادة الحياة في نظر (شوبنهور) هي الدافع الرئيس الذي يدفع الفرد العادي نحو أعماله وأفكاره المتنوعة. ولذا فهو لا ينظر في الأمور إلا من خلال هذه الارادة. أما العبقري فهو يسمو عن ذلك ويحاول أن يفهم الحياة على أساس موضوعي بحت.
يقول (شوبنهور): العبقرية هي الموضوعية الخالصة في الفكر. فهي تلك القوة التي تجعل صاحبها يهمل مصالحه ورغباته وأهدافه.. وينبذ شخصيته لمدة معينة بحيث يكون فيها أداة خالصة للمعرفة وللنظر في الكون نظراً نقياً. إن المعرفة عند عامة الناس خاضعة لارادة الحياة وهي مسيّرة عادة في سبيل المصالح الشخصية والمنافع الخاصة. أما عند العبقري فالمعرفة هي التي تسيّر الحياة16.
ويرى (شوبنهور) ان هذا هو السبب الذي جعل الناس لا يفهمون العبقري، وهو لا يفهمهم. فهو يمشي وينظر نحو السماء فيقع في البئر. وكلما كان الانسان أكثر اجتماعية كان في رأي (شوبنهور) أقل عبقرية وأكثر ابتذالًا.
ويقول (شوبنهور) أيضاً: إن تراجم الرجال العظام تشير إلى ترابط الجنون والعبقرية، وهو قد درس كثيراً من الحالات الفردية في مستشفيات المجانين فوجد أمارات العبقرية واضحة فيها...
والمرأة في نظر (شوبنهور) قد تملك أحياناً مقدرة فائقة ولكنها لن تستطيع أن تكون عبقرية لأنها لا تقدر على الخروج من ذاتها؛ فهي ميالة إلى النظر في الأمور من خلال عواطفها ورغباتها الشخصية17.
و(برجسون) يميل في تفسير العبقرية إلى ما يقارب تفسير (شوبنهور). فهو يقول:
إن الانسان ميال بطبيعته إلى موافقة الجماعة التي ينتمي اليها. أما العبقري فيشعر انه ينتمي إلى البشرية جمعاء ولذا فهو يخترق حدود الجماعة التي نشأ فيها ويثور على العرف الذي يدعم كيانها. إنه يخاطب الانسانية كلها بلغة من الحب، وكأنه انسان من نوع جديد18.
ويعتقد (برجسون) بأن العبقري فيه نزعة من التصوف، ذلك أنه حين ينغمر في ساعة الابداع يغيب عن وعيه ويدخل في ما يشبه الوجد الصوفي أو الغيبوبة. إنه عند ذلك يتحد مع الدفقة الحيوية الكبرى التي تسيّر الكون، ويستشف من الحقيقة المطلقة ما لا يستطيع أن يستشفه المنغمسون في همومهم الضيقة المحدودة.
ويأتي (توينبي) فيوافق (برجسون) على ما يقول موافقة تامة، وهو يرى أن العبقرية هي سبب التطور في المدنيات البشرية. فالفرد العادي في نظر (توينبي) محافظ جامد يميل إلى التمسك بالعادات الموروثة، أما العبقري فهو على النقيض من ذلك يحب الابتداع والثورة على التقاليد. إن العبقري يشعر بأنه مكلف برسالة وكثيراً ما يحب الفناء في هذه الرسالة بحيث يصبح كالعاشق الولهان لا يعرف من الدنيا إلا إياها، فهو مقلق للنظام الاجتماعي مهدد لكيانه إذ هو يبغي أن يحوله من حال إلى حال ولا يبالي أن ينال في سبيل ذلك ما ينال.
ويعتقد (توينبي) أن العامة من الناس متماثلون في المزاج ونمط التفكير أينما وليت وجهك – سواء في ذلك المتمدنون منهم وغير المتمدنين. ومعنى ذلك: ان رجل الشارع في أوربا مثلاً لا يختلف في طبيعة تفكيره عن رجل الشارع في افريقيا أو آسيا19. كلاهما بليد يميل إلى الخرافة وسرعة التصديق. إن الفارق الذي يميز المدنية عن الحياة البدائية هو في كثرة ظهور العباقرة في الأولى وقلته في الثانية. فالمدينة تفسح المجال للعبقري أن يقول ما يشاء أو يبدع ما يهوى. أما بين البدائيين والمتأخرين فالمجدد ممقوت وكل ما يبتدع شيئاً لم يعهدوه من قبل قابلوه بالانكار أو الاستهزاء أو الأذى، ولا ينجح بينهم إلا الجامدون المتزمتون الذين يتنافسون ويتفاخرون على مبلغ ما يتفوق به أحدهم في تمسكه بالعادات الموروثة والقيم الاجتماعية.
ففي رأي (توينبي) أن المتمدنين يتجهون في اعجابهم وتقديرهم نحو المبتكرين والمخترعين والعباقرة، بينما يتجه المتأخرون نحو المحافظين والمقلدين. إنه فرق في اتجاه التقدير لا في نوعه. وهذا الاختلاف في اتجاه التقدير هو الذي يؤدي إلى ذلك الاختلاف العظيم في مظهر الحضارة20.
***
والخلاصة التي نريد أن نستخلصها من هذا الفصل الطويل هي أن العقل البشري متحيّز بطبيعته، والفرد العادي لا يستطيع أن يتجرد في تفكيره مهما حاول، لأن القيود التي تقيد فكره مغروزة في أعماق عقله الباطن. إن العبقري هو الانسان الوحيد الذي يستطيع أن يسمو عن ذلك ويحلق في سماء الابداع والاختراع.
لا يوجد على وجه هذه الأرض عقل قد تجرد من قيوده الفكرية تجرداً تاماً، ومن الممكن مع ذلك أن نقول: إنه كلما كان التجرد في عقل من العقول أتم كانت قدرته على الابداع أعظم. فالعباقرة إذن يتفاضلون بمقدار ما يتحررون قليلاً أو كثيراً من إطارهم الفكري. إن التجرد المطلق مستحيل، والعبقرية الكاملة كذلك غير ممكنة.
***

الفصل الثاني: المنطق الارسطوطاليسي
يتحدث كثير من المتعلمين عن المنطق وهم لا يعرفون عن ماهيته شيئاً. فهم يقولون عن كلام أحدهم بأنه منطقي وعن كلام آخر انه غير منطقي، فإذا سألتهم: لماذا؟ حكوا رؤوسهم حيرة وافرنقعوا من غير جواب.
يقال في تعريف المنطق: إنه علم القوانين التي تعصم مراعاتها الذهن عن الخطأ في التفكير. ويسمى أيضاً (الميزان) على اعتبار انه كالميزان إذ تقاس به الأفكار ويميّز به الصواب عن الخطأ منها.
والقدماء لم يعرفوا إلا منطقًا واحدًا، هو منطق أرسطوطاليس. وقد بقي هذا المنطق مرجع المفكرين في جميع العصور، حيث اعتقدوا بأنه المنطق العام الخالد الذي لا يجوز فيه التبديل والتغيير. يقول (كانت): «إنه منذ أيام أرسطو لم يتراجع في المنطق خطوة واحدة إلى الوراء، وكذلك لم يتقدم إلى الأمام. ولعله قد اعتبر على ما يظهر تاماً كاملاً»1.
ولقد اقتبس هذا المنطق المفكرون المسلمون وغروا به غروراً عظيماً وقد تطرف بعضهم في تمجيده حتى عده مقارباً في عظمته لكلام الله ومكملاً له2.
ويدرّس هذا المنطق في كثير من مدارسنا الدينية في الوقت الحاضر. وهو يعتبر من جملة العلوم الأساسية التي يجدر برجل الدين أن يحذقها لكي يتمكن من وعظ الناس ومجادلة الخصوم.
وقد تغلغل هذا المنطق في أعماق عقولنا بحيث أمسينا متأثرين به تأثراً لا شعورياً. فكثير منا لم يدرس قواعد المنطق في حياته ولكنه مع ذلك يجري في تفكيره على نفس النمط الذي يقتضيه منطق ارسطوطاليس. وهذا ناتج من تأثير الجو الفكري العام على أذهاننا، فنحن منذ طفولتنا نسمع الكبار يتجادلون ويكتبون ويخطبون على وتيرة معينة فتنطبع هذه الوتيرة في عقولنا الباطنة، ونبقى متأثرين بها طول حياتنا من حيث نشعر أو لا نشعر.
والمحور الذي يدور حوله منطق أرسطو هو ما يسمى بالقياس (Syllogism). وهذا القياس يتسلسل تسلسلاً تدريجياً من المعلوم إلى المجهول، أو على حد تعبير المناطقة: من المقدمات إلى النتائج، حسب قواعد أو قيود اصلحوها. فهم يقولون في مثل مشهور لديهم: كل انسان فانٍ، وسقراط انسان، فسقراط إذن فان. وهذا النمط من التدرج في التفكير هو الطابع الذي يتميز به منطق أرسطو. إنه نمط يغلب على أكثر مجادلاتنا وأحاديثنا. وهو منتشر انتشاراً فظيعاً في البيئات الدينية عندنا. فأنت لا تكاد تثير نقاشاً مع أحدهم حتى تراه قد شهر في وجهك هذا القياس المنطقي الصارم، وظل يصاولك به حتى تسأم أو تثور.
***
ومشكلة المشاكل في منطق أرسطو أنه لا يمثل واقع الحياة، فمن الممكن أن نسميه بمنطق البرج العاجي. وقد تتضح صحة هذه التسمية إذا درسنا تاريخ هذا المنطق وألممنا بالظروف الفكرية والاجتماعية التي أحاطت بنشأته الأولى.
ففي عهد الاغريق القدماء ظهرت طائفة من المعلمين المتجولين أطلق عليهم لقب (السوفسطائيين) أي الحكماء. وقد احترف هؤلاء مهنة تعليم الناس فن الكلام. وقد كان لفن الكلام آنذاك أهمية لا يستهان بها بالنظر إلى ما كان في حكومة الاغريق يومئذ من أساليب شبه ديمقراطية تقتضي البراعة في الاقناع وحذق التعبير.
وقد جاء السوفسطائيون بفلسفة مؤداها: ان الحقيقة نسبية غير مطلقة وأن مقياس الحقيقة هو الانسان بمصالحه ورغباته وشهواته. ولذا أخذوا يعلمون الناس، بأجر معلوم، فن الاقناع والادلاء بالحجج. فما دام الانسان على زعمهم مصدر الحقيقة وما دامت الحقيقة متغيرة بتغير مصالحه ورغباته وشهواته فقد أصبح من الجدير بالفرد في نظرهم أن يحذق فن الاقناع لكي يستطيع أن يجذب الغير إلى جانبه في مجال الجدل والخصام أو يؤثر في الحكام ليحكموا حسب ما تقتضيه مصلحته الخاصة.
والظاهر أن السوفسطائيين نجحوا في هذا نجاحاً كبيراً. فقد أخذت مهنتهم تروج وفلسفتهم تنتشر. ولعلهم أثروا في عقول الناشئة هنالك أثراً غير حميد. وقد ظهر أخيراً ضدهم رجل جبار، لعله كان من الأنبياء، حيث أخذ على عاتقه محاربتهم والقضاء على فلسفتهم. وكان هذا الرجل يدعى سقراط.
ويروى أن سقراط هذا كان سوفسطائياً مثلهم ولكنه انشق عليهم مدعياً أن وحياً نزل عليه وأن رسالة مقدسة قد كلف بها لانقاذ العالم من شر الفلسفة السوفسطائية.
ظل سقراط يكافح ويبشر بدعوته في الشوارع والمحافل والأسواق حتى انتهى أمره بأن حكم عليه بالموت كما هو معروف في التاريخ. وقد خلفه في مهمته تلميذه افلاطون فثابر هذا على اكمال رسالته. وقد حول مجالها من الشارع إلى غرفة الدرس ومن النقاش الشفاهي إلى صفحات الكتاب. وبعد موت افلاطون تناول مشعل الفلسفة ارسطوطاليس الذي أطلق عليه أخيراً لقب المعلم الأول.
إن أرسطو هذا له أهميته الكبرى في تاريخ الفكر البشري. فقد كان له الفضل الأول في صياغة هذا المنطق المعروف باسمه ووضعه في قالبه النهائي. كان هذا المنطق الذي صاغه أرسطو ضربة قاضية على الحركة السوفسطائية ونصراً ساحقاً للفلسفة التي تؤمن بالحقيقة المطلقة وبمقدرة العقل البشري على اكتشافها والنظر فيها. فلقد انهزم السوفسطائيون أمامه هزيمة منكرة، وتشتت فلولهم بحيث لم تقم لهم بعد ذلك قائمة.
انتصر منطق ارسطو انتصاراً حاسماً وأخذ الناس يتلقونه بالاعجاب من كل جانب. وقد أصبح لقب السفسطة أو السوفسطائية ذماً لا يود أي مفكر أن يوصم به.
لعلنا لا نغالى إذا قلنا بأن انتصار منطق أرسطو واندحار السفسطة كان من سوء حظ البشرية. فالسفسطة، كما أشرنا في الفصل الفائت، فلسفة لا تخلو من صواب، إذ هي تمثل وجهاً لا بأس به من حقيقة الكون.
إن الحقيقة، كما قال (مانهايم)، نسبية ومطلقة في آن واحد. أو هي بعبارة أخرى: ذاتية وموضوعية معاً. هذا ولكن انتصار منطق أرسطو جعل المفكرين يشغلون أنفسهم بالنظر إلى جانب واحد من الحقيقة، وهو الجانب المطلق. فأهملوا بذلك الجانب الآخر الذي لا يقل عنه أهمية ونفعاً.
ويمكن القول إن منطق أرسطو كان عاملاً هاماً في عزل المفكرين عن سواد الناس. فهو قد جعل الناس على طبقتين منفصلتين من ناحية التفكير: طبقة قد صعدت في برجها العاجي تتلذذ بالتأمل في الحقيقة المجردة، وطبقة أخرى بقيت منجرفة بتيار الحياة تريد أن تتكيف للحقائق المتغيرة يوماً بعد يوم.
أصبح رجل الفكر بتأثير من هذا المنطق يحتقر رجل العمل ويستهجن طريقة حياته ونمط تفكيره. فهو قد ارتفع في السحاب وأخذ يبني لنفسه هنالك القصور والعلالي. فهو لا يفهم مشاكل الحياة ولا يريد أن يفكر فيها إذ هو يعتبر هذه المشاكل سفاسف موقتة لا تتصل بالحقيقة المطلقة ولا تلائم طبيعة التفكير الصحيح.
إن المستقرئ لتاريخ العلوم المختلفة قد يندهش حين يرى العلوم الاجتماعية نشأت متأخرة بالنسبة للعلوم الطبيعية. والواقع أن من أهم العوامل في تأخر العلوم الاجتماعية هو انتشار هذا المنطق الذي اهتم بالحقائق المطلقة وأهمل الحقائق النسبية. إن العلوم الاجتماعية تحاول دائماً أن تنزل إلى الواقع المتغيّر لتكتشف قوانينه. أما المناطقة فيرون في هذا النزول ضعة وتسفلاً لا يليقان برجل الفكر. إن المفكر في زعمهم أجل وأسمى من أن يشغل أوقاته الثمينة بما يفعل عامة الناس وما يفكرون به من أمور طارئة لا تكاد تظهر حتى تختفي.
لقد كان فلاسفة الاغريق من أصحاب العبيد. فكانوا غير مضطرين للتفكير في معائشهم أو في كيفية الحصول على رزقهم. فكان كل فيلسوف منهم يملك عدداً من العبيد يعملون له ويكدحون في سبيل الحصول على ما يحتاج اليه. ولعل هذا كان من جملة العوامل التي أدت إلى انتشار منطق أرسطو بين فلاسفة الاغريق.
انهم لم يعانوا من مشاكل الحياة ما يجعلهم يفكرون فيها تفكيراً جدياً. فهم إذا احتاجوا إلى شيء أمروا عبيدهم بصنعه أو استحضاره، وهم سوف يجدونه بعد مدة قصيرة حاضراً بين أيديهم.
إن هذا الوضع قد أدى بلا ريب إلى جعل تفكيرهم غائياً يبحث في الأمور المنتهية، ولا يهمه أن يفحص ماذا جرى عليها أثناء استحضارها أو صنعها.
فلو كان العبيد يملكون من الوقت ما يفكرون به كما يفكر أسيادهم الفلاسفة لربما رأيناهم يبتكرون منطقاً خاصاً بهم معاكساً لمنطق أسيادهم ولنا أن نقول في هذا الصدد: بأن منطق السفسطة كان أقرب إلى فهم الحياة الواقعية من منطق أرسطو. ولعله كان منطق العمال والعبيد. وربما كان ذلك من أسباب اندحاره.
لقد كره المفكرون القدماء منطق السفسطة لأنه ينزل بهم من أبراجهم العاجية. انهم يريدون أن يصعّروا خدودهم على الناس ويتباهون بما لديهم من أفكار واصطلاحات لا يفهمها العامي والسوقي، ولذا نراهم حاربوا السفسطة محاربة لا هوادة فيها.
وقد سار الفلاسفة المسلمون في القرون الوسطى على نفس الوتيرة. إن هؤلاء الفلاسفة لم يكونوا من أصحاب العبيد كما كان زملاؤهم الاغريق ولكنهم أحبوا منطق أرسطو بتأثير من الجو الفكري الذي كانوا يعيشون فيه. فهم قد كانوا يكتبون في الغالب للامراء والسلاطين ويرجون منهم الجوائز. فأصبحوا بذلك يفكرون حسب منطق أصحاب العبيد من حيث لا يشعرون.
وطالما رأينا في هؤلاء الفلاسفة تذمراً شديداً من العامة واستهجاناً لعقليتهم وعقائدهم، وقد تطرف بعضهم في هذا الأمر بحيث اقترح على زملائه المفكرين أن يهربوا من هذا العالم الموبوء ويعيشوا في عالم خاص بهم حيث يخلو لهم الجو هناك فيتأملوا في حقائق الكون الخالدة3.
لقد فاتهم بأن هذا العالم الموبوء الذي يشتكون منه هو العالم الحقيقي الذي لا مناص منه. وان عالمهم المثالي الذي يدعون إليه لا وجود له وما هو في الواقع إلا عالم الأوهام والخيالات.
إن المفكر الوحيد الذي ثار على هذا النمط من التفكير المثالي في الاسلام هو ابن خلدون. وقد حاول هذا المفكر العبقري أن يهدم منطق أرسطو ويبني مكانه منطقاً جديداً يستند على الواقع الاجتماعي المتغير. فلم يفهمه المفكرون في حينه. وربما ضحكوا عليه حيث وجدوه يخصص مجلداً ضخماً لبحث النواميس التي يسير الناس عليها في حياتهم الاجتماعية؛ وهذا في رأيهم سخف ولهو ممقوت لا يليق بالمفكر أن يشغل نفسه به.
إن ابن خلدون لم يقدره أحد التقدير اللائق به في البلاد الاسلامية. ولولا ظهور بعض المعجبين له في بلاد الغرب أخيراً لما التفت الى أفكاره أحد. فبعدما رأينا بعض كبار الغربيين يمجدونه مجدناه معهم تقليداً. ولا يزال كثير منا يقدرون ابن خلدون من غير أن يقرأوا مقدمته الرائعة. ولو قرأوها لنفروا منها في باطن عقولهم ثم استحسنوها في الظاهر اتباعاً لما سمعوا عنها في الغرب من مدح كثير.
***
إننا لا نزال متأثرين، كما أشرت سابقاً، بمنطق أرسطو تأثراً كبيراً، ولا نزال ننظر في الأمور من خلال مقولاته وقوانينه.
يوصف منطق أرسطو أحياناً بانه منطق فوتوغرافي وذلك مقارنة له بالمنطق الجديد الذي هو منطق سينمائي4.
فمنطق أرسطو يريد أن يأخذ عن الأمور صورة ثابتة مطلقة ويعتبرها نهائية. هذا بينما الحياة في حركة متواصلة والفوتوغراف لا يمثل من حقيقتها إلا لحظة عابرة. فالمناطقة القدماء قد يحكمون على شيء أنه خير أو أنه شر ويظلون يتدرجون في أقيستهم المنطقية بعدئذ استناداً على حكمهم الأول هذا – غير دارين بان الشيء ربما تغير في طبيعته بعد صدور الحكم عليه، وهو ربما أصبح خيراً بعدما كان شراً أو شراً بعدما كان خيراً.
انهم يعتبرون الشيء، كما ذكرنا آنفاً، جاهزاً قد انتهى أمره ولذا يعدون حكمهم عليه نهائياً لا يجوز فيه التبديل. والويل للشعب الذي يحكمه أصحاب هذا المنطق، فالشعب في دأب متواصل وكفاح في سبيل العيش، بينما هم قابعون في أبراجهم العالية يشرفون على الشعب من عل ويفرضون عليه أحكامهم الثابتة النهائية.
يقال إن القانون الذي يشرعه المشرعون يؤدي إلى الظلم إذا طبق حرفياً. وهذا قول لا يخلو من وجهة نظر صحيحة. ذلك لأن القانون ثابت مطلق بينما وقائع الحياة متغيرة. وما أقسى ذلك الحاكم المتزمت الذي يقيس الأمور بمقاييسها القانونية الصارمة فيغفل عن مجريات الواقع الاجتماعي. وقد رأينا من أمثال هذا الحاكم المتزمت في بلادنا كثيرين. انهم يفكرون بمنطق أصحاب العبيد. فهم يسوسون الناس كما لو كان هؤلاء آلات صماء لا عاطفة لهم ولا شخصية. وكثيراً ما يحكمون على فقير بانه مجرم إذا أخطأ مرة بدافع من ظروفه القاسية، ثم يحتقرونه من بعد ذلك ويقيمون في سبيله العراقيل أينما توجه. وإذا اعترضت عليهم قالوا: هذا هو ما يأمر به القانون. مع العلم أن روح القانون تنتهك على قيد السمع والبصر منهم كل يوم وهم لا يعترضون.
إن منطق أرسطو يصلح للوعظ وللمشاغبة معاً. فالواعظ الذي يرقى المنبر لانذار الناس بالويل والثبور، والمشاغب الذي يبحث عن عيوب الناس لينتقدها، كلاهما يستعمل هذا المنطق في الهجوم والدفاع. فهو منطق الوعظ لا الاتعاظ، إذ أن المولع به شديد في وعظ غيره بينما هو بعيد عن الاتعاظ بما يعظ به: فهو يتلمح في سلوك كل فرد من الأفراد المحتكين به تناقضاً منطقياً ولكنه لا يرى ذلك التناقض في نفسه.
إن هذه العادة تظهر بجلاء في بعض رجال الدين. وهي منتشرة انتشاراً كبيراً في البيئات التي تكثر فيها الحرف الدينية كالوعظ والارشاد وتوزيع الصدقات. ففي هذه البيئات تدرس علوم المنطق والنحو والفقه والكلام وغيرها وجميع هذه العلوم تستعمل الأقيسة المنطقية كثيراً وتعود الذهن على التفكير الذي يحرّض صاحبه على المشاغبة والوعظ الاعتدائي.
ففي هذه البيئات نجد الجدل محتداً كل حين، والناس يرقبون المتجادلين ليروا أيهما أكثر إفحاماً لخصمه وأقوى لساناً وأعلى صوتاً. وهذا يؤدي طبعاً إلى ازدواج الشخصية.
فكل فرد هناك يتأثر بهذا الجو الفكري قليلاً أو كثيراً، ويكون إذن ميالاً إلى الجدل محباً للفوز فيه على أية صورة. ولذا تجده قد أمسى سوفسطائياً في حقيقة أمره ارسطوطاليسياً في منطقه. فهو في عقله الباطن قد نسى الحقيقة ووجه اهتمامه نحو التغلب على خصمه في الجدل، بينما هو في عقله الظاهر يدعي حب الحقيقة وأنه يريد الوصول اليها.
وهو قد يستعمل أقيسته المنطقية جرياً وراء عواطفه فإذا كره شخصاً ثم رآه يضحك مثلاً هتف قائلاً على طريقته المنطقية المعتادة:
الضحك من غير سبب من قلة الأدب
وفلان قد ضحك من غير سبب
إن فلان إذن قليل أدب
وهو قد لا يكفيه هذا الحكم القاسي على ذلك الشخص وربما لجأ إلى اعتداء آخر عليه ثم اصطنع في سبيل ذلك قياساً منطقياً جديداً استناداً على قياسه الأول فيقول:
قليل الأدب مضر بالدين
وكل مضر بالدين تجب محاربته5
وفلان إذن تجب محاربته
واستناداً على هذا القياس تراه يطلق لسانه للتشهير بصاحبنا المسكين وهو قد لا يتورع أن يؤذيه أشد الأذى. فضميره لا يخزه في هذا لأنه يؤذيه وحجته المنطقية معه تؤيده فيما يفعل.
ومعنى هذا كله أن القياس المنطقي قد أصبح آلة بيد الإنسان يستعمله في سبيل ما يشتهي وما يرغب فيه. ولهذا السبب نشأت تلك الفكرة المعروفة عند العامة والتي تقول: «لا تخف إلا من المعمم»، ذلك أن المعمم يستطيع أن يقوم بأي عمل ثم يأتي له بعد ذلك بحجة منطقية يدافع بها عن نفسه ويرد بها انتقاد المنتقدين.
والغريب في القياس المنطقي أنه يمكن أن يكون سلاحاً في يد كل فريق. فمن الممكن استعماله لتأييد رأي ما ولتأييد عكسه أيضاً. «فهذا الرأي صحيح» كما قال أناطول فرانس «ولكن نقيضه صحيح أيضاً»6.
وأصحاب الفرق الدينية كلهم يستعملون هذا المنطق لتأييد دعاواهم المذهبية، وكل واحد منهم يعتقد أنه قد وصل به إلى الحق الذي لا شك فيه. وإذا أصغيت إلى براهين كل فرقة منهم وجدتها متسلسلة تسلسلاً منطقياً صحيحاً، وأنت إذن قد تقف حائراً لا تدري أية فرقة محقة من بين هاتيك الفرق المختلفة.
يشير (توماس) إلى أن المنطق القديم هو منطق العقائد الموروثة لا منطق المعرفة النامية7. فهو منطق يصلح للدفاع والهجوم، ولا يصلح لاكتشاف الحقائق الجديدة أو التثبت من صحة العقائد القديمة.
ومما يلفت النظر في هذا الشأن أن بعض المشككين الذين ظهروا في إبان المدنية الاسلامية يؤيدون هذا الرأي في المنطق القديم. فهم كانوا يرددون قولهم المشهور: «كل ما ثبت بالجدل فبالجدل ينقض». وحجج هؤلاء المشككين تلخص في بيانهم التالي حيث قالوا: «إنا وجدنا الديانات والآراء والمقالات... كل طائفة منها تناظر الأخرى فتنصف منها، وربما غلبت هذه في مجلس ثم غلبتها الأخرى في مجلس آخر على حسب قوة قول المناظر وقدرته على البيان، فهم في ذلك كالمتحاربين يكون الظفر سجالاً بينهم... ونرى الجماعة الكثيرة قد طلبوا علم الفلسفة وتبحروا فيها ووسموا أنفسهم بالوقوف على الحقائق وبالخروج عن جملة العامة، ونجد آخرين قد تمهروا علم الكلام وأفنوا فيه دهراً ورسخوا فيه، وفخروا بأنه قد لاح لهم الفرق بين الحق والباطل بالحجج ثم نجدهم كلهم – فلسفيهم وكلاميهم – مختلفين كاختلاف العامة وأهل الجهل بل أشد اختلافاً... فصح أن جميعهم إما متبع للذي نشأ عليه والنحلة التي تربى عليها وإما متبع لهواه قد تخيل أنه الحق. فلو كان للبرهان حقيقة لما اختلفوا فيه هذا الاختلاف ولبان على طوال الازمان ومرور الدهور... فدل هذا كله على فساد الأدلة وتكافئها...»8.
***
ذكرنا سابقاً بأن منطق أرسطو عزل المفكرين عن واقع الحياة وصعد بهم إلى السحاب. يتضح لنا ذلك حين ندرس قوانين الفكر التي يستند عليها هذا المنطق في أقيسته. فهي قوانين تناقض قوانين الواقع تناقضاً كبيراً. وقد كان المفكرون غافلين عن هذا التناقض قديماً. فهم يقولون: «إن الكامل في المعرفة محروم من الحظ وأنه حوسب بما رزق من المعرفة واقتطع له ذلك من الحظ»9. ولكنهم لم يدركوا أن السبب في سوء حظ الكامل في المعرفة آت من كونه يفكر حسب قوانين خيالية ليس لها أدنى صلة بوقائع الحياة.
حاول ابن خلدون أن يعلل سوء حظ المفكر المنطقي بقوله: «إن صناعة المنطق غير مأمونة الغلط لكثرة ما فيها من الانتزاع وبعدها عن المحسوس...»10 فأصاب شيئاً من الحقيقة، ولكن قوله هذا لم يلق اذناً صاغية، وذهب في التاريخ كصرخة في واد.
يعتقد ابن خلدون أن العامي البسيط ينجح في الحياة الواقعية أكثر من المفكر وذلك لأنه يكيف نفسه للواقع كما هو من غير أن يلجأ في سبيل ذلك إلى قياس منطقي أو تفكير نظامي. أما الفقهاء والمناطقة، في رأي ابن خلدون، فقد اعتادوا على «الغوص في المعاني وانتزاعها من المحسوسات وتجريدها في الذهن أموراً كلية عامة... فلا تزال أحكامهم وأنظارهم كلها في الذهن ولا تصير إلى المطابقة... فيقعون في الغلط كثيراً ولا يؤمن عليهم...»11.
لقد سبق ابن خلدون زمانه بهذه النظرة الصائبة في المنطق. فالمنطق في نظره لا يأخذ صورة واقعية للحياة ولذا فهو يعرقل صاحبه عن النجاح فيها. وقد دل التاريخ على أن كل المفكرين القدماء كانوا فاشلين في حياتهم إلا من رعاهم أمير أو غني وأنقذهم مما كانوا عليه من فقر وعناء.
وقد أيد رأي ابن خلدون هذا كثير من مفكري هذا العصر فهم اليوم يفرقون بين قوانين الفكر وقوانين الواقع. ويحاولون أن يحددوا لكل من هذين النوعين من القوانين مجاله الذي يصلح له. إن فشل المناطقة القدماء ناتج من كونهم لا يميزون بين حياة الفكر وحياة الواقع وبهذا رأيناهم صعدوا بعقولهم في سماء الفكر بينما كانت أبدانهم تطلب العيش في أرض الواقع. لقد ازدوجت شخصيتهم من جراء ذلك وباءوا بالخسارة في كل مجال.
وضع المناطقة القدماء قوانين ثلاثة سموها بقوانين الفكر واعتبروها نواميس بديهية خالدة لا يمكن أن يتطرق إلى صحتها الشك12. وبدارسة هذه القوانين يتوضح لنا مبلغ ما بينها وبين الواقع من فرق شاسع.
وإلى القارئ قوانين الفكر هذه:
القانون الأول: ويسمى بقانون الذاتية وهو يعبرون عنه بقولهم الشيء هو هو. ويمكن نعت هذا القانون بكونه قانون الحقيقة الثابتة ومؤداه أن الثبات أو السكون أصل الكون، وأن الحركة والصيرورة عرض لا أهمية له فيه. وقد أشار (جون ديوي) إلى أن فلاسفة الأغريق كانوا يعتقدون بأن من شروط الحقيقة أن تكون ثابتة لا تتغير فإذا تغيرت بطلت أن تكون حقيقة وأصبحت وهماً13.
ويبدو أنهم اقتبسوا هذه الفكرة من ملاحظتهم للمادة الجامدة، فهم حين رأوا الكون مملوءاً بها ثم رأوها ساكنة لا حركة فيها تخيلوا أن أصل الكون هو السكون: أما اليوم فقد انقلبت هذه الفكرة رأساً على عقب. حيث قد ثبت في علم الفيزياء مؤخراً، كما أشرنا سابقاً، ان المادة في حركة مستمرة، وان ما نرى في ظاهرها من هدوء وجمود إنما هو من وهم حواسنا.
وقل انتقلت هذه الفكرة من الفيزياء إلى العلوم النفسية والاجتماعية فأصبح مفهوم المجتمع اليوم مفهومًا حركيًا. وكذلك عرفت الشخصية البشرية حديثاً بأنها حركة وتصيّر (Process)14.
لقد كان مفكرو الأزمان القديمة إذا رأوا شيئاً متحركاً سألوا عن سبب حركته. أما مفكرو هذا الزمان فهم على العكس من ذلك لا يسألون إلا إذا رأوا شيئاً ساكناً. ذلك أن الحركة عندهم أصبحت هي الصفة الأساسية في جميع الأشياء. وقد يصح في هذا أن نقول كما قال أبو نوّاس:
تعجبين من سقمي ** صحتي هي العجب
فنحن اليوم لا نعجب من شيء متحرك، إنما نعجب بالأحرى إذا رأينا شيئاً ساكناً. وهذا المفهوم الجديد قد أدى إلى انقلاب في نظرتنا إلى الحياة وفي تكيفنا لها.
فالمفكر القديم قد أخفق في الحياة لأنه يفرض فيها الثبات ويريد منها أن تستجيب لمقولاته المنطقية الساكنة، بينما هي في الواقع متقلبة، إذ هي تتغير من يوم إلى يوم. ولا ينجح فيها إذن إلا ذلك المحنّك الذي يرقب تغيرها بعين ثاقبة وينتهز فرصها المتراكضة انتهازاً عاجلاً. إن المفكر القديم يستعمل أقيسته المنطقية استناداً على ملاحظات سابقة – غير دارٍ بأن الزمن في تغيّر وأن ما صلح أمس قد لا يصلح اليوم أو غداً. وحين يصطدم بالتجربة المرة يرجع إلى نفسه خائباً فيأخذ بذم الناس وسبب الزمن، هذا مع العلم أن لا دخل للناس أو الزمن في فشله. إن فشله آت من سوء تفكيره حيث هو يؤمن بالسكون بينما الحياة في حركة متواصلة.
القانون الثاني: ويسمى بقانون عدم التناقض، وخلاصته أن الشيء لا يمكن أن يكون فاقداً وحائزاً لصفة معينة في آن واحد فالشيء في نظرهم مثلاً: إما أن يكون حقاً أو يكون باطلاً، ولا يجوز أن يكون حقاً وباطلاً في نفس الوقت. وهذا معناه أن الحقيقة مطلقة لا نسبية.
لقد أشرنا في الفصل السابق إلى أن الحقيقة المطلقة غير موجودة في الحياة الاجتماعية. وإن هي وجدت فإن العقل البشري لا يستطيع أن يفهمها لأنه مقيد بقيود نفسية واجتماعية وحضارية. وقد أشار (هيجل) إلى أن التناقض أصيل في طبيعة الكون. فكل شيء في نظر (هيجل) هو وليس هو في آن واحد، وكل فكرة إذن تحتوي على نقيضها في صميم تكوينها15.
وقد أشار ابن خلدون إلى مثل هذه الفكرة التي جاء بها (هيجل) ثم طبقها على تاريخ الأسر المالكة والدول التي حكمت الاسلام وغيره، فكل أسرة في نظر ابن خلدون صالحة في أول أمرها طالحة في الأخير. وليس هناك إذن أسرة صالحة صلاحاً مطلقاً. وقد انتقد ابن خلدون المؤرخين الذين كانوا مبتلين بداء المفاضلة بين الاسر على أساس القيم المطلقة. فهؤلاء المؤرخون في نظره موسوسون خياليون لا يفهمون واقع الحياة الاجتماعية.
وقد وصف ابن خلدون كيف تتحول كل أسرة حاكمة من الصلاح إلى الطلاح وصفاً رائعاً لم يسبقه إليه سابق. فمؤسس الأسرة يكون في العادة صالحاً خيراً، إذ لو لم يكن كذلك لما استطاع في رأي ابن خلدون أن يؤسس ملكاً ويغلب منافسيه عليه16. هذا ولكن ابن المؤسس لا يستطيع أن يكون على منوال أبيه في الصلاح لأنه نشأ مترفاً مدللاً في بيت أبيه يحيط به الخدم والحشم من كل جانب، فيبعده هذا الترف عن طبيعة الخشونة والقوة وبعد النظر الذي اتصف به أبوه. ويأتي الحفيد فيكون أكثر ترفاً ودلالاً، وأقل دهاء وصلاحاً. أما ابن الحفيد فيظهر انحلال الأسرة في عهده عادة حيث قد جعله ترف القصور كالمرأة نعومة وبلاهة وضعفاً17.
نستطيع أن نعتبر ابن خلدون أنه (هيجل) العرب. ففلسفته الاجتماعية تدور في الغالب حول هذا (الديالكتيك) الذي يقوم على التناقض. وهو بهذا قد نسف القانون الذي آمن به المناطقة القدماء وجعلوه نبراسهم الذي يهتدون به في تفكيرهم.
والغريب أن هذا (الديالكتيك) الذي يقول به ابن خلدون لا يقتصر مفعوله على الظواهر الاجتماعية وحدها، فهو كثيراً ما ينطبق على الظواهر النفسية أيضاً.
ولعلنا لا نغالي إذا قلنا بأن كل إنسان يمر في بعض مراحل حياته بدورة نفسية تشبه هذه الدورة الاجتماعية التي وصفها ابن خلدون. ومن المؤسف أن نرى أغلب شبابنا قد خفيت عنهم هذه الحقيقة فانغمسوا في أفكارهم الإطلاقية ونسوا أنهم في تحول تناقضي لا يستطيعون منه خلاصاً إلا نادراً.
فأحدنا مثلاً لا يكاد يلمح حسناء تتغنج أمامه حتى يسرع إلى الحكم المطلق عليها، ويعتبر الزواج منها مصدر السعادة الدائمة والخير الشامل له. وهو ينسى انه حين يتزوج بها قد تطحنه الدورة النفسية فيبدأ بالنظر اليها أخيراً على نقيض ما كان ينظر اليها أولاً.
وأما أكثر الفشل الذي يعانيه شبابنا من جراء احكامهم المتسرعة إذ يبنون عليها اعمالهم ثم يظهر بعدئذ انهم كانوا ينظرون إلى جانب واحد من الأمر ويهملون الجوانب الأخرى.
قال لي أحد هؤلاء الشبان الطائشين وقد كان في فورة غرامية كبرى: إن الفتاة التي يحبها هي خير من على وجه الأرض. ثم سألته بعد زواجه منها فأجاب: إنها شر من عليها. والواقع انها كانت خيراً وشراً معاً ولكن صاحبنا كان ينظر قبل الزواج إلى محاسنها فقط، ثم نظر بعد الزواج إلى مساوئها. فأمسى بذلك كالمؤرخين الذين انتقدهم ابن خلدون، إذ ينطبق عليه وعليهم حكمة الشاعر العربي، حيث قال:
وعين الرضا عن كل عيب كليلة ** كما أن عين السخط تبدي المساويا
القانون الثالث: وهو يسمى بقانون الوسط المرفوع. ويقصدون بذلك أن العالم مؤلف من جانبين أو طرفين لا ثالث لهما: جانب الحق وجانب الباطل، أو جانب الجمال وجانب القبح، أو جانب الخير وجانب الشر.. الخ18 فالشيء إما أن يكون في هذا الجانب أو ذاك، وإذا خرج من جانب دخل حالا في الجانب الآخر. فليس هناك في هذا المنطق بين بين. وقد قال عيسى قديماً «من لم يكن معنا كان ضدنا».
إن هذا على أي حال هو منطق الوعظ ومنطق الصراع بين المذاهب. فأنت إما أن تكون مع الحقيقة أو ضدها. فإذا عزفت عن الحقيقة قليلاً وجب حربك والقضاء عليك.
يقول (شيلر)، الفيلسوف الانكليزي المعروف، في وصف هذا المنطق:
«إن الحقيقة في ضوء المنطق المطلق واحده، والآراء يجب أن تكون متفقة. فأنت إما أن تكون مع الحقيقة أو ضدها. فإذا كنت ضدها فأنت هالك. أما إذا كنت مع الحقيقة فليس لأحد أن يجرأ على مناقضتك. إنك محق عند ذلك إذا غضبت على أولئك الذين يجادلون في الحقيقة. الحقيقة حقيقتك أو هي بالأحرى أنت إذا جردت نفسك من مشاعرك البشرية»19.
لقد نسفت العلوم الحديثة هذا القانون من أساسه. ففي الفيزياء مثلاً وجدوا أن المادة ليست موجودة في مكان معين بالذات، فقد كانوا قديماً يقولون بأن المادة موجودة هنا وغير موجودة هناك. أما اليوم فقد أخذ العلماء يعتقدون بأن المادة لا حد لوجودها في الفضاء.
فهذا القلم الذي أمسكه بيدي الآن مثلاً موجود في كل مكان فما دام هو مؤلفاً من طاقة كهربائية، كما أبانت ذلك أبحاث الذرة الأخيرة، فمجاله الكهربائي المغناطيسي إذن يشمل الكون كله20. فنحن حين نحس بوجود القلم بين أصابعنا انما نتأثر بوهم حواسنا المحدودة. إن مجال القلم موجود هنا وهناك. بدرجات متفاوتة؛ فكلما ابتعدنا عنه كان تأثيره الكهربائي المغناطيسي أقل طبعاً. ولكن هذا لا يعني أنه غير موجود في مراكش، مثلاً، في نفس الوقت الذي هو موجود بين أصابعي وأنا أكتب هذه السطور.
إن حواسنا قد ركبت بحيث لا تشعر بتأثير المادة إلا في داخل حدود معينة. فالقلم الموجود بين أصابعي هنا لا يشعر أحد بوجوده في مراكش لأن مجاله الكهربائي المغناطيسي هناك ضعيف جداً لا تستطيع الحواس الخمس المعروفة أن تدركه21.
تسمى هذه النظرية في الفيزياء الحديثة بنظرية المجال، وهي كما لا يخفى مناقضة لقانون الوسط المرفوع. إذ هي لا تجيز تصنيف الأمور إلى حدين منفصلين. إن الوجود حسب هذه النظرية ممتد لا انفصال فيه، والاختلاف إذن بين وجود وآخر هو اختلاف بالدرجة لا بالنوع.
وقد أثرت هذه النظرية في علم النفس والاجتماع وقلبت الآراء فيهما رأساً على عقب.
فنحن عادة نصنف الناس إلى مجانين وعقلاء مثلاً ونتصور وجود حد فاصل بين هذين النوعين من الناس. أما في علم النفس فلا وجود لهذا الحد الفاصل. فكل انسان في رأي هذا العلم مجنون إلى درجة ما. والفرق الاعتباري بين المجنون والعاقل ناتج من اختلاف درجة الجنون بينهما شدة وضعفاً. وإننا حين ندرس عقلية الناس في الواقع لا نرى فيها فرقاً نوعياً. فمن الممكن وضع أفراد الناس جميعاً على مدرج متصل، وهو ما يسمى في الاصطلاح العلمي بالمستمر (Continuum). فكثير ممن نحسبهم عقلاء لا يختلفون عن المجانين إلا بفرق بسيط. وربما كانوا هم في الحقيقة مجانين لكن المجتمع قد استثناهم من وصمة الجنون لما هم عليه من غنى أو منزلة أو منصب أو عشيرة تسندهم. ولعل بعض من يحسبهم مجانين كانوا أصح عقلاً منهم، لكن المجتمع قد احتقرهم لفقرهم أو دمامتهم أو عاهتهم فأسرع إلى وصمهم بوصمة الجنون22.
إن الناس ميالون بطبيعتهم إلى التصنيف الثنائي. وهم بذلك قد اصطنعوا حداً فاصلاً يفصل بين الأفراد من ناحية العقل أو الخلق أو المنزلة أو ما أشبه. هذا بينما الافراد في الواقع متفاوتين تفاوتاً تدريجياً لا يقبل التصنيف الثنائي.
***
يتضح مما سلف أن قوانين الفكر التي يجري عليها المناطقة في تفكيرهم لا تطابق قوانين الواقع الذي يعيشون فيه، وهذا أدى كما ذكرنا، إلى ابتلائهم بداء ازدواج الشخصية.
فتراهم قد اعتادوا على أن يتجادلوا ويكتبوا ويخطبوا حسب منطق أرسطو. فإذا دخلوا معترك الحياة يطلبون الرزق أو المنصب أو الجاه وجدتهم قد نسوا ذلك المنطق وانجرفوا مع الواقع ينهلون منه نهلاً.
وهم قد أصبحوا لهذا أصحاب شخصيتين: يتقمصون احداهما عندما يفكرون، ويتقمصون الأخرى عندما يعملون. ولهذا غفلوا عن المفارقات والنقائض التي يأتون بها في هذا السبيل. لقد اعتادوا على ذلك منذ أيام طفولتهم فأصبحوا مزدوجين من حيث لا يشعرون23. ومما يؤسف له أن نجد التفكير الديني أصبح مزدوجاً أيضاً، وذلك من جراء امتزاجه بالمنطق القديم واستناده في كثير من أموره على قوانين الفكر العاجية. فترى رجل الدين مثلاً لا ينكر على الأغنياء أو رجال الدولة حين يظلمون الناس من جهة ثم يشيدون المساجد من الجهة الأخرى. وكأنه يحسب ذلك منهم أمراً طبيعياً لا ضير فيه.
وقد أخبرنا التاريخ عن كثير من الخلفاء والأمراء انهم كانوا ينفقون أموال الأمة على شراء الجواري وبناء القصور الباذخة، حتى إذا جاءهم الواعظ يذكرهم بعذاب الله اغرورقت أعينهم بالدموع وأكثروا من الصوم والصلاة...
لقد أمست هذه عادة فيهم بحيث لا يشعرون فيها بالفرق الكبير بين ما يأتون به ليلاً مع الندامى والمطربين وما يأتون به نهاراً مع الفقهاء ورجال الدين. ورجال الدين بدورهم يمجدون هذا الازدواج في أسيادهم فهم يباركون لهم قصورهم وجواريهم ويعدونهم بقصور وجواري أكثر في حياتهم الأخرى. أما البؤساء الذين سلبهم أولئك الأمراء أموالهم ووسائل عيشهم.. فلهم الويل والثبور في الدنيا والآخرة.
ولا تزال بقية من هذا الازدواج باقية في رجال الدين في هذا العصر. فهم يحترمون الظالمين فعلاً ثم يذمون أعمالهم على المنابر. وكثيراً ما وجدناهم ينصحون الناس بأن لا ينجرفوا بتيار المدنية الحديثة ولكنهم يتركون أبناءهم ونساءهم ينجرفون بها. وترى أحدهم يخطب متحمساً في ذم المدرسة أو السينما أو السفور، وبعد حين نراه قد انغمس في هذه الأمور التي ذمها من قبل.
يروى أن بقالاً أدخل ابنه ذات يوم إلى المدرسة فجاءه الفقيه يردعه ويعظه... فأخرج المسكين ابنه من المدرسة. ولكنه وجد بعد مدة أن ولد الفقيه دخل فيها ثم تخرج منها وأصبح موظفاً في الحكومة يأمر وينهي.
وعندما فتحت مدرسة البنات، عزم البقال أن يدخل ابنته فيها، فجاء الفقيه يعظه أيضاً. ولكن البقال أجابه هذه المرة وهو متبرم:
«حاول أن تخدع غيري في هذه المرة يا سيدي الشيخ».
مما يجدر ذكره هنا بأن الفقيه لم يكن يقصد خداع هذا الرجل. فهو قد كان مخلصاً في وعظه في المرة الأولى والثانية. إنه لم يكن مخادعاً – بل كان مزدوجاً. فهو حين منع البقال من ادخال ابنه في المدرسة كان جاداً في قوله إذ هو لم يكن يدري بأنه هو نفسه سيدخل ابنه فيها بعد حين. وهذه مشكلة نفسية قد غفل كثير منا عن فهمها فهماً صحيحاً.
إن الذي يفكر تفكيراً أرسطوطاليسياً، سواء أكان من رجال الدين أو من غيرهم، قد يحكم في الأمور استناداً على أقيسته المنطقية التي آمن بها ايماناً قوياً. هذا ولكن الأمور تسير، كما أسلفنا، حسب قوانين مناقضة لهذه الأقيسة. والمفكر مضطر أحياناً على أن يسايرها لأنه يريد أن يعيش. فهو إذن يحكم ضدها أولاً ثم ينجرف معها أخيراً. ولذا تراه يظهر بمظهر المخادع بينما هو في الواقع لم يقصد الخداع ولم يرده إنما هو الازدواج24 قد دفعه إلى ذلك دفعاً غير مقصود.
على هذا المنوال حارب رجال الدين الزي الحديث من الملابس وحاربوا سفور المرأة. وكثير من أولئك الذين حرموا الملابس الحديثة رأيناهم بعد ذلك قد ارتدوها أو سمحوا على الأقل لأولادهم أن يرتدوها. فهنا يتضح بجلاء كيف انهم يفكرون بأسلوب ويعملون بأسلوب آخر.
انهم يفكرون حسب منطق الحقيقة الثابتة، هذا ولكن الحياة متقلبة متطورة. فالملابس والأزياء لا تبقى على حالها أبداً. وقد يحرم رجال الدين الملابس التي كان يرتديها النبي وأصحابه إذا لبسها أحد الناس في هذه الأيام وخرج بها إلى الشارع فجأة.
ولقد جاءتنا الأزياء الغربية فقلدناها طبعاً لأنها أزياء الغالب القوي. وكل محاولة ضدها فاشلة حتماً لأنها كمحاولة الوقوف في وجه التيار الجارف. فرجال الدين ينكرونها اليوم وسيرتدونها غداً... ثم ينكرون ما يخالفها بعد غد.
إننا نحتاج إلى منطق جديد يطابق نواميس الحياة الواقعية. وبهذا المنطق ننجوا من هذا الازدواج العجيب في شخصياتنا أوعقولنا.
***
إن المبتلى بمنطق أرسطو يؤذي نفسه ويعرقل سبيل نجاحه من نواح ثلاث:
(1) يكون أولاً كثير الأعداء قليل الأصدقاء. فالمبتلى بهذا المنطق يكون في العادة ميالاً إلى الجدل شديد الوطأة فيه. إنه قد اعتاد، كما قلنا آنفاً، على النظر في الحقيقة نظراً ضيقاً، وهو لا يكاد يلمح في أحد من الناس تناقضاً بسيطاً في القول أو العمل حتى تراه قد انهال عليه نقداً ولمزاً واعتداءً على طريقته القياسية ذات الحدين.
إنه ينسى بأن التناقض صفة أصيلة في طبيعة الانسان، وانه هو نفسه مبتل بهذا الداء الذي ينتقد غيره عليه. وهو ينسى أيضاً بأن الجدل غير مجد في أغلب الأحيان وانه لن يصل إلى نتيجة مرضية فيه مهما كانت الأدلة المنطقية التي يأتي بها قوية ومفحمة.
وهو قد يحسب بأن من العار عليه أن يغلبه أحد في الجدل، ولذا تراه يواصل جداله في الحق والباطل إلى أبعد مدى. انه يقع في ذلك بين أمرين: إما أن يغلب خصمه فيجعله عدواً لدوداً له أو ينغلب أمامه فتصيبه مرارة الخيبة.
والواقع أن يكون المرء مغلوباً في الجدل خير من أن يكون غالباً. فليس ثمة انتصار حقيقي في الجدل المنطقي. وكل انتصار في الظاهر هو اخفاق في الباطن، إذ هو يؤجج نار الحقد والضغينة في قلب المغلوب.
وأرجو من القارئ أن لا ينخدع بما يتحذلق به المتحذلقون من انهم يحبون الحقيقة ويريدون الوصول إليها بأي ثمن. إن هذا هراء ما بعده هراء. إن الانسان حيوان وابن حيوان وذو نسب في الحيوانات عريق. فهو يود من صميم قلبه أن يكون غالباً ويكره أن يكون مغلوباً على أي حال. إن الغلبة هي رمز البقاء في معركة الحياة. ومن النادر أن نجد انساناً يلذ له أن يصل إلى الحقيقة وهو مغلوب أو مهان أو خاسر. إن إرادة الحياة، كما قال (شوبنهور)، هي الغرض الأول في سلوك الانسان، وما طلب الحقيقة في الغالب إلا عرض ثانوي قد يتلبّس بالخداع أحياناً.
فإذا غلبت أحداً بجدل منطقي ظننت أنك قد ارشدته إلى الحقيقة وما دريت أنك قد دفعته إلى الضلال دفعاً – ذلك أنه قد أضمر الحقد عليك وأمست كراهته لك كامنة في عقله الباطن تتحين الفرص للوقيعة بك في كل سبيل.
ينتشر بين طبقة التجار في الغرب مثل معروف مؤداه: «أن الزبون على حق دائماً»، والتاجر هناك لا يحب أن يتجادل أو يتشاجر مع زبائنه في شيء. فكل ما يقول الزبائن هو حق. وكثيراً ما يخسر التاجر في سبيل ارضاء الزبون في الحق والباطل. ولكنه يجد في الأخير انه رابح على كل حال.
هذا ولكن بعض تجارنا الذين قد تأثروا بمنطق ارسطو في بيئاتهم الشرقية المتزمتة يميلون إلى مجادلة الزبائن. وطالما رأينا في اسواق بغداد وغيرها من مدن الشرق شجاراً قائماً بين زبون وأحد أصحاب الدكاكين. فإذا جئت تستطلع الخبر وجدت صاحب الدكان شغوفاً بطلب الحقيقة وهو يشتم الزبون لأنه في زعمه يطلب الباطل – قبحه الله.
والملاحظ في الأسواق انه كلما كان التاجر بعيداً عن الجدال المنطقي كان اكثر زبائناً واعظم نجاحاً في عمله. فالتاجر الذي يطالب بالحقيقة من زبائنه يفقد حقيقة تجارته ويبوء بالفشل الذريع.
(2) والمبتلى بداء الجدل المنطقي قد يؤذي نفسه من ناحية أخرى فهو يتصور الناس كلهم منطقيين في اعمالهم، ويفترض فيهم أنهم يسيرون على ما يقتضيه القياس الارسطوطاليسي. فإذا رآهم يسيرون على نقيض ما تصور، صرخ غاضباً وأخذ يخطب ويعظ وينذر الناس بالويل والثبور.
إن الناس في حياتهم العملية بعيدون عن المنطق. فهم لا يتبعون مقياس الحق والعدل في أعمالهم اليومية، وإنما تجرفهم في ذلك البهارج والاندفاعات والتقاليد والمظاهر.
فرب تاجر يجني اعظم الارباح وهو يبيع نفس البضاعة التي يبيعها تاجر آخر سيء حظه. فإذا حققت في أسباب هذا الفرق الشاسع بينهما لربما وجدت أن الأول يملك وجهاً صبوحاً أو ابتسامة حلوة أو غمزة خلابة في عينه أو هزة خفيفة في كتفيه؛ بينما نجد الثاني كبير الفم مشوه الاسنان، وهو كلما ابتسم ليجذب إليه الزبائن ابتعدوا عنه.
إن هذا التاجر البائس كثيراً ما يسأل نفسه عن أسباب نفرة الناس منه واقبالهم على زميله. فلا يجد جواباً مقنعاً. فهو حين يبتسم في المرآة يتصور أن ابتسامته خلابة وغمز عينه جميل، ذلك لأن كل انسان تقريباً منغمر في ذاته لا يستطيع أن يقدّر نفسه تقديراً موضوعياً صحيحاً كما يقدره الغير. وهو قد يلجأ لتعليل فشله في التجارة إلى القياس المنطقي والبرهان العقلي. فينسب إلى الناس، مثلاً، طبيعة النفرة من أهل النزاهة والصلاح والميل إلى الأدنياء والغشاشين. وهو بهذا يحاول أن يستر عوامل فشله الحقيقية. فينزوي عن الناس ويعتقد بأن الدنيا لا تصلح لأمثاله من الصلحاء واهل الخير.
إن القياس المنطقي كثيراً ما يؤدي بصاحبه إلى القيام بمشاريع لا يصلح لها ولا تصلح له. فهو قد يلاحظ شخصاً ناجحاً في مشروع تجاري أو صناعي معين، فيلجأ إلى قياسه المنطقي المعتاد ويقول:
إن فلان نجح في هذا المشروع
ولما كنت أنا أصلح من فلان
فاني سوف انجح فيه حتما
إن هذا القياس صحيح ومقنع منطقياً، ولكن حياة الواقع للأسف تسير على منوال يختلف عن هذا المنوال المنطقي، فالنجاح مشروع له أسبابه المتعددة والمعقدة. والحياة عادة لا ترضخ للتصنيف الثنائي كما ذكرنا. فالمقارنة بين شخصين من أجل القيام بمشروع تصح إذا اكتفينا فيها بذكر أن أحدهما أصلح من الآخر. وقد يكون هذا الصلاح الذي نقصده في المقارنة بينهما هو سبب الفشل، لا النجاح، في المشروع. فقد يكون أحدهما أذكى من الآخر أو أسمى خلقاً، ولكن ذكاءه هذا أو سمو خلقه ربما كانا من أسباب فشله في السوق، حيث يجعلانه أرفع مما يستطيع أن يفهم مجريات السوق ونواميس الواقع؛ وبهذا فهو يشغل ذهنه بأمور لا تلائم طبيعة الناس ولا تتماشى معها، وفي هذا يكون الفشل الذريع.
(3) والتفكير المنطقي يؤدي إلى الفشل من ناحية ثالثة: إذ هو يحول بين الفرد وبين استثماره لقواه النفسية الخارقة.
إن القوى النفسية تنبثق من اعماق اللاشعور انبثاقاً آتياً مباغتاً، فهي لا تحتاج إلى مقدمات فكرية أو قياسات منطقية. انها بالأحرى تحتاج إلى خمول أو ذهول لا تكدره أية خلجة فكرية واعية.
والمبتلى بالتفكير المنطقي لا يقوم بعمل إلا بعد تفكير نظامي دقيق. وهو حين ينشغل بهذا تفوته كثير من فوائد الالهام الآني الذي يخترق حجب الغيب.
ونحن بهذا لا ننكر فائدة التفكير المنطقي في أمور كثيرة. هذا ولكننا نريد أن نلفت النظر إلى ضرره أيضاً في أمور أخرى. فالتاجر ظاهر لا يفكر حين يساوم عميلاً على صفقة تجارية. انه يجري على بديهته وكثيراً ما يرفض أو يقبل أمراً من غير سبب منطقي ظاهر، فهو بذلك يستلهم اللاشعور ويجري حسب حوافزه وحوادسه المبدعة.
ومن الأمثال المشهورة في الأسواق التجارية: «يجب على من يدخل السوق أن يضع عقله على الرف». وهذا قول فيه قسط من الصواب لا يستهان به. فالذي يجري في معاملاته التجارية على أساس المنطق الارسطوطاليسي سوف يأتي عليه يوم يترك فيه السوق غير مأسوف عليه. والأحرى به عند ذلك أن يرقى المنبر فيمسي من الواعظين أو المشاغبين.
كان نابليون يقول: بأنه لا يفكر في الخروج من مأزق قبل الدخول فيه. فهو يجازف أولاً ثم ينظر ماذا يستطيع أن يفعل بعد أن تحيق به المشاكل وتتوالى عليه المخاطر. فهو قبل دخوله في المشكلة لا يعرف حقيقتها على الوجه الصحيح ولكنه حين يجابهها مجابهة فعلية يتفتق ذهنه عن حل موفق لها. وبعبارة أخرى: انه يدخل في المأزق أولاً ثم يستلهم من بعد ذلك حوافزه اللاشعورية ويسير حسب ما توحيه اليه.
إن المبتلى بمنطق أرسطو لا يوافق على هذا الرأي. فهو يدرس كل أمر قبل الدخول فيه ويأخذ باستعمال قياسه المنطقي وتصنيفه الثنائي مرة بعد أخرى. وهو لا يكاد ينتهي من تفكيره الدقيق هذا حتى يرى المجازفين قد سبقوه وفازوا بالغنيمة تاركين إياه خلفهم يسترجع ويحوقل، وينشد قصيدة رنانة في ذم الدنيا.. بصوت حزين.
كتب (وليم مارستون) في أحد فصول كتابه الرائج «امض قدماً» ما يلي:
«... إن الأغلب فيمن أصابوا نجاحاً كبيراً... كان الفضل في ذلك راجعاً إلى المبادرة إلى العمل بما يهيب بهم من نفوسهم. وأكثرنا يخنق فعلاً من الحوافز الطيبة في يوم واحد ما يكفي لتغيير مجرى حياتنا. وهذه الومضات الباطنة من الحوافز، تضيء العقل هنيهة ثم تخبو، ونقنع منها بوميض ضوئها الغارب، ونكر راجعين إلى مألوفنا، وفي نفوسنا إحساس غامض بأننا قد نصنع يوماً ما شيئاً في هذا الأمر، أو أن نياتنا كانت على الأقل طيبة. غير أننا نجني على ذاتنا الباطنة، لأن الدوافع تقيم خطوط الاتصال بين العقل الباطن والعمل اليومي»25. إن الحوافز اللاشعورية التي دعاها (مارستون) بالومضات ترشد الانسان في حياته اليومية بما لا يستطيع أي تفكير منطقي أن يفعله مهما كان منظماً ودقيقاً.
إن التراث العقيم الذي جاءنا من أيام اليونان القدماء علمنا بأن التفكير المنظم هو مصدر النجاح في الحياة. وقد حصلنا من هذا التراث على ضرر بليغ.
قلت لأحد الأصدقاء ذات يوم وقد كان في موقف حرج حائراً لا يدري ماذا يفعل: «افعل ما توحيه به اليك بديهتك الارتجالية». فضحك الصديق وظن أني أريد به سوءاً. إنه ضحية من ضحايا المنطق اليوناني، كما كان كثير منا من ضحايا الطب اليوناني حتى عهد قريب. وبعد هذا أجاب الصديق: «إنه سيفعل ما يأمر به العقل والتفكير الصحيح». وعلى هذا ظل يفكر ويفكر ولم يزداد بتفكيره إلا حيرة وارتباكاً.
إنه منع بتفكيره ومضاته المبدعة من الانبثاق، كما تمنع الستارة نور الشمس. وهو كلما اتخذ له منهجاً وبدأ به ظهرت له حسنات منهج آخر فمال اليه. وتراه متردداً لا يكاد يستقر على رأي حتى تضيع عليه الفرصة.
إن عيب التفكير المنطقي إنه يعتمد على مقدمات مألوفة ومعلومات سابقة. ولذا فهو لا يستطيع أن يستشف ما وراء الزمان والمكان من حوادث جديدة. أما حوافز النفس الآنية فهي تنبثق من اغوار العقل الباطن. والعقل الباطن، كما سيأتي، جوهر غير محدود بحدود الزمان والمكان وله قدرة على رؤية الغيب والاطلاع على ما وراء الحجب والمسافات26.
فالتاجر الذي يعقد صفقاته التجارية وهو يجري على بديهته وهدوء باله انجح من ذلك الذي يفكر في كل حركة يقوم بها. فالأول مسترسل في شبه ذهول أو غيبوبة وهو يكون بهذا مطلعاً اطلاعاً لا شعورياً على اسعار الاسواق البعيدة والاسعار المقبلة، ويسير في اعماله على ضوئها من حيث لا يدري. أما الثاني فقد منعه تفكيره عن استشفاف وقائع الغيب، وظل حائراً متردداً.
إن حوافز اللاشعور قد تخطئ احياناً، فليس هناك مرشد في الوجود لا يخطئ بتاتاً. فلقد ذهب زمان الحقائق المطلقة وحل محله زمان المعدلات والاحتمالات.
إن حوافز اللاشعور تخطئ وتصيب ولكن صوابها أكثر من خطأها في معظم الأحوال. والمتبع لها قد يخفق مرة وينجح أخرى، ولكنه في نهاية المطاف سوف يصل إلى ما يريد.
انظر إلى لاعب التنس البارع في لعبه وتأمل في حركاته كيف يتوجه نحو الكرة المقذوفة وكيف يتلقاها وكيف يضربها وكيف يغير مكانه مرة بعد مرة – إذ هو منغمر في لعبه لا يكاد يشعر بما حوله من الناس والأشياء.
فلو أن هذا اللاعب كان من اتباع ارسطو، لا سمح الله، واخذ يفكر أثناء اللعب تفكيراً منطقياً حيث لا يقوم بحركة إلا بعد تأمل عميق، فانه بلا شك سيكون في حضيرة المارستان بعد زمن قصير أو طويل.
إن اللاعب الحاذق ينسى نفسه اثناء اللعب ويصبح هو والكرة كأنهما شيء واحد. فتراه يحس باتجاه الكرة قبل انقذافها في الهواء وإذا به في المكان الذي يجب أن يكون فيه. فإذا سألته: كيف يفعل ذلك؟ عجز عن الجواب. فهو يندفع في حركاته الآنية بدوافع لا يعرف هو نفسه مأتاها...
وقل مثل هذا عن البارع في كل مهنة أو هواية أو فن أو علم فهو ينذهل عن نفسه ساعة الابداع. وتراه واقفاً بجانبك وهو في الحقيقة في عالم آخر.
أعرف محامياً قد ابتلى بداء الجدل المنطقي، فهو لا يراجع موظفاً أو يواجه حاكماً حتى يأخذ بالتحذلق والتفاقه على طريقة ارسطوطاليس. ثم ينتهي أخيراً إلى ملله وملل السامع. انه مخفق في كل خطوة يخطوها تقريباً. فالمحامي الناجح هو الذي يسير في مرافعاته على رسله وارتجاله الطبيعي. انه بذلك يقرأ فكر الحاكم من حيث لا يشعر ويوحي إليه بما يشاء عن طريق غير مباشر.
***
يقال إن بعض الخطباء البارعين كانوا إذا وقفوا للخطابة ينسون أنفسهم، ويأخذ العرق بالتصبب منهم – حتى في برد الشتاء27. وقد سئل أحد هؤلاء الخطباء مرة عن سر براعته الخطابية، فأجاب: إنه حين يرقى منصة الخطابة لا يدري ماذا سيقول. فهو يصبح في تلك الساعة شبيهاً بآلة المذياع التي تتلقى امواج محطة من محطات الاذاعة. إنه آنذاك يدخل في شبه ذهول أو غيبوبة ولعله بهذه الطريقة يجعل ذهنه صافياً مستعداً لتلقي الأمواج النفسية من الحاضرين ويستجيب لها على بديهته التي لا يعتريها التكلف والتصنع.
إن الخطابة الارتجالية أو المحاضرة أو المناظرة أو ما أشبه تحتاج إلى استلهام اللاشعور اكثر مما تحتاج إلى أي شيء آخر. وطالما أدى الاستعداد والتحضير في مثل هذه الأمور إلى التكلف والخيبة. والخطيب البارع قد يستعد قبل إلقاء خطبته وقد يجمع له بعض المعلومات يكتبها في ورقة صغيرة، ولكنه حين يقف موقف الخطابة لا يتقيد بشيء مما فكر به أو استعد له. إنه قد يلجأ إلى ما أعد في ورقته من معلومات موجزة حين يرتج عليه اثناء الخطابة. فذهن الخطيب قد يقف فجأة عن العمل كما يقف المذياع. وهو محتاج في مثل هذه الآونة الحرجة إلى وسيلة يتراجع بها ويتملص.
ومن المؤسف أن نرى بعض الناس يحاولون الخطابة في كل مكان، ويحشرون أنفسهم في كل حفلة. إنهم يظنون أن البراعة الخطابية صناعة منطقية يستطيع حذقها أي فرد يجري في كلامه على أسس التفكير الصحيح. فهم يشاهدون الخطيب البارع فيحاولون تقليده على اعتبار أن الفكرة التي تعجب السامعين مرة سوف تعجبهم مرة أخرى، وما ادركوا سر ذلك التجاوب اللاشعوري الذي يحدث في موقف من المواقف الخطابية بين الخطيب البارع ونفوس سامعيه. فالفكرة يقولها الخطيب لما فيها من صلة نفسية اكثر مما فيها من معنى منطقي. وما يقال في موقف قد لا يستحسن أن يقال في موقف آخر مهما كان التشابه الشكلي بين الموقفين كبيراً.
يروى أن عنترة العبسي الذي كان مشهوراً ببطولته في أيام الجاهلية قيل له ذات يوم: «أنت أشجع العرب وأشدهم بطشاً». اجابهم: «لا». فقيل له: «كيف شاع لك هذا الاسم بين الناس إذن؟» فقال: «إنه نال هذه الشهرة لاتباعه في القتال ثلاث قواعد لا يحيد عنها:
أولاً: انه يقدم إذا رأى الاقدام عزماً، ويحجم إذا رأى الاحجام حزماً.
ثانياً: إنه لا يدخل مدخلاً إلا إذا رأى منه مخرجاً.
ثالثاً: انه يهجم على الضعيف أولاً فيضربه ضربة يهلع لها قلب الشجاع ثم يرجع إلى الشجاع فيضربه»28 والحق ان هذه القواعد الثلاث التي تنسب إلى عنترة، صدقاً أو كذباً، جديرة بأن يتبعها كل خطيب أو مناظر أو محاضر أو غيرهم من ارباب فن الكلام.
فالخطيب يجب أن لا يحشر نفسه في كل محفل أو يطلق صوته الجهوري في كل مناسبة وغير مناسبة. فمن الجدير به أن يكون مثل عنترة: «يقدم إذا رأى الاقدام عزماً ويحجم إذا رأى الاحجام حزماً».
وينبغي أن يكون رائده في ذلك الحوافز التي تنبعث من اغوار عقله الباطن. إن التفكير المنطقي في مثل هذه الحالة يؤدي به إلى الوقوف موقف الرقاعة والتطفل وقد يصبح مكروهاً باذن الله.
وكذلك يجدر بالخطيب أن لا يدخل مدخلاً إلا إذا هيأ له منه مخرجاً. فهو قد يرتج عليه اثناء الخطابة، ويمسي في موقف حرج جداً يقلب نظره في الناس من غير أن يستطيع التفوه بشيء. ويمسي بذلك كالفأر الذي بلغ زئبقاً. إن الحاذق هو من يهيّئ لنفسه قبل إلقاء الخطابة فكرة معينة أو رؤوس اقلام يلجأ اليها عند الحاجة فتكون له بمثابة خط الرجعة الذي يتراجع إليه المحارب اثناء الهزيمة.
ويجدر بالخطيب أيضاً أن يطرق أول فكرة تخطر بباله. إن ما يلجأ إليه المناطقة عادة من تصنيف الأفكار وتنسيقها، بحيث يطرقونها واحدة بعد الأخرى على نمط يهيؤنه مقدماً، يؤدي غالباً إلى إضعاف موقف الخطيب ومنعه من استثمار حوافزه المبدعة.
لقد كان عنترة في منازلته للابطال يضرب الضعيف منهم أولاً فيستلين له القوى بعد ذلك. والأفكار كالابطال تحتاج إلى مناورة مماثلة. فهي تبدو صعبة في أول الأمر ولكنك لا تكاد تتناول منها واحدة حتى تستلين بين يديك بقية الافكار تدريجاً.
والكاتب يحتاج إلى مثل هذه المناورة أيضاً في معالجته للكتابة.
ومن المخجل حقاً أن نجد معلمي اللغة العربية في مدارسنا يدربون تلامذتهم في فن الانشاء والكتابة تدريباً مغلوطاً، فهم يعلمون التلاميذ كيف يراعون التسلسل المنطقي في كتاباتهم ويهملون أثر الحوافز اللاشعورية فيها، فتراهم يضعون لانشاء المقالة نموذجاً قياسياً متكالفاً يبدأ بالديباجة وينتهي بالخاتمة، من غير أن يلفتوا أنظار التلاميذ إلى أهمية وحي الخاطر الذي لا يستسيغ ديباجة ولا خاتمة، ولا ينصاع لقياس ولا تسلسل.
يقول الخبراء في فن الكتابة الحديثة: اكتب أول خاطر يطرأ على ذهنك، ولا تطوّل فيما تكتب، فانك ستجد بعد لحظة أن قلمك قد انساب في الموضوع انسياباً عجيباً حيث تكتب بلباقة لا عهد لك بها من قبل.
إن الاهتمام بالتصنيف المصطنع والتسلسل المنطقي وترتيب الديباجة والخاتمة يعتبر بمثابة الأحجار التي توضع في طريق التيار فتعرقل سيره. ينبغي أن ينتبه المنشيء إلى الحقيقة الكبرى في فن الكتابة: وهي أن الابداع فيها يأتي عفو الخاطر – أي نتيجة الانبثاق اللاشعوري. وكل شيء يعرقل عفو الخاطر يؤدي بدوره إلى قلة الابداع.
إن طريق الابداع في الكتابة يحتاج إلى مراحل ثلاث:
(1) المرحلة الأولى هي في البحث الواعي والتنقيب وجمع المعلومات وتصنيفها. إن هذه المرحلة لا تكفي وحدها للابداع إنما هي ضرورية أحياناً. يجب أن يملأ أولاً بالمحتويات المتنوعة. فتكون هذه المحتويات بمثابة المواد الخام التي يصنع منها البضاعة النهائية.
يقول المازني: إن الكاتب كسيارة الرش، لا بد أن يقرأ لكي يكتب. وهذا قول صحيح إلى حد بعيد. ويا ويل القراء من أولئك الكتاب الذين لا يقرأون. فالكاتب الذي لا يجمع المعلومات ويخزنها في عقله الباطن يكون بمثابة القربة المنفوخة: ينتظر الضمآن منها الماء فتدفع في وجهه الهواء مع الأسف.
(2) المرحلة الثانية هي مرحلة الانبثاق اللاشعوري. فالكاتب بعد أن يخزن المعلومات في عقله الباطن ويتركها هناك لكي تختمر وتتلاقح يجد نفسه مدفوعاً بدافع لا يدري كنهه إلى الكتابة. فهو يريد أن يكتب ولو لقي في سبيل ذلك حتفه. إنه يصبح عبداً لحوافزه اللاشعورية لا يجد مناصاً من الانصياع اليها ويكون قلمه آنذاك هو السيد المطاع فهو يجري معه أنى جرى.
(3) المرحلة الثالثة: هي مرحلة التنسيق والتزويق والحذلقة المنطقية. إن ساعة الالهام كثيراً ما تكون مستبدة بحيث لا تدع لصاحبها مجالاً أن يفكر بما تقتضيه مألوفات الناس وما يستسيغه منطقهم ففي المرحلة النهائية يجب على الكاتب أن يراجع ما كتب في ساعة الالهام فيشطب منه قسماً ويزوّق القسم الآخر. وهو في هذه المرحلة يخرج من عالم اللاشعور إلى عالم الشعور... فيكون اجتماعياً بعدما كان عبقرياً...

الفصل الثالث: الإرادة والنجاح
انصبت آراء معظم المفكرين، منذ عهد بعيد، على تمجيد الارادة وتبيان ما تلعب من دور هام في سبيل النجاح. فكل مخفق كانوا ينسبون له ضعف الارادة وقلة السعي وينصحون له، لكي ينال نصيباً من النجاح، أن يعزم على الجد وأن يقوي إرادته فيه.
وقد امتلأت الكتب العربية، قديمها وحديثها، بهذه الفكرة. فأينما ذهبت رأيت من ينصحك على المنوال التالي: النجاح بالمثابرة، كل من سار على الدرب وصل، الجد في الجد والحرمان في الكسل، من طلب جلب ومن جال نال... إلى غير ذلك من أقاويل سلطانية اخترعها لنا المغرورون وأصحاب العبيد.
وقد رأينا في العراق، في بدء حياته السياسية الجديدة، اكواماً من هذه الحكم والنصائح الفارغة. وقد امتلأت كتب المدارس ونصائح المعلمين بها إلى درجة تسبب الصداع. فاخواننا الذين ساعدهم الوضع الشاذ أو الصدفة على نوال المناصب العالية أخذوا ينظرون إلى من حولهم من البؤساء والمساكين بعين الكبرياء ويتبجحون عليهم بأنهم إنما وصلوا إلى مناصبهم تلك بسعيهم وقوة ارادتهم.
وكثير منهم قد ثاروا في الحرب العالمية الأولى على الدولة العثمانية، وانحازوا إلى صفوف أعدائها. وكان من حسن حظهم أن تلك الدولة قد خرجت من الحرب مغلوبة، فصعدوا هم من جراء ذلك إلى مناصب لم يكونوا يحلمون بها. وظلوا في معظم أوقاتهم يتحدثون عن كفاحهم الماضي ومساعيهم السالفة، ثم يهتفون بملء أفواههم: هذه هي نتيجة العمل والدأب والمثابرة!.. فلو أن تلك الحرب العالمية كانت قد انتهت على عكس ما انتهت إليه فعلاً، وهذا أمر ليس لهم يد فيه، لكان مصيرهم كمصير الخونة أو العصاة المنشقين على الدولة «العلية».
وكثير من الأفراد الذين أتيح لهم من الفرصة أو الثروة أو الوساطة القوية ما جعلهم ينالون من الحظ ما لم ينله أقرانهم أخذوا يتباهون ويتكبرون على الناس كأنهم قد نالوا ما نالوا بمحض السعي والصبر والإرادة – ناسين أثر تلك الظروف السعيدة التي أحاطت بهم منذ نشأتهم الأولى فوضعت أسماءهم في قائمة المترفين والمدللين.. في هذا البلد الامين.
يقول بعض أولي الحظوظ ممن ساعدته الظروف على الدخول في المدارس والنجاح فيها: إنهم جدوا ودرسوا ثم نالوا أخيراً ما يستحقون جزاء ما كانوا عليه من صبر وإرادة. وقد نسي هؤلاء بأن ذلك المسكين الذي يكدح في أيام الصيف من شروق الشمس إلى غروبها يحمل على ظهره التراب والأجر، هو أكثر منهم صبراً وأقوى إرادة. وقد رأيت ذات مرة صبياناً يعملون في بناء دار. وهم يساقون بالعصا إلى العمل المضني تحت وهج الشمس. فهؤلاء لم يستطيعوا لفقرهم أن يدخلوا المدارس كما دخلها أخواننا المدللون. وليس لارادتهم شأن في هذا المصير المؤلم الذي أناخ بهم. إنهم ضحايا ظروف ولدوا فيها1.
إن كل ناجح يصيبه الغرور قليلاً أو كثيراً، ولذا تراه يعزو نجاحه إلى بعد نظره وشدة سعيه وقوة ارادته. والواقع أن للنجاح عوامل أخرى علاوة على هذه العوامل التي يتبجح بها الناجحون عادة.
ولو سألت أي فرد قد بلغ منزلة رفيعة من منازل الجاه أو اليسر أو الشهرة: «هل كنت في بدء حياتك قد وضعت نصب عينيك هذه المنزلة التي أنت فيها فسعيت نحوها حتى وصلت اليها؟» فانه سوف يجيبك بالنفي على أرجح الظن.
إن من النادر أن نجد شخصاً وضع في بدء حياته خطة دقيقة للعمل فسار عليها خطوة بعد خطوة ثم نال النجاح أخيراً على أساسها. إن معظم الناس يتجهون في أول أمرهم نحو غاية ثم ينحرفون عنها أخيراً. إن واقع الحياة أقوى من أية خطة يضعها عقل محدود. فالانسان ينجرف في كثير من الأحيان بتيار الحياة ويسير كما تمليه عليه ضرورات الساعة. فإذا نجح على سبيل الصدفة رأيته قد صعّر خده على الناس وانثال عليهم لوماً وتقريعاً حاسباً سوء حظهم من صنع أيديهم.
والغريب أن الحظ لا يؤمن به إلا الفاشلون. فهم يحاولون أن يجدوا تعليلاً وتفسيراً لفشلهم ولا يحبون أن ينسبوا قسطاً من فشلهم إلى ضعف صدر منهم فيلجأون اضطراراً إلى عقيدة الحظ ينسجون منها علة ما هم عليه من فشل أو شقاء. أما الناجح فهو قد امتلكه الغرور، كما ذكرنا، ونسب كل فضل في نجاحه إلى نفسه.
الفاشل يؤمن بوجود الحظ بينما الناجح ينكر وجوده. ونحن نقف بين هذين الموقفين موقفاً وسطاً محاولين أن نتعلم من كل جانب ما هو جدير بالتعلم منه.
***
في أواخر القرن الماضي ترجم المرحوم يعقوب صروف، الكاتب المصري المعروف، كتاباً عن الانكليزية سماه «سر النجاح»، راج في البلاد العربية رواجاً كبيراً. وهو قد راج قبل ذلك في بلاد الغرب أيضاً وترجم إلى أكثر لغاته. وهذا الكتاب يؤكد تأكيداً كبيراً على أهمية الارادة والسعي والكفاح في أمر النجاح، وقد جاء لنا بأمثلة عديدة للبرهنة على صحة ما يقول.
وفيما يلي شيء مما قال هذا الكاتب: «والارادة هي التي تمكن الانسان من عمل ما يريد عمله. قال بعض الأفاضل الإنسان كما يريد. وحكى بعضهم أنه رأى نجاراً يصلح كرسياً من الكراسي التي يجلس عليها القضاة وكان يعتني باصلاحه أكثر من المعتاد فقال له: ما بالك تعتني باصلاح هذا الكرسي اعتناءً شديداً؟ قال: لأني أريد أن أجلس عليه يوماً ما. وهكذا كان لأن ذلك النجار درس علم الحقوق وجلس على ذلك الكرسي. ولا داعي لما اقامه المنطقيون من الأدلة على أن الإنسان حر الإرادة لأن كل انسان يحسّ بأنه متروك إلى حريته وله أن يختار الخير أو الشر. وليس الإنسان ورقة ترمى في النهر لتدل على سرعة مجراه بل هو سبّاح نشيط يقاوم المجاري ويصارع الأمواج ويسير إلى حيث أراد بقوة ذراعيه. نعم إننا أحرار ولنا حرية أدبية لنعمل ما أردنا ولسنا مرتبطين بطلسم أو سحر يربطنا بعمل من الأعمال. ومن لا يشعر هذا الشعور لا يرجى منه كبير فائدة»2.
ويروي مؤلف الكتاب: أن جندياً فرنسياً كان يتمشى في غرفته ويقول: «لا بد من أن أصير قائداً»، وقد سعى هذا الجندي في سبيل ذلك حتى تم له أخيراً ما أراد. وهو يروي أيضاً عن (بكستون) الرجل الذي نجح في حياته نجاحاً كبيراً انه كان يعتقد بأن الشاب يستطيع أن يكون كما يريد على شرط أن يكون حازماً. وقد كتب (بكستون) ذات يوم إلى احد اولاده قائلاً: «... إني لمتيقن بأن كل شاب يقدر أن يكون كما يشاء. وأنا قد جربت هذا المجرى فنتج كل نجاحي وسعادتي من المنهج الذي نهجته لنفسي وأنا في سنك...»3.
إن هذه الأقاويل. تنفع في تعليم الصبيان من غير شك. وهي قد تكون أحياناً ضرورية في تربيتهم، لما فيها من تحريض على العمل وترويض على تقوية الارادة. ولكنها رغم ذلك لا تنطبق على حياة الواقع انطباقاً تاماً. فهي لا يتفوه بها في الغالب إلا الناجحون الذين غرّوا بما نالوا من فوز في الحياة فنسوا أو تناسوا تلك العوامل الخفية التي ساعدتهم على نوال النجاح.
ونحن لو أحصينا عدد الذين أرادوا النجاح فلم يصلوا إليه لوجدناه اكثر جداً من عدد الذين نجحوا. والمشكلة أننا لا نصغي إلى ما يقول الفاشلون، فكل همنا منصب على الاعجاب بالناجح والتلهف لسماع أقواله. والناجح حين يرانا معجبين به منصتين له يأخذ بالتحذلق والمباهاة ويعزو كل نجاحه إلى دأبه وسعيه وارادته.
أما الفاشل فنحن نميل عادة إلى احتقاره وذم أعماله. وهو كلما أقسم لنا بأغلظ الايمان على أنه أراد وسعى وكافح ولكن التوفيق خانه استهزأناً به وبصقنا عليه وأهملنا أقواله. وهكذا تضيع علينا وجهة نظر هامة كان الأجدر بنا أن نهتم بها وننتفع بما فيها من عبرة.
يذكر لنا (صميلز)، مؤلف كتاب «سر النجاح»، قصة ذلك الجندي الفرنسي الذي أراد أن يكون قائداً فصار كما أراد. ونحن نود أن نسأله هنا: كم من الجنود يا ترى أرادوا أن يصيروا قواداً وكافحوا في سبيل ذلك فلم يفلحوا؟ لقد نجح جندي واحد فهب المستر (صميلز) فرحاً وهو يهتف ويقول: انظروا إلى قوة الإرادة كيف رفعت بجندي بسيط إلى مرتبة القيادة! وهو قد نسي أولئك الملايين من الجنود المساكين الذين تهالكوا في المعارك ورموا بأنفسهم إلى الموت في سبيل الترفيع درجة واحدة فرجعوا بخفي حنين.
ويمدح المؤلف ذلك النجار الذي أتقن صنع الكرسي لأنه أراد أن يصير قاضياً فيجلس عليه. وفي نظري أن هذا النجّار لا يختلف من بعض الوجوه عن ذلك الرقيع الذي مر برجل يصنع طبقاً من الخوص فتوسل إليه أن يوسع من حجم الطبق ما استطاع، فلما سئل في ذلك أجاب: «ربما اشترى هذا الطبق أحد الأصدقاء وأحب أن يهدي لي به تمرًا...».
إن احتمال أن ينجح هذا في تحقيق أمله في طبق التمر ليس بأقل من احتمال نجاح النجار في إرادته أن يكون قاضياً. لقد نسي المستر (صميلز) بأن عدد النجارين الذين صاروا قضاة بارادتهم هو أقل جداً من عدد أولئك الذين ذهبوا إلى السجن بدلاً من ذلك.
والواقع أن الذي يريد أن يرقى إلى منزلة رفيعة وهو غير موهوب بالصفات التي تؤهله لها، يؤذي نفسه اكثر مما ينفعها. إن الإرادة وحدها لا تكفي أبداً لنوال شيء، وربما كانت الإرادة عقبة في سبيل ذلك. فالانسان ليس بالآلة الطيعة التي يمكن توجيهها في أية ناحية نشاء.
إن لكل نوع من أنواع النجاح مؤهلات خاصة. وتلعب القوى النفسية الخارقة دوراً كبيراً في تكوين هذه المؤهلات. فمن أراد شيئاً وهو غير مستعد له نفسياً أساء إلى نفسه وإلى أمته إساءة كبرى.
يأتي (صميلز) بقصة نابليون على سبيل المثال ويحاول أن يظهر بها أهمية الإرادة في أمر النجاح. وهو ينسب إلى نابليون في هذا الصدد كلمات عديدة يستدل بها على صحة قوله. فقد طلب نابليون أن تلغى لفظة (مستحيل) من معاجم اللغة. وعندما قيل له يوماً بأن جبال الألب الشاهقة تمنعك من التقدم اجابهم: «إنها يجب أن تلغى من الأرض». ويروي المؤلف عن لسان نابليون النبذة التالية:
«قال نابليون إني انتصرت في واقعة (اركولا) بخمسة وعشرين فارساً وذلك أني انتهزت فرصة تعب العدو واقتحمته بهم بعد أن أعطيت كلاً منهم بوقاً فتغلبت عليه»4.
ويبدو أن نابليون الذي استطاع أن يلغي جبال الألب من الأرض لم يستطع أن يمنع قطرات المطر من الهطول في ساحة (واترلو)، وقد تأخر لذلك نقل مدافعه نصف ساعة عن موعده المقرر فكانت في ذلك هزيمته المنكرة، كما هو معروف.
إن نابليون حين عبر جبال الألب في إبان شبابه ونشاطه وتفاؤله أمر بالغاء لفظة (مستحيل) من كتب اللغة، ولعله حين انكسر في معركة (واترلو) أمر أن ترجع تلك اللفظة إلى مكانها الأول. ولو كنا قد سألناه عنها وهو في تلك الساعة المنحوسة لربما أجاب: «يا بني إن كل شيء، مهما كان هيناً، يمكن أن يكون مستحيلاً إذا ساءت له الظروف» وهذا هو الواقع بعينه.
إن (صميلز) ومن لف لفه قد يعلل انكسار نابليون في معركة (واترلو) بأنه نتيجة ضعف طرأ على ارادته في تلك الساعة. ولو كان نابليون قوي الإرادة، على زعمهم، كما كان اثناء عبوره جبال الألب لما انكسر. إن هؤلاء يشبهون في تعليلهم هذا اولئك العجائز اللواتي يؤمن بالسحر. فإذا فشلت احداهن في عمل من أعمالها السحرية نسبت ذلك حالاً إلى قلة اتقانها للسحر أو ضعف قيامها به.
يروى (صميلز) بأن نابليون «كان غاية في الذكاء والفراسة ينظر إلى الرجل فيعرف أطواره ولذلك قلما أخطأ في اختيار رجاله..»5.
وهنا نود أن نسأل المؤلف عن هذه الفراسة الثاقبة التي امتاز بها نابليون وكانت من أسباب نجاحه: هل كانت نتيجة ارادة وسعي منه أم كانت فيه طبيعية تأتيه ارتجالاً وبديهة؟
وفي الحقيقة أن نابليون وغيره من أولي الفراسة الصادقة ربما فقدوا فراستهم لو أنهم استعملوا فيها الارادة والتعمد. إن صاحب المواهب النفسية يجب أن يسير على رسله في الحياة فلا يحرص أو يتقصد في الانتفاع من تلك المواهب. وكلما كان انبثاق قواه النفسية ارتجالياً لا تكلف فيه كان ذلك أدعى إلى نجاحه وانتظام أمره.
***
إن الأبحاث النفسية الحديثة، وخاصة ابحاث مدرسة (نانسي) في فرنسا، أخذت تكشف لنا مؤخراً عن حقيقة نفسية كبرى كان قد غفل عنها المفكرون في الماضي. وهذه الحقيقة تشير إلى أن الإرادة قد تعرقل سبيل النجاح احياناً. وإلى أن الذي يستعمل ارادته في كل الأمور قد يسيء إلى نفسه من حيث لا يدري.
إن هذه الحقيقة تسمى بقانون (كويه)، أو قانون الجهد المعكوس. ومن المؤسف أن نرى الشبان في هذه البلاد قد أغفلوا شأن هذا القانون النفسي كل الاغفال، فبذّروا كثيراً من جهودهم التي كان عليهم أن ينتفعوا بها.
إن قانون (كويه) بسيط في عبارته ولكنه هائل في أهميته العملية. ويمكن تلخيص هذا القانون بالعبارة الموجزة التالية:
إذا سيطرت فكرة على شخص بحيث أصبحت متغلغلة في اغوار عقله الباطن، فإن كل الجهود الواعية التي يبذلها ذلك الشخص في مخالفة تلك الفكرة تؤدي إلى عكس النتيجة التي كان يبتغيها منها6.
ولتوضيح هذا القانون نأتي بمثل راكب الدراجة. وهذا المثل يعرفه كل مبتدئ في تعلم الركوب عليها، إذ هو لا يكاد يرى حجراً ناتئاً أو زجاجة مكسورة أمامه في الطريق حتى يجد نفسه مدفوعاً بدراجته نحوها. وهو كلما أراد التجنب منها ازداد اتجاهاً نحوها واستقامة في سبيلها. وكثيراً ما يرى عجلة الدراجة قد سارت على تلك الزجاجة رغم انفه. وهو قد يعجب كل العجب كيف استطاعت يده أن توجه مقود الدراجة نحو تلك الزجاجة المكسورة، هذا مع العلم أن يده عاجزة عن توجيه المقود قيد شعرة في غير ذلك من الأوقات.
حدث أني حاولت عندما كنت شاباً أن أتعلم ركوب الدراجة وقد سرت بها مسافة اغتبطت بها. ولكن سوء الحظ جاء إلى ذات مرة برجل بائس فاعترض طريقي وهو يحمل طبقاً كبيراً مملوءاً بالخس إلى عنان السماء. ولم أكد ألمحه حتى توجهت بدراجتي نحوه بدقة عجيبة، وما هي إلا لحظة حتى صرت – أنا والدراجة والخس وصاحبه البائس جميعاً – كومة واحدة حيث اختلط فيها الحابل بالنابل والعياذ بالله.
يفسر (كويه) هذه الظاهرة النفسية العجيبة بتنازع الارادة والمخيلة، أو بعبارة أخرى: بتنازع الشعور واللاشعور. فراكب الدراجة حين يرى الشيء أمامه تنبعث في ذهنه نزعتان متعاكستان: الأولى نزعة لا شعورية لا يد للراكب فيها تدفعه نحو ذلك الشيء، فهي تسيطر على مخيلة الراكب وتجعله عبداً مسخراً لها من حيث يريد أو لا يريد. أما النزعة الثانية فهي إرادته التي تحرضه على تجنب ذلك الشيء. وكلما كانت أرادته في تجنب الشيء أقوى كان احتمال اصطدامه به أكبر.
ومعنى هذا أن الإرادة إذا كانت معاكسة للمخيلة أمست ضارة. والجدير بالفرد في مثل هذه الحالة أن يكون لا أبالياً غير مكترث، فذلك خير له من أن يكون حريصاً قوي الإرادة. يعرف هذا كل من يريد أن يقابل أحداً من الكبار، فهو كلما أراد أن يكون حاذقاً في مقابلته واستعد لها من قبل كان مخفقاً وظهر بمظهر التحذلق والرقاعة.
ويرى (كويه): انه في حالة تعاكس الارادة والمخيلة، تزداد قوة المخيلة في انتاج العمل غير المرغوب فيه ازدياداً تصاعدياً، حيث هو يتناسب آنذاك تناسباً طردياً مع تربيع قوة الارادة7.
وبعبارة أخرى: ان قوة اندفاعي نحو صاحب الخس كانت متناسبة تناسباً طردياً مع مربع الشدة التي كنت أرغب بها في التوقي عنه. ولقد كان من الحري إذن في تلك الساعة الحرجة من ساعات حياتي أن اكون مستهتراً عند رؤيتي لصاحب الخس وطبق الخس محمول على رأسه. فاستهتاري في تلك الآونة كان من شأنه أن يخفف من شدة ايقاعي بذلك الشقي المسكين. والواقع اني كلما كنت أشد رغبة في التنكب عن الاصطدام به كان اندفاعي نحوه أقوى بنسبة تربيعية... والحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه.
ويمكن الاتيان بمثل آخر في هذا الصدد، وهو مثل معروف ربما جربه كل فرد منا في حياته اليومية. فلو حاول أحدنا السير على حافة جدار مرتفع أو على لوح موضوع بين بنايتين عاليتين، لرأيناه يتمرجح في سيره وقد ملأ قلبه الخوف. انه لا يكاد يضع قدمه على اللوح حتى يتخيل انه موشك على السقوط. وهذا الخيال هو الذي سيكون سبب سقوطه، إذ هو أقوى بتأثيره النفسي من أية ارادة تعاكسه.
أما اولئك الذين تمرنوا على مثل هذا الأمر وجربوا السير فيه مرة بعد مرة فإن احتمال سقوطهم قليل جداً ذلك لأن الإرادة والمخيلة قد اتحدتا لديهم. فهم حين يريدون السير على اللوح تؤيدهم المخيلة في ذلك ولا يخطر ببالهم خيال السقوط إلا نادراً.
وقد بالغ بعض الكتاب في تبيان أهمية هذا القانون في الحياة العملية. فانتصار نابليون في حروبه المتعددة مثلاً يعزوه هؤلاء إلى توافق الإرادة والمخيلة لديه. يقول سلامة موسى في هذا الخصوص: «فنابليون لم يفكر قط بالهزيمة وهو لو فعل لحدث له ما يحدث للماشي على الحبل إذا خطر بباله السقوط. وقد دب في قلبه الشك مرة واحدة وكان ذلك في معركة واترلو التي انهزم فيها»8 إن من المبالغة على أي حال أن نعزو نجاح نابليون في حروبه إلى مجرد التوافق بين ارادته ومخيلته. فلنجاح نابليون – وغير نابليون – أسباب عدة من الصعب حصرها. ولكن التوافق بين الإرادة والمخيلة له أثر لا يستهان به في النجاح من غير شك. ونحن نحتاج إلى هذا التوافق في كثير من شؤوننا اليومية. فالذين يهملون أمر هذا التوافق في حياتهم قد ينتهي أمرهم إلى الفشل أحياناً كثيرة.
وأينما توجه الإنسان في مختلف نواحي الحياة وجد أثر قانون (كويه) واضحاً. فهو يريد مثلاً أن يتذكر اسماً معيناً، فيجد هذا الاسم يختفي من ذاكرته كلما حرص على تذكره. ولكنه لا يكاد ييأس من تذكر الاسم ويرجع إلى مألوف عادته وعدم اكتراثه حتى يلمع في خاطره بغتة. لقد أراده فلم يأته، واهمله فجاء يسعى إليه – كمثل تلك الحبيبة الخبيثة التي تجود بوصل حيث لا ينفع الوصل.
والانسان قد يحاول النوم أحياناً فيمتنع عليه، ويأخذ بالتقلب على فراشه كأنه يطلب المستحيل، هذا مع العلم انه قد ينام في المقهى أو في السيارة، وفي أي وقت لا يريد أن ينام فيه.
وكثيراً ما حاول أحدنا أن لا يضحك، فيشتد عليه الضحك كأنه عدو لئيم. ويزداد الضحك عليه قوة كلما حاول منعه من نفسه. وهو قد يقع من جراء ذلك في مواقف حرجة.
وقد ابتلى بعض الأفراد في العراق بما يمكن تسميته (محنة ليلة الزفاف). فالرجل الذي يدخل على زوجته في تلك الليلة لأول مرة قد يكون ضحية من ضحايا تنازع الارادة والمخيلة. فالناس قد ملأوا مخيلته بأوهام عن ليلة الزفاف ما انزل الله بها من سلطان. فهو حين يدخل على زوجته قد يتصور الهول منتصباً أمامه، وذلك من جراء ما سمع عن صعوبة تلك الليلة وما يحتاج إليه فيها من بطولة أو رجولة نادرة، والناس قد يزيدون من محنة تلك الليلة على العريس المسكين، إذ هم يجلسون خارج غرفة العرس منتظرين أن يخرج البطل عليهم ظافراً. والعريس يكون لذلك شديد الارادة للفوز بمرامه في تلك الليلة. فهو عند ذاك يقع بين نزعتين متعاكستين: إرادته الواعية للفوز بغنيمة العرس من ناحية، وخياله اللاشعوري الذي يصور له الفشل واضحاً أمامه من ناحية أخرى.
وينتهي هذا النزاع النفسي عادة بفواجع عائلية شتى. وطالما تحطمت عائلات من جراء هذا الأمر الذي اعتاد الناس أن يسيروا فيه على نقيض ما يقتضيه قانون الجهد المعكوس.
والناس يلجأون عادة لمعالجة مثل هذه الحالة إلى علاجات طبية مختلفة. وكثير من هذه العلاجات لا تجدي نفعاً لأنها لا تمس صميم الموضوع. إن هذه الحالة ظاهرة نفسية، ولا ينفع فيها إلا علاج نفسي في الغالب.
يحكى أن أحد الناس ممن ابتلي بهذه الحالة النفسية المستعصية جاء إلى صديق يشكو إليه سوء ما به، فأعطاه الصديق طلسماً مغلقاً وقال له: «إن هذا الطلسم قد جربه كثير من الناس في مثل حالتك فنجحوا به نجاحاً تاماً». فأخذ صاحبنا الطلسم وهو مؤمن به ايماناً كبيراً. ولقد نجح بواسطته فيما أراد نجاحاً يستدعي الدهشة. وعندما فتح الطلسم أخيراً وجد فيه لغواً قبيحاً وشتائم داعرة ليست هي من الداء أو العلاج في شيء. إن هذه الشتائم الداعرة قد نفعته على كل حال. فهو حين آمن بها أصبحت مخيلته ممتلئة بآمال النجاح وأوهام الفوز. وبهذه الطريقة اتحدت ارادته ومخيلته في العمل فانتجت له النتيجة المطلوبة.
والواقع أننا نخفق في أي عمل نقوم به إذا تعاكست في أذهاننا المخيلة والإرادة. ولعلنا لا نغالي إذا قلنا بأن الشخصية الناجحة هي التي تتخيل النجاح الذي تريده. والأولى بالمربين أن يطبعوا خيال النجاح في أذهان الأطفال بدلاً من أن يحرّضوهم على إرادة النجاح، فينبغي أن يقولوا لهم: «أنتم ناجحون» عوضاً عن أن يقولوا لهم: «كونوا ناجحين».
ومن المؤسف حقاً أن نرى الآباء في هذه البلاد يربون أولادهم على العكس من ذلك – فهم يجعلون أولادهم يريدون النجاح في الوقت الذي يتخيلون فيه الخيبة.
إن من الممكن القول بأن سوء الحظ هو عقدة نفسية. فسيء الحظ هو ذلك الذي يتخيل الخيبة والفشل في كل عمل يقوم به. فهو يريد النجاح ويحرص عليه ويدأب في سبيله ولكنه في أعماق عقله الباطن يتصور الفشل، ويمشي إذن كالماشي على الحبل وهو خائف من السقوط والغريب أن الأمهات في هذه البلاد تساعد مساعدة فعالة على تنمية مثل هذه العقدة في أذهان أطفالهن. فالأم عندنا قد تعودت أن تبكي وتندب حظها في كل حين. وهي بذلك توحي لولدها بعقيدة سوء الحظ من حيث لا تشعر. وهي حين يظلمها زوجها ترجع إلى ولدها فتنفس فيه ما تشعر به من ألم أو حرمان. إن ما تقوله الأم على مسمع من طفلها يعتبر من أشد أنواع الايحاء قوة وأثراً في تكوين شخصيته. وهي إذ تشكو دائماً من تصاريف الأيام وظلم الأنام تطبع في أعماق عقله صورة سوداء لا تنمحي عن الحياة، فتجعله متشائماً لا يأمل خيراً ولا ينتظر نجاحا.
إن كلمة (الخائب) و(الخائبة) من اكثر الكلمات استعمالاً عند امهاتنا، فالأم تكرر هذه الكلمة صباح مساء. وكثيراً ما تصفع ولدها قائلة له: «انظر يا خائب إلى ابن فلانة... هو يصعد وأنت تنزل... إن حظي التاعس هو الذي جعلك خائباً لا تشابه أولاد الناس... ».
إن شعار المربين عندنا يدور معظمه حول عبارة «كن... ولا تكن.. » فهم يقولون للطفل: «أنت لا تشابه أولاد الناس.. فاجتهد حتى تكون مثلهم». وهذه الطريقة تؤدي إلى الضرر من ناحيتين: فهي تغرز في مخيلة الطفل صورة متشائمة عن نفسه من ناحية، وهي تحرضه على إرادة النجاح من الناحية الأخرى. وهو يصبح إذن ضحية من ضحايا قانون الجهد المعكوس – يريد النجاح في عقله الواعي بينما هو يريد الفشل في عقله الباطن.
اشتكى إليّ صديق من سوء أخلاق أولاده مع أنه رباهم، على زعمه، تربية صالحة. وقد وصف لي تربيته لهم فقال: «كنت أكثر عليهم من النصائح، ولا أدع ساعة تمر حتى أعظهم بموعظة تنفعهم... ولكنهم كبروا مع الأسف على غير ما كنت أريد».
لا ريب أن نصائحه الكثيرة هذه هي التي أفسدت أولاده. فهو يوحي اليهم بالفساد ثم يأمرهم بالتزام الرشاد، فمثله في ذلك كمثل وعاظنا الذين أرادوا بوعظهم إصلاح الناس ولكن الناس فسدوا.
يحكى أن والداً وبخ طفله ذات يوم على تأخره في الدراسة قائلاً له: «نابليون عندما كان في مثل سنك نجح الى الصف الخامس بينما أنت الآن في الصف الثاني من المدرسة». فأجابه طفله على البديهة: «ولكن نابليون، يا أبتي، عندما كان في مثل سنك أصبح أمبراطوراً».
لا مراء أن جواب هذا الطفل أقرب إلى الحقيقة من سؤال أبيه وأن شر ما يفعله المربون عندنا هو أن يذكروا الأطفال بأقرانهم أو يحرضوهم على التشبه بهم. إن كل فرد في الواقع مخلوق على طراز خاص به. وهو إذن لا يستطيع مهما حاول أن يكون مثل الغير تماماً.
حين يرى الوالد في أحد أبناء غيره تفوقاً في ناحية من نواحي الحياة مال على ولده معنّفاً لائماً، فهو يريد منه أن يسير على نفس المنوال الذي سار عليه ذلك الولد الناجح بغض النظر عما بينهما من فروق في المواهب والقابليات. وولده إذن يشعر بأنه دون غيره وأن من الواجب عليه أن يسعى حثيثاً ليلحق بذلك الغير. وهو بذلك يقاسي الويل لتنازع الإرادة والمخيلة في داخل نفسه وكثيراً ما ينتهي أمره إلى الاخفاق.
فالوالد قد يرى مهنة الطب مثلاً تدر على أصحابها المال والجاه فيحاول بكل جهده أن يدخل ابنه في كلية الطب. وهو يعتقد أن ولده قادر على أي حال أن يتفوق في دراسة الطب بمجرد أن يشتد في عزمه وأن يكون قوي الإرادة. وهو ينصح ولده دائماً بأن يكون طبيباً ماهراً قائلاً له: «... وهل كان ابن فلان الحقير خيراً منك... إنه الآن من أشهر الأطباء في المدينة، ويجني في كل يوم مالاً وفيراً» وهو بهذا يضع ولده البائس بين حجري الرحى. فربما كان هذا الولد ميالاً إلى الشعر أو المحاماة أو النجارة مثلاً، وليس لديه أقل ميل إلى دراسة الأمراض وتشريح الجثث. فجعله طبيباً رغم انفه يؤدي حتماً إلى ضرره وضرر الأمة معاً. وقد يقتل من جراء ذلك عدداً لا يستهان به من الأبرياء. فالطبيب الجاهل جلاد حاذق.
إن المجتمع المتمدن يستند في بناء حضارته المعقدة على تنوع الاختصاص وتقسيم العمل. وليس من المجدي في هذا المجتمع أن يحرّض الآباء أبناءهم على تقليد الغير. فكل طفل مهيأ لأن يختص في ناحية معينة من نواحي الحضارة وأن يساهم في انتاج التراث الاجتماعي حسب مقدرته. ولذا كان من الواجب على الآباء أن يراقبوا أبناءهم بدقة أثناء نموهم حتى يكتشفوا المجال الذي يصلح لهم ويصلحون له فيساعدونهم فيه.
إن الذين يحرّضون ابناءهم على تقليد الغير هم في الحقيقة بدو قد ارتدوا رداء المتمدنين. فالمجتمع البدوي لا يقوم على تنوع الاختصاص إلا قليلا إذ هو مجتمع غزو وسلب ونهب. والحياة البدوية منصبة في معظمها على تمجيد الشجاعة والكرم. فالبدوي ينهب الناس من جهة ليبذل ما سلب على ضيوفه من جهة أخرى. ولهذا أصبح من الضروري على الوالد البدوي أن يحرض ولده على تقليد غيره. فثمة اختصاص واحد ينبغي على افراد القبيلة جميعاً أن يحذقوه. ومن يفشل فيه فقد حق له أن يبتئس وآن له أن يفنى في ذلك المعترك الصحراوي العنيف. يمكن اعتبار الصحراء بمثابة الغربال، إذ لا يبقى فيه إلا من كان قوياً جلداً يأكل ولا يؤكل. وهي كذلك مصنع ينتج نوعاً واحداً من البشر – هم الأبطال الكرام. فالطفل البدوي إذن مضطر أن يكون بطلاً كريماً أو يموت، حيث يأكله غيره من الأبطال الكرام.
إن المجتمع المتمدن هو، على النقيض من ذلك، محتاج إلى جهود كل فرد، ضعيفاً كان أم قوياً، فكل فرد له مجاله الذي يستطيع أن ينتج فيه شيئاً، واختصاصه الذي يبرع فيه.
وباختصار نقول: إن الطريقة البدوية في تربية أبناء المدينة تؤدي إلى انتاج جيل فيه كثير من العقد النفسية. وهذا هو بعض ما نشكو منه في مجتمعنا الحديث9.
***
وحين يشب الطفل على هذا المنوال من التربية يصبح ميالاً لتقليد كل صفة يلمحها عند الغير فتعجبه. فهو حين تعجبه حركات أحد معلميه أو أسلوب حديثه أو طريقة مشيته يحاول تقليدها ويمسي بذلك أضحوكة الناس.
رأيت مرة أحد الأصدقاء وهو يمشي مشية الغراب، يتقافز في خطواته على منوال مصطنع. وبعد الاستفسار وجدت أن هذا الصديق، وكان طالباً في كلية الطب، قد أعجبته مشية أحد أساتذته الأجانب فأخذ يقلدها، وبذا خسر المشيتين.
وقد حاول كثير من شباننا المتأدبين تقليد طه حسين أو غيره من مشاهير الكتاب. فتراهم يتكلفون تقليد اسلوبه الذي استحدثه في الكتابة ويريدون من القراء أن يعجبوا بهم كما اعجبوا بذلك الكاتب المشهور نفسه – غير دارين أن اسلوب الكاتب جزء لا يتجزء من شخصيته، وأن تقليد جزء معين من شخصية أحد الناس يؤدي إلى التصنّع والسخافة.
وقد يقال مثل هذا القول عن الخطباء الذين أخذوا يؤكدون على آخر الكلمة عند النطق بها تشبهاً بالخطباء المصريين، حيث أصيب بعض المستمعين لهم من جراء ذلك بالغثيان.
ولعلنا لا نخطئ إذا قلنا بأن التقليد نوعان: إرادي وغير إرادي. وشخصية الإنسان تحتاج في نموها إلى تقليد غير إرادي حيث تدخل الصفة المقلّدة في تركيب الشخصية وتتلون بلونها إذ تصبح جزءاً منها. ولا ريب أن كل طفل مضطر أن يقلد غيره لكي يكون إنساناً. ولكن هذا التقليد الضروري لبناء الشخصية البشرية هو تقليد لا إرادي أو غير مقصود. أي أن الإنسان يقلد فيه على رسله من حيث لا يتعمد ولا يتقصد ولا يريد. وهذا التقليد في الحقيقة قد لا يجوز أن يسمى تقليداً على المعنى المتداول بين الناس. إنه مضغ وهضم للصفة المقلّدة ثم إدخال لها في صميم تكوين الشخصية، كما تدخل لقمة الطعام بعد هضمها في صميم تكوين البدن.
أما التقليد الإرادي، وهو الذي نحرّض أبناءنا دائمًا على التزامه، فهو كمثل تنمية شيء بالصاق إضافة عليه من خارجه.
إن شخصية الفرد فذة، فهي ذات تركيب كلي واجزاؤها مترابطة في ما بينها ترابطًا عضويًا. وتنمية الشخصية لا تصح إذن إلا بتغذيتها من الداخل. إنها أشبه بالكائن العضوي منها بقطعة الجماد.
والشخص الناضج حين يعجب بصفة لدى غيره لا يبالي أن يقلدها إنما هو يتملى فيها ثم يتركها مخزونة في أعماق عقله الباطن. فهي لا تظهر عليه اصطناعاً أو تكلفاً. وهي تخرج في أوانها، وكأنها من نوع جديد، إذ قد اصطبغت آنذاك بصبغة شخصيته الخاصة وأصبحت جزءاً لا يتجزأ منها.
يحاول أحدنا مثلاً أن يكون ذا شخصية ظريفة مرحة، ويظن أن الأمر بيده. فهو يرى غيره من أولي الدعابة والهزل وهم يأتون بالنكتة البارعة فيضحك لها الجلساء، فيود أن يقلدهم. ولذا نجده يتعمد أن يحفظ النكات عن ظهر قلب، ويسعى للاتيان بها حشراً في كل مجلس وهو كلما حرص على أن يكون ظريفاً صار رقيعاً. إن النكتة لا تحفظ ولا تقلد ولا يمكن الاتيان بها تقصداً وعمداً. والمنكت البارع لا يدري ماذا سيقول بعد لحظة. وكثيراً ما يعجز عجزاً تاماً عن الاتيان بأية نكتة ملائمة إذا طلب منه ذلك. بينما تراه، إذا استرسل على بديهته يأتي بالنكات الجميلة واحدة بعد واحدة، كأنما هو قد هيأها من قبل واستعد لها استعداداً كبيرًا.
والواقع أنه لو كان قد هيأها فعلاً ونصب نفسه لها لجاءت فجة متكلفة. إنه قد يحفظ النكات ولكنه لا يتقصد ان يتذكرها في مجلس معين بالذات. فهو يخزنها في غرفة اللاشعور العاتمة وينساها هنالك ولا يكاد يأتي أوانها حتى تخرج هي من تلقاء نفسها. وهو قد يضيف اليها من براعته الآنية ما يجعل لها رونقاً جديداً يلائم المقام ملائمة تامة.
ويمكن أن يقال مثل هذا القول عن الممثل. فالبارع من بين الممثلين هو الذي ينغمر في تمثيله بحيث لا يدري ماذا سيفعل إذا صعد على خشبة المسرح. إنه يحفظ دوره فيترك أمر الاشارة اليدوية وكيفية النطق والحركة إلى وحي الساعة وتأثير الأشعة النفسية التي يتلقاها من المتفرجين آنذاك. فهو قد يصبح حينئذ كالخطيب الذي يذوب في الجو النفسي المسيطر على القاعة وينسى نفسه.
أما الممثل الفاشل فهو كثير التغنج والتنطع، ينغمر في ذاته، وتصبح ارادته بمثابة الحجاب الكثيف تحجب أشعة المتفرجين من النفوذ إلى داخل نفسه. إنه يخب أن يقلد أحد الممثلين المشهورين فيكون بذلك مثل صديقنا الغراب الذي ضيّع المشيتين.
وكلما أراد الممثل أن يكون بارعاً ابتعد عن البراعة وصار رعبلاً. فالارادة في مثل هذه الأمور تؤدي إلى عكس الغاية المنشودة. وخير طريقة يمكن أن يسير عليها الممثل أو غير الممثل في مواجهة الجمهور هو أن يغفل عن ارادته ويسهو عن نفسه ويصبح منقاداً لما ينبثق من أغوار نفسه من إلهام. إن النفس تمسي في تلك الساعة صدى لما يدوّي في نفوس الحاضرين من عواطف وانفعالات.
إن كل أمر تستند البراعة فيه على حوافز العقل الباطن ينبغي أن يسار فيه سيراً ارتجالياً لا تكلف فيه ولا حرص. ومن يهمل هذه الحقيقة الكبرى في حياته فقد آن له أن يعترف بعجزه وينسحب من الميدان.
***
قلنا فيما سبق أن سوء الحظ عقدة نفسية تنمو في اللاشعور فتجعل صاحبها يتخيل الفشل في كل خطوة يخطوها. ولهذه العقدة، كما أسلفنا، ركنان: فصاحبها يحرص على النجاح ويريده ويعزم عليه من جهة، وهو يتخيل الاخفاق ويتوقعه ويعتقد به من الجهة الأخرى. وقد بيّنا كيف أن المربين عندنا يساعدون على تنمية هذه العقدة في نفسية الطفل، إذ هم يحرضونه على إرادة النجاح ثم يطبعون في مخيلته صورة الفشل ويظهر أن الحضارة الشرقية تشجع، في معظم قيمها الفكرية، على انتشار هذه العقدة في عقول الناس.
أعرف رجلاً قد اعتاد على أن يتحدث، عن كل مشروع يريد أن يقوم به، بأحاديث التشاؤم وتوقع الفشل. فهو يقول إذا تحدث إلى صديق له عن مشروعه انه سيخفق فيه. وقد سألته ذات مرة عن سبب هذا الاصرار على توقع الفشل، فأجاب: «إن توقع الفشل خير من توقع النجاح، لأن في ذلك استعداداً للنفس على تحمل الصدمة إذا وقعت». ثم أضاف إلى ذلك قائلاً: «وما ضرر الكلمة أنطق بها متفائلاً أو متشائماً إذا كان المشروع قد قدر له أن ينجح أو يفشل في النهاية. فالقدر كائن، والكلمات التي اتفوه بها سلفاً سوف تذهب ادراج الرياح من غير أن تؤثر شيئاً».
إن هذا الرأي كبير الضرر. ومن المؤسف أن نراه منتشراً بين الناس ومتغلغلاً في عقولهم تغلغلاً عظيماً. وهو ربما كان نتيجة من نتائج الفلسفة العقلية التي ورثناها من العهد القديم. فالناس هنا يعتقدون بأن النجاح هو نتيجة الجهد والإرادة والتفكير وحسن التدبير. ولا يضر الإنسان أن يتكلم ما يشاء. فالكلام، في نظرهم، لغو طارئ يتماوج به الهواء موقتاً ثم يختفي نهائياً كأنه لم يكن موجوداً. والواقع أن الكلمات التي نرسلها عفواً هي أعظم في تأثيرها النفسي من البرهان المنطقي الذي نحاول أن نقنع عقولنا به. فالبرهان المنطقي لا يتعدى تأثيره في الغالب حدود العقل الواعي ولذا فهو لا يؤثر في المخيلة إلا قليلاً. أما الكلمات التي نرسلها على البديهة فهي تنغرز بعد تكرارها في اللاشعور وتصبح قوية الأثر في مصيرنا من حيث لا ندري.
إن عيب البرهان المنطقي أنه لا يستطيع أن ينمي في النفس عقيدة. فالعقيدة بنت الايحاء والتكرار. ولهذا السبب نجد وعاظنا ومفكرينا لا ينجحون في تبديل أخلاق الناس أو تغيير عقائدهم إلا نادراً، فهم يحاولون دائماً أن يقنعوا الناس عن طريق الجدل وإقامة الدليل وما اشبه. هذا بينما الناس يسيرون في أمورهم الفكرية والاجتماعية على أساس ما انطبع في عقولهم الباطنة من أفكار وعادات وقيم.
فهتلر لم يبعث في الأمة الالمانية تلك الحماسة وذلك التعصب العجيب لآرائه بواسطة الاقناع المنطقي. إنما هو قد فعل ذلك بالايحاء والتلقين والتكرار وبواسطة الاحتفالات والاجتماعات والاستعراضات حيث كانت الموسيقى تعزف والأعوان تهتف والرايات تخفق والطيارات تملأ بهديرها الفضاء.
إن كلمة تكرر قولها على نفسك مرة بعد مرة لقادرة أن تطبع في عقلك الباطن شيئاً من الايمان بها قليلاً أو كثيراً. والايمان يزلزل الجبال كما يقولون.
ينتقد بعض الكتاب القرآن لأنه يكرر القصص وآيات الوعظ مرة بعد مرة ويذكر الله وآثاره في الكون في كل صفحة من صفحاته. وما درى هؤلاء المغفّلون بأن هذا التكرار الذي ينتقدونه هو الذي طبع في نفوس العرب ذلك الايمان العميق بالله وجعلهم يحطمون ايوان كسرى وعرش القيصر في سنوات معدودة.
ولقد ذهب بعض المفكرين من المسلمين المعاصرين إلى أن القرآن هو معجزة محمد الكبرى، وهذا رأي يؤيده علماء النفس الحديث. فالقرآن كان ابتكاراً جديداً وفناً رائعاً من فنون الدعاية لم يكن العالم قد عرف ما يماثله في ذلك الحين. فهو قد كان يختلف بهذا المعنى عن معظم الكتب المقدسة التي ظهرت قبل ذلك العهد.
ويبدو أن النبي كان يدرك تأثير الكلمة العابرة في حياة الإنسان، فقد كان يقول: «تفاءلوا بالخير تجدوه» وهذا بلا مراء لا يختلف في مغزاه عما يقوله علماء النفس في هذه الأيام.
وفي القرآن آية لها صلة كبيرة بهذا الموضوع أيضاً وهي: «وأما بنعمة ربك فحدث». فلا مراء أن التحدث بالنعمة يزيدها. فكل كلمة يقولها الإنسان وهو يتحدث عن النعمة التي هو فيها تطبع في مخيلته الفأل الحسن ويتصور النجاح ماثلاً أمامه. وهو يصبح بذلك كالماشي على الحبل الذي يتصور نفسه انه سيعبر الحبل كله بسلام.
إن الحضارة الشرقية قد عودت أبناءها على العكس مما يقول به القرآن. فقد أمسى كل واحد منهم يخاف من التحدث بالنعمة. وأنت لا تكاد تتحدث إلى امرأة عن ولدها فتقول: إنه سليم معافى، أو أنه ذكي نشيط، حتى تجدها قد استعاذت بالله من قولك، وصرخت بك قائلة: «إن ما تقول غير صحيح، فإن ولدي ضعيف بليد لا خير فيه ويا ويلي عليه».
والأم لا تخاف من قولك فقط، فهي قد تخاف من قولها هي بالذات أيضاً. فهي لا تحب أن يخطر ببالها بأن ولدها سليم أو ذكي لأن ذلك قد يؤدي على حد زعمها إلى إصابة ولدها بالعين. ولكنها لا تكاد ترى في ولدها علامة خفيفة على وجود مرض فيه أو دلالة ضعيفة على غباوته أو كسله حتى تبدأ بالعويل والشكوى وتملأ الدنيا عتاباً على الدنيا لما قدر لها فيها من حظ سيء احتكرته هي وأولادها من دون بقية الناس.
لقد اعتدنا أن نتخوف من ذكر النعمة على شتى صورها. وهذه العادة لها أسبابها الاجتماعية والنفسية التي توفرت في حضارتنا الشرقية اكثر مما توفرت في أية حضارة أخرى10. وقد انتشرت لذلك بيننا عقيدة الحظ وكثر أصحاب الحظوظ السيئة في صفوفنا.
والغريب أن حضارتنا حين تجعلنا نتخيل الفشل، تعودنا على أن نهمل النجاح الذي يأتينا عفواً من غير مشقة. فالمثل المنتشر بيننا يقول: «إن الأجر على قدر المشقة». لقد كان المقصود من هذا المثل معنى دينياً حيث حاول أئمة الدين في العهود السالفة أن يسعوا في سبيل الله وأن يشقوا فيه لينالوا بذلك الأجر. ولكن هذا المعنى لم يبق على مفهومه الأول إذ تعدى حدوده الدينية فأصبح لدى الناس نصيحة عملية يتأثرون بها في معظم أعمالهم من حيث لا يشعرون.
إن العقل الباطن يستطيع، كما أسلفنا، أن يرشد الإنسان إلى كثير من المنافع التي لا يستطيع هو أن ينالها بعقله أو جهده الواعي ونحن إذن نحتاج في حياتنا العملية إلى نصيحة عملية تخالف تلك النصيحة التي تقول بأن النجاح على قدر المشقة.
فمن الجدير أن نقول بأن النجاح على قدر الهدوء والاسترسال وعدم التكلف، وذلك لكي نستثمر الومضات المبدعة التي تنبعث من اللاشعور في حياتنا. وكثيراً ما تمر الفرص الثمينة علينا مر السحاب، وهي تكون هينة جداً عند مرورها ثم تصعب كلما ابتعدت عنا. والواجب علينا إذن أن نغتنمها حال مرورها من غير أن نلجأ إلى تفكير أو تردد أو استعداد.
إن الذين يعتقدون بأن النجاح على قدر المشقة قد لا يغتنمون الفرص، ولعلهم لا يتصورون أنها فرص ثمينة حين تمر بهم وذلك لسهولة منالها. فهم لا يقدّرون قيمتها إلا بعد فواتها وعند ذلك يضربون يداً بيد متأسفين. وكثيراً ما يكون أنفع الأشياء هو ذلك الذي يكون أهونها وأيسرها في وقت من الأوقات. إن يسره وسهولة مناله يجعل الانسان لا يصدق أنه ثمين ونافع، سيما إذا كان معتاداً على أن لا يحصل على الشيء الثمين إلا بعد مشقة. وعلى هذا المنوال تضيع الفرص على الناس.
والدين الإسلامي قد اصطبغ بصبغة المشقة في معظم شعائره. لقد قال النبي محمد: «جئتكم بالشريعة السمحاء» ولكن أتباعه نسوا هذا وجعلوا دينه من أصعب الأديان واكثرها تعباً ومكابدة ومشقة. فقد جعلوا الطقوس الدينية دقيقة التفاصيل معقدة الأجزاء وهم لا يزالون يتباحثون ويتجادلون لكي يضعوا ضغثاً على هذا. وقد أمسى المسلم الذي يريد أن يقوم بالطقوس الدينية حسب الأصول مضطراً أن يترك أعماله لكي يستطيع أن يتفرغ لأفانين الوضوء والطهارة وشرائط الصوم والصلاة.
إن العبادة الحقة تنفع الفرد نفسياً. فهي تبعث الثقة والطمأنينة في قلب الإنسان وتجعله متفائلاً يسير في الحياة وهو معتقد بأن هناك رباً يرعاه ويعينه على حل المشاكل. هذا ولكن رجال الدين عندنا قللوا من هذه المنفعة النفسية التي يجنيها الفرد من العبادة حين جعلوها محفوفة بالفروض والشروط الدقيقة. فالعابد الذي يعبد الله على هذا المنوال لا يستطيع أن يتفرغ بقلبه لدعاء ربه واستمداد العون منه، ذلك لأنه يكون أثناء العبادة مشغولاً بأداء التفاصيل المعقدة إذ هو يخشى أن يفوته منها شيء.
وقد رأينا من المتعبدين من يقضي وقتاً طويلاً في الوضوء لكي يقوم به على وجه الدقة المطلوبة، وفي الصلاة لكي يؤديها كما ينبغي. وتراه أثناء الصلاة يمط شفتيه ويلوي لسانه في كل حرف ينطق به لكي يخرجه من مخرجه المفروض – وبهذا يضيع عليه معنى الصلاة، ولا يبقى لديه منها غير الرسوم والحركات المجردة.
إن هذه الحالة تؤدي عادة إلى ظهور عقدة نفسية لدى صاحبها تسمى بعقدة الاستكمال (Perfectionism) وهي ما يدعوها العامة أحياناً بالوسواس.
إن هذه العقدة موجودة في كثير من الناس على درجات متفاوتة ولكنها تصبح في بعض الأفراد مرضاً شديد الوطأة يصعب شفاؤه.
أن عقدة الاستكمال قد يصح أن تسمى «ارادة متحجرة». فمنشأها في أول أمرها محاولة الإنسان أن يجيد عمله وأن يقوم به على الوجه المطلوب. وكل انسان في الواقع يريد أحياناً أن يستكمل العمل الذي يبدأ به. ولكن هذه الإرادة قد تتحجر فتمسي عقدة نفسية، إذ يأخذ المصاب بها بالتدقيق الشديد في كل عمل يقوم به، بغض النظر عن الغاية التي يرجوها منه. إنها عقدة نافعة إذا كانت معتدلة ومبنية على أساس الروية والتبصر. هذا ولكن الإنسان مع الأسف يندر أن يسير في أعماله على أساس الاعتدال والروية. فإذا اعتاد الإنسان على أن يدقق في عمله قد يصل به حب التدقيق إلى درجة الافراط. وتجده عند ذلك يدقق من أجل التدقيق ذاته وينسى الهدف الذي يدقق في سبيله.
إن هذه العقدة تعد من اكبر عوامل الفشل في الحياة. فصاحبها لا يستطيع أن يقوم بعمل إلا بصعوبة. ذلك أنه ينظر ويعيد النظر في كل جزء مما يعمل وتراه يهمل الاعتناء بالأصل في سبيل الاعتناء بالفروع، أو هو ينسى الغاية ويهتم بالوسيلة وكثيراً ما ينتفي الغرض من مشروع كان قد بدأ به، ولكنه يواصل القيام به رغم ذلك. وهو يشعر آنذاك بدافع غريب يدفعه إلى اتمام العمل فلا يستطيع رده. وهو حين يقوم بالعمل يتصور بأن شخصاً معيناً يراقبه. إنه قد يقوم بعمل يخصه وحده، أو هو يؤديه فيما بينه وبين نفسه حيث لا يراه أحد، ولكنه مع ذلك ينشد الكمال فيه إذ لا ينفك ذلك الشخص الموهوم قائماً على رأسه يراقبه في عمله. فهو يتحرى الدقة الصارمة في كل صغيرة وكبيرة مما يعمل كأنه سوف يحاسب على ذلك حساباً عسيراً. وقد يصدق عليه الحديث المأثور: «ضيقوا على أنفسهم فضيّق الله عليهم».
إن هذه العقدة منتشرة في بلادنا انتشاراً فظيعاً. ولعلي لا أغالي إذا قلت إن من أهم العوامل التي أدت إلى انتشارها في هذه البلاد هي تلك الدقة الشديدة التي يحاول رجال الدين أن يلبسوا الطقوس الدينية بها.
فالطفل الذي ينشأ على التزمت في الدين ويتعود على الدقة في القيام بطقوسه يمسي تربة خصبة لنمو هذه العقدة فيه. والواقع أن هذه العقدة أكثر انتشاراً بين المتزمتين في الدين منها بين غيرهم. وقد ينقلب بعض هؤلاء المتزمتين على الدين فيتركون الصوم والصلاة ولكن العقدة تلاحقهم بالرغم من ذلك. فهم يتخلصون من الوسواس في أمور الدين وطقوسه، إنما يبتلون به في نواح أخرى من نواحي الحياة وربما أصيبوا بالوسواس في أمور النظافة والوقاية الصحية بدلاً من الوضوء والطهارة الدينية، أو في أمور القراءة والكتابة بدلاً من الصوم والصلاة.
يقول المثل السائر: «الوسواسي نجس». ومعنى ذلك أن الذي يتحرى الدقة الكاملة في الطهارة لا يستطيع الوصول إليها أبداً، هو يطلبها دائماً فلا يجدها. فهو في شقاء متواصل يسعى وراء المستحيل.
***
وفي الحقيقة أن الكمال في كل شيء مستحيل. فمن طبيعة الحياة أن تكون ناقصة لكي تسعى في سبيل سد هذا النقص فلا تقف.
إن الحركة، كما ذكرنا من قبل، أصيلة في طبيعة الكون، وما السكون إلا عرض أو وهم لا وجود له. والذين يؤمنون بوجود الكمال هم الغالب من ضحايا المنطق القديم – منطق السكون والحقيقة المطلقة.
وكثيراً ما يكون النقص أنفع من الكمال للانسان. فالانسان الذي يتحرى الكمال فيما يعمل هو مريض يجب أن يعالج، وهو كلما اشتد في تحري الكمال ابتعد عنه.
ونحن لو درسنا حياة الناجحين لوجدناهم أثناء العمل في غاية الهدوء والاسترسال. فتراهم حين يعملون كالأطفال الذين شغفوا باللعب فانهمكوا فيه وغفلوا عما حولهم من الناس والاشياء. يقول (مارستون): «وقد أوتينا جميعاً هذه القدرة على التركيز ولكننا ندعها تغيض وتضيع. وتأمل مثلاً ما يسمى طيش الأطفال وقلة تبصرهم. يقول الدوس هكسلي: «ان كل طفل عبقري حتى يبلغ العاشرة. وهل هناك مظهر استغراق أعظم مما يبدو على الطفل حين يعكف على كتاب، أو يسترعي اهتمامه شيء جديد؟ وكثيراً ما نؤنب الطفل حينئذ لأنه لا يلقي باله على ما نقول، ولكن الواقع أنه منصرف بقلبه وعقله انصرافاً رائعاً إلى أمر يعنيه، ومن واجبنا أن نتقي على قدر الامكان إفساد هذه القدرة المباركة على الاهتمام الجدي بشيء ما»11. والواقع أن تحري الكمال الذي يصاب به الوسواسي يقف كالعقبة الكؤود في طريق هذا التركيز الذهني. إنه إرادة متحجرة، كما قلنا آنفاً. وهو كلما اشتد في الانسان سد عليه منافذ العقل الباطن، ومنعه من الابداع.
فالكتاب الذي ينغمر في كتابة مقال له مثلاً لا يجوز أن يقف أثناء الكتابة ليفاضل بين هذه الكلمة وتلك. إنه يجب أن يجري على سليقته حين تجيش به القريحة. وهو لو وقف في كل كلمة يكتبها لضاعت عليه المقاييس وأصبح في حيرة من أمره.
إن الكمال أمر اعتباري. فما هو كامل اليوم قد يصبح ناقصاً غداً، وما هو كامل في نظرك قد يعد ناقصاً في نظر غيرك. والذي يتحرى الكمال في ما يعمل يكثر تردده فيه. فهو لا يكاد يقر على رأي حتى يتراءى له رأي آخر، ولا يستحسن شيئاً حتى يبدو له وجه جديد من ذلك الشيء فيصرفه عنه.
إن خير ما يفعله في تلك الآونة هو أن ينساب مع السليقة، ولا يبالي حينذاك أن يخطئ. وربما كان النقص الذي يجري مع السليقة خير من الكمال الذي يتكلف فيه12.
ألف أحد الباحثين كتاباً وكان هذا الكتاب رائعاً في بعض أجزائه رديئاً في الأجزاء الأخرى. فسئل في ذلك وقيل له: «لماذا لم تتحر الكمال في جميع أجزاء كتابك، حيث كان الجدير بك أن تحذف الجزء الرديء وتبقي على الجزء الحسن منه؟» فأجابهم: «لو لم أكتب الجزء الرديء منه لما استطعت أن أكتب الجزء الحسن!».
وقد أصاب الكاتب في هذا القول كبد الحقيقة. ذلك أنه لو كان يتحرى الكمال أثناء الكتابة كما كانوا يطلبون منه حيث لا يكتب إلا ما هو حسن ورائع لأصيب بالجمود ولأخرج كتاباً فارغاً لا خير فيه فهو لو لم يجرؤ على الخطأ ويستسهل النقص الذي ظهر للناس في بعض أجزاء الكتاب لما استطاع أن يصل إلى الكمال في أجزائه الأخرى. ولذا قيل: إن الخطأ طريق الصواب، فإذا كنت لا تتحمل ظهور الخطأ والنقص في عملك كان عليك أن لا تنتظر ظهور الصواب والكمال فيه.
يقول (مارستون): «أتيح لي منذ وقت قريب أن أرى جراحاً يجري جراحة صعبة في المخ، وكانت زلة طفيفة من يده كفيلة أن يكون مؤداها الفالج أو الموت للمريض. ولم تكن براعته هي التي وقعت من نفسي، بل سكينته المدهشة. وكنت أعرف انه كان مضطرباً قبل ذلك بلحظات، ولكنه ما كاد يقف أمام طاولة العمليات حتى راح يعمل باحكام دقيق أذهلني»13.
إن هذا الجراح المطمئن قد يخطئ أحياناً، وليس في الوجود شخص لا يخطئ بتاتاً. هذا ولكن احتمال خطأه وهو ساكن مطمئن أقل جداً من احتمال خطأه وهو يدقق ويحقق ويتحرى الكمال في كل حركة يقوم بها. وربما صح القول: إن نسبة خطأه تقل بمقدار ما يعظم انغماره في العمل ويشتد انهماكه فيه. وبعبارة أخرى: انه كلما حاول تجنب الخطأ كثر خطأه14، وكلما أراد الدقة ابتعد عنها. يقول (جيمس): «إن الفرق بين العباقرة وغيرهم من الناس العاديين ليس مرجعه إلى صفة أو موهبة فطرية في العقل، بل إلى الموضوعات والغايات التي يوجهون اليها هممهم، وإلى درجة التركيز التي يسعهم أن يبلغوها».
إن من الخير إذن أن نتجنب الحرص والتعمد والدقة وشدة الإرادة أثناء العمل. فالمبدع هو الذي ينغمر في عمله ويذوب فيه. إنه لا يريد أن ينجح في عمله، ولا يقصد الكمال في أدائه. فهو حين يعمل لا يشعر بنفسه ولا يحس أن له قصداً يسعى وراءه. إنه يصبح أثناء العمل كأنه جزء من العمل، فهو يسير فيه منساباً على سليقته، وإذ ذاك يتسلم العقل الباطن زمام الأمر فيقوده إلى الغاية المنشودة من حيث لا يدري.
***
وأرجو من القارئ أن لا يذهب إلى أن الإرادة ضارة في كل حين. فهي لها أوقاتها الخاصة التي تنفع فيها. وعلى الإنسان أن يميز بين هذه الأوقات وبين تلك التي تكون الإرادة فيها مصدر شقاء وضرر.
لقد دل تاريخ العظماء على أنهم من أكثر الناس عملاً وسعياً وقوة إرادة15. ولكنهم مع ذلك اعتادوا على أن يستجموا بعد العمل فيتركوا عقولهم الباطنة سارحة كما تشاء.
إن مشكلة الفرد العادي هي أنه لا يستطيع أن يجمع في نفسه العادات المتناقضة. فهو لا يستطيع أن يستثمر عقله الباطن والظاهر معاً. فهو إما أن يكون قوي الإرادة دؤوباً كثير العمل دائماً، أو يكون كسولاً لا أبالياً في كل حين.
إن العقل الظاهر مناقض في عمله للعقل الباطن، كما سيأتي بيانه بالتفصيل في الفصل التالي. ولهذا السبب نجد أن أحد هذين العقلين لا يستطيع أن يعمل أو ينتج في الوقت الذي يكون فيه العقل الآخر عاملاً. فلا بد لعمل أحدهما من خمود الأخر.
ومشكلة الإنسان إنه إذا اعتاد على نمط معين من السلوك فإن من الصعب عليه أن يغيره متى أراد. فهو إذا اعتاد أن يستعمل عقله الظاهر ويلجأ إليه في حل المشاكل صعب عليه أن يستفيد من حوادس عقله الباطن. وكذلك يصعب عليه أن يترك الحرص والإرادة عند الحاجة إذا كان متعوداً عليهما في شؤون حياته الأخرى.
وهنا تظهر مزية العبقري وسبب تفوقه على غيره. فالعبقري نادر شاذ إذ هو يستطيع أن يكون قوي الإرادة وشديد العزم متى شاء، وأن يكون كسولاً متراخياً عند الحاجة.
إن الابداع الفكري يحتاج، كما لا يخفى، إلى أن يمر في مرحلتين هما مرحلة الخزن ومرحلة الاجترار. وبعبارة أخرى أن كل مبدع أو مفكر يحتاج في أول الأمر إلى عمل دائب حيث يجمع به المعلومات اللازمة فيخزنها في عقله الباطن لتختمر فيه وتنضج. وهذه هي ما نسميها بمرحلة الخزن. فإذا اجتاز المفكر هذه المرحلة، لجأ إلى المرحلة الثانية وهي مرحلة الاجترار حيث تراه قد جلس بعيداً، كالبقرة التي تجتر ما خزنت في كرشها من طعام غير مهضوم، وأخذ يسبح سادراً في خيالات تشبه أحلام اليقظة. إنه يترك عقله الباطن آنذاك هائماً في خيالاته كما يشاء. وحينئذ تنبعث لديه معظم أفكار الابداع والابتكار والاختراع16.
ومثل هذا يقال عن أي شخص ماهر في مختلف الفنون والحرف والصناعات. فالماهر تراه دؤوباً كادحاً حين يتمرن على فنه ويتعلم مبادئه ولكنه عند الانتاج ينسى نفسه وينغمر في عمله ويصبح آنذاك كالحالم الذي لا وعي له ولا إرادة.
***

الفصل الرابع: خوارق اللاشعور
لم تلق فكرة من الرواج والانتشار في هذا القرن مثلما لقيته فكرة اللاشعور أو العقل الباطن. وقد أصبح حتى الذين ينكرون وجود هذا العقل لا يستطيعون أن ينكروا وجود بعض القوى الكامنة في أغوار النفس حيث تسيّر الإنسان وتؤثر في سلوكه من حيث لا يشعر.
فبعدما كان الانسان في الماضي يعتبر حراً مختاراً يوجه سلوكه في ضوء العقل الواعي ويقرر مصيره بارادته، أصبح اليوم يعتبر كأنه آلة صماء تسيطر عليه الحوافز اللاشعورية وتدفع به دفعاً.
قد لا نخطئ إذا صنفنا الذين يؤمنون بوجود العقل الباطن إلى فريقين:
(1) فريق منهم، وهم أتباع مدرسة التحليل النفسي، يعتقدون بأن العقل الباطن مكمن الرغبات المكبوتة التي لم يستطع الإنسان اشباعها لسبب من الأسباب. وهذه الرغبات تبقى، في نظرهم، محبوسة في العقل الباطن وهي تحت ضغط شديد ناتج عن رقابة العقل الواعي. فإذا تخدّر هذا العقل أو ضعف أو غفل أو نام وجدت الرغبات المكبوتة في ذلك فرصة سانحة للخروج من حبسها، وهي تظهر آنذاك بصور شتى وأساليب متنوعة... وأهم مجال تظهر فيه هذه الرغبات المكبوتة، في رأيهم، هو مجال الأحلام: فقد يؤذيك أحد الناس وأنت لا تستطيع أن تنتقم منه في يقظتك فتلجأ عند ذلك إلى الانتقام منه في منامك، وهنالك تحطم رأسه بهراوتك. وكذلك قد تجوع أحياناً ولا تملك شيئاً تسد به رمقك، فإذا نمت جاءك الخدم والحشم بالطعام الشهي. وقد تجوع جوعاً جنسياً فلا يتأتى لك أن تسد هذا الجوع الخبيث إلا في النوم1.
(2) أما الفريق الآخر فيعتقدون بأن العقل الباطن هو مهبط الوحي والكشف والالهام في الانسان، وهو منبع العبقرية والنبوة والاختراع وما أشبه. وقد تطرف بعضهم فذهب إلى أن العقل الباطن هو الروح. أو هو، في رأي آخرين منهم، جزء الله الذي حل في الإنسان.
ونحن نلاحظ في رأي هذا الفريق شيئاً من الابتعاد عن الروح العلمية. فهم يعتبرون خوارق اللاشعور دليلاً على وجود عالم آخر غير هذا العالم الذي نعيش فيه. والواقع أن إدخال الأمور الغيبية في مثل هذه البحوث يقلل من قيمتها العلمية. فنحن ما دمنا نستطيع أن نعلل تلك الخوارق تعليلاً مقبولاً في ضوء الأبحاث الطبيعية والفلسفية الحديثة فلا حاجة لنا إذن بتلويثها بأفكار تقليدية لم يبت فيها العلم بعد.
إن العلم الحديث، كما أشرنا من قبل، لم يستطع حتى الآن أن يبت في الأمور الغيبية أو يحكم لها أو عليها. فليس من العلم أن نقول إنها موجودة أو غير موجودة. إن كلا القولين يمكن اعتبارهما تعصباً في نظر العلم. والملحد كالمؤمن لا يصلح أن يكون باحثاً محايداً في مثل هذه المواضيع الشائكة2.
إن تطرف هذا الفريق أثار رد فعل قوياً في الأوساط العلمية. فقد حال عدد كبير من الباحثين إلى انكار القوى النفسية الخارقة وذلك حين رأوها قد اختلطت بالأمور الغيبية والروحية.
ولا يخفى على القارئ مبلغ العداء التقليدي الذي حدث بين رواد العلم ورجال الدين في القرون الماضية، حيث صار في نفوس العلماء من جراء ذلك عقدة دفينة تدعوهم لمكافحة أي رأي فيه شيء من التراث الديني قليلاً أو كثيراً.
إن القوى النفسية الخارقة أصبحت اليوم، كما أسلفنا، من الحقائق العلمية المقررة وقد أخذت التجارب المختبرية تؤيدها تأييداً لا بأس به. ولكن الذي يخشى بعض الباحثين منه هو أن تنتهي بهم هذه الأبحاث إلى اعتناق الأفكار الروحية القديمة التي ناضلوا في القرون الماضية نضالاً طويلاً في سبيل القضاء عليها.
لقد ظهر، إزاء هؤلاء، باحثون آخرون يقولون بأننا يجب أن نسير مع البحث العلمي أينما توجه بنا، حيث يجدر بنا أن لا نخاف شيئاً ما دمنا نتبع الطريقة العلمية في البحث. إننا يجب، في رأي هؤلاء الباحثين، أن نصغي إلى ما يقول العلم على أي حال، سواء في ذلك أرجع بنا إلى الأفكار القديمة أم فتح لنا طريقاً جديداً. إن العلم في رأيهم هو نبراسنا الذي ينبغي أن نستضيء به، وليس من اللائق بطالب العلم أن يتعصب في سبيل فكرة معينة أو يتعصب ضدها ثم يخاف منها.
على هذا الرأي جرى عدد كبير من العلماء المشهورين من أمثال اوليفر لودج ووليم كروكس ووليم جيمس وشارل ريشيه وهنري سد جوك وهانز دريش وهنري برجسون... وهذا العدد في تعاظم يوماً بعد يوم.
وقد اتخذ البحث العلمي في موضوع القوى الخارقة طريقتين:
الطريقة الأولى منها هي التي سار عليها الباحثون في انكلترا وتابعهم على ذلك جماعات متعددة في أقطار أخرى. وتتلخص هذه الطريقة في الاعتناء بجمع الوثائق عن كل حادثة يظهر فيها عمل خارق. فإذا سمع الباحثون بأن شخصاً ما في بقعة من بقاع الأرض يملك موهبة عجيبة في التنبؤ أو قراءة الأفكار أو ما إلى ذلك، أرسلوا إليه ملاحظين ممن تتوفر فيهم النزاهة والصدق والحياد ودقة الملاحظة. فيقوم اولئك الملاحظون بدراسة الخوارق التي يقوم بها ذلك الشخص الموهوب ويضعونه تحت المراقبة الدقيقة ثم يقدمون عنه تقريراً بما شاهدوه. وقد تألفت لهذا الغرض جمعية في بريطانيا منذ سنة 1882، سميت بجمعية المباحث النفسية (The Socicty For Psychical Research). وكان أول رئيس انتخب لها هو البرفسور (سدجوك) أستاذ الفلسفة في جامعة كمبردج.
وقد لخص (سدجوك) الغرض من تأليف الجمعية في بخطبته الافتتاحية فقال ما مؤداه:
إننا نسمع كثيراً عن الخوارق التي يقوم بها بعض الأفراد، ويرويها لنا شهود ثقاة، ولكننا نلوي أعناقنا عنها هازئين. إن من الفضيحة حقاً أن يشهد العالم المتمدن هذا الجدال القائم بين من يروي تلك الخوارق وبين من يكذبها. ولو أن عشر هذه الخوارق التي يتناقل الناس أخبارها صحيحة لكانت قيمتها العلمية ذات أهمية لا تقدر. إن الهدف الأول لهذه الجمعية هي البت في أمر هذه الأخبار التي يتناقلها الناس في كل زمان ومكان ووضعها تحت مشرط العلم الذي لا يتطرق إليه الشك. فنحن نريد، سواء في ذلك المؤمنون منا وغير المؤمنين، أن نضع حداً لهذه الفضيحة التي يعانيها العالم المتمدن الآن. إننا نريد أن نعلم علم اليقين عما إذا كانت هذه القصص المروية صحيحة أم لا. وفي كل حادثة نسمع عنها سوف لا نألوا جهداً في أن نتحرى مدى الصدق فيها. فنحن نريد أن نعلم، ولا نريد أن نبرهن على شيء علمناه سابقاً. إن غايتنا هي الحقيقة بغض النظر عما إذا كانت نتيجتها سلباً أو ايجاباً3.
وقد سارت الجمعية على منهجها هذا الذي أعلنه رئيسها الأول، وجمعت لذلك في سجلاتها من الوثائق والشهادات عدداً كبيراً. وهي في الواقع لم تتردد في إعلان كذب كثير من الوسطاء الذين تقدموا اليها، وكتبت على صفحات مجلتها طريقة الغش التي يلجأ اليها بعض المشعوذين.
وقد كان لنجاح هذه الجمعية صداه في انحاء العالم فأسست فروع لها في أقطار أخرى كفرنسا وامريكا وهولندا والدانمارك والنروج وبولندا وغيرها.
ونحن نتمنى أن يؤسس فرع لها في العراق. ففي هذا البلد نسمع عن كثير من الخوارق، وطالما استهزأنا بها. ونحن نريد أن نضع حداً لهذا النزاع العقيم بين من يصدق بها ويكذبها. فمن السهل جداً أن نؤلف لجنة علمية محايدة تبحث في صحة الأخبار التي يتناقلها الناس هنا عن كرامات الأولياء والمتصوفة أو غرائب العرافين والسحرة أو ما اشبه. ولعلنا نعثر من بين هذه الاكوام المليئة بالكذب على قسط صغير من الحقيقة قد يكون له شأن كبير في تفكيرنا العلمي.
لقد توصلت جمعيات المباحث النفسية في بريطانيا وغيرها إلى أن لدى الانسان ملكات نفسية خارقة أهمها ثلاث وهي: تناقل الأفكار (Telepathy) ورؤية الأشياء من وراء محاجز (Clairvoyance) والتنبؤ (Foreknowledge).
والغريب أن كثيراً من الناس يستطيعون أن يحدثونا عن واقعة وقعت لهم تشير إلى وجود موهبة في الانسان تكتشف فكر الغير أو تتنبأ عن بعض حوادث المستقبل أو تستشف الأشياء المخفية. ولكننا تعودنا أن نعزو ذلك إلى الصدفة. فإذا حلم أحدنا حلماً ثم صدق حلمه بعد مدة قلنا إنها مصادفة. والواقع أننا قد تطرفنا في الاعتماد على الصدفة. فالصدفة ليست عمياء كما كان يظن سابقاً. إنها تجري حسب قوانين ثابتة وهي لا تتعدى في عملها نسبة مئوية معينة. وقد بحث علماء الاحصاء في قوانين الصدفة ولم يبق منها جزء مجهول نستطيع أن نعزو إليه الأشياء التي نعجز عن تعليلها تعليلاً معقولاً.
فلو حلم أحدنا بموت قريب له ثم وجدنا أن قريبه ذلك مات فعلاً بعد الحلم، فإننا نقف حائرين إزاء هذه المشكلة: لا ندري هل كان ذلك الحلم تنبؤاً حقيقياً عن الحادثة قبل وقوعها أم كان محض مصادفة.
يقول السر اوليفر لودج، العالم الطبيعي المشهور، في هذا الصدد ما يلي: إن احتمال موت الانسان في أي يوم من أيام حياته هو احتمال ضعيف جداً يقارب معدله ( 1 من 19000) على اعتبار أن متوسط عمر الإنسان نحو خمسين سنة أي (19000) يوم. فإذا حلم إنسان بموت أحد معارفه (19000) مرة ثم صدق حلمه مرة واحدة كان ذلك من قبيل المصادفة المحضة حسب قانون الاحتمالات. هذا ولقد ثبت من التحريات التي اجرتها جمعية المباحث النفسية أن الأحلام تصدق بنسبة (1 من 47). أي أن كل 47 حلماً يراه النائم يصدق منها حلم واحد، فيتضح من ذلك أن قدرة الحلم على التنبؤ أعلى جداً من قدرة الصدفة. فمن أين جاءت هذه القدرة الاضافية؟
يعلل السر أوليفر لودج هذه القدرة بأنها نتيجة نوع من الاتصال بين عقل المحتضر وعقل من يحلم بموته4.
يروي البروفسور راين قصة حلم عجيب، وهو يؤكد صحة هذه القصة ويعتمد على صدق من رواها له، فيقول: إن سيدة رأت في المنام أخاها وهو يدخل بيته ثم يدخل حصانيه في الاصطبل فيحلل أربطتهما ويذهب بعد ذلك إلى مخزن العلف فيخرج مسدسه ويطلقه على نفسه. وقد رأته في الحلم بوضوح وهو يتدحرج ميتاً لا حراك به وقد سقط المسدس من يده. وقد استيقظت السيدة مذعورة حيث أصرّت على زوجها أن يركب عربته ليذهب بها إلى بيت أخيها وكان بعيداً عن بيتها. ولقد دهشت السيدة كل الدهشة حين رأت جسد أخيها مطروحاً في نفس المكان الذي رأته في الحلم، والمسدس ساقط بجانبه على النمط الذي حلمت به5.
إن هذه القصة، إن صدقت، لا يمكن أن تكون من جراء مصادفة. فإن التفاصيل التي حلمت بها السيدة ثم رأتها بعد ذلك واقعة هي متعددة ومعقدة، وليس من السهل أن تجتمع كلها في الحلم وفي الواقع في وقت واحد. إن تعليلها بالصدفة أصعب جداً من تعليلها بالقوى النفسية على أي حال. ونحن لا يجوز لنا أن نتطرف في انكار الوقائع بمقدار ما يتطرف السذج من الناس في تصديق الأوهام. إن سرعة التصديق وسرعة الانكار كلاهما يدلان على سذاجة غير محمودة.
إن هذه القصة وغيرها حرّضت البرفسور (راين) على أن يؤسس فرعاً في الجامعة التي كان يدرس فيها، أي جامعة (ديوك) في ولاية كارولينا الشمالية في أمريكا، لبحث هذه الظواهر العجيبة ولوضعها على بساط التجريب والاختبار العلمي. وقد أيده في عمله هذا وساعده البرفسور (وليم مكدوجل)، العالم النفساني المشهور، وكان آنذاك رئيس فرع علم النفس في تلك الجامعة.
لقد سمى (رايسن) بحثه الأنف الذكر بعلم النفس الهامشي (Parapsychology)، وقد أسس له مختبرات علمية منظمة، وجمع له مساعدين أكفاء.
إن طريقة (راين) تختلف عن طريقة جمعيات المباحث النفسية في كونها لا تهتم بأولي المواهب الخارقة كثيراً كما تهتم بهم تلك الجمعيات. إن (راين) يريد أن يفحص الفرد العادي ومعدل ما لديه من قدرة خارقة.
تقول جمعيات المباحث النفسية ان المواهب الخارقة هي كعيون النفط ومناجم المعادن، إذ هي لا تتوفر إلا في افراد قلائل. ولذا وجب علينا أن نبحث عن هؤلاء الأفراد كما تبحث شركات الاستثمار عن الأماكن التي تكثر فيها عروق المعادن. أما (راين) فيريد أن يكتشف أغوار النفس البشرية. فهو يحاول أن يفحص كل انسان مهما كان ليستخرج من ذلك المعدل العام. فإذا كانت الصدفة تصدق في حدسها بنسبة معينة حسب قانون الاحتمالات ثم وجدنا أن الناس يستطيعون أن يصدقوا في حدسهم بمعدل أعلى من تلك النسبة بجزء صغير كان ذلك دليلاً قاطعاً على وجود قدرة خارقة لديهم.
لقد اتخذ (راين) طريقة خاصة في بحث هذه القدرة. وذلك أنه استعمل نوعاً من الورق الذي يستعمل عادة في المقامرة. وعليه اشكال خاصة هي: النجمة والموجة والمربع والصليب والدائرة. ففي كل تجربة يجريها يستعمل (25) ورقة وفي كل خمس منها شكل معين من هذه الأشكال الخمسة. ويأتي الشخص المراد فحصه فيجلس على طاولة التجارب حيث يجلس مقابله الباحث الذي يريد أن يقوم بالتجربة. وإذ ذاك يأخذ المفحوص بالحدس إزاء كل ورقة تعرض عليه، وتسجل أجوبتها تسجيلاً دقيقاً.
إن التجارب المتعددة التي أجراها (راين) وغيره دلت على أن الإنسان يملك في الغالب قدرة على الحدس بمعدل يفوق معدل الصدفة قليلاً أو كثيراً.
ومن الأحداث التي أثارت اهتماماً كبيراً في الأوساط العلمية هو ما حدث في فرع علم النفس في جامعة (كولورادو) حيث أجريت التجارب هناك على أكثر من ثلاثمائة شخص، وكان عدد تلك التجارب يتجاوز الثلاثمائة الف تجربة. وكان لهذا الحدث العلمي صداه الكبير ذلك لأن التجارب كلما كثر عددها كانت نتائجها أدق وأدعى إلى اليقين.
وعلى كل حال لقد كان المعدل الذي احرزه المفحوصون في هذه التجربة الكبرى أعلى من معدل الصدفة بمقدار قليل جداً، حيث كان المعدل (5.83 من 25) أي أنه يزيد على معدل الصدفة بـ(0.83)6. وهذه الزيادة على ضئالتها لها دلالتها. فهي تشير بأن هناك شيئاً فوق الصدفة يلعب دوره في حياة الإنسان. وهذا المعدل الضئيل الذي أحرزه المفحوصون لا يعطينا صورة دقيقة لما يملك كل فرد من المقدرة الخارقة. فهو معدل مجموعهم، وهذا لا يمنع أن يكون بعضهم أولي مقدرة تفوق معدل الصدفة بدرجة كبيرة. والواقع أن أحد الباحثين في كلية (هنتر) في ولاية نيويورك أجرى تجاربه على فتاة عرفت بقوة حدسها. فاستطاعت أن تحرز معدل (18 من 25) أثناء تجارب متعددة بلغت (74) تجربة. وقد آثر هذا الباحث أن يجعل الفتاة في بناية بعيدة عن بنايته التي كان يجري فيها تجاربه إذ كانت تعطيه الاجابة عن طريق التلفون. وقد بلغت بصحة حدسها في بعض التجارب درجة مدهشة جداً حيث كانت أجوبتها كلها صحيحة7. وهذا أمر لا يمكن تفسيره بعامل الصدفة على أي حال.
إن أبحاث (راين) وغيره قد أثارت في أمريكا عاصفة من النقد. وحين اجتمع مؤتمر الاحصاء الرياضي في كانون الأول من 1937، ناقش الأعضاء الناحية الاحصائية من هذه الأبحاث. وقد اذاع المؤتمر بعد انفضاضه إلى الصحف البيان التالي:
«إن أبحاث (راين) لها ناحيتان: تجريبية واحصائية. والرياضيون لا يستطيعون أن يقولوا شيئاً عن الجانب التجريبي منها. أما عن الناحية الاحصائية فقد اظهرت الأبحاث الرياضية الحديثة أن التحليل الاحصائي فيها صحيح. وإذا كان من الممكن أن تهاجم أبحاث (راين)، فانها ينبغي أن تهاجم من ناحية أخرى غير الناحية الرياضية»8.
ويبدو أن هذا البيان لم يخفف من وطأة النقد الموجه ضد تلك الأبحاث، إذ هي لا تزال تجابه مقاومة لا يستهان بها من قبل أساتذة الجامعات في مختلف الولايات الأمريكية. وكثير من هؤلاء الأساتذة يميلون إلى اعتبارها من قبيل السخافة أو الخرافة. وقد حاول بغضهم أن يجري التجارب سراً مخافة أن ينفضح أمره بين زملائه فيكون موضع السخرية منهم.
ويروي (راين) أن أحد الباحثين في امريكا توصل في تجاربه إلى نتائج هامة ولكنه امتنع عن نشرها، حيث قال: «إن عائلتي تريد طعاماً» أي أنه يخشى أن ينشر أبحاثه فتعزلة الجامعة التي يعمل فيها وتبقى عائلته من غير طعام.
***
ولتلخيص ما سبق نقول: إن الباحثين يسيرون في هذا الموضوع على
طريقتين:
(1) الأولى منها هي طريقة فحص الوقائع والتثبت من صدق شهودها وجمع الوثائق عنها. وهذه الطريقة هي ما سارت عليه جمعيات المباحث النفسية في مختلف أنحاء العالم.
(2) والطريقة الثانية هي طريقة البرفسور (راين) وأتباعه، وهي تجري على أساس التجريب والاحصاء. وقد أخذت تنتشر في بعض الجامعات.
والملاحظ أن هاتين الطريقتين قد توصلتا إلى نتائج متشابهة مؤداها أن في الانسان قدرة على الاحساس الخارق، أو ما يسميه (راين) بالاحساس من غير حاسة (Extra Sensory Perception).
ويظهر أن الرأي العلمي أخذ يتجه حديثاً إلى الاعتراف بحقيقة هذا الاحساس. وقد أدلى مؤخراً البرفسور (ثولس)، أستاذ علم النفس في جامعة (كمبردج)، ببيان في هذا الصدد قال فيه: «إن هذه الظاهرة يجب أن تعتبر حقيقة ثابتة كأية حقيقة أخرى توصل اليها البحث العلمي. فلنترك إذن أمر البرهنة على وجودها في سبيل اقناع المرتابين، ولنتوجه عوض ذلك نحو الاستمرار على دراستها بقدر الامكان. فإننا باطلاعنا على طبيعتها اطلاعاً أوفى سوف نجد الصعوبات التي تكتنف التصديق بوجودها قد قلت إلى حد بعيد»9.
ولعلي لا أغالي إذا قلت إن المشكلة تنحصر اليوم، ليس في تكذيبنا أو تصديقنا بهذه الظاهرة الخارقة، بل في قلة معرفتنا بطبيعتها. فالباحثون اليوم لا يشكون في وجودها، ولكنهم لا يعرفون ماهيتها والقوانين التي تسير عليها معرفة تامة. وقد حاول البعض منهم وضع فرضيات ونظريات حول طبيعتها، واختلفوا... ثم لم يصلوا حتى الآن إلى ما يمكن الاعتماد عليه اعتماداً كبيراً.
إن الباحثين لا يودون، كما أسلفنا، أن يعللوا هذه الظاهرة بالتعليلات الغيبية أو الروحية، إذ أن هذه التعليلات لا تصل بهم إلى نتيجة موضوعية يستطيعون الاهتداء بها في أبحاثهم المقبلة. إنهم يريدون تعليلها تعليلاً طبيعياً منسجماً مع القواعد العلمية التي يسيرون عليها في أبحاثهم الأخرى؛ فذلك في نظرهم هو الطريق الوحيد الذي يؤدي بهم إلى مواصلة البحث. فإذا قالوا مثلا بأن هذه الظاهرة الخارقة مصدرها الروح فإن ذلك معناه الوقوف في بحوثهم عند هذا الحد الذي لا يمكن تعديه. وقد فشل الأوائل في بحوثهم حين فسروا الظواهر الغامضة بتفسير غامض مثلها ووقفوا عنده.
هذا ولقد امتنع (راين) وكثير من العلماء غيره عن الانهماك بأي تعليل لهذه الظاهرة التي يدرسونها. فهم يقولون: بأن هذه المرحلة الابتدائية التي نحن فيها هي مرحلة اكتشاف الوقائع وجمع الوثائق. ونحن لم نصل بعد في نظرهم إلى الدرجة التي نقدر بها على التعليل والتفسير أو على وضع الفرضيات والنظريات.
وقد جاء باحثون آخرون فقالوا بعكس ذلك وذهبوا إلى أن الفرضيات التي توضع اثناء البحث قد تساعد على تقدمه وعلى فتح أبواب جديدة فيه. إن جمع الحقائق وحده لا يكفي في نظر هؤلاء. وقد دل تاريخ العلم، كما يقولون، على أن وضع الفرضيات وجمع الحقائق كلاهما ضروري في البحث، وهما في الواقع يسيران جنباً إلى جنب في كل تقدم علمي حصل عليه الانسان.
وعلى أي حال، فقد كثرت الفرضيات والنظريات التي وضعت لتعليل هذه الظاهرة الخارقة. وأود أن اجتزء منها في هذا المجال فرضيتين فقط، حيث اعتقد أنهما من أوسع الفرضيات المنتشرة رواجاً واكثرها اتباعاً. وهاتان الفرضيتان هما: فرضية (تشنر) وفرضية (سينل).
و(تشنر) يعتقد بأن ما ندعوه بالعقل الباطن أو اللاشعور له قدرة على تخطي المسافات المكانية، وذلك لأنه شيء غير مكاني.
يقول (تشنر): «إن الناحية الشعورية من اذهاننا تمتاز بفرديتها، فلكل فرد عالمه الذهني المشعور به وهذا العالم مغلق عليه لا يستطيع أي فرد آخر أن يطلع على ما به إلا إذا سمح صاحبه بذلك عن طريق اللغة أو سواها من الوسائل الاجتماعية المتواضع عليها. أما ما تحت الشعور فيمتاز بأنه «غير فردي» ويمكن القول بأنه الذهن الذي يشارك فيه العالم بأسره، أي أنه ذهن فوق الفردي وبذلك تكون لديه معرفة بأشياء لا يمكن للعقل الفردي تحصيلها... »10.
ويرى (تشنر) بأن العقل الفردي، أو ما نسميه عادة بالعقل الظاهر أو الواعي، يمنعنا اثناء يقظته وانتباهه من الانتفاع بالعقل الباطن الذي يخترق حدود المكان. ولهذا نجد اصحاب المواهب الخارقة لا ينتفعون من مواهبهم إلا حين تركد عقولهم الواعية أو تدخل في ذهول أو غيبوبة. فالعقل الباطن يستطيع أن يقرأ افكار الغير ويستشف الأشياء المغيبة حينما تسنح له الفرصة وذلك عند خمود العقل الواعي قليلاً أو كثيراً.
هذه هي خلاصة الفرضية التي جاء بها (تشنر) في تعليل الاحساس الخارق، ويؤيده في ذلك عدد من الباحثين على وجه من الوجوه11. أما (سينل) فيذهب في تعليله مذهباً آخر. وهو يعتقد بوجود حاسة سادسة في الانسان تمكنه من ادراك أشياء لا يمكن ادراكها بواسطة الحواس الخمس المعروفة؛ وقد سمى كتابه الذي ألفه في هذا الموضوع «الحاسة السادسة».
و(سينل) يرى بأن كل مادة في الكون تبعث ذبذبات أو امواج أثيرية12 خاصة لا تدركها الحواس الخمس. ويعتقد هو بأن النتوء الصنوبري الصغير الموجود في اسفل المخ من ناحية النخاع الشوكي هو عبارة عن الحاسة السادسة التي تدرك تلك الذبذبات وتتأثر بها احياناً13.
لقد حار العلماء فعلاً في طبيعة هذا النتوء وفي وظيفته. ولم يستطيعوا حتى الآن أن يكتشفوا له تأثيراً فسلجياً معيناً. و(سينل) يحاول أن يجمع الأدلة على أن هذا النتوء الصنوبري قد كان موضع حاسة قوية في بعض الحيوانات وأخذ يتضاءل في الإنسان، إذ لم يبق منه اليوم إلا بقية أثرية قد تكون ذات أثر خارق لدى بعض الأفراد.
ويرى (سينل) أن مخ الانسان يمكن اعتباره لهذا السبب بمثابة جهاز لاسلكي. وهو يقول في هذا الصدد ما يلي: «والفرق الوحيد بين الجهازين اللاسلكي والعقلي هو أن الأول مكون من مادة غير عضوية على هيئة بطاريات واسلاك، وأن الثاني مكون من مادة حية في شكل خلايا حساسة وأنسجة عصبية. أما عمل الاثنين فواحد، وهو ايصال الموجات الاثيرية غير المنظورة وغير المسموعة إلى الحواس في شكل تموجات مفهومة مميزة»14.
ويعتقد (سينل) بأن الحاسة السادسة في الحيوانات أقوى جداً مما هي عليه في الانسان. والحيوانات في رأيه تعتمد على هذه الحاسة اعتماداً كبيراً، إذ هي من أهم العوامل في حياتها الاعتيادية. ويستطيع أن يدرك ذلك كل شخص قد عنى بملاحظة الحيوانات. (وسينال) يأتي بأمثلة عديدة على أثر هذه الحاسة السادسة في الحيوان والنبات. ويذكر ما نسميه «بحاسة الاتجاه» أو «غريزة التأويب» في الحشرات والطير والزواحف دليلاً على ذلك. أما الإنسان في رأيه فقد نمى عقله المفكر وأخذ يعتمد عليه في حياته فتقلصت بذلك وظيفة الحاسة السادسة، واصبحت ضعيفة.
إن الحاسة السادسة لا تزال تعمل بخفوت في الانسان، حسب ما يقول (سيتل). ولكن الانسان لا يلقي باله اليها، أو يرى نفسه في حاجة اليها. فالانسان مشغول بشؤون هذه الحياة يتأمل فيها ويدبر الخطط لها. ولذا فنبضات الحاسة السادسة تضيع وسط هذه الضوضاء العقلية كما يضيع «صوت الصرصور إذا انطلق في اثناء حفلة مقامة وسط حديقة غناء، تتجاوب في جنباتها أصوات الموسيقى الصادرة من فرقة نحاسية»15.
واصحاب المواهب الخارقة، في رأي (سينل)، لا يستطيعون أن يصيبوا في حدسهم إلا إذا وقفت حركة تفكيرهم. وقد يتفق أحياناً أن تكون لدى بعض الناس القدرة على إيقاف حركة المخ بصفة مؤقتة، أو أن يجعلوه «صفحة بيضاء» إذا صح هذا التعبير، فيقدرون بذلك على أن يحسوا بالأشياء والأفكار احساساً خارقاً.
ويذهب (سينل) إلى أن الأطفال عادة أقوى حدساً16 من البالغين. وهو يعلل ذلك بأن النتوء الصنوبري في الطفل أكبر منه في البالغ كما يدل على ذلك علم التشريح. وهو يذهب أيضاً إلى أن الفطريين والمتوحشين أقدر على الحدس من المتمدنين وذلك لصفاء أذهانهم في هذه الناحية، وقلة اعتمادهم على التفكير المركّز في الحياة. وهو يأتي بقصص يؤثق بصحتها للتدليل على ذلك17.
إن فرضية (سينل) هذه لها، على كل حال، مؤيدوها الكثيرون، ويبدو أن عدداً كبيراً من العلماء الطبيعيين يميلون اليها، وذلك لما فيها من بساطة ومن ملائمة للنظريات الفيزيائية الحديثة. فالرأي السائد بين الفيزيائيين، كما ذكرنا من قبل، يتجه إلى اعتبار الكون كله مؤلفاً من أمواج كهربائية (Electromagnetic Waves) وأن المادة نفسها ليست، في نظرهم، إلا امواجاً معلّبة.
وقد قرر البرفسور (دنكان)، استاذ الطبيعة في جامعة نيويورك سابقاً، ان الأمواج تنطلق بلا انقطاع من كل مادة في الوجود فتصطدم بما حولها من مواد، وتؤثر فيها18.
وقد اكتشفت الأبحاث الحديثة أنواعاً معينة من الأمواج الكهربائية تنطلق من دماغ كل انسان، وهي تختلف في النوم عنها في اليقظة، وفي التفكير عنها في الذهول، وفي المرض عنها في الصحة. وقد اخترع جهاز كهربائي خاص لتسجيل هذه الأمواج الدماغية. ويذهب الدكتور (دايفس) إلى القول بأن كل فرد يطلق من رأسه امواجاً دماغية خاصة به دون غيره، أي أن الأمواج الدماغية مثل بصمة الأصابع لا يتشابه فيها اثنان من البشر19.
وبناء على هذا فإن من السهل جداً أن نعلل ظواهر تناقل الأفكار وغيرها مم الأمور الخارقة بأنها من فعل امواج غير منظورة. ويسهل كذلك أن نتصور الفضاء المحيط بنا مملوءاً بمختلف أنواع الأمواج، إذ هي تؤثر فينا تأثيرات مختلفة من حيث لا نعلم.
وكثيراً ما يجد أحدنا نفسه منشرحاً أو مكتئباً من غير سبب ظاهر. وقال يحدث احياناً أننا نميل إلى موافقة شخص على أمر فإذا جاءنا شخص آخر رفضناه، وحين يسألنا أحد عن سبب هذا التناقض فينا تملكتنا الحيرة ولا نعرف له جواباً. فمن يدرينا لعلنا ضحايا تلك الأمواج التي تغمرنا في كل وقت فتحفزنا إلى اعمال متناقضة. ونحن ننساق معها ثم ندعي بأننا عقلاء!.
وقد ندخل إلى مكان فينقبض صدرنا فيه ونذهب إلى مكان اخر فنفرح. قد يكون سبب هذا راجعاً إلى جمال المكان أو قبحه من الناحية المادية، هذا ولكن الناحية المادية وحدها لا تكفي احياناً لتعليل هذا التفاوت النفسي الذي نشعر به في الأماكن المختلفة.
لقد ثبت علمياً، كما سنذكره فيما بعد، أن الذرة تخزن بعض الأمواج التي تتلقاها من الخارج ثم تطلقها بعدئذ. فمن الجائز إذن أن تخزن ذرات الهواء وذرات الجدران والأثاث في مكان ما شيئاً من الأمواج المنبعثة من أدمغة اصحابه ثم تطلقها علينا عند دخولنا فيه وبذا فنحن نتأثر بها سلباً أو ايجاباً من حيث لا نشعر.
***
حدثني صديق فقال: إنه كان ذات مرة يطلب شيئاً معيناً، وقد بحث عنه في كل مكان فلم يجده. وبينما كان يسير بسيارته حائراً لا يدري ماذا يفعل إذ خطر له فجأة أن يدور بسيارته فيتجه نحو أحد الشوارع الفرعية التي لا غرض له بها. وهو قد عجب من نفسه حين اتجه بسيارته نحو ذلك الشارع من غير سبب ظاهر. لكنه عثر بعد لحظة من سيره في ذلك الشارع على شخص عنده ذلك الشيء الذي كان يبحث عنه...
إن هذه قصة ربما حدث ما يماثلها لكل واحد منا. ونحن نميل إلى تعليلها بالصدفة. وهذا تعليل مقبول لا غبار عليه. ولكننا نستطيع أيضاً أن نعللها بتجاوب الأمواج النفسية بين الشخص والشيء الذي يريده.
يقول (سينل): «... ليس منا من لم يقرأ شيئاً عما يقع الفارس وجواده، وقد توغل هذا الفارس في اقليم قفر متسع الرقعة. وقد يكون منا من جرب ذلك بنفسه. إن الفارس والجواد كلاهما يشتد به الظمأ، ولا يطيق الصبر على الماء، ولكنه لا يجد أقل دليل عليه. فإذا أعيت الرجل الحيل ترك العنان لفرسه يسير كيفما يشاء. فإذا كان في الاقليم وشل من ماء يمكن الوصول إليه اتجه الفرس صوبه، ولو كان على بعد اثني عشر ميلاً منه. وسبب ذلك أن الصورة الذهنية لهذا الماء الذي يستطيع الوصول إليه قد أوجدت في مخ الحصان موجة طولها كطول الموجة المنبعثة من الماء، فانساق الفرس نحو المصدر الذي تنبعث منه هذه الأمواج... »20.
إننا لا نعلم مبلغ هذا القول الذي جاء به (سينل) من الصحة وهو لو صح لكان له أهمية كبيرة في حياتنا العملية. ويخيل لي أن كثيراً من المصادفات السعيدة التي يحظى بها بعض الأفراد دون غيرهم من الناس راجع سببها إلى ما يملكون من مقدرة على توجيه أذهانهم نحو الأشياء التي يبتغونها.
يحكى أن (رومل)، القائد الالماني الذي اشتهر في الحرب العالمية الثانية، كان يؤمن بالحاسة السادسة ويستخدمها في إدارة المعارك. فبينما كان قواد الانكليز يدققون ويحققون في كل خطوة يخطونها، ويحسبون لكل أمر حسابه، كان (رومل) يباغتهم بضربة قاصمة لا تدخل في قائمة الحساب، ولا تعرف تدقيقاً وتحقيقاً.
ويحكى مثل هذا عن (هانيبال) القائد القرطاجي الهائل الذي هزم الرومان في عقر دارهم. فقد كانت له مقدرة على أن يقرأ فكر خصمه ويعرف خططه، فيضع لها ما ينسفها21.
يروي (سينل) انه كان يعرف فتاة لها قدرة كبيرة على تلقي الأمواج النفسية وارسالها والتأثر بها. وكانت ابنة صديق قديم له. وقد ذكر قصة جرت له معها تستلفت النظر حقاً. قال (سينل):
«جئت يوماً إلى منزل صديقي في زيارة لم تكن متوقعة، ووصلت إلى المنزل ظهراً، فوجدت زوجة الصديق تعد لي الغداء، ودهشت لهذا العمل لأن اليوم الذي جئت فيه لم يكن آخر الاسبوع الذي كنت أقضيه في العادة عند هؤلاء الأصدقاء، وأقبلت الفتاة من الحديقة وقالت «إذن لقد تلقيت رسالتي اللاسلكية في هذا الصباح. لقد كنت شديدة الرغبة في أن تجيء الينا بعد ظهر اليوم». والحق أني حين بدأت رحلتي في صباح ذلك اليوم (وهي تبلغ ثلاثة أميال بالقطار وستة على الأقدام)، لم أكن أدري ما يحملني على الذهاب إلى بيت الأصدقاء، ولو أن انساناً سألني عن سبب هذه الزيارة المفاجئة لتحيّرت في الجواب، وكل ما في الأمر أني أحسست بالرغبة في الذهاب اليهم، وكانت هذه الحادثة مثلاً من حوادث أخرى كثيرة من نوعها»22.
إن هذه القصة تفتح لنا مجالًا كبيراً للتأمل. فرغبة تنشأ في نفس شخص ما تجعل شخصاً آخر يستجيب لها من مكان بعيد. إن هذا أمر يصعب علينا تصديقه، ولكنه على أي حال ممكن.
فالإنسان حين يتردد أحياناً ويقف حائراً لا يدري أين يتوجه قد تؤثر فيه أمواج صادرة من أحد الذين يطلبون مجيئه فيستجيب لها ويسير حسب ما توحيه اليه.
وهنا يظهر أثر ما يسميه الناس بالحظ. فالشخص الذي يملك في نفسه جهازًا قويًا لارسال الأمواج أو استقبالها يستطيع أن يؤثر في الناس ويوجههم نحو الوجهة التي يرغب فيها أكثر مما يستطيعه ذلك البائس الذي تضعضع جهازه وخارت قواه وملأ قلبه التشاؤم.
إن من الممكن أن نتصور بؤساء يرغبون في مجيء شخص إليهم فيبتعد ذلك الشخص عنهم، ويطلبون شيئاً فيصعب عليهم. إنهم حين يريدون شيئاً تأخذ مخيلتهم بارادة نقيضه وذلك لأنهم قد جربوا الفشل في الحياة مراراً فأصبحت صورته ثابتة في أذهانهم، وتراهم لهذا يكدون ويكدحون فلا يحصلون من وراء ذلك إلا التعب والعناء.
فالناس من هذه الناحية إذن فريقان: فريق تستلين له الحياة ويستجيب له الناس وهو سادر مستغرق لا يبالي، وفريق آخر يجالد ويكافح فتصعب عليه الحياة بمقدار ما جالد وكافح.
لقد آن للناس أن يدركوا سر الحظ الذي خفي على الأجيال الماضية، وأن يلتفتوا إلى ما تحتوي عليه النفس البشرية من أفانين القوى التي تشتدّ في عملها كلما غفلنا عنها وتعني بنا متى أهملناها.
***
قلنا ان عدداً كبيراً من الباحثين يميلون إلى تفسير الاحساس الخارق بوجود أمواج أو ذبذبات خفية يتأثر بها الإنسان من حيث لا يشعر. وقد جوبه هذا التفسير، على كل حال، باعتراضات عديدة. وربما كان أهم تلك الاعتراضات الاعتراضان التاليان:
(1) لقد اكتشف الباحثون إن الاحساس الخارق لا يتأثر بالمسافة. فقد يقرأ الموهوب فكر غيره وهو قريب منه ولكنه يبقى قادراً على ذلك حين يبتعد عنه. وقد ظهر من بعض تجارب (راين) ان الانسان قد يستشف الأشياء المغيبة من بعيد أوضح مما يستشفها عن قرب. وهذه الحقيقة تنافي فرضية الأمواج، ذلك لأن الأمواج الكهربائية تضعف كلما طالت المسافة، وقوتها تتناسب تناسباً عكسياً مع مربع المسافة – كما هو معلوم.
(2) ولقد أظهرت الأبحاث العلمية أيضاً: ان الاحساس الخارق قادر على التنبؤ أحياناً عن بعض حوادث المستقبل23. وهذه الحقيقة تنافي فرضية الأمواج أيضاً، حيث لا يستطيع الإنسان أن يتصور أمواجاً صادرة عن حدث لم يحدث بعد أو شيء لم يخلق وما ندري ماذا سوف يأتي به الغد عليه.
إن هذين الاعتراضين قويان حقاً، ولكنهما مع ذلك لا يخلوان من ضعف على وجه من الوجوه. ولعل من الممكن ردهما.
فنحن اليوم لا نعرف عن طبيعة الاحساس الخارق شيئاً كثيراً حيث لا نزال في مفتتح الطريق ولا ندري ماذا سيكشف لنا البحث في الأيام المقبلة من خفايا وأسرار في هذا السبيل. ومن المحتمل جداً أن تكون أمواج الاحساس الخارق قصيرة جداً إذ هي أقصر من الأشعة السينية أو الأشعة الكونية. هذا مع العلم أن الأمواج الكهربائية تختلف بخصائصها وطريقة سيرها تبعاً لما هي عليه من طول أو قصر.
وقد علمتنا الاذاعات المختلفة، التي مارسنا الاستماع اليها في السنوات الأخيرة، كيف أن الأمواج القصيرة تكون أحياناً واضحة في البعد والقرب معاً، وذلك لأنها حين تخرج من محطة الاذاعة تصعد مرتفعة نحو السماء فتصطدم هنالك بطبقات معينة ثم ترجع إلى الأرض على بعد شاسع من غير أن يؤثر فيها هذا البعد تأثيراً كبيراً. إننا ننتظر أن يكشف لنا العلم في المستقبل كثيراً من الحقائق التي يمكن أن تنير لنا هذا الغموض الذي يكتنف طبيعة الأمواج الكهربائية، المعروفة منها والمجهولة. ومن يدرينا فلعل أحفادنا سيسخرون مما نحن عليه اليوم من سذاجة وجهل في هذا الموضوع بالنسبة لما سوف يعلمون منه.
وقد دلت أبحاث (اينشتاين) أن الأمواج تسير في فضاء غير هذا الفضاء الذي نتصوره. فنحن قد اعتدنا أن نتصور الفضاء فراغاً له أبعاد ثلاثة، بينما (اينشتاين) يقول: بأن الفضاء له أبعاد أربعة هي: الطول والعرض والارتفاع والزمان. وهذا القول يؤدي بنا إلى اعتبار الزمان بعداً في الفضاء لا يختلف عن الابعاد الأخرى إختلافاً جوهرياً.
ومعنى هذا ان التنبؤ عن حوادث المستقبل لا يختلف في جوهره عن الاحساس بأشياء موجودة في الوقت الحاضر. فالنفس البشرية التي تستطيع أن تخترق حاجز المسافة المكانية تستطيع أيضاً أن تخترق حاجز المسافة الزمانية. إنها قد تبصر شيئاً مختفياً عنها في ثنايا المستقبل بنفس السهولة التي تبصر بها شيئاً مغيباً عنها في أحد الأبعاد الثلاثة الأخرى من الفضاء.
إن هذا أمر لا نقدر على تصوره طبعاً، لأننا قد اعتدنا أن نتصور الزمان منفصلاً عن المكان. ولكن الأبحاث الرياضية الجديدة لا ترى في ذلك أية صعوبة. فالزمان في نظرها امتداد في الفضاء كامتداد الطول والعرض والارتفاع فيه. والمسافة بين الماضي والمستقبل لا تختلف في صميم طبيعتها عن أية مسافة معينة على سطح هذه الأرض مثلاً. فلا فرق إذن بين أن ينظر الإنسان نحو حوادث الغد أو ينظر نحو حوادث أخرى تجري الآن في ناحية من نواحي البلد. وعلى هذا الاعتبار فإن الزمان لا يسير، إنما هو واقف في مكانه. ونحن الذين نسير في الواقع، حيث ننتقل من نقطة إلى أخرى على امتداد خط الزمان المديد.
إن راكب القطار السريع يتصور أحياناً، حين ينظر من النافذة، أن ما حوله يتحرك وهو واقف. على هذا المنوال يتصور الإنسان الزمان متحركاً بينما هو في الحقيقة ساكن. إن المستقبل لا يأتي الينا إنما نحن نذهب اليه، فهو موجود «هناك» في نقطة من نقاط الزمان، ويستطيع الإنسان أن يطلع عليه إذا كان موهوباً بموهبة الاحساس الخارق.
تصور أيها القارئ أنك راكب في زورق حيث تسير به في نهر كثير الالتواء فانت تستطيع أن تبصر الشاطئ نقطة بعل نقطة أثناء سيرك البطيء تجاهه. هذا بينما راكب الطيارة الذي يطير بسرعة كبيرة فوق رأسك قادر على رؤية ما تراه الآن وما سوف تراه في الساعات المقبلة أيضاً. فهو قادر على اكتشاف المستقبل بالنسبة اليك. وهو كلما زاد ارتفاعه كبرت قدرته على رؤية النقاط البعيدة من المستقبل... والماضي أيضاً.
يقول البرفسور (جينز) في هذا الصدد ما يلي:
«وقد يكون الزمن من أوله إلى نهايته الأبدية ممتداً أمامنا في الصورة، ولكننا لا نتصل إلا بلحظة واحدة منه، كما أن عجلة الدراجة لا تتصل إلا بنقطة واحدة من الأرض. إذن فالحوادث كما يقول «فايل» لا تحدث، وكل ما في الأمر أننا نمر بها مراً... فيكون وعينا في هذه الحالة كوعي ذبابة وقعت في طلاسة تمر وفوق سطح الصورة؛ إن الصورة كلها كائنة في مكانها، ولكن الذبابة لا تتأثر إلا بلحظة واحدة من الزمن، هي التي تتصل بها اتصالاً مباشراً، وإن كانت قد تذكر جزءاً صغيراً مما وراءها من الصورة، وقد تخدع نفسها فتتصور أنها تساعد في رسم أجزاء الصورة التي تمتد أمامها»24.
ولنتصور، على سبيل التبسيط، نوعاً من المخلوقات مكونة من بعدين فقط. أي أن لها طولاً وعرضاً فقط كالاشباح وليس لها ارتفاع. فهذه المخلوقات لا تفهم البعد الثالث طبعاً. فإذا مر بها شيء ذو ثلاثة أبعاد فانها لا ترى منه إلا سطحاً ذا بعدين ويبقى البعد الثالث خارجاً عن مدى وعيها، حيث لا تستطيع ادراكه إلا إذا مر بها نقطة بعد نقطة.
وفي الحقيقة أننا نشبه هذه المخلوقات بالنسبة للبعد الرابع الذي ندعوه بالزمان فنحن لا نفهم من حقائق الكون إلا مقاطع معينة. فهذه الحقائق مؤلفة من أربعة أبعاد بينما وعينا لا يتصل إلا بثلاثة منها. أما البعد الرابع فيمر علينا مراً كما تمر الأرض تحت عجلة الدراجة في نظر الراكب عليها.
***
ويبدو أن الأمواج الكهربائية على مختلف أنواعها تتحرك في فضاء ذي أربعة أبعاد. فهي لا تكتفي بأبعاد المكان وحده، إنما تشمل بحركتها بعد الزمان أيضاً. إن هذه فرضية ضعيفة على كل حال. ولكن هناك من القرائن ما يؤيدها تأييداً لا بأس به، وأهمها ما يلي:
(1) فقد وجد في الابحاث الفيزيائية الحديثة أن شعاع الضوء يظهر على شكل موجات تارة، وعلى شكل دفقات متتالية كطلقات الرشاش تارة أخرى25. وقد حار العلماء في تفسير هذا الازدواج العجيب في شخصية الشعاع الضوئي.
إن من المحتمل أننا حين نرى شعاع الضوء على شكل دفقات متتالية إنما نستبين منه قمم الموجات فقط، أما البقية المختفية من الموجات فتذهب في البعد الرابع. وبعبارة أخرى: أن كل موجة من أمواج الضوء تتحرك في فضاء ذي أربعة أبعاد، ونحن لا نرى منها أثناء التجربة إلا نقطة واحدة هي القمة، أما النقاط الأخرى فتذهب مختفية في ثنايا الزمان – الماضي أو المقبل.
(2) وقد وجد الباحثون أيضاً أن (الالكترون) يقفز داخل الذرة من مدار إلى آخر، ولا يلتزم مداراً ثابتاً. وهو حين يقفز من مدار إلى آخر، لا يمر بالمسافة التي تفصل بين المدارين. إنه يختفي من مدار ليظهر في المدار الآخر26 فأين يذهب يا ترى أثناء القفز؟ يخيل لي أنه يذهب في البعد الرابع أيضاً. وربما ذهب أثناء القفز سائحاً في زمان بعيد من الماضي أو المستقبل. ومن يدرينا فلعله يتوغل في آلاف السنين الماضية أو المقبلة في لحظة واحدة ثم يرجع إلى الزمان الحاضر... كأنه لم يفعل شيئاً.
(3) وقد وجد الباحثون أيضاً بأن (الالكترون) يسلك في تموجه داخل الذرة سلوكاً غريباً ليس له سبب ولا يضبطه قانون. فهو لا يسير في مدار يمكن تحديده، فمثله في ذلك كمثل الناقة المذعورة التي تخبط في الظلام تخبطاً عشوائياً. وقد جاء (هايزنبرغ)، بناء على هذا، بمبدأ جديد في علم الفيزياء سمي بمبدأ (عدم التحديد)27. ومؤداه أن الطبيعة في مبدأها الأساسي لا تخضع لقانون، فهي تسير سيراً كيفياً كأنها تملك مشيئة ذاتية أو ارادة حرة28. وما هذه القوانين الطبيعية التي نشاهدها في الكون، في رأي (هايزنبرغ)، إلا قوانين احتمال ومعدلات. وبعبارة أخرى: ان هذه القوانين الظاهرة هي معدلات الحركة التي تتحرك بها بلايين البلايين من (الالكترونات) الموجودة في الكون، أما (الالكترون) المفرد فهو يتحرك حركة عشوائية لا ضابط لها ولا نظام فيها.
ومما يلفت النظر في هذا الموضوع أن هناك عدداً من العلماء يفسرون هذه الحركة العشوائية في سير (الالكترون) بأنها ناتجة من قصورنا عن مراقبة حركته مراقبة صحيحة. ذلك أننا، في نظر هؤلاء العلماء، نراقب ظل (الالكترون) فقط ولا نستطيع أن نراقبه نفسه، إذ هو يتحرك في فضاء ذي أربعة أبعاد. أي أنه يشمل بحركته بعد الزمان. أما نحن فلا نرى حركته إلا من خلال أبعادنا الثلاثة، وبهذا نحاكي ذلك الذي يكتفي برؤية خيال الشيء أو ظله عن رؤيته إيّاه بالذات.
يقول البرفسور (جينز) في هذا الصدد:
«... وان ما يلوح لنا من عدم خضوع الطبيعة للتحديد قد يكون مصدره أننا نحاول أن نحصر في فضاء قليل الأبعاد ما يقع من الحوادث في أبعاد كثيرة. تصور مثلاً نوعاً من الديدان العمياء لا تتعدى مداركها الحسية سطح الأرض ذي البعدين. فهي ترى هذه الأرض تبتل بالماء بين آونة وأخرى. فنحن الذين نستطيع أن ندرك البعد الثالث نعلل هذا البلل بسقوط المطر من السحاب ونقدر أحياناً على أن نتنبأ عن الأجزاء التي سينالها المطر من الأرض والتي ستبقى جافة منها. أما تلك الديدان العمياء التي لا تحس بالبعد الثالث فهي غير قادرة طبعاً على تحري الأسباب التي تجعل أجزاءً معينة من الأرض مبتلة وأجزاءً أخرى جافة. إن علماء الديدان وحدهم قد يقدرون أن يحسبوا شيئاً من ذلك بمساعدة جداول الاحتمالات التي يضعونها... »
و(جينز) يقول أيضاً:
«... وكما أن الظلال الواقعة على الجدران تكون شبحاً ذا بعدين لحقائق ثلاثية الأبعاد... وعلى ذلك لا تكون الحوادث التي تقع في الزمان والمكان اكثر من صف متحرك من الأشكال الظلية السحرية تغدو وتروح»29.
يتضح من هذا أن ما يبدو لنا من فوضى في سير (الالكترون)، إنما هي فوضى في عقولنا. ولعل الأسباب التي تتحكم في سير (الالكترون)موجودة في البعد الرابع حيث لا نستطيع أن نراها. وقد يؤدي هذا بنا إلى القول بأن الأسباب التي تحرك الكون كله كامنة في الزمان الماضي أو المقبل، و(الالكترون) إذن يتحرك بحافز يأتيه من وقت آخر غير هذا الوقت الذي نعيش فيه.
إن هذه فرضية ضعيفة، كما قلنا، ولكننا لا نجد مع ذلك صعوبة في قبولها بناء على ما جاء (اينشتاين) به من مفهوم جديد للزمان والمكان. إن هذا المفهوم الجديد، والحق يقال، مفهوم خطير وهائل. وهو كما لا يخفى من أهم دعائم الانقلاب الراهن في كيان الفيزياء الحديثة30.
وبناء على هذا فإن التنبؤ بحوادث المستقبل ليس أمراً مستحيلاً. ومن يعتبره مستحيلاً يشبه من بعض الوجوه تلك الديدان العمياء التي تنكر وجود البعد الرابع ولا تقدر على تصوره.
إن الأمواج الخفية التي تساعدنا على الاحساس الخارق لا يصعب عليها أن تتصل بالمستقبل وتكتشف ما يحدث فيه. فهي تتحرك في كون ليس فيه مستقبل ولا ماضي. وكل ما حدث أو سيحدث هو موجود «هناك» في ناحية من نواحي هذا الكون العجيب.
***
وهنا قد يسأل سائل فيقول: ما هي صلة هذه الأمواج الخفية بموضوع العقل الباطن الذي نحن فيه؟
والجواب على ذلك يستدعي أن نذكر القارئ بما قلناه سابقاً عن ماهية العقل الباطن كما نفهمه. فنحن لا نعتبر العقل الباطن جهازاً نفسياً معيناً له خصائصه ووظيفته الخاصة به. والواقع ان اطلاق معنى «العقل» عليه هو من باب التجويز والتبسيط. فهو حسب مفهومنا الذي جرينا عليه في هذا الكتاب ليس عقلاً ولا شيئاً مما يشبه العقل الذي نقصده في كلامنا عادة. إنه بالأحرى اصطلاح عام نقصد به جميع الفعاليات النفسية التي تؤثر في سلوك الإنسان وهو لا يشعر بها31.
ومعنى هذا أننا نقصد به مجموع الرغبات المكبوتة والحوادس الخارقة معا. فكلا هذين النوعين من الحوافز ينبعث من اغوار النفس بدون أن يشعر به الانسان.
وبهذا الاعتبار فإننا نستعمل هذا الاصطلاح ليشمل بمفهومه المعنى الذي تقصده مدرسة التحليل النفسي والمعنى الذي يقول به (تشنر) معاً.
يتضح من هذا أن العقل الباطن حيز ذهني يجتمع فيه نوعان من الحوافز: فهو مباءة العقد النفسية والرغبات المكبوتة من ناحية، وموئل الاحساس المخارق من الناحية الأخرى.
وهو بهذا مصدر للشر والخير معاً.
ومن الغريب حقاً أن نجد المأثورات الدينية تذهب إلى مثل هذا الرأي تماماً. يقول (النراقي)، المتوفى سنة (1209) هجرية: «أعلم ان الخاطر ما يعرض في القلب من الأفكار فإن كان مذموماً داعياً إلى الشر سمي (وسوسة) وإن كان محموداً داعياً إلى الخير سمي (إلهاماً). وتوضيح ذلك أن مثل القلب بالنسبة إلى ما يرد إليه من الخواطر مثل هدف تتوارد عليه السهام من الجوانب أو حوض تنصب إليه مياه مختلفة من الجداول، أو قبة ذات أبواب يدخل منها اشخاص مختلفون، أو مرآة منصوبة تجتاز اليها صور متباينة، فكما أن هذه الأمور لا تنفك عن تلك السوانح فكذا القلب لا ينفك عن واردات الخواطر... ثم لما كان الخاطر أمراً حادثاً فلا بد له من سبب، فإن كان سببه الشيطان فهو الوسوسة، وإن كان ملكاً فهو الالهام، وما يستعد به القلب لقبول الوسوسة يسمى إغواءً وخذلاناً، وما يتهيأ به لقبول الالهام يسمى لطفاً وتوفيقاً، وإلى ذلك أشار سيد الرسل صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: (في القلب لمّتان، لمة من الملك: ايعاد بالخير وتصديق بالحق، ولمة من الشيطان: إيعاد بالشر وتكذيب بالحق). وبقوله صلى الله عليه وسلم: (قلب المؤمن بين اصبعين من أصابع الرحمن)32.
إن هذا التفريق بين الوسوسة والالهام، الذي جاء به الشيخ النراقي، يستدعي الاعجاب حقاً. وربما كان ذا فائدة عملية أيضاً.
لقد ذكرنا من قبل أن الحوافز اللاشعورية هي خير ما يرشد الإنسان في معالجة أموره. وكنا نقصد بها تلك الحوافز التي تنبثق من الجانب الخارق من العقل الباطن لا الجانب المكبوت. ومؤدى هذا: أننا يجب أن نكون شديدي الحذر عند اصغائنا لحوافز اللاشعور فينا، فهي قد تلتبس أحياناً بنزعات العقد ووساوس الرغبات المكبوتة. وربما أدت بالانسان في بعض الأحيان إلى حيث الفشل أو السخف والرقاعة.
إن المستر (وليم مارستون) حين نصح القراء بأن يطيعوا خواطرهم الآنية33، إنما كان يخاطب بذلك قراء البلاد الغربية. فالحضارة الغربية تساعد الفرد نوعاً ما على تنمية شخصية خالية من العقد. إن الرغبات الفردية والاجتماعية قد لا تجد هناك كبتاً على منوال ما هو موجود عندنا في الشرق. فالفرد قد يفتح عينه للحياة وهو مطمئن بعض الاطمئنان من النواحي الجنسية أو المعاشية أو الاعتبارية، ولذا يصبح لا شعوره أنقى وأقدر على الابداع من لا شعور الرد الشرقي.
إن حضارتنا الشرقية فيها كثير من العوامل التي تؤدي إلى كبت الرغبات وتنمية العقد النفسية في الفرد. وهذه العوامل تكون على أشدها، كما لا يخفى، بين فقرائنا وذوي العاهات والأمراض منا. إن مجتمعنا اللئيم يخلق أسباب الفقر والعاهة من جهة، ثم يحتقر المصابين بهما من الجهة الأخرى. وبذا ينمي فيهم عقداً نفسية لا خلاص منها.
ونرى أحدنا لا يكاد يلمح امرأة من بعيد حتى يتغير في جميع حركاته وسكناته وربما انقلب بأسرع من لمح البصر إلى (دون جوان). وهو حين يلقى جماعة من الرجال تراه قد انقلب إلى بطل مغوار لا يشق له غبار. أما إذا رأى غنياً أو ذا جاه ونفوذ وجدته يقوم ويقعد استجداءً وتملقاً وهياماً.
إنه في كل هذا مدفوع برغباته التي لا تجد لها مجالًا طبيعياً في واقع الحياة فتأخذ بالمداورة والرياء لكي تسد حاجتها بأي طريق.
إننا لا يسعنا إذن أن ننصح الفرد في هذه البلاد بأن يصغي الى حوافز العقل الباطن من غير حذر ولا تؤدة. إنه يجب أن يحذر كل الحذر من خواطر رغباته المكبوتة، وهي متعددة، كيلا تطغى عليه وتجعله آلة بيدها.
فالفرد منا قد يشترك في مجلس من مجالس الوقار والنفوذ، كمجلس نواب أو مجلس أساتذة أو مجلس شركة أو مجلس قبول أو ما أشبه. وهو قد يجد نفسه آنذاك حائراً لا يدري أيتكلم أم يسكت. فالكلام قد يكون أحياناً من فضة، وأحيانًا من فحم...
إنه يشعر آنذاك بحوافز متنوعة تحفزه نحو الكلام تارة ونحو السكوت تارة أخرى، وهو لا يدري أية واحدة من هذه الحوافز وسوسة وأية واحدة إلهام.
إني لا استطيع أن أعطي القارئ هنا قاعدة عامة يسير عليها في مثل هذه المواقف الحرجة، هذا ولكني مع ذلك أقول بتحفظ: إن الفرد الذي يفحص حوافزه المتنوعة ثم ينتقي منها ما هو أدعى للاخلاص وأنفه للناس هو الذي يفوز بالنجاح في الأمد الطويل.
فأنت إذا وجدت نفسك تريد الكلام وكان الدافع الذي يدفعك إليه هو الحصول على تقدير الحاضرين أو التقرب من أصحاب النفوذ منهم أو ما إلى ذلك فاعلم أنك فاشل عاجلاً أو آجلاً.
إن حوادس اللاشعور لا تنبعث إلا من نفس صافية مطمئنة. فينبغي عليك أن لا تنتظر منها خيراً إذا كنت تريد بها اشباع احدى رغباتك المكبوتة..
إني أكاد أشفق على ذلك الشخص الذي يتكلم وهو يرمق سامعيه من طرف خفي ليرى تأثير كلامه فيهم. فهو يأتي بالفكرة لينال إعجاب السامعين وتراه لذلك لا يكاد يلمح من أحدهم اصغاءً قليلاً أو ابتسامة خاطفة حتى يتمادى في تحذلقه وتغنجه ويحسب نفسه عندئذ لواءً من طراز اللواء محمد نجيب!.
شاهدت ذات مرة نائباً يخطب في مجلس النواب وهو يرمق شرفة الصحافيين بين آونة وأخرى، وكأنه يقول لهم: «أنظروا إلى ما أقوم به من دفاع بليغ في سبيل الأمة!». وما درى أن الذي يدافع عن مصلحة الأمة هو كالعابد الذي ينغمر في العبادة ذاهلاً عن نفسه. إنه لا يهتم بما يقول الناس عنه إذ هو قد انهمك في رسالته يؤديها ويذوب فيها.
***
لقد حدث ذات يوم أن أعلن غني مشهور من أغنياء بريطانيا: أنه قد وضع ورقة نقدية قيمتها ألف جنيه داخل مضروف، ووعد أن يهبها لمن يستطيع أن يخبر عن رقم تلك الورقة حدساً. وقد ظلت الورقة عند صاحبها مدة طويلة حيث لم يوفق أحد للفوز بها. وقد اتخذ الكتّاب في بريطانيا ذلك دليلاً قاطعاً على كذب الأحساس الخارق الذي يدعيه بعض الأفراد.
يعلق (سينل) على هذه الحادثة بقوله: إن الأمل في الحصول على ورقة قينتها الف جنيه يبعث في الانسان الحرص والتفكير الشديد. وهذا التفكير الشديد لا يدع مجالاً له كي يوجه ذهنه نحو الورقة فيكتشف رقمها مهما كان موهوباً34.
ومعنى هذا: ان الانسان ما دام يريد شيئاً ويفكر في سبيل الحصول عليه فانه لا يستطيع أن يستخدم فيه عقله الباطن استخداماً مجدياً. ولربما صح القول: بأن الإرادة والالهام لا يجتمعان. فكلما اشتدت ارادتك ضعف إلهامك. فأنت لا تنجح في استثمار العقل الباطن إلا حين تكون منهمكاً في أمر لا تقصد من ورائه غرضاً موقتاً ولا تبتغي شهرة أو مالاً أو نفوذاً.
إن العظماء الذين غيروا بأعمالهم مجرى التاريخ لم يكونوا في الغالب ممن تشغلهم مصلحتهم عن مصلحة الناس. ولعل كثيراً منهم كانوا منغمرين في رسالتهم الاجتماعية بحيث نسوا بها أنفسهم ومن يتصل بهم من الأقرباء والأنسباء.
***
يعتقد (تشنر) بأن العرافين الذين يحدّقون في الكرات البلورية إنما يفعلون ذلك طلباً للصفاء الفكري35، حيث تتفتح عند ذلك مواهبهم الخارقة. ويؤيد (سينل) هذا الرأي تأييداً كبيراً. فهو يعتقد بأن الذين يكشفون عن مياه الأرض بواسطة العصا الكاشفة أو يقرأون الفنجان أو الكف أو ما إلى ذلك إنما يقصدون من ذلك وقف حركة التفكير الاعتيادية وإعداد أذهانهم لتلقي الذبذبات الكاشفة.
إن (سينل) يشترط، لكي تقوم الحادسة بنشاطها الخارقة في الانسان، أن تقف حركة المخ بصفة موقتة. بحيث تكون بمثابة (الصفحة البيضاء). وعندئذ يصير المخ، في نظر (سينل)، شبيهاً بالمذياع الذي يدار مفتاحه بدقة نحو محطة من المحطات فلا يلتقط أمواجاً من غيرها.
عندما كان (سينل) يجري تجاربه مع فتاته الموهوبة، كان يخفي في أحد جيوبه أو حقيبته أشياء متنوعة ثم يسألها عنها. فكانت تقول له في ابتداء التجربة: «اصبر قليلاً لا بد لي من اخلاء فكري». ثم لا تلبث أن تقول من فورها: «والآن أنا على استعداد». فتأخذ بعد ذلك بالاخبار عن ماهية كل ما يخفيه بدقة تستدعى الدهشة36.
يبدو أن العقل الظاهر والعقل الباطن، كما أشرنا إلى ذلك في الفصل السابق، متعاكسان في الطبيعة، أو هما بعبارة أخرى: على طرفي نقيض. فإذا اشتدت فعالية أحدهما خفت فعالية الآخر. ولعل هذا هو السبب الذي جعل خوارق العقل الباطن تظهر بأوضح صورها أثناء التنويم المغناطيسي. فالنائم نوماً مغناطيسياً يكون عقله الظاهر مخدّراً ولذا فهو لا يعي إلا ما يأمر به المنوّم. إن مخه عند ذلك يصبح «صفحة بيضاء»، على حد تعبير (سينل)، ومستعداً لاستقبال ذبذبات معينة من الخارج.
إن ايحاء المنوّم يمكن اعتباره في هذه الحالة بمثابة مفتاح المذياع، فهو قادر أن يوجهه على أية محطة يشاء. وقد رأيت شخصياً من غرائب التنويم المغناطيسي ما أذهلني. فقد استطاع النائم ذات مرة أن يعرف اسمي واسم أبي ومهنتي وما أشكو منه بدون معرفة سابقة بي.
لقد حضرت في سنة 1949 حفلة كبرى لمنوّم مشهور في امريكا. استطاع هذا المنوم أن يهتدي إلى شيء كان قد أخفي في جيب أحد الحاضرين. لقد كان يقرأ فكر غيره ويسترشد به في البحث عن ذلك الشخص الذي أخفي الشيء عنده. وقد صعق الحاضرون بما شاهدوا.
وإني لا أميل الى الظن بأن المنوم استطاع أن يخدعنا بطريقة من الطرق. فقد كان الحاضرون، وهم ألوف، شاخصة أبصارهم إليه وكل منهم مشكك فيما يرى حيث يحاول أن يكتشف وسيلة مادية محسوسة يتمكن بها المنوم من الوصول إلى ضالته. إن ما شاهدته بعيني على أي حال كان كافياً للتصديق بما عند المنوّم من مقدرة خارقة، وأنا لا أريد أن يصدقني القارئ فيما أقول. فهو قد يستطيع أن يذهب بنفسه إلى أحد المنومين، وهم قد أصبحوا اليوم بحمد الله منتشرين في كل مكان، فيقوم معه بتجربة من هذا القبيل – إذا كان يريد أن يقتنع حقًا.
قد يعترض البعض ويقول في هذا الصدد: «إذا كان التنويم المغناطيسي يؤدي كما تقول إلى ظهور هذه المقدرة الخارقة، فلماذا لا يستغله أصحابه في اكتشاف الجرائم الغامضة أو في البحث عن الكنوز المطمورة تحت الأرض أو ما أشبه؟».
قد يكون الجواب على هذا السؤال سهلاً إذا تصورنا مخ الانسان كجهاز المذياع. فالمذياع يحتاج لكي يقوم بعمله قياماً متقناً أن يكون قوياً صحيحاً لا نقص فيه من جهة، وأن تكون هناك محطة للاذاعة قوية من جهة أخرى.
سألني أحد أولادي منذ عهد بعيد قبل ظهور التلفزيون بالعراق أن اشتري له جهازاً للتلفزيون حيث ظن أنه يستطيع أن يرى به الدنيا كلها، ولم يعلم بأن هذا الجهاز لا ينفعه في تلك الفترة ما دامت محطة التلفزيون غير موجودة حين ذاك. وأحسب أن اخواننا الذين يسخرون من التنويم المغناطيسي لا يختلفون في عقليتهم عن ولدي هذا، فهم يريدون منه أن يكتشف كل ما في الأرض من ذهب وفضة حتى يؤمنوا به. وما دروا أن مقدرة التنويم محدودة ومقيدة بقيود عدة – كأية مقدرة أخرى في هذا الانسان العجيب!.
إن التنويم المغناطيسي كالنوم الطبيعي؛ فهو لا يختلف عن النوم في جوهره إلا بفرق واحد: ذلك أنه يحدث في الشخص بتأثير شخص آخر. فهو تنويم وذلك نوم. وهذا الفرق يؤدي إلى نتائج عملية كبرى.
فالنائم نوماً طبيعياً يمكن تشبيه مخه بالمذياع الذي لا مفتاح فيه، إذ ليس هناك من يوجهه أو يأمره أو يوحي اليه. إن العقل الباطن يكون أثناء النوم الطبيعي مفتوحاً لكل طارئ من الخواطر، وكثيراً ما يكون مشغولاً آنذاك بمهمة التنفيس عن رغبات صاحبه المكبوتة.
أما في التنويم المغناطيسي فالمنوم يوحي الى النائم ما يشاء، والنائم يطيعه طاعة عمياء. فهو لا يعي ما حوله إلا ما يأمر به المنوم. وبهذا يكون فتاح مخه بيد منومه.
لقد دلت الاحصاءات التي قامت بها جمعية المباحث النفسية في بريطانيا، حيث تلقت فيها أجوبة (17) الف شخص ممن وجهت اليهم الأسئلة في هذا الموضوع، على أن نسبة ما صدق من أحلامهم كان بمعدل (1 من 47)37 كما أشرنا إلى ذلك آنفاً.
ومن هذا يتضح مدى الخلط الذي يحدث في أحلام النائم نوماً طبيعاً. إن حدسه في النوم كثيراً ما يختلط بأوهامه وشهواته ومخاوفه وطالما كان عقله الباطن حينذاك مشغولاً بلقاء الحبيبة التي كانت متمنّعة عليه من قبل أو بالتهام الطعام الذي حرم منه في اليقظة أو بالانتقام مر العدو الذي آذاه ولم يقدر أن يشفي غليله منه. فهو يلجأ إلى أوقات النوم لينفّس فيها كربات ما انتابه في أوقات اليقظة – ولله في خلقه شؤون.
وعلى هذا فإن من الخطأ جداً أن نعتمد على الأحلام في أمورنا كما تفعل العامة أحياناً. إن اعتمادنا على الأحلام يشبه من بعض الوجوه اعتماد البعض من الناس على الربح في سباق الخيل. فنسبة الخطأ فيها اكثر جداً من نسبة الصواب. ولا يرجو خيراً من ذلك عادة إلا الأغبياء وأنصاف المجانين.
إن هذا لا يعني أن الأحلام لا تنفع اطلاقاً. فهي قد ترشد الإنسان في بعض الأمور التي يستطيع أن يتثبت منها. وكثيراً ما تنفعه في حل بعض المشاكل التي استعصت عليه قبيل النوم.
يقال إن ابن سينا، الفيلسوف المشهور، كان إذا صعبت عليه مشكلة توضأ وصلى ثم نام فيرى حل تلك المشكلة في أحلامه. ويروى مثل هذه القصة عن (ديكارت)، فهو قد كشف كشوفه العظيمة، كما يقال، وهو نائم في فراشه صباحاً. وكذلك يروى عن مكتشف (الانسولين) انه قد اكتشف هذا الدواء أثناء ما كان نائماً. فهو بعد أن قرأ كثيراً حول مرض السكر، إذ كان يعد محاضرة عنه لليوم التالي، تملكه الاعياء فنام. وفي الساعة الثانية بعد منتصف الليل استيقظ فجأة وأضاء المصباح وكتب ثلاث عبارات في مذكرته. فكانت هذه العبارات البسيطة بعد ذلك هي المفتاح لاكتشاف هذا العلاج الخطير لمرض السكر38.
كان المستر (وليم جبس)، السكرتير السابق لمالية الولايات المتحدة، يستعمل طريقة خاصة للاستفادة من أحلامه. فهو كان يأوي إلى فراشه حول منتصف الليل بعد أن يكون التفكير قد أضنى قواه العقلية. ولذا فهو قد اعتاد أن يضع ورقاً وقلماً بجانب فراشة ليسجل به ما قد تكشف له الأحلام من حلول لمشاكله الكثيرة. وكان يستيقظ من نومه أحياناً وفي رأسه فكرة طارئة، فيسرع إلى القلم لتقييدها قبل اختفائها. وكثيراً ما انتفع المستر (جبس) من هذه الطريقة في الوصول إلى حلول عجز عنها في ساعات اليقظة39.
ولقد حاول كثير من الباحثين أن يضعوا طريقة نفسية معينة يتمكن الإنسان بها من أن يستثمر أحلامه في حل مشاكله. والظاهر أن معظم الطرائق التي وضعوها تدور حول تركيز العقل الباطن قبل النوم على فكرة معينة وبعث الثقة فيه وشحذه لكي يتوجه نحوها ببصيرة ثاقبة.
يحدثنا ابن خلدون أنه استعمل دعاءً معيناً قبل النوم سماه «حالومية» فاطلع بها في نومه، كما قال، على أمور كان يتشوّق اليها. وهذه «الحالومية» حسب ما ذكرها ابن خلدون هي: أن يقال عند النوم بعد فراغ السر وصحة التوجه هذه الكلمات الأعجمية «تماغس بعدان يسود وغداس نوفنا غادس» ويذكر حاجته فانه يرى الكشف عن ما يسأل عنه في النوم40.
ومما يدعو إلى الاعجاب حقاً أن ابن خلدون يعلل تأثير هذه «الحالومية» في النائم تعليلاً نفسياً يقارب التعليل الحديث. فهو يقول «... وإنما هذه الحالوميات تحدث استعداداً في النفس لوقوع الرؤيا فإذا قوي الاستعداد كان أقرب إلى حصول ما يستعد له... فالقدرة على الاستعداد غير القدرة على الشيء»41.
ولعل المعنى الذي يقصده ابن خلدون بهذا هو أن هذه الكلمات الأعجمية الشوهاء ليس لها نفع بالذات، فهي أشبه بلغو الأطفال منها بكلام العقلاء. إن تأثيرها بالأحرى نفساني. حيث أن الاعتقاد بها يوحي للنفس بتخيل النجاح فيما تريد. وهذا يؤدي طبعاً إلى تصفية العقل الباطن من أدرانه والسير به في سبيل الكشف المبدع.
***
ومن الملاحظ بهذه المناسبة أن الكلمات الأعجمية تستعمل كثيراً في الطلاسم والرقي والأدعية عندنا في الشرق. ويظهر أنها أقوى تأثيراً في النفس من الكلمات المفهومة. فغموضها يسبغ عليها شيئاً من الروعة والقداسة. وهي إذا فهمت فقدت روعتها وتأثيرها النفسي. والمشكلة في مثل هذه الأمور أنها لا تنفع إذا عرف الناس سرها وتفلسفوا فيها.
إن العقل الباطن هو عقل الايمان والعقيدة الراسخة، بينما العقل الظاهر هو عقل التفكير والشك والتفلسف. فإذا أردت استخدام عقلك الباطن استخداماً صحيحاً، في النوم أو غيره، وجب عليك أن تبتعد عن كل ما يدعو إلى التفكير والتدليل والتفلسف.
إن المفكرين في العصر الحديث لا يميلون إلى استعمال طريقة ابن خلدون لاستثمار عقلهم الباطن ذلك لأنهم يعرفون سر هذه الكلمات الأعجمية التي جاء بها ويدركون أنها مجرد ألفاظ لا معنى لها إذ أن المقصود فيها الايهام والايحاء وبعث العقيدة والثقة. وقد كان الناس قديماً يؤمنون بمثل هذه الكلمات ويعتبرونها مفتاحاً لكل مغلق، وهم كانوا لذلك يستفيدون منها.
إن الطريقة الحديثة في استثمار العقل الباطن هي طريقة الايحاء والتكرار. فالانسان يستطيع أن يوحي لنفسه ويكرر عليها قبل النوم، وفي أي وقت، بما يشاء من معاني في سبيل حل المشاكل أو شفاء الأمراض أو نوال النجاح أو غير ذلك.
لقد فقد الإنسان الحديث نعمة الايمان والعقيدة الراسخة فهو الآن يفكر ويتفلسف اكثر مما يصدق ويؤمن. ولذا ضاعت من يديه قوى جبارة جداً – قوى العقل الباطن وحوادسه الخارقة لا نكران انه يستطيع أن يستثمر عقله الباطن بواسطة الايحاء والتكرار ولكن هذا الاستثمار ضعيف بالنسبة إلى ما كان يجنيه جده القديم من خوارق الايمان.
دخل شخص يشكو من أمراض نفسية عديدة إلى طبيب يسأله علاجاً. وكان الطبيب قد سمع بما للايحاء النفسي من قوة في شفاء الأمراض، فأخذ يجيب عن كل شكوى يتفوه بها المريض قائلاً: «اوح لنفسك انك قد شفيت.. اوح لنفسك أنك قد شفيت...»
فخرج المريض ولم يدفع للطبيب أجرة فحصه قائلاً له: «اوح لنفسك انك قد قبضت مني أجرة الفحص... يا طبيبي العزيز».
إن هذا الطبيب الرقيع يظن أن الايحاء هيّن وأن من الممكن استثمار العقل الباطن بواسطة الاقتناع المنطقي والتفكير الواعي.
إن المعالج النفساني لا يجوز أن يكشف للمريض عن سر هذه الطريقة التي يعالجه بها. فلا يجوز أن يقول له «اوح لنفسك» إنما يقول له بدلاً من ذلك: «قل كذا.. واستعمل كذا... »
لقد ثبت أن للايحاء قدرة عجيبة جداً على شفاء الأمراض جميعاً البدنية منها والنفسية. وقد ثبت أيضاً أن الأمراض كلها هي نفسية وبدنية معاً42. فالدواء المادي لا يجدي إذا لم يصاحبه ايمان من المريض بأن ذلك الدواء يشفيه. وربما نفع الايحاء من غير دواء. أما الدواء من غير ايحاء فقد لا ينفع شيئًا.
توهمت سيدة أن عظم سمك قد وقف في حنجرتها وهو سوف يقتلها. وقد أجمع الأطباء على عدم وجود عظم السمك في حنجرتها فلم تصدقهم. ثم أوشكت أن تموت فعلاً لو لم يأتها طبيب من نوع جديد. فقد أمسك هذا الطبيب ملقطاً وأخفى فيه عظم سمك صغير ثم ادخله في بلعومها واخرجه بعد هنيهة صارخاً: «انظري.. لقد اخرجت عظم السمك من حنجرتك أخيراً!» فشفيت السيدة إثر ذلك شفاءً تاماً.
إن العقل الباطن لا يعرف البرهان المنطقي ولا يستفيد منه. لا ينفع في العقل الباطن إلا تكرار الفكرة التي لا جدال فيها ولا ريب. ولهذا كثر نجاح البلهاء في الأمور التي تحتاج إلى الثقة ولا تحتاج إلى التفكير والتدبير.
***
لقد ربحنا في حياتنا المدنية الجديدة من ناحية. وخسرنا من ناحية. فلقد تقدمت لدينا أساليب الحياة المادية تقدماً عظيماً بينما تأخرت فينا أساليب النفس وطرق استثمار قواها الخارقة.
فنحن اليوم نستعمل أعظم أنواع العلاج المادي وأعجب المخترعات والمبتكرات ولكننا ضيعنا تلك العقيدة الراسخة التي تزلزل الجبال.
لقد نمت فينا قوى العقل الظاهر وتقلصت قوى العقل الباطن. فاستخدمنا خوارق المادة وأهملنا خوارق اللاشعور.
ولسوف نعود إلى هذا الموضوع مرة أخرى في الفصل القادم.

الفصل الخامس: النفس والمادة
لقد أثيرت منذ أيام (ديكارت) في القرن السابع عشر مشكلة فلسفية كبرى هي مشكلة الفكر والبدن، أو بعبارة أخرى: مشكلة التفاعل بين القوى النفسية والقوى المادية.
إن مما لا ريب فيه أن الفكر يؤثر في البدن، والبدن يؤثر في الفكر. فلا يكاد الانسان يخجل من شيء حتى تحمرّ وجنتاه، ولا يبتأس لحادث حتى يمرض أو يظهر الضعف والشحوب عليه. ولقد نُوّم أحد الأشخاص تنويمًا مغناطيسياً ثم أخبر أثناء التنويم كذلك بأن جمرة ملتهبة قد وضعت على يده فظهرت آثار الاحتراق والتقيح على جلدة يده كأن ناراً حقيقية قد مستها.
والفكر قد يتأثر بالمادة على نفس المنوال الذي يؤثر فيها، فالانسان حين يتناول شراباً مسكراً أو منعشاً أو مخدراً تجد أفكاره قد تغيرت تبعاً لنوع المادة التي تناولها. وعلى هذا قس كثيراً من الوقائع التي نلاحظها في أنفسنا وفي غيرنا في حياتنا اليومية.
يقول (جود)، رئيس قسم الفلسفة وعلم النفس في جامعة لندن، في هذا الصدد ما يلي:
«إن البدن قطعة من المادة، وهو لذا يملك خصائص المادة من ثقل وكتلة وشكل وحجم وغير ذلك، وهو يخضع لقوانين الفيزياء. أما الفكر فنحن نتصوره مختلفاً، فنحن نقول عنه انه غير مادي؛ ومعنى هذا أنه ليس له ثقل ولا كتلة ولا حجم؛ إنه لا يشغل حيّزاً ولا يخضع لقوانين الفيزياء. فإذا كان الفكر والمادة مختلفين هذا الاختلاف بحيث ليس لهما صفة واحدة مشتركة، فكيف يؤثر أحدهما على الآخر إذن؟، وكيف يحدث التفاعل بينهما فعلاً؟ إن حجراً يمكن أن يسحق حشرة، ذلك لأن الحشرة مثل الحجر لها كتلة ومادة؟، ولكن كيف يمكن للحجر أن يؤثر على رغبة؟، إن طول الذراع يمكن قياسه، ولكن كيف يمكن قياس الإلهام الذي أدى إلى انتاج السمفونية الخامسة لبتهوفن؟.
«ليس من المبالغة أن نقول بأن هذه المشكلة الأساسية هي من المشاكل التي يجب على جميع مدارس علم النفس أن تحاول حلها، هذا مع العلم أن ليس هناك مدرسة نفسية قد حلّتها حلاً موفقاً»1.
إن هذه المشكلة التي يتحدث عنها البرفسور (جود) تظهر بأجلى مظاهرها في مجالات التنويم المغناطيسي والتصوف والايحاء والعقيدة وما أشبه.
ومن الغرائب التي شاهدتها في هذا الخصوص حادثة حدثت قبل عشر سنوات تقريباً ولا أزال أتذكرها متعجباً. فقد أقيمت في جامعة بيروت الامريكية حفلة كبيرة حضرها منوم مغناطيسي مشهور. ومن جملة ما قام به هذا المنوم انه أعطى كرات معدنية باردة إلى عدد من الحاضرين ثم أخذ يوحي اليهم بصوت عال: «>إنها ساخنة.. انها ساخنة». فأخذت الكرات تسخن في أيديهم فعلاً حتى رماها معظمهم إلى الأرض لشدة حرارتها وهم ينفخون في راحات أكفهم من شدة الألم. وبقي واحد منهم أصرّ على ابقاء الكرة في يده، ولعله أراد أن يظهر بمظهر الشجاعة أمام الفتيات الحاضرات. وأخذ ينقل الكرة من يد إلى يد بغية تخفيف ألمها. وعندما رماها أخيراً بدت على راحة كفه علامات الاحتراق.
إن الكرة لم تسخن في الواقع، إنما الذي سخن هو جلد اليد وذلك من جراء الايحاء... وليس هذا بعجيب، فإن الانسان كثيراً ما يتخيل المرض فيمرض، ويتوهم الألم في مكان ما من جسمه فيحدث الألم هناك فعلاً.
وقد ظهر في شتاء احدى السنوات وفي حديقة (الهايدبارك) بلندن، فقير هندي عاري البدن يكاد لا يحس بزمهرير الشتاء، وأخذ يقوم بأعمال خارقة. فهو كان يبتلع حطام الزجاج والمسامير الصغيرة الحادة وغيرها. ويشرب حامض (النتريك) هنيئاً، ويمشي حافياً على الجمر الملتهب. وقد يدفنونه تحت التراب عدة ساعات ثم يخرجونه حياً كان لم يكن قد حدث عليه شيء.
وقد بحثت جمعية المباحث النفسية في بريطانيا قبل بضع سنوات حالة تشبه هذه الحالة، حيث مشى فقير هندي على فراش من الجمر كانت درجة حرارته تزيد على الألف (بمقياس فهرنهيات)، وقد أعاد المشي عليه مرة ثانية للتأكيد. فسجلت هذه التجربة في سجلات الجمعية2.
وقد يقوم بعض المتصوفة في العراق بأعمال مشابهة لتلك التي يقوم بها فقراء الهنود. فهم يضربون أنفسهم بالسلاح ويغمدون الخناجر والسيوف في بطونهم ويأكلون النار...
وقد سافرت ذات مرة إلى تكريت أنا وجماعة من طلاب كلية الآداب والعلوم، فشاهدنا هناك من هذه الخوارق ما أثار دهشتنا حقاً. ولقد حاولت أن أتحقق بنفسي من صحة هذه الخوارق التي نسمع عنها دائماً، فوجدتها خالية من الخداع والشعوذة، ولا يهمني أن لا يقتنع القارئ بصحة ما أقول، فاني قد اقتنعت بصحة ما رأيت وهذا يكفيني.
إن هذه الخوارق كلها تدخل في موضوع تأثير الفكر في البدن وهي في الواقع ناتجة عن سيطرة عقيدة معينة على بدن الانسان. فالفقير الهندي حين يمشي على النار إنما هو معتقد اعتقاداً جازماً بأن النار لا تؤذيه. إن هذه العقيدة قد استحوذت على ذهنه استحواذاً تاماً بحيث أصبح في شبه غيبوبة عن ما حوله. فمجرد شك بسيط يخامر نفسه يؤدي حتماً إلى هلاكه.
ولا مراء أن هذه العقيدة الجازمة الخالية من كل شك ليست بالأمر الهين ولا يستطيع أن يحصل عليها أي إنسان. إذ هي عقيدة عميقة لها جذورها القوية في اغوار اللاشعور. ولا يكفي الإنسان فيها أن ينوي ويعزم أو يقصد ويتعمد.
إن العقيدة في الواقع ليست بيد الإنسان، وهو لا يستطيع أن يحصل عليها أو يتركها كما يريد. إنها قناعة لا شعورية تأتي نتيجة الايمان القوي والمراس الطويل والانغمار الذي لا يخامره شك أبداً. إن العقيدة التي تكون في العقل الظاهر فلا تتغلغل إلى العقل الباطن قد تضر ضرراً بليغاً من هذه الناحية. وهي ربما أدت إلى عكس النتيجة المبتغاة منها. إن صاحب هذه العقيدة السطحية لا يكاد يضع قدمه على النار اقتداء بفقراء الهنود، مثلاً، حتى يأخذ عقله الباطن بالتخوف والاستغاثة. فهو يقول لنفسه: أقدم ولا تخف، ولكن عقله الباطن يهمس في اغوار النفس بهمسات الخطر ودنو الأجل.
رأى أحد الرقعاء متصوفاً يضرب بطنه بالسيف فتعمد أن يقلده بغية نوال الاعجاب من الحاضرين وكان بينهم بعض افراد الجنس اللطيف – مع الأسف. فهو لم يكد يمسك السيف بيده حتى ترائى له خطر الموت. لقد كان اللازم عليه آنذاك أن ينسحب من المعمعة ولكنه لم يفعل ذلك خوفاً من الفضيحة... وقد انتهى الأمر به أن مات غير مأسوف عليه.
يعلل العلماء خوارق المتصوفة والهنود بأنها نوع من التنويم الذاتي (Autohypnotism). فالمتصوف ينوم نفسه قبل أن يقوم بتلك الخوارق. والهنود يختلفون في الطريقة التي ينومون بها أنفسهم تنويماً ذاتياً. فالهنود يروضون أنفسهم رياضيات نفسية معقدة وطويلة الأمد حتى يصلوا أخيراً إلى مرحلة القدرة على القيام بالخوارق. وعند وصولهم إلى تلك المرحلة النهائية يصبحون كأنهم خرجوا من هذه الدنيا وأخذوا يعيشون في دنيا خاصة بهم، وتصبح الخوارق لديهم آنذاك أعمالاً اعتيادية يستطيعون أن يقوموا بها متى شاؤوا.
أما متصوفة العراق فيلجأون إلى الغناء ودق الدفوف وإلى نوع من الرقص والدوران. وإذ ذاك يدخلون في شبه غيبوبة يطلقون عليها أحياناً «المدد». وليس المدد في الواقع إلا تنويماً، ذاتياً.
إن التنويم المغناطيسي، كما ذكرنا سابقاً، يؤدي إلى اخماد قوى العقل الظاهر وجعل العقل الباطن فريداً في الميدان. ولا فرق في هذا سواء أكان التنويم ذاتياً أم غيرياً.
إن خوارق المتصوفة إذن هي خوارق اللاشعور. وكلما قل وعي المتصوف أثناء القيام بها قل الخطر عليه منها. لقد اتضحت لنا هذه الحقيقة بجلاء أثناء الحفلة الصوفية التي حضرناها في تكريت. فالمتصوف الذي أراد أن يضرب نفسه كان، لسبب من الأسباب، في حالة نفسية لا تسمح له بالضرب. وقيل عنه في حينه انه لم يدخل في «المدد» دخولاً تاماً. فلما أغمد الخنجر في بطنه سال منه دم غزير3 ثم وقع مغشياً عليه وانتشر الهمس بين الحاضرين انه مات وامتقعت من جراء ذلك وجوه البعض منهم.
إنه لم يمت أخيراً، ولكنه على أي حال قد اقترب من الموت. إن عدم دخوله في «المدد» دخولاً تاماً جعله واعياً بعض الوعي. ولعل شيئاً من الشك قد تسرب إلى نفسه حينئذ فسبب له الأذى4.
يعتقد المتصوفة أن هذه الخوارق التي يقومون بها آتية من صحة عقيدتهم. والواقع أنها آتية من قوة عقيدتهم – لا صحتها. فقوة العقيدة وعمقها وتغلغلها في اللاشعور هي التي تؤدي إلى ظهور الخوارق. أما صحة العقيدة فلا شأن لها في هذا الأمر.
إن كل إنسان قوي في عقيدته يستطيع أن يصل إلى نفس النتائج التي وصلوا اليها – سواء في ذلك أكان من أتباع الرفاعي أو أغا خان أو عباس أفندي.
إن اللاشعور لا يعرف التمييز بين الحق والباطل أو بين الصواب والخطأ. إن هذا من شأن العقل الظاهر أن يعرفه. فالعقل الباطن، كما قلنا سابقاً، هو عقل اليقين والعقيدة، بينما العقل الظاهر هو عقل الشك والبحث والتفلسف. فخوارق اللاشعور إذن لا تدل على صحة العقيدة بقدر ما تدل على قوتها في النفس.
يقول النبي محمد: «من آمن بحجر كفاه» وقد أصاب كل الاصابة في قوله هذا. ويعجبني من المتصوفة أنهم قد أدركوا هذه الحقيقة. فهم يحبون كل الأديان ولا يفرّقون بينها، إذ يعتبرونها طرقاً مختلفة للوصول إلى هدف واحد. إنهم يطلبون من الانسان أن يكون قوي العقيدة وليعتقد ما يشاء. ولقد كان الشيخ محي الدين بن عربي، المتصوف المشهور، يود أن يصلي لربه في كل معبد، لا فرق عنده بين المسجد والكنيسة أو بين بيت النار ومعبد الأوثان. وكأنّي به يقول: «نقّ قلبك وصلِّ أينما تريد».
يميل كثير من العلماء اليوم إلى ما يشبه هذا الرأي. وقد تطرف بعضهم فزعم أن الله نفسه ما هو إلا العقيدة. فربك، في رأيهم، هو اعتقادك به، وكلما كانت عقيدتك به أقوى كان هو أقدر على نفعك ودفع الضرر عنك.
يرى (أوليفر لودج)، العالم الطبيعي المعروف، أن الصلاة والدعاء والعبادة لها فائدة كبيرة. وهو يفنّد آراء المنكرين الذين يرون بأن الدعاء لغو فارغ لا قدرة له على تغيير ما في الكون من قوانين طبيعية، فيقول عنهم: «انهم يتصورون أنفسهم كأنهم شيء منعزل عن الكون وخارج منه يعمل فيه من ظاهره ويحاول أن يبدّل مظاهره بالابتهال الى نظام في القوى المسيّرة»... «ولكننا إذا استطعنا أن نتفطن إلى أنفسنا وأننا نحن جزء صميم من النظام بأسره، وان رغباتنا ومطالبنا هي نفحة من الارادة المسيطرة الهادية لم يمتنع على حركات عقولنا أن يكون لها أثر فاعل إذا سرنا بها وفاقاً لأصدق ما في الكون من القوانين وأعلاها».
ويضرب (لودج) مثلاً على ذلك بالدولة العادلة التي تكون خلجات الأفراد فيها جزءاً من التشريع والإدارة إذا هي سلكت سبيلها الحق إلى التعبير السليم والتوفيق بينها وبين أصول النظام5.
والملاحظ أن رجال الدين عندنا لا يوافقون على هذا الرأي، فهم يتصورون الله كالملك جالساً على العرش وحوله الملائكة وهو يأمر بينهم وينهي. إنهم أخذوا هذه الصورة من حياتهم السياسية. فهم ينظرون إلى الله كما ينظرون إلى حاكمهم السياسي، إذ يحاولون أن يتملقوا ويتزلفوا إليه أو يمدحوه ويبرطلوه. ولهذا السبب نجدهم يهتمون كل الاهتمام بالشعائر والطقوس بدلا من الاهتمام بصفاء القلب وسلامة العمل وخلوص النية.
***
ذكرنا في الفصل السابق أن النفس البشرية قد تتأثر بما حولها من المادة الخارجية تأثراً لا شعورياً. وفي هذا الفصل أدركنا كيف أن النفس تؤثر في مادة بدنها وتتأثر به أيضاً. بقي علينا أن نعرف، بعد هذا، هل تستطيع النفس أن تؤثر في المادة الخارجية بمثل ما تتأثر بها؟
إن هذا السؤال قد أشغل أذهان المفكرين منذ زمان بعيد. وكثيراً ما تروي الأخبار العجيبة عن مقدرة بعض الأنبياء والأولياء والسحرة على تحريك المادة من بعيد أو التأثير فيها قليلاً أو كثيراً. وظل المفكرون حائرين إزاء هذه الأخبار المتواترة لا يستطيعون لها تكذيباً ولا تصديقاً. ومعظم العلماء كانوا يميلون إلى تكذيبها والسخرية منها حتى زمن متأخر.
إن الشرق يعرف عن السحرة كثيراً، أما الغرب فلم يعرف عنهم إلا قليلاً. وقد ظهر في الغرب مؤخراً نفر من السحرة الموهوبين أثاروا فيه الدهشة. وأهم هؤلاء ثلاثة هم: (هوم) الاسكتلندي و (بلادينو) الايطالية و(هوديني) الامريكي. وأهمية هؤلاء آتية من كونهم أثاروا بأعمالهم العجيبة نقاشاً حاداً في الأوساط العلمية وأقيمت حولهم المناظرات والمجادلات.
لقد كانت (بلادينو) فتاة ايطالية ساذجة وكانت تدخل في حالة من الغيبوبة أحياناً فتقوم بأعمال غريبة لا يميل العقل إلى تصديقها. فهي كانت تجعل الموائد تتحرك من تلقاء نفسها، وتجعل بعض الآلات الموسيقية تعزف من غير أن يمسسها أحد، وقد تجعل منديل أحد الحاضرين يخرج من جيبه فيرتفع إلى أنفه كأنه يريد أن يساعده على التمخّط... وغير ذلك من المدهشات.
ولقد تشكلت لجنة من أساتذة جامعة (تورين) ففحصوها فحصاً دقيقاً ثم قدموا تقريراً عنها أجمعوا فيه على صحة ما شاهدوا منها من أعمال خارقة6.
وقد زارها أيضاً السر (أوليفر لودج) فكتب عنها ما يلي: «إنني أفكر الآن في نشر ما رأيته من أعمال بلادينو لأن هذه الأعمال قد تحققت بعد ذلك على أساليب مختلفة ولأني واثق أنه تظهر من بعض الناس ظواهر طبيعية خارقة للعادة وأنا غير قادر على تعليلها أي أنها توجد قوى لم يكتشفها العلم حتى الآن...»7.
والغريب في هذا الأمر أن (بلادينو) بعد أن حازت نجاحاً عظيماً في أوروبا ذهبت إلى بريطانيا ففحصها أساتذة جامعة (كمبردج) وضبطت هنالك متلبسة بالغش إذ شوهدت وهي تستخدم يدها في تحريك الموائد8.
وفي سنة 1908 شكلت جمعية المباحث النفسية البريطانية لجنة ثلاثية مؤلفة من خبراء معروفين في اكتشاف الخداع والشعوذة وارسلتهم إلى (نابولي) في ايطاليا لفحص (بلادينو)9. وقد قرر هؤلاء الخبراء بعد فحصها: أنها كانت تحل يديها اثناء الغيبوبة عن قصد أو غير قصد، هذا مع العلم أن قسطاً كبيراً من أعمالها خارق للعادة بلا ريب. وكتب المستر (فيلدنج) أحد أعضاء اللجنة تقريراً قال فيه: «إني أشكر... (بلادينو) لأنها علمتني شيئين: الأول أن ليس كل عمل غشاً، والثاني أن ليس كل غش مقصوداً»10.
أما «هوم» الاسكتلندي فقد أدهش العالم المتمدن بعجائب سحره من حيث رفعه الموائد بدون لمس لها، وطيرانه بين نافذة وأخرى في بناية مرتفعة، وغمس وجهه في الجمر الملتهب، وجعل بعض الآلات الموسيقية تعزف ألحاناً معينة من تلقاء نفسها...
وقد أوفدت جامعة (هارفرد) أربعة أساتذة لاختبار أفاعيله العجيبة. وبعد انتهاء فحصهم له وقعوا جميعاً على وثيقة يشهدون فيها أن من بين الظواهر التي شاهدوها: أن أحدهم جلس فوق المائدة فاهتزت بعنف شديد، وأخيراً مالت واستقرت على قائمتين. واستمرت على هذا الوضع حتى بعد أن انضم اثنان من الأساتذة إلى زميلهما وجلسا معه فوقها. وقرر الأساتذة: أن الساحر ألح عليهم مراراً أن يشدوا يديه ورجليه وكانت الغرفة جيدة الاضاءة حيث لقى الأساتذة كل عون وتيسير للقيام بما أرادوا من فحص دقيق، فثبت لديهم أخيراً انه لم يحتل عليهم ولم يخدعهم11...
وقد شاهد أفاعيل هذا الساحر (وليم كروكس)، مخترع الصمام الكهربائي المعروف باسمه، ووضعه تحت الفحص الدقيق في مختبره الفيزيائي. وقد كتب (كروكس) تقريراً للمجلة العلمية (Quarterly Journal of Science) قال فيه: «فكل ما رأيته منه جرى في النور ولا أتأخر عن الشهادة بأن الظواهر التي شاهدتها تناقض تمام التناقض المبادئ العلمية المقررة، كقانون الجاذبية، في تأثيرها المطلق الدائم. وان في رأسي نزاعاً بين عقلي الذي يحكم بأن هذه الظواهر مستحيلة الوقوع من الوجهة العلمية، وشعوري بأن ما رأيته بعيني ولمسته بيدي لم يكن كذباً باطلاً».
لقد سخر الناس في بريطانيا من (هوم) هذا واعتبروا أفاعيله تلك من قبيل سحر العين أو ما يسمى اليوم بالاستهواء والتنويم. والغريب أن المشتغلين بالسحر في الجيل الحاضر يقولون بأنهم قادرون على تفسير خوارق (هوم) ويرونها من قبيل الحيل الممكنة12.
أما (هوديني) الامريكي فكان يقوم بأفاعيله العجيبة على خشبات المسارح. وقد شاهده البرفسور (فيليب حتّي)، مؤلف كتاب تاريخ العرب المعروف، وكتب عنه تقريراً إلى مجلة المقتطف. وملخص أمره: أنه يوضع في كيس محكم الشد ثم يوضع بعد ذلك في داخل صندوق متين ويقفل عليه الصندوق بقفلين ثم يشد الصندوق بحبل مجدول كثيف. وبعد لحظة يخرج (هوديني) من وراء الستار طليق اليدين والرجلين!.
وقد شاهده أيضاً السر (ارثر كونن دويل) فكتب عنه: «إنه معجزة...». هذا ولكن (هوديني) نفسه كان يعترف بأن أعماله هي نتيجة الخفة واللباقة وليس فيها شيء من السحر الخارق13. وهذا أمر عجيب لا نفقه سره.
***
إن هذه القصص العجيبة التي ذكرناها حول السحرة الثلاثة لا تؤيد، على فرض صحتها، القول بأن القوى النفسية تؤثر في المادة الخارجية. ويميل بعض الباحثين إلى أن الأفاعيل السحرية التي يتناقل الناس أخبارها في كل حين ليست إلا من قبيل سحر العيون.
وسحر العيون هو نوع من التنويم المغناطيسي يحدث على الإنسان من غير أن يشعر به. ففيه يكون النائم مدركاً كل الإدراك جميع ما يحدث حوله ولا تبدو عليه أعراض غير اعتيادية، ولكن قابليته للايحاء تكون شديدة جداً. والساحر يقوم بدور المنوم في هذه الحالة، فهو يوحي للحاضرين بعد تنويمهم بأنهم يشاهدون أشياء معينة فيرونها واضحة وهي في الواقع غير موجودة.
لقد أجريت بعض التجارب العلمية على أفراد نوموا بهذه الصورة، وكانت نتيجة التجارب عجيبة للغاية. فقد نوّم رجل وجيء له بقطعة من قماش ثم قيل له انها كلب، فصدق الرجل بما أوحي إليه وأخذ يعامل القطعة كأنها كلب فعلاً. وأوحي لرجل آخر أنه لا يرى أحداً فاختفى الحاضرون من نظره حالاً. وأوحي لآخر أن يشاهد قرنين ينبتان في رأس أحد الحاضرين فأخذ القرنان يتراءيان له بكل وضوح14.
وعلى هذا فمن المظنون أن ما فعله (هوم) أو (بلادينو) أو (هوديني) ليس إلا اوهاماً أوحي بها إلى أذهان الحاضرين. وقد أنكر بعض العلماء هذا التفسير وصرحوا بأن ما شاهدوه لم يكن إلا حقيقة واقعة.
فقد جاء في تقرير أساتذة جامعة (تورين) الذين شاهدوا أفاعيل (بلادينو) ما يلي:
«ولا ننكر أن بعض الناس المصابين بخلل في أعصابهم أو الخاضعين لسلطة الوهم يستهوون ويتصورون أنهم رأوا وسمعوا ما لا وجود له إلا في مخيلتهم ويتعذر علينا أن نقنع جميع الناس أننا لم نكن مصابين بهذا الخلل ولذلك نقصر بحثنا على الأعمال التي بقيت آثارها بعد انتهاء الجلسة ورأيناها في اليوم التالي على نور النهار وهي مما يرى ويلمس ويستحيل أن يكون للوهم علاقة بها»15.
إن هذا الموضوع، على أي حال، قد أثار جدلاً عنيفاً. وقد حاول (راين) اخيراً أن يتدخل في هذا الموضوع وأن يضعه على طاولة التجريب العلمي الذي لا يتطرق إليه الشك.
وقد اتخذ (راين) في هذا السبيل طريقة خاصة به. فقد استعمل في تجاربه مكعب النرد المعروف. وكانت النتيجة التي جاء بها مدهشة حقاً. وهو يقول في هذا الصدد: «بعد سنوات من البحث الواسع... توصلنا إلى الاستنتاج أن بعض الأفراد يملكون مقدرة بسيطة على التأثير في رمي مكعب النرد. وقد أخذنا بعين الاعتبار طريقة رمي المكعب وكذلك شكله ودقة صنعه واستعملنا من أجل ذلك وسائل آلية متنوعة لرميه. وقمنا بالاحتياطات اللازمة لكي يكون المكعب متوازناً كل التوازن عند سقوطه... »16.
والغريب أن لاعبي القمار قد ادركوا هذه الحقيقة قبل أن يكتشفها (راين) بطريقته العلمية. فهم يشعرون أنهم في حالات معينة يستطيعون أن يؤثروا على سقوط المكعب سلباً أو ايجاباً. فهم يجدون أن أوجه المكعب تظهر على نمط يلائم مصالحهم تارة وتظهر على ما يعاكسها تارة أخرى. وهم يميلون إلى تعليل هذه الظاهرة الغريبة بتعليلات شتى تناسب مداركهم. وكثيراً ما ينسبونها إلى حظهم أو حظ من يجلس بجوارهم، وربما تفاءلوا أو تشاءموا في ذلك متّبعين أساليب خاصة بهم لا يعرفها غيرهم.
إن (راين) قد توصل في هذا السبيل إلى نتيجة قاطعة. وهي أن النفس البشرية تستطيع أن تؤثر في المادة الخارجية بدون واسطة حسيّة. ولكنه يعترف في نفس الوقت أن هذا التأثير ضعيف جداً إذ هو لا يفوق معدل الصدفة إلا بمقدار قليل يكاد لا يبين احياناً. وهذا لا يعني طبعاً أن الناس كلهم سواء في هذا التأثير. فلا ريب أنهم يختلفون قوة وضعفاً بالنسبة لما يملكون من تفاؤل وتلقائية واعتقاد.
لقد وجدنا فيما سبق كيف أن النفس تستطيع بواسطة العقيدة القوية أن تؤثر في مادة بدنها تأثيراً كبيراً. ولعلنا لا نخطئ إذا عزونا للنفس بعض هذا التأثير في المادة الخارجية.
ومهما كان التأثير النفسي في المادة الخارجية ضعيفاً فهو يؤدي أحياناً إلى عواقب كبرى. ولقد دلت وقائع الحياة أن قوة صغيرة جداً قد تؤدي، في ظروف معينة، إلى نسف مدينة بأسرها، أو تغيير مصير فرد أو أمة.
خذ على سبيل المثال هذه السيارة المزدحمة بركابها المسرعة في سيرها فقد يصادف أن يكون في طريقها عارض بسيط جداً يؤدي إلى انقلابها وموت ركابها. إن السيارة قد تكون احياناً في وضع حرج جداً. إذ أن توازنها في لحظة الدوران المفاجئ أو السرعة الشديدة يمسي على قيد أنملة من الانقلاب المهلك. وربما انبعثت قوة نفسية ضئيلة من أحد الركاب فتكون ذات أثر فعال في سلامة السيارة أو في هلاكها.
يحكى أن سائقي البغال في أعالي جبال الألب يعمدون إلى كتم صوت الأجراس المعلقة في أعناق البغال مخافة أن يؤدي دق الجرس إلى انهيار جوانب الجبل. ويحذر الخبراء هنالك من النداءات العالية أو اطلاق العيارات النارية، إذ يقولون بأن الكتل الكبيرة من الجليد أو الصخر قد تكون متعلقة تعلقاً ضعيفاً في أماكنها، فأقل رنين في الهواء ناتج من جرس أو غيره قد يحدث حركة بسيطة تزحزح تلك الكتل وتدحرجها. وكثيراً ما أدى تدحرجها إلى تخريب القرى واندثار المزارع وهلاك الحرث والنسل.
لقد عوّدنا المنطق القديم على أن ننظر في الأمور نظرة جدّية ونقارن بينها على أساس التعاكس بين النفي والاثبات. فنقول، مثلاً، عن قوة من القوى أنها قادرة أو عاجزة عن انتاج أثر معين. ونحن بذلك ننسى طبيعة الظروف المتشابكة التي قد تجعل القوة الصغيرة احياناً أقدر من القوة الكبيرة على انتاج ظاهرة من الظواهر. إن عوامل الكون كثيراً ما تكون متوازنة توازناً حرجاً، ولهذا فقد تأتي عليها قوة ضئيلة جداً فتحدث فيها انقلاباً مذهلاً للعقول.
يقال إن (ماركوني) استطاع ذات يوم أن يضئ حفلة كبرى في استراليا وهو قابع في يخته الراسي في مياه ايطاليا. إنه في الواقع لم يرسل الى استراليا إلا إشارة لاسلكية بسيطة وقد ضخمت هذه الاشارة في استراليا بواسطة صمامات خاصة بحيث اصبحت قادرة على تحريك زر معين. وبتحريك هذا الزر انفتح التيار الكهربائي المحلي فأنيرت الحفلة.
ومثل هذا ما شاهدت في امريكا من الأبواب التي تفتح من تلقاء نفسها حالما ترى قادماً يتوجه نحوها. إن التأثير البسيط الذي يحدثه ظل القادم على جهاز العين (الكهربانورية) الموجودة في الباب يؤدي إلى فتح التيار الكهربائي. وهذا التيار يؤدي بدوره إلى فتح الباب.
وهكذا قل عن القنبلة الذرية التي تنسف الجبال والمدن. فانقسام نواة ذرة واحدة فيها يؤدي إلى تفاعل متسلسل – كما هو معروف لدى خبراء الذرة.. وهذا التفاعل ينتهي اخيراً إلى صب الكوارث بمختلف أنواعها على رؤوس الناس.
وما يحكى عن (اصابة العين) يمكن تفسيره بمثل هذا التفسير أيضاً. فالعين في الحقيقة لا تصيب احداً، إنما هي النفس وراء العين هي التي تبث الأمواج الكهربائية على الناس. وهذه الأمواج الفتاكة لا تؤثر في جميع الأفراد على حد سواء.
إن العين لا تصيب إلا من يعتقد بها. وهذا الاعتقاد يجعل الأمواج الصادرة من صاحب العين ذات أثر «متسلسل» في أعصاب الضحية فتطرحه أرضاً.
إن حوادث اصابة «العين» لا تقع إلا في المجتمعات الجاهلية التي يسهل انتشار الخرافات فيها. فما أن يسمع الناس عن شخص له «عين» فتاكة حتى تراهم قد هربوا من وجهه. وهذا الجو النفسي المخيف يؤدي إلى سقوط كثير من الضحايا بطريق الإيحاء...
ظهر في احدى جرائد بغداد منذ عهد قريب خبر رجل أصاب بعينه محركاً في معمل الزجاج السوري الكبير بدمشق. وقد توقف المحرك من جراء ذلك عن الدوران. وبعد البحث وجد المهندسون، كما يقول الخبر، زجاجة تعترض سبيل المحرك الضخم وقد رسمت على مياهها صورة عين17. وتضيف الجريدة إلى ذلك قائلة: إن الزجاجة «المصابة» حملت إلى مختبرات الجامعة الامريكية في بيروت لفحصها.
إني لا استطيع أن أعلق بشيء على هذا الخبر العجيب، ولعلي أميل شخصيًا إلى تكذيبه. ولكني مع ذلك أقول: إن كل شيء من هذا القبيل يعتبر ممكناً في هذا العصر – عصر اكتشاف الطاقة الذرية وخوارق اللاشعور.
***
معظم الناس يعتقدون بأن هواجس النفس وخوالجها لا تؤثر في الأشياء الخارجية تأثيراً مادياً محسوساً. فهم يتشاءمون ويتفاءلون، ويحزنون ويفرحون، غير مدركين بأن هذه الانفعالات النفسية قد تأثر في الأحياء والجمادات المحيطة بهم قليلاً أو كثيراً وقد تؤدي أحياناً إلى نتائج عملية في غاية الأهمية.
ولعل كثيراً من أولي الحظوظ السيئة قد جلبوا سوء حظهم على أنفسهم بأيديهم. فهم يرقبون الحوادث ولا يتوقعون منها إلا الشر. وبهذا تكون نسبة الحوادث السيئة التي تقع عليهم اكبر من نسبتها على غيرهم من المتفائلين والمنشرحين. فهم يؤثرون في تحولها ضد مصالحهم كما يؤثر لاعب القمار في توجيه مكعب النرد عند رميه.
ولعل هؤلاء المتشائمين ليس لهم يد في خلق هذا التشاؤم في أنفسهم. فهم ضحايا ظروفهم السيئة التي ولدوا فيها، حيث قد اعتادوا منذ طفولتهم أن لا يلاقوا في الحياة إلا كل ظلم واحتقار وطرد. وهم بذلك ينشأون وقد ثبتت في مخيلتهم صورة الخيبة. فشرعوا إذن يسقطون هذه الصورة الداكنة على كل أمر يتصل بهم.
إن توقع الخيبة لا يجلب الخيبة دائماً، ولكنه يزيد عادة في معدل ظهورها.
إن الصدفة عادة لا تميز بين فرد وآخر، فهي تأتي بالشر والخير إلى كل انسان على نسبة متقاربة. فمثلها في هذا كمثل مكعب النرد المتوازن الذي يكون احتمال ظهور أحد أوجهه مقارباً في الأمد الطويل لاحتمال ظهور أي وجه آخر منه.
لقد دلت تجارب (راين)، كما أشرنا إلى ذلك آنفاً، على أن النفس البشرية تؤثر في سقوط مكعب النرد فتجعل أحد أوجهه يظهر بنسبة أكبر مما تقتضيه الصدفة المجردة. ومعنى ذلك: أن الإنسان يستطيع بقواه النفسية أن يتحدّى الصدفة ويغالبها.
لقد دأب الناس في العصر الحديث أن يجعلوا مفهوم الحظ مرادفاً لمفهوم الصدفة فسموا كلاهما (Chance). وقد أخذ عوامنا في الشرق يعرّبون هذه اللفظة ويستعملونها في أحاديثهم الاعتيادية. وتراهم لهذا يتحدثون عن «الجانص» في سباق الخيل وفي التجارة وفي الانتخاب وفي مجلس التعليم العالي وما اشبه.
وفي الحقيقة أن الصدفة وحدها لا تكفي لتفسير الحظ. فللقوى النفسية أثر لا يستهان به في تكوينه سلباً أو ايجاباً.
إن القوى النفسية لا تؤثر في سير الأمور فقط بل هي تستطيع أن تطلع على ما يخفى منها وما سوف يطرأ عليها أيضاً – كما ذكرنا في الفصل السابق. فهي قوى حافزة وحادسة معاً، تغالب الصدفة بتأثيرها وتنافسها بحدسها. إن صاحب الحظ الحسن إذن له مقدرتان. فهو بصفاء ذهنه وثقته بنفسه واعتقاده بنجاحه يستطيع أن يؤثر في الأمور بعض التأثير فيوجهها في سبيل مصلحته قليلاً أو كثيراً. أما ما يعجز عن التأثير فيه فيعالجه من طريق آخر هو طريق الحدس والتنبؤ؛ وبذلك يستطيع أن يتكيف لما سيأتي به الغد من الأمور فيبتعد عن الخسارة خطوة ويقترب من الربح خطوة أخرى. فهو يوجه تأثيره النفسي على الأمور من جهة، ويوجه حدسه الكاشف عليها من الجهة الأخرى. وهو بذلك يجعل مكعب مصيره المقذوف في الهواء ميالا إلى السقوط نحو الجهة التي أرادها أو تنبأ عنها.
إنه يفعل ذلك لا شعورياً. وكثيراً ما يتعجب هو من نفسه ومن قدرته العجيبة على نوال الربح وتجنّب الخسارة حيناً بعد حين. وهو لو حاول أن يحسن حظه تعمدًا وتقصدًا لرجع بخفي حنين.
***
يتبين مما سلف أن ليس هناك حد واضح بين الوهم والحقيقة والوهم كثيراً ما يؤدي إلى خلق الحقيقة.
فأنت إذا توهمت شيئاً واعتقدت بوجوده كان بحكم الموجود في آثاره المختلفة. أما الحقيقة الموجودة فعلاً فقد لا تكون ذات أثر في الحياة العملية حين يجهل الإنسان وجودها ولا يعترف بها.
إن من الممكن أن نقول مثلاً بأن (باستور) عند اكتشافه الميكروب قد خلقه خلقاً. فقد كان اجدادنا يجهلون الميكروب ولذا كان الميكروب، على معنى من المعاني، غير موجود. أما بعد أن اكتشفه (باستور) فقد اصبح موجوداً واخذ الناس يتخوفون منه وابتلى الكثير منهم من جراء ذلك بداء «الوسواس».
ومن المعروف أن الذي يخاف من مرض يقع فيه. فإن خوفه الدائم يجعل فكرة المرض قوية في نفسه، وبذلك تلقى جراثيم المرض في بدنه تربة خصبة للنمو والتكاثر.
صرح أحد الأطباء المشهورين ذات يوم فقال: «إن مهمة الطبيب أن يساعد المريض على أن يشفي نفسه بنفسه. فالطب لا يشفي أحداً. إن مصدر الشفاء هو النفس، وليس للطبيب من عمل إلا أن يساعد النفس في تأثيرها».
وأجرى الدكتور (دوراند) تجربة طريفة على مرضاه. فقدم لهم شراباً خالياً من أي دواء أو مادة طبية. وبعد مرور ربع ساعة وقف الدكتور بين مرضاه وهو يضرب يداً بيد متظاهراً بالأسف والحنق قائلاً بلهجة الاعتذار: «إن ذلك الشراب كان مقيئاً وانه قد أعطي لهم خطأ.. » فحدث هرج ومرج بين المرضى وأخذ بعضهم يتقيأون فعلاً18.
يحاول دعاة الحقيقة في كل حين أن يكافحوا الأوهام بين الناس، وما دروا أن الوهم ربما كان أنفع من الحقيقة أحياناً. فلو أن الإنسان عاش على الحقيقة وحدها لفنى منذ زمان بعيد19.
لقد جهزتنا المدنية الحديثة بكثير من الأدوية الناجعة والوسائل المفيدة فأصبحنا نستطيع أن نستعيض بها عن اعتناق الأوهام والخرافات ولكن ماذا يصنع ذلك الفطري العائش في غابات افريقيا، أو هذا الريفي الساكن في قرية نائية منعزلة. إنه أمام الأمراض والمخاطر وجهاً لوجه، وهو لا يملك تجاهها أية وسيلة مادية قادرة على وقايته منها. إن من الضرر إذن أن نطلب من هذا الفطري أن يترك أوهامه وخرافاته ويصير واقعياً في تفكيره.
إن الأوهام لها وظيفتها في كثير من الحضارات والمجتمعات. فهي كالدواء في البيئة التي لا دواء فيها، وكالحجر الصحي بين اولئك الذين لم يعرفوا بعد حقيقة الأمراض ومصدرها الميكروبي.
والغريب أننا نرى بعض المتعلمين المغرورين، في العراق وغيره يريدون من الريفيين أن يتركوا اوهامهم في حين أنهم عجزوا عن إمداد هؤلاء الريفيين بوسائل العلاج الحديثة. فهم يقولون للريفيين انبذوا وسائلكم القديمة ثم لا يمدونهم بالوسائل الجديدة. فمثلهم في هذا كمثل ذلك الأمير الفطير الذي نزع عن حرّاسه أسلحتهم القديمة، بحجة أنها غير صالحة، ثم عجز بعد ذلك عن إمدادهم بأسلحة جديدة تحل محلها.
إن الوهم والحقيقة في تصارع مرير منذ خلق الإنسان. والإنسان لم يفضّل الوهم على الحقيقة في بعض الأحيان عبثاً. إنه وجد في الوهم فائدة كبيرة واتخذ منه سلاحاً ماضياً كافح به ملمات الحياة.
إن الإنسان قد يطلب الحقيقة أحياناً ولكنه لا يستطيع أن يعثر عليها. وهو مضطر إذن أن يخلق بأوهامه حقيقة خاصة به تعينه على حل مشاكل الحياة.
إن أجدادنا جهلوا سر الأمراض، وهم لو كانوا يريدون اكتشاف سرها لعجزوا. وحتى (باستور) نفسه ما كان يستطيع أن يكتشف سر الميكروب لو أنه كان يعيش في بيئة غير تلك البيئة التي عاش فيها، أو أنه ولد في زمان قبل ذلك الزمان الذي وصلت به البحوث الطبية والكيمياوية إلى تلك الدرجة التي كانت عليها.
وبناء على هذا فقد لجأ أجدادنا إلى الطلاسم والرقي والأدعية يعالجون بها امراضهم. ونحن اليوم نضحك على خرافاتهم هذه ظلماً وعدواناً – غير عالمين بأن الطلاسم والأدعية، حين يعتقد بها المريض، تنفع فيه أكثر مما ينفع الدواء المادي المشكوك في أمره.
إن الاعتقاد الجازم ينفع الإنسان في نواح كثيرة. ولا نكران أنه يضره في نواح أخرى. ومشكلة هذه الحياة أنك لا تستطيع أن تجد فيها شيئاً ينفع من غير ضرر أو يضر من غير نفع – في كل حين.
إن الاعتقاد يبعث الثقة في الانسان ويوحي إليه بالنجاح والشفاء والطمأنينة، ولكنه في نفس الوقت يمنعه من ممارسة الحياة ممارسة واقعية حكيمة ويجعله أميل إلى اعتناق السخافات والأباطيل منه إلى مواجهة الحقائق المرة.
***
إن الحضارات الفطرية المنتشرة في غابات افريقيا وصحارى استراليا وجزائر المحيط الهادي وغيرها، تحتوي من خوارق القوى النفسية ما يدهش. وطالما حدثنا الذين جابوا هذه المناطق عما فيها من الغرائب التي لا يميل العقل الى تصديقها.
وفي هذه الحضارات الفطرية نرى القوى النفسية واضحة الأثر بكلا وجهيها – النافع والضار: ففيها نجد التقاليد السخيفة والعقائد الخرافية بلغت أقصى درجاتها، في نفس الوقت الذي نرى فيه الخوارق والغرائب المذهلة.
إن الفطريين يختلفون عن المدنيين في إطارهم الفكري وفي طراز عقليتهم. فهم لا يفسرون الكون، كما يفسره المدنيون، من حيث خضوعه لقواميس طبيعية ثابتة أو سيره حسب مبدأ السبب والنتيجة. إنهم بالأحرى يتخيلون الكون مليئاً بالأرواح من كل نوع. وهذا ما يسمى اليوم بالنظرة «التشخيصية» في الكون.
فالفطريون يعتقدون بأن كل ظاهرة من ظواهر الطبيعة سببها إرادة صادرة من روح معينة. والأرواح التي تسيّر الكون في نظرهم هي كالأشخاص الذين يتألف المجتمع منهم20. ولذلك نراهم يسترضون الأرواح في كل عمل يقومون به لكي لا تغضب عليهم وتسبب لهم الكوارث.
فبينما المدنيون يحاولون حل مشاكلهم بالحلول العقلية والعلمية، نجد الفطريين يحلونها بأفانين السحر وأنواع التعاويذ والطلاسم. وهم بذلك يخاطبون الأرواح ويتملقون اليها ويرجون منها دفع الضرر وجلب الخير.
روى أحد السواح أنه كان يسكن ذات مرة بين الفطريين في احدى قرى افريقيا السوداء. وقد صادف أن اختفت إمرأة من بينهم فاتهموا أحد السحرة بأنه هو الذي قضى عليها بسحره. وبعد بضعة أيام وجد السائح تمساحاً قرب كوخه فقتله، ووجد في جوفه خلاخل وأساور تعود للمرأة المفقودة. وقد عرض السائح الخلاخل والأساور على أهل القرية فاعترفوا بأنها تعود للمرأة المفقودة ولكنهم ظلوا رغم ذلك مصرين على أن الساحر هو الذي قتل المرأة بسحره وأن التمساح لا شأن له في هذه القضية. ولعلهم ظنوا بأن التمساح كان واسطة الساحر في قتل تلك المرأة.
إن هذه القصة تصور لنا بجلاء تعاكس العقليتين – الفطرية والمدنية. فالسائح المدني يبحث ويستنتج اعتماداً على مبدأ السببية، بينما الفطريون يعتقدون بتأثير السحر والقوى الروحية في أمورهم ولا يحيدون عن ذلك أبداً21 وهذا التعاكس بين العقليتين يجري في كل مكان على درجات متفاوتة. وقد نجد نماذج من عقلية الفطريين بين الشعوب المتمدنة أحيانًا وقد حدث قبل بضع سنوات في بعض مدارس أمريكا أن رفض آباء الطلاب تلقيح أبنائهم بلقاح الجدري المعتاد بحجة أنه ضد ما يقتضيه الايمان بالله.
وإني لا أزال أتذكر قصة شاهدتها بنفسي قبل مدة حيث اعتدى أحد العوام على زميل له اعتداءً فظيعاً لأنه قال «المطر بخار». وقد ظن المعتدي بأن هذا القول كفر صريح ومخالف لما يستوجبه الايمان بتدبير الخالق «عز وجل!».
وعندما انتشر وباء الهيضة في العراق عام 1926 تهرب الناس من التطعيم الواقي ولجأوا إلى إقامة الحفلات الدينية وقراءة الأدعية وما اشبه22.
إن لكل من هاتين العقليتين، الفطرية والمدينة، محاسنها ومساوءها – كما ذكرنا من قبل. فالعقلية الفطرية تمد الانسان بالاعتقاد الراسخ والثقة التي لا حد لها من جهة، وهي تجعله ميالاً لتصديق الخرافات والاباطيل من الجهة الأخرى. أما العقلية المدنية فهي تجعل الإنسان أضعف ايماناً وأقل خرافة في آن واحد.
إنها مشكلة ذات حدين. والحياة مليئة بمثل هذه المشكلة التي لا يكاد الإنسان يتخلص من أحد حديها حتى يبتلى بمجابهة الحد الآخر – ولات حين مناص.
إن صاحب العقلية المدنية هو في العادة اكثر حكمة وتبصراً ودقة في تدبير أموره من الفطري. هذا ولكن تشككه وتردده وقلقه يجعله أضعف منه في مواجهة المشاكل أحياناً. إنه، كما ذكرنا سابقاً، يستخدم في حياته خوارق المادة ويهمل خوارق النفس.
***
إذا أراد الساحر الفطري أن يقتل بسحره أحد الناس صنع له تمثالًا صغيراً من الطين ثم تمتم ببعض الكلمات الغامضة ورفع سكينته يحركها في الهواء وأغمدها في صدر التمثال. يقول (فريزر) الباحث الحضاري المعروف، ان الرجل الذي يراد قتله لا يكاد يسمع بما فعل الساحر ضده حتى يلجأ إلى ساحر آخر ليدرأ عنه ذلك التأثير القاتل... فإذا عجز عن العثور على ساحر يقيه شر القتل استعد للبلاء وامتنع عن الطعام... إلى أن يموت23.
ولا ريب أن الرجل المدني يندر أن يموت مثل هذه الميتة الشنعاء... حتى ولو صنع الساحر له الف تمثال من الطين وأغمد فيها الف سكين!.
إن الساحر الذي يقتل الناس بتلك الطريقة بين الفطريين يستطيع طبعاً أن يشفيهم من أمراضهم المستعصية وجروحهم القاتلة. فالقوى النفسية إذا آمن الناس بها أصبحت ذات أثر فعال من الناحيتين السلبية والايجابية معاً. فهي تحيي وتميت وتنفع وتضر – ولا راد لحكمها.
ولقد وصل الفطريون في استثمار قواهم النفسية حداً قد يعجز المدنيون أن يصلوا إلى عشر معشاره.
يروي (سينل): أنه عندما قتل الجنرال (غردون باشا) في الخرطوم أثناء حركة المهدي، أنبأ أحد الفطريين في جنوب افريقيا بخبر وفاته ساعة حدوثها، هذا مع العلم أن المسافة بين المكانين تقرب من أربعة آلاف ميل24.
وقد ذكرت احدى الصحف الانكليزية قصة تحت عنوان «اللاسلكي البشري» مؤداها: ان رجلاً مسناً من الاسكيمو أبلغ بعض الرواد الذين كانوا يجوبون احدى المناطق في شرق كندا أن صديقاً لهم قد قتل في تلك اللحظة في احدى مدن أمريكا الوسطى. ووصف هذا الرجل الحادث مفصلاً كما لو كان حاضراً وقوع المأساة. وبعد مضي سنة زار الرواد مكان الحادث وتبيّن لهم ان ما قال الرجل كان صحيحاً في أدق تفاصيله.
ويروي (سينل) أيضاً رواية عن ولده الذي كان عضواً في بعثة ذهبت لترتاد بعض مناطق السودان الجنوبية. ملخصها: ان ولده كان قد تاه في الغابات وحيداً، وبعد ليلة قضاها في التيه حضر رجل من الفطريين إليه ومعه بغلة ليركبها. ولما سئل الفطري كيف عرف مكان ولده الرائد التائه خلال أشجار الغابة وهو يبعد أميالاً عديدة عن الطريق المطروق، أجاب ببساطة: «إنه الله!».
لعلي لا أغالي إذا قلت بأن الإنسان كلما تعقدت حضارته المادية وزادت ثقافته العقلية ضعفت بذلك قواه النفسية. كأنما النفس والمادة على طرفي نقيض، فلا تنمو قوة احداهما إلا على حساب قوة الأخرى.
***
يقول (سمنر)، الباحث الاجتماعي المشهور، ان الفطريين إذا رأوا حادثتين تتلو احداهما الأخرى أسرعوا حالاً إلى ربطهما برباط السبب والنتيجة. ويروي (سمنر) قصصاً عديدة، لتوضيح هذا الرأي، نقلاً عن الرواد والباحثين الذين خالطوا الفطريين ودرسوا حياتهم دراسة موضوعية.
ففي احدى جزائر المحيط الهادي حدث أن أحد الفطريين بدأ يعمل في صناعة الخزف ولكنه مات صدفة فاعتبر أهل الجزيرة موته نتيجة من نتائج تلك الصناعة، ولذا حرموا ممارستها تحريماً باتاً فاختفت تلك الصناعة من جزيرتهم نهائياً.
وحدث أيضاً أن رجلاً أبيض أهدى عصا مزخرفة إلى أحد الفطريين في جنوب افريقيا. وقد صادف أن هذا الفطري مات بعد تسلمه العصا. وحين ورث ابنه تلك العصا مات أيضاً. فاستنتج الفطريون من ذلك استنتاجاً لا يقبل الريب أن ملك الموت يختفي في داخل العصا. وأسرعوا فأرجعوها إلى صاحبها لكي لا يلاحق الموت جميع من في القرية...
وقد اتفق أيضاً أن أهل قرية من القرى الفطرية رأوا جملاً لأول مرة في حياتهم ثم انتشر بينهم إثر ذلك مرض الجدري فنسبوا انتشار المرض إلى قدوم ذلك الجمل المسكين.
ويروي (سمنر) أيضاً: أن جماعة من الاسكيمو خرجت ذات يوم إلى الصيد فلم تفلح فيه. فرجع أحدهم إلى زلاقته وتناول منها عظم كلب عليه لحم فأخذ يأكل منه. وحين رجع هذا الفطري إلى الصيد وهو يحمل العظم بيده شاهد فقمة فصادها، فاعتبر نجاحه هذا نتيجة من نتائج حمله لعظم الكلب، ولذا أخذ يحمله كلما خرج إلى صيد25.
إن هذا الطراز من التفكير المنتشر بين الفطريين يؤدي طبعاً إلى تراكم الخرافات والتقاليد السخيفة. فلا يكاد أحدهم يلحظ أمراً معيناً ثم يصيبه النجاح بعد ذلك اتفاقاً حتى يعتبر ذلك الأمر محتوياً على روح خفية تسبّب النجاح له في كل حين. وبهذا يدخل الأمر في نطاق التقاليد والعادات الموروثة، ويصبح بالتدريج مقدساً.
على هذا المنوال تتراكم السخافات المقدسة بين الفطريين جيلاً بعد جيل.
ومما لا ينكر أن هذا الطراز من التفكير له من النفع أحياناً بمقدار ما له من الضرر. فإن الفطري الذي يحمل عظم الكلب معه في الصيد وهو مؤمن ايماناً قاطعاً بأن روح العظم تحميه وتنصره يكون بلا ريب أقوى في صيده من ذلك الذي لا يحمل عظماً ولا يملك عقيدة.
إن الصائد الواثق بنفسه المعتقد بنجاحه قد يسلم من المخاطر أكثر من ذلك الصائد الخائف الذي لا يكاد يلمح حيواناً ضارياً حتى يطلق ساقيه للريح. فالصياد الخائف يخرج ليقتنص فريسة من الحيوانات فيمسي هو فريسة لها.
يعرف هذه الحقيقة الأوربيون الذين يذهبون للصيد في غابات افريقا والهند وغيرها. فترى الصياد البارع منهم واثقاً بنفسه إلى درجة عجيبة. وهو يعتقد أنه محظوظ أو أنه محروس من قبل بعض القوى الخفية. وكثيراً ما يملك شيئاً تذكارياً يتيمن به ويتفاءل، حيث لا يذهب إلى الصيد إلا وهو يحمله26؛ فإذا فقده بدأ الخوف يتسرب الى قلبه وتهيأت الثعالب للبول عليه.
إن التفكير العلمي الذي تقتضيه حياة المدنية لا يجري على هذا النسق. فهو يتطلب من السبب أن يتكرر عدة مرات، وفي كل مرة ينتج نفس النتيجة، حتى يعده سبباً وجيهاً.
إن المدني يؤمن بالقوانين الطبيعية التي تجري على نسق واحد في كل زمان ومكان، وهو يعتبر هذه القوانين «غير شخصية» إذ هي تسري في نظره على جميع الناس من غير تفريق. وهذا التفكير العلمي هو الذي جعل المدني قادراً على اكتشاف أسرار الطبيعة وحل كثير من رموزها.
إن المدني قبض بيده زمام المادة، ولكن زمام النفس أفلت من يده في الوقت نفسه، فهو واقعي حكيم بعيد النظر، وهو قلق متردد أيضاً.
والنادر من الناس من جمع بين حكمة التفكير المدني من ناحية، ويقين التفكير الفطري من ناحية أخرى.
***
أشرنا سابقاً إلى أن العبقري النادر هو من يجمع بين العقل والجنون، وبين السعي والكسل، وبين الإرادة واللامبالاة ونود الآن أن نقول إضافة إلى ذلك: إنه يتصف بالتفكير الفطري والتفكير المدني معاً. وربما صح القول: بأن العبقرية هي اجتماع النقائض في شخصية واحدة.
إن الذي يكون عاقلاً في كل حين هو، كالذي يكون مجنوناً دائماً، لا ينتج من الخير إلا قليلاً.
والنشيط الحريص الذي يتقن كل عمل يقوم به لا يمتاز عن الكسول أحياناً إلا بما يجني من لعب الحياة ونكدها.
وصاحب التفكير العلمي قد لا يفوز من الحياة اكثر مما يفوز به صاحب التفكير الفطري، فهو يربح جانباً منها ويخسر جانباً.
ولو درسنا شخصية كل من الناجحين العظام لوجدناها غريبة الأطوار. فهي لا تأخذ قالباً معيناً فتظل فيه زمناً طويلاً. كل يوم هي في شأن. وهنا يظهر امتياز الناجح العظيم عن الرجل العادي. فالرجل العادي له شخصية متحجرة لا تتغير ولا تتبدل إلا نادراً. فأنت تستطيع أن تعرفه بسيماه في كل حين. أما الرجل العظيم فتراه جياشاً لا يقرّ له قرار؛ فتارة تجده بارداً غير مكترث وتارة تجده جباراً وثاباً يضرب الضربة فلا يثنّيها. وهو حكيم أحياناً خرافي أحياناً أخرى، عاقل مرة مجنون أخرى. مؤمن في بعض أوقاته، مشكك في اوقاته الباقية.
إن شخصية العظيم في الواقع شاذة. ومن المخجل أن نرى العاديين من الناس يريدون تقليد العظيم ويحاولون أن يكونوا مثله، وشتان ما بين الثرى والثريا. إن العظمة مزيج غريب بين مواهب الشعور واللاشعور. فالعظيم يسعى ويكد، ويدقق ويحقق، حتى إذا دنت ساعة الحسم ضرب ضربته القاصمة التي لا تخضع لتدقيق ولا تحقيق.
انظر على سبيل المثال الى النبي العبقري – محمد بن عبد الله. لقد كان هذا العبقري النادر حكيماً واقعياً بعيد النظر حين يضع الخطط أو يدير المعارك أو يسوس الناس. فإذا توجه نحو ربه نسي نفسه وانغمر في إيمان عجيب تحسبه جنوناً وما هو بجنون.
يروى عنه انه كان قبيل معركة بدر الكبرى يستشير أصحابه وأهل الخبرة منهم فيعبّأ جنده ويعدّ سلاحه كأي قائد بارع من قواد هذه الدنيا. حتى إذا دنت ساعة النضال رفع يديه نحو السماء فذهل عن نفسه وأخذ يدعو ربه دعاءً ملتهباً يكاد يفجر الصخر الأصم.
فهو في مرحلة الاستعداد غيره في مرحلة الهجوم، وهو بذلك قد جمع بين جنبيه النقيضين27.
أما اتباع محمد فهم، كما قال المعري، إما عقلاء لا دين لهم أو متديّنون لا عقل لهم – ولا حول ولا قوة إلا بالله...
***

ذيل: كلمة لابد منها
لقد درجت الطبقات الحاكمة في مختلف مراحل التاريخ على أن تبرر حكمها الغاشم للرعية بشتى أنواع الحجج. فقد كانوا في القرون الوسطى مثلاً يبررون حكمهم بأنه مستمد من الحق الإلهي، وانهم جند الله أو ظل الله في أرضه.
وبعدما بدأت الثورة الصناعية في بلاد الغرب لجأ رجال الحكم في تبرير حكمهم إلى حجة أخرى – هي حجة «من جدّ وجد». فهم كانوا ينظرون إلى الشعب بعين الاحتقار على اعتبار أنه مؤلف من السوقة والأغبياء والكسالى الذين عجزوا عن الصعود في مراقي النجاح.
لقد ذكرنا من قبل أن مبدأ «من جد وجد» قد يصلح لتربية. الصبيان والصغار، ولكنه يمسي مبدأ خطراً عندما يعتنقه الكبار فهو إذا انتشر بين الكبار صار حجة بيد الأقوياء في أن يأكلوا الضعفاء وأن يسيموهم خسفاً واستغلالاً. فإذا أخذ الضعفاء يطالبونهم بحقوقهم قالوا لهم متبجحين: (من جد وجد).
وقد انتشر هذا المبدأ الخبيث في الحضارة الاسلامية، إبان عصرها المزهور، قبل انتشاره في الغرب. والاسلام دين امتاز بالغاء الفوارق الطبقية وباعلان المساواة بين الناس، فاضطر المتكبرون من المسلمين تجاه ذلك أن يعتنقوا مبدأ «من جد وجد» للتغطية.
يقول الفضل بن يحيى البرمكي، وهو كما يعلم القارئ ممن صعد بهم القدر إلى الوزارة من غير جدارة، إن الناس أربع طبقات: «ملوك قدمهم الاستحقاق، ووزراء فضّلتهم الفطنة والرأي، وعلية أنهضهم اليسار، وأوساط ألحقهم بهم التأدب، والناس بعدهم زبد جفاء»1.
إن هذا الوزير العباسي المتحذلق قد اغترّ بما نال من ترف وجاه في ذلك العهد المتفسخ فأمسى يعتقد بأنه قد نال ذلك بجده واجتهاده وبعقله وتدبيره. وهو يعتبر الطبقات العليا كلها قد وصلت إلى منازلها تلك بسعيها. أما الباقون من الناس فهم، في نظره زبد جفاء وحثالات لاحق لهم في الحياة ولا كرامة.
ويخيّل لي أن هذا الوزير المغرور أدرك أخيرًا حقيقة نفسه، وأمثاله من أهل طبقته، عندما غضب عليه الرشيد وسجنه في الطامور.. لعله أدرك عند ذلك كيف صعد إلى الوزارة ثم سقط عنها لمجرد خاطر خطر على بال المتلذّذ بأمر الله – هارون الرشيد.
إن من المخجل حقاً أن نرى الأدب العربي مليئاً بهذه الأقوال التي تفوّه بها الفضل بن يحيى وأمثاله من المغرورين والمتكبرين. ولا عجب في ذلك فهو أدب قد ترعرع في اكناف هؤلاء المغرورين وعاش على فضلات موائدهم.
ولقد بقي الانتهازيون والمنافقون الذين استطاعوا أن يصلوا إلى المناصب العليا بطرق ملتوية يستمدون من هذا الأدب حجج الفخار والمباهاة ويقتدون بالفضل بن يحيى في احتقار سواد الرعية من المنكوبين والمظلومين.
والواقع أن نبيّ الاسلام ينظر إلى عامة الناس والفقراء بغير النظرة التي ينظر اليهم بها المترفون من أتباعه. فهو يقول في حديث مأثور له: «إن أهل الجنة كل أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه له، الذين إذا استأذنوا على الأمراء لم يؤذن لهم، وإذا خطبوا النساء لم ينكحوا، وإذا قالوا لم ينصت لهم، حوائج أحدهم تتخلخل في صدره لو قُسّم نوره يوم القيامة على الناس لوسعهم»2.
فالنبي لم يقل في هؤلاء المنكوبين ما قال فيهم الفضل بن يحيى من أنهم زبد جفاء، بل وضعهم في منزلة أعلى جداً من منزلة الفضل بن يحيى ومن لف لفه من الأمراء والوزراء الذين لا يساوون عند الله جنح ذبابة.
***
لقد اتضح للقارئ من الفصول المتقدمة كيف أن النجاح بشتى صوره له عوامله المتنوعة.
ولقد حاولنا في هذه الفصول أن نبحث في العوامل النفسية للنجاح. والنجاح مع ذلك له عوامله الاجتماعية أيضاً. وربما كانت العوامل الاجتماعية أهم في نوال النجاح من العوامل النفسية أحياناً. فقد يولد الإنسان في بيت فقير بائس لا حول له ولا جاه، فيندفن في وحول بيئته المحدودة إذ لا يستطيع رقيّاً مهما كان موهوباً بأسباب التفوق أو العبقرية.
إن الصعود في مراقي النجاح إذن لا يعتمد على سعي الفرد وحسن تدبيره دائماً. فالفرد مقيد في هذا السبيل بقيود لا تحصى. فهو إن استطاع أن يتحرر من قيوده النفسية، مثلاً، وقفت في طريقه القيود الاجتماعية وضربته على رأسه.
والعراق قد ابتلي من هذه الناحية بظاهرة اجتماعية ربما كانت أشد عليه من الوباء الفتاك.
إن جلاوزة العراق3، ومن لف لفهم من المتزلفين وأنصاف المتعلمين، ينظرون إلى أبناء الشعب الفقير نظرة ملؤها الاحتقار والاستصغار. ولعلهم لا يشعرون بهذا الاحتقار الذي يكنّونه لأبناء الشعب، إذ هو احتقار كامن في أغوار اللاشعور من أنفسهم، فهم ينساقون به وقد لا يعرفون مأتاه أحياناً.
كنت أتحدث ذات يوم إلى طالب مصري من أبناء البشوات كان يدرس معي في أمريكا. وكنت أتناقش معه حول طبيعة الشعب المصري مقارناً إياها بما أعرف عن طبيعة الشعب السوري... فقلت: «إن المصري فلاح والسوري تاجر». فاستشاط ابن الباشا غضباً وعدّ قولي هذا إهانة للشعب المصري.
إني كنت في الحقيقة أريد أن أمدح الشعب المصري فوصفت طبيعته بطبيعة الفلاح. وقد كنت اعتقد أن الفلاح يملك من المزايا الخيّرة ما لا يملكه التاجر. هذا ولكن ابن الباشا لم يفهم هذا الاعتبار. ففي أغوار عقله الباطن عقدة دفينة لا يشعر بها تؤدي به إلى احتقار الفلاح وإلى اعتباره نوعاً وضيعاً من الناس لا كرامة له.
إن أباه الباشا يستغل الفلاح ويتنعم بعرق جبينه ثم يحتقره ولا يحب أن يدنو منه، حيث قد ورث من آبائه الظلمة كراهية دفينة له.
ويخيّل لي أن جلاوزة العراق لا يقلون عن هذا الباشا احتقاراً للفلاح وللفقير والمسكين، حيث قد ورثوا ذلك، وراثة لاشعورية، من أسلافهم العثمانيين..
لقد أتيح لي، في بعض أيامي السالفة، أن أكون من أولئك الصعاليك الذين لا يجدون لهم من دون الله ولياً ولا نصيراً. وقد خبرت آنذاك عياناً مبلغ ما يعانيه الفقراء والمساكين على أيدي الجلاوزة في هذا البلد من بلاء...
أعرف أفراد جماعة لهم صلة غامضة بأحد جلاوزة بغداد الكبار وقد استغل هؤلاء تلك الصلة في إيذاء الناس فكانوا في منجاة من عقاب القانون. وقد حدث في الآونة الأخيرة أن جاء أحد هؤلاء بكلب مفترس فوضعه أمام بيته ينهش الرائح والغادي. وقد كثرت شكايات الناس من هذا الكلب اللئيم فلم تفعل الشرطة إزاءه شيئاً.
ولقد عض الكلب في إحدى المرات صبياً فقيراً فقطع بأسنانه قطعة من لحم ساقه وتركه مشرفاً على الموت. ولقد شاهدت بنفسي والد الصبي، وكان يحترف بيع النفط بعربة يدفعها بيديه، وهو يترك عمله كل يوم ليذهب بولده إلى المستشفى بغية معالجته من عضته المهلكة.
إن القانون لا يستطيع أن يعاقب كلباً له صلة غير مباشرة بجلواز من الجلاوزة، فماذا يستطيع القانون أن يفعل، ليت شعري، تجاه الجلواز نفسه؟.
وأنت لا تكاد تدخل على أحد الجلاوزة في حرم دائرته حتى تراه قد شمخ بأنفه وصعّر خده حيث لا يفوه بالكلمة إلا بلأي وصعوبة. إن فكره مشغول، كما يزعم، بحب الوطن وخدمة الأمة – وهو لا يجد من الوقت إذن ما يصرفه على سماع شكاوى المراجعين الأوباش الذين لا خير فيهم ولا منفعة للوطن منهم.
على هذا المنوال تدور الدنيا في هذا البلد الأمين!.
المشكلة هي أن المظلوم في هذا البلد لا يستطيع الافصاح عن نفسه، بينما فتحت أبواب الكتابة والخطابة على مصراعيها لمن يريد أن يتكلم من المترفين والمتفيقهين والحالمين.
فترى المظلوم ساكناً والظالم ينطق. وبهذا صعب علينا أن ندرك المدى الذي وصل إليه الشعب المنكوب في تألمه وحرمانه.
***
كنت أصبغ حذائي ذات يوم على رصيف شارع في نيويورك، وكان الصباغ يتوقف عن الصبغ بين لحظة وأخرى ليتحدث إلى رجل كان واقفاً بجانبه وعليه سيماء الوقار. لقد كانا يتحادثان عن رحلة للصيد قام بها ذلك الرجل الوقور هو وزوجته في سواحل كاليفورنيا...
وبعد ذهاب ذلك الرجل سألت الصباغ عنه فقال: «إنه صديق.. وهو مدير هذا المستشفى» وأشار بيده إلى مستشفى قريب كبير جداً لعل مستشفانا الحكومي لا يصلح أن يكون مطبخاً فيه.
لقد ذهلت حقاً حين وجدت ذلك المدير الكبير يتحدث إلى الصباغ الذي كان يصبغ حذائي. ولقد تذكرت آنذاك ما يروى عن علي ابن أبي طالب من أنه كان في أيام خلافته في الكوفة يكثر من الجلوس في دكان بقال، إذ كان البقال صديقه، وكان الخليفة يبيع التمر مكانه إذا غاب.
يقول جعفر بن محمد: «ما من رجل تكبّر أو تجبّر إلا لذلة وجدها في نفسه» وهذا قول يصدق في حالات كثيرة.
فلقد ذهب بعض الباحثين إلى أن الكبرياء يستعمل أحياناً كستار للتغطية لدى بعض الأفراد. فإن الذي يملك مزيّة حقيقية تميزه عن غيره من الناس لا يحس بحاجة إلى هذا الستار. فهو يدخل بين الناس على طبيعته من غير تكلف أو تكبر أو رياء.
أما الذي يشعر بأنه دون الناس، أو مثلهم على الأقل، فهو يحاول أن يضع بينه وبين الناس حجاباً من الكبرياء لئلا تنكشف حقيقته العادية بينهم. ويلجأ إلى وضع هذا الحجاب في الغالب أولئك الذين صعد بهم القدر إلى مناصب ليسوا هم في الحقيقة أهلاً لها. إنهم مضطرون في مثل هذه الحالة أن يتخذوا لهم سلوكاً خاصاً بهم لكي يتميزوا به عما سواهم من الناس.
وبعبارة أخرى: إنهم يخلقون لأنفسهم مظاهر التميز ويتصنعون بها تصنعاً، لكي يعوّضوا بذلك عما فقدوه من حقيقة التميز الطبيعي. إن الفوارق الاصطناعية التي يلتزمها الناقصون ويتعصبون لها تشبع فيهم رغبة لاشعورية للتفوق والاستعلاء والتباهي.
يقول (فبلن)، الباحث الأمريكي المعروف، ان أفراد الطبقة العليا، أو الطبقة الاستحواذية (Predatory) كما يدعوها، تجاهد كثيراً في سبيل ابتكار الفوارق الاصطناعية التي تميّزها عن الطبقات الكادحة4.
ومن أهم هذه الفوارق، في نظره، هي اللغة. فالاستحواذيون يحاولون أن يظهروا أمام الناس بأنهم من أصحاب الفراغ (Leisure Class)، ولذا تراهم يصرفون وقتاً طويلاً في تعلم قواعد النحو العويصة. فإذا تكلموا إلتزموا تلك القواعد في كلامهم فيعجز الكادحون والفقراء أن يباروهم فيها وبذا يشعرون بالنقص إزاءهم.
إن الكادحين، في رأي (فبلن)، لا يملكون من أوقات الفراغ ما يستطيعون به أن يتعلموا قواعد الصرف والنحو وأفانين اللغة العسيرة. إن لغتهم تكون عادة في منتهى السهولة والاختصار لأنها تستعمل لديهم وسيلة لا غاية. ولهذا فهم يظهرون بمظهر الأغبياء والعاجزين تجاه الاستحواذيين الذين يتراطنون فيما بينهم بألفاظهم الرنانة وقواعد نحوهم الصعب.
إن هذه النظرية التي جاء بها (فبلن) قد نالت رواجاً كبيراً في الأوساط العلمية في امريكا. وهي في الواقع تنطبق على واقع الحياة انطباقاً لا يستهان به. وقد ظهر انطباقها بجلاء في الحضارة الاسلامية بعدما انقلبت الخلافة فيها إلى ملك عضوض. فلقد كانت الطبقة الاستحواذية في تلك الحضارة تعتني برفع الفاعل ونصب المفعول أكثر مما تعتني بمبادئ العدالة الاجتماعية التي جاء بها الاسلام. وكثيراً ما توقف مجلس الدولة عن جميع أعماله لكي يتفرج على النزاع الناشب بين نحوي ومغنية حول نصب كلمة أو جرها أو رفعها.. أو الانتكاس على رأسها.
وقد حدث ما يشابه هذا في العهد العثماني في العراق. فقد كان «الأفندية» في ذلك العهد يستحقرون لغة الشعب ويتبجحون بلغتهم التركية الفخمة ذات الهدير والخرير.
وعندما تشكلت الدولة العراقية أخيراً، وأخذ مجد (عدنان) و(قحطان) و(نزار) يحل محل (حكمت) و(مدحت) و(حشمت)، تراجع (الأفندية) وأسقط في أيديهم. ذلك أن لغة سيبويه ونفطويه شرعت تأخذ مكان تلك اللغة الهدّارة وتنال قصب السبق بدلاً عنها.
إنه نظرية (فبلن) يصح انطباقها اليوم على المتعلمين وأنصاف المتعلمين في العراق. فهم يعيدون الآن مجد الأجداد على وجه من الوجوه، فلا يكاد أحدهم يتكلم حتى تراه قد ملأ كلامه بالكلمات الغامضة والمصطلحات الغريبة. ولعله يستر بذلك ضعفه من الناحية العلمية. وربما جاز القول: إنه كلما قلت معلومات الشخص وضحلت ثقافته اتجه إلى المصطلحات الغامضة يتفيقه بها في كل مجلس ويقذف بها في كل مكان.
إن يندفع في هذا السبيل اندفاعاً لا شعورياً إذ يحاول أن يسد بذلك عقدة كامنة في أغوار نفسه تحفزه دوماً نحو التميز والاستعلاء... على غير أساس.
رأيت بعض الأساتذة في كليات بغداد يحاولون أن يجعلوا من غرفة الدرس برجاً عاجياً يتغزلون فيه بضوء القمر ولون الشفق ولا يريدون أن ينزلوا إلى بحث المشاكل الاجتماعية التي يعاني الشعب منها ما يعاني. فهم يرون في هذا النزول تسفلاً لا يليق برجل الفكر. إنهم يذكّروننا بميول الطبقة الاستحواذية التي تحاول، بكل ما في وسعها من جهد، أن تختلق الوسائل والفوارق المصطنعة كي تتعالى بها وتتباهى على من دونها من سواد الناس.
***
ذكرت في الفصل الأول من هذا الكتاب قيود الاطار الفكري وكيف أن الانسان لا يستطيع أن يتجرد في تفكيره تجرداً تاماً إذ هو مقيد بقيود نفسية واجتماعية وحضارية. وهذه القيود كما قلنا، لا يحس بها الانسان حين يفكر. فهي لا شعورية. وهو يعتقد عادةً بأنه حر في تفكيره بينما هو في الواقع مقيد في ذلك كل التقييد.
وقد ذكرت في الفصل الرابع بعض محتويات اللاشعور وكيف أنه يكون أحياناً مصدر خير وابداع للانسان، ويكون أحياناً مصدر الشر والظلم والدناءة. فهو مبعث الخوارق النفسية من ناحية، ومباءة الرغبات المكبوتة من ناحية أخرى.
إن من الجدير بنا، ونحن في هذه المرحلة الحرجة من تاريخنا المملوء بالنكبات، أن نعتني بدراسة اللاشعور وما فيه من الدفائن والخبايا التي تسيّر الإنسان في أموره الاجتماعية من حيث لا يشعر.
إن قسطاً كبيراً من بلائنا الذي نحن فيه ناتج من كوننا نعتمد في جميع خطبنا ومقالاتنا، وفي مواعظنا ونصائحنا، على الشعور وحده ونهمل اللاشعور. فنحن إذا أردنا اصلاح انسان لجأنا إلى اقناعه بواسطة الجدل المنطقي، وإن اشتكينا من ظلم ظالم ناشدنا ضميره ولجأنا إلى عقله نحاول أن نجد فيه رادعاً يردعه عن ظلمه – وعلى هذا المنوال بقينا عشرات القرون نصرخ ونستغيث فلا يستجيب لما أحد.
إننا الآن نود، في سبيل التلخيص، أن نصف محتويات اللاشعور إلى ثلاثة أنواع:
(1) فالنوع الأول منها مؤلف من خوارق اللاشعور وقد خصصنا لبحثها القسط الأكبر من هذا الكتاب. واتضح للقارئ من خلال البحث كيف أنها تكون على أجلى مظاهرها في الانسان حين تصفو نفسه وتخلص من أوشابها وقيودها وعقدها.
(2) والنوع الثاني من محتويات اللاشعور مؤلف من الرغبات المكبوتة والعقد النفسية. وقد ذكرنا كيف أن هذا النوع من المحتويات يزاحم الخوارق المبدعة في تأثيره ويدنسها أحياناً.
(3) أما النوع الثالث فهو ما يمكن تسميته موقتاً بالقيم الاجتماعية. وهذه القيم هي التي تؤلف جزءاً كبيراً من الاطار الفكري الذي بحثنا في تركيبه في الفصل الأول. وعلى هذه القيم تستند في الغالب همسات الضمير ووخزاته.
لقد تطرف الناس كثيراً في الاعتماد على الضمير البشري واعتبروه صوت الحق المطلق والعدل في الانسان. وهذا خطأ فظيع. فالضمير يتحيز ويتحزب في اتجاهه كما يتحيز التفكير.
لا يجوز للظالم أن يعتمد على ضمير الظالم. فالظالم حين يظلم لا يشعر بأنه ظالم، ذلك لأنه ينظر في الأمور من خلال منظار خاص به يختلف عن ذلك المنظار الذي ينظر من خلاله المظلوم. إن ضمير الظالم مبني على أساس القيم الاجتماعية التي اعتاد الظالم على احترامها والايمان بها. ومنظار الظالم مؤلف من المقاييس التي لُقّن بها بين أهله ورفاقه وزملاء مدرسته وأبناء طبقته.
إن العدل والظلم أمران نسبيان، كما أشرنا إلى ذلك من قبل وقد يتعجب المظلوم حين يرى ظالمه منغمساً في المظالم إلى اذنيه وهو مرتاح الضمير كأنه لم يفعل شيئاً. إن الحق مع الظالم حين يرتاح ويبتسم أثناء ظلمه لك، فهو يقيس أعماله بمقياس جماعته التي يعيش بينها وزملائه الذين يحيطون به ويتزلفون اليه.
فهو يتصوّر أنه سائر حسب مقاييس صحيحة عامة تصلح لكل زمان ومكان – غير شاعر بأن تلك المقاييس اعتبارية وهي خاصة به وبجماعته وحدها.
إن القيم الاجتماعية في الجماعة مثل العقد النفسية في الفرد: كلاهما يوجه سلوك الناس ويقيد تفكيرهم من حيث لا يشعرون.
إن من الحوادث التي لا أستطيع أن أنساها حادثة وقعت في الكاظمية قبل عشرات السنين. وهي لو حللناها تحليلاً علمياً لوجدناها ذات مغزى اجتماعي هام.
فلقد تظاهر جماعة من أهالي الكاظمية، لسبب من الأسباب، وخرجوا إلى ظاهر البلد يهرجون ويشغبون... فجاءهم جلواز على رأس ثلة من الشرطة وأطلق عليهم رصاص الرشاش فقتل منهم عدداً. وهو لم يكتف بهذا فوجّه الرشاش على مقهى قريب كان مزدحماً بالجالسين فقتل منهم جمعاً غفيراً. وترك المناحات قائمة في أرجاء المدينة.
لقد كنت آنذاك تلميذاً في احدى المدارس المتوسطة وكانت المثل العليا والمبادئ المطلقة التي كان المعلمون يمطروننا بها يوماً بعد يوم راسخة في ذهني. ولذا شعرت بالعجب الشديد من جرأة ذلك الجلواز على قتل الناس، برصاص الرشاش، من غير تفريق بين صغير وكبير أو بين متظاهر ومتفرج أو بين قائم وقاعد – حيث لم يفعل مثل فعله إلا الايطاليون في الحبشة أثناء احتلالهم اياها.
لقد لقّننا المعلمون ووعظنا الواعظون بأن الضمير هو نبراس الحق وصوت العدل في الانسان. وقد تخيلت بناء على هذا أن ذلك السفاك سيذوب حزناً من جراء ما أثكل من أمهات ورمل من زوجات وأيتم من أطفال، وأن ضميره سيظل يخزه حتى يموت كمداً. ولكني عرفت أخيراً بأنه قد أصبح بطلاً يشار إليه بالبنان. فعلمت عندئذ أن الضمير البشري لا اعتماد عليه.
***
إن دراستنا لمحتويات اللاشعور قد تقلب أمام بصرنا وجه العالم فنحن بعد اكتشافنا ما فيه من خفايا سوف نرى الأمور على غير ما كان يراها الآباء والأجداد – رحمة الله عليهم.
إن اعتماد أسلافنا على العقل الواعي وحده أدّى بهم إلى مساوئ جمة. فجهلهم بما في اللاشعور من حوافز وكوامن وقيود جعلهم يؤمنون بأن الانسان قادر على نوال النجاح والفضيلة والحق... متى أراد وسعى وفكر.
فهم كانوا يقولون للفاشل: «من جد وجد»، وللمجرم: «ارجع إلى عقلك»، وللظالم: «أليس لك ضمير؟». وهم في أقوالهم هذه كلها مخطئون إلى حد بعيد.
ومن المؤسف حقاً أن نرى مدارسنا وكلياتنا تعنى، في تربية طلابها، بالشعور وحده وتهمل اللاشعور. وبعبارة أخرى: إنها تربّي فيهم العقل الظاهر وتترك العقل الباطن ينمو كما يهوى، وبذلك تخلق في تكوين شخصيتهم دواعي الازدواج البغيض.
إن العقل الباطن، كما ذكرنا مراراً، هو الذي يسير الإنسان في كثير من أموره ويوجه سلوكه. أما العقل الظاهر فليس إلا طلاءً ورياءً. ونحن كلما اعتنينا بالعقل الظاهر وحشوناه بالمبادئ الافلاطونية والمعلومات المطلقة خلقنا بينه وبين العقل الباطن ثغرة وجعلنا شخصية الفرد من جراء ذلك ذات شقين.
ويمسي الفرد بهذا مرائياً يقول شيئاً ويفعل نقيضه، أو يدعي صفة ثم يقوم بما يخالفها من قول أو فعل. فهو حين يكتب أو يخطب أو ينصح غيره تراه يعيد ما لقناه من كلمات رنانة ومثل جوفاء. أما حين يسعى وراء العيش أو ينافس أقرانه فيه فتجده كغيره من الناس مسوقاً بما يمليه عليه عقله الباطن من طمع دنيء أو شهوة خسيسة أو حب للشهرة والجاه في الحق والباطل على السواء.
إننا نعتني في مدارسنا بتزويق الطلاء وتنميقه، أما اللباب الكامن في أعماق شخصية الفرد فنحن نتجاهله ونغض الطرف عنه كأنه لا وجود له.
وأساتذتنا، سامحهم الله، لا يودون أن ينزلوا من أبراجهم العاجية قليلاً. فهم يدركون ماذا يجري وراء الستار من تفسخ ولؤم، ومن مؤامرات ومكايدات، ولكنهم يتجاهلون ذلك كله وينثالون على الطلاب يمطرونهم بمواعظ فارغة ليست هي من حقيقة الواقع على شيء. فينمو الطالب بين أيديهم وهو يدعو إلى المبادئ المطلقة من ناحية، ويراوغ عنها في مكايداته ومنافساته من الناحية الأخرى.
غريب أمر هذه الأمة، فالفرد فيها مزدوج الشخصية والمجتمع منشق الضمير...
***
يقول البرفسور(لندس)، أستاذ الاجتماع في كلية واشنطن، عن الضمير ما يلي:
«إن الإنسان يستطيع أن يخلق نوعًا من الضمير حتى في الكلب. فإذا علّم الكلب أن يقوم بعمل ما حسب طريقة معينة، فهو سوف يتعلم بواسطة التوبيخ والعقاب أن القيام بعمل مخالف خطأ، وسوف ينتهي به الأمر إلى أن يخرّ على ركبتيه ويضع ذيله بين ساقيه، أو ينطرح على الأرض في تضرّع واعتذار، حين يجد نفسه قد خالف تعاليم سيده. إن هذا نوع من الضمير لا يختلف عن ضمير الإنسان، رغم أن الانسان يستطيع، لما له من ذاكرة واسعة وقدرة على التجاوب العاطفي والشعور الاجتماعي وقابلية للايحاء والتفكير، أن ينمي في نفسه ضميراً أقوى من ضمير الكلب...
«وما نسميه عادة بوخز الضمير ما هو إلا شعور بالندم يحس به صاحبه حين يدرك ما فعل من خيانة بأحد الأشخاص أو الجماعات، وما سوف يوجّه ذلك الشخص أو تلك الجماعة إليه من لوم. والضمير يصبح بهذا المعنى وسيلة فعالة من وسائل الضبط الاجتماعي؛ وهو في أساسه اجتماعي إذ هو مرتبط في عمله بالهيئات والقيم الاجتماعية. والواقع أن مدى فعاليته من الناحية الاجتماعية محدودة بحدود القيم التي تنمو في الفرد»5.
يتضح من هذا القول أن الضمير الذي ينشأ في شخص ما لا يشمل في مداه الناس كلهم. فهو فعال ضمن الجماعة التي ينشأ الفرد فيها، ولا يكاد يتعدى بأثره حدودها إلا نادراً.
فقاطع الطريق، مثلاً، له ضمير قوي جداً تجاه أفراد عصابته. فهو يحنو عليهم ويضحي بنفسه ونفيسه في سبيلهم ويأسف كل الأسف حين يخون قيمهم التي درجوا عليها. أما حين يجابه قافلة في الطريق فلا يشعر بأية رحمة أو حنو إزاءها. فتراه آنذاك سفاكاً قاسياً، يقتل لأقل سبب وينتهك الحرمات بدون مبرر. وهو بعد رجوعه مع عصابته الى مكمنه تجده ضاحكاً مستبشراً كأنه كان يخدم الوطن وينفع الأمة.
ولا ريب أن شرّ ما تبتلى به أمة من الأمم أن يكون لها ضميران: ضمير لحكامها وضمير لأفراد شعبها. فهذا الانشقاق في الضمير الاجتماعي يجعل الحكام يظلمون الشعب من حيث يظنون أنهم يعدلون، ويجعل الشعب متمرداً من حيث يظن أنه طائعاً.
والعراق قد ابتلي من هذه الناحية بمصيبة اجتماعية لا حد لها مع الأسف الشديد.
يقال إن الحكومة في بريطانيا قد وضعت صندوقاً أسمته «صندوق الضمير» ليضع فيه أفراد الشعب بقايا ما عليهم من الضرائب التي غفل عنها الجباة. وقد دعوه «صندوق الضمير» لأن أفراد الشعب هناك يشعرون بوخز الضمير حين يدفعون إلى الحكومة ضرائب أقل مما يستوجبه القانون.
ونحن لو وضعنا مثل هذا الصندوق في بغداد لأصبح هو ذاته منهوبًا...
وليس معنى هذا أن الناس هنا من طينة تختلف عن طينة الشعب البريطاني. إن الناس أساس تكوينهم الطبيعي سواء في جميع الأقطار. لا فرق في ذلك بين عراقي وبريطاني، أو بين عربي واعجمي.
إن الفرق في الحقيقة ناشئ من تصادم القيم الاجتماعية وانشقاق الضمير. فالشعب الذي يجد في حكامه كراهة له واحتقاراً لقيمه يميل إلى التهرب من كل ما يأمر به هؤلاء الحكام ويرى في ذلك فضيلة وبطولة...
جاء بعض الموظفين البريطانيين أثناء الحرب الأخيرة إلى العراق فحاولوا تنظيم أمور التموين فيه. وقد صرح أحدهم بعد خبرة طويلة فيه: «إن العراقيين كلهم لصوص!».
لقد أخطأ هذا الموظف البريطاني في حكمه على الشعب العراقي خطأ كبيراً. فهو قد جاء من مجتمع له ضمير واحد، يشمل الحكام والمحكومين فيه، ناسياً أن المجتمع العراقي له ضميران...
فالتجار في سوق بغداد ليسوا كتجار لندن من حيث انصياعهم لأوامر الحكومة واحترامهم لتعليماتها. إن التجار هنا يحتقرون كل من يخبر الحكومة عن مخالفاتهم ويعتبرونه لئيماً دنيئاً خسيساً. أما في لندن فالتاجر يعتقد أن من الفضيلة والشرف أن يخبر الحكومة بما يقوم به البعض من مخالفات وجرائم. إن الأنظمة الحكومية يعتبرها الشعب في بريطانيا أنظمته التي شرعت لمصلحته. فهو يرعاها كما يرعى مصلحة نفسه وعائلته.
أما في العراق فالقاتل يختفي بين الناس وهم يجدون من الفخار أن يستروا عليه. واللص يهرب فلا يخبر عنه إلا الجواسيس والأدنياء. والمخالفات يقوم الناس بها علناً. فإذا سمعت بها الحكومة تساءل الناس: من هو هذا اللئيم الذي أخبر الحكومة بذلك؟.
إن هذا هو الفرق الذي جعل الحكومة العراقية غير موفقة في معظم أعمالها. فمثلها كمثل البيت الذي يحتوي على ضرتين لكل ضرّة أولادها ومصلحتها الخاصة وضميرها الذي لا يشمل بمداه الضرة الأخرى.
وهذا، على أي حال، أمر له أسبابه التاريخية القديمة. فهو ليس ظاهرة مستحدثة قد نشأت بين عشية وضحاها. ولكن الذي نأسف له أن جلاوزتنا لم يقوموا بما يخفف من وطأتها. وربما صح القول: إنهم زادوا فيها وساعدوا على إنمائها.
يشير (لونغريغ) إلى أن التجنيد الاجباري كان في العهد العثماني من أهم الأسباب التي باعدات بين الشعب والحكومة6...
وهذا رأي له ما يؤيده من وقائع الحياة الاجتماعية في العراق. ولا يزال سكان العراق في القرى والأرياف يرتعبون من كل إحصاء أو تسجيل أو استفهام يقوم به موظف، حيث يظنون أنه جاء في سبيل تجنيدهم.
إن التجنيد الإجباري لا يزال اليوم، كما كان في العهد العثماني الغابر، سبباً من أسباب انشقاق الضمير في المجتمع العراقي. لقد كان اللازم بعد تشكيل الدولة العراقية أن تنسى الحكومة مسألة التجنيد الإجباري زمناً طويلاً لكي يتسنى بذلك لأبناء الشعب أن ينسوا تلك الويلات التي قاسوها في التجنيد على أيدي جلاوزة آل عثمان. ولكن المؤسف أنهم لم يكادوا يستقلون حتى رجعوا إلى التجنيد الاجباري بكل حماس!.. فهم سنوا نظام التجنيد الاجباري في الوقت الذي أهملوا فيه نظام التعليم الاجباري. وجعلوا الشعب يستعيد في ذاكرته عنجهية الحكم العثماني البغيض مرة أخرى.
ومن المفارقات التي تجري في هذا البلد المسكين: إن الحكومة تفرض التجنيد الإجباري على رعيتها ثم لا تسمح لهم بالانتخاب المباشر. فهي تريد أن تدرّب الفرد العراقي على أن يكون جندياً رغم أنفه، ولا تريد أن تدرّبه على أن يكون مواطناً صالحاً وعضواً فعالًا في بناء جهاز الدولة.
ومما لا شك فيه أن الانتخاب المباشر هو من أهم العوامل التي تساعد على تقليص الثغرة بين الشعب والحكومة.
والواقع أن الضمير لم يتوحد في أية أمة من أمم هذا العصر إلا بعد أن أحس الشعب إحساساً لا التباس فيه بأنه ينتخب رجال حكومته بنفسه انتخاباً مباشراً.
فالشعب، حين يعتاد على رؤية ممثليه ينطقون باسمه ويريدون رضاه ويدافعون عنه، يشعر بأنه عضو فعّال في جهاز الدولة، وأنه يؤلف مع الحكومة صفاً واحداً لا ثغرة فيه.
روى لي أحد الثقاة قصة تكاد لا تصدّق لو رويت في بلد غير هذا البلد. قال الراوي: إنه سمع ذات يوم، في موسم من مواسم الانتخابات الغابرة، بأن برقية هبطت على متصرف اللواء من بغداد تأمره بانتخاب شخص معين. وقد ذهب هو وجماعة من الأصدقاء لتهنئة ذلك الشخص المحظوظ فقبل الشخص منهم التهنئة. هذا مع العلم أن يوم الانتخاب الرسمي لم يكن قد حان حينه، وأن الاستعداد للانتخاب كان قائماً على قدم وساق كما يقولون.
إن نائباً يعيّن في مجلس النواب على هذه الصورة لا يشعر طبعاً بأنه ممثل الشعب، والشعب كذلك لا يشعر بأن في الحكومة من ينطق باسمه ويدافع عنه حقا.
على هذا المنوال تتسع الثغرة بين الشعب والحكومة وينشق الضمير – والأمر لله الواحد القهار.
***
ويبدو أن ازدواج الشخصية وانشقاق الضمير أحدهما يكمّل الآخر في انتاج عقلية الجلاوزة في العراق.
وقد يعجب الباحث حين يرى الجيل الجديد من الشباب المتعلم في العراق لا يكاد ينخرط في سلك الوظيفة حتى يمسي جلوازاً في ميوله واتجاه ضميره وطراز تفكيره.
والظاهر أن طريقة التعليم في مدارسنا وكلياتنا المختلفة تساعد، بصورة غير مباشرة، على انتاج هذه الظاهرة الاجتماعية الخبيثة في العراق.
فنحن نلقن تلاميذنا معلومات «عاجية» لا صلة لها بحقائق الحياة ومشاكلها. واننا نعلم تلاميذنا على الحماسة في سبيل الحق والعدل والفضيلة ولكننا لا نبيّن لهم مجاري هذه المبادئ المطلقة في الحياة العملية. والتلميذ يتخرج إذن وهو متحمس حماسة مبهمة تكاد تنطبق على أي وجه وتلائم كل فكرة وضدها. فإذا أمسك بيده زمام القوة بدأت حماسته تظهر في مجال خدمة الأقرباء والأصهار والأعوان... وأهل التزلف والمديح الرنان. وتجده يتحرّق آنذاك في دعوى خدمة الأمة، ولكنه يقصد بذلك خدمة المنسوبين والمحسوبين... فقط لا غير.
أعرف شاباً وطنياً كان يفوق اقرانه بحماسته وإبائه واخلاصه، وقد شاء القدر أن يكون من أصحاب المناصب الكبرى في الدولة بين عشية وضحاها – فوجدناه عندئذ ظالماً يتحيز في أحكامه ويتعسف على من لا يحب..
وهذا لا يعني أنه قد فقد ضميره الذي كان لديه في أيامه السالفة. فضميره لا يزال نابضاً في أعماق نفسه يحفزه نحو الخير – لكنه خير الأعوان والأصدقاء والمتزلفين.
ليس هناك بين البشر فرد لا ضمير له. فالضمير كالشخصية موجود في كل انسان، ولكنه يختلف في الاتجاه الذي يتجه اليه. وان الذي نقول عنه أنه «لا ضمير له» هو في الواقع يملك ضميراً.. وضميراً قوياً في بعض الأحيان، لكنه ضمير متحيز لا يكاد يتجاوز بمداه حدود الجماعة التي يأنس اليها ويتغنى بقيمها ومقاييسها.
هذه هي حقيقة الضمير المنشق الذي ابتلي به جلاوزتنا في هذا العهد البغيض. فأحدهم كثير العون مخلص النية لأنسبائه وأصدقائه وأصحابه والمحسوبين عليه، وهو يضع أموال الدولة كلها في خدمة مصالحهم. ولكنه لا يكاد يلمح مراجعاً غير معروف لديه، أو لا واسطة عنده، حتى تراه قد اكفهر وجهه وأظلمت الدنيا في عينيه وأخذ يرعد ويزمجر... ويرغي ويزبد...
بعض أساتذتنا، سامحهم الله، جلاوزة في هيئة معلمين. فهم يساعدون، من حيث لا يشعرون، على انشقاق الضمير لدى تلاميذهم. وتراهم يتغنون في كل حين بالحق والحقيقة، فإذا سألتهم ما هو الحق وما هي الحقيقة لووا أعناقهم ونسبوا اليك الزندقة أو.. ضعف الوطنية.
نحن نريد أن يفهم التلاميذ بأن الحق هو حق السواد الأعظم من الناس، وأن الحقيقة هي ما أدى إلى الترفيه عنهم ورفع مستواهم. نريد أن يفهموا بأن الحق لا يخص زمرة قليلة من المدللين والمترفين والحالمين، وأن الحقيقة لا تعيش في الفراغ إنما هي صنيعة المجتمع وصدى أهدافه وآماله.
ولكن أساتذتنا يعتبرون هذا «سفطسة»... مع الأسف.
كان السموأل يردد كلمته المعروفة: «إذا مات منا سيد قام سيد».
ويحق للجلاوزة القدماء أن يقولوا اليوم مثل هذا القول، فيهتفون متبجحين: «إذا مات منا جلواز قام مقامه جلواز آخر». فلقد أعدّوا في المدارس والكليات عدّتهم وعبّأوا صفوفهم فأصبحوا واثقين بأن هناك من يخلفهم إذا ذهبوا إلى رحمة ربهم عاجلاً أو آجلاً. وهم لا يكادون يجدون بين المدرسين والأساتذة من ينبّه أذهان الطلاب إلى حقيقة أمرهم حتى يلطموه على فمه ويسكتوه.
إننا نريد جيلاً متواضعاً يحنو على الفقراء والقذرين والخرافيين فلا يستنكف منهم ولا يتعالى عليهم. إن أولئك في الواقع لم يصلوا إلى ما هم عليه من الفقر أو القذارة أو الخرافة بارادة منهم أو تعمد.
إننا بحاجة إلى طراز من المتعلمين يدركون بأنه لا فضل لهم فيما نالوا من نجاح أو علم أو أدب، وأنهم مخاليق وصنائع انتجتهم العوامل الاجتماعية والنفسية التي أحاطت بهم من غير أن يكون لهم يد فيها.
نحن نريد حكاماً ومتعلمين وأغنياء يشكرون نعمة الله عليهم فلا يتكبرون، ويعرفون قدرهم فلا يتجبرون.
***
قال النبي محمد: «إذا أبغض الناس فقراءهم وأظهروا عمارة الدنيا وتكالبوا على جمع الدراهم والدنانير رماهم الله بأربع خصال: بالقحط من الزمان والجور من السلطان والجناية من ولاية الحكام والشوكة من الأعداء»7.
ويظهر أن هذا الحديث النبوي ينطبق علينا انطباقاً كبيراً. فكثير منا متكبرون على من هو دونهم بمقدار ما هم خانعون نحو من هو فوقهم. وتراهم يفركون أكفهم بين أيدي الظالمين ثم يرفعون أصواتهم في وجوه المظلومين. فهم قد ازدوجت شخصيتهم بمقدار ما انشق ضميرهم. وباؤا بالهزيمة في كل ميدان...
يقول علي بن الحسين: «إياك وظلم من لا يجد عليك ناصراً إلا الله»8. وقد دل التاريخ أن الطغاة الذين يظلمون المساكين، آمنين من انتقامهم، لا بد أن يأتيهم من يظلمهم ولو بعد زمن طويل. فالمظلوم الذي لا يملك سلاحاً مادياً ينتقم به من ظلمه قد يملك سلاحاً أمضى من السلاح المادي – هو سلاح النفس المكوّن من الدعاء الملتهب والصرخة الملهوفة التي «تصعد إلى السماء كالشرارة»9.
إن المتعلمين حين يحتقرون من هم دونهم في العلم، والأغنياء حين يحتقرون الفقراء، والجلاوزة حين يحتقرون البؤساء من أبناء الشعب، إنما يكشفون بذلك عن ذلة أنفسهم وما في أغوار عقولهم الباطنة من شعور بالنقص دفين. وهذا النقص لا بد أن يقضي عليهم عاجلاً أو آجلاً.
قال الشاعر العربي في هذا الصدد:
لا تظلمن إذا ما كنت مقتدراً ** فالظلم آخره يأتيك بالندم
تنام عينيك والمظلوم منتبه ** يدعو عليك وعين الله لم تنم
ولا ريب أن القوى النفسية، أو صرخات المظلومين، إذا اتجهت على ظالم أحرقته حرقاً.
وليس أضر في سير التاريخ من أولئك اللئام الذين يحرفون صرخات المظلومين عن أهدافها الحقيقية؛ فيقولون للناس عند اشتداد البلاء عليهم: «إن هذا من انحطاط أخلاقكم أو ضعف تديّنكم أو سوء نيتكم... » وهم بذلك يبعثرون القوى النفسية في المظلومين فيتركون الظالم راتعاً في نعيمه تكنفه نفحات «المؤمنين» من أمثاله.
وبهذا يتوقف التاريخ عن حركته زماناً غير يسير.
***
إن الطبقة العليا، حين تحتقر أبناء الطبقات السفلى، تبرّر احتقارها هذا بحجة أنهم أولوا عادات مستهجنة وأخلاق سيئة أو أنهم غوغاء لا يصلحون للتربع على كراسي الحكم.
سمعت أحدهم ذات يوم وهو يشير إلى جماهير من الناس اجتمعوا في احتفال من الاحتفالات الشعبية قائلاً: «انظر إلى هؤلاء.. وقاك الله شرهم... فانهم سفاكون معتدون لا يرحمون أحداً إذا قدروا عليه».
والواقع أن أبناء الطبقات السفلى لا يستطيعون، لظروفهم القاسية، أن يكونوا مثل أبناء الطبقة العليا في مظاهر الأدب وفي أفانين الخلق الأنيق والمزاج اللين. ولكن هذا ليس عيبهم.. إنما هو عيب الذين تعسفوا في حكمهم ونهبوا مواردهم فجعلوهم في هذه الحالة السافلة من رداءة الخلق وسوء العادة.
يقول المثل السائر: «إذا ساءت أيام المرء ساءت أخلاقه» وهذا قول يؤيده علماء الاجتماع إلى حد بعيد. وكثيراً ما نرى شخصاً حادّ المزاج شديد الشغب محباً للاعتداء.. حتى إذا تحسنت أحواله أصبح بشوشاً أنيقاً يحب التعاون ويميل إلى المجاملة واللطف في معاشراته ومعاملاته.
لقد كان القدماء يعتقدون بأن سوء الخلق ناتج من جهل الإنسان ومن قلة عقله. وقد كانوا يرددون قول (سقراط) المشهور: «المعرفة فضيلة والجهل رذيلة». وأخذ بعض المفكرين في هذا الزمان ينسجون على هذا المنوال فقالوا: «من فتح مدرسة سد سجناً».
لعلنا لا نغالي إذا قلنا: بأن المدرسة لا تتقن إلا طلاء الإنسان ولا تزوّق إلا مظهره، أما لباب نفسه وأعماق عقله الباطن فالمدرسة لا تمسها إلا قليلاً.
إن السلوك البشري، بصورة عامة، مبني على أساس لا شعوري من القيم الاجتماعية والعقد النفسية. ولا يكفي في اصلاح الانسان إذن أن نمطره بالمواعظ والتعاليم على طريقة «كن.. ولا تكن..» وقد نرى بعض الناس منغمسين في العادات المضرة والعقائد السخيفة فنلومهم عليها ونحتقرهم من أجلها – غير دارين بأن كل واحد منا معرّض أن يكون مثلهم لو كان يعيش في مثل ظروفهم. ولعلنا باحتقارنا إياهم واضطهادنا لهم نبذر بذرات الشر في أنفسهم من حيث لا ندري.
ومثل هذا ما نرى لدى جلاوزتنا من ميل إلى منع الشعب حقه الدستوري في الانتخاب المباشر. فهم يقولون تسويفاً لعملهم هذا: «إن الشعب لا يصلح لذلك» وقد قال مثل هذا القول قبلهم كثيرون.
والطغاة في كل زمن يدّعون بأن الشعب يجب أن يُحمى من شر نفسه. وقد علق (جون ستيوارت مل)، الكاتب الإنكليزي المعروف، على قولهم هذا في كتابه (عن الحرية) فقال:
«... إن الأمة ليست بحاجة إلى أن تُحمى من نفسها. وليس هناك أي خوف من أنها تظلم نفسها بنفسها. دع حكامها يشعرون بأنهم مسؤولون تجاهها وأنهم معنيّون من قبلها... وعند ذلك تستطيع أن تضع بأيديهم زمام السلطة آميناً...»10.
ويا ليت الجلاوزة يصلحون لحكم الشعب ثم يمنعونه من حكم نفسه. فهم يظلمونه ويخافون منه أن يظلم نفسه. فمثلهم كمثل ذلك الرجل الذي أساء تربية ولده ثم عاقبه بعد ذلك على سوء تربيته.
وقد قال قائلهم في هذا الصدد: «ثقف الشعب أولاً ثم امنحه بعد ذلك حقه في الانتخاب المباشر» كأنهم يعتقدون بأن التثقيف في مثل هذه الأمور العملية يتأتى للانسان بالتحفيظ وبالقاء الخطب والمواعظ.
إن صلاح الناس للانتخاب المباشر لا يتم لا بتطبيق الانتخاب المباشر فيهم فعلاً وتعويدهم عليه مرة بعد مرة. والواقع أن كل أمة من الأمم الحية كانت في بداية أمرها غير صالحة للانتخاب المباشر ثم صلحت له بعدما اعتادت عليه جيلًا بد جيل.
يحكى أن رجلاً علم ولده السباحة على الفراش... فلما ذهب به إلى النهر غرق الولد فصاح به أبوه غاضباً: «أما علمتك؟!» فأجابه الولد وهو في النفس الأخير: «يا أبتي.. إن الناس لا يتعلمون السباحة على الفراش!!!».
إننا لا نستطيع أن نعلم الانسان على اتخاذ سلوك معين بأن نحشو دماغه بالنصائح الفارغة والمعلومات «العاجية». إن صلاح الإنسان في مختلف نواحيه لا يتم بالتحفيظ والتلقين – كما نفعل الآن في مدارسنا. فهو «تصيّر» نفسي واجتماعي، كما يدعوه علماء الاجتماع. وهو لا ينمو إذن إلا بتوفر عوامله، النفسية والاجتماعية، الضرورية له.
***
من أقوال (ارسطو) المشهورة: «إن الإنسان مدني بالطبع». وهو يقصد بذلك أن الإنسان اجتماعي في صميم طبيعته. والواقع أن الانسان مدني ووحشي، أو هو اجتماعي وأناني، في آن واحد. ولا يجوز لنا إذن أن نعتمد على طبيعة الإنسان الاجتماعية دائماً أو نطالبه بالتضحية في سبيل مصلحة المجموع كل حين.
إن للانسان رغبات وشهوات يريد إشباعها على أي حال. فهو لا يحب الحق والحقيقة بمقدار ما يحب نفسه وما ينبعث عنها من أهواء وميول. وهو إذا وجد رغباته قد كبتت فانه يميل أحياناً إلى الخروج على القوانين أو إلى المراوغة في تطبيقها لكي يشبع تلك الرغبات.
إن رغبات الإنسان متنوعة، وقد اختلف العلماء في تعدادها. ولعلنا نستطيع أن نقول هنا، على سبيل الاختصار، ان أهم هذه الرغبات ثلاث هي: (1) الرغبة المعاشية، (2) الرغبة الجنسية، (3) الرغبة الاعتبارية.
فالانسان، قبل كل شيء، يريد أن يعيش حتى ولو مات الناس كلهم دونه. إنه يقول في سره: «إذا مت عطشاناً فلا نزل القطر». ولكنه يتظاهر أحياناً بعكس هذا تفاخراً ورياءً. وطالما وجدنا المترفين والمغرورين يدّعون التضحية في سبيل المصلحة العامة. وهذا كذب منهم واختلاق. فهم لو كانوا فقراء كادحين قد أحاط بهم أطفالهم يتباكون من الجوع لأدركوا عند ذلك مبلغ بعدهم عن الحقيقة.
تروي الأساطير الدينية أن امرأة كانت تحمل طفلها عندما جاءها الطوفان في أيام نوح عليه السلام. وقد حاولت هي في أول الأمر أن تحمي طفلها من الغرق فرفعته فوق رأسها... حتى إذا وصل الماء إلى انفها، وضعت طفلها تحت قدمها وارتفعت عليه، هذه هي طبيعة الإنسان في كل زمان ومكان.
والانسان بعد أن يسد رمقه ويصون حياته، يشتهى نوال الجنس الأخر والتلذذ به. وهو قد يدعي أحيانًا بأنه مستعد للموت في سبيل الحب، هذا ولكنه لا يكاد ينال حاجته منه حتى ينبذه نبذ النواة.
إن شباننا يرددون أغنية «الحياة الحب والحب الحياة) وهم في هذا يشبهون ذلك الجائع الذي يتغزل برغيف الخبز وينشد القصائد الرنانة في مديحه، فإذا أكله وشبع منه نسي أنه كان جائعاً قبل حين.
وبعد ما يشبع الإنسان من الخبز ومن اللذة الجنسية يشرع بالسعي وراء الشهرة. وهذه هي ما نسميها بالرغبة الاعتبارية. فهو يريد أن يكون معتبراً بين قومه يشار إليه بالبنان. وكثير من أولئك الذين يدّعون طلب الحق والحقيقة، إنما هم في دخيلة أنفسهم يطلبون الشهرة وما الحقيقة عندهم إلا وسيلة لهذا الهدف المحبوب جداً.
إن هذه الرغبات الثلاث موجودة في كل انسان تقريباً على درجات متفاوتة وصور شتى. وهي قد تكون كامنة في العقل الباطن تدفع الإنسان نحو أغراضها دفعاً بينما هو يتصور بأنه مدفوع في سبيل الحق والحقيقة...
والإنسان الذي لا يستطيع أن يشبع هذه الرغبات أو إحداها يمسي معقداً مكبوتاً. إنه يحاول آنذاك أن ينفس عن مكظومات نفسه في كل سبيل. وتراه بهذا قد أمسى مشاغباً أو مجرماً أو زنديقاً أو معتدياً. أو كذاباً أو سفاكاً. فحين يجد الإنسان نفسه محروماً مظلوماً مقيداً ويرى غيره متخوماً طليقاً. قد تنبعث من أغوار نفسه حوافز لا شعورية تحفزه نحو الأذى والشغب أو إلى السرقة والكذب والاعتداء.
قال النبي محمد: «كاد الفقر أن يكون كفراً». ومن الواضح أن مفهوم الكفر في حديث النبي لا يختلف اختلافاً جوهرياً عن مفهوم الجريمة في عرف علم الاجتماع الحديث. فكلاهما خروج عن المألوف على وجه من الوجوه. فالفقير الذي يموت جوعاً لا نتوقع منه أن يترنم بقصائد أبي العتاهية في مدح الزهد، أو ينشد نشيد الوطن الذي يقول:
"إلى الحرب إلى الحرب ** هلموا يا بني العرب»
حدثني أبي عن صديق له، وكان نجّاراً، أن يوماً من أيام الكساد مرّ عليه فتركه لا يملك ما يشتري به خبزاً لزوجته وأطفاله. فهو قد ظل جالساً في حانوته حتى وقت متأخر منتظراً أن يأتيه شيء من الرزق حينذاك. فطال انتظاره إلى أن مل. وهو كان يكره أن يذهب إلى البيت إذ كانت له طفلة صغيرة اعتادت أن تنتظره في رأس الزقاق قبيل موعد الأكل من كل يوم لتستبشر بما يأتي به من طعام.
يقول الراوي: فذهب النجار إلى بيته على كل حال وهو لا يحمل لأهله شيئًا من الطعام، فاجتمع حوله أطفاله يسألونه ويعولون، فالتفت عند ذلك نحو السماء صارخاً: «ربي.. حتى حرملة11 لم يفعل مثل فعلك!».
إن هذا يعتبر كفراً صريحاً في نظر رجال الدين الذين ألهاهم الترف وصحبة الطغاة عن ادراك ما يحل بالناس من نكبات. ولكنه على أي حال كفر دُفع الرجل إليه بدافع قوي من رغباته المكبوتة. ومثله ذلك المنكوب الذي رأى اخته تموت جوعاً فاختطف رغيفاً من أحد الخبازين وترك أفراد الشرطة يركضون وراءه بكل همة وحماس!.
إن المترفين والمدللين من الناس لا يتفوهون طبعاً بمثل ما تفوه به ذلك النجار ولا يسرقون كما سرق هذا المنكوب. فأمورهم الهينة وعيشهم الرغيد يجعلهم ينسون الكفر والجريمة. إنهم مشغولون بدل ذلك بإلقاء الخطب الرنانة في مدح العدالة والحق والفضيلة والناس حولهم يصفقون لهم ويهتفون.
خذ على سبيل المثال حكاية المتلذذ بأمر الله، هارون الرشيد. فلقد كان هذا المترف مؤمناً شديد الايمان إذ لا يكاد الواعظ يعظه حتى تراه أخذ يبكي إلى أن يغمى عليه12. إن ظروفه الهينة اللينة وآلاف الجواري اللواتي يهززن البطون بين يديه لا بد أن تجعله مؤمناً بالله تقياً نقياً. إن نفسه لا تحوي رغبة مكبوتة على أرجح الظن، وهو لا شك ميال إلى التمسك بذلك الدين الذي جعل ملايين الناس يكدحون في سبيل اشباع شهواته وملذاته.
فأنت لو أعطيتني عشر معشار ما عنده من الجواري والراقصات والمغنيات لصرت أكثر منه صلاة وتقوى... ولأغمي عليّ ثلاث مرات كل يوم من خشية الله.
والغريب أن هذا المؤمن يريد من الناس كلهم أن يكونوا مؤمنين مثله. وهو قد عين عددا كبيرا من الجلاوزة القساة للتحري عن الزنادقة والقاء القبض عليهم وقتلهم.
لقد حمدت الله الف مرة حيث لم يخلقني في عهد هذا الملك السعيد. فإن ترف هذا الملك وإسرافه وتبذخه على حساب الأمة لا بد أن يجعلني زنديقاً. والويل لي آنذاك من جلاوزة أهل الايمان.
***
والظاهر أن جلاوزتنا لا يختلفون عن هذا الملك السعيد كثيراً. فهم يؤمنون بالديمقراطية ويذرفون الدمع السخين هياماً بها وشفقة عليها، وهم يسجنون الناس أو يقتلونهم من أجلها، ولكنهم لا يطبقونها. إنهم بهذا يشبهون هارون الرشيد الذي كان يبكي من خشية الله بكاءً مراً ولكنه لا يطيعه. وتراه يبذّر أموال الأمة على جواريه وأعوانه فلا يخشى الله.. حتى إذا انتهى من تبذيره وجلس يتلذذ ذكر الله واغرورقت عيناه بالدموع.
ويبدو أن جلاوزتنا يريدون أن يعيدوا مجد الرشيد بقضه وقضيضه والعياذ بالله. فهم قد أطلقوا اسمه على كل ما كبر في نظرهم فصار لدينا من جراء ذلك: شارع الرشيد وعاصمة الرشيد ومعسكر الرشيد وما أشبه، كأن التاريخ قد خلى من جميع رجال الخير إلا هذا الرجل.
إن الأمة التي تنجب رجالًا من طراز محمد وأبي بكر وعمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعمر بن عبد العزيز لا يجوز لها أن تقدس مثل هذا الرجل الذي ازدوجت شخصيته وانشق ضميره.
اني أخشى أن تساعد الظروف جلاوزتنا فيعيدون مجد هذا الرجل بالتمام والكمال – وهنالك الطامة الكبرى.
***
نحن لا نريد ديناً يأتي به رجل من طراز هارون الرشيد أو من لف لفه من المترفين والمبذرين والظالمين.
إننا، بالاحرى، نريد ديناً يأتي به رجل مثل محمد بن عبد الله إذ يقول «اللهم احيني مسكيناً وأمتني مسكيناً واحشرني مع المساكين» أو رجل مثل علي بن أبي طالب إذ ينصح أحد ولاته قائلاً: «وإنما عماد الدين وجماع المسلمين والعدة للاعداء: العامة من الأمة، فليكن صغوك لهم وميلك معهم.. والسلام».
إنهما دينان متعاكسان وقد آن لنا أن نختار أحدهما!.
***
لقد كتب المتمدنون تاريخ أممهم في ضوء مبادئ العدالة الاجتماعية التي انبثق نورها في هذا العصر الجديد. وقد آن لنا أن نكتب تاريخنا في ضوء مبادئ العدالة التي جاء بها الاسلام.
***

1 والكتاب هو Tyrrell, The Personality of man.
2 ولقد رأينا حين دخل المذياع في العراق لأول مرة كيف كذب به كثير من الناس وظل بعضهم يسخرون منه في قرارة انفسهم حتى عهد قريب... إذ ذهبت كل محاولة لاقناعهم آنذاك أدراج الرياح..
3 سليمان دنيا، الحقيقة في نظر الغزالى، ص 145.
4 انظر Wilson, Great men of Science, ch. 15
5 Ross (ed). An Outline of Modern Knowledge, P.36 – 37
6 Dampier, A History of Science, P.384.
7 ان من الفخار لنا نحن معاشر الشرقيين ان نجد هذه النظرية قد ساهم في التوصل اليها عالم مصري هو الدكتور مشرفة بك.
انظر: 93.Jeans, The Mysterious Universe, P
8 انظر: 47 – 346.Wilson, op, Cit, P.
9 وعلى كل حال فاننا ينبغي أن لا نكون متعصبين لمكتشفات القرن العشرين كما تعصب اصحابنا اولئك لمكتشفات القرن التاسع عشر. فالتعصب بجميع أنواعه يسد باب البحث ويغلق الذهن على ناحية واحدة حيث لا يمكن معها دراسة النواحى الأخرى. ان من المحتمل جداً أن يكتشف العلماء في القرن الحادي والعشرين حقائق علمية تجعلهم يغيرون من آرائهم الحالية بحيث يأخذون بالاستهزاء والسخرية مما نحن اليوم عليه من فلسفة معينة أو نظرة خاصة إلى الكون. لقد أمسى بعض العلماء الآن فعلاً حائرين حول ماهية القوى النفسية بناء على ما اتضح لهم فيها من ظواهر غريبة لا تلائم قوانين الأمواج، كما سيأتي ذكره، ومن يدرينا فلعلهم يتمكنون عاجلاً أو آجلاً من البت في هذه القضية الشائكة واكتشاف عالم آخر في الكون يختلف عن عالم الأمواج!.. إننا على كل حال يجب أن نكون مستعدين للنظر في أي رأي جديد بعين الحياد. إن هذا هو السبيل الذي يوصلنا إلى الحقيقة مهما طال بنا السير. أما التعصب أو الغرور تماثل عنجهية الجهال والبدائيين.
10 يخطيء كثير من الكتاب حين ينسبون إلى (اينشتاين) قوله بأن الزمان بُعد رابع المكان. والحقيقة ان (اينشتاين) لم يقل هذا كما سنرى فيما بعد. ان الزمان في عرف (اينشتاين) هو بعد رابع للزمكان الذي هو مؤلف من اتصال الزمان والمكان اتصالأ كلياً لا يقبل الانفصال.
إن هذا الزمان في نظرية (اينشتاين) يكاد يشبه مفهوم «الشيء في ذاته<< في فلسفة (كانت) أو مفهوم >>واجب الوجود<< أي الله عند علماء الكلام في الاسلام.
11 إن هذا على كل حال تبسيط قد يسيء إلى نظرية (اينشتاين) وقد يشوهها. واني لأرجو من المتضلعين الفاهمين لهذه النظرية فهماً رياضياً أن يغفروا لي هذا التبسيط المشوه لها. ولعلنا نستطيع في فصل قادم أن نبحث في نظرية (اينشتاين) بدقة أكبر.
12 انظر وليم سرجيوس، القوى الخفية، ص 5 وما بعدها.
13 ان هذه ظاهرة من ظواهر ازدواج الشخصية في بلادنا – كما لا يخفى على القارئ اللبيب.
14 انظر:.3.Toynbee, A Study of History, Vol
15 يذهب اخوان الصفا والغزالي وابن خلدون وغيرهم إلى انه لا يوجد فارق جوهري بين المعجزة التي يأتي بها النبي والاعجوبة التي يقوم بها الساحر. كلا الأمرين في نظر هؤلاء المفكرين مصدره النفس البشرية، فإذا كانت النفس فاضلة محبة للخير كان صاحبها نبياً أو ولياً وإذا كانت شريرة كان صاحبها كاهناً أو ساحراً...
16 سوف نتطرق في فصل قادم إلى المنطق القديم ونرى كيف يقف هذا المنطق عقبة كؤود في سبيل التعرف إلى هذه القوى والاستفادة منها.
17 انظر: Rhine, The Reach of mind
18 فإذا رأى هؤلاء فرداً قد اخفق في حياته قالوا حالاً إنه لم يحسن التفكير ولو أنه كان سائراً حسب ما يمليه عليه التفكير الصحيح لحالفه على زعمهم النجاح حتماً. وهذا الرأي يذكرنا برأي الدراويش الذين يعالجون المرضى بالايمان فإذا لم يشف المريض به قالوا عنه: ان ايمانه ضعيف، والمريض لا يستطيع أن يرد عليهم.
19 ان اصطلاح العقل الباطن قد جاء به الى العربية الاستاذ سلامة موسى، الكاتب المصري المعروف، واليه يعزى الفضل في نشره بين القراء العرب هذا الانتشار الكبير. وقد حاول هذا الكاتب مؤخراً أن يطلق عليه اسم العقل الكامن بدلاً من العقل الباطن على اعتبار أن فيه صفة الكون والتحفز ومحاولة الظهور. ونحن نميل هنا أن نبقي على اصطلاحه القديم لأسباب معينة ربما اطلع القارىء على بعضها فيما يلي.
أما اصطلاح اللاشعور الذي أخذ مؤخراً يحل محل العقل الباطن فهو ترجمة حرفية لكلمة (Unconcious) في اللغة الانكليزية، ونحن نرجح استعماله أحياناً مكان العقل الباطن ليسره وسهولة النسبة اليه.
20 يظهر أن (فرويد) في تأكيده على العامل الجنسي هذا التأكيد المتطرف قد تأثر بمحيطه الاجتماعي. فقد كان في (فيينا) قبل الحرب العالمية الأولى يوم كانت نساء الطبقة الأرستقراطية هنالك قد شبعن من ناحية الحام والطعام وجعن من الناحية الجنسية حتى ابتلين من جراء ذلك بمختلف الأمراض النفسية، وقد أتيح لصاحبنا (فرويد) أن يعالج عدداً كبيراً من هؤلاء الجائعات جنسياً فأدى به اتصاله بهن وتحليله لأحلامهن إلى القول بأن العامل الجنسي هو الذي يكمن في أعماق اللاشعور ويوجه سلوك الإنسان. ولو أن (فرويد) عاش بين البدو مثلاً لربما تصور اللاشعور مؤلفاً من حب القوة والشهرة وبعد الصيت بدلاً من الشهوة الجنسية. وربما صح القول ان العقل الباطن مؤلف من أي رغبة مكبوتة سواء في ذلك الجنسية وغيرها، وان الذي يجعل محتويات العقل الباطن مختلفة في بلد عنها في آخر هو المجتمع وما يوحى به من مثل وقيم إلى ابنائه.
21 صرح كثير من المتصوفة في شطحاتهم المعروفة بأن الله حال فيهم أو أنهم والله شيء واحد. قال الحلاج: «ما في الجبة إلا الله» وقد قتل من جراء ذلك. وقال البسطامي. «أنا ربي الأعلى»... «سبحاني ما اعظم شأني»... «كنت اطوف حول بيت الله الحرام، فما أن وصلت إليه رأيت البيت يطوف حولي»... وقال التستري: «أنا عرش الله». وقال العطار بصراحة: «أنا الله. أنا الله» وقال ابن الفارض: «أنا محبوبي ومحبوبي أنا» وهو يقصد بذلك انه الله.
22 ان وجود هذين النوعين المتناقضين من القوى في العقل الباطن هو الذي منعنا من متابعة الأستاذ سلامة موسى في تسميته بالعقل الكامن. ويظهر أن سلامة موسى لا يؤمن بالقوى النفسية الخارقة ولذا فهو قد لا يرى في العقل الباطن غير الرغبات المكبوتة والعقد الكامنة التي تحاول الظهور إلى طبقة الوعي على شتى الصور والأساليب.
اني أتمنى أن يتاح لهذا الكاتب اللوذعي الاطلاع الكافي على الأبحاث العلمية الحديثة في موضوع القوى النفسية الخارقة. فلعله يميل أخيراً إلى التصديق بها بعد أن اصطبغت بصبغة العلم وجردت من أقنعتها الغيبية القديمة.
23 Tyrrell, op, cit, P.26
24 قال أحد الشعراء قديماً: «لا يحمل الحقد من تعلو به الرتب<< والظاهر أن من يحمل الحقد أو الحسد أو اللؤم يضر نفسه قبل أن يضر الناس. إنه يعرقل سبيل نجاحه ويقمع تلك الحوافز المبدعة التي تنبعث من عقله الباطن.
1 Toybee, op, cit, P.266
2 يعقوب صروف، رسائل الأرواح، ص 29.
3 وليم جيمس، إرادة الاعتقاد، (ترجمة الدكتور محمود حب الله) ص40.
4 نفس المصدر.
5 Thomas, The Living Worlds of Philosophy, P.76
6 انظر كتاب المشهور: Mannheim, Ideology and Utopia
7 انظر يعقوب قام، البراجماتزم أو فلسفة الذرائع.
8 يروى أن الخليفة هارون الرشيد كان يملك ثلاثة آلاف جارية والمتوكل أربعة آلاف جارية – اللهم زد وبارك.
9 ان هذه الطبقة تمثل بقايا الحكم العثماني في العراق واني اعتقد أن هذه الطبقة قد أثرت في تكوين الفكر السياسي والثقافي في العراق الحديث تأثيراً كبيراً. وسوف أعالج هذا الموضوع بشيء من التفصيل في بحث قادم إن شاء الله.
10 انظر: Leys, Ethics and Social Palicy, P. 258
11 انظر: Encyclopedia of Social Sciences, art. Genius
12 انظر: Encyclopedia Britaniea, art. genius
13 انظر: Harding, An Anatomy of Inspiration
14 Tyrrell, op, cit. P. 31
15 يعترف (روسو) مثلاً بصراحة كيف لاط به معلمه في مفتتح صباه. و(اندريه جيد) يتحدث عن داء الأبنة الذي ابتلي به كما يتحدث عن أي موضوع آخر من مواضيع الحياة.
16 أنظر: Durant, The Story of Philosophy, P.252
17 يؤيد بعض علماء النفس والاجتماع هذا الرأي في المرأة ولكنهم يعللون ذاتية المرأة أو عاطفيتها بضيق محيطها على اعتبار أن العقل هو وليد المحيط الاجتماعي.
18 انظر: Toynbee, Study of History, (abridged), P.212
19 لقد لاحظت هذا بجلاء أثناء تجوالي في أوربا وأمريكا. فالبقال في نيويورك مثلاً لا يمتاز في تركيب عقليته عن البقال في بغداد أو (قره تبه) أو (تلكيف). ان الفرق بينهما، إن وجد، هو ان أحدهما يستعمل في أعماله مخترعات وآلات دقيقة ليس له يد في ابتداعها، بينما الآخر لا يستعمل شيئاً من ذلك إلا نادراً. فالفرق إذن حضاري لا فردي. وكل منهما صنيعة من صنائع الحضارة التي يعيش فيها.
20 Toybee, op, cit, P.216
1 Dewey, .Logic, P.81
2 Oleaey, Arabic Thought..., P. 153
3 Macdonald, The Development of Muslim Theology..., P.251
4 انظر: Thomas, op, cit, P.99
5 يقول هذا عندما يكون هو متديناً فإذا تحول إلى الوطنية حول قياسه المنطقي نحو محاربة الذين يضرون الوطن. وفي الحقيقة انه يدعو إلى محاربة الذين يكرههم فينسب اليهم من أجل ذلك تهمة الاضرار بالدين أو الوطن أو غير ذلك من الأحابيل.
6 انظر: Thomas, op, cit, P.91
7 نفس المصدر P.103
8 انظر أحمد أمين، ضحى الاسلام، ج3 ص 350 – 349
9 ابن خلدون، المقدمة، صر 392.
10 نفس المصدر، ص 543.
11 نفس المصدر، ص 542.
12 Joad, Guide to Philosophy, P. 142
13 Dewey, Logic, P. 84
14 Kluckhohn and murray Personality, P. 4
15 انظر: Mead, Movement of Thought..., ch.7
16 ان مفهوم الصلاح عند ابن خلدون يختلف عن مفهومه عند الفقهاء والمناطقة، فابن خلدون يشبه الذرائعيين من هذه الناحية، إذ هو يجعل الصلاح والنجاح من مصدر واحد.
17 انظر ابن خلدون، المقدمة، ص 171 – 170
18 يسمى المنطق القديم لهذا السبب بالمنطق ذي الحدين أو المنطق الثنائي (biValent) بالمقارنة إلى المنطق الجديد ذي الحدود المتعددة (polyValent)
19 Schiller Formal Logic, P 398 – 99
20 جينز، الكون الغامض، (ترجمة عبد الحميد مرسي) ص63.
21 خير مثل نأتي به لتوضيح هذا الأمر هو الأصوات الضعيفة جداً أو القوية جداً. فنحن لا نسمعها لأنها خارجة عن القدرة التي تتأثر به أعصاب سمعنا. وانها رغم ذلك موجودة قد يسمعها من يملك أعصاباً أدق من أعصابنا على وجه من الوجوه.
22 سوف نبحث في موضوع الجنون بشيء من الاسهاب في فصل قادم. ومن الممكن تعريف الجنون باختصار هنا فنقول: إنه انغمار في الذات وقلة اعتراف باللاذات. فالجنون الشديد هو الذي يخلق لصاحبه عالماً خاصاً به له قيمه ومثله وأهدافه، بحيث يمنعه من فهم العالم الخارجي والتكيف له، وعلى هذا الاعتبار فإننا جميعاً مجانين ولكن على درجات متفاوتة. إذ لا يخلو أحدنا من انغمار في ذاته قليلاً أو كثيراً ومن اهمال لمفاهيم المجتمع أحياناً. إن اهمال الفرد لمفاهيم المجتمع وقيمه هو الذي يدعو المجتمع إلى وصمه بوصمة الجنون. ولو تكاثر المجانين في مجتمع وبقي فيه فرد واحد عاقل لأصبح هذا الفرد هو المجنون وصاروا هم العقلاء – ولله في خلقه شؤون.
23 اقرأ بعض التفاصيل حول هذه الفكرة في كتاب (شخصية الفرد العراقي) لكاتب هذه السطور.
24 إننا نقصد من هذا الاصطلاح هنا معنى يختلف عن ما يقصد علماء النفس منه، فنحن لا نعني بازدواج الشخصية مرضاً نفسياً، انما نعني به بالأحرى ظاهرة اجتماعية قد تستفحل في بعض المجتمعات، كمجتمعنا هذا، ولها أسبابها النفسية والاجتماعية والحضارية. ومن الممكن اعتبار منطق أرسطو عاملاً هاماً في انتاج هذه الظاهرة إذ هو يعود الفرد على نمط من التفكير يناقض واقع الحياة وبذا يجعله منشقاً على نفسه. فهو يفكر على طراز ويعمل على طراز آخر.
25 مختار المختار، هل أنت حي، ص 7.
26 انظر: Rhine, The Heach of The mind
27 انظر جرجي زيدان، التمدن الاسلامي. ج 3، ص 311.
28 يعقوب صروف، سر النجاح، ص 164.
1 سمعت منذ عهد قريب قصة صبي كان قد ذهب إلى دائرة من دوائر التجنيد الاجباري طالباً منهم أن يجندوه، هذا مع العلم أنه لم يصل إلى السن المعينة للتجنيد بعد. وقد رأيت الناس يتحدثون عن هذا الصبي وهم في عجب شديد، حيث يندر في هذا البلد أن يتطوع فرد لخدمة العلم من تلقاء نفسه. وقد علمت مؤخراً أن هذا الصبي المسكين أراد أن يهرب من العمل الذي اضطره أبواه عليه فهو قد لجأ إلى خدمة العلم ليتخلص من العمل المضني في البناء. ومثله في ذلك كمثل المستجير من الرمضاء بالنار.
2 صموئيل صميلز، سر النجاح، (ترجمة يعقوب صروف)، ص 161 – 160.
3 المصدر نفسه، ص 162 – 161.
4 المصدر نفسه، ص163.
5 المصدر نفسه 196
6 انظر: Baudouin, Suggestion and Autosuggestion, P.116
7 المصدر نفسه، ص 125.
8 سلامة موسى، أسرار النفس، ص 78 – 77.
9 أن موضوع التفاعل والتصادم بين قيم البداوة والمدنية في المجتمع العراقي الحديث موضوع هام جداً. وبحثه قد يثير لنا كثيراً من المشاكل التي تعترض حياتنا الاجتماعية في هذه الأيام. وعسى أن تسنح الفرصة لكاتب هذه السطور أن يخرج كتيباً في هذا الموضوع في المستقبل القريب.
10 سنعود إلى بحث هذا الموضوع في مناسبة أخرى.
11 هل أنت حي، ص 19.
12 يقول سقراط: «لو جاء الاله عارضاً عليّ: في يده اليمنى النجاح الكامل وفي يده اليسرى الكفاح المتواصل في سبيل النجاح لاخترت منهما الذي في يسراه».
13 نفس المصدر، ص 18.
14 يروى عن علي أنه قال: «إذا هبت أمراً فقع فيه فشدة الحذر منه شر من الوقوع فيه».
15 انظر جميل صليبا، علم النفس، ص 439.
16 يقول باستير: «لا ينال قوة العارضة واشراق البديهة إلا من صبر واستعد زماناً طويلاً لتلقي أشعتها».
1 انظر: سلامة موسى، العقل الباطن.
2 ان الملحد والمؤمن لا يصلحان للبحث العلمي ولا للحكم أيضاً. فالحاكم الملحد يكره المتدينين من أبناء شعبه ويقسو عليهم ويحاول أن يخرجهم من الايمان الذي هو اثمن شيء لديهم. هذا بينما نجد الحاكم المؤمن، من الجهة الأخرى، يقسو على من هم على غير دينه وربما عدهم حثالات لاحق لهم في الحياة. وقد رأينا أمثلة لا تحصى على هذا في تاريخ الأمم على مختلف شيعها وألوانها.
3 انظر: Tvrrell, op cit, P.48
4 انظر يعقوب صروف، رسائل الأرواح، ص110 – 109.
5 Rhine, New Frontiers of the Mind, P.14
6 ان قانون الاحتمالات يستوجب أن يكون معدل الصواب في الحدس المبني على الصدفة هو (5 من 25) أي الخمس، وذلك لأن اوراق التجربة هي (25) ورقة وقد رسم عليها خمسة أشكال فقط.
7 Rhine, op, cit, P. 206 – 207
8 Rhine, op. cit, P.211
9 انظر: Rhine, The Reach of the Mind
10 Tischner, Telepathy and Clairvoyance
نقلاً عن مجلة علم النفس المصرية، المجلد الأول، العدد الثالث، ص 322 – 333
11 انظر المصادر التالية وغيرها:
(1) Sullivan, Limitations of Science, P.146-47
(2) Ehrenwald, Telepathy.... ch X III
(3) يعقوب صروف، أسرار الأرواح، ص 12
(4) أبو الخير، ظواهر الطرح الروحي، ص 94
12 يظهر أن (سينال) هو ممن يعتقدون بوجود الاثير. وأغلب العلماء اليوم أخذوا، كما ذكرنا سابقاً ينكرون وجود الاثير. ويميلون مع (اينشتاين) إلى القول بانتفاء الحاجة إلى افتراض وجوده. وما يسميه (سينال) بالأمواج الأثيرية أصبح الآن يدعى بالأمواج الكهربائية المغناطيسية (Waves Electromagnetic). ونحن نميل إلى تسميتها هنا بالأمواج الكهربائية على سبيل التبسيط والاختصار. وهي في الواقع تشمل جميع أنواع الأشعة المنظورة وغير المنظورة وكذلك تشمل الأمواج اللاسلكية وأمواجاً أخرى عديدة لم يكتشفها العلم حتى الآن، والأمل وطيد باكتشاف كثير منها في المستقبل القريب أو البعيد.
13 انظر: سينال، الحاسة السادسة، (ترجمة محمد بدران وأحمد محمد عبد الخالق بك).
14 المصدر نفسه، ص 11.
15 المصدر نفسه، ص 34
16 إننا نستعمل اصطلاح (الحادسة) مكان (الحاسة السادسة) على سبيل الاختصار. وهذا الاصطلاح له مفهوم أوسع من مفهوم (الحاسة السادسة)، إذ هو قد ينطبق على ما يسميه (راين) بالاحساس بدون حاسة. ولعله خير ما يستعمل في هذا الخصوص. جمعه: حوادس.
17 نفس المصدر، ص 63 – 61.
18 أنظر: Duncan, The New Knowledge
19 انظر فؤاد صروف، آفاق العلم الحديث، ص 232
20 سينل، الحاسة السادسة، ص 33 – 32
21 انظر: One Hundred Creat Lives, p.531
22 سينل، الحاسة السادسة، ص 112
23 انظر: Tyrrell, op. cit, ch 8
24 jeans, The Mysterious Universe, P. 141 – 42
25 أنظر: Titus, Living Issues in Philosophy, P.43
26 أنظر: Joad, Guide to Modern Thought, P.87
27 انظر: Titus, op. cit. P.4
28 انظر: Joad, op. cit. P.98
29 Joad, op. cit, P Geans, op. cit. P. 148 – 49
30 يقول البرفسور (الكسندر): «لو سئلت عن أهم فكرة ظهرت في الخمس والعشرين سنة الأخيرة لأجبت: انها اكتشاف الزمان» انظر:
Outline of Modern Belief, Vol. 3,P. 832
31 الأصح إذن أن ندعوه «اللاشعور». ونحن في الواقع لم نستعمل اصطلاح «العقل الباطن» في هذا الكتاب إلا لأنه مستعمل في اللغة العربية على هذا الشكل كثيراً. ومما يجدر ذكره في هذه المناسبة أن الكتاب الغربيين، حين يذكرون العقل الباطن، يميلون إلى حذف كلمة «العقل» ويقتصرون على ذكر كلمة «الباطن» فقط فيقولون: (Unconsious) بدلا من (Unconcious mind)
32 محمد مهدي النراقي، جامع السعادات، ج1، ص 143 – 142.
33 انظر مقالته المنشورة في مختار المختار، هل أنت حي، ص 7 – وقد أشرنا اليها في فصل سابق.
34 سينل، الحاسة السادسة، ص 53 – 52
35 مجلة علم النفس المصرية، المجلد الأول، الجزء الثالث، ص 333
36 انظر: سينل، المصدر السابق، ص 41 – 39.
37 لقد اندهشت كل الدهشة حقاً عندما قرأت ما روي عن النبي محمد من انه قال عن الرؤيا الصادقة بأنها جزء من ستة وأربعين من النبوة. ولعل القارئ سيندهش معي حين يرى التقارب العجيب بين النسبة التي جاءت بها جمعية المباحث النفسية وتلك التي جاء بها محمد!
38 انظر: هل أنت حي، ص 28 – 27
39 انظر: وليم سرجيوس، القوى الخفية، ص 79.
40 ابن خلدون، المقدمة، ص 105.
41 ابن خلدون، المقدمة، ص 105.
42 انظر مقالة الدكتور مصطفى زيور، الطب النفسي الجسمي، في مجلة علم النفس المصرية، المجلد الأول، الجزء الأول، ص 13 وما بعدها.
1 Joad, Guide To Modern Thonght, P. 36
2 انظر مجلة الثقافة، العدد (52) من السنة الأولى.
3 وقع شيء من دمه على ملابسي وعلى مجلة كانت موضوعة أمامي حيث كنت جالساً بالقرب منه.
4 لقد كان أذى وقتياً على أي حال، إذ هو رجع إلى وعيه بعد وقت قليل ثم سافر إلى أهله صباح اليوم التالي كأنه لم يقع عليه شيء.
5 انظر: عباس العقاد، الله، ص 287.
6 انظر: يعقوب صروف، أسرار الأرواح، ص 94 – 93.
7 المصدر نفسه، ص 120.
8 وليم جيمس، ارادة الاعتقاد، ص 24.
9 Tyrrell, op. cit. P. 218 – 19
10 يعقوب صروف، أسرار الأرواح، ص 166.
11 مجلة المختار، المجلد الثالث، العدد 14، ص 120.
12 نفس المصدر، ص 115.
13 يعقوب صروف، أسرار الأرواح، ص 183.
14 انظر: Humphrey, The Story of Mans Mind, P. 269 – 70
15 يعقوب صروف، أسرار الأرواح، ص 93.
16 انظر: Rhine. New Frontiers of The Mind, P.216
17 جريدة الهاتف: العدد 1198، في 16 تموز 1952.
18 وليم سرجيوس، الايحاء، ص 74 – 73.
19 انظر: «Vaihinger The Philosophy of «As If
20 انظر: Kelsen, Society and Nature
21 انظر: Levy – Bruhl, Primitive Mentality
22 لقد كنت آنذاك تلميذاً في احدى المدارس الابتدائية، وقد قرأت دعاءً معيناً في بعض الحفلات التي أقيمت لغرض الوقاية من الهيضة. وأنا متأكد الآن بأن ذلك الدعاء قد وقاني بعض الوقاية من ذلك الوباء الفتاك، إذ اني كنت مؤمناً به كل الايمان. وقد ذهبت تلك الأيام من غير رجعة – مع الأسف الشديد.
23 نقلاً عن: Ehrenwld, OP. cit. P.15
24 انظر: سينل، الحاسة السادسة، ص 61
25 انظر: Sumner, Folkways, P.26 – 36
26 نجد هذا واضحاً بين التجار والجنود والمقامرين والمجازفين. فكل واحد منهم يحمل شيئاً تذكارياً يعتز به ويعتقد انه يجلب الخير له. فالبعض منهم يملك داراً عتيقة لا ينفك عنها لأنه يتفاءل بها. وبعضهم يلبس في أحد أصابعه خاتماً ويعتقد أنه مصدر سعادته ونجاحه. وقد آمن العرب قديماً بالنواصي والاعتاب. ان كل هذه الأمور تفيد الانسان أحياناً من حيث أنها تبعث الثقة في نفسه وتدعوه إلى التفاؤل وتوقع النجاح، وكم من رجل واقعي بعيد النظر رأيناه يحمل شيئاً سخيفاً في جيبه للتيمن والبركة...
27 وقد لخص عمر هذه الحقيقة الكبرى بكلمته المشهورة: «اعقل وتوكل».
1 محمد عبد الغني حسن، ملامح من المجتمع العربي، ص 9.
2 محمد مهدي النراقي، جامع السعادات، ج2 ص 361
3 نقصد بالجلاوزة هنا معنى يقارب ما يقصد العامة عندنا من لفظة «الجندرمة». والواقع أن عدداً لا يستهان به من أفراد الطبقة الحاكمة في العراق هم من بقايا «الجندرمة» الذين ابتلي الشعب العراقي بهم في العهد العثماني البائد ابتلاءً عظيماً. وسنفرد لهذا الموضوع الخطير بحثاً خاصاً ننشره فيما بعد – ان شاء الله.
4 انظر كتابه المشهور: Veblen. The Theory of Leisure Class
5 Landis, Social Control, P. 56 – 57
6 انظر: Longrigg. four Centuries of Modern Iraqi, P. 315
7 النراقي، جامع السعادات، ج2 ص 83.
8 محمد الحسين المظفري، الإمام الصادق، ج 3، ص 29.
9 من الأحاديث المأثورة عن النبي أنه قال: «اتقوا دعوة المظلوم فانها تصعد إلى السماء كالشرارة».
10 Mill, Utilitarianism... P. 67
11 إن المعروف أن حرملة هذا رمى طفل الحسين بسهم حين كان يتلظى من العطش أثناء معركة كربلاء فقتله.
12 انظر: أحمد أمين، هارون الرشيد، ص 179 – 176.
---------------

------------------------------------------------------------

---------------

------------------------------------------------------------

1