Advertisement

دليل المالك للمخ


إشادة بهذا الكتاب
"كما هي الحال في كتابه السابق الأفضل مبيعًا - توقع لاعقلاني - فإن التجارب التي يصفها آريلي تثير رؤى ممتعة وغالبًا مناقضة للمنطق...والنتيجة هي أكثر من
مجرد كتيب لمديري الأعمال أو مجموعة من القصاصات التي يتم التندر بها في الحفلات...واتخاذ القرار بكيفية تطبيق هذه الرؤى يمثل متعة لا حد لها يطمح إليها
المرء بعد الانتهاء من الكتاب".
ــــــــ قسم استعراض الكتب بصحيفة نيويورك تايمز
"هذا الكتاب هو نظرة تثقيفية وثاقبة للسلوك البشري، ويثبت أن هزيمة المنطق هي جزء من طبيعتنا البشرية".
ــــــــ صحيفة بوسطن جلوب
"هذا الكتاب المكمل لكتاب آريلي السابق الذي بعنوان توقع لاعقلاني هو كتاب سهل القراءة وثاقب الرؤية بشكل متوقع فيما يخص نقاط ضعف اتخاذ القرارات
الاقتصادية".
ــــــــ صحيفة نيوزويك
"إن حقيقة أننا لسنا منطقيين كأجهزة الكمبيوتر ليست عيبًا، بل ميزة. وفي هذا الكتاب الثاقب والمبهج والتثقيفي، يوضح لنا آريلي كيف يغير التخلي عن شخصياتنا
العاطفية القرارات التي نتخذها على المدى الطويل، غالبًا بتجاهل الحقائق غير الملائمة التي تعترضنا!".
ــــــــ كريس أندرسون، رئيس تحرير مجلة
وايرد ومؤلف كتابي The Long Tail و Free
"إن دان آريلي هو أحد أبطالي، وفي الوقت نفسه عالم اجتماع من الطراز الفريد. وهذا الكتاب يجمع بين تجاربه البحثية الرائعة وتجربته الشخصية في التعافي. ومن
خلال قصة دان وأبحاثه، نتعلم قدرًا كبيرًا عن أنفسنا لم نتعلمه من قبل. وعلى صعيد التأليف والحياة الشخصية، يتمتع آريلي بلمسة سحرية خاصة".
ــــــــ جورج أكيرلوف، الفائز بجائزة نوبل في الاقتصاد لعام 2001
"إن أي شخص يضطر لاتخاذ القرارات (ويضطر للتعامل مع قرارات الآخرين) يجب أن يقرأ هذا الكتاب".
ــــــــ الدكتور محمد أوز، مضيف برنامج دكتور أوز شو، وأستاذ ونائب رئيس قسم الجراحة، مستشفى نيويورك/المركز الطبي بجامعة كولومبيا
"إن دان في بحث حثيث عن تحديد اللاعقلانية وتبديدها، ونحن بحاجة إليه أكثر من أي وقت مضى - والخبر السار فيما يخص دان هو أنه مصدر لن ينضب قريبًا".
ــــــــ سيث جودين؛ مؤلف كتاب Linchpin
"بينما تكون عقولنا محملة بمئات الطرق المختلفة، فإن بعضًا من أكثر صفاتنا الغريبة غير المنطقية تلعب دورًا رئيسيًّا في جعل حياتنا ثرية ومشبعة وذات مغزى.
وهــذا الكتـاب مخصـص بشـكل كبـير لـهذه الصـفات "الجيـدة". واعتمـادًا علـى تجـارب بحثيـة رائعـة، تتمـيز الكتابـة بالوضـوح والطرافـة وإثـارة الـذهن والمعـاني الضـمنية
الأنيقة".
ــــــــ كريس أندرسون، أمين مؤسسة TED
"مرة أخرى، يصحبنا دان آريلي في جولة مرحة ورائعة ومثيرة داخل عقولنا اللاعقلانية. فإنك لن تنظر أبدًا إلى المال أو العمل أو الرومانسية أو الانتقام أو السياسة
أو الطب أو التسوق أو السعادة بالطريقة نفسها مرة أخرى".
ــــــــ ديفيد بوج؛ كاتب عمود التكنولوجيا بصحيفة نيويورك تايمز
"هذا الكتاب هو كتاب مخالف للرأي السائد يكشف لنا كيف تساعدنا أنفسنا اللاعقلانية على العمل بشكل أفضل وبإشباع أكبر".
ــــــــ ديفيد ماكولاي، مؤلف
كتابي The Way Things Work و The Way We Work
"إن رؤى دان الثاقبة فيما يخص السلوك البشري هي عوامل تحويلية للشركة القائمة على المستهلك. وتكشف أبحاثه عن فرص مدهشة للتفكير والتصرف بطرق
جديدة تجاه عملائك وثقافة شركتك".
ــــــــ لوري نورينجتون، رئيس موقع إيباي
"إن الناس مزودون طبيعيًّا بالبحث عن المعنى والمغزى في حياتهم الشخصية والعملية. ودان آريلي عبقري في كشف وتوضيح ما يحفزنا للأداء حقًّا. وهذا الكتاب
سوف يساعدك على إعادة تشكيل الطريقة التي ترى بها نفسك والأشخاص المحيطين بك".
ــــــــ بوب ماكدونالد، رئيس مجلس الإدارة والرئيس والمدير التنفيذي لشركة بروكتور آند جامبل
"مــدهش... جمــيع تجــارب آريلــي تقــريبًا مقنعــة وأســلوبه غــالبًا ســاحر. وهــو أيــضًا يضــفي جــانبًا شــخصيًّا جــذابًا علــى الكتــاب ويرســم صــورة مفعمــة بالحيويـة لمأسـاة
شبابه...وهو يكتب دائمًا عن تجربته المؤلمة ليدعم آراءه بمفاهيم سلوكية متنوعة فعالة - كالسبب في أن بعض ضحايا الحوادث يكتسبون تحملًا عاليًا ضد الألم،
بينما لا يتمكن المصابون بالحالات المتقدمة من السرطان بذلك. وهذه القدرة على التحمل قوية باستمرار".
ــــــــ مجلة كيركوس ريفيوز
إهداء
إهداء إلى أساتذتي ومعاوني وطلابي لإضفاء المتعة والإثارة على الأبحاث التي نجريها.
وإلى جميع المشاركين في تجاربنا على مدار السنوات - فأنتم المحرك الفعلي لهذه الأبحاث وأنا ممتن بعمق لكل المساعدة التي أسهمتم بها.
أعمال أحرى للمؤلف دان آريلي
توقع لاعقلاني: القوى الخفية التي تشكا قراراتنا
مقدمة
دروس مستقاة من التسويف
والآثار الجانبية الطبية
أنا لا أعلم كيف يكون الأمر معك، لكني لم ألق أبدًا شخصًا لم يؤجل عملًا قط، يعد تأجيل المهام المزعجة مشكلة عالمية - من الصعب جدًّا كبحها، بصرف النظر
عن الصعوبة التي نلقاها عند بذل قوة الإرادة أو التحكم في الذات لكبحها أو بصرف النظر عن عدد المرات التي نعتزم فيها حل هذه المشكلة.
دعوني أسرد عليكم قصة شخصية عن طريقة تعلمتها للتعامل مع رغبتي في التسويف. منذ عدة سنوات أصبت في حادث مروع، حدث انفجار ماغنسيوم هائل
بالقرب مني فأصيب 70% من جسدي بحروق من الدرجة الثالثة (كانت تجربة عبرت عنها في كتاب توقع لا عقلاني * )، وما زاد الأمر سوءًا أني أصبت بالتهاب كبدي
نتيجة نقل دم ملوث بعد ثلاثة أسابيع قضيتها في المستشفى. بوضوح، لا يوجد أبدًا وقت ملائم للإصابة بأمراض الكبد الخبيثة، ولكن بداية إصابتي به كان في وقت
غير ملائم لي لأني كنت بالفعل في ذلك الحين في حالة سيئة، وقد زاد المرض من مجازفة المضاعفات والتأخر في علاجي فرفض جلدي العديد من الزراعات الجلدية،
وممــا زاد الأمــر ســوءًا، أن الأطبــاء لــم يعلمــوا أي نــوع مــن الأمــراض الكبــدية قــد أصــابني، لقــد علـم الأطبـاء أنـي غـير مصـاب بالتـهاب الكبـد مـن النـوع "إيـه" أو "بـي"،
ولكنهم لم يتمكنوا من تحديد السلالة التي أصابتني. استقر المرض بعد فترة قصيرة، ولكنه لا يزال يؤخر من شفائي بنشاطه من فترة لأخرى والعبث في أجهزة
جسدي.
وبعد ثماني سنوات، كنت في كلية الدراسات العليا، وكنت غاضبًا جدًّا. ذهبت إلى المركز الطبي للطلاب لإجراء الكشف، وشَخَّص لي الطبيب حالتي بعدما أجرى
عدة من تحاليل الدم، فقد أصبت بالتهاب كبدي من النوع "س ي" وهو نوع اكتشف حديثًا، بقدر ما شعرت بحقارتي، رحبت بنبأ إصابتي بهذا الخبر الذي يبدو
جيدًا. أولًا: علمت أخيرًا حقيقة مرضي. ثانيًا: ثمة دواء واعد تجريبي جديد يطلق عليه الإنترفيرون يمكن أن يكون علاجًا فعالًا لمرضى الالتهاب الكبدي "سي"، سألني
الطبيب عما إذا كنت أوافق على أن أكون جزءًا من دراسة تجريبية لاختبار فعالية الإنترفيرون، كان من الأفضل لي أن أقبل أن أكون جزءًا من هذه الدراسة بالنظر
لمخاطر إصابتي بالتليف الكبدي.
اقتضــى البــروتوكول المبــدئي حقــن نفســي بــالإنترفيرون ثــلاث مــرات أســبوعيًّا. وأخبــرني الأطبــاء بــأني ســأصاب بمجموعــة مــن الأعــراض بعــد كــل عمليــة حقــن كــأعراض
الإنفلونزا بما في ذلك الحمى والغثيان والصداع والقيء وقد وجدتها حقًّا تمامًا كما قالوا لي، لكنني كنت عازمًا على نبذ المرض، لذا فقد أديت الطقوس التالية على
مدار أيام الإثنين والأربعاء والجمعة لمدة عام ونصف. فبمجرد العودة لمنزلي، كنت آخذ إبرة من الخزانة الطبية وأفتح الثلاجة وأملأ السرنجة بالجرعة الصحيحة
من الإنترفيرون، وأقوم بوخز الإبرة بعمق في فخذي وأحقن الدواء، ثم أضطجع في أرجوحة شبكية كبيرة - وهي أكثر قطعة مريحة في أثاث شقة الطلاب التي
تشبه الشرفة - حيث أتمكن جيدًا من خلالها من مشاهدة التلفاز. وكنت أحتفظ بدلو على مقربة مني للحاق بالقيء الذي سيندلع حتمًا وبطانية لإيقاف الرعشة.
وبعد حوالي ساعة من الغثيان والرعشة والصداع، أخلد للنوم عند لحظة معينة، وفي مساء اليوم التالي، أسترد عافيتي نوعًا ما وأواصل دراستي وبحثي.
وبالإضافة إلى المرضى الآخرين في هذه الدراسة، لم أصارع فقط الشعور بالمرض معظم الوقت، ولكني صارعت المشكلة الأساسية التي تكمن في التأجيل والتحكم في
الــذات، كــان كــل يـوم أحقـن فيـه نفسـي بـائسًا، كـان يتحتـم علـيَّ أن أواجـه احتماليـة إطـلاق النـار علـى نفسـي إثـر نوبـة مرضـية تمتـد لسـت عشـرة سـاعة فـي انتظـار أمـل
الشفاء على المدى البعيد، كان عليَّ أن أتحمل ما يطلق عليه علماء النفس "التأثير الفوري السلبي"، وهذه هي المشكلة التي نقاسيها جميعًا عندما نفشل في القيام
بمــهام قصــيرة المــدى ســتكون نافعــة لنــا فــي الحيــاة. وعلــى الــرغم مــن حــث الضــمير، فــإننا غــالبًا مــا نفضــل تجنــب القيـام بشـيء غـير سـار فـي الحـال (ممارسـة التمـارين
الرياضية، العمل في مشروع مزعج، تنظيف المرآب) لأجل غد أفضل (صحة أفضل، الحصول على ترقية وظيفية، نيل شكر من الزوج/الزوجة).
فــي نــهاية الشــهر الثــامن عشــر مــن التجربــة، أخبـرني الأطبـاء بـأنني المـريض الوحيـد الـذي داوم علـى أخـذ الإنتـرفيرون كمـا وصـف لـه. فقـد خـرق كـل مـريض فـي التجربـة
علاجه لمرات عدة - والأمر المستغرب أن ذلك تضمن بغضًا لي. (في الحقيقة كان عدم الالتزام بالعلاج مشكلة سائدة للغاية).
إذن، كــيف نجحــت فــي هــذه الأشــهر مــن العــذاب؟ هــل الأمــر بســبب أن أعصــابي مــن حــديد؟ ككــل البشــر علــى وجــه الأرض، فــإنني أعـاني مـن العـديد مـن المشـاكل فـي
التحكم في الذات، وفي كل مرة كنت أحقن نفسي فيها تمنيت بشدة أن أتوقف عن هذا، لكن كانت لديَّ حيلة لتحمل العلاج، كانت الأفلام بالنسبة لي هي الحل،
فأنا أحب الأفلام، ولو كان لديَّ متسع من الوقت لشاهدت فيلمًا كل يوم. عندما أخبرني الأطباء بما يجب أن أتوقعه، قررت أن أحفز نفسي عن طريق الأفلام،
علاوة على ذلك لم أستطع فعل أي شيء أكثر من ذلك بعد هذا، تحياتي للآثار الجانبية.
في كل يوم أحقن فيه نفسي، كنت أقف عند متجر الفيديو وأنا في طريقي إلى المدرسة وآخذ قليلًا من الأفلام التي أود مشاهدتها طوال اليوم، كنت أفكر في كم
المتعة عند مشاهدة هذه الأفلام فيما بعد. وبمجرد العودة لمنزلي كنت أحقن نفسي، وأقفز مباشرة على الأرجوحة الشبكية التي تريحني وأبدأ في مهرجان صغير
احتفاء بالفيلم. وبهذه الطريقة استطعت أن أدمج بين عملية الحقن وتجربة مكافأة نفسي بمشاهدة فيلم رائع، بدأت في نهاية المطاف الآثار الجانبية ولم يكن لديَّ
ذلك الشعور الإيجابي، ما زلت أخطط لأمسياتي على هذا النحو مما ساعدني على دمج تجربة الحقن بالترفيه بمشاهدة الأفلام بدلًا من المشقة الناتجة عن الآثار
السلبية، وتمكنت بذلك من الاستمرار في العلاج. (أسعدني الحظ في هذه الأوقات أن كانت ذاكرتي ضعيفة نسبيًّا؛ حيث كنت أكرر مشاهدة الأفلام نفسها أكثر من
مرة).
ما المغزى من هذه القصة؟ الجميع يواجه مهام ذات أهمية يفضلون اجتنابها، وخاصة إذا ما كانت هناك عوامل خارجية تساعد على ذلك، فجميعنا يكره
التمحيص في الإيصالات عند دفع الضرائب أو تنظيف الفناء الخلفي أو الالتزام بحمية غذائية أو الادخار للمعاش أو - كما هي الحال معي - معاناة علاج بغيض.
بالطبع، بالنسبة لعالم المنطق التام، لن يكون ثمة مشكلة من التسويف، علينا ببساطة أن نقوم بإحصاء قيم أهدافنا على المدى البعيد ومقارنتها بلحظات المتعة
على المدى القصير، فنعي أن هناك الكثير مما يمكن الحصول عليه على المدى البعيد بقليل من المعاناة على المدى القصير. وإذا تمكنا من فعل ذلك، فإننا سنتمكن
مــن البقـاء فـي حالـة تـركيز علـى مـا يـهمنا حـقًّا. علينـا القيـام بـأعمالنا وفـي مخيلتنـا الإشـباع الـذي سـنحظى بـه عنـد الانتـهاء مـن هـذا العمـل. فقـد نضـيق أحزمتنـا درجـة
فنتمتع بصحة أفضل في المستقبل، وقد نلتزم بالعلاج في أوقاته لنسمع من الطبيب وهو يقول لنا: "لا يوجد أثر للمرض في أجسادكم".
للأسف، معظمنا يفضل الحصول على متعة وقتية على حساب الأهداف طويلة المدى ** ، فنتصرف بشكل روتيني كما لو كنا سنحصل على وقت أكبر في المستقبل
ونشــعر بتعــب وتوتــر أقــل. تبــدو عبــارة "فيمـا بعـد" وقـتًا ورديًّا نفعـل فيـه كـل الأشـياء البغيضـة فـي حيـاتنا، حتـى لـو كـان تأجيلـها يعنـي أننـا فـي نـهاية المطـاف سـنواجه
مشــاكل أكثــر مثــل عقوبــة ضــريبية أو عــدم القــدرة علــى التقاعــد بشــكل جيــد أو الحصــول علــى عــلاج طبــي غــير نــاجح. فــي النــهاية، لا يجــدر بنــا أن نــذهب بعيــدًا عــن
إمكانياتنا لندرك عدد مرات الإخفاق في تقديم تضحيات على المدى القصير لأجل أهدافنا على المدى البعيد.
ماذا يعني كل هذا بالنسبة لموضوع هذا الكتاب؟ إنه يعني كل شيء بشكل عام.
من وجهة نظر منطقية، يتحتم علينا اتخاذ قرارات تحقق أفضل المنافع لنا. (كلمة "يتحتم" هي كلمة فعالة في هذا المنحى). يتحتم علينا أن نمتلك القدرة للتمييز
بين كل الخيارات التي تواجهنا ونحسب أهدافها بدقة - ليس فقط على المدى القصير ولكن على المدى البعيد أيضًا - ونختار الخيار الذي يزيد من فرص تحقق أفضل
المنافع لنا، إذا ما واجهتنا مشكلة من أي نوع، فلا بد من أن تكون لنا قدرة على رؤية الموقف بوضوح ودون تحيز، وعلينا أن نُقيِّم الإيجابيات والسلبيات بموضوعية
كما لو كنا نقارن أنواعًا مختلفة من أجهزة الكمبيوتر المحمولة. إذا كنا نعاني من مرض وتوفر علاج واعد، فعلينا الالتزام التام بأوامر الطبيب. فلو كان أحدنا يعاني
من زيادة في الوزن، فعلينا أن نشمر عن ساعد الجد فنمشي أميالًا يوميًّا ونعيش على أكل السمك المشوي والخضراوات والماء. وإذا كان أحدنا يدخن فعليه التوقف
على الفور دون أي تحفظات.
بــالطبع، ســيكون الأمــر جيــدًا إذا مــا كنــا أكثــر عقلانيــة ومتوجــهين بوضــوح أكثــر نحــو "واجبــاتنا"، ولكــن للأســف، لســنا كــذلك. أم كـيف لـك أن تفسـر انقطـاع ملايـين
عضويات صالات الألعاب الرياضية
أو مجازفة الناس بحياتهم أو حياة الآخرين بكتابة رسائل نصية في أثناء القيادة... (يمكنك أن تضع مثالك المفضل هنا)؟
وفي هذه النقطة تحديدًا، يتصدر الاقتصاد السلوكي المشهد، نحن لا ندعي في هذا المجال أن الناس على درجة عالية من الرشد أو أنهم آلات حاسبة، بدلًا من ذلك
نلاحظ كيف يتصرفون حقًّا، وفي كثير من الأحيان تقودنا ملاحظاتنا إلى استنتاج أن البشر لا يتسمون بالعقلانية.
ومن المؤكد أن هناك الكثير الذي يمكن تعلمه من الاقتصاد العقلاني، ولكن بعضًا من الافتراضات - أن الناس يقومون دومًا باتخاذ أفضل القرارات وأن احتمالية
الخطأ تكون قليلة إذا ما تعلق الأمر بقرارات مالية وأن السوق يصحح نفسه - يمكن أن تؤدي قطعًا إلى عواقب كارثية.
للحصول على فكرة أوضح لمدى الخطر الكامن في افتراض العقلانية المطلقة، اتخذ من قيادة السيارة مثالًا يعينك على هذا. إن وسائل النقل - كالأسواق المالية - هي
عبارة عن نظام من صنع الإنسان، ولا يتعين علينا البحث الكثير للتوصل إلى أناس آخرين يخطئون أخطاء فادحة ومكلفة (بسبب جانب آخر لوجهة نظر العالم
المتحــيزة، فــإن الأمـر يسـتغرق جـهدًا أكثـر قليـلًا لرؤيـة أخطـائنا). عـادة مـا يتفـهم صـناع السـيارات ومصـممو الطـرق أن النـاس عـادة لا يتخـذون قـرارات صـائبة فـي أثنـاء
القيادة، لذا فإنهم يصممون الإطارات والطرق بطريقة تحمي سلامة السائق والمسافر، يحاول مصممو السيارات والمهندسون معادلة إمكانياتنا البشرية المحدودة
عن طريق أحزمة المقاعد والفرامل المانعة للانغلاق ومرايا الرؤية الخلفية وأكياس الهواء وأضواء الهالوجين وأجهزة الاستشعار عن بعد وأكثر من ذلك، بالمثل يضع
مصــممو الطــرق حــواجز الأمــان علــى طــول حافــة الطــريق الســريع وأخــرى مزينــة بقــواطع تصــدر أصــواتا تحــذيرية عنــد القيــادة عليــها، لكــن علــى الـرغم مـن كـل هـذه
الاحتيــاطات الأمنيــة، فــلا يزال النــاس مصــرين علــى ارتكــاب كــل أنــواع الأخطــاء فــي أثنــاء القيــادة (بمــا فــي ذلــك احتســاء الخمــر وكتابــة الرسـائل النصـية) فيعـانون مـن
الحوادث والإصابات وحتى الموت كنتيجة لذلك.
والآن فكر في انهيار بورصة وول ستريت عام 2008 وتأثيرها الحالي على الاقتصاد، نظرًا للنواقص البشرية، لماذا نعتقد أننا لسنا بحاجة لاتخاذ أية تدابير خارجية في
محاولة لمنع الأخطاء المنهجية في الحكم أو التعامل معها في الأسواق المالية التي هي من صنع الإنسان؟ لماذا لا نقوم باتخاذ تدابير السلامة للمساعدة في الإبقاء على
شخص يدير المليارات من الدولارات، والاستفادة من هذا الاستثمار من الوقوع في أخطاء باهظة الثمن بشكل لا يصدق؟
إن تفاقم المشكلة الرئيسية للخطأ البشري عبارة عن تطورات تكنولوجية مفيدة جدًّا في الأساس، ولكن هذا قد يجعل الأمر أصعب علينا للتصرف بطريقة تزيد حقًّا
مــن المنــافع، ضــع فــي حســبانك الــهاتف الخلــوي علــى ســبيل المثــال، إنــه أداة يــدوية لا تمكنــك فقــط مــن إجــراء المكــالمات، ولكــن أيــضًا إرســال رســائل نصــية وإلكترونيــة
لأصدقائك، إذا ما أرسلت رسائل نصية في أثناء السير، فستنظر للهاتف بدلًا من الرصيف وتجازف بالاصطدام بعمود أو بشخص آخر، سيكون هذا محرجًا، لكنه
قليلًا ما يتسبب في وفاتك. ليس سيئًا جدًّا ألا تكون منتبهًا في أثناء السير، لكن تكمن الكارثة عند إضافة سيارة أخرى إلى المعادلة.
بالمثل، فكر كيف أدت التطورات التكنولوجية في مجال الزراعة إلى وباء السمنة، منذ آلاف السنين، عندما قمنا بحرق السعرات الحرارية صيدًا وبحثًا عن المؤن في
الســهول والأدغــال، أصــبحنا بحاجــة إلــى تخزيـن كـل سـعر حـراري ممكـن مـن الطاقـة، كـل مـرة نجـد طعـامًا يحـوي دهـنًا أو سـكرًا، نسـتهلك منـه بقـدر مـا اسـتطعنا،
علاوة على ذلك أعطتنا الطبيعة آلية يدوية داخلية: تباطؤ حوالي عشرين دقيقة بين الوقت الفعلي الذي نستهلك فيه سعرات حرارية كافية، وبين الوقت الذي
شعرنا فيه بامتلاكنا ما يكفي من الطعام، وقد أتاح هذا لنا تكوين قليل من الدهون والتي أصبحت في المتناول إذا لم نتمكن في المستقبل من أن نصير إلى نحافة
الغزلان.
والآن، لنقفز إلى الأمام بضعة آلاف من السنين، في البلدان الصناعية نستغرق معظم أوقات السير في الجلوس على الكراسي والتحديق في الشاشات عن مطاردة
الحيوانات، فبدلًا من أن نقوم بالزراعة والرعاية وحصاد القمح والبذر بأنفسنا، قامت الزراعة التجارية بذلك بدلًا عنا. فيقوم منتجو المواد الغذائية بتحويل القمح
إلى أشياء سكرية ودهنية والتي نشتريها بعد ذلك من مطاعم الوجبات السريعة ومحلات السوبر ماركت. في هذا العالم الذي يعج بالأغذية المعالجة، نستهلك
بسرعة آلاف السعرات الحرارية نظرًا لحبنا للسكريات والدهون. وبعدما كنا نأكل بسرعة اللحم المقدد والبيض وكعك الجبن على الإفطار، فإن التأخر لمدة عشرين
دقيقة بين أن نأكل بالقدر الكافي وبين إدراكنا أننا شبعنا يسمح لنا بإضافة المزيد من السعرات الحرارية في شكل مشروب قهوة محلاة ونصف دستة كعك محلاة
بمسحوق السكر.
بشكل أساسي، إن الآليات التي قمنا بتطويرها خلال سنوات التطور الأولى قد حققت مغزى حقيقيًّا في ماضينا البعيد، ولكن بالنظر إلى عدم التطابق بين سرعة
التنميــة التكنولوجيــة والتطــور البشــري، فـإن نفـس الغـرائز والإمكـانيات التـي سـاعدتنا ذات مـرة تقـف غـالبًا حجـر عثـرة فـي هـذه الآونـة فـي طريقنـا. إن سـلوكيات اتخـاذ
القرار السيئة التي بدت كمضايقات في القرون الأولى من الممكن أن تؤثر حاليًّا بشدة في حياتنا بصور حاسمة.
عندما لا يفهم مصممو التكنولوجيا الحديثة أننا غير معصومين فإنهم يصممون أنظمة جديدة ومتطورة لأسواق الأوراق المالية أو التأمين أو التعليم أو الزراعة أو
الرعايــة الصــحية والتــي لا تضـع حـدودنا فـي اعتبـارها (أحـب التعبـير الـذي يطلـق عليـه "تقنيـات لا تتـوافق مـع البشـر" وهـي فـي كـل مكـان). وينتـهي بنـا الأمـر للـوقوع فـي
أخطاء في القرارات وأحيانًا نفشل فشلًا ذريعًا.
الطبيعة البشرية من هذا المنظور قد تبدو محبطة قليلًا، ولكن لا يجب أن تكون ذلك، يرغب خبراء الاقتصاد السلوكي في فهم الهشاشة البشرية وإيجاد طرق أكثر
رحمة وواقعية وتأثيرًا بالنسبة للناس لتفادي الإغراء فيبذلون تحكمًا في الذات أكثر فينالون في النهاية أهدافهم على المدى البعيد. وبالنسبة لنا كمجتمع، من المفيد
جدًّا فهم كيفية وتوقيت فشلنا ولنصمم/ نخترع/ نبدع طرقًا جديدة للتغلب على أخطائنا. وبالتوصل لبعض من الفهم بخصوص ما يحث تصرفاتنا حقًّا وما يضللنا
- عن القرارات التجارية بشأن المكافآت والحافز لمعظم جوانب الحياة الشخصية كالتعارف والسعادة - يمكن أن نتحكم في أموالنا وعلاقاتنا ومواردنا وأمننا وصحتنا
على المستوى الشخصي والاجتماعي.
هذا هو الهدف الحقيقي للاقتصاد السلوكي: أن نحاول فهم الطريقة التي نعمل بها حقًّا حتى نتمكن بثبات أكثر من ملاحظة نزعاتنا، ونكون أكثر وعيًا لتأثيراتها
علينا ونتخذ قرارات أكثر وعيًا. وعلى الرغم من أنني لا أستطيع أن أتخيل أننا لن نكون أبدًا صناع قرار مثاليين، فإنني أعلم حقًّا أن تحسين التفاهم بين القوات
المتعــــددة غــــير العقلانيــــة التــــي تؤثــــر علينــــا يمكــــن أن يكــــون خطــــوة مبــــدئية مفيــدة صــوب اتخــاذ قــرارات أفضــل، ولا يجــب علينــا أن نتــوقف عنــد هــذه النقطــة. يمكــن
للمخترعين والشركات وصناع السياسة اتخاذ خطوات إضافية لإعادة تصميم بيئاتنا العاملة والفعالة بطرق أكثر ملاءمة لما نستطيع وما لا نستطيع فعله.
في النهاية، يحاول الاقتصاد السلوكي تجلية القوى الخفية التي تشكل قراراتنا من خلال مجالات مختلفة وإيجاد حلول لمشاكل عامة تؤثر على حياتنا الشخصية
والتجارية والعامة.
وكما سترى فيما يلي، فكل فصل في هذا الكتاب يرتكز على تجارب قمت بتنفيذها على مدار أعوام عديدة مع زملاء رائعين (في نهاية هذا الكتاب، أضفت نبذات
قصــيرة عــن المتعــاونين الــرائعين معــي). وفــي كــل مــن هــذه الفصــول، أردت إلقــاء بعـض مـن الضـوء علـى المزيـد مـن النزعـات التـي تؤثـر علـى قراراتنـا فـي مجـالات الحيـاة
المختلفة سواء في العمل أو السعادة الشخصية.
وربما تسأل: لماذا نقضي أنا وزملائي كثيرًا من المال والوقت والجهد في هذه التجارب؟ بالنسبة لعلماء الاجتماع، تعد التجارب ميكروسكوبات أو أضواء مبهرة تكبر
وتلقي الضوء على القوى المتعددة المعقدة التي تمارس تأثيراتها علينا في وقت واحد. فهي تساعدنا على إبطاء السلوك الإنساني لرواية الأحداث من إطار لإطار وتعزل
القوى الفردية وتفحصها بمزيد من الدقة والتفصيل أكثر. إنها تتيح لنا أن نختبر بشكل مباشر ودون غموض الأمور التي تجعل الإنسان يعمل وتوفر فهمًا أعمق
للميزات والفروق الدقيقة لنزعاتنا وتحيزاتنا *** .
ثمــة نقطــة إضــافية أخــرى أود الإشــارة إليــها، وهــي أنــه إذا مــا كــانت الــدروس المســتقاة مــن أي تجربــة محــدودة بالبيئـة المقيـدة لـهذه الدراسـة الخاصـة، فـإن أهميتـها
ســتكون محــدودة. بــدلًا مــن ذلــك، فــإني أطلــب منكــم التفكــير فــي التجــارب علــى أنــها شــرح لمبــادئ عامـة توفـر بصـيرة لكيفيـة تفكيرنـا وكيفيـة اتخـاذ قراراتنـا فـي المـواقف
الحياتية المختلفة، آمل أنه بمجرد فهم كيفية عمل طبيعتنا البشرية حقًّا، أن يكون بمقدورك تقرير كيفية تطبيق هذه المعرفة على حياتك الشخصية والمهنية.
وقد حاولت في كل فصل أن أقدر بشكل استقرائي بعض الآثار الممكنة للحياة والعمل والسياسة العامة، ومركزًا على ما يمكننا فعله للتغلب على الأمور العمياء
غــير العقلانيــة، بــالطبع كــانت الآثــار التــي وضـحتها جزئيـة. وحتـى تتمكـن مـن الاسـتفادة المـرجوة مـن هـذا الكتـاب ومـن علـم الاجتمـاع فـي العمـوم، فإنـه مـن المـهم لـك
كقــارئ أن تســتغرق بعــضًا مــن الــوقت فــي التفكــير حــول الكيفيــة التــي يمكــن مــن خلالــها تطبــيق مبــادئ الســلوك الإنســاني فــي حيــاتنا وتفكــر فـي الشـيء المختلـف الـذي
تستطيع تقديمه في ضوء الفهم الجديد للطبيعة البشرية. فهذا هو مكمن المغامرة الحقيقية.
قد يرغب القراء المتعودون على كتابي السابق توقع لا عقلاني **** في معرفة وجه اختلاف هذا الكتاب الذي بين يديه عن غيره مما سبق من الكتب. وقد قمنا في هذا
الكتاب بالبحث عن مجموعة من النزعات التي تؤدي بنا - خاصة كمجموعة مستهلكين - إلى اتخاذ قرارات غير حكيمة. ولكن الكتاب الذي بين يديك مختلف من
ثلاثة أوجه:
أولًا: وهو الأكثر وضوحًا، فإن هذا الكتاب مختلف في عنوانه. شأنه شأن الكتاب السابق له، فإن الكتاب الذي بين يديك يعتمد على التجارب التي تفحص كيفية
اتخاذ القرارات، ولكن الشيء المختلف هو اتخاذها على أساس من اللاعقلانية. في كثير من الحالات يكون لكلمة "لاعقلانية" مفهوم سلبي، مشتملًا على أي شيء
من الخطأ إلى الجنون. إذا كنا مسئولين عن تنشئة البشر، فسنبذل قصارى جهدنا في استبعاد اللاعقلانية بعيدًا عن هذا الإطار، وقد استكشفت في الكتاب السابق
الجانب السلبي للنزعات البشرية، ولكن ثمة وجهًا آخر للاعقلانية - ذلك الجانب الإيجابي تمامًا. أحيانًا نكون محظوظين بقدراتنا غير المتعقلة لأنها من بين أشياء
أخــرى، تســمح لنــا بـالتكيف مـع بيئـات جـديدة ونثـق فـي أنـاس آخـرين ونتمتـع ببـذل الجـهد ونحـب أطفـالنا، وتعـد هـذه الأنـواع مـن القـوى جزءًا لا يتـجزأ مـن طبيعتنـا
البشرية الرائعة المفاجئة الفطرية - ولو كانت غير متعقلة (حقًّا، إن الأشخاص الذين يفتقدون القدرة على التكيف والثقة والتمتع بأعمالهم لا يتمتعون بالسعادة
إلى حد كبير). وتساعدنا هذه القوى اللاعقلانية على تحقيق العديد من الأشياء ومن العيش بشكل جيد في البنية الاجتماعية. والكتاب الذي بين يديك ما هو إلا محاولة لجذب الانتباه لتعقد اللاعقلانية لدينا - بالنسبة للأمور التي نفضل العيش بدونها والأمور التي نود الاحتفاظ بها إذا ما كنا مصممين للطبيعة البشرية.
وأنا أعتقد أنه لا بد من فهم بعدي المراوغات المفيد وغير الملائم لدينا، لأننا من خلال ذلك فقط نستطيع الحد من الأمور السيئة وبناء الأمور الجيدة.
ثانيًا: ستلاحظ أن الكتاب الذي بين يديك يتكون من جزأين واضحين. سنتناول في الجزء الأول بشيء من التفصيل سلوكياتنا في العمل؛ حيث نقضي فيه معظم
أوقــاتنا، ســنقدم تســاؤلات عــن علاقـاتنا، لـيس فقـط مـع أشـخاص آخـرين ولكـن أيـضًا مـع بيئـاتنا وأنفسـنا. مـا العلاقـة مـع رواتبنـا ورؤسـائنا فـي العمـل والأشـياء التـي
نصنعها وأفكارنا ومشاعرنا عندما يقع علينا ظلم ما؟ ما الذي يحفزنا حقًّا للعمل بشكل أفضل؟ ما الذي يجعلنا أشخاصًا مهمين؟ ما سبب وجود نزعة "غير صالح
هنا" في مجال العمل؟ لماذا يكون رد فعلنا قويًّا جدًّا في مواجهة الظلم؟
أما الجزء الثاني فيكون في حيز بعيد عن مجال العمل؛ حيث نكشف عن سلوكياتنا في العلاقات الشخصية. ما علاقتنا بالأشياء من حولنا وبأجسادنا؟ ما وجه
العلاقة بالأشخاص الذين نقابلهم؟ وبمن نحبهم؟ والأشخاص الغرباء البعيدين عنا والذين هم بحاجة لمساعدتنا؟ وما علاقتنا بانفعالاتنا؟ سنقوم بدراسة الطرق
الخاصة بالتكيف مع الظروف والبيئات والأحباء الجدد، وكيف يتم التعارف الإلكتروني (وكيف لا يتم هذا التعارف)؟ وما القوى التي تملي علينا ردود أفعالنا حيال
المآسي الإنسانية؟ وكيف تستطيع ردود أفعالنا في لحظة ما أن تؤثر على أنماط سلوكنا وقتًا طويلًا في المستقبل؟
إن الكتــاب الــذي بــين يــديك مختلــف عــن الكتــاب الســابق لــه لأنــه شــخصي بشــكل كبــير، بــالرغم مــن محـاولتي أنـا وزملائـي لنكـون موضـوعيين بقـدر الإمكـان فـي إجـراء
وتحليل تجاربنا، فإن جزءًا كبيرًا من هذا الكتاب الذي بين يديك (خاصة الجزء الثاني) يتعامل مع بعض من تجاربي الصعبة كمريض مصاب بالحروق. لقد كانت
إصابتي - ككل الإصابات الخطيرة - مؤلمة جدًّا، ولكنها أيضًا غيرت نظرتي بسرعة كبيرة للعديد من المناحي الحياتية، لقد وفرت لي رحلتي بعضًا من وجهات النظر
الفريدة عن السلوك البشري، ووفرت لي تساؤلات ما كانت لتتوافر لي من غيرها، ولكنها بسبب إصابتي أصبحت محور حياتي وبحثي، وما هو أبعد من ذلك وربما
أكثر أهمية أنها جعلتني أبحث في كيفية عمل نزعاتي الشخصية. وبخصوص وصف خبراتي الشخصية ونزعاتي، فإني أود أن ألقي بمزيد من الضوء على عملية الفكر
التي أدت بي لاهتمامي الخاص ووجهات نظري وأقوم بشرح بعض من المكونات الرئيسية لطبيعتنا البشرية المشتركة - طبيعتك وطبيعتي.
والآن، لنبدأ الرحلة...
* قراء كتاب اللامنطقية المتوقعة ذوو الذاكرة القوية قد يتذكرون جزءا من هذه القصة. والكتاب متوافر لدى مكتبة جرير
** إذا كنت تعتقد أنك لم تضح أبدا بمنافع على المدى البعيد في مقابل إشباع مؤقت، فاسأل صديقك أو أصدقاءك الآخرين المهمين. ما من شك أنهم سيشيرون
عليك بمثال أو اثنين.
*** أحيانا ما تكشف التجارب نتائج بديهية مدهشة، وفي أوقات أخرى، فإنها تثبت حدسًا عند معظمنا. لكن الحدس ليس هو نفس الإثبات، ويمكن عن طريق
إجراء فحص دقيق اكتشاف صحة أو خطأ استسلامنا لنقاط ضعف إنسانية معينة.
**** متوافر لدى مكتبة جرير.
الجزء 1
الطرق غير المتوقعة التي نتحدى
بها المنطق في العمل
الفصل 1
بذل الكثير من أجل القليل
لماذا لا تنجح المكافآت الضخمة دائمًا؟
تخيل أنك جرذ مختبر سمين سعيد، وذات يوم امتدت إليك يد بقفاز لتخرجك بحرص من ذلك الصندوق المريح الذي يعد بيتك إلى صندوق مختلف أقل راحة ذي
متاهة، ولأنك فضولي بطبيعتك، فقد بدأت تتجول في الصندوق والشوكة توخزك على طول الطريق، وقد لاحظت سريعًا أن بعض أجزاء المتاهة أبيض وبعضها
الآخر أسود، وقد تتبعت بأنفك الجزء الأبيض. لم يحدث شيء، ثم استدرت يسارًا إلى الجزء الأسود، وبمجرد دخولك شعرت بصدمة شديدة جدًّا مندفعة في
أقدامك.
تم وضعك في متاهة مختلفة في كل يوم على مدار الأسبوع، تتغير الأماكن الآمنة والخطيرة يوميًّا وكذلك ألوان الجدران وشدة الصدمات، أحيانًا كان لون الأجزاء
التــي ينبعــث منــها صــدمات خفيفــة أحمــر، فــي أحيــان أخــرى كــانت الأجزاء التــي ترســل صــدمات شــديدة جــدًّا منقطـة، أحيـانًا كـانت الأجزاء الآمنـة مغطـاة بمربعـات
سوداء وبيضاء، كانت مهمتك اليومية هي الإبحار في هذه المتاهة عن طريق اختبار أكثر الطرق أمانًا وتجنب الصدمات (وكانت الجائزة التي تنالها لتتعلم كيفية
الإبحار الآمن خلال هذه المتاهة هو ألا تصاب بصدمات). لأية درجة ستنجح في ذلك؟
منذ أكثر من قرن مضى، قام عالما النفس "روبرت ييركس"
و"جــون دودســون" * بتقــديم إصــدارات مختلفــة مــن هــذه التجربــة الرئيســية فــي محاولــة منــهما لاكتشـاف أمـرين عـن الفـئران: مـا مـدى سـرعتها فـي التعلـم؟ مـا شـدة
الصدمات الكهربائية التي من شأنها أن تجعلهم يتعلمون بشكل أسرع؟ يمكننا القول بمنتهى السهولة إنه كلما زادت شدة الصدمات الكهربائية، زاد حافز الفئران
في التعلم، عندما كانت شدة الصدمات خفيفة، كانت الفئران تمشي الهوينى دون حفز من الهزات المؤلمة في بعض الأحيان، ولكن بزيادة شدة الصدمات وعدم
الإحساس بالراحة، اعتقد العلماء أن الفئران شعرت بأنها تحت وطأة نيران العدو ومن ثمَّ كان الحافز لديها أكبر للتعلم بشكل أسرع.
انطلاقًا من هذا المنطق، يمكننا افتراض أن الفئران تعلمت أسرع عندما أرادت حقًّا أن تتجنب الصدمات الشديدة. نحن دومًا في عجالة لافتراض أن هناك علاقة بين
حجم الحافز والأداء الأفضل. ويبدو منطقيًّا أنه كلما زاد الحافز لدينا لنيل أمر ما، عملنا بجد لنيل هذا الهدف، وهذا الجهد المتزايد سيقربنا في النهاية من أهدافنا.
هــذا بعــد كــل شــيء يعــد جزءًا مـن المنطقيـة حيـال دفـع مكـافآت كبـيرة جـدًّا للسـماسرة وكبـار المـديرين التنفيـذيين، وسـيكون لـديهم الحـافز للعمـل والأداء علـى أعلـى
المستويات.
أحيانًا يكون حدسنا دقيقًا بخصوص الروابط بين الحافز والأداء (وتصرفاتنا على وجه العموم بشكل أكثر)، وفي أحيان أخرى لا تنسجم الحقيقة والحدس. وفي
حالة "ييركس" و "دودسون"، تماشت بعض النتائج مع معظم ما نتوقعه على خلاف بعضها الآخر، عندما كانت الصدمات ضعيفة جدًّا، لم يكن لدى الفئران
حافز قوي جدًّا. ونتيجة لذلك كان تعلمها أبطأ، وعندما كانت الصدمات ذات شدة متوسطة، كان حافز الفئران أقوى لتتعلم بسرعة قواعد القفص وكان تعلمها
أسرع، حتى هذه اللحظة توافقت النتائج مع حدسنا بخصوص العلاقة بين الحافز والأداء.
لكــن كــان هنــاك الــشَرَك: عنـدما كـانت شـدة الصـدمات قويـة جـدًّا، كـان أداء الفـئران أسـوأ! بـاعتراف الجمـيع لا يمكـن معرفـة مـا يـدور بخلـد الفـئران، ولكـن يبـدو أنـه
بزيادة شدة الصدمات إلى أعلى مستوياتها، لم تستطع الفئران التركيز على أي شيء إلا الخوف من الصدمة. لقد تسبب الرعب في شلل الفئران عن الحركة، فلم
تستطع تذكر أي أجزاء القفص كان آمنًا وأيها لا، وكذلك لم تستطع تبين القفص من حولها.
?
 
يوضــح الرســم البيــاني التــالي ثــلاث علاقـات ممكنـة بـين التحفـيز (الـدفع، الصـدمات) والأداء، يمثـل الخـط الرمـادي الفـاتح علاقـة بسـيطة؛ حـيث تسـهم حـوافز أعلـى
بنفس الطريقة على الأداء، بينما يمثل الخط الرمادي المتقطع علاقات العائدات المتناقصة بين الحوافز والأداء.
يمثل الخط الغامق المصمت نتائج "ييركس" و "دودسون". في مستويات منخفضة من الحث، يساعد إضافة الحوافز على زيادة الأداء، لكن بزيادة مستوى حفز
القاعدة، تأتي نتائج عكس المرجوة عند إضافة الحوافز مما يؤدي إلى ما يطلق عليه علماء النفس "علاقة حرف يو المعكوسة".
?
 
ينبغي أن تدعونا تجربة "ييركس" و "دودسون" للتعجب حيال العلاقة الحقيقية بين الراتب والتحفيز والأداء في سوق العمل. فعلى الرغم من كل شيء، بينت
التجربة الخاصة بهما أن الحوافز قد تكون سلاحًا ذا حدين. عند نقطة معينة تحثنا الحوافز على التعلم والأداء بشكل أفضل، لكن بعيدًا عن تلك المرحلة، قد
يكون الضغط التحفيزي عاليًّا جدًّا؛ بحيث يشتت المرء فعليًّا عن التركيز وأداء مهمة ما - وهي نتائج غير مرغوب فيها لأي أحد.
بــالطبع لا تعتبــر الصــدمات الكـهربائية آليـات تحـفز سـائدة فـي العـالم الحقـيقي، لكـن يمكـن تطبـيق هـذا النـوع مـن العلاقـة بـين التحفـيز والأداء علـى أنـواع أخـرى مـن
المحفزات سواء أكان المقابل هو القدرة على تجنب الصدمة الكهربائية أو المقابل المادي من خلال الحصول على مبلغ كبير من المال. لنتخيل كيف تبدو نتائج "ييركس"
و "دودسون" لو أنهما استخدما المال كبديل للصدمات (على افتراض أن الفئران تريد المال في الأساس). على مستوى ربحي قليل: لم تكترث الفئران ولم تعمل جيدًا.
على مستوى ربحي متوسط: اكترثت الفئران وعملت بصورة أفضل. ولكن على مستوى ربحي عالٍ جدًّا، كان من المفترض أن تصبح الفئران "محفزة جدًّا"، ولكن كان
التركيز أمرًا صعبًا عليها، ونتيجة لذلك كان أداؤها أسوأ كما لو كانت تعمل نظير ربح أقل.
إذن، هل ستتبدى لنا تلك العلاقة المعكوسة بين التحفيز والأداء إذا ما قمنا بتجربة باستخدام الناس بدلًا من الفئران والمال كحافز؟ أم ننظر إلى الأمر من منظور
أكثر براجماتية، بمعنى هل سيكون الأمر مجديًا ماديًّا إذا ما تم دفع مكافآت مالية ضخمة جدًّا لأشخاص من أجل الحصول على أداء أفضل منهم؟
مكافأة الحظ السعيد
في ضوء الأزمة المالية عام 2008 وما أعقبها من غضب عارم بسبب المكافآت المتتالية التي تم دفعها للعديد ممن اعتبروا مسئولين عنها، يتساءل العديد من الناس
عن كيفية تأثير الحوافز على كبار المديرين التنفيذيين على العوم والمديرين التنفيذيين في وول ستريت على وجه الخصوص. تفترض مجالس إدارة الشركات عمومًا
أن المكــافآت الكبــيرة جــدًّا الناجمــة عــن الأداء ســتحفز كبــار المـديرين التنفيـذيين لاسـتثمار مزيـد مـن الجـهد فـي وظائفـهم، وسـيؤدي هـذا الجـهد المتزايـد إلـى نتيجـة ذات
جودة أعلى، ** لكن هل هذا هو الأمر حقًّا؟ قبل أن تفكر في الأمر، دعنا نر ما الذي تقوله الملاحظة التجريبية.
لاختبار فعالية الحوافز المادية كأداة لزيادة الأداء، قمت بتجربة ومعي كل من "نينا مازار" (أستاذ بجامعة تورونتو)، "يوري جريزي" (أستاذ بجامعة كاليفورنيا -
ســان ديــيجو)، "جــورج لوينشــتاين" (أســتاذ بجامعــة كــارنيجي مــيلون). قمنــا بتغــيير معــدل المكــافآت الماليــة التــي يتلقـاها المشـاركون إذا مـا كـان أداؤهـم جيـدًا وقـاموا
بقياس التأثير الذي تحدثه المستويات المختلفة للحافز على الأداء. على وجه الخصوص، أردنا بذلك معرفة ما إذا كان للمكافآت المالية الكبيرة جدًّا تأثير على زيادة
الأداء - كما نتوقع دائمًا - أو نقصانه فيما يشبه تجربة "ييركس" و "دوسون" مع الفئران.
لقد قررنا ترك الفرصة للعديد من المشاركين للحصول على مكافأة قليلة نسبيًّا (تساوي تقريبًا معدل أجر يوم عمل عادي). بينما تم منح آخرين مكافأة متوسطة
(تساوي تقريبًا معدل أجر أسبوعي عمل عادي)، بينما القلة المحظوظة والمجموعة الأكثر أهمية لغرض بحثنا، حصلت على مكافآت كبيرة جدًّا تساوي تقريبًا معدل
أجر خمسة أشهر. بمقارنة أداء هذه المجموعات الثلاث، كان أملنا الوصول إلى فكرة أفضل لكيفية تأثير المكافآت على تحسين الأداء.
أعلم أنك في هذه اللحظة تفكر: "من أين أحصل على الدعم لهذه التجربة؟" لكن قبل الولوج في افتراضات مبالغ فيها بخصوص ميزانية بحثي، أحيطك علمًا بأننا
نقوم بما تقوم به الكثير من الشركات في هذه الأثناء، لقد نقلنا العملية إلى الهند كمصدر خارجي؛ حيث كان معدل إنفاق الفرد الشهري حوالي 500 روبية (تقريبًا
11 دولارًا). وقد تمكنا من خلال ذلك من توفير مكافآت مرضية جدًّا للمشاركين معنا، متجنبين بذلك سخط نظام المحاسبة بالجامعة.
وبمجرد أن قررنا أين نجري تجربتنا، كان لزامًا علينا اختيار المهام ذاتها. فكرنا في استخدام المهام التي اعتمدت على الجهد الخالص كالجري أو الجلوس القرفصاء
أو حمل الأثقال، ولكن لأن كبار المديرين التنفيذيين والموظفين الإداريين الآخرين لا يحصلون على رواتبهم من خلال هذه الأنواع من الأشياء، فقد ركزنا على المهام
التــي تســتلزم الإبــداع والتــركيز والــذاكرة ومــهارات حــل المشــكلات. بعــد تجــريب مــهام كثــيرة علــى أنفســنا وعلــى بعــض الطــلاب، كـانت المـهام السـت التـي تـم اختيـارها
كالتالي:
1. تعبئة المربعات: في هذا اللغز المكاني، تحتم على المشاركين ملاءمة تسعة أوتاد ذات تسع جهات دائرية إلى داخل المربع، كان سهلًا ملاءمة ثمانية منها، لكن
ملائمة التسعة جميعًا مستحيل تقريبًا.
2. سيمون: أثر قديم منضد بحرف مطبعي أسود اللون واضح من ثمانينيات هذا القرن، وهي حاليًّا (أو كانت) عبارة عن لعبة ذاكرة إلكترونية سائدة تتطلب من
المشاركين أن يرددوا بشكل متزايد ترنيمات من أزرار ذات إنارة دون خطأ.
3. تذكر آخر ثلاثة أرقام: كما يبدو من الاسم تمامًا، فهذه لعبة بسيطة نقرأ فيها تسلسلًا لأرقام (23، 7، 65، 4، وهكذا) ونقف عشوائيًّا عند لحظة معينة، وعلى
المشاركين ترديد الأرقام الثلاثة الأخيرة.
4. المتاهة: لعبة يستعمل فيها المشاركون رافعتين للتحكم في زاوية سطح اللعب المغطى بالمتاهة والممتلئ بالثقوب، والهدف هو المضي قدمًا بكرة صغيرة عبر طريق
طويل متجنبًا الثقوب.
5. وثبة الكرة: هي لعبة تشبه لعبة الرشق بالسهام إلى حد كبير، ولكن يكون اللعب فيها عن طريق كرات التنس المغطاة بالجزء الذي يشبه الفرو من لاصق فيلكرو
والهدف مغطى بالجزء الآخر الذي يشبه حراشيف من الألياف حتى تلتصق فيه الكرات.
6. لعبة لفة المتابعة: لعبة يحرك فيها المتشاركون قضيبين جانبًا حتى يحركوا كرة صغيرة للأعلى قدر المستطاع على منحدر مائل.
?
 
باختيار اللعب، نكون قد عبأنا ستة من كل نوع داخل صندوق كبير وشحناها إلى الهند، ولأسباب غامضة، فإن الناس في جمارك الهند لم يسعدهم لعب سيمون
ذات البطاريات المزودة بالطاقة، لكن بعدما دفعنا 25% كضريبة استيراد، تم دخول اللعب وأصبحنا جاهزين لنبدأ التجربة.
قمنــا باســتئجار خمســة مــن الطــلاب الخــريجين المتخصــصين فــي علــم الاقتصــاد مــن كليــة نــارايانان مـن مـدينة مـادوراي الواقعـة جنـوب الـهند، وطلبنـا منـهم الـذهاب
لبعض من القرى الريفية، كان على الطلاب أن يتوصلوا إلى مساحة مركزية خالية في كل قرية، كمستشفى صغير
أو حجرة اجتماعات حيث يبنون ورشة ويجندون المشاركين لتجربتنا.
كان أحد المواقع هو مركز اتصالات؛ حيث عمل فيه "راميش" وهو طالب ماجستير في الفرقة الثانية، لم يكن هذا المركز منتهيًا تمامًا ودون قراميد على الأرضية
والحوائط بدون طلاء، لكنها كانت جاهزة تمامًا للعمل بل وأهم من ذلك أنها كانت مصدًا للريح والأمطار والحرارة.
وضع "راميش" الألعاب الست في مواضع معينة حول الحجرة ثم خرج ليرحب بالمشارك الأول، بعد قليل ظهر رجل، وحاول "راميش" على الفور أن يلفت انتباهه
للتجربة قائلًا له: "لدينا هنا قليل من المهام للهو"، "هل تجد متعة في المشاركة في هذه التجربة؟"، بدا الأمر دون يقين لهذا الرجل كما لو كان نشاطًا تحت إشراف
حكومــي، لــذا فلــم يكــن منــه إلا أنــه هز رأســه فقـط ومضـى لحالـه، لكـن "رامـيش" أصـر وقـال للرجـل: "يمكنـك كسـب بعـض مـن المـال مـن هـذه التجربـة وهـي تخضـع
لإشراف جامعي". وهكذا استدار المشارك الأول "نيتين" وتبع "راميش" إلى مركز الجمهور.
أوضح "راميش" لـ "نيتين" كل المهام المعدة حول الغرفة قائلًا له: "هذه هي الألعاب التي سنشغلها اليوم وستستغرق حوالي ساعة، دعنا نر على كم ستتحصل من
المال"، أدار "راميش" المكعب فاستقر على رقم 4، وهذا من منظور العملية العشوائية لدينا يدل على أن "نيتين" في حالة مكافأة متوسطة المستوى وهذا يعني أن
المجموع الكلي للمكافأة من الألعاب الست يساوي 240 روبية أو حوالي أجر أسبوعين لمعدل الفرد في هذه البقعة القروية من الهند.
بعد ذلك، شرح "راميش" القواعد لـ "نيتين" فقال:" بالنسبة لكل من الألعاب الست، لدينا مستوى متوسط للأداء نطلق عليه "جيد"، ومستوى عالِ من الأداء
نطلق عليه "جيد جدًّا"، في كل لعبة تحصل فيها على مستوى الأداء الجيد ستحصل على 20 روبية، وستحصل على 40 روبية إذا ما حصلت على مستوى أداء جيد
جدًّا، وبالنسبة للألعاب التي لا تتحصل فيها حتى على المستوى الجيد، فلن تحصل على شيء، هذا يعني أنك ستحصل على أجر من صفر وحتى 20 أو 40 روبية
على حسب أدائك".
أومأ "نيتين" برأسه والتقط "راميش" لعبة سيمون بعشوائية، في هذه اللعبة ينير أحد الأزرار الأربعة الملونة ويصدر نغمة موسيقية وحيدة، كان من المفترض أن
يقوم "نيتين" بالضغط على الزر المضيء، ثم يقوم الجهاز بإضاءة نفس الزر متبوعًا بزر آخر، ويتعين على "نيتين" أن يضغط على هذين الزرين بشكل متتال، وهكذا
مــن خــلال المزيــد مــن الأزرار. كلمــا تــذكر "نــيتين" الترنيمــة ولـم يقـع فـي أي خطـأ، اسـتمرت اللعبـة وازدادت الترنيمـة طـولًا، لكـن بمجـرد أن يخطـئ"نيتين" فـي الترنيمـة
فستنتهي اللعبة ويكون مجموع النقاط التي حصل عليها "نيتين" مساويًا لأطول ترنيمة صحيحة. في المجمل كان أمام "نيتين" عشر محاولات للوصول إلى مجموع
النقاط التي يريدها.
تابع "راميش" قائلًا: "والآن دعني أوضح لك ماذا يعني "جيد" و"جيد جدًّا" بالنسبة لهذه اللعبة، إذا نجحت في تكرار ترنيمة لست خطوات على الأقل في مرة من
المرات العشر التي تلعبها، فذلك يعني أنك حصلت على مستوى جيد من الأداء وستحصل على 20 روبية، إذا نجحت في تكرار ترنيمة لثماني خطوات فذلك يعني
أنك حصلت على مستوى جيد جدًّا من الأداء وستحصل على 40 روبية، بعد عشر محاولات ستبدأ في اللعبة التي تليها، هل كل شيء واضح بخصوص اللعبة
وقواعد الدفع؟".
كان "نيتين" مثارًا لاحتمالية كسبه مبلغًا كبيرًا من المال فقال: "دعنا نبدأ"، وهكذا بدأوا.
أنار الزر الأزرق أولًا فضغط عليه "نيتين"، ثم أنار الزر الأصفر فقام "نيتين" بالضغط على كل من الزر الأزرق والأصفر على التوالي، لم يكن الأمر صعبًا جدًّا، كان
أداء "نيتين" جيدًا عندما أضاء الزر الأخضر، ولكن لم يكن حظه جيدًا في الزر الرابع. وفي المحاولة التالية، لم يكن أداء "نيتين" أفضل بكثير، ومع ذلك في المحاولة
الخامسة تذكر "نيتين" سبع ترنيمات، ونجح في المحاولة السادسة في الحصول على ثماني ترنيمات. عمومًا، نجحت اللعبة وأصبح "نيتين" الآن أغنى بحصوله على
40 روبية.
كانت اللعبة التالية هي "تعبئة المربعات"، ثم لعبة "تذكر الأرقام الثلاثة الأخيرة"، ثم لعبة "المتاهة"، ثم "وثبة الكرة" وفي النهاية "لعبة لفة المتابعة". وفي نهاية
الساعة وصل "نيتين" لمستوى أداء جيد جدًّا في لعبتين وجيد في لعبتين أخريين، وفشل في الوصول لمستوى أداء جيد في لعبتين. في النهاية كسب "نيتين" 120
روبية - وهو مبلغ أكثر بقليل من أجره الأسبوعي - لذا خرج "نيتين" من مركز الجمهور وهو سعيد مبتهج.
كان "أبورف" هو المشترك التالي وهو رجل رياضي وأصلع على نحو بسيط في العقد الثالث من عمره وأب لتوءم وهو سعيد بهما. أدار "أبورف" المكعب فاستقر على
رقم 1، وهو على تقدير العملية العشوائية لدينا، جعل "أبورف" في أقل مستوى، وهذا يعني أن المكافأة الإجمالية التي حصل عليها من مجموع الألعاب الست
كان 24 روبية وهو ما يعادل أجر يوم عمل تقريبًا.
لعب "أبورف" في البداية لعبة "تذكر الأرقام الثلاثة الأخيرة" ثم "لفة المتابعة" ثم "تعبئة المربعات" ثم "المتاهة" ثم "سيمون" ثم "وثبة الكرة" في النهاية، كان أداء
"أبورف" عمومًا أفضل، فقد حصل على أداء جيد في ثلاثة من الألعاب وجيد جدًّا في لعبة واحدة. وهكذا أصبح مستوى "أبورف" تقريبًا كمستوى "نيتين"، ولكن
"أبورف" حصل على 10 روبيات فقط بسبب ضربة المكعب غير المحظوظة، ومع ذلك فإن "أبورف" سعيد لحصوله على مبلغ يعادل أجر ساعة في الألعاب.
عندما أدار "راميش" المكعب للمشترك الثالث "أنوبوم"، استقر على الرقم خمسة، وطبقًا للعملية العشوائية لدينا، فقد أصبح "أنوبوم" في أعلى حالات المكافأة.
وضــح "رامــيش" لــــ "أنــوبوم" أنــه ســيحصل علــى 200 روبيـة فـي كـل لعبـة يحصـل فيـها علـى مسـتوى أداء جيـد، وسـيحصل علـى 400 روبيـة علـى كـل لعبـة يصـل فيـها
لمجمــوع نقــاط جيــد جــدًّا، قـام "أنـوبوم" بعمليـة حسـاب سـريعة: إذا مـا حصـل علـى 400 روبيـة فـي سـت ألعـاب يكـون المجمـوع 2400 روبيـة - ثـروة حقيقيـة، وهـو مـا
يساوي تقريبًا أجر خمسة أشهر عمل، لم يصدق "أنوبوم" حظه السعيد.
اختار "أنوبوم" عشوائيًّا لعبة "المتاهة" في البداية *** ، وتلقى تعليمات بوضع كرة صلبة صغيرة في نقطة البداية ثم يستخدم المقبضين ليدفع الكرة الصغيرة إلى
الأمــام مــن خــلال المتاهــة، ويحــافظ فـي الـوقت نفسـه عليـها مـن الانزلاق فـي ثقـوب الفـخ. قـال "رامـيش": "سـنلعب هـذه اللعبـة عشـر مـرات، وإذا اسـتطعت أن تتقـدم
بالكرة إلى ما وراء الثقب السابع، سيكون هذا مستوى أداء جيدًا، ومن ثمَّ تحصل على 200 روبية، وإذا استطعت أن تتقدم بالكرة إلى ما وراء الثقب التاسع،
سيكون هذا مستوى أداء جيد جدًّا، ومن ثمَّ ستحصل على 400 روبية، وعند انتهاء هذه اللعبة سننتقل للعبة التالية، هل هذا واضح؟".
أومأ "أنوبوم" برأسه بلهفة، وأمسك بالمقبضين المتحكمين في منحدر سطح المتاهة وحملق في الكرة الصلبة في وضع البداية الخاص بها كما لو كانت فريسة، وتمتم
قائلًا: "هذا مهم جدًّا جدًّا، لا بد أن أنجح".
جهز مزلاج الكرة، وسقطت على الفور تقريبًا في الفخ الأول، وقال لنفسه مشجعًا بصوت مرتفع: "هناك تسع فرص أخرى"، لكنه كان في خطر محدق وكانت يداه
ترتعشان، لقد فشل مرة تلو الأخرى لعدم سيطرته على حركاته الدقيقة من يديه. وعندما أخطأ لعبة المتاهة، تبددت أمام عينيه الصور الرائعة لما كان سينجزه
بالثروة القليلة.
لعبة "وثبة الكرة" كانت التالية، من على بعد عشرين قدمًا، حاول "أنوبوم" ضرب مركز الهدف، قذف كرة بعد الأخرى، رمى بواحدة من الأسفل مثل لعبة الكرة
اللينة، ورمى بأخرى من أعلى كما في الكريكيت وحتى من الجانب، اقتربت بعض الكرات جدًّا من الهدف لكن ما من الرميات العشرين التصق بالمنتصف.
وكــانت لعبــة تعبئــة المربعــات محــض إحبــاط، فــي غضــون دقــيقتين كــان لزامًا علــى "أنــوبوم" أن يــوائم القطــع التســع إلــى داخــل المتاهــة حتــى يحصــل علــى 400 روبيــة
(وســيحصل علــى 200 روبيــة إذا اســتغرق أربــع دقـائق)، وبمـرور الـوقت كـان "رامـيش" يحسـب الـوقت المتبقـي كـل ثلاثـين ثانيـة فـيقول: "تسـعون ثانيـة! سـتون ثانيـة!
ثلاثون ثانية!"، حاول "أنوبوم" المسكين العمل أسرع وأسرع واضعًا قوته أكثر فأكثر ليوائم المضارب التسعة إلى داخل المربع، ولكن دون جدوى.
في نهاية الدقائق الأربع، تم ترك لعبة "تعبئة المربعات"، مضى "راميش" و "أنوبوم" إلى لعبة "سيمون"، شعر "أنوبوم" أنه محبط نوعًا ما لكنه استعاد رباطة
جأشه وحاول قدر جهده التركيز أكثر على المهمة المنوطة به.
أدت محاولتــه الأولــى مــع لعبــة "ســيمون" إلــى تــرنيمتين خفــيفتين، ولــم يكــن هـذا أمـرًا مشـجعًا علـى الإطـلاق، لكنـه اسـتطاع فـي المحاولـة الثانيـة تـذكر سـت ترنيمـات،
ابتسم بانفعال لعلمه أنه أخيرًا حصل على 200 روبية على الأقل ولديه ثماني فرص أخرى لكسب 400 روبية. وأخيرًا، شعر أن بإمكانه تحقيق شيء جيد فقرر أن
يركز أكثر ويحث ذاكرته على التحليق عاليًا في الأداء، وفي المحاولات الثماني التالية، أصبح قادرًا على تذكر ست ترنيمات وسبع لكنه لم يستطع تذكر ثماني ترنيمات
مطلقًا.
وببقاء لعبتين في الانتظار، قرر "أنوبوم" أن يأخذ راحة قصيرة، من خلال تمارين التنفس المهدئة مُطلقًا زفرات طويلة "أووووم" مع كل نفس. وبعد دقائق عدة
شعر أنه جاهز للعبة "لفة المتابعة"، لسوء الحظ فشل في كلتا اللعبتين "لفة المتابعة" ولعبة "تذكر الأرقام الثلاثة الأخيرة". وبمجرد أن ترك مركز الجمهور، هدأ
نفسه بحصوله على 200 روبية - وهو مبلغ لا بأس به بالنسبة للعب ألعاب قليلة - ولكن بدا الإحباط واضحًا على جبينه العابس لعدم حصوله على مبلغ أكبر.
النتائج: دقوا الطبول، من فضلك ...
بعــد أســابيع قليلــة، انتــهى "رامــيش" وطلبــة الدراســات العليــا الأربعــة الآخـرون مـن جمـع البيـانات فـي عـدد مـن القـرى وأرسـلوا إلـيَّ بريـدًا إلكتـرونيًّا يحـوي تسـجيلات
الأداء. كنــت فــي تــوق شـديد للحصـول علـى فكـرة مبـدئية عـن النتـائج. هـل تسـتحق التجربـة الـهندية الـوقت والجـهد؟ هـل انطبقـت المسـتويات المختلفـة للمكـافآت علـى
مستويات الأداء؟ هل كان أداء الذين حصلوا على مكافآت أكثر أفضل؟ أم أسوأ؟
بالنســبة لـي، كـان إلقـاء نظـرة أولـى خاطفـة علـى مجموعـة البيـانات إحـدى أكثـر الخبـرات إثـارة فـي البحـث، علـى الـرغم مـن أن الأمـر لـيس مثـيرًا كمـا يقـولون مثـل إلقـاء
النظرة الأولى على طفلك في كشف الموجات الصوتية، فإن الأمر أكثر بهجة من فتحك هدية عيد ميلادك. في الحقيقة، بالنسبة لي، فهناك جانب احتفالي باستعراض
المجموعــة الأولــى للتحليــل الإحصــائي، فــي بــداية مجــالي البحثــي بعــد قضــاء أســابيع أو أشــهر فــي جمــع البيــانات، كنــت أدخــل كــل الأرقــام فــي مجموعــة بيــانات وأقـوم
بصياغتها في شكل تحليل إحصائي. وكان العمل لمدة أسابيع وأشهر يقربني من اكتشافات مثيرة وأردت التأكد من أني فعلًا قريب من الوصول لهدفي، كنت بحاجة
لراحة قصيرة واحتساء قدح من القهوة
أو فنجان من الشاي. ستكون لحظة السكون والاحتفال باللحظة السحرية فقط عند ظهور حل للغز التجربة التي ظللت أعمل عليها لفترة.
هــــذه اللحظـــة الســحرية نــادرة بالنســبة لــي هــذه الأيــام. والآن ولــم أعــد طــالبًا بعــد الــيوم، أصــبحت قــائمتي مليئــة بــالتزامات ولــم يعــد لــديَّ الــوقت لتحليــل البيــانات
التجريبيــة بنفســي. لـذا ففـي الحـالات المعتـادة، يحظـى طلابـي أو المشـتركون معـي بالمحاولـة الأولـى فـي تحليـل البيـانات وتجـريب لحظـة المكـافأة بأنفسـهم، ولكنـي كنـت
متلهفًا لرؤية البيانات الواردة من الهند مرة أخرى، لذا أقنعت "نينا" بأن تعطيني مجموعة البيانات وطلبت منها وعدًا بأنها لن تنظر إلى البيانات بينما أفحصها،
وعدتني "نينا" بذلك، فقمت بتجهيز طقوسي المعتادة مثل تجهيز المشروبات التي أتناولها وخلافه عندما أفحص البيانات.
قبل أن أخبرك عن النتائج، كيف تظن أن أداء المشتركين في المجموعات الثلاث كان جيدًا؟ هل تخمن أن أداء الذين حصلوا على مكافآت متوسطة كان أفضل من
الذين حصلوا على مكافآت أقل؟ هل تعتقد أن أداء الذين كانوا يأملون في مكافآت أكبر كان أفضل من الذين حصلوا على مكافآت من المستوى المتوسط؟ لقد وجدنا
أن الذين حصلوا على مكافأة أقل (بما يعادل أجر يوم) والذين حصلوا على مكافأة من المستوى المتوسط (بما يعادل أجر أسبوعين) لم يختلف أداؤهم كثيرًا عن
بعضــهم. واســتنتجنا أنــه بــالرغم مــن مكــافآتنا القليلــة، فقــد كــانت مبلــغًا ضـخمًا بالنسـبة للمشـتركين، فإنـها فعـلًا اسـتثارتهم. لكـن كـيف كـان أداؤهـم عنـدما كـانت
المكافآت الكبيرة جدًّا (مبلغًا يساوي أجر خمسة أشهر لمعدل أجورهم المعتادة) على المستوى نفسه؟
?
 
يلخص الرسم البياني أدناه حالات المكافآت الثلاث من خلال الألعاب الست. يمثل خط "جيد جدًّا" نسبة الأفراد الذين حصلوا على مستوى الأداء هذا في كل حالة.
ويمثل خط "الأرباح" النسبة المئوية لمجموع الربح الذي حصل عليه الأفراد في كل حالة.
?
 
?
كمــا يمكــن أن تــرى الشــكل المبــين أعـلاه، أظـهرت البيـانات مـن تجربتنـا أن الأفـراد علـى الأقـل بـهذا الصـدد، يشـبهون الفـئران إلـى حـد كبـير، فكـان أولئـك الـذين حـاولوا
الحصول على المكافآت الأعلى هم أصحاب الأداء الأسوأ، وبالنسبة للذين حصلوا على المكافآت في المستوى المنخفض أو المتوسط، كان أداؤهم جيدًا أو جيدًا جدًّا وهو
أقــل مــن الثلــث. كــانت التجربــة مصــدر توتــر للــذين حــاولوا الحصــول علــى المكــافآت الأعلــى؛ فقــد سـيطر عليـهم الضـغط بصـورة تشـبه إلـى حـد كبـير الفـئران فـي تجربـة
"ييركيس" و "دودسون".
الاستزادة من الحوافز
ربمــــا يمكــــن القــــول الآن إننــــا لــم نشــرع فــي تجــاربنا بالطريقــة التــي وصــفتها للتــو. مبــدئيًّا، بــدأنا بوضــع المشــاركين معنــا تحــت ضــغط زائــد، بــالنظر إلــى ميزانيــة بحثنــا
المحدودة، أردنا خلق أكثر الحوافز باستطاعتنا مع مراعاة المبالغ الثابتة التي في حوزتنا، وقد آثرنا إضافة قوة كراهية الخسارة إلى اللعبة **** ، كراهية الخسارة
عبارة عن فكرة بسيطة يكون فيها الألم الناشئ عن فقد شيء نشعر أنه ملكنا - كالمال على سبيل المثال - يفوق سعادتنا عند نيل نفس مقدار المال. على سبيل المثال،
فكر في كم السعادة التي تحظى بها لو أنك اكتشفت يومًا ما أن سنداتك التجارية ازدادت بنسبة 5% بسبب استثمار موفق جدًّا. قارن هذا الشعور السعيد مع
الشعور بالبؤس إذا اكتشفت يومًا ما أن سنداتك التجارية نقصت بنسبة 5% بسبب استثمار مشئوم جدًّا. إذا ما كانت تعاستك بسبب الخسارة أكبر من سعادتك
بالمكسب، فإنك تكون سريع التأثر بكراهية الخسارة (لا تقلق فمعظمنا كذلك).
ولإدخــال كراهيــة الخســارة فــي تجربتنــا، فقــد دفعنــا 24 روبيـة مقـدمًا (6 مضـروبة فـي 4 روبيـات) للمشـاركين معنـا فـي حـالات المكـافآت القليلـة، والمشـاركين فـي حـالات
المكافآت المتوسطة 240 روبية
(6 مضــروبة فــي 40 روبيــة)، والمشــاركين فــي حــالات المكــافآت الكبــيرة جــدًّا 2400 روبيــة (6 مضــروبة فــي 400). قلنــا لــهم إنــهم إذا وصــلوا لمســتوى جيــد جــدًّا فــي الأداء
فسيحتفظون بكل المكافأة نظير هذه اللعبة، وإذا حصلوا على مستوى أداء جيد فسنسترجع نصف المكافأة عن كل لعبة، وإذا لم يصلوا حتى لمستوى أداء جيد
فسنسترجع كل المكافأة عن كل لعبة، واعتقدنا أن المشاركين سيتحفزون أكثر لتجنب خسارة المال عن أن يحاولوا فقط كسبه.
ونَفَّذ "راميش" نسخة التجربة هذه في قرية مختلفة مع اثنين من المشاركين. لكنه لم يذهب أبعد من ذلك لأن هذا الأسلوب وضعنا أمام تحد تجريبي فريد. عندما
دخل المشارك الأول إلى مركز الجمهور أعطيناه كل المال الذي يمكن تصور كسبه من التجربة - 2400 روبية - بما يساوي تقريبًا أجر خمسة أشهر مقدمًا. لم يستطع
أن ينجز أية مهمة بشكل جيد، ولسوء حظه، اضطر لإرجاع كل المال، وصولًا لهذه النتيجة تطلعنا شوقًا لمعرفة ما إذا كان باقي المشاركين على النحو ذاته. أما
المشارك التالي - "لو" - فلم ينجح في أي من المهمتين. فقد كان هذا الزميل الفقير عصبيًّا جدًّا لأنه كان يهتز طوال الوقت ولم يستطع التركيز، لكن هذا الشخص لم
يلعب اللعبة طبقًا لقواعدنا وهرب بعيدًا بكل أموالنا في نهاية الجلسة، لم يمتلك "راميش" الجرأة لمطاردته. وبعد كل هذا، من يلوم هذا الشخص الفقير؟ جعلتنا هذه الحادثة ندرك أن إدراج كراهية الخسارة في التجربة أمر غير مجد، لذا أصبحنا ندفع للناس في نهاية اللعبة.
كــان هنــاك ســبب آخــر جعلنــا نــدفع مقــدمًا للمشـاركين وهـو أننـا أردنـا أن نقـف علـى الحقيقـة النفسـية للمكـافآت فـي سـوق العمـل، اعتقـدنا أن الـدفع مقـدمًا مشـابه
للطريقة التي يفكر بها كثير من المهنيين بخصوص مكافآتهم المتوقعة كل عام، فهم ينظرون إلى المكافآت على أنها تعطى على نطاق واسع وعلى أساس قياسي من
الأجر الذي يحصلون عليه، ربما يقومون بتحديد منزل جديد يتاح بنظام الرهن، فبغيره لا يمكن الحصول عليه أو يخططون لرحلة حول العالم، وبمجرد وضع
هذه الخطط، فإنني أشك أنهم سيواجهون نفس عقلية كراهية الخسارة كما هي الحال مع المشاركين الذين حصلوا على المال مقدمًا.
التفكير في مقابل الفعل
كنا متأكدين أن هناك بعضًا من الحدود للآثار الجانبية لمنح مكافأة كبيرة على الأداء، وبالرغم من كل شيء بدا من غير المحتمل أن الربح المهم يقلل من الأداء في
كل الحالات. كما بدا أنه من الطبيعي أن هناك عاملًا (وهو ما يطلق عليه علماء النفس "الوسيط") محددًا واحدًا يعتمد على مستوى الجهد الذهني الذي تتطلبه
المهمة. وقد اعتقدنا أنه كلما زادت المهارة الإدراكية المتضمنة، زاد احتمال الحصول على نتائج عكسية من الحوافز الكبيرة جدًّا، كما اعتقدنا أيضًا أنه كلما زادت
المكــافآت، زاد الأداء فــي حالــة المــهام الآليــة غــير الإدراكيــة. علــى ســبيل المثــال، مــاذا يحــدث إذا كنــت ســأدفع لــك عــن كــل مــرة تقــفز فيــها خــلال الأربــع وعشـرين سـاعة
القادمة؟ ألن تقفز كثيرًا، ألن تقفز أكثر إذا ما دفعت أكثر؟ هل ستقلل سرعة القفز أو تتوقف بينما تكون لديك القدرة على الاستمرار إذا ما كنت سأدفع لك كثيرًا
جدًّا؟ هذا أمر غير مرجح. في الحالات التي تكون فيها المهام سهلة جدًّا وآلية فإنه من الصعب تخيل أن الحافز الكبير جدًّا سيأتي بنتيجة عكس المرجوة.
كان هذا الاستنتاج هو السبب في تضميننا لعدد كبير من المهام في التجربة، وسبب اندهاشنا نوعًا ما بشأن الأداء المنخفض في كل المهام في مقابل المكافأة الكبيرة
جدًّا. اعتقدنا أنه بالتأكيد سيكون الأمر هو نفسه بالنسبة للمهام ذات الجانب الإدراكي بشكل أكبر كما في لعبتي "سيمون" و "تذكر الأرقام الثلاثة الأخيرة"، لكننا
لم نتوقع أن يكون التأثير واضحًا فقط بالنسبة للمهام الآلية في طبيعتها كما في لعبتي "وثبة الكرة" و "لفة المتابعة". كيف يكون هذا؟ هناك احتمال واحد فقط وهو
أن حدسنا بخصوص الألعاب الآلية كان خاطئًا، وأنه حتى مع هذه الأنواع من المهام قد يكون للحوافز الكبيرة جدًّا تأثير معاكس. وهناك احتمال آخر وهو أن المهام
التي اعتبرنا أنها ذات مكون إدراكي قليل (وثبة الكرة، لفة المتابعة) لا تزال تحتاج إلى بعض المهارة الذهنية، وقد احتجنا لإضافة مهام آلية محضة للتجربة.
بوضــع هــذه الأســئلة فــي الحسـبان، بـدأنا فـي النظـر فيمـا يمكـن أن يحـدث إذا مـا اسـتعنا بمـهمة واحـدة تتطلـب بعـض المـهارات الإدراكيـة (فـي شـكل مسـائل الرياضـيات
البسيطة) وقارناها بمهمة تعتمد على جهد محض (ضغط سريع على مفتاحين من لوحة المفاتيح). بالتنسيق مع طلاب معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، أردنا
اختبار العلاقة بين حجم المكافأة والأداء عندما تكون المهمة آلية بشكل محض في مقابل مهمة تحتاج لبعض من القدرات الذهنية. بالنظر لميزانية البحث المحدودة،
لــــم نتمكــــن مــــن إعطــــاء الطــــلاب نفــــس قــــدر المكــافآت التــي وفرنــاها لــهم فــي الــهند، لــذا انتظرنــا إلــى نــهاية الفصــل الدراســي؛ حــيث يكــون الطــلاب مفلســين نــوعًا مــا،
وأعطيناهم مكافأة قدرها 660 دولارًا - وهو مبلغ يكفي لاستضافة عدد كافٍ من المشتركين - لمهمة تستغرق ستين دقيقة.
كــان هنــاك أربعــة أجزاء للتصــميم التجــريبي، وكــل مشــترك سـاهم فـي الأجزاء الأربعـة (وهـو مـا يطلـق عليـه علمـاء الاجتمـاع "التصـميم بـداخل المشـترك"). طلبنـا مـن
الطلاب أداء المهام الإدراكية (مسائل رياضيات بسيطة) مرتين: مرة بوعد الحصول على مكافأة قليلة، ومرة بوعد الحصول على مكافأة كبيرة. كما طلبنا منهم أيضًا
القيام بالمهمة الآلية (الضغط على لوحة المفاتيح) مرتين: مرة بوعد الحصول على مكافأة قليلة، ومرة بوعد الحصول على مكافأة كبيرة.
ماذا استفدنا من هذه التجربة؟ كما هو متوقع، هناك اختلاف بين التأثيرات للحوافز الكبيرة على نوعي المهام، عندما كان الأمر بخصوص الضغط على مفتاحين
للوحة المفاتيح، كان الأداء العالي نتيجة الحافز العالي، ومع ذلك عندما تطلبت المهمة بعضًا من المهارات الإدراكية البدائية (في شكل مسائل رياضية بسيطة)، أدت
الحوافز الكبيرة لتأثيرات سلبية على الأداء كما رأينا في التجربة التي أجريت في الهند.
وكانت النتيجة واضحة: دفع مكافآت كبيرة يمكن أن يؤدي إلى أداء أفضل عندما يتعلق الأمر بمهام آلية سهلة، لكن يحدث العكس عندما يتعلق الأمر باستعمال
العقل - وهو ما تحاول الشركات فعله دائمًا عندما يدفعون للمديرين مكافآت كبيرة جدًّا. إذا ما حصل نائب الرئيس على مكافآت كبيرة لوضع الأسس، فإن الأمر
سيكون ذا بال لهم، لكن الأشخاص الذين يحصلون على حوافز تتوقف على الربح للتفكير في اندماج مؤسسات في أخرى أو اقتراح وسائل مالية معقدة يكونون أقل
تأثيرًا، عما نعتقد وربما تكون هناك عواقب سلبية للمكافآت الكبيرة حقًّا.
يمكن أن نخلص من هذا إلى أن استخدام المال كعامل تحفيز يمكن أن يكون سلاحًا ذا حدين، فبالنسبة للمهام التي تتطلب قدرات إدراكية، تكون الحوافز المتوقفة
على الأداء الضعيف إلى المتوسط ذات جدوى، لكن حينما يكون مستوى الحافز كبيرًا جدًّا، فإنه يسترعي انتباهًا قويًّا جدًّا فيشتت بذلك ذهن الشخص بأفكار عن
المكافأة، يؤدي هذا إلى نوع من الضغط مما يقلل في النهاية من مستوى الأداء.
إلى هذه النقطة، ربما يحاول عالم اقتصادي عقلاني أن يبرهن أن النتائج التجريبية لا يمكن تطبيقها على أجور التنفيذيين، فقد يقول: "في عالم الحقيقة، الدفع
المادي الكثير قد لا يجدي ألبتة لأن أصحاب العمل ومجالس الأجور تأخذ في حسبانها الأداء المنخفض ولا تمنح مكافآت أبدًا لتحفيز غير فعال. وعلى الرغم من كل
شيء، قد يقول عالم الاقتصاد العقلاني: "أصحاب العمل منطقيون جدًّا فهم يدركون أي نوع من الحوافز يجعل أداء العمال أفضل وأيها لا" ***** .
هذه حجة منطقية جدًّا، بالفعل يمكن أن يفهم الناس بالحدس العواقب السلبية للحوافز الكبيرة، ومن ثمَّ لا يقدمونها أبدا، من جانب آخر كمنطق آخر عند
اللامنطقيين، قد لا نفهم بالضبط كيفية تأثير القوى المختلفة بما في ذلك المكافآت المالية علينا.
في محاولة لاكتشاف الأفكار البديهية لدى الناس عن المكافآت الضخمة، قمنا بشرح التجربة الهندية بالتفصيل لعدد كبير من طلاب الماجستير في إدارة الأعمال في
جامعة ستانفورد، وطلبنا منهم توقع مستوى الأداء في حالات المكافآت القليلة والمتوسطة والكبيرة. دون معرفة نتائجنا، قام "المتنبئون" بعد الحدث (أي المتنبئون
بعد وقوعه) بتوقع أن مستوى الأداء من شأنه أن يزداد مع مستوى المكافأة - وهو توقع خاطئ لتأثيرات المكافأة الكبيرة جدًّا على الأداء.
وأوضحت هذه النتائج أن التأثير السلبي للمكافآت الضخمة ليس شيئًا يحزره الناس بشكل فطري، كما أوضحت أن الأجر عبارة عن مساحة يتحتم علينا فيها
القيام بتقصي تجريبي صارم عن الاعتماد على استنتاج حدسي. لكن هل تتخلى الشركات ومجالس الإدارة عن حدسهم عند تقرير مسألة الرواتب ويستخدمون
البيانات التجريبية بدلًا منها؟ أشك في ذلك، في الحقيقة كلما سنحت لي الفرصة في تقديم بعض من نتائج أبحاثي لمديرين تنفيذيين رفيعي المستوى، وأنا أندهش
دومًا من قلة معرفتهم أو تفكيرهم في مدى فعالية الأجور وقلة اهتمامهم لاكتشاف كيفية تحسين الأجور ****** .
ماذا عن الأشخاص "الاستثنائيين"؟
منذ سنوات قليلة، وقبل الأزمة المالية عام 2008، طلب مني إلقاء كلمة إلى مجموعة مختارة من أصحاب البنوك، تمت المقابلة في حجرة مقابلات مجهزة بشكل
جيد في شركة استثمار كبرى في نيويورك. كان الطعام والشراب شهيين وكانت المناظر من النافذة مثيرة، أخبرت الحضور عن المشروعات المختلفة التي أباشرها بما
في ذلك التجارب على المكافآت الكبيرة في الهند ومعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا. هزوا جميعًا رءوسهم في موافقة لنظرية أن المكافآت الكبيرة ربما تؤدي إلى نتائج
عكــــس المــــرجوة، حتــــى اقتــــرحت أن التــــأثيرات النفســـية نفســها قــد تنســحب أيــضًا علــى الأشــخاص الــذين فــي الحجــرة، ضــايقهم هــذا الاقتــراح بوضــوح، فــإن فكــرة أن
مكافآتهم يمكن أن تؤثر سلبًا على أدائهم في العمل كان أمرًا منافيًا للعقل على حسب قولهم.
جربت طريقة أخرى وطلبت من متطوع من بينهم أن يصف كيف يتغير جو العمل في مؤسسته في نهاية العام، قال أحدهم: "خلال شهري نوفمبر وديسمبر، يتم
إنجاز عمل قليل جدًّا، فالناس يفكرون في مكافآتهم وفيما سيشترون"، واستجابة لهذا، طلبت من الحضور أن يجربوا فكرة أن التركيز على المكافآت القادمة قد
يؤدي لتأثير سلبي على أدائهم لكنهم رفضوا الاقتناع بوجهة نظري، ربما كان ذلك تأثير شرودهم الذهني، لكني أشك أنهم ببساطة لا يريدون الاعتراف بإمكانية
كون مكافآتهم كبيرة بشكل غير معقول. (كما أشار المؤلف والصحفي المبدع "أوبتون سينكلير" في مقولته الرائعة: "من الصعب جعل شخص يفهم شيئًا ما حينما
يتحدد راتبه على عدم فهمه له").
بعدم دهشة إلى حد ما، عند طرح نتائج هذه التجارب أمامي، أكد أصحاب البنوك أنهم كانوا بوضوح أشخاصًا استثنائيين جدًّا بعكس معظم الناس، على حد
تأكيــدهم فــهم يعملــون أفضــل تحــت الضــغط، بالنســبة لـي لـم أكـن علـى قناعـة بأنـهم مختلفـون عـن بـاقي النـاس لكنـي سـلمت بأنـهم قـد يكـونون محقـين، دعوتـهم
للحضــور إلــى معملــي لإجــراء تجربــة لاكتشــاف الحقيقــة، لكــن بــالنظر إلــى مــدى انشــغال أصــحاب البنــوك وحجــم رواتبــهم، كــان مــن المســتحيل محاولــة حثــهم علـى
المشاركة في تجاربنا أو إعطائهم مكافأة ضخمة بما يكفي لإغرائهم.
ونظرًا لعدم القدرة على اختبار أصحاب البنوك ومديريها، قمت أنا و"راشيلي باركان" بالبحث عن مصدر آخر للبيانات يساعدنا على فهم الكيفية التي يكون عليها
أداء المحترفين المتخصصين جدًّا ذوي مستويات الدخل الضخمة تحت الضغط الشديد. أنا لا أعلم شيئًا عن كرة السلة لكن "راشيلي" خبيرة فيها فاقترحت أنه علينا
أن ننظر إلى اللاعبين البارعين أصحاب الأهداف في اللحظات الأخيرة بوصفهم أبطال كرة السلة الذين يضربون الكرة في السلة تمامًا كقرع الجرس ويطلق عليهم "لاعبو القبضة". يحصل هؤلاء على مقابل أكثر من بقية اللاعبين ويفترض أن يكون أداؤهم متألقًا على وجه الخصوص، خلال الدقائق أو الثواني القليلة الأخيرة في
اللعبة عندما يكون الانفعال والضغط في أعلى مراحله.
بمساعدة "مايك كرزيزوسكي" ("الملقب بالمدرب كيه") وهو مدرب كرة السلة للرجال في جامعة ديوك توصلنا لمجموعة من المدربين المحترفين لتحديد هؤلاء اللاعبين
في الدوري الأمريكي للمحترفين (ووافق المدربون إلى حد كبير على تحديد أي من اللاعبين يصلح أن يكون لاعب قبضة وأيهم لا يصلح). بعد ذلك شاهدنا فيديوهات
عن أكثر عشرين لعبة صعبة لكل لاعب قبضة في الموسم بأكمله للدوري الأمريكي للمحترفين (معنى أصعب لعبة: أن يكون فارق النتيجة في نهاية المباراة لا يتجاوز
ثلاث نقاط). في كل من هذه الألعاب، قمنا بفحص عدد النقاط التي أطلقها كل لاعب قبضة في الدقائق الخمس الأخيرة في النصف الأول من كل لعبة عندما كان
الضغط قليلًا نسبيًّا، ثم قمنا بمقارنة الرقم مع رقم النقاط المسجلة في أثناء الدقائق الخمس الأخيرة في اللعبة عندما كانت النتيجة معلقة والتوتر في ذروته. كما
لاحظنا أيضًا المقاييس نفسها لغير لاعبي القبضة الآخرين الذي كانوا يلعبون الألعاب نفسها.
وتوصــلنا إلــى أنــهم أحـرزوا أكثـر أو أقـل بنفـس الطريقـة فـي لحظـات التوتـر العـالي والمنخفـض، بينمـا لـوحظ تحسـن فعلـي واقعـي بالنسـبة للاعبـي القبضـة فـي الـدقائق
الخمس الأخيرة في المباريات. حتى هذا الحين كان الأمر جيدًا بالنسبة لاعبي القبضة وأصحاب البنوك قياسًا على ذلك، كما بدا أن بعض الأشخاص الأكفاء للغاية
استطاعوا حقيقة أن يؤدوا أداء أفضل في ظل الضغوط.
لكــن - وأنــا واثــق أنــك تــوقعت كلمــة "لكــن" - هنــاك طريقتــان لكســب نقـاط أكثـر فـي الـدقائق الخمـس الأخـيرة فـي المبـاراة. يسـتطيع لاعـب القبضـة فـي الـدوري الأمـريكي
للمحترفين إما أن يحسن من نسبة نجاحه (والتي تعكس أداءه الذكي) أو يصوب الكرة أكثر بنفس النسبة (والتي تعكس أنه لا يوجد تحسن في المهارة وإنما على
العكس يوجد تغير في عدد المحاولات). لذلك، نظرنا إلى الأمر بشكل منفصل: أي ما إذا كان لاعبو القبضة يصوبون الكرة حقًّا بشكل أفضل أم أن ذلك يكون بتكرار
التصويب، وكما تبين، فإن لاعبي القبضة لم يحسنوا مهارتهم وإنما زادوا في عدد المحاولات، لم تزدد نسبة هدف الملعب في الخمس الدقائق الأخيرة (بمعنى أن
ضرباتهم لم تكن أكثر دقة)، ولا حتى أصبح اللاعبون الآخرون أسوأ.
حتى الآن يمكنك اعتقاد أن لاعبي القبضة عليهم حراسة مشددة في اللحظات الأخيرة من المباراة، وهذا هو السبب في عدم إظهارهم التحسن في الأداء، وللتأكد من
هــذا حســبنا الرميــات الضــائعة كمــا نظرنــا للرميــات الحــرة. ووجــدنا النمــط نفســه، فقــد ضــيع لاعبــو القبضـة الـذين عليـهم حراسـة مشـددة ضـربات أكثـر ونجحـوا فـي
التصــويب أكثــر مــن خــط الضــربة الحــرة، لكــن نســبة النقــاط لــم تتغــير. لا شــك أن لاعبــي القبضــة ممتــازون، ولكــن كشــفت التحلــيلات التــي قمنــا بــها أن أداءهـم لـم
يتحسن في آخر وأهم جزء في المباراة، وهو عكس الاعتقاد السائد.
بوضــوح: إن لاعبــي الــدوري الأمــريكي للمحتــرفين ليســوا مصــرفيين. إن عــامل الانتقائيــة فــي الــدوري الأمــريكي للمحتـرفين أكثـر منـه فـي مجـالات المـال، فقليـل جـدًّا مـن
الناس يتمتعون بمهارة كافية ليلعبوا كرة السلة بمهارة، في حين أن كثيرًا جدًّا من الناس يمكنهم أن يعملوا تنفيذيين محترفين بالبنوك. وكما رأينا من قبل، فمن
السهل الحصول على عائدات إيجابية من المكافآت الضخمة عندما نكون بصدد مهارات بدنية فضلًا عن الإدراكية. يستعمل لاعبو الدوري الأمريكي للمحترفين كلتا
المهارتين، لكن لعبة كرة السلة تعتمد بشكل أكبر على الجانب البدني عن الذهني (وهو أقل جانب متصل بالصناعة المصرفية). لذا فإن الأمر صعب جدًّا بالنسبة
للمصرفيين للتعامل بقدرات لاعبي القبضة عندما تكون المهمة ذات جهد بدني أقل وتتطلب أمرًا مبهمًا أكثر. أيضًا؛ حيث إن لاعبي كرة السلة لا يظهرون تحسنًا في
الأداء تحت الضغط، فإنه من المستبعد جدًّا للمصرفيين إظهار أداء أفضل تحت الضغط.
?
أساسيات الخطابة
إنها لحقيقة أننا جميعًا في أوقات مختلفة نجاهد ويمكن حتى أن نفشل في القيام بمهامنا التي تهمنا كثيرًا، تأمل أداءك في الاختبارات الموحدة مثل اختبار سات
(اختبار الكفاءة الدراسية). ما الفرق بين درجاتك في الاختبارات التجريبية ودرجاتك في الاختبارات الحقيقية؟ إذا كنت مثل معظم الناس، فعلى الأرجح ستكون
نتائج الاختبارات التجريبية الخاصة بك أكبر؛ مما يشير إلى أن ضغط الرغبة في أداء أفضل أدى بك إلى نتيجة أقل.
وينطبق المبدأ نفسه على الخطابة، عند الإعداد لإلقاء خطاب، فإن معظم الناس يؤدون بشكل جيد عندما يلقون خطاباتهم في خصوصية مكاتبهم. لكن عندما
يحين الوقت للوقوف أمام الجماهير فالأمور لا تسير دومًا على ما نخطط لها. قد نتعثر إذا ما كان لدينا حافز قوي للتأثير على الآخرين. وليس من قبيل المصادفة أن
الرهبة من التحدث أمام الجماهير يشبه الخوف من العناكب على نطاق مخيف.
وبصفتي أستاذًا جامعيًّا، فلديَّ تجارب شخصية كثيرة بخصوص الرهبة من التحدث أمام الجماهير. في بداية مسيرتي الأكاديمية، كان الحديث أمام جمهور صعبًا
بالنسبة لي. في أثناء أحد العروض التقديمية في مؤتمر مهني متخصص أمام العديد من أساتذتي، صدمت لدرجة أنني كلما كنت أستخدم مؤشر الليزر للتأكيد على
سطر معين في الشريحة المعروضة، فإنه يسرع في أنحاء الشاشة الكبيرة فيبعث مظهر إضاءة مثيرًا جدًّا. بالطبع، زاد الأمر سوءًا ونتيجة لذلك، تعلمت الاستغناء
عن مؤشر الليزر. وبمرور الوقت واكتساب خبرة أكثر، تحسنت في الحديث أمام الجمهور ولم يعد أدائي يتدهور كما كان في السابق.
وعلى الرغم من مرور سنوات على التخلص النسبي من مشكلة الرعب من الحديث أمام الجمهور، فلديَّ تجربة حديثة؛ حيث كنت أعاني من ضغط اجتماعي هائل
للغاية؛ حيث أخطأت في حديث أمام مؤتمر كبير به العديد من زملائي في أثناء محاضرة بمؤتمر في فلوريدا، كنت مع ثلاثة من زملائي بصدد تقديم دراسة حديثة
لنا عن التكيف الذي يستطيع الناس من خلاله التأقلم مع ظروف جديدة (ستجد المزيد عن هذا الحدث في الفصل السادس). قمت ببعض الدراسات في هذا المجال،
ولكن بدلًا من أن أتكلم عن نتائج بحثي، قررت أن أتحدث لمدة خمس عشرة دقيقة عن خبرتي الشخصية في التأقلم مع إصاباتي الجسدية وأطرح بعض الدروس
التي استفدتها، وقد كنت قد أدليت بهذا الحديث مرات قليلة من قبل، لذا كنت أعلم ما سأقول. بصرف النظر عن كون الموضوع خاصًّا جدًّا عن أن يتم طرحه في
عرض تقديمي أكاديمي، فإنني لم أعتقد أنه كان مختلفًا كثيرًا عن غيره خلال السنوات الماضية، وكما تبين فإن الخطة لا تتطابق مع الواقع على الإطلاق.
بدأت المحاضرة برباطة جأش متناهية بتناول الهدف من المحاضرة، لكن ما أفزعني كانت اللحظة التي وصفت فيها تجربتي في المستشفى؛ حيث أطرقت لأسفل، ثم
وجدت نفسي غير قادر على الكلام. تجنبت التواصل بالعين مع الحضور، وحاولت جمع شتات نفسي كما لو كنت أتمشى من أحد جانبي الحجرة إلى الجانب الآخر
لمدة دقيقة أو نحو ذلك، حاولت الكلام مرة أخرى لكنني لم أستطع، وبعدما مشيت خطوات أخرى ثابتة محاولًا الكلام مرة أخرى، كنت ما أزال غير قادر على
الكلام دون بكاء.
أدركت حينها أن الحضور قد أثاروا ذاكرتي الانفعالية، لذلك قررت أن أبدأ في مناقشة شخصية لبحثي، مضيت بنجاح بهذه الطريقة وألقيت العرض التقديمي، لكن ذلك ترك بداخلي انطباعًا قويًّا جدًّا عن عدم مقدرتي على التنبؤ بتأثيرات انفعالاتي الشخصية حينما تقترن بالتوتر على قدرتي على الأداء.
أخذا في الاعتبار فشلي أمام الحضور، أصبح لديَّ أنا و "نينا" و "يوري" و "جورج" نسخة أخرى من تجاربنا. في هذه المرة، أردنا أن نرى ما سيحدث عند إضافة عامل
الضغط الاجتماعي إلى التجربة.
في كل جلسة في هذه التجربة، قدمنا لثمانية طلاب من جامعة شيكاغو ثلاث عشرة مجموعة مرتبة ثلاثيًّا بالأحرف ودفعنا لهم عن كل ترتيب للأحرف قاموا بحله.
على سبيل المثال، حاول إعادة ترتيب حروف الكلمات التالية غير المفيدة لتكون كلمات مفيدة (قم بذلك قبل النظر إلى الحاشية السفلية ******* ).
?
في ثمانٍ من الثلاث عشرة محاولة، قام المشاركون بحل إعادة ترتيب الكلمات في مقصورات خاصة، وفي المحاولات الخمس الأخرى، أخبرناهم أن يقفوا ويمشوا إلى
مقدمة الحجرة، ويحاولوا حل إعادة ترتيب الكلمات على سبورة كبيرة سوداء أمام بقية المشاركين. في هذه المحاولات العلنية، كان من المهم إبداء أداء أفضل في
إعادة ترتيب الكلمات، ليس فقط لأن المشاركين سيحصلون على مكافآتهم نظير أدائهم (كما في المحاولات الخاصة)، ولكن أيضًا لأنهم سيجنون مكافآت اجتماعية
في صورة إعجاب زملائهم (أو يلحقهم الخزي أمام الجميع إذا ما فشلوا). هل سيحلون أكثر أمام الناس - عندما يكون لأدائهم أهمية - أم في الخلوات عند عدم
وجود حافز اجتماعي لأداء أفضل؟
كما هو متوقع من تخمينك، قام المشاركون بحل ضعفي الكلمات في الخلوات عن حلها أمام جمهور.
وصف المحلل النفسي والناجي من معسكرات الحرب النازية "فيكتور فرانكل" مثالًا ذا صلة للانفعال تحت الضغوط الاجتماعية. كتب "فرانكل" في كتابه Man's
Search for Meaning عن مريض يتلعثم دائمًا، والذي لم يستطع أن يتخلص من هذا الأمر بنفسه، في الواقع كانت مرة وحيدة تخلص فيها هذا المسكين من
مشكلته عندما كان عمره اثني عشر عامًا، في هذه المرة أمسك موظف التذاكر به وهو يركب الترام من دون أن يحصل على تذكرة، أمل هذا الفتى المريض أن يرق
الموظف لتلعثمه ويتركه لحاله، فحاول أن يتلعثم ولكنه لم يستطع ذلك لعدم وجود أي حافز له ليتكلم دون تلعثم. وفي حالة ذات صلة، يصف "فرانكل"
الشــخص المــريض بــالخوف التعــرقي قــائلًا: "كلمــا تــوقع إفــراز العــرق، كــان هـذا القلـق الاسـتباقي كـافيًا للتعجيـل مـن هـذا التعـرق المفـرط". بمعنـى آخـر، كـان الحـافز
الاجتماعي القوي لهذا المريض ليصبح بعيدًا عن سخرية الناس بسبب تعرقه سببًا في تعرق أكثر أو من الناحية الاقتصادية سببًا في أداء أسوأ.
في الحالات التي تتساءل فيها أن الناس دومًا ما يتعرضون لفزع نتيجة الضغوط الاجتماعية، أخضعنا عددًا من الحيوانات
الأليفة -الصرصور المفضل للبعض - لتجارب والتي تألقت في دراسة مثيرة جدًّا للاهتمام. في عام 1969، رغب كل من "روبرت زاجونك"
و"أليكســــاندر هــــاينجارتنر" و "إداورد هيرمــــان" فـــي مقارنــة الســرعة فــي أداء الصــراصير بــإنجاز مــهام مختلفــة فــي موقفــين مختلفــين. فــي المــوقف الأول كــانت الصــراصير
بمفردها دون أي رفقة، وفي الموقف الثاني كانت هناك صراصير أخرى برفقتها. في الحالة "الاجتماعية"، شاهد الصرصور الآخر العدَّاء من خلال نافذة زجاجية كانت
تسمح لكليهما برؤية وشم بعضهما، ولكن دون أي تواصل مباشر.
ثمــة مــهمة واحــدة ســهلة قــامت بــها الصــراصير: كــان علــى الصــرصور أن يجــري لأســفل فــي رواق مســتقيم، أمــا المــهمة الأخــرى الأكثــر صــعوبة فكــانت قيـام الصـرصور
بالخروج من متاهة معقدة نوعًا ما. وكما قد تكون توقعت (على افتراض أن لديك توقعات عن الصراصير)، قامت الصراصير بأداء المهمة الأسهل بسرعة أكثر بكثير
عن الحالة التي كان يقوم صرصور آخر بمشاهدتهم. كان وجود صرصور آخر هو السبب وراء القلق الزائد فكان أداؤهم أسوأ نتيجة لذلك. وعلى الرغم من ذلك، في
مهمة المتاهة الأكثر تعقيدًا، كافحت الصراصير للتنقل في المتاهة مع وجود حضور من الصراصير الأخرى، وكان أداؤها أسوأ من الحالة التي فعلت نفس التجربة
لوحدها. كان للضغط الاجتماعي فوائد كثيرة.
أنــا لا أفتــرض أن معرفــة قلـق الأداء المشـترك سـيحبب الصـراصير إليـك، ولكنـها حـقًّا توضـح الطـرق العامـة التـي يثمـر فيـها الحـافز القـوي لـلأداء نتيجـة عكسـية بصـور
أفضل (كما أنها يمكن أن تشير إلى بعض من المتشابهات المهمة بين الإنسان والصرصور). وكما يتضح من التجارب، ينتج الحافز المفرط للأداء الجيد والناتج عن
صدمات كهربائية مكافآت ضخمة، وضغوطًا اجتماعية، وفي كل هذه الحالات يكون فيها الإنسان وغيره من الأجناس على حد سواء في الأداء الأسوأ عندما تكون
مصالحهم في التغلب الفعلي على أنفسهم.
ماذا نستنتج من هذا؟
توضح هذه النتائج أن اكتشاف أعلى مستوى من المكافآت والحوافز ليس أمرًا سهلًا، أعتقد أن العلاقة العكسية لـ "ييركيس" و "دوسون" ذات بال في العموم، لكن
بوضوح هناك بعض من القوى الإضافية التي تحدث فرقًا في الأداء. تشمل هذه القوى خصائص المهمة (مدى سهولتها أو صعوبتها)، خصائص الشخص (مدى
ســهولة تــأثره بالضــغط)، والخصــائص المتعلقــة بمعرفــة الفــرد عــن المــهمة (مــدى خبــرة الفــرد بــهذه المــهمة وكــم الجـهد المطلـوب بـذله فيـها). وفـي كلتـا الحـالتين نعلـم
شيئين: من الصعب معرفة الحد الأعلى لتحفيز الناس، وأن الحوافز الأكثر لا تؤدي بالضرورة إلى مستويات أداء أفضل.
أود أن أكون واضحًا بخصوص هذه النتائج في أنها لا تعني أننا ينبغي أن نتوقف عن دفع أجور الناس مقابل ما يقومون به من أعمال ومساهمات، ولكنها تعني أن
الطريقة التي ندفع بها الأجور قد يكون لها عواقب قوية غير مقصودة. عندما تقوم أقسام الموارد البشرية للشركات بوضع خطط للرواتب، فإنهم عادة ما يكون
لهم هدفان من ذلك: جذب الأشخاص المناسبين للوظيفة ولتحفيزهم على فعل أفضل ما بوسعهم، ما من شك في أهمية هذين الهدفين، وأن الرواتب (بالإضافة
إلــى الفوائــد والفخــر والإحســاس بــالمعنى - الموضــوعات التــي ســنتناولها فــي الفصـول القليلـة القادمـة) مـن الممكـن أن تلعـب دورًا مـهمًّا فـي إنجـاز هـذه الأهـداف. وتكمـن
المشكلة في أنواع المكافآت التي يحصل عليها الناس. فبعض منها - كالمكافآت الضخمة جدًّا - قد تتسبب في التوتر لأنها تجعل الشخص يركز بشكل كبير على الراتب
والمكافآت ويقل مستوى أدائه.
للتوصل لرأي بخصوص كيف يكون للرواتب الضخمة دور في تغيير السلوك والتأثير على الأداء، تخيل التجربة التالية: ماذا لو دفعت لك مبلغًا كبيرًا من المال -
عشرة آلاف دولار مثلًا - لتضطلع بفكرة مبتكرة جدًّا لمشروع بحثي خلال الاثنتين وسبعين ساعة القادمة؟ ما وجه الاختلاف الذي يمكنك فعله؟ قد تستبدل بعضًا
من الأنشطة المعتادة التي تقوم بها مع الآخرين، لن تنشغل برسائل البريد الإلكتروني
أو بتفحص الفيس بوك ولن تتصفح مجلة، وربما تحتسي كثيرًا من القهوة وتنام ساعات أقل. وقد تظل بالمكتب طوال الليل (كما أفعل أنا من وقت لآخر). إن هذا
يعني أنك ستعمل وقتًا أكثر، لكن هل يساعدك فعل أي من هذه الأمور في أن تصبح أكثر إبداعًا؟
باستغراق في العمل لمدة ساعات على انفراد، دعنا نر كيف تتغير عملية التفكير لديك خلال الاثنتين وسبعين ساعة الحرجة، ما الذي بوسعك فعله لتصبح أكثر
إبداعية وإنتاجًا؟ هل تغمض عينيك بصعوبة أكثر؟ هل تتصور أعالي الجبال؟ هل تعض على شفتيك بدرجة أكبر؟ هل تتنفس بعمق؟ هل تمارس التأمل؟ هل تكون
قادرًا على دفع الخواطر العشوائية عنك بسهولة؟ هل تكتب بسرعة أكثر؟ هل تفكر بعمق أكثر؟ هل تفعل أيًّا من هذه الأشياء؟ وهل حقًّا تجعل أداءك أفضل؟
هــذه مجــرد تجربــة فكريــة، ولكــن آمــل أن توضــح فكــرة أنــه بـالرغم مـن أن المـال الأكثـر سـيجعلك علـى الأرجـح تعمـل لسـاعات أطـول (وهـذا هـو السـبب فـي مـدى كـون
المكــافآت الكبــيرة مفيــدة كحــافز عنــدما تكــون بصــدد مــهام آليــة بسـيطة)، فإنـه مـن غـير المـرجح أن تصـبح أكثـر إبـداعًا. فـي الحقيقـة، قـد يعطـي هـذا نتيجـة سـلبية لأن الحوافز المالية لا تعمل بشكل بسيط على جودة نتاج عقولنا، وليس من الواضح أيضًا مقدار الفعالية الذهنية التي تكون تحت تحكمنا المباشر خاصة عندما نكون
تحت وطأة ظروف قاسية وبحاجة لبذل قصارى جهدنا.
والآن، دعنا نتخيل أنك بصدد جراحة حرجة منقذة لحياتك، هل تعتقد أنه بإعطاء الفريق الطبي مكافأة كبيرة سيحققون أداء أفضل؟ هل تريد أن ينشغل الجراح
وطبــيب التخــدير بــالتفكير فــي أثنــاء إجــراء العمليــة فــي كيفيــة اســتخدام المكـافأة فـي شـراء مـركب شـراعي؟ سـيجعلهم هـذا متحـفزين للحصـول علـى المكـافأة، لكـن هـل
سيمكنهم من أداء أفضل؟ أم هل تفضل أن ينشغلوا تمامًا بالمهمة التي هم بصددها؟ ما مدى الفعالية التي يمكن أن يصل إليها أطباؤك بخصوص ما يطلق عليه
عالم النفس "ميهاي سيكسمينتهاي" "حالة التدفق" - عندما يركزون تمامًا على المهمة التي هم بصددها ويكونون غافلين عما سواها؟ لست متأكدًا من جوابك،
لكن بالنسبة للمهام المهمة التي تستدعي التفكير والتركيز والمهارة الإدراكية، فإنني سأختار طبيبًا في حالة تدفق مستمرة.
بعض الرؤى عن القرارات المهمة والأقل أهمية
غــالبًا، يقــوم البــاحثون أمثــالي بتجــارب معمليــة، معظمــها يتعلـق بـالقرارات البسـيطة والتـي تسـتغرق وقـتًا أقـل وتنطـوي علـى مجـازفات أقـل. نظـرًا لأن الاقتصـاديين
التقليديين لا يحبون عادة النتائج التي تثمر عنها تجاربنا المعملية، فإنهم غالبًا ما يشتكون أن نتائجنا لا يمكن تطبيقها على أرض الواقع، فإنهم يقولون: "كل شيء
يجب أن يتغير، لو كانت القرارات مهمة فستكون المجازفات أعلى وإصرار الناس أكثر". بالنسبة لي، يعد هذا الكلام من قبيل قول الناس إن الشخص يحصل على
عناية أكثر في غرفة الطوارئ، لأن القرارات التي تتخذ حينها تكون مصيرية: إما الحياة أو الموت. (أشك أن كثيرًا من الناس يعتقدون أن هذه هي المسألة). في حالة
غيــاب الأدلــة التجريبيــة بطريقـة أو بـأخرى، يكـون النقـد الموجـه للتجـارب المعمليـة معقـولًا تمـامًا. ومـن الجيـد وجـود بعـض الشـكوك حـول أي نتـائج بمـا فـي ذلـك تلـك
النتــائج الصــادرة عــن التجــارب المعمليــة البســيطة نســبيًّا. ومــع ذلــك، لــيس واضــحًا لــي تمــامًا ســبب عــدم كــون الآليــات النفسـية التـي تكمـن وراء قراراتنـا وسـلوكياتنا
البسيطة، هي الآليات نفسها التي تكمن وراء قراراتنا وسلوكياتنا المهمة والمركبة.
?
انطلاقًا من هذا المنظور، تقترح نتائج هذا الفصل أن رغبتنا في التصرف بلا عقلانية وبطرق غير محببة قد تزيد عندما تكون القرارات أكثر أهمية. في تجربتنا في الهند،
تصرف المشاركون على نحو يتنبأ به الاقتصاد القياسي عندما تكون المكافآت قليلة نسبيًّا، لكن كان تصرف المشاركين غير متوقع اقتصاديًّا عندما كانت المكافآت أكبر
وكانت المسألة على قدر من الأهمية.
هل يعني ذلك أننا قد نتصرف أحيانًا بعقلانية أقل عندما يكون تركيزنا أكبر في المحاولة؟ لو كان الأمر كذلك، فما الطريقة الصحيحة لدفع مكافآت للناس دون
مغالاة؟ هناك حل بسيط وهو تقليل المكافآت وهو ما لا يحلو للمصرفيين الذين التقيت بهم، وثمة طريقة أخرى بالدفع للعمال على أساس المرتب الثابت. بالرغم
من أن هذه الطريقة ستقلل من عواقب الحافز المفرط، فإنها ستقضي على بعض فوائد الدفع المرتكز على الأداء. وثمة طريقة أفضل، وهي الاحتفاظ بعامل التحفيز
للــدفع المرتــكز علــى الأداء، ولكــن بالقضــاء علــى بعــض التوتــر الــهدام النــاتج عنــها. ولتحقــيق هــذا يمكننـا، علـى سـبيل المثـال، أن نعطـي الموظفـين مكـافآت أقـل بصـورة
دائمــــة، وطريقــــة أخــــرى تكــون بــإعطاء الموظفــين مكــافأة مرتبطــة بــالأداء؛ بمعنــى أنــها تتغــير مــع مــرور الأيــام - افتــرض أنــك تعطــي المكــافآت علــى الســنوات الخمــس
السابقة، وليس فقط العام الماضي. بهذه الطريقة سيحصل الموظفون على 80% من مكافآتهم مقدمًا في العام الخامس (بناء على الأعوام الأربعة السابقة)، وسوف
تقل أهمية التأثير الحالي لأداء هذا العام.
بصرف النظر عن الطريقة التي نسلكها لرفع الأداء، فلا بد من فهم واضح وأفضل للعلاقات بين المكافآت والتحفيز والتوتر والأداء. ونحن بحاجة إلى وضع تصرفاتنا
الغريبة واللاعقلانية في الاعتبار.
?
 
ملحوظة خاصة: أهدي هذا الفصل لأصدقائي المصرفيين الذين "يستمتعون" دومًا بسماع رأيي عن رواتبهم، ومع ذلك ما زالوا يودون الحديث معي.
* مصادر الأبحاث الأكاديمية المذكورة في كل فصل وكذا القراءات الأخرى المقترحة موجودة في آخر هذا الكتاب.
** بالطبع، كان هناك العديد من المحاولات لتفسير منطقية دفع رواتب كبيرة جدًّا لكبار المديرين التنفيذيين، بما في ذلك محاولة أجدها ممتعة بشكل خاص لكنها
بعيدة الاحتمال. بناء على هذه النظرية، يحصل المديرون التنفيذيون على رواتب كبيرة ليس بسبب أن أي أحد نال ذلك أو يستحقه، ولكن لأن تلك الرواتب الكبيرة
يمكن أن تحث أناسًا آخرين للعمل بجد آملين في أنهم أيضا سيحصلون يوما ما على رواتب كبيرة جدًّا ككبار المديرين التنفيذيين. الشيء الغريب في هذه النظرية
أنك إذا تتبعتها إلى نهايتها المنطقية، فإنك لن تدفع فقط تلك الرواتب الكبيرة جدا بشكل غير معقول، ولكنك ستجبرهم أيضا على قضاء وقت أطول مع أصدقائهم
وأسرهم وترسلهم لقضاء عطلات مكلفة لتكمل لهم صورة الحياة المثالية لأن هذا من شأنه أن يكون الطريقة الفضلى لحث الآخرين ليرتقوا بأنفسهم إلى مديرين
تنفيذيين.
*** لعب كل مشترك بترتيب مختلف عشوائي. ولم يكن لترتيب الألعاب اختلاف على شروط الأداء.
**** كراهية الخسارة هي عبارة عن فكرة فعالة طرحها داني كانيمان وآموس تفيرسكي وقد تم تطبيقها في مجالات عدة. في مجال البحث هذا، نال داني جائزة
نوبل في الاقتصاد عام 2002. (للأسف رحل آموس عن عالمنا في عام 1996).
***** أشك أن علماء الاقتصاد الذين يؤمنون تماما أن العقلانية في العمل لا تجدي أبدا لم يعملوا مطلقًا خارج النطاق الأكاديمي.
****** دفاعًا عن أولئك الذين يولون ثقة كبيرة لحدسهم، فليس من السهل اكتشاف أو دراسة الرابط بين الأجر والأداء.
******* الكلمات هي منزل، تدقيق، إعادة ترتيب الحروف. وللتسلية يمكنك استخدام هذه الطريقة بإضافة بعض التنويعات عليها.
سيمون
الفصل 2
معنى العمل
ما نتعلمه من لعبة "ليجو" عن بهجة العمل
في أثناء رحلة طيران أخيرة من ولاية كاليفورنيا، جلست بجوار رجل ذي مظهر مهني في الثلاثينيات من عمره، ابتسم عندما جلست، وتبادلنا الشكاوى المعتادة عن
أحجــام المقاعــد الضــيقة وأمــور أخــرى غــير مريحــة. تفحــص كلانــا بريــده الإلكتــروني قبــل إغــلاق الآيفــون، بــدأنا الحـديث مـعًا عنـدما أصـبحنا فـي الجـو، وكـان الحـديث
كالتالي:
هو: لماذا تحب الآيفون الخاص بك؟
أنا: أحب الآيفون لعدة أسباب، وإن كنت قد أصبحت بسببه أفحص بريدي الإلكتروني حتى الآن في إشارات المرور وفي المصاعد.
هو: نعم، أعلم ما تعنيه، فأنا أقضي وقتًا أطول لفحص بريدي الإلكتروني منذ أن اشتريت الآيفون.
أنا: لست متأكدًا إن كانت كل هذه التكنولوجيا تجعلني أكثر إنتاجية أم لا.
هو: ما نوعية العمل الذي تمارسه؟
كلما كنت على متن الطائرة وبدأت الحديث مع مَن يجلسون بجواري، فإنهم عادة ما يسألونني أو يخبرونني عما يفعلون ليحيوا حياة طويلة قبل أن نتبادل معرفة
الأسماء أو التفاصيل الأخرى عن حياتنا. قد تكون هذه ظاهرة أكثر شيوعًا في أمريكا عن البلدان الأخرى، لكني لاحظت أن رفاق السفر في كل مكان - على الأقل
الأشخاص الذين أجريت معهم محادثات - يناقشون دومًا أمور حياتهم قبل الحديث عن الهوايات
أو الأسرة أو الأيديولوجية السياسية.
أخبرني الرجل الذي يجلس بجواري بكل شيء عن عمله مدير مبيعات في شركة برمجيات لإدارة الأعمال الضخمة ( SAP ) التي تستخدمها العديد من الشركات
لتشــغيل أنظمــة المكــاتب الإداريـة، (لقـد عـرفت شـيئًا عـن التكنولوجيـا لأن مسـاعدي المتواضـع المـريض فـي معـهد ماسـاتشوستس للتكنولوجيـا كـان مضـطرًّا لاسـتخدام
التكنولوجيــــا عنــــدما تحــــولت الجامعــة لشــركة برمجيــات لإدارة الأعمــال). لــم أكــن مشــدوهًا بالحــديث عــن التحــديات وفوائــد بــرامج المحاســبة، ولكنــي كنــت معجــبًا
بحماسة رفيقي في المقعد، كان يبدو عليه حب هذه الوظيفة جدًّا. أدركت أن عمله هو جوهر كينونته، بل ربما أكثر من أشياء كثيرة في حياته.
 
على مستوى بديهي، معظمنا يفهم العلاقة العميقة بين الهوية والعمل. ويفكر الأطفال عن المهن المحتملة في المستقبل بخصوص ما سيصبحون عليه (رجال
إطفاء، مدرسين، أطباء، علماء اقتصاد سلوك، وما إلى ذلك) وليس عن مقدار المال الذي سيكسبونه.
وقد أصبحت مقولة "ماذا تفعل؟" بين الشباب الأمريكيين عنصرًا مشتركًا لمقدمة عفا عليها الزمن "كيف حالك؟" حينما كانت تعني أن الوظائف جزء أصيل من
هويتنا، وليس فقط وسيلة لكسب المال لتوفير المسكن والطعام. يبدو أن كثيرًا من الناس يفخرون بوظائفهم ويحققون فيها ذاتهم.
وعلى النقيض من العلاقة بين العمل والهوية، ينظر النموذج الاقتصادي الرئيسي للعمل عمومًا إلى الأيدي العاملة من الرجال والنساء على أنهم فئران في متاهة:
فالعمل قد يسبب مضايقات، وكل الفئران (الناس) يرغبون في الحصول على الطعام بأقل مجهود ممكن ويستريحون وهم ملأى البطون لأكبر وقت ممكن، لكن
إن كان العمل يضيف إلينا إحساسًا بالذات، فما مغزى ذلك من رغبة الناس في العمل؟ وما وجه العلاقة بين الحافز والهوية الذاتية والإنتاجية؟
إدراك المغزى من العمل
فــي عــام 2005، كنــت أجلـس بمكتبـي فـي معـهد ماسـاتشوستس للتكنولوجيـا أسـتعرض مجلـة * أخـرى حتـى سـمعت طـرق البـاب، فتحـت البـاب فوجـدت وجـه رجـل
مألوف سمين نسبيًّا ذي شعر بني ولحية صغيرة مضحكة، كنت على يقين أني أعرف ذلك الرجل لكن ليس على وجه التحديد، قمت بالواجب فدعوته للدخول،
وبعد برهة أدركت أنه "ديفيد" - ذلك الطالب الذكي الفطن الذي خلفني في التدريس قبل بضع سنوات. سررت بلقائه.
في أثناء احتساء القهوة، سألت "ديفيد" عن سبب رجوعه إلى معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا؛ فأجابني: "أنا هنا للتوظيف. فنحن نبحث عن موظفين جدد".
واستطرد "ديفيد" وأخبرني بكل شيء منذ تخرجه من عدة سنوات مضت، فقد توظف في وظيفة مثيرة ببنك استثماري في نيويورك، كان يتقاضى راتبًا كبيرًا ويتمتع
بفوائد عظيمة - كغسيل ملابسه في المغسلة - وأحب العيش في المدينة المزدحمة. كان يخطب امرأة على حسب وصفه لها أنها كانت مزيجًا من المرأة المعجزة،
و"مارثا هيلين ستيوارت" على الرغم من أنهما مخطوبان منذ أسبوعين فقط.
وقال: "أريد أن أخبرك أيضًا بشيء آخر، منذ أسابيع مضت، خضت تجربة جعلتني أتذكر فصل الاقتصاد السلوكي الذي كنا نحضره".
أخبرني أنه في أول هذا العام قد قضى عشرة أسابيع في عرض تقديمي لاندماج مرتقب، عمل بجد لتحليل البيانات وقام بعمل خرائط جيدة وتوقعات وجلس في
كثــــير مــن الأحيــان فــي مكتبــه حتــى منتصــف الليــل فــي تحســين العــرض التقــديمي علــى برنــامج بــاوربوينت (مــا الــذي كــان يفعلــه المصــرفيون والمســتشارون قبــل برنــامج
الباوربوينت؟). كان مسرورًا بالنتيجة وأرسل العرض التقديمي بالبريد الإلكتروني إلى رئيسه الذي كان على وشك تقديم عرض في اجتماع الاندماج المهم جدًّا. (في
الحقيقة، كانت مكانة "ديفيد" الوظيفة لا تؤهله لحضور الاجتماع).
قام رئيسه بإعادة إرسال بريد إلكتروني إلى "ديفيد" بعد ساعات قليلة قائلًا له: "نأسف لك يا ديفيد، علمنا بالأمس فقط خبر إلغاء الصفقة، ولقد رأيت العرض
الذي أرسلته، ولكم هو مثير للإعجاب ونتاج عملي جيد، أحسنت صنعًا". أدرك "ديفيد" أن العرض التقديمي الذي أعده لن يؤتي أكله أبدا، وأن الأمر ليس لعيب
فيه شخصيًّا، وعلم أن عمله مبشر لأن رئيسه ليس من النوع الذي لا يجامل دون استحقاق. ومع ذلك، على الرغم من الثناء، فإنه كان مضطربًا من النتيجة، لقد
أدى ضياع جهده دون نتيجة ملموسة إلى صدع عميق بين نفسه ووظيفته. والمثير للعجب أنه لم يأبه كثيرًا للمشروع الذي قضى فيه ساعات طويلة، وقد اكتشف
أنــه لــم يــهتم كثــيرًا بالمشــروعات الأخــرى التــي كــان يعمــل بــها، فــي الحقيقــة لقــد شــوهت هـذه التجربـة مـن "العمـل للانـهاية" التوجـه العـام لـدى "ديفيـد" بخصـوص
الوظيفه وموقفه من البنك، فقد انتقل بسرعة من إحساسه بالسعادة والانتفاع من عمله إلى شعور بعدم الرضا لأن جهوده ضاعت سدى.
أضاف "ديفيد": "أتدري ما الشيء العجيب؟ لقد اجتهدت وصممت عرضًا تقديميًّا بجودة عالية، وكان رئيسي سعيدًا جدًّا بي وبالعرض، وكنت على يقين من أنني
سأنال تعليقات إيجابية نظير جهودي في المشروع وربما ترقية في نهاية العام. لذلك، من وجهة نظر عملية، لا بد أن أكون سعيدًا، وفي الوقت نفسه لا أستطيع
التخلص من الشعور بأن عملي ليس له معنى، ماذا لو تم إلغاء المشروع الذي أعمل فيه الآن قبل موعده وتم إلغاء عملي مرة أخرى بدون استخدامه أبدا؟".
ثم قدم لي التجربة الفكرية التالية. قال بصوت منخفض حزين: "تخيل أنك تعمل في شركة، ومهمتك فيها هي تصميم شرائح باوربوينت، وكل مرة تنتهي فيها
من مهمتك، يقوم شخص ما بأخذ الشرائح وإلغائها. عندما تفعل هذا، تأخذ أجرًا جيدًا وتتمتع بمزايا إضافية. إذا وجدت شخصًا يقوم بغسل ملابسك، فما مدى
السعادة التي تكون فيها إذا عملت في مثل هذا المكان؟".
لقد شعرت بالأسى بشأن "ديفيد"، وفي محاولة مني لمواساته، أخبرته بقصة صديقتي "ديفرا" التي كانت تعمل محررة في إحدى أكبر المطابع الجامعية، وقد انتهت
مؤخرًا من تحرير كتاب في
التاريخ - وهو عمل تحبه وتقتات منه. بعد ثلاثة أسابيع من تسليمها للمخطوطة النهائية لدار النشر، قرر رئيس التحرير ألا يطبعها. كما هي الحال مع "ديفيد"،
كان كل شيء جيدًا من وجهة النظر المالية، لكن كون القراء لا يمسكون بالكتاب أبدًا في أيديهم جعلها تندم على الوقت والعناية في عملية التحرير. كان هدفي أن
أخبر "ديفيد" أنه ليس بمفرده في هذه المشكلة. فقال بعد لحظة صمت: "أتعلم ما الأمر؟ أعتقد أن ثمة شيئًا مهم بالأمر، شيء بخصوص العمل عديم الفائدة أو
بدون مقابل، عليك دراسة الأمر".
لقد كانت فكرة عظيمة وفي دقيقة سأخبرك بما فعلت بها، لكن قبل القيام بذلك دعنا نأخذ لمحة عن عوالم الببغاء والفئران وظاهرة الغذاء المجاني.
سنعمل من أجل الغذاء
انضممت إلى الحرس المدني وأنا في سن السادسة عشرة، تعلمت التصويب بالبندقية الروسية المستخدمة في الحرب العالمية الثانية، وإقامة حواجز الطرق والقيام بمهام أخرى مفيدة في الحالة التي كان فيها الرجال يذهبون للحرب والشباب يحمون الجبهة الداخلية. وتبين أن الفائدة الرئيسية من تعلم التصويب هي إعفائي
مــن المدرســة مــن آن لآخــر، فــي هــذه الســنوات فــي كــل مــرة تخــرج المدرســة الثانويــة فــي رحلــة، كــان يطلــب مــن الطــالب الــذي يجيــد اســتخدام البنــدقية أن ينضــم إليــها
كحارس؛ وحيث كان معنى هذا أن أستبدل أيامًا قليلة من الدراسة بالمشي لمسافات طويلة وأستمتع بالريف، فقد كنت دائمًا ما أتطوع حتى ولو كان ذلك لقاء ترك
امتحان تلبية لنداء الواجب. **
فــي إحــدى هــذه الــرحلات، قــابلت فتــاة وأعجبــت بــها فـي نـهاية الرحلـة، لسـوء الحـظ كـانت تصـغرني بسـنة دراسـية فلـم تتـوافق جـداولنا، فكـان مـن الصـعب مقابلتـها
ومعرفة ما إذا كانت تبادلني المشاعر نفسها، لذا فعلت حيلة كأي مراهق معتدل، اكتشفت شيئًا من اهتماماتها غير الروتينية وجعلته أحد اهتماماتي.
على بعد ميل من بلدتنا كان هناك فتى نطلق عليه الرجل الطائر الذي قاسى طفولة بائسة ووحيدة في أوروبا الشرقية في خلال الحرب العالمية الثانية. هربًا من
النازيين في الغابات، فقد وجد الرجل الطائر راحته في الحيوانات والطيور من حوله، وعندما هاجر، قرر إضفاء السعادة على الأطفال هناك حيث لم يشعر به في
طفولتــه، لــذا قــام الرجــل الطــائر بجمــع طــيور مــن كــل أنحــاء العــالم ودعــا الأطفــال للمجــيء والتعــرف علــى عجــائب عــالم الطــيور. لقــد اعتــادت الفتـاة التـي أحببتـها
المشاركة في قفص الطيور للرجل الطائر، وانضممت أنا إليها في تنظيف الأقفاص وإطعام الطيور وإخبار الزوار قصصًا عن الطيور، بل وأكثر من ذلك، أنني كنت
أشاهد الطيور وهي تفقس البيض وتكبر وتتواصل مع بعضها البعض ومع الزوار. وبعد شهور قليلة، تبين لي أنه لم يكن لي حظ مع الفتاة ولكن مع الطيور، لذا
استمررت في التطوع لبعض الوقت.
بعــد ســنوات بعــد قضــائي فتــرة العــلاج فــي المســتشفى، قــررت أن أشــتري ببغــاء فــاخترت واحــدًا مــرقطًا أمــازونيًّا كبــيرًا نســبيًّا وحــاد الــذكاء وأطلقــت عليـه اسـم "جـين
بول" (لسبب ما، قررت أن يكون للبغاء الأنثى اسم فرنسي). كانت الببغاء جميلة ومعظم ريشها أخضر مع بعض الريش الأزرق الخفيف والأصفر والأحمر على
مقدمة أجنحتها، وكنا نمرح معًا كثيرًا. أحبت "جين بول" الكلام وملاطفة كل أحد تقريبًا يقترب من قفصها، اعتادت أن تقترب مني لأداعبها، وفي كل مرة أمُر
بجوار قفصها كانت تحني رأسها جدًّا وتعري خلفية عنقها واعتدت أن أتحدث مثل الأطفال وأنا أنفش الريش على رقبتها. وكنت كلما أخذت دشًا، كانت تجثم في
الحمام وتنتفض بسعادة عندما أرش قطرات الماء عليها.
كانت "جين بول" اجتماعية جدًّا، وكانت تنتف ريشها بنفسها عندما تكون شاعرة بالملل نظرًا لبقائها فترة طويلة وحيدة في قفصها. وعندما اكتشفت أن الببغاء
تحتــاج بشــدة إلــى الانخــراط فــي نشـاط ذهنـي، اشـتريت ألعـابًا كثـيرة صـنعت خصـيصًا لإبعـاد الملـل عنـها، كـانت لعبـة ألغـاز تسـمى "سـيكا تـريت" عبـارة عـن مجموعـة
صــفوف خشــبية ملونــة بــأحجام متناقصــة تكــون هــرمًا مــن نــوع مـا. كـانت الصـفوف الخشـبية متصـلة مـن مركزهـا بحبـل "بأوعيـة هـدايا" بعمـق نصـف بوصـة صـنعت
خصــيصًا للاحتفـاظ بـهدايا الببغـاء الجـذابة. وللحصـول علـى الطعـام، كـان علـى "جـين بـول" رفـع كـل وعـاء وإيجـاد الـهدية، وهـو مـا لـم يكـن سـهلًا جـدًّا بالنسـبة لـها.
وبمرور السنين أصبحت "جين بول" سعيدة وطريفة وراغبة في قفصها بسبب لعبة "سيكا تريت" والألعاب الأخرى التي على شاكلتها.
بــالرغم مــن أنــي لــم أدرك الأمــر فــي هــذه الأثنـاء، كـان هنـاك مفـهوم مـهم جـدًّا فـي لعبـة "سـيكا تـريت" وهـو ظـاهرة الغـذاء المجـاني، وهـو مصـطلح صـاغه عـالم النفـس
الحيواني "جلين جينسن"؛ حيث يشير إلى نتيجة مفادها أن كثيرًا من الحيوانات تفضل كسب الغذاء عن أن تحصل عليه بسهولة ويصلها دون قيود.
وحتى نفهم مسألة بهجة العمل من أجل الحصول على الغذاء بشكل أفضل، دعنا نستحضر عام 1960 عندما قام "جينسن" بداية بأخذ جرذان ذكور واختبر
نزعتها للعمل. تخيل أنك فأر مشترك في دراسة "جينسن". تبدأ أنت وأصدقاؤك القارضون حياة عادية في مجموعة من الأقفاص، وكل يوم على مدار عشرة أيام،
يقوم رجل لطيف مرتديًا معطفًا أبيض بإعطائكم عشرة جرامات من رقائق البسكويت المطحون الناعم في وقت الظهيرة بالضبط (أنت لا تعرف أنها الظهيرة، ولكنك
فــي نــهاية المطــاف تلتقــط الطعــام فــي عمــوم الــوقت). بعــد أيــام مــن هــذا النمــط، اعتــدت الطعــام وقــت الظــهيرة كــل يــوم، وبــدأ بطنــك كفــأر يرتعـد قبيـل ظـهور الرجـل
اللطيف، وهي الحالة التي يريد "جينسن" إيصالك إليها.
عندما تتعود على أكل الرقائق في الظهيرة، تتغير الأمور فجأة. فبدلًا من إطعامك وقت ذروة الجوع، كان عليك أن تنتظر ساعة أخرى، وفي الواحدة ظهرًا، قام
الرجــل بوضــعك فـي "صـندوق سـكينر" ذي الإضـاءة الجيـدة. أنـت جـائع جـدًّا. تسـمية الصـندوق بصـندوق "سـكينر" نسـبة لعـالم النفـس المؤثـر "بـي. إف. سـكينر"، هـذا
الصندوق عبارة عن قفص مألوف (كالذي اعتدت عليه) لكنه ذو خاصيتين غريبتين عليك: الأولى أنه موزع طعام تلقائي يلقي بكريات الغذاء كل ثلاثين ثانية. رائع!
الثانية: وجود قضيب مغطى بدرع قصير لسبب ما.
في البداية لم يكن القضيب أمرًا مثيرًا للاهتمام، ولكنه موزع الطعام الذي أثار اهتمامك فقضيت وقتك في تأمله. يلقي الموزع بكريات الطعام بين الحين والآخر على
مدار خمس وعشرين دقيقة حتى تأكل خمسين كرة من الطعام، حتى ذلك الحين يتم إرجاعك إلى قفصك ويوضع معك بقية طعامك لبقية اليوم.
في اليوم التالي، يمضي وقت طعام الغداء بدون طعام، ثم يتم وضعك في صندوق "سكينر" في الساعة الواحدة ظهرًا، أنت جوعان ولكنك غير سعيد لأن موزع
الطعام لا يلقي إليك بكريات الطعام. ماذا عساك تفعل؟ تجول في القفص مرورًا بالقضيب فتكتشف عدم وجود درع القصدير، فتضغط مصادفة على القضيب
فإذا بكرة طعام تأتي إليك على الفور، كم هذا رائع، تقوم بالضغط مرة أخرى على القضيب، يا لها من بهجة، كرة طعام أخرى تأتي إليك، تضغط مرارًا وتكرارًا
وتــأكل وأنــت ســعيد، لكــن تنطفــئ الإضــاءة وفــي الــوقت نفســه، يتــوقف القضــيب عــن إطــلاق كريــات الطعــام، فتــدرك ســريعًا أنــه بمجـرد انطفـاء الإضـاءة، لا يجـدي
ضغطك على القضيب فلن تتمكن من الحصول على أي طعام.
ثــم بعــد ذلــك يقــوم الرجــل اللطــيف بفتــح أعلــى القفـص ويضـع كـأسًا مـن القصـدير فـي ركـن مـن القفـص (أنـت لا تعـرف مـا الـذي يحـدث، لكـن الكـوب مملـوء بكريـات
الطعام). أنت لم تكترث بالكوب، فأنت تريد فقط القضيب ليلقي إليك بكريات الطعام. مرة أخرى، تضغط على القضيب مرارًا ولكن دون جدوى، أنت تعلم أن
الإضاءة إذا انطفأت فلن تحصل على طعام، فتبدأ تتجول في القفص في غضب شديد، فتمر على كأس القصدير، وفجأة تجده مملوءًا بكريات الطعام، فتصيح: "يا
إلهي!" طعام مجاني، فتبدأ بقضم الطعام بصوت مرتفع، ثم تعود الإضاءة فجأة فتعلم أن هناك مصدرين للطعام. يمكنك الاستمرار في أكل الطعام المجاني من
الكأس القصديرية أو يمكنك الرجوع إلى القضيب وتضغطه ليلقي إليك بكريات الطعام. لو كنت مكان هذا الفأر، فما الذي كنت ستفعله؟
على افتراض أنك مثلهم جميعًا إلا واحدًا من مائتي فأر ضمن دراسة "جينسن"، فإنك لم تكن لتأكل أبدًا من الطعام في الكأس القصديرية. عاجلًا أم آجلًا، ستعود
إلى القضيب وتضغط عليه للحصول على الطعام، إذا كنت مثل 44% من الفئران، فإنك في كثير من الأحيان بما فيه الكفاية ستضغط على القضيب لتأكل أكثر من
نصف كريات الطعام. بل وأكثر من ذلك، أنك حينما تضغط على القضيب، فلن يكون من السهل عليك أن تعود إلى كأس القصدير لاحتوائها على كثير من الطعام
المجاني.
اكتشف "جينسن" (وأكدت العديد من التجارب اللاحقة) أن كثيرًا من الحيوانات - بما فيها الأسماك والطيور والجربوع والجرذان والفئران والقرود والشامبنزي -
تميل أكثر إلى تفضيل طريقة أطول وغير مباشرة للحصول على الطعام، عن الحصول عليه بطريقة أقصر ومباشرة أكثر *** . بمعنى أنه طالما لم تضطر الأسماك
والطيور والجربوع والجرذان والفئران والقرود والشامبنزي العمل بكد، فإنها كثيرًا ما تفضل الحصول على الطعام، في الحقيقة كانت القطط وهي أكثرها عقلًا،
من بين كل الحيوانات التي تم اختبارها حتى الآن هي الوحيدة التي فضلت الطريقة الكسولة، أعتقد أنك قد خمنت هذه النتيجة.
وهــذا يعيــدنا إلــى "جــين بــول". إذا كــانت مــن الطــيور المتعقلــة والحريصــة علــى بــذل أقــل جـهد ممكـن فـي الحصـول علـى طعامـها، لكـانت أكلـت مـن الطبـق المـوجود فـي
القفص وتجاهلت لعبة "سيكا تريت"، لكنها قامت على عكس ذلك باللعب بلعبة "سيكا تريت" (والألعاب الأخرى) على مدى ساعات لأنها جعلتها تحصل على
طعامها وتقضي وقتها بطريقة إيجابية أكثر، لم تكن المسألة مقتصرة على البقاء ولكن إتقان شيء، أي "الحصول على" قوتها **** .
 
تتناقض الفكرة العامة عن ظاهرة الغذاء المجاني مع الرأي الاقتصادي البسيط القائل إن الكائنات الحية تختار دومًا الاستزادة من المكافآت وتقليل حجم الجهد
المبذول. طبقًا لهذا الرأي الاقتصادي، يعتبر بذل أي شيء بما في ذلك بذل الطاقة أمرًا مكلفًا، ومما لا معنى له أن تقوم الكائنات الدقيقة بذلك تطوعًا. لماذا تبذل
تلك الكائنات جهدًا في حين أنها تستطيع الحصول على نفس الطعام - وربما أكثر - مجانًا؟
عندما شرحت ظاهرة الغذاء المجاني لأحد أصدقائي الاقتصاديين المنطقيين (نعم، لا يزال لديَّ بعض من هؤلاء الأصدقاء)، شرح لي على الفور أنه في حقيقة الأمر ما
مــن تنــاقض بـين نتـائج "جينسـن" والمنطـق الاقتصـادي القياسـي. وأخبـرني بـأناة عـن سـبب كـون هـذا البحـث لـيس لـه صـلة بـالأمور الاقتصـادية، قـال لـي بطريقـة تـدليل
الأطفال: "هل تفهم، إن النظريات الاقتصادية تتعلق بالسلوك الإنساني وليس الفئران
أو الببغاوات، فالفئران تمتلك عقولًا صغيرة جدًّا، وليس لديها قشور مخية حديثة ***** تقريبًا، لذا فليس من الغرابة أن هذه الحيوانات لا تدرك أن لديها طعامًا
مجانيًّا يمكنها الحصول عليه، فهي مرتبكة فقط".
واستطرد قائلًا: "على أي حال، أنا على يقين أنك إذا قمت بتجربة جينسن على الأشخاص العاديين، فإنك لن تتوصل إلى نتيجة ظاهرة الغذاء المجاني، أنا على يقين مائة بالمائة أن النتيجة ستكون إيجابية إذا ما استخدمت الاقتصاديين كمشاركين، فإنك لن تجد أحدًا يعمل دون وجود داع لذلك".
لقد كان على صواب من وجه معين، وبالرغم من أني شعرت بإمكانية تعميم الأمر على الطريقة التي تتعلق بالعمل من هذه الدراسات على الحيوانات، فقد كان
مــــن الواضــــح لــي أنــه مــن المحتمــل جــدًّا حــدوث تجــارب علــى ظــاهرة الغــذاء المجــاني فــي الإنســان البــالغ. (كمــا كــان واضــحًا أيــضًا أنــه لا يجــدر إجــراء هــذه التجربــة علــى
الاقتصاديين).
ماذا تعتقد؟ هل يتصرف الناس في العموم بظاهرة الغذاء المجاني أم أنهم أكثر عقلانية؟ وماذا عنك؟
الدوافع "الصغيرة والمتوسطة"
بعدما ترك "ديفيد" مكتبي، بدأت التفكير في خيبة أمله هو و "ديفرا"، كان هناك فارق كبير في دوافعهما نتيجة لعدم وجود جمهور، تساءلت: ما الدافع الذي
يمكن أن يضفي معنى للعمل غير الراتب؟ هل هذا الدافع هو ذلك الرضا الطفيف للانخراط المركز؟ هل نحن مثل "جين بول" نتمتع بشعور التحدي في كل شيء
نفعلــه، وعنــد أداء المــهام بشــكل مــرض (وهــو مــا يــؤدي إلــى درجــة قليلــة مــن الأريحيــة بنــوع مـن الـدوافع الصـغيرة والمتوسـطة)؟ أم أننـا نشـعر بالأريحيـة فقـط عنـدما
نتعامل مع شيء أكبر، ربما أننا نأمل أن يقوم شخص آخر وخاصة إذا كان مهمًّا بالنسبة لنا بإضفاء قيمة على ما نقوم بعمله؟ ربما أننا نحتاج للعيش في وهم أن
مــا نقــوم بــه ســينال رضــا أنــاس كثــر فــي المســتقبل؟ ربمــا أنــه ســيكون ذا قيمــة معينــة فــي العــالم الكبــير الواسـع هنـاك فـي مكـان مـا (ربمـا نطلـق علـى هـذا: المـغزى الكبـير
المتوسط)؟ أو محتمل جدًّا أن يكون كل هذا معًا، لكني أعتقد بشكل أساسي أن أي نوع من أنواع المغزى (حتى الصغير والمتوسط) يمكن أن يستحث سلوكنا، طالما
أننا نفعل شيئًا يتعلق نوعًا ما بصورتنا الذاتية، فإنه يمكن أن يستحث دوافعنا ويحملنا على العمل بجد أكثر.
لنأخــذ عمليــة الكتابــة مثـالًا علـى ذلـك، ذات مـرة كتبـت بحـثًا أكـاديميًّا بغيـة التـرقي، لكنـي كنـت ومـا زلـت آمـل أن هـذا البحـث يحـدث تـأثيرًا فـي شـيء مـا فـي العـالم. مـا
مقدار الجهد اللازم المطلوب للعمل في هذا البحث الأكاديمي لو أيقنت أن قليلًا من الناس سيقرأون هذا البحث؟ وماذا لو أيقنت أنه لا أحد أبدًا سيقرأ هذا البحث؟
هل سأستمر في إعداده؟
فــي الحقيقــة، إننــي أســتمتع بــالبحث الــذي أقــوم بــه، أعتقــد أنــه متعــة، كلـي حماسـة لأخبـرك عزيزي القـارئ عـن الكيفيـة التـي قضـيت بـها العشـرين عـامًا الأخـيرة فـي
حياتي، أنا تقريبًا موقن أن والدتي ستقرأ هذا الكتاب، وآمل أن آخرين قليلين سيقرؤونه ****** . لكن ماذا لو أيقنت أنه لن يقرأه أحد أبدًا؟ وماذا لو قرر "كلير
واشتيل" محرري في شركة هاربر كولينز بوضع الكتاب في الدرج ودفع لي مقابلًا له ولم ينشره أبدا؟
هل سأظل هنا أعمل في هذا الفصل لوقت متأخر من الليل؟ بأي حال من الأحوال، كل ما أقوم به في الحياة بما في ذلك كتابة مشاركات المدونات والمقالات وهذه
الصــفحات نــابع عــن دوافــع الأنــا التــي تــربط بــين المجــهود الـذي أبـذله وبـين المـغزى الـذي أطمـح أن يتوصـل إليـه القـراء، ولـولا الجمـهور لكـان الـدافع أقـل جـدًّا للعمـل
بالجدية التي أعمل بها.
?
بناء مجموعات الليجو
بعد أسابيع قليلة من حديثي مع "ديفيد"، قابلت "أمير كامينيتشا" (أستاذ في جامعة شيكاغو) و "درازن بريليك" (أستاذ في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا) في
مقــهى محلــي، وبعــد مناقشــة قليــل مــن الموضــوعات البحثيــة المختلفـة، قررنـا اكتشـاف تـأثير تخفـيض العملـة علـى الحـافز للعمـل، فحصـنا المـغزى الكبـير والمتوسـط -
بمعنــى أننــا قمنــا بقيــاس القيمــة التــي يضــيفها الأشــخاص الــذين يطــورون عــلاجًا للســرطان ويســاعدون الفقــراء ويبنــون الجســور ويحمــون العــالم بصـفة يوميـة إلـى
وظائفهم، ولكن بدلًا من ذلك وربما لأن ثلاثة منا أكاديميون، قررنا أن نقوم بتجارب تختبر تأثيرات المغزى الصغير
والمتوسط - وهي تأثيرات أتوقع أنها مألوفة جدًّا في الحياة اليومية وفي دوائر العمل. كنا نود معرفة مدى تأثير التغيرات البسيطة في العمل بالنسبة لأشخاص من
أمثــال "ديفيــد" المصــرفي و "ديفــرا" المحــرر علــى رغبتــهم فــي العمــل. وقــد توصــلنا لفكــرة تجربــة اختبــار ردود أفعـال النـاس إزاء الانخفـاض الطفـيف فـي القيمـة بالنسـبة
للمهمة التي ليس لها مغزى كبير للابتداء بها.
 
في يوم من أيام الخريف في بوسطن، دخل مقر اتحاد الطلبة في جامعة هارفارد طالب هندسة ميكانيكية طويل يدعى "جوي" ينتشر بوجهه حب الشباب وطموح
جدًّا. وعلى لوحة إعلانات مزدحمة بنشرات منحوتة عن الحفلات القادمة والمحاضرات والأحداث السياسية ورفقاء الحجرات المطلوبين، استرعى بصره من كل ذلك
لافتة مكتوب عليها: "الحصول على أموال لبناء لعبة ليجو!".
كمهندس طموح، يحب "جوي" دائمًا بناء الأشياء، وهو يجد نفسه منجذبًا لكل شيء يستلزم التجميع، لذلك فقد قضى طفولته في ممارسة لعبة ليجو، عندما
كان في السادسة من عمره، قام بتفكيك جهاز الكمبيوتر الخاص بوالده، وبعد عام قام بتفكيك نظام الإستريو في غرفة المعيشة، وعندما بلغ الخامسة عشرة، كان
ولعه بتفكيك الأشياء وإعادتها مرة أخرى سببًا في تكليف أسرته ثروة قليلة، لحسن الحظ فقد وجد "جوي" متنفسًا لولعه في الكلية؛ حيث أصبح قادرًا الآن على
البناء مع لعبة ليجو بقدر ما يهفو إليه - ويكسب المال جراء ذلك.
بعد أيام قليلة وفي الوقت المتفق عليه، رغب "جوي" في الانضمام لتجربتنا، لحسن الحظ فقد اختير "جوي" لحالة ذات مغزى، قام "شون" وهو مساعد باحث،
بتحية "جوي" بمجرد دخوله الحجرة ووجهه إلى الكرسي وشرح له الإجراءات. عرض "شون" على "جوي" لعبة ليجو بيونكل - إنسان آلي صغير مقاتل - وأخبر
"جوي" بأن مهمته هي أن يُركب هذا النوع الدقيق من البيونكل والمؤلف من أربعين قطعة تستوجب تجميعها بطريقة دقيقة، ثم أخبر "شون" "جوي" بقواعد
الدفع.
قــال "شــون" لــــ "جــوي": "إن النظــام الأســاسي يقتضــي أن يتـم الـدفع لـك علـى نطـاق متنـاقص لكـل بيونكـل تقـوم بتجميعـه، بالنسـبة للبيونكـل الأول، سـتحصل علـى
دولارين، بعد الانتهاء من الأول، سأسألك ما إذا رغبت في بناء واحد آخر، ولكن بخصم أحد عشر سنتًا من المبلغ، أي ستنال دولارًا وتسعة وثمانين سنتًا، فإذا
وافقــت ســأناولك الوحــدة التــي بعــدها. ســتمضي نفـس هـذه العمليـة بنفـس الطريقـة، وفـي كـل بيونكـل جـديد تقـوم بتجميعـه، سـتحصل علـى مبلـغ أقـل بأحـد عشـر
سنتًا، حتى تقرر أنك لا تريد تجميع المزيد من القطع. عند هذه النقطة، ستحصل على كل المبلغ نظير ما جمعت من أجزاء. لا يوجد حد زمني ويمكنك المضي في بناء
القطع حتى تصل إلى درجة تكون فيها الفوائد التي تحصل عليها لا تغطي التكاليف".
هز "جوي" رأسه في لهفة لابتداء اللعبة، حذره "شون" قائلًا: "هناك شيء أخير يجب معرفته، وهو أننا نستخدم نفس القطع لكل المشاركين، لذا في مرحلة ما
قبل ظهور المشارك التالي، سيتحتم عليَّ أن أفك كل القطع التي جمعتها وأعيدها إلى صناديقها من أجل المشارك التالي، هل كل شيء واضح؟".
قــام "جــوي" ســريعًا بفتــح الصــندوق الأول الــذي يحتــوي علــى الأجزاء البلاســتيكية، وتفحــص تعليمــات التجمــيع، وبــدأ فــي بنــاء البيونكــل الأول، كــان واضــحًا عليــه
استمتاعه بتجميع القطع ورؤية الإنسان الآلي يأخذ شكله الطبيعي، بمجرد انتهائه كان الإنسان الآلي على هيئة الوضع القتالي، ثم طلب "جوي" المرحلة التالية،
ذكره "شون" بالمبلغ الذي سيحصل عليه في المرحلة التالية (1.89 دولار)، ثم أعطاه صندوق القطع الثاني. بمجرد أن بدأ "جوي" العمل على البيونكل الثاني، وضع
"شون" التركيب الذي جمعه "جوي" في صندوق أسفل المكتب؛ حيث سيتم تفكيكه من أجل المشارك التالي.
استمر "جوي" في تجميع كل بيونكل - الواحد تلو الآخر وكأنه في مهمة، بينما استمر "شون" في تخزين القطع أسفل الطاولة، أعلن "جوي" كفايته بعدما انتهى
من تجميع عشرة روبوتات وحصل على مكافأته التي بلغت 15.05 دولار. وقبل أن يرحل "جوي"، سأله "شون" أسئلة قليلة عن مدى حبه للعبة ليجو في العموم
وعن مدى حبه للمهمة، فأجاب "جوي" بأنه من هواة لعبة الليجو فاستمتع حقًّا بالمهمة وأنه سيوصي بها أصدقاءه.
المشارك التالي الذي يدعى "تشاد" كان شديد الحماسة - أو ربما أفرط في تناول الكافيين - وكان طالبًا في تمهيدي طب؛ على عكس "جوي"، تم تكليف "تشاد"
بعملية نطلق عليها بسذاجة "حالة العبثية". وقد كانت هذه هي الحالة التي أردنا التركيز عليها.
قــام "شــون" ببيــان أحكــام وشــروط الدراســة لــــ "تشــاد" بنفـس الطريقـة التـي اتبعـها مـع "جـوي". أمسـك "تشـاد" بالصـندوق، وفتحـه وأزال ورقـة تعليمـات التجمـيع
وتصفحها بعناية، وخطط إستراتيجيته. أولًا: قام بتفريق القطع إلى مجموعات على هيئة الترتيب الذي سيحتاج إليه، ثم بدأ في تجميع القطع متحركًا بسرعة من
قطعة لأخرى، فمضى في المهمة بانشراح وانتهى من البيونكل الأول في دقائق قليلة وسلمها
لـ "شون" كما هو متفق عليه، فقال "شون" له: "هذان دولاران، هل تريد أن تبني واحدة أخرى في مقابل 1.89 دولار؟". هز "تشاد" رأسه بحماس ومضى في تجميع
الروبوت التالي متبعًا نفس الطريقة المنظمة.
بينمــا كـان "تشـاد" يضـع القطـع الأولـى للبيونكـل التـالي مـعًا (انتبـه فـهنا تختلـف المرحلتـان)، قـام "شـون" ببـطء بفـك البيونكـل الأول قطعـة بقطعـة وأرجـع القطـع إلـى
الصندوق الأصلي.
سأل "تشاد" "شون" في حيرة وفزع: "لماذا تفكها؟".
فشرح له "شون" قائلًا: "إنها الإجراءات، فإننا نحتاج لفكها في حالة ما إذا رغبت في بناء بيونكل آخر".
انتبه "تشاد" للروبوت الذي يبنيه، لكن طاقته ولهفته لبناء القطع تضاءلت بشكل واضح، وعندما انتهى من البناء الثاني، توقف "تشاد". هل أبني قطعة أخرى أم
لا؟ بعد ثوان قليلة، قال إنه سيبني قطعة أخرى.
أعطى "شون" الصندوق الأصلي لـ "تشاد" (وهو الصندوق الذي قام "تشاد" بتجميع قطعه وقام "شون" بفكها)، وبدأ "تشاد" العمل، وفي هذه المرة بدأ "تشاد"
العمل أسرع من السابق لكنه تخلى عن إستراتيجيته، ربما لأنه شعر بأنه لم يعد بحاجة لإستراتيجية منظمة
أو ربما لأنه شعر بأن الخطوة الإضافية غير ضرورية.
في هذه الأثناء قام "شون" ببطء بفك البيونكل الثاني الذي انتهى "تشاد" من تجميعه حالًا ووضع القطع في الصندوق الثاني، بعدما انتهى "تشاد" من البيونكل
الثالث، تفحصه وسلمه إلى "شون" الذي قال له: "ربحت خمسة دولارات وستة وسبعين سنتًا، هل تود في تجميع قطعة أخرى؟".
نظر "تشاد" في هاتفه الخلوي ليعلم كم الوقت في هذه اللحظة وتفكر للحظة، ثم قال: "حسنًا، سأقوم بواحدة أخرى".
سلم "شون" البيونكل الثاني للمرة الثانية إلى "تشاد" والذي شرع في إعادة تجميعه. (قام المشاركون ممن هم في مثل حالته ببناء وإعادة بناء نفس القطعتين من
حتى قرروا الخروج من اللعبة). نجح "تشاد" في بناء كلتا القطعتين بإجمالي أربع مرات فحصل على مبلغ 7.34 دولار.
بعــدما حصــل "تشــاد" علــى المبلــغ، ســأله "شــون" كمــا ســأل كــل المشــاركين، عمــا إذا كــان أحــب لعبـة اللـيجو ومـا إذا كـان اسـتمتع بالمـهمة، فـرد "تشـاد" باسـتهجان:
"حسنًا، إنني أحب لعب الليجو لكني لم أكن شغوفًا بالتجربة". دس "تشاد" المبلغ في محفظته وغادر الحجرة مسرعًا.
ماذا كانت النتيجة؟ قام "جوي" والمشاركون الآخرون في المرحلة ذات المغزى ببناء متوسط 10.6 قطع وحصلوا على مبلغ 14.40 دولار في الوقت الذي قضوه. وعندما
وصلوا للمرحلة التي بدأ يتضاءل فيها مكسبهم عن كل قطعة أقل من دولار (نصف الدفعة الأولى)، استمر 65% منهم في المسابقة. في المقابل، توقف المشاركون في
لعبــة المرحلــة العبثيــة فــي وقــت أقــرب بكثــير، كــان متوســط مــا بنتــه المجموعــة 72 قطعــة (مــا يعــادل 68% ممــا بنتــه المجموعــة المشــتركة فــي لعبــة المرحلــة ذات المــغزى)
وحصلوا على متوسط مبلغ 1152 دولار. قام 20% فقط من المشاركين في المرحلة العبثية ببناء القطع عندما حصلوا على مبلغ أقل من دولار واحد لكل روبوت.
?
بالإضافة لمقارنة عدد القطع التي قام المشاركون ببنائها في الحالتين، نريد أن نكشف عن مدى تأثير حب لعبة الليجو على الأشخاص في المثابرة في المهمة. عمومًا
يمكنك توقع أنه كلما ازداد حب المشارك للعبة الليجو، كلما أتم بناء قطع أكثر. (قمنا بقياس ذلك عن طريق حجم الارتباط الإحصائي بين هذين الرقمين). حقًّا
كــان الأمــر كــذلك، لكــن تبــين أيــضًا أن الحــالتين كـانتا مختلفتـين جـدًّا بخصـوص العلاقـة بـين حـب اللـيجو والمثـابرة فـي المـهمة، ففـي الحالـة ذات المـغزى كـانت العلاقـة
مرتفعة، لكنها كانت تقريبًا صفر من الناحية العملية في الحالة العبثية.
نستنبط من هذا أنه عندما يكون الناس محبين لشيء ما (بعد كل هذا، وقع الطلاب المشاركون في هذه التجربة على تجربة لبناء الليجو) ويدخلون مرحلة اللعبة
ذات المغزى فإن السعادة الناتجة عن اشتراكهم في هذه المرحلة ستكون محركًا أساسيًّا في تحديد مستوى جهودهم في اللعبة، ومع ذلك إذا شاركت نفس المجموعة
بنفس الشغف الأول في ظروف عمل لا معنى لها لديهم، سيتم القضاء بسهولة على أي فرحة داخلية لديهم قد تنتج عن نوع النشاط الذي يمارسونه.
 
تخيل أنك مستشار زائر لمصنعين يقومان بتصنيع روبوتات بيونكليز، وتتشابه ظروف العمل في المصنع الأول إلى حد كبير مع الحالة العبثية (للأسف، هذا لا يختلف
كثيرًا عن حالة كثير من أماكن العمل). بعد ملاحظة سلوك العمال، فمن الأرجح أن تستنتج أنهم لا يحبون لعبة الليجو كثيرًا (أو ربما أن لديهم شيئًا معينًا ضد
قطــع البيونكــل). كمــا أنــك تلاحـظ حاجتـهم لحـوافز ماديـة لتحفـيزهم علـى الاسـتمرار فـي العمـل فـي مـهمتهم غـير المحببـة لنفوسـهم، وكـيف أنـهم تـوقفوا عـن العمـل بسرعة بمجرد انخفاض المكافأة عن مستوى معين. عندما تقدم عرض الباوربوينت إلى مجلس إدارة الشركة، تلاحظ أن تناقص الأجر لكل وحدة إنتاجية يؤدي إلى
انخفاض حاد في رغبة العمال في العمل. وبناء عليه، يمكن أيضًا استنتاج أن إنتاجية المصنع تزيد بازياد الأجور.
بعــــد ذلــــك، تقـــوم بزيــارة المصــنع الثــاني الــذي أســس بطريقــة مشــابهة أكثــر لحالــة المــغزى. الآن، تخيــل كــم كــانت اســتنتاجاتك صــعبة عــن الطبيعــة الشــاقة للمــهمة
وسعادتك بتلك الاستنتاجات ومستوى التعويض اللازم للاستمرار في المهمة.
لقــد قمنــا بــالفعل بتجربــة اســتشارية متعلقــة بالموضــوع عــن طــريق وصــف الظــروف التجريبيــة فــي الحــالتين للمشــاركين، وســؤالهم لتقــييم الفــارق فــي الإنتاجيــة بــين
المصنعين. في الأساس، قام المشاركون بالتقييم الصواب، فقد قَيَّموا أن الإنتاج الكلي في حالة المغزى كانت أكبر بكثير منها في حالة العبثية لكنهم أخطأوا في تقييم
حجم الفرق. فقد رأوا أن المشاركين في حالة المغزى يمكن أن يقوموا بتجميع واحدة أو اثنتين من قطع البيونكليز، ولكنهم في الحقيقة حصلوا على متوسط 3.5
زيادة. تشير هذه النتيجة إلى أنه بالرغم من إمكانية الاعتداد بتأثير المغزى الصغير والمتوسط على الحافز، لكنا نقلل بشكل كبير من قدرتها.
في ضوء ذلك، دعنا نفكر في نتائج تجربة البيونكليز من حيث العمل من واقع الحياة. أحب "جوي" و "تشاد" لعبة الليجو وحصلا على نفس معدل الأجر، وقد
علم كل منهما أن إبداعاتهما مسألة مؤقتة، كان الفَارق الوحيد هو أن "جوي" استطاع أن يحتفظ بوهم أن عمله كان ذا معنى فاستمر لذلك في التمتع ببناء قطع
البــيونكليز، أمــا "تشــاد" فقــد رأى تفكيــك عملــه قطعــة قطعــة ممــا اضــطره للشـعور بـأن عملـه أصـبح دون مـغزى ******* . علـى الأرجـح أن كـل المشـاركين فـهموا أن
المسألة كلها كانت سخيفة، وبعد كل شيء فإن المشاركين كانوا فقط يصنعون أشياء من الليجو ولا يصممون سدًّا جديدًا لإنقاذ أرواحهم أو تطوير دواء جديد،
ولكن بالنسبة للمشاركين في حالة "تشاد"، فقد أدت مشاهدتهم لهدم ما بنوه أمام أعينهم لإحباط كبير، لقد كان ذلك كافيًا للقضاء على أي فرحة وجدوها من
بناء القطع في المقام الأول. ويبدو أن هذه النتيجة تتفق مع قصص "ديفيد" و "ديفرا"، فإن صوغ السرور في صورة رغبة للعمل يبدو أنه في معظمه يعتمد على
مقدار المغزى الذي يمكن أن نضيفه لأعمالنا.
لقد قضينا على ذكريات الطفولة لنصف المشاركين فقد آن الأوان لتجريب طريقة أخرى في التجربة نفسها، في هذه المرة اعتمد الإعداد التجريبي عن كثب على تجربة
"ديفيد". مرة أخرى أنشأنا كشكًا في مركز الطلاب، ولكننا هذه المرة اختبرنا ثلاث حالات واستخدمنا مهمة مختلفة.
عمدنا إلى ورقة عليها تسلسل عشوائي لحروف وطلبنا من المشاركين إيجاد الحالات التي يتبع فيها الحرف " S " حرف " S " آخر. قلنا لهم إن كل ورقة تحوي عشر
حــالات متتابعــة مــن Ss وعليــهم إيجـادها جمـيعًا لإكمـال الورقـة، كمـا أخبرنـاهم عـن خطـة الـدفع، فسـوف يحصـلون علـى 0.55 دولار إذا مـا أنـجزوا الصـفحة الأولـى
وسيحصلون على 0.50 دولار للصفحة الثانية وهكذا (لن يحصلوا على شيء إطلاقًا مقابل الصفحة الثانية عشرة والثالثة عشرة).
في الحالة الأولى (التي أطلقنا عليها مقبول)، طلبنا من الطلاب كتابة أسمائهم على كل ورقة قبل البدء في المهمة ثم عليهم إيجاد الحالات العشر المتعاقبة لــ Ss .
وبمجــرد انتــهائهم مــن الورقــة قــاموا بتســليمها للمختبــر الــذي فحــص الورقــة مــن أعلاهــا إلــى أدنــاها وهز رأســه بــالإيجاب، وقلبــها علـى قمـة كومـة كبـيرة مـن الأوراق
المنتهية.
أما تعليمات الحالة المهملة فقد كانت نفس التعليمات بشكل أساسي، لكننا لم نطلب من المشاركين كتابة أسمائهم أعلى الورقة، وبعد الانتهاء من المهمة، أعطوا
الورقة للمختبر الذي وضعها على كومة من الأوراق حتى من دون أن يلقي عليها ولو نظرة خاطفة، وفي الثالثة، الحالة الممزقة المشئومة كما يطلق عليها، عمدنا
إلى شيء مبالغ فيه أكثر، فعندما يسلم المشارك ورقته، يقوم المختبر على الفور بإلقائها في آلة التقطيع أمام ناظري المشارك بدلًا من وضعها أعلى كومة الورق،
حتى بدون النظر إليها.
أعجبنا الاختلاف الناتج عن التقدير البسيط. بناء على محصلة اختبار قطع الليجو، توقعنا أن يكون المشاركون في المرحلة المقبولة أكثر إنتاجية، لقد أتموا فعلًا أوراقًا
عديدة أخرى من الخطابات عن المشاركين الآخرين في الحالة العبثية، عندما نظرنا إلى عدد المشاركين الذين استمروا في فحص الرسائل الثنائية بعدما وصلوا إلى
مبلغ زهيد يساوي عشرة سنتات (والتي كانت أيضًا الورقة العاشرة)، وجدنا أن حوالي نصف (49%) المشاركين في المرحلة المقبولة استمروا في إتمام عشر أوراق أو
أكثر، بينما كان هناك فقط 17% في المرحلة العبثية من أتموا عشر أوراق أو أكثر، لقد بات واضحًا أن إيجاد أزواج الرسائل قد يكون ممتعًا ومشوقًا (إذا تم تقدير
جهدك) أو قد يكون مؤلمًا (إذا لم يبال أحد بعملك).
لكن ماذا عن المشاركين في المرحلة المهملة؟ لم يتخلص أحد من عملهم ولم يتلقوا تعليقًا على عملهم، كم عدد الأوراق التي من الممكن أن يكملوها؟ هل من الممكن
أن تكون محصلة عملهم مماثلة لتلك التي للمشاركين في المرحلة المقبولة؟ هل سيقودهم عدم وجود رد فعل مماثل لناتج المشاركين في حالة العبثية؟ أم هل تكون
نتائج المشاركين في المرحلة المهملة ما بين نتائج المرحلتين الأخريين؟
كشفت النتائج عن أن المشاركين في المرحلة المقبولة أكملوا متوسط 9.03 ورقة من الرسائل، وأكمل المشاركون في المرحلة العبثية 6.34 ورقة، بينما أكمل المشاركون
فــي المرحلــة المــهملة (برجــاء قــرع الطبــول) 6.77 ورقــة (وأكمــل 18% منــهم فقـط عشـر أوراق أو أكثـر). كـان كـم العمـل المنـجز فـي المرحلـة المـهملة قـريبًا جـدًّا مـن الأداء فـي
المرحلة العبثية عنه في المرحلة المقبولة.
 
لقد تعلمنا من هذه التجربة أن استنباط المغزى من العمل أمر سهل بشكل مذهل. إذا كنت مديرًا يرغب في تثبيط العمال، فما عليك إلا تدمير أعمالهم أمام
أعينهم، أما إذا أردت أن تكون رقيقًا معهم فما عليك إلا تجاهلهم وتجاهل جهودهم، من ناحية أخرى إذا أردت تحفيز أناس يعملون معك ولك، فما عليك إلا أن
تبدي اهتمامًا بهم وبجهودهم ونتائج أعمالهم.
هناك أكثر من طريقة للتفكير في نتائج تجربة إيجاد أزواج الحروف. فسرعان ما أدرك المشاركون في الحالة العبثية أنهم قد يخدعون لأنه لا أحد يزعجهم بتفحص
أعمالهم، في الحقيقة إذا كان المشاركون متعقلين فإنهم سيقومون بالخداع في الحالة العبثية عندما يدركون ألا أحد يفحص أعمالهم، ويثابرون في المهمة الأطول
ويجنون أكبر قدر من المال. إن حقيقة أن المشاركين في الحالة المقبولة قد عملوا لفترة أطول وأن المشاركين في الحالة العبثية قد عملوا لفترة أقصر ليقترح كذلك أن
الأمر حينما يتعلق بالعمل، فإن الحافز الإنساني يكون معقدًا، ولا يمكن أن نهون من الأمر ونقول إنها مفاضلة بسيطة "العمل من أجل المال"، لكن بدلًا من ذلك،
علينا إدراك أن تأثير المغزى على العمل، وأيضًا تأثير القضاء على المغزى من العمل، أقوى مما نتوقع عادة.
تقسيم ومعنى العمل
لقد لاحظت اتساقًا بين نتائج التجربتين، والتأثير الكبير بين هذه الفروق الصغيرة في المغزى أو بالأحرى مذهلة، كما تذكرت غيابًا شبه تام للسرور كنتيجة لبناء
الليجو الذي من المفترض أن يجده المشاركون في المرحلة العبثية. عندما تأملت في المواقف التي واجهت "ديفيد"
و"ديفرا" وآخرين، تذكرت مساعدي الإداري.
كــان مســاعدي الإداري "جـاي" يقـوم بـإدارة حسـاباتي البحثيـة والـدفع للمشـاركين وطلـب المعـدات البحثيـة وتـرتيب جـدول السـفر الخـاص بـي. لكـن اسـتخدام "جـاي"
لتكنولوجيا المعلومات جعل من وظيفته مهمة عبثية، كان "جاي" يستخدم يوميًّا برنامج "ساب" مما جعله يملأ استمارات في العديد من المجالات على النماذج
الإلكترونيــة المناســبة، وإرســال هــذه الاســتمارات الإلكترونيــة إلــى الأشــخاص الآخــرين الــذين مـلأوا بضـعة حقـول فـي الاسـتمارات وأرسـلوها بـدورهم إلـى شـخص آخـر،
والذي أقر النفقات ومن ثمَّ أرسلها إلى بعد ذلك إلى شخص آخر والذي قام بالفعل بتسوية الحسابات. لم يكن "جاي" المسكين يقوم فقط بجزء بسيط من المهمة
ليست ذات مغزى نسبيًّا، ولكنه ما شعر بالرضا أبدًا لرؤية عمل له يتم إنجازه بشكل كامل.
لمـاذا صـمم المـوظفون البـارعون فـي معـهد ماسـاتشوستس للتكنولوجيـا وشـركة "سـاب" النظـام بـهذه الطريقـة؟ لمـاذا يقسـمون المـهام إلـى مكونـات كثـيرة ويجعلـون كـل
شــخص مســئولًا عــن مــهام قليلــة ولا يطلعونــهم أبــدًا علــى التقــدم الكلــي لأعمالــهم أو تمــام مــهامهم؟ أعتقــد أنــه يمكــن تفسـير الأمـر بواسـطة خطـط الكفـاءة لــ "آدم
ســــميث" والــــذي بَيَّن فــــي كتابــــه "ثــــروة الأمـــم" 1776 أن تقســيم العمــل يعــد طريقــة مؤثــرة جــدًّا لتحقــيق كفــاءة أعلــى فــي العمليــة الإنتاجيــة. تــأمل علــى ســبيل المثــال،
ملاحظاته على مصنع الدبابيس:
... في كثير من الأحيان، يكون تقسيم العمل محل انتباه، في مجال صناعة الدبابيس، كان هناك عامل ليس بارعًا في هذا النوع من التجارة (يعتبر تقسيم العمل
تجارة متميزة) ولا ملمًّا باستخدام الآلية المستخدمة فيها (والتي كان تقسيم العمل سببًا في اكتشافها على الأرجح) لعله يستطيع بكل ما أوتي من مثابرة أن يصنع
دبوسًا واحدًا في اليوم فضلًا عن عشرين. ولكن بالطريقة المتبعة حاليًّا في هذا النوع من المهن، لا يعد الأمر برمته مهنة متميزة فحسب، ولكنه مقسم لعدد من
الفروع في معظمها مهن متميزة، فيقوم أحد الأشخاص بشد السلك وآخر بتقويمه وثالث بقطعه ورابع يوجهه وخامس يصقل مقدمته لصناعة الرأس، وصناعة
الرأس تستلزم خطوتين أو ثلاثًا متباينة، فتلبيس الدبوس مهمة مستقلة وتبييضه مهمة أخرى ووضعه في الورق مهمة ثالثة، وبهذه الطريقة تنقسم المهمة في
صناعة الدبابيس إلى حوالي ثماني عشرة عملية متباينة والتي يؤديها عمال مختلفون في بعض المصانع أو يقوم عامل واحد في مصانع أخرى أحيانًا بمهمتين أو ثلاث منها، وقد رأيت بنفسي مصنعًا صغيرًا من هذا النوع؛ حيث يعمل فيه عشرة عمال فقط، ومن ثمَّ يقوم بعضهم بمهمتين أو ثلاث مهام مختلفة، ولكن بالرغم
من كونهم فقراء جدًّا وبالتالي متلائمين مع الآلات اللازمة لكن دون مبالاة استطاعوا بجهد كبير تصنيع اثني عشر رطلًا من الدبابيس في يوم واحد، يحتوي الرطل
الواحد تقريبًا على أربعة آلاف دبوس من الحجم المتوسط. ولذلك استطاع العمال العشرة مجتمعين تصنيع ثمانية وأربعين ألف دبوس في اليوم1.
عنــد تقســيم المــهام إلــى أجزاء، نكـون قـد خلقنـا كفـاءات محليـة، فكـل شـخص يمكنـه أن يـؤدي أفضـل وأفضـل فـي المـهام الصـغيرة. (جعـل "هنـري فـورد" و "فريـدريك
وينســلو تــايلور" مفــهوم تقســيم العمــل شــاملًا لنظــام التجمــيع، وقـد اكتشـفا أن هـذه الطريقـة قللـت مـن الأخطـاء وزادت مـن الإنتاجيـة وجعلـت مـن الممكـن تصـنيع
ســيارات وبضــائع أخــرى بشــكل جمــاعي). لكننــا غــالبًا لا نــدرك أن تقســيم العمــل قــد يُخلــف العــديد مــن الخســائر البشــرية أيــضًا، فــي أوائــل عــام 1844 أشــار "كــارل
ماركس" الفيلسوف الألماني والاقتصادي السياسي، عالم الاجتماع، الثوري، والد الشيوعية، إلى ما أطلق عليه "اغتراب العمل". فيرى "ماركس" أن العامل المغترب
ينفصل عن أنشطته وأهداف عمله والعملية الإنتاجية. وهذا يجعل من العمل نشاطًا سطحيًّا لا يتيح للعامل أن يحقق ذاته
أو المغزى من العمل.
مــن المســتبعد جــدًّا أن أكــون ماركســيًّا (علــى الــرغم مــن أن معظــم النــاس يعتقــدون أن غالبيــة الأكــاديميين ماركسـيون)، لكـن لا يجـدر بنـا جمـيعًا أن نقلـل مـن فكـرة
"مــاركس" عــن التغــريب بخصــوص دوره فــي مكــان العمــل. فــي الحقيقـة أعتقـد أن فكـرة التغـريب لـم تكـن مجـدية تمـامًا فـي زمـان "مـاركس"؛ حـيث كـان مـن الصـعب
الشعور بالمغزى من العمل حتى ولو بذل العمال قصارى جهدهم. بالنسبة للمناخ الاقتصادي اليوم، يكون لإصرار "ماركس" على فكرة التغريب في العمل جدوى،
لأن الوظائف في هذه الآونة تتطلب خيالًا وإبداعية وتأملًا وعملًا ليل نهار. كما أعتقد أيضًا أن إصرار "آدم سميث" على الكفاءة في تقسيم العمل كان ملائمًا في زمانه
عندما كان هذا العمل مرتكزًا أساسًا على الإنتاج البسيط وهو أقل أهمية في علم الاقتصاد الحالي.
مــن هــذا المنطلــق، يعــد تقســيم العمــل فــي رأيــي أحــد أخطــار العمــل القــائم علــى التكنولوجيــا. إن البنيــة الأســاسية لتكنولوجيــا المعلومــات الأســاسية تتـيح لنـا تقسـيم
المشاريع إلى أجزاء منفصلة صغيرة، وتخصيص كل شخص للقيام بواحدة من تلك المهام الصغيرة. تخاطر الشركات بهذه الطريقة لأنها تشتت الحس التقديري
للموظفين بخصوص النظرة الشاملة للأمور والهدف والشعور بالكمال. قد يكون العمل الذي تم تقسيمه لأجزاء كثيرة فعالًا إذا ما كان الناس آلات أوتوماتيكية،
لكن قد تؤدي هذه الطريقة لنتائج عكس المرجوة بالنظر لأهمية الحافز الداخلي والمغزى للمحفزات والإنتاجية الخاصة بنا؛ حينما نفتقد المغزى، قد يشعر عمال
المعرفة بأنهم مثل شخصية "تشارلي تشابلن" في رواية Modern Times تحت تروس آلة في مصنع، ونتيجة لذلك تكون رغبتهم ضعيفة للتفاني في أعمالهم
بقلوبهم وأرواحهم.
بحثًا عن المغزى
إذا ما نظرنا إلى سوق العمل من هذا المنظور، فمن السهل معرفة الطرق الكثيرة التي تقتل الشركات من خلالها الحافز في موظفيها ولو بشكل غير متعمد. فكر
فقط في مكان العمل الخاص بك ولو لدقيقة وأنا متأكد أنك ستستنبط أكثر من مجموعة أمثلة.
قد يكون هذا يقينًا منظورًا محبطًا لكن هناك مساحة للتفاؤل. نظرًا لأن العمل جزء رئيسي في حياتنا، فمن الطبيعي أن يرغب الناس في إيجاد مغزى حتى ولو كان
فــي أبســط وأقــل حالاتــهم. تشــير نتــائج تجــربتي اللــيجو والحــروف المزدوجــة إلــى فــرص حقيقيــة فــي زيــادة الحــافز وإلــى خطــورة ســحق الشــعور بــالانتماء. إذا مــا رغبــت
الشركات حقًّا في إنتاجية العمال فعليهم أن يشعروا العمال بالمغزى من العمل ليس فقط من خلال كلام نظري بل بجعلهم يشعرون بكمال العمل والامتنان
لعملهم المتقن، في نهاية اليوم تكون هذه الشركات قد أثرت كثيرًا على شعور العمال بالرضا وعلى الإنتاجية.
كمــا يمكــن اســتقاء درس آخــر عــن المــغزى وأهميــة تمــام العمــل مــن أبطــال بحثــي "جـورج لوينشـتاين"، قـام "جـورج" بتحليـل تقـارير مشـروع صـعب جـدًّا وفيـه روح
التحــدي ألا وهــو تســلق الجبــال. وطبــقًا لتحليلاتــه اســتنتج أن "تســلق الجبــال مــا هــو إلا بــؤس دائــم مــن البـداية إلـى النـهاية". لكـن تسـلق الجبـال يتـرك شـعورًا كبـيرًا
بــــالإنجاز (ويصــــلح مــــادة للحــــديث الشــــيق علـــى مائــدة طعــام العشــاء). إن الحاجــة لإتمــام الأهــداف لــهي أمــر أصــيل فــي النفــس البشــرية، ربمــا كتأصــله فــي الأســماك
والجربوع والجرذان والقردة والشامبنزي، والببغاوات التي لعبت لعبة "سيكاتريت". كتب "جورج" يقول:
إن الشيء الوحيد الذي أشك فيه هو أن الحافز لنيل هدف أو إنجازه هو أمر فطري، فالبشر كمعظم الحيوانات وحتى النباتات لديها ترتيبات معقدة لآليات تماثل
ساكنة والتي تحفظ أنظمة الجسم في حالة اتزان، معظم مآسي تسلق الجبال كالجوع والعطش والألم تعد أمثلة على آليات التماثل الساكنة التي تحث الناس
على عمل ما يحتاجون إليه ليظلوا أحياء...إذن فربما تكون الحاجة العميقة لإنجاز أي هدف هي مظهر آخر من مظاهر نزعات الكائنات الحية للتعامل مع المشاكل -
في هذه الحالة تنفيذ الإجراءات ذات الدوافع2.
بالتمعن في هذه الدروس، قررت أن أضفي على عمل "جاي" روح المغزى من خلال تأطيرها، بدأت بقضاء وقت كل أسبوع أشرح له البحث الذي كنا نقوم عليه،
ولماذا قمنا بالتجارب وماذا استنتجنا منها، وجدت أن "جاي" عمومًا يشعر بالإثارة لأن يعرف ويناقش البحث، لكنه ترك معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا بعد
ذلك بشهور قليلة للحصول على درجة الماجستير في الصحافة، لذا فلم أعرف إن كانت خطواتي قد حققت نجاحًا أم لا. وبصرف النظر عن نجاحي مع "جاي"، فما
زلت أتبع نفس الطريقة مع مَن يعملون معي الآن بمن فيهم "ميجان هوجرتي" المدهش الجدير بالثقة.
وفي النهاية أشارت النتائج إلى أن القليل من المغزى الذي نشعر به يمكن أن يدفعنا للأمام طويلًا. قد لا يحتاج المديرون (وكذلك الأزواج والمعلمون وأولياء الأمور)
بشكل أساسي إلى زيادة المغزى في العمل بقدر ما يتبينون من عدم تخريبهم عملية العمل. تعد مقولة الطبيب اليوناني القديم "أبقراط" "تعود على شيئين: أن
تساعد، أو على الأقل لا تضر" مهمة في مكان العمل كما هي الحال في الطب.
* عندما ينتهي الأكاديميون من مقالة لتقديمها إلى مجلة، عند هذه المرحلة يرسل المحرر المقالة إلى عدد قليل من المراجعين المجهولين للقيام بحكم نقدي ونخبر
المــؤلف عــن ســبب عـدم قبـول المقالـة أو عـدم نشـرها علـى الإطـلاق. وهـي أحـد طـرق التعـذيب التـي نطبقـها نحـن الأكـاديميين علـى أنفسـنا وفـي رأيـي فإنـها أحـد العـوائق
الرئيسية للإحساس بالذات في العمل الأكاديمي.
** في هذه الأيام، يأخذون الطلاب الأكبر سنًّا والأكثر حكمة كحراس لهذه الرحلات.
*** كما هو واضح، فأنا على يقين أن هناك لغزًا هنا في كيفية جعل الأطفال يأكلون، ولكني لست أدري ما هي حتى الآن.
**** إنني أقوم بالشيء نفسه الذي يفعله "جين بول" عندما أقوم بتجربة مع طهو الطعام. الطعام الذي أقوم بإعداده من الناحية الموضوعية ليس جيدا كطعام
المطاعم ولكني أجده أشهى وأمتع.
***** هي عبارة عن الجزء الأخير من الدماغ للتطور وواحدة من أهم الاختلافات الجوهرية بين الدماغ البشري وأدمغة جميع الثدييات الأخرى.
****** بالرغم من أني أذكر أنها سألتني ذات يوم عما إذا كان بإمكانها أن تستمع إليَّ وأنا ألقي كلمة عن الاحتمالات الذاتية والموضوعية وكنت مبتئسا جدا عندما
نامت بعد عشر دقائق من الإلقاء.
******* أظن أن "اختبار البطة" (لو أنها تشبه البطة وتسبح كالبطة وتقرقر كالبط، فلا بد إذن أن تكون بطة) هو أفضل طريقة لتعريف المغزى في العمل. علاوة
على ذلك، الجانب المهم في تجاربنا هو الفرق في المعنى بين الظروف وليس المستوى المطلق للمغزى.
الفصل 3
تأثير ايكيا
لماذا نبالغ في تقدير ما نفعل؟
كل مرة أذهب فيها إلى متجر ايكيا السويدي للأثاث، يتكدس عقلي بأفكار عن تطوير المنزل، والخصومات الكبيرة في قسم المفروشات المعروف باسم "جهز بيتك
بنفسك" مثل قلعة مسرحية ضخمة للكبار. فأمشي في قاعات العرض المختلفة وأتخيل كيف يبدو هذا المكتب الأنيق أو المصباح أو خزانة الكتب في بيتي، أحب أن
أرى المعروضات الأنيقة غير المكلفة في معرض حجرات النوم وأتفحص كل الأواني والأطباق في المطابخ اللامعة المليئة بالخزانات الخاصة بقسم "اصنعها بنفسك"،
وأشعر برغبة في شراء حمولة شاحنة بالأثاث الذي يتم تصنيعه ذاتيًّا وأملأ منزلي بكل العلب المائية الرخيصة الملونة.
إنني غالبًا لا أنصاع خلف نهم الشراء من متجر إيكيا، ولكنني قد أتجول فيه عند اللزوم. في إحدى هذه الجولات، اشتريت حلًّا سويديًّا حديثًا للألعاب التي تملأ
غرفة العائلة، اشتريت إحدى اللعب التي يتم تجميعها، وذهبت بها إلى البيت وفتحت الصناديق وقرأت التعليمات وبدأت في تجميع القطع المختلفة في مكانها.
(علــيَّ أن أعــي أننــي لســت مــاهرًا جــدًّا فــي عمليــة تجمــيع القطــع، ولكننــي فعــلًا أســتمتع بعمليــة البنــاء، ربمــا كــان هــذا آثـارًا متبقيـة مـن اللعـب بـالليجو فـي طفولتـي).
للأســف، لــم تكــن القطــع ممــيزة بالشــكل الــذي رغبتــه، وكــانت التعليمــات غامضـة؛ خاصـة فـي بعـض المراحـل الصـعبة. كالعـديد مـن التجـارب الحياتيـة، كـان قـانون
"ميرفي" هو المحرك الفاعل لتجميع القطع، فكل مرة كنت مضطرًّا لتخمين وضع القطعة الخشبية أو البرغي فكان تخميني خاطئًا. أحيانًا كنت أدرك خطئي على
الفور وأحيانًا أخرى لم أكن أشعر بخطئي إلا بعد المضي ثلاث أو أربع خطوات في اللعبة وهو ما كان يتطلب تغيير موقفي وأبدأ من جديد.
مــا زلــت أحــب الألغــاز، لــذا حـاولت اسـتعراض عمليـة إعـادة بنـاء أثـاثي مـن متجـر إيكيـا كمـا لـو كنـت أحـل لـغزًا كبـيرًا، لكـن عمليـة لـف نفـس المسـامير الملولبـة للـداخل
والخـارج شـلت عقلـي عـن الاسـتمرار فاسـتغرق الأمـر برمتـه وقـتًا أطـول ممـا تـوقعت، فـي النـهاية وجـدت نفسـي أمـام لعبـة الصـندوق مجمعـة تمـامًا، فقمـت بتجمـيع
لعب أطفالي ووضعتها بداخلها بحرص. كنت فخورًا جدًّا بما توصلت إليه، وظللت أسابيع بعد ذلك أبتسم بفخر كلما سرت بجوار البنيان الذي جمعته. من وجهة
نظر إيجابية، أنا متأكد تمامًا أنها لم تكن أفضل قطعة أثاث اشتريتها. وأنا حتى لم أصمم أو أقس أي شيء أو قطعت خشبة أو طرقت أي مسامير، لكني أعتقد أن
الساعات القليلة التي قضيتها في لعبة الصندوق جعلتني أحبها، شعرت بانجذاب نحوها أكثر من أي قطعة أثاث أخرى في منزلنا، وتخيلت أنها أيضًا انجذبت إليَّ
أكثر من غيرها من الأثاث.
شيء من داخل الفرن
يتجذر عميقًا داخل الإنسان مشاعر الفخر بالإبداع والتملك. عندما نصنع وجبة من نقطة الصفر أو رف مكتب، فإننا نبتسم ونقول لأنفسنا: "أنا فخور جدًّا بما
فعلت توًّا". السؤال هو: لِمَاذا نقبل التملك في بعض الحالات دون الأخرى؟ متى نشعر بفخر مبرر تجاه ما نقوم به؟
عند الحد الأدنى لمقياس الإبداع، يوجد إعداد وجبة المكرونة والجبن والتي لا أعتبرها أنا شخصيًّا نوعًا من البراعة الفنية، فإنها لا تحتاج إلى مهارة فريدة من نوعها
لصنعها وتتطلب أقل جهد لذلك: التقط عبوة وادفع ثمنها وخذها للبيت، وافتح الكيس وقم بغلي الماء، ثم قم بطهي وتصفية المكرونة ثم قم بتقليبها مع الزبد
واللبن والتوابل برتقالية اللون، ثم قدم الطعام. وفقًا لذلك فمن الصعب جدًّا أن تفخر بتحمل المسئولية في مثل هذا الإبداع. على الطرف الآخر من مقياس الإبداع،
هناك وجبة المكرونة مع حساء الدجاج والفلفل المحشو وفطيرة التفاح الكندي التي كانت جدتك العطوفة تصنعها لك، في هذه الحالات (النادرة)، نشعر بفخر
مبرر لتحمل المسئولية والإبداع.
ولكن ماذا عن إعداد وجبات الطعام التي هي بين هذين الطرفين على مقياس الإبداع؟ ماذا لو قمنا "نحن الأطباء" بمعالجة مرطبان من صلصة المكرونة الجاهزة
للاستخدام بأعشاب طازجة من حديقتنا ورقاقات أنيقة من جبن بارميجيانو-ريجيانو؟ ماذا لو أضفنا قليلًا من الفلفل المشوي؟ هل ثمة اختلاف ما إذا كان الفلفل
من المتجر
أو من حديقتنا؟ باختصار، ما الجهد الذي سنبذله لكي نظهر إبداعاتنا بفخر؟
لاستيعاب الوصفة الرئيسية لتحمل المسئولية والفخر، دعونا نلق نظرة تاريخية على الأغذية نصف الجاهزة، من أول لحظة ظهور خلطات الخبز الفورية في أواخر
أربعينيات القرن الماضي، والتي كان لها وجود قوي في عربات البقالة الأمريكية والمخازن وفي نهاية المطاف على طاولة العشاء. ومع ذلك لم تلق كل الخلطات ذلك
الترحيب. وكانت ربات البيوت على وجه الخصوص متحفظات بشأن استخدام خلطات الكعك الفورية التي تحتاج لإضافة الماء بكل بساطة. وتساءل بعض المسوقين
عما إذا كانت خلطات الكعك حلوة جدًّا أم أنه مذاق صناعي. لكن لم يستطع أحد معرفة سبب كون الخلطات المستخدمة في فطيرة البسكويت (والتي تتكون من
نفس المكونات الأساسية إلى حد كبير) مألوفة جدًّا، بينما ليس لخلطات الكعك رواج، لماذا لا تبدي ربات البيوت المجدات اهتمامًا واضحًا ببروز فطيرة البسكويت
من الصندوق؟ ولماذا يكن أكثر حساسية إذا تعلق الأمر بالكعك؟
أحد التفسيرات لذلك هو أن خلطات الكعك سهلت العملية لدرجة أن النساء لم تعد تشعرن أن الكعك الذي يصنعنه من نتاجهن. وكما تشير الكاتبة في شئون
الطعام "لورا شابيرو" في كتابها الذي بعنوان Something from the Oven 3 فإن البسكويت والفطيرة مهمة، لكن ليس كوجبة مستقلة بذاتها. قد تشعر ربة
المنزل بسعادة لمجاملة بسبب طبق يحوي مكونات تم شراؤها دون أن تشعر أن تلك المجاملة في غير محلها، من جانب آخر فإن الكعك سهل التحضير من البداية
للنهاية، علاوة على ذلك غالبًا ما يكون للكعك جانب وجداني إذ إنه يرمز لمناسبة خاصة * . المرأة التي تدعي أنها ماهرة في إعداد المخبوزات ترغب بالكاد في صنع
كعك عيد ميلاد (أو تعترف علنًا أنها كذلك) تعتبر نفسها شخصًا يصنع كعكًا من "مجرد مزيج". وهي لن تشعر فقط بالخزي أو الذنب، ولكنها قد تخيب أيضًا أمل
ضيوفها الذين سيشعرون أنهم لم يحظوا بطعام جيد.
في ذلك الوقت، تكهن العالم النفساني وخبير التسويق "إرنست ديشتر" بأن استبعاد بعض المكونات والسماح للنساء بإضافتها للخليط قد يكون حلًّا للمشكلة ** .
وقد أصبحت هذه الفكرة معروفة باسم "نظرية البيضة"، من المؤكد أنه عندما ألغى "بيلسبيري" البيض المجفف وطلب من النساء إضافة بيض طازج مع الحليب
والزيــت إلــى الخلــيط، ارتفعــت المبيعــات. وبالنســبة لربــات المنــازل فــي خمســينيات القــرن العشــرين، فــإن إضــافة البــيض ومكـون أو اثنـين آخـرين كـان كـافيًا جـدًّا لـرفع
خلطات الكعك من خانة المشتريات المخزونة للمبيعات حتى لو تم التلاعب قليلًا بالحلوى. هذا المحرك الأساسي للتملك في المطبخ، إلى جانب الرغبة في الراحة هو
السبب في مهارة شعار بيتي كروكر "يمكنك مع بيتي كروكر القيام بطهي أفضل". ما زال الأمر بيدك، من خلال قليل من الوقت ومساعدة مَن حولك في المنزل، ولا
عيب في ذلك، أليس كذلك؟
 
في رأيي أن "ساندرا لي" مبتكرة الوصفات "شبه محلية الصنع" ذائعة الصيت هي أكثر شخص يفهم التوازن الدقيق بين الرغبة في الشعور بالفخر في التملك والرغبة
في عدم قضاء وقت أطول في المطبخ. سجلت "ساندرا لي" فعلًا براءة اختراع بمعادلة دقيقة تصف بدقة النقطة التي يحدث عندها التقاطع "70/30 فلسفة شبه
محلية الصنع®". وطبقًا لـ "ساندرا"، قد يسبب الإفراط في الطهي شعورًا بفرحة الإبداع مع توفير الوقت باستخدام المنتجات الجاهزة في 70% من العملية (مزيج
الكعك، مخزون الثوم المفروم، ومرطبان من صلصة مارينارا) و30% لمسات إبداعية جديدة (قليل من العسل والفانيليا في مزيج الكعك والريحان الطازج في صلصة
مارينارا). والشيء الذي يسعد المشاهدين ويحبط الذواقة وعشاق الطعام أنها تجمع بين المنتجات الجاهزة للاستخدام مع تخصيص قدر مناسب فقط من اللمسات
الشخصية.
على سبيل المثال، فيما يلي وصفة "ساندرا لي" لـ "كرات الشيكولاتة الممتعة":4
وقت الإعداد: 15 دقيقة
المستوى: سهل
الإنتاج: حوالي 36 كرة
المكونات:
1 (453 جرام) حاوية شيكولاتة تزيين
3/4 كوب من سكر البودرة، منخول
ملعقة صغيرة من خلاصة الفانيليا النقية
1/2 كوب من مسحوق الكاكاو غير المحلى
التوجيهات:
خطط قطعتي كعك وضع ورقتين من ورق على صينية الخبز. وباستخدام خلاط يد، اخفق مسحوق السكر والشيكولاته والفانيليا في وعاء كبير حتى تصبح ناعمة.
وباستخدام ملعقة كبيرة ... قم بتشكيل الخليط لكرات وضعها على صينية الخبز، ورش الكرات بمسحوق الكاكاو, وقم بتغطية وتبريد الكرات لحين تقديمها.
بشكل أساسي، أتقنت "ساندرا" نظرية البيض وبرهنت لزملائها المتحمسين أقل جهد يمكن بذله لتحمل مسئولية إعداد طبق شخصي بطريقة أخرى. كان برنامجها
التليفزيوني ومجلاتها وكتب الطبخ بمثابة برهان على أن قدرًا بسيطًا من تحمل المسئولية يعد مكونًا مهمًّا في التمارين النفسية - أي الطبخ.
بــالطبع، مــن الصــعب أن يقتصــر الفخــر بتحمــل المســئولية علــى النســاء والمطبــخ. تنظــر شــركة لوكـال مـوتورز - وهـي شـركة تتعـامل مـع الرجـال بشـكل أكبـر - لنظريـة
البيضة نظرة أشمل. فإن الشركة الصغيرة تتيح لك أن تصمم ثم تصنع سيارتك على مدى أربعة أيام تقريبًا، تستطيع أن تختار تصميمًا أساسيًّا إلى أن تصل إلى
التصميم النهائي للسيارة التي تريدها مع وضع الاعتبارات الإقليمية والمناخية في الاعتبار. بالطبع إنك لا تقوم بذلك منفردًا، ولكن مجموعة من الخبراء يساعدونك
في القيام به. الجديد والبارع في الأمر أن شركة موتورز لوكال تسمح للزبائن بالتفكير في النمط الذي يريدونه في سيارتهم فتتيح لهم بذلك شيئًا نفيسًا وترضي غرور
النفس. (كم من الناس يطلقون على سيارتهم "طفلي"؟). إنها إستراتيجية مبدعة حقًّا، فالطاقة والوقت اللذان تقضيهما في تصميم سيارتك يضمنان لك أن تحبها كما تحب أطفالك.
بالطبع، أحيانًا نتحول بسبب الأشياء التي نحبها من مجرد تعلق ممتع إلى تعلق تام، كما هي الحال مع خاتم "جولوم" النفيس في ثلاثية Lord of the Rings
للكاتب البريطاني "جيه. آر. آر. تولكين". سواء أكان الأمر يتعلق بخاتم سحري أو سيارة صممت بولع أو تجربة سجادة جديدة، فإن أنواعًا معينة من الناس يقعون
تحــــت تــــأثير الأشــــياء النفيســــة. (إذا كنــــت تعــــاني مــــن ذلــــك بشــــدة وتقــــع فــــي حــــب الأشــــياء، كــرر خلفــي: "إنــه مجــرد امــلأ الفــراغ: ســيارة أو ســجادة أو كتــاب أو لعبــة
صندوق....").
إنني أحب أوريغامي "طي الورق" على طريقتي
بالطبع إن النظرية القائلة بأن الاستثمار في العمل يؤدي إلى التعلق ليست جديدة، فعلى مدار العقود القليلة الماضية، أظهر العديد من الدراسات أن الزيادة في
الجهد يمكن أن تؤدي إلى زيادة في القيمة في أوجه مختلفة *** . على سبيل المثال، الجهد الذي يستثمره الناس للانضمام إلى مجموعة اجتماعية كنادي الرجال أو
أعضاء هيئة التدريس الدائمين أصبح أمرًا مرهقًا ومؤلمًا ومخزيًا كلما زاد تقدير الأعضاء لتلك المجموعة. وإليك مثالًا آخر لذلك: كزبون لشركة لوكال موتورز الذي
أنفق 50000 دولار وأيامًا عديدة لتصميم وهيكلة سيارته تجده يقول لنفسه: "إنني حقًّا أحب هذه السيارة جدًّا فقد بذلت فيها جهدًا مضنيًا، سأعتني بها جدًّا
وأحبها للأبد".
لقد سردت قصة لعبة الصندوق الجميلة لـ "مايك نورتون" (الذي يعمل حاليًّا أستاذًا في جامعة هارفارد) و "دانييل موكون" (وهو زميل بعد الدكتوراه في جامعة
كاليفورنيا بسان دييجو)، واكتشفنا أننا جميعًا لنا نفس التجارب. وأنا على يقين من أن لك نفس التجربة عزيزي القارئ. على سبيل المثال، لنفترض أنك تزور عمتك
"إيفا" وحوائط منزلها مزينة بكثير من الفنون المصنوعة في المنزل من رسومات مؤطرة لفاكهة غريبة الشكل تستقر بجانب وعاء أشجار ذات ألوان مائية على شكل
نصــــف قلــــب، شـــيء يشــبه شــكل إنســان غــامض وهكــذا. عنــدما تنظــر إلــى هــذه التحفــة الفنيــة الجماليــة، تتعجــب مــن ســبب تعلــيق عمتــك لــها علــى الجــدار. وإذا مــا
تفحصتها أكثر، تلاحظ أن التوقيع المزخرف الذي عليها يحمل اسم عمتك "إيفا"، وفجأة تكتشف أن عمتك ليس لها ذوق غريب، ولكنها مفتونة بحبها لإبداعها،
فتقول بصوت عالٍ باتجاهها: "أوه، يا عمتي، كم هذا جميل، هل رسمته بنفسك؟ إنه...معقد جدًّا!". حينما تسمع العمة "إيفا" الثناء على عملها فإنها تعطيك
الكثير من الكعك بالزبيب المصنوع من دقيق الشوفان المنزلي، وهو تحسن كبير لأعمالها الفنية لحسن الحظ.
قررت أنا و "مايك" و "دانييل" أن نظرية التعلق بالأشياء التي نتبناها جديرة بالاختبار، وعلى وجه الخصوص أردنا فهم آلية تولد الحب من العمل. كانت خطوتنا
الأولى (كما هي الحال في كل المشروعات البحثية المهمة) هي اقتراح اسم شفرة للتأثير. تكريمًا للإلهام بهذه الدراسة، قررنا أن نطلق على المغالاة الناتجة عن العمل
"تأثير إيكيا"، لكن الأمر ببساطة هو أن توثيق تأثير إيكيا لم يكن هو ما نبحث عنه. أردنا معرفة ما إذا كانت القيمة الملموسة الأكبر الناشئة عن تأثير إيكيا مبنية على
التعلق الوجداني ("إنه مقوس وقوي بما فيه الكفاية، إنه رف الكتب الخاص بي !") أم على الوهم الذاتي ("هذا الرف جذاب كالتصميم الذي يبلغ سعره 500 دولار
من متجر "ديزاين ويذن ريتش!").
بالرجوع إلى العمة "إيفا" وموضوع الفن، بدأت أنا و "مايك"
و"دانييل" في زيارة أحد متاجر الفن المحلية بحثًا عن المواد التجريبية. كان تشكيل الطين والطلاء أمرًا فوضويًّا للغاية، فقررنا الاعتماد في تجربتنا الأولى على الفن
الياباني لـ "طي الورق" أو ما يطلق عليه "أوريجامي". بعد أيام قليلة، أنشأنا كشك "أوريجامي" في مركز الطلاب وسمحنا للطلاب بتصميم أشكال على هيئة ضفدع
أو على شكل طائر الكركي (وكانا على نفس الدرجة من الصعوبة). أخبرنا المشاركين أيضًا بأن التصميم الذي سيقومون بعمله سينسب إلينا لكنا سنتيح لهم عمل
مناقصة في مزاد لأعمالهم.
وأخبرنا المشاركين بأن المزاد سيجرى على جهاز كمبيوتر باستخدام طريقة خاصة تسمى إجراء "بيكر-دي جروت-مارشاك" (سميت على اسم مخترعيها) وشرحنا
لهم الطريقة بعد ذلك بالتفصيل الدقيق. باختصار، سيقوم الكمبيوتر بإظهار رقم عشوائي بعدما يقوم المشارك أو المشاركة بالقيام بمحاولة. وإذا كانت محاولات
المشــارك أكبــر مــن محــاولات الكمبــيوتر، فســيأخذون التصــميم ويــدفعون الســعر الــذي يحــدده الكمبــيوتر. ومــن ناحيــة أخــرى، إذا كــانت محــاولات المشــارك أقـل مـن
الكمبــــيوتر، فلــــن يـــدفع شــيئًا ولــن يأخــذ التصــميم. والســبب فــي اســتخدامنا لــهذا الإجــراء هــو التأكــد مــن أن المشــاركين قــاموا بمحــاولات بغيــة أكبــر قــدر أرادوا دفعــه
للتصميم - ولا سنتًا أكثر ولا أقل **** .
كان "سكوت" - وهو رائد متحمس في العلوم السياسية في العقد الثالث من عمره - هو أول من اقترب من الكشك. بعد شرح التجربة وقواعد المزاد لـ "سكوت"،
أخبرناه بتعليمات عمل الضفدع وطائر الكركي‏ (راجع الشكل الموجود بالصفحة التالية). إذا كان معك ورقة ملائمة للاستعمال، يمكنك تجريب الأمر بنفسك.
تم تصنيف "سكوت" في حالة المبدع، وقام بتنفيذ التعليمات بدقة وتأكد من أن كل طية متوافقة مع الرسم البياني، وفي النهاية صمم ضفدعًا مقبولًا إلى حد كبير.
وحينمــا سـألناه عـن المبلـغ الـذي سـيخصصه للتصـميم (إجـراء بـيكر-دي جروت-مارشـاك)، صـمت لوهلـة ثـم أجـاب بثبـات: "خمسـة وعشـرون سـنتًا". كـانت محاولتـه
قريبة جدًّا من معدل المحاولات المخصصة لحالة المبدع والتي بلغت ثلاثة وعشرين سنتًا.
?
 
ثم دار طالب آخر اسمه "جاسون" حول الطاولة ونظر إلى تصميم "سكوت" الصغير، وسأله القائم بالتجربة: "كم تدفع نظير هذا الضفدع؟"، ولأن "جاسون"
ليس إلا عابر سبيل حتى الآن، ولم يجرب حالة المبدع، فما كان منه إلا أن أبدى تقديره لعمل "سكوت". التقط "جاسون" الورقة المطوية وجرب رأسها المصنوع
جيــدًا والســاقين غــير المسـتقيمين، وقـد دفعـها علـى جانبـها حتـى تقـفز قليـلًا. وفـي النـهاية قـدر ثمـن الضـفدع (باسـتخدام إجـراء بـيكر-دي جروت-مارشـاك مـرة أخـرى)
بخمسة سنتات وهو المعدل الذي يقيمه مَن هم في مرحلة غير المبدع.
كان ثمة اختلاف في التقييم بين الحالتين، فغير المبدعين مثل "جاسون" اعتبروها كومات ورق غير بارعة كأنها تحولات مطوية بواسطة شخص أخرق في مختبر
البدروم، وفي الوقت نفسه، كان لتلك الكومات الورقية معنى عند المبدعين. ومع ذلك لم نعرف سبب تنوع التقييمات من اختلاف العرض. هل الأمر ببساطة أن
المبدعين يستمتعون بفن الأوريجامي عمومًا، بينما لا يبالي غير المبدعين (الذين لم تتح لهم الفرصة لتصميم الأوريجامي) بصحائف الورق المطوية؟ أم أن المشاركين
في كلتا المرحلتين يقدرون فن الأوريجامي بنفس الدرجة بينما أحب المبدعون ما قاموا بتصميمه؟ أو بعبارة أخرى، هل أحب "سكوت" ومن معه من المشاركين فن
الأوريجامي عمومًا أم أحبوا ما صنعوه منه فقط؟
للتوصــل لإجابــة مبــدئية عــن هــذه الأســئلة، طلبنــا مــن اثنــين مــن الخبــراء فــي فــن الأوريجــامي تصــميم ضــفادع وطـيور الكـركي. ثـم طلبنـا مـن مجموعـة أخـرى مـن غـير
المبــدعين أن يقــوموا بــإجراء مزاد علــى عملــهم الــرائع بشــكل موضــوعي. قــام غــير المبــدعين فــي هــذه المـرة بعـرض سـعر وصـل إلـى سـبعة وعشـرين سـنتًا، بينمـا قـام غـير
المبدعين بتقييم التصميم الذي كان يبدو احترافيًّا بشكل مقارب جدًّا لعروض "سكوت" وأصدقائه على الفن الهاوي من جانبهم (23 سنتًا) وأعلى بكثير من عروض
غير المبدعين والهواة من الفنانين (5 سنتات).
وقــد كشــفت هــذه النتــائج عــن انحيــاز واضــح مـن جـانب المبـدعين عنـدما يقـيمون عملـهم، بينمـا قـيم غـير المبـدعين الفـن الـهاوي بعـدم الجـدوى، وكـانت التصـميمات
الاحترافية أكثر إثارة تقريبًا. في المقابل يرى المبدعون أن تصميماتهم جيدة بالشكل الذي يراه الخبراء في فن الأوريجامي، وأصبح من الواضح أن الفرق بين المبدعين
وغير المبدعين ليس في كيفية رؤيتهم لفن الأوريجامي عمومًا، ولكن في أن المبدعين أحبوا وبالغوا في تقييم ما صنعوه.
باختصار تقترح هذه التجارب الأولية أنه بمجرد أن نقوم بتصميم شيء ما، فإننا نقيمه بشكل مبالغ فيه، وكما يقول المثل العربي: "القرد في عين أمه غزال" .
التخصيص والعمل والحب
فــي بــداية ظــهور صــناعة الســيارات، ســخر "هنــري فــورد" مــن الزبــائن الــذين يقبلــون ســيارة مـن طـراز تـي مـدهونة بـأي لـون طـلاء أرادوا طـالما أنـها سـوداء اللـون، كـانت
تكاليف السيارات منخفضة بشكل دائم نظرًا لأن لونها واحد يتحمل تكلفته كثير من الناس. وكانت شركة فورد بصفتها شركة متطورة في صناعة التكنولوجيا قادرة
على إنتاج مختلف الماركات والموديلات دون رفع الأسعار بشكل كبير.
ولا يزال التطور سريعًا إلى اليوم؛ حيث إنك تستطيع إيجاد الملايين من المنتجات التي تناسب ذوقك، على سبيل المثال، إنك لا تسير خمسة شوارع في نيويورك دون
أن تصيبك الدهشة من أنماط أحذية النساء الغريبة في نوافذ العرض، ولكن بازدياد عدد الشركات التي تسمح للزبائن بالمساهمة في تصميم المنتج، فإن هذا الطراز
يتغير، وذلك بفضل التطورات في تكنولوجيا الإنترنت والتشغيل الآلي، يسمح المصنعون للزبائن بتصميم منتجات تتناسب مع خصوصياتهم الفردية.
على سبيل المثال، موقع Converse.com هو موقع إلكتروني تستطيع من خلاله تصميم أحذيتك الرياضية غير الرسمية. بعدما تختار موديل الحذاء الذي يناسبك
(ذو مكعــب مســتو أو ذو كعــب منخفــض لمصــممين بعينــهم، أو ذو كعــب عــال، أو ذو كعــب عــال جــدًّا)، والمــادة المســتخدمة فــي الصــناعة (القمــاش، الجلــد، جلــد
الــغزال)، فــإنك بــذلك تســتمتع بمجموعــة طــلاء علـى حسـب الأرقـام، ثـم تقـوم بـالاختيار مـن بـين ألـوان لوحـة الرسـم والنمـاذج وتشـير إلـى الـجزء مـن الحـذاء (الـجزء
الــداخلي، الجــدار المطـاطي، الأربطـة) وتلـون كـل جزء علـى حسـب رغبتـك، عنـدما تكـون علـى أريحيتـك فـي اختيـار الحـذاء المناسـب فـإنك تحصـل علـى حـذاء لـيس فقـط
مناسبًا لك، وإنما فريد من نوعه لك وحدك وهذا بفضل موقع Converse.com .
العديد من الشركات بدأت الدخول في تجربة التخصيص، فيمكنك تصميم أثاث مطبخك وتصمم سيارتك الخاصة من شركة لوكال موتورز وتصمم أحذيتك وأكثر
من ذلك. إذا اقتنعت بهذا الأسلوب في اختيار أشيائك، فستجد أن أفضل طريقة للتخصيص تتمثل في الموقع الإلكتروني المستبصر، وهو الذي يقوم بتصميم الحذاء
الــذي تــرغب فيــه بســرعه ويوصــله إليــك بــأقل مجـهود. وبقـدر مـا يبـدو الأمـر ممتـازًا، فـإنك إذا مـا اسـتخدمت هـذه الطريقـة الفعالـة فـي تصـنيع أشـيائك وفـق رغبتـك،
فستفوتك فوائد تأثير إيكيا؛ حيث تحب ما تصنعه بنفسك أكثر، وذلك بسبب الجهد والفكر اللذين تبذلهما في المنتج.
هل ذلك يعني أن الشركات ستطلب دومًا من زبائنها تصميم كل شيء فيما يخص المنتج؟ بالطبع لا، لأنه يوجد حل وسط بين السهولة والاستثمار. اطلب من
الناس بذل جهد كبير جدًّا وعندئذ ستتسبب في إبعادهم عنك، أو اطلب منهم بذل جهد بسيط جدًّا دون توفير فرص للتخصيص والشخصنة والتعلق القلبي.
يعتمد الأمر في كل هذه الأمور على أهمية المهمة وعلى الاستثمار الشخصي في نوع المنتج. بالنسبة لي شخصيًّا، تعد طريقة التلوين بالأرقام للأحذية أو نمط لغز
البــانوراما مثــل لعبــة الصــندوق بمثابــة التــوازن الصــواب، فــأي شــيء دون ذلــك لــن يحــرك رغبتــي تجــاه تــأثير إيكيــا، وأي شــيء أكثـر سـيصيبني بالضـجر. عنـدما تـدرك
الشركات الفوائد الحقيقية للتخصيص، فقد تبدأ بتصنيع منتجات تتيح للزبائن التعبير عن أنفسهم، وتحقق قيمة ومتعة أكثر في نهاية المطاف ***** .
 
في تجربتنا التالية ، أردنا اختبار مدى ثبات التقييم المفرط الذي يمارسه المبدعون إذا ما أزلنا كل احتمالات التخصيص الفردي، لذا طلبنا من المشاركين القيام
بتصميم عصفور وبطة وكلب وهليكوبتر من مجموعة معبأة من قطع الليجو. واستطعنا من خلال استخدام مجموعات الليجو تحقيق هدفنا بتصنيع الأشياء على
غير رغبتنا، لأن المشاركين كان عليهم أن يلتزموا بالتعليمات من دون أية اعتراضات، وبهذه الطريقة كانت أشكال كل التصميمات متماثلة في نهاية الأمر. وكما
تكون قد توقعت تمامًا، ظل المبدعون يرغبون في دفع المزيد لتصميماتهم بالرغم من حقيقة كون تصميماتهم مطابقة تمامًا لتصميمات باقي المبدعين.
وتشير نتائج هذه التجربة إلى أن الجهد المبذول في عملية البناء هو مكون مهم في مسألة التعلق بما نصممه بأنفسنا. وبالرغم من أن تصميم الأشياء وفق رغبتنا
يعد قوة أخرى تتسبب في أن نبالغ في تقييم ما نصممه، فإننا سنبالغ أيضًا في التقييم حتى لو لم نصمم ما نرغب فيه.
استيعاب مسألة المبالغة في التقييم
لقد تعلمنا من تجربتي الليجو والأوريجامي أننا نتعلق بالأشياء التي نبذل جهدًا في صنعها، وبمجرد حدوث هذا، فإننا نبالغ في تقييم تلك الأشياء. سؤالنا التالي
كان يدور حول إذا كنا مدركين أو غير مدركين لميولنا للمبالغة في تقييم الأشياء التي نحبها.
على سبيل المثال، بالنسبة لأولادك، إذا كنت مثل معظم الآباء، فإنك تهتم بهم جدًّا (على الأقل حتى يصلوا لمرحلة البلوغ). وإذا لم تكن تعي أنك تبالغ في تقييم
أطفالك، فهذا يجعلك تعتقد بشكل خاطئ (وربما بشكل غير مستقر) أن الآخرين يتبنون نفس رأيك بالنسبة لأولادك الرائعين والأذكياء والموهوبين. ومن ناحية
أخرى، إذا كنت تعي أنك تبالغ في تقييمهم، فإنك ستدرك ببعض من الأسى أن الناس لا يرون أولادك مميزين كما تراهم أنت.
بصفتي والدًا يسافر دومًا بالطيران، جربت هذا التأثير في أثناء طقوس تبادل الصور. عندما نكون على بعد 30000 قدم، فإنني أخرج الحاسب المحمول؛ حيث أضع
فيه كثيرًا من الصور والفيديوهات الخاصة بأولادي. وبشكل حتمي يحدث أن ينظر مَن يجلس بجواري في الكرسي على شاشة الحاسب المحمول الخاص بي، ولو
شعرت بأدنى اهتمام ممن بجواري فإنني أبدأ بعرض شرائح لابني وبنتي - أعز شيء إليَّ في الدنيا. وبالطبع أستطيع أن أخمن أن جاري في المقعد يرى أولادي رائعين
وفريــدين وابتســامتهم خلابـة وجـذابين إلـى غـير ذلـك. أحيـانًا وبعـد تمتعـي كثـيرًا بمشـاهدة صـور أولادي توحـي لـي مشـاهدة جـاري أنـي أنظـر إلـى صـور أولاده، وبمـرور
دقيقة أو اثنتين في هذا الأمر، أجد نفسي أتساءل: "فيم يفكر هذا الرجل؟ لا أريد أن أجلس هنا لمدة خمس وعشرين دقيقة أنظر إلى صور أولاد غرباء لا أعرفهم،
لديَّ عمل يتحتم إنجازه، متى تهبط تلك الطائرة؟!".
في الحقيقة أعتقد أن كثيرًا من الناس إما أن يكونوا غير واعين أو على وعي تام بمزايا وعيوب أطفالهم، لكني على يقين من أن معظم الآباء هم من الطراز المتيم
بأولاده دون وعي (الأشخاص الذين يميلون لتفضيل أولادهم). وهذا يعني أن الآباء لا يعتقدون فقط أن أولادهم هم أفضل شيء في الدنيا، ولكنهم يعتقدون أيضًا
أن باقي الناس يعتقدون في المثل.
وهذا هو السبب في روعة قصة The Ransom of Red Chief للكاتب "أوه. هنري". تدور أحداث القصة حول اثنين من اللصوص يسعيان لربح سريع بخطف
طفل لرجل بارز من ألاباما وطلب فدية قدرها 2000 دولار. يرفض الأب أن يدفع للمختطفين واللذين اكتشفا أن الولد ذا الشعر الأحمر يستمتع ببقائه معهما،
كما أنه مشاكس جدًّا يحب المزاح فجعل حياتهما بائسة. قلل المختطفان من الفدية ولكن الصبي ظل مصدر بؤس لهما. في النهاية عرض الأب على المختطفين أن
يسترجع ابنه في مقابل 250 دولارًا يدفعها له المختطفان، وبالرغم من اعتراض الولد، فإن المختطفين تركاه ولاذا بالفرار.
والآن تخيل أنك مشترك في تجربة أخرى لبناء الأوريجامي. فقد انتهيت للتو من تصميم الضفدع أو طائر الكركي، وعلى وشك الدخول في مزاد علني، فتقوم
بالمزايدة وبملغ كبير قطعًا، هل أنت واع أنك تزايد بمبلغ أعلى من المفروض، وألا أحد يقدر تصميمك كما تقدره أنت؟ أم أنك تعتقد أن الآخرين يشاركونك تعلقك
بما صنعته؟
للإجابة عن هذا، قمنا بمقارنة نتائج إجراءين لمزادين مختلفين يطلق عليهما مزاد السعر الأول ومزاد السعر الثاني. دون الخوض في تفاصيل فنية، ****** إذا كنت
تدخل المزاد مستخدمًا إجراء السعر الثاني، فعليك الانتباه بأن تأخذ في الاعتبار مقدار تقييمك للأوريجامي الذي قمت بتصميمه ******* . في المقابل إذا كنت تدخل
المزاد مستخدمًا إجراء السعر الأول، فعليك الانتباه بأن تأخذ في الاعتبار مقدار تقييمك للأوريجامي الذي قمت بتصميمه ومقدار ما سيزايد الآخرون عليه، لماذا
نحتاج إلى هذا التعقيد؟ الجواب كما يلي: إذا ما أدرك المبدعون أنهم كانوا متأثرين للغاية بما صمموه من الضفادع وطائر الكركي لزايدوا بمبلغ أكثر باستخدام المزاد
من السعر الثاني (فقط عندما تكون قيمتها أمرًا ذا بال) عن استخدام المزاد من السعر الأول (عندما يتحتم عليهم أيضًا وضع قيم الآخرين في الاعتبار). في المقابل،
لو لم يدرك المبدعون أنهم الوحيدون الذين يبالغون في تقييم الأوريجامي الذي صنعوه، وأن الآخرين يشاركونهم نفس التقييم، فإنهم بالمثل سيزايدون بمبلغ كبير
في كلتا الحالتين.
إذن، هل فهم مصممو الأوريجامي أن الآخرين لم يقيموا ما صنعوه مثلهم؟ لقد وجدنا أن المبدعين زايدوا بنفس المبلغ عندما قيموا ما صنعوه لوحدهم (مزاد
السعر الثاني) مثلما اعتبروا أن غير المبدعين سيزايدون عليه (مزاد السعر الأول). عدم وجود فرق بين طريقتي العطاء لا تدل فقط على أننا نبالغ في تقييم ما نقوم
بصنعه، ولكننا أيضًا لسنا واعين بدرجة كبيرة بهذا التوجه؛ فنحن نعتقد بشكل خاطئ أن الآخرين يقيمون عملنا مثلنا تمامًا.
أهمية إكمال العمل
إن التجارب التي قمنا بها عن الإبداع والمبالغة في التقييم تذكرني ببعض المهارات التي اكتسبتها عندما كنت في المستشفى. لقد كان أحد الأمور المؤلمة والمزعجة التي
عليَّ تحملها (كنت أستيقظ في السادسة صباحًا لإجراء فحوصات للدم، وإزالة الضمادة المؤلمة، والعلاجات التي مثل الكوابيس، وغيرها)، أقلها إزعاجًا لكن أكثرها
مللًا كان العلاج عن طريق الانشغال. على مدار أشهر طلب مني الأطباء الجلوس أمام طاولة ولا أغادر حتى أثبت مائة من مسامير البرغي، وأقوم بإلصاق قطع
الخشب المغطاة بالفيلكرو على قطع الخشب الأخرى وفصلها وأضع السدادات في الثقوب ومهام أخرى مذهلة للعقل.
كانت هناك مساحة مخصصة للأطفال ذوي المشاكل التنموية الصعبة الذين يتدربون على مهارات عملية مختلفة في مركز إعادة التأهيل عبر الردهة. وفي محاولة
للقيــام بأشــياء مســلية نــوعًا مــا أكثــر مــن تثبــيت المسـامير فـي الثقـوب، تمكنـت مـن الانضـمام إلـى هـذه الأنشـطة الأكثـر جاذبيـة، وخـلال أشـهر قليلـة تعلمـت اسـتخدام
ماكينة الخياطة والإبرة وبعض الأعمال الخشبية البسيطة. لم تكن هذه المهام سهلة نظرًا لصعوبة تحريك يدي، فما كنت أنجزه من أعمال لم يكن على المستوى
المطلوب، لكني بذلت قصارى جهدي لتحسين ذلك، وبالانخراط في كل هذه المهام، استطعت أن أغيَّر العلاج الإشغالي من مهمة مملة بغيضة بشكل يومي إلى
مــهمة أتــوق إليــها وأنتظرهــا، وبــالرغم مــن أن الطبــيب المعــالج حــاول مــرارًا أن يعــود بــي إلــى المــهام المــذهلة للعقــل - فــذلك مــن وجـهة نظـره لـه احتماليـة رفـع القيمـة
العلاجية الفسيولوجية نوعًا ما - فإن المتعة والزهو اللذين شعرت بهما من صنع شيء بنفسي كان له أهمية لي، ولكن من زاوية مختلفة.
كان أكبر نجاح حققته مع ماكينة الخياطة، فمع الوقت استطعت حياكة أكياس للوسائد وملابس غير تقليدية لأصدقائي، وكان ما صنعته من الخياطة يشبه
عمــل المشـاركين الـهواة فـي تجربـة الأوريجـامي، لـم تكـن حـواف أكيـاس الوسـائد أنيقـة، والقمصـان التـي صـنعتها كـانت مشـوهة لكنـي كنـت فخـورًا بـها رغـمًا عـن ذلـك
(وعلى وجه الخصوص، كنت فخورًا بقميص أزرق وأبيض على نمط هاواي الذي صنعته لصديقي "رون ويسبيرج"). فعلى الرغم من كل شيء، لقد بذلت مجهودًا
مضنيًا في صنعها.
كان هذا منذ أكثر من عشرين سنة مضت، لكني ما زلت أتذكر جيدا تلك القمصان التي صنعتها، والمراحل التي مررت بها إلى آخر خطوة لإكمالها، في الحقيقة كان
تعلقي بها قويًّا جدًّا لدرجة أنني كنت مندهشًا نوعًا ما عندما سألت "رون" منذ سنوات قليلة عما إذا كان يتذكر القميص الذي أهديته له، بالرغم من أنني أتذكره بوضوح، إلا أنه بالكاد كان يتذكره.
كما أنني ما زلت أتذكر أشياء أخرى صنعتها في مركز إعادة التأهيل، لقد حاولت مرة نسج سجادة وحياكة جاكت وصناعة مجموعة من القطع الخشبية
للشطرنج، لقد بدأت صنع هذه الأشياء بحماس وجهد كبيرين، لكنني اكتشفت أني لا أستطيع إنجازها وتخليت عن إكمالها في نصف الطريق، ومن المثير للاهتمام
أنــي عنــدما أفكــر فــي تلــك الأشــياء التــي لــم يكتمـل صـنعها، أدرك أنـي لا أتعلـق بـها بطريقـة أو بـأخرى، بـالرغم مـن الـوقت والجـهد الكبـيرين اللـذين قضـيتهما فـي تلـك
الأشياء التي لم تكتمل، إلا أنني في نهاية الأمر لم أتعلق بتلك التحف الفنية التي لم يكتمل صنعها.
كانت ذكرياتي عن مركز إعادة التأهيل مثار تساؤل عما إذا كان من المهم إكمال المشروع لنهايته من أجل المبالغة في تقديره. وبعبارة أخرى من أجل التمتع بتأثير
متجر إيكيا، هل من الضروري أن تثمر جهودنا بالنجاح حتى لو كان هذا النجاح يعني ببساطة أن المشروع قد انتهى؟
انطلاقًا من منطلق تأثير إيكيا، فإن المزيد من الجهد يكسب المزيد من التقييم والتقدير، وهذا يعني أنه لزيادة مشاعر الفخر وتحمل المسئولية في شئون حياتك،
فعليك أن تنخرط بشكل أكبر في صنع الأشياء التي تستعملها في حياتك اليومية. لكن ماذا لو كان مجرد بذل الجهد غير كاف؟ ماذا لو كان إتمام العمل عنصرًا
حاسمًا في مسألة التعلق أيضًا؟ إن كان هذا هو الأمر فلا يجدر بنا التفكير فقط في كل الأشياء التي ربما سنتعلق بها في نهاية الأمر، ولكن علينا أيضًا التفكير في
رفوف متهالكة، وأعمال فنية سيئة، وزهريات خزفية غير متوازنة قد تظل في المرآب لسنوات وهي غير مكتملة الصنع.
للحكــم علــى مــا إذا كــان إكمــال العمــل عنصــرًا حاســمًا فــي التعلــق بمــا نصــنعه بأيــدينا، قمــت أنــا و "مــايك" و "دانييــل" بــإجراء تجربــة مماثلــة لدراسـتنا الأصـلية عـن
الأوريجامي، ولكن بزيادة أمر مهم وهو وضع عنصر الإخفاق في الاعتبار. وكان ذلك عن طريق وضع مجموعة أخرى من التعليمات لتصميمات الأوريجامي، والتي
حجبت بعضًا من المعلومات المهمة على عكس التعليمات في إيكيا.
ولمزيد من الإيضاح، جرب التعليمات التي أخبرنا المشاركين عنها في المرحة الصعبة. قم باقتطاع ورقة بأبعاد 8.5*11 بوصة في مربع بأبعاد 8.5*8.5 بوصة واتبع
التعليمات المبينة في الصفحة المقابلة.
إذا كان الضفدع يشبه بشكل أكبر الأكورديون الذي دهسته شاحنة، فلا تشعر بالاستياء، حوالي نصف المشاركين الذين تلقوا التعليمات الصعبة نجحوا في صنع
أشكال فريدة، بينما انتهى الأمر بالباقين لصنع أوراق مطوية بشكل غير ملائم.
وبمقارنة التعليمات الصعبة بالسهلة المتبعة في تجربة الأوريجامي الأصلية (انظر صفحة 95)، فإنك تستطيع التعرف بسهولة على المعلومات الناقصة، فالمشاركون
في المرحلة الصعبة لم يعرفوا أن السهم ذا علامة الفتحة الصغيرة في نهايته يعني "كرر" أو أن السهم ذا الرأس المثلثي يعني "افتح".
?
 
 بعد إجراء هذه التجربة لوهلة، كان لدينا ثلاث مجموعات: أحدها أتمت المهمة لأن تعليماتها كانت سهلة، الأخرى كانت تعليماتها صعبة ومع ذلك نجحت في
إتمام المهمة، أما المجموعة الثالثة ففشلت في إتمام المهمة وكانت تعليماتها صعبة. هل اضطر المشاركون في المرحلة الصعبة بحكم التعريف للعمل بجد أكثر وقيموا
إبداعاتهم البائسة أكثر من المشاركين الذين صنعوا ضفادع وطيور الكركي اللطيفة بشكل أكثر سهولة ونجاحًا؟ وكيف نقارن المشاركين الذين كافحوا في مجموعة
التعليمات الصعبة، ولكن نجحوا في إتمام المهمة مع المشاركين الذين بذلوا جهدًا في نفس المرحلة، ولكن لم يحرزوا نجاحًا؟
لقد تبين أن المشاركين الذين نجحوا في إكمال الأوريجامي في المرحلة الصعبة قيموا عملهم بشكل أكثر من المشاركين في المرحلة السهلة. هذه النتائج تعني أن بذل
المزيد من الجهد يزيد من تعلقنا فعلًا بالأشياء التي نصنعها، ولكن عندما تكون مكتملة فقط، وعندما يكون الجهد غير تام، يقل تعلقنا بما نصنعه. (وهذا يفسر
أيضًا سبب كون اللعب بجد أكثر إستراتيجية ناجحة في مسألة التعلق. إذا وضعت عراقيل في طريق شخص تحبه، ولكنه استمر في العمل لتحقيق هدفه، فلا بد
أنك تجعل هذا الشخص يقدرك أكثر. ومن ناحية أخرى، إذا رفضت شخصًا بقوة وأصررت على ذلك، فلا تعول على البقاء "كصديق له").
التعلق والعمل
لقد أوضحت التجارب التي قمنا بها أربعة من مبادئ مساعي البشر.
• الجهد الذي نبذله في شيء لا يغير فقط هذا الشيء، إنه يغيرنا ويغير الطريقة التي نقيم بها هذا الشيء.
• العمل الرائع يؤدي إلى المزيد من التعلق.
• تتعمق لدينا مبالغتنا في تقييم الأشياء التي نصنعها لدرجة أننا نشعر أن الآخرين يشاركوننا نفس المنظور المتحيز.
• عندما لا نتمكن من إكمال شيء بذلنا فيه جهدًا، فإننا لا نتعلق به كثيرًا.
انطلاقًا من هذه النتائج، قد نحتاج لإعادة النظر في أفكارنا بشأن الجهد والاسترخاء. وينص هذا النموذج الاقتصادي البسيط على أننا مثل فئران في متاهة، فأي
جهد نبذله في صنع شيء يبعدنا عن المنطقة المريحة ويؤدي إلى جهد غير مرغوب فيه وإحباط وتوتر. وإذا تسنى لنا تقديم رشوة في هذا النموذج، فإن ذلك يعني أن
مساراتنا لزيادة متعتنا في الحياة لا بد أن تركز على محاولة تجنب العمل وزيادة استرخائنا الفوري. وهذا قد يكون على الأرجح هو السبب الذي يجعل كثيرًا من
الناس يعتقدون أن أفضل إجازة يمكن للمرء قضاؤها هي التي تسترخي فيها بكسل على شاطئ غير معروف وتشرب مشروبات غير تقليدية.
وبالمثل فإننا نعتقد أننا نستمتع بتجميع الأثاث، لذا نشتريه جاهزًا، ونحب الاستمتاع بالأفلام في صخب، ولكنا نتخيل التوتر الذي ينتج عن توصيل سماعات ستريو
رباعية للتليفزيون، ولذا نطلب من شخص آخر القيام بذلك لنا، ونحب الجلوس في الحديقة لكننا لا نحب التعرق
أو تلويث مساحة من الحديقة أو سحق العشب، ولذا فإننا ندفع للبستاني ليجز العشب ويزرع بعضًا من الزهور، ونحب أن نستمتع بوجبة جميلة، لكن التسوق
والطهي أمران مزعجان للغاية لذا نأكل خارج المنزل
أو نلقي بأي شيء داخل الميكروويف لنأكله.
وللأسف، إذا ما خضع جهدنا لهذه الأنشطة، يمكننا الاسترخاء ولكن بالفعل قد نفقد الاستمتاع العميق لأنه في الواقع لا يمكن تحقيق شعور بالرضا على المدى
البعيد إلا عن طريق الجهد، بالطبع قد يقوم كثيرون بالعمل المضني أو جز العشب بشكل أفضل (بالنسبة إلينا هذا صواب تمامًا)، ولكن قد تسأل نفسك: ترى ما
قــــدر الاســــتمتاع الزائــــد الــــذي ســــأشعر بــه إذا مــا عملــت بنفســي فــي تلــيفزيوني الجــديد أو تــركيب الاســتريو أو رعايــة حــديقتي أو تجــهيز وجبتــي؟ إذا كنــت تعتقــد أنــك
ستستمتع بها أكثر، يكون حينها بذل مجهود أكثر أمرًا مفيدًا.
ولكن ماذا عن إيكيا؟ بالتأكيد من الصعب أحيانًا تجميع قطع الأثاث جنبًا إلى جنب ويصعب اتباع التعليمات. لكن لأني أفضل أسلوب "شبه المصنوع ذاتيًّا" بالنسبة
للأثاث، فإنني سأبذل القليل من الجهد الإضافي حالة تثبيت بعض المسامير. قد أتضايق أحيانًا عندما أقوم بتجميع خزانة كتبي في المرة القادمة، ولكن في نهاية الأمر
سأتعلق بأثاث الفن الحديث الذي صنعته بنفسي وسأجني متعة أعلى تمتد لأوقات طويلة.
* بشكل عام، نحن غالبا ما نهتم جدا بالنهايات عندما نقيم التجارب الشاملة. من هذا المنظور، تصبح الكعكة في النهاية وجبة مهمة.
** المبدأ نفسه ينطبق أيضا على الرجال. وأنا أستخدم المصطلحات الأنثوية لأنه في ذلك الوقت كانت النساء مسئولات عن الطبخ أكثر.
*** كما أشرنا في الفصل الثاني، فحتى الحيوانات تفضل أكل الطعام الذي تعبت في الحصول عليه بطريقة أو بأخرى.
**** إجراء بيكر-دي جروت-مارشاك مشابه لمزاد السعر الثاني في مقابل التنظيم العشوائي.
***** فيما يخص بعض مخاطر التخصيص ومجازفات الانغماس المفرط في حب ما نقوم بتصميمه، يمكنك الرجوع إلى تصميمي لمنزلي على طريقتي الخاصة في
كتابي الذي بعنوان توقع لا عقلاني.
****** الفروق بين النوعين معقدة نوعا ما ولهذا منح ويليام فيكري جائزة نوبل في الاقتصاد عام 1996 لأنه وصف بعضا من الفروق الدقيقة بينهما.
******* يشبه هذا الإجراء طريقة المزاد المستخدمة بواسطة موقع إي باي وأيضا طريقة " بيكر - دي جروت - مارشاك " التي استخدمناها سلفًا.
الفصل 4
الانحياز لــ "ليس من صنعنا"
لماذا تعد "أفكاري" أفضل من "أفكارك"؟
من حين لآخر أعرض نتائج مختلفة لأبحاثي لمجموعة من المديرين التنفيذيين على أمل أن يستخدموا بعضًا منها لابتكار منتجات أفضل، وأنا أيضًا آمل أن يقوموا
بذلك، باستخدام الأفكار في شركاتهم وإطلاعي على النتائج التي توصلوا إليها بفضل أفكار نتائج أبحاثي.
في أحد تلك اللقاءات، طرحت على بعض من المديرين في البنوك أفكارًا لجعل العملاء يدخرون المال للمستقبل، بدلًا من صرفها بمجرد الحصول عليها. وصفت
بعــــضًا مـــن الصــعوبات التــي تعترينــا جمــيعًا عنــد التفكــير فــي فرصــة المكســب مــن المــال ("لــو أننــي اشــتريت هــذه الســيارة الــيوم، فمــا الــذي قــد لا أتمكــن مــن فعلــه فــي
المستقبل؟). واقترحت بعضًا من الطرق يقوم المصرفيون من خلالها بشكل ملموس بطرح فكرة التنازل عن ميزة من أجل الحصول على أخرى بين الادخار الحالي
والإنفاق المستقبلي لمساعدة العملاء على تحسين القدرة على اتخاذ القرارات المتعلقة بالمال وزيادة قاعدة العملاء وولائهم.
للأســف لــم يتــأثر المصــرفيون بكلامــي، فــي أثنــاء محـاولتي لجـذب انتباهـهم، تـذكرت مقالـة لــ "مـارك تـوين" بعنـوان "بعـض الحمـاقات القوميـة"، وفيـها أشـاد "تـوين"
باســتعمال الألمــان للموقــد، وأبــدى أســفه لإصــرار الأمــريكيين علــى الاعتمـاد علـى مواقـد الفحـم الضـخمة التـي قـد تحتـاج مـن الناحيـة العمليـة لطـاقم كـامل مـن أجـل
إبقائها مشتعلة دائمًا:
إن مسألة تأخر البعض في اتباع الأفكار القيمة للبعض الآخر لهو أمر غريب وغير مبرر، فهذا النوع من الحمق لا يقتصر على مجموعة بعينها أو بلد بعينه، وإنما
هو أمر يمارس عالميًّا. حقيقة الأمر هي أن الجنس البشري ليس فقط بطيئًا في تتبع الأفكار الجيدة، بل إنه أحيانًا يصر على عدم اقتباسها من الأساس.
وخير مثال على ذلك الموقد الألماني - ذلك النصب التذكاري من البورسلين الأبيض الضخم المرتفع نحو السقف في زاوية الغرفة بشكله المهيب الشامخ، والذي يوحي
بــالموت والقبــر - أيــن يمكــن أن تجــده خــارج دول ألمـانيا؟ أنـا واثـق أننـي لـن أجـده فـي أي بلـد لا يتكلـم الألمانيـة، مـن المؤكـد أنـه أفضـل موقـد تـم اختراعـه وأكثرهـا ملاءمـة
وجدوى اقتصادية.5
من وجهة نظر "توين"، فإن الأمريكان ببساطة ترفعوا عن المواقد الألمانية لأنهم ببساطة لم يستطيعوا التوصل لاختراعه أولًا بأنفسهم. وبالقياس، كان الأمر نفسه
معي عند التعامل مع المصرفيين. عند النظر لتلك الوجوه الواجمة، كنت قد طرحت عليهم فكرة جيدة - لم تكن فكرة نظرية بل كانت مدعومة بالبيانات. ولكنهم
عادوا بظهورهم على مقاعدهم إلى الوراء دون مبالاة ودون إبداء رغبة في معرفة حيثيات المسألة. بدأت أتساءل عما إذا كان الأمر غير مثير بالنسبة لهم، وذلك لأن
الفكرة كانت من بنات أفكاري ولم تكن من إبداعاتهم. وإذا كان الأمر كذلك، فهل عليَّ أن أجعلهم يعتقدون أن الفكرة نابعة عنهم كلية أو على الأقل جزئيًّا وليس
عني؟ هل سيكون هذا سببًا في حثهم على تطبيق الفكرة؟
لقد ذكرني هذا بإعلان تجاري لشركة فيديكس. جلست مجموعة من الموظفين مرتدين زيًّا من القمصان وأربطة العنق حول طاولة مجلس الإدارة، وبدأ المدير الذي
يرتدي زيًّا رسميًّا أكثر في إخبارهم بأن هدفهم هو توفير أموال الشركة، فقام موظف حزين في هيئته، أجعد الشعر واقترح التالي: "حسنًا، يمكن أن نقوم بعمل
حساب على شبكة الإنترنت مع شركة فيديكس فنوفر 10% من إجمالي مصاريف الشحن"، نظر باقي الموظفين إلى بعضهم في صمت في انتظار إشارة من المدير الذي
كان يستمع في هدوء ويداه مطويتان، وعلى وجهه نظرة تأملية. وبعد لحظة صمت كرر كلام الموظف الحزين مخترقًا حاجز الصمت في إشارة بيده، وصفق باقي
الموظفين في تملق، استطرد الموظف صاحب الاقتراح أنه عرض هذا الاقتراح منذ قليل، فرد عليه المدير بنفس الإيماءة المؤكدة قائلًا له: "لكن لم يكن اقتراحك على
هذا النحو الذي عرضته أنا".
بالنسبة لي، يمثل هذا الإعلان التجاري الهزلي مسألة مهمة عن كيفية تناول الناس أفكارهم وأفكار الآخرين، وكم هو مهم لنا أن نتوصل لفكرة أو على الأقل نشعر
أنها فكرتنا لنقدرها.
إن انجذاب المرء لأفكاره الخاصة ليس بعيدًا عن مجال الأعمال، وشأنه في ذلك شأن العمليات التجارية المهمة الأخرى، ينطبق عليه نفس المصطلح غير الرسمي
القائل: الانحياز ضد ما هو "ليس من صنعنا". والأمر بصورة أساسية على هذا النحو: "طالما لم أكن أنا (نحن) من طرح الفكرة، فهي لا تجدي إذن ما دامت من
غيري".
أي حل يكون مقبولًا ما دام أنه من أفكاري
عنــدما نســتوعب تعلــق الإنســان بأشــيائه الماديــة (كمــا ســبق فــي الفصــل الـذي يتنـاول تـأثير إيكيـا)، قـررت أنـا و "راشـيلي بـاركان" و "سـتيفن سـبيلر" (طـالب دكتـوراه فـي
جامعــة ديــوك) بدراســة عمليــة أدت لاعتنــاقنا مجموعــة مــن الأفكــار. لقــد أردنــا علــى وجـه التحـديد أن نجـرب مـا إذا كـانت عمليـة إبـداع أفكـار تخصـنا مماثلـة لعمليـة
تصنيع الأشياء في لعبة الصندوق.
طلبنا من "جون تيرني"، كاتب في عمود العلوم في صحيفة نيويورك تايمز، أن ينشر رابطًا على مدونته6 يطلب فيه من القراء الاشتراك في دراسة عن الأفكار. وتم
توجيه سؤال لبضعة آلاف ممن تتبع الرابط عن بعض المشكلات العامة التي يواجهها العالم، وتقييم حلول هذه المشكلات، طرح بعض المشاركين حلولهم الخاصة
لهذه المشكلات، ثم قاموا بتقييمها، بينما توصل بعضهم الآخر للحلول التي توصلت إليها أنا و "ستيفن" و "راشيلي".
في تجربتنا الأولى طلبنا من بعض المشاركين النظر إلى قائمة تحوي ثلاث مشكلات في وقت واحد، ويقوم كل منهم بطرح حلوله الخاصة. (وأطلقنا على هذه المرحلة
اسم مرحلة الإبداع). كانت المشكلات كالتالي:
السؤال الأول: كيف يمكن للمجتمعات تقليل كمية المياه التي تستخدمها دون فرض قيود أكثر صرامة؟
السؤال الثاني: كيف يمكن للأفراد المساهمة في تعزيز "السعادة القومية العامة"؟
السؤال الثالث: ما التغيير المبتكر الذي يمكن إجراؤه على ساعة المنبه لجعلها أكثر فعالية؟
بمجرد انتهاء المشاركين من طرح حلولهم الثلاثة، طلبنا منهم تقييمهم لبعضهم على أساس موضوعية الحل ومدى إمكانية نجاحه. كما طلبنا منهم أن يخبرونا
بمقدار الوقت والمال الذي يمكنهم التبرع به لدعم حلولهم المقترحة.
وفــي حالــة الــهواة، طلبنــا مــن مجموعــة أخــرى مــن المشــاركين النظـر فـي نفـس مجموعـة الأسـئلة لكـن دون الحاجـة لتقـديم حلـول. وبـدلًا مـن ذلـك طلبنـا منـهم تقـييم
الحلول التي طرحتها أنا و "ستيفن" و "راشيلي" بنفس الطريقة التي قام فيها المشاركون بتقييم حلولهم الشخصية في حالة الإبداع.
فــي كــل الأحـوال قـام المشـاركون بتقـييم حلولـهم الشـخصية علـى أنـها أكثـر عمليـة، وتنطـوي علـى إمكـانيات أكثـر للنجـاح وهكـذا. كمـا قـالوا إنـهم مـن الممكـن أن يقضـوا
مزيدًا من أوقاتهم ويدفعوا من أموالهم مقابل نشر أفكارهم ولا يقومون بذلك مع أفكارنا.
لقد سررنا بالخروج بهذا الدليل الداعم لفكرة الانحياز ضد ما هو "ليس من صنعنا"، ولكننا لم نستطع تفسير السبب في تصرف المشاركين على هذا النحو. من
جانب، لقد كان من المحتمل للغاية أن تكون أفكارهم من الناحية الموضوعية، أفضل مما توصلنا إليه من أفكار، لكن حتى لو لم تكن أفكارهم أفضل من أفكارنا
بشكل إجمالي، فقد يفسر الأمر على أن أفكار المشاركين تتسق بشكل أفضل مع وجهات نظرهم بشأن العالم، وهذا المبدأ يطلق عليه اسم "التناسب الشخصي".
كمثال أكثر إيضاحًا لهذا، تخيل أن شخصًا ملتزمًا للغاية أجاب عن السؤال التالي: "كيف يمكن للأفراد المساهمة في تعزيز السعادة القومية العامة؟"، سيكون
جوابه بأن يحضر الشخص المناسبات القومية بانتظام، وقد يجيب شخص آخر - أقل التزامًا - عن نفس السؤال بأن يترك كل شخص المناسبات القومية ويركز على
اتباعه للحمية الغذائية المناسبة وبرامج التمارين الرياضية.
سيفضل كل شخص أفكاره على أفكارنا، ليس لأنها من نتاجه، ولكن لأنها تتسق مع معتقداته وتفضيلاته الدفينة.
لقد بات جليًّا لنا أن نتائج التجربة الأولى تحتاج إلى مزيد من التحقق. إننا لم نكن نعرف أن سبب ازدياد تحمس المشاركين لأفكارهم كان الجودة الموضوعية لتلك
الأفكار، ومقدار ما كان منها بسبب التناسب الشخصي، ومقدار ما كان منها - على فرض ذلك - بسبب تجذر حب تحمل مسئولية هذه الأفكار. للتركيز على جزئية
حب الانحياز ضد ما هو "ليس من صنعنا"، كنا بصدد إيجاد موقف لا تكون فيه الجودة الموضوعية أو التناسب الشخصي هو الدافع المحرك. (وبالمناسبة لا يعني
هذا أن العاملين الآخرين ليس لهما أثر في الواقع - بالعكس من ذلك. إنما أردنا فقط اختبار ما إذا كان حب تملك الأفكار عاملًا آخر مؤثرًا في المبالغة في التقييم).
تحقيقًا لهذه الغاية، أجرينا التجربة التالية؛ لكن هذه المرة طلبنا من المشاركين دراسة وتقييم ست مشكلات - الثلاث التي استخدمناها في التجربة الأولى وثلاث
مشكلات أخرى إضافية (انظر قائمة المشكلات وحلولها المطروحة في الصفحة التالية). لكن هذه المرة، بدلًا من وضع بعض المشاركين في موضع المبدعين، وبعضهم
الآخر في دور الهواة، طلبنا منهم جميعًا الاشتراك في كلتا المرحلتين (ينطلي هذا على عزم داخلي للمشارك). قام كل من المشاركين بتقييم ثلاث من المشكلات في إطار
حلولنا المقترحة مما جعلهم في موضع الهواة. وبالنسبة للمشكلات الثلاث الأخرى طلبنا من المشاركين التوصل لحلول من جانبهم ثم تقييم تلك الحلول، وهذا
يعني أنهم في موضع المبدعين بالنسبة لتلك المشاكل الثلاث * .
حتى هذه اللحظة، يبدو هذا الإجراء هو نفسه في التجربة الأولى بشكل أساسي، لكن ثمة اختلافًا تاليًا مهمًّا لانتزاع مختلف التفسيرات المحتملة. كانت رغبتنا هي أن
يتوصل المشاركون إلى حلول من ابتكارهم حتى يشعروا بتملكها، لكننا أردنا أيضًا أن يتوصلوا لنفس النتائج التي توصلنا إليها نحن (وبذلك لا يكون هناك دور
للأفكار الأفضل أو التناسب الشخصي). كيف لنا القيام بهذا العمل الفذ؟
قبل أن أخبركم بما قمنا به، لنلق نظرة على المشاكل الست وإجاباتها المطروحة من جانبنا في الصفحة التالية. تذكر أن كل مشارك اطلع فقط على ثلاث من هذه
المشكلات مع إجاباتنا عليها وتوصلوا لحلول للمشكلات الثلاث الباقية.
المشكلة الأولى: كيف تستطيع المجتمعات التقليل من كمية الماء التي تستخدمها دون اللجوء لفرض إجراءات صارمة؟
الحل المقترح: أن تستخدم مروج المياه تلك المياه الرمادية المكررة الناتجة من مياه الصرف المنزلي.
المشكلة الثانية: كيف يمكن للأفراد المساهمة في تعزيز السعادة القومية العامة؟
الحل المقترح : القيام بأعمال البر والإحسان بصورة عشوائية وبشكل منتظم.
المشكلة الثالثة: ما التغيير المبتكر الذي يمكن إجراؤه على ساعة المنبه لجعلها أكثر فعالية؟
الحل المقترح: إذا أخذت قيلولة، يتم إخطار زملاء العمل من خلال البريد الإلكتروني بأنك استغرقت في النوم.
المشكلة الرابعة: كيف يمكن أن تحمي مواقع شبكات التواصل الاجتماعية خصوصية المستخدم دون قيود على تدفق المعلومات؟
الحل المقترح: استخدام إعدادات صارمة للخصوصية الافتراضية، مع السماح للمستخدمين بإطلاقها عند الضرورة.
المشكلة الخامسة: كيف يمكن للجمهور استعادة بعض المال المهدر على الحملات السياسية؟
الحل المقترح: تحدي المرشحين بمدى استعدادهم للإنفاق على المساهمات الخيرية كما ينفقون على الإعلانات.
المشكلة السادسة: ما الطريقة الوحيدة لتشجيع الأمريكيين على زيادة الادخار من أجل مرحلة التقاعد؟
الحل المقترح: عليك فقط بإجراء دردشة عند مبرد المياه مع الزملاء بخصوص التوفير.
في كل من المشكلات الثلاث؛ حيث كان على المشاركين فيها التوصل لحلول من جانبهم، أعطيناهم قائمة تضم 50 كلمة، وطلبنا منهم استخدام هذه الكلمات
فقط لاقتراح حلولهم، وكانت الخدعة تكمن في أن كل قائمة تتكون من الكلمات التي يتألف منها الحل الذي طرحناه لتلك المشكلة بذاتها ومرادفات عديدة لكل
من هذه الكلمات. كان هدفنا من ذلك هو جعل المشاركين يشعرون بالتملك، بينما نضمن أن تكون إجاباتهم هي نفس إجاباتنا.
على سبيل المثال، انظر في الصفحة التالية إلى قائمة الكلمات المحتملة لإجابة السؤال القائل: "كيف تستطيع المجتمعات التقليل من كمية الماء التي تستخدمها دون
اللجوء لفرض إجراءات صارمة؟".
إذا أمعنت النظر في هذه القائمة، قد تلاحظ خدعة أخرى. فقد وضعنا الكلمات التي تشتمل على الإجابات المقترحة في صدارة القائمة (أن تستخدم مروج المياه تلك
المياه الرمادية المكررة الناتجة من مياه الصرف المنزلي)، لذا رأى المشاركون هذه الكلمات أولًا ولذلك توصلوا على الأرجح لنفس الحلول التي توصلنا إليها.
وقمنــا بمقارنــة مــدى الاعتــداد الــذي أضــفاه المشــاركون علــى الحلــول الثلاثــة التــي أتحنــاها لــهم مــع الحلــول الثلاثــة التــي "توصــلوا هــم إليــها"، فوجــدنا مـرة أخـرى أن
المشــاركين كــانوا أكثــر اعتـدادًا بحلولـهم. لا يزال عـامل التملـك والانحيـاز ضـد مـا هـو "لـيس مـن صـنعنا" ذا دلالـة قويـة حتـى عنـدما لـم نسـتطع حسـاب نسـبة الزيـادة
الملحوظة في الأفكار المتألقة إلى الجودة الموضوعية أو التناسب الشخصي لديهم. وفي نهاية اليوم، استنتجنا أنه عندما نشعر أننا قد صنعنا شيئًا بأنفسنا، ينتابنا
شعور متزايد بالتملك ونبدأ في المبالغة في تقييم فائدة وأهمية "أفكارنا".
والآن، فــإن اختيــار كلمــات قليلــة مــن القائمــة التــي تحتــوي علــى 50 كلمــة للتوصــل إلــى فكــرة لــيس أمــرًا صـعبًا جـدًّا، لكنـه لا يزال يحتـاج إلـى بعـض مـن الجـهد. لقـد
تساءلنا عما إذا كان بإمكان قليل من الجهد جعل الناس يعتقدون أن الفكرة هي من بنات أفكارهم، وهذه هي الحالة المماثلة لحالة "ساندرا لي" في نطاق الأفكار
(شــبه المبتكـرة ذاتـيًّا). مـا الـذي قـد يكـون عليـه الأمـر إذا قـدمنا للنـاس حـلًّا مكـونًا مـن جملـة واحـدة، ولكـن بنظـام كلمـات مختلـط؟ هـل سـيكون إعـادة تـرتيب الكلمـات
لإيجــــــاد الحـــل أمـــرًا كـــافيًا لجعـــل النـــاس يعتقـــدون أن الفكـــرة مـــن بنـــات أفكـــارهم، ومـــن ثـــمَّ يبـــالغون فـــي تقييمـــها؟ علـــى ســـبيل المثـــال: تـــأمل إحـــدى المشـــكلات التـــي
استخدمناها:
المشكلة: كيف تستطيع المجتمعات التقليل من كمية الماء التي تستخدمها دون اللجوء لفرض إجراءات صارمة؟
هل سيكون قراء صحيفة نيويورك تايمز متأثرين بدرجة أقل بالحل لو أنه كتب بطريقة ذات مغزى، ولم يطلب منهم إلا مجرد تقييمه؟
ما الذي يمكن أن يحدث لو طرحنا نفس الحل بترتيب مختلط وطلبنا منهم إعادة ترتيبها إلى جملة صحيحة نحويًّا؟
وها هو الحل مكتوبًا بكلمات مرتبة بشكل ذي مغزى:
الحل المطروح: أن تستخدم مروج المياه تلك المياه الرمادية المكررة الناتجة من مياه الصرف المنزلي.
وها هو الحل مكتوبًا بكلمات غير مرتبة:
كلمات الحل المقترح: المياه الرمادية المكررة مروج المياه باستخدام مياه الصرف المنزلي الناتجة من.
هل ثمة اختلاف جراء عدم ترتيب الكلمات؟ لتكن على يقين من ذلك! كما تبين، كانت إعادة ترتيب الكلمات كافية لجعل المشاركين يشعرون بالتملك، ويحبون
الأفكار أفضل من تلك التي طرحت عليهم.
أيضًا تبين أن "مارك توين" كان على صواب.
التيار السلبي
والآن قــد تتســاءل: "ألا يوجــد مجــالات - كمجــالات البحــث العلمــي - حــيث لا يكـون لتفضـيلات الإنسـان لأفكـاره أهميـة؟ وحـيث يكـون معيـار الحكـم علـى الفكـرة هـو
مزاياها الموضوعية؟".
من الناحية الأكاديمية، وددت لو قلت إن مسألة تعلق المرء بأفكاره لا تحدث أبدًا في المجال العلمي الموضوعي البحت، ومع ذلك فنحن نفضل أن نعتقد أن العلماء
يهتمون أكثر بالدليل والبيانات، وأنهم يعملون معًا بشكل جماعي، دون فخر أو تحيز نحو هدف مشترك للتقدم المعرفي. هذا كلام جيد لكن الحقيقة أن المعرفة
يمارســها أنــاس مــن البشــر، وبــذلك فــالعلماء مقيــدون بنفــس جــهاز الحوســبة الــذي تبلــغ قوتــه 20 واط فــي الســاعة، (أي العقــل) وبنفــس التحــيزات (مثــل تفضــيل
الإبداعات الخاصة بنا) كباقي البشر. في المجال العلمي، يطلق تلطفًا على التحيز ضد ما هو "ليس من صنعنا " اسم "نظرية فرشاة الأسنان". المسألة هي أن كل
إنسان يريد ويحتاج إلى فرشاة أسنان، وكل واحد يملك واحدة، ولكن ما من أحد يحب استعمال فرشاة إنسان آخر.
قد تجادل قائلًا: "مهلًا، قد يكون من الجيد للغاية أن يكون العلماء متعلقين جدًّا بنظرياتهم بشكل كبير، ومع ذلك فإن هذا قد يحثهم على قضاء أسابيع أو
شهور في معامل صغيرة وأدوار سفلية يكدحون ضد الملل والمهام المملة". في الحقيقة، قد يؤدي الانحياز ضد ما هو "ليس من صنعنا" لولاء أعمق ويجعل الناس يقومون بتنفيذ أفكارهم (أو ما يظنونها أفكارهم).
لكــــن كمــــا قــــد تخمــــن، قــــد يكـــون للانحيــاز ضــد مــا هــو "لــيس مــن صــنعنا" جــانبًا ســيئ. تــأمل مثــالًا شــهيرًا لشــخص تعلــق بشــدة بــأفكاره ومــا كلفــه ذلــك، فــي كتابــه
Blunder ، قام المؤلف "زاكاري شور" بوصف حال "توماس إديسون" - مخترع المصباح الكهربائي - فقد أحب بشدة التيار الكهربائي المباشر. ثم جاء مخترع صربي
يدعى "نيكولا تيسلا" وأراد مواصلة العمل لتطوير مصباح "إديسون" من خلال تيار كهربائي متردد. حاول "تيسلا" إثبات أن التيار المتردد على عكس التيار المباشر، لا
ينير فقط المصباح الكهربائي، وإنما أيضًا يمكنه تشغيل آلات صناعية ضخمة باستخدام نفس الشبكة الكهربائية. باختصار حاول "تيسلا" إثبات أن العالم الحديث
يحتاج للتيار المتردد، وهو مصيب في هذا، فبإمكان التيار المتردد فقط توفير الحجم والنطاق اللازمين للاستخدام الحثيث للكهرباء.
ومــع هــذا، فقــد كــان "إديســون" مــدافعًا قويــا عــن اختراعــه، فقــد رفـض أفكـار "تيسـلا" واصـفًا إيـاها بقولـه: "رائعـة، ولكنـها غـير عمليـة علـى الإطـلاق"7، كـان بـإمكان
"إديسون" أن يحوز براءة اختراع التيار المتردد منذ عمل "تيسلا" معه، إلا أن تعلقه بالتيار المباشر كان قويًّا.
وبدأ "إديسون" ينتقد التيار المتردد بأنه خطر وقد كان كذلك بالفعل في هذه الآونة. إن أسوأ ما يصيب شخصًا يلمس التيار المباشر الحي هو صدمة قوية - هزة -
لكنه ليس مميتًا، لكن لمس سلك فيه تيار متردد يقتل مباشرة. تكونت أنظمة التيارات المترددة في البداية في أواخر القرن التاسع عشر في مدينة نيويورك من أسلاك
متقاطعة متدلية وعارية، فكان لزامًا على عمال الصيانة قطع الخطوط المميتة وإعادة توصيل الخطوط المعيبة دون ضمانات سلامة كافية (حيث تحتوي الأنظمة
الحديثة في الوقت الحالي على ضمانات سلامة كافية). ومن آن لآخر، كان يجري الإعدام بالكهرباء بواسطة التيار المتردد.
وكان أحد الأحداث الدامية التي حدثت في مساء الحادي عشر من أكتوبر في عام 1889م، فوق تقاطع طريق مزدحم، في وسط مدينة مانهاتن. كان ثمة رجل فني
يدعى "جون فيكز" يقطع أسلاكًا مميتة إلى أن لمس مصادفة سلكًا عالي الضغط، كانت الصدمة شديدة لدرجة أنها ألقت به على مجموعة كابلات، اشتعل جسدة
نتيجــــة اتصــــال الشــــحنات باعثــــة أشــــعة زرقــــاء مــــن أقــدامه وفمــه، تقطــر دمــه إلــى الشــارع فتفــرق المشــاهدون فــي دهشــة مــذعورين، كــانت هــذه الحالــة مؤيــدة لــرأي
"إديسون" عن خطر التيار المتردد ومن ثمَّ أفضلية التيار المباشر الذي يتعلق به كاختراع له.
كمخترع منافس، لم يكن "إديسون" ينوي أن يترك مستقبل التيار المباشر للمصادفة، لذا سارع إلى حملة علاقات عامة كبيرة ضد التيار المتردد محاولًا بذلك خلق
نــــوع مـــن الخــوف مــن التكنولوجيــا المتنافســة. فبــدأ بتوضــيح أخطــار التيــار المتــردد عــن طــريق توجيــه الفنــيين المســاعدين لــه بقتــل القطــط والكــلاب الضــالة بالكــهرباء،
مستخدمًا ذلك ليوضح الأخطار الكامنة للتيار المتردد. وفي خطوته التالية قام سرًّا بتمويل تطور الكرسي الكهربائي المعتمد على التيار المتردد ليستخدم في أغراض
عقوبة الإعدام، وكان أول من تم إعدامه على الكرسي الكهربائي هو "ويليام كيملر"؛ حيث طهي حيًّا ببطء. لم تكن أفضل لحظات "إديسون"، ولكن على وجه
الدقة كان توضيحًا فعالًا جدًّا بل مروعًا لأخطار التيار المتردد. لكن بالرغم من كل محاولات "إديسون" في النيل من التيار المتردد، إلا أن الغلبة كانت له في النهاية.
لقد كانت حماقة "إديسون" واضحة في كيفية فداحة الأمر عند تعلقنا الشديد بأفكارنا، بالرغم من أخطار التيار المتردد، أيضًا لها قوة أكبر لتفيد العالم، لحسن
الحظ بالنسبة لمعظمنا نادرًا ما ينتهي بنا الأمر في التعلق بأفكارنا على نحو سيئ كما انتهى بـ "إديسون".
?
 
بالطبع لا تقتصر الآثار السلبية للانحياز ضد ما هو "ليس من صنعنا" على بعض الأمثلة، فالشركات في العموم تباشر سياسة إيجاد ثقافات منصبة على
معتقداتهم ولغتهم وعملياتهم ومنتجاتهم، ومن ناحية التصنيف على أساس هذه القوى الثقافية، فإن الأشخاص الذين يعملون في أية شركة يقبلون بشكل طبيعي الأفكار المبتكرة في هذه الشركة، على أنها أكثر إفادة وأهمية عن الأفكار الأخرى التي يطرحها أشخاص آخرون أو مؤسسات أخرى ** .
لــــو نظرنــــا إلــــى الثقافــــة المؤســــسية علــــى أنــــها مكــــون مــهم لعقليــة "لــيس مــن صــنعنا"، فــإن إحــدى الطــرق لتقفــي أثــر هــذا الاتجــاه هــي النظــر إلــى مــدى ســرعة ازدهــار
الاختصارات داخل الشركات والصناعات والمهن. (على سبيل المثال، يطلق على إدارة علاقات العملاء المبتكر الاختصار ( ICRM )، مؤشر مفتاح الأداء ( KPI )، موارد
الآخرين ( OPR )، الجودة والخدمة والنظافة ( QSC )، مبادئ المحاسبة المقبولة عمومًا ( GAAP )، البرمجيات بوصفها خدمات ( SAAS )، التكلفة الإجمالية
للملكية ( TCO )، وهكذا). تشير الاختصارات إلى نوع من المعلومات الداخلية السرية، فهي توفر طريقة للناس للتحدث عن أفكارهم باختصار، وهي كذلك تزيد
من أهمية الأفكار المدركة، وفي نفس الوقت تساعد على منع أفكار أخرى من الدخول إلى حيز الدائرة الداخلية لمجال ما.
وهذه الاختصارات ليست ضارة على وجه الخصوص، ولكن يكمن الضرر حينما تصبح الشركات ذاتها ضحية لمنهجيات خاصة بها، وتتبع تركيزًا داخليًّا ضيقًا. على
ســبيل المثــال، لشــركة ســوني ســجل طويــل حــافل مــن الاختراعــات الناجحــة مثــل الــراديو الترانزســتور، وأجــهزة الووكمــان، وأنبــوب تـرينيترون. بعـد تـاريخ طويـل مـن
النجاح تبنت شركة سوني مقولة: "إذا لم يكن الشيء من صنع سوني فلا حاجة لنا به"؛ هكذا كتب "جيمس سوريفيكي" في صحيفة ذا نيو يوركر. السير "هاورد
سترينجر"، المدير التنفيذي لشركة سوني اعترف شخصيًّا بأن مهندسي سوني عانوا من التحيز المدمر لعقلية "ليس من صنعنا"، حتى عندما قام المنافسون بطرح
منتجات الجيل الجديد والتي ملأت الأسواق من أجهزة مثل الآي بود وأجهزة إكس بوكس، لم يصدق العاملون في سوني أن هذه الأفكار المطروحة من الخارج
جيدة كأفكارهم، وبذلك فاتت عليهم فرص منتجات مثل مشغلات إم بي ثري والتليفزيونات ذات الشاشات المسطحة، بينما كانوا عاكفين على تطوير منتجات غير
مرغوبة كالكاميرات التي لم تتوافق مع الأشكال الأكثر انتشارًا للأجهزة التي بها ذاكرة للتخزين8.
التيار المضاد
لقد أظهرت التجارب التي أجريناها لاختبار تأثير إيكيا أننا عندما صنعنا الأشياء بأنفسنا، فإن تقييمنا لها يزداد. كما أوضحت تجاربنا التي أجريناها على الانحياز ضد
ما هو "ليس من صنعنا" أن الشيء نفسه يحدث مع أفكارنا. بصرف النظر عما نقوم بعمله، سواء أكان صندوق ألعاب أو مصدرًا جديدًا للكهرباء أو نظرية رياضية
جديدة، فإن ما نصنعه بأنفسنا هو ما يهمنا أكثر. فما دام أن الصانع للشيء هو نحن، فإننا نميل لأن نعتقد أنه أكثر إفادة وأهمية عن أفكار مشابهة يتوصل إليها
أناس آخرون.
كالعديد من النتائج في علم الاقتصاد السلوكي، فقد يكون هذا أيضًا نافعًا وضارًا. على الجانب الإيجابي، إذا استوعبت مسألة التملك والفخر الصادرة عن قضاء
وقــت وبــذل جــهد فــي الأفكــار والمشــاريع، فباســتطاعتك حينــها حمــل الآخـرين علـى الاهتمـام أكثـر والـولاء للمـهام التـي هـم بصـددها، الأمـر لا يسـتغرق كثـيرًا للشـعور
بالتملك، عندما تقوم بتفريغ منتج مصنع، انظر لبطاقة التعريف، قد تجد اسم شخص مكتوب هناك بشيء من الفخر؛ أو فكر فيما إذا ما ساعدت أولادك في
زراعة خضراوات في الحديقة، وقاموا بزرع الطماطم والخس والخيار بأنفسهم ثم أعدوا طبقًا من السَلاطة على العشاء، فإنهم سيأكلون الخضار ويحبونه أكثر.
بالمثل، لو كنت قمت بتقديم عرضي أمام المصرفيين بصورة مختلفة عن المحاضرة، ومشابهة أكثر لندوة اطرح عليهم خلالها مجموعة من الأسئلة الملهمة فلربما
أدى ذلك لأن يشعروا بأنهم توصلوا لأفكار من بنات أفكارهم، ومن ثمَّ اختاروها بصدر رحب. كما أن هناك أيضًا جانبًا سلبيًّا لهذا الأمر بالطبع. على سبيل المثال،
إذا كان ثمة شخص يعرف كيف يؤثر على رغبات شخص آخر بخصوص التملك، فإنه يكون قادرًا على جعل ضحيته الغافلة تفعل شيئًا لصالحه. إذا ما أردت جعل
بعــضًا مــن طــلاب الــدكتوراة يعملــون فــي مشــروع بحــث معــين لصــالحي، فمــا علــيَّ إلا أن أجعلــهم يصــدقون أنــهم توصـلوا للفكـرة ويـؤدون دراسـة صـغيرة ويحللـون
النتائج، وبذلك أحقق ما أصبو إليه. وكما في حالة "إديسون"، فإن مسألة حبنا لأفكارنا قد تؤدي إلى التعلق بها، وعندما نهيم بأفكارنا فقلما نتقبل آراء الآخرين
عندما يتحتم ذلك ("الاستمرار في ذلك" غير مناسب في العديد من الحالات). إننا نخاطر برفض أفكار الآخرين التي قد تكون أفضل من أفكارنا.
كما هي الحال مع العديد من المناحي الأخرى لطبيعتنا المثيرة والفضولية، تنطوي مبالغتنا لِمَا نصنعه بأنفسنا على إيجابيات وسلبيات، ومهمتنا أن نستبين كيف
نحصل على خير الأمرين من داخل أنفسنا.
والآن إذا لم تمانع، من فضلك قم بتصنيف الكلمات التالية لتكون جملة مفيدة، ووضح مدى أهمية هذه الفكرة بالنسبة لك:
جزء أساسي مهم وأنفسنا من اللاعقلانية هو.
على مقياس متدرج من صفر (ليس مهمًّا على الإطلاق) إلى عشرة (مهم جدًّا)، أجد أن هذه الفكرة ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فيما يتعلق بأهميتها.
* المشاكل التي طرحت عليهم كانت بترتيب عشوائي مقصود.
** ثمة استناءات قليلة للقاعدة، فبعض الشركات تبدي تقبلا هائلًا للأفكار الخارجية وتطبقها على نطاق واسع. على سبيل المثال، اقتبست شركة أبل عدة أفكار
من شركة زيروكس بارك واقتبست ميكروسوفت كذلك من أبل.
الفصل 5
حالة الانتقام
ما الذي يدفعنا للبحث عن العدل؟
في رواية ذا كونت أوف مونت كريستو للمؤلف "أليكساندر دوما"، قضى بطل الرواية "إدموند دانتس" سنين طويلة في السجن في معاناة من اتهامات كاذبة. في
النهاية هرب "إدموند" ووجد كنزًا غَيَّر حياته تركه له رفيقه في السجن، انطلق "إدموند" باسمه المستعار "ذا كونت أوف مونت كريستو" مستخدمًا كل جنيه من
ثروته ودهائه للإيقاع والتلاعب بالخونة وصب عليهم وعلى أسرهم جام انتقامه، وعند استعراضه لما خلفه انتقامه، وجد "إدموند" نفسه قد بالغ في الانتقام.
إذا ما سنحت الفرصة لمعظمنا، فإننا نجد سعادة بالغة في الانتقام رغم أن قليلًا منا يبالغ فيه كما فعل "دانتس". إن الانتقام هو إحدى الغرائز الدفينة بداخلنا.
وعلى مدار التاريخ سالت محيطات من الدماء، وقتل ما لا يحصى من البشر في محاولة لتصفية حسابات - حتى لو لم يكن هناك من نفع محتمل.
ولكن تخيل هذا السيناريو: أنا وأنت نعيش في حقبة ألفي عام مضت في أراض صحراوية قديمة، وكنت أمتلك حمارًا صغيرًا جميلًا وتود أنت سرقته، إذا كنت
تعتقد أني حكيم في قراراتي فربما تقول لنفسك: "سيستغرق الأمر عشرة أيام من دان أريلي في حفر الآبار لكسب المال من أجل شراء هذا الحمار الرائع، وإذا ما
سرقته ذات ليلة وهربت بعيدًا، فإن دان قد يقرر أن الأمر لا يستحق أن يضيع وقته في مطاردتي، لكن بدلًا من ذلك سينظر إلى الأمر على أنه خسارة في تجارة،
وسيحفر مزيدًا من الآبار لشراء حمار آخر"، لكن إذا كنت تعلم أني لست دائمًا متعقلًا في قراراتي، وأني غامض داخليًّا ومن النوع التواق للانتقام الذي سيطاردك
إلى أقاصي المعمورة، فلن ترجع إليَّ حماري فقط، ولكنك ستعطيني معه كل أغنامك إذا ما كنت سأدميك للغاية - فهل مع ذلك ستسرق حماري؟ أعتقد أنك لن
تفعل.
من هذا المنطلق، بصرف النظر عن كل الأذى الذي قد يسببه الانتقام لنا (وأي شخص عانى في أي وقت مضى من تفكك أو طلاق يعرف ما أتحدث عنه)، يبدو أن
خطر الانتقام - حتى ولو على حساب خسارة شخصية ضخمة - قد يكون آلية تنفيذ فعالة تشجع على التعاون الاجتماعي والنظام حتى على المستوى الشخصي.
وبالرغم من أني بالكاد أشجع على مسألة "القصاص"، فلا أعتقد أن خطر الانتقام بالرغم من ذلك قد يكون له فعالية معينة * .
ما - بالضبط - التقنيات والدوافع الكامنة وراء هذه الرغبة البدائية؟ ما الحالات التي يرغب الناس فيها في الانتقام؟ ما الدافع لنا في قضاء أوقاتنا وإنفاق أموالنا
وجهدنا وحتى المخاطرة فقط لجعل شخص آخر يعاني؟
السعادة بالانتقام
لفــهم كيفيــة تجــذر الحاجــة البشــرية فــي الانتقــام، فــإني أطــرح علــيكم دراســة أجراهــا مجموعــة مــن البــاحثين الســويسريين بقيــادة "إيرنســت فــير" الـذي قـام بـاختبار
الانتقام مستخدمًا الكراهية للعبة تجريبية نطلق عليها "لعبة الثقة". وفيما يلي قواعد اللعبة، والتي تم شرحها بدقة للمشاركين:
تشــترك أنــت ومشــترك آخــر، تجلــس لوحــدك فــي حجــرات منفصــلة، ويعطــي المختبــر 10 دولارات لكــل منكمــا وتتــهيأ للخطــوة الأولــى، تقــوم بــاتخاذ قــرار مــا إذا كنــت
ســتبعث بمــالك إلــى المشــترك الآخــر أم أنــك ســتحتفظ بــه لنفســك. إذا احتفظــت بــه فــإن كليكمــا ســيحتفظ بالــدولارات العشــرة وتنتــهي اللعبــة. ومــع هــذا إذا أرســلت
الدولارات العشرة (مالك) للمشترك الآخر، يقوم المختبر بمضاعفة المقدار أربع مرات لك، وبذلك يكون للاعب الآخر الدولارات العشرة الأصلية مضافًا إليها أربعون
دولارًا (أربعة أضعاف الدولارات العشرة). والآن فإن اللاعب الآخر مخير بين (أ) الاحتفاظ بكل المال؛ ما يعني أنه سيحصل على خمسين دولارًا، وأنك لن تحصل
على شيء أو (ب) تسترجع نصف المبلغ لك ما يعني أن كليكما سيحصل على خمسة وعشرين دولارًا في النهاية ** .
والسؤال هنا بالطبع هو: هل ستثق في الشخص الآخر؟ هل سترسل له المال وتجازف بمكسبك المادي؟ هل سيبرر الشخص الأول ثقتك ويتقاسم المكاسب معك؟ إن
التوقع المنطقي من الناحية الاقتصادية سهل جدًّا، وهو أنه لن يسترجع أحد أبدًا نصف الخمسين دولارًا؛ وحيث إن هذا التصرف واضح وضوح الشمس من وجهة
النظر المنطقية الاقتصادية، فإنه ما من أحد يرسل الدولارات العشرة أساسًا. في هذه الحالة تعد هذه النظرية الاقتصادية غير دقيقة: الخبر السار هو أن الناس
يتســمون بقــدر أكثـر مـن الثقـة ورد الجميـل عمـا هـو متعـارف عليـه بـين الاقتصـاديين المنطقـيين. فكثـير مـن النـاس تنتـهي بـهم الحـال وهـم يرسـلون الـدولارات العشـرة
وغالبًا ما يرد الشركاء الجميل بإرسال خمسة وعشرين دولارًا.
هذه هي لعبة الثقة الرئيسية، لكن النسخة السويسرية اشتملت على خطوة أخرى مثيرة: إذا اختار شريكك الاحتفاظ بالخمسين دولارًا لنفسه، فيمكنك استخدام
مالك لمعاقبة الوضيع. بالنسبة لكل دولار من مالك الذي اكتسبته بصعوبة وتعطيه للمختبر، فإنه سيتم خصم دولارين من شريكك الطماع، وهذا يعني أنك إذا
أردت أن تنفق، على سبيل المثال، دولارين من مالك، فإن شريكك سيفقد أربعة دولارات، وإذا أردت إنفاق خمسة وعشرين دولارًا، فإن شريكك سيفقد كل ما
حصل عليه. إذا لعبت اللعبة وخان الشخص الآخر ثقتك، فهل كنت ستختار هذا الانتقام المكلف؟ هل كنت ستضحي بمالك لجعل اللاعب الآخر يعاني؟ وكم كنت
ستنفق؟
لقد أظهرت التجربة أن العديد ممن أتيحت لهم الفرصة للانتقام من شركائهم قاموا بذلك بالفعل بدرجة شديدة. ومع ذلك، لم تكن هذه النتيجة هي الأمر الأكثر
إثارة في الدراسة. في أثناء اتخاذ قراراتهم تم تصوير مخ المشتركين بالتصوير المقطعي بالإصدار البوزيتروني. بهذه الطريقة، استطاع المختبرون ملاحظة نشاط مخ
المشــاركين فــي أثنــاء اتخــاذ قراراتــهم، أوضــحت النتــائج نشــاطًا متزايــدًا فــي المخطــط وهــو جزء مــن فــهم الطريقــة التــي نجــرب بــها المكــافأة. بمعنــى آخــر: طبــقًا للتصـوير
المقطعي للمخ بالإصدار البوزيتروني، بدا الأمر كما لو أن قرار معاقبة الآخرين متعلق بشعور السعادة، وأكثر من ذلك أن أولئك الذين كان لديهم مستوى عالٍ من
تفعيل المخطط قد عاقبوا الآخرين بشدة.
يشير كل هذا إلى أن معاقبة المخادعين تنطوي على أسس بيولوجية حتى وإن كان للأمر بعض الضرر علينا، وفي حقيقة الأمر يعد هذا السلوك أمرًا سارًا (أو على
الأقل يثير رد فعل يشبه السعادة).
أيضًا تكمن دوافع الانتقام في الحيوانات، ففي تجربة تم إجراؤها في معهد علم الأنثروبولوجي التطوري في لايبتسيج، بألمانيا، رغب "كيث ينسين"، و"جوسيب
كول" و "مايكل توماسيلو" في معرفة ما إذا كان الشمبانزي يمتلك حسًّا بالإنصاف. كانت قواعد الإعداد التجريبية تقتضي وضع اثنين من الشمبانزي في قفصين
مجاورين ووضع منضدة يتراكم فيها طعام في متناولهما خارج القفصين، وقد تم تجهيز المنضدة بعجلات دوارة وحبل في نهاية كل منهما، استطاع الشمبانزي
جذب المنضدة وتحريكها قريبًا وبعيدًا من الأقفاص، كان الحبل متصلًا بقاعدة المنضدة، إذا ما سحب الشمبانزي الحبل، فإن المنضدة ستقع ومعها كل الطعام
على الأرضية بعيدًا عن المتناول.
عندما وضع الباحثون شمبانزي واحدًا داخل أحد الأقفاص وتركوا الآخر فارغًا، قام الشمبانزي بجذبها لجانب الطريق وأكل بقناعة ولم يسحب الحبل، ومع ذلك
تغير الأمر عندما وضع الشمبانزي الآخر في القفص المجاور، طالما أن كلا الشمبانزي مشتركان في الطعام فلم يكن ثمة مشكلة، لكن عندما يقوم أحدهما بسحب
الحبل إلى قفصه بعيدًا عن الشمبانزي الآخر، فغالبًا ما يقوم الشمبانزي المتضايق بسحب الحبل انتقامًا وتنهار المنضدة، ليس ذلك فقط؛ بل إن الباحثين قالوا إنه
عندما تم إبعاد المنضدة بعيدًا عنهما، انفجر الشمبانزي المتضايق في غضب متحولًا إلى حيوان صارخ. إن التشابه بين الإنسان والشمبانزي يشير إلى أن كلًّا منهما
لديه حس فطري بالعدالة والانتقام حتى على المستوى الشخصي، وهذا يقوم بدور عميق في النظام الاجتماعي في كل من رتبة الرئيسيات والبشر.
ولكن الأكثر من ذلك هو أن مشاعر الانتقام هي إشباع للرغبة الشخصية أكثر من كونها انتقامًا من الشخص الآخر. في الواقع يعد الانتقام والثقة وجهين لعملة
واحدة. وكما رأينا في لعبة الثقة، يغلب على الناس الثقة في الآخرين، حتى الناس الذين لا يعرفونهم أو لا يلتقون بهم أبدا (وهذا يعني أن الناس يكونون شديدي
الثقة من وجهة النظر الاقتصادية المنطقية). يعد عنصر الثقة الأساسي هذا هو سبب الانزعاج الشديد الذي يعترينا عند انتهاك العقد الاجتماعي المرتكز على الثقة،
وهو أيضًا السبب وراء رغبتنا في قضاء أوقاتنا وأموالنا في ظل هذه الظروف، وأحيانًا المخاطرة الجسدية بأنفسنا من أجل الثأر من المعتدين. تمتاز المجتمعات التي
تسودها الثقة بفوائد عظيمة عن المجتمعات التي لا تسودها الثقة، ونحن مجبولون على محاولة التشبث بمستوى عالٍ من الثقة في مجتمعاتنا.
?
تبًّا للمصرفيين
لــيس مــن المســتغرب أن تنتــاب الرغبــة فــي الانتقــام العــديد مــن المواطنــين فــي أعقــاب الانــهيار المــالي فــي عــام 2008. ونتيجــة انــهيار ســوق الأوراق الماليـة المـدعومة بـالرهن
العقــاري، تســاقطت البنــوك المؤســسية كقطــع الــدومينو. وفــي مــايو مــن عــام 2008، اســتحوذ بنــك جــي بــي مورجــان تشــايس علــى بنـك بـير سـتيرنز، وفـي السـابع مـن
سبتمبر تدخلت الحكومة لإنقاذ المجموعة الفيدرالية الوطنية للرهن العقاري (فاني ماي) ومؤسسة فريدي ماك. بعد ذلك بأسبوع، في الرابع عشر من سبتمبر،
بــيعت شــركة ميريــل لــينش لمصــرف بـانك أوف أمريكـا. وبعـدها بـيومين (16 سـبتمبر)، أقـرض الاحتيـاطي الفيـدرالي الأمـريكي مـالًا إلـى مجموعـة إيـه آي جـي (مجموعـة
أمريكيــة عالميــة) لمنــع انــهيار الشــركة. وفــي 25 ســبتمبر، تــم بــيع شــركات واشــنطن المصــرفية التابعــة لبنــك جيــه بــي مورجــان تشــيس، وفــي الــيوم التــالي، قــامت شـركة
واشنطن القابضة للصناديق المشتركة بالتقدم لإعلان إفلاسها طبقًا للفصل 11 من قانون الإفلاس الأمريكي.
وفي يوم الإثنين الموافق 29 سبتمبر، صوَّت الكونجرس ضد خطة الإنقاذ المقدمة من الرئيس "جورج دبليو. بوش" مؤدية إلى انخفاض بقيمة 778 نقطة في مؤشر داو
جونز الصناعي. وفي أثناء عكوف الحكومة على الصفقة المزمع إجراؤها، أصبح بنك واتشوفيا ضحية لإجرائه محادثات مع سيتي جروب وويلز فارجو (قامت ويلز
فارجو بشراء البنك في الثالث من أكتوبر).
عنــــدما نظــــرت حولــــي فــــي رد الفعــــل الشــــعبي الغاضــب بســبب الـــ 700 بلــيون دولار إضــافة لخطــة إنقــاذ البنــك، بــدا الأمــر كمــا لــو أن النــاس يــرغبون فــي إيقــاع العنــت
بالمصــرفيين الــذين قــاموا بعمليــات غســيل أمــوال. روج صــديق لــي - كــان تقــريبًا مصــابًا بالسـكتة - فكـرة حـل مـن الطـراز القـديم؛ حـيث قـال بقسـوة: "بـدلًا مـن فـرض
الضرائب علينا لإنقاذ هؤلاء المحتالين. على الكونجرس وضعهم في مخازن خشبية بأرجل ورءوس وأيد بارزة، أراهن أن الجميع في أمريكا سينفقون أموالًا كثيرة
للاستمتاع بإلقاء الطماطم العفنة عليهم!".
لنتأمل الآن ما حدث من منظور لعبة الثقة. لقد عهدنا بصناديق التقاعد ومدخراتنا والقروض العقارية للمصرفيين، وانتهى بهم المطاف بالفرار حتى ولو بخمسين
دولارًا (قد ترغب في وضع قليل من الأصفار بجوار هذا الرقم)، نتيجة لذلك شعرنا بالخديعة والغضب وأردنا أن يقوم المصرفيون بدفع ثمن باهظ.
وحتى تسير الأمور بشكل صائب من الناحية الاقتصادية، حاولت البنوك المركزية العالمية ضخ أموال للنظام ومنح قروض قصيرة الأجل للمصارف، وزيادة السيولة
وشراء السندات المدعومة بالرهن العقاري السابقة وإخراج كل ما في الجعبة, لكن لم تحقق هذه التدابير الصارمة التأثير المطلوب فيما يتعلق بتعافي الاقتصاد،
وخاصة عندما نضع في الاعتبار التأثير الهزيل الذي أحدثه الضخ الهائل للمال لتعافي الاقتصاد *** . لقد ظل العامة غاضبين، لتجاهل المسألة الأساسية في إعادة
بنــــاء الثقــــة، فــــي الحقيقــــة يمكــــن أن أخمــــن أن الثقــــة العامــــة تــــهاوت لثلاثــــة أســــباب: نســخة تشــريعات الإنقــاذ التــي أجــيزت فــي النــهاية (والتــي تضــمنت العــديد مــن
التخفيضات الضريبية دون داع)؛ العلاوات الصارخة التي تم دفعها للعاملين في القطاع المالي؛ العودة للمتاجرة كالمعتاد في وول ستريت.
انتقام العميل: قصتي: الجزء الأول
عنــدما بلــغ ابننــا "أمــيت" مــن العمــر ثلاثــة أعــوام، وكنــت أنــا "وســومي" علــى وشــك اسـتقبال طفلنـا الثـاني "نيتـا"، قررنـا أن نشـتري سـيارة جـديدة للعائلـة، وتوصـلنا
لســيارة أودي، لـم تكـن شـاحنة صـغيرة، لكنـها كـانت حمـراء اللـون (أكثـر الألـوان أمـانًا!) هاتشـباك (متعـددة الاسـتخدامات!). بالإضـافة إلـى شـهرة الشـركة المنتجـة فـي
تميزها في مجال خدمة العملاء، جاءت السيارة بعرض مجاني في تغيير الزيت لمدة أربع سنوات، كانت أودي رائعة مفعمة بالحيوية وأنيقة، كان التعامل معها
جيدًا وأحببناها.
كنا نعيش في هذه الآونة في برينستون، نيو جيرسي، وكانت المسافة 200 ياردة من شقتنا إلى معهد الدراسات المتقدمة للرعاية النهارية الذي التحق به "أميت"،
وتبلغ المسافة إلى مقر عملي حوالي
400 ياردة، لذا كنا نقود سيارتنا بشكل محدود طارئ حينما نرغب في التسوق للبقالة والزيارات نصف الشهرية إلى معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، كامبريدج،
بولاية ماساتشوستس. في أثناء الليل وقبل قبولي في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، اعتدت مغادرة برينستون في الساعة الثامنة مساء كي أتجنب الزحام
وأصل إلى كامبريدج في وقت ما بعد منتصف الليل، وفي طريق عودتي إلى برينستون كنت أتبع المسار نفسه.
وفي إحدى هذه المرات، كنت قد غادرت معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا في الساعة الثامنة مساء تقريبًا مع "ليونارد لي" وهو زميل من جامعة كولومبيا كانت
زيارته إلى بوسطن تتزامن مع زيارتي. لم يتسع الوقت لي للتحدث مع "ليونارد" عن الشهور القليلة الماضية، لذا كان كل منا يرمق الآخر طوال المسافة المقطوعة من
الطــريق. وعلــى مــدى ســاعة تقـريبًا فـي رحلتنـا، كنـت أقـود بسـرعة سـبعين ميـلًا فـي السـاعة فـي الحـارة التـي علـى الجـانب الأيسـر مـن الطـريق الرئيسـي السـريع المزدحـم بماســاتشوستس، عنــدما تــوقف المحــرك فجــأة عــن الاســتجابة لدواســة الــوقود، رفعـت قـدمي عـن دواسـة الـوقود ثـم ضـغطت عليـها مـرة أخـرى، فأسـرعت السـيارة
بدورها لكن لم تتغير السرعة، وبدا الأمر كما لو لم يكن للجاذبية من تأثير.
كانت السيارة تفقد سرعتها، شغلت إشارة الدوران لليمين، ونظرت عن يميني فإذا بشاحنتين بثماني عشرة عجلة، تتلو إحداهما الأخرى وتتجهان صوبي وبدتا كما
لــم تعبــآ بإشــارتي، كــان لا بــد أن أتماســك. بعــدما مــرت الشــاحنتان، حــاولت أن أســير إلــى الحـارة الـيمنى، لكـن فـي بوسـطن تكـون المسـافة التـي يحـافظ عليـها السـائق
عمومًا بينه وبين السيارة التي أمامه قليلة جدًّا.
في أثناء ذلك انقلبت حال زميلي من الحديث والبسمة إلى الصمت والوجوم. وعندما قَلَّت سرعة السيارة إلى 30 ميلًا في الساعة، استطعت في النهاية الاتجاه إلى
الجانب الأيمن ومن هناك إلى حافة الطريق، لم أقم بذلك على طول الطريق لأن السيارة كانت قد فقدت كامل سرعتها لكننا على الأقل كنا خارج حارات القيادة.
أوقفت السيارة وانتظرت بضع دقائق، ثم حاولت إعادة تشغيلها لمعرفة ما إذا كان ناقل الحركة اليدوي سيعمل، لكنه لم يعمل، فتحت غطاء محرك السيارة
ونظرت إلى المحرك. قبل ذلك كنت أستطيع تمييز حالة المحرك، لكن في السابق كان بإمكان المرء رؤية الكربوراتير والمكابس وشمعات الإشعال وبعض الخراطيم
والأحزمة، لكن هذه السيارة الحديثة من طراز أودي كان لها كتلة كبيرة من المعدن مع عدم وجود أجزاء مرئية، لذا توقفت واتصلت بخدمة المساعدة على الطرق،
وبعد ساعة تم سحبنا إلى بوسطن.
وفي الصباح اتصلت بخدمة عملاء أودي وشرحت لمندوب خدمة العملاء ما حدث معي بمنتهى الوضوح، تحدثت عن التفاصيل الدقيقة حول الشاحنات، وعن
الخوف من عدم إيقاف السيارة على الطريق السريع لمجرد أنه كان برفقتي مسافر وحياته أمانة في يدي، ولصعوبة التنقل بسيارة لا يقوم محركها بوظيفته على
النحو المطلوب، فأجابت المرأة التي على الهاتف والتي بدت كما لو كانت تقرأ من نص مكتوب، بعدما أخذت نفسًا عميقًا: "نأسف على إزعاجك".
وددت لو جذبت حنجرتها من داخل الهاتف بسبب طريقتها في الرد عليَّ، كنت على حافة الموت ناهيك عن عطل في سيارتي التي اشتريتها من خمسة أشهر فقط،
وكان أفضل ما عندها من رد على هذه المحنة هو كلمة "إزعاج"، وكأني بها جالسة هناك تبرد أظافرها.
دارت المكالمة الهاتفية التالية على النحو التالي:
هي : هل أنت الآن في مسقط رأسك؟
أنا : لا، أنا أعيش الآن في نيوجيرسي وأنا عالق في ماساتشوستس.
هي : غريب، يبدو لي من سجلاتنا أنك تعيش في ماساتشوستس.
أنا: أنا عادة أعيش في ماساتشوستس، لكني أقضي عامين في نيوجيرسي واشتريت السيارة أيضًا من نيوجيرسي.
هي : إن سياسة التعويض لدينا للأشخاص الذين علقوا خارج المدينة، أن ندفع لهم ثمن تذكرة الطيران أو القطار لمساعدتهم على الرجوع لبلدهم، ولكن بما أن
مكالمتنا تكشف لنا أنك تعيش في ماساتشوستس، فليس بمقدورك الحصول على أي من هذه الخيارات.
أنا (وصوتي يرتفع): أتريدين إبلاغي أني أتحمل خطأ جهاز التسجيل الخاص بكم؟ بإمكاني إثبات أنك تريدين القول إنني أعيش في نيوجيرسي الآن.
هي : للأسف، إن التسجيلات هي الفيصل في الأمر.
أنا: (قررت أن أركز بشكل أكبر على مسألة تصليح سيارتي): ماذا عن سيارتي؟
هي : سأتصل بالوكيل وأتابع الأمر معك.
في وقت لاحق من ذلك اليوم، علمت أن إجراءات الوكيل قد تستغرق أربعة أيام على الأقل للنظر في أمر سيارتي. استأجرت سيارة وخرجت أنا و "ليو" مرة أخرى -
ولكن حالفنا الحظ في هذه المرة.
وواصلت الاتصال بخدمة عملاء أودي مرتين أو ثلاث مرات كل أسبوع خلال الشهر التالي، وتحدثت مع مندوبي خدمة العملاء ومشرفيهم على كل المستويات،
وطلبت في كل مرة إيضاح الأمر لي فيما يتعلق بسيارتي ولكن دون جدوى، كان مزاجي يتغير بعد كل مكالمة للأسوأ. وقد أدركت ثلاثة أشياء: ثمة شيء سيئ جدًّا
ألمَّ بسيارتي، خدمة عملاء أودي لن تهتم كثيرًا بالأمر، ومن ذلك الحين كان عليَّ أن أعلم أني لن أستمتع بقيادة سيارتي بنفس الطريقة، لأن ثمة مشاعر سلبية
شابت الأمر بداخلي.
كان لديَّ صديق في مكتب المدعي العام في ماساتشوستس كان قد أسدى إليَّ نصائح عن قواعد لقانون "إصلاح السيارات" **** ، لذا اتصلت بخدمة عملاء أودي
للاستعلام عن سيارتي. أبدى الطرف الآخر في المكالمة دهشته من قانون إصلاح السيارات، وطلبت مني اللجوء لطريق قانوني، (وكأني بها تبتسم وتفكر على النحو
التالي: "وسيكون محامونا سعداء بالدخول في مسار طويل ومكلف مع محاميك").
بعد هذه المكالمة، بدا من الواضح أنه لا أمل لي في الأمر، فاستئجار محام لحل هذا النزاع سيكلف ببساطة أكثر بكثير من شراء السيارة وقبول الخسارة. وبعد مرور
شهر تقريبًا من تعطل السيارة، تم إصلاحها أخيرًا. أعدت السيارة المستأجرة إلى بوسطن وركبت السيارة أودي وعدت إلى برينستون بفرحة أقل من المعتاد. شعرت
بخيبة أمل وإحباط جراء الأمر كله، بالطبع كنت مصابًا بخيبة الأمل في المقام الأول بسبب تعطل السيارة، لكني تفهمت أن السيارات ما هي إلا أشياء ميكانيكية قد
تتعطل من حين لآخر - وليس ثمة ما يمكن فعله بهذا الصدد. لقد كان الأمر بمثابة سوء حظ لشراء سيارة معيبة، ما أزعجني حقًّا هي الطريقة التي تعامل بها
معي موظفو خدمة العملاء، فقد أغضبتني اللامبالاة التامة من جانبهم وسياسة لعبة الإنهاك التي اتبعوها معي، ورغبت في إلحاق شيء من العنت بموظفي
خدمة العملاء في أودي كما فعلوا معي.
إياك أن تلمس هذا الهاتف
بعد ذلك حظيت بجلسة تنفيس رائعة مع إحدى صديقاتي وتدعى "أيليت جنيزي" (أستاذة في جامعة كاليفورنيا، سان دييجو). لقد تفهمت رغبتي في معاودة
الاتصال بقسم خدمة العملاء بشركة أودي واقترحت بحث الأمر معي، قررنا القيام ببعض الأمور للانتقام من موظفي خدمة عملاء أودي، حتى يتسنى لنا من
خلال ذلك فهم مشاعر وسلوك الانتقام بداخلنا.
بدأنا بخلق ظروف تجريبية تجعل المشاركين يرغبون في الانتقام منا. لم يكن هذا الأمر جيدًا، لكنا رغبنا في قياس مدى السلوك الانتقامي، كان أفضل إعداد لهذه
التجربة هو إعادة خلق جو من الضيق الشديد لدى العميل، شيء يشبه قصة موظفي خدمة عملاء أودي، بالرغم من أن موظفي خدمة عملاء أودي بدوا كما لو
كــانوا ســعداء بمضــايقتي، اقترحنــا أنــهم لــم يبــيتوا النيــة لمضــايقة نصــف النـاس الـذين يتصـلون بخـط مسـاعدة العمـلاء ولا يضـايقون النصـف الآخـر منـهم - مـن بـاب
الإسهام في مشروع البحث. لذا كنا بصدد القيام بشيء مشابه لأغراض البحث العلمي.
بالرغم من أن الأمر قد يبدو جيدًا عند إلحاق غضب مثير للمشاركين في التجربة، فإننا لم نرغب في إيصالهم لمرحلة السجن أو القتل وخصوصًا بنا، ناهيك عن أن
الأمر قد يجافي الأخلاق لدرجة قليلة بإخضاع المشاركين لضغط انفعالي شديد من أجل دراسة الانتقام. ولأغراض البحث العلمي، رجحنا القيام بتجربة تنطوي على
مســتوى قليــل مــن ازعــاج المســتهلك. لمــاذا؟ لأننــا إذا اســتطعنا تحقــيق هــذا حتــى علــى مسـتوى قليـل مـن إثـارة الغضـب، فـإن هـذا يكـون كـافيًا لجعـل النـاس يشـعرون
بالرغبة في الانتقام ويتصرفون انطلاقًا من هذا الشعور، وحينها نستطيع تطبيق هذا في عالمنا الواقعي؛ حيث تنطوي الأفعال المثيرة للغضب على آثار أكثر فعالية،
ومن ثمَّ تزداد احتمالية الانتقام.
وقــد حــدثت مفــارقات طريفــة عنــد مضـايقة النـاس. إحـدى هـذه المفـارقات كـانت بجعـل الشـخص القـائم بالتجربـة يـأكل الثـوم ثـم يتنفـس فـي وجـوه المشـاركين، بينمـا
يشرح لهم المهمة المزمعة أو يسكب شيئًا عليهم أو يدوس على أصابع أقدامهم، وفي النهاية بالرغم من أننا جعلنا الشخص القائم بالتجربة يقوم باتصال بهاتفه
الجوال لبضع ثوان في أثناء شرح المهمة ويتوقف دون الاعتذار عن التوقف في الشرح، وعندئذ يستأنف شرح المهمة لهم من آخر نقطة توقف عندها، أعتقد أن هذا
كان أقل عدوانية وغير صحي عما توقعنا.
لذا كان لدينا إزعاج من اختيارنا، لكن ما مدى الانتقام الذي يمكن أن يصل إليه المشاركون، وكيف لنا أن نقيسه؟ يمكننا قياس أنواع الأفعال الانتقامية إلى قسمين
نطلــــق عليــــهما "ضــــعيف" و "قــــوي". الانتقــــام الضــــعيف هــــو نــــوع يقــــع فــي نطــاق المعــايير الســلوكية الأخلاقيــة والقانونيــة المقبولــة، ومثــال هــذا عنــدما أشــكو للجــيران
والأصدقاء بصوت عالٍ (وأنت، عزيزي القارئ) عن خدمة عملاء أودي السحيقة. من الجيد تمامًا التصرف على هذا النحو، ولن يقول أحد إنني قد انتهكت أي قواعد لائقة عند التعبير عن نفسي. ويصبح الانتقام قويًّا عندما ينتهك المرء المعايير المقبولة في الانتقام من الطرف المعتدي، سواء بالقول أو كسر الزجاج أو إلحاق
ضرر جسدي أو تقليد الطرف المعتدي في طريقة الانتقام. قررنا البدء بالانتقام من النوع القوي، وكانت النتيجة كالتالي:
"دانييل بيرجر جونز"، يبلغ من العمر 20 عامًا، موهوب وذكي وحسن المظهر (طويل، ذو شعر داكن، عريض المنكبين، لديه ندبة على خده الأيسر)، وهو طالب
بجامعــة بوســطن، وهــو نمــوذج جيــد للتجربــة، قمــت أنــا و"أيلــيت" باســتئجار "دانييــل" فــي فتــرة الصـيف لمضـايقة النـاس فـي كـل مقـاهي بوسـطن. ولأنـه ممثـل جيـد،
استطاع "دانييل" بسهولة مضايقة الناس مع الاحتفاظ بوجه باسم خلاب، وقد استطاع فعل ذلك مرة بعد الأخرى.
جلس "دانييل" في المقهى واستطاع مشاهدة الأشخاص الذين يدخلون بمفردهم. وبعدما يأخذون مقاعدهم وأمامهم المشروبات، يقترب من أحدهم ويقول له:
"عفوًا، هل تسمح بالمشاركة لخمس دقائق في مهمة مقابل خمسة دولارات؟". كان معظم الناس مسرورين بالانخراط في هذه التجربة لأن الدولارات الخمسة تزيد
على ثمن القهوة، وحينما أبدوا موافقتهم قام "دانييل" بتسليمهم عشر صفحات بها حروف عشوائية (يشبه إلى حد كبير الحروف المستخدمة في التجربة الواردة في
الفصل الثاني).
وكان عليه أن يصدر التعليمات لكل شخص: "فيما يلي ما أود أن تقوم به: أريد منك أن تبحث عن أكبر عدد ممكن من حروف SS المتجاورة ووضع دائرة عليها، إذا
انتهيت من كل الحروف المتماثلة في ورقة واحدة فانتقل إلى الورقة التالية. وبانتهاء الدقائق الخمس، سأعود وأجمع الأوراق وأدفع لك الدولارات الخمسة. هل من
أسئلة؟".
وبعدها بخمس دقائق، كان يتعين على "دانييل" الرجوع إلى الطاولة، ويجمع الأوراق ويعطي المشاركين عددًا قليلًا من الفواتير فئة الواحد دولار مع إيصال مكتوب
سلفًا كالتالي:
أقر أنا ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ، باستلامي خمسة دولارات للمشاركة في تجربة.
(الاسم هنا)
التوقيع: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ التاريخ: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قال "دانييل": "من فضلك قم بعد المال، والتوقيع على الإيصال واتركه على الطاولة، سأعود لاحقًا لجمع هذه الإيصالات"، ثم انتقل إلى مشارك آخر راغب في
التجربة، كانت هذه المرحلة هي مرحلة التحكم، مرحلة عدم الغضب.
مجموعة أخرى من المشاركين - أولئك الذين هم في مرحلة
الغضب - مروا بتجربة مختلفة قليلًا مع "دانييل". في منتصف عملية شرح المهمة، تظاهر أن هاتفه الخلوي يهتز، بحث في جيبه وأخرج الهاتف وقال: "أهلًا مايك،
كــــيف حــــالك؟"، وبعــــد وقفــــة قصــــيرة، يقــــول بحمــــاس: "البــيتزا، فــي الثامنــة والنصــف مســاء الــيوم، عنــدي أم عنــدك؟"، ثــم ينــهي مكالمتــه قــائلًا: "فيمــا بعــد". وقــد
استغرقت المكالمة الوهمية حوالي اثنتي عشرة ثانية.
بعدما وضع "دانييل" الهاتف في جيبه مرة أخرى، لم يعتذر عن توقف المكالمة واستمر في شرح المهمة، ثم أصبح كل شيء نفسه كما في مرحلة التحكم في الغضب.
توقعنا غضبًا وانتقامًا من المشاركين حينما قاطعتهم المكالمة الهاتفية، لكن كيف قمنا بقياس مدى ما وصلوا إليه من غضب وانتقام؟ عندما أعطى "دانييل" كل
المشاركين مجموعة الفواتير، قال لهم: "ها هي الدولارات الخمسة لكم، من فضلكم قوموا بعدِّها ووقعوا على الفاتورة". لكن في الحقيقة كان دومًا يعطي مالًا
أكثر كما لو كان عن طريق الخطأ، فأحيانًا أعطاهم ستة دولارات، وأحيانًا سبعة وأحيانًا تسعة. لقد كنا متلهفين لمعرفة ما إذا اعتقد المشاركون أنهم أخذوا مالًا
أكثر من المتفق عليه خطأ سيجعلهم في حالة انتقام أكثر بانتهاك القواعد الاجتماعية (في هذه الحالة، سيحتفظون بالباقي الزائد) أم سيردونه. وأردنا على وجه
الخصوص قياس مدى ارتباط احتفاظ المشاركين بالمبلغ الزائد والانتقام بسبب مقاطعة مكالمة الهاتف. كما اخترنا هذه الطريقة لأنها كانت مماثلة لحالات الانتقام
اليومية عند الناس، تخيل أنك تذهب إلى مطعم وأخطأ النادل في الفاتورة - هل ستبلغه أم ستحتفظ بالغنيمة؟ وماذا لو أغضبك النادل؟ هل من إمكانية لأن
تغض الطرف عن خطئه؟
وأمام هذه المعضلة الأساسية، ماذا كان رد فعل المشاركين؟ بالنسبة للفئة الدولارية (1، 2، 4) لم تؤثر على ميلهم لغض الطرف عن المال الزائد. كان هناك اختلاف
كبير إثر قيام "دانييل" بإجراء مكالمة هاتفية في أثناء إبلاغهم بالمهمة؛ حيث قام 14% فقط منهم برد المال الزائد مقارنة بـ 45% من المشاركين في مرحلة عدم الغضب.
في الحقيقة إنه لشيء مؤسف أن يقوم 45% فقط من المشاركين برد المال الزائد حتى في حالة عدم الغضب، ولكنه كان مزعجًا حقًّا أن تتسبب مكالمة قدرها اثنتا
عشرة ثانية في التقليل جدًّا من احتمالية قيام المشاركين برد المبلغ إلى درجة أن اتصف قليل منهم بالأمانة.
الفندق السيئ جدًّا وقصص أخرى
من المثير للدهشة أنني اكتشفت أنني لست الوحيد الذي تعرض لإساءة بعدما قام ممثلو خدمة العملاء بإساءة التعامل معي. ومثال ذلك رجلا الأعمال "توم
فــارمر" و "شــين آتشــيسون". إذا مــا بحثــت عنــهما علــى الإنتــرنت لوجــدت عـرضًا مسـليًّا عنـهما بعنـوان "فنـدقك سـيئ جـدًّا"10، وهـو عمـل توبـيخي مسـل مـن شـرائح
الباوربوينت ضد إدارة فندق "دوبلتري كلوب" في هوستون.
في ليلة باردة من عام 2001، ذهب رجلا الأعمال إلى الفندق مؤكدين أنهما قاما بإجراء حجز لهما. للأسف عند وصولهما، علما أن الفندق كامل الحجز ولا يوجد
إلا حجرة واحدة فارغة، لكنها كانت غير صالحة للسكنى نظرًا لحالة التكييف المتردية ومشاكل في السباكة. ورغم أن الأمر كان مزعجًا حقًّا، فإن ما أزعج "فارمر" و
"آتشيسون" هو حالة اللامبالاة من موظف الاستقبال الليلي - "مايك".
لم يقدم "مايك" أي بدائل أخرى أو يساعدهم بأي طريقة. في الحقيقة لقد اشتاط "فارمر" و "آتشيسون" غضبًا من سلوك "مايك" غير المهذب والمسيء وغير المبرر
أكثر من غضبهما بسبب مشاكل الحجرة نفسها. وحيث إن "مايك" كان مسئولًا عن الخدمة، فقد شعرا أنه يتعين عليه إبداء شيء من الاهتمام وهو ما لم يقم به
"مايك"، وهو الأمر الذي أغضبهما فانتقما. وكما هي الحال مع جميع المستشارين الجيدين، قام رجلا الأعمال بتجهيز عرض باوربوينت شرحا فيه تتابع الأحداث
وأتماه باقتباسات ظريفة من قبيل: "مايك، موظف الاستقبال في المناوبة الليلية"، وأضافا إلى العرض الخسارة الفادحة بالأرقام التي قد يتسب فيها هذا الموظف
لمجموعة الفنادق التابعة بالإضافة إلى احتمالية أنهما لن يعودا أبدًا لفندق "دوبلتري كلوب".
على سبيل المثال، لقد قاما بعنونة الشريحة 15 من العرض كالتالي "من المستبعد جدًّا أن نعود إلى فندق دوبلتري كلوب، هوستون"، وشرحا إمكانية عدم ذهابهما
أبدًا لهذا الفندق مرة أخرى:
?
قــام رجــلا الأعمــال بإرســال الملــف عبــر البريــد الإلكتــروني إلــى المــدير العــام لفنــدق "دوبلتــري كلــوب" والزبــائن فــي هوســتون، بعــد ذلــك لقــي العــرض قبــولًا عــريضًا علـى
الإنترنت، وفي نهاية الأمر عرض الفندق تعويضات على رجلي الأعمال، فطلبا فقط إصلاح الخلل في خدمة العملاء وهو السبب الأساسي في المشكلة.
وهناك قصة انتقام أخرى تنتهي نهاية جيدة إلى حد ما عن الإخوة "نايستات"، الذين صمموا فيديو يشرح تفاصيل حالتهم مع خدمة العملاء بشركة أبل. عندما
تلفت بطارية الآي بود لأحدهم فاتصلوا يستفسرون عن مدى إمكانية استبدال البطارية، فأخبرهم ممثل خدمة العملاء أنه يتعين دفع مبلغ 255 دولارًا إضافة إلى
أجر الإرسال بالبريد لإصلاح البطارية ما دام قد مضى على الآي بود أكثر من عام، ثم أردف قائلًا: "بالمناسبة، إذا كنت تستطيع دفع هذا المبلغ، فمن الأفضل شراء
جهاز آي بود جديد".
قام الإخوة ردًّا على هذا برش طلاء مكتوب عليه: "تستمر بطاريات الآي بود التي لا تُستبدل 18 شهرًا فقط" على كل الإعلانات الملصقة الملونة لأجهزة الآي بود في
شوارع مدينة نيويورك. كما قاموا بتصوير هذه التجربة وصدروها بعنوان "السر البغيض للآي بود" وقاموا بنشرها على اليوتيوب والمواقع الأخرى. دفع هذا شركة
أبل إلى تغيير سياستها بخصوص استبدال البطاريات. (ولكن للأسف، ما زالت الشركة تصنع بطاريات أجهزة الآي بود والآي فون بطريقة صعبة الاستبدال) ***** .
بــالطبع الشــيء الأســاسي فــي خــدمة العمــلاء المروعــة هــو الوعــي العــام فــي مــهنة الطــيران. غــالبًا مــا يكــون الطـيران تجربـة جالبـة للعـداء، فعلـى الصـعيد الأمنـي هنـاك
فحوصات دقيقة تزعج المسافرين لأقصى حد ممكن. فعلينا أن نخلع أحذيتنا ونتأكد أن كلًّا من معجون الأسنان والمرطب والسوائل الأخرى لا يتعدى وزنها الوزن
المسموح به. وبالطبع هناك أيضًا مضايقات أخرى لا تحصى، وأمور مثبطة بما في ذلك الرحلات الطويلة والمقاعد غير المريحة وتأخر الرحلات.
علــى مــدار ســنين، بــدأت خطــوط الطــيران القيــام بعمليـة تغـريم لكـل شـيء تقـريبًا، بمـا فـي ذلـك تعبئـة رحـلات الطـيران بـأكبر عـدد ممكـن مـن المقاعـد والركـاب تـاركين
مسافات بين المقاعد تتسع فقط لطفل صغير، كما يغرمون الحقائب التي تم فحصها والمياه والوجبات الخفيفة على متن الطائرة، وأيضًا زادوا وقت الطيران بجعل
الطائرات تستغرق وقتًا أطول في الهواء، ووقتًا أقل على الأرض. نتيجة لذلك، ما الذي يمكن أن يحدث في رأيك إذا ما حدثت حالة تأخر واحدة؟ من المؤكد أنك
أدركت أن ذلك يتسبب في تسلسل لحالات التأخر في المطارات المتعددة، ويرجعون السبب في ذلك عمومًا إلى حالات الطقس السيئة (تقول شركة الخطوط الجوية:
"هذا ليس خطأنا"). ونتيجة لكل هذه الإساءات والإهانات، فغالبًا ما يشعر المسافرون بالغضب والعداء ويعبرون عن إحباطهم بشتى الصور.
وكان أحد الأشخاص الذين قاموا بالانتقام سببًا في معاناتي في رحلة من شيكاغو إلى بوسطن. فعلى متن الطائرة، أسعدني الحظ بالجلوس في مقعد في المنتصف -
17ب - بين شخصين ضخمين يبصقان باتجاه مقعدي. بعد الإقلاع، أخرجت مجلة شركة الخطوط الجوية من المقعد، وبدلًا من أن أشعر بملمس الورق المعتاد،
شعرت بقطرة صغيرة من بقايا طعام، سحبت يدي وجررت نفسي إلى الحمام لأغسل يدي فوجدت الأسطح هناك مغطاة بورق تواليت والأرضية رطبة من البول
ووجدت وعاء الصابون خاليًا. لا بد أن المسافرين الذين كانوا على متن الرحلة السابقة كانوا غاضبين، وأيضًا الشخص الذي كان جالسًا على نفس مقعدي (قد
يكون هذا الشعور أيضًا انتقل إلى طاقم عمل النظافة والصيانة). وأظن أن الشخص الذي ترك لي الهدية المبتلة في جيب المقعد، وأيضًا المسافرين الذين عبثوا في
الحمــام لــم يكــرهوني أنــا شــخصيًّا، ومــع ذلــك فــي محاولــة منــهم للتعبــير عــن الانتقــام مـن شـركة الخطـوط الجويـة، أبـدوا مشـاعرهم للمسـافرين الآخـرين الـذين قـد
يتورطون الآن في محاولات انتقامية أخرى.
انظر حولك، هل تلاحظ رد فعل عام انتقاميًّا من جهة العامة كرد على المعاملة السيئة المتزايدة التي تقوم بها الشركات والمؤسسات؟ هل تواجه كثيرًا من الوقاحات
والتجــاهل واللامبــالاة وأحيــانًا العــداء فــي المتـاجر وعلـى متـن رحـلات الطـيران وعلـى مناضـد تـأجير السـيارات وغيرهـا أكثـر مـن ذي قبـل؟ إننـي لسـت علـى يقـين ممـن بـدأ
معضلة الدجاجة والبيضة، لكن بما أننا كعملاء نواجه خدمة مهينة، فإننا نغضب ونميل إلى الانتقام من أي مندوب خدمة نلتقي به - سواء أكان هو المتسبب في
تجربتنا السيئة أم لا. ويقوم الأشخاص الذين يتعرضون لانفعالاتنا القاسية بخدمة عملاء آخرين، ولكنهم لا يكونون على الدرجة المطلوبة من اللطف والأدب لأنهم
أنفسهم يكونون في حالة مزاجية سيئة. وهكذا تسري مشاعر الغضب والإحباط والانتقام في دائرة متصاعدة مستمرة.
الوكلاء والمديرون
ذات مرة ذهبت أنا و"إيليت" لتناول الغداء والتحدث عن تجربة "دانييل" وهاتفه الخلوي. جاءت نادلة شابة في سن المراهقة تقريبًا لخدمتنا، وكانت متحيرة بشكل
ملحوظ. طلبت "إيليت" ساندويتش تونا، وطلبت أنا سلطة يونانية.
عادت النادلة بعد دقائق، ومعها سلطة قيصر وساندويتش الديك الرومي. نظرت أنا و "إيليت" إلى بعضنا البعض ثم إليها.
قلت لها: "إننا لم نطلب هذه الأشياء".
فأجابت: "آسفة سأقوم فورًا بإرجاعها".
كانت "إيليت" جائعة ونظرت إليَّ، فهززت كتفي وقلت: "لا بأس". وقالت "إيليت": "سنأكل ما أحضرته".
نظرت إلينا النادلة نظرة يائسة وقالت: "آسفة"، وانصرفت.
سألتني "إيليت" قائلة: "ماذا لو أخطأت النادلة في الفاتورة بأن قدمت لنا سعرًا أقل من المعتاد؟ هل سنخبرها عن هذا الخطأ أم أننا سننتقم ولن نقول شيئًا؟". كان
هذا السؤال متعلقًا بتجربتنا الأولى، لكنه كان مختلفًا أيضًا من ناحية مهمة. إن كان السؤال عن مقدار البقشيش لتركنا النادلة ولكانت المسألة هينة، فهي من
أخطأت في حقنا نوعًا ما (هذا من وجهة النظر الاقتصادية) ولأعطيناها بقشيشًا أقل لذلك، لكن الخطأ في الفاتورة يقع على كاهل المطعم وليس النادلة، فالنادلة
مــا هــي إلا موظفــة، بينمــا المطعــم هــو المــدير مــن حــيث تــراجع الإيــرادات بخصــوص الفــاتورة. وإذا اكتشــفنا خطــأ فــي الفـاتورة لكنـه لـم يسـترع انتبـاهنا نظـرًا لانشـغالنا
بانزعاجنا من تصرفها، فإن المدير هو الخاسر من جراء خطأ الموظف. هل سننتقم من المدير حتى لو كان الخطأ ناجمًا عن الموظف؟ وماذا لو سألنا أنفسنا سؤالًا:
"هل النادلة هي مالكة المطعم؟" في هذه الحالة تكون النادلة هي الموظفة والمديرة في الوقت نفسه. هل سيكون لدينا نزعة حينها للانتقام منها؟
أغلب الظن أن انتقامنا من المدير/المطعم سيكون بدرجة أقل إذا ما كانت النادلة مجرد موظفة، ومن المستبعد تقديم شكوى بخصوص الخطأ في الفاتورة إذا ما
كانت هي المديرة. (في نهاية الأمر لم يكن ثمة خطأ في الفاتورة، وعلى الرغم من عدم رضانا من خدمة النادلة، فإننا أعطيناها بقشيشًا بنسبة 15 في المائة على أي
حال). يكمن الأمر في أن الفرق بين المديرين والموظفين هو من يغير من ميولنا الانتقامية. وقد قررنا استعمال حدسنا في التجربة وندرس هذه المشكلة بمزيد من
التفصيل.
قبل أن أخبركم بما فعلناه وما توصلنا إليه، تخيل أنك ذاهب إلى متجر ملابس مملوك لإحدى الشركات ذات يوم، وقابلت مندوبة مبيعات مزعجة واقفة خلف المنضدة وتتكلم مع زميلها عن آخر حلقة من برنامج أمريكان آيدول ، وأنت تحاول جذب انتباهها، لكنك تغضب جدًّا لتجاهلها إياك. إنك تفكر بجدية في مغادرة
المكان لكنك معجب بالقمصان والسترة التي اخترتها، وفي النهاية خرجت عن صمتك، ثم لاحظت أن مندوبة المبيعات نسيت خطأ فلم تسجل سعر السترة على
الجهاز. وأنت تعلم أنك إذا دفعت أقل من السعر المعتاد سيكون في ذلك خسارة لمالك المتجر (المدير) وليس لمندوبة المبيعات (الموظفة)، هل ستحتفظ بهدوئك أم
أنك ستكشف خطأها؟
والآن لننظر إلى حالة مختلفة قليلًا: إنك تذهب إلى متجر ملابس ذي ملكية خاصة، فتقابل أيضًا مندوبة مبيعات مزعجة وهي في الوقت نفسه مالكة المتجر. مرة
أخرى تريد أن تحصل على سترة "مجانية"، لكن في هذه الحالة يكون شخص المدير والموظف واحدًا، وبديهيًّا في هذه الحالة أن السكوت عن الخطأ سيتسبب في
خسارة لكليهما، ماذا تفعل في هذه الحالة؟ هل الأمر سيتغير إذا كان الشخص المتضرر من انتقامك هو المتسبب في إغضابك؟
إن الإعداد في تجربتنا التالية يشبه الإعداد الخاص بالتجربة السابقة في المقهى، لكن هذه المرة قام "دانييل" بتقديم نفسه لمن يشربون القهوة قائلًا: "أهلًا، لقد
تعاقــد معــي أســتاذ بمعــهد ماســاتشوستس للتكنولوجيــا للعمــل فــي مشــروع"، فــي هــذه الحالــة كــان هـو المـوظف، أي المقـابل للنادلـة ومنـدوبة المبيعـات، وإذا مـا قـرر
شخص غاضب الاحتفاظ بالمال الزائد، سيلحق الضرر بالمدير (أنا). قال "دانييل" للمشاركين الآخرين: "أهلًا، أنا أقوم بمشروع أطروحة جامعية وأنا أموله من مالي
الخاص"، الآن يمثل "دانييل" المدير كمالك المتجر أو المطعم، هل هناك احتمال قوي أن يقوم أولئك الذين يحتسون القهوة بالانتقام عندما يتسبب ذلك في ضرر
"دانييل" ذاته؟ أم هل سيتصرفون بشكل مماثل بصرف النظر عن الطرف المتضرر؟
كانت النتائج محبطة، فقد اكتشفنا في التجربة الأولى أن نسبة احتمالية رد المال الزائد بالنسبة للأشخاص الذين انزعجوا من المكالمة الهاتفية، كانت أقل بكثير من
أولئــــك الــــذين لــــم ينزعجــــوا بالمكالمــــة الــــهاتفية فــــي أثنــــاء تلقيــــهم تعليمـــات المــهمة. وممــا يثــير الدهشــة أن الميــل للانتقــام لــم يعتمــد علــى الشــخص المتضــرر ســواء أكــان
"دانييل" (الموظف) أم أنا (المدير)، وهذا يذكرنا بحالة "توم فارمر" و "شين أتشيسون"؛ حيث قام "مايك" - عامل النوبة المسائية - (الموظف) بمضايقتهما كثيرًا، لكن
عرض الباوربوينت الذي قاما بتصميمه كان موجهًا لفندق "دوبلتري كلوب" (المدير). ويبدو أننا حينما نشعر برغبة في الانتقام لا نأبه بشخص بعينه، إنما نرغب
فقط في رؤية شخص يعاني بصرف النظر عما إذا كان الموظف أو المدير.
بــالنظر إلــى ثنــائيات المــوظف والمــدير فــي سـوق العمـل ورواج الاسـتعانة بمصـادر خارجيـة (والتـي تزيـد مـن هـذه الثنائيـة مـن ناحيـة أخـرى)، فـإننا نعتقـد أن هـذه نتيجـة
مزعجة حقًّا.
انتقام العميل: قصتي، الجزء الثاني
لقــد توصــلنا إلــى أن التجــاوزات الطفيفــة نســبيًّا قــد تلــهب غــريزة الانتقــام. عنـدما نشـعر بالرغبـة فـي إصـدار رد فعـل، غـالبًا لا نفـرق بـين مـن أغضـبنا بـالفعل وبـين مـن
سيعاني من ويلات انتقامنا. وتعد هذه الأخبار سيئة بالنسبة للشركات التي لا تفي بوعودها (إذا كان ذلك) لمساندة وخدمة العميل. فليس من السهل على المدير
التنفيذي أن يباشر الانتقام بنفسه. (وعند الانخراط في أعمال انتقامية قوية، يجتهد المستهلكون في الاحتفاظ بتصرفاتهم بعيدًا عن الأنظار). وأعتقد أن العديد من
شركات الطيران وأودي ودوبلتري وآبل ليس لديها حل لمسألة علاقة السبب والنتيجة بين تصرفاتهم الضارة، وبين الدوافع الانتقامية للزبائن الغاضبين.
إذن، كــيف انتقمــت مـن شـركة أودي؟ شـاهدت العـديد مـن مقـاطع الـيوتيوب حـيث يقـوم النـاس بـالتنفيس عـن مشـاكلهم، لكنـها لـم تلائمنـي، قـررت بـدلًا مـن ذلـك
كتابة دراسة حالة خيالية لمجلة الأعمال الشهيرة هارفارد بيزنس ريفيو ، كانت القصة بخصوص تجربة سلبية مع "توم زاكاريلي" مع سيارته ذات العلامة التجارية
الجديدة أتيدا (لقد ابتكرت مصطلح أتيدا واستخدمت الاسم الأول لـ "توم فارمر": لاحظ أيضًا التشابه بين "آريلي" و "زاكاريلي")، وفيما يلي نص الخطاب الذي
أرسله "توم زاكاريلي" للمدير التنفيذي لشركة أتيدا.
عزيزي السيد توم:
أكتب إليك بصفتي زبونًا قديمًا ومعجبًا سابقًا بشركة أتيدا؛ حيث إنني على وشك الإصابة باليأس. فمنذ عدة أشهر مضت، اشتريت سيارة أندروميدا LX الجديدة،
كانت مفعمة بالنشاط وأنيقة وأداؤها جيد وقد أحببتها كثيرًا جدًّا.
وفي يوم 20 سبتمبر بينما كنت في طريق العودة لـ لوس أنجلوس، توقفت السيارة بسبب الغاز وبدا الأمر كما لو لم يكن للجاذبية من تأثير، حاولت الاتجاه يمينً ا
ونظرت عن يميني، فإذا بشاحنتين كبيرتين تتجهان صوبي وبالكاد تفاداني السائقان، ونجحت نوعًا ما من الاتجاه لليمين، لقد كانت هذه إحدى التجارب الرهيبة
التي مرت بي في حياتي.
لقد كانت التجربة سيئة بفضل خدمة العملاء لديكم، فشكرًا لهم، فقد كانوا غير مهذبين وغير مفيدين ورفضوا تعويضي عن النفقات، وبعد شهر حصلت على
سيارتي، لكني الآن غاضب وحاقد وأريد إشراكك في معاناتي، أشعر برغبة في الانتقام.
إني فعلً ا جاد الآن في إعداد فيلم قصير سيئ وبغيض عن شركتكم وأنشره على اليوتيوب. وأنا على ثقة بأنك لن تكون سعيدًا بهذا الفيلم.
المخلص،
توم زاكاريلي
 
كان السؤال الرئيسي لمجلة الأعمال الشهيرة هارفارد بيزنس ريفيو كالتالي: كيف ينبغي أن يكون تصرف شركة أتيدا للسيارات حيال غضب "توم"؟ لم يكن واضحًا
أن الشركة المصنعة التزمت قانونيًّا بأي شكل مع "توم"، وتساءل مديرو الشركة عما إذا كانوا سيتجاهلونه أم سيسترضونه؟ وبعد طول نظر تساءلوا: لماذا سيقضي
"توم" وقتًا إضافيًّا وجهدًا لإعداد مقطع فيديو يعكس صورة سيئة عن شركة أتيدا للسيارات؟ ألم يعانِ فعلًا بوقت كافٍ في التعامل مع مشاكل سيارته؟ أليس
عنده شيء أفضل يمكنه القيام به؟ طالما تأكدت شركة أتيدا إلى أنها لن تسترضي "توم" بأي حال من الأحوال، فلماذا يضيع وقته في الانتقام؟
قام "برونوين فراير"، المحرر بمجلة هارفارد بيزنس ريفيو، بسؤال أربعة من الخبراء لاستقصاء هذه الحالة. كانت إحدى نتائجهم أن "توم" يريد الشهرة كما في
حالة "فندقكم سيئ جدًّا"، فليس من المستغرب أن يلوم شركة أتيدا وينحاز لصف "توم زاكاريلي". لقد استهل تعليقه قائلًا: "سواء نما إلى علم الشركة أم لا، فإن
أتيدا شركة خدمية؛ حيث إنها تبيع السيارات ولا تصنعها، فلا تقدم خدمة عملاء لذلك".
في النهاية رأى الخبراء الأربعة أن شركة أتيدا تعاملت مع "توم" على نحو خاطئ مما جعل لديه إمكانية كبيرة للانتقام منهم بهذا الفيديو، كما رأوا أن الفوائد
الممكنة نتيجة تعويض عميل مستاء متفاهم تفوق الخسارة.
عندما ظهرت دراسة الحالة في ديسمبر من عام 2007، قمت بإرسال نسخة منها بالبريد الإلكتروني لرئيس خدمة العملاء في شركة أودي، مع إضافة تعليق بأن
هذه المقالة إنما هي من وحي تجربتي مع شركة أودي، ولم أتلق منه ردًّا حتى الآن، لكني الآن أشعر أنني أفضل بخصوص المسألة كلها، بالرغم من أنني لست
متأكدًا مما لو كان ذلك بسبب الانتقام أم بسبب مضي وقت كاف على الأمر.
قوة الاعتذارات
عنــدما اســتلمت ســيارتي أخــيرًا، أعطـاني رئـيس فـريق الإصـلاح الميكـانيكي المفـاتيح، وعنـدما انصـرفنا قـال: "نأسـف لـذلك، فـأحيانًا مـا تتعطـل السـيارات"، إن الحقيقـة
البسيطة في كلماته كان لها تأثير مهدئ بشدة عليَّ. فقلت لنفسي: "نعم، إن السيارات تتعطل، ليست هذه مفاجأة، وما من داع للانزعاج حيال ذلك، تمامًا كما
في حالة تعطل الطابعة الخاصة بي".
لمــاذا أغضــب إذن؟ أعتقـد أنـه لـو كـان رد منـدوب خـدمة العمـلاء كـالتالي: "نحـن نأسـف علـى ذلـك، فعـادة مـا تتعطـل السـيارات"، وأبـدى بعـضًا مـن التعـاطف معـي،
لتغير الأمر جذريًّا. فهل يعني هذا أن الاعتذارات تحسن من التفاعلات وتهدئ من غريزة الانتقام في العمل والتعاملات الشخصية؟
اســتنادًا إلــى تجــربتي الشــخصية فــي الاعتــذار المتكــرر لزوجتــي "ســومي" وأن ذلــك يكــون لــه مــردود جيـد لـي غـالبًا (إيلـيت تعتبـر نفسـها لا تخطـئ أبـدًا، لـذا فـهي ليسـت
بحاجة للاعتذار عن أي شيء)، فقد قررنا في الإعادة التالية قياس مدى قوة كلمة "آسف".
كــان محــيط تجربتنــا يشــبه إلــى حــد كبــير التجربــة الأصــلية، فمــرة أخــرى أرســلنا "دانييــل" لســؤال زبــائن فــي مقــهى عمــا إذا كــانوا يريـدون الانخـراط فـي مـهمة مزاوجـة
الحروف في مقابل خمسة دولارات. إلا أننا في هذه المرة كان لدينا ثلاثة شروط. في مرحلة التحكم (عدم الإغضاب)، قام "دانييل" أولًا بسؤال المسئولين عن المقهى
عما إذا كانوا يرغبون في الانخراط في مهمة تستغرق خمس دقائق مقابل خمسة دولارات، وعندما وافقوا (تقريبًا وافقوا جميعًا)، أعطاهم نفس ورقة الحروف وشرح التعليمات. وبعد مضي خمس دقائق، عاد إلى الطاولة وجمع الأوراق وأعطى المشاركين أربعة دولارات إضافية (فاتورة بقيمة أربعة دولارات، وفاتورة بقيمة
خمســــة دولارات)، وطلــــب منــــهم مــــلء اســــتمارة نظــير خمســة دولارات. كــان الأمــر متشــابهًا بالنســبة للمشــاركين فــي مرحلــة الإغضــاب إلا عنــدما كــانوا يســتعرضون
التعليمات، قام "دانييل" مرة أخرى بالتظاهر بأنه كان يقوم بإجراء مكالمة هاتفية.
كانت المجموعة الثالثة في نفس ظروف مجموعة الإغضاب، ولكننا أجرينا تغييرًا بسيطًا. في هذه المرة بينما كان "دانييل" يسلم المشاركين مستحقاتهم ويطلب منهم
توقيع الفاتورة، أضاف اعتذارًا. فكان يقول: "أنا آسف، لم يكن يجدر بي الرد على المكالمة الهاتفية".
استنادًا إلى التجربة الأصلية، توقعنا أن يقوم قليل من الأشخاص الغاضبين برد المال الزائد، وهو ما أثبتته التجربة حقًّا، لكن ماذا عن المجموعة الثالثة؟ كانت
مفــاجأة أن قــام الاعتـذار بـدور جـذري فـي حـل المشـكلة، كـان المبلـغ الزائـد مـن المـال الـذي تـم رده فـي حالـة الاعتـذار هـو نفسـه عنـدما لـم يغضـب المشـاركون أسـاسًا. لقـد
وجدنا بالفعل أن كلمة "آسف" تصدت تمامًا لتأثير الإزعاج. (بالنسبة لمصدر مستقبلي ملائم للاستعمال، فهذه وصفة سحرية: إزعاج + اعتذار = عدم انزعاج).
وهذا يبين لنا أن الاعتذارات تجدي ولو مؤقتًا على الأقل.
ولكن قبل أن تقرر أن تتصرف كالأحمق وتقول "آسف" مباشرة بعد مضايقتك لأحد، فإليك كلمة تحذير في هذا الصدد. لقد كانت تجربتنا مجرد تفاعل واحدة بين
"دانييل" وزبائن المقهى، وليس من الواضح ما الذي يمكن أن يحدث إذا ما استمر "دانييل" والزبائن في التجربة والاعتذار لعدة أيام على التوالي. وكما نتعلم من
قصة "الولد الذي يعطي إنذارًا كاذبًا"، فإن الإفراط في استخدام كلمة معينة كالإكثار من كلمة "آسف" قد يفقدها أيضًا مفعولها.
كما اكتشفنا أيضًا علاجًا آخر للانتقام الذي يقوم به ضدنا محتسو القهوة في بوسطن. كما تبين أن طول الوقت بين مكالمة "دانييل" الهاتفية غير المهذبة وفرصة
المشاركين في الانتقام (عندما أعطاهم المكافأة وطلب منهم التوقيع على إيصال) حتى بعد مرور خمس عشرة دقيقة قد كتم بعضًا من المشاعر الانتقامية ورد إلينا
الكثــير مــن أموالنــا. (هنــا أيــضًا، كلمــة تحــذير مــهمة: عنــدما يكــون الانزعــاج شــديدًا جــدًّا، فــإنني لســت متأكــدًا تمــامًا مــن أن مــرور بعــض مــن الــوقت قــد يكـون كـافيًا
للتخلص من دافع الانتقام).
?
إذا حدث لك وكنت تميل للانتقام
لقد حذرنا بعض الحكماء بخصوص المنافع المحتملة للانتقام، فقال "مارك توين": "هنا مكمن الخلل في مسألة الانتقام، فالمسألة كلها في التوقع، فالشيء نفسه
مؤلم وليس ممتعًا، فعلى الأقل يعد الألم هو أقصى شيء يمكن حدوثه"، وأضاف "وولتر ويكلر": "ليس للانتقام مزيد تأثير مسكن على الانفعالات إلا كتأثير الماء
المــالح علــى الظمــآن"، وأضــاف "ألبــرت شــفايتزر": "إن الانتقـام...مثل حجـر تقـوم بـدحرجته، إذا رفعتـه علـى قمـة تـل، فإنـه سـيعود عليـك بمزيـد مـن العنـف ويحطـم
عظامك".
استنادًا إلى كل تلك النصائح الجيدة التي تدعو لعدم الانخراط في الانتقام، فإنه في الواقع شيء يمكن تفاديه.
بالنسبة لي، أعتقد أن الرغبة في الانتقام هي أحد ردود الفعل الرئيسية عند البشر، فهي تتعلق بقدرتنا المذهلة على الثقة في الآخرين، ولأنها جزء من طبيعتنا،
فإنها غريزة من الصعب التغلب عليها، ربما تجدر الإشارة إلى اتباع طريقة كطريقة "التأمل" في الحياة، ربما ننظر إلى الأمر نظرة طويلة المدى، ربما نعد إلى عشرة
أو إلى عشرة ملايين ونترك الوقت يتولى زمام الأمور، على الأرجح سيكون تأثير هذه الخطوات طفيفًا فقط لشعور عام شائع للغاية. (انظر الفصل العاشر للتعمق
بشكل أكبر في الجانب المظلم لانفعالاتنا).
عندما لا نستطيع قمع مشاعرنا الانتقامية تمامًا، ربما نستطيع معرفة كيفية تخفيف التوتر دون تكبد العواقب السلبية، ربما نعد لافتة مكتوبًا عليها: "أتمنى لك
يومًا سعيدًا" بحروف كبيرة من جانب، ومن الجانب الآخر مكتوب عليها بحروف صغيرة "تبًّا لك". يمكننا الاحتفاظ بهذه اللافتة في تابلوه السيارة، وعندما يقود
أحد بسرعة كبيرة ويقطع علينا الطريق أو يعرضنا للخطر عمومًا بقيادته، يمكن أن نخرج اللافتة للقائد من شباك السيارة والتي عليها عبارة "أتمنى لك يومًا
سعيد ًا" ، قد نكتب نكات انتقامية عن الشخص المعتدي وننشرها على الشبكة العنكبوتية دون ذكر اسم الناشر، وقد نجد متنفسًا مع بعض أصدقائنا، قد نقوم
بإعداد عرض بشرائح الباوربوينت عن الأمر أو نكتب دراسة حالة لمجلة هارفارد بيزنس ريفيو .
الانتقام المفيد
بخلاف مناوشتي القريبة مع الموت على الطريق السريع، فيمكنني القول إن تجربتي مع شركة أودي كانت مفيدة جدًّا، فقد جعلتني أفكر في مسألة الانتقام وأقوم
ببعض التجارب وأتبادل وجهات النظر كتابة وأكتب هذا الفصل. وفي الحقيقة، يوجد فعلًا العديد من قصص النجاح التي ترتكز على الدافع للانتقام. وتتضمن هذه
القصص غالبًا مبادري الأعمال؛ حيث يكون الاعتداد بالذات لديهم مرتبطًا جدًّا بالعمل. فعندما يطردون من العمل وهم في منصب المديرين التنفيذيين
أو الرؤساء فإنهم يفنون حياتهم في طلب الانتقام، وأحيانًا ينجحون إما في استعادة وظائفهم السابقة أو في بناء كيان منافس جديد وناجح لشركتهم السابقة.
قرب نهاية القرن التاسع عشر، على سبيل المثال، امتلك "كورنيليوس فاندربيلت" باخرة تدعى شركة أكسيسوري ترانزيت، كان كل شيء يسير على ما يرام حتى
قرر قضاء عطلة في أوروبا على ياخت خاص به، عندما عاد من رحلته، وجد أن مساعديه اللذين تركهما يرعيان الشركة قد باعا نصيبه في الشركة لصالحهما. قال
لهما: "أيها السادة، لقد خدعتماني، لن أقاضيكما فدروب القوانين بطيئة جدًّا، سأتولى القضاء عليكما بنفسي"، ثم حوَّل اليخت لسفينة ركاب وأسس شركة
منافسة وأطلق عليها اسمًا ملائمًا "أوبوزيشن أو المعارضة". نجحت الشركة الجديدة نجاحًا مدويًّا واسترد "فاندربيلت" سيطرته في نهاية الأمر على شركته الأولى.
على الرغم من أن شركة "فاندربيلت" كانت أكبر حجمًا، فإنها اشتملت على الأقل على اثنين من الموظفين المشكوك فيهم13.
وهذه قصة انتقام أخرى ناجحة14: بعدما طرد من شركة والت ديزني، لم يكسب "جيفري كاتزنبرج" فقط 280 مليون دولار كتعويض، لكنه شارك في تأسيس
شركة دريم ووركس إس كيه جي كمنافس لشركة ديزني واستمر في تقديم أفلام شريك التي لاقت رواجًا كبيرًا، لم تكن سلسلة الأفلام فقط ساخرة من حكايات
ديزني الخيالية، ولكن الجانب الشرير في ذلك هو على ما يبدو محاكاة ساخرة لرئيس ديزني في ذلك الوقت (ورئيس كاتزنبرج السابق) "مايكل آيزنر". والآن حيث
إنك تعلم خلفية "شريك"، أقترح عليك إعادة مشاهدة الفيلم لترى كيف يكون الانتقام البناء (والممتع).
* في الحقيقة، يعد الانتقام استعارة جيدة للاقتصاد السلوكي في العموم. بالرغم من أن الغريزة قد لا تكون متعقلة، فإنها ليست بلا معنى، وأحيانا قد تكون
مفيدة أيضا.
** يوجد إصدارات عديدة مختلفة من هذه اللعبة، بقواعد مختلفة ومبالغ مختلفة من المال، لكن المبدأ الأساسي هو نفسه.
*** لقد ساعدت عملية الإنقاذ فعلا العديد من المصارف والتي عادت بسرعة للربحية وبدأت في توزيع علاوات كبيرة للإدارة العليا. ولكنها لم تقدم الكثير للاقتصاد.
**** اسم الشهرة لهذا القانون الذي يوفر إصلاح السيارات الجديدة التي تفشل في تلبية معايير معينة من معايير الجودة والأداء.
***** هذا مثال آخر للانتقام القوي؛ حيث إن الإخوة "نايسبات" قد انتهكوا بعض القوانين فيما يخص حقوق الملكية عندما شوهوا ملصقات الإعلانات الخاصة
بأجهزة الآي بود.
الجزء 2
الطرق غير المتوقعة التي نتحدى
بها المنطق في المنزل
الفصل 6
عن التكيف
لماذا نتعود على الأشياء
(لكن ليس كل الأشياء، وليس دائمًا)
الإنسان مخلوق متكيف، كائن يتكيف على أي شيء.
- فيودور دوستويفسكي
كانت أواخر القرن التاسع عشر صعبة على الضفادع والديدان وعدد من المخلوقات الأخرى. بازدهار دراسة علم وظائف الأعضاء "الفسيولوجي" في أوروبا وأمريكا
(ويرجع الفضل في ذلك جزئيًّا إلى "تشارلز داروين")، أخذ العلماء في تقسيم وتمزيق ونقل هذه الكائنات البائسة على نحو متطرف. وطبقًا للأساطير العلمية، قام
العلماء بتسخين بعض الحيوانات لاختبار مدى تكيفها مع التغيرات الحادثة في بيئاتها.
أشهر مثال لهذا النوع من البحث هو قصة مشكوك في صحتها عن ضفدع في إناء يغلي. لنفترض أنك وضعت ضفدعًا في إناء به ماء ساخن، فإنه سيندفع مذعورًا
ويقفز بسرعة. ومع ذلك إذا وضعت واحدًا في إناء به ماء في درجة حرارة الغرفة، فإن الضفدع سيظل فيه قريرًا، وإذا ما رفعت درجة الحرارة رويدًا رويدًا، سيظل
الضفدع واقفًا حيث يتكيف مع التغير المتصاعد في درجة الحرارة، وإذا استمررت في رفع درجة الحرارة، سينتهي المطاف بالضفدع للغليان حتى الموت.
إننــي لا أســتطيع الــجزم بفعاليــة هــذه التجربــة لأننــي لــم أجربــها ألبتــة (وأعتقـد أن الضـفدع سـيقفز حتـمًا للخـارج)، ومـع ذلـك تعـد قصـة الضـفدع المـهتاج مثـالًا لمبـدأ
التكيف. إن الافتراض العام هو أن كل المخلوقات - بما في ذلك الإنسان - يمكنها التكيف مع أي شيء بمرور الوقت.
وعادة ما تستخدم قصة الضفدع للتغير بشكل سيئ. فقد وجد "آل جور" تشبيهًا مفيدًا لافتًا لجهل الناس حول آثار ظاهرة الاحتباس الحراري، بينما استخدمها
آخرون للتحذير من تآكل بطيء للحريات المدنية. ويستخدم ذلك رجال السوق والأعمال للتدليل على أن التغيرات في المنتجات والخدمات والسياسات كالزيادة في
الأسعار لا بد أن تكون تدريجية حتى يتسنى للزبائن التكيف معها (يفضل من دون ملاحظة ذلك). هذا التشبيه في التكيف شائع جدًّا في الحقيقة؛ حيث أشار إليه
"جيمس فالوز" في عمود كتبه في مجلة أتلانتيك وسماه "أرشيف الضفدع المهتاج" حيث تقضي الضفادع أوقاتًا عصيبة في المستنقعات الضحلة والمياه الملوثة. كما أن
للخطاب السياسي مشاكله أيضًا. من أجل الضفادع والخطاب العام الأقل حمقًا، فلنسحب تلك الشائعة الكاذبة أو الضفدع15".
في واقع الأمر، تعد الضفادع حيوانات متكيفة بشكل ملحوظ، فهي تستطيع العيش على اليابسة وفي الماء، كما أنها تغير لون جلدها حسب البيئة المحيطة بها
حتى إن بعضها يقلد أبناء عمومتها من الفصيلة السامة لتخويف الحيوانات المفترسة. الإنسان - أيضًا - لديه قدرة رائعة على التكيف جسديًّا مع بيئته، بدءًا من
البيئة المتجمدة الجرداء في القطب الشمالي إلى البيئة الحارقة القاحلة في الصحاري. فالتكيف الجسدي للإنسان مهارة جماعية.
للحصول على فهم أفضل للتكيف الرائع، دعنا نر الطريقة التي يعمل بها نظامنا البصري. إذا لم تكن قد ذهبت من قبل مطلقًا إلى حفلة نهارية وسرت من السينما
والمسرح المظلم إلى موقف مشمس للسيارات، فإن أول لحظة في الخارج هي لحظة سطوع مذهل، لكن تبدأ عيناك في التكيف سريعًا. فالتحرك من مسرح مظلم
إلى ضوء الشمس الساطع يكشف مظهرين من مظاهر التكيف. أولًا: نستطيع التكيف بشكل جيد في سلسلة واسعة من شدة الضوء بدءًا من وضح النهار (حيث
تكون الإضاءة قوية 100000 لكس) وحتى الغروب (حيث تكون الإضاء ضعيفة؛ حيث تصل إلى 1 لكس). حتى مع ضوء النجوم (حيث تهبط الإنارة إلى 0.001
لكس)، يمكننا التكيف إلى درجة ما. ثانيًا: يستغرق الأمر وقتًا قليلًا لأعيننا للتكيف، حينما نتحرك في بادئ الأمر من الظلام إلى الضوء، نكون غير قادرين على فتح
أعيننا تمامًا، لكن بعد وقت قليل نتكيف مع البيئة الجديدة ونتعامل معها جيدًا، في الحقيقة نحن نتأقلم بهذه السهولة لدرجة أننا بعد وهلة نلاحظ بالكاد شدة
الضوء من حولنا.
إن قدرتنا على التكيف على الضوء إنما هي مثال واحد على مهاراتنا التكيفية العامة. ويحدث الأمر نفسه عندما نتعرض لأول مرة لرائحة جديدة أو ملمس لنسيج
أو حرارة أو ضجيج في الخلفية. ففي البداية، نكون على وعي تام بهذه الأحاسيس، لكن بمرور الوقت لا نأبه لها تدريجيًّا حتى نتكيف عند وقت معين فتصبح غير
ملحوظة تقريبًا.
وخلاصة القول هي أننا لدينا قدرًا محدودًا من الانتباه نلاحظ من خلاله العالم الخارجي ونتعرف عليه - والتكيف هو مرشح جديد مهم جدًّا؛ حيث يساعدنا على
تركيز اهتمامنا المحدود على الأشياء التي تتغير، وبالتالي قد تشكل إما فرصًا أو خطرًا. ويسمح لنا التكيف بشهود التغييرات المهمة بين الملايين التي تحدث من حولنا
في كل وقت وتجاهل تلك غير المهمة. فإذا ما كانت رائحة الهواء هي نفسها من خمس ساعات مضت، فإنك لا تلاحظها، لكنك إذا شممت رائحة غاز وأنت مستلق
على الأريكة، فسرعان ما ستلحظ هذه الرائحة وتسارع بالخروج من المنزل وتتصل بشركة الغاز. وحمدًا لله على ذلك، فجسم الإنسان هو سيد البراعة في التكيف
على العديد من المستويات.
ما الذي نستفيده من الألم عندما يتعلق الأمر بالتكيف؟
ثمة نوع آخر من التكيف يدعى التكيف التلذذي، وهذا له علاقة بالطريقة التي نستجيب بها للتجارب المؤلمة أو الممتعة. فعلى سبيل المثال: جرب التجربة الفكرية
التالية. أغلق عينيك وفكر فيما يمكن أن يحدث إذا ما جرحت جرحًا شديدًا في حادث تصادم سيارة وتسبب في إعاقتك من الخصر إلى أسفل. تخيل نفسك جالسًا
على كرسي متحرك، عاجزًا عن المشي أو الجري. وتخيل أنك تتعامل مع المتاعب اليومية وألم الشلل وغير قادر على إنجاز العديد من الأنشطة التي تستمتع بها
حاليًّا، وتعتقد أن العديد من الفرص المستقبلية ستولي ظهرها لك الآن وأنت على هذه الحالة. في أثناء تخيلك هذا تعتقد أن فقدانك لأرجلك سيجعلك بائسًا ما
دمت حيًّا.
لقد اتضح أننا نكتشف أننا على مستوى عالٍ من تصور المستقبل، لكننا لا نستطيع التنبؤ بكيفية التكيف معه. من الصعب تخيل هذا، وبمرور الوقت قد تتعود على
التغيرات في نمط حياتك، وتتكيف مع جراحك، وتجد أن الأمر ليس بالسوء الذي كنت تعتقده. بل إنه من الصعب أن تتخيل اكتشاف مباهج جديدة وغير متوقعة
في حالتك الجديدة.
ومــع ذلــك فقــد كشــفت العــديد مــن الدراسـات أننـا نتكـيف بشـكل أسـرع وبـدرجة أكبـر ممـا نتـوقع. لكـن السـؤال هـو: كـيف يتـم التكـيف، وإلـى أي مـدى تتغـير قنـاعتنا
بالتكيف، على أية حال؟
في أثناء السنة الأولى لي في الجامعة، أتيحت لي الفرصة للتأمل ثم اختبار مسألة التكيف مع الألم تجريبيًّا * . كان من أول الفصول الدراسية التي درستها دورة في
فسيولوجيا الدماغ؛ حيث كانت هذه المحاضرات تهدف إلى معرفة تركيب الأجزاء المختلفة للدماغ وعلاقتها بالسلوك. سألنا الدكتور "حنان فرينك" عن كيفية عمل
الجوع أو الصرع أو الذاكرة؟ ما الذي يمكننا من تطوير وإنتاج اللغة؟ لم يكن لديَّ توقعات كبيرة على وجه الخصوص للانخراط في علم وظائف الأعضاء، لكني
ظننت أن الأمر استثنائي من عدة وجوه بما في ذلك حقيقة أن الدكتور "فرينك" اعتمد على تاريخه الشخصي لإدارة اهتماماته البحثية.
فقد ولد في هولندا وهاجر إلى أحد البلاد المضطربة في عام 1968 عندما كان عمره 18 سنة، بعد فترة وجيزة من التحاقه بالجيش، كان يركب مركبة مدرعة مرت
علــى لغــم أرضــي وانفجــرت ممــا تســبب فــي بتــر قــدميه. اســتنادًا إلــى هــذه التجربــة، لـم يكـن مسـتغربًا أن كـان أحـد الاهتمـامات البحثيـة لـه هـو الألـم، وقـد تنـاولنا هـذا
الموضوع بشيء من التفصيل في المحاضرات. وحيث إنه كان لي أيضًا اهتمام شخصي كبير بهذا الموضوع، كنت أقف عند مكتب الدكتور "حنان" من وقت لآخر لأتحدث
معــه بمزيـد مـن التفصـيل فـي هـذا الصـدد. وبسـبب تجـاربنا المتشـابهة كـان حـديثنا عـن الألـم منطلـقًا مـن الناحيـة الشـخصية والمـهنية، اكتشـفنا بعـد ذلـك انخراطنـا فـي
العديد من التجارب في مسألة الألم والمعالجة وتحديات التغلب على الإصابات، كما اكتشفنا أننا أيضًا نزلاء المستشفى نفسه في مركز إعادة التأهيل نفسه، وتولى
علاجنا بعض من نفس الأطباء والممرضات وأخصائيي العلاج الطبيعي، وإن كان ذلك كل على حدة لمدة سنوات.
في أثناء إحدى هذه الزيارات ذكرت لـ "حنان" أنني عدت لتوي من عند طبيب الأسنان ولم آخذ أي مخدر موضعي أو أي مسكنات للألم في أثناء عملية ثقب الأسنان.
قلــت لــه: "لقــد كــانت تجربــة مثــيرة، كــانت مؤلمــة جــدًّا، وشـعرت بـالثقب والعصـب، لكـن الأمـر لـم يزعجنـي كثـيرًا". أجـابني "حنـان" بانـدهاش أنـه أيـضًا رفـض المخـدر
الموضعي عند طبيب الأسنان منذ أصيب. وعندئذ بدأنا في التساؤل عما إذا كنا أفرادًا ماسوشيين غريبي الأطوار أم أن الأمر يتعلق بتعرضنا الطويل للألم الذي جعل
تجربة بسيطة نسبيًّا - وهي ثقب الأسنان - تبدو أقل مشقة. أستطيع أن أخمن - وربما كان هذا غطرسة - أننا استنتجنا أنه من الأرجح أن الأمر كان بسبب تعرضنا
الطويل للألم. وبعد أسبوع طلب مني أن أمر عليه بمكتبه. كان يفكر في لقائنا واقترح أن نختبر الفرضية تجريبيًّا، على افتراض أننا طبيعيون خلاف ذلك، وأن تجاربنا قللت من
اكتراثنا بالألم، ومن ثمَّ تولدت أول تجربة حقيقية لديَّ مع بحوث العلوم الاجتماعية.
أنشأنا مرفق اختبار صغيرًا في المستوصف في ناد ريفي خاص للأشخاص الذين أصيبوا في أثناء خدمتهم في الجيش، وكان النادي مكانًا رائعًا، كانت هناك مباريات
كرة سلة للمصابين في الكراسي المتحركة، ودروس في السباحة لمن فقد ساقيه أو ذراعيه، وحتى كرة سلة للمكفوفين، (كرة السلة للمكفوفين تشبه إلى حد كبير
كرة اليد، يتم لعبها على عرض الملعب بالكامل وداخل الكرة جرس). وكان أحدهم هو مختص العلاج الطبيعي الذي كان يعالجني في مركز إعادة التأهيل، كان
مكفوفًا ويلعب في أحد الفرق وكنت أستمتع بمشاهدته وهو يلعب.
وضعنا إعلانات حول النادي مكتوبًا عليها: "مطلوب باحثون متطوعون لإجراء دراسة سريعة ومثيرة للاهتمام"، عندما جاء المشاركون المولعون إلى مرفق الاختبار،
وكانوا جميعًا مصابين بإصابات، كانت تحدياتنا لهم عبارة عن حوض ماء ساخن تم تجهيزه عن طريق مولد للتدفئة والحرارة. قمنا بتسخين المياه إلى 48? مئوية
(118.4? فــهرنهايت) وطلبنــا مــن كــل مشــارك وضــع ذراعـه فيـه، عنـدما وضـع المشـارك يـده فـي المـاء السـاخن، بـدأنا العـداد وسـألناه (كـل المشـاركين ذكـور) ليخبرنـا عـن
اللحظة التي يصير فيها إحساسه بالحرارة ألمًا (أطلقنا عليها لحظة بداية الألم)، ثم طلبنا من المشارك أن يبقي يده في الماء الساخن حتى يفقد قدرته على التحمل
فيسحب ذراعه حينها خارج الحوض (وكان هذا الإجراء مقياسًا لتحمل الألم)، ثم كررنا الأمر نفسه باستخدام اليد الأخرى.
بمجرد انتهائنا من إيلام المشاركين جسديًّا، سألناهم عدة أسئلة عن تاريخ إصاباتهم وتجاربهم مع الألم في فترة الاستشفاء الأولية (في المتوسط، كان المشاركون
معنا في التجربة قد تحملوا إصاباتهم لمدة خمسة عشر عامًا قبل إجراء هذه التجربة معنا) وكذلك في الأسابيع الحالية، استغرق منا الأمر بعض الوقت، لكننا
استطعنا جمع معلومات عن حوالي 40 مشاركًا.
ثــم أردنــا أن نعــرف مــا إذا كــانت قــدرة المشــاركين علــى تحمــل الألــم قــد زادت بســبب إصــاباتهم. للقيــام بــهذا، كــان علينـا إيجـاد مجموعـة تحكـم ونقـارن بـدايات الألـم
والتحمل في المجموعتين. فكرنا في إدراج مزيد من المشاركين ممن لم يعانوا إصابات شديدة - ربما كانوا طلابًا أو أناسًا يتجولون في مركز التسوق. لكننا بعد تدبر
الأمــر انتــابنا القلــق مــن أن ينتــج عــن مقارنــة هــؤلاء الأشــخاص العــديد مــن العناصــر الأخــرى. فــالطلاب علـى سـبيل المثـال، كـانت أعمـارهم أقـل مـن المجموعـة التـي فـي
التجربة، واختيار الناس عشوائيًّا في مركز التسوق قد يؤدي إلى وجود مشاركين ذوي خلفيات وإصابات وتجارب حياتية متنوعة.
لذلك قررنا القيام بطريقة أخرى؛ حيث أخذنا الملفات الطبية للمشاركين الأربعين وعرضناها على طبيب وممرضتين وطبيب علاج طبيعي في مركز إعادة التأهيل
الذي قضيت فيه أنا و"حنان" وقتًا طويلًا، وطلبنا منهم تقسيم العينة إلى مجموعتين: ذوي الإصابات الطفيفة وذوي الإصابات الشديدة. وبمجرد أن قمنا بذلك
كانت لدينا مجموعتان متشابهتان إلى حد ما لبعضهما البعض في العديد من الجوانب (كل المشاركين كانوا في الجيش ومصابين ونزلاء في المركز ومشتركين في نادي
المحاربين القدماء) لكنهم كانوا مختلفين في درجة إصاباتهم. وبمقارنة المجموعتين، أردنا أن نرى مدى تأثير شدة إصابة المشاركين على الطريقة التي تعاملوا بها مع
الألم بعد ذلك بسنوات.
تكونت المجموعة ذات الإصابة الشديدة من أشخاص مثل "ناعوم" والذي كانت وظيفته في الجيش عبارة عن إزالة الألغام الأرضية، وفي لحظة تعيسة انفجر لغم
في يديه، فثقب بدنه بجروح من شظايا عديدة وأفقده إحدى قدميه وإحدى عينيه. وبالنسبة للمجموعة ذات الإصابات الطفيفة، كان هناك رجل يسمى "يودا"
والذي انكسر كوعه وهو في الخدمة، وقد خضع لجراحة لاستعادة المفصل عن طريق لوحة تيتانيوم لكن صحته كانت على ما يرام عمومًا.
قال المشاركون ذوو الإصابات الطفيفة إن الماء الساخن أصبح مؤلمًا بعد حوالي 4.5 ثانية، بينما المصابون بشدة تأثروا بالألم بعد 10 ثوان. الشيء الأكثر إثارة هو أن
المشاركين ذوي الإصابات الطفيفة أزالوا أيديهم من الماء الساخن (تحمل الألم) بعد حوالي 27 ثانية، بينما ذوو الإصابات الشديدة احتفظوا بأيديهم في الماء الساخن
إلى حوالي 58 ثانية.
تأثرنا بهذا الاختلاف على وجه الخصوص، لأنه وحتى يتسنى لنا التأكد من أنه لم يصب أحد بحروق، لم نسمح لأي من المشاركين بترك يده في الماء الساخن لأكثر
من 60 ثانية. لم نخبرهم في بادئ الأمر عن قاعدة الـ 60 ثانية، لكنهم إذا ما احتملوا طوال هذا الوقت، لكنا طلبنا منهم نزع أيديهم من الماء، لم نرغب في تطبيق
هذه القاعدة على المشاركين ذوي الإصابات الطفيفة، لكنه كان علينا إخبار جميع المشاركين ذوي الإصابات الشديدة - إلا واحدًا منهم - أن ينزعوا أيديهم من الماء
الساخن.
ماذا كانت النهاية السعيدة؟ اكتشفت أنا و"حنان" أننا لم نكن غير طبيعيين كما اعتقدنا، على الأقل ليس فيما يتعلق بردود أفعالنا تجاه الألم. علاوة على ذلك،
توصــلنا لــوجود تكــيف عــام فــي مســألة التــأقلم مــع الألــم، بــالرغم مــن أن المشــاركين فــي التجربــة تحملــوا إصــاباتهم منــذ ســنين مضـت، فـإن سـلوكهم العـام مـع الألـم
وقدرتهم على التحمل قد تغيرت، واستمر هذا التغير وقتًا طويلًا.
لماذا تسببت تجربة الألم في الماضي في تغيير ردود أفعال هؤلاء المشاركين لهذه الدرجة؟ طرح شخصان من المشاركين في التجربة تبريرًا، على عكس باقي المشاركين.
لم يعان هؤلاء الاشخاص إصابات جراحية وإنما عانوا أمراضًا، فقد كان أحدهما مصابًا بالسرطان، والآخر مصابًا بمرض معوي خطير، للأسف كانت الحالتان في
المراحــل الأخــيرة مــن المــرض. وبخصــوص الإعلانــات التــي قمنــا بنشــرها لطلــب مشــاركين فــي التجربــة، تغاضــينا عــن ذكــر أيــة شــروط أسـاسية، لـذا عنـدما عـرض هـذان
الشخصان المصابان بأنواع من إصابات لم نكن نبحث عن المساعدة، لم أعرف حينها ماذا أفعل. لم أرغب في جعلهما يتحملان من الألم أكثر مما هم فيه من معاناة
دون مبرر، ولم أرغب في أن يشعرا بعدم التقدير أو الترحيب من جانبي لهما. لذلك قررت أن أكون دمث الخلق معهما وأتركهما يشتركان في التجربة، ولكن لا
أستخدم معلوماتهما في التحليل.
وبعد انتهاء الدراسة، بحثت عن المعلومات الخاصة بهما فوجدت شيئًا غريبًا تمامًا، فلم تكن قدرتهما على التحمل أقل من ذوي الإصابات الشديدة فقط (بمعنى
أنهما احتفظا بأيديهما في الماء الساخن لفترة أقصر)، ولكنها كانت أيضًا أقل من ذوي الإصابات الطفيفة، بالرغم من أنه من المستحيل استنتاج أي شيء استنادًا إلى
معطيــات مــن شــخصين فقــط، تعجبــت مـا إذا كـان الاختـلاف بـين نوعـي مرضـهما وأنـواع الإصـابات الأخـرى التـي عـانى منـها المشـاركون الآخـرون (وأنـا) يمكـن أن يقـدم
تفسيرًا عن كون الإصابات الشديدة سببًا في جعل الناس يكترثون قليلًا بالألم.
عندما كنت في المستشفى، كان أكثر ما عانيت من الألم متعلقًا بأن تتحسن حالتي، كانت العمليات الجراحية، والعلاج الطبيعي وعلاجات الحمام مصدر عذاب
لي. ولكني مع ذلك تحملتها أملًا في التحسن، حتى عندما كان العلاج محبطًا أو غير مجد، استوعبت أنه قد تم تخصيصها من أجل شفائي.
فعلى سبيل المثال، كانت إحدى أصعب التجارب التي مررت بها في السنوات الأولى عندما كانت إصابتي تتمدد في جلدي. في كل مرة كنت أجلس فيها بالمرفقين أو
وركبتاي منحنيتان حتى ولو لساعة، كانت آثار الجروح تتقلص بنسبة بسيطة ويحدث شد في جلدي المتماثل للشفاء مما يحد من قدرتي على نصب ذراعي أو رجلي
بشكل كامل. وللقضاء على هذا، كنت أفرد جلدي بنفسي وبمساعدة طبيب العلاج الطبيعي - بالضغط الشديد على الجلد المشدود، ولا أمزق آثار الجروح تمامًا
مــع أنــه كــان ينتــابني شــعور بــذلك فعــلًا. ولــو لــم أقــم بشــد الحـروج المتقلصـة عـدة مـرات فـي الـيوم، فـإن الشـد فـي الجلـد كـان يزداد سـوءًا حتـى إننـي كنـت لا أسـتطيع
الحركة بحرية. وعندما كان يحدث هذا، كان الأطباء يقومون بإجراء عملية زرع جلد لإضافة جلد إلى ندبات الجروح المتقلصة، ثم نبدأ عملية مد الجلد من بدايتها
مرة أخرى.
كان عليَّ أن أقوم بهذا الأمر الشنيع مع الندبات التي في مقدمة عنقي، فكل مرة أنظر لأسفل أو أرخي كتفيَّ، يقل الشد في الجلد وتبدأ الندبات في التقلص. ولبسط
الندبات، أوصاني أطباء العلاج الطبيعي بأن أقضي الليل ممدًّا على ظهري بشكل مسطح؛ بحيث يكون رأسي ساقطًا على حافة الفراش، وبهذه الطريقة انبسطت
مقدمة عنقي إلى حدها الطبيعي (ما زلت أعاني ألم العنق بشكل يومي مما يذكرني بهذا الوضع غير المريح).
المســألة تكمــن فــي أنــه حتــى العلاجــات غــير المريحــة كــان قــد تــم وصــفها لتخفــيف معــاناتي وتحســين حــركتي، لكنــي أعتقــد أن المصــابين بإصــابات مثلــي يعلمــون كــيف
يـدمجون الألـم بـالأمل للوصـول إلـى نتيجـة أفضـل، وهـذه الرابطـة بـين المعـاناة والأمـل تحـد مـن بعـض الألـم الفطـري بالنسـبة للتجـارب المؤلمـة. مـن ناحيـة أخـرى، فـإن
الشخصين المصابين إصابات بالغة واللذين اشتركا في دراسة الألم لم يستطيعا إقامة علاقة بين الألم والأمل في التحسن، على الأرجح لقد جعلا الألم رفيقًا لمزيد
من التدهور وقرب الموت. عند غياب أي عنصر إيجابي، سيكون الألم مخيفًا وقاسيًا جدًّا بالنسبة لهما.
ثمة علاقة قوية بين هذه الأفكار وإحدى أكثر الدراسات المثيرة للانتباه التي أجريت على الألم على الإطلاق. ففي أثناء الحرب العالمية الثانية، كان هناك طبيب يدعى
"هنري بيتشر" مقيم على رأس جسر ساحلي "آنزيو" بإيطاليا؛ حيث عالج 201 حالة من الجنود المصابين. في تسجيل حالات العلاج التي قام بها، لاحظ "هنري" أن
ثلاثة أرباع فقط من الجنود المصابين طلبوا علاجًا من الألم، بالرغم من إصابتهم إصابات بليغة تتراوح بين جروح عميقة إلى جروح غائرة في الأنسجة اللينة. قام
"بيتشــر" بمقارنــة هــذه الملاحظـات بعلاجاتـه لمرضـى مـدنيين أصـيبوا فـي كـل أنـواع الحـوادث، فوجـد أن المصـابين إصـابات مـدنية طلبـوا علاجـات أكثـر مـن الجنـود الـذين
أصيبوا في المعارك.
وأظهرت ملاحظات "بيتشر" أن تجربة الألم معقدة إلى حد ما، فقد توصل إلى مقدار الألم الذي نصل إليه ليس فقط مهمة شدة الجرح، ولكنه يعتمد أيضًا على
السياق الذي نعاني فيه الألم والتفسير والمعنى الذي نعزوه إليه. وكما توقع "بيتشر"، فقد خرجت من إصابتي باكتراث أقل بخصوص ألمي. إنني لا أستمتع بالألم أو
أشعر به أقل من الآخرين، ولكني أقترح أن التكيف والأمور الإيجابية التي جعلتها بين الجرح والشفاء ساعدتني على الحد من الانفعالات السلبية التي عادة ما
تصاحب الألم.
التكيف التلذذي
والآن عزيزي القارئ، أصبحت لديك فكرة عامة عن طريقة عمل التكيف البدني (كما هي الحال في النظام البصري الخاص بك) وعن كيفية تأثير التكيف مع الألم،
لندرس حالات أكثر تعميمًا بخصوص التكيف التلذذي كمسألة التعود على الأماكن التي نعيش بها وبيوتنا وأزواجنا الرومانسيين وتقريبًا كل شيء آخر.
عندما ننتقل إلى منزل جديد قد نكون سعداء بالأرضية الخشبية الصلبة المتلألئة أو منزعجين من حجرة المطبخ المزخرفة باللون الأخضر الكلسي. وبعد عدة أسابيع،
يتلاشى هذا الانزعاج، وبعد شهور لا نتضايق من لون حجرة المطبخ، لكن في الوقت نفسه لا نكون سعداء بالأرضيات الرائعة. يطلق على هذا النوع من الاستقرار
الانفعالي "التكيف التلذذي" - عند تلاشي التصورات الأولية الإيجابية والسلبية.
ولأن أعيننا تتكيف مع التغيرات في اللون والبيئة، فبإمكاننا التكيف مع التغيرات في التوقع والتجربة. على سبيل المثال، أثبت "آندرو كلارك" أن هناك ارتباطًا قويًّا
بين الرضا الوظيفي للعمال البريطانيين وبين التغيرات في أجور العمال أكثر من مستوى أجور العمال نفسه. بمعنى آخر: إن الناس يتعودون عمومًا على مستوى
أجورهم الحالي قليلًا كان أم كثيرًا. فرفع الأجور أمر جيد أما خفضها فأمر مزعج للغاية بصرف النظر عن مقدار الراتب الأساسي.
?
وفــي واحــدة مــن أولــى الدراســات عــن التكــيف التلــذذي، قــام "فــيليب بريكمــان"، "دان كــوتس"، "رونــي جــانوف-بولمان" بمقارنــة الســعادة الكليـة فـي الحيـاة بـين ثـلاث
مجموعات: المرضى المصابون بشلل نصفي والفائزون باليانصيب والأشخاص العاديون الذين ليسوا معاقين ولا محظوظين بشكل خاص. لو تم جمع البيانات بعد
الحدث الذي أدى إلى الإعاقة أو في اليوم الذي بعد الفوز باليانصيب، فمن المتوقع أن يكون المرضى المصابون بشلل نصفي أكثر بؤسًا من الأشخاص العاديين، وأن
يكون الفائزون باليانصيب أكثر سعادة. لكن لو تم جمع البيانات بعد الحادث بسنة، لوجد أنه بالرغم من الفروق في مستويات السعادة بين المجموعات، فإن هذه
الفروق لم تكن واضحة كما هو متوقع. فعلى الرغم من أن المرضى المصابين بشلل نصفي لم يكونوا سعداء بالحياة كالأشخاص العاديين والفائزين باليانصيب، فإن
ســعادة المرضــى المصــابين بشــلل نصــفي والفــائزين باليانصـيب كـانت تقـارب المسـتويات الطبيعيـة علـى غـير المتـوقع. بمعنـى آخـر: علـى الـرغم مـن أن الأحـداث التـي تغـير
مجريات الحياة مثل الإصابات الشديدة أو الفوز باليانصيب يكون لها تأثير كبير أولي على السعادة، فإن هذا التأثير يمكن إلى حد كبير أن يزول مع مرور الوقت.
?
وقد أكد قدر لا بأس به من البحوث التي تم إجراؤها على مدى العقد الماضي فكرة أنه بالرغم من أن السعادة الداخلية قد تنحرف عن "حالة الراحة" في رد فعل
على أحداث الحياة، فإنها عادة ما تعود لخط الأساس عبر الزمن. وبالرغم من عدم حدوث التكيف التلذذي مع كل موقف جديد، فإننا فعلًا نتكيف مع كثير منها
إلى درجة كبيرة - سواء اعتدنا على المنزل أو السيارة أو الأصدقاء الجدد أو الإصابة الجديدة أو الوظيفة أو حتى الحبس.
وعمومًا يبدو أن التكيف خاصية بشرية في المتناول، لكن قد يمثل التكيف التلذذي مشكلة بالنسبة لعملية اتخاذ القرار الفعال، لأننا غالبًا لا نستطيع التنبؤ بدقة
بأننا سنتكيف مع الأمور - على الأقل ليس على المستوى الذي نقوم به في الواقع. عودة إلى المرضى المصابين بشلل نصفي والفائزين باليانصيب، لم يستطع هؤلاء ولا
أسرهم ولا أصدقاؤهم بمدى تكيفهم مع أحوالهم الجديدة. بالطبع ينطبق الأمر نفسه على العديد من الاختلافات الأخرى في أحوالنا، بداية من الإخفاق في الحب
مرورًا بالفشل في الحصول على ترقية، وانتهاء بخسارة مرشحك المفضل في الانتخابات. في كل هذه الحالات نتوقع أن تكون حالتنا بائسة على مدى بعيد لو لم تسر
الأمور في المسار الذي نأمله، كما أننا نعتقد أننا سنكون سعداء دائمًا إذا ما سارت الأمور على النحو الذي نريد، لكن توقعاتنا في العموم لا تكون في محلها ** .
في النهاية بالرغم من أنه يمكن أن نتوقع بدقة ما يمكن حدوثه عندما نسير من صالة السينما المظلمة إلى موقف السيارات المشمس، فإن توقعنا يكون ضعيفًا إما
في مدى التكيف التلذذي أو في سرعته، عادة ما نخطئ في توقع الاثنين معًا. على المدى البعيد لا ينتهي بنا المآل لنكون سعداء كما توقعنا عند حدوث أشياء سعيدة
لنا، ولا نكون على درجة الحزن التي نتوقعها عند حدوث أشياء سيئة.
أحد أسباب صعوبة التنبؤ بمدى التكيف التلذذي هو أننا حينما نتوقع الأمور، فإننا غالبًا لا نضع في الحسبان حقيقة أن الحياة تمضي، وفي الوقت المحدد، وأن
الأحداث الأخرى (الجيدة والسيئة) ستؤثر على إحساسنا بالراحة. تخيل - على سبيل المثال - أنك عازف تشيلو محترف تقضي حياتك في عزف البوق، والموسيقى هي
مصدر إعالتك واستمتاعك، لكن يدك اليسرى تحطمت نتيجة حادث سيارة مما أفقدك القدرة على عزف التشيلو للأبد. بعد الحادث، من المتوقع أن تصبح مكتئبًا
للغاية وتتوقع أن تظل بائسًا بقية حياتك. فعلى الرغم من كل شيء، لطالما كانت الموسيقى هي كل حياتك، ولكنك فقدتها الآن، لكنك لا تستطيع استيعاب مدى
مرونتك في أثناء إحساسك بعدم السعادة والكآبة.
?
تأمل قصة "آندرو بوتوك" - وهو مؤلف أعمى يعيش في فيرمونت - وقد كان رسامًا موهوبًا وقد فقد بصره تدريجيًّا حتى أصبح يعاني من مرض وراثي في عينه -
التهاب الشبكية الصباغي. وحتى بالرغم من ذهاب بصره، حدث شيء آخر: لقد بدأ يدرك أنه يستطيع أن يرسم بالكلمات كما كان يرسم بالألوان وألف كتابًا عن
تجربة كونه أعمى16، فقال: "لقد اعتقدت أني سأهبط للأسفل وألمس الصخر وألتصق بالطين لكنني تحررت بشكل سحري. حلمت ذات ليلة أن الكلمات تخرج من
فمي كما لو أنني أظهرها للعيان. كانت الكلمات كلها ألوانًا جيدة، استيقظت فأدركت أن ثمة شيئًا جديدًا ممكن. شعرت بهذا الضوء داخل قلبي كما لو أن كلمات
سارة خارجة مني، وما أدهشني أنها أسعدت الآخرين، وعندما تم نشرها، رأيت نفسي شخصًا مبدعًا من جديد".
أضاف "بوتوك" قائلًا: "إحدى أكبر المشاكل للعمى هي سير الأمور ببطء شديد. فإنك مشغول للغاية بمعرفة موقعك في الحياة، وهو ما يجب عليك التركيز عليه
دومًا، تشعر كما لو أن كل الناس يطيرون من حولك، ثم تدرك يومًا ما أن البطء ليس أمرًا سيئًا جدًّا، فالتركيز الزائد له مميزات. فربما تؤلف كتابًا في مدح البطء
". بالطبع، ما زال "بوتوك" حزينًا على ذهاب بصره الذي يضع أمامه آلاف التحديات كل يوم، لكنه تأشيرة لعالم لم يحلم يومًا بزيارته على الإطلاق.
لذا تخيل مرة أخرى أنك عازف التشيلو. ففي النهاية قد تغير نمط حياتك وتعتاد الأشياء الجديدة. قد تكِّون صداقات جديدة وتقضي وقتًا أكثر مع الأشخاص الذين
تحبهم وتمضي في مهنة تتعلق بالموسيقى أو تسافر في رحلة إلى تاهيتي. أي من هذه الأشياء سيكون له أثر كبير على حالتك المزاجية ويخطف انتباهك الانفعالي،
ستحزن دومًا على الحادث من الناحية الجسدية، ولأنه يذكرك بما كانت الأمور ستكون عليه، لكن تأثيره لن يكون قويًّا أو مستمرًا كما توقعت في البداية. "إن
الوقت يشفي الجراح تمامًا" لأنك بمرور الوقت ستتكيف مع الأحوال الجديدة.
المطحنة اللذيذة
عنــدما لا نســتطيع تــوقع مــدى التكــيف التلــذذي لنــا، فــإننا كمســتهلكين نضــاعف مــن مشــترياتنا بشــكل روتــيني أمــلًا فــي أن نجــد الســعادة فــي الأشــياء الجــديدة. وفــي
الحقيقة فإننا نشعر بشعور رائع بالسيارة الجديدة، لكن للأسف لا يدوم هذا الشعور إلا لشهور قليلة؛ حيث إننا نكون قد اعتدنا على قيادة السيارة وضاع رونقها،
لذا فإننا نبحث عن شيء آخر يجعلنا سعداء كنظارة شمسية جديدة أو كمبيوتر أو سيارة جديدة أخرى. وهذه الدورة هي التي تجعلنا نواكب الجيران ويطلق عليها
المطحنــة اللــذيذة أيــضًا. فــإننا نتطلــع إلــى الأشــياء التــي تجعلنــا ســعداء، لكننـا لا نعلـم مـدى قصـر أجـل هـذه السـعادة، وعنـدما نتكـيف مـع هـذه الأشـياء، نتطلـع إلـى
الشيء الجديد التالي. ونقول لأنفسنا: "في هذه المرة، هذا الشيء سيجعلني سعيدًا لفترة طويلة حقًّا"، إن حماقة المطحنة اللذيذة مبينة في الصورة الكاريكاتورية
التالية. تمتلك المرأة التي في الصورة الكاريكاتورية سيارة جميلة وربما ستحصل على مطبخ جديد، لكن لن يتغير مستوى سعادتها على المدى البعيد كثيرًا، وكما
يقول المثل: "حيثما تذهب، تجد نفسك".
?
 
قام "ديفيد شاكاد" و "داني كانيمان" بدراسة توضيحية لهذا المبدأ. لقد قررا أن يدرسا الاعتقاد السائد بأن أهل كاليفورنيا أكثر سعادة - فعلى الرغم من كل شيء،
إنهم يعيشون في كاليفورنيا؛ حيث يكون الطقس عادة رائعًا *** . وعلى نحو لا يثير الدهشة إلى حد ما، توصلا إلى أن سكان الوسط الغربي يعتقدون أن سكان
كــاليفورنيا الــذين يتمتعــون بطقــس معتــدل بصــفة عامــة ســعداء بحياتـهم بشـكل ملحـوظ، بينمـا يعتقـد سـكان كـاليفورنيا أن سـكان الوسـط الغـربي ليسـوا سـعداء
بصفة عامة بحياتهم بشكل ملحوظ لأنهم يعانون من فصل الشتاء الطويل؛ حيث درجة الحرارة تحت الصفر، لذلك يتوقع هؤلاء وأولئك أن سكان شيكاغو الذين
ينتقلــون إلــى كــاليفورنيا المشــمسة ســيرون تحســنًا كبــيرًا فــي نمــط الحيــاة، بينمــا يــرى ســكان لــوس أنجلــوس الــذين ينتقلــون إلــى منطقــة الغـرب الأوسـط فـي أمريكـا أن
سعادتهم ستقل بشكل كبير.
ما مدى دقة تلك التوقعات؟ لقد تبين أنها دقيقة بعض الشيء، إن المتنقلين الجدد يجدون حقًّا زيادة أو انخفاضًا متوقعًا في جودة الحياة الناتجة عن الطقس،
لكن كأي شيء آخر لدرجة كبيرة، عندما يتكيفون مع المدينة الجديدة، تقل جودة الحياة بالنسبة لهم إلى مستوى ما قبل انتقالهم إلى هناك. وخلاصة القول: حتى
إذا كان لديك شعور قوي عن شيء معين على المدى القصير، فإنك على المدى البعيد لن تكون مبتهجًا أو بائسًا كما تتوقع.
التغلب على التكيف التلذذي
بالنظر إلى أن التكيف التلذذي هو عبارة عن حقيبة مختلطة، ربما تتساءل: كيف لنا أن نستخدم فهمنا لهذا الأمر لنستفيد بشكل أكبر من الحياة؟ عندما يكون
التكيف في صالحنا (مثل تكيفنا في العيش مع الإصابة)، فعلينا إفساح المجال للتكيف التلذذي ليباشر حيثياته في حياتنا. لكن ماذا عن الحالات التي لا نريد فيها أن
نتكيف؟ هل نستطيع بطريقة ما الازدياد من إحساس البهجة بالسيارة الجديدة والمدينة والعلاقات وهكذا؟
مفتاح واحد لتغيير عملية التكيف يتمثل في وقفها، وهذا بالضبط ما قام به "ليف نيلسون و"توم ميفيس". ففي مجموعة من التجارب قاما بقياس مقدار تأثير
مقاطعات الكلام - التي أطلقا عليها التشويش التلذذي - لوقت قليل على المتعة العامة والسخط الناتج عن التجارب الممتعة والمؤلمة. وفي الأساس، لقد أرادا من
الناحية النظرية معرفة ما إذا كان التوقف في منتصف الأمور الممتعة يدعمها، وما إذا كان التشويش على الأمور السلبية سيزيدها سوءًا.
قبل أن أصف تجاربهما ونتائجهما، فكر في عمل روتيني لم تكن تتطلع إلى القيام به. ربما يكون هذا العمل متمثلًا في إعداد الضرائب الخاصة بك أو المذاكرة من
أجل امتحان أو تنظيف كل النوافذ في منزلك أو كتابة خطابات الشكر في نهاية الأسبوع لعمتك المزعجة "تيس" وجميع أفراد أسرتك الكبيرة. لقد خصصت وقتًا
كبيرًا لأداء هذه المهمة المزعجة في يوم واحد، والآن عليك الإجابة عن هذا السؤال: هل من الأفضل أن تنجز العمل الروتيني مرة واحدة أم تأخذ فترة راحة في أثناء
ذلك؟ بدلًا من ذلك، لنفترض أنك مبتل في حوض ساخن ومعك كوب بارد من الشاي المثلج بنكهة التوت، وتأكل طبقًا من الفراولة الطازجة أو تستمتع بتدليك
الحجر الساخن. هل ترغب في معايشة كل المتعة مرة واحدة أم تأخذ قسطًا من الراحة وتباشر عملًا مختلفًا لوقت قصير؟
وجد "ليف" و "توم" أنه عمومًا عند سؤال الناس عما يفضلونه في مسألة قطع تجاربهم، أفادوا بأنهم يفضلون قطع التجارب المزعجة، ولكنهم يفضلون الاستمتاع
بــالتجارب الممتعــة دون تشــويش. لكــن بــالنظر إلــى المبــادئ الأســاسية للتكــيف، اعتقــد "لــيف" و"تــوم" أن حــدس النــاس خــاطئ تمــامًا. ســتكون المعــاناة أقــل عنــدما لا
يقاطعون التجارب المزعجة ويستمتعون بالتجارب الممتعة أكثر عندما يحدث تشويش. لقد خمنا أن أي تشويش سيمنع الناس من التكيف مع التجربة مما يعني
أنه من السوء التشويش على التجارب المزعجة، ولكنه من المفيد أيضًا أن يكون هناك تشويش على التجارب الممتعة.
ولاختبار النصف المؤلم من فرضيتهما، قام "ليف" و "توم" بوضع سماعات في آذان مجموعة من المشاركين في الدراسة وقاما بتشغيل أصوات ... مكنسة كهربائية
صاخبة. لم يكن هذا صوت منفضة غبار، لقد كان صوت انفجار آلة كبيرة لمدة خمس ثوان. وهناك مجموعة ثانية غير محظوظة من المشاركين سمعوا الأصوات
نفسها لكنها استمرت 40 ثانية. تخيل هذه المجموعة المسكينة وهي تمسك بمسند الكرسي وتعض على أسنانها.
وهناك مجموعة ثالثة من المشاركين تعرضوا لصوت المكنسة الكهربائية لمدة 40 ثانية ثم تلاه ثوان قليلة من الصمت، ثم عاد الصوت المزعج نفسه لمدة خمس ثوان.
بموضوعية، عانت المجموعة الأخيرة من كمية كبيرة من الضوضاء المزعجة أكثر من أي من المجموعتين الأخريين، فهل كانت أكثرهم انزعاجًا؟ (يمكن اختبار ذلك في
المنزل. استعن بصديق يقوم بفتح وغلق المكنسة الكهربائية بينما تكون أنت ممددًا على الأرضية في وضعية مقابلة لها - وانظر مدى الانزعاج الذي شعرت به في آخر
خمس ثوان في كل من هذه الحالات).
بعد الاستماع إلى الصوت، قام المشاركون بتقييم مستويات انزعاجهم في أثناء الثواني الخمس الأخيرة للتجربة. توصل "ليف" و"توم" إلى أن المجموعة الأكثر تدليلًا
- أي تلك التي عانت من انزعاج دام فقط لمدة خمس ثوان - كانت أكثرها انزعاجًا عن المجموعة الأخرى التي استمعت للأصوات المزعجة لفترات أطول. على حسب
تخمينك توضح هذه النتيجة أن أولئك الذين عانوا من صوت المكنسة الكهربائية لمدة 40 ثانية قد اعتادوه، فلم تكن الثواني الخمس الأخيرة سيئة جدًّا عليهم. لكن
ماذا عن الذين خضعوا لفترة توقف قصيرة؟ كما تبين، لقد ازداد الأمر سوءًا بسبب التوقف، وضاع التكيف وحل محله الانزعاج.
تقييم تجربة مزعجة في حالة مقاطعة وعدم مقاطعة
المجموعة (أ) من المشاركين تعرضوا لصوت مكنسة كهربائية لمدة خمس ثوان، والمجموعة (ب) تعرضت لنفس الصوت ولكن لمدة 40 ثانية، والمجموعة الثالثة (ج)
تعرضت للصوت لمدة 40 ثانية ثم توقف الصوت لبرهة وعاود مرة أخرى لمدة خمس ثوان، في الحالات الثلاث، كان على المشاركين تقييم مدى انزعاجهم في أثناء
الثواني الخمس الأخيرة من التجربة.
?
 
ما المغزى من القصة؟ ربما تعتقد أنه من الأفضل لك أخذ راحة من تجربة مملة أو مزعجة، لكن ذلك في الحقيقة سيقلل من قدرتك على التكيف، فتصبح التجربة
أكثر سوءًا حينما تعود إليها بعد فترة الراحة. فمكمن التكيف بالنسبة لك عندما تغير منزلك أو تدفع ضرائبك هو في أن تظل ملازمًا لتلك الأمور حتى تتعود عليها.
ماذا عن التجارب الممتعة؟ قام "ليف" و "توم" بعمل مساج لمجموعتين أخريين من المشاركين لمدة ثلاث دقائق في أحد الكراسي الرائعة التي عادة ما يصطف عليها
الناس في طابور كما يصطفون في متجر بروكستون. كانت المجموعة الأولى في عمل المساج لمدة ثلاث دقائق دون أي توقف، بينما استمرت المجموعة الثانية لمدة 80
ثانية ثم توقفت 20 ثانية راحة ثم عاودت المساج 80 ثانية أخرى فيكون إجمالي وقت عمل المساج دقيقتين و 40 ثانية - 20 ثانية أقل من المجموعة التي لم تتوقف
عن عمل المساج. بعد انتهاء المساج لكل المشاركين في المجموعات، طلب منهم تقييم مدى متعتهم بالمساج ككل، تبين أن المجموعة التي قامت بعمل مساج لفترة
أقصر وحدوث توقف في أثناء ذلك قد تمتعت بالمساج أكثر، وأيضًا قالوا إنهم سيدفعون ضعف المساج المتقطع في المرة التالية.
من الواضح أن هذه النتيجة غير متوقعة تمامًا. ما المتعة الأحلى من عدم إيداع ضرائبك، ولو لبضع دقائق؟ لماذا تريد أن تضع الملعقة جانبًا في أثناء الأكل من وجبة
"بين وجيري" خاصة وأنت متلهف عليها اليوم كله؟ لماذا تخرج من حوض الاستحمام الساخن إلى الهواء البارد لتبريد شرابك بدلًا من أن تطلب ذلك من شخص
آخر؟
السر يكمن في التالي: بدلًا من التفكير في أخذ راحة من عمل روتيني، فكر في الصعوبة التي ستلاقيها لتستأنف عملًا لا تحبه، وبالمثل إذا لم ترد أن تخاطر وتخرج
من حوض الاستحمام الساخن لتبريد شرابك (أو زوجك الرومانسي)، فكر في السعادة بالرجوع إلى الماء الساخن (ناهيك عن أن صديقك لن يدرك أنك تفعل هذا
لزيادة متعتك الشخصية ومن ثمَّ يقدر "تضحيتك" كثيرًا **** ).
?
 
تقييم تجربة ممتعة في حالة مقاطعة وعدم مقاطعة
تم إخضاع المشاركين في المجموعة (أ) لعمل المساج لمدة ثلاث دقائق. بينما استمرت المجموعة الثانية (ب) لمدة 80 ثانية ثم توقفت 20 ثانية راحة ثم عاودت المساج
80 ثانية أخرى. وفي كل الحالات، طلب من المشاركين تقييم مدى متعتهم من التجربة كلها.
?
 
التكيف: الحد التالي
يعد التكيف عملية عامة مذهلة تعمل على مستويات عميقة من الناحية البدنية والنفسية والبيئية، وتؤثر علينا في جوانب عديدة من حياتنا. ونظرًا لأن التكيف أمر
عام ومنتشر، فهناك الكثير مما نجهله عنه حتى تلك اللحظة. فعلى سبيل المثال، ليس من الواضح تمامًا أننا نمر بتكيف تلذذي تام أم جزئي عندما نتعود على
ظروف جديدة في حياتنا، كما أنه ليس من المعلوم آلية عمل التكيف التلذذي السحرية علينا أو ما إذا كانت هناك طرق عديدة للحصول عليها، ومع ذلك فإن
الحكايات التالية قد تلقي بمزيد من الضوء على هذا الموضوع المهم. (وكن دائمًا مترقبًا، فالعديد من الدراسات لا تزال طي البحث عن التكيف التلذذي).
لشرح مشكلة التكيف التلذذي ، أود طرح بعض الأمثلة للأساليب التي لم أتكيف فيها تمامًا مع ظروفي. لأن جزءًا كبيرًا من إصابتي ملحوظ على جسدي (فهناك
آثار الجروح على رقبتي ووجهي وأرجلي وذراعي ويدي)، بدأت ألحظ كيفية نظر الناس إليَّ بعد إجراء الجراحة، وكان إدراكي لكيفية رؤيتهم لي مصدر بؤس شديدًا
لــي علــى مــدار الســنين. فــي هـذه الأيـام لا أتعـامل مـع أنـاس جـدد فـي حيـاتي اليوميـة، لـذا فلـم أعـد حسـاسًا بخصـوص مظـهري أمـام الآخـرين، لكنـي عنـدما أكـون أمـام
تجمعات كبيرة أو بالضبط عندما أكون مع أناس لا أعرفهم أو أكون قد قابلتهم للتو، أجد نفسي على درجة كبيرة من الإدراك والحساسية لكيفية نظر الناس إليَّ.
فعلى سبيل المثال، عندما يعرفني شخص على أحد، أجد في ذهني تلقائيًّا ملاحظات عن كيفية نظر هذا الشخص لي وكيف يصافح يدي اليمنى المصابة بالجروح.
ربما تعتقد أن طول السنين جعلني أتكيف مع صورتي الذهنية عن نفسي، لكن الحقيقة هي أن الوقت لم يترك أثرًا بالغًا في نفسي، بالتأكيد أنا أفضل من الأول
(آثار الجروح تتحسن عبر الوقت، وأقوم بالعديد من العمليات الجراحية)، لكن قلقي الكلي بخصوص مظهري أمام الناس لم يقل بشكل كبير، لماذا لم أستطع
التكيف في هذه الحالة الخاصة؟ ربما أن المسألة مثل تجربة المكنسة الكهربائية، وربما أن السبب الذي حال بيني وبين التكيف كان ذلك التعرض غير المستمر لردود
أفعال الناس لمظهري.
حكاية ثانية بخصوص عدم التكيف تتمثل في أحلامي. فبعد الحادث مباشرة، رأيت نفسي في منامي على الهيئة نفسها من الصحة والحيوية والجسد المعافى كما
كنت قبل الإصابة، وقد أتنكر بوضوح أو أتجاهل التغير الطارئ على مظهري. ثم بعد أشهر، تكيفت بعض الشيء، فبدأت أحلم بالعلاج والإجراءات والحياة في
المستشفى والأجهزة الطبية من حولي. وفي كل هذه الأحلام، كانت صورتي عن نفسي وكأني لم أصب بأذى، فلا زلت أبدو معافى إلا أنني كنت مثقلًا بأنواع مختلفة
مــن الأجــهزة الطبيــة. وفــي نــهاية الأمــر وبعـد عـام مـن الحـادث، لـم يعـد هنـاك أحـلام لمظـهري - وأصـبحت أرقـب تلـك الأحـلام مـن بعيـد. لـم أعـد أسـتيقظ علـى المعـاناة
الشعورية لأدرك في كل مرة أخرى مدى إصاباتي (التي كانت جيدة)، لكني لم أعتد الحقيقة الجديدة بخصوص نفسي العليلة (الأمر الذي لم يكن جيدًا). لقد كان
الانفصال عن نفسي في أحلامي الخاصة مفيدًا نوعًا ما لهذا السبب، لكن طبقًا لتحليل "فرويد" للأحلام، يبدو مع ذلك أني لم أتكيف نوعًا ما مع التغير الحادث في
ظروفي.
هناك مثال ثالث لتكيفي على المستوى الشخصي يتمثل في قدرتي على السعادة في حياتي المهنية كأكاديمي. بصفة عامة، لقد نجحت في إيجاد وظيفة تتيح لي العمل
لساعات أطول حينما أشعر بتحسن في حالتي، وكذلك العمل لفترة أقل حينما أشعر بألم. في اختياري لمهنتي، افترضت أن قدرتي على العيش مع القيود سيكون
له دور فيما أطلق عليه التكيف النشط. هذا النوع من التكيف ليس جسديًّا أو تلذذيًّا، ولكنه يشبه قليلًا الاختيار الطبيعي في نظرية التطور، فهو يعتمد على اعتبار
العديد من الاختيارات الصغيرة على مدار تتابع طويل للقرارات حتى يتناسب الناتج النهائي مع ظروف الشخص وقيوده.
وأنا طفل، لم أحلم قط بأن أصبح أكاديميًّا (ومن يحلم بذلك؟)، وكانت الطريقة التي اتخذت بها مسار حياتي المهني، عبارة عن عملية بطيئة ذات خطوة واحدة
فورية ظلت مستمرة عبر السنين. وفي أثناء المدرسة الثانوية، كنت طالبًا هادئًا في الفصل، أرفع صوتي لأقول أحيانًا نكتة، لكني نادرًا ما كنت أنخرط في مناقشات
أكاديمية. وفي أثناء العام الأول في الجامعة كنت لا أزال أتابع علاجي وأرتدي بدلة جوبست ***** ، مما يعني أني لم أكن أقوم بالأنشطة التي كانت تناسب بقية
زملائي، إذن فما الذي فعلته؟ لقد انخرطت في نشاط أستطيع القيام به (دراسة شيء لم يتوقعه أساتذتي القدامى).
وبمرور الوقت بدأت أنخرط أكثر وأكثر في الأنشطة الأكاديمية. بدأت أستمتع بالتعلم ووجدت رضا ملحوظًا في قدرتي على إثبات شيء لنفسي وللآخرين، وأنه على
الأقل لم يتغير فيَّ جزء واحد وهو: عقلي وأفكاري وطريقة تفكيري ****** . لقد تغيرت الطريقة التي كنت أقضي بها وقتي وكذلك الأنشطة التي كنت أقوم بها،
حتى وصلت بي الأمور في وقت ما إلى أن أصبحت متكيفًا بدرجة جيدة مع قيودي ومع قدراتي وحياتي الأكاديمية. لم يكن قراري فجائيًّا؛ بالعكس فقد نتج عن
طــريق خطــوات اســتمرت وقــتًا طويــلًا؛ حــيث سـارت بـي كـل خطـوة تـدريجيًّا إلـى الحيـاة التـي تناسـبني الآن، وإلـى الـدرجة التـي أصـبحت معتـادًا عليـها جـدًّا الآن، لقـد
أصبحت بفضل الله أستمتع إلى حد كبير.
بوجــه عــام، عنــدما أنظــر إلــى إصــابتي الشــديدة المؤلمــة الطويلــة، أنــدهش كــيف ســارت حيــاتي بشــكل جيــد بعــد ذلــك، لقــد وجـدت قـدرًا كبـيرًا مـن السـعادة فـي حيـاتي
الشخصية والمهنية، علاوة على ذلك أصبح الألم الذي أعانيه أقل صعوبة في تحمله بمرور الوقت، فلم أعد فقط قادرًا على كيفية التعامل معه، ولكني اكتشفت
طرقًا للحد منه. هل بذلك أكون قد تكيفت تمامًا مع ظروفي الحالية؟ لا، ولكني تكيفت بدرجة أكبر مما توقعت عندما كنت في العشرينيات من عمري، والفضل في
ذلك يعود للقوة المدهشة للتكيف.
التكيف للعمل معنا
الآن وقد أصبحت لدينا فكرة أفضل عن التكيف، هل نستطيع استخدام مبادئ التكيف لمساعدتنا على إدارة حياتنا بشكل أفضل؟
لنتأمل حالة "آن"، وهي طالبة جامعية على وشك التخرج. في أثناء السنوات الأربع الماضية، عاشت "آن" في غرفة نوم صغيرة بدون مكيف وبها أثاث قديم ملطخ
تعيش عليه مع فردين فوضويين، في أثناء ذلك كانت "آن" تنام على سرير مرتفع ولم يكن عندها مكان كاف لثيابها أو كتبها أو حتى كتيباتها.
وقبل شهر من تخرجها، وجدت "آن وظيفة مثيرة في بوسطن، وكانت تتطلع للانتقال لأول شقة لها وتقاضي أول مرتب من كدها، قامت "آن" بوضع قائمة بكل
الأشياء التي تود شراءها. كيف اتخذت "آن" قراراتها الشرائية بطريقة تطيل من أمد سعادتها؟
إحدى تلك الطرق بالنسبة لها كان أن تأخذ الشيك (بعد دفع الإيجار والفواتير الأخرى بالطبع) ثم تنخرط في الإنفاق التام. تستطيع "آن" الآن التخلص من الأشياء
المستعملة وشراء سرير جديد جميل كالخاص برواد الفضاء، وتليفزيون بلازما ذي أكبر حجم ممكن، بل وتختار تذاكر موسم سلتكس التي طالما رغبت فيها، بعد
طــول قيــام بأشــياء غــير مريحـة، قـد تقـول "آن" لنفسـها: "لقـد حـان وقـت الانطـلاق"، وهنـاك خيـار آخـر أمامـها وهـو أن تشـتري رويـدًا رويـدًا، فتبـدأ أولًا بسـرير مـريح
جديد، ثم بعد ستة أشهر في فصل الربيع تقوم بشراء تليفزيون، ثم تشتري أريكة في العام التالي.
وبالرغم من أن أي أحد في مكان "آن" سيفكر في المنظر الجميل للشقة في كامل أثاثها فتنطلق بناء على ذلك في الشراء، فمن الواضح حتى الآن أنه بالنظر إلى الميل
البشري مع التكيف، فإن "آن" ستكون أكثر سعادة بالسيناريو المتقطع. تستطيع "آن" أن تدخر أكثر من مالها (تحصل على سعادة قوة شرائية) إذا ما حدت من
مشترياتها، ثم تتمهل لبعض الوقت، ثم تواجه عملية التكيف بحسم.
المغزى هنا هو الحد من المتعة، فقد تسعدك أريكة جديدة لمدة أشهر، لكنك لن تتمكن من شراء تليفزيون جديد حتى تنقضي لديك لذة الأريكة، ويكون الأمر على
النقيض عندما تصارع تخفيضات مالية، عند تخفيض الاستهلاك عليك الانتقال إلى شقة أصغر وتتخلى عن التليفزيون والقهوة الغالية، قطعًا سيكون الألم الأولي
لذلك أكبر، لكن إجمالي الألم سيكون أقل بمرور الوقت.
كيف تباعد بين المشتريات لتزيد من المتعة
يوضح الشكل البياني أدناه الطريقتين الممكنتين بالنسبة لـ "آن" لكيفية إنفاقها للمال، تمثل المساحة تحت الخط المنقوط سعادتها بطريقة الشراء المطلق، ستكون
"آن" بعد ذلك سعيدة جدًّا لكن تلك السعادة ستزول بعد بعض الوقت لأن المشتريات ستكون قد فقدت بريقها. وتمثل المساحة تحت الخط المصمت بسعادتها
بطريقة الشراء المتقطعة، في هذه الحالة لن تصل "آن" لنفس المستوى السابق من السعادة، لكن سعادتها ستكون متجددة بسبب التغيرات المتكررة، من الفائز؟
استخدام الطريقة المتقطعة يجعل "آن" في سعادة كلية أكبر.




 
وثمة طريقة أخرى بالنسبة لنا بخصوص التكيف، وهي أن نضع قيودًا على الاستهلاك، اعتاد أحد مستشاري الدراسات العليا "توم والستن" القول بأنه يريد أن
يصبح خبيرًا في المشروبات التي تكلفتها 15 دولارًا أو أقل، وكانت فكرة "توم" التي يريد تنفيذها أنه إذا ما قام بشراء زجاجات المشروبات فئة الخمسين دولارًا، فإنه
سيتعود على هذا المستوى من الجودة ولن يتمكن من الاستمتاع بالمشروبات الأرخص ******* ، علاوة على ذلك استنبط "توم" أنه إذا ما كان يتناول مشروبات من
فئة الخمسين دولارًا، فإنه مع الوقت سيحتسي المشروبات من فئة الثمانين دولارًا والتسعين والمائة وذلك ببساطة لأن حاسة التذوق عنده ستتكيف مع مستوى
أعلى من الجودة، وفي نهاية الأمر توصل "توم" إلى أنه إذا لم يتناول المشروبات من فئة الخمسين دولارًا من البداية، فإن حاسة التذوق لديه ستكون حساسة جدًّا
لجودة تنوعات المشروبات في نطاق السعر المفضل لديه مما يزيد من رضاه أكثر. بوضع هذه البراهين في الاعتبار، تجنب "توم" المطحنة التلذذية وتحكم في معدل
إنفاقه وأصبح خبيرًا في المشروبات من فئة الخمسة عشر دولارًا وسعدت حياته بهذه الطريقة.
في سياق مماثل، يمكننا استخدام التكيف لزيادة الرضا الكلي لدينا في الحياة بعدم الاستثمار في المنتجات والخدمات التي توفر لنا تيارًا مستمرًا من التجارب المؤقتة
أكثــر والعــابرة، علـى سـبيل المثـال، توفـر أجـهزة الإسـتريو والأثـاث بشـكل عـام تجربـة ثابتـة، لـذا فمـن السـهل جـدًّا التكـيف معـها، ومـن ناحيـة أخـرى التجـارب العـابرة
(كالقيام برحلة لمدة أربعة أيام أو مغامرة غوص أو حفلة موسيقية) زائلة، لذلك فلا تستطيع التكيف معها بسرعة. إنني لا أنصح بشراء الأريكة ولا بالغطس،
ولكن من المهم بالنسبة لنا أن نعرف أنواع التجارب الأكثر أو الأقل قابلية للتكيف. لذا، حينما تضع في اعتبارك مسألة الاستثمار (أريكة جديدة) في تجربة عابرة أو
دائمــة وتتــوقع أن الاثنــين ســيكون لـهما تـأثير ممـاثل علـى سـعادتك الكليـة، فمـا عليـك إلا اختيـار التجربـة العـابرة. إن التـأثير طويـل المـدى للأريكـة علـى سـعادتك غـالبًا
سيكون أقل مما تتوقع، بينما التمتع طويل الأجل بالغطس وذكرياته سيدوم وقتًا أكثر في الغالب عما تتوقع.
لزيادة مستوى متعتك، عليك التفكير في طرق تدخل بها المصادفات السعيدة والأمور غير المتوقعة إلى حياتك، وسأبين ذلك الأمر كالتالي، هل فكرت يومًا في
صعوبة مداعبتك لنفسك؟ لماذا؟ لأننا عندما نداعب أنفسنا، نعلم تمامًا كيفية فعل ذلك، وهذا التنبؤ الكامل يقضي على فرحة المداعبة. ومن المثير للاهتمام أننا
عنــدما نســتعمل يــدنا الــيمنى لمــداعبة الجــانب الأيمــن، لا نشــعر بإحسـاس المـداعبة ألبتـة، ولكـن إذا مـا اسـتخدمنا اليـد الـيمنى لمـداعبة الجـانب الأيسـر، يقـوم الفـارق
الطفيف في الوقت بين النظام العصبي بين الجانب الأيمن والجانب الأيسر للجسم بعمل مستوى قليل من عدم القدرة على التنبؤ، ومن ثمَّ يمكن الشعور بشعور
مداعبة طفيف.
تتراوح فوائد العشوائية من المستوى الشخصي إلى المستوى العاطفي في الحياة العملية، وكما حاول "تيبور سيتوفيسكي" في كتابه The Joyless Economy
برهنة أننا نجنح إلى اتخاذ مسار آمن ويمكن توقع آثاره في أعمالنا، امتدادًا إلى حياتنا الشخصية ونقوم بفعل الأشياء التي توفر لنا تقدمًا ثابتًا وملحوظًا، لكن
يحاول "تيبور" أن يبرهن أن التقدم الحقيقي، وأيضًا المتعة الحقيقية تكمن في المجازفة وتجربة طرق مختلفة. لذا، فعليك في المرة التالية التي تضطر فيها لتقديم
عرض أو العمل مع فريق أو العمل في مشروع، أن تحاول القيام بشيء جديد. قد تبوء محاولتك للدعابة أو التعامل عبر الشركات بالفشل، فإنه قد يكون لها
اختلاف إيجابي على صعيد التوازن.
هناك مثال آخر للتكيف بالنسبة لمواقف الناس من حولنا. عندما يكون مع الناس أشياء ليست عندنا، تكون المقارنة واضحة جدًّا، ومن ثمَّ نتكيف بدرجة أقل،
بالنسبة لي كان أمر مكثي في المستشفى ثلاثة أعوام سهلًا نسبيًّا لأن كل من حولي مصاب وكانت قدراتي وعجزي تدور في فلك مَن حولي من المصابين، لكنني عندما
تركت المستشفى، أدركت مدى القيود والصعوبات التي أصبحت فيها مما كان محزنًا لي وصعبًا جدًّا.
ومن ناحية أكثر عملية، دعنا نقل إنك تحتاج إلى حاسب محمول من نوع خاص، ولكنك تعلم أنه غالٍ جدًّا. إذا ما استقررت على جهاز آخر أرخص منه، فمن
الأرجح أنك ستتعود عليه بمرور الوقت، هذا إذا لم يكن رفيق حجرتك لديه نفس نوع الحاسب المحمول الذي كنت تريد شراءه، وفي الحالة الأخيرة ستقود المقارنة
اليومية بين الحاسب المحمول الخاص بك والآخر الخاص بجارك إلى جعلك تتكيف ببطء ولا تكون سعيدًا تمامًا. بشكل أكثر عمومية يعني هذا المبدأ أنه عندما نضع
عملية التكيف في اعتبارنا، فعلينا التفكير في العوامل المختلفة في محيطنا وكيف يمكن أن تؤثر على قدرتنا على التكيف. الأمر المحزن هو أن سعادتنا تعتمد إلى حد ما
على قدرتنا على مواكبة الجيران. والأمر المبشر هو أنه بسبب قدرتنا على التحكم النوعي فيما هو حولنا في بيئتنا - طالما أننا نختار جيرانًا لنا لا نشعر حيالهم بشيء
يضايقنا عند المقارنة، فإننا نكون أكثر سعادة.
آخر درس نستفيده هو أنه ليس كل التجارب تؤدي إلى نفس مستوى التكيف، وليس كل الناس تستجيب للتكيف بنفس الطريقة، لذا فنصيحتي لك بأن تكتشف
أنماطك الشخصية وتكتشف العوامل التي تؤثر على التكيف لديك وما لا يؤثر.
وفي النهاية، فإننا جميعًا كتلك الضفادع المجازية في الماء الساخن، مكمن الأمر لنا هو اكتشاف كيفية استجابتنا للتكيف حتى نستفيد من الأمور الجيدة ونتجنب
السيئ منها، وللقيام بهذا علينا أخذ درجة حرارة الماء، فعندما تبدأ في السخونة فعلينا الابتعاد، عليك أن تكتشف أمورًا جيدة وتحدد وتتمتع بمتع الحياة.
* الألــم هــو تجربــة تتــأثر بــالمكونين الجســدي والتلــذذي، فعلــى هــذا النحــو، يكــون الألــم جســرًا مفيـدًا بـين التكـيف البـدني (علـى سـبيل المثـال، ضـفدع تعـود علـى زيـادة
تدريجية في درجة حرارة المياه) والتكيف التلذذي (على سبيل المثال، شخص ضعفت حساسيته لرائحة سيارته الجديدة).
** لمعرفة المزيد عن هذه النقطة، انظر كتاب دانييل جيلبرت الذي بعنوان Stumbling on Happiness .
*** لكن سان فرانسيسكو استثناء من هذا.
**** عند الحديث عن المقاطعة في الكلام، فكر في التليفزيون. إننا ننفق كل أنواع المال على الأدوات والخدمات مثل "تايفو" لإبعاد الإعلانات التجارية عن حياتنا.
ولكن هل من الممكن الاستمتاع بالحلقة الأخيرة من مسلسل Lost أو House حتى مع مقاطعات دورية من الإعلانات التجارية؟ تكبد "ليف"، "توم"، "جيف
جالاك" عناء اختبار هذا الأمر. وقد توصوا إلى أن الناس عندما يشاهدون البرامج التلفزيونية دون انقطاع، تقل متعتهم عند استمرار العرض. ولكن عندما تمت
مقاطعة العرض بفواصل إعلانات تجارية، يزداد مستوى المتعة. عليَّ قبول هذا، وبالرغم من هذه النتائج، فسوف أستمر في استخدام خدمة "تاي فو" الخاصة بي.
***** وهي عبارة عن غطاء بلاستيكي من الرأس إلى الرجلين، تم تصميمه للضغط على الأنسجة المتعافية. كانت تغطيني تماما وتترك فتحات لعيني وأذني وفمي.
وكنت أبدو في هذه البدلة كأني لص بنوك أو سبايدر مان بجلد ملون.
****** كان لديَّ دائما شعور قوي بأنه حينما ينظر إليَّ الآخرون، كانوا يرون إصابتي، لكني استنتجت أيضا أن مظهري كان مترابطا مع الذكاء المتضائل. ونتيجة
لذلك، كان من الضروري بالنسبة لي أن أثبت أن عقلي لا يزال يعمل بنفس الكفاءة قبل الإصابة.
******* في الواقع، العلاقة المتبادلة بين جودة المشروبات وسعرها قريبة من الصفر، لكن هذه النقطة مجرد مسألة سنتعرض لها في يوم آخر.
الفصل 7
جذاب أم لا؟
التكيف، الاقتران المتكافئ، وسوق الجمال
كان في انتظاري في مقر الممرضات مرآة كبيرة بطول الشخص، ونظرًا لأني لم أمش منذ أشهر إلا بضع أقدام، لذا كان المشي مسافة الرواق إلى مقر الممرضات بمثابة
تحد حقيقي، استغرق الأمر وقتًا طويلًا، وفي النهاية انعطفت وسرت ببطء وبطء ناحية المرآة لأنظر نظرة فاحصة على المرآة التي تعكس الظهر في وجهي، كانت
الأرجل منحنية ومغطاة بضمادات كثيرة، وكانت المؤخرة منحنية للأمام تمامًا، كانت الأذرع وعليها الضمادات فاقدة لمظاهر الحياة، وكان الجسم كله ملفوفًا،
وبدا كأنه غريب لي ومفصول عني، فقد كنت حَسن المظهر عندما كنت في الثامنة عشرة، كان من المستحيل أن تكون هذه الصورة لي.
كــان وجــهي أســوأ مــا فـي الأمـر، وكـان الجـانب الأيمـن مفتـوحًا كلـه، وهنـاك قطـع مـن اللحـم حمـراء وصـفراء والجلـد متـدل لأسـفل مثـل شـمع مـذاب، وكـانت العـين
اليمنى مشدودة ناحية الأذن، وكان الجانب الأيمن للفم والأذن والأنف متفحمًا ومشوهًا.
كان من الصعب استيعاب كل التفاصيل، فكل جزء وهيئة مشوهة بشكل أو آخر، وقفت هناك وحاولت أن أستوعب هذا الخزي، هل دُفِنَ "دان" القديم في مكان
ما في الصورة التي تحدق من الخلف من المرآة؟ لم أتعرف إلا على العين اليسرى التي تحدق عليَّ من حطام هذا الجسد، هل أنا هذا حقًّا؟ لا أستطيع أن أستوعب
ذلك أو أصدقه أو أقبل بهذا الجسد المشوه بأنه أنا. في أثناء العلاجات المختلفة، عندما كانت تُزال الضمادات، كنت أرى أجزاء من جسدي وعلمت مدى بشاعة
بعض الحروق. وأخبروني أيضًا بأن الجانب الأيمن من وجهي مصاب إصابة بالغة، لكني لم أدرك بشاعة الأمر إلا عندما وقفت أمام المرآة. كنت مشتتًا ما بين رغبتي
في أن أحدق لهذا الشيء في المرآة وبين أن أنصرف وأتجاهل تلك الحقيقة الجديدة. عاودني الألم في رجليَّ بعد وقت قليل مما اضطرني إلى أن أستدير وأعود إلى
سريري في المستشفى.
كان الجانب المرئي من إصابتي قاسيًا بما فيه الكفاية، أما صورتي الذاتية لما كنت عليه في مرحلة المراهقة فقد زادت من إصراري على الشفاء. حتى هذا الوقت من
حيــاتي، كنــت أحــاول إيجــاد فرصــة لــي فــي المجتمــع وأسـتوعب نفسـي كشـخص وكرجـل، فجـأة تحتـم علـيَّ قضـاء ثلاثـة أشـهر فـي المسـتشفى، ولـم أعـد صـالحًا تمـامًا لمـا
يعتبره أقراني (أو على الأقل أمي) جذابًا لشيء آخر، بخسارة مظهري خسرت شيئًا أساسيًّا - خصوصًا كشباب - بخصوص كيفية تعريفنا لأنفسنا.
أين ما يناسبني؟
خلال الأعوام القليلة التالية، جاء العديد من أصدقائي لزيارتي. رأيت من أصدقائي وأقراني أيام الدراسة مَن تزوج ويتمتع بالصحة والجمال ولا يعاني الألم ويحب
زوجتـــه ويضــمها ويتركــها، فــهم منغمســون تمــامًا بشــكل طبــيعي فــي تلاحمــهم الرومانســي. قبــل الحــادث، كــان لــي مكــان فــي الاجتمــاعيات، فقــد كنــت أرافــق بعــض
الأصدقاء وأعلم من كانت يريد مرافقتي ومن لا يريد.
لكني الآن أسأل نفسي: أين أنا من مرافقة الأصدقاء؟ لقد فقدت مظهري، فأصبحت أقل قيمة في مسألة الاجتماعيات، هل الأصدقاء الذين كنت أخرج معهم
سيرفضون ذلك الآن؟ كنت واثقًا من أنهم سيرفضون ذلك، حتى لكأني أعذرهم في ذلك. وعلى الرغم من كل شيء، فقد كانت لديهم خيارات أفضل، وهل كنت
سأفعل نفس الشيء إذا كانت الأمور على عكسها الآن؟ إذا ما رفضني الأصدقاء، فهل سأتزوج امرأة تعاني إعاقة أو تشوهًا؟ عليَّ أن أتوصل إلى إجابة لذلك؟ هل
عليَّ أن أسلم بأن مسألة التعارف لم تعد كسابقها بالنسبة لي، ومن ثمَّ عليَّ أن أفكر بشكل مختلف بخصوص شريكة حياتي؟ أم لا يزال هناك بعض من الأمل. هل
من شخص ما في يوم ما يغض الطرف عن آثار الجروح ويحبني من أجل عقلي وروحي في الدعابة والطبخ؟
ما من مفر من قبول حقيقة أن فرصي في الناحية الرومانسية تضاءلت كثيرًا، لكني في الوقت نفسه شعرت بأن جزءًا مني ومظهري قد تلف، لم أكن أشعر بأن
كينونتي (شخصيتي الحقيقية) قد تغيرت بشكل كبير مما زاد الأمر سوءًا لقبول مسألة أني أصبحت قليل القيمة.
العقل والجسد
نظرًا لأني لم أكن أعرف الكثير عن إصاباتي العميقة، فقد توقعت في بادئ الأمر أنني بمجرد شفائي من تلك الحروق سأعود لما كنت عليه قبل إصابتي. وعلى الرغم
من كل شيء، سيكون لا يزال هناك بعض من الحروق الطفيفة من الماضي، وفيما خلاف آثار الجروح الطفيفة، فإنها ستختفي في غضون أسابيع قليلة دون أن
تترك كثير أثر. لكن ما لم أعلمه أن آثار الجروح العميقة والممتدة كانت مختلفة جدًّا، عندما بدأت هذه الآثار في الشفاء، بدأت معاناتي أكثر لأني كنت محبطًا من
إصابتي ومن جسدي.
وعندما شفيت آثار الجروح، واجهتني تحديات مستمرة من تقلص آثار الجروح وحاجتي لأن أصارع دومًا جلدي المشدود، كما تحتم عليَّ أن أتعامل مع ضغط
ضمادات بدلة جوبست التي غلفت جسدي كله. الأشياء الغريبة العديدة التي أطالت أصابعي وثبتت عنقي رغم أنها مفيدة طبيًّا، جعلتني أشعر بأنني غريب. كل
هذه الإضافات الغريبة التي تدعم جسدي وتحركه جعلتني لا أشعر بنفسي كما كنت من قبل، بدأت أستاء من جسدي وأشعر أنه عدو يخدعني. وكما هي الحال
مع الأمير الضفدع أو الرجل في القناع الحديدي، شعرت ألا أحد سيتعرف عليَّ داخل تلك الأشياء * .
لم أكن فيلسوفًا وأنا في سن المراهقة، لكني بدأت أفكر في الانفصال بين الجسد والعقل - تلك الازدواجية التي كنت أعيشها كل يوم. كنت أعاني مشاعر الحبس في
ذلك الجسد المعذب جدًّا من الألم حتى قررت في لحظة ما أن أتجاوز ذلك. انغمست جدًّا في ازدواجية عقلي وجسدي لدرجة أني شعرت بقوة وحاولت جاهدًا أن
أتأكد من أن عقلي هو الذي انتصر في المعركة.
وكجزء من هذه الحملة على جسدي، وعدت نفسي بأن يكون عقلي وحده - وليس جسدي - هو الذي يقود تصرفاتي وقراراتي. لم يكن لي أن أترك الألم يتحكم في
حيــاتي، ولا أتــرك جســدي يملــي علــيَّ قــراراتي. لقــد تعلمــت تجــاهل نــداءات جســدي، وكــان علـيَّ أن أعـيش فـي عـالم العقـل؛ حـيث مـا زالـت كـينونتي القـديمة هنـاك،
سأتحكم في نفسي من الآن فصاعدًا!
كما قررت أن أهزم مشكلتي بخصوص قيمتي المتناقصة في أمر العلاقات الاجتماعية عن طريق تجنب التفكير فيها كلية. ولو أني تجاهلت جسدي على كل الأصعدة،
لما خضعت لأي احتياجات رومانسية. فبخروج الرومانسية من حياتي لن أعاني مجددًا من مسألة مكانتي في العلاقات الاجتماعية أو فيمن سيرغب في مرافقتي. لقد
حُلت هذه المشكلة.
لكن بعد أشهر قليلة من إصابتي، تعلمت الدرس نفسه الذي طالما قال به كثير من الزاهدين والحكماء: انتصار العقل على الجسد مسألة يسهل قولها عن فعلها.
كــــان العــــلاج بــــالحمام اللعــــين أحــــد آلامـــي اليوميــة فــي قســم الحــروق؛ حــيث كــانت الممرضــات تغطســني فــي حمــام بــدون مطــهر. وبعــد وقــت قليــل يبــدأن فــي تمزيــق
الضمادات واحدة تلو الأخرى، وبعد فعل ذلك تقمن بكشط الجلد الميت ويضعن بعضًا من المرهم على آثار الجروح ويغطينني بالضمادات مرة أخرى. كان ذلك هو
العمل الروتيني المعتاد، لكن في الأيام التالية من عمليات زرع الجلد المتعددة. لم يكن يقمن بالعلاج عن طريق الحوض لأن الماء قد يحمل عدوى كبيرة من أجزاء
مختلفة من جسدي إلى الجروح الجديدة. بدلًا من ذلك تقوم الممرضات في هذه الأيام بعمل حمام إسفنجي لي في سريري والذي كان مؤلمًا أكثر من العلاج المعتاد،
لأن الضمادات لا تكون منقوعة في الماء وبالتالي تكون عملية إزالتها مؤلمة.
وفــي يــوم أتــذكره جيــدًا، أخــذ حمــامي الإســفنجي الــروتيني منعطــفًا مختلــفًا. بعــد إزالــة جمــيع الضــمادات، قـامت ممرضـة شـابة وجـذابة جـدًّا تـدعى "تـامي" بغسـل
معدتي وفخذي، فجأة شعرت بشعور غريب من مكان ما في منتصف جسدي لم أشعر به منذ شهور، شعرت بخزي وارتباك، لكن "تامي" ضحكت وقالت إن ذلك
علامة قوية جدًّا على تحسني. خرجت من ارتباكي شيئًا قليلًا بهذه الإيجابية.
وفي هذه الليلة تفكرت في أحداث اليوم بينما كنت لوحدي في حجرتي أستمع لأصوات سيمفونية من مختلف الأدوات الطبية، عادت إليَّ هرمونات المراهقة في كامل
نشاطها. لقد كانت بعيدة عني لدرجة أني كنت مختلفًا عن ذلك الرجل الشاب الذي كنت عليه من قبل، كشفت هرموناتي أيضًا عن أمر مشين، وهو عدم احترام
قراري بألا أدع جسدي يتحكم في أفعالي، عندها أدركت أن الانفصال الذي شعرت به بين جسدي وعقلي كان في واقع الأمر خاطئًا وطائشًا، وأنه عليَّ أن أعيش في
انسجام بين جسدي وعقلي.
الآن وقد عدت نسبيًّا إلى الحياة الطبيعية - كالأشخاص الطبيعيين ذوي المتطلبات الذهنية والجسدية الطبيعية - عدت أفكر مجددًا في مكانتي في عالم
الاجتماعيات، وخاصة حينما يكون جسدي على ما يرام وآلامي أقل، وإني أتعجب من تلك العملية الاجتماعية التي تجذبنا تجاه أشخاص وتنحينا عن آخرين. كنت أقضي معظم الوقت في السرير، لذا لم يكن هناك شيء أقوم به حقًّا، لكني بدأت أفكر في المستقبل من الناحية الرومانسية. وبتحليلي للموقف مرة تلو الأخرى،
تحولت مخاوفي الشخصية بعد ذلك بقليل إلى اهتمام عام بالرقص الرومانسي.
الاقتران المتكافئ والتكيف
إن المرء ليس بحاجة لأن يكون ماهرًا في إدراك الطبيعة البشرية، وكذا الطيور والنحل في مسألة أن الطيور على أشكالها تقع. فالرجل الوسيم ينجذب إلى السيدة
الجميلــة فــي غــالب الأحــوال، والأشــخاص علــى درجـة قليلـة مـن الجمـال ينجـذبون إلـى أمثالـهم فـي الجمـال ** . وقـد قـام علمـاء الاجتمـاع بدراسـة ظـاهرة الطـيور ذات
الريشة الواحدة لمدة طويلة وأطلقوا عليها اسم: "الاقتران المتكافئ". ونعلم جميعًا أن الرجال الذين هم على درجة كبيرة من الجمال أو الجرأة أو الموهبة يقترنون
بالنساء الجميلات (على سبيل المثال: "وودي ألن" و "ميا فارو"، "لايل لوفيت" و "جوليا روبرتس" أو تقريبًا كل نجم من نجوم الروك البريطانيين، وزوجته عارضة
الأزياء أو الممثلة)، لذا فإن الاقتران المتكافئ هو الوصف المناسب عمومًا لكيفية اختيار الناس لشركاء حياتهم. بالطبع لا يتعلق الاقتران المتكافئ فقط بالجمال؛ فالمال
والسلطة وحتى الدعابة هي التي تجعل الشخص مرغوبًا فيه أكثر أو أقل. وما زلنا في مجتمعاتنا نعتبر الجمال هو الصفة الأكثر من غيرها التي تحدد قدرنا على
المستوى الاجتماعي والاقتران المتكافئ المحتمل.
إن الاقتران المتكافئ هو شيء سار بالنسبة للرجال والنساء الذين يتمتعون بقدر عالٍ من الجمال، لكن ماذا عن معظمنا؛ حيث نكون على درجة متوسطة أو أقل في
الجمــال؟ هــل نتكــيف مــع إمكــاناتنا علــى المســتوى الاجتمــاعي؟ كــيف نتعلــم أن نعيــد صــياغة الأغنيــة القــديمة لــــ "ســتيفن سـتيلز" بـأن "نحـب الأشـخاص الـذين نـرتبط
بهم؟"؛ كان هذا سؤالًا بدأت مناقشته مع "ليونارد لي" و "جورج لوينشتاين" يومًا ما ونحن نحتسي القهوة.
اقترح "جورج" السؤال التالي دون أن يوضح مَن كان في ذهنه منا: "فكرا فيما قد يحدث لشخص غير جذاب جسديًّا، ستجدان أن هذا الشخص محدود في علاقاته
وزواجــه بمــن هــي مثلــه فــي نفــس مســتوى الجاذبيــة. وإذا، علــى رأس ذلــك، كــان أكـاديميًّا، تجـده لا يسـتطيع أن يكمـل نقصـه مـن القبـح ببـذل كثـير مـن المـال"، تـابع
"جورج" بما يمكن أن يكون السؤال الأساسي نفسه لمشروعنا البحثي التالي: "ما الذي سيحدث لهذا الشخص؟ هل سيستيقظ كل يوم صباحًا لينظر إلى من ينام
بجواره ويقول لنفسه: "حسنًا، هذا أفضل ما يمكنني فعله" أم هل سيحاول التكيف بطريقة ما فيغير موقفه ولا يدرك أنه مستقر نفسيًّا؟".
?
تعـد "إسـتراتيجية العنـب الـرديء" هـي إحـدى الطـرق التـي يتكـيف بـها الشـخص الجميـل جـدًّا مـع جاذبيتـه المحـدودة، وقـد سـميت كـذلك تـيمنًا بحكايـة إيسـوب التـي
بعنوان "الثعلب والعنب". فبينما كان يمشي في بستان في يوم حار، رأى ثعلب عنقودًا من العنب الناضج الكبير على غصن، كان هذا العنب هو الشيء الوحيد
الذي يروي عطشه، لذا رجع إلى الخلف وقفز ليناله، خانه الحظ هذه المرة، وحاول مرارًا وتكرارًا لكنه لم يستطع أن يصل إليه. في النهاية، كف عن المحاولة وسار
بعيدًا وتمتم قائلًا: "أنا متأكد أنه رديء"، المغزى من قصة هذا العنب الرديء هو أننا نرغب في تشويه ما لا نستطيع الحصول عليه.
تشير هذه الخرافة إلى أنه حينما يتعلق الأمر بالجمال فإننا نتكيف بسرعة بجعل الناس الأكثر جاذبية (العنب) يبدون أقل جاذبية (رديء) إذا لم نستطع الحصول
عليهم، لكن التكيف الحقيقي يمكن أن يستوعب أكثر مما يمكن أن يغير الإنسان مظهره للناس. فبدلًا من رفض ما لا نستطيع الحصول عليه، يملي علينا التكيف
الحقيقي القيام بخدع نفسية لأنفسنا حتى نقبل الواقع كما هو.
إلى أي مدى يمكن أن تجدي هذه الخدع في مسألة التكيف؟ إن إحدى الطرق التي يمكن أن يقوم بها مَن هم على درجة عالية من الجمال للتكيف، هي أن يقللوا
من مستوى كمال الجمال، على سبيل المثال، من تسعة أو عشرة، إلى مستوى مقبول بالنسبة لهم، ربما يبدأون في البحث عمن له أنف طويل أو أصلع أو له
أســنان معوجــة. إن الشــخص الــذي يتكــيف بــهذه الطريقــة ربمــا يتفــاعل مــع مثــال "هــالي بــيري" أو "أورلانــدو بلــوم" بــأن يـهز كتفيـه ويقـول: "لا يـهمني أنفـها الصـغير
المتناسق" أو "أوه، ما هذا الشعر المظلم اللامع؟".
إن أمثالنا ممن ليسوا فائقي الجمال يمكن لهم الاستفادة من الطريقة الثانية للتكيف. قد لا نغير من نظرتنا للجمال ولكننا بدلًا من ذلك ننظر إلى صفات أخرى،
ربما نبحث عن روح الدعابة أو العطف على سبيل المثال. ويبدو هذا مساويًا في الواقع لحال "الثعلب مع العنب"، حينما لم يتمكن من نيله، أعاد تقييمه بأن نظر
إلى التوت على الأرض في مظهره الأقل جودة فيعتبره أكثر لذة، وذلك لأنه فقط لا يستطيع الحصول على العنب من على الغصن.
إلى أي مدى يمكن أن يكون هذا النموذج مفيدًا في مسألة العلاقات؟ أعرف امرأة صديقة لي في منتصف عمرها، وذات جمال متوسط التقت مع زوجها في موقع
تعارف للزواج منذ عدة سنين. أخبرتني قائلة: "كان هناك شخص غير جذاب تمامًا، فقد كان أصلع وبدينًا ومشعرًا ويكبرني بسنين كثيرة، لكني تعلمت أن هذه
الأمور ليست هي المقياس الوحيد، لقد أردت رجلًا جذابًا له قيم عظيمة ومرح - وبالفعل كان لديه كل هذا". (لم ألحظ أبدًا كيف تكون "روح الدعابة" دائمًا تقريبًا
رمزًا للقبح عندما يقوم أحد بدور وسيط الزواج؟).
إذن لدينا الآن طريقتان يمكن بهما أن نتحدى مَن هم على درجة كبيرة من الجمال للتكيف: فإما أن نغير من مفهوم الجمال، حتى نبدأ في تقييم الدرجة الأقل في
الكمال أو نعيد النظر في الصفات التي نعتبرها مهمة أو غير مهمة. ولإيضاح الأمر بشكل أكثر، دعنا نر الحالتين التاليتين: (أ) هل النساء التي تجذب الرجل القصير
الأصلع يحببن هذه الصفات في الزوج؟ أم (ب) هل تفضل تلك النساء الزواج من الرجل الطويل المشعر ولكنهن يدركن أن ذلك ليس ممكنًا فيغيرن تركيزهن على
الصفات غير الجسدية مثل روح الدعابة واللطف؟
إضافة إلى تلك الطريقتين للتكيف، وبالرغم من القدرة الفائقة للبشر على التكيف على كل الأشياء (انظر الفصل السادس)، فعلينا أيضًا إعادة النظر إلى احتمالية
عدم إجراء التكيف في مثل هذه الحالة بخصوصها. وهذا يعني أن الأشخاص الذين هم على درجة بسيطة من الجمال لا يستطيعون أبدًا التكيف مع القيود التي
يحتمها عليهم مظهرهم على المستوى الاجتماعي. (إذا كنت رجلًا فوق الخمسين وما زلت تعتقد أن كل امرأة يافعة في العشرين من عمرها ترغب في الزواج منك،
فأنت إذن مَنْ أتحدث عنه). يعد هذا الإخفاق في التكيف طريقًا لخيبة أمل مستمرة لأنه في عدم وجوده، سيكون الأفراد الأقل جاذبية مصابين بخيبة أمل دائمة
عندما لا يتمكنون من الحصول على القرين الفائق الجمال لاعتقادهم أنهم يستحقون ذلك، وإذا ما تزوجوا آخر جميلًا جدًّا، سيشعرون دومًا بأنهم يستحقون
الأفضل - هذه بالكاد وصفة لعلاقة رومانسية جيدة - ناهيك عن وجود علاقة سعيدة.
أي من الطرق الثلاث المبينة في الشكل أدناه تعتقد أنه أفضل مثال لكيفية تعامل ذوي الجمال المنخفض مع قيودهم وحدودهم؟
?
 
كان للمال قدرة على إعادة ترتيب أولوياتي فيما أبحث عنه في شريكة حياتي، ولكن كانت عملية الاكتشاف مثيرة للاهتمام في حد ذاتها.
جذاب أم لا؟
لمعرفة المزيد عن كيفية تكيف الناس مع مظهرهم غير المثالي، قمت أنا و "ليونارد" و "جورج" بطلب الموافقة من شابين بارعين - "جيمس هونج" و "جيم يونج" -
لإجراء دراسة باستخدام موقع الويب الخاص بهما *** http://hotornot.com/ . بالدخول إلى الموقع، تجد صورة رجل أو امرأة من أي عمر (18 عامًا أو أكبر)
تقــدم التحيــة، ويوجــد فــوق الصــورة مــربع بمقيــاس متـدرج مـن 1 (لا) إلـى 10 (جـذاب). وبمجـرد أن تقـوم بتقـييم الصـورة، تظـهر صـورة جـديدة لشـخص آخـر وأيـضًا
متوسط تقييم الشخص الذي قيمته للتو.
لا يتاح لك فقط تقييم صور أناس آخرين، ولكن أيضًا يمكنك نشر صورتك الشخصية على الموقع للحصول على تقييم الآخرين لها **** ، تعجبت أنا و "جورج" و
"ليونــارد" مــن هــذه الخصــوصية بالــذات لأنــها كشـفت عـن مـدى جاذبيـة الأشـخاص الـذين قـاموا بـالتقييم. (قمـت مؤخـرًا بـالرجوع إلـى تقـييمي الرسـمي علـى مقيـاس
"جذاب أم لا" فوجدته 6.4، وهذا يعني أنه تقييم سيئ). وقد استطعنا على سبيل المثال - استنادًا إلى هذه المعطيات - معرفة كيف أن الشخص الذي تم تقيمه بأنه
غير جذاب (والذي بلغ تقيمه 2 على سبيل المثال) يقيم على أنه أفضل من الأشخاص الآخرين مقارنة بشخص آخر تم تقييمه بأنه جذاب جدًّا
(9 على سبيل المثال).
لمــاذا تســاعدنا هــذه المــيزة؟ لقــد اكتشــفنا أنــه مــا لــم يتكــيف الأشــخاص الــذين يعــانون مســتوى ضـعيفًا مـن الجمـال، فـإن نظرتـهم إلـى جمـال الآخـرين سـتكون نفسـها
للأشخاص الجذابين جدًّا. على سبيل المثال: إذا لم يحدث تكيف فإن الشخص الذي يبلغ تقييمه 2 والشخص الذي يبلغ تقييمه 8 سيعتبران الشخص الذي تقييمه
9 أنه كذلك فعلًا، والشخص الذي تقييمه 4 أنه كذلك فعلًا. من ناحية أخرى، إذا ما تكيف الأشخاص ذوو مستوى الجمال البسيط عن طريق تغيير وجهة نظرهم
عــن جاذبيــة الآخــرين، فــإن نظرتــهم للجاذبيــة ســتتغير عــن نظــرة الأشــخاص الجــذابين جــدًّا. علـى سـبيل المثـال، إذا مـا حـدث تكـيف فـإن الشـخص الـذي تـم تقييمـه 2
سينظر إلى الشخص الذي بلغ تقييمه 9 درجات على أنه 6 وإلى الشخص الذي بلغ تقييمه 4 درجات على أنه 7، بينما الشخص الذي يبلغ تقييمه 8 درجات سيرى
الشخص الذي بلغ تقييمه 9 درجات على أنه 9 درجات بالفعل والشخص الذي بلغ تقييمه 4 درجات على أنه 4 درجات بالفعل، كان الأمر السار لنا هو أننا تمكنا
من قياس تلك التقييمات. باختصار: بدراسة مدى تأثير جاذبية الشخص على تقييمه لمدى جاذبية الآخرين، رأينا أننا قد توصلنا إلى شيء بخصوص التكيف، ونظرًا
لإعجابنا بمشروعنا قام "جيمس" و "جيم" بتوفير التقييمات وتواريخ المعلومات لنا لأشخاص بلغ عددهم 16550 شخصًا في اختبار "جذاب أم لا" على مدار 10
أيام، وكان الأشخاص من الذكور والإناث، وكانت الغالبية (75%) ذكورًا ***** .
كشف التحليل الأولي أن معظم الأشخاص لديهم حس بالجمال من عدمه. فإننا جميعًا نرى أن "هالي بيرى" و "أورلاندو بلووم" "جذابين" بغض النظر عن مظهرنا
نحن، فإن الميزات المتفاوتة والأسنان الناتئة لم تعد المعيار الجديد للجمال بالنسبة للأشخاص أصحاب الجمال البسيط.
لقد رجح الاتفاق العام على معيار الجمال نظرية العنب الرديء لكنه ترك احتمالين قابلين للنقاش، كان الأول أن الأشخاص ذوي القدرة على التكيف بالتعلم لهم
أهمية أكبر على غيرها من الصفات، وكانت الثانية أنه لا يوجد تكيف بالنسبة لمسألة الجمال.
?
 
سوف نناقش فيما يلي مدى إمكانية أن يكون الأشخاص ذوو مستوى الجمال البسيط غير مدركين للقيود التي علينا بسبب قلة جمالنا (أو على الأقل فإن هذا هو
تصرفنا على شبكة الإنترنت). للقيام بهذا، استخدمنا ميزة مثيرة ثانية للموقع وأطلقنا عليها "قابلني"، لنفترض أنك رجل ترى صورة امرأة تود مقابلتها، يمكن أن تضغط على زر "قابلني" أعلى صورة المرأة، وسوف تتلقى هي إشعارًا بأن ثمة شخصًا يرغب في لقائها مع بعض المعلومات عنك. المسألة تكمن في أنه عند استخدام
هذه الميزة، لن تتفاعل مع الشخص الآخر من منطلق الجمال فقط، ولكنك ستقيس أيضًا مدى قبوله لدعوتك (على الرغم من أن الرفض من شخص لا تعرفه
يكون أقل ألمًا عن الرفض ممن تقابله وجهًا لوجه، فإنه يظل مؤلمًا جدًّا).
للتعــرف بشــكل أكبــر علـى هـذه المـيزة - "قـابلني"، تخيـل أنـك أصـلع نـوعًا مـا وبـدين ومشـعر إلا أنـك تتمتـع بـروح دعابـة عاليـة، كمـا تبـين مـن تقييمـات الجاذبيـة. فـإن
الطريقة التي تحكم بها على جاذبية الآخرين هي الطريقة نفسها التي ترى نفسك بها في المرآة. لكن إلى أي مدى يمكن أن يؤثر بطنك المترهل وقلة جاذبيتك على
قراراتك بخصوص مَن ترغب فيه؟ إذا رغبت في الزواج من امرأة جميلة، فإن ذلك يعني أنك لا تأبه للقصور الجسدي لديك (أو على الأقل أنك لم تتأثر به). من
ناحية أخرى، إذا لم تكن على مستوى عالٍ من الجمال وأردت مقابلة شخص مقارب لك في المستوى بالرغم من أنك تعلم أن "هالي بيري" أو "أورلاندو بلوم" على
مستوى 10 من الجمال، فإن ذلك يعني أنك لم تتأثر بعدم جاذبيتك.
وقد أظهرت المعطيات أن الأشخاص الذين هم على مستوى قليل من الجمال في نموذجنا كانوا مدركين جدًّا في واقع الأمر لمستوى عدم جاذبيتهم، بالرغم من أن
هذه المعرفة لم تؤثر على مدى رؤيتهم لجاذبية الآخرين أو حكمهم عليها (كما هو موضح في تقييمات الجاذبية الخاصة بهم)، فإنها لم تؤثر على اختياراتهم لمن
سيلتقون به.
?
 
 
التكيف وفن التعارف السريع
لقد قضت المعطيات الناتجة عن تجربة "جذاب أم لا" على اثنتين من ثلاث من فرضيات عملية التكيف لجاذبية الشخص. وبقي بديل واحد: مثل صديقي الذي في
منتصف العمر، فإن الناس يتكيفون عن طريق تركيز أقل على مظهر الطرف الآخر، ويتعلمون كيفية حب الصفات الأخرى.
ومــع ذلــك فــإن إزالــة اثنــين مــن البــدائل لا يــدعم بــاقي النظريــة، فقـد احتجنـا لـدليل يوضـح أن النـاس يتعلمـون تقـدير الصـفات الجـذابة التعويضـية ("حبـيبتي، أنـت
جميلــة جــدًّا/ مرحــة/ لطيفــة/ مجاملــة/ متوافقـة مزاجـيًّا/ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ امـلأ الفـراغ"). لسـوء الحـظ، لـم تسـاعدنا المعطيـات التـي حصـلنا عليـها مـن دراسـة "جـذاب أم لا" لأنـها
سمحت فقط بقياس شيء واحد (جاذبية الصور). إن البحث عن بداية أخرى قد يسمح لنا بقياس شيء تتعذر معرفته، ولذا فقد عدنا إلى مسألة التعارف السريع.
قبل الدخول إلى نسختنا المعدلة للتعارف السريع، دعني أطرح هذا التمهيد القصير غير المستهل عن طقوس التعارف المعاصرة (إذا كنت هاويًا للعلوم الاجتماعية،
فإني أنصح بهذه التجربة بشدة).
فــي حالــة مــا إذا لــم تلاحــظ، فــإن التعــارف الســريع فــي كــل مكــان بــدءًا مــن المقــاهي الفــاخرة فــي الفنــادق الخمــس نجــوم، إلــى الفصــول الدراســية الشــاغرة فــي المـدارس
الابتدائية المحلية، ومن التجمعات الليلية في وقت متأخر لقضاء تجمعات ما بعد العمل للغداء للمحاربين في عطلة نهاية الأسبوع، فهو يجعل السعي للحب
المســتمر يبــدو وكأنــه صــفقة تســوق فــي ســوق تركيــة. ومـع ذلـك، فبالنسـبة لكـل مـن يحـط مـن شـأن التعـارف السـريع، فإنـه أكثـر أمـنًا وأقـل مـذلة مـن ارتيـاد النـوادي،
والعلاقات المتهورة التي يقوم بها وبعض العلاقات الأخرى الطائشة التي تفتقر إلى ترتيبات مسبقة.
عمليــة التعــارف الســريع العامــة شــأنها كشــيء تــم إعــداده بواســطة خبــير فــي الــوقت والحركــة فــي أوائــل القـرن العشـرين، يقـوم عـدد قليـل مـن النـاس، عـادة تتـراوح
أعمــــــارهم بـــين العشـــرين والخمســـين، (فـــي حالـــة كونـــهم مـــن الجنســـين، يكـــون النصـــف مـــن الـــذكور والنصـــف الآخـــر مـــن الإنـــاث) بالـــذهاب إلـــى حجـــرة ذات منضـــدة
لشــخصين، يقــوم كــل شــخص بالتســجيل مــع المنظمــين ويتســلم رقــمًا تعــريفيًّا وورقــة تقــييم النقـاط، يظـل نصـف الحضـور المحتملـين - النسـاء عـادة - علـى المنضـدة.
وعندما يرن جرس من 4 إلى 8 دقائق، يتحرك الرجال إلى المنضدة التالية بطريقة لعبة دوامة الخيل.
ويســمح للحضــور التحــدث فــي أي شــيء وهــم جالســون حــول المنضـدة، لـيس مـن المسـتغرب أن يقـوم كثـير منـهم فـي البـداية علـى وجـل بـالتعبير عـن دهشـتهم لمسـألة
التعارف السريع برمتها، ثم يبذلون جهدًا في محاولة لمعرفة معلومات مفيدة دون أن يبدو أحدهم وقحًا. وعندما يرن الجرس ويتحرك الأزواج، فإنهم يقررون
التالي: إذا ما رغب "بوب" في التعرف على "نينا"، فإنه يكتب "نعم" بجوار رقم "نينا" على ورقة تقييم النقاط، وإذا أرادت "نينا" التعرف على "بوب" فإنها تفعل
الشيء نفسه.
وفي نهاية الحدث، يقوم المنظمون بجمع الأوراق ويبحثون عن النظائر المشتركة. إذا ما قام "بوب" بكتابة "نعم" أمام كل من "نينا" و "لوني" وكتبت "لوني" "لا"
أمام "بوب"، ولكن كتبت "نينا" "نعم" أمام "بوب"، فإن "نينا" و"بوب" فقط هما من سيحصلان على معلومات التواصل حتى يتكلما معًا وربما لإجراء مقابلة
تقليدية.
تم إعداد نسختنا المعدلة للتعارف السريع لتضم مميزات قليلة خاصة. أولًا: قبل البدء في الأمر، أجرينا مسحًا لكل المتسابقين، وطلبنا منهم تقييم أهمية المعايير
المختلفــة كالجاذبيــة الجسـدية والـذكاء وروح الـدعابة واللطـف والثقـة والانبسـاط عنـدما يكـونون بصـدد مقابلـة تعـارف محتملـة. كمـا أننـا غيرنـا أيـضًا عمليـة التعـارف
السريع ذاتها قليلًا، وفي نهاية كل مقابلة لم يتحول المشاركون حالًا إلى التي بعدها، لكننا طلبنا منهم التوقف وتسجيل تقييمهم عن الشخص الذين التقوا به
باســتخدام نفــس الصــفات (الجاذبيــة الجســدية والــذكاء وروح الــدعابة واللطــف والثقــة والانبســاط). كمــا سـألناهم عمـا إذا كـانوا يريـدون مقابلـة هـذا الشـخص مـرة
أخرى.
وقد نتج عن هذه القياسات ثلاثة أنواع من البيانات. كشفت عملية المسح الأولية للتعارف السريع عن الصفات التي يحبها كل شخص عمومًا فيمن يريد التعرف
عليه، ومن خلال ردود الأفعال بعد عملية التعارف، توصلنا إلى معرفة كيفية تقييمهم لكل شخص قابلوه على هذه الصفات، كما علمنا ما إذا كانوا يريدون فعلًا
مقابلة كل شخص في علاقة تعارف حقيقية في المستقبل القريب.
لذلك بالنسبة لمسألتنا الرئيسية: هل يعول كثيرًا ذوو الجمال المنخفض على مسألة المظهر كما يفعل الأشخاص ذوو الجمال الفائق بما يوضح أنهم لم يتكيفوا مع
مظهرهم؟ أم هل يعولون أكثر على الصفات الأخرى كروح الدعابة بما يوضح أنهم تكيفوا عن طريق تغيير نظرتهم لما كانوا يبحثون عنه في قرينهم؟
في البداية، قمنا باختبار ردود أفعال المشاركين بخصوص ما يفضلونه عامة - تلك التي قالوها قبل بدء الحدث. وبالنسبة لما كانوا يبحثون عنه في رفيق الرومانسية،
كان الأشخاص الذين يتمتعون بالجاذبية يميلون أكثر إلى من هم على شاكلتهم، بينما الأشخاص الأقل في الجاذبية ركزوا أكثر على الصفات الأخرى (مثل الذكاء،
روح الدعابة، واللطف). وكانت هذه النتيجة هي أول دليل لنا على أن الأشخاص ذوي الجمال المنخفض قاموا بإعادة ترتيب أولوياتهم فيما يطلبونه في التعارف، ثم
قمنا باختبار تقييم الحضور في عملية التعارف السريعة لقرنائهم في أثناء العملية ذاتها، وكيف تمت ترجمة هذا التقييم إلى رغبة في علاقة حقيقية. نلحظ هنا أيضًا
النمط نفسه، رغب الأشخاص ذوو الجمال المنخفض في التعرف على الأشخاص الذين اعتقدوا أن لديهم روح دعابة كبيرة أو بعض السمات غير الجسدية الأخرى،
بينما رغب الأشخاص الذين يتمتعون بالجاذبية في معرفة الأشخاص ذوي المظهر الحسن.
إذا ما نظرنا إلى نتائج تجارب "جذاب أم لا" و "قابلني" و "التعارف السريع"، لوجدنا أنه بالرغم من أن قدر الجاذبية الذي نحظى به أنفسنا لا يغير من وجهة نظرنا
في الجمال، فإن له تأثيرًا كبيرًا على أولوياتنا. ببساطة: يميل الأشخاص الأقل في نسبة الجاذبية إلى النظر إلى الصفات غير الجسدية بوصفها أكثر أهمية.
?
 
بــالطبع، يقودنــا هــذا إلــى ســؤال عمــا إذا كــان الأشــخاص ذوو الجمــال المنخفــض "أكثــر عمــقًا"، وذلــك لأنــهم يــهتمون بــالجمال بشــكل أقــل ويــهتمون أكثـر بالصـفات
الأخرى. بصراحة، هذه مسألة من الأفضل عدم الخوض فيها. فعلى الرغم من كل شيء، إذا أصبح الضفدع المراهق أميرًا بالغًا فسيميل لاستخدام الجمال كمعيار
أساسي للتعارف كما يفعل الأمراء الآخرون من الضفادع. بغض النظر عن تقييماتنا العظيمة لأهمية الجمال الحقيقية، فإنه من الواضح أن عملية إعادة صياغة
الأولويات تساعدنا على التكيف. وفي النهاية، فإن علينا جميعًا قبول أنفسنا على ما هي عليه ونقدم بعض التنازلات، وبالأساس فإن التكيف والتعديل للأفضل هما
من مفاتيح السعادة.
?
ضد كل احتمالات الاقتران المتكافئ
لدينا جميعًا بعض المميزات الرائعة وبعض العيوب غير المرغوب فيها، غالبًا ما نتعلم كيف نتعود عليها منذ سن مبكرة حتى ينتهي بنا الأمر إلى سعادتنا عمومًا
بحالنا في المجتمع وفي النظام الاجتماعي. الفارق بالنسبة لي كان أنني نشأت بمجموعة معينة من المعتقدات عن نفسي، وكان عليَّ أن أواجه فجأة حقيقة جديدة
دون فرصة لتكيف تدريجي على مدى وقت طويل. وأعتقد أن هذا التغير المفاجئ قد أوضح اختباراتي العاطفية وجعلني أيضًا أنظر إلى مسألة التعارف بشكل أكثر
هدوءًا وبطريقة فيها بُعد نظر أكثر.
فعلى مدى سنين بعد إصابتي، تألمت لما صرت إليه في مستقبلي العاطفي بسبب هذه الإصابة، كنت متأكدًا أن إصابات الجروح التي لحقت بي ستغير من فرصي في
مسألة الاقتران المتكافئ، لكنني لم أستطع الشعور بأن هذا خاطئ من بعض النواحي. ومن ناحية أخرى، أدركت أن مسألة التعارف والعلاقات الاجتماعية تسير في
طرق متعددة بشكل يشبه إلى حد كبير مسائل أخرى، وأن قيمتي قد هبطت بين عشية وضحاها. وفي الوقت نفسه، لم أستطع التخلص من الشعور العميق بأني
لم أتغير كثيرًا، وأن انخفاض قيمتي أمر لا أساس له.
في محاولة لفهم مشاعري بهذا الصدد، سألت نفسي عن تصرفي حيال كوني صحيح البدن تمامًا، وأن امرأة ما هي التي أصيبت نفس إصابتي قد طلبت الاقتران بي.
هـل كنـت سـأكترث؟ هـل ثمـة احتماليـة قليلـة للاقتـران بـها بسـبب إصـابتها؟ علـيَّ قبـول أنـي لـم أجـرؤ علـى إجابـة هـذا السـؤال، وجعلنـي هـذا أتسـاءل عمـا أتوقعـه مـن
جــانب النســاء حيــالي، وصــل بـي الأمـر إلـى أنـه علـيَّ الرضـوخ للأمـر الـواقع وهـذا أحبطنـي جـدًّا، لا أتحمـل أن النسـاء اللاتـي كـن يـرغبن فـي الاقتـران بـي قبـل الإصـابة لـم
يعدن يرغبن في ذلك بعدها، لقد فزعت من مسألة الرضوخ على مستواي الشخصي وعلى مستوى إصابتي نفسها، إنها لا تبدو وصفة للسعادة قط.
لقد حُلَّت كل هذه الأمور عندما كنت في كلية الدراسات العليا في جامعة نورث كارولينا في تشابل هيل، في يوم من الأيام الرائعة، قام رئيس قسم علم النفس بتعييني في لجنة الندوة، أنا لا أذكر حقًّا أي شيء كنت أفعله في أثناء اجتماعات اللجنة غير وضع الرموز والشعارات للإعلانات، لكنني أتذكر جيدا جلوسي على
المنضدة أمام أجمل النساء: "سومي"، والتي لم تكن إلا لترفض الاقتران بي بأي حال طبقًا لمسألة الاقتران المتكافئ. بدأنا في قضاء أوقات أكثر مع بعضنا وأصبحنا
أصدقاء وأعجبت بروح الدعابة التي أتمتع بها، وفيما يمكن أن أطلق عليه أنه انتقال سحري، وافقت "سومي" في مرحلة ما بطريقة أو بأخرى على اعتباري قرينها
الرومانسي.
بعد مرور 15 عامًا ووجود طفلين، وبمساعدة معطيات تجربة "جذاب أم لا"، أدرك كم أنا محظوظ إذ إن النساء لا تكترث كثيرًا لمسألة المظهر كما يفعل الرجال
(وشكرًا لكم قرائي المنصفين). كما تبين لي أن - وإن بدا الأمر أنه غير متعاطف - أغنية "ستيفن ستلز" محقة لدرجة كبيرة. بعيدًا عن الدعوة لأية خيانة، فإن أغنية
"أحبب من أنت معه" تكشف عن قدرتنا على اكتشاف وحب صفات أزواجنا، بدلًا من مجرد الرضوخ لشخص مصاب بجروح أو بدين أو ذي أسنان ناتئة أو شعر
سيئ، فإننا نصل إلى تغيير وجهات نظرنا، وفي هذه الأثناء نزيد من حبنا للشخص الذي يعاني نقصًا ما، وهذا مكسب آخر لقدرة الإنسان على التكيف!
* هناك قصص أخرى تصف الإنسان وهو محبوس داخل جسده مثل رواية أوفيد التي بعنوان Metamorphoses ، وكذلك روايات "الجميلة والوحش"، J
ohnny Got His Gun, The Diving Bell,the Butterfly ، وهذه الأمثلة هي غيض من فيض.
** عندما أقول هذا فإنني أشير إلى عملية نسبية. فلولا اختلاف الأذواق لبارت السلعة وما يراه شخص جميلًا وجذابًا، يراه شخص آخر منفرًا.
*** إن لم يكن قد سبق لك تصفح موقع http://hotornot.com/ ، فأنصحك بشدة أن تقوم بتصفحه على الأقل لما يوفره من نظرة خاطفة على الجانب النفسي
الإنساني.
**** بــالنظر إلــى طبيعــة " جــذاب أم لا"، فــإن النتــائج التــي توصــلنا إليــها علـى الأرجـح قـد بـالغت فـي الجمـال بالنسـبة إلـى بـاقي الصـفات. ومـع ذلـك، فـينبغي تعمـيم
المبادئ التي درسناها على أنواع أخرى من التكيف أيضا.
***** لم نقم بإدراج الأشخاص ذوي الميول المنحرفة في هذه الخطوة الأولية.
الفصل 8
عندما يفشل السوق
مثال من التعارف عن طريق الإنترنت
 
عبــر القــرون الماضــية، كــان للــخ اطبــة الفضـولية دور مـهم للغايـة فـي المجتمـع التقليـدي. كـان الرجـل أو المـرأة (ووالـداهما) يطلبـان مـن الخاطبـة أن تجـد لـه/لها شـريك/شريكة الحياة كما جاء في أغنية Fiddler on the Roof. , لإحكام القبضة على الزبائن، تؤكد الخاطبة بأنها تعلم كل شيء ممكن عن الشباب وعائلاتهم (وهذا
هو السبب في أن كلمة خاطبة مرادف لكلمة "نمامة" في نهاية المطاف)، وبمجرد أن تجد الخاطبة قليلًا من التناسب المشترك بين الشاب والفتاة، تقوم بتقديم أزواج
وزوجات المستقبل وعائلاتهم لبعضهم البعض، وتقوم الخاطبة بدور فعال ملموس وتتلقى أجرًا على عملها كوسيط للزواج
(أو "صانع السوق" بلغة الاقتصاد) يجمع بين الناس.
نمضــي قــدمًا إلــى منتصـف تسـعينيات القـرن العشـرين؛ حـيث لـم تكـن هنـاك خاطبـة (وفـي معظـم المجتمعـات الغربيـة، كـان الزواج يتـم دون سـابق تـرتيب) لكـن قبـل
ظهور التعارف عن طريق الإنترنت، انتشرت أمثلة الرومانسية والحرية الشخصية وهو ما يعني أيضًا أن كل شخص يرغب في شريك الحياة عليه استخدام حيله إلى
حد كبير للوصول إلى ذلك. على سبيل المثال: إنني أتذكر جيدًا محاولات صديق لي سأطلق عليه "سيث"، وقد كان بارعًا مرحًا وحسن المظهر إلى حد ما، كما كان
أستاذًا جديدًا بمعنى أنه عمل لساعات طويلة ليثبت أن لديه الملكة لتولي المنصب، ونادرًا ما كان يترك المكتب قبل الساعة الثامنة أو التاسعة مساء كما كان يقضي
أيضًا معظم عطلات نهاية الأسبوع هناك (وأنا أعلم ذلك لأن مكتبي كان مقابلًا له). في تلك الأثناء، كانت أمه كل عطلة تستحثه قائلة: "إنك تعمل كثيرًا يا بني،
متى ستفرغ نفسك للبحث عن زوجة لطيفة؟ فإنني سأصبح عجوزًا عما قريب ولن أتمكن من الاستمتاع بأحفادي!".
ولأن "سيث" كان بارعًا جدًّا وموهوبًا للغاية، فقد كان يستطيع تحقيق أهدافه المهنية، على العكس من أهدافه الرومانسية. ونظرًا لأنه ذو نمط علمي، لم يستطع
أن يصبح من مرتادي المقاهي والمطاعم فجأة، ولم تعجبه فكرة وضع إعلان شخصي أو حتى الرد عليه. كما أن زملاء المدينة الجامعية قد رحلوا قريبًا إلى مكان لا
يتمتــع باجتماعيــة كبــيرة، لــذا لــم يســتطع "ســيث" الــذهاب للعــديد مــن حفــلات العشــاء. كــان هنــاك الكثــير مــن فتيــات طـلاب الدراسـات العليـا اللاتـي بـلا شـك نظـرًا
لنظرتهن إليه، يرحبن بالارتباط به إذا أراد هو ذلك، لم تكن الجامعة ترحب بذلك (في معظم البيئات، لم تكن الأمور العاطفية مرحبًا بها في دائرة العمل).
حاول "سيث" الانخراط في أنشطة فردية فحاول تعلم الرقص والمشي لمسافات طويلة، حتى إنه بحث عن مؤسسة اجتماعية، لكنه في الحقيقة لم يجد ضالته في
أي من هذه الأنشطة. ومثله مثل أناس آخرين، أخبرني "سيث" بعد ذلك قائلًا: "كان نادي المشي لمسافات طويلة غريبًا بشكل واضح، فقد كان واضحًا أنه ما من
أحد يأبه للعالم الخارجي، فقد كانوا يبحثون عن شريك رومانسي يستمتع برياضة المشي لمسافات طويلة لاعتقادهم بأن من يحب هذه الرياضة إنما هو شخص
جيد في أوجه عديدة".
يا لـ "سيث" المسكين. فهذا الرجل الرائع كان سيشعر بالسعادة البالغة إذا ما حصل على المرأة المناسبة، لكن ما من طريقة فعالة للوصول إليها. (لا تقلق، بعد
بضع سنوات من البحث، وجد "سيث" في النهاية شريكة حياته). إن المسألة تكمن في عدم وجود منسق فعال كالخاطبة يساعده، فأصبح "سيث" ضحية فشل
السوق. في الحقيقة وبدون كثير مبالغة، أعتقد أن سوق العزاب هو أكثر إخفاقات السوق الفاضحة في المجتمع الغربي.
لقد واجه "سيث" متاعب قبل ظهور مواقع التعارف على الإنترنت، والتي تعد أسواقًا ضرورية ورائعة في الأساس؛ لكن قبل فحص هذه النسخة الحديثة للخاطبة،
لنلق نظرة على كيفية سير الأمور عمومًا في الأسواق. بشكل أساسي، تعد الأسواق آليات تنسيق تتيح للناس توفير الوقت بينما يحصلون على أهدافهم، وبالنظر إلى
فوائــدها، أصــبحت الأســواق مركزيــة ومنظمــة بشــكل متزايــد. تــأمل فيمــا يجعــل متــاجر الســوبر مــاركت ممتــازة، فــالمتاجر توفــر عليــك صـراع الـذهاب للخبـاز والـجزار
وأكشــاك بــيع الخضــراوات ومتجــر الحيوانــات الأليفــة والصــيدلية، فيمكنــك بشــكل فعــال شــراء كــل الأشــياء التـي تحتـاج إليـها فـي الأسـبوع مـن مكـان واحـد مناسـب.
وبشكل أكثر تعميمًا، تعد الأسواق عمومًا جزءًا لا يتجزأ ومهمًا في حياتنا، وحتى في الخيارات الأكثر الشخصية.
وبالإضافة إلى أسواق الغذاء والسكن وفرص العمل، والمنتجات المتنوعة (التي تعرف أيضًا باسم إي باي)، هناك أيضًا الأسواق المالية. فالبنك، على سبيل المثال،
يعــــد مــــركزًا أســــاسيًّا يســهل عمليــة الاكتشــاف والإقــراض والاقتــراض. وهنــاك أيــضًل أمثلــة أخــرى للاعبــي الأســواق مثــل ســماسرة العقــارات يحــاولون بطريقــة تشــبه
الخاطبة فهم احتياجات البائعين والمشترين والتوفيق بينها بشكل صحيح. حتى شركة "كيلي بلو بوك" التي تعطي أسعار السيارات المستعملة للسوق يعتقد أنها
صانع للسوق، لأنها توفر للبائعين والمشترين نقطة بداية للتفاوض. وخلاصة القول، تعد الأسواق جزءًا مهمًّا جدًّا للاقتصاد.
بالطبع يتضح دومًا أن الأسواق قد تفشل وأحيانًا يكون ذلك بشكل مأساوي - كما اتضح من مثال شركة "إنرون" في سوق الطاقة، وكما اتضح من العديد من
المؤسسات المصرفية في أزمة الرهن العقاري عام 2008. وعمومًا، تعد الأسواق مفيدة بشكل أساسي في أنها تنسق بين الناس، (بالتأكيد سيكون الأمر أفضل إذا ما
صممنا الأسواق بطريقة نستفيد بها من مزاياها ونتلافى عيوبها).
تعد السوق بالنسبة للأعزب مساحة حياتية يتحرك فيها بانتظام من سوق مركزية إلى حال يتعين فيها على كل شخص الاعتناء بنفسه - أو نفسها. ولمعرفة مدى
صعوبة التعارف بدون سوق منظمة، تخيل مدينة يعيش فيها ألف عازب بالضبط، وكلهم يريدون الزواج (تبدو بالفعل فكرة مناسبة لبرنامج تليفزيوني). في هذه
السوق الصغيرة - على افتراض عدم وجود خاطبة - كيف تحدد الشريك الأمثل لمن؟ كيف توفق بين كل شريكين؛ بحيث تضمن أنهما لن يحبا بعضهما فقط ولكن
ســيستمران مــعًا؟ قــد يكــون مثــاليًّا لكـل شـخص مقابلـة شـخص آخـر للتعـرف علـى الشـريك المثـالي لـه، ولكنـه يلغـي مسـألة التعـارف السـريع جـدًّا والتـي قـد تسـتغرق
بالفعل وقتًا طويلًا جدًّا.
بوضع هذا الأمر في الاعتبار، اسمحوا لي أن أتدبر الظروف الحالية للعزاب في المجتمع الأمريكي. ينتقل الشباب في أمريكا من مكان لآخر أكثر من أي وقت مضى من
أجـل الدراسـة والعمـل. وتنقطـع فجـأة الصـداقات والعلاقـات الرومانسـية التـي ازدهـرت فـي المـدارس الثانويـة كمـا تعـود الفـراخ إلـى أوطانـها. ومثـل الكثـير مـن المـدارس
الثانوية، يتوفر في الجامعة الوسط المناسب للصداقات والعلاقات، لكنها في الغالب تنتهي بالتخرج إذ يبحث الخريجون عن عمل في مدن أخرى. (الفضل في هذه
الأيام يعود للإنترنت، فإن الشركات دائمًا ما تجلب موظفين عبر المسافات الشاسعة والبعيدة جغرافيًّا، مما يعني أن الأشخاص ينتهي بهم الأمر للعمل بعيدًا عن
أصدقائهم وعائلاتهم).
وبمجرد أن يقوم الخريجون باستلام عملهم في الأماكن البعيدة، تجد أن أوقات فراغهم أصبحت ضئيلة. ويتعين على المهنيين الشباب قليلي الخبرة قضاء أوقات
طويلــة فــي العمـل لإثبـات كفاءتـهم وخاصـة فـي سـوق العمـل التنافسـي. ولا يسـتحسن وجـود علاقـات رومانسـية فـي أمـاكن العمـل، هـذا إن لـم تكـن ممنوعـة أسـاسًا،
ويغيِّر معظم الشباب وظائفهم بشكل دائم مما يضرهم بشدة ويتسبب في التشويش على حياتهم الاجتماعية. ومع كل انتقال، تتقلص علاقاتهم بشكل مباشر
وبشكل غير مباشر، مما يؤثر سلبًا فيما بعد على فرصة التوصل لشريك الحياة، لأن الأصدقاء عادة ما يوفرون لبعضهم البعض شريك الحياة المرتقب. عمومًا،
يعني هذا أن التحسن في كفاءة السوق بالنسبة للمهنيين الشباب أصبح إلى حد ما على حساب عدم كفاءة السوق بالنسبة لشركاء الرومانسية الشباب.
دخول عالم التعارف عبر الإنترنت
أزعجتنــــي المشــــاكل التــــي واجــــهها "ســــيث" وبعــــض الأصــــدقاء الآخــــرين حتــــى ظــــهور التعــــارف علــــى الإنتــــرنت. كنــــت منفعــــلًا بشــــدة عنــــدما ســــمعت عــــن مــــواقع مثــــل
Match .com و eHarmony و JDate.com . قلت لنفسي: "يا له من حل لمشكلة سوق العزاب". وقد ساقني الفضول بشأن كيفية عمل هذه المواقع فدخلت إلى
مواقع التعارف على الإنترنت.
كيف تعمل هذه المواقع بالضبط؟ دعنا نأخذ على سبيل المثال "ميشيل" العازبة التي سجلت للحصول على الخدمة عن طريق إكمال نموذج استطلاع عن نفسها
وعما تفضله. لكل خدمة نسخة خاصة بها من هذه الأسئلة لكن جميعها يشترك في معلومات أساسية تتعلق بالمعلومات الديموغرافية (العمر، الموقع، مستوى
الدخل، وهكذا)، وأيضًا ببعض من قيم "ميشيل" الشخصية ومواقفها وأسلوب حياتها. أيضًا يطلب نموذج الاستبيان معرفة ما تفضله "ميشيل"، وأي نوع من
العلاقة تبحث عنه؟ وما الذي تريده في زوج المستقبل؟ تفصح "ميشيل" عن عمرها ووزنها * ، وتقول إنها هادئة ومرحة ونباتية، وأنها ترغب في علاقة جادة مع
رجل طويل ومتعلم وثري ونباتي، كما أنها تكتب وصفًا شخصيًّا قليلًا عن نفسها، وتقوم بتحميل صورها الشخصية للآخرين لرؤيتها.
عندما أكملت "ميشيل" هذه الخطوات، أصبحت جاهزة لرفيق روحها عبر الكاميرا ليراها، فتختار من بين الصور التي يتيحها النظام صورة عدد قليل من الرجال
من أجل استقصاء أكثر تفصيلًا. وتقرأ لمحة عن حياتهم وترى صورهم وإذا ما رغبت في مراسلتهم، توفر الخدمة ذلك لها، وإذا ما حدث اهتمام مشترك فإنهم يتراســلون لــوقت قصــير، إذا ســارت الأمــور علــى مـا يـرام يـرتبون للقـاء حقـيقي. (بـالطبع، اسـتخدام كلمـة "التعـارف علـى الإنتـرنت" إنمـا هـو اسـتخدام مضـلل، يصـنف
الأشخاص بعضهم من خلال الملفات الشخصية ويتراسلون معًا بعد ذلك عبر البريد الإلكتروني، لكن كل التعارف الحقيقي يحدث في الحقيقة).
عندما علمت بطبيعة عملية التعارف على الإنترنت، تحول حماسي تجاه تلك السوق النافعة جدًّا إلى خيبة أمل. فبقدر ما تحتاج هذه السوق للإصلاحات، فقد
رأيــت أن الطريقــة التـي تعـاملت بـها أسـواق التعـارف الإلكترونيـة مـع المشـكلة لـم تقـدم حلـولًا جيـدة لمشـكلة الـعزاب. كـيف يمكـن أن تمثـل موضـوعات جمـيع الأسـئلة
متعددة الخيارات وقوائم الفحص، والمعايير الإنسان بدقة؟ بالرغم من كل شيء، نحن أكثر من مجرد مجموعة أعضاء (طبعًا، مع قليل من الاستثناءات). نحن
أكثر من مجرد طول ووزن وتوجه سياسي ودخل. يحكم علينا الآخرون على أساس الصفات العامة الجمالية والذاتية كطريقتنا في الكلام وروح الدعابة. ولكننا أيضًا
نتكون من حس باطني، نظرة عين، لمسة يد، صوت ضحكة، عقدة جبين - أي مجموعة صفات تفوق الوصف ولا يمكن الوقوف عليها بسهولة في قاعدة البيانات.
وتكمن المشكلة الأساسية في أن مواقع التعارف على الإنترنت تتعامل مع المستخدمين على أنهم بضائع للبحث أو كما لو كانوا كاميرات ديجيتال يمكن وصفها تمامًا
بقليل من الصفات مثل درجة الدقة وفتحة العدسات وحجم الذاكرة. لكن في الواقع، إذا ما اعتبرنا أزواج المستقبل المرتقبين "بضائع"، لكانوا أقرب مما يطلق عليه
الاقتصاديون مسمى "بضائع التجربة"، مثل تجارب العشاء والعطور والفن، لا يمكن تحليل الناس بسهولة وفعالية كما تتضمنه مواقع التعارف على الإنترنت.
وبشكل أساسي، فإن فهم ما يحدث في التعارف دون أخذ الفوارق الدقيقة للجاذبية والرومانسية في الاعتبار، شأنه شأن محاولة فهم كرة القدم الأمريكية بطريقة
تحليل الأسهم أو محاولة تحليل الأسهم بقواعد اللعبة التي تمارسها أو محاولة فهم كيف سيكون طعم الكعك بقراءة تعليمات الغذاء.
إذن، لماذا تطلب مواقع التعارف على الإنترنت من الأشخاص وصف أنفسهم وشريك الحياة المثالي طبقًا لسمات قابلة للقياس الكمي؟ أعتقد أنهم يعتمدون هذه
الطريقة لأنه من السهل نسبيًّا ترجمة كلمات مثل "ليبرالي"، "متحرر" " 5 أقدام، طول 8 بوصات"، "135 رطلًا"، "مناسب"، "محترف" إلى قاعدة بيانات بحثية.
لكن في ظل رغبتهم لجعل النظام متوافقًا مع ما تقوم به أجهزة الكمبيوتر بشكل جيد، هل تجبر مواقع التعارف على الإنترنت مفاهيمنا الغامضة كثيرًا بالنسبة
لشريك الحياة المثالي، لتتطابق مع العوامل المتغيرة البسيطة فتجعل النظام الكلي في أثناء ذلك أقل فائدة؟
للإجابة عن هذه الأسئلة، قمت أنا و "جيانا فروست" (طالبة دكتوراه سابقة في مختبر وسائل الإعلام بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، وحاليًّا مبادرة أعمال
اجتماعية) و "زوي تشانس" (طالبة دكتوراه بجامعة هارفارد) و "مايك نورتون" بعمل أول دراسة للتعارف على الإنترنت. قمنا بوضع إعلان على موقع للتعارف
يقــــول "انقــــر هنـــا للمشــاركة فــي دراســة معــهد ماســاتشوستس للتكنولوجيــا عــن التعــارف". وبعــد وقــت قليــل، جــاءنا كثــير مــن المشــاركين ليخبرونــا عــن تجاربــهم فــي
التعارف، أجابوا عن أسئلة بخصوص عدد الساعات التي قضوها في البحث عن الصفحات الشخصية بخصوص فرص التعارف المرتقبة (ومرة أخرى، استخدمنا
صفات بحثية كالطول ومستوى الدخل)، والوقت الذي قضوه في إجراء محادثات على الإنترنت مع من رأوا أنه يتمتع بمظهر حسن، وعدد المقابلات الشخصية التي
انتهوا إليها.
ووجــدنا أن الأشــخاص قضــوا 5.2 ســاعة كــل أسـبوع يبحثـون فـي الصـفحات الشـخصية، وقضـوا 6.7 سـاعة فـي إرسـال الرسـائل الإلكترونيـة كـل أسـبوع لشـريك الحيـاة
المرتقب، ليصبح المجموع ما يقرب من 12 ساعة في الأسبوع في عملية الاختيار وحدها. قد تسأل: ما نتيجة كل هذا؟ كشف الاستطلاع الذي أجريناه أن المشاركين
قضوا 1.8 ساعة أسبوعيًّا في مقابلة فعلية لشريك الحياة المرتقب، مما أثمر في الغالب عن مقابلة واحدة شبه محبطة في مقهى.
عند الحديث عن إخفاقات السوق، نجد أن النسبة أسوأ من 6: 1 تتحدث عن نفسها. تخيل أنك تقود سيارتك لمدة 6 ساعات حتى تقضي ساعة واحدة على الشاطئ
مع صديق لك (أو ما هو أسوأ من ذلك، مع شخص لا تعرفه حقًّا وغير متأكد من أن كليكما سيحب الآخر)، بالنظر لهذه الاحتمالات، تجد أنه من الصعب تفسير
سبب قضاء مثل هؤلاء الأشخاص وهم في كامل قواهم العقلية أوقاتهم عمدًا في التعارف على الإنترنت.
بالطبع قد تحاول أن تدافع عن ذلك بأن التعارف على الإنترنت هو متعة في حد ذاته - ربما مثل التسوق من خلال نوافذ العرض - لذلك قررنا أن نسأل أيضًا عن
هذا، طلبنا من متصفحي مواقع التعارف على الإنترنت أن يقوموا بمقارنة تجاربهم في التعارف على الإنترنت، والتعارف الشخصي أو مشاهدة فيلم في المنزل بدلًا
منهما.
واعتبر المشاركون أن التعارف الشخصي أكثر متعة من التعارف على الإنترنت. ثم خمن بماذا قيموا مشاهدة الفيلم؟ لا بد أنك خمنت ذلك، فقد كانوا على انفصال
تام عن التعارف على الإنترنت؛ حيث قالوا إنهم يفضلون الاستلقاء على الأريكة يشاهدون الفيلم ويتلقون إشعارات تفيد بوصول رسائل إلكترونية لهم.
إذن لقد بات واضحًا مبدئيًّا أن التعارف على الإنترنت ليس مرحًا كما نظن، في الحقيقة التعارف على الإنترنت هو تسمية خاطئة. قد يكون وصفًا أفضل لتجربة
التعارف على الإنترنت أن تقول: "البحث على الإنترنت وكتابة دعاية مبالغ فيها".
ما زلنا لم نعلم بعد من دراستنا ما إذا كان الجاني هو محاولة جعل الناس يقللون من السمات القابلة للبحث. لفحص هذه المسألة بشكل مباشر أكثر، قمنا
بــــإجراء دراســــة متابعــــة. فـــي هــذه المــرة، طلبنــا مــن رواد مــواقع التعــارف علــى الإنتــرنت أن يصــفوا الســمات والصــفات التــي اعتبروهــا أكثــر أهميــة عنــد اختيــار الشــريك
الرومانســي. ثــم أعطينــاهم قائمــة تحــوي خصــائص لمجموعــة مســتقلة مــن المســجلين (المســجل هــو مسـاعد بـاحث يصـنف ردود الأفعـال ذات النـهايات المفتوحـة وفـقًا
لمعايير محددة سلفًا)، طلبنا من المسجلين تصنيف كل رد فعل: هل تعد السمة سهلة البحث والقياس باستخدام خوارزمية الكمبيوتر (على سبيل المثال، الطول
والوزن ولون العين والشعر والمستوى التعليمي وغيرها)؟ أم أنها تجريبية ويصعب البحث عنها؟ (على سبيل المثال: الإعجاب بحلقات "مونتي بايثون" أو التعاطف
مــع المســتكشفين الــذهبيين؟) وأظــهرت النتـائج أن مرتـادي مـواقع التعـارف علـى الإنتـرنت كـانوا مـهتمين بالسـمات التجريبيـة بمقـدار ثلاثـة أمثـال اهتمامـهم بالسـمات
القابلة للبحث، ولقي هذا الميل صدى قويًّا لدى الأشخاص الذين يفضلون العلاقات طويلة الأجل عن العلاقات قصيرة الأجل، كما أظهرت نتائج دراساتنا مجتمعة
عن أن استخدام السمات القابلة للبحث للتعارف على الإنترنت أمرًا غير طبيعي، حتى بالنسبة للأشخاص الذين لهم خبرة طويلة مع التعارف على الإنترنت. للأسف
لا يبشــر هــذا بــالخير بالنســبة للتعــارف عــن طــريق الإنتــرنت، فمرتــادو مــواقع التعــارف علــى الإنتــرنت غــير متحمســين جــدًّا، فــهم يعتقــدون أن مســألة البحــث صـعبة
وتستغرق وقتًا طويلًا، وليست حدسية ولا توفر معلومات كافية. وأخيرًا لا يجد مرتادو مواقع التعارف على الإنترنت أي مرح في ذلك، إن وجدوا، وفي النهاية تجد
أن هؤلاء الأشخاص يبذلون جهدًا هائلًا في استخدام أداة ذات قدرة مشكوك فيها لتحقيق الغرض الأساسي منها.
التعارف من خلال الإنترنت يتخذ مسارًا منحرفًا:
قصة سكوت
فكر في أكثر الأشخاص نظامًا تعرفه، قد تعرف امرأة ترتب دولاب ملابسها وفقًا للموسم أو اللون أو الحجم أو أناقتها. أو من ناحية أخرى تأمل رجلًا مرنًا يقوم
بتقسيم مغسلته إلى أقسام مثل "يوم مضى"، "جيد للمنزل"، "جيد لصالة الألعاب الرياضية"، "كريه الرائحة". وما ينطبق على الناس جميعًا أنهم قد يكونون
مبدعين عندما يتعلق الأمر بمنهجة حياتهم لأفضل استخدام من ناحية السهولة والراحة.
التقيت ذات مرة طالبًا من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا تبنى طريقة استثنائية لفرز التواريخ المحتملة إلى فئات. كان هدف "سكوت" التوصل إلى المرأة المثالية،
واستخدم في ذلك نظامًا معقدًا ومضيعًا للوقت جدًّا لإنجاز هذا الهدف. كان يبحث كل يوم عن عشر نساء على الأقل على الإنترنت تتوفر فيهن هذه المعايير، ومن
بين السمات الأخرى كان يبحث عن سيدة ذات درجة جامعية وتمارس الرياضة وتتكلم بطلاقة لغة أخرى غير الإنجليزية. وبمجرد وصوله إلى مرشحات مؤهلات،
أرسل لهن رسائل مكونة من ثلاث استمارات، فيها مجموعة من الأسئلة عن نوع الموسيقى التي يحببنها وأين كانت مدارسهن وما كتبهن المفضلة وهكذا. وإذا ما
كانت إجاباتهن عن الأسئلة على النحو الذي يريده، كان يحولهن إلى المرحلة الثانية في عملية تصفية من أربع خطوات.
فــــي المرحلــــة الثانيــــة أرســــل "ســــكوت" رســـالة أخــرى باســتمارة تحــوي المزيــد مــن الأســئلة. مــرة أخــرى، انتقــل "ســكوت" إلــى المرحلــة الثالثــة حينمــا كــانت ردود الأســئلة
"صحيحة". في المرحلة الثالثة، كان على المرأة أن ترد على مكالمة هاتفية ترد فيها على مزيد من الأسئلة، إذا ما سارت المحادثة في المسار الصحيح، كان عليها الانتقال
إلى المرحلة الرابعة، وهي مقابلة لاحتساء فنجان من القهوة.
توصــل "ســكوت" إلــى نظــام محكـم لتعقـب تـاريخ زوجـات المسـتقبل المحتمـلات، وجمـع معلومـات عنـهن. ونظـرًا لأن "سـكوت" بـارع وقـادر علـى التحليـل، فقـد أدخـل
النتــــائج إلـــى جــدول أدرج فيــه اســم كــل امــرأة ومرحلــة العلاقــة ونتيجتــها التراكميــة، وذلــك وفــقًا لإجاباتــها عــن الأســئلة المختلفــة ومكانتــها الكليــة بوصــفها الشــريك
الرومانسي له. اعتقد "سكوت" أنه كلما أضاف عددًا أكثر من النساء إلى الجدول، زادت فرص وجود فتاة أحلامه. وكان "سكوت" منضبطًا جدًّا في هذه العملية.
بعد سنوات قليلة من البحث، احتسى "سكوت" مع "أنجيلا" كوبًا من القهوة. وبعدما قابلها، بات "سكوت" على يقين من أن "أنجيلا" مثالية من كل النواحي.
لقد أحرزت "أنجيلا" معايير "سكوت" التي كان يبحث عنها - بل وأكثر من ذلك، وعلى ما يبدو أنها أحبته. كان "سكوت" معجبًا بها للغاية.
شعر "سكوت" أنه لا داعي لنظامه المحكم من الآن فصاعدًا بعدما أدرك هدفه، لكنه لم يرغب في ضياع الأمر سدى. لقد علم أنني أجريت دراسات على التعارف عبر
الإنترنت، لذا جاء يومًا إلى مكتبي وقدم نفسه، شرح نظامه وقال إنه يمكن أن يفيدني في بحثي، ثم ناولني قرصًا مدمجًا يحوي كل المعلومات عن المسألة كلها بما في ذلك الرسائل التي تحوي الاستمارات والأسئلة وبالطبع البيانات عن كل المرشحات المؤهلات. كنت مندهشًا ومتوجسًا قليلًا لأنه جمع بيانات عن أكثر من 10
آلاف امرأة.
للأسف، على الرغم من أن ذلك ليس مستغربًا، انتهت هذه الحكاية نهاية غير سعيدة، فبعد ذلك بأسبوعين علمت أن محبوبة "سكوت" التي اختارها بصعوبة
قد رفضت الزواج منه، إضافة إلى أن جهوده المستميتة في منع أي أحد من الإفلات من قبضته، جعلته يقضي أوقاتًا أطول في هذه العملية لتقييم النساء؛ حيث لم
يتوافر له الوقت لفعل ذلك على أرض الواقع، وأصبح "سكوت" بدون أنيس.
لقد تبين أن "سكوت" قد أصبح أحد ضحايا سوق التعارف على الإنترنت المنحرفة.
تجارب عن التعارف الافتراضي
كانت النتائج الأولية لتجربتنا محبطة نوعًا ما، لكني من منطلق المتفائل ما زلت آمل أنني إذا ما استوعبت المشكلة بشكل أفضل، فإن بإمكاننا أن نتوصل إلى آليات
أفضل للتفاعل على الإنترنت. هل من طريقة لجعل التعارف على الإنترنت أكثر متعة وأفضل فرصًا لزيادة احتمالية إيجاد شريك الحياة المناسب؟
لقد عدنا خطوة إلى الوراء وتذكرنا عملية التعارف المعتادة والتي تبدو أنها طقوس غريبة ومعقدة والتي انخرط فيها معظمنا في وقت ما من حياته. من وجهة نظر
تطورية، نحن نتوقع أن تكون عملية التعارف مفيدة للأزواج المرتقبين ليتعرفوا على بعضهم البعض - وهذه هي الطريقة التي تم تجريبها وتطويرها عبر السنين.
وإذا كانت عملية التعارف التقليدية آلية جيدة أو على الأقل أفضلها حتى الآن، فلِمَ لا نستخدمها كنقطة بداية لما نسعى إليه من إيجاد تجربة أفضل للتعارف عبر
الإنترنت؟
إذا كنــت تفكــر فــي معرفــة كيفيـة نجـاح عمليـة التعـارف المثاليـة، فمـن الواضـح أنـها ليسـت تلـك التـي تكـون بـين اثنـين جالسـين مـعًا فـي مكـان واحـد ويـركزان فقـط علـى
بعضهما أو يتبادلان الاعتراض الحاد على الطقس البارد أو الممطر، لكنها تكون كذلك بالعيش معًا في تجربة ما كأن يشاهدا فيلمًا معًا أو يستمتعا بوجبة أو موعد
على حفلة عشاء أو زيارة متحف وهكذا، بمعنى آخر أن تكون عملية التعارف المثلى في جو يساعد على التفاعل. عندما تقابل شخصًا في افتتاح عمل فني أو حدث
رياضي أو حديقة حيوان، تجد أنه يتفاعل مع العالم الخارجي، فهل سيتعامل مثل هذا الشخص مع النادلة بشكل سيئ ولا يعطيها بقشيشًا أم أنه سيكون حليمًا
ومراعيًا لشعور الآخرين؟ إنما نجمع ملاحظات توفر لنا معلومات عن كيفية العيش في العالم الواقعي مع الطرف الآخر في العلاقة.
إذا افترضنا أن التطور الطبيعي للتعارف يكتنف حكمة أكثر من المهندسين في التناغم الإلكتروني، فقد قررنا أن نجرب بعض العوامل من التعارف الحقيقي في عملية
التعارف عبر الإنترنت. وعلى أمل أن نحاكي في ذلك طريقة تفاعل الناس في العالم الخارجي، قمنا بتدشين موقع بسيط واقعي للتعارف وأطلقنا عليه "جلسات
الدردشة" وهو عبارة عن بيئة افتراضية صممت بواسطة "فيرناندا فيجاس" و"جوديث دوناث" في مختبر معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا للإعلام. بعد دخول
الموقع يقوم المشاركون باختيار شكل (مربع، مثلث، دائرة، إلخ)، ولون (أحمر، أخضر، أصفر، أزرق، أرجواني، إلخ). فإذا ما أدخل، على سبيل المثال، دائرة حمراء
لــــذلك العــــالم الافتراضــــي، فــــيتعين علــــى المشــــارك بعــد ذلــك تحريــك المــاوس لاكتشــاف الأجســام التــي بــداخل الفــراغ. وتشــمل هــذه الأجســام صــورًا لأشــخاص ومــواد
كالأحذية ولقطات أفلام، وبعض الفن التجريدي، كما يتعين على المشاركين أيضًا رؤية أشكال أخرى تمثل مشاركين آخرين. عندما يقترب شكلان من بعضهما
البعض، فإنهما يبدآن محادثة نصية على الفور. بالتأكيد لا يمثل هذا الجو النطاق التام للتفاعل كالذي يحققه الشخص في العالم الحقيقي الخارجي في التعارف،
لكننا أردنا معرفة مدى فعالية التعارف الافتراضي الذي قمنا بتصميمه.
لقد أردنا أن تقوم الأشكال باستخدام صالات المحاكاة ليس فقط لإظهار نفسها، وإنما أيضًا لمناقشة الصور التي رأوها، وكما توقعنا فقد كانت نتيجة المناقشات
مشابهة إلى حد كبير لما يحدث في التعارف المعتاد. ("هل تحب الرسم؟" "ليس تمامًا، أنا أفضل الرسام هنري ماتيس").
لقد كان هدفنا الرئيسي مقارنة بيئة التعارف الافتراضية (فقيرة إلى حد ما) مع التعارف المثالي على الإنترنت، وتحقيقًا لهذه الغاية طلبنا من مجموعة من المشاركين
الشغوفين أن ينخرطوا في تجربة تعارف على الإنترنت مع طرف آخر (تطلبت هذه العملية القراءة عن الإحصاءات الحيوية النموذجية لشخص آخر، وإجابة أسئلة
عن أهداف العلاقة وكتابة مقال شخصي مفتوح والكتابة للطرف الآخر). كما طلبنا منهم أيضًا الاشتراك في تعارف افتراضي مع شخص مختلف (وتطلب هذا من
المشــاركين اســتكشاف المكــان مــعًا والنظـر إلـى صـور مختلفـة والقيـام بدردشـة نصـية مـع بعضـهم). وبعـدما قـابل كـل مـن المشـاركين أحـد الأشـخاص باسـتخدام عمليـة
التعارف المثالية على الإنترنت، وقابلوا آخرين في تجربة تعارف افتراضية، وكنا متأهبين لحسم الأمر.
لإعداد مرحلة المنافسة بين هذين الأسلوبين، قمنا بتنظيم حدث للتعارف السريع كالمبين في الفصل السابع "جذاب أم لا؟"؛ حيث تسنى للمشاركين مقابلة عدد
مــن النــاس وجــهًا لوجــه بمــا فــي ذلـك الشـخص الـذي قـابلوه فـي التعـارف الافتراضـي، وآخـر مـن سـيناريو التعـارف علـى الإنتـرنت، كـان هنـاك اختـلاف طفـيف بـين حـدث
التعــارف الســريع والتجربــة المثلــى بطريقــة أخــرى أيـضًا، وبعـد تفـاعل علـى المنضـدة اسـتغرق 4 دقـائق لكـل مشـارك، قـام المشـاركون بإجابـة الأسـئلة التاليـة بخصـوص
الشخص الذي التقوا به:
إلى أي مدى أحببت هذا الشخص؟
إلى أي مدى تعتقد بوجود تشابه بينكما؟
إلى أي مدى تجد هذا الشخص ممتعًا؟
إلى أي مدى تشعر بالراحة مع هذا الشخص؟
قام المشاركون بتسجيل كل سؤال على مقياس متدرج من 1 إلى 10؛ حيث يعني رقم 1 "كلا، على الإطلاق"، ويعني رقم 10 "جدًّا". كالمعتاد في أحداث التعارف
السريع، طلبنا منهم إخبارنا ما إذا كانوا يرغبون في مقابلة الطرف الآخر مرة أخرى في المستقبل.
والخلاصة، مرت التجربة بثلاث مراحل: الأولى: دخل كل مشارك في تجربتين للتعارف؛ إحداهما افتراضية والأخرى على الإنترنت. الثانية: دخل المشاركون تجارب
تعارف سريعة مع أشخاص عدة، بمن فيهم الذين تقابلوا معهم على الإنترنت وفي الواقع. (لم نخبرهم عن الأشخاص الذين قابلوهم من قبل وتركنا الأمر لهم
ليكتشفوا إن كانوا قد تقابوا من قبل أم لا). الثالثة: في نهاية كل تعارف سريع، أخبرونا عن وجهة نظرهم فيمن قابلوهم في التعارف عبر الإنترنت، وما إذا كانوا
يرغبون في مقابلة نفس هؤلاء الأشخاص في تعارف افتراضي. وقد أردنا من ذلك معرفة ما إذا كانت التجربة الأولى (سواء التعارف الافتراضي أو التعارف المعتاد على
الإنترنت) قادرة على جعل التعارف عبر الإنترنت أفضل.
وقــد توصــلنا إلــى أن كــلًّا مــن الرجــال والنســاء أحبــوا الطـرف الآخـر فـي التعـارف السـريع أكثـر ممـن التقـوه للمـرة الأولـى فـي التعـارف الافتراضـي. فـي الحقيقـة، لقـد كـانوا
معجبين بالتعارف الحقيقي بعد التعارف الافتراضي أكثر من إعجابهم به بعد التعارف المعتاد على الإنترنت.
لماذا كانت طريقة التعارف الافتراضية أكثر نجاحًا؟ أعتقد أن ذلك بسبب توافق البنية التحتية المستخدمة في عالم التعارف الافتراضي إلى حد كبير مع البنية الأخرى
الأقدم: أعني المخ البشري. في العالم الافتراضي كانت أحكام الأشخاص متماثلة عن التجارب وعن الأشخاص الذين نقابلهم في حياتنا اليومية، ولأن هذه الأحكام
متوافقة أكثر مع الطريقة التي نعالج بها المعلومات بشكل طبيعي في حياتنا الواقعية، نجد أن التفاعلات الافتراضية أكثر إفادة وتوفيرًا للمعلومات.
ولبيان ذلك، تخيل أنك رجل أعزب مهتم بمقابلة امرأة من أجل علاقة طويلة المدى وتخرج للعشاء مع امرأة تسمى "جانيت"، وهي امرأة صغيرة البنية، ذات شعر
وعينين بنيتي اللون، وابتسامتها جميلة، وتعزف على الكمان وتحب الأفلام ورقيقة في كلامها وربما تكون منطوية قليلًا، تقوم أنت بارتشاف بعض العصير وتسأل
نفسك: "إلى أي مدى أحبها؟"؛ بل وربما تسأل نفسك: "إلى أي مدى يمكن أن أرتبط بها في علاقة قصيرة، متوسطة أو طويلة الأجل في المستقبل؟".
ثم تخرج لمقابلة امرأة تسمى "جوليا" التي تختلف عن "جانيت" في أمور كثيرة، فـ "جوليا" أطول وأكثر انبساطية وحاصلة على ماجستير في إدارة الأعمال وضحكتها
ناعمة وتحب رحلات البحر، قد تحس أنك تحب "جانيت" أكثر من "جوليا" وأنك تحب قضاء وقت أكثر معها، لكنه ليس من السهل عليك معرفة السبب وراء
ذلك أو أن تعدد الفروق القليلة التي تجعلك تحبها، هل بسبب شكل جسمها؟ أم بسبب طريقة ابتسامتها؟ هل بسبب روح الدعابة لديها؟ إنك غير قادر على
تعيين الأمر الذي يجعلك تفضل "جانيت"، ولكن يعتريك شعور قوي داخلي تجاهها ** .
وعلاوة على ذلك، حتى إذا ما كانت "جوليا" و "جانيت" تتمتعان بروح الدعابة، فقد يرغب رجل في روح الدعابة ولا يرغب فيها رجل آخر، فالمعجبون بعروض
Three Stooges قد لا يكونون من المعجبين بسلسلة Flying Circus لـ "مونتي بايثون"، والمعجبون بـ "ديفيد ليترمان" قد لا يكونون من المعجبين بالمسلسل
الأمريكي
The Office . قد يقول أي من هؤلاء المعجبين بأن له روح دعابة، لكن عند تجربة شيء ما مع شخص، كمشاهدة برنامج "ساترداي نايت لايف" معًا حقيقة أو في العالم الافتراضي، يمكنك حينها فقط أن تقول بأن روح الدعابة لديكما متوافقتان.
في نهاية المطاف، يعتبر الأشخاص هم المرادف السوقي لمصطلح تجربة البضائع. بنفس الطريقة التي لا يمكن للمركب الكيميائي للبركولي، أو فطيرة الجوز مساعدتنا
على فهم أفضل لما يبدو عليه الطعم الأصلي لشيء ما، فإن تقسيم الناس حسب سماتهم الشخصية لا يجدي كثيرًا في فهم ما يمكن أن تكون عليه الأمور عند
قضاء أوقات مع هؤلاء الأشخاص أو العيش معهم. وهذا هو جوهر مشكلة السوق الذي يحاول أن يجعل الناس قائمة من السمات البحثية، بالرغم من أنه من
السهل أن تكتب أو تبحث عن كلمات مثل "لون العين: بني"، لكننا في الواقع لا ننظر إلى الشريك في الرومانسية أو نقيمه بهذه الطريقة، وهذا هو مكمن ميزة
التعارف الافتراضية، فإنها تسمح بمزيد من الوضوح والمغزى، وتتيح لنا استخدام نفس أنواع القرارات التي اعتدنا اتخاذها في حياتنا اليومية.
في النهاية، تشير نتائج أبحاثنا إلى أنه لا بد من صناعة سوق العزاب على الإنترنت وفقًا لقدرات الأشخاص فيما يستطيعون وما لا يستطيعون فعله، كما ينبغي
استخدام التكنولوجيا بطرق متطابقة مع ما نجيده فعلًا بشكل طبيعي ومساعدتنا في المهام التي لا تتناسب مع قدراتنا الفطرية.
?
تصميم مواقع إلكترونية لـ "هومر سيمبسون"
بــالرغم مــن تدشــين مــواقع التعــارف عــن طــريق الإنتــرنت، فـإنني أعتقـد أن اسـتمرار فشـل السـوق للـعزاب يعكـس أهميـة العلـوم الاجتماعيـة، مـع العلـم بـأني أرحـب
بالتعارف عن طريق الإنترنت تمامًا، إلا أني أعتقد أنه يجب القيام به بطريقة متوافقة أكثر مع الطاقة البشرية.
تــأمل مــا يلــي: عنـدما يصـمم المصـممون منتجـات حسـية كالأحـذية والأحزمـة والسـراويل والأكـواب والكراسـي ومـا إلـى ذلـك، تجـد أنـهم يضـعون فـي اعتبـارهم الحـدود
الجســدية للأشــخاص. فــهم يحــاولون تفــهم مــا يمكــن للإنســان فعلــه ومــا لا يمكنــه، ومــن ثــمَّ يصــنعون منتجــات نســتخدمها جمــيعًا فــي حيــاتنا اليوميــة (مــع وجـود
استثناءات ملموسة قليلة بالطبع).
لكن عند تصميم أشياء غير ملموسة مثل التأمين الصحي وخطط الادخار وخطط التقاعد وحتى مواقع التعارف عن طريق الإنترنت، تجدهم يتغاضون عن أشياء
أصيلة في الإنسان. ربما يكون هؤلاء المصممون متفائلين جدًّا بخصوص قدراتنا، فيبدو أنهم يعتقدون أننا مثل السيد "سبوك" العقلاني جدًّا في سلسلة حرب
النجوم . يعتقد المبدعون لمنتجاتنا وخدماتنا غير الملموسة أننا نعرف ما نريد تمامًا، ونستطيع حساب كل شيء، ونقارن جميع الخيارات، وأننا دائمًا نختار الأفضل
والمسار الأصوب في الحياة بالطبع.
لكــــن مــــاذا لــــو كنــــا - وهــــو الســــلوك الــــذي بينــــه الاقتصـــاديون عمــومًا، وكمــا تبــين لنــا مــن مســألة التعــارف علــى وجــه الخصــوص - محــدودين فــي فــهمنا واســتخدامنا
للمعلومات؟ وماذا لو كنا نشبه "هومر سمبسون" الخطاء الحقود ضعيف التمييز العاطفي والمتحيز أكثر من شبهنا للسيد سبوك؟ قد يبدو هذا الأمر محبطًا، لكن
إذا فهمنا حدودنا ووضعناها في الاعتبار لأمكننا صنع شيء أفضل بدءًا من المنتجات المبنية على المعلومات والخدمات كالتعارف على الإنترنت.
قد يكون تدشين موقع للتعارف على الإنترنت تجربة فكرية مضحكة بالنسبة لبشر يتسم بالعقل التام، لكن إذا أراد مصممو مثل هذه المواقع فعلًا عمل شيء مفيد
للأشخاص الطبيعيين - وإن كان عددهم محدودًا نوعًا ما - الذين يبحثون عن شريك الحياة، فعليهم أولًا تفهم حدود الإنسان واستخدامها كنقطة انطلاق في
تصميمهم. وعمومًا، فحتى البيئة الافتراضية للتعارف البسيط والمرتجل قد ضاعفت من احتمالات التعارف الشخصي تقريبًا. وهذا يشير إلى أنه ليس من الصعب
تمــامًا وضــع الإمكــانات البشــرية والضــعف فــي الاعتبـار، وأسـتطيع الـجزم بـأن مـوقع التعـارف علـى الإنتـرنت الـذي يجمـع بـين أهـداف الإنسـان المتوافقـة لـن يحـرز بـذلك
مكسبًا كبيرًا فقط، ولكنه أيضًا سيساعد على جمع الأشخاص المتوافقين الحقيقيين معًا.
بشكل عام، يقترح هذا الفحص لسوق التعارف على الإنترنت أن الأسواق قد تكون رائعة ومفيدة، ولكن إذا ما أردنا تحقيق الاستفادة القصوى منها، فما علينا إلا
تدشينها بشكل يتوافق مع إمكانات الأشخاص فيما يستطيعون وما لا يستطيعون القيام به.
"والآن، ماذا يفعل العزاب ونحن بانتظار مواقع أفضل للتعارف على الإنترنت؟".
كان هذا السؤال قد طرح عليَّ من جانب صديق صالح أراد مساعدة "سارة" - امرأة تعمل في مكتبه. لست أتقمص دور الخاطبة المؤهلة بالتأكيد، لكني في نهاية
الأمر أعتقد أنه بالفعل هناك قليل من الدروس الشخصية لنتعلمها من هذا البحث.
أولًا: بالنظر إلى النجاح النسبي لتجربة التعارف الافتراضية، فيتعين على "سارة" التفاعل مع تعارف افتراضي على الإنترنت بشكل أكثر قليلًا من التعارف العابر على
الإنترنت، قد يتعين على "سارة" الانخراط في آفاق من المحادثات الرومانسية عن أشياء تحب أن تراها وتفعلها. ثانيًا: قد يتعين عليها أن تخطو خطوة للأمام إلى
عالم التعارف الافتراضي عن طريق توجيه الشخص بإجراء دردشة معه بحيث تقوده إلى موقع ممتع تمامًا مثل التعارف الحقيقي ويقومان بتجريب شيء معًا. وإذا
مــا أرادت "ســارة"، فــإن بإمكانــها أن تطلــب منــه لعــب بعــض الألعــاب علــى الإنتــرنت معــها، واكتشــاف الآفــاق الجــديدة وحـل المشـكلات. يوفـر كـل هـذا تفـاهمًا أفضـل
ومعرفة كل منهما للآخر بدقة أكثر، الأمر الأكثر أهمية هو أنها ستفعل أشياء تستمتع بها، ومن ثمَّ تتمكن من معرفة المزيد عن توافقها مع الآخرين.
بين مواقع التعارف على الإنترنت وبين المنتجات والأسواق
في هذه الأثناء، علام يدل الفشل في سوق التعارف على الإنترنت بخصوص الإخفاقات الأخرى؟ بشكل أساسي يعد سوق التعارف على الإنترنت فشلًا لتصميم المنتج.
اســمحوا لــي أن أشــرح لكــم ذلــك، عنــدما يكــون هنــاك منتــج غــير مجــد بالنســبة لنــا، فإنــه حينئــذ يفقــد الغايــة المنشــودة منــه، تمـامًا كمـا تفعـل مـواقع التعـارف علـى
الإنترنت بمحاولة تقليص مكانة الإنسان في مجموعة كلمات وصفية فتفشل غالبًا في توفير شريك الحياة الحقيقي، كذلك فإن الشركات تصاب بخيبة أمل عندما لا
تستطيع ترجمة ما تطرحه في الأسواق إلى بضائع تتوافق مع الطريقة التي نفكر بها، ولنأخذ الكمبيوتر مثالًا على ذلك. معظمنا يرغب في كمبيوتر قوي وأداؤه سريع
ويساعد في إنجاز ما نريده، ولا نستطيع أن نتغاضى عن مسألة الرامات "الذاكرة العشوائية"، وسرعة المعالج أو سرعة الناقل (بالطبع، بعض الناس يهتمون حقًّا
بهذه الأشياء)، ولكن هذه هي الطريقة التي يصف بها المصنعون أجهزة الكمبيوتر، وهي لا تساعدنا حقًّا على استيعاب مدى فعالية التجربة مع كمبيوتر بعينه.
ومثــال آخــر علــى ذلــك هــو أن الآلات الحاســبة للتقاعــد عبــر الإنتــرنت قــد صــممت لمعرفــة المبلـغ الـذي يمكـن توفـيره مـن أجـل التقاعـد، بعـد إدخـال بيـانات عـن نفقـاتنا
الأساسية، تخبرنا الآلة الحاسبة بأننا نحتاج - على سبيل المثال - إلى 3.2 مليون دولار في حساب التقاعد الخاص بنا. للأسف، نحن لا نعلم ما نمط الحياة الذي
علينا العيش فيه بهذا المبلغ أو ما المتوقع إذا ما كان المبلغ 2.7 مليون دولار فقط أو 1.4 مليون دولار (ناهيك عن 540000 أو 206000 دولار). أم هل يكون مفيدًا أن
نتخيل ما يمكن أن تصير إليه الأمور إذا ما عاش الواحد منا مائة سنة، إذا كان لدينا في حساب مدخراتنا مبلغ قليل جدًّا عندما نبلغ السبعين. ببساطة، تخرج لنا
الآلة الحاسبة رقمًا (غالبًا ليس في متناولنا) لا يمكن ترجمته إلى أي شيء يمكن فهمه أو استيعابه، وبذلك لا تحفزنا تلك الآلة الحاسبة لمحاولة التوفير بمبالغ أكبر.
بــالمثل دعنــا نــر الطريقــة التــي تقــوم فيــها شــركات التــأمين بوصــف منتجاتــها فــي صــورة خصــومات وحــدود وأجــور مشــتركة. مـا الـذي يعنيـه هـذا إذا مـا انتـهى بنـا الأمـر
للحصول على علاج من مرض السرطان؟ ما الذي يمكن أن يسهم به "أقصى قدر من المسئولية" إذا ما أنفقنا من جيبنا جراء إصابتنا بحادث سيارة؟ هنا تجد القسط
السنوي الرائع الذي من المفترض أن يقيك من نفاد مالك إذا ما عشت إلى المائة عام. من الناحية النظرية، يعني شراء القسط السنوي أنك ستتلقى راتبًا شهريًّا مدى
الحياة (بشكل أساسي، الضمان الاجتماعي ما هو إلا نوع من نظام القسط السنوي). مبدئيًّا، للمعاشات مغزى كبير، لكن من الصعب جدًّا حساب مدى قيمتها
لنا. وعلى نحو أسوأ، يعتبر الأشخاص الذين يعملون في قطاع التأمين مثل باعة السيارات المستعملة البالية. (على الرغم من أني على علم بأن هناك استثناءات،
فإنني لم ألتق بأي من هؤلاء ولو مصادفة). إنهم يستفيدون من صعوبة تحديد مدى جدوى المعاشات لتحميل العملاء فوق طاقتهم، والنتيجة هي أن معظم
المعاشات ما هي إلا نوع من الاحتيال، فلا يعمل هذا السوق المهم جدًّا بشكل لائق على الإطلاق.
إذن، كيف يمكن أن تصبح الأسواق أكثر كفاءة وفاعلية؟ فيما يلي مثال بخصوص القروض الاجتماعية، دعنا نفترض أنك تحتاج لمال لشراء سيارة. قامت العديد
من الشركات في الآونة الأخيرة بإنشاء مؤسسات إقراض اجتماعية؛ حيث تتيح للأسر والأصدقاء الإقراض والاقتراض من بعضهم البعض مما يقطع الطريق على
السماسرة (البنوك) فتخرج بذلك من تلك المعادلة، وتقل المجازفة بعدم الدفع وتقدم معدلات فائدة أفضل لكل من الدائن والمدين. لا تخاطر الشركات التي تقوم
بإدارة هذه القروض وتتعامل مع الخدمات اللوجستية للقروض من وراء الكواليس، فالكل مستفيد ما عدا البنوك.
وخلاصــة القـول هـي إنـه حتـى عنـدما لا تقـدم الأسـواق مسـاعدة لنـا، فـلا نكـون حينـها عـاجزين تمـامًا، يمكننـا حـل المشـكلة عـن طـريق تبـين مـدى عـدم تقـديم السـوق
للمساعدة المرجوة منها ونخطو خطوات صوب الحد من المشكلة (بتصميم تجربة للتعارف الافتراضي أو إقراض المال للأقرباء، وما إلى ذلك). كما يمكننا أن نحل
المشكلة بطريقة أكثر عمومية ونتوصل إلى المنتجات التي صنعت بدقة لتلبية احتياجات الزبائن المرتقبين. للأسف، ولكن لحسن الحظ أيضًا، توجد فرص لمثل هذه
المنتجات المعدلة والخدمات في كل مكان.
* من الأرجح أن ميشيل قامت بالغش في وزنها وعمرها بالتأكيد. فالناس غالبا يميلون لذلك في التعارف عبر الإنترنت - فالرجال في العالم الافتراضي أطول وأغنى،
والنساء أنحف وأصغر عمرا عن نظائرهم في الواقع.
** إذا رغبــت فــي تجــريب هــذا لنفســك، اطلــب مــن عـدد قليـل مـن معـارفك وصـف أنفسـهم باسـتخدام أسـاليب التعـارف عـن طـريق الإنتـرنت (بـدون إعطـاء معلومـات
تحدد هويتهم). ثم، بناء على الصفحات الشخصية الخاص بهم، انظر من تستطيع إخباره بحبك له ومن لا تستطيع فعل ذلك معه.
الفصل 9
عن العاطفة والتعاطف
لماذا نستجيب لشخص يحتاج إلى المساعدة
وليس الذي يحتاج إلى المزيد
 
ليس من السهل على غالب الأمريكيين الذين عاصروا عام 1987 وهم كبار نسيان قصة "الطفلة جيسيكا". كانت "جيسيكا ماكلور" فتاة تبلغ ثمانية عشر شهرًا في
ميدلاند، تكساس، وكانت تلعب في الفناء الخلفي في منزل عمتها، فسقطت لأسفل مسافة 220 قدمًا في أحد المناجم. انحشرت في فجوة مظلمة تحت الأرض لمدة
58.5 ســاعة، لكــن التغطيــة الإعلاميــة الــدقيقة جعلتــها تبــدو كمــا لــو أن محنتــها قـد طـالت لمـدة أسـابيع. تكـاتف النـاس بسـبب المأسـاة؛ حـيث قـام عمـال الإنقـاذ بـآبار
البتـرول والجـيران والمراسـلون فـي ميـدلاند وكـذلك مشـاهدو التلفـاز حـول العـالم بوقفـة احتجاجيـة يوميـة. وقـد تـابع العـالم لحظـة بلحظـة سـير عمليـة الإنقـاذ، وكـان
هناك قلق شديد عندما علم المنقذون بانحشار القدم اليمنى لـ "جيسيكا" بين الصخور، وكانت هناك فرحة عالمية عندما قال العمال إنها شدت بإحدى الأغنيات تم
إنزالها إليها عن طريق مكبر صوت إلى داخل مدخل المنجم (خيار شيق بالنظر إلى الظروف المحيطة). وفي النهاية، كان الخلاص المثير للشجن عندما تم أخيرًا سحب
الفتاة الصغيرة من مدخل المنجم المحفور بشكل متواز بجهد.
تلقت أسرة مجلة "ماكلور" عقب عملية الإنقاذ أكثر من 700000 دولار تبرعًا لـ "جيسيكا". وقامت مجلتا فارايتي و بيبول بكتابة كثير من القصص عنها. وقد فاز
الكاتب "سكوت شو" من صحيفة أوديسا آمريكان بجائزة بوليتزر في عام 1988 لصورته عن الطفلة الملفوفة في يد أحد رجال الإنقاذ. وتم إنتاج فيلم تليفزيوني
بعنوان Everybody’s Baby: The rescue of Jessica McClure بطولة "بياو بريدجز" و "باتي ديوك" وكتب الأغاني "بوبي جورج داين" و "جيف روش"
وخلدوها في الثقافة الشعبية.
لقد عانت "جيسيكا" وعائلتها كثيرًا بالتأكيد، لكن في نهاية المطاف، لماذا حازت الطفلة "جيسيكا" تغطية إعلامية أكثر من الإبادة الجماعية في رواندا في عام 1994؛
حيث قتل فيها ببشاعة أكثر من 800000 شخص - بمن فيهم أطفال رضع - في غضون مائة يوم؟ ولماذا احترقت قلوبنا على الفتاة الصغيرة في تكساس أكثر من
تعاطفنا مع ضحايا القتل الجماعي والمجاعات في دارفور وزيمبابوي والكونغو؟ ولإيضاح السؤال أكثر، لماذا نقفز من على الكراسي ونكتب شيكات لإنقاذ شخص
واحد بينما لا يكون لدينا في الغالب وازع قوي لنفس التصرف في المآسي التي هي في الواقع أكثر وحشية ويقع العديد من الناس تحت طائلتها؟
إنــه موضــوع معقــد حــير الفلاســفة والمفكــرين والكتــاب وعلمــاء الاجتمــاع منـذ زمـن بعيـد. هنـاك العـديد مـن العوامـل التـي تسـهم فـي عـدم الاكتـراث العـام إزاء المآسـي
العظيمة، فهي تنطوي على قلة المعلومات لأن الحدث غير باد للعيان والعنصرية، وإن شئت فقل إن آلام مَنْ هم بمنأى عنا لا تكون كآلام الجيران، وهناك عامل
آخر مهم، يبدو أن الأمر يتعلق بالحجم الكبير للمأساة - وهو مفهوم عَبَّر عنه "جوزيف ستالين" دون غيره قائلًا: "يعد موت شخص واحد مأساة، لكن موت مليون
شخص أمر إحصائي". كما أن النقيض القطبي لـ "ستالين" - الأم "تيريزا" - كانت مثله تمامًا حين عَبَّرت عن نفس العاطفة بقولها: "إذا نظرت إلى العامة، لن أحرك
ساكنًا، وإذا نظرت إلى شخص واحد، سأقدم شيئًا". على الرغم من أن "ستالين" والأم "تيريزا" (وإن كان ذلك لأسباب مختلفة إلى حد كبير) اتفقا في هذا، فإنهما
كانا محقين بهذا الخصوص، وهذا يعني أنه بالرغم من حساسيتنا المفرطة إزاء معاناة شخص واحد فإننا غير مكترثين عمومًا (وبشكل مثير للإزعاج) إزاء معاناة
كثير من الناس.
هل يمكن تفسير الأمر بأننا نبالي أقل بخصوص أية مأساة عندما يزداد عدد المتألمين؟ كم هو شيء محزن وأود التنبيه على أن قراءة السطور التالية لن تكون مبهجة
- لكن كما هي الحال مع العديد من المشكلات الأخرى المتعلقة بالبشر، من الأهمية بمكان أن نعلم دوافع تصرفاتنا وسلوكنا.
تأثير الضحية المعروف
لنفهم بشكل أفضل سبب استجابتنا أكثر لمعاناة الأشخاص دون الجماعات، اسمحوا لي أن أحدثكم عن تجربة أجرتها "ديبورا سمول" (أستاذ في جامعة ولاية
بنسلفانيا) و "جورج لوينشتاين" و "بول سلوفيك" (مؤسس ورئيس مركز ديسيشن ريسيرتش). قام كل من "ديب" و "جورج" و "بول" بإعطاء المشاركين مبلغ 5
دولارات لإكمال بعض الاستبيانات. عندما استلم المشاركون المال، تم إبلاغهم بأن ثمة مشكلة تتعلق بنقص الطعام، وكم من المال المدفوع إليهم يمكنهم التبرع به
لمحاربة هذه الأزمة.
لا بد أنك توقعت أنه تم إعطاء المعلومات عن النقص في الغذاء لأناس مختلفين وبطرق مختلفة. قامت مجموعة وتسمى الحالة الاقتصادية، بقراءة التالي:
تأثر 3 ملايين طفل في مالاوي بنقص الغذاء، وأدت قلة سقوط الأمطار في زامبيا إلى انخفاض في إنتاج الذرة بنسبة 42% منذ عام 2000، ونتيجة لذلك يقدر عدد
الزامبيين الذين يعانون الجوع 3 ملايين شخص، واضطر 4 ملايين أنجولي (ثلث السكان) للفرار من ديارهم، وأكثر من 11 مليون شخص في أثيوبيا بحاجة لمساعدة
سريعة من الطعام.
ثــم سـمح للمشـاركين بـالتبرع بـجزء مـن الـدولارات الخمسـة لمؤسـسة خيريـة توفـر المسـاعدة بـالطعام. وقبـل أن أُكمـل، سـل نفسـك: "مـاذا لـو كنـت مكـان أحـد هـؤلاء
المشاركين، كم كنت سأدفع، على فرض أني سأدفع في الأساس؟".
وكانت المجموعة الثانية من المشاركين قد أطلق عليها "الحالة التعريفية"؛ حيث تم تقديم فتاة من مالي تدعى "روكيا" وعمرها سبعة أعوام وتعاني من مجاعة.
نظرت هذه المجموعة إلى صورة "روكيا" وقرأت الكلمات التالية (فيما يبدو أنها استغاثة من تم إرسالها بالبريد):
سوف تتغير حياتها للأفضل إذا ما تبرعت لها ماليًّا، فبمساعدتك ومساعدة الآخرين المهتمين، ستقوم مؤسسة "إنقاذ الأطفال" الخيرية بالاهتمام بعائلة "روكيا"
وباقي أفراد المجتمع للمساعدة في تقديم الطعام لها والرعاية الطبية الأساسية والتثقيف الصحي.
كمــا هــي الحــال فـي حالـة المرحلـة الإ حصـائية، تـم السـماح للمشـاركين فـي المرحلـة التعريفيـة بـالتبرع ببعـض أو كـل الـدولارات الخمسـة التـي حصـلوا عليـها للتـو. سـل
نفسك مرة أخرى: كم المبلغ الذي ستتبرع به استجابة لقصة "روكيا"، هل ستعطي مزيدًا من مالك مساعدة لـ "روكيا" أم لمحاربة المجاعة العامة في أفريقيا؟
لو كنت مكان أحد المشاركين في التجربة، فإن نسبة احتمالية تبرعك لـ "روكيا" ضعف احتمالية تبرعك لمحاربة الجوع العام (بلغ معدل التبرع في المرحلة الإحصائية
23% مما حصل عليه المشاركون، بينما بلغ المعدل في المرحلة التعريفية أكثر من ضعف هذه القيمة بنسبة 48%). وهذا هو جوهر ما يطلق عليه علماء الاجتماع
"تأثير الضحية المعروف": عندما يكون لدينا وجه أو صورة أو تفاصيل عن الشخص، فإننا حينها نشعر بمعاناته فنقوم بعد ذلك بمساعدته بالتصرفات والمال، ومع
ذلك إذا لم يتم شخصنة المعلومات فلا نجد تعاطفًا حيالها، ومن ثمَّ لا نسدي المساعدة ونفشل في التصرف.
لم يقدم تأثير الضحية المعروف مساعدة تذكر للمؤسسات الخيرية، بما فيها مؤسسة "إنقاذ الأطفال"، "مسيرة عشرات السنتات"، "أطفال العالم"، "المجتمع
الإنســــاني" وغيرهــــا مــــن المؤســسات. إنــهم يعلمــون أن المفتــاح الأســاسي لجيوبنــا يكمــن فــي العاطفــة، وأمثلــة الأشــخاص الــذين يعــانون إحــدى أفضــل الطــرق لتــأجيج
عواطفنا (الأمثلة الشخصية - العواطف - محافظ المال).
في رأيي، تقوم الجمعية الأمريكية للسرطان بدور هائل في تطبيق علم النفس الأساسي لتأثير الضحية المعروف، والجمعية لا تقدر فقط قيمة العاطفة، ولكنها
تعرف كيفية تأجيجها. كيف تقوم بذلك؟ ثمة أمر واحد هو أن كلمة "السرطان" في حد ذاتها تحوي صورة عاطفية قوية أكثر من الاسم العلمي له "تحول شاذ في
الخلايــا"، كمــا تســتخدم الجمعيــة أداة بلاغيــة بوصــف أي شــخص لــم يصــب بالســرطان بــــ "النــاجي" بصــرف النظـر عـن خطـورة الحالـة (وحتـى لـو كـان مـن المـرجح أن
الشخص سوف يموت قبل فترة طويلة من وصول السرطان لمراحله الأخيرة). كما أن كلمة معبأة بالعاطفة مثل "الناجي" تضيف تبعة أخرى على المسألة. فنحن لا
نستخدم هذه الكلمة - على سبيل المثال - فيما يتعلق بالربو أو هشاشة العظام. فعلى سبيل المثال، إذا ما بدأت مؤسسة الكلى الوطنية بتسمية أي أحد مصاب
بداء الفشل الكلوي بـ "الناجي من الفشل الكلوي"، ألن نجمع الكثير من المال لمحاربة هذا المرض الخطير جدًّا؟
وفوق كل ذلك، فإن منح لقب "الناجي" على أي شخص مصاب بالسرطان، يجعل من الممكن للجمعية الأمريكية للسرطان إنشاء شبكة واسعة ومتعاطفة جدًّا
من الأشخاص الذين لديهم مصلحة شخصية عميقة في الأمر، ويمكن أن تخلق مزيدًا من الاتصالات الشخصية مع الآخرين غير المصابين بهذا المرض. ومن خلال
العديد من سباقات الماراثون القائمة على الرعاة والمناسبات الخيرية، فإن الأشخاص الذين هم خلاف ذلك لا يكونون مرتبطين بشكل مباشر بالقضية ينتهي بهم
الأمر بالتبرع بالأموال ليس بالضرورة لأنهم مهتمون بأبحاث السرطان والوقاية منه، ولكن لأنهم يعرفون أحد الناجين من السرطان. فإن خوفهم وقلقهم على هذا الشخص يحثهم على بذل المال والوقت للجمعية الأمريكية للسرطان.
تأثير القرب، والوضوح،
"القطرة في الدلو"
تبين التجربة والحكايات التي نقلتها للتو أننا نبذل المال والوقت والجهد لمساعدة ضحايا محددين من الأشخاص، بينما لا نقدم أي مساعدة إذا ما كان الضحايا
ذوي أعداد كبيرة (ولنقل مثلًا مئات الألوف من الروانديين). لكن ترى ما سبب هذا النمط من السلوك؟ كما هو معهود في كثير من المشكلات الاجتماعية المعقدة،
يكمن هنا أيضًا العديد من العوامل النفسية المؤثرة، لكن قبل تناول هذه العوامل بشيء من التفصيل، لنجرب هذه التجربة الفكرية * :
تخيل أنك في كامبريدج، بولاية ماساتشوستس، تقوم بإجراء مقابلة لوظيفة طالما حلمت بها، ولديك متسع من الوقت قدره ساعة قبل هذه المقابلة، لذا فقد
قررت أن تخرج من الفندق ماشيًا إلى مكان إجراء المقابلة لترى معالم المدينة وتفكر بوضوح. عندما تمر على نهر تشارلز، تسمع صراخًا أسفل منك، تجد فتاة على
بُعد بضع أقدام فوق النهر تنادي وتطلب المساعدة وتستنشق الهواء بصعوبة، وأنت ترتدي ملابس جديدة وأنيقة لتلك المقابلة كلفتك قدرًا لا بأس به من المال -
ولنقــل مثــلًا 1000 دولار - وأنــت تجيــد الســباحة لكــن لا وقــت لــديك لتخلــع أيًّا مــن ملابســك لإنقــاذها. مــاذا أنـت فـاعل؟ لا يوجـد متسـع مـن الـوقت لإطالـة التفكـير،
فعليك القفز لتنقذها فتتلف البدلة الجديدة ويضيع عليك موعد مقابلة الوظيفة، ينبع قرار قفزك للنهر من حقيقة أنك رجل لطيف ورائع، لكن قد يكون ذلك
جزئيًّا بسبب ثلاثة عوامل نفسية ** :
أولًا: قربك من الضحية - وهو العامل الذي يطلق عليه الإخصائيون النفسيون "القرب". لا يتوقف القرب فقط على مجرد القرب الحسي، ولكنه يرجع إلى شعور
بالقرابة، وهذا يبدو وكأنك قريب من أقربائك أو أصدقائك في المحيط الاجتماعي أو الأشخاص الذين تشترك معهم في أمور متشابهة. بطبيعة الحال (والحمد لله)،
ليست معظم المآسي في العالم قريبة منا على المستوى الجسدي أو النفسي. فنحن لا نعلم معظم من يعانون شخصيًّا، ولذلك من الصعب الشعور بالتعاطف مع
آلامهم بشكل كبير كما قد نكون مع صديق أو قريب أو جار يعاني مشكلة. فللقرب تأثير فعال للغاية؛ حيث إننا نعطي مالًا لمساعدة جار لنا فَقَد منزله في زلزال ولو
على بُعد 3000 ميل.
العــامل الثــاني هــو مــا نطلــق عليــه الوضــوح، فلــو أخبرتــك أنــي جــرحت نفســي، فلــن تتصــور الصـورة الـذهنية التامـة ولـن تشـعر بمقـدار ألمـي، لكنـي إن وصـفت الجـرح
بالتفصيل بصوت باك وأخبرتك بمدى عمق الجرح ومدى الألم من الجلد المتمزق وكم الدماء التي تنزف مني، لكان عندك حينها صورة حية ولتعاطفت معي أكثر.
بالمثل، عندما ترى ضحية تغرق وتسمع صرخاتها وهي تقاوم في الماء البارد، تجد أنك تسارع إلى التصرف والمساعدة.
ومضاد الوضوح هو الغموض. فإذا أبلغك أحد أن ثمة شخصًا ما يغرق، ولكنك لا تراه أو تسمع صرخاته فلن تتحرك عواطفك. فالغموض هو كالنظر إلى صورة
للأرض مأخوذة من الفضاء، تستطيع رؤية شكل القارات ولون المحيطات الأزرق وسلاسل الجبال الشاهقة، لكنك لا تستطيع رؤية تفاصيل زحمة المرور والتلوث
والجريمة والحروب. فمن على بُعد، يبدو كل شيء هادئًا وجميلًا ولا نشعر برغبة في تغيير أي شيء.
النوع الثالث، هو ما يطلق عليه علماء النفس تأثير القطرة في الدلو، وهو يتعلق بإيمانك في قدرتك على مساعدة ضحايا المأساة لوحدك بكفاءة. لنأخذ مثالًا على
البلــدان الناميــة؛ حــيث يمــوت العــديد مــن النــاس بســبب المــاء الملــوث. أقصـى مـا يمكـن أحـدنا فعلـه هـو أن يـذهب إلـى هنـاك ويحفـر بـئرًا نظيفـة أو يؤسـس نظـامًا لميـاه
الشرب، لكن حتى هذه الاستجابة الفردية العظيمة لا يمكن أن تنقذ إلا أرواح القليل من الناس، ويظل معظم الباقين في حاجة ماسة للمساعدة. بالنظر إلى مثل
هذه الاحتياجات الكبيرة وما يمكننا حله شخصيًّا بقدر بسيط، قد يجد أحدنا نفسه في حالة تهدئة لعواطفه قائلًا: "ما المشكلة *** ؟".
لمعرفة مدى وكيفية تأثير هذه العوامل على سلوكك، اطرح على نفسك الأسئلة التالية: ماذا لو كانت تلك الفتاة التي تغرق تعيش بعيدًا عنك وأضيرت من إعصار
تســونامي وكــان بــإمكانك إنقــاذها مــن الكارثــة التــي ألمــت بــها بمبلــغ (أقــل بكثــير مــن مبلــغ 1000 دولار الــذي دفعتــه ثمــنًا للبــدلة) متواضــع جــدًّا؟ هـل كنـت "سـتقفز"
بالدولارات التي دفعتها ثمنًا للبدلة؟ ماذا لو كان الموقف يفتقر إلى توضيح الخطر المحدق بها؟ على سبيل المثال، دعنا نفترض أنها على خطر من الإصابة بالملاريا، هل
ســيكون عنــدك دافــع قــوي لمســاعدتها؟ ومــاذا لــو كــان هنــاك الكثــير والكثــير مــن الأطفــال ممــن يعــانون الإســهال أو مـرض الإيـدز (يوجـد بـالفعل)؟ هـل كنـت سـتشعر
بالإحباط من عدم قدرتك على حل المشكلة تمامًا؟ ما الذي قد يحدث لدوافعك حتى تقوم بالمساعدة؟
بالنســبة لــي كرجــل حــاذق، يمكــن أن أراهــن علـى أن رغبتـك فـي إنقـاذ العـديد مـن الأطفـال الـذين هـم علـى خطـر مـن الإصـابة بمـرض مـا فـي أمـاكن بعيـدة ليسـت كبـيرة
مقارنــة بالرغبــة فــي مســاعدة قـريب لـك أوصـديق أو جـار يمـوت مـن مـرض السـرطان. (حتـى لا تعتقـد أنـي أقسـو عليـك فـي هـذا الحكـم، فـأنا شـخصيًّا أتصـرف علـى هـذا
النحو في هذا الصدد). إن الأمر ليس له علاقة بكون المرء ذا قلب قاسٍ من عدمه، لكنه يتعلق بالجانب الإنساني. فعندما تكون هناك كارثة في مكان بعيد تتعلق
بأناس كثيرين فإننا نتعامل معها من على بُعد، بمعنى أن عاطفتنا نحوها تكون أقل. وعندما لا نستطيع رؤية التفاصيل الصغيرة، تكون حينها المعاناة غير واضحة
ونكون أقل شعورًا بها ولا نجد دافعًا قويًّا للتصرف حيال الأمر.
وإذا ما نظرت للأمر نظرة شاملة لوجدت أن الملايين من الناس حول العالم يموتون جوعًا أو بسبب الحروب أو الأمراض كل يوم، وبالرغم من حقيقة أننا نستطيع
الحصول على الكثير نظير المقابل القليل نسبيًّا، فإن الفضل يرجع إلى القرب والوضوح وتأثير القطرة في الدلو، وأن معظمنا لا يجهد نفسه كثيرًا في تقديم يد العون.
"توماس شيلينج" - الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد - أحسن صنعًا وفسر بوضوح الفارق بين الحياة على المستوى الشخصي، وبينها على المستوى الإحصائي،
فكتب يقول:
لنفترض أن فتاة تبلغ من العمر ستة أعوام، وذات شعر بني بحاجة لآلاف الدولارات لإجراء عملية من شأنها المساعدة في بقائها على قيد الحياة حتى رأس السنة،
وأن مكتــب البريــد ســيعج بــالطوابع فئــة الخمســة والعشــرة ســنتات مــن أجــل إنقــاذها. ولكــن هــب أنــه قــد تـم الإعـلان عـن أن هنـاك ضـريبة مبيعـات تحتاجـها مـرافق
مستشفى ماساتشوستس لئلا تتدهور مما يؤدي إلى زيادة ملحوظة في نسبة الوفيات التي يمكن تجنبها - فلن يذرف كثير منا عليها الدمع أو يخرج دفتر الشيكات
من جيبه17.
توضيح مدى إعاقة الفكر العقلاني للعاطفة
يطرح كل هذا الكلام عن العاطفة السؤال التالي: ماذا لو استطعنا جعل الناس أكثر عقلانية مثل السيد "سبوك" في سلسلة حرب النجوم ؟ ومع ذلك، كان
"سبوك" أكثر الناس إيمانًا بالواقعية، ونظرًا لجمعه بين الواقعية والحكمة فقد أدرك أنه من المعقول جدًّا مساعدة أكبر عدد ممكن من الناس والتصرف بشكل
يتناسب مع الحجم الحقيقي للمشكلة. هل عندما تكون المشاكل بعيدة عنا فإن ذلك يدفعنا لتقديم المزيد من المال لمكافحة الجوع على نطاق أوسع عن أن نقدم
المساعدة لـ "روكيا" الصغيرة؟
لاختبار ما يمكن حدوثه إذا فكر الناس بطريقة أكثر عقلانية ومدروسة، قام "ديب" و "جورج" و "بول" بتجربة أخرى مثيرة. في بداية هذه التجربة طلبوا من بعض
المشــاركين الإجابــة عــن الســؤال التــالي: "إذا اشــترت شــركة 15 جــهاز كمبــيوتر بمبلــغ 1200 دولار لكــل جــهاز، فكــم تــدفع الشـركة فيـها جمـيعًا؟". لـم يكـن هـذا سـؤالًا
حسابيًّا صعبًا فقد كان الغرض منه تأهيل (وهو المصطلح العام الذي يستخدمه إخصائيو الطب النفسي لوضع الناس في حالة عقلية خاصة ومؤقتة) المشاركين
حتى يفكروا بطريقة حسابية أكثر. وتم توجيه سؤال إلى المشاركين الآخرين وهو السؤال الذي من شأنه تأهيل عواطفهم: "عندما تسمع اسم "جورج دبليو. بوش"،
بماذا تشعر؟ فضلًا، اذكر كلمة واحدة لوصف الشعور الذي ينتابك حينها".
بعد الإجابة عن هذه الأسئلة الأولية، تم إعطاء معلومات للمشاركين عن "روكيا" كشخص (الحالة التعريفية) أو عن الوضع العام لمشكلة نقص الغذاء في أفريقيا
(الحالة الإحصائية). ثم تم سؤالهم عن كم المبلغ الذي يمكن أن يتبرعوا به لكل حالة. وأظهرت النتائج عن أن المشاركين الذي حدث لهم تأهيل عاطفي دفعوا مبالغ
أكثر في التبرع
لــــــ "روكيــــا" كحالــــة فرديــــة عـــن أولئــك الــذين تبــرعوا لمشــكلة نقــص الغــذاء (كمــا فــي التجربــة دون أي تــأهيل). ويوضــح التشــابه بــين النتــائج فــي حالــة تــأهيل المشــاركين
بـالعواطف وعـدم تأهيلـهم مطلـقًا، أنـه حتـى فـي حالـة عـدم تـأهيل المشـاركين عـاطفيًّا فإنـهم اعتمـدوا علـى مشـاعر الرحمـة لـديهم عنـد اتخـاذ قـرارات التبـرع (وهـذا هـو
السبب في أن إضافة عامل التأهيل لم يغير من الأمر شيئًا؛ فقد كان بالفعل جزءًا من عملية اتخاذ القرار).
وماذا عن المشاركين الذين تم إعدادهم ذهنيًّا للعملية الحسابية أو تم إعدادهم ليصبحوا مثل السيد "سبوك"؟ ربما تتوقع أن التفكير المدروس أكثر سيجعلهم
"يتوقفون" عن الانحياز تجاه "روكيا" ويساعدون عددًا أكبر من الناس. للأسف، أولئك الذين كانوا يفكرون بشكل أكثر عقلانية، كانوا بخلاء بشكل متساو بأن
قدموا مبالغ مالية قليلة متشابهة في كلتا الحالتين. بمعنى آخر، عندما يفكر الناس بعقلانية أكثر مثل "السيد سبوك"، تقل مظاهر الرحمة لديهم. ونتيجة لذلك،
أصــبح المشــاركون أقــل نزعــة للتبــرع سـواء لــ "روكيـا" أو لمشـكلة النقـص الغـذائي عمـومًا. (مـن وجـهة نظـر عقلانيـة، يبـدو هـذا الأمـر منطقـيًّا تمـامًا بـالطبع. فالشـخص العقلاني حقًّا هو عمومًا مَن لا ينفق أي مال على أي شيء أو أي شخص لا يعود عليه بنفع ملموس).
لقد كانت هذه النتائج محبطة للغاية، لكن كان هناك المزيد مما يدعو للإحباط. فقد كانت هناك حالة ثالثة للتجربة الأصلية التي قام بها "ديب" و "جورج" و
"بول" على تأثير الضحية المحدد - وهي الحالة التي تبرع فيها المشاركون لـ "روكيا" بمبلغ ضعف الذي تبرعوا به لمحاربة الجوع في العموم. في هذه المرحلة، تم توفير
معلومات للمشاركين عن "روكيا" وعن مشكلة الطعام في وقت واحد (دون أي تأهيل).
والآن حاول تخمين المبلغ الذي تبرع به المشاركون. كم المبلغ الذي تتوقع منهم التبرع به عندما علموا بشأن "روكيا" ومشكلة نقص الغذاء في الوقت نفسه؟ هل
تبرعوا بنفس المبلغ الكبير عندما علموا بخصوص "روكيا" فقط؟ أم هل تبرعوا بنفس المبلغ القليل عندما طرحت عليهم المشكلة بشكل إحصائي؟ أم كان الأمر وسطًا
بين هذا وذاك؟ بالنظر للأسلوب المحبط الذي يسير عليه هذا الفصل، فقد تتخيل نمط النتائج. لقد تبرع المشاركون في المرحلة المختلطة بنسبة 29% من دخلهم،
وهو أكثر بقليل من 23% التي تبرع بها المشاركون في المرحلة الإحصائية، ولكن أقل من ذلك بكثير من نسبة 48% التي تبرع بها المشاركون في حالة المرحلة الفردية.
ببساطة لقد اتضح أنه من الصعب جدًّا على المشاركين أن يفكروا في الحساب والمعلومات الإحصائية والأرقام وأن يشعروا بالعاطفة في الوقت نفسه.
وبالنظر إلى الأمر برمته، تبين هذه النتائج أمرًا محزنًا. فعندما يكون الأمر بصدد أشخاص بعينهم فإننا نسارع بالمساهمة، ولكننا لا نفعل ذلك عندما يتعلق الأمر
بأناس كثر. عملية الحساب الباهتة لا تزيد من اكتراثنا بشأن المشكلات الكبيرة، ولكنها على العكس تَحد من مشاعر الرحمة لدينا. لذلك، على الرغم من أن التفكير
العقلانــي يبــدو أنــه نصـيحة جيـدة لتحسـين قراراتنـا، فـإن التفكـير أكثـر مثـل "السـيد سـبوك" قـد يجعلنـا أقـل حـبًّا للآخـرين واكتـراثًا بـهم. وكمـا قـال الطبـيب والبـاحث
الشهير "ألبرت زينت-جورجي": "إنني أسهم بشكل كبير عندما أرى معاناة شخص واحد وقد أعرض حياتي للخطر لأجله، ثم أتكلم بشكل غير شخصي عن السحق
الممكن لمدننا عن طريق ملايين الموتى، لا أستطيع مضاعفة معاناة شخص واحد عن طريق الملايين".18
كيف ينبغي أن ننفق المال؟
قد يبدو من هذه التجارب أن أفضل حل عند اتخاذ خطوة عملية هو أن نفكر قليلًا ونستخدم مشاعرنا كدليل عند اتخاذ قرارات بشأن مساعدة الآخرين. لكن،
للأسف فإن الأمور في الحياة لا تسير على هذا النمط من السهولة. على الرغم من أننا أحيانًا لا نسارع بمد يد العون عندما يتحتم علينا ذلك، فإننا في أحيان أخرى
نتصرف نيابة عن المعاناة بينما يكون من غير المنطقي (أو على الأقل من غير اللائق) فعل ذلك.
على سبيل المثال، منذ عامين كان هناك كلبة بيضاء اللون، وعمرها عامان تسمى "فورجيا" قضت ثلاثة أسابيع وحدها على متن ناقلة في المحيط الهادئ بعدما ترك
الطــاقم الســفينة، كــانت "فورجيــا" حــقًّا جميلــة ولا تســتحق المــوت، لكــن لنـا أن نتسـاءل، فـي المخطـط الكبـير للأشـياء، مـا إذا كـان إنقـاذها يسـتحق أن نمضـي خمسـة
وعشــرين يــومًا فــي مــهمة إنقــاذ تكلفــت 48000 دولار مــن أمــوال دافعــي الضــرائب - وهــو مبلــغ كــان مــن الأفضــل أن يتــم إنفاقــه علــى أنــاس فــي عــوز شــديد. فــي نفـس
السياق، دعنا نسترجع حادثة تسرب النفط الكارثية من تحطم السفينة إكسون فالديز، كانت التقديرات لتنظيف وإعادة تأهيل كل واحد من الطيور حوالي 32000
دولار وحوالي 80000 دولار لإنقاذ كل ثعلب ماء19. من المؤكد أنه يشق على النفس كثيرًا رؤية معاناة كلب أو طائر أو ثعلب ماء. لكن هل الأمر فعلًا مجد لإنفاق
الكثير من المال على حيوان إذا كان في فعل ذلك إهدار لموارد أشياء أخرى مثل التطعيم والتعليم، والرعاية الصحية؟ إن اهتمامنا بحالات المعاناة الواضحة فقط، لا
يعني أن هذا التصرف من جهتنا يساعدنا دومًا على اتخاذ قرارات أفضل - حتى حينما نرغب في المساعدة.
بالرجوع مرة أخرى للجمعية الأمريكية للسرطان، فليس لديَّ اعتراض على الجهود الجيدة التي تقوم بها تلك الجمعية، وحتى لو كان الأمر من قبيل العمل من
جانبــها لــهنأتها علــى ســعة حيلتــها وتفـهمها لطبيعـة النفـس البشـرية ونجاحـها. لكـن بالنسـبة للمجـال غـير الـربحي، فـلا يزال هنـاك بعـض الغضـاضة علـى الجمعيـة
لنجاحــها المفــرط فــي الاســتحواذ علــى الــدعم الحماســي مــن العامــة والتفــريط فــي أمــور أخـرى هـي بنفـس درجـة الأهميـة (إن الجمعيـة ناجحـة جـدًّا فـي الجـهود المنظمـة
العديدة لمنع التبرعات لما يطلق عليه "أغنى جمعية غير ربحية في العالم"20). بمعنى أنه إذا لم يقم الأشخاص الذين يتبرعون للجمعية الأمريكية للسرطان بالتبرع
بمبالغ أكثر للجمعيات الخيرية المحاربة للسرطان، لتأثرت الجمعيات الأخرى بنجاح الجمعية الأمريكية.
?
 
للتفكير في مشكلة سوء توزيع الموارد بشكل أكثر عمومية، تأمل الشكل البياني في السابق.21 يبين الشكل المبالغ التي تم التبرع بها من أجل إنقاذ الضحايا في
الكوارث المختلفة (إعصار كاترينا، الهجمات الإرهابية في 11 سبتمبر 2001، تسونامي في آسيا والسل والإيدز والملاريا) وعدد الأشخاص الذين تأثروا بهذه الكوارث
بشكل مباشر.
يظهر الشكل البياني بوضوح أنه في هذه الحالات، قَلَّت مبالغ التبرع بزيادة أعداد الأشخاص الذين يعانون، كما يتضح أيضًا أنه تم التبرع بمبالغ كبيرة للكوارث
التي وقعت في أمريكا (إعصار كاترينا والهجمات الإرهابية 11 سبتمبر) أكثر من الكوارث التي وقعت في دول غير أمريكا مثل إعصار تسونامي. قد يكون مريبًا أكثر أن
نرى أن التصدي لأمراض مثل السل والإيدز والملاريا تلقت دعمًا أقل بكثير بالنظر إلى فداحة هذه المشكلات، قد يكون هذا بسبب أن التصدي مقتصر على إنقاذ الأشخاص الذين ليسوا في حالة خطر حتى هذا الوقت، فإن إنقاذ أناس افتراضيين من مرض مستقبلي محتمل أمر نظري جدًّا، وهدف بعيد من إصابة عواطفنا
لجعلنا متحفزين للتبرع.
تأمل مشكلة أخرى عويصة: إنها انبعاثات ثاني أكسيد الكربون وظاهرة الاحتباس الحراري. بصرف النظر عن قناعاتك الشخصية حيال هذا الأمر، فإن هذا النوع من
المشــكلات لــهو مــن أصــعبها ممــا يســتوجب اهتمــام النــاس. فــي الــواقع، إننــا إذا أردنـا اختـلاق مشـكلة مثاليـة مـن شـأنها إحـداث اختـلاف عـام، فقـد تكـون هـي مشـكلة
الاحتباس الحراري. فأولًا، لا يتوقف تأثير تغير المناخ على أولئك الذين يعيشون في الغرب، فمستويات المياه المتصاعدة في البحار والتلوث يمتد أثرها إلى بنجلاديش
وليس فقط الذين يعيشون في قلب أمريكا أو أوروبا. وثانيًّا: ليست المشكلة واضحة أو حتى ملموسة فنحن في العموم لا نرى انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون من
حولنا أو نشعر بتغير درجة الحرارة (ربما، إلا لأولئك المصابين بالسعال من ضباب لوس أنجلوس). ثالثًا: التغيرات غير المفاجئة والبطيئة نسبيًّا الناشئة عن ظاهرة
الاحتبــاس الحــراري تجعــل مــن الصــعب رؤيــة المشــكلة أو الشــعور بــها. رابــعًا: أي نتيجــة ســلبية ناشــئة عــن التغــير فــي المنــاخ لــن تكــن فوريـة، فـهي سـتحل بـالناس فـي
المستقبل البعيد (أو لن تحل بهم أبدًا كما يعتقد المتشككون في مسألة التغير المناخي). كل هذه الأسباب هي تفسير اعتماد فيلم An Inconvenient Truth لـ "آل
جور" بشكل كبير على الصور من الدببة القطبية وهي تغرق وصور حية أخرى؛ وكانت هذه هي طريقته في الاستفادة من مشاعرنا.
بــالطبع تعــد ظــاهرة الاحتبــاس الحــراري هـي الطفـل المـدلل لتـأثير القطـرة فـي الـدلو. قـد نتغاضـى عـن كـل هـذا، لكـن لـن يكـون لأي تصـرف مـن أي جـانب تـأثير جـاد علـى
المشكلة حتى إذا علمنا أن كثيرًا من الأشخاص الذين يحدثون تغييرات صغيرة يمكن أن يكون لهم تأثير جوهري. عندما تتصارع هذه العوامل النفسية مع رغباتنا في
اتخاذ موقف، فهل ثمة عجب من وجود عدد كبير من المشكلات الكبيرة والمتنامية من حولنا - مشكلات لا يمكنها بطبيعتها حفز مشاعرنا أو دوافعنا؟
كيف لنا أن نحل مشكلة الضحية الإحصائية؟
عندما أسأل طلابي عما يعتقدونه حافزًا لجعل الناس يقومون من مقاعدهم ويبادرون برد فعل بالتبرع أو الاحتجاج، فإنهم يجيبون كالتالي: "قد تكون أفضل
طريقــة لــذلك هــي توفــير معلومــات عــن حجــم وخطــورة الوضــع"، لكــن التجــارب المشــار إليــها ســابقًا توضـح أن الأمـر علـى خـلاف ذلـك، للأسـف يبـدو أن ثمـة خلـلًا مـا
بخصوص حدسنا عن العوامل التي تحفز السلوك الإنساني. إذا ما اتبعنا نصيحة طلابي وشرحنا الكوارث الناتجة عن المشكلات الكبيرة التي تؤثر على العديد من
الناس فعلى الأرجح لن يكون هناك ردود أفعال. في الواقع قد يحدث العكس ونقمع الاستجابة الرحيمة.
ويثير هذا سؤالًا مهمًّا: إذا ما تم تحفيزنا للقيام بتصرف ما بسبب معاناة شخصية، ونفقد الحس عندما تجاوز المشكلة حدود تصوراتنا، فما مدى الأمل الذي يكون
عندنا (أو عند الساسة) لحل المشكلات الإنسانية واسعة النطاق؟ بوضوح إننا لا نستطيع الجزم بأننا سنفعل الشيء الصحيح عندما تكون المشكلة التالية حتمية.
قد يكون جميلًا (أعلم أن استعمال كلمة جميل هنا قد لا يكون مناسبًا) أن تكون الكارثة القادمة مصحوبة فورًا بصور بيانية للأشخاص الذين يعانون كطفل يمكن
إنقاذه أو دب قطبي يغرق. لو توافرت مثل هذه الصور، لكان لها أن تحث مشاعرنا وتدفعنا لاتخاذ مواقف حيال الأمر، ولكن في كثير من الأحيان يتأخر ظهور صور
الكارثة (كما هي الحال في حالة رواندا) أو أنها تصف الأمر إحصائيًّا فضلًا عن المعاناة التعريفية (على سبيل المثال، حالة دارفور). وعندما تظهر هذه الصور المثيرة
للمشاعر في نهاية المطاف على الساحة العامة، قد تتأخر ردود الأفعال كثيرًا. بالنظر إلى كل الحواجز البشرية لحل المشكلات الكبيرة التي نواجهها، كيف يمكننا
التخلص من مشاعرنا اليائسة والعجز واللامبالاة في مواجهة مأساة كبيرة؟
يكمن أحد الحلول في اتباع نصيحة المدمنين: بمعنى أن الخطوة الأولى في التغلب على أي إدمان تكمن في تحديد المشكلة، إذا أدركنا أن الحجم الهائل للأزمة يتسبب
في جعلنا لا نكترث كثيرًا، فيمكننا أن نحاول تغيير الطريقة التي نفكر بها ونعالج المشكلات البشرية. على سبيل المثال، كان هناك زلزال هائل مدمر لإحدى المدن
وسمعت عن ألوف الناس من الضحايا الذين قتلوا تحت الأنقاض. حاول أن تفكر في مساعدة شخص واحد يعاني على سبيل التحديد كفتاة صغيرة تحلم أن تصبح
طبيبة وصبي رشيق في سن المراهقة ذي ابتسامة كبيرة وذي موهبة في كرة القدم، أو جدة تعمل بجد محاولة أن تربي طفل ابنتها التي ماتت. عندما نتخيل المشكلة
على هذا النحو، تتحرك مشاعرنا ثم نقرر ردود الأفعال التي يمكن اتخاذها. (وهذا هو أحد أسباب كون مذكرات "آن فرانك" مثيرة للمشاعر - إنها صورة لحياة
نفس واحدة فقدت من بين الملايين). يمكنك أيضًا إبطال مفعول تأثير القطرة في الدلو عن طريق إعادة هيكلة حجم المشكلة في عقلك. بدلًا من التفكير في مشكلة
الفقر الهائل، على سبيل المثال، فكر في أن تطعم خمسة أشخاص.
يمكننا أيضًا تغيير طرق التفكير لدينا ونتبع الطريقة التي جعلت الجمعية الأمريكية للسرطان ناجحة جدًّا في جمع الأموال، يمكن للتحيزات العاطفية لدينا أن
تفضل الأحداث القريبة والواضحة والاستثنائية. ويمكن لنا للعمل بمعنى أوسع أن تحفزنا لردود أفعال على نطاق أوسع. وإليك مثالًا عن الشعور النفسي بالقرب:
إذا أصيب أحد في العائلة بمرض السرطان أو تصلب الشرايين المتعدد، سيكون لدينا حافز لجمع المال لإجراء بحوث على هذا المرض بعينه. وحتى إذا كان هناك
شخص محبوب غير معلوم بذاته لنا، فيمكنه أن يحث مشاعر القرب فينا. فعلى سبيل المثال، عندما تم تشخيص مرض "باركنسون" عام 1991، قام "ميشيل
فوكس" بالضغط لأجل تمويل البحث وعمل جاهدًا لتثقيف الناس عن هذا المرض. وقد قام أولئك الأشخاص الذين أحبوا أفلامًا مثل Family Ties و Back to
the Future بالربط بين كلامه وأفعاله مما دفعهم للاهتمام بالمسألة. وعندما طلب "ميشيل جيه. فوكس" من الناس التبرع للمؤسسة، كان الأمر لا يبدو كثيرًا
على أنه لمصلحته الشخصية - لكنه بالتأكيد مؤثر تمامًا في جمع المال لمساعدة المصابين بمرض باركنسون.
هناك طريقة أخرى توجه سلوكنا وهي وضع القواعد. فإذا لم نثق في قلوبنا دومًا في قدرتها على توجيهنا للمسار الصحيح، فلعلنا نستفيد من وضع قواعد من
شأنها توجيهنا إلى المسار الصحيح للتصرفات حتى عندما لا تكون مشاعرنا متحفزة لأمر ما.
على سبيل المثال، هناك قاعدة في التراث لمقاومة تأثير القطرة في الدلو. لقد ورد في أحد كتب الحكمة القديمة: "من أنقذ حياة، فكأنما أنقذ العالم كله"22. وانطلاقًا
من هذا فقد يتغلب الشخص المتدين على الرغبة الطبيعية في عدم اتخاذ رد فعل حينما يكون أقصى شيء يمكن فعله هو حل جزء بسيط من المشكلة. علاوة على
ذلك فإن طريقة تعريف القانون ("فكأنما أنقذ العالم أجمع") تجعل من السهل تخيل أننا حتى بإنقاذ شخص واحد نستطيع حقًّا القيام بشيء تام وعظيم.
ينطبق المنهج نفسه على إيجاد مبادئ أخلاقية واضحة على الحالات التي ينسحب عليها المبادئ الإنسانية الواضحة. لنعد إلى ما حدث في مذبحة رواندا مرة أخرى،
فقــد كــان رد فعــل الأمــم المتحــدة بطـيئًا جـدًّا فـي إيقافـها أو التصـرف حيالـها، حتـى بـالرغم مـن أن ذلـك لا يقتضـي تـدخلات علـى مسـتويات بـارزة. (طلـب منـدوب الأمـم
المتحدة في المنطقة، "روميو دالير" - في الحقيقة - 5000 جنديّ لإيقاف هذه المذبحة، لكن تم رفض طلبه). بمرور الأعوام، نسمع عن المذابح والإبادة الجماعية في
العالم كله، ونتأخر غالبًا في تقديم المساعدة، لكن تخيل أن الأمم المتحدة قامت بسن قانون يفيد بأنه في كل مرة تتعرض حياة مجموعة ما من الناس للخطر (بناء
على رأي قائد قريب من الحدث مثل الجنرال "دالير")، فيتعين عليها فورًا إرسال قوة مراقبة لتلك المنطقة، وتطلب عقد اجتماع لمجلس الأمن تطلب فيه إصدار قرار
بشأن الإجراءات المزمع اتخاذها خلال الـ 48 ساعة المقبلة **** ، يمكن إنقاذ الكثير من الناس من خلال الالتزام بهذا التصرف السريع.
وهذا هو الدور الذي ينبغي على الحكومات والمنظمات غير الربحية أخذه في الاعتبار حال قيامهم بمهامهم. فمن السهل سياسيًّا على تلك المنظمات تجنب القضايا
التي تمس العامة، لكن غالبًا تلقى هذه القضايا دعمًا بالفعل، إنها القضايا غير الشخصية أو الاجتماعية أو السياسية التي لا تلقى دومًا الدعم الذي تحتاج إليه.
ويعد الاهتمام بالإجراءات الصحية الوقائية هو خير مثال على ذلك، فإنقاذ الأشخاص الذين لم يصابوا بأمراض بعد أو من لم يولد أساسًا لا يدعو للتحرك كإنقاذ
حيــاة دب قطبــي أو طفــل يتــيم، لأن المعــاناة المســتقبلية أمــر غــير ملمــوس. فبالــدخول إلــى أمــور لا يوجــد فيــها حــافز للمشــاعر لاتخــاذ مــواقف، تســتطيع الحكومــات
والمنظمات غير الحكومية إحداث فارق حقيقي في إصلاح الخلل وتقليل بعض المشكلات أو التخلص منها نهائيًّا على نحو مشجع.
بشكل أو بآخر، من المؤسف أن تكون الطريقة الوحيدة الفعالة لجعل الناس يتفاعلون مع المعاناة، هي من خلال الاستعانة بعامل المشاعر أكثر من القراءة الهادفة
للمعاناة الشديدة. فمن الواضح أننا نهتم كثيرًا بالأمور حينما تكون مشاعرنا في حالة تحفز. وحينما نضيف وجه شخص ما للمعاناة، فإننا نميل أكثر للمساعدة
حينــها ونتخطــى كثــيرًا توقعــات الاقتصــاديين مــن العوامــل العقلانيــة والأنانيــة والمــهولة. وبـالنظر إلـى المسـألة مـن كـل جوانبـها، فـإننا نعلـم أننـا لا نكتـرث بـالأمور ذات
الأهميــة الكبــرى أو التــي تحــدث بعيـدًا عنـا أو التـي تحـدث لأشـخاص لا نعرفـهم. وعنـدما نفـهم طبيعـة مشـاعرنا المتقلبـة وكيفيـة سـير نزعـات الرحمـة بـداخلنا، فربمـا
نستطيع حينها اتخاذ قرارات أكثر عقلانية ولا نساعد فقط الذين هم في أسفل البئر.
* تعتمد هذه التجربة على واحد من أمثلة بيتر سينجر في كتابه الذي بعنوان Famine , Affluence , and Morality ( 1972 ). ويوضح كتابه الأخير الذي بعنوان
The Life You Can Save هذه التجربة بعمق .
** على الرغم من وصفي لهذه العوامل الثلاثة (القرب والوضوح وتأثير القطرة في الدلو) بأنها منفصلة، فإنها في الواقع تعمل باتساق وليس من الواضح دائما
معرفة أي منها هو القوة المحركة.
*** ليس معنى هذا أن يقال إنه لا يوجد الكثير من الأشخاص الرائعين الذين يتبرعون بمالهم وأوقاتهم لمساعدة الغرباء في الأماكن البعيدة عنهم، ويعتمد هذا
فقط على القرب والوضوح وتأثير القطرة في الدلو.
**** ككل المنظمات السياسية، فإن الأمم المتحدة ضعيفة الشكيمة. فكل قرار فعلي لها يطعن عليه بحق الفيتو من جانب الدول الخمس ذات العضوية الدائمة في
مجلس الأمن. لكن عموما، قد تكون الأمم المتحدة قوة مؤثرة جدًّا في حل المشاكل العويصة حتى لو لم تكن مشاعر العامة متأججة.
الفصل 10
التأثيرات بعيدة المدى للانفعالات قصيرة المدى
لِمَاذا لا نتصرف طبقًا لمشاعرنا السلبية؟
المشاعر إلى زوال سواء أكانت سيئة أم جيدة. فالزحام المروري يضايقنا والهدية تسعدنا واستئصال إصبع في القدم يجعلنا ناقمين، لكننا لا نظل دومًا متضايقين أو
مسرورين أو منزعجين لفترة طويلة. ومع ذلك إذا ما كانت تصرفاتنا متهورة كرد فعل لمشاعرنا، فإننا سنندم على تصرفاتنا لوقت طويل، إذا أرسلنا بريدًا إلكترونيًّا
مغضبًا لرئيسنا في العمل أو قلنا شيئًا مؤلمًا لشخص نحبه أو اشترينا شيئًا لا نستطيع أداء ثمنه، فإننا نندم على ما فعلنا حالما يزول الدافع لتلك الأفعال، (وهذا
هو السبب في أن الحكمة تخبرنا دائمًا بأقوال مثل "تريث قبل اتخاذ القرار"، "قم بالعد حتى رقم عشرة"، "تريث حتى تهدأ" قبل اتخاذ أي قرار). عندما يحدونا
انفعال - خاصة الغضب - لاستخراج أقصى ما بداخلنا، فإننا ننتبه ونضرب بيدنا على جبهتنا ونسأل أنفسنا: "فيم كنت أفكر؟". في تلك اللحظة من وضوح الرؤية
والتفكير والندم، فإننا غالبًا ما نهدئ أنفسنا بأننا على الأقل لن نفعل ذلك ثانية.
لكن هل نستطيع حقًّا الانقياد بوضوح لتكرار التصرفات التي قمنا بها في أوج المشكلة؟
إلــيكم قصــة عنــي عنــدما فقــدت سـيطرتي علـى نفسـي. فـي أثنـاء عـامي الثـاني لـي كأسـتاذ مسـاعد متواضـع فـي معـهد ماسـاتشوستس للتكنولوجيـا، كنـت أدرس عمليـة
اتخاذ القرار لإحدى الفرق الجامعية. وقد كان المنهج جزءًا من تصميمات الأنظمة وبرنامج الإدارة، وكان شهادة مشتركة بين كلية سلون للإدارة وكلية الهندسة.
كان الطلاب فضوليين (بشتى الطرق) وقد استمتعت بالتدريس لهم، لكن يومًا ما تقريبًا في منتصف الفصل الدراسي، جاءني سبعة من الطلاب للحديث معي عن
تعارض في المواعيد.
كان الطلاب يدرسون علم المالية، وقام البروفيسور - الذي سأطلق عليه "بول" - بإلغاء العديد من محاضراته، وقام بعمل دورات حتى يعوض ذلك، ولسوء الحظ
تداخلت مع النصف الثاني لآخر ثلاث محاضرات دراسية لي. وأخبرني الطلاب بأنهم بكل أدب أخبروا البروفيسور "بول" بهذا التعارض، لكنه أخبرهم بازدراء بأنه
يتعين عليهم أن يراعوا أولوياتهم، عمومًا لقد صرح لهم قائلًا: "إن محاضرة واحدة عن علم المالية أكثر أهمية من محاضرات مقصورة على فئة قليلة عن علم
النفس في اتخاذ القرار".
بالطبع كنت متضايقًا. إنني لم أر "بول" أبدًا، لكني كنت أعلم أنه بروفيسور متميز وعميد سابق في الكلية، ونظرًا لضعف مستواي الأكاديمي، فلم يكن لديَّ نفوذ
ولم أدر ما أفعل. ولأنني كنت أريد أن أكون مفيدًا لطلابي قدر الإمكان، فقد قررت السماح لهم بمغادرة المحاضرة بعد الساعة الأولى والنصف حتى يذهبوا لمحاضرة
علم المالية على أن أعوضهم عن الجزء الباقي من المحاضرة في صباح اليوم التالي.
فــي الأســبوع الأول، قـام سـبعة مـن الطـلاب وغـادروا الحجـرة مـن المنتصـف، كمـا اتفقنـا علـى ذلـك. تقـابلنا فـي الـيوم التـالي فـي مكتبـي وأنـا أراجـع المـادة الدراسـية، كنـت
مســتاء بســبب المقاطعــة والعمــل الزائــد، لكنــي تفـهمت أنـه لـيس ذنـب الطـلاب، وأنـه اتفـاق محـدد. وفـي أثنـاء الأسـبوع الثـالث، عنـدما غـادرت مجموعـة مـن الطـلاب
لحضور محاضرة علم المالية، أعطيت باقي الطلاب راحة قصيرة، وأذكر غضبي بسبب المقاطعة عندما كنت أمشي تجاه المرحاض، رأيت في هذه اللحظة طلابي الذين
خرجوا من عندي من خلال باب مفتوح، اختلست النظر في الفصل فرأيت البروفيسور "بول" يلوح بإشارة مهينة في الهواء بيده.
شــعرت فجـأة بضـيق، فـهذا الشـخص المتـهور قـد تعـامل بـازدراء مـع وقتـي ووقـت طلابـي، والفضـل يعـود لاسـتخفافه الواضـح؛ حـيث إننـي قمـت بقضـاء وقـت أطـول
أحضر المادة العلمية لمحاضراتي التي لم أقم بإلغائها.
مــاذا أفعــل؟ متــأثرًا بشــعور الانتقــام داخلــي، توجــهت إليــه فــي حضــرة الطــلاب وقلــت لــه: "بــول، أنــا مســتاء جــدًّا لأنــك أعــددت محاضــراتك التعويضــية علــى حسـاب
محاضراتي".
نظر إليَّ متحيرًا ولم يكن يعلم مَن أنا ولا عما أتكلم.
قال لي بعجرفة: "أنا في منتصف محاضرتي".
فقلت له: "أعلم ذلك، لكني أردت أن أقول لك إن وضع محاضراتك التعويضية على حساب محاضراتي أمر غير لائق".
توقفت، ولا يزال هو يحاول معرفة مَن أنا.
تــابعت قــائلًا: "هــذا كــل مـا أردت قولـه، وقـد أردت إخبـارك عمـا أشـعر بـه بخصـوص ذلـك، ويمكـن نسـيان ذلـك وعـدم الحـديث عنـه مجـددًا"، اختتمـت كلامـي بـهذه
النهاية المهذبة وغادرت الحجرة.
وبمجرد المغادرة شعرت أني فعلت شيئًا ما كان ينبغي عليَّ فعله، لكني شعرت بتحسن مزاجي.
وفــــي تلــــك الليلــــة، تلقــــيت مكالمــــة هاتفيــــة مــــن "درازيــــن بريليـــك" وهــو أســتاذ جــامعي خبــير فــي نفــس القســم معــي وهــو أحــد الأســباب الرئيســية لتواجــدي فــي معــهد
ماساتشوستس للتكنولوجيا. وقد أخبرني بأن عميد الكلية "ديك شمالينزي" هاتفه وأخبره بما جرى، وسأله العميد عن مدى وجود أي احتمالية لاعتذاري على الملأ
أمام الكلية. فأخبرني "درازين" قائلًا: "لقد أخبرته ألا سبيل لذلك، وينبغي أن تنتظر مكالمة من العميد". وفجأة تذكرت عندما كنت صغيرًا واستدعيت لمكتب مدير
المدرسة.
وقد حدث فعلًا أن تلقيت مكالمة هاتفية من "ديك" في اليوم التالي، وكان عليَّ أن أجتمع معه في أقرب وقت بعد ذلك. أخبرني العميد قائلًا: "لقد كان بول غاضبًا
للغاية؛ فقد شعر بالتعدي عليه نظرًا لدخول أحد إلى قاعة المحاضرات ويواجهه أمام كل الطلاب، ويريدك أن تعتذر".
وعندما أخبرت العميد بالجزء الخاص بي من الأمر، علمت أنه ما كان ينبغي لي أن أدخل إلى قاعة المحاضرات الخاصة بالبروفيسور "بول" وأنا غاضب وأعاتبه،
لكني في الوقت نفسه توقعت من "بول" أن يعتذر إليَّ أيضًا لأنه قاطع محاضراتي ثلاث مرات. وبات جليًّا للعميد أنني لن أعتذر.
لقــد حــاولت أن أوضــح فائــدة هـذا المـوقف للعميـد قـائلًا لـه: "انظـر؛ إنـك كاقتصـادي تعلـم مـدى أهميـة السـمعة، وقـد أصـبحت لـديَّ سـمعة للانتصـار لنفسـي حينمـا
يعتدي عليَّ أحد، لذا فلن يفعل ذلك أحد مجددًا، وهذا يعني أنني لن أتعرض لهذا الموقف في المستقبل وهذا أمر جيد، أليس كذلك؟". لم يبد على وجهه أي تقدير
لطريقتي الإستراتيجية في التفكير، لكن على العكس فقد طلب مني أن أتحدث إلى "بول". (كان الحديث مع "بول" محبطًا لكلينا على حد سواء، إلا أنه أوضح أنني
أعاني نوعًا من العجز الاجتماعي، وقال إن عليَّ أن أتفهم قواعد التعامل واللياقة مع الناس).
هدفي الأول من رواية هذه الحكاية في العناد الأكاديمي هو الاعتراف بأنني أيضًا قد أتصرف بشكل غير لائق حينما أكون في أوج مشاعري (وسواء صدقت أم لا،
فلديَّ الكثير من الأمثلة على ذلك). وما هو أهم من ذلك، توضح القصة أمرًا أكثر أهمية وهو كيفية سريان مفعول الانفعالات. بالطبع كان بإمكاني التواصل مع
"بول" في بادئ الأمر عندما كان هناك تضارب في المواعيد، وأتحدث معه بخصوص الأمر؛ لكن ذلك لم يحدث. لماذا؟ من جهة لأنني لم أعلم ماذا أفعل في مثل هذا
الموقف، ولكن أيضًا لأنني لم أكترث بذلك كثيرًا، وبعيدًا عن انصراف الطلاب من محاضراتي ومجيئهم إلى مكتبي في صباح اليوم التالي للتنسيق بخصوص محاضرة
تعويضية، كنت مستغرقًا جدًّا في عملي، ولم أتذكر حتى "بول" ولا حتى فكرت في تضارب المواعيد بيننا، لكنني عندما رأيت طلابي يغادرون الفصل، تذكرت أنه
يتعين عليَّ أن أدرس لهم المزيد من المقرر في صباح اليوم التالي، ثم عندما رأيتهم في حجرة "بول"، أثار ذلك ثورة كاملة بداخلي، ساقتني انفعالاتي لتصرف ما كان
ينبغي عليَّ فعله، (كما أنه ينبغي عليَّ الاعتراف بأنني غالبًا ما أكون عنيدًا جدًّا بالنسبة للاعتذار).
الانفعالات والقرارات
في العموم يبدو أن الانفعالات تزول ولا تخلف أثرًا لها، على سبيل المثال، دعنا نفترض أن أحدًا قطع عليك الطريق في إشارة مرور بينما أنت ذاهب للعمل. ستشعر
بالغضـب، ولكنـك سـتأخذ نفـسًا عمـيقًا ولـن تفعـل شـيئًا، بعـد ذلـك بـوقت قليـل سـيبدأ ذهنـك ينشـغل بـالطريق وبالأغنيـة فـي الـراديو وبـالمطعم الـذي قـد تـذهب إليـه
مســاء ذلــك الــيوم. فــي مثــل تلــك الحــالات، هنــاك اتجــاه عــام فــي اتخـاذ القـرارات ("القـرارات" المبينـة فـي الشـكل التـالي) ولـيس للغضـب اللحظـي أي تـأثير علـى القـرارات
المماثلــــة المســــتقبلية. (القــــرارات الفرعيــــة علــــى كــــلا الصــــعيدين بالنســبة للانفعــالات فــي الشــكل المبــين أدنــاه تبــين ســرعة زوال الانفعــالات واســتقرار إســتراتيجية اتخــاذ
القرارات).
?
 
لكن "إدواردو أندريد" (أستاذ بجامعة كاليفورنيا في بيركلي) وأنا تساءلنا عما إذا كانت آثار الانفعالات لا تزال تؤثر على عملية اتخاذ القرارات في المستقبل البعيد
بعد زوال المشاعر الأصلية الناتجة عن قطع الإصبع أو السائق العنيف أو البروفيسور الظالم أو أي مضايقات أخرى نتعرض لها.
كانت وجهة نظرنا كالتالي: تخيل حدوث شيء من شأنه أن يجعلك سعيدًا ومعطاء - ولنقل على سبيل المثال، فوز فريقك المفضل ببطولة العالم. في ذلك اليوم
كنــت تتنــاول العشــاء فــي مــنزل حمــاتك، وبينمــا أنــت فــي هــذه الحالــة المزاجيــة العظيمــة، قــررت علــى نحــو متــهور أن تشـتري لـها زهـورًا. وبعـد شـهر، زالـت انفعـالاتك
الناجمة عن الفوز الكبير كما قل المال الذي في حوزتك. وقد حان الوقت لزيارة أخرى لحماتك، وتفكر في شيء جميل تفعله كزوج ابنتها. وتستشير ذاكرتك، فترى
ما صنعته في الزيارة الأخيرة بما اشتريته من زهور لها، لذا فتسارع بشراء زهور مرة أخرى، لقد كررت نفس الطقوس مرة تلو الأخرى حتى صارت عادة. (عمومًا
ليست هذه بالعادة السيئة التي تفعلها). على الرغم من أن السبب الكامن وراء تصرفك هذا في المرة الأولى (الإثارة بسبب المباراة) لم يعد موجودًا، إلا أنك جعلت
تصــرفك فــي الماضـي وحقيقـة كونـك زوج بنـت لطـيفًا (النـوع الـذي يشـتري لحماتـه زهـورًا) داعـيًا لمـا عليـك فعلـه فـي المـرات التاليـة. بـهذه الطريقـة تـؤدي تـأثيرات الانفعـال
الأولي إلى التأثير على سلسلة طويلة من قراراتك.
لماذا يحدث هذا؟ لأننا فقط نأخذ العظات من الآخرين في معرفة ما يجب أن نأكله ونلبسه، فإننا أيضًا ننظر إلى أنفسنا في المرآة الخلفية، عمومًا إذا كان من المرجح
أن نتبع أناسًا آخرين لا نعرفهم جيدًا (سلوك يطلق عليه اتباع عقلية القطيع)، فما مدى رجحان احتمالية اتباعنا لشخص نكن له احترامًا؟ إذا وجدنا أنفسنا نتخذ
قرارًا معينًا مرة واحدة، فنفترض على الفور أنها معقولة (كيف تكون غير ذلك؟)، لذا نقوم بتكرارها. ونحن نطلق على هذا النوع من العملية (الاتباع الذاتي لعقلية
القطيع)، لأنه يشبه الطريقة التي نتبع بها الآخرين ولكننا بدلًا من ذلك نتبع سلوكنا في الماضي * .
والآن لنر كيف تكون القرارات المصحوبة بالانفعالات طاقة للتكرار الذاتي لعقلية القطيع. هب أنك تعمل لصالح شركة استشارية، ومن بين مهامك الأخرى، تدير
أيضًا اجتماعًا أسبوعيًّا للموظفين. في صباح كل يوم إثنين تطلب من كل مدير مشروع أن يوافيك بالإنجازات في الأسبوع الماضي وأهداف الأسبوع اللاحق وهكذا.
عنــدما يقــوم كــل فــريق بتحــديث معلومــات المجموعــة، فــإنك تطمــح إلــى تحقــيق التــآزر بــين الــفِرق المختلفــة. ولكــن حــيث إن الاجتمــاع الأسـبوعي للموظفـين يعـد هـو
المناسبة الوحيدة للجميع للتواصل، فإنه غالبًا ما يصبح مكانًا للانخراط الاجتماعي والفكاهة (أو أي شيء يتم التندر به بين المستشارين).
وفي صباح أحد أيام الإثنين، تصل إلى المكتب مبكرًا بساعة، فأخذت تتصفح رسائلك المكتظة، اكتشفت أن آخر موعد لتسجيل ابنك في فصل صناعة الخزف قد فات.
أزعجك ذلك وأكثر من ذلك علمك أن زوجتك ستوبخك لنسيانك (وأنها لن تزال ستذكر ذلك في المستقبل في أي حوار بينكما)، وكل هذا يثير حالتك المزاجية.
بعد ذلك بدقائق قليلة، ما زلت متضايقًا جدًّا وذهبت إلى حجرة الاجتماعات لتجد الجميع يتكلمون في حالة سرور عن أشياء غير محددة، في الحقيقة أنت تعلم
أن بعضًا من لغو الكلام قد يكون لا بأس به من أجل بث الروح المعنوية في المكتب، لكن اليوم ليس يومًا عاديًّا، بسبب حالتك المزاجية السيئة، اتخذت قرارًا (لقد
كتبت كلمة " قرار " باللون القاتم تمييزًا لها عما سبقها لبيان العامل الانفعالي). بدلًا من افتتاح الاجتماع بقليل من المزاح بكآبة، قلت لهم: "أود الحديث عن
أهمية أن نكون أكثر فعالية ولا نضيع الوقت، الوقت هو المال". اختفت الابتسامات من وجوه الحضور لأنك تكلمهم عن أهمية الفعالية، ثم يسير الاجتماع ليتناول
أمورًا أخرى.
عندما ترجع إلى البيت في مساء ذلك اليوم، تجد أن زوجتك متفهمة للغاية، فهي لم توجه إليك لومًا، والأولاد لديهم أنشطة خارجة عن المنهج الدراسي بأي حال،
وتبدد كل قلقك الأصلي.
لكن الشيء المجهول بالنسبة لك، هو أن قرارك بإيقاف إضاعة الوقت في الاجتماعات كان له مثال سابق في سلوكك المستقبلي. وبما أنك (مثلنا جميعًا) من نوع من
الحيوانــات ذات الاتبــاع الــذاتي لعقليــة القطــيع، فــإنك تتخــذ ســلوكك فــي الماضــي كــدليل للاســترشاد، لــذلك فــإنك فــي اجتمــاعات الموظفــين اللاحقـة تقـوم بـإيقاف لغـو
الكلام، وتستغني عن المزاح وتخوض في صلب الموضوع. لقد مر وقت طويل على رد الانفعال الأصلي على آخر موعد، ولكن لا يزال قرارك يؤثر على أجواء
الاجتماعات وطريقتك في الكلام في أثنائها، وكذلك سلوكك كمدير لفترة طويلة.
في العالم المثالي، عليك أن تكون قادرًا على تذكر الحالة الانفعالية التي جعلتك تقرر التصرف كشخص أحمق، وأنه عليك إدراك أنك لست بحاجة للتمادي في مثل
هذا السلوك. لكن الحقيقة هي أننا
- نحن البشر - لدينا ذاكرة ضعيفة للغاية عن الحالات الانفعالية في الماضي (هل تتذكر شعورك يوم الأربعاء الماضي في الساعة 3.30 مساء؟)، لكننا نذكر التصرفات
التي فعلناها آنذاك، وهكذا نتخذ نفس القرارات (حتى عندما تكون مجرد قرارات ). بشكل أساسي، عندما نقرر التصرف طبقًا لانفعالاتنا، فإننا نتخذ حينها قرارات
قصيرة المدى من شأنها تغيير قراراتنا على المدى الطويل:
?
 
أطلقت أنا و "إدواردو" على هذه الفكرة اسم التتابع الانفعالي، لا أعلم ما ستطلقه أنت عليها، لكني أرى أن فكرة بقاء قراراتنا رهينة للانفعالات لفترة طويلة بعد
تبددها هو أمر مخيف في الواقع. علينا أن ندرك كم الاختيارات السيئة - القرارات التي اتخذناها في أوقات "عقلانية" ومحايدة، التي ما كان ينبغي اتخاذها أبدًا، كما
أن هناك أمرًا آخر علينا وضعه في الاعتبار تمامًا، وهو أن هذه التأثيرات الانفعالية قد تؤثر علينا لفترات طويلة.
لعبة الإنذار
لاختبار فكرة التتابع الانفعالي، كان عليَّ أنا و "إدواردو" فعل ثلاثة أشياء رئيسية. أولًا، إما أن نغضب الناس أو نسعدهم، تمهد هذه الخطوة الانفعالية المؤقتة
للجزء الثاني من تجربتنا، والتي فيها يتعين على المشاركين اتخاذ قرارات وهم تحت وطأة الانفعالات، ثم ننتظر حتى تهدأ مشاعرهم، ونجعلهم يتخذون قرارات
أخرى، ثم نقيس مدى تأثير الانفعالات الأولية على قراراتهم الأخيرة.
لقــــد جعلنــــا المشــــاركين يتخـــذون قراراتــهم كــجزء مــن إعــداد تجــريبي يطلــق عليــه علمــاء الاقتصــاد لعبــة الإنــذار وفيــها يشــترك لاعبــان: مرســل ومســتقبل. فــي معظــم
الإعدادات، يجلس اللاعبان بشكل منفصل؛ بحيث لا يعرف أي منهما كنه الآخر. تبدأ اللعبة حينما يعطي المختبر للمرسل بعض المال - ولنقل 20 دولارًا مثلًا. ثم
يقرر المرسل كيفية تقسيم هذا المبلغ بين نفسه وبين المستقبل، أي قسمة متاحة؛ فيمكن للمرسل تقسيم المبلغ بالنصف أو يقدم 8 دولارات ويحتفظ بـ 12 دولارًا
لنفسه، وإذا كان كريمًا فقد يعطي المستقبل 12 دولارًا ويترك لنفسه 8 دولارات، وإذا كان أنانيًّا فستكون القسمة متفاوتة للغاية بأن يعطيه دولارين ويحتفظ بـ 18
دولارًا أو حتى يعطيه دولارًا واحدًا ويحتفظ بـ 19 دولارًا لنفسه. عندما يعلن المرسل عن القسمة المقترحة، فما على المستقبل إلا أن يقبل أو يرفض العرض. وإذا ما قبل المستقبل العرض، فعلى كل لاعب الاحتفاظ بالمبلغ المحدد. وإذا رفض المستقبل العرض، يعود كل المال إلى المختبر، ولا يحصل أي من اللاعبين على أي شيء
من المال.
قبــل أن أصــف نســخة خاصــة مــن لعبـة الإنـذار، دعنـا نتـوقف لثـوان ونتـوقع مـا يمكـن حـدوثه إذا مـا كـان كـلا اللاعبـين قـد اتخـذ قـرارات عقلانيـة تمـامًا أم لا. تخيـل أن
المختبر أعطى المرسل 20 دولارًا وأنك المستقبل، من باب الجدل دعنا نفترض أن المرسل أعطاك دولارًا واحدًا واحتفظ بـ 19 دولارًا لنفسه؛ وحيث إنك شخص متعقل
جدًّا، فستقول لنفسك: "تبا، دولار واحد؛ وحيث إنني لا أعلم الشخص الآخر ومن غير المحتمل أن أقابله مرة أخرى، فلماذا أفعل شيئًا يضرني؟ سأقبل العرض
وأصبح أغنى بدولار على الأقل". هذا هو ما ينبغي عليك فعله طبقًا لقواعد علماء الاقتصاد العقلانيين بأن تقبل أي عرض يزيد من ثروتك.
بالطبع تظهر العديد من الدراسات في الاقتصاد السلوكي، أن الناس يتخذون قراراتهم بناء على الشعور بالإنصاف والعدالة. يغضب الناس بسبب الظلم. ونتيجة
لذلك، فإنهم يفضلون أن يخسروا المال حتى ينتقموا من الشخص الذي أعطى العرض الظالم (انظر الفصل الخامس). وبعد هذه النتائج، قياسًا على هذه النتائج،
فإن أبحاث التخيل العقلي بينت أن تلقي عروض ظالمة في لعبة الإنذار مرتبط بنشاط في الفص الدماغي الأمامي - وهو جزء من الدماغ مرتبط بالتجربة الانفعالية
الســلبية، لــيس هــذا فحســب، بــل إن الأشــخاص الــذين يتمتعــون بنشــاط أقــوى فــي الفــص الــدماغي الأمــامي (رد فعــل انفعـالي أقـوى) يغلـب عليـهم رفـض العـروض
الظالمة23.
نظرًا لأن ردود أفعالنا للعروض الظالمة أساسية جدًّا ويمكن التنبؤ بها، فإن المرسلين في العالم الحقيقي للقرارات العقلانية، لديهم اهتمام كبير أو قليل بشأن مدى
شــعور المســتقبلين بــهذه العــروض (علــى ســبيل المثــال، فكــر كــيف تتـوقع رد فعلـي إذا عرضـت علـيَّ 95:5 دولارًا). عمـومًا كلنـا مـر بتجـارب للعـروض الظالمـة فـي الماضـي،
ويمكن أن نتخيل أنها إهانة ومن ثمَّ نقول: "انس الأمر، فأنت جشع" إذا ما عرض شخص ما 19:1 دولارًا، وهذا الفهم للعروض الظالمة يجعل الناس يشعرون
ويسيئون التصرف وهو سبب إعطاء معظم الناس في لعبة الإنذار أجزاء مقاربة لـ 12:8 دولارًا، وقبولها في غالب الأحيان.
ولا بد أن نشير إلى أنه ما من استثناء واحد يذكر لهذه القاعدة العامة للاكتراث بشأن الإنصاف. لقد تدرب الاقتصاديون والطلاب الذين يدرسون علم الاقتصاد على
توقع تصرفات الناس العقلانية والأنانية، ولذلك عندما يلعبون لعبة الإنذار، فإن المرسلين الاقتصاديين يعتقدون أن الحل الأمثل هو عرض 19:1 دولارًا؛ وحيث
إنــهم متــدربون علــى أن التفكــير العقلانــي هــو أفضــل شــيء يمكــن فعلــه، فــإن المرســلين الاقتصــاديين يقبلــون العـرض، لكـن عنـدما يكـون الأمـر بـين الاقتصـاديين وغـير
الاقتصاديين، فإنهم يصابون بخيبة أمل عميقة عند رفض عروضهم المتفاوتة. استنادًا إلى هذه الاختلافات، فإني أشك في أنك تستطيع أن تفكر لنفسك في نوعية
الألعاب التي تريد لعبها مع الاقتصاديين العقلانيين جدًّا وأيها تفضل لعبها مع الأشخاص غير المتعقلين.
في لعبتنا الخاصة هذه، كان مبلغ البداية هو 10 دولارات، تم إعلام 200 من المشاركين أن المرسل هو مشارك آخر، لكن في الحقيقة جاءت القسمة المتفاوتة مني
ومــن "إدواردو" كــالتالي 7.50 دولار: 2.50 دولار (وقــد فعلنــا ذلــك للتأكــد مــن أن تكــون كــل العــروض متماثلــة حتــى وإن كــانت كلــها ظالمــة). والآن، إذا عــرض عليــك
شخص مجهول هذه الصفقة، هل ستأخذها؟ أم هل ستترك 2.50 دولار لتجعله يخسر 7.50 دولار؟ قبل أن تجيب، فكر في تغير رد فعلك إذا ما شحنت أفكارك
بانفعالات طارئة، كما يطلق عليها علماء النفس.
لنفترض أنك من المشاركين في مجموعة مرحلة الغضب، وتبدأ التجربة بمشاهدة مقطع فيديو من فيلم Life as a House . أدى "كيفن كلاين" دور المهندس
المعماري في الفيديو الذي تم طرده من رئيسه الغبي في العمل بعد فترة عمل استمرت 20 عامًا في الوظيفة. وما لا يمكن تخيله هو أنه أمسك مضرب الكرة وحطم
نماذج معمارية مصغرة جميلة لمنازل صممها للشركة - لا يسعك إلا أن تتعاطف معه.
بعد انتهاء مقطع الفيديو، يطلب منك المختبر تسجيل تجربة شخصية مشابهة للفيديو الذي شاهدته، قد تتذكر وقت المراهقة عندما كنت تعمل في محل بقالة
واتهمك الرئيس ظلمًا بسرقة مال من درج النقود أو المرة التي أخذ فيها شخص آخر في المكتب شرف المشروع الذي قمت أنت به. عندما أنهيت كتابة المتابعة (وبدأت
صرير الأسنان لديك لأن ذاكرتك تذكرت شيئًا غير سار)، تنتقل إلى الحجرة المقابلة؛ حيث تجد طالب دراسات عليا يشرح قواعد لعبة الإنذار، تجلس على مقعد
وتنتظر استلام عرضك من المرسل المجهول، بعد دقائق تستلم 2.50 دولار، فيتعين عليك الاختيار بين أن تقبل 2.50 دولار أو أن ترفضها ولا تأخذ شيئًا مطلقًا؟
وماذا عن شعورك بالراحة إذا ما انتقمت لنفسك من اللاعب الطماع الذي في الطرف الآخر؟
بدلًا من ذلك، تخيل أنك في المرحلة السعيدة، وكان المشاركون سعداء الحظ لأنهم بدأوا بمشاهدة مقطع من المسلسل التليفزيوني الفكاهي Friends . في هذا
المقطع ذي الخمس دقائق، تقوم مجموعة الأصدقاء باتخاذ قرارات العام الجديد والتي هي هزلية لدرجة أنه من المستحيل أن يحصلوا عليها (على سبيل المثال، قرر
"تشاندلر بينج" ألا يسخر من أصدقائه، لكنه سرعان ما نكث عن ذلك عندما علم أن "روس" يحاول التعرف على امرأة تدعى "إليزابيث هورنسوواغل"). مرة أخرى
بعدما شاهدت الفيديو، تقوم بكتابة تجربة شخصية مماثلة لكنها ليست مشكلة، فلَك أصدقاء أيضًا يحاولون الالتزام بالمستحيل وبالقرارات المسلية في كل عام
جديد، ثم تذهب إلى حجرة أخرى وتسمع تعليمات اللعبة وخلال دقيقة أو اثنتين يظهر العرض الخاص بك: "يحصل المستلم على 2.50 دولار، والمرسل يحصل
على 7.50 دولار". هل ستأخذها أم لا؟
كيف كانت ردود أفعال المشاركين لعروضنا في كل من هذه المراحل؟ كما قد تخمن، رفض العديد منهم العروض الظالمة بالرغم من أنهم ضحوا ببعض ما اكتسبوه
في العملية، لكن فيما يتعلق أكثر بالغرض من تجربتنا، وجدنا أن الأشخاص الذين أغضبهم مقطع الفيديو من فيلم Life as a House رفض غالبيتهم العروض
الظالمة أكثر من المشاركين الذين شاهدوا مسلسل Friends .
إذا تأملت تأثير الانفعالات في العموم، فقد يكون واضحًا جدًّا أننا ننتقم من أي شخص يظلمنا، لكن تجربتنا أوضحت أن رد الفعل الانتقامي لم ينشأ فقط من
العروض الظالمة، بل كان له أيضًا بقية من التأثير على الانفعالات المتبقية التي تستثار. عندما شاهد المشاركون مقاطع الفيديو وكتبوا عن تجاربهم الشخصية، كان
رد الفعــل للفــيلم تجربــة مختلفــة تمــامًا؛ حــيث لــم تتـرك تـأثيرًا علـى لعبـة الإنـذار، ومـع ذلـك لـم يكـن للانفعـالات غـير ذات الصـلة أهميـة، وذلـك لأنـها سـيطرت علـى
قرارات المشاركين في اللعبة.
بشــكل محتمــل، أســاء المشــاركون فــي مرحلــة الغضــب توصــيف سـبب انفعالاتـهم السـلبية، ربمـا فكـروا فـي شـيء مثـل "أشـعر حـقًّا بالضـيق الآن، ومـن المؤكـد أن ذلـك
بسبب العرض الخسيس، لذا فسأرفضه"، بنفس الطريقة أساء المتشاركون في المرحلة السعيدة توصيف سبب انفعالاتهم الإيجابية وربما فكروا في الأمر كما يلي:
"أشعر بالسعادة الآن، ولا بد أنه بسبب ذلك العرض المالي المجاني، فسوف أقبله"، وهكذا اتبعت كل مجموعة انفعالاتها غير ذات الصلة واتخذت قراراتها.
لقد أظهرت تجاربنا أن الانفعالات تؤثر علينا عن طريق تحويل القرارات إلى قرارات مهمة (لا توجد أخبار حقيقية هنا) وأنه حتى العواطف غير ذات الصلة يمكن أن
تخلق القرارات المهمة. لقد أردت أنا و"إدواردو" اختبار ما إذا كانت الانفعالات تستمر في تأثيرها حتى بعد زوالها، أردنا أن نكتشف ما إذا كانت القرارات الصادرة عن
المشاركين في حالة السعادة والغضب تأتي "تحت تأثير" أساس العادة على المدى الطويل. أهم جزء في تجاربنا سيأتي ذكره فيما يلي، لكن علينا الانتظار حتى ذلك
الوقت.
وهذا يعني أننا انتظرنا لبرهة حتى مضى وقت على تبدد الانفعالات الناجمة عن مشاهدة مقاطع الفيديو (تأكدنا من تبدد الانفعالات فعلًا) قبل تقديم المزيد من
العروض الظالمة للمشاركين. كيف كان رد فعل المشاركين الهادئين وغير المنفعلين؟ بالرغم من تبدد الانفعالات الناجمة عن مشاهدة مقاطع الفيديو، لاحظنا نفس
نمط القرارات عندما كانت الانفعالات موجودة وفعالة. فأولئك الذين كانوا غاضبين في البداية كرد فعل لعلاج المسكينة "كيفن كلاين" قد رفضوا العروض مرارًا
واتخذوا نفس القرارات حتى بعد تبدد انفعالات الغضب لديهم. أيضًا، هؤلاء الذين تسلوا بالموقف المضحك في فيديو مسلسل Friends قبلوا العروض مرارًا، وهم
فــي حالــة انفعــالات إيجابيـة، واتخـذوا نفـس القـرارات حتـى عنـدما تبـددت الانفعـالات الإيجابيـة. بوضـوح كـان المشـاركون يسـتدعون ذكريـات لعـب اللعبـة فيمـا مضـى
(عندما كانوا يستجيبون جزئيًّا لعواطفهم غير ذات الصلة) واتخذوا نفس القرار بالرغم من أنهم كانوا بعيدين عن الحالة الانفعالية الأصلية.
كيف نقود أنفسنا؟
لقد قررت أنا و "إدواردو" توسيع نطاق التجربة عن طريق عكس أدوار المشاركين حتى يقوموا بدور المرسلين أيضًا، كانت الخطوات كالتالي: أولًا: شاهد المشاركون
أحد الفيديوهات التي أدت إلى الانفعالات المطلوبة، ثم جعلناهم يلعبون اللعبة بتقمص دور المستقبلين (قاموا في هذه اللعبة باتخاذ قرارات متأثرة بالانفعالات
الناتجة عن مشاهدة مقاطع الفيديو) ويقبلون أو يرفضون عرضًا ظالمًا. بعد ذلك، جاء التأخير للسماح للانفعالات بالتبدد، وأخيرًا، كان أهم جزء في هذه التجربة،
لقد لعبوا لعبة إنذار أخرى، لكن في هذه الحالة كان دورهم هو المرسل وليس المستقبل، وفي دور المرسل، كان عليهم طرح أي عرض لمشارك آخر (المستقبل) - قد
يقبل العرض، وفي هذه الحالة كان على كل منهم إما الحصول على حصته المقترحة أو رفضها، وفي كلتا الحالتين لم يحصلوا على شيء.
لماذا نعكس الأدوار بهذه الطريقة؟ لأننا نأمل أنه بفعل ذلك نستطيع معرفة شيء عن كيفية تأثير الاتباع الذاتي لعقلية القطيع على قراراتنا على المدى البعيد بشكل
سحري.
دعنا نعد للوراء قليلًا ونفكر في طريقتين أساسيتين يعمل بهما الاتباع الذاتي لعقلية القطيع:
إصدار محدد: ينبع التكرار الذاتي من تذكر تصرفات معينة لنا في الماضي وتكريرها دون قصد ("لقد أحضرت زهورًا في آخر مرة ذهبت فيها إلى منزل أريلي، لذا
فسأفعل ذلك مجددًا"). هذا النوع من اتخاذ القرارات الذي يعتمد على الماضي يوفر وصفة بسيطة جدًّا للقرار - "افعل ما فعلت آخر مرة" - لكن ذلك ينطبق فقط
على المواقف المتماثلة.
النسخة العامة: طريقة أخرى للتكرار الذاتي يمكن التفكير بشأنها تشتمل على الطريقة التي ننظر بها إلى المواقف في الماضي كدليل عام لما يجب فعله في المستقبل،
واتباع نفس نمط السلوك الأساسي من الماضي، في هذه النسخة من التكرار الذاتي، حينما نتصرف بطريقة معينة، نتذكر أيضًا قراراتنا في الماضي، لكن هذه المرة بدلًا
من تكرار ما فعلناه في الماضي، يكون اتخاذنا للقرار بصورة أعم، بمعنى أنه يكون انعكاسًا لشخصية أحدنا العامة وما يفضله فتكون أفعالنا منساقة على هذا ("لقد
أعطــيت مــالًا لشــحاذ فــي الطــريق، لــذا مــن المؤكــد أنــي شــخص يكتــرث بــالآخرين، فــلا بــد أن أتطــوع فــي مطعــم الفقــراء"). فــي هــذا النــوع مــن التكــرار الــذاتي، نظرنـا إلـى
تصرفاتنا في الماضي لنرى طبيعتنا الشخصية في العموم، ومن ثمَّ نتصرف بناء على ذلك.
والآن لنفكر دقيقة في كيفية فهم أفضل لمسألة عكس هذه القاعدة بخصوص أي من نوعي التكرار الذاتي - سواء على المستوى العام أو الخاص - لعب دورًا أكثر
بــــروزًا فــــي تجربتنــــا. تخيــــل أنــــك مســــتقبل تحــــول إلــى مرســل، ربمــا ســتنظر إلــى معاملــة شــخصية "كــيفين كلايــن" علــى أنــها...، ثــم ضــربه للمنــازل الصــغيرة بمضــرب
البيسبول. ونتيجة لذلك، رفضت العرض الظالم. وبدلًا من ذلك، ربما تكون قد ضحكت كرد فعل على مقطع الفيديو من مسلسل Friends ومن ثمَّ قبلت
العرض غير المتساوي. على أي حال لقد فات الأوان، ولم تعد تشعر بالغضب أو السعادة الأولية الناجمة عن الفيديو، لكنك الآن في دورك الجديد كمرسل. (المثال
التالي يتسم بشيء من التعقيد، لذا استعد).
إذا كان الإصدار المحدد للتكرار الذاتي هو الذي يعمل في تجربتنا الأولى، فإنه في هذه النسخة من التجربة، لن تؤثر انفعالاتك الأولية كمستقبل على قرارك اللاحق
كمرسل. لماذا؟ لأنك كمرسل لا يمكنك الاعتماد على وصفة القرار التي تملي عليك أن تفعل ما فعلته في آخر مرة، عمومًا لم يسبق لك أن كنت مرسلًا من قبل، لذا
فإنك تنظر إلى الموقف نظرة مختلفة وتتخذ نوعًا جديدًا من القرارات.
مــن ناحيــة أخــرى، إذا كــانت النســخة العامــة للتكــرار الــذاتي تعمــل وكنــت فــي مرحلــة الغضــب، ربمــا تقــول لنفســك: "عنــدما كنــت فــي الطــرف الآخــر، كنــت متضـايقًا
ورفضت قسمة 7.5:2.5 دولار لأنها كانت ظالمة". (بمعنى آخر: لقد وصفت الحافز لديك بشكل خاطئ إلى رفض العرض لكونه ظالمًا وليس لكونك غاضبًا). قد تستمر
وتقول لنفسك: "إن الشخص الذي أرسل إليه العرض هذه المرة قد يكون مثلي، فقد يرفض هذا العرض الظالم مثلما فعلت أنا، لذا لعلي أعطيه عرضًا أكثر عدلًا -
عرضًا كنت أنا سأقبله لو كنت مكانه".
بدلًا من ذلك، لو كنت قد شاهدت فيلم Friends ، وقبلت بذلك العرض المتفاوت (مرة أخرى، سوء توصيف رد فعلك للعرض وليس لمقطع الفيديو). بصفتك
مرســلًا، قــد تفكــر الآن وتقــول: "لقــد قبلــت تقســيمة 7.5: 2.5 دولار لأنـي شـعرت أنـه لا بـأس بـها، فالشـخص الـذي أرسـل إليـه العـرض هـذه المـرة قـد يكـون مثلـي ومـن
المحتمل أن يقبل العرض، لذا سأعطيه نفس القسمة 7.5: 2.5". قد يكون هذا مثالًا على آلية التكرار الذاتي العام: أي تذكر أفعالك ونسبتها إلى مبدأ أكثر عمومية
واتباع نفس الطريق. بل إنك قد تفترض أن نظيرك سيتصرف على نفس النحو مثلك.
لقد رجحت نتائج تجاربنا النسخة العامة للتكرار الذاتي. لقد كان للانفعالات الأولية تأثير على المدى الطويل. وحتى عند عكس الأدوار، فقد عرض المرسل الذي كان
في مرحلة الغضب في البداية قسمة عادلة للمستلم، بينما عرض أولئك الذين كانوا في المرحلة السعيدة عروضًا أكثر ظلمًا.
بعيدًا عن التأثيرات الخاصة للانفعالات على القرارات، توضح نتائج هذه التجارب أن التكرار الذاتي العام يلعب في الغالب دورًا كبيرًا في حياتنا، إذا كان الأمر هو
مجرد الإصدار المحدد للتكرار الذاتي المؤثر، فإن تأثيره يكون مقتصرًا على أنواع القرارات التي نتخذها مرارًا وتكرارًا، لكن تأثير النسخة العامة للتكرار الذاتي يوضح أن
القرارات التي نتخذها استنادًا إلى انفعالات لحظية يمكنها أيضًا أن تؤثر على الخيارات والقرارات ذات الصلة في مجالات أخرى لوقت طويل حتى بعد اتخاذ القرار
الأصلي، وهذا يعني أننا عندما نكون بصدد مواقف جديدة وعلى وشك اتخاذ قرارات يمكن استخدامها لاحقًا للتكرار الذاتي، فلا بد أن نكون على حذر تام لاتخاذ
أفضل الخيارات الممكنة. لا تؤثر قراراتنا الحالية فقط على ما يحدث في الوقت الراهن، لكنها قد تؤثر على تسلسل طويل لقرارات تتعلق بها في المستقبل البعيد لنا.
لا تعترض عليه
لقد أخذنا مسألة اختلاف النوع في الاعتبار في كل تجاربنا تقريبًا، لكن نادرًا ما وجدنا أي فارق.
وهذا بالطبع لا يرجع لعدم وجود أي فروق بين الجنسين عند اتخاذ القرارات، إنما أعتقد أن هذا يرجع إلى الأنواع الرئيسية جدًّا للقرارات (كما في أغلب القرارات
التي تقوم الدراسة عليها)، لا يلعب النوع دورًا كبيرًا، لكني لا أعتقد أني عندما أفحص أنواعًا أكثر تعقيدًا من القرارات أننا سنرى تغيرات في النوع.
على سبيل المثال، عندما جعلنا الموقف أكثر تعقيدًا في تجربة لعبة الإنذار، وجدنا اختلافًا مثيرًا في الطريقة التي يتعامل بها الرجال والنساء مع العروض الظالمة.
تخيل أنك تلعب دور المستقبل في اللعبة وقد عرض عليك عرض ظالم بنسبة 16: 4 دولارات. كما في الألعاب الأخرى، يمكن أن تقبل العرض وتأخذ 4 دولارات
(بينما يأخذ نظيرك 16 دولارًا) أو يمكن أن ترفض ذلك. في أي من الحالتين ستحصل أنت واللاعب الآخر على 0 دولار، لكن بالإضافة إلى هذين الخيارين، لديك
صفقة من اثنتين لتختار من بينهما:
1. يمكن أن تأخذ 3:3 دولار مما يعني أن كليكما قد حصل على أقل من العرض الأصلي لكن خسارة المرسل أكثر، (نظرًا لأن القسمة الأصلية 16: 4 دولارات، فذلك
يعني أنك تتنازل عن 1 دولار لكن نظيرك سيخسر 13 دولارًا). أيضًا بالدخول في هذا العرض 3:3 دولارات، فأنت تلقن الشخص الآخر درسًا عن العدل.
2. يمكن أن تأخذ 0: 3 دولارات مما يعني أنك تحصل على 3 دولارات (أقل من العرض الأصلي بدولار واحد) لكنك تعاقب المرسل بـ 0 دولار، ومن ثمَّ فأنت تبين
للشخص مدى الشعور بالنهاية السيئة من العرض.
ما الذي توصلنا إليه بخصوص الفروق بين النوعين؟ عمومًا تبين أن الرجال كانوا على استعداد لقبول العروض الظالمة أكثر من النساء بنسبة 50% في كلتا الحالتين
- مرحلة السعادة ومرحلة الغضب. كان الأمر أكثر تشويقًا عندما نظرنا إلى البدائل في العروض التي أخذها المشاركون (3:3 دولارات أو 0: 3 دولارات). ففي مرحلة
السعادة لا يوجد فارق كبير. فالنساء لديهن ميل أكبر نسبيًّا لاختيار عرض 3:3 دولارات، ولم يكن هناك اختلاف بين النوعين في الميل لاختيار عرض الـ 0: 3 دولارات
على سبيل الانتقام، لكن الأمور تغيرت بشكل كبير مع المشاركين الذين شاهدوا مقطع الفيديو من فيلم Life as a House ثم كتبوا عن مواقف مشابهة في
حياتهم. ففي حالة الغضب، اختارت النساء عرض الـ 3:3 دولارات بينما اختار معظم الرجال العرض الانتقامي 0: 3 دولارات.
بالنظر إلى الأمر من كل الجوانب، توضح هذه النتائج أن النساء يملن أكثر لرفض العروض الظالمة، إلا أن الدوافع لديهن أكثر إيجابية في الأساس. عندما اختارت
النساء عرض الـ 3:3 دولارات عن الـ 0: 3 دولارات؛ إنما أردن بذلك تلقين الطرف الآخر النظير درسًا عن المساواة والعدل، ومن باب ضرب المثل بالقدوة، فقد أخبرن
الطرف الآخر أساسًا أن "أليس من الأفضل الحصول على قسمة متساوية من المال؟". وعلى نحو مخالف، اختار الرجال عرض الـ 0: 3 دولارات عن الـ 3:3 دولارات
وكأنهم يقولون للطرف الآخر: "تبا لك".
هل تستطيع التجديف؟
مــا الــذي نتعلمــه مـن كـل هـذا؟ يتضـح لنـا أن الانفعـالات تؤثـر بسـهولة علـى القـرارات حتـى عنـدما لا يكـون للانفعـالات علاقـة بـالقرارات ذاتـها. كمـا تعلمنـا أن تـأثيرات
الانفعالات قد تظل أكثر من المشاعر ذاتها وتؤثر تمامًا على قراراتنا على المدى البعيد.
الجانب العملي الجديد في هذا الأمر، هو أننا إذا لم نفعل شيئًا عندما نكون تحت وطأة انفعالاتنا، فلن يكون ثمة ضرر علينا لا على المدى القصير ولا البعيد، لكننا
إذا اتخذنا قرارات تحت وطأة انفعالاتنا، فقد لا نندم فقط في الحال، لكن قد يتولد نمط من القرارات يمتد أثره على المدى البعيد فيضللنا لوقت طويل. في النهاية،
لقد تعلمنا أيضًا أن اعتراضنا على التلبس في التكرار الذاتي ليس فقط عندما نتخذ نفس نوع القرارات ، ولكن أيضًا عند اتخاذ قرارات "مشابهة".
علينا أيضًا أن نضع في اعتبارنا أن تأثير انفعالاتنا الناجم عن مقاطع الفيديو كان معتدلًا تمامًا واعتباطيًّا. إن مشاهدة مقطع فيديو عن مهندس معماري غاضب لا
يشير قطعًا إلى شجار في الواقع مع الزوجة أو الأولاد أو تلقي لوم من رئيس العمل أو أن يتم جرحك نتيجة قيادة مسرعة جدًّا. لذلك فالقرارات اليومية التي
نتخذها ونحن في حالة انزعاج أو ضيق أو (سعادة) قد يكون لها تأثير أكبر على قراراتنا المستقبلية.
أعتقد أن خير مثال يوضح خطر وابل الانفعالات هو العلاقات العاطفية (بالرغم من أن الدروس العامة تنطبق على كل العلاقات)، كأزواج يحاولون التعامل مع المشاكل سواء يناقشون (أو يشتكون بشأن) الأمور المالية أو الأولاد أو الطعام، فهم فقط لا يناقشون المشاكل في الوقت الراهن وإنما ينمون مدى سلوكيًّا أيضًا. وهذا
المدى السلوكي يحدد الطريقة التي نتعامل بها مع بعضنا بمرور الوقت. وعندما تتسلل هذه الانفعالات - بالرغم من أنها ليست في صلب الموضوع - بشكل حتمي
إلى المناقشات، فإنها تستطيع تغيير أنماط التواصل الخاصة بنا؛ ليست على المدى القصير فقط، مهما كان الشعور الذي نشعر به، وإنما أيضًا على المدى البعيد،
وكما أصبح جليًّا الآن، عندما تحدث هذه الأنماط فمن الصعب جدًّا تغييرها.
وإليك - على سبيل المثال - امرأة مرت بيوم قاسِ في العمل وعادت لمنزلها مشحونة بانفعالات سلبية، تعم الفوضى في المنزل وهي وزوجها جوعى، وعندما تدخل
المنزل، يسألها زوجها وهو جالس على الكرسي بجوار التليفزيون: "ألم تحضري شيئًا للعشاء وأنت في طريقك للمنزل؟".
فترد وهي تشعر بهجوم من زوجها عليها: "لقد كنت في اجتماعات طوال اليوم، هل تتذكر قائمة الأشياء التي طلبتها منك للتسوق الأسبوع الماضي؟ لقد نسيت أن
تشتري ورق التواليت والنوع الجيد من الجبن، كيف لي أن أصنع البارميزان بشكل جيد بجبنة شيدر؟ لِمَ لا تذهب وتحضر لنا عشاء؟" البداية من هنا. يبدأ الزوجان
في مناقشات حادة ويخلدون للنوم بمزاج متعكر. وبعد ذلك يتطور مزاجها المتعكر إلى نمط سلوكي أكثر عمومية ("حسنًا، لم أكن لأخرج عن شعوري لو تركتني
خمس ثوان ألتقط فيها أنفاسي!")، وهكذا تستمر.
نظرًا لمدى صعوبة تفادي مؤثرات الانفعالات ذات الصلة أو غير ذات الصلة تمامًا، فهل من شيء يمكن فعله لتفادي تدهور العلاقات على هذا النحو؟ يمكن أن
أنصح بأن يكون الطرف الآخر من النوع الذي يمتص انفعالات رفيقه، لكن أنى لنا فعل ذلك؟ بالطبع تستطيع تفادي مئات اختبارات التوافق، سواء الاختبارات
التقديرية أو الإحصائية، لكني أعتقد أن غاية ما تحتاج إليه هو نهر وزورق ومجدافان.
كلما قمت بالتجديف، فإنني أقابل أزواجًا تجنح سفينتهم بشكل غير متعمد أو أعلق بصخرة. يبدو التجديف أسهل مما هو عليه في الواقع، وربما يكون هذا هو
السبب في جعل الأزواج سرعان ما يجنحون للشجار، قلَّما يكون هناك شجار بين الأزواج الذين أقابلهم ونحن نتناول المشروبات أو أذهب إليهم لتناول العشاء في
المنزل، وليس ذلك بسبب أنهم يحاولون أن يبدوا على أفضل نمط سلوكي لهم فحسب (عمومًا، لم لا يحاول الأزواج أن يظلوا في نمط سلوكي جيد معًا في مختلف
الأوقات؟). أعتقد أن الأمر يتعلق بالأنماط السلوكية المترسخة جيدًا لدى الأشخاص في أنشطتهم اليومية والمعتادة (وهو ما يكون غير محبذ جدًّا، أمام الأشخاص
الأجانب في معظم العائلات).
لكن يختلف الأمر جدًّا عندما تكون في النهر، فلا يوجد بروتوكول محدد، فالنهر لا يمكن التنبؤ به وتجدف المجاديف في أماكن لا يمكن توقعها. (وهذا يشبه كثيرًا
الحياة ا لمليئة بالضغوط والعقبات الجديدة والمذهلة). كما يوجد أيضًا نوع غامض من التوزيع للعمل بين المقدمة والمؤخرة (أو بتعبير أكثر دقة بين مقدمة السفينة
ومؤخرتها). وهذا السياق يوفر كثيرًا من الفرص لترسيخ وملاحظة أنماط جديدة للسلوك.
لذلك إذا كنت أحد الطرفين في علاقة، ما الذي يحدث لك عندما تذهب للتجديف؟ هل تلوم أنت أو رفيقك بعضكما البعض في كل مرة ينزلج فيها المجداف ("ألا
ترى تلك الصخرة؟") هل انخرطت في شجار شديد أدى بك أو بكما للقفز من على المركب والسباحة للشاطئ وعدم الحديث مع الطرف الآخر لساعة؟ أو، عندما
ترتطم بصخرة، هل تحاولان معًا تبين من سيفعل ماذا وتصل لأفضل ما لديكما ** ؟
وهذا يعني أنه قبل الدخول في أية علاقة على المدى البعيد، لا بد أن تتحرى أولًا السلوك الشائع في الأوساط التي لا يوجد بها بروتوكولات اجتماعية واضحة المعالم
(على سبيل المثال، أعتقد أن الأزواج عليهم التخطيط سلفًا قبل الدخول في أمر الزواج ويستمرون فيه إذا شعروا فقط برغبتهم في بعضهم). وهذا يعني أيضًا أنه
مــن الجــدير بالــذكر أن نــراقب أنمــاط الســلوك المترديــة. عنـدما نلاحـظ علامـات تحـذيرية مبكـرة، فعلينـا المسـارعة بتصـحيح المسـار غـير المـرغوب فيـه قبـل تطـور الأنمـاط
البائسة بين الزوجين.
الدرس الأخير هو أنه في الحياة والزوارق، يتعين علينا التريث قبل اتخاذ قرارات للقيام بأي أمر. وإذا لم نفعل ذلك، قد تصطدم قراراتنا بالمستقبل. وفي نهاية الأمر،
هل فكرت يومًا ما سيكون عليه الأمر لو رتبت أولوياتك قبل أولوياتي؟ تذكر كيف كان قراري بشأن رد فعلي في آخر مرة. أنا لا أزعم أني سأفعل ذلك ثانية، لكن
عندما تسيطر الانفعالات، مَن يدري؟
* للمزيد عن طرق أخرى بخصوص تأثيرات الوعي الذاتي علينا، انظر الفصل الثاني من كتابي الذي بعنوان توقع لا عقلاني.
** لم أقم ببحث كاف لتأييد اختبار التجديف، لذا لا أستطيع الجزم، لكني أعتقد أن له دقة تنبؤ ممتازة (نعم، أعي تماما الانحياز للثقة العمياء).
الفصل 11
دروس من اللاعقلانية التي نتسم بها
لماذا علينا اختبار كل شيء؟
 
نحن معشر البشر نعتنق فكرة أننا موضوعيون وعقلانيون ومنطقيون، ونؤمن بفخر "بحقيقة" أننا نتخذ القرارات انطلاقًا من عقولنا. عندما نقرر استثمار أموالنا
أو شراء منزل أو اختيار مدارس لأولادنا أو اختيار دواء للعلاج، فدومًا ما نظن أن اختياراتنا هي الأصوب.
أحيانًا يكون هذا حقيقيًّا، لكن لا يخفى أن نزعاتنا الحدسية غالبًا ما تضللنا وخاصة عندما نتخذ خيارات مهمة وصعبة وقاسية. لتوضيح الأمر، دعني أقص حكاية
شخصية عن نزعات لي أدت إلى قرار
رئيسي - وهو ما أثَّر عليَّ بشكل يومي.
كما علمت آنفًا، لقد أصبت بأضرار بالغة إلى حد ما بسبب الحادث الذي تعرضت له، ومن بين الأجزاء الأخرى المتفحمة من جسدي، احترقت ذراعي اليمنى إلى
العظم في بعض الأجزاء. وبعد ثلاثة أيام من دخولي المستشفى، دخل أحد الأطباء حجرتي وأخبرني بأن ذراعي اليمنى متفحمة جدًّا لدرجة أن الضغط يمنع تدفق
الدم إلى ذراعي، وقال لي إننا إذا رغبنا في إنقاذ الموقف فلا بد من تدخل جراحي عاجل. قام الطبيب بعناية بتجهيز صينية مملوءة بالمشارط وبَيَّن لي الأمر المتمثل في
أنه لتقليل الضغط فلا بد من قطع الجلد لتفريغ السائل ونقلل الالتهاب، كما أخبرني بأنه سيقوم بالعملية دون تخدير لأن القلب والرئتين لديَّ لا يعملان بكفاءة
عالية.
أما ما أعقب ذلك فهو علاج طبي كما لو كنت في العصور الوسطى، علقت إحدى الممرضات ذراعي اليسرى غير الملتئمة وكتفي في مكان ما وضغطت ممرضة أخرى
بكــل ثقلــها علـى ذراعـي وكتفـي الـيمنى، رأيـت المشـرط يثقـب جلـدي ويتقـدم ببـطء إلـى أسـفل ناحيـة كتفـي ويـمزق كوعـي ببـطء، شـعرت كمـا لـو كـان الـدكتور يمزقنـي
بمجرفة حديقة حادة صدئة، كان الألم لا يوصف فأصبحت ألهث. اعتقدت أني سأموت من جراء ذلك. ثم حدث الأمر ثانية؛ بدءًا من كوعي متجهًا لأسفل ناحية
المعصم.
صرخت وتوسلت إليهم أن يتوقفوا، وصرخت فيهم: "إنكم تقتلونني". لم يأبهوا لما أقول ولا لتوسلاتي ولم يتوقفوا، صرخت مرارًا قائلًا: "لا أستطيع تحمل هذا أكثر
من ذلك". أمسكوني بشدة. ولم أعد أقوى
على شيء.
في النهاية، قال لي الطبيب إنه انتهى تقريبًا، وأن ما تبقى سيكون سريعًا، وأعطاني أداة لتساعدني على تحمل العذاب، أخبرني بأن أعد إلى رقم عشرة ببطء قدر
استطاعتي. واحد، اثنان، ثلاثة.... شعرت بالوقت يمر ببطء، وعندما غرقت في الألم لم يكن بوسعي إلا العد ببطء. أربعة، خمسة، ستة.... تحرك الألم لأعلى
ولأسفل في ذراعي حيث كان يقطعني مرة أخرى. سبعة، ثمانية، تسعة....، لن أنسى أبدًا الشعور باللحم الممزق، ثم كان الصراخ للمعاناة الشديدة والانتظار قدر
استطاعتي قبل أن أعد حتى العدد "عشرة!".
توقف الدكتور عن التقطيع وتركتني الممرضات، وشعرت كما لو كنت محاربًا من القدماء الذي انتصر بشرف على معاناته بينما أعضاؤه تنزع عن بعضها، كنت
منهكًا، قال الطبيب: "جيد جدًّا، لقد قمت بعمل عدة شقوق في ذراعك من الكتف وحتى المعصم، والآن يتبقى بعض القطع ثم يصير كل شيء على ما يرام حقًّا ".
تبددت صورة المحارب أمامي إلى هزيمة، واستخدمت كل طاقتي لأقنع نفسي بالمثابرة قدر استطاعتي؛ فبالتأكيد سينتهي الأمر عندما أصل بالعد إلى الرقم عشرة،
أدركت الألم الجديد الوشيك الذي بدا سهلًا منذ لحظات مضت، بهرع تام. كيف أقوى على ذلك مرة أخرى؟
توســلت للطبــيب قــائلًا: "مــن فضــلك، ســأفعل أي شــيء، لكــن اتــركني!" لكــن لــم يكــن لــرأيي أي تغــيير فــي الأمــر، لقــد أمسـكوا بـي أشـد مـن الأول، حـاولت أن أقـول:
"انتظــر، انتظــر" لكــن الطبــيب مضــى يقطــع أصــابعي. قمــت بالعــد تنـازليًّا وصـرخت كـل مـرة أصـل فيـها إلـى عشـر عـدات، عـددت مـرارًا وتكـرارًا حتـى تـوقف الطبـيب فـي
النهاية عن التقطيع. كانت ذراعي حساسة بشكل لا يصدق والألم لا يتوقف لكني ما زلت في الوعي وعلى قيد الحياة، تركوني لأستريح وأنا أنزف وأصرخ.
في ذلك الوقت، لم أفهم أهمية تلك العملية، ولا كيف يساعد العد الشخص في معاناته * ، حاول الطبيب الذي أجرى العملية لي بشجاعة إنقاذ ذراعي في مقابل
نصــيحة بعــض الأطبــاء الآخــرين بعــدم إجــراء تلــك العمليــة، لقــد تسـبب فـي معـاناة شـديدة لـي فـي ذلـك الـيوم والتـي ذكرتـها بعـد ذلـك بسـنوات، لكـن جـاءت جـهوده
بنجاح.
بعد ذلك بعدة أشهر، أخبرني جَمع من الأطباء بأن ذراعي التي تم إنقاذها بمعاناة لا تقوم بوظيفتها على ما يرام ومن الأفضل بترها دون المرفق، اشمأززت من
الأمــر برمتــه، لكنــهم أوضــحوا لــي الحالــة بــهدوء وعقلانيــة قــائلين: إن اســتبدال ذراعــي بخطــاف ســينهي الألــم الــيومي بشــكل ســريع، وســيمنع مزيــدًا مـن العمليـات
لذراعي، سيكون الخطاف مريحًا نسبيًّا، وعندما أتعود عليه يؤدي الوظيفة أكثر من الذراع الجريحة، كما أخبروني بأني سأختار ذراعًا اصطناعية فلن أبدو مثل
كابتن "هوك" بالرغم من أن هذا النوع من الأعضاء الاصطناعية سيؤدي الوظيفة بدرجة أقل.
كان هذا قرارًا صعبًا جدًّا، بالرغم من معاناتي اليومية من الألم وعدم قيام ذراعي بوظيفتها، كنت مشمئزًا من فقدي لذراعي، لم أستطع أن أستوعب أن أعيش
حياتي دون ذراعي أو كيف أتأقلم مع خطاف أو قطعة بلاستيك ملونة بلون البشرة. في النهاية قررت التمسك بذراعي المسكينة المحدودة المجهود والمسلوبة القوى
وبذلت جهدي في هذا القرار.
مضت السنوات حتى عام 2010، وقد أنتجت على مدى أكثر من عشرين سنة مضت كثيرًا من المواد المكتوبة، معظمها في شكل أبحاث أكاديمية، لكني لا أستطيع
الكتابة لفترة طويلة من الناحية الجسدية، ربما استطعت كتابة صفحة في اليوم وأجيب عن قليل من الرسائل الإلكترونية بكتابة جمل قصيرة، لكن إذا حاولت
كتابة المزيد، أشعر بألم عميق في يدي يستمر لساعات أو حتى أيام، لم أستطع رفع أو نصب أصابعي، وعندما أحاول فعل ذلك أشعر وكأن المفاصل تسحب من
تجويفها. والشيء الإيجابي الجدير بالذكر هنا هو أنني تعلمت الاعتماد الشديد على مساعدة المساعدين الأصحاء وقليلًا على برامج التمييز الصوتي، وعرفت كيف
أعيش مع الألم اليومي على الأقل إلى حد ما.
من الصعب من منظوري الحالي القول بأني اتخذت القرار الصائب بخصوص الاحتفاظ بذراعي. فبالنظر إلى الفاعلية القليلة لذراعي، فإن الألم الذي قاسيته ولا
زلت أقاسيه وما أعلمه الآن عن الخلل في عملية اتخاذ القرار، أعتقد أن الاحتفاظ بذراعي كان خطأ - هذا بالنظر إلى مسألة الربح والخسارة.
دعنا نر الانحيازات التي أثرت عليَّ. أولًا: كان صعبًا عليَّ قبول نصيحة الأطباء بسبب عاملين نفسيين نطلق عليهما تأثير الهبة وكراهية الخسارة. تحت تأثير هذه
النزعات، نبالغ عادة في تقييم ما نملكه ونعتبر أن التنازل عنه خسارة، فالخسارة مؤلمة جسديًّا، وبالتالي نحتاج إلى المزيد من الدوافع لجعلنا نستغنى عن شيء
نملكه. وقد تسبب تأثير الهبة في مبالغتي في تقييم ذراعي لأنها كانت ملكي وأنا متمسك بها، بينما أدت كراهية الخسارة إلى جعل الأمر صعبًا عليَّ أن أتنازل عنها
حتى وإن كان ذلك منطقيًّا.
هناك تأثير آخر غير عقلاني يطلق عليه نزعة الوضع الراهن، فنحن نميل بصفة عامة إلى الاحتفاظ بالأشياء كما هي عليه، فالتغيير صعب ومؤلم ونفضل ألا نغير
أي شيء إذا استطعنا إنقاذه، في حالتي الشخصية فضلت ألا أتخذ أي موقف وأعيش بذراعي حتى ولو كانت تالفة (خشيت إلى حد ما من الندم على اتخاذ قرار
بالتغيير).
وهناك نزعة بشرية ثالثة تتعلق بالعدول عن القرار. وكما يتضح من الأمر، فإن اتخاذ الخيارات العادية صعب بما فيه الكفاية، لكن اتخاذ القرارات الحاسمة ذو
صعوبة خاصة، فإننا نفكر طويلًا وبشدة بخصوص شراء منزل أو اختيار مجال عمل لأننا لا ندري ما يخبئه لنا المستقبل، لكن ماذا لو علمت أن قرارك سيحفر في
الصــــخر وأنــــك لــــن تغـــير أبــدًا مجــال عملــك أو منزلــك؟ ســيكون الأمــر مــريعًا جــدًّا لاتخــاذ أي خيــار إذا علمــت أنــك ســتعايش النتيجــة بقيــة حيــاتك، بالنســبة لحــالتي
الشخصية واجهت مشكلة مع فكرة أنه بمجرد إجراء العملية الجراحية، فإني سأفقد ذراعي للأبد.
فــي النــهاية، عنــدما فكــرت فــي احتماليـة فقـد يـدي وسـاعدي، تسـاءلت مـا إذا كنـت سـأستطيع التكـيف دائـمًا، ومـاذا سـيكون شـعوري عنـد اسـتخدام خطـاف أو عضـو
صناعي؟ كيف سينظر الناس إليَّ؟ كيف سيكون الأمر عندما أريد مصافحة يد أحد أو كتابة ملاحظات؟
الآن، لــو أننــي كنــت متعقــلًا جــدًّا وحــذرًا فلـم يكـن لـديَّ أي عاطفـة تـربطني بـذراعي، ولمـا أصـابني الانزعـاج مـن نزعـة تـأثير الـهبة وكراهيـة الخسـارة والوضـع الـراهن أو
العدول عن قراري، ولكان لديَّ القدرة لأن أتنبأ بدقة عن المستقبل بذراع صناعية، ونتيجة لذلك كنت سأرى الموقف بنفس الطريقة التي يراها الأطباء. لو كنت ذلك
الإنسان العقلاني، لكنت اتبعت نصيحتهم. ولكان من المحتمل جدًّا أن يصل بي الأمر في النهاية للتكيف مع الجهاز الجديد (كما تعلمنا في الفصل السادس). لكني
لم أكن متعقلًا جدًّا واحتفظت بذراعي مما أدى إلى مزيد من العمليات الجراحية وقلة المرونة والألم المتكرر.
يبدو كل هذا كقصص يرويها القدماء (جرب قول الآتي ببطء بلهجة أوروبا الشرقية: "إذا علمت ما أعرفه الآن، لتغيرت الحياة")، وقد تسأل السؤال الواضح: لو
كان القرار خاطئًا، فلماذا لا أقوم بعملية البتر الآن؟
مرة أخرى، لا يزال هناك أسباب غير عقلانية لذلك. أولًا: مجرد الذهاب مرة أخرى للمستشفى للعلاج أو لإجراء عملية جراحية يجعلني مكتئبًا، في الحقيقة حتى
الآن عنــدما أزور أحــدًا فــي المســتشفى فــإن رائحــة المســتشفى تجلــب لــي الــذكريات الســابقة فتثــور انفعـالاتي. (قـد تخمـن أن أحـد الأمـور التـي تقلقنـي جـدًّا هـو احتماليـة
احتجازي في المستشفى لفترة طويلة).
ثانيًا: بالرغم من حقيقة استيعابي لبعض نزقي في قراراتي وتحليلي لذلك، فإنني ما زلت أقوم بها ودومًا تؤثر عليَّ (وهذا شيء عليك وضعه في الاعتبار إذا أردت أن
تكون صانعًا أفضل للقرارات). ثالثًا: بعد قضاء سنوات وبذل مجهود لجعل يدي تعمل بأفضل شكل والمعاناة اليومية واكتشاف كيفية التعامل مع هذه الظروف،
أصبحت ضحية لما نطلق عليه الغرق في مغالطة التكلفة. بالنظر إلى كل جهودي في الماضي، فأنا كاره جدًّا لحذفها ولتغيير قراري.
رابعًا: بعد 20 عامًا تقريبًا من إصابتي، أصبحت قادرًا إلى حد ما على عقلنة خياراتي. كما لاحظت، فإن الناس آلات عقلنة رائعة، وبالنسبة لحالتي الشخصية قد
كنت قادرًا على إخبار نفسي عدة قصص عن سبب صحة قراراتي، على سبيل المثال، أشعر بدغدغة في المشاعر عندما يلمس أحد ذراعي اليمنى وكنت أقنع نفسي
بأن هذا الشعور الفريد يوفر لي فرصة الشعور بالإحساس.
في النهاية، يوجد سبب عقلاني للاحتفاظ بذراعي، فقد تغير كل شيء بمرور السنين بمن فيهم أنا، فعندما كنت في سن المراهقة وقبل الحادث كنت قادرًا على
اتخاذ طرق مختلفة كثيرة. لكن نتيجة لإصابتي كان عليَّ أن أسلك دروبًا شخصية وعاطفية ومهنية أقل أو أكثر من ظروفي وقدراتي، واكتشفت طرقًا للتعامل على
هذا النحو. في سن الثامنة عشرة، لو كنت قررت استبدال ذراعي بخطاف، لتغيرت ظروفي وقدراتي. على سبيل المثال، ربما كنت سأشغل مجهرًا بصريًّا ومن ثمَّ
أصبح عالم أحياء، لكني الآن أصبحت في منتصف العمر وأطرت حياتي على هذا النحو الذي أنا عليه الآن، فمن الصعب جدًّا القيام بتغيرات جوهرية.
مــا المــغزى مــن هـذه القصـة؟ إنـه حـقًّا مـن الصـعب جـدًّا علـى المـرء اتخـاذ قـرارات كبـيرة ومـهمة ومغـيرة لمسـارات الحيـاة لأننـا جمـيعًا سـريعو التـأثر بـانحيازات هائلـة فـي
قراراتنا. الكثير من تلك الانحيازات يجاوز إدراكنا ولكنها تؤثر علينا أكثر مما نود.
دروس من كتب الحكمة والطفيليات
في الفصول السابقة، رأينا تأثير اللاعقلانية في مناح مختلفة من حياتنا، في عاداتنا وخيارات التعارف ودوافعنا في العمل وتبرعاتنا بالمال وارتباطنا بالأشياء والأفكار
وقدرتنا على التكيف ورغبتنا في الانتقام، أعتقد أني أخلص من السلوكيات اللاعقلانية بدرسين ونتيجة:
1. لدينا ميول لاعقلانية كثيرة.
2. غالبًا لا ندرك تلك الميول اللاعقلانية التي تؤثر علينا، وهو ما يعني أننا لا نعلم تمامًا ما الذي يحرك سلوكياتنا.
لــذلك فــإننا نحتــاج - وأعنــي بــذلك أنــا وأنــت والشـركات وصـناع القـرار السـياسي - أن نشـك فـي حدسـنا، إذا مـا اسـتمررنا فـي اتبـاع الشـجاعة والحكمـة الشـائعة وفعـل
الأسهل أو الأمور التي اعتدنا عليها كثيرًا فقط، "حسنًا، دومًا تسير الأمور على هذا النحو"، لأننا سنستمر في الخطأ مما يؤدي إلى ضياع كثير من الوقت والجهد
والحســرة القــديمة التـي لا مخلـص منـها، لكـن لـو تعلمنـا أن نسـأل أنفسـنا ونختبـر معتقـداتنا، فقـد نكتشـف متـى وكـيف نكـون علـى خطـأ ونحسـن أسـلوبنا فـي الحـب
والعيش والعمل والإبداع والإدارة والحكم.
إذن، كيف نجرب حدسنا؟ لدينا طريقة مجربة وقديمة. في قديم الزمان، كان هناك شخص يدعى "جايدون" يتحدث باقتضاب مع الجميع، إن "جايدون" شكاك؛
فهو مرتاب بخصوص من يتحدث إليه؛ أهو شخص حقيقي أم صوت في رأسه. لذا قرر "جايدون" أن يقوم باختبار في هذا.
ماذا حدث؟ استيقظ "جايدون" صباح اليوم التالي، واكتشف أن الصوف قد ابتل وقام بعصر وعاء كامل من الماء منه، لكن "جايدون" مختبر بارع، فهو غير متأكد
ما إذا كان ما حدث بسبب المصادفة، أو ما إذا كانت هذه النداوة تحدث غالبًا أم أنها تحدث في كل مرة يترك فيها الصوف على الأرضية طوال الليل.
يحتاج "جايدون" فقط إلى حالة التحكم. ولكنه في هذه المرة سيقوم بتجربته على نحو مختلف. نجحت مرحلة التحكم التي قام بها "جايدون"، وعندئذ استيقن
تمامًا وتعلم مهارات بحثية مهمة جدًّا.
وعلى النقيض من تجربة "جايدون" الدقيقة، لنر كيفية التطبيق العملي للطب على مدى آلاف السنين. لقد ظل الطب لأمد طويل مهنة تلقي الحكمة، فالممارسون
القدماء كانوا يعملون طبقًا لحدسهم جنبًا إلى جنب الحكمة الموروثة، ثم نقل هؤلاء الأطباء تلك المعرفة المتراكمة لأجيال المستقبل، لم يتمرس الأطباء على الشك
في حدسهم ولا القيام بتجارب لكنهم اعتمدوا اعتمادًا كبيرًا على أساتذتهم، وعندما ينتهي وقت الدراسة، يترفعون ثقة فيما تعلموه (وكثير من الأطباء يستمرون
على هذا النحو). لذا ما زال هؤلاء الأطباء يقومون بنفس الأشياء مرارًا حتى في حالة الدليل القابل للنقاش ** .
لنقدم مثالًا على عدم جدوى الطب الموروث في استخدام الأدوية من الطفيليات التي استخدمت مئات السنين في إراقة الدم، وهو إجراء كان يعتقد أنه يساعد على
إعادة توازن الأمزجة الأربعة (الدم، البلغم، المرارة السوداء، المرارة الصفراء). لذلك، كان يعتقد أن تطبيق مص الدماء والمخلوقات التي تشبه اليرقانة يمكنها علاج
كل شيء بدءًا من الصداع الى السمنة، ومن البواسير إلى التهاب الحنجرة، ومن اضطرابات العين إلى المرض العقلي. وبحلول القرن التاسع عشر، ازدهرت تجارة
الطفيليات، فخلال الحروب النابليونية، قامت فرنسا باستيراد ملايين وملايين من المخلوقات الطفيلية، في الواقع كان الطلب على الطفيليات الطبية كبيرًا جدًّا،
لدرجة أن هذه الطفيليات أصبحت تقريبًا منقرضة.
والآن إذا كنت طبيبًا فرنسيًّا في القرن التاسع عشر في مستهل مهنتك، فإنك تعلم أن الطفيليات لها مفعول وذلك لأنها استخدمت بنجاح لقرون، وعضد ذلك
طبيب آخر يعلم مفعولها سواء من خبرته الشخصية أو من موروثه من الحكمة.
والآن قــد أتــى إليــك أول مــريض، ولنفتــرض أنــه يشــتكي مــن ركبتــه، فقمــت بثنــي طفيليــة غرويــة علــى فخــذه فـوق الركبـة مباشـرة لتخفـيف الضـغط، قـامت الطفيليـة
بامتصاص دم المريض وفرغت الضغط فوق المفصل (أو هذا ما اعتقدته أنت). لقد صرفت المريض إلى منزله بمجرد انتهائك وأخبرته بالراحة لمدة أسبوع، إذا توقف
المريض عن الشكوى، ستعتقد أن ذلك نتيجة العلاج بالطفيلية.
من سوء حظ كليكما عدم الاستفادة من التكنولوجيا الحديثة في ذلك الوقت، لذلك لا يتسنى لكما معرفة أن الجاني الحقيقي هو تمزق في الغضروف، ولم يكن
هناك آنذاك بحث كافٍ عن فعالية الراحة ولا تأثير الانتباه من شخص يرتدي معطفًا أبيض أو العديد من الأشكال الأخرى لتأثير الدواء الوهمي (والتي تناولتها
بشيء من التفصيل في كتابي الذي بعنوان توقع لا عقلاني *** ). بالطبع الأطباء ليسوا سيئين، على العكس فهم طيبون ويوفرون الرعاية، والسبب في تخصص
معظمهم في مهنة الطب هو توفير الصحة والسعادة للناس، ومن المفارقات أنه نتيجة طيب قلوبهم ورغبتهم في مساعدة كل شخص من المرضى، فهذا ما يجعل
الأمر صعبًا جدًّا عليهم التضحية ببعض راحة مرضاهم من أجل التجارب.
تخيــل - علــى ســبيل المثــال - أنــك طبــيب فــي القــرن التاســع عشـر يعتقـد بفاعليـة تكنولوجيـا الطفيليـات، هـل مـن الممكـن أن تقـوم بتجربـة لاختبـار هـذه الثقـة؟ مـا مـدى
معاناة الإنسان للقيام بمثل هذه التجربة؟ وحتى يتسنى لك التحكم في إجراء هذه التجربة، فلا بد أن تحول علاج عدد من المرضى لديك من علاج الطفيليات إلى
مرحلــة التحكـم (ربمـا باسـتخدام شـيء يبـدو كـالطفيليات ويجـرح مثلـها لكـن دون امتصـاص للـدم). مـن الأطبـاء الـذين يسـتطيعون تخصـيص بعـض المرضـى لمجموعـة
التحكم، ومن ثمَّ يحرمونهم من هذا العلاج المفيد؟ بل وما هو أسوأ من ذلك، من الأطباء الذين يقومون بإجراء مرحلة التحكم التي تنطوي على كل أنواع المعاناة
كمرافق مع العلاج ويهمل الجزء الذي من المفترض أنه علاج، فقط للتوصل إلى ما إذا كان العلاج فعالًا كما يعتقد أم لا؟
يكمن الأمر في أنه ليس من الطبيعي جدًّا بالنسبة للأشخاص الذين تدربوا في مجال كالطب تحمل خسارة نتيجة إجراء بعض التجارب وخاصة عندما يكون لديهم
شعور غريزي قوي بأن ما يفعلونه أو يفترضونه مفيد، وهذا ما توصلت إليه هيئة الغذاء والدواء الأمريكية، فإنها تبتغي دليلًا على سلامة الأدوية وفعاليتها. وبقدر
بطء هذه العملية وتكلفتها وتعقيدها، فإن هيئة الغذاء والدواء ما زالت هي الوحيدة التي تطلب من المنظمات التي تتعامل معها إجراء تجارب للتأكد من فعالية
وسلامة الأدوية المطروحة. وبفضل مثل هذه التجارب، فإننا علمنا أن بعض أدوية السعال للأطفال بها من المضار أكثر من الفوائد، وأن العملية الجراحية لآلام أســــــفل الظــــــهر غــــــير مجــــــدية إلـــــى حـــد كبـــير، وأن عمليـــات قســـطرة القلـــب والـــدعامات لا تمـــد أجـــل حيـــاة المرضـــى فـــي الحقيقـــة، وأن الـــدعامات بينمـــا هـــي حـــقًّا تقلـــل
الكوليسترول، فإنها لا تمنع أمراض القلب بشكل كبير. وقد أصبحنا على بينة من العديد من الأمثلة للعلاجات التي ليست لها فعالية كالمرجو منها أساسًا، كما
كنا نأمل في الأساس **** ، بالتأكيد يمكن للناس شكوى إدارة الدواء والغذاء وكثيرًا ما يفعلون ذلك؛ ولكن الأدلة المتراكمة تظهر أننا أفضل حالًا بكثير عندما
نضطر لتنفيذ التجارب التي تسيطر عليها.
إن مسألة أهمية التجارب كأحد أفضل الطرق لمعرفة فعالية الأمور من عدمه ليست محل خلاف على الإطلاق، وأنا لا أعتقد أن أي شخص يريد أن يلغي التجارب
العلمية ويعتمد كثيرًا على حدسه ومشاعره الداخلية، لكنى مندهش من أن أهمية التجارب لا تستحوذ على قطاعات عريضة وخاصة حينما يتعلق الأمر بقرارات
مهمة في التجارة أو السياسة العامة. بوضوح، إنني أجد نفسي غالبًا مندهشًا من جرأة افتراضات رجال الأعمال والساسة بالإضافة إلى اقتناعهم الواضح بصحة
حدسهم.
لكن الساسة ورجال الأعمال أناس ككل البشر لهم تحيزات في قراراتهم مثلنا، والقرارات التي يتخذونها تكون عرضة للخطأ كالقرارات الطبية، لذا ألا يكون من
الجيد وجود تجارب منهجية في التجارة والسياسة؟
بالتأكيد، إذا ما استثمرنا في شركة ما فإني سأختار الشيء الذي تم اختباره منهجيًّا، تخيل قدر الربح بالنسبة لشركة، على سبيل المثال، يفهم مديروها استياء
العمــــلاء وكيفيــــة تخفــيف الاعتــذار الصــادق مــن إحبــاط هــؤلاء العمــلاء (كمــا ذكرنــا فــي الفصــل الخــامس)، ولأيــة درجــة ســيكون المــوظفون منتجــين إذا مــا قــدر المــدير
مجهوداتهم في العمل (كما ذكرنا في الفصل الثاني)، وتخيل كفاءة الشركات، ناهيك عن فوائد العلاقات العامة التي لا تدفع مكافآت باهظة للمديرين، عندما
تنظر باهتمام للعلاقة بين التكلفة وجودة الأداء (كما ذكرنا في
الفصل الأول).
إن منــهج أكثــر تجريبيــة لــه أيــضًا الآثــار المترتبــة علـى سـياسات الحكومـة، فيبـدو أن الحكومـات تتبـع سـياسات وثيقـة التـأمين المفتـوح بـدءًا مـن إنقـاذ البنـوك إلـى بـرامج
العوازل للمنازل، ومن الأعمال الزراعية إلى التعليم بدون القيام بمزيد من التجارب، هل إنقاذ البنوك بمبلغ 700 مليار دولار أفضل طريقة لدعم تعثر الاقتصاد؟
هل أفضل طريقة لتشجيع التعلم على المدى الطويل تكمن في الدفع للطلاب عند الحصول على درجات كبيرة؟ هل نشر السعرات الحرارية بحسب القوائم يساعد
الناس على اتخاذ خيارات صحية أفضل (تبين البيانات المعطاة حتى الآن عكس ذلك)؟
الإجابات غير واضحة، ألا يكون الأمر أفضل إذا ما أدركنا أن حدسنا بالرغم من كل الثقة والإيمان الجازم في قراراتنا، ما هو إلا مجرد حدس؟ هل نحتاج إلى جمع
بيانات تجريبية عن كيفية تعامل الناس فعليًّا إذا ما أردنا تحسين سياساتنا العامة وحدسنا؟ يبدو لي أنه قبل إنفاق البلايين على برامج فعالية غير معلومة، فقد
يكون من الأفضل القيام ببعض التجارب في البداية، إذا كان هناك متسع من الوقت، وربما قليل من التجارب الضخمة أيضًا.
وكما بين "شيرلوك هولمز": "إنه لخطأ خطير أن يقوم المرء بالتنظيم دون وجود بيانات لديه".
والآن أتمنى أن يكون قد أصبح واضحًا أننا بوضع البشر في مجموعة بين العقلانية المفرطة "للسيد سبوك" وبين المتهور "هومر سيمبسون"، فإننا بذلك نكون أقرب
من "هومر" أكثر مما نتصور، وفي نفس الوقت أتمنى أن تكون قد أدركت اللاعقلانية رأسًا على عقب، بمعنى أننا كبشر نكون رائعين في بعض الحالات التي نكون
فيــها لاعقلانــيين (قــدرتنا علــى إيجــاد قيمــة للعمــل، قــدرتنا علــى تفضــيل أفكــارنا والأشــياء التـي نصـنعها بأيـدينا، ورغبتنـا فـي الثقـة بـالآخرين وقـدرتنا علـى التكـيف مـع
الظروف الجديدة وقدرتنا على الاعتناء بالآخرين، وهكذا). بالنظر إلى اللاعقلانية من هذا المنظور، فإننا بدلًا من السعي خلف علاقات مثالية، فإننا بحاجة لتقدير
العــيوب التــي تفيــدنا ونــدرك تلــك التــي علينــا التغلــب عليــها ونخطــط العــالم مـن حولنـا بالطريقـة التـي تجعلنـا نسـتفيد مـن قـدراتنا الرائعـة بينمـا نتغلـب علـى بعـض
قيودنا. وتمامًا كما نستعمل أحزمة القيادة لحماية أنفسنا من الحوادث، ونرتدي السترات للوقاية من البرد، فإننا بحاجة للتعرف على قيودنا عندما نكون بصدد
قدراتنا على التفكير والتمحيص - خاصة عند اتخاذ قرارات مهمة على المستوى الشخصي أو كرجال أعمال أو كموظفين عموميين. إن إحدى أفضل الطرق لاكتشاف
أخطائنا والطرق المختلفة للتغلب عليها تكمن في إجراء التجارب وجمع وتدقيق البيانات ومقارنة تأثير الظروف التجريبية وشروط الرقابة والنظر في النتائج، وكما
بَيَّن "فرانكلين ديلانو روزفيلت" ذات مرة: "يحتاج الشعب - وإذا لم أخطئ في مزاجه - إلى تجارب مستمرة واضحة، إنه لمن المنطق السليم أن نأخذ طريقة ونجربها،
وإذا فشل الأمر، فما هو إلا الاعتراف بالفشل، والمضي في تجريب شيء آخر، لكن في العموم لا بد من القيام بتجربة أي شيء24".
?
 
أتمنــــى أن تكــــون قــــد اســــتمتعت بــــهذا الكتــــاب، كمـــا آمــل بشــدة أن تقــوم بالتشــكيك فــي حدســك وتجــري التجــارب فــي محاولــة لاتخــاذ قــرارات أفضــل. اطــرح أســئلة،
واستكشف، وتسلق الصخور. حاسب نفسك على سلوكك في شركتك ومع الموظفين وفي الأعمال الأخرى والوكالات ومع الساسة والحكومات. وباتباع هذا، يمكننا
اكتشاف طرق للتغلب على بعض قيودنا وهذا هو الأمل الأكبر للعلوم الاجتماعية.
النهاية
 
ملحوظة: هذه ليست حقًّا إلا الخطوات الأولى لاستكشاف الجانب اللاعقلاني فينا، ولا يزال هناك المزيد والممتع في هذا الصدد.
المخلص اللاعقلاني؛
دان
 
* في التجارب التي قمت بها على مدار سنوات بعد ذلك مع الأبطال الرياضيين، تبين لي أن العد يزيد من قوة التحمل وأن العد التنازلي يساعد بشكل أفضل.
** ليس معنى هذا أن العاملين بالطب لم يكتشفوا علاجات طبية رائعة عبر السنين، وإنما فعلوا. يكمن الأمر في أنه بدون تجربة كافية، فإنهم سيستمرون في
استخدام علاجات غير فعالة أو خطرة لفترات طويلة جدًّا.
*** متوافر لدى مكتبة جرير.
**** للرجوع إلى كتابين مهمين عن الأوهام الطبية، من فضلك انظر كتاب Stabbed in the Back ، وكتاب Worried Sick للمؤلف نورتين هادلر.
الشكر
أحد أكثر الأشياء الرائعة عن الحياة الأكاديمية هي الوصول لاختيار المتعاونين لدينا في كل مشروع، وهذا مجال أفتخر فيه بنفسي في اتخاذ أفضل الخيارات التي لا
يمكن لأحد مضاهاتها، وقد كنت محظوظًا جدًّا خلال سنوات لعملي مع بعض الباحثين والأصدقاء الرائعين، وإني لأتقدم بخالص شكري إلى هؤلاء الأشخاص
الرائعين لحماسهم وجلدهم وإبداعاتهم وصداقاتهم ومروءتهم، وما البحث الذي ضمته طيات هذا الكتاب إلا نتاج ضخم لمجهوداتهم (انظر المعلومات التالية عن
سير أبرز المتعاونين معي) بينما يقع على عاتقي أي خطأ أو نسيان.
إضافة إلى شكري المباشر للمتعاونين معي، فإني أتوجه بالشكر أيضًا للق طاع العريض من الباحثين في علم النفس والاقتصاد من كليات إدارة الأعمال، وعلماء
الاجتماع ككل، وكان من حسن طالعي في التوصل لهذه الاستقصاءات وجود أمثال هؤلاء العظماء إلى جانبي، إن مجال العلوم الاجتماعية مثير، فيه تتولد أفكار
جديدة دومًا ويتم جمع بيانات ومراجعة نظريات (أكثر من غيره من العلوم). وهذه النتائج هي ثمرة العمل الجاد من جانب أشخاص متميزين لديهم رغبة قوية
في دفع البحوث لفهم الطبيعة البشرية، تعلمت أشياء جديدة من زملائي الباحثين كل يوم وكثير ممن لا أذكره (للحصول على قائمة جزئية من المراجع و القراءات
الإضافية، انظر آخر الكتاب).
وقــــد أدركـــت فــي أثنــاء كتابــة هــذا الكتــاب مــدى تقصــيري فــي الكتابــة بشــكل جيــد، وأتوجــه بعمــيق شــكري إلــى "إيــرين ألينجــهام" التــي ســاعدتني فــي الكتابــة، وكــذلك
"بــرونوين فــراير" الــذي وضــح لــي الأمـور، وكـذلك "كلـير واكتـل" الـذي سـاعدني علـى البقـاء فـي المسـار الصـحيح بطـابع مـن الـدعابة يفتقـر إليـه غـالب المحـررين. والشـكر
موصول لفريق دار نشر هاربر كولينز: كاثرين بيتنر، كاثرين بيكر، ميشيل سيبرت، إيليوت بيرد، لين أندرسون الذين جعلوا التجربة سهلة وجذابة ومرحة، كما
تلقيت تعليقات مفيدة واقتراحات من ألين جرونسين، آنيا جاكوبك، جوزيه سيلفا، جاريد وولف، كالي كلارك، ريبيكا وابر، جايسون بيسي. كذلك الشكر موصول
لكل من "صوفيا كوي" وأصدقائي في مدينة ماكيني الذين وجهوني بشكل كبير، وكذلك فريق وكالة ليفين جرينبرج للآداب الذين ساعدوني بكل طريقة ممكنة،
وأقدم شكرًا خاصًّا لـ "ميجان هوجرتي" التي لطالما حفزتني في حياتي العصيبة.
وأخــيرًا، الشــكر والتقــدير العــام لزوجتــي "ســومي". لقــد اعتــدت علــى الاعتقــاد بأنــه مــن الســهل جــدًّا عليــها العــيش معـي، لكـن بمـرور كـل عـام أدرك كـم هـو صـعب
العيش معي، وفي المقابل كم هو رائع العيش معك يا زوجتي "سومي" وسأقوم في المساء عندما أعود إلى البيت بتغيير المصابيح التالفة، في الحقيقة قد آتي متأخرًا
فليكن في الغد، حسنًا، هل تعرفين ماذا؟ قطعًا، سأفعل ذلك في عطلة نهاية الأسبوع. أعدك بذلك.
المحب
دان
قائمة المعاونين
إدواردو أندريد
لقد التقيت "إدواردو" في البرنامج الصيفي في مركز الدراسات المتقدمة في جامعة ستانفورد، كان صيفًا ممتعًا أكاديميًّا واجتماعيًّا، كان مكتب "إدواردو" بجواري،
فكنا نتنزه في التلال ونتحادث، وكان أساس بحث "إدواردو" هو الانفعالات. وبحلول نهاية فصل الصيف كان لدينا بعض الأفكار المتعلقة بصنع القرار والانفعالات
التي بدأنا التركيز عليها. إدواردو برازيلي الجنسية، ويتمتع بمقدرة رائعة على طهي اللحوم وإعداد المشروبات، فهو حقًّا فخر لبلده. يعمل "إدواردو" حاليًّا أستاذًا
في جامعة كاليفورنيا في بيركلي.
راشيلي باركان
"راشيلي" (تعرف بشكل أكثر رسمية باسم راشيل)، أصبحنا أصدقاء منذ عدة سنوات مضت، عندما كنا طلابًا معًا في الدراسات العليا. وعلى مدى سنوات تحدثنا
عن بدء المشاريع البحثية المختلفة معًا، لكن لم يتسن ذلك لها إلا عندما جاءت لقضاء عام في جامعة ديوك، تبين أن القهوة هي شيء مهم لترجمة الأفكار إلى
أفعال، وكان لدينا الكثير من المرح وكان هناك كثير من المرح خلال زيارتها فأسدت لي الكثير من النفع في كثير من المشاريع. تتسم "راشيلي" بأنها مطلعة جدًّا وذكية
وثاقبة البصيرة، ولكم تمنيت لو قضيت معها المزيد من الوقت، وهي تعمل حاليًّا أستاذة في إحدى الجامعات المرموقة.
زوي تشانس
زوي تمثــل العظمــة فــي الإبــداع واللطــف، كــان حــديثي معـها قليـلًا كمـا لـو كنـا فـي حـديقة مـلاهٍ - ولـك أن تعلـم أن تعليقاتـها مثـيرة ومـهمة، ولكـن مـن الصـعب تـوقع
توجهات تلك التعليقات. وإضافة إلى حبها للحياة والناس، فإنها مزيج مثالي على مستوى البحث والصداقة، وهي حاليًّا طالبة دكتوراه في جامعة هارفارد.
حنان فرينك
عندما كنت في المرحلة الجامعية، تلقيت واحدًا من أول دروسه عن علم وظائف الدماغ مما غَيَّر مجرى حياتي، وبصرف النظر عن الجانب التعليمي له في الفصل
الدراسي، فقد كان له روح في البحث والانفتاح في الأسئلة ما دفعني لأصبح باحثًا، ما زلت أتذكر العديد من وجهات النظر عن البحوث والحياة، وما زلت أستضئ
بمعظمها في حياتي، بالنسبة لي "حنان" هو الأستاذ المثالي، يعمل "حنان" حاليًّا أستاذًا في إحدى الجامعات.
جيانا فروست
كانت "جيانا" إحدى طالباتي في الدراسات العليا في مختبر الإعلام في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، كانت مبدعة وانتقائية إضافة إلى مجموعة كبيرة من
الاهتمامات والمهارات الفطرية التي تتمتع بها على ما يبدو، بدأنا معًا العديد من المشاريع في مجال نظم المعلومات، والتعارف عن طريق الإنترنت ودعم القرارات،
وتعلمت خلال هذه العملية طريقة المصممين في التفكير وإجراء التجارب والاكتشاف. تعمل "جيانا" حاليًّا سيدة أعمال حرة على الإنترنت.
إيليت جنيزي
لقد التقيت مع "إيليت" منذ سنوات عديدة في نزهة نظمها أصدقاء لنا، كان انطباعًا إيجابيًّا جدًّا تجاهها للوهلة الأولى، وازداد تقديري لها مع مرور الوقت، وهي
إنسانة رائعة وصديقة عظيمة، ولذلك فمن الغريب بعض الشيء أن الموضوعات التي قررنا أن نشترك فيها معا هي "انعدام الثقة" و "الانتقام". ومهما كان السبب
الذي ساقنا ابتداء لاستطلاع هذه الموضوعات، فإن الأمر انتهى بفائدة كبيرة على المستوى الأكاديمي والشخصي، وهي تعمل حاليًّا أستاذًا في جامعة كاليفورنيا في
سان دييجو. (إذا صادفت اسم "جنيزي" آخر في قائمتي من بين المتعاونين، فليس ذلك إلا لأنه اللقب الأخير لبعض المتعاونين).
أوري جنيزي
"أوري" هو واحد من أكثر الناس تهكمًا وإبداعية قابلتهم في حياتي، وبسبب تلك المهارتين، كان قادرًا على إنجاز البحث المهم والمفيد بسرعة ودون جهد، وقبل بضع
ســنوات أخــذت "أوري" لرجـل مصـاب بحـروق، وانـدمج تمـامًا هنـاك مـع الوسـط المحـيط، فـي طـريق العـودة خسـر الرهـان، ونتيجـة لـذلك كـان مـن المفتـرض أن يعطـي
هدية لشخص لا يعرفه كل يوم لمدة شهر. وللأسف، فإنه لم يعد قادرًا على فعل ذلك عندما عاد مرة أخرى إلى أنشطته الحياتية الروتينية، يعمل "أوري" حاليًّا
أستاذًا في جامعة كاليفورنيا في سان دييجو.
إيمير كامينيكا
التقــيت "إيمــير" مــن خــلال درازن وســرعان مــا لاحظــت مــهاراته وعمــق فكــره الاقتصــادي، كــان التحــدث إلــى "إيمـير" بمثابـة شـعور يجعلنـي قـادرًا علـى معرفـة كيفيـة
المناقشات بين الفلاسفة الأوروبيين في القرن الثامن عشر، لم نكن في عجلة من أمرنا، وكان الحديث يسير في سياقه، دعوني أصدقكم القول بأني لا أعتقد أنه لا
يزال حتى الآن طالب دراسات عليا، فالحياة قد تغيرت بالنسبة له قليلًا، ولكني ما زلت أعتز بتلك المناقشات، يعمل "إيمير" حاليًّا أستاذًا في جامعة شيكاغو.
ليونارد لي
انضم "ليونارد" لبرنامج الدكتوراه في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا للعمل على مواضيع تتعلق بالتجارة الإلكترونية، ولأن كلينا كان يعمل لساعات طويلة،
بدأنا أخذ راحة معًا في وقت متأخر من الليل، وهذا أعطانا فرصة للعمل معًا على عدد قليل من المشاريع البحثية، وقد كان التعاون مع "ليونارد" عظيمًا، فلديه
طاقة وحماس دائمان، ويستطيع القيام بعدد من التجارب في أسبوع ما لا يمكن للآخرين القيام به إلا في فصل دراسي كامل، وبالإضافة إلى ذلك، فإن "ليوناردو"
من أحسن الشخصيات التي قابلتها وعملت معها. وهو يعمل حاليًّا أستاذًا في جامعة كولومبيا.
جورج لوينشتاين
يعد "جورج" أحد أول المتعاونين ومن أفضلهم وأطولهم وقتًا في العمل، وهو أيضًا نموذج أحتذي به، في رأيي يعد "جورج" أكثر الباحثين إبداعًا وتحررًا في مجال
الاقتصــاد الســلوكي، فلــديه قــدرة مــذهلة علــى مراقبــة العــالم مــن حولــه وإيجــاد الفــروق الــدقيقة فـي السـلوك التـي تعتبـر مـهمة لفـهمنا للطبيعـة البشـرية فضـلًا عـن
السياسة. يعمل "جورج" حاليًّا - وهو جدير بذلك - أستاذ كرسي هيربرت سيمون لعلوم الاقتصاد وعلم النفس في جامعة كارنيجي ميلون.
نينا مزار
جاءت "نينا" إلى معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا لبضعة أيام للحصول على تعليقات بخصوص بحثها وانتهى بها الأمر للبقاء لمدة خمس سنوات، وخلال ذلك
الوقت تمتعنا كثيرًا بالعمل معًا فقد اعتمدت عليها بشكل كبير، تتميز "نينا" بغض الطرف عن الزلات، ولها استعداد لمواجهة التحديات الكبيرة مما أدى بنا إلى
القيام ببعض التجارب الصعبة وخاصة في المناطق الريفية في الهند، لسنوات عديدة كنت آمل أنها لن تقرر الرحيل، ولكن للأسف جاء الوقت الذي رحلت فيه عنا،
وهي تعمل حاليًّا أستاذًا في جامعة تورونتو، في الواقع تعد "نينا" مصممة أزياء راقية في ميلان، إيطاليا.
دانييل موكون
"دانييل" هو مزيج نادر من الذكاء والإبداع والقدرة على إنجاز الأمور. وعلى مدى السنوات القليلة الماضية، اشتركنا معًا في عدد قليل من المشاريع المختلفة، وما
زلـــــت منـــدهشًا مـــن بصـــيرته وقـــدرته علـــى الاســـتمرار، شـــيء واحـــد يؤســـفني هـــو أننـــي انتقلـــت عنـــدما كـــان علـــى وشـــك الانتـــهاء مـــن عملـــه فـــي معـــهد ماســـاتشوستس
للتكنولوجيا، وكم أتمنى لو تسنى لي المزيد من الفرص للحديث والتعاون معه، يعمل "دانييل" حاليًّا في مرحلة أبحاث ما بعد الدكتوراه في جامعة يال.
مايك نورتون
يجمــع "مــايك" بــين الــذكاء والتواضــع والــدعابة السـاخرة، ولـديه منظـور فريـد للحيـاة، ويجـد تقـريبًا أي موضـوع مثـيرًا للاهتمـام، كثـيرًا مـا كنـت أرى مـع "مـايك" أن
المشروعات البحثية عبارة عن رحلات، وكنت أغامر معه فيما لم أفعله مع غيره، "مايك" أيضًا مطرب رائع وإذا سنحت لك الفرصة، اسأله عن نسخته من أغنية "
Only Fools Rush In "
لـ ألفيس. يعمل "مايك" حاليًّا أستاذًا في جامعة هارفارد.
درازن بريليك
يعد "درازن" واحدًا من أذكى الأشخاص الذين قابلتهم في حياتي وأحد الأسباب الرئيسية لدخولي إلى معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، وأعتقد أن "درازن" من
الملــوك الأكــاديميين، فــهو يعــرف مــا يفعــل وواثــق مــن نفســه ولــه بصــمة علـى أي شـيء يعمـل فيـه، وكنـت آمـل مـن خـلال التناضـح الحصـول علـى بعـض مـن أسـلوبه
وبصيرته، ولكن وجود مكتبي بجواره لم يكن كافيًا لذلك، يعمل "درازن" حاليًّا أستاذًا في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا.
ستيفن سبيلر
بدأ "ستيفن" حياته المهنية الأكاديمية كطالب لـ "جون لينش"، وكان "جون" مستشار درجة الدكتوراه لي أيضًا، لذا فأنا و "ستيفن" على درجة قرابة من الناحية
الأكاديميــة فــي الأســاس، وأشــعر كمــا لــو أنــه أخــي الأصــغر ســنًّا (وإن كــان أطــول منــي بكثــير). إن "ســتيفن" ذكــي ومبــدع ولقـد كـان شـرفًا لـي أن أراه يتقـدم فـي تجاربـه
الأكاديمية المثيرة، وهو حاليًّا طالب دكتوراه في جامعة ديوك، وإذا كان لمستشاريه أي رأي في الأمر لما سمحنا له بتركنا.
ملاحظات
 
1. Adam Smith, An Inquiry into the Nature and Causes of the Wealth of Nations (Chicago: University of Chicago Press, 1977 ),
44-45.
2. George Loewenstein, ‘Because It Is There: The Challenge of Mountaineering ... for Utility Theory," Kyklos 52, no. 3 (1999):
315-343.
3. Laura Shapiro, Something from the Oven: Reinventing Dinner in 1950s America (New York: Viking, 2004).
4. www.foodtietwork.com/recipes /satidra-lee/setisLioLis-chocolatetruffles-recipc/inclex.litnil.
5. Mark Twain, Europe and Elsewhere (New York: Harper & Brothers Publishers, 1923).
6. http:// tieriievlib.blogs.nytimes.com.
7. 7 Richard Munson, From Edison to Fnron: The Business of Power and What It Means for the Future of Electricity (Westport,
Conn.: Praeger Publishers, 2005), 23.
8. James Surowiecki, "All Together Now," The New Yorker, April 11 , 2005.
9. www.openleft.com/showDiary.do?diaryld=8374, September 21 , 2008.
10. The complete presentation is available at www.danariely.com /files/ hotcl.htnil.
11. Albert Wu, [-Chan Huang, Samantha Stokes, and Petcr Pronovost, "Disclosing Medical Errors to Patients: It’s Not What You
Say, It’s What They Hear," Journal of General Internal Medicine 24, no. 9 (2009): 1012-1017.
12. Kathleen Mazor, George Reed, Robert Yood, Melissa Fischer, Joann Bard, and Jerry Gurwitz, "Disclosure of Medical Errors:
What Factors Influence How Patients Respond?" Journal of General internal Medicine 21, no. 7 (2006): 704-710.
13. www.vanderbilt.edu/News/register/Marl1_02/story8 .html.
14. www.busiiiessweek.com/magazine/content/,07-04/b40l800l.htni.
15. http ://jamesfallows.theatlantic.com/archives/2006/09%the-boiled frog-myth stop-the -Lphp #more.
16. Andrew Potok, Ordinary Daylight: Portrait of an Artist Going Blind (New York: Bantam, 2003).
17. T. C. Schelling, " The Life You Save May Be Your Own," in Problems in Public Expenditure Analysis, ed. Samuel Chase
(Washington, D. C.: Brookings Institution, 1968).
18. See Paul Slovic, "’If I Look at the Mass I Will Never Act’: Psychic Numbing and Genocide," Judgment and Decision Making 2,
no. 2 (2007): 79-95 .
19. James Estes, "Catastrophes and Conservation: Lessons from Sea Otters and the Exxon Valdez," Science 254, no. 5038 (1991):
1596.
20. Samuel S. Epstein, "American Cancer Society: The World’s Wealthiest ‘Nonprofit’ Institution," International Journal of
Health Services 29, no. 3 (1999): 565-578.
21. Catherine Spence, ".Mismatching Money- Need," in Keith Ep stein, "Crisis Mentality: Why Sudden Emergencies Attract
More Funds than Do Chronic Conditions, and How Nonprofits Can Change That," Stanford Social Innovation Review, spring
2006: 48-57.
22. Babylonian Talmud, Sanhedrin 4:8 ( 37a).
23. A. G. Sanfey, J. K. Rilling, J. A. Aronson, L. E. Nystrom, and J. D. Cohen, "The Neural Basis of Economic Decision-Making in
the Ultimatum Game," Science 300 (2003): 1755-1758.
24. Franklin D. Roosevelt, Oglethorpe University commencement address, May 22, 1932.
المراجع والمزيد من القراءات
 
Below is a list of the papers and books on which the chapters were based, plus suggestions for additional readings on each
topic.
مقدمة دروس مستقاة من التسويف والآثار الجانبية الطبية
George Akerlof, "Procrastination and Obedience," The American Economic Review 81, no. 2 (May 1991): 1-19.
Dan Ariely and Klaus Wertenbroch, "Procrastination, Deadlines, and Performance: Self-Control by Precommitment,"
Psychological Science 13, no. 3 (2002): 219-224.
Stephen Hoch and George Loewenstein, "Time-Inconsistent Preferences and Consumer Self -Control," Journal of Consumer
Research 17, no. 4 (1991): 492-507 .
David Laibson, "Golden Eggs and Hyperbolic Discounting," The Quarterly journal of Economics 112, no. 2 (1997): 443-477.
George Loewenstein, " Out of Control: Visceral Influences on Behavior," Organizational Behavior and Human Decision
Processes 65, no. 3 (1996): 272-292.
Ted O ’Donoghue and Matthew Rabin, "Doing It Now or Later," Amer ican Economic Review 89, no. 1 (1999): 103-124.
Thomas Schelling, " Self-Command: A New Discipline," in Choice over Time, ed. George Loewenstein and John Elster (New
York: Russell Sage Foundation, 1992).
الفصل 1: بذل الكثير من أجل القليل لماذا لا تنجح المكافآت الضخمة دائمًا؟
اعتمد على
Dan Ariely, Uri Gneezy , George Loewenstein, and Nina Mazar, "Large Stakes and Big Mistakes ," The Review of Economic
Studies 76, vol. 2 (2009): 451-469 .
Racheli Barkan, Yosef Solomonov, Michael Bar-Eli, and Dan Ariely,
"Clutch Players at the NBA," manuscript, Duke University, 2010.
Mihaly Csikszentmihalyi, Flow: The Psychology of Optimal Experi
ence (New York: Harper and Row, 1990).
Daniel Kahneman and Amos Tvcrsky, "Prospect Theory: An Analysis of
Decision under Risk," Econometrics 47, no. 2 (1979): 263-291.
Robert Yerkes and John Dodson, "The Relation of Strength of Stimulus
to Rapidity of Habit-Formation," Journal of Comparative Neurol
ogy and Psychology 18 (1908): 459-482.
Robert Zajonc, "Social Facilitation," Science 149 (1965): 269-274.
Robert Zajonc , Alexander Heingartner, and Edward Herman, "Social Enhancement and Impairment of Performance in the
Cockroach," Journal of Personality and Social Psychology 13, no. 2 (1969): 83-92.
قراءات إضافية
Robert Ashton, "Pressure and Performance in Accounting Decision Setting: Paradoxical Effects of Incentives, Feedback, and
Justification," Journal of Accounting Research 28 (1990): 148-180.
John Baker, "Fluctuation in Executive Compensation of Selected Companies," The Review of Economics and Statistics 20, no. 2
(1938): 65-75.
Roy Baumeister, "Choking Under Pressure: Self-Consciousness and Paradoxical Effects of Incentives on Skillful Performance,"
Journal of Personality and Social Psychology 46, no. 3 (1984): 610-620.
Roy Baumeister and Carotin Showers, "A Review of Paradoxical Performance Effects: Choking under Pressure in Sports and
Mental Tests," European Journal of Social Psychology 16, no. 4 (1986): 361-383.
Ellen .1. Langer and Lois G. Imber, "When Practice Makes Imperfect: Debilitating Effects of Owrlearning," Journal of
Personality and Social Psychology 37, no. 11 (1979): 2014-2024.
Chu-Min Liao and Richard Masters , "Self-Focused Attention and Performance Failure under Psychological Stress," Journal of
Sport and Exercise Psychology 24, no. 3 (2002): 289-305 .
Kenneth McGraw, "The Detrimental Effects of Reward on Performance: A Literature Review and a Prediction Model," in The
Hidden Costs of Reward: New Perspectives on the Psychology of Human Motivation, ed. Mark Lepper and David Greene (New
York: Erlbaum , 1978).
Dean Mobbs, Demis Hassabis, Ben Seymour, Jennifer Marchant, Niko laus Weiskopf, Raymond Dolan. and Christopher Frith,
"Choking on the Money: Reward-Based Performance Decrements Are Associated with Midbrain Activity," Psychological
Science 20, no. 8 (2009): 955-962.
الفصل 2: معنى العمل ما نتعلمه من لعبة "ليجو" عن بهجة العمل
اعتمد على
Dan Ariely, Emir Kamenica, and Draien Prelec, "Man’s Search for Meaning: The Case of Legos," Journal of Economic Behavior
and Organization 67, nos. 3-4 ( 2008): 671-677.
Glen Jensen, "Preference for Bar Pressing over ‘Freeloading’ as a Function of Number of Unrewarded Presses," Journal of
Experimental Psychology 65, no. 5 (1963): 451-454.
Glen Jensen, Calvin Leung, and David Hess, "’Freeloading’ in the Skinner Box Contrasted with Freeloading in the Runway,"
Psychological Reports 27 (1970): 67-73.
George Loewenstein, "Because It Is There: The Challenge of Mountain
eering ... for Utility Theory," Kyklos 52, no. 3 (1999): 315-343.
قراءات إضافية
George Akerlof and Rachel Kranton, "Economics and Identity," The
Quarterly Journal of Economics 115, no. 3 (2000): 715-753.
David Blustein, "The Role of Work in Psychological Health and Well
Being: A Conceptual, Historical, and Public Policy Perspective,"
American Psychologist 63, no. 4 (2008): 228-240.
Armin Falk and Michael Kosfeld, "The Hidden Costs of Control," American Economic Review 96, no. 5 (2006): 1611-1630.
I. R. Inglis, Bjorn Forkman , and John Lazarus, "Free Food or Earned Food? A Review and Fuzzy Model of Contrafreeloading,"
Animal Behaviour 53, no. 6 (1997): 1171-1191.
Ellen Langer, "The Illusion of Control," Journal of Personality and Social Psychology 32, no. 2 (1975): 311-328.
Anne Preston, "The Nonprofit Worker in a For-Profit World," Journal of Labor’ Economics 7, no. 4 (1989): 438-463.
الفصل 3: تأثير ايكيا لماذا نبالغ في تقدير ما نفعل؟
اعتمد على
Gary Becker, Morris H. DeGroot, and Jacob Marschak, "An Experimental Study of Some Stochastic Models for Wagers,"
Behavioral Science 8, no. 3 (1963): 199-201.
Leon Festinger, A Theory of Cognitive Dissonance (Stanford, Calif.: Stanford University Press, 1957).
Nikolaus Franke, Martin Schreier, and Ulrike Kaiser, "The ‘I Designed It Myself’ Effect in Mass Customization," Management
Science 56, no. 1 (2009): 125-140.
Michael Norton, Daniel Mochon, and Dan Ariely, "The IKEA Effect: When Labor Leads to Love," manuscript, Harvard
University, 2010.
قراءات إضافية
Hal Arkes and Catherine Blumer, "The Psychology of Sunk Cost," Organizational Behavior and Human Decision Processes 35,
no. 1 (1985): 124-140.
Neeli Bendapudi and Robert P. Leone, "Psychological Implications of Customer Participation in Co-Production," Journal of
Marketing 67, no. 1 (2003): 14-28.
Ziv Carmon and Dan Ariely, "Focusing on the Forgone: How Value Can Appear So Different to Buyers and Sellers," Journal of
Consumer Research 27, no. 3 (2000): 360-370.
Daniel Kahneman, Jack Knetsch , and Richard Thaler, "Anomalies: The Endowment Effect, Loss Aversion, and Status Quo
Bias," Journal of Economic Perspectives 5, no. I (1991): 193-206.
Daniel Kahneman, Jack Knetsch, and Richard Thaler, " Experimental Tests of the Endowment Effect and the Coase Theorem,"
The Journal of Political Economy 98, no. 6 (1990): 1325-1348 .
Jack Knetsch, "The Endowment Effect and Evidence of Nonreversible Indifference Curves," The American Economic Review 79,
no. 5 (1989 ):1277-1284.
Justin Kruger, Derrick Wirtz, Leaf Van Boven, and T . William Alter-matt, "The Effort Heuristic," Journal of Experimental Social
Psychology 40, no. 1 (2004): 91-98.
Ellen Langer, "The Illusion of Control," Journal of Personality and Social Psychology 32 , no. 2 (1975): 311-328.
Carey Morewedge, Lisa Shu, Daniel Gilbert , and Timothy Wilson, "Bad Riddance or Good Rubbish? Ownership and Not Loss
Aversion Causes the Endowment Effect," Journal of Experimental Social Psychology 45, no. 4 (2009): 947-951.\
الفصل 4: الانحياز لــ "ليس من صنعنا" لماذا تعد "أفكاري" أفضل من "أفكارك"؟ "
اعتمد على
Zachary Shore, Blunder: Why Smart People Make Bad Decisions (New York: Bloomsbury USA, 2008).
Stephen Spillcr, Rachel Barkan, and Dan Ariely, "Not-Invented-by-Me: Idea Ownership Leads to Higher Perceived Value,"
manuscript, Duke University, 2010.
قراءات إضافية
Ralph Katz and Thomas Allen, "Investigating the Not Invented Here
(NIH) Syndrome: A Look at the Performance, Tenure, and Commu
nication Patterns of 50 R&D Project Groups," R&D Management 12, no. 1 (1982): 7-20.
Jozef Nuttin, Jr., "Affective Consequences of Mere Ownership: The Name Letter Effect in Twelve European Languages,"
European Journal of Social Psychology 17, no. 4 (1987): 381-402.
Jon Pierce, Tatiana Kostova, and Kurt Dirks, "The State of Psychological Ownership: Integrating and Extending a Century of
Research," Review of General Psychology 7, no . 1 (2003): 84-107.
Jesse Preston and Daniel Wegner, "The Eureka Error: Inadvertent Plagiarism by Misattributions of Effort," Journal of
Personality and Social Psychology 92, no. 4 (2007): 575-584.
Michal Strahilevitz and George Loewenstein, "The Effect of Ownership
History on the Valuation of Objects," Journal of Consumer Research 25, no. 3 (1998): 276-289.
الفصل 5: حالة الانتقام ما الذي يدفعنا للبحث عن العدل؟
اعتمد على
Dan Ariely, "Customers’ Revenge 2.0," Harvard Business Reuietv 86, no. 2 (2007): 31-42.
Ayelet Greczy and Dan Ariely, "Don’t Get Mad, Get Even: On Consumers’ Revenge," manuscript, Duke University, 2010.
Keith Jensen, Josep Call, and Michael Tomasello, "Chimpanzees Are Vengeful but Not Spiteful," Proceedings of the National
Academy of Sciences 104, no. 32 (2007): 13046-13050.
Dominique de Quervain, Urs Fischbacher, Valerie Treyer, Melanie Schellhammer, Ulrich Schnyder, Alfred Buck, and Ernst Fehr,
" The Neural Basis of Altruistic Punishment," Science 305, no. 5688 (2004): 1254-1258.
Albert Wu, I-Chan Huang, Samantha Stokes, and Peter Pronovost, "Disclosing Medical Errors to Patients: It’s Not What You
Say, It’s What They Hear," Journal of General Internal Medicine 24, no. 9 (2009): 1012-1017.
قراءات إضافية
Robert Bies and Thomas Tripp, "Beyond Distrust: ‘Getting Even ’ and the Need for Revenge," in Trust in Organizations:
Frontiers in Theory and Research, ed. Roderick Kramer and Tom Tyler (Thousand Oaks, Calif.: Sage Publications. 1996).
Ernst Fehr and Colin F. Camerer, "Social Neuroeconomics: The Neural Circuitry of Social Preferences," Trends in Cognitive
Sciences 11, no. 10 (2007): 419-427 .
Marian Friestad and Peter Wright, "The Persuasion Knowledge Model: How People Cope with Persuasion Attempts," Journal of
Consumer Research 21 , no. 1 (1994): 1-31.
Alan Krueger and Alexandre Mas, "Strikes, Scabs, and Tread Separa
tions: Labor Strife and the Production of Defective Bridgestone/
Firestone Tires," ‘Journal of Political Economy 112, no. 2 (2004):
253-289.
Ken-/chi Ohbuchi, Masuyo Kameda and Nariyuki Agarie, "Apology as
Aggression Control: Its Role in Mediating Appraisal and Response to Harm," Journal of Personality and Social Psychology 56,
no. 2 (4989): 219-227.
Seiji Takaku , "The Effects of Apology and Perspective Taking on Interpersonal Forgiveness: A Dissonance-Attribution Model of
Interpersonal Forgiveness," Journal ol -Social Psychology 141, no. 4 (2001): 494-508.
الفصل 6: عن التكيف لماذا نتعود على الأشياء (لكن ليس كل الأشياء، وليس دائمًا)
اعتمد على
Henry Bccchcr, "Pain in Men Wounded in Battle," Annals o/ .Surgery 123, no. I (1946): 96-105.
Philip Brickinari, Dan Coates, and Ronnie jalloff- B111111all, "Lottery Winners and Accident Victims: Is I lappiness Relative?"
Journal of Personality and Social Psychology no. 8 (1978): 917-927.
Andrew Clark, "Arc Wages Habit-Forming? Evidence from Micro Data," journal of Pcononzic Behavior & Organization 39, no. 2
(1999): 179-200 .
Rctivcn Dar, Dan Aricly, and I Linan Frcnk, "The Effect of Past-Injury’ on Pain Threshold and Tolerance," Pain 60 (1995):
189-19.3.
Paul Eastwick, Fli Finkel, Tamar Krishnanitirti, and George Loewenstein, "Mispredicting Distress Following Romantic
11reakop: Revealing the Time Course of the Affective Forecasting Error," journal of Fxperimental Social Psychology 44, no. 3
(2008): 800-807.
Leif Nelson and Tom Mcvvis, "Interrupted Consumption: Adaptation and the Disruption of HCdO11iC Experience," lournal of
Markeling Research 45 (2008): 654-664.
Leif Nelson, Tom jIvIcyvis, and Jeff Galak, "Enhancing the I’cic% ,isiollViewing Experience through Commercial
Interruptions,".f 011171,1/ of Consumer Research 36, no. 2 (2009): 160-172.
David Schkade and Daniel Kahneman, "Does Living in California Make People Happy? A Focusing Illusion in Judgments of Life
Satisfaction," Psychological Scienc e 9 , no. 5 (1998): 340-346.
Tibor Scitovsky, The Joyless Economy: The Psychology of Human Satisfaction (New York: Oxford University Press, 1976).
قراءات إضافية
Dan Ariely, "Combining Experiences over Time: The Effects of Duration, Intensity Changes and On-Line Measurements on
Retrospective Pain Evaluations," Journal of Behavioral Decision Making 11 (1998): 19-45.
Dan Ariely and Ziv Carmon, "Gestalt Characteristics of Experiences: The Defining Features of Summarized Events," Journal of
Behavioral Decision Making 13, no. 2 (2000): 191-201.
Dan Ariely and Gal Zauberman, "Differential Partitioning of Extended Experiences," Organizational Behavior and Human
Decision Processes 91, no. 2 (2003): 128-139.
Shane Frederick and George Loewenstein, "Hedonic Adaptation," in
 Well- Being: The Foundations of Hedonic Psychology, ed. Daniel
Kahneman, Ed Diener, and Norbert Schwarz (New York: Russell
Sage Foundation, 1999).
Bruno Frey, Happiness: A Revolution in Economics (Cambridge, Mass.: MIT Press, 2008).
Daniel Gilbert, Stumbling on Happiness (New York: Knopf, 2006). Jonathan Levav, "The Mind and the Body: Subjective Well-Being in an
Objective World," in Do Emotions Help or Hurt Decision Making?
ed. Kathleen Vohs, Roy Baumeister, and George Loewenstein (New
York: Russell Sage, 2007).
Sonja Lyubomirsky, "Hedonic Adaptation to Positive and Negative Ex
periences," in Oxford Handbook of Stress, Health, and Coping, ed.
Susan Folkman (New York: Oxford University Press, 2010).
Sonja Lyubomirsky, The How of Happiness: A Scientific Approach to
Getting the Life You Want (New York: Penguin, 2007).
Sonja Lyubomirsky, Kennon Sheldon, and David Schkade, "Pursuing Happiness: The Architecture of Sustainable Change,"
Review of General Psychology 9, no. 2 (2005): 111-131.
الفصل 7: جذاب أم لا؟ التكيف، الاقتران المتكافئ، وسوق الجمال
اعتمد على
Leonard Lee, George Loewenstein, James Hong, Jim Young, and Dan Ariely, "If I’m Not Hot, Are You Hot or Not? Physical-Attractiveness Evaluations and Dating Preferences as a Function of
One’s Own Attractiveness," Psychological Science 19, no. 7 (2008): 669-677.
قراءات إضافية
Ed Diener, Brian Wolsic, and Frank Fujita, "Physical Attractiveness and Subjective Well-Being," Journal of Personality and
Social Psychology 69, no. 1 (1995): 120-129.
Paul Eastwick and Eli Finkel, "Speed-Dating as a Methodological Innovation," The Psychologist 21, no. 5 (2008): 402-403.
Paul Eastwick , Eli Finkel, Daniel Mochon, and Dan Ariely, "Selective vs. Unselective Romantic Desire: Not All Reciprocity Is
Created Equal," Psychological Science 21, no. 5 (2008): 402-403.
Elizabeth Epstein and Ruth Guttman, "Mate Selection in Man: Evidence,
Theory, and Outcome," Social Biology 31, no. 4 (1984): 243-278.
Raymond Fisman, Sheena Iyengar, Emir Kamenica, and Itamar Simonson, "Gender Differences in Mate Selection: Evidence
from a Speed Dating Experiment," Quarterly Journal of Economics 121, no. 2 (2006): 673-697.
Gunter Hitsch, Ali Horta~su , and Dan Ariely, "What Makes You Click?—Mate Preferences in Online Dating," manuscript,
University of Chicago, 2010.
الفصل 8: عندما يفشل السوق مثال من التعارف عن طريق الإنترنت
اعتمد على
Jeana Frost, Zoe Chance, Michael Norton, and Dan Ariely, " People Are Experience Goods: Improving Online Dating with
Virtual Dates," Journal of Interactive Marketing 22, no. 1 (2008): 51-61.
Fernanda Viegas and Judith Donath, "Chat Circles," paper presented at SIGCHI Conference on Human Factors in Computing
Systems: The CHI Is the Limit, Pittsburgh, Pa., May 15-20, 1999.
قراءات إضافية
Steven Bellman, Eric Johnson, Gerald Lohse and Naomi Mandel, "Designing Marketplaces of the Artificial with Consumers in
Mind: Four Approaches to Understanding Consumer Behavior in Electronic Environments," Journal of Interactive Marketing
20, no. 1 (2006): 21-33.
Rebecca Hamilton and Debora Thompson, "Is There a Substitute for Direct Experience? Comparing Consumers’ Preferences
after Direct and Indirect Product Experiences," Journal of Consumer Research 34, no. 4 (2007): 546-555.
John Lynch and Dan Ariely, "Wine Online: Search Costs Affect Competition on Price, Quality, and Distribution," Marketing
Science 19, no. 1 (2000): 83-103.
Michael Norton, Joan DiMicco, Ron Cancel, and Dan Ariely, " AntiGroupWare and Second Messenger," BT Technology journal
22, no. 4 (2004): 83-88.
الفصل 9: عن العاطفة والتعاطف لماذا نستجيب لشخص يحتاج إلى المساعدة وليس الذي يحتاج إلى المزيد
اعتمد على
Deborah Small and George Loewenstein, "The Devil You Know: The Effects of Identifiability on Punishment," Journal of
Behavioral Decision Making 18, no. 5 (2005): 311-3 N.
Deborah Small and George Loewenstein, "Helping a Victim or Helping the Victim: Altruism and Identifiability," Journal of Risk
and Uncertainty 26, no. 1 (2003): 5-13.
Deborah Small, George Loewenstein, and Paul Slovic, "Sympathy and Callousness: The Impact of Deliberative Thought on
Donations to Identifiable and Statistical Victims," Organizational Behavior and Human Decision Processes 102, no. 2 (2007):
143-153.
Peter Singer, "Famine, Affluence, and Morality," Philosophy and Public Affairs 1, no. 1 (1972): 229-243.
Peter Singer, The Life You Can Save: Acting Now to End World Poverty (New York: Random House, 2009).
Paul Slovic, "(]an International Law Stop Genocide When Our Moral
Institutions Fail Us?" Decision Research (2010; forthcoming).
Paul Slovic, "’If I Look at the Mass I Will Never Act’: Psychic Numbing
and Genocide," Judgment and Decision Making 2, no. 2 (2007):
79-95.
قراءات إضافية
Elizabeth Dunn, Lara Aknin, and Michael Norton, "Spending Money on Others Promotes Happiness," Science 319, no. 5870
(2008): 1687-168S.
Keith Epstein, "Crisis Mentality: Why Sudden Emergencies Attract More Funds than Do Chronic Conditions, and How
Nonprofits Can Change That," Stanford Social Innovation Review, spring 2006: 48-57.
David Fctherstonhallgh, Paul Slovic, Stephen Johnson, and James Friedrich, "Insensitivity to the Value of Human Life: A Study
of Psycho-physical Numbing," Journal of Risk and Uncertainty 14, no. 3 (1997): 283-300.
Karen Jenni and George Loewenstein, "Explaining the ‘Identifiable Victim Effect,"’ Journal of Risk and Uncertainty 14, no. 3
(1997): 235-257.
Thomas Schelling, "The Life You Save May Be Your Own," in Problems in Public Expenditure Analysis, ed. Samuel Chase
(Washington, D.C.: Brookings Institution, 1968).
Deborah Small and Uri Simonsohn, "Friends of Victims: Personal Experience and Prosocial Behavior," special issue oil
transformative consumer research, Journal of Consumer Research 35, no. 3 (2008): 532-542.
الفصل 10: التأثيرات بعيدة المدى للانفعالات قصيرة المدى لِمَاذا لا نتصرف طبقًا لمشاعرنا السلبية؟
اعتمد على
Eduardo Andrade and Dan Ariely, "The Enduring Impact of Transient Emotions oil Decision Making," Organizational Behavior
and Human Decision Processes 109, no. 1 (2009): 1-8.
قراءات إضافية
Eduardo Andrade and Teck-Hua Ho, "Gaming Emotions in Social Interactions," Journal of Consumer Research 36, no. 4 (2009):
539552.
Dan Ariely, Anat Bracha, and Stephan Meier, "Doing Good or Doing Well? Image Motivation and Monetary Incentives in
Behaving Pro-socially," American Economic Review 99, no. 1 (2009): 544-545.
Roland Benabou and Jean Tirole, "Incentives and Prosocial Behavior," American Economic Review 96, no. 5 (2006): 1652-1678.
Ronit Bodner and Drazen Prelec, "Self-Signaling and Diagnostic Utility in Everyday Decision Making," in Psychology of
Economic Deci
sions, vol. 1, ed. Isabelle Brocas and Juan Carrillo (New York: Oxford University Press, 2003).
Jennifer Lerner, Deborah Small, and George Loewenstein, "Heart Strings and Purse Strings: Carryover Effects of Emotions on
Economic Decisions," Psychological Science 15, no. 5 (2004): 337-341.
Gloria Manucia, Donald Baumann , and Robert Cialdini, "Mood Influences on Helping: Direct Effects or Side Effects?" Journal of
Personality and Social Psychology 46 , no. 2 (1984): 357-364.
Draien Prelec and Ronit Bodner. "Self -Signaling and Self-Control," in Time and Decision: Economic and Psychological
Perspectives on Intertemporal Choice, ed. George Loewenstein, Daniel Read , and Roy Baumeister (New York: Russell Sage
Press, 2003).
Norbert Schwarz and Gerald Clore, "Feelings and Phenomenal Experiences," in Social Psychology: Handbook of Basic
Principles, ed. Tory Higgins and Aric Kruglansky (New York: Guilford, 1996).
Norbert Schwarz and Gerald Clore , "Mood, Misattribution, and Judgments of Well-Being: Informative and Directive Functions
of Affective States," Journal of Personality and Social Psychology 45, no. 3 (1983): 513-523.
Uri Simonsohn, "Weather to Go to College," The Economic journal 120, 110. 543 ( 2009): 270-280.
الفصل 11: دروس من اللاعقلانية التي نتسم بها لماذا علينا اختبار كل شيء؟
قراءات إضافية
Colin Camerer and Robin Hogarth, "The Effects of Financial Incentives in Experiments: A Review and Capital-Labor-Production Framework," Journal of Risk and Uncertainty 19, no. 1 (1999): 7-42.
Robert Slonim and Alvin Roth , "Learning in High Stakes Ultimatum Games: An Experiment in the Slovak Republic,"
Econometrics 66. no. 3 (1998): 569-596.
Richard Thaler, "Toward a Positive Theory of Consumer Choice." Journal of Economic Behavior and Organization 1, no. 1 (1980
39-60.
ملحوظة
أراء مقابلات والمزيد...
نبذة عن المؤلف
2. المزيد من اللاعقلانية
نبذة عن الكتاب
5. ما وراء هذا الكتاب
واصل القراءة
9. وصفة من دان
16. هل تواصل القراءة؟
المزيد من دان آريلى
نبذة عن المؤلف
المزيد من اللاعقلانية
لقد وصفت في بداية هذا الكتاب صراعي مع حقن الإنترفيرون، وكيف استخدمت الأفلام لتحفيز نفسي على التصرف كما لو كنت أهتم بكبدي. وبمشاهدة الأفلام
مباشرة بعد كل عملية حقن، كنت قادرًا على "خداع" نفسي على المداواة بانتظام على هذه الحقن الفظيعة، فتمكنت في النهاية من القضاء على الالتهاب الكبدي.
وقد استطعت من خلال استبدال المكافأة (تغيير مركز التحفيز من الحقن إلى الأفلام) الانتصار على مشكلات التحكم في الذات، لكني أتساهل عندما لا أتذكر على
الأقل طريقة واحدة لا أتمكن فيها من السيطرة على نفسي بانتظام.
?
 
 وكان التعامل مع الألم من المعوقات المتكررة والخطيرة بالنسبة لي. فيداي إصابتها حادة، ولذلك، كنت أشعر بالتعب عند كتابة صفحة تقريبا في اليوم. وكانت
هناك طرق للتخلص من هذا: كنت أكتب باستخدام ثلاثة أصابع سليمة من يدي اليسرى أو باستخدام تقنية الإملاء الصوتي. وكنت بالفعل أستخدم هذه الطرق
من حين لآخر لكنها لم تكن مجدية قط بالنسبة لي لأنها كانت تعوقني. ربما لو استمررت على استخدام إحدى هذه الطرق، لآل الأمر في نهاية المطاف إلى كتابة
الرسائل الإلكترونية التي تجعل الأمر أصعب وأصعب عليَّ للتكيف مع هذا الاحتياج الثقيل وأحيانا غير المتوقع مع مهاراتي في الكتابة.
?
لذلك، فأنا دومًا في ورطة. هل أستخدم كلتا يديَّ للعمل بشكل أسرع فأعاني كثيرًا الألم أم أتجنب الألم وأفقد الوقت الغالي الثمين؟ تتعلق هذه الورطة بالمشكلات
الرئيسية نفسها من المماطلة والتحكم في الذات اللتين أشرت إليهما في المقدمة حينما كتبت عن صراعي مع الحقن لعلاج الالتهاب الكبدي سي المصاب به.
وهاك طريقة أخرى للتفكير في هذه المشكلة: تخيل أنك مدخن منذ أمد وتستوعب أخطار التدخين. بشكل عام، إنك ترغب في أن تعيش مديدًا وفي عافية، وإذا ما
أمســكت بســيجارة فــي يــدك، فــإن عليــك اتخــاذ قــرار بــين أن تشــعل الســيجارة أو تتــوقف عــن التــدخين. إذا قمــت بتحليــل بسـيط للمنـافع والمضـار، فعلـى الأرجـح أنـك
ستقوم بإشعالها والتدخين. لماذا؟ لأنه بالنسبة للنظر إلى الأمر من زاوية المضار، تجد أن تدخين سيجارة واحدة لن يكون له أي تأثير حقيقي على صحتك (لكن الضار
هو التأثير التراكمي للتدخين).
الكفاءة والفاعلية، ولكن دون الاستفادة من الكثير والكثير من الممارسات، فإنها تعوقني إلى حد كبير. ونظرًا لأني غالبًا ما أتأخر في الكثير من التزاماتي؛ فقد كان
استخدام يدي اليمنى أسرع وسيلة للقيام ببعض أعمالي. وهذا يعني أن التنازل عن ميزة معينة من أجل الحصول على أخرى بين القيام بحاجة على المدى القصير
جــدًّا (كتابــة الكلمــة التاليــة أو جملــة كاملـة) والألـم علـى المـدى الطويـل الـذي قـد أعانيـه لسـاعات بعـد ذلـك. للأسـف، دائـمًا مـا أفشـل بـامتياز فـي اتخـاذ القـرار المناسـب
بالنسبة لصحتي العامة لأني غالبًا ما أستخدم كلتا يدي بأقصى طاقتي ثم أعاني الألم بعدها. (في الحقيقة، أنا أعاني الألم الآن وأنا أكتب هذه السطور).
?
وهذه المشكلة تزداد سوءًا عند كتابة بريد إلكتروني. ولو أني كنت أكتب فقط أوراقًا ومقالات وكتبًا، لما كان الأمر بهذا السوء لأني أكتب بالسرعة التي تناسبني. لكن
مثلي - مثل العديد من الناس - أجد أغلب تواصلي قد انتقل إلى حد كبير من المقابلات الشخصية والاتصال الهاتفي التركيز على سيجارة واحدة أو أكثر أو مجرد
إرسال رسالة إلكترونية أخرى هو ما يطلق عليه علماء الاجتماع "التأطير الضيق"؛ حيث نأخذ فقط في الاعتبار المنافع والمضار للقرار المتعجل. وغالبًا ما يكون مفيدًا
تجريب منظور التأطير الواسع والتكيف معه حيث لا نأخذ فقط في الاعتبار المضار والمنافع للقرارات المتعجلة ولكن الآثار المترتبة على القرارات التي ستتبع ذلك على
المدى البعيد.
وهذه هي مشكلتي بشكل أساسي - كيف أستبدل التفكير في الكتابة مستخدمًا اليد اليمنى من منظور ضيق (كيف يؤثر التأثير التراكمي للكتابة بهذه الطريقة على
هذه الليلة والأيام القليلة القادمة)؟ إنني لم أتبين الأمر حتى الآن، ولكنها مشكلة لا بد من حلها وسريعًا. إن المعوقات المتكررة والخطيرة بالنسبة لك هي التعامل
مع الألم. لذلك، إذا كتبت أكثر من صفحة في اليوم أو نحو ذلك، فإنني أشعر بتعب.
نبذة عن الكتاب
ما وراء هذا الكتاب
عندما كنت أؤلف هذا الكتاب، أدركت أن هذه الكلمات شخصية جدًّا خصوصًا بالنسبة لكتاب عن العلوم الاجتماعية. كما كان الأمر شخصيًّا للغاية أكثر من كتاب
توقع لاعقلاني ، وهذا ما جعلني أتساءل عما حدث بين الكتابين فجعلني راغبًا في استكشاف نفسي بدرجة أكبر.
أعتقد أن الإجابة عن هذا السؤال تتضح من خلال قصة المرأة التي قابلتها مؤخرًا في رحلة الطيران الطويلة. فقد أخبرتني تلك المرأة بأن قراءتها لكتاب توقع لاعقلاني
جعلتها تغير من طريقتها في التعامل الطبي مع مرض السكر من النوع أ. فقد ظلت لسنوات تحقن نفسها بالأنسولين وكانت تفكر في إجراء عملية لتركيب مضخة
أنسولين بدلًا من ذلك. كانت قلقة للغاية من الأمر ومن الألم الذي ستسببه تلك العملية، لكنها ملت أيضًا من الحقن المتكرر اليومي. بالطبع، إنني لم أتحدث قط
عن هذا القرار بذاته في الكتاب، لكنها أخبرتني أنها تساءلت عن نصيحتي لها في مثل حالتها والتي، في مخيلتها،
جعلتــها تـركز علـى المنـافع علـى المـدى البعيـد وتحـاول التغلـب علـى ميولـها الفطريـة بخصـوص التـركيز المفـرط علـى اللحظـة الحاليـة (وهـو مـا يطلـق عليـه "تحـيز التـركيز
الحالي"). وقد قالت إن "نصيحتي" لها ساعدتها في التغلب على التردد المسيطر عليها وتابعت مسيرها بإجراء العملية الجراحية التي زادت من سعادتها اليومية
وحسنت النتائج على المدى الطويل.
نحن نعلم جميعًا بديهيًّا أن أفضل الطرق التي تجعل الناس يخبرونك عن قصص من حياتهم الشخصية هو أن تخبرهم قصة عن حياتك الشخصية أولًا. وبهذه
الطريقة، سيشعرون بالراحة لتبادل قصصهم معك (وربما يتحررون قليلًا من الحرج فيخبرونك عن قصصهم الشخصية). وهذا ما حدث لي بشكل أساسي بعد
تأليف كتاب توقع لاعقلاني ، ففيه كتبت قصصًا عن حياتي الشخصية بخصوص القرارات التي تعين عليَّ اتخاذها، وعاد إليَّ القراء عبر السنين ليراسلوني عن
قصصهم الشخصية ويسألوني عن أمور طبية تخصهم ومشكلات أسرية وأمور كثيرة بخصوص المشكلات الحياتية. لذلك،
?
"هناك مزية واضحة لفهم كيفية الجانب اللاعقلاني فينا والذي يبدأ من إدراك أخطائنا".
"أعتقد أن الأمر الإيجابي الثاني يكمن في أن بعض الأمور اللاعقلانية قد تكون مفيدة للشخص وللمجتمع ككل".
عندما بدأت تأليف هذا الكتاب، شعرت أني أكتب لجمهور قراء أتناقش معهم منذ أمد بعيد مما جعل هذا الكتاب شخصيًّا أكثر. لست على يقين مما إذا كان هذا
الشعور جيدًا أم لا، لكن يبدو أنه تطور طبيعي للتواصل معك عزيزي القارئ.
?
ما زالت هناك مسألة أخرى أود توضيحها لك بخصوص هذا الكتاب ، فإني أدرك الآن أن عنوانه غامض بعض الشيء، وقد يكون العنوان الأفضل له هو الجوانب
الإيجابية العرضية للاعقلانية . لكن دعني أشرح قصدي من مصطلح "الجانب الإيجابي"، فإني أرى أنواعًا قليلة من إيجابيات اللاعقلانية: أولًا: هناك مزية واضحة
لفهم كيفية الجانب اللاعقلاني فينا والذي يبدأ من إدراك أخطائنا. وهذا سهل استيعابه إلى حد ما. فعلى سبيل المثال، إذا سألت اقتصاديًّا متعقلًا عن سبب بدانة
الناس، فسيقول لك لأن الناس يفضلون تناول الطعام في الوقت الحالي ولا يأبهون بما يعتريهم من صحة سيئة في المستقبل. ومن ناحية أخرى، فإنك إذا ما سألت
شــخصًا ليســت لــديه فكــرة جيــدة عـن العقلانيـة الإنسـانية، فإنـه قـد يقـول لـك: "حسـنًا، إن السـبب فـي أن النـاس يـأكلون كثـيرًا لـيس اعتقـادهم أن ذلـك هـو السـلوك
المثال،
ولكن لأنهم يجدون الأمر صعبًا في التغلب على دوافعهم، ومن الصعب أيضًا التفكير في الآثار على المدى البعيد للأكل بنهم". الهدف هنا هو أنك إذا بدأت في النظر
إلى الأمر من وجهة نظر لاعقلانية، فإنك ستبدأ في التفكير في مشكلات الأكل المفرط وهذا هو أول الجوانب الإيجابية للاعقلانية.
وأعتقــد أن الأمــر الإيجــابي الثــاني يكمــن فــي أن بعــض الأمــور اللاعقلانيــة قــد تكــون مفيــدة للشــخص وللمجتمــع ككــل. فــي هــذه الحــالات، لا نحــب أن يتعــامل النــاس
بعقلانيــة، وحتــى إذا اســتطعنا "إصــلاح" النــاس (بمعنــى تحويــل تصـرفاتهم غـير المتعقلـة إلـى أخـرى متعقلـة) فلـن نـرغب فـي فعـل ذلـك فـي الغـالب. وفيمـا يلـي بعـض
الأمثلة:
الصدقة - إذا كان الناس متعقلين تمامًا، فإنهم لن يعطوا أموالًا لأية جمعية خيرية ليست لها آثار حالية على حياتهم. فإذا كان كل ما ترغب فيه هو الاستزادة من
منفعتك الشخصية، فلماذا تعطي أموالك لأشخاص لا تعرفهم إطلاقًا, وهم بعيدون جدًّا عنك وليست لهم آثار مباشرة على مستقبلك؟
الأمانــة - فــي بحثنــا (وهــو أمــر مؤســف إلــى حــد مــا) عــن الخيانــة، وجــد أن العــديد مــن النــاس يــرتكبون الخيانـة، لكـن نسـبة الخيانـة أقـل بكثـير ممـا تتوقعـه النظريـات
الاقتصادية. تخيل، على سبيل المثال، تصرفات أصدقائك وجيرانك إذا كانت اهتماماتهم تدور فقط حول الرفاهية المالية؟ أعتقد بأن النتيجة ستكون زيادة نسبة
الخيانة والسرقة وضياع أشياء كثيرة. إذا كان كل مَن حولك يتطلعون إلى مصالحهم الشخصية بأنانية، وهو الشيء الطبيعي، فهل كنت ستطلب من جارك أن
يفتح بريدك أم هل ترغب في أن تترك محفظتك في درج مفتوح إذا خرجت لوقت قليل؟ بالطبع لا. بالطبع، الناس ليسوا ملائكة، البشر ليسوا ملائكة، ولكنا نهتم
أيضًا بالأخلاقيات بدرجة أكبر من اهتمامنا بمصالحنا
الشخصية.
واصل القراءة
وصفة من دان
كيف بدأت الكتابة في بحثي، وماذا بعد ذلك؟
منذ سنوات مضت، قررت تأليف كتاب عن الطهي. بدلًا من ذلك، أردت تأليف كتاب مستخدمًا المطبخ كاستعارة عن الحياة. عمومًا، المطبخ هو المكان الذي نقوم
فيــه بأشــياء، ونكســر أخــرى ونجــرب وننجــح أو نفشــل ونفكـر فيمـا يمتـع الآخـرين وبـالطبع نمـاطل فـي الحميـة الغـذائية وغسـل الأطبـاق. لـذا، فعلـى الأرجـح أن يكـون
المطبخ هو المكان المثالي لتطبيق مبادئ علم الاقتصاد السلوكي والعلوم الاجتماعية. لم يكن أملي فقط أن يتعلم القراء دروسًا معينة عن المطبخ، وإنما أيضًا التمعن
أكثر في الحياة على وجه العموم (وعلى سبيل المزاح، كنت سأكتب أيضًا وصفات مفيدة وموضحة).
وكان عنوان هذا العمل هو وصفة من دان Dining Without Crumbs: The Art of Eating Over the Sink . بدأت التنقيب عن الفكرة لحجز الوكلاء
والناشــرين، لكــن لــم يكــن أحــد منـهم متحمـسًا لفكـرة تـأليف عـالم اجتمـاع كتـابًا عـن الطـهي. وعنـدما لـم أجـد بارقـة أمـل، تحـدثت فـي نـهاية الأمـر مـع وكيلـة واسـعة
الاطلاع تعاطفت معي وأخبرتني بالحقيقة، فأخبرتني بأنني لو كنت جادًّا في تأليف كتاب عن " الطعام "، فلا بد أن أؤلف كتابًا (أو اثنين) عن بحثي في بداية الأمر.
وأخبرتني قائلة: "بمجرد نشر كتاب لك، حتى لو لم يقرؤه كثير من الناس، فسيكون من السهل نشر كتابك عن الطهي". لم يكن هذا ما أرغب فيه البتة لأني كنت
أكتب عن أبحاثي دومًا على كل حال. لكنني قررت أن التضحية كانت تستحق ذلك، وهذا هو سبب خروج كتابي الذي بعنوان توقع لاعقلاني للنور. فقد انتهى بي
المطاف للاستمتاع أكثر مما تصورت على الإطلاق عندما كتبت عن بحثي، فأصبحت سعيدًا للاستمرار في الأمر بتأليف الكتاب الذي بين يديك.
?
وعلى الرغم من أنني لم أبدأ مساري في التأليف بكتاب عن الطهي، فإنني نجحت في الانزلاق لبعض التجارب التي اشتملت على الطعام أو الشراب وأمثلة للطرق
التي يتعلق فيها الطهي بمبادئ سلوكية أوسع. آمل أن يكون هذا الفتات القليل دافعًا للناشر ليهتم أكثر بكتاب عن "الطهي". سنرى لاحقًا ذلك.
وعلى فرضية احتمال ضعيف بأن كتابي عن الطهي لن يرى النور أبدًا، فإن هناك مذاقًا لأفكاري عن خلط العلوم الاجتماعية والطهي.
القصة غير مباشرة إلى حد ما، لكن دعني أذكرك بالفصل العاشر في الكتاب الذي بين يديك. ففي "التأثيرات طويلة الأجل للانفعالات قصيرة الأجل"، قمت بوصف
نوع من الانفعالات يطلق عليه "الانفعالات العرضية". ببساطة، إنها تلك الانفعالات الناتجة عن البيئة ودون أن ندري ما سببها (في تجاربنا، قمنا بذلك عن طريق
جعل المشاركين يشاهدون الأفلام). الشيء المهم في الانفعالات العارضة هو أنها - دون علمنا - تؤثر فيما بعد في الطريقة التي نتخذ بها قراراتنا.
(لقد أشرت في الفصل العاشر إلى كيفية تأثير الانفعالات العارضة على ردود أفعال المشاركين للعروض الظالمة). الدرس الرئيسي الذي يجب أن نتعلمه هنا هو أننا
لسنا دائمًا نعلم مصدر انبعاث انفعالاتنا ولا كيفية حدوثها، لكن بمجرد الشعور بها، فإننا ننسبها إلى شيء معين في البيئة حتى لو لم يكن هذا الشيء هو المصدر
الحقيقي لها.
?
أحد أفضل الأمثلة على هذا هو تجربة "جسر كابيلانو المعلق". ففي عام 1974، قام عالما النفس الاجتماعي "آرثر آرون" و "دونالد دوتون" بتجربة حيث استخدما
جســرًا آيــلًا للســقوط, عرضــه 5 أقــدام وطولــه 450 قــدمًا ومصــنوع مــن الألــواح الخشــبية المتصـلة ببعضـها فقـط بكـابلات وأسـلاك معـدنية فـوق نـهر كـابيلانو، شـمال
فانكوفر، بكندا. وأيضًا، للكوبري درابزين متدل على ارتفاع عال للغاية ويميل للتأرجح. ولا داعي للقول إن هذا الكوبري يسبب رد فعل نفسيًّا قويًّا لمن يعبر عليه -
حتى لو كان أشجع الشجعان.
لقد أراد "آرون" و "دوتون" أن يريا الحيل التي يمكن لآثار ردود الفعل الفسيولوجية المتزايدة أن تقوم بها على عقولنا. وكانت التجربة كالتالي: عندما مر رجل من
على الكوبري،
اقتربت منه من على الناحية الأخرى من الكوبري سيدة جذابة، وعندما اقتربا، طلبت منه الإجابة عن بضعة أسئلة استطلاع. تدور التجربة في أساسها على تغيير
النقطــــة التــــي تلتقــــي فيــها تلــك الســيدة الجــذابة مــع المشــاركين فــي التجربــة مــن الرجــال علــى الكوبــري، فــأحيانًا تقابلــهم عنــدما يكــونون فــي منتصــف أخطــر نقطــة فــي
الكوبري، وأحيانًا عندما يصل أحدهم إلى نقطة أمان في نهاية الكوبري. وبعدما قاموا بالإجابة عن أسئلة الاستبيان، أعطت المختبرة كل مشارك رقم الهاتف الخاص
بها ليتصل بها حالة ما إذا رغب في معرفة نتيجة التجربة أو إذا كانت لديه أية أسئلة أخرى. (بالطبع، لم يتوقع أحد أن طلاب الجامعة من المشاركين هم مَن كان
لديهم رغبة في معرفة نتائج الدراسة. لقد أراد الباحثان حقًّا قياس مدى اهتمام المشاركين في رؤية السيدة الجذابة مرة أخرى).
وكان الغرض من التجربة بأكملها بالنسبة لكل من "آرون" و "دوتون" معرفة ما إذا كان الرجال الذين تم اعتراضهم في منتصف الرحلة
الباعثة على الخوف (وليس في نهاية الكوبري الأكثر أمنًا) سيخطئون في عزو السبب لارتفاع معدلات نبض قلوبهم وأكفهم المتعرقة لوجود امرأة جميلة، وليس
لخوفهم من السقوط من فوق الجسر. إذا ما حدث ذلك، فإن الباحثين افترضا أن الرجال المشاركين الذين قابلوا السيدة عند أخطر نقطة في الرحلة سيتصلون بها
على الأرجح بعد انتهاء التجربة. على وجه التأكيد، لقد أثبتت التجربة هذا الأمر فعلًا. فقد اتصل بها من المشاركين الذين قابلوها في منتصف الكوبري ضِعْف مَن
قابلها من المشاركين في المنطقة الأقل خطرًا.
في رأيي، الاستنتاجات من هذه الدراسة صعب فهمها. فهي لا تبرهن فقط على أن المشكلات هي التي تبين أسباب الانفعالات ولكن أيضًا براعتنا الفائقة على ربط
انفعالاتنا بالجوانب غير ذات الصلة ببيئتنا والتشويش على هذه الجوانب على أنها مسببات انفعالاتنا.
والآن وقد تسلحنا بهذا الفهم الأساسي لسوء فهم الانفعالات وأسبابها، فلنفكر في عالم الطهي وأنه يمكن السيطرة على هذا الهوس غير المنطقي عندما تكون
بصدد إعداد وجبة.
تخيل - على سبيل المثال - أنك قمت بدعوة صديقك لوجبة مصنوعة في المنزل وترغب في أن تكون هذه الوجبة سببًا لقوة العلاقة بينكما. كيف يمكنك استخدام هذه
المناسبة لزيادة فرصك وتجعل هذا الشخص يجزم بأنك تكن له مشاعر طيبة قوية؟ الإجابة بسيطة: هيئ الظروف التي تسبب سوء تفسير الانفعالات وأسبابها.
أولًا: قم بعمل شيء يتسبب في رد فعل نفسي في هذا الموعد ثم تنح جانبًا واترك تأثير سوء فهم الانفعالات على الحضور.
بدلًا من بناء كوبري ضعيف على النهر، ما عليك إلا أن تخفق طبقًا جميلًا من المكرونة مع صلصة الفلفل الحار وتقدمها مع العنب الرائع.
المكرونة في صلصة الفلفل الحار
مكرونة (تكفي شخصين) واثنتان من البصل الأحمر مقطعة إلى قطع صغيرة
ثلاث ملاعق من زيت الزيتون للطعام
حبتان من الطماطم وأنصاف حبات من نصف الكمية من الفلفل الحار
ملح
فلفل أسود
كريمة ثقيلة
بصل أخضر، حفنة مفرومة
قليل من جبن جروير المبشور
قم بقلي البصل بزيت الزيتون حتى يصبح نصف شفاف وليس بنيًّا (لا تنزعج من محتوى زيت الزيتون من الدهون - فإنها دهون جيدة!).
أضف الطماطم.
أضف دفقة من الماء أو مرق الدجاج، فقط للحفاظ على البصل والطماطم من الاحتراق.
أضف القليل من الملح والفلفل لإضفاء مذاق شهي.
أضف القليل من الفلفل الحريف، حتى تصبح الصلصة لاذعة وليست ساخنة بصورة ملحوظة.
يوضع الخليط على نار خفيفة لمدة 45 دقيقة، ويضاف الماء حسب الحاجة، ويقلب من حين لآخر. (وخلال هذا الوقت، ستريد أن تطهو المكرونة).
أضف قليلًا من الكريمة الثقيلة إلى الصلصة.
قلب الخليط لبضع دقائق، بما يكفي لدمجه تمامًا.
ارفع الخليط من على النار وقدم المكرونة في طبق جميل.
قم بسكب الصلصة فوق المكرونة.
قم برش البصل الأخضر وجبن جروير
أعلى الخليط بالقدر الذي ترغب فيه.
قدم الوجبة لصديقك واستمتعا بوقت رائع معًا.
وراقب العلوم الاجتماعية وهي في موضع التطبيق.
إذا لم يكن الأمر واضحًا حتى الآن، فإن سر فاعلية هذه التجربة في العلاقات يكمن في الفلفل الحريف. إذا سارت الأمور على ما يرام، فإن التوابل الحريفة ستجعل
الأمور أكثر إثارة.
والآن، ستبدأ عملية سوء تفسير الانفعالات، ربما يفكر رفيقك: "حسنًا، اهدأ فما من داع للشعور بالسخونة جدًّا والاهتياج، وهذا محير قليلًا، لماذا ينتابني هذا
الشعور؟ هل يمكن أن أكون مقربًا من الشخص الذي يجلس بجواري"؟ أضف إلى ذلك تأثير التسهيل الاجتماعي وقد قمت بوصفة طعام ناجعة.
بــالطبع، لاســتمرار عمليــة ســوء تفســير الانفعــالات، فمــن الضــروري جــدًّا ألا تخبــر صــديقك عــن المكــون السـري. فـأنت لا تريـده أن يعلـم أن خفقـان قلبـه كـان بسـبب
الفلفل الحريف. وإذا سألك عما في الصلصة، فقل له: "لو أخبرتك، فسوف تموت".
بالهناء والشفاء!
هل تواصل القراءة؟
إليك المزيد من دان آريلي
كتاب توقع لاعقلاني
في هذه الطبعة المنقحة والموسعة من الكتاب الأكثر مبيعًا طبقًا لقوائم صحيفة نيويورك تايمز وهو كتاب توقع لاعقلاني، يدحض دان الافتراض الشائع بأننا نتصرف
دومًا بعقلانيــة، بــدءًا مــن شــر ب القــهوة إلــى فقــدان الــوزن، ومــن شــراء ســيارة إلــى اختيــار شـريك الحيـاة، دائـمًا مـا نـدفع أكثـر مـن المفـروض، ونبخـس الأمـور قـدرها
ونماطل. ومع ذلك فإن هذه السلوكيات غير المنضبطة ليست عشوائية ولا حمقاء، لكنها منهجية ومتوقعة - مما يجعلنا نتصرف بلاعقلانية متوقعة.
?
"بالإضافة إلى أنه رائع بشكل مثير للدهشة...فهذا الكتاب الذي ألفه آريلي يجعل من علم الاقتصاد والتصرفات الغريبة للبشر أمرًا مرحًا".
- صحيفة يو إس إيه توداي
?
 

مكتبة الكندل العربية
https://arabic-kindle.com

تليقرام
https://t.me/ArabicKindle

المكتبة السحابية
https://www.goo.gl/g2nusx

شكر وتقدير للعضو خليفة ضبعون

نقلها للكندل @2q8
https://twitter.com/2q8
https://t.me/Twitter_2q8



Table of Contents
إشادة بهذا الكتاب 1
إهداء 2
الجزء 1 7
الفصل 1 7
الفصل 2 22
الفصل 3 34
الفصل 4 44
الفصل 5 50
الجزء 2 63
الفصل 6 63
الفصل 7 78
الفصل 8 87
الفصل 9 96
الفصل 10 105
الفصل 11 114
الشكر 119
قائمة المعاونين 120
ملاحظات 122
المراجع والمزيد من القراءات 123
ملحوظة 131
نبذة عن المؤلف 131
نبذة عن الكتاب 133
واصل القراءة 135
هل تواصل القراءة؟ 137
مكتبة الكندل العربية 139
تليقرام 139
المكتبة السحابية 139
شكر وتقدير للعضو خليفة ضبعون 139
نقلها للكندل @2q8 139