Advertisement

زنزانة




سلمان فهد العودة

زنزانة

عادة مدى الحياة

مؤسسة الإسلام اليوم للنشر

الطبعة الأولى -2014



الإهداء

مرحبًا بنزيل جديد!


?إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا?


?وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ?







والدي العزيز ..

قبل سنوات قليلة كنت أكتب في مثل هذا الوقت على طاولة المدرسة كل شيء حولي محاط بالأسرة والأصدقاء، وخبزٌ حار، وأمي التي تودعني ببسمتها.

هذا اليوم أمسك القلم لكن في مكان آخر وزمن آخر وأمام وجوه مختلفة..

تغير كل شيء..

في الحروب تتغير حياتك وألعابك..

وتكون في مواجهة حياة أخرى غير التي اعتدتها..

الليل مختلف والنهار أيضا..

وحينما علمت عن كتابك هذا فرحت ووددت لو كان عن الموت والبرد والجوع..

كل شيء نادر .. الدفء الأمن الهدوء..



بعيدًا عن عاداتك في القراءة، وعادتي في الكتابة، سنمضي معًا إلى لب الموضوع، لا مقدمة، لا تمهيد، لا شيء آخر..

في نجاحي كنت مدينًا لعادات جميلة استلهمتها من القرية، التي كنا فيها أسرة واحدة بمسميات عديدة، ومن البيت الصغير البسيط المسكون بالطمأنينة والرضى وبركة الوالدين.

في إخفاقاتي وفشلي كنت أعرف السر.. عادة في طريقة تفكيري، أو أسلوب حديثي، أو جسدي، أغالبها فتغلبني.

الشراكة في التجربة بيني وبينك جعلتني أضع بين يديك ما عشت وما قرأت، وألتمس منك تغذيتي بانطباعك وإضافتك ونقدك، وحتى ثنائك إن كان بحق فهو ينعشني.

مدين بكثير من الشكر والثناء والدعاء لعشرات الأحبة الذين شاركوا في هذا العمل توجيهًا ونقدًا وتصويبًا ومراجعة وطباعة وتصميمًا.

شكرًا.

سلمان

07 / 03 / 1435

08 / 01 / 2014

الرياض



زنزانة..

كلمة لم تتسع لها المعاجم واتسعت لها الحياة..



#السلم_والفخ




قبل الميلاد


كنت صغيرًا أذهب مع والدي إلى المسجد وأشاهد الناس يسبحون بأصابعهم، وحين رجعت قلت لأبي بزهو: لقد عددت إلى مئة!

ظننته درسًا في الحساب!

ابتسم والدي ولقنني التسبيح: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر.

أصبحت عادة، وحين درست علمت أن بمقدوري تطبيقها بأكثر من طريقة؛ وبإمكاني أن أجعلها: سبحان الله والحمد لله والله أكبر (تسعًا وتسعين)، وتمام المائة لا إله إلا الله، أو ثلاثًا وثلاثين حين أكون مستعجلا.

التنويع يتضمن التسهيل، والتسهيل يساعد على الرسوخ.

طفل في العاشرة من عمره تعود على التدخين بسبب ظروف التشرد والضياع، وهو الآن فوق الستين ويعاني من السكر و(الغرغرينا) وانسداد الشرايين، ويُدخِّن فور خروجه من غرفة العمليات!

درست في المعهد العلمي وواجهت مشكلة الشك في الطهارة (الوسواس)، كان إلى جواري الشيخ (سليمان العريني) الذي دعمني نفسيًا وشجعني على العودة إلى الشيء الطبيعي، وأرشدني لقراءة الورد الصباحي والمسائي، وأهداني كتاب (صحيح الكلم الطيب) للألباني، و(المأثورات) لحسن البنا.

صرت أقرأ الورد من الكتابين لبضعة أيام، ثم حفظته وأصبح عادة.

حين أشعر بضيق الوقت أقتصر على الضروري من الورد؛ آية الكرسي، آخر البقرة، الإخلاص ثلاثًا، المعوذتين ثلاثًا، مع بعض الأدعية النبوية.

تولد عندي إحساس يقيني داخلي بأن الله يحفظني بهذا الورد حتى في أحلك ظروفي (السجن).

عادة لسانية وقلبية وروحية من دونها أشعر بالفقد والضياع.

دربني إخوتي في المنزل وأصدقائي في المدرسة على القراءة، فكونت مكتبتي الأولى في الطفولة ولا زلت أحتفظ بها، ومعها صرت أشعر بأن مرور أيام دون قراءة يعني الموت، القراءة الورقية هي ما تعودته، ومثلها الكتابة بالقلم والورق.

قراءة الكتب الإلكترونية، أو سماع الكتب المسجلة، والكتابة على لوحة المفاتيح: عادات جديدة أدركت أن العمر لم يفت بعد لإضافتها، وأنا أتعاهد نفسي ألا أكون مثل أولئك المسنين الذين أعرفهم، وهم يتعذرون دائمً بأنه لم يعد لديهم فرصة لتعلم الجديد!

أحاول أن أظل في مستوى الشباب المتطلع للمعرفة الراغب في الإضافة المحاول للتعلم، حتى تلك الأشياء التي أخفقت في تعلمها صغيرًا أحاول أن أعيد الكَرّة معها.

ثم أنبياء وصالحون غيروا بعدما كبروا، شيوخ الصحابة وبعضهم ممن أسلموا يوم الفتح، بدلوا قيم الوثنية وعبوديتها بالتوحيد في المناسك والصلوات وعادات البيوت، وقبلهم أجرى إمام الحنفاء إبراهيم الختان على نفسه بعدما جاوز الثمانين!

أعظم كسب يمكن تحصيله في مرحلة الطفولة والشباب هو غرس العادات الجميلة، كالنظافة والنظام والتعلم والأدب والابتسامة والخدمة والحياء.

وأعظم خسارة أن تتسلل إليك عادة سيئة وتتحول إلى إدمان.

سمع ابن عمر تعليق رسول الله عليه وهو شاب لم يتزوج (نعم الرجل عبد الله بن عمر لو كان يقوم الليل) فكان لا ينام من الليل إلا قليلً حتى آخر عمره (البخاري)

اتفاقية النبي صلى الله عليه وسلم مع عبد الله بن عمرو بن العاص في أيام زواجه في قدر الصوم والصلاة والعلاقة الزوجية ظلت معه مدى حياته.

يقول المثل الصيني:

ازرع فكرًا تحصد قولا.

ازرع قولًا تحصد عملا.

ازرع عملًا تحصد عادة.

ازرع عادة تحصد طبعًا (خُلُقا).

ازرع طبعًا تحصد مصيرا.

التربية أو الوراثة أقوى في ترسيخ العادة؟ لن تجد فلاحًا يسأل عن الفرق بين أهمية البذرة وأهمية التربة!

البذرة الجيدة لا يطيب محصولها إلا إذا غرست في تربة جيدة.

الاتكاء على الوراثة والقسمة والنصيب يدفع إلى الخيبة واليأس، علينا أن نؤمن بالقدرة على التغيير.

الكثير من العادات هي مثل الثوب الذي نلبسه، ولدنا من دونه، وبإمكاننا تبديله.

في بطون الأمهات كانت الحركة التلقائية العفوية للجنين، كان تحريك أطرافه ضمًا أو فردًا، فتح الفم وإغلاقه بما يشبه المضغ أو بما يشبه التثاؤب وكأنه تأهيل للحياة القادمة، مص الإصبع بعد 12 أسبوعًا، ووضع اليد على الجبهة أو فوق اليد الأخرى.

العادة كانت معنا هناك!

العامة يسمون الأفعال المكررة (عادة) أيًا كانت، حتى الذهاب للعمل أو الدراسة مع أنها أفعال إرادية.

وهذا صحيح من حيث اللغة ومن حيث الشريعة فما تكرر ثلاث مرات فأكثر على نمطٍ واحد يسمى عادة، فالتكرار هو مصنع العادات، و(التنميط) هو خط الإنتاج.

علماء النفس يعرفون العادة بأنها استعداد مكتسب للقيام بالأعمال ذاتها وحالة راسخة يصعب تغييرها.

العادات إذًا هي أنماط التفكير أو السلوك المستقر سواءً كان واعيًا أو غير واع.

العادة استجابة أو تكيف أو ردة فعل تجاه الحياة.

- استجابة المخ والأعصاب للرغبة والمهارة تنتج براعة في الكتابة على الكمبيوتر أو التزحلق على الجليد أو السير على الدراجة أو السباحة أو ممارسة لعبة ما وتسمى (عادة حركية).

- الموقف النفسي من موضوع ما حبًا أو كرهًا هو (عادة انفعالية)، قد نحب أشياء لأنها جاءت في وقت جميل، أو مع إنسان نحبه، فتطيب ذكراها لنا، أو نكره أشياء لأنها ارتبطت في أذهاننا بما نكره.

صديق أصبح يكره يوم الجمعة حيث كان في طفولته يطلب الحلوى فيعتذرون له بأن اليوم الجمعة والمتاجر مغلقة، صوت المؤذن (ابن ماجد) لا بأس به وهو منادي الله، لكني حين أسمعه تتداعى إلى ذهني ذكريات الزنازين والمخاوف والعزلة والحرمان حيث كان يبث علينا فجرًا ومغربا!

- الميل لتطبيق بعض القواعد وإهمال بعضها الآخر هي (عادة ذهنية)، قد نتحمس لعمل، ونماطل في آخر، لأننا تعودنا على التهرب من إنجاز المهام ما لم تكن ملحة أو ضرورية، قليل من يذاكر يوميًا أو يؤدي الواجبات بانتظام، قد نفعل ذلك قرب الامتحانات فقط.

يمكننا أن نكتشف أننا جميعًا (انتقائيون) في العادة، أدركنا ذلك أم غاب عنا!

الاعتراف فضيلة تقود إلى التصحيح، بل هو فريضة.

لكي تبني عادة ذهنية جيدة عزز اعتقادك حولها، واصنع الرغبة لتحقيقها.

- القواعد التي نتلقاها ممن حولنا ونكررها معهم هي (عادة اجتماعية). نحن مدينون بلغتنا للمحضن الأول، لقد لاحظت كيف تسللت لأختي تلك الكلمات الرائعة (يا حبي لك، يا حياتي، يا بعدي..) في ذلك المجتمع القروي!

لا زلت أذكر إحراج المحاولة الأولى عندما هممت أن أقول لأبي: مساك الله بالخير، وأقبل رأسه!

نظر إلي مستغربًا مداريًا ضحكته، ولسان حاله يقول: ما الخبر؟ تحتاج شيء؟

صباح الغد كان الأمر أيسر، ثم أصبح (بروتوكولا) أخلاقيًا لا يمكن كسره بسهولة، حتى البر والعقوق هما مجموعة عادات.



ألم الإصبع المقطوع!


خلال الحرب العالمية الثانية أصيبَ جُنديٌّ في إصبع قدمه وفي قدَمه نفسها لدرجة أنه فقد وعيه، قرَّر الأطباء إجراء عملية استئصال القدَم ولم يشعر الجندي ولم يعلم بما حدث.

في صباح اليوم التالي، استعادَ وعيه، عاد يشتكي من الألم في إصبع قدَمه، ضحِكَت الممرضة وأخبرَته بأنه يتخيَّل أو يعاني من الهلوسة، ثم قامت بكَشف الغطاء عن جسده لتُريه بأنّه تمَّ بَتر ساقه، إلا أن الجندي أصرَّ على موقفه!

حدثَت استشارات بين الجراحين فاكتشفوا أن العصَب الذي كان يحمِلُ رسالة الألم الموجود في إصبع القدَم، لا يزال يحملها ولا يزال يرتعش بذات الطريقة التي من شأنه أن يرتعش بها مع وجود إصبع القدَم ووجود الألم بداخله!

زارت امرأة صديقة لها لتتعلم سر (طبخة السمكة)، لاحظت أنها تقطع رأس السمكة وذيلها قبل قليها بالزيت، فسألتها، فأجابت بأنها تعلمت ذلك من والدتها، واتصلت على والدتها التي قالت: إنها تعلمت ذلك من أمها، واتصلت على الجدة فقالت: لأن مقلاتي كانت صغيرة والسمكة كبيرة عليها!

رجل في الستين أول ما يستيقظ من النوم يذهب دون تفكير إلى المطبخ ويضع إناء القهوة والماء واللبن والسكر ويحضّرها ببطء وملل، ثم يقعد يرتشفها من غير نفس ودون وعي ودون لذة ودون حاجة، وربما قام وترك معظمها في الكوب!

موظف يضع كوب الشاي أمامه حتى يبرد ثم يقوم بتغييره ثم يبرد، وهو لا يريده باردًا ولا يشربه حارًّا بل يكتفي بانتظاره والنظر إليه!

اعتاد أن يجد الكوب أمامه وهذا بالنسبة له ملهم.

ثمة علاقة راسخة وارتباط شديد بين الجسد والعقل والنفس والروح وأي عادة في واحدة منها تؤثر في الأجزاء الباقية.

قد تذهب الأسباب التي صنعت العادة، وتبقى العادة مستمرة، لأن مجرد الاعتياد عليها يجعل فعلها سببًا للحظة من السعادة، ولذا يقال (من ترك عادته فقد سعادته).

أنشأ مسئول كبير وحدة جديدة في إدارته بموظفين ومكاتب لمعالجة مشكلة وقتية، انتهت المشكلة واستمرت الوحدة بموظفيها وميزانيتها دون عمل، حتى الترهل الإداري هو عادة!

القابلية للتعود أساس في فطرة الإنسان.

والعادة ترسم الفطرة وتحدد مساراتها.

- سلوك الثعلب الماكر ليس عادة ولكنه (طبيعة) مثل طبيعة الإحراق في النار.

- ميل أحد الجنسين للآخر ليس عادة ولكنه (فطرة) أو (غريزة).

- الموضة الشائعة في لباس الفتاة ليست عادة، بل (تقليد) وبقدر الحماس لها الآن تنصرف المرأة عنها بعد ذهاب وقتها، سلوك خاص يهم فئة أو طبقة من الناس.

الفطرة مكون أساسي للعادة أو هي (أرض العادات) (وكل مولود يولد على الفطرة)(البخاري)

حب الجمال لدى الفتاة غريزة، والمكياج استجابة فطرية لحب الجمال، والجلوس لساعة أمام المرآة هو (عادة)، مثل حمله في الحقيبة اليدوية و(التشييك) المستمر على الوجه والشعر!

طريقة الكلام والمشي والتسريحة وشكل العلاقة ترجع إلى المحاكاة أو تقمص شخصية نجوم الشاشة أو المشاهير، صناعة القدوة مكوّن أساسي للعادة.

الشاشة لم تعد هي التلفاز فحسب، اليوتيوب وتويتر والفيس بوك والانستقرام والشبكات الأخرى أصبحت منافسة وسهّلت عملية الوصول والتأثير وأصبح من الضروري استخدامها لتقديم الشخصية الحياتية العفوية، وليس فقط التوجيه المثالي المتعالي.

محاكاة الأكثر غنى أو حضارة أو ثقافة أو جمالًا قانون فعّال، وسطوة الثقافة الأميركية والأوروبية ظاهرة في الدراما والأغاني والموسيقى التي يستمع إليها ويحاكيها كثيرون ويعدونها رمزًا للعصرية!

التكرار يرسم الطريق، مرور سيارة واحدة لن يكون مؤثرًا حتى تحفر العجلات خطًا يهتدي به العابرون.

البيئة سواء كانت طبيعية كالمناخ الحار أو البارد، أو كانت مؤسسية كالمدرسة أو الأسرة، أو كانت اختيارية كالرفقة والجماعة، تفرض ثقافتها على الأفراد بخيرها وشرها وحلوها ومرها، ولذا قال العالم للرجل التائب الذي قتل تسعة وتسعين نفسًا: (لا تعد إلى أرضك فإنها أرض سوء، واذهب إلى قوم يعبدون الله تعالى فاعبد الله معهم) (البخاري)

حينما كنت صغيرًا جدًّا كنت أظن الحبال خلقت حبالًا، والحذاء خلق حذاءً، والأشياء خلقت كما أراها، لم أكن أدرك الصنعة فيما حولي.

المجتمع الغافل يظن عاداته (فطرة إنسانية)، ويظن ثقافته نواميس طبيعية، ويعتقد أن العالم يجب أن يشاطره إياها!

ولهذا يعز عليه الإقرار بالخلاف والتنوع والتعايش.

وهؤلاء فات عليهم أن العادة تكوّنت عبر رحلة طويلة يرسم لنا ابن القيم محطاتها فيقول: (مبدأ العلم النظري والعمل الاختياري هو الخواطر والأفكار، وهي توجب التصورات، والتصورات تدعو إلى الإرادات، والإرادات تقتضي وقوع الفعل، وكثرة تكرار الفعل تعطي العادة) (الفوائد 173).

وحسب الغزالي وابن مسكويه فالعادة تمر بمرحلتين:

* مرحلة التكلف والمحاولة، ويمكن أن نسميها الرياضة أو الترويض.

* مرحلة الثبات والرسوخ في النفس.

الأرضية التي تنمو عليها أشجار العادة هي النضج والاستعداد البدني والنفسي، فلكي يمشي الطفل لابد من نضج القدمين وقابليتهما.

عادات العلاقة بين الجنسين بحسنها ورديئها تأتي مع البلوغ أو بعده.

العادة إذًا هي:

* التكرار.

* العفوية.

* الدافعية.

* اللاإرادية.

في كل مرة نقوم بعمل ما تجري سلسلة من النبضات الكهربائية عبر مسارات في المخ، وكلما تكرر الفعل أصبح تحرك هذه النبضات أسهل وأيسر، حتى يأتي الوقت الذي تندفع فيه بطريقة عادية، وهنا تكون العادة قد رسمت.



الدائرة المربعة


* تتحدث بلهجتك، وتحرك يديك، وتردد عبارات لازمة؛ مثلا، يعني، أيش اسمه، حقيقةً.. وجهك طافح بالتعبير، أنت لا ترى ذلك كله والناس يرونه، فثمَّ رسائل غير لفظية تجعلهم يرونك بمنظارٍ قد يخفى عليك لأنك لا ترى نفسك.

صديق يتحدث ولا يستطيع الاتصال بعينيه أثناء الحديث، وقد يتجنب كثيرون إخباره بهذه الملاحظة دفعًا للإحراج.

هذه هي (المنطقة العمياء)، شعورك بوجودها سيجعل جزءًا من مصباحك ينعكس عليها لتهذب تعاملك وتعيد صياغة عباراتك وتتحكم في ملامحك (الابتسامة مثلًا).

كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول لأصحابه (إنِّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَنْسَى كَمَ تَنْسَوْنَ)، ويطلب منهم إذا سها أن يذكروه.

التغذية الراجعة يجب أن تستخدم بطريقة فعالة لتطوير الأداء، عادة ما يقول الشخص إذا سمع ملاحظة على سلوكه لم ينتبه لها: لالالا.. هذا غير صحيح.

وقد يتحول إلى شخص هجومي يتهم الآخرين بأنهم قصدوا الإساءة إليه أو لم يفهموه و(رحم الله امرءًا أهدى إلينا عيوبنا).

حين تسجل كلامه أو تصور موقفه ثم تعرضه أمامه سيبدو مندهشًا ومستغربًا من تصرفات أو مواقف أو لوازم لفظية لم يكن يعيها عن نفسه، وهي طريقة جيدة لتطوير الذات وكشف العيوب.

هنا المربع الأول من الدائرة.

* من تجارب الطفولة تعلمنا أن نلبس (القناع).

خوفنا من الناس وعدم معرفتنا بهم بالقدر الكافي يجعلنا نتردد في أن نقول لهم رأينا حول أشخاصهم أو حول الحياة، أشياء كثيرة سنحتفظ بها لأنفسنا كأسرار، وإن كانت الحقيقة أن فتح الصدر والتعبير عن الذات هو أنفع وسيلة للتواصل بيننا وبين الآخرين.

الأسباب العرفية أو الأخلاقية قد تجعلنا نحجم عن بعض ما نحب قوله.

أخطاؤنا التي نستحي من ذكرها، أسرارنا التي نحتفظ بها لأنفسنا، نقاط ضعفنا، أمنياتنا المدفونة، مخاوفنا التي لم نبح بها لأحد..

ربما شعرت يومًا بالارتباك ولكني أخفيته عمن حولي، وربما أحسست بحاجتي إلى البكاء ولكني حبست دموعي ولم يشعر بذلك أحد ?سَوَاءٌ مِّنكُم مَّنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَن جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ(الرعد:10)

هنا المربع الثاني حيث تكمن الأشياء التي نعرفها عن أنفسنا ولا يعرفها الآخرون عنا.

* تشاهد شخصًا لأول مرة وحين ينصرف تقول لصديقك: (سبحان الله! ها الشخص ما حبيته خِلْقة)!

(الأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ..) قد لا يكون هذا الإنسان من فصيلتك.

وربما كان في لاوعيك يشبه شخصًا آخر خزنت عنه موقفًا سلبيًا في طفولتك.. نسيت الموقف ولكنك لم تنس الانطباع عنه، فظل مخزونًا في اللاشعور، في (منطقة المجهول) حيث الكثير من الدوافع والمشاعر والذكريات التي لا تعرفها أنت ولا يعرفها الناس، في عقلك الباطن منجم ضخم للأحجار الكريمة، ومستودع لما هب ودب!

فيه ملفّات وأضابير لا تنتهي من الذكريات السلبية ومشاعر المقت والقهر، وفيه ملفّات وأضابير وغرف نيّرة تحتفظ بالمشاعر الإيجابية وذكريات الحب والجمال والخير.

وهذا داخل في ما هو أخفى من السر كما في التنزيل.

خوض التجارب، توسيع المعرفة، تنويع العلاقات، السفر، هي أمور تظهر بعض ما خفي، وكان الحسن البصري يقول (ما أخفى رجلٌ شيئًا إلا ظهر على فلتات لسانه وقسمات وجهه)، وقبله قال زهير بن أبي سلمى في معلّقته:

ومهما تكن عند امريءٍ من خليقةٍ

وإن خالها تخفى على الناس تُعْلَمِ

التحليل النفسي؛ لماذا أنا هكذا اليوم؟ ولماذا كنت كذلك بالأمس؟ ما سبب هذا الشعور المفاجئ؟ ما سبب حبي أو كرهي؟ قد يساعد على معرفة الدوافع الخفية التي تشكل المربع الثالث وتخفى عليك وعلى الناس.


* حينما نكون صرحاء ومنفتحين ومشاركين لغيرنا يكون واضحًا ماذا نريد من الناس؟ وماذا يريد الناس منا؟ هذه منطقة وعي نعرفها عن أنفسنا، ويعرفها الناس عنا، وهي منطقة تتسع كلما زادت الثقة بيننا وبين الآخرين من الزملاء والأصدقاء والأسرة، وتدربنا على العفوية والسلاسة، هنا المربع الرابع.

وضوح القيم التي تؤمن بها والمميزات الشخصية والهوايات والانفعالات يزيد من مساحة (الميدان العام) الذي يحتويك ويحتويهم، يوسّع قدرتنا المشتركة على التفاهم والتعاطف وحمل هموم الآخرين والدفاع عن الحقوق والقيم المشتركة، ويجعلنا أقرب لمعنى الجسد الواحد الذي (إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالحمّى والسهر) (مسلم)

اتساع المنطقة المفتوحة التي نعرفها ويعرفونها عنّا يعني صغر منطقة (القناع) الذي نزيف به شخصياتنا، ويسهّل التواصل والتعاون والعمل المشترك، حيث تنساب المشاعر والأفكار، وتتقارب الجهود، ويسهل على كل طرف أن يعرف شخصية الآخر دون تعقيد.

الفعالية الناجحة تتحقق حين يكبر الميدان المفتوح في شخصية ما، ويصغر حجم المنطقة العمياء ومنطقة الأسرار.

(جوهار) مركب من (جوزيف لوفت) و(هاري) اللذين اكتشفا هذا النموذج الاتصالي الجميل المعروف ب (نافذة جوهار).

الآية الكريمة ?وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى? (طه: 7)، تغطي هذه الدوائر، بالجهر الذي يستوي الناس في معرفته، وبالسر الذي يخفيه عن الآخرين، أو يخفيه الآخرون عنه وهو يتعلق به، وما أخفى من السر يتسع لمعانٍ عدة، منها السر الذي لا يعلمه المرء عن نفسه ولا يعلمه الناس عنه.

الوعي بالذات يجب أن يسبق الوعي بالآخرين، معرفة نفسك وأهدافك وعناصر قوتك ونقاط ضعفك.

من أنا؟ ماذا بداخلي؟ لماذا أنا متحمس؟ هل أنا على صواب؟.. قبل معرفة الآخرين ومخططاتهم وأهدافهم.

هل قرأت كتاب قوة التركيز (لعدة مؤلفين)؟

عندما تقرأ المعلومة فهي معرفة فحسب، ولكن عندما (تدركها) تتحول إلى (وعي)، إدراكها يعني تقبلها والتفاعل معها وتطبيقها.

الوعي الإنساني قدرة رائعة على التأمل والتفكير والاختيار، وهو من أعظم خصائص البشر، ولكن يتهدده خطر السلوك الآلي حيث نؤدي تصرفات بالغة التعقيد دون تركيز أو تفكير.

أنت في الخلاصة مجموعة من العادات الهائلة الإرادية وغير الإرادية، تعلّم كيف تبني عادة وتهدم أخرى، تعلّم كيف تحاول حتى المرة الألف أو الآلاف دون يأس!



قصة السلَّم والفخ!


الحجر لا يتعلم الصعود، وإن رميته في الفضاء ألف مرة، ولهب النار لا يتعود الهبوط.

أثناء إعدادي لهذا الكتاب ظللت لفترة طويلة أملي على صديقي (روف) وهو يطبع على الآلة، ويشاهد ما يكتبه على شاشة جهازه، بينما أشاهده أنا على شاشة تلفزيون موصول بالجهاز، فأقرؤه فورًا وأقوم بالتعديل وإعادة توزيع المعلومات وترتيب الفصول وتدارك التكرار أو النقص..

صرت أشعر بنشوة ومتعة جديدة في أوقات العمل وأفرح بوقت فراغ لأتسلل إلى طاولة البحث.

عادة فنية أدهشتني وحفزت رغبة البحث والقراءة والكتابة من جديد. العادة تسهل القيام بأعمال مختلفة وإتقانها في آن واحد، يكتب على لوحة المفاتيح (الكيبورد) ويفكر ويتحدث ويضحك ويشرب الشاي ويطالع الواتس آب، لأن فعل الكتابة يخلو من الانتباه الذهني، والآخر يتابع الشاشة ويغرد في حسابه في تويتر، ويتحدث مع صديق!

العادة تشجع على التكيف مع المواقف الجديدة واكتساب عادات قريبة من العادات السابقة، فلاعب كرة السلة يمكنه تعلم كرة اليد، فهي تمنح الجسم الرشاقة والسيولة.

المنهجية التي يتعود عليها الباحثون توفر لهم الجهد والوقت في تطوير معارفهم، وتقدم حركة البحث العلمي والحصول على نتائج جديدة. العادة ذاكرة خفية تملي علينا الخطوات الواجب اتخاذها في معظم المواقف.

يمكن للإنسان في المجال النفسي والاجتماعي التعود على سلوكيات إيجابية مثل ضبط النفس وكظم الغيظ والتضامن وحب الخير والكرم، ولهذا رأى بعضهم أن جميع القيم هي (عادات أخلاقية)، (والْخَيْرُ عَادَةٌ) (ابن ماجة عن معاوية)

ولكن العادة تقتل روح الإبداع وتشجع على الروتين على مستوى السلوك والفكر، والطبيعة البشرية تميل إلى الفعل السهل وتتجنب الصعب؛ خوفًا من الجهد والخطر، وهذا يعوق طريق الإبداع والتقدم ومعالجة الأفكار الجديدة، ولذا نجد بعض العلماء يفيدوننا العلم في النصف الأول من حياتهم ويضرون به في النصف الثاني منها.

فالعادة تقتل الروح النقدية، وتقف في وجه المعرفة المتجددة، وتجعل العالِم أسيرًا للنتائج التي تعب في تحصيلها، ولا يبدو راغبًا في اكتساب المزيد أو التخلي عن نتائج سهر في تحقيقها والتأكد منها وركن إليها.

(كوبر نيك) أُحرق لأنه جاء بفكرة مخالفة للعادة من أن الأرض هي مركز الكون، (وغاليليو) حوكم وهُدد بالموت إن لم يتراجع عن فكرة دوران الأرض.

والحقيقة التي أعلن عنها الطبيب (هانري) حول الدورة الدموية في الإنسان ظل الأطباء يرفضونها أربعين سنة لأنهم اعتادوا على فكرة غيرها.

وبالتأكيد فكشوف هؤلاء وغيرهم كانت بسبب عزوفهم عن الطريق المعتاد في التفكير، أو (التفكير خارج الصندوق).

رجل ثري وحكيم حضرته الوفاة، فقال لأبنائه: سيكون قَصْري الضخم لمن يستطيع أن يملأ الغرفة منكم بأسرع وقت؛ أحدهم طفق يُمّع الصناديق، والآخر ظل ينقل الرمل، أما الثالث فاكتفى بأن أوقد شمعة ملأت الغرفة نورًا!

لم يكن (آينشتاين) ليكتشف نظرية النسبية، ولا (كولومبوس) ليكتشف أمريكا، ولا (ابن ماجد النجدي) أو (فاسكودي جاما) ليكتشفا رأس الرجاء الصالح لو أنهم فكروا ضمن المعتاد فحسب.

هل تتذكر مسائل فقهية تتعلق باللباس أو الشكل أو الزواج أو الموقف من الأجهزة والمنتجات والأنماط الحديثة أو تتعلق بالحياة عامة كانت سائدة وحاكمة ثم تراجعت، ثم غير الناس رأيهم حولها؟

اجتماعيًا فالعادات البالية والأفكار القديمة تقف ضد كل تقدم اجتماعي، وما صراع الأجيال سوى مظهر لتأثير العادة في النفوس.

تقضي العادة على بعض الصفات الإنسانية مثل الرحمة والشفقة، كما هو حال المجرم المحترف؛ الذي يمارس القتل بدم بارد، والجلاد والسجان الذي يبدو وكأنه لا قلب له يتألم، ولا أذن تسمع تأوهات المظلومين.

ومع الفارق يقع هذا للطبيب الذي اعتاد على تشريح الجثث ومشاهدة الدماء والجراح والآلام دون أن ينبض له عرق.

طالبة ترددت في دخول كلية الطب لأنها لا تتخيل أن ترى جثة أمامها! واعتقدت أنها سترسب في مادة التشريح، هي تخاف إذا رأت صرصارا فكيف بجثة!

مع الشهور أصبحت تمسك المشرط وتقوم بتشريح جثة، وشرح كل عضلة وكل وعاء دموي أو عصب وهي ممسكة به بين أصابعها وبمهارة!

إن المعاينة المتكررة للآلام تقسّ القلوب، لكننا هنا أمام أسلوب علاج نفسي سلوكي، يعتمد على إزالة الحساسية تدريجيًا مع الدعم والتشجيع لأغراض تعليمية أو خدمية.

اعتياد رؤية القتل والدمار في نشرات الأخبار يجعل المشاهد أقل تفاعلًا وتأثرًا، وهذا ما وجدناه في متابعة الانهيارات الخطرة في العراق، وسوريا، ومصر، وبورما، وبلاد أخرى.

الإلفة تُذهب جمالية الأشياء وقيمتها، فحين تعتاد رؤية ما حولك لا ترى الجمال فيه، وكم من المناظر والأصوات والروائح يُضعف الاعتياد الاستمتاع بها.

وهي تخفف من وقع الإدمان حتى يبدو مع العادة شيئًا طبيعيًا.

ولذا يقال: لا يكون الفاسق شريرًا بقوة الشر بل بعادة الشر.

ويقال: العادة تميت القلب.

يمكن المحافظة على روعة الأشياء وإدهاشها بتطوير عادات الفكر والاستمتاع.

العادة تربط الفرد بآليات حركية ونفسية تجعله غير قادر على تحرير ذاته أو مواهبه، ولذا يشير علماء الاجتماع إلى هذا الجانب السيئ في العادة، فيقولون: كلما زادت العادات عند الإنسان أصبح أقل حرية واستقلالية.

ويقولون: العادة جمود.

ويقولون: الذين تسيطر عليهم العادة هم بوجوههم بشر وبحركاتهم آلات.

تبدو العادة كوعاء يحفظ المألوف الصالح وغير الصالح، ومن هنا يصعب تغيير العادة البالية، حتى ولو ثبت بطلانها بالحجة.

يمكن أن تكون العادة (فخًّا) منصوبًا يعْلق الإنسان في شِراكه كإدمان المخدرات والتسلل للمواقع الإباحية أو شرب المسكر.

ويمكن أن تكون (سُلَّمً) للصعود كالقراءة والحوار وبناء العلاقات وأداء العبادات، والابتسامة، ومراقبة الذات وتطويرها، وحتى تغيير العادة يمكن أن يصبح عادة، فالمرء قادر على التعلُّم صغيرًا وكبيرًا، شريطة أن يكف عن تلقين ذاته أن التغيير لم يعد ممكنا.

في مقالة نشرها موقع (بي بي سي) وجد باحثون بجامعة تكساس أن الأشخاص الذين ينظرون إلى الحياة بأمل وإيجابية تقل وتتأخر عندهم علامات الهرم، وأن العوامل النفسية إضافة إلى الجينات والصحة البدنية تؤدي مجتمعةً دورًا في تحديد سن الشيخوخة.

ولأن العادة هي أداة الحياة فهي كذلك أداة الموت بحسب نظرتنا واستخدامنا ووعينا وقدرتنا على الفرز والتكيف.

العادات الحسنة كثيرة والعادات السيئة أكثر وأكثر؛ لأن اكتساب عادة حسنة يتطلَّب الانتباه والجهد، واكتساب العادة السيئة يتم بصورة عفوية وسهلة.

الخطر الجسيم هو (طغيان العادة)، ولذا سماها ابن القيم في (الصواعق) طاغوتًا، وفعلًا فحين تستبد العادة تسبب الركود وتقضي على المبادرات الفردية، ويصبح الإنسان عبدًا لها ويلغي مراعاة العقل والمصلحة.

سطوة السياسة الشمولية خلقت عادات في المجتمعات العربية تجبر المواطن على نمط من التفكير ترغبه الحكومات، وتوظف الثقافة والدين والعادة لمصلحتها، ومع الوقت قد تدمن الاستخذاء وتحسّ بشيء شبيه بالمرض حين فقدانه.

وحتى فهم النص الشرعي يتأثر بالعادة والمألوف.

هناك عادات ينبغي أن يعتبرها الفقيه لفهم (السوق) و(المجتمع) و(الناس) حين إصدار فتاويه وأحكامه، ولذلك تقول القاعدة الفقهية (العادة محكّمة)، فالعادة ليست حكمًا ولا علّة للحكم، بل وسيلةً لمعرفة معنى معين أو حدٍّ معيّ أو واقع معيّن ينبغي استحضاره في الحكم.

ما أسهل أن يتفهَّم المرء نصًّا يوافق موروثه، وما أسهل أن يؤوّل نصًا آخر لا ينسجم مع ما اعتاد، وفي الحالين ما أسهل أن يرى نفسه على صواب!

يُعرف العالم الراسخ بقدرته على استثمار الكثير من النصوص ووضعها في مواضعها، وتحريك الكثير من القواعد بحسب ما يقتضيه المقام، ويُعرف غير الراسخ بأنه أسير لنص واحد وقاعدة واحدة، فهو يستنزفهما بطريقة آلية.

يمكننا أن نفرِّق إذًا بين عادات نحكمها، وعادات أخرى تحكمنا.

وبين عادات محايدة ومحدودة التأثير، وأخرى تشكل شرخًا في شخصياتنا وحياتنا وفكرنا.

وبين عادات تخضع لسلطان الشرع والعقل والمصلحة، وأخرى تُخضِع ذلك كله لها بوعي أو بغير وعي.

وعادات تخضع للمراقبة وتتحكم فيها الذاكرة والإرادة والتمييز، وأخرى تؤثر علينا آليًا دون وعي.

وعادات لها صفة الخلود والدوام لارتباطها المباشر بالشريعة أو بالفطرة؛ كصلة الرحم، وبر الوالدين، والستر، والذوق.. في مقابل عادات أخرى مرهونة بحدودها الزمانية والمكانية وظروفها البيئية المحلية.

وبين عادات الآخرين التي يسهل علينا رصدها وقراءتها ومحاكمتها، وعاداتنا المتلبسة لذواتنا، والتي تسيّرنا دون أن نشعر ولا نسمح للآخرين برصدها أو قراءتها أو محاكمتها!

عاداتنا إذًا أسلحة يمكن أن نستخدمها في مواجهة الصعوبات والظروف الأخرى، ويمكن أن نصوبها إلى أنفسنا أو إلى من حولنا دون أن نشعر.

العادة تكون إيجابية أو سلبية وفقًا لعلاقتها بالذات وبالمجتمع، فإذا سيطرنا عليها فهي آلة نملكها ونستعملها عند الحاجة وفق الطريقة التي نريد، وعندما تستبد العادة بنا تكون عائقًا ضروريًا أمام تقدُّم الفرد والمجتمع.

الاسترسال مع العادة مريح، ومنازعتها تحدث إشكالات واضطرابات في النفس والمحيط، وتجعل كثيرين يشعرون أنهم في غنى عن (وجع الرأس)، وبحاجة للحفاظ على مكانتهم الاجتماعية التي يحققها احترام العادة أيًا كانت.

ومن هنا تبدو مهمة المصلحين عسيرة ومكلفة، وينهار كثيرون ويستسلمون للواقع في مراحل الطريق، وأعظم البطولة أن يظل المصلح صامدًا في مهمته، ولو كان لا يرى نتائج ملموسة، هي تتشكَّل بالفعل ولو لم يرها!

قد تجد شخصًا يحارب عادات تعوق إصلاحًا يتوخاه هو، ويستسلم لعادات تعوق إصلاحًا حقيقيًا يتوخاه غيره.

عادة واحدة تكون عائقًا في طريق النهوض بسبب سوء فهمها واستخدامها، وتكون حافزًا للتقدم والرقي في صيغة أخرى مختلفة.

الانتماء للقبيلة يمكن أن يكون اتكالية وتبجيلًا للماضي، ويمكن أن يكون سببًا للتنافس الشريف والاستمساك بمعالي الأمور.

التعليم والتكيف ليس تكوينًا للعادات فحسب، بل هو يساعد على كف عادات غير مرغوب فيها أو استعادة عادات قديمة أصبحت مطلوبة وضرورية.



عادة ضد العادة


استوقفني أحد الشباب في (كورنيش جدة) مبتسمً وقال: إنه صديقي في (تويتر)، أحسست هنا أن السلام العادي لا يكفي، وأنني بحاجة إلى أن أصافحه بحرارة وأبادله الابتسامة وأحدق في عينيه، وأسأله عن أحواله، أحسست أنني يجب أن أنسى أي ارتباط أو موعد يستعجلني، وأن أعطي اللحظة حقها من الاهتمام والعناية والتركيز.

ليس هذا وقفًا على صديقي الشاب، بل كل سلام ينبغي أن يكون كذلك، وإنما شرع السلام لهذا المعنى، ولا جدوى من سلام يعطي عكس المقصود الشرعي، لماذا أسلم وأنا صاد بوجهي؟ أو أحادث آخر بالهاتف؟ أو أمرر طرف الأصابع دون اهتمام؟

التحية من عادات الشعوب الراسخة، والوعي يحولها إلى (حدث) جميل ومقصود ومثمر.. جرب أن تسلم على كل أحد بروحك ولسانك ويدك حتى أولئك الذين تقابلهم يوميًا في العمل أو المنزل أو المسجد.

اقترح صديقي أن نلتقط صورة تذكارية معًا، وهو طلب أحسست أن بالإمكان التعامل معه كروتين أو إجراء عادي أو مجاملة، ويمكن التعامل معه ب(روح)، أمسك بيده وابتسم للعدسة وتدارك ما يمكن إصلاحه من هندامك!

أحضر الشاب من سيارته كتابي (أنا وأخواتها) لأوقع عليه، ومرة ثالثة صرت أمام عمل تلقائي أؤديه بغير نفس، قلت لنفسي: هذا رجل اشترى الكتاب بماله، وأنت ستكتب عليه أنه (إهداء) فلا يجمل أن تكون مستعجلً وهمك الخلاص من الموقف، تعامل مع هذا الطلب الصغير في نظرك على أنه كبير إذا شئت، قم بهذا العمل التقليدي بروح جديدة وحضور واكتب بخط جميل، واكتب اسم الشاب بين قوسين، وانفحه ببعض المشاعر والدعوات، واكتب التاريخ والمكان لتكون ذكرى طيبة له ولك!

حين قال جان جاك روسو: (خير عادة ألا يكون لك عادة) لم يكن يقصد على الأرجح حرفية الكلمة، فالعادة يمكن أن تكون أفضل خادم يسهل لك إجراءات الحياة المتكررة، ربما قصد التحذير من العادة التي تمسخ جمالية الأشياء وروعة الحياة، أو العادة الآسرة التي تقودك قسرًا إلى حيث لا تريد، وبذلك فهي طاغية يعبث بإنسانيتك ومصالحك. أضاف أحدهم لفتة جميلة فقال: (خير عادة ألا يكون لك عادة إلا في الخير).

ثمّ عادات ميزتها أنها تصنع الأهمية والدهشة والحضور والاستمتاع حتى في أشيائنا اليومية المعتادة!

* تدبر القرآن الكريم، وخاصة سورة الفاتحة وأنت تقرؤها في كل ركعة، مؤكد أنك تحتاج إلى جهاد وصبر ومحاولة متكررة لا تعرف اليأس، هذه المحاولة هي (عادة) تمنحك إيمانًا وعلمًا وخشوعًا وتجعل لصلاتك وقراءتك في كل مرة معنى جديدا، لا حاجة لتكرار السؤال عن كيفية التدبر أو الخشوع في الصلاة، لا يتطلب الأمر أكثر من فعلا لحضور القلبي أو محاولة ذلك دون ملل وستنجح في النهاية ?وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ? وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ? (العنكبوت 69 ).

تعود أحدهم أن يقرأ سورة قصيرة في كل ركعة ودون قصد حتى لو سألته: أي سورة قرأ؟ لم يعرف.

مفسرونا العظام عكفوا على الفهم والتدبر والتدوين، واكتشفوا (العادات القرآنية)، فكل ما قال الله فيه (عسى) فهو متحقق، فـ (عسى) من الله واجبة، والقرآن مثاني إذا ذكرت فيه الجنة ذكرت النار، وإذا ذكر الإيمان ذكر ضده، وإذا ذكر الجن ذكر الإنس.

ومن عادته التكرار في القصص والمواعظ بحيث يكمل بعضها بعضًا مع اختلاف الأساليب والسياقات.

عند ذكر الأحكام تختم بالأسماء الحسنى، لأنه إنما يستجيب من عمرت قلوبهم بحبه وخشيته.

كنت أصلي في رمضان خلف إمام رقيق القلب سريع الدمعة، لم يقرأ الفاتحة ولا مرّة واحدة دون أن يتوقف وينقطع نفسه ويحشرج صدره..

كم كان وقع هذه الخشعات على فتى لتوّه جاوز الحُلُم!

بمقدروك أن تقرأ في كل ركعة قراءة جديدة متصلة بالواقع اليومي المتجدد؛ فتعيد صياغة شخصيتك وعلاقتك بالمواقف الجديدة والتحديات، وتجد فيض الإيمان والطمأنينة والأمان.

* الشمس تشرق كل يوم، والكون يسبح الله، والأفلاك في حركة دؤوب لخدمتك، العين اليقظة وحدها تقرأ السر وتتجاوب مع هذا الهتاف المؤمن.

الإلف يفقد الدهشة ?وَكَأَيِّن مِّنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ? (يوسف: 105).

اصنع عادتك الواعية التي هي نتيجة تكرار لا محدود من المحاولات لإحياء القلب عن طريق الصدمة، وجدد معلوماتك عن النفس والكون.

* حصل شاب على محبوبته وتزوجا بعد حرمان طويل، كان كل منهما يعتقد بأن الحصول على من يحب يكفي للسعادة، لم يدركا أن هذه هي البداية فحسب، وأن الشجيرة الصغيرة تحتاج لحماية وسقي وسهر لتكبر وتظل خضراء.

الملل الزوجي أسوأ داء يهاجم العش الجميل، والذي كان يعتقد أنه سيموت إن لم يحصل على ليلاه يصبح بعد سنوات يتندر بقصص موت الزوجات!

الرتابة تقتل الحب، والحل هو التجدد والتجديد الدائم حتى في الصغائر والتوافه.. وضعية الغرفة، الأثاث، مكان الجلوس، اللباس، الكلمات، السفر، وكل شيء في المنزل قابل للتحديث، ليلة في فندق، أو إجازة قصيرة، أو هدية غير متوقعة تبعث روحًا جديدة في الحياة.

لا داعي للتظاهر الدائم أمام الآخرين بأنكما عاشقان لا يفتران.. يكفي قدر من الانسجام الداخلي وتفهم الآخر.

الحفاظ على خصوصية العلاقة وقدسيتها من تدخل الأغيار، حتى التلفاز تميل بعض الزوجات إلى إقصائه عن غرفة النوم! والجوال هو الآخر يجب تهذيب العلاقة معه هناك!

عادة التوقع من الآخر، ثم الصدمة حين تسير الأمور بخلاف ما توقعنا، هي ثمرة لنقص فهمنا للآخرين، التجربة تلهم أن تكون متسامحًا مع شريكك، وألا ترفع سقف التوقعات، وألا يكون العتاب أساسيًا في العلاقة، لا تكثر (التَّشَرُّه)، فالمثل يقول: (مَن تَشَرّه تَكَرّه)!

وفي معناه المثل العربي: كثرة العتاب تذهب المودة.

* اجتماع عائلي دوري يلم شتات الأسرة الكبيرة المتفرقة يسهم في كسر روتين الحياة، يمكن أن نتساءل: كيف نحمي هذا الاجتماع من الروتين؟

البرمجة الشديدة للاجتماعات تخرجها عن عفويتها وجمالها، وقدر من الترتيب واستثمار اللقاء مفيد للتجديد.

* الإنجاز من العادات الواعية، حين يخلو وقتك من إنجاز يصبح بلا معنى، على أن مفهوم الإنجاز يجب أن يتغير، وألا تكون شهرة العمل أو دويه معيارًا، أعظم الإنجازات تتم بهدوء!

* التسامح ليس هوانًا بل فعل واعٍ ناتج عن سعة النفس وحسن الاعتذار للخلق والسيطرة على مشاعر الغضب أو الانفعال، التسامح عادة أخلاقية عظيمة.

التسامح قوّة وليس ضعفًا (ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب) (البخاري)، تلك القوة في أن تتسامح هي قوة النفس، قوة الضمير، قوة الإرادة في أن تسيطر على مشاعر النقمة والغضب والمقت وأن تتسامح رغم كل ذلك.

كتبت إحداهنّ كتابًا بعنوان (فنجان قوّة)، قالت في طرّته: (اللهم قوّني.. ثم قوّني.. ثم قوّني.. حتى لا أقوى على أحد!).

ورغم مثالية المقولة إلا أن الغرض ليس تبجيل الضعف الجسدي والحياتي، بل معرفة معنى عظيم من معاني القوة: قوة الإرادة في التسامح.

* الأذكار التي اعتدنا أن نقولها في الصلاة أو بعدها أو في الصباح والمساء، والأدعية التي نرددها تفقد إبهارها وتأثيرها عند الغالبية العظمى مالم نكتسب عادة (الوعي) التي تمنح الألفاظ روحها وتمسح الغبار عن نظاراتنا لنرى الأشياء على حقيقتها.

* النية في عمل الخير تضاعف أجره وأثره، حتى الأعمال اليومية العادية واليسيرة يمكن أن تعظم بالنية كما تعظم بالحاجة إليها (وإنما الأعمال بالنيات)، النية ذاتها هي عادة نستحضرها لنكون أكثر صدقًا وحماسًا في فعل الخير، دون أن يتحول هذا الاستحضار إلى (وسواس) يفسد صفو العمل والعبادة.

* مراقبة النفس والتعرف على دوافعها الحقيقية ونوازعها ومشاعرها

وقوتها وضعفها، ?وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ? (القيامة: 2)، هذا اللوم أصبح (عادة) ولذا عبر باللوامة، وليس باللائمة، أي أنها تكثر لوم صاحبها؛ ماذا أردت بكذا؟ ماذا أردت بكذا؟..

* التفكير والتروي وتقليب الأمر على وجوهه حتى ينضج، سرعة الحديث عن المستجدات العلمية أو الحياتية تشكل إغراءً لكثيرين، فإذا استقرت الأمور كان الكلام أنضج وأفلج، ولذا قالت العرب: (الخطأ زاد العَجول)، والخبراء اليوم يتكلمون عن (العصف الذهني) وهو شبيه بقول الأحنف بن قيس أو علي بن أبي طالب: (اضربوا الرأي ببعضه يتولد منه الصواب).

هل تعرف ما هو الرأي الفطير؟ إنه ما ينقدح في الذهن لأول وهلة دون روية أو تدبر أو حوار مع غيرك، ومن الحكمة ألا يبادر العاقل بطرح هذا الرأي إلا على سبيل الاستفتاح والإنضاج.

وعكسه الرأي الدبير، وهو ما يأتي بعد فوات الفرصة.

وأفضلها الرأي الخمير، ويسمى حفاوة به: السديد والصائب والأصيل والثاقب والجزل والنضيج والرزين والحصيف والمحكم والمسدد والنجيح:

إذا بلغ الرأي المشورة فاستعن

برأي نصيح أو وصية حازمِ

ولا تجعل الشورى عليك غضاضةً

فإن الخوافي قوةٌ للقوادمِ

من جميل العادات أن تفكر قبل أن تتكلم، وألا تنظر للموضوع من زاوية واحدة، ولا تندفع في رأيك حتى تسمع من هو أسن منك أو أوسع خبرة أو أكثر معرفة.



سرّ (الملفوف)!


يحكى أن أحد التجار أرسل ابنه لكي يتعلم سر السعادة لدى حكيم.. مشى الفتى أربعين يوما حتى وصل قصرًا على قمة جبل وفيه يسكن الحكيم.

انتظر ساعتين في طابور طويل، حين واجه الحكيم نظر إليه وقال: الوقت لا يتسع الآن، قم بجولة داخل القصر ثم عد إلي بعد ساعتين. وأعطاه ملعقة صغيرة فيها نقطتان من الزيت، وأوصاه أن يمسك بها طيلة جولته دون أن تنسكب.

أخذ الفتى يصعد ويهبط ويتجول مثبتًا عينيه على الملعقة.

حين عاد سأله الحكيم: هل رأيت السجاد الفارسي في غرفة الطعام؟ الحديقة الجميلة؟ هل استوقفتك المجلدات الجميلة في مكتبتي؟

ارتبك الفتى واعترف له بأنه لم ير شيئا، كان همه ألا يسكب نقطتي الزيت من الملعقة، طلب إليه الحكيم العودة مرة أخرى للقصر.

عاد الفتى يتجول منتبها إلى الروائع الفنية المعلقة على الجدران، شاهد الحديقة والزهور الجميلة.

عندما رجع كان قد شاهد الأشياء ولكنه اكتشف أن قطرات الزيت قد انسكبت.

سر السعادة هو أن ترى روائع الدنيا وتستمتع بها دون أن تسكب قطرات الزيت، فالسعادة حاصل ضرب التوازن بين الأشياء.

الاستمتاع بالفرص الصغيرة ومنحها حقها من الوقت والحضور يحوّل الحياة إلى مجموعة من الفرص السعيدة الصغيرة والكبيرة، لا تتطلب ما وراء الأشياء، ولا تتعمق في التساؤل عن مغزاها، لئلا تهرب منك لذتها، تذوق جلسة عابرة أو وقفة أو كأس شاي أو وجبة أو نكتة أو محادثة دون طرح الكثير من الأسئلة التي (تفركشها) وتشتت جمالها.

وجدت تفاصيل الحياة مثل (ثمرة الملفوف)، منا من يقطع ورق الملفوف ويأكله ويستمتع به أو يستخدمه في صناعة وجبة، ومنا من يقطع الورق ويرميه لأنه يريد أن يحصل على (اللب)!

الباحثون عن اللب لن يجدوا شيئًا، لقد زهدوا في ورق الملفوف بحثًا عما هو أثمن في نظرهم ثم اكتشفوا بعد الفوات ألا شيء أثمن من ذلك الورق، وأن هذه الثمرة ليس لها لب، وإن شئت فقل: كلها لب!

الحياة أحيانًا كالنكتة العابرة يحسن أن تضحك لها دون تفكير طويل!

التقاط اللمحة الإيجابية في كل شيء حتى ما هو مكروه، عادة نفسية رائعة يمكن أن نتدرب عليها ونحاولها، حتى تغدو جزءًا من طبيعتنا وتكويننا وتحليلنا للأحداث البعيدة والقريبة، الخاصة والعامة، الكبيرة والصغيرة.

إنني مدين في حياتي لأحداث عديدة كانت مؤلمة، ولرجال أرادوا حرماني فكانوا سببًا في التفاتي إلى ما هو أفضل، تعودت ألا أندب حظي ولا أهجو خصمي فهو أداة يوجهني فيها الله للميدان الذي كان عليّ أن أقصده ? وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ? (البقرة: 216).

إذا كان هذا حديثًا نظريًا لشابّ يعاني صعوبات الحياة فهو بالنسبة لي يقين عايشته بكل جوارحي وآمنت به، ولو عادت الأيام ما اخترت إلا الذي أراده الله واختاره.

ثم كتابان مترجمان، أحدهما صدر قبل 20 سنة وتجاوزت مبيعاته 15 مليون نسخة وترجم للعديد من اللغات، وهو يرسم عادات الناجحين والمؤثرين.

هو رؤية الكاتب (ستيفن كوفي) وخبرته الشخصية مع تأثير الثقافة المحيطة به، وهو من (المورمن) وهي طائفة مسيحية محافظة.

يقول إن المشكلة ليست في التحدي الذي نواجهه، بل في زاوية نظرنا إلى التحدي، يضرب مثلًا: كان في المترو شخص معه أطفال، ظلوا يزعجون الركاب، والأب لا يفعل شيئًا، فتضايق منه كوفي وعندما كلمه قال له الرجل: إن زوجته توفيت اليوم وهو لا يدري ماذا يفعل.

ويؤكد على عادات إيجابية:

1- كن سباقًا مبادرًا، ولا تلم الظروف (احرص على ما ينفعك) (مسلم).

2- البوصلة، تَصَّرَفْ بناء على أهدافك ومبادئك، تخيل جنازتك وما يريد أن يذكرك الناس به، (وخذ مِنْ صِحَّتِكَ لمرضك، ومن حياتك لموتك)(البخاري).

3- الأولويات، لا تنشغل بالعاجل والملح عن المهم (الأمر بالمعروف قبل النهي عن المنكر) (فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة ألا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله) (البخاري).

4- المكسب المشترك، تربح ويربحون (مات ودرعه مرهونة عن يهودي) (متفق عليه).

5- مهارة التواصل مع الآخرين والاستماع والاهتمام، ?يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ? (الزمر: 18)، (وخالق الناس بخلق حسن) (الترمذي).

6- التعاون الخلاق والتفكير الجماعي والمشاركة في القرار، ?وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى?? (المائدة: 2).

7- شحذ المنشار، أن تعتني بنفسك روحيًا وصحيًا وذهنيًا وعاطفيًّا، ?عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ? (المائدة: 105)، (ابدأ بنفسك) (متفق عليه).

والآخر كتاب (السِّر) من تأليف الأسترالية (روندا بايرن)؛ الذي يقوم على تحفيز كوامن النّفس للتفاؤل والعمل، والثقة بأن ما يريده المرء أو يحاوله ممكن، بل هو واقع، متى قاله بلسانه، وتوقعه بعقله، ورفعَ الأفكار السوداوية المتشائمة.

وعلى الإنسان أن يكرّس ذهنه وفكره لما يريد وما يحب أن يكون، وليس على ما يكره أو يحاذر.

وذكّرني هذا بكلمة للإمام ابن القيم، في مدارجه؛ يقول فيها: (لو توكّل العبد على الله حقّ توكّله في إزالة جبل عن مكانه، وكان مأمورًا بإزالته لأزاله).

حين نذهب إلى ترسيخ فكرة علينا ألاّ نُوغل في حكحكتها، أو نفرط في افتراض ضوابط واستثناءات؛ لأنها حينئذٍ تبهت أو تموت.

وإذا استقرت الفكرة سهل بعدُ تعديلها وتصويبها.

وفي الحديث (ادْعُوا اللَّهَ وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ باِلإِجَابَةِ)، (أحمد والترمذي والحاكم).

وكان عمر رضي الله عنه يقول: إني لا أحمل همّ الإجابة، ولكن أحمل همّ الدعاء، فإذا أُلهمت الدعاء فإن معه الإجابة.

كان (ديشراث منجهي) يسكن في قرية نائية ومعزولة في الهند. أصيبت زوجته إصابة خطيرة جدا وبسبب بعد المسافة بين المستشفى والقرية والطريق الطويل المعوج (70 كيلومترا) لم تصل سيارة الإسعاف في الوقت المناسب وماتت رفيقة الدرب.

طلب من الحكومة أن تشقّ نفقا في الجبل لاختصار الطريق حتى لا تتكرّر الحادثة ولكنّها تجاهلته؛ فقرّر الفلاح قليل الحيلة أن يتصرف بنفسه لكي ينهي المأساة؛ فأحضر فأسا ومعولا وبدأ الحفر بيديه.

سخر منه أهل القرية واتهموه بالجنون، أمضى الرجل 22 عاما (من 1960 إلى 1982) يحفر في الجبل من الصباح إلى المساء، ولا يملك إلاّ فأسه ومعوله وإرادة تواجه الجبال وصورة زوجته في ذهنه وهي تموت بين يديه.

شقّ طريقا في الجبل بطول 110 أمتار، وعرض 9 أمتار، وارتفاع 7 أمتار، واختصر المسافة بين قريته والمدينة من 70 كيلومتر إلى 7 كيلومترات؛ وأصبح باستطاعة الأطفال الذهاب إلى المدرسة وبإمكان الإسعاف الوصول في الوقت المناسب.

فعل الرجل بيديه العاريتين في 20 عامًا ما كانت الحكومة تستطيع أن تفعله في 3 شهور، وسُمّي برجل الجبل، وتمّ إنتاج فيلم سينمائي يروي قصّته.

كان هناك مشكلة ولا تزال، بيد أننا إذا دخلنا الحياة من بوابة المشكلات؛ دخلناها من أضيق أبوابها، فلندخل من باب الأحلام الجميلة الواسعة.

إن النظرة السوداوية كفيلة بسجن صاحبها في قبو مظلم مكثّف الرطوبة، فاسد الهواء، يذكرك بالقبر الذي وصفه السيّاب:

أُمّاهُ لَيْتَكِ لَمْ تَغِيبيِ تَحْتَ سَقْفٍ مِن حجَارْ

لاَ بَابَ فِيهِ لِكَي أَدُقَّ، وَلاَ نَوَافِذَ فِي الْجِدَارْ!

وكأنه استعجل الموت قبل أوانه، ولا غرابة أن تجد ضحايا التشاؤم والانعزالية والانغلاق النفسي؛ يردّدون عبارات الحنين إلى الرحيل دون مناسبة، بل وينتقدون من يحاول حرمانهم من هذه المتعة الوحيدة المتبقية لهم في الحياة، إن صح أنهم أحياء!



اضبط ساعتك!


استَخْدَمَ المورفين كمسكن للألم، ولكن حين تكرر حقنه أصبح عاجزًا عن الاستغناء عنه حتى لو لم يتألم، وإذا حل موعد الجرعة أصبح في حالة يرثى لها، حيث يطرأ تغيير كيميائي على خلايا المخ.

تتسلل إلى الأعماق وتختلط بالوجدان وخلايا الجسم وتصبح جزءًا من (فلان): الشيشة، المقاهي، السهرات..

بادر باقتلاع الحشائش الضارة من حديقتك، وإلا أفسدت عليك الحديقة كلها.

يتفق الناس على أن العادة مكتسبة، فمنذ الصغر يحاكي الإنسان ما يراه، ومع التكرار يكتسبه كعادة، ولذا قال علي رضي الله عنه لولده الحسن (إنما قلب الحدث كالأرض الخالية ما ألقي فيها من شيء قبلته فبادرتك بالأدب قبل أن يقسو قلبك).

يقول ابن أبي زيد القيرواني (أرجى القلوب للخير ما لم يسبق إليه الشر).

الاعتقاد والإيمان من أعظم أسباب صناعة العادات..

القسر والإجبار من السلطة أو الأب أو المدرسة يصنع عادات سلبية مدمرة مثل: ضعف الشخصية، التردد في الكلام، الكذب، النفاق، العدوانية.

وهو يضعف العادات الطيبة ويفقد القدرة على الفرز بين الجيد والرديء، بسبب الاتكالية على الآخرين.

بعض العادات تمثل تعويضًا نفسيًا للإنسان مثل قضم الأظافر أو نتف الشعر.

ولذلك يوضع لها بدائل تعويضية مثل الضغط على كرة مطاطية أو ممارسة الرياضة، وتحتاج إلى إرادة وإلى وقت وإلى خطة لتغييرها..

الحرمان من شيء فطري يحمل الإنسان على البحث عن نظيره، ولذا يلجأ إنسان المجتمعات الاستبدادية إلى الحديث عن الجنس، أو الاستطراد الدائم في تفاصيل مكررة في الحياة، أو الجدل حول قضايا علمية معادة تعويضًا لا شعوريًا عن المفقود وتفعيلً لغريزة تقدير الذات.

بعض العادات غرائزي مثل مص الإصبع عند الأطفال.

ومثل العادة السرية عند الكبار، وهي تحتاج إلى بدائل تحجم الاندفاع الغريزي.

وبعض العادات لملء الوقت مثل مشاهدة التلفاز أو الألعاب الإلكترونية. وبعض العادات عبثي يصعب تفسيره مثل ما كان الروائي الإنجليزي تشارلز ديكنز يحمل معه بوصلة لأنه لا ينام إلا ورأسه متجه نحو الشمال، وكاعتياد المفكر الفرنسي فولتير وضع أقلام الرصاص أمامه أثناء كتابته حتى إذا فرغ كسرها ووضعها تحت وسادته ونام.

بعض العادات من شدة لا إراديتها لو فكرت فيها حدثت لك الحيرة.

لو فكرت أيّ رجليك تقدم في المشي؟ مع أن السُّنة حددت حالات يُشرع فيها تقديم اليمين؛ كالدخول إلى المسجد ولبس النعل والثوب، وأخرى نقيضها كالخروج من المسجد والخلع.

عندما تنام أين تضع يديك؟ على صدرك أم على السرير أم على جنبك؟

أحدهم حين يمشي، يمشي ضمن خطوط معينة في الأرض لا شعوريًا، أو يمشي بحذاء شيء ما في الجوار، وربما اعتاد على لمس كل ماهو متدلٍ.. إلخ.

كاتب ماهر على لوحة المفاتيح حينما ينظر إلى أزارير الحروف يغلط.

الحفظ عادة حيث إن كل مقطع أو آية يكون ممهدًا عند قراءته للذي بعده دون تفكير، والتكرار يُرسِّخ ذلك، ولو بقي القارئ يتأمل ويُفكر فيما بعد الآية أو المقطع لتردد أو توقف أو ارتبك.

والوسواس ذاته إنما هو ارتباك نفسي ناتج عن شدة التركيز على أمور عادية. حياتنا الإنسانية هي صرح مشيد من العادات العاطفية والفكرية والسلوكية.

العادة قانون غير مكتوب يُسلِّم له الجميع وهي أقوى من القانون.

الملبس، الغترة، الطاقية، العقال، العباءة..

يسألني أحدهم عن سبب عزوف (المشايخ) عن لبس العقال؟ ولا أجد سببًا غير العادة أو (العرف الخاص)، ومثله الاعتياد على لبس البشت أو (المشلح) وكأنه لباس خاص لطبقة أو فئة من الناس.

هل التميز عن العموم مطلب؟ كان الرجل من البادية يأتي لمجلس فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يميزه حتى يسأل: أيكم محمد؟

والتميز الذي يحمل قدرًا من البعد عن الناس أو الفخر أو الكبرياء أو الشهرة مذموم في الأحاديث الصحاح.

أجد أسبابًا كثيرة ومقنعة للبس العباءة، ولكني أخيرًا وجدتني أعزف عنها، لأنها تصنع حالة نفسية واستدعاءً للهيبة وتوقرًا، وربما كان الظرف الحاضر يستدعي تواصلً وقربًا من الناس، وتدريبًا للنفس على التَّمَاسّ مع الآخرين والدنوّ منهم والحديث معهم بدلًا من الحديث إليهم، تربية للنفس وانتفاعًا منهم وتسهيلًا للتواصل.

يوجد مجتمعات بلا قوانين؛ كالمجتمعات البدائية، ولا يوجد مجتمعات بلا عادات ولا حتى أفراد.

حتى الحيوانات وهي تتحرك بالغرائز تكتسب بعض العادات.

هل هي غريزة أم عادة؟ تسافر أسماك السلمون من الأنهار إلى البحر في رحلة بعيدة، تعود من البحر توجهها بوصلة سرية، تسبح ضد التيار دون توقف، تقفز عبر الشلالات والمناطق الصخرية وبعد فراسخ كثيرة تصل إلى المكان الذي ولدت فيه.. ما زالت كذلك منذ آلاف السنين تؤمن بأن العودة قادمة، وأن تذاكر الذهاب والإياب لا تكذب!

عندما خَرَجَ صلى الله عليه وسلم زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ، كَانُوا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ... وَسَارَ حَتَّى إِذَا كَانَ باِلثَّنِيَّةِ، بَرَكَتْ رَاحِلَتُهُ، فَقَالَ النَّاسُ حَلْ حَلْ، فَأَلَحَّتْ، فَقَالُوا خَلأَتِ الْقَصْوَاءُ، خَلأَتِ الْقَصْوَاءُ، فَقَالَ (مَا خَلأَتِ الْقَصْوَاءُ، وَمَا ذَاكَ لَهَا بِخُلُقٍ، وَلَكِنْ حَبَسَهَا حَابِسُ الْفِيلِ، ثُمَّ قَالَ وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ لاَ يَسْأَلُونىِ خُطَّةً يُعَظِّمُونَ فِيهَا حُرُمَاتِ اللَّه إلِاَّ أَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا) (البخاري).

للإبل عاداتها وطباعها التي يعرفها أربابها ويذهلون منها، إنها (ذوات الأرواح) تشترك معنا نحن البشر في الحياة والنظر والسمع وبعض الأفعال الإرادية والعاطفية، وقد نحبها وتحبنا!

وأحبها وتحبني

ويحب ناقتها بعيري!

بجوار بيت الطين في القرية كان بيت آخر للغنم، الصغار كانوا يلحظون علاقة صامتة بينها وبين البشر قد توصف بالحب والكره، أو الرغبة والخوف؛ إنها جزء من (التسخير)، كانت أمي تقول: (الروح تبغى الأرواح).

الكلاب تُعلَّم على الصيد وتندفع إذا دُفعت وتنزجر إذا زُجرت، وتُدرَّب على كشف المخدرات والمتفجرات بضرب من الاحتيال على طبيعتها.. وقد رأيت من هذا عجبًا في إحدى دوائر الجمارك، ويمكن مشاهدة مثل ذلك في مقاطع اليوتيوب، ?وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ ? فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ ? وَاتَّقُوا اللَّهَ ? إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ? (المائدة: 4).

حين ينمو الشبل يخرج الأسد إلى الغابة لا ليأتي بفريسة بل ليقتنص غزالًا صغيرًا يأتي به حيًا، يتركه أمام الشبل ليدخل معه في صراع، ويقف الأب متحفزًا، فإذا رأى الغزال يضرب الشبل تدخل بضربة قاضية؛ بهذا الصراع يتعلم الشبل الافتراس.

عادة الذكر من الأسود الزئير بينما الإناث تتولى الحصول على الطعام من حمير الوحش أو الغزلان، وإذا حضر الطعام يأكل الذكر أولًا وما تبقى للإناث ثم الأشبال!

يحمل النسر صغيره بمنقاره ويطير به إلى ارتفاع مئات الأقدام، ثم يتركه، يبدأ الصغير في السقوط والمحاولة، ويقوم أبوه بالطيران تحته ليحمله على جناحيه المفرودين ثم يلتقطه بمنقاره إذا استدعى الأمر ذلك، ويكرر حتى يتعلم الطيران.

كتب تشارلز دارون بحثًا علميًا نفسيًا عميقًا حول (التعبير عن العواطف عند الإنسان والحيوان).

مع الوقت يمكن أن نتعود على المناخ الحار أو البارد، وعلى تعب العمل الذي نمارسه لفترة طويلة، وعلى تهكم زملائنا بنا، وتنشأ لدينا مهارات من تكرارنا لبعض الأعمال إلى حد الإتقان؛ كحذق أصحاب الحرف بنشاطاتهم، وإبداع قيادة الدراجة أو السيارة أو ممارسة الرياضة.

تتصل العادات بالضرورات الحيوية؛ كالأكل، والشرب، والنوم، والزواج، وأنماط العيش، واحترام الذات.. فالعادات هي الحروف التفصيلية لتلك العناوين المجمَلة.

لا يمل الإنسان من سلوك الطريق الذي رسمه مرور السيارات أو وطء الأقدام، حتى يكتشف طريقًا أفضل.

تكرار الفعل هو تأثير نفسي وتأثير عضوي فسيولوجي.

تكرار الفعل تتكون منه ومعه حالة نفسية تأنس به.

لو لم تكن العادة موجودة لكان لبس الثوب أو خلعه يستغرق يومًا كاملًا، ولكان الإنسان عاجزًا عن التكيُّف مع المواقف الجديدة.

(ديكارت) شبَّه العادة بالظواهر الفيزيائية، طيّ الثوب مثلًا لا بد أن يترك أثرًا فيه كالذي يُسمى بـ(المرزام) في الغترة، وكذلك طيّ الورقة أو الفراش، أو طرق الحديد.

وأقرب من ذلك أن العادة الواعية تشبه تركيب الساعة على توقيت ما ثم سؤالها عن الوقت كلما احتاج إلى ذلك والاعتماد عليها.. فهكذا هي العادة.. شيء نصنعه ثم يصنعنا!



فوق القانون!


لاعب سلة طُلِبَ منه تصوير مشهد تمثيلي إعلاني يظهر فيه وهو يخطئ في تسديد الكرة فعجز عن ذلك لأنه تعود أن يصيب.

من تعوَّد على الصواب يصعب عليه فعل الخطأ، ومن جرت سليقته العربية على الفصاحة لا يُمكِّنه لسانه من اللَّحن.

جميل أن يصبح الصواب عادة.

صديق كان شديد التحذير من الإسراف في الولائم والمناسبات، حضرت مرة زواج ابنته فرأيت بذخًا، سألته فيما بعد فقال: هي مناسبة فريدة لا تتكرر، بنتي ليست أقل من غيرها، أين أذهب من ألسنة الأقارب والمعارف؟

العادة أقوى من القانون؛ لأنها أحيانا تكون بدافع ذاتي، وأحيانًا تكون استجابة لسلطة اجتماعية، كان صاحبي مضطرًا لممارسة العادة خوفًا من النقد أو حفاظًا على الوجاهة، وقد ارتبط في ذهنه حصول بهجة الفرح بإحراق المزيد من المال.

العادات تبدو أحيانًا وكأنها أعضاء في جسد الإنسان.

قد تبدأ السرقة بسبب الحاجة ثم تصبح عادة (خفة اليد) حتى مع الغنى، ويجد السارق فيها متعة كمتعة الصياد حين يطلق رصاصة من بندقيته، فيفرح بإصابة الطائر مع أنه يمتلك في ثلاجته لحوم الطيور بأنواعها.

ذات مرة رفض ولي الدم أن يتنازل عن القاتل حتى يتسول لمدة عام، وافق القاتل مضطرًا وبعدما تم العفو تحول إلى متسول ذليل.

العادة إذا استَسْلَمْتَ لها صارت سيِّدًا يقودك بقوة إلى حيث لا تريد.

العادة طبيعة ثانية؛ كما يقول أرسطو، وهي طبيعة ثابتة أيضًا، وتغيير العادات ممكن ولكن بجهد وإصرار بلا يأس.

العادات السلبية تشجع الآلام، وتحرم من الخير.

قد يفقد المرء مصداقيته مع الناس أو يفقد وظيفته بسبب عادة رديئة لا تجد قبولًا لديهم، أو موقف لم يفهموه.

قد يصفونه بالنفاق وهو مؤمن لديه بعض التقصير.

فرق بين نزوة مفاجئة وعابرة وبين عادة مستقرة دائمة، مع أن النزوة قد تتطور إلى عادة.

حين يدرك الإنسان أن من كمال شخصيته التحلي بفضائل المحبة، والوفاء، والرحمة، والتسامح، والعدل، والتفكير الموضوعي، ثم يُعزز حظوظها في نفسه، ويبدأ بممارستها وحمل النفس عليها تصبح عادة تصعب مخالفتها مهما كثرت التضحيات.

الصداقة عادة؛ اجعل صداقاتك مع البسطاء والضعفاء والعاديين حتى تألفهم وتركن إليهم، وتتعود على النظر إلى من هو دونك في الدنيا وتنأى بنفسك عن الكبر والتعاظم، وبذلك تحبهم ويحبونك، وتعتاد النفور من مجالس الكبراء والمتكبرين? وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ? مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِّن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ? (الأنعام:52)، ? وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ? وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ? وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا ? (الكهف:28).



أغصان يابسة


وضعني طفلي أمام خيارات صعبه حين سألني هذا السؤال:

- أنت تقود سيارتك التي لا تتسع إلا لشخص آخر معك، ومررت بثلاثة أشخاص أحدهم امرأة عجوز تحتاج إسعافًا عاجلا، والآخر صديق قديم سبق أن أنقذ حياتك، والثالث شخص مشهور تعتز به وتسعى لإسعاده والاستفادة منه، أيهم ستُقلّهُ معك؟

كان جوابه بعد أن رأى الحيرة في وجهي: أعط مفاتيح السيارة للصديق الذي أنقذك، واطلب منه توصيل العجوز إلى المستشفى، وابقَ بصحبة القدوة لانتظار الحافلة!

ثَمَّ عَدَدٌ من الخيارات المتاحة في كل موقف، وعلينا ألا نقع في فخ الإجابات الجاهزة والحادة: إما .. وإما!

كنا صغارًا في الحقل نستدل فطريًا على موت الشجرة بإمكانية كسر أغصانها.. وهكذا هو حقل الحياة يحتضن الأغصان الخضر أو القابلة للاخضرار ويتخلى عن ذوات اليبس.

هو الكون حي يحب الحياة

ويحتقر الميْت مهما كبر

فلا الأفق يحضن ميْت الطيور

ولا النحل يلثم ميْت الزهر

(أبو القاسم الشابي)

ولذا سمعنا الكبار وهم يتفاوضون يقول بعضهم لبعض (لا تكن يابسًا فتُكسر، ولا رطبا فتُعصر) وهي مفردة ضمن قاعدة التوازن والتوسط.

عليك بأوساط الأمور فإنها

خيار ولا تركب ذلولًا ولا صعبا

ولكني أقرأُ فيها معنى المرونة التي تُشجع على النجاح في العلاقة والتفاوض وتجاوز الأزمات.

وكم من اعتقاد جزم المرء به، وبالغ في الإنكار على مخالفيه، ثم تبين له خطؤه وقبحه، بعد الجزم بصوابه وحسنه، كما يقول العز بن عبدالسلام (في قواعد الأحكام 1/ 16).

هل ينبغي أن يكون المرء صارما حازما في سائر أموره؟ أم الأفضل أن يكون قادرًا على التكيف والبحث عن البدائل والخيارات.

المرونة تعني القدرة على التنقل بين الحسم والتردد، وبين الصرامة واللين، تعني السيطرة على الطباع وليس الاستسلام لها.

المرونة ليست شعارًا أو وصفًا لمنهج أو بشر، هي سلّم متدرّج حين نحاول الصعود فيه نواجه عقبات من داخل النفس وخارجها، ولكننا نكون في الطريق فعلًا، وحين نكبر وننضج تصبح (وسما) جميلًا يطبعنا بالحكمة والهدوء.

تعودت بعد سنين طويلة أن أتقبل الناس كما هم حتى الأقربين، وألا أؤاخذهم أو أكثر عتابهم، وألا أَتَوقّع من الآخرين أكثر مما يمكن أن يقدموا!

المرونة العقلية تُمكن من تحقيق الأهداف الخاصة والعامة وحل المشكلات بنجاح والبحث عن الفرص بل وتحويل الأزمة إلى فُرصة.

هي تعني ألا تكون مستعبدًا لنمط معين يمكن معاقبتك بالحرمان منه، أن تمتلك القدرة على إيجاد البديل الأفضل.

عليك ألا تضع البيض في سلة واحدة.

وأن تخرج من نمط التفكير التقليدي.

وألا تجعل سياستك قائمة على المعارضة والمعارضة فقط، وكأنك مشغول بهدم أبنية الآخرين.

من الخطأ الظن أن المرونة تعني الاستسلام، إنها البحث عن طريقة أخرى للتعبير.

سهلٌ أن تُلقن شخصا معلومة جديدة، وليس بنفس السهولة أن تُعلمه تغيير عادة كان يرى الأشياء من خلالها، على أن الكشوف المذهلة المتعلقة بالدماغ البشري أكدت قدرته على إبداع البدائل، واستخدام الطرق غير التقليدية في حل المشكلات.

المرونة نجاح في الأداء السياسي حتى مع الخصوم، ومن الفشل أن يكون الأداء قائمًا على الحدية بين عميل أو عدو، يمكن أن تتحالف مع أطراف كثيرة تتفق معك في الهدف ولو جزئيًا ولبعض الوقت، والمرونة المحمودة هي التمتع باللياقة في العلاقات والخطاب، مع التمسك بالمبادئ والإصرار عليها، وهي وسط بين النفاق والجمود.

فقدان المرونة سبب في فشل الخطط وتخبط الأداء وضياع البوصلة وخسارة الأموال.

المرونة الاجتماعية تعني الانفتاح على المجتمعات والمناطق والقبائل المختلفة عنك بثقة وإيمان، وتفهم أنماط حياتهم وطرائق تعبيرهم واقتباس جيدها ورفض فاسدها ولو ذاع واشتهر.

مرونة الجسد تُحقق قدرات وفوزًا رياضيًا ومنه سُميت (تمارين).

المرونة الذهنية وعدم الحسم في المسائل المحتملة تمنحك وقتًا للمزيد من البحث ومحاورة الآخرين، وتحميك من التعصب للنتيجة التي حصلت عليها وكنت تظن بأنها نهائية، وهي ليست كذلك!

الشخص العصبي المتسرع الذي لم يتعود على التفكير لا يعرف كيف يكونُ مرنا.

العبودية للعادة تعني أن تتحول إلى بروتوكول قاسٍ يُشبه الوسواس القهري، وغالبية المضطربين نفسيًا يعانون من جمود أفكارهم، ويكون مآلهم غالبًا الانطفاء والانسحاب من الميدان وتَخَشُّب الآراء، وهناك طائفة من الخوارج تسمى (الخشبية)، تركت القتال بالسيف ولكنها احتفظت بأفكارها اليابسة وكانوا يحملون سيوف الخشب.

في الحوار يمكن أن تضع الطرف الآخر على محك مثل حد السيف وأنت في حالة غضب، ويُمكن أن تقول له معك بعض الحق ووجهة نظرك مُقدرة.

المرونة العاطفية تتجلى في قول عليّ رضي الله عنه (أحبب حبيبك هونًا ما عسى أن يكون بغيضك يومًا ما، وأبغض بغيضك هونًا ما عسى أن يكون حبيبك يوما ما)، ولذا تقول العرب (لا يكن حبك كلفًا، ولا يكن بغضك تلفًا).

الأبيض والأسود ليسا اللونين الوحيدين في القائمة، وفي قصص الأطفال كُنّا نجد الشرير والخيّر، ويبدو أن هذا سيطر على تفكيرنا حتى أصبحنا مشغوفين بالفرز، والفرز إلى نوعين فحسب، بينما الأمر أوسع من ذلك، وفكرة الفرز ذاتها ليست ناجحة دائمًا!

المرونة تجلب السعادة والمتعة؛ حين تكون قابلًا للنوم في أي وقت وأي مكان، في الطائرة أو القطار أو على فراش خشن غير وثير أو على الأرض الجرداء! وتغيير نمط الأكل والوجبات والقابلية للتذوق والتجريب، والتعامل مع الحر والبرد، وفئات الناس المختلفة، ستستمتع أكثر بالسفر والرحلة، وتتكيف مع أمزجة الأصدقاء.. وتتدرب على الاكتشاف الجيد برشاقة دون تضجر أو إحجام!

حين تكون قادرًا على التعامل مع العزلة باختيارك أو بغير اختيارك بنفس قدرتك على التعامل مع الحشد فأنت كما قال المتنبي:

وحالات الزمان عليك شتى

وحالك واحد في كل حال

وقول رسول الله أصدق وأبلغ (عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير..) (مسلم).



القصب وشجرة البلوط!


العادة الأساس للمشي هي الحركة، أن أكون متحركًا أباشر أعمالي بنفسي بدلًا من إعطاء الأوامر لمن حولي، اخدم نفسك بنفسك، وهي عادة نفسية وبدنية صحية وممتعة.

في (الحاير) كنت أَدُور في غرفتي، وعند خروجنا للفندق - لثلاثة أيام في انتظار لقاء بمسئول - كنت أدور في غرفة الفندق خائفاً من أن يكون الخروج يعني الابتعاد عن المشي.

المشي يحتاج إلى حذاء خاص، وممشى مُرتّب، ورفقة، وجو مُعتدل؛ ولذا نَتخلى عنه.

حين بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم عوف بن مالك والرهط الذين معه، أسر في أذن عوف كلمة وهي (لا تسألوا الناس شيئا)، فكان سوط أحدهم إذا سقط من يده لا يقول لأحد ناولني إياه.

وكان أبو بكر الصديق ربما سقط الخطام من يده فيضرب بذراع ناقته فينيخها، فيأخذه، فقالوا له: أفلا أمرتنا نناولكه؟ قال: إن حِبي أمرني ألا أسأل الناس شيئا.

أهم من المشي ضبط القرآن ومراجعته، وقيام الليل، والنوافل، والصوم.. وكُلها مما صرتُ أتذكَّر معها أيام السجن بحسرة، وأتذكر ما كنا نتدارسه من (تحزيب القرآن) وأن الصحابة كانوا يقرؤونه في سبع ليال، وفي حديث أوس بن حذيفة أنه سأل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم:

كيف تحزبون القرآن؟ فقالوا: ثلاث (سُوَر)، وخمس، وسبع، وتسع، وإحدى عشرة، وثلاث عشرة، وحزب المفصل.

وهذا هو المعمول به عند أكثر السلف، يختمون القرآن في سبعة أيام.

المرونة تصنع التحدِّي، والذين يطاردونك ويقفلون الأبواب في وجهك سيتحولون إلى أسباب سخَّرها الله ترسلك إلى الأعمال والأحوال والأماكن الأفضل!

ثمَّ أحوال جميلة ورائعة لا نذهب إليها باختيارنا فيُسخِّر الله لنا من يدفعنا إليها دفعًا.

المرونة تُسهِّل الاحتفاظ بالعادات وصناعتها.

عندما تستيقظ تشرب ماءً عاديًا أو فاترًا أو زيت زيتون أو عصير تفاح.. حسب نصائح الأطباء، عدة خيارات تسمح باستمرار العادة.

تعليم المرأة، الدش والتلفاز، الإنترنت، والشبكات الاجتماعية، إجازة يوم السبت، إغلاق الصيدليات أوقات الصلوات، قيادة المرأة السيارة.. إلخ

كان هناك شجرة بلوط على ضفة النهر، وعلى جنبات الشجرة نما قصب كثير، وفي كل يوم كانت الشجرة تتمايل مع الريح بثبات وثقة وشموخ، وكأنها تقول: انظري إليَّ أيتها القصبة الصغيرة، كيف لا أرضخ لشيء، لأنني قوية، والقصبة لا ترد؛ لأن الأمر لا يستحق كل هذا العناء، في ليلة ما هبت عاصفة هوجاء، أكثر بكثير من المعتاد، وعندما انبلج الفجر، كانت شجرة البلوط مقسومة إلى نصفين وقد سقط معظمها على الأرض، ولكن القصبة الضعيفة كانت قائمةً، تلوح إلى ضوء الشمس، وتتحدث عن العاقبة!

أقرب آية لمفهوم المرونة العملية الإيجابي هي قوله تعالى: ? أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا ? وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ? (إبراهيم:25،24).

الأصل راسخ وهو الإيمان والمحكم، والفرع متصل بالأصل، ولكنه مرن متحرك يعطي لكل حالة عبوديتها المناسبة، ولذا ? تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ ?، وليس عطاؤها مقصورًا على حال دون حال، وهكذا هي الكلمة الطيبة.

مشهد الشجرة يوحي بالحياة والخضرة والجمال والعطاء والصبر، فالشجرة تُرمَى بالحجر وتعطي الثمر، وتصبر على العطش، وتمنح بصمت، وتقاوم.

شبه النبي صلى الله عليه وسلم المؤمن بالزرع لا تزال الريح تميله، ولا يزال البلاء يصيبه، وشبه المنافق بشجرة الأرز لا تهتز ولا تميل حتى تستحصد ويكون انجعافها مرة واحدة(مسلم).

ومن جوامع الهدي النبوي (إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا، وَاسْتَعِينُوا باِلْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَىْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ، وَالْقَصْدَ الْقَصْدَ تَبْلُغُوا) (البخاري).

اليسر مرونة، والمشادّة عسر وانغلاق.

التسديد هدف، وإذا لم يمكن فالمقاربة والمحاولة.

والبشرى مرونة؛ تمنح الإنسان في كل حال أملًا وحسن توقُّع.

السير القاصد المعتدل يحفظ الراحلة من العطب، ويحقق المطلب دون استعجال أو تهور.



نعم أتغير


سألته عن سر التحول في حياته بعدما فقدته بضع سنوات، وسمعت بمشكلات تكتنف حياته، وكنت أظن أنه لن يصبح شيئًا ذا بال، فأدهشني بحضوره وثقته بنفسه وتصدره المجلس، وقرأت ملامح النجاح على جبينه، فأجاب:

* ذات ليلة طاف بي خاطر رحماني فأحضرت دفترًا وأقلامًا مختلفة الألوان.

* حددت عاداتي السيئة التي أريد الإقلاع عنها في هذه المرحلة.

* عقدت العزم على الخلاص منها.

* وضعت فقرة في دعائي أطلب من الله فيها مساندتي ودعمي في طريق الخلاص.

* كتبت أسباب فشلي وغضب والدي علي، وسبب مشكلتي مع زوجتي.

* استخلصت النتائج السلبية والآلام الدنيوية والأخروية المترتبة عليها.

* استبدلت برامجي السيئة بأخرى حسنة، وقررت تغيير طاقم الأصدقاء ومصاحبة الجادين والناجحين وهم قريبون مني.

* تحليت بالصبر مع النفس، ولم أستسلم لليأس.

* سألت المجرب والطبيب معًا، وشكرًا لأولئك الذين ساندوني وصدّقوني حين قلت لهم إني جاد في التغيير!

البديل هو أعظم مساندة يمكن تقديمها وهو مبدأ من مبادئ التشريع.

كل طريق مسدود أمامك يوجد بإزائه طريق آخر يحقق الهدف؛ عليك أن تبحث عنه.

مقابل المحرمات المباحات، مقابل الخبائث الطيبات، مقابل الربا البيع، مقابل السفاح النكاح.

ثَمّ قوانين تجريبية لتكوين العادة الحسنة:

* قانون المحاولة والخطأ، التجارب على الحيوانات والهوام أثبتت أنها تحتاج إلى عدد كبير من المحاولات من أجل حذف الخطأ وتثبيت الصواب، الإنسان بإمكانه أن يتعلم من تجربة واحدة، ومن تجارب غيره، مدهش أن يسلك الإنسان نفس الطريق ويتوقع الوصول إلى مكان مختلف!

* تفريق التمارين.

فمتابعة التدريب والاستمرار فوق الطاقة يؤدي إلى عرقلة تكون العادة، العادة تتكون سريعًا إذا قام المتدرب على الطباعة على الكمبيوتر بجعل تدريباته مفصولة بفترات من الراحة.

الإنسان يكتسب في الراحة الكثير فيسهل عليه التعود، أما التعجل والإصرار على التعلم السريع فهو يؤدي إلى التراجع والارتباك.

جربت أنّ الصبر على تفاصيل العمل مهما كانت مملة هو الذي يجعل للعمل قيمة، وإذا كانوا يقولون: الشيطان في التفاصيل، فمن الممكن أن يكون الملَك في التفاصيل أحيانا!

الجمال والإتقان والمتعة والإبداع والضبط كلها في التفاصيل.

* قانون تقسيم الصعوبات، لكي يتعلم الطفل الكتابة درِّبه على إمساك القلم أولًا، ثم على الخط ولو كان أعوج، ثم على ضبط الحروف.

- علينا التدرج وعدم تحميل النفس ما لا يطاق كما تدرج الإسلام في تحريم الربا ? لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً ? (آل عمران: 130) وفي تحريم الخمر، وفي الجهاد.

- علينا السعي في تغيير البيئة والبحث عن أخرى مساندة، قد تكون البيئة بلدًا أو مدرسة أو جماعة أو أصدقاء.

والرسل اعتمدوا المنهج العقلي في التغيير القائم على ترسيخ المعلومات والقناعات بالتكرار والتدرج والوعظ والأسوة الحسنة.

العادات العامة الاجتماعية يتم تغييرها ببطء شديد كما قال ابن خلدون ولا يتفطن له إلا القليل من الناس، وربط ابن خلدون ذلك بالسلطان (الناس على دين ملوكهم)، بينما اليوم يبدو الأمر أسرع وتيرة، بسبب التداخل بين المجتمعات والتثاقف الكبير وتأثير الإعلام والعولمة وانخفاض حجم السلطة السياسية والاجتماعية والدينية.

عمومًا العادات تقاوم (التغيير الطّفْرِي) المتسرع، لأنها تمس نفسيات الناس وعقائدهم وشخصياتهم وموروثهم القبلي.

هناك من يضحي ليكسر الحاجز ويؤثر في شريحة من الناس وأحيانًا يقع العكس وتكون محاولة التغيير غير المدروسة سببًا في ترسيخ العادة.

حاول حاكم ألماني منع وضع الميت في تابوت وأن يوضع في كيس وأصدر بذلك قانونًا، فرفضه الناس وتمردوا على القانون وظلوا على ما هم عليه.

حظر (الخفاض الفرعوني) في ختان الإناث في السودان أحدث تذمرًا ولم ينجح في معالجة المشكلة.

يقول باجود: من أكبر آلام الطبيعة البشرية ألم الفكرة الجديدة.

هناك المغامرة التي يندفع بها الساعون إلى التغيير، مقابل التوجس والخوف من المجهول والركون إلى ما هو قائم عند المستهدفين.

هناك تضخيم بعض الحوادث السلبية الجانبية وتوظيفها في رفض التغيير، حين تحرك القطار في مصر ووقعت بعض الحوادث طفق بعض الفلاحين يردد (الحمار ولا القطار).

هل المطلوب كسر (تابو العادات والتقاليد)؟ أم تفعيل قانون الإزاحة أو (التخلية قبل التحلية) كما يسميه الشيخ الألباني تأسيًا ببعض متقدمي الأصوليين؟

كل عادة جديدة نكتسبها ستزيح عادة سيئة (اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها) (الترمذي) الحسنات يذهبن السيئات ليس فقط في صحائف الآخرة بل في صحائف أيامنا الدنيوية.



ما وراء العدسة


تعرف (تشارلز دوهيج) الصحفي بجريدة (نيويورك تايمز) على أثر العادات على الأفراد والشعوب، في الوعي واللاوعي، خلال تغطيته لأحداث الغزو الأميركي للعراق، وعلى إثر تجربته كتب كتابه (قوة العادة؛ لماذا نفعل ما نفعله؟ وكيف نغير؟) والذي أصبح من أكثر الكتب مبيعًا في الولايات المتحدة عام 2012 م.

لعل من أهداف الكتاب تمهيد الطريق للشركات التي تريد أن تكسب ماديًا عبر فهم نفسية المشتري وسلوكه العفوي غير الواعي، وأن الناس يبدون مستعدين لتغيير عاداتهم ولو مؤقتًا عندما يتعرضون لتحول جدي في حياتهم، كالانتقال إلى مسكن جديد أو عمل أو سفر أو زواج أو حمل أو ولادة أو صدمة عميقة.

ويبدون متمسكين بعاداتهم بشكل فطري لشعورهم بما يهددها، أو بشكل ممنهج؛ حيث إن استقرار العادة وتكريسها مريح أو الغازي الذي يتكئ على المألوف، وللعقل الكسول الذي لا يحب الأسئلة ولا الطرق المتعددة ويفضل تمرير الأمور كما ورثها دون تحويل.

فَهْم عادات الناس إذًا هدف جوهري للسياسي والتاجر وهو هدف أيضا للمصلح الساعي لنقل الناس إلى الأفضل.

على أن الكتاب لا يبدو بعيدًا عن الهدف الاستخباراتي فقد تحدث كيف حل الجيش الغازي مشكلة المظاهرات المصحوبة بالعنف في بغداد والنجف والبصرة؟

حيث تبين أن الجيش الأميركي كان يصور تلك المظاهرات، ويرسل الأفلام إلى خبراء نفسيين متخصصين في دراسة سلوك الحشود.

وعندما كتب غوستاف لوبون كتابه (علم نفس الجماهير)، وألف بعده بعقود سيغموند فرويد كتابه الذي حمل ذات الاسم، كانت أوروبا تعيش مرحلة ثورية متقلبة شبيهة إلى حد ما بما يجري في العراق.

لم يكن الحل هو وضع الشرطة بقوتها وعنفها في مواجهة عنف الحشود، قراءة المشهد وضعت أيديهم على (عادات) تمارسها تلك الحشود، وكان قرارًا غريبًا لا يبدو وثيق الصلة بالأمر، أن أوعز ضابط مختص لمحافظ النجف والكوفة بمنع بيع الأطعمة والمشروبات في الشارع، خاصة بعد صلاة الجمعة!

تجمع الناس وارتفعت الأصوات، ولم يتدخل الأمن، افتقد الناس الباعة المتجولين وبحلول المساء شعروا بالجوع والعطش وفقدت المظاهرة وهجها، كانت المشروبات والمأكولات جزءًا من المشهد لا غنى عنه.

إنها عادة أكثر من كونها حاجة، الشاي والماء والمشروبات الغازية والبطاطس والمأكولات الخفيفة تضفي على التجمع روحًا، وتعاطيها جماعيًا هو عادة أيضًا.

وقد تكون هذه الأشياء (العادية) هي أساس التجمع، ثم يتبرع أحدهم بحذف حجر، وتسري عدوى الاحتجاج إلى المتجمهرين!

وقد يكون الاحتجاج هو الهدف، ولكن المرء بحاجة إلى طاقة حيوية ومن دون الأكل والشرب، وفي حر الظهيرة لن يمكنك الاستمرار!

لم تكن هذه (وصفة) لمنع المظاهرات كما نظن!

إنها ذاتها وصفة لتحريك المظاهرات في بلدٍ آخر يراد تشجيع التظاهر فيه لسبب ما.

حدوث المظاهرات أو توقفها ليس قرارًا أميركيًا، وهي عادة سيئة أن نعتقد أن ما يحدث أحيانًا فهو يحدث دائمًا.

ربما مصلحة الأميركي ظاهرة في إيقاف مظاهرات ضده، وهي كذلك في تحريك مظاهرات في الاتحاد السوفييتي أو بولندا أو أوكرانيا.

ولكنها قد لا تكون كذلك في مصر أو ليبيا أو تونس.

عقولهم قد تهديهم إلى الحياد في حالات عديدة لا مصلحة لهم في المجازفة بالوقوف مع أحد الطرفين، هذا ليس عجزًا دائمًا، بل هو نوع من الحكمة والتخطيط، وهو إنفاذ للقدر الإلهي، الذي لم يجعل مقادير الخلائق بيد أحدٍ غير الله!



#مرايا




دراما


كانت الدُّمى تحرك من وراء ستار فيتحرك ظلها، وهو ما يراه المشاهدون الذين يتجمهرون أمام المسرح، وقد اشتُهِر هذا الفن في عصر العباسيين والمماليك، وأصبحت تمثيلياته الترفيهية تعرض على مسارح متخصصة، وسُمِّيَ (خيال الظل) أو (ظل الخيال) أو (خيال الستار)، وكان انتقاله إلى العالم الإسلامي من الصين والهند عن طريق فارس.

البشرية أسرة واحدة تفرَّقت في مواطنها وثقافاتها ومذاهبها وبقي الطبع الفطري الذي يولدون عليه ويتشابهون فيه، وكل شعب يعبر عنه وفق مبادئه وموروثه الخاص.

تأثير الدراما ليس مقصورًا على مجتمع ما، فمن ينكر تأثير (آلام المسيح) أو (تايتانك) أو (قتل الطائر المحكي)، أو (المساعدة) على المجتمعات الغربية، وقدرتها على معالجة قضايا اجتماعية؛ كمحاربة العنصرية والفقر أو العنف ضد الأطفال أو المرأة، أو قضايا سياسية؛ كأحداث العراق وأفغانستان وفلسطين، أو تاريخية أو عقدية..؟ فضلًا عن أفلام وثائقية ذات تأثير واسع.

التأثُّر والتأثير داخل مجتمع واحد مفهوم، لكن عبور الحواجز والحدود، ووجود مجتمعات تستقبل ولا ترسل، تتأثر ولا تؤثر أمر معيب.

ومن قبل كان الإمام أبو حنيفة يقول، وقد تفطن لتأثير القصة المحكية: (إن دراسة السِّير تُغني عن كثيرٍ من الفقه).

تاريخيًا يمكن اعتبار (الدراما) عادة فنيةً لليونانيين والإغريق، ولكن مجتمع العرب لم يخل من لفتات تومئ لأهمية هذا النمط من التعبير.

ولعل ما تزخر به الكتب الأدبية من مشاهد وروايات وحوارات وهمية ومسابقات في التخيُّل والتكاذب، هو قريب من هذا الضرب.

وهذا يفتح الباب للحديث عن الدراما التاريخية، أكان حديثًا عن تاريخ العالم، أو تاريخ الإسلام والعرب وشخصياته المؤثرة، أو عن التاريخ القريب المتعلّق بالصراعات القبلية والإقليمية والكشوف والحراك السياسي والاستعمار والثورات.

يعرف النشء (عمر المختار) أكثر من قادة آخرين قاوموا الاستعمار، وكان للعمل الدرامي أثر في ذلك لا يشك فيه.

الاستعمار الأميركي في العراق أو فيتنام أو إفريقيا حاول توظيف الدراما لتحسين صورته في أذهان الشعوب، وأفلح كثيرًا في ظل غيبة الأعمال الناضجة التي تكشف الحقيقة.

البحث عن الابتسامة عبر ما يسمى بـ(الكوميديا) هو أحد مقاصد الأعمال الدرامية، وفي الدانمارك مات أحد الأزواج من شدة الضحك وهو يشاهد عملًا دراميًا، فأرسلت زوجته تشكر المنتجين!

أهي تشكرهم لأنهم أراحوها من زوج مؤذٍ؟ أم لأنها اعتبرتها نهاية لطيفة أن رحل وهو يضحك!

حتى الضحك له رسالة، ولو كانت خفيَّة، والإسلام جعل لكل شيء قدرًا، لم يأت النهي عن الضحك، بل كان الرسل والأنبياء يضحكون، والابتسامة هي من صفات الصالحين، و(تَبَسُّمُكَ فِي وَجْهِ أَخِيكَ لَكَ

صَدَقَةٌ) (البخاري)، وهي مزاج يبدأ بالتصنع ثم يصبح طبعًا وعادة (أن تلقى أخاك بوجه طلق) (البخاري).

ولكن جاء النهي عن الإكثار من الضحك (فَإِنَّ كَثْرَةَ الضَّحِكِ تُمِيتُ الْقَلْبَ) (أحمد، والترمذي).

الأطفال يقضون ساعات طويلة يوميًا تفوق ضعف ساعات الدراسة أمام الشاشة، أفلام كرتونية، أفلام (إنمي)، ألعاب كمبيوترية..

استخدام عجيب ومذهل لأحدث التقنيات التي وضعت لصياغة حياتهم والكسب بواسطتهم، ولكن بطريقة ذكية.

حتى في ظل تراجع التلفزيون ظلت قنوات الأطفال تحظى بالموقع الأفضل وتتنافس بشراسة على صياغة عادات الطفولة عبر التحكم في عقولهم وألسنتهم ومشاعرهم، وطالما أحبوا منتجًا شاهدوه في العرض دون التفات لتحذيرات الوالدين.

هل التقنية محايدة؟!

إلى حد ما، لو كنا مؤهلين لتوظيفها لتعزيز قيم الحياة الإيجابية من التفاؤل والأمل والنجاح والصبر والقوة والتسامح، أو توظيفها لتعزيز الهوية الإسلامية التي هي منطلق للتواصل والتنافس والتعايش وحافز للعمل والإنجاز والبناء والإبداع.

يأتي رمضان بروحانيته العالية وعاداته الجميلة في كل بلدٍ إسلامي، ومعه عادة راسخة لا تتوافق مع سموه وتألقه!

أن تزدحم الشاشات والأوقات بأعمال درامية محلية وعربية، منها التاريخي ومنها الاجتماعي، بعضها يجترئ على تجاوز المحرّم الاجتماعي ما لا يجترئ على الاقتراب من المحرّم السياسي، ويعاني فراغًا من البُعد القيمي والحضاري.

إلى جوار أعمال أخرى تبدو أكثر جدية ومصداقية وسعيًا في التغيير.

ويظل سقف الحرية والمال عائقًا أكبر أمام النجاح.



أعمال بديلة


حين كنت في (كيب تاون) اطلعت على العديد من الأعمال الفنية الباهرة عن نيلسون مانديلا، حياته في السجن، فترة رئاسته، وعن السود أيام الفصل العنصري، ثم أيام الانتخابات.

لاحظت في الأسواق والميادين أن السود يعبرون عن ثقافتهم وأحلامهم من خلال الرسم والنحت بطريقة متميزة.

غزت أوروبا إفريقيا وسرقت منها معادنها وانتزعت أبناءها لتبيعهم في سوق النخاسة، ذات مرة أخذ الجنود البريطانيون مجموعة ضخمة من الفن الأفريقي الجميل المنحوت من ألف سنة وأكثر، وعندما أرسلت الملكة فكتوريا الغنيمة إلى المزاد غطت النقود التي جمعت من البيع كل نفقات الحملة العسكرية!

كان هذا في أواخر القرن التاسع عشر، فهل القصة تتكرر بأسلوب حديث؟ وبطريقة تغيير العقول والقناعات؟

الأعمال القادرة على المنافسة والتأثير عندنا ما زالت في عالم الغيب!

ليس من ضرورات النجاح أن يكون وفق ضوابط تامة الإحكام.

ربما أدت أعمال إيجابية وهادفة وذات بُعدٍ وطني، أو تاريخي، أو اجتماعي دورًا كبيرًا في تقديم البديل النافع، ولو كنا لم نمنحها الدرجة الكاملة أو الدرجة العليا، ولكنها تجاوزت حد الإخفاق لتحصل على تساوي النفع والضرر لتكون أفضل من أسوأ منها، أو كانت ذات مردود إيجابي متفوق على نظيره السلبي.

وسيظل الجدل الفقهي والشرعي قائمًا ولا تثريب عليه، وله أن يقيّم ويوافق ويخالف ويعدّل، لكن لا يحسن أبدًا أن يكون هذا الجدل مدعاة للتوقُّف والانتظار، فثمّ آراء علمية ترفض الدراما بكليتها وتعدّها نوعًا من الكذب، وهذا ما كان يميل إليه شيخنا عبد العزيز بن باز – رحمه الله -؛ خلافًا لعلماء آخرين لا يمنعون أصل الفكرة، ولكن يتفاوتون في التوسعة أو التضييق فيها وفي ضوابطها وشروطها، وعلى هذا فهي تشبه ضرب الأمثال للاعتبار.

قام مجموعة من شباب مدينة عنيزة بتمثيل قصة بلال بن رباح وإسلامه وتعذيبه وكان الشيخ عبد الرحمن السعدي حاضرًا معجبًا بالعمل.

ومثله الشيخ محمد بن عثيمين الذي حضر تمثيلية في مركز صيفي وعلق عليها تعليقًا مسترسلًا مؤيدًا معبرا، وكنت مشاهدًا ومستمعا.

وللشيخ ابن جبرين فتوى مفصلة تسير في الاتجاه ذاته.

وعلى المذهب الأول فالروايات والقصص ذاتها لن تكون مقبولة ما لم تكن حقيقية فضلًا عن تمثيلها.

لن ينتهي الجدل الفقهي، ولا يجب أن نحجر عليه، لكن الحياة منطلقة في أبواب الاقتصاد والسياسة والتقنية والمواصلات والفضاء والإلكترونيات بأوسع مما يقول الفقيه.

والتصحيح وارد وممكن حتى بعد ظهور الأعمال، فحركة التطور والاختيار والتحسين لا تتوقف، ومجرد الرفض لا يصنع شيئًا، وهجاء الواقع المرير لا يُقدِّم بديلًا.

ولا يلزم أن يتفق الناس على شيء ما حتى يتحقق، فنظراتهم تختلف، وقد يميل قوم إلى إغلاق الأبواب، بينما يراها آخرون مفتوحة على مصاريعها لكل صاحب مبدأ أو غاية، ويرون الإسهام في الميدان بدلًا من مجرد الامتعاض أو الإنكار.

في هذه المضايق لا يحسن أن يطول الجدال إذا كان لمجرد الرأي وليس للانتقال للفعل والمحاولة أو على الأقل تشجيع البوادر الصالحة، فكما يقول الشاطبي: (كل مسألة ليس عليها عمل فلا يوجد في الشريعة ما يدل على استحسانها)، وكان عمر رضي الله عنه يقول: لا ينفع تكلُّم بحقٍّ لا نَفَاذَ له.

والعمل الدرامي يفترض أن يكون مواكبًا لمتغيرات الساحة العربية، مستجيبًا لتطلعات الشعوب وأحلامها، مدونًا لمرحلة من مراحل الحراك الإيجابي على كافة الصعد، ومنها الفنية والإعلامية، راسمًا لمعاناة الفرد في حياته، راصدًا لمشكلاته.

غياب هذا النوع من الأعمال هو أحد أسباب خداع الشعوب وتضليلها، وإظهار المجرم بمظهر الوطني المخلص المضحّي، وتصوير الوطني الصادق على أنه إرهابي أو سفّاك أو منافق أو غبي أو متخلف..

وطالما كان مظهر المتدين منفِّرًا للأجيال، ومدعاة للسخرية والاستهجان والتنقُّص في الدراما العربية!

بل والمعاني الإيمانية والقيم الأخلاقية كثيرًا ما تعرضت للتشويه في عمل يشاهده الملايين ويتلقَّفون منه الإعجاب بأساليب الحياة الغربية وطرائق عيشها!

عالميًا لن نستطيع التعبير عن مواقفنا والوصول إلى عقول الشعوب وتغيير الصورة النمطية السلبية عن شخصية العربي والمسلم، أو عن أبطاله التاريخيين، أو عن مواقفه وحقه ما لم نقتحم هذا العالم، ونوظف الأكفاء، ونبذل الأموال فيه، بدل صرفها في حملات دعائية لا تؤثر إلا في السذج.

لغات العالم يجب أن تشهد حضورًا لأعمال فنية تواصلية إنسانية تقدم ثقافة العرب والمسلمين بطريقة إيجابية وأمينة.

ربما يقرر العديد من الناس هجر عادات اجتماعية أو شخصية سيئة بعد أن يشاهدوا قبحها على الشاشة عبر عمل محترف، بينما لم تفلح محاولات الإقناع في تغيير مواقفهم أو إقناعهم بوجود تلك العادات أصلًا!

أبعد من ذلك، فعادات النهوض الحضاري والتنمية والمعرفة لن يتسع نطاقها ما لم تتذرع بوسائل جماهيرية مؤثرة.

العالم اليوم شاشة واحدة وجهاز واحد يحمله فتى في جيبه أو فتاة ويتواصل عبره مع ما يريد ومَنْ يريد!

فهل بمقدورنا أن نضع بصمةً تُعبِّر عن عقيدتنا، وتاريخنا، ولغتنا، ومواقفنا، وتُقنع أبناءنا بحقنا إن لم تُفلح في إقناع الآخرين؟

سمعت شخصيًا من علماء مشاهير في الخليج ومصر وسواها آراء منفتحة على الدراما الهادفة ومشجعة لخوض التجربة، بينما سمعت بعضهم ينساق لرأي ضاغط محيط به في العلن! ويهاجم أعمالاً أقرب إلى الإيجابية.



مسلسل عمر


(مسلسل عمر) (كان أقرب إلى أن يكون حدثًا دراميًّا مفصليًّا)، أثار الكثير من ردود الأفعال المعارضة والمؤيدة، وكان أحد أهم الموضوعات التي أثارت جدلًا في الصحافة والتلفزة ومواقع التواصل الاجتماعي والمجالس الخاصة والعامة.

تمثيل الصحابة محل خلاف وأكثر المجامع الفقهية ترفضه، ووجود المرأة ولو بشكل محدود ومحتشم، ومدى ثبوت بعض التفاصيل التاريخية، وشخصيات الممثلين، هي عنوانات من أبرز ما دار الحديث حوله.

اللجنة المشرفة والتي كنت أحد أعضائها عنيت بقراءة النص (السيناريو) والتوثق من تطابقه مع المخرَج، ولم تشأ أن تقحم نفسها في الجدل حول المسلسل بعد تحوله إلى عمل فني، لأن من حق الناس أن يختلفوا دون سقف يصادرهم إلا أن يكون أمرًا شرعيًا محكمًا، على أنه كان لرئيس اللجنة الشيخ يوسف القرضاوي رأي يُجوِّز فيه ظهور الصحابة بعد أن كان يمنع ذلك، مراعاة للمتغير، وأن الميدان ليس مقصورًا على جهة معينة، وهناك أعمال درامية ضخمة تقوم عليها أطراف إيرانية سيئة النظرة إلى ذلك الجيل الفريد، فضلًا عن الأثر المتعاظم للدراما لدى الأجيال الجديدة في العالم كله.

لم تستطع الفتاوى أن تمنع مشاهدة المسلسلات والأفلام الرومانسية من تركيا أو أمريكا الجنوبية أو كوريا، وظلت مجتمعات الخليج السوق الأكثر طلبًا تستقبل الكثير من القنوات المحلية والعالمية المخصصة لذلك النوع من الإنتاج دون فرز أو رقابة.

حدث هذا مع إحجام العقول الهادفة والمواهب المخلصة ذات الرسالة، وفي تردد رؤوس الأموال عن الاستثمار في الميدان الضخم.

وإذا كان الشعر ديوان العرب - كما يقول ابن عباس - فإن الدراما كانت ولا زالت ديوان شعوب العالم؛ التي أبرزت فيها عاداتها في الحياة وطريقة حل المشكلات والتعبير عن الآلام والأحلام.

لغة ضخمة في التعبير والتغيير وصناعة الرأي العام، تعتمد على مجموع الحواس، وليس على مجرد السماع، وتخاطب الإنسان كله، وتستهدف المتعة والإثارة والتعليم في وقت واحد.

في المثل الصيني:

(قل لي وسوف أنسى، أرني وربما أتذكر، أشركني وسوف أحفظ).

الحفظ هنا ليس مجرد تلقين، ولكنه وسم راسخ في العقل والقلب يصعب محوه.

المشاهد شريك يدخل في التفاصيل، ويعيش الحادثة بلحظتها، ويضحك ويبكي ويستثار ويتعاطف، ويحقد أحيانًا ويغضب ويرضى، وفي كل مرة يندمج مع العمل الدرامي وينسى تمامًا أنه أمام صور تمثيلية، يحسّ أنه في معترك الحياة.

المشاهد مشارك من شأنه أن يصوّت على نجاح العمل أو فشله، وأن يجعل العمل أكثر إبداعًا عبر التحليل والقراءة والغوص على أبعاده ومراميه وفلسفته.

الشباب والفتيات يجدون مجالًا رحبًا للمغامرة والحركة والمفاجأة والاكتشاف، إلى جوار العواطف والرومانسيات التي لها أعمالها الخاصة.

ليس سرًا أن الشوارع في دول عدة تكاد تخلو من المارة في أوقات معينة، وأن المشاهدين يعدون بمئات الملايين عبر العالم.

وليس سرًا أن تكلفة إنتاج فيلم واحد كفيلم (إنسبشن Inception) تبلغ مائة وستين مليون دولارًا، ومردوده يفوق ثمانمائة وخمسة وعشرين مليون دولار، وتمت مشاهدته في سائر بلاد العالم، وهو يحكي أن الحياة حلم بصيغة فلسفية.

ومثله فيلم (آفاتارAvatar ) الذي كلف إنتاجه مائتين وسبعةً وثلاثين مليون دولار، وإيراداته تفوق مليارين وسبعمائة مليون دولار، وحاز على ثلاث جوائز للأوسكار.

فيلم (كوني) الوثائقي يتحدث عن أوغندا وأمراء الحرب كان يحلم بـ 500 ألف مشاهدة، حصل قبل نهاية العام (2012 م) على 75 مليون مشاهدة.

نجوم الدراما في هوليوود في الولايات المتحدة مثل (دينزل واشنطن، وبراد بت، وتوم هانكس.. إلخ) يحوزون شهرة تفوق شهرة رؤساء الدول.

وأموال الدراما ونجومها في بوليوود في الهند تشكل الاستثمار الأعظم عبر 100 عام.

لم يعد المنتج محصورًا في رقعة جغرافية، الغالبية العظمى من الشباب والبنات يشاهدون الأفلام الغربية، والقنوات الفضائية تتنافس في العرض، وتقدم الأموال الطائلة للحصول على حقوق العرض المبكر، ثم قنوات كثيرة جدًا دورها هو التفنن في تقديم خدمات إضافية تتعلق بتمكين المشاهد من الاختيار بين قائمة واسعة من العناوين.

قادتني خطاي إلى مواقع إلكترونية خليجية متعلقة بعروض الأفلام فوجدت تبادل معلومات غير عادي بين الشباب والفتيات؛ خاصة حول المشاهدات والاستشارات والتقييم بصورة أكّدت لي أن هذا الضخ الهائل يفعل فعله حتمًا في عقول أجيالنا ويشكل شخصياتهم، ويصنع قيمهم، ويرسم لهم الأنموذج الذي لا يستقل بتكوينهم، ولكنه يؤثر فيهم بصورة شديدة، ويصنع لديهم عادات جديدة منها الجيد ومنها الرديء، وغالبية المتلقين لا يملكون القدرة على الفرز والنقد ويستسلمون لما يتكرر أمامهم، كيف وأحدهم لا يستطيع مشاهدة برنامج تلفزيوني لمدة ساعة كاملة ولكنه يستطيع مشاهدة سبعة أفلام في اليوم الواحد دون ملل؟!

في اللباس والعادات الصحية والاجتماعية والعلاقات والحركات والكلمات والمصطلحات والطقوس، بل وفي الأفكار والمشاعر والأحاسيس والمفاهيم والرؤى والمواقف، يخضع جمهور عريض لتغيير مستمر وتأثير عميق لا تقاومه الوسائل العادية.

ثمَّ ثقافة بشرية مشتركة في اللباس والألعاب والتجميل والأكل والاتصال والفرح.. إلخ، وثمَّ عادات مشتركة أو متقاربة، وقبل الرسالة المحمدية كان في عادات العرب الفارسي والروماني والصيني والعربي الجاهلي ولم يرفض الإسلام منها إلا ما كان محتويًا على معنى مرذول.



جمهورية المهمشين


تغير (عادل) كثيرًا عما كان عليه، طالب الحلقة وإمام المسجد أصبح معتكفًا على الكمبيوتر، متابعًا لأحدث إصدارات الأجهزة الذكية، وصار متسابقا ماهرًا في ماراثون (تويتر)، ومنافسًا على محل الشاحن وليس على صدر المجلس، وحين ينام يدع جهازه قريبًا منه ويستيقظ مرات عديدة لمتابعة أحداثه، لقد أثر هذا في عادات جلوسه ونومه وعلاقاته، وحتى حين يأكل أو يقود لا يستطيع التخلي عن اختلاس النظر إلى الشاشة الصغيرة!

لوحظ أنه يطلب الرقم السري للشبكة قبل الماء، وبدا متابعًا لكل جديد متفاعلًا مع الحدث، مما رفع مستوى وعيه الثقافي والسياسي، وصنع لديه همومًا جديدة لم تكن مألوفة في قريته الوادعة أسفل الوادي!

زاد تلاحمه مع شركاء المهنة الجديدة على حساب العائلة والأسرة الممتدة، فلم يعد يُرى إلا في المناسبات وبحضور منقوص، إنه يعيش ذهنيًا وعاطفيًا في عالم آخر وبهموم مختلفة.

أخوه الأصغر منهمك في (البلاي ستيشن) تحول عبر ثلاث سنوات من مستخدم ساذج سطحي يلعب ليتعب لا يفرق بين شخصية (ميكي ماوس) و(سلاحف النينجا) و(نارتو) و(أساسنز)، ولا يعنيه أن يكون المشروب خمرًا أو ماءً أو مشروب طاقة، إلى أن أصبح ماهرًا بالتحليل عارفًا بمميزات الألعاب، ثم تحول إلى ناقد للتصميم والألوان والرسومات وحتى الفكرة، وأخيرًا أصبح مبتكرًا مبدعًا يبحث عن النمط غير السائد.

حال الأخوين صورة مستنسخة لمعظم أبناء جيلهما، وهي صحبة آلية وإنسانية تجمع بين المتعة والدهشة والاطلاع والفضفضة، وتصنع جانبًا مؤثرًا من الهوية الجديدة للشباب.

ثورة بالمعنى الحقيقي للكلمة أحدثت تغييرًا عميقًا في بنية المجتمع وأنماط الاتصال وعلاقات العمل والحالة النفسية وأساليب التربية وعادات الاستهلاك.

صار هؤلاء الشباب يبحثون عن قدوة وإلهام أكثر مما يبحثون عن زعيم أو رمز بالمعنى التقليدي، فالقائد الإعلامي أقرب إلى الملهم وليس مصدرًا للأوامر ولا نجمًا ينال الإعجاب والتصفيق.

من لم يكن قادرًا على تحديث نفسه أو برنامجه باستمرار فسيجد هجرةً إلى غيره، ومنافسة جادة من مواقع لم يكن يلقي لها بالا.

الفائدة والمتعة معًا جعلتنِي أقضي وقتًا لا بأس به مع أصدقاء (الفيس بوك)، و(تويتر)، تعوَّدْتُ على صياغة العبارات الموجزة المُشْبَعَة بالمعنى، تعبيرًا عن تجربة عابرة أو عميقة في الحياة، أو إشراكًا للآخرين في حالة شخصية أو موقف إنساني.

لم يكن الهجوم المضاد ولو استهدف الذات غريبًا عليّ ولكني اقتربت أكثر من شهادة مولد الهجمة المضادة وكثافتها وبرمجتها أحيانا، وصرت كغيري أشعر أنني (هدف سهل) أستمع لما يؤلم لأدرك أن أكثر الانتقادات اللاذعة تنطوي على فائدة جديرة بالاعتبار، ولو كانت بدوافع شخصية.

ليس بمقدوري أن أرد بكلمة ساخرة أو خبيثة فهذا ما لم أتعوده، والعادة محكّمة.

ولا يتحمل الأمر مقارعة الحجة بالحجة، ولا إظهار الضجر والتململ، علينا إذًا أن نتكيف ونتعامل بإيجابية واستطراف مع الشتيمة والنقد الجارح.

القصة ليست مجرَّد تدوين، بل مدرسة للتواصل الاجتماعي، ونقل للخبرة البشرية، وتحقيق لطبع الإنسان في المدنيَّة والتخاطب، ونمط جديد في التثاقُف والحوار، من شأن هذا كلِّه أن يشيع الأمل التفاؤل والإيجابية في الحياة.

التواصل جزء من كينونتنا منذ القِدَم؛ فحياة المرء هي مجموعة من العمليات التواصلية مع النفس أو مع الآخرين.

حديث النفس الهامس الطويل أو المتقطِّع يتمُّ عبر خواطر أو حوارات، لا أحد يسمعها غيرك، تقتطع جزءًا واسعًا من عمرك، تسميه أنت: سرحانًا، أو استذكارًا لماضٍ، أو هاجسًا.. هو عندي مهمٌّ فلا تكتفِ بمجرد الانسحاب منه لتعيش لحظتك، استرسل معه، وزاوِج بينه وبين قَدْرٍ من الوعي والتأمُّل، ربما كان احتجاجًا على خطأ، أو نذيرًا لحفرة في طريقك، أو تأنيبًا، أو صرخة في وجه تجاهلك لنداءٍ من داخلك..

العملية التواصلية مع أخٍ أو صديق أو جارٍ أو شريك أو زوج، هي جزء من العادات المنتمية للطبع الإنساني والمؤثِّرة بعمق، حين نقطع أواصرنا عمن حولنا نعيش عزلةً خانقة مخيفة، وتنهشنا أشباح الموت ونحن أحياء، لسنا جزرًا معزولة ولا أفلاكًا فضائية سابحة، وحتى الجزر والأفلاك بينها وشائج وأواصر، جمال الحياة هو لذة الوصل.

الصحافة، الإذاعة، التلفزة، ثم الإنترنت وسَّعت دائرة التواصل المحلي، فالعالمي، وأصبح الفتى أو الفتاة يعرّضون أنفسهم لتيارات متعاكسة عظيمة التأثير على مفاهيمهم وفكرهم وسلوكهم، ويعيشون حالًا من التناقض بين المجتمع وعاداته الراسخة وبين مجتمعات أخرى يعيشون معها عالماً افتراضيًا شديد الإبهار.

التأثير هائل: الأصوات، الصور، الألوان، العاطفة، الاستمتاع، مخاطبة العقل بالإقناع، المحاكاة وانتقال الأنماط السلوكية والحياتية التي تتكرَّر عبر الأدوات الجديدة، كالدراما والبرامج الواقعية.

التحول الضخم هو دخول المتلقِّي العادي ضمن المنظومة الإعلامية، فلم يَعُد الإعلام رسالةً من طرف واحد يتلقَّاها الآخر دون خيارٍ، الخيارات هائلة، والمتلقِّي هو جزء من العملية، فهو مرسِل في الوقت ذاته، إنه (إعلام الناس) كل الناس، مقابل إعلام تقليدي معبر عن فئة أو جهة.

الإعلام القديم هو إعلام فئة أو حزب أو حكومة أو تيار.

جمهورية المُهَمَّشين عبر الأدوات البسيطة التي لا تتجاوز امتلاك جهاز محمول، سمحت للملايين بالتعبير عن صوتها وكسرت احتكار الإعلام، وغيّرت كثيرًا من المقولات التقليدية المتعلقة بالسلطة أو بالمعارضة، وبمقتضاها لم يَعُد ممكنًا إقصاء أحد، حكوميًّا كان، أو معارضًا، أو مستقلًا.

إنَّا (صوت الناس الداخلي) المعبِّر عن تطلعاتهم اليوم، وهو صوتهم الداخلي المعبِّر عن تطلعات الغد، والتي قد تكون نقيض ما يفكِّرون فيه اليوم.

هذا التحول ألغى سلطة الرقابة، فلم يَعُد في الإعلام الجديد وزير ولا رئيس تحرير، إنَّما الرقابة الذاتية التي تنطلق من الإنسان ذاته.

بساطة هذا الإعلام وعَفْوِيّته وفطريته هي التي جعلته يستحْوِذ على الكثير من المتابعين دون أن يَرْكَن إلى سلطةِ رجلِ أعمالٍ أو مال أو صاحب نفوذ.

وربما كانت مصداقيته أعلَى؛ لبعده عن الضغوط الناتجة عن ألوان الرعاية والدعم، ورغبة الممول أو المعلن، ولإمكان قياسه بلغة الأرقام، فعدد المتابعين، ومرات إعجابهم، وتعليقاتهم، مؤشر لا يمكن تجاهله، وهي بذاتها ثروة معرفية يمكن بناء دراسات اجتماعية وفكرية عليها.

الصَّنْعة والتكلُّف صفة رديئة في الإعلام التقليدي، جعلته يعجز عن المنافسة؛ لأنه لا يمتلك أدواتها ولا يمتلك الجرأة على ممارسة الحياة بشكلها الصحيح.

كلما استطاعت الأداة الإعلامية أن تكون عفوية ومنسجمة مع طبيعة الإنسان ونفسيته وطموحه، كانت أقرب للنجاح وأعمق في التأثير.

الإعلام الجديد إعلام تفاعلي، يحقق للإنسان غريزة التواصل مع نظرائه، ويقرأ ما يفكِّر فيه الناس، وما يريدون، ويتفهَّم حاجاتهم ومطالبهم وشكاواهم، ويسعى في تحقيق ذلك، بعيدًا عن المبالغات والتهويل، وبعيدًا عن التجاهل وإغماض العيون، وبعيدًا عن الفرض والقسرية.

الإعلام هنا يمكن أن يكون تنمويًّا تربويًّا، بل أداة للنهضة؛ لأنه يدرك الحالة التي عليها الناس، ويساعدهم على الرُّقِي إلى ما هو أفضل منها، ويمنحهم الحق في المشاركة والنقد والتعبير.

الإنسان ليس حَجَرًا ولا حيوانًا ولا نباتًا يكفي أن توفِّر له الماء والهواء والطعام لينمو، كلا.. هو عقل يفكِّر، وروح تتطلَّع، وقلب ينبض، هو أحلام مستقبلية جميلة يخرج بها من آلام الواقع، هو كَيْنُونة خاصة، وبصمة مختلفة لا ينوب عنه أحد، وله معاناته ورؤيته ونظرته، صوابًا كانت أو خطأ، لا الأب ولا الزوج ولا الشريك ولا الحبيب يمكن أن يكون صورة طبق الأصل عنه.

الإعلام الجديد يسمح له أن يفتتح موقعًا في (الفيس بوك)، وأن يُعلِّق، ويُعبِّر عن رأيه المختلف، وأن يُصوِّت مع أو ضدّ، وأن يُعلِّق موافقًا أو مخالفًا أو مستدركًا أو مُضِيفًا، وأن يشرح معاناته الخاصة ويستمع إلى مقترحات الآخرين، وأن ينقل الخبر والتحليل والحدث أولًا بأول، بينما كانت عادات أسرته أو قبيلته تقتضي أن يكون في طرف المجلس صامتًا حاسبًا ألف حساب لمداخلة عابرة لجماعته!



شبكات


في جلسة غداء مع أسرتي اكتشفت حوارًا ساخنًا صامتًا يدار بواسطة (الواتس آب) بينما الصمت يخيم على مجلس يفترض أن يكون فرصة لحوار مسموع!

كثيرًا ما تعتمد قنوات عالمية شهيرة على صورة أو رواية لعابرِ سبيلٍ تصبح هي مَحَطَّ الأنظار.

في هذا الإعلام يتعلم الإنسان المسئولية من الحرية لا من الرقابة، ويجرؤ على نقد أداء الحكومات أو الشركات أو الأفراد، ويتعود على العمل ضمن فريق اجتماعي متظافر لمكافحة الفقر أو الظلم أو الابتزاز أو البطالة.

لم يعد الإعلام رسالة رسمية تتزخرف بعبارات المديح والثناء والإطراء، ولا محتوى يُفْرَض من فوق، بل هو تفاعل وتواصل واستماع متبادل.

الإعلام الجديد منافس خطير، سهل، رخيص، سريع، إنساني، وما لم يُطوِّر الإعلام التقليدي من ذاته وأدواته وأفكاره فسوف يصبح جزءًا من التاريخ، وإن كانت تخدمه عادات المعلنين وأصحاب النفوذ الذين لا يزالون يتعاملون معه اليوم كما الأمس.

حتى المواقع الشبكية الضخمة والشهيرة أصبحت تشهد تراجعًا لصالح نهضة الإعلام الاجتماعي.

(يوتيوب) و(قوقل) العملاق أثبتا تماسكًا وتطورًا ومواجهة أمام المنافسين، أي منتج ينجح حين يشعر المستخدم أنه يلبي حاجته.

التزاوج بين الإعلام التقليدي: الصحافة والتلفزة..، وبين الجديد: اليوتيوب والشبكات، هي فكرة رائدة سعت إليها قنوات شهيرة كالجزيرة وقنوات أوروبية وأميركية أنتجت نسخة عربية.

التلفزيون بدأ بمحاكاة الإعلام الجديد فشركة (سامسونج) طرحت تلفزيونًا اجتماعيًا، وشركة (أبل) تسعى لأن يكون لديها مفهوم جديد يقوم على أساس المزاوجة عبر الهاتف الذكي الذي يمنح إمكانيات متعددة، كالمشاهدة، والتسوق، والشراء، والتواصل مع الآخرين، والتعليق، والتواصل العائلي، إضافة إلى إمكانيات أخرى مذهلة في طريقها إلى أن تتطور أكثر فأكثر.

الوسائلِ العادية لن تفلح في الحفاظ على المواقع القديمة، وحين يكون هدفنا نشر قِيَم الفضيلة والأخلاق والعدل وتنمية الروح الفاضلة، فلن يتمَّ هذا بمعزل عن الناس الذين نريد أن نحقِّق لهم ذلك، الإعلام ليس وصاية على الناس.

لم يبعث الله رسولًا إلا وجرى بينه وبين قومه حوارات ومجادلات، حكى لنا الله في القرآن الكثير منها؛ حتى نعلم كيف نُوظِّف الأداة الإعلامية في الاستماع كما نُوظِّفها في الإقناع، وكانت الأمم تطلب إنجاز العذاب على سبيل التحدِّي فيقول الرسول: ? مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ ? (الأنعام:57).

وكان الفتى يجيء إلى الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (ائْذَنْ لي في الزِّنا)، فلا يطرده ولا يحبسه ولا يقول: اغرب عن وجهي، كيف تتحدَّث بهذا الأسلوب؟! كان يقول: (ادْنُهْ)، ويضع يده على صدره، ثم يحاوره ويسأله، لم تكن محاضرة ولا درسًا طويلًا، كان حوارًا:

(أَتُحِبُّهُ لأُمِّكَ؟)، قال: لا والله، جعلني اللهُ فِدَاكَ، قال: (ولا الناسُ يُحِبُّونَهُ لأُمَّهاتهم)، قال: (أَفَتُحِبُّهُ لابْنَتِكَ؟)، قال: لا والله يا رسولَ الله، جعلني اللهُ فِدَاكَ، قال: (ولا الناسُ يُحِبُّونَهُ لبناتهم)، قال: (أَفَتُحِبُّهُ لأُخْتِكَ؟)، قال: لا والله، جعلني اللهُ فِدَاكَ، قال: (ولا الناسُ يُحِبُّونَهُ لأخواتهم)، قال: (أَفَتُحِبُّهُ لعَمَّتِكَ؟)، قال: لا والله، جعلني اللهُ فِدَاكَ، قال: (ولا الناسُ يُحِبُّونَهُ لعمَّتهم)، قال: (أَفَتُحِبُّهُ لخَالَتِكَ؟)، قال: لا والله، جعلني اللهُ فِدَاكَ، قال: (ولا الناسُ يُحِبُّونَهُ لخالاتهم)، قال: فوضَعَ يدَهُ عليه، وقال: (اللَّهُمَّ اغْفِرْ ذنبَهُ، وطَهِّرْ قلبَهُ، وحَصِّنْ فرْجَهُ)، قال: فلم يكنْ بعد ذلك الفتى يَلْتَفِتُ إلى شيءٍ (أحمد).

هذا تفسير لما يحدث بعيدًا عن الإقرار بالسلوكيات السلبية الواسعة، والتي منها ما هو مجرد كشف للمستور الموجود أصلًا، ومنها ما هو نتاج ضار لسوء الاستخدام أو لعدم تطابق مواصفات المنتج مع قيم المجتمع وعاداته.

التنويه بالشق الإيجابي في شبكات التواصل يقابله النقيض.

الثناء على الإيجابيات ليس تزكية مطلقة، لا يشترط ألا نثني إلا على ما هو خير محض، الواقع هو مزيج من الخير والشر، والحسنات والسيئات، والمصالح والمفاسد.

والمصالح الخالصة عزيزة الوجود كما يقول ابن عبد السلام في (قواعد الأحكام 1/ 115)، علينا التدرب على استخلاص الخير وتكثيره، ونبذ الشر وتقليله.

ثم علاقات محمومة وحميمية وعابرة في الوقت ذاته تشبع اللحظة الحاضرة وتصنع لهفة المستقبل والشعور بتأنيب الضمير والخيانة داخل فتى أو فتاة، وسرعان ما يستيقظ إيمان حي لدى واحد، بينما يتمادى الآخر ليصبح مروجًا ومجاهرًا (وكل أمتي معافى إلا المجاهرين) (متفق عليه).

العديد من المستخدمين يصابون بالزهو والإعجاب بالنفس.

آخرون يتابعون خصوصيات الناس بشكل مبالغ فيه، وينشرون الإشاعات دون تحرٍ، الحياة الأسرية أصبحت تفاصيلها عرضة للعدسة والخبر السريع.

المباهاة بالحضور والمتابعين (الفلورز) ولو كانوا قادمين عن طريق الشراء!

الحديث عن النفس والاعتقاد بأن كل ما يتعلق بها فهو مهم.

التعليق السريع على الأحداث المحلية والإقليمية والعالمية دون استجلاء جوانب الموضوع، و(الهاشتاقات) الحاشدة تحمل الكثيرين على المشاركة ولو تحت بند (الفزعة)!

لست أعمم، لكني أقرأ هنا الجانب السلبي.

ازدراء من لا يتفق مع الرأي الشخصي ووصمه بالخيانة أو الفجور أو الردة أو النفاق، ولا يعلم ما في القلوب إلا علام الغيوب، وقد يسخر أحد من أحد أو قوم من قوم، وعسى أن يكونوا خيرًا منهم، وربما سخر بشكله، ويروى عن لقمان أن رجلًا عاب خِلقته فقال: تعيب الصنعة أم تعيب الصانع؟ وقد يبدأ التعليق على مباراة رياضية لينتهي تشاتمًا طائفيًا أو مناطقيا..

قد يفقد المرء في الشبكات استقلاليته ويسعى خلف رأي الغالبية دون تمحيص.

تضخيم الأزمات وكأنها حالة سرمدية يجب أن نتجه إليها ونلغي برامج الحياة الطبيعية.

صناعة صداقات وعلاقات كبيرة حتى مع البعيدين جغرافيًا وقد يحدث بإزاء ذلك الانفصال عن القريب.

ثَم تغيير معرفي ناتج عن عملية التعرض الطويلة لمصادر المعلومات الجديدة، يجتث معارف قائمة ويحل بدلًا منها أصولًا معرفية جديدة، مثلًا: من هي المرأة الناجحة؟ يفهم كثيرون أنها المتحررة من القيم أو الجريئة فحسب.

بدلًا من العفوية التي يمكن أن يصنعها الإعلام الجديد، يتحول الأمر عند بعضهم إلى تمثيل أدوار وثرثرة أو مباهاة أو فضول.

الفاصل الزمني بين الأب والابن صار شاهقًا بفعل التقنية، الأم تتعلم استخدامات الجهاز ومعالجاته من طفلتها في الروضة أو المرحلة الابتدائية، و(التهكير) أصبح ذكاءً خارقًا يمارسه أفراد يخترقون به أجهزة أمنية وحكومية (فضيحة ويكيليكس).

العنف والضرب والاغتصاب والسرقة عبر الألعاب المعروضة حتى للأطفال.

الثراء السريع، الاشتهار السريع، الانطفاء السريع..

البعد عن الذات، فلا وقت للتأمل وقراءة النفس ومراجعة التجربة.

تراجع دور الكتاب والقراءة والخط، هل سيختفي الخطاطون؟

التناسخ والتكاثر حيث أصبحت الشبكات كالمطر وتجاوز عددها الـ 700 موقع اجتماعي بمختلف الأفكار والاتجاهات والميادين، دراسة أميركية قالت إن 66% من المراهقين يتجهون إلى مواقع الإعلام الاجتماعي كأول عمل يقومون به في الصباح، وأخرى بريطانية قالت إن المعدل الزمني للشخص في الشبكات 4:30 ساعة يوميا.

أصبحت العادات متحركة يتلقاها المرء سريعًا ويتخلى عنها سريعًا، القراءة السريعة أصبحت مثل الوجبات السريعة تسبب السمنة ولا تفي بشروط الغذاء الصحي، لذيذة، مشبعة بالدهون، جاهزة، قليلة الفائدة (وجبات نصية).

تمامًا كالمطاعم كانت خاصة بالنخبة واليوم يغشاها الفقراء وسائر الناس.

تعدد مصادر التلقي فتح ثقوبًا عديدة في جدار الهوية إن صح أن للهوية جدارًا، فلا يجب أن ننظر إلى الهوية كحائل يمنعنا من الاتصال بالآخرين، بل هي قيمة ومعنى يحفزنا على الاتصال والتفاعل والتأثر والتأثير.

إدمان الشبكات أحيانًا أقوى من إدمان التدخين كما تقول دراسة في كلية شيكاغو لإدارة الأعمال، حيث أجرت دراسة على أكثر من (200) ما بين سن (18) إلى (85) في ألمانيا لمدة (7) أيام.

أغلب المتطوعين وجدوا صعوبة في التوقف عن استطلاع حساباتهم أقوى من التي يجدون في مقاومة الرغبة في التدخين.

في الجيش الياباني تم إنشاء وحدة متخصصة في علاج إدمان الإنترنت!

كيف تعرف أنك مدمن؟

- الدخول المستمر أثناء العمل، أو في المدرسة والفصل والمسجد.

- السهر الليلي الطويل، وإهمال الأهل والأولاد والأسرة.

- التصفح عند الأكل، وهو سبب للسمنة والضغط والكوليسترول.

- الاضطراب العصبي وقلة النوم واضطرابه.

- تراجع العلاقات الاجتماعية والأسرية، شاب لا يراه أهله إلا عند الوجبة، وهو منزعج!

- تسميم العلاقة مع شركاء الحياة: الأم، الزوجة، الأخ، الأب، الصديق...

- يبدأ صحوه بالاطلاع على حسابه، وينام والجهاز إلى جانبه، وقد يصحو عدة مرات في الليلة.

كنت أحاول أن أترك إدمان تويتر، حتى خرج لي إدمان جديد، إنه تكرار القرارات بالتوقف عن الدخول دون فائدة!

لقد تحولت عند بعضنا من مواقع التواصل إلى مواقع القطيعة.

وحدثت حالات طلاق بسبب محادثة الفتيات في أمور غير أخلاقية.

طالبات خسرن الدراسة بسبب إدمان تويتر.

الفطام مقدور عليه بتعزيز الإرادة، والاستعانة بالله، والانحياز للبرامج العملية كالزيارات والجلسات العائلية ورحلات الأصدقاء.

وتوظيف هذه الشبكات للتواصل العائلي، قروبات على الواتس آب للعائلة، ألعاب أسرية مشتركة على السوني..

المؤشرات الأولية تدل على أن كثيرين ممن لم يكونوا يقرؤون أصبحوا يقرؤون يوميًا ما يعادل كتابًا من مائة وخمسين صفحة، تدفق هائل للمعلومات، لكن هل يتم التدقيق فيها وترشيدها؟

الاستخدام ينبغي أن يكون مُرَشَّدًا في ساعات محدودة، وليس في مكان منعزل عن جلوس العائلة أو مرورها.

الهاتف وفصيلته صنع عادات ضخمة في أسلوب الكتابة ولغتها، وطريقة الرد، وتحديث العبارات بشكل متسارع، وتوظيف التقنية وتفاصيلها، ونوع التواصل مع الآخرين.



هاشتاق


الأخبار السيئة تنتشر بشكل أفضل!

(ديفيد كارول) كندي يصدر ألبومات غنائية منذ عام 1994م ولا يعرفه أحد، عام 2009 أصدر ألبوم (الخطوط الأميركية تحطم القيثارات) احتجاجًا على كسر قيثارته في الطائرة وعدم تعويضه، كلفه الألبوم نحو 300 دولار، كان يحلم بمليون مشاهد، حصل على 6 مشاهدين، ثم على 300، ثم على 5000، وأصيب بخيبة أمل، حيث يتأخر التحديث في اليوتيوب.

بعد أيام حصل على مليون، ثم 3 ملايين، ثم 12 مليون، راسلته (نيويورك تايمز) برسالة على جواله وتواصلت معه وكالات الأنباء والصحافة، وفي شبكة cnn كان خبره واحدًا من أهم 3 أخبار، أحدها يتعلق بالرئيس الأميركي والثاني بالبابا!

انخفضت أسهم الشركة المعنية بنسبة 10% وخسرت 180 مليون دولار فمع الثورة المعلوماتية أصبح مصير الشركات والإدارات بيد العملاء! بينما كان طلبه تعويضًا لا يتجاوز مئات الدولارات.

برامج النقد الاجتماعي يتضمن الكثير منها إبداعًا كبيرًا، ورسالة واضحة، وتحديدًا للمألوف الاجتماعي والسياسي، إلا أنه في المقابل ينبغي الحذر من برامج أخرى تنتهج سلوكًا (فاضحا) أو تستهدف أشخاصًا بأعينهم وأسمائهم من خلال اجتزاء بعض المقاطع وتنزيلها في غير سياقها، وعادات المجتمع الغربي غير عادات المجتمع العربي التي تعتبر الفضيحة مؤذية جدًا وتسبب أزمات نفسية واجتماعية كبيرة للغاية.

مقاطع النقد الاجتماعي الهادفة سواء تلك التي تمثلت في صور كاريكاتورية أو استعراض بعض الأخبار من الصحف والتعليق عليها مثل (على الطاير)، (إيش اللي)، (لا يكثر)، (التاسعة إلا ربع)، (أشكل)، (يطبعون)، (مسامير).. إلخ، سر نجاحها يتمثل في وجود لغة متبادلة بين المتحدث وبين المشاهد.

تعلمت من (التغريد) توحيد الفكرة وتشذيب العبارة والحذر من الالتباس وسدّ الثغرات التي يتسلل منها الخصوم أو يلبسون بها على (المدرعمين)، وامتد هذا إلى (الكيك)، وإلى (اليوتيوب) حيث كانت تجربة (وسم) علامة فارقة في مشاركتي الإعلامية؛ خمس دقائق تلخص أفكارًا جوهرية ويسمعها شابٌّ عشرات المرات وقد يحفظها، ويعرف عدد الحلقات وموضوعاتها في ذاكرته، وهذا ما لم يحدث لي في برامج تلفازية أو غيرها.

الحملات الجماعية في الإعلام الجديد كالهاشتاقات تأتي كبديل عما يسمى بمؤسسات المجتمع المدني في مجتمعات لا تسمح للناس أن يتجمعوا لعمل بنائي أو تنموي أو نقدي احتجاجي.

هناك حملات تتعلق بالاحتساب على منكر أو خطأ، ومن الممكن توسيع دائرة الاحتساب بحيث يتعدى الجوانب الأخلاقية إلى أخرى كالإغاثية أو الاجتماعية وغيرها، وثم حملات تتعلق بالانتخابات، بالثورات العربية، الثورة الليبية، الثورة المصرية، التونسية، الثورة السورية، اليمنية.

حملات مؤثرة، وثم وثائق رسمية لجهات وشركات تبين تأثيرها، وأنه لا بد أن تواجه بأخرى مضادة، وقد تصدر قرارات بالتخلي عن مشاريع مثل تغيير بعض أسماء أبواب المسجد الحرام، أو التعامل الإيجابي مع حالة مرضية، أو مظهر من مظاهر الفساد الإداري، إضافة إلى حملات تتعلق بالمعتقلين في جوانتنامو أو السجون الإسرائيلية، أو البلاد العربية مما يكون له مردود إيجابي على المعتقلين وأهليهم وأسرهم، وعلى الطريقة التي يتم التعامل معهم بها.

إن الإعلام الجديد ولّد اهتمامات حقيقية للناس، وليست الاهتمامات التي تفرض عليهم.



شاعر البلاط


ضفدع ماوتسي تونغ كان ينظر إلى السماء على أنها بحجم فوهة البئر الذي يقيم فيه، ولو صعد لعرف أن ما كان يراه ليس إلا جزءًا صغيرًا من سعة السماء!

يتعمد المرتزق بقلمه ولسانه أن يرى الأشياء كما يراها سيده، ومن زاوية واحدة، أو من لا زاوية! المهم أن يستمر النقيق.

كل المشكلات والأزمات والفقر والبؤس والجهل والمرض والتخلف لا تزول إلا بـ(الزعيم الأوحد) كما كانت الإذاعات والقنوات والصحف تردد، والمشكلة الحقيقية أنه لا يوجد منه إلا نسخة واحدة!

يا واحد العرب الذي

أمسى وليس له نظير

لو كان مثلك في الورى

ما كان في الدنيا فقير

فاروق كان ينهب أموال الأمة ويوزعها على أصحاب الأقلام والألسنة، وربما لو عاش لوزعها على أصحاب الشاشات والدراما، ولذا كانت أنباء فضله ورحمته وإخلاصه منتشرة في جميع الأرجاء، أما الخزائن المنهوبة فلم تفصح عن نفسها.

أقوال مرسلة وأحكام متسرعة مبنية على الرغبة أو الرهبة، الحب أو البغض، الرضا أو السخط، فهو اليوم ملَك كريم، وغدًا شيطان رجيم، وقد يمنح المرضي لقب السماحة والفضيلة والشرف، ثم يصبح (المدعو) وكأن نَسَبَه محل شك!

من العادات المدمرة للشركات الناجحة أن يغيب عنها الإحساس بالمنافسة، وهذا ما يعانيه الإعلام العربي الذي لا يزال يصدق نفسه ويعتقد أنه متصدر لأنه لا يرى إلا المنافسين الظاهرين الذين هم على شاكلته، وقد يخوض معهم حروب السيطرة والنفوذ بالوسائل القديمة (اكذب واكذب واكذب حتى يصدقك الناس).

الانحياز للجانب الدعائي على حساب الجانب النقدي والوظيفي، والحكم على الأشياء قبل حدوثها بالنجاح الكامل وعلى كافة الأصعدة.

غياب المهنية يسمح لجريدة أن تنحاز لطرف ثم تتخلى عنه في ومض البرق حين تدرك خسارته، ويتبين لها الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر! وكأنها بذلك تنتقل من (غسل الأدمغة) إلى (غسل الأيدي)، ولا تحاسب نفسها على مواقف مخجلة.

من الذي اعتذر عن وقوفه مع صدام؟ أو مع حركات الانفصال؟ أو مع القتلة في ليبيا أو سوريا أو العراق؟

(دريد لحام) كان في أعماله الفنية ضد الظلم وانتهاك كرامة المواطن، في مسرحية (ضيعة تشرين) يسأل رفيقه بعد عودته من غرفة التعذيب:

- ضربوك كثير؟

- ما أدري! وأنت؟

- صارت الكلاب أحسن منا!

- عندك حق (ويبكي).

- لماذا تبكي كالطفل؟

- لما يضربك الغريب شكل، ولما يضربك ابن بلدك شكل ثاني!

موقف المثقف والفنان معيب حين يقرر الاصطفاف مع الظالم ضد ابن بلده.

محمد سعيد البوطي هَزّ تاريخه الطويل، بثينة شعبان مثقفة نذرت نفسها للتغطية على جرائم النظام.

العالم يدرس أدبًا يحكي آلام البائسين والعرب يدرسون كتبًا تمجد الظالمين.

يتحدث علماء البلاغة عن أسلوب (حسن التعليل) يستطيع به الأديب أن يقلب الحق باطلًا، وفي عهد الفاطميين كانت الانتهازية على أشدها والوصولية هي رمز الذكاء، وكان الشاعر يمتهن الكلمة ويستخف بمعاناة الشعب المصري ليقول تعليقًا على الزلزال:

ما زُلْزِلتْ مصر من كيد أَلَمَّ بها

لكنها رقصت من عدلكم طربا

ليس هذا حكرًا على إعلام رسمي، فرجال الأعمال والشركات الكبرى أصبحت تسيطر على الوسائل الإعلامية، والفضائيات الخاصة فرضت التنحي على الإعلام الرسمي، أو فرضت عليه التخلي عن رسميته ولو جزئيًا، وصرنا أمام إعلام مدعوم وظاهره الحياد، وألغيت وزارات الإعلام في دول أدركت أنها تنفق الملايين على جيش مهزوم كلبنان وقطر.

مركزية الإعلام العربية اليوم تتراوح ما بين دبي وأبوظبي والرياض والدوحة والقاهرة.

إمبراطورية مردوخ وشبكاتها الفضائية والصحفية استحوذت على قطاع كبير من الإعلام العالمي والعربي.

قد تجد هامشًا هزيلًا للنقد ربما للتمويه، أو أنه حائر بين التقاليد الرسمية التي يصعب تجاوزها، وبين المنافسة المحتدمة مع الشبكات الجديدة، فهو يضع رجلًا هنا ورجلًا هناك.

المدح المعتدل جزء من الرسالة الصادقة، أن تقول للمحسن أحسنت وللمسيء أسأت، ولكنه بحاجة إلى مناخ واسع من التعبير حتى يتطور ويتعقلن ويصبح ذا مصداقية، فالحر إنما يمدح اليوم من يستطيع أن ينتقده في الغد.

أحد المتصدرين سرعان ما ينتقل من الثناء على المنجز إلى اتهام من لا يسلك مسلكه بالتخوين أو نقص الوطنية، ورؤيته أن جميع الأقلام والألسنة يجب أن تصطف مع أي قضية، ولا تتأخر عن التمجيد أو الشجب أو الإدانة بحسب ما يقتضيه المقام.

الوعي النقدي للقارئ والمشاهد ارتفع، ولا غرابة إذًا أن يقل تأثير الكلمة المعلبة لصالح الأخذ والرد والحوار والرسائل المتبادلة، ولذا تضطر صحيفة (نيوز أوف ذا ورلد) التابعة لمرودخ أن تتوقف بعد صدورها لمدة 168 عامًا، وأن تعتذر لجمهورها في آخر عدد حيث انتهكت حرمة الحياة الخاصة.

المواطن العادي أصبح وسيلة إعلامية بجهازه الذكي أو العادي، يكفي وجود عدسة تكشف ما جرى وتوثق الصورة.

من أين يستقي مواطن في العراق معلوماته؟ أليس بمقدوره بضغطة ريموت أن يشاهد الإعلام الخارجي فور حصول الحدث؟ هو مهتز الثقة بإعلامه لأسباب تتعلق بالنسيج الأساسي، وبطبيعة علاقة وسائل الإعلام بالأجهزة الأخرى والأشخاص المتنفذين.

للرياضة كتابها ومروجوها، والإعلام متعة، والرياضة كذلك، تجربة جنوب إفريقيا التي تحولت إلى دولة شبه ديموقراطية واستثمرت الرياضة (لعبة الركبي) والإعلام في تجسير الهوة بين أبناء المجتمع الواحد تدعو إلى التساؤل: أين دور الإعلام الرياضي في عالمنا العربي وخليجنا العربي؟

أين الجيل الإعلامي الصحفي الرائد؟ هل أصبحت المحسوبية والعلاقات هي التي تحدد الكاتب الرياضي المتصدر في بعض الصفحات؟

في الرياضة وفي الحياة لا يوجد إعلام محايد بمعنى الكلمة، لكن الشأن في قدر الانحياز، والمتلقي أيضًا ليس محايدًا فلديه خلفية مسبقة.

الإعلام الغربي مع حريته يخضع لأهواء السياسة ومصالح التجار والشركات، صناعة الإعلام والسينما الأميركية لا تتخلى عن مصالح الصهاينة، ولا تتردد في وصم العربي أو المسلم بالدموية أو الغباء أو الجبرية في العديد من منتجاتها، وتستخدم في ذلك أمضى الأسلحة وهو التعويد والتنميط الفكري، وإن كانت الأجيال الجديدة أذكى من أن تتحول إلى قبيلة من الضفادع تتجاوب بصوت واحد مع الترسانة الإعلامية.



مثقف تقليدي


قدم (علي بن الجهم)، كما تقول الرواية، من البادية إلى دار الخلافة العباسية، ووقف أمام الخليفة يمدحه ويقول:

أنتَ كالكلب في حِفاظك للوُدَّ

وكالتَّيْس في قِراع الخطوبِ!

أنت كالدلو لا عَدِمتُك دلوًا

من عظيم العطا قليل الذَّنُوبِ

غضبت الحاشية، وأدرك الخليفة أن الشاعر متأثر ببيئته البدوية، أمر بوضعه في الرصافة على نهر دجلة في قصر بديع، وبعد سنة حضر الشاعر إلى ديوان الخليفة، وقال قصيدته المعروفة:

عيونُ المها بين الرَّصَافة والجسرِ

جلبْنَ الهوى من حيثُ أدري ولا أدري

حتى قال الخليفة: لقد خشيت أن يذوب رقة..!

السرقة تُعَدُّ جريمةً شرعًا وواقعًا، ولكنها كانت بطولةً لدى الشعراء الصعاليك، وهذا تأبط شرًا أو الأحيمر السعدي يأنف أن يستعير بعيرًا ويرى البطولة في أخذه عَنوة، فيقول:

ولا أسأل العبد الفقير بعيره

وبعران ربي في البلاد كثير

يظن البعض أن (الثقافة) هي المعلومات التي يُحشى بها الذهن، والحق أن الثقافة هي المعلومات والمعارف المنتجة للسلوك الفردي والجماعي، فهي إذًا (عادات) حاكمة للناس، وصانعة لأساليب تفكيرهم وطرائق عيشهم، من حيث يدرون أو لا يدرون، وليست تلك المحفوظات التي يرددونها، بل قد تكون نقيضًا لتلك المحفوظات التي يرددونها ولا يدرون أنهم يناقضونها.

للمثقف رؤية ومرونة وسعة اطلاع واستعداد للتأمل في الفكرة الجديدة وإدراك وجه الصواب والخطأ فيها بحياد وهدوء، أما المتعلم فهو درس أمورًا ضمن نطاقه الفكري ووفق معلومات محددة تقدم للجميع، وربما كانت سببا في تصلبه وجموده.

تساءل المفكر الفرنسي آلان بيرفت: لماذا تستطيع الهند إطعام 385 شخص في الكيلومتر المربع الواحد، في حين أن إفريقيا الخصبة والممطرة والمشابهة لها في مناخها وتضاريسها لا تستطيع أن تضمن إطعام 4 أشخاص في الكيلومتر المربع الواحد؟

وكيف حققت اليابان سيادة اقتصادية عالمية وهي الفقيرة في مواردها الطبيعية؟

المثقف يحاول الجواب على سؤال: لماذا هذا الشعب متقدم وذاك متأخر؟ لماذا هذا فاعل وذاك قاعد؟ بعدما تفشل التفسيرات العرقية والجغرافية.

للمثقف مبدأ يعيش من أجله ويموت، ولا يساوم عليه.

للماضي جلال وقداسة، وما أسرع ما يتحول الإعجاب بالماضي إلى تقديس يجعل وصم شيء منه بالخطأ نكوصًا وهزيمة، وهنا الفرق بين مَن يكرر ومَن يفرز.

الدين وحي رباني، والثقافة فعل بشري يتأثر بما يجد، ومن الخطورة بمكان المساواة بينهما، فهي تعني أحد أمرين:

- إما إخضاع الوحي المقدس للأخذ والرد ?وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ? (الأحزاب:36).

- أو رفع الموروث الثقافي جملةً إلى مستوى العصمة، حتى يصبح التخلي عن بعض التقاليد مساسًا بالهوية.

تقليد الماضي مثل تقليد المجتمع مذموم ? إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ ? (الزخرف:22)، والإسلام يكرس مبدأ الحرية الفردية واحترام العقل، الذي تعاني مجتمعاتنا من تهميشه لمصلحة الجماعة، فترفض المبادرات الإصلاحية بحجة عدم ملاءمتها للمجتمع أو مخالفتها للرأي العام.

كثيرون يميلون إلى بقاء ما كان على ما كان، والاكتفاء بما عليه الحال دون سعي للنقد أو التفكير ? أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ ? (المائدة:104).

قد يظن المرء أنه متجرد وحُرٌّ في تفكيره، وأن موقفه من الآخرين مبني على نظر صحيح وهنا يكمن الخطر؛ فهو قد حدد الزاوية التي ينظر منها، وعندما يهاجم مخالفه فهو يعتقد أنه يجاهد لإيصال الآخرين إلى الحقيقة أو إيصالها إليهم، فالإطار الفكري عادة يحكم آراءه ويتحكم بالنتيجة التي لا بد أن يصل إليها.

يكفي هنا أن يعرف الإنسان أنه متحيز وغير مستقل، وربما يكون غير قادر على الاستقلال، يكفي أن يهدئ من اندفاعه وسوء ظنه بالآخرين. ليس التفكير وحده الذي يوصل الإنسان إلى الحقيقة، هناك الإخلاص لله والتجرد من الحظوظ، وكما قيل:

إذا لم يكن عونٌ من الله للفتى

فأول ما يجني عليه اجتهاده

هناك الإلهام الذي يهرب عندما نركز التفكير، حين يجعل التاجر مكافأة لمن يعرف المبلغ الموجود في الظرف فلن يعرفه أحد بسبب الحرص والتفكير الشديد الذي يطرد العبقرية والإلهام.

القيم العظمى في الإسلام تضعف في مجتمعات إسلامية بسبب الثقافة المشغولة بالتفصيلات والجزئيات والفروع، المدهوشة برؤية الأغصان عن رؤية الغابة، والخاضعة حد الاستكانة للعرف الاجتماعي الغالب.

التوحيد قيمة عظمى تلغي الوسائط بين الله وبين الناس، والمجددون عادة يبرزون هذا المعنى لأهميته ورسوخه كما فعل ابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب وغيرهما، وما أكثر ما عانى المصلحون من استنكاف المجتمع ورفضه للجديد، وحسنًا فعل محمود عوض عندما كتب (متمردون لوجه الله).

الانطلاق من هذه القيمة العظيمة (التوحيد) لرسم العلاقة السياسية والاجتماعية والعائلية يكاد أن يغيب في جو التقليد والمحاكاة والمحافظة على ما هو قائم والتشكك في كل إصلاح أو تغيير.

في أي مجتمع عادات وأعراف ومحرمات وسنن وتقاليد وآداب وطقوس ومراسم وممارسات وموضات وبدع وتقاليع ونزوات، تختلف في درجة إلزاميتها وسيادتها وشيوعها في المجتمع، أو في فئة منه أو طائفة، ونختلف في رسوخها وبقائها أو وقتيتها، وتختلف في الجزاءات الاجتماعية والعقابات للخارج عليها التي تبدأ بالامتعاض أو الاستهجان وتنتهي إلى العدوان والإطاحة.

صلة العبد المباشرة بالله في عبادته ومناجاته تعطي قيمة هائلة للإنسان، وتبرز حقوقه، أليس هو الذي خلق اللهُ أصله بيده؟ ونفخ فيه من روحه؟ وأسجد له ملائكته؟ وخاطبه في القرآن بـ ? يَا أَيُّهَا النَّاسُ? (البقرة:21)، ? يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ ? (الانفطار:6)، ? يَا بَنِي آدَمَ ? (الأعراف:31)؟

عبودية الإنسان لربه وذله بين يديه تمنحه سموًا وارتفاعًا لهامته واعتزازًا بذاته دون كبر أو تعاظم.



فك السحر!


هل قرأت تجربة الفتاة (ليز موراي)؟

- شاركَتْ في محاضرات مع بلير وغورباتشوف والدالاي لاما.

- كان والداها يتركانها وحيدة وبلا طعام حيث تضطر لأكل مكعبات الثلج ومعجون الأسنان.

- عندما بدأت الالتحاق بالمدرسة، كان القمل يتساقط من رأسها على دفتر ملاحظاتها.

-كانت تبقى يقظة لتتأكد من عدم تعرضّ والدها لأذى عندما يخرج بحثًا عن المخدرات!

- تفوّقها الدراسي منحها منحة مالية ومقعدا في جامعة هارفارد لتنطلق في نجاحاتها.

- تحولت من مشردة إلى ملهمة لجماهيرها.

حين تقرأ أو تشاهد هذه الحياة العامرة بالغرائب لن تبقى ساكنًا، ستتجه فورًا إلى مقارنة وضعك ومعاناتك والطريق الذي يمكنك سلوكه.

الكلمات المكتوبة على الورق أو المنطوقة ليست صورًا أو رموزًا ميتة إنها عامرة بالروح والحياة، ليست حروفًا صماء، هي أصوات جهورية تسمعها الأذن ويعيها العقل ويأنس بها القلب.

بعض النصوص والقصص والكلمات تتحول إلى جزء منك وتذوب في كيانك.

الفقر والمعاناة والتشرد كما الغنى والشباب والشهرة لن يدوم طويلًا، المعرفة هي (النبل الذاتي).

انظر إلى الكتاب كإنسان، وإلى النص المقروء كعالم حافل في الحياة.

العالم هو كتاب جبار صنعته يد الله الذي أتقن كل شيء، والأشياء هي حروف أبجدية لمن يتهجاها ويقتبس منها.

أنت حرف من كتاب هذا العالم الجبار، وبمقدورك أن تلتهم الكثير منه متى شحذت همتك.

البصر، السمع، الخيال، القلب، وسائل قراءة لبصير مثلك، استلهمْ منها رسائل تظل محفورة في أعماقك، فهي بوابة الدخول إلى عالم الإنسان.

يقرأ الأب وجوه أطفاله، ويقرأ المحب مشاعر حبيبته، ويقرأ المزارع الطبيعة دون مفاجآت، ويقرأ العاقل نفسه قبل الآخرين.

قال شيخ: احتضن كتاباً وأنت تلتهم الطعام، وكن كـ(الكلب) الذي يحتفظ بعظمة بينما يأكل عظمة أخرى رميت له!

منذ ذلك اليوم لا أتذكر أنني كنت وحيدًا أبدًا حتى حين أكون في غرفة محكمة الإغلاق.

جذور الكتاب التاريخية هنا وعلى مقربة منّا في (بابل)، قرب مساقط الأنهار والمياه، ولكنها تهاجر بعيدًا وتتركنا للجهل.

القراءة هي المتعة التي تدوم وتكبر عندما تتلاشى المتع الأخرى.

الإنسان القارئ هو إنسان مفعم بالحياة.

القراءة الحقيقية تتداخل مع البناء والهدم والتركيب والإعادة والترتيب والتحليل.

ما زلت أجد الكتاب كنزًا يثير فيّ كل معاني الدهشة والفرح، ويأخذني من عالمي المثقل إلى أفق أرحب وأوسع.

كما كنت في طفولتي بقيت حتى الساعة، أفرح بالكتاب وأعده أغلى هدية.

القراءة للجميع مثل الخبز للجميع!

في شارع فرانكفورت خزائن مثبتة يمكن لأي عابر فتحها وتصفح كتاب أو أخذه معه وإعادته، أو إضافة ما يريد في أي مكان وبأي لغة.

ثقة بالناس وأنهم يمكن أن يكونوا أمناء دون رقابة، وثقة بعقولهم وتمحيصها على الخطأ والصواب.

قراءة الأطفال في الكتب القصصية الملونة بلهفة وشغف نضج تربوي مبشر.

فكّ الحرف لأميّ أو طفل يشبه فك السحر فهو اكتشاف خطير، كنت طفلًا أمر على اللوحات وأقرأها بسرعة وكأنني اكتشفت حاسة جديدة غير السمع والبصر.

معارض الكتب عادة ثقافية تعبر عن وعي وحراك محمود.

الطالب الذي يلقي نظرة أخيرة على الكتاب قبل أن يدخل قاعة الامتحان، وكأنه يودّعه إلى غير رجعة، لم يتخرج، بل لم يبدأ بعد.

من أثمن ما أحتفظ به (ختم طفولي) كنت أدمغ فيه الصفحة الأولى من كل كتاب أمتلكه (مكتبة عبد الله الفهد العودة وإخوانه)!

يرى علماء النفس أن الأطفال الذين يقرؤون مبكرًا أو يقرأ لهم تكون نفسياتهم أفضل، لقد وجدت هذا حتى حين كنت أسكب الدموع سرًا وأنا أقرأ قصة حزينة!

حين أقرأ كتابًا اعتدت أن أمضي إلى نهايته مهما تغير رأيي فيه.

حين أقرأ لمؤلف فيعجبني أسعى لامتلاك كتبه كلها حتى الممنوع منها أو المفقود، وكل ممنوع مرغوب.

عشت صبيًا مع كتب الوعظ (التبصرة، قرة العيون المبصرة، الكبائر..) أتلوها على أبي بين العشاءَيْن.

ألتقي بالكتب صدفة كما ألتقي بالأصدقاء، و(رُبَّ صدفةٍ خيرٌ من ميعاد)، وأعز الأصدقاء تعرفت عليهم بجوار رفوف المكتبات.

النظم الشمولية تخشى القراءة، وفي ساحات المدارس والسجون تجري مراقبة الحرف بعين الارتياب!

كانت أمي تحب أن أَكْبَر، ولكنها تقلق عندما ترى أكوام الكتب أو تسمع صبيها يتغنى بقصيدة.

كان يقلقها أن تجد كتابًا من عشرة أجزاء، بنفس اللون والشكل وتقترح الاكتفاء بواحد!

كل شيء قابل للقراءة، ما الذي يحدث عندما تواجه نصًّا؟

التفاعلات الكيميائية تحول الحرف إلى معنى ثم تحدث التفاعلات معه، أو تحول الرسم أو الصورة أو الوجه أو الشخص أو الظل أو الصوت..

النصوص التي نقرؤها تخضب عقولنا بالألوان المناسبة.

لا تصدق أنك لم تفهم، ستكتشف أنك فهمت بعض النص أو كله عند مناسبة ما، أو عندما تقرؤه في موضع آخر، سيظل كامنًا بدرجة أو أخرى في ذاكرتك.

قلت مرة لشيخي: قرأت الكتاب ولم يعلق شيء منه بذاكرتي؟ مدّ لي تمرة وقال: امضغها، ثم سألني: هل كبرت الآن؟ قلت: لا، قال: ولكن هذه التمرة تقسمت في جسدك فصارت لحمًا وعظمًا وعصبًا وجلدًا وشعرًا وظفرًا وخلايا!

أدركت أن كتابًا أقرؤه يتقسم، فيعزز لغتي، ويزيد معرفتي، ويهذب أخلاقي، ويُرَقِّي أسلوبي في الكتابة والحديث ولو لم أشعر.

الكتاب صنع عاداتي اللغوية، دربني على تجاوز ضمائر التعاظم، فهمت؟ أنت معي؟ واضح لك؟ وتجاوز خشونة الألفاظ وحدتها وما يوحي بازدراء الغير، أو مجاراة الجاهلية في عنصريتها أو ازدرائها للأنثى (أعزك الله!).

قطعني عن موروث القرية لأحاول لغة محتشمة تكسو الألفاظ العارية بما يزينها، وتعرّض عما تستحي من ذكره، وتتأسى بالكتاب الأعظم ?أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ? (النساء: 43).

لوثة الروايات الضاربة على وتر الإثارة الجنسية (الخبز الحافي – محمد شكري - وبعض روايات محفوظ والحكيم) كانت معاناة يألفها مراهق لم يعرف من الإثارة سواها!

عودني على سهولة التعبير وتجنب الضغط على الحروف أو التفاصح والتنطع في المخارج، كما كان يوصي به أئمة اللغة كأبي عمرو بن العلاء والأصمعي.

الكتاب يعتمد على سخاء القارئ الذي يبديه تجاه النص!

قرأت كتابًا واستغلق عليّ فهمه، طلبت من صديق أن يشرحه لي فاكتشفنا معًا أن ترتيب صفحات الكتاب كان مغلوطا.

أحيانًا يكفي أن تمر على الكلمات مرور الكرام، وأحيانًا تحتاج أن تجري حفريات عميقة، وبعض النصوص يتحول إلى جزء من شخصيتك، روح القارئ الإيجابية هي التي تستنطق النص وتضفي عليه الحياة وتجعله ناطقًا وجميلا.

القراءة في الطائرة، أو كرسي الانتظار، أو سرير النقاهة، استثمار في الزمن والحال.

الإنسان ينجذب عادة إلى الكتب التي تمثل شخصيته.

حين تشاهد شخصًا يقرأ كتابًا سبق لك أن قرأته أو أنت تقرؤه الآن، تشعر بوشيجة بينك وبينه.

مكتبة المنزل ليست ديكورًا لبرنامج تلفزيوني أو للمباهاة، هي جزء من أساسيات التربية.

أشعر باعتزاز أنني ولدت في بيت تعمر كواته المصاحف ورياض الصالحين وزاد المعاد وفقه السنة وقصص الأطفال.

كنت أقف على رأس أخي في انتظار أن يَخْلص من الكتاب فأستلمه..

أبناء سنّ معينة تعودوا على الكتاب الورقي يشمّونه ويلمسونه بأيديهم ويديرون فيه عيونهم ويحضنونه كحبيب لا يمل، آخرون وجدوا في الكتاب الإلكتروني سهولة المحمل والاقتناء والتعامل، نحن في الطريق إلى (الكتاب الذكي) الذي يتفاعل معك ويغير الألفاظ والأساليب التي تستغلق عليك!

حين أستغني عن كتاب لأي سبب كان فإن شيئًا ما يموت بداخلي.

الكتب المستعارة التي لم تعد لا تزال وشمًا حزينًا لا أنساه، خصوصًا حين يكون مجلدًا له عشرة إخوة فينخرم تسلسلهم!

وجد أحدهم في طرة كتاب: (من يسرق كتابًا أو يستعيره ويجحده عسى أن يتحول الكتاب في يده إلى أفعى رقطاء، وعسى أن يصاب بشلل ارتجافي قاهر، وعسى ألا تنقطع آلامه حتى يتحول إلى رمة متفسخة، وأن تعشش الديدان في أحشائه، وعندما يمثل يوم القيامة تلتهمه النار إلى الأبد!).

أي طبعات الكتاب أفضل؟

إنها الطبعة التي أمتلكها وعشت معها عشرين سنة وقلبت صفحاتها وشاهدت تجليدها كثيرًا وكتبت على حواشيها بعض الملاحظات!

هذا ما حدث لي بفضل ربي مع كتب السنة النبوية التسعة والحاكم وابن أبي شيبة وعبد الرزاق والبيهقي وأجزاء حديثية خلال تحضيري للماجستير، ومع كتب التفسير خلال إلقائي لدروس (إشراقات قرآنية).

حركات معروفة؛ سحب النظارة من مكانها، تنظيف بالمنديل أو بطرف الغترة، وضعها على الأنف أو خلف الأذن، إلقاء نظرة تجريبية على الصفحة، تحريك النظارة قليلا..

أن تكون القراءة (عادة) كوجبة طعام لا يمكنك العيش بدونها.



في مطار عربي


- لو سمحت ضع الصندوقَ على السّير.

هكذا حيّاه الرجل الذي يبدو عليه أثر الإعياء والتعب، والذي قام بفتح الصندوق لمعرفة محتوياته.

- ما هذه؟

- كتب

- أي كتب؟

- هي أمامك تستطيع أن تقرأ عناوينها، كتب علمية وشرعية وسياسية.

- أرى معها مصحفًا؟

- نعم وهل هو محظور؟

- الأوامر مشددة بعدم إدخال طبعات أخرى للمصحف غير الطبعة المحلية؛ لاحتمال أن يكون فيها تحريف!

- هذه نسخة واحدة شخصية وصلتني هدية، وهي مدققة وموثقة وحتى لو كان معي نسخة من الإنجيل للاستخدام الشخصي في البحث أو النقد أو التحليل؛ لا أظن أن القوانين تمنع إدخاله، وكل كتب العالم موجودة على الإنترنت مع المجلات والوثائق والصوت والصورة ولا حسيب ولا رقيب!، وهو في كل غرفة، وبالألوان إن شئت!

- طيب أنت ليش زعلان، هذه مهمتنا، نحن نقوم بواجبنا!

- صمت!

- أرى هاهنا دروعًا تذكارية؟

- نعم، وهل هي محرمة أيضًا؟

- تعرف ممكن يكون فيها إطار ذهبي أو ما شابه، فلابد من مرورها على الجمارك!

سنحيل الكتب إلى الإعلام، والدروع إلى الجمرك، ويمكنك الحصول على ورقة استلام.

- متى تخلص؟

- لا أدري، العمل كثير، والموظف مضغوط، يمكن يراجعنا أحد بعد أسبوع أو شهر، وإن شاء الله ما نتأخر!

- هل يشفع لهذه الكتب أنها مطبوعة هنا وفي البلد نفسه؟

- عفوًا، تحتاج إلى تدقيق.

كلمة من هنا، وكلمة من هناك، والحديث يجرّ بعضه بعضاً، والإثارة ترتفع، والنفوس تحتشد، والموظف يقرر أن (يؤدب) المسافرين الذين يبدو منهم بعض التذمر أو الاعتراض بالإبطاء والمزيد من الاستفزاز، والمزيد من الإجراءات، وحيث لا نظام، فالموظف هو الذي يضع النظام وهو الذي يفسّره، وهو الذي يطبّقه.

عليك ألا تقلق، فهذا الذي تقرؤه ليس سوى (كابوس) وهمي لا يمتّ إلى الواقع بصلة، ولم يحدث في مطار (ما)، معركة لفظية في الذهن، وأصوات تتعالى في الخيال يفيق منها صاحبنا على صوت الإمام وهو يلتفت إلى المصلين: (السلام عليكم ورحمة الله).

أما الكتب والدروع فستعود، لكن يخلف الله عليك صلاتك التي ذهبت في سرحان ذهني متكرر؛ تشتد معه الأعصاب، ويمعن المصلي في الاستغراق في جدل عميق عقيم مع أيٍّ كان..

مرّة مع شرطي المرور، وأخرى مع موظف المطار، وثالثة مع بائع التموينات، ورابعة مع أحد أفراد الأسرة!

أفضل طريقة للتخلص من هذه (الكوابيس) الوهمية التي لا تمت إلى الواقع بصلة، و..، و..، هو أن تتلافى حدوثها في ميدان الحياة العملية، وأن تتكيّف مع الظروف المتفاوتة في المجتمعات التي كُتب لك أن تعايشها، وتتعوّد فضيلة (الصبر) وضبط النفس، وحفظ اللسان، والتجاوز عن العثرة والزلة، والترفّع عن المنازلة في شيء لا يستحق، وبقدر احترامك لنفسك تقرر ألا تضعها في مواضع الحرج، التي يراك الناس فيها ولا يدرون إن كنت مخطئًا أو مصيبًا، لكن يلحظون انفلات الأعصاب، وزمجرة الغضب، والترادّ والتلاسن اللفظي، وربما احتشد أهل الفضول ورأوا وجهك الذي كساه الانفعال، وأدركوا عدم قدرتك على التحكم في ذاتك، وهيهات أن تحمي نفسك من الغلط في حق الآخرين، وقد ألجمك الغضب، واستولى عليك الشر، وفقدت الحلم، ولم تعد تفكر في العواقب.

الكثير من الناس يحدث معهم موقف ما ولا ينتهي بانتهاء اللحظة، بل يرسم لصاحبه مسارًا يقضي فيه عمرًا طويلًا، أو عمره كله، مستغرقًا في نتائج جلسة عاصفة، أو موقف عابر، بدأت بالانتصار للنفس، وإثبات صوابيتها، وتخطئة الآخرين، وتحقيق مغالطاتهم وعجلتهم وطيشهم، حسبما نعتقد..، ثم تحوّلت إلى مسار دائم، بترك العمل في هذه المؤسسة، أو الهجرة من البلد، أو مقاطعة هذه المجموعة، أو فسخ عقد الشراكة، أو الطلاق، أو الهجر الطويل..

ولك أن تتوقع تبعات شيء كهذا على النفس التي سيصاحبها الألم، وحالات الحزن والكآبة والقلق، ونوبات تأنيب الضمير المتكررة، وفقدان بوصلة الترتيب للحياة.

أو تتخيل أثر ذلك على الآخرين، بالقطيعة، أو الفجيعة، أو الحرمان، أو الصدمة، أو تفريق الأحبة..

أو مدى الشرخ الذي يصنعه للمجتمع حين يتحول حراكه إلى معارك ومشاحنات، وحروب طاحنة، ومشادات كلامية، ومخاصمات إعلامية لا تستثني شيئًا، وتحشد حولها أعدادًا جديدة من المتفرجين والبطالين والفارغين والمصفقين، وتخرج إلى ميادين أدبية وثقافية وشرعية واستدلالات، وقصتها بدأت من النفس، فما أحكم ذلك الذي قال:

كسب الأشخاص أهم من كسب المواقف.

شاب ظل يلهث طيلة حياته حتى شاخ وهرم، والحصيلة كلها الخروج من معركة والدخول في أخرى؛ لأنه ابتلي بعادة (إدمان الطوارئ).

وما أعظم التوصية الربانية: ? وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ? ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ? (فصلت:34)

قال الحسن: والله لا يصيبها صاحبها حتى يكظم غيظا، ويصفح عما يكره.

كم نحتاج من السنوات؟ من الجهود الجبارة لنتسامى عن عادات الجاهزية للصراع؟ والإنحاء باللائمة الدائمة على الآخرين؟ والتخندق والمنازلة، التي نشعر معها أننا متفاعلون ومنهمكون في أحاديث وروايات، ولكن دون مردود، بل على طريقة (أسمع جعجعة ولا أرى طحنًا!).



#غرف_ونوافذ




تعلم كيف تحب!


سألت شابًا: كيف تتعلم أن تحب؟ رد ببراءة: أعرف حب الخشوم والأيدي والأكتاف! عادة خليجية غريبة، و(الحب) يعني هنا: التقبيل.

شاعر الحب (نزار قباني) يقول:

الحب في الأرض شيء من تخيلنا

لو لم نجده عليها لاخترعناه

المحبون لا يرغبون في الخلاص ولو برحت بهم الآلام.

يقول أبو هلال العسكري (أو غيره):

دعا لومي فلومكما مُعاد

وقتل العاشقين له مَعادُ

ولو قتل الهوى أهل التصابي

لما تابوا ولو رُدُّوا لعادوا

أردت أن أقول لذلك الشاب أن يحبّ الحياة، أن يحب ما يجد، إذا لم يجد ما يحب!

أن يرى الجانب الجميل في الأشياء المفروضة عليه أو المقدرة، حتى المشكلات والعقبات والعقابات والحرمان..

تلك الدروس الحياتية التي تدربنا على الصبر والقوة، وتقودنا إلى الله، وتنمي قدراتنا على البحث عن البديل.

أن نستمتع بالأشياء التي نحن مضطرون لعملها.

الوظيفة، الدراسة والمذاكرة، مساعدة الآخرين، الصلة بالأقارب والجيران، العمل، تحمل المسئوليات، العبادة.

فرق هائل بين أن تؤدي عملًا كوظيفة لا بد منها، بلا روح ولا تفاعل ولا إبداع، وبين أن تألفه ثم تحبه ثم تتفنن في إخراجه وتجميله وتحسينه.

هذا (الحب) من حب الله (وإن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه) (البيهقي).

حب الله شعور إنساني كبير يملأ حياتنا بالبهجة والرضا والأنس، يجعل صلاتنا (قرة عين) كما كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم، و(راحة)، كما كان يقول عليه السلام: (أرحنا بها يا بلال) (أحمد وأبو داود)، وليس أرحنا منها!

حب الحياة بصعوباتها وآلامها وأحلامها لأنها هبة الله، وحب كوني إنسانًا مكرمًا ينتمي إلى الفصيلة المختارة من المخلوقات، والتي منها الأنبياء والرسل والصالحون والشهداء والصديقون والعلماء والمبدعون.

حب الأرواح التي تسكننا وتبث فينا طاقة الحياة والأمل وترقب الأفضل..

حب الانتماء لهذا الجنس الذي سكن الجنة، وأكل من الشجرة، وهبط إلى الأرض ليعمرها ويكدح فيها، وينتفع بمسخرات الكون من حوله، فيبني الحضارات ويؤسس الدول ويكتشف السنن ويدون المعارف.

لا تفرط في المثالية والخوف من الإخفاق أو الخطأ، فهو جزء من الطبيعة، تعلم قبول الجيد وأن تحب الأشياء ولو كانت دون الكمال، لكي تحبك هي ولو كنت دون الكمال؛ أحبّ زوجتك ومنزلك وحقلك وعلاقتك وأسرتك وأصدقاءك.

لكي تشعر بالحماس عليك أن تتعلم كيف تحب ما أنت مقبل عليه، وظيفة جديدة، تعلم لغة جديدة، مهمة غير عادية، تعلم قبول التحدي بثقة وجدارة.

حين تكره شيئًا ما أو تحس بأنه عبء ثقيل، فلن تكون منتجًا ولن تتبرج مواهبك.

اسأل نفسك: ما هي المهارات والمعارف الجديدة في مجال تخصصك أو حياتك، وكن مرنًا قابلًا للتأقلم والتكيف، وتخيل النجاح وفكر بالجوانب الإيجابية.

تأكد أن ثمة مائة طريق وطريق لإنجاز المهمة ذاتها، فلا تحبس نفسك برؤية محدودة.

اكتشف الأسباب المزعجة لك، وحاول السيطرة عليها وتغييرها وتحويلها إلى عوامل إيجابية.

توقع أن التذمر والضيق يمكن أن يحدث مع أي عمل وأي بديل، فلا تزهد فيما هو متاح لك، فربما لا تجد أفضل منه:

عتبت على عمرو فلما فقدته

وجربت أقوامًا بكيت على عمرِو

نزهد في المتاح أحيانًا لأنه متاح.

الحب درس يمكن تعلمه!

لا تكن شحيحًا في حبك، درب عضلات قلبك على الاتساع لحب الآخرين وحب الخير لهم.

أن تحب مدينة أو وظيفة أو حالة كتبها الله لك أو عليك.

وإذا أحببتها فسوف تنتمي إليها بإخلاص وتتعامل معها بنضج.

هل بمقدرونا أن نتحكم بمشاعر القلوب؟

لدينا قدرة هائلة على التأثير شريطة أن نؤمن بذلك، وأن نعرف الطريق إليه، أو أن نتمثل أنه ليس بمقدورنا تغيير اتجاه الريح ولكن ضبط الأشرعة.

من يقول: لا فائدة، لن ينجح، ومن يجهل الطريق يطول عليه.

ما نسميه بالأشياء (اللاإرادية) ليس شيئًا عاديًا يسهل تغييره، ولكن بمقدورنا التحكم في وقته، وفي مقداره، وفي وجهته بالتدريب والتمرين والتدريج، وتخيل أن كل شيء ممكن.

اقرأ مقالًا أو كتابًا أو استمع لبرنامج عن فوائد ما تريد أن تحبه وتفاصيله وتاريخه...

تدرج في تعاطيه بطريقة عفوية هادئة.

تخيل نفسك وقد أصبح هذا الشيء جزءًا من حياتك وعاداتك.

تذكر تجارب من اعتادوا على ما ينفعهم حتى أحبوه، ورتبوا أشياءهم ومواعيدهم حسب ما يريدون، حتى مواعيد الأكل والشرب والنوم والاغتسال والذهاب للخلاء..

قوله تعالى: ?وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ? (الأنفال:24)، لم يمنع من مطالبة الناس بالإيمان.

وقوله صلى الله عليه وسلم (اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك) (أبو داود والترمذي) يعني: الحب، لا يجافي (أحبب حبيبك هونا ما عسى أن يكون بغيضك يوما ما..).

القلب وإن لم يكن بمقدورنا التحكم السريع والمباشر بوظائفه، إلا أنه ليس بمعزل عن العين حين تبصر، والأذن حين تسمع، واللسان حين يهمس، واليد حين تمتد، والرجل حين تمشي، والعقل حين يفكر أو يحلل أو يتخيل.

يشترط ابن تيمية للنجاح في أي عمل توفر: الإرادة، والقدرة.

من أراد أن يتعلم سر النجاح فليتعلم كيف يحب وكيف يبادر.



هل للحب يوم؟


الكذب في الحب عادة، وإذا قلت: أحبك حتى وأنت كاذب فسوف تسقط في فخ عينيك وتنسى الحروب والحرائق السابقة، وتحيا لحظة بصدق كذبك، كما تقول غادة السمان.

من عادات الحب أن يتخلى عنك أحيانًا عند منتصف الطريق، أو عندما يتم اللقاء، وكانت العرب تقول (إذا نكح الحب فسد!).

الحب مثل خيط من المطاط يسحبه اثنان، كلٌّ إلى جهته، إذا أفلته أحدهما تألم الآخر بلسعه!

لن تنفع (أقفال الحب) حيث اعتاد الحبيبان في أوروبا وبعض دول المغرب على كتابة اسميهما على قفل حديدي، ثم ربطه بمعلم أو مكان مشهور أو شجرة عريقة، ورمي المفتاح في النهر على اعتقاد أن الحب يدوم بذلك.

هل الألفة تذهب الحب؟ أم تنضجه؟

في القرآن الكريم ? وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ? (الروم:21).

تبقى المودة إذا حرص الطرفان على بقائها وحمايتها من الأعاصير، وشجرة الحب إذا ثبتت على أصل المودة لم تضرها رياح الغضب والرضا:

إذا لم يكن في الحب سُخْط ولا رضا

فأين حلاوات الرسائل والكُتْبِ؟

وحين تذهب يبقى الوفاء وتبقى الرحمة بين الشريكين.

وثم قلوب طرية خضراء اعتادت أن تنبض بالحب، فلا يتوقف عنها فيضه ما دامت الحياة.

كان النبي صلى الله عليه وسلم يعاتَب على ذكره خديجة، فيقول: إني رُزِقْتُ حُبَّها (مسلم).

وقلوب وقعت في (حب فوق العادة) فتولهت بالعشق والجنون (ومن الحب ما قتل) وغالبًا ما يكون الحرمان هو السبب.

قد يقتل الحب انتقامًا من حبيب غدر أو أشرك!

قصص نساء قتلن أزواجهن بسبب خيانة أو تعدّد!

الحب الإنساني عادة، وليس (عيدًا) يحتفل فيه العشاق بـ(الفالنتاين).

لا يفهم كثيرون من شباب اليوم أن الحب تضحية وصدق وعطاء، هو عندهم أغانٍ وآهات وقلوب ورسائل وورود وكلام وأوهام ومتعة عابرة.

كتمان الحب عادة عند الأسرة المحافظة، وكأنه عيب أو ضعف يحجم اللسان عن التعبير عنه، بينما هو ظل يجب أن يتفيأه الزوجان والذرية، ويتحقق به الإشباع والنضج والانتماء.

الحب أساس كل خير، وأساس الحب حب الله، وهو شعور مقدس ومقدم على الخوف وعلى الرجاء، هو رأس الإيمان ولسان الميزان.



خطوط الموضة


قرأت في الحاير رواية (الأرض الطيبة) لبيرل باك، وتعرفت على معاناة الفتاة في مجتمع صيني يعتبر أن الجمال هو في القدم الصغيرة، ولذا توضع القدم الغضة في إطار حديدي يمنعها من النمو المعتاد!

والشيء ذاته في (بجعات برية).

حتى في معيار الجمال يصبح قانون الموضة ساري المفعول، وكأن الفرد ينظر بمرآة الآخرين وأن العقل الجمعي يتحكم في ذوقه، واليوم أصبحت الرشاقة هوس البنات، واختيار عارضات الأزياء يتم وفق هذا القانون، بينما كان العرب أو بعضهم يمتدحون المرأة المليئة.

الموضة تتحدى الذوق الشخصي أحيانًا.

لا يمكن اعتبار الموضة عادة، إذ ليس لها دوام أو رسوخ، لكن متابعة الموضات والخضوع لسحرها وسلطانها وجاذبيتها هو عادة، والانتقال بسرعة إلى الجديد ونبذ القديم هو عادة أيضا.

خطوط الموضة أصبحت بالنسبة لبعض الفتيات (زنازين ناعمة)، وهدرًا ماليًا، وزهدًا في طيبات الطعام والحياة البسيطة.

الموضة نقلت عادة التبرج والعري لتصبح جزءًا من ثقافة المرأة في كل مكان إلا من رحم الله، حتى في لباس العباءة وما يراد منه الستر أصبح عرضة للإغراء والفتنة.

وتعدى إلى الأثاث المنزلي، وتصميم المنازل والترويح وقضاء الإجازات وتفاصيل السلوك والفن، وصارت قيم التحرر والتحضر والحقوق متصلة بالتقليعات والموضات التي تعبر عنها.

الموضات ظاهرة جماهيرية تنخفض عن رتبة العادة أو العرف، وليس لها قداسة أو دوام، وهي مناقضة تمامًا للتقاليد، فالموضة تعني الجديد العابر غير التقليدي.

التقاليد تنتقل من السلف إلى الخلف بشكل رأسي، أما الموضات فتنتقل من جماعة إلى أخرى بشكل أفقي.

التقاليد: محاكاة القدماء.

الموضة: محاكاة المعاصرين.

التقاليد محبوبة لأنها مألوفة، والموضات محبوبة أيضا لأنها جديدة وطريفة (ولكل جديد لذة).

التقاليد مرتبطة بقيم أساسية، والموضات شكلية وكمالية.

الموضة تشيع بشكل غير منظم يأخذ بها قوم ويتخلى عنها آخرون.

التقليد سابق للفكرة وللحكم والرأي الشخصي، أما الموضة فتابعة لها فهي تغير الأفكار والآراء والأذواق.

الموضة تشعر صاحبها بامتياز واحترام، وتعطيه شعورًا بالخصوصية عن الآخرين، ولكنها تعود لتكون تقليدًا ومحاكاة لمن سبقوا في تلقف الموضة!

الأخذ بالموضة انتماء لشريحة خاصة، كالطبقة المخملية مثلا.

قد تكون الموضة شديدة الضرر مثل تشويه شكل الجمجمة أو الوجه أو تصغير القدم أو الكعب العالي أو الوشم.

الإناث أكثر استعبادًا للموضة ولو كانت بعيدة عن التفكير المنطقي.

الموضة كلمة في القاموس النسائي لأنها تمد المرأة بين الفينة والأخرى بعنصر الجاذبية، قد تتحمل المرأة الألم النفسي (عارضات الأزياء) الألم البدني لرعاية الموضة.

في أوروبا حاربوا الملابس غير المحتشمة واقترحوا قماشًا يلف على الصدر والرقبة فاتُّهموا بالرجعية.

وفي أمريكا وُوجهت الموضة بمظاهرات باعتبارها ضد فكرة تحرير المرأة.

لماذا تخضع المرأة للموضة؟

- لأن المرأة بطبعها تحب أن تسترعي النظر وتجذب الانتباه وتثير الإعجاب.

- وبسبب الخوف من النقد اللاذع أو من التخلف عن مسايرة الركب.

إذا اندثرت الموضة صار كل ما يتعلق بها غير مستساغ.

إذا كانت في الملابس الطويلة بدا القصير شاذًا وقبيحًا والعكس.

متى شاءت جعلت الشيء حسنًا ومتى شاءت جعلته قبيحًا.

مصدر الموضة؟

فرنسا مصدر الموضات من الملابس وفي داخل المجتمع الواحد عادة تكون الطبقة المترفة مصدر الموضات - لتميزها وغناها وعلاقاتها.

حينما تنتشر وتتسع تفقد قيمتها وتصبح نمطًا مألوفًا وتتقلص بنفس الترتيب السابق بدءًا من الطبقة الراقية.

هناك انتخاب طبيعي باختيار موضات لتستقر وتكون تقليدا.

يمكن تحويل الموضة لأداة ذات وظيفة اجتماعية تسمح بالتجديد والتطوير والتفاعل مع المتغير.

هي نوع من التغيير الاجتماعي الذي يحدث ولا بد، وقد تكون سببًا في صيانة التركيبة الاجتماعية.

فرق بين موضة كالثورة الجنسية أو زواج المرافقة، وبين تعليم المرأة أو عمل المرأة.

السلوك العادي لا يسمى موضة ولو كان منتقلًا، عندما نلقي التحية أو نتبادل خطابات التهاني والمواساة أو نحتفل بالمناسبات، فكلها أفعال تلقائية لا توجد سلطة رسمية تفرضها، وإنما تدفعنا إليها سلطة المجتمع.

استحواذ الغرب على الصناعة والإعلام جعل السوق العربية والإسلامية منطقة استقبال للفنون والأشكال والأزياء والتسريحات وأنماط العلاقة والصيغ اللفظية واللغوية التي نستخدمها لنعبر عن المواكبة.

عجزت مجتمعاتنا عن تقديم بديلها المعبر عن ثقافتها والمستجيب لفطرتها ومحبتها للتغيير والجمال والذوق والجاذبية على رغم الثراء الفاحش والأبواب المفتوحة إلا أن الإرادة غير قائمة.



أحلام جنسية


لحق بي شاب بعد محاضرة وهمس لي قائلًا: لدي مشكلة! نظرت في وجهه ولمحت آثارًا لا تخطئها عين البصير لدى أقرانه، ابتسمت له وقلت: كأنني أعرفها!

انسل الشاب خجلًا من بين يدي ولا أدري أين ذهب!

العادة السيئة تأخذ منا أكثر مما تعطينا.. هذا إن كانت تعطينا فعلًا!

يبحث عن المتعة، ويتطور الأمر إلى أن يكون مصحوبًا بمشاهدات تلفزيونية أو يوتيوبية، فيديوهات أو صور، وقد يتواصل طرفان عبر الهاتف أو الإسكايب أو البالتوك أو الماسنجر أو قوقل بلس.

ويصحب ذلك استعراض جسدي وإثارة صوتية، وقد تتحول إلى وثائق ابتزاز أو فضائح.

الإنسان ليس ملاكًا، كما أنه ليس شيطانا.

قبول المرء لذاته يتطلب الإقرار أنه ما من نفسٍ مجبولة على الخير فحسب، بل هناك خبايا عميقة يحاول صاحبها أن يخفيها، وكلما بالغنا في تسليط الأضواء على الأخطاء تعاظمت المشكلات، ولاحت في الأفق تعقيدات كالشعور بالإحباط والتعاسة والخزي.

النقص صفة لازمة للبشر مهما بلغت فضائلهم، إنه كمالٌ مشوبٌ بالخطيئة والشطط، لكن إدراكنا أنه يمكن للنفس أن تتجدد بطلب المغفرة والصفح من الله يجعلنا في موطن الثقة أن الكبوة يمكن الاستفاقة منها.

الرغبة في الجنس طبيعة، وليست مجرد شهوة أو نزوة يلوم المرء نفسه عليها، أو يشعر بالعار عندما يفعلها، إن الجنس يحدث شعورًا بالقرب والانتماء، ويجدد الروح ويعفيها من القلق والتوتر، عندما يكون في حدوده الشرعية، وحدوده الواقعية.

هي هدية من الله سبحانه، وسبب للمتعة، وعطاءٌ متبادل (وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ) (مسلم).

حصول الذرية، وبناء الأسر، وتكاثر النسل وقيام الحياة سر من أسرارها.

الشعور بالغبطة والسعادة ليس معناه إشباع رغبات النفس كيفما اتفق، أو السعي المحموم وراء الشهوة والإثارة.

من حق الروح أن نروي شريانها بالحب والحنان والرعاية والابتهاج، وهذا لا يتم بالجنس فقط وإنما عبر تكامل الاتصال الإنساني.

السعادة تعني الطرح أكثر من الجمع؛ طرح نقائص النفس كي يتسلل الضوء!

لا يمكن لأيٍ كان أن يجمع عادات يعلم أنها لا تليق به، ثم لا يحاول التخلص منها، وينتظر معها الهدوء والانسجام!

أصبحت العادة السرية تشغل بال المراهقين، وتؤثر على نفوسهم، وربما أدت إلى قرارات تعصف بالصداقة والثقة والنجاح.

تشير دراسات إلى أن أكثر من 95% من الشباب والفتيات في العالم مارسوها، وتعد من أكثر عادات البشر انتشارا.

قد تبدأ مبكرةً عند البلوغ أو قبله، ويصاحب ذلك قلة الوعي، والخجل من طلب المساعدة، وربما تحولت إدمانًا مؤلماً، أو لازمت صاحبها حتى بعد الزواج.

نظرة بعض المربين للمراهقة ليست واضحة، من الناس من يجعل المراهقة عذرًا في ارتكاب النزوة والصبوة والشطط، مما جعل إهمال المراهقين عادة أسرية.

في هذه المرحلة يتعرف الفتى والفتاة على المشاعر والعواطف المتعلقة بالرغبة، مع سوء التوجيه الثقافي والمعرفي في الأسرة والمجتمع والتعليم.

الإدمان يسبب إرهاقًا نفسيًا، وشعورًا بالاستقذار، وهذا الشعور لا علاقة له بالتدين فيما يظهر، حيث تشير دراسات إلى أن 50% من شباب أوروبا يشعرون بالاستقذار بعد ممارسة العادة.

وبعضهم تجتاحه موجة عارمة من توبيخ النفس، والقسوة في معاقبتها بالعهود والنذور التي يصعب الوفاء بها، أو بلسع اليد بالنار ونحوه مما يضاعف الإحباط واليأس، والشعور بازدواجية الشخصية والتناقض خاصةً لمن لديهم قدر من التدين، أو يشكلون قيادة أو قدوة لآخرين.

وقد يحدث لدى البعض عزلة تغدو الآلام معها فوق ما يحتمل.

هذه العادة ليست من الكبائر وإن اختلفوا في حكمها.

الغيبة والنميمة والكذب أكبر منها، وفيها معصيةً لله وعدوان على الآخرين، وقلّ من يوبخ نفسه على ارتكابها كما يقع في العادة السرية!. هي أقرب إلى اللمم والمشتبهات وصغائر الذنوب، ?الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ ? إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ? (النجم:32)، واللمم صِغَارُ الذُّنُوبِ كَالنَّظْرَةِ وَالْغَمْزَةِ وَالْقُبْلَةِ وَمَا كَانَ دُونَ الزِّنَا، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَأَبِ هُرَيْرَةَ، وَمَسْرُوقٍ، والشعبي، ورواية طاووس عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.

وعلى الشاب تجنبها ما استطاع لما تحدثه من الارتباك، والشعور بالاستقذار، وأنها تتحول من دفع الشهوة إلى استدعاء الشهوة، ثم الإدمان.

واتفق الفقهاء على أنها موجبة للغسل إذا تم إفراغ الشهوة.

وفعلها في نهار رمضان مبطل للصوم، وموجب للقضاء عند جماهير العلماء.

إن الغلظة التي يسلكها بعض الوعاظ والدعاة والمرشدين في تجريم هذه العادة، والمبالغة في حشد مضارها ومخاطرها الصحية والنفسية، والاستشهاد بأحاديث لا تصح؛ له أثرٌ نفسي وتربوي يحتاج إلى رصد ومراجعة.

أذكر شابًا هجر المسجد لشعوره بالوضاعة وكونه يحتقر ذاته عندما يمارس العادة! وآخر قلَّ اهتمامه بالطاعات، وترك حلقات القرآن.

وفتاةً ابتعدت عن صديقاتها الصالحات، وعن الندوات ولقاءات الخير، وعزلت نفسها في دوائر مغلقة تحوطها المخاوف والهواجس واليأس والخوف من زوال البكارة أو الفشل في العلاقة الزوجية.

من أسباب ذلك المبالغة في وصف الخطأ، ووضعه في غير رتبته الشرعية، فلا يجوز أن يرتب على فعلها ترك الإمامة، أو ترك الدعوة، أو ترك طلب العلم.

ولا ينبغي أن نخلط بين المقطوع بتحريمه وكونه من الكبائر، وبين ما دون ذلك من الصغائر أو المشتبهات، وبين ما هو دائر بين الإباحة والكراهة.

الاستقامة معنىً مجمل، ووصفٌ عام، لا يفهم منه العصمة، والسلامة من الخطأ والزلل، والمرء مهما بلغت ديانته واستقامته، وتكاملت مروءته؛ معرضٌ للنقائص مدركٌ ذلك لا محالة، (كتب على ابن آدم حظه من الزنا) (البخاري).

هذا ليس تهوينا من شأن الذنوب والخطايا ولكنه وضع لها في موضعها الملائم دون تضخيم أو تهويل، فقد جعل الله لكل شيءٍ قدرا.

عن أَبِ الْيَسَرِ، قَالَ: أَتَتْنِي امْرَأَةٌ تَبْتَاعُ تَمْرًا فَقُلْتُ لَهَا: إِنَّ فِي الْبَيْتِ تَمْرًا أَطْيَبَ مِنْهُ: فَدَخَلَتْ مَعِي الْبَيْتَ، فَأَهْوَيْتُ إِلَيْهَا فَقَبَّلْتُهَا، فَأَتَيْتُ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ ا للهُ عَنْهُ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ: اسْتُرْ عَلَى نَفْسِكَ وَتُبْ، فَأَتَيْتُ عُمَرَ رَضِيَ ا للهُ عَنْهُ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: اسْتُرْ عَلَى نَفْسِكَ وَتُبْ، فَلَمْ أَصْبِرْ فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: أَخَلَفْتَ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللهِ فِي أَهْلِهِ بِمِثْلِ هَذَا؟! حَتَّى ظَنَّ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ. فَأَطْرَقَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حَتَّى أَوْحَى اللهُ إِلَيْهِ: (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى للِذَّاكِرِينَ) فَقَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: أَلِهَذَا خَاصَّةً أَمْ للِنَّاسِ عَامَّةً؟ قَالَ: (بَلْ للِنَّاسِ عَامَّةً) (الترمذي).

عن أَبِ هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم كَانَ يَقُولُ: (الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ وَالْجُمُعَةُ إِلَى الْجُمُعَةِ وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ مُكَفِّرَاتٌ لِاَ بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتُنِبَتِ الْكَبَائِرُ) (مسلم).

وعنه أَنَّ رَسُولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم قَالَ: (أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ نَهَرًا بِبَابِ أَحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ، هَلْ يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: فَكَذَلِكَ مَثَلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، يَمْحُو اللهُ بِهِنَّ الْخَطَايَا) (البخاري).

لهذه العادة دوافع، وفي ظل الظروف الاقتصادية الصعبة أصبح تأخر الزواج أحد مسبباتها.

ضعف الإرادة وقلة المجاهدة وعدم الصمود أمام الإغراء يحرك الشهوة، ويستثير الغريزة، خاصة في العزلة والخلوة والانفراد.

منح الشباب والفتيات مزيدًا من الوعي بأهمية ما وهبهم الله من مشاعر عاطفية، وشهوة ومتعة، ينبغي استثمارها فيما ينفعهم ويحميهم من الآلام والتبعات النفسية القاسية.

تقليل الخطأ ومحاصرته من مقاصد الشريعة، والأسلوب الأمثل الذي يحدث التوازن والهدوء والراحة هو اتباع السيئة بحسنةٍ تمحوها.

عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه -عز وجل - قال: (أذنب عبدٌ ذنبًا، فقال: اللهم اغفر لي ذنبي، فقال - تبارك وتعالى: أذنب عبدي ذنبًا، فعلم أن له ربًا يغفر الذنب، ويأخذ بالذنب، ثم عاد فأذنب، فقال: أي رب! اغفر لي ذنبي، فقال - تبارك وتعالى: عبدي أذنب ذنبًا، فعلم أن له ربًا يغفر الذنب، ويأخذ بالذنب، ثم عاد فأذنب، فقال: أي رب اغفر لي ذنبي، فقال - تبارك وتعالى - أذنب عبدي ذنبًا، فعلم أن له ربًا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب اعمل ما شئت فقد غفرت لك) (البخاري ومسلم).

العفاف، والصوم، والإشباع الحلال بالزواج، هو الأفق السامي (يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ البَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ باِلصَّوْمِ، فَإنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ) (البخاري ومسلم).

الاستعلاء وشغل النفس بالأعمال النافعة من الدراسة والمذاكرة والرياضة والقراءة، والصداقات الجيدة، من أسرار الانسجام النفسي، فالنفس بحاجة إلى تربة خصبة حتى تنمو وتورق أغصانها.

البعد عن النظر الحرام له أثر في تجنبها ? قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ? ذَ?لِكَ أَزْكَى? لَهُمْ ? إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (30) وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ? (النور:30،31).

من حق الشباب على أسرهم ومجتمعهم أن يتفهموا معاناتهم، ويساعدوهم على صلاح أنفسهم، واستقامة أرواحهم، ونجاح حياتهم، لا أن يزيدوا آلامهم بتضخيم أخطائهم، والصرامة في مراقبتهم.

تخفيف المهور، ومساعدة الشباب والفتيات على بناء أسرة تسكن بها قلوبهم، مما سنته الشريعة.

وليس الخلاص بالغ الصعوبة؛ لأن لعناية الله نفحات دائمة الهبوب، وما عليك إلا أن ترفع الشراع، لكن ارفعه بحماس!



عادات ناعمة


زارت امرأة غربية منطقة القصيم وأبدت إعجابها بحسن تبعل النساء للأزواج، حتى إن إحداهن بعد كي (الشماغ) تقوم بتقبيله! البنات يتواصون بكتمان السر وأن الزوجة لم تكن تقبّل، بل كانت تقوم بقص خيطٍ خارج من الغترة بأسنانها!

تبدأ العادات الناعمة من المطبخ؛ لأن الخادمة امرأة، أن نتحرر من العنصرية معناه أن نتحدث عن المرأة كجنس وليس كسيدة فحسب.

المهم ليس هو تغيير المرأة، بل تغيير النظرة إلى المرأة، كيف ينظر المجتمع إليها وكيف تنظر هي إلى نفسها.

من عادة المرأة أن تعبر عن مشاعرها وتعتني بالتفاصيل التي قد يعتقد الرجل أنها تافهة، وهي مهمة في نظرها، عقل المرأة ليس ضعيفًا ولكنه مختلف ولها طريقة خاصة في التفكير.

النظر إلى المرأة على أنها جسد بلا عقل ثقافة فاسدة والإسلام منها بريء، وهي تشبه نظر ثقافات جاهلية قديمة على أن المرأة جسد بلا روح، واعتقاد أنها مجرد زينة أو أداة إشباع جهل مركب، والظن بأنها حيثما حلت فثم الشيطان هو رجس من إلقاء الشيطان.

يحكى أن أفلاطون مرّ برجل يعلم امرأة الكتابة، فقال له: لا تزد الشرّ شرًا! كانوا يعدّون المرأة شرًا ويرون تعليمها تشجيعًا على التمرد.

أنوثة المرأة جزء من إنسانيتها، وليست كل مكوناتها، فهي شريكة الرجل في أصل الإنسانية وخصائصها، ولها الحق في الاستقلالية المادية والفكرية وتقرير مستقبلها ضمن الأطر الشرعية المنظمة لذلك.

الجنس الناعم يواجه مشكلة التذمر منذ النطفة الأولى ? وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِالْأُنثَى? ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ ? (النحل:58)، وفي الإسلام اعتبر من حسن طالع المرأة أن تنجب أنثى في حملها الأول.

متحمس يتكنى ببنته (أبو غادة) وحينما تكبر ويولد الرضيع تنتقل الكنية إليه!

الاسم ذاته مشكلة في البيئات القاسية قد تسمى البنت الناعمة باسم خشن لا يلائمها ويظل كابوسًا طيلة حياتها، أو تسمى على جدتها دون اعتبار لتغير المزاج الاجتماعي وطبيعة الحياة في المدرسة أو الجامعة أو ميدان العمل.

كتمان اسم المرأة وكأنه عيب عادة شائعة، أطفال في المدرسة المتوسطة يعير بعضهم بعضًا بأنه يعرف اسم والدته! وينسى اسم مريم المذكور في القرآن وأسماء أمهات المؤمنين التي يحفظها في المدرسة، والصحابيات راويات الحديث.

الختان محل جدل، يقول ابن المنذر (ليس في ختان الإناث خبر يرجع إليه ولا سنة تتبع) ولابن عبد البر (والذي أجمع عليه المسلمون أن الختان للرجال) وفي عون المعبود للعظيم أبادي (وحديث ختان المرأة روي من أوجه كثيرة وكلها ضعيفة معلولة مخدوشة لا يصح الاحتجاج بها).

المؤتمر الإسلامي عقد في الأزهر عام 2006م لحظر انتهاك جسد المرأة وشارك فيه أطباء ومهتمون وشرعيون وتوصل إلى أن الختان الذي يمارس الآن كعادة اجتماعية في مصر والسودان وعدد من البلدان، يلحق الضرر بالمرأة جسديًا ونفسيًا، ويجب الامتناع عنه امتثالًا لقيمة عليا من قيم الإسلام وهي تجنب الإضرار.

الرغبة الجنسية محلها العقل، ومركزها هو الفص الصدغي في المخ، وليس الأعضاء التناسلية، والهرمونات هي التي تتحكم فيها في المقام الأول، والختان الشائع يستأصل أجزاء تشتمل على مستقبلات عصبية مسئولة عن تحقيق الإشباع، ولذا يُحدِث اكتئابًا وعصبية زائدة لدى المرأة بسبب الإحباط الجنسي المتكرر.

جرائم الشرف عادة جاهلية لا علاقة لها بالإسلام، فهي شائعة في مجتمعات مسلمة ومسيحية وهندوسية لحماية عرض العائلة والقبيلة حسب الزعم، وفي الأردن تقارير تقول إن المسيحيين يرتكبون جرائم الشرف أكثر من المسلمين، وعادة ما تندفع العائلة المسيحية لمعاقبة بنتها عندما يتعلق الأمر بمحاولة الهروب مع شاب مسلم.

تراجعت الجرائم رقمًا، وتنوعت في بشاعتها، ولكنها صارت حقلًا للإعلام المعاصر الذي ساهمت الثورة المعلوماتية بدخوله إلى حقول جديدة، تشتمل على أدق تفاصيل الحياة الاجتماعية وصارت هذه الحقول (عادة) إعلامية جاذبة للمشاهدين، ولا غرابة أن يبالغ الإعلام الغربي في تصوير ظاهرة كهذه وأن يحيطها بالتهويل.

الغيرة مبدأ شرعي (أتعجبون من غيرة سعد؟ لأنا أغير منه والله أغير مني) (البخاري)، والخطب في تجاوز حدود الله ومعاقبة الفتاة بما لا يجوز شرعًا، وأخذ القانون باليد دون تثبت أو احتياط، وغض الطرف عن الذكور باعتبار أن الولد (عيبه في جيبه)!

قبل موعد الزفاف بأيام استدرج والد الفتاة خطيبها المتهم بالعلاقة معها، بحجة الاتفاق على ترتيبات الزواج، ثم وقعت الجريمة المستندة إلى دواعي الشرف!

الطب الشرعي أثبت أن الفتاة الضحية كانت عذراء، وفي حالات يثبت أن الفتاة كانت متخلفة عقليا.

فرد في العائلة يسمع إشاعة عن أخته فيقوم بتنفيذ القتل دون تفكير.

في كندا جريمة مروعة ذهبت ضحيتها (أقصى برويز) ذات السبعة عشر عامًا بحجة رفض الحجاب.

حسب تقديرات تقريبية فإن 20 ألف فتاة تقتل سنويًا والدافع هو الحفاظ على الشرف.

الوسائل صادمة تترواح بين قطع الرؤوس والحرق والطعن بالسكاكين والخناجر والصعق بالكهرباء ودفن البنت وهي حية، رمي الأحماض على وجهها وجسدها.

القوانين في عدد من الدول العربية تخفض عقوبة الجاني، وكأنها تعمل لصالح العائلة ضد الضحية.

الزواج المبكر عادة جميلة عند أهل الريف، بسبب بساطة الحياة وانخفاض مستوى المعيشة وقناعة الناس باليسير.

الشاب الريفي يصل إلى النضج مبكرًا ويعمل مع والده أو عند غيره للإنفاق على نفسه وزوجته، وغالبًا ما يعيشان في نفس المنزل، الأم تقول: (عاوزين نفرح فيه وفي خلفته قبل ما نموت والحمد لله الخير كثير).

زواج الأقارب شائع بالريف والبنت تقول (آخذ ابن عمي واتغطى بكمي!).

المهر عادة ما يكون ميدانًا للتنافس والبذخ في مجتمعات الوفرة والثروة، بعض أهالي الصحراء المغربية يكون المهر عندهم قليلًا عملًا بالحديث الكريم (أكثرهن بركة أيسرهن مؤونة).

غير أن حفلات الزواج التي تذبح فيها الخراف والجمال يوميًا تجعل الأسرتين مكبلتين بالديون لأعوام متتالية.

العصبية أكثر من مجرد عادة يجدون الأمان والاطمئنان بالتمسك بها، والكفاءة في النسب والمكانة الاجتماعية شرط في مجتمعات خليجية للتزاوج، ويحتجون بتفاوت الطباع، لكنهم يُقبلون على الزواج من مجتمعات عربية أخرى لدواعي الجمال!

هنا قصة طريفة حدثت أوائل التسعينات في مصر، حيث أحب مهندس من أسرة راقية فتاة من شارع محمد علي، تربت بين نساء الحي الشعبي والأفراح الشعبية، ثم طلقها، فوسّطت القاضي الذي سأل الزوج عن سر الطلاق، أجاب الزوج:

هذه المرأة جميلة وطيبة القلب، ولكنّ فيها عادة سيئة وهي أنها تطلق الزغاريد بصوت مجلجل عند أي فرحة تفرحها، فإذا أحضرت لها هدية ولو بطيخة فإنها تجلجل بالزغاريد، مما يسبب لي حرجًا في المنطقة الراقية التي نعيش فيها، ولم أعد أحتمل ذلك.

ولكن الزوجة اعتذرت وتوسلت ووعدت بألا ترجع إلى ذلك مرة أخرى إذا ردها زوجها، وبالفعل استطاع القاضي أن يصلح بينهما ووافق الزوج على ردها، فما كان منها إلا أن أطلقت زغرودة عالية جلجلت في قاعة المحكمة فرحًا بقرار زوجها!

والطبع غلاب.

من العادات التي تكرهها المرأة:

- الوصول متأخرًا، أو عدم الانضباط في الحضور إلى المنزل.

- التعلل بالنسيان عند عدم إحضار الطلبات.

- النظر إلى الأخريات أو الثناء الدائم عليهن.

- الخرس العاطفي.

غالب حالات الطلاق ينتج من مشكلات صغيرة.

الطلاق صار أول الحلول وليس آخرها وفي موريتانيا يصبح للمطلقة مزية، والمرأة كثيرًا ما تهجر بيت الزوجية وتطلب الطلاق.

وسجلت مستويات قياسية تقول منظمات أنها تجاوزت 42%.

مما دفع الخبراء والباحثين الاجتماعيين إلى تحذير الحكومة والمجتمع من تفاقم هذه الظاهرة وتأثيراتها على الأجيال وعلى الاستقلال الأسري.

التسوق عادة أنثوية بامتياز، لا تمل المرأة من التجوال لساعات في المولات، هنا حركة للجسد وتمشية ومتعة وتعارف وشراء حاجيات، وبإزائها إسراف وإضاعة وقت وتعرض للفتنة.

كان أحدهم يقول: رحم الله أيامًا كانت المرأة فيها لا تخرج إلا ثلاث مرات؛ من بطن أمها إلى العالم، ومن بيت أبيها إلى بيت زوجها، ومن بيت زوجها إلى القبر.

ليست هذه هي الشريعة، ولا كانت أمهات المؤمنين كذلك، وأزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن لهن أن يخرجن لحاجتهن، وكانت مساجد المدينة وأسواقها ومزارعها تشهد حركة المرأة بصورة طبيعية، بَيدَ أن الخروج المتكرر حين يصبح هدفًا لذاته يجعل المرأة (ولاجة خراجة)، ويُطمِع من في قلبه مرض.



تحرير المرأة


قال لي: كلما تخيلت صور بائعات الهوى نفرت من الإناث!

أجبته: كلما تذكرت أن بناتي الأربع ينتمين إلى الجنس نفسه الذي تنتمي إليه مريم ابنة عمران وآسية امرأة فرعون وخديجة وفاطمة وعائشة شعرت بالفخر، وأحسست بجميل النعمة، وقرأت سرّ التكريم، وشاهدت طرفًا من لطيف الحكمة.

بعض المجتمعات الغربية تسعى إلى تحطيم أنوثة المرأة، وبعض المجتمعات العربية تسعى إلى تحطيم إنسانيتها بالكامل، فالمرأة التي تتعرض للظلم تفقد أنوثتها لأنها تفقد أعز خصائصها، الشعور بالحب والأمان.

يحترم الأم ويهين الزوجة!

أمك زوجة رجل آخر، وزوجتك أم رجل آخر.

كتاب (خطايا تحرير المرأة) سيشكل لك تجربة استثنائية غير متوقعة، تجعلك تتأكد أن الغرب ليس هو فقط ذلك الوجه القبيح الذي تقدمه السينما أو السياسة، حرية التعبير والنقد والمعلومة أمر لا تملك أمامه إلا الإعجاب.

المؤلفة هي الناشطة الأميركية (كاري إل. لوكاس) وهي نائبة الرئيس لمنتدى المرأة المستقلة وعضو في الحزب الجمهوري، ولو كانت عربية لانهالت عليها الاتهامات من كل حدب وصوب، ولوصفت بالرجعية والتخلف والظلامية والانغلاق وربما التطرف.

يعتمد الكتاب على دراسات وأفلام وإحصائيات دقيقة عن المجتمع الأميركي يمنحه أهمية مضاعفة.

حسب المؤلفة؛ فالمرأة في النصف الثاني من عمرها غيرها في النصف الأول، ولذا تقول:

- أتمنى لو كنت اتخذت قرارات مختلفة عندما كنت في العشرين.

- أتمنى لو حصلت مبكرًا على معلومات أفضل وأكثر صدقًا عن المقايضات التي لا بد للمرأة من تقديمها في الحياة.

- تتغاضى الحركات النسوية (فيمنست) عن الفروق الجذرية بين الجنسين وتقول إنها ليست إلا نتاج المجتمع.

عام 2005م تكلم رئيس جامعة هارفارد، وهو بعيد عن المحافظة، عن ضعف تمثيل النساء في مجال العلوم والرياضيات في جامعات أمريكا، وأشار إلى احتمال وجود فروق فطرية بينهما، أغمي على بعض النساء، ثم انفلتن إلى وسائل الإعلام وساعات البث التلفزيوني واعتبرنها (هرطقة).

لم تجدِ الاعتذارات المتباكية من الرئيس، ولا عرضٌ قيمته 50 مليون دولار لدعم التنوع في الجامعة.

يمكنك أن تقول بوجود (تميّز) لدى النساء، أما القول بوجوده لدى الرجال فهو خيانة أكاديمية عند (النسويات).

يحلمن أن يكون تأثير الجنس لا يتعدى تأثير لون البشرة أو العين أو طول الأصابع.

البحث العلمي يفترض أن بنية دماغ الرجل والمرأة مختلفة.

النسوية ألغت الرومنسية والمبادرة الذكورية واعتبرتها ازدراءً للمرأة، وكأن دور المرأة هو رد فعل فحسب.

لم تعد تقبل أن يفتح لها الباب، أو يؤثرها بالمقعد، أو يرفع لها لقمة الطعام، فهذا نوع من الشفقة.

تدعو النسوية إلى تعليم الجنس في المدارس وإباحة الإجهاض والمثلية، وتقول إن الظلم متأصل في المؤسسة الزوجية على الصعيد الرسمي (القانوني)، وغير الرسمي (الاجتماعي).

النساء ضحايا العنف الذكوري، ولا مانع أن تنشر الجمعيات النسوية إحصائيات مزيفة حول جرائم الاغتصاب والتحرش والعنف الذكوري.

ترى المؤلفة أن الوظيفة أو العمل بالنسبة للمرأة، ليس هو المصدر الأكثر تحقيقًا للسعادة، وتشير إلى نتائج دراسات عديدة تؤكد أنه بالنسبة لغالبية النساء، فإن الأسرة والعلاقات الاجتماعية سوف تتفوق على المهنة، كأولوية أكثر أهمية في حياتهن، وبالتالي فإن الضغط الذي تمارسه الجمعيات النسوية على صانعي القرار، من أجل تدعيم البرامج والسياسات الهادفة لدفع النساء إلى القوة العاملة، يتناقض مع حقيقة ما تريده غالبية النساء.

وتقول المؤلفة إنه غالبا ما يتم الاحتفاء بالدور المتعاظم للنساء في عالم الأعمال، كدليل ملموس على التقدم الذي تحرزه المرأة، لكن الحقيقة أن كثيرا من النساء لا يرغبن في أن يكن مرغمات على العمل خارج المنزل، ويفضلن قضاء الوقت في تنشئة أطفالهن وفي المشاركة الاجتماعية، وينبغي لصانعي السياسات خلق بيئة، تسمح للنساء باتخاذ قرارات تعكس أولوياتهن، وقد يعني ذلك ببساطة للكثير من النساء، العمل ساعات أقل وقضاء ساعات أطول مع الأسرة.

إن مشكلة عمل المرأة في رأي مؤلفة الكتاب هي في الحقيقة مشكلة الأطفال، وقد تنجح بعض الجمعيات النسوية في تصوير الأمر بأن القلق المحيط بعمل المرأة، يرجع إلى أن الرجال غير مرتاحين لوجود النساء في مراكز قيادية، ولكنها تغفل عن أزمة الأطفال، الذين يشكلون مركز العاصفة للمرأة العاملة، وإدراكها للسلبيات المحتملة عليهم، قد يجعلها أكثر يقظة لملاحظة أية علامات تحذيرية، تعكس وجود مشكلات سلوكية لدى هؤلاء الأطفال.

وفي النهاية تقول: إن الحركة النسائية المعاصرة جنحت بعيدا عن رسالتها الأصلية، وأصبحت مرتبطة بسياسات ليبرالية متطرفة، إلى جانب إبداء عداء شامل نحو الأسرة التقليدية.

إن أهمية هذا الكتاب ترجع لكونه صرخة تصدر عن صوت نسائي طبيعي، قادم من قلب الحضارة الغربية، تطالب بالعودة إلى نداء الفطرة الإنسانية، بعد أن خاضت التجارب والمتاعب والضغوط التي أرهقتها.

الترحيب بهذا الاعتراف الشجاع يجب أن يذكرنا بأهمية الاعتراف من قِبَلِنَا بإهدار شيء من حقوق الأنثى، وليس أن نقدم واقع المرأة العربية كبديل جاهز!

عنوان الكتاب ذكرني بكتاب (تحرير المرأة في عصر الرسالة) للأستاذ عبد الحليم أبو شقة، نصوص صحيحة عن النَّقْلة التي أحدثها الإسلام للمرأة في رؤيتها عن نفسها أو رؤية المجتمع عنها، وتحتشد كتب السيرة والسنة بقامات عظيمة من النساء العالمات والفقيهات والمتصدقات والمجاهدات، مما يدل على إدراكهن للقيمة الجديدة التي منحتها الرسالة للمرأة.

قد لا تبدو الصورة الماثلة في الكتاب متطابقة مع واقع اجتماعي نعيشه، ولكنها يجب أن تكون الأنموذج المثالي الذي نحاوله، ونقدمه للعالم بشعوبه ذات التنوع الكبير.

واقع المرأة في مجتمع ما ليس حجة على الإسلام، ولا يحسن الدفاع عن هذا الواقع تحت ذريعة الخوف مما هو شر منه، فالعادة في أساليب الدعاة والمصلحين ألا يكتفوا بمجرد مدافعة الأسوأ.

والعادة في أساليب الدعاة والمصلحين أن يحتكموا إلى نصوص الكتاب والسنة وما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه.



براءة


أول يوم تستأنف الدراسة جاملتْهم ونظرتْ إليهم، وقالت: إني أحبكم، كانت تستثني تلميذًا واحدًا أمامها لا يلعب، متسخ، يحتاج الحمام، غير مبهج، كانت تجد متعة في تصحيح أوراقه بقلم أحمر عريض وتضع علامة X، ثم تكتب راسب.

راجعت ملفاته ففوجئت.

في السنة الأولى: ذكي - مرح - مهتم - بدراسته - دمث الأخلاق.

في الثانية: نجيب ومحبوب ولكن منزعج وقلق بسبب مرض والدته.

في الثالثة: كانت وفاة أمه صعبة عليه، والده غير مهتم.

في الرابعة: منطو على نفسه، ولا رغبة لديه في الدراسة، وليس لديه أصدقاء، ينام أثناء الدرس!

كان هناك حفل في الفصل، أحضر لها هدية ملفوفة في كيس نايلون، بينما جميع الطلاب أحضروا هداياهم مغلفة، فتحت الهدية، ضحك الطلاب، عِقد مؤلف من ماسات مزيفة ناقصة الأحجار، وقارورة عطر فيها ربعها، كفَّ الطلاب عن الضحك عندما عبرت المدرسة عن إعجابها بالعقد ولبسته ووضعت قطرات من العطر على يدها.

في آخر اليوم قال لها: رائحتك اليوم تشبه رائحة أمي!

انفجرت باكية لمدة ساعة.

بدأت تهتم به، عقله يستعيد نشاطه، يستجيب أسرع، من أكثر الطلاب تميزا، منحته الحب.

أرسل لها مذكرة: أنت أفضل معلمة قابلتها في حياتي.

بعد سنوات أرسل لها: أكملت الثانوية بتفوق.

بعد أربع سنوات أرسل لها: تخرجت من البكالوريس بدرجة الشرف الأولى.

بعدها أرسل لها: رسالة شكر كان اسمه طويلًا بعض الشيء (دكتور).

وذكر لها بأنه سيتزوج ودعاها إلى الزواج، وجلست مكان أمه وكانت ترتدي العقد الذي أهداه لها.

قال: أشكرك أن جعلت مني تلميذًا مميزا.

قالت: أشكرك أن جعلت مني معلمة مميزة.

هو الآن طبيب شهير لديه جناح لعلاج السرطان في مستشفى بولاية (أيوا) بالولايات المتحدة الأميركية.

الطفولة قرينة الإنسانية، في شريعتنا وعند معظم فقهائنا فالأطفال في الجنة إذا رحلوا.

هي المرحلة العمرية الممتدة من الولادة إلى البلوغ ? أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ ? (النور:31).

- مرحلة ضعف تحتاج إلى رعاية بدنية ونفسية واجتماعية.

- التوجيه الذي تتلقاه يترك أثرًا بالغًا طيلة الحياة.

- العادات تنشأ هنا وتتحكم في المصير.

أطيب الطعام عندي ما يشبه طعام أمي حين كانت تضع السمن في التمر وتسخنه بالنار وتسميه (قشدة)، أزكى الروائح ما كنت أشمه في مخدعها، أجمل الكلمات ما تلقيته من فمها، تختزن الذاكرة الكثير منها، أعذب الأصوات صوتها تتغنى بالقرآن، أو تترنم بالشعر، وربما كان من شعرها أو شعر بعض صديقاتها.

- الأجواء المضطربة عائليًا أو نتيجة الحروب والصراعات تؤثر في الشخصية (العراق، فلسطين، سوريا..).

- الاهتمام بالجوانب النفسية والعقلية والعاطفية يساعد على النجاح.

- يتشرب الطفل بسهولة المبادئ الجميلة والأخلاق.

العنف والحرمان مشكلتهم الكبرى، في مدينة (سولابور) في الهند يرمون الطفل في الماء من ارتفاع 50 قدما ليكون أقوى وأصح!

يحملون السلاح في أفريقيا، يقدر عدد الأطفال المشتركين في نزاعات حول العالم بثلاثمائة ألف، يعملون مقاتلين وجواسيس وحمالين وطباخين وتستخدم الفتيات للترويح والابتزاز الجنسي.

ويقومون في العالم العربي بأعمال تشكل خطرًا على حياتهم وصحتهم وتعليمهم ومعنوياتهم وأخلاقهم، إنهم (أطفال الشوارع)، الفقر يجعلهم متسولين أو منحرفين.

لا يمكن قياس حجم العنف المرتكب ضد الأطفال، وهناك نقص في البيانات، فأكثر ما يحدث يقع سرًا ولا يتم البلاغ عنه، والتقديرات تشير إلى تعرض نحو مليار طفل للعنف.

مصادرة حياة الطفل عادة جاهلية (الوأد) ? وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (8) بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ ? (التكوير:8،9).

ما عسى أن يكون ذنب الأطفال؟

ما زالت مجتمعات متخلفة تقتل أحد التوائم، والمشوهين، والمولودين خارج إطار الزوجية، أو من يولد قبل فطام أخيه!

ومجتمعات أخرى تقوم ببيع الأطفال أو رهنهم.

ومجتمعات تحامي عن تزويج الصبايا دون البلوغ متغافلة عن الدوافع وغياب الضمير عند الأولياء.

الاستغلال الجنسي للأطفال عبر النت واليوتيوب والشبكات الخفية ظاهرة عالمية خطرة، التحقيقات التي عملها (الإنتربول) كشفت عن عشرات المجموعات تشارك في عرض وتوزيع صور للاستغلال الجنسي للأطفال ونشرها والاتجار بها.

وضعها على الشبكة يعني أنها ستظل محفوظة وسيتم تداولها.

كثيرًا ما تقع جرائم استغلال يرتكبها أشخاص يفترض أنهم محل ثقة الصغار، فيبدو وكأن العمل يحصل بإرادتهم، والطفل غير قادر على أن يبدي اعتراضه على الممارسة الجنسية، ولذا فإن أي عرض هو استغلال للطفولة البريئة.

وفي الخليج يوجد حالات شذوذ في المدارس والجامعات والتجمعات، ويتم تصوير بعضها وإدراجها بقصد الابتزاز أو الانتقام، في غياب جهة مسئولة عن مكافحة الجرائم الإلكترونية، وقد تكون مصحوبة بأسماء صريحة لأبرياء لا علاقة لهم أو لأطفال أو لأناس مروا بمرحلة سفه ثم تجاوزوها.

تصوير حفلات رقص في زواج أو مناسبة وطنية لكبار وصغار، مع تلميحات غير بريئة وملامسة ونظرات، أمر يحتاج إلى معالجة وتفريق بينه وبين الأشياء العادية.

في كل العالم يوجد 1 من 10 من الأطفال وزنه زائد عن الطبيعي أو (بدين) بسبب العادات الغذائية السيئة.

الاسم الذي يعتز به الطفل قد يوظف للتملق أو السياسة، طفله الأول (فاروق)، ثم (عبد الناصر)، ثم (أنور)، ثم (حسني)، ويُروى أن إحدى المواليد سميت بـ(المتصدرة)! بسبب فوز فريق والدها.

عند السابعة يتكون الطفل نفسيًا، وتكون بنيته الأساسية قائمة وراسية.

حين نصغي إلى الأطفال سنفهم الكثير:

عدوانية الطفل وتمرده هي دفاع عن غريزة التملك أو إثبات وجود.

التخريب استكشاف وولع باللعب.

الصراخ والبكاء سلاح في وجه الأبوين لتحقيق المطالب.

قضم الأظافر أو لف شعر البنت على الأصبع، أو وضع الشعر في الفم أو التلعثم، هو تعبير عن الضغط النفسي وعدم القدرة على التعبير عن القلق والمخاوف على نفسه أو على شخص يحبه.

البحث عن السبب بهدوء، التعبير عن الحب والمساندة، السعي ألا تتطور العادة العصبية لتؤثر على الحياة التعليمية والاجتماعية، فذلك أمر يبعث على القلق.

(هادئ) أو (مطيع) أو (عصبي) أو (متمرد) أيًا كان الطفل فهو قابل للتعلم أكثر من غيره فهو في مرحلة تكوين، وهنا أهمية بناء العادات.

التدريب على الصلاة، الوضوء، النوم على طهارة، قراءة القرآن، ذكر الله، احترام الآخرين، شكرهم، القراءة، الكلام الطيب، احترام الوالدين، الاهتمام بالدروس، تطوير المهارات.

النظافة، الاغتسال اليومي، تفريش الأسنان، ترتيب السرير والغرفة، تسريح الشعر، النوم مبكرًا، الخدمة الذاتية.

الكذب (بسبب الخوف غالبًا).

العنف، منتج تلفزيوني اجتماعي، يمكن تجربة فكرة (أسبوع بدون تلفاز) وجمع أهل المنزل عليها بعد الإقناع، ثم مراجعة ردة الفعل.

(سوبر مان) يطير ولا يخترقه الرصاص ويحمل عَبَّارة ونظره يخترق الجدران!

(الرجل الوطواط) يتنكر لإخفاء هويته ليحارب عصابات المجرمين.

(الرجل الآلي غرانديزر) أبطال صاغهم الخيال لأطفال لا يُحكمون التمييز بين الافتراض والواقع.

الخيال يحمل الطفل على اختيار شخصية يتقمصها، وقد لا يرد على من ينادي عليه باسمه هروبًا من الواقع.

الغيرة سلوك طبيعي، حين يفقد الطفل الشعور بالحنان وعدم الإشباع للتقبيل والاحتضان والحب، يلجأ لجذب الوالدين عن طريق عمل أو عادة سيئة.

الفصل الكامل بين الطفلين يعطي نتائج عكسية، ويصنع لدى الكبير فضولًا، فيتحين الفرصة لاكتشاف هذا المخلوق الجديد، بعيدًا عن إشراف الوالدين، لندع الطفل يكتشف أخاه، يمسك بيده، يحمله تحت إشرافنا، يساعد في إحضار أغراضه، لا يتعرض لعقاب إذا اعتدى على أخيه الصغير، فالعقاب يزيد من كراهيته له، يكفي التوجيه.

الدلال الزائد كالقسوة يجعله غير قادر على بناء علاقات اجتماعية ناجحة، أو تحمل المسئولية ومواجهة الحياة والأحداث.

التعاطف والحنان والرحمة ضرورة لكنها تتحول حينًا إلى سبب في تدمير الأبناء.

أهم من المال القدوة الحسنة والتربية والوقت الذي نمنحه لأطفالنا، أعطى الأب بنته ألف ريال هدية نجاح، فردتها إليه وقالت: خذ هذه الألف وأعطني ساعة من وقتك.

عدم الثبات في المعاملة يجعله في متاهة، يحتاج أن يعرف ماذا نتوقع منه، ويجب أن نضع الأنظمة الواضحة البسيطة ونشرحها ونناقشها، وعندما يقتنع سيصبح من السهل عليه اتباعها، ويجب مراجعتها ومناقشتها بين فترة وأخرى، ليس مقبولًا أن نطبق عليه القانون يومًا ونتجاهله يومًا آخر فنصنع الإرباك.

قد تكون الأم ثابتةً في جميع الأوقات ويكون الأب عكس ذلك، فيصبح الطفل تحت ضغط نفسي شديد يدفعه لارتكاب الخطأ.

العدل بين الأولاد واجب، (واعدلوا بين أولادكم) الذكور والإناث.

تفضيل طفل لذكائه أو جماله أو تفوقه أو لأنه ذكر يصنع لدى الآخرين الغيرة، فيعبرون عنها بالسلوك العدواني بهدف الانتقام من الكبار.

نفرح حين يتحدث الأطفال ونصفق للألفاظ البذيئة أول ما يتفوهون بها!

كان طفلي بارعًا في تحويل كلمات يحفظها من مشاهداته إلى شتائم: يا شنطة الظهر، أيها الطائر الغامض، ... وما لا يقال!

علينا البحث عن مصدر هذه الألفاظ في قاموسهم، فهم لم يخترعوها، بل جاءت نتيجة محاكاة الأسرة أو الجيران أو الأقران أو الحضانة، ويجب عزلهم عن مصدر هذه الألفاظ.

يجب إظهار الرفض لهذا السلوك بشكل علني، مع التحلي بالصبر والهدوء والتدرج.

يمكن مكافأة الطفل بالمدح والتشجيع على التعبير بطريقة سوية.

إذا لم يستجب يعاقب بالحرمان من شيء ما، كالنزهة أو الذهاب للبقالة.

(الأطفال من الجنة) حقيقة إسلامية، وهي عنوان كتاب جميل لـ (جون جراي) يؤكد على التربية بالحب والتعاون ومعرفة الدوافع والإقناع، مقابل التربية بالإهانة والتحقير والعنف.



ذاكرة الزمان


هل تحن إلى أيام الطفولة؟

ما الذي كان يعجبك فيها؟

هل كنت تشعر بجماليتها آنذاك؟ أم إن طبع الإنسان الحنين إلى الماضي لأنه لن يعود؟

ثوب العيد، حلوى العيد، جَمعة العيد، الشارع الذي يشهد لمرة واحدة في السنة (عيد الفطر) فرشًا وسُفرة وأوعية متنوعة من الطعام اليسير يحضرها الجيران!

وأنت كهل جاوز الأربعين، هل أصبحت تستذكر أيام الشباب بلهفة، وتفتقد ذلك العنفوان، وتحس برياح الصيف تهب على أحلامك الجميلة؟

أتراك حين تشيخ ستنظر إلى ماضيك كله بحسرة، وكأنك تتلقى الدرس الأخير من دروس الفشل بانقضاء عمرك حسرات على ما فات، أو تعاتب نفسك على تضييع الفرصة في وقتها ثم الندم عليها؟

قل لنفسك دائمً: لم يفت الوقت بعد!

(فريد عبدالخالق) حصل على الدكتوراه في سن الرابعة والتسعين بامتياز من جامعة القاهرة، ويكاد يكون الرقم الأعلى في العالم، أميركي حصل على الشهادة الجامعية بعد بلوغ التاسعة والتسعين، وقال مازحًا في مقابلة مع رويترز: استغرق الأمر مني ثمانين عامًا لتحقيق الحلم!

هل أنت تردد مع جيلك مثلًا: (أكبر منك بيوم أعلم منك بسنة)، تزكيةً لمعلوماتك، وعزوفًا عن الانتفاع بمن هم أقل سنًّا، ولكنهم أرحب عقولًا وأوسع اطلاعًا وأصدق ممارسة؟

بمقدورك أن تمتع أطفالك وأطفال الآخرين، وتعود معهم طفلًا بريئًا يحب المرح والبساطة، ولا يقتل الأشياء بالتفكير فيها.

بمقدورك أن تمنح تجربتك لشاب يبحث عن طريقه، وأن تكون المستشار الناصح له.

بمقدورك أن تلهم السائرين في الطريق روح الأمل والعمل والفأل، وأن تفتح لهم آفاق التطلع والبناء.

بمقدورك أن تقرأ الإيجابية في مرحلتك، شابًّا جريئًا متحمسًا، أو كهلًا محتفظًا بحلمه، أو شيخًا مصرًا على الإصلاح والتغيير، واعيًا بالسنن والنواميس، منيبًا إلى ربه، مستعدًا للقائه، لا تكن (نكوصيًا) يلتفت أبدًا للوراء، كن (واقعيًا) يصنع فرحته وطموحه من أدواته الحاضرة.

وما خسرته من خصائص مرحلة فقد كسبت ما هو خير منه إن أردت، على حد قول المتنبي:

وَأَرى اللَيالي ما طَوَت مِن شِّرَتي

زادَتهُ في عِظَتي وَفي إِفهامي!

جميل أن نوقد النيران في الشتاء ونتحلق حولها، وأن نتناول مشروبات وأطعمة خاصة تتناسب مع البرودة وتمنح الجسم دفئًا.

لي مع النار قصة ?نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِّلْمُقْوِينَ? (الواقعة:73)، آنس برؤيتها اقتداءً بموسى، الجلوس حولها يصنع أعذب الذكريات، ويستدعي سرد أطيب القصص وأغربها.

نار البدوي رمز الأمن والكرم كما يقول الأعشى:

لعمري لقد لاحت عيونٌ كثيرة

إلى ضوءِ نارٍ باليفاع تَحرّقُ

تشب لمقروريْن يصطليانها

وبات على النار الندى والمحلّقُ

أطيب الزاد ما طبختهُ عليها، وألذ الشاي ما سكبتهُ من إبريق كسواد الليل!

إيقادها تجربة مليئة بالعبر، النار عدو، علَّمنا الهدي النبوي كيف نستفيد منها ونحسن توظيفها ونحذر خطرها، وهكذا هي الحال مع سائر الأعداء.

بداياتها تحتاج صغار الأعواد وتبدأ بشرارة قد تنتهي فورًا، وربما أطفأتها الريح، وقد تسقط على قش فيتسع لهبها، وحين تكبر تستدني ما حولها، وتأكل الأخضر واليابس، ولا تحتاج إلى كبير تحضيب، تنضبط فتشبه هبات الإصلاح والتغيير، وتنفلت فتشبه الفتن والحروب العمياء!

إذا اقتربتَ شَوتك النار، وإذا ابتعدتَ ضَربك الصقيع، كن وسطًا مرنا.

نار الآخرة عذاب للظالمين والمكذبين، وخلود للكافرين، تفنى ومن فيها آخر الأمر عند بعض علماء المسلمين، وهو رأي لابن تيمية وابن القيم ورشيد رضا وآخرين.

تذكرك إذًا بالخلود الأبدي لأهل الإيمان والطاعة، وانقراض النفوس الشريرة.

كلما قعدت حيال الحطب تداعت إلى ذهني هذه المعاني، وكأن زناد النار يوريها ويبعثها من الذاكرة.

استمعت إلى أنشودة كنت أسمعها قديمًا، شعرت بموجة أخذتني عن حاضري إلى ما قبل 25 سنة، سالت دموعي، وتداعت إليّ الكثير من الأوضاع التي كنت أعيشها آنذاك والتي ارتبط سماع الأنشودة بها!

التفتُّ فورًا إلى واقعي، فوجدت خيرًا مما كنت: أنا الآن أوسع خبرة، وأصبر وأبعد عن التشَّرّه، وأصفى قلبًا، وقد عوضني ربي بالأولاد والأصدقاء!

تعودت ألا آخذ للشتاء عدته فثوب الشتاء هو ثوب الصيف، حين ألبس عباءة شتوية أحس بالبرد، وكأن الجسم تخلى عن مقاومته الذاتية واعتمد على سواه، فضعفت طاقته أو ضعف اعتماده على الله!

ميلادي في ليلة مطيرة شاتية، والناس قد غادروا بيوتهم خوف أن تخر سقوفها عليهم (سنة الهدم) قد يكون زوَّدَ جسم الصبي ببعض المقاومة.

يختلف الأمر في الصيف لباسًا وطعامًا وشرابًا ومجلسًا وتوقيتًا للعمل والنوم.

جميل أن يكون للنهار نظامه المختلف عن الليل ?وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (10) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا? (النبأ:11،10)، حتى مع السهر فلليل روحانيته وهدوؤه، وللنهار عمليته وإنجازه.

لليل طعام يناسبه، ولباس، وناس، وجو.. وللنهار كذلك.

أول ساعة زينت بها معصمي كانت استجابة من والدي بعد تمنع طويل، أول ما تفعله آنذاك هو مسح (الصليب).

فارقتني لبعض الوقت حين أقنعني أحدهم بأنها (بدعة)، وسرعان ما ألهمني آخر حديث (التمس ولو خاتمًا من حديد) (البخاري)!

وفارقتني لسنوات في غيابة الجب حيث أصبح القلب أقرب إلى الله، وإنما يهمه معرفة مواقيت الصلاة والصوم التي يعرفها من المذياع.

مع ضبط الساعة فقلما أنظر إليها، والمواعيد ليست حاسمة، تقدم يسير أو تأخر لا يضر مادام في حدود العرف، تعودنا على لغة: آتيك بعد الظهر أو قبل العشاء، موعد مطاط وليس محددًا أو مباشرًا، أو لغة: خمس دقائق وأنا عندك، وتمتد لنصف ساعة.

صاحبي يهاتف صديقًا: نحن في الطريق إليه، ويخبره أننا عند الإشارة على مقربة من منزله، بينما نحن نهُمُّ بركوب السيارة!

هذا يهون عند الزوجة حين تقول: دقيقتين ونازلة!

كم مرة نسأل: كم الساعة؟ ونحن نعرف كم هي لكن لا نعرف قيمة الوقت، معظم المهام ننجزها في الوقت الضائع، في الدقائق أو الساعات أو الأيام الأخيرة.



المكان والسكان


زرت مسقط (قدمي) - حيث ولدتُ واقفًا - في قريتي الوادعة (البُصْر)!

كل الناس مروا من هنا، من أرحام أمهاتهم، 97% تخرج رؤوسهم أولًا، 3% تخرج أرجلهم أو ركبهم.. هنا يسمى المولود مترجلًا أو فارسًا، خطورة الحالة عليه أو على أمه أكثر، قد يستخدم التعبير للاعتماد على النفس بعد الله، وعدم الانكسار للآخرين.

كنت أستذكر جيدًا ألعابنا في أزقتها الضيقة التي كنت أحسبها فيحاء واسعة، وأفنيتها الصغيرة التي كانت في نظر طفل صحراء يحار فيها الطرف، وطفقت تهطل قصص الطفولة بخبثها البريء أو براءتها الخبيثة، والتفاصيل المضحكة والإحراجات وأنواع اللعب القروي من (عظيم لاح) إلى (أم خطوط) إلى (أم تسع)...

وجودك في المكان يقدح زناد الذاكرة ويستخرج من أدراجها القديمة ما لا عهد لك به!

للمكان عاداته المصاحبة، المسجد - البيت - المدرسة - الشارع - القرية - المدينة - السجن.

المنزل يوحي بعاداته الخاصة في الشكل والعلاقة ومكان الجلوس واللغة المستخدمة، وللاستراحة ورفاقها وبرامجها عادات مختلفة، وللعمل وزملائه نمط ثالث!

هل أنت ممن يمارسون (الأخلاق الامبراطورية) على الزوجة والأولاد؟ والأريحية مع الأصدقاء؟ والمصلحية مع زملاء العمل؟

أعرف صديقًا يتحول في بيته إلى طفل لا ينزعج من تلطيخ ثوبه بالكاكاو أو سكب المشروب، ولا يتبرم من الصراخ والضجيج، ويقابل كثرة التطلبات بابتسامة.

لم يتحول هذا الصديق إلى (بيتوتي) فهو مرتبط بمجموعة تسهر في الاستراحة أحيانا، وتناقش قضايا الإصلاح ومشكلات الواقع، وتسافر إلى الصحراء للتخييم، حيث يبدو هذا الصديق فعالًا خدومًا ينصب الخيام ويعدّ الطعام.

إلى هذا وذاك فهو محل الرضا في دائرته الوظيفية، لخفة دمه وعدم تدخله فيما لا يعنيه وقيامه بواجبه.

صديق آخر عنده بيتان في مدينتين مختلفتين، أصبح يستعذب في كل بيت عادات مختلفة عن الآخر، مكان الجلوس، نوع الطعام، وقت النوم، الأجهزة المستخدمة، اللباس، الأعمال التي يباشرها، وبمجرد انتقاله إلى أحد الموقعين تعتاده التفاصيل التي ألفها حتى لو كانت مناقضة لما في الموقع الآخر!

وأحدهم اتفق مع زوجته ذات الثلاثة أطفال أن يكون هو رابع أطفالها، فهي الآمرة الناهية، وعليه هو أن يسمع إذا تحدثت، ويأكل إذا طبخت، ويلبس إذا جَهَّزت!

كان الحجاج يقول: عندي أربع نسوة، فليلتي عند هند بنت المهلب ليلة فتى بين فتيان يلعب ويلعبون، وليلتي عند هند بنت أسماء فلَيْلَةُ ملكٍ بين الملوك، وليلتي عند أم الجلاس ليلةُ أعرابيٍّ مع أعراب في حديثهم وأشعارهم، وليلتي عند أمة الله بنت عبد الرحمن بن جرير ليلة عالم بين العلماء والفقهاء!

اعتياد النفس على ترتيب خاص مرتبط بالمكان والزمان، يتحول إلى مألوف نفسي لا تكتمل الفرحة إلا به، أن تجلس بعد العصر في الصالة لتناول القهوة والشاي والمكسرات مثلًا، أو تسهر في الملحق (أو الديوانية) وفق نظام معين..

عندما تحل في المكان تنهال عليك عاداته المتصلة، به في أزمنتها المحددة وتأخذك إليها دون أن تدري.

غالب ما يعانيه الناس هو صراع الشهوة والإرادة، وغالباً ما تنتصر الشهوة في الصبا وأيام الشباب، وترجع الغلبة والعاقبة للأخرى في نهايات العمر وخريفه استعدادًا للقاء الله، والمشكلة في الوسط حيث المعترك.

إذا استحكمت الشهوة أيام الشباب امتد زمانها، خاصَّةً مع الفراغ وغياب المشروع أو البرنامج، ولذا قيل: (من شبّ على شيء شاب عليه).

السِّكِّير مثلًا إذا مر بحانة خمر وشم رائحتها وقف وكأنما شُدّ بالحبال، فلا يجاوزها حتى يشرب، شهوته تطالبه بما اعتادت عليه من الانتصار على الإرادة.

حين تسافر تتغير ساعتك البيولوجية وتختلف الأماكن عليك، فتكتشف أنماطًا جديدة من العادات، تكيفك مع طعام لا تعرفه أو رفضك له، حب الطبيعة ومشاهدها الرائعة المسبحة بحمد ربها، حب مشاهدة الآثار والمتاحف وأعمال الغابرين، حب المغامرة والرياضة والمشي، التناغم مع الصحبة وتجنب الجدل والخلاف، الخلاص من الروتين، حب الاكتشاف، (زوغان) النظر!

مغترب في بعثة أو عمل يبحث في المدينة عن الحي الذي يسكنه أهل بلده ليكون قريبًا منهم، يريد أن يكرر نظام العيش والأكل والسهر واللغة كما تعود، وآخر يحب أن يقيم بعيدًا عنهم ليجد وقتًا أطول، ينفقه في برامجه العلمية أو الوظيفية وليتعرف على تجارب جديدة.

قائمة طويلة من حسن العادات أو رديئها يكشفها السفر، ولذا سُمِّي سفرًا؛ لأنه يسفر عن أخلاق الناس.

شاب يُعَدّ بين أصدقائه رمزًا للفوضى والإهمال في سيارته وغرفته، غير مكترث بالنظافة، يحدث أن يرمي النفايات من نافذة سيارته، كثير الغياب عن مدرسته، غير منضبط بمواعيده، مستعد لقطع الإشارة وتجاوز أنظمة السير إذا أمن من (ساهر)، يسافر فيتحول إلى شخص آخر منضبط ملتزم! يتكرر سفره إلى مدينة مجاورة ويتكرر انضباطه، لكن لا يتحول هذا الانضباط إلى عادة دائمة.

حدث أيضًا أن سافر للدراسة في أمريكا، وأقام بسكن داخلي فتغيرت شخصيته 180 درجة، هو الآن طموح ومتفوق وناجح ومنظّم، حتى الإجازات يحاول أن يستثمرها لرفع مستواه، وأن يتعلم لغات أخرى ليست من صميم دراسته!

قد يكون سبب العادة ثقافيًا متصلًا بالمجتمع، ولذلك تتغير بعض العادات بحسب البيئة.

شاب يرمي النفايات من نافذة السيارة في الرياض، ولكن يستحيل أن يفعل ذلك في لندن أو حتى دبي.

آخر يقود السيارة بطريقة عشوائية غير مكترث لمن حوله، وكأن الطريق أو الإشارة له وحده، ولكنه لا يفعل ذلك في بلد آخر.

موظف في شركة يتصرف بلا مبالاة مع الجمهور، وحين ينتقل إلى شركة أخرى يتغير أسلوبه.

رجل يتكلم مع الآخرين بطيبة وأدب وابتسامة، بينما يتصرف مع زوجته وأولاده بعبوس وسلبية وألفاظ نابية.

هي هنا عادات مؤقتة يمكن أن تتحول إلى دائمة ويمكن أن يظل الإنسان يعيش هذه الازدواجية، وبالتالي يفقد ثقته بنفسه وثقة الناس به.

صديق كان يهتم بالعادات الصحية، كان يشرب كأسًا من الماء الفاتر عندما يستيقظ كل صباح، يهتم بالغذاء الصحي بمكوناته وغالبًا ما يكون من منتج البيئة والسلطات وما يخرج من الأرض، يعطي دروسًا في الطعام الجيد والعناية بالأسنان والفم، يحرص على تناول طعام الإفطار كل صباح، يمارس التمارين الرياضية والنشاط المستمر، يمنح جسمه راحة عندما يحتاج إلى ذلك، يكثر من شرب المياه النقية، يحذر من الغازيات وعندما ألح عليه أبناؤه بشرائها كان يقف عند البقالة ويقول: عندك سرطان؟!

عندما تزوج بأخرى اختل نظامه وواجه بعض المشكلات وذهبت رشاقته وكان يقول: إذا مت لن يعجزوا عن حمل جثماني!

رَبُّ أسرة من عادته أن يسافر بمفرده ويكره أن يصطحب العائلة معه لأنها تفرض عليه قيودًا لم يتعود أن يراعيها في السفر، وكثيرًا ما يغير وجهته دون ترتيب مسبق مما يترتب عليه خسائر فادحة في حجز الطيران والفنادق، ولأنه ثري لا يعنيه أن يخسر مائة ألف دولار في سبيل تنفيذ رغبة طارئة تعود أن يستجيب لها.

ليس معنيًا أن يتصل بأسرته في سفره أو يطمئن عليهم، وكأن السفر لديه خلاص من رق العائلة!

آخر يعتبر السفر فرصة للانخراط في علاقة حميمة مع الأسرة، وأجمل ما فيها الأطفال وفرحتهم واكتشافهم، والتخفيف من الوقوع في أسر الضغوط الحياتية أو سطوة التقنية.

في حقيبة سفره يجد مكانًا للمصحف والكتاب والقلم.

إنها البيئة إذْ تصنع عاداتنا وتلهمنا!

أنت إذًا أمام عادات دائمة تحكم طوقها حولك!

أو عادات ظرفية مرتبطة بالبيئة زمانًا ومكانًا وناسًا.

أو عادات مؤقتة تضعف أو تزول بزوال أسبابها كزوال المرض أو السجن، أو غياب الوالدين.



اغتراب


سنح لي في طفولتي حفظ مطولات شعرية، كان منها قصائد للأستاذ عصام العطار، يصح أن توصف بالاغترابيات، جل معناها يدور على الحنين والذكرى والألم.

في إحداها:

طال اغترابي وما بيني بمقتضبِ

والدهر قد جدَّ في حربي وفي طلبي

والشوق في أضلعي نارٌ تُذَوِّبني

ما أفتكَ الشوق في أضلاع مُغتربِ!

كم ذا أحِنُّ إلى أهلي إلى بلدي

إلى صحابي وعهد الجد واللعب

وفي الأخرى:

تطاوَلَ ليلِ والسُّهَادُ مرافقي

وما أطول الليلَ البهيمَ لآرقِ!

ما علاقة الغربة بالشعر؟ لعل أصحاب الشخصيات المرهفة العاطفية لا يستطيعون التكيف التام مع ظروفهم الطارئة، فيقتلهم الحنين إلى مرابع صباهم ومراتع شبابهم.

كان طاهر بن الحسين قد اختص عوفَ بن محلم الشيباني لمنادمته، وجعله زميله وأنيسه وعديله.

بقي عوف مع طاهر ثلاثين سنة، وكان يستأذنه في الانصراف إلى أهله فلا يأذن له، فلما مات طاهر ظنَّ عوف أن بمقدوره أن يرجع إلى وطنه، ولكن عبد الله بن طاهر قرَّبه وأنزله منزلته من أبيه وكان عبد الله أديبا فاضلا.

خرج عبدالله بن طاهر من بغداد إلى خراسان، فلما شارف الرَّيَّ سمع صوتَ عندليبٍ يغرد، فأعجب عبد الله بصوته، والتفت إلى عوف فقال: يا ابن محلم؛ هل سمعتَ قط أشجى من هذا الصوت وأطرب منه؟ فقال: لا والله أيها الأمير، وإنه لَحَسنُ الصوت شجي النغمة، مُطربُ التغريد، فقال عبدالله: قاتل الله أبا كبير حيث يقول:

ألا يا حمامَ الأَيْك إلفك حاضرٌ

وغصنُك ميّادٌ؛ فَفِيمَ تنوح؟

فقال عوف: أحسن والله أبو كبيرٍ وأجاد، ثم قال: أصلح الله الأمير، إنه كان في هذيل مائة وثلاثون شاعرًا فحلًا، وما كان فيهم مثل أبي كبير. فقال عبدالله: أقسمت عليك إلا أجزت شعر أبي كبير (يعني قلتَ شعرًا على وزنه وقافيته)، فقال عوف: أصلح الله الأمير، قد كبرت سني وفني ذهني، قال عبدالله: سألتك إلا فعلت، فأنشأ يقول:

أفي كلِّ عامٍ غربةٌ ونزوحُ؟

أما للنوى من هدأة فتُيحُ؟

لقد طلَّح البين المُشِتُّ ركائبي

فهل أرَيَنَّ البين وهو طليحُ؟

وأرَّقني بالرَّيِّ نَوْح حمامةٍ

فنُحْتُ، وذو الشجو الغريبُ ينوح

على أنها ناحت فلم تذر عَبرةً

ونُحْتُ، وأسراب الدموع سفوحُ

وناحت وفرخاها بحيث تراهما

ومن دون أفراخي مهامِهُ فِيحُ

ألا يا حمام الأيك إلفك حاضرٌ

وغصنك ميَّادٌ فَفيمَ تنوح؟!

عسى جُود عبدالله أن يعكس النوى

فيُلقي عصا التَّطْوَاف وهي طريح

فتأثر عبدالله ورقَّ له، وجرت دموعه وقال له: إني لحريص على صحبتك ولكن والله لا أعملتَ خفًّا ولا حافرًا إلا راجعًا إلى أهلك، ثم أمر له بثلاثين ألف درهم، فقال يمدح عبدالله وأباه:

يا ابن الذي دان له المشرقانْ

وأُلبسَ الأمنَ له المغربانْ

إن الثمانينَ، وبُلِّغتَها

قد أحوجتْ سمعي إلى تَرجمانْ

وهِمْتُ بالأوطان وَجْدًا بها

وبالغواني.. أين مني الغَوانْ؟

فقرِّباني بأبي أنتما

من موطني قبل اصفرارِ البَنانْ

وقبل منعايَ إلى نسوةٍ

أوطانُها حرَّانُ والرقمتانْ

ثم ودَّع عبدَالله وسار راجعًا إلى أهله فمات قبل أن يصل إليهم!

كنت مسافرًا لأسابيع متفرغًا لإعداد هذا الكتاب، حين قرأت هذه القصة وجدتني أَرِقُّ وتدمع عيني وأحكيها لجلسائي، ثم أقطع رحلتي وأعود إلى حيث يحنّ قلبي.

ليس بمقدوري أن أتحدث عن الشعر والغربة دون الإشارة لقصيدة ابن زُريق البغدادي في هجرته إلى الأندلس ومعاناته وفقره وموته حزينا على فراق من يحب:

لا تعذليه فإن العذل يوجعه

قد قلتِ حقًا ولكن ليس يسمعه

جاوزت في لومه حدًّا أضرّ به

من حيث قدرتِ أن العذل ينفعه

أستودِعُ اللهَ في بغداد لي قمرًا

بالكرخ من فَلك الأزرار مطلعه

ودَّعتُه وبِوُدِّي لو يودعني

صفو الحياة وأني لا أودعه!

لا يوجد إحصاءات للسوريين المغتربين وذوي الأصول السورية إلا أن عددهم وفق بعض التقديرات حوالي 18 مليون (حسب ويكيبيديا).

المصريون المغتربون بالخارج يتجاوز عددهم 11 مليون نسمة.

تنوعت الأسباب والشوق واحد!

اغتراب العقول وهجرتها في ظل الاستعباد يجعل إنسانًا ما غريبًا داخل وطنه، كما يصف مريد البرغوثي في روايته (وُلدتُ هناك، وُلدتُ هنا):

(من أقسى جرائم الاحتلال (تشويه المسافة) في حياة الفرد، نعم الاحتلال يغيّر المسافات، يخرّبها، يخلُّ بها، يعبث بها على هواه.

كلما قتل الجنود إنسانًا اختلّت المسافة المعهودة بين لحظة الميلاد ولحظة الموت.

يغلق الاحتلال الطريق بين مدينتين فيجعل المسافة بينهما أضعافَ ما تقوله خرائط الجغرافيا.

الاحتلال يرمي صديقي في السجن فيجعل المسافة بينه وبين غرفة معيشته تقاس بالسنوات وبأعمار أبنائه وبناته الذين سيأتون له بأحفادٍ لن يراهم.

يطارد الاحتلال رجلًا واحدًا في الجبال فيجعل المسافة بين نعاسه ومخدّته تقاس بعواء الذئاب، وعتمة الكهوف، وتصبح أوراق الشجر مائدته الوحيدة.

يعلّمه كيف يحوّل حذاءه والحصى مخدّة تحت رأسه، يتشابك فوقها الحلم والكابوس.

جندي الاحتلال يصادر أوراقي لأني لم أعجبه لأمرٍ ما، فتصبح المسافة بيني وبين هُوُيَّتي هي المسافة بين غضبه ورضاه.

يقف جندي الاحتلال على بقعة من الأرض ويسميها (هنا)، فلا يبقى لي أنا، صاحبها المنفيّ من البلاد البعيدة، إلا أن أسمّيها (هناك)).

هروب سياسي، بحث عن عمل، دراسة، علاج، بحث عن فرصة أفضل..

الزواج في الغربة وطن، لكن أنّى وكيف؟ وماذا عن غربة المرأة التي تعودت أن تعيش بالقرب من أهلها وأسرتها، ومع طبيعتها في سرعة التعايش، إلا أن وطأة الغربة عليها أشد.

قد تجد أنثى نفسها مع زوجها بعيدًا عن رقابة الأهل وتدخلهم في الخصوصيات لبعض الوقت، وسرعان ما تكون المشكلات الزوجية صدمةً تجعل البنت تعيد النظر في تفكيرها.

شباب يبتكرون أنماطًا جديدة من الزواج (المسيار، المدراس، المحجاج، الزواج بالكتابيات، التحايل على الوثنيات..).

صدمة الحمل والإنجاب، أو الخيانة، أو عدوى الإيدز كفيلةٌ بإفاقة الشاب لكن بعد الفوات.

الغربة ذل ما لم يكن الغريب أديبًا، ومنجزًا، وقادرًا على إثبات ذاته بنجاح مادي أو معرفي أو اجتماعي.

غالب المغتربين ينقلون عاداتهم الاجتماعية والشخصية إلى وطنهم الجديد بخيرها وشرها، ويصنعون عالمهم الخاص ولا يستطيعون أن يخترقوا المجتمع المحيط بهم، فهم في رحلة حنين نحو عادات وطنهم الأصلي، وتقاليد الزواج والعيد والصوم والإنجاب تشدهم إليها.

التدين غريزة، والتربية الإسلامية وإن ضعفت فهي تتعزز في مواجهة تحديات الغربة، من النادر أن ينتقل المسلم عن دينه مهما تكن الضغوط.

الكرم المادي والشجاعة والشهامة وإكرام الضيف خصال جميلة تصحب المغترب، وإلى جوارها خصال رديئة كالاحتيال على الأنظمة، والقابلية الشديدة للانقسام والتناحر، بما يبدو جليا في المراكز الإسلامية وقيادتها وإعلان الصيام والعيد وتحديد المرجعية الدينية والسياسية.

الجيل الثاني والثالث من أبناء المغتربين يصبحون مغتربين عن أسرهم وثقافتهم الإسلامية والعربية، وضائعين بين هويتهم الأصلية (باكستاني، بنغالي، هندي، أندونيسي، عربي..) وبين هوية الوطن الذي ولدوا فيه (أمريكا، أوروبا..).

الدراسة المختلطة، التعري، حقوق المراهق وحريته وحدود سلطة أهله عليه.

في بريطانيا كتبت فتاة مسلمة (مينا بنت محمد) والتي لم تتجاوز الخامسة عشرة من عمرها رواية (رؤية الخطر) متحدثة عن تحديات تواجه الفتاة المسلمة في المدرسة البريطانية والسوق والمجتمع، ووُزِّع الكتاب على نطاق واسع لما يحويه من الطرافة وحس النكتة.

(ما رأيكم في شكلي الآن؟) رواية أخرى لفتاة فلسطينية (رندة عبد الفتاح) نُشرت في أكثر من 35 دولة، تتحدث عن المصاعب التي تواجه التعايش؛ حيث يكفي الفشل في مجاراة أحدث الصيحات بجعل الفتاة منبوذة، فكيف بفتاة ترتدي حجابًا؟ وهي رواية ساخرة وإيجابية ولماحة كتبت عنها كبريات الصحف العالمية، وللمؤلفة كتابان آخران (عشرة أشياء أكرهها في نفسي) و(حينما كان للشوارع أسماء) أصبحا من أكثر كتب النشء مبيعا.

حضرت مرة تجمعًا كبيرًا في لندن في معرض (اكسبو) ضم عشرات الآلاف من أبناء الأقليات الإسلامية، كان أجمل ما فيه أن أَشْعَرَهم بالانتماء وشجعهم على رسم هوية إيمانية مستقلة قادرة على التعايش، كنت مُصِّرًا على حضور المسلم البريطاني (يوسف إسلام) ليقدم لهم عملًا فنيًا هادفًا وليجدوا أنفسهم أمام إنسان مشهور ومن أصول بريطانية وملتزم بالإسلام، رغم اعتراض بعضهم على وجود الدف أو ما يشبهه.

المراهقون خاصة يصعب التأثير عليهم ما لم يكن أمامهم قدوات ورموز ترسخ انتماءهم، وما لم تقم مدارس مسائية إضافية، أو صباحية أصلية ذات مناهج إسلامية تحافظ على إيمانهم.

عرض عليّ أحد الناشطين مشروعًا يمكن بموجبه أن يقوم رجل أعمال مخلص، أو جهة بتمويل عشرات المدارس بمبلغ معقول جدًا ومربح، وسيكون له الحق في إضافة مناهج ذات صبغة إسلامية، على الأهمية القصوى لعمل كهذا لم أجد له راعيا!

قيمة سيارة فخمة، أو رشوة لعميل كفيلة بتسديد المبلغ!

نوع آخر من الغربة يستشعرها أولئك الذين يهاجرون من الريف إلى المدينة.

المدن جاذبة، الرياض تنمو بأعلى معدل عالمي، وهجرة الأرياف والقرى المجاورة والبعيدة تشكل 70% من النمو، والسبب توفر الوظائف والفرص والأعمال والوزارات والمستشفيات.

هذا له سلبيات كثيرة: الازدحام، النمو غير المدروس، تزايد الجريمة، نقص الخدمات.. والحل: إيجاد البديل بصناعة المدن الريفية التي تتوفر فيها الخدمات كلها بصورة مصغرة، مع السعة والرخص والجمال، هنا سيجد الناس أنه ليس بهم حاجة إلى الانتقال بل ربما تقع الهجرة المضادة.

قد تجتمع الغربة مع الكربة، لآلاف السجناء حول العالم، وفي العالم الحر الذي اخترع (جوانتانامو) واخترع العديد من التهم، وربما ساعده جهل بعضهم بالأنظمة أو بالأساليب الصحيحة لخدمة الدين.

(يوسف) عاش تجربة السجن والغربة معًا، عادة الإحسان لم تفارقه ?إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ? (يوسف:36)، العلاقة الحميمية يحفز عليها الانعزال والرقة وعدم معرفة ما تؤول إليه الأمور، الرؤيا وتفسيرها عادة لسجين يبحث عن كوة يطل منها على المجهول.

مع العزلة عن مصادر الأخبار كنا نحدث أهلنا بمن تزوج ومن أنجب ومن سافر فيستغربون كيف علمنا؟ كان دعاء يوسف المأثور للسجناء (اللهم عطّف عليهم قلوب الأخيار، ولا تُعمِّ عليهم الأخبار).

كثيرون دخلوا مجرمين وخرجوا صالحين، السجين مستعد لأن يعيرك سمعه، ويريك دمعه!

عزلة فيها كمال الاتصال.

مكث مانديلا 27 سنة معزولًا في السجن، وانتهى به المطاف إلى عزلة اختيارية، لكنها إجبارية من داخله، قابلت صديقه أحمد كاترادا في كيب تاون، وطلبت اللقاء بمانديلا فلم يتيسر، كان مريضًا في جوهانسبرغ.



أزمنة


كان أكثر الناس سعادة في الحياة، وحين يقول له ربه: ?وَلَلْآَخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى? (الضحى:4)، فهذا معناه أن الأولى خير أيضًا، والآخرة خير وأبقى، ولذا طابت له الحياة، وأخذ من متاعها، دون غفلة عن الآخرة، صلى الله عليه وسلم.

كان أكثر الناس تفاؤلًا، يتفاءل بالكلمة الطيبة، والاسم الجميل، والأرض الطيبة، والرؤيا الصالحة، ويلتقط الإشارة الإيجابية من الكون: (أُحُدٌ جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ) (مسلم)، ومن البَشَر: (سَهُلَ أَمْرُكُم) (البخاري)، ومن الحياة: (لاَ يَزِيدُ المُؤْمِنَ عُمْرُهُ إلِّاَ خَيْرًا) (أحمد).

معنى آخر رائع في الآية: أنّ الحالة الآخرة لك خير مما سبقها، النبوة بعد الأربعين كانت خيرًا، ثم الدعوة والهجرة كانت خيرًا، والدولة والفتح كان خاتمة الخير العاجل، وكان آخر عمره البشارة ?إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (2) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ ? إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا? (النصر:1 - 3).

وللمؤمن كذلك، فآخر عمره الخبرة والتعقل والإنابة وذهاب الطيش.

عن خَبَّابِ بن الأَرَتِّ رضي الله عنه قال: شَكَوْنَا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً له في ظلِّ الكعبة، فقلنا: أَلَا تَسْتَنْصِرُ لنا، أَلَا تَدْعُو لنا! فقال: (قد كان مَن قبلكم يُؤْخَذُ الرجلُ، فيُحفرُ له في الأرض، فيُجعلُ فيها، فيُجاءُ بالمِنْشار، فيُوضَعُ على رأسه، فيُجعلُ نصفين، ويُمَشَّطُ بأَمْشَاطِ الحديد ما دونَ لحمه وعظمه، فما يصُدُّهُ ذلك عن دينه، والله، لَيَتِمَّنَّ هذا الأمرُ، حتى يَسِيرَ الراكبُ من صَنْعَاءَ إلى حَضْرَمَوْتَ، لا يخافُ إلَّا اللهَ، والذِّئْبَ على غنمه، ولكنكم تستعجلونَ) (البخاري).

وعدٌ صادق، تحقَّق بعد حين، وحديثٌ عن أمنٍ يضرب بِجِرَانهِ في الأرض مع الحرية!

لم يكن الأمن نقيض الحرية ولا عدوَّها: (لا يخافُ إلَّا اللهَ)، ومن الدقة قال: (والذِّئْبَ على غنمه)، أما ماله وعرضه ونفسه وحقوقه فمصونة عزيزة.

هذا كان يقلق المسلمين ويجعلهم يستعجلون الأمر، فالإسلام دعوة للحرية والكرامة الإنسانية والحقوق، لم يشر صلى الله عليه وسلم إلى زوال الكفر والشرك، ولكنه أشار إلى زوال الخوف والظلم.

?وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَ?ذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ? قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى? عَذَابِ النَّارِ ? وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ? (البقرة:126).

يقول علماء اللغة: إن الأزمنة ثلاثة: ماض، ومضارع، ومستقبل..

ويقول علماء الحياة: إن الماضي يعيش في المستقبل.

ويقول أهل الحزم:

ما مضى فاتَ والمؤمَّلُ غيبٌ

ولك الساعةُ التي أنت فيها

ويقول خبراء النفوس وأهل التجارب الصادقة: إنك لكي تسعد، يجب أن تتجاوز الماضي، ولا تطيل الوقوف عنده، ولا تكثر التلفُّت إلى الوراء، وتنسى إساءات الآخرين إليك؛ لئلا تحمل أوزارها، وتنسى إحسانك إليهم؛ لئلا يطول عتابك وألمك؛ ?إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا? (الإنسان:9).

وعليك أن تعمل في الحاضر بجدٍّ، فما لم يكن لديك مشروع ما، تتوفر عليه وتعطيه عقلك وقلبك ووقتك؛ فستكون الحياة عبئًا عليك وستمر دقائقها متثاقلة بطيئة، ولن تجد لها معنى..

روحك في مشروعك.. ولو كان صغيرًا أو عائليًّا أو حياتيًّا، وأجدر أن يكون علميًّا معرفيًّا، أو تربويًّا، أو إصلاحيًّا، أو إنسانيًّا.. فالأبواب مُشْرَعة، والفرص بعدد أنفاس الحياة، أو تزيد!

كما عليك أن تتفاءل بالمستقبل، وتحسن التخطيط له بواقعية وحُلُم.

الواقعية تحميك من الاندفاع غير المدروس.

والحُلُم يمنحك قدرًا من الخيال والإبداع؛ لتسمُو وترتقي!

تكرار الحديث عن مآسي الماضي وإخفاقاته وآلامه؛ هو استدعاء لها، ونفخ للحياة فيها من جديد.

والدندنة حول مخاطر المستقبل ومخاوفه واحتمالاته السلبية؛ تعوق عن العمل في الحاضر، وتدمِّر الروح المعنوية؛ فيخسر المرء أبعاد الزمن الثلاثة.

الرؤية السلبية عن الذات وفشلها، وقابليتها للتدمير والتحطيم، وسوء الحظ الذي يتربَّص بها؛ هو من ظلم النفس.

الداعية الذي يواعد الناس بالمزيد من المشكلات والبلايا والرزايا، هو داعيةٌ إليها، أراد أم لم يُرِد، و(مَن قال: هَلَكَ الناسُ فهو أَهْلَكُهُمْ) (مسلم).

الحاكم الذي يتحدَّث عن الحرب الأهلية، هو يُحضِّر لها، ويستجمع قواه، ويجرُّ الناس إليها، فما تقوله هو ما تفعله، وهو ما يحدث غالبًا بحكمة الله (أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بي) (أحمد، وابن حبان).

ما أجمل أن ينبثق الحلم الجميل من قلب المعاناة! وأجمل منه أن يتحول الحلم إلى هدف تستشرفه وتضحي من أجله بالنفس والنفيس.



# برايا




مرائي


زارني وفد من محطة تلفزيونية تتبع الاتحاد الأوربي، وسألوني عن أشياء كثيرة حول الإسلام والعروبة والوطن.

ثم حدثوني عن مشاهدات عاينوها واستغربوها، قالوا: لقد تغدينا اليوم في مطعم، وشاهدنا فتيات بالعباءة حين وصلن إلى طاولتهن تغير نمط سلوكهن، وصارت الضحكات تتعالى والشعور تتطاير والمعاكسات تتكرر، ثم بدأنا نستقبل منهن (بلوتوثات) إباحية بشكل مستمر.. فبماذا تفسر هذا؟

قلت لهم: إن هذا يحدث، ولكن من الخطأ تعميمه، فثمّ كثيرون لديهم قيم ومبادئ؛ يؤمنون بها ويعملون بها في السر والعلانية.

بيد أن الملاحظة ذاتها واجهتني كثيرًا في الطائرات المغادرة إلى دول أوروبية، وفي مدنٍ عالمية وعربية جعلتني أتساءل:

- هل نحن مجتمعات مرائية؟

وأبادر بالنفي؛ لأن التعميم خطأ وجناية وظلم، لكنّ عددًا غير قليل من رجالنا ونسائنا لا يعبرون عن أنفسهم ولا عن قناعاتهم، بقدر ما يعبرون عن مجاملة من حولهم بشيءٍ من التصنّع والتكلّف والتمظهر الذي يلغي استقلال الشخصية ووضوحها.

إن الرقيب أو المندوب الاجتماعي في دواخلنا هو الأقوى سيطرة، والأشد إحكامًا، وفي حالات كثيرة يتغلب حتى على الرقيب الإيماني والقيمي فضلًا عن الرقيب النظامي.

من فضائل الإسلام العظيمة الحفاظ على الترابط الاجتماعي، وتكريس نظام الأسرة والوصية بالوالدين والأرحام والقرابة والجيران، وهذه إحدى الضروريات الشرعية القطعية.

حين تضعف التربية تتحول من تربية على القيم والقناعات الذاتية والإيمان بها والإخلاص لها، إلى تربية على (مظاهر) تلك القيم، حتى لو غابت القيم ذاتها، فيتظاهر المرء بالصدق وهو كاذب، أو بالتدين وهو منافق، أو بالورع وهو جريء على حدود الله، وقد يمارس نوعًا من الاحتساب بحماسة على فعل قد لا يكون مقتنعًا بتحريمه أو بخطورته، لأن المجموعة التي يعيش معها ترى ذلك.

قد يضرب الأب ابنه على ترك عبادة من العبادات، أو خُلق من الأخلاق ويقهره على الامتثال؛ لأنه لا يريد أن يقال: ابن فلان فعل أو ترك، فينشأ الطفل كارهًا لهذا الخُلق الذي تعرّض للضرب بسببه، ولو مارسه ظاهريًا فهو يتحيّن الفرصة التي تسنح لكي يمارس حريته ورغبته في نقيض ما تربى عليه، ولا غرابة أن يبالغ في التشفي من ماضيه بالانغماس المفرط فيما حُرم منه سلفًا.

الأب والمعلم أو الفقيه ليس شرطيًا يملي على الأبناء والبنات، مهمته الأمر والنهي دون مراجعة ولا سؤال، أولادك سيكبرون ويستقلون في بيوتهم، والمسئول لن يدوم لهم، وإن كان هذا لا يمنع أن يمارس دور الشرطي في حالة من الحالات.

قلت لأبٍ غاضب يومًا: هدئ أعصابك؛ فلست أنت الذي خلقت هذا الولد، ولا أمه، الله خالقه ولو شاء لجبره على الهدى، ولكن ابتلاه ليؤمن من يؤمن ويكفر من يكفر.

وكل من تراهم على ظهر هذه الأرض هم ذرية نبي مُعَلَّم مُكَلَّم، آدم -عليه السلام -، وفيهم البر والفاجر والمؤمن والكافر والطيب والخبيث، فلا تشمخ بأنفك وتقول: فلان ابن فلان يفعل ويفعل؟

?إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَ?كِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ? (القصص:56)، ?فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ (21) لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ? (الغاشية:22،21).

اشتكى إليّ أحد الأبناء أنه يحافظ على الصلاة، ويبكر إليها ويقيم وضوءها وركوعها وسجودها، ولكنه في قلبه يكره الصلاة ويقلق إذا حضر وقتها.

وحين سألته تبيّن أن والده - رحمه الله - كان السبب، لقد كان يجلده على الصلاة وهو صغير، ولم يتلطّف معه أو يتدرج، ولم يُسمِعْه يومًا حديثًا عن فضل الصلاة وأجرها وثمرة المحافظة عليها، لم يخاطب قلبه بزرع المحبة، ولا خاطَب عقلَه بزرع القناعة والإيمان، وإنما كان مهمومًا بأن يشاهده يصلي، أما كيف؟ فهذا لم يخطر له على بال، وما فكر يومًا أن يشجعه على مبادرة، أو يكافئه على إنجاز.

حين نتحدث عن (الخصوصية) نبالغ حتى لكأننا من غير طينة البشر، أو أن النواميس والسنن تُسْتَثنَى في حقنا، ولا تفعل فعلها إذا كان الأمر يتعلق بنا.

لنَقُلْ: إننا شعب من شعوب الله، وكل شعوب الله مختارة: ?وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى? كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا? (الإسراء:70)، وحين نقول: (شعب الله) فالنسبة هنا باعتبار الخلق والرزق والربوبية فهو رب العالمين.

ولا يحسن بنا كمجتمع المبالغة في الادعاء، والتزيّد في الكلام، وتَرداد أننا الأحسن والأفضل والأتقى، فهذا ما كان الله يعيبه على بني إسرائيل: ?وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى? نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ? قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم ? بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ ? يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ ? وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ? وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ? (المائدة:18).

قال حذيفة رضي الله عنه: نعِم الإخوة لكم بنو إسرائيل إن كان لهم المُرُّ ولكم الحُلو، فلا والله، لتَسْلُكُنّ طريقهم قِدَّ الشراك (ابن جرير، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه).

وجود الأسرة والقبيلة والعائلة والترابط الاجتماعي شيء جميل ورائع، وضمانة لتواصل الأجيال، ورعاية الكبار وأداء الحقوق، والإحسان والشفاعة فيما لا يبخس الآخرين حقوقهم، ولا يجور عليهم، لكن قد جعل الله لكل شيء قدرًا، وحين تتحول هذه الرابطة إلى عصبية، أو نصرة بغير الحق، أو محسوبيات للقرابة وبني العم والأصهار على حساب المستحقين وأهل الجدارة، وإلى تمييز حتى في العقوبات فهذا خطأ فادح.

من الخطأ تضخيم دور العلاقة الأسرية على حساب الفرد ومسئوليته، ومن الخطأ المبالغة في الإحساس الأبوي عند الحاكم والعالم والمسئول بما يقلل من دور الآخرين ويجعلهم مجرد ظل، أو آلة للتنفيذ، ويقلل من فرص إحساسهم بالمسئولية وتحمل تبعة الخطأ والصواب.

كنت أقول لولدي دومًا بداية كل محادثة (وأنا أبوك)، ثم استثقلتها وأحسست كأنها مَنّ بالأبوة، أو ممارسة ضغط، ووجدت خيرًا منها وأفضل (يا ولدي – يا بُنيّ).

وصلتني هذه الكلمات العجيبة، فوجدتها أوجز وأبلغ مما قلت:

(إن الشخص المفعم بالضجة لا يمكن أن يكون سعيدًا؛ فالمرء كثيرًا يحتاج إلى الصمت).

وعقولنا ممتلئة بالضجيج.

إننا نحمل أسواقًا تجارية في رؤوسنا، وكل أنواع النفايات!

ونحن لسنا واحدًا، نحن في الداخل عبارة عن حشد، أناس كثر، وهم يتقاتلون دومًا، يقاتل بعضهم بعضًا، يحاولون الفوز بالسيطرة، كل قطعة من عقولنا تريد أن تصبح الجزء الأكثر قوة!

وهذه كلمة قالها (أوشو) الفيلسوف الهندي.

هاه.. إذًا لسنا وحدنا أولئك المسكونين بالآخرين في ضمائرنا، ولسنا وحدنا الذين نعبر عن الآخرين أكثر مما نعبر عن ذواتنا! ونتقمص شخصيات عديدة بل ومتناقضة دون أن نشعر بالحرج!

ربما الفرق بيننا وبين الآخرين أننا نتعايش مع شخصيات عديدة مزدوجة في داخلنا بالقسر والإكراه، بينما الآخرون يتعايشون معها بالطوع والرضا والاختيار، ولذا يسهل عليهم الخلاص منها؛ بينما نظل أَسْرَى لها وقتًا أطول.

إن الإيمان قيمة ذاتية لا ينوب فيها أحد عن أحد ?وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى?? (النجم:39).

وقد توعَّد الله المصلين السّاهين ?الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (6) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ? (الماعون :7،6).

الطمأنينة هي جائزة النفوس المتصالحة مع ضمائرها.



شعب مختار


يتقن (الغجر) حكاية القصص الخارقة عن تاريخهم ويعتقدون أنهم يرون المستقبل واضحًا أكثر من غيرهم، شعبهم المحاط بالأسرار والرموز والترحال لا يزال الأكثر غموضًا وإدهاشًا، والسائد أنهم قدموا من شواطئ الهند قبل آلاف السنين نحو آسيا الصغرى، ثم تفرقوا، وهم يعتقدون أنهم شعب مختار.

الهنود الحمر القادمون من آسيا عمروا ربوع (العالم الجديد) قبل أن يكتشفه كولومبوس بآلاف السنين.

المصريون القدماء هم أميركيو العالم القديم، يحبون المباني الضخمة ويتسمون بالجدية والنشاط والعملية والحرص على الثروة والتمسك بالقيم والمرح والفكاهة، وهم على جانب غير قليل من المعرفة بالألعاب والمباريات والرسوم والتماثيل.

الطوارق أصحاب اللون الأزرق، وهو رمز حريتهم كلون السماء، لثام الرجال يصل إلى 12 مترًا من القماش يغطي وجه الرجل في مواجهة المرأة السافرة، هل كان هذا بسبب تفوق النساء في معركة ضد الغزاة؟ أم يعود لأسباب موضوعية وهي السفر الدائم للرجل مع قوافل الصحراء مما جعل المرأة تقوم بمهمته وتتكفل بشؤون العائلة؟

اليهودية قومية أم دين؟

هم من تبقى من قبيلة (يهوذا)، وخاصة بعد الأَسْر البابلي، ويجمعون بين الديانة والانتساب، على أن نقاء الجنس نظرية انتهازية مستحيلة ومضللة صنعتها الصهيونية العالمية.

يتوارث اليهود صفات خاصة حكاها الله تعالى في القرآن الكريم، وكأنها تحولت إلى ثقافة راسخة وعادات قومية يحافظون عليها عبر مجتمعاتهم المغلقة، ولذا عاتبهم الله في عهد النبوة بفعل أجدادهم الذي عرفوه وأقروه ولم يتبرؤوا منه، بل أصبح جزءًا من شخصياتهم، كنقض العهود وقسوة القلوب والجدل والمراء وكتمان الحق وإيثار المنفعة الشخصية والإفساد في الأرض وغياب الضمير الأدبي والكبر والتعالي والجبن والبخل والأنانية..

كتب د. المسيري رحمه الله (موسوعة الصهيونية) واستوعب وأبدع، وترجم بعده مركز دراسات الشرق الأوسط (التلمود البابلي) في عشرين مجلدا.

عادات الشعوب التاريخية تتصل غالبًا بالأسطورة والخرافة.

كتاب (موسوعة الخرافات) الذي جمعه (أدون) و(مونا رادفورد) يكشف عن قدر مشترك بين شعوب العالم الأوروبية والهندية والصينية والعربية، كأساطير الجن والعفاريت، ولا غرابة أن تجد قصة السندباد أو (أم العنزين) أو ما يشبه (ألف ليلة وليلة) في تراث العالم.

عادات التخلص من العقم - بزيارة الضريح، أو إبطال أثر العين بواسطة عمل عروسة وثقب عينها ثم إحراقها مع الملح، أو تعليق حدوة حصان على الباب، أو وضع الصبي كأنثى خوفًا عليه – شائعةٌ لدى كل الشعوب.

لو طُلِبَ من شعبٍ ما أن يختار العادات الملائمة له فسيختار غالبًا عاداته المتوارثة ويفضلها بعد الدراسة والتدقيق، حتى لو كانت عادات بشعة كالإباحية أو العري لدى بعض القبائل الإفريقية أو أكل لحوم البشر.

هل الفاشية لدى موسوليني، أو النازية لدى هتلر، أو الاستبداد لدى بعض الشعوب، من هذا القبيل؟

لدى البريطانيين مرونة لتغيير عاداتهم، ولكنهم يعتبرون التقاليد شيئًا مقدسا.

أنظمة المرور، أنظمة التجارة، إغلاق المحلات من الخامسة عصرًا، أنظمة الصحة، لا تتغير مثل: الحرس الوطني الذي كان يحرس قصر الملكة في العصر الفكتوري ولا يزال يشكل مزارًا للسواح.

القرى والأرياف والمدن الزراعية أكثر محافظة على عاداتها.

التواصل الكوني غيّر كثيرًا من عادات الشعوب، وسمح بالانتقاء وساعد على التفهم.

من هو الذي لم يسمع أو يواجه (كذبة أبريل) التي يسمونها بيضاء؟

العادات الأميركية متصلة للحداثة، وهي تقتضي اليوم عند إيقافك من قبل المرور أن تنتظر في السيارة حتى يأتيك العسكري، وخروجك من السيارة في هذه اللحظة يعطي انطباعًا بأنك تريد الهرب أو الهجوم، وقد يُشهر السلاح عليك، وعند الحديث معه عليك أن تتجنب الحركات المفاجئة وتضع يديك على مقود السيارة.

رفع الصوت أو الضرب على الطاولة يعني الغضب، وهم عادةً لا يحبون اللمس أثناء تجاذب الحديث.

الابتسامة عند اللقاء عادة، والسؤال عن الحال، وهي مجاملة اجتماعية لا ينبغي أخذها على أنها رغبة في إقامة علاقة أو صداقة، كما قد يتوقع بعض الشباب الدارسين هناك.

تعود العربي الجلوس على الأرض، وهذا لا يحدث كثيرًا في الغرب، لكن الشعب الياباني ما زال متمسكا بهذه العادة في المناسبات والأنشطة اليومية والوجبات.

همُّ الرجل الياباني اليوم أن يطور مهاراته ويرفع مستواه الوظيفي والمهني، أما المرأة فهي تجد فرصًا جيدة، ولكنها لا ترتبط كثيرًا بعقد طويل؛ لأنها قد تتزوج وتتفرغ لرعاية بيتها وأطفالها، الذين عادة ما يكونون اثنين أو ثلاثة في فترات متقاربة بعكس الماضي الزاخر بالأسر الكبيرة الممتدة.

هل هناك شعب أذكى من شعب؟ هل البيض أذكى من السود؟ أو العكس؟

يتفوق اليابانيون عالميًا ليس بسبب المورثات بل بسبب النظام التعليمي المحكم منذ عهد الإمبراطور (ميجي)، وبسبب المحفزات الاجتماعية والنظام الغذائي المعتمد على السمك والذي سماه مؤلف بريطاني (طعام الدماغ).

يحكى أن صبيًّا أسمر اللون كان يعاني من استهزاء بعض أقرانه من لون بشرته، وبينما هو ماضٍ في طريقه لمنزله مَرّ ببائع بالونات يُطلق كل فترة بالونة في الهواء تجذب له الأطفال ليشتروا منه، وكان الرجل يُنوع في لون البالونات التي يطلقها بعيدًا، ما بين صفراء وحمراء، وزرقاء، وخضراء، لكن ما لفت نظر الصبي الصغير أنه لم تكن هناك بالونة سوداء في الهواء، فذهب إليه وسأله في تردد: سيدي هل لو أطلقت بالونة سوداء في الهواء، ستطير عاليا؟

نظر إليه البائع مليًّا قبل أن يبتسم قائلا: نعم يا بني، فإن الذي يرفعها عاليًا ليس لونها، وإنما ما تحمله بداخلها.

العنصرية عادة ثقافية راسخة، وفي فيلم (الميسسبي تحترق) يقوم متعصبون بقتل السود وينجون من العقاب بتعاون الشرطة المحلية معهم، وانتماء بعض أفرادها إلى جماعة عنصرية، تعجز السلطات الفيدرالية عن كشف الجريمة، ثم تتعاون معهم زوجة رئيس الشرطة المتورط في القتل في صحوة ضمير مفاجئة حيث قالت ودموعها تسيل:

الحقد والعنصرية شيئان لا يولدان معنا لكننا نتلقنها منذ الصغر، علمونا في المدرسة أن تَفَوُّق عِرْق على آخر أمر طبيعي، بل قالوا لنا: إنه إرادة الرب، وهو في الكتاب المقدس في سفر التكوين الإصحاح التاسع!

عنصرية أوروبا ضد الحجاب والمحجبات ليست حدثًا عابرًا في قطار أو مطار، هي ثقافة راسخة وعميقة.



مثلك أنا


في بلاد خراسان كان هناك مولى أسود له تقوى وصلاح وعلم، فمال الناس إليه، خرج يومًا من بيته يقصد المسجد، فاتبعه خلق يسألونه ويسلمون عليه، فلقيه رجل من الأشراف سكران، وكان الناس يطردون الشريف ويبعدونه عن طريقه، فغلبهم وتعلق بأطراف الشيخ الصالح وقال له: يا أسود الحوافر والشوافر، يا كافر ابن كافر، أنا ابن رسول الله، أُذَلّ وتُجَلّ! وأُذَمّ وتُكْرَم! وأُهَان وتُعَان! فَهَمّ الناس بضربه، فقال الشيخ: لا. هذا محتمل منه لجده عليّ رضي الله عنه، ولكن يا أيها الشريف بيَّضتُ باطني وسوَّدتَ باطنك، فيرى الناس بياض قلبي فوق سواد وجهي، وأخذتُ أنا سيرة أبيك وأخذتَ أنت سيرة أبي، فرآني الخلق في صورة أبيك الصالح، ورأوك في صورة أبي الكافر، فظنوني ابن أبيك، وظنوك ابن أبي، فعملوا معك ما يُعمل مع أبي، وعملوا معي ما يُعمل مع أبيك!

كلكم لآدم وآدم من تراب..

هذا قانون البداية، أما النهاية ?وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا? (مريم:95).

وبينهما يمكنك أن تطالع صورتك، تلبس بشتك وتتعطر، وتنادي بصوتك خادمك المغترب لكي يحضر ساعتك التي ترتب مواعيدها بحسب الأشخاص الذين ستقابلهم.

ترمي بنظرة شزر على هذا (الإنسان) البسيط الذي لم يُلَمّع حذاءك بشكل لائق.

تخرج للشارع بسيارتك، تلقي التحيّة على الرجل الذي يشبهك وطنا ولقبا، يبادلك التحية، تجتاز شارعين وفي الثالث ليس لك أحقية المرور، ولكنك تعبر؛ لأن الطرف الآخر لا يشبهك لونا، فجأة تتلقى اتصالًا تتأفف (أووه ها العبيد)!

تقف عند الإشارة، يناديك أحدهم مستفسرا عن مكان ما، تتأمل ملامحه تنزل الزجاج، وفي داخلك نداء مستعلٍ: ماذا يريد هذا (الأجنبي)؟!

تصل مكتبك، تهمس في أذن ابن قبيلتك وبلدتك (هاه وش عندهم الجيازنة، الحجز، القصمان، البدو، الحضران، المصارية..).

وكلٌّ يغني على ليلاه، وليلاك شجرة عائلية تتصدر مجلسك، زامّا بها شفتيك كلما أحرقك تفوّق أحدهم استظللت بظلها.

هذا المار أمامك (هندي)، نعم هندي ولكنه إنسان، وربما يتميز عنك في أشياء كثيرة لا تعرفها.

هذا الآخر (باكستاني، بنقالي، فلبيني..) وقائمة طويلة تعبر هذا الطريق، ربما يتفوقون عليك في إنسانيتك وفي ذكائك وتقواك، ولكنه القَدَر الذي جاء بهم إليك بحثا عن لقمة..

وأنت العائد لبيتك منهكا جرّب أن تخلع حذاءك وتدوس هذا التراب، جرّب أن تدوس بعضك..

خفِّفِ الوطءَ! ما أظن أديمَ الـ

أرض إلا من هذه الأجسادِ!

جرّب أن تدوس أصل هذه الهامة المتغطرسة والأنف المرفوع..

جرّب أن تبحث عن مكان آخر غير التراب لكي لا تلقي بنفاياتك عليك..

جرّب أن تشم هذا التراب لربما تأففت من بعضك وأصلك الذي لم يُخلق..

جرّب! لربما سحقت بقدمك تربة أصلها رأس سيدك..

جرّب! لربما دُستَ قبيلةً من الرمل تُسمى قبيلتك، وكثيبًا من التراب يسمى وطنك..

جرّب أن تمشي حافيًا، وإذا تعثَّرت قدمك بأصلك فتذكر أولئك الذين ازدريتهم لعاهة المشية والشكل..

جرّب أن تطأ بشدة على الطين، وإذا ما سمعت صوتا ما فتَرَفَّق؛ قد تكون وطئت بقية لسانك الهاجي لغيرك..

جرّب أن ترى موضعا آمنًا لقدمك ما بين الشوك، وإذا ما دهست عليه وسمعت أنين الترب فلربما تكون وطئت قلب أنثى.

وإذا ما أتعبك المشي جرّب أن تسجد لله، وما علق بجبينك من بقايا ترابٍ هو أصلُ هذا الإنسان الذي ازدريته..

في الحج وبينما الكل سواسية في زيهم وشكلهم، وكل مظاهر الأبهة معدومة، سلّمت على جمع سلاما عابرا، حتى إذا بدأ التعريف بهم صار هذا وزيرا وذاك مديرا، تبسمت وقلت: أعتذر لأني لم أعرفكم!

لم أكن مدركًا أنني أمارس عنصرية من نوع آخر، وأن بعض الاعتذارات هي عنصرية أيضا.

هنا في مكة كان أبوبكر وبلال وسلمان وصهيب وعمّار مجموعة واحدة تلاشت بينها كل الفروق، وبقي تفاضلها بالتقوى (أبو بكر سيِّدُنا وأعتق سيِّدَنا).

كان لدى غاندي حلمه بأن تشبع البطون السمراء الجائعة بدلا من المستعمر العنصري.

كان لدى مانديلا حلمه بأن تصدح الحناجر السمراء بالنشيد الوطني لأرضهم.

كان لدى مارتن لوثر حلمه الطويل بأن لا يُعامل أبناؤه الأربعة على أساس لونهم..

ليكن لدينا حلم أن ينبع نور الإنسان من الداخل لا من الخارج، وأن تشكل الألوان المتعددة لوحة مكتملة جميلة.

مثلك أنا.. أحن لذات التربة التي ركضت عليها طفلا ولثمتُها شابا.

مثلك أنا.. مليءٌ بالطموح والتطلعات وأحمل هم الخلود بعد موتي.

مثلك أنا.. تجرحني الكلمات التي تحاكمني على وطنٍ لا أعرفه، ومكانٍ لا أنتمي إليه، وتحرمني من مسقط رأسي وحيي ولهجتي المحلية التي لا أعرف سواها.

مثلك أنا.. أحمل همّ صغارٍ تركتُهم هناك من أجل لقمة عيش.

مثلك أنا.. أعود لبيتي وأكون الرجل الأول يوم أن كنتُ عندك الرجلَ الأخير.

مثلك أنا.. حتى وإن كانت شجرتي في الأطراف، إلا أن ظلي ممتد لكل الوطن.

مثلك أنا.. وإن نقص مالي واندثر جاهي.

مثلك أنا.. تؤذيني نظرة دونية وعطف مبتذل وسلامٌ بنصف يد.

مثلك أنا.. أبحث عن الود، لكن من السماء ?إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَ?نُ وُدًّا? (مريم:96).

(وسم: #مثلك_أنا).



عيب!


ذهبت إحداهن لأحد المشاغل لتجهيزها لمناسبة زواج، ولم يتم التفاهم على مبلغ معين لقاء الخدمات التي ستقدم لها، وإذا بها تصعق بمبلغ يقارب راتبها الشهري، دفعته رغما عنها، وأحست بغبنٍ نكد عليها فرح المناسبة.

استدعى أحدهم سباكًا لإصلاح عطل في منزله، وفاوضه على استحياء بشأن السعر، ورد السباك بقوله: (ما نختلف)، ورضخ الآخر لذلك، وبعد ما جاء وقت الحساب، فوجئَ صاحب المنزل بثلاثة أضعاف ما كان يتوقعه، فنشبت بينهما خصومة، وارتفعت الأصوات وتفارقا على اختلاف ونزاع!

أين يمكن أن تكون وقعت هذه القصة؟

يمكن التعرف على ثقافة مجتمع ما وطريقته في التعاطي عبر مواقف صغيرة أو تافهة ولكنها تحدث بشكل دائم، وهي أيضا ترتفع معنا كلما علت مقاماتنا، ولكن بصورة مختلفة بعض الشيء!

غياب المفاصلة على الحقوق على افتراض وجود الثقة بين طرفين خاصية عربية.

أمثالنا الشعبية تقول: (ما كان أوله شرط كان آخره سلام)، وهذا السلام يغيب كثيرًا بين أب وابنه، أو جار وجاره، أو زوج وزوجته، أو رئيس ومرؤوسه، والأقوى يفرض كلمته أخيرًا عندما لا يكون هناك وضوح في التعاقد، ومفاصلة في الحقوق.

الوضوح لدى الغرب اتسع حتى شمل الحياة الخاصة والأخطاء والفضائح التي تُعرض في البرامج التلفزيونية، وتقوض العلاقات والأسر، ولكن كل السلبيات والجرائم والسرقات والقصص أيضا تُعَالَج في وضح النهار.

فَرْد الخليج يعيش تحت سطوة الأضلاع الثلاثة:

* السلطة السياسية.

* السلطة الدينية.

* السلطة الأسرية.

نشأة الدولة وطبيعتها التاريخية جعلت الدين أساسًا للحياة وللتشريعات، وتداخلت القيم الشرعية مع الطبائع الاجتماعية، ومن هنا حدث التباس ما بين (الدين) و(العادات) من جهة، وما بين (التحديث) و(التغريب) من جهة أخرى.

وأصبح التوظيف السياسي والاجتماعي والحركي سببًا في استمرارية التخلف.

النظر إلى المجتمع على أنه شيء واحد غير صائب، ولا بد من فرزٍ واعٍ طويل النَّفَس.

من الخلل منح حق التدخل لكل أحد في الأخلاقيات، مقابل منع كل أحد في السياسيات.

التحولات العالمية لا تستثني أحدًا، البصير هو من ينتقي ويسدد ويقارب.

(علم الانثربولوجيا) هو مقارنة بين الثقافات والأعراق والجماعات البشرية، هو (علم الإنسان)، وقديما قال عمرو بن العاص رضي الله عنه عن الروم: (إن فيهم لخمس خِصال: إنهم لأحلَمُ الناس عند فتنة، وأسرعهم إفاقةً بعد مصيبة، وأوشكهم كَرَّةً بعد فَرَّة، وخيرهم لمسكينٍ ويتيمٍ وضعيف، وأمْنَعُهم من ظلم الملوك) وهي قراءة ماهرة لعادات وطبائع الشعوب الأخرى.

في مجتمعاتنا نعقد المقارنة لنبيّن تفوقنا، ونقارن أسوأ ما عندهم بأحسن ما عندنا، أو نجعل واقعهم الحالي في كفة وتاريخنا المجيد في الكفة الأخرى.

قد تكون المقارنة نتيجة زيارة عابرة لسياحة أو تجارة لم يكتشف الإنسان فيها الكثير، وقد نحتمي بالشريعة وكأن كل ما لدينا هو (شرعي) وكل ما لدى الآخر هو منكر.

الترابط والتواصل مبدأ جميل يعزز الشخصية ويكرس الهوية ويساعد على النجاح.

ذوبان الفرد في المجتمع شيء مختلف عن الانتماء والاعتزاز، وصوابية الأصل لا تمنع من معالجة اللواحق والزوائد الضارة، والحفاظ على الهوية لا يمنع الاستفادة الجزئية من نماذج الآخرين أو تجاربهم.

الصورة الرومنسية المتجاوزة للذات إلى حد الذوبان في الآخر تحتل قائمة أولوياتنا العربية، صورة حاتم الطائي وهو ينحر فرسه مضحيًا بأعز ما يملك لضيفه المفاجئ هي قمة الإيثار.

العلاقات الاجتماعية العربية تقتضي دعم القريب على سبيل التعاون، وقد يستدين المرء لتجهيز هدية زواج أو ولادة، وتَعُدُّ الحضور للولائم والمناسبات واجبًا عائليا.

هم يستدينون من البنك ولا يذهبون لصديق، ولا يقبلون العزائم، حتى لا يكون لك معروف يضطر أحدهم أن يرده لك.

جميلة هي عادات الحشمة والحياء، احترام الكبير والضعيف، صلة الجار والرحم، الكرم، الشجاعة، المحافظة على الشعائر الربانية كالصلاة والحج والعمرة والصوم..

لدينا أخلاق اجتماعية تصنع التعاون في حدود المعرفة والمروءة، ولديهم مؤسسات خدمية منضبطة تقوم بهذا الواجب مع الناس وبصورة شبه متساوية.

تخضع النجاحات التجارية والإدارية عربيًا لسوابق عائلية ودعم القرابة واحتكار الفرص وتنفيع المعارف، وقد تعقد المسابقات والنتائج محسومة، فقانون (تعرف أحد؟) هو البند الأول في النجاح.

النجاحات تبدأ هناك من الصفر، وتعتمد على الكفاءة والجهد، والمرء يقوم بنفسه، ويعتمد على ذاته وله المغنم وعليه المغرم، ويمكن لرجل من أصل أفريقي أن يصل إلى رئاسة الدولة.

التحكم باللباس والدراسة والزواج والعمل يضعف فرص التعبير عن الذات، ويقلل الخيارات، بينما الحرية المطلقة للمراهق في الغرب تصنع استقلالية مفرطة وفسادًا عريضا.

في أحد المواقع قرأت: (العادات السبع للسعوديين..)؛ التدخل في شؤون الآخرين، (من سبق لبق)، التصنيف، النظرة الدونية للمرأة، (القز: التحديق)!

صورة كاريكاتورية أقرب إلى النقد المازح، والناس عادة يتقبلون مثل هذه الطُرف إذا صدر من بني جنسهم ولا يتقبلونه من الغريب، على أن بالإمكان أن يجد الإنسان عادات أخرى حسنة يحسن تعلمها من هذا الشعب أو ذاك.

أصدق من هذه القصة أن صديقًا سأل مشرفة نيوزيلندية عن ميزات الطلبة الخليجيين؟ فأجابت:

* هم غير مباشرين بل يتحدثون بدوائر غامضة تحتاج إلى خبرة حتى تفهم ماذا يريدون!

* الاتكالية فهم يشكلون (قروبات) يكون ضمنها نشطاء يدبرون أمر الباقين.

* عند التحدي لا يستسلمون، بل يفكرون بأسلوب مختلف وإبداعي (نخوة وشهامة).

* لديهم قيم متناقضة، شاب يصوم رمضان، ويشرب الخمر ليلًا، ولا يريد من أحد أن يقول عنه مثل هذا الكلام.

هذه حالات قائمة ولا يمكن تعميمها.

أستغرب إصرار الخليجيين على النقل الخاص أو (التاكسي)، ودفع مبالغ طائلة على مشوار يصله القطار بمبلغ زهيد، وهم في مجتمعات غربية تعودوا على الباصات والقطارات.

في دراسة تبين أن الأسرة تحتفي بالصبي أكثر من البنت، وحين لا يوجد صبيان يشعرون بالخجل ويلجأ الزوج عادة إلى التعدد.

والأطفال الذكور يشعرون بالتفوق على أخواتهم منزليًّا ومدرسيًّا بنسبة 98%، وينتظر الطفل فترة المراهقة ليفرض كلمته على أخواته.

وأثبتت النتائج أن المرأة تخدم زوجها، وإن كانت موظفة، داخل المنزل، بينما الرجل يشاهد التلفاز.

%99 يشعرون أنهم أفضل من النساء، وأن المجتمع يحترمهم أكثر من النساء.

تعدد الزوجات مباح في القرآن بشرط القدرة على العدل، والقدرة على أداء الحقوق المالية والبدنية، المادية والمعنوية، أصبح التعدد عادة اجتماعية مع إهمال الشروط الشرعية والقدرات.

مؤذن مسجد يَدْرُس في الجامعة يتزوج اثنتين في بيت واحد صغير، المرتب قليل، القدرة على استيعاب المشكلات محدودة، العطاء العاطفي شحيح!

لدى كل واحدة عدد طيب من الذرية، لم يفكر في أعباء التربية والاحتواء العاطفي والمصروف والمشكلات المستقبلية، وحين يعاتبه والده كان يقول: (الرزق على الله)! وقد علم أن السماء لا تمطر ذهبًا ولا فضة ولا مشاعر، وربما لو أمطرت لكان منا من يحمل المظلات!

فتْح الطريق لعبور المرأة وتقديمها عند التزاحم عادة اجتماعية جميلة ولها نظائر، الاعتزاز بالأم وتقديمها لافتتاح مشاريع أو برامج أبنائها هو معنى نبيل قلَّ أن تجده في مكان آخر.

(ثقافة العيب) العربية تمنع شابًا أن يشتغل نادلًا أو يقوم بغسيل الأطباق، وتسمي الأعمال بـ (المهن)، والمهانة هي الوضاعة، وتمنع أبناء القبائل من العمل بالنجارة أو الدباغة أو الصناعة، وكثيرًا ما نسمع كلمة (صنّاع) بمعنى أنه لا ينتمي إلى قبيلة، حتى الجراحة (الطب) كانت معدودة عند بعض الفقهاء من المهن المبتذلة.. هل طرأ تغيير على هذه العادات المرذولة؟

العيب ليس حكرًا على المهنة، هو ميزان لتقييم سلوكيات نرفضها لمجرد أن الناس قد يعيبوننا بها، وأن العار يلحق الأسرة أو الجماعة بسبب لباس هذا الفرد أو سلوكه أو زواجه.. ماذا سيقول الناس عنا؟



اضغط وسوف أنفجر!


يتداول كثيرون مقاطع أو صور لفتاوى لم يألفوها تقول بتحريم أمر درجوا عليه، أو بطلان الصلاة بسبب فعل شائع قلما يتحرزون منه، يتلقون ذلك بقبول على أنه علم جديد فتح عليهم.

هل قبول الرأي المتشدد عند (عامي) هو ثقافة صنعتها البيئة، تعزز بالحرص على براءة الذمة؟ أفضل أسلوب لكسب المعركة هو أن تخوضها مع نفسك!

وأرقى مستويات الشجاعة الشجاعة مع الذات!

إِنَّ الشَجاعَةَ في القُلوبِ كَثيرَةٌ

وَوَجَدتُ شُجعانَ العُقولِ قَليلا

أي مجتمع بشري له صفات وخصائص لا يمكن أن تكون مثالية.

هل نحن مجتمع متشدد؟

السؤال كبير يحتاج إلى مكاشفة ومصارحة مع النفس بعيدًا عن سخرية الآخرين وشماتة المخاصمين..

فحين يكون مجتمعنا متشددًا في بعض أنماطه ونماذجه وتجلياته، فهذا لا يعني أن مجتمعًا عربيًا أو إسلاميًا مجاورًا أو بعيدًا بمعزل عن عيب آخر، ليس هو التشدد ذاته، لكنه التفريط مثلًا، أو التفكك..

يتشدد قوم في الحفاظ على الهوية حتى تكاد أن تصبح سجنًا يعزلهم عن الحراك البشري، ويفرط آخرون في الهوية حتى لا يبقى منها إلا معالم أو آثار يسيرة لا تحقق معنى الانتماء المؤثر.

ومن العدل أن تكون المجتمعات المعرضة لتهتك الهوية بحاجة إلى جهود جبارة وصبورة ومخلصة لحمايتها والحفاظ عليها.

وأن تكون المجتمعات القائمة على الإغلاق والتشدد محتاجة إلى جهود ضخمة ودؤوبة لجرها إلى دائرة التوسط والواقعية والتوازن والقدرة على ملاحظة النفس ومعرفة عيوبها وأخطائها، ولذا كلما حدثنا أحد بهذا الحديث بادرناه قائلين:

- وهل أنت رمز الاعتدال؟

وكأننا نهرب من الاستماع والملاحظة بطريقة الإسقاط على الآخرين.

وهب أن الناقد خصم أو عدو أو متحامل، فلماذا لا تستفيد من ملاحظته ونقده؟

التشدد لا يعني الغلو، بل هو نزعة إنسانية يتداخل فيها السياسي بالاجتماعي بالاقتصادي، وترتفع وتيرتها حينًا، وتخف أخرى.

يكرر القرآن تحريم أشياء على بني إسرائيل، بسبب تشددهم وتنطعهم وتكلفهم وكثرة سؤالهم.

وها نحن نجد الأحزاب اليمينية والعنصرية والمتطرفة في أوروبا تكسب الجولة مرة بعد مرة، وتتكئ على إثارة عواطف الناس ضد المهاجرين، أو ضد الإسلام ورموزه وشعاراته، وتنتشر في ألمانيا وأوروبا عامة (فوبيا الإسلام) بصورة فظيعة.

بين متمسك قد يتشدد، وبين منتكس ناقم، نحتاج أغلبية متزنة معتدلة ومؤمنة.

نعم. قد ينفصل عن التشدد جيوب تفضي إلى العنف أو التكفير أو مصادرة الآخرين، وهذا ناتج تجب محاربته، بل لابد من الإجماع على محاربته، باعتباره تصعيدًا غير مقبول، ولا ينسجم مع كليات الشريعة القائمة على حفظ الضرورات، والحياطة للحقوق الإنسانية، وتحريم الدماء والأموال والأعراض والفروج بنصوص محكمة.

لا يحسن أن يكون التشدد لغة نطلقها على سبيل التعيير والمسبة، فهذا قد يدعو إلى التمسك به والإصرار عليه، وهو نوع من التصنيف المذموم، والتعميم المتسرع.

ولكن يمكن إطلاقه على سبيل الوصف الموضوعي الهادئ المقبول الذي يجعل صاحبه يعترف به، وقد يسوغه لأسباب يراها، وقديمًا قال الإمام الورِع سفيان الثوري: (إنما العلم عندنا الرخصة من ثقة، فأمّا التشديد فيُحْسِنُه كُلُّ أحد).

وقال أبو جعفر المنصور للإمام مالك: (ضع للناس كتابًا في السنة والفقه، تجنَّب فيه رُخَصَ ابن عباس، وتشديدات ابن عمر، وشواذ ابن مسعود، ووطِّئْه توطئة).

من العدل أن لا يقوم تيار اجتماعي بتسيُّد الموقف وكأنه الخيار الوحيد، أو هو التعبير الفريد عن التدين والالتزام والقِيم، فالشريعة فيها تنوع، ويكفي ملاحظة المذاهب الأربعة ثم الفقهاء السبعة، ثم العشرة لتدرك ثراء الفقه الإسلامي واتساع دائرة التطبيقات البشرية الاجتهادية المؤمنة بمرجعية الشريعة، والواعية بمتغيرات الواقع، والمتعايشة فيما بينها دون مصادرة أو إلغاء.

يجب ألا نصادر أحدًا تحت ذريعة أنه متشدد، أو نحرمه من حقه الشرعي والحياتي، ما دام يعبّر عن نفسه ورؤيته بطريقة سلمية ليس فيها عدوان ولا بغي.

وألا يتطلع تيار ما، متشددًا كان أو غير متشدد، إلى أن يهيمن على المشهد ويفرض نفسه كمرجعية مطلقة.. فمن العدل أن يأخذ كل ذي حق حقه، وألا يعتبر اجتهاده أو رأيه أو تقليده إجماعًا يُفرض على الآخرين، ممن لهم اجتهاد أو رأي أو حتى تقليد مختلف.

وعلى هذا وذاك، فإن تيار العولمة والانفتاح والتبادل الثقافي والمعرفي والإعلامي اليوم سيُحْدِث، ولابد، أثرًا ضخمًا في العقول والسلوك والرؤى الفردية والجماعية، فمن الحكمة البصيرة ألا نتجاهل هذا التأثير الضخم المدجج بأحدث التقنيات وأكثرها مخاطبة للنفس الإنسانية وغوصًا إلى أعماقها.

ليس عسيرًا أن نتحاور داخليًا، وأن نلتقي ويسمع بعضنا من بعض في الغرف ما يقال اليوم على الفضائيات ومواقع الإنترنت، ولكن دفء الحوار، وصدق النوايا، والاعتراف المتبادل سوف يخفف من حدة التباعد، واحتدام اللغة..

لا أحد يدري إلا الله، ماذا ينتظر الناس في مستقبلهم، وما نوع التحديات التي سوف تفاجئهم، فلا شيء يدوم، ولكل زمن وظرف مشكلاته الخاصة، ومن الحكمة أن لا تشغلنا الأغصان عن رؤية الغابة، فلندع بعض جهدنا لقراءة المستقبل بروح جماعية وطنية..

من حقنا أن نحلم برقي سلوكي وأخلاقي وفكري، يجعلنا نختار بطواعية أن نكون معًا، وبصفة دائمة؛ لأن ذلك خير لديننا ودنيانا.

هذه الأمنية لن تتحقق ما لم نخفف من حدة أنانياتنا المناطقية والقبلية والفكرية والمذهبية، ونجعل للآخرين حظًّا في تفكيرنا ونؤمن بحقهم في الوجود والفرص، ونتسامى عن الإحساس بالغبن أو القهر أو الحرمان أو التلفت الدائم لماضٍ بعيد أو قريب، وكأننا ننتظر فرصة تسنح لننتقم أو نتشفى أو نتمرد أو حتى نظلم..

?إِنَّ هَ?ذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ?(الأنبياء:92)، ? تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ? (القصص:83).



إسلاميون من المريخ!


* تكشف مستندات ويكيلكس النقاب عن تجسس وكالة الأمن القومي الأميركي (إن إس إيه) على إسلاميين متشددين، لكشف نقاط ضعفهم التي يمكن الاستعانة بها ضدهم، ومنها: مشاهدة محتويات جنسية فاضحة عبر الإنترنت، واستخدام لغة فاحشة حين الاتصال بشابات عديمات الخبرة.

هنا سيبدو بعض رجال الوكالة كأطهار أبرياء، ليس لديهم ما يخفونه من الشذوذ الأخلاقي والتردد على مواقع الرذيلة بأقدامهم!

الصراع الثقافي لا يبيح استخدام الوسائل القذرة ضد الآخرين.

لا أحد منزه عن هذا الاستخدام، فالشبكات تكشف متحمسين للأخلاق يقومون بترويج شائعات وفضائح حول خصومهم بلا هوادة.

* الثقافة الإسلامية عميقة الجذور في المجتمع العربي بتراثها الأخلاقي وأثرها في الحياة اليومية والتوجهات الفكرية، أما التمييز بين ما إسلامي صرف، أو موروث عربي محض، أو مزيج من هذا وذاك، فهو أمر شديد الصعوبة والالتباس لدى المنتمين لذلك المجتمع.

المقارنة تتم آليًا بين مجتمع إسلامي ومجتمعات غير إسلامية، والانتماء يحفز على التصفيق لمجتمع النشأة، والهمس بأن النقد والملاحظة تكون سرا.

استهداف فصيل إسلامي بغير حق هو عدوان يتكرر، من النضج والهدوء أن أظل قادرًا على التفريق بين استهدافي كفرد أو مجموعة ذات برنامج خاص، وبين استهداف الإسلام ذاته، وإن كانت المسألة لا تخلو من تداخل شديد، فثم خصوم حربهم الحقيقية هي مع الدين وهم يمارسونها عبر مواجهة امتداداتها الواقعية المتمثلة في حركات أو مناهج..

* في مناهج الحركات ما هو جوهري ومن صميم الدين، وفيها الخلافيات، وفيها الإلحاقات والاستنتاج الخاص وهو يخطئ أو يصيب.

في حركة ما؛ الناس قسمان: مَرْضِيُّون يؤخذ عنهم كل أو جُل ما يقولون، ومَن سواهم يتم تصنيفهم ولا يؤخذ عنهم شيء.

دار حوار بين شخصين عن كتاب (حياة في الإدارة) للدكتور غازي القصيبي رحمه الله، وأظهر الأول انبهارًا بمحتواه وطريقة عرضه وكونه أشبه بتجربة ذاتية سهلة الهضم، سرعان ما رفض الآخر قراءته، بسبب اعتقاده أن المؤلف يحمل توجهًا فكريًا مختلفًا، على أن الموضوع لم يكن شرعيًّا أو فكريًّا متخصصا.

اعرف الحق تعرف أهله، هذا صحيح نظريًّا، أما عمليًّا، فعقل فتى أعجز من أن يعرف الحق دون اتكاء.

كلما كثرت مفردات المنهج زاد ضيقًا فلم يتسع للتعدد، وانغلاقًا فلم يستوعب المستجدات والمتغيرات داخل الحركة أو في المجتمع والعالم، ومن هنا تكثر الانشقاقات والجماعات الجديدة، والتي عادةً يُعلَن عنها عبر دوي وعراك يقع فيه الشخصنة والضيق ونشر الغسيل.

وقفت على حالات كثيرة في اليمن ومصر وغيرهما، يضرب فيها الانشقاق جذور تيارات إسلامية كلما تغير الواقع السياسي، مثلًا: حكم الانتخابات؟ الأحزاب؟ البرلمانات؟

* كتب الأشعري مصنفه (مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين)، متحدثًا عن الخلاف العقدي في الأمة، خلافات الإسلاميين بلا حد، الكثير منها نتاج رؤية خاصة تنبثق من إطار حركي، ويغذيها تنافس شديد مع الخصوم الأقربين من المنتمين للدعوة، وتنافس آخر مع التوجهات العلمانية والتغريبية.

ظروف النشأة والتكوين والبيئة المحيطة لا تسمح بالكثير من المراجعة والنقد الذاتي، فضجيج المعركة يصم الآذان، وربما استُخدم كأسلوب لحشد الأتباع وتكريس الطاعة.

* السرية وسيلة متبعة في الدول والشركات والأُسَر، واعتُمدت في العهد النبوي الأول فيما يتعلق بالأتباع.

الحركات الإسلامية نشأت في ظروف معادية أو استعمارية واعتَمدت كغيرها من حركات التحرر العالمية على الإطار السري في مرحلة ما.

تطور الأمر ليؤثر في حالات عديدة على طبيعة الفكرة واتساعها، ونوع العلاقة مع المجتمع، ونمط المؤسسات الخادمة للحركات، والإيمان بتعددية الاجتهاد، وحق الآخرين في تحمل المسئولية، وبدا أن بعض الجماعات ترى نفسها المنقذ الأوحد، ولا تؤمن بالآخرين وإمكانية التعاون والتشارك في صناعة المستقبل أو إصلاح الحاضر.

* نجح الإسلاميون في مواجهة حروب الإفناء وأثبتوا رسوخًا لا نظير له، وبدَوْا قادرين على تحمل الضغوط وتكاليفها، وتقديم التضحيات والاستشهاد، حتى صار هذا ميدانهم الذي يتقنونه، وحين يدفعهم خصمهم إليه فهو يدفعهم إلى الركن الذي ألفوه واعتادوه وأتقنوا فنون التعامل معه.

لا يمل الإسلاميون من ترداد الحديث عن الحروب الموجهة والمؤامرات المحكمة والمكر الكُبّار.

هي حقيقةٌ أثبتتها تحولات الواقع بما لا مجال للشك فيه، فكل تيار يملك رصيدًا عريضًا تحاربه الدوائر القمعية ليس لأنه (الحق الثابت) فحسب، ولكن بسبب رصيده.

هل استطاع الإسلاميون أن يحددوا (الثغرات) التي ينفذ عدوهم منها، والتي تندرج تحت عنوان (الصبر) وعنوان (التقوى)؟ ?وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا? (آل عمران:120).

* بعضهم يشمت بأخيه وينتقده حين يخفق في معركة على قاعدة:

ابكِ مثل النساء مُلكًا مضاعًا

لم تحافظ عليه مثل الرجالِ!

وآخرون ينتقدون بواقعية لكن يغفلون عن الظرف الطارئ، حين تزور مصابًا كسيرًا في المستشفى بسبب حادث سيارة لا يجمل أن تبادره بذم السرعة وتكثير العتاب، دع هذا لوقته.

خليليَّ إن كان الزمان مساعدي

وعاتبتماني لم يضق عنكما عذري

وأما إذا كان الزمان معاندي

فلا تُصبحا عونًا عليّ مع الدهرِ

ليس ظريفًا كلما وقعت نازلة أن أعلن عن نفسي وحسن استقرائي للأحداث وأقول: كنت توقعت وحذرت ولكن لم يُسمع لي.

* عادةً ما يُستخدم الإسلاميون كـ (فزاعة) لتخويف الشعوب، أو تخويف الغرب من زحفهم، أو تخويف المسيحيين، ويوظف الإعلام مادة قد تكون رديئة ولكنها تؤثر في بعض السذج.

هل أفلح الإسلاميون في (طمأنة) خصومهم؟ وفي التواصل مع المستهدفين مباشرة؟ وفي عزل ممارسات تقوم بها أطراف تنتمي إليهم؟

هل الإسلاميون من المريخ وبقية الناس من الزُّهرة؟!

التحريض الصهيوني والليبرالي المتطرف على الظاهرة الإسلامية، هو شهادة لها بالصفاء والوطنية والصدق، وأنها سند الممانعة ونصيرها وروحها ? فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ? وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ? (الرعد:17).

* عقليات المجموعات القتالية لا ترقى إلى استحضار المشهد العالمي وتعقيداته واستحقاقات الواقع، ولا تستطيع بمحدودية نظرتها التعامل الرشيد مع الضرورات والأثقال والتحديات.

كثيرًا ما تعتمد لغة الحسم والقوة حتى مع القريب، وتتآكل دون أن تدري، ويحدث في حالات أن يتم (اختراقها) وتوظيفها للتشويه وإرباك المشهد.

هم لا يبحثون عن تجاربهم ونتائجها ومعطياتها، ومن الممكن أن يعيدوا التجربة بحرفيتها، وأن يتوقعوا نتائج مختلفة.

مليارات الدولارات، وآلاف الأرواح، ونزيف عشرات السنين في أفغانستان ثم الشيشان ثم العراق ثم سوريا لا يتم عرضه إلا على أنه سجل الخلود والمجد والبطولة، أما سؤال الثمرة فيجاب عنه بشيء من خداع النفس، أما سؤال أن تكون محاربًا بالوكالة عن غيرك دون أن تدري فالوعي يقصر دونه!

هم دائمًا في المربع الأول، ولكن تفكيرهم لا يتوقف عن تحصيل (الخلافة)، وفي قفزة واحدة لا تؤمن بالمراحل وفقه الممكن.

* أدبيات الحركة الإسلامية لم تجب بصورة واضحة على أسئلة النهضة الجوهرية، ولم تحدد موقفها من أدوات الإدارة المعاصرة.

عامة أطيافهم يعتمدون على فقه تقليدي في الجانب السياسي، ويطبقون أحكامًا تاريخية.

الحروف الأدبية والمقالات المدبجة والتغريدات النظرية لا تحل المشكلات الفكرية أو الحياتية، ما دامت صياغة خطابية لا تتكئ على إدارك عميق للنصوص وخبرة ورؤية ومماسة للواقع.

الجدل الطويل حول صيغ وألفاظ شكلية وغير متفق على معناها، يستنزف كثيرًا من الوقت دون نتائج مثل (الديمقراطية، التداول السلمي، التعددية، سيادة الشريعة، الحرية أم الشريعة؟).

لم تحصل تلك الحركات على حقها الكافي في ممارسة التجربة، وحين اقتربت من ذلك كان خصومها المرعوبين منها متوفزين لإفشال التجربة من أساسها وهدم البيت على من فيه.

لم يحصلوا على الاعتراف بحق الوجود، وأصبح الوصم بالإرهاب، والحرمان من الحق المؤسسي والوطني هو مكافأة السلمية وتحمل الإقصاء.

* العمل داخل مجموعة يشبه نظام شركة خاصة لها قوانينها وبيئتها، وهو يختلف عن إدارة وزارة أو جامعة فضلًا عن حكومة.

الانتقال من حركة إلى دولة، ولو في جولة مؤقتة، يتطلب تحولًا وحُسْن اختيار للكفاءات، وقدرة على قراءة التحديات، والعمل وفق مبدأ الشراكة مع الآخرين في الربح والخسارة، وليس الاستحواذ.

الثقافة العربية تعاني من الاستبداد وعاداته المتحكمة، ويبدو بعضنا ميالًا إلى الاعتقاد بأن التحول عن الاستبداد أمر عسير؛ لأن أجيالًا تطبعت عليه وأصبح من مكوناتها الثقافية، وعنف السلطة قابلَه عنف المعارضة وكأنهما في سباق أو تحضير لمعركة عسكرية فيها غالب ومغلوب، خاسر ورابح، فائز ومكسور، وليس لمعركة حضارية تستوعب الجميع والكل فيها رابحون.

* يعاني الإسلاميون من نقص شديد في الحضور الإعلامي وتقنياته وأدواته وأساليبه، بينما يمتلك خصومهم القناة والإذاعة والصحيفة، ويستخدمون الدراما على نطاق واسع، ويجندون الأصوات الحسنة، ويتفننون في مخاطبة شرائح اجتماعية غير واعية.

المال والخبرة الإدارية والفن والرؤية الإستراتيجية هي بعض ما ينقصهم في هذا الحقل.

* التوجس من التغيير ظاهرة إسلامية، سببها أن التعارف والاجتماع تم وفق مفردات خاصة، فالعودة إلى مناقشتها تعد تشكيكًا في أصل الرابط الجامع، وكأنها نسف لوجود المجموعة وسر تميزها عن غيرها وغضٌّ من سلاحها الذي طالما واجهت به هجوم الآخرين!

(التحولات) كما سماها د. وليد الهويريني تصبح شبيهة بالنكوص والهزيمة والارتداد.

المنهج هو المنطلق لإصلاح الآخرين، فكيف نشكك في المنهج؟

يمكن قلب المعادلة: فالمنهج لأنه المنطلق حريٌّ بالدرس والمراجعة والتصويب المستمر؛ لأن الخطأ فيه يمتد دون وعي ويؤثر على منتجات أخرى.

ليس فهم مجموعة معصومًا ولا هو مساويًا للنص الشرعي المحكم.

* حساب المصالح والمفاسد في الدعوة أو الاحتساب أو التعليم يخضع عندنا لرؤية ذاتية، لا تقرأ الواقع بكماله، ولا تستوعب مردود موقفها أو فعلها على الآخرين من المؤيدين الذي يذهبون به أبعد مما نريد، أو الخصوم الذين يوظفونه توظيفًا سيئًا، وعلى النفوس المتشككة، وعلى أصدقاء قد يحبوننا ولا يتفقون معنا!

كثير من الفقهاء يفضلون الاستماع لأسئلة تختبر نتائجهم، لأن من شأنها أن تزيدهم قناعة بها أو تفتح عيونهم على ثغراتها.

شركات عالمية كبرى توظف (هكرز) لمحاولة اختراق أنظمتها لتتأكد من تحصينها، أو تكتشف نقاط ضعفها.



بدوي


كتبت في تغريدة نقدًا لزحف البادية على المدنية والتخلف على الحضارة، وحظيت تلك التغريدة بـ (هاشتاق - وسم) بعنوان: العودة يسب البدو!

أكره العنصرية، وأعالج أدق تفاصيلها في ضميري، ولا أسامح خاصتي وأسرتي حين يقعون فيها، وكان مرادي الحديث عن تراجع الأداء العربي في الميدان السياسي والثقافي، وسطوة المال النفطي، لكن يبدو أني لم أُوَفَّق في التعبير!

هممت أن أقول: إنني بدوي باعتبار القبيلة، فالصحراء رحم أخرجت القبائل العربية وكما يقول عمر: (البدو هم أصل العرب ومادة الإسلام).

بيد أن الاسم يُطلق على سكان البادية، وهو مشتق على الأرجح من الظهور وعدم الخفاء، وليس من البدائية، وغالب عملهم الرعي، سواءً كانوا من العرب أو من الشعوب الأخرى كبدو الصين ومنغوليا وغيرها، وهم يتنقلون من مكان لآخر طلبًا للكلأ والمرعى كما قال مجنون ليلى:

وخَبَّرْتُماني أَنَّ تَيْمَاءَ مَنْزِلٌ

لِلَيْلى إذِا ما الصَّيْفُ أَلْقَى المَرَاسيَا

فهذِي شُهُورُ الصَّيْفِ عنَّا قد انْقَضَتْ

فما للنَّوَى تَرْمِي بلَيْلَى المَرَامِيَا؟

ويمكن عمل مناظرة بين البادية والحاضرة؛ شريطة الوفاق وعدم التعاند أو العنصرية تجاه أي منهما، فالأمر كما يقول (بداح العنقري) فارس ثرمداء:

البدو واللي بالقرى نازلينا

كلّنْ عطاه الله من هَبَّة الريح!

علمًا أن القبيلة الواحدة يكون بعضها في البادية، وبعضها في الحاضرة، كجهينة ومزينة وحرب وعتيبة وعنزة وشمر وغيرها.

حياة البدو أقدم من حياة الحضر، وهم عادة يتجنبون الكماليات ويقتصرون على الضروريات، بينما الحضر يميلون إلى الترف، وخشونة البداوة تسبق وتقابل رقة الحضارة.. كما قال المتنبي:

حُسنُ الحَضارَةِ مَجلوبٌ بِتَطرِيَةٍ

وَفي البَداوَةِ حُسنٌ غَيرُ مَجلوبِ

ويتصف البدو عادة بالشجاعة والكرم والفطرية، فنفوسهم مهيأة لقبول ما يرد عليها من خير أو شر، وإذا تقبلت شيئًا صعب تغييرها عنه.

تعوَّد الحضري على رفع سوره وإغلاق بابه، ونام على مهاد الراحة والدعة، واعتمد على الدوائر القائمة على حمايته، وإذا كانت الصحراء تحتاج إلى الشجاعة والحذر، فإن المدينة تحتاج إلى الانضباط والروح الاجتماعية.

عن أبي تميمة الهجيمي قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مُحتبٍ بشملة له وقد وقع هدبها على قدميه فقلت: أيكم محمد أو رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فأومأ بيده إلى نفسه، قلت: يا رسول الله إني من أهل البادية وفيَّ جفاؤهم فأوصني، فقال:

لا تحقرن من المعروف شيئا ولو أن تلقى أخاك ووجهك منبسط، ولو أن تفرغ من دلوك في إناء المستسقي، وإن امرؤ شتمك بما يعلم فيك فلا تشتمه بما تعلم فيه؛ فإنه يكون لك أجره وعليه وزره، وإياك وإسبالَ الإزار؛ فإن إسبال الإزار من المَخِيلة، وإن الله عز وجل لا يحب المَخِيلة، ولا تسبن أحدا.

يقول أبو تميمة: فما سببت بعده أحدًا ولا شاةً ولا بعيرًا (أحمد).

تجد هنا الاعتراف بالجفاء المصاحب للبيئة، وإدراك النقص هو من الكمال، وطلب الوصية ثم العمل بها إلى حد أنه لم يسب بعيرًا ولا شاة!

نوع الوصية النبوية راعى حاجة الصحراء وعالج بعض سلبياتها.

أومأ بيده الشريفة إلى نفسه، مربيًا على التواضع ولين الجانب.

دعاه إلى طلاقة الوجه والانبساط والتبسم، وهو ليس من عادات أهل البادية.

دعاه إلى بذل المعروف وإطعام الطعام وسقي الماء، وهو مما تكثر الحاجة إليه في الصحراء.

عالج الثأر والاقتصاص حتى باللسان (من شتمك فلا تشتمه يكن لك أجره وعليه وزره) وربما ظن بعضهم أن هذا من العجز.

حذر من الكبر والخيلاء، وهي قد توجد عند أكابرهم.

أرشد إلى ضبط اللغة وحفظ اللسان من السب والبذاء والجفاء.

لا يجوز توظيف نصوص شرعية في هجاء البدو، ولعلها جاءت في سياق وظرف تاريخي معين، كانت فيه الهجرة واجبةً على المسلمين إلى النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة، فـ (ال) في قوله تعإلى ?الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا? هي للعهد أي الأعراب المعهودين آنذاك، وليست لجنس الأعراب فلا تعمهم، ولهذا قال سبحانه ?وَمِنَ الأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ?.. الآية.

على أن لفظ (الأعراب) ليس متطابقًا فيما يظهر مع لفظ (البدو)، حيث يوجد للبدو مضارب معروفة لا تتغير إلا لسبب، وهم قريبون من الحواضر، وحول مواضع المياه، وأملاكهم من الإبل والغنم وغيرها، وقد ورد أن الأنبياء رعوا الغنم، وأن السكينة في أهل الغنم، أما الأعراب فموغلون في الصحاري والقفار دائمو التنقل، وملكهم غالبًا من الإبل وقد ورد أن الفخر والخيلاء في أهل الإبل.

بل يمكن الذهاب إلى أبعد من ذلك، وأن (الأعرابية) لم تعد وصفًا مرتبطًا بجغرافيا في ظل التحولات العالمية، بل هي (أخلاق)، فمن كان جافيًا مستبدًا إقصائيًا اعتُبِر أعرابيًّا ولو كان في أبهى قصور المدينة، ومن كان لطيفًا مهذبًا لم يكن كذلك أيًّا كان موقعه.

ويعزز هذا ورود مصدر (التعرّب) أي: التحول إلى أعرابي، والفعل (تعرّب) أي: صار أعرابيًا، فهي إذًا صفات متنقلة يمكن للمرء أن ينأى عنها، أو ينتقل إليها..

كما لا يجوز توظيف نصوص ذم الترف والمترفين ووجود الرهط المفسدين في ذم المدينة وأهلها، وإن كان الانقطاع في البادية مدعاةً للغفلة والجفاء في جاري العادة، ولذا قال صلى الله عليه وسلم: (مَنْ بَدَا جَفَا، وَمَنِ اتَّبَعَ الصَّيْدَ غَفَلَ) (أحمد).

في عصر العولمة أصبحت البوادي موصولةً بالحاضرة، قادرةً على اقتباس الخير والدين والأخلاق، وسالمةً من التداخل، وأصبحت القرى والمدن الصغيرة منثورةً على وجه الخريطة الصحراوية، وتداخلت فيها أجناس وأعراق وأخلاق وأخلاط لا تقع تحت الحصر.

وهذا الوصف ليس أزليًّا؛ فابن المدينة إذا تركها إلى الصحراء قيل عنه: قد تعرب، أي أصبح أعرابيًا، وابن الصحراء إذا سكن المدينة لم يعد أعرابيًّا ولا بدويًّا.

البادية مرتبطة بالمدينة في حاجياتها، والمدينة مرتبطة بالصحراء في نزهتها ورفاهيتها وحطبها وربيعها وغنمها.

النخلة رمز عند الفلاح، والبعير رمز عند البدوي، وهما يتشاطران الأهمية.

أهل الوبر (الإبل)، وأهل المدر (البناء)، يتشاركون في القيم والتاريخ والجغرافيا والتحديات والمستقبل.

لن تستطيع الصحراء العيش دون مدد من المدينة، ولن تستطيع المدينة التواصل مع نظيراتها دون عبور الصحراء.

كان (زاهر الأشجعي) رجلًا من البادية صديقًا للنبي صلى الله عليه وسلم وَكَانَ يُهْدِى لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم الْهَدِيَّةَ مِنَ الْبَادِيَةِ فَيُجَهِّزُهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (إِنَّ زَاهِرًا بَادِيَتُنَا وَنَحْنُ حَاضِرُوهُ ) وَكَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحِبُّهُ وَكَانَ رَجُلا دَمِيمًا , فَأَتَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , يَوْمًا وَهُوَ يَبِيعُ مَتَاعَهُ وَاحْتَضَنَهُ مِنْ خَلْفِهِ وَهُوَ لا يُبْصِرُهُ ، فَقَالَ الرَّجُلُ: أَرْسِلْنِي، مَنْ هَذَا ؟! فَالْتَفَتَ فَعَرَفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَعَلَ لا يَأْلُو مَا أَلْصَقَ ظَهْرَهُ بِصَدْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ عَرفَهُ، فَجَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: (مَنْ يَشْتَرِي هَذَا الْعَبْدَ)، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِذًا وَاللَّهِ تَجِدُنِي كَاسِدًا، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (لَكِنْ عِنْدَ اللَّهِ لَسْتَ بِكَاسِدٍ) أَوْ قَالَ: (لكِنْ عِنْدَ اللَّهِ أَنْتَ غَالٍ). (أحمد، والترمذي في الشمائل، وأبو يعلى، والبزار).

على أن اللفظ يُطلق على أهل المدن أيضًا عند أهل الحجاز والشام ومصر وغيرها، فهم يسمون من جاء من وسط الجزيرة بدويًّا، ولو كان مزارعًا أو تاجرًا، كما كانوا يسمون (العقيلات) بالبدو.

مستقبلنا واحد، ومهما تكن التربة التي نقيم فيها، فإننا رُكَّاب سفينة مبحرة تضربها الأمواج، حرامٌ أن نُصِرَّ فيها على التنابز واستدعاء الماضي، عبر قنوات أو رَدِّيّات أو مجالس أو منافسات غير شريفة.



قبيلة


حين كنا في (الحاير) كان الصديق عبد الله المحيميد يتحفنا بصوته الشجي بقصيدة (شالح بن هدلان) في رثاء ابنه ذيب، وهي قصيدة مؤثرة ومرتبطة بقصة عجيبة ومنها:

يا ربعنا يا اللي على الفطّر الشيبْ

عز الله إنه ضاع منكم وداعه

رحتوا على الطوعات مثل العياسيب

وجيتوا وخليتوا لقلبي بضاعة

خليتوا النادر بدار الأجانيب

وضاقت بي الآفاق عقب اتساعه

يا ذيب أنا بوصيك لا تاكل الذيب

كم ليلة عشاك عقب المجاعة

كم ليلة عشاك حرش العراقيب

وشيخ قوم كزته لك ذراعه

هل نمتلك القدرة على النقد الأخلاقي للقصة رغم طرافتها؟

من التعصب تلقّي الموروث القبلي بقداسة، والعجز عن الفصل بين جوانب قيمية نبيلة فيه وأخرى معطوبة!

النقد هنا ليس تحاملًا على قبيلة ضد أخرى، ولا تجاهلًا للظروف والثقافة والعادات السائدة لدى جميع القبائل والمناطق آنذاك..

التعصب مشكلة راسخة في أعماق العربي غالبًا، وأول خطوات الحل هو التفطن لهذه العادة الثقافية، التي رسخها الفراغ السياسي، وغياب الأنظمة الواضحة، ونقص العدالة، مما جعل كثيرين يلجئون للاستعانة بانتمائهم القبلي أو العائلي.

أمِنَ المستحيل أن نخفف من استخدام العلاقات الاجتماعية في العمل والتوظيف، لصالح العلاقة التعاقدية ونظم المساواة والعدل؟

هل يمكن أن تتحول القبيلة إلى كيان اجتماعي وأخلاقي، يرسخ التواصل والتعارف ومساعدة الشباب والفقراء وحماية الضعفاء ومساندة أصحاب الحقوق، دون أن تكون كيانًا سياسيًّا يخوض الانتخابات ويعمق الصراعات ويستدعي التاريخ الشائك ضمن المجتمع الواحد؟

متى يتوقف تمجيد بطولات كان ضحاياها من الأهل والإخوة والقرابة وليسوا من الأعداء الحقيقيين؟

قال البحتري في المصالحة بين بني تغلب:

وَفُرْسانِ هَيجاءٍ تَجِيشُ صُدُورُهَا

بأِحْقَادِها حَتّى تَضِيقَ دُرُوعُهَا

تُقَتِّلُ مِنْ وِتْرٍ أعَزَّ نُفُوسِهَا

عَلَيْها، بِأيْدٍ مَا تَكَادُ تُطِيعُهَا

إذا احتَرَبتْ يَوْمًا، فَفَاضَتْ دِماؤها

تَذَكّرَتِ القُرْبَى فَفَاضَتْ دُمُوعُها

في غفلتنا عن مشكلاتنا المزمنة والخطيرة، يبدو لدينا استعداد غريزي لاستعادة معارك الأمس، وتثور حميتنا وأنفتنا عند أدنى ملامسة لتاريخنا القريب، وكأننا أصبحنا حراسًا فحسب لذلك الموروث القبلي، الذي وجدت فيه قبائلنا ومدننا نفسها وجهًا لوجه في صراع مع الجيران والإخوان والقرابة!

من المستفيد من برامج تلفزيونية تؤجج الصراع القبلي عبر منافسةٍ بين شعراء، وتُشَجِّع أفراد القبيلة أو البلد أن يصوتوا لممثلهم لمجرد أنه ينتمي إليهم، ويكون التصويت برسائل أو اتصالات ذات ثمن مضاعف يعود جزء منه للقناة؟

أي جدوى لأموال تهدر في عقد حفلات ومسابقات جَمال بين الجِمال؟

متى تتوقف لغة التعميم ضد هذا الطرف أو ذاك؟

لم لا نتحدث عن الفضائل الأخلاقية الصادقة، التي لم تخلُ منها قبيلة أو جماعة من جماعات المسلمين؟ ونحارب التعصب بكل صوره وأشكاله؟

معرفة النسب صلة للرحم وبر بالآباء والأجداد، أما التعصب فهو نصرة القبيلة والجماعة في الحق والباطل، وهو ما حذر منه الرسول عليه الصلاة والسلام.

من التعصب الطعن في أنساب الآخرين، والتشكيك فيها أو ازدراؤها، والتعصب عادة عربية راسخة (أربعٌ في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الطعن في الأنساب، والفخر بالأحساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة على الميت) (مسلم).

متى نتوقف عن ترديد كلمة (فلان عبد.. وكلنا عبيد لله)؟!

من التعصب العجز عن نقد تاريخ القبيلة وتصرفات زعمائها، لأنها ارتبطت في أذهاننا بالبطولة والتضحية، بينما كانت مشوبة أحيانًا بالعدوان على الناس والسلب والنهب.

وربما ربطت المفاهيم المنحرفة بين القوة والبأس، وبين الظلم والبغي، حتى قالوا يسبّون قبيلة:

قُبيّلةٌ لا يغدرون بذمةٍ

ولا يظلمون الناس حبةَ خردلِ

ولعلهم على مذهب عمر بن أبي ربيعة:

إنما العاجز من لا يستبد!

من التعصب توارث العادات الجاهلية كبخس المرأة مكانتها، وتعيير الرجل بأنه يأكل مع امرأته (يا مواكلها!)، وعدم النطق باسمها، وحرمانها من الميراث، أو من المطالبة بحقها، وتعريضها للنكال والتعذيب والتشويه والقتل في جرائم الشرف.

من التعصب تحريم التزاوج بين القبائل بعضها وبعض، أو الطبقات الاجتماعية، وحتى الطبقات يجب أن نتجاوزها، ونقوّم الناس على أساس العمل والأخلاق.

مؤلمٌ أن يتم التفريق بين أزواج عاشوا سعداء سنين طويلة وأنجبوا، وأن يُفرَض الطلاق وهو من مقاصد الشيطان وأمره، على أُسَرٍ بُنيت على ميثاق غليظ من العقد الشرعي والحب الطبعي!

لآل بيت النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم فضلٌ وحَقٌّ وسبْق، ونسَبُهم هو أفضل الأنساب، ولا يجوز أن يَنتسب إليهم من ليس منهم، ولا أن يُنفى نسب أحد منهم بمجرد عدم المعرفة؛ فهذا من الطعن والقول بغير علم.

وفي بلاد الهند ومصر والشام والعراق وفارس انتسابات لهذا البيت الشريف، أو لقبائل عربية أخرى قد تكون هاجرت في بعض مراحل التاريخ، فالجزيرة العربية رحم تنتج، وأحيانًا تعجز عن رعاية أبنائها وتغذيتهم فيهاجرون.

حين نتحدث عن عادات القبيلة أو عادات المجتمع يجب ألا نبالغ في نقدها وكأنها من إلقاء الشياطين، ولا نبالغ في فلسفتها والتبشير بها وكأنها تراث أنبياء!

لا يتوقع أن يكون المجتمع خاليًا من الأخطاء، لكن يجب أن يمتلك آليات جادة للتصحيح، وحين يمنعها يكون ظالمًا.

(المنح الوهبية في ذم العصبية) مرجع نافع من تأليف أ. عثمان شيخ عمر.



مواطن بدون هويَّة


الأرض، الشمس، الهواء، الجدران، الناس، الذكريات، الأحلام.. كلها تنتمي إلى هذا المكان.

صبي درج هنا لا يعرف جغرافيات أخرى، وتهجَّى أولى حروف لثغته الأولى على هذه الأرض، وتعرَّف على الحياة والدنيا والدين والعادات بواسطة جيرانه ومساكنيه.

صدحت حنجرته الطريَّة بنشيد وطني كان يظنه يعبر عنه.

في المرحلة المتوسطة كان يسمع الهمس: (أجنبي)، ويتلفَّت يبحث عن المقصود فلا يرى إلا ظله!

أبوه (حسن) يغادر المكان بعد أربعين عامًا ليعود إلى (تشاد).

الترحيل كان في انتظاره بسبب مشاجرة عابرة مع (مواطن) دون حكم أو قضاء..

?وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ? (الرحمن:9).

(كل الناس سواسية أمام القانون، ولهم حق بالتمتع بحماية متكافئة دون أي تفرقة، كما أن لهم الحق في حماية متساوية ضد أي تمييز يخل بهذا الإعلان، وضد أي تحريض على تمييز كهذا) (وثيقة حقوق الإنسان).

الترحيل هو اقتلاع شجرة غضَّة استنشقت عبير الحياة أول مرة في هذا الحقل، هو شيء يشبه عقوبة الإعدام!

شباب في سن الزهور لم تشتد سواعدهم، ذهبوا في رحلة الشتات والضياع إلى وطن لا يعرفون منه إلا اسمه، يتخطَّفهم المجهول، وآباء وأمهات واهنو العظام، مشتعلو الرؤوس شيبًا؛ يذرفون الدموع، ويكتمون اللوعة والحنين؛ لا حيلة لهم ولا سبيل.

مؤلم أن يشعر شاب مبدع ممتلئ بالأمل والطموح أن مستقبله يُغتال فجأة، وأن عليه أن يبدأ رحلة الكفاح؛ بحثًا عن لقمة العيش بعيدًا عن أحلامه.

قليلون جدًا يملكون إكمال دراستهم في الخارج على حسابهم الخاص.

وأكثر منهم مَنْ يفيقون من الصدمة على وقع يدٍ تأخذهم إلى عالم الانحراف والمخدرات والجريمة..

والأكثرون يفيقون من أحلامهم الوردية وطموحاتهم التي عاشت معهم؛ ليشمروا عن سواعد غضة، ويدخلوا في ميادين وأسواق العمل؛ مخالفين أنظمة العمل والعمال.

الـ (بدون) ظاهرة خاصة في بلاد أوسعَ الله لها في الرزق، استعصى حلها بسبب عادات التفكير، وما أفرزته من أنظمة لم تخضع للتغيير، ولم تضع مخاطر المستقبل في حسابها، وقد تضيق نفوس أقوام بها وكأن شريكهم في العيش ينهب رزقهم، وهو إنما يأكل ما كُتِب له، ويسهم بعرقه وجهده في عمل قد يأنف منه غيره!

إن من الخطأ الاستراتيجي بحق الأجيال أن تظل هذه المسألة الشائكة؛ التي تمس الملايين بدون حلول جادة وناجزة ومنصفة، وأن يكون الحل الأوحد الفعَّال هو تكدس الآلاف في مكاتب الترحيل ليذهبوا إلى بلاد ليست بلادهم، فبلادهم الحقيقية هي التي وُلدوا ونشأوا وتعلَّموا فيها، وشعروا بالولاء والانتماء إليها.

وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ يقول: (ابْغُونىِ ضُعَفَاءَكُمْ فَإِنَّمَا تُرْزَقُونَ وَتُنْصَرُونَ بِضُعَفَائِكُمْ) (البخاري).

في دول الخليج - خاصة - تبرز مشكلة الـ (بدون) كمأساة إنسانية في مجتمعات ثرية قادرة على ابتكار الحلول وتنفيذها.

وكلما أثير هذا الموضوع ارتفعت أصوات تهاجم هذه الشريحة العزيزة ومن يتعاطف معها، دون أن تقدم حلولًا حقيقية أو بدائل.

وفي بلاد العالم المتقدم؛ كالولايات المتحدة، وكندا، والسويد.. حصل الملايين من مهاجري العالم الإسلامي وخاصة دوله المنكوبة؛ كفلسطين والعراق واليمن، على الجنسية بسهولة، ويقع التحديث والنمو الهائل اقتصاديًا وحقوقيًا لدول يمكن أن تسمى دول (المهاجرين).



#ورد_وشوك




من ثقب الباب!


إحدى محطات التلفزة كانت تعرض مظاهرة حاشدة، وفي المجلس خليط يشاهدون ويحللون.

السياسي ينظر إلى الأحزاب والجماعات والدول التي يقول إنها وراء الحشد.

التاجر يفكر كيف يستثمر هذا التجمع لتسويق بضائعه، مشروبات، أطعمة، أعلام.. إلخ

الأمني يفكر في خطورة الانفلات، أو وجود عناصر مدسوسة..

شاب يحدق في وجوه الفتيات المشاركات!

إنه (الإطار العقلي) واختلاف زاوية النظر.

يقرأ أحدهم كتابًا فيعجبه، ويقرؤه آخر فيزهد فيه.

قد ترى وجهًا من الحقيقة ويرى غيرك غيره، وقد ترى اليوم شيئًا وترى غدا شيئًا آخر.

ثَمّ عوامل ثقافية واجتماعية، تعليمية وإعلامية، سياسية واقتصادية، تؤثر في التفكير وتشكل طريقة عمله، وتصنع أنماطه وأساليبه المتنوعة.

الفارق الجوهري هو بين مجتمع واعٍ قادر على تنمية فكره وتجديده، وآخر مقتنع بمثاليته مشبع نفسه بوهم الكمال.

العقل ميال إلى جعل المصلحة الخاصة مصلحة عامة، وقد يبدو الإنسان متحمسًا لقضية اجتماعية دون أن يعي أن حماسه يدور حول ذاته.

قد أدعي الحياد والموضوعية، وأنا صادق مع نفسي، لأني لم أدرك حجم التأثير والضغط الباطن علي، وتأثيره في قراراتي.

حين أحب فلانًا فليس لأنه يمثل الحقيقة، بل لأنه يمثل جانبًا مهما في شخصيتي.

في حياة الفرد والجماعة (بطل) يمثل ذروة الإنسانية، وحين يشح الواقع بالأبطال الحقيقيين نلجأ إلى اختراعهم، ووظيفة الأبطال مهما تنوعوا واحدة؛ هي ملء فراغ في ثقافة المجتمع لا يمكن أن يملأه غيره.

من النادر أن يكون المجتمع قد عرف أبطاله عن قرب، والوجدان الشعبي لا يبدو مكترثًا بالحقيقة التاريخية للبطل بقدر صورته الأسطورية التي صاغها الأدب أو الفن أو المخيال الشعبي.

قد يتنازع حق وحق، فليس كل نزاع هو بين حق وباطل، والمشكلة في زاوية النظر واختلافها وعدم تقدير رؤية الآخر.

حين ينتفع إنسان يظن الناس كلهم منتفعين ويريد منهم الرضوخ والاستسلام.

كثيرًا ما نسخر بما يخالف مألوفنا، أو نرفض معلومة لا تطابق مقاييسها معلوماتنا البدائية.

أشار أبو حامد الغزالي إلى أنه لو حدَّثك أحدٌ أن إنسانًا يحُكّ خشبةً بخشبة، فيخرج منهما شيء أحمر بمقدار نواة التمر، يأكل المدينة وأهلها فسوف تستنكر ذلك، ما لم تتعلم أن حك غصنين من شجرتين يولد شعلة نار قابلة لإحراق مدينة!

وحين تُحَدِّث شخصًا معزولًا عن العالم، عن التلفاز وكيف أن الأموات تنشر فيه وتتحرك وتتكلم وتضحك، وأن الحروب العالمية تشاهد فيه كأنها تحدث الآن، لعدّ هذا نوعًا من الهرطقة.

من الطريف أن اثنين شاهَدَا الطائرة في الفضاء لأول مرة، وتكلم أحدهما عند أصدقائه بما رأى، فكذبوه وسخروا منه، فطلب شهادة زميله على الرؤية، ولكن زميله أنكر ذلك وهمس في أذنه: هل تريد أن يتهموني بالجنون؟

أخطر العادات هي عادات العقل، على أن الكثيرين سوف يُصدمون عندما يسمعون هذه الكلمة!

الجذور الخفية للعادات توجد هنا، ولأنها خفية لا نتفطن لها، نحن نفكر (عادةً) بطريقة تلقائية دون أن نملك التفكير في تفكيرنا!

التغيير يبدأ من هنا، علاج الإدمان والتخلف والجهالة والسياسات الضالة والأخطاء المتكررة، يبدأ من الوعي بمشكلة (طريقة تفكيرنا).

اكتشاف عادات العقل يطور قدراتنا، ويحقق درجة عالية من النفاذ إلى جوهر الأشياء.

قد نظن أننا ننظر إلى اتساع الأفق بينما نحن في الحقيقة ننظر من ثقب الباب.

الذكاء قابل للتطوير إذا أتقنا مهاراته، وقد كتب (آرثر كوستا) ست عشرة مهارة أو عادة عقلية في كتابه (عادات العقل) الذي ترجمه حاتم عبد الغني.



النجاح عادة


* يُعَد أديسون رابع أكثر مخترع إنتاجا في التاريخ، ويمتلك 1093 براءة اختراع أميركية تحمل اسمه، فضلا عن العديد من براءات الاختراع في المملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا.

كان يعمل 18 ساعة في اليوم ويقول: إن العبقرية جلد 99% وذكاء %1، وكانت زوجته تقول: إنه لا يملك الحب.

استعرضت سير الناجحين تاريخيًّا وواقعيًّا، فوجدت الصبر والمثابرة صفة مشتركة لديهم جميعا.

النجاح مرتبط بالجَلَد وعدم الاستجابة للملل واستمرار المحاولة، الجديد هنا أن المثابرة هي (عادة عقلية) يمكن تعلمها والتدريب عليها.

لا تخف، فليس الحصول على النجاح في مقابل الحب كما في حالة أديسون، بإمكانك الحصول عليهما معًا!

* صديقي يطرح فكرته بحماس وكأنه لا عيب فيها، وبعد النقاش يهدأ حماسه ويفكر من جديد.

التحكم والتأني في مواجهة الحقائق والاحتمالات وتمحيص الفكرة وإعادة النظر فيها وتجريبها ومناقشتها (عادة عقلية).

تتراوح أفكار الشخص العادي ما بين 50 إلى 60 ألف فكرة يوميًّا، بمعدل فكرة جديدة كل ثانية خلال 16 ساعة (ساعات اليقظة).. ماذا تأخذ وما تدع منها؟

* مجموعة يتحاورون وكأن كل واحد منهم في كوكب مختلف عن الآخر، غاب الفضاء الذي يؤلف بينهم.

يقضي الطالب 55 % من حياته مصغيًا، ومع ذلك فالإصغاء هو أقل شيء يتعلمه في المدرسة، فالمطلوب هو الإصغاء النقدي والتفكير المحكم وليس التلقين وهز الرؤوس.

الإصغاء بتفهم هو بداية الحكمة، ويعني قدرة المستمع على تحليل المعاني الواردة في أقوال الآخرين وكسب ودهم وتخفيف انفعالهم وإشعارهم بالاهتمام.

* اكتشف أخيرًا أن الطرق الموصلة إلى مدينته عديدة، بعضها أقرب، وبعضها أجمل، وبعضها أكثر أمانًا، ولم يكتشف أنه لا زال يجهل طرقًا أخرى للوصول.

التفكير المرِن من أصعب عادات العقل، لأن المرونة تعني معالجة المواقف بطريقة غير التي تعودها المرء، تعني تغيير طريقة الدماغ في التفكير وإيجاد البدائل.

* ?فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (38) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ? (الحاقة:38،39).

?وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا? (الإسراء:85).

هل سألت نفسك يومًا: لماذا تفعل شيئًا ما؟ ولماذا لا تفعل شيئًا آخر؟

هل فكرتَ في أثر ما تفعله على غيرك؟ يفرحهم؟ يحزنهم؟ يشككهم فيك؟

التفكير المجرد يعني القدرة على معرفة حدود ما نعرف وما لا نعرف وأن يكون الإنسان أكثر إدراكًا لتبعات أفعاله وتأثيرها على الآخرين وتوظيفها.

* في الحكمة: من يرتكب غلطة ولم يصلحها فكأنه ارتكب غلطتين، علينا أن نتعلم منذ الصغر أن التسرع يؤدي إلى ارتكاب الأخطاء وتكرارها، الدقة مهمة حتى في أصغر التفاصيل (أن يتقنه).

يميل العقل العربي إلى حكاية أكاذيب وتوهمات وإخفاء الحقيقة، حفاظًا على (الوجه)، ولذا لا يقر بالهزيمة ولا يحسن الاعتذار، يستخدم (الفهلوة) للتكيف لفظيًا مع الخطأ، وتسليك الأمور..

الوصول إلى الدقة هو نتيجة التفكير الناقد الصبور المتجدد، الدقة تعني عدم التسرع.

* - لماذا تنمو أظافر اليد أسرع من أظافر الرجل؟

- ما سبب الحروب والصراعات في العالم؟

أهم من الإجابة أن يتعلم الطفل طرح الأسئلة والتفكير فيها وعدم قبول الأمور على علاتها، وقد وُصِف ابن عباس بأنه (فتى الكُهول له قلبٌ عَقول ولسان سَؤول).

التساؤل مهارة عقلية قبل أن تكون لسانية، إنه انفتاح العقل على ظاهرة صغيرة أو كبيرة تقتضي أن يبحث عن سببها.

لا تزدرِ السؤال، سؤال نيوتن كان وراء اكتشاف الجاذبية.

* (المطب) الذي فاجأك في الطريق يجب ألا يفاجئك مرة أخرى (لا يُلْدَغ المؤمنُ من جُحْرٍ واحدٍ مرتين) (البخاري).

الأذكياء يتعلمون من تجاربهم وتجارب الآخرين، والأغبياء يكررون أخطاءهم.

تطبيق المعلومات القديمة على أوضاع جديدة يعني استخلاص العبر والنتائج من حادث سابق، وتطبيقه في سياق آخر، ولو كانت الحوادث لا تتشابه تمامًا، لكن الأذكياء يستطيعون استخراج النتائج المفيدة وتوظيفها في حالات مشابهة، وتجنب الوقوع المتكرر في الحفرة ذاتها.

* هل جربت أن توصل معلومة في مقالة أو درس لأناس لا تعرفهم؟

كان الطبيب يعرض حوضًا من الماء وآخر من الخمر، ويضع فيهما ديدانًا ليثبت أنها تموت في الخمر، بقصد التحذير من ضررها، اعترض أحدهم بأن هذا دليل على أنه يطهر المعدة!

آخر كان يقول لأبنائه: إن العصفور الذي يخرج مبكرًا من عشه هو الذي يحصل على الدودة، فردّ عليه أحدهم بأن الدودة المبكرة هي التي وقعت في قبضة العصفور!

كثير من المتعلمين يتمسكون باللفظيات، ويغضون النظر عن المقاصد.

كان عمر يفكر بحلٍ لمشكلة (فرائضية) يسهّل معرفتها لمن يقرأ القرآن ومن لا يقرأ القرآن.

كان الخليل يفكر بحساب تذهب به الجارية إلى البقال فلا يظلمها.

أرسل عمر بن عبد العزيز إلى الخوارج رجاء بن حيوة يناظرهم، فسألوه: لماذا لم يتبرأ عمر من بني أمية الظالمين؟ فقال لهم: ما تقولون في هامان؟ قالوا: كافر ظالم، قال: كم مرة تلعنونه في اليوم؟ قالوا: لعلنا لم نلعنه طيلة أعمارنا! قال: ما دمتم لم تلعنوه وقد حكم الله عليه بالكفر في كتابه، فَلِمَ تطالبون عمر أن يلعن آباءه وأجداده وقرابته؟ فسكتوا.

سُئل رجاء: لم ذكرت هامان ولم تذكر فرعون؟ قال: خشيت إن ذكرتُ فرعون أن يكونوا يلعنونه؛ لأنه رأس مشهور فيغلبونني، فأتيتهم بهامان؛ لأنه أقل شهرة وقل من يلعنه.

لكل مجموعة، بل لكل إنسان، قاموسه الخاص، رُبّ كلمة تغضبني ولا تعني لك شيئًا، وقد ينفي الإنسان شيئًا قَطْعًا وتكون لغته اللسانية والجسدية توحي بالعكس.

الدقة في التوصيل (عادة عقلية)، وطريقة إيصال المعرفة للآخرين تحتاج إلى فهم واضح ولغة جيدة، سواء كان ذلك كتابيًّا أم شفويًّا مع معرفة المخاطبين وكيفية الوصول إلى عقولهم، وهذا يتطلب عقلًا واعيا.

* هل أنت ممن يقضون حياتهم غافلين عن طبيعة ما حولهم من المواد والأصوات والأنماط والألوان؟ هل تُفَضِّل لمس الأشياء أو الاقتراب منها، أم تفضل مراقبتها من بعيد؟

استخدام الحواس وتوظيفها في بناء المعرفة (عادة عقلية)، وفي هذا السياق يجب الاهتمام بحواسنا ولفت نظرها للبيئة وما حولها من جمال متعدد الألوان والأنواع والأصوات.

ربما كان برنامج (انستقرام) أداة طيعة وسهلة في تنمية هذا الاهتمام.

* الإبداع الأدبي أو التقني كان صورة ذهنية في عقل صاحبه قبل أن يتمثل في الواقع اختراعًا أو إبداعا.

تصور نفسك قائدًا لمجموعة أو معلمًا أو مديرًا أو رئيسًا، ماذا سوف تفعل؟

(كيف بك يا سُراقة إذا لبستَ سواري كِسْرى) (البيهقي).

التصور والابتكار والقدرة على التخيل (عادة عقلية).

* حين اكتشف (أرخميدس) قوانين المعرفة فرح وصرخ: وجدتها وجدتها.

الدهشة (عادة عقلية)، فحين يكتشف الإنسان شيئًا جديدًا جميلًا، يكون أمام لحظة نادرة في حياته.

إنها ضالتنا التي نبحث عنها بلهفةٍ، ولا نأنف أن نجدها في أي مكان وعلى أي حال.

* أحد الشباب تسرّع في عرض فكرة وليدة قبل إنضاجها، فكانت سببًا في حملة ضارية لم يقوَ على مواجهتها، وبعد ذلك أصبح يتهيب طرح الأفكار، حتى لو كانت قوية ومدروسة.

الإقدام على المخاطر وحب المغامرة وعدم الخوف من الفشل (عادة عقلية).

ومن يتهيبْ صعودَ الجبال

يعِشْ أبَدَ الدهر بين الحُفَر

يتميز أصحاب الفكر الصائب بالسعي للخروج من مناطق الراحة والأمان، واستخدام المخاطرات المحسوبة حسب الخبرات السابقة، وحسن تقدير ما إذا كان هذا السلوك يستحق المخاطرة أم لا.

شخصية (س) الكاريزمية والمهيبة صنعت سطوة على من حوله، وصارت تطرد الأفكار المترددة والخجولة، علمًا أن بعض هذه الأفكار صائب أو قابل للتجريب.

* كان الإمام أبو حنيفة يُدرب طلابه على المناظرة في المسائل الفقهية، والشيخ السِّعدي سلك الأسلوب ذاته.

التفكير التبادلي بين أفراد المجتمع أو المجموعة أو الفصل، يعزز التعاون وتقبل الخلاف وتطوير الأفكار.

* القصة والابتسامة والمثال والمثل الشعبي تجدد حيوية العقل.

الماهرون يلحظون كل ما هو غريب ومثير للسخرية في العالم، ويحبون التصرف في اللغة وإيجاد المشابهات المجازية وإضفاء روح المرح على العمل.

الدعابة وإضفاء شيء من المرح لتلطيف العمليات المعقدة التي تتطلب جهدًا (عادة عقلية).

* كثيرون يقرؤون أكثر من اللازم، ويستخدمون عقولهم أقل من اللازم، فيقعون فريسة عادات التفكير الكسولة كما يقول آينشتاين.

لا تجعل مهمتك ترديد النتائج البشرية التي توصل إليها غيرك فحسب!

التعليم المستمر لا يعني أن تكرر الشيء ذاته مرة بعد أخرى وتتوقع نتائج مختلفة، بل الاستعداد الجديد والتجربة والتغيير، وعليه فالابتكار والذكاء ليس موهبة فحسب، بل هو (عادة) يمكن للصبور أن يكتسبها، الاستعداد الدائم للتعلم هو نتيجة التواضع.

أول شيء علمه الله لآدم هو (الأسماء)، وتؤكد الدراسات أن تعلم أسماء الأشياء هو تعلم المفاهيم والرموز والقدرة على التفكير، وهي أهم الخطوات المساعدة على التحليل والتركيب والمقارنة والتمييز واتخاذ القرارات وحل المشكلات.

إنني أعتقد أن أعظم العادات العقلية هو (الإيمان بالله)، حين يكون صادقًا وعاطفيًّا ومتصلًا بالحياة، فهو يحدد نطاق التفكير، ويصنع التحفيز اللازم، ويعطي التطلع للمعرفة، والانتماء للحياة، ويزود المرء بوقود الصبر والإصرار والمثابرة، ويجعل التفكير عبادة وعادة في الوقت ذاته، ويمنح العزاء والسلوة عند الفشل أو الإخفاق فلا يتحول إلى كابوس اكتئاب أو إحباط، ومن أعظم تجلياته بناء ثقة الفرد بنفسه ومسئوليته عن ذاته وعن قراراته ونتائجه وأحكامه، الإيمان يصنع النجاح ومع النجاح التواضع لله وطلب المزيد.

الإيمان عادة عقلية ووجدانية وحياتية، وسواء كانت عادة مستبصرة لدى متزود بعلم الكتاب والسنة، أو كانت متلقاة بالتربية لدى عجوز أمية، فهو في الحالين سر السعادة والرضا والنجاة، وتظهر عند أول مثير على شكل خشوع وانكسار أمام عظمة الخالق، أو على شكل بذل وصلة وإحسان وقيام بالحق.

تتغير أشياء كثيرة ويبقى الإيمان هو (الثابت) الذي يعطي الأشياء قيمتها.



أحجبة!


(زوجي تغير)

هي لازمة لا تكاد تنخرم، تقولها المرأة بعد فترة من الزواج تطول أو تقصر!

السحر الأسود هو السبب!

أو العين والحسد!

أو الجن الذين تلبسوها وحرموا زوجها المتعة.

في قصة طريفة كانت المرأة تنعزل عن زوجها وتصرخ وتقفل الباب، وتدّعي أن الجن (يجامعها)، اكتشفت شرطة (حدائق القبة) بعد حين أنها كانت على علاقة محرمة مع مجموعة يحضرون إليها بانتظام، في حفلة فسق جماعية!

الطلاق، العقم، العنوسة، العنف الزوجي، فشل المشروع.. كلها تفسر باحتمال واحد من ثلاثة!

لها أصل شرعي تم تهويله وتحويله إلى كابوس وطقوس ومبالغات منافية للإيمان بالله والتوكل عليه.

كنا نسمي الإعصار (عجاجة جن)، وهكذا يعتقد بعض المصريين بأن الجني يركب الزوبعة في طيرانه، وعند رشهم الماء على الأرض يتلفظون بكلمة (دَستور)، وكأنها رسالة للجني الذي صادف وجوده في المكان بطلب المسامحة.

لكل حي من أحياء القاهرة حارس يتجسد في شكل أفعى، وأرواح العفاريت تسكن الأضرحة وأعماق المعابد.

(المولد) تكريم لولي شعبي يزار في مناسبات ومواسم.

التصور الشعبي للأولياء في معظم البلاد العربية يجافي التصور الشرعي، ويعطي الولي حق السيادة (سيدي)، وبعضهم يقدم خدمات محلية، وآخرون يقدمون خدمات عابرة للمدينة أو الإقليم!

غالبية الزبائن من النساء والفلاحين والفقراء، ومن لم يحصلوا على حظ من التعليم.

و (شيخ الطريقة) يمكنه الاتصال بالجن، والتفاهم معهم، وتحضيرهم، وعمل الأحجية والعزائم وإبرام المعاهدات!

قرأ حافظ إبراهيم في جريدة أن دَخْل قبر السيد البدوي ستون ألف جنيه، في وقت كان هو يعاني فيه، فقال:

من لي بحظ النائمين بحفرةٍ

قامت على أرجائها الصلواتُ

للسيد البدوي دخلٌ قدره

ستون ألفًا والحظوظ هباتُ

وأنا أُعَذَّبُ في الوجودِ وليس لي

يا أمَّ عمرٍو ما به أقتاتُ!

(الحجاب) هو أرقى صور المعالجة الروحية، وكأنه بديل عن الرقية الشرعية، وعن العلاج الطبي، و(السيمياء) هي علاج للبسطاء عن طريق عطور وعقاقير لها مفعول الأفيون.

قراءة البخت والعرافة تقوم بها (غجرية) تزعم أنها من سلالة البرامكة وأن لديها السر الأعظم.

في مصر أكثر من (27) موسمًا ترتبط بالتاريخ والأماكن والأعياد والموالد، وفي العراق والشام ثقافة مشابهة تستعصي على الإصلاح والإحياء الديني.

أرى التفكير أدركه خمولٌ

ولم تعُدِ العزائم في اشتعالِ

وأصبح وعظكم من غير سحرٍ

ولا نورٍ يطلّ من المقال

وعند الناس فلسفة وعلم

ولكن أين تفكير الغزالي؟

وجلجلة الأذان بكل صوتٍ

ولكن أين صوت من بلال؟

مآذنكم علت في كل حي

ومسجدكم من العباد خالي!

(محمد إقبال)

لقد وقفت أقفال التفكير لتحول دون تصحيح المفاهيم، وصنعت أكبر عائق عن تفهم كتاب الله وشرعه، وعن إدراك الواقع والمشاركة فيه، وعن التقدم العلمي والحضاري.

* (الموت مع القوم رحمة!) كما يقول المثل العامي البئيس.

نقل ابن عبد البر الإجماع على أن المُقَلِّد لا يُعَدُّ من جملة العلماء، هذا في التقليد الفقهي، أما التقليد العام في التفكير والدين والعمل فقد كان أداة رئيسة لصد الناس عن الدين.

التقليد يعني الانقياد بلا وعي ولا رشد، يعني وقف عملية التفكير كما يقول دريد بن الصمة:

أمرتهمُ أمري بمُنْعَرَج اللِّوَى

فلم يستبينوا النُّصْحَ إلا ضُحَى الغدِ

فلما عَصَوْني كنتُ منهم، وقد أرى

غوايتَهم أو أنني غير مهتدِ

وهل أنا إلا من غزية إن غوتْ

غوَيْتُ، وإن ترشد غُزية أرشُدِ!

بالتقليد يصبح المليون واحدًا! (لا تكونوا إمعة، تقولون: إنْ أحسن الناس أحسَنَّا وإن ظلموا ظلمنا، ولكن وطِّنُوا أنفسكم إن أحسن الناس أنْ تحسنوا، وإن أساءوا فلا تظلموا) (الترمذي).

في تجربة علمية معروفة بـ (ميلقرام)، قام مجموعة باحثين بإحضار مجموعة متطوعين من الأساتذة، وأخبروهم أن هدف التجربة دراسة مدى انصياع المدرسين للقرارات الإدارية!

تم ربط طالب بكرسي وإيصاله بدائرة كهربائية، وأعطي الزر للمدرس ليرسل هزة كهربائية في جسد الطالب كلما أخطأ، فعلًا كلما فشل الطالب في إجابة قام المدرس بالضغط على الزر، وصار الطالب يتلوى ويتألم!

سأل المدرسُ المشرفَ على التجربة: هل جميع المدرسين يفعلون ذلك؟ أجاب: نعم.

كان هذا كافيًا ليكرر المدرس فعلته دون التفات لحال الطالب المسكين.

الطالب كان ممثلًا ولم يكن ثم كهرباء، ولكن التجربة كشفت عن شؤم المحاكاة العمياء للآخرين، واتباع الأوامر بغض النظر عن أخلاقيتها وصدقها.

التقليد يجعل الفرد يتقبل شيئًا ويرفض نظيره، ينظر إلى قراءة الحديث النبوي بعد صلاة العصر باستثناء يوم الجمعة على أنها عادة حسنة، لأنها مألوفة، وهي كذلك.

ويستغرب اجتماع الناس في المساجد بين صلاتي المغرب والعشاء في بلاد المغرب العربي على تلاوة القرآن، وهي عادة حسنة أيضًا، ليس فيها إلا تدارس القرآن وحفظه والاجتماع في بيت من بيوت الله على تلاوته، وهو مدعاة لنزول الرحمة وغشيان السكينة وحفيف الملائكة، وطالما حفظ الله القرآن وأهله بهذه المجالس منذ أيام الاستعمار وما قبله.

الاعتياد يجعل المرء مستحسنًا لقراءة الفاتحة ضمن أوراد الصباح والمساء، أو ترديد ذكر معين مثل: (لا حول ولا قوة إلا بالله) مئة مرة، ولو لم يرد ذلك نصًّا، ولكنه ذِكر حسن متوارث، وفي نصوص ابن تيمية وابن القيم ما يرشح ذلك ويدل على أنه مجرب في دفع البلاء وتحصيل القوة، وهو كذلك.

ولكنه يستغرب نظير هذا حينما يجده في مجتمعات غريبة عنه، ويداخله الخوف من بدعيتها والخوف من السكوت عليها.

مجتمع يقرر أن ختان الأنثى سنة، ثم لا يعمل به ولا يتواصى بإحياء السنة، بسبب الغيرة على البنات (أتَعْجَبُون من غيرة سعد؟ لأنا أَغْيَرُ منه، والله أغْيَرُ مني)!

قال ابن الجوزي: (رأيت عادات الناس غلبت على عملهم بالشرع فهم يستوحشون من فعل الشيء لعدم جريان العادة، لا لنهي الشرع).

يوجد الذنب أو المشتبه، ومعه وحشة اجتماعية بمخالفته المألوف، فتزيد شناعته عند الناس وعند صاحبه، وعندما يُؤْلف يبقى ذنبًا قابلًا للمغفرة مسكوتًا عنه عند الناس.

والقسط أن يكون الميزان واحدًا في التعامل مع عادات لها أصل ولكنها لم ترد بتفصيلها في الشريعة.

تقليد رجل مدعاةٌ للزلل، وتقليد الذات بالإصرار على قولٍ أو موقفٍ لمجرد أنه قاله أو عُرِف به أسوأ، وتقليد المجتمع أكثر خطورة.

* كان بعض علماء التفكير يقول: إن المجتمع قد يصبح صنمًا شرسًا يحجب عن التفكير والعقل.

قد تتحول سلطة المجتمع وضغطه إلى طاغوت، والأنا الجماعية أو (العقل الجمعي) تجرف الإنسان وتمنعه من التفكير السليم.

في التنزيل وعظٌ بالخَلاص من هذه السلطة الضاغطة ?قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ ? أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى? وَفُرَادَى? ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ? مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ ? إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ? (سبأ:46).

المثنى والفرادى أقرب إلى الصدق مع الذات، وأكثر تجرُّدًا من المساحيق والأصباغ التي يتجملون بها، فتمنعهم من رؤية الحق، وتصنع الحجاب والران ?كَلَّا ? بَلْ ? رَانَ عَلَى? قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ? (المطففين:14)، ?وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ? (فصلت:5).

المركز الاجتماعي قد يمنع الانقياد للحق والمصداقية في العمل، انطلِقْ دون مواربةٍ أو خجلٍ أو خوفٍ من المجتمع أو الناس، ودون اندفاع متسرع غير مدروس.

* أكد أحد الباحثين أن قوة التدين وشدته، بمعناه الضيق أو المغلوط، متناسبة مع ضعف التفكير، وقد يقع التدين باختراع سلوكيات لم يشرعها الله ولا رسوله، وهي من زيادة التكاليف والبدع التي صارت نظيرًا للتكذيب بآيات الله، وشريكًا في الصد عن سبيل الله ?وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى? عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ ? إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ? (الأنعام:21).

الخرافة تحجب العقل عن التفكير العقلاني المنطقي، وتربطه بالروحانيات والسحر والشعوذة، وتعلق الإنسان بالخوارق، على حين أن القرآن يعلق الناس بالسنن الربانية الجارية، التي وضعها الله نواميس للكون وعلامات للناس.

التفكير مجموعة من العمليات الذهنية المترابطة، فإذا جاءت الخرافة أوقفت كل ذلك؛ لتختصر المشوار العقلي السليم بنتائج جاهزة، مثل الساحر الذي يدعي علم الغيب وبواطن الأشياء بطريقة لا مدركة، فهو يختصر على بعض السذج والأغبياء بهذا الأسلوب الخرافي عمليات التفكير السليمة، فتعطل الملكات والمواهب الربانية، وتستحكم ?لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا ? أُولَ?ئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ? أُولَ?ئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ? (الأعراف:179).

حينما ركب الأديب العراقي جميل الزهاوي في الأسطول العثماني، توقف مرّة بسبب عطل فنّي، وكانت الأساطيل تعمل بالبخار، فاختاروا معممًا قعد يقرأ صحيح البخاري من باب البركة، فصرخ فيهم الزهاوي: (ياقوم.. إن الأسطول يعمل بالبخار.. لا بالبخاري)!

البحث عن البركة عمل جليل، لكنه لن يصنع شيئًا إذا لم يرافقه العمل وفق السنن الطبيعية التي وضعها الله.

(المجذوب) أو (المسلوب) أو (الدرويش) هو كائن طار عقله إلى السماء، بينما جسده مع الناس، ولذا يعدونه فاضلًا حتى مع الفظاعات التي يرتكبها، فتصرفاته السخيفة أو الفاجرة هي وليدة تجرُّدِ ذهنه عن الأشياء الدنيوية؛ لأن روحه في الملكوت!

ملكاته الفكرية مسلوبة بالعبادة لدرجة أنه لا يسيطر على أهوائه!

قد تصادف النساء (وليًّا!) يركض عاريًا في الشارع فلا تنتفض لرؤيته ولا تعتبر فعله مشينا.

* حاورت أحدهم فلاحظت أنه كان يتلو كلامه بدل أن يقوله ويحاور فيه، وكأنه يقرأ نصًّا مُحْكَمًا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فتذكرت قاعدة الشافعي: كلامي صواب يحتمل الخطأ، وكلام غيري خطأ يحتمل الصواب.

القطعية والحَدِّيَّة ألغت المنطقة الرمادية للأشياء والحلول الوسط، فتعود على أن يأخذ كل شيء أو لا يأخذ شيئًا، وحتى في العلاقات العاطفية يحب جميعًا أو يكره جميعا.

* (لا يقضي القاضي حين يقضي وهو غضبان) (البخاري).

حين تكون مُغْضَبًا أو خائفًا أو شديد التطلع لشيء، فلن تحصل على تفكير موضوعي، فأنت لا تجني من الشوك العنب.

قد يكون التفكير الانفعالي ردة فعل غير متزنة تجاه حدث، أو ثمرة تعصب وجهل وحماس لفكرة تقبلها دون وعي.

وما الغضب إلا صورة من صور الانفعال الذي يغلق التفكير، وقاسَ العلماء عليه الحاقِنَ والجائع ونحوه، فالعوارض الانفعالية تغلق العقل، ولذلك سُمِّي إغلاقًا في حديث: (لا طلاق ولا عَتاق في إغلاق) (أحمد وأبو داود وابن ماجه والحاكم).

* كان أحدهم ينكر تأثير النذور على القبور، فجاء إليه بعض المؤمنين بها وذهبوا به إلى معبد مشهور وقد عُلِّقت على جدرانه عشرات اللوحات التي وضعها البحارة الذين نجاهم الله استجابةً لنذورهم، ثم سأله: هل ستظل منكرا؟

أجاب: ولكن أين لوحات الذين غرقوا في البحر رغم نذورهم؟!

الانتقائية في الاستدلال تجعل العقل في إجازة؛ لأنه يعتمد على دليل حسي أو شرعي.

الغيب عنصر مُحَفِّزٌ ومُثْرٍ للخيال وحسن التوقع، وليس مثبطًا أو مدمرا.

الغيب فوق العقل، والخرافة والأسطورة تحته، ولا يُنْسَب إلى الغيب إلا ما جاء عن طريق النقل المصدّق، حرامٌ أن يصبح العقل الإسلامي الشعبي عقلًا مُشْرَبًا بالخرافة ميالًا إلى تصديقها.

المعجزة مرتبطة بالأنبياء، والكرامة مرتبطة بالأولياء الصالحين المتقين، ولم يتعبدنا الله بتطلبها أو البحث عنها، (وربما نال الكرامةَ مَنْ لم تكمل له الاستقامة).

والشريعة جاءت بـ (مَحَارات العقول) لتثبت محدودية العقل، وجاءت بمخاطبة أصحاب العقول لتثبت كفاءة العقل في نطاقه.



ما بين اللحية والحاجب!


أكثر ما تسألني البنات عن التشقير، وأكثر ما يسألني الرجال عن تهذيب اللحية.. علام يدل هذا؟

هي ليست حالة خاصة، شيء أشبه بظاهرة منتشرة تتكرر في برامج الإفتاء؛ في الإذاعات، والقنوات، والصحف، والأدوات الأخرى، إنها عادة تكرير المكرر وتقرير المقرر.

معظم التحليل يتجه إلى اعتبار ذلك نوعًا من السطحية، والتفكير المحدود، والانشغالات الجزئية؛ التي تستحوذ على اهتمام فئة من الشباب بجنسيه، ويرى أنك لو سألتهم عما يجري من حولهم من أحداث محلية أو إقليمية أو عالمية لسمعت: (نحن لا نحب السياسة ولا نتابع الأخبار)، هم إذًا لا يعيشون زمانهم بل يعيشون على هامش الحياة! وبمثل هؤلاء لن تتحقق نهضة؛ حسب رأي كثيرين من المعلقين.

ولو سألت بعض الناس عن قضايا جوهرية في الدين لتحيّروا وسكتوا ولم يحْروا جوابًا ولا نطقوا صوابًا، ولعل القضية خارج اهتمامهم، وهذا يبدو قريبًا بالنظر إلى تكرار لافت لهذه الأسئلة، وكأن كل أحد يريد جوابًا خاصًا به، ولا يكفيه أن يسمع جواباتٍ لآخرين، يريد أن يقول: سألت بنفسي، عوضًا عن: سمعت بأذني!

أحدهم وجد فيها نوعًا من الكسل المعرفي بعدم البحث ولا المراجعة، وكل ما هنالك أن أسمع أو أقرأ الآن ما أريد، ولا أكلف نفسي عناء البحث.

هي اهتمامات فطرية طَبْعيّة يتم المبالغة فيها حتى تطغى على غيرها وتصبح في رأس القائمة، ثمَّ إذًا خلل في ترتيب الأولويات، أو في (فقه المقادير)، ?قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا? (الطلاق:3).

الاهتمام بالمظهر والجمال، والتَّوْق لصورة معبرة عن سمو الروح، وحافزة على الإعجاب ليس مذمومًا بمجرده ?وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ? (غافر:64)، ?قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ? (الأعراف:32)، ولذا يعدّ آخرون هذا السؤال محاولة لخلق التوافق بين الدين وزينة الحياة، والمظهر ليس تفاهة ولا شيئًا يحتقر.

فهم إذًا فئة تجمع بين (حب الجمال)، و(تحري الصواب)، وهي رؤية إيجابية التقطت جانبًا حسنًا، ولكنها تفتقر إلى تسويغ الاهتمام المفرط على حساب قضايا أكبر وأهم حتى في جانب الجمال وتحري الصواب، فلا يخلو الأمر إذًا من انتقائية وتربية على تغليب فروع يتنازعها الذوق والعرف الاجتماعي والحكم الفقهي.

هل يدل هذا التركيز على تأثير الصورة والإعلام في المتلقّي عبر النمط الذي يشاهدونه ويعجبون به؟

أو كما يعبر أحدهم عنه بما يسمى (شباب كول)، (بنات كول) وسيطرة الموضة بتفصيلاتها على نوع الجمال المرغوب؟ أم على جانب فطري بميل كل طرف للآخر، وحرص الأنثى على جذب الرجل، والعكس؟ وهل يعدّ مبالغةً في التجميل؟

أحدهم يقول: (إن الجمال الطبيعي هو الأحسن والأكثر مقبولية)، ويستشهد بقول المتنبي:

أَفدي ظِباءَ فَلاةٍ ماعَرَفنَ بِها

مَضغَ الكَلامِ وَلا صَبغَ الحَواجيبِ

وَلا بَرَزنَ مِنَ الحَمّامِ مائِلَةً

أَوراكُهُنَّ صَقيلاتِ العَراقيبِ

بينما يميل آخر إلى الاستشهاد بقوله:

أَغايَةُ الدينِ أَن تُحفوا شَوارِبَكُم

يا أُمَّةً ضَحِكَت مِن جَهلِها الأُمَمُ

المؤامرة حاضرة هنا، والتغريب أيضًا، وحتى (الغزو الفكري)!

فهو التعلّق بكل ما يأتي من الغرب - حسب أحدهم -، وكأنه نسي أن كثيرًا من أنماط الجمال وصوره معروفة لدى عرب الجاهلية، وفي الإسلام عبر العصور، وكأن الغرب هو مصدر كل رذيلة، ويكفي في التنفير من شيء أو ذمّه أن نحاول ربطه بهذا المصدر، وكأن ما يأتي من الغرب مرفوض كله جملة وتفصيلا!

فئة تعتبر هذه الأسئلة (وما شابهها) قضاءً مبرمًا على الإسلام وعلى الأخلاق..

وربما أخذت (المؤامرة) بُعْدًا آخر باعتبار أن السؤال ذاته مؤامرة على المفتين لجرّهم إلى (التساهل) أو تغيير فتاواهم، أو التصريح بالجواز، حتى ينقلوا عنك أنك تُحلّلها إما احتجاجًا بك، أو نقدًا لك!

هم إذًا يعرفون الحكم في داخلهم، ولكن يبحثون عمن يُرخّص لهم!

يقول أحدهم: (هذا يقود إلى انتقاد دور المفتين، فالناس لم يحصلوا على إجابة شافية وافية)!

ولست أدري ما هي الإجابة الشافية الوافية؟ التحريم أم الإباحة؟ أم هي شيء آخر؟

اختلاف الفقهاء وتفاوت فتاويهم أمر معتاد، وجارٍ في معظم المسائل، ولا يجرؤ الفقيه اليوم على عرض آراء فقهاء سابقين في مسائل اجتماعية أو سياسية؛ لأنها أصبحت مُسْتَغْرَبة أو مُسْتَنكرة لدى المهتمين، فلا جديد إذًا.

(فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ) (البخاري).

معنى مناسب لمن يتردد في الحكم أو يداخله قدر من الريبة، وهذا أسلم له من ملاحقة المفتين والإلحاح المستديم على مسألةٍ أو حكم، فالاشتباه قد لا يكون صفةً دائمة للفعل، ولكنه متصل بحال المكلف من حيث عدم جزمه بالحكم، وقد يكون الاشتباه صفةً دائمةً كما إذا كان الفعل (مكروهًا) في الشريعة فهو أحد أنواع المتشابه عند طائفة من أهل العلم. (اسْتَفْتِ قَلْبَكَ.. وَإِنْ أَفْتَاكَ النَّاسُ وَأَفْتَوْكَ) (أحمد)، هو توجيه نبوي شديد الأهمية، لأنه يُبرز دور السائل والمستفتي والمكلف بعامة، فالقصة ليست خروجًا من المسئولية ولا إلقاءً بها على آخر تحت شعار: (اجعل بينك وبين النار مطوّع) كما تقول العامة، أو شعار: (من قلّد عالمًا لقي الله سالمًا) كما يقول بعض الطلبة والمتفقهين.

?فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ? (النحل:43)، دعوة إلى التزود من المعرفة بنطاقها الواسع، وتبدأ بالبحث في جوهر الدين وأصوله وكلياته وقيمه العظمى، ثم مصالح الدنيا الكبيرة التي عليها مدار النجاح والتفوق في الحياة، فليس النص ذريعة للإفراط في الجزئيات والاشتغال الدائم بها، والاحتماء بنص في وجه من يدعونا إلى حفظ التوازن، والانتقال إلى ميادين أوسع وقع الجور عليها أو تجاهلها عمدًا أو غفلة.

وضمن هذا يأتي الحديث الصحيح: (وَكَانَ يَنْهَى عَنْ قِيلَ وَقَالَ وَكَثْرَةِ السُّؤَالِ) (البخاري)، فالكلام غير الجاد، والإلحاح الدائم على الجزئيات يفوّت على المؤمن أن تكون القضايا الجوهرية في الدين وكلياته، أو في الحياة ومصالحها لب اهتمامه، وكلما رأيت إفراطًا في الاهتمام بجزئية، فعليك أن تتأكد أن وراءها مسائل مضيّعة أو مبخوسة، مما هي أهم منها وآكد.

اختلفوا من الأفضل عليّ أم عثمان، واتفقوا على تحكيم أول من يدخل عليهم كعادة الجاهلية، فدخل عليهم الشاعر الأقيشر (وكان معروفًا بحبه للخمر)، فقالوا حكمناك يا أبا محمد، فقال بعدما سمع خلافهم:

إذا صليت خمسًا كل يوم

فإن الله يغفر لي فسوقي

ولم أشرك برب الناس شيئًا

فقد أمسكت بالحبل الوثيقِ

وهذا الحق ليس به خفاءٌ

فدعني من بنيّات الطريقِ

جمع العامة على محكمات الدين وليس الزج بهم في جدليات نظرية.

إدمان السؤال وكثرته عادة لسانية وذهنية (دعوني ما تركتكم، إنما هلك مَن كان قَبْلَكم بسؤالهم واختلافهم على أنبيائهم) (البخاري).

عادات الاستفتاء والإفتاء شغلت حيزًا من تفكير الفقيه والمتفقه، وقلّما يفكر أحدهم بعرض مألوفِ هذا الباب على ما كان عليه السلف والصحابة، أو يتأمل في مناطق يقع فيها الإلحاح وأخرى تُمر مرَّ السحاب، أو تُلغى من الحساب!

ليت السائلين يرفعون الهمّ إلى ما فوق الحاجب، ويسألون عن تهذيب العقول وعاداتها الإبداعية، ليؤكدوا أن للمرأة عقلًا وقد تفوق به إحداهن العديد من الرجال.

وليتهم ينزلون من شعر اللحية إلى ما تحته فيسألون عن رقة القلوب وصفائها وإيمانها وأخلاقها؛ ليؤكدوا أن للرجل قلبًا وعاطفة.

وليتهم يتوازنون ليعلموا أن الحياة مزيج من هذا وذاك، وأن خطوطها الكبرى هي أساس بنائها، وخطوطها الدقيقة تكميل وتحسين لا بد منه!

وليتهم إذا منحوا أنفسهم حرية السؤال، أن يمنحوا المجيب حرية الصمت والتوقف، أو حرية الجواب بما لا يشتهون، أو ما لا يتوقعون، وأن يكفّوا عن السؤال الملغوم أو السؤال الموجه الذي صِيغ من أجل الحصول على جواب محدّد!



النوافذ الخمس


قال ابن المبارك: مرَّ رجل براهب عند مقبرة ومزبلة، فقال: عندك كنزان من كنوز الدنيا لك فيهما معتبر؛ كنز الرجال، وكنز الأموال!

التفكر الرشيد يصنع الوعي، ولذا أصبح عبادة، قال ابن عباس: ركعتان مقتصدتان في تَفَكُّر خير من قيام ليلة بلا قلب!

ويقول: تَفَكَّروا في آلاء الله.

وصفت أم الدرداء زوجها الصحابي الجليل بأن أكثر عبادته التَّفَكُّر.

وفي كلام الحسن البصري: تَفَكُّر ساعة خير من قيام ليلة.

نعرف الأشياء معرفة حسيَّة بالمشاهدة واللمس والسماع أولًا.

ثم نتذوق ما فيها من الإبداع الربَّاني والحُسن والجمال والإعجاز المبهر ثانيًا.

ثم تفيض معاني الإيمان والخشوع على قلوبنا وجوارحنا؛ مسبحة بحمد الخالق الكبير.

تأملْ سطورَ الكائناتِ؛ فإنها

من الملأ الأعلى إليكَ رسائلُ

وقد خُطّ فيها لو تأملتَ سطرها:

ألا كل شيءٍ ما خلا الله باطلُ

وتفضي إلى البصيرة وتمام اليقين، أو (الشهود) كما يسميه ابن تيمية، كما في قصة إبراهيم ?وَكَذَ?لِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ? (الأنعام:75)، الآيات.

التَّفَكُّر هو النظر في المسلَّمات والبناء عليها، وليس كذلك التفكير الذي هو الاستنباط والتحليل.

التَّفَكُّر فعل وجداني أما التفكير فهو فعل عقلي.

التَّفَكُّر استجابة فورية، والتفكير عمل مستديم متدرج متراكم، ولذا قرأ المصطفى - عليه السلام - ?وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ? (آل عمران:191)، ثم قال: (وَيْلٌ لِمَنْ قَرَأَهَا وَلَمْ يَتَفَكَّرْ فِيهَا) (ابن حبان في صحيحه).

التَّفَكُّر مفردة قرآنية تكررت في ثمانية عشر موضعًا في الكتاب العزيز، تأمَّلتها فوجدتها لا تخرج عن أحد موضوعات خمسة بحسب الأفق الذي تتجه إليه:

1- التَّفَكُّر في أفق الخلق كما في آية آل عمران؛ في الكون، والإنسان، والحيوان، والنبات. وسورة النحل طافحةٌ بذلك، وهي التي تُسَمَّى (سورة النِّعَم)، ومثلها سورة لقمان.

ملاحظة الإعجاز في عملية الخلق من عدمٍ، وبث الحياة في الجماد الموات ليَنْتَفِض ويتحرك ويحس؛ لهو من أعظم دلالات الربوبية.

والإقبال على هذا اللون من التَّفَكُّر الإيجابي يُرسِّخ الإيمان، ويصرف الطاقة العقلية عن التفكير الطويل في المعضلات، وما يحار العقل فيه ويعجز عن دَرْكِه.

بعض الشباب يُمعِن في التساؤل عن العلَّة وراء العذابات، والمصائب، واختلالات الحياة، ولو تَفَكَّر في الكون والنفس وغاص وراء الأسرار لهدأت ثائرة الشكوك، وصار يتقبل بعض الإجابات التي كان يرفضها من قبل.

2- التَّفَكُّر في الأمثال ?وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ? (الحشر:21)، وقد شبَّه الله الحياة الدنيا بالمطر واختلاط نبات الأرض به: ?حَتَّى? إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ ? كَذَ?لِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ? (يونس:24)، ومن ذلك القصص فهي في مساق الأمثال والعِبَر والدروس الحياتية؛ التي تقاس نتائجها ومحصلاتها وعواقبها؛ فهي قياس مجهول على معلوم، وعبور من واقع إلى واقع، ولهذا قال ? فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ ? (الحشر:2).

من التفكر في الأمثال: المقارنة العادلة مع الآخرين من أفراد أو جماعات أو شعوب واقتباس الحسن، وكشف عيب الذات.

3- التَّفَكُّر في الوحي؛ وخاصة القرآن، وهو التَّدبُّر، والوقوف عند المعنى، وعرض النفس عليه، ومطالبتها بالتَّرَقِّي، كما في قوله: ?وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ? (النحل:44)، التَّفَكُّر في الوحي يُرسِّخ الإيمان، ويجعل القارئ يسمع كلام الله وخطابه وحديثه إلى رسله وأنبيائه وسائر عباده، في الدنيا وفي الآخرة، بأسلوب معجز، وبيان باهر، وروحانية آسرة.

والوحي نفسه دعوةٌ إلى التَّفَكُّر، وإعمال العقل والوجدان في التفاعل مع السياق، وفي كشف مجاهل الكون وآفاقه وأسراره.. إنه دين يُحرِّض على التفكير، ولا يخاف من العقل.

4- التَّفَكُّر في أفق النفس والمواقف التي يتخذها الإنسان، والألفاظ التي يُطلقها دون رويَّة أو تأمُّل أو تَحَكُّم، وتُمَثِّل تقليدًا أو إرثًا غير ممحَّص، أو يفعلها المرء بتشجيع وتصفيق ممن حوله يُنسيه ذاته: ?قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ ? أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى? وَفُرَادَى? ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ? مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ? (سبأ:46)، الموعظة في نظر البعض تخدير وإلهاء، بينما هي هنا دعوة إلى التَّعقُّل والفهم والاستيعاب والنظر المتأني في الجديد.

يخلو بنفسه بعيدًا عن الضجيج والصياح؛ ليدرك الحقائق بهدوء، وأما الاثنان فقد يكونان خلصاء أصفياء متصارحين، وكأنهما نفس واحدة، يبوح أحدهما للآخر بكل تطلعاته وتساؤلاته وأفكاره الجازمة والمترددة، فبينهما انسجام وتمازج ينتج عنه تعاون وتساعُد، كما في قصة أصحاب الكهف؛ الذين تعارفوا أول أمرهم مثنى مثنى، ثم اتسعت دائرتهم.

والإنسان عادة مُولَعٌ بتكرار مواقفه واستنساخها دون تردد؛ لأنه تبرمَج معها، وبنى علاقاته عليها، وهي لا تحتاج إلى تفكير جديد، وهذا يحرمه من فرص عظيمة وتجارب غنية.

5- التَّفَكُّر في المصالح والمفاسد، وترجيح بعضها على بعض، وهو لون من النظر والتَّعقُّل؛ يدرك منه المرء بقدر سعة عقله، وامتداد تجربته، وانعتاقه من الضغوط السياسية والاجتماعية.

ومن دقيق فقه المصالح معرفة خير الخيرين، وشر الشرين؛ وهذا ظاهر في قوله سبحانه: ?يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ? قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا ? وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ ? كَذَ?لِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ? (البقرة:219).

والمماسَّة الواقعية لفرز المصلحة والمفسدة ترتبك حين تتحول إلى جدل وخصام؛ لأنها تتجه نحو الإفحام، وكسب الموقف ودحر المناوئ.

التفكر يُحدث يقظةً يحكيها أبو سليمان الداراني فيقول: إني لأخرج من منزلي فما يقع بصري على شيء إلا رأيت عليّ فيه نعمةً، ولي فيه عِبرة!

أهل اليقظة عاداتهم عبادات: النوم، الأكل، الكلام، التجارة، وأهل الغفلة عباداتهم عادات.

التَّفَكُّر يمنح النفس هدوءًا وطمأنينة من داخلها، فلا تهزها المؤثرات ولا تقلقها الجلبة.

ويُربِّي على مكارم الأخلاق؛ الحلم، والصبر، وكظم الغيظ، والتجاوز، والصفح، إنه يفكر في الحالة الوجدانية الراهنة التي يعيشها، ويراقب أداءه، ويسيطر على انفعالاته، ويعزز الثقة بالنفس، ويوسع دائرة المعرفة، ويشجع على حسن توظيفها لتكوين معرفة جديدة.

وهو من أسباب تكريس الصحة النفسية، وتبعًا لذلك الصحة البدنية، ويحق لنا أن نقلب المثل الشائع ونقول: الجسم السليم في العقل السليم!



كلب ينبح لك!


تداولت المواقع والرسائل والدروس قصة التتري الذي سبّ الرسول صلى الله عليه وسلم، فهاج عليه كلب مربوط وخمشه، وخلصه الحاضرون منه بعد جهد جهيد، ثم عاد أخرى فنال من النبي صلى الله عليه وسلم فقطع الكلب رباطه ووثب على عنقه، وقلع زوره في الحال، ومات الرجل من فوره.

ومع كون القصة مروية في بعض المصادر التاريخية، إلا أنني أعتقد أن اختيارها من كم هائل من المرويات العادية وإبرازها وتصديقها ينم عن مأساة في العقل المسلم!

وقد ذكر الرواية ابن حجر في الدرر الكامنة (4/153) عن عليّ بن مرزوق، ولم يذكر عنه أكثر من أنه تعاطَى التجارة، والظاهر أن القصة مرسلة، ليس لها إسناد، وعادة أصحاب الدواوين الكبيرة والتراجم الموسعة أنهم يذكرون ما في الباب بغض النظر عن صحته، ولم يذكر ابن حجر عن ذلك المترجَم إلا هذه القصة فحسب، وكفى بذلك دليلًا على نكارتها وإغرابها.

هذا التصفيق الحاد لكلب في المواقع الإلكترونية، والانبهار المذهل، حتى يقول كثيرون: كلب ينتصر لرسول الله صلى الله عليه وسلم فكيف لا ننتصر له نحن؟ حتى الكلاب تغضب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، الكلاب أشدُّ منا حبًّا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ويضيف آخرون قصة كلبٍ آخر فقيهٍ في السنة! ولكنه عقور! مرّ به شاب ذاهب إلى الصلاة بالغلس فوقف الشاب، فقال له الكلب: جز يا أبا عبد الله، فإنما أُمِرت بمن يشتم أبا بكرٍ وعمر!

الكلب أصبح داعيةً يُسلم بسببه أربعون ألفًا في مجلس واحد!

وأخشى أن يتفاقم الأمر وندخل في دوامة تصنيف الحيوانات إلى أسماء ومجموعات وانتماءات طائفية وحزبية لنمعن في المهزلة ونصبح مسخرةً لأمم الأرض!

وحين يحتج معلق على هذه الأساطير؛ تنهال عليه الكلمات كاللكمات؛ اتق الله، ربما تهوي بك هذه الكلمة في جهنم سبعين خريفًا!

خاصة وأن هذه الحكايات تنشط في الأزمات التي تستنهض العواطف، كما إذا حدث اعتداء على الجناب الشريف للنبي صلى الله عليه وسلم، أو أحد صحابته الكرام، أو أزواجه الطاهرات، فَتَزُوج النقول وتتقبلها العقول بلا تمحيص.

وكأننا أمام نص قرآني، أو حديث متواتر، وكأن هؤلاء الناس غابت عندهم الفوارق بين الغيب المحقق المقطوع به، وبين الأساطير والخرافات والأوهام والأكاذيب، وما أسهَلَ أن ينبري إذًا عدو للإسلام يضع مثل هذه الحكايات وينشرها فيتلقفها الأغبياء والجهلة والأغرار، ويُحامون عنها محاماتَهم عن أصول الدين، ويجعلونها فيصلًا بينهم وبين مخالفيهم، فعنوان الإيمان عندهم هو أن يكون عقلك مغيبًا مُخَدرًا معزولًا عن الفهم والتحقيق والتأمل والنظر، وأن تُسَلِّم بالغرائب والمنكرات من الأخبار!

ألم يتعرض صلى الله عليه وسلم للتكذيب ويُسأل الآيات، فيؤمر أن يقول: ?سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلَّا بَشَرًا رَّسُولًا? (الإسراء:93).

ألم يضعوا السَّلَى على ظهره؟ ويشجوا وجهه ورأسه في المعركة، ويقتلوا أصحابه؟ وربما احتج بعضهم بالمعجزات والآيات والكرامات.

والآيات حق، وكذلك الكرامات، ولكنها أمر خارق للسُّنّة، مخالفٌ لجاري العادة، فلا يُقبل ادعاء مدعيها حتى يقع التحقق التام منها، وإلا لالتبس الحق بالباطل، واشتبه الأدعياء بالصادقين والأنبياء، ولذا كان السلف يقولون: هاتوا أسانيدكم، وفي التنزيل: ?قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ? (البقرة:111).

وكان الأئمة يقولون: إن كنتَ ناقلًا فالصحة، وإن كنت مُدَّعِيًا فالدليل.

الكلاب خارج دائرة التكليف، وهي لا تسمع إلا نداء، كما قال ربنا سبحانه: ?وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً ? صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ? (البقرة:171).

وهي لا تعقل؛ فالعقل ميزة شرف الله بها الآدمي، وإن كان من الآدميين من يُلغي هذه الموهبة أو يجور عليها أو يقتلها بالإهمال والتجاهل، أو يئدها بالاستسلام لكل مسموع، والتشرب لكل موضوع، والركض وراء الأوهام.

لقد جاء المشركون إلى الصِّدِّيق يقولون له: ألم تسمع ما قال صاحبك؟ قال: وما قال؟ قالوا: يزعم أنه أُسري به إلى بيت المقدس، ثم عُرج به إلى السماء في ليلة، قال : لئن كان قاله فقد صدق، ومن يومئذ سُمِّي (الصديق).

الصِّدِّيق إذًا هو من يُصَدّق بالوحي النازل من السماء، وليس من تتراكم على عقله غرائب الأخبار من كل وضَّاع ودجال؛ فيتجرعها كالسم حتى ينبتَ عليها جسده، ويمضي عليها عمره، وتصبح أساسًا في ثقافته ومعرفته، وتلتبس عنده معالم دينه!

إن هذا العقل الأسطوري الذي يُغْفِل سنن الله الكونية، ولا يميز بين حق وباطل هو المسئول عن شيوع الخرافة في مجتمع المسلمين، وغياب التفكير السليم، وضعف التحليل الموضوعي، وتراكم الأخطاء والسلبيات دون علاج، وكيف لنا أن نصحح أو نخطط أن نبني حضارة أو نؤسس مجدًا إذا كانت العقول فاسدة والبصائر كليلة، وطرائق التفكير والنظر متردية، لماذا نهادن تسلل الحكايات الوهمية إلى عقول العامة، بل عقول الشباب والطلاب والمتعلمين، الذين يظنون أحيانًا أن التصديق أولى على سبيل الاحتياط؟

إن العقل الإسلامي عقل واعٍ مُدرِك، حتى إيمانه بالغيب هو إيمان مبني على العلم والمعرفة والإسناد، وليس في الوحي ما تنكره العقول ولا ما تُحِيله السنن، ولكن منها ما لا تدركه العقول، ونقص العقل ثابت بالعقل ذاته، بيد أن الله تعالى أحال إليه، وأمر بتحكيمه فيما يُحسنه حينما دعاهم إلى الإيمان ?لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ? (البقرة:164)، ?لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ? (يونس:24)، ? أَفَلا يَعْقِلُونَ? (يّس:68)، ?لِأُولِي النُّهَى? (طه:54)، ?لِّذِي حِجْرٍ? (الفجر:5).

من أفدح الخطأ الاعتقاد بأن الإيمان نقيض العقل، أو أن العلم نقيض الدين.

لا يحل للمصلحين والدعاة والمرشدين أن يهادنوا عقول البسطاء أو يداهنوها، نعم سيظل في الناس أقوام لا يعقلون، لكن الخطب الفادح أن تكون هذه هي الثقافة المهيمنة التي تضغط على عقول الناشئة، وتجعل الجيل في خيار ما بين الإيمان الموروث مخلوطًا بترهات ما أنزل الله بها من سلطان، وبين العلم الحديث والحقائق المادية.

كان مدرس الجغرافيا يشرح لنا دوران الأرض كحقيقة علمية، ويأتي في الحصة الثانية مدرس التفسير ليقرر أن من يقول بدوران الأرض كافر، فكيف ينفع تعليم كهذا؟

أمانة الديانة تحتم علينا أن نقدس الإيمان الحق المجرد، وأن نحذر من اللحوقيات والإضافات الأسطورية المتلبسة به.

والأئمة قد يترخصون في إيراد حكايات بأسانيدها في مصنفاتهم لأن التَّبِعَة على الراوي، ويقولون: من أسند فقد سَلِم، خاصة وهي دواوين علمية متخصصة يتعاطاها الفقهاء والعارفون، أما أن تنشر مثل هذه الروايات وتُذاع ويُستكثر منها، فهو توهين لجانب التكليف، وإزراءٌ بخصوصية الإنسان، وتسلط لأعداء الملة، وقد وقفت مرارًا على أقصوصات من هذا القبيل ينشرها الوعاظ غافلين، وإذا تتبعت مصدرها وجدتها من وضّاعين أو ساخرين، وقد روى أحدهم قصة الميت الذي نُبش قبره فوجد مصروفًا عن القبلة، وبالسؤال عنه تبين أنه مدخن!

وتحريت بنفسي عن القصة، فوجدتها من وضع عيّار مدخن.

لا يجوز أن يكون الإيمان بإمكان حدوث الكرامات، سببًا في تمرير أي حكاية أو رواية، من منطلق أنه يجوز أن تكون من الكرامات، وليس يتعين في التكليف الشرعي إلا أن يؤمن المرء بما ثبت في الكتاب والسنة، أما تسارع الناس إلى تصديق الغرائب فهو من جهالات العامة وتسرعهم، وصدق الله إذ يقول: ?قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الأَلْبَابِ? (الزمر:9).



إغلاق


كتب إليّ طالب علم يقول: إن على الداعية أن يضع النقاط على الحروف ويصل بالأمر إلى منتهاه، ويتجنب المناطق الرمادية!

غاب عن أخي التفريق بين حال الداعية وحال المعلم، وحال القاضي والحاكم، فهو ينظر من زاوية أن الحق يجب أن يقال، أمّا مَا مقدار الحق الذي يُقال؟ ومتى يُقال؟ وكيف يُقال؟ ومن الذي يقوله؟ ومن المسئول عن نشره وتسويقه وإيصاله إلى محتاجيه؟ فهذا ما لم ينتبه إليه.

الحق كبير وكثير، ولا يتسنى لأحد أن يقول الحق كله، ولكن الحكمة تجعل العاقل يأتي بالجوامع من الحق التي يتآلف عليها الناس، وكان النبي صلى الله عليه وسلم ممن أوتي جوامع الكلم، وهي العبارات الموجزة التي تنتظم معاني كثيرة، ليس هذا فحسب، بل الجوامع هي الحِكَم والدرر ومفاصل القول التي ينتهي معها كثير من الخلاف والجدل، وتأخذ المسائل نصابها وقدرها.

الداعية حين يكتب أو يتحدث يراعي نفسيات المخاطبين وقدراتهم واستيعابهم، ويسعى لتأليف نفوسهم على الحق والخير، والفقيه يجتهد في ضبط العبارات والأحكام والشروط والأحوال، والتمييز بينها ووضع المراتب وسرد الأدلة.

والمدرس ينحو منحى أكاديميًّا لترسيخ معلومات مبدئية في نفوس الطلبة، وتعويدهم على البحث والنظر والتفكير.

والقاضي والحاكم بيده مقاليد التنفيذ والإلزام، بعد البتّ والقطع، فهو يقضي ويقطع بأن الحق لهذا أو ذاك، أو يقسمه، وقد يقع له التردد والشك.

الداعية يتحرك في ميدان واسع ولا يلزمه أن (يغلق) المسائل ويوصلها إلى منتهاها؛ لأن ما لا يتحقق اليوم قد يتحقق غدًا، وما لم يُقَل هنا يقال هناك، وما لم يسمعه هذا سمعه ذاك.

ومن المشكل أن ألاحق الداعية في كل مقام، وأطالبه بأن يقول ويقول؛ بناءً على نظرتي الخاصة لما يجب أن يقال، بينما نظرته هو مختلفة، ولكل حالٍ مقام، ولكل مقامٍ مقال.

البيان والإيضاح مطلوب في محله، لكن لا يلزم أن يسرد التفصيل في كل موضع، والقرآن الكريم يُجْمِل تارة ويُفَصِّل تارة.

عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِىِّ قَالَ :بَيْنَمَا أَنَا أُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ عَطَسَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ فَقُلْتُ : يَرْحَمُكَ اللَّهُ ، فَرَمَانِي الْقَوْمُ بِأَبْصَارِهِمْ ، فَقُلْتُ : وَاثُكْلَ أُمَّاهُ ، مَا شَأْنُكُمْ تَنْظُرُونَ إِلَيَّ ؟ فَجَعَلُوا يَضْرِبُونَ بِأَيْدِيهِمْ عَلَى أَفْخَاذِهِمْ فَلَمَّا رَأَيْتُهُمْ يُصْمِتُونِي سَكَتُّ ، فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَبِأَبِي هُوَ وَأُمِّي ، مَا رَأَيْتُ مُعَلِّمًا قَبْلَهُ وَلا بَعْدَهُ أَحْسَنَ تَعْلِيمًا مِنْهُ ، فَوَاللَّهِ مَا كَهَرَنِي ، وَلَا ضَرَبَنِي ، وَلَا شَتَمَنِي ، قَالَ (إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ ، إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ) (مسلم).

تلاحظ هنا مقام الدعوة، والرجل حديث عهد بإسلام، حتى إنه تكلم في صلاته، وقد زجره بعض الصحابة فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم وفي هذا درس عظيم في عدم الاستجابة لرغبات صادقة، لم تراع الظرف والحال وشأن المدعو فردًا كان أو جماعة أو مجتمعا.

وحين سأل الرجل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: يَا رَسُولَ اللَّه إِنِّي حَدِيثُ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ وَقَدْ جَاءَ اللهُ باِلإِسْلاَمِ وَإنَّ مِنَّا رِجَالًا يَأْتُونَ الْكُهَّانَ. قَالَ (فَلاَ تَأْتِهِمْ).

بينما في مقام آخر قال صلى الله عليه وسلم: (مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً) (مسلم).

وفي حديث آخر قال: (مَنْ أَتَى عَرَّافًا أَوْ كَاهِنًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ) (أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه).

حين تكون المسألة تحتمل حالًا من التكفير وحالًا من التحريم وحالًا من الكراهية؛ يقدر الداعية المقام، فليس يلزمه أن يوصل الأمر إلى منتهاه، وأن يقول: هذا كفر - مثلًا - لما قد يترتب عليه من سوء الفهم، أو النفور، أو سوء التوظيف للعبارات وما تؤول إليه، فإذا حذر أو نهى وزجر وساق العواقب المترتبة على الفعل وحشد شيئًا مما حضره من النصوص؛ فقد أدى واجب البيان بحسب الحال.

إن استحضار الإعلان بالتكفير أو التضليل أو القطع في كثير من المسائل، يُحدث النفور لدى المتلقي، وسوء الاستخدام لدى آخرين.

والمقام الأليق عادةً بالداعية هو الحث والتحفيز على الخير، والثناء على أهله، وسرد مثوبته والنهي والتخويف من الشر والتحذير من عواقبه، وليس يلزم أن يلحم المسائل بالنص على كفر أو فسوق أو تحريم إذا كان المقام يقضي غير ذلك، أو كانت المسألة غير ظاهرة الحكم، وفيها اختلاف بيّن، وما يعرضه الداعية ليس سوى اجتهاد أو رأي.

والأحكام لها مقامها ومناسبتها ورجالها المختصون، ولها متلقوها وطلبتها الذين يقفون بالمسألة عند حدها، ولا يخلطون ولا يسيئون التوظيف، وقد جعل الله لكل شيء قدرا.



مالك وللشريعة؟!


كان يتحدّث في قضية فقهية بحماس معتدل، ولغة هادئة، ثم أطال النفس، ودلل، وعلل، وعرّج على بعض أدوات الإقناع الحديثة التي تعزز ما ذهب إليه، وساق إحصائيات، وسرد معلومات تنتمي لعلم النفس، وأخرى لعلوم الاجتماع، وشيئًا من الفلسفة المفهومة، وأسهب في جانب طبي، وانتهى إلى رؤية واجتهاد معقول. هل ثم تثريب في هذا؟

أظن أنه أصاب، ورأيت اغتباطًا لعدد من الطلاب، حين قرؤوا فوجدوا تأصيلًا شرعيًا ليس مغتربًا عن العصر، ولا متجافيًا مع معطياته.

المسألة المبحوثة كانت شرعية في فحواها وخصوصيتها، فهي جزء من تخصصه، وأصل الاستدلال فيها شرعي، القرآن والسنة والإجماع وأقوال الفقهاء الأربعة وغير الأربعة.

وأن يكون الشرعي ملمًا ببعض المعرفة الحديثة محسنًا لتوظيفها في سياقها السليم فهو من المعاصرة المطلوبة، وهي سبيل إلى تعزيز الرأي، وتسهيل القول؛ فإن الحق يبين ويقوى بتضافر الأدلة.

قال تعالى: ?وَكَذَ?لِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ? (الأعراف:174).

والمباحث التي ساقها ضمن بحثه ليست شديدة الخصوصية، بحيث ينغلق فهمها ويصعب على من ليس من أهل الفن، فهي من العلم العام المشترك الذي يتسنى إدراكه للقراء الأذكياء، ولو كانوا من غير ذوي الاختصاص.

من الأهمية بمكان استيعاب العصر، والتفاعل مع المعرفة الهائلة وثورتها، بل ثوراتها المتوالية، بِنَفَس مَرنٍ ومتجدد، لا بِنَفَس العَجول المتسرع في الرد، المتسرع في القبول، ولا بنَفَس الجامد الذي يظن أنه ليس في الإمكان أبدع مما كان.. ويقول: ما ترك الأول للآخر شيئًا!..

بل كم ترك الأول للآخر!

القَسَم في القرآن بالعصر هو لفتة إلى المعايشة، فالعصر ليس هو مطلق الزمان أو الدهر، بل هو الوقت الذي تعايشه وتعيشه.

والتأكيد على ?لِتَعَارَفُوا? (الحجرات:13) يحمل معنى التبادل المعرفي الذي هو أساس العلاقة العقلية، كما أن (المعروف) هو أساس العلاقة الأخلاقية، وهو البر والإقساط والإحسان مع الآخرين، مسلمين وغير مسلمين ممن لم يقاتلونا ولم يخرجونا من ديارنا.

من الإنصاف القول بأن المعرفة الشرعية فيها ما هو من عمق التخصص، مما يعزّ فهمه وإدراكه على من ليس من أهل الشأن، وتقحّمه حينئذٍ يُعدّ تجرؤًا وقَفْوًا لما لا علم له به.

وفيها الكثير الكثير من المعاني العامة التي يسَّر الله فهمهَا للناس تأويلًا لقوله: ?وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ? (القمر:17)، وقوله - سبحانه وتعالى - : ?هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ? (آل عمران:7).

قلّ باحثٌ شرعي إلاّ ويُلِمّ بجوانب من التاريخ أو الفلسفة أو الطب أو الأدب، ويوظفها في بحثه دون أن يُعاب عليه أنه دخل في غير اختصاصه.

دلالات الكتاب الكريم غالبها مما يفهمه العرب من لغتهم، وفيها ما يحتاج إلى مراجعة الكتب والمصادر والأقوال والبحث في الروايات، ليصل إلى نتيجة يطمئن إليها، وهذا ميسور لعامة الباحثين حتى لو كانوا من غير أهل التخصص.

وتشجيع هؤلاء على مراجعة الكتب ومطالعتها والتأمل فيها مطلب حسن، وتحفيز على تفعيل المعرفة الشرعية، وإنارة للعقول.

وفي النصوص ما لا يحصل دَرْكه بمثل هذا لوجود معنى خفي، أو لبس، أو معارضة بين نص وآخر، أو عوارض تقدح في سلامة الفهم لمن لم يدمن النظر، ويطيل التكرار، وهذا من مواضع فضل الاختصاص، ورفعة منزلة العالم بالشريعة؛ لأنه يدرك في بعض المواضع ما لا يدركه سواه إلا بجهد ومعاناة، ووضع كل مسألة في إطارها هو من الحكمة.

بعض المختصين الذين لم ترسخ أقدامهم في العلم بالشريعة، وما زالوا في بدايات الطريق يشعرون بفخامة الاختصاص وينتشون حين يقال لهم: (الشرعيون)، فإذا تكلم غيرهم في مسألة وعرّج على حكم شرعي، أو آية، أو حديث، أو قول سارعوا إلى زجره، وكأنه دخل حِمًى حرامًا، وقالوا: عَدّ عن هذا، ليس هذا عُشّكِ فادرجي، وفي العديد من المرات أسمع شابًا (شرعيًّا) يعرج على مختص كبير في طب أو سواه، فيقول: والأستاذ تخصصه طب أو زراعة أو هندسة أو فلك، فماله ولعلوم الشريعة؟!

وقد يكون في السياق شيء من الإزراء بالتخصص، وكأنه مما تنزل قيمته، أو يوبخ صاحبه به.

على أن الكثير من هذه العلوم هي ضرورات حياتية، وواجبات شرعية (على التعيين أو على الكفاية)، ويأثم الناس بالتفريط فيها وتجاوزها.

وكم في القرآن الكريم من نصوص في شأن الأرض والزرع والحرث، أو في شأن جسد الإنسان وخلقته وصحته، أو في الفضاء والفلك والسماء والنجوم.. إلخ.

مما هو مدعاة للاحتفال بهذه المعارف وتبجيل أصحابها، والثناء عليهم، والإشادة بالدور الذي يؤدونه، وأن الأمة تعتمد في نهضتها بعد الله على كثير من هؤلاء إذا صدق انتماؤهم وتوفر إبداعهم.

وليس المطلب أن يكونوا بمعْزِلٍ عن الكتاب والسنة، ولا نزل الوحي لأحد دون أحد، اللهم إلا أن يكون الأمر كما قال عليّ رضي الله عنه حين سأله أَبو جُحَيْفَةَ، هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ مِمَّا لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ أَوْ لَيْسَ عِنْدَ النَّاسِ؟ فَقَالَ: وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ مَا عِنْدَنَا إِلَّا مَا فِي الْقُرْآنِ إِلَّا فَهْمًا يُعْطَى رَجُلٌ فِي كِتَابِهِ وَمَا فِي الصَّحِيفَةِ. فقال له أَبو جُحَيْفَةَ: وَمَا فِي الصَّحِيفَةِ؟ قَالَ الْعَقْلُ (الدّيات) وَفِكَاكُ الْأَسِيرِ وَأَنْ لَا يُقْتَلَ مُسْلِمٌ بِكَافِر (البخاري).

الفهم ليس حكرًا على أحد، وقد يوجد من العلماء في شؤون الحياة من لديه الصدق والإخلاص، والتوفر على العلم الشرعي، والاستماع إلى العلماء.

واحترام التخصص مما لا عيب فيه ولا تثريب ولا اختلاف، إذا فُهِم على وجهه، ولم يتحول إلى نوع من التنابز والتعيير والادعاء الأجوف، ومحاولة عزل الآخرين وكأن الأمر لا يعنيهم ?يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى? أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَى? أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ ? وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ ? بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ ? وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُولَ?ئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ? (الحجرات:11).



آه...لقد نسيتها


ألقيت محاضرةً لموظفي الخطوط، وكنت مبتهجًا بإيجابيتهم الرائعة.

جمعت في المحاضرة من كلام الحكمة الربانية والهدي النبوي والتجربة الإنسانية؛ مما يتعلق بالسفر والعلاقة والعاطفة، وعرجّت على حقوق الأهل والمنزل والأطفال، وتنقّلت ما بين آية محكمة وحديث صحيح وحكم فقهي وأبيات شعرية وقصص واقعية، وليست كثيرة هي الحالات التي أجد مستمعيَّ يضحكون بصوت عالٍ، لقد حدث هذا هذه المرة، كانت الأريحية حاضرة، وانتهينا والسرور والحبور يلفّ الجميع.

ودّعني الشباب بلطف، وعند سيارتي وقف لي شاب دسّ في يديّ أوراقًا ملفوفة، وكأنه يحاذر أن أفتحها بحضرته.

ركبت السيارة وقلت لصاحبي: إن صدق حَدْسي؛ فالأوراق تتعلق بطلب سداد دين، أو بنقدٍ وملاحظات، فهي تتراوح بين (النقد) و(النقد)!

ثمانية عشر ملحوظة مرقمّة ومسطورة تستوعب الحديث كله، منذ أن بدأت الكلام إلى آخر كلمة قلتها!

وكأنها تفريغ للمحاضرة ولكن بروح سلبية!

منذ الافتتاح إلى الإجابة على آخر سؤال.

لقد كان الشاب حاضرًا مصغيًا بأذنه، مجهزًا للأوراق والأقلام، مبرمجًا عقله على أنه سيسمع الخطأ وسيدونه، وسيضيف إليه عبارات الاستهجان وعلامات الاستفهام والتعجب، مع شيء من الربط الذي يؤكد أنه شخص واعٍ حاذق، لا تطوف عليه الحيل ولا تنطلي عليه الألاعيب!

وفي نهايتها يقول إنه لا زال في الجعبة المزيد، ولكن ضيق الوقت وامتلاء الصفحات الأربع؛ حال دون ذلك!

تعجبت من هذه (الترجمة الفورية)، وأشفقت على شابٍّ يقضي سنوات عمره في تصيّد الأخطاء وتدوينها، ويستمع إلى الآخرين بهذه الروح السلبية، وقد يشعر بأنه صاحب رسالة!

لو عرفت الشاب لاختبرته وطالبته أن يستمع إلى المحاضرة مرة أخرى، ويحاول أن يدون الصوابات والمعاني الصحيحة والجميلة.

من الغد كنت في مكة، ومع جماعة من أصدقائي؛ فجاءت المناسبة وذكرت لهم القصة وأنا أضحك ملء فمي، بادرني أحدهم بالسؤال: ما أهم الملاحظات التي دونها؟

قلت له: آه، لقد نسيتها جميعا!

يا لها من نعمةٍ! ربما لو كنت أستحضرها الآن لم تجدني أحافظ على هذه البهجة والمتعة في جلوسي معك وحديثي إليك وممارسة حياتي بعفوية ورضا.

إنها واحدة من عطايا الله، إذا سلط عليك شيئًا من الهم أو العناء أن يعينك ويوفقك لتنساه فورًا.

وإذا لم تنسَ فعليك أن تتدرب على النسيان، لكي تستطيع أن تعيش كما يقول واسيني الأعرج.

نعم؛ سوف تنسى تفصيلات لا تحتاج إلى استذكارها، ولكنك ستحتفظ بالقصة وطرافتها وعبرتها، ستفلح في تحويل هذا الموقف السلبي إلى تجربة إيجابية سيكون حديثًا ممتعًا في مجلس، أو مقالًا مقروءًا في جريدة، أو قصة في برنامج، سيكون إضافة جميلة لحياتك ومسيرتك، وتدريبًا على الهدوء، وتأكيدًا على التواضع، وتذكيرًا بأهمية العمل والمواصلة والإخلاص، ودرسًا لن تنساه في الصبر والاحتمال، واختبارًا حقيقيًا لقدرتك على العفو والتسامح والتفويت ونسيان العثرات.

هذا الشاب ستلقاه غالبًا بعد سنوات؛ يصافحك ويبتسم لك، ويطلب منك الحِلّ والمسامحة، فقد أساء بك الظن يومًا، أو صدّق فيك مقالة لم يتحقق منها، وستكون مسرورًا لأنك وجدت عاقبة الصبر والإعراض، وإذا لم يحدث هذا؛ فمن اللطيف أن يلهمك الله أن الأمر قد يكون حدث له بينه وبين نفسه، وإن لم يتصل بك خبره، وأن الشاب وجد طريقه ومضى في حياته بعدما تزوج وجرّب، وتغير طاقم أصدقائه، وتنوعت قراءاته، وهو يحتفظ بآرائه ولكنه لا يبتلي الناس بها.

سيرث موقفه شاب جديد (ربما أخوه الأصغر أو ولده) فليكن! مرحبًا بالوجوه الجديدة!

هل تظن أن سمك القرش يتعطش للحم البشري؟ إنه نادرًا ما يهاجم الإنسان، وإن حدث فهو للدفاع عن النفس أو نتيجة خطأ ما، وعندما يخطئ بسبب ضعف بصره ويظن الإنسان دلفينًا يقضم قضمة من لحمه ثم يلفظها بقرف، إننا قليلو اللحم كثيرو العظم ?أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ? (الحجرات:12).

إذا كُتبِ لنا أن نواصل الحضور والمشاركة فستكون هذه المواقف جزءًا من ضريبة العطاء، وليمنحنا ربنا القوة والمواصلة والطاقة الإيجابية الفعالة!

النجاح الكبير إذا تمالكت نفسك، واقتبست ولو مفردة واحدة؛ تعتقد أن مثل هذا الشاب سيضيفها إلى شخصك وإلى قاموسك المعرفي، فالحق يؤخذ ممن جاء به، ولا أحد أقل من أن يفيد، ولا أكبر من أن يستفيد.

- احتفظ بهدوئك في وجه العواصف والانتقادات، هي تبنيك ولا تهدمك.

- استمع لما يؤلم، وابحث عن حكمة يمكن أن تحصل عليها مما يقال، حتى لو كان بدوافع شخصية.

- ابحث عن سبب الانتقادات، ربما تكون ارتكبت خطأً ما بينك وبين الله، أو بينك وبين الناس.

- رُدَّ بلباقة، وقُلْ شيئًا طيبًا لا يثير عدوانية الآخرين.

- تصرف كالأبطال، ابحث عن شيء مفيد مما يُقال تُوَافِق عليه وتهز رأسك.

- لا تقارع الحجة بالحجة فهذا ليس مقامها، ولا تَرُدَّ بقائمة عكسية من الانتقادات.

- لا تقلق من ظاهرة التصنيف وحشرك في إطار ما، ليس له علاقة بالحقيقة، فلا يصح إلا الصحيح.

- الناس مشغولون عنك بهمومهم، وليست الدنيا حلبة للصراع، خاصة بين (ذوي القربى).

- النقد ظاهرة صحية وضرورة إنسانية، ولا يجب أن يكون موجهًا، ولا يستثنى منه أحد، تمنى أحدهم أن يكتب مقالًا قاسيًا باسم مستعار ينقد فيه نفسه!

رحم الله امرءًا أهدى إلينا عيوبنا، ولو كانت عشرين عيبًا في مجلس لا يزيد عن ستين دقيقة.



#فوق_العادة




الكأس الأولى


تمَنّع (عادل - 17 سنة) أول مرة فسخروا منه، في الثانية تردّد، في الثالثة أخذ سيجارة عابرة كمجاملة وفي ذهنه آلاف المواعظ التي سمعها، لا ينوي الاستمرار قطعًا، إن طعمها بشع وليس فيها أي جاذبية، ولهذا فهو يعتقد أن بإمكانه التوقف عنها متى شاء!

مع الوقت أصبح يطلبها بنفسه، ثم يشتريها ويدخن سرًّا دون علم أسرته.

لأسباب صحية ومالية وعائلية، قرر ترك التدخين عبر سنوات ولم يستطع حتى تخرجه من الجامعة.

أهل الفتاة التي خطبها يرفضونه؛ لأنه مدخن.

(النيكوتين) أسرع عقار إدماني، كل شفطة سيجارة تدفع عن طريق الرئة بجرعة ضئيلة منه إلى المخ، وهي تعمل بسرعة تفوق الهيروين الذي يحقنه المدمن في أوردته.

الإدمان الكيميائي يمكن تجاوزه، وهناك الآلاف يدخنون عشوائيًّا دون انتظام.

المشكلة في (غسيل المخ): العلب الجذابة، الولاعات الذهبية، طريقة جذب النفس، الخيال الخصب لاستحضار صور شخصيات محبوبة وطريقتها في التدخين، التمرد على الأهل، الحظوة لدى الأصدقاء، إحساس الفتاة أو الفتى بالتحرر والعصرية.

نفس زاوية النظر الجاهلية التي تقول عن الخمر:

ونشربها فتتركنا ملوكًا

وأُسْدًا ما يُنَهْنِهُنَا اللقاءُ!

والمشكلة الأخرى في البرمجة السلبية على الاستسلام، فالمدمن يردد:

(كل ما أقول: يا رب التوبة، يقول الشيطان: بس ها النوبة!).

والمدمنة تقول: (إن كان المية تروب، يبقى الفاجرة تتوب!).

- لقد كان يومك عصيبًا، تستحق بعض المتعة، إنها الشيء الوحيد الباقي في حياتك!

إدمان يستولي على الذات والعقل، الصوت السائد هو صوت الإلحاح والطلب.

متوسط عمر المدخن ( 60 ) سنة، وغير المدخن ( 69 ) سنة، حسب إحصائية فرنسية، ولذا يقولون: إن المدخن لا يصيبه الزهايمر، حيث يموت قبل ذلك!

صديقه المبتعث اعتاد الذهاب إلى صالات الديسكو، بحجة الاكتشاف تعلم اللغة، ومعرفة المجتمع، ثم وقع في إدمان الخمرة (هاتفني ذات مرة وهو ثمِل!).

ليس الإدمان حِكرًا على التدخين أو المخدرات أو الخمر، ثم قائمة طويلة:

- مشاهدة المواقع الإباحية.

- إدمان العادة السرية.

- الكحول.

- القات.

- الشيشة.

- الجنس وممارسة الحرام.

- المكالمات والعلاقات الغرامية.

- التحرش.

- التسوق.

- إدمان الماركات والأجهزة.

- الألعاب الإلكترونية.

- محادثات الاسكايب والفيس بوك وقوقل بلس.

- إدمان الشبكات الاجتماعية.

حالة نفسية وعضوية تنتج رغبة ملحة في التعاطي باستمرار، لتحصيل الآثار النفسية، وتجنب الآثار المزعجة الناتجة عن الابتعاد، مما يتطلب زيادة الجرعة، وينتج عنه خلل في وظائف الأعضاء، وضعف في الشهية، وارتباك في الهوية.

إنها خاصية لـ (الإنسان)!

الحيوانات لديها تحصن منيع ضد المخدرات إلا في حالة الاحتيال عليها!

فئران في مختبر علمي في أميركا رفضت تناول سائل أضيف إليه مخدر، حتى وُضِع معه كمية كبيرة من السكر!

الإنسان يبحث عن السعادة والرضا، فإذا لم يحصل عليها في دنيا الحقيقة تطلبها في عالم الأوهام.



أسرة في مهب الريح


(عطية) إنسان طيب لولا المخدرات، علاقته بالقرابة والأصدقاء ممتازة، تطورت حالته حيث كانت زوجته تحميه وتستره طويلًا، وهو يسهر الليل يشاهد التلفاز ويتعاطى ويدخن، وكلما سقطت سيجارة من يده بسبب النعاس والخدر، سارعت في إطفائها وحفظه من الحريق، يصحو فيوبخها وكأنها ارتكبت جرمًا، ثم يشعل أخرى، هل تعتقد أن تصرفها صحيح؟ ألم يكن الأجدر أن يواجه صعوبات أو مشكلات ليشعر بالخطر ويبحث عن علاج؟

أطفاله الصغار أصبحوا يلاحظون ذلك، يقول أحدهم: والدنا يحصل دائمًا على المشروب والحبوب، ولكننا لا نحصل على الألعاب والدراجات الهوائية، ولا حتى الملابس واحتياجات المدرسة كغيرنا!

طفل الثانية عشرة أصبح يؤدي دور ابن الخامسة والثلاثين، ويتحمل مسئوليات منزلية كبيرة، أصبح بالغًا وأبًا حقيقيًّا، وطالما اصطحب والده السكير في رحلة على الأقدام أو نزهة لعجزه عن قيادة السيارة.

لأنه الابن البكر كان نادرًا ما يسيء التصرف، وأظهر اهتمامًا فائقًا لبقية الأولاد.

أخوه الأصغر منه أصبح طفلًا متكيفًا مع واقع الأب.

الأصغر حساس يخفف حدّة الألم المخيم في المنزل، مستمع جيد يعالج أحزان والدته، وخوف أخيه، وحرج أخته، وغضب والده.

بقدر ما تصعب الفرص الحياتية وتتعقد أو تستحيل يبحث الإنسان عن الأسهل، فالعمل الشريف ومصدر الرزق ووجود العدالة، وتوفير الترفيه البريء في الرياضة والألعاب وغيرها، يستوعب كثيرًا من طاقة الإنسان.

الإنسان يبحث عن القوة الجسدية والجنسية، وهو شعار طالما استغله مروجو الحشيش والأفيون والكوكايين والقات، أو المخدرات الصناعية وما يسمى بـ (المنشطات) لاصطياد زبائنهم.

الإنسان يبحث عن الوهم الذي يغيبه عن الحقيقة، ويسمح له بالعيش مدة أطول بعيدًا عن (وجع الرأس).

الإدمان:

1- مرض.

2- مزمن.

3- متطور.

4- رئيسي وخطير.

5- مميت.

هذا لا ينفي مسئولية صاحبه عند البداية.

مرض السكري قد يكون بسبب إدمان الحلوى، إذا كان مُهَيَّأً في جيناته لقبول المرض.

يشرب ليسترخي، ثم يزيد، يحس بأنه (محظوظ)، واستثنائي لأنه يشرب الخمرة ولا يثمل، يحس بانفعال خفيف، ثم دوار في بداية اليوم، ثم قشعريرة تعالج بجرعة جديدة، ثم تعاطٍ أكثر، ثم كمية أكبر.. وأخيرًا فقدان الاهتمامات ولوم الآخرين على المشكلات التي تحدث.

في الولايات المتحدة اليوم ما بين (3 - 15%) من المصابين بما يُسَمَّى (أمراض السيطرة على الدوافع)، والتي أهمها: إدمان الجنس، وإدمان السرقة، وإدمان التسوق والشراء بغير حاجة، وإدمان القمار.

(ساعدوني فأنا لا أستطيع التحكم في نفسي) بحث مليء بالمعلومات والقصص الحزينة عن الضحايا، تأليف د.جون كرانت، د.إس دبليو كم، تعريب د. ياسر العيتي.

إنها أمراض سرية غالبًا، ناتجة عن خلل بنيوي ووظيفي في أدمغة المصابين، مع وجود استعداد وراثي، شأن الكثير من الأمراض النفسية، وأحيانًا تكون بسبب اضطراب الهُوية الجنسية والبحث عن التعويض، أو التخلص من الشعور بالاكتئاب، أو الاضطراب العائلي، مع سوء التربية وضعف التوجيه.

شخص ناجح في عمله ومحترم ومهم جدًّا، ولكنه في سره يوبخ نفسه ويبكي بحرقة، لا يظهر أثر الإدمان على عمله وعلاقاته، وهو يخجل من النظر في وجوه أطفاله، ويؤجل مواعيد الرحلات والمشاوير بالساعات أو بالأيام.. إنه يشعر بالعار لأنه مدمن علاقات جنسية، يحس بأنه لا ينجح في عمله إلا بهذا.

حين فقد زوجته التي اكتشفته وصبرت عليه كثيرًا، واجه صدمة.

وحينما فقد عمله الذي تأثر مع مضي الوقت وتفاقم المشكلة، اضطر إلى مواجهة نفسه بالحقيقة والبحث عن حل.

الإدمان مصيدة تُفْقِد المريض معنى الحياة وجماليتها، والإحساس بقيمة الأسرة، وتحرمه الاستمتاع بالطيبات من المآكل والمشارب والمجالس والعلاقات، وتقضي على الأحلام الجميلة والأهداف النبيلة.

إنها تأخذ الإنسان من عالمه الشريف إلى برزخ يتصل بالحيوانية واللامبالاة.

هي إذًا حالة عدمية، والواقع أن هذا التعاطي لا يخلص الإنسان من الهموم والمشكلات، بل يخلصه من عقله، كما عبر عبد الوهاب المالكي:

زعم المُدَامَةَ شاربوها أنها

تَنفي الهموم وتصرف الغَمّا

صدقوا سَرَتْ بعقولهم فتوهموا

أن السرور لهم بها تَمّا

سلبتهمُ أديانهم وعقولهم

أرأيت عَادِمَ ذَيْن مغتمّا؟

قوة الإرادة تكون في أوجها بداية النهار، وكلما مر الوقت ضعفت المقاومة واستسلم الإنسان لرغباته.

قوة الإرادة تكون في أوجها زمن الشباب، حيث العزيمة الصادقة، وبذرة العادة لا زالت لم تكبر وترسخ جذورها!



قتل الوحش أم سجنه؟


عندما تزور مدينة مشهورة بتجارتها مثل دبي، أو طبيعتها مثل كيب تاون، أو فسادها مثل مدينة الخطيئة بتايا، أو لاس فيجاس مدينة القمار، أو حتى قدسيتها كمكة أو المدينة، وتفعل فيها خطأ ولكنه ممتع لك (غرفة - خلوة - متعة عابرة يزينها لك الشيطان).

يظل خيالك مربوطًا بها ولو بعد سنين، وكلما ذُكِرتْ قفز إلى ذهنك الحدث وتفاصيله، وصرت تستعيد المتعة وأنت تبتسم.

وكلما زرتها فكرت أو حاولت أو كررت.

يحزن المرء على ما فاته

من لذاذاتٍ إذا لم يقضها

وتراه فرحًا مستبشرًا

بالتي أمضى كأن لم يُمْضِها

إنها عندي كأحلام الكَرى

لَقَريبٌ بعضها من بعضها!

تخيل ما سوف تصبح عليه حياتك بعد الإقلاع عن الفعل.

- اصنع ذكريات جميلة، صلِّ جمعة، تعرف على أهل المسجد، صُم يومًا، قُم ليلة، صلِّ ضحى، رطِّبْ عينيك بدمعة، اختمِ المصحف، تعرَّف إلى أهل الخير، قم بجولة صَدَقات وأُعطيات، ادعم مشروعًا خيريًّا في البلد.

أجرِ مكالمة هاتفية مع صديق هاجرته، أو زوجة أخطأت بحقها، أو أمٍّ تعبت ورائك.

عوِّد نفسك على التعويض بمقدار المثل على الأقل، ضيعت ساعة فيما لا تحب، خصص ساعة للتسبيح والعبادة والاستغفار وقراءة القرآن.

سافرتَ لمعصية، أعقِبْها بسفر طاعة.

صرفت ألف دولار في طريق الشيطان، اصرف مثلها في سبيل الله.

مقابل عادة سيئة أدمنتها، اصنع عادة حسنة، وارعها واسقها وفضلها على أختها.

الخيال يتذكر الصور والمواقف المرتبطة برغبة أو متعة ولو كانت حرامًا، والشيطان يزين الحرام.

نشِّط خيالك الإيجابي، تصوَّرْ نفسك صالحًا ناسكًا تقيًّا يلتمس الناسُ بركةَ دَعَواته.

أو في مجلس علم وحكمة، أو في مقام قدوة لولدك أو طلابك.

دورة تعبدية رمضانية ( 30 ) يومًا فرصة سنوية لتكرار المحاولة، دون يأس والانتفاع بالجو المشبع بالروحانية والبيئة المشجعة.

(روث فيشيل) يقترح تغيير أي شيء خلال 21 يومًا، بإمكاننا أن نغير أسماءنا، محل إقامتنا، مهنتنا، علاقاتنا، حين نحاول ونكرر ثم نكرر بلا يأس.

ليس الحل مرتبطًا بعرض حلولٍ نظريةٍ أو ابتكارها، بل في إمكانية هذه الحلول ومدى توفرها للمصاب.

حين نقول: الانشغال بشيء آخر، ما هذا الشيء الآخر؟ وكيف يمكن توفيره؟ هل الفرد يوفره لنفسه؟ أم الأسرة؟ أم المجتمع؟ أم السلطة؟

الأفراد مشغولون بأنفسهم، ويظل الفراغ سيد الموقف محليًّا وعالميًّا، ولذا يظل الإدمان مشكلة متفاقمة.

التقاعد عن العمل يزيد المعرَّضين للمشكلة.

فرص الخلوة أصبحت أكثر، متى تجد إنسانًا لا يحصل على خلوة بنفسه إذا أراد؟

الأثر الصحي هل يحول دون الإدمان؟ إن المدمن ينسى التعب والإرهاق، وقد تساوت عنده الحياة والموت حتى يحصل على مطلوبه، ثم يسقط فجأة تحت وطأة إنهاك شديد.

قد ينكر المدمن حالته المرضية، وقد يرى نفسه مبتلى لا حيلة في شفائه.

الضيق والندم والحزن والاكتئاب تصاحبه، ربما يفر إلى الوهم، ويرى نفسه مصابًا بالسحر أو الجن أو العين!

ظروف محيطة تحمله على الفعل، عائلية، أو اقتصادية، أو اجتماعية، أو نفسية، وهي لم تتغير، ولذا يكون الفعل أول ما يفكر فيه.

اليأس من الحل بسبب تكرار الفشل.

ما مدى قناعة المستهدفين وإحساسهم بأهمية البحث عن حل، أم إن الأمر مجرد تسويق كلام أو موقف عابر ويمضي.

بعضهم يعالجون المشكلة بعيدًا عن تداعياتها وأسبابها وظروفها، ويقدمون حلولًا مبتورة، لأنهم يركزون على ذات المشكلة دون معالجة الأوضاع المحيطة.

سورة المطففين هي سورة الحرب على الإدمان:

التطفيف ليس فعلًا عابرًا، هو إدمان سرقة الغنيّ للقليل الطفيف من قُوت الفقير بأنانية وجشع.

كتاب الفجار المدمنين في (سجّين)، إنه سجن في الآخرة يقابل ما سجنوا فيه أنفسهم من عادة الفجور والتطفيف.

?كَلَّا ? بَلْ ? رَانَ عَلَى? قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ? (المطففين:14) كشف عن الجانب القلبي والعقلي الخفي للمدمن الذي كسب سيئة وأحاطت به خطيئته.

والعقاب هو حجبهم عن الله، فلا يرونه ولا يتلذذون بكلامه في الآخرة، كما لم يتلذذوا بالإيمان به وبكلامه في الدنيا.

تحريك الإيمان بالبعث والوقوف بين يدي الله شعور يهز الوجدان، ويصنع حالة عاطفية قوية من شأنها أن توقظ الإرادة النائمة ?أَلَا يَظُنُّ أُولَ?ئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ (4)لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (5) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ? (المطففين:4- 6).

القرآن يعلمنا عدم اليأس مع تكرار الفشل ?أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ ... (16) اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا? (الحديد: 16 - 17 ).

كذلك يحيي القلوب التي لا تمل من التضرع والدعاء والرجاء والاستغفار.

تحتاج هنا إلى صحبة خيرة تأخذك في هذا السبيل، وتشعرك بأن العالم بخير.

قراءة تجارب الناجحين في الخلاص وكتبهم والتشبه بهم.

(دينيس هولي) كتب: (لماذا لا أتوقف عن فعل ذلك؟) حاكيًا تجربة فريدة.

(ألن كار) كتب (الطريقة السهلة للإقلاع عن التدخين)، وإذا كان المثل يقول: (اسأل مجرب ولا تسأل طبيب) فهو المجرب والطبيب.

(بيت كوهين) يقول: اكتشفت من خلال عملي مع الآلاف أن معظم الناس بإمكانهم تغيير عاداتهم، شائعات (مستحيل) هي العقبة، متى طردناها أصبح الطريق مفتوحًا.

كنت أجد في المكتبات كتبًا: كيف تتعلم الإنجليزية في أسبوع، واكتشفت أنها خداع.

لا يجوز أن نتعامل مع كتب التغيير على أنها كذلك، ونحن نكتسب الحكمة من الفشل كما نكتسبها من النجاح.

يعتقد كثيرون أن الأخطاء تكشف ضعفهم، ولا يحبون الاعتراف بها، إذا كان الخطأ ضعفًا فالاعتراف قوة!

نية التغيير وإظهار ذلك للنفس بوضوح، يعني بداية الاستعداد للواقع الجديد، ونقص التكيف مع الواقع السيئ المراد تغييره، لتنسجم قوى النفس الواعية وغير الواعية وتتآخى.

لماذا يعتقد كثيرون أن الإقلاع عن الغيبة أو الكذب صعب؟

لأنهم يفكرون بما سوف يتركون، وليس بما سوف يفعلون.

التفكير بطريقة: سأترك الخطأ، يدفعك للاستمرار فيه!

حين تريد السفر والحجز فأنت لا تخبر الموظف المختص بالأماكن التي (لا) تريد السفر إليها، والفنادق التي (لا) تريد أن تسكنها، وإنما بما (تريد).

أحدهم كان يدخن ( 60 ) سيجارة يوميًّا ثم أقلع إلى الأبد.

لا تفكر بالمصاعب والانتكاسات، واصنع داخلك فكرة مؤكدة إيجابية بإحدى طريقتين:

* نقص تدريجي بالتخفيف وفق التقنية اليابانية المشهورة (الكايزن Kaizen )، (الكايزن، تأليف: ماسكاي إيما).

* ترك حاسم ونهائي تعززه إرادة قوية، وهذا ما تؤكده تجارب د. ألن كار، فهو ضد فكرة التدرج؛ لأن (الوحش) موجود في عقلك وبدنك، واللهفة تزداد للسيجارة كلما قلل منها، والمشكلة اعتقادك أن التدخين يمنحك البهجة والمتعة والثقة، وأن الحياة والصباح والوجبة واللقاء بدون تدخين ليس له معنى.

اتخذ قرارًا حاسمًا.

تخيل أنك أُصبت بمرض، وكنت في خيار بين ترك الإدمان أو بتر ساقيك أو الموت!

الأعراض الانسحابية تستمر لثلاثة أسابيع تمثل (جوعًا) للسيجارة، وبعدها تأتيك لحظة الإلهام التي تنظر فيها إلى السماء فتجدها أكثر جمالًا، والشمس فتراها أكثر إشراقًا.. إنها لحظة انتهى فيها غسيل المخ وزال أثره، وانكشفت الغشاوة عن عينيك.

الحديث إلى الأشخاص الإيجابيين وليس المحبطين أو السلبيين.

الدعاء والإلحاح بصوت يسمعه الداعي، شديد التأثير في برمجة إيجابية تحفز قوى النفس للاستجابة.

إنه يسهم في تجاوز الشعور السلبي وصناعة الثقة بأن الله يصنع لنا أفضل مما نريد.

تعزيز الانتماء الأسري في جميع المراحل يصنع البيئة الملائمة للانتصار.

تحويل عامل الزمن من سلبي إلى إيجابي لصالح صناعة الحلول وتهيئة الظروف المناسبة، حتى المرحلة العمرية لها تأثير، والحوادث الطارئة كحادث سيارة أو مرض أو فقد قريب، والتجربة.

أهمية الحلول الاستراتيجية الشاملة التي يقوم بها المجتمع والمؤسسات المدنية والأسر المتعاونة.

مراكز علاج الإدمان، الإرشاد النفسي، أندية مخصصة للمتعافين حول العالم.

إعادة التأهيل شخصيًّا وخلقيًّا ومهنيًّا واجتماعيًّا عملية جبارة ومتنوعة، تتطلب عشرات المؤسسات المتخصصة الطوعية والرسمية.

(كيف تخلِّص شخصًا تحبه من براثن الإدمان) للدكتور أحمد شهيب، كتاب ممتع حافل بالقصص الحقيقية والنصائح الواقعية، لمن هم حول المدمن كالوالدين والزوجة والأصدقاء.



ترويض


دَرَّب الملِك القطط على أن تحمل الشموع على مائدة الطعام، ليثبت قابليتها للتعلم إثر مجادلة مع وزيره، فجاء الوزير بفأر في جيبه، ثم أطلقه على المائدة، وسرعان ما انطلقت القطط وراءه ورمت بالشموع على المائدة لتحرقها وما حولها!

(غيِّر جبل ولا تغيِّر طبع) هذا مثل محبط، علمًا أن الطبع أرسخ من العادة، والعرب تقول: (الطبع يغلب التطبع)، وتقول:

إذا رام التخَلُّقَ جاذَبَتْه

طبائعُه إلى العهدِ القديمِ!

هل تعتقد أن الحق مع الملك أم مع وزيره؟

العادة جدار إسمنتي يمكن طلاؤه ويصعب اجتثاثه.

الترويض يمر بـ:

* الاقتناع بأن ذلك ممكن، وطرد فكرة المستحيل، والاقتناع بأهمية العادة الجديدة وفائدتها ليكون العقل منسجمًا مع الإرادة.

وهذا ما تفعله الإعلانات في الإقناع بشراء منتج جديد.

* تعزيز الإرادة بطرق شتى منها تغيير الأفكار السلبية في العقل، والتظاهر في حالات إيجابية يفكر فيها ويمنحها انتباهه ويركز عليها.

* استخدام القيم:

كان هناك امرأة تقدر الاحترام والفخر بصورة شديدة، وكانت تعاني من الإدمان على التدخين، فماذا فعلت؟ لقد كتبت ملحوظة إلى أكثر خمسة أشخاص تحترمهم في هذا العالم، قائلة لهم: إنها لن تدخن ثانية، وإنها تُكِنّ لصحتها ولصحة الآخرين درجةً من الاحترام، لا تسمح لها بأن تكرر ذلك.

وبعد ذلك أرسلت الخطابات، وأقلعت عن التدخين، لقد مرت عليها أوقات كثيرة كانت تقول فيها: إنها سوف تفعل أي شيء للحصول على سيجارة، إلا أن كبرياءها لم يسمح لها بالعودة مرة أخرى إلى التدخين.

لقد كانت عندها قيمة أهم من التدخين، أما اليوم فهي لا تدخن وتتمتع بصحة جيدة، إذا أحسنا استخدام القيم صار لها أعمق الأثر في سلوكنا.

* تحفيز الخيال: وهو طاقة هائلة ومذهلة ولكنها تضمر بعدم الاستخدام.

يمكن أن يكون الخيال هو استذكار مواقف مرت بك من قبل تحبها أو تكرهها، أو تتخيل الصور والأصوات أو المشاعر، وفي الخيال يقع التلوين والتقريب والتبعيد والتكبير والتصغير والدوران والنظر للمشهد من زوايا مختلفة كما يحدث في تصوير المشاهد.

وفي الخيال الصوتي يمكن رفع الصوت وخفضه وتفخيمه وترقيقه وتجسيده.

* معالجة السبب: عليك أن تقنع نفسك أن العادات السلبية أمور سهلة الاندفاع، اكتسبتها من خلال ممارسة السلوك وتكراره، واطرح على نفسك هذه الأسئلة:

هل آثارها سلبية أم إيجابية؟ مثلًا: النميمة تفقدك ثقة من حولك.

هل ستخدمك في المستقبل؟

هل أنت مضطر للاستمرار عليها؟

ما هي الفوائد التي تجنيها حينما تغير هذه العادة؟

هل الأصدقاء هم من زرعوها في حياتك؟

هل كان الفضول هو المحرك الأساسي لها؟

هل كانت أمرًا منتشرًا في بيئتك ومن حولك؟

هل تبنيتها حتى تشعر بالتفرد والتميز؟

هل لها موروث ثقافي في بيئتك كارتباط النميمة بمسمى اللباقة؟

هل كان السبب حالة نفسية عابرة، مثل حالة توتر دعت إلى الإدمان؟

وبمعرفتك السبب يمكن مقاطعته أو السعي في إصلاحه.

* الجو المساعد (البيئة) وإمكانية تغييرها.

* ارتسام القدوة ومحاولة البحث عن قدوة ميدانية والقرب منها.

* التحفيز بالمكافآت والحرمان.

* استثمار المواسم مثل الإجازة، الصيام، الحج، المخيمات.

* طروء تغيير ما في حياتك، في شخصيتك، في عملك، في أسرتك، وقد يكون هذا التغيير إيجابيًا كاستلام عمل جديد أو زواج أو مولود أو انفراج أزمة، وقد يكون صدمة كالسجن أو الطلاق أو الفصل أو الفضيحة أو موت عزيز أو خسارة مال أو غدر صديق، يمكن للإنسان أن يقرأ المحنة كمنحة.

* شفاء الضد بالضد، الصحة هي طرد المرض، النفس لا تعيش دون بدائل إيجابية تملأ الفراغ وتستجيب للدافع الغريزي.

* بعض العادات تحتاج إلى حسم وصرامة مثل التلصص واستراق النظر والاستماع لأسرار الآخرين.

وبعضها يحتاج إلى تدرج وتدريب، مثل مشكلات الكلام كالسرعة أو التردد، ومثل الشراهة في الطعام حيث يحتاج إلى حمية متدرجة.

كان أحد الصالحين نهمًا فقرر شيخه أن يطعمه وزن شجرة كبيرة وظلت الشجرة تيبس شيئًا فشيئًا وينقص وزنها وينقص الطعام تبعًا لذلك، حتى أصبح الرجل مقتصدًا زاهدًا مكتفيًا بالقليل.

أحيانًا يبدو طريق الفضيلة صعباً، لأننا تعوَّدْنا منذ الطفولة على الطرق الواسعة للشهوات.

نحتاج أن (نغصب) أنفسنا على بعض الخير فهذه بداية الجهاد، وعندما يرى الله صدقنا وتضرعنا إليه يمنحنا الإرادة.

ظهر في السنوات الأخيرة كمٌّ هائل من الأبحاث والدراسات، يؤكد أن سلوك الإنسان لا يتغير كثيرًا بالنصائح القوية والمواعظ اللفظية بمجردها، مهما كانت فصيحة ومؤثرة وقتيًا، هي مهمة وضرورية ولكن العادة والبيئة أقوى منها، وإنما تؤثر حين ترتبط بتطبيقات عملية وأنماط سلوكية تستمر لفترات طويلة، ويكون المجتمع المحيط داعمًا لها ومساعدًا على تكرارها ? وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى? مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ? (هود: 88 ).

تؤثر حين تتحول إلى عادات راسخة في السلوك ومن هنا نشأ مصطلح (رياضة النفس) عند الأئمة وشيوخ التصوف وعلماء الأخلاق.

التدريب العملي يصنع العادة ويثبت السلوك، قد يبدأ بالتكلف والافتعال لفترة زمنية، حتى يصبح جزءًا من المنظومة العصبية والسلوكية.

محاضرة قوية ورادعة عن الغضب قد تلفت انتباهنا وتثير إعجابنا، وعند سماعها نشعر بحماس لتطبيق مضمونها، ولكن عند أول مثير أو مستفز تعمل الأجهزة والأعصاب والبرامج الذاتية عملها، وينفلت الزمام ويتصرف المرء وفق انفعاله المعتاد ثم يندم!

ومع تكرار الفشل يتولّد اليأس، ومع تعاظم تأنيب الضمير يفقد المرء ثقته بنفسه، ويصبح غير معنيّ باستماع المواعظ ولسان حاله يردد: لا فائدة!

(الحِلْمُ بالتَّحَلُّم)، يعني التدريب وإتقان مهارات ومعرفة تقنيات محددة في مقاومة الغضب.

- كتاب (عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين) لابن القيم، مرجع جامع لنصوص الصبر وفضائله، حين تقرؤه تشعر بأهمية الصبر وضرورته للحياة، وللدنيا والدين، وللنجاح، ولمواجهة التحديات والصعاب.

- وحين تضيف إليه كتاب (قوة الصبر) تأليف جي رايان، (ترجمة مكتبة جرير).

تتعلم تفصيلات عديدة في حياتك اليومية تدربك على تطبيق مفهوم الصبر الشرعي.

- وحين تخضع لتدريب أو دورات تربوية ستكون وضعت قدمك على الطريق، وعرفت أنك لست وحدك!



ساهر


اتصلتُ مرةً بمأمور شركة ما، واستغربت الطريقة التي كان يتحدث بها، لقد كان فَظًّا متسرِّعًا دون سبب، ليس غريبًا أن يكون عليه ضغط؛ فهو في ميدان عمل، وهذه مهمته، ولم يكن متطوعًا بل موظفًا يتقاضى راتبه مني ومنك.

وليس شيئًا حسنًا أن يُبدي اعتذاره حين تعاتبه، أو حين يتعرَّف عليك؛ (سامحنا ترى مضغوطين!).

لأن الأصل أن يكون تعامله راقيًا مع كل المستفيدين، دون اعتبار لسبب خاص.

بعد فترة عاودتُ الاتصال فوجدت ترحيبًا، وعرَّف الموظف بنفسه وعرض الخدمة، قلت لصديقي: الحمد لله، لقد تغيَّر الناس، وأصبحت أخلاق الموظفين أرقى!

قال لي: كلا؛ بل أصبحت المكالمات تُسجَّل.

مهما يكن السبب فالنتيجة طيِّبة، وهذا الذي تحدَّث بأدب سيجد نفسه مع الزمن منضبطًا معتادًا على الكلام الطيِّب؛ مقدرًا لمشاعر الآخرين، سوف يتعلَّم اللغة الإيجابية الجميلة، وإن كان قيد إليها بالسلاسل!

إلى وقت قريب كان القضاء الأميركي يعاني من تجاوزات بعض القضاة وضعف أدائهم، وكان الحل الذي اعتمدته المحاكم وضع كاميرات مراقبة في قاعات المحاكم، وكانت النتيجة تحسن أداء القضاة بما نسبته %60!

الكاميرات التي تراقب الأداء سوف تجعلنا أكثر يقظة وانتباهًا لما يصدر منَّا من أعمال ربما جرت مجرى العادة وتمت بعفوية، لكن حين رصدتنا العيون الساهرة، وسجَّلت علينا حركة غير لائقة، شاهدنا أنفسنا، وقرأنا عيوبنا؛ التي اكتشفناها متأخرين، والجيد أننا اكتشفناها.

لو تذكَّرنا عين الله التي لا تغفل، والرقيب الذي لا يُفارق، لكان لنا شأن آخر!

لكن ها هي أمم الأرض التي لا تدين بدين قد دانت بثقافة الحقوق، واحترام العميل، والسعي في إرضائه؛ فلا يَرِدُهَا سائح ولا تاجر ولا متعلم ولا متداوٍ إلا وجد الحفاوة، والاهتمام، والعناية التامة، والأمانة الظاهرة، ورجع يعجب من حالهم وحالنا، ويقارن بينهم وبيننا.

ثقافة تربّوا عليها، وصارت جزءًا من عاداتهم الاجتماعية، يمارسونها بعفوية ودون تفكير أو تردد، ومع الغريب وغيره.

بينما نُفرِّق نحن بين الناس حتى نخصّ معارفنا وأصدقاءنا بالفضل، ونُطبِّق (النظام) على سائر الناس، ويا له من نظام!

كلمة مطّاطة حمَّالة أوجه، تشمل في عرفنا الإداري: الأنظمة واللوائح والتعاميم والقرارات الإدارية وأوامر الرئيس ورغباته والمزاج العام في هذه الإدارة أو تلك.

وليس من حق المحروم الذي نُشهر النظام في وجهه أن يسأل عن المستند، فالجواب الجاهز هو: أن يشرب من البحر إن كان في الحجاز، أو يركب أسرع خيل عنده إن كان في نجد.

والموظَّف - أحيانًا - يتحوَّل إلى (مفتٍ) أو إلى فيلسوف أو إلى مستشار؛ يعطي رأيه في المسألة ويُصرّ عليه ليتخلص من مسئوليته الإدارية.

دخل فقير على المأمون وقال له: إن فريضة الحج أدركتني وليس لي ما يحملني إلى مكة، فمُرْ لي براحلة عافاك الله! فقال المأمون: يا هذا قد سقطت عنك الفريضة ما دمت عاجزًا، فقال الرجل: يرحمك الله إنما جئتك طالبًا لا مستفتيًا!

ذات مرة رفض موظف أن يسجل اسمًا لمولودة، وعندما أصرّ والدها أشهر في وجهه كلمة (ممنوع)! ولماذا (ممنوع)؟ وأين النظام الذي يمنعه؟ وهل اسم (ياسمينة) ممنوع؟ ولماذا؟ هل الأمر يتعلَّق بحكم شرعي؟ أم.. أم؟ وهل النظام يتدخَّل حتى في الأذواق فيُملي على الأبوين ما يتوجَّب عليهم أن يسموا به بناتهم أو أبناءهم؟!

وهل النظام دقيق وتفصيلي وجزئي ومحكم إلى هذا الحد؟

مفهوم أن يمنع اسم لسبب شرعي واضح لا غبار عليه، أما أذواق الناس فلا مجال لفرضها باسم النظام، فالنظام وضع ليُنظِّم الحياة وليس ليعوق مسيرتها.

أحيانًا حين تكثر الثغرات والمساحات الفارغة في الأنظمة يميل بعضهم إلى ملئها وفق رؤيتهم الشخصية، وهذا في نظرهم شيء من مسئوليتهم أو من حقهم، وإلا فما معنى كونه موظَّفًا ومسئولًا في هذه الدائرة؟

الوعظ مهم وهو من مهمات المرسلين، والكلام الحسن خطوة لابد منها للوصول إلى النضج والتفوق، لكنه وحده لا يكفي، بل لابد من تحويله إلى برامج حياتية عملية يتدرّب عليها الصغار ويعتادها الكبار، فيمارسونها دون تكلّف أو تفكير؛ لأنها أصبحت جزءًا من سلوكهم وشخصياتهم.

متى نصل إلى مرحلة قطع التردد؟

وأعني بها أن يكون المرء قد حسم خياره أمام الأشياء التي تواجهه، فلا يحتاج إلى أن يراجع نفسه.

هل يأخذ الرشوة أم يرفضها؟

هل يسرق المال العام؛ لأن كل الناس تسرق على حد زعمه - أم يتركه ولو كان محتاجًا له؟

هل يشتري الشهادة المدرسية، أو شهادة (التويفل)، أو شهادة الكمبيوتر، أو الخبرة، أم يتحمّل فوات الفرصة الوظيفية بينما يحصل على شهادة حقيقية؟

هل يغش في الاختبار، أم يتجنّب الغش ومن غشّ فليس منا؟

أسئلة كثيرة وصعبة، وأصعب منها الجواب، فالكثيرون لا يجدون القدوة الحسنة، وربما زيّن لهم الشيطان أن الناس كلها تَفْجُر، وتكذب، وتغش، وتسرق، وتتلاعب، فلماذا أكون أنا الاستثناء في مجتمع هذه أوضاعه؟!

متى نصل إلى مرحلة عدم السؤال، فلا أجد سببًا أن يستفتي إنسان شيخًا أو فقيهًا هل يغش أو لا يغش؟ بل يستفتي قلبه وضميره، والإثم ما حاك في نفسك وتردد في صدرك.

مرةً سألني أحدهم وقال: إنه وضع في سيارته خزَّان وقود آخر يحمل فيه (الديزل) لدولة مجاورة، ويبيعه هناك؛ لأنه أغلى ثم يعود.. وهكذا!

هل نحن شعب محتال كما يقول صديقي؟

الظن أن كثيرين هم قدوات ونماذج راقية، ولا تخطؤهم العين، والجدير بمن يحترم نفسه أن يزيد فيهم واحدًا بسلوك سبيلهم، وترسّم خطواتهم، والإصرار على ذلك حتى لو كانت البيئة غير مساعدة.



إحباط


- سألته عن خدمته في العمل فكانت عشرين سنة تقريبًا.

هو إذن بيت للخبرة!

- أجاب: كلا؛ إنها سنة واحدة مكررة عشرين مرة!

- كيف تجد نفسك في المكتب؟

- أشعر بغياب الروح، وأنني كائن آلي، ولا أنتمي لجو العمل إلا شكلًا فحسب!

- كيف؟

- أجاب: رحمة الله على أيامي الأولى! أتيت بحماس غريب، كنت أول من يحضر وآخر من ينصرف، وبعض أوراقي أحملها معي إلى المنزل حتى تضايقت زوجتي وطالبتني بالعدل!

كنت أشعر بالاحتساب والتعبد لله وأنا أنجز عملي وأقوم بواجبي، وأشعر باغتباط حين أرى وجوه المراجعين (المستفيدين) تتهلَّل بالبشر، ودعواتهم لي من سويداء قلوبهم.

زميلي كان ينظر إليَّ بإشفاق، ويبتسم ويهمهم قائلًا: (بَشِّر الزرع بفلاح جديد)!

وكأنما كانت مهمته أن يفتح عيني على الجانب السلبي في الإدارة، وأن ينشر روح التخاذل والتشاؤم بين الزملاء!

أخيرًا نجح؛ لا بكفاءته في الإقناع، بل لأن بيئة العمل كانت إلى جانبه.

شعرت بعد وقتٍ وجيز أنني أنا الأول والأخير في عملي، فلا إشراف ولا رقابة، ولا أحد يتابعني؛ على أني لست مسئولًا، وإنما موظف في بداية مشواره العملي وبحاجة إلى الإحساس بروح الفريق، وأن أجد مديري يتابع أدائي ويصحح ويضيف خبرته إلى اجتهادي!

لم يطلبني العمل لدورة تدريبية واحدة، ولا سعى لتطوير إمكانياتي وتزويدي بالتجارب والملحوظات؛ التي تُعزز شخصيتي ومسيري..

وجدت الخطأ يتكرر مني - عن غير قصد - وقد أضرّ مراجعًا، أو أحرمه من حقه، أو أظلمه، ولا أجد من يقول لي: لماذا؟ فلا حسيب ولا رقيب!

وكأنني أنا الموظَّف وأنا القانون.

المدير في برجه العاجي مشغول بنفسه وغير مكترث، وفي نهاية الأمر أحسست شفرة بينه وبيننا مؤداها: (اغفلوا عني وأغفل عنكم)؛ وكأنه يرى أن جو العمل وعلاقاته لا تكون مبنيَّة على المسئولية والأداء بل على (الميانة) والزمالة وروح التساكت والتفويت!

نظرت إلى زميل سابق كسول ومُسوِّف، يتهرَّب من العمل، ولكنه حكواتي وصاحب نكتة، ويجيد صنع العلاقات، ويخدم الآخرين عبر هذه العلاقات، فوجدته يظفر بنصيب الأسد من الثناء، وخارج الدوام، والترقيات، وهذا يُعرف لدينا بـ(الملَكّع)!

وزميل آخر خجول ويستحي من كلمة (لا)، ويتحمَّل أعمالًا ليست من مسئوليته دون تضجُّر حتى أصبح معظم عمل الإدارة عليه، لم يحصل هذا الزميل على محفِّزات كافية، ولا تمّ تقدير جهده الاستثنائي الذي غطى عيوبنا جميعًا، حصل أخيرًا على ترقية ولكنها غير كافية، وليست معبّرة عن حجم الجهد الذي كان ولا يزال يقوم به، ونحن جميعا نسميه بـ(الكرِّيف)!

كنت أحاول أن أكون كرِّيفًا، ولكن غياب الروح المحفِّزة داخل بيئة العمل وضعني أخيرًا في زمرة (الملكعين)؛ خاصة وأن الزملاء ينظرون للكرِّيف نظرة إشفاق، وأحيانا أسمع كلمة: (مسكين)، (مضيع عمره).

جرَّبت أن أتهاون وأُماطل فلم أجد فرقًا، جرَّبت أن أغيب فلم أجد مشكلة.

وأخيرًا ماتت الروح في داخلي، وحدها بقية من الإيمان والخوف أن يكون راتبي من حرام أطعم به أهلي وصبياني، فذلك يحملني على القيام بأعمال ضرورية دون أن أجد الحماس والدافعية للإنجاز والعطاء.

كثيرًا ما ألتمس العذر لنفسي بمشاهدة مسئولين أكبر مني وهم غير مكترثين للعمل، ولا ملتزمين بالحضور، ولا منضبطين بالنظام؛ الذي يشهرونه في وجوه المراجعين ليعفيهم من إنجاز المهمات، ويشغل المراجع بتوفير مطالب وتكاليف جديدة!

كان يضايقني التضارب في التوجيهات والأوامر بين المدير العام والمدير المباشر، والمبني غالبًا على رؤية شخصية، أو مراعاة للعلاقة، وليس على نظام صارم حاسم ينفذ على الجميع.

المدير العام متسامح وطيب، وعادة يميل إلى تمرير الأشياء وتمشيتها، والمدير القريب لا يكترث، ويبدو كما لو كان يبحث عن مسوغات للمماطلة.

الراتب في نهاية الشهر ينزل لنا جميعًا دون فرق.

أخيرًا وجدت نفسي حيث تراني، غير مهتم بسمعة الإدارة ولا بالناس، وضعفت روحانيتي ورحمتي وتقديري لمعاناة المحتاجين.

لم أعد أشعر بالانتماء لعملي، ولا بأن هؤلاء الناس ناسي وأهلي.

أكثر ما يقلقني الخوف من القرش الحرام، ولذا أتصدَّق ببعض راتبي، وأعتمر، وأصلي النوافل بما فيها صلاة الضحى، بينما العديد من المراجعين يصطفون أمام بابي المغلق!



حلبة


كان ذلك عام 1896م حين لقيت امرأة بريطانية أربعينية حتفها في حادث سيارة، سببه السرعة الزائدة!

كانت السيارة تمشي ثمانية أميال في الساعة، والسرعة القانونية أربعة أميال!

أحد المحققين قال: هذا الحادث يجب ألا يتكرر.

لم يدرِ أن الذين يموتون سنويًّا بحوادث السيارات سيتجاوزون مليونًا وثلاثمائة ألف، وأن الرقم مرشح عام 2020م ليصل إلى مليونين!

وغالبية حصادها هم من الشباب والبنات في مقتبل العمر.

منظمة الصحة العالمية تصف السعودية بأنها صاحبة الرقم العالمي الأعلى، في معدل الوفيات، بسبب حوادث المرور.

الخسائر الاقتصادية للمملكة في الحوادث تعادل أكثر من 25 % من خسائر الدول العربية، وتصل ل 24 مليار ريال سنويا، إضافة إلى 25 مليار لعلاج المصابين.

يعمل مخترعان أميركيان على طرح مفتاح سيارة في الأسواق، يمنع السائقين من الحديث على الهاتف الجوال أو كتابة رسائل قصيرة أثناء القيادة.

ويأتي (مفتاح القيادة الآمنة) ليضاف إلى مجموعة الاختراعات التي تعمل على منع السرعة، أو القيادة تحت تأثير الكحول، وغيرها من الممارسات الخطرة التي تعتبر سببًا في حوادث الطريق.

ويعتبر المفتاح وسيلة للأهل ليمنعوا أولادهم من التركيز على الهاتف الجوال، بدلًا من الطريق.

في برلين كشف بحث جديد، أن النعاس خلف عجلة القيادة، قد يكون سببًا لوقوع حوادث أخطر من القيادة تحت تأثير المشروبات الكحولية.

عادة الانشغال بغير القيادة ثقافة سلوكية يصعب التحكم فيها، مهما كثرت نصائح الوالدين!

سقطت علبة بيبسي من شاب فنزل ليتناولها، وضغط على دواسة البنزين لا إراديًا، وانزلقت السيارة وكان فيها حتفه.

آخر حصل على مرتبه للمرة الأولى، وكان فرحًا به، فطفق يَعُدّه وهو يقود السيارة، وانفلتت 500 ريال في الهواء وكادت أن تسبب كارثة.

المخاطرة تبدو بطولة لدى شباب مراهقين، يتبارون في السرعة أو خوض الوديان أو الرمال، أو التفحيط والتطعيس والترفيع، وحققوا بذلك سمعة عالمية.

شاب تعود على تعبئة سيارته بالأصدقاء، والدخول في مغامرات تحت تأثير الإعجاب والضحك والتصفيق، والقصص التي تروى بعد ذلك للمجالس!

تقارب المسافات بين السيارات نتيجة الازدحام، والعجلة وثقافة القيادة الخاصة بشباب الخليج، والتي تتميز بمهارة وإتقان، ولكن يقل فيها الأمان!

ربط حزام الأمان يخفض بإذن الله 50 % من مخاطر الحوادث، العادة وحدها تجعله عبئًا ثقيلًا، يشق علينا أن نلبسه كلما ركبنا، أو نلبسه لصغارنا.

مقاعد الأطفال وضبطهم يُسهم في سلامتهم بنسبة 80 %، بعضهم يخرج الأطفال من النافذة أو من سقف السيارة!

الجهل بالإسعافات الأولية النافعة عند حصول حوادث يضاعف الخسائر.

اختيار سيارة غير مناسبة كسيارة السباق، أو سيارة صغيرة لشاب يرتاد الصحراء، يحدث كنوع من الدلال.

أثبتت دراسة قام بها باحث من جامعة الملك سعود، أن وراء أسباب تهور الشباب في قيادة السيارة تعليم القيادة في وقت مبكر، ويفسر ذلك أن الشاب تتكون لديه الهوايات ما بين العاشرة والعشرين عامًا (سن المراهقة)، وحين يتعلم قيادة السيارة في هذه المرحلة، يتكون لديه ميول نحوها، وتصبح هواية يمارسها بحد ذاتها، ويتجاوز كل الحدود أثناء قيادة السيارة، ويصل الأمر إلى الاحترافية.

مهندس آخر اعتبر أن السيارات هي أحد المعايير التي يعرف بها تقدم المجتمع أو تخلفه، التصنيع والتنظيم والاستخدام، وهذا واضح في مقارنة اليابان أو بريطانيا أو ماليزيا بدول خليجية.

كيف تجد سيارتك؟ مراهق تتكدس في سيارته الملابس الداخلية مخلوطة بالكتب المدرسية، وعلب المشروبات، الفارغة وبقايا المناديل بفردة حذاء ضاعت أختها، ببقايا وجبة من مطعم!

من سيارتك أعرفك!

سيارة المستقبل توقظ صاحبها إذا نام أو نعس، كما الزوجة الصالحة!

وتحتوي على إطارات ذكية تكتشف الخطر، وهي صديقة للبيئة، ويمكن أن تستعين بطاقة غير النفط، تتصل بالمصنع فور حدوث عطل، ليرسل لها إشارات وتتلقى منه تعليمات فورية.

حتى تتملك هذه السيارة يلزمك الآن أن تتوقف وترتاح قليلًا كلما داهمك النعاس، و(كل شيء ملحوق) بإذن الله.

تَعَوّدْ أن تأخذ وقتك في الاعتبار، قبل أن يدهمك موعد عاجل يحفزك على السرعة.

لا تجعل نفسك مؤدبًا للآخرين أثناء القيادة، كفى بك خيرًا أن تؤدب نفسك.

لا تفترض الوعي دائمًا واليقظة فيمن هم حولك، ربما يكونون مثلي في ارتجالية القيادة.

لا تكن أنانيًّا، تذكر من وراءك في السيارة وأعطهم حق الطريق، وحق الإشارة، وحق العبور من اليمين، وتذكر من وراءك في المنزل فهم ينتظرونك.



#رحلة_عادة




آلله أمرك بهذا؟


(زيد بن حارثة) فتى عربي اختُطِف وبيع في ظروف غامضة، وجهد أهله في طلبه حتى يئسوا، وقال أبوه يبكيه:

بكيتُ على زيدٍ ولم أدرِ ما فعلْ

أحيٌّ فيُرجى أم أتى دونه الأجلْ؟

فوالله ما أدري وإني لسائل

أغالك سهل الأرض أم غالك الجبل؟

تُذَكِّرُنِيه الشمسُ عند طلوعها

وتعرض ذكراه إذا غَربها أفلْ

عثروا عليه بمكة عند النبي صلى الله عليه وسلم، فخيره النبي فاختاره على أهله لما رأى من جميل أخلاقه، فقال عليه السلام: أُشهدكم أن زيدًا ابني أرثه ويرثني. وصار يسمى زيد بن محمد حتى نزل قوله تعالى: ? ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ ? (الأحزاب: 5)، فنُسِب إلى أهله.

عادة التبني الشائعة في العالم اليوم كانت راسخة في الجاهلية وأراد الله إبطالها بقصة عملية واقعية، وهكذا تزوج زيدٌ زينب بنت جحش ابنة عم الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم طلقها زيد، فتزوجها الرسول من بعده ? لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا ? وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا ? (الأحزاب:37).

كان النبي صلى الله عليه وسلم يتوجس من تعليق الناس والخصوم على هذا، حتى قال الله: ?وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ? (الأحزاب:37).

القصة تكشف السطوة القاهرة للعادة على سلوك الفرد، وخاصة حين تكون عُرْفًا سائدًا حاكمًا على القبيلة أو الشعب.

(تصلب الشرايين الاجتماعي) يصنع الجاهزية للتطرف والقتال من أجل عادة ضارة أو تافهة.

الربط بين الدين الرباني وبين الثقافة البشرية يجعل التخلي عن عادةٍ انتهاكًا لحدود الله عند قوم جاهلين متعصبين.

وقديمًا قال المشركون: ? وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا ? (الأعراف: 28 ).

كانت عادتهم الخلط العشوائي بين ما وجدوا عليه الآباء، وما يعتقدون أن الله أمرهم به، فالموروث لديهم في قداسة المنزل، إلى درجة أنهم ينسبون (الفاحشة) إلى الدين!

ويرد القرآن راسمًا المنهج النقدي للعادات: ? قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ ?.

ثم رسم المنهج النقدي لتحصيل المعرفة: ? أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ ?.

فجرد عاداتهم من مرجعيتها الأخلاقية والدينية.

وفي الحديث القدسي: (إني خلقتُ عبادي حنفاء كلَّهم، فاجتالتهم الشياطين وحرَّمتْ عليهم ما أحللتُ لهم، وأمرتْم أن يُشركوا بي ما لم أُنزل به سلطانا) (مسلم).

وهكذا تدأب الشياطين في إضلال الناس في عاداتهم التشريعية (التحريم والتحليل).

وفي عاداتهم العقلية والعقدية (الشرك بالله).

التمسك بالعادة أحيانًا أقوى من التمسك بالدين ولذلك يقول الناس: (العادة تغلب العبادة).

حتى النصوص إذا لم يفقهها أصحابها أصبحت مجرد إرثٍ، وبَهَتَ تأثيرها، كما حكى الله عن بني إسرائيل: ? فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَ?ذَا الْأَدْنَى? وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ ? أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِّيثَاقُ الْكِتَابِ أَن لَّا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ ? وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ ? أَفَلَا تَعْقِلُونَ ? (الأعراف: 169 ).

المألوف السلوكي والثقافي يؤثر في فهم النصوص وتطبيقها حتى لدى مختص أو فقيه.

اللباس مباح في الأصل، وإن كان لكل قوم لباسهم الخاص.

وطبع الإنسان يضفي القداسة على ما اعتاده، حتى صار (الزي الخليجي) عنوانًا للسنة عند أقوام.

شبه د. طه حسين من يحاولون تغيير العالم من أجل الحفاظ على عاداتهم، بالذي يضيق عليه ثوبه فينقص وزنه ليلائم الثوب.

وبإزاء عادات مجتمعية في الخليج مثلًا، تقوم عادات مختلفة في مصر أو السودان أو المغرب، فليست العادات مثل حقائق العلم المتساوية المشتركة.

قيادة السيارة من اليمين إلى اليسار في العالم العربي، أو العكس في بريطانيا ومستعمراتها، هو عادة ارتقت لأن تكون قانونًا وسُمِّيت (عرفًا).

في الريف يكون دور المرأة مختلفًا عن دورها في مجتمع متعلم، ويُحمِّل المرأة مسئوليتها التربوية والوظيفية والمالية، وتبعًا لذلك تتغير عادات الخطوبة والزواج والعلاقة الأسرية.

وتتغير نظرة الرجل إلى المرأة والعكس.

عادات المدينة تختلف عن عادات القرية.

عادات الأغنياء غير عادات الفقراء.

عادات المتعلمين غير عادات الأميين.

الموقف النقدي من العادات والتقاليد هو ربط الأسباب بنتائجها من ناحية، فالعادة المفيدة تستحق الحفاظ.

وهو الذي يستطيع التمييز بين ما هو جزء من بنية المجتمع (في هذه اللحظة وهذه النقطة)، وما هو مجرد محاكاة لسلوك سابق لم يعد له ما يبرره.

مثل هذا الموقف النقدي ليس مجرد رفاهية فكرية في أروقة ودوائر المثقفين المغلقة، ولكنه مسألة حياتية يتوقف عليها تقدم المجتمع أو تراجعه.

الوعي هنا يعني إدراك أن كل ما هو بشري هو عرضة للتغير والفناء.

الثقافة المجتمعية ليست فطرية طبيعية، بل هي اصطناعية، وهي مرنة ومتغيرة، وبسبب الغفلة عن ذلك يحارب الرأي الجديد، كما حارب أتباع نيوتن ما تمخض عنه عقل آينشتاين.

حين تقيس عاداتك الحالية مع ما كان عليه الأجداد منذ مدة ليست بعيدة، سنقول: إننا نعيش في عالم مختلف تمامًا، وعلينا أن نعي أن حياة أحفادنا ستكون مختلفة أيضًا.

الحكم بتفوق عادات جيل ما حاضر أو سابق هو موضوع آخر، ولكن الأهم هو قياس تناسب العادات مع الواقع الجديد ومتغيراته.

انتشر الإسلام في المجتمعات، وكانت حافلة بعاداتها وتقاليدها، في الزواج والأفراح والمآتم والختان والسكن واللباس، واتخذ موقفًا مبدئيا كالتالي:

* تقويم العادات وفرزها إلى حسن وقبيح ومزيج منهما، مع تقدير عمق العادة وتجذّرها، أو سطحيتها وسهولة دفعها، فإن حجب الناس عما اعتادوه شديد.

* تأييد وتشجيع العادات الفاضلة والسامية؛ كحق الجار، والضيف، والفقير، والمحتاج، والقريب، والغريب، وقد يتطلب الأمر إعادة صياغة بعضها.

* محاربة العادات الفاسدة وتقديم البدائل الملبية للحاجات، مع مراعاة التدرج؛ كما في قصة معاذ بن جبل حين بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن.

وفي كل الأحوال، ولدى كل المجتمعات، ظل الصراع قائمًا بين القيم الإسلامية وبين عادات تاريخية تستعصي على التغيير، بمعنى أن التأثر بالقيم لم يكن حاسمًا وتامًا، وهذا لم يكن مفاجأة فقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم :

(اسْتَقِيمُوا وَلَنْ تُحْصُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّ خَيْرَ أَعْمَالِكُمُ الصَّلاَةُ، وَلاَ يُحَافِظُ عَلَى الْوُضُوءِ إلِاَّ مُؤْمِنٌ). (أحمد، وابن ماجه، والدارمي)، وفي اللفظ الآخر: (سَدِّدُوا وَقَارِبُوا) (متفق عليه).

ومع الوقت أصبح موروث الأجيال التالية مزيجًا من القيم والفضائل الإسلامية، ومن العادات القبليّة أو القوميّة التي ظلت كما هي، أو تهذَّبت شيئًا ما، ولكنها لم تشكل تطابقًا مع الروح الإسلامية.

وهذا شأن المجتمعات كلها بلا استثناء على تفاوت بينها، إلا ما كان من المجتمع النبوي الأول، فقد كان منارة خاصة، بحكم وجود النبي - عليه السلام - بشخصه، وبحكم نزول الوحي فيه، فكان نموذجًا يُحتذى مع وجود النصوص الصريحة؛ التي تدل على أن الأمة عبر تاريخها كله، لن تصل إلى المقام الذي وصل إليه الجيل القرآني الفريد.

ومع هذا نزلت سورة الحجرات قُبيل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وفي أولها عتاب للمسلمين على رفع أصواتهم عند رسول الله ومجادلتهم، وفي آخرها حديث عن الأعراب القادمين إلى المدينة عام الوفود وادّعائهم الإيمان، ومنّتهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالمثالية توجد في الأذهان ولا توجد في الأعيان.

الأجيال التالية قد تتلقى الموروث كله بمعيار واحد، والإلف والاعتياد يساعد على تقبُّل شيء ورفض نظيره!

إدراك هذا المعنى اللطيف مهم لمجاميع إصلاحية تحاول النهوض بالأمة ويتوجب عليها ألا تتعسف الأمور، ولا تحرق المراحل، ولا تتجاهل الطبع الإنساني الغلاب.

كيف يمكن أن يكون المجتمع مستقرًا ومتغيِّرًا في الوقت ذاته؟

مواكبة المتغيِّر البشري تقتضي القدرة على التغيير.

والوفاء للعادة يحمل على البقاء والاستقرار.

والاستقرار والتغيير متعادلان في أهميتهما للحياة الإنسانية رغم تعارضهما الظاهري.

المحافظة على الثوابت المكوِّنة للهوية، مع مرونة تسمح بالتغيير، هو الذي مكَّن مجتمعات شرقية في اليابان والصين وكوريا أن تحافظ على روح الهوية والاستقلال، مع مواكبة التطور المعرفي والحضاري.

وثمَّ مجتمعات تميَّزت بالجمود، فبقيت دون تفاعل، وأخرى فقدت خصائصها وملامحها وذابت في غيرها.

وشيطان المسألة يكمن في التفاصيل ? وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ ? (العنكبوت: 43 ).



قصة عادة


كنا صغارًا نرمي السِّن إذا سقط للشمس، ونخاطبها أن تأخذه وتعطينا أكبر منه!

كيف تسللت هذه العادة إلى قرية نائية مشبعة بروح التدين الإسلامي؟

كان أهل الجاهلية يظنون أن الغلام إذا ثَغَر، فرمى سِنّه في عين الشمس بسبابته وإبهامه وقال: أبدليني أحسن منها؛ أَمِنَ على أسنانه العِوَج والفَلَج! قال طرفة بن العبد:

بَدَّلَتهُ الشَمسُ مِن مَنبَتِهِ

بَرَدًا أَبيَضَ مَصقولَ الأُشُر!

البشرية أسرة واحدة، تفرَّقت وبقي الطبع الذي يولدون عليه، وكل مولود يولد على الفطرة، ومن الفطرة: الختان، الاستحداد (إزالة الشعر الداخلي)، قص الأظفار.

عادات ما قبل الرسالة تسمى جاهلية، والكثير منها فارسي أو روماني أو صيني، ولم يرفض الإسلام منها إلا ما كان محتويًا على معنى مرذول.

كانت الدمى في بيت عائشة، وكان قِرَى الضيف، والوفاء بالعهد، والجوار، والتحالف على الخير.

يصعب الجزم بمصادر العادات وأزمنة نشوئها، والكثير منها ثقافة بشرية مشتركة في الملابس والألعاب والسلاح والتجميل والمآكل وأنظمة المجتمع.

تُعدُّ (حدوة الحصان) تعويذة لدى شعوب جاهلة عبر العالم.

وتعزى إلى الراهب (دونستان)؛ الذي أشاع أن لوضعها فوق باب المنزل قوةً خاصةً لرَدْع الشياطين.

ما يزال المسيحيون منذ ظهور هذه القصة في القرن العاشر يستخدمونها بكثير من الثقة على باب المنزل، ثم في منتصف الباب لتستخدم في طرق الباب، إضافةً إلى مهمتها الوهمية في طرد الأرواح الشريرة.

أصبحوا يضعون في أوروبا إكسسوارات عديدة على الشكل ذاته، وما زالت العادة قائمة في الحجاز ومصر والعراق.

المرآة عُرِفَت في الشرق منذ زمن بعيد.

في إيطاليا صُنعِت أول المرايا من قِطَع الزجاج، وكان كسرها يعني حلول سبع سنوات من الحظ السيئ.

الجهالة الطاغية آنذاك سمحت بالخلط بين المعتقدات القبلية والشعبية، وبين المفهومات الدينية.

واليوم ما تزال ملايين أوراق الحظ (اليانصيب) تباع لاعتقاد متسوقيها بالحظ، فالمعتقدات القبلية المتوارثة جانب مكون لأعماق التراث الإنساني.

وفي كأس العالم لكرة القدم تابع ملايين البشر عبر الشاشات الأخطبوط المسمى (بول)، والذي زعموا أنه يتكهن بتحديد الفريق الفائز!

نعم أو لا؛ بمعنى اتخاذ قرار بالفعل أو الترك، القبول أو الرد، محاولة استكشاف المستقبل تحمل جاهلًا أن يستخدم طريقة تعسفية كرمي قطعة نقود، أو الاستقسام بالأزلام، وفي السُّنة جاءت الاستخارة الشرعية والدعاء والثقة بالله.

في قريتي كانت البنت البكر تركب الحمار في الصحراء وتقول له: (يا ابا الهادي وين بلادي؟)، فحيثما توجه بها اعتقدت أنها ستتزوج هناك!

يولع كثيرون بقراءة الأبراج وربط نتائج الحياة بالبرج الذي ولدوا فيه، وربما اعتقد بعضهم أنها هي المؤثرة فيما يحدث، وهذا ضرب من التنجيم المنهي عنه، أُولعت به الكثير من المطبوعات والمواقع.

على أن ولادة الإنسان في صيف أو شتاء أو موسم ما، قد يكون سببًا بإذن الله في خصائص جسدية أو نفسية، كجزء من البيئة المؤثرة إن كانت بَحْرِية أو برية حارة أو باردة..

التشاؤم معتقد نفسي ناتج عن صعوبة التكيف مع الحياة، كان العربي يتشاءم بالغراب أو بالأرنب مثلا.

رش الملح عادة رومانية.

استخدم (دافنشي) الرسام الشهير توفير الملح، ونذير الشؤم الذي يلي نثره في لوحته الشهيرة (العشاء الأخير)، تعرض اللوحة يهوذا الذي خان المسيح وهو يضع الملح على المائدة.

وضع اليد على الفم عند التثاؤب هو سُنَّة نبوية، فعن أَبىِ سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إِذَا تَثَاوَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيُمْسِكْ بِيَدِهِ عَلَى فِيهِ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَدْخُلُ) (مسلم).

وهي هيئة سلوكية وذوقية لتغطية الفم وعدم إيذاء الجليس، فهي عادة ذات منشأ أدبي سلوكي، أما الزعم أنها بسبب الخوف من زفرة جبارة قد تؤدي إلى فصل الروح عن الجسد، فهي من معتقدات العصور القديمة في الشرق.

اعتقد أطباء الإغريق في القرن ( 13 ) قبل الميلاد بوجود عِرْق يدعى (عرق الحب)، يمر من البنصر إلى القلب، ولذا جعلوا البنصر هو الذي يحمل خاتم الزواج، ممثلًا لإحدى وظائف القلب: الخفقان من الحب.

اقتبس المسيحيون العادة، وأضافوا قيام العريس بوضع الخاتم على السبابة ثم الوسطى ثم تثبيته في البنصر، مرددين (باسم الأب)، ثم (باسم الابن)، ثم (روح القدس).

أما الشرقيون فلم يكونوا يكترثون بالخواتم، وكانوا يعتقدون أنها حلي للزينة فحسب، وليس لها أي معنى اجتماعي أو ديني.

(هاني مون) أي: شهر العسل، يعني فترة قصيرة من السعادة والعزلة، عادة اسكندنافية متصلة بكون العريس يخطف العروس من القرية إلى مكان لا يعرفه أحد، لفترة من الوقت، وبمجرد أن يستسلم أهل العروس ولا يتوصلوا إلى نتائج في البحث يعود العريس بعروسه، الكلمة تعني الاختباء، أو هو تقليد بابلي يرمز لشراب من خلاصة العسل يجعل العريس متسمًا بالحيوية.

فستان الزفاف، والحجاب الأبيض (الطرحة) عادة أوروبية منذ القرن السادس عشر.

اللون الأبيض رمز للطهارة والعذرية منذ عدة قرون.

اللون الأسود يوصف بأنه لون الحداد، في هذه الأيام يقولون: إنهم يرتدون الأسود دليلًا على الحزن واحترام المتوفى، أما الحقيقة فهي أن الأقدمين كانوا يلبسون الأسود خوفًا من روح المتوفى.

وليس لهذا أصل في الشريعة، وإن كان شائعًا في التاريخ الإسلامي، ولذلك صرّح فقهاء الحنفية بمنعه إلا في حق الزوجة على زوجها ثلاثة أيام، وأجازه المالكية لها أثناء عدة الوفاة.

دخلت العنصرية حتى في الألوان المجردة.

عيد الميلاد تقليد منتشر عبر العالم.

أول عيد ميلاد مذكور في التاريخ كان قبل الميلاد بثلاثة آلاف سنة عند المصريين، وبظهور المسيحية أَفَلَتْ هذه العادة لفترة من الزمن.

ضم اليدين أثناء الصلاة ليس عادة بشرية محضة كما يزعمه بعضهم، بل هو موروث أنبياء، ففي الحديث عن وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ: (ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَ الْيُسْرَى) (مسلم).

وفي الإسلام فإن هذه الهيئة الثابتة عن الرسول صلى الله عليه وسلم فيها معنى السكون والخشوع والتذلل بين يدي الله.



جذور


قرأت كتاب (قصة العادات) للكاتب (تشارلز باناتي)، وهو بحث استقصائي مثير عن العادة وتفسيراتها، وهو يقدم الأصول التاريخية للكثير من المعتقدات التي ما تزال شعوب تؤمن بها، وإن كان يعوزها المنطق.

كان النبي صلى الله عليه وسلم يأكل على الأرض متواضعًا ويقول: (أجلس كما يجلس العبد، وآكل كما يأكل العبد) (البزار).

(وكان إذا أُتِيَ بطعام وضعه على الأرض) (أحمد في الزهد والبزار).

وفي البخاري: (مَا أَكَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَلَى خِوَانٍ)، وكان يقول: (لاَ آكُلُ مُتَّكِئًا) (البخاري).

وكان نبلاء الرومان ودهماؤهم على حد سواء، يتناولون الطعام بأصابعهم، شأن جميع الأوربيين حتى حلول عصر النهضة وما تميز به من تنميق.

يدل كتاب ظهر في القرن السادس عشر عن آداب السلوك، على أن الشوكة لم تكن شائعة الاستخدام في أوروبا، وأن العادة الرومانية بالأكل بثلاثة أصابع كانت ما تزال قائمة.

بقيت الشوكة مدة ( 200 ) عام بدعة صارخة، وذكر أحد المؤرخين الإيطاليين حفلة عشاء في فينيسيا تناولت فيها امرأة طعامًا بواسطة شوكة، فَجَرّت على نفسها سخط الرهبان الذين حضروا الحفلة، وحدث أن توفيت تلك المرأة بعد ذلك العشاء ببضعة أيام بسبب وباء منتشر آنذاك، لكن الكهنة جعلوا من موتها في مواعظهم عقوبةً سماويةً، وتحذيرًا لكل من يُظهر ولعًا بالشوكة!

رحم الله الشيخ عليّ الحصين، سافر من بريدة مطالبًا بفتح مدارس لتعليم البنات، وتُوُفِّي في حادث سيارة في الرياض، ليقول معارضوه: إنها عقوبة على سعيه في سبيل لا يرضونه هم!

أما الملعقة فهي أقدم من الشوكة بآلاف السنين، ولم تتعرض هي ولا مستخدموها للسخرية كما جرى لأختها!

يتندّر بعض الظرفاء بعناوين كتب مزعومة في تحريم الشوكة والملعقة!

أما فوطة المائدة المصنوعة من الورقة والقماش، والتي نستخدمها اليوم في موائد رسمية لمسح شفاهنا، وحفظ حجورنا من الطعام؛ فهي معروفة في الشرق الأدنى منذ خمسمائة سنة قبل الميلاد.

أعواد الثقاب عُرِفَت في إنكلترا سنة 1826م.

السواك سنة نبوية، وجاءت فيه أحاديث متواترة فعلية وقولية، وحددت أوقات استخدامه وصفته وفضله.

وُجدت عدة قطع من المسواك في قبور المصريين تعود إلى ( 3000 سنة) قبل الميلاد.

ظهرت أول فرشاة أسنان في الصين قبل حوالي ( 3500 سنة) من الآن، وكانت بمقبض خشبي وشعر حرير، ومن الصين انتقلت إلى أوروبا بعد 500 عام، وانتشر استعمالها بين الناس حتى كانوا يعلّقونها حول أعناقهم.

وبالنظر إلى أن قصد السواك هو التنظيف، فإن المعجون يقوم مقامه في هذا، وإن كان للسواك خاصية الاستخدام السهل في أماكن متعددة.

الشامبو والصابون أدوات تنظيف تستخدم لكل أحد، للمُحرم والمرأة في الحداد، وغيرهما؛ لأنها ليست طِيبًا، وقد وجدت بصورتها الحديثة في ألمانيا سنة 1890م.

العطر صُنعِ قبل الميلاد بستة آلاف سنة في الشرق الأوسط والأقصى، وجاءت الشريعة بالأمر بالطِّيب للجمعة وقبل الإحرام وبعد الحِلّ، وكان النبي يحب الطِّيب، يقول جَابر بن سَمُرَة: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم صَلاَةَ الأُولَ ثُمَّ خَرَجَ إِلَى أَهْلِهِ وَخَرَجْتُ مَعَهُ، فَاسْتَقْبَلَهُ وِلْدَانٌ فَجَعَلَ يَمْسَحُ خَدَّىْ أَحَدِهِمْ وَاحِدًا وَاحِدًا. قَالَ: وَأَمَّا أَنَا فَمَسَحَ خَدِّى. قَالَ : فَوَجَدْتُ لِيَدِهِ بَرْدًا أَوْ رِيحًا كَأَنَّمَا أَخْرَجَهَا مِنْ جُؤْنَةِ عَطَّارٍ (مسلم).

استخدام مزيلات العرق ليس جديدًا فقد عرف منذ ( 3500 سنة) قبل الميلاد.

ويبدو أن كثيرًا من جماليات الجسد ونظافته والعناية بالشعر والرائحة كانت تبتكر في الشرق.

العادات متداخلة وملتبسة النسبة وقديمة، وتعرضت لتحوير وتطوير عبر الشعوب.

حسب فقهاء الإسلام فالعادات تجري فيها الأحكام الخمسة ما بين: الواجب، والمحرم، والمستحب، والمكروه، والمباح.

والأصل فيها الإباحة ? هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ? (البقرة 29 ).

? قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ? (الأعراف: 33 )، ? قُل لَّا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى? طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ ? (الأنعام: 145 ).

(الحلال ما أحل الله في كتابه والحرام ما حرم، وما سكت عنه فهو عفو) (الشنقيطي: مذكرة الأصول).

و(الأصل في العادات العفو، فلا يُحظر منها إلا ما حرمه الله، وإلا دخلنا في قوله: ? قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ ? أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ ? (يونس: 59 )) (ابن تيمية: 29 / 17 ).

الحفاظ على الهوية الإسلامية مطلب جوهري وسر للبقاء والخلود، والرغبة عن السنن الشرعية والأخلاق الإسلامية سبب لضعف الانتماء، وأثر عن ضعف الإيمان وضعف الثقة.



لغات وأمم


كانوا في مجلسٍ، فخرج إليهم النبي صلى الله عليه وسلم وخطبهم أن الرسالة قد خُتمت، ولا نبيَّ بعده، وعزَّزَ حديثه بذكر خصائصه وخصائص أمته فقال:

(فُضِّلت على الأنبياء بسِتٍّ. قالوا: وما هُن يا رسول الله؟

قال: أُعطيت جوامعَ الكلم، ونُصِرتُ بالرعب، وأُحِلَّت لي الغنائم، وجُعِلَتْ لي الأرضُ مسجدًا وطَهورًا، وأُرسلتُ إلى الناس كافَّةً، وخُتمِ بي النبيون). (مسلم).

كان الأنبياء يُبعثون في أممهم (أخاهم) ويتكلمون بلغتهم ? وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ? (إبراهيم: 4)، هذا يعني المعرفة والقدرة على التأثير فيمن يشترك معهم في النسب واللغة، فالقطيعة الثقافية (اللغة) والاجتماعية (القوم) ليست مما يشجع على القبول.

بُعِث النبي صلى الله عليه وسلم للناس كافة، وإلى قيام الساعة، فتميزت شريعته عما سبقها بالسَّعَة والتجدد والاستيعاب للحاجات والمتغيرات.

في مكة أقَرّ العادات السارية في البناء والطعام والعلاقات الاجتماعية والمؤسسات الحياتية والأعراف، إلا ما يحتاج إلى تعديل أو تغيير.

أقرّ احترام الأرض المقدسة وحدودها، والأشهر الحرم وأسماءها، والحقوق الإنسانية، وعادات النظافة والنظام والصلة والكرم والتعاون.

وفي المدينة شجع على الغناء الجائز في الفرح؛ (لأن الأنصار يعجبهم اللهو) (البخاري)، وشجع النساء على التعلّم، وألا يَحُولَ الحياء دون السؤال.

وأقر العاداتِ الزراعية والغذائية المدنية، فحين وُلدِ عبد الله بن أبي طلحة ذهبوا به إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ليحنّكه، فقال لأنس: (هل معك تمر)؟ فناوله تمراتٍ فلاكَهُنّ، ثم فتح فمَ الصبي ومجَّهُنَّ فيه، فجعل الصبيُّ يتلمظ، فقال عليه السلام: (حُبُّ الأنصارِ التمرَ)! (مسلم).

تزوجت أسماء بنت أبي بكر الزبير واشتغلت بسياسة فرسه وسقي الماء والخرز والعجن، ولكنها لم تحسن الخبز، وكان لها جارات من الأنصار يخبزن لها، وكنّ نسوة صدق.

وكانت نساء الأنصار يساعدن أزواجهن في عمل الحائط.

وكنّ يشكين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إكراههن على الزواج (خنساء بنت خذام)، أو حرمانهن من الميراث (بنات سعد بن الربيع)، أو تَسَرُّع أزواجهن في ألفاظ الطلاق والظهار (خولة بنت ثعلبة)، أو بغضهن لأزواجهن وطلب الخلع (زوجات ثابت بن قيس).

سأله أنس: ألا تتزوج من نساء الأنصار؟ قال: (إن فيهم لغيرةً شديدة). (النسائي).

وفيهن من حضر البيعة الكبرى كنُسيبة بنت كعب، وغزا كأم عطية، وأُسرت امرأة من الأنصار فاستطاعت الإفلات على ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم (العضباء).

كنّ يُحْسِنّ التبعُّل للزوج، كما في قصة أبي خيثمة حين تأخر عن غزوة تبوك، وقصة أم سُليم حين تزينت لزوجها بعدما تُوُفِّي غلامهم.

يقول عمر: (كنا معشر قريش نغلب النساء، فلما قدمنا المدينة وجدنا قومًا تغلبهم نساؤهم، فطفق نساؤنا يتعلَّمن من نسائهم!) (متفق عليه).

كانت المعاشرة الزوجية تختلف عند الأنصار عن المهاجرين، قال ابن عباس: (كَانَ هَذَا الحَيُّ مِنْ قُرَيْشٍ يَشْرَحُونَ النِّسَاءَ شَرْحًا مُنْكَرًا وَيَتَلَذَّذُونَ مِنْهُنَّ مُقْبِلاَتٍ وَمُدْبِرَاتٍ وَمُسْتَلْقِيَاتٍ فَلَمَّا قَدِمَ المْهَاجِرُونَ المَدِينَةَ تَزَوَّجَ رَجُلٌ مِنْهُمُ امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ فَذَهَبَ يَصْنَعُ بَهِا ذَلِكَ فَأَنْكَرَتْهُ عَلَيْهِ وَقَالَتْ إِنَّمَا كُنَّا نُؤْتَى عَلَى حَرْفٍ فَاصْنَعْ ذَلِكَ وَإِلاَّ فَاجْتَنِبْنِي حَتَّى شَرِىَ أَمْرُهُمَا فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَأَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ (نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ) (أبو داود).

كانت تحية الجاهلية (عِمْ صباحًا)، و(أبَيْتَ اللَّعْن)، وتقال غالبًا للملوك، فأبدلها الإسلام بالسلام، وأباح منها ما لا سوء فيه.

أخذ الإمام ابن عقيل من هذه وأشباهها قولَه في كتاب الفنون: (لا ينبغي الخروج من عادات الناس إلا في الحرام) (ابن مفلح 2/ 47 ).

فسيفساء متنوعة من عادات الشعوب والأمم استوعبها الإسلام وهذبها بصبر وحكمة.

وعادات أخرى حرمها بوضوح كالقمار (الميسر) وشرب الخمر ووأد البنات وتبرج الجاهلية واتخاذ الأخدان والعصبية وشن الغارات والحروب، ونكاح الأمهات والبنات.

أبدية رسالته إلى نهاية الزمان، وعمومها لكل بني الإنسان يعني أن يكون ورثته شهداء على الناس بالقسط والميزان!



كان إذا..


* كان صلى الله عليه وسلم ، مع زهده، يعتني بجمال لباسه وأناقته وتسريح شعره ونظافته.

رأى عمر حُلَّةً تباع فاشتراها لمعرفته حب النبي صلى الله عليه وسلم للجميل من الثياب (البخاري).

كان يلبس في الجمعة والعيدين أفضل ما يجد، ويقول: (إن الله جميل يحب الجمال). (مسلم).

وكان يتسوَّك حتى خشي على أسنانه، وشرع المضمضة والاستنشاق والوضوء والغسل، على أن البيئة لم تكن تساعد على ذلك، فهي مشغولة بضروريات الحياة.

كان يتوقى الثوم والبصل والكُرَّاث والروائح الكريهة، ويحب الطِّيب في بدنه وشَعَرِه وثيابه، حتى في حال الإحرام.

رأى مرة بُصاقًا في قبلة المسجد فتغيَّظ، ودعا بخَلوق (نوع من الطِّيب) وجعل يُزيل الأذى بعُرجون النخل، ويضع الخَلُوقَ مكانه بيده الشريفة. (مسلم).

* كُسِفت الشمس فقال الناس: كُسِفَتْ لموت إبراهيم بن محمد عليه السلام، فرفض النبي صلى الله عليه وسلم تمرير هذه الفكرة وقال: (لا تنكسف الشمس لموت أحدٍ ولا لحياته).(البخاري)، ونهى أن يقال: (ما شاء الله وشاء محمد)، وقال: (إنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله) (البخاري).

ومما زادني شرفًا وتِيهًا

وكدتُ بأَخْمَصِي أطأ الثريَّا

دخولي تحت قولك: (يا عبادي)

وأن صيَّرتَ «أحمد» لي نبيَّا

* كان إذا أوى إلى فراشه يقرأ المعوذتين ويمسح جسده، وإذا قام نظر إلى السماء وقال: (اللهم لك الحمد)، وقرأ الآيات من آخر سورة آل عمران (البخاري)، وكان يذكر الله على كل أحيانه.

كان يستعيذ بالله من الهم والحزن والعجز والكسل والجبن والبخل وغلبة الدين وقهر الرجال (البخاري).

(الحزن على الفائت، والغم للواقع في الحال، وهو القلق، والهم للمستقبل).

* جلس صلى الله عليه وسلم على بئر، ودلى فيها رجليه ومعه أبو بكر وعمر.

ومرّ بفتى يسلخ الشاة ولا يُحسن، فحسَر ذراعه صلى الله عليه وسلم وسلخها له.

كان إذا سرّ استنار وجهه كأنه قطعة قمر، كما يقول كعب بن مالك.

وقالت عائشة: قام صلى الله عليه وسلم على الباب فعرفتُ في وجهه الكراهية.

كان يجري على سجيته وعفويته دون تكلف.

* قال عبد الله بن سلام: لما نظرت في وجه النبي صلى الله عليه وسلم عرفت أنه ليس بوجهِ كذّاب.

كان يأبى أن يشير لأصحابه إشارةً خفيَّةً لأخْذ أحدٍ أو قَتله، ويقول: لا ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين (أبو داود).

ويقول: (أدّ الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخُن مَن خانك). (أبو داود والترمذي).

ويقول: (ما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يُكتَبَ عند الله صِدِّيقا)، وهذا هو الخُلُق الذي ربّى عليه النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر، حيث كبرت قيمة الصدق عنده، وصارت تُقْرَأ في كلامه وصمته وأخذه وتركه وحركات جسده.

* كان يعجبه الفأل وهو الكلمة الطيبة تقدح زناد الأمل.

لما رأى سُهَيْل بن عمرو في الحديبية قال:( سَهُل أمركم). (البخاري).

وزار أعرابيًا يعوده من الحُمَّى فقال: (طهورٌ إن شاء الله). (البخاري).

الحمى طهارة للبدن والروح، والمحروم من لم يتقبل هذا، فقال كما قال الأعرابي: بل حمى تفور، على شيخ كبير، تزيره القبور.

* كان صلى الله عليه وسلم رفيقًا رحيمًا ما ضرب شيئًا قط بيده، ولا امرأة ولا خادمًا، إلا أن يجاهد في سبيل الله.

عادة ما تكون صيغة (كان إذا) في المصنفات النبوية تعبيرًا عن الفعل المتكرر منه، أي عن العادة، وهي هنا أعمّ من أن تكون مقصودةً أو غير مقصودة، وإنما المراد فعلها على سبيل التكرار، وكان دأب النبي صلى الله عليه وسلم الالتزام الدائم كما قالت عائشة: كان عمله دِيمة، وقالت: كان إذا عَمِلَ عملًا أثبته.

* كان صلى الله عليه وسلم يملك من الحب رصيدًا هائلًا ويشيعه للقريب والبعيد.

لم يكن كلما دخل بيته يحلف على الحب، ولكنه في كل مرة كان يفعل شيئًا يدل عليه.

انسلّت أم سلمة من الفراش فسألها: أنفستِ (أصابك الحيض)؟ ثم أدناها وغطاها معه في الخميلة (البخاري).

كان يدخل بيته كزوج، لا كأمير أو مشير.

وقد تُدِلُّ عليه إحداهن فتهجره، فلا يسخط بل يراضيها، ولما عاتبهن عمر، قالت أم سلمة: إن في رسول الله ما يعظنا أكثرَ من موعظتك، لكنا نعامله بما تعلَّمنا منه، ولو نهانا لانتهينا.

كان أصحابه يتنافسون على مكانتهم في قلبه، فيسألونه: من أحب الناس إليك؟ وقال عن الحسن والحسين: (اللهم إني أحبهما؛ فأحِبَّهُما). (الترمذي)، وكان أسامة حِبَّه وابنَ حِبِّه.

وقال: (المِقَة (الحب) من الله) (أحمد).

وبالحب سعى في تغيير مواقف خصومه وأعدائه، كما قال صفوان:

كان محمد أبغض الناس إليّ، فما زال يعطيني حتى أصبح أحب الناس إليّ.

العطاء المادي والروحي سبيل لإشاعة الحب، حتى لدى الخصوم والمناوئين فضلًا عن الأقربين.

ولا غرابة أن يتحول أعداؤه إلى جنود يتمنون أن تسفك دماؤهم دونه.

أحب أبا طالبٍ لقرابته وحياطته وسعى في هدايته لآخر لحظة فأنزل الله ? إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ? (القصص: 56 ).

وهدى الله عبيدة بن عبد المطلب من آل بيته، فأصيب بين يديه يوم بدر، وكان يلفظ أنفاسه ويقول: ألست شهيدًا؟ قال بلى، قال: أما والله لو كان أبو طالب حيًا لعلم أني أحق بما قال حين يقول:

كَذَبتُم وَبَيتِ اللهِ نبزى مُحَمَّدًا

وَلَّا نُطاعِن دونَهُ وَنُناضِلِ

وَنُسلِمهُ حَتّى نُصَرَّعَ حَولَهُ

وَنذهلَ عَن أَبنائِنا وَالحَلائِلِ!

كان (كسب القلوب) هو الأهم عنده، وفي سبيله يبذل المال وتسخو العاطفة ويسهل النسيان والتجاوز.

* كان يتقن فن التواصل الاجتماعي، وهو أساس في نجاح أي علاقة إنسانية معرفية أو اجتماعية أو مصلحية.

- فهو يبدأ من لقيه بالسلام، والوجه الباشّ والمصافحة، ويؤثر جليسه بالوسادة، ويقبل على الناس بوجهه، ويتكلم بكلام بيِّن واضح، وربما أعاد الكلمة مرتين أو ثلاثًا حتى تُفْهَم وتُحْفَظ، قالت عائشة رضي الله عنها: كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم لاَ يَسْرُدُ الْكَلاَمَ كَسَرْدِكُمْ هَذَا كَانَ كَلاَمُهُ فَصْلًا بَيِّنًا يَحْفَظُهُ كُلُّ مَنْ سَمِعَهُ (متفق عليه)، وقال أنس: كَانَ رَسُولُ الله يُعِيدُ الْكَلِمَةَ ثَلاَثًا لِتُعْقَلَ عَنْهُ (الترمذي).

وكان يعود المريض، ويشهد الجنازة، ويغشى أصحابه في منازلهم، ويشاركهم مناسباتهم؛ كالفرح، والولادة، وعودة الغائب، وربما استقبل المولود في حجره وحنّكه بالتمر واختار له اسمًا؛ تطييبًا لأهله، وتحقيقًا لمفهوم التراحم.

- وتواصل صلى الله عليه وسلم مع أعدائه بالمراسلة، ولما علم أن من عاداتهم أنهم لا يقرؤون كتابًا إلا مختومًا صنع خاتمًا فصه (محمد رسول الله).

وكتب إلى كسرى والمقوقس والنجاشي وملوك الأرض يدعوهم إلى الله عز وجل.

وتواصل مع المشركين بمكة، بإرسال عثمان إليهم للتفاوض يوم الحديبية، واستقبل رسلهم، ولأن من مقتضى هذا حماية الرسل والسفراء أقرّ مبدأ أن الرسل لا تُقتل.

اقرأ لمعرفة عاداته الكريمة كتاب (الجامع الصغير للسيوطي) و(صحيح الجامع الصغير للألباني).

واقرأ لمعرفة برنامجه اليومي كتاب (اليوم النبوي للطريري).



كيف تهدم صنما!


أُتيح لي منذ وقت قريب أن أرى جراحًا يجري جراحة صعبة في المخ، وكانت زلة طفيفة من يده كفيلة أن يكون مؤداها الفالج أو الموت للمريض، ولم تكن براعته هي التي وقعت من نفسي، بل سكينته المدهشة، وكنت أعرف أنه كان مضطربًا قبل ذلك بلحظات، ولكنه ما كاد يقف أمام طاولة العمليات حتى راح يعمل بإحكام دقيق أذهلني (مارستون).

هدوء الجراح لا يُعدّ شيئًا عند هدوء المصلحين العظام في الأوقات الصعبة، وطيلة حياتهم التي نذروها لتغيير قناعات الناس وعاداتهم.

هدوء النبي صلى الله عليه وسلم وهو يعرض التوحيد على عمه أبي طالب في لحظة موته

(يا عم، قل لا إله إلا الله، كلمة أحاجُّ لك بها عند الله) (البخاري).

هدوؤه في رحلة الهجرة: (ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟) (البخاري).

هدوؤه في بدر ? فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى? رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ ? (الفتح: 26 ).

هدوؤه عند رحيل أحبابه: (إن القلب ليحزن والعين لتدمع ولا نقول إلا ما يرضي ربنا) (البخاري).

هدوؤه عند حلول أجله (بل الرفيق الأعلى) (البخاري).

دون صخب أو ضجيج أحدث تغييرًا سلميًّا، ولكنه حاسم وعميق.

لم يهادن الوثنية طرفة عين، وسعى لهدمها في عقول الناس ومشاعرهم، وبناء التوحيد، ولكنه دخل مكة في عمرة القضاء وحول الكعبة ثلاثمائة وستون صنمًا، فلم يهدمها؛ لأن إعادة بنائها من قبل المؤمنين بها سهل، وبطريقة أفضل، وهم يملكون فعل ذلك، لم يهدمها حتى فتح مكة ودانت له الأرض، وصنع القناعة الراسخة ببطلانها لدى القاعدة العريضة من الناس، حتى قال قائلهم: لو كانت هذه الأوثان تغني شيئًا ما خذلتنا.

غيّر المعتقدات والسلوك والعادات، بالإقناع والرفق والرحمة واللين والحكمة، ولم يستخدم القوة إلا في أضيق نطاق وعند الضرورة.

أقام بمكة ثلاث عشرة سنة مُستَضْعَفًا هو وأتباعه.

كانت معركة بدر من غير ترتيب.

كانت معركة أحد والأحزاب دفاعًا عن المدينة.

كان صلح الحديبية معاهدة مع المشركين ظنها بعض المسلمين دنية في دينهم!

فَتْح مكة كان قمة الانتصار ولم يُرَقْ فيه إلا القليل من الدماء، ودخلها مطأطئ الرأس مُجَلَّلًا بالسكينة، وتبعه إعلان: اذهبوا فأنتم الطلقاء.

بهدوئه وعفويته وإيمانه وصدقه، حرر العقلية الإنسانية من الشرك والظلم والعنصرية والكهانة والثأر، وبنى للإنسان قيمه وعاداته الجديدة الخالدة.

حفظ حقوق مخالفيه كما حفظ حقوق أتباعه.

كان درسًا عمليًّا للأجيال أن تكون عاصمة الإسلام الأولى حافلةً بالتنوع العرقي والديني؛ ليتعلم الناس أسلوب الداعية العظيم في التعامل مع مُساكِنِيه ومواطنيه من غير أهل ملته.

الحكم الإسلامي عبر العصور حفظ الطوائف والمذاهب المختلفة، ضمن نسيجه الاجتماعي، ولم يفرض عليهم تغيير مذاهبهم، وحفظ للداخلين فيه مزاجهم الشعبي ومطاعمهم وأزياءهم، فهناك خارطة واسعة من العادات والتقاليد احتفظت بها شعوب مسلمة تمتد من جاكرتا إلى طنجة.

حين يتهتك هذا النسيج بسبب صدامات تغذيها السياسة وتحفز عليها الجهالة ويضريها التعصب، تقع المصادمات بين الجيران وينسى الناس الوصية النبوية بحسن الجوار حتى مع الخصوم.

عند الصدام يتراجع العقل، ويهرع الناس إلى سوء الظن بالآخر، والاستعداد لأسوء الاحتمالات فيعودون للوعي البدائي.

العقلاء يدركون أن هذا الأمر طارئ وقابل للتراجع، حين تضع الحروب أوزارها ويفكر الناس بالمصالح المشتركة والعيش والمساكنة.

وهذا معنى وصفِ عمرو بن العاص للروم بأنهم (أسرع الناس إفاقة بعد مصيبة).

هو هنا يتحدث عن صفة في (العقل الجمعي) لهم، وأنهم يتجاوزون فترات التوتر والحرب والاحتقان، إلى ميدان الحوار والبحث عن المشترك، وهذا ما شاهدناه في أوروبا بعد الحربين العالميتين، حيث اتجهت شعوبها إلى العولمة والاتحاد في السوق الأوروبية، ثم في الاتحاد الأوروبي بمؤسساته الضخمة.

بينما تظل بعض القبائل العربية محتفظة بعداوتها القديمة، تلقنها لأجيالها الشابة، وتعيد إنتاج قصصها وأشعارها وكأنها حدثت البارحة.

وقد يأخذ هذا الاحتقان طابعًا مذهبيًا، أو يقحم الناسُ المذهبَ أو الانتماءَ السياسي أو الفكري في علاقاتهم، وتجد هذا لدى إسلامي أو علماني، مما يدل على أن الفكر لم يفلح في تهذيب هذه النزعة، ولكنه وجهها ذات اليمين أو ذات الشمال.



أراك جميلًا في فعالك كلها


* (صلوا كما رأيتموني أصلي) (البخاري).

(خذوا عني مناسككم) (البخاري).

(كان النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فأفطر وأمر بالفطر فبلغه أن بعض أصحابه صاموا فقال: أولئك العصاة) (مسلم).

أفعال نبوية تعبدية تعتبر تبليغًا للرسالة ومحلًا للأسوة.

قد تكون واجبات وفرائض، أو مستحبات كالوضوء ثلاثًا، أو مباحات كالركوب أو المشي في الحج، أو الالتفات في الصلاة لحاجة، أو الاغتسال للصائم.

* نادى مناديه صلى الله عليه وسلم في غزوة: (من قَتل قتيلًا فله سَلَبُه) (البخاري)، وأعلن مرة أن (من أحيا أرضًا مَيْتَةً فهي له). (متفق عليه).

ربما كان هذا الفعل بمقتضى النبوة، وربما كان بمقتضى الولاية والإمامة والسلطة.

* شكت إليه هند بنت عتبة بخل زوجها أبي سفيان فقال لها: (خذي من ماله ما يكفيك ويكفي ولدك بالمعروف). (متفق عليه).

فعل هذا بمقتضى منصب الإفتاء.

* اختصم إليه رجلان فحكم لأحدهما بحسب الشهود والبينات أو اليمين ثم قال: (إنكم تختصمون إليَّ، ولعل بعضكم أن يكون ألحنَ بحجته من بعضٍ، فمن قضيت له بحقِّ أخيه فإنما هي قطعةٌ من النار فليَأْخُذها أو لِيَدَعْها!) (متفق عليه).

صدر هذا منه بمقتضى كونه قاضيًا يحكم بين المختصمين.

* كان صلى الله عليه وسلم كسائر الخلق يقوم ويقعد، ويلتفت ويحرك يده، ويمشي ويجلس، وكان عبد الله بن عمر يتتبع أفعال النبي صلى الله عليه وسلم العادية وحركاته، بدافع الحب ويفعلها.

كان يلبس النعال السبتية ويصبغ الصفرة؛ لأنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك، وكان إذا حج يجر خطام ناقته حتى يبركها حيث بركت ناقة النبي صلى الله عليه وسلم، وكان أنس يتتبع الدُّبَّاء (القَرع) في الطعام.

هذا لا يدل على أكثر من الجواز، وقد يؤجر الصحابي على النية والحب، وليس على الفعل.

قد يصحب هذه الأفعال العادية هيئةٌ خاصة يحافظ عليها الرسول عليه الصلاة والسلام ويتقصدها دون سواها، كطريقة الجلوس للأكل أو الشرب باليمين أو الشرب ثلاثًا أو عدم التنفس في الإناء، فتُسَنُّ هذه الهيئة.

ثَمَّ أفعالٌ جِبِلِّيَّة لا تدل على تشريع، لكن تحمل معنى رائعًا لقيم الحياة والعلاقة والإنسانية، قالت عائشة: (كنت أشرب وأنا حائض ثم أناوله النبي صلى الله عليه وسلم، فيضع فاه على موضع فيَّ فيشرب، وأتعرَّق العَرق (العظم) وأنا حائض ثم أناوله النبي صلى الله عليه وسلم فيضع فاه على موضع فمي) (البخاري).

* قُدّم الضب لرسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يأكله، فسألوه: أحرام هو؟ قال: لا، ولكنه لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه (متفق عليه)، العادة هنا معتبرة، ومراعاة الذوق حسنة، والتوسعة على الناس فيما اعتادوه، مما لم ينهَ عنه الشرع، هو من الشرع.

قد يبيت صلى الله عليه وسلم طاويًا، ويربط الحجر على بطنه، أو ينام على حصير، أو يتوسد يده في النوم.

هذا ليس تشريعاً، ولا يخلو من تذكير بالزهد والقناعة والتواضع.

* كان صلى الله عليه وسلم يواصل الصيام أيامًا دون فطر ونهى أصحابه عن ذلك، فسألوه، فقال: (إني لست كهيئتكم إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني) (البخاري)، وقام الليل حتى تفطرت قدماه وكان واجبًا عليه وليس واجبًا على غيره.

وامتنع من أكل الثوم والبصل لأنه يناجي جبريل.

ثمّ أفعال مختصة به صلى الله عليه وسلم لا تتعدى إلى غيره.

* كان يضطجع بعد سنة الفجر قليلًا على جنبه الأيمن، وحين دخل مكة دخلها من كُداء، وبات بذي طوى، ونزل بالأبطح..

هل هذه تشريعات؟ أم هي أشياء حدثت اتفاقيًا دون قصد؟ الله أعلم.

* حين جاء المدينة وجدهم يُلَقِّحون النخل فقال: (لو لم يلقحوه لصلح)، فترك بعضهم التلقيح وخرج التمر شِيصًا، فقال صلى الله عليه وسلم: (أنتم أعلم بأمر دنياكم) (مسلم).

كان حفر الخندق فكرة فارسيةً اقترحها سلمان.

استخدم أسلوب الكر والفر في الحرب على غير عادة العرب.

فكرة الخاتم أخذها من فارس والروم.

فكرة المنبر من الحبشة.

الخبرة الشخصية والاجتماعية والأممية تقتضي مثل هذه الأفعال وليست من باب التشريع.

* صلى النبي صلى الله عليه وسلم الظهر أو العصر ركعتين ثم سلم، فأخبره أصحابه وقام وصلى ما نسي ثم سجد للسهو (متفق عليه).

قد يفعل عليه السلام شيئًا على سبيل النسيان، ولذا قال له ربه: ? وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ ? (الكهف: 24 )، ولكن الله لا يُقِرُّه على نسيانه فيما يتعلق بالتشريع.

* كان صلى الله عليه وسلم يتعبد قبل النبوة في غار حراء، وكان يُكرم الضيف ويَصِل الرحم ويُكسب المعدوم، ويُعين على نوائب الحق.

وهي من لطف الله به، ولكنها لا تعد تشريعًا إلا إذا أقرّها بعد النبوة، ولذا اعتكف عليه السلام في المسجد، أما الذهاب إلى الغِيران والاختفاء فيها وترك الجمعة والجماعة فهو مخالف لهديه عليه السلام.

هذه أنماط أفعاله النبوية وأحكامها.



سجن أم منصة؟


أول كتاب ألفته كان اسمه (المسلمون بين التشديد والتيسير)، كتبته نقدًا لآراء متشددة شائعة في مجتمعي المحلي، تحرم المدارس والأجهزة الحديثة وتنفر من كل شيء مصدره غير إسلامي، كالمذياع والتلفاز وربما السيارة والهاتف والكهرباء!

واجه الكتاب حملة ضارية وردودًا واسعة، أشهرها كتاب (الرد الرشيد على مدعي التشديد) للشيخ المحدث العابد (عبد الله بن محمد الدويش) رحمه الله تعالى وغفر له.

قد تكون هذه الآراء انقرضت أو في سبيلها للانقراض، بيد أن السبب في الرفض والممانعة غالبًا ما يكون هو (تحريم التشبه بالكافرين).

هذا السبب له أصل في الشريعة، وبموجبه كتب ابن تيمية (اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم).

والإشكال يقع في أمور:

أحدها: معنى التشبه، وهل كل موافقة أو نقلُ يعدُّ تشبهاً أم ثم ضوابط وشروط؟

والثاني: دائرة التشبه، ما هي الأشياء التي يعتبر أخذها منهم تشبهًا بهم، والأشياء العادية أو المشروعة؟

والثالث: حكم التشبه وهل هو مباح؟ أم مكروه؟ أم محرّم؟ أم يرتقي إلى درجة الكفر باعتبار أن (من تشبه بقوم فهو منهم)؟

* متى أقول: الشاب يتشبه بوالده؟ أو بأستاذه؟ أو باللاعب؟ أو بالفنان؟

عندما (يتعمد بقصد وتكرار) محاكاتهم في سلوكهم.

نحن هنا إذًا أمام:

- قصد وإرادة للفعل، وعادةً ما يكون وزن (تَفَعُّل) مثل: تعلُّم، تدرُّب، تجمُّل، دالًا على القصد، وفي الحديث: (إنما الأعمال بالنيات) (البخاري).

- الحامل على ذلك المحاكاة والتقليد الناشئ عن الإعجاب.

- هذا الفعل ليس شأنًا عامًا متداولًا يفعله سائر الناس، بل هو ميزة وخاصية أو (شعار) للأب أو المعلم أو اللاعب.

حين يكون الفعل جميلًا وكريمًا كالحفاوة بالآخر، أو الهدوء في الكلام، فهو مصلحة بلا ريب، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يلبس النعال التي لها شعر وهي من لباس الرهبان.

فصورة المشابهة فيما يتعلق به صلاح العباد لا تضر؛ فإن المسافات الطويلة لا يمكن قطعها إلا بهذا النوع من الحذاء (حاشية ابن عابدين 1/ 653 ).

التبادل المعرفي والحضاري قائم في المجتمعات الإنسانية، والعبرة بفرز النافع واقتباسه وطرد الضار ونفيه، حتى لو كان هذا الضار من صميم عاداتنا.

للأستاذ محمد رشيد رضا توسُّطٌ في المسألة يرى فيه أنها من المصالح الاجتماعية والسياسية، فلا نجمد فيها جمود المغاربة، الذين تحرجوا من زي الجنود الأوروبي مع ما فيه من تسهيل إتقان الأعمال العسكرية، ولا نغلو غلو المشارقة الذين يقلدون الأوروبيين تقليدًا أعمى دون حاجة.

الضار بالجسد أو بالثروة أو بالأخلاق يجب اجتنابه.

وقريب منه ما لا يضر ولا ينفع.

والنافع نقتبسه لا للتقليد بل للمنفعة، وبمقدورنا أن نجعله أحسن مما كان عليه، وأن ندخل التعديلات والإصلاحات التي تناسب هويتنا، وقد نختلف فيما بيننا في تقدير ذلك فنتعاذر ونلتمس رحمة الله.

حين رأى عمر معاوية بالشام وهو يعمل برسوم القياصرة في الأعمال السلطانية أنكر عليه، فقال معاوية: يا أمير المؤمنين! إن هذا عندهم من رسوم الزعامة. فقال عمر: لا آمرك ولا أنهاك.

في الأمصار المفتوحة التي استقر فيها المسلمون لم يتعسفوا تغيير المألوف بالقسر، ولا حملوا الناس على الصعب، وقد بقيت آثار العراق والشام ومصر بما فيها من مظاهر رومانية كانت مخصصة للهو أو العبادة أو المدافن أو التماثيل، والظاهر أن السبب هو تحول هذه الأمصار إلى المسيحية قبل دخول المسلمين إليها، فلم يعد الناس يعبدونها أو يرتادونها وصارت معطلة، والله أعلم بالصواب.

حين ترى في المطار رجلًا يلبس القبعة العريضة ومعها زي خاص في اللباس والشعر، تعرف أنه من (حاخامات اليهود)، ومثله الطاقية التي يلبسها اليهود على شكل طبق صغير.

وحين ترى من يلبس قطعة قماش واحدة ذات لون برتقالي فاقع، تعرف أنه من البوذيين، وهكذا حين ترى الصليب المعلق كعلامة للمسيحيين.

حين ترى صور وأشكال (الإيمو) في شعورهم المسدلة للأمام ولباسهم وحركاتهم، تعرفهم بسيماهم لأول وهلة.

هذه شعارات أساسية في الهوية الظاهرة والباطنة، وقد أشار ابن تيمية وابن القيم والمناوي إلى أن المشابهة الظاهرة في خصائصهم ذريعة للمشابهة الباطنة، والمحاكاة ناتجة عن الحب والتعظيم، أو ما نسميه بـ (الهزيمة النفسية) وتقليد الضعيف للقوي.

وسائل الإعلام من صحف وإذاعات وقنوات، والإنترنت والشبكات، ووسائل النقل البري والبحري والجوي، ووسائل الطباعة، والتجارة والزراعة والصناعة والإدارة والتعليم، كلها ميادين رحبة للاقتباس، وهي مصالح عامة، ولا تدخل في باب الشعارات والخصائص.

ثَمّ وجه آخر للهزيمة يتجلى في الخوف المفرط من كل قادم، وإغلاق الأبواب بإحكامٍ، دون قدرةٍ على تمييز الطارق أو التعامل معه بثقة.

الجمود هو الوجه الآخر للذوبان ? وَكَانَ بَيْنَ ذَ?لِكَ قَوَامًا ? (الفرقان: 67 ).

الحفاظ على الهوية مطلب جوهري، ويجب النظر إلى الهوية كمنصة استقلال وانطلاق نحو الآخر لنؤثر ونتأثر بحكمة، وليس كسجن نحبس فيه أنفسنا حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولا!

تضخم الهوية قطيعة، وضمورها ذوبان.

التضخم بالإلحاح على التفاصيل والجزئيات، وضمورها بإهمال الكليات والجوامع والميزات الأساسية في العقيدة والأخلاق والسلوك.

المناعة الحضارية مطلوبة، لكن بشرط أن تبقى ضمن إطارها الطبيعي، حين تَسْتخدِم قطعة صابون كبيرة لتنظيف جسمك تنزلق من يدك، وحين تستخدم قطعة صغيرة جدًا تتكرر المشكلة، والحل أن تختار بمقدار كفّك!

ليس سرًّا أن العالم أصبح متقدمًا علينا بمراحل، وحائزًا على الجودة والتفوق والإبداع والإنجاز والتطوير، بينما السوق الإسلامية لم تفلح حتى في التقليد والمحاكاة التي فاز بها الصينيون.

وهذا مقصد عظيم يجب على المربين التفطن إليه في حماية الجيل من سطوة الثقافة الغربية وأنماطها الاستهلاكية، القادمة بضراوة عبر الإعلام والدراما والقوة الاقتصادية والتقنية، والتي تتسلل حتى إلى لعب الأطفال ومخادع النساء ومنابر الجمعة.

وفي الوقت ذاته، فإن التناول المعتدل لا يسمح بتحويل ذلك إلى قطيعة مع العصر ومتغيراته، أو توجس من الجديد، أو نظرة سلبية لا ترى في الأشياء إلا وجهها المظلم، ومقتضى الحضور والشهود الإسلامي يلزم بالمعاصرة والمواكبة والجرأة وعدم الانعزال.

التواصل العالمي جعل الكثير من الأعمال عابرة للحدود، وقد يكون أصلها شرقيًّا أو غربيًّا لكنها سرعان ما تشيع وتنتشر، فالعبرة حينئذ ليس بأصلها بل بمضمونها.

نصوص هائلة توحي بضرورة الحفاظ على تميز المسلم وشخصيته وعدم ذوبانها في الآخرين، في معتقداتهم وشعائرهم وشعاراتهم كقوله صلى الله عليه وسلم: (لتتبعن سنن الذين من قبلكم شبرًا بشبر وذراعًا بذراع، حتى لو دخلوا في جُحْرِ ضبٍّ لاتبعتموهم). (متفق عليه).

ومع كونه أخبر بحدوث حالة الاتباع لهم، حتى في دخول (جحر ضب خرب) لا معنى لدخوله ولا مصلحة من ورائه، وعبر بما يدل على أن هذه حالة (ظاهرة) وليست استثنائية أو قليلة، إلا أن السياق سياق تحذير وتنبيه.

وفيه حكمة نبوية رائعة بالجمع بين الإخبار بحصول الخلل فلا يبتئس منه المصلحون، مع عدم الاستسلام له أو تسويغه.

* الحضور والتمكين والقوة مؤثرٌ في التشبه، ولهذا لم تُشْرَع المخالفة لهم في مكة، ولا في المدينة أول الأمر، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب موافقة اليهود فيما لم ينزل عليه فيه حكم، تأليفًا لهم، وطمعًا في إسلامهم، ثم أمر أصحابه بمخالفتهم بعد ذلك في اللباس وتسريحة الشعر وغيرها وكان إذا شك في أمر لم يؤمر فيه بشيء صنع ما يصنع أهل الكتاب.

وقد يُدخل تعديلًا على فعلهم كصيام عاشوراء، وصيام يوم قبله أو يوم بعده، والأمر على الاستحباب، فيجوز إفراد عاشوراء.

يقول ابن تيمية: (لما كان المسلمون أول الأمر ضعفاء لم يشرع لهم المخالفة، فلما كمل الدين وظهر وعلا شرع ذلك. ومثل ذلك اليوم لو أن المسلم بدار حرب، أو دار كفر غير حرب، لم يكن مأمورًا بالمخالفة لهم في الهدي الظاهر، لما عليه في ذلك من الضرر. بل قد يُستحب للرجل - أو يجب عليه - أن يشاركهم أحيانًا في هديهم الظاهر، إذا كان في ذلك مصلحة دينية، من دعوتهم، أو الاطلاع على باطن أمرهم لإخبار المسلمين، أو دفع ضررهم، ونحو ذلك من المقاصد الصالحة) (الاقتضاء 1/ 176 ).



عباءة وعبادة!


* سألني كثير من أبنائي المبتعثين عن قبعة التخرج وعباءته التي يلبسونها؟ فأجبته بأن النبي صلى الله عليه وسلم عقد الجزية على نصارى نجران، وصالحهم على أربعة آلاف حُلَّةٍ، يرسلونها إليه في كل سنة (سنن أبي داوود).

وكان يلبسها ويهديها الصحابة، لأنها وإن كانت من لباس النصارى، إلا أنها لم تكن شعارًا دينيًا لهم.

هذا قسم من المباح أو المعفو عنه أو المسكوت عنه، والأصل فيه المسامحة.

على أن بعضهم يحكي أن قبعة التخرج ذات أصل إسلامي أندلسي، وكانوا يضعون المصحف فوقها، إشارةً إلى قوله سبحانه ? وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ ? (يوسف: 76 ).

* رأى النبي صلى الله عليه وسلم صبيًا قد حلق بعض رأسه وترك بعضه، فقال: (احلقه كُلَّه أو دَعْه كُلَّه). (أبو داود).

نص القفهاء على كراهية (القزع) استدلالًا بهذه القصة، ونقل النووي الإجماع على ذلك، ويصبح الأمر أكثر كراهيةً حينما يغدو من خصائص أهل الملل الأخرى في القَصَّات والتسريحات ونحوها.

المباح في الشريعة إذا صار من خصائصهم وعلامات انتسابهم التي تميزهم عن غيرهم في مظاهرهم وسلوكهم، صار مكروهًا بصورة طارئة، فإذا زال التشبه زالت الكراهة.

وهذا مذهب الحنابلة وأكثر الفقهاء (حاشية ابن عوض على الدليل 2/ 37 ، كشاف القناع 1/ 328 ، الإنصاف، الدر المختار، الفتح، وانظر: رشيد رضا..).

* أخبر أن طائفة من أمته يبيتون على شرب ولهو يخسف الله بهم، والخمر من الكبائر، فإذا اجتمع معها رقص مختلط وملابس فاضحة كاشفة للعورات فهي الغفلة المستحكمة والتعرض للسخط.

هذا محرم في الشريعة، ويزيده تحريما كونه تشبهًا بطرائق الأمم الغربية في الاستمتاع والسهر وقضاء الإجازات (الويك إند).

* كان النبي صلى الله عليه وسلم في سفر مع أصحابه فمروا بشجرة للمشركين يعتقدون بها، ويعلقون عليها حاجاتهم، فقالوا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال عليه السلام: (إنها السنن! والذي نفسي بيده، قلتم كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اجعل لنا إلهًا كما لهم

آلهة، قال: إنكم قوم تجهلون). (الترمذي).

متابعة الكفار في الإلحاد وسوء الاعتقاد والسخرية بالله وآياته وأنبيائه في رواياتهم وأفلامهم وفنهم، وتحكيم الشرائع الجاهلية المخالفة للإسلام، ومتابعة طقوس عباداتهم يعد من المشابهة الكفرية.

? وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى? يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ? إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ ? إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا ? (النساء: 140 ).

فرط الإعجاب وتعمد الامتثال إذا تمادى بالفرد والجماعة، آل بهم إلى الانعتاق من الشريعة، ولهذا سُمِّيَ (تشَبُّهًا)، بينما هو في المواضع الأخرى يسمى (ردّة).

للمسلم مناسك في استقبال القبلة (وليس بيت المقدس) والأذان (وليس الناقوس أو النار) وهيئات الصلاة (ترك التخصّر وهو وضع اليد على الخاصرة) وأوقاتها (عدم الصلاة بعد الفجر وبعد العصر) والصوم (النهي عن الوصال والأمر بالتسحّر).

والطواف بالكعبة لا بغيرها.

هي مناسك يتميز بها المسلم، ولغيره مثل ذلك ? لِّكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ ? فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ ? وَادْعُ إِلَى? رَبِّكَ ? إِنَّكَ لَعَلَى? هُدًى مُّسْتَقِيمٍ? (الحج: 67 ).

لقيت عربًا عاشوا في أوروبا وبحثوا عن الروحانية، وانتقلوا إلى البوذية والتزموا طقوسها، وحين حاججتهم كانوا يقولون: هذه فلسفة وثقافة وليست دينا!

بلى هي ملة ودين: ? وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ? (آل عمران: 85 ).

هذه أقسام التشبه بغير المسلمين من حيث حكمها الشرعي.

يستدل بعضهم في الباب بحديث: (مَن تشَبَّه بقومٍ فهو منهم)، وهو طرف من نص طويل: (بُعِثْتُ بالسيف بين يدي الساعة حتى يُعْبَدَ الله وحده لا شريك له، وجُعِلَ رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذلة والصَّغَار على مَن خالف أمري، ومَن تشبَّه بقوم فهو منهم).

والمحدثون مختلفون في صحة الحديث، وهو خلاف سائغ، لا يوجب تشنيعًا ولا اتهامًا، فليس مَن ضعّفه متهمًا بفساد القصد أو مجاملة الكفار أو مجاراة الواقع، ولا من حسّنه متهمًا بالتسرع أو التكفير أو تسويغ العنف.

ليس مما ينكر الاختلاف على حكم حديث، وليس الحديث من الأصول الكلية التي عليها مدار الإسلام، والتقوى والأخلاق والمعرفة تقتضي وضع الأمر في نصابه باعتدال.

وقد علقه البخاري، ووصله أحمد وأبو داود، ورواه ابن المبارك والثوري وابن يونس مرسلا، ورجح دحيم والبزار المرسل.

وفي إسناده (عبد الرحمن بن ثابت) قال أحمد: أحاديثه مناكير، وكأن هذا يعني عنده عدم قبول ما تفرد به، وقد رُمِي بانتحال بعض مذهب الخوارج.

وحسّن الحديث ابن تيمية فقال: (إسناده جيد)، والعراقي (إسناده صحيح)، والذهبي (صالح)، وابن حجر (حديث حسن)، وكتب فيه ابن رجب رسالة جميلة عنوانها (الحكم الجديرة بالإذاعة).

والحديث احتوى على عدة جمل.

* بعثت بالسيف، وفي التنزيل ? لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ? (الحديد: 25 )، ثم أعقب ذلك بقوله: ? وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ ?.

وفيه ?وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ? (الأنبياء: 107 )، وفي الحديث (إن الله بعثني رحمة ولم يبعثني لعانًا) (مسلم).

* (وجعل رزقي تحت ظل رمحي)، والأصل في مقصد الجهاد هو ?حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ? (الأنفال: 39 )، وقد بعث الله محمدًا هاديًا ولم يبعثه جابيًا، كما قال عمر بن عبد العزيز.

* (ومن تشبه بقوم فهو منهم) قد يحمل على ما سلف من التشبه المطلق، الذي يؤدي إلى الانسلاخ من الشريعة واللحوق بأعداء الإسلام، وتسميته تشبهًا؛ لأنه يبدأ بمشاكلة الظاهر وينتهي بمشاكلة الظاهر والباطن.

ومن يقول بثبوت الحديث فله من هذا كلّه مخرج بحمله على معنى صحيح، والأمر لا يحتاج لأكثر من البحث العلمي المجرد البعيد عن التوظيف السلبي.

موضوع التشبه يحتمل أوسع من هذا البحث وقد كتب فيه أئمة وشيوخ كما فعل الإمام الغزي في (حسن التنبه) والذي طبع بتحقيق مجموعة من الباحثين في ( 12 ) مجلدًا، و ابن تيمية في (الاقتضاء) والغماري في (الاستنفار)، وكتب أشرف بارقعان (مظاهر التشبه بالكفار في العصر الحديث)، وكتب حاكم المطيري (المحافظة على الهوية الإسلامية)..



مغلق للإصلاح


من جميل شعر أبي الطيب ما كان في مدح سيف الدولة، ومن أجمل مديحه هذه القصيدة التي قالها يهنيه بالعيد، وأنشده إياها في ميدانه وهما على فرسيهما:

لكل امرىءٍ مِنْ دَهْرِهِ ما تَعَوّدَا

وعادَةُ سيفِ الدّوْلةِ الطعنُ في العدى

هَنيئًا لكَ العيدُ الذي أنتَ عيدُهُ

وَعِيدٌ لمَنْ سَمّى وَضَحّى وَعَيّدَا

فَذا اليَوْمُ في الأيّامِ مثلُكَ في الوَرَى

كمَ كنتَ فيهِمْ أوْحدًا كانَ أوْحَدَا

هوَ الجَدّ حتى تَفْضُلَ العَينُ أُختَهَا

وَحتى يكونَ اليَوْمُ لليَوْمِ سَيّدَا

الاعتياد يسهل الصعب ويحول المشقة إلى متعة، لا بأس أن نصنع عاداتنا الجميلة ثم نستسلم لها.

الخير عادة والشّ لجاجة.

وما يزالُ الرجلُ يَصْدُقُ ويَتَحَرَّى الصِّدْقَ حتى يُكْتَبَ عندَ الله صِدِّيقًا.. وما يزالُ الرجلُ يكذبُ ويَتَحَرَّى الكذبَ حتى يُكْتَبَ عندَ الله كَذَّابا.

جمال الصِّدْق يتحقَّق بموقف مباشر وسهل (يَتَحَرَّى) فيه صاحبه الصدق حتى يتحوَّل إلى سجيَّة في أقواله وأفعاله ومواقفه، ثم يُكتب عند الله صِدِّيقًا، فالصدق عادة، وهذا لا ينافي أنه عبادة وخُلُق كريم.

وفي حديث عائشةَ: كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إذا عَمِلَ عَمَلًا أَثْبَتَهُ. (مسلم).

وفي حديث آخر: (أَحَبُّ العمل إلى الله أَدْوَمُهُ وإِنْ قَلَّ) (متفق عليه).

هنا توافُقٌ بين العادة والعبادة.

علينا أَلَّا ننظر إلى العادة كمفهومٍ سلبيٍّ، حين نقول: الصلاة عبادة وليست عادة، هي عبادة حقًّا، وأن تكون عادة مستمرة فهذا خير، لكن ليس بمعنى أنَّ المرء يفعلها مجاراةً للناس، ولا بمعنى أنه يفعلها دون وَعْيٍ أو خشوع أو حضور قلب.

حسن أن تَكونَ عباداتنا عادات بمعنى الديمومة والمواصلة، وحسنٌ أن تكون عاداتنا عبادات، بمعنى انتقاء الأفضل منها، واستحضار النِّيّة الطيبة فيها.

أصبحت الصلاة عادته وسرور قلبه وقرة عينه لا يشعر بثقلها بل بمتعتها.

حتى الخشوع يكون عادة بعد المجاهدة الطويلة.

ظُنّ ظنًا حسنًا أنه سيقبلك بعُجَرك وبُجَرك، وغدراتك وفجراتك، وحَسَنكِ وقبيحِك، وما تُبتَ منه، وما نفسك ما زالت تنازعك إليه، فالحياة جهاد، وكلنا ذاك الذي ربما ألمّت به ثقلة الطين، وغلبته نوازع الهوى، وعرضت له الغفلة، وهو لا يزال يغفر ويتوب ويستر ويمهل، ولعل نهاية الأمر توبة صادقة لا رجعة فيها، وخاتمة حسنة، وزلفى، وحسن مآب.

عادات رمضان تمنحك فرحة بالشهر، لكسر الروتين، والتواصل، واستذكار الراحلين، والعطف على المساكين، والتفاعل مع الجو الإيماني بالصلاة والقرآن والعمرة، الصوم سيصبح نقطة تغيير، ويضيف الجديد إلى حياتك، ويمنحك الأمل والتفاؤل والسرور والبهجة.

التسوق والاستهلاك والسهر الطويل والمسلسلات والهوس الرياضي، عاداتٌ يجب ألا تكون سيدة الموقف، يمكننا أن نتحكم فيها بدل أن تتحكم فينا، وسيكون فينا من يكتب على الشاشة (مغلق للإصلاح).

تجربة تستحق أن تخاض.

ألجم غضبك في شهر الحلم، عن تفلُّت الأعصاب أو الصياح أو التذمر أو العنف في قيادة السيارة وإطلاق المنبه ومضايقة الآخرين، لتكن روح السكينة والحب والتسامح تظللنا.. ويشعر الصغير والكبير والمواطن والمقيم والمسلم وغير المسلم بالفارق الإيجابي بين مسلم يتلبَّس بالعبادة ويحافظ عليها، وآخر من الذين هم عن صلاتهم ساهون، والمهم صوم الضمائر عن سيء الأخلاق، وصوم الجوارح عن رديء العادات.



من باب واحد


لم تزل تلك عادة الله عندي

والفتى آلفٌ لما يستعيدُ

سألتهم: حين تسمع كلمة (الله) أو تستذكر الذات العلية، ما أول انطباع يخطر ببالك؟ ما عادتك في ذلك؟

الأكثرون تحدثوا عن:

الحب

الجمال

الأمان

الخجل

الرحمة

الراحة والتفاؤل

الشوق

زنزانة

الرقابة الربانية

العظمة

كانت الإجابات مفاجئة وجميلة.

خفت أن يكون (الخوف) هو أول خاطر يهجم على نفوس العصاة أمثالنا!

الدخول إليه من باب الحب هو دخول من أوسع الأبواب، فالحب أولًا، ثم يأتي الرجاء والخوف متعادلين، الحب هو الرأس هو الحياة هو الأساس، والخوف والرجاء جناحان.

هل الوعظ مَعْنيِّ بترسيخ مفهوم صادق وجميل ومحبب عن الألوهية في نفوس النشء؟

القرآن يُعنَى بالألوهية بعيدًا عن الجدل ويخاطب العقل والوجدان معا، ويعالج السير إلى الله بأسلوب فريد، ويشجع على التوبة، حتى من قالوا: إن الله ثالث ثلاثة، ومن فتنوا المؤمنين والمؤمنات!

خمسون سنة عشتها معه، أطيع فأفرح، وأخالف فأندم، وفي الحالين ثقتي به لا تهتز، فهو المعد لرغبتي ورهبتي ودنياي وآخرتي.

يا من يرى ما في الضمير ويسمع

أنت المعدّ لكل ما يُتوقع

يا من يُرَجّى في الشدائد كلها

يا من إليه المشتكى والمفزع

ما لي سوى طرقي لبابك حيلة

فإذا رددت يدي فمن ذا ينفع؟

لم يعد الإيمان قضية عقلية مجردة، هو شجرة تنبت في القلب، وتسقى مع الأيام وتستقر في العقل، وتتسامى عن الظنون والشكوك والأوهام.

في طفولتي بعثتني أمي إلى قرية (النخلات) لأوصل لخالتي شيئًا، في الطريق كان الأثل يخيفني والكلاب تنبحني، حين رجعت إليها قالت لي: إذا نبحتك الكلاب فقل: ?وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ ? وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا (111) وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا? (طه: 111 ، 112 ).

يقين طفل لا يتردد كان يحفزني على المضي في طريقي دون التفات!

بعدها أحسست بالصحبة، كنت أتهيب التعبير عنها، حتى وجدت حديث (اللهم أنت الصاحب في السفر) (مسلم).

الحياة كلها سفر، فكن أنت يا رب الصاحب في سفر الحياة.

كان الصحابة يتعلمون الإيمان قبل القرآن، عظيم أن نتعرف على الله أولًا، وتشرق قلوبنا بحبه فلا ننساق للعبادة بسوط العذاب والتأثيم، بل بالشكر والعرفان (أفلا أحب أن أكون عبدًا شكورا) (البخاري)، ويتأسس إيماننا على أسمائه وصفاته وجماله وكماله، قبل أن ننشغل بفروع العلم، فتكون الفروع موصولة بالأصل ومتناسبة معه، وليست شاغلة عنه، ولا شاغبة عليه.

عن جندب بن عبد الله رضي الله عنه قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ونحن فتيان حزاورة، فتعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن ثم تعلمنا القرآن فازددنا به إيمانًا (ابن ماجه).

وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال: لقد عشنا بُرْهَةً من دهرنا وإنَّ أحدنا يُؤتى الإيمان قبل القرآن، وتنزل السورة على محمدٍ صلى الله عليه وسلم، فنتعلم حلالها وحرامها وآمرها وزاجرها وما ينبغي أن يقف عنده منها، كما تعلمون أنتم اليوم القرآن. ثم لقد رأيت اليوم رجالا يُؤتى أحدهم القرآنَ قبل الإيمان، فيقرأ ما بين فاتحته إلى خاتمته ما يدري ما آمره ولا زاجره، ولا ما ينبغي أن يقف عنده منه (البيهقي).

رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير.

إني أحبك سيدي، أشتاق رؤية وجهك المحجوب.

الرحمن، الرحيم، البر، الجواد، التواب، ليس فيها المنتقم ولا الباطش ولا شديد العقاب.

صرختي الأولى كانت إليك، وندائي الأول، ونغنغتي، ومناجاتي.

أحببتك قبل أن أخافك، وكلما سمعت اسمك صرت أثرى بحبك.

ذات مساء مسحت أمي على رأسي وقالت: يا ولدي الطريق إليه طويل انتبه أن تتوقف، ثم أشارت إلى الأعلى، ومنذ ذلك الوقت وأنا أحاول الصعود إليك، وكلما اقتربت إليك وجدتك أقرب إلى قلبي وأبعد من خيالي.

في المرض كنت الصاحب، في الخوف كنت الأنيس، في السفر، في الوحدة، في مواجهة الصعاب، في الفرح والحزن كنت المعية.

يأتي اسمك مجلجلًا على لسان أحدهم فأخافك، وضعوا الحواجز دونك، السدود والحفر، وعندما أفيق من تلك الوحشة يأتي نداؤك الأجمل (يا عبدي) وأجيبك (يا رب).

يأتي اليقين بعد الشك، يأتي منثالًا بجمال ما أوجدته وأبدعته في أعماق المحيطات يأتي التضرع باسمك.

في ألم الأمهات، وعجز الأسئلة، ومرارة الفقد يأتي النداء باسمك.

في وهن الجسد وضياع الروح وقسوة الخسارة يأتي التبتل إليك.

يا رب كنت معي في ظلمة الرحم، في طفولتي وأحلامي، في تفاصيلي الصغيرة. كنت معي في مواجهة الحياة، في الإخفاق والنجاح، في الانطلاق والنهاية، أمام ألسنة جارحة، وخلف مخالب الظلام.

يا رب.. وأنت الجميل الذي خلقتني جميلًا، وأردت لي أن أكون كما خلقتني، أبقني على فطرتك بعيدًا عن تشويهِ ذاتي.

يا رب.. وكل نفس يقربني إليك، وكل صباح أستفتح فيه باسمك، امنحني القوة ألا تتعثر خطاي في مسيري إليك، وألا أقوى على ظلم أحد من خلقك.

يا رب.. منحتني عينين ولسانًا وشفتين، اهدني أن لا تنشغل هذه الجوارح بغيرك عنك.

يا رب.. أعطني حرية بقدر عبوديتي لك، ويقينًا بقدر توكلي عليك، واجعل ما بيني وبينك مسافة حب.. وقربها.

منطرحًا أمام بابك الكبير..

أصرخ في الظلام أستجير..

يا راعي النمال في الرمال..

وسامع الحصاة في قرارة الغدير (وسم: #يارب).



بوابة الخروج


أتمنى أن تكون هذه القراءة ضوءًا يرسم طريق الانعتاق من زنزانتك..

صفحات بقدر أيام عامٍ أو تزيد، صاحب الزنزانة يدوّن كل يوم على جدار غرفته، فهل دونت مما قرأت ما يستحق الاهتمام؟

قبل أن تغادر يمكنك أن تأخذ ورقة وقلم وتدون لصديقك بعض انطباعاتك التي خرجت بها.