Advertisement

سر النجاح


Table of Contents
? - في الاعتماد على النفس‏
? - في أرباب الصنائع وهم المخترعون والمستنبطون‏
? - في الخزافين الثلاثة العظام وهم بالِسي وبُتْغَر ووَدْجود‏
? - في المزاولة والثبات‏
? - في الفُرص ومعدَّات النجاح‏
? - في المصورين والنقَّاشين‏
? - في العمل وذوي السيادة‏
? - في النشاط والشجاعة‏
? - في رجال الأعمال‏
?? - في استعمال المال‏
?? - في تهذيب الإنسان لنفسه وما في ذلك من السهولة والصعوبة‏
?? - في القدوة‏
?? - في الأدب واللطف‏
سر النجاح
سر النجاح
تعريب
يعقوب صرُّوف

سر النجاح


بسم الله المبدي المعيد
أما بعد، فهذا كتابٌ عميمُ المنافع، داني القطوف، طرق إلى الحكمة العملية سبيلًا قويمًا، وجمع من ضروب التعليم والتهذيب درًّا نظيمًا، وكشف القناع عن أسباب التقدم والنجاح بما رواه عن ألوف من الرجال العظام، وما فعلوه حتى أدركوا العلى، وما ركبوه من خشن المراكب حتى أحرزوا المجد. وضَعه الفاضل صموئيل صميلز الإنكليزي، ولم يلبث أنْ طُبع باللغة الإنكليزية حتى تُرجم إلى أكثر لغات أوروبا، وأقبل أهلوها على مطالعته، واشتهرت فيهم فوائده حتى إنَّ ملوكهم هادوا مؤلفه بالهدايا النفيسة اعترافًا بفضله، وشهدوا له أنه خير الكتب الموضوعة لترقية شأن رعاياهم.
ولما كان الأستاذ العلَّامة الشهير الدكتور فان ديك خبيرًا بمنافع هذا الكتاب، محبًّا للغة العربية وأهلها، حريصًا على نفعهم بنشر كل ما تصل إليه يده من الفوائد بينهم؛ انتدب أحدنا — يعقوب صروف — منذ نيف وعشر سنين إلى ترجمته، فترجمه إلى العربية، وبقي بضع سنين في زوايا الإهمال إلى أنْ قيَّض له الله من دفع نفقات طبعه، فطبع في مدينة بيروت. وقد ظهر لنا أثناء ترجمته أمر تحققناه بعد ذلك بالاختبار؛ وهو أنَّ هذا الكتاب لا تعمُّ فوائدهُ بين المتكلمين بالعربية، ولا يبلغ فيهم تمام الغاية المقصودة منه إلَّا بأربعة أمور:
الأوَّل: أنْ تضاف إليه سِيَر كثيرين من الذين اشتهروا في بلاد المشرق، حتى يَرى الشرقي الذي يطالعه أنَّ الذين نجحوا بسعيهم وجدِّهم لم ينحصروا في أوروبا وأميركا، بل نبغ كثيرون منهم في آسيا وأفريقية، وأنه يمكن للشرقي أنْ ينجح كما نجح الغربي إذا طلب النجاح.
الثاني: أنْ تضاف إليه شواهد وأمثال عربية الأصل تقابل الشواهد والأمثال الإفرنجية؛ حتى يزيد وقعًا في نفوس القرَّاء الشرقيين، وتنطبع قواعدهُ الأدبيَّة في أذهانهم.
الثالث: أنْ تُضبط الأعلام الإفرنجية التي فيه بالحروف الإفرنجية مع الحروف العربية؛ لكي لا يقع التباس في لفظها، ولا يتعذَّر على القرَّاء البحث عنها في كتب الإفرنج إذا أرادوا التوسُّع في مطالعة سيَر مسمياتها.
الرابع: أنْ يفسَّر كل ما ورد فيه من الألفاظ الإفرنجية التي لا يمكن ترجمتها، والاصطلاحات العلمية وأعلام الأشخاص والأماكن؛ لأن تلك الألفاظ وهذه الأعلام مفهومة شائعة عند الإفرنج، وهي ليست كذلك عند أكثر المتكلمين بالعربية.
ولما كانت الطبعة الأولى من هذا الكتاب قد نفدت، باشرنا طبعَهُ ثانيةً في مطبعة المقتطف بمدينة القاهرة المحمية، وتلافَينا كل المحذورات المذكورة آنفًا، فأضفنا إليه سِير جماعةٍ من الذين اشتهروا في هذه البلاد قديمًا وحديثًا؛ مثل: جنكيز خان، وتيمور لنك، وابن سينا، وإبرهيم باشا، والإمام السيد محمد القصبي، والعلَّامة بطرس البستاني، ومحمود باشا الفلكي، والفيلسوف الدكتور فان ديك، وكثيرين آخرين. ونقحنا الأصل وصححناه وأضفنا إليه كثيرًا من الأشعار والأمثال العربية. ثم ألحقناه بفهرس على حروف المعجم، ذكرنا فيه أكثر ما ورد في الكتاب من الألفاظ الإفرنجية والاصطلاحات العلمية والأعلام العربية والإفرنجية، وشرحناها كلها شرحًا جَمَعَ بين الاختصار والفائدة، حتى إذا تعذَّر على القارئ فهم كلمة، أو أراد أنْ يعرف عَلَمًا من الأعلام المذكورة في المتن؛ يلتفت إلى الفهرس فيرى شرحًا وجيزًا لكل ما يطلبه. وقد فضَّلْنا ذكر الشرح في فهرس على ذكره في حواشي الكتاب؛ فرارًا من تكرار الشرح بتكرُّر ورود الأعلام، وخوفًا من فوات الفائدة إذا لم يكرَّر حينئذ. وألحقنا الأسماء الإفرنجية بكتابتها في لغتها الأصلية، فجاء الكتاب بذلك تحفة من تحف هذه الأيام، وهاديًا أمينًا لأبناء هذا الزمان، لا يستغنى عنه قارئ من قرَّاء العربية كبيرًا كان أو صغيرًا، عالمًا أو غير عالم. نسأل الله أنْ ينفع به كما نفع بأصله، وهو حسبنا وإليه ننيب.
مُنشِئَا المقتطف
الفصل الأول
في الاعتماد على النفس
قال يوحنا سنِوَرْت ملْ: قيمة المملكة تتوقف على قيمة أفرادها.
وقال دزرائيلي: إننا نعتمد على الشرائع أكثر مما يجب، وعلى الإنسان أقل مما يجب.
***
اعتماد الإنسان على نفسه أصل لكل نجاح حقيقي، وإذا اتَّصف به كثيرون من أفراد أمة من الأمم، ارتقت تلك الأمة وتقوَّت، وكان هو سرَّ ارتقائها وتقوِّيها. وما ذلك إلَّا لأن الإنسان يقوى عزمُه باعتماده على نفسِه، ويضعف باعتماده على غيره؛ ألا ترى أنَّ المساعدة التي ينالها الإنسان من غيره تذهب بنشاطه غالبًا؟ لأنها لا تدع مُوجبًا لسعيه في خير نفسه، فتغادره ضعيفًا عاجزًا، ولا سيما إذا فاقت حدَّ الاقتضاء. وما أحسن ما قاله الطغرائي في هذا المعنى:
وإنما رجُلُ الدنيا وواحدُهامَن لا يعوِّلُ في الدنيا على رجُلِ
وأفضل الشرائع لا يجدي الإنسان نفعًا أكثر من جعله حرًّا؛ ليعتمد على نفسه، وينكبَّ على إصلاح شأنه، غير أنَّ البَشر قد اعتقدوا في كل أينٍ وآنٍ أنَّ خيرهم وراحتهم منوطان بشرائع بلادهم لا بسلوكهم، فاعتبروا الشرائع علة لتقدمهم، وبالغوا في الاعتماد عليها أيَّ مبالغة. إلَّا أنه قد كاد يتقرَّر عند أهل هذا العصر أنْ ليس لشرائع الدول من فائدة سوى حماية رعاياهم، بتأمينهم على حياتهم وحريتهم ومالهم؛ فالشرائع التي يتولَّاها حكامٌ أمناء تمكِّن الإنسان من اجتناء ثمار أتعابه العقلية والجسدية بقليل من الخسارة، ولكنها ما كانت لتصيِّر البليد نجيبًا، والكسلانَ مجتهدًا، والسكيرَ نزهًا، مهما كانت عادلة وصارمة؛ لأن هذا منوط بالإصلاح الشخصي؛ أي بالاجتهاد والاقتصاد وإنكار الذات وما أشبه.
وما حكومة الشعب سوى صورةِ أفراده، فإذا فاقت الشعبَ لم تلبث أنْ تتقهقر إليه، وإذا انحطت عنه لم تلبث أنْ ترقى إليه. ومهما تكن أخلاق الشعب فهي تظهر في حكومته؛ فإذا كان مستقيمًا حُكم بالاستقامة، وإذا كان معوجًّا حكم بالاعوجاج. والاختبار يدلنا أنَّ قوة الشعوب ودرجتها لا تتوقفان على حكومتها كتوقفهما على أخلاق أفرادها؛ إذ ليس الشعب سوى مجموع أفرادِه، وليس تمدُّنه سوى تمدُّن أفراده؛ كبارًا وصغارًا، ذكورًا وإناثًا. فتقدُّم الشعب هو مجموع علم أفراده واجتهادهم واستقامتهم، وتأخره هو جهل أفراده وكسلهم والْتِوَاؤُهم. وإذا دققنا النظر وجدنا أنَّ أكثر الشرور التي اعتدنا على نسبتها إلى الشعب إجمالًا، هي شوائب نامية في حياة أفراده، وإذا استُؤصِلت بواسطة الشرائع تعود فتنمو من ناحية أخرى بهيئة أخرى، ما لم تتغيَّر طباع الأفراد وصفاتهم، ويترتَّب على ما تقدَّم أنَّ الغيرة الوطنية لإصلاح الوطن يجب أنْ تُبذَل في إصلاح سياسته وشرائعه، بل في إنهاض أهله؛ لكي يصلحوا شأنهم بيدهم.
إذا كان كل التقدُّم موقوفًا على كيفية حكم الإنسان على نفسه، فلا أهمية كبيرة للحكام المتسلِّطين عليه؛ لأنْ ليس العبد من يستعبده غيرُه، بل من يُستعبد لجهله وكبريائه وهواه. هذا هو العبد الذليل، والشعب المستعبد على هذا النمط لا يحرره تغيير الشرائع والمسلطين، ولا سيما إذا ظلَّ يتوهم أنَّ حريته متوقفة على كيفية حكومته؛ لأن أساس الحرية الثابت قائمٌ بحسن شأن الأفراد، الذي هو السند الوحيد لنظام الاجتماع الإنساني والتقدم الوطني. ولقد أجاد الفيلسوف يوحنا سنورت مل؛ إذ قال: «إنَّ الاستبداد لا يضرُّ كثيرًا ما دام كل شخص مستقلًّا بنفسه، ولكن كل ما يحطم الاستقلال الشخصي، هو استبدادٌ، مهما اختلفت أسماؤه.» وما أحسن ما قاله وليم درغن — أحد مشاهير المحامين — عن استقلال إرلندا في معرض دَبْلِن الأول، قال: «إنني لم أسمع قط لفظة الاستقلال إلَّا خطر على بالي وطني وأهلُه، وكثيرًا ما سمعت عن الاستقلال الذي نفوز به بمساعدة الغير، ولا يسعني أنْ أنكر كمْ كنت أتمنى مساعدة الغير وأعتبرها، على أنه لم يبرح من بالي قط أنَّ استقلالنا الأدبي والمادي يتوقف بالكلية علينا. وعندي أننا بإقبالنا على العلم والصناعة واستخدام ما لنا من الوسائط، قد بلغنا درجة من التقدم لم نبلغها من قبل. والسبب الأكبر لنجاحنا مثابرتنا على ما به خيرنا. وإني لمتيقن أنَّا إذا واظبنا على ما نحن عليه من الغيرة والاجتهاد، وصلنا قريبًا إلى درجة من السعادة والراحة لا يفوقنا فيها أحد.»
إنَّ جميع الشعوب قد اتصلوا إلى ما اتصلوا إليه من التقدُّم بواسطة اجتهاد ألوف من رجالهم مدة أيام كثيرة، فالفَعَلة وحارثو الأرض، ومستخرجو المعادن، وأرباب الصنائع، والمخترعون، والمكتشفون، والمصنفون، والشعراء، والفلاسفة، ورجال السياسة؛ جميعهم سعوا في تطلُّب تلك الغاية المجيدة، التي هي ترقية شأن بلادهم وازدياد عمرانها. هؤلاء هم الذين أوجدوا العمران، ورفعوا شأن النوع الإنساني بمثابرتهم على العلم والعمل، وكل جيل بنى على أتعاب سلفه في هذا البناء العظيم، ونحن ورثنا العمران كما تركه لنا أسلافنا، وعلينا ألَّا نتركه لخلفائنا كما تُرك لنا، بل أنْ نجدَّ ونسعى في توطيده وتهذيبه، كما فعل من تقدمنا.
الاعتماد على النفس من أخص ما يوصف به الشعب الإنكليزي، وعليه تتوقف قوة دولتهم، فإذا التفتنا إلى الخاصَّة منهم، رأينا أنه قد قام من بينهم أناس فاقوا مَن سواهم، فاستحقوا الإكرام من الجميع. ولكن لم يتوقف تقدُّم البلاد الإنكليزية على هؤلاء الأفراد القلائل فقط، بل على أناس دونهم رتبة؛ أي على أشخاص من العامَّة قلَّ ما يُعرف عنهم؛ ألا ترى أنَّ مَن يذكر خبر انتصار جيش في واقعة من وقائع الحرب يقتصر على ذكر قواد الجيش، مع أنَّ النصر تمَّ بواسطة أفراده؟ فكذلك في هذه الحياة، التي هي أشبه شيء بدار حربٍ دائمةٍ، الاسمُ لأُولِي المقام السامي، ولكنَّ في زوايا النسيان رجالًا لا يحصى عددهم، كانوا وسائط فعَّالة في إدخال العمران ورفع شأن الشعوب، وهم أكثر عددًا من الذين أنصف التاريخُ فذَكَرَهم. بل يمكننا أنْ نقول إنَّ كل مَن كان قدوةً لغيره في الاجتهاد والنزاهة والاستقامة، لهُ يد في خير البلاد الحاضر والمستقبل، وحياتهُ مثال يَقتدي به معاصروه وخلفاؤهم جيلًا بعد جيل.
والاختبار اليومي شاهد بأن قدوة المجتهدين تؤثِّر في غيرهم تأثيرًا قويًّا يفوق تأثير العلوم، بل ما من علم يؤثِّر في حياة الإنسان مثل العلم الذي يراه يوميًّا في البيوت والشوارع والحقول والمعامل. هذه هي العلوم الانتهائية التي يجب على كل أحد أنْ يتقنها لكي يحق لهُ الدخول في الهيئة الاجتماعية. هذه هي العلوم التي سمَّاها شِلر علوم الجنس البشري، وهي تقوم بالعمل والسلوك، والتهذيب والطاعة، أو بكل ما يؤهل الإنسان لمعاطاة أعمال الحياة. وهذه العلوم لا تُحصَّل في المدارس، ولا ترى في الكتب. وما أحسن ما قالهُ الشهير باكون، وهو: «إنَّ جُلَّ فائدة العلوم أنْ تُرشِد الإنسان إلى حكمة فوقها لا تكتسب بالدرس بل بالملاحظة.» والاختبار يعلمنا أنَّ الإنسان يصير كاملًا بالعمل أكثر مما بالعلم؛ أي إنَّ شأن الإنسان يُصلَح بالعمل والاجتهاد والاستقامة، لا بالعلم والدرس والشهرة.
لعمرك إنَّ المجد والفخر والعلىونيل الأماني وارتفاع المراتبِ
فضائلُ عزمٍ لا تباعُ لضارعٍوأسرارُ حزمٍ لا تذاعُ لعائبِ
ولما كانت القدوة من الأمور الفعَّالة في شئون البشر، كانت كتب ترجمات المشاهير من أكثر الكتب فائدة، حتى إنَّ بعضهم قد أعطاها المنزلة الأولى بعد الكتب المُنْزلة؛ لأن فيها أمثلة كثيرة للاعتماد على النفس وثبات العزم وعلو الهمة والنشاط والاستقامة، وغير ذلك من المحامد التي تعلن بكلام صريح ما يستطيعه الإنسان من الارتقاء في ذرى المجد، وتبين ببلاغة عظيمة أنَّ من يعتبر نفسه ويعتمد عليها ينال اسمًا حسنًا وشهرة لا تنسى.
ورجال العلوم والفنون والآداب — أرباب الأفكار وأهل الحصافة — لم ينحصروا في فئة من البشر، ولم يختصوا بأهل المراتب، بل نبغوا من المدارس والمعامل، ومن الدساكر والمزراع، من أكواخ الفقراء الحقيرة وقصور الأغنياء الرفيعة. وكم من أناس ارتقوا من أدنى الدرجات إلى أعلى المراتب، ولم تصدهم الصعوبات عن نوال ما شمروا له الذيل، بل كثيرًا ما كانت تستحيل إلى أكبر مساعدٍ لهم بتحريكها قوتهم ونشاطهم وإيقاظها، ما ربما كان يخمل من قواهم لو لم تكن الحال كذلك، وأمثلة هذا كثيرة جدًّا لا يسعنا تعدادها، وجميعها تثبت قول المثل القائل: «كُلُّ مَنْ جَدَّ وَجَد.» ألا ترى أنْ جرمى تيلر الملقب عند الإنكليز بفم الذهب، والسر? رتشرد أركرَيت مخترع آلة الغزل ومؤسس معامل القطن، واللورد? تَنْتَرْدِن قاضي القضاة، وتُرْنَر المصور الشهير؛ نبغوا من دكان الحلاق؟
وشكسبير رأس شعراء الإنكليز مجهول الأصل، ولكن لا خلاف في أنه نبغ من أصل دنيٍّ على حد قول ابن الوردي:
ينبتُ الوردُ من الشوك وماينبتُ النرجس إلَّا من بصل
فإن أباه كان راعيًا وقصابًا، وهو نفسهُ كان يعمل في صباه على ممشطة الصوف على ما يُظن. ومن الناس من يقول إنه كان مساعدًا في إحدى المدارس ثم صار كاتبًا. وقد اجتمع في هذا الرجل الشهير كلُّ اختبار بني البشر، كأنه تعاطى أعمالهم كلها. وحقيقة أمره أنه كان ذا قريحة وقَّادة وذكاء مفرط، ففاق من سواه في سرعة الخاطر، وبنى كل كتاباته على الملاحظة والاختبار فخدم بها جيله، ولم تزل لها السلطة القوية على الشعب الإنكليزي.
وقام من العرب وغيرهم من أمم المشرق أناس عصاميُّون لا يُحْصَى عددهم، داسوا الفقر الذي ولدوا فيه، وجعلوه مرقاة إلى ذرى المجد؛ فأبو الطيب المتنبي كان ابن سقَّاء، ولكنه رقي بتوقد ذهنه وبلاغة شعره أسمى المراتب، وجمعت حكمه فكانت مثل حكم أرسطاطاليس كبير الفلاسفة، حتى قال فيه بعضهم:
ما رأى الناس ثاني المتنبيأيُّ ثان يرى لبكر الزمان
هو في شعره نبيٌّ ولكنظهرت معجزاته في المعاني
وأبو العتاهية الشاعر المشهور كان يبيع الجِرَار، فقيل لهُ الجرَّار. وأبو تمام حبيب الطائي نشأ بمصر، وكان يسقي الناس ماءً بالجرة في جامع مصر، وقيل كان يخدم حائكًا، ويعمل عنده بدمشق، وكان أبوه خمَّارًا بها، ثم قال الشعر البليغ وجمع الكتب النفيسة، وكان واحد عصره في ديباجة لفظه، وبضاعة شعره، وحسن أسلوبه، وله كتاب الحماسة التي دلت على إتقان معرفته بحسن اختياره، ولهُ مجموع آخر سماه فحول الشعراء وكتاب الاختيارات من شعر الشعراء، ولما مات رثاه الحسن بن وهب بقوله:
فُجع القريض بخاتم الشعراءوغدير روضتها حبيب الطائي
ماتا معًا فتجاوزا في حفرةوكذاك كانا قبلُ في الأحياء
وجرير الشاعر كان أبوه فقيرًا جدًّا. ذكر أبو الفرج الأصبهاني في كتاب الأغاني أنَّ رجلًا قال لجرير:
من أشعر الناس؟ فقال له: قم حتى أُعرفك الجواب. فأخذ بيده وجاء به إلى أبيه عطية، وقد أخذ عنزًا له فاعتقلها وجعل يمصُّ ضرعها، فصاح به: أخرج يا أبتِ. فخرج شيخ دميم رث الهيئة، وقد سال لبن العنز على لحيته، ثم قال: أشعر الناس من فاخر بمثل هذا الأب ثمانين شاعرًا، وقارعهم به فغلبهم جميعًا!
والزجَّاج النحوي الشهير كان يخرط الزجاج ثم تركه واشتغل بالأدب، فنال منه الحظ الأوفر. والسيرافي كان يتعيَّش بنسْخ الكتب. وابن الحاجب صاحب الكافية كان أبوه حاجبًا للأمير عز الدين الصلاحي.
والإمام أبو حنيفة كان خزازًا يبيع الخز. والحكيم ثابت بن قرة الفلسفي كان صيرفيًّا بحران، ثم انتقل إلى بغداد، واشتغل بعلوم الأوائل فمهر فيها، وبرع في علم الطب والفلسفة، وهو الذي قيل فيه:
هل للعليل سوى ابن قرة شافيبعد الإله وهل له من كافي
وأبو بكر الرازي — الطبيب المشهور — كان في شبيبته يضرب بالعود، ثم قبل على دراسة كتب الطب والفلسفة، فقرأها قراءة رجل متعقب على مؤلفيها، فصار إمام عصره في علم الطب، وصنف فيه الكتب النافعة؛ كالحاوي والجامع ونحوهما.
وياقوت الحموي المؤرخ المشهور صاحب معجم البلدان، أُسر من بلاده صغيرًا، واشتراه تاجر ببغداد اسمه إبرهيم الحموي، فلما كبر شغَّله بالأسفار في متاجره، فأحرز أشتات الفوائد التي دوَّنها في مصنفاته الجليلة، وكتابه معجم البلدان من أجل الكتب الموضوعة في الجغرافية.
ونشأ من بين العبيد والمماليك جمهور غفير من الأمراء والعظماء؛ كبدر الجمالي الذي كان عبدًا عند جمال الدولة بن عمَّار، فصار بجده وزير السيف والقلم عند المستنصر وهو أبو الملك الأفضل. والأمير أبو شجاع فاتك الكبير أُسر صغيرًا من بلاد الروم، ثم اشتهر بالشجاعة والإقدام، وصار من الأمراء العظام، وهو الذي مدحه أبو الطيب المتنبي بقصيدته المشهورة التي يقول في مطلعها:
لا خيلَ عندكَ تهديها ولا مالُفليسعد النطق إنْ لم يسعد الحال
ولما مات رثاه بقصيدته التي مطلعها:
الحزن يقلقُ والتجمُّلُ يردعُوالدمع بينهما عصيٌّ طيِّعُ
وقال فيه أيضًا:
لا فاتكٌ آخَرٌ في مصر نقصدهولا له خلفٌ في الناس كلهم
والملك العادل سيف الدين بن السلَّال كان من آحاد الجند، وهو كردي الأصل. والملك المعزُّ لما دخل مصرَ قام له ابن طباطبا من بين العلماء، وقال له إلى من ينتسب مولانا؟ فقال له المعز: سنعقد مجلسًا ونجمعكم ونسرد عليكم نسبنا. ولما استقرَّ بالقصر جمع الناس وسلَّ نصف سيفه، وقال: «هذا نسبي.» ونثر عليهم ذهبًا وقال: «هذا حسبي.»
والحجاج بن يوسف الثقفي كان يعلم الصبيان هو وأبوه بالطائف، ثم لحق بروح بن زنباع الجذامي — وزير عبد الملك بن مروان — فكان في عديد شرطته، ثم رقي المناصب العالية بهمته وإقدامه، حتى صار أمير العراق وخراسان وسائر المشرق.
ونظام الملك الطوسي كان من أولاد الدهاقين. وابن الزيات وزير المعتصم كان أبوه زياتًا، وهو كان كاتبًا بباب المعتصم، فاستوزره؛ لأدبه وعلو همته، وهو الذي مدحه البحتري بقوله:
وأرى الخلق مجمعين على فضـْـلك من بين سيد ومسود
وقام من بين الفعلة أناس يستحقون الذكر الجميل؛ منهم برندلي المهندس، وكوك الخبير بسلك البحر، وبرنس الشاعر. ومن بين البنائين وصافي القرميد بن جنصن، الذي عمل في بناء منزل لنكلن، وفي يده ملعقة البناء، وفي جيبه الكتاب، وأدوردس وتلفرد المهندسان، وهيوملر الجيولوجي، وألن كننهام المؤلف النقاش. ومن بين النجارين أنيغو جونس، وهريسن صانع الخرونومتر، ويوحنا هنتر الفسيولوجي، ورمني وأوبي المصوران، والأستاذ لي البارع في اللغات الشرقية، ويوحنا جبسن النقاش، ومن بين الحاكة سمسن الرياضي، وباكن النقاش، وفستر المؤلف، وولسن العارف بالطيور، والدكتور لفنستن الرحَّالة الأفريقي وتَناهِل الشاعر. ومن بين الأساكفة السر كلودسلي شوفل أمير البحر العظيم، وسترجون الكهربائي، وصموئيل درو المؤلف، وجيفرد محرر جريدة كورترلي رفيو، وبلمفيلد الشاعر، ووليم كاري وموريسن المبشران. وموريسن لم يكن سكافًا، بل صانع قوالب للأساكفة. ومن برهة يسيرة قام من بين الأساكفة الرجل الشهير توما إدوردس، الذي درس جميع العلوم الطبيعيَّة وهو يعمل في حرفته، واكتشف نوعًا جديدًا بين المتحجرات سماه الطبيعيون برانيزا إدوردسي Praniza Edwardsii نسبة إليه.
وقام من بين الخياطين يوحنا ستو المؤرخ، وجكسن المصور، والبطل السر يوحنا هكسود، الذي أعطاه الملك إدورد الثالث لقب النَّيْط جزاءً لشجاعته، والأميرال هبصن كان صانعًا عند خياط في جزيرة وَيْط، فحدث أنَّ عمارة بحرية اجتازت ذات يوم أمام تلك الجزيرة، فذهب مع بعض الفتيان إلى الشاطئ ليتفرج عليها، ولما رآها تحرَّك فيه ميل شديد إلى سفر البحر، فنزل في قارب كان هناك، وأخذ يجذف إلى أنْ وصل إلى سفينة الأميرال، فصعد إليها وعرض نفسه متطوعًا، ولم يمضِ عليه إلَّا سنوات قلائل حتى صار أميرالًا ونال أعلى مراتب الشرف.
وأشهر الذين قاموا من بين الخياطين بالإجماع أندرو جنسن — رئيس الولايات المتحدة الأميركية — المشهور بالحزم والذكاء، قيل إنه ألقى خطبة في مدينة وشنطون قصبة الولايات المتحدة، وأخذ يراجع فيها تاريخ حياته، وكيف أنه ارتقى من درجة إلى أخرى إلى أنْ صار رئيسًا للولايات المتحدة، فضج المحفل الحاضر بصوت عظيم: «من الخياط فصاعدًا.» ولم يكن يعتد بتهكم خصومه، بل يحوله من القدح إلى الفائدة. قال ذات مرة: «يعيرني البعض بأنني كنت خيَّاطًا، ولكنني لا أرى في ذلك شيئًا من العار؛ لأنني كنت مشهورًا بالأمانة والمهارة في صناعتي، وكنت دائمًا أخيط الثياب وأعطيها لأصحابها في الأجل المعين، هذا فضلًا عن أنني كنت أعملها عملًا جيدًا متينًا.»
والكردينال ولسي العظيم كان ابن قصاب، وكذلك كان ده فو مؤلف كتاب روبنصن كروزو، وإكنسيد الطبيب الشاعر، ويوحنا بَنْيَن كان تنكاريًّا، ويوسف لنكستر كان سلَّالًا. ومن الذين لهم اليد الطولى في اختراع الآلة البخارية نيوكمن ووط وستفنسن، والأول كان حدَّادًا، والثاني نجَّارًا، والثالث وقَّادًا. وبويك شيخ النقاشين في الخشب كان يعمل في معادن الفحم، وددسلي الفيلسوف كان خادمًا، وهلكرفت المؤلف كان سائسًا، وبَفِن كان خادمًا في سفينة، وكذلك كان السر كلودسلي شفل. وهرشل الفلكي الشهير كان يلعب على المزمار، وتشنتري كان نقاشًا، وإتي طباعًا، وفرداي تعلم تجليد الكتب، وعمل فيه إلى أنْ بلغ الثانية والعشرين من عمره، ولكنه الآن يعد من الطبقة الأولى بين الفلاسفة الطبيعيين، حتى إنه يفضَّل على معلمه السر همفري دافي.
وبين الذين لهم اليد الطولى في تقدم علم الهيئة كوبرنيكس، وهو ابن خباز من بولونيا، وكبلر وهو ابن خمَّار من جرمانيا، ودالمبر لقيط وجد ليلًا على دَرَج كنيسة مار يوحنا في باريز، ورُبي عند امرأة زَجَّاج. ونيوتن ابن فلاح غير غني، ولابلاس ابن فلاح فقير، وهذان الشهيران نشآ في العسر، ولكنهما حصَّلا شهرة لا تساويها كنوز العالم باجتهادهما، والأرجح أنهما لو كانا من ذوي الثروة ما اتصلا إلى ما اتصلا، ويؤيد ذلك الحادثة الآتية وهي: أنَّ أبا لكرنج الفلكي الرياضي الشهير كان مستلمًا خزينة الحرب في تورين، فاشتغل في «الكيتراتات» وخسر خسارة فاحشة أوصلت بيته إلى الفقر الشديد، وصار ذلك سببًا لافتخار لكرنج؛ لأنه كان يقول «لو كنت غنيًّا ما صرت رياضيًّا.»
ومن الذين اشتهروا في بلاد الإنكليز أكثر من غيرهم أولاد القسوس وخَدَمة الدين؛ لأننا نرى بينهم دراك ونلس الشهيرين بين رجال البحر، وولستن وَين وبَلَفير وبل المشهورين بالعلوم، ورن ورينلدُز وولسن وولكي المشهورين في التصوير، وثرلو وكمبل في الشريعة، وأديسن وثمسن وكلدسمث وكلردج وبنين في الإنشاء. واللورد هردن والكرنال إدوردس والماجور هدصن الذين اشتهروا في حروب الهند، وقد استولت الدولة الإنكليزية على بلاد الهند بواسطة أناس من الطبقة الوسطى، مثل كليف وورن وهستنس وخلفائهم رجال تربوا في المعامل واعتادوا على التعب.
ونجد بين أولاد المحامين والصناع والباعة أدمند بُرك السياسي الفيلسوف، وسميتن المهندس، وسكوت ووردزورث الشاعرين، والسر وليم بلاكستن واللورد جيفرد، وكان اللورد دنمن ابن طبيب، والقاضي تلفرد ابن خمَّار، واللورد بُلُك ابن سرَّاج (صانع سروج)، وملتن ابن كاتب، وبوب وسوزي ابني بائعَي أنسجة، واللورد ماكولي ابن تاجر أفريقي، وليَرْد مكتشف خرائب نينوى كان كاتبًا، والسر وليم أرمسترُن مخترع الآلة الهيدروليكية والمدفع المسمَّى باسمه، درس الفقه في صغره، ومارس المحاماة مدة. وكيتس الشاعر كان صيدليًّا، والسر همفري دافي صانعًا عند صيدلي، وهو الذي قال: إني بلغت ما بلغت بسعيي، ولا أقول ذلك بعُجب، بل ببساطة قلب. ورتشرد أوِن كبير علماء التاريخ الطبيعي، كان في إحدى السفن الحربية، ولم ينتظم في سلك طلبة العلم إلَّا بعد أنْ تقدم في السن، ويظهر أنه وضع أساس معارفه لما كان يرتب مجموع البقايا الذي جمعه يوحنا هنتر.
إذا التفتنا إلى تواريخ الأمم المختلفة غير الأمة الإنكليزية، رأيناها مفعمة بذكر أشخاص كثيرين شرَّفوا الفقر الذي كان نصيبهم من الدنيا باجتهادهم وحذاقتهم، فمن الذين اشتهروا في الصناعات: كلود وهو ابن حلواني، وجيفس وهو ابن خبَّاز، وليوبلد روبرت وهو ابن صانع ساعات، وهيدن وهو ابن صانع دواليب، والبابا غريغوريوس السابع ابن نجَّار، وسكستوس الخامس ابن راعٍ، وأدريانوس السادس ابن بحري. ويُروى أنه لما كان صغيرًا لم يستطع أنْ يبتاع مصباحًا ليدرس على ضوئه، فكان يدرس دروسه على ضوء المصابيح المعلقة في الأزقة، وهذا يماثل ما قيل عن أبي نصر محمد الفارابي — الفيلسوف الشهير — الذي اتَّبع الفلسفة أقصاها وأدناها، وألَّف فيها كتبًا لا تعد لكثرتها مع ما كان عليه من العوز، فإنه كان يسهر الليل للمطالعة والتأليف، ويستضيء بقنديل الحارس، وبقي على ذلك إلى أنْ عظم شأنه، وظهر فضله، واشتهرت تصانيفه، وكثرت تلاميذه وصار أوحد زمانه.
ومن الذين نبغوا من أصل حقير — أيضًا — هوي المعدني وهو ابن حائك، وهتفيل الميكانيكي وهو ابن خبَّاز، ويوسف فرير الرياضي وهو ابن خيَّاط، ودورند وهو ابن إسكاف، وجسنر الطبيعي وهو ابن دباغ، قيل: إنَّ هذا خطا الخطوة الأولى في سلم الحياة، محاطًا بكل ما يضعف العزم، كالفقر والمرض، وانشغال البال، ولكن لم تكن هذه المصاعب لتوهن عزمه وتصده عن النجاح، وممن كانت أحوالهم مثل أحوال جسنر بطرس رامس، وهو ابن رجل مسكين من بيكردي، وكان عمله في حداثته رعاية الغنم، ولكنه لم يرض بها حرفة ففر هاربًا إلى باريز، وبعد معاناة أتعاب جزيلة دخل المدرسة الكلية في نافار خادمًا، ولكنه انتهز كل فرصة للدرس والمطالعة، ولم يمض عليه وقت طويل حتى صار يُعَدُّ من أشهر رجال عصره.
وفوكولين الكيماوي الشهير ابن فلاح، ويروى أنه لما كان يتعلم في المدرسة وهو فتى حديث السن، لم يكن له من الثياب ما يستر عريته، ولكن كانت تلوح على وجهه أمارات النباهة والحذاقة، فكان معلمه يقول له عندما يريد مدحه على اجتهاده: «نعمَّا يا ولدي واظب على ما أنت فيه من الاجتهاد، فتلبس يومًا ما ثيابًا حسنة مثل ثياب وكيل الكنيسة.» وزار تلك المدرسة أحد الصيادلة، فأعجبته هيئة ذراعيه، فأخذه واستخدمه لسحق العقاقير، ولكنه منعه من الذهاب إلى المدرسة، فتركه فوكولين وتوجَّه إلى باريز، ولما وصل إليها أخذ يعرض نفسه على الصيادلة خادمًا فلم يجد من يستخدمه، ولكثرة ما ألمَّ به من التعب والجوع، أُصيب بمرض فأخذه بعض أهل الشفقة إلى أحد المستشفيات؛ حيث ظن أنه يقضي نحبه، ولكنَّ العناية كانت معدة له شيئًا آخر، فلم يمض عليه إلَّا وقت قصير حتى شُفي من مرضه، فرجع إلى ما كان عليه من التفتيش عن مكان يخدم فيه، فوجد مكانًا عند أحد الصيادلة، وبعد برهة يسيرة عرف به فركروي الكيماوي الشهير فضمه إليه، وبالغ في إكرامه حتى جعله كاتبًا له، ولما مات ذلك الكيماوي الفيلسوف خلفه فوكولين في تدريس الكيمياء، وسنة ???? انتخبته مقاطعة كنفادوس نائبًا لها في مجلس النواب.
وليس في البلاد الإنكليزية أناس ارتقوا من أدنى مراتب الجند إلى أعلاها، كما وُجد في فرنسا بعد الثورة، فإن هش وأمبر وبشكرو كانوا من عامة الجند، فكان هش يطرز الصدرات، ويبتاع بما يكسبه كتبًا في علم الحرب، وأمبر هرب من بيت أبيه وهو في السادسة عشرة، ودخل في خدمة تاجر، ثم في خدمة عامل، ثم في خدمة صائد أرانب، ثم تطوَّع جنديًّا ولم يمض عليه سنة من الزمان حتى صار قائد لواء، وقس عليهم كلابر، ولفافر، وسوشي، وفكتور، ولان، وسلت، وماسنا، وصن سير، ودرلون، ومورات، وأوجرو، وبسير، وناي وغيرهم ممن نشأوا من أدنى الرتب وارتقوا إلى أسماها، فمنهم من كان ارتقاؤه سريعًا، ومنهم من كان بطيئًا؛ لأن صن سير كان ابن دبَّاغ فانتظم في سلك الفرسان، ولم يلبث سنة حتى صار قبطانًا، وفكتور دوك بلونو دخل في الطبجية سنة ????، ثم رُفِض من خدمته في الحوادث السابقة الثورة، ورجع إليها عند افتتاح الحرب، وفي برهة قصيرة صار معاون ماجور ورئيس أُرطة، أمَّا مورات وهو ابن صاحب خان، فانتظم أولًا في سلك الفرسان، ورُفض لعدم طاعته، ثم انتظم ثانيةً، فارتقى سريعًا إلى رتبة أميرالاي، وناي انتظم في سلك ألاي من الفرسان، وله من العمر ثماني عشرة سنة، ولما رأى الجنرال كلابر إقدامه رقاه درجة فدرجة، إلى أنْ صار في رتبة معاون جنرال وهو ابن خمس وعشرين سنة.
هذا من جهة الذين تقدموا بسرعة، أمَّا الذين تقدموا ببطء، فمنهم سلت الذي مضى عليه أكثر من ست سنوات قبلما ارتقى إلى رتبة جاويش، وهي الأولى فوق الجندي، ولما صار وزير الخارجية أخذ يدرس الجغرافيا؛ لأنه لم يكن يعرف شيئًا من العلوم، فوجد فيها لذَّة كثيرة، ومسينا خدم في الجندية أربع عشرة سنة قبلما ارتقى إلى رتبة جاويش، ومع أنه ارتقى أخيرًا بالتوالي إلى منصب ميرالاي وجنرال ومرشال، قال: إنَّ رتبة جاويش كلفته تعبًا أكثر من كل هذه الرتب، ولم يزل هذا الارتقاء بين رجال فرنسا إلى يومنا هذا؛ لأن المرشال رندون الذي صار وزير الحرب دخل في الخدمة ولدًا يضرب الطبل، ولم تزل صورته في فرساليا ويده على طبل، وقد صُورت كذلك بطلبه، فأمور مثل هذه تضرم نار الغيرة والحمية في نفوس الجنود الفرنسوية؛ أملًا بأن كل فرد منهم يمكنه أنْ يصير مرشالًا إنْ لم نقل إمبراطورًا.
وهؤلاء الرجال ليسوا إلَّا عددًا لا يذكر بالنسبة إلى الذين ضربنا صفحًا عن ذكرهم، فليس ارتقاؤهم من الأمور النادرة التي لا يُبنى عليها حكم، بل من الأمور الشائعة جدًّا حتى يمكننا أنْ نقول: إنَّ كل من سعى في طلب المجد بهمة كبيرة، وواظب على السعي نال مبتغاه، بل إذا نظرنا إلى كثيرين من الذين نجحوا بسعيهم، رأينا أنَّ الصعوبات والمتاعب التي صادفوها في أول سعيهم كانت شروطًا لازمة لنجاحهم.
ولم يخل مجلس نواب العامة في بلاد الإنكليز من رجال كثيرين من هذا النوع، نشأوا من بين أصحاب الصنائع والحرف، قيل: إنَّ يوسف برذرتن نائب مقاطعة سلفرد قام في إحدى مباحثات هذا المجلس، وجعل يعدد المتاعب التي أصابته وهو صانع في معمل قطن، فقال: ومن ثمَّ صممت على أنه إذا ساعدتني التقادير أبذل غاية جهدي في إصلاح شأن العاملين الذين كنت أعمل بينهم، فما أتمَّ كلامه حتى وقف السر يعقوب كريهم، وقال: إني لم أعرف قط أنَّ أصل مستر برذرتن وضيع بهذا المقدار، ولكن الآن قد زاد افتخاري بمجلس النواب؛ إذ رأيت فيه إنسانًا ارتقى من رتبة وضيعة إلى أنْ تساوى مع عظماء الأرض، ويماثل ذلك قول مستر فكس نائب أُلدهام الذي كان يردده كثيرًا، وهو: «لما كنت صانعًا عند حائك في نوروك.»
ولم يزل في مجلس نواب الأمة أعضاء أصلهم حقير مثل هذين وربما أحقر، قصَّ مستر لندساي نائب سندرلند سيرة حياته لمنتخبي، ويموث جوابًا لأضداد له في أمور سياسيَّة، فقال: توفي والدي ولي من العمر أربع عشرة سنة، فتركت كلاسكو وقصدت ليفربول، ولم أكن قادرًا على دفع أجرة السفر، فارتضى ربَّان السفينة أنْ أخدمه بما يقوم بأجرة سفري، واستخدمني في تنقية الفحم، فوصلت إلى ليفربول وأقمت فيها سبعة أسابيع قبل أنْ وجدت عملًا أعمله، وكنت أنام في الفلاء، ولم أكد أحصل ما يسدُّ رمقي، ثم استخدمت في إحدى السفن، ولكني لم أبلغ التاسعة عشرة حتى ارتقيت إلى رتبة إمارة مركب بجدي واستقامتي، ولما بلغت الثالثة والعشرين تركت البحر، ومن ثمَّ أخذت في التقدم السريع، وأؤكد لكم أنَّ السبب الحقيقي لتقدمي اجتهادي وتعبي وجريي بموجب تلك القاعدة الذهبية، التي جعلتها دستورًا لكل تصرفاتي، فكنت أفعل بالغير كما أريد أنْ يفعل بي.
ومما يقارب ذلك تقدم مستر وليم جكسن عضو نورث دربيشير، فهذا كان ابن جرَّاح في لنكستر، فتوفي أبوه عن أحد عشر ولدًا وهو سابعهم، فأُخرج من المدرسة قبل أنْ بلغ الثانية عشرة، ووُضع في معمل، وكان مضطرًّا أنْ يعمل فيه أربع عشرة ساعة كل يوم؛ أي من قبل الظهر بست ساعات إلى ثمانٍ بعده، وبعد وقت قصير مرض معلمه، فأُخرج من عنده ووُضع في بيت المحاسبات، حيث كان له شئ من الحريَّة فأكبَّ على الدرس، وحينئذٍ تمكن من كتاب الانسيكلوبيذيا البريطانية، فقرأه كله وكان أكثر قراءته فيه ليلًا، ثم أكبَّ على التجارة، فأفلح فيها أيَّ فلاح، والآن له سفن في كل البحار، وعلاقات تجاريَّة مع كل بلادٍ على وجه الأرض.
ويماثل ذلك تقدُّم رتشرد كُبدن، وهو ابن فلاح من مدهرست في سمكس، فإنه أُرسل في حداثته إلى لندن، ودخل خادمًا في بعض المخازن، وكان حاذقًا فهيمًا، حسن السيرة، كثير المطالعة، وكثيرًا ما كان ينهاه معلمه عن كثرة الدرس إلَّا أنه لم يمتثل أمره، بل واظب على ما كان عليه مالئًا عقله بغنى المعرفة المتضمنة في الكتب، فتقدَّم من عمل إلى آخر إلى أنْ تعاطى المسائل السياسيَّة، وخصَّص لها نفسه وكل ما كان يملكه، ويروى أنَّ أول خطبة خطبها لم تستحق أنْ يلتفت إليها أحد، ولكنه لم ينفك عن ممارسة الخطابة حتى صار من أشهر الخطباء وأقواهم حجةً، وأنفذهم كلمةً، وذاع صيته في الآفاق حتى استحق مديح السر روبرت بيل الشهير، قال مسيو درون ده لِيس سفير فرنسا في إنكلترا: إنَّ مستر كبدن هذا خير مثال لفعل الآداب والمواظبة والاجتهاد، وهو مثال من أتم أمثلة الرجال الذين ارتقوا من أدنى الرتب إلى أعلاها، بواسطة استحقاقهم وخدمهم الشخصية، ومثال من أندر الأمثلة للصفات الثابتة الموروثة في الشعب الإنكليزي.
وخلاصة ما تقدم أنه ما من أحد نال المجد والشرف إلَّا بعد الكد والسعي العظيمين، وما من أحد قدر على نوالهما بالكسل والتواني، وما أحسن ما قاله أبو الطيب المتنبي:
على قدر أهل العزم تأتي العزائمُوتأتي على قدرِ الكرامِ الكرائمُ
ويد الإنسان ورأسه يصيرانه حكيمًا غنيًّا، وإنْ وُلد في الغنى والسعة، وكان من قوم لهم اسم وفضل لا يحصل على شهرة ما لم يكن مستحقًّا لها؛ لأن الغنى يتصل بالإرث، وليس كذلك العلم والحكمة، والغنيُّ يستأجر من يتمم له أعماله، ولكن لا يمكنه أنْ يستأجر من يفتكر عوضًا عنه، ولا أنْ يشتري العلم والتهذيب، ولا الشهرة التي يستحقها لأجلهما، فلا شهرة إَّلا بالسعي والاجتهاد، وذلك يصدق على أصحاب الثروة، كما يصدق على درو وجيفورد، اللذين درسا في دكان السكاف، وعلى هيوملر الذي درس دروسه الانتهائيَّة في مقلع الحجارة.
والغنى والراحة ليسا ضروريين للنجاح، وإلَّا لما كان الناس مديونين دائمًا للذين نشأوا من أدنى الرتب؛ وذلك لأنه إذا كان الإنسان غنيًّا مترفهًا لم يضطرَّ أنْ يقاوم الصعوبات، فلا تنتبه عزيمته، ولا يصير من ذوي الإقدام، وإذا كان الفقر عدوًّا، فالاعتماد على النفس يجعلهُ صديقًا يولي العزم والإقدام، ومناضلة الدهر، وما يتبعها من الظفر والمجد.
قال الفيلسوف باكن: إنَّ الناس لا يعتبرون غناهم ولا قوتهم حق الاعتبار؛ لأنهم يعتبرون الغنى أكثر مما يستحق، والقوة أقل مما تستحق، أمَّا الاعتماد على النفس ومقاومة الأهواء، فيعلمان الإنسان أنْ يشرب ماءً من جبه، وأنْ يشتغل ويتعب؛ لتحصيل معيشته، وإنفاق ما يصل إلى يده بالحكمة والاقتصاد.
والغنى يجرُّ إلى الكسل والبطر، وهما أمران نرى الإنسان مائلًا إليهما طبعًا، حتى إنَّ الذين وُلدوا في نعمة وافرة إذا استهانوا بالراحة، ولم يأنفوا من التعب في خدمة جيلهم، كان لهم الفخر الأعظم، وما أكثر الأغنياء الذين تجشموا أشد المشاق في خدمة جيلهم، قيل: إنَّ أحد القواد الأغنياء كان ماشيًا بجانب فرقته في حرب إسبانيا، فخاضت تلك الفرقة في بالوعة وخاض هو معها، فقيل: إنَّ خمسة عشر ألف ليرا سنويًّا تخوض في تلك البالوعة، يراد بذلك أنَّ دخل القائد كان خمسة عشر ألف ليرا في السنة، ومن عهد قريب شاهدت أحادير سفستابول، ورمال الهند والسودان المحرقة البسالة الفائقة التي أظهرها شرفاء الإنكليز وأغنياؤهم، فكم من شريف وغني خاطر بنفسه أو فقدها، في تلك المعامع الهائلة خدمة لوطنه.
وما الأغنياء بمعزل عن إتباع العلم والفلسفة أيضًا، وإلَّا فمن هو باكن أبو الفلسفة الحديثة ووستر وبويل وكافنديس وتلبت ورص، ورص هذا يُسمَّى ميكانيكي الأمراء، ولو لم يولد أميرًا لحاز أسمى الرتب بين المخترعين، قيل: إنه كان ماهرًا مهارة شديدة في صناعة الحدادة، حتى طلب منه رجل يجهل نسبه أنْ يأخذ إدارة معمل حديدي له، ومن المعلوم أنَّ تلسكوب هذا الأمير الذي عمله بيده من أعجب ما صُنع من نوعه إلى يومنا هذا، غير أننا نجد أنَّ الفريق الأكبر من كبراء الإنكليز قد تعاطى فنون الأدب والسياسة، ولا يخفى أنَّ النجاح في هذه أيضًا متوقف على الاجتهاد والدرس والمزاولة، فعلى الوزير أو المشير أنْ يكون من أكثر الناس شغلًا وجدًّا، كبومرستون، ودربي، وروسل، ودزرائيلي، وكلادستون، ومن يعرف هؤلاء الرجال وأشغالهم الكثيرة، يعلم أنهم لا ينفكون عن العمل نهارًا وليلًا.
وأشهر رجال السياسة بالإجماع السر روبرت بيل، كان له جلد على مداومة أشغاله العقلية، يكاد يعدُّ من خوارق العادة، فإنه لازم البرلمنت أربعين سنة، وعمل في غضونها أعمالًا تكاد لا تصدَّق؛ لكثرتها وعظمتها، قيل، إنه لم يشرع في أمر إلَّا أتمه، وكلُّ خطبه تشهد له أنه درس درسًا مدققًا في كل ما تكلم به أو كتب فيه، وكان من المفرطين في الشغل والمفرِّطين في صحتهم وصوالحهم؛ لأجل إتمام كل ما شرعوا فيه، وفاق كل معاصريه في قوة الحجة وسمو الأفكار، وكان كلما تقدم في السن، تزداد معارفه وتلين عريكته، واستمرَّ إلى آخر نسمة من حياته فاتحًا بابًا في عقله لقبول الآراء الجديدة، وكان نفورًا من التطرُّف في المسائل، إلَّا أنه لم يقع فيما وقع فيه غيره من التعصب للآراء القديمة، الذي هو فالج يصيب عقول الأكثرين عند تقدمهم في السن.
وممن يضرب بهم المثل في الاجتهاد اللورد بروم، الذي خدم جيله أكثر من ستين سنة، تعاطى فيها الفقه والأدب والسياسة والعلم، وأتقن كل ما تعاطاه، قيل سُئل السر صموئيل روملي أنْ يعمل عملًا جديدًا، فاعتذر بضيق وقته، ثم قال عليكم بهذا بروم؛ لأنه يخلق وقتًا لكل شيء، والسرُّ في ذلك أنَّ اللورد بروم لم يدع دقيقة من وقته تمضي سدى، ولما بلغ السن الذي يتنحى فيه الناس عن الأعمال، شرع في عمل شاق إلى الغاية، وهو البحث في نواميس النور، فجاءت أبحاثه مكللة بالنجاح، وشهد له فيها أشهر علماء باريز ولندن، وكان آخذًا حينئذ في طبع كتابه الشهير في العلماء والأدباء الذين نبغوا في عصر الملك جورج الثالث، وقائمًا بعبء منصبه في مجلس الأمراء، حتى قيل: إنَّ سدتي سميث أشار عليه مرة أنْ يقتصر على أعمال، لا يقدر على القيام بها أقل من ثلاثة رجال، إلَّا أنه كان لا يستكثر أعماله مهما كثرت وشقَّت، ناهيك عن أنه كان مطبوعًا على إتقان الأعمال، حتى قال بعضهم: إنه لو كانت حرفته صبغ الأحذية، لصار أول صبَّاغ أحذية في الدنيا.
ومنهم السر بلور لتُّون الذي قلَّ من ماثله في تعاطي أعمال كثيرة وإفلاحه فيها كلها؛ لأنه كان شاعرًا وراويًّا ومؤرخًا ومؤلفًا وخطيبًا وسياسيًّا، ولم يكن يسأل عن الراحة ولا يكترث للتعب، وقل من جاراه من مؤلفي الإنكليز في كثرة التآليف أو ساواه في سموها، وكان من ذوي الثروة الرابين في مهد التنعُّم، ولكنه أنكر نفسه، وسار في طريق المؤلفين الحَرِج، فكانت تآليفه الأولى على جانب من الركاكة، فرمقها الناس بعين الازدراء، ولكنَّ ذلك لم يثن عزمه، فواظب على الدرس والتأليف حتى حاز قصب السبق، وصار يعدُّ من أبرع المؤلفين.
ومنهم دزرائيلي الشهير الذي رقي إلى أسمى المناصب بجده وكده، قيل: إنَّ هذا الرجل العظيم حبطت كل مساعيه الأولى؛ لأن أول كتاب ألفه عدَّهُ الناس علامة على جنونه، وكذا الكتاب الثاني، فغيَّر نسق تأليفه، وألف ثلاثة كتب أخرى نهج فيها منهج أهل السياسة فنجح، ولما دخل مجلس النوَّاب وخطب فيهم الخطبة الأولى، ضحكوا على كل جملة منها هزءًا بها، ولكنه ختم خطبته بهذه العبارة التي تحسب إنباءً بما وصل إليه، وهي قوله: «إني شرعتُ في أمور مختلفة مرارًا كثيرًا، ولم أنفك عنها حتى نجحت فيها النجاح المطلوب، فسيأتي وقت تسمعونني فيه برضًى.» ثم جاء الوقت المشار إليه، وصار كل أهل المسكونة يسمعون لقول ذلك الرجل العظيم، ولكنه لم ينل ما ناله من المجد والسؤدد إلَّا بجده وحزمه، فإنه لما كانت تحبط مساعيه لم يفعل ككثيرين من الشبَّان، الذين إذا فشلوا مرة وهت قواهم، ووقعوا في لجة اليأس، بل كان يقرن العزم بالحزم، ويفتش عن عيوبه ويصلحها، ودرس أطوار سامعيه، ومارس الخطابة طويلًا، وملأ رأسه بما يحتاجه من المعارف، ففاز بأمانيه، وضحك له مجلس النواب بعد أنْ ضحك عليه، وصار أعظم الخطباء ورجال السياسة.
فيظهر من الأمثلة المتقدمة أنَّ النجاح موقوف على الاجتهاد، وسنورد أمثلة أخرى تؤيد ذلك أيضًا، ولكن لا ينكر أنَّ الإنسان يحتاج أيضًا إلى من يعضده ويعينه، ولقد أجاد الشاعر وردزورث؛ إذ قال: «إنَّ افتقارنا إلى الغير واستقلالنا بأنفسنا لا بُدَّ من أنْ يسيرا سوية ويصطحبا، ولو كان بينهما مناقضة ظاهرة.» فكل واحد مفتقر إلى غيره في التغذية والتهذيب من طفوليته إلى شيخوخته، وإن تفاوت مقدار هذا الافتقار باختلاف الأشخاص، وأفضل الناس أقربهم إلى عرفان ما عليهم لغيرهم من الجميل والإحسان، قيل: إنَّ مسيو ألكسيس ده توكفيل الشريف الفرنسوي، دُعي إلى منصب في محكمة فرساليا، وهو في الحادية والعشرين من عمره، فرأى أنه غير أهل لذلك المنصب، وقد دُعي إليه لشرفه الموروث، فرفضه عازمًا أنْ يتأهل إليه بجده، ثم ترك فرنسا وقصد الولايات المتحدة الأميركية، واستصحب صديقه كستاف ده بمون، قال كستاف هذا: «إنَّ توكفيل مطبوع على عداوة الكسل، فلا تراه بطَّالًا في حال من الأحوال، في حضر كان أم في سفر، وأطيب الحديث عنده أنفعه، وأسوأ الأيام أيام العطلة، فيغتمُّ لإضاعة كل دقيقة من الوقت.» وكتب توكفيل إلى أحد أصحابه، يقول: «الإنسان لا يفرغ من العمل في حياته، ولا بُدَّ له من الجهاد الداخلي، ولا سيما في الحداثة، كما أنه لا بُدَّ له من الجهاد الخارجي. وما الإنسان في هذه الدنيا سوى مسافر في بلاد يزداد بردها كلما تقدم في سفره، فعليه أنْ يزداد حركةً وسرعةً كلما تقدم، وإلَّا فاجأته منيته في هيئة البرد، وأشد أمراض النفس مرض البرد، إلَّا أنَّ قوانا العقلية والجسدية لا تكفينا لمقاومة هذا العدو الألد، فعلينا أنْ نستعين بغيرنا.»
وقد جزم توكفيل هذا بوجوب الاعتماد على النفس، إلَّا أنه لم يحطَّ قيمة المساعدة التي ينالها كل إنسان من غيره، ولو تفاوتت مقاديرها، فإنه كثيرًا ما أقرَّ بجميل ده كركولي لأجل مساعدته إياه في الأمور الأدبيَّة، وكتب إلى كركولي يقول: «إني مديون لكثيرين بأمور كثيرة فرعية، ولكني لست مديونًا لأحد بقدر ما أنا مديون لك بالمبادئ الأساسيَّة التي هي قاعدة السلوك.» وأقرَّ أيضًا بفضل امرأته التي ساعدته على مواظبة دروسه وأعماله، وكان يعتقد أنَّ المرأة الفاضلة تشرف اسم زوجها، والسليطة تحقره، وفي ذلك يقول: «إنني كثيرًا ما شاهدت رجالًا من فضلاء الناس ونبلائهم، وإنما كانوا كذلك؛ لأن لهم زوجات يعنَّهم لا بإرشادهن وتحذيرهن لهم كأنَّ لهنَّ السيادة عليهم، بل بميلهنَّ الطبيعي إلى الأعمال النبيلة، وشاهدت رجالًا آخرين كانوا على جانب من الشهامة والاستعداد الطبيعي للارتقاء، ثم صاروا بواسطة نسائهم لؤماء أدنياء، لا يهتمون بشأن وطنهم إلَّا إذا عاد اهتمامهم بالنفع عليهم.»
والخلاصة أنَّ الفواعل التي تفعل بأخلاق البشر كثيرة، فمنها العلم والعمل، والقول والقدوة، والأصحاب والجيران، والدنيا وسكانها من حاضرين وغابرين، ولكن مهما كان لهذه الفواعل من التأثير الشديد، يبقى سعي الناس واعتمادهم على أنفسهم أقدر على رفعِ شأنهم من كل الفواعل الخارجيَّة.

? سر 
Sir
لقب شرف عند الإنكليز.
? لورد 
Lord
لقب شرف أيضًا.
الفصل الثاني
في أرباب الصنائع وهم المخترعون والمستنبطون
قال ابن خلدون: لا بُدَّ في الرزق من سعيٍ وعمل.
وقال ده سلفندي: العلم والعمل يسودان العالم من الآن فصاعدًا.
وقال أرثرهلبس: ألغِ من بلاد الإنكليز كلَّ ما صنعهُ لها المخترعون الذين نبغوا من بين السوقة، وانظر كيف تبقى.
***
محبة الصناعة صفة من أشهر صفات الشعب الإنكليزي، فقد امتازوا بها في الأزمنة الغابرة، كما هم ممتازون بها الآن، فتوطَّدت أركان مملكتهم باجتهاد عامتهم، وازدادت عظمة أمتهم باجتهاد آحادهم، سواءٌ كانوا من حارثي الأرض أو صانعي الأمتعة، أو عاملي الآلات، أو مؤلفي الكتب، ولم يقتصر اجتهادُهم في الأعمال على ترقيتهم، بل أنقذهم من شرِّ ما وقع في سياستهم وشرائعهم من الخلل حينًا بعد حين، وهذَّب أخلاقهم، ونظم أحوال مملكتهم. والاجتهاد في الأعمال رفيق لإتمام الواجبات، وقد قرنتْهما العناية بالنجاح والسعادة. قال شاعر الأعاجم: إنَّ الآلهة وضعت العمل في طرق الفردوس، وقال الشاعر العربي:
إنْ كنتَ تطلبُ عزًّا فادَّرعْ تَعَبًاأو فارْضَ بالذُّل واخترْ راحةَ البدنِ
هذا، ولا خلاف في أنَّ الإنسان لا يأكل خبزًا ألذَّ من خبزٍ عمله عقليًّا كان أو جسديًّا، والعمل أساس كل تقدُّم، فبه ذُلِّلت مصاعب الطبيعة، وارتقى الإنسان من وهاد الجهل والخشونة إلى ذرى الحضارة والعمران، وهو من الواجبات والضروريات، وتراه مكتوبًا على كل جارحة من جوارح الجسد، وكل لفافة من تلافيف الدماغ، وهو أيضًا بَرَكة من البركات، ولا يستثقله إلَّا كلُّ بليد خامل الذكر كسلان كافر بالنعم.
والعمل لا يحُط من شأن الإنسان، ولو كان أذكى الناس عقلًا وأوسعهم علمًا، قال هيوملر الذي لا يضاهيه أحد في معرفة العمل، وما يتأتَّى عنه للعامل من القوة والضعف: «إنَّ أتعب الأعمال مفعم باللذة، وإصلاح شأن العامل أدبيًّا وماديًّا، والعمل أحذق معلم، ومدرسته أفضل مدرسة بعد مدرسة الديانة؛ لأننا نتعلم فيها أنْ نكون مفيدين ومستقلين ومجتهدين.» وكان هذا الفاضل يذهب إلى أنَّ الصناعة تهذب أهلها، وتجعلهم رجالًا أكثر من غيرها من أسباب المعايش،? ولا حرج فإن الحكمة العملية التي هي أفضل أنواع الحكمة تُدرَّس في مدرسة العمل.
ويظهر ممَّا ذكرناه من أمر الرجال الذين نبغوا من بين أهل الأعمال، ثم امتازوا بالعلم أو التجارة أو الأدب أو الصناعات؛ أنَّ الاجتهاد يغلب الصعوبات مهما كانت، وأنَّ ارتفاع الأخطار باقتحام الأخطار. هذا ناهيك عن أنَّ الاختراعات والاكتشافات التي أفاضت على الأمة ينابيع الثروة والعزة؛ أكثرها لأناس من العامَّة، بل من السُّوقة، وإذا حذفنا ما فعله هؤلاء الرجال لايبقى شيء يُذكَر؛ لأنهم أوجدوا صنائع من أوسع صنائع الدنيا، ونفحوا العالم بكثير من الضروريات والكماليات، وروَّجوا الأعمال وزادوا راحة البشر ورفاهتهم. وطعامنا وكسوتنا وأثاث بيوتنا وزجاج شبابيكنا، والغاز الذي نُنِير به شوارعنا، والبواخر التي نسافر فيها برًّا وبحرًا، وكل الآلات والأدوات التي جنى العالم أثمارها، ولا يزال ولن يزال؛ هي نتيجة أتعاب أولئك المخترعين الأفاضل.
ومن المخترعات التي نذكرها أولًا، الآلة البخارية فقد اختُرعت هذه الآلة في عصرنا الحاضر، إلَّا أنَّ مبدأها وُجِد منذ مئات من السنين، ثم ظهر في حيِّز الوجود درجة بعد أخرى كغيره من المخترعات، فكان العامل الواحد يعمل ويتعب في هذا الاختراع الخطير زمانًا طويلًا، ولا يحصل على النتيجة المطلوبة، ثم يمضي ويترك عملَه لآخر، فيأتي ويحسِّنه، ويزيد عليه ما أمكنه، ودام الحال على هذا المنوال قرونًا عديدة. وعليه ترى أنَّ الأمر الذي خطر على بال هيرو الإسكندري قبل المسيح بأكثر من مائة وثلاثين سنة، كان كحبوب الحِنطة في مدافن المصريين المحنطين التي نمت عندما زُرعَت بعد ما مضى عليها أكثر من ألفي سنة، وهي مدفونة في الأرض. وهذا الاختراع العظيم مرَّ عليه أكثر من ألفي سنة متروكًا في زوايا الإهمال، ثم عاد فنما بنور علوم الأجيال المتأخرة، وقد حالت دون إخراجه من حيِّز القوة إلى حيِّز الفعل صعوباتٌ تفوق الوصف، ولكن رجال الاجتهاد قووا عليها، ودكُّوها إلى الحضيض بما بذلوا من الصبر والمزاولة، وكأني بالآلة البخارية بين الآلات سلطان محفوف برجاله العظام الذين بذلوا حياتهم في تشييد أركان ملكه. وإنْ تسأل عن أسماء رجالها فهم: سافري المهندس، ونيوكمن الحداد، وكولي الزجاج، وبُتَر الصانع، وسميتون المهندس، وفي صدرهم جميعًا رجل الصبر والكد الذي لم يملَّ من عمل قط، ألا وهو جمس وَط النجَّار.
هذا هو جمس وط أشدُّ الناس اجتهادًا، هذا هو الرجل الذي أثبتت سيرتُه ما طالما أثبته الخبْر والخَبَر من أنَّ الأمور العظيمة لا يعملها ذو القوة والمهارة بالفطرة، بل الذي يستعمل قواه بما اكتسبه بالاجتهاد والحذاقة من المزاولة والاختبار؛ لأن كثيرين من معاصريه كانوا أعلم منه كثيرًا، ولكن لم يجتهد أحدٌ اجتهاده في تحويل كلِّ علومِه وقواه إلى غايات مفيدة، فإنه كان يجتهد ويواظب على اتباع النتائج أشد المواظبة، وقد مرَّن قوة الانتباه فيه تمرينًا عظيمًا، وعلى الانتباه يتوقف فعل كل قوى العقل المتممة للأعمال، ولقد أجاد مستر إدجورث؛ إذ قال: إنَّ الفرق بين عقول البشر يتوقف على اختلاف قوة الانتباه، أكثر مما يتوقف على اختلاف بقية قوى العقل.
ورَضَع وط العلومَ مع اللبنِ؛ لأن أباه كان يصنع آلات فلسفيَّة وفلكيَّة، وكان في دكانه عدد من الأرباع،? فانتبه وط بها إلى درس علم البصريات والهيئة، وكان جسمه نحيفًا، فحمله ذلك على درس علم الفزيولوجيا، وكان يحب الجَوَلان في البراري، فحمله ذلك على درس النبات والتاريخ، وطُلِب منه مرةً أنْ يصنع أرغنًا؛ لأنه احترف حرفة أبيه — عمل الآلات الرياضية — ولم يكن يعرف علم الإيقاع، فدرسه باجتهاد وصنع الأرغن المطلوب، فجاء بديع الإتقان، وطُلب منه ذات يوم أنْ يصلح مثالًا من آلة نيوكمن البخارية لمدرسة كلاسكو الكلية، فانكبَّ على درس كلِّ ما كان يُعرَف حينئذ من نواميس الحرارة والبخار، واصطناع الآلات الميكانيكية، وظهرت نتيجة درسِه في الآلة البخارية التي استنبطها.
أمَّا استنباط الآلة البخاريَّة فصرف فيه عشر سنين، وهو بين مكتشف ومخترع، ولا نتيجة تسره، ولا صاحب ينشطه، وكان يحصِّل ما يقوم بنفقاته ونفقات أهله من اصطناع الأرباع والأعواد وغيرها من آلات الطرب، ومارس أيضًا فن مساحة الأراضي، وتخطيط الطرق، وإدارة حفر التُّرَع، وكل ما يعود عليه بالربح، ثم وجد مُعينًا له رجلًا حاذقًا نشيطًا محبًّا للاختراع يُسمَّى بُلْتُن، فاستخدم هذا آلة وط المكثفة لتحريك الآلات المختلفة، ثم تداولت هذه الآلة أيدي المخترعين، فزادوا عليها وأصلحوا فيها كثيرًا، إلى أنْ جعلوها مناسبة لكل الأعمال تقريبًا، وهي الآن تدير الآلات، وتُسيِّر السفن، وتطحن الحبوب، وتطبع الكتب، وتسكُّ النقود، وتطرق الحديد، وترفع الأثقال، وتنسج الملابس، وتحرث الأراضي، وتعمل كلَّ عملٍ يُحتاج فيه إلى قوة، ومن أفضل التحسينات فيها جعلها مناسبة لتسيار المركبات البريَّة، وهذا شرع فيه ترفيثِك وتمَّمه ستفنسن وابنه، ويمكننا أنْ نحسب هذا التحسين اختراعًا جديدًا، وربما فُضِّل على آلة وط لِما نتج عنه من اتساع الحضارة.
ومن أعظم النتائج التي نتجت من اختراع وط، إنشاء معامل القطن ومُنْشئُها السر رتشرد أركريت، الذي يُعتبَر لأجل همَّته وزكانته أكثر مما يُعتبَر لأجل اختراعاته، بل إنَّ من الناس مَن لا يقرُّ له بالاختراع، كما أنَّ منهم من لا يقر لوَط، ولعلَّ نسبة أركرَيت إلى آلة الغزل نسبة وط إلى آلة البخار، ونسبة ستفنسن إلى سكة الحديد؛ لأنه جمع شتيت خيوط متفرقة، ونسج منها هذا الاختراع العظيم.
قيل إنَّ رجلًا يُسمَّى لويس بول أُجيز له بآلة للغزل، تغزل بواسطة البكرات قبل أركريت بثلاثين سنة، ولكن آلته كانت ناقصة من أوجهٍ كثيرة فأُهمِل أمرها، وقيل إنَّ رجلًا آخر اسمه توما هايس اخترع نول الماء وآلة للغزل، والظاهر أنَّ اختراعه لم ينجح أيضًا، وكأنه لا يُختَرع اختراع إلَّا بعد أنْ يخطر على بال كثيرين حينما تُمسُّ الحاجة إليه، فيخطو كلٌّ منهم فيه خطوة أو أكثر، كما جرى في الآلة البخاريَّة، وقنديل الأمانة، والتلغراف الكهربائي، وغيرها من المخترعات، ويدوم الأمر على مثل ذلك إلى أنْ يقوم رجل يفوق أقرانه في العقل والإقدام، فيسبقهم ويستخلص كل ما ارتأَوْه، ويضيفه إلى ما ارتآه هو بنفسه، فيتم به الاختراع، وحينئذٍ يعلو ضجيج أولئك المقصرين في ميدان هذا الاختراع، ويصوبون نحوه سهام ملامهم، فيضطرُّ أنْ يدافع عن اسمه وحقه.
هذا، ولنرجع إلى كلامنا عن رتشرد أركريت، فنقول وُلد هذا الرجل في برستون سنة ???? للميلاد من أبوين فقيرين جدًّا، وكان صغير إخوتِه وأخواته الثلاثة عشر، ولم يدخل مدرسة قط، وبقي حتى وفاته ضعيفًا في الكتابة، وكانت صناعته الحلاقة، فلما تعلَّمها فتح دكانًا في بلتن تحت الأرض، وكتب فوق بابه:
هلمُّوا إلى الحلاق الأرضي، فإنه يأخذ على الرأس عشرين بارة.
فاضطرَّ رصفاؤه الحلَّاقون أنْ يقلِّلوا أجرة الحلاقة مجاراةً له، فأعلن أنه يحلق حلاقة جيدة بعشر بارات، وشاع حينئذ لبس الشعور العارية، فترك صناعة الحلاقة، وأخذ يجول في البلاد يبيع الشعر والخضابات الكيماوية.
وما طالبُ الحاجاتِ من كلِّ وِجهةمن الناس إلَّا من أجدَّ وشمَّرا
ومع كل إقدامه واجتهاده، لم يكن يكسب أكثر مما يكفي للقيام بمعيشته.
ونحو ذلك الوقت تغيَّر زي الشعور العارية، فاضطر أنْ يترك تجارتها ويأخذ في عملٍ آخر، وهو اصطناع الآلات، أو كما كان يُقال اختراع الاختراعات، وفي غضون ذلك كانت قد جُرِّبت التجارب الكثيرة لاختراع آلة للغزل، فعزم أنْ يزج نفسه بين المجرِّبين، فألقى دَلْوه في الدلاءِ عازمًا ألَّا يرجع إلَّا غانمًا، وكان قد أضاع قسمًا كبيرًا من وقته في اصطناع آلة تتحرك حركة دائمة، كما هو شأن أكثر محبي الحرَف، فأعدَّ عقله لاختراعٍ أهمَّ وأثبت وهو اختراع آلة الغزل، ولما أخذ فيه انكبَّ عليه برغبة لا تُحَد إلى أنْ نفِد ما جمعه من المال اليسير، فلما رأت زوجته ذلك فرغ ما عندها من الصبر، فاختطفت جميع آلاته ورسومه وأطعمتها النار؛ أملًا بأن تصرفه عنها إلى اتباع حرفة تقوم بحاجات أهل بيته، فاستشاط منها غيظًا، وأخذ منه الغضب كلَّ مأخذ حتى إنه هجرها حالًا.
وكان قد استعان برجلٍ صانع ساعات اسمه كاي على عمل الآلة التي قدَّر لها الحركة المستمرة، فظنَّ بعضهم أنَّ كاي هذا أخبره بمبدأ الغزل بالبكرات، وقيل بل خطر على باله مبدأ آلة الغزل عند رؤيته قطعة حديد محماة قد استطالت بمرورها بين أسطوانتين من حديد، وكيفما كان اتصاله إلى مبدأ آلة الغزل، فمن المعلوم أنه تفرَّغ لها بكليته، ولم ينفك عنها حتى جاء بالنتيجة التي ليس لكاي من فضل عليه بها سوى عمله له المثال حسب إرشاده، إلَّا أنه صادف مصاعب كثيرة في إشهار آلته هذه؛ لأن من عادة الصنَّاع أنْ يقاوموا كلَّ آلة جديدة؛ خوفًا من أنْ تكسد بضاعتهم بها، فاضطرَّ أنْ يترك وطنه ويلتجئ إلى نوتنهام التي كانت آمن قليلًا.
وكان قد وصل إلى حالة يُرثَى لها من الفقر، حتى اضطرَّ البعض أنْ يتصدقوا عليه بيسير من الدراهم لابتياع ما يحتاج إليه من الأكسية، فطلب الإمداد من بيت رَيط؛ فمدُّوه بمبلغ من المال مشترطين عليه أنْ يقاسمهم الربح، ولكن لم يمكنه إتقان آلته كما انتظروا، فأوعزوا إليه أنْ يلتجئ إلى بيت سترت وتيد، وسترت هذا مخترع حاذق، وهو الذي اخترع آلة لعمل الجوارب، فحالما رأى آلة أركريت عرف قيمتها، فاشترك مع تيد وساعده على إتقانها، وأخرجا له إجازة سنة ???? (وفي تلك السنة خرجت الإجازة الشرعية لوَط بآلته البخارية تحت اسمه). والآلة الأولى التي أنشأها أركريت كانت تديرها الخيل، ثم أنشأ أُخرى أكبر منها يديرها الماء.
وبقي على أركريت أنْ يحسِّن هذه الآلة؛ لأنها لم تزل تحتاج إلى إصلاحات وتحسينات كثيرة، وكانت نفقتها كثيرة وربحها قليلًا، فلم ينفك عن إصلاحها وتحسينها حتى جاءت كاملة متقنة جزيلة النفع، ولكن عندما أُتقنت وحان له أنْ يجتني ثمار أتعابه، قام الصنَّاع عليه وهجموا على محل الآلة، ودكوه إلى الأرض على مرأى من جنود الدولة، وتفاقم الخَطْب حتى لم تعد مصنوعاته تباع في السوق، مع أنها كانت أحسن من غيرها وأرخص، ثم تعصَّبوا عليه وأبوا أنْ يعطوه المال المفروض على من يستعمل آلته، بل قاموا ضدَّهُ في المحكمة وألغوا الإجازة التي نالها، قيل إنه مرَّ مرة بخصومه الذين غلبوه، فقال أحدهم على مسمع منه لقد غلبنا هذا الحلَّاق، فأجابهم لا بأس، فلم يزل معي موسى لأحلقكم، ثم عاد فأقام معامل أُخرى في لانكشير، ودربيشير، ونيولانارك بعد الفراغ من شركته مع سترت، وازدادت مصنوعاته ووصلت إلى درجة رفيعة من الإتقان، فصارت له السلطة المطلقة على هذه البضاعة، وصار يحدُّ ثمنها كما يشاء.
وكان أركريت من أمضى الناس عزيمة، وأكثرهم إقدامًا، وأقواهم جَلَدًا، فتراكمت عليه الأعمال حتى كان يضطر أنْ يشتغل من الساعة الرابعة صباحًا إلى الساعة التاسعة مساءً؛ أي من قبل الظهر بتسع ساعات إلى تسع بعده، ولما صار له خمسون سنة من العمر شرع في درس النحو، وتصليح الخط والتهجئة، فغلب كلَّ المصاعب التي قامت في طريقه، واجتنى ثمار أتعابه، ولم يمضِ عليه ثماني عشرة سنة منذ أقام آلته الأولى حتى بلغ درجة سامية من المجد والاعتبار في عيون أهل بلاده، فانتُخب مديرًا على مقاطعة دربيشير، وبعد مدة أنعم عليه الملك جورج الثالث بلقب النيط، وكانت وفاته في سنة ????، ومهما كانت مقاصد هذا الشهم، فلا يُشَك في أنه أقام في البلاد الإنكليزية صناعة أكسبتها غنًى وافرًا.
وإذا التفتنا إلى بقية أنواع الصنائع التي أغنت الأمة الإنكليزية، وميزتها بين الممالك المتمدنة، رأينا أنها ابتدأت عن يد أناس من العملَة والصنَّاع؛ مثل بيت سترت، وتنت، ومرشل، وكوت، وبيل، وأنسورث الذين قام من خلفائهم رجال كثيرون اشتهروا في السياسة مثل بيت بيل، وهذا البيت الشهير — أي بيت بيل — نشأ نحو أواخر القرن الماضي، ومُنشِئه فلاح اسمه روبرت بيل من مكان بقرب بلكبرن، وكانت بلكبرن والضياع المجاورة لها مشهورة بنسج المنسوجات، وكان من عادة الفلاحين أنْ يستعملوا الحياكة في أوقات الفراغ من عمل الحقول؛ لأن الأراضي لم تكن تأتي بما يكفيهم، ففتح روبرت بيل نولًا في بيته، وكان أمينًا مجتهدًا فأفلح، وهو أول من استعمل أسطوانة الندف المخترعة حديثًا.
وكانت أفكاره متجهة إلى كيفية طبع الأنسجة؛ لأن هذه الصناعة لم تكن شائعة حينئذ، وكانت الأطعمة تُسكَب في صحاف من معدن، فرسم صورة على صحفة من هذه الصحاف، وخطر على باله أنْ يطبع بها المنسوجات، وكان يسكن بالقرب من بيته امرأة عندها آلة للصقل، فقام إليها ووضع الصحفة في الآلة، ووضع فوقها قطعة من النسيج، ثم ضغطها بالآلة فانطبعت الصورة عليها، فلما رأى ذلك جعل يجرب ويمتحن، إلى أنْ صنع آلة مُتقنة لطبع المنسوجات، وأول قطعة طبعها بها طبع عليها صورة ورقة بقدونس، وهو بالإنكليزية «بارسلي»، فلُقِّب بارسلي بيل إلى هذا اليوم، وعند ذلك ترك الفلاحة، وانتقل إلى بُركسيد، قرية تبعد نحو ميلين عن بلَكْبَرْن، وأخذ يطبع المنسوجات هو وأولاده، الذين لم يكونوا أقلَّ منه نشاطًا، ودام على ذلك بضع سنين، ولما بلغ أولاده أشدَّهم أنشأ كلٌّ منهم معملًا خاصًّا به، واستخدم عددًا غفيرًا من الفعَلَة، ويبين من أمر روبرت بيل أنه كان فطنًا نبيهًا، ناظرًا في العواقب. قال ابنه السر روبرت بيل: إنَّ أبي مؤسس عائلتنا كان يعرف منفعة التجارة للأمة، وكثيرًا ما كان يقول: إنَّ الأرباح التي يربحها الأفراد منها لا تُعَد شيئًا بالنسبة إلى أرباح الأمَّة إجمالًا.
أمَّا السر روبرت بيل بن روبرت بيل الأول، فورث عن أبيه الإقدام والاجتهاد، ولما استقلَّ بنفسه لم يكن له مال ولا ثروة؛ لأن أباه لم يكن قد أثرى، فاشترك مع خاله ورجل آخر اسمه وليم يتس، وكان رأس مالهم خمس مائة ليرا، وأكثرها من وليم يتس، ولم يكن روبرت قد ناهز العشرين، ولكنه قام بهذا العمل العظيم مع صغر سنه، ومما قيل فيه: إنَّ له رأس شيخ وبدن شاب. فاشترى هؤلاء الثلاثة مطحنة منهدمة، وأرضًا مجاورة لها وجعلوها معملًا، وذلك سنة ????، ثم أضافوا إليه معمل غزل، ويظهر شكل معيشتهم حينئذ مما يأتي: كان وليم يتس متزوجًا، ففتح بيتًا وضمَّ روبرت بيل إليه؛ لأنه كان عزبًا فكان هذا يدفع له ثمانية شلنات كلَّ أسبوع عن أكله وسكناه، ولكنَّ وليم يتس وجد هذا المبلغ قليلًا، وطلب أنْ يزاد عليه شلن كلَّ أسبوع، فلم يقبل بيل بذلك، ووقع بينهما الخلاف فآل الأمر إلى الانفصال، ولكنهما اتفقا بعد مدة على أنْ يدفع بيل نصف شلن فوق الثمانية الشلنات، وكان لِيتس ابنةٌ صغيرة اسمها ألن، فعلق بها قلب بيل، وانتظرها عشر سنوات إلى أنْ بلغت الثامنة عشرة فاتخذها له زوجة، فكانت من أكبر مساعديه؛ لأنها كانت تكتب مكاتيبه وحساباته، فإنه لم يكن ماهرًا في الكتابة، وتُوفِّيت سنة ???? بعد أنْ قُلِّد زوجها رتبة البارونية بثلاث سنين.
قيل إنَّ المعيشة في لندن أضرَّت بصحتها؛ لأنها كانت مخالفة لما اعتادت عليه في بيت أبيها، فجعل أبوها يقول لو لم يجعل روبرت ابنتنا ألن سيدة ما ماتت باكرًا.
واستمر يَتْس وبيل وشركاؤهما مدة طويلة جارين في سبيل النجاح، وكان بيل مقدامهم باجتهاده وانصبابه، وحكمته ومهارته في البيع والشراء، وقدرته على مواظبة أعماله إلى حدٍّ يفوق التصديق، والخلاصة أنَّ نسبة هذا الرجل إلى طبع المنسوجات نسبة أركريت إلى غزل القطن، ومما يستحق الالتفات أنَّ بيلًا وشركاءه لم يقتصروا على تحسين مصنوعاتهم، وجعلها من الطراز الأول، بل اجتهدوا أيضًا في ترقية شأن فعلتهم، فزادهم ذلك شهرة وشرفًا.
ومن صفات السر روبرت بيل المعتبرة التفاته إلى كلِّ اختراع جديد، فعندما اختُرعت مادة تُطلَى بها المنسوجات، حيث يراد إبقاؤها بيضاء، اشتراها من مخترعها بمبلغ كبير من المال، وأخذ في امتحانها مدة سنة أو سنتين، إلى أنْ بلغت غاية الإتقان، فجعلت معامله في رأس كل معامل طبع المنسوجات.
ومن جملة مؤسسي الصنائع وِلْيَم لي مخترع آلة الجوارب، ويوحنا هِثكوت مخترع آلة الخرج، أمَّا الأخبار التي وصلت إلينا عن اختراع آلة الجوارب، ففيها بعض الريب والتناقض، ولكنها تتفق في اسم المخترع وليم لي، الذي وُلد سنة ????، وفي أنه كان فقيرًا ودخل خادمًا وتلميذًا معًا في مدرسة كمبردج سنة ????، ثم انتقل إلى مدرسة مار يوحنا، ونال رتبة بكلوريوس في العلوم سنة ????، ورتبة معلم في العلوم سنة ????، وحينما اخترع آلة عمل الجوارب كان قسيسًا لقرية كلفرتون بقرب نوتنهام، قيل إنه شغف حينئذٍ بحب فتاة، وكان حينما يزورها لا تلتفت إليه كثيرًا، بل تبقى محدقة في الجوارب التي كانت تعملها، فاستاء من عمل الجوارب باليد، وعزم من يومه على اختراع آلة لعمل الجوارب، فيبطل عملها باليد، وأخذ يجرب ويمتحن مدة ثلاث سنوات، إلى أنْ نجح فترك القسوسية، وجعل يتعاطى عمل الجوارب بالآلة التي اخترعها.
ومَن رأى هذه الآلة وسهولة العمل بها، عرف ما لمخترعها من الفضل، ولا سيما إذا قابلها بعمل النساء البطيء الممل، ومَن تراه يستطيع تعداد المصاعب التي صادفها هذا الرجل، ولا سيما لأنه كان في عصر معرفة الصنائع فيه في درجة واطئة، فاضطر أنْ يصنع كل أجزائها البديعة بيده، بل أنْ يصنعها كلها من الخشب، وهو أمر يكاد يفوق التصديق، وبعد أنْ تعب في عملها ثلاث سنوات — كما قلنا سابقًا — صارت صالحة للعمل، فاستعملها سنوات متوالية، وعلَّم أخاه وكثيرين من أقربائه استعمالها، وكان يرغب في إحراز حماية الملكة اليصابات المالكة حينئذٍ المشهورة بميلها إلى عمل جوارب الحرير، فأتى لندن لكي يريها إياها، وأراها للبعض من رجال البلاط، وفي جملتهم اللورد هندسن، فلم يكتفِ هذا اللورد برؤيتها، بل تعلم العمل بها، ثم استأذن له بالمثول لدى الملكة، فأراها الآلة وعمل بها أمامها، فلم تلتفت إليه الالتفات الذي انتظره، بل اعترضت عليه، على ما قيل، مُدَّعية أنَّ آلته تبطل عمل كثيرات من اللواتي معيشتهن من عمل الجوارب، فلما رأى منها ذلك أوجس منها خيفة، وعزم على مباينة بلاده، وكان سُلَّي الحكيم وزير هنري الرابع ملك فرنسا قد طلب منه أنْ يأتي إلى روان، ويعلِّم أهاليها كيفية عمل هذه الآلة والعمل بها، وكانت روان حينئذ من أكثر مدن فرنسا معامل، فأجاب طلبه ورحل إلى فرنسا سنة ????، واستصحب معه أخاه يعقوب وسبعة فعَلَة فقُوبل في روان بالترحاب وراجت مصنوعاته كثيرًا، ولكن السعد أبى إلَّا الابتعاد عنه؛ لأن هنري الرابع الذي توقع منه أنْ يُسبِغ عليه النعم الوافرة حسبما وعدهُ قُتِل غيلة فخاف من ضياع حقوقه، وأتى باريز قاصدًا إثباتها في المحكمة، فلم يعبأ به أحد، فقضى نحبه في باريز وهو في غاية المسكنة.
وهرب أخوه مع سبعة من الفَعَلَة بآلاتهم إلى بلاد الإنكليز، واشترك مع رجل اسمه أشتون، وهو الذي زاد على الآلة الرصاصات التي تخفض إبرها، ثم شاع استعمال هذه الآلة، وكثر العاملون بها حتى صارت صناعة عمل الجوارب فرعًا مهمًّا من صنائع الإنكليز.
ومن أهم تنوُّعات آلة الجوارب آلة الخرج أو الدنتلَّا، وصانعها فرُست وهَلْمس، فإنهما أصلحا آلة الجوارب حتى صار يُنسج بها نوع من الخرج، وشاعت هذه الآلة كثيرًا حتى استُعمل منها أكثر من ألف وخمس مائة آلة في أقل من ثلاثين سنة، وكان عدد الصنَّاع العاملين بها يزيد على خمسة عشر ألفًا، ثم أُهملت بسبب الحروب المتواصلة وتغيُّر الأزياء، وما زالت في زوايا النسيان إلى أنْ قام جون هثكوت واخترع آلة جديدة، ومن ثَمَّ ثبت هذا النوع من الصناعة على أساس وطيد، وهاك تاريخ اختراعِه بالاختصار:
ولد جون هِثكوت سنة ????، وكانت تلوح عليه علامات النجابة، وهو يتعلم مبادئ العلوم، ولكن لم يسمح له والداه أنْ يقيم في المدرسة مدة طويلة، بل وضعاه عند صانع أنوال ليتعلم حرفته، فلم يمضِ عليه وقت طويل حتى صار حاذقًا في استعمال الآلات والأدوات المختلفة، وعرف كلَّ الأجزاء المركبة منها آلة الجوارب، وأخذ يحاول إصلاحها كلما سنحت له الفرصة، ثم عزم وهو في السادسة عشرة على عمل آلة تصنع خرجًا، مثل خرج بكنهام وفرنسا الذي كان يصنع باليد، فأصلح نَوْل السَّدى حتى صار يمكنه أنْ يعمل به كفوفًا نسيجها كنسيج الخرج، ومن ثَمَّ وطَّن نفسه على اصطناع آلة لعمل الخرج، وكانت آلة الجوارب قد أُصلحت، حتى صار يمكن أنْ يصنع بها خرج منقط عراه معكوفة كعرى الجوارب، لكنه كان سريع العطب، كثير الإفلات، وبالتالي غير مرضيٍّ، فاجتهد كثيرون من صنَّاع نوتنهام في اختراع آلة تثني العرى، كما في عمل الشبكة فذهب تعبهم سدًى، ومنهم من أنفق كل أمواله، ومات فقيرًا أو جُنَّ وهام على وجهه.
ولما ناهز هثكوت الحادية والعشرين مضى إلى نوتنهام، وكان يعمل فيها الأنوال، فاعتُبر كثيرًا لأجل مهارته ونباهته، وكان لم يزل عاقدًا قلبه على عمل آلة تثني العُرى، فتعلَّم عمل خرج بكنهام، الذي كان يصنع على المخدة قاصدًا أنْ يصنع آلة تحوك خرجًا مثله، وكان هذا العمل صعبًا مملًا، يقتضي مزاولة كثيرة وحذاقة شديدة إلَّا أنه صبر وتأنَّى فنال ما تمنَّى، وقد وصفه معلمه بقوله: إنه رجل صبور مواظب منكر نفسه، كثير الصمت، شديد الأمل، يثق كلَّ الثقة أنَّ أتعابه ستكلل بالنجاح، وقد تكلَّلت وصنع آلة لعمل الخرج يعجز القلم عن وصفها، وأُجيز له بها وعمره أربع وعشرون سنة.
ولم تكن امرأته أقل اهتمامًا منه في إتمام هذه الآلة، فقالت له ذات ليلة بعد أنْ تعب فيها أشهرًا وأعوامًا: هل صارت تشتغل، فقال: لا بل يجب أنْ أفككها وأركبها ثانية، فلم تقدر أنْ تضبط نفسها عن البكاء، ولكنه أتاها بعد أسابيع قلائل وبيده قطعة من الخرج صنعها بها، وقد أصاب هذا الرجل ما أصاب أكثر المخترعين؛ أي إنهُ لم يُعتَرف له بأولية الاختراع، ولم يعطَ إجازة إلَّا بعد المرافعة الشرعية وصدور الحكم له. قيل إنَّ السر جون كبلي الذي حامى عنه رأى أنه يلزمه أنْ يعرف كيفية تركيب هذه الآلة والعمل بها؛ لكي يمكنه أنْ يدافع عنه فركب إلى نوتنهام؛ حيث كانت الآلة ونزل في النول، ولم يخرج حتى عرف وظيفة كلِّ جزء من أجزائها، وتعلَّم العمل بها، ثم رجع إلى المحكمة ووضع مثال الآلة أمام أرباب المجلس، وأخذ يعمل به ويشرح تركيبه وأفعاله بمهارة حيرت عقل القاضي وعقول أرباب المجلس وكل الحاضرين، فخرج الحكم له.
ولما نال هثكوت الإجازة المذكورة، وجد أنَّ الصنَّاع قد صنعوا أكثر من ست مائة آلة مثل آلته، ففوضت إليه الدولة أنْ يأخذ من أصحابها ضريبة مالية، فحصل له من ذلك ربح وافر، وكانت مكاسب العاملين بهذه الآلة وافرة جدًّا، فامتدَّ استعمالها كثيرًا، وانحطَّ ثمن ذراع الخَرْج من خمس ليرات إلى غرشين ونصف، وذلك في أقل من خمس وعشرين سنة، وكان معدَّل دخل الخرج السنوي في هذه المدة أربعة ملايين ليرا إنكليزية، وعدد العاملين به مائة وخمسين ألفًا، وأقام هثكوت معامل في لوبرو سنة ????، وبقي هناك عدة سنوات وهو في أوج النجاح، وعنده عدد غفير من الفَعَلة، وأجرة الواحد منهم في الأسبوع من خمس ليرات إنكليزية إلى عشر.
ثم قام الفَعَلة وزعموا أنَّ هذه الآلة قطعت معاشهم، مع أنها فتحت بابًا لتشغيل كثيرين منهم، وعقدوا اجتماعًا اتفقوا فيه على تخريب كلِّ آلة يمكنهم الوصول إليها، وسنة ???? حدثت منازعة بين المعلمين والفعلة في معامل الجوارب والخرج في الأقسام الجنوبية الغربية من نتنهمشير، ودربيشير، وليسسترشير، فتجمَّع الفعلة وتحالفوا على تكسير كلِّ آلات الجوارب والخرج وأجروا ذلك فعلًا، ولكنَّ الدولة ألقت القبض على بعض رؤسائهم وعاقبتهم، فلم يعودوا يفعلوا ذلك جهارًا، بل خفية كلما سنحت لهم الفرصة، وبما أنَّ الآلات دقيقة جدًّا فضربة واحدة كانت تعطلها، وكانت الأبنية الموضوعة فيها منفردة عن بيوت السكن، فكان الهجوم عليها سهلًا.
واجتمع مكسرو الآلات في جوار نتنهام التي هي مركز الشغب، وتنظموا في فرق، وعقدوا تجمُّعات في ليلة دبروا فيها دسائسهم، وأقاموا عليهم قائدًا يُدعَى لد، ومن ثَمَّ دُعوا لديين وعاثوا في البلاد، وقطعوا رزق عدد وافر من الفعلة، فاضطر أصحاب المعامل إلى نقلها من الضياع والأماكن المنفردة، إلى محلات حصينة داخل المدن، ويظهر أنَّ اللديين تشجعوا بخفَّة العقاب الذي عوقب به من قُبِض عليه منهم، فلم يمضِ إلَّا وقت قصير حتى امتدوا في كلِّ الجهات الشماليَّة والمتوسطة، وخربوا كلَّ ما وصلت إليه يدهم من المعامل، وكان تحالفهم سريًّا آلوا فيه على أنفسهم أنْ يطيعوا قوادهم طاعة عمياء في كلِّ ما يأمرونهم به، وأنْ يميتوا كلَّ مَن يفشي مقاصدهم، وحكموا بملاشاة كلِّ الآلات سواءٌ كانت لنسج الجوخ أو الشيت، أو الخرج، وقضوا على أصحابها بالقتل، فيا لها من سنين مهولة تمرَّد فيها هؤلاء الأشقياء يفسدون في البلاد، حتى تلافت الدولة أمرهم، وألقت القبض على كثيرين منهم وعاقبتهم بالموت، وبعد تعب سنين عديدة أُخمد هيجانهم وتلاشت قوتهم.
وأتْلَف اللديون معامل هثكوت مخترع آلة الخرج؛ لأن جمهورًا منهم دخلوا معمله في لوبرو في إحدى الليالي والمشاعل في أيديهم، وأضرموا فيه النار فحرقوا ستًّا وثلاثين آلة، ومصنوعات قيمتها عشرة آلاف ليرا، فقُبِض على عشرة، وعوقب منهم ثمانية بالقتل، ورفع هثكوت دعواه على البلاد المجاورة، فغُرِّمت عشرة آلاف ليرا، إلَّا أنَّ القضاة طلبوا منه أنْ ينفق هذا المال داخل حدود لستر، فلم يجبهم إلى طلبهم؛ لأنه كان قد عزم على نقل معامله إلى مكان آخر، فانتقل إلى تيفرتون في ديفنشير، وابتاع بناءً كبيرًا كان معملًا للصوف ورمَّمه ووسعه، وأقام فيه أكثر من ثلاثمائة آلة لعمل الخرج، وآلات أخرى لثني الغزل، وحل الحرير، وعمل الشباك، وأنشأ أيضًا مسبك حديد لاصطناع أدوات الفلاحة، وكان يرى أنَّ كلَّ الأعمال العظيمة يمكن إدارتها بواسطة البخار، فصنع محراثًا بخاريًّا ونال إجازة له سنة ????، وبقي محراثه أفضل ما صنع من نوعه إلى أنْ صُنِع محراث فولر.
وخلاصة ما يقال عن هذا الرجل العظيم أنه كان ثاقب الفكر، سديد الرأي، سريع الخاطر، محبًّا للعمل، أمينًا مستقيمًا، وبما أنه نال ما ناله باجتهاده، كان إذا رأى شابًّا من العاملين عنده مجتهدًا، نشَّطه وقوَّى عزمه حتى يزيد اجتهادًا وتقدُّمًا، وأكبَّ مع كثرة أعماله على تعلُّم اللغة الفرنسوية والإيطالية، فأتقنهما وطالع تآليف كثيرة، وأغنى عقله بكنوز المعرفة، وكان في معامله أكثر من ألفي صانع، وكلهم كانوا يعتبرونه كأب لهم؛ لاهتمامه براحتهم ورفاهتهم كاهتمامه بنفسه، فإن نجاحه لم ينزع الشفقة من قلبه، بل زاده لينًا وحنوًّا حتى صار عضدًا للفقراء وملجأً للبائسين، وبنى مدارس لتعليم أولاد الفعلة العاملين في معامله أنفق عليها ستة آلاف ليرا، وكان مع ما ذُكِر بشوش الوجه، أنيس المحضر، محبوبًا ومعزَّزًا من الجميع، وسنة ???? اختاره أهالي تيفرتون نائبًا عنهم في البرلمنت، فأقام في هذا المنصب نحو ثلاثين سنة، وحينما تنحَّى عن البرلمنت بسبب شيخوخته، أهداه ألف وثلاثمائة من الفعلة العاملين في معامله دواة من الفضة، وقلمًا من الذهب علامة لاعتبارهم له، وتُوفِّي سنة ????، ولهُ من العمر سبع وسبعون سنة، وترك بعدهُ اسمًا تفتخر به ذريته مدى الأدهار.
والآن نلتفت إلى شخص آخر ليس أقل شهرة من هثكوت، ولو كان أقل سعدًا منه، وهو جكار الشهير. ولد بمدينة ليون من أبوين فقيرين صناعتهما الحياكة، ولما بلغ سن التمييز وضعه أبوه عند مجلد؛ ليتعلم تجليد الكتب، وكان له ميل شديد إلى عمل الآلات، فأشار بعضهم على أبيه أنْ يعلمه صناعة توافق ميله، فوضعه عند سكَّان — صانع سكاكين — وكان هذا السكَّان شرس الطباع، فتركه جكار، وخدم عند صانع حروف، ثم تُوفِّي أبواه فاضطر أنْ يحترف الحياكة في نولَيهما، ولكنه ما لبث حتى خطر له أنْ يحسن هيئة النولين ويصلحهما وانكب على ذلك، فنسي نفسه، ولم يشعر إلَّا والفقر قد فاجأه، فباع النولين لكي يفي دينهُ، ونحو ذلك الوقت اقترن بامرأة فصار عليه أنْ يعولها أيضًا، فباع بيته وأخذ يفتش عن عمل فلم يستخدمه أحد؛ لأن الجميع كانوا يعدُّونه كسلان، كثير الأهوام، فلبث يتضوَّر جوعًا إلى أنْ وجد عملًا عند صانع حبال، وبقيت امرأتهُ في ليون، وكانت تعول نفسها بعمل برانيط القش. ولا يُعرَف من أمره شيء إلَّا بعد مضي عدة سنين، أتمَّ في غضونها عمل نولٍ لنسج المنسوجات المنقوشة، ولم يمضِ على هذا النول عشر سنين حتى شاع كثيرًا، وصنع منه في ليون أربعة آلاف نول، ثم حدثت الثورة في فرنسا، فانقطع عن عمله، وتطوَّع للحرب بين المتطوعين الليونيين، ولما أُخذت مدينتهم هرب وانضم إلى جنود الرن، فارتقى إلى رتبة جاويش، وقُتل ابنه بجانبه في إحدى المعارك، فترك الجند ورجع إلى ليون، وافتقد امرأته فوجد أنها لم تزل تعمل برانيط القش، فأقام معها ولكنه لم ينفك عن التأمل في أمر الاختراع، حتى اضطرَّ أنْ يخرج من مخفاه، ويسعى في عمل يعيش به، فانضمَّ إلى صانع ماهر، وكان يعمل عنده في النهار، ويرجع إلى اختراعه في الليل زاعمًا أن نول المنسوجات المنقوشة يحتمل إصلاحات كثيرة.
وحدث يومًا أنه ذكر ذلك لمستأجره متأوهًا على ضيق ذات يده المانع له من إتمام مقاصده، فأصغى إليه مستأجرهُ ومدَّهُ بمال كافٍ؛ لكي يتمِّم اختراعه في ساعات العطلة، فلم تمضِ عليه ثلاثة أشهر حتى اخترع نولًا بديع الصنعة، وعرضه في معرض الصنائع، الذي صار في باريز سنة ????، ونال عليه نيشانًا، ثم زاره الوزير كرنو بنفسه، وهنَّأه بنجاحه في اختراعه هذا. وفي السنة التالية أعلنت لجنة الصنائع في لندن أنها تعطي جائزة لمن يخترع آلة لعمل الشباك، فأخذ جكار يتأمَّل في هذا الموضوع، ولم يمضِ عليه ثلاثة أسابيع حتى اخترع الآلة المطلوبة، فبلغ ذلك الإمبراطور نبوليون، فدعاهُ إلى باريز وقابلهُ بالترحاب والإكرام، كما يليق بمخترع عظيم، ودام الحديث بينهما ساعتين، فشرح جكار للإمبراطور كلَّ ما يتعلق بنول المنسوجات المنقوشة، وما يحتمله من الإصلاح، فأمر الإمبراطور أنْ يُعطَى مكانًا في خزانة الصنائع والأدوات، وأنْ يُقدَّم له كلَّ ما يحتاجهُ من الآلات، وأمر لهُ بمعاش كافٍ، فوجد جكار في تلك الخزانة آلات لا تُحصَى ولا تعدُّ، وجميعها تشهد لفضل صانعيها وحذاقتهم، وفي جملتها نول لنسج الحرير المشَّجر من عمل فوكنصن الشهير.
أمَّا فوكنصن هذا فهو من الطراز الأول بين المخترعين، بل هو مخترع مطبوع على الاختراع، روي أنه رأى في حداثته ساعة كبيرة تتحرك من نفسها، فأخذ يتأمَّل في سبب حركتها، ولم ينفك عن التأمل فيها حتى فهم سبب حركتها تمامًا، فعمل ساعة من خشب تدل على الساعات، وعمل أيضًا ملائكة تحرك أجنحتها، وكهنة يتممون بعض الفرائض الدينية، ثم أخذ في تعلُّم التشريح والموسيقى والميكانيكيات؛ لكي يتسهل عليه أمر اختراع الآلات، ورأى ذات يوم مغنيًا يغني بالفلوت في بساتين التويلري، فصنع شخصًا مثله يغني الغناء نفسه، ولكنه اضطرَّ أنْ يعمل فيه سنين عديدة، ثم صنع بطة تسبح وتشرب، وتبطبط كبطة حيَّة، وصنع صِلًّا لرواية كليوبترا يفحُّ ويشبُّ إلى صدر المشخصة، كأنه صِلٌّ حقيقي، ولكنهُ لم يقتصر على عمل آلات كهذه؛ لأن الكردينال ده فلري عينهُ رقيبًا على معامل الحرير في فرنسا، فما لبث أنْ تولج هذا المنصب حتى أخذ يدخل الإصلاحات الكثيرة في آلات الحرير، ومن الآلات التي اخترعها آلة لبرم الحرير، ولكنها هيَّجت عليه صنَّاع ليون، فرجموه بالحجارة ولولا قليل لأماتوه، غير أنه لم ينفك عن الاختراع، فاخترع آلة لنسج الحرير المشجر، وأوجد طريقة لجعل كلِّ الوشائع من قدر واحد، ثم تُوفِّي سنة ????، وأوصى قبل وفاته بكل آلاته للمملكة، غير أنَّ المملكة لم تعتبرها فذهبت أدراج الرياح.
أمَّا آلة نسج الحرير المشجر، فحُفِظت لحسن الحظ في خزانة الآلات والأدوات؛ لتكون مرشدًا لجكار في عمل نوله، ومن أهم أجزائها أُسطوانة ذات ثقوب، إذا أُدِيرت حركت إبرًا حركات معلومة بواسطة ثقوبها، وفرَّقت الأسدية على نوعٍ يجعل رسمًا معلومًا، فلما رأى جكار هذه الآلة طار فرحًا، وأخذ من ساعته في إصلاحها بهمة مخترع حقيقي، فأكمل إصلاحها في أقل من شهر، وزاد عليها قطعة من الكرتون، مثقوبة ثقوبًا كثيرة تدخل فيها الأسدية وآلة أخرى تري الحائك لون الوشيعة اللازم طرحها في النول، فاعتاض بذلك عن واحد يسحب الخيوط وآخر يقرأ الرسوم، وأهدى أوَّل قطعة نسجها للإمبراطورة جوزفين زوجة نبوليون بونابارت، فسُرَّ نبوليون لها سرورًا عظيمًا، وأمر أحذق الصنَّاع أنْ يصنعوا عددًا من الأنوال حسب مثال جكار وأهداه إياها، فأخذها ورجع إلى ليون، فصادف في ليون ما لا بُدَّ منه لكلِّ مخترع، فإن صناعها اعتبروا نوله عدوًّا قاصدًا أنْ يقطع رزقهم، فتجمعوا وعزموا أنْ يقتلوه ويلاشوا آلاته، فجرُّوه إلى النهر ليغرقوه، لكن التقادير ساعدته فنجا من أيديهم.
ولم يمضِ وقت طويل حتى عُرف فضل نولِه، وألحَّ عليه حاكة الحرير بإنكلترا أنْ يأتي ويسكن في بلادهم، ولكنه أبى ذلك حبًّا بوطنه، إلَّا أنَّ الحاكة الإنكليز استعملوا نوله واعتمدوا عليه، فرأى ذلك أهل ليون وعلموا أنَّ الإنكليز غالبوهم لا محالة، فأقبلوا على نول جكار برغبة شديدة، واستعملوهُ لكل المنسوجات تقريبًا، وثبت لهم أنَّ خوفهم من انحطاط أجور الصنَّاع كان في غير محله؛ لأن هذا النول زاد أعمال الصنَّاع عشرة أضعاف، وكان في ليون وحدها سنة ???? ستون ألف عامل بحسب تعديل مسيو ليون فوشه، ثم زاد عن ذلك كثيرًا.
وعاش جكار بعد ذلك بالهدوء والسكينة محبوبًا من الجميع، والعَمَلة الذين جرُّوهُ قبلًا ليغرقوه اجتهدوا لكي يحملوه يوم عيد ميلاده ويطوفوا به الطريق التي جرُّوه فيها قبلًا، فلم يجبهم إلى ذلك تواضعًا منه، ثم عرض عليه ديوان البلدية في ليون أنْ يتفرغ لإصلاح نوله لخير الوطن بالأجرة التي يختارها، فقبل بذلك وأدخل فيه كلَّ الإصلاحات اللازمة، ثم تنحَّى عن الأعمال وله من العمر ستون سنة، ورجع إلى أولينس ليقضي ما بقي له من العمر في مولد أبيه، فأتاه نيشان الشرف سنة ????، وتُوفِّي هناك سنة ????، وأُقِيم له نصب عظيم، إلَّا أنَّ أقاربه بقوا في الفقر الشديد، وبعد موته بعشرين سنة باعت ابنتا أخيه النيشان الذهبي الذي قلَّده به الملك لويس الثامن عشر. قال أحد الفرنسويين: هذا هو جزاء أهل ليون لمن كان سببًا لغناهم ومجدهم.
ويمكننا أنْ نذكر سير كثيرين من المخترعين، وما احتملوه من الأتعاب وعانوه من البلايا، مع أنهم لم يجتنوا شيئًا من ثمار أتعابهم، بل ذهبوا وتركوها لغيرهم، ولكنَّا نجتزي عن ذلك بذكر سيرة مخترع آخر حديث العهد، وهو يشوع هِلْمَن مخترع الممشطة.
ولد هلمن هذا في ملهوسي من الألزاس سنة ????، ودخل معمل قطن وهو في الخامسة عشرة وأقام فيه سنتين، وكان يشغل أوقات العطلة برسم الآلات، ثم انتقل إلى بيت عمه في باريز ودرس هناك الرياضيات، وحينئذ أنشأ بعض أقاربه معملًا لغزل القطن، فوضعوه في معمل الخواجات تسووراي في باريز ليتعلم هذا العمل ثم يرجع ويدير معمل أقاربه، فتعلم كلَّ ما يحتاج إليه من تركيب الآلات وما أشبه، ورجع إلى الألزاس مديرًا للمعمل، ولكن حدثت حوادث تجارية أخَّرت أقاربه، فاتصل المعمل إلى غيرهم، فخرج منه ورجع إلى بيته في ملهوسي، وكان يحاول اختراع آلة للتطريز تحرك عشرين إبرة في وقت واحد، ويقضي أكثر أوقات العطلة في عملها، فأتمها في ستة أشهر وعرضها في معرض سنة ????، فنال عليها نيشانًا ذهبيًّا ونيشان الشرف، ثم اخترع اختراعات أخرى كثيرة منها نول وآلة لقياس النسيج وطيه، وأدخل إصلاحات كثيرة في آلات كب الحرير والقطن، وغزلهما ونسجهما، ومن أعظم اختراعاته آلة تنسج طاقين من المخمل أو من كلِّ نسيج ذي خمل في وقت واحد، ثم تفصلهما بأداةٍ فيها كسكين حادٍّ، وأفضل اختراعاته كلها وأعظمها آلة التمشيط، وهاك تاريخ اختراعها:
خطر على باله قبل ذلك بسنين كثيرة استباط آلة لمشط القطن، وتنقية الألياف الطويلة من القصيرة قبل غزله، وكان العَمَلة يستعملون لذلك آلة غير متقنة كثيرة الخسارة، فعرض مجمع النسج في الألزاس جائزة خمسة آلاف فرنك لمن يخترع آلة للمشط أتقن من الآلة المستعملة، فتفرَّغ هلمن لهذا الاختراع لا طمعًا بالمال — لأنه كان قد تزوَّج بامرأة غنيَّة — بل حبًّا بشرف الاختراع؛ لأنه كان يقول: إنَّ طالب المال لا يمكنه أنْ يعمل أمورًا جليلة. وبعد أنْ تعب في هذا الاختراع سنين عديدة، نفد ما معهُ من المال ولم يحصل على نتيجة مرضية، فاعتمد على مساعدة أصدقائه الذين قدموا له المساعدة اللازمة لإتمام اختراعه، ثم ماتت امرأته متيقنة أنه على حافة الخراب، فأتى بعد موتها إلى إنكلترا، وأقام في منشستر، وعمل مثالًا لما اتصل إليه من الاختراع في هذه الآلة عند أحذق صناعها، لكنهُ لم يكن مرضيًّا فعاد إلى إصلاحه، وبعد تعب جزيل كاد ييأس من إصلاحه، ثم رجع إلى فرنسا؛ لكي يرى عائلته وعقله مشغول بهذا الاختراع، وإذ كان جالسًا ذات ليلة في بيته متأملًا في نصيب المخترعين وسوء حظهم، التفت إلى بناته فرآهنَّ يمشِّطن شعورهن، فخطر على باله حينئذٍ أنه لو صنع آلة تمشط الشعر الطويل، وترجع القصير إلى الخلف وهي راجعة لجاءت بالمطلوب، فصنع آلة تشبه الماشطة تمامًا، تمشط القطن وتفصل الألياف الطويلة عن القصيرة، وتجمع الطويلة وحدها والقصيرة وحدها، كأنها في عاقل دقيق الصناعة، هذه هي الآلة التي صار ينسج بواسطتها من ليبرة واحدة من القطن خيط طوله ??? ميلًا، حتى إنَّ ما ثمنه شلن واحد يُنسَج خرجًا ثمنه نحو أربع مائة ليرة إنكليزية.
وحالما انتشر اختراع هلمن عرف غُزَّال القطن في بلاد الإنكليز مقدار قيمته، فاجتمع أصحاب ستةِ معامل من معامل لنكشير، ودفعوا له ثلاثين ألف ليرا؛ لكي يجيز لهم استعمال هذه الآلة لمشط القطن، ودفع له غازلو الصوف نفس هذا المبلغ، ودفع لهُ الخواجات مرشل عشرين ألف ليرا؛ ليجيز لهم استعمالها في مشط الكتان، فاندفق عليه الغنى بغزارة، ولكنه لم يعش ليتمتع به، فوافته المنية بُعَيد ذلك، ثم لحق به ابنه الذي شاركه في الضرَّاء.

? أسباب المعايش إمارة وتجارة وصناعة وزراعة.
? نوع من الآلات البصريَّة.
الفصل الثالث
في الخزافين الثلاثة العظام وهم بالِسي وبُتْغَر ووَدْجود
قال يوحنا رسكن: الصبر أفضل ما في العزم، وما من لذة ولا قوة إلَّا والصبر أساس لها، والرجاء نفسه لا تطيب به النفس إذا صحبه الضجر، وقال الشاعر العربي:
لأستسهلن الصعب أو أدرك المنىفما انقادت الآمال إلَّا لصابرِ
***
في تاريخ صناعة الخزف أمثلة على الصبر والمواظبة من أشهر ما جاء في سير البشر، وقد انتخبنا من بينها ثلاثة، وهي: ترجمة برنارد بالسي الفرنساوي، وجوان فردريك بُتغَر الجرماني، ويوشيا وَدْجود الإنكليزي.
إنَّ عمل الآنية الفخارية البسيطة كان معروفًا ومشهورًا من قديم الزمان عند أكثر الشعوب القديمة، وأما عمل الآنية المدهونة بالمينا فأقلُّ قدمية واشتهارًا على أنه كان معروفًا عند قدماء الترسكانيين، الذين كانت تُباع مصنوعاتهم في عهد أوغسطس قيصر بثقلها ذهبًا، ولم يزل شيء منها محفوظًا في محلَّات التحف في أوروبا.
ومن الأمم التي اشتُهرت بهذه الصناعة عرب الأندلس، وكان لهم معامل في جزيرة ميورقا حينما استولى عليها أهل بيزا سنة ????، وقيل إنَّ البيزيين أخذوا من جملة الغنيمة بعضًا من الآنية المدهونة، ووضعوها في جدران كنائسهم القديمة في بيزا علامة لظفرهم، ولم تزل فيها إلى يومنا هذا، وبعد ذلك بنحو قرنين أخذ الإيطاليون يمثلون صناعة العرب، وسموا مصنوعاتهم ماجولكا نسبةً إلى محلِّ معامل العرب، ومحيي هذه الصناعة في إيطاليا هو لوقا دلَّا روبيا النقاش الفلورنسي، قال فزاري في وصفه: إنه رجل لا يملُّ من العمل يقضي النهار وإزميله في يده، ويحيي الليل في رسم ما يريد نقشه، وإذا خاف على رجليه من برد الليل القارس وضعهما في سلة ملآنة من النشارة. وما ذلك بعجيب؛ لأني أرى الناس الذين لا يتعوَّدون احتمال مشقة البرد والحر والجوع والعطش وما أشبه لا يمكنهم أنْ ينجحوا، والذين يظنون أنه يمكنهم أنْ ينجحوا ويشتهروا إذا كانت كلُّ أمورهم مسهلة يخدعون أنفسهم؛ لأن النجاح والشهرة لا يُنالان بالنوم والراحة، بل بالسهر والتعب، وما أحسن ما قالهُ أبو الطيب المتنبي:
تريدين إدراك المعالي رخيصةولا بُدَّ دون الشهد من إبر النحل
إلَّا أنَّ لوقا هذا لم يقدر أنْ يكسب من صناعة النقش ما يقوم بحاجاته مع كلِّ ما كان عليه من الاجتهاد، فخطر له أنْ يجد مادة أقل ثمنًا وأسهل مراسًا من الرخام لعمل الرسوم التي كان يعملها فأخذ يصطنعها من الطين، وكان همه الأكبر أنْ يشويها ويدهنها دهنًا ثابتًا لكي تقوم مقام الرخام، وبعد تعبٍ شديد وتجارب كثيرة اكتشف مادةً إذا دَهَن الطين بها وعرَّضه لحرارة شديدة جدًّا ذابت، وصارت دهانًا ثابتًا، ثم اكتشف طريقة لتلوين هذا الدهان بألوان مختلفة وبذلك ازداد جماله جمالًا، فامتد صِيته في كلِّ جهات أوروبا، وانتشرت مصنوعاته في أقطار فرنسا وإسبانيا وغيرهما، وكانت تُباع بأثمان فاحشة، ولم يكن يُصنع في ذلك العصر في فرنسا إلَّا جرار وقدور بسيطة خالية من الدهان، ودام الحال على هذا المنوال إلى أنْ ظهر فريد عصرِه ونابغة دهره الشهير بالسي، الذي حارب الصعوبات بعزم وهمة تستفز كلَّ مُطَّلِع على حياته إلى العجب والانذهال، كيف لا وهو رجل:
هيهات أنْ يأتي الزمان بمثلهإنَّ الزمان بمثله لبخيلُ
وسنورد هنا طرفًا من ترجمة هذا الرجل، وما احتمله من المتاعب وكابدهُ من المشقات إلى أنْ نال الغاية التي شمَّر لها الذيل.
وُلد برنارد بالسي في جنوبي فرنسا، نحو السنة العاشرة بعد الخمس مائة والألف للميلاد، من أبوين فقيرين جدًّا، لم يمكنهما أنْ يعلماه في مدرسة، ويشهد بذلك ما قاله بعدئذٍ وهو: «ليس لي كتب سوى كتابي السماء والأرض، اللذين يشترك فيهما الجميع.» وكانت صناعة أبيه عمل الزجاج على ما يُظَن، فتعلمها منه وزاد عليها علم تلوين الزجاج وعلم الرسم والقراءة والكتابة. ولما بلغ الثامنة عشرة كسدت صناعة الزجاج، فاضطرَّ أنْ يترك بيت أبيه ويحمل وطابه، ويسعى في طلب رزقه من مكان آخر، فسار نحو غسكوني، وكان يعمل في صناعته حيثما وجد عملًا، وأحيانًا كان يعمل في مساحة الأراضي، وجال مدة طويلة في فرنسا وهولندا وجرمانيا، ودام على ذلك نحو عشر سنين، ثم رجع إلى وطنه وتزوج واستقر في مدينة سنتس، وأخذ يعمل في تلوين الزجاج ومساحة الأراضي، ولم يمضِ عليه وقت طويل حتى عال وزادت نفقاته، فأخذ يُعمِل فكرته في إيجاد وسيلة لتكثير دخله، فلم يجد أفضل من دهان الخزف وتلوينه إذا استطاع إليه سبيلًا، وكان يجهل هذه الصناعة كلَّ الجهل حتى إنه لم يكن يعرف كيفية جبل الطين؛ فلذلك اقتضى له أنْ يتعلم كلَّ شيء بلا معلم، ولكن علوَّ همته وشدة أمله هوَّنا عليه كلَّ أمر عسير.
روى بعضهم أنَّ بالسي رأى ذات يوم كأسًا إيطالية بديعة (ولعلها من عمل لوقا المتقدم ذكره)، فأعجبه منظرها ورغب في تمثيلها رغبة شديدة. ولا يبعد أنَّ ألوفًا من البشر قد رأوا تلك الكأس فلم تؤثر فيهم كما أثرت فيه، وما ذلك إلَّا لأنه كان مهتمًا حينئذ بإبدال صناعته بصناعة أخرى، حتى إنه لو كان عزبًا لترك وطنه وذهب إلى إيطاليا، وتعلَّم سرَّ صناعتها، ولكنه كان مقيَّدًا بزوجة وأولاد. فاستحضر جميع العقاقير التي ظنَّ أنها تسيل على الخزف فتدهنه كدهان الكأس التي رآها، واشترى آنية خزف وكسَّرها كسرًا صغيرة، ورشَّ عليها من تلك العقاقير، وبنى لها أتونًا وشواها فيه مدةً من الزمان، فلم يذب الدهان عليها، بل كانت النتيجة تكسير الآنية وإضاعة الحطب والعقاقير والوقت والتعب، ومن المعلوم أنَّ النساء اللواتي لا يهمهنَّ إلَّا تحصيل الدراهم لاشتراء القوت والكسوة لأولادهنَّ، لا يعبأنَ بالامتحانات العلميَّة، وكانت امرأة بالسي كذلك، فلم تسلِّم له باشتراء آنية أخرى زاعمة أنها إنما تُشتَري لتُكسَّر، فقام بينهما النزاع، ولكن لما رأته منشغفًا في التفتيش عن هذه الصناعة التي أخذت منه كل مأخذ تركته إلى هواه، فبنى أتونًا آخر، وأتلف فيه مقدارًا وافرًا من الوقود والعقاقير والآنية، وبعد تجارب كثيرة يطول شرحها دهمه الفقر الشديد، ومما قاله بصدد ذلك: إنني انعكفت عدة سنين على التفتيش عن المينا بحزن وتنهُّد. وكان عندما تسمح له الفرصة يعود إلى حرفته الأولى؛ أي تلوين الزجاج ورسم الصور ومساحة الأراضي، غير أنَّ ما يربحه منها كان يسيرًا جدًّا، وأخيرًا لم يعد يستطيع الامتحان في أتونه؛ بسبب غلاء الوقود فاشترى مقدارًا وافرًا من الآنية المكسَّرة، وكسَّرها نحو أربع مائة شقفة، ودهنها بمواد كيماوية مختلفة، ومضى بها إلى معمل خزف يبعد عن سنتس نحو غلوة ونصف وشواها فيه، ولما تمَّ الشواء وجدها كما كانت، فصمَّم من ساعته على إعادة التجارب من جديد.
قلنا قبلًا إنه كان خبيرًا بفن المساحة، ففي ذلك الوقت صدر أمر الدولة بمسح الممالح التي في جوار سنتس فعينته لذلك، فكسب ما مكنه من مراجعة امتحاناته، فاشترى نحو ثلاثين إناءً وكسَّرها شقفًا صغارًا، ودهنها بمواد مختلفة، وشواها في أتون زجاج بالقرب من سنتس، فذاب بعض هذه المواد من حرارة الأتون، وانفتح أمامه باب الأمل، إلَّا أنَّ الدهان الأبيض كان لم يزل محجوبًا عنه، فلبث سنتين أُخريين يمتحن ويجرِّب على غير فائدة، إلى أنْ نفد كلُّ ما كسبه من مساحة الممالح، فعزم على أنْ يمتحن الامتحان الأخير، فكسر مقدارًا وافرًا من الآنية نحو ثلاث مائة شقفة، ودهنها بالمواد المختلفة، وشواها في أتون الزجاج، ولما فتح الأتون وجد الدهان ذائبًا على واحدة منها فقط، وكان لما بردت أبيض صقيلًا لامعًا جميلًا، فحملها وهرول إلى بيته، وهو يكاد يطير فرحًا وأراها لزوجته، ولكن لم يكن ذلك الدهانُ الدهانَ الحقيقي، بل واسطة لإثارة رغبته وتحميله مشقات يعجز القلم عن وصفها؛ لأنه لما رأى نجاحه هذه المرة بنى لنفسه أتون زجاج بجانب بيته؛ لكي يجري امتحاناته سرًّا، وقضى على عمله نحو ثمانية أشهر؛ لأنه كان يعمل فيه وحده ولم يستخدم إنسانًا ولا بهيمة، ولما أتمه عمل آنية خزف بيده، وشواها ودهنها بالمركَّبات التي ظن أنها تأتي بالمطلوب، ووضعها في الأتون، وأضرم النار النهار بطوله، ولم يذب شيء من الدهان، فأحيا الليل كله وهو يوقد، ولكن على غير نتيجة، فأتته زوجته في الصباح بشيء من الطعام؛ لأنه لم يمكنه أنْ يفارق الأتون، ثم مرَّ اليوم الثاني ولم يذب شيء من الدهان، وخيَّم الظلام، ومضى الليل، وأشرقت الشمس، ولم يذب منه شيء، ومرَّ اليوم الثالث والرابع والخامس والسادس مع لياليها، ولكن على غير نتيجة.
فمن يقدر أنْ يصف مقدار التعب الذي كابده هذا الإنسان في تلك الأيام الطويلة، فقال في نفسه لا بُدَّ من نقصٍ في هذه المركبات التي دهنت الخزف بها، فأخذ يركب غيرها؛ لكي يمتحن امتحانًا آخر، فمضى عليه ثلاثة أسابيع وهو يسحق ويمزج ويركب، وبقي عليه أنْ يجلب آنية أخرى؛ لأن الآنية الأولى التي عملها بيده تلفت من تواصل النار عليها، وقد نفد كلُّ ما معه من النقود، فاستعار من صاحب له مبلغًا من المال، واشترى به آنية ووقودًا، ودهن الآنية بالمركَّبات الجديدة، ورتبها في الأتون وأضرم النار، فنفد الوقود الذي اشتراه ولم يذب الدهان، فنزع سياج جنينته وأوقده، ولكن على غير فائدة، فلم يبق أمامه شيء يقبل الاشتعال إلَّا أثاث بيته، فنزع الرفوف وكسرها هي والموائد والكراسي وأطعمها النار، فصرخت امرأته بالويل والحَرَب، ونادت الجارات قائلة هَلْمُمْنَ لمعونتي على هذا المجنون. وهاك كلام بالسي نفسه وهو مأخوذ من الصفحة ??? من الكتاب المدعو «أعمال بالسي في صناعة الخزف»، المطبوع في باريز سنة ????، قال:
وإذ أعوزني الوقيد التزمت أنْ أحرق سياج جنينتي، ثم موائد بيتي، وكنت في ضيقة لا أستطيع وصفها من شدة ما اعتراني من التعب وحرارة الأتون، ومضى عليَّ شهر لم يجف قميصي فيه، وعوضًا عن أن أُعزَّى كنت أعيَّر، حتى إنَّ الذين كان يجب عليهم أنْ يساعدوني كانوا يجولون في المدينة، ويقولون إنه أحرق أثاث بيته، فثلموا صيتي وحمَّقوني في عيون القوم، وقد اتهمني البعض بسك النقود الزائفة فآلمني ذلك كثيرًا، حتى كنت إذا مشيت في الشوارع أمشي مطرق الرأس كمن ارتكب نقيصة … ولم يُعنِّي أحد من الذين حولي بل استهزءوا بي، قائلين: لا بأس إذا مات جوعًا فإنه أهمل صناعته. وكنت أسمع هذه الأقوال وأنا مارٌّ في الشوارع.
ومع كلِّ ذلك لم ينثنِ عن عزمه، بل دام على هذه الحال عدة أشهر إلى أنْ أخذ التعب والأرَق منه كلَّ مأخذ، وكاد يهلك جوعًا. وحينئذٍ ذاب الدهان، فأخرج الآنية سنجابية اللون، وتركها حتى بردت فإذا بها مكسوَّة قشرة زجاجية بيضاء، فصدق فيه المثل القائل: «من تأنَّى نال ما تمنَّى.»
فاستأجر حينئذٍ فخاريًّا؛ ليصنع له آنية خزفية بحسب إرشاده، وصنع بيده صُوَرًا من الخزف قاصدًا أنْ يدهنها بالدهان الذي اكتشفه، فبقي عليه أنْ يجد من يعوله هو وعائلته ريثما تكمل الآنية وتباع، ولحسن الاتفاق بقي له في سنتس صديق واحد يعتقد باستقامته، ولو لم يعتقد بسداد رأيه، وهو صاحب فندق، فاتفق معه على أنْ يعوله ستة أشهر. وأمَّا الفخاري الذي استأجره فأعطاه قسمًا من ثيابه بدلًا عن أجرته، فعرَّى جسده من الثياب، كما عرَّى بيته من الأثاث.
ثم بنى أتونًا على شكل منتظم، ولسوء حظَّه بطَّن قسمًا منه بحجارة صوانية، فحالما أضرم النار فيه تشظَّى الصوان وطارت شظاياه إلى الآنية، وحينما تمَّ شيُّها وأُخرجت من الأتون، كان الدهان ذائبًا عليها حسب بغيته، إلَّا أنه كان مخمشًا ومشققًا مما لحقه من الصوان، فخسر تعب ستة أشهر، لكنَّ الناس أقبلوا عليه راغبين في ابتياعها فلم يبعهم إياها؛ زاعمًا أنَّ ذلك يثلِم صيته.
ومما قاله في وصف حالته حينئذٍ الكلام الآتي: «إني مع كل ما ألمَّ بي لم يزل رجائي قويًّا وأملي وطيدًا، أبشُّ في وجوه الناس إذا زاروني، وأطايبهم في الكلام وقلبي ملآن كآبة وغمًّا، وأصعب ما قاسيت تهكم أهل بيتي عليَّ وازدراؤهم بي، وكانت أُتني مكشوفة سنوات عديدة، وأنا واقف أمامها تحت رحمة العواصف والأمطار بلا معين ولا مسلٍّ، سوى مواء القطاط وهرير الكلاب، حتى إذا ثارت الزوابع ولم أعد أطيق القيام أمامها، هرولت إلى بيتي مبللًا بالأمطار، ملطخًا بالأوحال، مترنحًا من النعاس ترنح السكران، فلا أرى فيه غير الملامة والتعيير، وإني حتى الساعة لأعجب من بقائي حيًّا مع كلِّ ما قاسيت.»
ويقال إنه أصيب حينئذٍ بمالنخوليا شديدة، فهام على وجهه في القفار القريبة من سنتس بثياب أخلاق كأنه هيكل من عظام، وما زال أهله وجيرانه يعيِّرونه ويستهزئون به، حتى رجع إلى صناعته الأولى ولازمها بجدٍّ نحو سنة من الزمان، فأصلح شأنه وسكَّت عن ألسنة الناس، ثم عاد إلى دهن الخزف، ولم يزل يجرب فيه ويمتحن، حتى أتقنه غاية الإتقان في مدة ثماني سنوات، بعد أنْ أضاع في اكتشافه عشر سنوات، وبرع فيه بكثرة المزاولة والاختبار، جامعًا ثمار المعرفة من فيافي الفشل، فتعلَّم في مدرسة الاختبار ماهية الدهان والأتربة المناسبة، وكيفية بناء الأُتُن، وبعد أنْ مضى عليه ست عشرة سنة يتعلم في مدرسة الاختبار اجترأ أنْ يدعو نفسه خزافًا، وصار يبيع مصنوعاته بقيمتها، ويعول عائلته بالسعة، ولكنه لم يكتف بما وجده، ولم يفتُر عن بذل الهمة في تحسين هذه الصناعة وإيصالها إلى أسمى درجاتها، فدرس الكائنات الطبيعيَّة؛ لكي يرسم أشكالها على مصنوعاته، وقد شهد له بيفون الشهير أنه كان من البارعين في علم التاريخ الطبيعي، ومصنوعاته تُعَدُّ الآن من الجواهر النادرة، وتباع بأثمان تكاد تفوق التصديق، فإنه بيع في لندن منذ بضع سنين صحفة من عمله، قطرها اثنتا عشرة عقدة بمائة واثنتين وستين ليرة إنكليزية، وجميع النقوش التي على مصنوعاته منقولة عن صور الحيوانات والنباتات التي في جوار سنتس، وهي في غاية من الإتقان في الرسم والوضع.
ولم تنته مصائب بالسي هنا؛ لأنه كان من طائفة البروتستانت التي ثار عليها الاضطهاد في جنوبي فرنسا في ذلك الحين، وكان جسورًا لا يجزع من بث آرائه، فقام عليه خصومه وطرحوه في سجن بُردو، ودخل أهل الفتنة معمله وكسَّروا كلَّ ما فيه من الآنية، ثم قُضي عليه بالحرق، لكن توسَّط أمره الكنستابل منمورنسي لا إكرامًا له ولا لمذهبه بل لأنه لم يكن حينئذٍ صانع ماهر مثله لعمل بلاط قصره الفاخر الذي كان آخذًا في إقامته في أكون، فأخرج له أمرًا ملكيًّا يعيِّنه مخترعًا له وللملك، فأُنْقِذ من محكمة بردو ورجع إلى سنتس، ولكنه رأى بيته ومعامله مفتوحة منهوبة، ومصنوعاته مكسرة، فنفض غبار سنتس عن رجليه، وانتقل إلى باريز وأقام في التويلري، وكان يعمل للكنستابل ولأم الملك.?
وألف بالسي في أواخر حياته كتبًا كثيرة في صناعة الخزف؛ لكي يعلِّم أبناء وطنه هذه الصناعة، ويرشدهم إلى تجنُّب الأغلاط التي وقع هو فيها، وألف أيضًا في الزراعة وبناء الحصون والتاريخ الطبيعي، وقدَّم خطبًا في هذا العلم الأخير، وكتب ضد التنجيم والكيميا (بمعناها القديم)، والسحر وما أشبه ذلك من الخزعبلات، فأهاج عليه خصومًا كثيرين فاتهموه بالهرطقة، وأودعوه السجن وهو في الثامنة والسبعين، وهددوه بالموت إذا لم يرتد عن مذهبه، لكنه كان متمسكًا به كتمسكه بالتفتيش عن دهان الخزف، فأتى الملك هنري الثالث إلى سجنه، وطلب منه أنْ يرتد عن مذهبه بقوله: أيها الرجل الصالح، إنك خدمت أمي وخدمتني خمسًا وأربعين سنة، وقد حميناك في وسط النيران والمذابح، والآن قد ألزمني الشعب وحزب كيز أنْ أتركك في قبضة أعدائك، وغدًا تُحرَق ما لم ترتد عن مذهبك. فأجابه: أيها المولى، أنا مستعد أنْ أسلم حياتي لأجل مجد الله، ولقد قلتَ لي مرارًا كثيرة إنك تشفق عليَّ، وأنا أقول لك الآن إني أشفق عليك أنت الذي قلتَ قد ألزمني الشعب، فإن كلامك هذا ليس كلام ملك، أما أنا فلا أنت ولا شعبك ولا أحد يقدر أنْ يثني عزمي، وإني أعلم كيف أموت. وحسبما قال مات، مات شهيدًا ولكن ليس حرقًا، بل في السجن بعد أنْ حُبس فيه نحو سنة، وهكذا انقضت حياة هذا الرجل الذي لا يضارعه أحد في الهمة والإقدام والاستقامة.
الرجل الثاني جون فردريك بُتغر مكتشف صناعة الخزَف الصيني الصلب، وُلد هذا الرجل في شليتز سنة ????، ولما بلغ الثانية عشرة وُضع عند صيدلاني في برلين، فأظهر من صغره رغبة شديدة في الكيمياء، فكان يقضي أكثر أوقات العطلة في الامتحانات الكيمياوية، وجل مقصده اكتشاف الإكسير الذي يُزعَم أنه يحيل كل المعادن إلى ذهب، وبعد مضي بضع سنين ادَّعى أنه اكتشف هذا الإكسير واصطنع به ذهبًا، ويقال إنه امتحن ذلك أمام معلمه الصيدلاني وعدد من الشهود، واحتال عليهم حتى أقنعهم جميعهم أنه صيَّر النحاس ذهبًا.
وانتشر خبره في الآفاق، وتقاطر إليه الناس من كلِّ فجٍّ عميق، ملقبين إياه «بطابخ الذهب»، حتى إنَّ الملك نفسه رغب في رؤيته والتكلم معه، وعُرِضت قطعة من الذهب التي زعم أنه حوَّلها من النحاس على فردريك الأول، فحدثته نفسه باصطناع ما لا يحصى منها ولا سيما؛ لأن خزينة بروسيا كانت محتاجة إلى النقود حينئذٍ، فعزم على وضع بتغر في حصن سبندو؛ ليعمل له الذهب فيه، ولما بلغ بتغر ذلك خاف من الفضيحة، وهرب إلى سكصونيا، فعيَّن الملك ألف ريال لمن يأتي به، ولكن مسعاه خاب؛ لأن بتغر دخل سكصونيا وطلب حماية منتخبها فردريك أوغسطس الأول، الملقب بالقوي ففرح به جدًّا؛ لأنه كان محتاجًا إلى النقود احتياجًا شديدًا، وأرسله سرًّا إلى درسدن مصحوبًا بحرس ملكي، وعندما خرج من وتنبرج جاءت فرقة من الأبطال البروسيانيين وطلبت أنْ يُسلَّم صانع الذهب ليدها، فأُوصل إلى درسدن وأُنزل في البيت الذهبي، وعُومل بكلِّ نوع من الإكرام إلَّا أنه كان عليه حرس شديد.
ونحو ذلك الوقت اضطرَّ المنتخب أنْ يذهب إلى بولونيا، فكتب إلى بُتغَر يطلب منه أنْ يفشي له سرَّ عمل الذهب، فبعث إليه بتغر بخنجر ملآن من سائل يضرب إلى الحمرة زاعمًا أنه يصير كلَّ المعادن ذهبًا إذا كانت ذائبة، فأخذ البرنس فرست فن فرستنبرغ هذا الخنجر ومعه كتيبة من الحرس، وأتى به إلى ورسو، فعزم المنتخب أنْ يجرب ذلك على الفور، ودخل هو والبرنس إلى غرفة سرية وائتزرا بمئزرين من الجلد، وأخذا في صهر النحاس، فلما ذاب سكبا عليه من سائل بتغر فلم يتغير، وكان بتغر قد سبق، فقال: إنَّ ذلك لا يتم إلَّا بنقاوة القلب. أمَّا المنتخب فكان قد قضى ليله مع أناس أشرار، فنسب عدم نجاحهما إلى ذلك، فاعترف ونال الحلة، ثم عاود الامتحان في اليوم الثاني فلم ينجحا، فغضب غضبًا شديدًا، وعزم أنْ يجبر بتغر على إفشاء هذا السر له ظنًّا منه أنَّ ذلك هو السبيل الوحيد لتخلصه من الإفلاس، ولما بلغ بتغر قصد المنتخب عزم على الفرار فتغفَّل الحراس وفرَّ هاربًا، وبعد مسير ثلاثة أيام وصل إلى أنس في النمسا؛ حيث ظن نفسه آمنًا، فتأثَّره رجال المنتخب، وقبضوا عليه وهو نائم، ورجعوا به إلى درسدن رغمًا عن مقاومته واستغاثته بالنمسا، ومن ثمَّ أُقِيم عليه حرس شديد.
ثم نُقل إلى حصن كونجستين المنيع، وقيل له إنَّ الخزينة فارغة من النقود، وإنَّ عشر كتائب من البولونيين لم يُدفَع لها شيء من رواتبها وهي بانتظار ذهبه، ثم زاره المنتخب بنفسه، وتكلم معه بشأن الذهب، وهدده بالقتل إنْ لم يعمل له ذهبًا.
ولكن مرت السنون، ولم يعمل ذهبًا ولم يُقتَل، بل حُفِظَت حياته لكي يكتشف شيئًا أنفع من تحويل النحاس إلى ذهب، وهو تحويل التراب إلى خزف صيني، فإن البرتوغاليين كانوا قد جلبوا آنية صينية من بلاد الصين، وكانت تُباع في أوروبا بأكثر مما يعادل ثقلها ذهبًا، وقد وجَّه أفكار بتغر إلى هذا العمل العظيم كيماوي شهير يُسمَّى ولترفون تشرنهس، وكان هذا الرجل معتبرًا جدًّا في عيني البرنس فرستنبرغ وفي عيني المنتخب، فقال ذات يوم لبتغر: إذا لم تقدر أنْ تصنع الذهب فاصنع شيئًا آخر. اصنع خزفًا صينيًّا. فكان لكلامه وقعٌ عند بتغر، فأخذ من تلك الساعة يجرب ويمتحن عساه أنْ يجد المواد التي يصنع منها الخزف الصيني، ودام على ذلك زمانًا طويلًا على غير نتيجة، وأخيرًا أتاه رجل بقليل من الطين الأحمر ليعمل منه بواتق، فوجد أنه إذا عُرِّض لدرجة عالية من الحرارة تحوَّل إلى مادة شبيهة بالزجاج، وصار كالخزف الصيني إلَّا في اللون والشفافية.
وهذا هو الخزف الصيني الأحمر وقد اكتشفه اتفاقًا، ومن ثمَّ أخذ يصطنعه بكثرة، ويبيعه كالخزف الصيني، إلَّا أنه كان يعلم أنَّ اللون الأبيض ضروري له، ولذلك لم ينفك عن الامتحان أملًا بالعثور عليه، فمضى سنون كثيرة ولم يبلغ مراده، وأخيرًا أعانته الصدفة فاكتشف الصيني الأبيض، وذلك أنه كان يلبس لمَّة من الشعور العارية حسب عادة تلك الأيام، فوجد ذات يوم أنَّ لمته أثقل من المعتاد، فسأل خادمه عن السبب، فأجابه: إنَّ ذلك من ثقل المسحوق الموضوع بين الشعر. وكان هذا المسحوق نوعًا من التراب، فخطر على باله حينئذٍ أنه ربما كان نفس التراب الذي يُصنَع منه الصيني، وهكذا كان لأن هذا التراب كان محتويًا على الكاولين، الذي هو جزء جوهري من الخزف الصيني، وكانت النتيجة من هذا الاكتشاف أنفع من اكتشاف الإكسير بما لا يُقدَّر.
وفي تشرين الأول (أكتوبر) من سنة ????، أهدى للمنتخب أول قطعة من الخزف الصيني، فسرَّ بها المنتخب سرورًا جزيلًا، وأمر أنْ يُقدَّم له كل ما يلزمه لإتقان اختراعه هذا، فاستخدم خزَّافًا ماهرًا وشرع في عمل الخزف الصيني، وحينئذٍ أهمل الكيمياء، واستعاض عنها بصناعة الخزف، وكتب على باب معمله البيت الآتي:
قد عاضني اللهُ العظيمُ الجبَّارمن صنعة النضار صُنْعَ الفخَّار
إلَّا أنه كان لم يزل تحت الحفظ الشديد مخافة أنْ يفشي سره لآخر أو يفرَّ من قبضة المنتخب، وكانت معامله وأُتنه محروسة بالجنود ليلًا ونهارًا، وعُيِّن لحفظه ستة من القواد كانوا مطالبين به.
ولما رأى المنتخب نجاح بتغر ورواج مصنوعاته، عزم على إقامة معمل ملكي مؤملًا أنْ يغتني بذلك، كما اغتنت هولندا من معامل الخزف المدهون (القيشاني)، فأصدر أمرًا ملكيًّا في الثالث والعشرين من شباط (فبريه) سنة ????، بشأن إقامة معمل كبير للصيني في البرختسبرغ، وتُرجم هذا الأمر إلى اللاتينية والفرنسوية والدنيمركية، ووزعه سفراء المنتخب في كل قصبات أوروبا، وفيه يقول: إنَّ المنتخب فردريك أوغسطوس قد نظر إلى خير سكصونيا التي ألمَّ بها أضرار كثيرة من الغزوة الأسوجيَّة، ووجَّه التفاته إلى الكنوز التي تحت الأرض، وأقام رجالًا ماهرين للبحث فيها، فاصطنعوا له نوعًا من الآنية الحمراء أفضل كثيرًا من الخزف الهندي،? وصحافًا ملونة قابلة للقطع والصقل، وليست دون الآنية الهندية، وصنعوا له قليلًا من الخزف الأبيض، وله أمل أنهم سيصنعون منه شيئًا كثيرًا. وختم هذا المنشور بدعوة الصنَّاع الأجانب؛ ليأتوا إلى سكصونيا وينتظموا في سلك العملة، واعدًا إياهم بأجرة كبيرة وبحماية الملك. ويظهر من هذا المنشور أنَّ اختراع بتغر كان له قيمة عظيمة في عيني المنتخب وعيون شعبه.
قال المؤلفون الجرمانيون: إنَّ المنتخب رفع منزلة بتغر كثيرًا؛ لأجل خدمته لوطنه، وجعله مديرًا لكل معامله الصينية، ولقَّبه بلقب بارون. ولا ريب أنه يستحق هذا الاعتبار إلَّا أنَّ المعاملة البربرية التي عامله بها كانت تناقض ذلك كلَّ المناقضة؛ لأنه وضع في المعمل مديرين، وجعل بتغر رقيبًا على الخزَّافين لا غير وحسبه أسيرًا له، فكان محاطًا بالجنود في دخوله وخروجه، بل كان يُقفَل عليه في غرفة حصينة حينما ينام، فاغتاظ كثيرًا من هذه المعاملة، وكان يكتب إلى الملك ويتضرَّع إليه أنْ يرفق به بكلام يلين له الجماد. قال في إحدى رسائله:
إنني أوقف نفسي لصناعة الخزف، وسأفعل أكثر مما فعل أيُّ مخترع كان ممَّن تقدَّمني، ولا أطلب منك إلَّا الحرية، فأدار إليه الملك أذنًا صماء، بل كان يريد أنْ يعطيه كلَّ الأموال التي يقترحها عليه، والألقاب التي يطلبها منه، أمَّا الحرية فبخل عليه بها؛ لأنه اعتبره عبدًا لا يُعتَق.
ودام بتغر على ذلك مدة طويلة إلى أنْ سئم الحياة، فانكب على المسكر واقتدى به أكثر العَمَلة، فقامت بينهم الخصومات والمنازعات، حتى ألزم الأمر أنْ تأتي الجنود مرارًا كثيرة وتفصل بينهم، ولما لم يرتدعوا سُجِنوا كلهم في البرختسبرغ، وعُومِلوا معاملة الأسرى، وفي غضون ذلك مرض بتغر مرضًا شديدًا وأشرف على الموت، فأشفق الملك أنْ يفقد هذا العبد النافع، فأذن له أنْ يتنزه في مركبة، ومعه عدد من الجنود لحراسته فتعافى قليلًا، ثم أذن له أنْ يذهب أحيانًا إلى درسدن، ووعده بالحرية التامة في كتابٍ كتبه له في نيسان (أبريل) سنة ????، ولكن هذا الوعد أتى بعد وقته؛ لأن بتغر عاش بعد ذلك سنين قليلة في الذل والهوان عقلًا وجسدًا من تأثير السكر والمرض والحبس، وفي الثالث عشر من آذار (مارس) سنة ???? وافته المنية فحرَّرتهُ من سجنه، وله من العمر خمس وثلاثون سنة، فدُفِن ليلًا في مقبرة جونيس في ميسن كأنه كلب. هذه هي سيرة أعظم مسببي غنى سكصونيا، وهذه هي المعاملة التي عُومل بها والنهاية التي وصل إليها.
أمَّا معامل الخزف الصيني فكانت سببًا لاتساع ثروة سكصونيا ومنتخبها، فاقتدى به أكثر ملوك أوروبا، وكان الصيني غير الصلب يُعمَل في سنت كلود قبل اكتشاف بتغر بأربع عشرة سنة، إلَّا أنَّ الصيني الصلب الذي اكتشفه بتغر أفضل منه كثيرًا، فأنُشِئت له معامل في سفر سنة ????، وهو الآن من أعظم ينابيع ثروة فرنسا؛ لأنه أفضل من كلِّ ما يُصنَع في بقية الممالك.
الرجل الثالث يوشيا ودجود، الخزَّاف الإنكليزي، الذي لم تصبه مصائب شديدة بمقدار ما أصاب بالسي وبتغر، ولكنه نجح أكثر منهما ولا سيما لأن الزمان الذي نشأ فيه كان موافقًا لنجاحه كما سترى.
بقيت البلاد الإنكليزية حتى أواسط القرن الماضي دون أكثر البلدان الأوروبية صناعة، وكان في ستفوردشير كثيرون من الخزَّافين، ومن جملتهم عائلة ودجود هذا، إلَّا أنَّ مصنوعاتهم كانت بسيطة إلى الغاية، فكانت البلاد تجلب خزفها المتقن من دلفت ومن كولون، ثم أتاها خزَّافان من نورمبرج، وبعد أنْ أقاما مدةً في ستفوردشير انتقلا إلى شلسي واقتصرا على عمل الآنية المزخرفة، ولم يكن يُصنَع في كلِّ إنكلترا شيء من الخزف الصيني، وأمَّا الآنية البيضاء التي كانت تُعمَل في ستفوردشير فلم تكن بيضاء تمامًا، بل ذات لون ترابي يضرب إلى الصفرة. فهذه كانت حالة صناعة الخزف في إنكلترا لما ولد يوشيا ودجود، وذلك سنة ???? إلَّا أنه لم يمُت حتى غيَّرها تغييرًا تامًّا مع أنه لم يعش أكثر من أربع وستين سنة، وباجتهاده ومهارته قامت هذه الصناعة على أسس وطيدة، أو كما قيل في رثائه: إنه حول عمل الخزف من حرفة خشنة غير معتبرة إلى صناعة بديعة، ذات قدر وطائل في تجارة البلاد.
وهذا الرجل من جملة الرجال الذين ينبغون حينًا بعد حين من بين عامة الشعب، ويعلمونهم الاجتهاد بالفعل لا بالقول، ولا يقتصرون على ذلك، بل يؤثرون في هيئة المملكة كلها بقدوتهم في الاجتهاد والثبات، وهم دعائم المملكة وأركان عزها. كان لأبيه ثلاثة عشر ولدًا وهو أصغرهم، وكان أبوه خزَّافًا وكذلك جدُّه وأخو جده. ومات أبوه وترك له ميراثًا يساوي عشرين ليرة فقط وهو في الحادية عشرة من عمره، وكان يتعلم القراءة في مدرسة صغيرة، فأُخذ منها ووضع عند أخيه الأكبر ليعمل معه في صناعة الفخَّار، وبعد مدة قصيرة أصيب بالجدري، ونشأ عن الجدري مرض في ركبته اليمنى كان يخطر عليه مرارًا كثيرًا، حتى اضطرَّ إلى استئصالها. قال كلادستون في ترجمة ودجود التي تلاها في برسلم:
لا يبعد أنَّ مرض رجله كان سببًا لشهرته؛ لأنه منعه عن استعمال كلِّ أعضائه، وبالنتيجة عن أنْ يكون عاملًا نشيطًا كغيره من العمَّال الإنكليز، فاضطرَّ أنْ ينصبَّ على أمر آخر، فأعمل فكرته في سر صناعته، فبلغ ما لو بلغه خزاف آثيني لحسدته عليه المسكونة.
ولما تعلَّم ودجود هذه الصناعة من أخيه اشترك مع إنسان آخر وأخذا يصنعان نُصُبًا للسكاكين وصناديق وغيرها من الأدوات، ثم تركه واشترك مع إنسان آخر يصنع قناديل وعلبًا للسعوط وما أشبه، ولكنه لم ينجح كثيرًا، وسنة ???? فتح معملًا خاصًّا به في برسلم، وأخذ يعمل في صناعة الخزف بنشاط، وكان جلُّ مقصده أنْ يصنع آنية أفضل من الآنية المصنوعة في ستفوردشير؛ هيئة ولونًا ودهانًا ومتانة، ولذلك أكبَّ على درس الكيمياء في أوقات العطلة، وامتحن امتحانات كثيرة في الدهان والمذوبات وأنواع الأتربة، وكان له حذاقة شديدة ونظر دقيق، فلاحظ أنَّ نوعًا من التراب الأسود المحتوي على السلكا يبيضُّ بالتكليس في الأتون، وبعد أنْ لاحظ هذا الأمر ودقَّق فيه النظر، استنتج أنه إذا مُزِجت السلكا بتراب الخزف الأحمر ابيضَّ مزيجهما بالتكليس، وهكذا كان. فلم يبقَ عليه سوى أنْ يدهن هذا الخزف بدهان إذا ذاب صار شفافًا، فيحصل على ما يماثل الصيني، أو على الصيني نفسه، أو ما سُمي فيما بعد بالخزف الإنكليزي، وفُضِّل على كلِّ ما سواه.
ووجد صعوبات كثيرة في أُتُنه مثل بالسي، إلَّا أنها لم تطُل كما طالت صعوبات ذاك، بل تغلب عليها سريعًا، وذلك بالامتحانات المتتابعة، والمواظبة الدائمة، والفشل المتواتر لأنه كثيرًا ما كان يضيع تعب شهر في يوم واحد، وبعد امتحانات كثيرة وإضاعة الكثير من الوقت والمال والتعب، عرف نوعًا مناسبًا من الدهان.
ثم أخذ في تحسين هذه الصناعة وانشغف قلبه بذلك، وما زال واضعًا نصب عينيه إيصالها إلى الدرجة العليا، حتى بعد أنْ صار يصنع كثيرًا من الآنية البيضاء والحمراء، وراجت مصنوعاته في إنكلترا وأوروبا، فأنشأ فرعًا عظيمًا من الصناعة الإنكليزية وأقامه على دعائم راسخة، وكان يقول: إنَّ ترك عمل الشيء أفضل من عمله عملًا غير متقن. فذاع صيته في الآفاق واقتدى به كثيرون.
وكان لودجود مساعدون كثيرون من أولي المقام والسيادة، ومن الصنَّاع الحاذقين أيضًا، فعمل للملكة تشرلوت آنية المائدة الملكية الأولى من الخزف الذي لُقِّب فيما بعد خزف الملكة، فلُقِّب خزَّافًا ملكيًّا، واعتبر هذا اللقب أكثر مما لو لقب أميرًا، وكثيرًا ما كان يُسلَّم آنية صينية فيصنع مثلها تمامًا الأمر الذي أدهش الجميع، وأعاره السر وليم هملتون آنية قديمة من هركولانيوم فعمل مثلها، ولما عُرِضَت القارورة البربرينية للمبيع دفع بها ألفًا وسبع مائة ليرة إنكليزية، فدفعت أميرة بُرتلند ألفًا وثماني مائة ليرة وابتاعتها بهذا الثمن الفاحش، ولكنها لما علمت أنَّ قصده تمثيلها أعارته إياها، فصنع خمسين قارورة مثلها أنفق عليها ألفين وخمس مائة ليرة إنكليزية وباعها بأقل من ذلك ولكنه نال غايته؛ إذ أثبت أنَّ كلَّ ما عملته الأمم لا تعجز عنه الحذاقة الإنكليزية، وكأنه كان يتمثل بقول المتنبي القائل:
تحقِّرُ عندي همتي كلَّ مطلبويقصر في عيني المدى المتطاوِل
وكان لودجود مشاركة في الكيميا وعلم الآثار القديمة، ومهارة تامَّة في صناعة الأيدي، فاستخدم كلَّ ذلك لصناعة الخزف، واستخدم أيضًا نقَّاشًا ماهرًا لعمل الأشكال والصور الجميلة، فصارت أشكال مصنوعاته وسيلة لإحياء صناعة النقش القديمة بين قومه، وتمكَّن أيضًا بواسطة الدرس والامتحان من كشف صناعة تلوين الخزف التي كانت مفقودة حينئذ، بل كانت قد نفدت من أيام بلونيوس، وخدم العلم خدمة نصوح وخلَّد ذكره بالبيرومتر الذي اخترعه، وكانت له يد طائلة في كلِّ مصلحة تئول إلى خير البلاد. فهو السبب في فتح ترعة ترنت ومرسي من شرقي الجزيرة إلى غربيها، وفي تمهيد طريق بطرس، وما زال يزداد شهرة واعتبارًا في عيون الناس، حتى صارت معامله في برسلم وإتروريا ناديًا يتقاطر إليه مشاهير الزوار من كلِّ أقطار أوروبا.
ونتيجة أتعاب هذا الرجل أنَّ الصناعة التي شرع فيها وهي في حالة دنيئة جدًّا، صارت من أهم صنائع إنكلترا، وصارت إنكلترا تصنع من الخزف ما يزيد عنها، فترسله إلى البلدان البعيدة التي كانت تجلب خزفها منها، وراج خزفها في تلك البلدان رغمًا عن المكوس الباهظة التي كانت تُضَرب عليه. وأثبت للبرلمنت بعد أنْ ابتدأ في عمله بنحو ثلاثين سنة، أنه بعد أنْ كانت هذه الصناعة في حالة دنيئة جدًّا، وكان يعمل فيها رجال قلائل فقراء الحال، وأكثرهم في حالة يرثى لها من الغباوة والمسكنة، صار نيف وعشرون ألف شخص يتعيشون منها مباشرة، هذا فضلًا عن عدد لا يُحصَى من الحفَّارين والفحَّامين، والذين ينقلون الآنية برًّا وبحرًا، والذين يتجرون بها، وكان يرتئي أنَّ هذه الصناعة لم تزل في طفوليتها، وأنَّ ما أصلحه فيها لا يحسب شيئًا في جنب ما تحتمله من الإصلاح بتقدُّم صنَّاع الانكليز واجتهادهم وتنشيط دولتهم لهم. وقد تمَّ قوله تمامًا، والشاهد على ذلك أنه صدر من بلادهم سنة ???? ما ينيف على أربعة وثمانين ألف ألف إناء خزف، وهذا التقدم العظيم لا يُحسَب شيئًا بالمقابلة مع تقدم الصنَّاع أخلاقًا وآدابًا؛ لأنه لما باشر ودجود عمله في ستفوردشير كانت ستفوردشير في الحالة الهمجيَّة، وكان أهلوها قلال العدد، فقراء أغبياء، وحالما تثبتت معامله صار فيها عمل كافٍ لثلاثة أمثالهم بأجرة عالية، وتحسنت أخلاقهم وآدابهم بانعكافهم على عملهم.
فهؤلاء الرجال؛ أي بالسي وبتغر وودجود وأمثالهم خليقون بأن يُدعَوا قادة أهل الصناعة بل جبابرة التمدن؛ لأن صبرهم وثباتهم في وسط التجارب والمصاعب، وشجاعتهم وجَلَدهم في مساعيهم المجيدة ليست أقل من بسالة الجنود الذين يقوم مجدهم بالمدافعة عمَّا عمله أرباب الصنائع.

? من برهة وجيزة اكتشف رجل مغرم باكتشاف آثار البروتستانت في فرنسا، يسمى تشارلس ريد على الأفران التي كان بالسي يشوي مصنوعاته فيها، واحتفر من هناك عددًا من القوالب عليها رسم وجوه ونباتات وحيوانات، ونحو ذلك وعليها سمة بالسي المعروفة.
? إنَّ جميع الآنية الصينية واليابانية كانت تُدعَي في ذلك الوقت هندية، وربما كان ذلك لأنها اتصلت إلى أوروبا من الهند.
الفصل الرابع
في المزاولة والثبات
قال دافانان: من إذا انكبت ساعته الرملية انحنى وجمع رملها حبة حبة، كأنه يزر الكواكب فهو إنسان غني.
وقال ده لمبر: تقدمْ والإيمان يتبعك.
***
أكثر الأعمال العظيمة تمت بالوسائط البسيطة، وباستخدام القوى الاعتيادية، وفي سبيل الحياة العام فُرَص كثيرة للاختبار، بل إنَّ طرق الحياة المطروقة أكثر من غيرها تولي المجتهد قوة كافية ليسعى في إصلاح شأنه، والنجاح منوط بناصية الثبات والإقدام، فأكثر الناس ثباتًا وإقدامًا أكثرهم نجاحًا.
وكثيرًا ما لام الناس السعد، وعدُّوه أعمى وما العُمْي إلَّا هم، فإنَّا إذا أمعنا النظر في أحوال أهل الأعمال رأينا أنَّ السعد لأكثرهم اجتهادًا، كما أنَّ الرياح والأمواج توافق الناخُذاة الماهر، بل إنَّ أسمى مطالب البشر يمكن البلوغ إليها باستخدام القوى الاعتيادية، كالانتباه والاجتهاد والمواظبة، ولا لزوم لما يسمونه قريحة أو موهبة فائقة، على أنَّ القريحة وإنْ كانت من أسمى القرائح لا تنافي القوى الاعتيادية ولا تزري بها، وأعظم الناس شأنًا أقلهم إركانًا إلى القرائح، وأكثرهم مزاولة لأعمالهم، ومنهم مَن عرَّف القريحة بأنها ملكة قوية من الملكات الاعتيادية، قال أحد رؤساء المدارس: إنها قوة السعي. وقال جون فُسْتَر: إنها قوة يضرم بها الإنسان ناره. وقال بيفون الشهير: إنها هي الصبر.
لا يخفى أنَّ إسحاق نيوتن كان من ذوي العقول السامية، ولكنه سُئل مرة بماذا اكتشفت كلَّ هذه الاكتشافات الغريبة؟ فأجاب: «بالتأمل المستمر فيها.» ووَصَف في مكان آخر أسلوب بحثه، فقال: «إني أضع الموضوع نصب عيني وأنتظر حتى يبزغ فجره ويصير نورًا كاملًا.» ولم ينل ما ناله من الشهرة إلَّا بالاجتهاد والمواظبة كشأن غيره من المشاهير، بل إنه كان إذا تعب من الدرس في علم من العلوم يرتاح بإبداله بدرس علم آخر، وقال مرة للدكتور بنتلي: «إنْ كنتُ قد خدمت الجمهور بشيء فباجتهادي وجَلَدي.» فما أشبه ذلك بما قاله الفيلسوف كبلر الفلكي المشهور باكتشاف القواعد الثلث المؤسس عليها علم الهيئة، وهو أنَّ تمعُّني في دروسي يجعلني أواصل التفكر في مواضيعها إلى أنْ أغوص في لججها بكل قوى عقلي.
وبما أنَّ الاجتهاد والثبات قد أنتجا نتائج خارقة العادة، ارتاب بعض المشاهير بوجود ما يُسمَّى قريحة أو موهبة خاصة. قال فُلتير: إنَّ الحد الفاصل بين مَن له قريحة ومن ليس له يكاد لا يُرى. وقال بكَّاريا: إنَّ كل الناس يمكنهم أنْ يكونوا شعراء وخطباء. وقال رينلدز: إنه يمكن لكل إنسان أنْ يصير مصورًا ونقَّاشًا. وقال لك وهلفيتيوس وديدرو: إنَّ كل الناس قابلون لأن يَسمُوا بالقرائح على حدٍّ سوى، وإنَّ ما يفعله البعض بواسطة قوى عقولهم يقدر أنْ يفعله غيرهم، إذا استخدموا نفس الوسائط التي استخدمها أولئك، إلَّا أنه وإنْ يكن كلُّ شيء منوطًا بالاجتهاد حتى إنَّ أُولي القرائح هم أكثر الناس اجتهادًا وسعيًا، فلا يسعنا أنْ ننكر أنه ما لم يكن للإنسان موهبة فائقة لا يقدر أنْ يبلغ مبلغ شكسبير، أو نيوتن، أو بيتوفن، أو ميخائيل أنجلو مهما جدَّ واجتهد.
إنَّ دَلتون الكيماوي أنكر أنَّ له شيئًا من المواهب الفائقة، ونسب كلَّ ما حصَّله إلى السعي والاجتهاد، وجون هنتر قال: «إنَّ عقلي كقفير النحل يظهر مملوءًا من الطنين والارتباك، ولكنه مملوءٌ أيضًا من الهدوء والنظام، والطعام المجلوب من أفخر منتجات الطبيعة باجتهاد جزيل.» وإذا التفتنا إلى ترجمات مشاهير المخترعين والمؤلفين والصنَّاع من كلِّ نوعٍ ولو لفتة واحدة، رأينا أنهم بلغوا ما بلغوا بجدهم واجتهادهم، وحوَّلوا كلَّ شيء ذهبًا حتى الوقت نفسه. وقد ارتأى دزرائيلي الكبير أنَّ نجاح الإنسان يقوم بتغلبه على الموضوع الذي يبتغي النجاح فيه، ولا تحصل هذه الغلبة إلَّا بالدرس والانصباب الدائمَينِ، فينتج مما تقدم أنَّ الرجال الذين حرَّكوا الدنيا بأسرها لم يكونوا من ذوي المواهب الفائقة، بل كانت قواهم العقلية معتدلة، ولكنهم كانوا من أهل الجد والثبات، وكثيرًا ما سبق البلداء النبلاء في ميدان الحياة؛ لأنهم كانوا أكثر منهم مواظبة. قال المثل الإيطالي: مَن يسر متمهلًا يسر طويلًا.
فالثبات من أول دلائل النجاح، وهو الذي يكمل الأعمال كلها. بالثبات نال السر روبرت بيل ما جعله زينةً وفخرًا لمجلس السنات الإنكليزي؛ فإنه لما كان صبيًّا كان من عادة أبيه أنْ يقيمه على المائدة ليتكلم ارتجالًا، وعوَّده على إعادة كلِّ ما يحفظه من المواعظ التي يسمعها نهار الأحد، وكان نجاحه قليلًا في أول الأمر إلَّا أنَّ المواظبة على ذلك قوَّت فيه قوتي الانتباه والذاكرة، حتى صار يمكنه أنْ يعيد موعظة كاملة حرفًا بحرف، ثم لما دخل البرلمنت وكان يفند أدلة أضداده واحدًا فواحدًا ببلاغة تفرَّد فيها، قلَّ مَن ظن أنَّ تلك الحافظة الفريدة التي فاق بها أقرانه قد اكتسبها بإرشاد أبيه له وهو حدَث.
وما أعجب ما تفعله المزاولة حتى في الأمور البسيطة، فاللعب على الكمنجة يظهر في بادئ الرأي أمرًا سهلًا، لكنه يستدعي مزاولة طويلة متعبة جدًّا. قيل إنَّ شابًا قال لجِيَرْديني في كم من الزمان أتعلم اللعب على الكمنجة؟ فأجابه: في عشرين سنة إذا مارسته اثنتي عشرة ساعة كلَّ يوم. ومن يجهل مقدار التعب الذي يتعبه الممثلون قبلما يتمكنون من التمثيل. قيل إنَّ تَغْلِيوني الشهيرة كانت قبلما تمثل شيئًا تمارسه ساعتين متواليتين، وعندما تنتهي الساعتان يغمى عليها من شدة التعب، فتجرَّد من ثيابها وترشُّ بالماء والمنعشات، وكان يصيبها مثل ذلك أيضًا عندما تنتهي من التمثيل.
والارتقاء في سلَّم النجاح أمر بطيء جدًّا، والنتائج العظيمة لا يبلغها الإنسان دفعة واحدة، فعلى كل أحد أنْ يقنع بالارتقاء المتدرج. قال ده مايستر: إنَّ سر النجاح هو أنْ يعرف الإنسان كيف يتوقع النجاح بالصبر. فعلى الإنسان أنْ يزرع قبل أنْ يحصد، وكثيرًا ما يضطرُّ أنْ يصطبر وقتًا طويلًا قبلما يصل إلى الحصاد، وأفضل الأثمار أبطؤها نضجًا. قال الشاعر:
مَن جعلَ الصبر في مقاصدهوفي مراقيه سلمًا سَلِمَا
وقال الآخر:
لأستسهلن الصعب أو أدركَ المنىفما انقادتِ الآمال إلَّا لصابر
ولا يستطيع الإنسان أنْ يتوقع بلوغ أمانيه بالصبر ما لم يجتهد في بلوغها عن طيب نفس، والاجتهاد وطيب النفس تسعة أعشار الحكمة، وهما حياة النجاح وروحه، وما من لذة في الدنيا أتم من لذة العامل بعمله إذا كان عمله عن طيب نفس. قيل: إنَّ سدني سمث الشهير لما كان كاهنًا في إحدى القرى لم يحسب نفسه عاملًا في العمل المناسب له، لكنه أخذ فيه بسرور عازمًا أنْ يبذل فيه جهده، فقال: «قد صممتُ على أنْ أحب هذا العمل وأوفق نفسي له، فذلك خير من الترفع عليه والتذمر منه.» ومما يماثل ذلك قول الدكتور هوك عندما انتقل إلى عمل جديد، قال: «حيثما أكون فإني سأفعل بقوتي كل ما تجده يدي، وإنْ لم أجد عملًا أوجدت عملًا لنفسي.»
والمشتغلون بصالح العموم عليهم أنْ يشتغلوا مدة طويلة بالصبر؛ لأن كثيرين منهم قد زرعوا زرعهم فغمرته ثلوج الشتاء، وقبلما جاء الربيع وافتهم منيَّتُهم فمضوا ولم يروا نتيجة تعبهم، وفي مثل هذه الأحوال لا شيء أفضل من الرجاء ولا شيء يقوم مقامه، فالرجاء أو الأمل هو الذي يشجع الإنسان ويقويه على اقتحام المصاعب، قال الشاعر:
أعللُ النفس بالآمال أرقُبهاما أضيقَ العيشَ لولا فسحةُ الأمل
إنَّ كاري المبشر الشهير فاق أقرانه في الأتعاب، ولكنه كان دائمًا مسرورًا، وذلك لرجائه الثابت وأمله الوطيد. قيل إنه وهو في الهند كان يشغل ثلاثة كتاب فأكثر، وكان إذا تعب من عمل وأراد أنْ يستريح يبدله بعمل آخر، وكان معه اثنان وهما ورد ومرشام،? وبواسطة أتعاب هؤلاء الثلاثة أقيمت مدرسة كلية في سيرمبور، وستة عشر مركزًا للوعظ، وترجم التوراة والإنجيل إلى ست عشرة لغة، وصار انقلاب أدبي عظيم في كلِّ الهند الإنكليزية، ومع أنَّ أصل هذا الرجل وضيع كما أشرنا، لم يكن يخجل من إشهار ذلك. قيل إنه دُعِي مرة إلى وليمة أولمها الوالي، فسمع وهو على المائدة أحد الرؤساء يقول لمن بجانبه ألم يكن كاري سكَّافًا، فأجابه كاري على الفور كلا يا مولاي بل كنت أرقع الأحذية العتيقة. وقيل إنه في حداثته حاول طلوع شجرة فسقط وكُسر رجله، فلازم الفراش إلى أنْ جبرت، وأول ما أمكنه النهوض والمشي ذهب إلى تلك الشجرة وطلعها، وما زال ذلك طبعه الذي غلب به كلَّ المصاعب الشديدة التي حالت دون إتمام مقاصده.
وكان من جملة مبادئ الدكتور يَن الفيلسوف أنَّ كل إنسان يقدر أنْ يصنع كل ما صنعه إنسان آخر، وما أحسنَ ما قاله ابن الوردي في هذا المعنى، وهو:
لا تقل قد ذهبَتْ أربابُهكلُّ من سار على الدرب وَصَل
ومن المعلوم أنَّ ين هذا لم يأخذ في عملٍ وأَلَا عنه جهدًا. روى بعضهم أنه أول ما ركب الخيل ركب فرسًا جموحًا وسار بصحبة فارس شهير، فوصلا إلى جدار رفيع فوثب الفارس بجواده من فوقه، فأراد ين أنْ يقتدي به فسقط عن ظهر جواده، فركب وحاول ثانيةً فسقط، ولكنه نهض قبلما وصل إلى الأرض وحاول ثالثة فنجح.
ومما يماثل ذلك الحادثة التي صارت لأوديبون العالم بالطيور، وقد أخبر عنها بقوله: «أصابتني مصيبة أتلفت مائتي رسم من رسوم الطيور التي رسمتها، ولاشت كل أتعابي في هذا الفن، فإنني وضعت هذه الرسوم في صندوق، وائتمنت عليه رجلًا من معارفي بعد أنْ طلبتُ منه أنْ يحترس عليه كلَّ الاحتراس؛ لأني ضمَّنته نتيجة أتعاب سنين عديدة، ثم مضيت لأمرٍ ما وبعد بضعة أشهر رجعت وافتقدت الصندوق الذي كنت أسميه كنزي، ولما فتحته وجدت ما تتفتَّت له الأكباد؛ لأن كلَّ أتعابي أضحت فريسة لجرذين كبيرين دخلا الصندوق من أحد جوانبه، وقضما كلَّ ما فيه من الأوراق وطحناها طحنًا، وولدا بينها عائلة كبيرة. فصعد الدم إلى رأسي وأصابتني رجفة ورعدة، وانطرحت على ظهري ومضى عليَّ أيام عديدة وأنا في سبات عميق، ولما رجعت إلى نفسي أخذت بندقيتي وقلمي وانطلقت إلى الغابات، كأن لم يكن من الأمر شيء، بل كنت مسرورًا بأني صرت أقدر أنْ أرسم رسومًا أفضل من الأولى. وهكذا كان؛ لأنه لم يمضِ عليَّ إلَّا ثلاث سنوات حتى عوَّضتُ عن كلِّ ما خسرته.»
ومن قبيل ذلك ما أصاب أوراق السر إسحاق نيوتن، وذلك أنَّ كلبه رمى عليها شمعة مشتعلة فأحرقتها، ولاشت حسابات كبيرة كان ذلك الفيلسوف قد تعب سنين عديدة على استخراجها، ويقال إنه حزن من جَرْي ذلك حزنًا مفرطًا أثَّر في صحته تأثيرًا بليغًا وأضعف فهمه. ومثل ذلك ما أصاب المجلد الأول من كتاب كارليل في الثورة الفرنسوية، فإن رجلًا استعاره ليطَّلع عليه فحدث أنه ألقاه في أرض القاعة ونسيه، وبعد مدة أرسل كارليل في طلبه ليطبعه، فرد إليه الجواب أنَّ الخادمة وجدته ملقًى على الأرض، فظنته رزمة ورق لا منفعة منها، وأخذت تضرم النار به. فما أشد الانزعاج الذي أصاب كارليل عندما سمع هذا الجواب ولا سيما لأنه لم يكن عنده شيء من أصله، فالتزم أنْ يجهد ذاكرته ويؤلفه ثانية، وتعب في ذلك تعبًا لا يوصف ولا يصدق، ولكنه ألَّفه ثانية، وتأليفه له في مثل تلك الأحوال يشهد له بما تفرد به من العزم وعلو الهمة.
ومما يظهر قوة الثبات بأكثر إيضاح سلوك المخترعين. روى بعضهم أنه كان من عادة جورج ستفنسن أنْ يقول للشبان عندما ينصح لهم: «افعلوا كما فعلت؛ أي اثبتوا.» قيل إنه بقي يحسِّن في المركبة البخارية التي اخترعها خمس عشرة سنة قبلما فازت بالسبق، وجمس وط قضى على عمل آلته البخارية ثلاثين سنة قبلما أتمها، وللثبات أمثلة كثيرة مدهشة في كلِّ نوع من العلوم والصنائع، ومن ألذها الحوادث المتعلقة باستخراج آثار نينوى، واكتشاف قراءة الكتابات السفينية أو المسمارية المرسومة عليها، بعد أنْ فُقِدَت قراءتها منذ عصر الإسكندر، أما طريقة اكتشافها فكانت كما يأتي:
كان في قرمان شاه من بلاد فارس جندي إنكليزي اسمه رولنصن من شركة الهند الشرقية، فرأى كتابة سفينية قديمة في جوار قرمان شاه فنسخها، وكان من جملة ما نسخه الكتابة المرسومة على صخر بهستون، وهو شاهق يبلغ ارتفاعه ألف وسبع مائة قدم، وعلى سفحه كتابات بالفارسية والصقلبية والآشورية، ومن مقابلته المجهول بالمعلوم من هذه الكتابات عرف شيئًا من مجهولها وركَّب حروفه الهجائية، ثم أرسل رسم ما نسخه إلى إنكلترا؛ لكي يطَّلع عليه رجال العلم ويجيلوا فيه نظرهم، ولم يكن حينئذٍ أحد من أساتيذ المدارس الأوروبية يعرف شيئًا من أمر هذه الكتابة، إلَّا أنَّ رجلًا اسمه نورس كان قبل ذلك كاتبًا في محل الشركة المتقدم ذكرها، وقد انتبه إلى هذه الكتابة وأمعن النظر فيها، ونجح في حلها بعض النجاح، فلما اطَّلع على الرسم الذي رسمه رولنصن وأعمل فيه نظره، قال: إنَّ في نسخه بعض الخطأ، مع أنه لم ينظر صخر بهستون قط، وكان رولنصن لم يزل بجوار ذلك الصخر، فراجع الرسم فرأى أنَّ نورس مصيب في تخطئته فأصلحه، ثم قام رجل ثالث اسمه لَيَرْد وأحضر لهما شيئًا كثيرًا من هذه الكتابات لكي يتسع بحثهما.
وكان ليرد المذكور كاتبًا عند فقيهٍ بلندن، ولما كان له من العمر اثنتان وعشرون سنة طاف المشرق قاصدًا أنْ يقطع الأراضي الواقعة عبر الفرات، ولم يكن معه سوى رفيق واحد، فمرَّ في وسط قبائل كثيرة متحاربة، ونجا من بينهم سالمًا بقوة ذراعه، وطلاقة وجهه، وأنس محضره، وعلو همته، وسداد رأيه، ومضاء عزمه، وشدة صبره، فوصل إلى أطلال نينوى ونقبها، واستخرج منها كنوزًا تاريخية جزيلة الفائدة، لم يستخرج مقدارها إنسان واحد قط، ولو وُضِعَت قطعها الواحدة حذاء الأخرى لأشغلت مساحة ميلين مربعين، فنُقلَت نُقاية هذه الآثار إلى لندن، ووُضِعت في محل التحف البريطاني وقُرئت، فإذا بها تتفق اتفاقًا غريبًا مع نص التوراة في حوادث جرت من مضي ثلاثة آلاف سنة وأكثر، كأنها وحي جديد هبط على البشر، ولم يكتف ليرد باستخراج هذه الآثار، بل ألَّف فيها كتابًا جليلًا صادق الرواية، حسن الانسجام، يشهد له بعلو الهمة وعظم الثبات.
ومن الذين كانوا مثالًا على الصبر والاجتهاد بيفون الشهير الذي قال: إنَّ الموهبة الفائقة هي الصبر، فقد كانت قواه العقلية في حداثته متوسطة بل ضعيفة، وكان كسلان طبعًا عرضة لأن يعيش عيشة الترف؛ إذ كان من ذوي الثروة والوجاهة، إلَّا أنه اجتنب الترف في حداثته، ولم يعطِ نفسه هواها، بل أنكر عليها لذاتها وعكف على الدرس حاسبًا الوقت كنزًا محدودًا، ولما رأى أنه يضيع ساعات عديدة بعدم قيامه باكرًا، عزم أنْ يعتاد على القيام الباكر، وحاول ذلك مرارًا فقصر عنه، ولم يقدر على القيام في الساعة التي عينها، فاستعان بخادمه ووعده بأن يعطيه ريالًا في كلِّ يوم يُقِيمه فيه قبل الساعة السادسة صباحًا، إلَّا أنه كان عندما يدعوه الخادم للقيام يدَّعي أنه مريض أو يظهر الغضب، فلما رأى الخادم أنه لم يربح شيئًا سوى التوبيخ، عزم على أنْ يكسب الريال على أي وجه كان، فألح عليه يومًا أنْ يقوم فلم يقم، فأتى بماء مثلج وسكبه في فراشه فنهض حالًا، فلما رأى الخادم أنه نجح بهذه الواسطة، واظب على استعمالها إلى أنْ اعتاد سيده على القيام الباكر، وكان يقول إنه مديون لخادمه بثلاثة أو أربعة مجلدات من كتابه في التاريخ الطبيعي.
وكان هذا العلَّامة يشتغل في الدرس والتأليف إحدى عشرة ساعة كلَّ يوم مدة أربعين سنة، إلى أنْ صار الشغل ملكة راسخة فيه، قال مؤرخ حياته: «إنَّ الشغل من لوازمه والدرس من لذات حياته.» ولم يكن يتعب من تهذيب كتاباته، فكان ينقحها مرارًا كثيرة؛ لكي يجعل عبارته بسيطة طلية، ومن كتبه ما كتبه إحدى عشرة مرة قبلما حسبه أهلًا للنشر، وكان مع علوِّ همته كثير الترتيب والتدقيق، ومن قوله: إنَّ القريحة بلا ترتيب تخسر ثلاثة أرباع قوتها، وكل ما حصَّله إنما حصله بتعبه واجتهاده، قالت مدام نكر: إنَّ بيفون كان يقول إنَّ ما يُدعَى قريحة ليس إلَّا حصر الفكر في موضوع واحد، وإنه كان يمل عندما يؤلف شيئًا، ولكنه كان يلزم نفسه ويعيد نظره على ما ألفه، ثم يعيده ثانية وثالثة، فيجد في تنقيحه وتهذيبه لذَّة عوضًا عن التعب. ومن المعلوم أنه ألف كلَّ ما ألفه وبه داءٌ أليم من أشد الأدواء المُعرَّض لها الجسم الإنساني:
أخلِق بذي الصبر أنْ يحظى بحاجتهومدمن القرع للأبواب أنْ يلجا
وبين الشعراء والأدباء رجال كثيرون يُتَّخذون أمثلة على الثبات والمواظبة، منهم السر ولتر سكوت الشاعر الأسكتسي الشهير الذي تمرن على الشغل وهو كاتب بل ناسخ، وكان عمله على نسق واحد فسئمه، ولكنه كان مرتبطًا به في النهار فقط، وكان حرًّا يعمل ما يشاء في المساء، فعكف على الدرس والمطالعة، وكان إذا أراد ابتياع كتاب يجهد نفسه بنسخ مائة صفحة أو أكثر فوق المطلوب منه فيشتري بأجرتها الكتاب المذكور.
وبعد أنْ تقدم في السن والشهرة كان يفتخر بكونه كثير العمل، ويناقض القائلين: إنَّ أهل المواهب الفائقة لا يُضطَرون إلى إتمام الواجبات اليومية، وجزم أنَّ القوى العقلية تقوى بتعاطي الأعمال، ولما دخل مجلس أيدنبرج كان يؤلف كلَّ ما يريد تأليفه من نظم ونثر قبل الغداء، ويقيم بقية النهار في المجلس، والظاهر أنه كان يشتغل نصف وقته فقط في التصنيف، والنصف الآخر في القيام بواجبات منصبه؛ لأنه حكم على نفسه أنْ يحصل معيشته مما يعمله لا مما يؤلفه، وقال ذات مرة: إني عقدت قلبي على أنْ أجعل التأليف قضيبًا أمسكه بيدي، والعمل عكازًا أتوكأ عليه، وأن لا أعتمد في معيشتي على ما أربحه من التأليف ولو كان كثيرًا.
وكان التدقيق في حفظ الوقت ملكة راسخة فيه، ولولاه ما أمكنه أنْ يصنِّف كلَّ ما صنفه، فقد آلى على نفسه أنْ يجيب كل كتاب يرد إليه في اليوم الذي يرد فيه ما لم يكن فيه شيء يقتضي تأخير الجواب، ولولا ذلك ما أمكنه أنْ يجيب الرسائل الكثيرة التي كانت تَرِد عليه، فكان ينهض من فراشه الساعة الخامسة؛ أي قبل الظهر بسبع ساعات، فيقضي ساعة في الحلاقة واللبس، ويجلس في مكتبه الساعة السادسة وأوراقه وكتبه مرتبة أمامه أكمل ترتيب، فيأخذ في أشغاله إلى أنْ يجتمع أهل بيته للغداء بين الساعة التاسعة والعاشرة، ومع كلِّ جده واجتهاده وعلمه الجزيل الذي هو نتيجة درس سنين عديدة، كان ينسب إلى نفسه قصر المعرفة وضعف القوى العقلية، وقد قال بفمه: إنَّ جهله كان يعربسه في كلِّ عمل أخذ فيه.
وهذه هي الحكمة الحقيقية والاتضاع الحقيقي؛ لأنه كلما زاد الإنسان معرفة قلَّ اعتداده بنفسه. قيل إنَّ أحد الطلبة ذهب إلى أستاذه واستأذنه في الانصراف بناءً على أنه أكمل علمه، أجابه الأستاذ: إني أرى عجبًا فيما تقول؛ لأنني أنا أراني قد ابتدأت في العلم الآن. ومن لم يرتشف إلَّا اليسير من بحار المعارف يعد نفسه قد بلغ من الحكمة أقصاها، وأمَّا الحكيم الحقيقي فيقر على رءوس الأشهاد أنه لا يعرف شيئًا، أو يقول كما قال نيوتن إنه جامع أصداف على شاطئ بحر الحقائق.
وبين المؤلفين الذين يُعَدُّون من الطبقة الثانية كثيرون يُضرَب بهم المثل في الثبات والاجتهاد، منهم جون برتون مؤلف كتاب «بدائع إنكلترا وولس»، فإنه ولد في كوخ حقير في كنستون، وكان أبوه خبَّازًا فجُنَّ بسبب خسارة مالية لحقته حينما كان ابنه برتون صغيرًا، فوضع برتون عند عمه وكان فاتحًا حانًا، فبقي عنده أكثر من خمس سنوات، وصناعته فتح القناني وصب المسكرات، فتركه عمه ليهيم على وجهه وفي جيبه ديناران فقط، وهما أجرة السنوات الخمس التي خدمه فيها، فمضى عليه وهو على هذه الحال سبع سنوات قاسى فيها مشقات لا تُوصَف، إلَّا أنه سعى وراء المعرفة فنال منها الحظ الأوفر، قال في تاريخ حياته: «إنني كنتُ نازلًا في منزل حقير، ولم يمكني أنْ أشتري وقودًا في ليالي الشتاء فكنتُ أدرس في فراشي.» ثم سافر إلى باث ماشيًا، وبعد أنْ أقام فيها برهة رجع إلى لندرا حافيًا عاريًا، ثم وجد عملًا في حان لندن، وكان هذا العمل في دهليز تحت الأرض، فأثَّر في صحته تأثيرًا شديدًا؛ لأنه كان يعمل فيه عملًا شاقًّا ثماني عشرة ساعة كلَّ يوم، فتركه ودخل كاتبًا عند رجل فقيه، وكان يأخذ خمسة عشر شلنًا كلَّ أسبوع؛ لأنه كان قد أتقن الكتابة، فصار يمكنه أنْ يتردد على مخازن الكتب في ساعات الفراغ، ويقرأ ما لا يستطيع ابتياعه من الكتب، فاقتطف كثيرًا من ثمار المعرفة، ولما دخل في الثامنة والعشرين من العمر كتب كتابًا سماه «مساعي بيزارو»، ومن ثمَّ عكف على التأليف والتصنيف ودام على ذلك خمسين سنة إلى أنْ أدركته الوفاة، ومؤلفاته المطبوعة تنيف عن سبعة وثمانين كتابًا، أشهرها كتاب «آثار كنائس لندن» في أربعة عشر مجلدًا، وهو تذكار لا يضمحل لاجتهاده ومواظبته.
ومنهم لودُن البستاني الذي كان يدرس ليلتين كاملتين كلَّ أسبوع، وهو صانع عند بستاني، فتعلم اللغة الفرنسوية وترجم سيرة أبيلرد قبل أنْ بلغ الثامنة عشرة، وكان — مما ذُكر — ذا رغبة شديدة في النجاح، حتى إنه لما بلغ العشرين من عمره كتب في مفكرته: «الآن قد بلغت السنة العشرين، وربما كان ثلث حياتي قد مضى، فما هو العمل الذي عملته لإفادة بني نوعي؟» أليس ذلك بمستغرب من شاب في هذا السن؟! وبعد أنْ أتقن الفرنسوية درس الجرمانية وأتقنها في برهة وجيزة، واقتنى أرضًا واسعة، واستعمل فيها الإصلاحات الأسكتسية في فن الزراعة فنجح وأثرى في وقت قصير، ثم ساح في ممالك أوروبا مرتين؛ لكي يطَّلع على أحوالها الزراعية، وكتب نتائج سياحته في إنسكلوبيدياه الشهيرة التي تتضمن ما جمعه باجتهاده العديم النظير.
ومنهم صموئيل درو، وهو ابن فاعل فقير، وكان له أخ أكبر منه يُدعَى جابز، فوضعهما أبوهما في مدرسة صغيرة، وكان يدفع عليهما أربعين بارة كل أسبوع، فأفلح جابز في دروسه وكان هادئًا لبيبًا، وأمَّا صموئيل فلم يفلح، بل كان مشهورًا بطيشه ومحبته للَّعب، فلما بلغ الثامنة من عمره أخرجه أبوه من المدرسة، ووضعه في معدن قصدير بأجرة ثلاثين بارة كلَّ يوم، ولما بلغ العاشرة وُضِع عند سكَّاف؛ ليتعلم صناعة السكافة فلقي ما لا يُقدَّر من التعب، حتى إنه عزم مرارًا كثيرة على الهرب واتِّباع القرصان، وكان يتقدَّم في الطيش بتقدمه في السن، فاشتُهر بسرقة الجنائن وتهريب الأمتعة، ولما بلغ السابعة عشرة هرب من معلمه؛ عازمًا أنْ يدخل خادمًا في سفينة حربية، ولكنه لم يبلغ مأْربه، ثم انتقل إلى جوار بليموث وشرع يعمل في حرفة السكافة، وبينما هو هناك وشك أنْ يفقد حياته بسبب التهريب من الجمرك، وقد حمله على ارتكاب هذا الأمر القبيح محبة اقتحام المخاطر والأمل بالربح؛ لأنه لم يكن يحصِّل بحرفته أكثر من ثمانية شلنات في الأسبوع، أمَّا تفصيل هذه الحادثة فكما ترى؛ بلغه مرة أنَّ سفينة تهريب أقبلت وقاربت البر، فهرع جميع الرجال الذين صناعتهم تهريب البضائع في فريقين؛ فريق بقي على الشاطئ لينذر بالخطر ويقتبل البضائع، وفريق ركب القوارب التي كانت هناك، وبينهم درو وكانت الظلمة حالكة جدًّا، وقبل أنْ أنزلوا قسمًا كبيرًا من الشحن عصفت الرياح وتعالت الأمواج، إلَّا أنهم كانوا متعوِّدين اقتحام المخاطر فلم يرعهم ذلك، بل عزموا على تفريغ الشحن كله، وفيما هم كذلك أطارت الريح قبعة أحد رجال القارب الذي فيه درو فمال لكي يمسكه، ففُقدَت موازنة القارب وقُلِب، فغرق ثلاثة من رجاله والتصق الباقون به، ولكنهم وجدوا أنه أخذ في التوغل بهم في البحر فتركوه وشرعوا في السباحة، وبينهم وبين الشاطئ نحو ميلين، وبعد ثلاث ساعات وصل درو إلى صخر بجانب الشاطئ مع ثلاثة من رفاقه، وبقوا عليه إلى الصباح حتى كادوا يموتون بردًا، فعلم بمكانهم بعض رفقائهم، فأتوا إليهم وسقوهم شيئًا من العرق الذي هربوه فأفاقوا، ثم إنَّ هذا الإسكاف الذي شبَّ على السرقة وتهريب البضائع صار مبشرًا فاضلًا ومؤلفًا بارعًا، وهذا تفصيل ذلك: لمَّا سمع أبوه بما هو عليه أرجعه إلى بيته، فصار يسمع مواعظ الدكتور آدم كلرك، فأثَّرت فيه تأثيرًا بليغًا، ثم مات أخوه فزاد موته في تحويل أفكاره عن الجهل والطيش إلى التعقل والرزانة، وكان قد نسي ما تعلمه في صغره من القراءة والكتابة، فأخذ يدرس باجتهاد وثبات، وبعد تعب سنين عديدة أتقن القراءة والكتابة بعض الإتقان، ثم أخذ يطالع الكتب الكثيرة ويقتبس ما فيها من الفوائد، وممَّا قاله عن حاله حينئذٍ: إنني كلما أكثرت المطالعة كثر شعوري بجهلي، واشتدت رغبتي في المطالعة، فكنت استغنم كلَّ فرصة للدرس، وكان الوقت الذي يمكنني أنْ أدرس فيه قصيرًا جدًّا؛ لأني كنت مضطرًّا أنْ أعمل كلَّ النهار لأجل تحصيل ما يقوم بمعيشتي، فكنت أفتح كتابًا أمامي وقت الأكل، فأقرأ في وقت كلِّ وجبة نحو خمس صفحات، ونحو ذلك الوقت قرأ مقالة الفيلسوف لوك في الذهن، فكانت أول باعث على توجيه أفكاره إلى علم ما وراء الطبيعة (المتافيزيك)، وتجريده عما فيه من شوائب الأوهام.
ثم شرع يعمل في حرفته وحده؛ لأنه كان كل هذه المدَّة صانعًا عند سكاف، وكان رأس ماله دريهمات قليلات، إلَّا أنَّ أحد جيرانه وكان طحَّانًا عرض عليه مبلغًا من المال قرضةً فقبله منه، واشترى الأدوات اللازمة وأخذ في عمله، ولم يمضِ عليه سنة حتى وفَّاه، وكان قصارى رغبته الاستقلال في العمل والاقتصاد، فكان ينام أحيانًا بلا عشاء مخافة أنْ يصبح وعليه دين، ولم ينسَ تهذيب عقله، فأكثر من المطالعة ودَرَس علم الفلك والتاريخ، وما وراء الطبيعة، وعكف بالأكثر على هذا العلم الأخير؛ لأن كتبه أقل من كتب الفلك والتاريخ، وقال: إنني أعلم أنَّ هذا المسلك وَعِر لا يسلكه من كان مثلي، ولكني عازم على الولوج فيه، ثم زاد على السكافة وما وراء الطبيعة الوعظ والبحث في المسائل السياسية، فأضحى حانوته ناديًا لرجال السياسة من أهل قريته، حتى إذا انقطعوا عن المجيء إليه ذهب إليهم، فانهمك في ذلك أي انهماك، وأضاع قسمًا كبيرًا من وقته، حتى كان يضطر أنْ يعمل إلى نصف الليل؛ لكي يعوض عما يضيعه في النهار، فحدث ذات ليلة أنه كان يطرِّق نعلًا في حانوته، فمرَّ به ولد صغير ووضع فمه في ثقب المفتاح، وصرخ قائلًا: «يا سكَّاف يا سكَّاف اشتغل في الليل ودُر في النهار.» قال درو فيما بعد إنه لو أُطْلِقَت طبنجة حينئذٍ بجانب أذني ما كنت انتبهت إليها أكثر مما انتبهت إلى صوت ذلك الولد، فطرحت النعل من يدي وقلت في نفسي لقد أصاب، فلا بُدَّ من أنْ أترك هذه العادة حتى لا أدعه يقول مثل ذلك مرة أخرى ما دمت حيًّا، ولا ريب عندي أنَّ هذا الصوت من الله، فتعلمت منه أن لا أترك للغد ما يمكنني عمله اليوم، ولا أتكاسل في عملي أبدًا، ومن تلك اللحظة طرح السياسة جانبًا، وعكف على عمله محييًا أوقات العطلة في الدرس والمطالعة، ثم تزوَّج ومال إلى نظم الشعر بعض الميل، وكان مكتبه المطبخ ومكتبته المنفخ.
وفي ذلك الوقت انتشر كتاب باين المعنون بعصر العقل، ووقع عند البعض موقعًا حسنًا، فألف درو رسالة ردًّا عليه نقض فيها كلَّ أدلته، وكان يقول بعد ذلك: إنَّ عصر العقل صيَّرهُ مؤلفًا.
ثم كتب عدة كتب ورسائل ونشرها، منها كتابه الشهير في جوهرية النفس وخلودها، كتبه وهو يعمل في حرفة السكافة، وباعه للطبع بعشرين ليرة حاسبًا ذلك ثمنًا كبيرًا، وقد طُبِع هذا الكتاب مرارًا عديدة، ولم يزل معتبرًا إلى يومنا هذا، ولم يغترَّ بما صادفه من النجاح، ولم ينتفخ ككثير من المؤلفين الأحداث، بل بقي يعمل في حرفته إلى ما بعد اشتهاره بالتأليف، وكان يكنس أمام باب دكانه بيده، ولم يتوقع أنْ يعيش من قلمه، بل من مِخْرَزه وإبرته على أنه عزم أنْ يحيي كلَّ أوقات العطلة بالقراءة والتأليف، ولكنه زاد علمًا وشهرة حتى استُخدم منشئًا لإحدى الجرائد، ومحررًا لبعض الكتب، وكان يكتب في جريدة الأكلكتك، وألَّف تاريخًا لوطنه وكتبًا أخرى، وكان يقول إلى آخر دقيقة من حياته: إني ابتدأت من أدنى الدرجات واجتهدت دائمًا على البلوغ إلى أعلاها بالمواظبة والاقتصاد والاستقامة، وقد وفَّقتني العناية الإلهية وكلَّلت مساعيَّ بالنجاح.
وممن اشتُهروا بالمواظبة يوسف هيوم الذي كان الثبات شعارًا له، وفاق مَن سواه بالاجتهاد والحزم والمروءة، مع أنَّ قواه العقلية كانت معتدلة، فإن أباه مات وتركه يتيمًا صغيرًا، فعالته أمُّه بتعب يديها، ووضعته عند جرَّاح ليتعلم الجراحة، فتعلم وسافر إلى الهند مرارًا عديدة? جرَّاحًا في السفن، ثم دخل في خدمة الشركة الهندية، فقام بعبء خدمته بكل نشاط، ونال اعتبار من هم أعلى منه فرفعوا مرتبته، وسنة ???? دخل في فرقة من الجند، فمات الترجمان فأقيم مقامه؛ لأنه كان قد درس اللغات الهندية وأتقنها، ثم جُعِل رئيسًا على أطباء الجند، وتسلَّم إدارة البريد ودفع المال، وتعهَّد بتقديم المؤن للجنود، وقام بعبء هذه الأعمال كلها، وبعد أنْ قضى نحو عشر سنين في العمل المتواصل رجع إلى إنكلترا بمال وافر، وكان أول شيء عمله أنْ أعطى فقراء عائلته ما يكفيهم على حدِّ قول الشاعر:
وإذا رزقتَ من النوافل ثروةًفامنح عشيرتك الأداني فضلها
ولم يكن ممن يتمتعون بنتيجة أتعابهم بالكسل والتراخي، بل كانت لذته العظمى في انصبابه على العمل، فطاف كل المدن الصناعية في المملكة؛ لكي يطَّلع على حالتها الأدبية والمادية، ثم طاف البلدان الأجنبية؛ لكي يطلع على أحوال صنائعها ومعاملها، ورجع إلى بلاده ودخل البرلمنت سنة ????، وبقي فيه نحو أربع وثلاثين سنة، وأول خطبة ألقاها في البرلمنت كانت في التعليم العمومي، وكان في كلِّ مدة عضويته مهتمًّا بهذه المسألة، وغيرها من المسائل التي تئول إلى رفع شأن الأمة، كإصلاح السجون والعقاب، وإقامة بنوك للمقتصدين، وحرية التجارة، والاقتصاد في النفقات، وامتداد العلاقات وما أشبه، ولم يتعرض لموضوع إلَّا أفرغ فيه جهده، ولم يكن فصيح اللسان إلَّا أنه كان لكلامه وقع عظيم؛ لأن السامعين رأوا فيه كلام رجل مستقيم مدقِّق، وكثيرًا ما كانوا يضحكون عليه ويهزءون به، ويغلبونه بأكثرية الأصوات، ولكنه كان يدافع عن آرائه بحماسة شديدة، فتحصل الفائدة من كلامه ولو كان الحكم ضده.
وكانت أعماله كثيرة جدًّا، فكان يقوم قبل الظهر بست ساعات، ويكتب تحاريره ويهيِّئ أوراقه للبرلمنت، ويتناول غداءه ويقابل نحو عشرين ممَّن لهم أشغال معه، ثم يذهب إلى البرلمنت، وكثيرًا ما كان اجتماع البرلمنت يمتد إلى الساعة الثالثة بعد نصف الليل، فكان يلازمه من أوله إلى آخره، والخلاصة أنه باشر أعمالًا عظيمة وواظب عليها سنين كثيرة، وكثيرًا ما كان يقوم كلُّ أعضاء البرلمنت ضده ويهزءون به ويغلبونه، ولكنه لم ينثنِ عن عزمه، ولا خارت قواه، ولا ضعفت آماله، وعاش حتى رأى الجميع يسلِّمون بأكثر مبادئه ويعملون بها، وهذا من أعظم ما جاءت به ترجمات البشر وأكبر الأدلة على قوة الثبات.
ولا يحسن بنا أنْ نختم هذا الفصل قبل أنْ نضيف إليه شيئًا مما جمعناه بعد البحث والتنقيب عن الذين اشتُهروا في البلاد الشرقية وكانوا مثالًا في الثبات والمواظبة، فزهير بن أبي سلمى كان ينظم القصيدة الواحدة في أربعة أشهر، وينقحها أربعة أشهر، ويعرضها على الشعراء أربعة أشهر، ثم يشهرها فسمِّيت قصائده بحوليَّات زهير، والأخطل الملقَّب بأشعر الشعراء بقي سنة كاملة يهذب قصيدته التي يقول فيها:
خفَّ القطين فراحوا منك أو بكروا
قبلما بلغ كلَّ ما أراد.
وابن الجوزي ألَّف كتبًا أكثر من أنْ تعد، والناس يغالون في ذلك على ما قاله ابن خلكان، ويقولون إنه جُمِعَت الكراريس التي كتبها مدة عمره وقُسمَت على المدة، فكان ما خصَّ كلَّ يوم تسع كراريس. قال وهذا شيء عظيم لا يكاد يقبله العقل.
وجلال الدين السيوطي كتب في كلِّ مسألة مصنفًا بأقوالها وأدلتها النقلية والقياسيَّة، وبلغت مصنفاته نحوًا من أربع مائة مصنف.
وعبد اللطيف البغدادي لم يخلِ وقتًا من أوقاته النظر في الكتب والتصنيف والكتابة، ومصنفاته عديدة تنيِّف على المائة والستين، وكان يُقرئ الناس في النهار بالجامع الأزهر، وفي الليل يشتغل على نفسه، وكتبه تشهد له بدقة البحث، وسعة الاطلاع، وغزارة المادة، وصدق الرواية.
وأبو الفرج الأصبهاني جمع كتاب الأغاني في خمسين سنة، وحُكِي عن الصاحب بن عباد أنه كان في أسفاره وتنقلاته يستصحب حمل ثلاثين جملًا من كتب الأدب ليطالعها، فلما وصل إليه كتاب الأغاني لم يكن بعد ذلك يستصحب سواه استغناءً به عنها، ولم يقتصر أبو الفرج على هذا الكتاب، بل ألَّف كتبًا أخرى كثيرة، ككتاب الإماء الشواعر، وكتاب الديارات، وكتاب الحانات وآداب الغرباء، وكتاب أيام العرب، وكتاب التعديل والانتصاف في مآثر العرب ومثالبها.
وابن الأثير صاحب المثل السائر والوشي المرقوم، حفظ من الأشعار القديمة والمحدثة ما لا يُحصَى كثرة، ثم اقتصر على شعر أبي تمام الطائي، وأبي عبادة البحتري، وأبي الطيب المتنبي، وكان يكرر عليها بالدرس مدة سنين حتى تمكَّن من صوغ المعاني، وصار الإدمان له خلقًا.
وحنين بن إسحاق المترجم المشهور ألَّف أكثر من سبعين كتابًا عدا الرسائل الكثيرة، ويعقوب بن إسحاق الكندي ألَّف خمسة عشر كتابًا ومائتين وخمسين رسالة في مواضيع شتَّى، وثابت بن قرة الصابي ألَّف اثنين وسبعين كتابًا ما عدا الرسائل المختلفة، وقسطا بن لوقا البعلبكي ألَّف سبعة وثلاثين كتابًا عدا الرسائل الكثيرة، والرازي ألَّف نحو ثمانين كتابًا، وابن سينا ألَّف نحو أربعين كتابًا في مائة وعشرين مجلدًا عدا غيرها من الرسائل، والفارابي ألَّف أكثر من ثمانين كتابًا، وكان في أول عمره ناطورًا (غفيرًا) في بستان بدمشق، وهو على ذلك دائم الاشتغال بالحكمة والنظر فيها، والتطلُّع على آراء المتقدمين وشرح معانيها، وكان ضعيف الحال يسهر للمطالعة والتصنيف، ويستضيء بالقنديل الذي للحارس، وبقي على ذلك مدة، ثم عظم شأنه، وظهر فضله، واشتُهرت تصانيفه، وكثرت تلاميذه، واجتمع به الأمير سيف الدولة وأكرمه إكرامًا كثيرًا، وعظُمت منزلته عنده، ويُذكَر أنه لم يكن يتناول من سيف الدولة سوى أربعة دراهم فضة في اليوم يخرجها فيما يحتاجه من ضروري عيشه، ويُذكَر عنه أيضًا أنه قال: قرأت السماع لأرسطو أربعين مرة، وأرى أني محتاج إلى معاودته. وهذا يماثل ما ذكره ابن سينا عن نفسه، قال: إني قرأت كتاب ما بعد الطبيعة، فما كنت أفهم ما فيه والتبس عليَّ غرض واضعه، حتى أعدت قراءته أربعين مرة، وصار لي محفوظًا، وأنا مع ذلك لا أفهمه، وأيست من نفسي، وقلت هذا كتاب لا سبيل إلى فهمه، وإذا إنه يومًا حضرت وقت العصر في سوق الوراقين وبيد دلَّال مجلَّد ينادي عليه، فعرضه عليَّ فرددته ردَّ متبرم، معتقد أنْ لا فائدة في هذا العلم، فقال لي: اشترِ مني هذا فإنه رخيص أبيعكه بثلاثة دراهم وصاحبه محتاج إلى ثمنه، فاشتريته فإذا هو كتاب لأبي نصر الفارابي في أغراض كتاب ما بعد الطبيعة، فرجعت إلى بيتي وأسرعت إلى قراءته، فانفتح عليَّ في الوقت أغراض ذلك الكتاب؛ بسبب أنه قد صار على ظهر القلب، وقال — أي ابن سينا — واصفًا كيفية انكبابه على الدرس: «كنت أرجع بالليل إلى داري وأضع السراج بين يدي، وأشتغل بالقراءة والكتابة حتى إذا غلبني النوم أو شعرت بضعف، عدلت إلى شرب قدح من الشراب، ريثما تعود إليَّ قوتي، ومتى أخذني النوم أحلم بتلك المسائل بأعيانها، حتى إنَّ كثيرًا منها انفتح عليَّ وجوهها في المنام.» وهذا شأن كلِّ العلماء العظام، فإن العلم لا يهبط عليهم بالوحي، والشهرة لا تأتيهم عفوًا، بل لا بُدَّ لهم من الدرس الكثير نهارًا وليلًا.
وأكثر الذين ألَّفوا في التاريخ والجغرافية من علماء الإسلام كانوا ينزعون إلى الارتحال والتجول؛ طلبًا لأسباب العلم، والتقاطًا لدرره، ويجمعون في أسفارهم شتات الأخبار ونوادر الآثار، ويتفحصون خواص البلدان وأمزجة الأقاليم، فالمسعودي لم يؤلف كتبه النفيسة حتى طاف أكثر الممالك الإسلامية، ودخل الهند وتفحص أقطارها، وجاب سواحل أفريقية الشرقية، واجتاز منها إلى جزيرة العرب.
وابن حوقل كان تاجرًا من تجار بغداد، فأقبل على التجوُّل في البلدان، واستمر في حلٍّ وارتحال ثمانيًا وعشرين سنة، ثم دوَّن أخبار رحلته في كتاب المسالك والممالك، ووصف فيه الأقطار والأصقاع التي طافها ومدنها، وأنهارها، ومناهلها، وغدرانها، وسباسبها، وقفارها، وألمع في ثروتها وتجارتها.
والهروي جاب بلاد الشام، ومصر، والمغرب، وجزائر البحر، وبلاد الروم، والجزيرة، والحرمين، واليمن، وبلاد العجم، والهند قبلما ألف كتاب الإشارات إلى معرفة الزيارات.
وياقوت الحموي الرومي كان يشتغل في التجارة، فقضى سنين كثيرة في الرحلة والتجول في بلاد العرب، ومصر، والشام، والجزيرة، وخرسان حتى تمكن من تأليف كتابه «معجم البلدان»، وهذا الكتاب من أجلِّ الكتب الموضوعة في فن الجغرافية لأنه «أحاط بجميع أقسام المعمورة، وذكر أسماء البلدان والجبال والأودية، والغيطان والقرى، والمحال والأوطان، والبحار والأنهار والغدران، والأصنام والأوثان، وتعرَّض للكلام على صفة الأرض وما فيها من الجبال والبحار، وذكر أمزجة البلدان وأهواءها، ومطالع نجومها وأنواءها.» ولقد لقي في تأليفه من المشقة والعناء ما يحله في المحل الأول بين رجال الإقدام والثبات.
وابن بطوطة الرحَّالة الشهير، صاحب تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار، خرج من طنجة مسقط رأسه عام ??? للهجرة، وله من العمر اثنتان وعشرون سنة، وتجوَّل في المغرب، وأفريقية، وطرابلس، وبرقة، ومصر، والشام، والعراق، واليمن، وسواحل أفريقية الشرقية، وجزائر بحر فارس، ودخل الأناضول وتجوَّل فيها، وقدَّم بلاد القرم وتسوَّح في جنوبي روسيا، ورحل إلى بلاد البلغار والقسطنطينية، ثم جال في البلاد الواقعة شرقي بحر الخزر، ودخل خوارزم، وبخارى، وخراسان، وقندهار، ووادي السند، وأقام بدلهي حاضرة ملك الهند ونُصِب على القضاء فيها، ثم ساح في الأقطار الصينية والتترية، ودخل سيلان، وسمطرة، وجاوة، وباكين قاعدة الصين، ثم انقلب إلى المغرب وكان قد بارح بلاده منذ ?? سنة، وما لبث أنْ وصل طنجة حتى عاد إلى الرحلة، فدخل الأندلس وتطوَّف فيها، ثم ذهب رسولًا من سلطان مراكش إلى بلاد السودان، ثم عاد إلى فاس وألف رحلته المشهورة، ووصف فيها ما شاهده في رحلته من الأمصار، وما علق بحفظه من نوادر الأخبار.

? إنَّ كاري ابن سكَّاف، وورد ابن نجَّار، ومرشام ابن حائك.
? لما كان هيوم جرَّاحًا في السفن تعلم فن الملاحة من نفسه فعاد عليه بالنفع بعد سنين كثيرة؛ وذلك أنه سافر مرة من لندن إلى ليث وصادف السفينة التي كان فيها نوء شديد، وجُنَّ الناخذاة (القبطان) فاستلم هيوم إدارة السفينة ونجَّاها من الغرق.
الفصل الخامس
في الفُرص ومعدَّات النجاح
قال الفيلسوف باكون: لا يقدر العقل ولا اليد أنْ يفعلا كثيرًا إذا تُركا وحدهما، ولا يتم عمل إلَّا بأدوات ومعونات يحتاج إليها العقل كما تحتاج إليها اليد.
وقيل في اللاتينية: إنَّ الفرصة عجوز شمطاء، قد تناثر شعر قَذَالها وتكاثر شعر ناصيتها، فإن ابتدرتها من قبل مَسَكتَها وإذا تركتها حتى جاوزتك لم تقدر على مسكها أنت ولا زفس نفسه.
***
فِعْل الصدفة في الأعمال العظيمة طفيف جدًّا، والاجتهاد والثبات هما السبيل الأكيد للنجاح، وأكثر ما يُنْسَب إلى الاتفاق أو ما يقال عنه أنه رمية من غير رامٍ إنما هو نتيجة مزاولة طويلة. يُحْكَى أنَّ المصوِّر ولسن كان إذا صوَّر صورة يبعد عنها قليلًا، ويضع قلمًا في رأس عصًا طويلة، ويحدق بنظره إلى الصورة، ثم يلمسها برأس القلم لمسات قليلة فتزيد جمالًا ورونقًا، ولكن ما كلُّ مَنْ وضع قلمًا في رأس عصًا يقدر أنْ يفعل كما فعل ولسن؛ لأن ولسن لم يبلغ هذا المبلغ إلا بعد المزاولة الطويلة، فمن حاول ذلك ولم يكن متمرنًا كان خطؤه أكثر من صوابه.
والانتباه الشديد والاجتهاد الدائم صفتان لازمتان للعامل الحقيقي، والرجال العظام لا يغفلون عن أمرٍ مهما كان صغيرًا، ولا يملون من التعب والمزاولة. حُكِي أنَّ الشهير ميخائيل أنجلو كان مرة يبيِّن لأحد أصحابه ما فعله في تمثال كان أمامه بعد زيارة صاحبه هذا له، فقال: إنني قد رفعتُ هذا الجزء، وخفضت ذاك، ودققت هذا وغلَّظْتُ ذاك. فقال صاحبه: ولكن ذلك أمر طفيف جدًّا. فقال: لعلك مصيب فيما قلت، ولكن اعلمْ أنَّ الكمال مجموع أمور طفيفة، ويُرْوَى أنَّ المصور نقولا بوسن جعل دستورًا لأعماله أن كل ما يستحق أن يُعْمَل يجب أنْ يُعْمَل جيدًا. وقيل إنه بعد أنْ تقدَّم في السن سأله صاحبه ده مرفيل: بم حصَّلتَ هذا الاسم العظيم بين مصوري إيطاليا؟ فأجابه على الفور: بعدم إهمالي شيئًا.
ومن الاكتشافات ما ينسب إلى الصدفة، ولكننا إذا أمعنا النظر وجدنا أنه قلَّما يوجد فيها ما يستحق أنْ يُنسَب إلى الصدفة، ويمكننا أنْ نقول إنَّ ما يُدعَى صدفة ليس إلا فرصة مناسبة انتهزها أولو الدراية. ومن هذه الاكتشافات التي ينسبها البعض إلى الصدفة سقوط التفاحة أمام نيوتن، ولكن ألا يعلم هؤلاء أنَّ عقل نيوتن كان مشتغلًا منذ سنين عديدة في البحث عن سبب الثقل، وكان سقوط التفاحة وسيلةً لاهتداء أفكاره إلى حقيقة هذا الموضوع، ومن ظن أنَّ فقاقيع الصابون تقود الفيلسوف يَن لاكتشافه المتعلق بانحلال النور. والمتعارف أنَّ الرجال العظام لا يلتفتون إلَّا إلى الأمور العظيمة، ولكن ذلك ليس بسديد؛ لأن نيوتن ويَن كانا يلتفتان إلى الأمور الصغيرة كما يلتفتان إلى الكبيرة، وهما من أعظم رجال الدنيا.
إنَّ من أكبر علل التفضيل بين الناس عدم تساويهم في الانتباه. قال المثل المسكوبي: «إنَّ عديم الانتباه يطوف الغابات، ولا يرى فيها خشبًا يصلح للوقود.» وقال الجامعة: «الحكيم عيناه في رأسه، أما الجاهل فيسلك في الظلام.» وقال السر جونسن لظريف عند رجوعه من إيطاليا: «قد يستفيد البعض من مرسح همستد أكثر مما يستفيد غيرهم من السياحة في كلِّ أوروبا.» وحيث لا يرى الجهال شيئًا يرى العقلاء أمورًا كثيرة، ويخترق نظرهم ما أمامهم من الحوادث، فيرون ما بينها من المشابهة والمخالفة، ويقيسون بعضها على بعض ويعرفون أسبابها. مثلًا إنَّ كثيرين قد رأوا جسمًا معلقًا بحبل يتحرك إلى الأمام والوراء، ولكن ما منهم من استنتج من ذلك شيئًا سوى غليليو، فإنه رأى يومًا قنديلًا يتحرك في قبة كنيسة بيزا، فانتبه إليه مع أنه كان فتًى في الثامنة عشرة، وما زال يُعمِل فيه فكرته مدة خمسين سنة حتى اسْتَتبَّ له أنْ يستخدم حركته لقياس الوقت، وما من أحد من رجال العلم ينكر أهمية هذا الاختراع، أو يقيس به اختراعًا آخر، وسمع غليليو مرة أنَّ إنسانًا هولنديًّا اسمه ليبرشي صانع عوينات أهدى للكونت موريس آلة إذا نظر بها إلى الأشباح البعيدة بانت قريبة، فاشتغل في هذا الموضوع، وما زال يعمل فكرته حتى اصطنع التلسكوب الذي هو أساس علم الهيئة الحديث. فلا يمكن لأحد أنْ يكتشف اكتشافات مثل هذه ما لم يكن شديد الانتباه.
قيل إنَّ السر صموئيل برون كان يتأمل كثيرًا في إقامة قنطرة لنهر تويد، تكون متينة وقليلة النفقة، فحدث أنه شاهد عنكبوتًا مادَّةً خيطها من شجرة إلى أخرى، وكانت تسير عليه كما تسير على جسر، فخطر على باله أنه يمكن أنْ تُصطنع حبال أو سلاسل من حديد وتعلق من جانب إلى آخر فيكون منها جسر متين رخيص، فاصطنع الجسر المسمى بالجسر المعلق على هذا المبدأ. وقد تعلم السر إيسمبرت برتل طريقة عمل السرب المشهور تحت نهر التمس من الأرَضة التي تنقر الخشب بمشفريها وتدهن الأزج الذي تنقره بمادة لزجة القوام، فمثَّل هذا العمل تمامًا واحتفر ذلك السرب العجيب.
والرجل النبيه يستفيد من الحوادث التي يراها مهما كانت طفيفة. ألا ترى أنْ كولمبس مكتشف أميركا سكَّت شغب رجاله وأقنعهم أنهم مصيبون برًّا؛ إذ رأى شيئًا من العشب طافيًا على وجه الماء. وما من أمر إلا وله شيء من المنفعة مهما كان طفيفًا. فعلى بال من خطر أنَّ أكثر الجبال والصخور الكلسية بَنَتها حيواناتٌ صغيرة لا تُرَى إلَّا بواسطة الميكرسكوب. فليس بعجيب إذا تولدت الكبائر من الصغائر، ونتجت النتائج العظيمة من المبادئ الطفيفة، بل إنَّ سرَّ تقدم العلوم والفنون والصنائع والحرف هو ملاحظة الأمور الدقيقة الطفيفة، وجميع العلوم مؤلفة من مجموع ملاحظات الأجيال السالفة والحاضرة مع أنَّ كثيرًا من هذه الملاحظات بانَ في أول الأمر طفيفًا لا طائل تحته، وربما بقي زمانًا طويلًا بدون أنْ تنتج منه فائدة. ألا ترى أنَّ علم القطوع المخروطية الذي وضعه أبولونيوس برجيوس بقي أكثر من عشرين قرنًا قبل أنْ استُخدم لشيء، أما استخدامه فكان في علم الفلك الذي لا ينكر أحدٌ فائدته في أمور كثيرة ولاسيما في سلك البحار. ولو لم يتعب الرياضيون أجيالًا عديدة في معرفة نسبة الخطوط والسطوح بعضها إلى بعض ما تمت كلُّ الاختراعات الميكانيكية التي نراها في هذا العصر.
قيل إنه لما اكتشف فرنكلين وحدة البرق والكهربائية، قال له البعض ازدراءً: ما منفعة هذا الاكتشاف؟! فأجاب: إنه سيشب كما يشب الطفل فتُرَى منفعته. وعلى بال مَنْ خطر أنَّ اكتشاف كلفني لحركة عضلات الضفدع إذا اتصل بها معدنان مختلفا النوع تنتج منه نتائج عظيمة، مثل التلغراف الذي ربط العالم بعضه ببعض كما تربط الأعصاب أعضاء الجسد. أو أن نقْبَ قطع صغار من الحجارة والأحافير يولِّد علمين جليلين، وهما علم الجيولوجيا وعلم المعادن، وفوائد هذين العلمين أشهر من أنْ تذكر ولا سيما علم المعادن. والآلات العظيمة التي تدير المعامل، وتسيِّر المراكب، وتخترق الجبال، وتعمل كلَّ عمل صغيرًا كان أو كبيرًا، يتوقف فعلها على نقط صغيرة من الماء، تمددت بالحرارة حتى صارت بخارًا، وهي على صغرها إذا حُصِرَت في آلة فعلت بقوة تزيد على قوة ربوات من الخيل، وهذه القوة نفسها تفعل في جوف الأرض، فتسبب براكينها وزلازلها.
قيل إنَّ مركيز وستر انتبه إلى موضوع البخار لمَّا كان مسجونًا في برج لندن من ملاحظته ارتفاع غطاء إناءٍ متضمن ماءً غاليًا، ثم بحث في هذا الأمر طويلًا ودوَّن كلَّ ما لاحظه في كتابه المسمى عصر الاختراعات، ثم قام سفري ونيوكمن وغيرهما وسعوا في استخدام ملاحظات وستر، فاصطنعوا الآلة البخارية، وأوصلوها إلى الدرجة التي رآها فيها وط لما استُدعي لإصلاح آلة نيوكمن الخاصة بمدرسة كلاسكو الجامعة كما تقدم، أما وط فلم يدع هذه الفرصة تذهب سُدًى بل انتهزها، فجعلته يقضي عمره في إصلاح الآلة البخارية.
وانتهاز الفرص ومراقبة الحوادث العرضية وتحويلها إلى مقصد من المقاصد، سرٌّ عظيم من أسرار النجاح، ومن قصد النجاح في أمر لا بدَّ من أنْ يجد فرصًا تُيسِّر له ذلك الأمر، وإن لم يجدها يوجدها لنفسه. وليس النجاح متوقفًا على الدرس في المدارس الكبيرة والانتظام في المجامع العلمية؛ لأن أكثر العلماء والمخترعين لم يكن لهم شيء من هذه التسهيلات، بل إنهم أفلحوا بواسطة الصعوبات، وأفضل الصنَّاع لم يكن له أدوات مناسبة ليعمل بها، ولكن ليس الصانع بأدواته بل بحذاقته ومواظبته.
قيل سأل بعضهم أوبي المصوِّر: بِمَ تمزج الألوان حتى تصير بديعة بهذا المقدار؟ فأجابه على الفور: إني أمزجها بدماغي. وهذا شأن كلِّ صانع ماهر، ألا ترى أنَّ فرغوسن صنع ساعة خشب، ولم يكن معه من الأدوات غير سكين صغيرة مما يوجد مع كلِّ ولد، ولكن ليس كلُّ ولد فرغوسن. والدكتور بلاك اكتشف الحرارة المختفية بواسطة كوبة من الماء وثرمترين فقط، والفيلسوف نيوتن حل النور وعرف أصل الألوان بواسطة موشور وعدسيات وقرطاس. قِيل زار أحد العلماء الدكتور وُلَستون، وطلب إليه أنْ يريه محل امتحاناته الذي اكتشف فيه تلك الاكتشافات العظيمة، فأدخله غرفة صغيرة، وأراه كوبة عتيقة فيها قليل من زجاجات الساعات وأوراق الكشف، وبجانبها ميزان صغير وبوري، وقال له: هذه كلُّ الآلات التي أستعملها. وستوثرد تعلم صناعة تركيب الألوان من أجنحة الفراش، وقد قال من فمه: لا أحد يعرف كم أنا مديون لهذا الحيوان الصغير. وولكي شرع يتعلم التصوير وقلمه فحمة وقرطاسه باب مذود، وبيوِك تعلم الرسم وقلمه الطباشير وقرطاسه الأبواب أيضًا، وفرغوسن عمل خريطة للأجرام السماوية على هذه الكيفية، وهي أنه كان يذهب إلى البرية، ويلتحف بإزار، وينام على ظهره، ويقيس البعد النسبي بين جرم وآخر بواسطة السبحة، وفرنكلين عرف ماهية الصاعقة بواسطة الطيارة، ووط استعمل حقنة صغيرة في مثال الآلة البخارية التي صنعها، وجفُرد كان يحل المسائل الرياضية وهو صانع عند إسكاف على قطعة من جلد بعد أنْ يصقلها بالتطريق، ورتنهوس الفلكي كان يحسب الكسوفات والخسوفات على مقبض المحراث.
وحوادث الحياة التي اعتدنا على مشاهدتها يوميًّا، فيها ما يكفي الإنسان من الفُرَص والوسائط إذا لم يتأخر عن انتهازها. فالأستاذ لي الشهير تَنَبَّه إلى درس اللغة العبرانية؛ إذ كان نجارًا برؤيته توراةً في العبرانية في مجمع دُعِيَ إليه ليصلح مقاعده، فاشترى كتاب نحوٍ عتيقًا في العبرانية بثمن زهيد، وأخذ يدرس تلك اللغة بجد حتى أتقنها، وصار مدرِّسًا فيها. قيل سأل ديوك أرجيل أدمندَ ستون: كيف أمكنك، وأنت ولد فقير، أنْ تقرأ كتاب «المبادئ» لنيوتن في اللاتينية؟ فأجابه: «إذا تعلَّم الإنسان الحروف الهجائية أمكنه أنْ يتعلم كلَّ ما يريد.»
إنَّ السر ولتر سكت وجد سبيلًا لتوسيع معارفه في كلِّ عمل أخذ فيه، وكان يستفيد من كلِّ حادثة ولو حدثت صدفة، فلما كان كاتبًا اضطره عمله أنْ يزور البلاد العالية «في أسكتسيا»، فتعرف بالأبطال الذين خاضوا معامع الحروب القديمة، واقتبس منهم أخبارًا كثيرة، جعلها أساسًا لأكثر تآليفه، ثم لما تقدم في السن جُعل رقيبًا على جراية الفرسان في أدنبرج، فاتفق أنَّ فرسًا لَبَطَه فمنعه عن المشي فلازم بيته مدة، ولكنه كان مطبوعًا على بغضة الكسل، فأخذ في التأليف، فصنف الجزء الأول من شعره المسمى أغنية المغني الأخير في ثلاثة أيام، وهذا الشعر من أول مبتكراته التي اشتُهر بواسطتها.
وأول شيء نبَّه الدكتور بريستلي مكتشف الغازات إلى موضوع الكيمياء، رؤيتُه ألوانًا مختلفة في الأقياس التي تنطفئ في الغازات الصاعدة عن السائلات المختلفة، وعندما لاحظ ذلك كان ابن أربعين سنة، ولم يكن يعرف شيئًا من علم الكيمياء، فأخذ يفتش في الكتب عساه أنْ يجد سببًا لذلك؛ لأنه لم يكن يُعرَف من هذا الموضوع حينئذ إلا القليل، فأَعَدَّ لنفسه بعض الأدوات، وشرع يمتحن بها، وتدرَّج من امتحان إلى آخر، فأوجد علمًا قائمًا بنفسه هو الكيمياء الغازية، وفي ذلك الحين كان شيل الأسوجي يشتغل في هذا الموضوع في قرية من أسوج، فاكتشف عدة غازات ولم يكن عنده من الأدوات سوى قليل من القناني والمثانات.
والسر همفري دافي امتحن امتحانات كثيرة، وهو صانع عند صيدلاني بواسطة أدوات صغيرة جدًّا مثل المقالي والقدور والقناني وغيرها، وحدث مرة أنَّ سفينة فرنسوية غرقت بقرب لندس أند، ونجا جراحها، فتعرف بدافي وأهداه حقنة عتيقة كان قد خلَّصها من الغرق، ففرح بهذه الهدية فرحًا لا مزيد عليه، واصطنع بها آلة لتفريغ الهواء، استخدمها في البحث عن ماهية الحرارة ومصدرها.
والأستاذ فَردَاي خليفة السر همفري دافي امتحن أول امتحان في الكهربائية بقنينة عتيقة وهو صانع عند مجلد كتب، ومن الغريب أنه مال إلى درس الكيمياء بسماعه خطبة فيها من السر همفري دافي في المدرسة الملكية، وفي ذات يوم أتى إلى حانوت معلمه رجل من عمدة تلك المدرسة، فوجده عاكفًا على درس الكهربائية في إنسكلوبيديا كان يجلدها، ثم وجد أنَّ له رغبة شديدة في درس هذا العلم، فأذن له بدخول المدرسة، فدخل وسمع فيها أربع خطب من السر همفري دافي، فدَوَّن شيئًا من هذه الخطب، وأراه للخطيب فشهد بصحته، وانذهل لما علم أنَّ ذلك الشاب لم يكن سوى صانع عند مجلد كتب، ثم إنَّ فَرَداي أطلع السر همفري على قصده، وهو إيقاف نفسه على العلوم الكيماوية، فنهاه عن ذلك، فلم ينته بل لازم الدرس إلى أنْ صار معاونًا للسر همفري، وأخيرًا جلس صانع مجلد الكتب في منصب صانع الصيدلاني (أي السر همفري).
وكتب دافي في مفكرته وهو ابن عشرين سنة: «ليس لي غنًى ولا قوة ولا شرف، ولكن إذا فسَّح الله لي في الأجل خدمت جيلي أكثر مما لو كنت غنيًّا قويًّا شريفًا.» وكان له استطاعة على توجيه كلِّ قوى عقله إلى الموضوع الذي يبحث فيه وإلى كلِّ متعلقاته، ومَن كانت هذه الصفة صفته، فلا بدَّ من أنْ يأتي بنتائج كثيرة. قال كلردج في وصف دافي ما معناه أنَّ عقله كسيفٍ فيه صفتا المرونة والصلابة، فلم ينبُ عن مسألة إلا رجع إليها حالًا وفصلها كيف لا، ولم يُعرَض عليه مشكل إلا حلَّه وأنار ظلمته بنور حكمته وبرهانه السديد، أما دافي فقال في كلردج ما مفاده أنه شديد الذكاء، واسع الفكر، رحب الصدر، ولكنه عديم النظام، قليل التدقيق.
وكيفيه العظيم كان من أشد الناس انتباهًا، وأكثرهم اجتهادًا وتدقيقًا في الأمور، قيل إنه مال إلى درس التاريخ الطبيعي وهو صبي صغير برؤيته مجلدًا من كتاب بفون، فأخذ من ساعته في نقل الصور التي فيه وتلوينها حسب الشرح، ولما كان في المدرسة أهداه بعض معلميه كتاب نظام الطبيعة للينيوس النباتي، فكان هذا الكتاب كلَّ ما يملكه من الكتب في التاريخ الطبيعي مدة عشر سنين، ولما بلغ الثامنة عشرة جُعل مُعلمًا لأولاد عائلة ساكنة بقرب البحر، وإذ كان ماشيًا ذات يوم على شاطئ البحر، رأى أخطبوطة مطروحة على الشاطئ، فاستغرب منظرها، وأخذها إلى بيته ليُشَرِّحها، ومن ثَمَّ شرع في درس الحيوانات الرخوة، وهو العلم الذي اشتُهر به بعدئذٍ شهرة فائقة، وكان كلَّ يوم يرى أمورًا جديدة، فتؤثر فيه رؤيتها أكثر من صورها وأوصافها، فمر عليه ثلاث سنوات قابل فيها بين الحيوانات البحرية والأحافير (ما يحفر من الأصداف والأسماك المتحجرة) التي في تلك النواحي، وشرَّح كلَّ حيوان بحري وصلت إليه يده، وبعد البحث المدقق أعدَّ طريقًا للإصلاح الكامل في ترتيب أنواع المملكة الحيوانية، ونحو ذلك الوقت تعرَّف بالعالم الشهير الأب تسيه، فكتب هذا إلى أصحاب له في باريس، من جملتهم جسو يمدح كيفيه ومعارفه الطبيعية، وبالغ في مدحه حتى إنهم طلبوا من كيفيه أنْ يرسل بعض ما كتبه في هذا الفن إلى لجنة التاريخ الطبيعي، ثم عيَّنوه معاونًا لمدير جردن ده بلنت، قال تسيه في كتابه إلى جسو: «ألا يخطر ببالك أنني أنا الذي قدَّمْتُ دلمبر إلى الأكادمي، وأنا الآن أقدم لها دلمبرًا آخر.» ومن ينكر أنَّ كلام تسيه قد تَمَّ بكلِّ معانيه.
يظهر مما تقدم أن ليس الفضل للصدفة في نجاح الذين نجحوا ولا للفرص بل لاجتهادهم وحزمهم. وأحسن الفرص وأفضل الوسائط لا تنفع الكسلان المتهامل شيئًا؛ لأنه يتجاوزها ولا يرى فيها نفعًا، ولكن النجاح الذي يحصل من اغتنام الفرص والانتفاع بها يفوق التصديق، فإن وط مثلًا درس الكيمياء والميكانيكيات وهو يصنع الآلات الرياضية، وكان في ذلك الحين يتعلم اللغة الجرمانية من صباغ سويسراني. وستفنس درس الحساب والمساحة في بدل الليل وهو يوقد في آلة بخارية، وكان يستخرج المسائل الحسابية في فرص الأكل بقطعة طباشير على جوانب مركبات الفحم. ويُروَى عن دلَتن الشهير أنه كان يقيم في المدرسة شتاءً، ويعود في الصيف إلى حراثة الأرض، وكان يتبارى هو ورفقاؤه في الدرس على رهان يكسبه السابق، فكسب مرة ما أمكنه من ابتياع شموع تكفيه فصل الشتاء، وقيل إنه دام على أخذ الرصود الميتيورولوجية إلى يوم أو يومين قبل وفاته، وكانت جملة أرصاده ?????? رصد.
إنَّ أهل المواظبة يستخدمون فضلات الوقت لمقاصد جليلة، وينتفعون بها نفعًا عظيمًا، والإنسان الذي عقله في درجة متوسطة يقدر أن يتقن بعض العلوم في أقل من عشر سنين إذا درسها ساعة فقط كلَّ يوم، ويجب أن لا تُصرَف ساعة من الوقت بدون ثمرة عقلية أو مادية، ولله در القائل:
إذا فاتني يوم ولم أصطنع يدًاولم أكتسب علمًا فما ذاك من عمري
قيل إنَّ الدكتور مازون كود ترجم لكرتيوس في جولانه من بيت مريض إلى بيت مريض آخر. والدكتور داروِن أَلَّفَ كلَّ كتبه على الطريقة نفسها. والدكتور برني تعلم الفرنسوية والإيطالية، وهو ذاهب إلى بيوت تلامذته ليعلمهم الموسيقى. وكرك هوَيت تعلم اليونانية في ذهابه إلى مجلس القضاء وإيابه. والمؤلف يعرف رجلًا معتبرًا، تعلم اللاتينية والفرنسوية وهو يحمل التحارير إلى أربابها في أسواق منشستر. ودَغَسُّو أحد مشيري فرنسا ألَّف كتابًا ضخمًا في الفترات على المائدة بين طعام وطعام. ومدام ده جنلي ألَّفت عددًا من كتبها في الدقائق القليلة التي كانت تمضيها في انتظار الأميرة التي كانت تدرسها. وإليهو بُرِث نَسَبَ نجاحه إلى اغتنامه فضلات الوقت، فإنه أتقن ثماني عشرة لغة قديمة وحديثة عدا عشرين لغة من لغات أوروبا وهو يحصل معيشته من صناعة الحدادة.
الوقت ثمين وهو رأس مالنا الوحيد، وإن فات لا يرجع البتة. قال جكسن الأكستري: إذا أسرف الإنسان في ماله اليوم أمكنه أنْ يقتصد غدًا بما يعوض الخسارة، ولكن مَن يمكنه أنْ يقول سأقتصد في ساعات الغد ما يعوض عن ساعات اليوم. قيل إنَّ ملنكثون كان يُدَوِّن كلَّ ساعة أضاعها حتى يزيد اجتهادًا بما يعوض عنها. كتب أحد العلماء الإيطاليين على بابه: مَنْ دخل هذا البيت يجب أنْ يشترك مع الذين فيه في عملهم. وقيل إنَّ قومًا دخلوا مكتبة بكستر بقصد الزيارة، وقالوا له من باب التجمُّل: نخاف أنْ نكون قد أضعنا وقتك. فأجابهم: حقًّا قد أضعتم.
وقد يتعب بعض الناس في إتمام أعمالهم تعبًا يفوق التصديق، فإن نيوتن كتب كتابه المسمى بالخرونولوجيا خمس عشرة مرة قبلما أتمَّ تهذيبه. وكبون كتب كتابه «المموار» تسع مرات. وهَل درس سنين عديدة، وكان معدل درسه ست عشرة ساعة كلَّ يوم، ولما كان يتعب من درس الشريعة كان يريح نفسه بدرس الفلسفة والرياضيات. وهيوم كان يكتب في تاريخه ثلاث عشرة ساعة كلَّ يوم. وقال مُنتسكيو لأحد أصحابه: إنك تقرأ هذا الكتاب في ساعات قلائل، ولكني أؤكد لك أنني قد تعبت في تأليفه تعبًا شيَّب رأسي.
ومن الأمور المفيدة التي يمارسها أكثر رجال العلم تدوين كل ما يخطر لهم من الأفكار، أو يسمعونه من الفوائد مخافة أنْ يضيع من حيِّز الذاكرة، فإن اللورد باكون ترك بعد وفاته كتب خطٍّ كثيرة سمَّاها أفكار فجائية كُتبت لتُستعمَل. والدكتور باي سمث كان يلخص كلَّ الكتب التي يقرؤها وهو عامل مع أبيه في صناعة التجليد وينتقدها ويكتب الملخص والانتقياد، وجرى على ذلك حياته كلها، حتى قال فيه كتَّاب ترجمته: إنه كان على الدوام عاملًا جامعًا متقدمًا، أما الكتب التي جمعها على هذا الأسلوب فكمعدن للعلم والمعرفة، وقد جرى هذا المجرى الشهير جون هنتر تعويضًا عمَّا به من ضعف الذاكرة، وشبَّه من يقرأ كتابًا ولا يُدَوِّن ما يُبقِي في ذاكرته منه بتاجر لا يكتب أسماء بضائعه ليعلم كم عنده من كلِّ صنف، ويليق بنا أنْ نذكر طرفًا من سيرة هذا الشهير، فنقول:
إنه لم يتعلم القراءة إلا بعد أنْ بلغ عشرين سنة من العمر، ثم صار طبَّاعًا في كلاسكو، ثم اتصل بأخيه الذي كان مقيمًا في لندن معلمًا في التشريح، وكان معاونًا له في التشريح العملي، ثم فاقه بميله الطبيعي واجتهاده، وكان أول من وَقَف نفسه في البلاد الإنكليزية على علم تشريح المقابلة، وجمع فيه مجموعًا كبيرًا رتبه فيما بعدُ الدكتور أُوِن، ولكن لزم له لترتيبه مدة عشر سنين، وفي هذا المجموع أكثر من عشرين ألف راموز، ولم يجمع إنسان واحد مجموعًا مثله قط، وكان مع ذلك يمارس صناعة التطبيب في بيته والجراحة في مستشفى مار جرجس وبين الجنود، ويخطب خطبًا في هذا الفن، ويدير مدرسة تشريحية في بيته، ومع هذه الأشغال الوفيرة ألَّف كتبًا كثيرة، وامتحن امتحانات عديدة في نظام الحيوان، وكان ينام أربع ساعات فقط في الليل وساعة بعد الفطور، ولولا ذلك ما قام بهذه الأعمال الكثيرة العظيمة. قيل: سأله بعضهم: كيف عملت حتى نجحت في كلِّ أعمالك؟ فقال: إني قبل أنْ أشرع في عمل أقف وأتأمل في إمكانيته، فإن لم يكن ممكنًا تركته وإلا أخذت فيه، وما زلت حتى أكملته ولو مهما نالني منه من التعب والعناء. هذا هو سر نجاحي.
وأقام زمانًا طويلًا يلاحظ أمورًا كثيرة، يعدها أهل عصره طفيفة لا طائل تحتها، ولا يُرجَى منها كبير فائدة، فقد اتهمه معاصروه أنه أضاع وقته في ملاحظة نمو قرن الغزال، إلَّا أنه كان يرتَئِي أن لا شيء من التدقيق في الأمور العلمية عديم الفائدة، وكانت نتيجة بحثه في نمو قرن الغزال أنه عرف كيفية نمو الشرايين وتقلبها بتقلب الأحوال، فتجاسر مرة على ربط جذع شريان فرعي حدث فيه أنيورزم، فأنقذ العليل من الموت، ولم يجسر أحد على هذه العملية قبله، وسار كلَّ حياته معتمدًا على نفسه، ولم يرَ معاصروه غاية أبحاثه إلا أنه واظب عليها بهمة عالية حاسبًا الجري فيها من الواجبات التي لا يفشل مَنْ يسعى في إتمامها.
وهاك مثالًا آخر للانتباه والصبر والإقدام والمواظبة في حياة أمبروز باري الجراح الفرنساوي الشهير، وُلِدَ هذا الرجل في لافال سنة ???? من أبوين فقيرين جدًّا، فلم يقدرا أن يرسلاه إلى مدرسة، بل وضعاه عند خوري قريتهما خادمًا أملًا بأن يقتبس منه شيئًا من العلوم، ولكن الخوري المذكور استخدمه في سياسة بغلته وغيرها من الأعمال الدنيئة حتى لم يجد وقتًا للدرس، وبينما هو في خدمته دُعي الشهير كوتو لعملية حصاة المثانة في لافال، وكان باري حاضرًا مع من حضر، فرأى من تلك العملية ما جعله يعزم من ساعته على درس فن الجراحة، فترك خدمة الخوري وخدم عند حلَّاق جراح، وتعلم منه الفصد وقلع الأسنان وعَمَل بعضِ العمليات الصغيرة، وبعد مضي أربع سنوات انتقل إلى باريس، وطلب في مدرسة التشريح والجراحة، وكان يحصل من الحلاقة ما يقوم بمعيشته، ثم صار معاونًا في هوتل ديه، وكان يُضرَب المثل بحسن سلوكه واجتهاده حتى إن كوبِل رأس الجراحين سلَّمَهُ المرضى الذين لم يقدر أنْ يقف عليهم هو، ولما انتهت المدة المعينة للطلب عُيِّن معلمًا في المدرسة، ثم عُيِّن جراحًا لجند منمورنسي، فلم يكتفِ بما اقتبسه من العلم ولا بالسبيل الذي سار فيه مَن تقدمه من الأطباء، بل كان كثير الافتكار والتأمل في أسرار صناعته وأصولها ومصدر الأمراض ومسيرها والبلوغ إلى العلاج الشافي.
وكان الجراحون في أيامه وما قبلها يعذبون جرحى الحروب أكثر مما يعذبهم الأعداء؛ لأنهم كانوا يوقفون الدم من جروح الرصاص بالزيت الغالي، ويوقفون النزف الدموي بالكي بالحديد المحمي، وإذا ألجأهم الأمر إلى بتر عضو كانوا يبترونه بسكين محماة إلى درجة الحمرة، وكان باري يداوي الجروح على هذا الأسلوب، ولكنه حدث يومًا أنه لم يكن تحت يده زيت غالٍ، فآسى الجرح بمضادات الالتهاب، ونام ليلته في قلق عظيم مخافة أنْ يكون أخطأ في العلاج، ولكنه رأى في الصباح أنَّ الذي عالجه هذه المعالجة مقبلٌ على الشفاء، والذين عالجهم المعالجة المعتادة في عذاب أليم. هذا أصل الإصلاح الذي أحدثه في علاج جروح الرصاص فصار يعتمد عليه دائمًا، ثم أدخل إصلاحًا آخر أهم من الأول، وهو قطع النزف بربط الشرايين بدلًا من الكي، فقام عليه الجراحون وقالوا إنَّ معالجته هذه شديدة الخطر وغير أصولية واعتصبوا ضده عصبةً واحدة، وطعنوا فيه، وقالوا إنه عديم العلم ولا سيما لجهله اللاتينية واليونانية، وأثبتوا غلطه بعبارات اقتبسوها من كتب الأوائل، لم يقدر أنْ يثبتها ولا أنْ يدحضها، وأفضل ما قدر أنْ يجيبهم به هو نجاح معالجته. وكان الجرحى يدعون باسمه دائمًا، ولم يقبلوا علاج أحد غيره، فعالجهم بالشفقة والحنو، وكان بعد أنْ يضمد جراحاتهم يقول لهم: قد عملت ما عليَّ وعلى الله الشفاء. وبعد أن مضى عليه ثلاث سنوات في خدمة الجند رجع إلى باريس وله شهرة عظيمة فأُقِيم جرَّاحًا للملك.
ولما أتى كارلوس الخامس بجيوش إسبانيا وحاصر متس، هلك من المحاصَرين خلق كثير، وكان الذين ماتوا بيد الجراحين أكثر من الذين قتلهم العدو، فأرسل دوك كيز رئيس المحاصَرين يتضرع إلى الملك أنْ يرسل إليه باري فأرسله، وبعد معاناة مشقات كثيرة وأخطار عديدة اخترق جيوش العدو ودخل متس، فتأهل به الدوك والقواد والرؤساء، وأما الجنود فلما سمعوا بقدومه صرخوا: «لسنا نخاف الموت من جراحنا فيما بعد؛ لأن صديقنا صار بيننا.»
وفي السنة التالية كان باري في مدينة هسدن، ففتحها دوك سافوي وأخذه أسيرًا، إلا أنه شفى بعض قواد جنده، فأطلق سبيله بلا فدية، فرجع إلى باريس، وصرف غابر حياته في الدرس والتأليف والمبرَّات، وطلب منه بعض العلماء المعاصرين له أنْ يكتب أعماله الجراحية، فكتبها في ثمانية وعشرين مجلدًا، طُبعت في أيامه وكتاباته من الطراز الأول، ولا سيما لكثرة ما فيها من الحوادث التي عالجها ونجح، مجتنبًا كل علاج لم يتأكد فعله بالتجربة، وبقي جرَّاحًا للملك مع أنه كان بروتسطنتي المذهب، ونَجَّاه الملك شارل التاسع من القتل في مذبحة مار برثلماوس؛ لأنه كان قد شفاه من جرحٍ مميت أوقعه به جراحٌ غبي في فصدهِ إياه، وقد ذكر برَنْتُوم في كتاب السِّيَر قصة إنقاذ الملك لباري في ليلة مار برثلماوس، فقال: إن الملك أرسل فدعاه إليه، وأبقاه معه كلَّ الليل، قائلًا: إنه ليس من العدل أنْ يُقتل إنسان قد خلَّص حياة كثيرين. فنجا من أهوال تلك الليلة الرهيبة، وعاش بعدها سنين عديدة ومات حتف أنفه بشيبة صالحة وإكرام يليق بمثله.
ومن الذين اشتغلوا بلا ملل في ترقية صناعة الطب هرفي الشهير مكتشف دورة الدم، الذي بحث وامتحن ثماني سنوات قبلما أشهر هذا الاكتشاف، وقد أشهره على أسلوب بسيط مقنع، ولكنه عومل بكل نوع من الإهانة والاحتقار، وبقي وقتًا طويلًا، ولم يصادف إنسانًا يختم على صدق مقاله، بل كان الجميع يزعمون أنه جاء أمرًا فريًّا مناقضًا آراء الأوائل والكتاب المقدس والديانة والآداب، ورماه البعض بالجنون والخداع، وهجره أصحابه وخلَّانه، وآل حاله إلى أسوأ الأحوال، ولكن هذا الحق المبين الذي حامى عنه سنين عديدة دخل بعض العقول وأينع فيها، ولم يمض عليه إلَّا خمس وعشرون سنة حتى عُدَّ من أثبت الحقائق الطبية.
ومن الذين قاسوا صعوبات كثيرة أكثر من هرفي الطبيب إدورد جنَّر الذي اكتشف تطعيم الجدري، وها نحن نورد طرفًا من سيرته.
لا بد من أنَّ كثيرين شاهدوا جدري البقر قبل هرفي، وسمعوا الكلام الجاري على ألسنة الحلَّابات، وهو أنَّ الذي يُجدَّر بجدري البقر يسلم من الجدري العادي، ولكنهم عدوه إشاعة كاذبة، وما منهم من ظنه يستحق الامتحان حتى طرق مسامع هذا الشهير، وذلك أنَّ ابنة دخلت حانوت معلمه؛ لكي تستشيره في مسألة ما، وحدث حينئذٍ أنَّ بعض الحاضرين ذكر ما كان من أمر الجدري، فقالت الابنة: أنا لا أُعَدَى بهذا المرض؛ لأنني جدرت بجدري البقر، فانتبه جنَّر إلى هذا الأمر، وأخذ من ساعته يراقبه ويبحث عنه، ثم كاشف البعض من أصحابه الأطباء بذلك، فضحكوا منه وتهددوه بالطرد من بينهم إذا تجاسر مرة أخرى وذكر لهم هذا الأمر، ثم درس على جون هنتر الفسيولوجي وكاشفه بما في نفسه، فقال له: لا تظن ظنًّا بل امتحن امتحانًا، وكن صبورًا مدققًا في بحثك. فَتَقَوَّت عزائمه بهذا الكلام، وأخذ من وقته يمارس ويجرب التطعيم ويمتحنه مليًّا، ودام على ذلك عشرين سنة، وكانت ثقته في التطعيم قوية جدًّا، فطعَّم ابنه، ونشر امتحاناته في رسالة، ذكر فيها أنه طعَّم ثلاثة وعشرين شخصًا بجدري البقر، فلم يعد ممكنًا للجدري العادي أنْ يصيبهم لا بالمخالطة ولا بالتلقيح، فلم يكترث له أحد في أول الأمر.
ثم قام عليه خصوم كثيرون حتى إنه لما أتى لندن بقصد استعمال التطعيم بقي ثلاثة أشهر بدون أنْ يطعم أحدًا، ولم يقبل أحد من الأطباء أنْ يستعمل التطعيم، فرجع على عقبيه، وقام عليه خصومه، ونسبوا إليه أمورًا يضحك منها الأطفال في هذا العصر، مثل أنه قصد أن يحول البشر إلى بهائم بإدخال مادة بقرية إلى بنيتهم، ونادى رجال الديانة في الكنائس بأن التطعيم صناعة شيطانية شريرة، وتطرَّف بعضهم فقال: إنَّ الأولاد المتطعمين تصير وجوههم مثل وجوه البقر، وينبت لهم نتوءات على شكل قرونها، وتتغير هيئتهم رويدًا رويدًا إلى هيئة البقر، ويصير مزاجهم بقريًّا وصوتهم خوارًا، وكانوا يرجمون المتطعم إذا خرج من بيته، ومع كلِّ هذه المقاومات وهؤلاء الأضداد كان التصديق بالتطعيم يمتد يومًا بعد يوم، وأول من أقدم على استعماله السيدتان الشريفتان: السيدة دوسي والكونتة بركلي فطعمتا أولادهما، فانكسرت شوكة المقاومين، ومال الأطباء إلى تصديق جنَّر، ومنهم من حاول أنْ يسلبه شرف هذا الاكتشاف، ولكن خاب مسعاهم، وثبت الحق لجنر وجُوزِي علانية، ثم دُعِي للسكنى في لندن، وأكَّد له البعض أنه يمكنه أنْ يحصل هناك عشرة آلاف ليرة سنويًّا، فأجابهم: إنني في شبيبتي فضَّلت وادي الحياة على جبلها، والآن في شيخوختي لا يليق بي أنْ أطمع بثروة ولا بشهرة.
أما التطعيم فانتشر في كلِّ البلدان المتمدنة في حياة جنَّر، وأقر له الجميع بالفضل من عالٍ ودون. قال كيفيه: إذا كان التطعيم هو الاكتشاف الوحيد الذي اكتُشِف في ذلك العصر، فبه الكفاءة لإشهاره إلى الأبد، ولو أنه قرع أبواب المدارس عشرين مرة قبلما قبلته.
ومن الذين أظهروا حزمًا وعزمًا وإقدامًا السر تشارلس بل الذي اكتشف أمورًا كثيرة في المجموع العصبي، فإن كلَّ ما عرفه العلماء قبل أيامه عن هذا الجهاز أوهن من بيت العنكبوت، ولم يزيدوا شيئًا تقريبًا على ما كان يعرفه ديموقريطس وإنكساغوراس من مضي ثلاثة آلاف سنة، وأما السر تشارلس بل هذا فابتدأ سنة ???? ينشر رسائل في هذا الموضوع مبنية على أبحاث مدققة وامتحانات متوالية، تتبَّع فيها ارتقاء المجموع العصبي من أدنى الحيوانات رتبةً حتى الإنسان أعلاها، وشرح ذلك شرحًا وافيًا، وهو الذي قال: إنَّ الأعصاب الشوكية مزدوجة الوظيفة، وإنها تنشأ بأصلين من الحبل الشوكي، وإن أحدهما للحس والآخر للحركة. ودام هذا الموضوع شاغلًا أفكاره مدة أربعين سنة، ولكن أصابه ما أصاب هرفي وجنَّر، وهو أنه بعد أنْ تعب تعبًا جزيلًا في تسكيت المستهزئين وإفحام المضادين، وجد أناسًا كثيرين قد قاموا وادَّعوا بحق اكتشافاته، ثم ثبت له حق الاكتشاف، وأقر له الجميع بالفضل من قاصٍ ودانٍ، حتى إن كيفيه لما رأى وجهه قد انحرف وهو على فراش الموت أشار إلى الحاضرين، وقال: إنَّ هذا برهان قاطع على صدق مذهب السر تشارلس بل.
ومن الذين يجب ذكرهم في هذا المقام الطبيب مرشَل هُل، فإن هذا الفاضل مارس صناعة الطب بنشاط وأمانة، وكان يبحث في أسرارها، ويتعمق في غوامضها باجتهاد لا يفوقه اجتهاد، منتبهًا إلى كلِّ حادثة مهما كانت طفيفة، والاكتشاف العظيم الذي اكتشفه وخلَّد به اسمه بين رجال العلم حدث أصلًا بأسباب بسيطة؛ لأنه كان مرة يمتحن الدورة الرئوية في حلزونة بحرية، فقطع رأسها، ونزع ذنبها، ووكزها بالصدفة في الغشاء الخارج، فتحركت من ذاتها، وتلوَّت مرات كثيرة، ولم يكن قد لمس عضلة ولا أعصابًا عضلية، ويحتمل أنَّ كثيرين شاهدوا هذه الحادثة قبله، ولكنه كان أول من نظر إليها نظر الخبير المدقق، وأخذ من تلك الساعة يجرب ويمتحن عساه أنْ يعرف سبب هذه الحركة، ويقال إنه أقام أكثر من خمسة وعشرين ألف ساعة باحثًا في هذا الموضوع حتى عرفه تمامًا، وكان في ذلك الوقت يطبب ويُدَرِّس في مستشفى مار توما وفي مدارس أخرى طبية، ومن العجيب أنَّ المجمع الملكي رفض اكتشافه هذا، ولم يقبله إلَّا بعد مضي سبع عشرة سنة حينما قُبل في كلِّ الأقطار.
وممن هم مثال للاجتهاد والمواظبة أيضًا السر وليم هرشل الشهير الجرماني الأصل، كان أبوه مغنيًا فقير الحال، وله أربعة بنين، فعلمهم حرفته، فأتى أحدهم وليم إلى إنكلترا في طلب رزقه، ودخل مغنيًا في فرقة حربية، وفي أحد الأيام مرَّ به الدكتور ملر، فسمعه يغني على الربابة، فأعجبه ذلك الغناء، وتحدث معه مدة فَسُرَّ بحديثه، وطلب إليه أنْ يقيم في بيته، فأجابه إلى طلبه، وكان في بيته مدة وهو يستغنم كلَّ فرصة للدرس في كتب ذلك الدكتور، وحينئذ صُنع أرغنٌ لكنيسة هليفكس، وطُلب له مغنٍّ فوقع الانتخاب عليه، ثم انتقل إلى باث، وكان يغني في بعض المراسح، ويدق على الأرغن في الكنيسة، ونحو ذلك الوقت اكتُشفت اكتشافات جديدة في علم الهيئة، فانشغل باله بها، ومال إلى البحث في هذا العلم، فاستعار من أحد أصحابه نظارة من النوع الغريغوري وكان يرصد بها، ثم سامَ تلسكوبًا لابتياعه، فطُلب فيه مبلغ كبير جدًّا، فعزم من ساعته على اصطناع تلسكوب مهما كلفه من التعب، والذين يعرفون ما هو تلسكوب الانعكاس وما يقتضي لعمل مرآته من التعب والحذاقة، يعرفون عظم العمل الذي أقدم عليه هرشل، ولكنه نجح ولو بعد تعب شاق، وصنع تلسكوبًا عاكسًا طوله خمس أقدام، نظر به حلقات زُحَل وأقماره، ولم يكتف بذلك بل صنع عدة نظارات، منها ما طوله سبع أقدام وعشر أقدام، وأخيرًا صنع واحدة طولها عشرون قدمًا، ولما كان يعمل التي طولها سبع أقدام صنع أكثر من مائتي مرآة قبل أنْ وجد واحدة مناسبة، وهذا دليل قاطع على شدة مواظبته، وكان في غضون هذه المدة يحصِّل معيشته من صناعة الغناء، ثم اكتشف أورانوس وحسب فلكه ومعدَّل حركته، وأرسل النتيجة إلى المجمع الملكي، فاشتُهر بذلك شهرة عظيمة، وعُيِّن فلكيًّا ملكيًّا، ورقَّاه الملك جورج الثالث إلى منصب يليق به، فبقي مع ما حازه من الرفعة والشهرة متضعًا رقيق الجانب، كما كان قبل أنْ عُرف شيء من أمره، ولعله لا يوجد بين البشر من ضاهاه في الرقة والصبر والنجاح.
وممن هم مثال للصبر والاجتهاد وانتهاز الفرص وليم سمث منشئ الجيولوجيا الإنكليزية، فإن هذا الشهير وُلِدَ سنة ???? من أب فلَّاح، ومات أبوه وهو صبي صغير، فكان يُرسل إلى مدرسة في قريته، فلم يتعلم إلا شيئًا يسيرًا؛ لأنه كان طائشًا يفضل اللعب على الدرس، ثم تزوجت أمه وتركته، فضمه عمُّه إليه وهو فلاح أيضًا، وكان مغرمًا بجمع الحجارة المتنوعة، فلم يستحسن عمُّه ذلك، بل اشترى له كتبًا في مبادئ الهندسة والمساحة؛ لكي يدرس فيها، ويصير مسَّاحًا، ومما امتاز به وهو حدَثٌ دقة النظر وحسن الذاكرة، حتى إنه لم يَنْسَ شيئًا أمعن فيه نظره، ثم أخذ يتعلم صناعة الرسم والتلوين والمساحة وقياس الأراضي، كلُّ ذلك بدون أنْ يدرس على أستاذ، فصار معاونًا لمهندس كبير، فدعاه عمله أنْ يجول مرارًا كثيرة في مقاطعة أكسفُرْد وما جاورها، فأول شيء وجَّه إليه أفكاره أنواع تربة تلك الأراضي وترتيب طبقات صخورها، ودُعي مرارًا كثيرة لمساحة معادن الفحم فزاد فحصًا واختبارًا، حتى إنه لما بلغ السنة الثالثة والعشرين من عمره، عزم أنْ يصنع مثالًا يشخِّص طبقات الأرض.
وفيما كان يمسح بعض الأراضي لحفر ترعة لاحظ أنَّ الطبقات التي فوق الفحم الحجري لم تكن أفقية بل مائلة إلى الشرق، وتأكَّد ذلك فيما بعد بملاحظته الطبقات في واديين متوازيين، فرأى أنها جميعًا تنحدر نحو الشرق، فتغور من طرفها الشرقي، ويظهر فوقها نَضَد آخر، ثم مكنته الفرصة من أنْ يتأكد ذلك؛ إذ عُيِّن لفحص الأراضي الموافقة لحفر الترع في إنكلترا وويلس، فجال فيهما، وكان يراقب هيئة أراضيهما الصخرية وصخورهما، ويعي كلَّ ما يراه في ذاكرته، فأثبتت له المراقبة أنَّ الصخور في الأنحاء الغربية من إنكلترا تميل إلى الشرق والجنوب الشرقي، وأنَّ الحجر الرملي الأحمر الذي فوق طبقات الفحم يمر تحت الطبقات الطفالية والكلسية، وهذه تمر تحت الرمال والحجارة الكلسية الصفراء، وهذه تمر أيضًا تحت الرواسب الطباشيرية في الأجزاء الشرقية من إنكلترا، ولاحظ أيضًا أنَّ لكلِّ طبقة من الطفال والرمل والكلس نوعًا خاصًّا من الأحافير، وبعد التأمل الطويل في هذا الأمر استنتج منه نتيجة لم يسبقه إليها أحد قط، وهي أنَّ كلَّ مجتمع من الحيوانات البحرية المتحجرة في هذه الطبقات يدل على أنها كانت في قاع البحر وقتًا ما، وأنَّ كلَّ طبقة من الطفال والرمل والطباشير والحجر تدل على حصة مخصوصة من تاريخ الأرض.
فانشغف قَلْبُهُ بهذا الموضوع حتى لم يعد يفتكر ولم يعد يتكلم إلا به، فصار إذا حضر حفر الترع أو جز الغنم أو غير ذلك من الأعمال يفتح هذا الموضوع ويفيض فيه، فلُقِّب سمث الطبقات، ومع هذا كله بقي مجهولًا لدى رجال العلم، ثم أخذ في اصطناع خريطة لإنكلترا حسب ترتيب طبقاتها، ولم ينفك عن البحث والتنقيب والمراقبة حتى صار يعرف بناء طبقات الأرض من هيئتها الظاهرة، وصار الناس يستشيرونه في إنزاح مياه الأرض، واشتُهر بذلك شهرة فائقة.
وحدث ذات يوم أنه اطَّلع على مجموع الأحافير الذي جمعه القس صموئيل رتشردسن في باث، فقلب ترتيبه ورتبه ترتيبًا آخر، قائلًا: إنَّ هذه الأصداف خرجت من الطبقة الفلانية، وتلك من الطبقة الفلانية، فانذهل القس المشار إليه كلَّ الانذهال، وصَدَّقَ قول سمث، وصار من أنصاره، إلَّا أنَّ جيولوجي العصر لم يقبلوا آراءه، بل لم يريدوا أنْ يعرفوا أنَّ مساحًا خامل الذكر يقوم ويعلمهم علم الجيولوجيا، وكانوا يجهلون أنَّ له عينًا حادة البصر تخترق طبقات الأرض وتكشف خفياتها، كيف لا وقد أملى مرة على رتشردسن شرح ثلاث وعشرين طبقة متوالية وما فيها من الأحافير فكتب رتشردسن ذلك وطبعه!
ثم شرع في فحص الأراضي التي تبعد عن باث بمقدار ما سمحت له وسائطه، فجال سنين عديدة وهو يعوِّض عمَّا يضيع من سير النهار بسرى الليل، وكان إذا دُعي إلى أماكن بعيدة لعمل مساحي يعتسف عن الطريق؛ لكي يلاحظ صفات الأرض الجيولوجية، وبقي سنين عديدة يسافر من مكان إلى آخر في إنكلترا وأيرلندا، وكان يقطع أكثر من عشرة آلاف ميل سنويًّا، وفي كلِّ ذلك لم يدع أمرًا يتخطى عينيه مهما كان طفيفًا، بدون أنْ يمعن في نظره، ولم يترك فرصة تذهب سدًى، وتظهر شدة حذاقته الجيولوجية من القصة الآتية، وهي أنه كان مارًّا ذات يوم بقرب تلال طباشيرية، فقال لرفاقه: إذا رأينا أرضًا مكسورة عند سفح هذه التلال وجدنا فيها أسنان كلب البحر، فلم يتقدموا مسافة طويلة حتى التقطوا ستًّا منها من جانب حفرة محفورة حديثًا.
وكان يقول إنَّ عادة الملاحظة رسخت في عقله، وصارت ملكة فيه، وكانت تهيج عند أول فكر بالسفر، حتى إنه كثيرًا ما كان يسير مصحوبًا بخريطات، وقد كتب عليها موضوع بحثه في سيره، والأمور التي يشاهدها، فصار ذهنه كقرطاس معد لرسم كلِّ شيء يراه من أول وهلة.
ولكن مع كلِّ أتعابه واجتهاده وحذاقته تصدَّت له موانع كثيرة منعته عن إشهار خريطة طبقات إنكلترا وولس التي صنعها، ودام على ذلك إلى سنة ???? حينما تمكَّن من نشر ثمرة أتعابه بمساعدة بعض أصحابه، وقد التزم أنْ ينفق كلَّ ما حصله من صناعته، وأن يبيع ما له من الأملاك؛ لكي يتمكن من الطوف في الأماكن البعيدة، ونحو ذلك الوقت فتح مقالع الحجارة بقرب باث، فخسر بها والتزم أن يبيع مجموعه الجيولوجي للميوزيوم البريطاني، وباع أيضًا أثاث بيته ومكتبته، ولم يبق إلا أوراقه وخريطاته التي لا تنفع أحدًا غيره، واحتمل كلَّ هذه المصائب والخسائر بصبر جميل، ولم ينفك عن البحث برغبته المعتادة، وتُوفِّي في شهر آب أحد شهور سنة ???? وهو ذاهب ليحضر الاجتماع البريطاني في برمنهام.
أما الخريطة الجيولوجية التي صنعها، فإنها — وإن كانت الأولى من نوعها — فهي في غاية الدقة، وهي أساس كلِّ ما تلاها من الخريطات الجيولوجية، ولم تزل في الجمعية الجيولوجية شاهدة بفضل مخططها مع ما مرَّ عليها من السنين؛ لأننا إذا قابلناها بالخريطات الحديثة، وجدنا بينها موافقة عجيبة في كلِّ الأمور الجوهرية، وقد فاتنا أنْ نذكر أنَّ أهل عصره أقروا له بالفضل، ففي سنة ???? أجازه مجمع لندن الجيولوجي بنيشان وُلَسْتن على اكتشافاته الجيولوجية كوحدة طبقات الأرض في كلِّ الجهات، وتمييزها بما تتضمنه من الأحافير، ولقد أجاد من قال إنه ما من اكتشاف في العالم يضاهي هذا الاكتشاف إلا إذا اكتُشف أصل الحياة، وسيبقى اسم هذا الفاضل مكرَّمًا مشرَّفًا ما دام هذا العلم موجودًا.
ومن الذين كانت قوة الانتباه قوية فيهم جدًّا وبلغوا بها شأوًا بعيدًا مِلَّر الذي درس العلوم برغبة وصبر لا مثيل لهما، وكتب تاريخ حياته في كتاب هو غاية في الجودة والفائدة، ويظهر منه ما كان في هذا الإنسان من التعويل على نفسه، وهاك جملة وجيزة في سيرة حياته، وهي أنه لما كان فتًى صغيرًا مات أبوه غرقًا، فلم تمكنه الفرص من الدرس على أساتذة كبار، إلا أنه طالع كتبًا كثيرة، فارتشف اليسير من بحر المعرفة من مصادر مختلفة، وعاشر أقوامًا متنوعة؛ صناعًا ونجارين وصيادين وملاحين، واستفاد منهم جميعًا، وكان يجول وبيده مطرقة كبيرة يكسر بها الحجارة ويجمع كسرها، وكان في بعض الأيام يقضي يومًا كاملًا في الغابات متأملًا في مناظرها الجيولوجية، ولما ترعرع وُضع عند بَنَّاءٍ؛ ليتعلم صناعة البناء التي كان مغرمًا بها، فابتدأ يعمل في مقلع، فانفتح له باب واسع لتعلم الجيولوجيا في ذلك المقلع، وكان يرى فيه أمورًا كثيرة تدهشه، بينما لا يرى أحد من العاملين شيئًا، فأخذ يقابل بين ما يراه من طبقات الأرض، فيرى ما بينها من المطابقة والمخالفة، وما يمتاز به بعضها عن بعض، وجرى على هذا النمط فاتحًا بصره وبصيرته، وكان رصينًا مجتهدًا مواظبًا، وهذا هو سر نجاحه.
ومما زاد تعجبه وانتباهه البقايا الآلية التي رآها في الحجارة التي كسرها، أو في الصخور التي سحلتها أمواج البحر كالأسماك والأصداف والأشنان، ودام هذا الموضوع شاغلًا عقله سنين عديدة، وفي آخرها ألَّف كتابه في الحجر الرملي الأحمر القديم، فحاز به شهرة عظيمة بين رجال العلم وعدُّوه من علماء الجيولويجيا، وكان هذا الكتاب ثمرة أتعاب سنين عديدة، قضاها في التفتيش والتنقير بصبر وجَلَد عظيمين، ولقد قال في سيرته التي ألَّفَها:
إنني أنسب نجاحي إلى اعتمادي على الصبر، الأمر الذي يقدر كلُّ إنسان أن يجاريني أو يفوقني فيه، ولا ريب عندي أنَّ الصبر إذا استُعمل حقَّ الاستعمال نتجت منه نتائج خارقة العادة، لا يقدر على بلوغها من كانت له موهبة خاصة.
وكان جون برون الجيولوجي في أوَّل حياته بنَّاءً مثل مِلَّر، فنبهته الأحافير الكثيرة التي كانت تقع تحت نظره إلى درسها، فدرسها وجمع منها مجموعًا كبيرًا من أفضل المجاميع الإنكليزية، وهو الذي اكتشف بقايا عظمية من بقايا الفيل والكركدن، وأهداها إلى المتحف البريطاني، ثم عكف في آخر حياته على درس الأصداف التي في الطباشير، واكتشف عدة اكتشافات مهمة في ذلك، وتُوفِّي سنة ????، وله من العمر ثمانون سنة، وكان شهمًا مفيدًا لأبناء جنسه ومكرَّمًا من الجميع.
من مدة وجيزة اكتشف السر رُدرك مرتشسن رئيس الجمعية الجيولوجية جيولوجيًّا عظيمًا في صفة خبَّاز في شمالي إسكتسيا يُسمَّى روبرت دِك، ولما زاره السر ردرك مرتشسن في فرنه رسم له روبرت دك هيئة بلاده الجيولوجية بالطحين، وأشار إلى الخطاءِ الذي في الخريطات الموجودة حينئذٍ، قائلًا: إنه قد تأكد ذلك بطوفانه في البلاد في أيام العطلة، وبعد البحث وجد السر ردرك أنَّ ذلك الخباز الشهير كان جيولوجيًّا بارعًا ونباتيًّا من الطراز الأول، وهاك ما قاله في هذا الصدد، وهو أنني وجدت ذلك الخبَّاز يعرف علم النبات أحسن مما أعرفه بعشرة أضعاف، وعنده مجموع نباتي حاوٍ كل أنواع النبات إلَّا عشرين أو ثلاثين نوعًا، وهو مرتب أفضل ترتيب، وتحت كل نوع اسمه العلمي.
أما السر ردرك المذكور، فعالم شهير بهذه العلوم وأشباهها، وهاك ما قاله فيه بعضهم في جريدة الكورترلي رفيو، قال: إنَّ هذا الفاضل كان في أوائل حياته جنديًّا، ثم عكف على طلب العلم باجتهاد ورغبة لا مثيل لهما، فنال شهرة بعيدة واسمًا خالدًا؛ وذلك لأنه ابتاع أرضًا قفراء، وأقام سنين كثيرة يفحص في تركيب صخورها، ثم رتبها حسب بنائها الطبيعي، مشيرًا إلى ما في كلِّ طبقة منها من أنواع الأحافير، وهو أول من حلَّ قضيتين كبيرتين من تاريخ الأرض الجيولوجي، وهما تذكار لا يمحي لاسمه وعلمه، ولم يكتف بذلك. بل جال بلدانًا كثيرة وفحصها فحصًا جيولوجيًّا مدققًا، واكتشف أمورًا كثيرة في هذا الفن، ولم يقتصر على الجيولوجيا، بل عكف على علوم كثيرة حتى صار يُعَدُّ من أشهر رجال العلم.
وهنا يجدر بنا أنْ نذكر شيئًا من أقوال العرب وطرفًا من ترجماتهم ممَّا يناسب المقام، فنقول: قال الإمام علي — كرَّم الله وجهه: «قليلٌ مُدامٌ عليه خيرٌ من كثير مملول.» وقال أيضًا: «من أطاع التواني ضيَّع الحقوق.» وقال الأمام الشافعي: «احرص على ما ينفعك، ودع كلام الناس.» وقال الشيخ السابوري:
وانتهز الفرصة إمَّا مَرَّتْفربما طلبتها فأعيت
والأمر إنْ أعيا عليك من علِفاطلبه قبل فوتِهِ من أسفل
وقال بعضهم:
على المرء أنْ يسعى لما فيه نفعهوليس عليه أنْ يساعده الدهر
وقال ابن لئون التجيبي:
زاحم أُولِي العلم حتىتُعَدَّ منهم حقيقَهْ
ولا يردَّك عجزعن أخذ أعلى طرِيقَهْ
فإنَّ مَنْ جدَّ يُعطىفي ما يحبُّ لحوقهْ
وقال ابن سعيد المغربي في وصيته لابنه:
ولا تزل مجتمعًا طالبًامن دهرك الفرصة في وثبتك
وكلما أبصرتها أمكنتْثبْ واثقًا بالله في مكنتك
ولج على رزقك من بابهواقصد له ما عشتَ في بكرتك
وانمُ نموَّ النبت قد زارهغبُّ الندى واسمُ إلى قدرتِكْ
ولا تضيِّعْ زمنًا ممكنًاتذكاره يذكي لظى حسرتِكْ
وقد اشتهر كثيرون من عظماء العرب بانتهاز الفرص، فإن ابن خلدون المؤرخ المشهور اضطرته أحوال السياسة مرة أنْ يقيم في البادية أربع سنوات، فاتخذها فرصة أَلَّف في غضونها مقدمته المشهورة، واستقصى حينئذٍ أحوال العرب والبربر وزناتة، وكتب أخبارهم في تاريخه كما فعل ولتر سكوت عندما كان في جبال اسكتلندا، ثم انتهز فرصة إقامته بالقاهرة، فأكمل تاريخه فيها معتمدًا على ما وجده في مكاتبها من الكتب.
وياقوت الحموي كان مولاه ينفذه للاتجار إلى البلدان البعيدة، فانتهز هذه الفرصة، وراقب أحوال هذه البلدان وأثبتها في معجمه، ثم اتَّجر بالكتب، فلم يرضَ لنفسه أنْ يحمل أسباب العلم لغيره ولا ينتفع بها هو، بل أكب على الدرس حتى أحاط بعلوم كثيرة.
وقال إبرهيم الصولي المغني: إنَّ أول شيء أُعطيته بالغناء أني كنت بالري أنادم أهلها، وأنفق من بقية مال كان معي من الموصل، فمرَّ بنا خادم أنفذه أبو جعفر المنصور إلى بعض عماله برسالة فسمعني أغني فشغف بي، وخلع عليَّ دواج سمور له قيمة ومضى بالرسالة، ورجع وقد وصله العامل بسبعة آلاف درهم، وكساه كسوة فاخرة، فجاءني إلى منزلي، فأقام عندي ثلاثة أيام، ووهب لي نصف الكسوة وألفي درهم، فكان ذلك أول ما اكتسبته بالغناء، فقلت: لا أنفق هذه الدراهم إلا على الصناعة التي أفادتنيها، قال ذلك وفعل ففاق كلَّ المغنِّين.
وممن اشتهر بانتهاز الفرص واعتبار الوقت ابن رشد الفيلسوف الأندلسي المشهور، قال ابن الأبَّار: إنه سوَّد في التأليف عشرة آلاف طبق ورقًا، وإنه لم يصرف ليلة من عمره بلا درس أو تصنيف إلا ليلة عرسه وليلة وفاة أبيه، ويُرْوَى أنَّ ابن الصابوني لما صار خازنًا للكتب المستنصرية ببغداد لم يرتض أنْ يكون خازنًا لكتب ينتفع بها غيره، ولا ينتفع بها هو، بل أكبَّ على الدرس والتحبير، فألَّف مجمع الآداب في خمسين مجلدًا، ودر الأصداف في عشرين مجلدًا.
ومما يدل على الثبات في الأعمال وتوخي إتقانها أنَّ ابن القسيس البغدادي نسخ قانون ابن سينا كلَّه بخطه، وهو كتاب ضخم يقع في عشرين مجلدًا، ثم خرجت النسخة منه بحكم شرعي، وحصلت لخزانة المدرسة المستنصرية، فلما أسنَّ طلبها وقابلها وصححها، وأعادها إلى مكانها، فنسبه مبغضوه إلى فضول، ومحبوه إلى مثوبة يتوخاها، فقال: كلا الفريقين مخطئ وإنما فعلت ذلك؛ لئلا يُزرَى عليَّ بعد موتي.
الفصل السادس
في المصورين والنقَّاشين
قال الشاعر ملنس ما معناه:
على الإنسان بالدأبإذا أخطأ ولم يصبِ
فإنَّ الفضل في الطلبِوليس الفضل في الجَلَبِ
وقال جوبر: ارتقِ تحيَ.
***
لا يفوق الإنسان غيره إلا بالاجتهاد والتعب، سواءٌ كان في التصوير والنقش أم في غيرهما، ولا يمكن لأحد أنْ يصور صورة جميلة بالصدفة، ولا أنْ ينقش تمثالًا بديعًا بالاتفاق؛ لأن كل لمسة من لمسات قلم المصوِّر، وكل ضربة من ضربات أزميل النقاش هي نتيجة درس متصل، كان من رأي السر يشوع رينلدز أحد آحاد المصورين أنَّ كلَّ إنسان يقدر أن يكون مصورًا ماهرًا ولو نُسبت المهارة في التصوير إلى الموهبة أو الذوق أو العطية السماوية، وكتب إلى بَري يقول:
كلُّ من يقصد أنْ يمهر في التصوير أو في أي صناعةٍ كانت يجب أنْ يوجه كلَّ انتباهه إلى تلك الصناعة من ساعة قيامه إلى ساعة منامه.
وقال في مكان آخر:
إنَّ الذين يقصدون أنْ يمهروا يجب أنْ يأخذوا في عملهم نهارًا وليلًا إن اختيارًا وإن قسرًا، إلا أننا لا ننكر أنَّ الاجتهاد والتعب لا يُصيِّران الإنسان مصورًا إذا لم يكن ذا قريحة للتصوير، ولو كانا ضروريين لجعلِه مصورًا ماهرًا؛ لأن القريحة أمر طبيعي، ولكنها تتقوَّى بالتهذيب الشخصي الذي هو أقوى من كل تهذيب المدارس.
والبعض — وهم من أعظم المصورين — نبغوا من وسط الفقر والمسكنة، ونجحوا رغمًا عن الصعوبات الكثيرة المحيقة بهم؛ مثل: كلودلورين الحلواني، وتِنْتورِتو الصباغ، وكَرَفدجيو ساحق الأصباغ، وكرفدجيو حمَّال الطين، وسَلفاتور روزا رفيق اللصوص، وكِتو الفلاح، وزنكارو النوري، وكافَدونا الشحاذ، وكَنوفا القطاع، فهؤلاء — وكثيرون غيرهم — برعوا بواسطة الاجتهاد والتعب تحت أشدِّ المصاعب.
والذين اشتهروا في التصوير في البلاد الإنكليزية أكثر من غيرهم، لم تكن أحوالهم أفضل من أحوال هؤلاء كثيرًا، فإن كنسبرو وباكون ابنا خياطين، وبَري بن بحري أيرلندي ومكليز كان صانعًا عند بنكي وأوبي ورُمني وأنيكو جونس كانوا نجارين ووست ابن فلَّاح، ونُرثكوت كان صانع ساعات، وجكسن خياطًا، وإتي طباعًا، ورينلدز وولسن وولكي أولاد قسوس، ولورنس ابن عشَّار، وترنر ابن حلَّاق، وفلكسمن كان أبوه يبيع تماثيل جبسين، وبرد كان ينقش صواني الشاي، ومرتن كان يدهن المركبات، ورَيت وكلبن كانا يدهنان المراكب، وتشنتري كان حفارًا ومذهبًا، وداود كوكس وستنفيلد وروبرتس كانوا يصورون صور المراسح، فلم يتقدم هؤلاء الرجال كلهم، ويمهروا في التصوير بالصدفة ولا بالاتفاق، بل بالجهد الجهيد والتعب والنصب والسهر والأرق، والبعض منهم أَثْرَوا ولكنهم قلائل جدًّا بالنسبة إلى البقية، بل لا يمكن أنْ ينكر الصانع نفسه، ويعكف على صناعته إذا كان طامعًا بالربح، وما من جزاء انتظره هؤلاء الصناع أو نالوه إلا اللذة التي يجدها كلُّ عامل بعمله، أما ما كان يتبع ذلك من الغنى، فأمر ثانوي لا يُعْتَدُّ به فضلًا عن كونه نادرًا، وقد آثر كثير من الصناع اتباع ميلهم في إتقان صناعتهم على مساومة الناس، قيل: سُئل ميخائيل أنجلو ذات يوم عن رأيه في مُصوِّر صوَّر صورةً وتعب فيها تعبًا جزيلًا قَصْدَ الربح، فقال: سيبقى فقيرًا ما دام راغبًا في الربح.
وكان ميخائيل أنجلو هذا يعتقد مثل السر يشوع رينلدز أنَّ كلَّ ما تتصوره المخيلة تقدر اليد على عمله بشرط أنْ تكون مطيعة للعقل، وكان لا يتعب من العمل ولا يمل، ونسب قدرته على مداومة العمل إلى بساطة معيشته، فإنه لم يكن يأكل في أكثر الأيام إلا قليلًا من الخبز والخمر، وكثيرًا ما كان يقوم في منتصف الليل ويأخذ في عمله، وهو لابس قلنسوة من الورق في رأسها شمعة مضيئة، وكان ينام أحيانًا بالثياب التي يلبسها وقت العمل؛ لكي يقوم إلى عمله حالما يرى أنه قد ارتاح، وكان عنده صورة محبوبة، وهي صورة شيخ في مركبة عليها ساعة رملية، وعلى الساعة هاتان الكلمتان Ancora imparo أي لم أزل متعلمًا.
وتيتيان الشهير كان لا يمل من العمل، وقد عمل في صورة بطرس الشهيد ثماني سنوات، وفي صورة العشاء الأخير سبع سنوات، وقال في كتاب أرسله إلى الملك كارلوس الخامس: إنني مرسل إلى جلالتكم صورة العشاء الأخير، بعد أنْ عملت فيها سبع سنوات كاملات.
وقليلون يعرفون مقدار الصبر والجلد والمزاولة الطويلة التي يصرفها المصور حتى يتمرن على صناعته، وتصير فيه ملكة، أو حتى تسهل عليه، قال بعضهم لنقاش: «أتطلب مني خمسين دينارًا بتمثال عملته في عشرة أيام.» فأجابه النقاش: «ألا تعلم أنني تعلمت ثلاثين سنة حتى أمكنني عمل هذا التمثال في عشرة أيام.» وقيل إنَّ السر أوغسطس كلكوت صنع أكثر من أربعين رسمًا قبلما أكمل صورته الشهيرة بصورة روشستر ولا عجب؛ لأن التكرار الكثير شرط لازم للنجاح في الصناعة وفي غيرها.
ولا بدَّ من التعب والعناء في إتقان الصناعة، ولو مهما كانت مواهب الإنسان عظيمة وقريحته متوقدة، وكثيرون من الصناع كانوا نبهاء من صغر سنهم، ولكن الذين لم يجتهدوا منهم لم تنفعهم نباهتهم شيئًا، قيل إنَّ المصور الشهير وست رأى وهو في السابعة من عمره ابن أخته نائمًا، فأخذ قلمًا وقرطاسًا، ورسم صورته بحبر أسود وأحمر، ثم عكف على الرسم والتصوير حتى لم يعد ممكنًا صرفه عنهما، ولكن نجاحه وهو صغير أضر به كثيرًا؛ لأنه لم يصادف صعوبات كثيرة، ولم تعلمه التجارب بل اكتفى بما وصل إليه بغير تعب.
ورتشرد ولسن كان وهو ولد صغير، يمسك فحمة، ويرسم بها صور الرجال والحيوانات على جدران بيت أبيه، وكان مغرمًا برسم الأشخاص، ولكن حدث مرة، وهو في رومية، أنه أتى بيت زُكارلي وكان زكارلي غائبًا، فأخذ يصور الأراضي الواقعة تجاه كوة الغرفة التي كان فيها، ثم أتى زكارلي ورأى تلك الصورة، فاندهش من حسن منظرها، وقال له: هل تعلمتَ تصوير الأراضي؟ فأجابه كلَّا، فقال له: إذن أنصحك أنْ تتعلمه، وأؤكد لك أنك مصيب نجاحًا عظيمًا، فانتصح بهذه النصيحة، وتعلم هذا الفن، وتعب على إتقانه تعبًا جزيلًا، فصار رأس مصوري الإنكليز في تصوير الأراضي.
ولما كان السر يشوع رينلدز صغيرًا كان يترك دروسه ويلتهي بالرسم، وقد نهاه أبوه عن ذلك مرارًا كثيرة، فلم يزدد إلَّا ولعًا وانشغافًا، وبقي على ذلك حتى صار مصوِّرًا شهيرًا، وكنسبرو كان يمضي إلى الغابات وهو ولد صغير، ويمارس التصوير، ولم يبلغ الثانية عشرة حتى صار مصورًا ماهرًا، قيل إنه لم يرَ منظرًا يستحق التصوير إلا صوَّره، ووليم بلاك كان أبوه يبيع الجوارب، وكان هو يسلي نفسه وهو صغير برسم صورٍ على ظهر قوائم أبيه وعلى مائدته، وإدوارد برد كان يصعد على كرسي وهو ابن أربع سنوات، ويرسم على الحائط ما دعاه صور الجنود الفرنساوية والإنكليزية، ولما كبر قليلًا وضعه أبوه عند رجل يصنع صواني الشاي، فتعلم هذه الصناعة، ثم ارتقى بدرسه واجتهاده حتى صار من أعضاء مدرسة التصوير الملكية، وهوغرث لما كان في المدرسة كان مشهورًا بالكسل، وكان متأخرًا في دروسه، إلا أنه كان متقدمًا على كلِّ التلامذة في الكتابة وفي تجميل ما يفرض عليه المعلم كتابته، ثم وضعه أبوه عند صائغ حيث تعلم الرسم على الملاعق والنقش عليها.
وأُولع بنقش صور الغيلان والتنانين، وما أشبه مما كان يستعمله أهل الفروسة سمةً لهم، ومن ثَمَّ تقدم إلى رسم الصور البشرية وإظهار ما فيها من الأمارات، فبلغ في ذلك شأوًا بعيدًا بواسطة اجتهاده وتدقيقه، وكان إذا رأى صورة غريبة رَسَخَتْ في ذهنه بكلِّ تفاصيلها حتى يرسمها على القرطاس حينما يريد، ومرَّن هذه العادة وقوَّاها بالممارسة الطويلة حتى صارت فيه ملكة، وكان إذا رأى صورة بديعة أو هيئة نادرة يرسمها حالًا على ظفر إبهامه؛ لكي ينقلها على القرطاس عندما تمكنه الفرصة، وكان يجد لذة خاصة في كلِّ شيء جديد أو غريب حتى لم يفت نظرَه شيء، وكثيرًا ما كان يعرج عن الطريق؛ لكي يرى المناظر الجديدة، فخزن في ذاكرته عددًا عظيمًا من الرسوم والأوصاف التي ظهرت أخيرًا في مصنوعاته، فلذلك ترى في تصاويره رسمًا واضحًا لعوائد أهل عصره وأخلاقهم وأفكارهم، ولقد كان من رأيه أن لا مدرسة لتعليم التصوير إلا مدرسة الطبيعة. غير أنه لم يكن متضلعًا من العلوم والمعارف؛ لأنه لم يدرس في المدرسة أكثر من القراءة والكتابة، ولم يكن ذا ثروة، لكنه كان مقتصدًا، وكان يفتخر بذلك حتى بعد أنْ صار من ذوي الشهرة واليسار، وقال من جملة كلام له: إنني لم أنس الزمان الذي كنت أطوف فيه الأسواق منكسر الخاطر، صفر اليدين، ولكنني كنت إذا حصلت بضعة دنانير تقلدت سيفي، ومشيت بين الناس كمن في جيبه ألف دينار.
قيل إنَّ النقاش بَنكس الشهير جعل شعاره هاتين الكلمتين: «الاجتهاد والمواظبة»، وجرى بموجبهما وحث الغير على ذلك، ولقد اشتُهر أمره باللطف والأنس وسداد الرأي وإخلاص النصح؛ حتى كان يقصده الشبان ليستنصحوه ويستعينوا به.
رُوِيَ أنَّ فتًى قصده ذات يوم لهذه الغاية، فقرع الباب شديدًا، فخرجت إليه الخادمة مغضبة وانتهرته، وأوشكت أنْ تطرده، فسمعها بنكس وخرج بنفسه، وقال للفتى: ماذا تريد يا ابني؟ فقال يا مولاي: أرغب في أنْ تدخلني إلى مدرسة التصوير، وكان بيده بعض الصور التي صورها، فقال بنكس — بعد أن أفهمه أنَّ إدخال التلاميذ غير منوط به: أرني هذه الصور، فأخذها وتَرَوَّى فيها ثم التفت إليه، وقال له: لا تستعجل في الدخول إلى المدرسة، بل اذهب الآن إلى بيتك، وواظب على دروسك واجتهد؛ لكي تصور صورًا أحسن من هذه وتعال إليَّ بعد شهر وأرني تصويرك، فذهب وعكف على التصوير باجتهاد شديد ورجع إليه بعد شهر، فرأى بنكس أنَّ تصويره صار أحسن إلا أنه نصحه؛ لكي يداوم على الدرس والتصوير، فرجع إليه بعد أسبوع وإذا بتصويره قد تحسن كثيرًا فطيَّب قلبه، وقال له: إذا فسح الله لك في الأجل صرت من المصورين العظام وهكذا كان.
إنَّ سبب شهرة كلود لورين اجتهاده العظيم، فإنه وُلِد في شمبانيا من والدين فقيرين، ووضع في صباه عند حلواني ليتعلم صناعته، وكان له أخ أكبر منه، حرفته نقش الخشب، فنقله إلى حانوته ليتعلم هذه الحرفة، فأظهر فيها حذاقة شديدة، وحدث أنَّ رجلًا مسافرًا مرَّ به، وطلب من أخيه أنْ يسمح له باستصحابه معه إلى إيطاليا، فقبل طلبه، وأرسله معه، فوصلا إلى رومية، ودخل كلود في خدمة أغستينوتسي مصور الأراضي، فتعلم منه هذه الصناعة، وطاف إيطاليا وفرنسا وجرمانيا، وكان ينفق مما يصوره في طريقه من المناظر الطبيعية، ثم رجع إلى رومية، فتقاطر الناس عليه يطلبون صوره، فحاز شهرة عظيمة انتشرت في كلِّ أوروبا، وكان يصرف قسمًا كبيرًا من وقته في تصوير الأبنية والأراضي والأشجار والأوراق وما أشبه، ويبقي صورها إلى حين الحاجة؛ لكي يدخلها في ما عساه أن يصوره، وكان يراقب الجو أيامًا كثيرة من الصباح إلى المساء، ويلاحظ تغيراته بمر السحاب واختلاف النور، وبمواظبته على ذلك مهر في صناعته مهارة فائقة، فنال الاسم الأول بين مصوري الأراضي.
وتُرنَر الذي لُقب كلود الإنكليز لم يكن دون كلود هذا جدًّا واجتهادًا، قيل إنه كان من قصد أبيه أنْ يعلمه حرفته الحلاقة، ولكن حدث أنه رسم صورة على صينية من الفضة، فرآها واحد من زبائن أبيه، وأعجبه منظرها، فعزم أبوه أنْ يدعه يتعلم التصوير حسب ميله وفعل، فصادف ترنر صعوبات كثيرة كغيره من الصناع، ولاسيما لضيق ذات يده، إلَّا أنه كان يحب العمل، ولا يستعفي منه مهما كان حقيرًا؛ لأنه كان يربح به شيئًا من المال ويمهر في صناعته، ومما اشتُهر به أنه لم يتهامل قط في إتقان عمل من الأعمال، ولو كانت أجرته بخسة، بل كان يعمل كلَّ شيء بكل ما يمكنه من الإتقان، حتى إنه لم يترك رسمًا إلا بعد أنْ أجاده أكثر من سلفه، ومن يا تُرى يشك في نجاح شخص هذا حاله، فنجح نجاحًا عظيمًا، وخلد اسمه فيما صنعه، ولاسيما في الصور التي وهبها للأمة.
ولطالما كانت بغية المصورين والنقاشين زيارة رومية؛ لأنها مركز أرباب هاتين الصناعتين، والسفر إليها يقتضي نفقة عظيمة والصناع غالبًا فقراء، إلا أنهم كثيرًا ما كانوا يأتونها رغمًا عن كلِّ الموانع كما فعل فرنسوا بَرْيه المصور الفرنساوي الذي تمكن من بلوغها بجعله نفسه قائدًا لشحاذ أعمى، وكما فعل جكي كالو الذي كان أبوه من أكبر مضاديه ومُمانِعيه عن معاطاة التصوير، إلا أنَّ ذلك لم يكن ليثني عزمه؛ لأنه هرب إلى إيطاليا، وإذ لم يكن معه نفقة السفر اختلط بقوم من النور، وجال معهم من مكان إلى آخر مشتركًا في سرَّائهم وضرَّائهم، ودرس في غضون ذلك هيئات البشر وأطوارهم، وظهرت نتيجة درسه في الصور التي حفرها بعدئذٍ، ولما وصل إلى فلورنسا راقت حذاقته في عيني رجل من أعيانها، فوضعه صانعًا عند نقاش، إلا أنه لم يقنع بالإقامة هناك، بل طلب البلوغ إلى رومية، فسدد خطواته إليها، ولم يلبث أنْ دخلها حتى تعرف ببوريجي وثومسين اللذين تنبأا أنه سيكون مصورًا ماهرًا لمَّا رأيا الرسوم التي رسمها بالكربون، وصادفه هناك أحد أصحاب عائلته، فألزمه أنْ يرجع معه إلى بلاده وأهله، وكان قد أُولع بالجولان، فترك البيت ثانية، وضرب في البلاد، فذهب أخوه في طلبه، وأرجعه قسرًا، ولما رأى أبوه منه ذلك سلم له مكرهًا بالذهاب إلى رومية والدرس فيها، فمضى إليها وأقام فيها مدة طويلة، وهو يدرس التصوير والنقش على مهرة المصورين، ولما كان راجعًا إلى فرنسا شجعه كسمو الثاني على الإقامة في فلورنسا، فأقام فيها سنين عديدة ممارسًا التصوير، ولما تُوفِّي كسمو المذكور عاد كالو إلى بيت أبيه في نَنْسي، فاشتُهر فيها شهرة عظيمة، وأثرى إثراءً وافرًا بقلمه وإزميله، ثم لما أُخذت ننسي في مدة الحروب الأهلية طلب منه رشليه أنْ ينقش رسم تلك الحادثة فلم يجبه إلى طلبه؛ لأنه لم يرد أنْ يُبقي ذكرًا لما أصاب وطنه من البلايا، فلم ينثن رشليه عن عزمه، ولذلك طرحه في السجن فوجد في السجن بعضًا من أصحابه النوَر الذين سافر معهم، ولما بلغ أمر سجنه الملك لويس الثالث عشر أمر بإطلاقه ووعده بأن يعطيه مهما اقترح عليه، فلم يقترح سوى أن يُطلَق سبيل أصحابه النور ويؤذن لهم بالاستعطاء في باريس فأُعطِي طلبه بشرط أن ينقش تماثيلهم فنقشها وطبعها في كتاب سماه الشحاذين، وقد عرض هذا الملك على كالو ثلاثة آلاف ليرة جُعلًا سنويًّا بشرط ألَّا يباين باريس، فلم يرتض محبة بوطنه بوهيميا، فرجع إلى ننسي، وواظب على حرفته إلى أنْ أدركته الوفاة، فترك وراءه ما ينيف على ألف وستمائة صورة منقوشة، وهذا يدل على أنه كان من أحذق النقاشين وأكثرهم جلدًا وانصبابًا، هذا فضلًا عما في أعماله من الدقة والإتقان العظيمين.
وهاك سيرة مَن فاق كلَّ مَنْ ذكرناهم في اقتحام المخاطر، وهو بنفنيتو سليني الصائغ والمصور وصانع التماثيل والنقاش والمهندس والمؤلف، كان أبوه جوفاني سليني من اللاعبين على آلات الطرب في بلاط لورنزودي مديشي في فلورنسا، وكان يأمل أنْ يعلم ابنه لعب الفلوت، ولكنه لم يلبث طويلًا حتى أُخرج من منصبه، فاضطُر أنْ يعلمه حرفة أخرى، فوضعه صانعًا عند صائغ، وكان له رغبة طبيعية في الرسم والتصوير، فأظهر حذاقة شديدة في صناعة الصياغة، وحدث ذات مرة أنه دخل في خصام حدث في المدينة، فنُفي من وطنه سنة فذهب إلى سينَّا، وكان يعمل عند صائغ فيها، فازداد خبرة في فنَّي الصياغة والجوهرية.
وكان لم يزل من عزم أبيه أنْ يعلمه الغناء، فبقي يمارس التغني بالفلوت كرهًا؛ لأنه لم يكن يلتذ إلا بالنقش، ثم رجع إلى فلورنسا، ودرس أعمال ليونردو دافنشي وميخائيل أنجلو، ومن ثَمَّ قصد رومية؛ ليتقن صناعة الصياغة، فأتقنها ورجع إلى فلورنسا بشهرة عظيمة، ولكنه كان نَزِقًا سريع الغضب، فوقع فيما ألجأه إلى الهرب من فلورنسا بزي راهب، فأتى إلى سينَّا ومنها إلى رومية، وصادف في رومية حظًّا وافرًا، وأُدخل في خدمة البابا بصفة صائغ ومغنٍّ، وكان يدرس مصنوعات أحذق الصناع، ويرصع بالجواهر، وينقش الخواتم، ويحفر الذهب والفضة والنحاس، ففاق كلَّ معاصريه، ولم يسمع بصائغ مشهور في عملٍ من أعمال الصياغة إلَّا عزم أنْ يفوقه فيه، ولم يترك فرعًا من صناعته إلا حاز فيه قصَب السَّبْق، وكان مع اجتهاده الجزيل سريع التنقل؛ لأننا نراه مرة في فلورنسا، وأخرى في رومية وأخرى في منتوا ثم في رومية ثم في نابولي ثم في فلورنسا ثم في باريس، وكان يسافر من مكان إلى آخر على ظهر الخيل، فلم يمكنه أنْ يأخذ معه أمتعة كثيرة ولا آلات، ولكن كان حيثما حلَّ ابتدأ في اصطناع الأدوات اللازمة له، ولم تخرج من يده قطعة من الحُلِي كبيرة كانت أو صغيرة إلا وهي في غاية الإتقان في شكلها وصوغها ونقشها؛ لأنه كان يصنع كلَّ شيء بيده، وكان سريعًا في أعماله وحاذقًا جدًّا، قيل إنه دخل جراح ذات يوم دكان صائغ؛ ليعمل عملية جراحية في يد ابنته، فالتفت سليني (وكان في جملة من حضر) إلى آلة الجراح، وإذا بها ضخمة عديمة الإتقان، فطلب منه أنْ يتمهل بضع دقائق، ثم هرع إلى دكانه، وأخذ قطعة من الفولاذ الجيد، واصطنعها سكينًا جميلة المنظر بديعة الإتقان، وأعطاها للجراح فعمل العملية بها.
ومن التماثيل العظيمة التي صنعها هذا الرجل تمثال جوبيتر من الفضة، صنعه في باريس للملك فرنسيس الأول، وتمثال برسيوس من النحاس صنعه للكران دوق كسمو الفلورنسي، وصنع ثماثيل من المرمر لأبلُّو وهياسنثوس ونرسِسْوس ونبتون، أما تمثال برسيوس فإنه صنعه أولًا من شمع وأراه للكران دوق، فقال: إنه لمن المحال أنْ يُسبَك تمثال من نحاس مثل هذا، فدبَّت الحمية في رأس سليني، وقال: لا بد من أنْ أسبكه هكذا. ومضى من ساعته، وصنع تمثالًا من خزف وشواه ثم غطاه بالشمع، وجعل ظاهر الشمع بهيئة التمثال تمامًا، ثم غطى الشمع بطبقة أخرى من الخزف وشواه ثانية في حفرة محفورة تحت الأتون الذي ذوَّب فيه النحاس فذاب الشمع وترك خلاءً بين الخزفين؛ لكي يسكب فيه النحاس المصهور، ولكنه أوقد حطبًا من الصنوبر والصنوبر كثير المواد القلفونية، فاحتدمت النار حتى احترق المكان الذي كان العمل فيه، ثم عصفت الرياح، وهطلت الأمطار، فأخمدت النار ولم يُصهَر المعدن، فمضى عليه ساعات كثيرة وهو يحاول إبقاءها محتدمة، وقاسى في ذلك تعبًا شديدًا، فأعيا من شدة التعب حتى خاف أنْ يقضي نحبه قبل أنْ يكمل سبك التمثال، فترك العمل إلى معاونيه ومضى إلى سريره، ولكن لم يمض إلا برهة يسيرة حتى دخل واحد، وقال له: قد فسد كلُّ عملك. فهرع لساعته إلى الأتون، وإذا بالنار قد خمدت والمعدن قد جمد، فاستحضر حطب سنديان يابس من عند جارٍ له، وأخذ يوقد بكثرة فاحتدمت النار وصهر المعدن، إلَّا أن الرياح كانت لم تزل تعصف شديدًا والأمطار تهطل غزيرة، فأقام سترة من الموائد والنُّسُج، وجلس تحتها يزج بالوقود ثم رمى في الأتون قطعة من اللحام فوق المعدن، وحرَّكه جيدًا، فذاب كله، وحان الوقت لسبكه في القالب، وإذا بصوت عظيم أشبه بالرعد القاصف ووميض برق لاح أمام عينيه، فالتفت وإذا بسدادة الأتون قد انفتحت وانبثقت منها الصهارة، ولكنها لم تجر بالسرعة المطلوبة، فأسرع إلى المطبخ وأخذ كل آنيته النحاسية، وكانت تنيف على مائتي إناء وطرحها في الأتون، فاستقام جريان الصهارة، وهكذا سبك تمثال برسيوس الشهير، وإسراع سليني إلى المطبخ وتعريته إياه من آنيته يذكرنا بما فعله بالسي لما حرق أثاث بيته كما تقدم في الفصل الثالث.
وممن لهم المقام الأول بين المصورين نيقولاوس بوسن الشهير ذو العقل الثاقب والمناقب الحميدة، وهاك طرفًا من سيرته. ولد في أندليس بقرب روان، وكان أبوه يُعلِّم في مدرسة صغيرة، فتعلم فيها إلَّا أنه كان يتغاضى عن دروسه، ويصرف أكثر وقته في التصوير على حواشي كتبه، فحدث أنَّ مصورًا رأى رسومه فأعجبته كثيرًا، فطلب من والديه ألَّا ينهياه عن التصوير، ثم أخذ يتعلم عند هذا المصور، فنجح نجاحًا عظيمًا حتى إنه فاق معلمه، وكان قد زاد ولعه بهذه الصناعة، فترك معلمه ومضى إلى باريس، وهو إذ ذاك ابن ثماني عشرة سنة، وكان يحصل ما يقوم بمعيشته من تصوير أعلام (أرمات) الحوانيت، فصادف في باريس ميدانًا واسعًا للتصوير والنقش، ووجد فيها ما أذهله، فدخل مجامع التصوير، ونقل صورًا عديدة، ولم يلبث طويلًا حتى عزم على زيارة رومية، أم المدائن ومرضعة المصورين، فحرك ركابه نحوها، ولكنه عجز عن البلوغ إليها، وأبعد مكان وصل إليه فلورنسا، فأقام فيها برهة يسيرة، ثم قفل راجعًا إلى باريس، وبعد قليل سدد خطواته مرة أخرى نحو رومية، فلم يمكنه أنْ يتخطى ليون إلا أنه لم يدع بابًا يُستفاد منه إلَّا قرعه، ولم يترك ينبوعًا يُستقَى منه إلا ورده، ومضى عليه اثنتا عشرة سنة يتعب في إتقان هذه الصناعة، وهو بين تصويب وتصعيد إلى أنْ ساعدته التقادير، فأتى رومية العظمى وأجال طرفه مليًّا في أعمال أرباب الصناعات، ولاسيما في التماثيل القديمة العهد، وأقام عند دوكانوا النقاش الشهير، وساعده في تمثيل أشهر أصنام رومية القديمة.
ودرس في غضون ذلك التشريح ومارس تصوير الأشخاص، وطالع مؤلفات كثيرة في صناعة التصوير، استعارها من أصحابه، وكان كل هذه المدة في غاية الفقر إلَّا أنه لم يضجر من ذلك؛ لأنه كان يتقدم في إتقان صناعته، وكان يبيع صوره بأيِّ ثمن كان، فباع صورة نبي بثماني ليرات، وباع صورة الوباء الذي أصاب الفلسطينيين بستين ريالًا، وقد بيعت هذه الصورة ثانية للكردينال ده رشليه بألف ريال، ثم اعتراه مرض شديد فوق ما أَلَمَّ به من المتاعب، فأنهك جسمه، ولكن رزقه الله من اعتنى به، وهو الكافليه دل بُسُّو فلما نقِه صوَّر له صورة الراحة في البرية مجازاة له على اعتنائه به فوفَّاه وأوفى، ولم يكتف بما حازه من النجاح، فانطلق إلى فلورنسا وفينيسيا ووسع دائرة معارفه، فظهرت أثمار أتعابه في صور كبيرة أخذ في تصويرها نحو ذلك الوقت، منها صورة موت جرمانيكس وصورة المن وغيرهما من الصور الشهيرة، فاشتهر صيته ولكن بطيئًا؛ لأنه كان مائلًا إلى الانفراد ومجانبة الناس حتى وصفه بعضهم بالتأمل أكثر مما وصفه بالتصوير، فإنه كان يقضي أوقات العطلة جائلًا في البراري متأملًا في كيفيات جديدة للتصوير، وكان يحب رومية ويفضلها على ما سواها؛ لأن ليس فيها تغيرات كثيرة تزعج البال، فعهد على نفسه أنه إذا حصَّل فيها ما يقوم بمعيشته لا ينتقل إلى غيرها، وكان في هذا الوقت قد امتد صيته إلى خارج رومية، وعُرِض عليه أنْ يرجع إلى باريس، ويكون رأس مصوري الملك، فتردد في أول الأمر في قبول هذه الدعوة، قائلًا إنه عاش خمس عشرة سنة في رومية، وتزوج فيها، ولم يعد ينتظر إلا دنوَّ الأجل، ولكن كَثُر الإلحاح عليه حتى إنه ترك رومية، وعاد إلى باريس، فصادف فيها الجم الغفير من الحاسدين، وصوَّر مدة إقامته في باريس صورًا عديدة مثل صورة القديس زفير، وصورة المعمودية، وصورة العشاء الأخير، وكان يصور كلَّ ما يُطْلَب منه مثل صور الكتب الملكية، ورسوم البلاط والقاعات وغير ذلك، فتشكى إلى دوشنتالوب قائلًا: «إنني لا أستطيع القيام بهذه الأعمال كلها؛ لأن ليس لي إلا يدان ورأس ضعيف، ولا أحد يساعدني ويخفف أتعابي.»
قلنا إنَّ نجاحه في باريس أهاج عليه كثيرًا من الحاسدين، فلم تطب له الإقامة فيها؛ ولذلك تركها حالما سنحت له الفرصة، ورجع إلى رومية، وسكن في بيته القديم على تل بنشيو، وواظب على صناعته باجتهاد، وكان يعيش بالبساطة، ويصرف القسم الكبير من وقته في المطالعة، وقال من جملة كلام له: إنني كلما أتقدم في السن تزيد رغبتي في إحراز الدرجة العليا بين المصورين. فدام على اجتهاده إلى أنْ حضرته الوفاة سنة ???? ولم يخلف أولادًا، وكانت زوجته قد تُوفِّيت قبله، فأُرْسِلَت تركته إلى أقربائه في أندليس، وكانت تبلغ عشرة آلاف ريال.
ومن المتأخرين الذين تستحق سيرهم أنْ تُدوَّن في بطون التاريخ أري شفر الذي وقف نفسه على خدمة التصوير، وُلِد هذا الرجل في درترخت من والد جرماني حرفته التصوير، فأظهر في حداثته ميلًا لهذه الصناعة، ومات أبوه وهو حدَث، فانتقلت به أمه إلى باريس؛ لكي تمكنه من الدرس فيها مع أنها لم تكن من ذوي اليسار، فباعت كلَّ حلاها، وأنكرت على نفسها كلَّ تنعُّم؛ لكي يمكنها أنْ تقوم بتعليم أولادها، فوضعته عند كارن المصور، ولكن لم يمكنها أنْ تسمح له بتخصيص كلِّ وقته لتعلُّم التصوير. فلما بلغ الثامنة عشرة شرع يصور صورًا صغيرة، ويبيعها بأثمان معتدلة، فراجت رواجًا عظيمًا، ومارس أيضًا تصوير الأشخاص فربح وتقدَّم في إتقان صناعته، وأول صورة أشهرها واشتهر بها هي صورة المعمودية، وما زال يتقدم في صناعته إلى أنْ بلغ صيته الدرجة العليا، وذلك عند إشهاره صورة الفوست وصورة فرنسيسكا ده ديميني وصورة يسوع المعزي، وصورة النساء القديسات، وصورة القديس أوغسطينوس وغيرها.
قال المستر كروت: إنَّ مقدار التعب والتأمل الذي تكبده شفر في عمل صورة فرنسيسكا يفوق الوصف؛ وذلك لأن معرفته بأصول العلوم كانت نزرة جدًّا، حتى إنه اضطر أنْ يتسلق في عراقيبها الشاهقة، وليس له دليل سوى عقله الثاقب، وكان عليه أنْ يجرب أمورًا كثيرة في تركيب الألوان قبل أنْ يصل إلى المطلوب، وكثيرًا ما كان يصور الشيء ثم يمحوه ويصوره ثانيًا وثالثًا حتى يوافق ذوقه، فكأن الطبيعة قد وهبته قوة الصبر والمزاولة تعويضًا عن نقص معارفه.
ومن الصنَّاع الذين كان شفر يُعْجَب بهم فلكسمن. قال مرة لأحد أصحابه: إذا كنتُ قد اقتبست شيئًا في صورة فرنسيسكا، وإن يكن عن غير قصد، فمن صور فلكسمن. أما فلكسمن هذا فهو ابن رجل فقير، حرفته بيع صور الجبسين، وكان في صغره نحيف الجسم حتى إنه كان يُوضَع في دكان أبيه ويُسنَد بالمساند، وكان إذ ذاك يتسلَّى بالقراءة والرسم. وحدث ذات يوم أنْ زار دكان أبيه الفاضل القس متيوس، فرأى هذا الولد عاكفًا على قراءة كتاب، فتطلع وإذا الكتاب نسخة من كُرنيليوس نبوس، اشتراها له أبوه من بعض المكاتب، فتحدث معه قليلًا، ثم قال له: إنَّ هذا الكتاب لا تناسبك قراءته، ولكني سآتيك بكتاب أفضل منه. فأتاه في اليوم الثاني وبيده نسخة من أومرس ونسخة من دون كوِزوت، فقرأهما بلذة وللحال شغفت قلبه حماسة أومرس، وكان في دكان أبيه كثير من التماثيل التي تشخص أجكس وأكلس، فعزم أنْ يصور صور الأبطال الذين قرأ سيرهم، فكانت هذه الصور خالية من كلِّ إتقان مثل صور غيره من الأحداث المبتدئين، وفي أحد الأيام أخذ أبوه هذه الصور، وأراها لروبلياك النقاش، فتأفَّف من رؤيتها، ولكن ما كان ذلك ليوهن عزم فلكسمن بل زاده رغبة، وما لبث أنْ صار يصنع تماثيل من الجبسين والشمع، وبعض هذه التماثيل باقٍ تذكارًا لأول أثمار قريحته.
ثم إنَّ القس متيوس، المتقدم ذكره، دعاه إلى بيته، فقرأ على امرأته أومرس وملتون، ودرَّساه كلاهما اليونانية واللاتينية، وكان تصويره قد تحسن في هذا الوقت، حتى إنَّ إحدى السيدات طلبت منه أنْ يصور لها ست صور تشخص أمورًا مذكورة في أومرس، فصنعها وأجاد، فدفعت له أجرة حسنة، وأثنت عليه ثناءً جميلًا، وكانت هذه الأجرة باكورة ما كسبه من التصوير.
ولما بلغ الخامسة عشرة تتلمذ في المدرسة الملكية، وفي وقت قصير اشتُهر أمره بين الطلبة مع أنه كان يحب العزلة، فانتظروا منه أمورًا كثيرة، ولم يخب انتظارهم؛ لأنه نال الجائزة الفضية وهو في الخامسة عشرة، وكان في السنة التالية بين المستحقين الجائزة الذهبية، وظن الجميع أنه سينالها، ولكن نالها تلميذ آخر لم يُعرَف عنه شيء بعد ذلك. واستفاد فلكسمن كثيرًا من خيبته هذه؛ لأن الفشل لا يوهن عزم أولي الهمة، بل يزيدهم حزمًا وإقدامًا، فاسمع ما قاله لأبيه حينئذٍ، قال: «أعطني وقتًا، فأصنع أعمالًا تفتخر بها مدرسة التصوير.» ثم أخذ يرسم ويصور باجتهاد لا يفوقه اجتهاد، ولكن كان في بيت أبيه في ضنك عظيم؛ لأن تجارة التماثيل الجبسينية لم يكن منها ربح كافٍ، فطرح أومرس جانبًا، وأخذ يسعف أباه في عمله، فتدرب على احتمال المشقات واستقبالها بالصبر الجميل.
وحدث أنَّ شهرته في الرسم طرقت أذني يوشيا ودجود الخزاف — المار ذكره في الفصل الثالث — فاستدعاه لكي يصنع له رسومًا للخزف الصيني الذي كان يصنعه، وربما ظهر أنَّ هذا العمل لا يليق بمصور ماهر كفلكسمن، وليس الأمر كذلك؛ لأن الآنية التي يقع نظر الناس عليها دائمًا تفيدهم رؤيتها ماديًّا وأدبيًّا أكثر من الصور الثمينة، التي تُباع بألوف من الدنانير لتعلق في بيت رجل غني، حيث لا يراها إلا قليلون، وكانت رسوم الآنية الخزفية قبل أيام ودجود بل قبل أن استخدم فلكسمن شنيعة إلى الغاية، فأبدلها فلكسمن برسوم جديدة تشخص أشخاصًا وحوادث مذكورة في كتب الأقدمين، واقتبس أمثلة من الكئوس الأترسكانية ونقشها نقشًا جميلًا، وحينئذٍ نشر ستورت كتابه في أثينا، وفيه رسوم الآنية اليونانية، فاقتبس فلكسمن أجملها منظرًا، وتفنَّن في رسمها ونقشها، فوضح له أنه عامل عملًا ذا طائل، لا يقل عن تهذيب الجمهور كله، وكان يفتخر عندما تقدم في السن أنه هذب ذوقه بهذا العمل، وبثَّ محبة التصوير والرسم في أذهان العامة، وكسب مالًا غير قليل، وأغنى مستخدمه ودجود.
وسنة ???? ترك بيت أبيه، واستأجر بيتًا صغيرًا في سوق وردُر، ثم تزوج بفتاة تُدعَى حنة دَنْمَن، وكانت تحب الشعر والتصوير وتُعجَب بمهارة زوجها، ويقال إنَّ السر يشوع رينلدز المصور الشهير التقى بفلكسمن بعد زواجه ببرهة يسيرة، وقال له: بلغني أنك تزوجت، فإذا كان الأمر كذلك فلم تعد مصورًا. فمضى فلكسمن إلى بيته، وجلس بجانب امرأته، وقال لها: ألا ترين يا حنة أني قد عدمت صناعتي؟ فقالت: من أعدمك إياها؟ قال: أنتِ. قالت: وكيف ذلك؟ اصدُقني الخبر، فقص عليها ما قاله له السر يشوع رينلدز، وأخبرها بما يرتئيه، وهو أنَّ من يقصد إتقان التصوير يجب أنْ يصبَّ كلَّ قوى عقله عليه من الصباح حتى المساء، وأنه لا يمكن لأحد أنْ يكون مصورًا ماهرًا ما لم يذهب إلى رومية وفلورنسا، ويشاهد أعمال رافائيل وميخائيل أنجلو وغيرهما، ثم التفت إليها، وقال: وأنا مرادي أنْ أكون مصورًا ماهرًا. فقالت: وستكون وتزور رومية إنْ كان ذلك لا بدَّ منه للمهارة في التصوير. قال: وبمَ؟ قالت: بالاجتهاد والاقتصاد لأني لا أريد أنْ يقال إنَّ حنة دنمن أعدمت يوحنا فلكسمن صناعته. فقال: إذن أَمْضِي إلى رومية وتكونين برفقتي، وسوف أُري الرئيس — يريد به رينلدز لأنه كان رئيس مدرسة التصوير — أنَّ الزواج يئول إلى خير الرجل لا إلى ضره.
فبقيا خمس سنوات في بيتهما الصغير، واضعين زيارة رومية نصب أعينهما، ولم ينفقا درهما واحدًا بغير لزوم، بل كانا يذَّخران كلَّ ما يمكنهما ذخره لينفقاه في ذلك السفر الطويل، ولم يكاشفا أحدًا بما أضمراه، ولم يطلبا مساعدة المدرسة بل اعتمدا على عمل أيديهما وميل قلبيهما، ولم يكن فلكسمن قادرًا على ابتياع المرمر ونقش التماثيل المبتكرة، ولكنه صنع عدة تماثيل مما يوضع فوق اللحود حسب طلب أهلها، فكسب بها ما يكفي لنفقة بيته، وذخر أجرته التي كان يأخذها من ودجود.
ولما صار عنده ما يكفيه للسفر قام هو وامرأته وتوجها إلى رومية، ولما وصلاها أخذ ينقل صورًا عن التماثيل القديمة ويبيعها للزوار، وفي ذلك الوقت رسم أومرُس وأسكيلوس ودنتي، وباع كلَّ رسم بخمسة عشر شلنًا، وصنع رسمًا لكوبد (إله الحب) وآخر لأورورا (إلهة الفجر)، وصنع صورة فوري (إلهة النقمة)، ثم أخذ يتأهب للرجوع إلى إنكلترا؛ لأنه كان قد نال بغيته، وقبلما ترك إيطاليا انتخبته جمعيتا فلورنسا وكارارا عضوًا منهما، ولما وصل إلى لندن وجد أنَّ شهرته قد سبقته إليها، وأنَّ أعمالًا كثيرة مهيأة له، منها التمثال العظيم الشهير الذي صنعه لِيُنْصَب فوق لَحْدِ لورد منسفيلد في وستمنستر، ولم يزل هذا التمثال تذكارًا لحذاقة فلكسمن. قال بنكس النقاش، وهو في معظم شهرته عندما رأى هذا التمثال: «قد قصَّرنا كلنا عن هذا القصير.» (يريد به فلكسمن).
ولما سمع أعضاء المدرسة الملكية برجوعه، ورأوا ما أذهلهم من الحذاقة التي أظهرها في تمثال منسفيلد، طلبوا إليه بلجاجة أنْ يدخل بينهم عضوًا، ولم يمضِ عليه إلا وقت قصير حتى انتُخِب أستاذًا للنقش في المدرسة الملكية، ولم يكن أليق منه لهذا المنصب، كيف لا وقد حصل ما حصله بالسعي والاجتهاد متغلبًا على ما حال دونه من الصعوبات.
وعاش فلكسمن زمنًا طويلًا في الراحة والتوفيق، ولم يكدر صفاء عيشه إلا موت امرأته، وعاش بعدها سنين عديدة صنع فيها صورتين، تُعدَّان من أشهر ما صنعه، وهما صورة ترس أكلس وصورة ميخائيل رئيس الملائكة قاهرًا الشيطان.
وهاك ترجمة نقاش آخر، وهو تشنتري الشهير الذي كان يفتخر بأنه تغلب على الصعوبات الكثيرة المحدقة به باجتهاده، وهو ابن رجل فقير، وقد مات أبوه وهو صغير فتزوجت أمه، وكان عمله حينئذٍ أنْ يحمِّل حمارًا وطبي لبن ويسوقه إلى شفيلد فيبيعهما فيها، ولكن زوج أمه تذمر من وجوده في بيته، فوضعه صانعًا عند بدَّال (بقال)، فمرَّ تشنتري يومًا أمام دكان نقاش ينقش الخشب، ورأى فيه من الأدوات المذهَّبة ما أذهله، فأحب أنْ يتعلم هذه الصناعة، وأخذ يتوسل إلى أصدقائه؛ لكي يضعوه عند النقاش، فاستحسنوا ذلك، ووضعوه عنده صانعًا؛ ليتعلم النقش والتذهيب بشرط أنْ يبقى عنده سبع سنوات، وكان معلمه يصنع تماثيل جبسين أيضًا، فتعلم منه هذه الصناعة، وكان يُمضِي كلَّ ساعات العطلة في الرسم والتصوير والدرس حتى إنه كان يُحيي جانبًا كبيرًا من الليل في مثل ذلك، ولما بلغ الحادية والعشرين، وكان لم يَنْتَهِ الأجل المعين لبقائه عند معلمه، دفع له كلَّ ما كان يملكه حينئذ، وهو خمسون ليرة؛ لكي يفسخ العقد الذي بينهما ففسخه، وانطلق إلى لندن، وأخذ يعمل عند نقاش فيها، وكان يمضي أوقات الراحة في الدرس والتصوير، ومن جملة الأعمال التي عملها وحده نقش غرفة المائدة لرجرس الشاعر، وكثيرًا ما كان يُدعَى بعد أنْ اشتهر أمره ليأكل في تلك الغرفة، فكان يُري المدعوين معه عمله الذي عمله في أوائل حياته.
ثم اقتضى عمله أنْ يذهب إلى شفيلد، فذهب إليها وأعلن في الجرائد أنه يصور الناس بالكربون وبالزيت، وأول صورة صورها بالكربون باعها بليرة إنكليزية، وأول صورة بالزيت باعها بخمس ليرات وحذاء، ثم رجع إلى لندن؛ لِيَدْرُس في المدرسة الملكية، ولم يلبث طويلًا حتى عاد إلى شفيلد، وأعلن في الجرائد أنه يصنع ثماثيل الناس بالجبسين، ويصورهم تصويرًا، فطلب منه أنْ يعمل تمثالًا لقسيس مُتوفًّى فعمله عملًا متقنًا، ولما كان في لندن صنع تمثال رأس الشيطان؛ لكي يعرضه في معرض التصوير، وهو أول مبتكراته، وكان في غاية المهابة والغرابة، قيل إنه دخل عليه في أواخر حياته صاحب له، والتفت إلى هذا الرأس فاندهش من منظره، فقال تشنتري: إنَّ هذا الرأس أول مصنوعاتي في لندن، وقد صنعته وأنا ساكن بين السقف والقرميد، وعلى رأسي قلنسوة من الورق، وإذ لم يمكني حينئذ أنْ أشتري أكثر من شمعة واحدة، كنت أركزها في قلنسوتي؛ لكي تدور معي كيفما درت. ولما عُرِض هذا الرأس في معرض المدرسة الملكية رآه فلكسمن — المار ذكره — فأعجبه حسن صنعته، وكان قوم يطلبون منه نقاشًا؛ ليعمل أربعة تماثيل لأربعة قواد، فأشار عليهم أنْ يستخدموا تشنتري، فاستخدموه فعمل التماثيل وأجاد، وحينئذ دُعي لعمل تماثيل أخرى فترك صنعة التصوير وأخذ في النقش، مع أنه كان قد استعمل النقش قبل ذلك ثماني سنوات، ولم يربح منه أكثر من خمس ليرات. ومن أشهر ما نقشه رأس هورن نوك، وكان هذا التمثال سببًا لتشغيله باثني عشر ألف ليرة، فعُدَّ بين مهرة النقاشين، واختير من بين ستين نقاشًا لعمل تمثال الملك جورج الثالث، وبعد ذلك بقليل عمل تمثال الأولاد النائمين، ومن ثَمَّ أخذ صيته يمتد في الآفاق وشهرته تزيد يومًا فيومًا. وقد نال كلَّ ما نال بالصبر والاجتهاد والمواظبة. نعم إنه كان ذا موهبة طبيعية فائقة، ولكنه اجتهد في استعمالها حق الاستعمال، وقد أدخل البساطة التامة في جميع مصنوعاته، فإن تمثال وط الذي صنعه بلغ فيه الدرجة القصوى من الإتقان والبساطة، وكان كريمًا على أبناء صناعته، ووهب الجانب الأكبر من تركته لمدرسة التصوير الملكية؛ لترقية صناعتي التصوير والنقش.
وهاك مثالًا آخر للاجتهاد والمواظبة في حياة داود ولكي المصور، وهو ابن قسيس اسكتلندي، فقد بانت عليه منذ حداثته أمارات النباهة والميل إلى فنِّ التصوير، فكان يمضي أكثر أوقاته في الرسم والتصوير مغتنمًا كلَّ فرصة لذلك، فكنتَ ترى جدران البيوت ورمال الأنهار مغطاة برسومه، وكان يستعمل كلَّ قلم صادفه وإنْ قطعةً من الفحم، ويصور على كلِّ سطح وجده ولو صخرًا أملس، وقلما زار بيتًا إلا رسم شيئًا على جداره علامة لمجيئه إليه، ولو ضد إرادة صاحبة البيت. وكان أبوه يكره هذه الصناعة محرِّمًا إياها، ولكن ما كان ولكي ليرتدع بردع أبيه له، بل أعطى نفسه هواها، وركب مركبًا خشنًا محفوفًا بالمصاعب، فعرض نفسه عضوًا على مدرسة إيدنبرج فرُفض؛ لأن تصاويره كانت بعيدة عن الإتقان؛ فأخذ يجتهد في إتقان التصوير إلى أن قُبِل فيها، وكان نجاحه بطيئًا جدًّا إلَّا أنه عقد قلبه على النجاح التام، فنجح ولم يَقْتدِ بغيره من الشبان الذين لا يبالون كثيرًا بالاجتهاد لزعمهم أنَّ لهم موهبة فائقة، بل كان ينسب كلَّ نجاحه إلى اجتهاده الدائم، ثم عزم على المجيء إلى لندن؛ لأن فيها بابًا واسعًا للعلم والعمل، فأتاها وصوَّر فيها صورته المسماة بفلدْج بوليتيشنس — أي رجال السياسة القرويين — فراقت هذه الصورة في عيون الجمهور، وفتحت له بابًا واسعًا للعمل، ولكنه بقي فقيرًا؛ وذلك لأنه كان يقيم وقتًا طويلًا على عمل كلِّ صورة، حتى مهما كان ثمنها كثيرًا يصير قليلًا بالنسبة إلى الوقت الذي يضيعه فيها، ووضع لنفسه أنموذجًا مثل أنموذج رينلدز، وهو أن كلَّ ما يستحق أنْ يُصنَع يجب أنْ يصنع جيدًا، وكان يكره المصورين الثرثارين، ويقول: إنَّ المتكلم يزرع والساكت يحصد. ويوبخ الذين يلهونه بالحديث بقوله لهم: هلموا نعمل عملًا ما. وقال مرة لأحد أصحابه: إنني لما كنت أَدْرُس في المدرسة الأسكتسية كان من عادة المعلم كراهم أنْ يقول لنا بكلام رينادز: إذا كان لكم موهبة، فالاجتهاد يقويها، وإن لم يكن لكم موهبة فالاجتهاد يقوم مقامها؛ ولذلك عزمت أنْ أكون مجتهدًا إلى الغاية القصوى لأنني أعلم أنْ ليس لي موهبة.
وهاك مثالًا آخر للاجتهاد العظيم والمواظبة المستمرة في حياة وليم أَتي، وهو ابن صانع كعك وأمه ابنة صانع حبال، وقد وُضِع في صغره عند طباع؛ ليتعلم صناعة الطباعة، ولكنه كان يغتنم كل فرصة، ويمارس الرسم، فكان يملأ الحيطان برسومه ولو بفحمة، ولما انتهت مدة بقائه عند الطباع عزم أنْ يتبع ميله الطبيعي، فساعده عمه وأخوه حتى طلب في المدرسة الملكية، ولم يكن ذكيًّا إلَّا أنه كان مجتهدًا، فارتقى باجتهاده إلى أسمى الدرجات.
إنَّ أكثر الصناع قاسوا ضيقات عظيمة، واحتملوا ضنك المعيشة الشديد قبل أنْ نجحوا النجاح المطلوب، وكثيرون منهم برَّحت بهم المصائب، ولم تنفرج حتى أوردتهم حتفهم، مثاله أن مرتن المصور أصابته ضيقات شديدة قلَّ مَن أصابه نظيرها؛ لأنه مرارًا كثيرة أوشك أنْ يموت جوعًا وهو يصور الصورة الأولى الكبيرة. روى بعضهم أنه مرة لم يكن في كيسه إلَّا شلن واحد، وكان قد عني بحفظه؛ لأنه وجده لامعًا أكثر من غيره، ثم اضطر أنْ يبتاع به خبزًا لسد رمقه، فمضى إلى الخباز واشترى به خبزًا، وهمَّ بالخروج، فنظر الخباز وإذا بالشلن زائف، فردَّه عليه وأخذ منه الخبز، فرجع إلى منزله منصدع الفؤاد، وأخذ يفتش في وطابه عساه أنْ يجد شيئًا من فتات الخبز يسد به رمقه، وقد احتمل هذا الضنك الشديد بالصبر الجميل، وجدَّ في عمل الصورة حتى أكملها فعرضها واشتهر أمره بها، وصار يعدُّ بين المصورين العظام، وحياة هذا الرجل تبين — كما تبين حياة باقي المصورين — أنَّ الموهبة المعززة بالاجتهاد تكفي للنجاح مهما كانت الأحوال ضيقة، وأن الشهرة وإن تأخرت فلا بدَّ من أنْ ينالها مَن يستحقها.
وأفضل الوسائط التي تستعملها المدارس لا يمكنها أنْ تجعل الإنسان مصورًا ماهرًا ما لم يجتهد هو في ذلك، وهذا الأمر يصدق على كلِّ نوع من العلوم والصناعات. يُرْوَى أنَّ بوجن النجار قال — بعد أنْ تعلم من أبيه كلَّ ما كان يعرفه من صناعة النجارة — إنه لا يعرف إلا شيئًا يسيرًا، وإنه يجب عليه أنْ يبتدئ من المبدأ الأول، فأخذ يعمل كنجار بسيط في بعض المراسح، وتقدم رويدًا رويدًا إلى أنْ صار يصنع الأشياء الدقيقة، ثم لما أُغلِق المرسح الذي كان يعمل فيه، أخذ يتاجر في سفينة شراعية بين إنكلترا وفرنسا، وكان كلما سنحت له الفرصة يرسم ما يقع نظره عليه من الأبنية القديمة كالأديرة والصوامع والكنائس، وكان يضرب في البلاد طويلًا لهذا المقصد، وما زال على مثل ذلك حتى بلغ درجة عليا بين أرباب هذه الصناعة.
ومن قبيل ذلك نجاح جورج كمب راسم مدفن سكُت الشهير، فإنه ابن راعٍ فقير مقامه بين تلال بنتلند، وهناك تربى غير متمتع برؤية شيء من الصناعات، ولما بلغ السنة العاشرة أرسله صاحب الغنم التي كان يرعاها أبوه إلى رُزلين، فرأى قلعتها وكنيستها الشهيرتين، واندهش من حسن منظرهما، وبقيت صورتهما في فكره زمانًا طويلًا، ثم طلب من أبيه أنْ يضعه صانعًا عند نجار؛ لكي تكون له فرصة للتمتع بصناعة البناء التي مال إليها كلَّ الميل فوضعه، ولما انتهت أيام تعلمه مضى إلى غلاشيلس يطلب عملًا، وإذ كان مارًّا في وادي نهر تويد وأدواته في صندوق على ظهره مرت به مركبة، فسأله السائق: أين تقصد؟ فقال إنه ذاهب إلى غلاشلس، فأشار إليه أنْ يصعد إلى المركبة فصعد، وإذا بالسر ولتر سكوت راكب فيها، وكان هو الذي أمر السائق أنْ يُصعده إلى المركبة، ولما كان يعمل في غلاشلس ناسبته فرص كثيرة لزيارة الأديرة القديمة والاطلاع على ما فيها من صناعة البناء، فطاف أكثر شمالي إنكلترا، ولم يترك بناءً غوطيًّا إلا زاره ورسمه بعد أنْ نظر فيه نظرًا مدققًا، ولما كان في لنكشير ذهب إلى بورك ماشيًا، وذلك مسافة خمسين ميلًا، وبقي أسبوعًا كاملًا وهو يبحث في بناء كنيستها الكبيرة ثم رجع ماشيًا، وبعد ذلك انتقل إلى كلاسكو، وأقام فيها أربع سنوات، وكان يذهب إلى الكنيسة الكبرى كلما مكَّنته الفرصة، ويتأمل في بنائها، ثم انتقل إلى الجنوب ودرس كنتربري وونشستر وتنترن وغيرها من الأبنية الشهيرة، وسنة ???? عزم على الطوفان في أوروبا لهذه الغاية، وكان يعول نفسه على الطريق من عمل يديه، فوصل إلى بولون ومنها إلى باريس، فأقام فيها بضعة أسابيع، وكان يرسم كل ما ظنه يستحق الرسم، وبما أنه كان حاذقًا في عمل الآلات والمطاحن وجد عملًا يعمل به حيثما توجه، وكان يفضل الإقامة بقرب بنية غوطية قديمة؛ لكي ينظر في بنائها كلما سنحت له الفرصة، فبقي سنة من الزمان في هذه السياحة، ثم انقلب راجعًا إلى اسكتلندا، وواظب على دروسه حتى صار ماهرًا في الرسم، وكانت ملروز أحب الخرائب إليه، وقد رسم لها عدة رسوم، ثم أخذ يرسم رسومًا لواحد كان شارعًا في طبع كتاب ذي صور على مبدأ كتاب برتون في آثار الكنائس، وكان هذا العمل يلذ له جدًّا، وقد عمل فيه برغبة شديدة، واضطر أنْ يجول نصف أراضي اسكتلندا لأجله، إلا أن المؤلف مات فجأة ووقف عمل الكتاب؛ فطلب كمب بابًا آخر للرزق، ولم يشتهر أمره كثيرًا مع ما وصل إليه من الحذاقة واتساع العلم وطول الباع؛ لأنه كان يميل إلى السكوت وعدم التظاهر ولو بما في الواقع، ولما عينت لجنة مدفن سكت جائزة لمن يرسم الرسم الأفضل لذلك المدفن اختير رسمه من بين رسوم كثيرة صنعها أمهر صناع العصر، فأُرسل إليه كتاب يعلمه باختيار رسمه، ولكنه لم يعش بعد ذلك إلا وقتًا قصيرًا، ولم يرَ شيئًا من ثمار أتعابه العظيمة راسخة في حجارة ذلك المدفن، الذي هو أعظم مدفن أقيم لرجل من رجال الإنشاء.
ومن المشهورين في الصناعات جون جبسن، كان أبو هذا الرجل بستانيًّا، فرأى ميله إلى التصوير والنقش من الخشب الذي كان ينقشه بسكين صغيرة، فأرسله إلى لفربول، ووضعه صانعًا عند نقاش خشب، فأتقن هذه الصناعة في وقت وجيز، وأُدْهِش الجميع بجمال منقوشاته، ثم انتقل من نقش الخشب إلى نحت التماثيل في الحجارة، ولما كان ابن ثماني عشرة سنة صنع تمثالًا للوقت بديع المنظر، فأخذه أولاد فرنسيس النحاتون بعد أنْ أطلقوه من عند معلمه الأول، ووضعوه عندهم ست سنوات أظهر فيها الغرائب، ثم انتقل إلى لندن، ومن ثَمَّ إلى رومية، وحينئذٍ انتشر صيته في كل أقطار أوروبا.
ونويل باتون المصور الشهير ابتدأ في صناعته يصنع رسومًا لتطريز أغطية الموائد، وكان يرسم الصور البشرية، ولم يشتهر أمره حتى عينت جوائز لصور البرلمنت، فصور صورة روح الديانة، ونال جائزة من الجوائز الأولى، واشتُهر بها شهرة فائقة، ثم أشهر صورة مصالحة أوبرون وتيتانيا وصورة الوطن وغيرهما مما بان منه أنه كان يتقدم كثيرًا في إتقان هذه الصناعة.
ومنهم جمس شاربلس الحداد، وُلِد هذا الشهير سنة ????، وإخوته وأخواته اثنا عشر وهو الثالث عشر، وكان أبوه يعمل في سبك الحديد، ولم يُعلَّم أحدًا من أولاده في مدرسة، بل كان يرسلهم إلى معمل حالما يصيرون قادرين على العمل، ولذلك صار جمس هذا عاملًا في مسبك قبلما بلغ العاشرة، ولما بلغ الثانية عشرة دخل معمل الآلات، وكان عمله فيه إحماء المسامير وتقديمها لصانع الخلاقين، وقد اجتهد أبوه في غضون ذلك أنْ يعلمه القراءة مع أنه كان يقيم في المعمل من الساعة السادسة قبل الظهر إلى الثامنة بعده، وكان من عادته أنْ يمسك خيط الطباشير لناظر المسبك عندما يرسم رسوم الخلاقين على الأرض، ويساعده في الرسم فأُغرم بالرسم، وصار حينما يرجع إلى البيت يجلس على أرضه، ويرسم عليها رسوم الخلاقين، وفي ذات يوم أُخبرت أمه أن واحدة من نسيباتها آتية لزيارتهم، فنظفت البيت لاستقبالها بقدر ما يمكن، وخرجت فلاقتها وأتت بها، وكان جمس قد عاد في غيبتها من المسبك، وجلس يرسم رسم خلقين على الأرض كجاري عادته، فاغتاظت أمه غيظًا شديدًا، إلَّا أنَّ نسيبتهم مدحت عمله، وطلبت من أمه أنْ تعطيه قلمًا وقرطاسًا.
ثم أخذ يرسم صور الأشخاص والأراضي، وينقل الصور المطبوعة، وكان يجهل قوانين النور والأظلال، ولكنه استمر على ما هو فيه إلى أنْ برع في النقل، ولما بلغ السادسة عشرة دخل المدرسة الميكانيكية؛ لكي يتعلم صناعة الرسم، وكان معلم الرسم فيها حلاقًا قد تعلم التصوير من نفسه، وكان جمس يتعلم في هذه المدرسة مرة واحدة كل أسبوع، ودام على ذلك ثلاثة أشهر، فنصحه معلمه أنْ يستعير من المكتبة مقالات برنت في التصوير، ولم يكن يعرف القراءة، فكانت أمه تقرأ له وهو يسمع، فتضايق من جهله القراءة كل المضايقة، وخصوصًا لرغبته في هذا الكتاب، فترك الذهاب إلى المدرسة، وأكبَّ على تعلم القراءة والكتابة في البيت فنجح سريعًا، ثم رجع إلى المدرسة، وصار يقرأ في كتاب برنت بنفسه ولم يكتف بالقراءة، بل كان يكتب ملخص أمور كثيرة منه، ويبقيها معه إلى حين الحاجة، وكان يقوم الساعة الرابعة صباحًا، ويعكف على القراءة إلى الساعة السادسة صباحًا، وحينئذ يذهب إلى المسبك، ويبقى فيه من الساعة السادسة صباحًا إلى الثامنة مساءً، فيرجع إلى البيت ويعود إلى القراءة، ويبقى قارئًا إلى نصف الليل، وكثيرًا ما كان يحيي الليل كله في نقل بعض الصور، ثم قصد أنْ يمارس التصوير بالزيت، فاشترى قطعة جنفيص ومدَّها على برواز ودهنها بالأسفيداج وابتاع أصباغًا وأخذ يصور عليها، ولكنه لم ينجح قط؛ لأن الجنفيص كان خشنًا، ولم يجف الصبغ عليه، فشاور معلمه الحلاق في ذلك، فأخبره من أين يمكنه أنْ يبتاع جنفيصًا وأصباغًا محضرة للتصوير، فلما صار معه ما يكفي لابتياع المواد اللازمة للتصوير ابتاعها، وأتى معلمه الحلاق، فعلمه بعض المبادئ، فلم يلبث طويلًا حتى فاق معلمه، وأول صورة صوَّرها نقلها عن صورة مطبوعة تُدعَى جز الغنم فباعها بنصف ريال، ثم اشترى رسالة صغيرة في فن التصوير بالزيت، وصنع لنفسه كل الأدوات التي يمكنه صنعها، واشترى البقية بدراهم حصلها مما عمله في المسبك فوق المطلوب منه، وهذا كل ما أمكن لوالديه أن يسمحا له به لكبر عائلتهما، وكان يذهب إلى منشستر ماشيًا؛ لكي يجلب شيئًا من الألوان والجنفيص، وهي على بعد ثلاث ساعات، ويرجع والتعب آخذ منه كل مأخذ، وما يأتي مأخوذ من كتاب كتبه للمؤلف، قال:
والصورة الثانية التي صورتها صورة أرض وأُوقِع عليها نور القمر، ثم صورت اثنتين أو أكثر، وحينئذٍ خطر ببالي أن أصور مسبكًا، وكان ذلك في فكري منذ زمان طويل، ولم أجسر عليه قبلًا خوفًا من الفشل، ولكني رسمته حينئذٍ على القرطاس، وشرعت في تصويره على الجنفيص، ولم يكن صورة مسبك خاص، ولذلك يمكنني أنْ أحسبه صورة مبتكرة لكوني لم أنقله عن شيء، وبعد أنْ رسمت حدوده رأيت أنه يلزمني أنْ أدرس التشريح جيدًا؛ لكي يمكني أنْ أصور أعضاء العمال وعضلاتهم تصويرًا صحيحًا، وهنا يجب أنْ اعترف بفضل أخي عليَّ؛ لأنه اشترى لي كتاب فلكسمن في التشريح الذي لم يكن ممكنًا لي أن أشتريه؛ لأن ثمنه أربعة وعشرون شلنًا، فاعتبرته ككنز ثمين ودرسته باجتهاد لا يفوقه اجتهاد، فكنت أقوم إلى درسه الساعة الثالثة صباحًا، وأعري أخي وأوقفه أمامي؛ لكي أدرس عليه وأرسمه، وما زالت على ذلك إلى أنْ تيقنت أنني صرت كفؤًا للشروع في صورة المسبك، ولكنني وجدت صعوبة في الأظلال وخطوط النظر، فاستحضرت كتابًا في هذا الموضوع، وأخذت أدرس فيه، وحينئذٍ طلبت من رئيس المسبك أنْ يسمح لي بالعمل في الأدوات الكبيرة؛ لأنه يقتضي لها وقت طويل لإحمائها فيمكني في مدة إحمائها أنْ أرسم رسومًا كثيرة على صفيحة الحديد التي على واجهة الكور.
وما زال يدرس ويعمل حتى أتقن فن التصوير مع كل متعلقاته، وصور أباه صورة بديعة، ثم أكمل صورة المسبك، ولما رأى رئيس المسبك منه ذلك، طلب إليه أنْ يصور له عائلته، فصورها صورة متقنة، فلم يكتف بإعطائه الأجرة التي قاوله عليها، وهي ثماني عشرة ليرة بل أعطاه فوقها ثلاثين شلنًا، ولما كان يصور هذه الصورة ترك العمل في المسبك، وقصد أنْ يتركه دائمًا، ويقتصر على التصوير، فصور صورًا عديدة بين منقول ومبتكر، ولما لم ترُج بضاعته كما يجب عاد إلى صناعة الحدادة، وكان يصرف أوقات العطلة في نقش صورة المسبك التي صورها، أما سبب أخذه في نقشها فهو أنه أراها ذات يوم لبائع صور، فقال له: لو نَقَشَها نقاش ماهر وطبعها لخرجت ذات رونق بديع. فقال في نفسه: علامَ لا أنقشها أنا. إلا أنه كان يجهل صناعة النقش على الإطلاق، وهاك وصف المشقات التي عاناها في نقشها:
قال: «رأيت إعلانًا في بعض الجرائد من رجل يصنع صفائح الفولاذ، التي تُستعمَل لنقش الصور وقد عرضها للبيع بأثمان ذكرها في الجريدة، فاخترت واحدة ذات قدر مناسب، وأرسلت له الثمن المطلوب، وزدته قليلًا من الدراهم، طلبت منه أنْ يرسل لي به بعض أدوات النقش اللازمة، ولم يمكني أنْ أذكر له أنواع الأدوات؛ لأنني لم أكن أعرف ما هي، فأتتني الصفيحة مع الأدوات، ولما كنت أنقش هذه الصورة أعلنتْ جمعية المهندسين أنها تعطي جائزة لأحسن صورة تشخيصية تُقدَّم لها، فاعتمدت أنْ أتطفل على أرباب هذه الصناعة، وأطلقت فرسي في ميدانهم، ولحسن حظي نلت الجائزة، ثم انتقلت إلى بلكبرن، ودخلت معمل الخواجات يتس حدادًا للآلات، وكنت أقضي أوقات العطلة في الرسم والتصوير ونقش صورة المسبك، وصادفت مصاعب كثيرة في نقشها؛ لأنه لم يكن عندي الأدوات اللازمة، فخطر لي أنْ أصنع هذه الأدوات بيدي، وبعد تعب كثير صنعت عدة أدوات توافق ذوقي، وكنت محتاجًا إلى زجاجة مكبرة؛ لأني نقشت قسمًا كبيرًا من صور المسبك بعوينات أبي قبل أن وجدت زجاجة مكبرة تفي بغرضي، وحدثت حادثة بينما كنت أنقش هذه الصورة كادت تجعلني أترك نقشها، وذلك أنه كان من عاداتي أن أضع الصفيحة جانبًا عندما أُدعَى لعمل آخر بعد أنْ أدهن الجزء المنقوش بالزيت حذرًا من الصدأ، وذات مرة افتقدتها بعد أن تركتها زمانًا طويلًا، فوجدت الزيت قد جمد عليها، فحاولت إخراجه بالإبرة، فوجدت أنه يقتضي لإخراجه وقت قدر وقت النقش، فتكدرت من ذلك كدرًا مفرطًا، ولكنه خطر ببالي أنْ أغليها في ماء الصودا ففعلت ومسحتها بفرشاة ناعمة فزال الزيت عنها، ولما زِلت هذه الصعوبة، رأيت أنه لم يبقَ عليَّ إلا الاستمرار على نقشها بالصبر، ولم يكن من يساعدني ولا من يرشدني في شيء، ولذلك أقول بكل جراءة إنه إذا كان في هذه الصورة شيء من الفضل فجميعه لي وليس لي فيه شريك، وما من شيء يدعوني لإشهارها إلا إظهار ما يمكن أن يُفعل بواسطة الاجتهاد والمواظبة وهذا هو فخري.» وقال أيضًا: إنَّ زوجته كانت تجلس بجانبه وهو آخذ في نقش هذه الصورة، وتقرأ له في الكتب المفيدة، فتسليه وتعينه على السهر الطويل.
وليس من قصدنا أنْ نطيل الكلام على هذه الصورة وما تستحقه من الاعتبار؛ لأن جرائد التصوير قد استوفت ذلك، وإنما نقول إنه نقشها في أوقات العطلة مدة خمس سنوات، ولم ير قط صورة منقوشة غيرها قبل أنْ أتم نقشها وأتى بها إلى المطبعة.
وما رأيناه من الاجتهاد والمواظبة بين المصورين نراه بين المغنين؛ لأن صناعة الغناء من أخوات التصوير والغناء للأصوات كالتصوير للألوان وكالشعر للكلمات. فهندل المغني المشهور لم يكن يمل من المواظبة، ولم ييأس من الفشل، بل كان يزيد همة كلما زاد الدهر له عنادًا، وعمل وحده أعمالًا يعجز عنها اثنا عشر رجلًا. وقال هيدن عن صناعة الغناء: إنها تقوم بالمواظبة. وقال موزار المغني الشهير: «إن العمل لذَّتي العظمى.» وقال بيتوفن الموسيقي الشهير: «لا شيء يصد المجتهد عن التقدم.» قيل عَرَضَ مشلز كتاب غناء على بيتوفن، فرآه قد كتب في آخره: انتهى بعون الله. فكتب تحتها «يا إنسان عِن نفسك.» وهذا أنموذج بيتوفن. وقال يوحنا سبسنيان باخ: على قدر الاجتهاد النجاح. أما ميربير فقد قال فيه بيل: إنه يمارس الموسيقى خمس عشرة ساعة كل يوم، وهو ليس بذي موهبة خاصة، ولكنه مفطور على الاجتهاد.
ولم يشتهر الإنكليز كثيرًا بالموسيقى حتى الآن، ولكن قام من بينهم موسيقيون يحق لهم أنْ يفتخروا بهم مثل: أرن وهو ابن منجد، وكان أبوه عازمًا أنْ يعلمه الفقه، ولكنه كان مغرمًا بصناعة الغناء، حتى لم يمكن صرفه عنها، فتعلم لعب الرباب خفية عن أبيه، وحدث مرة أنَّ أباه دخل بيتًا، فرأى فيه نفرًا من المغنين وأرن بينهم، فتركه إلى هواه، فخسر الناس فقيهًا ولكنهم كسبوا مغنيًا حسن الذوق جيد الغناء.
ووليم جكسن وهو ابن طحان غلب المصاعب بالمواظبة، ويظهر أنَّ محبة الغناء كانت وراثية في عائلته؛ لأن أباه كان مرتلًا في الكنيسة، وجده كان رأس المرتلين، ولما بلغ وليم السنة الثامنة من عمره كان يدق على صافور أبيه، وكان فيه بعض الخلل، فاشترت له أمه فلوتًا صغيرًا ذا مفتاح واحد، ثم أهداه رجل فلوتًا من الفضة ذا أربعة مفاتيح، فدخل في زمرة المغنين، وتعلم مبادئ الغناء حسب الأسلوب الإنكليزي القديم، ونجح سريعًا، ثم تعلم اللعب على البيانو، ونحو ذلك الوقت اشترى واحد من جيرانهم أرغنًا صغيرًا مختلًّا، واجتهد لكي يصلحه، فذهب تعبه سدًى، فأعطاه لجكسن هذا ليصلحه؛ لأنه كان قد أصلح أرغن الكنيسة، فأصلحه على أتم المراد، وحينئذٍ خطر ببال جكسن أنْ يصنع أرغنًا مثله، فشرع هو وأبوه في هذا العمل مع أنهما لم يكونا نجارين، وبعد معاناة مشقات كثيرة استتبَّ لهما عمل أرغن يدق عشرة ألحان، فنظر الجميع إلى هذه الآلة بعين الاندهاش، وصاروا يدعون جكسن لإصلاح الأراغن فكان يأتي بالغرائب.
وفي ذلك الوقت تألف صفٌّ من المغنين، فصحبهم جكسن فعينوه قائدًا لهم، وكان يدق على كل آلاتهم، ونظم لهم ألحانًا كثيرة، ثم تعين للعب على أرغن جديد، كان قد أُهدي للكنيسة، وكان قد ترك صناعته الأولى الطحانة، وأخذ في عمل الشمع الأبيض، وصار يقضي أوقات العطلة في ممارسة الموسيقى، وسنة ???? نشر أغنية مطلعها لتغنِّ الأودية المخصبة فرحًا، وفي السنة التالية نال الجائزة الأولى على أغنية نظمها اسمها أخوات المرج، ثم نظم ترنيمة مطلعها يا رب كن لي راحمًا، ونظم غناءً مزدوجًا للمزمور المائة والثالث، وفي غضون ذلك كان آخذًا في نظم خروج بني إسرائيل من بابل، ثم طبعه في أجزاء بين سنة ???? و????، وقد انتهى من طبعه يوم بلوغه السنة التاسعة والعشرين، ثم صار أستاذًا للموسيقى في برَدْفرد، وتشرف بالمثول لدى الملكة فكتوريا في قصر بكنهام وفي قصر البلور، وغنَّى لها شيئًا من نظمه، ونال منها الثناء الجميل، وقبل أن انتهت الطبعة التي ترجم منها هذا الكتاب وردت الأخبار بموت هذا الشهير وله من العمر خمسون سنة، أما ما كتب عنه في هذا الفصل فقد نقله المؤلف عن لسانه، حينما كان يصنع الشمع، وهنا نختم الكلام عن المصورين والنقاشين والمغنين الذين ارتقوا إلى أسمى درجات المجد بواسطة اجتهادهم في العمل ومواظبتهم، وتغلبوا على كل الموانع التي حالت في طريق تقدمهم.
وكنا نود أنْ نضيف إلى هذا الفصل شيئًا عن الذين اشتُهروا في المشرق بالتصوير والنقش والغناء من المصريين والآشوريين والبابليين وغيرهم من أمم المشرق، ولكن المعروف من ذلك نزر واهن لا يُعتمَد عليه مع أنَّ أمم المشرق أتقنت هذه الصناعات إلى الغاية القصوى، ولاسيما صناعة النقش كما تشهد الآثار المصرية، أما العرب ومن قام في دولهم فلم يتعاطوا صناعة التصوير والنقش، ولكن قام من بينهم مغنون مشهورون بالغناء مثل إبرهيم الموصلي وابن جامع ونحوهما، وحازوا أسمى المراتب بجدهم واجتهادهم في إتقان هذه الصناعة كما سترى.
ولد إبرهيم الموصلي سنة ??? للهجرة، وتُوفِّي أبوه بالطاعون وهو ابن سنتين أو ثلاث، فنشأ مع أمه وأخواله، ولما أدرك صحب الفتيان ومال إلى الغناء، فضيَّق عليه أخواله بذلك، فهرب إلى الموصل وأقام بها فلُقِّب بالموصلي، ثم أتقن صناعة الغناء، فبلغ خبره إلى الخليفة المهدي، فاستدعاه وسمع منه وأمره أن يلازمه، وكان أميًّا يجهل القراءة والكتابة، وفَرَطَ منه ذنبٌ حبسه المهدي عليه، فتعلم القراءة والكتابة وهو في الحبس، ثم مات الخليفة المهدي، وتولَّى ابنه موسى الهادي الخلافة بعده، فقرب إبرهيم لحسن غنائه، وواصله بالعطايا الكثيرة، قال ابنه إسحاق: لو عاش لنا الهادي بَنَيْنا حيطان دورنا بالذهب والفضة. وقال أيضًا: إنَّ أباه صنع تسع مائة صوت، تقدَّم بثلاثمائة منها جميع الناس، وقيل سأل الرشيد يومًا إبرهيم الموصلي: كيف تصنع إذا أردت أنْ تصوغ الألحان. فقال: «يا أمير المؤمنين، أُخرج الهمَّ من فكري، وأمثل الطرب بين عينيَّ، فيسرع إليَّ مسالك الألحان، فأسلكها بدليل الإيقاع، فأرجع مصيبًا ظافرًا بما أريد.» وهو مثل قول الفيلسوف إسحاق نيوتن عندما سُئِل: بمَ اكتشفت هذه الاكتشافات العظيمة، كما جاء في الفصل الأول من هذا الكتاب، ومما يشهد بمهارة إبرهيم الموصلي في هذه الصناعة ما رواه علي بن عبد الكريم، قال زار ابن جامع إبرهيم فأخرج إليه ثلاثين جارية فضربن جميعًا طريقة واحدة، فقال ابن جامع في الأوتار وتر غير مستوٍ، فقال إبرهيم: يا فلانة شدي مثناك فشدته، فعجبتُ أولًا من فطنة ابن جامع لوتر غير مستوٍ في مائة وعشرين وترًا، ثم ازداد عجبي من فطنة إبرهيم له بعينه.
ومرض إبرهيم بداء القولنج فلزمه وعاده الرشيد يومًا في مرضه، وقال له: كيف أنت يا إبرهيم؟ فقال كما قال الشاعر:
سقيمٌ ملَّ منه أقربوهوأسلمه المداوي والحميم
فقال الرشيد: إنَّا لله، وخرج فلم يبعد حتى سمع الناعية عليه، وكانت وفاته سنة ??? هجرية، وله من العمر ?? سنة، وأسف عليه الناس، ورثاه كثير من الشعراء، من ذلك قول ابنه إسحاق:
ستبكيه أشراف الملوك إذا رأوامحل التصابي قد خلا منه جانبه
ويبكيه أهل الظرف طرًّا كما بكىعليه أمير المؤمنين وحاجبه
أما ابن جامع المذكور فمغنٍّ من أشهر المغنين من طبقة إبرهيم الموصلي ومن معاصريه، وهو عربي الأصل قدم من مكة على الرشيد، وكان حسن السمت متضلعًا بعلوم الدين حتى ظنه أبو يوسف القاضي من الفقهاء، قيل وكان ابن جامع بارًّا بأمه، فاحتال عليه الرشيد مرة، وأخبره أنها ماتت، فاندفع يغني بصوت حزين حتى أبكى كل من كان حاضرًا، فأمر له الرشيد بمال كثير، وأعلمه أنَّ الخبر حيلة ليسمع غناءه المحزن.
ومن المغنين المشهورين إبرهيم بن المهدي أخو هرون الرشيد، كان له اليد الطولى في الغناء والضرب بالملاهي، وكان أسود اللون؛ لأن أمه جارية سوداء، ولم يُرَ في أولاد الخلفاء قبله أفصح منه لسانًا ولا أحسن منه شعرًا، وبويع له بالخلافة ببغداد والمأمون يومئذٍ بخراسان، وأقام بها خليفة نحو سنتين، ثم خلعه أهل بغداد ودعوا للمأمون بالخلافة.
ومنهم ابن سريج، وهو تركي الأصل، وكان من أحسن الناس غناءً، غنَّى في خلافة عثمان بن عفان، ومات في خلافة هاشم بن عبد الملك، وهو أول مَنْ ضرب بالعود على الغناء العربي بمكة وكان مثلًا في حسن الغناء.
ومنهم ابن مسحج، وهو أول من نقل غناء الفرس إلى غناء العرب، رحل إلى الشام، وأخذ ألحان الروم والبربطية والأسطوخوسية، وانقلب إلى فارس، وأخذ بها غناءً كثيرًا، وتعلم الضرب، ثم قدم الحجاز، وقد أخذ محاسن تلك النغم وألقى منها ما استقبحه وغنى على هذا المذهب، فكان أول من أثبت ذلك ولحنه وتبعه الناس بعد ذلك.
والمغنون والمغنيات كثار، ونوادرهم عديدة، وكثيرون منهم بذلوا جهدهم في إتقان هذه الصناعة، فتقربوا بها من الملوك، وأَثْرَوا إثراءً وافرًا.
الفصل السابع
في العمل وذوي السيادة
قال مركيز منتروز: من لا يعرض نفسه للربح والخسارة فهو جبان أو صعلوك.
وقيل في بشارة لوقا: أنزل الأعزاءَ عن الكراسي ورفع المتضعين.
وقال الأمام الأوزاعي: إذا أراد الله بقوم سوءًا أعطاهم الجدل ومنعهم العمل.
***
ذكرنا فيما مضى أنَّ كثيرين من عامة الشعب ارتقوا من أدنى الطبقات إلى أعلاها بالعمل والاجتهاد، والآن نقول إنَّ كثيرين من الخاصة وأولي السيادة نحوا هذا النحو؛ لأننا إذا بحثنا عن سبب تقدم أشراف الإنكليز وإحرازهم ما لهم من السيادة جيلًا بعد جيل خلافًا لأشراف بقية الممالك رأينا سبب ذلك أنه قد دخل في سلكهم من وقت إلى وقت أناس من أشد أهالي البلاد اجتهادًا وأكثرهم عملًا.
كل الناس من دم واحد، وإن كان كثيرون لا يقدرون أنْ يمتدوا في انتسابهم إلى أكثر من جد واحد، فالجميع بدون استثناء يقدرون أنْ ينتسبوا إلى آدم وحواء أو كما قال الإمام علي بن أبي طالب: «أبوهم آدم والأم حواء.» والسعادة والشرف لا يدومان لفئة من البشر، فكم من عظيم انحطَّ ووضيعٍ سما، والدهر في الناس قُلَّب إنْ دان يوم لشخص ففي غد يتغلب:
أين الأكاسرة الجبابرة الأُولىكنزوا الكنوز فما بقين ولا بقوا
بل انمحت رسومهم، واختفى اسمهم، واختلط نسلهم بعامة شعبهم، والعباد كالبلاد تشقى وتسعد، والناس بين تصويب وتصعيد، فإذا راجعنا كتاب برك في أدوار العيال رأينا أنَّ بلايا الخاصة أكثر وأشد من بلايا العامة، فقد ذكر مؤلف هذا الكتاب أنه لا يوجد الآن رجل واحد في مجلس الأشراف من الخمسة والعشرين بارونًا، الذين انتُخبوا لإجراء البراءة العظمى؛ لأن الحروب الأهلية والثورات الوطنية أهلكت كثيرًا من الأشراف، وشتت شمل أولادهم، وأكثر من بقي من نسلهم مختلط بالعامة، وعائش بين أدنى الرتب، وقال فُلر: إنَّ كثيرين من نسل بوهن ومُرْتيمر وبلنتجنت اختلطوا بالعامة حتى عفا أثرهم. وقال برك: إنه رأى اثنين من نسل أرل كنت الابن السادس للملك إدوارد الأول أحدهما قصَّاب والآخر جابٍ، وإن حفيد مرغريتا بلنتجنت ابنة ديوك كلارنس انحط إلى أنْ صار إسكافًا. وإن واحدًا من نسل ديوك كستر ابن الملك إدوارد الثالث صار قندلفتًا في كنيسة. ويقال إنَّ واحدًا من نسل سمعان ده منتفُرت رأس أشراف إنكلترا يصنع الآن السروج. ويوجد واحد من عائلة برسي له حق بأن يكون ديوك نُرثمبرلند، وهو الآن يصنع صناديق في دبلن، ومن مدة وجيزة كان واحد يعمل في منجم فحم، ويدَّعي بلقب أرل برث، وقال هيو مللر إنه لما كان يبني بعض البيوت بقرب أدنبرج كان معه ولد يحمل الطين يدَّعي بارلية كروفرد، ولم يكن ينقصه شيء لإثبات دعواه سوى كتاب زيجة فُقِد منه. وكثيرون من الأشراف ماتوا على شجرة عائلتهم بعد أنْ التهموا كل أوراقها، وغيرهم داهمتهم المصائب، فحطتهم إلى حضيض الفقر والهوان. هذه نهاية أمجاد هذه الدنيا الغرور.
إنَّ أكثر أصحاب السيادة الحاليين في البلاد الإنكليزية ارتقوا إلى السيادة حديثًا، وأكثرهم ارتقوا إليها بواسطة جدهم في عملهم، أما في قديم الزمان فكان الغنى مصدر السيادة، فأول من أنشأ أرلية كرنولس هو ثوماس كرنولس التاجر، وأرلية أسكس وليم كابل بائع المنسوجات، وأرلية كرفن وليم كرفن الخياط، وأرلية وروك الحديثة وليم كرفل الصواف، ودوكية نرثمبرلند الحديثة هيو سمثْسَن الصيدلاني، والذي أسس عائلة درتموث جلَّاد وعائلة ردنور حائك وعائلة دوسي خياط وعائلة بمفرت تاجر، والذين أسسوا بيرية تنكرفل ودُرمر وكوفنتري كانوا بائعي أنسجة، وأسلاف أرل رمني ولورد ددلي وورد كانوا صاغة، واللورد داكرس كان بنكيًّا في عهد الملك تشارلس الأول، كما كان اللورد أوفرستون في عهد الملكة فكتوريا، وإدورد أُسبرن مؤسس دوكية ليدس كان صانعًا عند خياط غني، وحدث أن ابنة معلمه سقطت في نهر التمس فخاطر بنفسه، وانتشلها من الماء ثم تزوج بها، ومن جملة الأرليات التي أسسها أرباب الصنائع أرلية فتزوليم ولي وبيتر وكَوْبَر ودَرْنلي وهل وكرنتون، وأصل عائلة فولي ونرمني رجلان شهيران، وفي سيرتهما فائدة جزيلة فنختار شيئًا منهما.
كان أبو رتشرد فولي مؤسس عائلة فولي ساكنًا في جوار ستوربردج في عهد الملك تشارلس الأول، وكان ذلك المكان مركز المعامل الحديدية، فتربى رتشرد في معمل منها، وتعلم صناعة عمل المسامير، وكان يلاحظ مقدار التعب الشديد الذي يقاسيه العاملون في تقطيع الصفائح وعملها مسامير، ثم أخذت المسامير ترد من أسوج، وكانت تباع بأثمان بخسة فكسدت مسامير ستوربردج، وشاع أنَّ الأسوجيين يصنعون المسامير بطريقة سهلة حتى يمكنهم بأن يبيعوها بأرخص الأثمان ويربحوا، فعزم أنْ يمضي إلى أسوج، ويكتشف سر هذه الصناعة، فأضمر ذلك في نفسه، ولم يكاشف به أحدًا مخافة أنْ يخيب مسعاه، ومضى إلى هل، ورأى سفينة ذاهبة إلى أسوج فنزل فيها، وكان يعمل فيها بما يقوم بأجرة سفره، ولم يكن معه شيء سوى عود يغني عليه، ولما وصل إلى أسوج قوَّم خطواته نحو معادن دنمورا، وهو يتسول في طريقه ويلعب على العود، وكان جيد اللعب لطيف المحضر، فأنس به الحدادون، وأكرموا مثواه، فكان يلاحظ أعمالهم والآلات التي كانوا يستعملونها، ويذخر ذلك في ذهنه، ولما ظن أنه قد فهم كل شيء طلبوه فما وجدوه، أما هو فرجع إلى إنكلترا وكاشف مستر نَيْط ورجلًا آخر بما فعله، وطلب منهما بأن يمداه بالمال لبناء معمل وعمل الآلات اللازمة ففعلا، ولكن لما ترتب كل شيء رأى أنَّ الآلات لا تصلح للعمل فاختفى ثانية، وزعم البعض أنه هرب خجلًا ولن يرجع أبدًا، ولكن لم يكن الأمر كذلك بل إنه رجع إلى أسوج لكي يعرف ما هو النقص في الآلات التي عملها، فلما دخل معامل الحديد قابله العمال بكل ترحاب، وكان يلعب على العود كجاري عادته، فنوَّموه بينهم داخل المعامل مخافة أنْ يهرب كما هرب أولًا، ولم يخطر ببالهم أنه أتى ليسرق صناعتهم، فأخذ يمعن نظره في الآلات، فعرف سبب النقص في آلاته، وبقي زمنًا كافيًا لطبع صور الآلات في ذهنه بعد أنْ صور البعض منها حسب طاقته، ثم ترك المعامل على حين غفلة، ورجع إلى بلاده، وعاد إلى مشروعه، وأصلح خلله، ونجح فيه نجاحًا كاملًا، وكسب غنًى وافرًا، وهيَّأ عملًا لكثيرين من الصناع، وكان يساعد في كل الأعمال الخيرية، وأنشأ مدرسة مجانية في ستوربردج على نفقته، وابنه ثوماس صار رئيس وسترشير، وأنشأ مقامًا لتربية الأولاد في أُلدسوِنفورد، وقد أُدخلت هذه العائلة في سلك العيال الشريفة في خلافة الملك تشارلس الثاني.
ووليم فبس مؤسس عائلة نرمنبي، وُلِد سنة ????، وكان له عشرون أخًا وخمس أخوات، ولم يكن لهم ميراث من أبيهم إلا صحة أجسادهم، أما وليم هذا فكان يحب سفر البحر، ويفضله على رعاية الغنم التي صرف صباه فيها، وكان يشتهي دائمًا أنْ يصير بحريًّا، ويجول في العالم، وحاول الدخول في مركب فلم يجد، فمضى وصار صانعًا لباني مراكب، وتعلم هذه الصناعة جيدًا، وأتقن القراءة والكتابة في أوقات الفراغ، ثم انتقل إلى بُستُن، وتزوج بأرملة غنية، وأنشأ مبنًى للمراكب، وبنى مركبًا ونزل فيه، وأخذ يتجر بالأخشاب، وبقي على ذلك عشر سنين.
وحدث أنه كان مارًّا ذات يوم في أسواق بستن، فسمع بحريًّا يقول لآخر: قد انكسر مركب إسبانيولي فيه مال كثير عند جزائر بهاما، فلما سمع ذلك جمع فرقة من البحرية، ونزل في مركبه، وقصد السفينة المكسورة، فاهتدى إليها، وخلص كثيرًا من شحنها ويسيرًا من الدراهم، وكل ما خلصه لم يزد على النفقة التي أنفقها إلا أنَّ نجاحه هذا أضرم فيه رغبة شديدة في اقتحام المخاطر، ثم بلغه أنَّ سفينة أخرى انكسرت بقرب بورت ده لابلاتا منذ خمسين سنة، وكانت مشحونة بالذهب والفضة، فعزم أنْ يذهب في طلبها، ويصطادها اصطياد السمك، ولكن هذا العمل يقتضي نفقة وافرة، ولم يكن معه شيء منها فمضى إلى إنكلترا، وكان خبر تخليصه شحن السفينة المكسورة في جزائر بهاما قد سبقه إليها، فلما بلغها طلب مساعدة الدولة، وأقنع رجال السياسة بصحة طلبه حتى إنَّ الملك تشارلس الثاني سلمه قيادة سفينة فيها ثمانية عشر مدفعًا وخمسة وثمانون بحريًّا، فأقلع بهم إلى شاطئ هسينيولا، ولكنه رأى أمامه شاطئًا واسعًا وبحرًا لا نهاية له، فأخذت رجاله تغوص إلى أعماق البحر يومًا بعد يوم وأسبوعًا بعد أسبوع لعلها تجد أثرًا يدل على بقايا تلك السفينة فلم تجد.
وكان فبس غاية في شدة العزم وعلو الهمة وعظم الأمل فدام على هذا الأمر مدة حتى قلق النوتية أيَّ قلق، وأخذوا يتناجون قائلين: إنَّ رئيسهم من أضل الناس سبيلًا، ثم جاهروا بالعصيان، وهجم قوم منهم على القمرة، وطلبوا منه أنْ يرجع بهم، إلَّا أنه لم يخف من وعيدهم، بل قبض على رؤسائهم وقيدهم، وعند ذلك اضطر أنْ يشطط على جزيرة؛ لكي يصلح السفينة فشطط، وأنزل قسمًا من المئونة إلى البر، فاتفق أكثر البحرية على أنْ يقبضوا على السفينة ويقتلوه ويصيروا قرصانًا، ويغزوا المراكب الإسبانيولية في الأبحر الجنوبية، ولكنهم رأوا أنه من اللازم أن يكون معهم رئيس نَجَّاري المركب فكاشفوه بمكيدتهم، فمضى من ساعته وأخبر فبسًا بذلك، فجمع فبس الذين يعلم أنهم مطيعون له، وأمر أنْ تُحْشَى المدافع التي تجاه الجزيرة وأن يرفع سلم السفينة، فلما أقبل البحرية الذين صمموا على العصيان منعهم عن الدخول إليها وهددهم بإطلاق المدافع إذا اقتربوا من المئونة التي كانت لم تزل على البر فتنحوا عنها، فأمر أنْ ترجع إلى المركب تحت حماية المدافع، فلما رأى العصاة ذلك خافوا أنْ يُتْرَكوا على تلك الجزيرة القفراء، فيموتوا جوعًا، فطرحوا سلاحهم، وتوسلوا إليه أنْ يردهم إلى السفينة، ويعفوا عن ذنبهم فعفا عنهم، وردهم إلى وظائفهم، إلَّا أنه أخذ الاحتياطات اللازمة خوفًا من مكيدة أخرى، وحالما أمكنه ترك المتذمرين منهم تركهم، واستخدم غيرهم مكانهم، وحينئذٍ رأى نفسه مضطرًّا أنْ يرجع إلى إنكلترا لكي يصلح السفينة فرجع وعرض كيفية فحصه على وزير البحر، وكانت الدولة وقتئذ في اضطراب فلم تسمح له بمركب آخر، ولكنه لم ينفك عن عزمه بل أخذ يحث الأغنياء والشرفاء على مساعدته في هذا المشروع وتشكيل لجنة لذلك، وما زال يقرع آذانهم مدة أربع سنوات حتى انتظمت لجنة لهذا العمل رئيسها ديوك البمارل ابن الجنرال مُنك وجمعت له الأموال اللازمة، فكان سفره الثاني ناجحًا مثل سفر فولي؛ لأنه وصل بسرعة إلى بورت ده لابلاتا في جوار الصخور التي كان يظن أنَّ السفينة الإسبانيولية انكسرت عليها وبنى قاربًا قويًّا يسع ثمانية مجاذيف أو عشرة وكان يعمل فيه بنفسه.
ويقال إنه اخترع آلة تشبه ناقوس الغواصين، ولم يكن هو أول من اخترعها، ولكنه لم يكن عارفًا بها، والأرجح أنَّ اختراعه إياها من باب توارد الخواطر، واستخدم أيضًا غواصين من الهنود؛ لأنهم أقدر من غيرهم على الغوص، فبقي الغواصون يغوصون، ويبحثون في قاع البحر عدة أسابيع على غير فائدة، وذات يوم كان واحد من الملاحين يتطلع إلى البحر وهو في القارب، فنظر في العمق نوعًا من النبات بديع المنظر ناميًا في شيء كنقر الصخر، فطلب إلى غوَّاص هندي أنْ يغوص ويأتي به فغاص، ولما طلع إلى وجه الماء قال: إنه رأى كثيرًا من المدافع مطروحًا في القعر فلم يصدق أحد قوله، ولكنهم وجدوا لدى الفحص أنه مصيب، ثم وجد واحد من الغواصين سبيكة كبيرة من الفضة، فلما رآها فبس قال: الحمد لله، قد نجحت مساعينا، ثم أنزل الغواصين والنواقيس؛ حيث وُجِدت السبيكة، وفي أيام قلائل استخرج من الفضة والذهب ما قيمته ثلاث مائة ألف ليرة إنكليزية فأقلع راجعًا إلى إنكلترا، ولما بلغها حسَّن قوم للملك أنْ يقبض عليه وعلى المال الذي رجع به زاعمين أنه لما أخبره بهذا المشروع لم يفصله كما ينبغي فلم يَنْقَد الملك إليهم، بل قال: أنا أعلم أنَّ فبسًا أمين صادق؛ ولذلك هو والذين ساعدوه أحق بهذا المال من كل أحد، فاقتسم فبس وأعضاء اللجنة المال، فكان له منه عشرون ألف ليرة، ثم إنَّ الملك لقبه بلقب نيط إظهارًا لأمانته ونشاطه، فخدم الدولة خدمًا كثيرة، ثم صار واليًا على ولاية مستشوستس، وبعد ذلك رجع إلى إنكلترا، ومات فيها سنة ????، ولم يكن يخجل من ذكر أصله الوضيع بل كان يفتخر أنه رُبي نجار مراكب فصار نيطًا ثم واليًا، وحين كانت تشكل عليه المهام السياسية كان يقول إنه يفضل الرجوع إلى قدومه على تولي الولاية، وقد ترك اسمًا مخلدًا في الاستقامة والشجاعة ومحبة الوطن يحق لعائلة نرمنبي أنْ تفتخر به مدى الأجيال.
ووليم بتي أصل بيت لنسدون، ولد سنة ????، وكان مثل فبس في الاجتهاد والمنفعة للجمهور، وكان أبوه خياطًا فقيرًا، فلم يتعلم في صباه إلا بعض المبادئ، ثم انتقل إلى مدرسة كاين الكلية، وكان يبيع شيئًا من البضاعة، فيربح ما يقوم بنفقته، ثم رجع إلى إنكلترا، وخدم ربان سفينة؛ لكي يتعلم سلك البحر، فاحتقره الربان لقبح منظره، فترك البحر، وعزم على درس الطب، فمضى إلى باريس، وأخذ يمارس التشريح العملي، وكان في غضون ذلك يرسم أشكالًا لهبس؛ إذ كان آخذًا في تأليف مقالاته في فن البصريات، وكان ربحه من ذلك يسيرًا جدًّا، فوصل إلى الفاقة الشديدة حتى إنه اقتات ثلاثة أسابيع بالجوز، فعاد إلى البيع والشراء، ولم يمض عليه إلا القليل حتى ربح ما مكنه من العود إلى إنكلترا، فعاد إليها، وأخذ يؤلف في الصنائع والعلوم، ويستعمل الكيمياء والطبيعيات واشتهر أمره فيهما، ثم عرض على البعض من أصحابه العلماء إنشاء جمعية علمية، فوافقوه وأنشئوا الجمعية الملكية، وكانت جلساتها الأولى في بيته، ثم عُيِّن نائبًا لأستاذ التشريح في أكسفُرْد، وسنة ???? عين طبيبًا للجنود في أرلندا، وحين أخذت الدولة تهب الأراضي المضبوطة للعساكر رأى أنَّ تقويمها لم يكن صحيحًا، فأخذ على نفسه أمر تقويمها بالضبط، ولما كثرت أعماله وأجوره اتهمه الحساد بالارتشاء، فعُزِل ثم رد إلى مناصبه بعد حين.
وكان بتي من نوادر الزمان في الاجتهاد والإقدام والاختراع، فقد اخترع اختراعات كثيرة، منها مركب مزدوج القعر، يسير ضد المد والنوء، وألَّف كتبًا في الصباغة والفلسفة البحرية ونسج الصوف والحساب السياسي وفي مواضيع أُخر مختلفة، وأسس معامل حديد، وفتح معادن رصاص، وأنشأ تجارة في الأسماك والأخشاب، ومع كل هذه الأشغال لم يتأخر عن القيام بواجباته في الجمعية الملكية، وترك لأولاده ثروة وافرة، وأكبرهم صار بارون شلبرن، ووصيته في غاية الغرابة، وتظهر منها صفاته بأجلى بيان قال فيها:
أما الفقراء والمساكين الذين يستعطون فلا أوصي لهم شيئًا، وأما المصابون من الله فعلى الأمة أنْ تعتني بهم، وأما الذين لا حرفة لهم ولا مقتنى فيجب أنْ يعتني بهم انسباؤهم …
إلى أنْ قال:
وإني قد ساعدت كل أنسبائي الفقراء، ودربت بعضهم على تحصيل معيشتهم بكدهم، وقد اشتغلت في المصالح الجمهورية، واخترعت اختراعات كثيرة، قاصدًا بها خير البشر، وإني أوصي الذين يرثون تركتي أنْ يفعلوا مثلي دائمًا، ولكني جريًا على العادة المألوفة أهب لأشد المساكين فاقة في قريتي عشرين ليرة.
ثم مات ودفن في كنيسة رُمزي حيث ولد، ولم يزل قبره إلى الآن في تلك الكنيسة، وعليه هذه الكتابة «ضريح السر وليم بتي.»
ومن العيال التي ارتقت إلى منصب الشرف في أيامنا بواسطة الاختراع والصناعة عائلة سترت، وأول من أحرز لها الشرف جديا سترت سنة ???? لما اخترع آلة لاصطناع الجوارب المضلَّعة، فكانت سبب غناه وغنى نسله من بعده، كان أبوه فلاحًا، ولم يُعلِّم أولاده إلا قليلًا، ولكنهم أفلحوا جميعًا، وجديا هذا ثاني أولاده، وكان يساعده في الفلاحة، فأظهر من حداثته ميلًا إلى عمل الآلات، وحسَّن كثيرًا في أدوات الفلاحة التي كانت مستعملة وقتئذٍ، ثم مات عمه، فأخذ حقله، وتزوج بابنة رجل حرفته بيع الجوارب، فأخبره أخوها أنَّ كثيرين قد اجتهدوا في اختراع آلة لعمل الجوارب المضلعة، ولم يقدروا فعزم أنْ يمتحن ذلك، فاستحضر آلة لاصطناع الجوارب، ونظر فيها جيدًا حتى عرف كيفية العمل بها، ثم أخذ يغير تركيب إبرها، ويزيدها حتى صارت تنسج جوارب مضلعة، فعرضها على الدولة، فأجازت له استعمالها، ثم انتقل إلى دربي، وأخذ يعمل الجوارب المضلعة فيها، ثم اشترك مع أركريت المار ذكره، وكان أولاد جديا مثله في الاجتهاد والحذاقة، وإدورد بن وليم اخترع الدولاب المعلق، وصنع ثلاث مركبات دواليبها معلقة، وقد اشتُهرت هذه العائلة شهرة فائقة؛ لأنها استخدمت ثروتها لأعمال حميدة، ولاسيما لأنها لم تترك واسطة لتهذيب أخلاق العاملين في معاملها إلا استخدمتها، وكانت تشترك في كلِّ الأعمال الخيرية بسخاءٍ من ذلك الروض الواسع الذي وهبه يوسف سترت لأهل مدينته، وقال من خطبة وجيزة تلاها عليهم حينما وهبهم إياه:
بما أنَّ السعد قد خدمني مدة حياتي، فلا يليق بي إلا أنْ أخصص قسمًا من ثروتي بالذين رُبِّيت بينهم واعتضدت بهم.
ويمكنا أنْ نقول: إنَّ أكثر الذين أحرزوا الشرف والسيادة برًّا وبحرًا قديمًا وحديثًا أحرزوهما بكدهم واجتهادهم، فمنهم من أحرزها في حومة الوغى كنلسن وسنت وفنسنت وليونس وولنتن وهل وهردن وكليد وغيرهم ممن نالوا شرفهم بذراعهم، ولكن أكثر أشراف الإنكليز ارتقوا إلى سدة الشرف بالعمل والكدح لا بقيادة الجيوش، فإن نحو سبعين شريفًا حصلوا الشرف بواسطة الفقه، وكثيرون من الأشراف كانوا أبناء محامين وبدالين وقسوس وتجار وغيرهم من أهل الكدح، فاللورد لندهرست ابن مصور وسنت ليونردس ابن مزين وإدورد صكدن كان خادمًا، واللورد تنتردن ابن حلاق، وقيل إنه أخذ مرة ابنه تشارلس بيده، وأراه دكانًا صغيرًا، وقال له: انظر إلى هذا الدكان، فإن أبي جدَّك كان يحلق فيه للناس، ويأخذ على الرأس عشرين بارة، وهذا هو فخري العظيم، وارتقاء كنبون والنبرو إلى منصب أمانة ختم الملك ليس أقل غرابة من ارتقاء اللورد تنتردن، وكذا ارتقاء اللورد كمبل وهو ابن مغنٍّ، قيل إنه قبلما ارتقى إلى هذا المنصب كان يجول البلاد ماشيًا لفقره، ولكنه تدرج في مراقي الشرف والاعتبار كشأن كل عامل أمين مجتهد.
وبين كل الذين ارتقوا إلى هذا المنصب ليس مَن ارتقاؤه أغرب من ارتقاء اللورد ألدن، فإنه ابن بائع فحم من نيوكسل، وكان في صغره مشهورًا بسرقة الجنائن، فقصد أبوه أنْ يضعه صانعًا عند بدَّال، ولكنه عدل عن ذلك، وعزم أنْ يعلمه حرفته وهي بيع الفحم، وحينئذٍ أرسل إليه ابنه وليم — وهو الذي دُعِي فيما بعد اللورد ستول — وكان تلميذًا في أكسفرد يقول: ابعث جاكًا إليَّ لعلي أدبر له عملًا مناسبًا. فمضى إلى أكسفرد وتتلمذ فيها، ولكنه لم يلبث طويلًا حتى هوي فتاة فخطفها، ومضى بها، وقطع الحدود بين إنكلترا واسكتلندا وتزوج بها، ولا بيت له ولا مال، فرُفض من المدرسة ومن الكنيسة؛ «لأنه كان معيَّنًا للقسوسية.» فعزم على درس الفقه، وكتب إلى صاحب له يقول: قد تزوجت جهلًا، ولكني عازم أنْ أبذل جهدي لأقوم باحتياجات المرأة التي أحببتها، ثم أتى لندن، واستأجر بيتًا في زقاق كرسيتور، وأقام فيه يدرس الفقه برغبة شديدة، فكان يقوم الساعة الرابعة صباحًا — قبل الظهر بثماني ساعات — ولا يلقي الكتاب حتى يمضي أكثر الليل، وإذا دهمه النعاس ربط رأسه بمنديل مبلول بالماء حتى لا ينام، ولم يكن قادرًا أنْ يدرس على مشترع، فنسخ بيده ثلاثة مجلدات كبار من كتب الدعاوي، ولما صار أمين الختم قال لكاتم أسراره وهما مارَّان في ذلك الزقاق: ههنا كان مقرِّي الأول، وكثيرًا ما يخطر ببالي، كم كنت أمرُّ بهذه السوق وبيدي ثلاثة غروش لأبتاع بها عشائي، ثم مضى إلى المحكمة؛ لكي يستعمل المحاماة، فانسدت في وجهه كل الأبواب، ولم يربح في السنة الأولى أكثر من تسعة شلنات، وبقي أربع سنوات ملازمًا محاكم لندن وغيرها وهو على مثل ذلك، فعزم أنْ يترك محكمة لندن، ويقيم في بعض المدن الصغيرة محاميًا، ولكنه نجا من ذلك كما نجا من أنْ يكون بدالًا وفحامًا وقسيسًا؛ لأنه صادف فرصة لإظهار كل معارفه الفقهية، وذلك أنه كان يحامي في دعوى فحُكم لخصمه، فاستأنف الدعوى إلى مجلس الأشراف، فنقض اللورد ثرلو الحكم الأول، وحكم له، وهذه أول درجة في سلم ارتقائه، قيل كان من عادة اللورد منسفيلد أن يقول: لا أعرف أنه كانت فترة بين المدة التي كنت فيها بلا عمل والمدة التي صارت فيها أجرتي ثلاثة آلاف ليرة في السنة، وهذا يصح أن يقال في هذا الرجل، فإن نجاحه كان سريعًا جدًّا؛ لأنه عين مشيرًا للملك، وصار رئيس الدائرة الشمالية، وعضوًا في البرلمنت قبل أن ناهز الثانية والثلاثين من عمره، وما زال يرتقي من درجة إلى أخرى بجده واجتهاده حتى صار أمين ختم الملك، وهو أعلى منصب يستطيع الملك أنْ يرقِّي أحدًا إليه، وبقي في هذا المنصب نحو خمس وعشرين سنة.
وهنري بكرستث كان ابن جراح ودرس الطب في أدنبرج، وأظهر في دروسه اجتهادًا عظيمًا، وبعد أنْ أكمل دروسه في المدرسة رجع إلى بيت أبيه، وكان يساعده في الجراحة، إلا أنه كان يكره هذه الصناعة، فألح على أبيه حتى أرسله إلى كمبردج، وكان مراده أن يأخذ ديبلوما تلك المدرسة؛ لكي يسوغ له التطبيب في لندن، إلَّا أنَّ اجتهاده العظيم في الدرس ألقاه في مرض، فعرض عليه أنْ يكون طبيبًا للورد أكسفرد وهو مسافر فارتضى أملًا بإرجاع صحته، وسافر مع ذاك اللورد فدرس وهو في السفر اللغة الإيطالية، وأُغرم بآدابها، ثم رجع إلى كمبردج، وأخذ الديبلوما والرتبة، وكان عازمًا أنْ يدخل العسكرية، فلم يتح له ذلك، فدخل المدرسة الفقهية، وأخذ في درس الشريعة، وكل الذين رأوه تنبَّئوا بنجاحه لما رأوا فيه من الاجتهاد، ولما صار له ثمان وعشرون من العمر أُذن له بالدخول إلى المحكمة ولم يكن معه مال، فاضطر أنْ يعيش من إحسان أصحابه، ومضت عليه سنون عديدة قبل أنْ مسك دعوى، فضاق به الأمر، واشتدت عليه الفاقة، فكتب إلى أصحابه الذين يعولونه أنه قد يئس من النجاح، وعزم أن يرجع إلى كمبردج، فأرسلوا له شيئًا من المال، ونشطوه على التصبر ريثما يفتح الله بابًا للفرج، فلم يلبث طويلًا حتى أقبلت عليه الدعاوي، ونجاحه في الدعاوى الصغيرة أتاه بدعاوى كبيرة فصار يربح ما يكفيه، ثم زاد ربحه، وكان مقتصدًا فوفَّى كل ما استقرضه من أصحابه مع الربا، وما زالت تنقشع الغيوم عن سعده حتى أضاء كالبدر في كبد السماء، وصار عضوًا في مجلس الأشراف باسم البارون لندال، وقد نال ما ناله من الشرف والفخر بصبره وكده ومواظبته.
فهذه أمثلة قليلة من الرجال العظام الذين مهدوا لأنفسهم طريقًا للبلوغ إلى أعلى الرتب باستعمالهم قواهم الطبيعية وتقويتها بالصبر والكد والثبات.
أما أهل المشرق فالصناعة غير مكرمة عندهم غالبًا، ألا ترى ما قاله أبو العتاهية، وهو:
وليس على عبدٍ تقيٍّ نقيصةإذا صحح التقوى وإن حاكَ أو حَجَم
كأن الحياكة والحجامة من المعايب، ولكنهما لا تقدران على تنقيص الإنسان التقي، وما أبعد هذا عن قول الإمام عمر — رضي الله عنه — قال: «إني لأرى الرجل فيعجبني، فأقول ألَهُ حرفة؟ فإن قالوا لا، سقط من عيني.» ولكن كان ذلك قبل أن اتسع ملك العرب، واستولوا على أموال القياصرة والأكاسرة، ولذلك قلما تجد من الصناع من حاز مراتب الشرف، هذا إذا استثنينا صناعة الإنشاء، أما أصحاب هذه الصناعة فلم يكن أقرب منهم إلى دست الوزارة، كما ترى في قصة ابن الزيات وابن الأثير وابن مقلة وابن هبيرة وغيرهم ممن يضيق المقام عن ذكرهم، فابن الزيات كان جده يتجر بالزيت في بغداد، وكان هو كاتبًا بديوان الخليفة المعتصم، ويُقال إنه ورد على المعتصم كتاب من بعض العمال، فقرأه وزيره أحمد ابن شاذي البصري، وكان في الكتاب ذكر الكلأ، فقال له المعتصم: ما الكلأ؟ فقال: لا أعلم، فقال المعتصم: خليفة أمي ووزير عامي، ثم قال: أبصروا من بالباب من الكتَّاب، فوجدوا ابن الزيات فأدخلوه إليه، فقال له: ما الكلأ؟ فقال: العشب على الإطلاق، فإن كان رطبًا فهو الخلا، فإذا يبس فهو الحشيش، وشرع في تقسيم أنواع النبات، وكان بليغًا عالمًا بالنحو واللغة، فعلم المعتصم فضله؛ فاستوزره وحكمه وبسط يده، ولما ولي الواثق بعد المعتصم وكان قد سخط على ابن الزيات وحلف يمينًا مغلظة أن ينكبه إذا صار الأمر إليه، أمر الكُتَّابِ أنْ يكتبوا ما يتعلق بأمر البيعة فكتبوا، فلم يرض بما كتبوه، فكتب ابن الزيات نسخة فرضيها وكفَّر عن يمينه، وقال: «عن المال والفدية عوض، وليس عن الملك وابن الزيات عوض.» ولكن لم تدم له النعمة؛ لأنه لما ولي المتوكل بعد الواثق اعتقله وأماته شر ميتة.
وابن الأثير ضياء الدين صاحب المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر، اتصل بالملك صلاح الدين وخدمه، ثم انتقل إلى خدمة ابنه الملك الأفضل، فاستوزره واستقل عنده بالوزارة، وصار الاعتماد في جميع الأحوال عليه.
وابن مقلة الكاتب المشهور كان في أول أمره يتولى بعض أعمال فارس، ويجبي خراجها، وتقلبت أحواله إلى أن استوزره المقتدر، ثم صار وزيرًا للقاهر بالله والراضي بالله.
وابن هبيرة من قرية ببلاد العراق دخل بغداد في صباه، واشتغل بالعلم، ولازم الكتابة، وحفظ ألفاظ البلغاء، وتعلم صناعة الإنشاء، وتقلب في المناصب الدولية حتى ترقى إلى الوزارة عند الخليفة المقتفي، وتوفرت له أسباب السعادة، ولم تلهه مهام الوزارة عن الدرس والتصنيف، فصنف كتبًا كثيرة، منها: الإفصاح عن شرح معاني الصحاح، وكتاب المقتصد، واختصر كتاب إصلاح المنطق لابن السكيت.
وقد قام في عصرنا كثيرون من أولاد الصناع والفلاحين، ورقوا أعلى مراتب الشرف بجدهم واجتهادهم، نخص منهم بالذكر العالم الشهير محمود باشا الفلكي، وُلِد هذا الفاضل ببلدة الحصة بمديرية الغربية، وأُرْسِل إلى مدرسة الإسكندرية سنة ?????، فأقبل على اجتناء ثمار العلوم أيما إقبال، ثم أخذ يتنقل في المدارس العليا حتى تعين أستاذًا للعلوم الرياضية والفلكية بمدرسة المهندسين، ثم بعثته الحكومة المصرية إلى أوروبا سنة ???? ليتمم دراسة العلوم الرياضية والفلكية، فمكث بها تسع سنوات مكبًّا على الدرس والتحصيل، ثم عاد إلى مصر وأُنيط به رسم خريطة للقطر المصري، فرسم خريطة للوجه البحري لم يأت أحد بأحسن منها، وألَّف كتبًا ورسائل كثيرة، ذكرنا أكثرها في السنة التاسعة من المقتطف، وناب عن الحكومة المصرية في المجمع الجغرافي بباريس سنة ???? وبفنيسيا سنة ????، وتقلب في الوظائف السامية إلى أنْ بلغ مسند الوزارة، فعُهد إليه بنظارة الأشغال، ثم عهد إليه بنظارة المعارف.
هذا، ومراكز الآستانة العلية والقاهرة المحمية غاصة بالرجال العصاميين، الذين شرَّفوا الفقر الذي وُلِدوا فيه، وصناعة الإنشاء التي اتخذوها سلمًا إلى أعلى مراتب الشرف، ويجب أنْ تجمع ترجماتهم في كتاب يُنْشَر على الملأ؛ لكي يكون أنموذجًا لمن يريد الترقي وذكرًا خالدًا لهمتهم وإقدامهم.
الفصل الثامن
في النشاط والشجاعة
قال جاكس كر: لا مستحيل على القلب الشجاع.
وقال المثل الجراماني: الأرض للنشيطين.
وقيل عن الملك حزقيا: إنَّ كل عمل ابتدأ به إنما عمله بكل قلبه وأفلح ? أي ??:???.
***
روي أنَّ أحد جاهلية الجرمانيين قال: إني لا أركن إلى الأصنام، ولا أخاف من الشياطين، بل إنما ثقتي بقوة جسدي وعقلي. وقيل إنَّ أهالي أسوج ونروج كان لهم إله يحمل تمثاله مطرقة، وهذا دليل على اجتهادهم؛ لأن حمل المطرقة من علامات الهمة والنشاط، وقد يُستدل على أخلاق الإنسان وأحواله من أعمال طفيفة يعملها. حُكي أنَّ رجلًا فرنساويًّا قال لصاحب له، وهو عازم على الانتقال إلى ما بين قوم والسكنى في بلادهم: «إياك وهؤلاء الناس؛ لأني رأيت ضربة مطرقة أولادهم الذين يدخلون مدارس البيطرة ضعيفة؛ فهم ليسوا من ذوي النشاط، فإذا سكنت بلادهم خسرْتَ ولم تربح.» ولقد أصاب فيما قال؛ لأنه كما يكون الآحاد يكون الشعب، وكما يكون الشعب تكون البلاد.
والنشاط والهمة أساس لكل نجاح، وما أحسن ما قاله بعض بلغاء العرب، قال: الارتكاض باب الإفلاح، والنشاط جلبابه، والفطنة مصباحه، والقحة سلاحه، ويجب على طالبه أنْ يقرع باب رعيه بسعيه، وأنْ يجوب كل فج، ويلج كل لج، وينتجع كل روض، ويلقي دلوه في كل حوض، وألَّا يسأم الطلب، ولا يمل الدأَب؛ لأن من طلب جَلَب، ومن جال نال، والكسل عنوان النحوس، ولبوس ذوي البوس، ومفتاح المتربة، ولقاح المتعبة، وشيمة العجزة الجَهلة، وشنشنة الوكلة النكلة، وما اشتار العسل مَن اختار الكسل، ولا ملأ الراحة مَن استوطأ الراحة، والخور صنو الكسل وسبب الفشل ومبطأة للعمل ومخيَبة للأمل.
والنشاط يوصل الإنسان إلى أعلى مراقي النجاح، مهما حال دونه من الموانع، ومن اتَّصف به سبق المتكلين على مواهبهم، غير معرِّض نفسه للفشل مثلهم، والموهبة من النشاط كالأهلية من الإرادة، فإذا كان الإنسان أهلًا لأن يعمل عملًا ما فلا يعمله ما لم يكن مريدًا، فكما أنَّ الإرادة هي التي تعمل كذلك النشاط هو العامل فينا، وهو الإنسان الأدبي. والأمل الحقيقي مبني على النشاط، قال الشاعر:
… … … … …ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل
وقال ابن سيراخ: ويل لخائر العزم. فلا بركة تضاهي ثبات العزم وحسن الرجاء، فإنه — وإنْ خابت أكثر مساعي الإنسان — يبقى باله مطمئنًا بأنه قد فعل ما في طاقته، ومَن يضع ملاك الأمل نصب عينيه يحتمل المتاعب بالصبر الجميل، ويلقى المحن متهللًا مسرورًا، وأتعب الناس وأكثرهم شقاءً من قصرت مقدرته واتسعت مطامعه:
وأتعب خلق الله من زاد همُّهوقصَّر عمَّا تشتهي النفس وجدُه
ومن كان غذاؤه الأماني عاش خائر القوى، وأكثر الناس تعرضًا لهذا الداء العضال هم الشبان؛ فيجب أنْ يُدرَّبوا من صغرهم على إخراج كل شيء من حيز الأمل إلى حيز العمل.
قال أري شفر: لا شيء يثمر إلا بتعب العقل والجسد، والحياة جهاد مستمر، كما أرى بنفسي، وما فخري إلا بنشاطي، فإن عزيز النفس شريف المطالب، يستطيع أنْ يفعل كل ما يشاء، وقال هيو ملر: «إنَّ المدرسة الوحيدة التي تعلمت فيها العلم الحقيقي هي مدرسة العالم التي يُعلِّم فيها التعب والعناء معلمان صارمان ولكن شريفان.» ومن يتردد في عمله، ولا يقتحم المصاعب بقدم راسخة، وعزيمة ماضية تحبط مساعيه ويعود بالفشل، وأمَّا إذا نهض لعمله بهمة وحزم انقشعت غيوم مصاعبه، كما ينقشع الضباب بحرِّ الشمس، قال الشاعر:
وإني إذا باشرتُ أمرًا أريدهتدانت أقاصيه وهان أشده
والإكباب على الأعمال عادة كبقية العوائد والمواظبة تجعله ملكة، وكل من أكب على عمله بجدٍّ أفلح فيه ولو كان معتدل القوى. قيل إنَّ فول بكستن اتَّكل على الوسائط الاعتيادية والإكباب الشديد جاريًا على قول الحكيم: كل ما تجده يدك لتفعله فافعله بقوتك، ونسب نجاحه إلى إكبابه بكليته على أمر واحد في وقت واحد، ولا يبلغ الإنسان أمرًا ذا طائل إلا بالعمل المقرون بالشجاعة، والإنسان يقوى باقتحام المصاعب، وهذا هو الجهاد، ونتائج هذا الجهاد تدهش كل من ينظر فيها، حتى إنَّ توقُّع المستحيل يصيِّر المستحيل ممكنًا، والآمال طلائع الأعمال، وأمَّا ضعيف الهمة والمتردد في أموره فيرى الممكن محالًا.
حُكي أنَّ جنديًّا فرنساويًّا كان يمشي في غرفته ويقول: لا بُدَّ من أنْ أصير مرشالًا، وما به من شدة الأمل هوَّن عليه كل أمر عسير، فنال مُنْيته وصار مرشالًا عظيمًا. وقيل إنَّ واحدًا مرض مرة فعزم أنْ يُشفَى فشُفِي من تلقاء عزمه، وإنَّ المولى مولك القائد المراكشي كان مصابًا بمرض عضال حين انتشبت الحرب بين جيوشه والجيوش البرتوغالية، فلما سمع صرخات الحرب نهض من عن سريره واقتاد جيشه، وبقي حيًّا حتى فاز بالغلبة على العدو.
والإرادة هي التي تُقدر الإنسان على عمل ما يريد عمله. قال بعض الأفاضل: الإنسان كما يريد. وحكى بعضهم أنه رأى نجارًا يصلح كرسيًّا لأحد القضاة، وكان يعتني بإصلاحه أكثر من المعتاد، فقال له: ما لك تعتني بإصلاح هذا الكرسي اعتناءً شديدًا؟ قال: لأني أريد أنْ أجلس عليه يومًا ما، وهكذا كان؛ لأن ذلك النجار درس الفقه، وجلس على ذلك الكرسي، ولا داعي لما أقامه المنطقيون من الأدلة على أنَّ الإنسان حر الإرادة؛ لأن كل إنسان يحس بأنه متروك إلى حريته، وله أنْ يختار الخير أو الشر، وليس الإنسان ورقة تُرمَى في النهر لتدل على سرعة مجراه، بل هو سباح نشيط يقاوم المجاري ويصارع الأمواج، ويسير إلى حيث أراد بقوة ذراعيه. نعم إننا أحرار، ولنا حرية أدبية لنعمل ما أردنا، ولسنا مرتبطين بطلسم أو سحر يربطنا بعمل من الأعمال، ومن لا يشعر هذا الشعور لا يُرجَى منه كبير فائدة.
ومهام الحياة وعلاقات البشر العائلية والمدنية والعلمية تصرِّح بلسان واحد أنَّ الإنسان حرُّ الإرادة، ولولا ذلك ما كان الإنسان مطالبًا، ولا كانت فائدة من التعليم، ولا من النصح، ولا من الوعظ، ولا من الحث، ولولا حرية الإرادة ما وُجدت الشرائع؛ لأن وجودها يستلزم كون الإنسان حرًّا أنَّ يطيعها أو يعصاها حسب موافقتها أو مضادتها له، ونحن نحس في كل دقيقة من حياتنا أنَّ لنا إرادة حرة سواء استعملناها في المليح أو في القبيح، وليس الإنسان عبدًا لعوائده وتجاربه، بل سيد عليها، ويرى في نفسه ما يحثه على مقاومتها، ولو أطاعها فلا يصعب عليه قهرها إذا أراد، قال لامنيس لأحد الشبان: قد بلغتَ السن الذي يجب أن تنهج فيه منهجًا لا تحيد عنه وإلا فستئنُّ داخل القبر الذي تحتفره لنفسك غير قادر أنْ تزحزح غطاءه عنه. والإرادة أسهل القوى انقيادًا وأسرعها تملكًا، لذلك تعلَّم من الآن أنْ تكون قوي الإرادة، شديد العزم لئلا تبقى:
كريشة بمهب الريح ساقطةلا تستقرُّ على حال من القلق
وكان بكستون يرى أنَّ الشاب يمكنه أنْ يكون كما يريد بشرط أنْ يكون حازمًا، وكتب مرة إلى أحد بنيه يقول له:
قد حان لك أنْ تميل يمنة أو يسرة؛ فعليك أن تظهر حزمك وإقدامك وإلَّا فستكون خامل الذكر، ضعيف الهمة، وتتملك منك صفات الكسل والتواني، وإذا سقطت في مثل ذلك — لا سمح الله — صعب عليك النهوض، وإني لمتيقن أنَّ كل شاب يقدر أنْ يكون كما يشاء، وأنا جريت هذا المجرى فنتجت كل سعادتي ونجاحي من المنهج الذي نهجته لنفسي وأنا في سنك، فإذا عزمتَ الآن أنْ تكون مجدًّا ومجتهدًا فستفرح كل حياتك بأنك عزمت هذا العزم.
والإرادة هي الدأب والمزاولة والمواظبة والثبات، فلذلك لا تحتاج إلَّا إلى التدريب فإذا دُرِّبت على الشر كانت شيطانًا مريدًا، وكان العقل لها عبدًا ذليلًا، وإذا دُرِّبت على الخير كانت ملكًا عادلًا، وكان العقل لها وزيرًا فاضلًا وعكفا كلاهما على خير الإنسان.
والإرادة لغة نزوع النفس وميلها إلى الفعل، بحيث يحملها ذلك الميل عليه، فمن أراد أمرًا فإرادته تحمله على عمله، بل تسهل له العمل، وتهوِّن عليه المصاعب، حتى إنَّ «من أطاق التماس شيء غلابًا واغتصابًا لم يلتمسه سؤالًا.» والعزم لغة عقد القلب على الشيء؛ فمن عقد قلبه على أمر وأراد عمله قدر عليه، ألا ترى أنَّ رشليه ونبوليون الأول طلبا أنْ تُلغى كلمة مستحيل من كتب اللغة، أمَّا نبوليون فكان أكره شيء لديه هذه الكلمات: «لا أقدر، لا أعرف، مستحيل»، فكان جوابه للأولى حاول، وللثانية تعلم، وللثالثة جرِّب، وكاتبو سيرة حياته يقولون إنها مثال للنشاط في استعمال القوى التي لا يخلو قلب من جراثيمها، ومن أمثاله: إنَّ من الحزم لحكمة. ولا يمكن أنْ يظهر مقدار ما تفعله الإرادة أكثر مما ظهر في حياة هذا الإنسان العجيب؛ لأنه صبَّ كلَّ قوى عقله وجسده على عمله فأخضع أممًا وقهر ممالك، وقيل له يومًا: إن جبال الألب الشاهقة تمنعك عن التقدم، فقال: يجب أنْ تُلغَى من الأرض. وهو الذي قال: إنَّ كلمة مستحيل لا توجد إلا في قاموس المجانين. وكانت أشغاله تفوق الوصف؛ فكان يشغل أربعة كتبة وينهكهم من التعب، وقد ألقى النخوة في قلوب كثيرين، وقال مرة: إنني صنعت قوادي من التراب. لكن يغمنا أنْ نقول إنَّ حبه لنفسه أضره وأضر قومه معه بعد أنْ تركهم فى فوضى، ويظهر من حياته أنَّ القوة غير المؤسسة على المبادئ الحسنة تضر بأصحابها، وأن الفطنة بدون الصلاح مبدأ شيطاني.
وأمَّا ولنتون الشهير فلم يكن أقل من نبوليون عزمًا وإقدامًا، ولكنه كان منكرًا نفسه عفيفًا محبًّا لوطنه، كان غرض نبوليون الأقصى المجد، وغرض ولنتون القيام بواجباته، حتى قيل إنَّ كلمة «المجد» لم ترد في كلِّ كتاباته، وأمَّا كلمة «واجبات» فكثيرًا ما وردت، ولكن ليس بالعُجب والافتخار. وأقوى الصعوبات لم توهن عزم هذا البطل، بل كانت قوته تعظم بتعاظم المصاعب المحيطة به، وما أظهره من الصبر والثبات والحزم في حرب إسبانيا يفوق وصف الواصفين؛ لأنه أقام هناك قائدًا وحاكمًا، وكان غاية في حدة الطبع، إلا أنَّ عقله حكم على طبعه فظهر لمن حوله غاية في الصبر والجلد، ولم يشب أخلاقه الحميدة شيء من الطمع أو الحسد أو الهوى؛ فاجتمعت فيه خبرة نبوليون وجسارة كليف وحكمة كرمول وعفة وشنطون وخلَّد اسمه في رياض الحكمة والإقدام.
وأول ظواهر النشاط السرعة، قال الشاعر:
وربما فات قومًا جل أمرهممن التأني وكان الحزم لو عجلوا
قيل سألت اللجنة الأفريقية لديرد السائح: متى تسافر إلى أفريقية (بعد أنْ عينته للذهاب إليها)؟ فأجاب: غدًا. ولما سُئل جون جرفيس (وهو الذي لُقِّب بعدئذٍ أرل سنت فِنْسنت) متى تكون مستعدًّا للنزول في سفينتك؟ أجاب: «الآن.» ولما عُيِّن السر كلون كمبل قائدًا للجيش الهندي سئل متى تكون مستعدًّا للسفر؟ فأجاب: غدًا. وبالسرعة وانتهاز الفرص يُكتسَب الظفر. قال نبوليون: إنني انتصرت في واقعة أركولا بخمسة وعشرين فارسًا، وذلك أنني انتهزت فرصة تعب العدو واقتحمته بهذا العدد القليل فتغلبت عليه. والجيوش المتحاربة شبه رجلين يتصارعان، فإن أخطأ أحدهما خطأً صغيرًا وانتهز قرينه فرصة خطئه غلبه. وقال مرة أخرى إنه كسر النمساويين؛ لأنهم لم يعتبروا وقتهم.
والعرب تقول: الحرب خدعة؛ أي تنقضي بخدعة، ويقال إنَّ معنى كون الحرب خدعة أنَّ الظفر بها يكون بحسن التدبير والحزم، لا بمجرد الشجاعة والإقدام، كما قال أبو الطيب المتنبي:
ولربما طعن الفتى أقرانهبالرأي قبل تطاعن الأقران
ومن هذا القبيل ما حُكي عن عنترة العبسي أنه قيل له: أنت أشجع العرب وأشدهم بطشًا؟ فقال: لا. فقيل له: كيف شاع لك هذا الاسم بين الناس؟ قال: إني أقدم إذا رأيت الإقدام عزمًا، وأحجم إذا رأيت الإحجام حزمًا، ولا أدخل مدخلًا إلا إذا رأيت لي منه مخرجًا، وأعتمد الضعيف الساقط فأضربه ضربة يطير منها قلب الشجاع فأنثني عليه فآخذه، والحرب خدعة.
ولقد كانت بلاد الهند في القرن الماضي ميدانًا للنشاط الإنكليزي، فإنه قام من كليف إلى هفلوك وكليد حكامٌ وقواد طارت شهرتهم في الآفاق كولسلي ومتكلف وأُترَم وإدواردس ولورنس وهستنس، وهستنس هذا من عائلة قديمة شهيرة دهمها الفقر لتبذيرها وانتصارها لآل ستورت فانحط شأنها، وساءت حالها، فألجأها الفقر إلى بيع دالسفرد التي استولت عليها مئات من السنين، ولما وُلِد هستنس كانت العائلة قد انحطت من درجة الأعيان إلى السوقة؛ فتعلم في مدرسة القرية مع أولاد الفلاحين، وكان يلعب في الأراضي التي كانت تخص أسلافه، إلا أنه لم يبرح من باله ما كان لهم من المجد والشرف، قيل إنه، وهو في السابعة، اتَّكأ على ضفة غدير جار في أملاك أسلافه، وجعل يتأمل في ما كانوا عليه فحتَّم على نفسه أنْ يسترجع أملاكهم واسمهم، وذلك فكر صبي غر، ولكنه عاش حتى أخرجه من حيز الفكر إلى حيز الفعل؛ لأنه رُبي معه، وأصبح جزءًا من حياته، وبعزمه وإقدامه صار من أعظم رجال عصره، فاستردَّ أملاك أجداده، وبنى بيت عائلته، قال فيه ماكولي: إنه فيما كان يتسلَّط على خمسين مليونًا من أهالي آسيا، ويقوم بإدارة أمورهم وحروبهم، كانت آماله موجهة لرددالسفرد، ولما انتهت أتعاب حياته اعتزل إليها ليموت فيها.
والسر تشارلس نبير قائد آخر من قواد الهند يُضرَب به المثل في الشجاعة والحزم، قال مرة عن الشدائد الكثيرة التي كان محاطًا بها في إحدى المواقع: إنها لا تزيدني إلَّا ثباتًا ورسوخًا. وواقعة مياني التي انتصر فيها من أعجب الوقائع التي حدثت على وجه الأرض؛ لأنه تغلب فيها على خمسة وثلاثين ألف بلوخي شاكي السلاح بألفي رجل، وذلك أنه كان يثق بنفسه وبقوة جنوده، فاقتحم بهم الأعداء بقلب أشد من الحديد، وانتشب بينهم القتال، ودام ثلاث ساعات متواصلة فقهرهم، واضطرهم إلى الهزيمة بعد أنْ أهلك منهم خلقًا كثيرًا، ولم يفز إلَّا بثباته، وكثيرًا ما يكون بين الغالب والمغلوب فرق يسير، وقد لا يوجد فرق سوى أنَّ الغالب يثبت بضع دقائق أكثر من المغلوب، وثبات خمس دقائق كافٍ للظفر، كما أنَّ السابق من خيل الرهان لا يفوت المصلي إلَّا بمسافة يسيرة جدًّا. قال شاب إسبرطي لأبيه وقد قلده سيفًا: يا أبتِ هذا السيف قصير، فقال له: تقدم به خطوة فيصير طويلًا.
وما من وسيلة استخدمها نبير لإلقاء الحماسة في قلب جنوده إلا شجاعته الشخصية، فكان يتعب كما يتعب كل جندي، ويقول: إنَّ القيادة لا تقوم إلا بمقاسمة الجنود أتعابها، ولا ينجح القائد ما لم يصبَّ كل قوة عقله وجسده على عمله، ويحتمل كل المتاعب، ويعرض نفسه لكل الأخطار. قال بعض الشبان في واقعة كتشي وكان تحت قيادته: «كيف يمكنني أنْ أتكاسل وأنا أرى هذا الشيخ (يريد به نبير) على ظهر جواده دائمًا، فلو أمرني أنْ أزج بنفسي في فم مدفع محشو لفعلت.» وبلغ نبير هذا الكلام فقال: إنَّ هذا جزاء كافٍ لكل أتعابي. ومما يظهر شجاعة هذا البطل وإنصافه الحادثة التي وقعت له مع المشعوذ الهندي، وهي أنَّ مشعوذًا هنديًّا شهيرًا لعب أمامه وأمام عائلته وحاشيته ألعابًا كثيرة، وفي جملتها أنه وضع ليمونة صغيرة كالجوزة في كف رفيقه وضربها بالسيف فقطعها شطرين فارتاب الجنرال نبير في صحة ذلك، ونسبه إلى مواطأة بين السياف ورفيقه، ودفعًا للريب طلب أنْ يمسك الليمونة بيده، ومد يمينه فنظر إليها السياف وقال: لا يمكني أنْ أضربها هنا، فقال نبير: هكذا ظننت، فقال السياف: مدَّ شمالك، فمدها، فقال له: إذا كنت قادرًا أنْ تثبتها فأنا أضرب الليمونة فيها، فقال: ولمَ لا تضربها في اليمنى؟ فأجاب: لأن كفك اليمنى مقعرة فأخاف أنْ أقطع إبهامك، وأمَّا الشمال فليست كذلك؛ فيكون الخطر أقل. قال نبير: وحينئذٍ ارتعدت فرائصي؛ لأنني تأكدت أنه يضرب الليمونة حقيقة، ولو لم أكن قد نسبته إلى الخداع أمام حشمي لعدلت عن المخاطرة بيدي، فمددت شمالي ووضعت الليمونة في كفها، فاستل سيفه وضربها فقطعها شطرين، فشعرت كأن خيطًا باردًا مرَّ على يدي إلى أنْ قال: انظروا إلى مهارة فرسان الهند الذين غلبهم رجالنا في واقعة مياني.
والحوادث الأخيرة التي حدثت في الهند أظهرت جليًّا همة الأمة الإنكليزية وتعويلها على نفسها، ففي شهر أيار سنة ???? ثارت الفتنة في كل بلاد الهند، وكانت الجيوش الإنكليزية حينئذٍ على أقلها، وكانت مشتتة في كل أنحاء البلاد، والجنود البنكالية عصت رؤساءها وانطلقت إلى دلهي، وامتدت الثورة في كل الولايات، وأُلقِي النفير في كل البلاد، وقام جميع الأهالي على الإنكليز حتى خُيِّل لِعَيْن الرائي أنَّ الدولة الإنكليزية قد فقدت بلاد الهند، وفقدت رجالها الذين فيها، وقبلما امتدت الثورة استشار أحد أمراء الهند المنجمين، فقالوا له إذا لم يبقَ من الأوروبيين إلا رجل واحد فلا بد من أنْ يتغلب علينا أخيرًا، وكان في لكنو قليلون من الإنكليز فتحصنوا هم ونساؤهم، وبقوا عدة أشهر، ولا اتصال بينهم وبين الإنكليز الذين في باقي الجهات، وكانوا يجهلون ما إذا كانت البلاد باقية في حوزة دولتهم أو تحررت، إلَّا أنه لم يخُر عزمهم، ولم تضعف ثقتهم برجال بلادهم، بل كانوا متأكدين أنه ما دام رجل إنكليزي في الهند فهو يفتكر فيهم، ولم يخطر على بالهم إلا الثبات، ولو إلى آخر نسمة من حياتهم، فأظهر الجميع شجاعة تفوق الوصف من قواد العساكر، حتى النساء والأولاد، ولم يكن هؤلاء الناس منتخبين من بني البشر، أو ممتازين عنهم، بل كانوا كغيرهم ممن يقع نظرنا عليهم كل يوم في الشوارع والمعامل والحقول والمزارع، ولكن لما انتابتهم المصائب أظهر كل منهم من البسالة والإقدام ما يفوق التصديق، قال منتالنبر: ما من أحد منهم خاف أو ارتعب، بل الجميع من القواد العظام حتى الأولاد الصغار دافعوا عن نفوسهم إلى آخر نسمة من حياتهم، ففي مثل هذه الأحوال تظهر فائدة التربية الإنكليزية التي تدعو كل إنكليزي لكي يستخدم قوته في كل حال من أحوال الحياة.
ويقال إنَّ دلهي أُخذت والهند أُنقذت بواسطة مناقب السر جون لورنس؛ لأن اسمه في الولايات الشمالية الغربية كان رمزًا للقوة، ومناقبه تساوي قوة جيش جرار، وما قيل فيه يقال في أخيه السر هنري لورنس، وكان الجميع يحبون هذين الأخوين محبة شديدة ويثقون بهما ثقة قوية لما رأوه فيهما من الشفقة والصلاح، قال القائد إدوردس: «إنهما طبعا في عقول الشبان من الأخلاق والمحامد ما فعل فعل الديانة، فكأنهما أنشأا ديانة جديدة.» وكان مع السر جون لورنس منتكمري ونكلصن وكُتن وإدوردس، وكلهم من النبلاء الحاذقين الحازمين، ونكلصن كان من أشجع الناس وأكملهم خَلقًا وخُلُقًا، حتى لقبه الأهالي حكيمًا، ودعاه اللورد دلهوسي برج قوة، وكانت كل أعماله من الطراز الأول؛ لأنه ما عمل شيئًا إلا انصب عليه بكليته ولذلك قام قوم من الدراويش وعبدوه فقاصَّ كثيرًا منهم بسبب عبادتهم إياه إلَّا أنه لم يقدر أنْ يردعهم عنها.
أمَّا حصار دلهي والضيقة التي صارت على الجنود الإنكليزية الذين لم يكونوا أكثر من ثلاثة آلاف وسبع مائة، وعدد جنود العدو المحصور أكثر من ????? جندي، فمن الأمور النادرة المثال؛ لأن هذه الشرذمة من الإنكليز غلبت أخيرًا كل قوات الهند، وفتحت دلهي، ورفعت فوقها الراية الإنكليزية بعد أنْ هاجمهم العدو فردوه ثلاثين مرة، وقد أظهر كل جندي من الجنود الإنكليزية بسالة يعجز القلم عن وصفها، ولا ننكر أنَّ هذا الفصل من تاريخ الأمة الإنكليزية قد كلفها كلفة باهظة، ولكن إذا اعتبرنا الفوائد الجزيلة التي يحصدها مَنْ يطَّلع عليه من أولادها رأينا أنَّ المُثمَّن ليس دون الثمن.
وقد ذهب إلى الهند وبلاد المشرق أناس من أمم مختلفة، وأظهروا همة وإقدامًا في أمور أكثر نفعًا للجنس البشري من الحرب، وإذا ذكرنا أبطال السيف وَجَب أن لا ننسى أبطال الدين، فإننا إذا تتبعنا حياة هؤلاء الأفاضل من زفير حتى مرتين ووليمس رأينا عددًا من الدعاة الذين ضحوا حياتهم وصوالحهم على مذبح محبة الجنس البشري، غير مفتشين عن شيء من الفخر والشرف العالمين، وغير قاصدين سوى خلاص البشر، كيف لا وقد احتملوا كل نوع من المتاعب والبلايا، وكانوا عرضة لكل نوع من المخاطر حتى الاستشهاد، ومع ذلك لم ينثنوا عن عزمهم، ولا خارت عزائمهم. ومن أوَّل هؤلاء الدعاة وأشهرهم فرنسيس زفير الذي وُلِد من عائلة شريفة، وكان محاطًا من صغره بالغنى والشرف، إلا أنه برهن بحياته وجود أمور أشرف من شرف العالم، أمور تستحق الاقتناء أكثر من كل مقتنياته، وكان من أفضل الرجال مناقب، وأشجعهم قلبًا، وألينهم عريكة، وأوطاهم جانبًا، وأصدقهم فعالًا، وأفحمهم حجة، وأكثرهم جلدًا.
ولما عزم الملك يوحنا الثالث ملك البرتوغال على نشر الديانة المسيحية في الولايات الهندية الخاضعة له اختار زفير لهذا العمل، فقام ورفأ جُبَّته الخَلَق، وأخذ معه كتاب الصلوات، وانطلق إلى لسبون وأقلع منها إلى المشرق، وكان ذاهبًا في السفينة التي ذهب فيها حاكم كوا، ومعه كتيبة من ألف جندي، فعُيِّنت لزفير قمرة لينام فيها، فاختار المنام على ظهر السفينة ووسادته لفَّة حبال، وكان يأكل مع الملاحين ويمرضهم، فأحبوه واعتبروه اعتبارًا عظيمًا.
ولما وصل إلى كوا اندهش من فساد السكان من أوروبيين ووطنيين؛ لأن الأوروبيين جلبوا معهم كلَّ قبائح أوروبا، والوطنيين لم يقتدوا بهم إلا في القبيح فجال في الشوارع، وكان يدعو الناس ويستعطفهم ليرسلوا له أولادهم لكي يعلمهم، ولم يمضِ إلَّا برهة قصيرة حتى صار عنده عدد وافر من التلامذة، فبذل الهمة في تعليمهم، وكان مواظبًا على افتقاد المرضى والبُرْص والبئسين من كلِّ صفٍّ ورتبة لكي يخفف مصائبهم، ويهديهم طريق الحق، ولم يسمع بإنسان مصاب إلا زاره وفرَّج كربه بقدر إمكانه، وسمع مرة أنَّ الغوَّاصين في منار في حالة يُرثَى لها، فمضى إليهم حالًا، وكان يعمِّدهم ويعلمهم بواسطة الترجمان، وأمَّا تعليمه الأعظم فكان بواسطة أعمال الرحمة التي عملها لهم، ثم طاف كل شطوط كومورن، وجال في المدن والضياع، ودخل البيوت والهياكل معلمًا ومبشرًا، وكان قد سعى في ترجمة التعليم المسيحي، وقانون الإيمان، والوصايا العشر، والصلاة الربانية، وبعض قوانين الكنيسة، فتعلم كل ذلك غيبًا بلغة الأهالي، وكان يتلوه على الأولاد حتى يتعلموه هم أيضًا، ثم يرسلهم لكي يعلموه لوالديهم وجيرانهم، وأقام ثلاثين كنيسة في رأس كومورن، وعين لها ثلاثين معلمًا، ومن ثمَّ انتقل إلى ترافنكور، وجال في قراها وهو يعمِّد ويعلم حتى كَلَّتْ يداه وبح صوته، ولقد قال إنَّ نجاحه فاق انتظاره كثيرًا جدًّا، وكثيرون اعتنقوا الديانة المسيحية من نظرهم إلى طهارة سيرته، واستقامة أعماله.
ثم مضى إلى ملفا ويابان فوجد نفسه بين أقوام يجهل لغاتهم كلَّ الجهل، فكان يصلي ويبكي ويفتقد المرضى والمصابين، وكان مفعمًا من الإيمان والاجتهاد راجيًا كل شيء وغير خائف من شيء، ومن جملة ما قاله: إنني مستعد أنْ أحتمل كلَّ نوع من الموت والعذاب لأجل خلاص نفس واحدة. وما من أحد يقدر أنْ يصف مقدار الأتعاب التي كابدها، والمخاطر التي وقع فيها مدة إحدى عشرة سنة، وفيما كان عازمًا على الدخول إلى الصين أصابته حمى شديدة في جزيرة سنكيان أنهت حياته السعيدة، وتوجته بتاج المجد، ولعله لم يدس دنيانا رجل أشجع منه ولا أطهر.
وحذا حَذْوَ زفير مبشرون آخرون، منهم شورنس وكاري ومرثمن وكتزلف ومريصن ووليمس وكمبل ومُفات ولفنستون، أمَّا وليمس فكان في صباه صانعًا عند رجل يبيع الأدوات الحديدية، وكان ماهرًا في صناعة الحديد، ومغرمًا بتعليق الأجراس، وفي كلِّ عمل يبعده عن دكان معلمه، وحدث أنه سمع عظة مؤثرة أثَّرت فيه تأثيرًا عميقًا، وصيرته معلمًا في مدرسة من مدارس الأحد، ثم طرق أذنيه أمر التبشير في الأصقاع البعيدة، فعزم أنْ يُوقِف نفسه على هذا العمل، وعرض نفسه على جمعية التبشير الإنكليزية، فأرسلته إلى جزائر الأوقيانوس الباسيفيكي، وكان يعمل بيديه في الحدادة والحراثة وبناء السفن، واجتهد في تعليم الأهالي هذه الصنائع وهو يبشرهم بالديانة، وبينما هو في وسط أتعابه هجم عليه البرابرة في أرومنكا وبطشوا به، وإنه لجدير بلبس إكليل الاستشهاد.
أمَّا الدكتور لفنستون فقد قصَّ سيرته بنفسه على أسلوب وضيع — كما هو شأنه — وبيَّن فيها أنَّ أسلافه كانوا فقراء، ولكنهم من ذوي الاستقامة، وأن واحدًا منهم مشهودًا له بالحكمة والفطنة دعا أولاده عندما حضرته الوفاة، وقال لهم: إنني قد نظرت بالتدقيق في كلِّ أخبار عائلتنا التي وصلتُ إليها، فلم أجد بين كلِّ أسلافنا رجلًا عديم الاستقامة؛ فلذلك إذا سار أحدكم، أو أحد أولادكم في طرق معوجة فلا يكون ذلك لأصل وراثي، ووصيتي الأخيرة لكم أنْ تسيروا بالاستقامة.
ولما بلغ لفنستون العاشرة من عمره وُضِع في معمل قطن بالقرب من كلاسكو، فأخذ أجرة الأسبوع الأول، واشترى بقسم منها كتاب نحو لاتينيًّا، وعكف على درس هذه اللغة في مدرسة ليلية، وكان يُحْيي أكثر من نصف الليل في الدرس، فقرأ فرجيل وهوراس، وكلَّ كتاب وصلت إليه يده إلا القصص والروايات، وكان مغرمًا بقراءة الكتب العلمية والرحلات، وعكف أيضًا على درس علم النبات — مع ضيق وقته — وطاف أراضي كثيرة ليجمع منها النباتات، وكان يأخذ كتبه معه إلى المعمل، ويضع الكتب أمامه وهو آخذ في عمله، فارتشف قدرًا جزيلًا من بحار المعارف، ولما تقدم في السن قام فيه ميل شديد لتبشير الوثنيين، فعزم على درس الطب لكي يصير أهلًا لهذا العمل، فأخذ يقتصد في نفقته حتى صار معه ما يكفيه لدرس هذا الفن، فدخل مدرسة كلاسكو، وكان يدرس الطب واليونانية واللاهوت، ويعمل مدة الفرص في معمل القطن، ولم يقبل مساعدة من أحد، بل كان يحصِّل كلَّ ما يكفيه ويكفي لدفع أجرة المدرسة بتعب يديه، وقال بعد ذلك بسنين عديدة: إنني حينما التفت إلى حياتي الماضية، حياة التعب، أشكر الله؛ لأنني حَصَّلتُ ما حصلته بتعبي واجتهادي، وأود أنْ أبتدئ بحياتي جديدًا على المنهج الأول من التعب والاجتهاد. وكان في نيته أنْ يذهب إلى الصين، ولكن كانت الحرب منتشبة في تلك البلاد فعدل عن الذهاب إليها، وعرض نفسه على جمعية التبشير الإنكليزية فأرسلته إلى أفريقية، فوصلها سنة ???? ولم يكن شيء يزعجه في ذهابه إلى أفريقية ويكدر صفاء عيشه إلا ذهابه إليها على نفقة غيره؛ لأنه قال: لا يليق بشخص اعتاد أنْ يفتح طريقه بيده أنْ يعتمد على غيره. ولما وصل إلى أفريقية لم يرد أنْ يبشِّر حيث بشَّر غيره، بل اختط لنفسه قسمًا من البلاد لم يبشِّر فيه أحد قبله، وكان يبشِّر ويعلِّم ويعمل بيديه كلَّ الأعمال الممكنة من الفلاحة والتجارة والبناء وحفر الترع وتربية المواشي، وعَلَّم الأهالي هذه الصنائع أيضًا، ولم يدع دقيقة من الوقت تذهب سدًى، وفي ذات يوم سافر مع نفر من الأهالي ماشيًا، فسمع البعض منهم يقولون: إنه ليس قوي البنية، ولكن بما أنه لابس بنطلونًا نظهر له مهابة وهو دوننا قوة، فحرك فيه هذا الكلام النخوة الأسكتسية، فواصل السير أيامًا عديدة وهو دائمًا أمامهم إلى أن أعياهم التعب، وسمعهم يتعجبون من استطاعته على السير.
ومن الرجال العظام يوحنا هَوَرْد الذي دلَّت حياته على أنَّ الضعف الطبيعي يقدر أنْ يزحزح جبالًا من المصاعب، كان كل اهتمام هذا الرجل موجهًا إلى إصلاح شأن المسجونين، وقد تمكَّن فيه هذا الاهتمام حتى صار ملكة، ولم يثنِه عنه تعب ولا خطر ولا مرض ولا أمر من الأمور، وكان خاليًا من المواهب الفائقة، ومعتدلًا في قواه العقلية، إلَّا أنه كان ذا عزيمة ثابتة، وقلب رحب فحاز شهرة عظيمة، وأثَّر تأثيرًا عظيمًا في المحاكم الإنكليزية وغير الإنكليزية، ولم يزل تأثيره حتى يومنا هذا.
ويونس هنوي رجل آخر من الرجال العظام الذين أوصلوا إنكلترا إلى ما هي عليه بجدهم ودأبهم، وتركوا بعدهم ذكرًا جميلًا وأيادي لا تُنسَى، ولد هذا الرجل سنة ???? ويُتِّم من أبيه وهو صغير فانتقلت أمه إلى لندن لكي تعلم أولادها، واجتهدت كثيرًا في تربيتهم وتهذيبهم، ولما بلغ السابعة عشرة أُرسل إلى لسبون؛ ليكون صانعًا عند تاجر من تجارها، وبحذاقته وتدقيقه واستقامته اكتسب محبة كلَّ من تعرَّف به، ثم رجع إلى لندن سنة ???? ودخل في شركة تجار مركزهم في بطرسبرج وتجارتهم في بحر قزبين، فمضى إلى هناك، ولم يلبث أنْ وصل حتى انطلق إلى بلاد العجم ومعه حمل عشرين مركبة من الأنسجة الإنكليزية، فوصل إلى أستراخان وأقلع إلى أستراباد في الجنوب الشرقي من بحر قزبين، وحالما وصل إلى الشاطئ اعترضه قوم من العصاة ونهبوا بعض ما معه، ثم علم أنهم كانوا قاصدين القبض عليه وعلى الرجال الذين معه، فحذر الخطر قبل وقوعه ووصل إلى غيلان بعد ملاقاة أخطار كثيرة. ونجاته العجيبة في هذه النوبة جعلته أنْ يقول الكلام الذي صيَّره دستورًا لحياته، وهو: «لا تيأس قط.» ثم رجع إلى بطرسبرج، وأقام فيها خمس سنوات سائرًا في سبيل النجاح، وفي غضون ذلك مات أحد أنسبائه، وترك له ميراثًا ليس بقليل، وكان هو قد كسب غنًى وافرًا فرجع إلى وطنه سنة ???? لإصلاح صحته المنحرفة، وعمل الخير لأبناء جلدته، فصرف باقي حياته في الأعمال الخيرية، وأول عمل خيري شرع فيه إصلاح طرق لندرة، فنجح في ذلك أيَّ نجاح، ثم شاع أنَّ الفرنساويين عازمون على غزو إنكلترا؛ فوجَّه اهتمامه إلى إيجاد وسيلة لتقوية رجال البحر، فاستدعى مجلس شورى من التجار وأصحاب السفن، وتذاكر معهم في هذا الشأن، وطلب منهم أنْ يعقدوا لجنة مآلها إعداد رجال متطوعين ليحاربوا في سفن الدولة، فلبوا طلبه فتألفت لجنة هي اللجنة البحرية، وعُيِّن هو مديرًا لها، ولم تزل هذه اللجنة قائمة حتى يومنا هذا، وقد أتت بفوائد عظيمة للأمة، وقبلما مضى عليها ست سنوات أعدت ????? من المتطوعة.
ثم التفت إلى إنشاء المباني العمومية في القصبة، من ذلك إصلاح شأن مستشفى اللقطاء، وأنشأ مستشفى مجدلين، إلَّا أنَّ معظم اهتمامه كان موجهًا إلى تربية أطفال الفقراء؛ فإن أولئك الأطفال كانوا بحالة يُرثَى لها من الشقاء، وكان يموت منهم عدد غفير لقلة الاعتناء بهم، فعقد قلبه على هذا العمل الخطير، وبحث في هذه القضية بنفسه حتى عرف اتساع خرقها؛ لأنه دخل مساكن الفقراء في لندن وسوادها، ولا سيما المرضى منهم، وعرف أحوالهم تمامًا، ثم انطلق إلى فرنسا على طريق هولندا، وزار بيوت الفقراء المقامة ملجأً لهم لكي يرى ما يمكن اقتباسه منها في إقامة بيوت مثلها في بلاد الإنكليز، فقضى في ذلك خمس سنوات، ثم عاد إلى إنكلترا، ونشر خلاصة بحثه في البلاد، فكانت سببًا لإصلاح شئون فقرائها، وقضى حياته بأسرها يغيث الملهوف، ويعين المحتاج ويُنْهِض الدولة إلى سنِّ الشرائع التي تعود على الفقراء بالنفع، وكان لا يتعب، ولا يمل، ولا يأنف من أمرٍ مهما عده الناس زريًّا إذا كان هو متيقنًا نفعه، وهو أول من سار في شوارع لندن حاملًا مظلة، ولا يخفى ما لحقه بذلك من الإهانة لمخالفته زي البلاد، ولكنه ما انفك يحملها مدة ثلاثين سنة حتى شاع استعمالها كثيرًا، وكان صادقًا مستقيمًا ثقة، لا لوم في سيرته، خدم الدولة في منصبٍ أبواب الرشوة واسعة فيه، ولكنه كان يرد الهدايا إلى أصحابها قائلًا: إني حتمت على نفسي ألا أقبل شيئًا من مثل ذلك، ولما حضرته الوفاة تأهَّب لها تأهبه للسفر، فوفَّى كل ديونه، ورتب كل أموره، وودَّع أصدقاءه، وانضم إلى آبائه وهو في الرابعة والسبعين، ولم تبلغ تركته سوى ألفي ليرة، وكان قد أوصى بها لبعض الأيتام والبئسين؛ إذ لم يكن له وريث.
وهاك مثالًا آخر للنشاط في حياة كرنفيل شَرْب الذي هو أول من اجتهد في إلغاء العبودية، ثم سلَّم هذا العمل العظيم إلى أناس مشاهير، منهم كلركسن وولبرفورس وبكستون وبروَم، وهؤلاء الرجال من الأفراد النادري المثال، ولكن كرنفيل أعظمهم شأنًا وبسالة، وقد ابتدأ في العمل صانعًا عند رجل يبيع المنسوجات، ولما انتهت خدمته عنده جُعل كاتبًا في بيت الأسلحة، وهناك شرع في هذا العمل العظيم؛ أي عتق الرقيق، وكان من صغره يُنتَدب لكل عمل نافع، من ذلك أنه — وهو صانع عند بائع الأنسجة — كان له رفيق من الموحدين (فئة من النصارى تنكر التثليث)، فتناظرا في بعض المواضيع الدينية فادَّعى الموحِّد أنَّ كرنفيل بانٍ اعتقاده في التثليث على آيات من الكتاب لا يفهمها؛ لأنه لا يعرف اللغة اليونانية، فدبَّت الحمية في رأسه، وأخذ يدرس اليونانية باجتهاد شديد، فلم يمضِ عليه وقت طويل حتى صار يعرفها معرفة كافية لغرضه، ثم حدثت مناظرة أخرى بينه وين رجل يهودي من جهة تفسير النبوات فتعلم اللغة العبرانية لكي يفحم خصمه.
وكان له أخ طبيب اسمه وليم كان يشاهد المرضى والمصابين، فاستشاره رجل أسود مسكين اسمه يوناثان سترن في مسألة جراحية، وكان هذا المنكود الحظ عبدًا لفقيه بربدوزي، وقد أساء معاملته حتى كاد يصيره أعمى وأعرج، ولما رأى أنه عديم النفع طردهُ من بيته ليهلك جوعًا، فأخذ يستعطي ليقوت نفسه — مع ما به من الأدواء — إلى أنْ ساقه سعده إلى وليم شَرْب فعالجه قليلًا، ثم أدخله مستشفى مار برثلماوس فبقي فيه إلى أنْ شُفِي، ولما خرج من المستشفى عالجه وليم وأخوه إلى أنْ وجدا له عملًا عند صيدلاني، فبقي في خدمة الصيدلاني سنتين، وحدث يومًا أنه كان ذاهبًا مع امرأة معلمه الصيدلاني فمر به سيده القديم؛ أي الفقيه، ولما رأى أنه قد تعافى استدعى اثنين من الحراس، وأمرهما بأن يقبضا عليه عازمًا أنْ يرسله إلى الهند الغربية، ففعلا ووضعاه في محرس، فلما رأى نفسه في هذه الحالة التعيسة تذكر كرنفيل شرْب وما عمله معه من الإحسان فأرسل إليه كتابًا يخبره بحاله ويطلب مساعدته، أمَّا شرْب فكان قد نسيه تمامًا؛ ولذلك أرسل رسولًا ليفحص ويرى من هو سترن هذا، فأنكر الحراس أنَّ عندهم رجلًا بهذا الاسم، ولما أُخبر شرْب بذلك كثرت عنده الظنون، فقام لساعته وانطلق إلى المكان الذي كان فيه العبد، ولم يرجع حتى رآه فعرفه، وأوصى رئيس السجن أن لا يسلمه لأحد حتى يعرض أمره لحاكم المدينة، ثم مضى إلى الحاكم وعرض له واقعة الحال، فاستدعى الحاكمُ العبدَ واللذين مسكاه، وكان سيده السابق قد باعه من رجل آخر فحضر هذا أيضًا وادَّعى به، وبما أنَّ الحاكم لم يكن قادرًا أنْ يحكم بحريته ولا بعبوديته، ولا كانت له دعوى جنائية، أطلقه، فتبع مستر شرْب، ولم يجسر أحد أنْ يدنو منه إلَّا أنَّ سيده استخرج أمرًا من الدولة بإرجاعه.
وكانت حرية الرعايا في ذلك الوقت — أي نحو سنة ???? — قائمة بالقول لا بالفعل؛ لأنه كان في كل المدن الكبار قوم دأبهم القبض على الناس، وإرسالهم إلى الهند خدامًا للشركة الهندية، وإذا استغنت الشركة عنهم في الهند كانت ترسلهم إلى المهاجر الإنكليزية في أميركا ليكونوا فيها عبيدًا، وكان بيع العبيد يُعلن في الجرائد، بل كان يعلن حُلْوان من دلَّ على عبد آبق، وكانت مسألة الاستعباد غامضة والحكم فيها متقلبًا غير ثابت، وكان الرأي العام أنَّ من دخل إنكلترا تخلص من ربقة العبودية إلَّا أنَّ أناسًا كثيرين من ذوي الشهرة والمكانة كان رأيهم خلاف ذلك، وهذا كان رأي القضاة الذين استغاثهم شرْب على عتق سترن حتى إنَّ قاضي القضاة اللورد منسفيلد، وأكثر أرباب المجلس كان رأيهم أنَّ العبد يبقى عبدًا ولو دخل إنكلترا، وإن أبق وجب رده إلى سيده شرعًا، وهذا كان يجب أنْ يقطع آمال شرْب من إطلاق سبيل يوناثان، ومن الانتصار للعبيد، ولكنه زاده همَّةً ونشاطًا فعزم أنْ ينتصر للعبيد، ويدافع عن حريتهم إلى آخر نسمة من حياته؛ ولذلك رأى أنْ لا بد له من تعلم الفقه؛ لأن الفقهاء الذين التجأ إليهم لم يكونوا من رأيه، ولم يكن قد فتح كتابًا فقهيًّا قبل ذلك، فابتاع كتبًا كثيرة، وأخذ يطالع فيها صباحًا ومساءً؛ لأنه كان يعمل النهار كله في بيت الأسلحة — كما قدمنا — فصار عبدًا وهو يحاول تحرير العبيد، وكتب مرةً إلى أحد أصحابه يقول له: اعذرني لعدم مجاوبتي كتابك في حينه؛ لأن الوقت الذي كنت أملكه من الليل قد ملكته لمطالعة بعض الكتب الفقهية، وهي تستدعي وقتًا طويلًا واجتهادًا عظيمًا.
ودام على مثل ذلك سنتين كاملتين، وهو يطالع في كتب كثيرة، ويدون كلَّ ما يوافقه من آراء القضاة وبنود المجلس العالي وأحكامه، ولم يكن له مساعد ولا مرشد، بل لم يجد قاضيًا واحدًا من رأيه، إلَّا أنَّ نتيجة درسه كانت حسب مطلوبه، الأمر الذي انذهل منه كلُّ المفتين. ومن جملة ما كتبه حينئذٍ قوله: الحمد لله لأنني لم أرَ في كلِّ شرائع دولتنا الإنكليزية ما يجيز استعباد البشر. ثم كتب نتيجة بحثه في ملخص سهل العبارة واضح الإشارة، سمَّاه بطلان إباحة العبودية في إنكلترا، ونسخ منه عدة نسخ بيده، ووزعها على أشهر مفتي عصره، فلما رأى سيد سترن من شرْب ذلك حاول تأخير المرافعة، ثم طلب أنْ تصير بينهم مراضاة بلا مرافعة، فلم يقبل شرْب بذلك، واستمر على توزيع النسخ على القضاة، حتى إنَّ المحامين الذين اختارهم سيد سترن تنحوا عن المحاماة، فالتزم أنْ يدفع ثلاثة أضعاف النفقات؛ لأنه لم يمكنه إثبات دعواه، وحينئذٍ طُبعت رسالة شرْب المار ذكرها.
ونحو ذلك الوقت حدثت في لندن حوادث كثيرة من اختطاف السود وإرسالهم للبيع في الهند الغربية، أمَّا شرْب فكان يخلِّص كلَّ من عثر عليه من هؤلاء المنكودي الحظ بأمر الدولة، ومن ذلك امرأة رجل أفريقي اسمه هيلاس خطفها البعض وأرسلوها إلى بربادوز، فانتصر لها شرْب، وخلَّصها بقوة الحكومة من النخاسين، وأجبرهم على رَدِّها إلى إنكلترا، وكان في إنكلترا زنجي اسمه لويس ادَّعى به رجل، وأرسل اثنين فمسكاه وقيداه، ومضيا به إلى سفينة مسافرة إلى جمايكا، فسمع البعض صراخه، ومضوا وأخبروا شرْب الذي كان قد اشتهر أمره حينئذ بتخليص العبيد، فعرض الدعوى للحكومة، وحصل على أمر بإطلاق العبد، ولما أُخْرِج الأمر كانت السفينة قد سافرت، فأخرج أوامر مشددة من الحكومة، تقضي باتباع السفينة ورد العبد، فاتُّبعت قبل أنْ باينت شواطئ إنكلترا، وإذا بذلك المسكين مقيد إلى السارية مغتسل بدموعه، فأُطلق وجيء به إلى لندن، وأُلقي القبض على النخاس، فرُفِعَت الدعوى إلى قاضي القضاة منسفيلد، وقد تقدم أنَّ رأيه يخالف رأي شرْب، فلم يرِد أنْ يحكم في هذه الدعوى لا سلبًا ولا إيجابًا، ولكنه أطلق العبد؛ لأن النخاس لم يقدر على تقديم بينة أنَّ العبد ملك له.
ولم تكن حرية العبيد مثبتة في لندن حتى ذلك الوقت غير أنَّ شرْب لم يكفَّ عن إنقاذ مَن مكنته الفرصة من إنقاذه، وأخيرًا تصدرت دعوى جمس سمرست الشهيرة، ويقال إنَّ هذه الدعوى تصدرت بتواطؤ لورد منسفيلد ومستر شرب؛ لكي يُبَتَّ الحكم في مسألة تحرير العبيد بتًّا شرعيًّا نهائيًّا، وسمرست هذا عبد جلبه سيده معه إلى لندن، ثم قصد أنْ يرسله إلى جمايكا ويبيعه فيها، فقام مستر شرْب حسب عادته وانتصر له، فقال لورد منسفيلد: إنَّ هذه الدعوى مهمة جدًّا، فيجب أنْ يؤخذ فيها رأي كل القضاة. فقامت على مستر شرب جميع قوَّات المملكة، إلَّا أنه رأى نفسه كفؤًا لها لما عنده من ثبات العزم، ولحسن حظه وجد كثيرين من القضاة قد غيَّروا رأيهم، وصاروا من رأيه (من قراءتهم رسالته المار ذكرها)، فالتأم مجلس قضائي من لورد منسفيلد وثلاثة من رؤساء القضاة، وجرت المذاكرة فيه في أمر حرية الرعايا ولزومها، وكيف أنها لا تفقد إلَّا لعلة شرعية توجب النفي، وبعد مباحثة دامت أيامًا كثيرة خرج حكم لورد منسفيلد (الذي كان قد غير رأيه بواسطة رسالة شرب) أن لا شيء في الشرائع الإنكليزية يعضد العبودية أو يجيزها؛ ولذلك يجب أنْ يطلق سبيل سمرست، وبهذا الحكم نُقضت تجارة العبيد التي كانت جارية علانية في أسواق لندن ولفربول، وأثبت القول القائل: إنَّ العبد يُعتَق عندما تطأ رجله أرضًا إنكليزية. كل ذلك باجتهاد مستر شرب وحده.
ولم يكتف هذا الشهم بالفوز العظيم الذي فاز به، بل لازم أعمال البر بهمَّة لا يخامرها كلَلٌ ولا ملل، وبهمته تأسَّس مهجر سرَّاليون لسكنى العبيد المعتقين، وأُصلح شأن هنود أميركا، وألغى إجبار الناس على الخدمة البحرية، واجتهد أيضًا في إرجاع الصلات الحبية بين الدولة الإنكليزية ومهاجرها في أميركا، ولما انتشبت حرب الحرية بين إنكلترا وأميركا كانت ضد رأيه على خط مستقيم، فتنحَّى عن وظيفته في بيت الأسلحة؛ لأنه لم يطق أنْ يعمل في عمل له شركة في تلك الحرب المشئومة، وبقي إلى آخر نسمة من حياته مهتمًّا بإلغاء العبودية، وبمساعيه انتظمت لجنة لإلغائها قام منها أناس مُتَّقِدون غيرةً واجتهادًا، وأكبوا على تنفيذ مآربه، ولا عجب إذا فعلوا ذلك؛ لأنهم كانوا مضطرمين بما بثَّه في صدورهم من محبة عمل الخير، ولم يساعده هؤلاء وحدهم بل كل الأمة، إلَّا أن أخصَّ خلفائه هم: كلاركصن وولبرفورس وبروم وبكستون الذين اشتغلوا في هذه المسألة باجتهاد يوازي اجتهاده إلى أنْ أُلْغِيت العبودية من كل السلطنة الإنكليزية، والفضل الأول في إلغائها لكرنفيل شَرْب الذي شرع في هذا العمل وكل رجال المملكة ضده، فصارعهم جميعًا قضاة ورؤساء، وتغلب عليهم بثباته واجتهاده وصيرهم له أنصارًا، والناس كلهم مدينون لهذا الرجل؛ لأنه نزع من الدنيا شرًّا عظيمًا حط شأن الإنسان زمانًا طويلًا، وكل ما حدث بعده هو نتيجة تعبه، فهو أول من مسك هذه الشعلة بيده، وأضرم بها بعض العقول، فاستنارت وعمَّ ضياؤها المسكونة.
وقبلما تُوفي شرْب قام كلاركصن، ووجَّه اهتمامه إلى هذا الأمر، حتى إنه اختاره موضوعًا لرسالة مدرسية (رسالة ينشئها الطالب عندما ينتهي من المدرسة)، ثم ترجم هذه الرسالة من اللاتينية إلى الإنكليزية وطبعها، وكانت قد تألفت لجنة إلغاء العبودية، فانضم إليها، وضحَّى كل صوالحه لإتمام غرضها، وكان شغله جمع البيِّنات التي تعين على إبطال العبودية، وكان المحامون عن العبودية يدَّعون أنَّ العبيد إنما هم أسرى، أُخذوا في الحروب، وابتياعهم خير لهم من العذاب والقتل حسب عوائد بلادهم، إلا أنَّ كلاركصن كان يعرف أنَّ النخاسين يصطادون العبيد صيد الوحوش، غير أنه لم يقدر أنْ يثبت ذلك بالبينة، وحدث يومًا أنه التقى بصاحب له، وفيما هما يخوضان في الحديث قال له صاحبه إنه يعرف نوتيًّا كان عمله اقتناص العبيد إلا أنه لا يعرف اسمه، ولا يقدر على وصفه، ولا يعرف مقره، وكل ما يعرف من أمره أنه في إحدى السفن الحربية، فعزم كلاركصن أنْ يفتش عن هذا النوتي، ويأتي به شاهدًا، فتفقَّد كل المرافئ البحرية بنفسه، وفتش كل السفن، وأخيرًا وجد النوتي المذكور في آخر مرفأ وصل إليه وفي آخر سفينة دخلها، فأتى به شاهدًا على صدق دعواه، فكان من أقوى شهوده، وبقي سنين عديدة يفتش عن شواهد وأدلة أخرى، فكاتب أكثر من أربع مائة رجل، وسافر نحو خمسة وثلاثين ألف ميل حتى أضناه التعب وخارت قوته، ولكنه لم يترك هذا الميدان حتى نبَّه أفكار الجمهور إليه، وحرَّك ذوي الشهامة إلى المعاضدة على الانتصار للعبيد والشفقة عليهم.
وبعد معاناة مشقات كثيرة أُلْغِيَت تجارة العبيد تمامًا، ولكن بقي أمر أهم من إلغاء التجارة، وهو إلغاء العبودية نفسها وعتق العبيد، وهذا أيضًا تم بواسطة نشاط النشيطين، وأشهر الذين لهم اليد الطولى في إتمامه فول بكستون. كان هذا الرجل في صباه مشهورًا بالعناد والمكابرة، فإنه يُتِّم من أبيه وهو حدث، وكانت أمه امرأة فاضلة حكيمة، فاجتهدت كثيرًا في تربيته تربية حسنة وردع أهوائه، ولكنها كانت تبيح له الحكم في بعض الأمور الطفيفة، مرتئية أنَّ الإرادة القوية صفة حميدة، وكان معارفها يلومونها؛ لأنها ربَّت في ولدها هذه القوة، فتجيبهم بقولها: لا بأس عليه من ذلك، فإن هذه الإرادة سيكون منه إفادة. ثم أرسلته إلى المدرسة، فلم يستفد منها شيئًا؛ لطيشه وكسله، ورجع إلى البيت وهو في الخامسة عشرة، وكان مولعًا بالصيد وركوب الخيل، وفيما هو في السن الذي تبتدئ فيه حياة الشاب إمَّا في المليح وإمَّا في القبيح، ألقته التقادير في بيت كرني، بيتٍ مشهور بالفضل والتهذيب، وقد شهد من فمه فيما بعد أنه يَعْزي تقدمه إلى دخوله هذا البيت، وهو الذي ساعده على تهذيب نفسه وعلى الدخول إلى مدرسة دبلن الكلية، وقد أفلح في تلك المدرسة إفلاحًا عظيمًا، وكان أحب شيء لديه أنْ يرى أهل ذلك البيت أنَّ تعبهم لم يذهب سُدًى، ثم تزوج بواحدة من بناتهم، وصار كاتبًا عند أخواله في لندن. والملكة التي تأسست فيه وهو ولد ظهرت الآن في كلِّ أعماله، وسبَّبت كلَّ نجاحه؛ لأنه قدر بواسطتها أن يعمل كلَّ ما وصلت إليه يده بلا كلل ولا ملل، وكان يصب كل قوته على كل عمل أخذ فيه، ونجح في كل أعماله؛ لأنه عملها بكل قوته، وبعد أنْ بقي مدةً كاتبًا صار شريكًا، ثم صار المعمل كله تقريبًا في يده، وكان نجاحه يزداد يومًا فيومًا، ولم يكتف بالتقدم والغنى، بل خصص لياليه لترويض عقله بالدرس، فقرأ بلاكستون ومنتسكيو ومؤلفات كثيرة في الفقه، وجعل دستورًا لحياته أنْ يأتي على آخر كلِّ كتاب شرع فيه وأن لا يحسب أنه أتم قراءة كتاب ما لم يكن قد استوعبه تمامًا.
ولما صار له اثنتان وثلاثون سنة من العمر صار عضوًا في البرلمنت، فاهتم بعتق العبيد في المهاجر الإنكليزية، وكان يقول: إنَّ الذي وجَّه أفكاره إلى هذه المسألة السيدة برسكلَّا كرني، وهي امرأة مشهورة بالفضل وسموِّ العقل، ولما كانت على فراش الموت سنة ???? استدعته مرارًا كثيرة، وحثَّته على جعل عتق العبيد غرضه من الدنيا، وهذا كان كلامها الأخير، فلم ينسَ وصيتها قط، وسمَّى واحدة من بناته باسمها تذكارًا لها، ولما تزوجت هذه الابنة في أول آب (أغسطس) من شهور سنة ???? اليوم الذي صار فيه عتق العبيد، كتب إلى صاحب له يقول: الآن تركتنا برسكلَّا وذهبت مع عريسها، وقد تمَّ كل شيء كما تحب، ولم يبق عبدٌ في كلِّ المهاجر الإنكليزية.
ولم يكن بكستون ذا موهبة فائقة ولا من ذوي العقول الثاقبة، ولكنه كان شديد العزم عالي الهمة، وتظهر أخلاقه من قوله الذي يحق له أنْ يُطبَع على قلب كلِّ شاب، وهو أنني أرى بالاختبار أنَّ الفرق بين البشر بين القوي منهم والضعيف وبين العظيم والحقير، هو في قوة العزم، حتى إذا عزم المرء على أمر لا يرتد عنه إلَّا بالغلبة أو بالمنية، ومن كان ذا عزم قويٍّ أمكنه أنْ يفعل كلَّ ما يمكن فعله في هذه الدنيا، ولا يمكن للمواهب ولا للأحوال ولا للفرص أنْ تجعل الرجل رجلًا إذا لم يكن ذا عزم.
•••
وقد قام من بلاد المشرق أيضًا رجال مشهورون بالهمة والإقدام، قادوا الجيوش، ودوَّخوا البلدان، وأقاموا لهم اسمًا بين أعظم الفاتحين مثل صلاح الدين وجنكيز خان وتيمور لنك وإبرهيم باشا وغيرهم من القواد العظام، وهاك طرفًا من سيرة كلٍّ من هؤلاء الأربعة:
وُلِد صلاح الدين بقلعة تكريت سنة ??? للهجرة الموافقة سنة ???? للمسيح، ودخل مصر مع عمِّه شيركوه، ولما مات شيركوه استقرَّت وزارة مصر له، فبذل الأموال، وملك قلوب الرجال، وتقمَّص بقميص الجدِّ والاجتهاد، وغَشِي الناس من سحائب الأفضال والإنعام.
وكان الإفرنج قد زحفوا على بلاد الشام منذ أكثر من ثمانين سنة، واستولوا على أنطاكية والقدس ومدن الساحل، وحاولوا الاستيلاء على دمشق والقطر المصري كله، فعزم صلاح الدين على طردهم من البلاد، فالتقاه بدوين الرابع ملك القدس بالقرب من مدينة الرملة وكسره، فعاد إلى الديار المصرية، وأقام فيها ريثما لمَّ شعث أصحابه، ثم عاد يطلب الشام، فنازل حلب سنة ???، واستلمها من صاحبها عماد الدين زنكى، وسار إلى دمشق ومنها إلى الكرك، وكان صاحبها الأمير رينود ده شاتيليون قد نكث عهود الصلح، وقطع السابلة، فدافعه بعساكر الإفرنج، فرحل عنها ونازل الموصل، ومرض بعد ذلك مرضًا شديدًا حتى يئسوا منه ثم عُوفِي، وجمع ثمانين ألف محارب، ونازل عساكر الإفرنج بقرب طبرية، وحجز بينهم وبين الماء، فقتل منهم خلقًا كثيرًا وأسر غاي ده لوزينيان ملك القدس والأمير رينود صاحب الكرك، وسُمِّيت هذه الوقعة وقعة حطين نسبة إلى جبل هناك، ولم يُصَب الإفرنج من حين خروجهم إلى الشام بمصيبة مثل هذه، ولما انقضى المصاف جلس في خيمته، وعُرِضت عليه الأسارى، فأجلس ملك القدس إلى جانبه، وناوله شربة من جُلَّاب وثلج، وكان قد أضناه الظمأ فشرب منها ثم ناولها للأمير رينود، فقال السلطان للترجمان: قل للملك أنت الذي سقيته؛ لأن من عادة العرب أنَّ الأسير إذا أكل من مال من أسره أمن. وكان قد هدر دم هذا الأمير، فعرض عليه الإسلام، فلم يفعل فسلَّ النمشا، وضربه بها فحل كتفه وتمَّم قتله من حضر، ثم التفت إلى ملك القدس وطيب قلبه، وقال له: لم تجرِ عادة الملوك أنْ يقتلوا الملوك، وأمَّا هذا فقد تجاوز الحد.
ثم نازل عكاء وأخذها، واستنقذ من كان فيها من الأسارى، وتفرقت عساكره في بلاد الساحل، فأخذوا نابلس وحيفا وقيسارية وصفورية والناصرة، وسار هو يطلب تبنين وكانت قلعة منيعة، ونصب عليها المجانق، فتسلَّمها وأسر من بقي فيها حيًّا ورحل إلى صيدا، فنزل عليها واستلمها وسار عنها إلى بيروت، ورَكَّب عليها المجانيق، وداوم الزحف والقتال حتى أخذها، وامتنعت عليه صور فتركها وقصد عسقلان، وحاصرها أربعة عشر يومًا، وأقام عليها المجانيق حتى تسلمها، ثم قصد القدس، فاجتمعت إليه العساكر التي كانت في الساحل، فنصب عليها المجانيق، وشدَّد عليها الحصار، فسلَّم أهلها له على أنْ يؤدي الرجل منهم عشرة دنانير والمرأة خمسة والطفل من الذكور والإناث دينارين. ويظهر من تاريخ الإفرنج أنه شفِق على السكان، وردَّ لهم أسراهم وعاملهم بالرفق أكثر مما تستدعيه شروط الصلح الذي عقده معهم.
ثم خلَّف أخاه الملك العادل بالقدس، يقرر قواعدها ودوَّخ كل المدن والحصون التي في شمالي بلاد الشام وصالح أهل أنطاكية، ولم يمتنع عليه إلَّا صور سيدة البحار.
وكان شجاعًا مهابًا ماهرًا بفنون الحرب والجلاد، كريمًا حسن الأخلاق، صبورًا، كثير التغافل عن ذنوب أصحابه، حسن السياسة، عظيم الهيبة، وافر العدل، كثير التواضع واللطف، قريبًا من الناس، كثير الاحتمال والمداراة، وكان يحب العلم والشعر والعلماء والشعراء، ويقربهم إليه ويحسن إليهم، ولما ملك الديار المصرية لم يكن فيها شيء من المدارس، فعمَّر مدارس كثيرة، ووقف عليها أوقافًا واسعة، وبنى مدرسة بالقدس، ووقف عليها وقفًا كثيرًا.
وجنكيز خان ولد سنة ???? للميلاد، وأبوه شيخ قبيلة صغيرة من قبائل المغول، فيها نحو ثلاثين أو أربعين بيتًا، ومات أبوه وتركه صغيرًا في الثالثة عشرة من عمره، فتولى أمر القبيلة مكانه، ولكن لم يخضع له بعض رجال قبيلته استخفافًا به، بل ولَّوا عليهم رجلًا آخر منهم، وانتشبت بينهم الحروب، فانجلت عن انهزام جنكيز خان، وكان اسمه حينئذٍ تموجين، فالتجأ إلى أنغ خان صاحب كرايت، فأزوجه من ابنته، وولَّاه قيادة فرقة من جنوده، وكان جنكيز شجاعًا مقدامًا، فحسده أنغ خان حموه، ودَسَّ له من يقتله سرًّا، وبلغ جنكيز ذلك، فجمع جنوده، وهاجر بهم إلى بلاده، وجمع هناك جيشًا كبيرًا، وعاد لمحاربة حميه، فتغلب عليه، واستولى على مملكته، وخاف التتر منه، واعتصبوا عليه عصبة واحدة، فنازلهم ومزَّق شملهم، واستولى على كلِّ بلاد المغول، ثم طمحت نفسه إلى توسيع نطاق مملكته، فجمع نوَّاب قبائل التتر الخاضعين له، وكاشفهم بما في نفسه، فقام واحد من كهانهم وأمنه بأنه سيملك المسكونة، وغيَّر اسمه وسمَّاه جنكيز خان؛ أي عظيم الخانات تفاؤلًا بذلك، فهابته القبائل فحمل بهم على بلاد الصين، واكتسح شماليها وتسوَّر السور الصيني المنيع، وهاجم باكين وافتتحها، ثم عاد إلى بلاده، ووطَّد الأمن فيها، وعقد لابنه جوجي على سبع مائة ألف محارب وسيَّره على خوارزم، وصاحبها علاء الدين محمد، وكانت سلطنته ممتدة من الشام إلى بلاد السند، ومن نهر سيحون إلى خليج العجم، فالتقى به وانتشب بينهما القتال، فتغلَّب جوجي على سمرقند، وبخارا وأحرق مكتبتها الشهيرة.
وقسم جنكيز خان جيوشه ثلاثة أقسام: قسمًا أرسله إلى الشمال الغربي، فاكتسح كلَّ بلاد فارس والقوقاس، واجتاز إلى بلاد الروس، ونهب البلاد التي بين الفلغا والنيبر، وقسمًا أرسله إلى الجنوب فاكتسح جنوبي آسيا، وقسمًا بقي يوغل في بلاد الصين، ثم جمع جنوده كلها، وقطع بهم صحراء كوبي قاصدًا مملكة طنجوت في الشمال الغربي من بلاد الصين، وحاصر فنهي فصبتها، وكان قد أنهكه الكبر، فوافته المنية قبل أنْ يستلمها، وكانت وفاته سنة ????، وله من العمر اثنتان وسبعون سنة، وكان عالي الهمة شجاعًا مهابًا منصفًا في الرعية أباح الحرية الدينية لكلِّ المذاهب، وعفا الأطباء والكهنة والمشايخ من الجزية، وشدَّد الوطأة على أهل البغي والفساد، وكان يقاص الزناة والسَّرَقة أشد القصاص، وأنشأ البريد في سلطنته الواسعة، ووطَّد الأمن فيها حتى كان الواحد يسير وحده من طرفها الواحد إلى الآخر آمنًا، وكان يكرم العلماء، ويقربهم منه إلَّا أنه كان سفَّاكًا للدماء كأكثر الفاتحين الأقدمين، فقد قيل إنه قتل في حروبه الكثيرة لا أقل من خمسة ملايين من البشر، وهذا غير مغتفر في عصرنا، ولكنه لم يكن غريبًا في عصره عصر سفك الدماء.
وتيمور لنك وُلِدَ بقرب كش في الثامن من نيسان سنة ???? للميلاد، ولما صار له من العمر أربع وعشرون سنة، كان القلموق قد أخضعوا كل تركستان، وطردوا منها الأمراء الذين لم يخضعوا لهم، وكان عمه أميرًا على كش، فهرب من وجههم، فلم يتبعه تيمور بل قدم على رئيس القلموق، فأعجبته فصاحته وطلاقة وجهه، فأقطعه كش وجعله وزيرًا لابنه الذي أقامه على تركستان، ثم اجتمع أمراء تركستان، ونبذوا طاعة القلموق، وولوا عليهم الأمير حسين والأمير تيمور، فحكما بالاتفاق مدة، ثم انتشبت الحرب بينهما، فَقُتِل حسين، واستقل تيمور، فنصَّب واحدًا من نسل الملك على سرير السلطنة واكتفى بلقب أمير، وكان هو الآمر الناهي، فانتقم من الذين نقموا على القلموق، وغزا قبائل خوارزم التي كانت قد نهبت بخارا، ودعا أمير هرات وأمراء خراسان ليتحالفوا معه على ردِّ السلطنة إلى حدودها الأولى، فلم يلبوا دعوته، فزحف عليهم وأخضعهم، ثم عصى عليه أهل هرات، وقتلوا رسله، فزحف عليها، وقبض على ألفين من حاميتها، وبنى هرمًا من أجسادهم والطين والآجر، واكتسح سجستان أيضًا، ثم عاد إلى سمرقند، وأقام فيها فصل الشتاء، وعاد في السنة التالية إلى الغزو، ولم تنصرم سنة ???? حتى أخضع كلَّ البلاد التي عبر دجلة من تفليس إلى شيراز، وكان طقتمش خان قد اجتاح بعض ولاياته، فأغار عليه وطرده من بلاده، وتأثَّره إلى توبول، وقطع جبال أورال، وسنة ???? شنَّ الغارة على البلدان الغربية، فعبر دجلة، وأخضع القبائل التي شرقي الفرات، ودار إلى الشمال حتى وصل إلى الفلكا، وتحوَّل إلى الغرب حتى وصل إلى النيبر، ثم نزل إلى موسكو، وعاد بطريق أستراخان، وأخضع كلَّ البلدان التي مرَّ بها، وسنة ???? قصد بلاد الهند وأثخن في أهاليها وعاد بالغنائم الوافرة، وفي السنة التالية عاد إلى غربي آسيا، وفتح حلب وحماه وحمص وبعلبك ودمشق وحارب السلطان بيازيد العثماني بقرب أنقرة، وتغلب عليه، وأخذه أسيرًا، وفتح آسيا الصغرى كلها، وطرد فرسان مار يوحنا من أزمير، وضرب الجزية على إمبراطور القسطنطينية، ثم عاد إلى بلاد الكرج، وأقام فيها فصل الشتاء، وعاد منها بطريق مرو وبلخ، وبلغ سمرقند سنة ????، واستعد لغزوة بلاد الصين، وزحف عليها بجيش جرار، ولكنه مرض في أثناء الطريق بالحمى، ومات في السابع عشر من ففريه (شباط) سنة ????، وكان مع ما اشتُهر عنه من الفتك ليِّن العريكة، محبًّا للعلم والعلماء، وله مؤلفات كثيرة باللغة الفارسية.
وإبرهيم باشا المشهور ابن محمد علي باشا عزيز مصر ولَّاه أبوه قيادة قسم من الجيش، وهو ابن ست عشرة سنة، وسيَّره سنة ???? لمحاربة الوهابيَّة في بلاد العرب، وكانوا قد خرجوا على الدولة العلية، فذهب إليهم وقاتلهم وهزمهم وفتح مدنهم، وقبض على أميرهم عبد الله بن سعود، وكان يؤدي للعرب ثمن ما يعوزه من الميرة كما فعل ولنتن في إسبانيا فاستمال إليه قلوبهم، ولما قطع شأفة العصيان، وقتل شيوخ الوهابية صرف عنايته إلى إصلاح البلاد وتأمين السابلة، فانفتحت أبواب التجارة، ونُشِرت راية العدل بين الأهالي فدانوا له، واجتمعت قلوبهم على ولائه، فبنى قلاعًا منيعة لتأمين البلاد، واحتفر آبارًا كثيرة، وعاد إلى مصر ظافرًا غانمًا، ووقائعه في بلاد الشام مشهورة ومآثره فيها مبرورة، فإنه قصدها بثلاثين ألفًا، واستولى على كلِّ مدن الساحل من غزة إلى طرابلس، ثم استولى على دمشق وحمص وحلب وقونية، ولبث في سورية يدبر أمورها أحسن تدبير إلى أنْ اتفقت الدولة العلية مع دول أوروبا على إخراجه منها، فعاد إلى مصر وتولَّاها سنة ????، وتُوفِّي فيها في السنة التالية، وكان عالي الهمة، ثابت العزم، يُعَد من أفراد هذا الزمان في النشاط والشجاعة.
الفصل التاسع
في رجال الأعمال
قال سليمان الحكيم: أرأيت رجلًا مجتهدًا في عمله أمام الملوك يقف (أم ???:???).
وقال الإمام عمر بن الخطاب: إني لأرى الرجل فيعجبني فأقول: أله حرفة؟ فإن قالوا لا، سقط من عيني.
وقال أون فلثام: من لم يتعلم صناعة ولا عملًا فهو حقير.
***
شبه هَزْلِت رجل العمل بإنسان محتقر مقيد بنير حرفته، لا يقدر أنْ يحيد عنه يمنة ولا يسرة، وليس عليه سوى أنْ يسير في السبيل المطروق الذي سار فيه من احترف هذه الحرفة قبله، ولكن هذا القول على حرف بل هو عن الصحة بمعزل، ومع هذا لا ننكر أنه يوجد بين أصحاب الأعمال من عقله محصور في دائرة ضيقة لا يتجاوزها، كما يوجد بين أصحاب الأقلام ورجال العلم والسياسة، ولكن هذا لا ينفي أنَّ بين أصحاب الأعمال أناسًا كبار العقول، يستطيعون المعاطاة في أوسع أعمال الدنيا، كما قال بُرك: إنه يعرف رجالًا من أشهر رجال السياسة كانوا تجارًا وباعة.
ولو التفتنا إلى ما تستدعيه الأعمال لنجاحها من الأهلية والسرعة وحسن الإدارة والعلم بطبائع البشر ونحو ذلك، لرأينا جليًّا أنَّ مدرسة العمل ليست ضيقة النطاق بل واسعته، وتقبل الاتساع إلى ما شاء الله، ولقد أصاب مستر هلبس إذ قال: إنَّ رجال العمل الماهرين نادرون كالشعراء المفْلِقين، وأندر من القديسين والشهداء الحقيقيين، إلَّا أنَّ من الجهال من يزعم أنه لا يليق بذوي المواهب الفائقة أنْ يتعاطوا الأعمال الاعتيادية. ومن برهة وجيزة انتحر شاب؛ لأنه مولود على ما زعم ليكون من ذوي الوجاهة، وحكم عليه أنْ يكون بدَّالًا، فأثبت بعمله هذا أنه لا يستحق أنْ يكون شيئًا. والحرفة لا تحط شأن الرجل بل الرجل يحط شأن الحرفة، وكل الأعمال الجسدية والعقلية مكرمة على حدٍّ سوى بشرط أنْ يكون ربحها جائزًا، وقد تغوص الأصابع في الأقذار، ويبقى القلب طاهرًا؛ لأن النجاسة أمر أدبي لا مادي، قال المتنبي:
يهون علينا أنْ تصاب جسومناوتسلم أعراض لنا وعقول
وقال أيضًا:
غَثاثة عيشي أنْ تغث كرامتيوليس بغثٍّ أنْ تغث المآكل
وأشهر الرجال لم يستنكفوا من معاطاة الأعمال لأجل تحصيل معيشتهم، وهم يطلبون أسمى المطالب، فإن طاليس المليطي رأس الحكماء السبعة وصولون المؤسس الثاني لأثينا وهيبراتبس كانوا من رجال الصناعة، وأفلاطون الحكيم كان يبيع الزيت وهو يطوف بلاد مصر وينفق مما يربحه منه، وسبينوزا حصَّل معيشته بصقل زجاجات المناظر لمَّا كان آخذًا في أبحاثه الفلسفية، ولينيوس النباتي العظيم تتبَّع العلم وهو يعمل في السكافة، وشكسبير رأس شعراء الإنكليز كان يدير الملاعب ويفتخر بإدارتها أكثر مما بالنظم. وقد ارتأى الشاعر بوب أن قصارى شكسبير في إتقانه الشعر والإنشاء تحصيل معيشته، والظاهر أنه لم يقصد الشهرة ولا طبع شيئًا من نظمه، ولكنه كسب مالًا كافيًا من الملاعب حتى صار له منه دخل كافٍ، فاعتزل حينئذٍ إلى المدينة التي وُلِد فيها. وتشوسر الشاعر كان في أول حياته عسكريًّا، ثم دخل بيت المكس، وصار ناظرًا على الأراضي الأميرية، وسبنسر كان كاتب سرٍّ لنائب أرلندا، ثم صار رئيس حرَس كرك. وملتن كان معلمًا، ثم ارتقى إلى رتبة كاتب سر لمجلس إدارة البلاد في أيام الثورة. والسر إسحاق نيوتن كان في مضرب النقود، والنقود التي ضربت ???? ضُرِبت تحت مراقبته. ووردسورث كان يوزع أوراق البريد، وسكوت كان كاتبًا وكلاهما كان مثلًا في المحافظة على الوقت، وداود ريكرْدو كان تاجرًا، فحصل على ثروة وافرة، ووضع علم الاقتصاد السياسي وهو آخذ في عمله، فجاء علمًا نفيسًا مبنيًّا على اختبار تاجر حاذق وفيلسوف نقريس، وبيلي الفلكي كان سمسارًا، وألن الكيمياوي حائكًا.
وفي عصرنا هذا أناس كثيرون يبين منهم أن أسمى القوى العقلية حليف للعمل والتعب، فإن غروت المؤرخ كان صرَّافًا، ويوحنا ستورت مل الفيلسوف الشهير كان فاحصًا في شركة الهند الشرقية، وكان العاملون معه يعتبرونه اعتبارًا عظيمًا لا لآرائه الفلسفية بل لنشاطه في عمله، والنجاح في الأعمال مثل النجاح في العلوم تمامًا؛ لا يحصل إلَّا بالصبر والتعب والانصباب. قال قدماء اليونان: لا ينجح الإنسان في عمل إلا بالرغبة والدرس والمزاولة. وسر النجاح المزاولة، ورب قوم ينجحون بالصدفة، ولكن نجاح الصدفة كربح المقامر آلة لخرابه، كان من عادة الفيلسوف باكون أنْ يقول: إنَّ الأعمال كالطرق فالمعاجيل أوعرها، ومن طلب الراحة فعليه بالطرق الطويلة، وإنْ أضاع فيها وقتًا طويلًا.
وما قيل في خرافات اليونان عن هرقل ومشقاته التي عاناها قبل أن نجح، يصح أنْ يكون مثالًا لنجاح كلِّ البشر. فليعلم كلُّ شابٍّ أنَّ سعادته وارتقاءه يتوقفان عليه وعلى اجتهاده لا على مساعدة الغير له. وما أحسن ما كتبه المرحوم اللورد ملبرن إلى اللورد جون رُسل جوابًا عن كتاب توصية بأحد أولاد الشاعر جون مور، قال: أيها العزيز، أرى أنَّ الأفضل لنا أنْ نساعد مورًا نفسه لا ابنه؛ لأن مساعدة الشبان تضر بهم، إذ تجعلهم يعتدُّون بنفوسهم ولا يعولون عليها، ويجب أن لا نخاطب الشاب إلا بقولنا اعتمد أيها الشاب على نفسك، فإن تكاسلت ومتَّ جوعًا فدمك على رأسك.
والأعمال المبنية على مبادئ صحيحة لغايات حميدة، لا بُدَّ من أنْ تنتج منها نتائج حميدة، هذا فضلًا عن أنها ترقِّي شأن الإنسان، وتصلح صفاته، وتحرِّك همة غيره للاقتداء به، ولا يمكننا أنْ نطمع بأن ينجح الجميع على حدٍّ سوى، ولكن كلٌّ ينجح على قدر اجتهاده واستحقاقه، كما قال الشاعر:
على قدر أهل العزم تأتي العزائموتأتي على قدر الكرام الكرائم
وعلى كلٍّ، لا يناسب البشر أنْ تكون طرقهم سهلة، والأفضل للإنسان أنْ يكون مضطرًّا أنْ يعمل بالكدح ويعيش بالتقتير من أنْ يرى رزقه سهلًا ميسورًا ومهده رطبًا طريًّا. ومن المؤكد أنَّ الذين يدخلون ميدان الحياة وزادهم قليل يكونون أكثر رغبة من غيرهم حتى إنَّ ذلك شرط لازم للنجاح. قيل: سُئل أحد القضاة: بِمَ يرتقي الناس إلى منصب القضاء؟ فقال: «البعض يرتقون بالذكاء، والبعض بالشرف، والبعض بالمعجزة، والأكثرون بالفقر.»
والعمل أصل نجاح العباد وعمران البلاد، ولا بلية على الإنسان أشد من أنْ يتمتع بكل أمانيه هنيئًا مريئًا بلا تعب ولا كد. والأمة التي ليس في أفرادها ميل إلى العمل والكد والاستقلال يجب حذفها من سلك الأمم. قيل: سأل المركيز ده سينولا السر هوراس فير قائلًا: ممَّ مات أخوك؟ فأجابه: من عدم العمل، فقال المركيز: أصبت ولعل ذلك كافٍ لأن يميت كلَّ جنرال منا.
ومن الغريب أنَّ الذين تخيب مساعيهم ينسبون خيبتهم غالبًا إلى غيرهم، وحسبنا دليلًا على ذلك أنَّ أحد الكتاب ألَّف كتابًا من عهد قريب، وعدَّد فيه الأعمال الكثيرة التي أخذ فيها ولم ينجح، وذكر من جملة ما ذكره أنه يجهل جدول الضرب، وبعد كلام طويل قال إنَّ عدم نجاحه حدث من أنَّ العصر الذي هو فيه عصر عبادة المال. ولمرتين الشاعر لم يخجل من ذكره ازدراءه بعلم الحساب، ولو اعتبر هذا العلم الشريف حق الاعتبار، فربما ما رأينا أصحابه يهتمون بجمع الإحسان له في شيخوخته.
ومن الناس من يزعم أنه وُلِد في طالع نحس، فلا يمكنه أنْ ينجح في عمل يأخذ فيه. قال واحد: إنه لو كانت صناعته عمل الطرابيش لَوُلِد الناس بلا رءوس. أمَّا المثل المسكوني فيقول: إنَّ النحس جار الكسل. وإذا دققنا النظر رأينا أنَّ الناس الذين يتشكَّون من النحس هم الذين يحصدون ثمر إهمالهم، وعدم اهتمامهم، وقلة انصبابهم، وهم الجديرون بأن يقولوا:
نعيب زماننا والعيب فيناوما لزماننا عيبٌ سوانا
ونهجو دهرنا من غير ذنبٍولو نطق الزمان بنا هجانا
قال الدكتور جنسن الذي أتى لندن وفي جيبهِ دينار واحد: إنْ شكوى الناس من الدهر بطلٌ وظلم؛ لأنني لم أرَ رجلًا نشيطًا مهمَلًا، وكل من تخيب مساعيهِ لومُه غالبًا على نفسهِ. وقال أبو العلاءِ:
يقولون الزمان به فسادوهم فسدوا وما فسد الزمان
وقال وشنطون أرفن المؤرخ الأميركي الشهير: «إنني كثيرًا ما أسمع الكَسِل الوَكَل يتشكَّى من ظلم الزمان وجوره على ذوي الفضل، وما تلك إلا تعلَّة باطلة؛ لأنه ما من أحد من ذوي الفضل إلَّا ويفلح إذا كان من ذوي التدبير والسعي لا من الجبناء الذين ينزوون في بيوتهم، ويتوقعون أنْ يسوق القدر إليهم رزقهم. ومن الأقوال المتداولة أنَّ الدهر يخفض الفضلاء ويرفع الجهلاء، ولعل ذلك لا يخلو من الصحة؛ لأن جهلاء القوم قد يكونون من أهل النشاط والهمة، «ألا ترى أنَّ الكلب النابح أنفع من الأسد النائم.»
والنجاح في العمل يستدعي وجود الانصباب في العامل والانتباه والتدقيق والترتيب والمحافظة على الوقت، وإذا نظرنا إلى هذه الصفات رأيناها من أول وهلة أمورًا طفيفة، ولكن بعد التروي نجد أنها أمور جوهرية لراحة البشر وتقدمهم ونجاحهم وإن كانت صغيرة، فالعالم مركب من الصغائر، وصفات الأمم مؤلفة من تكرار أعمال صغيرة مثل هذه، وما من شعب حُطَّ شأنه إلَّا بسبب إهماله هذه الأمور الصغيرة وأمثالها، وعلى كل أحد واجبات إمَّا عائلية كتدبير المنزل أو خارجية كاحتراف الحرف، أو جمهورية كسياسة الأمة، ولا بدَّ في كل حال من القيام بها.
أمَّا الانصباب فقد تقدمت أمثلة كثيرة عليه من الذين نجحوا في كلِّ نوع من الصنائع والعلوم والفنون، فلا حاجة إلى تكرار ذلك، والانتباه ليس أقل من الانصباب لزومًا للنجاح، والتدقيق صفة ضرورية وسمة من سمات حسن التهذيب، ولا بدَّ من التدقيق في الملاحظة وفي الكلام وفي إجراء الأعمال. وأفضل للإنسان أنْ يعمل عملًا صغيرًا بدقة من أنْ يعمل عشرة أضعاف ذلك العمل بغير دقة، ولكن كثيرين لا يبالون بهذه الصفة مع أنهم يشعرون بالمضار الناتجة من إهمالها، ومن لم يكن مدققًا في أعماله لا يُؤتمَن عليها ولو كان أمينًا ماهرًا؛ لأنه لا يعملها جيدًا. يُحْكَى أنَّ تشارلس جمس فكس لما عُيِّن كاتب أسرار البلاد عِيبت عليه رداءة خطه، فلم يستنكف أن أتى معلمًا يعلمه الخط، وواظب على ذلك حتى أجاد خطه، وتدقيقه في ذلك يُظْهر تدقيقه في الأمور الكبيرة، والترتيب ضروري؛ لأنه يُعين على إتمام قدر جزيل من العمل في وقت قصير إتمامًا مرضيًا. قال رتشرد سسل: إنَّ الترتيب في الأعمال يشبه وضع الأمتعة في الصناديق، فالإنسان الحاذق يضع في الصندوق مضاعف ما يضعه فيه غير الحاذق. وترتيب سسل هذا يُضْرَب به المثل حتى إنه جعل له دستورًا: «إنَّ الطريق الأخصر لإتمام الأعمال أن لا يُعْمَل في وقت واحد إلَّا عمل واحد.» ولم يترك عملًا حتى أكمله تمامًا، ولما كانت تتكاثر عليه الأعمال كان يواصل العمل بها حتى يتمَّها. وكان دستور ده وت مثل دستور سسل؛ أي أن يُعمل عمل واحد في الوقت الواحد. وقال إنه ما ترك عملًا وشرع في آخر إلَّا بعد أنْ أتمَّ الأول جيدًا. سُئل أحد الوزراء الفرنساويين، وكان ينجز أعمالًا كثيرة في وقت قصير: بِمَ تنجز هذا المقدار من الأعمال؟ فقال: بعدم تأخيري إلى الغد ما يمكنني عمله اليوم، فكأنه قال بلسان الشاعر العربي:
ولا أُؤخِّر شغل اليوم عن كسلإلى غدٍ إن يوم العاجزين غد
وقال اللورد بروم: إنَّ أحد رجال السياسة أخذ هذا القول، وجرى على عكسه؛ أي إنه لم يعمل في يومه إلا ما لا يمكن تأخيره إلى غده. والظاهر أنَّ كثيرين ينهجون هذا المنهج ناسين أنه دأْب الكسالى الذين يتكلون على غيرهم لإتمام أعمالهم، ولكن اسمع ما قال المثل: إنْ أردتَ قضاء حاجتك فاقضها بنفسك، وإذا لم تُرِد قضاءها فوكِّل به غيرك. وما حك ظهرك مثل ظفرك.
رُوِي أنَّ أحد الأغنياء الكسالى كان له أرض دَخْلُها خمس مائة ليرة في السنة، فكثرت عليه الديون حتى التزم أنْ يبيع نصفها، ويضمِّن النصف الآخر لأحد الفلاحين النشيطين، وبعد مضي مدة من الزمان أتى هذا الفلاح إلى صاحب الأرض، وسأله عما إذا كان يريد أنْ يبيعه بقية الأرض، فقال له: وهل تقدر أنْ تشتريها. قال: نعم، إذا اتفقنا على الثمن، فقال: إنَّ في ذلك عجبًا، فأخبرني لماذا لم يكن الدخل من مضاعف هذه الأرض يكفيني، ولم أكن أدفع عليها شيئًا، وأمَّا أنت فتدفع لي مائتي ليرة كلَّ سنة ضمانًا، وقد صرت قادرًا أنْ تشتري كل الأرض، وليس لك مدة طويلة فيها؟ فأجابه: إنَّ سبب ذلك واضح جدًّا، وهو أنك تجلس في بيتك وتقول اذهب، ولكنني أنا أقوم وأقول تعال، أنت تنام في سريرك وتبذِّر أموالك، وأنا أقوم صباحًا وأدبِّر أعمالي.
كتب أحد الشبان إلى السر ولتر سكوت يطلب نصحه، وكان قد دخل في منصب، فكتب له الجواب بهذه الصورة:
احترس من البطالة، ولا تؤخر عملًا يجب عمله، ولْتكن أوقات الراحة بعد العمل لا قبله، إذا سار جيش واضطربت مقدمته قليلًا حدث اضطراب عظيم في ساقته، وهكذا الحال في الأعمال، فإن لم تُكْمِل ما بيدك من العمل فعمَّا قليل تزدحم عليك الأعمال فتضيق بها ذرعًا.
أما المحافظة على الوقت فلا يهتم بها إلَّا من يعتبر قيمة الوقت. قال واحد من الفلاسفة الإيطاليين: إنَّ الوقت عَقَار كلِّ إنسان، ولكن هذا العقار لا ينتج شيئًا ما لم يفلح ويُصلح، فمن اهتمَّ به جنى ثمر أتعابه، ومن أهمله لم يحصد منه سوى الشوك والحسك وكل المضار. ومن فائدة المحافظة على الوقت أنها تمنع ارتكاب الشرور. قال المَثَل: «رأسُ الكسلان خانُ الشيطان، وفي عقل البليد شيطان مريد.» ألا ترى أنه إذا كان الإنسان بطالًا وكانت أبواب ذهنه مفتوحة تجد التجارب إليه سبيلًا وتتقاطر الهواجس إلى عقله. ولقد لوحظ أنَّ النوتية تكثر بينهم الفتن عندما يكونون بطالين؛ ولذلك كان من عادة أحد الربَّانين أنه إذا لم يبق عملٌ للملاحين أمرهم بصقل المراسي.
ومن عادة رجال الأعمال أنْ يعتبروا الوقت مالًا، ولكنه أكثر من مال، واغتنامه يزيد الإنسان علمًا وتهذيبًا وشهرة. ولو قضى الإنسان ساعة كلَّ يوم في تهذيب نفسه بدلًا من أنْ يقضيها في الكسل أو في أمور لا طائل تحتها، لصار حكيمًا في سنين قليلة. ومن خصَّص ربع ساعة كلَّ يوم بتوسيع معارفه رأى لها نتيجة كبيرة في سنة واحدة. والواسطة الفضلى لجعل الوقت كافيًا للعمل والراحة هي إنجاز الأعمال في أوقاتها وإلا تراكمت على الإنسان، فضاق بها ذرعًا، وصار عملها كلها فوق طاقته. ومن الناس من لا يعتبر الوقت حتى يفوت، كما أنَّ منهم من لا يعتبر المال حتى ينفد. فإذا اعتاد الإنسان على البطالة، تملكت فيه هذه الخلة حتى إذا أراد النهوض للعمل رأى نفسه مقيدًا بسلاسل الكسل التي ارتبط بها بإرادته. ومن يضيع ماله يسترده بالاجتهاد ومن يضيع علمه يسترده بالدرس، ومن يضيع صحته يستردها بالدواء، وأمَّا من يضيع وقته فلا يقدر أنْ يسترده بواسطة من الوسائط.
واعتبار الوقت يعين على المحافظة عليه. قال الملك لويس الرابع عشر: «المحافظة على الوقت من كمالات الملوك.» وهي أيضًا من واجبات الأشراف وضروريات الصناع، ولا شيء يقوي ثقتنا بإنسان مثل وجود هذه الصفة فيه، ولا شيء يقلل ثقتنا به مثل إهماله إياها، فمن أنجز كلَّ شيء في وقته ظهر أنه معتبرٌ وقته ووقت غيره، ومن ارتبط بعمل ولم يأخذ فيه كلَّ يوم في الوقت المؤجَّل عُدَّ مخلفًا العهد حانثًا بل كاذبًا بل مجرمًا. ومن لا يهتم بالوقت لا يهتم بالعمل ولا يستحق أنْ يُؤتمَن على أعمالٍ ذات طائل. حُكي أنَّ كاتب أسرار وشنطون تأخَّر يومًا عن المجيء إليه في الوقت المعين وألقى اللوم على ساعته، فقال له وشنطون: أبدل ساعتك بأخرى وإلا بدلتك بآخر.
والذين يتأخرون عن عمل كلِّ شيء في وقته يذهبون إلى السفينة بعد أن تسافر، ويكتبون مكاتيبهم بعد أن يسير البريد، فتكون كل أعمالهم في ارتباك واضطراب دائمَيْن. والاختبار يرينا أن الذين لا يحافظون على الوقت لا يصلون إلى النجاح، بل يطرحهم العالم وراء ظهره؛ ليرثوا نصيب الكسالى البطالين الذين دأبهم التذمر من صروف الدهر.
وعلى رجال العمل أن يكونوا سريعي الخاطر أيضًا في إجراء مقاصدهم، شديدي الثبات في إتمامها. وسرعة الخاطر والثبات ضروريان جدًّا، وهما وإن كانا بالطبع لا بالوضع فالاختبار والملاحظة يقويانهما، ومن قاما فيه يرى من أول وهلة منهج العمل الذي يقصد الأخذ فيه، حتى إذا كان ذا عزم جرى في عمله وبلغ منه أمانيه، وهاتان الصفتان — أعني سرعة الخاطر والثبات — ضروريتان جدًّا لكل أحد، ولاسيما للذين عليهم إدارة الأعمال الكبيرة مثل قيادة الجيوش؛ لأنه لا يكفي أنْ يكون القائد بطلًا محنكًا، بل يجب أنْ يكون نبيهًا خبيرًا بأحوال البشر وأخلاقهم، قادرًا على تنظيم عدد وافر من الرجال على أنْ يطعمهم ويكسوهم، ويدبِّر أمر منامهم ورحيلهم ونزولهم وصكهم في الحرب والاعتناء بالجرحى منهم إلى غير ذلك. والمرجح أنه ليس بين قواد الأرض مَن هو أشهر من نبوليون وولنتون، فنبوليون كان قوي التصور متدبرًا للأمور وناظرًا في عواقبها نظر الخبير الحازم، وكان غايةً في الزكانة والفراسة، ينظر إلى الرجل فيعرف أطواره؛ ولذلك قلَّما أخطأ في اختيار رجاله، ولكنه لم يعتمد عليهم كثيرًا في المسائل الكبيرة ذات القدر.
ومن أراد الإطلاع على أطوار هذا الرجل العظيم بالتفصيل، فعليه بمراسلات نبوليون المطبوعة في باريس بأمر نبوليون الثالث وبالمجلد الخامس عشر منه، المتضمن مكاتيبه التي كتبها وهو في حدود بولونيا سنة ???? بعد غلبة أيلو، فإنه كان في ذلك الوقت نازلًا على نهر بَسَرْج والروسيون أمامه والنمساويون عن يمينه والبروسيانيون وراءه، وكان عليه أنْ يراسل فرنسا في أمور مهمة جدًّا وهو في بلاد العدو، ولكنه كان قد سبق ودبَّر أمر ذلك، فواصل الرسائل ولم يُفقَد له كتاب واحد، وكان يلتفت إلى حركات العساكر وطَلَبِ النجدات من أقاصي فرنسا وإسبانيا وإيطاليا وجرمانيا، وفتح الخلجان، وتمهيد الطرق لجلب المئونة من بولونيا وبروسيا، وكانت أوامره تصدر لجلب الخيل وعمل السروج والأحذية واستحضار المئونة الكافية من الخبز والأشربة معيِّنًا أنواعها ومقاديرها، وفي الوقت نفسه كان يكتب إلى باريس في شأن ترتيب مدرستها الكلية وسن شرائع التعليم العمومي، ويكاتب جريدة المونيتور، ويراجع تقارير وكلاء المال، ويرشد العاملين في التويلري وفي كنيسة المدلين، ويرد على جرنالات بروسيا، ويندد بمدام ده ستايل، ويسعى لإزالة النزاع من الملعب الكبير، ويكاتب سلطان الأتراك وشاه العجم إلى غير ذلك من الأشغال الكثيرة، فكان جسده في فنكنستن وعقله يشتغل في أكثر من مائة مكان في باريس وأوروبا وفي كلِّ الدنيا، وكان يهتم بالكبائر والصغائر على حدِّ سوى، فإنك تراه يكتب إلى ناي يسأله عما إذا كانت البنادق وصلت إليه في حينها، وإلى البرنس جيروم يرشده في أمر القمصان والجبب والأحذية والشواكي? والأسلحة التي يريد إرسالها إلى كتائب ورتمبرج، وإلى كمبسرة ليسرع بإرسال الحنطة الكافية للجنود، قائلًا له: إنَّ «إنْ ولكن» لا محلَّ لهما في ذلك الوقت. وإلى بارو أن الجنود في احتياج إلى القمصان. وإلى غراندوك برج قائلًا: إنَّ الجنود تحتاج سيوفًا، فأرسل من يجلبها من بوزن، وخوذًا فمُرْ أنْ تُصنَع في إبلن. إلى أنْ قال: ولا يمكننا أنْ نتمم عملًا ونحن نيام. وقد فعل كلَّ ذلك في وقت واحد، ولم يترك أمرًا صغيرًا كان أو كبيرًا إلَّا أعطاه حقه الواجب من التروي والإجراء، وكان يقضي أكثر أوقاته في افتقاد أحوال جيوشه، فيضطر أحيانًا أنْ يسير ثلاثين أو أربعين غلوة في اليوم راكبًا، ومع ذلك لم يهمل شيئًا من مهام السلطنة، بل كان يشتغل أكثر لياليه بمراجعة الحسابات، وتعديل الدخل والخرج، وكتابة الأوامر، وسن الشرائع، وتدبير بقية أحوال السلطنة التي كان مركز دولابها في رأسه.
وديوك ولنتون يُعَدُّ من رتبة بونابرت في الإقدام على الأعمال الكثيرة، ومن المعلوم أنَّ هذا الديوك انتصر في كل حروبه بلا استثناء، وقد نسب البعض ذلك إلى طاقته على العمل، فإنه لما كان جنديًّا لم يكتف بالتقدم البطيء، الذي كان يتقدمه، فانتقل من المشاة إلى الفرسان، ولكن بدون تقدُّم، فطلب من اللورد كمدن الذي كان حينئذٍ حاكمًا على أرلندا أنْ يستخدمه في الخزينة، ولو استخدمه فيها لأفلح وصار رئيس العمل، ولكنه لم يستخدمه، وإلَّا لما صار أعظم قواد الإنكليز، وأول ما انتظم في الجند كان في جيش ديوك بُرك والجنرال ولمودن في هولندا والفلمنك، فتعلَّم في وسط البلايا الكثيرة التي ألمَّت بذلك الجيش أنَّ سوء القيادة يفسد آداب الجند. ولما قضى عشر سنوات في الجندية صار كرنالًا في الهند وكان ممدوحًا من رؤساء الجيش الذين كانوا يقولون إنه غاية في الإقدام والانصباب، ثم أخذ ينظر في أسرار عمله واجتهد في ترقية شأن رجاله إلى أسمى الدرجات حتى إنَّ الجنرال هرِّس كتب سنة ???? أنَّ كتيبة الكرنال ولسلي (ولسلي اسم ديوك ولنتن) قدوة لبقية الكتائب في النظام والترتيب والتهذيب والانقياد حتى إنَّ القلم قاصر عن القيام بمدحه ومدحها. فأَعَدَّ نفسه لمناصب أسمى من منصبه، ولم يمض عليه إلا برهة يسيرة حتى عُيِّن حاكمًا لقصبة ميسور، ثم لما انتشبت حرب المهرتات جُعل جنرالًا وله من العمر أربع وثلاثون سنة، وانتصر في واقعة أساي الشهيرة، ولم يكن معه سوى ???? عسكري من الإنكليز، و???? من الهنود، وجيش المهرتا مؤَّلف من عشرين ألف راجل وثلاثين ألف فارس، ثم حدث ما أظهر حكمته وإنصافه، وذلك أنه ولي بُعَيد الغلبة إمارة ولاية ذات أهمية، وكان غرضه الأول تنظيم رجاله الذين أخذوا يتورطون في السكر والخلاعة بعد الظفر كما هو شأن الجنود، فقتل المذنبين منهم، فرجع النظام إلى الجيش كله، ومن نظر إلى هذا العمل رآه في بادئ الأمر قساوة بربرية إلَّا أنه إذا ترواه رآه خيرًا عظيمًا للجنود كفاهم شرَّ الانكسار مرارًا عديدة، والقتل أنفى للقتل، ثم وجه اهتمامه إلى فتح الأسواق وإرجاع دولاب الأعمال؛ لكي يبتاع مئونة كافية للجيش بأثمان مناسبة فنجح أي نجاح، ومما يستحق الالتفات أنه كان يمكنه — وهو في ميدان الحرب وحومة الوغى — أنْ يجمع أفكاره، ويوجهها إلى كلِّ أمرٍ أراده.
وسنة ???? عُقد له على عشرة آلاف جندي مُعدَّة لتحرير البرتروغال، فمضى إليها، وحارب العدو، وانتصر في واقعتين عظيمتين، وأمضى معاهدة سنترا، ثم عُقد له على جيش آخر بعد وفاة السر جون مور، ولكنه كان كل مدة بقائه في إسبانيا في مركز خطر لقلة جيشه في جنب جيش العدو، فإن جيشه لم يزد على الثلاثين ألفًا، وجيوش العدو كانت تنيِّف على ثلاث مائة وخمسين ألف جندي فرنساوي، ممَّن حنَّكتهم الحروب المتواصلة، وقوادهم من أفضل قواد نبوليون، إلَّا أنه سلك منهجًا يخالف المنهج الذي سلكته جنود إسبانيا؛ أي إنه كفَّ عن ملاقاة جنود فرنسا في السهول، وارتد إلى البرتوغال، ونظَّم جنودًا من البرتوغاليين، وأقام عليهم رؤساء من الإنكليز، وترك الحرب مدة من الزمان؛ لكي يضعف حماسة الجيوش الفرنساوية التي لا تثور إلَّا عند الانتصار، عازمًا أنْ يقع عليها عندما يرى جيوشه مستعدة، وهي — أي الجيوش الفرنساوية — متكاسلة من جري البطالة ومتوغلة في الشرور، ومن تتبع الوسائل التي استعملها ولنتون في حروب إسبانيا، ونال بها الظفر رأى مقدار الحكمة المذخرة في رأس ذلك الرجل العظيم، كيف لا وقد كان محاطًا بصعوبات لا تُصدَّق، وأكثرها ناتج من النفاق والمَين وسوء التدبير، وغير ذلك من الشرور التي كانت رائجة حينئذٍ في الحكومة الإنكليزية، ومن جبانة الشعب الذي مضى لإنقاذه وبلادته وعجبه، حتى يمكنا أنْ نقول إنه أقام بحروب إسبانيا بنفسه وبثبات عزمه الذي لم يفارقه قط. ولم يكن عليه أنْ يحارب أبطال فرنسا فقط، بل أنْ يقاوم مجالس إسبانيا والبرتوغال، وكان أصعب شيء عليه تحصيل القوت والكسوة لجنوده، ومما يستحق الذكر أنَّ جنود إسبانيا التي هربت في واقعة تلافرا مرَّت على أمتعة عساكر الإنكليز ونهبتها والديوك مع العدو في ساحة النزال، فاحتمل هذه البلية وغيرها بصبر وجلد عجيبَيْنِ، ولما رأى أنه لم يعد الطعام يأتيه من إنكلترا، ولا يُرجَى إتيانه منها، أخذ يتجر بالحنطة، وعقد معاهدات مع كثيرين من التجار في لسبون وغيرها، وكانت السفن تجلب له الحنطة من أساكل بحر الروم وجنوبي أميركا، فملأ مخازنه، وباع ما فاض للبرتوغاليين الذين كانوا حينئذٍ في احتياج شديد للحنطة، فأَعدَّ كلَّ شيء، واهتم بكلِّ شيء، ولم يتَّكل على الصُّدف، وكان يهتم بالأشياء الطفيفة أيضًا كالأحذية والقدور والعليق ونحو ذلك، وتغلب على إسبانيا بحسن إدارته التي جعل بها رعاع الناس من أفضل جنود أوروبا تعلُّمًا وتهذُّبًا، وكان مستعدًا أنْ يلقى بهم أقوى جيوش الأرض.
قد أشرنا سابقًا إلى صفة عجيبة فيه، وهي قدرته على سلخ أفكاره عن الأمور التي في يده مهما كانت مهمة، وتوجيهها إلى أمور بعيدة عنها كلَّ البعد، ومن ذلك ما حكاه نبير، وهو أنه بينما كان آخذًا في الاستعداد لواقعة سلامنكا، كان يكتب إلى الوزراء في لندن مبرهنًا لهم عدم فائدة الاعتماد على القرض، وحينما كان في ساحة القتال على أعالي سان كريستوفال أثبت عدم إمكان إنشاء بنك برتوغالي، ولما كان محاصرًا في خنادق برغُس حلَّل مذهب فنكل في المالية، وأظهر جهل مَنْ ارتأى بيع أوقاف الكنائس. والخلاصة أنه أظهر نفسه عارفًا بحقائق هذه الأمور مثل معرفته بأحوال الحروب.
ومما يُظْهِر كونه من رجال العمل المستقيمين أمانته العظيمة وشرف نفسه، فإن القائد سُلَت الفرنساوي نهب من إسبانيا صورًا عديدة ثمينة جدًّا، أمَّا هو فلم يأخذ من إسبانيا ما قيمته درهم واحد، وحيثما سار سار على نفقته حتى في أرض العدو، ولما اجتاز تخوم فرنسا تبعه أربعون ألف إسبانيولي قاصدين الغنيمة فوبَّخ رؤساءهم، ثم لما قنط من إصلاحهم ردهم إلى بلادهم. ومما يستحق العجب أنَّ فلاحي فرنسا كانوا يهربون من وجه جنود بلادهم، ويحملون أمتعتهم ويأتون ويحتمون عند جنود الإنكليز، وفي ذلك الوقت نفسه كتب ولنتون إلى إنكلترا يقول:
قد تراكمت علينا الديون من كلِّ ناحية، ولا أجسر على الخروج من بيتي؛ لأن عددًا وافرًا من المداينين ينتظرونني خارجًا طالبين وفاء ما لهم عليَّ.
قال يوليوس مرل: «إنَّ هذا البطل قد خاف من مداينيه وهو يقود عسكرًا جرارًا في بلادهم، فلا شيء أعجب من ذلك ولا أشرف منه، وهذا الخوف لم يخامر قلب منتصر قط.» أمَّا هو فلم يفعل ذلك طمعًا بتخليد ذكره واكتساب المدح، بل حسب أنَّ وفاء ديونه في ميقاتها من أفعل الوسائل لإجراء مقاصده.
ومن الأمور الجوهرية لنجاح رجال الأعمال الأمانة، وهي لازمة للصانع لزوم الشجاعة للجندي، ولا ينجح صانع غير أمين. وكلُّ الصناع مهما اختلفت صنائعهم لهم باب واسع لإظهار أمانتهم. قيل إنَّ رجلًا صناعته عمل البيرة كان يجول في معمله ويذوق البيرة، وهي تُعمَل، فيقول للصناع: زيدوا خميرها؛ لئلا تخرج ضعيفة. فاشتُهرت بيرته بجودتها في بلدان كثيرة، فربح أرباحًا وافرة، وصار من الأغنياء العظام. وقال هيوملر عن البنَّاء الذي تعلَّم منه صناعة البناء إنه كان يوقف أمانته أمامه كلما بنى حجرًا. ومن سار بالأمانة اشتُهر اسمه كعَرْف طيِّب، وراجت بضائعه وأفلح وأثرى. قال البارون دوبن لمَّا أراد أنْ يثبت أنَّ أمانة الشعب الإنكليزي سبب نجاحه: «لربما ننجح بالغش والخداع، ولكن نجاحنا يكون قصير الإقامة، وأمَّا إذا عملنا أعمالنا بأمانة نجحنا نجاحًا ثابتًا، وحكمة التاجر واقتصاده وأمانته أقدر على إنجاحه من نشاطه وحذاقته وإقدامه وحسن بضاعته، ولو فَقَد تجَّارنا وصنَّاعنا الأوصاف الأولى لكسدت بضائعنا في كلِّ الدنيا، وارتدت سفائننا عن موانيها بالخسارة والخذلان.»
ومن المعلوم أنَّ في التجارة امتحانًا لأمانة الإنسان وإنكاره ذاته واستقامته وصدقه، والذين يخرجون من بوتقة هذا الامتحان ولا غش فيهم يستحقون إكرامًا نظير إكرام الجنود الذين أثبتوا بسالتهم أمام أفواه المدافع. ويحق للشعب الإنكليزي أنْ يفتخر بأن أكثر رجاله الذين يُمتحنون هذا الامتحان يثبت أنهم خالصون، كيف لا وأكثرهم يُؤتمَنون على أموال وافرة، وهم لا يملكون إلا جانبًا صغيرًا منها، والنقود التي تمر في أيديهم يوميًّا تفوق الإحصاء، وقلَّ من يختلس منها شيئًا، والأمانة أشرف الأخلاق إذا لم يرافقها العجب.
وإركان الناس بعضهم إلى بعض، الذي نراه كل يوم في أسواقنا، هو أعجب أعمالهم، ولو لم نكن قد اعتدنا عليه لحسبناه من الخوارق. قال الدكتور تشلمرس: إنَّ إركان التجار إلى عملائهم وائتمانهم إياهم على مبالغ كبيرة من المال، وهم لم يعرفوهم ولا دخلوا بلادهم أفضل نوع من الاعتبار، بل يقرب من الاعتبار الديني، ولكن لا تخلو قاعدة من شذوذ؛ لأن من الناس من يقتاده طمعه وخيانته إلى تلبيس البُطْل بالحق وارتكاب الغش والخداع، فتراه يغش بضاعة بأخرى، ويجعل وجه البضاعة من نوع وباطنها من نوع آخر، إلى غير ذلك من ضروب الغش التي تزيد بازدياد العمران، ولكن الذين يفعلون ذلك لا يؤمل نجاحهم وإنْ نجحوا وكسبوا شيئًا من المال فكثيرًا ما لا يتمتعون به، وعلى كلٍّ يكون اسمهم مرذولًا مهانًا، أمَّا الأمناء فقد لا يتقدمون في أول أمرهم كالخداعين، ولكن تقدمهم يكون ثابتًا وإن كان بطيئًا، ولا بدَّ من أنْ يربحوا كثيرًا في الآخر وإنْ لم يكن ربحهم إلَّا الاسم الطيب ففيه الكفاءة؛ لأن الاسم ثروة ومجلبة للغنى والشرف، قال الشاعر وردسورث الإنكليزي ما معناه:
وإنما رجل الدنيا الذي شهدَتْله التجاربُ أنَّ الصدق شيمتُهُ
يغارُ للحق لا قسْرًا ولا طمعًابثروة أو بجاهٍ فيه رغبتُه
لكنما المال والجاه اختصاصهمابالحازم النَّدْب إنْ صحَّت طويته
وليس بين التجار — على ما نظن — من هو أشهر من داود بركلي، الذي يُضْرَب المَثَل بصدقه واستقامته، فإنه بقي زمانًا طويلًا يتِّجر بين إنكلترا وأميركا، ولما انتشبت الحرب بين الإنكليز والأميركانيين ساءه أمرها كثيرًا، فعزم على ترك التجارة مطلقًا، وقد اشتُهر وهو تاجر بالذكاء والخبرة، كما اشتُهر بعد أنْ ترك التجارة بالشهامة وعمل الخير، وكان مثلًا للصدق والأمانة وسداد الرأي، حتى إنَّ الوزراء كانوا يستشيرونه في المسائل الكبيرة، ثم لما اعتزل عن التجارة لم يختر عيشة الكسل والترف، بل عيشة العمل والتعب في خير الجمهور، فأقام دارًا للصناعة أنفق عليها النفقات الوافرة، فجاءت ملجأً للفقراء ومرقية لشئونهم، ثم ابتاع أرضًا في جاميكا، وعتق عبيدها، وثمنهم عشرة آلاف ليرة إنكليزية، وأرسل لهم سفينة نقلتهم إلى ولاية من ولايات أميركا، فقطنوا فيها، ونجحوا نجاحًا عظيمًا، رغمًا عن الذين حاولوا إقناعه أنَّ العبيد أجهل من أنْ يستأهلوا العتق، وعوضًا عن أنْ يترك أمواله ليقتسمها ورثاؤه بعد موته مدَّهم بها في حياته، ولم يمت حتى رأى كثيرين منهم راقين قمم النجاح، ولم يزل حتى يومنا هذا رجال أغنياء في إنكلترا مصدر نعمتهم منه. فرجل مثل هذا يحق للتجار أنْ يفتخروا به ويتخذوه مثالًا لهم.
وكان العرب في صدر الإسلام يكرمون العمل، ويجلون أربابه، ويعظمون قدر رجال السعي، قال الإمام عمر بن الخطاب: لا يقعدن أحدكم عن طلب الرزق وهو يقول اللهم ارزقني، فقد علمتم أنَّ السماء لا تمطر ذهبًا ولا فضة. وقال أيضًا: إني لأرى الرجل فيعجبني، فأقول: أله حرفة؟ فإن قالوا لا، سقط من عيني. وقيل:
خاطر بنفسك كي تصيب غنيمةإن القعود مع العيال قبيح
وقيل أيضًا:
على المرء أن يسعى لما فيه نفعهوليس عليه أن يساعده الدهر
وقيل في أمثالهم: «احذر من مجالسة العاجز، فإن من سكن إلى عاجز أعداه من عجزه، وأمدَّه من جزعه، وعوَّده قلة الصبر، ونسَّاه ما في العواقب، وليس للعجز ضدٌّ إلَّا الحزم.» وقال الإمام الشافعي: «احرص على ما ينفعك ودع كلام الناس، فإنه لا سبيل إلى السلامة من ألسنتهم.» وقال بعض الحكماء: «من دلائل العجز كثرة الإحالة على المقادير.» وسأل بعضهم معاوية عن المروَّة فقال: «هي العفة والحرفة.» وقال رجل للحسن: إني أنشر مصحفي، فأقرؤه بالنهار كله، فقال: «اقرأه بالغداة والعشي، ويكون يومك في صنعتك وما لا بُدَّ منه.»
فما بعد هذه الأمثال المفيدة والأقوال السديدة من ريب في أنَّ الأوائل كانوا يكرِّمون رجال الأعمال ويقدرونهم قدرهم. ولكن لم يطل الأمر حتى أسكرتهم خمرة الفتوحات، فلم يعودوا يرتاحون إلى غير الإمارة والإمامة، ولهذا لم يقم بينهم كثيرون من المشتهرين في الأعمال ولا طال زمان تمدنهم. أمَّا أهل هذا العصر فقد حذا بعضهم حَذْوَ الإفرنج في الهمة والإقدام ولا سيما في بلاد الشام، والفضل الأوَّل في ذلك لبعض المرسلين الأميركيين الذين نزلوا الديار الشامية، وبهم همة تنال الثريَّا وعزم لا تردعه المصاعب، فتألَّب حولهم بعض السوريين، وتعلموا منهم الحزم والإقدام، فعمَّ نفعهم بلاد المشرق؛ ولذلك اخترنا أنْ نذكر هنا طرفًا من سيرة كبير المرسلين الأميركيين في بلاد الشام، ومثال الهمة والفضل الذي انتدبنا إلى ترجمة هذا الكتاب إلى اللغة العربية؛ إفادة لأهليها أستاذنا العلامة المشهور الدكتور كرنيليويس فان دَيْك، وطرفًا من سيرة مقدام السوريين وأعلاهم همة الطائر الصيت في الآفاق المرحوم المعلم بطرس البستاني، فإن كلًّا منهما من نخبة رجال الأعمال الذين قاموا في كلِّ زمان ومكان.
أما المرحوم المعلم بطرس البستاني فقد وُلِد سنة ???? في الدبية، قرية من قرى جبل لبنان من عائلة مشهورة بين عيال الطائفة المارونية، وتلقى العلوم العربية والفلسفة واللغات السريانية واللاتينية والطليانية في مدرسة عين ورقة، ثم جاء مدينة بيروت واتصل بالمرسلين الأميركيين، وتعلم فيها العبرانية واليونانية والإنكليزية، وقد سمعنا من أستاذنا الدكتور فان ديك أنهما كانا يسكنان بيتًا واحدًا ويدرسان اللغة العبرانية سوية، وسنة ???? تعاضدا على إنشاء مدرسة عبيه الشهيرة، وفيها وضع المترجَم فيه كتابه الموسوم بكشف الحجاب في علم الحساب، فذاع وتداولته أيدي الطلاب، وعليه المعوَّل في هذا العلم إلى يومنا هذا، وألَّف أيضًا كتابًا في النحو لا يزال غير مطبوع، وبعد أنْ أقام سنتين في مدرسة عبيه، يُدَرِّس فيها، عاد إلى بيروت، وجعل يعاون الدكتور عالي سمث في ترجمة التوراة من العبرانية إلى العربية، ثم تقدم إلى تأليف قاموسَيه المشهورين بمحيط المحيط وقطر المحيط وشهرة هذين الكتابين تُغْنِي عن التطويل، وقد اتفق منذ مدة أنَّ بعض المتطاولين على أهل العلم المتطفلين على موائد الأدب علينا عاب استعمال بضع كلمات موجودة في محيط المحيط ولا توجد في قاموس الفيروزبادي، مدعيًا أنها غير عربية الوضع، فبحثنا عنها في كثير من كتب اللغة، فوجدناها بحسب ما هي مشروحة في محيط المحيط، وهذا يدل أنَّ مؤلفه — رحمه الله — لم يؤلفه إلَّا بعد أنْ جمع كثيرًا من كتب اللغة وأطال البحث والتنقيب فيها، ولما فرغ من تأليف محيط المحيط قدَّمه إلى الحضرة السلطانية، فأجازته بالجائزة الأولى التي تجيز بها المؤلفين وهي النيشان المجيدي من الطبقة الثالثة و??? ليرة عثمانية.
وسنة ???? أنشأ المدرسة الوطنية، وتولَّى رياستها بنفسه، فتقاطر إليها الطلبة من جهات سورية ومصر والعراق، وكانوا يعتبرونه اعتبارًا يقرب من العبادة، ويتخذونه مثالًا للهمة والنشاط، وسنة ???? أنشأ صحيفة الجنان وهي الأولى بين الصحف العربية التي تضمنت ضروب المباحث السياسية والعلمية والأدبية والتاريخية والفكاهية، ولم تزل منفردة في هذه الخطة. وفي منتصف تلك السنة أنشأ صحيفة الجنة ثم الجنينة، وعام ???? شرع في تأليف كتابه العام المشهور باسم دائرة المعارف على نسق الإنسكلوبيديات الإفرنجية، وأعد له مكتبة واسعة من الكتب العربية والإفرنجية وبقية المعدات اللازمة، وتُوفِّي وهو على بدء طبع الجزء السابع منه، وله — عدا ذلك — كتب أخرى، مثل مسك الدفاتر، ومفتاح المصباح، وبلوغ الأرب في نحو العرب، وقد وصفه صديقه الدكتور فان ديك «بالجبار»؛ لأنه كان جبارًا في التأليف والتصنيف وإدارة الأعمال والأشغال وفي المسائل العلمية والسياسية والإدارية، وكان مع كثرة أشغاله التي تفوق أشغال أربعة رجال بشوشًا رحب الصدر طلق الوجه حسن المحاضرة مقصودًا في الحاجات لا يردُّ سائلًا ولا يخيب طالبًا، مكرَّمًا من رجال السياسة وولاة الأمور، مستشارًا منهم في المهام، بعيد النظر في العواقب، لسنًا فصيحًا، إذا استُشِير في أمرٍ أنبأ بمصادره وموارده كأنه من حوادث الأمس، ولبث بين الكتب والدفاتر والصحائف والمحابر إلى أنْ اختطفته المنية سنة ????، فمات شهيد العلم والعمل، وقد هزَّ مَنْعاه البلاد، وقد ذكرت سيرته بالتفصيل في السنة السابعة من المقتطف.
وأما الدكتور كرنيليوس فان ديك فولد في ?? آب (أغسطس) ???? في قرية كِنْدَرهوك من أعمال ولاية نيويورك بأميركا ووالداه هولانديَّا الأصل، هاجرا إلى الولايات المتحدة بأميركا، وولدا غيره سبعة هو أضغرهم، وكان في صغره يتعلَّم في مدرسة في قريته، فامتاز من ثمَّ بالاجتهاد والثبات، وبرع في اليونانية واللاتينية حتى حاز قصَب السَّبْق على رفقائه الذين كانوا كلهم أكبر منه سنًّا، وينقل لنا أولاده ما سمعوه من بعض أعمامهم عن اجتهاد والدهم في صباه، وكلَفِه بالعلم والعمل معًا، وهو أنه حفظ لذاته أسماء كل النباتات البرية التي تنمو في تلك النواحي، وتعلَّم بنفسه ترتيبها وتقسيمها إلى رتبها وصفوفها وفصائلها وأنواعها حسب نظام لينيوس النباتي الشهير، وجمع رواميزها وجففها ورتَّبها وسماها بأسمائها، حتى صار عنده منبتة ذات شأن وهو صبي صغير، وكل ذلك رغبة منه في العلم لا إجابة لطلب ولا امتثالًا لأمر.
وأصابت أباه مصيبة ذهبت بماله وأورثته الفقر، وذلك أنه كفل صديقًا له على مبلغٍ من المال، فخان الصديق وغدر، فاضطُر كفيله إلى بيع كلِّ ما يملكه من متاعٍ وعقار صونًا لشرفه من العار، ووفاءً لدين الغادر، ولذلك لم يستطع أنْ يوازر ابنه إلا بالنزر اليسير مما يحتاج إليه من الكتب ولوازم التعلم، فكان مدة بقائه في بيت أبيه يدبر الكتب بوسائط شتَّى، فتارة يستعيرها من رفاقه وتارة يستأجرها بدريهمات قليلات يجمعها، وتارة يحفظ ما فيها بالسماع من قارئيها، وتارة يتذرَّع بالسعي في مصلحة إنسان إلى قراءة كتاب يقتنيه، وتارة يجدُّ ويرجع خائبًا. وكان في تلك القرية طبيب كريم الأخلاق يقتني مكتبة، فلما رأى اجتهاد الصبي كرنيليوس في تحصيل المعارف وجهاده للتغلب على مصاعب الفاقة أخذته الحمية، ففتح له أبواب مكتبته وأمتعه بمشتهى نفسه وأماني صباه، وكان فيها كتاب كيفيه الشهير في علم الحيوان، فأكبَّ على درسه، ولم ينثنِ عنه حتى اغترف كلَّ ما فيه، ثم تعلم بنفسه كلَّ ما تيسر له علمه عن حيوان بلاده، ولم يمض عليه زمان طويل حتى جرى في ميدان المعارف شوطًا يذكر، فجعل يخطب في علم الكيمياء على صفٍّ من بنات بلاده وهو ابن ثماني عشرة سنة، وربما توهَّم الذين يعرفونه اليوم، أو الذين اطَّلعوا على مؤلفاته، وسمعوا بواسع علمه أنه كان كل أيامه محفوفًا بوسائط العلم والتعليم، حاصلًا على ما يلزم من معدات التأليف والتدريس، حتى حصَّل ما حصَّل وألَّف ما ألَّف، ولكن الذين يعرفون أحواله حقَّ المعرفة يعلمون أنه قاسى في صغره أشق المصاعب حتى تسهَّل له تحصيل المعارف، وأنه قضى أكثر أيامه في ضنكٍ فصار ابن خمسين، وهو لا يقدر أنْ يبتاع إلَّا ما ندر من الكتب المستجدة، ولم يسعه الإنفاق على تحصيل ما يشتهي من الكتب والجرائد العلمية والأدوات إلا بعد سنة ????.
وكان أبوه طبيبًا فجعل يدرس الطب في صباه عليه، وكان يخدم في صيدليته فأتقن فن الصيدلة فيها علمًا وعملًا، ولما حصَّل ما تيسَّر له الحصول عليه عند أبيه، جعل يتلقى الدروس الطبية في سبرنكفيلد، ثم أتم دروسه في مدرسة جَفَرْسن الطبية بمدينة فيلادلفيا من مدن الولايات المتحدة؛ حيث نال الدبلوما والرتبة الدكتورية في الطب، وكان تعلُّمهُ في هذه المدرسة على نفقة ذويه، فكانت مساعدتهم هذه له أساسًا للأعمال العظيمة، التي عملها في سورية من التعليم والتهذيب والبرِّ والخير والإحسان.
وفي الحادية والعشرين من عمره فارق الخلان والأوطان، وأتى إلى سورية مرسلًا من قِبَل مجمع المرسلين الأميركيين، وحلَّ في بيروت في ? نيسان (أبريل) سنة ????، ولكن لم تطل إقامته فيها حتى قام منها بإيعاز المجمع المذكور، وأتى القدس طبيبًا لعيال المرسلين الذين كانوا فيها أيام فتوح إبرهيم باشا في برِّ الشام، فأقام فيها تسعة أشهر، ثم قفل راجعًا إلى بيروت؛ حيث شرع في درس العربية، وحينئذ تعرَّف بالمرحوم بطرس البستاني، وكانا كلاهما عزبين، فسكنا معًا في بيت واحد، وارتبطا من ذلك العهد برباط المودة والصداقة، وبقيا على ذلك طول الأيام حتى صار يُضرَب المثل في صداقتهما، ولما تُوفِّي البستاني منذ عهد قريب كان صديقه فان ديك أشد الناس حزنًا على فقده، حتى إنه لما طُلب منه تأبينه خنقته العبرات، وتلعثم لسانه عن الكلام، وبقي برهة يردد قوله: «يا صديق صباي.» حتى لم تعد ترى بين الحاضرين إلَّا عينًا تدمع وقلبًا يتوجع، وقد انتقلت صداقته من الوالد إلى أولاده، فغيرته على بيت البستاني في أيامنا لا تقل عن غيرته على بيت أبيهم في زمانه.
وجعل يدرس العربية على الشيخ ناصيف اليازجي، ثم على الشيخ يوسف الأسير وغيرهما من علماء اللغة، وبذل الجهد في درسها والأخذ بحذافيرها، حتى صار من المعدودين في معرفتها، وحفظ أشعارها وأمثالها وشواهدها ومفرداتها واستقصاء أخبار أهلها وعلمائها وتاريخها وتاريخهم، فهو بلا ريب أول إفرنجي أتقن معرفة العربية والنطق بها والبيان والتأليف فيها، حتى لم يعد يمتاز عن أولادها، وبقي على ذلك إلى خريف سنة ????، ثم انتقل إلى عيتات، وهي قرية بلبنان واقترن هناك بالسيدة جوليا بنت مستر آبت قنصل إنكلترا في بيروت المشهورة بلطفها وحسن أخلاقها، ثم انتقل من عيتات إلى قرية عبيه، وهناك أنشأ مع صديقه بطرس البستاني مدرسة عبيه الشهيرة، وشرع من يومه في تأليف الكتب اللازمة للتدريس في تلك المدرسة، فألَّف كتابًا في الجغرافية، وآخر في الجبر والمقابلة، وآخر في الهندسة، وآخر في اللوغارثمات وفي المثلثات البسيطة والكروية وفي سلك الأبحر والطبيعيات، وقد طُبع بعضها وبعضها لم يطبع، وبعد أنْ قضى في عبيه أربع سنوات على ما ذكرنا من التدريس والتأليف دعاه مجمع المرسلين إلى صيدا، وعهد بمدرسة عبيه إلى المرحوم سمعان كلهون رجل اشتُهر بالفضل والاستقامة والتقوى، وبقي الدكتور فان ديك مع صديقه الفاضل الدكتور طمسن في صيدا وتوابعها معلمًا واعظًا مبشرًا جائلًا من مكان إلى مكان حتى تُوفِّي المرحوم عالي سمث سنة ????، فانتُدب الدكتور فان ديك لترجمة التوراة والإنجيل مكانه.
فإن عالي سمث المذكور كان قد باشر ترجمة الكتاب من اللغتين الأصليتين بمعاونة المعلم بطرس البستاني، وأتمَّ ترجمة سفر التكوين وسفر الخروج إلا الإصحاح الأخير منه، وراجعهما وصححهما، وترجم أسفارًا أخرى، ولكن لم يراجعها، فلما انتُدب الدكتور فانديك مكانه أبقى السفرين الأولين على حالهما، وترجم وراجع ما بقي، وعانى في غضون الترجمة من الأتعاب ما لا يعرفه إلا الذين يعرفون تدقيق النصارى في التفتيش عن أصل كلِّ لفظة من ألفاظ كتابهم، وعن معنى كلِّ آية من آياته. وتولَّى مع الترجمة إدارة المطبعة الأميركانية المشهورة وحسَّن فيها، وزاد الحركات على الحروف، حتى صارت من أحسن مطابع المشرق وأشهرها، وأتم الترجمة سنة ????، وبعثه مجمع المرسلين إلى الولايات المتحدة سنة ???? ليتولَّى أمر طبعها وعمل الصفائح بالكهربائية لها هناك، فأقام في الولايات المتحدة سنتين حتى أتمَّ ذلك، وعاد إلى سورية سنة ????، وليس من غرضنا الآن أنْ نصف هذه الترجمة التي شهد لها أعظم علماء الأرض بالدقة والصحة ومطابقة الأصل، وقد صارت النسخ المطبوعة منها ألوفًا وألوف الألوف حتى لم يبقَ مكان في المشرق إلَّا بلغت إليه وانتشرت فيه.
وكان أثناء وجوده في أميركا يدرِّس العبرانية في مدرسة بونيون اللاهوتية، وكان الطلبة يعافون درس هذه اللغة قبل تدريسه لها، ويأبون الحضور في ساعة تدريسها لصعوبتها وعدم مناسبة أسلوب تدريسها، فلما شرع في تدريسها غيَّر أسلوب التدريس، ولطول باعه فيها جعل يعلمهم إياها كلغة حية لا ميتة، بحيث صار الطالب يجد في درسها معنًى ولذة، ويرغب في تحصيلها، فتقاطر الطلبة إلى صفه وتكاثر عددهم، فلما رأت عمدة المدرسة ذلك عرضت عليه أنْ يشغل منصب أستاذ العبرانية فيها، وعينت له راتبًا كبيرًا فاعتذر عن قبوله، قائلًا: «إني تركت قلبي في سورية، فلا لذة لي إلَّا بالعودة إليها.» وفي تلك الأثناء تم أمر إنشاء المدرسة الكلية السورية في بيروت على نفقة جماعة من أهل الخير في الولايات المتحدة بأميركا، فعرضت عليه عمدة تلك المدرسة الكبرى في أميركا أنْ يكون أستاذًا فيها فأجابها إلى ذلك، ثم طلبت إليه أنْ يُعيِّن راتبه السنوي بنفسه، فكتب ??? ريال مع أنَّ راتب أصغر أستاذ فيها، لا يقلُّ عن ???? ريال، وقد فعل ذلك حبًّا بخير البلاد ونفع أهلها.
ولما وصل إلى بيروت باشر تأسيس المدرسة الكلية الطبية مع صديقه الفاضل الدكتور يوحنا ورتبات، ووضعا وحدهما نظامًا لدروسها وشرعا في التعليم من ساعتهما، لا يحاسبان على أتعاب، ولا ينتظران من أحد تبجيلًا لقدرهما ومدحًا لاسميهما، بل إنَّ الدكتور فان ديك لما رأى أنَّ المدرسة تفتقر إلى أستاذ يدرِّس الكيمياء فيها أقبل من فوره على تدريسها حال كونِه معينًا أستاذًا لعلم الباثولوجيا لا لغيره، ولم يكن في المدرسة حينئذٍ من كلِّ أدوات الكيمياء إلا قضيب من زجاج وقنينة عتيقة، فأنفق من ماله مائتي ليرة إنكليزية على ما يلزم من الأدوات. وألَّف كتابه المشهور في مبادئ الكيمياء لتدريس التلامذة، وطبعه على نفقته، وهو يعلم أنه لا يسترجع نفقات طبعه قبل مماته، وبقي يدرِّس هذا الفن ست سنوات متوالية، وينفق على لوازم التدريس من جيبه، وجاء أستاذ الكيمياء وبقي سنتين من الزمان يدرس العربية ويقبض أجرته، والدكتور فان ديك يدرِّس مكانه مجانًا حبًّا بصالح المدرسة وخير أبناء البلاد، ولما تولَّج أستاذ الكيمياء أشغاله اعتزل الدكتور فان ديك عنها، وترك للمدرسة كلَّ ما أنفق عليها، ولم يأخذ مقابله إلا مائة ليرة إنكليزية.
ولم يقتصر على هذا التبرع، بل إنه تولَّج منصب أستاذ ثالث وهو أستاذ علم الفلك، وذلك أنَّ المدرسة لم يكن عندها مال يقوم بنفقة أستاذ، فتبرَّع الدكتور فان ديك بتدريس هذا الفن مجانًا، وألف له كتابًا، وطبعه على نفقته أيضًا، كما طبع كتاب الأنساب والمثلثات والمساحة والقطوع المخروطية وسلك الأبحر، ولم يكن في المدرسة آلات فلكية يُعْتَد بها، فما لبثت أنْ شرعت في بناء مرصدها حتى ابتاع له آلات بقيمة سبعمائة ليرة إنكليزية من ماله الخاص، وأثثه وفرش فيه على نفقته.
وأنشأ للمرصد اسمًا كبيرًا حتى صار معروفًا في المشارق والمغارب، مقصودًا من القريبين والبعيدين مراسلًا لأشهر مراصد الأرض، ولما خلفه معاونه في تدريس علم الفلك الوصفي ألَّف كتابًا في الفلك العملي، وجعل يعلم به الطلبة على الآلات، وكان مع تدريسه علم الباثولوجيا وعلم الكيمياء وعلم الفلك يتولى إدارة المطبعة الأميركانية، فينتقد ما يطبع فيها من الكتب، ويهتم بتأليف النشرة الأسبوعية، ويطبب في مستشفى ماري يوحنا؛ حيث كان يتقاطر إليه المرضى أفواجًا أفواجًا حتى يبلغ عددهم الألوف في السنة، وما بقي من الوقت الذي يخصصه غيره بالنزهة والرياضة والراحة والنوم كان يقضيه في تأليف الكتب العلمية والطبية والدرس والمطالعة، والامتحانات العلمية، وحضور الجمعيات النافعة، ومراسلة العلماء في سائر أقطار الأرض، حتى كان أهل بيته لا يرون منه أكثر مما يرى منه الغريب، وكل ذلك قيامًا بالواجبات التي يعجز جماعة من الرجال عن القيام بها.
ومن مزاياه أنه لا يؤخر للغد عملًا يقدر أنْ يعمله اليوم؛ ولذلك تراه معدًّا كلَّ ما يُطلَب منه قبل زمان طلبه، وكان كلما طلب منه أهل بيته أيام اشتغاله في المدرسة الكلية أنْ يرتاح بين عمل وآخر، ويؤخر الأشغال إلى أوقاتها حرصًا على صحته، يجيبهم: أخاف أنْ يفاجئني مرض أو يعارضني معارض، فأكون سبب خسارة لكل من تتعلق أشغالهم ومصالحهم بي، فالواجب عليَّ أنْ أكون سابقًا في إنجاز أشغالي حذرًا من ذلك، ولكثرة اهتمامه في أشغال المدرسة واشتغاله بمصالحها عن غيرها كان أصحابه يكلمونه في ذلك، فلا يسمع لهم حتى صار من الأقوال الشائعة بين معارفه أنك إذا رمتَ أنْ تكون على رضًى مع فان ديك، فإياك أنْ تشغله بشاغل عن المدرسة الكلية، وإذا أردت أنْ تسرَّ قلبه فكلمه عن المدرسة والصفوف والمرصد والتأليف. وقد ألَّف أثناء وجوده في المدرسة الكلية كتابه في الباثولوجيا وهو مجلد ضخم، وفي التشخيص الطبيعي وفي الكيمياء وفي الفلك الوصفي والمثلثات والمساحة وغيرها، وطبع هذه الكتب، وألف كتابًا في الفلك العملي، وآخر في تخطيط السماء، وآخر في أمراض العينين وهذه لم يطبعها.
وفيما هو لاهٍ بأشغال التأليف والتدريس والرصد والمراسلات العلمية عمَّا سواها من مطامع البشر، نُكبَت المدرسة الكلية بحادث لا نحب أنْ نسوِّد صفحات هذا الكتاب بذكره، فلما رأى أن بقاءه في المدرسة بعد ذلك يخالف مبادئه قال على المدرسة وما فيها السلام واعتزل عنها محتملًا آلام فراقها وملام ذوي الأغراض محافظةً على مبادئه، فعوضته المدرسة عما ترك في مرصدها خمسمائة ليرة إنكليزية دفعتها له أقساطًا، وبقي يطبب في مستشفى ماري يوحنا على جاري عادته، حتى سعى البعض في صدِّ فوائده عن بني الوطن، فترك المستشفى على غير رضًى منه، لكنه إنما تركه ليحيي في الوجود مستشفى طائفة الروم الأرثوذكسيين الذي صار له الآن أيادٍ تُذْكَر في الرحمة بالمساكين ومعالجة المرضى والبائسين.
وقد صار الدكتور فان ديك الآن شيخًا، ومنظره يوهم أنه أكبر من سنه، فقد وهن جسمه، وكلَّ بصره من طول السهر ومشقات التأليف وتراكم الأشغال، ولكنه لا يزال من أبشِّ خلق الله وجهًا، وألطفهم معشرًا، وأكثرهم أنسًا، يقتحم الأشغال بهمة الفتيان، فتراه تارة في الكنائس واعظًا، وتارة في المجمع العلمي الشرقي خطيبًا يحث أعضاءه على التبحر في العلوم وتنشيط المعارف، وتارة في احتفالات جمعية الشبان المعروفة بجمعية شمس البر حاثًّا على اتباع الفضيلة والاقتداء بالأفاضل، وتارة في المدارس ممتحنًا، وتارة في الجمعيات الخيرية مشيرًا فضلًا عن أشغاله في مجمع المرسلين الذي لا يزال متعلقًا به، ولم تفتر همته عن التأليف، فقد ألَّف منذ عهد قريب كتبًا متسلسلة في العلوم قصد بها تعليم الصغار مبادئ العلوم في المدارس البسيطة، وهي لا تزال تحت الطبع، والقارئ يعلم بالطبع أنَّ إنسانًا مثله قد قضى العمر في خدمة العالم، وأتمَّ أحسن الأعمال يكون عَلَمًا مقصودًا من الأقارب والأباعد وغرضًا منظورًا لرسائل القوم ومسائلهم، وزِد على ذلك مكاتبات تلامذته المتفرقين في أقطار المشرق، فهو مع ادعائه باعتزال الأشغال والانقطاع إلى الراحة لا يزال يشتغل ما لا يشتغله إلَّا الفائقون جدًّا واجتهادًا العظيمون همَّة وإقدامًا.
فهذه صورة أوضحنا بها للقارئ مثال هذا الرجل العظيم من حيث ارتقاؤه بجده وعلو همته حتى صار أعظم نعمة أُنعم بها على الشرق بعد أنْ كان في صبوته لا يملك ما يبتاع به كتابًا، ولو أردنا أنْ نورد سيرته من أوجه أخرى لاستغرق الكلام معنا فصولًا أطول مما يحتمله هذا المقام، فالذين يعرفونه عن بعد إنما يرون عظمته واقتداره على الأعمال، وهذا سبب ما له في نفوسهم من المهابة والوقار، ولكن الذين يعرفونه عن قرب، يرون فيه مع العظمة مناقب من أشرف ما تتجمل به الفطرة البشرية، وهذا سبب محبة معاشريه له، واشتياق تلامذته إلى القرب منه، وتسابق الناس إلى إبداء ثنائهم عليه واعترافهم بفضله عليهم، فإذا تأملناه من حيث معاملته للناس لم نجد معاملًا له إلَّا كان (إذا صفا طبعه) من أحب الناس إليه، وأولهم اعترافًا باستقامته وحسن طويته، والعارف بأخلاق البشر يعلم أنَّ ذلك لا يحصل عليه الإنسان إلا بعد أنْ يتحقق الناس أنه يؤثر مصلحة غيره على مصلحته، وإذا اعتبرناه من حيث إنصافه وجدناه مثلًا في الاعتراف بما له وما عليه، بل عندنا من الشواهد ما لا يُحصَى على ظلمه نفسه في إنصاف غيره حذرًا من أنْ يكون حب النفس قد حاد به عن جادة الإنصاف، وحسبنا أنْ نذكر منها شاهدًا واحدًا، وهو اعترافه بفضل زميله المرحوم عالي سمث في ترجمة التوراة، فالظاهر أنَّ موت عالي سمث قبل أنْ يتمَّ من الترجمة شيئًا كثيرًا حوَّل أذهان العموم عن ذكره حتى خيف أنْ يُنْسَى فضله، وذلك ساء الدكتور فان ديك أكثر مما ساء غيره، فصار أحرص الناس على ذكر اسم عالي سمث قبل اسمه، ولا نتذكر أننا سمعناه مرة يذكر ترجمة التوراة إلَّا قدَّم فيها اسم عالي سمث بقوله: «لما ابتدأ فيها فلان وأتممتها أنا.» واتفق أنه لما أتى إمبراطور البرازيل إلى سورية سنة ????، قصد الدكتور فان ديك إلى مرصد المدرسة الكلية، وقال له على مسمعٍ منا: «إني سمعت بترجمتك الشهيرة للتوراة.» فقاطعه الدكتور فان ديك قائلًا: «لعله لم يبلغ جلالتكم أني أنا لست مترجمها الوحيد، فقد شرع في ذلك المرحوم عالي سمث، وأتممت أنا ما بقي بعد موته.»
وإذا نظرنا إليه من حيث إخلاص الطوية وصفاء النية وحب حرية الضمير وجدناه مثالًا لها بين عارفيه، بل لم نسمع أحدًا خالي الغرض يعيبه إلَّا بالمدح في معرض الذم مثل قوله إنه لِسلامة طويته يجوز عليه خبث الخبثاء ولِصفاء جبلته يغلبه أهل الدهاء، ولحريته قولًا وفعلًا لا يقدر أنْ يجازي أهل البغي والرياء.
وهو أبعد الناس عن ذكر شيء تشم منه رائحة المدح لنفسه، فقد قضينا معه عشر سنوات في عِشرة مستمرة، فلم نسمع منه ذكر أدنى عمل من أعماله في معرض الاستحسان، وحاولنا المرار الكثيرة أنْ نستشف منه القليل عن سيرة حياته، فكان يحوِّل مسائلنا إلى غير المقصود، ثم يستطرد منها إلى ما يتخلص به من الجواب، ويسد علينا باب السؤال، ولذلك عانينا المشقات حتى وقفنا على طرف من سيرته نقلًا عن أولاده وأقاربه، ولاتضاعهِ يجتنب كلَّ معرض يمدحه الناس فيه، ويرتبك أمام من يقابله بالمدح، فإمَّا أنْ يصرفه عن مدحه بجواب حسن، أو يتخلص منه بوجه آخر. أتاه جماعة من علماء دمشق يومًا وفي صدرهم شيخ كبير، يُعَدُّ بينهم من الفطاحل فمدحه وأطنب، ثم قال متعجبًا: وبأي المواهب يبلغ الناس هذا المبلغ؟ فأجابه الدكتور فان ديك: «يبلغه أحقرهم بالاجتهاد، فمن جدَّ وجد.» واستطرد من ذلك إلى وجوب الاجتهاد في تسهيل إحراز العلم على الطلاب، ووصف بعضهم يومًا علوَّ همته وعجيب سرعته في إنجاز أعماله وصبره على المشاق، واستشهد على ذلك بأنه كان يقوم في الصباح من بيروت إلى صيدا في نحو أربع ساعات، ثم يعود منها إلى بيروت في مثل ذلك، ويقضي بقية نهاره ومساءَه في التطبيب والتأليف، فاستغربنا الخبر وسألناه عن ذلك، فأجاب: «إني كنت أركب حينئذٍ حصانًا قويًّا سريع العدو فلا أبطئ على الطريق.» كأنه لا يريد أنْ يبقي لنفسه فضلًا.
ولهذه المناقب وأمثالها مما يصح الاستشهاد به في كلِّ فصل من فصول هذا الكتاب ولحبه لأهل المشرق، حتى اقتبس عوائدهم وتزيَّا بزيهم زمانًا في المأكل والملبس والمشرب تجد سكان بر الشام قد أجمعوا على حبه وولائه، واعترفوا بكونه مصدر فضلٍ وعلم وخير في بلادهم، وإذا بحثت وجدت شبَّانهم وشاباتهم يحترمونه احترامًا يقرب من العبادة، ولا عجب فإنه مع تقدمه عنهم سنًّا وعلمًا وعقلًا يجري في مقدمتهم، ويسهِّل الصعاب أمامهم، ويقوي عزائمهم، ويبقي في صدره محلًّا رحبًا لاعتبار ما يجدُّ من الأمور المختصة بزمانهم وعدم احتقار آرائهم ومشاربهم وعاداتهم، خلافًا لما يُعهَد في أكثر الذين يتقدمون سنًّا، فإنهم لا يرضون إلَّا عما كان في زمانهم، ولا يعتبرون إلَّا عوائد عصرهم.
وإذا رُمْتَ أنْ تعرف اعتبار القوم له وحكمهم فيه فاسمع ما قالته جمعية الروم الأرثوذكسيين في تقريرها لسنة ???? وهو:
ولا ترى — أي الجمعية — للملامة محلًّا إذا وضعها الحقُّ ترجمانًا عن المحسنين جميعًا، في تجميل الثناء على الدكتور كرنيليوس فان ديك فهو موازرها ومناصرها وطبيب مرضاها ومرشد مستشفاها والمتصدق إليها فوق ما لم يُعرَف، بما يُرى في هذه الباكورة من صداقته المنفردة في بابٍ لها لتفرُّدِهِ في هذا الباب.
وحسبه أجرًا وفخرًا وجوده، على رغم الشيخوخة، في مخدع التطبيب والمرضى شاخصون إليه شخوص الملسوعين إلى موسى ورمزه، هذا يستنيله قليلًا، وذاك يسأله الدواء عجولًا، وذلك يرجوه الشفاء عليلًا، وهو يحبو هذا بالعطاء، وذاك بالدواء، وذلك بكلمة أشفى من دواء.
والجمعية — وإن تكن لا تزيد الناس علمًا به — تجني إذا لم تعترف علنًا في هذا المعرض أنه لا تنفتح في الصبح عيناه إلَّا على لائذٍ بجنابه، ولا تسير في النهار قدماه إلَّا إلى معونة أعدائه وأصحابه، ولا يُغلَق في المساء بابه إلَّا على منصرف مرتضٍ واقف في بابه، ولا يأوي في ليلته غرفته إلَّا لينكبَّ على مكتوباته وكتابه، حياةٌ امتلأت بطاعة الحداثة ونشاط الصبا ومروءة الفتوة وإقدام الشباب ومقدرة الكهولة وحكمة الشيخوخة، وهي في كل أدوارها ذكاء وفطنة، ودرس ومعرفة، وعلم وعمل، واستفادة وإفادة، وعبادة لله، وحب للقريب، وخدمة للإنسانية.
نعم، ولولا اشتهار فضله ونبله والعجز عن إيراد ما يصلح لمثله؛ لقامت الجمعية إلى مديحه قيامه إلى نصرة البشرية، فهي تجتزئ بالذكر والشكر، وتسأل الله أنْ يسرَّهُ فيما يسوءه، وأن لا يسوءه فيما يسرُّه وربنا المنَّان.

? جمع شاكو كمة تلبسها جنود الفرنج.
الفصل العاشر
في استعمال المال
قال الشاعر برنس ما ترجمته:
وما المال للإخفاء في طي حفرةٍولا للتباهي بالمواكب والعليا
ولكن ليغنى المرء عن مال غيرهوهذا قصارى الحر في دارنا الدنيا
وقال شكسبير ما معناه: لا أستدين ولا أدين فإنما الدين طريق للخراب.
وقال السر بلور لنون: إياك واحتقار المال؛ لأن المال كالصيت.
***
اكتساب المال وحسن القيام به وإنفاقه أمور تستدعي حكمة وافرة، ولا يليق بأحد أنْ يزدري بالمال كما يفعل كثيرون من المدَّعين الفلسفة، ولا يحسن أيضًا أنْ يعتبره كغايته العظمى، والمال أصل لكثير من الفضائل والرذائل؛ فيهِ الكرم والأمانة والاستقامة والإحسان والاقتصاد والتدبير، وبهِ أيضًا الطمع والبخل والرشوة ومحبة الذات والإسراف، قال الحريري:
أكرم بهِ أصفر راقت صفرتُهْجوَّاب آفاق ترامت سفرتُهْ
قد قارنت نجح المساعي خطرتُهْبهِ يصولُ من حوته صرتُهْ
كم آمرٍ بهِ استتبت إمرتهوجيش همٍّ هزمته كرَّتُهْ
وقال أيضًا:
وحبهُ عند ذوي الحقائقِيدعو إلى ارتكاب سخط الخالقِ
لولاه لم تقطع يمين سارقِولا بدت مظلمة من فاسقِ
ولا اشمأزَّ باخل من طارقِولا استعيذ من حسود راشقِ
وكل الناس جديرون بنوال الراحة في هذه الدنيا بشرط أنْ يستعملوا لذلك وسائط جائزة؛ لأنهم إذا نالوا راحتهم المادية تمكنوا من إصلاح شأنهم الأدبي والقيام بواجباتهم العائلية، ألا ترى أنَّ بولس الرسول قال: إنَّ من لا يعتني بأهل بيته شرٌّ من غير المؤمن. ومما يستحق الالتفات أنه بمقدار ما يستفيد الإنسان من فرصه ووسائطه يزداد اعتباره في عيون الناس. قال ابن كثير:
الناس أتباع من دانت لهم نعمُوالويل للمرء إن زلت به القدمُ
ومن سار واضعًا نصب عينيه اجتناء الفائدة من كلِّ فرصة تقوَّت قواه العقلية، وازدادت ثقته بنفسه وتعويله عليها، وتملكت فيه أفضل الصفات المعدة للنجاح كالاجتهاد والصبر والمواظبة وما أشبه، ومن كان عليه أنْ يهتمَّ بغيره، ويذخر لمستقبله يصير حريصًا مقتصدًا منكرًا على النفس لذَّاتها. قال جون سترلسن: عِلْم رديء يعلِّم إنكار الذات خيرٌ من علم جيد يعلم كلَّ شيء إلا إنكار الذات، ومنزلة إنكار الذات من القوى الأدبية منزلة الشجاعة من القوي الجسدية، ونريد بإنكار الذات تضحية اللذة الحاضرة لأجل نوال الخير المقبل.
والناس الذين يعملون الأعمال الشاقة مضطرون أنْ يعتبروا الدراهم اليسيرة التي يربحونها، ولكنهم بشرههم في المعيشة يصرفون حالًا ما يصل إلى يدهم، فيُمْسُون في غاية العوز وتضرسهم أنياب الحاجة، ومنهم من دخله يكفي لنفقته، ويزيد عليها إذا تدبره جيدًا، ولكنه يتوغل في الإسراف غير ناظر إلى المستقبل، فإذا حدث ضيق أو انقطع عمله أمسى في أسوأ حال. قيل: تشكَّى بعضهم إلى اللورد يوحنا روسل من الجزية التي وضعتها الدولة على الفعلة، فقال اللورد: يا هذا، إنَّ الدولة لا تأخذ من الفعلة ربع ما تأخذه منهم المسكرات.
وإصلاح شأن الفقراء معضلة، لم يهتد الناس إلى وجهها حتى الآن، ولكنهم مُجْمِعون على أنَّ علاجها تعليم الفقراء الاقتصاد والتدبير. قال صموئيل درو الفيلسوف الإسكاف: «الفطنة والاقتصاد والتدبير من خير مصلحات الأحوال، وهي تشغل حيزًا صغيرًا من المنزل، ولكنها أفعل من كلِّ لائحات الإصلاح، ولا إصلاح إلا إذا أصلح كلُّ امرئ نفسه، وهذا يخالف أميال البشر؛ لأنهم أميل إلى إصلاح غيرهم منهم إلى إصلاح نفوسهم.»
وكل من لا تلبث الدراهم أنْ تصل إلى يده حتى ينفقها يظل في الذل عرضة لصروف الزمان، قال مستر كبدن: «الناس رجلان مقتصد ومسرف أي موسر ومعسر، فالبيوت العظيمة والمعامل الوسيعة والسفن الكبيرة والقصور الشاهقة عملها المقتصد الموسر على كتف المسرف المعسر هذه هي شريعة طبيعية، وكل من يَعِد الناس بالتقدم بواسطة الإسراف والكسل فهو كذَّاب خدَّاع.» ويماثل ذلك ما قاله مستر برَيت وهو: «ليس إلَّا سبيل واحد لبقاء الإنسان في الحالة التي هو فيها إذا كانت حسنة ولارتقائه إلى أحسن منها إذا كانت رديئة، وهو ممارسة الاجتهاد والاقتصاد والنزاهة والاستقامة، هذا هو السبيل الوحيد للتقدم، وهذه هي الواسطة التي يتقدَّم الناس بها على الدوام.» وما من مانع يمنع الفقراء عن الجري بحسب ذلك، وبالنتيجة عن الارتقاء إلى أسمى المراتب، وقد ارتقى بعضهم إليها، وما كان ممكنًا للبعض فهو ممكن للكل؛ لأن الأسباب الواحدة نتائجها واحدة، ولا بدُّ من قوم يعيشون بتعبهم؛ لأن ذلك ضروري للهيئة الاجتماعية، وهو ترتيب إلهي، ولكنَّ بقاءهم في الجهل والاحتياج إلى الغير ناتج من ضعفهم وطمحهم وإعطائهم النفس هواها، ولا سيما لأن افتقارهم للكدح من الأسباب القوية التي يجب أنْ تربِّي فيهم قوة التعويل على النفس التي تتكفل بمساواتهم مع مَنْ هم أرقى منهم شأنًا. قال منتانيه: «كل إنسان حقيق بالجري بموجب قواعد الفلسفة الأدبية؛ لأنه حاوٍ كلَّ شروط الإنسانية.»
وعلى العاقل أنْ يستعد للقاء ثلاثة؛ العطلة، والمرض، والموت، أمَّا الأوَّلان ففي طاقته تجنبهما وليس كذلك الثالث، ولكنه على كلِّ حال يجب أنْ يعيش عيشة تمكنه من مقابلة كلِّ بلية من هذه البلايا الثلاث، حتى يحلِّي مرارتها ما أمكن، سواء كانت نتيجتها عائدة عليه فقط أو على عائلته معه، وبناءً على ذلك يكون اكتساب المال بالحق وإنفاقه بالقصد من أهم الأمور؛ لأن الأول عنوان الاجتهاد والاستقامة، والثاني عنوان سداد الرأي والنظر في العواقب، وما المال لسدِّ الحاجات من أكل وكسوة فقط، بل هو أساس عزة النفس والاستقلال.
وما رفعَ النفسَ الدنيئةَ كالغنىولا وضعَ النفسَ النفيسةَ كالفقر
والمال المذخور لطوارق الدهور حصن منيع، يُلجأ إليه عند الحاجة، فيسد الاحتياج ويزيل الهم إلى أن تنقضي أيام الشدة وتنفتح أبواب الفرج، وما أحسن ما قاله أحيحة بن الجُلَّاح:
كل النداء إذا ناديتُ يخذلنيإلا ندائي إذا ناديت يا مالي
وما قاله الآخر:
والمال يرفع بيتًا لا عماد لهوالفقر يهدم بيت العز والشرف
ومن كان غرضه ارتقاء المعالي، وشمَّر له ذيل الاجتهاد علت همته، وتقوت عزيمته، فيذل له الدهر، وتتمهد أمامه الصعاب، وأمَّا من كان دائمًا على حافة الفاقة فهو عبد وقَيْده بيد مستخدميه يشترطون عليه ما شاءوا، فيرونه أطوع من مطية الركاب، وإذا نزلت به طوارق الأيام اضطُر إلى التسول أو الموت جوعًا، والموت خير من سؤال بخيل، وإذا انقطع عمله من مكان لا يمكنه الرحيل إلى مكان آخر؛ لأن ليس بيده ما يقوم بنفقة سفره، فيتربَّص في مكانه كرهًا متجرعًا غصص الهوان.
ومن أراد أنْ يكون غير مفتقر إلى غيره، فما عليه سوى الاقتصاد والتقدير، وليس الاقتصاد أمرًا صعبًا، ولا يقتضي قوًى خارقة ولا عقولًا ثاقبة، بل هو في طاقة كل إنسان،? وقد أثبت السيد المسيح وجوب الاقتصاد بقوله لتلاميذه اجمعوا الكِسَر الفاضلة لكي لا يضيع شيء، بعد أنْ بيَّن قدرته على كلِّ شيء. ولم يبيِّن اهتمامه بتلك الكسر الطفيفة؛ إلَّا ليعلم الشعب وجوب الاعتناء بكلِّ شيء.
ويدخل تحت مفهوم الاقتصاد ترك اللذة الوقتية لأجل إحراز الخير المقبل، الأمر الذي يمتاز به عقل الإنسان عن غريزة الحيوان الأعجم، وبين الاقتصاد والتقتير بَوْن شاسع؛ لأن المقتصد مستعد دائمًا للكرم، ولا يحسب المال معبودًا بل آلة لقضاء أغراضه، ولقد أصاب دِيَن سوفت؛ إذ قال: يجب أنْ نحمل الدراهم في رءوسنا لا في قلوبنا. ويمكننا أنْ نعد الاقتصاد ابنًا للحكمة وأخًا للنزاهة وأبًا للحرية وحافظًا للصيت والراحة العائلية والنجاح الأهلي وعنوانًا للتعويل على النفس. قال شبيب بن شية لبنيه: إنْ كنتم تحبون المروءة والفتوة فأصلحوا أموالكم. وقال أبو فرنسيس هرنر لابنه عند أول خروجه إلى الدنيا: إنني أودُّ من كلِّ قلبي أنْ أراك متمتعًا بالراحة والرفاهية، ولكن لا يمكنني إلا أنْ أحضَّك على الاقتصاد، وإن احتقره بعض سخفاء العقول؛ لأنه يقود إلى الاكتفاء، والاكتفاء غاية كلِّ شهم عزيز النفس، والأفضل لمن قصد الإثراء أنْ يتوقع نجاحه من التقدير لا من الربح الكثير، كما قال اللورد باكون؛ لأن الدراهم اليسيرة التي نصرفها يوميًّا لغير فائدة قد تصير ثروة وافرة تغنينا زمن الاحتياج. والمسرفون أعداء لِداد لنفوسهم، ومن لم يكن لنفسه صديقًا فكيف ينتظر صداقة الغير؟! والمقدِّرون لهم دائمًا ما يساعدون به غيرهم وأمَّا المسرفون فلا. على أن التقتير أخو الإسراف والكرم أفضل المناقب ومرقاة الفلاح، ولا حاجة لتعداد الشواهد على ذلك؛ لأنها أكثر من أنْ تُعَد.
وعلى كلِّ إنسان أنْ يجتهد لكي يعيش على قدر دخله، ولا يمكن أنْ يكون مستقيمًا إلا إذا فعل ذلك؛ لأن من لا يقصر نفقته على دخله، فهو عائش من دخل غيره، ولا يخفى ما بذلك من مخالفة الذمة والدين، ومن كانت هذه الحال حاله لا يلبث طويلًا حتى يرى لزوم المال، ولكن عندما يكون قد فات الوقت فيأخذ يستدين ويستعير بعد أنْ يكون قد بذَّر ماله، فيغرق في بحر من الدين لا خلاص له منه، ويفقد صيته وحريته ومروءته، قال المثل: «العدل الفارغ لا يستقيم.» وهذا حال المديون. ويصعب على المديون أنْ يتكلم بالصدق، لذلك يقال إنَّ الكذب راكب على متن المديون كيف لا، ودأْبه تلفيق الأعذار لدائنه لسبب تأخره عن دفع ما له عليه فضلًا عن مماطلته إياه. وكل أحد يستطيع أنْ يتجنَّب الدين أول مرة، ولكن سهولة استدانته في المرة الأولى تيسره عليه ثانية وثالثة، فلا يلبث أنْ يغرق فيه، فيُمْسي عاجزًا عن الوفاء، ومن يخطو الخطوة الأولى في هذا السبيل يتهافت إلى هوة لا خلاص له منها كمن يخطو الخطوة الأولى في الكذب. قال هيدن المصور: إنَّ انحطاطي ابتدأ في الوقت الذي استَعْرت فيه شيئًا من الدراهم، فصدق فيَّ قول المثل: العارية عار. ووُجد في الكتاب الذي كتب فيه حوادث حياته الكلام الآتي: «هنا ابتدأ ديني الذي لا يمكنني أنْ أتخلص منه مدة الحياة.» ومن يطلع على سيرة حياته يرَ مقدار ما يحدثه الاحتياج من ضعف العزم وقلق الفكر، قيل: طلب منه بعض الشبان نصيحة، فكتب إليه يقول: لا تبتع شيئًا لا تستطيع ابتياعه بلا اقتراض، ولا تستعر فالعارية عار. وقد ارتأى الدكتور جنصن أن الدين الباكر خراب، وكلامه بهذا الشأن جدير بالذكر قال: لا تعتبر الدين أمرًا غير لائق، بل مصيبة كبيرة، واجتنب الفقر بكل قوتك؛ لأن الفقر يمنع عن أعمال البر، ويعرِّض الإنسان لشرور كثيرة مادية وأدبية، ولْيكن اهتمامك الأول تجنُّب الدين والفقر؛ لأن الفقر عدو الراحة ومبطل الحرية ومزيل الفضائل، ومن يفتقر إلى مساعدة الناس له لا يقدر أنْ يساعد أحدًا، وقال بعضهم:
عرفتُ صروف الدهر كهلًا وناشيًاوجربتُ حالَيْه على العسر واليسر
فلم أَرَ بعد الدِّين خيرًا من الغنىولم أَرَ بعد الكفر شرًّا من الفقر
وقال آخر:
رزقت لبًّا ولم أُرْزق مروءتهوما المروءة إلَّا كثرة المال
إذا أردت مساماة تقيدنيعما ينوِّه باسمي رقة الحال
وقال آخر:
أرى نفسي تتوق إلى أموريقصر دون مبلغهنَّ مالي
وقال آخر:
إذا قلَّ مال المرء قلَّ صديقهولم يحلُ في عين الصديق لقاؤُهُ
وعلى كلِّ أحد أنْ يلتفت إلى أعماله بعين التدقيق، ويكتب كلَّ ما يربحه وكلَّ ما ينفقه؛ لأن الحكمة تستدعي أنْ يعرف الإنسان مقدار دخله، ويجعل نفقته أقل منه، وما من سبيل إلى ذلك إلا بكتابة الدخل والخرج كما أشار يوحنا لوك. قيل إنَّ ديوك ولنتون الشهير كان يقيِّد كلَّ دخله ونفقته بالتفصيل، وقال مرة لمستر كليك: إنني كنت مخوِّلًا وفاء القوائم المطلوبة مني لخادم أركن إليه، وأمَّا الآن فأدفعها بيدي، وأشير على كلِّ أحد أن يقتدي بي، ومن كلامه على الدين قوله: «الدَّين يستعبد البشر، أمَّا أنا فلم أستدن قط مع أنني كنت محتاجًا إلى المال مرارًا.»
ومن الذين كانوا يدققون في هذا الأمر مثل ولنتون وشنطون الشهير الذي لم يستعب أن يتفقَّد كلَّ شيء في بيته؛ لكي يعيش ضمن دائرة دخله حتى لما كان رئيسًا على الولايات المتحدة الأميركانية.
قال الأدميرال جرفس — وهو المعروف بأرل سنت فنسنت: «كان أبي من المتوسطي الحال إلَّا أنَّ عائلته كانت كبيرة، ولذلك لما انطلقتُ من عنده إلى عملي (في البحر) لم يعطني إلا عشرين ليرة، وهذا كل ما أخذته منه من الأول إلى الآخر، إلا أنني بعد برهة من الزمان سحبت عليه سفتجة بمبلغ عشرين ليرة، فأرجعها مقيمًا الحجة عليَّ (بروتستو)، ولا يخفى كم تكدرتُ من ذلك إلا أنني حتمت على نفسي ألَّا أسحب سفتجة أخرى بدون أنْ أكون متأكدًا أنها تُقبَل حالًا، وللوقت غيَّرتُ شكل معيشتي، وتركت رفاقي الذين كنت أتناول الطعام معهم، وصرت آكل وحدي، وأخذت ما سُمح لي به من السفينة، فوجدته كافيًا وفائضًا، وصرت أغسل ثيابي وأرفَؤها بيدي، وعملت بعض الأكسية من غشاء فراشي، وما زلت على مثل ذلك حتى وفَّرت قيمة السفتجة المار ذكرها، ومن ذلك الوقت حتى الآن لم يزد خرجي على دخلي قط.» ا.?. وقد ارتقى هذا الرجل إلى أعلى المراتب باجتهاده، وتحمله ضنك المعيشة بالصبر الجميل.
وقال مستر هيوم: إنَّ نسق المعيشة في لندن شاطٌّ، فإن المتوسطين ينفقون كلَّ دخلهم أو أكثر منه، ولا سيما لأنهم يرفهون أولادهم ويلبسونهم كالأغنياء حاسبين ذلك شرطًا للكياسة مع أنه ما من آفة للكياسة والأمانة مثل التظاهر بما ليس في الواقع، فإن من لم يكن غنيًّا ولبس ما يوهم الناس أنه غني لا يفرق عن المزوِّر، أَوَ يخجل الإنسان أن يظهر بالحال التي هو فيها إرضاءً للزي؟! أَوَ لا يرى نتائج التظاهر بالغنى وشروره الطامية على هامة الأبرياء؟! فإن العالم بأسره يئنُّ من أثقالها.
لما استعفى السر تشارلس نبير من قيادة الجنود في الهند، أقام الحجة على رؤساء الجند الشبان على توغلهم في الإسراف والدَّين، وقال: إنهم ليسوا رجالًا؛ لأنهم — وإن كانوا لا يهابون الموت — يخافون أن ينكروا على نفوسهم لذاتها ولو تمتعوا بها دَينًا، فترى القائد الباسل يرافعه خادمه لأجل مال استدانه منه وعجز عن وفائه.
والشاب الشارع في خوض بحر هذه الحياة مُحاط من كلِّ ناحية بتجارب متنوعة، فإذا غلبت عليه حطته إلى أدنى دركات الهوان، وإذا جاراها نزعت منه قوة الدفاع رويدًا رويدًا، حتى تجعله غير قادر على تجنُّبها أصالةً، فعليه أن يبتعد عنها أوَّل ما تتصدى له غير مبال بما إذا كانت عواقبها شديدة الضرر أم قليلته، بل عليه ألَّا يقف ويتأمل في نتائجها؛ لأن التأمل في مثل ذلك الحين غير سليم العاقبة، ومن سلَّم للتجربة، ولو مرة واحدة، ضعف عن مقاومتها، وأمَّا من يقاوم التجربة حالما تعرض له، فتتخلص من طائلتها حياته بأسرها، ثم لا تلبث مقاومته للتجارب أنْ تصير عادة فيه، ولا يخفى أنَّ أكثر أعمال الإنسان مرجعها إلى العادة، فمن درَّب نفسه على العوائد الحسنة تملكت فيه ونجته من مخاطر كثيرة، وسهلت أمامه سبيل النجاح.
أخبر هيو ملر أنه حتم على نفسه مرةً أن يتجنب تجربة واحدة، فنجا من أكبر الشرور، وذلك أنه لما كان يعمل في صناعة البناء قُدِّمَ له مرة كأسان من الهوسكي (نوع من المسكرات)، فكرعهما، وانطلق إلى بيته، وفتح كتابًا كان يحب المطالعة فيه، فللحال أخذت الحروف ترقص أمام عينيه من فعل سورة المسكر برأسه، فحتم على نفسه من تلك الساعة أن لا يذوق مسكرًا فيما بعد، ولا يضحي قواه العقلية على مذبح اللذة الوقتية، فكان هذا الحتم كَدَفَّة أدَار بها سفينته في بحر هذه الحياة نحو المجد والشرف حالما رأى الصخر العظيم الذي اصطدمت به سفنٌ كثيرة فتكسَّرت، وتجربة السكر قائمة في طريق كلِّ شاب، وهي من أشد التجارب خطرًا، والسعيد من نجا منها. كان من عادة السر ولتر سكوت أنْ يقول: «لاشيء يحط شأن الإنسان مثل السكر.» والسكر آفة الاقتصاد، وعدو الاستقامة، ومخرب الصحة، والامتناع المطلق عنه أسهل من الاعتدال، قال ابن الوردي:
واهجر الخمرة إن كنت فتًىكيف يسعى في جنون من عقل
وعلى العاقل أنْ يتجنب كلَّ خلة ذميمية، ولكن لا يليق به أنْ يقف على هذا الحد، بل يجب عليه أنْ يجدَّ في طلب كلِّ منقبة حميدة. والوعود والعهود قد تنفع ولو بعض المنفعة، ولكن ما من شيء أنفع من الاجتهاد على بلوغ أعلى درجات المجد وإحراز أسمى المناقب، ولا يتم ذلك إلَّا بالسهر ومعرفة الذات والاحتراس من كلِّ زلة، والامتناع عن كلِّ لذة وقتية إذا كانت تمنع خيرًا مقبلًا؛ لأن من لا يقوى على كبح جماح نفسه فالعبد أكثر حرية منه.
ولقد أُلِّفِت كتب كثيرة تدَّعي أنها تعلم الناس سرَّ اكتساب الغنى، ولكن ليس في ذلك سرٌّ؛ لأن لغات البشر ملآنة من الأمثال التي تبين أنَّ الاجتهاد باب الغنى مثل: من جدَّ وجد، ومن سعى رعى، ومن جال نال، ومن تأنَّى نال ما تمنَّى، ومن حرص على الدراهم اجتمعت عنده الدنانير، ونحو ذلك من الأقوال الحكيمة التي جمعت خلاصة اختبار قرون عديدة، وجرت على ألسنة الناس قبل تأليف الكتب بزمان مديد، ومع تقادم عهدها لا تزال توافق اختبارنا، وهذا يزيدها ثباتًا، وأمثال سليمان مملوءة من الحكم التي تناسب موضوعنا، مثل قوله: «المتراخي في عمله أخو المسرف.» وقوله: «اذهب إلى النملة أيها الكسلان، تأمل طرقها وكن حكيمًا.» وقوله: «الكسلان يأتي فقره كساعٍ وعوزه كغازٍ.» وقوله: «العامل بيد رخوة يفتقر أمَّا يد المجتهد فتُغْني.» وقوله: «السكير والمسرف يفتقران، والنوم يكسو الخِرَق.» وقوله: «أرأيت رجلًا مجتهدًا في عمله أمام الملوك يقف.» وفوق كل ذلك قنية الحكمة خير من الذهب وقنية الفهم تُختار على الفضة، وهي أثمن من اللآلي، وكل جواهرك لا تساويها.
بالاجتهاد والاقتصاد يقدر كلُّ أحد أنْ يعيش مكتفيًا، ويذخر شيئًا لشيخوخته، وكلٌّ من الصانع والعامل يقدر أنْ يدبر نفقته حتى تمكنه من أنْ يذخر ولو شيئًا يسيرًا، واليسير يصير مع الزمان كثيرًا، ومن لم يتدبر اليسير لم ينل الكثير، وأمَّا من يذخر شيئًا قليلًا كلَّ يوم ويضعه في بنك أو عند صراف أمين، فلا تمضي عليه سنون كثيرة حتى يرى له سندًا يعتمد عليه في طلب الارتقاء، ويلتجئ إليه وقت الشدة، ويصير قادرًا على تعليم أولاده والاشتراك في الأعمال النافعة، وهذا الأمر ممكن لكل أحد ولو كان صانعًا أو فاعلًا، ودليله ما قيل عن توما ريط المنشستري الذي كان صانعًا في مسبك، وأمكنه في الوقت نفسه إصلاح شأن كثيرين من المجرمين المنقضي وقت سجنهم وغيرهم، فإنه حدث أمر اقتاده إلى الاهتمام بهذا الأمر الذي أشغل كلَّ قوى عقله، غير أنه كان يعمل في مسبك — كما تقدم — من الصباح حتى المساء، فلم يكن له إلا دقائق يسيرة من النهار مع أيام الآحاد، فخصصها لخدمة أولئك المجرمين الذين كان أمرهم مهملًا بالكلية في تلك الأيام، ومن المؤكد أنه لم يمضِ عشر سنوات حتى ردَّ أكثر من ثلاث مائة منهم إلى طريق الاستقامة والراحة، وصار يُعَدُّ طبيب السجون الأدبي، وكان ينجح في الأماكن التي تُعْجِزُ القسوس وغيرهم، وأرجع كثيرين من الفتيان والفتيات الضالين إلى والديهم، وجعلهم يتعاطون أعمالًا مفيدة، ولولاه لاتصلوا إلى أقصى دركات الشر، ولم تكن هذه الأعمال سهلة؛ لأنها تقتضي مالًا ووقتًا واجتهادًا وحكمة واستقامة، ومن العجب أنه أنقذ كثيرين من الضالين بما كان يذخره من أجرته، وكانت أجرته زهيدة لا تزيد على مائة ليرة في السنة، ومع ذلك كان يعول عائلته، ويذخر شيئًا من دخله إلى زمان الشيخوخة، ويُرْوَى أنه كان يجلس كلَّ أسبوع، ويقسم دخله على خرجه، فيعين قسمًا للطعام واللباس، وقسمًا أجرة للبيت الذي كان ساكنًا فيه، وقسمًا لمعلم المدرسة الذي يعلم أولاده، وقسمًا للفقراء والمحتاجين، وبهذه الواسطة أمكنه أنْ يعمل ما عمله من الخير العظيم، وحياته من أصدق الأمثلة لقوة العزم والتدبير، ولما يستطيعه الإنسان باليسير الذي يذخره، ولتأثير استقامة الإنسان واجتهاده في حياة غيره.
كلُّ عمل محلل شريف سواءٌ كان حراثة الأرض، أو عمل الأدوات، أو نسج النسيج، أو بيع الأثمار، ولا عار على الرجل إذا تعاطى هذه الأعمال، أو ما هو أدنى منها، بل إذا حصر أفكاره ضمن دائرتها الضيقة، قال فلر: «لا يخجل مَن يعمل في حرفة بل من لا يعمل.» وقال المطران هُل: «حبذا الصنائع ونتائجها.» والذين ارتقوا من احتراف الحرف الدنيئة إلى مناصب أعلى منها يجب أن لا يستحيوا بل يفتخروا بتغلبهم على المصاعب. قيل: سأل بعضهم أحد رؤساء أميركا قائلًا: ما شعار عائلتكم؟ وكان الرئيس مشقق حطب فقال: ردنان قصيران. وقيل: عيَّر بعضهم فلاشيه أسقف نسمس بدناءة أصله؛ لأنه كان شمَّاعًا، فأجابه: لو وُلِدْتَ شمَّاعًا مثلي لبقيتَ شماعًا مدى حياتك.
وكثيرون يجمعون المال، وليس لهم من غاية سوى جمعه، فمن كانت هذه غايته، وأكبَّ عليها بكليته يندر أن لا ينال مراده. والسبيل إلى جمع المال سهل جدًّا؛ لأنه يتم بجعل الخرج أقل من الدخل. قيل إنَّ استرولد رئيس البنك الباريزي كان في أول أمره فقيرًا جدًّا، وكان من عادته أنْ يأتي كلَّ مساء إلى بعض الحانات، ويشرب شيئًا من البيرة، ويلتقط كلَّ ما يجده من الفلين المرمي، فجمع في ثماني سنين مقدارًا من الفلين باعه بثماني ليرات، وهذه الثماني الليرات أساس ثروته الوافرة التي بلغت عند موته ثلاثة ملايين فرنك.
ذكر يوحنا فستر مثالًا لتحصيل الغنى بواسطة مثل هذه، فقال: إنَّ شابًّا باع ميراثه من أبيه، وصرف ثمنه في ارتكاب المعاصي، ولما شعر بما داهمه من الفاقة الشديدة خرج هائمًا على وجهه، عازمًا أنْ ينهي حياته التعيسة، فوصل إلى مكان يشرف على ما حوله من الأراضي التي كانت قبلًا ملكًا له، فجلس هنيهة يتأمل فيها، وعزم أنْ يجتهد على استرجاعها، فقام ورجع إلى المدينة، فرأى عدلًا من الفحم ألقته عجلة أمام بيت، فعرض نفسه على أهل البيت؛ لكي ينقله لهم إلى داخل البيت، فقبلوه وأعطوه أجرته، فطلب منهم شيئًا من الطعام، فأعطوه فأكله وأبقى الأجرة، وأخذ يعمل في مثل هذا العمل حتى صار معه دراهم كثيرة، فاشترى بها بعض المواشي، وباعها بربح كثير، واستمر يوسع دائرة أعماله حتى صار من الأغنياء، فاسترجع أملاكه وزاد عليها، وكان يمكنه أنْ يعيش مفيدًا لنفسه ولغيره، ولكنه صار شديد البخل، فعاش عيشة الذل، ومات غير مأسوف عليه، تطبيقًا لقول من قال:
وكل من لا خير منه يُرتجَىإن عاش أو مات على حدٍّ سوى
والذخر للبنين وللشيخوخة محمود جدًّا، ولكن إذا لم يُقصَد به إلا ثراء المال فهو قبيح إلى الغاية، ولا يفعل ذلك إلا الحمقى والبخلاء، وعلى الحكيم أنْ يتجنب التطرف في الاقتصاد كلَّ التجنب؛ لأن الزائد أخو الناقص، ومتى زاد الاقتصاد صار شحًّا بل بخلًا، ومَن كان مقتصدًا في شبيبته لا يبعد أن يصير بخيلًا في شيخوخته، فيمسي المحمود مذمومًا. ومحبة المال أصل كلِّ الشرور، فإنها تعمي البصر، وتظلم الفكر، وتفسد الأخلاق، لذلك قال السر ولتر سكوت: إنَّ الدرهم يقتل نفوسًا أكثر مما يقتل السيف أجسادًا.
ومن الشوائب المعرض لها رجال العمل السارون في سبل النجاح تضييق أفكارهم بل حصرها في منفعتهم، فلا ينظرون إلى الغير إلا بما يعود إلى نفعهم، انزع ورقة من دفاتر هؤلاء الناس تزهق أرواحهم منهم.
والنجاح في ثراء المال يروق لنظر أكثر الناس، والمجتهد الدئب الحاذق العاري من صفات البذخ والإسراف ينال الغنى المادي، ولكن قد لا ينال من الغنى الأدبي شيئًا، بل يبقى جاهلًا خامل الذكر، ومن لا يضع نصب عينيه إلا الدينار يغتن غالبًا، ولكنه يبقى من أفقر الناس عقلًا وأدبًا، لأن الإنسان لا يُثَمَّن بماله بل كثيرًا ما يكون لمعان الذهب واسطة لإظهار دناءة مالكه كما أن لمعان الحُباحب يظهر شكلها الشنيع:
وقد يُهلك الإنسان كثرة مالهكما يُذبَح الطاووس من أجل ريشه
وإذا التفتنا إلى كثيرين من الناس الذين يضحُّون كل شيء على مذبح المال، رأينا ما يذكرنا بجشع طائفة من القرود. ذلك أنَّ أهالي الجزائر إذا أرادوا مسكها ربطوا يقطينة مجوفة إلى شجرة، ووضعوا فيها شيئًا من الأرز، وجعلوا لها ثقبًا يكفي لدخول يد القرد فارغة، فيأتي إليها ليلًا، ويدخل يده في ثقبها، ويحفن مِلأها من الأرز، فلا يعود قادرًا على إخراجها، ولا يترك الأرز جهلًا وجشعًا، فيتربص في مكانه حتى الصباح، فيأتون ويقبضون عليه.
والناس يعتبرون الغنى أكثر مما يحق له؛ لأن أكثر الأمور العظيمة التي عُملت في هذه الدنيا لم يعملها الأغنياء بل الفقراء، ألا ترى أنَّ الديانة المسيحية امتدت في المسكونة ودعاتها من أفقر الناس، أوَ لا ترى أنَّ المخترعين والمكتشفين والمصنفين كلهم رجال متوسطو الحال، وأكثرهم أناس يحصلون خبزهم اليومي بعرق جبينهم، وما كان فهو الذي سيكون. والغنى يصعِّب الأعمال أكثر مما يسهلها، وكثيرًا ما تكون مضاره أكثر من منافعه، فإذا ورث الشاب ثروة وافرة انقاد بها إلى حياة الكسل والتراخي؛ إذ ليس ما يدعوه إلى الاجتهاد، فتكرُّ عليه الأيام وهو لا يعرف قيمتها، ولا يكتسب منها حكمة، بل قد يجتهد على التخلص منها بأي واسطة كانت، فهو كحيوان حلميٍّ نامٍ في الهيئة الاجتماعية، يمص من دمها، ولا يجديها نفعًا، والتخلص منه أسلم. على أنَّ ذوي الثروة المبثوثة في قلوبهم روح الإنسانية الصحيحة يتجنبون الكسل كأمرٍ مخلٍّ بالمروءة وعزة النفس، ويشعرون أنهم مطالبون بكثير؛ لأن وسائطهم كثيرة، ويرون أنهم مضطرون إلى العمل أكثر من غيرهم، ولا أفضل من الصلاة التي صلاها أجور، وهي قوله: لا تعطني فقرًا ولا غنًى، أطعمني خبز فريضتي. قال الإمام الشافعي في هذا المعنى:
غنيٌّ بلا مال عن الناس كلهموليس الغنى ألَّا عن الشيء لا به
وقال أيضًا:
قنعتُ بالقوت من زمانيوصنت نفسي عن الهوان
خوفًا من الناس أنْ يقولوافضلُ فلان على فلان
قيل إنَّ يوسف برذرتُن — أحد أعضاء البرلمنت — أمر أنْ يُكتَب على ضريحه هذه العبارة:
لم يقم غناي بكثرة ثروتي بل بقلة احتياجي.
وهذا الرجل ارتقى من أدنى الرتب إلى أعلى المناصب، فإنه كان صانعًا في معمل، فصار من أعضاء البرلمنت المكرمين باستقامته واجتهاده ومحافظته على وقته وإنكاره لنفسه، وكان حينما ينفض البرلمنت يخدم في إحدى الكنائس الصغيرة كقس لها، والذين يعرفونه يشهدون أنه لم يطلب مدح الناس على ما عمله، بل قام بكل واجباته إتمامًا لمقتضيات المحبة والشهامة.
لا لوم على من أراد أنْ يكون غنيًّا ليكون مكرمًا بين أقرانه، إلَّا أنه لا ينال الإكرام حقيقة إلَّا إذا كانت صفاته الأدبية تستحقه، وأمَّا إذا جاوز غناه غنى قارون ولم يكن ذا أخلاق حميدة فالفقير خير منه. والفقير العاقل المفيد أفضل من الغني الجاهل ولو كان مكرمًا بين أقرانه. وغاية الإنسان العظمى في هذه الحياة القيام بالأعمال التي يطلبها جسده وعقله وضميره، هذا هو الغرض العظيم من حياة الإنسان، وما بقي فوسائط معدَّة لذلك، فليس الناجح من ينال أفضل لذة وأوفر ثروة وأعظم سطوة وأبعد شهرة، بل من ينال أعظم نصيب من المروءة، ويتمم القدر الأعظم من الأعمال المفيدة، الغنى قوة — ولا يسعنا أنْ ننكر ذلك — ولكن العقل والأدب قوتان أيضًا، وهما أفضل من الغنى بما لا يُقدَّر. كتب اللورد كُلِنْوُد إلى صديق له يقول: دع الناس يطلبون الأرزاق من الدولة، فأنا لا أنحو نحوهم؛ لأنني أقدر أن أكون غنيًّا بتساميَّ عن الدنايا، ولا أرتضي أن أشين خدمتي لوطني بفوائد ذاتية، فإني أعمل في بستاني بيدي وأجتزي بالقليل من النفقة عن الكثير.
والثروة تمكن صاحبها من الدخول بين الناس على ما يقال، ولكن لا يمكن أن يكون صاحبها معتبرًا منهم ما لم يكن عاقلًا أديبًا ذا مناقب حميدة، ومن الناس من هم أغنى من قارون في زمانه ولكن لا يلتفت إليهم أحد، بل الجميع يعتبرونهم كأكياس من الذهب الصامت، وأمَّا الذين يُشار إليهم بالبنان المتقلدون زمام الإحكام وبيدهم الأمر والنهي فليسوا من ذوي الثروة ولا يلزم أنْ يكونوا أغنياء، بل أنْ يكونوا من ذوي الأخلاق والآداب الصحيحة والمعارف الوسيعة. والقليل المال المهذب الأخلاق الباذل ما في وسعه لنفع البشر، يتطلع على الأغنياء الذين ثروتهم في دنانيرهم ولا يحسدهم على شيء منها.

? الاقتصاد لغة التوسط بين الإسراف والتقتير قال الأصمعي: سمعت بعض العرب يقول مَن اقتصد في الغنى والفقر فقد استعد لنوائب الدهر، ويقال اقتصد في إنفاق الدراهم؛ فإنها لجراح الفاقة مراهم، وقال بعضهم:
أنفق بمقدار ما استفدت ولاتسرف وعش فيه عيش مقتصد
من كان فيما استفاد مقتصدًالم يفتقر بعدها إلى أحد
الفصل الحادي عشر
في تهذيب الإنسان لنفسه وما في ذلك من السهولة والصعوبة
قال كبن: لكل إنسان نوعان من التهذيب؛ الواحد يأخذه عن غيره، والآخر يعطيه لنفسه، والثاني أفضلهما.
وقال يوحنا هنتر: من تُوهِن المصاعب عزمه لا يفلح، ومن يتغلب عليها ينجح.
وقال رو الشاعر ما معناه: إنَّ الحكماء وأولي العزم يغلبون المصاعب، وأمَّا الحمقى والبلداء فيعتريهم الرعب حالما ينظرون المشقة والخطر، وهم يخلقون المصاعب.
***
قال السر ولتر سكوت: إنَّ أفضل معارف الإنسان ما اكتسبه بنفسه. وكان من عادة السر بنيامين برُودي أنْ يعجب بهذا الكلام، ويفتخر بأنه لم يدرس على أستاذ، وذلك يصدق على كلِّ الذين امتازوا في العلوم والفنون؛ لأن الإنسان لا يتعلم في المدارس إلَّا المبادئ، فإن علوم المدارس باب يدخله التلميذ، ومنه يستطرق باجتهاده إلى حياض المعارف، ومن بلغ هذه الحياض بجده فهو الخليق بورودها، ومن اقتيد إليها اقتيادًا كان استقاؤه منها كرهًا، ومن حصَّل علومه بجده كانت علومه ملكًا له. وقوى العقل تقوى باستعمالها حتى إذا حل الإنسان قضية بنفسه، تأهل لحل قضية أخرى وصار العلم فيه ملكة، وأفضل ما في الإنسان اجتهاده لنفسه، فإذا انتسخ منه هذا الاجتهاد لم تنفعه الكتب ولا المعلمون، ولا الدروس، ولا شيء غيرها.
وأفضل المعلمين أقربهم إلى الإقرار بأهمية التهذيب الذاتي، وأميلهم إلى إنهاض همة التلميذ؛ لكي يقرع باب جَدِّه بجدِّه، فتراهم على الدوام يدرِّبون تلاميذهم إلى اجتناء ثمار المعرفة بيدهم، وبذلك يرفعون شأن التعليم، ويحولونه من قواعد غثَّة ضيقة المبحث يراد طبعها في عقول التلامذة إلى أصول سامية المطلب، تنير عقل التلميذ وتدعوه إلى البحث والتنقير، وعلى هذا الأسلوب جرى الدكتور أرنلد الذي كان يعلم تلامذته أنْ يعولوا على نفوسهم ويمارسوا قواهم، ولم يكن عمله إلَّا تدريبهم وتشجيعهم وإنهاض همتهم، ومن قوله: إذا كان شيء يروق للنظر على وجه هذه الأرض، فيكون بركة الله على القوى الطبيعية المثقفة بالحق والغيرة. ويُروَى أنه لما كان في لَلْهام كان يعلِّم ولدًا غير نجيب فوبخه بصرامة، فالتفت الولد إليه، وقال له علامَ توبخني يا مولاي؟ أؤكد لك أنني باذل كل جهدي. فأثَّر فيه هذا الكلام تأثيرًا عميقًا، حتى قال بعد زمن طويل إنني لم أنس ذلك المنظر، وتلك الكلمات التي أثَّرت فيَّ تأثيرا لا يمحى بكرور الأيام.
ويظهر من الأمثلة المتقدمة في هذا الكتاب عن الناس الذين ارتقوا من الدرجات السفلى وامتازوا في العلوم والفنون، أنَّ العمل باليدين لا ينافي تهذيب العقل، بل يساعده ويقوي الجسم على احتماله، والعمل للجسد كالعلم للعقل، وأفضل الناس من له عمل في أوقات الراحة، وراحة في أوقات العمل، وكثيرون من الذين هم في غنًى عن العمل، يعكفون على عمل وإن لغير الربح، أو لمجرد التسلية مثل الذين يتولعون بالصيد وركوب الخيل، وقد جرت العادة الآن في مدارس أوروبا أنْ تُقام أماكن فسيحة لتمرين الطلبة على أنواع مختلفة من اللعب، والقصد من ذلك ترويض أعضائهم وتقويتها وتمرينها على الرشاقة، وفائدته أعظم من أنْ توصف. حُكي أنَّ ديوك ولنتون نظر مرة إلى ساحة لعب، رأى الأولاد يتمرنون على الألعاب، فقال: في هذه الساحة فزت بواقعة وطرلو. يريد أنه تمرن على اللعب صغيرًا، فقوي جسدًا وعقلًا حتى فاز على بونابرت في واقعة وطرلو الشهيرة.
قال دانيال ملثس لابنه وهو في المدرسة العالية: أودُّ جدًّا أنْ أراك مجتهدًا وناجحًا في كل دروسك التي توسع دائرة عقلك، ولكني أرغب أيضًا في أنْ أراك ناجحًا في اللعب وحركة الأعضاء؛ لأن كل معرفة سواء كانت طبيعية أو صناعية تلذ للعقل وتهذبه. ومثل ذلك ما قاله جرمي تيلر وهو: «تجنَّب الكسل والبطالة، ولا تستعفِ من عملٍ مهما كان شاقًّا؛ لأنه إذا كان العقل بطَّالًا والجسد في راحة وجدت الشرور إليه سبيلًا، وما من رجل بطَّال قوي البنية قدر على مقاومتها، ولا عمل أفضل من الأعمال الجسدية لمقاومة الشر.» هذا فضلًا عن أنَّ النجاح يتوقف على صحة الجسد أكثر مما يُظَن؛ لأنه ما من أحد يقدر على مزاولة أعماله إذا كان مريضًا أو منحرف المزاج. وقد تصيب طلبة العلوم شرور كثيرة من جري عدم الرياضية الجسدية، منها الضجر واليأس والخمول، واحتقار الحياة، والاستنكاف من السير في كلِّ سبيل مطروق، وتسمَّى هذه الصفة في إنكلترا بيرنزم (نسبة إلى اللورد بيرن)، وفي جرمانيا ورْتَرِم (نسبة إلى ورتر المشهور في خرافات الغوطبين بكاره الحياة)، وقد بيَّن الدكتور كنن أنَّ هذا الداء سارٍ في شبان أميركا بقوله: إنَّ كثيرين من شبابنا يتربون في مدارس اليأس، والعلاج الوحيد لهذا الداء العضال الرياضة الجسدية.
ثم إنَّ من الناس من يميل طبعًا إلى معاطاة الأعمال والحرف، وإنْ لم يكن مفتقرًا إليها، وإذا أخذت هذه القوة مفعولها تمكَّن منه هذا الميل عن صغر، حتى صار ملكة وأدَّى إلى نتائج معتبرة جدًّا، يُحكَى أنَّ السر إسحاق نيوتن المخلد الذكر لما كان في المدرسة، لم يكن نجيبًا كغيره من التلامذة، كان مكبًّا على استعمال القدوم والمنشار والمطرقة، حتى لم يُسمَع من مخدعه غير صوت هذه الآلات، وكان يقضي كلَّ الفرص وهو يعمل المطاحن الهوائية الصغيرة والمركبات والآلات المختلفة، ولما تقدَّم في السن صار يتسلَّى بعمل الموائد الصغيرة، ويهديها إلى أصدقائه. وسميتُن ووط وستفنسن كان كلُّ منهم حاذقًا في صغره بعمل الآلات، ولولا ذلك ما ارتقوا إلى ما ارتقوا إليه بعدئذٍ على ما يُظَن. وهكذا كان حال كلِّ المخترعين والمكتشفين المتقدم ذكرهم فيما مضى من هذا الكتاب، فإنهم كانوا كلهم مشهورين في صباهم بصناعة اليد، والذين ارتقوا من بين الفَعَلة وانتظموا في سلك العلماء، وجدوا نتيجة تمرنهم على أعمالهم الأولى في أعمالهم الأخيرة. قال إليهوبَرت: إنه وجد العمل الجسدي الشاق ضروريًّا لمداومة أشغاله العقلية. وكثيرًا ما كان يترك التدريس في المدرسة ويرتدي بمئزره الجلدي، ويذهب إلى مسبك الحديد ليعمل في حرفته الأولى؛ أي الحدادة لأجل استرداد صحته الجسديَّة والعقليَّة.
وإذا تربَّى الشبان على استعمال الأدوات استفادوا صناعة، وتعلموا استعمال أياديهم، واعتادوا على الأعمال الصحيَّة، وتربَّت فيهم ملكة محبة العمل، وكره البطالة، وانغرست فيهم سجية المواظبة. ونرى هذه الصفات متغلبة على الذين يمارسون الأعمال اليديَّة أكثر مما على غيرهم، ولا سبب لذلك إلَّا ما ذكر. وما من ضرر على الفعلة والصناع سوى أنهم يرتبطون بأعمالهم إلى درجة تجعلهم يهملون قواهم العقلية. فالموسرون يأنفون من الأعمال ويربون في الجهالة، والمعسرون يقتصرون على أعمالهم ولا يتخطونها إلَّا ما ندر فيبقون في جهلهم، إلَّا أنه يمكن اجتناب هذين الشرين باتحاد الأعمال الجسدية بالأشغال العقلية، أو باتحاد الترويض الجسدي بالتثقيف العقلي، وكثيرون قد سلكوا هذا السبيل في أوروبا وأميركا ونجحوا نجاحًا عظيمًا.
ونجاح طلبة العلم مثل المتفرغين للطب والفقه واللاهوت، يتوقف بنوع خاص على صحتهم الجسدية، ولقد أجاد بعض الإنكليز؛ إذ قال: «إنَّ شهرة كثيرين من رجالنا العظام هي عقلية وجسدية معًا.» فالقاضي والحاكم يحتاج كلٌّ منهما إلى رئة صحيحة كما يحتاج إلى عقل ثاقب؛ لشدة العلاقة بين الدم والدماغ، وما من أمر يتعرض له رجال السياسة مثل ضيق الصدر؛ لأنهم يقيمون في المجالس المزدحمة الفاسدة الهواء يتلون الخطب والمباحث المتوقفة تلاوتها على أعضاء الصوت والصدر، وقد يتعبون في ذلك أكثر مما يتعبون بأشق الأعمال، فعلى رَجُل السياسة أنْ يكون ذا قوة جسدية تضاهي قوته العقلية وتزيد عليها. وقد تمَّ هذا الشرط في بروَم، ولندهرست، وكمبل، وبيل، وكرهم، وبلمرستون وغيرهم من رحاب الصدور.
يُروَى أنَّ السر ولتر سكوت لما كان في مدرسة أدنبرج الكلية كان من أحذق الناس في الصيد وركوب الخيل، ثم لما أكبَّ بعدئذٍ على الإنشاء لم يترك هذين الأمرين، بل انتهز كلَّ فرصة لصيد الأرانب، فتمكن من مداومة أشغاله العقلية كما تقدَّم عنه، والأستاذ ولسن كان ماهرًا بالمصارعة، كما كان ماهرًا بالنظم والنثر، وبرنس الشاعر كان مشهورًا في صغره بالمصارعة، وبعض المشهورين في علم اللاهوت اشتُهروا في صغرهم بقوتهم الجسدية، مثل إسحاق برو، وأندراس فُلَّر، وآدم كلَرْك وغيرهم.
وإذا كان ترويض الجسد ضروريًّا لطلبة العلم، فكم بالأولى ترويض العقل وتقويته على الانصباب على أشغاله، وسبيل المعرفة مفتوح لكل من أراد السير فيه، بشرط أنْ يبذل جده واجتهاده، وليس فيه صعوبةٌ لا يمكن للإنسان الحازم أنْ يتغلب عليها. قال تشترتن: إنَّ الله خلق الإنسان بذراعين تصلان إلى كلِّ ما تمدان إليه. والاجتهاد أس النجاح في العلم وفي العمل، وقد قيل في المثل: «طرِّق الحديد ما دام حاميًا.» ولكن ذلك لا يكفي، بل يجب تطريقه حتى يَحْمَى، وإذا التفتنا إلى ما يستفيده المجتهدون المواظبون من تهذيبهم لذواتهم بانتهازهم كل فرصة وكل دقيقة مما يضيعه غيرهم سدًى انذهلنا من ذلك كل الانذهال، فإن فرغسون تعلم علم الهيئة وهو مرتد بجلود الغنم على رءوس التلال، وستون تعلم الرياضيات وهو يعمل في البستان، ودرو درس الفلسفة وهو يعمل في السكافة، وملر تعلم الجيولوجيا وهو يعمل في المقالع.
رأينا فيما مضى أنَّ السر يشوع رينلدز كان يركن إلى فعل الاجتهاد كل الإركان، وقال: إنَّ كل الناس يمكنهم أنْ يشتهروا في أيِّ أمر أرادوه، بشرط أنْ يلازموا ذلك الأمر بالاجتهاد والصبر. وقال أيضًا: إنَّ التعب طريق الموهبة، وإنَّ لا حدَّ للتقدم، فيمكن للإنسان أنْ يتقدم إلى أي درجة أرادها. وقد علَّق كل شيء على الاجتهاد، فمن جملة أقواله الحكمية: «الشهرة ثمرة الاجتهاد، وإذا كانت القوى عظيمة فالاجتهاد يحسنها، وإنْ كانت ضعيفة فالاجتهاد يجبر نقصها، ومن تعب على تحصيل أمر بطريقه حصَّله، ولا يُحصَّل شيء بلا تعب.» والسر فوَل بكستن كان يعتقد بفاعلية الاجتهاد، ويقول إنه قادر أنْ يحصِّل كلَّ ما حصَّله غيره، بشرط أنْ يتعب على تحصيله ضعف ما تعب ذاك. وكانت كل ثقته بوسائطه الاعتيادية وأتعابه النادرة المثال. وقال الدكتور رُس: «أعرف كثيرين من معاصريَّ الذين سيُعدُّون في الأزمنة المقبلة من أصحاب المواهب، وهم الآن يتعبون تعبًا جزيلًا في عمل كلِّ ما يعملونه. ولا تُعرَف الموهبة إلَّا بالعمل وهي بدونه ميتة. والأعمال العظيمة نتيجة التعب والمزاولة، ولا يمكن أنْ تتم بمجرد القصد أو الميل، وكل عمل عظيم هو نتيجة استعداد طويل، والسهولة في الأعمال تنتج من التعب الدائم، ولا شيء سهل إلَّا وقد كان صعبًا في أول أمره حتى المشي. والخطيب المفلق الذي عيناه تقدحان شررًا، وشفتاه تتدفقان بالبلاغة، وكلامه بحر من الحكمة والفهم، قد تعلم سرَّ هذه الصناعة بالدرس والتكرار الدائم بعد أنْ خاب مرارًا كثيرة.»
وعلى كل طالب علم أنْ يكون مدقِّقًا محققًا في كلِّ شيء يدرسه، يُروَى أنَّ فرنسيس هُرنر لمَّا وضع قواعد لتثقيف عقله، اعتنى كثيرًا بقاعدة الانعكاف على موضوع واحد، حتى يتقنه جيدًا قبل أنْ ينتقل إلى غيره؛ ولذلك حصر درسه في كتب قليلة، وقاوم صفة الانتقال من الدرس قبل إتقانه، ولا تقوم المعرفة بالمقدار الذي يحصله الإنسان منها، بل بالمنافع التي يجتنيها منها، ولذلك تفضل المعرفة القليلة العميقة على الكثيرة الرقيقة. قال إغناطيوس لويولا: «من يفعل جيدًا عملًا واحدًا في وقت واحد يفعل كثيرًا.» وأمَّا من بسط قوته على سطح متسع أضعف تأثيرها وتعذر نجاحه. أخبر اللورد سنت ليونردس السر فول بكستن بالطريقة التي جرى عليها في درسه، فكانت سر نجاحه بقوله: عزمت عندما شرعت في درس الفقه ألا أترك مسألة حتى أتقنها جيدًا، وكثيرون من أقراني كانوا يقرءون في يوم واحد ما أقرؤه أنا في أسبوع، ولكن عند نهاية السنة كانت دروسي في ذاكرتي كما كانت يوم درستها، وأمَّا دروسهم فكانت تذهب من عقولهم بذهاب الأيام.
ولا يصير الإنسان حكيمًا بكثرة الدروس، بل بتطبيقها على الغاية التي دُرست لأجلها، وحصر العقل في موضوع الدرس حتى يصير ملكة فيه. قال إبرنثي إنَّ في عقله قابلية إلى درجة معلومة، فإذا أدخل إليه أكثر مما يحتمل دفع ما فاض عنه إلى الخارج. وقال مرة أخرى: إنَّ من يعلم جيدًا ما يرغب فيه قلَّما يخيب في إيجاد الوسائط اللازمة لبلوغه.
وأفضل الدروس وأكثرها فائدة ما كانت غايته محدودة، ومن أتقن فرعًا من العلوم إتقانًا كاملًا استفاد منه في كلِّ حين، والاقتصار على الكتب ومعرفة مواضيعها والرجوع إليها عند الاحتياج غير كاف؛ لأن من كان علمه في كتابه كان خطؤهُ أكثر من صوابه، بل على العالم العامل أنْ يستصحب علمه في كلِّ أيْن وآن وإلَّا فلا يُعَد عالمًا؛ لأنه ما المنفعة إذا كان للإنسان بَدْرة من المال وليس في يده درهم منها.
وعلى من شاء أنْ يهذِّب نفسه أنْ يكون حازمًا ندْبًا (أي سريعًا في قضاء الحاجات)، وهاتان الصفتان تقويان بترك الشبان يعتمدون على نفوسهم، وإعطائهم كل ما يمكن من الحرية، أمَّا الإرشاد والتدريب فالزيادة منهما تضر كثيرًا؛ لأنها تصرف الشاب عن الاعتماد على نفسه، وقلة ثقة الإنسان بنفسه مانع قوي من موانع التقدم، ولا نعني بالثقة الاستبداد بالرأي ولا الخيلاء؛ لأن كثيرين يثقون بنفوسهم وليس فيهم شيء يوثق به، ومع ذلك فلا شيء يعيق النجاح ويمنعه أكثر من فتور الهمة، وضعف العزم، وقلة الحزم. وعدم تقدُّم الأكثرين ناتج من عدم محاولتهم التقدُّم، وكل أحد يرغب في تثقيف عقله ولكن الأكثرين ينفرون من التعب الذي لا بُدَّ منه للحصول على ذلك، والجميع يرومون إدراك المعالي رخيصةً ناسين أنْ لا بُدَّ دون الشهد من إبر النحل. قال الدكتور جنصن: إنَّ عدم الجلد على الدرس من أمراض الجيل الحاضر العقلية. وما صدق على جيله يصدق على جيلنا هذا، ولا سِكَّة سلطانية لنوال العلم، ولكن له سِكَّة مطروقة، ومع ذلك ترى الجميع يتوخون أخصر الطرق وأقلها تعبًا، فيرغبون في أنْ يتعلموا لغةً في برهة قصيرة وعلى غير أستاذ، أو كما يقال عن إحدى السيدات إنها طلبت من معلم أنْ يدرسها لغة ولكنها اشترطت عليه أن لا يعلمها شيئًا من الأسماء والأفعال. وعلى هذا المنوال يتعلم كثيرون ما لا يُستحَق أنْ يُسمَّى رسم العلم. ألا ترى أنَّ كثيرين يدرسون الكيمياء باستماعهم بعض الخطب فيها، ونظرهم إلى بعض الاستحضارات والامتحانات، وهذا أفضل من لا شيء ولكنه لا يفيد شيئًا. وكثيرون يظنون أنهم آخذون في تعلم العلوم وما هم غير متسلِّين تسليًا، وما لا يحصل بالدرس والتعب لا يستحق أنْ يُدعَى علمًا؛ لأنه وإنْ أشغل العقل لا يغنيه، وإنْ نتجت منه نتائج وقتية لا يُرتجَى منه كبير فائدة، وما هو إلَّا تأثير وقتي زائل، ولذة حسية غير عقلية توقع سباتًا عميقًا على أفضل العقول وأكثرها اجتهادًا، حتى لا تنتبه إلَّا إذا أصابتها مصيبة باغتة.
وأكثر الشبان يطلبون اللهو تحت رداء طلب العلم فلا يسلِّمون بعلمٍ يستدعي تعبًا وكدًّا، وبما أنهم يحصِّلون العلم في ميدان اللعب واللهو يكون علمهم لعبًا ولهوًا، ولا بُدَّ من أنهم يجتنون ثمر تهاونهم الذي هو ضعف عقولهم وتعطيل اسمهم. قال روبرتصن البريتوني: إنَّ درس دروس مختلفة في وقت واحد يضعف العقل ويجعله عقيمًا، وهذا الشر عظيم إلى الغاية وله درجات مختلفة، فأقلها ضررًا عدم التعمق والتضلُّع، وأكثرها أذًى النفور من كلِّ ما يقتضي تعبًا وعناءً، ثم خمود الذهن، وعلى طالب الحكمة الحقيقية أنْ يكبَّ بكليته عليها؛ لأن التعب ثمن لكل ثمين، فيجب أنْ يكد ويتعب واضعًا نصب عينيه غرض تعبه، ومتوقعًا نواله بالصبر الجميل، والنجاح بطيءُ الحصول، ولكن من يتعب بأمانة وغيرة ينال أجره في وقته، ومَن كانت حياته حياة الاجتهاد يقوى على مدِّ سلطته إلى ما حوله، وإحراز المجد لنفسه والنفع للبشر، وليس للتهذيب حدٌّ يُوقَف عليه، بل على الإنسان أنْ يواظب على تهذيب نفسه ما دام حيًّا؛ لأن ذلك ضروري لكلِّ إنسان، بل به تقوم سعادته وللراحة وقت طويل بعد الموت.
والإنسان يستحق الإكرام والاعتبار بمقدار استعماله للقوى التي منحه إياها الباري، ولا يُعتبَر من كانت قواه العقلية عظيمة إلَّا كمن كان ميراثه من أبيه عظيمًا، فإذا استعمل هذا قواه وذاك ميراثه حقَّ الاستعمال اعتُبروا وإلَّا فلا، وقد يتضمن العقل خزائن وافرة من العلم ولكنها تكون بلا منفعة؛ لأنه إذا لم يرتبط العلم بالفضل والحكمة والاستقامة، لم يُحسَب شيئًا، قال بستالوزي: إنَّ العلم العقلي المجرد مضر إلى الغاية، وإنه يلزم أنْ تنغرس أصول المعرفة في تربة الإرادة المذلَّلة وتَغْتذِي منها. وقد يحفظ العلم صاحبه من ارتكاب الفواحش والتمرُّغ في الدنايا، ولكن لا يحفظه من الافتخار ومحبة الذات ما لم يُحصَّن بالمبادئ الصحيحة والعوائد الحميدة؛ لذلك نرى كثيرين من أصحاب العقول الكبيرة المملوءة من العلم والمعرفة، فاسدي السيرة، وعارين من الحكمة الحقيقية، وهم مثال للتحذُّر منهم لا للاقتداء بهم، ومن الأقوال الجارية على ألسنة الناس في هذه الأيام أنَّ العلم قوة، ولكن التعصُّب قوة والظلم قوة والطمع قوة. والعلم إذا لم يُصاحَب بالحكمة قوَّى الأشرار على الشر، بل قد يزيد شره حتى تصير محافله مثل محافل الأبالسة.
ولعلنا حتى يومنا هذا نغالي في أهمية التهذيب العلمي، وأكثرنا يظنُّ أننا بلغنا درجة سامية من النجاح؛ لأن عندنا مكاتب واسعة ومدارس عديدة، ولكن كثيرًا ما تكون التسهيلات موانع تصدُّ الكثيرين عن اكتساب العلم؛ لأن نسبة العلم إلى المكاتب نسبة الكَرَم إلى الغنى، فإن كان الغنى يُنتِج الكرم ضرورة فالمكاتب تنتج العلم. لا ريب أنَّ التسهيلات العلمية عديدة الآن، ولكن الحكمة والفهم لا يُنالانِ إلَّا بعد السير إليهما على سبيل الملاحظة والتمعُّن والمواظبة والاجتهاد، والمعرفة شيء والحكمة آخر، والحكمة لا تُنال بقراءة الكتب؛ لأن قارئ الكتب يقتصر غالبًا على اقتباس أفكار الغير، واقتباس الأفكار ليس له تأثير عظيم في العقول، وكثير من الدروس مثل شرب المسكر يُطْرِب العقل برهة، ولكنه لا يفعل شيئًا في تثقيفه؛ ولذلك نرى كثيرين ينخدعون بأنهم آخذون في تهذيب عقولهم، وهم مشتغلون بإضاعة الوقت وجهد ما يقال عنهم أنهم ملتهون بذلك عن فعل ما هو أقبح منه.
ويجب ألَّا يُنسَى أنَّ كل ما يُستفاد من الكتب من الاختبار هو من نوع التعلُّم، وأمَّا الاختبار الشخصي فهو من نوع الحكمة، وقليل من الثاني خيرٌ من كثير من الأول، ولقد أجاد اللورد بولنبروك إذ قال: إنَّ كل علم لا يرفع شأن الإنسان فهو نوع من الكسل، وكل ما يُكتسَب منه إنما هو جهل. ومطالعة الكتب هي دون الاختبار من أوجه كثيرة ولو كانت مفيدة ومهذبة. فقد كان في البلاد الإنكليزية رجال حكماء أشداء العزم، سديدو الرأي قبل انتشار الكتب، وكان في كلِّ أمة رجال حكماء لا نظير لهم في هذا العصر، وكلهم حصَّلوا ما حصَّلوا باختبارهم. فإن البراءة العظمى التي للشعب الإنكليزي أمضاها قوم لا يعرفون الكتابة، فأمضوها بالعلامات وأسسوا حرية الإنكليز وهم يجهلون القراءة والكتابة، ومن المُسلَّم أنَّ التهذيب لا يقوم بإملاء العقل من أفكار الغير، بل بتوسيع المعرفة الشخصية والإقدام على إتمام واجبات الحياة، وأكثر مشاهيرنا (أي مشاهير الإنكليز) كانوا من قليلي المطالعة، فإن برندلي وستفنصن لم يتعلما القراءة حتى صارا رجلين، ومع ذلك عملا أعمالًا عظيمة يعجز عنها فحول العلماء، وحياتهما أنفع من حياة ألوف من العلماء، ويوحنا هنتر بلغ العشرين من العمر قبلما تعلم القراءة.
والأمر المعتبر في العلم هو غايته لا مقداره، فيجب أنْ تكون غاية العلم تحصيل الحكمة وإصلاح الصيت؛ لكي يصير الإنسان به أفضل مما كان، وأسعد وأكرم وأنشط، وإذا تقدم الناس ماديًّا وأهملوا تقدُّمهم الأدبي ركبوا طريق الانحطاط، وعلى كل عاقل أن لا يكتفي بالتأمل فيما فعله غيره، بل أنْ يفعله بنفسه، وأنْ يرفع شأن نفسه بيده بالوسائط التي خولته إياها العناية الإلهية.
وتدريب الإنسان لنفسه وضبطه لها أساسان للحكمة العملية، ويجب أنْ يتخللهما إكرام النفس الذي يصدر عنه الأمل رفيق القوة وأبو النجاح؛ لأن من كان أمله وطيدًا قدر على عمل الغرائب. وإكرام الإنسان لنفسه وتدريبه إياها من أعظم واجبات هذه الحياة؛ لأن الله — سبحانه وتعالى — يطلب منا أنْ نعتبر أجسادنا وعقولنا وقوانا. وارتباطنا بالبشر يطلب منا ذلك أيضًا، بل إنَّ قوانا نفسها تستدعي أنْ نعطيها حقها اللازم من الاهتمام، فعلينا أنْ ننقض ما فينا من الشر ونبني عوضًا عنه الخير، وكما أنه علينا أنْ نكرم نفوسنا، كذلك علينا أنْ نكرم الآخرين وعليهم أنْ يكرمونا، ومن ثمَّ ينتج الإكرام المتبادل والعدل، وينتفي كل ما يخل بالراحة العمومية.
وإكرام النفس من أفضل ما يتجلبب به الإنسان ويتحلى به عقله. نصح فيثاغورس لتلميذه أنْ يكرم نفسه؛ لأن من فعل ذلك نزَّه جسده عن الخسائس وعقله عن الدنايا.
والمنايا ولا الدنايا وخيرمن ركوب الخنا ركوب الجنازة
وهذه الصفة أصلٌ لكل الفضائل، فهي أصل للطهارة والعفة والتعقل والتقوى والديانة. قال ملتن: إنَّ إكرام النفس الصحيح ينبوع ينبثق منه كل عمل صالح محمود، ومن لم يكرم نفسه احتقرها، وأمسى محتقَرًا في عيني الغير، ومن كان دأبه الذل لا يفلح، وأمَّا من يكرم نفسه فترى وجهه متهللًا ولو كان مكتنفًا بالفقر، ولا يسلم لتجربة، ولا يرتكب دنيئة، قال الشاعر:
إذا أنت لم تعرف لنفسك حقهاهوانًا بها هانت على الناس أهونا
فنفسك أكرمها وإنْ ضاق مسكنعليك بها فاطلب لنفسك مسكنًا
وقال زهير بن أبي سلمى:
ومن يغترب يحسب عدوًّا صديقهومن لا يكرم نفسه لا يُكرَّم
وتثقيف الإنسان لعقله إذا اعتبر واسطة للتقدم فقط انحطَّت قيمته الأدبيَّة، ولكنه يبقى من خير ما يبذل فيه الوقت والعقل، والتثقيف يساعد الإنسان على توفيق نفسه للأحوال التي هو فيها، وعلى اختراع الأساليب الجديدة لإتمام الأعمال، ويزيدهُ مهارة وحذاقة في كلِّ عمل يأخذ فيه، والإنسان الذي يعمل عمله بيده وعقله يعمله جيدًا، ويرى من نفسه ذلك ويشعر أنَّ مهارته آخذة في الازدياد، وهذا الشعور من ألذ ما يتمتع به البشر، ويقوى فيه اعتماده على نفسه، واعتماد الإنسان على نفسه وإكرامه لها يرفعانها عن الدنايا، وما أحسن ما قاله الطغرائي! وهو:
أصالة الرأي صانتني عن الخطلوحيلة الفضل زانتني لدى العطل
غالى بنفسيَ عرفاني بقيمتهافصنتها عن رخيص القدر مبتذلِ
والإنسان الذي يعتبر نفسه هذا الاعتبار ينظر إلى البشر بصدر رحب، ويرى في خدمته أبناء نوعه لذة متجددة، فيعمل لنفسه ولغيره، ويحيا للناس ليحيا الناس له.
وقد لا ينتهي العلم بالشهرة؛ لأنه على الفريق الأكبر من الناس أنْ يتعاطوا الأعمال، ومهما ازدادوا تثقُّفًا وتهذُّبًا لا يتخلصون من الأعمال الشاقة، ولكن لا سبيل لإصلاح ذلك إلَّا برفع شأن العمل بتوجيهه إلى الأغراض المجيدة التي تشرف العمل الدنيء والشريف معًا، ومن يفعل ذلك فهو خليق أنْ يعاشر أكثر العلماء فضلًا، وأسماهم عقلًا، وأبعدهم صيتًا، ولو كان فقيرًا ووضيعًا. فيصير الدرس المبني على أسس صحيحة مصدرًا للذة عظيمة، ومنشأً لنتائج مجيدة، ومصلحًا للسيرة والسريرة، وإنْ كان الناس المهذبون في شكٍّ من نوال الغنى فهم على يقين من الحصول على الأفكار السامية.
وما المال إلَّا عارة مستردةٌفهلَّا بفضلي كاثروني ومحتدي
قيل سأل بعضهم فيلسوفًا: ماذا كسبت بكل فلسفتك؟ فأجابه: كسبت من نفسي رفيقًا لي.
ولكنَّ كثيرين ييأسون وتخور قواهم وهم آخذون في تثقيف عقولهم؛ لأنهم لا ينجحون بسرعة كما يظنون أنهم مستحقون، ولعلهم ظنوا المعرفة بضاعة رائجة فخاب أملهم. أخبر مستر ترمنهير عن معلم مدرسة تركه تلامذته وغب الفحص عن السبب، وجد أنَّ أكثر الوالدين أخرجوا أولادهم؛ لأنهم ظنوا أنَّ التعليم يصلحهم حالًا، وإذ لم يتم ذلك أخرجوهم وأهملوا أمر تعليمهم. وكثيرون يحطون قيمة العلم إمَّا بجعله واسطة للسبق في الدنيا — كما ذكر — أو سبيلًا للهو والتسلي، لكن اسمع ما قاله باكون الشهير، وهو: «ليس العلم حانوتًا للبيع والكسب، بل مخزن بضاعته تمجيد الخالق وخير المخلوق.» ولا ريب في أنه يليق بالإنسان أنْ يتعب ويجتهد للتقدم في الدنيا، ولكن لا يحق له أنْ يضحي نفسه لأجل ذلك. ولا أجهل ممن يجعل عقله عبدًا لجسده أو آلة له ثم يأخذ يندب سوء حظه؛ لأنه لم ينجح النجاح المطلوب، هذا فضلًا عن أنَّ النجاح لا يتوقف على العلم، بل على القيام الواجب بالأعمال، ومن كان هذا الحال حاله يناسبه ما قاله روبرت سوثي لرجل طلب منه النصح، فكتب إليه يقول: «يحدث كثيرًا أنْ يغضب الحكيم على الدنيا ويحزن لأجلها، ولكنه لا يتذمر منها البتة إذا كان قائمًا بواجباته، فإذا وجد إنسان متعلم صحته جيدة وله عينان ورجلان ويدان وهو مع ذلك في احتياج، فيكون الله — سبحانه وتعالى — قد وهب هذه البركات لرجل لا يستحقها.»
وهناك سبيل آخر يحط شأن العلم، وهو استعماله لمجرد اللهو والتسلية العقليَّة، وهذا الأمر شائع في عصرنا وأتباعه لا يُحصَون. ألا ترى أنَّ الكتب والجرائد قد انشحنت من كلِّ سخيف وركيك؛ لكي توافق ذوق الجمهور. حتى متى لا ينتبه الناس من رقادهم بل من جنونهم هذا، حتى متى يميلون إلى الهزل والسخافة والركاكة، وما لا طائل تحته، وما لا يصدقه عاقل ولا جاهل، ألا يعلمون أنَّ ذلك يفسد الذوق السليم. قد ذكرنا الكتب والجرائد ولكن ما القول في الروايات والفكاهات، على أنَّ من الروايات ما هو فصيح العبارة بليغ المعنى، حتى إذا تصفحه الذين أشغالهم شاقة في أوقات الراحة، وجدوا فيه لذة عقليَّة عظيمة، وجميع الناس كبارهم وصغارهم لهم ميل غريزي إلى التفكه بمثل ذلك، ولا يحسن أنْ يحرموا هذه اللذة إذا استعملوها إلى حدٍّ موافق، ولكن من جعل ذلك طعامه وشرابه، أضاع وقته وأفسد ذوقه، وقد يفسد آدابه، هذا فضلًا عن أنه لا يُرجَى من قراءة هذه الروايات كبير فائدة؛ لأن التأثير الذي تؤثره وقتي زائل، وقد يعتاد الإنسان عليه حتى لا يعود يُصدِّق منها شيئًا ولا يتأثر بها البتة.
واللهو مفيد أحيانًا، ولكنه كثيرًا ما يفسد الأخلاق، فيجب أنْ يُحتَرس منه غاية الاحتراس. نعم إنه يقال في المثل من اشتغل دائمًا ولم يلعب صار بليدًا، ولكن من لم يشتغل قط صار شرًّا من البليد، ولا شيء أضر بالشبان من الانهماك في الملاهي؛ لأنه يفسد عقولهم ويفتح لهم بابًا للتهور في كلِّ نوع من القبائح، ثم إذا دعتهم الأحوال إلى معاطاة الأعمال شعروا بكره شديد لها، فيعدمون قوى الحياة، وتنضب في وجوههم ينابيع السعادة، ويخسرون اسمهم وجسمهم وما من حالة أتعس من حالة الشاب الذي أضاع شبابه في التنعم والانهماك في اللذات. قال ميرابو عن نفسه: «إنَّ أيام حداثتي بذَّرت كثيرًا من قواي، وحرمت أيام شيخوختي من ميراثها.» ولا بُدَّ من أنَّ خطايا الشبيبة تضر بالشيخوخة. قال جيوستي الإيطالي لصديق له: إنَّ الوجود نفسه لا تحصل عليه عفوًا، والطبيعة تدعي أنها تعطينا الحياة مجانًا في صبانا، ولكنها تطالبنا بثمنها في شيخوختنا، والبلية الكبرى أنَّ من يبذر قواه في شبيبته يلوِّث اسمه بأقذار قلَّما يستطيع أنْ يتخلص منها في كهولته ولو أراد ذلك، وما أحسن ما قيل:
إنَّ الشباب والفراغ والجدةمفسدة للمرء أي مفسدة
كان بنيامين كنستان من أكبر رجال فرنسا عقلًا، ولكنه لم يبلغ العشرين من العمر حتى فسد، وصارت بقية حياته سلسلة من الشقاء عوضًا عن أنْ تكون كنزًا من الخير، وما ذلك إلَّا لأنه أهمل الاجتهاد وغلبة النفس، ولا يخفى أنَّ هذين الأمرين كانا بوسعه كما أنهما بوسع كل أحد، ويقال إنه عزم على إتمام أعمال كثيرة، ولكنه كان عديم الحزم فلم يتمم شيئًا منها؛ ولذلك دعاه الناس كنستان المتقلب، وكان سريع الخاطر، قوي القريحة، وكتاباته من الطراز الأوَّل، ولكنه كان يشغل عقله في أسمى المواضيع ويمارس أدنى الأعمال، حتى إنَّ سمو تآليفه لا يكفِّر عنه دناءة حياته، فإنه كان يقامر — يلعب بالقمار — عندما كان يكتب في الديانة، وكان مع كلِّ قواه العقلية كمن لا قوة له؛ لأنه لم يعتبر الفضيلة ولا العفة، وقال ذات مرة: «ما هو الشرف والمجد؛ لأنني بمقدار ما أتقدم في السن أرى بطلهما.» وقال مرة أخرى: «إنما أنا تراب ورماد، وأمر على الأرض كظلٍّ زائل مصحوبًا بالشقاء وانكساف البال.» وتمنَّى لو كان له نشاط فُلْتر عوضًا عن كلِّ مواهبه الطبيعية، وبما أنه كان كثير التمني عديم الحزم، انقضت حياته بغير نفع، وقد شبَّه نفسه مرة برجل ذي رِجلٍ واحدة، وأقرَّ بأنه خالٍ من الآداب، وبعد أنْ عاش سنين عديدة بالتعاسة والشقاء مات ميتة الذل والهوان.
أما حياة أغسطينوس ثيري مؤلِّف تاريخ الغلبة النرمندية فمعاكسة لحياة كنستان على خط مستقيم؛ لأنها كانت مؤلفة من المواظبة والاجتهاد وتثقيف العقل، والحرص على طلب الحكمة، ومن شدة انصبابه على الدرس فقد بصره وصحته، ولكنه لم يفقد محبته للعلم، وهاك ما قال في آخر حياته:
إذا عُدَّت فوائد العلم من الفوائد الوطنية أكون قد صنعت لبلادي ما صنعه الجندي الدامي في حومة القتال، وآمل أنْ أبقى مثالًا لغيري في هذا الأمر مهما كانت نتيجة أتعابي مثالًا يعين على مقاومة الضعف الأدبي، الذي هو داء الجيل الحاضر، ويرد إلى جادة الحياة كثيرين من خائري القوى الذين يتشكون من عدم الثقة، ولا يعلمون ما يفعلون، بل يلتمسون في كلِّ مكان أمرًا يحترمونه ويعبدونه ولا يجدون، وعلامَ يُقال إنَّ بلاد الله ضيقة بسكانها، وإنه لا هواء بها يكفي لتنفُّس الجميع، ولا أشغال تكفي عقول الجميع؟ أليس فيها مواضيع للدرس والتأمل؟! أوَ ليس ذلك ملجأً ميسورًا لكل إنسان؟! هناك تنقضي أيام الشر ولا يُشعَر بها، وهناك يمكن لكل إنسان أنْ ينال غايته ويصرف حياته، وهذا قد عملته، ولو أُبدئت ثانية لعملته أيضًا، ولا أختار إلَّا ما أوصلني إلى ما أنا عليه الآن، ومع أنني أعمى وآلامي لا تنقطع، أشهد أنَّ في العالم شيئًا ألذ من كل اللذات الحسيَّة، وأشرف من الغنى، وأفضل من الصحة، وهو اتباع الحكمة.
ومن الذين يشبهون كنستان كُلْردج الذي كان ذا مواهب سامية إلَّا أنه كان ضعيف العزم، ومع كلِّ مواهبه العقليَّة كان فاقدًا موهبة الاجتهاد، بل كان عدوًّا للعمل، وفضلًا عن ذلك كان فاقدًا محبة الاستقلال، فلم يستنكف أنْ ترك امرأته وأولاده على سَوْذِي الذي كان يشتغل بكل جهده لكي يعولهم، واعتزل مع تلامذته إلى غابة، وكان يتطلع على الدخان الخارج من معامل لندن بكرهٍ واحتقار للأعمال الجارية فيها، ثم تعاطى أعمالًا رفعت أثقاله عن غيره، ولكنه تنازل إلى أمور كثيرة يأنف منها أحقر الناس مع ما كان عليه من سموِّ الحكمة، وكم كان سوذي مخالفًا له؛ لأنه صرف حياته في العمل والاجتهاد، حتى في أعمال لا توافق ذوقه مالئًا عقله بكنوز الحكمة الثمينة، وعاش بالسعة من شق قلمه الضيق.
كتب روبرت نيكول لأحد أصحابه بعد أنْ قرأ أمالي كُلردج يقول:
يا له من عقل ثاقب ضاع في هذا الإنسان بسبب احتياجه إلى قليل من الاجتهاد والحزم. أمَّا نيكول هذا فمات يافعًا، ولكنه كان ممن تُعقَد لهم الخناصر ويشار إليهم بالبنان، ولم يمت حتى تغلب على كثير من مشاق الحياة، ولما كان يتعاطى بيع الكتب وجد نفسه مديونًا بعشرين ليرة، فكان يشعر كأن عنقه مطوق بحجر رحى كما شهد من فمه، وعزم أنه بعد أنْ يَفِيها لا يستدين شيئًا من مخلوق.
ونحو ذلك الوقت كتب إلى أمه يقول:
لا ينشغل بالك من نحوي أيتها الأم الحنونة؛ لأن همتي تزيد يومًا فيومًا، وأملي يقوى، وكلما أفتكر وأتأمل أرى أنني متقدم في الحكمة، فلذلك لا يهمني سواء صرت غنيًّا أم بقيت فقيرًا، والتعب والفقر وغيرهما من بلايا الحياة التي لا يُستطاع عليها صبرًا أقابلها بالصبر الجميل والاتكال على العناية، وهذه خطة تقتضي تعبًا جزيلًا للحصول عليها، ولكن من نالها يمكنه أنْ يلتفت إلى ما وراءه كسائح يتطلع على تيارات البحر الخضم وهو ماشٍ على الأرض اليابسة، ولا أقول إني بلغت هذه الدرجة ولكني أشعر في نفسي أني آخذ في الاقتراب منها.
فالمتاعب والمشاق تصيِّر الناس رجالًا أو كما قال أرسطو: بالصبر على مضض السياسة يُنال شرف الرياسة. ولا منصب في هذه الحياة إلَّا وهو محفوف بالمتاعب حتى لا يرتقي إليه إلَّا من تغلَّب عليها. والمتاعب تربي فوق تربية الأب كما أنَّ الخطأ يقود إلى الصواب. كان من عادة تشرلس جمس فكس أنْ يقول: إنَّ رجائي في مَن لم ينجح في بادئ أمره أقوى منه في من نجح، فالشاب الذي ينجح في أول خطبة يلقيها تقتاده حلاوة الظفر غالبًا إلى التهامل فلا يفلح، وأمَّا من يرجع بالخيبة في خطبته الأولى ثم يستمر على ممارسة الخطابة، فينجح نجاحًا ثابتًا أكيدًا.
والناس يتعلمون الحكمة من الخيبة أكثر مما يتعلمونها من النجاح؛ لأنهم كثيرًا ما يعرفون المفيد إذا عرفوا غير المفيد، ومن لا يغلط لا يتعلم، قيل إنَّ الذي دعا غاليليو وطورشلي وبويل إلى درس الهوائيات، هو خيبة البعض في إصعاد الماء بالطلمبا فوق ثلاث وثلاثين قدمًا، وقال يوحنا هنتر: إنَّ صناعة الجراحة لا تتقدَّم حتى يشهر الجراحون الحوادث التي لم يصيبوا فيها كما يشهرون الحوادث التي أصابوا فيها. وقال وط: إنَّ أهم ما تمس إليه الحاجة في علم الهندسة العملية تاريخ أغلاط المهندسين. قيل أُطْلِع السر همفري دافي مرة على امتحان طبيعي في عمله حذاقة شديدة، فقال: أحمد الله؛ لأني لست حاذقًا في إجراء الامتحانات؛ ولأني توصلت إلى أكثر اكتشافاتي بعدم نجاحي، وقال آخر ممن لهم في العلوم الطبيعية أطول باع إنه كان يكتشف اكتشافًا جديدًا كلما عرضت أمامه صعوبة في امتحاناته، وأعظم الاختراعات والاكتشافات كان محفوفًا بالأحزان والمشقات.
قال بتوفن: إنَّ في روسيني ما يكفي لجعله من أفضل الموسيقيين لو ضُرِب في صغره، ولكنه لم ينجح؛ لأنه لم يصادف شيئًا من المصاعب. ولا يخَفْ أولو العزم من مناقضة الغير لهم وتنديده بهم، كما يجب أنْ يخافوا من المدح في غير موقعه. يُروَى أنَّ مندلسن عندما باشر تطريب ألحانه المسماة «إيليا» قال لبعض أصحابه المنتقدين: لا تشفق عليَّ في الانتقاد ولا تخبرني بشيء أستحسنه، بل بكل ما لم تستحسنه. ويقال إنَّ الانغلاب يفيد قواد الجيش أكثر من الغلب. فوشنطون مثلًا كانت الوقائع التي كُسِر فيها أكثر من التي ظفر فيها، ولكنه نال الظفر التام أخيرًا، وكل الحروب التي نجح فيها الرومانيون كانت بدايتها انغلابًا. وقد شبَّه بعضهم القائد مورو بطَبْل لا يُسمَع صوته ما لم يُضرَب، والصعوبات الكثيرة الشديدة ربَّت القائد العظيم ولنتون، الذي لاقى منها أكثر مما لاقاه من أعدائه، فقوت عزمه وعودته الثبات، فصار من أفضل القواد، وكلُ ربَّان ماهر في سفر البحر بلغ ما بلغ إليه في وسط الزوابع والعواصف التي علمته الشجاعة والإقدام، ولعل تقدم الملاحين الإنكليز في سلك البحار حدث مما صادفوه فيها من المخاطر، قال الشاعر:
تعطي التجارب حكمة لمجربحتى تربي فوق تربية الأب
والحاجة قاسية صارمة، ولكنها مفيدة جدًّا، والمصائب والمحن بلايا شديدة تقشعر منها الأبدان خوفًا، ولكن إذا أصابت الندب قابلها بالصبر الجميل.
وخطوب الدهر وعناد الزمان مُرَّة المذاق، ولكن نتيجتها أحلى من العسل؛ لأنها تنبه المرء وتحرك همته، ومن كان فيه ذكاء ظهر بالفرك كالنباتات العطرية، قال المثل: الخطوب سلالم السماء، وقال الشاعر:
تريدين إدراك المعالي رخيصةولا بُدَّ دون الشهد من إبر النحل
وقال بعضهم: الفقر أشبه شيء بالألم الحاصل من ثقب أذن فتاة لتعليق حلقة من الجوهر الثمين، وكثيرون قاوموا المشقات بشجاعة، واحتملوا البلايا بالصبر الجميل، ولما نجحوا لم يقدروا أنْ يقاوموا الشرور الكثيرة التي صحبت نجاحهم، وعلى هذا نقول. إنَّ الغنى يستدعي حكمة وافرة للتحفظ من الشرور التي يؤدي إليها. نعم، إنَّ البعض تُحمَد أفعالهم عندما يحصلون على سعة المعيشة، ولكن الجانب الأكبر لا تنفعهم السعة قدر ما تضرهم؛ لأن كثيرين يقلبهم الغنى من البلادة إلى الطيش، ومن الذل إلى الكبرياء بخلاف الضيق، فإنه يربي أصحاب الحزم على الصبر والجلد. قال بُرك: «المصاعب معلم صارم أقامته لنا العناية الإلهية بمحبة أبوية، وهي تعرفنا أكثر مما نعرف نفوسنا، وتحبنا أيضًا أكثر مما نحب نفوسنا.» والبلايا تفعل فعل المُصارِع في تقوية أعضاء خصمه. ورخاء المعيشة أسهل من ضنكها، ولكنه لا يربي رجالًا. قيل إنه لما وُشِي بهدصن زورًا ففُصِل عن وظيفته في الهند، قال لصديق له: «إنني بالغ جهدي في مقابلة كلِّ شرٍّ يصيبني بجسارة تضاهي جسارتي على مقابلتي العدو، وفي إتمام واجباتي على أحسن ما يمكنني، معتقدًا أنه لا بُدَّ من سبب لكلِّ ما أصابني، وأنَّ الواجبات الصعبة تنال جزاءً حسنًا إذا عُمِلَت حق العمل وإلَّا فلا تزال واجبات.»
وحرب الحياة كثيرًا ما تشب في نجود صعبة المسلك، لا يغلب فيها إلَّا البطل الذي لا يبالي باقتحام المصاعب، وإذا لم تكن صعوبات فلا نجاح؛ لأنه إنْ لم يكن شيء يُغلَب فلا شيء يكسب، والمصاعب توهن عزم الجبان، ولكنها تزيد همة الشجاع، والاختبار يعلمنا أنَّ كلَّ الموانع التي تحول دون تقدُّم البشر لا تقدر أنْ تثبت أمام الاستقامة والنشاط والهمة والمواظبة، وخصوصًا أمام من يعزم ويحزم على مقاومة كل مصيبة تنزل به.
ومدرسة المصاعب أحسن المدارس لتربية المبادئ الأدبية، وتاريخ المصاعب عبارة عن تاريخ كلِّ الأمور العظيمة التي فعلها البشر. ومن ينكر كم استفادت القبائل الساكنة شمالي أوروبا من محاربتها عناصر الطبيعة ومَحْل الأراضي، الأمر الذي لا يعرفه سكان البلدان الحارة فلا يستفيدون منه، ومع أنَّ أفضل غلَّات البلاد الإنكليزية مما لا ينمو فيها أصلًا، فالاجتهاد الذي بُذِل في إنمائها في تلك البلاد ربَّى فيها رجالًا لا يفوقهم أحد من أهل العالم.
وحيثما وُجِدت المصاعب قوَّت مقاومها وزادت حذاقتهُ، ونشَّطت همته على مقاومة ما ينزل به من خطوب الدهر، وجَبَل الحياة صعب المرتقى، ولكن من مرن على ارتقائه ازدادت همته فلا يألو جهدًا حتى يبلغ قمته، والاختبار يعلمنا أنَّ ما من طريق للتغلُّب على المصاعب إلَّا مصارعتها، ألا ترى أنَّ من خطف القرَّاص بيده وقبض عليه شديدًا شعر أنَّ ملمسه كالحرير، ولا يقوى على أمر إلَّا من اقتنع في نفسه أنه قادر على إتمامه وعازم عليه، وكثيرًا ما تتلاشى المصاعب من مجرَّد هذا العزم قبل الشروع في مقاومتها.
وكثيرون يتوهمون الصعوبة في هذا الأمر أو ذاك قبل أنْ يباشروه، ولكنهم لو باشروه لوجدوه أسهل مما ظنوا كثيرًا، وأمَّا التمني والترجي فلا ينفعان شيئًا، ومباشرة أمر واحد خير من ألف «لو وليت ولعل»، بل إنَّ هذه الأحرف مصدر اليأس، وأصل المستحيل، وسبب الإهمال، قال اللورد لندهرست: الصعوبة أمر يجب التغلب عليه، فيجب أنْ نصارعها حالما تظهر لك، والسهولة نتيجة المزاولة، والقوَّة نتيجة الممارسة، وبهما يبلغ العقل درجة من الكمال لا يقدر أنْ يتصورها من لم يختبرها بنفسه.
والحزم والتدبير روح العزملا خير في عزم بغير حزم
والحزم كل الحزم في المطاولةوالصبر لا في سرعة المزاولة
وفي الخطوب تظهر الجواهرما غلب الأيامَ إلَّا الصابرُ
ليس الفتى إلَّا الذي إن طرقَهْخطبٌ تلقَّاه بصبرٍ وثقةْ
وتعلُّم العلم نوع من التغلب على المصاعب، والتغلب على صعوبة واحدة يقوي الإنسان على غلبة غيرها، وما لا تظهر منه فائدة في بادئ الرأي كدرس اللغات القديمة والرياضيات هو كبير الفائدة؛ بسبب فعله في العقل لا بسبب فائدته العمليَّة؛ لأن درس هذه العلوم يوسع العقل ويزيد قوَّة الانصباب، وبقية القوى التي لولا الدرس لبقيت ضعيفة، وكل أمر يقود إلى آخر ولا تنقضي مقاومة المصاعب ما لم تنقض الحياة، ولكن الخوض في بالوعة اليأس لم يُعِن أحدًا على المصاعب ولن يعين، وما أفضل النصيحة التي نصح بها دلمبر طالبَ علمٍ تشكَّي من عدم نجاحه في مبادئ الرياضيات، بقوله: اجتهد تجد الثقة والقوة مقبلتَيْن عليك.
والذين يلعبون على آلات الطرب لم يبرعوا إلَّا بعد تعب يفوق التصديق، قيل مدح بعضهم كريسمي على إتقانه فن الغناء وجريه فيه بسهولة، فقال له: إنك لا تعلم بكم من الصعوبة حصلت هذه السهولة. سُئل السر يشوع رينلدز كم من الوقت قضيت على تصوير هذه الصورة فقال حياتي كلها، وقال هنري كلاي الخطيب الأميركاني لبعض الشبان يصف سر براعته في فن الخطابة: إنني أنسب كلَّ نجاحي إلى الحادثة الآتية، وهي أنني لما بلغت السابعة والعشرين شرعت أقرأ بعض الكتب التاريخية والعلمية، وأتلو مضمونها بصوت عالٍ في الحظائر والحقول والغابات، وليس لي من سامع سوى البهائم والطيور والحشرات هذا هو العمل الوحيد الذي له أنا مديون؛ لأجل براعتي في هذا الفن.
وكان كرَّان الخطيب الأرلندي قليل الإفصاح أولًا، حتى لُقِّب وهو في المدرسة بالألكن، ولما كان يدرس الفقه ويجتهد على إصلاح منطقه حدثت حادثة أصلحته تمامًا؛ وذلك أنه دخل بعض المجامع العلمية وجاء دوره للمناظرة، فقام ولكن لم يمكنه التكلم، فقام خصمه ودعاه باسم الخطيب الأخرس، فأثَّر فيه هذا التهكُّم فقام ودافع عن نفسه بكلام فصيح إلى الغاية حتى أذهل الحاضرين، ولما رأى من نفسه ذلك تقوَّى عزمه واستمر على درس الفقه بأكثر رغبة، وكان يقرأ أبلغ الكتابات بصوت عالٍ ساعات عديدة، وكل ذلك لتصليح منطقه دارسًا حركاته على مرآة، وكان يفرض بعض المسائل ويناظر فيها وحده أمام المرآة، وما زال على مثل ذلك إلى أنْ صار خطيبًا مِصْقَعًا، ثم دخل المحاكم محاميًا في الدعاوى، وفي أحد الأيام قال للقاضي: إني لم أرَ الفتوى التي أفتيت فيها في كتاب من كتب الفقه، فقال له القاضي بتهكُّم: لعل ذلك صحيح؛ لأن الكتب التي اطلعت عليها قليلة جدًّا. وكان القاضي المذكور من رجال السياسة المتعصبين، وقد ألَّف رسائل مشحونة بالقذف والتشنيع ولم يضع عليها اسمه، فنهض كرَّان والغيظ آخذ منه كلَّ مأخذ، وقال له: «حقيق أيها المولى أنني فقير الحال، ولذلك كتبي قليلة، ولكن كلها نُخب، وقد تصفحتها مليًّا، وتأهلت لهذا المنصب السامي بدرس كتب قليلة معتبرة لا بتأليف كتب كثيرة قبيحة، ولا أخجل من فقري، بل أخجل من غناي إذا كنت أحصله بالظلم والبطل، وإذا لم أرتقِ إلى مرتبة أمراء الأرض فسأرتقي إلى مرتبة أشرافها، وإنني أرى الغنى المكتسب بطرق محرمة يشهر الإنسان ولكن شهرة رديئة.»
ومهما كان الفقر شديدًا لا يعيق الإنسان عن التقدُّم في تثقيف عقله، فإن الأستاذ إسكندر مري اللغوي تعلم الكتابة بالفحم، ولم يكن في بيت أبيه من الكتب سوى كتاب واحد ثمنه عشر بارات، وهو مختصر أصول الإيمان، وكان أهله يحفظونه بكل حرص ولا يمسكونه إلَّا من أحدٍ إلى أحدٍ. والأستاذ مور لما كان فتًى لم يكن معه دراهم لابتياع كتاب الأصول لنيوتن فنسخه كله بيده. وكثيرون من طلبة العلم المساكين المضطرين أنْ يعملوا كلَّ النهار لكي يحصِّلوا قُوتَهم، كانوا يستغنمون كلَّ دقيقة يمكنهم استغنامها لأجل الدرس، ولم يكن لهم من مشجع ولا معزٍّ سوى الأمل والثقة. قصَّ وليم تشمبرس الأيدنبرجي سيرة تقدمه على فئة من الشبان في تلك المدينة، فقال: «إنني أقف أمامكم الآن كرجلٍ علَّم نفسه؛ لأنني أتيت أيدنبرج وأنا صغير وفي غاية المسكنة، وكنت أعمل كلَّ النهار وجزءًا من الليل عند بائع كتب لتحصيل قوتي الضروري، وأمضي الساعات الأخيرة من الليل التي كنت أسرقها من النوم في تهذيب العقل الذي منحتني إياه العناية الإلهية، وانصببت بالأكثر على درس العلوم الطبيعية، وفي غضون ذلك درست اللغة الفرنساوية وحدي، والآن ألتفت إلى تلك الأيام بلذَّة لا تُوصَف، وأود لو كانت أحوالي الآن متعسرة كما كانت حينئذٍ؛ لأنني وجدت لذة في حياتي لما كنت أدرس في بيت صغير، ولم يكن معي شيء من الدراهم أكثر مما أجد الآن وأنا في أفخر القاعات.»
وهاك قصة مفيدة جدًّا لطلبة العلم المحاطين بالمصاعب، وهي قصة تعلُّم وليم كوبت النحو الإنكليزي، قال: إنني تعلمت النحو وأنا جندي، ومقعدي سريري، ومائدتي قطعة لوح وأتممته في أقل من سنة، ولم يكن لي من المال شيء لأبتاع سراجًا أدرس في نوره ليلًا، فكنت أدرس على نور النار عندما تأتي نوبتي للقيام أمامها، فإذا كنت قد بلغت مرامي وأنا فقير ولا أب لي ولا صديق ولا منشط، فما عذر غيري مهما كان فقيرًا متعبًا متضايقًا، وكنت ألتزم أنْ أبقى بلا أكل لكي أشتري قلمًا وقرطاسًا، ولم أكن أحصل على دقيقة من الوقت، وكنت أكتب بين قهقة عشرات من الرجال الطائشين وصفيرهم وخصامهم، ولا تحتقر الفلس الذي كنت أدفعه ثمن الحبر أو الورق أو القلم؛ لأن ذلك الفلس كان عندي بمثابة بَدْرة من المال عند غيري؛ إذ لم يفِض معي في الأسبوع غير غرش واحد، وأذكر الآن أنه فاض معي مرة قطعة بعشر بارات لا غير؛ فحفظتها لكي أشتري بها طعامًا لليوم التالي، ولكن لما نزعت ثيابي في المساء وكنت أكاد أموت جوعًا، نظرت فإذا القطعة ضائعة فغطيت رأسي بردائي وأخذت أبكي كالطفل، فإن كنت أنا قد تغلبت على ذلك الضنك الشديد ونجحت، فهل بقي عذر لأحد من الشبان.
وهاك حادثة تشبه هذه أصابت أحد المهاجرين الفرنساويين، كانت حرفة هذا الرجل البناء، وقد وجد عملًا يعمل به حالما أتى البلاد الإنكليزية، ولكن بعد قليل انتهى عمله ولم يجد عملًا آخر، فأمسى في حالة يرثى لها من العوز، وفي غضون ذلك زار أحد أصحابه المهاجرين، وكان يعلِّم اللغة الفرنساوية واستشاره في الطريقة الممكنة لتحصيل معيشته، فقال له رأيي أنْ تصير معلِّمًا، فقال أأصير معلمًا وأنا بنَّاء ولا أعرف غير الباتوا (فرنساوية ركيكة) فحقًّا إنك تمزح، فقال: كلَّا، بل أتكلم معك كلام الجد، ولا أرى لك سوى أنْ تصير معلِّمًا فهلمَّ إليَّ وأنا أعلمك كيف تعلم الغير، فقال البناء: إنَّ ذلك ضرب من المحال؛ لأني كبير السن واهن الذهن. قال هذا ومضى في طريقه، وأخذ يفتش عن عمل ليعمل به، فطاف أماكن عديدة ولم يجد عملًا، فرجع إلى لندن وانطلق إلى صاحبه، وقال له: قد بذلت جهدي في التفتيش عن عمل فلم أجد، والآن سأجتهد لكي أصير معلمًا. ثم انعكف على الدرس وكان شديد المواظبة، سريع الإدراك، كثير الجلد، فتعلم مبادئ الصرف والنحو والبيان في برهة قصيرة، وأصلح لفظه حسب الاقتضاء، وعندما تعلَّم ما يكفيه ليكون معلمًا للغة الفرنساوية صار أستاذًا في ضواحي لندن؛ حيث كان يعمل سابقًا في صناعة البناء، وكانت كوة غرفته تطل على كوخ بناهُ بيدهِ، فكان حالما يفتح عينيه صباحًا يقع نظره على هذا الكوخ، فخاف أنْ يشتهر أمره فيلقي اللوم على المدرسة، وهي ذات اعتبار في تلك الأنحاء، ولكن خوفه لم يكن في محله؛ لأنه كان من أفضل المعلمين، وقد اعتبره الجمهور وباقي الأساتيذ كثيرًا ولا سيما حينما أخبرهم بقصته.
والسر صموئيل روملي بن جوهري من المهاجرين الفرنساويين أيضًا، وقد تعلم قليلًا في حداثته، ولكنه بلغ ما بلغ إليه باجتهاده وانصبابه، قال في سيرة حياته: «عزمت وأنا بين الخامسة عشرة والسادسة عشرة أنْ أتعلم اللغة اللاتينية، ولم أكن أعرف منها شيئًا تقريبًا إلَّا أنه لم يمضِ ثلاث سنوات أو أربع حتى قرأت أكثر المؤلفات الفصيحة النثرية والشعرية، مثل ليفي، وسَلُست، وتاشيتس، وشيشرون، وأوميروس، وتيرنس، وفرجيل، وهوراس، وأوفيد، ويوفنال، وقد تصفحت أكثرها مرارًا عديدة.» ودرس عدا ذلك الجغرافية والتاريخ الطبيعي والفلسفة الطبيعية، ولما بلغ السادسة عشرة عُين كاتبًا فأظهر نشاطًا عظيمًا، حتى إنه أُدخل إلى المجلس، ثم صار مدعيًا عموميًّا في مدة وزارة فكس سنة ???? وقام بأعباء منصبه، إلَّا أنه كان دائمًا يتوهم أنه غير أهل لشيء، وقد تعب من هذا الوهم تعبًا عظيمًا، وتاريخ حياته الذي كتبه بيده يستحق أنْ يقرأه كلُّ إنسان بتمعُّن.
كان من عادة السر ولتر سكوت أنْ يقول: إنَّ في حياة صديقي يوحنا ليدن مثالًا من أتم الأمثلة على قوَّة المواظبة الشديدة، أمَّا يوحنا هذا فهو كغيره من الاسكتلنديين الذين ارتقوا من رعاية الغنم إلى أعلى المناصب باجتهادهم، مثل هوغ الذي تعلم الكتابة بتمثيل حروف كتاب مطبوع، وهو يرعى القطعان في البراري أو ككرنس الذي ارتقى من رعاية الغنم إلى منصب أستاذ في مدرسة كلية أو كمري وفرغوسن، وغيرهما ممن يضيق بنا المقام عن استيفاء أسمائهم، ولنرجع إلى يوحنا ليدن فنقول: إنه أظهر تعطُّشًا شديدًا للمعرفة وهو صغير، فكان يمشي ثمانية أميال كلَّ يوم حافيًا إلى مدرسة صغيرة؛ لكي يتعلم القراءة، ثم توجه إلى إدنبرج وصار يتردد على مدرستها الكلية مع ما هو عليه من الفاقة الشديدة، وكان يتردد على مبيع كتب لأرشيبلد كنستابل، فيقيم فيه ساعات عديدة واقفًا على سُلَّم عالٍ وبيده كتاب ضخم يطالع فيه، وما زال يقاوم الصعوبات بهمة تفوق التصديق حتى تغلب عليها وأزاحها من وجهه، فانفتحت أمامه أبواب المعرفة، وقبلما بلغ التاسعة عشرة حيَّر أساتذة إدنبرج بمعرفته في اليونانية واللاتينية وفي كثير من العلوم، ثم وجَّه أفكاره نحو الهند وطلب منصبًا سياسيًّا فلم يجد إلَّا أنه أُخْبِر بإمكان صيرورته معاونًا لجرَّاح، ولم يكن يعرف شيئًا من علم الجراحة، وكان عليه أنْ يتقلد المنصب المذكور بعد ستة أشهر، فأخذ في درس هذا العلم الذي يقتضي ثلاث سنوات فتعلمه في ستة أشهر، وامتُحن فيه ونال الشهادة، ثم توجه إلى الهند بعد أنْ طبع قصيدته المشهورة المعروفة بمناظر الطفولية، فأظهر في الهند ما يدل على صيرورته من البارعين في اللغات الشرقية، ولكن وافته المنية يافعًا، ولا دافع لقضاء الله.
وحياة الدكتور لي أستاذ العبرانية في مدرسة كمبردج من أعجب ما حدث في هذا العصر، وأقوى الأمثلة على فعل الصبر والمواظبة والعزم، فإنه تعلَّم مبادئ القراءة في مدرسة مجانية، ولم يكن نجيبًا على الإطلاق حتى قال معلمه إنه أبلد ولدٍ رآه في حياته. فوُضع صانعًا عند نجار وعمل في النجارة حتى بلغ أشدَّه، وعكف على القراءة ساعات الفراغ، وكان يعثر على بعض الاقتباسات اللاتينية، فعزم أنْ يعرف معناها فاشترى غراماطيقًا لاتينيًّا وشرع يدرس اللاتينية، وكان يقوم باكرًا وينام متأخرًا فأتقن اللغة اللاتينية في مدة قصيرة، وبينما هو يعمل في بعض المعابد عثر على نسخة من الإنجيل باليونانية، فتحركت فيه رغبة شديدة لتعلُّم هذه اللغة، فباع بعض كتبه اللاتينية واشترى غراماطيقًا يونانيًّا وكتابًا في متن اللغة، ولم يلبث طويلًا حتى أتقن اليونانية، فباع كتبها واشترى كتبًا عبرانية، وتعلم تلك اللغة بلا أستاذ غير طامع بالشهرة، بل تابعًا ميل طبيعته، ثم أخذ يتعلم الكلدانية والسريانية والسامرية، وحينئذٍ أثَّرت دروسه في صحته؛ فأصابه مرض في عينيه من درس الليل، حتى اضطرَّ أنْ يترك الدرس ريثما يملك صحته، وفي كل هذا الوقت كان آخذًا في حرفته، ونجح فيها نجاحًا مكَّنهُ من أنْ يتزوج وهو في الثامنة والعشرين، وحينئذٍ تفرغ لتحصيل ما يقوم بنفقة عائلته، فترك الدرس وباع كلَّ كتبه، ولو لم يحترق صندوق أدواته لبقي نجارًا كل حياته إلَّا أنه احترق ولم يكن قادرًا على ابتياع أدوات أخرى، فعزم أنْ يفتح مدرسة صغيرة لتعليم الصغار، ومع أنه تعلم كثيرًا من اللغات كان قاصرًا في أبسط فروع العلم، فلم يقدر أنْ يعلِّم في هذه المدرسة، ولكن علوَّ همته وشدة حزمه هوَّنا عليه كلَّ عسير، فتعلَّم من الحساب والكتابة ما يكفي لتعليم الأولاد، وكان واطئ الجانب، ليِّن العريكة؛ فجذب إليه قلوب كثيرين من الذين بُهِتوا من معرفته باللغات، وكان له جار صديق يُدعى الدكتور سكوت فساعده على إيجاد مركز في مدرسة شوبري المجانية، وعرَّفه برجل عالم باللغات الشرقية فقدَّما له كتبًا، فرجع إلى الدرس وتعلم العربية والفارسية والهندية، ثم دخل مدرسة كمبردج الملكية بمساعدة الدكتور سكوت، وبعد أنْ درس مدة واشتهر فيها بالرياضيات، أُخْلِي منصب أستاذ العربية والعبرانية في تلك المدرسة فقلدوه إياه، فقام بعبئه وكان يعلم اللغات الشرقية للمبشرين المزمعين على الانطلاق إلى الشرق، وترجم التوراة إلى كثير من لغات آسيا، ثم تعلم لغة زيلندا الجديدة، وصنَّف لها غراماطيقًا وكتاب لغة، وهما المعوَّل عليهما الآن في مدارس زيلاندا الجديدة، هذه خلاصة ترجمة هذا الفاضل الذي هو واحد من كثيرين من المشاهير الذين تعلموا بالاجتهاد والمواظبة.
ومهما تقدم الإنسان في السن لا يفوت وقت علمه، ولنا على ذاك شواهد كثيرة، فإن السر هنري سيلْمَن لم يباشر درس العلوم إلَّا بين السنة الخمسين والستين من عمره، وفرنكلين الأميركاني كان ابن خمسين سنة لما شرع في درس الفلسفة الطبيعية، ودريدن وسكوت لم يظهرا كمؤلفين حتى بلغ كلٌّ منهما الأربعين، وبكانشو كان ابن خمس وثلاثين سنة لما شرع في دروسه العلمية وألفيري كان ابن ست وأربعين سنة لما أخذ في درس اليونانية، والدكتور أرنلد تعلم الجرمانية بعد أنْ طعن في السن؛ لكي يقرأ نيبور بلغته الأصلية، وجمس وط تعلم الفرنساوية والجرمانية والإيطالية وهو ابن أربعين سنة؛ لكي يقرأ الكتب المؤلفة فيها في الفلسفة الميكانيكية، وتوما سكوت كان في السادسة والخمسين عندما شرع يتعلم العبرانية، وروبرت هُل تعلم الإيطالية وهو شيخ طاعن في السن ومكتنف بالأوجاع؛ لكي يرى صحة المقابلة التي عملها الشهير ماكولي بين ملتن الشاعر الإنكليزي ودنتي الشاعر الإيطالي، وهندل كان في الثامنة والأربعين قبلما أشهر شيئًا من كتبه الشهيرة، ويمكننا أنْ نذكر ألوفًا من الرجال الذين فتحوا لنفوسهم سبيلًا جديدًا بعد أنْ تقدموا في السن، وما من أحد يقول إنني كبرت عن العلم إلَّا الجبان أو الكسلان.
والآن نعيد ما ذكرناه قبلًا، وهو أنَّ الرجال الذين غيروا هيئة العالم وأحرزوا قصَب السَّبْق لم يكونوا من ذوي المواهب الفائقة، بل من ذوي الحزم والاجتهاد، وكثيرون من أذكياء العقول اشتُهروا في صغرهم، ولكن الاشتهار في الصغر لا يلزم عنه الاشتهار في الكبر، بل إنَّ النمو الباكر علامة على المرض؛ لأنه أين التلامذة النجباء الذين نالوا الجوائز واكتسبوا المديح، فتش عنهم في العالم ترَ أنَّ الذين كانوا دونهم بدرجات عديدة قد سبقوهم بمراحل، أمَّا هم فكانوا أذكياء العقول سريعي الخاطر، فنالوا الجوائز الحسنة مجازاة لنجاحهم، ولكن كان يجب أنْ تُعطَى هذه الجوائز للمجتهدين الباذلين جهدهم، وإنْ لم تكن قواهم العقلية في درجة عالية، ويمكننا أنْ نكتب فصلًا كبيرًا عن الأولاد البلداء الذين صاروا رجالًا أفاضل إلَّا أنَّ المقام لا يسمح لنا إلَّا بذكر بعضهم، فنقول: إنَّ بيترو دي كُرتونا المصور كان معدودًا من أبلد الأولاد حتى لُقِّب برأس الحمار، وتوماسو كويدي لُقب توما الثقيل، ولكنه ارتقى باجتهاده فيما بعد إلى أسمى المراتب، ونيوتن لما كان في المدرسة كان آخر أولاد صفه ما عدا واحدًا، وحدث يومًا أنَّ الصبي الذي فوقه في الصف رفسه برجله فخاصمه نيوتن، ثم عزم أنْ يغلبه بالدرس، فانصب بكلِّيَّته على دروسه ولم تمضِ عليه مدة طويلة حتى ارتقى إلى رأس الصف، وأكثر لاهوتييتنا لم يكونوا أذكياء في صغرهم، فإن إسحاق بَرُو كان مشهورًا بشراسة الأخلاق ومحبة النزاع، وكان يُضرَب المثل بكسله حتى إنَّ أباه قال مرارًا كثيرة إذا شاءت العناية الإلهية أنْ تأخذ ولدًا من أولادي فأحب أنْ تأخذ إسحاق الذي لا يُرجَى منه نفع، وآدم كلرك نعته أبوه بالأبله، ودِبَن سوفت طُرد من مدرسة دبلن الكلية، والدكتور تشلمرس الشهير والدكتور كك طردهما معلمهما زاعمًا أنهما أبلهان لا يقبلان الإصلاح أبدًا، وشريدن الشهير لم يكن نجيبًا في صغره حتى إنَّ أمه لما أخذته إلى المكتب قالت لمعلمه ها قد أتيتك بهذا الأبله الأَعْفك، والسر ولتر سكوت كان أبله أحمق محبًّا للخصام، حتى إنَّ الأستاذ دلزل قال: إنه أبله وسيبقى أبله كلَّ حياته، وتشترتن طُرد من المدرسة كأحمق لا يُرجَى منه نفع، وبرنس كان بليدًا لا ينفع إلَّا للعب، وكُلد سمِث قال عن نفسه إنه نبتة أزهرت متأخرًا، وألفيري خرج من المدرسة جاهلًا كما كان عندما دخلها، ولم يبتدئ في دروسه التي اشتُهر بها إلَّا بعد أنْ طاف نصف أوروبا هربًا، وروبرت كليف كان مشهورًا بالشقاوة والكسل، فأرسله والداه إلى الهند لكي يتخلصا منه، ولكن هو الذي وضع أساس السلطنة الإنكليزية في الهند، ونبوليون وولنتن كان كلٌّ منهما بليدًا في صغره، وأولهما لم يشتهر بشيء في المدرسة سوى بجودة صحته، والجنرال غرنت رئيس الولايات المتحدة الأميركانية لقبته أمه «يوزلس» أي عديم النفع؛ لبلادته وبلهه، وستُنول جكسن القائد الشهير اشتُهر ببلادته وهو صغير، وكان آخر ولد في صفه وهو سبعون تلميذًا، ولكن لما أكمل دروسه في المدرسة لم يكن فوقه سوى ستة عشر منهم والبقية دونه، وقيل إنه لو طال وقت المدرسة ست سنوات أخرى لخرج وهو رأس صفه، ويوحنا هورد الشهير كان بليدًا أيضًا، ومع أنه أقام سبع سنوات في المدرسة لم يتعلم شيئًا، وستفنصن لم يشتهر وهو في المدرسة إلَّا بالمصارعة، والسر همفري دافي لم يكن أنجب من غيره من التلامذة، ووط كان بليدًا إلَّا أنه كثير الانصباب؛ وذلك قدَّرهُ على إتمام الآلة البخارية.
ويمكننا أنْ نقول عن الصغار كما قال الدكتور أرنلد عن الكبار: إنَّ الفرق المعتبر بينهم ليس في جودة العقل، بل في الاجتهاد؛ لأن البليد المجتهد خير من الذكي الكسلان. ومن العجيب أنَّ بعض النجباء الأذكياء العقول لا ينجحون بخلاف البلداء، فإنهم إذا كانوا شديدي الاجتهاد والانصباب نجحوا دائمًا. وأنا (المؤلف) لما كنت حدثًا كان معي في صفي تلميذ بليد الذهن، حتى إنَّ كلَّ المعلمين أعيوا ولم يقدروا أنْ يجعلوه يستفيد شيئًا، فيئسوا منه وتركوه بعد أنْ استخدموا كلَّ واسطة لتحريك ذهنه، ولكن كان فيه شيء من العزم الذي نما بنموه، فلما دخل في مهام الحياة فاق كثيرين من أبناء صفه، وآخر مرة سمعت عنه كان رأس حكام بلاده.
ولا يخفى أنَّ السلحفاة المشهورة ببطئ الحركة إذا سارت في طريق قويم سبقت الفارس السائر في طريق معوج، فلا خوف على ولد بطيء الفهم إذا كان مجتهدًا، على أنَّ الذكاء قد يكون مضرًّا؛ لأن من تعلم سريعًا نسي سريعًا، هذا فضلًا عن أنَّ الذكي لا يرى لزومًا للاجتهاد والمواظبة اللذين يرى البليد لزومهما له ويمارسهما، ولا يخفى أنهما أصلٌّ لكلِّ نجاح.
والخلاصة أنَّ التهذيب لا يتوقف على المدارس والمعلمين، كما يتوقف على الاجتهاد بعد الدخول في ميدان الحياة؛ ولذلك لا يليق بالآباء أنْ يخافوا من تأخُّر بنيهم وهم في المدارس، ولا يجب أنْ ينتظروا منهم نجاحًا سريعًا، بل عليهم أنْ يكونوا صبورين، منتظرين فعل القدوة الحسنة والتربية الصحيحة فيهم، وتاركين ما بقي للعناية الإلهية، ويحرصوا على صحة أولادهم وتدريبهم في جادة التهذيب الذاتي، مربِّين فيهم روح الانصباب والمواظبة، فينجحون إذا كانوا أهلًا للنجاح، ولو بعد أنْ يتقدموا في السن.
هذا، وإنَّا نعرف كثيرين في بلاد الشام من الذين تركوا صناعة الحياكة أو السكافة، أو البناء، أو تقطيع الحجارة، ودخلوا المدارس العالية وتعلموا فيها، وهم الآن في أعلى المناصب، وكنَّا نود أنْ نذكر شيئًا مما نعلمه من أمرهم مثالًا لغيرهم لو علمنا أنهم لا يستنكفون من ذلك، ولو تدبروا الأمر ما استنكفوا من ذكر أصلهم الوضيع والمصاعب الكثيرة التي تغلبوا عليها؛ لأن ذلك يزيدهم شرفًا واعتبارًا في عيون الناس، ويؤهل كلًّا منهم لأن يقول:
ما بقومي شرفت بل شرفوا بيوبنفسي فخرت لا بجدودي
ونعرف أيضًا كثيرين من الذين اشتُهروا بالنجابة وهم في المدارس، وكانوا في مقدمة صفوفهم، ثم أهملوا الدرس والتهذيب؛ فضاع علمهم ونُسِي اسمهم، وغيرهم من الذين لم يشتهروا بجودة الفهم والذاكرة، ثم اشتُهروا بالاجتهاد والمواظبة لمَّا تعاطوا مهام الحياة، فأفلحوا وأثروا وسبقوا الذين كانوا فوقهم في المدرسة بمراحل، ولا يمنعنا عن ذكر أسمائهم إلَّا كونهم لم يزالوا في غضاضة الشباب، فلا نعلم كيف تتقلب بهم صروف الزمان، أو كيف يتقلبون بها، واللبيب إذا أمعن نظره رأى بين جيرانه ومعارفه أمثلة كثيرة تؤيِّد كلَّ ما تقدم.
الفصل الثاني عشر
في القدوة
قال جون سنرلن ما معناه:
كأنا وطيف الأقربين يزورناوإنْ أبعدتهم عن حمانا المقابر
جيوش إلى كسب الفخار تسابقواوأملاكهم تحتثُّهم أنْ يحاضروا
وقال جورج إليوت: أولادنا يموتون وأفعالنا تحيا، وحياتها خالدة في نفوسنا وفي غيرها.
وقال توما الملمسبري: لا عمل من أعمال الإنسان إلَّا وهو بداية سلسلة من النتائج التي تقصر عن إدراك نهايتها الحكمة الإنسانية.
***
القدوة معلم من أقدر المعلمين، مع أنها تعلم بلا لسان وهي مدرسة البشر العملية، وتعليم العمل أفعل من تعليم القول، والإرشاد يري الطريق، ولكن القدوة البكماء تسيِّر فيه، والنصيحة ثمينة ولكنها لا تفيد كثيرًا ما لم توافقها سيرة الناصح، وخير النصح: افْعَلْ كما أَفْعل، لا كما أقول. وكلُّ الناس مائلون طبعًا إلى أنْ يتعلموا بعيونهم أكثر مما يتعلمون بآذانهم، والمرئي يؤثر أكثر من المقروء والمسموع، ويصدق هذا القول بنوع خاص على الأحداث؛ لأن عيونهم هي الباب الأوسع للمعرفة، فما يرونه يقتدون به وإنْ عن غير قصد، ولذلك تراهم يتمثلون بالذين حولهم، كما أنَّ الحشرات الصغيرة تتلون بلون النباتات التي تقتات منها، وإذا كان الأمر كما ذكرنا فلا شيء أفعل من التربية البيتية؛ لأنه مهما كان تأثير المدارس قويًّا يبقى تأثير البيوت أقوى، وعليه تتوقف صفات رجالنا ونسائنا، البيت جرثومة الهيئة الاجتماعية وأصل الصفات الأهلية، ومن هذا الينبوع تنبثق الآداب والأخلاق المتسلطة على الخاصَّة والعامَّة، وصفاء الدنيا وكدرها يتوقفان على صفاء البيت وكدره، والمحبة العائلية مصدر المحبة الوطنية، ومن هذه الدائرة الصغيرة تتولد دوائر كبيرة تعم العالم أجمع، وبما أنَّ القدوة تؤثر في حياة الناس تأثيرًا بليغًا بهذا المقدار وتميل بهم إلى الصلاح أو الطلاح؛ لذلك هي مهمة جدًّا حتى في الأمور الطفيفة، وصفات الوالدين تظهر في أولادهم، وأفعالهم المختلفة التي يمارسونها يوميًّا كالمحبة والاجتهاد وإنكار الذات وحسن السياسة، تحيا في أولادهم بعد أنْ يكونوا قد نسوا تعاليمهم التي سمعوها منهم بآذانهم من زمان طويل، ونظرة واحدة من الأب قد تبقى مؤثرة في الولد مدى الحياة، وكثيرون قد تجنَّبوا شرورًا كبيرة لئلا يهينوا اسم والديهم، وكلُّ أمر مهما كان طفيفًا يؤثر تأثيرًا بليغًا في أخلاق البشر، قال وست المصور: «إنَّ قبلة واحدة من أمي جعلتني مصورًا.» وعلى هذه الأمور الطفيفة تتوقف سعادة الصغار عندما يصيرون رجالًا. كتب فول بكستن لأمه بعد أنْ ارتقى منصبًا عاليًا يقول: «إنني أشعر على الدوام بنتائج المبادئ التي غرستِها في عقلي.» وكان بكستن هذا يقر بفضل رجل أمي يُسمَّى إبرهيم بلاستو، وكان هذا الرجل من الحكمة والاستقامة على جانب عظيم حتى شبَّه بكستن كلامه بخطب سنيكا وشيشرون، ولما التفت اللورد لنديل إلى قدوة أمه الصالحة، قال: إذا وضعت العالم بأسره في كفة ميزان وأمي في الكفة الأخرى رجحت عليه رجوحًا بليغًا. وكانت إحدى السيدات تذكر في شيخوختها ما كان لأمها من الهيبة في قلوب معارفها، فقالت إنها لم تدخل بيتًا إلَّا طهَّرت ما فيه وجعلت حديث أهله جليلًا قويمًا، وما ذلك إلَّا لاستقامتها التي جعلت لها هذا التأثير في قلوب الجميع.
ومن الأمور المهمة بل الرهيبة جدًّا أنَّ كلَّ عمل يعمله الإنسان وكل كلمة يتفوَّه بها، هي أساس نتائج عديدة لا يعرف نهايتها إلَّا الله وحده، ولكلٍّ منها تأثير في حياتنا وحياة غيرنا، فكل عمل صالحًا كان أو طالحًا يحيا ويثمر، وإنْ لم نرَ ثمره بعيوننا، وأرواح البشر لا تموت ولكنها تبقى حيَّة وتجول بين الأحياء، ولقد أصاب مستر دزرائيلي؛ إذ قال في مجلس العامة عند وفاة رتشرد كبدن: إنَّ هذا الرجل من الرجال الذين وإنْ غابوا عنا لا يزالون بيننا أعضاء في هذا المجلس.
وفي حياة الإنسان شيء من الخلود حتى في هذه الدنيا؛ لأنه ليس فرد من أفراد البشر إلَّا وهو عضو من أعضاء جسد العائلة البشرية، يعمل لزيادة خيرها أو ضَيْرها، وكما أنَّ الحاضر متصل بالماضي وحياة آبائنا لا تزال تؤثر فينا، فكذلك نحن سنؤثر في الأجيال الآتية بسيرتنا وأفعالنا اليومية، وما الإنسان سوى ثمرة أنضجتها القرون السالفة وأوصلتها إلى حالتها الحاضرة، وللجيل الحاضر هذا الفعل نفسه في الأجيال التالية، وهكذا سيرتبط الماضي الدابر بالمستقبل البعيد، وأفعال البشر لا تموت وإنْ ماتت أجسادهم وصارت هباءً منثورًا، بل تحيا إلى الأبد وتؤثر في حياة الأجيال العتيدة، وتثمر إثمارًا من نوعها إنْ خيرًا فخير وإنْ شرًّا فشر، وقد أظهر ذلك مستر ببادج بعبارات بليغة لا بأس من إيرادها هنا. قال: «إنَّ كل ذرة تتحرك بالحركة التي حرَّكها بها الحكماء الفلاسفة، حتى إنَّ الهواء نفسه يشبه كتابًا كبيرًا، كُتِبَ على صفحاته كلُّ ما تفوَّه به بنو البشر، كل ما قالوه ولم يفعلوه أو وعدوا به ولم يفوه، فهو شاهد أزلي على تقلب إرادة الإنسان، ولكن إذا كان الهواء شاهدًا على أقوالنا فالأرض والبحار والهواء شهود أبدية على أفعالنا، وكما وضع الله القدير على جبهة القاتل الأوَّل علامة ظاهرة لجرمه، فكذلك سنَّ شرائع تُلْزِم كلَّ مذنب أنْ يقر بذنبه؛ لأن كل ذرة من جسده مهما تغيَّر وضعها لا تزال تتحرك بالحركة الأولى التي ارتكب بها ذلك الذنب.» لذلك كل فعل نفعله وكل كلمة نقولها، بل كل عمل نراه وكل قول نسمعه يؤثر في حياتنا تأثيرًا مستمرًّا، ويمتد تأثيره إلى الجنس البشري إجماعًا، ولا نقدر أنْ نتبع هذا التأثير بتفرعاته المختلفة بين أولادنا وأصحابنا ورفاقنا، لكن لا بُدَّ من أنه يتصل إليهم ويدوم امتداده مدى الأيام. ومن هنا نرى أهمية القدوة الحسنة التي هي مهذِّب أخرس — كما قلنا سابقًا — ويقدر عليها أفقر الناس وأحقرهم، ومهما كان الإنسان حقيرًا لا يزال مديونًا لغيره بهذا النوع من التعليم، ولا يُستغنَى عن تعليمه مهما كان حاله دنيئًا؛ لأن المنارة الموضوعة على رأس جبل تنير والموضوعة على سفحه تنير أيضًا، والرجل الحقيقي يُرى في كل أين وآن في أكواخ المزارع وقصور المدائن. ومن يحرث قطعة أرض تُقاس بالشبر يمكنه أنْ يكون قدوة لغيره في الأمانة والاجتهاد كمن يملك الألوف، وأحقر الحوانيت يمكن أنْ يكون مدرسة للاجتهاد والأدب أو وهدةً للشر والجهل. وكل شيء يتعلق على الإنسان واستخدامه للفرص التي يوجدها لنفسه.
ومن ترك لأولاده وللناس سيرة حسنة وقدوة صالحة، فقد ترك لهم إرثًا فاضلًا يردعهم عن الشر، ويحرضهم على الخير، ويغنيهم أدبيًّا وماديًّا، وحبذا من يقدر أنْ يقول كما قال بوب للورد هرفي: حسبي فخرًا أنني لا أخجل بوالديَّ ولم يخجلا بي. ولا يكفينا أنْ نقول للناس اعملوا كذا وكذا، بل علينا أنْ نعمل أمامهم، وما أحسن ما قالته إحدى السيدات وهو: إذا أردنا فعل شيء فعلينا أن نشرع فيه بيدنا. والكلام وحده لا يكفي، فإن كثيرين يحثون غيرهم على فعل هذا الشيء أو ذاك، ولكن كلامهم لا ينفع شيئًا ما لم يعززوه بفعلهم ولو كانوا من ذوي البلاغة والحجة.
إنْ قلتَ وَيْحك فافعل أيها الرجلفكم رجال لنا قالوا وما فعلوا
وأصحاب الهمة والمروءة لا يقدرون أنْ يحركوا الناس للعمل ما لم يكونوا هم من أهل العمل، فلو قام توما رَيط وتبوأ كلَّ منبر وخطب في إصلاح شأن المجرمين، ولو قام يوحنا بوندس وملأ جرائد البلاد من الحث على إنشاء المدارس للمنقطعين، ولم يفعلا شيئًا ما استفادا شيئًا، ولكنهما لم يتكلما بشيء، بل شرعا في عمليهما بأيديهما، فنجحا وحرَّكا غيرة الناس للاقتداء بهما.
وهاك ما قاله الدكتور كُنري الواعظ المفلق الذي يُدعَى رسول مدارس المنقطعين، قال: «إنَّ رغبتي الشديدة في هذا العمل العظيم تبيِّن كيف أنَّ العناية الإلهية تجعل الأمور الطفيفة تؤثر في حياة البشر ومقاصدهم؛ لأنني انتبهت إلى وجوب إنشاء المدارس للمنقطعين من نظري إلى صورة في برج قديم، فإنني دخلت هذا البرج فوجدت فيه غرفة فيها كثير من الصور، وبينها صورة تمثِّل حانوت إسكاف، والإسكاف جالس وعويناته على أنفه وبين ركبتيه حذاء عتيق، وعلى وجهه أمارات الهيبة والوقار وعلو الهمة، وعيناه شاخصتان إلى جمٍّ من الصبيان والبنات الجالسين أمامه بثياب أخلاق وكتبهم في أيديهم، ثم التفتُّ وإذا بجانب الصورة كتابة يقول فيها: هذا هو يوحنا بوندس الإسكاف، وقد أخذته الشفقة على الأولاد المنقطعين المتروكين من القسوس والحكام والأسياد والسيدات لكي يطوفوا الأزقة في حالة يُرثَى لها، فجمعهم مثل راع صالح وعلَّمَهم وهذبهم؛ لأجل خيرهم ومجد الله، فانتشل من وهدة الهلاك ما ينيف على خمس مائة ولد، وهو يحصل خبزه بعرق جبينه. فعندما قرأت هذا الكلام خجلت من نفسي والتفتُّ إلى رفيقي وقلت له: حقًّا إنَّ هذا الرجل فخر للبلاد ويجب أنْ يقام له نصب من أرفع الأنصاب التي أقيمت في البلاد الإنكليزية، ثم راجعت تاريخ حياته فرأيت أنَّ قلبه كان مملوءًا من الشفقة والحنو، وعقله من الحكمة والدراية في اجتذاب الناس، وأنه كان يطوف الشوارع يستدعي الأولاد المنبوذين ليأتوا إلى مدرسته، ولم يكن يجبرهم على ذلك بقوة الحكومة، بل بإطعامهم قليلًا من الطعام، وإني لإخال عظماء الأرض وأشرافها الذين أطنب الشعراء بمدحهم وأقيمت لهم الأنصاب، قد وقفوا في ساعة الحساب الرهيبة وانقسموا إلى شطرين؛ لكي يجتاز بينهم هذا الرجل الخامل الذكر، وينال ثوابه من ذاك الذي قال: بما أنكم فعلتموه بأحد هؤلاء الأصاغر فبي فعلتم.»
لا شيء يؤثر في الأخلاق مثل القدوة؛ لأن البشر مائلون طبعًا إلى الاقتداء بمن حولهم في العوائد والأخلاق والآراء، وإنْ لم يقصدوا ذلك. نعم، إنَّ الإنذار الحسن يفعل كثيرًا، ولكن القدوة الحسنة تفعل أكثر منه؛ لأنها مهذب عامل، ومن ينذر بكلامه وهو فاسد السيرة كمن يبني بيد ويهدم بأخرى؛ لذلك كان اختيار الرفاق أمرًا ضروريًّا ولا سيما في سن الصبوة؛ لأن في الشبان قوة خفية تجعلهم يتخلقون بأخلاق رفقائهم، ولله در القائل:
عن المرء لا تسأل وأبصر قرينهفكل قرين بالمقارن يقتدي
وهذا الأمر قد أوجب على بعضهم أنْ يقول إمَّا رفقة حسنة وإمَّا الانفراد، وما أحسن ما قاله المثل: اسأل عن جارك قبل دارك، وعن رفيقك قبل طريقك. قيل كتب اللورد كُلِنْود إلى صديق من الشبان يقول: الانفراد خير من مرافقة أدنياء القوم، فلا تصاحب إلَّا من كان مثلك أو أعلى منك؛ لأن الإنسان يُعرَف بأصحابه. وقد آلى السر بطرس لِلي المصور على نفسه ألَّا ينظر إلى صورة قبيحة؛ خوفًا من أنْ يكتسب قلمه منها شيئًا يفسد ذوقه، وكذلك من ينظر إلى شخص فاسد لا يلبث أنْ يكتسب منه شيئًا يضر به. قال الحكيم: المساير الحكماء يصير حكيمًا، ورفيق الجهَّال يُضَر. فعلى الشبان أنْ يعاشروا أفاضل القوم ويقتدوا بهم. وقال فرنسيس هرنر عما استفاده من معاشرته للعقلاء لا يسعني أنْ أنكر أنني استفدت منهم إفادة عقلية أكثر مما استفدت من كلِّ الكتب التي تصفحتها في حياتي. قيل: إنَّ اللورد شلبرن زار، وهو فتًى، الفاضلَ ملشرب واستفاد من هذه الزيارة فائدة كبيرة، حتى إنه قال فيما بعد إنني قد جلت في بلدان كثيرة، ولم أستفد من مخلوق قدر ما استفدت من تذكري مسيو ده ملشرب، وفول بكستون كان من أكثر الناس إقرارًا بفضل عائلة كرني عليه؛ لأنها ربَّت فيه كلَّ صفاته الحميدة، حتى إنَّ نجاحه في حياته توقَّف بنوع خاص على الأخلاق التي اكتسبها مدة إقامته في بيت تلك العائلة.
والالتصاق بالأفاضل يورث الفضل، كما أنَّ المرور بين النباتات العطرية يعطر ثياب السيَّاح، فإن الذين يعرفون يوحنا سترلن مثلًا يقولون إنه لم يجالسه أحد إلَّا استفاد منه. وكثيرون مديونون له؛ لأنهم بواسطته انتبهوا إلى رفع شأنهم، قال فيه مستر ترنتش: إنه لمن المحال أنْ تقترب منه إلَّا وتشعر أنَّ أفكارك قد ارتقت ارتقاءً عجيبًا، وهذا هو فعل العقول العجيب بعضها ببعض.
وبين الموسيقيين والمصورين فعلٌ وانفعال مثل هذا. قيل إنَّ هيدن سمع هندل يغني فاضطرمت في فؤاده رغبة شديدة في الغناء، ولما كان نرثكوت فتًى رأى المصور رينلدز في محفل، فاخترق الجمع المزدحم إلى أنْ وصل إليه، ولَمَس هدبَ ثوبِه، وقال إنه لما فعل ذلك ارتاح باله.
ومن ينكر أنَّ قدوة الأبطال تبث الشجاعة في قلوب الجبناء، حتى إنَّ الرجال المتوسطي القوة قد فعلوا العجائب؛ لأن قوادهم كانوا أبطالًا بُسَّلًا، قيل إنَّ زسكا أوصى بجلده أنْ يصنع طبلًا؛ لكي يحرك شجاعة البوهيميين، ولما مات إسكندر بك أمير أبيروس طلب الأتراك عظامه؛ لكي يحملوها بجانب قلوبهم فتتصل شجاعته إليهم، ولما كان البطل دكلس في إسبانيا رأى واحدًا من فرسانه محاطًا بالمسلمين وقد سدوا عليه طرائقه، فنزع ذخيرة قلب بروس من عنقه وطرحها في وسط العدو صارخًا: حارب وانتصر حسب عادتك فسأتبعك أو أموت. قال هذا وهجم إلى حيث سقطت الذخيرة ولم يرتد حتى قُتِل.
وفائدة ترجمات البشر تخليد ذكر الرجال الذين يحق أنْ يُقتَدى بهم، فإنا نجد فيها آباءنا أحياء في سيَر حياتهم وفي الأعمال التي عملوها نعم، ونراهم يحثوننا على المعروف وينهوننا عن المنكر، ومن مات وترك وراءه مثالًا حسنًا، فقد ترك لنسله وغيرهم أفضل تركة، وستبقى أثمارها مدى الأيام. وأنفع الكتب كتاب يتضمن حياة رجل فاضل، وقلَّ من يقرأ سيرة الرجال الأفاضل إلَّا ويشعر كأن حياة جديدة قد دخلت عقله وقلبه، وكثيرًا ما يحدث أنَّ سيرًا كهذه تنبه القوى الخامدة، فينتبه الإنسان إلى نفسه، ويرى أنَّ فيه موهبة لبعض الأمور وهو غير شاعر بها، كما حدث لكرجيو لما قرأ مؤلفات ميخائيل أنجلو. قال السر صموئيل روملي في تاريخ حياته إنه استفاد كثيرًا من قراءة سيرة الفاضل داكسُّو الفرنساوي، ونسب فرنكلين شهرته إلى قراءته مقالات ماثر، وقال صموئيل درو إنه درَّب حياته على أنموذج فرنكلين. فانظر كيف يتصل فعل القدوة الحسنة بالتسلسل، ولا يمكننا أنْ نحكم أين تكون نهايته إذا كانت له نهاية، لذلك علينا أنْ نختار الكتب الفضلى ونقتدي بالشيء الأحسن فيها، كما أنه علينا أنْ نختار العشراء الأفضلين. قال اللورد ددلي: إنني مغرم بالاقتصار على الكتب المفيدة التي طالعتها وعرفت فائدتها، وأشهد أنَّ قراءة كتاب عتيق مرة ثانية أفضل من قراء كتاب جديد لم يُقرَأ قبلًا، وإنْ لم تكن ألذ منها.
ويحدث أحيانًا أنْ يأخذ إنسان كتابًا لمجرد التسلية، فيرى فيه سيرة تؤثر فيه تأثيرًا بليغًا، وتنبه فيه قوة كانت خاملة، مثال ذلك أنَّ ألفياري مال إلى الإنشاء بقراءة سيرة فلوطرخس. ولويولا لما كان في الجند انجرح جرحًا بليغًا في رجله ونُقِل إلى المستشفى، فطلب كتابًا يتسلَّى به فدفع إليه كتاب حياة القديسين، فتأثر تأثيرًا بليغًا من مطالعته، حتى إنه عزم من ذلك الوقت أنْ ينشئ طغمة دينية جديدة. ولوثر تحرك إلى الإصلاح بقراءة سيرة يوحنا هس. والدكتور ولف تحرك إلى التبشير بقراءة حياة فرنسيس زفير. ووليم كاري انبعث إلى فوائده أول ميل إلى التبشير بقراءة أسفار القبطان كوك. وكان من عادة فرنسيس هُرنر أنْ يذكر في مفكرته ومكاتيبه أسماء الكتب التي استفاد منها أكثر ما يكون، ومن جملة ما ذكره ترجمة هلر لكندُرْسَت، ومحاورات السر يشوع رينلدز، ومؤلفات باكون، وسيرة السر متى هال لبرنت، فهذه الكتب ولا سيما الأخير حرَّكت نشاطه، بل أضرمته غيرة واجتهادًا، ولقد قال عن ترجمة هلر: إنني لا أقرأ سيرة إنسان مثل هذا إلَّا وأشعر بنوع من خفقان القلب، ولا أعلم إلى أي شيء أنسبه إلى الانذهال، أم إلى الطمع، أم إلى اليأس. وقال عن محاورات السر يشوع رينلدز ما من كتاب بعد كتب باكون اقتادني إلى تهذيب نفسي مثل هذه المحاورات، وإني أعدُّ الرجل الذي يظهر للعالم كيفية البلوغ إلى العظمة من أحكم الناس. وهذا شأن هذا المؤلف، وهو يثبت أنَّ البشر قادرون على عمل كل شيء يجتهدون فيه إثباتًا يضطر القارئ إلى الاعتقاد بأن الموهبة الفائقة ليست هبة خاصة ببعض الناس، بل ملكة مكتسبة، وأنَّ الجميع قادرون على نوالها، ومن الغريب أنَّ السر يشوع نفسه تحركت فيه محبة التصوير بقراءته سيرة واحد من مشاهير المصورين، وكذلك تحركت محبة التصوير في هيْدَن بقراءته سيرة رينلدز هذا، فكانت سيرة الواحد شعلة لإضرام قوى الآخر وبعثها في سبيل المجد، وإذا دققنا النظر رأينا في الدنيا سلسلة غير منقطعة من الناس الذين تمثَّلوا بمن قبلهم، وكانوا مثالًا لمن بعدهم.
ومن الأمثلة التي يمكننا أنْ نعرضها على الشبان ليقتدوا بها، مثال العامل المسرور بعمله؛ لأن السرور زيت النفس يسهل حركتها ويزيد مرونتها، وبه تزول المصاعب، ويزداد الرجاء، وتُغتَنم الفرص، والروح الحارة تكون مسرورة دائمًا ونشيطة، وتعمل أعمالها بسرور، وتحرك الغير إلى الاقتداء بها، وترفع شأن أحقر المصالح. وأتم الأعمال ما يعمله الإنسان من قلبه ويعمله بسرور. كان من عادة هيوم أنْ يقول إنه يفضل الطبع الميال إلى السرور على عقارٍ دخله عشرة آلاف ليرة مع طبع ميال إلى الغم. وكان كرنفيل شَرْب يسلي نفسه في وسط أتعابه الشاقة في أمر تحرير العبيد باللعب على آلات الطرب والرسم، وفول بكستن كان دائمًا جزلًا، وكان يشترك مع أولاده في اللعب واللهو وركوب الخيل، والدكتور أرنلد كان يفرح بكل أعماله، وكل ما عمله عمله بكل قلبه، قيل في ترجمته: «إنَّ أغرب ما في للهام حيث كان يعلم نشاطُ من فيها وهمتهم، حتى إنَّ كل من يدخلها يرى أنَّ أهلها عاملون عملًا عظيمًا، وكل تلميذ مشترك فيه، وكل منهم مسرور سرورًا لا يوصف؛ لكونه عاملًا عملًا نافعًا وقلبه مشغوف بعمله الذي علَّمه أنْ يعتبر الحياة والعمل المعيَّن لها، وأساس ذلك كله استقامة أرنلد وحسن إرشاده واعتباره للعمل، ولم يصدر هذا عن هوًى ولا عن ميل لعمل دون آخر، بل عن شعور عميق ثابت بأن العمل من واجبات الإنسان، وهو الغاية من قواه المختلفة، والميدان الذي تتروض فيه طبيعته وتترقَّى فيه نحو السماء.»
لم يقم في هذه الدنيا على ما نظن رجل أفاد أهله وجيرانه بسيرته واجتهاده الممزوج بالسرور، أكثر من السر يوحنا سنكلر. كان لهذا الرجل أملاك متسعة في شمالي اسكتلندا اتصلت إليه بالإرث من أبيه، ولما بلغ الثامنة عشرة أخذ يصلح أملاكه بنشاط لم يسبقه إليه أحد، فامتدت إصلاحاته حالًا في كلِّ اسكتلندا، وكانت الزراعة حينئذٍ في حالة يُرثَى لها؛ لأن الحقول كانت تُغمَر بالمياه مدة طويلة، وكان الفلاحون في غاية المسكنة ولم يمكنهم أنْ يشتروا شيئًا من الدواب، بل كانت نساؤهم تحمل كلَّ الأحمال، حتى إنَّ من احتاج دابة كان يتزوج بامرأة، وكانت البلاد بدون طرق والأنهار بدون قناطر، وكان هناك طريق وعرة في لحف جبل يشرف على البحر، فعزم على فتح طريق أخرى فازدرى به أصحاب الأملاك، ولم يصدقوا أنه يفعل ذلك لكنه جمع نحو ألف ومائتي رجل، واقتادهم إلى هذا العمل العظيم بنفسه، وقبل أنْ خيم الليل فتح طريقًا طوله ستة أميال تسير فيه المركبات بسهولة، مع أنه كان يتعسر سلوكه على المعزى، فانذهلوا منه وانقادوا إلى رأيه، ثم جعل يفتح الطرق ويقيم المطاحن، ويبني القناطر على الأنهر، ويحسن حال الزراعة بزرع الأرض أنواعًا عديدة بالتعاقب، وإعطاء الجوائز تشجيعًا للمجتهدين، فأحيا الهيئة الاجتماعية في كلِّ البلاد المجاورة له، حتى صارت تلك البلاد جنة يُضرَب بها المثل في الخصب وحسن الطرق، ولما كان حدثًا كان البريد يحمل إلى ثرسو مرة واحدة كل أسبوع، فعزم على جعله يحمل كل يوم، وفي أول الأمر لم يصدق أحد بإمكان ذلك، حتى صار قولهم: «متى رأى السر جون البريد في ثرسو يوميًّا.» مثلًا يضربونه للمستحيل أو البعيد الوقوع، ولكنه لم يمت حتى رأى البريد في ثرسو يوميًّا.
ثم اتسع نطاق أعماله المفيدة؛ لأنه لما رأى أنَّ الصوف الإنكليزي الذي هو فرع معتبر من تجارة البلاد قد انحطَّ كثيرًا، عزم أنْ يصلحه، ولم يمضِ عليه إلَّا مدَّة قصيرة حتى أنشأ مجمع الصوف البريطاني، وجلب ثماني مائة رأس غنم على نفقته من البلدان البعيدة، وكانت النتيجة إدخال الجنس الشفيوتي إلى اسكتلندا، وأول ما جاهر بهذا الأمر استهزأ به مربو المواشي، زاعمين أنه لا يمكن لمواشي البلدان الجنوبية أنْ تنمو في الشمال، ولكنه لم يبالِ بهم، بل أصرَّ على إتمام ما قصده، ولم يمضِ إلَّا سنون قليلة حتى صار في البلاد ما ينيف على ثلاث مائة ألف رأس من الغنم الشفيوتية، فارتفعت أسعار الأراضي الجيدة للرعاية ارتفاعًا بليغًا.
ثم انتُحب عضوًا في البرلمنت لمقاطعة كثنس، وبقي في هذا المنصب ثلاثين سنة، فصارت لهُ فرص كثيرة لإظهار فوائده، فإنه لما رأى مستر بت الوزير مواظبته واجتهاده في كل أمر مفيد للجمهور، دعاه وعرض عليه مساعدته في كلِّ ما يريد، فأجابه على الفور: إنني أطلب مساعدتك في إنشاء مجلس وطني للزراعة. ويروى أنَّ أرثر ين تراهن مع السر يوحنا على أنَّ هذا الأمر لا يتم أبدًا، وهذا كلامه حرفيًّا: «إنَّ مجلس الزراعة الذي تحلم به سيكون في القمر.» ولكن السر يوحنا أخذ في هذا الأمر بهمته المعتادة، فحرَّك ميل الجمهور وأكثر أعضاء البرلمنت، ولم ينفك عن عزمه حتى أنشأ هذا المجلس وانتُخب رئيسًا له، ونتائج هذا المجلس وفوائده أوضح من أنْ تُبيَّن وأكثر من أنْ تعدَّد. ولما سمع أنَّ فرنسا عازمة على الحملة على إنكلترا، عرض على مستر بت تجهيز كتيبة من الجند على نفقته، ثم مضى إلى الشمال وجرَّد نحو ألف من المتطوعة واستلم قيادتهم، وكان حينئذٍ مديرًا لبنك اسكتلندا، ورئيسًا لمجمع الصوف البريطاني، وحاكمًا لوِك، ومديرًا لمجمع صيد السمك البريطاني، وعضوًا في مجلس القوائم الدولية وفي البرلمنت لمقاطعة كثنس، ورئيسًا لمجلس الزراعة، وفيما كان يشتغل في هذه الأشغال الكثيرة التي لا يقوم بها رجلان ولا ثلاثة، وجد وقتًا لتأليف كتب تكفي وحدها لتخليد اسمه. قال مستر رش سفير أميركا في لندن إنه سأل مستر كك الهلكهامي: ما أفضل كتاب في الزراعة؟ فأجابه: كتاب السر يوحنا سنكلر، ثم سأل مستر فنسترت: ما أفضل كتاب في مالية الدولة الإنكليزية؟ فهداه إلى كتاب للسر يوحنا في هذا الموضوع، ولكن الكتاب الذي خلَّد ذكره أكثر من غيره هو كتابه في حالة اسكتلندا السياسيَّة والماليَّة في واحد وعشرين مجلدًا، وهو من أفضل ما سمحت به قريحة إنسان في كل أين وآن، وقد قضى في تأليفه ثماني سنوات قرأ في غضونها أكثر من عشرين ألف مكتوب في موضوع هذا الكتاب، ولم يكن له منه فائدة شخصية سوى شرف الاسم؛ لأنه وهب دخله لتهذيب أولاد القسوس الاسكتلنديين، ولقد نتج من طبع هذا الكتاب نتائج كثيرة حميدة، منها إلغاء بعض الامتيازات المضرة بصالح الجمهور، ورفع أجرة القسوس والمعلمين، وترقية شأن الزراعة، ثم قصد أنْ يباشر عملًا أعظم من هذا، وهو جمع كتاب شبه الأول في أحوال إنكلترا السياسيَّة والماليَّة، فلم يوافقه رئيس أساقفة كنتربري؛ مخافة أنْ يتعرَّض لأعشار القسوس.
ومن الأمور الكثيرة التي تظهر علوَّ همته، ومضاء عزيمته الحادثة الآتية، وهي أنه في سنة ???? توقف دولاب الأعمال بواسطة الحرب، فأفلس كثير من تجار منشستر وكلاسكو، وأضحت بيوت كثيرة عظيمة على حافة الإفلاس لا لقلة مقتنياتها، بل لانغلاق باب التجارة والأمانة (كرديتو)، فارتأى السر يوحنا في البرلمنت أنْ تصدر الدولة أوراقًا دولية بقيمة خمسة ملايين ليرة، وتديِّنها للتجار الذين يقدرون أنْ يقدموا كفالة، فقُبِل هذا الرأي وفوِّض إليه مع بعض الأعضاء الذين انتخبهم بنفسه إتمام هذا العمل، وكان الوقت حينئذٍ ليلًا، وبما أنه خافَ من تأجيل الأمر، قام صباحًا ومضى إلى الصيارفة واستقرض منهم بكفالتهِ سبعين ألف ليرة وأرسلها في ذلك اليوم إلى التجار، ثم التقى بهِ مستر بت في المجلس وأخذ يتأوه؛ لأنه لا يمكن أنْ تفرج منسشتر وكلاسكو في وقت قصير كما كان يظن، زاعمًا أنه يلزم عدة أيام لجمع الدراهم اللازمة، فأجابه السر يوحنا أنَّ الدراهم قد مضت من يومين، ثم قصَّ عليه واقعة الحال فانذهل بت كلَّ الانذهال، وما زال هذا الفاضل آخذًا في أعماله باجتهاد وسرور إلى آخر حياته، فصار مثالًا حسنًا لعائلته ولأهل بلاده، بل شامة في وجنة بريطانيا، وقد أحرز الخير لنفسه وهو يطلب خير غيره لا في الثروة، بل بما ناله من السرور والراحة الداخلية، والسلام الذي يفوق كلَّ عقل، وتمَّم واجباته لوطنه، ولم ينسَ واجباته لأهل بيته، وبنوه وبناته ارتقوا في درجات المجد، وأعظم ما كان يفتخر به عندما ناهز الثمانين أنه ربَّى سبعة بنين، وما منهم من استدان مالًا لا يقدر على إيفائه، أو أحزن أباه بعمل شيء وكان تجنبه ممكنًا له.
الفصل الثالث عشر
في الأدب واللطف
قال الشاعر تنسن ما معناه:
ومن ذا الذي ترضي سجاياه دائمًاسوى الفاضل الندب الأديب المجرب
تراه بماء اللطف طهر ثوبهوزين حوباه بخلق مهذَّب
وقالت جريدة التيمس: إنَّ ما يرفع البلاد ويقويها ويعظمها ويمد سطوتها المادية والأدبية، ويجعلها معتبرة مطاعة، ويخضع تحتها أممًا وممالك، هو الأدب، آلة الطاعة، وأساس العظمة، وتاج الرئاسة، وعرش السلطنة، وصولجان القوة.
***
الأدب تاج الحياة ومجدها، وأفضل ما يملكه الإنسان، وهو الشرف بالذات والمال بالاعتبار. هو الذي يرقِّي الأمة، ويرفع شأن جميع المناصب، ويغني أكثر من الثروة، ويشرِّف أكثر من الشهرة، وليس هو تحت الخطر مثل الأولى ولا عرضة للحسد مثل الثانية، وهو نتيجة الصدق والاستقامة والثبات، الصفات التي يعتبرها الجميع أكثر من أي صفة كانت. الأدب مظهَر الطبيعة الإنسانية في أفضل معانيها، وأحسن مبانيها وأهله روح الهيئة الاجتماعية ومصدر قوة الدولة الحسنة السياسية؛ لأن الصفات الأدبية هي الحاكمة على الكون، قال نبوليون: إنَّ نسبة فائدة القوى الأدبية في الحرب إلى القوى الجسدية كنسبة عشرة إلى واحد. وقوة الأمم واجتهادهم وتمدنهم تتوقف على أدب أفرادهم، وما الشرائع والأحكام سوى ظواهر الأدب، وميزان الطبيعة العادل لا يُنيل الأفراد والأمم والشعوب إلا ما يستحقونه، فالحسن الأدب يُجَازَى بالحسن والضد بالضد، وتلك نتيجة ضرورية لا مفر منها، الأدب صفة تعصم من قامت به عما يشينه، فإن كان الإنسان قليل العلم والثروة ولكن أديبًا كان له نفوذٌ في كل مكان في المعمل وفي المخزن وفي المكتب وفي الديوان. كتب كَنِن سنة ???? يقول: سبيلي إلى القوَّة إنما هو في الأدب، ولست بسالك سبيلًا آخر، وهو ليس السبيل الأقرب ولكنه الأثبت.
إننا نفتخر بذوي العقول الحاذقة، ولكنَّا لا نتكل عليهم ما لم نرَهم أدباء، ولقد أصاب اللورد يوحنا رسل؛ إذ قال: إنَّ من طبيعة الأحزاب في لندن أنْ يستعينوا بذوي العقول الحاذقة، ويتبعوا إرشاد ذوي الآداب الحسنة. وقد ظهر الأدب ظهورًا جليًّا في حياة فرنسيس هُرْنَر الذي قال فيه سدني سمث: إنَّ الوصايا العشر كانت مطبوعة على جبينه. وتُوفِّي هُرْنَر هذا في الثامنة والثلاثين من عمره، ولكن كان محبوبًا ومؤتمنًا من الجميع، وما من أحد إلا وقد تأسَّف عليه ما عدا الأنذال، ولم يُقِم البرلمنت إكرامًا لعضوٍ وقتَ وفاتِه كما أقام لهذا الرجل، وما هو سبب ذلك؟ أشرفه؟ كلَّا؛ لأن أباه كان تاجرًا متوسط الحال، أغناه؟ كلَّا؛ لأنه لم يُعْرَف عنه ولا عن واحد من أقاربه أنه فاض معهم درهم واحد، أمنصبه؟ كلَّا؛ لأنه لم يكن له إلا منصب واحد، أقام فيه مدة قصيرة، وكانت أجرته طفيفة، أذكاؤه؟ كلَّا؛ لأنه لم يكن ذكيًّا بل حذورًا بطيئًا ولم يطمع إلا بالاستقامة، أفصاحته؟ كلَّا؛ لأنه كان يتكلم بهدوء وسكينة، ولم يكن في كلامه شيء من الفصاحة التي تُذهِل السامعين، أسحر معانيه؟ كلَّا؛ لأنه كان كغيره من الناس، فبماذا إذن؟ باجتهاده وحسن مبادئه وصفاء قلبه، الصفات التي يقدر على كسبها كلُّ إنسان سليم العقل، فلم يرتق إلا بحسن آدابه، ولم تكن آدابه وضعيَّة فيه بل مكتسبة، وهو الذي أكسبها لنفسه، وكان في مجلس العامة أناس كثيرون أسمى منه عقلًا وأكثر فصاحة، ولكن ما من أحد منهم فاقه في الجمع بين مقدار كافٍ من جودة العقل والفصاحة مع الآداب السامية، وقد وُلِد هذا الرجل لكي يظهر مقدار ما تفعله القوى المعتدلة المُعزَّزة بالتهذيب والاستقامة، وفرنكلين الأميركي نسب نجاحه إلى حسن آدابه لا إلى قوى عقله، ولا إلى فصاحة لسانه، وقال عن نفسه: إنني ركيك العبارة متردد في اختيار الكلمات كثير الغلط اللغوي.
الأدب يجعل مَنْ في المناصب العالية أهلًا لأن يُوثَق به، فإنه يقال عن إسكندر الأول إمبراطور روسيا: إنَّ آدابه كانت بمثابة نظام الشرائع، وفي أيام حروب الفرُند لم يبق أحد من أشراف فرنسا فاتحًا أبوابه إلا منتاني، ويقال إنَّ آدابه الشخصية كانت أفضل لحمايته من كتيبة من الفرسان.
والأدب قوة ويصدق عليه هذا الوصف أكثر مما يصدق على المعرفة. والعقل بلا قلب والفهم بلا سلوك والاجتهاد بلا صلاح جميعها قوات، ولكن كثيرًا ما تكون قوات للشر، وقد نستفيد من هذه القوات، ولكنَّ مَن يمدحها إذا كانت كذلك كمن يمدح اللص على حذاقته وقاطع الطريق على فروسته.
والصدق والاستقامة والصلاح هي جوهر الأدب، ومن اجتمعت فيه هذه المناقب واجتمعت معها قوة العزم، كان ذا قوة لا تُقاوَم وقَوِي فيه فعل الخير ومقاومة الشر واحتمال البلايا المختلفة والمصاعب المتنوعة بالصبر الجميل. يُروَى أنه لما وقع إستفانوس الكولوني في يد خصومه سألوه على سبيل التهكم: أين حصنك المنيع؟ فوضع يده على قلبه، وقال: «هنا.» وأفضل فرصة لظهور الآداب أزمنة الضيق والشدائد، فإنها تظهر حينئذٍ بكلِّ بهائها، وتثبِّت الإنسان على كماله واستقامته حينما يخذله كلُّ صاحب، وتفرغ يدُه من كلِّ حيلة، «وفي الخطوب تظهر الجواهر.»
ومما يستحق أنْ يُنقَش على قلب كلِّ شاب قواعد السلوك التي جرى بموجبها اللورد أرسكن المشهور باستقامة السيرة وعلو الهمة. قال هذا الفاضل: إنني اجتهدت منذ نعومة أظفاري في فعل كلِّ ما حثَّني على فعله ضميري تاركًا النتيجة إلى الله تعالى، ولقد جريت بموجب هذا القانون إلى هذه الدقيقة من حياتي ولست بنادم، ولم يلحقني منه أدنى ضرر، بل وجدته طريقًا للنجاح والغنى، وسأدرِّب أولادي فيه أيضًا.
وعلى كلِّ إنسان أنْ يضع نصب عينيه اكتساب أفضل الآداب حاسبًا ذلك أفضل غايات حياته، ومن اجتهد في نوال هذه الغاية بالوسائط الحميدة تمكَّن من نوالها، والأفضل أنْ نطلب الغايات السامية وإن لم نحصل عليها كلها. قال مستر دزرائيلي: إنَّ الشاب الذي لا يلتفت إلى أعلى يلتفت إلى أسفل، والنفس التي لا تطلب العُلى تميل إلى الدنايا، وقال الشاعر جُرْج هنبرت: إنَّ شئت أنْ تُدعَى واطئ الجانب عزيز النفس فكن وضيعًا في السلوك وكن رفيعًا في المقاصد تكن وضيعًا رفيعًا؛ لأن من يسدد سهمه إلى العُلى يرمي فوق من يسدده إلى شجرة، وقال أبو الطيب:
إذا غامرتَ في شرف مرومفلا تقنع بما دون النجوم
وقال المثل الأسكتسي: تمسك بحلة موشَّاة بالذهب تنل ردنًا منها. ومن قصد غاية سامية وطلبها باجتهاد فلا بدَّ من أنْ يرتقي من الحالة التي كان فيها ويقترب نحو تلك الغاية، وإن لم ينلها تمامًا فلا بدَّ من أن يستفيد من اجتهاده في طلبها فائدة دائمة.
وكثير من الآداب ليس إلا صورة الآداب الصحيحة، ولكن لا يمكن أنْ يشتبه فيه؛ لأن أصل الآداب الصحيحة الاستقامة في القول والعمل وفرعها التزام بالحق والنزع عن البطل. وأفضل شهادة تقدمت في حق إنسان الشهادة التي شهد بها ديوك ولنتون في السر روبرت بيل في مجلس الأسياد بُعَيد وفاته، قال: لا بدَّ من أنكم تشعرون، أيها السادة، بسموِّ آداب المرحوم السر روبرت بيل، الذي اشتركتُ معه مدة طويلة في مصالح الجمهور، وكنا كلانا في دواوين ملكنا، وقد تمتعت مدة طويلة بصداقته، ولا أعرف إنسانًا أقدر أنْ أثق باستقامته أكثر من هذا الفاضل، كما أني لا أعرف إنسانًا يحب رفع شأن الأمة مثله، ففي كل مدة معاملتي معه لا أعرف حادثة واحدة لم يرِ فيها تمسكه التام بالحق، ولم أرَ أيضًا أنه حكم بشيء لم يعتقده من كلِّ قلبه، ولا شك في أنَّ استقامته هذه كانت سرَّ نجاحه وسطوته.
والصدق في العمل كالصدق في القول وهو ضروري للآداب، ويجب أنْ يكون باطن الإنسان كظاهره، قيل: كتب أحد الأميركيين إلى كرانفيل شَرْب يقول: بناءً على اعتباري الكلي لمناقبك الحميدة سميت ولدًا من أولادي باسم عائلتك. فأجابه شَرْب يقول: «أطلب إليك أنْ تعلِّم ابنك قاعدة تجري بموجبها العائلة التي سميته باسمها، وهي: «اجتهد لكي تكون كما تريد أنْ تظهر.» فقد أخبرني أبي أنَّ أباه جرى بموجب هذه القاعدة، فكان أساس أخلاقه الإخلاص والبساطة والاستقامة.» وكل من يعتبر نفسه ويعتبر غيره يجري بموجب هذا القانون واضعًا شرف نفسه نصب عينيه غير مفتخر بشيء إلا باستقامته ومروءته؛ لأن من خالف عملَه قولُه خسر اعتبار الناس له وأُلغِي كلامه ولو كان حقًّا محضًا، ولله در القائل:
لا تنه عن خلق وتأتي مثلهعار عليك إذا فعلت عظيم
ومن طابت سيرته وحسنت سريرته لم يحد عن سبيل الاستقامة لا سرًّا ولا علنًا. قيل: سُئل ولد لِمَ لَمْ تأخذ شيئًا من ذلك الكمثرى؟ ولم يكن هناك أحد ليراك؟ فقال: بلى كان. فقيل له: ومَن؟ قال: كنت أنا هناك، وأكره أنْ أراني أرتكب القبيح. هنا ما يُدعَى ضميرًا أو ذمة، وهو يحكم على آداب الإنسان في الحض على المعروف والنهي عن المنكر، وبه تتدرب الأخلاق يومًا فيومًا، وإذا خلا الإنسان منه لم يكن لأخلاقه من مدرب ولا حافظ، بل استولى عليها الضعف، وكانت تحت خطر الخضوع للتجارب، وإذا خضعت لها مرة واحدة صارت عرضة للخضوع لها دائمًا، وآل الأمر إلى انحطاط شأن صاحبها. ولا فرق أُشهِر أمره أم لم يشهر؛ لأنه لا بدَّ من أنْ يشعر بنفسه بالذل واضطراب البال من تلقاء ما ندعوه بالضمير الذي هو أشد معذب للمذنبين.
والآداب متوقفة كثيرًا على العوائد حتى قيل إنَّ الإنسان حزمة من العوائد والعادة طبيعة ثانية. قال ميتستاسيو: كل ما في الإنسان ناتج من العادة حتى الفضيلة نفسها. وقال بطلر: كما أنَّ عوائد الجسد تُكْتَسب بالأعمال الخارجية، كذلك عوائد العقل تُكْتَسب بالمقاصد الداخلية كالطاعة والصدق والعدل والمحبة أي بإخراجها إلى حيز الفعل. وقال اللورد برُوَم: كل شيء موكول إلى العادة بعد الله تعالى، العادة تسهل كل أمر عسير، وتدك الصعوبات ولو كانت جبالًا، فمن تعوَّد الصحو كره السكر، ومن تعود الحكمة والرصانة كره الجهل والطيش، فعلى كل أحد أنْ يسهر كل السهر؛ لكيلا يدع عادة رديئة تغلب عليه لأنه إنْ انغلب مرة واحدة صار عرضة للانغلاب دائمًا، ومن اعتاد أمرًا صار فيه ملكة، وصار يفعله بدون روية وعن غير قصد، ولم يعرف قوة العادة التي فيه حتى يضادها، وما فُعل مرة وثُنِّي صار فعله سهلًا والانقطاع عنه صعبًا، والعادة في أولها ضعيفة أوهن من خيط العنكبوت، ولكن متى تملكت في الإنسان قيدته بسلاسل حديدية.
وإكرام النفس والتعويل عليها والانصباب والاجتهاد والاستقامة جميعها عادات، وما يدعوه البعض مبادئ ليس إلا عوائد، وكلما تقدم الإنسان في السن تملكته العوائد، ونزعت قسمًا كبيرًا من حريته بل قيدته بسلاسل صنعها لنفسه. فمهما أطنبنا في وجوب تربية الأولاد على العوائد الحسنة لا نَفِي الموضوع حقه؛ لأن الصبوة أفضل سن لتربية العوائد، والعوائد الراسخة في الصغر كالحروف المنقوشة على جذع شجرة صغيرة تكبر وتتسع بنموها. قال الحكيم: ربِّ الولد في طريقه، فمتى شاخ لا يحيد عنها، ومن البداية تُعرَف النهاية. وقال اللورد كُلِنُود لشاب: لا تنس أنك قبل أنْ تبلغ الخامسة والعشرين يجب أنْ تربي فيك آدابًا تعتمد عليها كلَّ حياتك. وبما أن العوائد تتمكن بالتقدم في السن فتركها يتصعب شيئًا فشيئًا، والهدم أعسر من البناء غالبًا. يُروَى أنَّ مغنيًا يونانيًّا كان إذا أتاه تلميذ متعلم شيئًا من الغناء على أستاذ غير بارع طلب منه أجرة مضاعفة. ونزْع العوائد المتمكنة أصعب من نزع الأسنة، فمن اعتاد السكر مثلًا أو الكسل أو الإسراف لا يُرجَى إصلاحه؛ لأن العادة تكون قد تمكَّنت منه، وامتزجت فيه كل الامتزاج حتى لا يُرجَى استئصالها. لذلك قال مستر لنتش: إنَّ أفضل العوائد عادة التطبع على العوائد الحسنة، والسرور نفسه قد يصير عادة؛ لأن لكل أمر طرفين سارًّا ومكدرًا، ومن الناس من يعتاد النظر إلى هذا، ومنهم النظر إلى ذاك، قال الدكتور جنصن: إنَّ من اعتاد النظر إلى الطرف السار كان ذلك خيرًا له من كسب ألف ليرة سنويًّا.
وما من شيء ألزم من التطبع على الآداب، فإنه ألزم من التثقف بالعلوم والفنون، ومهما كانت أفعال الإنسان طفيفة فلا بدَّ من أنها تُظهر آدابه كما أنَّ الثقوب الصغيرة تكفي لإظهار شروق الشمس، وما الآداب سوى الأعمال المستقيمة، ولو مهما كانت طفيفة في حدِّ ذاتها، وأفضل طريق لإظهار كونها محمودة أو مذمومة هو السلوك؛ لأن مَن أحسن سلوكه مع المساوين له والأعلى والأدنى تمتع بسرور دائم وسُرَّ غيره معه، قال الشاعر العربي:
فما الناس إلا واحد من ثلاثةشريفٌ ومشروفٌ ومثلٌ مقاوم
فأما الذي فوقي فأعرف فضلهوأتبع فيه الحقَّ والحقُّ لازم
وأما الذي دوني فإن قال صنت عنإجابته نفسي وإن لامَ لائِم
وأما الذي مثلي فإن زلَّ أو هفاتفضلتُ إن الحلم بالفضل حاكم
وكل إنسان قادر على تحسين سلوكه وإظهار اللطف ورِقَّة الجانب وإن لم يملك فلسًا، واللطف في المعاشرة فاعل خفي كالنور، وهو واسطة لإظهار بهجة الطبيعة وأسرار الإبصار مثله، وهو من أقوى المؤثرات، فلا يقوى شيء على مقاومته، وكم من قلب منكسر قد انتعش بنظرة واحدة من وجه بشوش.
الآداب والأخلاق أهم من الشرائع؛ لأن الشرائع لا تتبعنا دائمًا، وأمَّا الآداب والأخلاق فمعنا كلَّ حين، والأخلاق الحميدة هي السلوك الحسن؛ لأن السلوك لغة تطهير العبد نفسه عن الأخلاق الذميمة مثل حب الدنيا والجاه إلى غير ذلك، واتصافه بالأخلاق الحميدة مثل العلم والحلم واللطف والكرم وما أشبه. قالت السيدة منتاكي: إنَّ رقة الجانب لا تكلِّف شيئًا وتُرْبِح كلَّ شيء، وقال برلي للملكة إليصابات: «امتلكي قلوب رعايك فتمتلكيهم هم وأكياسهم.» ولكن يُشترَط أن لا يكون في ذلك شيء من التصنع وإلا فسد كله. ومن الناس من يفتخر بشكاسة أخلاقه، ولكن الشكس الأخلاق لا يُطاق، ولو كان من ذوي العلم والفضل؛ لأن الإنسان لا يحب من لا يعتبره ولا من يتكلم كلامًا لا يسره، ومنهم من يتنازل كل التنازل، ولكن يكون متصنعًا في تنازله، ولذلك لا يدع فرصة تُظْهِر عظمته إلا ويغتنمها، من ذلك ما يُروَى عن أبرنثي الجراح أنه كان مرة يكتب أسماء الذين يرغبون في أن يكونوا أطباء لمستشفى مار برثلماوس، فأتى رجلًا غنيًّا لكي يكتب اسمه، وحالما وصل إلى حانوته لاقاه ذلك الغني بعجب وافتخار، وقال له: أظنك آتيًا لتكتب اسمي لكي يمكنك أن ترتقي إلى هذا المنصب السامي. وكان أبرنثي يكره التمليق والتمنين، فقال له: «كلَّا، بل مرادي أنْ أبتاع كذا وكذا، هلمَّ أعطني مطلوبي، ودعني أذهب في سبيلي.» وآفة العطاء المن.
والتأدب في السلوك ضروري جدًّا للذين عملهم المعاطاة مع غيرهم على أنه إذا بُولغ فيه صار تصنُّعًا قبيحًا. والبشاشة والاقتراب من الناس ضروريان للنجاح أيضًا، ومن كان فاقدًا هاتين الصفتين لا يُؤمل نجاحه كثيرًا ولو كان مجتهدًا أمينًا؛ لأن أكثر الناس يحكمون على الظواهر أكثر مما يحكمون على البواطن، ومن أوجه اللطف اعتبار آراء الغير وعدم التنديد بها، فإنه ما من خلة أقبح من التصلُّف والاستبداد بالرأي، والادعاء والتنديد بعيوب الناس، ولولا هذه الصفات ما وقع شيء من الجدال والخصام، وطعْن اللسان أشد من وخز السنان، وما أجهل من استعمل لسانه آلة للطعن والتنديد:
فإن لسان المرء ما لم تكن لهحصاة على عوراته لدليل
والأدب لا ينحصر بفئة من البشر، بل يمكن أنْ يتصف به العامل الفقير والأمير الخطير، قيل إنَّ روبرت برنس التقى بفلاح أديب فسلم عليه، وكان برفقة برنس شريف اسكتلندي، فلامه على ذلك، فالتفت إليه برنس، وقال: إني لم أعتبر اللباس بل الرجل الذي فيه، فإن هذا الرجل أثمن مني ومنك ومن عشرة مثلنا، ولله در القائل:
وإن كان في لبس الفتى شرف لهفما السيف إلا غمده والخمائل
كان وليم وتشارلس كرنت ابني فلاح، فطاف الماء على أملاكهما، وسحا كل شيء حتى تراب الأرض التي كانا يعيشان منها، فقاما مع أبيهما، واتجهوا نحو الجنوب في طلب الرزق، وما زالوا في سيرهم حتى وصلوا إلى تلةٍ بالقرب من بري في لنكشير، تشرف على ما حولها من البلاد الفسيحة، ولم يكونوا يعرفون إلى أي جهة يتجهون؛ لأنهم كانوا يجهلون تلك الأرض فأطبق رأيهم على أن يوقفوا عصًا ويتركوها لتسقط من نفسها، فيأخذوا الجهة التي تسقط فيها ففعلوا وأخذوا الجهة التي دلتهم عليها العصا، فوصلوا إلى قرية رمسبوثام ووجدوا عملًا في دار طباعة المنسوجات، واشتُهر ذانك الأخوان بالاجتهاد والنزاهة والاستقامة وسارا خطوة بعد أخرى في سلم النجاح إلى أن صار لهما معامل كبيرة، واستأجرا عملة كثيرين يعملون تحت يدهما، وبعد سنين عديدة صارا باجتهادهما وتدبيرهما وشهامتهما غنيين مكرمين من كلِّ مَن يعرفهما، وصار لهما معامل في القطن والطباعة، فيها عدد وافر من الفعلة، حتى أصبحت النواحي التي نزلا فيها غاية في الخصب، وازدادت ثروة الأهالي، وتحسنت صحتهم، ولم تكن ثروتهما سببًا لتربية البخل فيهما كما يحدث مرارًا كثيرة؛ لأنهما ازدادا سخاءً وكرمًا فأقاما كنائس، وأسسا مدارس، وعملا أعمالًا كثيرة خيرية؛ لرفع شأن الرتبة الدنيا من الناس لأنهما لم ينسيا أصلهما، ثم أقاما برجًا شاهقًا على رأس التلة التي تشرف على ولمسلي؛ حيث أوقفا العصا تذكارًا لتلك الحادثة، وما زالا يزدادان شهرة وكرمًا حتى صار يُضرَب بهما المثل.
ويُروَى أنَّ تاجرًا منشستريًّا كتب رسالة طعن وقذف في حقهما فأُخبر أحدهما (وليم) بذلك، فقال: إنَّ الرجل سيندم على ما فعل، فأُخبر الكاتب بما قاله وليم، فقال لعله يظن أنني سأستدين منه، ولكنني ما كنت لأفعل ذلك، ثم دار دولاب الزمان، وأفلس ذلك الرجل وساءت حاله، ولما أراد أنْ يشرع في العمل ثانية اضطُر أنْ يأخذ شهادة (أو كنكرداتو) فيها ختم بيت كرنت، فظهر له أنْ ذلك ضرب من المحال، ولكن ضيق الحال ألجأه إلى ذلك؛ فمضى إلى محل وليم كرنت الذي هجاه بتلك الرسالة، وعرض له واقعة الحال وأعطاه ورقة الشهادة؛ لكي يضع ختمه عليها فأخذها وليم وقال له: إنك كتبت مرة رسالة في هجائنا ثم ختم الشهادة وقال: إن من قوانينا أن لا نأبى وضع ختمنا على شهادة لتاجر أمين ولا نعرفك إلَّا أمينًا، فعندها اغرورقت عينا الرجل بالدموع، فقال مستر كرنت: ألا ترى أن قولي إنك ستندم على ما فعلت كان صحيحًا، ولم أقل ذلك على سبيل التهديد بل عنيت أنك ستعرفنا يومًا ما كما نحن، وحينئذ تندم على قصدك الإضرار بنا؟ فقال: نعم نعم، قد ندمت، فقال كرنت: إن ذلك لأنك عرفتنا، ولكن كيف أنت الآن؟ فقال: إنَّ لي أصدقاء وعدوني بالمساعدة عندما أحصل على الشهادة، فقال كرنت: وكيف أهلك في الوقت الحاضر؟ فقال: إني بعد أنْ أعطيت جميع أموالي لأصحاب الديون التزمت أنْ أحرم أهل بيتي بعض الأمور الضرورية؛ لكي أنال هذه الشهادة، فقال كرنت: يا صاح، لم تصب لأنه لا يجب أن يتضايق امرأتك وأولادك بسببك، فألتمس إليك أنْ تأخذ هذه العشر الليرات مني إلى امرأتك هدية فكفكف عبراتك، واتَّكل على الله فستفلح. فاجتهد ذلك المسكين؛ لكي يظهر شكره، ولكن انقطع صوته وخنقته العبرات، فغطى وجهه بيديه، وخرج وهو يبكي كالطفل الصغير.
والإنسان الحقيقي منطبع على المحامد والآداب الحقيقية، أو كما وصفه صاحب الزبور بأنه يمشي بالاستقامة ويفعل البر ويتكلم الحق في قلبه ويكرم نفسه ويكرم الآخرين أيضًا، ويكون وضيعًا رءوفًا حليمًا. يُحكى عن اللورد إدورد فتزجرلد أنه بينما كان مسافرًا في كندا مع قوم من هنود أميركا رأى امرأة هندية حاملة حملًا ثقيلًا من الحطب وزوجها ماشٍ فارغًا، فأخذ الحمل عنها، وحمله على ظهره، فهذه هي الإنسانية في أفضل معانيها، والإنسان الحقيقي يقول المنايا ولا الدنايا وخير من ركوب الخنا ركوب الجنازة، فلا يخاتل ولا يحاول ولا يَرُوغ ولا يواري ولا يكابر ولا يماري، ولكنه يسير دائمًا بالإخلاص والاستقامة إنْ قال نعم أو قال لا كان قوله حجة بل سنَّة. الإنسان الحقيقي لا يُرشَى ولا يبيع نفسه بالمال كما يفعل الجهلة الأدنياء. يحكى عن ديوك ولنتون أنه أتاه يومًا وزير بلاد حيدرأباد بعد واقعة أسَّاي؛ لكي يستعلم منه عن المعاهدة التي جرت بين أمراء المهرتَّا والنظام، وقدَّم له مبلغًا من المال يفوق مائة ألف ليرا، فالتفت إليه الديوك ولنتون وقال: أظنك تكتم السر؟ فقال: نعم، فقال: «وأنا كذلك.» وصرفه ولم يقبل منه بارة ولم يخبره حرفًا. هنا الشهامة وعزة النفس، ومع أنْ ولنتون حارب حروبًا كثيرة في الهند، وظفر فيها كلها، رجع إلى إنكلترا وليس معه شيء من المال، ومن قبيل ذلك ما يُحكَى عن نسيبه مركيز ولسلي الذي رفض مائة ألف ليرا قدمها له مديرو شركة الهند الشرقية عند غلبة ميزرو، وقال لا يقتضي أنْ أخبركم عن شيمتي وشهامتي وشرف منصبي الأمور التي تضطرني إلى رفض ما تعرضونه عليَّ، وممن فعل كذلك السر تشرلس نبير؛ لأنه رفض كلَّ الهدايا التي قدمتها له أمراء السند، وكانت تنيف على الثلاثين ألف ليرا.
ولا علاقة للغنى والشرف بالإنسانية؛ لأنها في الفقراء كما في الأغنياء، أوَ لا يمكن أن يكون الفقير أمينًا صادقا مستقيمًا أنيسًا نزهًا شجاعًا معتبرًا لنفسه ومعتمدًا عليها؟ بلى، وهذه هي الإنسانية بعينها، وما الفقير فقير المال ولا الغني من يملك الألوف؛ لأنه قد يكون الإنسان فقيرًا ويملك كل شيء، وقد يملك كل شيء وليس له شيء، والأول يرجو كلَّ شيء ولا يخاف شيئًا، والثاني يخاف كل شيء ولا يرجو شيئًا، ومن خسر كل ماله وبقيت فيه مروءته وأنسه وفضله وأمله وشهامته لم يزل غنيًّا ولسان حاله يقول:
ما الفخر بالمال إن الفخر بالرجلمالًا جمعنا مضى والفخر لم يزل
وكم من رجل فاضل وثيابه أخلاق واسمه بين الناس مجهول.
حُكِي أنه طغى نهر عظيم في إيطاليا، فهدم قنطرته ما عدا جزءًا منها، عليه بيت صغير يسكنه رجل وأولاده، وكان لا بدَّ من أنْ ينهدم هذا الجزء أيضًا، فيهلك ذلك المسكين مع أولاده، فوقف الكنت سبلفريني، وقال: إنني أعطي مائة دينار لمن يخاطر بنفسه، وينقذ هذه العائلة التعيسة، فتقدم فلاح من الجمهور الحاضر، وأنزل قاربًا إلى النهر، واقتحم الخطر العظيم، وبعد برهة يسيرة رجع ومعه العائلة بأسرها، فقال الكنت: هلمَّ أيها الشاب الشجاع، وخذ الدنانير، فقال الشاب: كلَّا، ما كنت لأبيع حياتي بالمال، أعطِ مالَك لهذه العائلة المسكينة؛ لأنها في احتياج إليه. هنا المروءة وعزة النفس هنا الإنسانية وإن تحت ثوب الفلاح.
أثبت مستر ترنبل في كتابه عن النمسا حادثة عن الإمبراطور فرنسيس السابق، قال فيها: إنه لما فشا الهواء الأصفر في فينا كان الإمبراطور يجول في الأسواق والشوارع، وليس معه سوى رجل واحد، فرأى مرة ميتًا محمولًا إلى القبر، ولم يكن معه أحد من النائحين، فسأل عن سبب ذلك، فوجد أنَّ الميت من الفقراء وقد مات بالوباء، فخاف أهله أن يرافقوه إلى القبر، فقال لنَسِرْ وراءه عوضًا عنهم؛ لأنني أكره أن أرى واحدًا من رعيتي المحببة يُدْفَن بدون أن تصادف جثته العلامة الأخيرة من علامات الإكرام، فذهب معه إلى المدفن، وكان المدفن بعيدًا، ووقف فوق قبره مكشوف الرأس إلى أن تمَّ تجنيزه ودفنه حسب شعائر كنيسته.
ومن دلائل الإنسانية أيضًا الصدق الذي هو أساس نجاح البشر. كتب ديوك ولنتن إلى كلرمن عن الأسرى الإنكليز المستأمنين، يقول: إذا كان شيء يفتخر به القواد الإنكليز غير الشجاعة يكون الصدق فثق بكلامهم؛ لأنهم لا يكذبون ولا يخلفون الوعد.
ومن مقتضيات الإنسانية أيضًا الحلم عند المقدرة. قيل إنَّ جنديًّا فرنساويًّا اخترط سيفه في واقعة البودن في إسبانيا وهمَّ بضرب السر فلتن هرفي، ولكن لما رآه أقطع شفِق عليه وأحنى له سيفه حسبما يفعل الجند عند التسليم وسار في طريقه، ومن قبيل ذلك ما حدث لتشرلس نبير في مدة تلك الحرب، وهو أنه أُخذ أسيرًا في كرونا بعد أنْ جُرح جرحًا بليغًا، وكان أصحابه في إنكلترا لا يعلمون أمات أم بقي حيًّا، فأرسلوا رسولًا خاصًّا في سفينة حربية؛ ليبحث عنه، فوصل الرسول إلى البارون كلوت، فأخبر القائد ناي بذلك، فقال له: دع الأسير يرى أصحابه وأخبرهم أننا نعامله بالحسنى، فتأخر كلوت فقال ناي: ما لك؟ فقال: يقولون إن للأسير أمًّا أرملة عمياء، فقال ناي: إذا كان الأمر كذلك فليذهب بنفسه ويخبرها بسلامته، ولم تكن مبادلة الأسرى جارية في ذلك الوقت، وكان ناي يخاف أنْ يتكدر نبوليون حينما يسمع ذلك لكن نبوليون مدحه على شهامته.
وفي هذه الأزمنة أمثلة كثيرة للمروءة وعزة النفس وكرم الأخلاق كما في الأزمنة القديمة، تشهد بذلك نجود سبستوبول وسهول الهند، فإن زحف نيل إلى كندبور وهفلوك إلى لكنو لإنقاذ النساء والأولاد من أعجب ما جاء التاريخ بذكره، وموت هنري لورنس البطل وقوله حال وفاته: لا تحتفلوا بموتي، وما عاناه السر كولن كمبل وهو جالب النساء من لكنو إلى كونبور، ومن ثَمَّ إلى الله آباد، أمور تضيق الصحف بذكرها، ويحق للأمة الإنكليزية أنْ تباهي بها أمم العالم، ولم يكن آحاد الجند أقل شهامة من قوادهم، كما تشهد الوقائع التي حدثت في تلك البلاد، ومعاملة الجرحى للنساء الممرضات لهم، ومن ذلك أيضًا ما حدث في السابع والعشرين من شباط سنة ???? على شطوط أفريقية عند انكسار السفينة المدعوة بركنهد، فإنه كان في تلك السفينة ??? رجلًا و??? من النساء والأولاد، وكان أكثر الرجال من الجنود الإنكليزية الخادمة في رأس الرجاء الصالح، فبعد نصف الليل بساعتين إذ كان الجميع نيامًا لُطِمَت السفينة بصخر مخفي فانثغر جوفها، وكان لا بدَّ من غرقها، فنُبِّهت الجنود بصوت الطبول، فاصطفوا على ظهر السفينة، وأُمروا بأن يخلصوا النساء والأولاد، فأنزلوا القوارب وأنزلوا إليها النساء والأولاد وأكثرهم بثياب النوم، ثم بعد أنْ سارت القوارب قليلًا أمر مدير السفينة أنَّ كل القادرين على السباحة يرمون بنفوسهم إلى البحر ويصعدون إلى القوارب فاعترضه قائدهم رَيط، قائلًا: إنْ فعلوا هلكوا هم والقوارب، فوقف الرجال في مكانهم، ولم يبدوا حركة ولم يتذمروا قط، بل ثبتوا في أماكنهم إلى أن غرقت بهم السفينة، وقبل أنْ غرقوا أطلقوا سلاحهم طلق الفرح، يا للشجاعة وكرم الأخلاق! فإنه وإن مات هؤلاء الأبطال لا يزال ذكرهم مخلدًا إلى الأبد.
وتوجد أدلة كثيرة يُستدَل بها على الإنسان الحقيقي، ولكن الدليل الأقوى كيفية استعماله سلطته على الذين دونه، أو على المتعلقين عليه مثل معاملته للنساء والأولاد ومعاملة القائد لجنده والرئيس لخدمه والمعلم لتلامذته والمتسلِّط للمتسلَّط عليهم، فالحلم والحنو ورقة الجانب في أحوال مثل هذه من الشروط اللازمة للإنسانية، وأمَّا من طغى وبغى على الذين دونه فهو نذل جبان، ولله در من قال:
وأسعد العالم عند اللهمن ساعد الناس بفضل الجاه
ومن أغاث البائس الملهوفاأغاثه الله إذا أخيفا
وإن من شرائط العلوِّالعطف في البؤس على العدوِّ
قد قضت العقول أنَّ الشفقةعلى الصديق والعدو صدقة
وقد علمت اللبيب يعلمبالطبع لا يُرحَم من لا يَرحم
والبغي داء ما له دواءليس لملك معه بقاء
والبغي فاحذره وخيم المرتعوالعُجْب فاتركه شديد المصرع
رُوِي أنه لما جُرح السر رلف أبركرمبي في حرب أبي قير، وحُمل إلى سفينة ألفدريانت، وُضعت وسادة تحت رأسه لإراحته، فقال: ما تحت رأسي؟ فقيل له: وسادة، فقال: وسادة مَن؟ فقيل له: وسادة واحد من الرجال، فقال: أخبروني باسمه، فقيل له: وسادة دنكن روي من رجال السر رلف، فقال لهم: أعطوه إياها هذه الليلة. فانظر كيف أن هذا الجنرال وهو على حافة القبر أشفق على واحد من رجاله، ولم يرد أن يحرمه وسادته ليلة واحدة، وقد جمع فلر صفات الإنسانية في كلامه عن السر فرنسيس دراك بقوله: إنه كان عفيفًا عادلًا صادقًا شفوقًا على الذين دونه مبغضًا للكسل، لا يعتمد على غيره، ولا يجزع من خطر، ولا يستعفي من عمل يستدعي بسالة وحذاقة واجتهادًا. انتهى.
•••
هذا ومن يطلع على كتب الأدب العربية والفارسية والهندية والصينية يجد فيها منار الآداب مرفوعًا وعلم مكارم الأخلاق منشورًا، ويجد هنالك من الحكم والأمثال والنوادر ما تضيق به بطون الدفاتر ويُضعِف حجة مَن قال كم ترك الأول للآحر، وكأن لسان حال أدباء المشرق، يقول:
لو أنني خُيِّرت كلَّ فضيلةما اخترت إلَّا مكارم الأخلاق
وكنا نود أن نحلي جيد هذا الكتاب ببعض هذه الأقوال والنوادر لولا أنه قد بلغ الحد الذي عيَّناه له عند إعادة طبعه، فلم نر بدًّا من ختمه هنا والشروع في المعجم الذي وعدنا أنْ نضيفه إليه، غير أنه لا يحسن بنا أنْ نختم هذا الفصل بدون أنْ نضيف إليه شيئًا من ترجمة إمامٍ تحلَّى بالفضائل والفواضل، وخلَّد لنفسه اسمًا بين الأكارم الأماثل ألا وهو الأستاذ المغفور له السيد محمد القصبي شيخ الجامع الأحمدي والد الإمام الغيور على نشر المعارف والآداب الأستاذ محمد القصبي خليفته في الجامع الأحمدي.
أما المترجَم به فهو ابن السيد حسن طلحة القصبي أحد مدرسي الأزهر الأنور بن محمد طلحة بن مصطفى طلحة بن عيسى طلحة الشريف الحسيني أول مَنْ حضر مصر من طرابلس الغرب، حيث توطن أجداده من عصر السيد الشريف إدريس الأصغر الحسيني، وُلِدَ في قرية بمديرية الغربية اسمها نشا سنة ???? للهجرة، وكان أبوه قد انتقل إليها بدعوة من أهاليها ومن جاورهم لتعليم الشعائر الدينية وتلقين أصول الطرق الصوفية، ولما بلغ من العمر عشر سنوات أرسله والده إلى الجامع الأحمدي لتجويد القرآن وحفظ المتون، فاستمر على تلقي العلوم حتى سنة ????، فأُذِن له في التدريس من مشايخه الأعلام كالشيخ محمد الطوخي شيخ المشايخ بالجامع الأحمدي والشيخ محمد أبي النجا المجاهدي وغيرهما، وكان أبوه قد تُوفِّي، فأرسل يطلب والدته وإخوته وأخواته فحضروا إليه إلى طنطا، وفي ذلك يقول مخاطبًا الشريف العلوي السيد محمد البدوي:
كنت ابن تسعٍ وخمسٍ قد فقدتُ أبيوقد رجوتك لي مولًى فكنت أبًا
وما انفك يفيد ويستفيد، ويزيد ويستزيد حتى اطلع من العلماء شموسًا وأهلَّة وأعلامًا أجلَّة، وشهد بفضله القريب والبعيد، وكان مشهورًا بحبه للعلماء والفضلاء، لا ينفك عن تعليم علم أو إقراء ضيف، أو فصل خصومة، أو إسداء معروف، أو إحسان إلى مسكين، وكان له ثروة عظيمة، ودخل وافر إلا أنه كان ينفقه كله في سبيل المبرَّات، فلا يدخل عليه عامٌ ولديه من دخل سابقه شيء، وقد بلغنا عنه نوادر كثيرة تُظْهِر فضله وكرمه، منها أنَّ رجلًا حُكم عليه بالنفي من القطر المصري، ولم يكن معه مال ليستعين به على أمره، فقصده إلى طنطا، وشكا إليه حاجته، ولم يكن لدى الشيخ شيء من النقود حينئذ، فاستقرض مائتي دينار وأعطاه إياها، وقيل له حينئذ: إنَّ الرجل منفيٌّ من البلاد ولا أمل بإرجاعه للمال فقال: حاشا لنا أنْ نردَّ طالبًا، ثم عُفي عن الرجل قبل أن خرج من ثغر الإسكندرية، فعاد إليه بالمال، فقال له الشيخ: إننا لم نعطك مالًا حتى نسترده، فخذه واستعن به على أمرك فأنت أحوج منا إليه.
وقد قيَّض لنا الله أن زرناه في أثناء زيارتنا للقطر المصري سنة ????، فرأينا منه شيخًا جليل القدر، أنيس المحضر، يرفع أقدار الناس، ويجلُّ المشتغلين في خدمة المعارف، فذكر المقتطف بالخير، وأثنى على المنهج الذي نهجناه فيه، فخرجنا من لدنه وقد ثبت لنا أن سيماء الفضلاء في وجوههم، وأن الناس لا يُجْمِعون على مدح إنسان ما لم يكن حقيقًا بكلِّ مدح.
وتولَّى مشيخة الجامع الأحمدي بالأمر العالي سنة ????، وفي تلك السنة تمَّم بناء مسجده الجامع بطنطا أمام منزله، وأحكم تشييده، ووقف عليه الأوقاف الجمَّة، وسنة ???? بنى مدفنه الذي دُفن فيه أمام منزله بجوار مسجده المذكور، ودام متقلبًا في حُلَل الكمالات حتى استأثرت به رحمة مولاه، وكانت وفاته في السابع والعشرين من ربيع الآخر سنة ???? فدُفِن بما يليق به من التعظيم والتكريم، وكانت الحضرة الخديوية قد أصدرت أمرها الكريم إلى جميع مأموري الحكومة بمدينة طنطا أنْ يشيِّعوا جنازته بما يليق بها.
وله شعرٌ رقيق لم يعتنِ بجمعه، ومنه قوله:
ولي همةٌ يستوقف البرقَ خطوهاوعند سكوني ربما يثبُ الطودُ
ومن شعره أيضًا القصيدة المشهورة التي مطلعها:
أفؤادي متى المتاب ألمَّاتصحُ والشيب نحو فودي ألمَّا
ومنها:
أفؤادي متاع دنياك فانٍشأْنه نقصه إذا قيل تمَّا
وهي طويلة، وله مؤلف منظوم في علم الفرائض سمَّاه «نتيجة الفارض في علم الفرائض»، شرحه العلامة المرحوم الشيخ أحمد الشرقاوي، وحشاه، وشرحه أيضًا أحد تلامذته العلامة الكبير الشيخ أحمد الحلواني.
أما ولده الإمام محمَّد القصبي الذي تولَّى بعده مشيخة الجامع الأحمدي، فمن أعلام هذه البلاد الذين تُعقَد لهم الخناصر، ويُشار إليهم بالبنان. وقد ظهر هذا الكتاب في حلَّتهِ الشرقية الحاضرة بكرم هذا الشهم الفاضل، فإنه أعاننا على طبعه رغبة في تعميم فوائده، ونشر المبادئ الفاضلة التي ينطوي عليها، أثابه الله عنا، وعن جميع المستفيدين منه جزاء الخير وخير الجزاء، وختم عواقبنا بالخير، وله الحمد أولًا وآخرًا.