Advertisement

فن الإعداد والإلقاء

فن الإعداد والإلقاء
سامي بن خالد الحمود
مقدمة :
الحمد لله الكريم المنان .. الرحيم الرحمن .. خلق الإنسان .. علمه البيان ، والصلاة والسلام على سيد ولد عدنان .. نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان .
أيها الأحبة الكرام .. أهلاً وسهلاً بكم .
فاتحة الكلام ..هذه الحادثة المؤثرة لسيد الخطباء ( .
ها هو ( يعودُ من غزوة حنين ، ويعطي الأموال الجزيلة للمؤلفة قلوبهم من سادات قريش وقبائل العرب ، ويترك الأنصار فلم يعطهم منها شيئاً .
وجد الأنصار في أنفسهم، حتى كثرت فيهم القالة .. وينتشر الخبر .. فيدخل سيد الخزرج سعد بن عبادة ( على رسول الله ( فيقول : يا رسول الله ، إن هذا الحي قد وجدوا عليك في أنفسهم لما صنعت في هذا الفيء .. فقال ( : فاجمع لي قومك في هذه الحظيرة .
ينطلق سعد فيجمع الأنصار ، فيدخل عليهم النبي ( ، ويخطُبهم خُطبة مؤثرة مبكية ، تأخذ بمجامع القلوب .
انتصب ( قائماً ، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ، ثم قال : ((يا معشرَ الأنصار ، ما قالةٌٌ بلغتني عنكم ، وجِدَةٌ وجدتموها في أنفسكم؟
ألم آتكم ضُلالاً فهداكم الله ؟ وعالةً فأغناكم الله ؟ وأعداءً فألف بين قلوبكم ؟.
قالوا : بَلِ اللهُ ورسولُه أمَنُّ وأفضل .
قال : ألا تجيبونني يا معشر الأنصار ؟.
قالوا : وبماذا نجيبك يا رسول الله ، ولله ولرسوله المن والفضل .
قال : أما والله لو شئتم لقلتم ، فلصَدَقتم وصُدِّقتم .. أتيتنا مكذَّباً فصدقناك ، ومخذولاً فنصرناك ، وطريداً فآويناك ، وعائلاً فآسيناك .
أوجدتم في أنفسكم يا معشر الأنصار في لُعاعةٍ من الدنيا تألفت بها قوماً ليسلموا ، ووَكَلْتُكم إلى إسلامكم؟ .. أفلا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاة والبعير وترجعون برسول الله ( في رحالكم؟ ، فوالذي نفس محمد بيده لولا الهجرةُ لكنت امرأً من الأنصار ، ولو سلك الناس شعباً وسلكت الأنصار شعباً لسلكتُ شعب الأنصار .. اللهم ارحم الأنصار ، وأبناءَ الأنصار وأبناءَ أبناءِ الأنصار)) .
الله اكبر .. بهذه الكلمات اليسيرة هيج النبي ( مشاعر الأنصار ، ومحى كل ما في قلوبهم من الوجد والانكسار .
إنها كلمات.. نعم كلمات ، لكنها تخرج من فمه الشريف قذائف وبراكين ، لتقلب الموازين ، وتسحر المخاطبين .. فماذا كانت النتيجة ؟
يقول الراوي (في بيان حال الأنصار بعد هذه الخطبة) : فبكى القوم حتى أَخْضَلوا لحاهم، وقالوا : رضينا برسول الله قِسماً وحظاً . والحديث رواه أحمد بإسناد حسن .(1)
هذه الخطبة البليغة لسيد الخطباء ( ، هي خير ما نستفتح به الكلام عن هذا الموضوع .. افتتاحية اشتملت على إثارة الانتباه بالسؤال (ما قالة بلغتني عنكم؟) ، ثم استفهام تقريري (ألم آتكم ضلالاً فهداكم الله)، ثم مضمون بليغ يلامس القلوب (أوجدتم في أنفسكم في لُعاعةٍ من الدنيا تألفت بها قوماً ووَكَلْتُكم إلى إسلامكم) ، ثم خاتمة بدعاء صادق يأسر النفوس (اللهم ارحم الانصار وأيناء الأنصار) .
موضوعنا أيها الأحبة هو : (فن الإعداد والإلقاء) .
وإذا كنا نتحدث عن الإلقاء والخطابة فإننا نتحدث عن نعمة من أعظم نعم الله علينا .
اللسان عظيم الشان .. وهو ترجمان الجنان .. كم من لسان كان أحد من السنان .. وكم من بيانٍ ساحر كان أشد من سحر الساحر .. وصدق الشاعر:
ولسـانٌ صيـرفيٌ صـارمٌ  كذباب السيف ما مس قطعْ
سحر هاروت وماروت ولو      كلم الصخر بحق لانصـدعْ
هل تأملت يوماً هذا الصوت الذي يخرج من جوفك؟ .. هل تأملت أوتارَه ومخارجَ حروفه من حلقك؟
أليس في اختلاف الألسنة واللغات بيان لحكمة الله في خلقك ، وعظيم فضله وإحسانه عليك ؟ بلى والله .
نعمتان .. امتنّ الله بهما علينا : نعمة النطق ونعمة البيان .
أما النطق فقال تعالى : (ألم نجـعل له عينين ( ولسـاناً وشفتين ( وهديناه النجدين( .
وأما البيان ، فقد أخبر جل وعـلا عن نفسه أنـه سبحانه (خلق الإنسان ( علمه البيان( .
إذن ، النطق والبيان آيتان من آيات الرحمن ، وهما أيضاً من أعلى قيم الإنسان .
فقيمة الإنسان ليست بطول هامته ، ولا بعظم خلقته ، بل بلسانه وقلبه ، والمرء بأصغريه كما قيل :
لسان الفتى نصفٌ ، ونصفٌ فؤاده فلم يبق إلا صورة اللحم والدم
بعيداً عن المقدمات الطويلة: دعوني أخبركم ببداية فكرة هذا الموضوع .. قبل حوالي ست سنوات، نقلت إلى العمل بالتوعية الدينية بالأمن العام .. كنت في تلك السنة في زيارة لأخينا وحبيينا الشيخ الدكتور محمد العريفي في بيته ، فقلت للشيخ هل هناك كتاب عملي جامع في مهارات الإلقاء والخطابة ، أنا لا أريد كلاماً نظرياً في أصول الخطابة وطرقها وضوابطها؟ بل أريد الكيفية، كيف أعد الخطبة، وكيف ألقيها؟
قال الشيخ وفقه الله: هناك كتب كثيرة عربية ومترجمة، وأفضلها كتاب دايل كارنجي على مافيه من ملاحظات، لكن لا أذكر كتاباً جامعاً في هذا الباب .. انتهى اللقاء، وبدأت منذ ذلك الحين أجمع مادة هذا الموضوع طيلة هذه السنوات .
ما الذي سأعرضه لكم في هذا الموضوع؟ وما الجديد في هذه المادة؟
سأعرض لكم بإذن الله نخبة من قواعد ومهارات فن الإعداد والإلقاء .
هذه القواعد جمعتها وراجعتها على مدى سنوات من عدة مصادر .. من خلال ما تلقيته في بعض الدورات المتخصصة وورش العمل ، ومن خلال عملي في التوعية الدينية وإلقاء المحاضرات وخطب الجمعة، ومن خلال عملي في الإعداد والتقديم بقناة المجد .
ثم قيض الله لي زميلين كريمين في التوعية الدينية المقدم سعيد القحطاني والشيخ عبد الله أبو سبعة، فاشتركنا سوياً في جرد الكثير من الكتب والدراسات العربية والأجنبية التي اهتمت بهذا الفن ، واستخلصنا منها ما يناسب المقام .
وبعد اكتمال المادة ، قمت بمراجعتها وتهذيبها ، لأقدم لكم زبدة وعصارة هذا الفن .
الجديد في الموضوع هو طائفة من الأمثلة والشواهد من القرآن الكريم أو السنة النبوية أو التجربة العملية .
الجديد أيضاً : أمثلة تطبيقية صوتية لعدد من الخطباء المشهورين في العالم الإسلامي .
الجديد أيضاً : أننا جمعاً بين المتعة والفائدة، سنذكر شيئاً من طرائف الخطباء قديماً وحديثاً ، وبعض التجارِب والمواقف التي وقعت لي أو لغيري من الخطباء والمحاضرين .
ولطلاب العلم أقول: من الجديد في هذه المادة محاولة تأصيل الكثير من مهارات هذا الفن .. فقد قمت بجمع وتأمل ما استطعت من الأدلة والشواهد على كثير من مهارات الإلقاء، وسأوردها بإذن الله عند الحديث عن كل مهارة ، مكتفياً بالأحاديث الصحيحة.

وأخيراً أقول كما قال الله : (فخذها بقوة) ..خذها أيها الداعية المحمدي..خذها أيها الخطيب المنتهي والمبتدي .. خذها، ففيها من الفوائد ما لا تجده في الكتب والأوراق.. وفيها من القواعد ما يكشف لك الأعماق، ويفتح لك الآفاق .. أسأل الله أن يصلح لي ولك النية والعمل.

عرض إجمالي لمراحل وعناصر الموضوع :
يتكون موضوعنا (فن الإعداد والإلقاء) من مقدمة وثلاث مراحل .
المقدمة : حول أهمية هذا الموضوع ، وماهية الإلقاء ومجالاته ، والهدف منه .
المرحلة الأولى ( مرحلة الإعداد ) : وتتضمن مهارات الإعداد بدءاً باختيار الموضوع ، وخطوات التحضير ، وأقسام الموضوع الثلاثة (المقدمة ، المتن ، الخاتمة) .
المرحلة الثانية ( مرحلة الاستحضار ) : وتتضمن مهارات استحضار الموضوع عند الإلقاء سواء في الإلقاء الارتجالي أو المقروء .
المرحلة الثالثة ( مرحلة الإلقاء ) : وتتضمن طرق كسر حاجز الخوف واكتساب الثقة ، وتتضمن أيضاً مهارات إلقاء الموضوع وعرضه على الجمهور ، والكلام على لغة البدن ، والاتصال البصري ، وغيرها من المهارات .

المقدمة
في هذه المقدمة سأتحدث باختصار عن ثلاثة عناصر:
العنصر الأول) لماذا نتحدث عن هذا الموضوع؟
العنصر الثاني) ماهو الإلقاء وما مجالاته؟
العنصرالثالث) ما الهدف من الإلقاء؟
العنصر الأول) لماذا نتحدث هذا الموضوع؟:
الإلقاء والخطابة سلاح عظيم من أسلحة نصرة هذا الدين، ونشر الخير .
كان لرسول الله ( منبر واحد ، مصنوع من الخشب، ليس فيه براعة النقش ولا روعة الفن، دعا الأمة منه ؛ فلبت الدنيا واستجاب العالم وتغير وجه الأرض .. أما اليوم ، فإن الأمة تملك أكثر من مائة ألف منبر في أنحاء المعمورة ، أكثرها مزخرف منقوش ، مزود بأحدث المكبرات ؛ ورغم ذلك كله فإن أثر هذه المنابر محدود إلا ما رحم الله!
لماذا ؟ الجواب : فتش عن فارس المنبر .
أنت الآن .. فتش في بلدك .. كم فيها من خطيب؟ ثم كم من هؤلاء الخطباء يقوم بحق المنبر ، ويؤثر في الناس؟ كم منهم يبعث في النفس خشية الله، وحب الخير ، ويقتلع منها جذور الشر ؟ .. الله المستعان .
وحتى ندرك أهمية وأثر الخطابة ، دعوني أعرض عليكم نتيجة بحث أجري في مصر بعد إحدى خطب الجمعة المؤثرة حول الربا .. طبعاً أجري الاستفتاء قبل الخطبة وبعدها وكانت النتيجة كما يلي :
‌أ- قبل الخطبة 85% من المصلين كانوا يعرفون المفهوم الصحيح للربا .. وبعد الخطبة ارتفعت النسبة إلى 97% .
‌ب- 33% كانوا يعرفون عقوبة المرابي .. وبعد الخطبة ارتفعت النسبة إلى 59% .
‌ج- 71% كانوا يعلمون أن البنوك المصرية تتعامل بالربا.. وبعدها ارتفعت النسبة إلى 94% .
‌د- 50% كان يفضل الاستثمار في البنوك الإسلامية .. وبعد الخطبة ارتفعت النسبة إلى 64%.
وإذا انتقلنا عن خطبة الجمعة إلى مجالات أوسع .. فلا يخفى عليكم الثورة الإعلامية التي يشهدها هذا العصر ، وهذا الأمر يضاعف المسؤولية على أهل الحق بمخاطبة الملايين ، عبر هذه الوسائل بأساليب مدروسة ومتقنة .. لا سيما ونحن نشاهد اليوم حرص أعداء الأمة ، وأصحاب المذاهب المنحرفة على نشر عقائدهم ، والتفنن في الأساليب الخطابية والإعلامية .
والله إن القلب ليحزن ، حينما تشاهد بعض القنوات الفضائية ، فترى دعاة الضلال والفتنة ، سواء من أهل العقائد الفاسدة ، أو أهل الفساد الأخلاقي يتحدث الواحد منهم فيملك قلوب العامة في حسن بيان ، وقوة تأثير ، بل إنك ترى المرأة العاهرة ممثلة أو مذيعة أو راقصة وهي تقف أمام الجمهور بكل ثقة ، بينما ترى في المقابل أهل الحق وورثة سيد الخلق ( يتحدث بكلام مهزوز وأسلوب ممل .
يا أخي انت على الحق ، لكن لا بد للحق من قالب حسن وأسلوب مؤثر .. ورب أسلوبٍ راقٍ كان مرافعة ناجحة لقضية باطلة ، ورب أسلوب ركيك متهالك كان جناية على فكرة نبيلة .
أنا أضرب لكم هذا المثال لتتضح الصورة ، ما رأيكم بعسل النحل؟ حلو هاه .
لو جاء واحد مثلاً لا يعرف العسل ، ومن أين يخرج العسل؟ ممكن نغير رأيه بالأسلوب.
لو قلنا له: هذا الشراب هو مجاج النحلة الجميلة التي صنعته من أطايب الزهور . أسلوب جميل محبب إلى النفوس .. لكن لو قلنا له: هذ الشراب قيء الزنابير ، تتقيؤه تلك الحشرات الحقيرة من بطونها فيشربه الإنسان . هذا أسلوب ذم منفر للنفوس .
يقول الشاعر:
تقول هـذا مجاج النحل تمدحـه وإن شئت قلت ذا قيء الزنابير
مدحاً وذماً وما جاوزت وصفهما والحق قد يعتريه سوء تعـبيـر
إذن ، احرص على الأسلوب الذي تنصر به الحق الذي تحمله .
العنصر الثاني) ما هو الإلقاء ، وما مجالاته؟ :
ما هو الإلقاء الذي نتحدث عنه؟
هل الإلقاء مجرد الوقوف أمام الجمهور ، وإمطارهم بسيل من الكلمات المحفوظة أو المكتوبة كيفما اتفق؟
طبعاً الجواب: لا ، الإلقاء هو (فن مخاطبة الجماهير والتأثير فيهم) . هذا الفن دوّنت فيه مؤلفات كثيرة قديماً وحديثاً ، وفي هذا العصر اهتم به الباحثون الغرب، فأنشأوا المعاهد التي تقيم البرامج التدريبية والدورات ، وألفوا المؤلفات الكثيرة ، فيها الغثّ وفيها السمين ، فيها المفيد وفيها الدخيل على معتقداتنا ومبادئنا الإسلامية ، وتبقى الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق بها .
وفي تأمل أساليب القرآن الكريم ، والسنةِ النبوية ، والعنايةِ بالأدب العربي وعلم البلاغة خير كثير لمن وفقه الله تعالى .
طيب ، ما مجالات الإلقاء؟
كثير من الناس إذا سمع هذه الكلمة ، انصرف ذهنه إلى خطبة الجمعة أو الموعظة .
ولا شك أن خطبة الجمعة من أبرز مجالات الإلقاء ، لكننا نعني بالإلقاء ما هو أشمل ، فيدخل فيه : خطبة الجمعة، الكلمات والمواعظ في المساجد ، الدروس العلمية في المدارس أو المساجد، المحاضرات العامة، الحصص المدرسية ، المناسبات العامة، الاجتماعات، الاحتفالات، المؤتمرات، البرامج الإذاعية والتلفازية، وغيرها . بل كل محادثة بين شخصين أو أكثر يمكن أن نطبق عليها ولو بعض قواعد ومهارات الإلقاء .
العنصرالثالث) ما الهدف من الإلقاء؟ :
هل الهدف من الإلقاء مجرد إيصال المعلومة فقط أم المقصود هو التأثير في النفوس؟ .
نعم في بعض جوانب الإلقاء قد يكون الهدف مجرد إيصال المعلومة بالدليل والبرهان .. لكن فيما يتعلق بالإلقاء الخطابي والدعوي يخطيء المتحدث إذا ظن أن القضية إيصال معلومة فقط .
إن تأثير الخطيب في سامعيه ليس بالعلم فقط والإلزام بالدليل والبرهان ، بل مـرده إلى إثارة العواطف ومخاطبة الوجدان (كما يذكر الشيخ صالح بن حميد) ، وأقول: وهذا هو الذي يميز خطبه عليه الصلاة والسلام عن غيرها من فتاويه وأقضيته وكلماته وغيرها من مقامات تبليغه الدين .
العلم مطلوب ، وهو زادنا وتاج رؤوسنا ، ولا بارك الله في داعية لا يتزود بالعلم ، ورب آية أو حديث يؤثر في النفوس أكثر من كلام وأساليب خطابية طويلة، لكني أقول القضية ليست بالعلم فقط .. لو نظرت الآن إلى الساحة الدعوية لرأيت أن كثيراً من الدعاة المؤثرين في الشباب وعامة الناس ، هم أقل علماً من غيرهم من طلبة العلم ، والسبب هو الأسلوب المؤثر الذي يقدمون فيه رسالتهم ، فتصل إلى قلوب الناس .
كم والله أحزن ، عندما أرى بعض إخواننا من طلاب العلم الذين يهملون هذا الجانب ، ثم يقول أحدهم: أنا لا أصلح خطيباً .. ويقول الآخر: الناس لا يتفاعلون معي؟ لماذا يمل الناس من حديثي؟ .. وبعض هؤلاء طالب علم متميز ، فأقول: ويل أمه ، مشعل خير ، لو كان له لسان .
أحبتي طلاب العلم ، إن هذا العلم لا بد أن يزين بالقالب الحسن المؤثر الذي نعرض فيه بضاعتنا ، ونوصل به الخير للناس ، كما كان سيد الخطباء ( .
وبعد هذه المقدمة آن الأوان للشروع في المرحلة الأولى ، وهي (مرحلة الإعداد) .

المرحلة الأولى : إعداد الموضوع
لماذا الإعداد أولاً؟
مرحلة الإعداد مهمة جداً ، لأنها بمثابة الأساس أو البنية التحتية لمرحلة الإلقاء .
مهما كان الموضوع شيقاً ، ومهماً كان المتحدث بارعاً ، فإن القصور في الإعداد سيكون له تبعاته وآثاره السيئة على مستوى الموضوع ، وعلى قدرات المتحدث .
إذا كنت ستستل خطبتك من كتاب ، أو ترتجلها ارتجالاً مرتبكاً بلا تأهل ، فثق أن الموضوع سيكون هزيلاً وناقصاً .
وإذا كنت خطيباً مبتدئاً .. فإنك لا يمكن أن تتغلب على الخوف والتوتر العصبي حين تخوض المعركة بدون عدة ، أو بعدة فاسدة .
من المواقف التي لا أنساها .. موقفان متناقضان وقعا لي في بدايات مارستي للإلقاء .
الموقف الأول كان في أواخر المرحلة الثانوية ، كنت مع مجموعة من الشباب في مكتبة في الرياض .. وفي يوم من الأيام قال لي المسؤول عن شباب المكتبة: ودنا تلقي كلمة على الشباب .. طبعاً هذي أول كلمة ألقيها في حياتي .. وكان الوالد عليه رحمة الله يقدمني للأذان والإمامة ، والقراءة من الكتاب في المسجد .. لكن كلمة بدون كتاب ، كانت هذي هي التجربة الأولى .
والمشكلة أني أخذت الموضوع بثقة زائدة وعدم مبالاة .. اخترت موضوع عن الموت والقبر ، ومريت على حديث البراء بن عازب إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال إلى الآخرة ، طبعاً كنت شبه حافظ للحديث وكان هذا من أسباب الثقة الزايدة ، فأخذت ورقة صفراء لا أنساها إلى الآن ، وسجلت فيها الأشياء التي سأتحدث عنها ، مقدمة ، ثم كذا ، ثم حديث البراء ، ثم خاتمة بدعاء ، وهكذا ... إعداد سريع أشبه ما يكون رؤوس أقلام .
كان موعد الكلمة بعد العصر .. خرجت من البيت ، ومريت واحد من أعز أصدقائي ، وقلت له: ترى الكلمة في المكتبة علي اليوم ، فتعال معي حتى تستفيد (الله اكبر لا يفوتك العلم) .. دخلنا المكتبة أنا والأخ ، وجلسنا مع الشباب ، كان الوضع طبيعي ، حتى بداية التقديم ، لما بدأ المسؤول عن المكتبة يقدم ،وسكت الحضور .. بدأت أرتجف ، ثم قال الأخ: الكلمة اليوم عند الأخ سامي ، فليتفضل مشكوراً .. في هذه اللحظة انقطع الإرسال .. الشباب كلهم ينظرون لوجهي ، وأنا أحس أن لساني معقود .
بدأت أتكلم وأنا ميت من الخوف .. رجفة ، وتلعثم ، وكلام من غير معنى .. دخلت في حديث البراء ، ويا ليتني مادخلت .. الحديث كما تعرفون طويل ، إن العبد المؤمن .. وإن العبد الكافر .. وأنا في وضع سيء للغاية .. حتى إن بعض الشباب صاروا ينظرون لي بعين الرحمة ، وبعضهم يهز راسه مثل اللي يقول خلصنا الله يرحم والديك .
وأخيراً انتهت الكلمة بشق الأنفس .. وخرجت من المكتبة .
المشكلة الآن في صديقي اللي معي .. عندما خرجنا انفجر بالضحك في السيارة ، وبدأ يسخر مني: جايبني معك ولا تفوتك الكلمة وهذي آخرتها .
صار الأخ يقول لي أشياء مضحكة قلتها في الكلمة من غير وعي ، يقول: كيف المؤمن إذا وضع في قبره ، يفسح له مَد بقره (طبعاً أنا أقصد مَد بصره ، لكن مع الخوف والارتباك ما عاد صرت أجمع) .
الشاهد أني تحطمت جداً من هذا الموقف.. أنا أسألكم يا إخوان ، لو أني استسلمت لهذا الموقف السلبي ما الذي سيحدث؟
نعم سأقول كما يقول بعض الإخوة : أنا لا أصلح خطيباً ، ولا يمكن أن أتحدث أمام الناس ، وقد يزداد هذا الخوف حتى يصبح عقدة مزمنة .
لكن بحمد الله ، أعدنا المحاولة عدة مرات .. وبدأت أنا وبعض الشباب من نفس المكتبة إلقاء الكلمات في بعض المساجد الصغيرة .
ثم وقع لي الموقف الثاني ، بدأت أسافر مع بعض الشباب في رحلات دعوية خارج الرياض ، طبعاً لم أكن ألقي الكلمات ، لكن كنت أستفيد من الشباب الذين يتحدثون .
وفي إحدى الرحلات ، كنا سنسافر مع شيخنا الشيخ عبدالله بن إبراهيم الشثري أحد طلاب العلم بالرياض إلى مدينة بقيق بالمنطقة الشرقية .
عندما جاء موعد السفر ، حصل للشيخ ظرف طاريء ، فقال لنا: اسبقوني ، وأنا آتيكم بعد أن ينتهي عذري .. انطلقنا إلى بقيق ، وعندما وصلنا كان عدد من الإخوة الفضلاء في استقبالنا ، ثم اجتمعنا للعشاء في بيت أحد الإخوة .
سألوا عن الشيخ ، فقلنا: إنه حصل له ظرف ، وسيأتي بإذن الله .. ونحن في المجلس قبل العشاء ، جاء الأخ الذي استضافنا ، وقال: الأخوان يرغبون في كلمة ، يتحفنا بها أحد الشباب .
طبعاً كنا قرابة الخمسة من الشباب .. بدأ كل واحد منا ينظر للآخر ، وما تجرأ أحد يقول: أنا لها .. فاعتذرنا للإخوة ، وقال أكبرنا: الشباب متعبين بسبب السفر .
في اليوم الثاني من الرحلة ، اتصلنا بالشيخ عبد الله ، وقلنا يا شيخ الله يرحم والديك ، ترانا انحرجنا من الإخوان ، كلما جلسنا معهم ، قالوا هذولا طلاب العلم من الرياض بلد العلم ، عجّل يا شيخ .. فيفجعنا الشيخ بأنه سيتأخر يومين .
في نفس اليوم ، جاء الأخ الذي استضافنا من أهل بقيق ، وقال: هناك محاضرة أو كلمة بعد صلاة المغرب ، جدولناها لشباب المركز الصيفي ، وما دام الشيخ تأخر ، اختاروا واحد منكم ينوب عن الشيخ .. حاول الشباب الاعتذار دون فايدة، فاستقر الخيار على العبد الفقير.
كيف تصرفت أمام هذا الموقف؟ هل تصرفت مثل الموقف الأول في المكتبة؟ لا .
عندما كلفت بالكلمة كنت خائف لكني مهتم جداً؟ ففي ذلك اليوم انقطعت عن الشباب ، جمعت بعض المطويات عن الإجازة واستغلال الوقت ، ثم نزلت للمكتبة ، وأخذت بعض الكتب عن الموضوع ، وانتقيت المادة ، ثم كتبتها كاملة في أوراق ، وبدأت أجرب نفسي وأقرأها عدة مرات .
بعد صلاة المغرب ، توجهنا للمكان ، وألقيت الكلمة ، وعلى الرغم من الخوف ، لكن بفضل الله كانت الكلمة جيدة .. وكان أول المسرورين بهذا النجاح أنا والشباب الذين معي والأخ الذي استضافنا .
وفي اليوم الثالث ، حضر الشيخ عبد الله ، وسأل عن الكلمة ، فقال الأخ الذي استضافنا: إن الأخ سامي ألقى الكلمة أمس وكان أسد .. طبعا يا أخوان الأسد اللي يقول (ميو) .. الأخ يقول: كان الأخ سامي يتحمس ويقول للشباب: لابد أن نستفيد من الوقت ، لا بد من استغلال الإجازة .. الله أكبر .. الشباب لا يدرون أني أنفعل وأصرخ من شدة الخوف والألم الذي أشعر فيه .. والحمد لله على ستره الجميل .
وعلى كل حال .. الفائدة من هذين الموقفين ، هي الاهتمام بالإعداد ، والتسلح الجيد قبل دخول المعركة .. ثم إذا فشلت فهذا أول النجاح ، لأن هذا الفشل يكسر جزءاً من حاجز الخوف ، وبتكرار الغارات يتحطم حاجز الخوف بإذن الله .
دعونا نعود إلى موضوعنا ، ونبدأ بهذا السؤال الهام: كيف يحضر المتحدث موضوعه ، أو ما هي خطوات التحضير الجيد ؟
خطوات تحضير الموضوع :
التحضير الجيد يمكن أن يمر بأربع خطوات :
1) تحديد الموضوع 2) التفكير الصحيح 3)الجمع والانتقاء 4)صياغة الموضوع
1) تحديد الموضوع : -
التوفيق في اختيار الموضوع يعد نجاحاً بحد ذاته ، وإن حصل بعض القصور في معالجة الموضوع .
كيف تختار الموضوع ؟
هناك عدة اعتبارات لاختيار الموضوع ، منها :
1) ثقافة المستمعين ، ودرجة تدينهم : فمن حكمة المتحدث أن يخاطب الناس على قدر عقولهم .
وقد ثبت في البخاري عن علي رضي الله عنه أنه قال : حدثوا الناس بما يعرفون ، أتحبون أن يكذّب الله ورسوله " (2).
وفي مقدمة مسلم عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : إنك لم تك محدثاً قوماً بحديث لا تبلغه عقولهم ، إلا كان فتنة لبعضهم "(3) .
2) حاجات المستمعين : ادرس جمهورك ، وفكّر باحتياجاته ورغباته ، وقدّم الأهم فالمهم ، سواء في الأمور العقدية ، أو الشرعية ، أو محاربة المنكرات ، وغيرها .
بعض الخطباء يقترف خطئاً فيختار الموضوعات الذي تهمه هو ، ويهمل الموضوعات التي تهم المستمعين .
ولهذا أوصى النبي ( معاذاً لما بعثه إلى اليمن بالبدء بالتوحيد ، لأنه أولى المطالب.
3) عدد المستمعين : فبعض المواضيع الجماهيرية تحتاج إلى جمع غفير ، يتفاعل مع رسالة الخطيب ، ويسهم في تحقيق الهدف من الموضوع .
ولهذا كان ( إذا نزل به أمر عام نادى بالصلاة والاجتماع وخطب الناس .
4) قوة المتحدث العلمية في الموضوع : فلا يحسن بالمتحدث أن يطرح موضوعاً لا يدركه ولا يحسن فهمه ، فيخبط فيه خبط عشواء ، وتنكشف أوراقه .
وهذا الأمر يزداد سوءاً في الموضوعات الشرعية ، حيث يدخل المتحدث في مغبة القول على الله بغير علم .
من طرائف بعض القصاص ما ذكر عن أبي دحية القاص أنه كان يقص على الناس قصة يوسف ، فقال: كان اسم الذئب الذي أكل يوسف هملاج .. فقال الناس: إن يوسف لم يأكله الذئب .. فقال أبو دحية: فهذا اسم الذئب الذي لم يأكل يوسف .
وصعد أعرابيٌّ المنبر فقال: أقول لكم ما قال العبد الصّالح: "ما أريكم إلاّ ما أرى وما أهديكم إلاّ سبيل الرّشاد"، فقالوا له: هذا فرعون. فقال: قد والله أحسن القول .
إذن ، نقول كما قال تعالى : (ولا تقف ما ليس لك به علم) .
5) المكان : فينبغي أن تراعي المكان الذي ستلقي فيه موضوعك .. البلد والبيئة ونحوها.
لا يليق مثلاً أن تتناول موضوع المنكرات التي تحصل في شواطئ البحار ، في دولة في قلب الصحراء ، أو تتكلم عن أحكام زكاة الزروع والثمار في بلد ليس فيه زرع ولا ثمر .
6) الزمان : فتراعي الأحداث ، والمواسم ، وتراعي كذلك المناسبات الشرعية كرمضان ، والحج ، وغيرها.
ما تتكلم عن الصيام والناس في أول السنة ، أو تختار موضوعاً عن الحج والناس في رمضان .
7) الظروف المحيطة ، والأحوال المستجدة ، التي تستدعي الحديث عن بعض الوقائع التي تقع في المجتمع .
كأن تنزل نازلة بالمسلمين ،كعدو أو مرض أو جدب أو غير ذلك .
هل هناك وسائل تعين على اختيار الموضوع؟: نعم .. يمكن النظر في أسماء الكتب وفهارسها ، والنظر في أسماء الأشرطة الإسلامية ، متابعة المقالات الدورية ، الاستفادة من الحوادث النازلة ، الاستفادة من مواقع الانترنت ومنتديات الحوار .
2) التفكير الصحيح : -
إذا حددت موضوعك اكتب جميع الأفكار المتعلقة بالمادة .. فكر بالموضوع مراراً ، ناقشه مع أصدقائك ، أسأل نفسك جميع الأسئلة الممكنة التي تتعلق بالموضوع .
فإذا كنت تتحدث مثلاً عن الطلاق ، أسأل نفسك ما هي أسباب الطلاق وما هي نتائجه الاقتصادية والاجتماعية ، مال الحلول . ثم دون جميع هذه المعلومات كنقاط رئيسية تعينك على وضع هيكلة وخطة عمل للموضوع .
3) الجمع والانتقاء : -
أمام المعد سيل جارف من المعلومات ، فما الذي يختاره منها ليقدمه إلى مستمعيه ؟
من العيوب التي يقع فيها بعض الناس أنهم ينقلون المعلومات لمجرد النقل بعيداً عن النظر والانتقاء .
الجمع والانتقاء الذكي يقوم على أمرين : روح الوفرة ، وحسن الانتقاء .
1] أما روح الوفرة : فنعني به العمق والشمولية في جمع المعلومات .
أنا أقولها نصيحة: اجمع معلومات عن الموضوع أكثر من القدر تريد إلقاءه عشر مرات .. هذا الأمر له عدة فوائد منها :
1ـ التأكد من صحة المعلومات .
2ـ انتقاء أفضل المعلومات والعبارات .
3ـ اكتساب المتحدث قوة مؤثرة في الإلقاء بسبب إلمامه الوافر وقناعته بالموضوع .
2] وأما حسن الانتقاء : فنعني به اختيار أنسب المعلومات ، وصياغتها بأرقى العبارات ، ثم دمجها في وحدة فنية متجانسة .
كما قال أحد الباحثين : " أنتجت مليون عينة نباتية لأجد واحدة أو اثنتان منها أفضل من سائر العينات ، وبعد ذلك أتلفت جميع العينات الرديئة " .
* مفاتيح الوصول إلى المعلومات؟
تختلف طرق الوصول للمعلومات باختلاف نوع المعلومة المطلوبة .
ولعلي في هذه العجالة ، أذكر بعض المفاتيح السريعة التي يمكن للخطيب أو المتحدث الوصول إلى المعلومات من خلالها (وهذه المفاتيح مستفادة من موضوع السراج المنير في فن التحضير للدكتور علي با دحدح) :
‌أ- الآيات القرآنية : لجمع وحصر الآيات المتعلقة بالموضوع يمكن الرجوع إلى:
1- المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم : محمد فؤاد عبد الباقي
2- معجم ألفاظ القرآن الكريم : مجمع اللغة العربية
3- الفهارس الموضوعية الموجودة في أواخر بعض المصاحف المطبوعة .
4- يمكن الاستعانة ببرامج الحاسوب للبحث في المصحف ، ولا سيما عند البحث الصرفي عن الكلمة بلفظها دون موضوعها .
‌ب- الأحاديث النبوية : لجمع الأحاديث المتعلقة بالموضوع يمكن الرجوع إلى:
1- رياض الصالحين : الإمام النووي .
2- الترغيب والترهيب : المنذري ، وعليه تحقيق للألباني .
3- مشكاة المصابيح : الخطيب التبريزي ، وعليه تحقيق للألباني .
4- الكتب الأخرى المتخصصة في موضوع واحد :
مثل: في القرآن (أخلاق أهل القرآن للآجري) .. في العلم (جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر) .. في الجهاد (الجهاد لابن أبي عاصم) .. في الزهد (الزهد للإمام أحمد ، ولعبد الله بن المبارك) .. في الذكر (الأذكار للنووي) ... الخ .
5- يمكن الاستعانة ببرامج الحديث الحاسوبية ، ومن أهمها: برنامج شركة حرف (موسوعة الكتب التسعة وشروحها) ، وفيه فهرس موضوعي لأحاديث الكتب التسعة ، وهو مفيد للغاية .
‌ج- أقوال الصحابة والتابعين والعلماء :
1- أما أقوال الصحابة والتابعين : فأجمع كتابين يمكن الرجوع إليهما: المصنف لعبد الرزاق الصنعاني ، والمصنف لابن أبي شيبة .
وهذان الكتابان مرتبان حسب الأبواب .
2- وأما أقوال العلماء عامة (بما فيهم الصحابة والتابعون) : فيمكن الرجوع إلى كتب التفسير ، وكتب شروح الأحاديث فإنها تتضمن هذه الأقوال .
ومن المراجع الحديثة المفيدة جداً : الفهرس الموضوعي الموجود في آخر كتاب (نزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء) من إعداد د. محمد حسن الشريف.
وقد استفدت من هذا الفهرس في إعداد عدة محاضرات وكلمات تتضمن أقوال وقصص لعلماء السلف .
‌د- الأشعار والحكم : يمكن الرجوع إلى :
1- لباب الأدب : أسامة بن منقذ ، وهو مرتب على الموضوعات .
2- ديوان المعاني : أبو هلال العسكري ، وهو مرتب حسب الأبواب ، يقول فيه : أحسن ما قيل في كذا .. .
3- جواهر الأدب : السيد الهاشمي ، وهو مرتب حسب الموضوعات وأنواع الشعر والأدب .
4- سلسلة شعراء الدعوة الإسلامية ، وتتضمن كثيراً من القصائد المتعلقة بالحوادث المعاصرة وواقع المسلمين اليوم .
4) صياغة الموضوع : -
تقوم الموضوعات عادة على ثلاثة أجزاء: أولاً) المقدمة ، ثانياً) الإثبات (أي محتوى الموضوع ما بين المقدمة والخاتمة) ، ثالثاً) الخاتمة
أولاً) المقدمة :
المقدمة أو الافتتاحية مهمة جداً لأنها أول ما يقرع سمع الجمهور من الكلام .
ويسبق هذه المقدمة في العادة الاستهلال .
ومن بلاغة المتحدث براعة استهلاله ، فيأتي بعبارات الاستهلال التي توحي للسامع بمقصود الحديث ، مما يشد الانتباه ويهيء النفوس .
لو تأملنا في افتتاحيات السور في القرآن الكريم ، أدركنا ما تثيره في النفس من الإجلال والتشويق والرغبة في المتابعة .
ومعروف عند المتقدمين من السلف ـ رحمهم الله ـ أن ما لا يبتدأ بالحمد فهو الأجذم الأبتر ، وما لم يزين بالصلاة على رسول الله ( فهو المشوه .
وكان عليه الصلاة والسلام يفتتح خطبه بالحمد ، وبخطبة الحاجة ، ووصف الخطبة التي ليس فيها تشهد باليد الجذماء (أي الناقصة) .
إذن .. الخطيب المسلم يستهل كلامه بالثناء على الله والصلاة على نبيه .
وهي سنة محمد ( ، بل كانت براعة استهلاله ، وثناؤه على ربه صلى الله عليه وسلم سبباً في إسلام الصحابي ضماد الأزدي .
فقد روى مسلم في صحيحه عن ابن عباس رضي الله عنهما أن ضماداً قدم مكة وكان من أزد شنوءة وكان يرقي من الجن فسمع سفهاء من أهل مكة يقولون إن محمدا مجنون فقال لو أنى رأيت هذا الرجل لعل الله يشفيه على يدي قال فلقيه فقال يا محمد إني أرقي من هذه الريح (يعني الجن) وإن الله يشفي على يدي من شاء فهل لك ؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الحمد لله نحمده ونستعينه من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله أما بعد .
قال : فقال أعد علي كلماتك هؤلاء . فأعادهن عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات . قال : لقد سمعت قول الكهنة وقول السحرة وقول الشعراء فما سمعت مثل كلماتك هؤلاء ولقد بلغن ناعوس البحر . قال : هات يدك أبايعك على الإسلام . فبايعه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : وعلى قومك ؟ قال : وعلى قومي . (4)
وبعد هذا الاستهلال يشرع المتحدث في الافتتاحية أو المقدمة .
وهنا سؤال هام ، وهو :
كيف تفتتح موضوعك ؟
من الخطأ الذي يقترفه المتحدث المبتدئ الاعتذار في مقدمته بكونه ليس بخطيب ، أو أنه ليس لديه ما يقوله ، وهذا الأمر يضعف تفاعل الجمهور معه .
ولهذا نقول: لا تبدأ بالاعتذار ، لأن معناه :
أ ـ أنك تقول لا تهتموا بكلامي .
ب ـ أو تحثهم على تصيد أخطائك .
ج ـ أو تشعرهم بالاستهتار بعقولهم بسبب عدم التحضير والاستعداد .
د – وقد يكون في هذا الأمر مزلق قلبي ، وهو تزكية النفس بالتواضع على الملأ .
إذن .. لا تبدأ بالاعتذار ، بل ابدأ بثقة من الجملة الأولى .. ابدأ بمقدمة مثيرة وقصيرة .
مثيرة تأسر انتباه الجمهور .. وقصيرة كلائحة الإعلان ، لئلا يمل السامع . فإن كثيراً من الناس لسان حاله يقول : أعطنا ما عندك بسرعة ، أعطنا الزبدة .
مقترحات للافتتاحية :
هذه بعض المقترحات التي نقترح على المتحدث أن يستفتح بها موضوعه .
1) إثارة الانتباه بالإضمار
الناس مجبولون على الفضول وحب الاستطلاع ، ومعرفة ما أخفي عنهم . ولذا فإن فن الإضمار من أهم وسائل إثارة انتباه الجمهور .
? مثال تطبيقي :
* تأمل في أسلوب الإضمار الذي اعتمد عليه النبي ( في هذه الخطبة ، ومدى تأثيره في المخاطبين .
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ( جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ : عَبْدٌ خَيَّرَهُ اللَّهُ بَيْنَ أَنْ يُؤْتِيَهُ زَهْرَةَ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ فَاخْتَارَ مَا عِنْدَهُ . فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ وَبَكَى فَقَالَ : فَدَيْنَاكَ بِآبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا . قَالَ : فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ( هُوَ الْمُخَيَّرُ وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ أَعْلَمَنَا بِهِ . (5)

? مثال صوتي : مقدمة خطبة للشيخ عبد الحميد كشك
أما بعد فيا حماة الإسلام وحراس العقيدة .. دخلت المسجد صبيحة هذا اليوم ، فسألت عن حمامة المسجد أين هي؟ فقالوا لقد كانت هنا بالأمس ، وسألت : في أي أوقات الصلاة حضرت؟ قالوا : حضرت وقت العصر . قلت : فهل صلت حمامة المسجد العصر؟ قالوا : إنها حضرت ولم تصل ، إنما حضرت ليُصَلَّى عليها !!!
أتدرون من حمامة هذا المسجد؟ إنه رجل من فقراء المسلمين كان دائماً يجلس في الصف الأول ، كان أسمر الوجه لكنه كان أبيض القلب ... سألت عن الحمامة أين هي ؟ قالوا : إنها طارت . قلت: إلى أين طارت؟ قالوا : إلى حيث تطير الأرواح ، طارت إلى الديار الآخرة بعد ما بنت لها عشاً في هذا المسجد.
2) قصة مثيرة
وهذه بداية مثيرة جداً ، فالنفوس تحب الاستماع إلى القصص والروايات ومتابعة أحداثها أكثر من الكلام النظري المجرد .
3) سؤال يحرك الأذهان
من الافتتاحيات المميزة أن يبدأ المتحدث بطرح سؤال لاستدراج الجمهور إلى التفكير ، والتعاون معه .
إن استخدام هذا السؤال الافتتاحي هو واحد من أبسط وأضمن الطرق لفتح أذهان جمهورك والدخول إليها .
? والسنة النبوية مليئة بالأمثلة على هذه الافتتاحيات .
* أَتَدْرُونَ مَا الْغِيبَةُ قَالُوا : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ . قَالَ : ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ ...الحديث(6)
* أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ ؟ قَالُوا : الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لا دِرْهَمَ لَهُ وَلا مَتَاعَ ...الحديث(7)
? مثال صوتي آخر : مقدمة خطبة للشيخ عايض القرني
أيها المؤمنون .. عنوان هذه الخطبة : المؤذن الأول . من هو المؤذن الأول؟ من هو أول من صدح بصوت الحق على منارة الحق في دنيا الحق؟
إنه ذلكم المولى الضعيف المسكين ، الذي رفعه هذا الدين فأصبح من ورثة جنة النعيم .
بلال بن رباح .. اسم يحبه المؤمنون ، وصوت تتعشّقه آذان الموحدين .
? مثال صوتي آخر : مقدمة خطبة للشيخ عبد الوهاب الطريري
أما بعد .. أيها الناس ، اتقوا الله حق التقوى .
أمة الإسلام .. هل قضية تهمنا أعظم من ديننا؟ هل قضية تشغلنا أهم من عقيدتنا؟
أليس وجودنا في الحياة للإسلام؟ وهويتنا في الوجود الإسلام ؟ ورسالتنا إلى الدنيا الإسلام ؟
له نحيا ، وبه نحيا ، وعليه نموت ، ( قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين) .
? مثال صوتي : مقدمة خطبة للشيخ عبد الحميد كشك
أما بعد فيا حماة الإسلام وحراس العقيدة .. إلى أين نذهب اليوم؟ إلى محكمة !! أي محكمة؟
أمحكمة الثورة؟ أم محكمة الشعب؟ أم محكمة الغدر؟ أم محكمة أمن الدولة؟ أم محكمة عسكرية؟ أم محكمة القيم؟ أم محكمة الاشتباه؟ أم المدعي الاشتراكي؟
لا هذا ، ولا ذاك ، ولا ذلك ، ولا هذه ، ولا تهِِ ، ولا تلك ، ولا هؤلاء جميعاً .. إنما نذهب إلى محكمة مكتوب على بابها (والله يقضي بالحق والذين يدعون من دونه لا يقضون بشيء إن الله هو السميع البصير) .
4) ضرب الأمثال
المستمع العادي يصعب عليه أن يتتبع العبارات المجردة طويلاً . لكن من السهل عليه الاستماع إلى الأمثلة .
جرب .. افتتح بمثل تثير فيه اهتمام الجمهور ، ثم تابع موضوعك .
? والسنة النبوية مليئة بالافتتاحيات بضرب الأمثلة:
* أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ نَهْرًا بِبَابِ أَحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ هَلْ يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ قَالُوا لا يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ قَالَ فَذَلِكَ مَثَلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ يَمْحُو اللَّهُ بِهِنَّ الْخَطَايَا .(8)
* إِنَّمَا مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالْجَلِيسِ السَّوْءِ كَحَامِلِ الْمِسْكِ وَنَافِخِ الْكِيرِ.(9)
مَا ذِئْبَانِ جَائِعَانِ أُرْسِلا فِي غَنَمٍ بِأَفْسَدَ لَهَا مِنْ حِرْصِ الْمَرْءِ عَلَى الْمَالِ وَالشَّرَفِ لِدِينِهِ . (10)
* وفي أحاديث أخرى مثل بالنخلة (للمؤمن في انتفاعه ونفعه غيره بكل وسيلة) .
* ومثل بالمرآة (للنصيحة) .
* ومثل بخرق السفينة (في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) .
* ومثل بالفتيلة (للذي يعلم الناس الخير وينسى نفسه) .
? مثال صوتي : مقطع من محاضرة للشيخ علي عبد الخالق القرني
ووالله الذي لا إله إلا هو لا أرى مثلاً لهؤلاء الموتورين الذين يتطاولون على القمم الشماء إلا كذبابة حقيرة سقطت على نخلة عملاقة ، فلما همت بالانصراف قالت في استعلاء : أيتها النخلة تماسكي فإني راحلة عنك ، فقالت النخلة العملاقة : انصرفي أيتها الذبابة فهل شعرت بك حينما سقطت علي لأستعد لك وأنت راحلة عني .
ألم تر أن الليث ليس يضيره إذا نبحت يوماً عليه كلاب
لا يضير السماء العواء ، ولا أن تمتد لها يد شلاء ... الخ
5) الاستعراض
من الطرق السهلة لجذب الانتباه استعراض شيء يتطلع إليه المخاطبون .
? مثال تطبيقي : تأمل في فعله عليه الصلاة والسلام على المنبر .
* عن عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ( قال : أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ( حَرِيرًا بِشِمَالِهِ وَذَهَبًا بِيَمِينِهِ ثُمَّ رَفَعَ بِهِمَا يَدَيْهِ فَقَالَ : إِنَّ هَذَيْنِ حَرَامٌ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي حِلٌّ لإِنَاثِهِمْ .(11)
لقد كان بإمكانه ( أن يخبرهم بتحريم هذين الأمرين دون أن يرفع بهما بيديه ، ولاسيما أنهما معروفان تماماً عند المخاطبين ، لكن رفعه لهما كان أبلغ في البيان والتأثير .
6) ربط الموضوع بمصالح المستمعين ، أو واقعهم الملموس
ابدأ ببعض الملاحظات التي تعالج مصالح جمهورك ، وتلامس واقعهم .نحن نهتم جداً بالأشياء التي تمسنا أو تمس واقعنا الذي نعيشه .
وقد كان القرآن يتـنـزل طيلة حياة الرسول صلى الله عليه وسلم يعالج المواقف والوقائع المختلفة :
* كما قال تعالى : ( الم ( غلبت الروم ( الآيات إلى قوله ( ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم ( . فهذه السورة افتتحت بحدث الساعة في ذلك الوقت وهو انتصار الفرس على الروم .
* يكن مثلاً أن تستفتح موضوع الإيمان بالكلام عن السعادة والأمن وهما من أهم الحاجات والمصالح ، فتقول مثلاً : (السعادة مطلب كل إنسان فأيّنا لا يحب أن يكون سعيداً ، و الأمن من أهم مقومات الحياة فمن منا تستقر حياته بلا أمن .
إن السعادة والأمن ثمرتان من ثمار الإيمان ، فبالإيمان يسعد الإنسان ويتحقق الأمان ..........الخ) .
إذا لامست حاجات الناس وواقعهم فإنك ستنجح في كسب اهتمامهم .
* ومن الطريف في هذا الباب ما روي أن مغفلاً دخل مسجد الكوفة صبيحة وفاة الخليفة المهدي ، فصاح بالناس وقال : مات الخليفة أيها الثقلان .
أمام هذه المقدمة المثيرة حول هذا الخطب العظيم الذي هو حديث الساعة . ظن الناس أن هذا الشاعر سينعى الخليفة إلى الجن والإنس بقصيدة عصماء مطلعها : مات الخليفة أيها الثقلانِ . سكت الناس وأحدقوا بعيونهم وأنصتوا لهذا المغفل فأكمل البيت فقال: فكأنني أفطرت في رمضان . فضحك الناس ، وعلموا أن الرجل مغفل أحمق.
? مثال صوتي : مقدمة خطبة للشيخ سعود الشريم
أيها الناس .. البال الرخي ، والنفس الرضية ، والصدر المنشرح ، مطالب جُلَّى تصبو إليه أفئدة بني آدم ، وترجو نوالها كل نفس لم تكتنفها دواعي الخذلان ، أو مكابرة العاجز ، وبطر المستنكف .
? مثال صوتي : مقدمة خطبة للشيخ صالح بن حميد
إننا بين يدي مؤتمر سوف ينعقد قريباً هذه الأيام ، ليتحدث ويوصي ويقرر عن المرأة والأسرة ، والبيت وشؤونه ، يتحدث عن التنمية والسلام والمساواة ، مؤتمرٌ منتسب إلى الأمم المتحدة .
كم تحدثوا وائتمروا عن التنمية والأمية والتعليم والصحة ، ورفع الفقر وحقوق الإنسان ... الخ .
7) الحقائق الباهرة
إن الحقائق الباهرة عبارة عن سلسة من الصدمات ، فهي توقظنا من أحلامنا ، وتثير انتباهنا .
هذه الحقائق يمكن أن يعرضها المتحدث بطريقتين مؤثرتين :
طريقة الأرقام ، أو طريقة الأوصاف .
أما الأرقام فإن لغة الأرقام من أقوى اللغات ، فالرقم الواحد قد يحدث أثراً في النفوس لا تحدثه آلاف الكلمات .
فأي معنى لمن يتحدث عن الزنا والفواحش ، ولا يعرج على الإيدز وإحصائياته المخيفة ، أو يتحدث عن مشكلة الطلاق ، ولا يلتفت إلى أثر الإعلام والمسلسلات الفاسدة على الحياة الزوجية بالأرقام والإحصائيات .
وأما الأوصاف فإنها تشد الانتباه أقوى من المعلومات المجردة .. ويظهر دور الخطيب الناجح في براعة الوصف ، وحسن تصوير المشهد للمستمعين ، مما يحرك عواطفهم ، ويثير مشاعرهم تجاه الموضوع .
? أمثلة تطبيقية : دعونا نأخذ بعض الأمثلة على الأرقام ثم الأوصاف .
1ـ أما الأرقام ، فيمكن أن تستفتح موضوع الالتزام بالحجاب الشرعي بأن تقول: (أثبتت إحدى الدراسات الميدانية المنشورة بمجلة الدعوة أن 86 % من النساء اللواتي يلبسن العباءة على الكتف يتعرضن للمعاكسة).
2ـ يمكن كذلك أن تستفتح موضوع التدخين بأن تقول: (خلال عشر سنوات فقط يبلغ طول السجائر التي يدخنها المدخن العادي الذي يدخن عشرين سيجارة فقط يومياً: خمسة كيلو مترات وأربعين متراً ، كل هذه الأمتار تصب في بدنه سموماً قاتلة).
3ـ يمكن أيضاً أن تقول في افتتاحية موضوع تربية الأبناء على الصلاة: (أظهرت نتائج بحث أجري بإحدى المدارس المتوسطة ، نشرته جريدة الجزيرة أن 60 % من الطلاب لا يؤدون الصلاة).
? مثال صوتي : مقدمة خطبة للشيخ سعود الشريم
الحزن والاكتئاب عباد الله هما آفة العصر المدمرة ، وهما أوسع الآفات النفسية انتشاراً في العالم ... ثم إن المترقب لآخر الإحصائيات الصحية العالمية ليجد أن ما يقارب عشرة بالمائة من سكان العالم يعانون من آفة الحزن والاكتئاب بما في ذلكم بلاد المسلمين . وهذا يعني بداهة وجود مئات الملايين من البشر في معاناة مع هذا الواقع المرير .
? مثال صوتي آخر : مقدمة خطبة للشيخ عبد العزيز الحمدان
تشير الدراسات المرورية المتخصصة إلى أن المعدل الحقيقي للوفيات المرورية في المملكة يقدر بقتيل في كل ساعة ، بينما يصل معدل الإصابات إلى أربعة مصابين في كل ساعة ، إذن فهناك إخوة الإيمان نزيف بشري على الطريق يجب إيقافه .
? أما بالنسبة للأمثلة على الأوصاف ، فيمكن أن يبدأ المتحدث عن مأساة شعب مسلم : (آلاف من البشر يفترشون الأرض ويلتحفون السماء .. أجسادهم عارية ، وبطونهم خاوية .. قتل رجالهم ، واستبيحت نساؤهم ، ويتم أطفالهم .. فهذا رجل قد ربّى أولاده سنوات طويلة يعود إلى بيته وإذا به قد دمّر على رؤوس أولاده فلا يرى إلا جثثاً هامدة .. وهذه فتاة قد دنست عفتها تشكو إلى الله ظلم المعتدين ، وهذه طفلة بريئة تخرج من بين الأنقاض وقد فقدت أبويها وإخوتها .. تقدم رجلاً وتؤخر أخرى ، لا تدري إلى أين تذهب .. إنهم إخوانكم المسلمون المضطهدون في ..........) .
8) موجز الموضوع (الإجمال قبل التفصيل)
من المقدمات الناجحة أن يقدم المتحدث لمستمعيه عرضاً مجملاً لعناصر الموضوع ، ثم يشرع في التفاصيل . فهذه المقدمة تكون مفتاحاً لأذهان المستمعين ، ومعيناً لهم على فهم الموضوع ومتابعة أجزائه .
? أمثلة تطبيقية :
* وفي القرآن الكريم عدد من الأمثلة لأسلوب الإجمال قبل التفصيل كقوله تعالى: ( يوم تبيض وجوه وتسود وجوه ( فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون ( وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله هم فيها خالدون (
* وهذا مثال لمقدمة موضوع عن انحراف الناشئة .
فيبدأ المتحدث بعرض مجمل لعناصر الموضوع . كأن يقول : " في هذه الخطبة أتحدث إليكم عن موضوع انحراف الناشئة ، وينتظم عِقْدُ هذا الموضوع العناصرَ التالية : أولاً نعمة الأولاد ، ثانياً مسؤولية الوالدين عن تربية أولادهم ، ثالثاً مظاهر انحراف الأولاد ، رابعاً أسباب الانحراف ، خامساً وأخيراً ما هو العلاج .. ولنبدأ بالعنصر الأول وهو نعمة الأولاد ...) .
? مثال صوتي : مقدمة محاضرة للشيخ عايض القرني
ولهذه المحاضرة عناصر ، منها : المحب الطبري يقفز من السفينة بحفظ الله ، البرامكة ضيعوا الله فضيعهم الله ، العصفور في حفظ الله وكلاءته ينقل للحية رزقها ، الرجل الإسرائيلي يرسل رسالة في خشبة في البحر فيوصلها عالم الغيب والشهادة ، صلة بن أشيم أحد الصالحين يحميه الواحد الأحد من الأسد وهو في الصحراء ، عقبة بن نافع أحد الصحابة يخترق غابة أفريقيا فيتكلم بحفظ الله مع الوحوش فتعود إلى مستعمراتها ... الخ

ثانياً) المتن :
وأعني بالمتن هنا محتوى الموضوع ما بين المقدمة والخاتمة .. هذا الجزء هو المقصود الأعظم من المادة .. وسأتحدث فيه عن عدة نقاط :
النقطة الأولى) الإيضاح والاستدلال :
لا بد أن يشتمل المتن على هذين الأمرين : إيضاح ، واستدلال .
أما الإيضاح : فهو إيصال المعلومات والأفكار إلى المستمع بأساليب الكلام والعرض المختلفة .
وأما الاستدلال: فهو الاستشهاد بالأدلة والحجج والبراهين والشواهد ، سواء كانت من الكتاب والسنة أوأقوال السلف ، أو من بعض الوقائع والأحداث من باب القياس والاعتبار .
النقطة الثانية) مراعاة الهدف من الموضوع ؟
الخطاب رسالة موجهة لها هدف محدد . فعلى المتحدث أن يحدد هدفه من الموضوع ، ويُبديء فيه ويعيد ، ويسعى إلى تحقيقه خلال الحديث .
والأهداف كثيرة ومتنوعة ، منها :
1) يمكن أن يكون الهدف زيادة العلم والمعرفة : مثال ذلك أن تلقي محاضرة للتعريف بأحكام ، أو مفاهيم ، أو ببلد معين ، أو نحو ذلك.
2) يمكن أن يكون الهدف تعزيز وجهات النظر ، أوالسلوكيات السليمة : مثال ذلك أن تلقي محاضرة على جمع من المسلمين المصلين عن فضائل الصلاة لتزيدهم محبةً للصلاة وتمسكاً بها.
3) يمكن أن يكون الهدف تغيير وجهات النظر الخاطئة : مثال ذلك أن تلقي محاضرة على جمع من الناس يعتقدون بجواز تطبيق القوانين الوضعية في ديار الإسلام لإقناعهم بعدم جواز ذلك.
4) يمكن أن يكون الهدف تغيـير السلوك العملي الخاطئ وتبني السلوك السليم : مثال ذلك أن تلقي محاضرة على جمع من المدخنين ، عن حرمة التدخين وأضراره.
وإذا كان الموضوع يتعلق بمنكر أو انحراف فعلى المتحدث أو الخطيب أن يعلم أنه كالطبيب ، فعليه أن يشخص الداء قبل وصف الدواء ، فيتعرف على العلل والأمراض ، ثم يذكر الدواء والعلاج المناسب لها .
النقطة الثالثة) حسن اختيار الكلمات والجمل
أما الكلمات فينبغي أن يختار المتحدث منها الكلمات العربيةَ الواضحةَ سهلةَ النطق لا يتعثر اللسان في إبرازها .
وأما الجمل فالأفضل أن تكون قصيرة ، كثيرة الإنشاء والوصف .
مع ضرورة الابتعاد عن الكلمات الغريبة الوحشية أوالألفاظ الطنانة الرنانة التي تزيد الموضوع إبهاماً وتعقيداً .
قال ابن عقيل الحنبلي: كان شيخنا أبو القاسم بن برهان الأسدي يقول لأصحابه: إياكم والنحو بين العامة ، فإنه كاللحن بين الخاصة .
وليس المقصود أيها الأحبة أن الإنسان يهمل جانب اللغة ، أو أن الأفضل أن يتحدث بالعامية ، لا ، المقصود أن يكون الكلام مع العامة سهلاً واضحاً دون تعمق أو تشدق ، مع العناية باللغة وصحة الكلام .
من الطرائف : أن أحدهم كان له ابن نحوي يتقعر في الكلام ، فمرض الوالد مرضاً شديداً وشارف على الموت .. فاجتمع أولاده وقالوا : ندعو أخانا فلاناً .. فقال: لا ، إن جاء قتلني .. قالوا : نحن نوصيه أن لا يتكلم .. فجاء الولد ، فلما دخل على أبيه ورآه مشرفاً على الموت ، قال: يا أبت قل لا إله إلا الله ، تدخل الجنة وتنج من النار .. ثم قال: يا أبت والله ما شغلني عنك إلا فلان ، فإنه دعاني بالأمس فأهرس وأعدس واستبذج ، وسكبج وطهبج وأفرج ودحج ، وأبصل ومضر ولوزج وافلوذج .. فصاح أبوه: غمضوني فقد سبق أخوكم ملكَ الموت إلى قبض روحي .
دعونا نأخذ مثالاً جميلاً لحسن اختيار الكلمات والجمل .
? مثال صوتي : مقطع من خطبة للشيخ صالح بن حميد
هل غارت من النفوس الغيرة؟ وهل غاض ماؤها؟ وهل انطفأ بهاؤها؟ ... إعلان للفحشاء بوقاحة ، وإغراق في المجون بتبجح ، أغانٍ ساقطة ، وأفلام آثمة ، وسهرات فاضحة ، وقصص داعرة ، وملابس خالعة ، وعبارات مثيرة ، وحركات فاجرة ، مابين مسموع ومقروء ومشاهد ، في صور وأوضاع يندى لها الجبين في كثير من البلاد والأصقاع ، إلا ما رحم الله .
النقطة الرابعة) الوحدة الموضوعية وسلاسة الانتقال
فالمتحدث الجيد يصوغ موضوعه على شكل وحدة موضوعية تتكون من عدة أقسام متدرجة ، بحيث ينتقل من الفكرة إلى التي تليها بترتيب واضح ومنطقي ، وهذا الأمر يعين المستمع على المتابعة ، واستيعاب الموضوع .
ليس من المناسب أن يتكلم المتحدث مثلاً عن مظاهر الموضوع ، ثم عن نقطة في العلاج ، ثم أخرى في الأسباب ، ثم يعود إلى الحديث عن المظاهر ، وهكذا ، وهذا يشوش على المستمع .
إذا علمنا هذا .. فكيف يتنقل بين أقسام الموضوع؟
هناك عدة أساليب للانتقال من فكرة إلى أخرى :
1- الانتقال البلاغي، وذلك باستخدام جملة أو عبارة تربط بين الأفكار.
ومثال ذلك : أن يتعرض المتحدث لمظاهر انحراف الشباب . ثم يقول : " هذه هي بعض مظاهر الانحراف ، ولعلنا نتساءل بعد هذا ، ما هي أسباب هذا الانحراف ؟ " ثم يشرع في الفكرة التالية وهي أسباب الانحراف .
2- الانتقال الصوتي الذي يتم من خلال التوقف المناسب ، وتغيير نبرات الصوت وانخفاضه أو ارتفاعه .
فالمتحدث الجيد يقف بعد انتهاء الفكرة ليشعر السامع بانتقاله إلى فكرة جديدة ، ثم يبدأ هذه الفكرة بنبرة جديدة تناسب استهلال الفكرة الجديدة .
3- الانتقال بترقيم الفقرات ، فيقوم المتحدث بترقيم فقرات الموضوع بعد ترتيبها ، فيقول مثلاً : النقطة الأولى ... النقطة الثانية .... وهكذا.
النقطة الخامسة) إن من البيان لسحرا
ونعني بالبيان الساحر الأسلوب البلاغي الذي يسحر القلوب ويأخذ بالألباب ، كما قال أحدهم :
وكلامها السحر الحلال لو أنـه
إن طال لم يملل وإن هي أوجزت
لم يجـن قتـل المسـلم المتحرز
ود المحـدَّث أنـها لم توجــزِ
عن عمار بن ياسر ( قال :سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ( يَقُولُ : " إِنَّ طُولَ صَلاةِ الرَّجُلِ وَقِصَرَ خُطْبَتِهِ مَئِنَّةٌ مِنْ فِقْهِهِ فَأَطِيلُوا الصَّلاةَ وَاقْصُرُوا الْخُطْبَةَ ، وَإِنَّ مِنْ الْبَيَانِ سِحْرًا"(12)
فيعتني الخطيب بالبلاغة وسرد الأمثال وسوق الأشعار وإيراد الحِكَم .
ولغتنا العربية مليئة بالأساليب البلاغية التي يمكن للخطيب أن يختار منها ما يناسب المقام.
دعونا نأخذ بعض الأمثلة التشويقية على هذه الأساليب :
? من الأساليب البلاغية السجع : وإذا أراد المتحدث السجع فليختر منه ما ليس بمتكلف ، قصيرَ الفقرات ، سهلَ المأخذ .
ومن أمثلة السجع الحسن ما جاء في خطبة قس بن ساعدة الإيادي التي يقول فيها : أيها الناس ، اسمعوا وعوا ، من عاش مات ، ومن مات فات ، وكل ما هو آت آت .
وقد جاء السجع غير المتكلف في عدد من الأحاديث والأدعية النبوية .
كما في قوله عليه الصلاة والسلام : أيها الناس أفشوا السلام وأطعموا الطعام وصلوا والناس نيام تدخلون الجنة بسلام .(13)
ومما ورد في الأدعية أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتعوذ من سوء القضاء ، ومن دَرَك الشقاء ، ومن شماتة الأعداء ، ومن جَهد البلاء .(14)
ومما يرتبط بالسجع رعاية المقاطع والفواصل ، واختيار الجمل القصيرة ، نظراً لأثرها على المستمع عند الوقوف على آخرها .
? ومن الأساليب التشبيه والاستعارة .
التشبيه أن تقول مثلاً : المسلم كالمنارة في دعوته ، وكالبحر في جوده ، وكالجبل في ثباته.
واما الاستعارة فمثالها أن تقول: أيها الإنسان ، احذر سيفاً بين فكيك (يعني اللسان) .
أو تقول: ضجت الأرض واستغاثت .
? ومن الأساليب البلاغية الجميلة : الجناس ، وهو يعطي الحديث نكهة إيقاعية مؤثرة ، كما تقول مثلاً : أيها العاصي أمسك ، وقس يومك على أمسك (هذا جناس تام) . ومثال الجناس غير التام قول الشاعر: من بحر شعرك اغترف وبفضل علمك اعترف .
هذه بعض الأمثلة السريعة ومن أراد المزيد والتلذذ بهذه الأساليب فليرجع إلى كتب البلاغة ، يبدأ أولاً بكتاب (البلاغة الواضحة) لعلي الجارم ومصطفى امين ، ثم كتاب (جواهر البلاغة) للسيد الهاشمي ، وإذا أراد التوسع فلينتقل إلى عبد القاهر الجرجاني في كتابيه (دلائل الإعجاز) و (أسرار البلاغة) .
النقطة السادسة) مراعاة السامعين
ينبغي للمتحدث أن يراعي السامعين في اختيار الكلام ، إذا كانوا من عامة الناس ينزل في العبارة على قدر عقولهم ويتجنب الألفاظ اللغوية البعيدة عن مداركهم ، وإذا كانوا من الخاصة يتأنق معهم في الكلام ، فيكون حكيماً مع جميع الفئات ، يضع الأشياء في مواضعها .
من الطرائف المتعلقة بالحضور ، أن أحد الإخوة كان يتدرب على الإلقاء في المساجد الصغيرة ، وقد يكون أكثر المصلين في هذه المساجد من العمالة ، وكثير منهم من غير العرب .. يقول: في أحد الأيام تكلمت في مسجد ، وبينما أنا ألقي الكلمة وقع نظري إلى شيخ كث اللحية ، يجلس بين المصلين .. عندما رأيته أصبت بالخوف والارتباك ، قلت: هذا سيكشف كل العيوب في الكلمة .. يقول: ارتبكت وكنت أحاول تحسين الكلام لأجل الشيخ .. وبعد نهاية الكلمة ، سلمت على الشيخ ، وقلت : هاه يا شيخ عسى الكلمة طيبة ، لكم ملاحظات؟ قال: (إيش كلام؟) .. الرجل ليس بعربي ، وأنا من هيئته أظن أنه أحد المشايخ الكبار .
النقطة السابعة) أسلوب الوصف التصويري في عرض القصص أو الحوادث
هذه مسألة هامة . وهي في الحقيقة أحد أسرار البلاغة في لغتنا العربية ، وسر من أسرار الإلقاء المؤثر .
ويكمن سر هذه المسألة في التعبير بالفعل المضارع في عرض المشاهد والأحداث بدلاً عن الفعل الماضي ، مع إضافة بعض الأوصاف والمشاعر الحاضرة التي تتضمنها القصة .
الغرض البلاغي من تصوير المشهد بهذا الأسلوب : أن يستحضر المخاطب صورة المشهد في ذهنه ، كأنها ماثلة أمامه ، فيستولي الخطاب على قلبه ، ويحرك مشاعره .
? أهل البلاغة يضربون لهذاً مثلاً بقوله تعالى على لسان إبراهيم ( وهو يقص رؤياه على ابنه إسماعيل ( :
* ( قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك ( الآية .
والشاهد من الآية التعبير عن الماضي بصيغة المضارع في قوله تعالى (أرى ، أذبحك) .
* ومن الأمثلة أيضاً قوله عز وجل في تصوير مشهد الأرض وهي تخضرّ بنزول الماء من السماء ( ألم تر أن الله أنزل من السماء ماءً فتصبح الأرض مخضرة ( الآية .
فاخضرار الأرض متجدد ، حاضر في ذهن المخاطب .
* نأخذ هذا المثال: قارن بين هذين الأسلوبين :
- الرواية تقول: (في أحد أيام السنة الثالثة والعشرين من الهجرة خرج عمر بن الخطاب إلى المسجد في صلاة الفجر ، وكان عمر إذا أقيمت الصلاة سوى الصفوف بقوله استووا ، فلما كبر هجم عليه الشقي أبو لؤلوة المجوسي فطعنه عدة طعنات بسكين ذات حدين) .
- (في اليوم الأخير من خلافة الفاروق ( يخرج أمير المؤمنين عمر بن الخطاب من بيته إلى مسجد رسول الله ( في المدينة ليصلي بالناس صلاة الفجر .. يدخل الفاروق المسجد .. تقام الصلاة .. يتقدم عمر ويسوي الصفوف : استووا .. استووا .. يرفع يديه ويكبر .. فإذا بالشقي أبو لؤلؤة المجوسي يهجم عليه من بين الصفوف ، فيطعنه عدة طعنات بسكين ذات حدين) .
لاحظ أن الأسلوب الثاني يعطي تصويراً للحادث ، وحضوراً لمشاهده في ذهن المخاطب أكثر من الأسلوب الأول .
? مثال صوتي : مقطع من خطبة للشيخ عايض القرني
كان الطعام يُقَدَّم لأبي أيوب فيرفع يده ، وترفع زوجه يدها ، ويقولان : والله لا نأكل حتى يأكل الرسول عليه الصلاة والسلام ، فينزل بالقصعة ، ويقدم الثريد ، ويشوي اللحم ، ويضيف أحسن ضيافة عرفها التاريخ . وفي ليلة من الليالي يقوم أبو أيوب ليصلي فيقع في جرة الماء فتنكسر فيصب الماء في الأرض ، فيأخذ شملته وينشف الأرض لئلا يتصبب الماء على المصطفى عليه الصلاة والسلام.
? مثال صوتي آخر : مقطع من خطبة للشيخ عايض القرني
هذا عمر .. يصلي بالناس صلاة الاستسقاء فلا يدرون ما يقول من البكاء، ويسأل الله أن لا يجعل هلاك الأمة في ولايته .. فينهلّ الغيث وهو في المصلى ، ويسير الماء غدقاً ، تحيا به النفوس والقلوب، وتعود الحياة إلى العاصمة .
النقطة الثامنة) المقارنة بين الواقع والمأمول
عند نقد الأخطاء ، وتقويم السلوكيات يسأم كثير من الناس من الأفكار النظرية في إنكار السلوك الخاطيء .. لكنهم يتفاعلون أكثر إذا عرض الخطيب بعض المشاهد من أحوالهم الملموسة ، وقارن بين هذه المشاهد ومشاهد من الأحوال الصحيحة المأمولة .
أحوالنا التي نقع فيها هي أكثر الأشياء إثارة لاهتمامنا . لأن كل واحد منا يشعر في هذه الحالة أنه معني بهذا الكلام دون من سواه .
? دعونا نوضح الأمر ببعض الأمثلة : في قضية النوم عن صلاة الفجر ، بدلاً من أن يقتصر الخطيب على الكلام النظري ، يمكن أن يعرض بعض أحوال الناس مثل ... ثم يقارن بـ .... :
عرض مشاهد من الأحوال الملموسة مقارنة بمشاهد من الأحوال المأمولة (أحوال السلف) 1- رجل يسهر مع رفاقه ، ثم ينام عن صلاة الفجر . كان المريض في عهد الصحابة يؤتى به يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف . 2– شاب يبكي لهزيمة فريقه ، وآخر يبكي في أغنية أو تمثيلية . سعيد بن عبد العزيز يبكي لما فاتته صلاة الجماعة 3- تساهل بعض نسائنا في الحجاب . خروج نساء الأنصار عندما نزل الأمر بالحجاب وكأنهن الغربان . إن مثل هذه المقارنات سيكون أثرها في نفوس السامعين أبلغ من النقد المجرد .
هل لهذا الأسلوب شاهد من السنة النبوية؟ نعم .
? تأملوا معي هذا الدرس العظيم من مشكاة النبوة .
في حديث خَبَّابِ بْنِ الأَرَتِّ ( قَالَ : شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ( وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ فَقُلْنَا أَلا تَسْتَنْصِرُ لَنَا أَلا تَدْعُو لَنَا فَقَالَ قَدْ كَانَ مَنْ قَبْلَكُمْ يُؤْخَذُ الرَّجُلُ فَيُحْفَرُ لَهُ فِي الأَرْضِ فَيُجْعَلُ فِيهَا فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُجْعَلُ نِصْفَيْنِ وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ مَا دُونَ لَحْمِهِ وَعَظْمِهِ فَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ وَاللَّهِ لَيَتِمَّنَّ هَذَا الأَمْرُ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ لا يَخَافُ إِلا اللَّهَ وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ .(15)
نلاحظ أنه عليه الصلاة والسلام اعتمد في هذا التوجيه الحكيم على أسلوب المقارنة ، فقارن بين الصورة الواقعة (وهي استعجال النصر) والصورة المأمولة (وهي الصبر واليقين) مقارنةً تحث على الاقتداء ، ثم أعقب هذه المقارنة بذكر ثمرة الاقتداء المأمول وهي حصول النصر والتمكين ، وهذا له أثر كبير في تحفيز النفوس إلى الانتقال من الصورة الواقعة إلى الصورة المأمولة .
? مثال صوتي آخر : مقطع من خطبة للشيخ سعد البريك
أيتسع القبر ... ؟ أم يتسع القبر ؟
النقطة التاسعة) بين الجدية والدعابة :
بعض الخطباء والمتحدثين يمتلكون روح المرح والدعابة .
فإذا كنت واحداً منهم ، فنـمِّ هذه الروح ، واستخدمها في الأحوال اللائقة ، فهي من أهم أسباب التأثير في الجمهور وإقناعهم .
لكني أحذرك .. إذا كنت لا تحسن هذا الباب فإياك أن تلبس ثـوباً لا يناسبك .
إذا لم تكن النكت والطرائف مناسبة لك أو للمقام ، هناك طريقة أخرى يمكن أن تداعب بها المخاطبين ، وتؤثر فيهم .
كيف؟ يمكن أن تلاحظ بعض الأحوال المتناقضة ، ثم تبالغ في وصفها بشكل مضخم .
? يمكن أن تقول مثلاً في وصف تناقض الأسر في فترة الامتحانات :
* إذا دخلت الامتحانات أعلنت الأسر حالة الطورايء في البيوت ، فترك المذاكرة أو النوم عن الامتحان جريمة لا تغتفر .. لكن أين هذا الاستنفار والحرص على الأبناء في صلاة الفجر وهي ركن الدين .
? مثال صوتي : مقطع من خطبة للشيخ محمد المنجد
ثم هناك فن يمكن أن نسميه فن التفاهة ، تصاغ به الأشعار . وكلماتٌ سخيفةٌ جداً ، لكن يترنم بها ملايين المسلمين ، وتنتشر اسطواناتها بالملايين .
تأمل ذلك الشعر الرائع ، الفخم الجزيل ، الموزون على قوافي أشعار العرب ، المحكم في نظمه وبيانه ، وجميل ترتيبه وجمال كلماته ، المشتمل على المعاني العظيمة : السح اندح امبو إلى آخره .
? مثال صوتي آخر : مقطع من خطبة للشيخ سعود الشريم
التفنن في تعويد المرأة على أن تبدو سافرة ، وعلى أن تقنع نفسها بأن حياتها ومستقبلها مرتهن بما تبديه من إغراء وتفنن في عرض التقاسيم البدنية ، عبر الأزياء المتجددة ، التي ربما كان المشي بها أصعب من مشيٍ على حبل مما بها من ضيق ، أو كمشي المجندل بالحديد ، ولن تستطيع صعود درجة إلا بكشف ساقيها .
النقطة العاشرة) مبدأ التكرار :
التكرار من أهم مباديء فن الإلقاء . ويمكن أن نقسمه إلى قسمين :
يمكن أن نكرر المعاني الهامة ، ويمكن أن نكرر الكلمات الهامة .
القسم الأول) تكرار المعاني الهامة :
وهذا النوع الأفضل أن يكون يكون بعبارات جديدة ، وبأساليب مختلفة ، مرة بالتقرير ، ومرة بالاستفهام ، ومرة بالترغيب أو الترهيب، ومرة بالاستنكار ، وغيرها من الأساليب البلاغية .
? مثال تطبيقي :
في القرآن الكريم الكثير من هذا النوع . ومن ذلك تقرير التوحيد ، وقصص الأنبياء ، وأحداث القيامة ، فتجد أن الفكرة الواحدة تتكرر بعبارات وأساليب مختلفة .
القسم الثاني) تكرار الكلمات الهامة :
فإذا مر المتحدث بهذه الكلمات الهامة فالأولى أن يكررها حتى تثبت في قلوب السامعين .
عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثاً، حتى تفهم عنه . رواه البخاري(16)
? وفي القرآن والسنة العديد من الأمثلة على هذا الأسلوب:
* كما في قوله تعالى ( القارعة ( ما القارعة ( وما أدراك ما القارعة ( .
* وفي حديث النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ( قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ( يَخْطُبُ يَقُولُ : أَنْذَرْتُكُمْ النَّارَ أَنْذَرْتُكُمْ النَّارَ أَنْذَرْتُكُمْ النَّارَ (17)
* وعَنْ مِحْجَنِ بْنِ الأدْرَعِ ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ( خَطَبَ النَّاسَ فَقَالَ :يَوْمُ الْخَلاصِ وَمَا يَوْمُ الْخَلاصِ . يَوْمُ الْخَلاصِ وَمَا يَوْمُ الْخَلاصِ . يَوْمُ الْخَلاصِ وَمَا يَوْمُ الْخَلاصِ ، ثَلاثًا فَقِيلَ لَهُ وَمَا يَوْمُ الْخَلاصِ قَالَ يَجِيءُ الدَّجَّالُ فَيَصْعَدُ أُحُدًا فَيَنْظُرُ الْمَدِينَةَ فَيَقُولُ لأَصْحَابِهِ أَتَرَوْنَ هَذَا الْقَصْرَ الأبْيَضَ هَذَا مَسْجِدُ أَحْمَدَ ... الحديث .(18)
* وعن أَبِي بَكْرَةَ ( قَالَ قَالَ النَّبِيُّ ( : أَلا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ ثَلاثًا قَالُوا : بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ : الإشْرَاكُ بِاللَّهِ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ وَجَلَسَ وَكَانَ مُتَّكِئًا فَقَالَ : أَلا وَقَوْلُ الزُّورِ . قَالَ : فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا لَيْتَهُ سَكَتَ . (19)
? مثال صوتي : مقطع من خطبة للشيخ صالح بن حميد
أيها الإخوة .. وهذا حديث عن مقياس من مقاييس الأخلاق دقيق ، ومعيار من معايير ضبط السلوك جلي .. إنها الغيرة .. الغيرة يا عباد الله الغيرة .. الغيرة على الأعراض ، وحماية حمى الحرمات ... الخ
? مثال صوتي : مقطع من محاضرة للشيخ سعد البريك
فالبداية منك أنت في إصلاح نفسك ، في إخلاص هذا الأمر لله جل وعلا ، في أن تثق بأنك إنما عليك البلاغ ، والنتيجة هي بإذن الله سبحانه و تعالى ، ثم إياك وخبيئة السر .. إياك وخبيئة السر .. إياك وخبيئة السر .. الفاحشة أو المعصية في السر ، هي التي تفسد عليك عملك .
النقطة الحادية عشرة) توضيح الأفكار بأحوال واقعية ومحددة
عندنا مسألتان ، الأولى: الواقعية ، والثانية التحديد .
إذا تحدثت عن فكرة كن واقعياً ، حاول أن تلامس واقع الناس ، ثم كن محدداً ، يعني حدد الصورة وخصص الكلام بأحوال معينة .
الحديث عن أمر واقع أولاً ومحدد ثانياً يزيد من الوضوح ، ويزيد أيضاً من الإقناع والإثارة .
دعونا نأخذ مثالاً حتى تتضح الصورة .
? مثال تطبيقي:
* حول موضوع الكذب :
(قد يقع بعض الناس في الكذب) حال عام
(قد نقع في الكذب خلال أدائنا لوظائفنا) حال واقعي
? (قد نتأخر عن الحضور إلى العمل ، أو نرتكب خطئاً ، أو نتقدم بطلب إجازة فنقع في الكذب ) حال واقعي ومحدد
* هل لهذا المهارة التي نتحدث عنها شاهد من السنة؟ نعم .
تأمل واقعية الرسول ( وتحديده ، وهو يدعو إلى الصدقة ، عندما جاءه القوم الفقراء من مضر ، فخطب الناس ، ماذا قال في الخطبة؟ :
" تَصَدَّقَ رَجُلٌ مِنْ دِينَارِهِ ، مِنْ دِرْهَمِهِ ، مِنْ ثَوْبِهِ ، مِنْ صَاعِ بُرِّهِ ، مِنْ صَاعِ تَمْرِهِ ، حَتَّى قَالَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ ... والحديث في صحيح مسلم .
? مثال صوتي : مقطع من خطبة للشيخ عبد الوهاب الطريري
وإنا لنشعر بالخزي والله حينما نرى المغني الشاب في الأغنية المدبلجة ، وهو يتمشى على الشاطيء أو في الحديقة ، والهواء الرخاء يهفهف ثيابه حتى ليكاد أن يشف عن ملابسه الداخلية ، أما المغني الأجنبي فيفتح أزرار قميصه حتى يستعرض بصدر أشعر .
النقطة الثانية عشرة) بين الإيجاز والإطناب :
هذا فن معروف عند أهل البلاغة .. هل توجز أو تطنب؟
هذا يختلف ، بحسب حال السامعين ، ونوع الموضوع ، وظروف الإلقاء .
ومن الخير للمتحدث أن ينفض الجمهور وهم متعلقون به من غير ملل .. دعهم يقولون: ليته ما سكت ، ولا تدعهم يقولون : ليته سكت .
وقد جاء في السنة ما يحث على الإيجاز .
* عن أَبُي وَائِلٍ قال : خَطَبَنَا عَمَّارٌ ( فَأَوْجَزَ وَأَبْلَغَ فَلَمَّا نَزَلَ قُلْنَا يَا أَبَا الْيَقْظَانِ لَقَدْ أَبْلَغْتَ وَأَوْجَزْتَ فَلَوْ كُنْتَ تَنَفَّسْتَ؟ فَقَالَ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ( يَقُولُ إِنَّ طُولَ صَلاةِ الرَّجُلِ وَقِصَرَ خُطْبَتِهِ مَئِنَّةٌ مِنْ فِقْهِهِ فَأَطِيلُوا الصَّلاةَ وَاقْصُرُوا الْخُطْبَةَ وَإِنَّ مِنْ الْبَيَانِ سِحْرًا .(20)
* وكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بن مسعود ( يُذَكِّرُ النَّاسَ فِي كُلِّ خَمِيسٍ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ لَوَدِدْتُ أَنَّكَ ذَكَّرْتَنَا كُلَّ يَوْمٍ قَالَ أَمَا إِنَّهُ يَمْنَعُنِي مِنْ ذَلِكَ أَنِّي أَكْرَهُ أَنْ أُمِلَّكُمْ وَإِنِّي أَتَخَوَّلُكُمْ بِالْمَوْعِظَةِ كَمَا كَانَ النَّبِيُّ ( يَتَخَوَّلُنَا بِهَا مَخَافَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا .(21)
نقل ابن حجر عن الخطابي قوله :"والمعنى كان يراعي الأوقات في تذكيرنا ، ولا يفعل ذلك كل يوم لئلا نمل " (22)
وعلى هذا فالحديث فيه فائدتان :
الأولى) اختيار الوقت المناسب للموعظة .
والثانية) عدم الإكثار في عدد مرات الإلقاء ومراعاة الفارق الزمني بين المواعظ .
* من الطرائف في هذا الباب : ما يذكر عن عادات بعض شعوب أفريقيا ، فعندما يلقي الخطيب خطاباً طويلاً جداً خلال اجتماع القرية ، فإن الجمهور يسكتونه بالصراخ ويصيحون في وجهه : كفى ! كفى ! حتى يسكت .
* وفي قبيلة أفريقية أخرى لا يسمح للخطيب بالتحدث إلا بعد أن يقف على ساقٍ واحدة . وعندما تلامس مقدمة ساقه الأخرى الأرض، يتوجب عليه التوقف عن الكلام.
إذن نقول لك : ركز كلامك .. واختصر عباراتك .
لكن إياك والاختصار المخل ، كما وقع لأحد الأدباء .. كان عنده ابن أحمق وثرثار ، فقال له: يا بني لو اختصرت كلامك لكنت تأتي بالصواب ، قال الولد: نعم .
فجاء الولد في يوم من الأيام ، فقال الوالد: من أين أتيت يا بني؟ قال: من سوق .. قال: لا تختصرها هنا ، زد الألف واللام . قال: من سوقال .. قال قدم الألف واللام . قال: من ألف لام سوق . (هذا ما فيه فائدة أبداً)

ثالثاً) الخاتمة :
انتهينا الآن من الكلام عن المتن ، وقبله عن الافتتاحية ، وبقي لنا الآن من أقسام الموضوع الثلاثة الخاتمة .
بعد أن ينتهي المتحدث من متن الموضوع ، لا بد أن يُنهي الموضوع بخاتمة قوية مناسبة.
والخاتمة لا تقل أهمية عن الافتتاحية ، لأن ما يقوله الإنسان في النهاية هو الذي يبقى عالقاً في أذهان المخاطبين .
وفي الافتتاحية والخاتمة تظهر براعة الخطيب، كما قيل: "تعرفهم من دخولهم وخروجهم".
كيف تختم الموضوع ؟ :
هناك من يقول في النهاية:" هذا ما لدي حول هذا الموضوع وسلام عليكم " ثم يتوقف.
وهناك المتحدث الذي لم يعد الخاتمة ، ولا يدري كيف يختم ، وذهنه مشغول بالكلام ، فيضطر إلى الوقوف الاضطراري .
إذن ما هو العلاج ؟
نعم .. يجب أن تخطط للخاتمة مسبقاً ، وتحدد الفكرة التي ستنهي بها موضوعك .
ثم تقوم بكتابة وحفظ الكلمات المناسبة للخاتمة ، كما يفعله الكثير من الخطباء المتميزين.
طيب ، بماذا أختم الموضوع؟ دعونا نستعرض بعض المقترحات للخاتمة .
مقترحات للخاتمة :
1) آية كريمة أو حديث نبوي :
يمكن أن يختم المتحدث كلامه بآية كريمة في الترغيب والترهيب أو التدليل والإثبات ، وقد تكون حديثاً نبوياً مناسباً للمقام .
? مثال صوتي : خاتمة خطبة للسيخ صالح بن حميد
وبعد .. فيجب أن يعي المسلمون ويعلنوا أنه لا سبيل لاستخلاص الحقوق واستنقاذ المغتصبات في أي مكان وعلى أي أرض إلا حينما يعتصمون بحبل الله ، ويكونون جميعاً ولا يتفرقون ، ويصطفون عباداً لله إخواناً ، يجمعهم نداء واحد لا نداء غيره يا مسلم يا عبد الله ، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون ، ( هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين . ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين . إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله ، وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء ، والله لا يحب الظالمين ، وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين ( .
2) دعاء :
وبين يدي المتحدث طائفة مباركة من الأدعية القرآنية أو النبوية المأثورة ، يمكن أن يختار منها ما يناسب الموضوع ، ويجعله خاتمة لموضوعه . ويمكن أيضاً أن ينشيء من دعائه الخاص ما يدعم الهدف المراد من الموضوع ويقويه في نفوس المستمعين .
3) تلخيص الأفكار :
الأفكار الجديدة قد لا تكون واضحة تماماً لدى المستمع ، والكثير منها يتدحرج من الذهن .
ولهذا يمكن للمتحدث أن يتدارك هذا الأمر بأن يختم موضوعه بخاتمة تلخيصية لأفكار الموضوع ، بعبارات جامعة مختصرة .
كما قال بعضهم : إذا أردت أن تحدث قوماً فأخبرهم أولا ًبما تنوي إخبارهم به ، ثم أخبرهم ، ثم أخبرهم بما أخبرتهم به .
4) مقتطفات شعرية :
الشعر محبب للنفوس ، ويمكن أن يختم المتحدث موضوعه بأبيات شعرية مناسبة للموضوع .
5) خاتمة مرحة :
قال بعضهم : " عندما تختم حديثك اتركهم وهم يضحكون " .
لكن نجاح هذا الأمر يتوقف على قدرة المتحدث على فعل ذلك بدون تكلف ، مع مراعاة مناسبة الموقف و نوع الموضوع .
بهذا أيها الإخوة ، نكون قد أنهينا الكلام على عناصر الموضوع الثلاثة (الافتتاحية والمتن والخاتمة) .. وبعد اكتمال هذه العناصر الثلاثة ، من الأفضل هنا أن يكتب الخطيب موضوعه كتابة كامله بالصياغة النهائية كما سيلقى على الجمهور ، ويراجعه ويتدرب عليه قبل الإلقاء النهائي .
والآن ، وبعد كتابة الصيغة النهائية للموضوع تنتهي مرحلة الإعداد ، ومنها ننتقل إلى المرحلة الثانية وهي (مرحلة الاستحضار) .
المرحلة الثانية : استحضار الموضوع
هذه المرحلة هي الجسر بين مرحلة الإعداد ومرحلة الإلقاء .
بعد أن انتهى المتحدث من جمع المادة وترتيبها ، بقي أمامه أن يختار الطريقة التي سيستحضر بها الموضوع ، ليتمكن من إلقائه على الجمهور .
لن أطيل الكلام في هذه المرحلة ، وسأتحدث عن أمرين فقط :
الأمر الأول : كيفية استحضار الموضوع .
الأمر الثاني : مهارات تحسين الذاكرة .
1) كيفية استحضار الموضوع
كيف تستحضر موضوعك؟ هل تقرؤه من الورقة أوترتجل ؟
هذا السؤال مهم ، لأن بعض المتحدثين أوالخطباء يقرأ خطبته من الورق ، على وتيرة واحدة ، فيقل تأثيره في النفوس ، وقد يجلب الملـل والنـعاس كما هو مشاهد .
وفي مقابل ذلك ، بعض الخطباء يرتجل فيستطرد ، أو يكرر العبارات ، أو ينسى جانباً مهماً من الموضوع ، أو يقيد نفسه بالعبارات المحفوظة فإذا نسي جملة نسي ما بعدها ، فيتلعثم ويرتبك ، ويفقد هيبته في نفوس السامعين .
ما الأفضل إذن؟
لا شك أن الارتجال هو أكمل الأحوال ، ومن الأحسن للمرتجل ألا يتقيد بعبارة يحفظها ولا يستظهر الموضوع حرفياً ، بل يتخير من العبارات ما يؤدي المعاني التي في ذهنه .
هذا هو الأفضل ، لكنه في الواقع ، لا يتقنه إلا القلة من الناس ، ولاسيما في الخطب الطويلة أو الجماهيرية كخطبة الجمعة .
وعلى هذا فالأنفع لمن لا يحسن الارتجال أن يجمع بين الطريقتين حتى يتفاعل مع الكلام .
كيف؟
- يمكن أن يكرر قراءة الموضوع بحيث يكتفي باختلاس النظر إلى بعض العبارات .
- يمكن أيضاً أن يرتجل العبارات العامة وتكون القراءة من الورقة للنصوص والشواهد.
- يمكن كذلك أن يستخدم طريقة بطاقة الملاحظات .
ماهي طريقة بطاقة الملاحظات؟
بطاقة الملاحظات عبارة عن بطاقة أو ورقة صغيرة تتضمن عناصر وأفكار الموضوع .
بعد تحضير الموضوع اختر كلمات تذكيرية مختصرة جداً ، بحيث تعبر كل كلمة عن جملة أو جمل من الموضوع ، واكتبها بأحرف كبيرة ، وفي أثناء إلقائك استرق النظر إلى البطاقة عند انتقالك من نقطة لأخرى .
وبطاقة الملاحظات لها عدة فوائد : في إلقاء الموضوع ، وفي التدريب عليه ، وفي الشعور بالثقة والراحة عند احتفاظك بها ، حتى ولو لم تستخدمها .
طبعاً .. هذه الطريقة مفيدة للمبتدئين والمحترفين .. لكني أذكر الإخوة المبتدئين بشيء .. هل تذكرون يوم أن كنا أطفالاً لا نستطيع المشي؟ كيف كنا نحاول المشي؟
نعم .. كنا نتمسك بالأثاث ونستعين به في أول الأمر حتى نجحنا في المشي .
ولهذا أقول: استعن يا أخي ببطاقة صغيرة في يدك خلال خطواتك الأولى في الإلقاء .
دعونا نأخذ مثالاً على طريقة بطاقة الملاحظات .. طبعاً أنا عندي الكثير من البطاقات للمحاضرات والكلمات التي سبق أن ألقيتها .
مثلاً هذه البطاقة عن موضوع .........
لاحظوا يا إخوان أني ملم تماماً بالموضوع ، بحيث تكون البطاقة مجرد دليل تذكيري أو خطة سير ، بحيث تكون كل كلمة واحدة تذكرني بعدة أسطر ، وهكذا .
هناك أربع نصائح ينصح بها من يريد إلقاء الموضوع من أوراق أو بطاقات:
1- لا تنهمك بالنظر إلى الورق دون الجمهور ، وحاول أن تغطي هذا الضعف ، بالنظر إلى الجمهور ، بين الجمل ، من حين لآخر .
2- لا تنس ترقيم الأوراق ، حتى لا تختلط عليك .
من المواقف المحرجة أن أحد المتحدثين سقطت منه الأوراق أثناء الكلام ، فبدأ يجمع الأوراق وإذا به قد نسي أن يرقمها ، فبدأ يرتبها أمام الجمهور بصعوبة ، وهو في وضع محرج للغاية .
3- راجع الأوراق جيداً ، قبل إلقاء الموضوع ، الموضوع الجديد الذي تقرؤه لأول مرة سيكون ضعيف التأثير ، بل ربما وقعت في الخطأ الموجود في الأوراق .
أذكر من المواقف المحرجة التي وقعت لي شخصياً، أنني كنت ألقي محاضرة على طلاب كلية الملك فهد الأمنية بالرياض، وكانت المحاضرة حول بعض الحوادث والمواقف في عالم المخدرات .
كان من ضمن هذه الحوادث حادثة مؤثرة جداً قتل فيها أحد الإخوة الفضلاء من ضباط مكافحة المخدرات، وكنت أشوق الطلاب بأنني سأذكر لهم هذه الحادثة بإذن الله .
كانت هذه الحادثة حسب الترتيب هي الخامسة في المحاضرة، فلما انتهيت من الحادثة الرابعة، قلت: أما الآن فأنتقل بكم إلى الحادثة الخامسة : ضابط يبيع روحه لله .
نظرت في الأوراق، فإذا بالمطبوع أمامي حادثة مكررة سبق أن ذكرتها في المحاضرة، بدأ الطلاب ينظرون إلي، وأنا أحاول أن أقلب الأوراق وأبحث عن الحادثة دون جدوى، رفعت رأسي وابتسمت لهم وقلت : أرجو المعذرة فإن الحاسوب خانني بسبب القص واللصق .. ضحك الطلاب من الموقف، وكان الدكتور محمد العريفي إماماً لجامع الكلية وضمن الحضور، فألح عليّ وفقه الله أن أذكر هذه الحادثة ارتجالاً، فارتجلت ما علق في ذهني من الحادثة، وكانت بحمد الله من أقوى ما ذكرته في المحاضرة .

4- وأخيراً، لا تنس إحضار الأوراق معك إلى مكان الإلقاء ، حتى لا تقع في الإحراج.
وقد وقعت مواقف كثيرة لبعض الخطباء بسبب نسيان أوراق الموضوع .
- سمعت الشيخ الداعية محمد المنجد ، يحدث عن نفسه أنه لما دخل الجامع وبدأ المؤذن بالأذان ، اكتشف أن الأوراق التي بين يديه هي أوراق الخطبة الماضية ، انتهى الأذان وبدأ الشيخ بافتتاحية، وهو لا يدري عن ماذا يتحدث ، ثم فتح الله عليه فارتجل الموضوع وكان عن الإيمان باليوم الآخر ، وتحدث بما حضر في ذهنه .. والطريف أنه لما سأل أحد الحاضرين عن الخطبة ، أثنى عليها وقال: واضح أنها معدة إعداداً جيداً !! .
- وأذكر أني صليت الجمعة مع شيخنا عندما كنا ندرس في كلية الشريعة بالأحساء الدكتور محمد العلي ، فلما وقف الشيخ على المنبر ، وافتتح الخطبة ، قال: موضوع هذه الخطبة هو التوكل على الله ، وأعتذر إليكم لأني نسيت أوراق الموضوع .. ثم ارتجل الشيخ الموضوع ، وفتح الله عليه بكلام حسن ومفيد .
- ويحدثني أحد الإخوة ، أنه جلس على منبر الجمعة والناس ينتظرونه أن يبدأ بالخطبة ، فإذا به قد نسي الأوراق !! طبعاً من فضل الله أن الأوراق كانت في السيارة ، فقام بإعطاء المفاتيح لأحد أقاربه ، فذهب للسيارة وأحضر الأوراق .
- ومن المواقف أن أحد الخطباء كان يخطب على المنبر ، فسقطت منه الأوراق ، وفي هذه الأثناء كان المؤذن قد غلبه النعاس فنام ، فنادى الإمام بالمؤذن ليعطيه الأوراق ، فقال: (أبو فلان) .. فلما سمع المؤذن الصوت فزع ، واستيقظ من النوم وبدأ بالإقامة ظناً منه أن الإمام انتهى من الخطبة .
2) مهارات تحسين الذاكرة
من مقومات المتحدث أو الخطيب الناجح قوةُ ذاكرته ، وجودةُ استحضاره عناصر الموضوع .
وهذه مسألة هامة للخطيب المرتجل على وجه الخصوص ، لأن الناس يملون من الخطيب الذي يتلعثم ويتلكأ في العبارات ، أو يطيل السكوت بسبب النسيان .
هل من الممكن أن نحسن جهاز الذاكرة؟
نعم .. ذاكرة الإنسان لها قوانين ثلاثة يمكن أن نطورها من خلالها .
1 ] الانطباع 2 ] التكرار 3 ] ترابط الأفكار
1 ] الانطباع :
الانطباع يعني الصورة العميقة والراسخة للشيء الذي ترغب في تذكره .
كيف تكون الصورة راسخة وعميقة؟
بالتركيز .. ركز تفكيرك .
خمس دقائق من التركيز الشديد أفضل من عدة ساعات في التفكير المشتت .
جرب هذه التجربة : قدّم اثنين أو ثلاثة من أصدقائك إلى إنسان عادي .. وبعد دقيقتين ، اسأل هذا الإنسان عن أسمائهم ، تجد أنه ينسى بعضهم ، لماذا ؟ لأنه لم يهتم بأسمائهم ولم يركز تفكيره .
فإذا سألته عن السبب قال إن لديه ذاكرة ضعيفة ، والصحيح أن التركيز ضعيف .
إذن ركز تفكيرك ، وتخلص من المشغلات والمشتتات، وستكون ذاكرتك قوية بإذن الله .
2 ] التكرار :
كرر المعلومات التي تريد أن تتذكرها ، وادع الشخص الغريب باسمه إذا أردت أن تتذكره .
استخدم الكلمات والمعلومات الجديدة في محادثتك ، فإن المعرفة التي تستخدم ترسخ في الذهن ، ولهذا ينصح من يحفظ القرآن الكريم أن يقرأ المحفوظ في الصلوات السرية والسنن حتى يرسخ في ذهنه .
هناك طريقة تسمى بالتكرار الذكي ؟
يقول علماء النفس : إن الإنسان الذي يجرى عملية التكرار في فترات منفصلة يوفر نصف الوقت والطاقة التي يبذلها في جلسة واحدة .
مثال : خطبة مكونة من عشر صفحات ، يحتاج الشخص لحفظها أن يكررها مثلاً أربعين مرة في جلسة صباحية واحدة .. لو قسمنا التكرار على فترتين صباحية ومسائية يكفينا عشرين مرة فقط ، عشر في الصباح وعشر في المساء .
لأن العقل الباطن يعمل خلال وقت الفراغ بين جلسات التكرار ، ولهذا قال بعضهم : نحن نتعلم السباحة خلال الشتاء .
وهنا اكتشاف مفيد جداً عن النسيان الذي يشكو منه كل الناس . فقد أثبتت الدراسات أن الفكرة التي تلقى مرة واحدة لا يبقى منها في الذهن بعد شهر واحد سوى 10% ، بينما إذا كررت الفكرة سـت مرات على فترات مختلفة فإنه يبقى 90% منها في الذهن .
وهذا يذكرنا بمقولة بعض السلف : السبق حرف ، والتكرار ألف .
فطالب العلم الذي لا يكرر العلم ، ولا يتعاهد المسائل ، ينسى كثيراً فيخسر كثيراً .
إذن ما هو الحل ؟ الحل هو المراجعة والتكرار المنظم .
3 ] ترابط الأفكار :
الترابط ضروري جداً للتذكر .
ولهذا نقول لكل متحدث : اربط المعلومة بشيء موجود في ذهنك مسبقاً ، أو بتسلسل منطقي ، أو بصورة أو مشهد ، بحيث يسهل عليك التذكر .
هذا الأمر مفيد ليس في الخطب فقط ، بل في حفظ القرآن والحديث والمتون العلمية .
الشباب حفظة السنة: من هو راوي حديث (إن الله كتب الإحسان على كل شيء ، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة)؟ شداد بن أوس .. كيف تقوي حفظك للراوي شداد ؟ اربط شداد بصورة إنسان يمسك السكين ويشدها ويذبح .. وبهذا لا تنسى اسم الراوي أبداً .
* أخيراً .. ماذا تفعل إذا نسيت؟ :
وأنت تخطب أو تتحدث ، ماذا تفعل إذا نسيت النقطة التالية ؟
هذا الموقف يقع لكثير من الخطباء والمتحدثين ، فماذا يفعل ؟
أولاً ، عليك بذكر الله والالتجاء إليه ، فإذا نسيت فاذكر الله ، وهذا هو أحد الأوجه في تفسير قوله تعالى : (واذكر ربك إذا نسيت) .
ومن المهم أيضاً أن تحتفظ بهدوئك وثقتك بنفسك ، فهذا له دور كبير في التخلص من الموقف ، لأنك بهدوئك واستجماع قواك ستتذكر بإذن الله خلال لحظات .
أما عن كيفية التخلص من هذه اللحظة المحرجة ، فهناك عدة حلول ، منها :
‌أ- يلجأ بعض المتحدثين إلى افتعال موقف معين كالتأكد من وضوح الصوت أو شرب الماء ، وخلال هذا التوقف الضئيل يلتقط الفكرة ويتابع .
‌ب- إعادة الفقرة السابقة ، وإن كان هذا مملاً ، لكنه خير من السقوط .
‌ج- تلخيص ما سبق من عناصر الموضوع .
‌د- طرح سؤال وطلب الإجابة من الجمهور .
‌ه- استخدام آخر كلمة أو عبارة في الجملة الأخيرة لتوليد تعليق مناسب أو جمل جديدة ، إلى أن تتذكر النقطة التالية .
المرحلة الثالثة : إلقاء الموضوع
بعد الإعداد والاستحضار ، نصل إلى الغاية التي ينتهي إليها الموضوع ، وهي إلقاء الموضوع على الجمهور .
والكلام في هذه المرحلة سيكون حول أمرين :
الأمر الأول : كسر حاجز الخوف ، وتنمية الشجاعة والثقة بالنفس .
الأمر الثاني : قواعد ومهارات الإلقاء الجيد .
الأمر الأول : كسر حاجز الخوف وتنمية الشجاعة والثقة بالنفس
ينبغي أن نعلم أن الخوف من الإلقاء والتحدث أمام الآخرين أمر فطري وقديم ، ولهذا وقع لعدد من الخلفاء والأمراء أنه أُرْتِج عليه (يعني استغلق عليه الكلام وهو يخطب) ، كما يروى عن عثمان رضي الله عنه أنه صعد المنبر فأرتج عليه، فقال: إنّ أبا بكر وعمر كانا يعدّان لهذا المقام مقالا، وأنتم إلى إمام فعّال أحوج منكم إلى إمام قوّال.
وفي البصرة أقام زياد رجلاً من الأزد للخطبة على منبر البصرة ، فلما رقى المنبر، وقال الحمد لله، أرتج عليه، فقال: قد والله هممت ألاّ أحضر اليوم، فقالت لي امرأتي: نشدتك الله إن تركت الجمعة وفضلها، فأطعتها، فوقفت هذا الموقف، فاشهدوا أنها طالق. فقالوا له: انزل قبحك الله.وأنزلوه إنزالا عنيفاً من المنبر .
وصعد عتّاب بن زرقاء منبر أصبهان فحمد الله فأرتج عليه، فجعل يقول: أمّا بعد ، أمّا بعد ، فإذا أمام وجهه شيخ أصلع فقال :أما بعد يا أصلع، فوالله ما غلّطني غيرك، عليّ به، فأتي به فضربه بالسوط .
وجاء عن عبد الله بن عامر أنه خطب الناس بالبصرة في عيد الأضحى ، فلما صعد المنبر حُصِر ، فمكث مدة ثم قال : والله لا أجمع عِياًَ وبخلاً ، من أخذ شاة من السوق فهي له وثمنها علي .
ودعي مصعب بن حيان إلى عرس ، فطلب منه أن يخطُب خُطبة النكاح ، فلما رأى الناس هاله المشهد وحُصِر ، فسكت قليلاً ثم قال : أيها الناس ، لقنوا موتاكم لا إله إلا الله . فقالت أم العروس : عجل الله موتك إلهذا دعوناك !!! .
وصعد أبو العنبس منبراً من منابر الطائف ، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد .. فأُرْتِج عليه ، فقال للناس: أتدرون ما أريد ان أقول لكم؟ قالوا: لا . قال: فما ينفعكم ما أريد ان أقول لكم؟ ثم نزل ... فلما كان في الجمعة الثانية صعد المنبر فأُرْتِج عليه ، فقال: أتدرون ما أريد ان أقول لكم؟ قالوا: نعم ، قال: فما حاجتكم إلى أن أقول لكم ما علمتم؟ ثم نزل .. فلما كانت الجمعة الثالثة أرتج عليه ، فقال: أتدرون ما أريد أن أقول لكم؟ قالوا: بعضنا يدري وبعضنا الآخر لا يدري . قال: فليخبر الذي يدري منكم الذي لا يدري ، ثم نزل عن المنبر .
وأذكر أن أحد الإخوة المبتدئين ، جاء ليخطب الجمعة ، فدخل الجامع وهو ينتفض من الخوف ، فسلم وجلس وبدأ المؤذن يؤذن ، وفي هذه الأثناء أراد أخونا أن يتسوك فأخرج السواك وبدأ يتسوك بشدة ، فإذا بالدم يسيل من فمه .. لماذا؟ الأخ كان يتسوك بالقلم ، وبسبب الخوف لم يكن يشعر بالألم حتى رأى الدم .
إذن نقول: الخوف أوالتوتر والارتباك شعور طبيعي ، لكن ثق ثقة تامة أنه يمكن التحكم فيه ، والتخفيف من حدته .
وحتى نتعامل مع هذا الخوف بأسلوب علمي واضح ، دعونا نفهم:
* كيف يحدث الخوف والتوتر؟
يقول أهل التخصص ، إن الخوف يبدأ في الغالب من النظر .. العين تنقل صورة الجمهور ورهبة الوقوف أمامهم للعقل الباطن (اللاوعي) ، وفي هذه اللحظة يبدأ الشعور برهبة الموقف ، وتنبعث الذكريات القديمة التي قد تذكر بالفشل والضعف فتربك الدماغ ، وبسبب هذه العاصفة من الرهبة والذكريات يرسل الدماغ إشارات للغدة الكظرية (غدة تقع فوق الكلية) فتفرز هرمون الأدرينالين ، وهذا الهرمون هو السبب لكثير من المظاهر التي نشاهدها على الشخص المرتبك ، من توتر الأعصاب ، أو تصبب العرق ، أو جفاف الحلق ، أو ارتعاش الجسم والأطراف والركبة .
طبعاً .. هذا التوتر المبدئي أمر طبيعي وعارض ، ويذكر الأطباء أن مدة إفراز الأدرينالين من سبع ثواني إلى ثماني عشرة ثانية فقط ، ثم سرعان ما يعود الجسم إلى حالته الطبيعية .
لكن الذي يزيد المشكلة أن كل توتر إضافي يزيد إشارات الدماغ إلى الغدة الكظرية فيستمر إفراز الأدرينالين إلى 36 ثانية ، ثم إلى أضعاف ذلك ، وقد يستمر إلى دقائق طويلة .
وسبب ذلك أن تعاملنا مع هذا الشعور الطبيعي (التوتر الأولي) غير طبيعي فنحن نضخمه ، ونفقد الثقة بأنفسنا فيزداد أثره .
طيب .. هل التغلب على الخوف وكسب الثقة بالنفس ، موهبة من الله وهبها لأفراد قليلين .. أما غيرهم فهو ليس بجريء ولا يصلح كخطيب؟ .
الجواب: لا .. أثبتت البحوث والتجارب أن جزءاً كبيراً من الثقة يمكن اكتسابه بالتعليم والتدريب .
أذكر أنه كان يشترك معنا في دورات مركز الإلقاء بالرياض بعض الإخوة المبتدئين ، بل أقول شبه اليائسين من الكلام أمام الناس ، فترى الواحد منهم في اليوم الأول ، خائف مرتبك ، لا يمكن أن يركب كلمة على الأخرى .. وسبحان الله ، مع التدريب ، وخلال خمسة أيام فقط من الجلسات تجد هذا الأخ في اليوم الخامس ، ما شاء الله تغير تغيراً جذرياً ، حتى إنه يتجاوز الوقت المحدد للكلام ، ولا يريد أن يتوقف .
* هل هناك قواعد لكسر حاجز الخوف واكتساب الثقة بالنفس ؟
نعم ،، ولعلي أذكر بعض هذه القواعد .
القاعدة الأولى) الاستعانة والثقة بالله :
تذكر أنك إنما تتحدث وتتكلم بحول الله تعالى وقوته ، فإن شاء الله تعالى أطلق لسانك ، وإن شاء أمسكه ، ولو وكلك الله إلى نفسك لعجزت .. فاستعن بالله ولا تعجز .. وقل كما قال موسى ( : ( قال رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي ( .
القاعدة الثانية) تعزيز الدافع والرغبة :
لا بد أن يكون لديك دافع داخلي قوي لتعلم الإلقاء .
ليس لك خيار يا أخي ، كما قيل: إما أن تقود سيارة حياتك ، أو تترك القيادة لغيرك .
وحتى تبقى رغبتك قوية صادقة استشعر دائماً ما ستمنحك هذه المهارة من قدرات .
فمثلاً طالب العلم أو الداعية عليه أن يستشعر وهو يتعلم الخطابة والإلقاء أنها وسيلة هامة من وسائل الدعوة وتبليغ الدين ، وأنه لا مفر له من الإقدام على تعلم الإلقاء وإجادتـه حتى يبلغ رسالته إلى الناس .
وقد قال الشاعر : إذا غامرت في شرف مروم فلا تقنع بما دون النجوم
القاعدة الثالثة) الإعداد الجيد والإلمام بالموضوع :
لا يستطيع الإنسان أن يشعر بالثقة حين يواجه مستمعيه وهو غير ملم بما سيقوله .
بعض الإخوة المبتدئين لو قيل له الآن ، قم وحدثنا عن اسمك وبعض المعلومات عنك لتحدث .. لكن لو قلنا له نريد الآن كلمة حول موضوع ليس لديه الإلمام الكافي نحوه ، فتضطرب عبارته ، وتهتز ثقته بنفسه بسبب ضعف الإعداد والتحضير .
القاعدة الرابعة) التصرف بثقة وتفاؤل :
قد يقول قائل : كيف أتصرف بثقة وأنا أشعر بالخوف ؟
بعض الناس يظن أن الفعل يلي الشعور ، فالتصرف بشجاعة لا يمكن أن يصدر إلا ممن يشعر فعلاً بالشجاعة .
لكن علماء النفس اكتشفوا أن الفعل والشعور يسيران معاً ، ويؤثر كل منهما على الآخر ، ومن خلال تعديل الفعل نستطيع أن نعدل الشعور .
كما قال الشاعر : وما الخوف إلا ما يراه الفتى وما الأمن إلا ما يراه أمناً
ثم أقول لك : تفاءل .. فالتفاؤل سبب قوي في الوصول إلى المراد .
ولهذا كان الرسول ( يحب الفأل .(23)
ولسنا نعني بالفأل أن يسبح الواحد منا في أوهام التفاؤل السلبي . بل المقصود التفاؤل الإيجابي الذي يبعث الأمل ، ويقوي العزيمة على المبادرة واتخاذ أفضل الأسباب .
القاعدة السادسة) تفريغ الطاقة :
التوتر عبارة عن طاقة زائدة في الجسم ، فحاول تفريغ هذه الطاقة بعمل بعض الحركات الخفية قبل قيامك بالكلام ، كالتنفس العميق ، وتمديد الساقين ، وتحريك الظهر للخلف ، وغير ذلك .
القاعدة السابعة) التدريب :
إن أول وآخر طريقة فعالة لاكتساب الثقة بالنفس ، هي أن تقف وتتحدث .
فالأعصاب تهدأ من خلال العادة والتمرين المستمر .. لا بد من الصبر في التدريب
أخلق بذي الصبر أن يحظى بحاجته ومدمنِ القرع للأبواب أن يلجا
ويجب أن أؤكد هنا على ضرورة التدرج في التدريب ، بحيث يكون التدريب على مراحل .. وأولى هذه المراحل أن تلقي الموضوع على نفسك . ثم تلقيه على عدد قليل من إخوانك أو أهلك ، ثم في أحد المساجد الصغيرة ، ثم المجامع الكبيرة ، وهكذا .
ومن طريف ما ورد عن الإمام ابن الجوزي ، أنه كان في بداية حياته يعاني من الكلام أمام الناس ، فكان يخرج عن البلد وينصب أحجاراً ، ثم يرفع صوته بالخطبة أمام هذه الأحجار ، وشيئاً فشيئاً حتى برع في الوعظ والخطابة ، وسمي واعظ الدنيا .
? وحتى ندخل في جو التدريب ، خذ هذا التدريب العملي :
أريد منك إعداد كلمة مدتها خمس دقائق ، في موضوع سهل لديك فيه معرفة سابقة ، ثم تدرب على إلقاء الكلمة لوحدك عدة مرات ، ثم قم بإلقائها أمام مجموعة من الأصدقاء .
طبعاً ربما يصيبك بعض الخوف أو التوتر في الدقائق الأولى من الكلمة .. لكني أؤكد لك أنك إذا صبرت وثابرت يمكن أن تسيطر على نفسك بعد الكلمات القليلة الأولى ، وتتحدث بطمأنينة وارتياح .
ومن المفيد أيضاً أن تسجل إلقاءك بواسطة مسجل الصوت أو الفيديو ، ثم تقوم بالمراجعة وتلافي العيوب .
بهذا أيها الأحبة نكون قد انتهينا من الكلام على كسر حاجز الخوف واكتساب الثقة بالنفس ، فلننتقل إلى الأمر الأخير الذي سنتحدث عنه في مرحلة الإلقاء وهو:
الأمر الثاني : قواعد و مهارات الإلقاء الجيد
في هذا الجزء سأذكر بإذن الله أهم القواعد والمهارات المتعلقة بالإلقاء الجيد ، وأشير أيضاً إلى بعض الأخطاء التي تقع ضمن هذه القواعد .
1) الراحة الجسمية
تذكر أن لبدنك عليك حقاً .. القسط الكافي من الراحة والنوم له دور في ارتياح المتحدث ، وجودة تفكيره وإلقائه .
ومن النصائح الطبية المفيدة للحنجرة والأحبال الصوتية ، أن يتناول الخطيب شيئاً من المشروبات الدافئة قبيل الإلقاء ، ويحذر في المقابل من المشروبات شديدة البرودة قبيل أوأثناء الإلقاء .
2) طريقة الوقوف
لا بد أن تقف أمام الناس واثقاً من نفسك ، ولا سيما خلال اللحظات الأولى التي تقترب فيها من المنصة أو المنبر .
ويكون وقوف الجسم بثبات على كلتا القدمين، وهذا الوقوف الصحيح له دوره في ارتياح المتحدث أثناء الإلقاء ، ويساعد أيضاً على التنفس الصحيح الذي يؤثر في الصوت .
ومن الأخطاء الشائعة عند المبتديء تمايل جسمه يميناً وشمالاً ، وهو ما يسمى حركة (البندور) عصى الساعة ، فهذه الحركة يجب تجنبها أثناء وقوفك .
من الطرائف أن أحد الإخوة خطب الجمعة في إحدى القرى ، وكان الأخ مرتبكاً جداً .. فكان يقف على المنبر ويمسك بعمود الميكروفون ، ويميل من الخوف يمين ويسار يمين ويسار ، حتى سقط هو والعمود على الأرض .
3) تهيئة المكان
هيء الأشياء التي حولك قبل أن تبدأ في الكلام ، كمكبر الصوت والكرسي أو الأوراق أو كأس الماء أو غيرها .
من الأخطاء عدم اهتمام بعض المتحدثين بتعديل مكبر الصوت ، فيقوم بتعديله أثناء الكلام ، أو يضطر إلى أن يحني جسمه ، أو يكون نظره محصوراً لجهة واحدة من الجمهور.
ولهذا نقول : لا تبدأ بالكلام حتى تهيء ما حولك من الأشياء .
4) لا تعجل في البداية
بعدما تنهض لمخاطبة الجمهور ، لا تبدأ بعجلة . فهذه سمة مميزة للمبتديء وربما المرتبك .
ابق صدرك عالياً .. تطلع إلى جمهورك لحظات قليلة .. وإذا كان هناك ضجة ، توقف قليلاً حتى تزول .
ويقول بعض الخبراء : خذ نفساً عميقاً قبل أن تتحدث ، وهذا قد يكون مفيداً لبعض الناس كي يبدأ بارتياح وانتعاش .
5) احذر الصدمة الأولى
لاحظت أن بعض الإخوة المتدربين المبتدئين يتلعثمون في كلماتهم الأولى .. بعضهم يبدأ ثم يتوقف ، وقد ينسي مقدمة الموضوع تماماً ، مع أنه قد اجتهد في إعداد الموضوع .. لماذا يحدث هذا ؟
إن كلمات الخطيب في اللحظات الأولى من الوقوف أمام الجمهور تختلف عن غيرها من كلمات الموضوع .
المتحدث يقف أمام الجمهور وجهاً لوجه ، ويستقبل موقفاً غامضاً ، وربما خاف من الفشل أو الخطأ ، فيصاب بالتوتر العصبي مما ينسيه الكلام .
مع أنه بمجرد أن يدخل في الكلام ، يشعر بالطمأنينة والثقة .
ما الحل ؟
نقول : ركز جهدك في إعداد كلمات المقدمة وتكرارها واستحضارها حتى تكون من الوضوح مثلَ اسمك تماماً ، وإياك والثقة الزائدة في افتتاح الكلام .
6) التواصل مع المخاطب ، والتحدث بشكل مباشر
الجمهور ، يريد من المتحدث أن يتحدث بشكل مباشر بلا حواجز ، وبأسلوب بسيط غير متكلف موجه لهم مباشرة ، لا أن يتحدث بكلام عام ، يكون المتحدث فيه في وادي والجمهور في واد آخر .
هذا الأمر –وهو التواصل مع الجمهور كأنك تحادث واحداً منهم- مهم جداً ، فهو يقطع الرتابة والملل ، ويجعل الكلام أقوى تأثيراً في النفوس .
ومن الوسائل التي تعين المتحدث على تحقيق هذا الأمر : استخدام عبارات التواصل وإشراك المستمع كقوله : (لعلكم تتساءلون عن أهمية هذا الموضوع) ، (وقد تتعجبون إذا قلت لكم) ، (أرأيت أخي) ، (تأمل معي هذا الكلام) .
يمكن أن تختار واحداً من المستمعين وتتخيل أنه سألك سؤالاً وأنت تجيب ، فتقول: "لعلك أيها الأخ الكريم تتساءل عن سبب هذه المشكلة ؟ السبب في هذا هو كذا وكذا ..." ثم تبدأ بالإجابة عن السؤال الخيالي .
ومن التواصل مع الجمهور أيضاً التأكد من فهم المستمعين ، بسؤالهم هل فهموا ؟.
وقد جاء في آخر خطبته صلى الله عليه وسلم في يوم الوداع أنه قال : (ألا هل بلغت (ثلاثاً) حتى قالوا:نعم ، فقال: اللهم فاشهد) .(24)
7) التفاعل والحماس
من أعظم ما يميز المتحدث أو الخطيب التفاعل والحماس .
والحماس في الطرح له عدة فوائد :
منها : أنه ينسي الخوف ، ويعين على القضاء على الارتباك عند المبتديء . ولهذا ترى اللعب ينسى الألم مع حماس المباراة ، وأعظم منه المجاهد الذي ينسى الألم في الجهاد.
ومنها : أن الحماس يزيد من اقتناع السامع بالموضوع .
ومنها : أنه يعطي للكلام نكهة خاصة ، ويطرد الملل عن السامع .
في قضية التفاعل والحماس أنبه إلى أمرين:
الأول: اعلم أخي أن من أعظم الأمور التي تحقق لك التفاعل ، وتجعله حديثك مؤثراً في النفوس ؛ الإخلاصَ لله تعالى ، فليست النائحة الثكلى كالمستأجرة .
قال عامر بن عبد قيس: " الكلمة إذا خرجت من القلب وقعت في القلب، وإذا خرجت من اللسان لم تجاوز الآذان".
التنبيه الثاني: أثناء التفاعل والحماس .. ركز في كلامك ، واحذر الزلل .. فإن الحماس قد يذهل العقل ، ويخرجك عن الموضوع ، أو تخرج بسببه كلمات غير محسوبة .
من الطرائف أن أحد الوعاظ كان يعظ الناس ، ويذكرهم بشؤم الذنوب ، وغضب الله عز وجل ، حتى طغى عليه الحماس ، فقال: (أنتم ما تخافون إن الله ياخذ الكرة الأرضية ، ويضرب بها بهالجدار ؟!!) ..
8) جودة النطق
مخارج الحروف العربية متعددة معلومة ، فعلى المتحدث أن يخرج كل حرف من مخرجه الصحيح ، لكن مع مراعاة السلاسة وعدم التكلف .
أنا أحذر من التكلف في مخارج الحروف والتقعر قي نطقها ، فإنه ينفر النفوس ، وقد قال ( : "هلك المتنطعون ". (25)
ومن المهم أيضاً أن يتجنب المتحدث اللزمات اللفظية ، بعض الناس عنده لزمات تتكرر أثناء كلامه ، مثل: في الحقيقة ، في الواقع ، يعني ، طبعاً ، شفت كيف ، مفهوم ، وغيرها من اللزمات .
ويتجنب كذلك تكرار بعض الاحرف مثل : «آآآ» ، «أم م م» . آآآآ الوزراء كما تسمى ، من عيوب المتحدث عند أهل هذا الفن .
9) سلامة اللغة ومجانبة اللحن
ينبغي للمتحدث أن يعتني باللغة العربية ، وإذا صعب عليه لأمر فليقرأ الموضوع على من يصحح له العبارات ، ويضبط الكلمات . وقد قيل : "رحم الله امرءاً أصلح من لسانه".
رأيت لسان المرء رائدَ عقله وعُنوانَه فانظـر بمـاذا تعنون
ولا تعدُ إصلاحَ اللسان فإنه يخبّر عـمـا عـنده ويـبيّن
ويعجبني زيُ الفتى وجمالُـه فيسقط من عينيّ ساعةَ يلحن
ويقول الشيخ الأديب عائض القرني في كلمة جميلة وطريفة: وقد بلينا في هذه الأزمان بخطباء ، إذا تكلم أحدهم لا يكاد يبين ، كأنه من الأعجمين ، ينطق الحرف مقلوباً ، ويجعل المرفوع منصوباً ، ملأ خطبته عيوباً ، وندوباً ، وثقوباً .. غضب منه في النحو سيبويه، وفي اللغة نفطويه ، وفي الحديث راهويه ، وفي الشعر متنبيويه . اهـ
واللحن أيها الإخوة درجات فأفحش اللحن ما كان في القرآن ثم في الحديث ، ثم ما غيّر المعنى، ثم ما كان في كلام الآخرين .
حركة واحدة كفيلة بتغيير المعنى بالكامل ، ومن الطرائف في هذا ، أن أحد الخوارج قال في قصيدة له هذا البيت :
ومنا يزيدٌ والبطينُ وقعنبٌ ومنا أميرُ المؤمنين شبيبُ
(طبعاً هو ما يرى إمامة عبد الملك بن مروان ، أمير المؤمنين عنده شبيب)
سمعت الاستخبارات هذا البيت ، فسرعان ما وصل الخبر إلى الخليفة عبد الملك بن مروان ، فاستدعى هذا القائل للتحقيق ، وقال له : أنت القائل ومنا أميرُ المؤمنين شبيب؟ فقال : لم أقل هكذا ، ولكني قلت : ومنا أميرَ المؤمنين شبيبُ .
ما الفرق .. نعم ، أميرَ بالفتح ، فيكون منادى كأنه قال: ومنا يا أمير المؤمنين شبيب . طبعاً عبد الملك يعرف أن الرجل قالها ويريد التخلص من الورطة .. لكنه اعجب بفطنته ، وأخلى سبيله .
ويروى عن الخليل بن أحمد أنه دخل على مريض نحوي ابتلاه الله بأخ سقيم في اللغة ، فلما دخل الخليل ، قال أخو المريض : افتح عيناك ، وحرك شفتاك ، إن أبو محمد جالساً (طبعاً كلام يمرض النحويين لحن في لحن من اوله إلى آخره) ، فقال له الخليل: إن أكثر علة أخيك من كلامك .
10) تمييز الكلمات الهامة بالمؤثرات اللفظية
لغتنا العربية مليئة بالمؤثرات والمحسنات اللفظية التي تعطي الكلمة طابعاً مميزاً جذاباً ، فيمكن للمتحدث أن يؤكد الكلمات الهامة ويلفت انتباه السامع لها بالمبالغة في تمييزها بهذه المؤثرات..وعلماء التجويد والأداء يذكرون هذه المحسنات في قراءة القرآن، ومنها:
? أمثلة تطبيقية :
أ – التشديد والغنة: كقوله تعالى ( فذلكم الله ربكم الحقّ ( ، وقوله (فإذا جاءت الصاخّة( ، وقوله تعالى ( وأزلفت الجـنَّـة ( ، وقوله تعالى (فلهم عذاب جهـنـَّم(
ب – المد: كقوله تعالى ( مأواهم النـار ( ، وقوله (ءالـئن وقد كنتم به تستعجلون(
وقد يجتمع في الكلمة الواحدة أكثر من مؤثر لفظي فتتميز أكثر .. مثل قوله تعالى ( فإذا جاءت الطامَّة الكبرى ( .
ومن أكثر الخطباء تميزاً في تطبيق هذه المهارة ، الشيخ عبد الحميد كشك رحمه الله .. فتسمع الشيخ يشدد على آواخر الكلمات : عمررررر ، الحققققق ، الجننننننة .
وتسمعه أيضاً يمد أواخر الكلمات : الله ، الموووووووت ، الإسلاااااام ... وهكذا .
11) تغيير نبرة الصوت
* عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ( قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ( إِذَا خَطَبَ احْمَرَّتْ عَيْنَاهُ وَعَلا صَوْتُهُ وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ حَتَّى كَأَنَّهُ مُنْذِرُ جَيْشٍ يَقُولُ صَبَّحَكُمْ وَمَسَّاكُمْ ... الحديث . (26)
قال النووي في شرح مسلم : " يستدل به على أنه يستحب للخطيب أن يفخم أمر الخطبة ، ويرفع صوته ، ويجزل كلامه ، ويكون مطابقاً للفصل الذي يتكلم فيه من ترغيب وترهيب . ولعل اشتداد غضبه كان عند إنذاره أمراً عظيماً ، وتحذيره خطباً جسيماً " ا.هـ
من أسباب ضعف التأثير، وتطرق الملل إلى السامعين ، أن يتحدث المتحدث بطبقة رتيبة على وتيرة واحدة .
أصلاً تركيز الجمهور على نبرة الصوت أكثر من تركيزهم على الكلمات .
ولهذا ، فإن المتحدث الناجح يغير نبرة صوته في الجمل المناسبة بما يتوافق مع أسلوب الجملة .
كل أسلوب من أساليب الكلام له نبرته الخاصة ، كالخبر ، والاستفهام ، والحزن ، والغضب ، وغيره .
نبرة الصوت مهمة جداً حتى في فهم السامع للكلام .. بل قد ينقلب معنى الجملة بسبب تغير النبرة ، فلو طلب منك قراءة ورقة فيها هذا الاعتراف وهو قولك : "أنا السارق" . يمكنك أن تقلب المعنى بأن تقرأ الاعتراف بنبرة الاستفهام فتقول : "أنا السارق ؟!!"
و في مثال آخر : يقول معد التقرير : بلغت أرباح الشركة المنافسة ثمانمائة ألف ريال ، بينما بلغت أرباح شركتنا ثلاثمائة ألف ريال (بأسلوب قوي)
الثلاثمائة أقل ، لكن السامع الذي لا يركز قد يظن أنها أكثر بسبب نبرة الصوت .
طيب .. بعض الناس يشكو من أن حديثه على نبرة ووتيرة واحدة ، هل هذا الأمر جبلي لا يمكن تغييره ، أو أنه يمكن علاجه وتحسينه ؟
الصوت فطري لا يمكن أن نغيره .. لكن تغيير نبرة الصوت حسب الكلام أمر يمكن علاجه وتحسينه بإذن الله .. كيف نعالج هذا الأمر؟ .
أول خطوات العلاج هي تحديد طبيعة هذه المشكلة ، فقد تكون هذه المشكلة بسبب الاعتماد على حفظ الموضوع ، فهنا لا بد من إعادة النظر في إعداد الموضوع وطريقة الإلقاء .
قد يكون السبب الاستعجال في الإلقاء ، فنقول : تمهل ، وخذ وقفات يسيرة أثناء الكلام ، حتى تتمكن من تغيير نبرة الصوت .
أيضاً من المفيد جداً في علاج هذه المشكلة ، التدريب باستخدام جهاز التسجيل الصوتي فقط بدون صورة ، بحيث تسجل صوتك ، ثم تعيد التجربة بأكثر من نبرة ، و بسرعات مختلفة وبطبقات مختلفة حتى تطور من هذه المهارة .
ناخذ تدريب؟ (هذي نبرة استفهام ، أجيبوا يا إخوان) .. طيب ناخذ تدريب (هذي نبرة جواب) .
? التدريب الذي معنا من مشكاة النبوة .
نريد من كل أخ أن يسجل صوته وهو يلقي هذه الخطبة النبوية المؤثرة ؛ ثم يراجع نبرات الصوت ، ويعيد الإلقاء مرة أخرى ، حتى يغير نبرات صوته إلى الأفضل .
لا نريد من الأخ مجرد القراءة هكذا : ((يا معشرَ الأنصار ، ما قالةٌٌ بلغتني عنكم ، وجِدَةٌ وجدتموها في أنفسكم ؟ ألم آتكم ضُلالاً فهداكم الله ؟ وعالةً فأغناكم الله ؟ وأعداءً فألف الله بين قلوبكم ؟.
قالوا : بَلِ اللهُ ورسولُه أمَنُّ وأفضل )) .
لا نريد هذا .. نريد أن تكون نبرة كل جملة مناسبة لها . هكذا :
((يا معشرَ الأنصار ، ما قالةٌٌ بلغتني عنكم ، وجِدَةٌ وجدتموها في أنفسكم ؟ ألم آتكم ضُلالاً فهداكم الله ؟ وعالةً فأغناكم الله ؟ وأعداءً فألف الله بين قلوبكم ؟.
- بَلِ اللهُ ورسولُه أمَنُّ وأفضل .
- ألا تجيبونني يا معشر الأنصار؟
- وبماذا نجيبك يا رسول الله ، ولله ولرسوله المن والفضل .
- أما والله لو شئتم لقلتم ، فلصَدَقتم وصُدِّقتم ، أتيتنا مكذَّباً فصدقناك ، ومخذولاً فنصرناك ، وطريداً فآويناك ، وعائلاً فآسيناك .
أوجدتم في أنفسكم يا معشر الأنصار في لُعاعة من الدنيا تألفت بها قوماً ليسلموا ووَكَلْتُكم إلى إسلامكم ؟ أفلا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاة والبعير وترجعون برسول الله صلى الله عليه وسلم في رحالكم ؟ فوالذي نفس محمد بيده لولا الهجرةُ لكنت امرأً من الأنصار ، ولو سلك الناس شعباً وسلكت الأنصار شعبا لسلكتُ شعب الأنصار ، اللهم ارحم الأنصار ، وأبناءَ الأنصار وأبناءَ أبناءِ الأنصار)) .
12) بين السرعة والبطء
خير الأمور الوسط .. من سلبيات الإلقاء السريع أنه يفقد السامع المتابعة ، وقد يشوه إخراج الحروف فيختلط بعضها ببعض وتلتبس العبارات ، وقد يؤدي أيضاً إلى إهمال الوقوف وعدم رعاية الفواصل .
عن عائشة رضي الله عنه قالت: "ما كان رسول الله ( يسرُد كسردكم هذا، ولكنه كان يتكلم بكلام بَيْنَه فصل، يحفظه من جلس إليه " (27)أخرجه أبو داود والترمذي وحسنه الألباني .
إذن .. تمهل في خطابك ، ولكن في المقابل ، احذر من الهدوء البارد ، والتثاقل المميت ، فهو من أكبر أسباب الملل في نفوس السامعين .
يحدد المختصون معدل سرعة الإلقاء بمائة وعشرين كلمة في الدقيقة .
هناك مهارة أخرى مهمة ، وهي البطأ في إلقاء الأفكار الرئيسية والجمل الهامة ، والهدف من هذا هو التأكيد عليها ، وتعزيزاً أثرها في نفوس السامعين .
أما الأمور الواضحة ، أو الأمثلة السريعة فيمكن الإسراع في إلقائها كما في المثال التالي:
13) فن الوقوف
من صفات المتحدث الجيد حسن اختيار المواضع التي يتوقف عندها أثناء الكلام ، وضبط طول مدة السكوت .
في علوم القرآن اعتنى علماء الأداء بعلم الوقف والابتداء في قراءة القرآن الكريم ، وصنفوا فيه المصنفات ، وقسموا الوقف إلى أنواع : فمنه التام ، والحسن ، والممنوع ، وما كان الوصل أو الوقف فيه أولى .
السكتات خلال الكلام لها فائدة في حسن فهم السامع للموضوع ، ولها فائدة أخرى في التنفس وارتياح المتحدث أثناء الكلام .
بعض الخطباء قد يقل استنشاقه للهواء أثناء الإلقاء بسبب حماسه وانهماكه في إخراج الكلام ، فيشعر بالضيق ، وربما الارتباك .
ولهذا نقول ، حافظ على التنفس الجيد أثناء الكلام ، واستغل السكتات في استنشاق الكمية المناسبة من الهواء ، فهو سلاحك في إطلاق الكلمات .
ما هي أقسام السكتات ؟
هناك سكتة تحدثنا عنها سابقاً ، وهي السكتة التي تكون في بداية الإلقاء أمام الجمهور قبل أن يبدأ الخطيب في الكلام .
أما السكتات في أثناء الإلقاء ، فهي ثلاثة أنواع :
1 - سكتات عادية : وهي سكتات عادية لطيفة تكون بين الجمل .
2- سكتات انتقالية : وتكون عند الانتقال من فكرة إلى أخرى ، وهي أطول قليلاً من السكتات العادية .
3 - سكتات استمالة : وهي أن يسكت في موضع لا يتوقع السامع أنه يسكت فيه ، لكي يثير انتباهه ، ويحرك مشاعره .
المتحدث الناجح إذا مر بفكرة مهمة يرغب في ترسيخها في أذهان مستمعيه توجه إليهم ، ونظر في عيونهم وهو ساكت .
هذا الصمت المفاجئ يجذب الانتباه ، ويجعل كل إنسان منتبهاً ومتحفزاً لما سيقوله بعد هذا الصمت .
وقل مثل ذلك أيضاً في السكوت بعد الجملة التي يراد توكيدها ، لأن المعنى يغوص في هذه الأثناء في نفس المستمع ، كما قال بعضهم : " من خلال صمتك تتكلم " .
إذن .. سكتات الاستمالة أداة قوية ومهمة ، وإذا أحسن المتحدث فعلاً متى يسكت عندما يتكلم ؛كان هذا سكوته من ذهب .
? مثال تطبيقي : في السنة النبوية عدة شواهد على هذه المهارة :
* في حديث أَبِي بَكْرَةَ ( قَالَ :خَطَبَنَا النَّبِيُّ ( يَوْمَ النَّحْرِ قَالَ أَتَدْرُونَ أَيُّ يَوْمٍ هَذَا قُلْنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ قَالَ أَلَيْسَ يَوْمَ النَّحْرِ قُلْنَا بَلَى .. قَالَ أَيُّ شَهْرٍ هَذَا قُلْنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ فَقَالَ أَلَيْسَ ذُو الْحَجَّةِ قُلْنَا بَلَى .. قَالَ أَيُّ بَلَدٍ هَذَا قُلْنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ قَالَ أَلَيْسَتْ بِالْبَلْدَةِ الْحَرَامِ قُلْنَا بَلَى قَالَ فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا إِلَى يَوْمِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ .(28)
* وعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ( قَالَ كُنْتُ رِدْفَ النَّبِيِّ ( لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ إِلا مُؤْخِرَةُ الرَّحْلِ فَقَالَ يَا مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ قُلْتُ لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ ثُمَّ سَارَ سَاعَةً ثُمَّ قَالَ يَا مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ قُلْتُ لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ ثُمَّ سَارَ سَاعَةً ثُمَّ قَالَ يَا مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ قُلْتُ لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ قَالَ هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ ؟ قَالَ قُلْتُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ فَإِنَّ حَقَّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ثُمَّ سَارَ سَاعَةً قَالَ يَا مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ قُلْتُ لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ قَالَ هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ إِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ ؟ قَالَ قُلْتُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ أَنْ لا يُعَذِّبَهُمْ .(29)
14) أين تضع يديك ؟
قبل أن نجيب عن السؤال ، هناك قواعد عامة في وضع اليدين :
الأولى) أن يتجنب المتحدث الحركات العشوائية أو غير اللائقة ، كالعبث باللحية أو الخاتم أو الساعة أو النظارات أو الثوب ، لأنها تشتت الانتباه الجمهور ، كما أنها قد تعطي شعوراً بالضعف والارتباك .
قال بعض القدماء في ذم هذه الحركات:
مليٌّ ببُهرٍ والتفاتٍٍ وسعلةٍ ومسحةِ عثنونٍ وفتلِ الأصابعِ (30)
الثانية ) أن يتجنب تشبيكَ اليدين وشدَّ إحداهما بالأخرى ، لأن هذا يعكس شعوراً بالتوتر ، ويعيق توظيف اليدين في الإشارات والإيماءات .
نعود للسؤال : أين أضع يدي؟
الأمر يختلف باختلاف حالة المتحدث . فإذا كان المتحدث يجلس على كرسي وطاولة فإن الأنسب وضعهما متحررتين بشكل هاديء على الطاولة ، مع ملاحظة عدم التشبث بالطاولة أو الإتكاء عليها .
أما في حالة الارتجال فإن من المتحدثين من يفضل تحريرَ يديه وسدلَهما على جانبي الجسم ، ومنهم من يفضل وضعَ يديه فوق بعضهما أسفل البطن.
والذي يختاره كثير من أهل الخبرة ، وهو ما تؤيده الممارسة العملية أن يضع المتحدث قبضته في الأخرى أمام بطنه ، مع ملاحظة عدم تشبيك اليدين .
هذا الوضع مريح أولاً ، ثم إنه يعطي إيحاءً للمستمع بثقة المتحدث بنفسه ، وأن لديه شيئاً مفيداً يقدمه للمستمع ، بالإضافة إلى أن اليدين ستكونان متحررتين للقيام بالحركات المناسبة ، وهذا الأمر يصعب تحقيقه في حالة سدل اليدين على جانبي الجسم .
ويستثنى من هذا الأمر : المتحدث المبتديء إذا أصيب بارتباك أو توتر ، فإن الأولى به أن يمسك بشيء حوله يفرغ من خلاله شحنة التوتر حتى يتمالك نفسه ، وتهدأ أعصابه .
لكن هذا العلاج المؤقت يجب أن لا يتحول إلى عادة .
15) لغة البدن
ونقصد بلغة البدن الحركات والإشارات والإيماءات التي يقوم بها المتحدث أثناء كلامه ، سواء باليدين ، أو الكتفين ، أو الرأس ، أو العينين ، أو بتعبيرات الوجه .
وهذه اللغة لها أثرها الهام في الإلقاء ، قال بعض الأدباء : " الإشارة واللفظ شريكان، ونعم العون هي له، ونعم الترجمان هي عنه، وما أكثر ما تنوب عن اللفظ، وما تغني عن الخط " .
وإذا استخدم المتحدث لغة البدن بمهارة ، ستكون يداه وبدنه ووجهه أداة عجيبة لإيصال الأفكار وتحريك المشاعر .
لغة البدن لها عدة فوائد ، من هذه الفوائد :
1 ـ زيادة فهم السامع ، وتأثره بالكلام ، فهو يسمع العبارة ، ويرى الإشارة ، مما يعزز أثر الكلمة في نفسه .
2 ـ إزالة الملل لدى السامع .
3 ـ أنها تعين المتحدث على القضاء على الخوف والارتباك . كيف؟ الخوف طاقة زائدة تحتاج للتفريغ ، ومن طرق تفريغها والتنفيس عنها هذه الحركات والإشارات .
? أمثلة تطبيقية : هل هناك شواهد من السنة النبوية؟ هل كان النبي ( يستخدم لغة البدن؟ الأحاديث في هذا كثيرة جداً .
* عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ( قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ( إِذَا خَطَبَ احْمَرَّتْ عَيْنَاهُ وَعَلا صَوْتُهُ وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ حَتَّى كَأَنَّهُ مُنْذِرُ جَيْشٍ يَقُولُ صَبَّحَكُمْ وَمَسَّاكُمْ وَيَقُولُ بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ وَيَقْرُنُ بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى.(31)
* وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ( قَالَ صَلَّى لَنَا النَّبِيُّ ( ثُمَّ رَقِيَ الْمِنْبَرَ فَأَشَارَ بِيَدَيْهِ قِبَلَ قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ ثُمَّ قَالَ لَقَدْ رَأَيْتُ الآنَ مُنْذُ صَلَّيْتُ لَكُمْ الصَّلاةَ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ مُمَثَّلَتَيْنِ فِي قِبْلَةِ هَذَا الْجِدَارِ فَلَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ .(32)
* وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّهُ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ( وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَقُولُ : يَأْخُذُ الْجَبَّارُ سَمَاوَاتِهِ وَأَرْضَهُ بِيَدِهِ - وَقَبَضَ بِيَدِهِ فَجَعَلَ يَقْبِضُهَا وَيَبْسُطُهَا - ثُمَّ يَقُولُ : أَنَا الْجَبَّارُ أَيْنَ الْجَبَّارُونَ أَيْنَ الْمُتَكَبِّرُونَ . قَالَ :وَيَتَمَيَّلُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ يَسَارِهِ حَتَّى نَظَرْتُ إِلَى الْمِنْبَرِ يَتَحَرَّكُ مِنْ أَسْفَلِ شَيْءٍ مِنْهُ حَتَّى إِنِّي أَقُولُ أَسَاقِطٌ هُوَ بِرَسُولِ اللَّهِ ( . رواه ابن ماجه .(33)
* وفي حديث آخر قال ( :"المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً " ، وشبك بين أصابعه .
* وفي حديث آخر قال :"التقوى ههنا" وأشار إلى صدره ثلاثاً .
هل هناك ضوابط للغة البدن؟ نعم .
1) أن تكون ملائمة لمعاني الكلمات المصاحبة لها .
يعني ما يجي خطيب يقول وتفرق الناس ، بينما هو يشبك يديه .. أو يقول والتحم الجيشان ، بينما هو يفتح يديه . لا بد أن تكون الحركة مناسبة لمعنى الكلمة .
وكذلك بالنسبة لتعبيرات الوجه ، يتفاعل الخطيب مع ما يقول ، فإن كان حديثه ما يفرح تهلل وجهه فرحاً . وإن كان عما يحزن بان الحزن على وجه . وإن كان عما يغضب احمرت وجنتاه من الغضب كما كان ( .
2) أن تسبق القول أو تواكبه ، ولا تتأخر عنه .
3) أن تكون متزنة متوافقة مع سرعة الكلام معتادة .
4) ألا تغطي وجه المتحدث .
5) مراعاة المناسبة ، فخطيب الجمعة مثلاً لا يليق به أن يخرج عن الهدي النبوي في الخطبة . والذي ثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه كان يرفع أصبعه فقط .
ولما رأى عُمَارَةَ بْنَ رُؤَيْبَةَ ( بِشْرَ بْنَ مَرْوَانَ عَلَى الْمِنْبَرِ رَافِعًا يَدَيْهِ قَالَ: قَبَّحَ اللَّهُ هَاتَيْنِ الْيَدَيْنِ لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ( مَا يَزِيدُ عَلَى أَنْ يَقُولَ بِيَدِهِ هَكَذَا وَأَشَارَ بِإِصْبَعِهِ الْمُسَبِّحَةِ . (34)
6) أن تكون بقدر معقول ، بدون تكلف .
بعض الناس يبرمج الحركات عند كلمات معينة الموضوع بحيث تبدو كأنها تمثيل ، وهذا غير محبب .
7) أخيراً .. تجنب اللزمات البدنية .. ذكرنا سابقاً أن بعض المتحدثين عنده لزمة لفظية ، كلمة تتكرر معه في كلامه .. وهنا أيضاً بعض المتحدثين عنده لزمة بدنية ، إما إشارة أو حركة يد أو تعبير بالوجه تتكرر كثيراً في حديثه ، والأحسن تجنب مثل هذا .
من الطرائف في قضية الإشارة ولغة البدن : أن رجلاً مدح رجلاً اسمه يسير ، فقال: ومدح يسير في البلاد يسير ، فقيل له: تمدح الرجل وهو قد لا يعطيك شيئاً .. قال: إذا لم يعطني ، قلت بيدي هكذا ، وضم أصابعه وهز يده ، (يعني قليل اللي يمدح هذا الرجل) .
ومن الطرائف أيضاً : يقولون في المثل :(أعيا من باقل) . ما قصة باقل هذا؟ باقل رجل أحمق اشترى في يوم من الأيام عنزاً بأحد عشر درهماً ، وربط العنز بحبل وجاء يجرها بيده .. فسئل بكم اشتريت العنز؟ (الآن باقل بيسوي نفسه فاهم ويعلمهم بالإشارة) فرفع يديه وفرق أصابعه (هذي عشرة) وأخرج لسانه (يعني أني اشتريتها بأحد عشر) .. العنز ما صدقت الفرصة فانفلتت منه حتى ضاعت .. فقالوا في المثل: أعيا من باقل .
هل هناك وسيلة ننمي بها مهارة لغة البدن؟ نعم ، بالتدريب ، ومن المفيد أن تتدرب أمام المرآة ، أو تسجل إلقاءك بكاميرا الفيديو .. ثم تراجع حركات جسمك ، وتحاول أن تجرب حركات جديدة مناسبة .
16) الاتصال البصري
العينان هما الحبل الذي يربطك بالجمهور ، يعرفون من خلاله اهتمامك بهم ، وتعرف أنت من خلاله مدى اهتمامهم بما تقـول ،
في الاتصال البصري لا بد من أمرين : لا بد أولاً من النظر للجمهور ، ولا بد ثانياً من توزيع النظر .
لا يليق بالمتحدث أن يجعل نظره في الأرض ، أو يرفعه إلى السماء ، أو يكون نظره في الورق ، أو يغمض عينيه ، فإن هذا يكون حاجزاً بينه وبين الجمهور .
وقد جاء في بعض الأحاديث أن النبي ( كان يقبل على أصحابه بوجهه وهو يحدثهم ، منها ما روى ابن ماجه بسند حسن عن العرباض بن سارية رضي الله عنه قال : صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح ، ثم أقبل علينا بوجهه ، فوعظنا موعظة بليغة) .
الاتصال البصري له عدة فوائد ، منها :
1 ـ أنه يزيد من قوة التأثير وقناعة المستمعين بالموضوع .
2 ـ أيضاً هو يمثل رابط وألفة مع المستمعين ، وبالتالي يطرد الملل .
3 ـ أنه يعطيك تغذية عكسية ، فتعرف ردود فعل المستمعين وأثر الكلام عليهم .
المتحدث الجيد يعرف رد فعل الجمهور وتفاعلهم معه من خلال الاتصال البصري .
- تشوف بعض الجمهور يهز رأسه إلى الأسفل ، يعني إيش؟ يعني متفق معك ، يعني فاهم .
- تشوف بعض الجمهور يتأفف وينفخ أو يتحرك أو يحك بكثرة ، يعني عنده مشكلة ، إما ملل أو شي في المكان .
- تشوف بعض الجمهور مركز عيونه ما ترمش ، تعبيرات وجهه متأثر ، هذا معناه أنه متفاعل ومعاك على الخط .
أذكر من الطرائف في هذه النقطة ، ما حدثني به أحد الإخوة الدعاة الفضلاء ، يقول: في بدايات الإلقاء ألقيت كلمة على بعض الشباب ، وبينما أنا أتكلم رأيت اثنين من الشباب احمرت عيونهم .. فجاءني الشيطان وقال: شوف الشباب متأثرين جداً ، خفف شوي ، فيقول: أخذت في نفسي مقلب ، وفجأة وأنا أتكلم ، التفت إلى الشباب الاثنين ، وإذا رؤوسهم على صدورهم وغاطين في النوم .. فتحطمت وأنا أتكلم .
يقول الأخ في البداية تأثرت وحزنت ، لكن قلت الحمد لله إن الله عرفني بقدر نفسي ، على الأقل ، الشيطان ما يغرني ويفسد علي نيتي .
هذه الحادثة التي تبين لنا عدم فهم المتحدث للجمهور ، تذكرني بحادثة للإمام سفيان بن عيينة أحد أئمة الحديث ، كان يحدث ، فازدحم عليه طلاب الحديث ، وكان بجواره شيخ ضعيف ، فدفعه الطلاب حتى كسروا يده ، فأخذ الشيخ يصيح: سفيان ، لا جعلتك مما عملوا بي في حل ، وكان سفيان يرى الشيخ ولا يفهم كلامه ، فقال سفيان لأحد الطلاب الذين دفعوا الشيخ: ما يقول الشيخ؟ ، قال: يقول زدنا في السماع .
طيب .. يقول بعض الشباب : المشكلة أني إذا نظرت إلى الجمهور أصبت بالارتباك ، هل هناك حل؟
نعم .. هناك حيلة مفيدة للخطيب المبتديء ، إذا كنت ترهب الجمهور ، لا تنظر إلى عيونهم ، ركز على جباههم وانس الموضوع .
وهناك حيلة أخرى : حدد بعض الأجسام أو الأماكن الموجودة في المكان أمامك ويمينك وشمالك ، بحيث تكون هذه الأجسام على مستوى رؤوس الحاضرين ، اجعل هذه الأجسام نقاط ارتكاز تتنقل ببصرك بينها .
17) مظهر المتحدث
أثبتت البحوث أن نظافة المتحدث وملابسه وحسن هندامه لها تأثير إيجابي على الطرفين ، على المتحدث نفسه ، وعلى الجمهور .
أخي الداعية .. الناس مجبولون على الميل إلى كل حسن وجميل ، فالثياب الحسنة ، والطيب الحسن ، والنعل الحسن ، لها دور في قبول الناس للمتحدث ، وارتياحهم لشخصه ، مما يعزز أثر كلامه في نفوسهم .
يقول الماوردي: ((ويستحب للإمام من حسن الهيئة وجمال الزي أكثر مما يستحب للمأموم؛ لأنه متبع)) .. لكن نقول بدون مبالغة وبدون تكلف .
ومما يتعلق بالمظهر أيضاً ، أن تتأكد من عدم وجود أي ملاحظة في وجهك أو لباسك .. انظر إلى المرآة قبل أن تقف أمام الجمهور ، ويمكنك أيضاً الاستعانة ببعض من حولك للتأكد من الموضوع ، والمسلم مرآة أخيه كما جاء في بعض الأحاديث .
من المواقف الطريفة المتعلقة بالمظهر : عدة مواقف وقعت لي مع أحد الإخوة من المصلين في الجامع ، أنا أدين لهذا الرجل بالفضل بعد الله في عدة مواقف ينبهني فيها ، مرة يشير إلى أزرار الثوب ، يعني تراك نسيت تزر الأزرار .. يوم يشير إلى وجهه يعني فيه شي عالق في وجهي .. ففي يوم من الأيام كنا في خطبة الجمعة ، فنزلت من المنبر وأقيمت الصلاة ، ثم تقدمت وكبرت .. وبعد ما كبرت أردت ان أقرأ الفاتحة فإذا واحد يجرني مع المشلح من أعلى يدي ، أنا الآن في الصلاة ، فبدأت أفكر: وش السالفة؟ .. أكملت الركعة فلما قمت للركعة الثانية ، فإذا واحد يجرني مع المشلح ، لكن هالمرة من الأسفل .. المهم أكملت الصلاة ، وبعد أن تفرق الناس ، قلت: من الذي يجرني في الصلاة؟ قال الأخ: أنا ، قلت : لماذا؟ ، قال: لما كبرت كان المشلح مرتفع من جهة اليسار ، فسحبته حتى يعتدل ، فتعدّل من فوق لكنه تعلق في النصف ، فلما قمت للركعة الثانية سحبته من أسفل ، فتعدّل كله والحمد الله .
يعني الأخ الله يهديه صاير يسحب ويعدل ، وأنا أصلي .. هذا حرص طيب لكنه في غير محله ، ويربك المصلي ولا سيما الإمام .
18) اجمع جمهورك
أثبتت الدراسات أن الجمهور لا يشعر بالإثارة عندما يكون متفرقاً .. والفراغات الواسعة والكراسي الفارغة بين المستمعين تقضي على الحماس .
إذن .. اجمع جمهورك .. وإذا كنت ستتحدث إلى مجموعة صغيرة ، يجب أن تختار غرفة صغيرة . وإذا كان المستمعون متفرقين اطلب منهم التجمع في المقاعد الأمامية قبل أن تبدأ الكلام .
19) القضاء على قواطع الانتباه :
من صفات الجمهور أنه لا يستطيع أن يقاوم إغراء التطلع إلى الأشياء المتحركة أو الملفتة للانتباه . ولهذا أنصحك بالآتي :
أولاً : إنهاء ترتيبات المنصة والطاولة ، وتنظيم دخول الجمهور المتأخرين ، حتى لا يقطعوا انتباه الجمهور .
ثانياً : يستحسن أن يكون المنبر للمتحدث فقط ، دون الضيوف الآخرين .
ثالثاً : الابتعاد عن العبث بملابسك ، أوالقيام بأي حركات عشوائية ، كما تقدم .
من الطرائف ، أن أحد المحاضرين كان يلقي محاضرة على المسرح ، فكان يعبث برجليه ، فأشغل الناس .. كان الناس ينظرون لأصابع رجليه وهي تعبث ، وفجأة ، انفجر الناس بالضحك .. لماذا يضحكون؟ كان المحاضر قد خلع الحذاء تحت الطاولة وبقي عليه الشراب ، وكانت المشكلة أن الشراب كان مقطوع ، وأصبع الرجل خرج من الشراب وبدأ يطل على الناس ، وهو لا يدري .
طبعاً هذا المحاضر ليس أنا .. الذي وقع لي أنا موقف آخر في محاضرة كانت على مسرح في ملتقى الطائف .. وانا أتكلم ، الناس ينظرون إلي وكان فيه شي غير طبيعي ما ادري عنه ، بعد لحظات وأثناء المحاضرة ، تقدم للمسرح أحد الشباب واستوقفني .. فأنا توقفت .. ماالخبر؟ قال: فيه حشرة كبيرة جالسة فوق رأسك (تعرفون يا اخوان الحشرات الي تطير ، هي وحدة كبيرة اكس لارج ، حتى إني أشوف ظلها على الأرض) .. فبديت احرك راسي والناس يضحكون ، حتى تخلصت من الحشرة وطارت .. ثم أكملت المحاضرة .
20) الحزم في الالتزام بالوقت
أقول : الحزم .. لأن بعض المتحدثين لا يهتم بوقت مستمعيه ، بعضهم لا يخطط أصلاً لمقدار الوقت الذي سيتحدث فيه ، وبعضهم يخطط لكنه لا ينضبط بالوقت ، وقد يضيق به الوقت فلا يحسن الاختصار فتسمعه يكرر عبارات (ولا أريد أن أطيل) ، أو يقول (أختم بهذا الأمر) ثم يسترسل في حديثه طويلاً ، وهذا الأمر يثير الملل لدى المستمعين .
وبعضهم اعتاد الإطالة والإملال ، ثم يختم كلامه بالعبارة المشهورة (وأعتذر للإطالة) .. ما الفائدة يا أخي؟ .. إذن ما الحل؟
الاعتذار ليس حلاً .. الحل هو الحزم التام في الالتزام بالوقت .
ومن الأمور المطلوبة ، أن يسأل المتحدث المنظمين عن الوقت المتاح له قبل أن يبدأ في الكلام .. وإذا ضاق به الوقت ، اكتفى بالأهم من الكلام ، وأحسن الختام .
21) طرق مبتكرة
طرق ومهارات الإلقاء ليست توقيفية .. بل هي متجددة ، يمكن أن تعدل وتطور .
* من الطرق المبتكرة ، ولا سيما في التدريب استخدام بعض الرموز لأساليب ومهارات الإلقاء .
هذا الأمر يفعله بعض الدعاة المشهورين .. وهو مفيد جداً ولا سيما أثناء إعداد الموضوع والتدرب عليه فيضع مثلاً بين الجمل ، أو في الهامش :
(..): يعني وقوف ، (...): يعني وقوف طويل ، (رفع) : يعني رفع مستوى الصوت ، (خفض) : يعني خفض مستوى الصوت ، (مد) : مد آخر الكلمة ، (ترتيل) : يعني ترتيل الآية ، (!) يعني أسلوب تعجب ، (؟) : أسلوب استفهام ...... وهكذا
هذه مجرد أمثلة ، ويمكن أيضاً الاستعانة بالألوان بدلاً عن بعض الرموز .
* من الطرق المبتكرة أيضاً : إلقاء المحاضرات عن طريق الحاسب الآلي المحمول ، فيقوم المحاضر بكتابة النص في الحاسب ، ثم يقوم بإلقائه عبر الجهاز المحمول الذي يكون أمامه على الطاولة . ومن أوائل من رأيت يستخدم هذه الطريقة الشيخ محمد المنجد نفع الله به، فهو من السباقين في استخدام الحاسب والإنترنت في خدمة هذا الدين والدعوة إليه.
ومن خلال تجربتي لهذه الطريقة في بعض المحاضرات ، وجدت لها فوائد جمة ، منها :
1) سهولة التعديل والإضافة على النص باستخدام القص واللصق .
2) الاتصال البصري مع الجمهور ، فالمحاضر ينظر إلى الأمام باتجاه الشاشة والجمهور في وقت واحد ، بخلاف القراءة من الأوراق .
3) إمكانية إضافة رموز أو ألوان لمهارات الإلقاء فيجعل لوناً لنبرات الصوت المرتفعة ، وآخر للمنخفضة ، وآخر للوقفات ، وآخر لعبارات الغضب ، وهكذا . وهذا مفيد أثناء التدرب ، وأثناء الإلقاء أيضاً .
4) إمكانية إضافة تلاوات مسموعة بصوت القراء ، وهذا يعطي تميزاً للمحاضرة ، وترويحاً للسامع .. وهو أمر ميسور ، لا يتطلب سوى إدراج الملف الصوتي للآيات ضمن نص المحاضرة ، وتشغيله بنقر (الفأرة) أثناء الإلقاء .
5) إضافة عروض الحاسب التي تتضمن المشاهد والصور المتعلقة بالموضوع ، وهذا له أثر كبير في التأثير في الجمهور، وطرد الملل .
22) إجراءات ما بعد الإلقاء
انتهت الكلمة أو الخطبة ، هل بقي شيء؟
ربما .. هناك أمور لاحقة يمكن أن يقوم بها المتحدث بعد الإلقاء ، منها مثلاً :
1- إنجاز التعهدات : كالإجابة عن سؤال مؤجل ، أو معلومات وعدت بتقديمها .
2- استثمار الموضوع ، انتهاز فرصة اقتناع الناس ، ووضع خطة عمل فعلية بعد الموضوع مباشرة .
مثال : فتح باب التبرع بعد دعوة تبرع ، أو تكليف أحد الحاضرين بعمل يحقق هدف الموضوع .
3- التقويم : بحيث يتابع المتحدث مستوى أدائه ، ويطور قدراته من حين لآخر .
الخاتمة :
في الختام أنبه الإخوة إلى أن كل ماذكرناه في فن الإعداد والإلقاء ما هو إلا خطوة على طريق البناء والإعداد للخطيب والداعية المسلم ، وحتى يتحقق هذا الهدف لا بد من الاهتمام بالتدرب والممارسة العملية لهذه المهارات .
كما أنبه إخواني الكرام إلى أن كثيراً من القواعد والمهارات قابلة للاجتهاد ، وقد تختلف فيها الأنظار ، فلعل أخاً كريماً وناصحاً مشفقاً يعذرنا إن أخطأنا أو قصرنا في شيء ، ويتمم معروفه بالنصح والتسديد .
أسأل الله تعالى أن ينفعنا بما سمعنا ، وأن يجعل ما نتعلمه عوناً لنا على تبليغ شرعه ، والدعوة إلى دينه .
كما أسأله سبحانه أن يجزي الإخوة الذين أسهموا في إعداد هذه المادة والاشتراك فيه خيراً ، ولا أنسى كل من أفادني من إخواني برأيه وملاحظاته ، جزاهم الله خيراً أجمعين .
اللهم يا حي يا قيوم ، برحمتك نستغيث ، أصلح لنا شأننا كله ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين .
والحمد لله رب العالمين ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .
(1 رواه أحمد 3/76 (11748) بإسناد حسن .
(2 رواه البخاري (124)
(3 رواه مسلم في مقدمة صحيحه
(4 رواه مسلم (1436) وقوله (ناعوس البحر) في بعض الروايات (ناقوس) : أي وسطه ولجته .
(5 البخاري (466) ومسلم (2382)
(6 رواه مسلم (2589)
(7 رواه مسلم (2581)
(8 رواه البخاري (528) ومسلم (667)
(9 رواه البخاري (2101) ومسلم (2628)
(10 رواه أحمد (15357) ، والترمذي (2376) وقال : حديث حسن صحيح ، وصححه الألباني في صحيح الجامع (5620)
(11 رواه النسائي (5144) ، وأبو داود (4057) ، وابن ماجه (3595) واللفظ له ، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه 0
(12 رواه مسلم (869)
(13 رواه الترمذي (2485) وصححه ، ووافقه الألباني
(14 رواه مسلم (2707) وفي شرح النووي على مسلم 17/30 (مختصراً)
(15 رواه البخاري (9643)
(16 رواه البخاري (95)
(17 رواه أحمد (17931) والدارمي (2812) وقال الألباني في تحقيقه لمشكاة المصابيح (5687) : إسناده صحيح .
(18 رواه أحمد (18496) بسند صحيح
(19 البخاري (2654) ومسلم (87)
(20 رواه مسلم (869)
(21 رواه البخاري (70) ومسلم (2821)
(22) فتح الباري 1/219
(23 رواه البخاري (5756) ومسلم (2224) عن أنس (
(24 رواه البخاري (67)
(25 رواه مسلم (2670) عن ابن مسعود
(26 رواه مسلم (867)
(27 أخرجه أبو داود [4839]، والترمذي [3639]، واللفظ له وحسنه، ووافقه الألباني .
(28 البخاري (1741) ومسلم (1679)
29) رواه البخاري (2856) ومسلم (30)
(30 في القاموس المحيط : (البُهر) : انقطاع النفس من الإعياء .
(العثنون) : اللحية أو ما فضل منها بعد العارضين أو ما نبت على الذقن وتحته .
(31 رواه مسلم (867)
(32 رواه البخاري (749)
(33 رواه ابن ماجه (197) ، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه .
(34 رواه مسلم (874)
---------------

------------------------------------------------------------



---------------

------------------------------------------------------------




فن الإعداد و الإلقاء


1