Advertisement

كيف تقرأ كتاباً قواعد وأساليب


بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
الحمد لله الذي خلق أول ما خلق القلم فقال: اكتب، فكتب ما هو كائنٌ إلى يوم القيامة.
والشكر له سبحانه الذي امتنَّ على عباده بنعمة القلم والكتابة، وذكَّر بها بقوله سبحانه (ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ(
[سورة القلم، الآية : 1].
والصَّلاة والسلام على النبيِّ الأمي رسول الله إلى الثِّقلَين الإنس والجنّ.
وعلى آله وصحبه الكرام الأتقياء النَّصَحَة البررة الصالحين.
وعلينا بمنِّه سبحانه وجوده وفضله وإحسانه إنه على كلِّ شيء قدير.
وبعد:
فهذا موضوع مهم خطير مفيد، ويُعدُّ هو الأساس لكلِّ شاب وشابة أرادوا معرفة كيف يقرءون الكُتب على مختلف أشكالها وأحجامها وعلى مختلف فنونها وعلومها، ولذا رأيت أن أتطرَّق إلى جزئيات الموضوع من حيث:
1- الكتاب.
2- القراءة.
3- الكيفية.
ثمّ أبيِّن الإجابة على السؤال الهام .. كيف تقرأ كتابًا؟!
والله المستعان،،،،
أخوكم
د.زيد بن محمد الرماني


الكتاب
وصف الكتاب:
قيل للإمام عبد الله بن المبارك رحمه الله: إنك تُكثر الجلوس وحدك! فغضب وقال: أنا وحدي؟!.. أنا مع الأنبياء والأولياء والحكماء والنبيِّ ( وأصحابه، ثم أنشد لمحمد بن زياد الأعرابي:
وَلِي جُلَسَاءُ مَا أَمِلُّ حَدِيثَهُم
أُلَبَا مَأمُونُونَ غِيْبًا وَمَشْهَدَا
إذَا مَا اجْتَمَعْنَا كَانَ حُسْنُ حَدِيثِهِم
مُعِينًا عَلَى دَفْعِ الهُمُومِ مُؤَيِّدَا
يُفِيدُونَنِي مِنْ عِلْمِهِم عِلْمَ مَا مَضَى
وَعَقْلاً وَتَأْدِيبًا وَرَأيًا مُسَدَّدَا
بِلاَ رِقْبَةٍ أَخْشَى وَلاَ سُوءِ عِشْرةٍ
وَلاَ أَتَّقِي مِنهُمْ لِسَانًا وَلاَ يَدَا
مدح الكتاب:
يقول أبو الطيب المتنبي:
أَعَزُّ مَكَانٍ فِي الدُّنَا سَرْجٌ سَابِحٌٍ
وَخَيرُ جَلِيسٍٍ فِي الزَّمَانِ كِتَابُ


ويقول الجاحظ:
لكتاب نعم الذخر والعقدة، ونعم الجليس والعدَّة، ونعم المشتغل والحرفة، ونعم الإنس لساعة الوحدة، ونعم المعرفة ببلاد الغربة.
والكتاب وعاءٌ مليءٌ علمًا، وظرف حُشِي ظرَفًا، إن شئت كان أبين من سحبان وائل، وإن شئت كان أعيى من باقل، ولئن شئت ضحكت من نوادره وعجبت من غرائب فوائده، ومن لك بمؤنس لا ينام إلا بما تهوي؟!
ويقول عبد الله بن المعتز:
الكتاب والجٌ للأبواب، جريءٌ على الحُجَّاب، مُفهِّم لا يفهم، وناطقٌ لا يتكلَّم.
ويقول المأمون:
لا شيء آثر للنفس ولا أشرح للصدر ولا أوفى للعرض ولا أذكى للقلب ولا أبسط للسان ولا أشدّ للجنان ولا أكثر وفاقًا ولا أقلّ خلافًا ولا أكثر عبارة من كتابٍ تكثر فائدته وتقل مؤنته، مُحدِّثٌ لا يملّ وجليسٌ لا يتحفَّظ، ومترجم عن العقول الماضية والحكم الخالية والأمم السالفة، يُحيي ما أماته الحفظ، ويُجدِّد ما أخلفه الدهر، ويُبرز ما حجبته الغبارة، ويدوم إذا خان الملوك والأصحاب.
مزايا الكتاب:
الكتاب جارٌ بار، ومعلمٌ مخلص، ورفيقٌ مطاوع، وهو صاحب كفء، وشجرة معمِّرة مُثمرة، يجمع الحكم الحسنة والعقول الناضجة، وأخبار القرون الماضية والبلاد المترامية، يجلو العقل، ويشحذ الذهن ويوّسع الأفق، ويقوّي العزيمة ويؤنس الوحشة، يفيد ولا يستفيد ويعطي ولا يأخذ.
يقول الشاعر:
نِعْمَ الأَنِيسُ إذَا خَلَوْتَ كِتَابُ
تَلْهُو بِهِ إنْ خَانَكَ الأَصْحَاب
لاَ مُفْشِيًا سِرًّا إذَا اسْتَوْدَعْتَهُ
وَتَنَالُ مِنْهُ حِكْمَةً وَصَوَاب

ويقول أبو بكر القفال:
خَلِيلِي كِتَابِي لاَ يَعَافُ وِصَالِيَا
وَإنْ قَلَّ لِي مَالٌ وَوَلَّى جَمَالِيَا
كِتَابِي أَبٌ بَرٌّ وَأُمٌّ شَفِيقَةٌ
هُمَا هُوَ إذْ لاَ أُمَّ أَوْ أَبًا لِيَا
كِتَابِي جَلِيسِي لاَ أَخَافُ مَلاَلَهُ
مُحَدِّثَ صِدْقٍ لاَ يَخَافُ مَلاَلِيَا
مُحَدِّثُ أَخْبَارَ القُرُونِ الَّتِي مَضَتْ
كَأَنِّي أَرَى تِلْكَ القُرُونَ الخَوَالِيَا
كِتَابِي بَحْرٌ لاَ يُفِيضُ عَطَاؤهُ
يُفِيضُ عَلَيَّ المَالَ إنْ غَاضَ مَالِيَا
كِتَابِي دَلِيلٌ عَلَى خَيْرِ غَايَةٍ
فَمِنَ ثَمَّ إدْلاَليِ وَمِنْهُ دَلاَلِيَا
إذَا زُغْتُ عَنْ قَصْدِ السَّبِيلِ أَقَامَنِي
وَإنْ ضَلَّ ذِهْنِي رَدَّنِي عَنْ ضَلاَلِيَا
يقول الجاحظ:
الكتاب هو الذي إن نظرت فيه أطال إمتاعك وشحن طباعك وبسط لسانك وجوَّد بنانك وفخَّم ألفاظك، وعرفت به في شهر ما لا تعرفه من أفواه الرجال في دهر، والكتاب يُطيعك بالليل كطاعة بالنهار، ويطيعك في السفر كطاعته في الحضر، ولا يعتلُّ بنوم ولا يعتريه كلال السفر.
العلماء والكتاب:
• كان الجاحظ من أكثر الناس شغفًا بمطالعة الكتب؛ فإنه لم يقع بيده كتابٌ قط إلا استوفى قراءته كائنًا ما كان، حتى أنه كان يكترى دكاكين الورَّاقين ويبيت فيها للنظر.
• يقول أبو هفان وكذا ورد عن المبرّد:
لم أر قط ولا سمعت من أحب الكتب والعلوم أكثر من ثلاثة منهم الفتح بن خاقان؛ فإنه كان يحضر لمجالسة المتوكِّل، فإذا أراد القيام لحاجةٍ أخرج كتابًا من كُمِّه أو خُفَّه وقرأه في غير مجلس المتوكِّل إلى حين عوده إليه، حتى في الخلاء!
(والاثنان الآخران هما الجاحظ وإسماعيل بن إسحاق القاضي)
• ويقول الحسن اللؤلؤي: غبَّر قدمي أربعين عامًا ما قِلت ولا بتُّ ولا اتَّكأت إلاَّ والكتاب موضوعٌ على صدري.
*ويقول علي بن الجهم: إذا استحسنت الكتاب ورجوت منه الفائدة، فلو تراني وأنا ساعة بعد ساعة أنظر كم بقي من ورقة مخافة استنفاذه، وانقطاع المادة من قلبه، وإن كان الكتاب كثير الورق فقد تمَّ عيشي وكمل سروري.
• وكان عبد الله بن المبارك يستأنس بخلوته في البيت وحده ليشتغل بالقراءة فقيل له: ألا تستوحش؟
فقال: كيف أستوحش وأنا مع النبيِّ ( وأصحابه.
يعني بها كتب الحديث.
• وكان الزهري إذا جلس في بيته وضع كُتبه حوله فيشتغل بها عن كلِّ شيء من أمور الدنيا، فقالت له امرأته يومًا: والله لهذه الكتب أشدُّ عليَّ من ثلاث ضرائر!
• وكان أحمد بن عبد الله المهدي في الدراسة والمطالعة آية لا يكاد يسقط الكتاب من يده حتى عند طعامه.
• ويُقال إنَّ محمد بن الوليد المعروف بـ«ولاد النحوي» لَمَّا حضرته الوفاة أوصى أن يُدفن معه كتاب سيبويه.
• وبلغ من حرص جدِّ ابن تيمية (الجدّ بن تيمية) على وقته ومطالعة الكتب أنه إذا دخل الخلاء أمر حفيده أن يقرأ في الكتاب ويرفع صوته حتى يسمع.
• وكان إسماعيل بن إسحاق كما يقول عنه أبو هفان: ما دخلت عليه إلا رأيته ينظر في كتاب أو يُقلِّب كتابًا أو ينفضها.
• وكان ابن الرفعة لا يفارقه الكتاب حتى أثناء المرض، وكان مكبًّا على المطالعة حتى عرض له وجع المفاصل، بحيث كان الثوب إذا لمس جسمه آلمه، ومع ذلك معه كتابٌ ينظر إليه، وربما انكبَّ على وجهه وهو يُطالع.
• فكان ابن المبارك يستأنس بخلوته في البيت وحده ليشتغل بالقراءة، فقيل له: ألا تستوحش؟ فقال: كيف أستوحش وأنا مع النبي صلي الله عليه وسلم وأصحابه، يعني بها كتب الحديث.
• ويقول ابن قيِّم الجوزية: أعرف من أصابه مرض من صداعٍ وحمَّى، وكان الكتاب عند رأسه، فإذا وجد إفاقة قرأ فيه، فإذا غُلب عليه وضعه، فدخل عليه الطبيب يومًا وهو كذلك فقال إنَّ هذا لا يحلُّ لك.
• وكان بعض أهل العلم يشترط على من يدعوه أن يُوفِّر له مكانًا في المجلس يضع فيه كتابًا ليقرأ فيه.
• وقال ابن الجوزي: وإني أخبر عن حالي ما أشبع من مطالعة الكتب، وإذا رأيت كتابًا لم أره فكأني وقعت على كنـز، ولو قلت إني طالعت عشرين ألف مجلَّد، كان أكثر، وأنا بعد في الطلب.
وكان العلماء يُنفقون في تحصيل الكتاب الأموال الطائلة، حتى قال بعضهم لزوجته حين عاتبته في أكثر ما يُنفق على الكتب:
وَقَائِلَةٌٍ أَنْفَقْتَ فِي الكُتُبِ مَا حَوَتْ
يَمِينُكَ مِن مَالٍ فَقُلْتُ دَعِينِي
لَعَلِّي أَرَى فِيهَا كِتَابًا يَدُلُّنِي
لآخُذَ كِتَابِي آمِنًا بِيَمِينِي
كل قارئ وله طريقة:
1- شيللي، وهو شاعر إنجليزي معروف، كان يُمزِّق أوراق الكتاب بعد قراءته، ويصنع من الأوراق زوارق صغيرة يُطلقها في مياه البحيرات والأنهار ويتفرَّج عليها وهي تُبحر بعيدة!
2- إدوارد فيتزجيرالد، وهو أول من ترجم رباعيات عمر الخيام، كان يقوم بتمزيق الكتاب الذي لا يعجبه ويلقيه في سلة المهملات أو في النار، ولذا لم يكن في مكتبته إلا بضع عشرات من الكتب التي أحبَّها!
3- تشارلز داروين، صاحب نظرية أصل الأنواع، كان يقسم الكتاب إلى النصفين ويحمل كلَّ نصف في جيبٍ من جيوبه، وكان يقول لا يستطيع حمل الكتاب بيده، ومن الصعب وضع الكتاب كلِّه في جيبٍ واحد!
3- برنارد شو، الكاتب الأيرلندي الساخر، كان يبدأ في قراءة الكتاب أثناء ارتداء ملابسه، فيلبس القميص ويجلس ليقرأ قليلا، ثم يلبس السروال، ثم يعود ليقرأ، ثم يلبس رباط العنق وينكبُّ على القراءة، ثم الجوارب، ثم الحذاء، ويفعل نفس الشيء عندما يخلع ثيابه!
وكل كاتب وله طريقه:
1- إميل زولا الكاتب الفرنسي، كان يكتب في غُرفة شِبه مظلمة!
2- الكاتب النرويجي ايش، لم يكن يكتب إلا إذا وضع أمامه مجموعة من الصور الصغيرة الضاحكة!
3- الكاتب الأمريكي چونسون، كان قبل أن يبدأ بالكتابة يسير في الشارع ليلمس ويعدَّ أعمدة النور!
تقييد العلم:
يقول أبو الفرج المعافا بن زكريا:
قد قيل في الكتاب إنه حاضر نفعه، مأمون ضرّه، ينشط بنشاطك فينبسط إليك، إن أدنيته دنا، وإن أنأيته نأى، لا يبغيك شرًّا، ولا يُفشي عليك سرًّا، ولا ينمُّ عليك، ولا يسعى بنميمةٍ إليك.
وقال أحد الشعراء:
لاَ شَيءَ أَنْفَعُ مِن كِتَابٍ يُدَرَّسُ
فِيهِ السَّلاَمَةُ وَهُوَ خِلٌّ مُؤنِسُ
رَسْمٌ يُفِيدُ كَمَا يُفِيدُ ذَوُو النُّهَي
أَعْمَى أَصَمُّ عَنِ الفَوَاحِشِ أَخْرَسُ


وقال التوزي (محمد عبد الحميد):
الكتاب نديم، عهد وفائه قديم، الكتاب منادم، ليس مَن نَادَمه بنادم، الكتاب حميم، خيره عميم، الكتاب أخ غير خوَّان، فتفرّد به عن الإخوان، الكتاب سمير، سليم الظاهر والضمير.
وقال ابن المعتز:
جَعَلْتُ كُتُبِي أَنِيسِي
مِن دُونِ كُلِّ أَنِيسِ
لأَنَّنِي لَسْتُ أَرْضَى
إلاَّ بِكُلِّ نَفِيسِ
وقال أبو بكر الشيطان:
إذَا اعْتَلَلْتُ فَكُتُبُ العِلْمِ تشْفِينِي
فِيهَا نَزَاهَةُ أَلْحَاظِي وَتَزْيِينِي
وَإذَا اشْتَكَيْتُ إلَيْهَا الهَمَّ مِنْ حُزْنٍ
مَالَتْ إلَيَّ تُعَزِّينِي وَتُسَلِّينِي
حَسْبِي الدَّفَاتِرُ مِن دُنْيَا قَنِعْتُ بِهَا
لاَ أَبْتَغِي بَدَلاً مِنهَا وَمِنْ دِينِي
وقال أحمد بن ثعلب:
إنْ صَحِبْنَا المُلُوكَ تَاهُوا وَعَقُّوا
وَاسْتَبَدُّوا بِالرَّأيِ دُونَ الجَلِيسِ
أَو صَحِبْنَا التَّجَارَ عُدْنَا إلَى الفَقْرِ
وَصِرْنَا إلَى حِسَابِ الفُلُوسِ
فَلَزِمْنَا الرّحَالَ نَتَّخِذُ الحِبْرَ
وَنَمْلاَ بِهِ وُجُوهَ الطُرُوسِ




* * *

القراءة
ماهيتها: قرأ يقرأ قراءة فهو قارئ والجمع: قراءات- قُراء.
وفي القرآن: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ( [سورة العلق، الآية : 1].
(اقْرَأْ كِتَابَكَ( [سورة الإسراء، الآية : 14].
وفي الحديث: «قرأت ليقال قارئ، تعلَّمت ليُقال عالم».
إذن: القراءة تعني الضمَّ والجمع والتتبع، وقد تكون نظرًا أو حفظًا جهرًا أو سرًّا.
ومن الاشتقاقات: القرآن – القروء.
قواعد قبل القراءة:
(1) الإخلاص.
(2) وجود هدف القراءة.
(3) الاستشارة والسؤال.
(4) التدرج في القراءة.
(5) ليس كل ما في الكتب صوابًا.
(6) القراءة للاستفادة والتقويم.
(7) القراءة جهاد لا شهوة.
(8) القراءة قدرة وإرادة.
(9) القراءة فن ومهارة.

عوائق القراءة:
(1) الاشتغال بالمغريات.
(2) دنوّ الهمة.
(3) عدم الفهم.
أسباب الخطأ في القراءة:
(1) الجهل.
(2) السرعة في القراءة.
(3) عدم فهم القارئ لما يقرأ.
(4) سوء الكتابة.
(5) قلَّة البضاعة اللغوية.
لماذا نقرأ؟.. ما هي أهمية القراءة؟
(1) القراءة مفتاح العلم.
(2) القراءة سبب لرفعة الإنسان دنيا وآخرة.
(3) القراءة وسيلة لمعرفة أحوال الأمام السابقة.
(4) القراءة أداة لمعرفة مكائد الأعداء.
(5) القراءة أنيس لا يمل، وهي ترويح للنفس.
(6) القراءة وسيلة لاستغلال وقت الفراغ.
(7) القراءة سبب للأجر العظيم والثواب الجزيل.
أقوال عن القراءة من الغرب:
(1) ?ولتير:
سُئِل عمَّن سيقود الجنس البشري فأجاب: "الذين يعرفون كيف يقرءون".
(2) چي?رسون:
إنَّ الذين يقرءون هم فقط الأحرار؛ لأنَّ القراءة تطرد الجهل والخرافة.
(3) مونتيسكو:
كي تعرف قليلاً عليك أن تقرأ كثيرًا.
(4) سقراط:
قيل له: كيف تحكم على إنسان؟
فأجاب: أسأله كم كتابًا يقرأ وماذا يقرأ؟
أقوال عن القراءة من العرب:
(1) عباس محمود العقاد:
القراءة وحدها هي التي تُعطي الإنسان الواحد أكثر من حياةٍ واحدة، لأنها تزيد هذه الحياة عُمقًا، وإن كانت لا تُطيلها بمقدار الحساب.
(2) محمد عدنان سالم:
من الضروري أن نعترف أنَّ الكتاب لم يرقَ عندنا إلى مستوى الرغيف، وأنَّ العقل لم يرقَ عندنا إلى مستوى المعدة .. علينا أن نعمل على تكوين عادة القراءة.
كيف تكون البدايات في القراءة صحيحة؟
من خلال البدء بـ:
أ- الكتب السهلة قبل الصعبة.
ب- الكتب الصغيرة قبل المراجع الكبيرة.
ج- الكتب المُيسَّرة في الفن قبل الكتُب المتقدِّمة فيه.
ما هي أسباب اضطراب البدايات في القراءة عند بعض الأشخاص؟
منها:
أ- العجلة (التي هي من الشيطان).
ب- فورة الحماس غير المنضبط.
ج- المبالغة في الثقة بالنفس.
لماذا تؤلَّف الكتب؟
يقول حاجي خليفة في «كشف الظنون»: إنَّ التأليف على سبعة أقسام، لا يؤلِّف شخصٌ عاقلٌ إلاَّ في إحداها وهي:
- إمَّا شيءٌ لم يسبق إليه فيخترعه..
- أو شيءٌ ناقصٌ يُتمِّمه..
- أو شيءٌ مُغلقٌ يشرحه..
- أو شيءٌ طويل يختصره..
- أو شيءٌ مُتفرِّق يجمعه..
- أو شيءٌ مُختلط يُرتِّبه..
- أو شيءٌ أخطأ فيه مُصنِّفه فيُصلحه.
وينبغي لكلِّ مؤلِّف كتاب في فنٍّ سبق إليه ألاَّ يخلو من خمس فوائد:
- استنباط شيء كان معضلاً..
- أو جمعه إن كان مفرَّقًا..
- أو شرحه إن كان غامضًا..
- أو حسن نظم وتأليف..
- أو إسقاط حشو وتطويل.
يقول السبكي:
ينبغي للمرء أن يتَّخذ كتابة العلم عبادة، سواء توقَّع أن تترتَّب عليها فائدة أم لا.
كيف تكتب؟ كيف تقرأ؟ ومتى؟ وأين؟
يقول ابن المدبر:
وابتغ لكتابك فراغ قلبك وساعة نشاطك فتجد ما يمتنع عليك بالكدِّ والتكلف؛ لأنَّ سماحة النفس بمكنونها وجود الأذهان بمخزونها إنما هو مع الهوَّة المفرطة في الشر والمحبة الغالية فيه أو الغضب الباعث منه ذلك.

-ويقول ابن جماعة:
أجود الأوقات للحفظ الأسحار، وللبحث الأبكار، وللكتابة وسط النهار، وللمطالعة والمذاكرة الليل.
- وكان الشافعي يجزئ الليل ثلاثة أجزاء: الثلث الأول للكتب، والثاني يصلي، والثالث ينام.
-ويقول ابن جماعة:
وليس محمود الحفظ بحضرة النبات والخضرة والأنهار وقوارع الطرق وضجيج الأصوات؛ لأنها تمنع من خلو القلب غالبًا.
وأجود أماكن الحفظ الغرف دون السُّفل، وكل موضع بعيد مما يلهي، وخلا القلب فيه مما يُفزعه فيشغله، أو يغلب عليه فيمنعه، وليس بالمحمود أن يحفظ الرجل حيث النبات والخضرة، أو على شواطئ الأنهار أو على قوارع الطرق، فليس يعدم في هذه المواضع غالبًا ما يمنع من خلوِّ القلب وصفاء السر.
وأوقات الجوع أفضل للحفظ من أوقات الشبع، وينبغي للحافظ أن يتفقَّد من نفسه حال الجوع؛ فإن بعض الناس إذا أصابه شدَّة الجوع والتهابه لم يحفظ، فليُطفئ ذلك عن نفسه بالشيء الخفيف اليسير كتناول حبة فاكهة أو ما أشبه ذلك.
الفقيه والمتفقِّه:
قال أبو عمرو بن العلا:
"أول العلم: الصمت، والثاني: حُسن السؤال، والثالث: حُسن الاستماع، والرابع: حُسن الحفظ، والخامس: نشره عند أهله".
واعلم أنَّ للحفظ ساعات ينبغي لمن أراد الحفظ أن يُراعيها، وللحفظ أماكن ينبغي للحافظ أن يلزمها؛ فأجود الأوقات الأسحار، ثم بعدها وقت انتصاف النهار، وبعدها الغدوات دون العشيات، وحفظ الليل أصلح من حفظ النهار.
قيل لبعضهم: بم أدركت العلم؟
قال: بالمصباح والجلوس إلى الصباح.
وقيل الآخر: بما أدركت العلم؟
قال: بالسفر والسهر والبكور في السحر.
لماذا ينفر الناس من الكتب؟
لأسبابٍ منها:
1- سرعة الملل وقلَّة الصبر وفقدان الجلد في المكث والعكوف الذي تتطلَّبه القراءة.
2- عدم معرفة قيمة القراءة وفضلها.
3- طول الكتاب أو الموضوع.
4- الخطأ في الابتداء، فالبدء بالكتُب المتقدِّمة الأمهات قبل الكتب الميسَّرة خطأ.
4- علوّ أسلوب الكتاب في اللغة والمضمون.
5- عدم معرفة المصطلحات المتكرِّرة في الكتاب.
6- عدم وجود الأقران الذين يُحِثُّون ويُشجِّعون أصحابهم على القراءة.
7- استبدال الغث (المجلات والصحف) بالسمين (الكتب المفيدة).
7- عدم الاستشارة في الانتقاء والابتداء، أو استشارة من ليس بأهل.
8- ضعف المعرفة بقواعد اللغة العربية، ونقصان إدراك الأساليب البلاغية.
9- الشرود وعدم التركيز.
10- دنوّ الهمَّة والرضا بالدون.
11- الانشغال بالملهيات والمغريات.
12- العكوف على استماع الأشرطة.
من أدوات القراءة والكتابة:
القلم والدفتر:
- مقولات في القلم:
• القلم أحد اللسانين.
• القلم الرديء كالولد العاق.
• القلم لسان البصر يُناجيه بما استتر.
• القلم بريد القلب.
• القلم صائغ الكلام.
• عقول الرجال تحت أسنان أقلامها.
• من خدم المحابر خدمته المنابر.
الدفتر:
نظر الخليفة العباسي المأمون إلى ابنٍ صغير له في يده دفتر، فقال المأمون: ما هذا بيدك؟
فقال: بعض ما تسجَّل به الفطنة، وينبِّه من الغفلة، ويؤنس من الوحشة.
فقال المأمون: الحمد لله الذي رزقني من ولدي من ينظر بعين عقله أكثر ما ينظر بعين جسمه وسنه.


* * *



ثلاثية
(الطالب - العلم - الزواج)
حاول الدكتور بكر أبو زيد حصر العلماء العزَّاب الذين لم يتزوَّجوا تفرُّغًا للعلم في كتاب له يحمل اسم «العلماء العزاب»، وزاد عليه في كتاب له آخر سمّاه «النظائر».
وكان الخطيب رحمه الله يقول: يُستحَبُّ لطالب العلم أن يكون عزبًا ما أمكنه، لئلاَّ يقطعه الاشتغال بحقوق الزوجة وطلب المعيشة عن إكمال الطالب.
وقال سفيان الثوري رحمه الله: من تزوَّج فقد ركب البحر، فإن وُلِد له ولد فقد كسر به.
وقال ابن جماعة رحمه الله: ترك التزويج لغير حاجةٍ إليه أو غير القادر عليه هو الأولى، لاسيما للطالب الذي رأس ماله جمع الخاطر واجتماع القلب واشتغال الفكر.



* * *


كيف تقرأ كتابًا؟
أولاً- هناك قواعد أساسية ينبغي الانتباه لها والالتزام بها، منها:
1- معرفة فضل العلم وشرف أهله وبيان أهمية القراءة التي منها:
الأنس بكلام الله وكلام أنبيائه وأقوال العلماء، والتعرُّف على جوانب الحكمة وعلل الأحكام الشرعية، وحفظ الأوقات وملؤها بالمفيد، والحيلولة دون قرين السوء، وتعلُّم العلوم الشرعية؛ إذ العلم حياةٌ ونور، والجهل موتٌ وظلمة.
2- التشجيع على القراءة، وذلك من خلال إنشاء مكتبة للمطالعة في البيت بشكل منظَّم، وإجراء مسابقات بحثيَّة، وإهداء كتيبات في بعض المناسبات (كالزواج، رمضان، العقيقة، العيد...الخ)، وتنشئة الأطفال من صغرهم على حبِّ القراءة.
3- التدرُّج في قراءة الكتب؛ ذلك لأنَّ مراحل القراءة عند أيِّ شخص تنقسم إلى خمس مراحل:
أ- تحبيب القراءة إلى النفس والانجذاب إليها (من خلال التشويق والإثارة، مثل كُتب السيرة والقصص).
ب- القراءة الجادة: بالكيفية السليمة، بحيث يتوفَّر التأنِّي والصبر والفهم والوعي.
ج- القراءة التحصيلية، بحيث يستوعب الشخص عامة ما يقرأ، ويفهم الموضوعات بشكلٍ دقيق، ويشعر بالترابط بين المعلومات القديمة والحديثة.
د- القراءة الناقدة، وذلك من خلال التقويم والنقد والتوجيه باتباع موازين دقيقة ومعايير منضبطة لتبيان المزالق والأخطاء والمزايا والحسنات.
هـ- القراءة الاستقرائية، من خلال الآفاق الواسعة لعالم القراءة: كتاب، مقالة، بحث، دراسة، رسالة جامعية، مادة صوتية سمعية..الخ.
4- تذليل صعوبة الكلمات الغريبة الغامضة باستخدام قواميس ومعاجم مختصرة، مثل «مختار الصحاح» للرازي، و«المصباح المنير» للفيومي، خاصة وأنَّ هناك معاجم وقواميس خاصة لكلٍّ من القرآن والفقه وأصول الفقه واللغة والآداب والتاريخ...الخ.
5- تعلُّم قواعد اللغة العربية، وإتقان النحو والأساليب البلاغية.
6- القراءة على المشايخ أو طلبة العلم المتمكِّنين.
7- الحرص على قراءة الكتب الشرعية، مع الابتعاد عن كتُب الفلسفة والمنطق والفِرَق الضالة والمذاهب المبتدعة.
8- إتباع القراءة والعلم بالعمل والتطبيق على صعيد الواقع، والالتزام بذلك سلوكًا وآدابًا وأخذًا وعطاءً وتعاملاً.
9- التنويع في القراءة والمطالعة؛ فقد كان محمد بن الحسن رحمة الله قليل النوم في الليل، وكان يضع عنده الدفاتر، فإذا ملَّ من نوعٍ نظر في نوعٍ آخر.
10- إعادة القراءة: تثبتنًا للمعلومة، يقول البخاري رحمه الله: لا أعلم شيئًا أنفع للحفظ من نهمة الرجل، ومداومة النظر.
11- اتخاذ الوضع المريح عند القراءة ومن ذلك:
أ- أن يكون النور كافيًا.
ب- ألاَّ يكون الضوء منعكسًا على صفحات الكتاب أو يُلقي ظلالاً عليه.
ج- أن يقع الضوء على الكتاب.
د- أن يكون الظهر مستقيمًا معتدلاً.
هـ- أن يأخذ الشخص فترة للراحة كلَّما شعر بتعبٍ أو إجهاد.
12- اختيار الوقت المناسب للقراءة:
أ- الوقت الذي يعقب اليقظة من النوم هو أفضل الأوقات من القراءة في حال النعاس.
ب- الوقت الذي يعقب الراحة أفضل من القراءة في حالة التعب.
ج- القراءة في وقت البكور.
وإن كان تخصيص الوقت أمرًا نسبيًّا يختلف من شخصٍ إلى شخصٍ آخر.
13- اختيار المكان المناسب للقراءة مثل:
أ- المكان الهادئ جيّد التهوية.
ب- المكان البعيد عن الضجيج والأصوات المزعجة.
ج- المكان البعيد عن الرَّوائح الفائحة والألوان الزاهية.
14- الامتناع عن الشواغل والأمور التي تشتت الذهن مثل:
أ- رفع سماعة الهاتف.
ب- استقبال كل طارق للباب.
ج- إجابة أي طلب لأيّ عمل.
د- خلط القراءة بالاستماع إلى أصوات أخرى، ويُستثنى من ذلك ما لا بد منه مثل إجابة نداء الوالدين والقيام بكلِّ عمل محمود تعلو مصلحته مصلحة القراءة.
15- إعارة واستعارة الكتب مع الالتزام بالآداب الواردة في ذلك من مثل:
أ- شُكر المعير والدعوة له بالخير.
ب- ألاَّ يطول مقام الكتاب عند المستعير من غير حاجة.
ج- التعجيل بردِّ الكتب المستعارة، قال الزهري مرة ليونس بن زيد: إيَّاك وغلول الكتب..
قال يونس: وما غلول الكتب؟
قال: حبسها عن أصحابها.
وكتب البويطي مرة للربيع بن سليمان قائلاً:
احفظ كتابك؛ فإنه إن ذهب لك كتاب لم تجد بركة.
وقال بعضهم: لا تُعِر كتابك إلاَّ بعد يقينٍ بأن المستعير ذو علمٍ ودِين.
ثانيًا: طرق وأساليب ومناهج لتلخيص الكتب:
1- التعليق على الكتاب نفسه، سواء بوضع خطوطٍ أو إشاراتٍ أو تعليقاتٍ مناسبة لتبيان الصواب والخطأ والحقّ والباطل والخير والشر والحَسن والقبيح والنفيس والخسيس والجيد والرديء والواضح والغامض والصحيح والغلط والمهم والأهم والمنافع والمفاسد... وما إلى ذلك.
2- نقل الفوائد والمختارات والنقولات والتعليقات ووضعها على شكل نقاط في مجموعة من الأوراق الخارجية؛ وذلك تمهيدًا لدراستها وتقويمها والإضافة إليها.
3- ابتكار نموذج لتلخيص الكتب يحتوي على:
أ- أهمّ الأفكار.
ب- الأساليب الجميلة.
ج- تلخيص محتويات الكتاب.
د- الفوائد والدروس والعظات والعبر.

ثالثًا: أهم خطوات كيفية قراءة الكتب هي:
أ- المرشد أو المتابع:
أي أن يكون هناك شيخٌ فاضلٌ أو طالبُ علمٍ مُتمكِّن متَّصف بصفاتٍ معينة منها أن يكون ذا دين وتُقى، وذا عقلٍ كامل مع تَجرِبة سابقة، وأن يكون ناصحًا ودودًا، وأن يكون سليم الفكر من همٍّ قاطع أو غمٍّ شاغل، وأن يكون بعيد الأغراض والمطامع، وأن يكون سِنُّه العمري مناسبًا، وأن يكون ذا دِراية وخبرة وعلم ومعرفة.
ب- المنهج:
بحيث يتم تبنِّي أسلوبٍ مناسبٍ لتلخيص الكتب وتدوين المعلومات الجيّدة وتقييد الفوائد المهمة واللآلئ الجميلة.
جـ- الوقت:
وذلك بالارتباط بمواعيد ثابتة للقراءة، يومية أو أسبوعية أو شهرية أو دورية متفق عليها.
د- التقويم أو النقد:
أي تقويم الكتب المقروءة مع بيان مزاياها ومحاسنها وكذا عيوبها ومساوئها، وما فيها من النقص أو الزيادة، والوهم والشبه والباطل، والحق والصواب والخطأ، والخير والشر.
هـ- نقل المعلومة واستثمار الفائدة:
وذلك من خلال نقل للمعلومات المدوَّنة في الملخَّصات المنهجية إلى آخرين في شكل بحثٍ أو دراسةٍ أو مقالةٍ أو درسٍ أو حوارٍ أو مناظرة.
و- الكيفية:
تتنوَّع الكيفية المحقّقة لِما سبق من أهداف وبرامج إلى:
1- كيفية زمانية.
2- كيفية مكانية.
3- كيفية هيئة.
4- كيفية أدوات.
5- كيفية ذهنية.

* * *


المراجع
(1) «كيف تقرأ كتابًا» محمد المنجد.
(2) «تعلم كيف تقرأ» ديريك رونتري.
(3) «الكتاب في الحضارة الإسلامية» الحبشي.
(4) «المختار من فوائد النقول والأخبار» محمد عوامة.
(5) «تقييد العلم» الخطيب البغدادي.
(6) «جامع بيان فضل العلم» ابن عبد البر القرطبي.
(7) «الحيوان» الجاحظ.
(8) «صيد الخاطر» ابن الجوزي.
(9) «بدائع الفوائد» ابن قيم الجوزية.
(10) «الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع» الخطيب البغدادي.
(11) «تذكرة السامع والمتكلم» ابن جماعة.
(12) «التعالم وحلية طالب العلم» بكر أبو زيد.
(13) «مفتاح دار السعادة» ابن قيم الجوزية.
(14) «الفقيه والمتفقِّه» الخطيب البغدادي.
(15) «البيدر من كل حقل مزهر» د. زيد الرماني.
* * *