Advertisement

لماذا تعتمد على الحظ هارولد دبليو لويس


لماذا تعتمد على الحظ؟




لماذا تعتمد على الحظ؟

فن وعلم اتخاذ القرارات الصائبة

تأليف
هارولد دبليو لويس

ترجمة
شيماء طه الريدي
نهلة الدربي
مراجعة
محمد فتحي خضر



مقدمة


ما من مفرٍّ من اتخاذ القرارات. أحيانًا نتخذ القرارات في غمرة لحظات السعادة، وأحيانًا في غيرها؛ أحيانًا في حياتنا المهنية أو العملية، وأحيانًا في غيرها؛ أحيانًا من أجل ربح أو تحقيق تقدُّم، وأحيانًا لأجل شيء آخَر؛ أحيانًا لأننا قرَّرنا أنه قد حان الوقت لاتخاذ قرار، وأحيانًا لأن اتخاذ القرار يُفرَض علينا. ومهما كانت الأسباب، فمِن المنطقي أن نؤدِّي هذه المهمة بكفاءة بدلًا من الاعتماد على الحظ؛ مما يعني أن فهْم الكيفية التي تُتَّخَذ بها القراراتُ أمرٌ له جدواه. هذا كتابٌ عن كيفية صنع القرارات بمهارة، وقُرْبَ نهايتِه تجده يتحدَّث عن الكيفية التي تستطيع بها الحكوماتُ اتخاذَ القرارات (وتعجز عن ذلك على نحوٍ متزايدٍ). لن يعلِّمك الكتابُ كيف تتجنَّب الأخطاءَ بقية حياتك، فأنت بهذا تطلب الكثير؛ إلى جانب أنه ما من طريقةٍ مضمونةٍ تخبرك — وقتَ اتخاذِ القرار — إنْ كان القرار الذي اتخذتَه صائبًا بصورة رائعة أم خاطئًا بدرجة فادحة، أم أنه سريعًا ما سيطويه النسيان (وهو ما يحدث عادةً). من أجل التقييم النهائي للقرار، علينا أن ننتظر حتى تظهر عواقبه، مهما استغرق ذلك من وقتٍ. وأحيانًا لا نعرف ذلك مطلقًا أو حتى نعيره اهتمامًا؛ لأن القرار الذي بَدَا يومًا ما مصيريًّا قد يصير محض ذكرى باهتة بعد اتخاذه بوقت قليل؛ فالأحوال تتغير.
أدهى من ذلك أن النتيجة النهائية لا تُعَدُّ طريقة فعَّالة للحكم على مدى جودة أدائنا وقت اتخاذ القرار؛ فإذا حدث شيء لم يكن بمقدورنا توقُّعه، فليس من الإنصاف أن نُلامَ عليه إنْ كانت المفاجأة سيئةً، وليس من الأمانة أيضًا أن ندَّعِي الفضلَ فيه إنْ كانت النتيجة جيدةً. فالحظ — سيئًا كان أم سعيدًا — يحالف الجميع، وإذا ما حدث وقرَّرنا أن نذهب في نزهة طويلة سيرًا على الأقدام في يومٍ ربيعيٍّ رائعٍ، وانتهى الأمر بهجومِ أحد الطيور المارة علينا، فهذا لا يعني أن قرارَ التنزُّه كان سيئًا؛ فالأمور السيئة تقع على أي حال.
إذن فإنَّ ما نعنيه بالقرار الصائب هو أنه قرار يمثِّل أفضل ما يمكن أن نفعله في ظلِّ ما نعرفه في ذلك الوقت، فإذا بذلنا أقصى ما في وسعنا، وكان تفكيرنا عقلانيًّا، فسنكون قد فعلنا كلَّ ما هو متوقَّع منَّا، وما يقع خارجَ نطاق سيطرتنا لا حيلةَ لنا فيه.
إنَّ حاجتنا للقرارات تلوح لنا كلَّ صباح، ولا تهدأ مطلقًا؛ فنحن نقرِّر ما سنتناوله على الإفطار، إلى أن تترسخ عاداتنا في ذلك، ونقرر ما إذا كنَّا سنقوم بعملية شراء مفاجئة ونحن نقف أمام خزينة الدفع في أحد المتاجر الكبيرة، ونقرر ما إذا كنَّا سنتزوج أم لا، ومتى (أو يجعلنا شريك حياتنا المحتمل نعتقد أننا نتخذ قرارًا). ونتخذ قراراتٍ بالذهاب إلى السينما، أو التمشية، أو شراء سيارة، أو وضْع حفاض للطفل، أو تناوُل وجبة السبانخ بالكامل، أو المراهَنة على اللون الأحمر أو الأسود في لعبة الروليت، أو الالتحاق بوظيفةٍ ما أو تركها، أو تأليف كتاب، أو حتى قراءة كتاب؛ وأيًّا ما كانت أسبابُك — واعية أم لا، مدروسة جيدًا أم لا — فقد عزمت على الشروع في قراءة هذا الكتاب، وكان هذا قرارًا.
بالنسبة إلى القرار الشخصي، الذي يَصدر عن شخص تجتمع لديه قوةُ الاختيار والقدرة على تحمُّل العواقب، هناك «طريقة مثلى» لأداء مهمة اتخاذ القرار، بالرغم من أنه لا يمكن أن يُتوقَّع منَّا أن نبذل قصارى جهدنا طوال الوقت؛ ففي كثيرٍ من الأحيان نتخبَّط في الحياة ونتخذ قراراتٍ مندفعةً، بعضُها صائب وبعضها ليس كذلك، ولا نتذكَّر إلا أحيانًا — وفيما بعدُ — ما إذا كنَّا على صواب أم على خطأ (إلا إذا كان موقفًا لا يُنسَى؛ وفي كلتا الحالتين، مَن ذا الذي يتذكَّر القراراتِ التي اتُّخذت على مائدة الغداء الخميس الماضي؟) أحيانًا يكون القرار ذا أهمية، وحينئذٍ قد ينتهي بنا الحال إما مهنِّئين أنفسنا أو متخيِّلين ما كان يمكن أن يحدث غير ما حدث، وقد كَتب كلٌّ من روبرت براونينج وجون جرينليف ويتيَر أشعارًا شهيرة عن ذلك، منها: «ربما كان ممكنًا ذات مرة؛ ذات مرة فحسب …»
والناس ليسوا سواءً عندما يتعلَّق الأمر باتخاذ القرارات؛ فهناك مَن يجرِّبون أيَّ شيء، وهم يتَّسِمون بالتسرُّع والجرأة والجاذبية، كأبطال الروايات الشعبية والتليفزيون. تعني كلمة «متهوِّر» فعْلَ الشيء دون تقدير؛ أي دون تفكير (وأبطال الروايات المتهوِّرون عادةً ما يحميهم المؤلِّفُ من عواقب جرأتهم؛ فهم يقفزون من الأماكن المرتفعة دون أن يُصابوا بخدشٍ من جرَّاء قفزتهم. أما الحياة الواقعية، فهي أقل تسامحًا). وهناك آخَرون يعيشون في معاناة التردُّد الدائم، وهؤلاء قابعون في أماكنهم وخائفون من الخطأ، ولا يحقِّقون أبدًا أيَّ شيء جدير بالذكر، وقد قال روبرت هيريك: «فَلْتجمع البراعمَ متى كان بمقدوركَ.» ويَعني بهذا أن تَنتهز الفرصَ. ويظل هناك بعضُ الأشخاص الآخَرين الذين لا يتخذون سوى قراراتٍ غاية في التحفُّظ، متجنِّبين ارتكابَ الأخطاء مهما اقتضى الأمر، وأيضًا دون أن يحقِّقوا أبدًا أيَّ شيء جدير بالذكر، ويُوصَم بيروقراطيو الحكومات بذلك الخلل في الشخصية. وما بين النقيضين عدد هائل من التنوعات والتدرجات.
وتزداد الأمور صعوبةً حينما يكون هناك المزيدُ من الشركاء الذين يتقاسمون تبعات القرارات السيئة، والمزيدُ ممَّن يَجْنُون فوائدَ القرارات الصائبة، والمزيدُ ممَّن يشاركون في اتخاذ القرار نفسه. ومن الممكن أن تكون لديك أي توليفة من متَّخِذي القرار والأهداف؛ قليلين أو كُثرًا لكل دور. وقد جَرَت أول محاولة جادة لفهم اتخاذ القرارات التي يشترك فيها العديد من اللاعبين في سياق ألعاب الفِرَق الجماعية التنافُسية؛ حيث يمكن أن تترجَم القرارات الأفضل مباشَرة إلى فوز. وبالرغم من كل المحاضرات الجوفاء التي يتلقَّاها أطفالنا عن اللعب لمجرد متعة اللعب، فإن الأشخاص الذين يمارِسون الألعاب يَهْوَوْن تحقيقَ الفوز بالفعل. ولقد مُورِسَت الألعاب على مدى التاريخ الإنساني — فالأطفال يعدُّون العدةَ لحياة البالغين من خلال ألعاب المحاكاة — وهناك بعض الأشخاص يتفوَّقون على غيرهم في ألعاب التفكير. (تولي الرياضات المختلفة أدوارًا مختلفة لعملية اتخاذ القرارات الذكية، وهي ليست دائمًا أدوارًا مهمة؛ ففي لعبة كرة السلة ومصارعة السومو، يخسر العبقري الصغير الحجم دائمًا.)
تتضمن استراتيجية الحرب نظرية الألعاب، وقد تكون جائزة اتخاذِ قراراتٍ أفضلَ من خصمك هي بقاءك على قيد الحياة، أو بقاء أسرتك، أو عشيرتك، أو بلدك. من المُجدِي التدرُّبُ قبل أن يرتفع سقف المخاطرة، وهذا هو مضمون معظم الألعاب. ورياضات المبارزة، والملاكمة، والبولو، والشطرنج، ورمي الرمح، ولعبة «جُو»، والمصارعة — جميعها — تنمِّي المهاراتِ القتاليةَ. ويُزعم أن ويلينجتون قال (مصيبًا كان أم مخطئًا، ليس لنا أن نحكم على ذلك) إنَّ النصر قد تحقَّق في معركة ووترلو على ملاعب إيتون. ويجيد الخبراء الاستراتيجيون العسكريون العظماء التفكيرَ مسبقًا في العديد من التحرُّكات والتحركات المضادة المحتملة، مثلهم مثل لاعبي الشطرنج الماهرين، وأفضلهم (مَن يظل منهم على قيد الحياة فعليًّا) ينتهي به الحال بالكتابة عن كيفية تحقيق ذلك (فالفائزون يكتبون عن نبوغهم، أما الخاسرون فنادرًا ما يكتبون عن أخطائهم. ويتمتع الجنرالات عادةً بسمعةٍ أفضل ممَّا يستحقون؛ فأمام كل فائز، هناك خاسر). وفي العصر الحالي، يقرأ الجنود المتدرِّبون هذه الكتبَ ويتدارسون هذه المعارك القديمة، لكن لا يوجد سوى بضعة مبادئ عامة ليسترشد بها المبتدئ؛ بالطبع هناك بعض الشعارات التي خلَّفَتْها تجاربُ الأسلاف: «فَلْتكن في المقدمة» و«فرِّقْ تَسُدْ»، لكن لا يوجد سوى القليل من النظريات. (أحد المبادئ العامة القليلة للحرب، وهو قانون لانكستر، لا يعرفه سوى فئة قليلة من المتخصِّصين العسكريين على نحوٍ مثيرٍ للشفقة، وسوف نخصِّص له فصلًا قصيرًا فيما بعدُ.) ولذا — وباستثناء وحيد حقيقي يعرفه مؤلف هذا الكتاب — تبدأ الجيوش التي تواجه حربًا حقيقية بالاستراتيجية والخطوات التكتيكية نفسها المستخدمة في الحرب السابقة، سواء كانت قد انتصرت أم هُزمت آخر مرة استخدمتها فيها. فخلال حرب المائة عام، تلقَّت فرنسا هزيمة ساحقة على يد حملة الأقواس الطويلة الإنجليز في معركة كريسي عام ????، ومرة أخرى في معركة بواتييه عام ????، وثالثة في معركة أجنيكورت عام ????. لقد كانوا بطيئي التعلم، وكلَّفهم ذلك الغاليَ والنفيس. حتى إن اللغة الفرنسية تشتمل على مصطلح «السلاح الأبيض» — ويعني حرفيًّا «السلاح النظيف» — لوصف سلاح قاطع مثل سيف؛ ربما لأن طبقة النبلاء كانوا يعتقدون فيما مضى أن القتل مِن على بُعد باستخدام الأسهم أو البنادق ليس من الرجولة في شيء. وقد يكون ذلك صحيحًا، لكن الأسلحة التي تقتل وتصيب من على بُعد فعالة إلى حد بعيد مقارنة بالسيوف والرماح؛ ويُزعم أن ليو دورتشر قال إن المرء لن ينال مراده بطيبة قلبه ونبل أخلاقه مع الآخرين. والولايات المتحدة لم تُبلِ بلاءً حسنًا في مجالِ الابتكارِ أو الفوزِ في المعارك منذ الحرب العالمية الثانية، إلا عندما استطعنا التغلب على المعارضة بالرجال والعتاد. وتلك استراتيجية رابحة عادةً بغض النظر عن المهارة. فإذا وقف أحد العباقرة في وجه دبابة يقودها أحمق، فلتراهن حينها على الدبابة.
تتخذ عملية صنع القرار الحقيقية المتعددة الأطراف أشكالًا عدة على أرض الواقع؛ فبعض القرارات بها لاعبون عدة، وليس لها سوى جانب واحد فقط (مثل اللجان في حالتها المثالية)، ولقرارات أخرى لاعبان وجانبان (مثل المصارعة، أو الشطرنج، أو المبارزة، أو مباريات التنس الفردية)، وإلى جانب ذلك هناك قرارات بها لاعبون عدة وجوانب عدة (مثل الكونجرس، أو الأمم المتحدة، أو البوكر، أو أيٍّ من أحزابنا السياسية). على أعلى المستويات، يوجد صراع العِرْق البشري من أجل البقاء الطويل المدى على وجه الأرض، فضلًا عن تمتُّعه بجودة مقبولة للحياة. والقرارات البالغة الأهمية يجب اتخاذها وتنفيذها، بَيْدَ أن اتِّباع منهجٍ عقلاني في ذلك ليس محتملًا؛ فهناك الكثير من صنَّاع القرار، والقليل من النتائج، والكثير من الجلبة؛ وكل توليفة من توليفات صناع القرار والخيارات لها بنيتها الخاصة، وكلٌّ منها يمكن أن يؤدِّي إما إلى قرارات جيدة وإما إلى قرارات سيئة، وبعض الترتيبات لا يمكن أن تؤدِّي إلى اتخاذ أي قرار على الإطلاق، وسنَعرض لهذا فيما بعدُ.
من إحدى قراءاتنا التاريخية الأكثر تشويقًا مجموعةُ محاضر الجمعية الدستورية التي وضعها جيمس ماديسون عام ????؛ كان الخمسة والخمسون رجلًا الذين حضروا اجتماعَ الجمعية على درجة مُبهِرة من التعليم والمعرفة، ويتفوَّقون على أفرادِ أيٍّ مِن كياناتنا الحاكمة في الوقت الراهن، ومع ذلك فقد وجدوا مشكلةً حقيقيةً في وضع نظام فعَّال لصنع القرارات من أجل الدولة الجديدة التي كانوا يُنشِئونها. (لم يتم إرسالهم إلى فيلادلفيا لوضع دستور، لكنهم فعلوا ذلك على أي حال، وأفلتوا به، وكان هذا القرار جماعيًّا.) لقد أخذوا على عاتقهم أداءَ مهمة شاقة؛ إذ وضعوا هيكلًا حكوميًّا لا يؤدِّي إلى الأوتوقراطية (فقد رأوا الكثيرَ من ويلات الحكم الأوتوقراطي على يد الملوك الإنجليز)، أو إلى تفشِّي الفوضى (التي كانوا يدركون جميعًا أنها أسوأ)، وكان نظامُ الضوابط والتوازنات الرقابية المعقَّد الذي وضعوه يهدف إلى تفادي هذين النقيضين، وفي نفس الوقت تقليل الفروق بين الولايات الصغيرة والكبيرة. (ومن حسن حظنا أن ماديسون كان يدوِّن الملاحظات، وبذلك أضحَتْ لدينا فكرةٌ رائعة عمَّا دار من حوار آنذاك؛ حيث لم تكن هناك أي آلات للتسجيل.)
على مرِّ العقود القليلة الماضية، أدَّتْ بنا احتياجاتُ مجتمع العمل إلى تعلُّم الكثير عن صنع القرارات المتعدِّدة الأطراف (والمتعدِّدة المعايير)، وهناك حالات يستحيل معها — حرفيًّا — أن يتَّخِذ المرءُ قراراته على نحو يتَّسِق مع ذاته. قد تقول: مَن ذا الذي يهتم؟ (كَتَب رالف والدو إيمرسون: «إن الاتساق مع الذات على نحوٍ أحمق هو غول العقول الصغيرة.» وينزع الأشخاص الذين يخطئون في اقتباسِ هذه الحكمة البليغة إلى إغفال كلمة «أحمق» التي تُعَدُّ الكلمةَ المفتاحيةَ في العبارة؛ ومن ثَمَّ يغيِّرون المعنى بما يتناسب مع أهدافهم). باختصارٍ، إن سببَ السعي وراء الاتساق مع الذات هو أنك إذا لم تكن متَّسِقًا مع ذاتك، فإن خصمَكَ المتَّسِق مع ذاته يمكن أن يهزمك في ملعبك. ومع ذلك، ليس هذا من البديهيات، ويُطلِق وكلاءُ المراهنات الإنجليز على مثل تلك الانحرافات عن الاتساق مع الذات «سجل المراهنات الهولندي» لأسباب غير معروفةٍ لمؤلِّف الكتاب. وبالطبع، في أي لعبة تنافُسية تضمُّ خصمًا يتمتع بالقدرة على التفكير، سيكون من السهل توقُّع خطوات اللاعب المتَّسِق مع ذاته سريعًا؛ ومن ثَمَّ يمكن أن يستغل خصمه ذلك لمصلحته. ويدرك لاعبو البوكر ذلك، مثلهم في هذا مثل مدربي كرة القدم.
إن مشاكلنا الاجتماعية الأعمق (ليس فقط في ذلك العَقْد، أو ذلك القرن، أو تلك الألفية، أو في هذه الدولة، أو هذه القارة) تدور حول العثور على وسائل ثابتة وعادلة للحكم؛ أي تخويل سلطة صنع القرار داخل مجموعةٍ اجتماعيةٍ ما لأفراد بعينهم؛ بحيث تؤثِّر القراراتُ التي تتَّخِذها هذه القلة على كل أفراد المجموعة. علينا مواجهة كلٍّ من عملية توزيع الأرباح، وتقسيم المسئوليات والأعباء والسلطات، حتى قبل أن نتحدَّث عن الحكومة. من بينِ أقدمِ أشكالِ الحكمِ، تلك التي تتضمن القائدَ الذي يتخذ القرارات المُلزِمة لكل فرد بحكم قوَّته الغاشمة، أو بالإجماع، أو بسبب تقدُّمه في العمر، أو بحق المولد، أو بنفوذ السلطة الدينية. وفي أي موقف من المواقف المتأزمة، يكون من الأفضل في الغالب وجودُ قائدٍ مُعترَفٍ به، مهما كان غيرَ كفء، بدلًا من عدم وجود قائد على الإطلاق، وكل الجيوش تعرف هذا. قد لا تكون السلطة المطلقة عادلة، لكنها تؤتي ثمارها، وبخاصة وقت الأزمات؛ ومن أشكال هذا النظامِ الحكمُ تحت مظلة سيادة القانون (بالمعنى العام وليس بالمعنى الازدرائي)، الذي خرجت من رَحِمه مجموعة من القوانين الشاملة والصارمة التي أتتنا من الأعراف القديمة أو ربما عن طريق أيٍّ من الشرائع السماوية؛ ومن ثَمَّ يُسترشَد بها في كل القرارات الممكنة، وعادةً دون السؤال عن مصدر هذه القوانين. ومن أمثلة ذلك العديدُ من الكتب المقدَّسة وشريعة حمورابي، كذلك تُعتبَر الوصايا العشر أحدَ الأشكال المختصرة لهذا النظام في الحكم. وهناك أنواع أخرى لنُظُم الحكم تتضمن الإجماعَ العام، الذي يسوق كلَّ القرارات نحو القاسم المشترك الأدنى، والذي قد يكون سيئًا لكلِّ مَن يتأثَّر به. هناك أنماط أخرى تتضمن شكلًا من أشكال حكم الأغلبية (وتستخدم الولايات المتحدة نسخة من ذلك الحكم)، وهو الحكم الذي ربما — وربما لا — يتضمَّن بعضَ القيود على سلطة الأغلبية في اتخاذ القرارات التي تسبِّب عبئًا شديدًا على الأقلية. تتآكل تلك القيود على الأرجح بمرور الوقت، وهذا شيء حتمي في أي ديمقراطية شعبية (وعلى عكس الاعتقاد شبه العالمي، الذي ترسَّخ في المدارس، فإن الولايات المتحدة لم تُطلِق على نفسها دولةً ديمقراطيةً قطُّ؛ فالكلمة لم تظهر في الدستور أو في إعلان الاستقلال. والدستور يضمن بالفعل لكل ولاية شكلًا جمهوريًّا للحكم، لكن لذلك معنًى مختلف، وهو بذاته غير موضَّح في الدستور). وملاحظة ونستون تشرشل بأن الديمقراطية هي أسوأ أنظمة الحكم، باستثناء كل الأنظمة الأخرى، تلخِّص تلك المعضلةَ بدقةٍ. سوف نخصِّص مساحاتٍ عدة لهذا النوع من المشكلات؛ إذ إن عدم قدرة كياناتنا المنتخبة على الحكم الفعلي أصبح أمرًا يدعو للإحباط وخيبة الأمل على نطاق واسع في حقبة التسعينيات، وليس فقط في أمريكا. ومع كل هذا، يبدو أننا قد انخرطنا في شنِّ حملةٍ أشبه بالحملات الصليبية لإقناع كلِّ فرد في العالم، أيًّا كانت ظروفه المحلية، بتبنِّي نسخةٍ من شكل الحكم لدينا، فضلًا عن نظامنا الاقتصادي. وليس واضحًا لمؤلِّف هذا الكتاب كيف اتُّخذ قرار شنِّ هذه الحملة، أو مَن الذي اتَّخَذه، أو إلى متى ستستمر، لكن علينا أن نتذكر ما آلَتْ إليه الحملاتُ الصليبية الأصلية.
من السهل عند تناوُلِ أيِّ موضوع معقَّد أن نرى الموقفَ العام على أنه مجموعة من التفاصيل، وأن نغرق في التفاصيل البسيطة ونُغفل لُبَّ الموضوع. وغالبًا ما تتضمَّن أي لعبة جوهرَ المشكلة الحقيقية التي تمثِّلها، بأقل قدرٍ من المعتقدات التي تشوِّش الذهن، والناشئة عن تجارب سابقة، والتي يمكن أن تمثِّل مقدمةً ملائمةً.
لذا سنبدأ بعض أجزاء هذا الكتاب بأحد الألغاز التعليمية التي تمهِّد لموضوعات صنع القرار التي تليها. وبخلاف هذا، سيبدأ الكتاب بتناول ما هو بسيط، وصولًا إلى ما هو معقَّد، ثم إلى ما لا حلَّ له؛ إذ سيبدأ من القرارات الشخصية حينما تتوافر لدينا الحقائق، مرورًا بمشكلات اتخاذ القرار في ظلِّ الشك واللايقين، وفي ظل وجود منافسات، وصولًا في النهاية إلى صنع القرار في ظلِّ معايير متعدِّدة وأطراف عدة، وهذا ما يواجِه الحكوماتِ والشركاتِ الكبيرةَ عادةً. ويبقى لنا أن نرى إنْ كان بمقدورِ أحدٍ التوصُّلُ إلى شكل مستقرٍّ وناجحٍ بالفعل من أشكال الحكم على مدار آلاف السنوات التي قرأنا فيها عنه في قصص الخيال العلمي، ورأيناه في حلقات «ستار تريك». إن الديمقراطية، بمفهوم اتخاذ القرارات الجماعية بهدف تحقيق الصالح المشترك، هي شيء جديد نسبيًّا على المشهد التاريخي، ولم تجتَزْ هذا الاختبارَ بعدُ.
وبمجرد توضيح المبادئ بشكل مباشِر كما هي، ستكون هناك أمثلة بعينها عن صنع القرار في العمل، تبدأ من الرياضة، والمراهنة، واستراتيجيات الاستثمار، وصولًا إلى بعض المشكلات التي يعرفها القليل، مثل تقسيم مجلس النوَّاب، وهو موضوع الفيتو الأول لجورج واشنطن.
وأخيرًا، هذا الكتاب غير موجَّه لمَن هم خبراء بالفعل في نظرية اتخاذ القرارات الإحصائية؛ فهُم لديهم بالفعل العديدُ من الكتب الرائعة ليختاروا من بينها، لكنه يهدف إلى معاوَنةِ بقيتنا على تحسين فهمنا لصنع القرار، وأن نصبح أكثرَ فضولًا وحبًّا للاستطلاع بشأن «كيفية» اتخاذ القرارات، سواء تلك التي نتخذها نحن أم يتخذها الآخَرون من أجلنا، وأن نعمل بفاعلية أكثر قليلًا كأفراد ومواطنين على حدٍّ سواء.

الفصل الأول
المبادئ الأساسية: تمهيد


لو كنَّا نمتلك بلورات سحرية لا تخطئ، لَمَا وجدنا مشكلةً في صنع القرارات؛ كنَّا سنراهن على الأسهم المضمونة، ونضع مكاسِبَنا في استثمارات رابحة خالية من المخاطر، ونتقاسم حياتنا مع الشركاء المثاليين، ونَبْرَع في تنشئة أطفال مثاليين في بيئة مُثلى، ونتجنَّب ركوبَ الطائرات والسيارات التي تأخذ بنا نحو المصاعب، وننعم بحياة مُرْضية آمنة بشكل رائع؛ لكننا لا نعرف كلَّ العوامل ذات الصلة، ولا نستطيع التكهُّنَ بالمستقبل، بل حتى إننا لا نعرف الآن ما الذي سنحتاجه في حياتنا لاحقًا؛ لذا نجد صعوبةً في اتخاذ القرارات، وكل هذا دون العبء الإضافي المتمثِّل في وجود عدة مشاركين في القرار، الذين قد يعملون معنا في بعض الأحيان، وضدَّ مصلحتنا في أحيان أخرى.
عندما لا نعرف شيئًا — سواء أكان عن المستقبل، أم الماضي، أم عن معنى الحياة، أم حتى عن طموحاتنا — فإن تلك الحالة تُسمَّى عدم اليقين؛ وهي حالة لا يمكن الفرار منها، مثلها مثل الموت والضرائب. وتصاحب المشهدَ المألوفَ لحالة عدم اليقين صورُ تخبُّطٍ ونقصٍ في المهارات وتردُّد (وهو ما تقود إليه حالةُ عدم اليقين على الأرجح) وضَعْف، ولكن كل ما تعنيه الكلمة بالفعل يتلخَّص في وجود شيء لا نعلمه. وليس ثمة ما يدعو للخجل في هذا؛ قد يكون هذا الشيء لا سبيل لمعرفته كالمستقبل، أو ربما شيئًا يسهل معرفته كرقم هاتف، وسواء أكان معروفًا لشخص آخر أم لا، فإذا لم تعرفه أنت بذاتك، فأنت إذن في حالة من عدم اليقين. حاوِلْ أن تجد شخصًا يدَّعِي أنه يعرف كلَّ شيء، وعندئذٍ ستكون قد وجدتَ شخصًا عليك تجنُّبه. ويتناول هذا الكتاب كيفيةَ صنع القرارات العقلانية والمتَّسِقة في مواجهة حالة عدم اليقين هذه؛ ممَّا يعني بدوره التكيُّف مع حقيقة أننا بينما لا نعرف كلَّ شيء، فهناك دائمًا «شيء» نعرفه؛ علينا الاستفادة ممَّا نعرفه بفاعليةٍ قدرَ المستطاع، وعلينا فعل ذلك معظم الوقت على أي حال.
سوف نتعامل أيضًا في هذا الكتاب مع الاحتمالات؛ فمعظمنا يعرف كيف يستخدم الاحتمالات ليقرِّر إما المراهنة على توزيعة ستريت (مجموعة من أربع أوراق متتالية ينقصها ورقة واحدة كي تكتمل) في البوكر، وإما المراهنة على فريقٍ بعينه للفوز بنهائي السوبر بول. وتكمن مشكلةُ صنع القرار في كيفية تطبيق المبادئ نفسها بصورة أوسع نطاقًا على سلوكيات حياتنا، ولسوف نعود مرةً أخرى فيما يلي للحديث عن حالة عدم اليقين والاحتمالية.
إن قدرًا كبيرًا من عدم اليقين الذي يشوب صنع القرار الفردي يتأتى من عدم معرفتنا بما نريد تحقيقه بالفعل من القرار، ومن نزعتنا للمبالغة في توقُّع المكاسب أو الخسائر المحتملة؛ فالناس يشترون تذاكرَ اليانصيب ويلعبون على ماكينات المقامرة الآلية في نوادي القمار، بالرغم من حقيقة أن مالكي هذه النوادي ومديري قاعات اليانصيب لا يهدفون من عملهم هذا أن يَهَبوا الناسَ المالَ؛ فَلِكَي يجمعوا المالَ (ومَن لا يفعلون ذلك يتم استبدالهم على الفور)، ينبغي أن يخسر اللاعب العادي نقودَه (وهذا يُطلَق عليه «لعبة صفرية المجموع»، وهو ما سنتناوله لاحقًا)، لكن يظل اللاعبون يحلمون بالفوز. أما المقامرون المتفائلون (ومَن يكتبون إعلانات اليانصيب)، فهُم مولعون بتوضيح أن «أحدًا» سوف يفوز بالفعل بالرغم من كل شيء، وهذه مبالَغة في المكاسب المحتملة؛ لأن ذلك لا يعني أن لديك فرصةً حقيقية للفوز. وعلى الجانب الآخَر، فإن الخوف المبالَغ فيه من التأثيرات الضارة يمنع بعضَ الآباء من تطعيم صغارهم ضد المرض، ويقودهم أيضًا إلى التخلُّص من الأغطية الكهربائية، ويجعلهم يطلبون من المدارس التخلُّص من مادة الحرير الصخري غير الضارة التي تغطِّي الجدران، والتي كان من الأفضل تركها. إننا نفزع من المخاطر الصغيرة، وننفق المليارات على جهودٍ لا طائلَ منها كي نتحكَّمَ فيها، وهذه مبالغة ولكن في الاتجاه الآخَر؛ ففي أغلب الأحيان نحن نبالغ في توقُّعنا للمكسب، وكذلك في خوفنا من الخسارة؛ ممَّا يؤثِّر سلبًا على عملية صنع القرار المتوازن.
ولصنع أي قرارٍ بطريقة عقلانية، نحن بحاجة لأن نفكِّرَ في العواقب المحتملة لهذا القرار — أيًّا كانت الطريقة التي قد نقرِّر في النهاية أن نستخدمها — وعلينا أن نكون صادقين مع أنفسنا بشأن أهمية المكاسب والخسائر المتوقَّعة. (وخلال كل هذا، سنفترض أن الهدف من أي قرارٍ هو الإقدامُ على فعل شيء أو تجنُّبُ فعله، أو أداؤه بصورة مختلفة؛ أما القرارات التي لا تؤدِّى إلى أي أفعال، فهي ليست بقرارات على الإطلاق، مثل القرار الذي يتَّخِذه المرءُ ببدء حمية غذائية في الغد، وهذا هو السبب وراء السهولة الشديدة التي تُتَّخذ بها قرارات العام الجديد.)
وهكذا تتكوَّن مشكلةُ القرار الفردي من مجموعةٍ محتملة من الأفعال، ومجموعةٍ محتملة من نتائج هذه الأفعال، وبعضِ التقديرات لما يُحتمَل أن تكون عليه كل نتيجة — في حالة اتخاذ القرار — ونوع من تصنيفات التفضيلات للنتائج المحتملة؛ وتلك الأشياء هي جوهر المشكلة، أما ما يتبقَّى فهو إضافة بعض التفاصيل لجوانبها.
ولسوف نبدأ الآن بلعبة.

الفصل الثاني
لعبة المواعدة


اللعبة ليست فقط وسيلةً جيدة للبدء في معرفة موضوعٍ ما، بل إنه لا يقع على المرء أيُّ ضررٍ عند الخسارة فيها، وقد أُتِيحت لمؤلف هذا الكتاب — الذي أمضى معظمَ سنوات حياته يعمل طيارًا — فرصةُ قيادة رحلة داخل محاكي الطائرة دي سي ?? في المصنع. (وكم كانَتْ آلةً رائعةً تشبه قمرة الطائرات الحقيقية؛ إذ تثب من على الأرض وتدور بواقعية، إضافةً إلى المشاهد الخلَّابة التي مرَّتْ من أمام زجاجها الأمامي المقلَّد، مع أنها مثبتة على الأرض بقوة.) ومع أنه هوى بالطائرة بشكلٍ مُخْزٍ وفقَدَ قدرًا كبيرًا من مكانته وسمعته، فقد غادَرَ دون خدش؛ فإن كانت لديك رغبةٌ لا تُقاوَم لتحطيم طائرة دي سي ??، فتلك هي الطريقة كي تزيح الأمرَ عن كاهلك. يمكن أن تخسر الملايين في لعبة المونوبولي، بينما تتعلَّم كيف تستخدم أساليبَ متحايلة في مجال العقارات، وبعدها تستيقظ صباحًا لتجد نفسك قادرًا على الوفاء بالتزاماتك. تُمارَس لعبة «جو» بِوَلع شديد في جميع أنحاء شرق آسيا، وبخاصة في الصين واليابان (نشأت هذه اللعبة في الصين منذ ما يقرب من أربعة آلاف عام)، مع أنها غير معروفة تقريبًا في الولايات المتحدة. وقد لخَّصَتْ هذه اللعبةُ على لوحةِ لعب بسيطةٍ أهمَّ أُسُسِ استراتيجيات الحرب في صورة مبادئ أساسية، ويمكن ممارستها دون إحداث أي ضرر، سواء للأشخاص أم الأشياء (فيما عدا الضرر الذي تلحقه بغرور معظم أبناء الغرب الذين يلعبونها). وليس من قبيل المصادفة أن تحتوي لعبة الشطرنج على ملوك، وملكات، وفرسان، وأفيال، وبيادق؛ كما اختار الجيش لعبةً من ألعاب آركيد تدور حول معارك الدبابات كأداةِ تدريبٍ أساسية لقائدي الدبابات المستقبليين؛ وغير ذلك الكثير. فلا تقلِّلْ من أهمية الألعاب كتمهيد لما يحدث في الحياة.
أول خطوة في كتابٍ عن القرارات هي إقناع القارئ بأن هناك سُبُلًا بالفعل لصنع قرارات بعقلانية، وأن هذا يمكن أن يُحدِث فارقًا. والخطوة الثانية هي الإفصاح عن كيفية ذلك بالطبع. سَيُصرُّ معظمنا على أننا لا نصنع قراراتٍ مهمةً إلا بعد «التفكير مليًّا»، لكن مَن يدري مغزى ذلك؟ فحينما نتعرَّض لبعض الضغط، عادةً ما نعترِف بأننا بين الحين والآخَر «نخاطِر» ببساطة. في بعض الأحيان، لا يكون هناك في الواقع الكثيرُ من الخيارات، ويخضع الأمرُ للقَدَر وغير ذلك، فينتهي بنا الأمر بالبقاء بلا دورٍ إيجابيٍّ في أي شيء. إنَّ خيار هوبسون (والذي سُمِّي على اسم حارس إنجليزي لإسطبل خيول) هو خيار يقضي بأنه لا يوجد خيار من الأساس؛ وهو يشبه تعليقَ هنري فورد الشهير بأن أيَّ عميلٍ يستطيع أن يقتني سيارةً بأي لونٍ ما دام أنه أسود. لكن في بعض الأحيان يكون الاختيارُ ذا أهمية، والمخاطر أعلى، والتفكير السليم «يمكن» أن يُحدِث فارقًا بالفعل؛ ومن ثَمَّ فالأمر يستحق أن نفعل الأشياء بصورة سليمة.
وإليكم الآن لُغْزَنا الأول عن كيفية صنع القرارات الفردية، والمشكلةُ التي اخترناها معروفة جيدًا لعلماء الرياضيات، ولها ما يناظِرها بالطبع في الحياة الواقعية، كما أنها مشوِّقة في حدِّ ذاتها. ليس هناك عيبٌ في أننا قدَّمنا المشكلةَ في سياق التودُّد والمواعَدة؛ فذاك هو السياق الذي يتَّخِذ فيه العديدُ منَّا أهمَّ القرارات الشخصية، ويمكننا أيضًا الاستفادة من أي عونٍ نحصل عليه فيه. ومن ناحية أخرى، لا ينبغي أن نتَّخِذَ الألعابَ بشكلٍ حرفيٍّ مبالغ كدروس في الحياة؛ فهي مجرد ظلال باهتة تعكس الظروفَ الإنسانية؛ وهذا اللغز بعينه له عدة أسماء أخرى.
لعبة المواعدة

تخيَّلْ نفسك امرأةً قرَّرَتْ — لأسباب لا يمكن شرحها — أن تتزوَّج (ولا نقصد أيَّ تحيُّزٍ لجنس بعينه هنا؛ فيمكن تغيير النوع من امرأة إلى رجل إنْ كنتَ تفضِّل ذلك، وستظل اللعبة كما هي)؛ بالطبع تودِّين الزواجَ من أكثر الرجال جاذبيةً، لنَقُلْ من بين ذلك الجَمْع من مئات العزَّاب الممتازين المتاحين في محيط دائرتكِ الاجتماعية. إن ثاني أفضل خيار لن يُجدِي نفعًا مع شخصيةٍ بِسِماتكِ البارزة ورُقِيِّكِ، فضلًا عن تطلعاتكِ، ولكن العثور على الأفضل من بين مجموعةٍ من مئات الاحتمالات لن يكون شيئًا يسيرًا؛ فأنتِ بحاجة لاستراتيجية معينة.
قطعًا لا ينبغي لكِ أن تتزوَّجي أول رجل تصادفينه؛ فاحتمالُ تفوُّقِه على مجموعةٍ بها مائة شخص يبلغ واحدًا في المائة بالطبع، وهذا احتمال ضئيل للغاية، بل هو مغامَرة بكل ما تحمله الكلمة من معانٍ سيئة، ولكنَّ هذا ينطبق على الشخص الثاني، والثالث … وهكذا؛ فأيٌّ منهم لا يملك سوى احتمال، يُقدَّر بواحد في المائة، أن يكون أفضلَ مَن بالمجموعة. ولا يمكنكِ الاختيار بشكل عشوائي إنْ كنتِ تريدين الوصولَ إلى أفضل شخص بطريقة واقعية؛ إن الأمر أشبه باختيار أفضل تفاحة في صندوقٍ مليء بالتفاح، فحينئذٍ حَرِيٌّ بكِ البدء بمقارنة بعضهم ببعض؛ فأيٌّ منهم يمكن أن يكون الأفضلَ، ولكن أيضًا يمكن أن يكون الأسوأ.
إذن عليكِ أن تواعِديهم — وإلا فكيف سيتسنى لكِ مقارنة بعضهم ببعض؟ — لكن قواعد اللعبة ليسَتْ كقواعد فحْصِ التفاح في صندوقه؛ لأنكِ في حالة التفاح يمكنكِ النظرُ إلى ثمار التفاح معًا، واحدة بجانب الأخرى، أما في هذه اللعبة، فلا يُسمَح لكِ إلا بموعِدٍ واحد مع كلِّ مُرشَّحٍ، وعليكِ بعد كل موعد أن تقرِّري على الفور إن كان هذا الشخص يبدو الأفضل، حتى إن كان هناك مَن لم تلتقي بهم بعدُ (إن جميعهم متلهف للزواج منك — تذكِّري أنها لعبة — لذا فالأمر يعتمد على اختياركِ). وبمجرد أن يقع اختياركِ على سعيد الحظ، توقَّفي حينها عن المواعَدة؛ فالألعاب يجب ألَّا تكون واقعيةً بالكامل. هناك قاعدة أخرى لِلُّعبة تقضي بأنه إذا حدث أنه لم يقع اختيارُكِ على أحد المرشحين بعد لقائكِ به، فاعلمي أنكِ قد خسرتِه للأبد، وَلْتتخيَّلِي أنه قد تزوَّجَ من أخرى، أو تَرَهْبَنَ، أو ألقى بنفسه من أعلى أحد المنحدرات الصخرية الشاهقة؛ والمغزى هنا هو أنه ليس بمقدوركِ أن تواعِديهم جميعهم، واحدًا تلو الآخَر، وتضعي كلًّا منهم على رفٍّ بأحد المخازن بعد انتهاء اللقاء ربما بعد أن تلصقي عليهم بطاقات تقييم، ثم تزيحي الغبارَ عن أفضلهم فيما بعدُ؛ فيجب ألا يتكدَّس المرشحون. ويطلِق علماء الإحصاء على تلك العملية «صنع القرارات التتابُعي»؛ بمعنى أن تقرِّري على الفور بينما لا تزالين تجمعين المعلومات.
يحدث ذلك طوال الوقت في التجارب الإكلينيكية أو عند اختبار فاعلية أحد العقاقير؛ حيث يُقدَّم لمجموعة من المرضى أحدُ العقاقير المحتمَل نفعُها، بينما يُقدَّم لمجموعة أخرى علاجٌ غير ضار ولكنه غير فعَّال؛ أي علاجٌ وهمي. وينبغي أن يكون الأشخاص الذين يُجْرُون الاختباراتِ مستعدين في أي لحظة لأنْ يتخذوا قرارَهم بإنهاء التجربة، فتُعطَى المجموعة الضابطة العقَّارَ (إذا ما تبيَّنَ نفعُه)، أو يُسحَب العقَّار من المجموعة التي تُعالَج (إنْ بَدَا ضارًّا)، ولا ينبغي أن تستمرَّ فترةُ اختبارهم لما بعد اتخاذ القرار. وأنتِ أيضًا عليكِ ما عليهم بالمثل، إلا إنْ كنتِ تستمتعين بالمواعَدة أكثر من فكرة الزواج، فتلك مسألة أخرى.
إن مشكلة الاختيار يسهل إدراكُها؛ فأنتِ تريدين أفضلَ شريك للحياة، لكن كيف يمكن توسيع نطاق فرصتكِ في العثور عليه إلى أقصى حدٍّ في إطار تلك القواعد؟ إذا ما انخرطتِ في المواعَدة في مرحلةٍ مبكرةٍ للغاية من مشواركِ مع المواعدات، فمن المرجح أنكِ ستجدين أمامكِ رجلًا أفضل لم يُواعِدْ نساءً من قبلُ، ولربما تقضين عمرَكِ نادمةً على تسرُّعِكِ في الزواج؛ يحدث ذلك أكثر ممَّا نود أن يحدث في الحياة الواقعية، وكما تقول الحكمة: «تزوَّجْ سريعًا وخُذْ وقتَكَ في الندم». ومع ذلك، فلو انتظرتِ فترةً أطول من اللازم، فقد يتسلَّل أفضلُ المرشحين من بين أصابعكِ، وحينها يكون الأوان قد فات، وهذا أيضًا يحدث كثيرًا على أرض الواقع؛ وقد تناولَتِ الأغاني والقصائد الشعرية والروايات كلتا المأساتين.
فما هي إذن استراتيجية الفوز؛ تلك التي تمنحكِ أفضلَ فرصة للنجاح؟ لا يمكن أن تعرفي يقينًا، ما تريدينه فقط هو أفضل فرصة. وتلك لعبة بسيطة؛ فأنتِ تعرفين ما تريدين، وكلُّ شيء واضح ومعروف، وأنتِ وحدكِ مَن يصنع القرارَ المصيري، وكلُّ ما عليكِ فعله أن تحسِّني من عملية اختياركِ؛ فهل هناك طريقة مُثلى لذلك؟
قطعًا هناك واحدة، ومع أنها لا تمنحكِ شيئًا مؤكدًا، فإنها تعطيكِ أفضلَ فرصة لتحقيق هدفكِ. ومهما كانت جودةُ تنظيمكِ لشئونكِ من أجل تحقيق النجاح، فهناك دائمًا مخاطَرةٌ محدَّدة متمثِّلة في أن يتعثَّر حظكِ وينتهي بكِ الأمر بعدم مصادفة مَن تبحثين عنه؛ فعلى أي حال، هناك مَن يَحدث له ذلك، فدَعِينا نتناول الأمر.
كما قلنا من قبلُ، عليكِ ألَّا تختاري أولَ مرشَّح يأتيكِ — كم ستكون مصادَفةً رائعةً (وهو احتمال يَحدث بنسبة واحد في المائة) لو أتاكِ أفضلُ مَن في المجموعة أولًا! — لذا فمِن المنطقي أن تتعاملي مع أول مجموعة من المواعدات — وَلْنقل عشرةً — كعينات (تمامًا مثلما يحدث في محل الحلوى أو متجر المخبوزات)، ثم تتزوَّجي بالمرشح الذي يسجِّل تقييمًا أعلى من أيٍّ مِن هؤلاء العشرة. تلك وسيلة لمقارنتهم جميعًا، وهي ليسَتْ ببعيدة عمَّا يحدث في الحياة الواقعية؛ فبمقدوركِ إعطاءُ كلِّ مواعَدةٍ درجةً ما في مفكرتكِ (لنَقُلْ من عشر درجات)، ثم اعقدي العزم على أن أول شخص يسجِّل درجات أعلى من أيِّ شخص في مجموعة العشرة هذه هو الفائز النهائي. إنَّ كل ما تفعلينه هو استخدام أول عشر مواعدات لاكتساب خبرة، ولتقييمِ ما في الساحة؛ وهذا هو جوهر المواعَدة.
لكنَّ هناك طريقتين يمكن أن تخسري بهما أيَّما خسارة إذا ما سلكتِ هذا السلوكَ: فإذا ما تصادف أنْ كان أول عشرة أشخاص هم أسوأ مَن في المجموعة المتاحة — وذلك حظٌّ لا حيلةَ لنا فيه — وتصادَف أيضًا أن كان الشخص التالي هو الحادي عشر من أدنى، سينتهي بكِ المطاف بخيار سيئ للغاية — لكنه ليس الأسوأ — دون الاقتراب ولو مِن بعيد مِن الأفضل؛ فقد وقع اختيارك على الشخص الحادي عشر من أدنى لأنه أفضل من أي فرد من العشرة الأوائل — وتلك هي الطريقة التي اتبعتِها — بينما يكون الشخص الأفضل لا يزال في انتظار دعوتكِ. لكن في تلك المرحلة المبكرة من مواعداتكِ، لا تتوافر لكِ وسيلة لمعرفة ذلك؛ فالأمر يكون أشبه بمصادقة مجموعةٍ من الأشخاص الغريبي الأطوار؛ إذ تُشوِّه التجربةُ انطباعَكِ عمَّا يكون عليه الأشخاص الطبيعيون. أما الطريقة الأخرى التي قد تجعلكِ تخسرين، فهي عكس ذلك تمامًا؛ فبالمصادفة البحتة، ربما يوجد أفضل الأشخاص ضمن أول عشرة، ممَّا يدفعكِ لوضْعِ معيار أعلى يستحيل تحقيقُه بعد تجربة مواعداتكِ المبكرة؛ ومن ثَمَّ سينتهي بكِ المطاف بمواعَدة التسعين مرشَّحًا الباقين دون مصادفة مَن يضاهيه، وفي النهاية يستقرُّ بكِ المقام مع الشخص رقم مائة؛ لأن المَعِين يكون قد نضب، والشخص رقم مائة سيكون — في المتوسط — عاديًّا، وبعدها تَمضين حياتَكِ بائسةً تتخيَّلين ما كان سيحدث لو قَبِلْتِ الشخصَ الذي أَفْلت منكِ. يعني ذلك أن لديكِ فرصةً للفوز، ولكن هناك أيضًا مجالًا لخسارة كبيرة. وليس من الصعب إيضاح أن لديكِ فرصةً للفوز (أيِ الزواج بأفضل مَن في المجموعة) تُقدَّر بنحو ?? في المائة من خلال هذه الاستراتيجية (لكن الحسابات الرياضية المعنِيَّة هنا تتجاوز طموحات هذا الكتاب). ليس ذلك بالشيء الأكيد، لكنه أفضل من الخيار العشوائي، ولبقية الوقت سيكون عليكِ القبول بثاني أفضل خيار، أو ثالث أفضل خيار، أو خامس أفضل خيار، أو أيًّا ما كان سيأتي حينها.
ولكن هل يمكن أن تفعلي ما هو أفضل؟ حسنًا، إن احتمالية وقوع النوع الثاني من الخطأ — أيْ ترك فرصة الزواج من الشخص الأفضل تتسلَّل من بين أصابعكِ — هي احتمالية بسيطة جدًّا في تلك الحالة؛ فإذا ما تعاملتِ مع عشرة مرشَّحين — من بين مائة — على أنهم عينات، فستكون أمامكِ فرصةٌ واحدةٌ من عشرٍ أن يكون الشخص الأفضل ضمن تلك المجموعة؛ وقد يكون لديكِ الاستعدادُ للتعامُل مع مرشَّحِين آخَرين على أنهم عينات بالمثل دون أن تكون هناك مخاطرة كبيرة بأن يقع خطأ من هذا النوع، وبذلك تتحسَّن معرفتكِ بما هو متاح، كما ستحصلين على مزيد من الخبرة. لكنْ ماذا عن استخدام نفس الاستراتيجية بالضبط، لكن مع مواعَدة عشرين مرشَّحًا قبل أن يقع اختياركِ على الأفضل؟ إنكِ بذلك سوف تزيدين فرصة خسارة الشخص الأفضل من واحد من بين كل عشرة، إلى واحد من بين كل خمسة، وذلك قبل أن تكوني مستعدةً للزواج، لكنكِ في ذات الوقت ستقلِّلين بشدة من احتمالية تحديد معيار منخفِض للغاية. إنها عمليةُ مبادَلة؛ جيدة من ناحية وسيئة من ناحية أخرى. لكن ماذا عن ثلاثين أو أربعين مواعَدة؟ إذا ما بالغتِ في هذا، فمِن المؤكَّد أن القطار سيفوتكِ؛ ولذا ينبغي أن يكون هناك اختيار أفضل لحجم العينات في هذا الصدد.
يتضح إذن أن أفضل استراتيجية في بحثكِ عمَّن هو أفضل، هي تقييمُ المواعدات بالدرجات والانتظار؛ فتتركين ستة وثلاثين متقدِّمًا للزواج يذهبون بهدوء قبل أن تختاري الشخصَ الذي يَلِيهم، والذي يُعَدُّ أفضلَ من أيٍّ منهم. لكن تظل هناك مخاطَرةٌ (تُقدَّر بنحو ?? في المائة) تتمثَّل في ضياع الشخص الأفضل، لكنكِ بذلتِ أقصى ما في وسعكِ، وتبقى لديكِ بالفعل فرصةٌ تُقدَّر بنحو الثلث للعثور على الشخص الملائم الذي كنتِ تبحثين عنه من بين مائة. واحتمال العثور عليه بنسبة ?? في المائة ليس سيئًا؛ عندما تبحثين عن أفضل شخص من بين مائة. (وبالمناسبة، نحن لا نتحرَّى الدقةَ عندما نقدِّر الاحتمالَ ? ?? في المائة؛ فهناك نسبة دقيقة، لكنَّ تحديدَ النسبة بدقةٍ تصل إلى ستة منازل عشرية ليس شيئًا منطقيًّا على الإطلاق عند اتخاذ قرارٍ في الحياة الواقعية.) وفي حالة عَقْد مقابلات مع المتقدِّمين لشَغل وظيفةٍ ما، فإن نفس المنطق سيؤتي ثماره.
لكنِ انتظري، فَلْنتوقف لحظةً لننظرَ إلى بعض العوامل الأخرى التي قلَّلنا من شأنها: هل أنتِ على ثقة تامة من دوافعكِ وطموحاتكِ؟ هل أنتِ بهذا «تطالبين» بالفعل بنَيْل الشخص الأفضل على الإطلاق من بين المائة عاشق ولهان؟
هناك جانب سلبي لِسَعينا الدائم نحو الأفضل؛ فإذا ما كان أفضل مرشَّح في المجموعة الأولى، فسينتهي بكِ الأمر بأن يكون عليكِ الزواج من آخِر مَن تواعدين من بين المائة شخص؛ سيكون آخِرهم لكنه ليس بالضرورة أسوأهم. وفي هذه اللعبة قد يكون شخصًا عاديًّا، لكنه في الحياة الواقعية ربما لا يكون حتى بهذا المستوى، فهناك نساء غيركِ يحاولْن اصطيادَ أزواج أيضًا؛ ومن ثَمَّ فإنك تراهنين على ثلث العدد المتاح أمامكِ للحصول على الأفضل، في مقابل النسبة نفسها المقدَّرة بالثلث أيضًا للقبول بشخص متوسط أو قد يكون أسوأ. الأمر أشبه بمحاولة إرسال ضربة ساحقة لا تُرَدُّ في لعبة التنس على الدوام.
إذن فَلْنَعد إلى تلك الحالة التي لا تواعدين فيها سوى عشرة لتحديد المعيار، وَلْننظر إليها عن كثب. ما حدث أنَّ أفضل الأشخاص المرتقَبين ليس لديه سوى احتمالٍ يُقدَّر بواحد من عشرة لأنْ يكون ضمن تلك المجموعة الأولى؛ ولذا فمن المحتمل أيضًا أن يكون لا يزال منتظرًا بين المجموعة الكبيرة المكوَّنة من التسعين شخصًا الذين لم تواعديهم بعدُ. والسبب الوحيد في أنه لن ينتهي به المطاف معكِ بالتأكيد هو أنَّ هناك احتمالًا كبيرًا أنْ يكون الشخصُ الذي يليه خارجَ نطاق مجموعة العشرة أيضًا، وهناك احتمالية مماثِلة أن تجديه قبل أن تواعِدي الأفضل، وأيٌّ منهما سيكون أفضل من أول عشرة أشخاص؛ ولذا فإنك — طبقًا للقواعد — ستختارين مَن يأتي أولًا. وفي الواقع، هناك احتمالية مماثِلة بأن يكون هناك شخص ثالث خارج نطاق المجموعة، وهكذا. ما يحدث هو أنكِ عندما تواعدين عددًا قليلًا للغاية من الأشخاص قبل الزواج، تكونين بذلك قد قلَّلْتِ من فرصة ضياع أفضل الأشخاص المحتملين من بين يدَيْكِ، لكنكِ في المقابل تزيدين من فرصة فقدانه من أجل أحد منافسيه الذين يَلُونه في الأفضلية. لكن هل يُعَدُّ ذلك سيناريو سيئًا؟ حسنًا، إن الإجابة تعتمد على ما إذا كنتِ تظنين أنكِ ستكونين تعيسةً مع ثاني أفضل الاختيارات من بين مجموعةٍ تتكوَّن من مائة شخص. يبدو هذا ضربًا من الغرور، ألَيس كذلك؟
ربما يكون من الأفضل ممارسةُ اللعبة بتحفُّظ أكثر قليلًا؛ أي باتِّباع نفس القواعد لكن مع وجود أهداف مختلفة. لا تُصرِّي على تعظيم فرصتكِ في نَيل أفضل الاختيارات إلى الحد الأقصى، ولكن حاولي أن تتجنَّبي الاختيارَ من بين أسوئها، وهذا ما يُطلَق عليه تجنُّب المخاطَرة؛ فإذا ما كنتِ تقامرين (وأنت كذلك بالفعل، ولكن ليس لأجل المراهنات المعتادة)، فقد تحاوِلين تقليلَ حجم الخسائر بدلًا من السعي دومًا لتحقيق فوزٍ ساحِقٍ احتمالاتُه ضعيفة. فقد تراهنين على المركز الأول أو الثاني، أو الأول أو الثاني أو الثالث، في سباق الخيول من أجل المزيد من الأمان؛ فكيف ستتغيَّر استراتيجيتكِ إذن؟
بمجرد أن تقرِّري، في النهاية، أن ثاني أفضل خيار في مجموعةٍ تتكوَّن من مائة راغب في الزواج ليس على الأرجح خيارًا سيئًا للغاية، فليس عليكِ المواصلة — بعد أول ستة وثلاثين شخصًا رأيتِهم — حتى آخِر عشرة أشخاص كي تتمتَّعي بفوائد طريقتكِ الأكثر استرخاءً في الاختيار؛ فيتبيَّن لكِ أنه من الأفضل أن تنسَي أمرَ أول ثلاثين شخصًا من الشركاء المحتملين، وكما ذكرنا من قبلُ تختاري التالي الذي يكون أفضل من أيٍّ منهم. وبالرغم من أن فرصة اختيار الأفضل تتضاءل قليلًا، فإنه سيكون لديك فرصة أفضل — تفوق نسبة الخمسين في المائة — لاختيار «إما» الأفضل في المجموعة، وإما ثاني أفضل ما فيها. وفي نفس الوقت تكونين قد قلَّلْتِ بشكل هائل من احتمالية الاستمرار في المواعَدة دون اتخاذ قرارٍ حتى اللحظات الأخيرة؛ وهذا منطقيٌّ للغاية.
بمقدوركِ أن تأخذي تلك الاستراتيجية لِما هو أبعد من ذلك؛ فإذا ما استقررْتِ على أيٍّ ممَّن يمثِّلون أفضلَ خمسة أشخاص في المجموعة، يتضح لكِ أن عليكِ مواعَدة عشرين شخصًا فحسب والتعامل معهم كعينات؛ وحينها تكون لديكِ فرصةٌ تُقدَّر بنحو ??? للقبول بواحد من بين أفضل خمسة. وَلْنتخيَّل ذلك الآن، إذ تكون النسبةُ التقريبية لأرجحية الزواج من أحد الأشخاص بين أفضل خمسة مرشحين — وذلك في مجموعةٍ مكوَّنة من مائة راغب في الزواج — هي ثلاثة إلى واحد؛ وذلك فقط في حالة الاختيار بناءً على العقل. وفي الواقع، إن هذه الاستراتيجيةَ الأكثرَ تحفُّظًا لا تقلِّل من فرصتكِ كثيرًا في الزواج من أفضل شخص؛ إذ تجعلها تهبط من قرابة ??? إلى ???، وهي نسبة بالكاد تكون ملحوظة؛ فلقد حسَّنْتِ من متوسط أدائكِ تحسينًا ملحوظًا، وقلَّلْتِ من فرصة نفاد المتقدِّمين للزواج إلى النصف تقريبًا، وذلك من خلال تخلِّيكِ عن جزء بسيط من فرصتكِ في الحصول على الجائزة الكبرى. لكن احذري من المبالَغة في فعل ذلك؛ فإنْ فعلتِ، فقد تعودين أدراجَكِ إلى الزواج من أول شخص تواعِدينه.
هناك العديد من الاستراتيجيات المحتمَلة والمختلفة في هذه اللعبة، وتعتمد أفضلها بالنسبة إليكِ — وهي القاعدة التي من المفترض أن تتَّخذي على أساسها قرارَكِ الشخصي — اعتمادًا كاملًا على جودة تحديدكِ للأهداف؛ فبإمكانكِ الرهان على الشخص الأفضل — وهي الاستراتيجية الأولى — لكن عليكِ حينها تقبُّل احتمال الخسارة الشديدة، أو بإمكانكِ تقليل معاييركِ قليلًا لتقليل حجم الخسارة إن لم تؤتِ الاستراتيجيةُ الأولى ثمارَها. يجب أن تكوني على دراية بذلك، وأن تكوني مستعِدَّة لتوضيح ما تبحثين عنه مقدمًا؛ ففي مقابل كل مجموعة من الأهداف — المحددة والمُدركة بوضوح — هناك استراتيجية مثلى للعمليات المختلفة لتقييم المواعدات وانتظار النتائج، ولا ينبغي أن يكون ثمة شيء يثير الدهشة في ذلك؛ فالأشخاص يفعلون ذلك على أرض الواقع. ليس بوسعكِ الحصول على كل شيء — وأقولها بأسفٍ — لذا فمن الأحرى أن تكوني واقعيةً بشأن أهدافكِ. (قد يقول لك معلِّموكِ بالمدرسة، أو بعضُ الواعظين، إنَّ عليكِ دومًا التطلُّع للأفضل، ولكن هذه استراتيجية سيئة حينما تُطبَّق على شيء مهم؛ فالخيار الأفضل ألَدُّ عدوٍّ للأشياء الطيبة.) في الواقع، ربما يمكنكِ تعديل أهدافكِ كلما ازددتِ تعلُّمًا؛ إما بخفض سقف المعايير وإما برفعه، كلما اكتسبتِ الخبرةَ، أو كلما نضبَتِ المواردُ المتاحة. معظم الناس يفعلون ذلك بصورة تلقائية؛ فيما يُطلَق عليه «استراتيجية ديناميكية»؛ فإن كان بمقدوركِ التعبير عمَّا تريدينه بالفعل، فهناك وسيلة مثلى للحصول عليه، وبالطبع ليس هناك شيء مؤكَّد في أغلب الحالات. ووفق المقولة التي ربما يكون دامون رَنيون هو قائلها: «لا يفوز الأسرع في السباق دائمًا … فالفوز يعتمد على أسلوب المراهَنة.»

الفصل الثالث
الاحتمالية


إذن فالطريق نحو اتخاذ القرار يتضمَّن خمس خطوات، كلٌّ منها بسيطة بما يكفي؛ أولًا: ضَعْ قائمةً بالإجراءات التي يمكنك اتخاذها (فالقرار هو مجرد خيار من بين عدة إجراءات ممكنة، بما فيها إجراء عدم الإقدام على أيِّ فعلٍ على الإطلاق). ثانيًا: ضَعْ قائمةً بالنتائج القابلة للتصوُّر بعقلانية لأيٍّ من هذه الإجراءات المختلفة، وذلك بتخمينها على أفضل نحوٍ ممكن. ثالثًا: قيِّمْ — على أفضل نحو ممكن — فرصة (أو أرجحية أو احتمالية) أن تتمخَّض أي نتيجة بعينها عن أي إجراءٍ بعينه (وهذا موضوعٌ نحتاج إلى تناوُله؛ حيث يتجنَّب معظم الناس الخوض فيه). رابعًا: اعثر على وسيلة تعبِّر بها عن أهدافك؛ أيْ مقدار ما تتمنَّاه (أو تخشاه) من مختلف النتائج الممكنة. وأخيرًا: ضع كلَّ ذلك معًا بطريقةٍ يمكن أن تؤدِّي إلى اتخاذ قرار عقلاني. والآن سنتناول الخطوات الثلاث الأخيرة كلًّا على حدة، ونتخطَّى أول خطوتين في الوقت الحالي؛ فهما تختلفان باختلاف كل موقف. إن كانت تواجِهُك مشكلات في وضع قائمة بخياراتك أو نتائجها الممكنة، فإن أول خطة عليك أن تتخذها هي حل تلك المشكلات، وليس ثمة ما يمكننا أن نفعله لمعاونتك في ذلك. فالقرار، على كل حال، يُعَدُّ خيارًا «من بين» عدة خيارات، والهدف منه هو تحسين نتائج تلك الإجراءات، وإن لم تستطع تحديدَها والتعبير عنها، فلن يكون قطعًا بمقدورك الاختيار من بينها. بالطبع، هناك أوقات في حياتنا (وفي روايات كافكا) تكون الخياراتُ فيها غيرَ معروفة، وحالات تكون العواقب فيها غيرَ متوقَّعة بالمرة، لكن مآسي الحياة الواقعية (أو حتى المفاجآت السارة) ليست موضوعَ هذا الكتاب. وهذا الفصل يمهِّد للبند الثالث؛ أَلَا وهو الأرجحية.
يبدو أن الناس يخشون كلمة «الاحتمالية»؛ فهي تتكون من مقاطع عدة، إلى جانب أنها تبدو ذات صلة بعلم الرياضيات، وفي بلادنا أصبح من اللباقة الاجتماعية الافتخار بأنك لا تدري شيئًا عن الرياضيات (ونحن بالفعل ندفع ثمن ذلك). غير أن نفس الأشخاص الذين يخشون كلمة «احتمالية» يقامرون بالملايين (ملايين الأشخاص والدولارات على حد سواء)؛ إذ يراجعون الاحتمالات على حاسبة المراهنات أو في الصحف؛ ومن ثَمَّ يراهنون وفقًا لذلك، حتى إنهم لا تطرف لهم عين حينما يعلن مكتب الأرصاد أن هناك فرصة لسقوط للأمطار تُقدَّر بنسبة ??? بالرغم من أنها احتمالية. فالاحتمالية والأرجحية نسختان مختلفتان لنفس المفهوم، ولا يتعين علينا أن نغفل فكرةً مفيدةً لمجرد أنه تَصادف أنْ وَصَفَها علماء الرياضيات بكلمة رنانة يرتبط بها الكثير من المعاني الضمنية. ليس ثمة فرقٌ — أيًّا ما كان — بين فرصة سقوط أمطار بنسبة ???، واحتمال سقوطها بنسبة ????، أو حتى أرجحية عدم سقوطها بنسبة ثلاثة إلى واحد؛ فجميعها أساليب مختلفة لقول الشيء نفسه.
لكن هذا لا يعني أن مفهوم الاحتمالية ليس صعبًا حينما نغوص في معناه الأعمق، أو أن الأساليب التي يستخدمها علماء الرياضيات (وخبراء الأرصاد) لحسابها لا يمكن أن تكون أساليب رياضية معقَّدة، ولكننا نعني فقط أن استخدام الاحتمالية في معظم حالات صنع القرارات لا يتطلَّب هذا الشكلَ من أشكال الفصاحة اللغوية. هناك الكثير من المواقف في حياتنا نستخدم فيها بعضَ الأشياء بنجاح حتى عندما لا نملك فهمًا تامًّا لكيفية عملها؛ فمعظم الأشخاص الذين يستخدمون أجهزةَ الكمبيوتر هذه الأيام في عملهم أو من أجل اللهو، لا يعرفون سوى القليل عن الطريقة التي كُتِبت بها البرامجُ التي يستخدمونها، فضلًا عن كيفية تصميم أجهزة الكمبيوتر نفسها، بل إنهم حتى لا يعرفون كيفيةَ عمل المكونات الداخلية للكمبيوتر، مثل وحدة المعالجة المركزية؛ لكن هذا لا يمنعهم من استخدام أجهزتهم بشكل مثمِر معظم الوقت. والشيء نفسه ينطبق على سائقي السيارات، ومشاهدي التليفزيون، وقائدي الطائرات، ومستخدمي التقنيات الحديثة بوجه عام؛ فليس عليك معرفة كيفية عملها من أجل استخدامها.
لم تكن هذه عريضةَ دفاعٍ عن الجهل بالأشياء، بل على العكس، فكلما ازدادت درايتك بالعالم الذي تعيش فيه، أصبحَتْ حياتُكَ أكثر ثراءً وإرضاءً لك، وصرتَ أنت أكثرَ فاعليةً في كل شيء تؤدِّيه. لقد قال أحدهم ذات مرة إنه ارتكَبَ الكثير من الأخطاء في حياته، ولكن لم يكن هذا راجعًا إلى أنه كان يعرف أكثر من اللازم قطُّ. ولكن ليس عليك أن تعرف «كل شيء» قبل أن تفعل «أي شيء». وإن كنت تشعر بضرورة ذلك، فإنك معرَّض — لا محالة — للإصابة بالشلل والشعور بعدم الأهمية. إن الاحتمالية ما هي إلا كسر عشري عادي بين الصفر والواحد، وهي مقياس لأرجحية وقوع شيءٍ ما؛ وقيمة الصفر تعني أنه لن يقع بالتأكيد، وقيمة الواحد تعني أنه بالطبع سيحدث. كل شيء آخَر يقع بين هذين النقيضين، وقذف العملة المعدنية يعني وجود احتمالية بنسبة ???. إن بَدَا لك الأمرُ وكأنه يدور في حلقة مفرغة، فذلك لأنه بالفعل يدور في حلقة مفرغة؛ فمَن مِن قبلُ ذكَرَ مرةً معنى «الاحتمال»؟ وإذا توغَّلْنا في الأمر بشكلٍ كافٍ فسنجد له أبعادًا عميقةً.
وموضوع الاحتمالية موضوع مشوِّق ومهم في حد ذاته؛ لذا قبل أن نشرع في تناوُلِ مسألة صنع القرار، دعونا نتناول بعضَ جوانبه. ماذا نعني حين نقول إن أرجحية استقرار عملةٍ ما بعد قذفها ووجهُها الذي يحمل الصورةَ لأعلى، هي أرجحية متكافِئة بنسبة ?? إلى ??، أو إن فرصة استقرارها على هذا الوجه تبلغ ???، أو إن احتمالية وقوع هذا تبلغ ???، علمًا بأن جميع الصيغ تعني نفس الشيء؟ يبدو هذا التساؤل حالةً كلاسيكيةً من المنطق الدائري؛ لأن العملة المعدنية إنِ استقرَّتْ كثيرًا لصالحنا وكان وجهها الذي يحمل الكتابةَ لأعلى، فسنقول إنَّ عملية قذفها غير نزيهة. والمقامرون في الأفلام الغربية (الذين عادةً ما يرتدُون القبعات السوداء) يُهزَمون — على الأرجح — على طاولة اللعب إذا ما بَدَتِ البطاقات التي تُوزَّع عليهم أو على أقرانهم تتنافى مع قوانين الاحتمالية؛ إن الشخصيات في تلك الأفلام لا بد أن لديها فكرة جيدة عمَّا هو متوقَّع من التوزيع العادل. وهذا هو ملخص الأمر: إذا ما كان هناك شخص عقلاني لديه فكرة جيدة نوعًا ما عمَّا هو متوقَّع؛ فتلك هي الاحتمالية. وصدِّق أو لا تصدِّق، إنها كذلك! وفي الواقع إن ما يتطلَّبه الأمر لتحويل الفكرة إلى رقم هو أن نسأل عن أرجحية ما سيقدِّمه الشخص في الرهان، ثم ترجمة تلك الأرجحية إلى احتمالية. بالنسبة إلى عملة معدنية، قد يقول الشخص — على الأرجح — إنها أرجحية متكافئة، وتقول أنت: «نعم، إنها احتمالية تبلغ نسبتها ???؛ ضَعْ دولارًا لتكسب دولارًا.» وبالنسبة إلى زوج النرد، ربما تراهن على العدد ?، لكن المقامر البارع سيراهن ضد ذلك الاحتمال بنسبة خمسة إلى واحد؛ ممَّا يجعلك تنتهي إلى أن الاحتمالية هي ??/?? أو ??????. ربما يكون هذا الرقم ناتجًا عن عملية حسابية أو خبرة طويلة، لا يهم.
قد يقول لك (بحماس شديد) بعض علماء الإحصاء أو علماء الرياضيات ذوي الفكر البالي إن ذلك محض هراء، وإن الاحتمالية هي بالفعل مقياس للجزء من الزمن الذي ستستقرُّ فيه العملة على الوجه الذي يحمل الصورة، «على المدى الطويل»، وإذا حدث ذلك لنصف الوقت تكون الاحتمالية ???. لكن مَن يأتي أولًا، البيضة أم الدجاجة؟ (يقول صمويل بتلر — مؤلِّف رواية «إيروُن» — إن الدجاجة ما هي إلا وسيلة البيضة لإنتاج بيضة جديدة.) هل ستستقر العملة بحيث يكون وجهها الذي يحمل الصورة لأعلى لنصف الوقت على المدى الطويل لأن الاحتمالية تبلغ ???، أم أن ذلك هو «تعريف» الاحتمالية؟ إلى جانب هذا، مَن ذا الذي سينتظر ليرى النتيجة على المدى الطويل؟ مَن ذا الذي سيهتم بالانتظار على المدى الطويل، إن كان عليه أن يضع رهانه اليوم؟ وإذا ما أخرَجَ أحدُهم من جيبه عملةً معدنية، أو قذف المحكِّمون في إحدى مباريات كرة القدم بإحدى العملات لتحديد صاحب ركلة البداية، فتلك عملة ربما لم تُقذَف من قبلُ على الإطلاق. إذن، ما ذلك الخيال المتمثِّل في نظرية «المدى الطويل»؟ إن التكرار على المدى الطويل يمثِّل أحد التعريفات العتيقة البالية لنظرية الاحتمالات، وهو تعريف يستبعده علماء الإحصاء المطَّلِعون لسببٍ بسيطٍ واحد على الأقل؛ وهو أنه بمقدورك أن تحدِّد احتمالية حدوث شيء ببعض الثقة، وذلك قبل أن تقذف العملةَ لمرة واحدة، فضلًا عن قذفها مليارات المرات. ومن ناحية المبدأ، لا ينبغي أن تبني تعريفًا ما على نتائج اختبار لن يُجرَى مطلقًا.
هذا موضوع أكثر عمقًا ممَّا جعلناه يبدو حين قدَّمناه، وهو النقطة الجوهرية في الصراع المحتدم بين ما يُطلَق عليها المدارس البايزية والمدارس التكرارية للإحصاء (وقد نَعَتْنَا الأخيرة في موضع سابق — بسوء نية — بأن أنصارها ذوو فكرٍ بالٍ). سيدافع التكراريون عن تعريف الاحتمالية القائم على عدد مرات حدوث الشيء على المدى الطويل، بينما يُظهِر أنصارُ مدرسة الإحصاء البايزية ولاءً للتعريف الذي يقضي بسؤال الخبراء، ومع هذا فالاثنان سيعطيان الإجابةَ نفسها عند قذف العملة. هذا بالطبع تبسيط مفرط للموضوع، لكنَّ هناك اختلافًا حقيقيًّا بين الفلسفتين، وسنرى أن ذلك الاختلاف يتعلَّق بصنع القرار؛ فصنع القرار يُعَدُّ — على نحوٍ شبه دائم — صفقةً لا تتمُّ إلا مرة واحدة، وتتمُّ على أفضل وجه من المنظور البايزي. (كان توماس بايز — وهو أول مَن وصف بوضوحٍ ذلك الفرعَ المعرفيَّ الذي سُمِّي تيمُّنًا به — رجلَ دين إنجليزيًّا في القرن الثامن عشر، ونُشِرت أعماله بعد وفاته.)
لكن أولًا، لماذا أعطَتْ كلتا المجموعتين الإجابةَ نفسها لنتيجة قذف العملة، قبل أن يشرع أيٌّ منهما في إلقاء عملة واحدة؟ لأن كلتيهما تعرفان أن العملة ليس لها سوى وجهين لتستقرَّ على أحدهما؛ إما الصورة وإما الكتابة (وَلْتنسَ أمرَ استقرار العملة على حدِّها الجانبي؛ فالعملات المطيعة لا تفعل هذا)، كما تعتقد كلتاهما — سواء أكان اعتقادًا صحيحًا أم خاطئًا — أنه لا تفضيل لأحد الوجهين على الآخَر، وهكذا فكلتاهما على درايةٍ بأن كل نتيجة ممكنة لها بالضرورة نسبةُ احتمالية تبلغ ???؛ هذه هي الطريقة الوحيدة التي يمكن أن تتساويَا بها ويبلغ مجموعهما واحدًا صحيحًا. نفس المنطق ينطبق على النرد الذي يتألَّف من ستة أوجه، وينطبق أيضًا على المجسَّم المنتظِم ذي الاثني عشر سطحًا (وهو أحد الأشكال المتناظرة الخماسية الأضلاع، وله اثنا عشر وجهًا متماثِلًا) إنْ كنتَ تملك واحدًا؛ فإذا كانت البدائلُ متماثِلةً حقًّا، وجميعها يؤدِّي إلى حقيقة واحدة مؤكدة (احتمالية تبلغ ?)، فإن كل ما تحتاج له هو القسمة لتجد الاحتمالات الفردية؛ وما من أحد يختلف على هذا، أيًّا ما كان تعريفه المفضَّل للاحتمالية.
لكن قد تواجِهُك بعض الصعوبات إذا لم تهتمَّ بهذا النوع من المنطق، الذي لا يُعَدُّ صحيحًا إلا إنْ كان هناك تناظُرٌ حقيقيٌّ فيما بين البدائل. إن معظم الناس يندهشون لدى معرفة أن السنت الأمريكي العادي الذي يُلقَى فوق طاولة ملساء يُرجح استقراره على الوجه الذي يحمل صورة وجه الرئيس أكثر من استقراره على الوجه الآخر؛ فهناك اختلاف حقيقي في توزيعات الوزن على وجهَيِ السنت الأمريكي — إذ يحمل أحدُ الوجهين صورةَ رأس الرئيس لنكولن وكتفَيْه، بينما يحمل الوجه الآخَر صورةَ النصب التذكاري لِلِنكولن — وهذا الاختلاف يشكِّل أهميةً أثناء دوران العملة. ويمكن لمشجعي الرياضة أن يستحسنوا لامنطقيةَ مدرِّب كرة القدم الشهير وودي هايز، الذي أعلَنَ منذ فترة طويلة ازدراءه للتمريرة الأمامية، قائلًا إنَّ هناك ثلاث نتائج ممكنة للتمريرة الأمامية، وإن نتيجتين منها سيئتان؛ إذ كان يلمِّح — خطأً بكل تأكيد — إلى أن كل نتيجة من النتائج لها نفس احتمالية النتائج الأخرى، وتبلغ ????? في تلك الحالة. وهذا الاستنتاج غير مقبول إلى حدٍّ بعيدٍ، مثلما كان يعلم جيدًا؛ فلاعب خط الوسط الخلفي الماهر الذي يلعب باحترافية سيستكمل نحو ??? من تمريراته، وقطْع التمريرات لن يحدث إلا بنسبة ضئيلة من الوقت. وإكمال التمريرات وعدم استكمالها وقطعها هي أمور بعيدة كل البُعْد عن كونها أحداثًا ذات احتمالية متكافئة. وبنفس المنطق الخاطئ، إذا ما لعبتَ اليانصيب أو ترشَّحْتَ للرئاسة، فإن النتائج الوحيدة الممكنة هي أنك إما ستفوز وإما لا، ولكن قطعًا ليس للنتيجتين احتماليتان متكافئتان مع الأسف.
دون تناظُر، ودون تأمُّل النتائج على المدى الطويل، كيف يمكن للتكراريِّين التعامُل مع احتمالية فوز فريق جرين باي باكرز في نهائي السوبر بول لكرة القدم عام ????؟ يمكنك على الأرجح تقدير أرجحية الفوز عن طريق الاستعانة بوكيل مراهَنات أو من خلال شركة تأمين تخيُّلية. سيضطر التكراريون حينها إلى القول بأنه ليس هناك مثل هذه الاحتمالية؛ لأنه ليس من الممكن أداء المباراة نفسها عدة مرات تكفي لقياس الأجزاء من الزمن التي سيفوز خلالها فريق باكرز. وفي الواقع، لن يلعب اللاعبون المباراة سوى مرة واحدة (إلا في حالات الحرب، أو الثورات، أو إضراب اللاعبين، أو وقوع نيزك ضخم)، وقد لا يلعب فريق باكرز المباراة على الإطلاق. (بالنسبة إلى شديدي الانتماء لولاية ويسكونسن — مثل المؤلف — قد يمثِّل ذلك لهم مأساةً قوميةً، ولكنه قد يحدث.) إن أصحاب المنهج التكراري البحت — الذين يرفضون تحديدَ احتمالية لمثل هذه الحالات — يَستبعدون تطبيقًا مهمًّا للاحتمالية في مواقف الحياة العملية؛ فوكلاء المراهنات والمتنبِّئون بالطقس يعتمد عملهم على مثل هذه الأشياء، ويمكنك عن طريقهم تقدير أرجحية نتائج أيِّ حدثٍ رياضيٍّ تقريبًا يقع مرة واحدة فحسب في لاس فيجاس، أو حتى نتائج الانتخابات الرئاسية؛ فهناك احتمالية حتى للأحداث الفردية التي لن تتكرَّر ثانيةً عن جد، كما يوضِّح واضعو الاحتمالات الخبراء ذوو المعرفة. قد يختلف الأمر من واحد لآخَر، لكن ماذا في ذلك؟ فالذين يعملون في هذه المهنة بغير مهارةٍ سرعان ما يُستبعَدون منها.
لماذا إذن يشكِّل لنا كلُّ هذا أهميةً؟
يتعلَّق صنع القرار — بشكل شبه دائم — بوقوع حدث لمرة واحدة، وحتى إلقاء العملة حدثٌ لا يقع سوى مرة واحدة، وليس بمقدورك أن تعرف من خلال إلقاء العملة لمرة واحدة إن كانت العملة قد أُلقِيت بنزاهة وأمانة أم لا. فقد تستقر ووجه الصورة لأسفل، أو ربما تستقر ووجه الكتابة لأسفل، ونحن نبني تقديراتنا لأرجحية ذلك بالكامل على افتراضٍ — ربما يكون ساذجًا — هو أن العملة قد أُلقِيت بنزاهة واستقرت بتوازن. في لعبة المواعَدة التي تناولناها في الفصل السابق، نجد أن كلَّ مواعَدة مع طالبٍ للزواج هي مقامَرة (تمامًا كما في الحياة الواقعية)، ولن تخوض المرأة في مواعدة مائة مرشح مليون مرة في العمر — واحدًا تلو الآخَر — لمجرد تقدير الأرجحيات قبل بدء المواعدة الجادة. ولقد افترضنا أثناء قيامنا بالحسابات أنه قد تمَّ انتقاء المرشحين للزواج عشوائيًّا (وهم قابلون للتبادُل بالنسبة إلى الإحصائيين الأصوليين)، تمامًا كما هو مألوف أن نفترض أن العملة التي نلقيها في الهواء هي عملة لها جانبان متناظران وأنها تُلقَى بصورة عشوائية. بَيْدَ أن هناك حالاتٍ ليست على هذا القدر من السلاسة؛ مثل سباقات الخيول التي تنعقد مرةً واحدة فقط أيضًا، والتي تتباين فيها احتمالية فوز أحد الخيول تباينًا كبيرًا من حصان إلى آخَر. تُظهِر تحليلات الطريقة التي يُجرَى بها السباق بالفعل أن توقُّعات الخبراء دقيقةٌ للغاية؛ فهُم بالفعل خبراء، في المتوسط، والخيول «ليست» قابلةً للتبادُل (سنتطرق إلى المزيد عن هذا الموضوع في الفصل الذي يتحدَّث عن المقامرة)، أما فرصة سقوط الأمطار في الغد، ? «ليست» قابلةً للتبادُل مع فرصة سقوطها الثلاثاء الماضي (ومن المعتاد الشكوى من خبراء الأرصاد، لكنهم يؤدُّون عملَهم بمهارةٍ هذه الأيام). ولقد استخدم عالِم الإحصاء الإنجليزي المرموق دينيس ليندلي مثالًا جيدًا على ذلك؛ إذ كان الشيء الذي ألقاه في الهواء دبوس مكتب وليس عملة معدنية، ولأنه ليس في الدبوس أيُّ تناظُرٍ، فليس هناك مجالٌ للتكهُّن بنتيجة قذفه (بالمعنى الحرفي للكلمة) بالنسبة إلى أي عالِمِ إحصاء يتبع المنهج التكراري.
إذن فإن ما نعنيه بالاحتمالية في عملية صنع القرار هو عدد يقع ما بين صفر وواحد يقيس احتمالَ وقوعِ حدث بعينه، كما يمكن تقدير الاحتمالية بأيٍّ من الحِيَل المتاحة. إنْ كنتَ بحاجةٍ لسؤال أحد الخبراء أو علماء الرياضيات، فلا بأس، لكن عليك الاستعانة بشخص ماهر في عمله؛ وإنْ كنتَ بحاجة للتخمين، فلا بأس في ذلك أيضًا، لكن عليك ألَّا تبالِغَ في تقدير مهاراتك، فهذا خطأ شائع. قد يكون هناك أشخاص يتمتَّعون بمعرفةٍ تفوق معرفتك؛ ومن ثَمَّ يستطيعون تأديةَ مهمةِ التنبُّؤ بالأرجحيات بصورة أفضل منك. فإن كان باستطاعتك العثورُ على أحدهم لمعاونتك، فلْتفعل ذلك، لكن تجنَّبِ المتنبِّئين المحتالين، مثل المنجِّمين وقارئي الكف وقارئي الطالع عن طريق الكرات البلورية. (ربما نكون قد فقدنا بعضَ قرَّاء هذا الكتاب بسبب هذه الجملة؛ إذ إن استطلاعات الرأي تبيِّن لنا باستمرارٍ أن عددًا مهولًا ومزعجًا من الأمريكيين لا يزالون يعتقدون في هذا الهراء.)
بالطبع لا تتسم مسألة الاحتمالية بهذا القدر من الحرية التي لا تحكمها ضوابط؛ فهناك قواعد بعينها علينا أن نتَّبعها عند توليف الاحتمالات معًا، خشية أن نقع في فخِّ الهراء والتناقُض مع الذات. لا يوجد سوى القليل من هذه القواعد، وتكاد تكون بديهيةً؛ فعلى سبيل المثال، تُقدَّر احتمالية وقوع حدثين غير مترابطين معًا عن طريق ضرب الاحتماليتين غير المترابطتين للحدثين؛ فإذا كانت هناك فرصة تُقدَّر بنحو النصف أن تستقر عملةُ الخمسة سنتات المعدنية ووجه الصورة لأعلى (أي احتمالية تبلغ ???)، يكون لعملة العشرة سنتات المعدنية الاحتمالية عينها، وعندما نقوم بقذف كلتيهما، فإن احتمالية أن تستقرَّا ووجهَا الصورة لأعلى تبلغ الربع، أو ????. وهناك قانون مماثِل، لكنه أكثر تعقيدًا بعض الشيء، بالنسبة إلى حالة «أو»؛ أيِ استقرار إحدى العملتين «أو» الأخرى ووجه الصورة لأعلى (وتبلغ الاحتمالية حينئذٍ ????؛ لأن للبديل — المتمثِّل في أن يكون وجهَا الكتابة لأعلى — احتماليةً تبلغ ????). لكن في ظلِّ احتمالات الأحداث الفردية — أيًّا كان مصدرها — يجب اتباع قوانين التوليف بينهما دائمًا، وإلا فستظهر تناقضات تُربِك عمليةَ صنع القرار بأكملها.
إذن فالقوانين الثلاثة الأساسية للاحتمالية هي: احتمالية وقوع حدثين منفصلين تمامًا معًا هي ناتج الاحتماليات الخاصة بكلٍّ منهما. وهذا أيضًا ينطبق حال وجود أكثر من حدثين.
احتمالية وقوع حدث واحد على الأقل من أحداثٍ «متنافيةٍ بشكلٍ تبادُليٍّ» (أيْ إن وقوع أحدها ينفي وقوع الآخَر) هي مجموع احتمالات وقوع كلٍّ منها. أما إذا لم تكن أحداثًا متنافيةً — كعملتَيِ الخمسة سنتات والعشرة سنتات — فالأمر أكثر تعقيدًا بعض الشيء.
إنْ حَدَثَ أنْ كان هناك «شيءٌ ما» لا بد من وقوعه، فإن مجموع احتمالات هذه الأشياء المستقلة يكون واحدًا. على سبيل المثال، إنْ كان هناك فريقٌ «ما» سيفوز بنهائي دوري البيسبول (إذا ما عُقِد)، فإن مجموع احتمالات الفوز لكلِّ فريق من الفِرَق المشاركة يساوي واحدًا. ومرة ثانية نؤكِّد أنه يجب أن تكون الأحداث متنافيةً بالتبادُل؛ فليس بمقدورنا إضافة احتمالية فوز فريق سينسيناتي ريدز إلى احتمالية فوز الرابطة الوطنية.
لقد استخدمنا تلك القوانين بتوسُّع (مع أننا احتفظنا بهذه المعلومة لأنفسنا) في تحليل لعبة المواعدة التي قدَّمناها في الفصل السابق، وعلى الرغم من أنه لا يوجد سوى القليل من هذه القوانين، فإن حلَّ مسائل الاحتمالات المعقَّدة يمكن أن يكون صعبًا. أما المبادئ فليست كذلك؛ فنموذج الرياضيات الذي تحتاج بالفعل إلى معرفته لإتقان فهم الاحتمالية هو جمع الكسور أو الكسور العشرية، ومن المفترض أنك تعلَّمْتَ هذا في المدرسة الثانوية، إنْ لم يكن قبلها.
وَلِنتأكَّدَ من أن كل شيء واضح، دَعْنا نحلَّ مسألةً بسيطة: احسب احتماليةَ الحصول على أربع بطاقات متشابِهة في توزيعة بوكر مكتملة. هذا مجرد مثال؛ فنحن لا نشجِّع المقامرة. بالطبع إن كنتَ تعرف الأرجحيةَ أفضل من منافِسِيك، فَلْتقامر بضمير حي؛ فأنت ستفوز اعتمادًا على مهارتك، وهذا شيء أخلاقي. كانت هناك حالة قانونية أُثِيرت منذ فترة ليست ببعيدة، وكانت تدور حول ما إذا كانت المقامرة الآلية — الفيديو بوكر — ماكينات مقامرة أم لعبة لتنمية المهارات؛ إذ كانت المقامرة من الأعمال غير القانونية في تلك الولاية، إلا أن ألعاب تنمية المهارات كانت مشروعة. وبعد مناقشات ساخنة وشهادات متضاربة من علماء الإحصاء البارزين، حكمَتِ المحكمةُ بأنها لعبة من ألعاب تنمية المهارات؛ ومن ثَم مشروعة.
وحيث إننا سنتعامل مع توزيعة بوكر مكتملة، فليس ثمة مهارة في الأمر على الإطلاق؛ ومن ثَم فنحن نتحدَّث عن الاحتمالية الصافية؛ ونعني بالاحتمالية في هذه الحالة نسبةَ كلِّ التوزيعات المحتملة التي يمكن أن تحمل أربعَ بطاقات متشابهة، والتي تُحسَب استنادًا على صيغ مطوَّرة من براهين التناظُر التي استخدمناها من قبل. يمكن حساب الاحتمالية عن طريق التفكير بدقة خلال خطوات توزيع البطاقات؛ كل ما في الأمر هو استخدام نفس براهين التناظُر القديمة مرارًا وتكرارًا، مع افتراض أن كل التوزيعات المحتملة لها نفس الاحتمالية؛ ومن ثَم تكون الاحتمالية هي مجرد نسبة التوزيعات «الجيدة» إلى كل التوزيعات.
وكبداية، عليك أن تتساءل عن عدد التوزيعات المختلفة، الكثيرة والمحتملة، التي يمكن أن تحصل عليها أثناء اللعب، وسوف نَعتبر أن توزيعةَ بطاقات البوكر نفسها «مختلفة» إذا كانت البطاقات تصل من موزع البطاقات بترتيب مختلف، ولا يهم إن كان توزيع البطاقات يتمُّ بترتيب متسلسل أم لا، ما دام أن هناك اتساقًا وأن الطريقة نفسها متَّبَعة في التوزيعات الجيدة والتوزيعات الأخرى؛ وسينتهي بنا الأمر بحساب النسبة. (هناك ??? وسيلة مختلفة يمكن أن تصل بها توزيعة محدَّدة مشتملة على بطاقات اللعب الخمس إلى اللاعبين من موزع البطاقات، وهكذا فإن كل توزيعة يمكن أن تصل إلى اللاعب ? ??? ترتيبًا مختلفًا، ولن نفعل شيئًا سوى إحصائها جميعًا.)
وهكذا فإن أول بطاقة نتلقَّاها يمكن أن تكون أي بطاقة من البطاقات الاثنتين والخمسين الأصلية، والبطاقة الثانية واحدةٌ من الإحدى والخمسين بطاقة المتبقية، وهكذا حتى نصل إلى البطاقة الخامسة. ومن ثَمَّ يكون العدد الإجمالي للتوزيعات المحتملة — بما فيها ترتيبات الاستلام المختلفة — هو ?? × ?? × ?? × ?? × ??، ويصل ناتجها إلى ????????? توزيعة محتملة؛ وهذا عددٌ يزيد قليلًا عن المطلوب إن أُعطِيتْ توزيعة لكل سيدة ورجل وطفل في الولايات المتحدة؛ ومن ثَمَّ فإن بمقدورنا مَنْح كل شخص توزيعة بوكر مرتَّبة كبطاقة هوية، بدلًا من رقم الضمان الاجتماعي؛ لبعض الوقت.

كم من هذه التوزيعات تحمل أربع بطاقات متشابهة؟ حسنًا، دعونا نستوضح الأمر. البطاقة الأولى يمكن أن تكون أي شيء؛ إذ إن البطاقات الأربع المتشابهة يمكن أن تبدأ بأي بطاقة؛ لذا سنمنح تلك البطاقة ?? خيارًا. (اتبع الشكل من اليسار إلى اليمين؛ تلك هي الطريقة المعيارية المستخدَمة.) والبطاقة الثانية إما أن تماثِل الأولى (وَلْنَقُلْ مثلًا إنهما ? آس)، وإما أن تختلف عنها، فهناك ثلاث فرص لأن تكون بنفس القيمة، و?? فرصة لأن تكون مختلفة. ها نحن الآن قد وزَّعنا بطاقتين وحدَّدنا مسارين مختلفين للتعامُل معهما.
بدايةً، اتبع المسار العلوي الذي تتباين فيه البطاقة الثانية عن الأولى. يجب أن تتماثل الثالثة مع أيٍّ منهما، وإلا فلن نصل لأربع بطاقات متشابهة، وهكذا يكون لدينا ستة خيارات بالنسبة إلى البطاقة الثالثة (ثلاثة من كل بطاقة)، وبعد ذلك ينبغي أن تتشابه البطاقتان التاليتان مع البطاقة الأولى، وإلا فلن نحصل على أربع بطاقات متشابهة؛ وهكذا فالمسار العلوي يتضمَّن خيارات عددها الإجمالي ?? للبطاقة الأولى، و?? للثانية، و? للثالثة، و? للرابعة (هناك بطاقتان إضافيتان من البطاقات الرابحة التي ينبغي جمعها عند تلك النقطة، ويمكن أن تأتيَا بأيٍّ من الترتيبين)، وخيار واحد للبطاقة الأخيرة المتبقية. إذن يُحسَب العدد الإجمالي على هذا النحو: ?? × ?? × ? × ? × ?؛ بحيث يبلغ إجمالي التوزيعات ????? توزيعة.
نأتي بعد ذلك إلى المسار الأدنى الذي تتماثَل فيه البطاقة الثانية مع الأولى؛ ومن ثَمَّ لا يزال هناك ?? خيارًا للبطاقة الأولى و? فقط للثانية. الآن، يمكن أن تتماثَلَ البطاقة الثالثة مع أول بطاقتين (هناك بطاقتان متبقيتان؛ ومن ثَمَّ خياران)، أو تختلف معهما (?? خيارًا). وإذا اختلفت البطاقة الثالثة معهما، ينبغي أن تتماثَل آخِر بطاقتين؛ خياران وخيار واحد على التوالي، كما في نهاية المسار العلوي. أما إذا كانت متشابهةً، فسوف تتشابه أول ثلاث بطاقات، وتكون الأخيرتان هما البطاقة المتبقية من الأربع المتشابهة والأخرى المختلفة، وذلك بترتيبٍ ما. في أي الحالتين، يبلغ عدد الاحتمالات ??؛ إذن نحصل من المسار الأدنى على ?? ×? × ?? × ? × ? إلى جانب ?? × ? × ? × ?× ?? إلى جانب ?? × ? × ? × ?? × ?؛ بحيث يبلغ إجمالي التوزيعات ?????.
عند إضافة هذا إلى عدد التوزيعات المحتملة في المسار العلوي، نحصل على ????? توزيعة «رابحة» محتملة من إجمالي ????????? توزيعة، وهكذا نحصل على احتمالية وجود أربع بطاقات متشابهة في توزيعة مكتملة من خلال إجراء عملية القسمة؛ فيكون الناتج ???????؛ أي أقل قليلًا من فرصة واحدة من بين ???? فرصة، وهي احتمالية ضئيلة ولا تحدث كثيرًا. أما توزيعة ستريت فلَش (أي الحصول على خمس بطاقات متتالية متشابهة)، فهي أقل احتمالًا؛ إذ تُعادل احتمالية هذه التوزيعة أقل من فرصة واحدة من بين ????? فرصة، وبمقدورك حساب الاحتمالات بنفس الطريقة.
تناولنا هذه الحسابات بتفصيل شديد ومروِّع لنوضِّح نقطة ما؛ إنْ كنتَ شخصية منظمة تتَّسِم بالدقة، وبمقدورك حل المسائل الحسابية البسيطة، فستستطيع أيضًا حسابَ أي مسألة تنطوي على احتمالية من هذا النوع. إنها ليسَتْ صعبة من حيث مبدؤها، لكنها باعثة على الملل عند التطبيق؛ وهي بالفعل تتطلَّب ممارسةً وتطبيقًا.
تتبقَّى لدينا نقطة أخرى لا بد من ذكرها عن موضوع الاحتمالية، وبعدها نستكمل عرضنا؛ إننا لم نتحدَّث إلى الآن عن الاحتمالية إلا في إطار احتمال حدوث شيء مستقبَلًا، وليس من منظور ما إذا كان شيءٌ «قد وقع» بالفعل. قد يترامى إلى مسامعنا صوتٌ عالٍ آتٍ من السماء، ونتساءل حينها إن كان مصدر الصوت رعدًا، أم دوي طائرة سريعة، أم مكوكًا فضائيًّا يهبط، أم ربما سوبر مان يقفز من فوق جبال عالية. وحيثما يعيش مؤلف الكتاب، تُعَدُّ أول ثلاثة احتمالات شائعة بنسبة شبه متساوية، أما الاحتمال الرابع فلم يحدث حتى الآن. في إطار نظامنا القانوني، نحن نحكم بالإدانة في المحاكمات الجنائية من منطلقِ ما يُسمَّى «الشك المعقول»؛ ويعني أننا نحكم بالإدانة فقط إذا ما كانت هناك احتمالية ضئيلة جدًّا بأن المتهم بريء بالفعل من الجريمة المنسوبة إليه. (لا يمكن أبدًا أن نكون على ثقة تامة في الحكم، وهناك أخطاء تُرتكَب أحيانًا، ولسوف نتناول المزيدَ عن هذا الموضوع في الفصل الثاني والعشرين). وحيث إننا لا نعرف الحقائق، فإننا نعمل في إطار الاحتمالية، وإن كان من تحت الطاولة. وعلى الرغم من أن القضاة يستخدمون أساليبَ لغويةً ملتويةً نموذجية ومجرَّبة على مر الزمن، لكي يخبروا المحلفين بالفرق بين الشك المعقول والتخمينات غير المعقولة، فإنهم لا يجيدون فعل ذلك في واقع الأمر، بل إنهم حتى لا يتفقون عليها فيما بينهم؛ فهم يحاولون التعامُلَ مع الاحتمالات دون ذِكْر كلمة «احتمالية»، أو حتى — لا قدَّرَ الله — استخدام المفاهيم الرياضية. وهناك بعض الأحكام القضائية التي وُضِعت لتكون عوضًا عن التعريفات الدقيقة، وهذا سيكون موضوعَ الفصل قبل الأخير من الكتاب؛ والذي يُعَدُّ شديدَ الأهمية.
إذن فهناك استخدام لمفهوم الاحتمالية للتعامُل مع احتمال وقوع شيء في الماضي؛ كأنْ نقول إن الملك أتيلا الهوني كان يَزِنُ بالضبط ?? كيلوجرامًا في عيد ميلاده السادس عشر، أو إن وينستون تشرشل وجريتا جاربو بينهما صلة قرابة بعيدة ترجع إلى عشرة آلاف سنة مضَتْ، أو إن كوكب المريخ سكنه ذات مرة جنسٌ منقرضٌ الآن من دمى الدِّبَبة المحشوَّة المحبوبة. (إن علماء الإحصاء التكراريين يستشيطون غضبًا لدى سماع مثل هذه الاحتمالات.) كل تلك العبارات تكون إما صحيحة وإما خاطئة — على نحو مجرد لا طائلَ من ورائه — ولكن لأننا لا نعرف الحقائق المؤكدة، فعلينا إذن أن نعمل في عالم من الشكوك والاحتمالات. وفي بعض الأحيان، يمكن أن تغيِّر الأبحاثُ هذه الاحتمالاتِ الارتجاعيةَ عندما نكتشف أدلة — وهذ هو مضمون عدد كبير من الأبحاث — لكن الاحتمالات تعكس حقًّا الشكوكَ المحيطة بالحقائق والأحداث الماضية، مثلما تعكس الاحتمالاتُ التي تحدَّثنا عنها حتى الآن الشكوكَ المحيطة بالأحداث المستقبلية. إن تعريف الاحتمالية الذي يعتمد على متوسط الكثير من المحاولات هو تعريف لا يفيد في وصف الأشياء غير المؤكدة التي وقعت في الماضي؛ فالماضي — بكل تأكيد — هو حدث وحيد ليس بمقدورنا تكراره عدة مرات، بالرغم من تمنِّينا تكراره. وقد قال أحدهم ذات مرة إن بمقدورنا فهم الحياة إذا نظرنا إلى الماضي، لكن — لسوء الحظ — علينا أن نعيشها في المستقبل. والاحتمالية تنطبق على الحالتين.

الفصل الرابع
المكاسب والخسائر


ما زال علينا اختراع وسيلة لتقييم نتائج أي قرار نتخذه، وإذا لم نكن نهتم البتة بتلك النتائج، فلا يكون لدينا مشكلة حقيقية في أي قرارٍ (على اعتبار أن الشيء المُقدَّر له الحدوث سيقع لا محالة). لكن إن أردنا أن يصبح أداؤنا أفضلَ من مجرد المشاركة دون دور فعَّال، فعلينا أن نكون قادرين على أن نفصح «عمَّا» نريده، ومدى حاجتنا الملِحَّة له؛ بعبارةٍ أبسط، يجب أن نفعل ما هو أكثر من التمنِّي السلبي.
هناك شيء واحد علينا أن نوضِّحه مقدَّمًا؛ وسيكون ذا أهمية فيما بعدُ، خاصةً عندما نتحدَّث عن أنظمة الحكم؛ فمثلما لا تكون لدينا دوافع حقيقية لصنع قرارات صائبة إذا كنَّا لا نهتم بعواقبها، فعلى الآخَرين الذين لا يهتمون بشأن النتائج ألَّا يصنعوا قراراتٍ لبقيتنا. وإذا لم تكن هناك مخاطِرُ حقيقية وشخصية تحيط بالنتيجة، فليس هناك حافِزٌ مُلِحٌّ يدفعنا لأداء المهمة بشكل جيد. هذا ينطبق على كل المهام، وهو أمر مسلَّم به في عالم صنع القرارات الفردية الصغير؛ فإذا ما ساءَتِ الأمور، فليس أمامك سوى نفسك لتلومها، وأنت مَن ستتكالب عليك التبعات الخطيرة. لكننا في الواقع لا نحيا بمفردنا في هذا العالم، فنصنع قراراتنا الوحيدة، ونعاني من نتائجها الوحيدة؛ ففي العالم الأكبر تؤثِّر قراراتنا أيضًا على سعادة أصدقائنا، وجيراننا، وعائلتنا، وأبناء بلدتنا؛ فعندما نشارك في قراراتٍ — ربما بالتصويت — فذلك لا يؤثِّر علينا شخصيًّا، لكن يكون له أثر عظيم على الآخَرين. وهناك احتمالية فعلية لوقوع الضرر، والآباء المؤسِّسون للولايات المتحدة كانوا يدركون هذا الأمر جيدًا، ولكن من الصعب مقاومة إغراء التصويت بأنانية، وجعْل كل فرد في المجتمع يدفع ضريبة ذلك، وتكبيل حرياتهم. وبالنسبة إلى السياسيين، فإن شهوة إعادة الانتخاب تتغلَّب بسهولة على الاهتمام بالصالح العام. إنَّ لدينا الكثير لنقوله عن تلك الموضوعات في سياقها المناسب لاحقًا، ولكن الآن دَعْنا نفترض أن لديك أسبابًا شخصية للاهتمام بنتائج القرارات التي تتخذها.
إنَّ لهذا الموضوع تاريخًا طويلًا، ونفس الأفكار يمكن أن تحمل أسماءً مختلفة تمامًا، وذلك وفقًا لمهنة الكاتب أو المتحدث. ولقد استخدمنا عنوانًا بسيطًا لهذا الفصل، بالرغم من أن علماء الإحصاء والاقتصاد يتحدَّثون في بعض الأحيان عن دالة المنفعة أو دالة الخسارة، وهي وسيلة لقياس مدى رغبتك — أو عدم رغبتك — في نتيجة معينة؛ فإن كنتَ ترغب في هذه النتيجة، فستسعى لزيادة الدالة لأقصى حد وتسميها «دالة المنفعة»؛ وإن لم تكن ترغب فيها، فستسعى لتقليل الدالة لأقصى حد وتسميها «دالة الخسارة». كلتا الدالتين تعكسان مشكلة صنع القرار نفسها، وكلتاهما كذلك تتطلَّبان الطريقة نفسها في التناول، لكن إحداهما تتعلَّق بمدى امتلاء الكوب، والأخرى بمدى فراغه. إن هذا المؤلف ليس بعالِم إحصاء أو عالِم اقتصاد؛ لذا فلا تهمُّ المسمَّيات. ويمكن اعتبار الخسارة مكسبًا سلبيًّا، والعكس بالعكس، ولا ضرر في كلتا الحالتين؛ فالكوب نصف الفارغ يروي الكثيرَ أو القليلَ من العطش تمامًا كالكوب نصف الممتلئ، وليس ثمة إثمٌ في استخدام الأرقام السلبية.
المنفعة هي — ببساطة — إيضاح لفكرة المكسب، مع أخذ مسألة التفضيلات في الاعتبار؛ فهناك حالات بسيطة يمكن أن نقيس فيها المكسب من قرارٍ ما بطريقة مباشرة، وَلْنَقُلْ بالدولارات؛ وبذا قد يكون الهدف من قرارٍ ما هو تعظيم الربح الصافي المحتمل. ويعتقد العديد من المديرين التنفيذيين للشركات وحاملي الأسهم والمستثمرين وأعضاء مجالس الإدارات، أن هدفهم «الأوحد» في الحياة هو تعظيم الربح الصافي، ويَعتبرون ذلك شيئًا متوارثًا غير قابل للتغيير. فبالنسبة إليهم، صافي الربح النهائي — أيِ المجموع الكلي للمكاسب والخسائر خلال العام؛ كَبُر أو صَغُر — هو الذي يظهر في النهاية في الميزانية التي تُرسَل إلى حاملي الأسهم، وهو ما يؤدِّي إلى ترقية المديرين التنفيذيين أو فصلهم، أو الحصول على مكافآت استثنائية. يُقال إنك إذا خسرتَ مبلغًا قليلًا فحسب في كل بند من بنود الميزانية، فلن تستطيع تعويضه إجمالًا؛ لذا عليك أن تحرص على كل بنس. يعلم ذلك المديرون التنفيذيون للشركات (على الأقل مَن استمرَّ في عمله منهم)، وهناك حكومات تتصرَّف كما أنه لا يهم سوى البنسات. (فالكونجرس الأمريكي يقرُّ الميزانية الفيدرالية في وقت قصير بحيث تزيد قيمة الدقيقة الواحدة من مناقشاتها كثيرًا عن ?? ملايين دولار، لكنه يدخل في نقاشاتٍ لا نهايةَ لها بشأن بنود تبلغ قيمتها قرابة الألف دولار.) لقد بُنِيت الإمبراطوريات التجارية الضخمة على أرباح بسيطة مستقاة من بنود فردية. كذلك تعتمد أنشطة المتاجر الضخمة على الهوامش الإجمالية في نطاق نِسَبٍ مئوية ضئيلة؛ أمَّا تجارة اليُخوت، فهي تختلف تمام الاختلاف. وفي بعض الأحيان، يمكن وصف قيمة إحدى النتائج — وصفًا أمينًا — على أنها إجمالي المكسب الصافي؛ ومن ثَمَّ يسهل إجراء هذا الجزء بالذات من مهمة صنع القرار.
لكن الوضع ليس كذلك بصفة دائمة؛ فبالنسبة إلى معظمنا، لا تشبه متعةُ الفوز بعشرة آلاف دولار ألمَ خسارة عشرة آلاف دولار. ربما نشعر بميلٍ تجاه المراهَنة بأرجحية متكافئة على مبلغ عشرة دولارات، بحيث ينحصر الرهان بين المكسب أو الخسارة، مضاعفة المبلغ أو عدم الحصول على شيء، لكننا لا نراهن الرهان ذاته على ألف دولار. (لتأكيد هذه النقطة، اجعلها مليونَ دولار إن كنتَ ثريًّا.) وقد أظهَرَ استطلاعٌ للرأي أجرَتْه إحدى شركات الاستشارات الاستثمارية مؤخرًا أن أقل من ?? في المائة من المستطلعين يمكن أن يضعوا رهانًا، بحيث يكسبون ألف دولار في حالة المكسب، بينما يخسرون خمسمائة دولار في حالة الخسارة. أيُّ شخص يهتمُّ بصافي الربح النهائي يُعَدُّ أحمق إنْ رفض عرضًا كهذا؛ ومؤلِّف هذا الكتاب يمكن أن يقبل عرضًا كهذا مرة واحدة في أيِّ يوم من أيام الأسبوع، ومرتين أيام الثلاثاء. إنَّ الأمر أشبه بإلقاء عملة معدنية في الهواء من أجل الحصول على جائزة، وجعل المنافس يساهم دائمًا بثلثي المبالغ المراهَن بها. وأيُّ نادٍ للقمار في لاس فيجاس يقدِّم مثل هذه الأرجحيات، لن يستمر في العمل ليوم واحد. وعلى الأرجح، تُعزَى نتائج استطلاعات شركة الاستثمار إلى الجهل الواضح الذي يدعمه نفورنا العام من الرياضيات، مثلما تُعزَى بالقدر ذاته إلى فلسفة الاستثمار، ولكن تشير هذه النتائج أيضًا إلى أن الخوف من الخسارة دافعٌ أقوى بالنسبة إلى معظمنا من توقُّعات المكسب؛ وهناك الكثير من الأدلة الأخرى على هذا. بجانب ذلك، تعتمد مرغوبية النقود على القدر الذي نمتلكه منها بالفعل؛ فهدية بسيطة بألف دولار لمؤلف الكتاب ستولِّد سعادةً في نفسه أكبر من تلك التي سيشعر بها بيل جيتس — الذي يقال إنه أغنى شخص في البلاد — إن قُدِّمت له. ولما كانت القرارات لا تُتَّخذ فقط في العادة لجلب الثراء في حد ذاته، وإنما للحصول على مكافآت نفسية، فإن علينا أخْذ ذلك في الاعتبار عند تقييم نتيجة أي قرار. وهناك كلمة رائعة يستخدمها علماء الاقتصاد لوصف تلك الحالة؛ وهي كلمة ophelimity وهي كلمة مأخوذة من اللغة اليونانية بمعنى قوة منح الرضا. وبهذا تطوَّرَ موضوعٌ يُسمَّى «نظرية المنفعة» عبر المائتي سنة الماضية لتوضيح حقيقة أن هناك أشياءَ تتعلَّق بالنتائج المترتبة على فعلٍ ما أكثر من تلك التي يمكن أن تتعلَّمها من مجرد جمع المكاسب والخسائر وحدها. ولقد رأينا ذلك بالفعل في الفصل الثاني، حيث لم نتساءل مطلقًا عن مدى «ازدياد» جاذبية اختيار أفضل شخص كشريك محتمل، بل جرَّبنا فقط القليلَ من التنويعات على التقييمات وتلاعَبْنا بفكرة ثاني أفضل المرشحين، أو أحد أفضل خمسة مرشحين، وتركنا الأمر يتخذ مساره عند هذا الحد؛ وما لم نتناوله — وسيأتي لاحقًا عندما نتحدَّث عن الديمقراطية — هو كيفية التعامل مع التناقضات الداخلية في أنظمة التقييم الفعلية؛ فقد تجد رجلًا يبحث عن شريكة حياة (إذ علينا المساواة بين الجنسين في الأمثلة)، فيفضِّل ألِيس على بياتريس، وبياتريس على سيليست، ثم يعكس اتجاهه، فيفضِّل سيليست على ألِيس. ليس هناك أي شيء غير مألوف على الإطلاق في معضلات الحياة الواقعية هذه (ويُطلَق على هذا الموقف علاقة غير متعدية)، وهي معضلات بالفعل. وَلْنتخيَّلْ كيف يكون حلُّ لغزِ الفصل الثاني إذا كانت التفضيلات جميعها متداخِلةً وغير متَّسِقة بهذا الشكل.
لذا فبالنسبة إلى كل المواقف — تقريبًا — التي سنناقشها بشأن اتخاذ القرارات الفردية، سنفترض أن هناك نوعًا من الترتيب المتَّسِق ذاتيًّا (أي متعدٍّ) لتفضيلات صانع القرار فيما بين البدائل المحتملة، وأن مهمتنا تتمثَّل في توضيح ذلك بما يكفي لخدمة الغرض منه.
هناك حالات نجد فيها أن إيجابيات وسلبيات قرار معين ربما تأتي من عوالم مختلفة؛ فجميعنا نتلقَّى رسائل غير مرغوب فيها تقول إننا ربحنا مليون دولار؛ ولمعرفة التفاصيل، ما علينا سوى إرسال القسيمة بعد ملئها. الجانب الإيجابي في هذا هو الفرصة الضئيلة (وهي ضئيلة بالفعل) للفوز بشيء، أما الجانب السلبي فهو الإزعاج الذي ينطوي عليه إرسال تلك القسيمة، وما يتبعها من طوفان الرسائل اللاحقة التي لا يمكن تجنُّبها، والتي أرسلها الأشخاص الذين بيع لهم اسمك وعنوانك بلا شك، ضمن قائمة المغفلين. كيف يمكن إذن عقد تلك المقارنات؟ لا يمكن أن تكتفي بجمع المكاسب والخسائر على آلة حاسبة؛ فهناك ما هو أكثر من النقود. وفي بعض الأحيان بالطبع، تكون أقوال الناس كافيةً لتوفِّر عليك الكثير من إزعاج صنع القرار؛ ويُقال في تلك الحالة إنه إذا ما بَدَا شيء رائعًا بدرجة يستحيل معها أن يكون حقيقيًّا، فهو غير حقيقي على الأرجح.
إن منفعة أي حدث — وهذا الحدث بالنسبة إلينا هو النتائج المحتملة لقرارٍ ما — هي مقياس لقيمته، أيًّا ما كانت الطريقة التي اخترناها لقياسها. فَلْنتأمل الأشخاص الذين استطلعَتْ شركة الاستثمار آراءهم، والذين ما كانوا ليخاطروا بخسارة محتملة في رهان متكافئ تُقدَّر بخمسمائة دولار في مقابل ربحٍ محتمَلٍ يُقدَّر بألف دولار. وبافتراض أنهم عقلانيون، فهم يقولون إن قيمة الأموال التي سيخسرونها تمثِّل بالنسبة إليهم ضعف قيمة الأموال التي من المحتمل أن يربحوها. (بالنسبة لأصحاب الدخول الثابتة، هذا شيء عادي؛ فالأموال الزائدة ربما تشتري وسائل ترف، بينما الأموال التي يخسرونها تكلِّفهم أشياء ضرورية.) لكن فَلْنفترض أن المسألة تتعلَّق بخسارة مائة دولار مقابل مكسب محتمَل يُقدَّر بألف دولار؛ عندئذٍ سنجد الكثيرَ من الناس يتغلَّبون على مخاوفهم — على الأرجح — ويغامرون. ومن خلال سلسلةٍ من الاختبارات أو التجارب المحكمة، ربما تستطيع ترسيخ الحقيقة التي تقضي بأن الأموال المحتمل خسارتها تمثِّل للعديد من الأشخاص قيمةً تفوق تلك المحتمل ربحها بمقدار مرتين أو ثلاث أو أربع مرات. إذن بإمكانك أن تحدِّد المنافعَ المختلفة لاحتمالات المكسب والخسارة عند اتخاذ القرار؛ فتعتبر ببساطة أن الخسائر تفوق المكاسب التي تُقارن بها أهميةً بمقدار ثلاث أو أربع مرات، أيًّا كانت النسبة الحقيقية. وإن كنتَ «أنت» مَن سيتخذ القرار، فسيكون هناك حاجة إلى معرفة نسبتك «أنت». وعليه، يجب استخدام المنافع في صنع القرار، وليس مجرد المكاسب والخسارة الخالصة فقط. وهناك شيء واضح بالفعل في هذا؛ فإن كانت النقود التي يحتمل خسارتها أكثر قيمةً بالنسبة إليك من تلك المحتمَل رِبْحها — كما هو الحال فيما يبدو لمعظم الناس — فعليك ألَّا تقامر بانتظامٍ في أحد نوادي القمار النزيهة؛ فحينها ستخسر بقدرِ ما تربح، وستكون الخسائر موجعةً بصورة أكبر. تذكَّرْ كلمة «بانتظام»؛ حيث سنعود لنتناول الرهان الذي ينطوي على احتمالات فوز ضعيفة في الفصل الذي يتحدَّث عن المقامرة.
لكن لا يزال علينا التعامُل مع حالات لا تنطوي على أشياء قابلة للعد (كالنقود). وَلْنَعُدِ الآن إلى حالة توم (الرجل الذي ذكرنا من قبلُ أنه يبحث عن شريكة حياة، وأسميناه هنا توم) الذي يحاول أن يصل إلى نظام تقييمٍ لشريكات حياته المحتملات — وهنَّ: ألِيس، وبياتريس، وسيليست — وَلْنفترض أنه فعليًّا يفضِّلهن جميعًا وفق هذا الترتيب؛ إذن فإن تفضيلاته متعدية: فألِيس هي الأفضل، وسيليست هي آخِر خيار سيلجأ إليه، فيما تقع بياتريس في مكان متوسط بينهما. (لا تُلْقِ بالًا للسبب وراء ذلك؛ فكلنا يعلم أن الذوق لا يُعتَدُّ به في مثل هذه الأمور.) إنَّ كل ما اتبعناه في الفصل الثاني هو ترتيب الأفضلية، لكننا الآن نريد أن نتقدَّم خطوةً أخرى ونتساءل عن «موضع» بياتريس على المقياس التقييمي. فعلى أي حال، يعتمد استعداد توم لقبول ثاني أفضل خيار على مدى سوء ذلك الخيار مقارَنةً بتلبية رغبة قلبه؛ فإن كانت بياتريس تبدو جذَّابةً تقريبًا كألِيس، فقد لا يشعر أن هناك حاجة مُلِحَّة لكي يحرِّك تسلسلَ الأفضلية لديه للأمام؛ أما إنْ كانت غير مرغوب فيها تقريبًا مثل سيليست، فربما عليه أن يجازف. كيف لنا أن نعرف؟ بما أن الذوق لا يُعتَدُّ به، فلا توجد نقاط لإضافتها، وكل ما علينا فعله هو معرفة ما يدور في ذهن توم بشأن تفضيلاته، فهو مَن سيكون صانع القرار ومَن سيستمتع أو سيعاني عواقبه، ونحن فقط نحاول أن نعاونه على أن يفعل ذلك على نحوٍ لا يناقِض فيه نفسه.
لقد أمضى مؤلف هذا الكتاب معظم حياته يعمل أستاذًا جامعيًّا، وغالبًا ما يقيِّم أمثالُه طلَّابَهم وفقًا لمقياس يبدأ من صفر إلى عشرة، وربما يعتبرون درجة «ستة» وصفًا لتقدير مقبول (وهو تقييم غير موضوعي، لكن التقييم العددي يجعل هذه الدرجة تبدو وكأنها مقياس دقيق). وفي بعض الأحيان، نستخدم الأحرف الإنجليزية F، D، C، B، A في هذا التقييم بدلًا من الأرقام (ولا نستخدم أبدًا E)؛ ومن ثَمَّ نَعتبر في أذهاننا أن قيمة الدرجة A تساوي ?، والدرجة B تساوي ?، وهكذا. بل إن هناك مجموعة من الكلمات التي تصاحب هذه الدرجات، وهي: ممتاز، وجيد، ومقبول، وضعيف، وراسب. فالأرقام ما هي إلا بدائل للتقديرات الكيفية، وليس لها أي مدلول رقمي حقيقي في حد ذاتها. لكن باستخدام الأرقام، فإننا نحثُّ أنفسَنا على إجراء بعض العمليات الحسابية بها، وهو ما لا نستطيع فعله مع ما يعادلها من تقديرات بالأحرف. كان بمقدورنا أن نقيِّم الطَّلَبَة كما نفعل في التنس، من خلال منح نقاط تبلغ ?? و?? و??، بالإضافة إلى الصفر، وكانت العملية ستسير على النحو نفسه. (إن إضافة الحب يحسِّن حياتنا، ولكن ليس في التنس؛ حيث إن كلمة love تعني صفرًا.) بعد ذلك نحسب متوسط الدرجات — أو المعدل التراكُمي الشهير بناءً على مقياس الدرجات بدءًا من صفر وحتى أربع — ثم نتظاهر أن الأرقام لها معنًى كميٌّ حقيقيٌّ. في الواقع، ليس للأرقام هذا المعنى — فهي مجرد اختراعات — بَيْدَ أن المعدل التراكُمي له أثر هائل على حياة الطلاب، وخلال كل تلك الأعوام التي أمضاها هذا المؤلف في التدريس، لم يسمع قطُّ عن أي طالب أو أستاذ جامعي يشكِّك في المنطق الداخلي لترجمة تلك التقديرات الشخصية إلى مقياس رقمي يُحسَب متوسطه بعد ذلك؛ فالطالب الذي يحصل على أرقام مكافئة للدرجات A وC سيكون له نفس المعدل التراكمي للطالب الذي حقَّقَ عملًا جيدًا وحصل على B، لكنه ما كان ليحصل على هذا المعدل نفسه لو استخدمنا نظامَ حساب نقاط التنس؛ فهل ينبغي أن تعتمد مقاديرُ الطالب على ذلك؟ الأمر نفسه ينطبق على تصنيف الزلازل؛ فالزلزال الذي تبلغ قوته ? درجات بمقياس ريختر يُصنَّف من بين الزلازل العنيفة، وهو كذلك بالفعل إن كنتَ قريبًا من مركز الزلزال. ويعتمد مقياس ريختر على اللوغاريتم الناتج عن قراءة محدَّدة جدًّا لآلةٍ بعينها (اخترعها تشارلز ريختر)، ويرتبط المقياس ارتباطًا تبادليًّا — فقط على نحوٍ تجريبيٍّ وغير محكم — بإطلاق الطاقة والدمار المحتمل للزلزال. (حتى معجم راندوم هاوس الكامل الجديد — والرائع فيما عدا ذلك — يعرِّف المقياسَ تعريفًا خاطئًا.) وهناك نظام آخَر أقل شيوعًا لتقدير قوة الزلزال لكنه قد يكون أكثر أهميةً، وهو مقياس ميركالي المعدل، ونادرًا ما تتمُّ الإشارة إليه في الصحف؛ لأنه جزئيًّا يبدو أقلَّ صلةً بالعلم من مقياس ريختر (وربما أيضًا لأن خبراء الزلازل قد تعلَّموا ألَّا يذكروه على مسامع العامة). إنه يعتمد اعتمادًا مباشِرًا على حساب الخسائر؛ وهو ما يرغب معظم الناس في معرفته بالفعل. يستخدم هذا المقياسُ الأرقامَ الرومانية — مثل نهائي السوبر بول — والتقديراتُ الرسمية لشدة الزلازل وفقًا لمقياس ميركالي (التي تبدأ من الدرجة I — أي ? — وتشير إلى هزةٍ لا يكاد يشعر بها الناس، وتنتهي عند XII حيث الدمار الشامل) غريبةٌ بعض الشيء؛ فعندما تسجل الهزة الدرجة VI (أي ?) على مقياس ميركالي، يشعر العديد من الناس بالذعر ويهرعون إلى الخارج وتتحطم الأواني، وعند الدرجة VII (أي ?) يكون من الصعب الوقوف، وتنفصل بعض المداخن الضعيفة عن المباني، أما عند الدرجة IX (أي ?) فيسود شعور عام بالذعر، وهكذا. فالمقياس لا يدعي بأنه كمي، وإنما هو جدولة للمراحل المختلفة للخسائر وللتعايش مع ردود أفعال البشر مع الحدث. ولم يحسب المختصون بعدُ متوسطَ تقديرات مقياسَيْ ريختر أو ميركالي المعدل، لكن اليوم الذي سيحدث فيه ذلك آتٍ. إن التقديرات الدراسية وتقديرات مقياس ميركالي لشدة الزلازل (وليس مقياس ريختر) ما هي إلا أمثلة للنظم الترتيبية (أي ترتيب الأشياء وفقًا لنظامٍ) التي تتَّسِم ترجمتها إلى أعداد أصلية (أي قِيَم دقيقة) بأنها ترجمة عشوائية بالكامل، لدرجة أن أي تغيير آخَر بالأرقام لا يعطينا أي معنًى حسابي على الإطلاق. وإلى جانب هذا، مَن منَّا يمكنه إيجاد طريقة لكتابة الكسور بالتعداد الروماني؟ إنَّ نظرية المنفعة هي محاولة لإيجاد وسيلةٍ لمنح التقييماتِ الترتيبية معنًى كميًّا يكفي لجعل بعض التعديل ممكنًا؛ ومن ثَمَّ يمكن الاستعانة بها في صنع القرار. وَلْنَرَ الآن كيف.
لنَعُدِ الآن مرة أخرى إلى توم وأزمته العاطفية، وَلْنتخيَّلْ أن جودزيلا قد ظهر في المدينة وتدبَّرَ في حيرة توم مقرِّرًا أن يفرض على توم اتخاذ القرار (فجودزيلا يبغض التردُّد)؛ ولذا أخبر توم أنه «لا بد» أن يختار بياتريس (تذكَّرْ أن ترتيب الأفضلية لدى توم هو ألِيس، ثم بياتريس، وأخيرًا سيليست)، إلا إذا كان على استعدادٍ لخوض مراهَنة بسيطة؛ والمراهَنة (إنْ رَبِحَها) ستمنحه الفرصةَ للحصول على مَن يفضِّلها — أيْ ألِيس — لكنها ستضعه أمام مخاطرة البقاء في النهاية مع سيليست (إنْ خَسِرَها). القرار بسيط؛ وهو المراهنة على الاختيار بين ألِيس وسيليست، أو عدم الإقدام على هذه الخطوة وبدء حياة جديدة وسعيدة مع بياتريس. فإذا ما اختار توم المراهَنة، فهذا يعني بوضوح أنه يرغب في الفوز، وما نريد أن نعرفه هو «مدى» تفضيله ألِيس على بياتريس، أو مقدار نفوره من سيليست مقارَنةً بِبياتريس أيضًا؛ إذن فقد قالها له الزائر — جودزيلا — بطريقة مباشرة: فَلْتختَرْ بياتريس إنْ شئتَ، أو انْسَ أمرها وألْقِ بعملة معدنية في الهواء — برهان متكافئ على المكسب والخسارة — للاختيار بين ألِيس وسيليست. (ومثلما حدث في القصة الخيالية العكسية التي أوردناها في الفصل الثاني، كل المرشحات هنا متحمِّسات لأن يقع عليهن الاختيار.) وإنْ رفض توم المراهَنة، فهذا يعني إما أنه لا يَعتبر ألِيس أكثر جاذبيةً بكثير من بياتريس، وإما أنه يعتبر سيليست مخاطَرةً لا يودُّ أن يُقدِم عليها في رهان متكافئ. وفي كلتا الحالتين، فهذا يمنحنا معلومات عن ترتيب بياتريس بين ألِيس وسيليست في ذهن توم، وهي المعلومة التي نودُّ أن نعرفها.
أيًّا ما كان اختيار توم، يمكن لِجودزيلا أن يجرِّب بعد ذلك مرة أخرى مجموعةً مختلفةً من الأرجحيات، حتى نصل في النهاية إلى أرجحيات تجعل توم غير قادر على اتخاذ القرار بالمراهَنة أو عدم المراهَنة؛ حينئذٍ نكون قد عرفنا بالضبط ترتيبَ بياتريس عنده على مقياسٍ يبدأ من سيليست وينتهي بِألِيس. في ضوء نظرية المنفعة، إذا مَنحْنا تقييمات تبدأ من الصفر عند سيليست، وتنتهي بعشرة عند ألِيس — وإذا ما أحجَمَ توم عن مراهَنةٍ متكافئة في المكسب والخسارة — فهذا يعني أنه يمنح تقييمًا لِبياتريس يفوق الخمس درجات. أما إن لم يكن توم مُعجَبًا بِبياتريس — كعدم إعجابه بِسيليست تقريبًا — فإنه سيقفز على الفور إلى مراهَنةٍ متكافئةٍ في المكسب والخسارة لكي يفوز بِألِيس، بل سيراهن أيضًا على الأرجحيات الأسوأ، وخاصةً إن كان أسوأ ما يمكن أن يحدث — أيِ الحياة بصحبة سيليست — لا يُعَدُّ على هذا القدر من السوء مقارَنةً بارتباطٍ يُرغَم عليه بِبياتريس. وبمعرفة الأرجحيات التي يكون عندها غير قادر على الاختيار (أو بحسب الصياغة العملية: التي لا يبالي حينها بالاختيار)، نكون قد وجدنا وسيلةً لتقييم خيار بياتريس مقارَنةً بالأُخرَيَيْن، وسنكون قد وجدنا مقياسًا لتفضيلاته، وحينها يمكن استخدامه في صنع القرار.
وبهذه الطريقة يمكننا وضع نظام تقييم، حتى للأشياء التي لا يمكن جمعها ببساطة، وذلك من خلال التساؤل عن الأرجحيات التي يكون المرء مستعِدًّا عندها للمراهَنة للحصول على اختيارٍ أفضل. وكلما ساءَتِ الأرجحيات التي يكون توم مستعِدًّا عندها للمراهَنة في سعيه الحثيث لتجنُّب بياتريس، ساءَ رأيه في هذه الفتاة ونَقَصَ تقييمه لها بوضوح. ويُسمَّى نظام التقييم الذي يستند إلى تلك الاعتبارات بالمنفعة، وعليه يمكن منح كل نتيجة من نتائج القرار قيمةً وفقًا لمنفعتها، بالاعتماد كليًّا على هذا النوع من التقييم المتعلِّق بمرغوبية النتيجة؛ ولذا يمكن أن نحدِّد المنفعة وراء مكسب (أو خسارة) ألف دولار استنادًا إلى الأرجحيات التي يكون صانع القرار على استعدادٍ لتقبُّلها في مثل هذا الرهان. وكما ذكرنا من قبلُ، فالأشخاص يَمنحون — فيما يبدو — قيمةً (سلبية) للخسائر المحتملة أعلى من القيمة التي يمنحونها للمكاسب المحتملة؛ لذا فهناك منفعة (سلبية) للألف دولار المحتمل خسارتها أعلى من منفعة الألف دولار المحتمل ربحها؛ ومنفعة النتيجة المحتملة هي التي تحدِّد أهميتها في صنع القرار. هذا الاستعراض إضافةٌ تُحسِّن فهْمَنا لتصنيف الخيارات بالترتيب — كما فعلنا في الفصل الثاني — وسوف يقودنا إلى قرارات تتَّفِق على نحوٍ أكبر والطموحات الدفينة لصانع القرار.
والآن يمكننا ربط تلك الأفكار معًا.

الفصل الخامس
ربط الأفكار معًا


إن الهدف من صنع قرار عقلاني هو — عادةً — المساعدة في التوصُّل إلى أفضل قرار ممكن. وخلال حياتك، سوف ينتهي بك الأمر محقِّقًا النجاحَ والتقدُّمَ إن كنتَ عقلانيًّا، حتى إن تبيَّنَ أحيانًا أنك على درجة خطيرة من الخطأ أو على درجة مذهلة من الصواب؛ فالخبراء المرموقون الذين يَظهرون على شاشات التليفزيون لأنهم أصابوا في توقُّعاتهم لسوق الأوراق المالية في أي سنةٍ، نادرًا ما تجدهم يكرِّرون نجاحاتهم في السنة التي تليها، ومن النادر أن تجد مَن يكتسب منهم الشهرة فعلًا؛ والمقامرون الذين يعتقدون أنهم قد أمضوا ليلة حظ رائعة، عادةً ما يدركون خطأ اعتقادهم هذا قبلَ أن تنقضي ليلتهم، أو في اليوم أو الأسبوع الذي يليها. إن قوانين الاحتمالية فعَّالة للغاية ولا تهدأ مطلقًا، ولو تفهَّمَ الناسُ ذلك على نطاق أوسع، لَقَلَّ كثيرًا تباهيهم وتفاخُرُهم بحسن حظهم، ولَقَلَّ أيضًا شعورُهم بالذنب لحظهم العاثر، ولَحَيِينَا في عالَمٍ أكثر تحضُّرًا؛ فهناك بالفعل أشياء تحدث من قبيل المصادفة، ولا يكون في وسعنا فعل شيء لتغييرها.
كثيرًا ما يَرِدُ في الكتب الشهيرة التي تتناول مفهومَ الاحتمالية أنك إذا ما وضعتَ مجموعةً كافيةً من القردة على مقربة من آلات كاتبة كافية لفترة طويلة بما يكفي، فإن من المحتمل أن ينجح أحدها في كتابة سونيتة من روائع شكسبير (في الواقع، ليس هناك جزيئات كافية في الكون أجمع لتشكِّل قردة وآلات كاتبة كافية لإعطاء هذا القرد فرصة عادلة، لكن مَن يبالي؟ إن الكتَّاب يحاولون فقط توضيحَ أن استخدام القرد في هذا الغرض ليس مستحيلًا بالكامل على الإطلاق). وإنْ حدث ذلك، بالرغم من ضعف أرجحيته الشديد، فإنه لن يعني أن القرد الناجح كان تجسيدًا لروح شكسبير أو حتى شخص مثقَّف، لكنه يعني فحسب أن قوانين الاحتمالات صحيحة. ولا يمكن أن يُمنَح أيٌّ من القرود أو البشر التقديرَ على ذلك. (والأرجح بالطبع أن يكون أحد المخادعين هو مَن زيَّفَ الأمر.) إن الفِرَق التي يُتوقَّع لها الخسارة تحقِّق الفوزَ بالفعل في مباريات كرة القدم، والفِرَق الموثوق في فوزها تخسر، والخيول التي تحقِّق إخفاقات متتالية تفوز في سباقات الخيول، حتى لو لم يكن هناك أي خداع؛ وهذا هو الحال بالنسبة إلى القرارات الجيدة التي تنتج عنها تبعات شنيعة، والقرارات الحمقاء التي يُتبين أنها جيدة، فهذا يمكن أن يحدث، لكن ليس كثيرًا كما يحدث في الحالات النقيضة؛ فالطرف المرشَّح للفوز يفوز أكثر من الطرف المستبعَد فوزه، حتى في سباقات الخيول. وَلْنتذكر مقولةَ دامون رَنيون.
إذن كيف نبذل لدى صنع القرار أفضلَ ما لدينا، بعد أن أصبح لدينا الآن الأدوات اللازمة؟ علينا أن نجمِّع قائمةً بالإجراءات المحتملة، والنتائج المحتملة لكل إجراء، والاحتمالات (على أن نعبِّر عنها بطريقة ما، وكلما وُضِعت بدقةٍ كان هذا أفضل) بحيث إنَّ كلَّ نتيجة تنشأ من كل إجراء، وفي النهاية علينا أن نحدِّد قيمةً للسعادة أو الحزن اللذين قد تجلبهما كلُّ نتيجة لك؛ أيْ أنت صانع القرار. وبناءً على كل ذلك، يكون علينا التوصُّل إلى القيمة المتوقَّعة أو المنفعة المتوقَّعة لكلِّ إجراءٍ محتمَل، ثم نختار أفضل الإجراءات. يبدو الأمر معقَّدًا، لكنه ليس هكذا في حقيقة الأمر، وحتى محاولة تدقيق النظر في العملية كلها يمكن أن تدفعنا للتفكير. ولسنا مُطالَبين بأن نفعل ذلك بإتقان كي نظلَّ في الصدارة؛ ففي العالم الواقعي، ليس علينا أن نفعل «أي شيء» بإتقان كي نكون في المقدمة.
عندما نحاول أن نعدِّد النتائج التي يمكن أن تنشأ من كلٍّ من إجراءاتنا المحتملة، فإننا نفكِّر في وضع قائمة مزدوجة؛ أيْ قائمة بالإجراءات المحتملة أعلى الصفحة، وأسفل كلٍّ من هذه الإجراءات قائمة أخرى بالنتائج المحتملة، وقد تكون بعض النتائج محصلة عدة إجراءات مختلفة، مع أنها ذات احتمالات متباينة. ويمكن أن يُدوَّن ذلك في الورقة كنوعٍ من النسق المزدوج — وهذا هو ما يطلِق عليه علماءُ الرياضيات «مصفوفة» — وذلك مع تعريف كل إجراء محتمَل ونتيجة محتملة لهذا الإجراء عن طريق احتمالية هذه المحصلة ومنفعتها. بالطبع فإن المصفوفة بمفردها لن تجمع سوى ما تعرفه أنت بالفعل في صيغة مناسبة؛ ولكنها لن تعمل على تبسيط العملية كثيرًا، فضلًا عن توليفة المعلومات.
تظهر تلك التوليفة من خلال فكرة المنفعة «المتوقَّعة»، أو الخسارة «المتوقَّعة»، والتي نقيِّم فيها كلَّ نتيجة محتملة وفقًا لاحتمالية وقوعها؛ حيث نمنحها ثقلًا أكبر إن كانت احتماليةُ وقوعها أكبر، وثقلًا أقل إن كانت فرصةُ وقوعها تكاد تكون منعدمةً. (فلن يحدث مثلًا أن تسقط من على ظهر حصان إنْ ذهبت للتمشية.) وهذا كله يعني أنه مع كل قرار محتمل، عليك أن تأخذ قيمةَ كل نتيجة لهذا القرار بالنسبة إليك، وتضربها في احتماليتها، وتجمع كلتَيْهما؛ ليكون الحاصل النهائي هو المنفعة المتوقَّعة من هذا القرار، والتي ستخبرك بمدى صحة القرار وتأثيره على سعادتك. وكلما كان الناتج أكبر، كان هذا أفضل.
تتمثَّل أهميةُ استخدام صفة «متوقعة» للمنفعة أو الخسارة في أن القيمة الفعلية من وجهة نظرك لأي فائدة (أو أضرار) محتملة تعتمد على احتمالية ظهورها بالفعل؛ فإن كانت لديك فرصة متكافئة لربح عشرة دولارات، فإن لذلك قيمةً متوقَّعةً تبلغ خمسة دولارات، وهو المبلغ الذي يمكنك أن تتخلَّى عن الفرصة مقابله. وإن كانت هناك فرصة في المليون لأنْ تربح مليون دولار من خلال تذكرة يانصيب (وَلْنَنْسَ أمر المنفعة في الوقت الحالي)، فقيمتها المتوقَّعة هي دولار واحد، وهذا هو المبلغ الذي تستحقه؛ فالأشخاص يشترون الأسهمَ بأسعارٍ تعكس القيمة المتوقَّعة، وذلك من منظورِ كلٍّ من المكاسب المستقبلية وقيمة إعادة البيع. وفكرة ضرورة ضرب الاحتمالية في القيمة ليست بأمر جديد (ولسوف نرى لاحقًا أن تلك هي أفضل وسيلة لفهم استراتيجيات المقامرة)؛ إذن فإن القيمة المتوقَّعة لأي قرار تَتِّبع نفس القواعد المألوفة. وَلْنَرَ كيف يحدث ذلك.
لنبدأ بشيء بسيط ومألوف، ولكنه ينطوي على خدعة غير متوقَّعة لم يلحظها أحد إلا مؤخرًا؛ ألا وهو مكاتب مراهنات كرة القدم، المنتشرة في كل مكان (بالرغم من استياء الإدارة الأكيد منها). ففي مثل هذه المكاتب، تكون هناك قائمة بالمباريات التي ستقام في يوم محدَّد، والمشارِك في هذه المراهنة يشتري قسيمةً للمراهنة لتخمين الفائزين، وتتكوَّن أرباحُ المراهنات من الأموال التي يساهم بها المقامرون وهم يشترون قسيمةَ المراهنات، وفي النهاية يتقاسم الفائزون المبلغَ الذي تمَّ تجميعه من خلال المراهنة. الأمر بسيط للغاية، وقد يتراءى لك أن أفضل استراتيجية هي ببساطة أن تعرف المزيدَ عن الفِرَق التي تلعب أكثر من المقامرين الآخرين، وهذا صحيح بالقطع — فأن تكون أكثر ذكاءً أو درايةً من شأنه دائمًا أن يضيف المزيدَ من العون — لكن هناك خدعة أخرى بسيطة.
إن معظم مكاتب المراهنات تجعل المقامِر يراهن على أكثر من فريق، حتى «يحمي نفسه من الخسارة»؛ وعلى كل حال فهذا يجلب المزيدَ من الأموال إلى مكاتب المراهنات؛ ممَّا يساعدها على الازدهار؛ وهذا يعني أن كلَّ مقامِر أمامه قراران ليتخذهما؛ وهما عدد تذاكِر المراهنة، والفِرَق التي سيختار المراهَنة عليها. لكنها في نهاية المطاف تظلُّ لعبةً صفريةَ المجموع؛ إذ تئول كل الأموال التي تُوضَع في المراهنات في النهاية إلى الفائزين.
أما بالنسبة إلى بعض الألعاب، مثل سباق الخيول أو اليانصيب (وهي في الواقع ليسَتْ ألعابًا صفرية المجموع، بل إن رعاة هذه الألعاب يجنون الكثيرَ من الأموال)، فإذا ما راهنتَ أكثر من مرة، فإنك تخسر نقودك بطريقة أسرع (هذه نسخة من المثل الذي أوردناه سابقًا، وهو: إنْ كنتَ تخسر أموالك عند بيع كل بند، فلن تحقِّق ربحًا عن طريق بيع المزيد). لكن أموال مراهَنات كرة القدم تمثِّل استثناءً؛ فمن المفيد هنا أن تراهِن ضد نفسك؛ أيْ أنْ تشتري تذكرة مراهَنة أخرى وتقامر ثانيةً. قد يبدو هذا ضربًا من الجنون وضد طبيعة الأشياء، فكيف يمكن أن تكون المراهَنةُ ضد نفسك مصدرَ عونٍ لك؟ لنَرَ كيف تسير الأمور.
كي نبسط المسألة، لنفترضْ أنه لن تقام سوى مباراة واحدة في يومٍ ما بين فريق البط والإوز، وليس هناك إلا اثنان من المشاركين في الرهان؛ أنت وفريد، وكلاكما يجيد اختيار الفائز، وَلْنفترض أيضًا أن مستوى الفريقين متكافئ؛ لذا فاللعبة عبارة عن مسألة حظٍّ بحتة يتعادل فيها المكسب والخسارة. يشتري فريد تذكرة رهان بدولارين، ويراهن على فريق البط، ثم يأتي دورك. بمقدورك اختيار إما فريق البط وإما الإوز، أو أن تكون أكثر فطنةً؛ فإذا ما اشتريتَ تذكرةَ رهان واحدة وراهنتَ على نفس الفريق الذي اختاره فريد، فلن يتقدَّم أيٌّ منكما على الآخَر في النهاية؛ فإذا ما ربح فريق البط، فكلاكما على صواب، وستقتسمان النقود التي ربحتماها، ليستعيد كلٌّ منكما الدولارين اللذين راهنتما بهما؛ أما إذا ما فاز فريق الإوز، فسوف تقتسمان مبلغ النقود أيضًا، بما أنه ليس هناك أيُّ فائز؛ أما إذا حدث العكس وراهنتَ على الفريق المنافِس للفريق الذي راهَنَ عليه فريد، فسوف يجمع أحدكما المكاسب دائمًا، بينما سيخسر الآخر. هذا هو الطريق الذي ينبغي أن تسلكه إنْ كنتَ أفضل من فريد في الرهان على الفريق الفائز، أما إن لم تكن كذلك، والفريقان متعادلان بالفعل، فسوف تخسر بقدر ما تكسب. وعلى المدى الطويل، سيكون كلاكما متساويًا في المكسب والخسارة، وليس ثمة وسيلة لتكوين ثروة هنا.
لكن ماذا لو اشتريتَ تذكرتَيْ مراهنة، مراهِنًا مرةً واحدةً على كل فريق؟ إنَّ لديك الآن أربعة دولارات كحصيلة نقدية، مقارَنةً بالدولارين قيمة رهان فريد، لكن ستظل واحدة من تذكرتَيْك هي «الرابحة» دومًا (والأخرى هي الخاسرة «على الدوام»)؛ وهكذا فإنك ستشارك «دومًا» في المكسب، لكن هل ستجني ربحًا صافيًا؟
حسنًا، هذه لعبة متكافئة؛ ومن ثَمَّ لِنِصف الوقت تظلُّ احتماليةُ فوز فريق البط قائمةً، وإذا ما حدث ذلك، فأنت وفريد تحملان تذكرة رابحة؛ ومن ثَمَّ ستقتسمان الدولارات الستة حصيلة الرهان، وستحصل عند الفوز على ثلاثة دولارات من الدولارات الأربعة التي استثمرتها، وتخسر دولارًا، هو الذي ربحه فريد.
لكن ماذا لو فاز فريق الإوز، أهي مراهَنة متكافئة على المكسب والخسارة أيضًا؟ حينها ستجمع أنت الاستثمار كاملًا بما فيه مساهَمة فريد، وتكون قد ربحتَ الدولارين نتيجةً لمجهوداتك؛ من ثَم لِنِصف الوقت ستربح دولارين، والنصف الآخَر ستخسر دولارًا واحدًا؛ وبهذا ستربح على المدى الطويل؛ ستحصل على دولار كربح صافٍ كلَّ مرتين تراهن فيهما، وذلك في المتوسط، مقابل صافي مكسب متوقَّع يبلغ نصف دولار لكل يوم مراهنة، على أربعة دولارات مستثمرة. وهذا سيحدث دون تفكير؛ حيث إنك تراهن ضد نفسك فقط، ولن يحقِّق فريد أي ربح إلا إذا كان يجيد اختيار الفريق الفائز؛ إذ سيكون اختياره صحيحًا لثلثي الوقت (ولن يهم حينها إن كنتَ جيدًا في الرهان على الفريق الفائز؛ إذ إنك تراهن على فوز كلا الفريقين). وإن كان هناك رهان كل أسبوع، وكان هو على صواب لِنِصف الوقت فقط، فإن متوسط عائد الربح بالنسبة إليك هو اثنا عشر بالمائة كل أسبوع، وهذا ليس بالأمر السيئ (وعلى مدار العام ستضاعِف استثماراتك بمعامل خمسمائة دولار تقريبًا؛ إنه سحر الفائدة المركَّبة. لكن فريد بالطبع سيتفهم ذلك الأمر قبل هذا بوقت طويل). ويكون الأمر أكثر تعقيدًا وأقل ربحًا مع تواجد عددٍ أكبر من المقامرين، ومزيد من الفِرَق التي تشارك في مباريات أكثر، لكن يظل المبدأ كما هو: مِن المفيد أن تحمي رهاناتك.
لكن لتحذرْ عزيزي القارئ؛ أرجو ألَّا تتسرَّع في تبديد أموالك على مراهنات كرة القدم باتِّباع ذلك «النظام»؛ فهذه العملية الحسابية برمتها استندَتْ إلى افتراضٍ بأن المقامِر الآخَر سيخسر بقدر ما يربح؛ أيْ إنه في الواقع يراهن رهانًا متكافِئًا. وإن كان المقامر الآخَر بالفعل يعرف شيئًا عن الفِرَق، وبمقدوره أن يراهن على الفائز باستمرار، فذلك النظام لا قيمةَ له؛ فهو قائم على الاحتمالية، وأيُّ شخص بمقدوره أن يخمن جيدًا الفريقَ الفائز «بالفعل» عادةً ما يكون بإمكانه أن يهزم أيَّ شخص لديه معرفة أقل. وقد سأل أحدهم فارسًا محترفًا منذ عدة سنوات إن كان يراهن في سباقات الخيل، وكانت إجابته البارعة كالتالي: «فقط إذا علمتُ مقدَّمًا الجواد المزعم فوزه.» وتحظى مصارعةُ المحترفين بنفس السمعة؛ والدرس المستفاد هو أنه يتعيَّن عليك تجنُّب الألعاب التي يكون لدى المقامِر الآخَر فيها معرفةٌ تفوق معرفتك.
لننتقلِ الآن إلى مثال آخَر يوضِّح بطريقة أفضل كيفيةَ وضع المبادئ جميعها معًا، ولكنه يظلُّ بسيطًا بما يسهل معه تحليله: هل ينبغي لك أن تستثمر مدخراتك في شراء سندات آمنة، أم في أحد البنوك، أم في المقامرة في أحد نوادي قمار لاس فيجاس، أم في أي بديل آخَر مناسب؟ سوف يتضمَّن هذا اتخاذَ قرارٍ ما، وبعض المعلومات عن الأرجحيات، وتقييمات النتائج البديلة، وبحث وتقييم أهدافك، وأخيرًا مقايضات بين الرضا اللحظي واحترام المستقبل.
لنفترضْ أن معك ألف دولار، ويوجد بنك بالقرب منك، ويوجد نادٍ من نوادي القمار في شارعك (إنك تحيا في ضاحية جيدة الخدمات). ولِنكونَ أكثرَ تحديدًا، سوف نفترض أن البنك يعرض عليك نسبةَ فائدةٍ على المبلغ تصل إلى خمسة بالمائة (في وقت كتابة هذا الفصل)، بينما اللعبة التي تجذبك في نادي القمار هي لعبة الروليت؛ حيث تفضِّل اللعب باللونين الأحمر والأسود (ولمن لا يعرفون لعبة الروليت، هناك اختلافات في عجلة الروليت وفي قوانين اللعبة، لكن العجلة الأمريكية النموذجية بها ثمانٍ وثلاثون فتحة؛ ثماني عشرة فتحة منها باللون الأحمر، والثماني عشرة الأخرى باللون الأسود، وهكذا فإن فرصة استقرار الكرة في الفتحة السوداء أو الحمراء واحدة، أقل قليلًا من كونها فرصة متكافئة، واحتمالية كلٍّ منهما هي ???/???؛ أي ?????? بالتقريب. إن احتمالات الفوز باللونين الأحمر أو الأسود أسوأ بكثيرٍ من احتمالات ?????? بالنسبة إلى الرامي في لعبة كرابس؛ فلعبة كرابس تمنح الرامي فرصةً أفضل بكثيرٍ من لعبة الروليت. المزيد عن هذا في الفصل التاسع عشر).
لكي تبدأ بشكل سليم ينبغي أن يكون لديك هدف لتحقيقه؛ فتلك هي القاعدة الأولى والأساسية لعملية صنع القرار برمتها؛ فإن كانت خطتك بالنسبة إلى خيار المقامرة هي اللعب حتى الإفلاس، فستصل لذلك؛ فسوف تتجمع الاحتمالات الصغيرة لصالح نادي القمار لفترة طويلة من الوقت، وبالقطع ستغادر نادي القمار، في النهاية، وأنت شخصية أكثر حزنًا وفقرًا (وسواء كنتَ أكثر حكمةً أيضًا أم لا، فهذا يعتمد عليك في النهاية). والسؤال المهم الوحيد هنا هو كم سيستغرق ذلك من الوقت، وسوف نعود إلى ذلك في غضون لحظات.
إن خيار البنك أسهل في تحليله؛ سوف تخسر كل شيء على الفور! ستحصل بالقطع على دفتر حساب مصرفي أو أي دليل آخَر على أن نقودك مودعة في أمان وأنه يمكنك استردادها وقتما شئتَ (على الرغم من أن البنوك قد تفلس بين الحين والآخَر)، لكنْ ما دامت النقود في البنك، فليس لها نفع على الإطلاق بالنسبة إليك.
بالقطع هذا كلام مضلِّل؛ فالفائدة تتراكم، وتُقيَّد بدقة في أحد السجلات في مكانٍ ما، وربما حتى في دفتر حسابك، وأنت تعلم في قرارة نفسك أن بمقدورك دائمًا سحب أصل المبلغ والفائدة المتراكمة. تلك مقايَضة قمتَ بها للتخلِّي عن الاستخدام الفوري للنقود، وتبدو أنها مقايَضة رابحة عند مقارنتها بحتمية الخسارة في نادي القمار. وهناك الكثير من المقالات الإرشادية التي كُتبتْ عن كيفية تراكم الفائدة؛ ففي غضون قرن من الزمان ستكون الألف دولار قد وصل إلى مائة وخمسين ألف دولار (فهي تُضاف يوميًّا؛ حيث تقوم البنوك ذات الحاسبات الضخمة الآن بحسابها)، لكنك قد تتساءل أيضًا عن فائدة ذلك لك؛ فلن تكون أمامك فرصة كبيرة لكي تستمتع بنقودك. إن منفعة نقودك تقلُّ كلما توافَرَ المزيد منها في المستقبل مع زيادة الفائدة؛ ولهذا السبب ينبغي على البنوك أن تسدِّد لك الفائدة قبل أن تضع يدها على نقودك (نحن نتجاهل عامل التضخُّم هنا. ومثله كمثل المدِّ الذي يرتفع وينحسر، فهو يغيِّر من القيمة الظاهرية لكل الفوائد والخسائر عندما تقاس بالوحدات النقدية؛ إنه مجرد وهْم إلا بالنسبة إلى الأشخاص ذوي الدخول الثابتة أو المدخرات الثابتة. إن وظيفة التضخُّم بالقطع في الصورة الاقتصادية تتمثَّل تحديدًا في انتزاع الأموال من هؤلاء الأشخاص، والاستيلاء على مدخراتهم لسداد الاحتياجات الضرورية، وعادة ما تكون لآخرين. وليس ثمة وسيلة قانونية أخرى للحصول على شيء مقابل لا شيء. فَلْتفكِّرْ في مدى أخلاقية ذلك إن كنتَ ستُقدِم عليه).
ومع ذلك، ففي ضوء الاحتمالات الطويلة الأمد، فإن البنك بالقطع يتفوق على نادي القمار الذي سيجعلك مُفلِسًا لا محالة. لكن كم من الوقت سيستغرق الأمر كي تفلس في نادٍ للقمار بافتراض أنك ستراهن حتى النهاية؟ حسنًا، من خلال القواعد التي أرسيناها من قبلُ، فإن ذلك بالضبط ما يطلِق عليه علماء الرياضيات مشكلة المسار العشوائي. فَلْنتخيَّلْ شخصًا ثَمِلًا يسير مقترِبًا من حافَة منحدَر صخري؛ مع ملاحظة أن كل خطوة يخطوها لها احتمالية ?????? تدفعه بعيدًا عن حافة المنحدر، واحتمالية أكبر قليلًا تبلغ ?????? تجعله يتقدَّم نحو حافة المنحدر؛ لذا فكل خطوة، على المدى الطويل، تجعله يقترب ?????? خطوة من الحافة (وذلك هو الفرق بين الرقمين السابقين). قد يستغرق الأمر فترة، لكنه سيصل للحافة في النهاية، وَلْتعتبِرْ أن حافة المنحدر هي الإفلاس؛ فإذا ما كان يخطو خطوات صغيرة (أي راهَن بمبالغ صغيرة)، فالأمر سيستغرق وقتًا أطول حتى يفلس، لكن ليس هناك شك في النتيجة؛ فمع دوران العجلة عشرين مرة في حالة نادي القمار سيكون متوسط الخسارة هو حجم الرهان، وإن استغرق دوران العجلة دقيقة فبمقدورك المقامرة لمدة ست عشرة ساعة قبل أن تخسر ألف دولار، في المتوسط، وذلك من خلال الرهان بمبلغ عشرين دولارًا مع كل دورة من دورات العجلة. وعند نقطةٍ ما على طول الطريق (وسنتعرَّض لذلك خلال لحظات)، هناك فرصة جيدة لكي تحقِّقَ تقدُّمًا مؤقَّتًا.
وهذا تحديدًا هو السبب في ضرورة أن تكون لك أهداف محدَّدة، وقرارات مسبقة، وأن تنسحب عندما تحقِّق تلك الأهداف، هذا إنْ حقَّقْتَها. هناك فرصة لكي تنسحب عندما تحرز تقدُّمًا، لكن ليست هناك فرصة للفوز إذا ما صمَّمْتَ على الاستمرار حتى الإفلاس؛ وهذا ما يجعل تلك المعضلة مشوِّقة.
لنفترِضْ أنك ذهبتَ إلى نادي القمار وبحوزتك ألف دولار، وعزمتَ على ألَّا تنسحب إلا عند تضاعُف نقودك (إذا حدث هذا من الأساس). كان القول المعتاد قبل اللعب قديمًا في لعبة كرابس هو: «إن طفلي بحاجة إلى زوج جديد من الأحذية»؛ وهو ما يعني في تلك الحالة أنك في حاجة ماسة إلى ألف دولار أخرى لكي تشتري شيئًا مهمًّا، والألف دولار التي بدأتَ بها اللعب لن تفي باحتياجاتك، ولكن الألفَيْ دولار ستفي بها. إنك تدرك أنك ربما تخسر كلَّ شيء، وأن من المرجح أن يحدث هذا بالفعل، لكن احتياجك أكبر. يُعَدُّ البنك خاسرًا في حالة احتياجات المدى القصير؛ فالأمر سيستغرق نحو أربعة عشر عامًا لمضاعفة نقودك عند فائدة مقدارها خمسة بالمائة، وهكذا ستفوق احتياجاتُ الرضيع زوجَ الأحذية المجازي قبل ذلك بفترة؛ إذن كيف تضاعف من فرصتك بأن تحصل على ألف دولار في نادي القمار عند نقطةٍ ما قبل أن تصبح على شفا الإفلاس؛ ومن ثَمَّ يمكنك أن تحصل على النقود السائلة مقابل رقاقات الروليت وتنسحب؟ ليس هناك بالقطع وسيلة مؤكدة للفوز، لكن «بمقدورك» تعظيم فرصتك.
إنها مسألة رياضية معروفة، خارج نطاق هذا الكتاب؛ لذا فسوف نقدِّم الإجابةَ فقط. (لا يزال تشبيه الرجل الثَّمِل الذي يقترب من حافة المنحدر ساريًا: لقد بدأ سيره وكان في منتصف المسافة بين مقعد وحافة المنحدر، ويبحث عن أفضل فرصة ليصل إلى المقعد قبل أن يسقط، والمقعد بمنزلة زوجِ الأحذية الجديدة أو أيِّ شيء كان يريده، وحافة المنحدر، كما قلنا من قبلُ، هي الإفلاس.) وبناء على قواعدنا التي تقضي بأنك ستراهن بعشرين دولارًا في كل دورة، فالإجابة هي أن لديك فرصة في المائتين لمضاعفة أموالك قبل أن تفلس، وتلك فرصة ضئيلة للغاية للفوز، وفرصة تكاد تكون مؤكدة للخسارة؛ مما يجعل من قرار الذهاب إلى نادي القمار للحصول على الأموال التي تحتاج لها قرارًا سيئًا، «شريطة» أن تراهن بعشرين دولارًا في كل مرة.
يمكن أن يكون أداؤك أفضل من ذلك حتى في نادي القمار؛ فإذا ما راهنتَ بخمسين دولارًا في كل دورة روليت، فسوف يسير كلُّ شيء على نحو أسرع، ولن تحظى بمتعة كبيرة، لكن فرصتك في أن تخرج من اللعبة ومعك ضعف ما كان لديك من نقود ستكون أفضل من مجرد فرصة من كل عشر فرص، أفضل بعشرين ضعفًا! لِمَ ذلك؟ لأن الأمر ببساطة لا يتطلَّب العددَ نفسه من ضربات الحظ لكي تصل إلى ما تريد، وكلُّ ضربةِ حظٍّ هي تحدٍّ لقوانين الاحتمالية. في بعض الأحيان قد تجعل قوانينُ الاحتمالية الأمورَ تصبُّ في صالحك تمامًا، وهذا ما يُسمَّى الحظ. ضاعِفْ رهانك إلى ??? دولار في كل دورة وستصل فرصتُك إلى فرصةٍ من كل أربعٍ، وهو الأمر الذي يبدأ في أن يكون مقبولًا إن كنتَ حقًّا في حاجة مُلِحَّة للنقود بدرجة تجعلك على استعدادٍ لتحمُّل خسارة المبلغ كله (وهو أمر لا يزال محتملًا). إلى الآن تتضح كيفية سير الأمور؛ إن كنتَ بحاجة مُلِحَّة إلى النقود ولا تقامِر من أجل المتعة فقط، فإن أفضل استراتيجية إذن هي المقامرة بمبلغ الألف دولار بأكمله في دورة واحدة من دورات عجلة الروليت، وسينتهي الأمر خلال دقائق، وستربح أو تخسر، وستقلُّ فرصةُ الفوز عن الخسارة بقدر ضئيل. قارِنْ ذلك بفرصة في المائتين إذا ما راهنْتَ بعشرين دولارًا! إن الشخص الثَّمِل عليه أن يغلق عينَيْه، ويشير نحو وجهةٍ ما، ويقفز قفزة عملاقة. هنا تكون احتمالية اجتياز ذلك المنحدر أكبر، وذلك إذا ما قارنَّاها بحتمية سقوطه إذا ما راح فقط يتجوَّل في المكان حتى يسقط بالفعل، لكن «يمكن» أن ينتهي به الأمر بالنوم في سلام في المقعد الموجود.
إن كنتَ تراهن من أجل المتعة، فلا تجازف إلا بمبالغ صغيرة بأي حال من الأحوال. بالقَطْع ستخسر في نهاية الأمر، لكن ذلك سيستغرق فترة، وقد تحظى بقدرٍ من المتعة (لا يبدو مطلقًا على المقامرين في نادي القمار أنهم يستمتعون بهذا الأمر، لكن تلك مسألة أخرى). أما إنْ كنتَ تقامِر من أجل ربح مبلغ كبير من الأموال، وكنتَ على استعداد لتحمُّل الخسارة في نفس الوقت، فَلْتُقامِر بما معك من أموال. كتب روديارد كيبلنج في إحدى قصائده يقول: «إن كنتَ قادرًا على تكديس انتصاراتك في كومة واحدة، وتخاطِر بها في لعبة حظٍّ …»
لكن كيف لنا أن نصل لاستنتاجٍ يبدو أنه يفضِّل اتخاذ قرار بالمقامرة بدلًا من توفير النقود، في الوقت الذي تبدو فيه المقامرة قرارًا سيئًا بالقطع على المدى الطويل في مواجهة نسبة الدخل الثابتة؟ ما فعلناه هو اللعب بفكرة المنفعة.
استرجعْ ما تناولناه في الفصل السابق عندما أكَّدنا أن «منفعة» النقود لا تساوي بالضرورة «حجم» النقود. كنَّا في ذلك نحاول أن نوضِّح فكرةَ أن خسارة مبلغٍ من المال تكون أكثر إيلامًا لمعظم الناس أغلب الوقت من متعة ربح مبلغ ما. ومثل هؤلاء الأشخاص (أيْ معظم الأشخاص) لا ينبغي لهم المقامرة ولو على فُرَصٍ متكافئة للربح والخسارة، غير أن هناك أوقاتًا يكون فيها الاحتياج إلى قدر معين من النقود احتياجًا شديدًا (وقد رمزنا إلى هذا بالرضيع الذي يحتاج إلى زوج جديد من الأحذية)؛ ممَّا يجعل احتمالية الفوز أكثر أهميةً بكثيرٍ بالنسبة إليهم من الخسارة المحتملة؛ وحينها يكون القرار الصحيح — بعد تنحية مسألة الأخلاقيات جانبًا — هو الإقدام على المقامرة، حتى لو كانت هناك خسارة صافية متوقَّعة. إن التقييم الملائم لمنفعة النقود (أو لأي شيء آخَر) يمكن أن يغيِّر من قراراتنا تمامًا.
وهذا المنطق الذي يدفع الناس لشراء تذاكر اليانصيب، التي أصبحَتْ تحلُّ محلَّ الضرائب البغيضة بتزايد، كمصدر من مصادر الدخل الحكومي. وحقيقة أنها مصدر من مصادر الدخل للدولة تُعَدُّ دليلًا كافيًا على أنها تأخذ قدرًا من النقود يفوق ذلك الذي تمنحه؛ ومن ثَمَّ يخسر المواطنون (المقامرون تحديدًا) بشكلٍ عامٍّ، وسينصحك كل علماء الرياضيات (احذر من كل العبارات التي تحتوي على كلمة «كل»؛ فهي في الغالب تكون خاطئةً) بعدم شراء تذاكر اليانصيب، لكن العامة يشترونها، متغافلين فيما يبدو عن حتمية الخسارة، وليس نتيجةً لجهل منهم.
وقد أوضح أحد المهندسين المرموقين مؤخرًا، وهو صديق موقَّر للمؤلف، سببَ شراء التذاكر في إيجازٍ خلال خطبةٍ ألقاها مؤخرًا؛ فقد اعترَفَ بأنه توقَّفَ ذات مرة عند أحد المتاجر الصغيرة التي توجد على جانب الطريق لشراء بعض الاحتياجات وهو في طريق عودته إلى المنزل، وأخذ تذاكر يانصيب بدلًا من النقود المتبقية له؛ والسبب كما قال: «يا للهول! إن الفوز بمليون دولار سيغيِّر تمامًا من مستوى حياتي، بينما خسارة دولارين لن تُحدِث أيَّ تأثيرٍ فيه.» وهو هنا، في الواقع، يوضِّح منفعةَ النقود، ويعزِّز من منفعة المكاسب مقارَنةً بالخسائر. ومع ذلك، فما يشكك في حديثه هو أنه لم يتحدَّث عن احتمالية الفوز الضئيلة عند حساب المنفعة «المتوقَّعة» للفوز، التي ربما كان من شأنها أن تدفعه إلى تغيير القرار. ويحتمل أن يكون معظم مَن يشترون تذاكر اليانصيب يقدِّرون الأمر بنفس هذه الطريقة اللاشعورية، مبرِّرين الأمر لأنفسهم بفكرة أنه لا بد أن يربح «أحد». ومع هذا، هناك بعض الحالات يمكن أن يؤدِّي فيها هذا التحوُّل في مفهوم المنفعة إلى اتخاذ قرار بالمقامرة يمكن الدفاع عنه، حتى مع إيضاح احتمالات المكسب والخسارة جيدًا. ومع ذلك، فالمؤلف لا يقبل أن يتلقى تذاكر اليانصيب بدلًا عن أي نقود متبقية له.
إذن دعونا نُنْهِ الفصل ببيان دقيق للاستراتيجية المثلى لأي قرار فردي. لنُطلِقْ على الإجراءات الممكنة أ، ب، ?، بينما نطلق على نتائجها الممكنة س، ص، ع، وهكذا. لكل زوج من الإجراءات، ستكون هناك احتمالية يمكن أن نطلق عليها صفرًا إذا لم يؤدِّ الإجراء إلى نتيجة معينة؛ فقرار عدم الزواج، على سبيل المثال، لا يمكن أن يؤدِّي إلى الطلاق. ونحن أيضًا نحتاج لمنافع النتائج المختلفة، أيًّا كان تقييمها، ويمكن أن نُدرِجها ضمن النتائج س، ص، ع، وكل ما يهم بالنسبة إلى صنع القرار هو منفعة النتيجة، وليس وصفها؛ حينئذٍ يتكوَّن لدينا جدولٌ بهذا الشكل:
?س = ??ص = ?ع = ???س??????ص??????ع??????
لقد ملأنا المصفوفة من داخلها بأرقام عشوائية نوعًا ما؛ لتمثِّل احتمالات النتائج المتنوعة للإجراءات المختلفة (لتَنْسَ أمرَ العمود المتواجِد على الناحية اليسرى والأرقام بأعلى للحظة). لاحِظْ أننا، وعلى عكس الاحتمالات الحقيقية، لم نبذل أي جهد لكي نجعل الأرقام تقع بين الصفر والواحد؛ لأننا سنقارِن فقط الإجراءات المختلفة، وكلُّ ما يهمنا هو ترتيبها «النسبي». ومع هذا، حَرَصْنا على أن نجعل كل الصفوف تؤدِّي إلى نفس الرقم أفقيًّا؛ لذا فلن يكون لأي إجراء على اليمين ميزة غير عادلة على الإجراءات الأخرى (لو كنَّا نتعامل مع احتماليات حقيقية، لَتَمَّ هذا عشوائيًّا، ولأَدَّتِ الصفوف كلها إلى رقم واحد؛ لأن إجمالي احتمالية حدوث «شيء ما» يساوي واحدًا).
لا تزال المعلومة الناقصة هي مجموعة المنافع للنتائج الممكنة س، وص، وع، التي ستمثِّل تقييماتنا لمدى شدة احتياجنا لهذه النتائج أو خوفنا منها (وإنْ كنَّا نخافها، يمكننا أن نضعها في صورة أرقام سلبية)، وبالنسبة إلى هذا المثال، دعونا نجمح ونفترض أن النتيجة س تساوي ??، وص تساوي ?، وع تساوي ??، وهذا هو المبيَّن بأعلى، ونحن نفضل س على ع قليلًا، ونفضل كلَيْهما على ص.
حينئذٍ نحصل على المنفعة المتوقَّعة من خلال ضرب الاحتمالات الزائفة في المنافع، وإضافتها لما يقابلها؛ للحصول على الأرقام النهائية الموجودة على الجانب الأيسر. ومن ثَمَّ الإجراء أ نتيجته ???، والإجراء ب يعطي ???، والإجراء ? يتخلَّف عنهما بنتيجة مقدارها ???؛ وهكذا يتضح أن أفضل رهان هو الإجراء ب، لكنه أفضل بمقدار ضئيل. لقد ربح بالرغم من أنه يعطي احتماليةً أعلى لوقوع النتيجة ? من النتيجة أ، بالرغم من أنك تفضِّل النتيجة أ، لكنه يقدِّم فرصةً أقل للنتيجة ب التي توجد في ذيل قائمة تفضيلاتك.
هذا كل ما في الأمر، إلا أنك نادرًا ما ستتبع ذلك الإجراء المسهب لاتخاذ قرارٍ ما، لكنك إنْ تذكَّرْتَ المنطق الأساسي وراءه، فستتخذ قرارات أفضل على المدى الطويل.

الفصل السادس
الاستقرار: الجزيرة الاجتماعية


إن ما نعنيه بالاستقرار هنا هو نزعة أي عملية — وفي حالتنا عملية صنع القرار — للثبات بعد فترة والتوقُّف عن التغيُّر. جميعنا يعرف أشخاصًا ليس بمقدورهم — فيما يبدو — اتخاذ قرار بشأن أي شيء، لكن هناك أيضًا مواقف متعلِّقة بصنع القرار لا يتم فيها «من حيث المبدأ» التوصُّل لأي نتائج، بغضِّ النظر عن مهارة صانعي القرار. والهدف من هذا الفصل هو إثارة تلك المسألة.
إلى الآن سلَّمْنا بأن الإجراء المنهجي لإعداد قائمة بالإجراءات، والنتائج والاحتمالات، والتفضيلات (المنافع)؛ سيقودنا إلى أفضل اختيار على المدى الطويل، وقد توصَّلنا إلى هذا من خلال تقييم كل النتائج على أساس منفعتها المتوقَّعة؛ بحيث إنَّ ما كان ضروريًّا في النهاية هو وضعها في ترتيب معيَّن؛ فعندما تضع الأشياء في صف واحد، سيكون أحدها في مقدمة الصف. ولما كان لكل منفعة متوقَّعة رقمٌ خاص بها، والأرقام الحقيقية دائمًا ما تُوضَع في تسلسُل، كانت القرارات المثلى حينها تُتَّخَذ بسهولةٍ ويُسْرٍ.
لكن لنفترضْ أنك واجهْتَ موقفًا يتضمَّن العلاقةَ غير المتعدية التي ذكرناها في الفصل الرابع. لقد ذهبتَ إلى المتجر الذي يبيع الآيس كريم المفضَّل لديك لشراء مخروط (فأنت مدمن لحلوى الآيس كريم)، وأمامك الخيارات التقليدية من فانيليا وشوكولاتة وفراولة، ولم تكن أنت ذلك المدمن المتردِّد الغامض كي تطلب ثلاثَ كرات من كل نوع (فضلًا عن زيادة الوزن)، بل كنتَ تتحلَّى بضبط النفس الذي يدفعك لطلب كرة واحدة فقط، لكنك تفضِّل الفانيليا على الشوكولاتة، والشوكولاتة على الفراولة؛ ليس ثمة مشكلة في ذلك، إلا إذا واجهتَ خيارًا مباشِرًا بين الفراولة والفانيليا، فإنك حينها ستفضِّل الفراولة. «حينها» ستواجهك مشكلة. ليس من الصعب تخيُّل مثل هذا الموقف؛ فهو يحدث بالفعل؛ لأنك تركِّز على الملامح المختلفة لكل مقارنة. المشكلة واضحة؛ فأيًّا ما كانت النكهة التي تختارها، فهناك واحدة تفضِّلها. وإن كانت المعلومة الوحيدة المتاحة هي ما أدلَيْنا بها، فليس هناك وسيلة منهجية أو عقلانية للخيار في الواقع. ويصبح التردُّد مُحرِجًا عندما تطلب — لنقل مثلًا شوكولاتة — ثم تقول بعد ذلك: «معذرةً، أفضِّلُ الفانيليا.» ثم تنظر إلى الخيارات المعروضة مرةً أخرى بينما يضع العامل كرة الفانيليا فتقول: «لقد أعدتُ النظرَ ثانيةً، وأريد الفراولة.» وهكذا. وفي النهاية سيلقون بك خارج متجر الآيس كريم دون أن تحصل على أيٍّ منه.
بالطبع يمكنك أن تتعامل مع الأمر بالطريقة التي كنَّا نتَّبِعها من قبلُ؛ أن تجبر نفسك على إعطاء تقييمٍ أو نقاط لكلٍّ من النكهات الثلاث، ثم تختار أعلاها. لكن ليس هناك طريقة على وجه الأرض تجعلك تمنح الفانيليا تقييمًا أعلى من الشوكولاتة، وتمنح الشوكولاتة تقييمًا أعلى من الفراولة، ثم تعود لتمنح الفراولة تقييمًا أعلى من الفانيليا، إن الحسابات المعتادة لن تقبل ذلك. إنك لن تقع في مشكلة إلا إذا كان لديك تفضيلات، ولا تستطيع تقييم الخيارات من خلال ترتيب مميز؛ إذن فمن الممكن أن تواجِه حالةً من عدم الاستقرار في عملية اتخاذ القرار، وهذا أمر شائع.
دَعْنا نَزِدِ الأمر صعوبةً بعض الشيء من خلال تناوُل حالةٍ يتواجَد فيها العديد من صانعي القرار، وتتداخل قراراتهم معًا. وهي أيضًا لعبة، لكن يجب أن يلعب اللاعبون وفقًا لقوانين صارمة، وليس لهم سلطة اتخاذ القرار على الإطلاق؛ ومن هذا المنطلق، توضِّح اللعبة عدم الاستقرار، وليس صنع القرار. (لقد رأى المؤلف هذا المثال لأول مرة من خلال مجموعة من المحاضرات الممتعة لِدونالد نوث.)
الجزيرة الاجتماعية

بدلًا من امرأة غير متزوجة مع مئات المرشحين الذين يتوقون للزواج بها، كما رأينا في الفصل الثاني، تتضمَّن هذه اللعبةُ مجموعةً من المتزوِّجين (غير مسموح بأشخاص عزَّاب)، يعيشون كجيران في جزيرة استوائية نائية. دَعْنا نطلق على أول أربعةِ أزواجٍ آل وألِيس، وبوب وباربارا على التوالي. بمقدورنا إضافة أزواج آخَرين بحسب الترتيب الأبجدي كلَّما توغَّلْنا في الأمر. إن اللعبة بأسرها لعبة خيالية ومختلقة بالطبع، صُمِّمَتْ لكي توضِّح نقطةً معينةً، لكن يا لها من جزيرة!
إن للُّعبة قواعد استثنائية، لكنها قد تكون معروفة بعض الشيء؛ فاللاعبون عاشوا معًا على الجزيرة لفترة طويلة بدرجةٍ تجعلهم على معرفة جيدة بعضهم ببعض، وكل زوجة لها قائمة سرِّية من التفضيلات بين الأزواج، من الأفضل إلى الأسوأ، بينما لكلِّ زوج قائمة تفضيلاته السرية للزوجات؛ إنه عالم من محض الخيال. ولا يتوقَّف الأمر عند هذا الحد، بل إن الزوج قد يأتي على قمة التفضيلات بالنسبة إلى زوجته، أو قد لا يأتي، وهكذا الأمر بالنسبة إلى الزوجات أيضًا، وهذا الموقف غير نادر الوجود في الحياة العملية. ما الذي يمكن فعله حيال ذلك، خلاف جلب الإحباطات؟ حسنًا، إن قواعد اللعبة تقدِّم مخرَجًا لذلك. تنصُّ قواعد اللعبة على أنه إذا ما كان آل، على سبيل المثال، يفضِّل باربارا على زوجته ألِيس، «و» باربارا تفضِّل آل عن زوجها بوب، فإن على آل وباربارا أن يودِّعَا زوجَيْهما، ويتزوَّجَا. ولمَّا كان من المحرمات في تلك الجزيرة الفريدة أن يكون المرء غير متزوج، فليس هناك خيارٌ أمام الزوجين المهجورين بوب وألِيس سوى زواج أحدهما بالآخَر. تلك هي قوانين اللعبة كاملة؛ والآن لنتأملْ بعض الحالات الممكنة.
لنبدأْ بالحالة التي اخترعناها لتوِّنا، والتي يمكن وصفها من خلال الجدول التالي، بإدراج التفضيلات لكلٍّ من المشاركين الأربعة:
آلألِيسبوبباربارابارباراآلبارباراآلألِيسبوبألِيسبوب
سنجد أنَّ كل اسم شخص في الصف تندرج تحته قائمةُ التفضيلات الخاصة بهذا الشخص، ولقد تكاسلنا عن ترتيب ذلك، واخترنا أن يكون لكلِّ شخص نفس قائمة تفضيلات الشخص الآخَر من نفس الجنس؛ ? آل وباربارا هما المفضَّلان لدى الجميع، أما بوب وألِيس فهما مَن يسبِّبان الضيق للجميع. هذا أيضًا معتاد في الحياة الواقعية؛ فقد تكون هناك شخصية هي الأنثى المفضَّلة للجميع، وشخصية أخرى تمثِّل الرجلَ المفضَّلَ لدى النسوة جميعهن (لنُلْقِ اللومَ في هذا على التليفزيون). ورغبات الخاسرين على هذه الجزيرة ليس لها علاقة بما سيحدث لاحقًا، وبعد ذلك التبادُل الذي يتزوَّج من خلاله آل وباربارا تاركَين وراءهما بوب وألِيس ليواسيَ كلٌّ منهما الآخَر، سيكون الجدول كالتالي:
آلباربارابوبألِيسبارباراآلبارباراآلألِيسبوبألِيسبوب
سنرى أنه لن يكون هناك أيُّ تغييرات أخرى؛ فآل وباربارا سعيدان معًا، وهكذا فإن سوء نصيب كلٍّ من ألِيس وبوب لا يهم في شيء الآن (تذكَّرْ، إنها مجرد لعبة). وبالرغم من أن كلًّا من بوب وألِيس يفضِّل شريكًا مختلفًا، فليس لدى آل وباربارا أيُّ اهتمام بعملية المبادلة، وهما مسئولان عن هذا الارتباط، على الأقل في هذه الجزيرة. لقد أضحى الموقف في حالة استقرار، ومن الممكن إثبات أن مجموعةً تتألف من زوجين ستحقِّق دائمًا الاستقرارَ من خلال هذه العملية. هذا لا يعني أن الجميع سعداء، لكن يمكن لذلك أن يتغيَّر فقط إذا ما وافَقَ «زوجان» من الأزواج — كلا الفردين — على إنهاء كلٍّ منهما علاقته بشريكه. ومرة أخرى، يماثِل هذا ما يحدث في الحياة الواقعية؛ لاحِظْ أنه كان هناك شخصان يعيشان مع شريكيهما المفضَّلين قبل عملية المبادَلة، لكنهما أصبحَا شخصين مختلفين بعدها؛ لذا يمكننا القول بأنه ليس هناك مصلحةٌ اجتماعية عائدة من جرَّاء ذلك، أو حتى ضررٌ، بالنسبة إلى ذلك الأمر؛ فالسعادة في ذلك المجتمع الصغير تجمَّعت ببساطة في عائلة واحدة، وبالنسبة إلى مَن يفضِّلون مجتمعًا مستقرًّا قبل أيِّ شيء، هذا هو الحال هنا.
لكن ماذا لو كان هناك أكثر من زوجين من الأزواج، لِنَقُلْ ثلاثةٌ أو أربعةٌ، أو عشراتٌ؟ إذن فهناك احتمالات أكثر لجداول التفضيلات ولترتيبات الزواج، وأيُّ شخص بمقدوره اللعب بالخيارات المختلفة (يمكن للمرء أن يرى ذلك يتطوَّر إلى لعبة جماعية بها أناس حقيقيون يضعون قوائمهم السرية، لكن ذلك لن يُعلَن على الملأ مطلقًا؛ تخيَّلْ كَمْ سيكون مُهينًا للكبرياء أن يفصح شريكُ حياتك عن قائمة تفضيلاته (أو تفضيلاتها) أمام مجموعة من الأشخاص، واسمك يُذيِّل القائمة.) إن نتيجة التحليل الدقيق — الذي يمكن مراجعته والتحقُّق منه من خلال تجربة بعض الحالات القليلة — هي أنه أيًّا كان الرقم، وبغضِّ النظر عن قوائم التفضيلات، فهناك دومًا ترتيبٌ «ما» مستقِرٌّ، لكنه لم يَعُدْ صحيحًا أنك يمكن أن تصل إليه من خلال مبادَلة شريك الحياة. تأمَّلْ حالةَ ثلاثةٍ من الأزواج في ظلِّ جدول التفضيلات الموضَّح (لقد أضفنا تشارلي وكارول لعالَمنا الصغير، وأصبحنا نتحرَّى مزيدًا من التعقيد ونحن نعمل على ترتيب الأمر).
آلألِيسبوببارباراتشارليكارولبارباراآلبارباراتشارليألِيسبوبألِيستشارليألِيسآلبارباراتشارليكارولبوبكارولبوبكارولآل
إذا ما اتَّبَعْنا بعد ذلك ترتيبَ الأحداث، فسنرى أن باربارا ستتزوج آل (فهي تفضِّله عن بوب، وآل يفضِّلها عن ألِيس)، ثم ستستمر في صعودها نحو تشارلي (الذي يفضِّلها عن كارول، بينما هو خيارها الأول). في ذلك الوقت تكون ألِيس قد ارتبطَتْ بِبوب، وهو خيارها الأخير؛ لذا ستنتقل نحو تشارلي؛ أيْ خطوةً لأعلى؛ حيث يعتقد أنها على قمة التفضيلات، ثم تعود في النهاية مرةً أخرى إلى آل، وهو المفضَّل لديها. وفي كل حالة، نرى أن الذَّكر المغازل يحسِّن من موقفه هو الآخَر.
ولكننا الآن نتفهَّم المشكلة؛ فكل تلك الإشكالات أعادَتْنا إلى حيث بدأْنا بالضبط؛ لذا يمكن للدورة أن تبدأ ثانيةً، وتستمر للأبد. وبالرغم من أن هناك ترتيباتِ زواجٍ مستقرةً بالنسبة إلى هذا الجمع (حاوِلْ أن تجدها إنْ كان ينبغي عليك هذا)، فإنه ليس ثمة وسيلة لتصل إليها من نقطة البداية التي اخترناها؛ فهذا مجتمع غير مستقر.
من الممكن إثبات أن هناك دومًا ترتيباتٍ مستقرةً أيًّا كانت التفضيلات، وأيًّا كان عدد الأزواج (انظر الفقرة التالية للاطِّلاع على أمثلةٍ لذلك)، لكن ليس من الممكن دومًا أن تصل إلى واحد منها من خلال نقطة بداية معيَّنة. إلى جانب هذا، ليس هناك الكثيرُ لنُشِيد به في هذه الترتيبات بخلاف الاستقرار؛ ومع ذلك، ففي كل حالة من حالات المبادلة، يظل المجموع الكلي للسعادة في المجتمع كما هو؛ كل ما في الأمر أن توزيعها يُعاد بين العائلات لا أكثر.
وَلْنأخذ حالةً متطرفةً يكون فيها كلُّ رجل متزوجًا من المرأة المتواجدة على قمة تفضيلاته (هذا ينطبق على أي عدد من المتزوجين). نُطلِق على هذا ترتيبًا مستقرًّا؛ لأنه لن يكون هناك رجل يريد عملية مبادلة؛ فهو سعيد بترك الأمور تسير كما هي. بل بمقدورنا أن نجعل كل رجل من أولئك الرجال يتواجد في ذيل قائمة تفضيلات زوجته، لكن ستظل الأمور مستقرة؛ لأن كل زوجة لن تجد رجلًا تعيسًا يفضِّلها عن أخرى (لا تسألني كيف حدث هذا، فالأذواق تتغيَّر). وتتطلب قوانين اللعبة، كما يحدث تمامًا في الحياة الواقعية، أن يكون هناك اتفاق بين كل اثنين هاربين؛ لذا فالأمور مستقرة، ولكن ليس بالضرورة أن تكون محبَّبة. والحالة التي نعكس فيها الجنسين هي حالة مستقرة أيضًا، بالطبع؛ حيث يكون فيها نساء سعيدات مع رجال تعساء. وهناك العديد من الحالات المستقرة بين الحالتين، بجانب العديد من الحالات الأخرى التي لن تحقِّق أيَّ استقرارٍ مطلقًا.
سنترك الأمرَ عند هذا الحد، ويمكن ممارسة اللعبة بشراسةٍ أكثر مع المواعدات، والارتباطات، وسائر وسائل المتعة، والاستنتاج العام المستقَى من ذلك هو ما تعلَّمَتْه المجتمعات الحرة منذ فترة طويلة وهو: كلما زادت الفرص التي تسنح للأشخاص بالتمرُّس على استخدام قوائم التفضيلات واستكشافها، كانت هناك فرصة أفضل لكي تستقرَّ ترتيبات الزواج النهائية. هذه بالطبع لعبة من نسج الخيال؛ بما يعني أنه يجب ألا نأخذ هذا الاستنتاج النهائي بجدية شديدة، لكن يتعيَّن علينا أن نأخذ بجديةٍ تلك الحقيقةَ الجوهرية التي مفادها أنه عندما يكون هناك مجموعة كبيرة من الأشخاص، لهم أهداف متضاربة، فالاستقرار غير مضمون. وسنتعرَّض لذلك كإحدى القضايا الأساسية عندما نتحدَّث عن الاختيارات الاجتماعية فيما بعدُ.

الفصل السابع
معضلة السجينين


نبدأ جولتنا في مشكلات القرارات المتعددة الأطراف بمثال نموذجي معروف، يُسمَّى «معضلة السجينين»، لا لشيء إلا لكي نورده في الكتاب، ولنبيِّنَ أن هناك مشكلات قرارات ذات بساطة خادعة وليس لها حلول جيدة، وسيكون ذلك هو أول مثال يمكن فيه أن يعتمد أفضل قرار للَاعب فردي على ما يعلمه عن نوايا لاعِب آخَر، أو على ما يمكنه أن يتنبَّأ به منها.
أُلقِي القبض على جيري وكيث للاشتباه بارتكابهما جريمة شنعاء، وحُجِزَا حجزًا انفراديًّا في زنزانتين منفصلتين. كانت الشرطة والمدَّعون على يقينٍ من أنهما مذنبان، لكنهم ليسوا على قناعة من قدرتهم على إثبات ذلك لأي هيئة محلفين. (ربما عُثِر على الدليل المقنع خلال تفتيش غير قانوني، أو تنصُّت غير قانوني على مكالمات الهاتف، ولا يمكن استخدام أيٍّ من هذا في المحكمة. أو ربما أدلَيَا باعترافاتٍ دون تفكير قبل «إخبارهما بحقوقهما القانونية»، أو ربما اختفى أحد الشهود الأساسيين في ظروف غامضة.) لذا، ودون السماح لأيٍّ منهما بالتواصُل مع الآخر، عُرِضَت صفقة على كلٍّ منهما على حدة نصها: استمِرَّا في ادِّعاء البراءة طوال الوقت في المحكمة، بالرغم من أننا جميعًا نعلم علم اليقين أنكما مذنبان، وسندعي عليكما في جريمة عقوبتها أقل، نعرف كيف نثبت إدانتكما فيها، بحيث يمكث كلٌّ منكما عامين في السجن. هذا شيء مؤكَّد إن لم تُظهِرَا تعاونًا، وسنشعر بالضيق حقًّا لأننا لن نستطيع إثبات التهمة الحقيقية عليكما، لكننا سنعاقبكما بأقصى ما نستطيع، حتى لو كان هذا يعني قضاء عامين فقط في السجن.
أما إذا اعترفتما وأبديتما الندمَ على ما اقترفتما، فسيحصل كلٌّ منكما على خمس سنوات فقط، وهو ما يُعَدُّ حكمًا مخفَّفًا إلى حدٍّ ما بالنسبة إلى تلك الجريمة الشنعاء، لكنه يتناسب مع خطورتها أكثر من الحكم بعامين.
«ومع هذا»، وها هي الصفقة، إذا ما اعترف أحدكما وأدلى بشهادته للولاية، بينما استمرَّ الآخَر في الإصرار على براءته، فسيفلت الذي اعترف ويحصل على ثلاثين يومًا فقط — فعلى أي حال، سنقدِّر ذلك التعاوُن، لكننا لا نستطيع إطلاق سراحكما — بينما سنُدين غيرَ النادمِ والرافضَ للتعاون بعدة قضايا، وسيُمضِي عشر سنوات في السجن. هذه هي الصفقة، إما أن تقبلاها وإما أن ترفضاها.
لا يستطيع السجينان التشاوُر كلٌّ مع الآخَر، ومع ذلك يعتمد مصير كلٍّ منهما على قرارٍ من الآخَر. لنتناولْ موقف جيري أولًا؛ إذا ظلَّ كلٌّ منهما مخلصًا للآخَر، وادَّعى كلاهما البراءة، فسيحصلان على حكم بالسجن لمدة عامين، وهو أفضل بكثيرٍ من خمس سنوات، لكن هذا يعتمد على موقف كليهما؛ فإذا ما اعترف كيث، ولم يفعل جيري، فسيحصل جيري على حكم بالسجن لمدة عشر سنوات، بينما سيفلت كيث تقريبًا من العقوبة؛ لذا قد ينبغي على جيري الاعتراف؛ إذ سيحصل في هذه الحالة على ثلاثين يومًا إذا ما تمسَّكَ كيث بموقفه، وخمس سنوات إذا ما اعترَفَ كيث أيضًا. وهذا سيكون أسوأ من الحبس عامين إذا ما ثبت كلاهما على موقفه، لكنه أفضل من عشر سنوات إذا ما خانه كيث؛ لذا فالمحصلة النهائية بالنسبة إلى جيري هي أنه إذا ما اعترف فسيحصل على ثلاثين يومًا أو خمس سنوات، اعتمادًا على ما يفعله كيث، لكن إذا ما التزم الصمت، فستكون الخيارات إما سنتين وإما عشر سنوات، ومرة أخرى هذا يعتمد على كيث. فما العمل إذن؟
فيما يلي جدولٌ تعبِّر أرقامه عن المُدَد التي سيمضيها كيث وجيري في السجن، بذلك الترتيب:
??جيري??اعترافإنكاركيثاعتراف? سنوات، ? سنوات?? سنوات، ?? يومًاإنكار?? يومًا، ?? سنواتعامين، عامين
بعد قراءته كتابًا عن صنع القرار، أعَدَّ جيري هذا الجدول، وراح يحدِّق به، وفجأةً أدهَشَه أن القرار الأمثل لا يعتمد بالمرة على ما يفعله كيث؛ فإذا اعترف كيث فسيحصل جيري على خمس سنوات إذا ما اعترف هو أيضًا، وعشر إذا لم يعترف؛ وإذا لم يعترف كيث فسيحصل جيري على ثلاثين يومًا فقط إذا ما اعترف، وسنتين إذا لم يعترف؛ لذا بغضِّ النظر عمَّا يفعله كيث، فإن أفضل استراتيجية لِكيث هي أن يعترف.
المشكلة هنا هو أن ذلك هو ما يفكِّر به كيث بالضبط؛ لذا فإن استراتيجيته المثلى، بغضِّ النظر عمَّا يفعله كيث، هي الاعتراف أيضًا.
لكن أين يتركنا هذا؟ لقد حلَّل كلٌّ من السجينين جميعَ الخيارات المتاحة أمامه بدقة، وقرَّرَ أن خياره الأمثل «الذي يصبُّ في مصلحته» هو الاعتراف، بغضِّ النظر عمَّا يفعله الآخَر. سيُسجَن كلٌّ منهما خمس سنوات من خلال ما يُطلَق عليه المساومة القضائية، ولكن إذا ما نظرتَ إلى الجدول، يتضح جليًّا أن هناك خيارًا أفضل لكلٍّ منهما إذا ما استطاعا فقط التحدُّثَ معًا، ثم التصرُّف وفق مصلحتهما «المشتركة»، بدلًا من أن يتصرَّف كلٌّ منهما وفق مصلحته «الشخصية». إذا ما اتفقَا على الاستمرار في المقاومة ورفْض الاعتراف، مدَّعِيَين البراءة (انسَ الجانب الأخلاقي للموقف)، فسينتهي بهما الأمرُ بالسجن لمدة عامين فقط وليس خمسة أعوام.
يستخدم أصحاب نظريات الألعاب مصطلح «الاستراتيجية المهيمنة» لوصف موقف تنافُسي يجد فيه اللاعب أن قراره الأمثل لا يعتمد على ما يفعله الآخرون. كانت الاستراتيجية المهيمنة لكل لاعب واضحةً بما يكفي في هذه الحالة، ومع هذا كان يمكن بالفعل أن يُبلي كلٌّ منهما بلاء أفضل إذا ما تعاوَنَا معًا. قد يبدو هذا مناقِضًا للذَّات، لكنه ليس كذلك؛ فعندما تتداخل القرارات الفردية تتضاعف الخيارات.
والأسوأ من ذلك أن هذا الموقف يستدعي الازدواجية. لنفترِضْ أنه بالرغم من الجهود القصوى التي يبذلها الحرَّاس، فقد استطاع كيث وجيري أن يتواصَلَا، ربما من خلال النقر على جدران الزنزانة، أو ربما إعطاء رشوة صغيرة إلى أحد الحرس؛ قد يتفقان حينها على أن الرهان الأفضل هو التمسُّك بالإنكار، سواء في أحلك الظروف أم أفضلها. وحتى إذا انطلقا في هذا المسار، فسيظل في مصلحة كلٍّ منهما الاعتراف سرًّا في اللحظة الأخيرة، على أمل الحصول على حكمٍ بثلاثين يومًا فقط، وينبغي أن تكون ثقة كلٍّ منهما في الآخَر عظيمةً حقًّا ليتقبَّلَا مثل هذه المخاطرة؛ نفس الأمر ينطبق على دولتين متعاديتين تتفقان على نزع السلاح المشترك؛ فالميزة تذهب لتلك التي تحتال. وتتعلم الدول ذلك الدرس مرارًا وتكرارًا من خلال التجارب القاسية، والبعض في الواقع لا يتعلَّم مطلقًا، لكن الاختيار الطبيعي يحجم عدد هذه الدول.
هناك نسخة اجتماعية أكثر تفصيلًا لنفس المعضلة، لأكثر من لاعبَين، وصفها جاريت هاردن في مقاله الشهير عام ???? الذي يحمل عنوان «مأساة المشاع»، باستخدام حالةٍ لمجموعة من الرعاة يَرعُون قطعانهم في مرعًى مشترك؛ من مصلحة كلِّ راعٍ زيادةُ ماشيته، لكن إذا ما فعلوا «جميعًا» هذا، فسيؤدي إلى كارثة بالنسبة إلى المرعى؛ ومن ثَمَّ بالنسبة إلى كلٍّ منهم على انفراد. وإذا ما اتفقوا بالفعل على تحديد حجم ماشيتهم، فإن مَن يحتال هو الذي سينجح. تأمَّلْ مشكلةَ الزيادة السكانية البشرية التي لا حلَّ لها على وجه الأرض، حيث تسري نفس المبادئ.
وحقيقة أن المصلحة الذاتية يمكن أن تعمل ضد الصالح العام هي حقيقة مؤثرة، ولا يوجد لها حلٌّ معروف على المستوى العام. وحتى عندما يتفق الجميع على مرغوبية عملٍ جماعيٍّ ما، فمِن المصلحة الذاتية لكل فرد ألَّا يدفع لقاء ذلك سوى القليل قدر المستطاع، وما يؤكِّد تلك الحقيقة التي لا مناصَ منها مسألةُ أن من الجائز قانونًا لنا تجنُّب سداد الضرائب، ولكن ليس التهرُّب منها؛ وهذا هو السبب في أن الناس، في مجتمعنا الديمقراطي، على استعدادٍ للتصويت لكلِّ المشروعات المفيدة اجتماعيًّا تقريبًا، بشرط أن يستفيدوا فقط، ويتولَّى شخصٌ آخَر مسألةَ الدفع.
ليس ثمة مفرٌّ حقيقي من معضلة السجينين؛ إذ إن التواطؤ لا يمكن أن يؤدِّي إلا إلى قرارٍ مشتركٍ بالتشبُّث بالرأي. حتى التواطؤ، في العالم الواقعي، قد لا يكون مستقرًّا على المدى الطويل؛ فينبغي أن يصمد أمام ضغوط المصلحة الذاتية الواضحة. إن أمثلةَ ذلك الموقف في الحياة الواقعية، كحالة المعاهدات بين الدول، واضحةٌ، وقد أدرك أرسطو تلك الحقيقة جيدًا منذ ألفَيْ عام؛ فقد اعتبر قوانين العامة بمنزلة النهاية الطبيعية للُعبة الديمقراطية، وأَطلق على تلك الحالة اسمًا رائعًا وهو «حكومة الصعاليك». لقد كان بالقَطع يتحدَّث اليونانية بطلاقة.

الفصل الثامن
الألعاب التنافسية


حتى الآن لم تكن توجد أيُّ منافسة في مشكلات صنع القرار؛ فما من أحدٍ يعمل ضدنا، حتى الطبيعة وقوانين الاحتمالية أنفسهما لا تدعمان أطرافًا بعينها؛ فهما لا تُباليان إنْ كنَّا نربح أم نخسر. لكنَّ وهْم أننا مسئولون عن أقدارنا بينما بقية العالم لا يبالي، هو أمر غير واقعي؛ فالمنافسة من أجل البقاء هي شأن من شئون الحياة منذ أن توافرَتْ لدينا أي معلومات عن الإنسان، أو عن النبات والحيوان والتاريخ، وهذا التاريخ يبلغ مقداره مليون عام أو نحو ذلك بالنسبة إلى البشر، اعتمادًا على ما نعنيه بكلمة إنسان، أكثر ممَّا نعنيه بأشكال الحياة الأخرى. ولم يكن من المحتمل أن يكون سبب وصول جنسنا البشري لوضعه المهيمِن الحالي (والمتغير) على الكوكب هو قدرة أسلافنا على الوثب لمسافات أعلى، أو الركض أسرع، أو العض والخدش أفضل من المنافسين، وإنما السبب أنهم كانوا، إلى حدٍّ ما، أكثر قدرةً على التكيُّف مع المواقف والبيئات المتغيرة؛ وسواء أكان بإمكانهم النجاة من الكارثة التي قضَتْ على الديناصورات منذ سبعين مليون عام أم لا — فقد جاء ظهور نوعنا متأخِّرًا للغاية بما يستحيل معه تحديد ذلك — فتلك مسألةٌ محل خلاف، لكن قدرتهم على استخدام أدواتٍ للتعامُل مع الصعوبات البيئية والغذائية التي واجهتهم تعود إلى العصر الحجري القديم. لقد كان تطويرُ مهاراتٍ أعلى عمليةً بطيئةً، لكنها كانت مستمرةً بالفعل يحرِّكها الصراع التطوري من أجل البقاء. وبالرغم من ثرثرة أنصار نظرية الخَلْق، فإن التطوُّر شيء حتميٌّ في عالمٍ يغلب عليه التنافس، وهو يؤتي ثماره بالفعل؛ فالأصلح، سواء راقَ لك ذلك أم لا، لديه فرصة أفضل للبقاء، بل للأهم من ذلك؛ التكاثر. (هناك مخلوقات يمثِّل التكاثرُ بالنسبة إليها شيئًا مهلكًا، لكنها تفعله على أي حال.) وإذا لم يَعُدِ الأصلح يملك مزيةً، فسيتوقف التطور. ربما يتعرَّض التطوُّر لعملية ارتداد وانحسار نتيجة للقانون الثاني للديناميكا الحرارية، لكن ذلك موضوع مختلف.
وذلك التطور الذي طرأ على الشخصية البشرية عبر العصور جَعلَنا (نحن الناجين) حيوانات متنافسة. وتقدِّم لنا الألعاب التنافسية نماذجَ للحياة الواقعية، ودراستُها تُعِيننا على فهم عملية صنع القرار في بيئةٍ ربما — بل بالتأكيد — يعمل فيها المشاركون ضدنا. والغريب أن الجهود الحثيثة لتحليلِ حتى أبسطِ الألعاب التنافسية — تلك التي تكون ضد خصم مفكِّر — يعود تاريخها فقط إلى النصف الأول من هذا القرن، وكان من الإسهامات المميزة في هذا الشأن الكتابُ الغامض «نظرية الألعاب والسلوك الاقتصادي»، من تأليف كلٍّ من جون فون نيومان وأوسكار مورجنسترن الصادر عام ????، مع نسخة لاحقة صدرت عام ????، ومنذ ذاك الحين ظهرت مئات الكتب في هذا المجال. كان فون نيومان، الذي كتب بعض الأوراق البحثية عن الموضوع في العشرينيات، واحدًا من علماء الرياضيات البارعين حقًّا — ونحن لا نستخدم مطلقًا هذا المصطلح باستخفافٍ — بينما كان مورجنسترن عالمَ اقتصادٍ شهيرًا. ويؤكِّد الجمع بين الموضوعين في كتابهما على حقيقة أن نظرية الألعاب لها تطبيقات عملية مهمة؛ فقد كان علماء الاقتصاد هم مَن نظروا إليها بحماس. وهذا الفصل مخصص بالكامل تقريبًا لأبسط الحالات: الألعاب الصفريةِ المجموع ذات اللاعبَين؛ فهي توضِّح المبادئ العامة بشكل رائع بأقل قدر من الزيادات، ويزداد الأمر صعوبةً مع وجود مزيدٍ من اللاعبين، ويظل العديد من المشكلات بلا حل.
وها هي أبسط الألعاب الممكنة ذات اللاعبَين: تمدُّ يدَيْك المغلقتين وبإحداهما — لنَقُلْ — حصاة مخبَّأة؛ إذا ما خمَّنْتُ أنا اليد التي بداخلها الحصاة، أربح شيئًا، لنَقُلْ عشرة سنتات، وإنْ كان تخميني خطأً، أخسر السنتات العشرة. تبدو الاحتمالات متكافئةً، وهي لعبة صفرية المجموع (بمعنى أن أيَّ شيء أربحه، تخسره أنت، والعكس صحيح). يبدو أن الأمر لا ينطوي على أي مهارات؛ فبمقدوري التخمين من خلال قذف العملة، أو التفكير بتروٍّ، ما دمتُ لا أمتلك عينًا بها أشعة سينية أو معرفةً مُسبَقة باليد التي تحوي الحصاة، لكن ذلك لا يكون صحيحًا إلا في المرات القليلة الأولى فقط؛ فإذا لاحظتُ (على سبيل اختيارِ حالةٍ مبالغ فيها) أنك تفضِّل يدك اليمنى، أو أنك تميل لتبديل يدَيْك بين المحاولات، أو لك أيُّ نمط آخَر يمكن إدراكه؛ فسرعان ما سوف أدركه، وأشرع في توقُّع خطواتك بشكل صحيح، وأبدأ في الفوز؛ وإذا ما لاحظتَ أنت أنني عادةً ما أختار اليد اليسرى، أو أتحرَّى التبادُل، أو أيًّا كان ما أفعله، فستبدأ في التلاعب كي تثبِّط معنوياتي؛ وإذا نجحتُ أنا في تجنُّب إظهار نمطٍ بإمكانك استغلاله، فإن من مصلحتك — بالقطع — أن تتجنَّبَ أنت أيضًا إظهارَ نمط معيَّن؛ خشية أن أدركه. إن من مصلحة كلٍّ منَّا أن يلاحظ متى يطوِّر الآخَرُ عاداتٍ يمكن التنبؤ بها.
عندما تبدأ تلك المنافسة في التخمين وتتجه نحو الاستمرار، يبدأ الذكاء يؤتي ثماره؛ فهذه اللعبة — بالرغم من قواعدها البسيطة — تنطوي على تحدٍّ (منذ أربعين عامًا مضَتْ، صمَّم كلود شانون — وهو عالم رياضيات موهوب وضع نظرية المعلومات الحديثة — في «معامل أبحاث بل للهاتف» ماكينةَ تخمينٍ لكي تمارس اللعب أمام البشر، وكانت اللعبة ناجحةً بصورة مذهلة في المنافسة المباشرة مع الأشخاص الحقيقيين، الذين كانوا يجدون مشكلةً في إخفاء أنماطهم). إن أفضل استراتيجية في هذه اللعبة، بالنسبة إلى كل لاعب، هي البحث عن نمط مميز في سلوك الآخَر؛ ومن ثَمَّ تكون أفضل استراتيجية مضادة لكلٍّ منهما هي التصرُّف بعشوائية قدر الإمكان — لتجنُّب الأنماط الواضحة — مع استغلال نقاطِ ضعفِ الآخر أثناء ذلك (ويسري هذا على معظم الألعاب التنافسية؛ ففِرَق كرة القدم تبذل أقصى ما باستطاعتها لكي تخلط ما بين الجري والتمريرات، ورماة البيسبول الموهوبون يخلطون ما بين الكرات السريعة والكرات المنحنية، ولاعبو البوكر الماهرون لا يخادعون كثيرًا، لكن إذا ما فعلوا هذا، فهو لا يحدث إلا بشكل غير متوقَّع، وهذا أيضًا نمط). إنِ استطاع لاعبَا الحصى أن يغلِّبَا السلوكَ العشوائي على حركاتهما بمهارة متساوية، فسيصلان لنقطة التعادُل على المدى الطويل. وتعني المهارة في اللعبة تعلُّمَ استغلالِ قابلية سلوك الآخَر للتنبؤ به، بينما من ناحية أخرى تتصرَّف أنت بطريقةٍ لا يمكن التنبؤ بها. جرِّبْ هذا؛ إنها لعبة تفكير تنافسية جيدة. (حقَّقَتْ آلة شانون سلسلةً من الفوز المبهر قبل أن تخسر مباراة في النهاية أمام مديرٍ تنفيذيٍّ بإحدى الشركات، كانت أنماط تفكيره عشوائية إلى حدٍّ بالغ؛ فهل مِن درسٍ مستفاد هنا؟)
الآن دعونا نجرِّب شيئًا أكثر واقعيةً بعض الشيء، وهو ما نحتاج معه أن نطلق أسماءً على بعض المتنافسين، لنَقُلْ جاك وجيل. مرة أخرى ستكون لعبةً صفرية المجموع، لكن بمزيدٍ من الخيارات، والتصميم سيماثل نموذجَ جيري وكيث لصنع القرار في الفصل السابق، لكن بدلًا من مُدَد السجن لكل لاعب، ستوجد خطوات تنافسية يتخذها اللاعبان المتنافسان. غير مسموح بأيِّ تواصُل؛ فبما أنهما متنافسان، فهما لا يرغبان في الكشف عن استراتيجياتهما على أي حال؛ ستبدو الصورة على هذا النحو، مع تسمية خطوات جاك المحتملة بحروف من أ حتى د، وخطوات جيل من ? حتى ح. تتمثَّل اللعبة ببساطة في قيام جيل سرًّا باختيار صفٍّ (خط أفقي)، بينما سيختار جاك على نحوٍ مستقِلٍّ عمودًا (خطًّا رأسيًّا)، وتعتمد نتيجة الجولة على ما يوجد في المربع المتقاطع عندما تنكشف الخطوات (لنَقُلْ إنهما سلَّمَا خطواتهما في مظروف مغلق، يفتحه الحكم فيما بعدُ).
???جاك???أب?د??????????جيلو???????ز????????ح????????
الرقم الموجود في كل مربع هو مكسب جيل بالنسبة إلى هذين الخيارين بعينهما، ويمثِّل خسارة جاك على التوازي. لقد اخترنا الأرقام بعشوائية تقريبًا (ليس تمامًا بالطبع؛ فالمؤلفون دائمًا ما يحتفظون بحق التلاعب بأرقامهم لتوضيح نقطةٍ ما). إن كلا اللاعبين يدرك المخاطر؛ فهما يضعان هذا الشكل البياني أمامهما، وقد جعلنا اللعبة تنحاز لصالح جيل باستخدام الأرقام الموجبة فقط؛ فبالطريقة التي تُقرَأ بها، لا يمكن أن تخسر، وهذا لا يغيِّر من الاستنتاجات التي سنخلص إليها؛ بل يجنِّبنا فقط الإزعاجَ الطفيف للأرقام السلبية. سترغب جيل في تعظيم مكاسبها، فيما سيرغب جاك في تقليلها (لنجعل الأمر أكثرَ واقعيةً، لنفترض أنها تدفع لِجاك أتعابًا شاملة لدخول اللعبة، وتأمل في أن تستردها في صورة مكاسب). لقد اخترنا أيضًا جدولًا مربعًا — لكل لاعب فيه نفس عدد الخيارات — لكن ذلك ليس ضروريًّا. إن كان هناك فريق مهاجِم في مباراةٍ لكرة القدم، والفريق الآخَر هو المدافع، فسيكون أمامهما قوائم مختلفة تمامًا من الخيارات (يمكن النظر إلى الرياضات التنافسية مثل كرة القدم على أنها ألعاب صفرية المجموع؛ لأن أي نقاط يحرزها أحد الفريقين يمكن اعتبارها نقاطًا سلبية بالنسبة إلى الفريق الآخَر، والفريق الذي يُحرِز معظمَ النقاط في النهاية هو الذي يفوز. هناك رياضات يمكنك أن تحرز فيها نقاطًا سلبية، تأتي عادةً من خلال توقيع الجزاءات على اللاعب).
إن مهمة جيل الآن هي التفكير في خطوتها المثلى، وهي لا تدري ما الذي سيفعله جاك (والعكس صحيح بالطبع). لا يوجد تواطؤ؛ فهما يكشفان عن خطواتهما في نفس الوقت. قد تميل جيل لمحاولة تحقيق فوز أكبر باختيار الصف و، على أمل أن يضطر جاك لاختيار العمود أ، مما يمنحها ?? نقطة، وهو أفضل المتاح؛ لكن جاك ليس أحمق، وهو أيضًا يعي تمامًا ما في الجدول؛ ومن ثَمَّ قد يقوم بتخمين خطواتها ويختار ب لنفسه، مقلِّلًا بذلك من مكسبها إلى ? فقط، وهو مكسب لا يكاد يستحق جهدها. وبالتفكير برويةٍ في خطوات جاك الممكنة والمضادة لخطواتها، قد تقرِّر جيل أن تلعب بتحفُّظ، وأن تختار خطواتها لتعظيم مكاسبها بغضِّ النظر عمَّا يفعله جاك؛ بهذه الطريقة سوف تقرُّ بتمتُّعه ببعض الذكاء، وتحاول أن تضع هذا في الاعتبار. يمكنها أن تلعب بهذا الشكل من خلال النظر لكل صف (خط أفقي) يمثِّل خطوة محتملة لها، وتختار الصف الذي يكون «حده الأدنى» — والذي يمثِّل أفضل خطوة لِجاك ضدها — أكبر ما يمكن. هذا ما يُطلَق عليه استراتيجية «أقصى الأدنى»؛ فهي ستحاول تعظيم الحد الأدنى لمكسبها الذي يمكن أن يسمح لها به جاك، وبهذا النوع من التفكير، ستميل لاختيار الخيار ?؛ لأن أقل رقم في هذا الصف، ?? — الذي يمثِّل أسوأ ما يمكنها فعله إذا اختارت ? — أكبر من أصغر رقم في أي صفٍّ آخَر. ليس هناك شيء يمكن أن يفعله جاك في خطوته يمكن أن يجعل مكسبها أقل من ??، بينما أي خطوة أخرى من جانبها ستجعلها معرَّضةً لطريقة لعب جاك المضادة غير المتوقَّعة.
لاحِظْ أن المنطق هنا ليس نفس المنطق الذي استخدمناه من قبل عند الحديث عن الاحتمالات؛ حيث كان الهدف هو الحصول على أكبر مكسب «متوقَّع»، في ظل الأرجحيات المتوافرة لكل نتيجة ممكنة لأي لقرار. إن الطبيعة وقوانين الاحتمال أشياء جديرة بالثقة، ولا تحابي أحدًا، لكن الخصم الماكر يغيِّر كلَّ شيء؛ إن ما فعلَتْه جيل هو البحث عن أسوأ تصرُّف يمكن أن يُوقِعه بها جاك، وتجعله أفضل ما يمكن أن يكون؛ إنها طريقة متحفظة، ويُطلَق عليها في بعض الأحيان التخطيط لأسوأ الحالات، وهي طريقة شائعة في الحياة العملية؛ إنها تعكس نفورًا من الخسارة بدلًا من تحمُّس للفوز، وبالنسبة إلى مثل هذا الهدف، تكون استراتيجية الحد الأدنى منطقيةً بالنسبة إلى جيل.
ما زلنا لم ننظر إلى اللعبة من وجهة نظر جاك، بالطبع هو يريد تقليل حجم خسارته أمام جيل؛ لذا قد يميل لتبنِّي استراتيجية «أدنى الأقصى»، باحثًا عن «الحد الأقصى» في كل «عمود» (خط رأسي) يمكنه اختياره، ويختار العمود الذي «يقلِّل» هذا الرقم؛ سيكون هذا تمامًا بمنزلة استكمالٍ لاستراتيجية جيل، وسيكون له أثر في أن يجعل أسوأ حالاته جيدة بقدر المستطاع؛ وهو بذلك يمنح جيل التقدير لبذلها أفضل ما تستطيع، محاوِلًا فقط أن يجعل ذلك غير مجزٍ بالنسبة إليها قدر المستطاع. حسنًا، إن أصغر حدٍّ أقصى يمكن أن يجده جاك في أي عمود هو ?? في العمود ?؛ لذا إن كان سيختار العمود ?، فليس ثمة شيء يمكن أن تفعله جيل — فليس هناك صفٌّ يمكنها اختياره — يمكن أن يكلِّفه أكثر من ?? نقطة. وتحقيقًا لمصلحته الشخصية، متصرِّفًا مرة أخرى بتحفُّظ، من المحتمل أن يختار جاك ?، بينما من المحتمل أن تختار جيل ?، وهي تتصرف بتحفُّظ أيضًا لمصلحتها، وستكون النتيجة فوز جيل ? ?? نقطة من أيٍّ ما يتمُّ الرهان عليه، وهو الحد الأدنى الذي اعتمدت عليه، بينما حجَّمَ جاك خسارته لأدنى مستوًى مخطَّط له، وهو ?? نقطة أيضًا. يمكننا أن نطلق على هذه اللعبة لعبة مستقرة؛ إذ يتبيَّن أن الخطوة المثلى لكل لاعب هي الأفضل، حتى عندما تنكشف خطوات اللاعب الآخَر في النهاية، بل إن الأمر لا يستلزم إخفاء الخطوات في تلك الحالة؛ فليس هناك ما يمكن أن يفعله جاك لتحسين نتيجته النهائية، حتى بعد أن يعرف خطوة جيل؛ وبالعكس، لن تغيِّر معرفةُ خطوات جاك من قرار جيل على الإطلاق.
لكن من قبيل المصادفة، في تلك الحالة، أن استراتيجية أقصى الأدنى التي مارسَتْها جيل تؤدِّي بالضبط إلى نفس نتيجة استراتيجية أقصى الأدنى التي اتَّبَعَها جاك — مجموع نقاط يبلغ ?? نقطة — وأنه لا يمكن أن يضمن جاك أو جيل نتيجة أفضل. والكلمة المفتاحية هنا هي «يضمن»؛ إذ إن هناك العديد من توليفات الخطوات التي من شأنها أن تُنتج أرقامًا أكبر أو أصغر إذا ما لعب أحد اللاعبَين بطريقة سيئة. وعلى كل حال، فالرقمان الأكبر والأصغر في الجدول هما ? و??، ويمثِّل كلٌّ منهما توليفةً ممكنةً من الخطوات. ومع هذا، فعند إحراز ?? نقطة، يكون كلُّ لاعب قد بذل أفضل ما لديه، بينما وضع في اعتباره تصرُّف المنافس بذكاء. ولما كان من غير الحكمة عادةً (لكن ليس دائمًا) الاعتمادُ على عدم كفاءة خصمك، فمن الحكمة والعقل بالنسبة إلى جيل أن تلعب الصف ?، وأن يلعب جيل العمود ?؛ فاللعبة مستقرة.
لكن تلك كانت مصادفة دبَّرَها المؤلِّف خلسةً. لنفترِضْ أنه قد تمَّ تبديل الرقمين ?? و?? في العمود ? في الجدول الثاني.
???جاك???أب?د??????????جيلو???????ز????????ح????????
حينئذٍ سيقود نفس المنطق السابق جاك لأن يلعب العمود ? باستراتيجية تخفيض الحد الأقصى للخسائر، بخسارة قصوى متوقَّعة مقدارها ??، بينما ستظل جيل مدفوعةً للالتزام باستراتيجية أقصى الأدنى وتختار الصف ?، لكن الآن بمكسب أدنى متوقَّع مقداره ??. إذا ما لعب كلٌّ منهما وفق النموذج السابق، فستفوز جيل ? ?? نقطة فقط بدلًا من ا? ?? نقطة السابقة، لكن في تلك الحالة لن يكون هناك اختيار منطقي تلقائي؛ إنها لعبة حقيقية. ربما تتخيَّل جيل نفسها في مكان جاك، وتفهم المنطق الذي ربما دفعه لاختيار العمود ?؛ ومن ثَمَّ تختار لنفسها بمهارةٍ الصفَّ و، وفي هذه الحالة سوف تخاطِر بمكسب مقداره نقطتان فقط إذا ما استشَفَّ جاك تلك الاستراتيجية واختار العمود ب، لكنها ستفوز با? ?? نقطة كاملة إذا لم يفعل. بالطبع يمكن أن تفترض أن جاك يعتقد أن بمقدوره التنبُّؤ بطريقة تفكيرها تلك؛ ومن ثَمَّ قد يختار ب؛ فإذا ما حاوَلَ ذلك بالفعل، فسيكون بمقدورها حينئذٍ أن تخدعه في المستوى التالي من خلال اللعب باختيار خيارها الأصلي؛ وهو ?. وهكذا سيكون هو قد خدع نفسه، وهلم جرًّا. في أي لعبة تنافسية حيث تكون كل الحقائق على الطاولة (كلعبة الشطرنج على سبيل المثال)، يكون هذا النوع من التخطيط والتخطيط المضاد هو المقصد من اللعبة، ومَن يفعلونه بطريقة الأفضل، ويخطِّطون لمعظم الخطوات مقدمًا؛ هم مَن يفوزون. وبما أن هذه اللعبة من ألعاب الخطوة الواحدة، فليس هناك الكثير ممَّا يتعلَّق بالذاكرة والتذكُّر، لكنَّ لعبتَيِ الشطرنج وجو من الألعاب التي تتضمَّن خطواتٍ عدةً؛ حيث يخرج عدد الاحتمالات عن نطاق السيطرة سريعًا إذا ما حاولتَ أن تبالغ في التفكير مقدَّمًا. وحتى برامج الكمبيوتر الجيدة لِلَعب الشطرنج لا تدَّعِي تقييمَ كلِّ الخطوات المحتملة، لكنها تهزم كبارَ أساتذة الشطرنج بانتظام إلى حدٍّ ما هذه الأيامَ؛ ليس دائمًا، لكن بانتظام.
لكن هذا ليس نهاية الأمر؛ فهناك طريقة أفضل للعب في لعبة غير مستقرة، وكان هذا هو الإسهام الأعظم لِفون نيومان.
لقد تعلَّمنا من لعبة إخفاء الحصى في اليد أنه من المفيد في بعض الأحيان تبنِّي استراتيجية عشوائية لمجرد إحباط خصمٍ يمكنه تحسين موقفه من خلال تخمين خطواتك؛ ولعبة جاك وجيل ليست استثناء من هذا، لكن علماء الرياضيات جعلوا هذه الحالة تتجاوز ما نطمح إليه في هذا الكتاب. ومع ذلك لا يزال بمقدورنا أن نرى بشكل بديهي كيف ينجح الأمر إذا ما غيَّرنا قوانين اللعبة قليلًا؛ فبدلًا من أن نطلب من جاك وجيل أن يختار كلٌّ منهما خيارًا واحدًا فقط، سنجعلهما يقلِّلان من فُرَص خسارتهما من خلال اختيار عدة خيارات؛ فبالنسبة إلى جاك، على سبيل المثال، بدلًا من اختيار أ، أو ب، أو ?، أو د، قد يكون بمقدوره أن يضع نصف الرهان على أ، ولا يراهن بشيء على ب، ويراهن بالربع على كلٍّ من ?، ود — أو أي توليفةٍ تروق له — وبالمثل بالنسبة إلى جيل. تخيَّلْ أن كلًّا منهما يمتلك كومةً من الرقاقات يراهن بها، تمامًا كما في لعبة الروليت.
لنَعُدِ الآن إلى استراتيجية جيل بالنسبة إلى النسخة غير المستقرة من اللعبة، وهي الجدول الثاني الوارد أعلاه. لقد كانت مشكلتها تكمن في أن أفضل استراتيجية لتعظيم الحد الأدنى من المكاسب ستقودها للخطوة ? التي من شأنها — بالاندماج مع أفضل خطوة يتَّخِذها جاك لتخفيض الحد الأقصى للخسائر وهي ? — أن تتيح لها الفوز ? ?? نقطة فقط، ولو أنها كانت على ثقة «بالفعل» من أن جاك سيختار ?، لَكان من الأفضل لها أن تختار و وتفوز ? ?? نقطة؛ إذن لِمَ لا تغطِّي كلا الاحتمالين بوضع جزء من الرقاقات على كلٍّ منهما؟ فعلى سبيل المثال، يمكن أن تضع ثلثَيِ الرقاقات على ?، والثلث على و كحماية ضد خداع جاك؛ حينئذٍ إذا ما مضى جاك قدمًا نحو الاختيار المتوقَّع ?، فستصيب ?? نقطة بثلثَيْ رهانها، و?? بالثلث الآخَر بإجمالي ???? تقريبًا، وذلك أفضل بكثيرٍ من ا? ?? نقطة المضمونة بالأساس. وإذا ما حاوَلَ جاك بالفعل أن يخدعها باللعب على ب، فستصل إلى ?? نقطة بثلثَيْ رهانها، و? فقط ببقية الرهان، ولكن يظل الإجمالي ??، وهذا لا يزال أفضل. (من منظور المدققين، ليست هذه الاستراتيجية المثلى للرهان بالنسبة إلى جيل، لكنها تقترب منها، ويتطلب اختيار استراتيجية مثالية حقًّا وجودَ علماء رياضيات أكثر براعةً قليلًا.)
بالطبع لم يكن جاك مستغرِقًا في أحلام اليقظة خلال كل هذا؛ فهو يعلم أن هذا النوع من الرهان لتقليل حجم الخسارة متاح أمام جيل، وبمقدوره توزيع رهاناته لكي يحجِّم من مكاسبها. يمكنه وضع بعض الرقاقات على ? كأفضل خطوة متحفظة، ولكن مع وضع بعض الرقاقات القليلة على ب ليحبط استراتيجية جيل المحتملة. سنترك الأمر للقارئ كي يستنبط كيف يمكنه تحسين موقفه من خلال توزيع رهاناته بدلًا من وضعها ببساطة على عمود واحد؛ والنتيجة النهائية هي أنه بالنسبة إلى «أي» لعبة من هذا النوع، سواء أكانت مستقرة أم لا بالنسبة إلى الرهان الفردي، هناك طريقة مثلى لكل لاعب كي يقلِّل من خسارته ممَّا يؤدي إلى موقف مستقر.
هذه هي النظرية الأساسية بشأن الألعاب الثنائية الصفرية؛ فهناك استراتيجية مثلى للحماية ضد الخسارة بالنسبة إلى كل لاعب، ويمكن لكل لاعب أن يحسِّن موقفه بغضِّ النظر عن رهان الآخَر. من النادر أن يكون الخيار الأفضل هو وضع البيض كله في سلة واحدة، وهذا الأمر ليس بديهيًّا، لكنه يظلُّ موجودًا. يتبقى فقط أن نقول إن تخفيف صرامة القوانين التي تمنح اللاعبين القدرةَ على تقسيم رهاناتهم ليست ضرورية في الواقع إذا ما كانوا يمارسون اللعبةَ كثيرًا بما يكفي؛ فيمكن لِجيل أن تراهن على ? لثلثَيِ الوقت، وعلى و لثلث الوقت، على أن تحرص على خلط رهاناتها عشوائيًّا، وهو ما سيكون جيدًا مثل تقسيم الرهان على المدى الطويل؛ وبالطبع في أي لعبة فردية سيكون ذلك بمنزلة مقامرة. وأفضل استراتيجية مضادة بالنسبة إلى جاك هي خلط رهاناته خشيةَ أن تدرك جيل النمطَ الذي يتَّبِعه. ويطلق خبراء نظرية الألعاب على هذه الاختيارات العشوائية «الاستراتيجيات المختلطة».
يُعَدُّ تحليل الألعاب الصفرية التي تضم أكثر من لاعبَين أكثر تعقيدًا، لكننا لن نتناولها الآن؛ خشيةَ انصراف العديد من القرَّاء مبكرًا عن الكتاب؛ ستظهر معظم المبادئ في الوقت المناسب عند تناولنا للاستراتيجيات المتعددة الأطراف، غير أنه يجدر بنا ملاحظة سمة خاصة من سمات الألعاب الثلاثية الأطراف التي ستطفو على السطح ثانيةً خلال مناقشتنا لقانون لانكستر في الفصل السادس عشر. فمن الاستراتيجيات الجيدة «دومًا» أن يوحِّد اثنان من اللاعبين قواهما (أو يتآمَرَا) ضد اللاعب الثالث، وأن يسويَا خلافاتهما عندما يكون هو قد أُقصِي. وبتنويعات مناسبة، ينطبق هذا الدرس على الألعاب التي تضمُّ المزيدَ والمزيدَ من اللاعبين، وللأسف ينطبق على الحياة أيضًا.

الفصل التاسع
تناقُض


إليك متناقضة مشوِّقة — من السهل وصفها — ما زالت تثير نوباتٍ من الغضب والانفعال بين علماء الإحصاء المحترفين، وأصحاب نظرية القرار.
المتناقضة هي مفارقة «ظاهرية»؛ فالتناقض الذاتي الحقيقي مستحيل، والدور الرئيسي للمفارقات في دراسات المنطق (يعتمد صنع القرار العقلاني على المنطق، كما هو الحال بالنسبة إلى كل أنواع التفكير العقلاني) هو تحدِّي ترابطِنا المنطقي؛ أي التأكُّد من أن كل شيء في مكانه المناسب. من الواضح، إلى حدٍّ ما، أن العبارتين التي تُناقِض كلٌّ منهما الأخرى لا يمكن أن تكونا كلتاهما صحيحتين — فلا يمكن أن تستقر العملة على الصورة والكتابة في الرمية ذاتها — لذا فمن الاختبارات القياسية للاتساق مع الذات بالنسبة إلى أي نظام منطقي هو أن توضِّح أنه مهما يكن ما تعتقد أن بإمكانك فعله، لا يمكن أن تثبت صحة عبارتين متناقضتين بوضوح. إن الطريق إلى الجنون هو الاختلاف مع ذاتك، وأن تَدَعَ الأمر يقف عند هذا، بَيْدَ أن إحدى الخطوات على طريق الحكمة هي حلُّ تلك الخلافات الداخلية «الظاهرية». لقد أمضى ألبرت أينشتاين العبقري العظيم جزءًا كبيرًا من سنوات منتصف عمره وهو يحاول أن يخترع متناقضات تُظهِر أن ميكانيكا الكم (نظرية جديدة ساعَدَ في تطويرها، ولكنه شَعَرَ بعدم الراحة تجاهَها فيما بعدُ) لا تتَّسِق مع ذاتها؛ لقد أخفَقَ في هذا، ولا تزال ميكانيكا الكم موجودة، بالرغم من أنها لا تزال تتحدَّى أولئك الذين يفكِّرون بعمقٍ بشأن متناقضات أينشتاين وعواقبها. لقد كان عبقريًّا بحقٍّ، واستنزف حلُّ متناقضاته أفضلَ ما كان لدى عالِم الفيزياء من جهد في تلك الأيام. لا تزال بعضٌ من متناقضاته صعبةً بالنسبة إلى الخبراء؛ فأولئك الذين يدَّعون أنهم لا يجدون صعوباتٍ لا يمكن أن يكونوا خبراء.
ومن أحد الأمثلة الجيدة للتناقض المنطقي، وربما أقدمها جميعًا هو متناقضة إبيميندس. كان إبيميندس فيلسوفًا كريتيًّا ذا تاريخ غامض بعض الشيء، عاش منذ ما يقرب من ألفَيْ وخمسمائة عامٍ، ويزعم أنه قال: كل الكريتيِّين «كاذبون»، وهذا — في إيجازٍ — هو الشكل القديم للمتناقضة. هل العبارة صحيحة أم خاطئة؟ لو كانت صحيحة، إذن فلا يمكنك تصديق قائلها الذي هو كريتي؛ لذا فلا يمكن أن تكون صحيحة، لكن لا بد أن تكون كذبةً إذن؛ ومن ثَمَّ فإن قائلها كاذب، وكيف يمكن أن نصدِّق أي شيء يقوله عن الكريتيين، بما فيه الزعم بأنهم جميعًا كاذبون؟ من السهل التوسُّع في هذه الفكرة وتنقيحها؛ فمثلًا: يمكن أن يحتوي هذا الكتابُ على عبارةٍ تخبرك بألَّا تصدق شيئًا في هذا الكتاب، بما فيه هذه العبارة. وقد كان تطوُّرٌ للأفكار الرئيسية التي انبثقت من متناقضة إبيميندس هو ما قاد عالم الرياضيات المتمرِّد كورت جودل لنظريته الشهيرة والثورية التي ظهرت عام ????، والتي تقول إن كل النُّظُم الرياضية تحتوي على نظريات لا يمكن إثباتها أو دحضها (لم تكن نظريته واحدة منها؛ فقد استطاع إثباتَ صحتها). وقد أحدَثَ هذا صدمةً لدى علماء الرياضيات الذين اعتقدوا لأمد طويل أن الرياضيات الحقيقية لم يكن بها مثل هذه المشكلات؛ أي إنه يمكن إثبات صحة أو خطأ كل النظريات. لقد كان وجود المعضلات المستعصية على الحسم بمنزلة مفاجأة — فقد أعطى جودل مثالًا واضحًا — وكشْف عن بعض الحقائق الشديدة العمق بشأن الرياضيات.
نعود إلى إبيميندس؛ قد تعتقد عند هذه النقطة أن هذا المؤلِّف الماكر يعتقد أنه استطاع إقناعك بشيء غير حقيقي؛ فبالرغم من تاريخها الذي امتدَّ لألفَيْ وخمسمائة عام، فإنه ليس هناك وجود حقيقي لمتناقضة إبيميندس؛ لأن كلَّ ما قاله إبيميندس أنَّ كل الكريتيين كاذبون، وهذا يُثبِت — بالرغم من أنه هو نفسه كاذب — أن هناك كريتيًّا صادقًا في مكانٍ ما؛ إذن فما قاله كان كذبًا، ولكن ماذا بعدُ؟ تلك وسيلة للخروج من النسخة القديمة لهذه المتناقضة، لكنْ إن غيَّرناها قليلًا، وجعلناه يقول: «هذه العبارة كاذبة»، أو «هذا الكريتي كاذب»، فسنعود لنفس المأزق؛ فهذا يجعل العبارة مستقلةً ومنغلقةً على ذاتها تمامًا، وهو جوهر التناقض؛ أو بإمكانك أن تنتقل للخطوة التالية، ويكون لديك عبارتان؛ تقول الأولى إن الثانية خطأ، وتقول الثانية إن الأولى صحيحة، وهكذا باستمرار؛ إذن فالنسخة القديمة هي مجرد مسألة صنعة غير متقنة، أما التناقض فهو سليم. وبالفعل كانت المرجعية الذاتية في الرياضيات أساسًا لبرهان جودل.
لكن هذا انحراف عن الموضوع. إن المتناقضات تلعب دورًا مهمًّا في حمايتنا من التفكير السطحي، وفيما يلي متناقضةٌ من متناقضاتِ نظرية القرار مصاغةٌ بمصطلحاتٍ تماثِل تلك الموضَّحة في الفصل السابق. لا تتوقَّع أن يكون الحلُّ واضحًا.
كان اللاعبان، بيل وكو، يحتسيان الخمر في الحديقة بينما يناقشان خُرافاتٍ قديمةً بشأن الجن، وسرعان ما انجذَبَ أحد الجن لحديثهما، وتجسَّدَ خلف إحدى الشجيرات، واستمع لبرهة، وانبهر بعمق معرفتهما؛ فأراد أن يكافئهما على علمهما، لكن بدلًا من أن يمنحهما الأمنياتِ الثلاثَ التقليدية، قرَّرَ أن يكون واقعيًّا؛ لذا حرَّرَ شيكين (إذ كان له حساب في بنك سويسري). خلط الجني الشيكين ووضع كلًّا منهما في مظروف مغلق، ومنح الشيكين للاعبَيْن بترتيب عشوائي، وبينما كان يختفي مخلِّفًا تلك السحابة التقليدية من الدخان، سمعاه يقول إن الشيكين بمبالغ مختلفة، وإن أحدهما ضعف الآخَر تمامًا، لكنه لم يتفوَّه بشيء آخَر عن قيمتهما.
بعد رحيله نظر كل لاعب خلسةً للشيك الخاص به، وراح يتساءل إن كان هو الطرف الرابح أم الخاسر من الصفقة.
راح بيل يفكِّر بينه وبين نفسه قائلًا: إن الشيك الخاص بي مبلغ كبير، وخاصة أنه كسب مفاجئ، لكن لا بد أن الشيك الخاص بِكو إمَّا نصف مبلغي (إنْ حصلتُ أنا على النصيب الأكبر)، وإما ضعف قيمته (إن كان هو الحاصل على المبلغ الأكبر). إلى جانب ذلك، توحي الطريقة التي تمَّ بها الأمر — تحرير الشيكين وخلطهما قبل منحهما لنا — بأن فرصة حصول أيٍّ منَّا على الشيك الأكبر فرصة متكافئة، لكن هذا يعني أنني يجب أن أعرض المقايضة مع كو؛ إذ إن لديَّ فرصةً متكافئةً لمضاعفة نقودي أو خسارة نصفها، وهذا يعني وجود مكسب صافٍ متوقَّع (إنْ كنتَ تمتلك عشرة دولارات ومُنِحت فرصةً لقذف عملة لتحدِّد إذا ما كنتَ ستربح عشرة دولارات إضافية أم ستخسر خمسة من دولاراتك العشرة، فَلْتقبل العرض وَلْتبتهج بفهمك للاحتمالية. وَلْتنْسَ الآن ما ذكرناه في الفصل الرابع عن منفعة النقود). وهكذا قرَّرَ بيل، باستخدام مبادئ نظرية القرار، أن من مصلحته المقايضة مع كو، بل يبدو أنه استطاع أن يتخذ هذا القرار دون حتى فتح المظروف الخاص به؛ فالمبلغ الذي بداخله لم يكن مهمًّا بالنسبة إلى المنطق.
لكن كو راوَدَه نفس التفكير وانتهى إلى أنَّ من مصلحته أن يقايض بيل؛ لذا انتهَزَ الفرصة عندما اقترح بيل المقايضة. إن كلًّا منهما في نفس موقف الآخَر، وكلًّا منهما يعتقد أنه قد قَيَّم الاحتمالات والمنافع بأسلوب صحيح، وكلًّا منهما مقتنع بأن عليه المقايضة، ومن الواضح أن كلَيْهما امتثَلَ لقوانين المنطق؛ فهل يمكن أن يكون كلاهما على صواب؟ هذه لعبة صفرية في النهاية؛ ما يعني أن مكسب بيل هو خسارة لِكو والعكس صحيح؛ لذا لا يمكن أن يفوز كلاهما، لا بد أن يكون أحدهما على خطأ، بالرغم من أن كلًّا منهما مرَّ بنفس السلسلة المنطقية التي لا يرقى إليها الشكُّ ظاهريًّا. ليس هناك بالطبع خطأ من «الناحية المنطقية» في منافسةٍ يقتنع طرفاها بأنهما سيفوزان؛ فهذا يحدث في أغلب الأحيان في الرياضة، وعلاقات الحب، والحروب، لكن يُفترَض في هذه الحالة أن اللاعبَين يتصرَّفان بعقلانية؛ وهذا هو التناقض.
والآن نأتي إلى الحل؛ فكِّرْ جيدًا قبل أن تقرأ المزيد، أَعِدَّ قدحًا من الشاي، عانِقْ طفلًا أو صديقًا مميزًا لك؛ لقد نُشِر العديد من المقالات غير الصحيحة في صحف مرموقة عن هذا الموضوع؛ لذا فهو يستحق قليلًا من التفكير.
لقد ارتكَبَ كلٌّ من بيل وكو الخطيئة الكبرى حينما اعتقدَا أن احتمالية الحصول على الجائزة الكبرى ظلَّتْ كما هي، سواء قبل توزيع المظاريف وفتحها أم بعد ذلك. لقد خلط الجني المظروفين بحرصٍ قبل أن يسلِّمهما إياهما؛ لذا فإن من الصحيح تمامًا أنه «قبْل» التوزيع، كان لكلٍّ لاعب فرصة متساوية للحصول على الجائزة الكبرى، لكن هذا لا يعني أن أيًّا من بيل أو كو يمكن أن ينظر إلى مظروفه وينتهي إلى أنه لا تزال هناك فرصة متساوية لأنْ يكون المظروف الذي يحمله في يده يحمل بداخله النصيب الأصغر.
فكِّرْ في الأمر على هذا النحو. أيًّا ما قرَّرَ الجني أن يمنحه، سواء أكان ????? دولار، أم ?????????? (مليار) دولار، فبمجرد أن قسَّمَ الغنيمة لحزمتين غير متساويتين وخلطهما، بات من المحتمل أن يحصل بيل على واحدة أو الأخرى. ليس ثمة مشكلة هنا، لكن بمجرد أن وُزِّعت المظاريف وفُحِصت، صارت القصة مختلفة.
تذكَّرْ أنْ ليس لدى بيل أو كو أيُّ فكرة على الإطلاق عن حجم الحساب البنكي للجني (فالبنوك السويسرية تحتفظ بأسرارها الصغيرة)، أو حتى عن مستوى كرمه؛ فهو يحتفظ بشهامته لِذَاته، وكل ما يمكنهما أن يعرفاه على الأرجح هو ما يريانه في مظروفَيْهما الصغيرين؛ لذا إنْ نظَرَ بيل في مظروفه وعثر على شيك ? ?????? دولار، فكلُّ ما يعرفه بالفعل أن هناك احتمالين لسخاء الجني: إذا ما حصل كو على ????? دولار، فإن الجني إذن قد وهبهما ?????? دولار، «لكن» إن حصل كو على ??????، يكون الجني قد وهبهما ?????? دولار، وحصل هو (أي بيل) على المبلغ الأصغر؛ لذا فإن الاحتمالات التي عليه أن يقدِّرها ليست إنْ كان قد حصل على النصيب الأصغر أم الأكبر من مبلغ معين (والذي كان مبلغًا متساويًا قبل التوزيع)، بل ما إذا كان الجني قد منح ?????? دولار أم ?????? دولار. تلك مجموعة مختلفة من البدائل، وليس لدى بيل أيُّ سببٍ على الإطلاق كي يصدق أن احتمالاتها متساوية، بل إنه إذا ما افترض أن هناك حدًّا لثروة الجن (أو كرمهم)، فمِن الأفضل أن يفترض الأسوأ؛ أي أن يكون الجني أكثرَ ميلًا لتفضيل المبلغ الأصغر؛ لذا من المرجح أنه يحمل الرزمة الأكبر وعليه أن يقنع بما لديه، وهذا هو النقيض لما كان يعتقده في الأساس.
قد يعتقد بالطبع أن الجن شديدو الثراء حتى إن ا? ?????? دولار أو ?????? دولار لا تعني الكثير بالنسبة إليهم،؛ لذا فالاحتمالات بالفعل متساوية تقريبًا كما فكَّرَ في المقام الأول، ويكون من المنطقي مرة أخرى أن يلجأ للمقايضة. لكن الأمر السيئ أنه لا يستطيع أن يستمر في ترديد ذلك، بالنسبة إلى ملايين أو مليارات الدولارات؛ لأننا ببساطة نتحدَّث هنا عن احتمالية، ومجموع كل الاحتمالات «يجب» أن يكون واحدًا صحيحًا. فهذا قانون أساسي من قوانين الاحتمالية، ولا يستطيع بيل أَوْ كو أَوْ حتى الجنيُّ خرْقَه. وإن كانت كلُّ الاحتمالات واحدةً، مهما كان قدر النقود الذي نتحدَّث عنه، فلا يمكن أن يكون مجموعها في النهاية واحدًا صحيحًا. هذا يعني أنه «يجب» على كلٍّ مِن بيل وكو، إذا رغبَا في اتخاذ قرارات عقلانية، أن يُجريَا نوعًا من التقييم لحدود ثروة الجني وميله للسخاء، ومَن يفعلْ ذلك بالشكل الأفضل ويُضَاهِ ذلك التقييم بحجم جائزته، فسيتخذ القرار الأفضل بشأن المقايضة، ومَن يحمل المبلغ الأصغر في مظروفه، فسوف يحتمل أن يكون أكثر استعدادًا للمقايضة، وهذا في مجمله منطقيٌّ.
لكن هل أيٌّ منهما مُحِقٌّ بشأن الاحتمالية الفعلية؟ على الأرجح لا، بالنظر إلى خبرتهما المحدودة بحسابات الجن في البنوك ودوافعهم الخيرية. لكن ماذا بعدُ؟ تمامًا كما في الحياة الواقعية، مَن يقوم بأفضل تقييمٍ هو مَن يتخذ أفضل قرار، والحجة الأساسية بأن الاحتمالات كانت متساويةً عند توزيع المظاريف كانت مضلِّلة ببساطة؛ فهي تقارن المجموعة الخطأ من البدائل. لقد كانت حجة زائفة.
هناك درس مهم هنا، وهو أنك عندما تتحدَّث عن الاحتمالية، عليك أن تكون واضحًا بشأن البدائل التي تقارن احتمالياتها. والاحتماليات التي كانت متكافئةً حقًّا هي أنه إما بيل وإما كو سيحصل على المظروف الضخم، لكن بمجرد انتهاء عملية التوزيع، لا يعود هناك وجود لتلك المجموعة من البدائل، ولا يوجد معنًى لأي احتمالات لأشياءَ اتُّخِذ قرارٌ بشأنها بالفعل؛ إذن تتغيَّر الاحتمالات سريعًا مع تكشُّف الأحداث، وتتغيَّر الخيارات أو تُستبعَد، وهكذا. فبمجرد أن وُزِّعت المظاريف، أصبحت الخيارات بالنسبة إلى الاحتمالات القائمة بمنزلة خيارات بشأن قدر النقود التي وزَّعها الجني، وليس الشخص الذي حصل على النقود.
ليس هناك إذن تناقُض حقيقي، والدرس المستفاد هو أنه من السهل أن تُستدرَج نحو الخلط بين الاحتمالات البديهية (قبل معرفة الحقيقة) لمجموعة من الخيارات، وبين احتمالات تابعة (بعد معرفة الحقيقة) لمجموعة أخرى. ويمكن أن تكون المجموعتان مختلفتين تمامًا. لن يسمح لك أيُّ مضمارِ سباقٍ بأن تراهن في السباق بينما الخيول تشقُّ الطريقَ مُسرِعةً؛ يبدو الأمر بديهيًّا وواضحًا لدرجة أنه من المُخجِل أن نذكره، لكن هذا هو أصل التناقض في هذا الفصل. وَلْتنتبِهْ لهذه النقطة: من المحتمل أن يكون ذلك أكثر الأخطاء شيوعًا في إساءة الاستعمال الشائع للاحتمالات؛ فالاحتمالية هي الفرصة النسبية لوقوع حدث واحد وسط بحر من الأحداث المحتملة الأخرى، وأنت بحاجةٍ لمعرفة كلَيْهما من أجل استخدام الاحتمالية على نحو صحيح.

الفصل العاشر
التصنيفات


حتى الآن كان معظم ما تناولناه حالاتٍ تنطوي على طريقةٍ ما، تمكِّننا من وضع قيمة على نتائج القرار؛ هذا أمر رائع عندما يكون بإمكاننا فعله، لكنه ليس عمليًّا دائمًا أو حتى ممكنًا، بل حتى إنه قد لا يكون ضروريًّا في بعض الحالات. إن كانت لديك موارد محدودة وتحاول أن تقرِّر إذا ما كنتَ ستستخدمها في شراء يخت أو إرسال الأبناء إلى الكلية، فلا يتعيَّن عليك أن تمرَّ بتحليل دقيق ومفصَّل لكي تعرف موضع التزامك. هناك أوقات تكون فيها التفضيلات البسيطة مناسبةً تمامًا لصنع القرار؛ كاختيار موعد، أو قراءة كتاب، أو تناوُل وجبة خفيفة من المبرد؛ عندها يكون الاختيار بين أيِّ زوجٍ من الخيارات نابعًا ببساطة ممَّا تفضِّله؛ أيِ التصنيف، ونحن نتناول الانتخابات بهذه الطريقة عندما نطلب من الناخبين ألَّا يعبِّروا عن شيء أكثر من مجرد تفضيلاتهم بين المرشحين. قد يكون هناك متنافسون عدة أو أنظمة معقَّدة من التمثيل النسبي؛ حيث لا يوفِّر الاختيار البسيط كلَّ المعلومات التي يمكن أن تكون مفيدةً، لكننا نادرًا ما نستخدمها في الولايات المتحدة (المزيد عن هذا في الفصل التالي)؛ فنحن نسأل المصوِّتين ما إذا كانوا يفضِّلون سميث عن جونز، وليس عن «مدى» تفضيلهم لِسميث عن جونز. إن الصوت الانتخابي الذي مُنِح بفتور له نفس قيمة الصوت الذي مُنِح بحماس. (أحيانًا يسأل منظِّمو الاستفتاءات الشخصَ الذي يُجرى عليه الاستفتاء ما إذا كان يعتنق الرأيَ الذي اختاره اعتناقًا قويًّا، وهذا يحصد نقاطًا إضافية في الاستفتاء، ولكن ليس في اقتراع.) والأسوأ من كل هذا أننا عندما نجمع عددَ الأصوات في النهاية في اقتراع تفضيلي، فإننا نستقطع حجمَ أغلبية أصوات المرشح الفائز ما دام لدينا فائز؛ لذا يمكن للأقلية المتحمسة أن تهزم الأغلبيةَ المنصاعة في حالة اندلاع ثورة أو عصيان أو أعمال شغب، ولكن ليس في اقتراع انتخابي (بالطبع سوف يدَّعِي المرشح الفائز دائمًا بأنه حصل على «تأييد شعبي»، مهما كان هامش فوزه ضئيلًا وضعيفًا، أو كانت الأصوات قد جُمِعت بشكل غير سليم).
إذا كان التفضيل مسألةَ ذوق أو حكم فردي، فإنها بالكاد تكون عرضةً للنقاش؛ فعندما يقول جورج ويل إنه يفضِّل فريقَ شيكاجو كَبس على فريق لوس أنجلوس دودجرز (بروكلين سابقًا)، يمكن للمرء أن يتعجَّب من شذوذه عن القاعدة، ولكن من العبث أن تجادله. إن تحديد تفضيلات فردٍ ما قد تكون مجردَ مسألةِ طرحِ السؤالِ الصحيحِ، لكن تحديد تفضيلات «مجموعة» من الناس ليست مسألةً بسيطةً؛ وهذا هو جوهر الخيار الاجتماعي (بما فيه الانتخابات).
لقد ذَكَرْنا مشكلة اختيار نكهة الآيس كريم إذا كانت تفضيلاتنا، أو تصنيفاتنا، غيرَ متعدية. ليس هناك شيء غير عقلاني في أن تكون العلاقاتُ غيرَ متعدية — فقد نستخدم ببساطة معاييرَ مختلفةً عند مقارنة كلِّ زوج من الخيارات — لكنه يؤدِّي إلى تعقيد عملية صنع القرار، حتى عندما يكون بين صناع القرار الفرديين (الناخبين أو أعضاء اللجان على سبيل المثال) علاقة متعدية على نحوٍ فرديٍّ — أيْ لديهم قوائم تفضيل بسيطة وواضحة — تظهر مشكلات جديدة عندما نحاول صياغةَ قوائم التفضيل الفردية في شكل قائمة تفضيلات لمجموعة.
والمشكلتان اللتان سنتناولهما هنا هما مشكلة التصنيفات ومشكلة كوندورسيه. تتناول الأولى مسألة كيفية تحويل التصنيفات الفردية إلى تصنيفات جماعية، وتتناول الثانية حقيقةً مهمةً؛ وهي أنه عندما تقوم بتجميع مجموعة من التفضيلات المتعدية على نحوٍ فرديٍّ في تصنيف جماعي، فلا داعي لأن تكون النتيجةُ متعديةً. في الواقع إن الفكرة أقوى من ذلك كما سنرى بعد قليل، ومن قبيل التوضيح، عندما نقول تصنيف فردي أو جماعي، فإننا لا نصِفُ البنودَ المصنفة؛ بل مَن يقومون بالتصنيف، والذين قد يكونون إما أفرادًا وإما مجموعاتٍ.
لنفترض أننا أعضاء في هيئة التدريس في إحدى الجامعات، ونواجه المشكلة الأبدية الخاصة بالاختيار من بين الطلاب من أجل تكريمهم بشكلٍ ما؛ وَلْنَقُلْ، مَنْحهم منحة دراسية. هناك عدة طلاب ذوي سجلات جيدة بما يؤهِّلهم لكي يكونوا مرشحين جديرين، ويَحمل أعضاء هيئة التدريس على عاتقهم مسئوليةَ الاختيار من بينهم. ليس من السهل تصنيف الطلاب، فالجودة تتضمن أكثر من مجرد الدرجات الممنوحة في الدورات الدراسية (بعض الطلاب لا يأخذون سوى الدورات الدراسية البسيطة) أو شخصية الطالب في الفصل الدراسي (بعض الطَّلبة ماهرون لأقصى حدٍّ في مداهنة الأساتذة). ووظيفة الأستاذ الجامعي هي تقييم الجودة والإمكانات الفعلية للطالب من خلال مجموعة متنوعة من الأدلة التي تساهم جميعها في التصنيف، وقليلٌ منها يمكن أن يكون قابلًا للتقييم العددي؛ لذا غالبًا ما لا يكون هناك اختيارٌ سوى مطالَبةِ كلِّ عضو من أعضاء هيئة التدريس بتصنيف الطلاب بالترتيب من خلال معيارٍ ذاتيٍّ ما، ثم محاولة استخدام التصنيفات الفردية بطريقةٍ منطقيةٍ لاختيار المكرمين. بالطبع ستكون كلُّ قائمة من قوائم أعضاء هيئة التدريس متعدية؛ فلا ينبغي أن تكون كلُّ قائمة منغلقةً على نفسها. هل ستؤدِّي دائمًا تلك الطريقة المنطقية الخاصة بجمع قوائم منطقية، إلى نتيجة توجز بمنطقية الآراءَ الفردية المنطقية للمجموعة؟ إطلاقًا.
كَتب تشارلز لودفيج دودجسون، وهو قس إنجليزي وعالم رياضيات عاش في القرن التاسع عشر (وهو معروف أكثر لمعظمنا تحت الاسم المستعار لويس كارول مؤلف رواية «ألِيس في بلاد العجائب»)؛ مجموعةً مذهلة من الأوراق البحثية عن هذا الموضوع. كان ما دفعه لهذا الموضوع بالأساس هو مشكلة اختيار برج جرس لمبنى كليته، وهي مهمة كلَّفته بها إحدى اللجان، ولكنها وسَّعت نطاقَ اهتمامه ليشمل مشكلةَ اختيار الطلاب من أجل تكريمات بعينها، وهي الحالة التي سنستخدمها هنا. كان كلُّ ما يسعى إليه هو إيجاد وسيلة عادلة وغير مبهمة لأداء المهمة؛ كان يَعِي مشكلات العلاقات المتعدية جيدًا، لكنه كان يعتقد أن بمقدوره استخدام مهاراته الرياضية في ابتكار طريقة مقبولة للتصويت؛ لكن كان ما أثار دهشته وغضبه، أن ذلك لم يكن ممكنًا، وليس هناك اختيار أفضل من استعراض الأمر بالاستعانة بمثال دودجسون الأول. إليك المثال، وسنستعرضه بطريقته.
هناك أحد عشر ناخبًا (أعضاء هيئة التدريس)، وأربعة مرشحين (الطلاب)، وسيصنِّف كلُّ ناخبٍ المرشحين وفقًا لترتيب الأفضلية. سنبدأ بعدِّ أصوات المركز الأول فقط، ثم نعود إلى التصنيفات كلها فيما بعدُ. لا يواجه أيُّ ناخب فردي مشكلةً مع العلاقة المتعدية؛ فإن كان يفضِّل أ على ب، وب على ?، فهو يفضِّل أ على ?، ليس هناك أي ألاعيب، بل هناك ترتيب فعلي للتفضيلات، والفائز هو المرشح الحاصل على أغلبية أصوات المركز الأول، وهذا كل ما في الأمر. لنفترض أن التصنيفات الفردية جاءت كما يلي؛ حيث يمثِّل كلُّ عمود قائمةَ التصنيف لناخب واحد، ويُطلَق على المرشحين: أ، ب، ?، د:
أأأبببب???د???أأأأأأأأددد????ددد?بببددددبببب
وفقًا لقاعدة عدِّ أصوات المركز الأول فقط، انتُخِب المرشح ب بأربعة أصوات، ولم يحصل أي أحد آخَر على أكثر من ثلاثة أصوات بالنسبة إلى المركز الأول، لكن من الواضح أن ذلك يمثِّل مشكلةً فظيعةً؛ فكل ناخب فردي لم يعتقد أنه الأفضل صنَّفَه على أنه الأسوأ على الإطلاق — له معجبون بالفعل، لكن معظم الأشخاص يحملون رأيًا سيئًا عنه — وهذا من المفترض أنه يحمل مغزًى ما. لن يؤخذ ذلك في الاعتبار إن كانت أصوات المركز الأول هي فقط ما يهم؛ لذا دعونا نخطُ خطوة للأمام، ونقارن المرشح ب بكل مرشح من المرشحين الآخرين بالتناوب، ونتساءل عن عدد الناخبين الذين يفضِّلونه. في تلك المقارنات المباشِرة يخسر ب أمام «كلِّ» مرشح من المرشحين الآخرين بنفس النقاط المتراوحة بين سبع إلى أربع (هذا واضح؛ إذ حل أخيرًا في تقييم سبعة ناخبين). لقد فاز بأغلبية أصوات المركز الأول، لكن أغلبية الناخبين يفضِّلون عليه أيَّ مرشح من المرشحين الآخَرين. وأيًّا ما كان تحليلك للأمر، فمعظم الأشخاص يعتقدون أنه لا يصلح. إن انتخابه ليس منطقيًّا، وقد قال دودجسون هذا. إنك تخسر العديدَ من المعلومات بعد أصوات المركز الأول فقط.
لكنْ أيٌّ من المرشحين يبدو الأفضل حقًّا من خلال معايير أكثر اتساعًا؟ لقد اختار ثلاثةٌ من الناخبين المرشح أ في المركز الأول، واختاره في المركز الثاني كلُّ ناخب من الناخبين الآخرين، ولم يصنفه أحد في مركزٍ أقل من المركز الثاني؛ لذا فهو يبدو اختيارًا منطقيًّا بالإجماع، وقد «فاز» أيضًا في منافسات مباشِرة مع كل واحد من المرشحين الآخَرين، بالرغم من أنه ليس فوزًا قاطعًا كخسارة المرشح ب. وفي مقارنة مباشِرة بين المرشح أ والمرشح ب، فضَّلَ سبعةٌ من الأحد عشر ناخبًا المرشح أ. وفي أي جولةِ إعادةٍ بين أعلى اثنين حصدًا للأصوات (هذا هو القانون في العديد من الدول الأجنبية وفي بعض البلديات والولايات الأمريكية)، يفوز أ فوزًا ساحقًا.
حتى لو صمَّمنا على أن الفائز لديه أغلبية مطلقة، أو استخدمنا جولة إعادة، فإن تجاهل الخيارين الثاني والثالث يمكن أن يؤدِّي إلى عدم المساواة. باستخدام نفس الجدول يمكننا أن نتخيَّل جولةَ إعادةٍ بين أعلى اثنين حصلَا على أصوات المركز الأول، وهما أ وب، وأن أصوات المركز الأول الأربعة التي ذهبت إلى المرشحين ? ود قسمت بالتساوي بين المرشحين أ وب، هنا سيحصل ب على أغلبية مطلقة صريحة، وهكذا سيفوز في جولة الإعادة. ومن ناحية أخرى، لو كان كل ناخبي ? ود الذين خابَتْ آمالهم قد صوَّتوا على تفضيلاتهم سابقًا بين أ وب، لحصل أ على كل هذه الأصوات (علمًا بأن ب قد حل أخيرًا في كل هذه الاقتراعات)، وحقَّق الفوز؛ لذا فإن جولةَ إعادةٍ من شأنها أن تقدِّم بالفعل معلومات تتجاوز تصويتَ المركز الأول المباشر.
بل إن الأمر أسوأ ممَّا يبدو. تذكَّرْ أنك ترغب في أن تحصي كل الناخبين بالتساوي؛ لذا فأنت بالقطع تريد أن تحصل على نفس النتيجة إذا ما خلط العديد من الناخبين أوراقَ تصويتهم، لكن العملية كلها انتهت بتفضيل نفس عدد الناخبين للمرشح أ على المرشح ب وهكذا، كما كان الأمر من قبلُ. بعبارة أخرى، إن كنتَ لا تهتم بهوية الناخبين، فيمكن إيجاز التفضيلات في التصويت من خلال ستة أرقام، تتمثَّل في تحديد عدد الأصوات التي رجَّحت أ على ب، ورجَّحت ? على د … وهكذا، وعليك ألَّا تهتم بكيفية توزيع هذه التفضيلات بين بطاقات اقتراع الناخبين. وهذا الأمر يكتنفه، بحسب تعبير علماء الرياضيات، مشكلات تخطيط عديدة. (إذا فكَّرت في عدد الأساليب الممكنة التي يمكن أن تدلي بها الأصوات في مثل هذا الاقتراع، يمكنك أن تجد نفس الطريقة التي اتبعناها بالنسبة إلى أيادي البوكر في الفصل الثالث؛ فمع وجود أحد عشر ناخبًا، جميعهم مجهولون، فسينتهي هذا الاقتراع ? ???????? طريقة مختلفة يمكن أن يخرج بها. لكن إن كان كل ما يهمك حقًّا هو كم عدد الناخبين الذين يفضلون، لنقل أ على ب وهكذا، فلا يوجد سوى ستة أرقام تصنف الأزواج الستة المحتملة لأربعة مرشحين.) إذن فهناك العديد من الجداول الممكنة؛ مثل الجدول أعلاه الذي يؤدي إلى نفس قائمة التفضيلات، ومع هذا يولِّد نتائج مختلفة للاقتراع بقواعد مختلفة، وقد أعطى دودجسون مثالًا على ذلك.
أأأأأأأبببب???????د???دددددددأأأأببببببب?ددد
إن الجدول الجديد يؤدِّي «تمامًا» إلى نفس قائمة التفضيلات السابقة (مثال: عشرة من الناخبين الأحد عشر يفضلون أ على د في كل قائمة)، ومع هذا فمن خلال أي مجموعة من القوانين المنطقية، سيفوز المرشح أ بكل تأكيد في هذا الاقتراع. كان سيخسر من قبلُ، ومع هذا فهي نفس المعلومات إذا كان كلُّ ما يهمك هو التصنيفات.
تأمَّلَ دودجسون المجموعة المتنوعة المعتادة من الخيارات؛ وهي: استبعاد أسوأ المؤدين في كل مرة، الجولات الثانية، وهكذا؛ لكنه خلص في النهاية إلى أنه ليس ثمة وسيلة مُرضية لاختيار الفائز عندما يكون على العديد من صانعي القرار الاختيار من بين عدة خيارات، وانتهى بتفضيلٍ لوسيلة معينة لن نذكرها حتى هنا، لكن مساهمته الحقيقية تمثَّلَتْ في حقيقة أنه ما من شيء ينجح بالفعل، وهذا دون مشكلات التعدِّي.
لقد وعدْنا بأننا سنوضح أيضًا أن أي مجموعة يمكن أن تكون غير متعدية، حتى عندما يكون أفرادها غير ذلك. سيلعب هذا دورًا أكبر فيما بعدُ، في سياق أنظمة التصويت وفي سياق نظرية الاستحالة لِأرو، لكن دعونا نأخذ ملمحًا بسيطًا هنا.
لنتأملْ أبسط الحالات، المتمثِّلة في ثلاثة ناخبين وثلاثة خيارات، التي تؤدِّي إلى جدول تفضيلات مثل الجداول التي كنَّا نستخدمها. لا يمكن أن يكون هناك شيء أبسط من ذلك.
أب?ب?أ?أب
بمجرد إعداد الجدول الذي نكتب بداخله الخيارات في أحد الأعمدة، نكون قد ضمنَّا أنه ما من ناخب فردي يواجه مشكلة مع التعدِّي؛ فعلى سبيل المثال، الناخب الأول يفضل أ على ب؛ وبذلك يفضل أ على ?. إن كل ناخب متسق تمامًا مع ذاته، لكن تفضيلاته الخاصة شأنه وحده فقط. والآن افترضْ أننا نؤمن ببراءةٍ بالديمقراطية الشعبية؛ بحيث تحكم الأغلبية بالقطع، وكل ما نهتم به هو التفضيلات. نحن نرى أن ناخبَيْن من ثلاثة ناخبِين يفضِّلان أ على ب، بينما نرى أن ناخبَين من ثلاثةٍ يفضِّلان ب على ?، وناخبَين من ثلاثةٍ يفضِّلان ? على أ؛ ممَّا يوقعنا في دائرة مفرغة دون أن يكون هناك قرار ممكن. إذن فعلاقة عدم التعدي تُعَدُّ مشكلةً خبيثة تَظهر في القرارات الجماعية حتى عندما لا يواجه الأفرادُ الذين يكوِّنون المجموعةَ أيَّ مشكلة على الإطلاق.
والمحصلة هي أن الحديث عن ديمقراطية التصويت أكثر سهولةً من تنفيذها، والتفاصيل الغامضة الكامنة في أنظمة التصنيف تقدِّم فرصةً مناسبةً للمشاركين ذوي الدهاء للتلاعب بنتائجِ ما كان سيصبح عمليةَ اختيار عادلة داخل أي مجموعة من القوانين. وبالرغم من كل الحديث عن «إرادة الشعب» في الخطب الانتخابية، فمن الصعب — بل من المستحيل — أن تحدِّد ما هي تلك الإرادة. من الأيسر أن تعلن نفسك ديمقراطيًّا (بالرغم من أن الولايات المتحدة لم تفعل ذلك، كما ذكرنا من قبلُ) عن أن تنفذ ذلك الإعلان. من الواضح أن علينا أن نخوض بعمقٍ أكبر في هذا النوع من مشكلات القرار، وهو ما سنفعله سريعًا.

الفصل الحادي عشر
التصويت


هل تنطبق كل المشكلات التي تحدَّثنا عنها في الفصل الأخير حقًّا على العالم السياسي النزيه؟ منَحَت الانتخابات الرئاسية لعام ???? (وكانت أحدث انتخابات عند كتابة هذه السطور) المرشَّحِين الثلاثة الرئيسيين النِّسَبَ التالية من الأصوات الشعبية وأصوات المجمع الانتخابي:
المرشحأصوات شعبيةأصوات انتخابيةبيل كلينتون????جورج بوش????روس بيرو???
إذن وفق دستورنا، انتُخِب بيل كلينتون رئيسًا للولايات المتحدة بأكثر من ثلثي أصوات المجمع الانتخابي، وبالمقارنة نجد أنه قد حصل على أقل من نصف التصويت الشعبي بكثيرٍ، وهذا مختلف تمامًا. أما روس بيرو، الذي فضَّله حوالي خُمس السكان الذين يحقُّ لهم الانتخاب، فلم يحصل على أيٍّ من أصوات المجمع الانتخابي على الإطلاق. إن القوانين، التي يعود تاريخها إلى الدستور الأصلي الصادر في عام ????، وعُدِّلَتْ بعد ذلك بخمسة عشر عامًا، تمنح المنصبَ للمرشح الذي يحصل على أغلبية أصوات المجمع الانتخابي (أكثر من نصفها)، إنْ كان هناك مثل هذا المرشح؛ فإذا لم يحصل أي مرشح على أغلبية أصوات المجمع الانتخابي، فإن الدستور يحتوي على إجراء معقَّد ينتزع الاختيارَ تمامًا من بين أيدي الناخبين، سواء أكان تصويتهم انتخابيًّا أم شعبيًّا. (فاز توماس جيفرسون بفترة ولايته الأولى كرئيس من خلال هذا الإجراء.) وبالرغم من أنه شيء لم يتوقَّعه كاتبو الدستور، فإن الشخصية الفردية للناخبين تلاشت في حد ذاتها بمرور الوقت، ولم تَعُدْ أصواتهم مُدرَجةً حتى في أوراق الاقتراع في معظم الولايات. وفي كل الحالات تقريبًا يعملون كمجموعات، ويتعهدون بدعم مرشح حزبهم، ونادرًا فقط ما يكون هناك ناخب يخالف هذا التعهُّد. والنتيجة المباشِرة هي أن كل صوت فردي من أصوات المجمع الانتخابي لولاية معيَّنة يذهب إلى المرشح الفائز في تلك الولاية، بينما يمكن لأغلبية ضئيلة من التصويت الشعبي في ولاية مزدحمة بالسكان أن تكتسح الأغلبيات الضخمة في الولايات الأصغر. والناخبون الخاسرون في ولايةٍ ما ليس لديهم أي تأثير إضافي على اختيار الرئيس؛ فقد خسروا فرصتهم عندما خسرت قائمة ناخبيهم المؤقتة (وقت كتابة هذا لم تَحِد سوى ولايتَيْ نبراسكا ومين عن نموذج «الفائز يحصل على كل الأصوات»)؛ لذا من الممكن (وقد حدث عام ????) لمرشح حاصل على نسبة ضئيلة من التصويت الشعبي عبر البلاد أن يحصد أغلبيةَ أصواتِ المجمع الانتخابي (في تلك الحالة غالبية عظمى). وقد حدث ذلك ستَّ عشرة مرة في تاريخنا، عادةً (وليس دائمًا) عندما يسحب حزبٌ سياسيٌّ ثالثٌ الأصواتَ الشعبية من المرشحين الأساسيين؛ ففي انتخابات عام ???? حصل بيل كلينتون على أغلبية التصويت الشعبي في ثلاث ولايات فقط وفي مقاطعة كولومبيا، وكانت الولايات هي: ماريلاند، ونيويورك، وأركنسو مسقط رأسه.
بالرغم من أن واضعي الدستور كانوا يقصدون أن للناخبين عقولًا يفكِّرون بها، وليسوا مجرد قطيع مُغيَّب يسير في ركب الأحزاب السياسية، لم تكن تلك هي الحالة لفترة طويلة (مع قلةٍ من الاستثناءات). فالدستور لا يحدِّد حتى كيفية اختيار الناخبين؛ فكل ولاية تحدِّد أنظمتها، ولا تخضع إلا لشرط أن يحدِّد تشريعُ الولاية النظامَ. ويبدو ظاهريًّا أنه لن يكون من غير الدستوري أن تخوِّل الهيئةُ التشريعية المهمةَ إلى هيئة التدريس في جامعة الولاية، أو إلى التعويذة الجالبة للحظ لفريق كرة القدم، أو إلى فريق كرة القدم نفسه. (اهدأ، يمكننا أن نعتمد على المحكمة العليا للقضاء بعدم الدستورية، بغضِّ النظر عن الحقائق.)
يختلف الأمر بالنسبة إلى مجلس الشيوخ ومجلس النواب؛ فقد حدَّدَ الدستور الأصلي أن يختار أهل الولاية كل ممثِّلٍ من ممثِّليها (لم تُستخدَم كلمة «انتخاب»، لكنَّ واضعي الدستور كان لديهم نوعٌ من الاختيار الشعبي في أذهانهم). من ناحية أخرى، كان اختيار أعضاء مجلس الشيوخ يتمُّ من جانب الهيئة التشريعية، التي كان يتم اختيار أعضائها بدورهم، مهما كانت رغبة الولاية في اختيارهم، في حدود معينة. لقد كان جهدًا واضحًا من جانب الآباء المؤسسين لكي يخفِّفوا المشاركة العامة المباشرة في اختيار أعضاء الكونجرس، لكن عُدِّل الدستور فيما بعدُ لكي يدعم الاختيار الشعبي لأعضاء مجلس الشيوخ، وتحديدًا عن طريق الانتخاب، ويتضح من الفصل السابق أنَّ هناك احتماليةً كبيرةً للتلاعب في تعريف الاختيار الجماعي.
لقد جاهَدَ علماء السياسة طويلًا مع مشكلة «أفضل» طريقة لاتخاذ هذا النوع من القرار؛ حيث من الصعب تحديد رغبات العامة المعقَّدة من خلال تصويت مباشر وبسيط بنَعم أو لا، كما أن الاحتياج لحكومةٍ تؤدِّي وظيفتها بكفاءة قد يكون له بعض الأولوية على رغبات العامة المباشرة. (جميعنا يعرف دُوَلًا ذات حكومات غير فعَّالة، والآراء منقسمة حول إنْ كنَّا هكذا أم لا.) لقد نصَّ الدستور الأصلي على أن يُدلِي كلُّ ناخب بصوته لِاسمين في الانتخابات الرئاسية، والحاصل على أصوات الأغلبية يتم اختياره كرئيس، ومَن يأتِ في المركز الثاني يكُن نائبه. قد يبدو ذلك للوهلة الأولى أكثر إنصافًا من حرمان الأقلية ببساطة، لكن سرعان ما بات واضحًا أنه يؤدِّي إلى حكومة متنازعة غير فعَّالة، وتمَّ تعديل الدستور سريعًا لكي يؤدِّي إلى نظامنا الحالي، والذي بدأ بانتخابات ????. (تخيَّلْ رونالد ريجان رئيسًا وجيمي كارتر نائب الرئيس، أو بيل كلينتون رئيسًا وجورج بوش نائب الرئيس، أو فرانكلين روزفلت رئيسًا وهيربرت هوفر نائب الرئيس؛ هذا أمر مربك للذهن.) كانت تلك أحد الأخطاء القليلة للغاية في صياغة الدستور. لقد كانت تلك الوثيقة تمثِّل إنجازًا رائعًا لأشخاص رائعين.
لقد أحدثنا جلبةً كبيرةً خلال هذا الكتاب حول أهمية معرفة أهدافك «قبل» اتخاذ القرارات. ما هدفنا في اختيار رئيس؟ لعل من غير الحكمة، لمصلحتنا جميعًا، أن نحدِّدَ إرادةَ الشعب بدقةٍ مبالغ فيها؛ فقد أوضحَتْ قصة «مأساة المشاع» أن الحكومة التي لا تكون أكثر من مجرد ترجمة للرغبات الفردية للشعب يمكن أن تؤدِّي إلى قرارات سيئة للجميع، حتى لو كان كل صوتٍ فرديٍّ متَّجهًا نحو ما نطلق عليه أحيانًا المصلحة الذاتية المستنيرة، ومثل تلك القرارات قد تكون سيئةً حتى لمَن يهتمون بمصلحتهم الذاتية فقط، سواء أكانت مستنيرة أم لا (سنعود إلى هذا في الفصل الرابع عشر). إلى جانب هذا، هناك العديد منَّا سيتخذون قرارات مشتركة، بل إننا قد نرغب في أن يكون لدينا قادة — حاشَ لله — أكثر كفاءةً من العاديين المتواجدين بيننا؛ لذا فإن كل الديمقراطيات الحديثة تضمُّ شكلًا من أشكال الحكومة التمثيلية، التي تعزل صناع القرار، إلى حدٍّ ما، عن تأثير مَن يختارهم؛ ألا وهو الشعب. وكان الدستور الخاص بنا يهدف إلى تحقيق مستوًى من هذا العزل، لكنه يتلاشى في هذه الفترة من الاتصال الجماهيري السريع بتداعيات لا يُحمَد عقباها. ويعتمد النوَّاب الآن بشكل كبير على الاقتراع لتحديد رغبات ناخبيهم، خشيةَ أن يُغضِبوا مقترعًا واحدًا محتملًا، وتحدِّد عمليةُ صنع القرار عند اختيار الحكومات جودةَ صنع القرار في تلك الحكومات، وهذه مسائل عميقة ندَّخِرها لوقت لاحق.
هناك حكاية شخصية توضح تلك المعضلة؛ لقد مرَّ هذا الكاتب بما يُطلَق عليه في الحياةِ حالة كشف منذ بضع سنوات، بينما كان يجلس في هدوء في اجتماع عادي في فيينا. كان الاجتماع منعقدًا في بهو فسيح مذهل في مبنًى كان فيما سبق أحدَ قصور الإمبراطورة ماريا تيريزا. كان المبنى والأراضي المحيطة به شاسعين وجميلين، وكان الكشف عبارة عن إدراك مفاجئ بأن ذلك البناء الرائع لا يمكن أن يشيد في العصور الحديثة في أي مكان؛ فليس هناك عملية قرار في أي ديمقراطية شعبية يمكن أن تؤيِّد أيَّ مشروع ضخم، مهما كان يستحق، فضلًا عن مساندته خلال الوقت اللازم لاستكماله. ومع أن هذا المبنى بعينه كان يحمل قيمة جمالية إلى حدٍّ كبيرٍ، فإن نفس العبارة تنطبق على أعمالٍ عامة أكثر نفعًا وعمليةً، مثل: الطرق، والسدود، والجسور. إلى جانب ذلك، فالمجتمع الذي يستحقُّ الحفاظ عليه ينبغي أن يكون متحضِّرًا بدرجة كافية لكي ينفق جزءًا من موارده على المسائل الجمالية والثقافية.
في مجتمعاتنا الحديثة، في الولايات المتحدة وغيرها، توجد الكثير من الأساليب لإيقاف الأشياء، والقليل جدًّا منها لجعلها تستمر، لكن منذ ما يقرب من أربعين عامًا، وفقًا لذاكرة الكاتب المباشرة، لم يكن هذا صحيحًا (لو أن منظومة الطرق السريعة الرابطة بين الولايات اقتُرِحت الآن، لما حظيت بأي فرصة لتنفيذها). هناك القليل من المشروعات يؤيِّدها عدد كافٍ من الأشخاص الذين يتمتَّعون بقوة كافية للتغلُّب على المعارضات التي لا مفرَّ منها؛ فقد استطاع الفراعنة، بما امتلكوه من سطوة كاملة، بناءَ الأهرامات عبر عشرات السنوات أو أكثر. والكنيسة الرومانية الكاثوليكية، ذات السلطة المقبولة على نطاق شاسع، تمكَّنَتْ من بناء الكاتدرائيات التي احتاجت لأجيال لاستكمالها، إنْ كان هناك أي كاتدرائية اكتملت من الأساس. كانت ماريا تيريزا إمبراطورة، وهذا ما يوضِّحه قصرها. إنَّ صنْع القرار من خلال مجموعات كبيرة لا يمكن أن يؤدِّي إلى قرارات محفوفة بالمخاطر. وفي حقبة الاتصال الجماهيري والاقتراع، لا يغامِر السياسيون الذين يودُّون الاحتفاظ بمناصبهم (أيْ جميعهم تقريبًا) بقرارات غير شعبية، وفي النهاية تتكوَّن حكوماتنا من سياسيين.
الصراع النهائي إذن في اختيار المديرين التنفيذيين وواضعي القوانين هو صراع بشأن الأهداف: هل نبحث عن أفضل حكومة فعالة ممكنة، تتطلَّب بعضَ القيادة، وبعض الرؤية، وربما بعض القرارات غير الشعبية، أم أننا نريد نظامًا يعكس آمالنا ورغباتنا، ولا يَستبعد أحدًا، ويعكس حقًّا مجموعةَ الآراء بين الناخبين؟ هناك أنظمة تصويت سوف تفضِّل أيًّا من هاتين الغايتين.
ولعل الشكوى الأكثر شيوعًا بشأن الانتخابات التي تُجرَى بنظام الفائز يحصل على كل الأصوات هي أنها تترك بحقٍّ عددًا كبيرًا من الناخبين دون أي تأثير إضافي؛ فتخطِّط الأقلية ببساطة — مثلها مثل الجيش المنهزم — للمنافسة القادمة وقد خسرت نفوذها تمامًا؛ حتى دورها التقليدي المتمثِّل في عرقلة ما تعارضه، تمارسه وهي ترمي إلى الانتخابات القادمة. وبينما قد تكون هناك انتخابات قادمة في دولتنا، يمكن لخسارة انتخابات وحيدة — في العديد من الدول الأخرى، سواء الآن أم في الماضي، وبالقطع في المستقبل — أن تعني فقدانَ التأثير لفترة طويلة جدًّا من الوقت. فالمجموعات الفائزة تهوى التمسك بالسلطة بعد انتهاء صلاحية تفويضها بفترة طويلة. وبالرغم من أن هذا لم يحدث بعدُ في دولتنا، فإنه ليس من الحكمة الرضا عن وجود المخاطرة (حتى عبارة لم يحدث بعدُ مفتوحةٌ للمناقشة؛ فالغالبية العظمى من أعضاء الكونجرس الحاليين ينجحون بالفعل في إعادة انتخابهم، بطريقةٍ ما).
إن البديل المتطرِّف لنظام الفائز يحصل على كل الأصوات هو ألَّا يتمَّ تجاهُل آراء أحد في عمل الحكومة اليومي؛ لذا ينبغي أن يكون لكل حزب تمثيلٌ في الكيان الحاكم (المجلس التشريعي في أي ديمقراطية) يتناسب تمامًا مع قوته التصويتية. ولو أن مجموعة بيرو نُظمت كحزب سياسي عام ????، وقِيست قوةُ الحزب النسبية من خلال أصواتهم لمرشحيهم الرئاسيين، لَكان التمثيل النسبي قد أدَّى إلى هيئة تشريعية تتكون من حوالي ?? بالمائة من الديمقراطيين، و?? بالمائة من الجمهوريين، و?? بالمائة من مؤيدي بيرو. وفي ظل هذه الظروف يتمثَّل التصرف الحصيف القائم على نظرية الألعاب في تعاون مجموعتين من مجموعات الأقلية معًا من أجل إحباط المجموعة الثالثة؛ ممَّا يسبِّب فوضى مع تغيُّر التحالفات مع مرور الوقت. العديد من الدول الأوروبية تستخدم مثل هذا النظام، وتمت تجربته في أجزاء من دولتنا، لكن الدرس النهائي في كل مكان هو أن الحكومة الفعالة تتطلب اتخاذ قرارات — اختيارات بين عدة خيارات مطروحة — والاختيارات ذات النتائج الفعلية لا تصنعها مجموعة شديدة التنوع بسهولة. وأولئك الذين يزعمون وهُم مؤمنون بصحة آرائهم بأن التنوُّع يعزِّز قوةَ المجتمع، سيجدون مشكلةً في العثور على تأييد تاريخي لهذا الرأي؛ إن التمثيل النسبي يجعل حقَّ الأقلية أكثرَ صعوبةً، لكنه في المقابل يصعِّب تحقيق رغبات الأغلبية. لتحسِمِ اختيارَك، وسيوصلك كالعادة إلى الغايات التي تسعى إليها.
وحتى عندما يتم الانتخاب داخل مجموعات أصغر من دولة بأسرها، وحتى عندما لا تمثِّل العلاقات غير المتعدية أهميةً، فإن النتيجة تعتمد تمامًا على قواعد التصويت. تأملْ عملية انتخاب من أجل شَغْل أحدِ المناصب الحكومية، بها ثلاثة مرشحين هم: ألف، وبوب، وكاد؛ سنمنح تلك العملية تسعة ناخبين، تفضيلاتهم موضَّحة — كالعادة — في الجدول أدناه، والأرقام الموضحة بين الأقواس فوق الجدول هي أعداد الناخبين الذين وضعوا علامات في بطاقات اقتراعهم كما هو موضح. وهكذا، يكون هناك اثنان من الناخبين رشَّحَا ألف كاختيار أول، وبوب كاختيار ثانٍ، وكاد كاختيار ثالث.
(?)(?)(?)ألفبوبكادبوبألفألفكادكادبوب
في إطار قاعدةِ الأكثريةُ تفوز، حيث لا تُحصَى سوى أصوات المركز الأول، يكون كاد هو الفائز بأربعة أصوات، بينما حصل ألف وبوب على ثلاثة أصوات وصوتين على التوالي. من الواضح أن معظم الناس لا يحبون كاد، لكنَّ له جمهورًا من الناخبين المخلصين، وهذا مألوف تمامًا في العالم الواقعي؛ فهو فائز من خلال أقلية، بنفس هامش الفوز الذي حصل عليه بيل كلينتون عام ????.
لنَرَ كيف تتناول بعض أنظمة التصويت الأخرى المألوفة ذلك. من أكثر الأنظمة شيوعًا نظام التصويت المرجح؛ حيث يتم إحصاء الخيارات الثانية والثالثة لكنها تُمنَح أهميةً أقلَّ؛ فيمكن أن يُمنح المرء نقطتين لتصويت المركز الأول، ونقطة للمركز الثاني، وصفرًا للمركز الثالث (وهذا يُعرَف بنظام بوردا). من السهل أن نرى في إطار هذا النظام أن ألف هو الفائز الواضح بإحدى عشرة نقطة، بينما تساوَى كاد وبوب بثماني نقاط لكلٍّ منهما. وقد أتى الدعم الإضافي لألف من خلال المركز الثاني الذي اختاره فيه سبعة من الناخبين، تمامًا كما هو الحال في الفصل الأخير بالنسبة إلى أمثلة دودجسون؛ فهو مرشح بالإجماع بشكل أكبر من كاد، بالرغم من أن عددًا أقل من الناخبين هم مَن جعلوه اختيارهم الأول.
هناك نظام تصويت آخَر نواجهه كثيرًا وهو التصويت التفضيلي؛ من خلال هذا النظام يضع الناخب علامةً في بطاقة الاقتراع محدِّدًا اختياره الأول، والثاني، والاختيارات الأقل، كما هو موضح في الجدول. وهكذا إذا ما حصل أيُّ مرشحٍ على أغلبية مطلقة من خلال أصوات المركز الأول، يكون هو الفائز (إن النظام الانتخابي في الكلية يتبع هذا الجزء من القاعدة)، وإذا لم يحدث هذا، يُستبعَد المرشح ذو الأصوات الأقل في المركز الأول من التقييم، وتُوزَّع أصواته في المركز الثاني بين المرشحين المتبقين بحسب ترتيبهم في بطاقات الاقتراع؛ وفي تلك الحالة فإن المرشح الخاسر، بناءً على أصوات المركز الأول، هو ألف — الفائز السابق بالإجماع — لذا تذهب أصواته في المركز الثاني للمرشح الأنسب، وهو في تلك الحالة بوب؛ وهذا يكفي لكي يضع بوب في القمة، ويجعله الفائز بالرغم من تصنيفه في المركز الثاني في تصويت المركز الأول الأصلي. وميزة هذا النظام أنه يضع في الاعتبار حقيقةَ أن مؤيدي ألف سيفضِّلون بوب على كاد إذا لم يَفُزْ مرشحهم المفضَّل؛ أَلَيْسَ من العدل أن يُؤخَذ ذلك في الاعتبار؟
وهكذا نكون قد تناولنا الآن نفس رغبات الناخبين التي يعبِّرون عنها تمامًا بثلاثة أساليب مختلفة، وحصلنا على ثلاثة فائزين مختلفين يمثِّلون ثلاثة أهداف مختلفة للنظام الانتخابي.
لا تزال هناك طرق أخرى لعدِّ الأصوات، ويُطلَق على واحدة من هذه الطرق التي تحظى بتقديرٍ جمٍّ من قِبَل بعض السلطات طريقةُ التصويت بالموافقة؛ من خلال هذه الطريقة، يمكن لكل ناخب أن يصوت لأي عدد يرغبه من المرشحين، لكنه لا يُدلِي بأكثر من صوت واحد لأي مرشح فردي. (حينما أُخطِر الناس بذلك في بادئ الأمر، كان رد فعلهم أن قالوا إن هذا ليس من الإنصاف، فأنت بذلك تَدَع أيَّ ناخب يُدلِي بصوته بقدر ما يحلو له، لكن هناك سوء فهم؛ فإذا ما أدليتَ بصوتك لكل مرشح، فإنك تمحو صوتك، وهذا يماثل عدم التصويت على الإطلاق. إن التصويت لأي مرشح يعادل التصويت ضد الآخَرين، وليس هناك أي ميزة على الإطلاق في الإدلاء بالعديد من الأصوات.) إن الناخب لا يصنف المرشحين من خلال هذه الطريقة، لكنه فقط يضع علامةً في قائمة المرشحين أمام مَن يوافق عليهم، ولهذا أُطلِق عليه التصويتُ بالموافقة، والفائز هو المرشح الذي يحصل على أغلب الموافقات من الناخبين.
كيف سيكون تأثير ذلك هنا؟ حسنًا، ليست لدينا معلومات كافية، لكن لنفترِضْ أن كل ناخب أعطى أصواته بالموافقة لأعلى اثنين من المرشحين في قائمته، ووضَع علامة بأن أيًّا منهما سيكون مقبولًا، لكن دون التأشير على الاختيار الكائن في أسفل القائمة؛ سيكون ألف هو الفائز إذن، بتسعة أصوات بالموافقة (لم يصنِّفه أحدٌ في ذيل القائمة) مقارَنةً بخمسة وأربعة أصوات للمرشحين الآخرين؛ وهكذا، فإن الانتخاب بالموافقة يؤدِّي في هذه الحالة إلى نفس نتيجة نظام التصويت المرجح، لكن ينبغي ألا تُلْقِ بالًا لهذا؛ فمع وجود ثلاثة من المرشحين، وأربعة من أنظمة التصويت المختلفة، ينبغي أن يؤدِّي اثنان منهما على الأقل إلى نفس النتيجة.
وهكذا، فقد انتخبنا كاد بنظام الأكثرية، وبنظام التصويت المرجح انتخبنا ألف، وبالتصويت التفضيلي انتخبنا بوب بعدما استبعدنا ألف، وأعادنا الانتخابُ بالموافقة مرةً أخرى إلى ألف. (في هذه الحالة الأخيرة، كان علينا أن نخمِّن كيف كانت طريقة الناخبين في التأشير على موافقتهم.) بالله عليكم، مَن هو «اختيار الشعب»؟
صدِّقْ أو لا تصدِّقْ، إن الأمر أسوأ من ذلك؛ هناك نظام شائع للغاية للمرشحين المتعدِّدين، متَّبَع في العديد من الولايات والبلديات في الولايات المتحدة، وغالبًا ما يُتَّبَع في الانتخابات البرلمانية بالخارج؛ ألا وهو نظام جولة الإعادة الذي ذكرناه في الفصل السابق. في إطار هذا النظام، لا تُحصَى سوى أصوات المركز الأول — مع العلم بأن كل ناخب يُدلِي بصوت واحد فقط — وإذا لم يكن هناك مرشح حاصل على الأغلبية (أكثر من خمسين بالمائة من الأصوات)، تُجرَى جولة ثانية من الانتخابات لاحقًا لا تتضمَّن سوى أفضل اثنين من المرشحين؛ والفكرة هي إفساح المجال لأقوى اثنين من المرشحين، ثم ترك جمهور الناخبين يقرِّر بينهما. يبدو هذا عادلًا ويستخدم على نطاق واسع للغاية.
لنتأمل حالةً ذكرها ستيفن برامز (صاحب الكتابات العديدة المتعلقة بعملية التصويت). تُوصَف الحالة من خلال جدول يشبه الجدول الوارد أعلاه، به سبعة عشر من الناخبين وأربعة من المرشحين؛ سنستخدم نفس الأسماء لزيادة الحيرة.
(?)(?)(?)(?)ألفكادبوببوببوبألفكادألفكادبوبألفكاد
تذكَّرْ أن هذه مجرد قوائم للتفضيلات؛ في الانتخابات الفعلية من المفترض أن يُدلِي كل ناخب بصوته لاختياره الأول، ولن يكون هناك سجلٌّ بالتفضيلات التالية للناخبين؛ لذا فنتيجة هذا الاقتراع هي التعادل بين المرشحين ألف وبوب، بستة أصوات لكلٍّ منهما، بينما يُستبعَد كاد بخمسة أصوات فقط. ليس هناك مرشح حصل على أغلبية الأصوات؛ لذا فإجراء جولة إعادة ضروريٌّ، ولما كان الهدفُ من جولة الإعادة هو استبعادَ المرشح الأقل شعبيةً على وجه التحديد، ثم جعْلَ كل الناخبين يحاولون ثانيةً أن يقرِّروا بين الاثنين الأوفر حظًّا من المرشحين، فهي تؤدِّي وظيفتها هنا. لنفترِضِ الآن أن مؤيدي كاد الذين خاب أملهم انتقلوا إلى خيارهم الثاني؛ ألا وهو ألف، سيمنح هذا ألف خمسةَ أصوات إضافية في جولة الإعادة، وفوزًا ساحقًا على بوب. هذا رائع حتى الآن؛ فجولة الإعادة أدَّتْ مهمتها، وألف هو اختيار الناس في منافسة مباشِرة مع بوب؛ إنه يستحق المنصب.
لكنْ لنتخيَّلِ الآن أنه قُبَيْل إجراء الانتخابات الأصلية مباشَرةً، يؤدِّي ألف عملًا بطوليًّا — لنتخيَّلْ أنه أنقذ طفلًا من الغرق، أو تسلَّقَ شجرةً لإنقاذ قطة — والناخبان الاثنان اللذان كانا يؤيدان بوب بالأساس حوَّلا ولاءهما لِألف في اللحظة الأخيرة؛ النتيجة هي أنه «سيخسر»؛ فقد حصل في الانتخابات الرئيسية على ثمانية أصوات، ولا يزال لم يحصل على الأغلبية، لكن بوب هبط لأربعة أصوات، وهو الآن المرشح المستبعَد. وفي جولة الإعادة لا يزال ألف يحتفظ بالأصوات الثمانية، لكنَّ كاد يحصل على أربعة أصوات إضافية من ناخبي بوب المحبطين، وهو الآن الفائز بتسعة أصوات مقابل ثمانية لألف.
إن ما حدث أمرٌ مذهل، ومن المفترض ألا يكون مقبولًا إذا ما أردنا بالفعل أن تعكس نتيجةُ الانتخاب إرادةَ الشعب إلى حدٍّ ما؛ إن المرشح ألف كان سيفوز لو لم يجذب المزيدَ من التأييد من خلال بطولته. من المضحك أن يكون لَديك نظامٌ يخسر فيه المرشح اقتراعًا كاد أن يفوز به؛ لمجرد أنه فعل شيئًا يستحق الثناء جلب له المزيد من الأصوات. بالطبع قد لا يحدث هذا كثيرًا، لكنه من المفترض ألا يحدث على الإطلاق؛ ومع ذلك فنظام جولة الإعادة هذا بالذات يوجد في كل مكان. لقد تعلَّمَ السياسيون البارعون، بالقطع، استغلالَ مواطِنِ ضعفِ النظام لمصلحتهم من خلال جلب التأييد لمرشح ضعيف في الجولة الأولى، حتى يمكنه أن يخوض جولةَ الإعادة، ويُهزَم هزيمةً منكرة حينها.
المحصلة النهائية هي أن الأنظمة المختلفة تحقِّق أهدافًا مختلفة. إن نظام المرشح الحائز على أعلى الأصوات (وهو نظامنا) يعاقب آراء الأقلية (وفي حالاتٍ كثيرةٍ آراءَ الأغلبية كما حدث في الانتخابات الرئاسية لعام ????)، بينما التمثيل النسبي (الأكثر شيوعًا في أماكن أخرى) يعمل ضد المرشحين المتقدمين، وغالبًا ما يؤدِّي إلى العجز والتردُّد. إن الاستبداد يعمل على تيسير صنع القرار، لكنه لا يقدِّم إلا قلة من الضوابط والموازنات للحماية ضد أي قرارات مفزعة حقًّا. إلا أنه في حالات الطوارئ الحقيقية، يمكن للقيادة الفعَّالة — التي تعني عددًا أقل من الطهاة في مطبخ صنع القرار — أن تصنع الفارقَ بين البقاء والهلاك. (حتى القادة غير الأكفاء أفضل من عدم وجود قادة على الإطلاق، سنذكر المزيد عن هذا فيما بعدُ. ولعل من أحد الأسباب التي جعلت الآباء المؤسسين يرون أن من السهل تعيين الرئيس قائدًا عامًّا للقوات المسلحة، هو أن الجميع تقريبًا كانوا يوقِّرون جورج واشنطن ويثقون به، وتلك الحالة الذهنية كانت مفقودة بشكل ملحوظ في بعض الحالات الأخيرة.) في اقتصاد الوفرة تحظى الحرية الفردية والديمقراطية الشمولية بتقدير كبير، أما في اقتصاد الندرة (الذي يتجه إليه العالم بأسره الآن لا محالة) قد تُعتبَر هذه المسائل ذات أهمية ثانوية مقارَنةً بسُبُل البقاء البسيطة. كل هذه الأمور تشكِّل أهميةً فائقة، لكنها تتجاوز أنظمة الانتخاب، ولن يُعثَر على أي حلول لها في هذا الكتاب البسيط عن صنع القرار. لكن حتى بعد حلِّ مسألة الأهداف، إنْ حدث ذلك على الإطلاق، ينبغي أن يتَّسِم أيُّ نظام انتخابي مصمَّم لإظهار إرادة الشعب بعدم الغموض، وبعض الأنظمة الشائعة الاستخدام ليست كذلك.
ليس من اليسير شرح مثل هذه القضايا للأفراد؛ فهُم يستاءون من الرياضيات، والإصلاح العقلاني لا يزال بعيدًا. لقد حاوَلَ هذا المؤلف ذات مرة أن يشرح كلَّ هذا لِلَجنة مكوَّنة من بعض المهندسين المرموقين؛ وذلك من أجل إدخال تحسينات على نظام اللجنة لاختيار المرشحين لعضويتها، فما كان منهم إلا أن ظهر الضجر على وجوههم ولم يتم شيء. لكن الموضوع جد مهم؛ لأنه يمثِّل ضربًا من صنع القرار على مستوًى عالٍ.

الفصل الثاني عشر
الاستحالة


بدأنا ننظر في الفصل العاشر إلى مشكلات صنع القرار التي تضمُّ أطرافًا متعدِّدة ومعايير متعدِّدة (الكثير من الخيارات، الكثير من المعايير، الكثير من الناخبين) باستخدام الأمثلة التي قدَّمها دودجسون الموقر كركائز، ثم تطرَّقنا إلى مشكلات مماثلة في الفصل الحادي عشر تتعلَّق بنُظُم الانتخاب؛ من اليسير أن نتساءل إن كانت كل تلك الحالات هي حالات شاذة اخترعها المؤلف لأسبابه الملتوية، أم أن الأمر أعمق من هذا، بالنظر إلى أن كون هذه المشكلات مجرد أعراض لخلل أكثر جوهريةً.
منذ أربعين عامًا مضت، أثبَتَ الأستاذ كينيث أرو (عالم اقتصاد حصل على جائزة نوبل عن أعماله) صحةَ نظريةٍ رائعةٍ، تُعرَف الآن بصورة مألوفة باسم «نظرية الاستحالة»، والتي تأخذ الموضوع في مجمله إلى مستوًى أعلى؛ لقد أثبت أنه «ما من وسيلة على الإطلاق» لاختراع قاعدة غير مبهمة لصنع القرار للقرارات ذات الأطراف المتعدِّدة، والمعايير المتعدِّدة القائمة على التصنيفات، بشرط أن نُصِرَّ على بعض الشروط البسيطة (سنكشف عنها خلال لحظات)، كل شرط منها يبدو منطقيًّا تمامًا. إن النظرية ليست بديهيةً بالمرة؛ فلو كانت كذلك، لما استغرقَتْ قرونًا لاكتشافها، ولما استحقَّ عليها جائزة نوبل. في الحالة التي حاوَلَ فيها المؤلف أن يقدِّم الفكرةَ إلى لجنة المهندسين — التي ذُكِرت في ختام الفصل السابق — كانت استجابتهم تماثِل ردَّ الفعل الأولي للأشخاص الذين أُخبِروا بأنهم يعانون من مرض اجتماعي؛ إنكارٍ بادئَ الأمر، ثم لامبالاة، ثم هجوم على مصداقية المتحدِّث. سوف أخصِّص هذا الفصل لنظرية الاستحالة، وللقارئ أن يُبدِي أيَّ ردِّ فعل، ولكن بشكل ملائم ولائق.
تنطبق النظرية على موقف شديد الخصوصية لكنه شائع؛ فهناك مجموعة من صانعي القرار يُطلَق عليهم ناخبون، أو أعضاء لجنة، أو أعضاء مجلس إدارة؛ هذا لا يهم ما دامت النظريةُ قابلةً للتطبيق عليهم جميعًا. وهناك عدد من الخيارات (ثلاثة أو أكثر) تحتاج لأن تصنِّفَها المجموعةُ بترتيبٍ ما، ومرة ثانية نحن لا نهتم بأي معايير، أو حكمة، أو تحيُّزات يجلبها كل مشارك للطاولة. (إن كان هناك خياران فقط، فتصويت الأغلبية لا بأس به، وستظهر المشكلة في حالة وجود أكثر من خيارين.) يمكن أن تكون المعايير عقلانيةً أو غير عقلانية، قائمةً على مبادئ أو انتهازيةً، حكيمةً أو غيرَ حكيمةٍ؛ كل ما يهم أن يصنِّف كلُّ مشارك الخيارات وفقًا لمعاييره هو. إذن فالمشكلة ببساطة هي تحديد تصنيف المجموعة من خلال مجموع تصنيفات الأفراد؛ فهذا هو جوهر الديمقراطية على كل حال. بل إن هناك بعض الأفراد يمكن أن تكون لهم أصوات تفوق الآخَرين؛ ليس هناك احتياج لديمقراطية حقيقية هنا! (هذا يعادل وجود كتلة تصويتية، أو أعضاء حزب سياسي يسيرون بإيقاع موحد.) إنه موقف مألوف تمامًا يواجه تقريبًا كلَّ مجموعات صنع القرار يوميًّا؛ فهو ينطبق على الانتخابات، وعلى المِنَح العلمية، وعلى اختيار أكثر اللاعبين قيمة، وهكذا. وعمليًّا، نحن نمارس هذا النوع من الأنشطة طوال الوقت، دون أن نشكو إلا قليلًا بشأن الطرق المتنوعة لممارسته، فلِمَ الجلبة إذن؟
بحث أرو عن أكثر طريقة عامة استوفَتْ مجموعتَه من الشروط القليلة المنطقية. تذكَّرْ أن القضية الوحيدة التي أمامنا الآن هي كيفية تحويل التصنيفات الفردية إلى تصنيف جماعي؛ نحن لا نهتم بالإنصاف أو العدل، وإنما نهتم بإمكانية القيام بهذا التحويل من الأساس؛ فنحن نريد تحويلَ التصنيفات الفردية إلى قائمة جماعية، وكل فرد يجلب قائمةَ تصنيفٍ شخصيةً إلى الطاولة، بينما تغادر قائمةُ التصنيف الجماعي الطاولة؛ هذا كل ما في الأمر.
فيما يلي بعض الشروط كما وضعها أرو: إذا كان كل الأفراد متفقين، فهكذا ينبغي أن تكون المجموعة؛ فإذا ما أحضر كل فرد نفسَ التصنيفات إلى الطاولة، فهذا ما ينبغي أن ينتهي إليه قرارُ المجموعة. ينبغي أن يتحقَّق حينئذٍ إجماعٌ. مَن ذا الذي يستطيع أن يجادل في هذا؟
إذا حدث — بعد استخدام التصنيفات الفردية لخلق قائمة جماعية — أن أضفتَ خياراتٍ جديدةً، ينبغي إذن أن تكون التصنيفات السابقة للخيارات السابقة كما هي، كما لو أن الترتيب قد تمَّ بعدَ إضافة الخيارات؛ حيث تضاف الخيارات أولًا ثم تُدمج القوائم فيما بعدُ. يضفي هذا قدرًا من القوة على النهج المستخدَم؛ فإذا أضفتَ خيارًا ما فيما بعدُ، ووضعْتَه في أي مكان، لا ينبغي أن يؤثِّر هذا على التصنيفات «النسبية» للخيارات التي درستَها وقمتَ بتصنيفها بالفعل؛ وهكذا بالمثل بالنسبة إلى استبعاد أي خيار. على سبيل المثال، إنْ كانت المجموعة تفضِّل السبانخ على القُنَّبيط، ولاحَظَ أحدهم أن البروكلي قد أُدرِج لتوِّه، يمكن أن يُدرَج البروكلي في قائمة كل فرد، لكن هذا لا ينبغي أن يغيِّر تفضيلَ المجموعة بحيث تفضِّل القُنَّبيط على السبانخ؛ قد يحبون البروكلي أو يبغضونه، لكنهم لم يغيِّروا تفضيلاتهم «النسبية» بالنسبة إلى الخضراوات الأخرى. ونفس الأمر يسري إذا ما تصادَفَ وكان البروكلي في القائمة الأصلية، ثم نفَدَ مخزونه، فلا ينبغي أن يؤثِّر استبعاده على تصنيف السبانخ والقُنَّبيط. ولو لم يشترط ذلك من جانب أي نظام منطقي لتحويل التصنيفات الفردية إلى تصنيفات جماعية، لَأمكن إبطال أي قرار عن طريق جلب خيارات جديدة لا صلةَ لها بالخيارات الموجودة. ولما كان من المستحيل لأي مجموعة أن تزعم أنها قد فكَّرت في كل شيء، فلا يمكن التوصُّل لأي قرار على الإطلاق.
إذا انتهى تصنيف المجموعة إلى تفضيل السبانخ على القُنَّبيط، وأضفتَ إلى المجموعة عضوًا آخَر يفضِّل أيضًا السبانخ على القُنَّبيط (مهما كان ما يفضِّله أو يبغضه من أشياء أخرى)، فلا ينبغي أن يغيِّر هذا تفضيلَ المجموعة بحيث تفضِّل القُنَّبيط على السبانخ. إن تقديم مساندة إضافية لأحد الخيارات لا ينبغي أن «يقلِّل» من مرغوبيته بالنسبة إلى المجموعة. (وقد رأينا عكس ذلك في حالة تصويت جولة الإعادة.) وبالمثل، إذا ما حوَّلَ أحدُ المشاركين تصويته إلى السبانخ بعدما فازت بتفضيل المجموعة، ربما فقط كي يواكِبَ بقيةَ الجمع، فهذا لا ينبغي أن يكلف السبانخ انتصارها.
هذا كل ما في الأمر، ومَن ذا الذي يختلف مع أيٍّ من ذلك؟ إنَّ كل شرط من هذه الشروط لأي نظام منطقي يبدو عقلانيًّا بوضوح، وينبغي أن يكون من شروط أي نظام منطقي متعدِّد الأطراف لصنع القرار.
ومع ذلك، فالحقيقة المذهلة التي أثبَتَ أرو صحتَها هي أنه «لا توجد وسيلة» لوضع نظام كهذا لصنع القرار دون أي قيود إضافية على التصنيفات التي يضعها صانعو القرار الفرديون. الإثبات معقَّد بعض الشيء — وإن لم يكن بدرجة بالغة — لكنه يتَّسِم بمنهجية شديدة، وسنتغاضى عن فرصة ذكره تفصيلًا هنا. هناك الكثير من الكتب التي تتناول هذا الموضوع، وهناك حقيقة مهمة للغاية (على الأقل بالنسبة إلى المؤلف) وهي أنه بعيدًا عن الاحترافيين الذين يعملون في هذا المجال، لا يبدو أن هناك أحدًا يهتم على الإطلاق بهذا؛ فأعضاء اللجان والهيئات الانتخابية ومجالس الإدارات يستمرون في أعمالهم فحسب، دون أن تؤرِّقهم اللاعقلانية، ويسمحون لأنفسهم باتخاذ قرارات يمكن أن يستغلها الخبراء في الألاعيب البرلمانية.
والآن علينا الاعتراف بأنك قد خُدِعت بشكل مخجل؛ إذ إننا حذفنا نقطة مهمة؛ فنظرية أرو بها ثغرة لم نهتم بذكرها. لقد أثبَتَ أرو بالفعل ما أوردناه، من أنه ما من طريقة تَفِي بكل الشروط الموضوعة، «لكن باستثناء وحيد»، والاستثناء مثير للاهتمام بشكل خاص؛ لأن له تداعيات عملية مزعجة، وهذا الاستثناء هو أنه يمكن الوفاء حقًّا بكل شروط الاتساق في كل الحالات، «بشرط» أن تُمنَح السلطة لواحد فقط من صانعي القرار. بمعنًى آخَر، يمكن الوصول إلى الاتساق إذا كان هناك ديكتاتور؛ أي يمكن للآخرين التصويت، لكن أصواتهم لا يُعتَدُّ بها؛ ومن ثَمَّ لا يكون هناك أي غموض، وتستعاد العقلانية. ويمكن ترك التداعيات التاريخية إلى القارئ.
إذا بحثتَ عن أصول المشكلة، فستجد أن أحدها قد ذُكِر لأول مرة في كتابات الماركيز دو كوندورسيه عام ????، وهو امتداد لنوع العلاقات غير المتعدية للمجموعة التي ذكرناها في نهاية الفصل الحادي عشر؛ فكلما زاد عدد المشاركين، وزاد عدد الخيارات، أصبحت هناك احتمالية أكبر وأكبر أن تكون هناك ثغرات خَفيَّة في قوائم التصنيف؛ ممَّا يؤدِّي إلى إرباك كل الجهود لاستخلاص تفضيل المجموعة من التفضيلات الفردية؛ وليس هناك نظامُ ترجيحٍ يمكن أن يتجنَّبَ تلك المشكلة (بخلاف حل الديكتاتور).
من بين الطرق التي يعتقد معظم الناس أنها يمكن أن تتجنب الغموض، تستحق طريقة بوردا — التي ذكرناها باختصار في الفصل الحادي عشر — ذكرًا خاصًّا؛ حتى لو لم يكن ذلك لشيء إلا لأنها من أكثر الطرق التي تعرض عادةً عندما يثار هذا الموضوع. (إن الناس يتخذون موقفًا دفاعيًّا بالفعل؛ فما من أحد يريد تصديق أيٍّ من هذا.) سنستخدم نموذج طريقة بوردا؛ حيث يحصل أي مرشح في المركز الأول في قائمة شخصٍ ما على نقطة واحدة، ويحصل مَن يأتي في المركز الثاني على نقطتين، وهكذا، ثم تُجمَع النقاط، ويفوز صاحب أقل النقاط. تلك طريقة تُستخدَم في كل مكان. (يمكنك إجراؤها بطريقة عكسية؛ حيث تَمنح نقاطًا أكثر لمَن هو في أعلى القائمة؛ لا يهم ذلك في شيء.) إنه أمر بسيط للغاية، ومن السهل أن تعرف مَن الذي سيفوز. لكن كيف يتعارض مع دليل أرو؟ وأي من المسلمات سيخرقها؟ وهل يهم ذلك؟ كلها أسئلة مشروعة.
تأمَّلْ مثالًا يشبه تلك الأمثلة التي أوردناها في الفصل الحادي عشر؛ حيث أدلى سبعة ناخبين بأصواتهم لثلاثة مرشحين يُطلَق عليهم أ، ب، ?. وفيما يلي بطاقات الاقتراع الفردية موضحًا عليها ترتيب الناخبين:
بب?أب?بأ?أ?أأأ?أبب?ب?
إذا منحنا نقاطًا على النحو المحدَّد أعلاه، فسنجد أن الفائز هو المرشح ب بثلاث عشرة نقطة، ويأتي المرشح أ في المركز الثاني بأربع عشرة نقطة، بل إن المرشح ب لديه أيضًا أربعة أصوات في المركز الأول؛ أي أغلبية، وهو ما يبدو صحيحًا تمامًا، وأي فرد سيقبل نتائج مثل هذا الاقتراع.
لكن في اللحظة الأخيرة يدخل المنافس د المُفسِد للسباق؛ إنه ينتمي إلى حزب سياسي متواضع يخدم مصالحه — هذا ليس شيْئًا سيِّئًا، لكنه ليس بالجيد، مع وجود الكثير من الأصدقاء له — وقد وضعه الناخبون بالإجماع في المركز الثالث من بين المرشحين الأربعة (الآن)؛ لم يمتلكوا الشجاعةَ لوضعه في المرتبة الأخيرة؛ فهو صديق قديم يقيم حفلات طيبة. وقد هبط كلُّ مرشحي المركز الثالث السابقين إلى المركز الرابع، وهذا لا يهم كثيرًا؛ لأنهم كانوا سيخسرون على أي حال. والجدول يبدو الآن هكذا:
ببجأبجبأجأجأأأدددددددجأببجبج
إذا أجرينا التصنيفَ الآن كما فعلنا من قبلُ، بطريقة بوردا، لكن الآن بتصنيفات من واحد لأربعة، فستكون نتائج الانتخابات مختلفةً؛ فالفائز الآن هو المرشح أ بخمس عشرة نقطة، بينما هبط المرشح ب للمركز الثاني بست عشرة نقطة؛ وهكذا فإن المرشح د، وهو المرشح الذي لم يأخذه أحدٌ بجدية، ولم يقترب مطلقًا من الآخرين، غيَّرَ مجموعَ نقاطِ أعلى المرشحين، وحدَّدَ الفائز؛ وهذا ينتهك مسلَّمة أرو الثانية، وهي أنه بمجرد أن ينتهي الناخبون من وضع خياراتهم بترتيب الأفضلية، ويتحدَّد التفضيل النهائي للمجموعة من خلال التفضيلات الفردية، ينبغي ألَّا يؤدِّي إدخال خيار جديد — مُفسِد — إلى تغيير ترتيب المرشحين الذين اختيروا من قبلُ. بالطبع لا بد أن يُوضَع المرشح الجديد في أي مكان، وربما حتى في المركز الأول، لكن ذلك المرشَّح لا ينبغي أن يغيِّر الترتيبَ «القائم». وكما قلنا من قبلُ، دون هذا الشرط، لا يمكن أن تتَّخِذَ قرارًا مطلقًا بشأن أي شيء؛ فإذا كانت الأشياءُ الجديدة غيرُ ذات الصلة يمكنها أن تغيِّر قراراتٍ اتُّخِذَتْ بالفعل، فسيكون من الصعب حقًّا التكهُّنُ بالنتائج.
غالبًا ما يقول الأشخاص الذين يواجهون هذا الموقف (بمجرد أن يُجبَروا على تصديقه): حسنًا، هذا النوع من الأمور لن يحدث كثيرًا. في الواقع، إن الاحتمالية القائمة هي أن مثل هذه المشكلات تتزايد بتزايُد عدد المعايير وعدد الخيارات؛ ففي مواقف الانتخابات أو المِنَح العلمية، قد نجد عشرة مرشحين أو أكثر يتنافسون، بينما قد ترتكز بعضُ القرارات الصناعية المهمة على مائة معيار أو أكثر (ما يعادل عددَ الناخبين). ليس هناك حدود قصوى.
إنَّ كل شيء ذكرناه في هذا الفصل يستند على استخدام أنظمة التصنيف، أو قوائم التفضيل، كما هي مُستخدَمة بوجه عام في السياسة وفي الصناعة؛ ومن الممكن حلُّ كلِّ جوانب الغموض بمَنْح المرشحين درجاتٍ (كما تفعل المدارس عادةً)، يمكن بعد ذلك حسابُ متوسطها للحصول على قائمة تصنيف. هناك بعض المشكلات الأخرى، وقد تطرَّقنا لبعضها، لكن ليس الغموض من بينها.

الفصل الثالث عشر
حماية المستقبل


تكون القرارات أيسر ما يكون عندما يمكن مقارنة الخيارات بشكل مباشِر؛ فمن السهل الاختيار بين تفاحة ناضجة وأخرى عطبة، والأصعبُ الاختيارُ بين تفاحة ناضجة وثمرة كمثرى ناضجة، بل الأكثرُ صعوبةً الاختيارُ بين بوشل من التفاح وشريحة من لحم الخاصرة، ويظلُّ الأصعبَ الاختيارُ بين لحم الخاصرة وزوج من الأحذية. وعند الاختيار بين أشياء متنوعة بالفعل، شديدة الاختلاف بما يصعب معه المقارَنة المباشِرة، فليس ثمة بديل سوى تصنيفها بناءً على مقياس شائع، مثل فوائدها. هذا ليس شيئًا أكاديميًّا فحسب؛ بل إن المجتمع يدفعنا لفعله سواء رغبنا في ذلك أم لا، وسواء رغبنا في الاعتراف به أم لا، حتى وإن كان هذا لأن لدينا (أو لدى معظمنا على الأقل) ميزانية ثابتة وينبغي أن ينتهي بنا الأمر وقد سددنا فواتيرنا، وهذا وحده يتطلَّب الاختيارَ بين عدة خيارات، بناءً على مدى قيمتها النقدية لنا. بالطبع هناك بعض الأشياء في الحياة ليس من السهل قياسها نقدًا، وهناك قرارات تبدو واضحةً مثل الاختيار بين الذهابِ للتريُّض وأخْذِ غفوةٍ، لكن حتى هنا يمكن للمرء أن يتخيَّلَ السؤال: «ما مدى قيمتها بالنسبة إليك؟» إن النقود هي محاولة من المجتمع لإحالة كل شيء لمقياس مشترك، وإبعادنا عن مقايضة أصداف المحار بالفخار؛ وبالنظر لشيوع النقود وشعبيتها، فإن هذا النظام ناجح فيما يبدو. لكن ماذا عن مقارنة النقود الحالية بالنقود المستقبلية؟ هذا بُعْدٌ جديدٌ.
هل الأكثر منطقيةً أن تستثمر في المستقبل، أم تنفق ما تجمعه بمجرد أن يأتيك؟ يقول شكسبير: «المرح في الوقت الحالي يحمل في طيَّاته ضحكاتٍ حاليةً، وما سيأتي لا يزال غير مؤكَّد.» إن الصراع يكمن بين الإشباع اللحظي لرغبةٍ أو حاجةٍ وقتية (كتناول الطعام، على سبيل المثال)، وبين فوائد يُوعَد بها في المستقبل القريب أو البعيد؛ أو بين الإشباع المؤجل والإشباع الفوري إنْ أردْتَ. إن الأفراد والشركات والبلدان جميعهم يواجهون نفس المشكلة: هل نستثمر في المدارس أم نرمِّم الحفرَ؟ نصلح السقف أم ندَّخِر النقود لوقت الحاجة؟ هل تعمل في شبابك لكي تستمتع بمباهج تقدُّم العمر، أم العكس؟ لم يكن ليتوافر لدينا كمٌّ ضخمٌ من الأمثال التي تحثنا على الاستعداد للمستقبل، لو لم يكن ذلك أمرًا غير طبيعي.
والأمر غير طبيعي «بالفعل»؛ فلو كان الجِنِّي الكريم في الفصل التاسع قد أعلَنَ أن أيَّ أحد سيظهر في ساحة القرية الثلاثاءَ القادمَ سيختار بين الحصول على ورقة نقدية جديدة فئة مائة دولار، وبين إيصال أمانة يعد بسداد مائة دولار بعد عشر سنوات، فمن السهل أن تعرف أيَّ خيار كان سيختاره معظمنا. ليس هناك أي حافز، أيًّا ما كان، يدفعنا للنظر إلى المستقبل بينما يهاجمنا الحاضر بالفعل. إلى جانب أن المستقبل، كما قال شكسبير، غير مضمون (ووفقًا لمزحة قديمة شهيرة، تلك نظرة تفاؤلية). وقد كتب عمر الخيام يقول: «عليك بالحاضر وانْسَ المؤجلات، ولا تجفل لقرع طبل من بعيد!» فمَن يعرف إذا ما كنتَ ستستردُّ مدخراتك أم لا، وإذا ما كنتَ ستجني ثمارَ استثماراتك أم لا. وقد أظهرَتِ الاستطلاعات أن الأشخاص الذين يساهمون في صندوق الضمان الاجتماعي اليومَ، مقتنعون بأن النقود لن تكون متواجِدةً عندما يحتاجون إليها خلال العقود القليلة القادمة، والسياسيون الذين يقولون إنهم يعملون على تقوية الاقتصاد من أجل مستقبلٍ أكثرَ إشراقًا، يخسرون باستمرارٍ أمامَ مَن يَعِدُون بأن يكون هناك ما يكفي من الطعام لكل عائلة غدًا. لا يهم ما يفعله الفائزون حينما يتمُّ انتخابهم؛ فالوعد يجلب لهم المنصب، والذاكرة ضعيفة، وتَولِّي المنصب يؤدِّي إلى البقاء به لفترة طويلة.
إذن فقد اعتدنا جعْلَ الأشياء أكثر جاذبيةً؛ كي نحثَّ الأشخاص على توجيه اهتمام أكبر نحو المستقبل؛ فندفع فائدةً — عائدًا على الاستثمار — فقط كي نغوي الأشخاصَ بتأجيل رغباتهم أو احتياجاتهم التي كان يمكن إشباعها من خلال مواردهم الحالية؛ وهذا يجعل التخلِّي عن استخدام النقود أمرًا أكثر استساغةً بعض الشيء؛ فأنت تحصل على شيء في المقابل. ليس هناك مقدار سحري للفائدة «ملائم تمامًا» كحافز، لكن يبدو أن الخبرة الإنسانية قد اتفقت على معدلٍ يتراوح بين خمسةٍ وخمسةَ عشرَ بالمائة سنويًّا كعلاوة مطلوبة لفصل الأشخاص عن استخدامهم الفوري لأموالهم؛ أي عن الإشباع اللحظي. وتختلف معدلات الفائدة وفقًا لمستوى المخاطرة؛ إذ تكون المعدلات أقلَّ بالنسبة إلى الاستثمارات الخالية من المخاطر، فيما تكون أعلى بالنسبة إلى الاستثمارات القائمة على المضاربة التي قد تؤدِّي إلى خسارة كل شيء، وأعلى بالنسبة إلى الربا، ومراباة القروض، وأرصدة بطاقات الائتمان. وتظل الفوائد أعلى إذا ما كانت البلاد في أزمة اقتصادية شديدة، والمستقبل أقل وضوحًا عن المعتاد؛ فعندما يصل التضخُّم لمائة بالمائة سنويًّا، ينبغي أن تتواكَب معدلات الفائدة مع ذلك. والمقصد من هذا ببساطة هو أن اقتراح إمكانية ربح «زائد» في المستقبل على الأشخاص، يمكن أن يعوِّض إحجامهم الطبيعي والمفهوم عن الاستغناء عن ممتلكاتهم اليوم. وكلُّ فرعٍ معروف لهذا المؤلف من فروع الجنس البشري، في كل الأزمنة والأماكن، قد اكتشف تلك الحقيقة العالمية؛ فالمعدلات تختلف وفقًا للظروف المتعلِّقة بالزمان والمكان، لكنْ يظل المبدأ واحدًا كما هو.
عند هذه النقطة قد يشتكي بعض القرَّاء من أن الفريضة الأخلاقية للادِّخار من أجل المستقبل، أو الاستثمار في سعادة ورفاهية الأبناء والأحفاد، فضلًا عن بقية الجنس البشري؛ لم تُوَفَّ حقها من التناول هنا. باختصارٍ، قد يشتكون من أن هذا المؤلف فاقِدٌ للحسِّ الأخلاقي. ربما يكون الأمر هكذا، لكن إذا فكرتَ في الأمر، فستجد أن كلَّ واجباتنا وفرائضنا الأخلاقية ذاتها مرهونة بالمكان والزمان، وهي ببساطة خلاصات احتياجات مجتمعية سابقة، صُنِّفت على هذا النحو حتى لا يعود علينا أن نفكِّر من أين أتَتْ، تمامًا مثل جدول الضرب. وفي بعض الأحيان تتجمَّع هذه الدروس داخل مجموعة من القوانين، وأحيانًا في تعليمات وأوامر دينية، وفي بعض الأحيان في قواعد السلوك المختلفة وهكذا، لكن جميعها في النهاية يعكس الاحتياجاتِ الفعليةَ لأحد المجتمعات السابقة التي ظلَّتْ باقيةً بشكل ما. إن الالتزامات والفرائض التي خلَّفتها لنا الخبرات والتاريخ القديم، سريعًا ما تنهار تحت الضغط المباشِر، بغضِّ النظر عن كونها قد تجمَّعَتْ بطريقة مقنعة أو أننا تمرسنا جيدًا على طاعتها. والتاريخ الإنساني المعاصِر يقدِّم لنا أدلةً مُفزِعة كثيرة على ذلك؛ هذا لا يعني أن القوى ليسَتْ فعَّالةً — فالكثير منَّا على استعدادٍ للتضحية بحياته من أجل حماية أطفاله — لكننا نذكِّر القرَّاء بأن أصول القوى الاجتماعية كلها تكمن في ماضينا التطوُّري. وهناك العديد من الحيوانات الأخرى التي تضحِّي بأنفسها أيضًا من أجل بقاء سلالتها، بنفس الدوافع، لكنْ دون التبريرات المطنبة.
لكنَّ ذلك تحوُّلٌ عن الموضوع؛ النقطة الجوهرية هي أننا إذا لم نحسِّن جاذبيةَ الإشباع البعيد، فلن تكون له فرصة للتنافس مع الإشباع الفوري.
من الممكن التفكير في معدلات الفائدة اللازمة لتشجيع الاستثمار إما كفائدة على الاستثمار الحالي وإما كخصم من المكافأة المستقبلية؛ فإذا ما كان استثمار مبلغ ??? دولار الآن، بمعدل فائدة سنوي مقداره خمسة بالمائة، فسيجلب (كما هو الحال مع المعدل السنوي التراكمي للفائدة) مكسبًا قيمته ???? دولار خلال سبعة وأربعين عامًا، يمكن التفكير في هذا إما كفائدة على الاستثمار الحالي، وإما كخصمٍ للفائدة المستقبلية بنسبة خمسة بالمائة سنويًّا. وبطريقة التفكير الثانية، ستقول إنك ترغب في الألف دولار خلال سبعة وأربعين عامًا؛ لذا فقيمتها المخصومة الآن هي مائة دولار فقط، وهو ما تساويه الألف دولار بالفعل في هذا الوقت؛ إنه الثمن الذي تدفعه الآن للمكافأة المستقبلية. إن البنوك وشركات التأمين تفعل هذا كأسلوب حياة، وعندما تسدِّد قسطًا لبوليصة تأمين على الحياة، فإنك تفعل الشيئين مرةً واحدةً؛ أيْ إنك تستثمر بفوائد لتسدِّد القيمةَ المخصومة حاليًّا من حياتك. ولما كان من المتوقَّع أن تموت (ويحصل وَرَثتك على قيمة التأمين) في وقت لاحق، فليس هناك سببٌ لكي تسدِّد المبلغ كله الآن، وشركات التأمين تعرف جيدًا كيف تخصم قيمة حياتك، وهذا ما يجعلهم يقومون بتوظيف متخصِّصين في الحسابات الإكتوارية. يبدو هذا قاسيًا، لكنْ مَن قال إن التأمين على الحياة لم يكن مفهومًا قاسيًا؟ وأنت، كفردٍ، يمكن بالكاد أن تفوز به.
إن للأمر جانبًا سلبيًّا وآخَر إيجابيًّا؛ فكما أن الربح البعيد ليس مغريًا كالربح الحالي، ومن ثَمَّ يكلِّفك أقلَّ إذا دفعتَ مقابله الآن، لا تُعَدُّ الخسارة البعيدة مخيفةً كخسارة حالية. خيِّرِ الناس بين أن يجتاحهم فيضان غدًا أو يجتاحهم فيضان بعد خمسين عامًا، وانظر كم منهم سيهرع نحو الخيار الأول. في حالة التأمين على الحياة المذكورة أعلاه، يمكنك التفكير في فوائد التأمين كمصدر دَخْلٍ لأسرتك (على افتراض أنهم المستحقون للتأمين)، لتعويضهم عن خسارتهم. إن المبلغ والخسارة يظهران في نفس الوقت تقريبًا؛ ومن ثم يتم خصمهما من أجل حساب القسط، وينتهي النطاق الزمني، بالنسبة إلى معظم الأشخاص، لخصم الخسائر المستقبلية بنهاية فترة حياتهم، أو حياة أبنائهم أو أحفادهم؛ وبالنسبة إلى المجتمعات أو الدول، قد يمتدُّ هذا النطاق قليلًا (على الرغم ممَّا يبدو حاليًّا من أن الدول تتَّسِم بقِصَر فترات الانتباه مقارَنةً بالأفراد). ثمة نقطةٌ ما يصير بعدها الأمر غيرَ منطقي بالمرة؛ فمثلًا مَن الذي سيشتري سندًا سيجلب فائدة هائلة ومضمونة بعد ألف عام؟ لا توجد حالة واحدة في التاريخ الإنساني بِيعت فيها مثل هذه السندات (بحسب معرفة هذا الكاتب، يمكن للمندوبين المتجولين الماهرين في بعض الأحيان أن يبيعوا للناس أشياء في غاية الغرابة)، وبعض المجتمعات والإمبراطوريات ذات الرؤى المُغالى فيها لقدرتها على البقاء عُرِف عنها بناء أشياء صُمِّمت لتدوم لآلاف السنين؛ فلا تزال الأهرامات باقيةً (ولكن اقرأ قصيدةَ شيلي «أوزيماندياس»، التي تضع مثل هذه الطموحات والتطلُّعات في نصابها الصحيح).
ما علاقة هذا بصنع القرار؟ بعض القرارات الشخصية ذات التأثير المستقبلي لها فترةُ تأجيل قصيرة بما يكفي لجعل عملية اقتطاع الأرباح المستقبلية سهلة، إلا أنك تضطر بين الحين والآخَر لأن تضاهي مكسبًا أو خسارة فورية بشيءٍ بعيدٍ للغاية في المستقبل، لدرجة أن حتى المرغبات المألوفة (أو نِسَب الخصم) تبدو أنها تفقد ميزتها. وحتى هذا التفكير يُعَدُّ مسألةً ترتبط بالزمان والمكان؛ ففي أجزاء من العالم حيث يهتم الناس بالإرث العائلي، من الشائع أن تقوم باستثمارات تؤتي ثمارها بعد بضعة أجيال، أو الاحتفاظ بمنزل عائلي أو مزرعة يضيف إليهما كلُّ جيل شيئًا خلال فترة امتلاكهما، وهناك دول يَشيع فيها وجود رهن عقاري مدته تسعين عامًا على منزل؛ ولكن هذا النوع من التفكير الطويل المدى قلَّمَا يوجد في الولايات المتحدة هذه الأيام.
إليك حالة خاصة وصارخة على نحو خاص؛ يَعرف الجميع (وهو أمر صحيح) أن الجرعات الكبيرة بما يكفي من الإشعاع يمكنها أن تسبِّبَ السرطان، وأن الوقود المستهلَك من محطات الطاقة النووية مُشِعٌّ، غير أنه على الرغم من الضجة الإعلامية شبه الجماعية حول هذا الموضوع، لا يوجد دليل، أيًّا ما كان، على أن التعرُّض بقدرٍ ضئيلٍ للإشعاع يسبِّب أيَّ ضررٍ على الإطلاق. لعل هذا موقف شائع؛ فالعديد من الأشياء التي تُلحِق الجرعاتُ الكبيرة منها ضررًا لا يكون للجرعات الصغيرة منها أي ضرر؛ والجرعات الزائدة من المواد الكيميائية الحميدة مثل الأسبرين تقتل بعضَ الأشخاص كل عام. إن عدد الوفيات الناتجة عن الأسبرين في تناقُص، ولكنَّ هذا يُعزَى جزئيًّا إلى قيام الناس بالاستعاضة عن الأسبرين بمسكنات أخرى تحظى بالدعاية الجيدة، غير أن الجرعات الصغيرة من الأسبرين آمِنةٌ، مثلها مثل أي عقار آخَر بالسوق. حتى الماء يسبِّب أضرارًا حين يكون بجرعات كبيرة. وعلى أي حال، فقد حفَّزَ خطرُ التعرُّض للإشعاع وكالةَ حماية البيئة لوضع معيارٍ؛ إذا لم يصل إليه الوقودُ المستهلك من محطات الطاقة النووية، وجَبَ عزله عن الملامسة البشرية لعشرة آلاف عام. ولعل هذه واحدة من القواعد الحكومية الصاعقة الأكثر حمقًا التي رآها المؤلف على الإطلاق — تخيَّلْ عشرة آلاف عام لدولة تجاوَزَ عمرُها المائتَيْ عام بالكاد — ولكن دعنا نتعمَّق في الأمر كمثال مفرط للمبالغة في حماية المستقبل.
بدايةً، ماذا تساوي أيُّ حياة بعد عشرة آلاف عام؟ الجهات التنظيمية مستقرة هذه الأيام فيما يبدو عند حوالي مليون دولار كقيمة للحياة؛ فتلك هي القيمة التي تقدِّرها هيئات التحكيم في قضايا القتل الخطأ، وهي أيضًا الخط الخفي الذي يفصل تحرُّكَ الحكومة عن تراخيها حيال المخاطر المُدرَكة (عدا في الحالات الخاصة، مثل عمَّال مناجم الفحم وروَّاد الفضاء، الذين ننفق عليهم أكثر بكثير لكل حياة يتم إنقاذها). لذا دعنا نستخدم هذا التقدير للحياة، ونفترض أن المادة المدفونة قد انبعثَتْ في البيئة بعد عشرة آلاف عام؛ بحلول هذا الوقت ستكون قد تحلَّلَتْ، وصارت بالكاد مُشِعَّةً؛ أي أقل إشعاعًا بكثيرٍ من المادة الأصلية التي صُنِعت منها، ولكننا سنتجاهل ذلك أيضًا؛ ففي النهاية، لا يبدو أن وكالة حماية البيئة تَعْبأ بتلك الحقيقة الجوهرية، ولا بد أن نفترض أن الأشخاص المتواجدين حينذاك لن تكون لديهم دراية بكيفية التعامل مع المواد المشِعَّة، وأنهم سيكونون أكثر بلاهةً منَّا؛ لذا سوف نفترض أنه بعد عشرة آلاف عام، سوف يقتل الوقود المنبعِث عشرةَ آلاف شخص بشكل مؤكَّد، بتكلفة مليون دولار (بالعملة الحالية) لكلٍّ منهم. تلك كارثة تساوي عشرة مليارات دولار، ستقع بعد عشرة آلاف عام، سنرغب من أجل مواجهتها في شراء وثائق تأمينية. (لنضعِ الأمرَ في نصابه الصحيح، يجب أن نذكر أن هذا المبلغ أقلُّ بكثيرٍ ممَّا ينفقه الأمريكيون الآن كلَّ عام لشراء الكوكايين، وأقلُّ بكثيرٍ من التكلفة المتوقَّعة لمحطة الفضاء.)
ولكننا نريد التأمين، والمسألة الوحيدة المتبقية هي تحديد قيمة الأقساط وفقًا لقواعد الحسابات التأمينية المألوفة؛ أي بالشكل الذي يجعل الأموال المستثمَرة تجلب الفائدة في الوقت المناسب. سوف نستثمر الأموال بفائدة قيمتها ? بالمائة، وهو تقدير متحفظ آخَر. يتبين لنا أن الأقساط تقل كثيرًا عن واحد بالمائة للعام الواحد لدرجة يستحيل معها حسابها. إن أول سنت أحمر ندفعه في الأقساط وقتما نشعر بدافع نحو ذلك، سوف يجلب المبلغ المطلوب — وقيمته ?? مليارات دولار — في غضون سبعمائة عام لا أكثر، دون أي أقساط إضافية، وبعدها نستطيع ببساطةٍ الاحتفاظَ بالصندوق دون أي فوائد، لأكثر من تسعة آلاف عام. والواقع أنه لا توجد طريقة لجعل المبلغ «أقل» من ?? مليارات دولار، إذا لم يكن بمقدورنا استثمار أقل من سنت، ما لم نقُم بتأجيل القسط الأول لأكثر من تسعة آلاف عام؛ إنه ضرب من السخف المحض حقًّا أن نفكِّر في التخطيط لمثل هذه الفترات الطويلة من الزمن، وهذا هو ما يجعلها قاعدة حمقاء؛ إن وكالة حماية البيئة لا تجيد الحساب.
ولكن الإجراء الأمثل بالنسبة إلى الفترات الأكثر معقوليةً، التي تمثِّل أهميةً لعملية اتخاذ القرار الواقعية (في مقابل الحكومية)، هو القيام بما تقوم به شركات التأمين؛ ينبغي أن نفترض أن الموارد التي تُنفَق الآن يجري استثمارها، وأن المكاسب والخسائر في المستقبل يتم خصمها، علمًا بأن نسبة الفائدة تتحدَّد بحسب الظروف. فإذا تدهورت أيٌّ من الأصناف أو الأشياء المشمولة أيضًا مع الوقت، ينبغي وضع قيمتها المتدنية في المستقبل في الحسبان؛ «بالإضافة إلى» خصم العوائد المستقبلية. إن تدنِّي القيمة والخصم مفهومان منفصلان تمامًا، وغالبًا ما يتم الخلط بينهما.
إذن فالتأثير الوحيد للتأجيل على عملية اتخاذ القرار يتمثَّل في وجوب خصم الأحداث المستقبلية؛ إذ يجب خصم جميع الفوائد والتكاليف، الجيدة والسيئة، بحسب قيمتها الحالية. فإذا قال لك أحدهم إنه سيمنحك ???? دولار بعد عشرين عامًا، فلا تفكِّر فيها باعتبارها ???? دولار؛ فقيمتها اليوم، بعد تطبيق خصمٍ قيمته ? بالمائة، تساوي حوالي ??? دولار. أحد برامج الجوائز التي تحظى بدعاية واسعة تَعِد بجوائز قيمتها مليون دولار، ولكن التفاصيل المكتوبة بخط صغير تقول إنها ?? ألف دولار في العام لمدة عشرين عامًا، وهذا لا يساوي مليون دولار؛ فعند تطبيق خصمٍ بنسبة ? بالمائة، تصبح القيمة حوالي ??? ألف دولار. لا شك أنها جائزة لا بأس بها، ولكنها ليست المليون المزعومة. بالطبع يعلم المعلنون ذلك، ولكنهم يتغاضون عن ذلك.

الفصل الرابع عشر
القرارات العامَّة


حين ينظم الأشخاص أنفسهم (أو يجري تنظيمهم بواسطة الآخرين) في مجموعات، أو نوادٍ، أو لجان، أو أحزاب سياسية، أو دول — كبيرةً كانت أم صغيرةً — فلا بد من السؤال عن كيفية اتخاذ القرارات نيابةً عن المجموعة. ينبغي، من حيث المبدأ، أن يكون الهدف هو أن يخدم القرار مصالح المعنيين به، لكن هذا المبدأ يحظى بالتأييد اللفظي الكاذب أكثر ممَّا يحظى بالاهتمام الفعلي؛ فعادةً ما تكون ماهية تلك المصالح أبعد ما تكون عن الوضوح؛ فهي تعتمد على ظروف خارجية؛ سواء أكانت هذه الظروف قاسية أم جيدة، بمعزل عن الناس أم اجتماعية، تكتنفها الصداقات أم العداوات، متجانسة أم متغايرة … إلخ. وعلى الرغم ممَّا نتعلمه في المدارس عن تفوُّق «الطريقة الأمريكية»، لا يوجد شكل «أمثل» للحكومة يناسب كل الأزمنة والأماكن، ومن الغرور البحت أن نعتقد أن الآخرين سوف يكونون دومًا أفضل حالًا إذا فعلوا ما نفعله نحن. موضوع هذا الفصل هو أن بنية عملية اتخاذ القرارات العامة (الحكومة) يمكن أن تتخذ أشكالًا مختلفة، اعتمادًا على الدور الذي يُتوقَّع منها أن تحققه؛ وأن القرارات، كما هو الحال دائمًا، ستؤتي ثمارها في الأغلب إذا اتُّخذت «بعدَ» أن يُحدَّد الهدف منها، وليس قبل ذلك.
في أحيان كثيرة، لا يكون للمحكومين رأي في «الكيفية» التي يُحكَمون بها، وتكون سلطةُ اتخاذ القرار داخل أي مجموعةٍ مملوكةً لمجموعة ثانوية من الأفراد، أو حزب سياسي، أو جيش، دون أن يكمن سبب وراء ذلك سوى مجرد الرغبة في الاستئثار بالسلطة. (تلك الرغبة الضاربة بجذورها في الطبيعة البشرية لها تاريخ طويل، ولن تُمحَى بشكل سحري عن طريق الوعظ والنصح.) وبمجرد أن تصبح السلطة في اليد، فإنه يمكن تبرير هذا الاستيلاء بأثر رجعي؛ فعادةً ما يعيد المنتصرون كتابة التاريخ. لكن هذا ليس موضوعنا هنا؛ بل كل ما نريده هو السؤال عن كيفية ارتباط توزيع سلطة اتخاذ القرار (فَلْتُسمِّها الحكومةَ إن شئتَ) بمشكلات المجتمع، الواقعية والمتصوَّرة على حد سواء.
إنها لَحقيقة بديهية أن جميع المجتمعات القائمة كانت تتخذ من البقاء هدفًا جوهريًّا — وتلك المجتمعات التي لم تُولِ اهتمامًا كافيًا لتلك الحاجة الأساسية لم يَعُدْ لها وجود — لكن المجتمعات الحديثة والغنية لديها دوافع أكثر تعقيدًا تضاف إلى هذا الدافع، وغالبًا ما يُعميها ذلك عن رؤية مدى ضعفها. تختلف الهياكل التنظيمية داخل الشركات عنها في العائلات، وتختلف الهياكل التنظيمية للعائلات عن الدول، والقبائل عن الدول، واللجان عن المجالس النيابية. وفي معظم الحالات، يتطوَّر الترتيب على مر السنوات أو القرون مع تذبذب السلطة بين التزايد والانحسار، دون التفكير في أي فلسفة كامنة أو منطق معروف وراء هذا الترتيب؛ هناك بالطبع استثناءات لهذه المبالغة، كما هو الحال في كتابات أفلاطون، وأرسطو، وتوماس هوبز، وجان جاك روسو، وجون لوك، ومونتسكيو، وتوم بين، إلا أن هؤلاء ليسوا سوى ينابيع صغيرة مقارَنةً بنهر التاريخ الإنساني العاتي. حتى في وقتنا الحالي، حين شرعتُ في كتابة هذا الفصل، سألتُ عددًا من الأصدقاء — بعضُهم أساتذة بارزون في العلوم السياسية — إن كانت هناك أي كتب حديثة جيدة عن الحكم المُقارَن، تقارن (من حيث الجوهر لا الشعارات) بين الطرق المختلفة لتنظيم أي مجتمع؛ وتبيَّنَ لي أنَّ هناك القليل للغاية من هذه الكتب، هذا إنْ وُجِد، وذلك لأسباب يسهل تخمينها. (قال فريد بروكس، عالِم الكمبيوتر البارز، إن أي مجال يحتاج لإضافة كلمة «عِلْم» إلى اسمه لا يكون علمًا على الأرجح.) هناك مئات الكتب عن كيفية تحسين ممارسة الديمقراطية، وكتبٌ أكثر عن عيوبها، لكن تلك الكتب موجَّهة لمشكلات آنيَّة، لا لمبادئ عامة. وكما ذكرنا آنفًا، لا تظهر كلمة «الديمقراطية» في الدستور الأمريكي أو في إعلان الاستقلال الأمريكي.
إن الشكل التاريخي للحكم، الذي يعود إلى العصور القديمة، يتمثَّل في وجود قائد أو ملك أو زعيم يتم اختياره بموجب أيٍّ من المعايير العديدة (الحجم، القوة، السن، الشراسة، حق المولد، الفحولة الجنسية، رسالة من الآلهة، أو أيِّ شيء يتطلبه الأمر لتبرير السلطة على الآخرين)، ويُمنَح مستوًى من السلطة (أو يستحوذ عليه) لاتخاذ القرارات نيابةً عن المجموعة. هذا النموذج واسع الانتشار — ولكنه ليس عامًّا — في مملكة الحيوانات الاجتماعية؛ فتميل جماعات من الكلاب لاتِّباع هذا النموذج، ولكن ليس القطط. وقد رأى هذا الكاتب ذات مرة قطيعًا من الظباء الأفريقية في أفريقيا، يتألف من ذكر واحد مسيطر يقود مجموعته المكونة من بضعة عشرات من الإناث، بينما يطوِّق المجموعةَ قطيعٌ من الذكور المستعبدين المجردين من الحقوق، ربما في انتظار أن يصيبه التعب. لا بد أن أحدهم يعلم لماذا طوَّرت الظباء الأفريقية هذا النمط للبقاء، ولكن السبب ليس واضحًا بداهةً. ولا يختلف البشر عن الحيوانات الأخرى مثلما نأمل في بعض الأحيان؛ ذات مرة، في رحلة إلى فرنسا، كان أحد المرشدين يقود مجموعة أمريكية في جولة حول متحف يحوي تذكارات ومقتنيات شارلمان، وتساءَلَ أحد أفراد المجموعة ببراءة عن عدد أبناء شارلمان. كانت الإجابة أن عددهم غير معروف أو غير قابل للمعرفة؛ إذ إنه أعطى لنفسه حقَّ مضاجعة زوجات النبلاء والأمراء في الليلة الأولى للزواج. وسواء أكان هذا حقيقيًّا أم لا، فقد استدعت القصة للأذهان الظباء الأفريقية.
غالبًا ما تضع صورةُ الحكم القائمة على نموذج القيادة التقليدية بعضَ القيود على القائد؛ فالقادة يميلون للتقلُّب، ولا بد أن يظل تركيزهم منصبًّا على القتال من أجل بقاء المجموعة ضد كلٍّ من الأعداء الطبيعيين وغير الطبيعيين. وحقائق التطور، على أيِّ حال، تستحيل مقاومتها من جانب المجتمعات مثلما تستحيل مقاومتها من جانب الأفراد. إن البقاء للأصلح تعريف وليس نظرية. حتى في أمريكا ما بعد الثورة، بكل هواجسها بشأن الاستبداد والطغيان، وَجد الآباء المؤسسون أن من الملائم أن يجعلوا الرئيس قائدًا عامًّا للقوات المسلحة (إنه تقليد قديم أن يُمنَح الملك دورَيِ القائد العسكري والسياسي). فثمة مجال محدود للاسترسال في المناقشات إذا كان هناك ما يهدِّد وجود الدولة، ووجودُ قيادة في أزمة — مهما كانت خرقاء (في حدود المعقول) — خير من عدم وجود قيادة من الأساس. وقد كانت بلادنا، من واقع الحقائق التاريخية، المفترِسَ أكثر منها الضحية في هذه القارة؛ لذا لم نُرغَم على التفكير بشأن البقاء منذ حرب عام ????؛ وقد كانت الحرب الأهلية بسبب التحزُّب، لا بسبب البقاء. ولما لم يكن أيٌّ من الحروب التي اندلعت منذ عام ???? قد شكَّل تهديدًا فعليًّا لبقائنا، فقد أصبحنا في حالة من اللامبالاة والتقاعس، ويومًا ما سندفع الثمن؛ فليس لدينا ترتيب قيادي يستحق الذكر من أجل الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي تضلِّلنا وتربكنا الآن؛ ومن ثَمَّ فهي مستمرة في التفاقم، محبطةٌ مَن هم داخل الحكومة وخارجها على حد سواء. وعلى مستوًى عالمي، لا يوجد تهديد للبقاء الإنساني أكبر من ذلك الذي تشكِّله الزيادة السكانية العالمية — وإن كان ذلك قد يبدو متناقضًا — ومن الواضح تمامًا أن عملية اتخاذ قرارٍ جماعي غيرُ ذات فاعلية في التعامل مع ذلك، غير أن وجود «حل» من نوعٍ ما هو أمر لا مناص منه، ومن المؤكد أنه سيكون صعبًا؛ والقول بعدم وجود قيادة عالمية واضحة في هذه المسألة البارزة هو استهانة بالقضية. والمتفائلون بشأن المشكلة السكانية لا يقيسون التقدم من واقع حدوث انخفاض في عدد السكان، أو حتى انخفاض في معدل الزيادة، ولكن من واقع حدوث انخفاض في معدل زيادة معدل الزيادة.
حين يتطور مجتمعٌ ما لدرجةٍ تمكِّنه من التسامي على الصراع البسيط من أجل البقاء (أو يعتقد أنه قد تجاوزه)، تكتسب قِيَمٌ أخرى تساهم في اتخاذ القرار مزيدًا من الأهمية. لقد جلب القرن الثامن عشر لأوروبا الغربية وللولايات المتحدة فكرةَ الحقوق الفردية كمبدأ استرشادي للحكومة، وإن كانت كلمة «حقوق» كلمة مطاطة في الواقع. وتحوي أعمالُ بعضٍ من الفلاسفة المذكورين أعلاه الرؤيةَ الأساسية (وغير القابلة للتحدِّي في رأي هذا الكاتب)، القائلة بأن جوهر الحكومة الشرعية هو عبارة عن مقايضة يمارسها الأفراد، نتنازل فيها عن جزءٍ ما من سيادتنا الفردية في مقابل منافع الحصول على استجابة منسَّقة للمشكلات التي تواجه مجتمعًا بأكمله (ويُسمَّى هذا برؤية العقد الاجتماعي للحكومة، وهو يشمل التخلِّي عن «حقك» في سلب حظيرة جارك كلما كان ذلك ملائمًا). وكان السيد الإقطاعي يفرض ضرائب ويجبر الناس على الخدمة في مقابل تقديم حماية مشتركة ضد الضواري (تذكَّرْ هذا حين نصل إلى قانون لانكستر بعد فصلين من الآن). ويذكر دستورنا بين أهدافه الأساسية ضمان الاستقرار الداخلي وتوفير سبل الدفاع المشترك؛ وهذا هو ما دفع الولايات للتخلي عن بعض سيادتها؛ فكانت قد أنهَتْ للتوِّ القتالَ مع البريطانيين، وكان واضحًا أنه ما من ولاية بإمكانها الوقوف بمفردها.
ولكن من أين جاءت حقوقنا الفردية التي نعتزُّ بها إذن؟ ينص إعلان الاستقلال على أن حقوقنا الفردية تشمل حق «الحياة، والحرية، والسعي وراء السعادة»، ويقول إنها حقوق لا يجوز التنازل عنها، ويؤكد أنها قد جاءت من الخالق (وهو ما يخالف مبدأ الفصل بين الكنيسة والدولة). ويُدرِج الإعلانُ الفرنسي المزامن لحقوق الإنسان «الحرية، والملكية، والأمن، ومقاومة القمع» بوصفها حقوقًا مخولة له. (صيغَ التعديلُ الثاني لدستورنا مع الوضع في الاعتبار المقاومةَ الشعبية للقمع، وإن كان هدفه الأساسي قد ضاع، على ما يبدو، وسط الجدل الحالي الدائر حول الحد من السلاح، والملاحقة، والجريمة.) ولم يُعطِ الفرنسيون أي عذر لتبرير قائمتهم الخاصة؛ فهو إعلان واضح، وكانوا فيما يبدو مترددين في الاعتماد على الخالق. ولعل جميع الفلاسفة الأوائل، وفي القلب منهم الفلاسفة الأمريكيون والفرنسيون، قد أَدرجوا ضمن حقوقنا الأساسية الحقَّ في التمرد ضد أي حكومة تُصنَّف كحكومة قمعية؛ وتلك هي الفكرة المحورية لإعلان الاستقلال. غير أنه في جميع الحكومات القائمة على تلك المبادئ، بما فيها حكومتنا، لا يُعَدُّ القيام بذلك قانونيًّا؛ ما يُعَدُّ نهايةً لهذا الحق؛ فما من حكومة قائمة بالفعل تود أن يُطاح بها. ويعتبر تعريف كلمة «حقوق» جزءًا قابلًا للتفاوض من العقد الاجتماعي؛ فلم يكن ميثاق الحقوق الخاص بنا جزءًا من الدستور الأصلي، ولم يُضَفْ إلا بعد التصديق على الدستور وسريانه. (تمَّ التصويت في الجمعية الدستورية على اقتراحٍ بوضع مثل هذه الأمور في النسخة الأصلية من الدستور لكن تمَّ رفضه.)
انتَزَعَ الباروناتُ الإنجليز وثيقةَ ماجنا كارتا، التي سبقت كل هذه الوثائق بأكثر من خمسمائة عام (????م) من الملك جون، ووَرَدَ فيها: «بفضل الله، ملك إنجلترا، ولورد أيرلندا، ودوق نورماندي …» (على ما يبدو أن مصدر قوته لم يستطع حمايتَه من باروناته، أو لم يكن يكترث له وهو الاحتمال الأرجح). اشتملت ماجنا كارتا على قائمة شاملة تضم ستة وثلاثين حقًّا طالَبَ بها البارونات، من ضمنها حق الأرملة في العيش بمنزل زوجها لمدة أربعين يومًا بعد وفاته؛ وتوفِّر أيضًا ضمانات للأفراد، من بينها «عدم جواز اعتقال أو سَجْن شخص بناء على تظلُّمِ امرأةٍ لموت أي شخص عدا زوجها.» وكنقطة حاسمة نصَّتِ الوثيقة على أن «تظل المقاطعات وتقسيماتها … على نفس قيمتها الإيجارية دون زيادة …» إن وثيقة الماجنا كارتا تستحق القراءة؛ لأنها ببساطةٍ غنيةٌ بالتفاصيل وتقدِّم نظرة صحية على مدى التغير البالغ الذي يَلحق برؤيتنا للحقوق المخولة لنا باختلاف الزمان والمكان. وبالعودة للماضي إلى العصور الإنجيلية الأولى، نجد أن الوصية القائلة «لا تقتل» كانت تنطبق على أصدقائك وجيرانك؛ لكنها لم تكن موضع تطبيق عند التعامل مع العداوات القبلية، لا سيما حين كانت للقبائل الأخرى نزعات دينية مختلفة.
في ظل كل هذا التاريخ، المصمَّم لتعزيز التواضع لدى القارئ، كيف تعمل الحكومات كصناع قرار؟ ضَعْ في ذهنك — على امتداد هذا النقاش — نظرية آرو الواردة بالفصل الثاني عشر ومفادها: ما من طريقة لمشاركة المسئولية عن القرارات دون حدوث لبس وغموض. هذا منطق خالص، وليس تعقيبًا اجتماعيًّا على الأحداث.
السلطة

هذه النقطة سهلة؛ لأنها تمثِّل الاستثناءَ لنظرية آرو؛ فلا وجود لأي غموض إذا كان ثمة شخص واحد يتخذ القرارات للجميع. وبالنسبة إلى مَن يعيشون في عالم محفوف بالمخاطر، فإن لها الكثير من المميزات. بالطبع تكمن المشكلة في أن القِيَم التي تؤثِّر على قرارات رمز السلطة قد لا تكون نفس قِيَم بقية المجتمع، والتاريخ يعجُّ بأمثلة لحروب مدمِّرة تمَّ خوضها من أجل كرامة أحد الملوك، مثلما يزخر بقادة حرب احتفظوا بسيطرتهم لفترة طويلة بعد انقضاء الأزمة. إن مَن يتذوقون السلطة سرعان ما يكتسبون حبها، وغالبًا ما لا يتنازلون عنها بطيب نفس؛ ومن ثم تعكس قراراتهم هذا التعديل في القيم، لتفقد بذلك صلتها بمصالح المجموعة. (لاحظ الصراع الحالي الدائر في الكونجرس حول حدود مدة بقاء المسئول الحكومي في المناصب التي تُشغَل بالانتخاب؛ فمسألة إعادة الانتخاب تقفز سريعًا لمقدمةِ قائمة أولويات أي شخص سبق انتخابه لمنصبٍ من قبلُ.)
في وجود سلطة واحدة، يُحسَم الكثيرُ من المشكلات النظرية للحكومة تلقائيًّا؛ ولسوء الحظ — مثلما اتَّضَح لِأرسطو قبل أكثر من ألفَيْ عام — فالطريق من السلطة المعتدلة إلى الاستبداد قصير، ومستقيم، ومطروق من كل خفٍّ وحافر، غير أن هناك ظروفًا يكون فيها الاستبدادُ السبيلَ الأمثل للبقاء لمجتمعٍ ما، ولا يمكن أن يكون انتشاره الواسع في المجتمع الإنساني لزمن طويل من قبيل المصادفة. أما الديمقراطية بوصفها ضامنًا لبقاء المجتمع، فلا يزال عليها أن تُظهِر ذلك النوع من القدرة على البقاء، وقد ذكرنا من قبلُ أن أرسطو كان يعتقد أنها لا تستطيع ذلك. سوف يكون لدينا المزيد لذكره حول هذا الموضوع بعد قليل؛ بما أن له صلةً مباشِرةً بحديثنا؛ فالأمر يتعلَّق باتخاذ القرار؛ ومن ثَمَّ يتناسب وموضوع الكتاب.
من المشكلات التي تواجه السلطة المركزة الانتقالُ الحتمي للسلطة؛ فحتى الحكام المستبدون يموتون. بالتأكيد لا يتحقَّق البقاء لأي مجتمع بِنُشوب حرب أهلية في كل مرة ينتقل فيها ملك أو زعيم إلى العالم الآخر، والحل التقليدي لتلك المسألة يكون عن طريق الملكيات الوراثية، وهي عادة تمتد جذورها إلى العصور القديمة، وتُعَدُّ شكلًا بسيطًا وعمليًّا للخلافة، ما دامت الأسرة الملكية صامدةً وباقيةً، وهي عادة تَحُول دون اندلاع أي صراع في كل مرة يتغيَّر فيها حارس العرش، ويبدو أنها تنجح. إن ذلك لا يعني أن الشخص ذا المقومات الأفضل يحصل على السلطة، كل ما في الأمر أن عملية انتقال السلطة يمكن أن تتم دون إراقة دماء، وتلك هي المنظومة التي نستعين بها في الكونجرس (ولكن ليس في الرئاسة)، ولِنَفس السبب بالضبط. بالطبع لا تُعتبَر الخلافة في عضوية الكونجرس وراثيةً بحقٍّ (على الرغم من أنه كانت هناك استثناءات حتى في هذا)، ولكن نظام الأقدمية من حيث المنصب وتولِّي رئاسة اللجان هو المعادل الوظيفي لذلك؛ وما دام ذلك يُعَدُّ مقبولًا من قِبَل السيناتورات وأعضاء الكونجرس، فإنه يضمن انتقالًا سلميًّا نسبيًّا للسلطة حين تُرغِم أوجهُ الدمار الجسدي والذهني للسن مسئولًا مُسِنًّا على التنحِّي، أو حتى الموت. في بعض الأحيان يكون التغييرُ إجباريًّا بفعل خسارة الانتخابات، إلا أن ذلك لا يحدث كثيرًا.
إذن فالمشكلة الكبرى في عملية اتخاذ القرار التي تواجهها الحكومةُ بحكم السلطة هي صراع الأولويات بين منظومة قِيَم صانع القرار ومنظومة قِيَم المجتمع. وتاريخيًّا، إذا كان المجتمع هو الفائز في الصراع، لا يكون لذلك ثمنٌ سوى الصراع. حتى الملِك جون سرعان ما نقض بنودَ وثيقةِ ماجنا كارتا؛ فإذا أردتَ أن تجعل القرارات تُتَّخَذ بوضوح، وسرعة، وبلا لَبْس، ضَعْ شخصًا في موقع المسئولية؛ قد لا يُجدِي ذلك للأبد، ولكنه يمكن أن يُجدِي لفترة. ويعرف خبراء الإدارة في مجال الأعمال هذا، وكذلك تعرفه الجيوش، وهناك الكثير من الأدلة التاريخية على وجود عائلات مالكة طويلة ومستقرة في العالم القديم.
لاحِظْ أنه لم يكن هناك ذِكْر ? «حقوق» الإنسان في هذا الطرح؛ فمثل هذه الأنظمة لا تميل نحو الحقوق الفردية.
الصالح العام

في منتصف القرن التاسع عشر كانت هناك دفقةُ حماس للنظرية (المرتبطة في الغالب باسم جيريمي بنتام) القائلة بأن الهدف الأسمى للحكومة هو ضمان أقصى درجات السعادة والخير لأكبر عدد من الناس، وهو ما يُعَدُّ شعارًا أخَّاذًا. كان بنتام نفسه يعتقد أن ذلك كان أمرًا قابلًا للقياس؛ أي إن هناك طريقة لقياس مقدار الفائض المجتمعي الإجمالي من اللذة على الألم (وهو تعريفه للخير الأعظم)؛ بحيث يستطيع الفرد أن يتخذ القرارات بغرض تعظيم صافي فارق اللذة/الألم. هناك بالطبع قدر هائل من الغموض؛ ومن ثَمَّ الجدل، بشأن مقومات وعناصر الصالح العام، فضلًا عن اللذة والألم، إلا أن نظرية أن هناك «شيئًا» يمكن تعظيمه — ليس بسيطًا كهامش اللذة بطبيعة الحال — ليست بعيدةً عن فكرة هذا الكتاب. وسواء أكان هذا الشيء هو الصالح العام، أم احتمال البقاء، أم تمجيد الأفضل والأذكى، أم حتى تمجيد الأقل صلاحيةً؛ تظلُّ مشكلات اتخاذ القرار المعتادة الخاصة بالأهدافِ والقياسِ والاستراتيجيةِ قائمةً؛ بإيجاز، دون تطبيق، تصبح النظرية الاجتماعية جوفاء.
ولا تحدِّد عقيدةُ النفع الأعظم لأكبر عدد من الناس معيارًا حقيقيًّا لكَمِّ التعاسة التي قد تُفرَض على الأقلية دعمًا للأغلبية؛ ففي نسخة مبالغة منها، يمكن الدفع بأنه بما أن التكاليف الطبية للمسنين تنتزع جزءًا كبيرًا من دخلنا القومي، مع وجود احتمالية محدودة للغاية لتحقيق اللذة أو حتى امتداد الحياة بشكل كبير لنفس هؤلاء المسنين، فإن الصالح المجتمعي الأعظم يمكن تحقيقه عن طريق إحالتهم للتقاعد (على سبيل التلطُّف في التعبير). بالطبع قليل من الأمريكيين هم المستعِدُّون للتمادي إلى هذا الحد اليوم، ولكن في بيئة ضاغطة قد يصبح الأمر مطروحًا للتفكير، بل جذابًّا أيضًا. دائمًا ما يتعارض الصالح العام مع القلق بشأن الأفراد، والتظاهر بغير ذلك لا يفيد عملية اتخاذ القرار بشكل عقلاني؛ فالصالح العام والحاجة العامة ليس لأحدهما صلة كبيرة بالآخر.
تتجلَّى المشكلة بطرق عدة؛ قد يكون الترفُّق بالمجرمين الذين تشكَّلَتْ شخصياتهم في قالب من الطفولة البائسة شيئًا من قبيل الإنسانية، ولكنه يخلق احتماليةً لأذًى لاحق قد لا يرغب مجتمعٌ يُعلِي قيمةَ الصالح العام في التسامح معه؛ فأيًّا كان السبب المثير للشفقة الذي دفعهم لخوض حياة من الجريمة، يمثِّل المجرمون مشكلةً لبقية المجتمع، والمبررات التي تُساق لتفسير سلوكهم لا تفيد على الإطلاق. وفي مدارسنا اليومَ، يُغدَق قدرٌ كبير من الانتباه والشفقة على بطيئي التعلُّم (وقد حلَّ مصطلح «متحَدِّي الإعاقة الذهنية» محلَّ مصطلح «ذوي إعاقات التعلُّم»)، حتى إن الموهوبين نادرًا ما يتم تنمية قدراتهم وتطويرها للوصول إلى كامل إمكاناتهم؛ ممَّا يترتب عليه خسارة لإنتاجية المجتمع؛ ومن ثَمَّ لنا جميعًا. والانشغال بسعادةِ ونفسيةِ الطلاب أدَّى إلى تولُّد مقاوَمةٍ تجاه أي نوع من قياس التقدم التعليمي؛ ممَّا يسَرَّ بشكل أكبر تجاهُلَ الانحدار المخيف في المعايير التعليمية للدولة. لقد تحوَّلَ تركيزُ التعليم عن الإنجاز، وصار يركِّز على التقدير الذاتي لغير المنجزين؛ إذا كانت اللذةُ هي الهدف الواضح والصريح لذلك، فلا بأس، فلستَ مضطرًّا حقًّا أن تحقِّق أي شيء للشعور باللذة والزهو، عليك فقط أن «تعتقد» أنك تملكهما؛ ولكن هذه الرؤية قاتلة بالنسبة إلى تطلُّعات المجتمع، الذي يعتمد هامشُ سعادته ولذته بشكل حيوي على الإنجاز الحقيقي على المدى الطويل.
وبذا فإن الصراع القديم بين صالح الأفراد وصالح المجتمع يشكِّل إجراءات اتخاذ القرار؛ وقد حاوَلَ مؤسسو نظامنا الحكومي (وكثيرون غيرهم) ابتكارَ نظامٍ للتمثيل بعيدٍ عن حكومة صعاليك أرسطو، ولكنه يوفِّر حمايةً كافيةً ضد عبث الأفراد بالسلطة باسم الصالح العام؛ وهكذا نستطيع أن نقف على ناصية أحد الشوارع ونشجب الرئيس، ولكن لا نستطيع (في النموذج الكلاسيكي) أن نصيح قائلين «حريق!» في قاعة مكتظة بالبشر؛ يمكننا أن نتقبَّلَ حدوث أعمال شغب بصدر رحب، ولكنْ لا يمكننا أن نحرِّض على شغب. أحيانًا يصير الأمر سخيفًا ومنافيًا للعقل؛ فهناك حالات يُسمَح فيها لشخص بالتحرُّش بآخَر في المكتب، ولكن ليس في المنزل، أو يُسمَح بهذا من مسافةٍ تزيد على عشرين ياردة فقط. إن حرية التعبير مكفولة لنا، ولكن الحد الفاصل بين النقد الحماسي والتجريح لا يفهمه سوى المحامين، يليهم المتخصِّصون. وقد قام ناشر إنجليزي مؤخرًا بمقاضاة جمعية علمية أمريكية قامت بنشر بياناتٍ تبيَّنَ أن قليلًا جدًّا من الناس يقرءون ويستخدمون مطبوعات الناشر بشكل فعلي (خسر الناشر المتضرِّر القضيةَ؛ لأن التصريح كان صحيحًا. وفي بعض الأحيان يكون هذا مهمًّا حقًّا).
قد تبدو تلك أمثلة تافهة، ولكن من الصعب للغاية الحفاظ على توازن بين صالح الفرد والصالح العام؛ فالفاصل بينهما ضبابي وغامض. وفوق كل ذلك، من المحال أن تحمي الصالح العام باتخاذ قرارات قائمة بشكل تام على آراء أولئك الذين تحظى مصالحهم بالحماية؛ فقد كان الهدف الأصلي للديمقراطية منع أنواع محدَّدة من الشرِّ، وليس فعل الخير.
قبل مائة عام، في حدَثٍ غير معروف، تمَّ تقديم عريضة داخل مجلس إنديانا التشريعي تعتمد قيمةً خاطئةً تمامًا، ومنافيةً للعقل، لِباي ، وهي نسبةُ محيطِ الدائرة إلى قطرها، لتكون القيمةَ المستخدَمة في إنديانا (اقترح مقدِّمو العريضة أيضًا التصريحَ باستخدام تلك القيمة للآخرين، وامتلأَتِ المداولة التشريعية بمناقشة الفوائد التي ستجلبها لإنديانا). لو كانت هذه العريضة قد مُرِّرت (وقد تمَّ تمريرها بالفعل في القراءة الأولى، ولكنَّ عقولًا أكثر حكمةً فطنَتْ لما يحدث، ونجحَتْ في منعها)، وتمَّ تطبيقها، لَكان ذلك أحطَّ درجاتِ الفشل. إن التصويت ليس وسيلةً للإجابة على الأسئلة التقنية، وإنْ كان قد يمنح للمصوِّتين متعةً؛ وهذا الكاتب — بوصفه عالم فيزياء — كان سيكره إخضاع النظرية النسبية لتصويت. إذا بَدَا ذلك من قبيل النخبوية، فليكن؛ فثمة مبدأ غير شائع ولكنه صحيح يقضي بأنك ينبغي أن تعرف شيئًا عن أي موضوع قبل أن تكتسب الحقَّ في الإدلاء برأيٍ بشأنه. لكن المدارس الآن تدِّرس العكس؛ فرأيك «صحيح» كرأي أي شخص آخَر، مهما كانت قلة معرفتك؛ وهذا لا يشجِّع تقديرَ الذات فحسب، بل يكافئ الكسلَ والتراخيَ. أقوى توضيح لهذه الفكرة يأتينا من جانب جيمس ماديسون، في الورقة العاشرة من «الأوراق الفيدرالية»، تلك المقالات التي كتبها بالاشتراك مع جون جاي وألكسندر هاميلتون، لإقناع مواطني نيويورك بالموافقة على الدستور المطروح: من منطلق هذه الرؤية للموضوع يمكن استنتاج أن الديمقراطية المحضة — التي أعني بها مجتمعًا يتألَّف من عدد محدود من المواطنين، يجتمعون ويديرون أمورَ الحكم بشكل شخصي — لا يمكن أن توفِّر علاجًا شافيًا لمساوئ وأضرار التحزُّب. فثمة شغف مشترك أو مصلحة مشتركة سوف تُستشعَر، في كل حالة تقريبًا، من قِبَل الأغلبية؛ تواصُل وتوافُق ينتجان من شكل الحكم ذاته؛ ولا يوجد في تلك الديمقراطية أيُّ عائق يَحُول دون كبح الدوافع والإغراءات للتضحية بالحزب الأضعف أو بالفرد البغيض المشاغب. ومن ثَمَّ كانت مثل هذه الديمقراطيات مسرحًا للاضطراب والصراع، وظلت دائمًا غير منسجمة مع الأمن الفردي أو حقوق الملكية، وكانت بصورة عامة قصيرةَ الأجل، كما ظلَّتْ عنيفةً عند موتها. لقد افترض الساسةُ النظريون الذين ساندوا هذا الطرازَ من الحكم — خطأً — أنه بإخضاع البشرية جمعاء لمساواة كاملة في حقوقهم السياسية، سيكونون في الوقت ذاته متساوين تمامًا ومتماثِلين في حيازاتهم، وفي آرائهم ومشاعرهم.
ما لم يستطع ماديسون التنبؤ به هو التطوُّر الذي طرأ على وسائل الاتصال، التي تربط أعدادًا كبيرة من الناس معًا، وتزوِّدهم جميعًا بنفس المعلومات (والمعلومات الخاطئة)؛ ممَّا جعل من الممكن أن ينتهج الملايينُ نفسَ السلوك الذي تنتهجه المجموعاتُ الصغيرة التي كانت في ذهنه.
باختصارٍ، يبدو الصالح العام — بوصفه معيارًا لاتخاذ القرار — معيارًا قويمًا، ولكنه ليس بسيطًا، ولا يمكن تطبيقه بسهولة، وبالتأكيد لا يصلح للتطبيق العام.
الالتزام الأخلاقي

يُعَدُّ مبدأ النفع الأعظم لأكبر عدد من الناس مبدأً جذَّابًا من الناحية العملية؛ حيث إن أي حكومة تعكس هذا الهدف باعتباره المبدأ الاسترشادي لها، غالبًا ما يُنظَر إليها بعين التقدير والاحترام من جانب عدد كبير من الناس؛ متلقِّي النفع. ولكن النسخة المتطرفة من هذا المبدأ من شأنها أن تؤدِّي إلى الاستبعاد الصامت لأعضاء المجتمع غير المنتجين، وسيجد معظمنا ذلك أمرًا بغيضًا أخلاقيًّا؛ وبهذا تدخل الأخلاق ساحة المناقشة.
سوف يَعتبر معظمنا أنه من المستهجن أخلاقيًّا أن نهاجم شخصًا أضعف منَّا، وفي الواقع إن الدفاع عن العُزَّل هو أحد التزاماتنا الأخلاقية. ولكن حاوِلْ أن تخمِّن كيف كنَّا سنتواجد هنا لو أن أسلافنا قد تخصَّصوا فقط في محاربة الأقوام الذين يفوقونهم قوةً. من غير المحتمل أنه كان سيصبح لنا وجود، وهم لم يفعلوا ذلك. لقد كان معظمنا ساخطًا قبل بضع سنوات حين هاجَمَ صدام حسين دولةَ الكويت العَزْلاء، مثلما كان يهدِّد لسنوات، غير أنه كان يفعل ما كان معتادًا في ذلك الجزء من العالم. أيضًا لم يكن الصراع بين الهنود الأمريكيين والغزاة الشرقيين صراعًا متكافئًا، وكانت نتيجته النهائية متوقَّعة، وخلال قروننا القليلة في مسيرة التاريخ استولينا على قطع كبيرة من أراضي جيراننا؛ إن أيادينا ليست بيضاء.
إذن فدعم الضعفاء يُعَدُّ رفاهيةً، وغالبًا ما يكون تطبيقُه تحت الضغط في الواقع العملي أقلَّ تقديرًا مما يُفترَض أن يكون عليه، غير أن الكثير منَّا (وربما معظمنا) يعتقد أنه أقرب لأن يكون التزامًا أخلاقيًّا حقيقيًّا؛ وهي أطروحة أساسية في العهد الجديد، وإن كانت ليست كذلك في كثيرٍ من النصوص الأخرى الحاوية للعقيدة الدينية، غير أنها فكرة أساسية من أفكار شريعة حمورابي، ذلك الملخص الرائع للقانون البابلي الذي سبق نصوص العهد القديم بأكثر من ألف عام (القرن الثامن عشر قبل الميلاد)، واعتمَدَ هو ذاته على مجموعةٍ أقدم من القوانين. إن لحماية الضعيف تاريخًا بوصفها التزامًا حتميًّا.
غير أننا نجد في الجزء المقتطَف من الأوراق الفيدرالية، المقتبَس أعلاه، أن ماديسون يذهب إلى أنه من المستحيل أن نحمي الضعفاءَ داخل شكل ديمقراطي للحكم؛ لأن أغلبيةً ذات نفوذ وسلطة سوف تجد إغراءً لا يُقاوَم في التضحية بصالح أقلية ضعيفة (أو فرد بغيض مشاغب، بحسب تعبيره) في سبيل تحقيق أهواء الأغلبية. لقد كان يقصد في الواقع أن الديمقراطية تتعارض مع الأخلاق؛ وعلى مدى المناقَشة التي دارَتْ في الجمعية الدستورية، وفي الأوراق الفيدرالية، ثمة فكرة متكرِّرة مفادها أن التطلُّعات للديمقراطية لا بد أن تخضع للالتزام الأخلاقي المتمثِّل في الحفاظ على حقوق الفرد؛ ومن ثَمَّ فهما قوتان متضادتان. وتلك هي عملية اتخاذ القرار على مستوًى عالٍ؛ فالقِيَم المتضاربة كانت واضحةً، وحُكِمَ بأنه من شأن حلٍّ وسط — تمثَّلَ في جمهورية تمثيلية، لا ديمقراطية — أن يضمن على الأرجح سعادةَ الناس بشكل معقول، مع الحفاظ على أمنهم. كان الالتزام الأخلاقي هو الحفاظ على الحقوق الممنوحة للناس من قِبَل الخالق، ما دام أنه لم يحمل تهديدًا لسلامة وتماسك الاتحاد، وليس واضحًا مَن الذي تحدَّثَ إلى الخالق بشأن ما يجب أن يأتي أولًا.
فرض الضرائب والتمثيل

تُعَدُّ الضرائب والعقاب على السلوك المنحرف أكبر سلطتين لأي حكومة، والغاية من ورائهما تعكس قِيَم تلك الحكومة؛ فجميع أطفال المدارس الأمريكيين يتعلَّمون أن الملك جورج كان يفرض ضرائب على الشاي الذي يستورده الأمريكيون (لتوصيل رسالةٍ، وفي نفس الوقت لتحصيل إيرادات)، وأن جماعة من البوسطنيين الغاضبين قد أَلْقَوا بحمولة منه من على متن السفينة في ميناء بوسطن، قبل عامين من اندلاع ثورة متكاملة الأركان ضد الحكم الإنجليزي (لم يكن البوسطنيون بالشجاعة التي أظهرناهم بها في أسطورتنا؛ فقد حاولوا إلقاء المسئولية على عاتق غيرهم بالتخفِّي في شكل هنود). ولكن فكرة أن الضريبة ينبغي أن تكون لصالح دافِعِيها تتفق مع نظرية العقد الاجتماعي للحكم، وضريبة الشاي كانت من أجل مصلحة الملك جورج وحده بشكل واضح؛ وقد كانت الماجنا كارتا ذاتها ردَّ فعلٍ على الضرائب الباهظة التي فرضها الملك جون على البارونات، وتُعَدُّ فكرة الاستياء من فرض الضرائب فكرةً متأصِّلة على مدار التاريخ؛ إذ توجد في جميع السجلات التاريخية.
والضريبة ليست مقابلًا مباشِرًا للسلع والخدمات، تُدفَع طوعًا، وفقط حين تكون الفوائد التي تشتريها تستحق السعر؛ مثل سعر الجبن، بل هي شيء إلزامي، لا تُدفَع وفق هوى دافِعِ الضرائب، وتُنفَق في أشياء قد لا يريدها أو يحتاج إليها دافِعُ الضرائب؛ مثل ثياب الإمبراطور وعربته. غير أن الفائدة الحقيقية لبعض الخدمات الحكومية الأساسية قد لا تكون واضحةً بشكل مباشر لدافع الضرائب، لا سيما حين تكون معقَّدةً، أو بعيدة من حيث الزمان أو المكان. يُعرَف عن الدول التي تعيش في حالة سِلْمٍ عزوفُها عن إنفاق الكثير من المال على الإعداد العسكري، كما لا يرغب الناس في دعم الأبحاث العلمية التي يكون عائدها المحتمل غير مؤكَّد أو غير مفهوم، ولا يظهر إلا في المستقبل؛ وفي هذه الأيام، وعلى الرغم من دعم الجميع لمفهوم التعليم الراقي للصغار، دائمًا ما تُهزَم اقتراحاتُ تخصيصِ نفقات إضافية لدعم هذا التعليم في استطلاعات الرأي. غير أن الحفر الموجودة على الطرق يتمُّ ردمها؛ لأنها تمثِّل مصدرَ إزعاجٍ واضح في الوقت الحالي، لكلٍّ من هؤلاء الذين سيدفعون مقابل الإصلاحات، وهؤلاء الذين لن يدفعوا.
وبينما يُعَدُّ شعار «فرض الضرائب بلا تمثيل استبداد» شعارًا معروفًا على نطاق واسع، ويُعامَل كشيء بديهي في المدارس، فإن قرارات المستبدين بشأن كيفية استغلال الضرائب لا تكون دائمًا ذات آثارٍ سيئةٍ لمجتمع دافعي الضرائب على المدى الطويل؛ فحتى المستبِدُّ يرغب في أن يُكتَب لبلاده البقاء، وأحيانًا ما تكون وسائله لتحقيق ذلك ملتوية. يُفترَض بأي نظام تمثيلي كنظامنا أن يقيم حالةً من التوازن عن طريق وضع طبقة إضافية بين حاجة دافع الضرائب لعوائد واضحة من وراء ضرائبه، وحاجة الحكومة لدعم تلك الالتزامات العامة التي تتشكَّل أيُّ حكومة من أجلها، والتي قد لا تكون فوائدُها واضحةً تمامًا. ولا أحد يعلم كيف نجعل الحكومة مسئولةً بشكلٍّ مباشِر أمام دافعي الضرائب، وفي الوقت ذاته تستغلُّ أموال الضرائب من أجل الصالح العام، حتى عندما لا يكون هناك دعمٌ من جانب دافعي الضرائب. تؤرِّق هذه المشكلةُ الصعبة جميعَ الحكومات الديمقراطية تقريبًا، وتتفاقم الأزمة بدرجة أكبر في زمن الاتصال الجماهيري، الذي يتجاوز فيه تعقيدُ العديدِ من المشكلات ببساطةٍ القدراتِ الفرديةَ لدافعي الضرائب (فضلًا عن قدرات المشرعين) على إصدار أحكام مدروسة، وتحوِّل فيه وسائلُ الاتصال كلَّ الموضوعات إلى رسوم كاريكاتورية ومقاطع صوتية؛ وحينئذٍ يصبح الاختيارُ المدروس وَهْمًا يستحيل أن يتحقَّق. (لعل من قبيل الهرطقة أن نقول ذلك، ولكن الأمانة تقتضي أن يقال.) وعادة ما يكون الحل الذي يُذكَر حين يُثار هذا الموضوع وسط رفقة مهذَّبة هو أننا لا بد أن نكافح دائمًا من أجل خلق مواطنين مثقفين، ولكن لا يمكن أن نكون خبراء في كل شيء، ومن الوهم المستحيل أيضًا أن نعتقد أننا سنكون كذلك؛ إضافة إلى ذلك، نِصف الناس يحظَون بتعليم وذكاء أقل من المتوسط، وسيظل هذا دائمًا أمرًا واقعًا؛ إنه حقيقة بديهية.
التمثيل بلا ضرائب

ولكن تلك المشكلة لا تُقارَن بنظيرتها المضادة؛ أَلَا وهي التمثيل بلا ضرائب؛ تلك المشكلة هي كعب أخيل للديمقراطيات الغربية الحديثة، وقد تُحيل الديمقراطية إلى محض فكرة تاريخية كادت أن تنجح. تظهر المشكلة في المبدأ الأول من مبادئ عملية اتخاذ القرار الفعَّالة؛ ألا وهو أن صانع القرار لا بد أن يكون له نصيبٌ في كلٍّ من تكاليف القرار وفوائده؛ فمن دون ذلك، لا يكون هناك دافِعٌ مُغْرٍ لاتخاذ قرارات مسئولة، ويكون الفشل محتومًا ومتوقَّعًا، وهذا أمر لا يضاهيه شيء في الأهمية.
كان الآباء المؤسِّسون الأصليون يعرفون هذا، وتركوا مسألةَ حقوق التصويت في أيدي الولايات، متعمدين في ذلك عدم اتباع التقليد القديم المتمثِّل في ترك التصويت لأرباب الأملاك فقط. كانت هناك مناقشة مثيرة حول هذه النقطة في الجمعية الدستورية، علَّقَ خلالها أحدُ المندوبين المؤيدين لشرط حيازة الأملاك، بأنه لو أراد شخص أن يصوِّت لصالح أمور ضارة، فكلُّ ما عليه أن يشتري عقارًا ما. لم يغلب هذا الرأي، ولكن من الواضح أنه كان يوجد قلق بشأن مَنْح سلطةٍ ماليةٍ — مهما كانت ستُستخدم عن بُعْدٍ — للمصوِّتين دون أن يمتلكوا مسئوليةً ماليةً، وقد كان النوَّاب يَعرفون تمام المعرفة (بينما نسي الكثير من ساستنا الحاليين) أن من المبالغة أن تتوقَّع من الناس أن يتحرَّوا الحرصَ والتعقُّل في استخدام موارد الآخرين.
بعد ذلك بمائتَيْ عام صرنا على هذا الطريق الوردي الذي قد ينتهي بفاجعة؛ فحوالي ?? بالمائة من ضرائب الدخل الفيدرالية التي يتم دفعها لمصلحة الضرائب تأتي من ?? بالمائة من دافعي الضرائب، بل إن عدد المصوِّتين أكبر من عدد دافعي الضرائب؛ لذا فإن سلطة اتخاذ القرار على إنفاق الأموال العامة في بلادنا تتركز بشكل طاغٍ في أيدي هؤلاء الذين لن يدفعوا ثمنًا للقرارات التي يتخذونها؛ ممَّا يمهِّد الطريق للدَّين القومي الضخم (والمتنامي)، والعجز المساوي له في الضخامة الذي تعمل به حكومتنا كلَّ عام (وهو خيار أنكَرَ حقَّنا كأفراد)، والزيادة المتعذر إيقافها فيما يُسمَّى برامج الاستحقاق؛ فحين لا يكون المستفيدون من البرامج هم الدافعين، يصير الأمر غيرَ طبيعي. لا يوجد شيء يمكن فعله حيال ذلك داخل منظومتنا؛ إذ إن أي سياسي يَعِدُنا بمزيد من المزايا والفوائد، التي تُدفَع من قِبَل آخَرين مجهولين، يكون له ميزة عن آخَر يطلب منَّا أن نقوم باختيارات صعبة وسط أهداف مرغوبة، وهو شيء نفعله كل يوم في حياتنا الخاصة. ومن ثَمَّ، كان المواطنون في ولاية كاليفورنيا — مسقط رأس الكاتب — سعداءَ بتمرير مبادرة تُلزِم شركاتِ التأمين بردِّ ?? بالمائة من الأقساط التي يتمُّ جمعها؛ وبالنظر إلى تفوُّق عددِ دافعي الأقساط على عدد شركات التأمين، فإن حيثيات الأمر تكاد لا تهمُّ. في بعض الأجزاء السيئة السمعة من الولاية، يسعد المصوِّتون بوضع ضوابط إيجارية صارمة؛ وبالنظر إلى تفوُّق عدد المستأجرين على أصحاب العقارات، فإن حيثيات الأمر تكاد لا تهم. في الهند، أكبر ديمقراطية في العالم، يجهل نصف المصوِّتين، على الأقل، القراءةَ والكتابةَ، ومع ذلك يحدِّدون السياسةَ الحكومية في أكثر الأمور تعقيدًا وتحدِّيًا، لكن في بلادنا لا يجرؤ أحدٌ على اقتراحِ إجراءِ اختباراتٍ في القراءة والكتابة للمصوِّتين، وهكذا.
هذا المرض يمسُّ ما هو أكثر من استغلال الضرائب؛ فهو يؤثِّر على كل الأمور التي يُتَّخَذ فيها القرار نيابةً عنَّا جميعًا بواسطة أشخاص جهلاء أو أشخاص لا يمسهم شيء من جرَّائها. ثمة مثال جلي بشكل خاص على ذلك في الولايات المتحدة يتمثَّل في الدور التنظيمي المتزايد للحكومة؛ فمع تحوُّل البلاد إلى المدنِيَّة والتحضُّر بشكل أكبر، نجد أن أغلبية الناخبين الحضريين يزدادون رغبةً واستعدادًا لفرض أعباء على ما تبقَّى من الحياة الريفية. قد يكون حدُّ السرعة البالغُ خمسة وخمسين ميلًا في الساعة منطقيًّا نوعًا ما في الأجزاء الأكثر ازدحامًا من البلاد، إلا أنه فُرِض على الجميع، وظلَّ محلَّ تجاهُل على نطاق واسع إلى أن أُلغِي في عام ???? (بعد استمرارٍ دام عشرين عامًا). والتشريعات الحماسية ضد حمل السلاح تستهدف في الأساس مشكلات المدن الكبرى، إلا أنها تُفرَض فرضًا على الجزء الريفي من أمريكا، الذي اعتاد التسلُّح، وفي أغلب الأحيان لا يجد غضاضة حيال ذلك. إننا نزداد استعدادًا لتنظيم الطريقة التي يعيش بها الآخَرون حياتَهم، إذا ما كان ذلك يتم دون تكلفة لمعظمنا. في كاليفورنيا، عُرِض خمسة وعشرون تعديلًا مقترحًا على دستور الولاية على الناخبين، على أساس الموافقة عليها أو رفضها، دون إمكانية للتفاوض أو إدخال تعديل ولو طفيفًا، ولكن صاحَبَ ذلك حملاتٌ دعائية ضخمة، غالبًا ما كانت تتبع أسلوبَ التضليل بشكل صارخ؛ فالترويج لتعديل دستوري في كاليفورنيا يُعامَل، إلى حدٍّ كبير، مثل الترويج لمسكنات الألم أو حبوب الإفطار. كان معروفًا أن أيَّ اقتراحٍ لا يرفع الضرائب العامة، ومُعَدٍّ بشكل جيد، ويَعِدُ بعدم إلحاق أي ضرر إلا بأقلية من الناس؛ يكون لديه فرصة جيدة لأن يُمرَّر، وبمجرد قبوله يصبح هذا التعديل جزءًا من دستور الولاية، ولا يمكن تغييره إلا عبر تصويت آخَر للناخبين يشمل جميعَ أنحاء الولاية. من بين التعديلات الخمسة والعشرين المقترحة، تمَّ تمرير حوالي الثلث، وأيًّا كان ما يمكن قوله عن العملية التشريعية غير العملية، فإنها تسمح بالنقاش والتعديل الملائم لعيوب التشريع المقترح. والتشريع، على عكس التعديلات الدستورية، عرضة لتعديل لاحق إذا ما أسفَرَ عن نتائج غير متوقَّعة.
كثير من الديمقراطيات الغربية خطت خطوات أبعد منَّا على هذا الطريق بعينه، وتواجه في الوقت الحالي مأزقًا سياسيًّا واقتصاديًّا بالغًا؛ فالعملية تَنتهك المبدأ الأول من مبادئ اتخاذ القرار، من خلال فصل التكاليف عن الفوائد؛ وهو ما يجعل عمليةَ اتخاذ قراراتٍ قائمةٍ على التوازن بين الأمرين شيئًا مستحيلًا. لقد وضع الآباء المؤسسون ثقتَهم في الحكومة التمثيلية، ولكن من الواضح أنهم لم يستطيعوا التنبُّؤَ بالتطوُّرات التقنية التي أتاحت عصرًا من الاتصال الجماهيري الفوري. إن هذا الكاتب يجفل من فكرة إجراء استفتاء للتصديق على جدول الضرب؛ فقد خسرنا بالفعل معركةَ مطالَبةِ الأطفال بتعلُّمه.
سوف يكون لدينا لاحقًا فصلٌ لموضوعٍ ذي صلة؛ أَلَا وهو اتخاذ القرار في النظام القضائي، وسوف يتحدث ذلك الفصل عن تلك القضية المؤلمة الخاصة بالاختيار المتعمد لهيئات المحلفين؛ بحيث يكون أعضاؤها بلا اهتمامٍ بالموضوع محل القضية المنظورة، ولا معرفةٍ به أيضًا.
تتجاوز ميزانيتنا الفيدرالية، بالطبع، التريليون دولار سنويًّا، وليس لدينا شرط يُلزِم أيَّ عضو من أعضاء الكونجرس (أو الرئيس) بأن يكون لديه أي خبرة أو معرفة بالإدارة المالية، أو أي شيء على الإطلاق؛ أما المرشحون القلائل الذين يتباهون بخبرتهم الاقتصادية فلا يجدون فيها مزيةً مغريةً للترويج لأنفسهم.
التعقيد

إن المعرفة والخبرة اللازمَتين لقيام واضعي القوانين وغيرهم من المسئولين الحكوميين بمهامهم تتزايد أهميتهما؛ إذ أصبح مجتمعنا أكثر تعقيدًا وصعوبة في الفهم، وأصبحت عواقب القرارات الحكومية أقل وضوحًا. لقد كرَّسنا هذا الفصلَ بأكمله تقريبًا لأهداف القرارات الحكومية — مَن يقرِّر ماذا؟ وما فوائده؟ ولمصلحة مَن؟ — ولكنَّ هناك بُعْدًا للمشكلات الاجتماعية تتخلَّله ريبة في وجود الإخلاص والأمانة، وقد يفتقد فيه الشخصُ أو المنظومة القائمان على صنع القرار ببساطةٍ القدرةَ على اتخاذ قرارات رشيدة، حتى في وجود كل مخزونِ العالم من حسن النية.
دائمًا ما يكون هذا هو الحال هذه الأيام بالنسبة إلى الأمور الفنية والاقتصادية المتخصصة. كان الأمر مختلفًا حين تمَّ تنظيم البلاد للمرة الأولى؛ فقد كنَّا مزارعين بالأساس وأصحابَ متاجر صغارًا، وكان العلم والتكنولوجيا يلعبان أدوارًا صغيرة، والإدارة المركزية للاقتصاد القومي على مستوًى قومي كانت مجرد فكرة للمستقبل البعيد. كانت المشكلات التي يضطر صناع القرار السياسي لمواجهتها أقرب لخبرتهم ومعرفتهم، وكان نطاقها أكثر محدوديةً؛ ربما يكونون قد ارتكبوا أخطاء، ولكنهم على الأقل كانوا يظنون أنهم يعرفون ما يفعلون لمعظم الوقت. لم يكن الشك واللايقين كأسلوب حياة هما القاعدة. وهناك صراع فطري بين احتياجات صانع القرار للحسم — إذ «لا بد» ببساطة من اتخاذ القرار — والأدوات والخبرات المحدودة المتاحة لتوجيه القرارات؛ وكلُّ المشكلات الأخرى المتعلقة بصنع القرارات الحكومية ترتكن إلى هذه المشكلة الجديدة.
على سبيل المثال، غالبًا ما يتعيَّن على الكونجرس اتخاذ قرار برفع أو خفض الضرائب (علمًا بأن الأخيرة قلَّما ما تحدث)، وسط آراء متضاربة وحماسية لاقتصاديين متخصِّصين بشأن التأثير النهائي للقرار على الاقتصاد القومي، أو في أغلب الأحيان وسط شكوك بشأن التأثير على الانتخابات المقبلة. نحن نرى مؤشرات البورصة تتحطم، لورود أنباء سارة عن الاقتصاد؛ أو تصعد بشكل فجائي في بعض الأحيان، اعتمادًا على إذا ما كان التغيير في حدود التوقعات أم لا. توقُّعات مَن؟ هذه التأثيرات المتناقضة فيما يبدو تتأتى من شكوك حقيقية، ولم تكن تسمية الاقتصاد بعلم الكآبة من فراغ، ولكن يظلُّ لزامًا أن يتم اتخاذ القرارات.
يزداد الأمر سوءًا بالنسبة إلى الأمور الفنية المتخصِّصة، حتى لو كان السبب الوحيد أن معظم واضعي القوانين يظنون أنفسهم خبراء في القانون والاقتصاد، ولكنَّ قليلين منهم يعتبرون أنفسهم علماء أو مهندسين قديرين (بل إنك تراهم يتباهون بجهلهم بلا مبرر؛ فتجد الواحد منهم يقول: «أنا لا أعرف شيئًا عن الرياضيات» بكل فخر). غير أن القرارات الحكومية التي تتضمن مواضع عدم يقين من الناحية الفنية يمكن أن تكون ذات أهمية، والرياضيات هي لغةُ كلٍّ من التكنولوجيا والاقتصاد (لن نستفيض في هذه النقاط هنا؛ لأننا قمنا بالفعل بتأليف كتاب كامل عنها). وحتى كتابة هذه السطور، أهدرَتْ وزارة الطاقة عشرات المليارات من الدولارات (ومئات المليارات في الطريق) على مخططات غير ملائمة تمامًا لتحقيق المستحيل في الإصلاح البيئي. إن كون الهدف هدفًا وجيهًا لا يبرر القصور والحماقة في السعي وراءه، أو حتى في اتخاذ القرار بشأن السعي فيه من عدمه.
من المعتاد في مثل هذه الأمور استدعاء فِرَق من العلماء أو الاقتصاديين الذين يُعِدُّون — بالنظر إلى طبيعة المشكلات — تقاريرَ محمَّلة بالعبارات المطاطة، ولا تُجدِي الكثير من النفع للمسئولين الذين يحتاجون حقًّا لمَن يقودهم نحو القرارات. والجهد الشاق الذي يُبذَل في اتخاذ القرارات دائمًا ما يأتي (كما أكَّدنا على مدى الكتاب) «بَعد» حيازة الحقائق. عادة ما يقول العلماء إن مهمتهم هي توفير الحقائق، تاركين القرارات لصناع القرار، ولكن صناع القرار يبحثون عن المساعدة في اتخاذ أي قرار؛ فالمعرفة الموسوعية ليست غايتهم. إن الحقائق تحتل أهمية ثانوية، وعدم اليقين — مهما كان حقيقيًّا — يُنظَر إليه كنقطة ضعف، وشبه هدام؛ ومن ثم نُقل عن السيناتور السابق إدموند موسكي قوله إن الأمة بحاجة إلى مزيد من العلماء ذوي الجانب الواحد، حتى لا يستطيعوا الإجابةَ على الأسئلة الفنية بالقول بأن ذلك قد يكون صحيحًا من جانب، أما على الجانب الآخَر فقد يكون ذاك هو الصحيح.
لقد صار عدم اليقين يُؤخَذ بقدرٍ ما في الاعتبار في مجتمعنا بالفعل خلال العقود الأخيرة، حتى إنِ اقتصَرَ ذلك على توقعات الطقس فقط؛ فقَلَّما يشكو أحد الآن إذا قال خبراء الأرصاد إن هناك فرصة لسقوط أمطار غدًا بنسبة ???؛ فتجد الناس يمضون في التخطيط لنزهاتهم واضعين ذلك في اعتبارهم، ويفرحون إذا لم تمطر، بينما يتذمَّرون لو أمطرت، ولكن نادرًا ما يلقون باللائمة على خبير الأرصاد لعدم تحرِّيه مزيدًا من الدقة في توقُّعاته؛ فهم يعرفون، بطريقةٍ ما، أن من الصعب التكهُّن بأحوال الطقس.
ولكن إذا كان الثمن أفدح، يكون الناس أقل تسامحًا، ويطالبون باليقين سواء أكان حقيقيًّا أم تخيليًّا؛ فنحن نسأل إن كانت بنايةٌ ما آمنةً، لا عن احتمالات سقوطها، ونسأل إن كان من الممكن أن ينتقل الإيدز عبر قبلة، لا عن احتمال حدوث ذلك؛ ولا نقبل عبارة «مستبعد للغاية» كإجابة. والعملية السياسية، كما نراها في الولايات المتحدة، لا تتساهل مع الشك وعدم اليقين؛ ومن ثَمَّ تُجبِر الساسةَ (وبعض الخبراء) على الكذب، لمجرد أن يُصغَى لهم. وتنتقل تلك الميزة إلى المسئول أو السياسي الواثق من نفسه، حتى حين يكون مخطئًا؛ فحين نكافئ الغش والخداع، ندفع الثمن جميعًا، إن لم يكن الآن، فلاحقًا.
وقت كتابة هذه السطور، وقع حدث لم يحظَ باهتمام الكثيرين في اليابان يوضِّح هذه المعضلة بشكل جيد للغاية. تقع اليابان، كما يعرف غالبيتنا، في جزء نَشِط زلزاليًّا من العالم؛ فهذه الجزر تدين بوجودها للقوى الزلزالية. يمكن أن تسبِّب الزلازل دمارًا واسع النطاق؛ لذا تعمل معظم الدول في مناطق الزلازل بكدٍّ لتحسين علم التنبؤ بالزلازل، فإذا ما أمكن توفير تحذير في وقت مناسب، يمكن اتخاذ خطوات للحد من الدمار المحتمل لزلزالٍ ما، ولو كان فقط من خلال تمارين الاستعداد؛ لذا أنشأت الحكومةُ اليابانية لجنةً استشارية للزلازل، كانت مهمتها تقديم تحذير مسبق من أي زلازل وشيكة بأسرع وقت ممكن. لا أحد يعرف كيفيةَ التكهُّن بالزلازل بشكل دقيق؛ فمن قبيل الحلم في الوقت الحالي أن تعتقد بأن شخصًا يمكنه القول بأن زلزالًا بقوة سبع درجات على مقياس ريختر سوف يقع يوم الخميس ظهرًا؛ لذا ظل رئيس اللجنة يجادل لسنوات بأن التقرير ينبغي أن يُصاغ بمصطلحات احتمالية (مثل توقُّعات الطقس)؛ ومن ثَمَّ يستطيع المرء أن يقول إن هناك احتمالًا بنسبة ??? بوقوع زلزال الشهر المقبل. رفض المسئولون الحكوميون الحجة؛ لأنهم بحاجة لاتخاذ قرارات بشأن الإجراءات الواجب اتخاذها، إنْ كان هناك أي إجراءات تُتَّخذ، في الوقت الحالي. إنهم يريدون أن يقال لهم إنْ كان هناك زلزال سيقع أم لا، وليس مدى احتمال وقوعه؛ إن حاجتهم حقيقية؛ ومن ثَمَّ فإن حقيقة أن من المستحيل القيام بذلك بأمانة في ظلِّ الوضع العلمي الحالي، ليس لها صلة بمشكلاتهم. واحتجاجًا على ذلك تقدَّمَ رئيس تلك اللجنة باستقالته، دون أن يحذوَ أيُّ أعضاءٍ آخرين حَذْوَه.
لهذا الكاتب صديق كان مسئولًا مرموقًا في وكالة ناسا الفضائية خلال سنوات مجد مشروع أبوللو، وقال الصديق إنه لم يكن لديه أي اهتمام باحتمالية نجاح عملية الإطلاق؛ فلم يكن يمكنه التوجُّه إلى رائد فضاء ويقول له إن الإطلاق سيتم لأن «لديك فرصةً بنسبة ??? للنجاة بحياتك»، أو الذهاب للرئيس وإخباره بأن الإطلاق قد أُلغِي لأنه كان هناك احتمال بنسبة ??? أن يفشل. لم يكن أيٌّ منهما ليتفهَّم ما يعنيه هذا؛ لذا ظلت ناسا على مدى سنوات تُفَبْرك الأرقام، وتتحدَّث وتتصرَّف كما لو كان لا يوجد أي خطر على الإطلاق، إلى أن وصلَتِ الإدارة العليا لدرجة التصديق بأن ذلك صحيح حقًّا. وقد دفعنا جميعًا ثمنَ ذلك في عام ???? مع كارثة مكوك الفضاء تشالنجر. وحتى بعد ذلك الحدث، كانت ناسا تجادِل بأن فرصة الفشل كانت طفيفةً، ولا يزال ملحق فاينمان لتقرير لجنة روجرز عن الحادث مادةً جيدة للقراءة.
نحن لم نلمس بحقٍّ القضايا الصعبةَ الخاصة بظاهرة الاحتباس الحراري، والفشل الواضح لمنظومتنا التعليمية، والمستقبل الاقتصادي لبلادنا، وأمن البلاد في عالم يزداد عدائيةً، وما إلى ذلك. تلك مشكلات صعبة، وتتطلب أقصى ما لدينا، ولكنها لا تحظى إلا باهتمام عابر. إن مؤلف هذا الكتاب أحد المؤيدين لتطبيق الحد الأدنى من شروط معرفة القراءة والكتابة على الأقل من أجل التصويت، قد يبدو تصويت الأميين من قبيل الديمقراطية المثالية، إلا أنه يؤدِّي إلى قرارات سيئة، وقد أُطلقَ عليه ألقاب غير مستحبة نتيجة لذلك؛ ولكن ما لم نضفِ بعضَ المهارات على عملية صنع القرارات الحكومية، فسوف نرتكب أخطاءً بَشِعة وفادحة الثمن. إن العالم الذي نحيا فيه ليس بعالم بسيط، وبقاؤنا كأُمَّةٍ أو مجتمع ليس مضمونًا بموجب أي قانون طبيعي.

الفصل الخامس عشر
التقسيم


اشترطت إحدى التسويات الودية التي تسلَّلت إلى دستور الولايات المتحدة أن يتكوَّن الكونجرس من غرفتين تشريعيتين؛ مجلسٍ للشيوخ يضم أعدادًا متساوية من السيناتورات لكل ولاية، ومجلسٍ للنواب مقسَّم وفقًا لعدد سكان الولايات المختلفة. كان المجلس الأصلي يضم ستة وخمسين عضوًا، بحيث كان تمثيل كل ولاية محدَّدًا في الدستور ذاته. مع أول تعداد سكاني في عام ????، كان عدد سكان البلاد أقلَّ من ? ملايين نسمة؛ لذا كان كل نائب يمثِّل حوالي ستين ألف مواطن. لا يَعْبأ الدستور بتحديد الحجم الذي ينبغي أن يكون عليه مجلس النواب (عدا أول مرة)، إلا أنه يضع حدًّا أقصى؛ إذ يجب ألا يكون هناك أكثر من نائب واحد لكل ثلاثين ألف شخص. فيما عدا ذلك، لا توجد أي إشارة إلى كيفية توزيع العضوية في المجلس بين الولايات، بالنظر إلى كثافتها السكانية. هذا الفصل مكرَّس لذلك الموضوع السري، الذي يُعَدُّ تجسيدًا عمليًّا لعملية صنع القرار الحكومي.
كان الجزء الأكبر من النقاش الذي دار في الجمعية الدستورية المنعقدة عام ???? عن تقسيم السلطة بين الولايات الكبيرة والولايات الصغيرة. كانت هناك صراعات حتمية؛ فعلى الرغم من أنه كان في صالح الجميع إنشاء اتحادٍ أقوى من تحالفِ عام ????، كانت الولايات الصغيرة قَلِقة (لسبب وجيه) بشأن تقاسُم السيادة والسلطة مع شقيقاتها الكبريات، وكانت الولايات الكبيرة قَلِقة (مرةً أخرى لسبب وجيه) بشأن استحواذ الولايات الأصغر بعددها الكبير على السيطرة؛ لذا دخل المفوضون في مساومات، وتوصَّلوا في النهاية لتسوية مُرضية لكلا الطرفين، مفادها إنشاء مجلسِ شيوخٍ يضم سيناتورين من كل ولاية، بغضِّ النظر عن حجمها، ومجلسٍ للنواب تتحدَّد عضويته وفقًا للكثافة السكانية للولاية، ولكن بحدٍّ أدنى نائب واحد لكل ولاية. زاد الدستور الأصلي من فصل مجلس الشيوخ عن عدد السكان من خلال النص على اختيار السيناتورات من قِبَل المجلس التشريعي للولاية، وليس بشكل مباشِر عن طريق مواطني الولاية، وقد تغيَّرَ ذلك لاحقًا بموجب التعديل السابع عشر، ولكن لم يحدث ذلك حتى عام ????؛ أيْ بعد ما يزيد على قرن. ويقدِّم التنظيم الأصلي لمحةً متعمِّقة عن مدى ثقة الآباء المؤسسين في قدرة العامة على أن يحكموا أنفسهم؛ لقد كانوا يعتزون بالحرية، ولكنهم كانوا في شدة القلق والانشغال بشأن شراك الحكم الشعبي. وقد تحدَّثَ لينكولن في خطبة جيتسبرج، بعد ذلك بحوالي قرن، عن حكم الشعب للشعب بالشعب، ولكن الآباء المؤسسين كانوا قد تغاضوا عن الجزء الأخير.
كانت القضية الأساسية أمام الجمعية هي إيجاد تقسيمٍ للنفوذ وسلطة اتخاذ القرار يتيح للحكومة أداءَ عملِها، ودمج قوى الولايات المختلفة، بطريقةٍ ما، حين يكون ذلك ملائمًا للصالح العام (مثل محاربة عدو مشترك)، مع الحفاظ على هوياتها وسيادتها المحلية فيما يتعلَّق بالشئون الأخرى. وقد أُضِيفت ضمانات حقوق الإنسان خلال بضع سنوات، من خلال تعديلٍ أُدخِل على الدستور الأصلي؛ ومن بين الأغراض الستة الواردة بديباجة الدستور، فقد حلَّ بندَا توفيرِ ضمانات للرفاهية العامة وتأمين نعم الحرية في المركزين الخامس والسادس. أما تكوين اتحاد «أكثر مثاليةً»، وإقامة العدل، والاستقرار الداخلي، وتوفير سُبُل الدفاع المشترك، فقد حَلَّت في البداية؛ هكذا كان الحال في تلك الأيام.
وعلى الرغم من أن أغلبنا لم يسمع قطُّ بالتقسيم، فإنه يمكن قياس الأهمية التي أضفيت عليه من قِبَل الساسة من خلال البلاغة التي أغدقوا بها الموضوع على مدار السنين. كإجراء، أصبح الدستور ساريًا في مارس من عام ????، وبحلول سبتمبر من نفس العام، قدَّمَ الكونجرس بتشكيله النهائي اثني عشر تعديلًا، لم يحظَ أول تعديلين منها بالموافقة على الإطلاق (أما التعديلات العشرة الأخرى، فتُعرَف الآن بميثاق الحقوق). كان أحد التعديلين اللذين قُدِّمَا في نفس المجموعة المبدئية بمنزلة محاولة لتحديد الكيفية التي ينبغي إجراء عملية التقسيم بها بعد كل تعداد سكاني على نحو أدق. أما التعديل الثاني فكان من شأنه منع الكونجرس من منح نفسه زيادةً في الرواتب تسري قبل الانتخابات المقبلة؛ حتى في تلك الأيام الأولى، كانت تلك قضية حساسة. لم يجتَزْ أيٌّ من هذين التعديلين العمليةَ السياسية، إلا أن المشكلات التي كانَا معنيين بمواجهتها لا تزال قائمة حتى يومنا هذا؛ فلا يزال الدستور يترك مسألة التقسيم للساسة الأكثر تأثُّرًا به، في تعارض واضح مع المنطق السليم، ولا تزال رواتب أعضاء الكونجرس متروكة في أيدي المستفيدين، في تعارض واضح، مرة أخرى، مع المنطق السليم. مائتا عام ولا تقدُّم.
صدر أول فيتو على الإطلاق من رئيسٍ للولايات المتحدة بعد ذلك ببضع سنوات، حين عارض الرئيس جورج واشنطن قانونَ التقسيم الذي مرَّره الكونجرس بعد اعتماد نتائج التعداد السكاني لعام ????، معتبرًا إياه غيرَ عادل، وباءت محاولةُ إبطال اعتراضه — التي كانت أولَ محاولة من هذا النوع في تاريخ البلاد — بالفشل. لا يُعتبَر التقسيم بالموضوع الجديد، وكانت نتيجة ذلك النزاع في عام ???? أنْ تم تثبيت حجم مجلس النواب عند نائب واحد لكل ثلاثة وثلاثين ألف ناخب، وتقريب الكسور ببساطة؛ فلا يمكن أن يكون لدينا أنصافُ نوَّاب، وإن كان الأمر يبدو كذلك في بعض الأحيان؛ وبذلك صار مجلس النوَّاب أصغرَ من حجمه الدستوري الأقصى.
حسنًا، ازداد عدد السكان منذ ذلك الحين، وصار الآن أكبر ممَّا كان عليه في عام ???? بأكثر من ستة أضعاف؛ ما يعني أنه يتضاعف تقريبًا كلَّ جيل؛ ومن ثَمَّ لو كان مجلس النوَّاب الآن مقسَّمًا وفقًا للمعدل الأقصى المحدَّد في الدستور، أو حتى عند المستوى الأقل قليلًا الذي حدَّده القانون الصادر عام ????، لَوصل عدد أعضائه إلى حوالي عشرة آلاف عضو. ربما نعتقد أن لدينا الآن ارتباكًا وازدحامًا، ولكن تخيَّلْ ما كان سيبدو الأمر عليه! كان النوَّاب سيجتمعون في أحد الاستادات الرياضية؛ وكانت قاعة ماديسون سكوير جاردن في نيويورك، أو أومني في أتلانتا، ستفي بالغرض بشكل رائع، مع وجود مساحة صغيرة للمتفرجين. يمكن حتى أن تتخيَّل فتيات التشجيع وهنَّ يتقافزن في صخب على الخطوط الجانبية؛ لذا لإجهاض هذا الاتجاه، تَمَّ تجميد حجم مجلس النواب في عام ???? (من جانب الكونجرس) عند حجمه الحالي البالغ ??? عضوًا؛ ما يوفِّر في الوقت الحالي، في المتوسط، نائبًا واحدًا لما يزيد على نصف مليون شخص. ووفق تعدادٍ أُجرِي عام ???? كان هناك ثلاث ولايات مجموعُ عدد سكانها أصغرُ من حجم دائرة مؤتمرية «متوسطة».
كان للسؤال الخاص «بكيفية» تقسيم النوَّاب أهميةٌ خاصة للولايات الصغرى للغاية. إن الغرض من إجراء التعداد كلَّ عشر سنوات هو تحديد عدد سكان البلاد وسكان الولايات المتعددة، الذي يتيح بعد ذلك بدوره تحديدَ متوسط حجم الدائرة المؤتمرية؛ بعد ذلك نحاول تقسيم ا? ??? نائبًا بشكل عادل بين الولايات، ولكن في ظل وصول حجم الدائرة المؤتمرية لأكثر من نصف مليون شخص، كان تمتُّع كلِّ ولاية بعدد سكان يمكن تقسيمه بشكلٍ متساوٍ إلى دوائر بهذا الحجم سيصير من المصادفات البعيدة؛ لذا ليس واضحًا بشكل مباشر كيفية إجراء التقسيم، وهنا تكمن مشكلة صنع القرار. إنها مشكلة عامة، لا تخضع للأساليب التحليلية البسيطة التي تحدَّثنا عنها فيما سبق، ويتخلَّلها العديدُ من صراعات المصالح. وما أصبح واضحًا في السنوات الأولى من هذا القرن أنه لا جدوى من أن تتوقَّع من كلِّ كونجرس جديد، بعد تعداد سكاني، أن يتوصَّلَ لاتفاقٍ على كيفية تقسيم الغنائم؛ فهم يحرصون بشدة على عدم فعل ذلك. وبعد تعداد ????، كان الكونجرس في غاية الانقسام، حتى إنهم لم يستطيعوا الاتفاقَ على لائحة لإعادة تقسيم الدوائر مطلقًا؛ لذا استمر تقسيم ???? خلال حقبة العشرينيات، وكان من الممكن أن يستمر للأبد.
يوجد الآن (بناءً على تعداد ????) سبع ولايات لها نائب واحد فقط، وست ولايات أخرى ليس لها سوى نائبين؛ أي إن ثلاث عشرة ولاية، تشغل ربع عضوية مجلس الشيوخ، تسيطر على أقل من واحد على عشرين من عضوية مجلس النواب، وهذا أمر يمثِّل أهميةً بالنسبة إلى للولايات الصغيرة؛ فالولاية الكبرى (كاليفورنيا في وقت كتابة هذه السطور) لن تكترث كثيرًا بإضافة نائب واحد إلى هيئة مفوضيها البالغ عددهم اثنين وخمسين مفوضًا (علمًا بأنها حصلت على سبعة إضافيين عام ????)، بينما إذا حصلَتْ ولاية وايومينج (أقل الولايات من حيث عدد السكان) وست ولايات أخرى على نائب واحد آخَر إضافي، فمن شأنها أن تضاعِف هيئات مفوضيها. وفي مجلس النوَّاب، تتجاوز قوةُ نوَّاب كاليفورنيا التصويتية نوَّابَ إحدى وعشرين ولاية مجتمعين؛ أي حوالي نصف ولايات الاتحاد.
بخلاف تحديد الحجم الأدنى لدائرة انتخابية متوسطة، يلتزم الدستور الصمتَ التامَّ بشأن مسألة التقسيم؛ فهو يقضي بأن يكون حجمُ هيئة المندوبين محكومًا بكثافة الولاية السكانية، ويحدد اختيار النواب من جانب المواطنين (وإنْ كان لا يحدد الآلية). كذلك لا يذكر أي شيء عن كيفية تقسيم النوَّاب على المواطنين «داخل» أي ولاية؛ وقد جاءت هذه القيود بعد ذلك بكثير، في سياقٍ يتعلَّق بالحقوق المدنية، من خلال التأويلات المبتكرة للدستور من طرف المحكمة العليا.
إذن ما الخيارات المتاحة؟ لكي نسهل المعادلة الحسابية، دعنا نتناول حالةً متطرفة، تتمثَّل في دولة خيالية بها ولايتان فقط، «القوية» و«الضعيفة»، يبلغ عدد سكانهما ????? و????? نسمة على التوالي، وكونجرس ثابت به ستة مقاعد. (لا شك أننا قد قمنا بفبركة أرقامنا بدقة، من أجل توصيل الفكرة.) ولما كان القانون في هذه الدولة الخيالية هو نفس القانون الساري لدينا — أن يكون لكل ولاية مقعد واحد على الأقل — يبدو واضحًا تمامًا أن من بين المقاعد الخمسة الأولى، ينبغي أن يذهب واحد إلى الولاية «القوية» وأربعة للولاية «الضعيفة»؛ وعلى ذلك سوف يمثِّل النائب القادم من الولاية «القوية» ????? مواطن، بينما سيمثِّل كلُّ نائب من الولاية «الضعيفة» ????? مواطن. لا يمكنك أن تنتزع الحد الأدنى من النواب المكفول للولاية «القوية»، وهو نائب واحد، بينما سيَعني منحها نائبين أنَّ كلًّا من هذين النائبين سوف يمثِّل ???? مواطن، تاركين نوَّابَ الولاية «الضعيفة» الثلاثة المتبقين ليمثِّل كلٌّ منهم ????? مواطن. سيكون ذلك ظلمًا صارخًا؛ ومن ثَمَّ فإن التوزيع الأكثر عدلًا للمقاعد الخمسة الأولى واضح تمامًا.
ولكن ماذا عن المقعد السادس؟ لمَن يجب أن يذهب؟ إذا منحته للولاية «القوية»، فسوف يعود نوَّابها مرةً أخرى مسئولين عن دائرة انتخابية قوامُ كلٍّ منها ???? شخص، في مقابل دوائر الولاية «الضعيفة» المكوَّنة من ????? شخص، بينما إذا منحته للولاية «الضعيفة»، فسوف يكونون مسئولين عن دوائر مؤتمرية مؤلَّفة من ???? شخص، مقارَنةً بالعدد الأصلي لأفراد دوائر الولاية «القوية»، الذي يساوي ????? شخص. ما العمل؟
حسنًا، توجد خيارات عديدة، لن نذكر منها سوى اثنين؛ الأول اسمه طريقة المتوسط التوافقي، ويعني ببساطة ضرورة أن تحاول بأقصى ما لديك مساواة أحجام الدوائر المؤتمرية في الولايتين. فإذا منحت المقعد السادس للولاية «القوية»، فسوف تكون أحجام الدوائر ???? و?????، بفارق ????؛ وإذا منحته للولاية «الضعيفة»، فسوف تكون الأحجام ????? و????، بفارق ????؛ إذن سوف يذهب المقعد إلى الولاية «القوية»، الولاية الأصغر، إذا كنت تحاول ببساطة أن تقرب أحجامَ الدوائر المؤتمرية معًا بأقصى قدر ممكن.
ولكن انتظر، والكلام لساسة الولاية «الضعيفة» البائسين، ثمة طريقة أفضل لتنفيذ ذلك؛ إذا منحت المقعد السادس للولاية «القوية»، فإن كل ألف نسمة من سكانها سوف يكون لهم نصيب قدره ????? من أحد أعضاء الكونجرس، بينما كل ألف من مواطني ولايتنا سوف يكون نصيبهم ????? فقط، وهو ما يبدو عادلًا بالكاد؛ أما إذا منحتنا نحن المقعد السادس، فسوف يحظى مواطنو ولايتهم ? ?????? عضو كونجرس لكل ألف مواطن، بينما سيحظى مواطنونا ? ?????? لكل ألف، والفارق بهذه الطريقة ?????? فقط، بينما بالطريقة الأخرى سوف يكون الفارق ?????، وهو ما يُعَدُّ فارقًا أكبر بكثير. إذن، بالنظر إلى مبدأ أن كل مواطن لا بد أن يكون له نفس التمثيل في الكونجرس، يجب أن يكون المقعد السادس لنا في الولاية «الضعيفة». (تُعرَف هذه الطريقة باسمٍ راقٍ هو طريقة الكسور الأساسية، وكانت تُستخدَم في تاريخ بلادنا المبكر.)
إذن ها هي المشكلة: إذا أردتَ أن تجعل الدوائرَ أقرب ما يمكن لنفس الحجم، يذهب المقعد إلى الولاية «القوية»، ولكن إذا أردتَ أن تمنح كل مواطن تمثيلًا متساويًا في الكونجرس، لأقصى حد ممكن، يجب إذن أن تحصل الولاية «الضعيفة» على المقعد؛ تحابي طريقةُ المتوسط التوافقي الولاياتِ الصغيرةَ، بينما طريقةُ الكسور الأساسية تحابي الولاياتِ الكبيرةَ. وهناك طرق أخرى تحمل ميولًا وتفضيلات أخرى، ولا غرابة في أن الساسة كانوا يقاتلون من أجلها منذ البداية؛ فهناك الكثير على المحك. والدستور (في كلٍّ من هذه الدولة الخيالية وفي دولتنا) لا يقدِّم أي عون، أيًّا ما كان؛ ففي دولتنا الخيالية، يمكن لتمثيل الولاية «القوية» في مجلس النواب أن يكون إما الثلث وإما السدس، مع عدم وجود أي اختلاف في عدد السكان، فقط وفقًا لقاعدة التقسيم المختارة؛ فكلتا القاعدتين سوف تكون متوافقة مع الدستور، و«الساسة» هم مَن يختارون الأنسب لهم.
لا ننكر أننا قمنا بفبركة أرقام من شأنها أن تؤدِّي إلى المعضلة التي كنَّا نبحث عنها، ولكن مع الأرقام الحقيقية في الولايات المتحدة، عادة ما تترك عملية إعادة التقسيم التي تتم عقب كل تعدادٍ بعضَ الولايات على الحد الفاصل ما بين الحصول على نائب إضافي، وعدم الحصول عليه، تمامًا مثل الولاية «القوية» والولاية «الضعيفة»؛ فالنتيجة النهائية بالنسبة إليهما تتوقف على الطريقة المستخدَمة، وهي تصنع فارقًا كبيرًا. وتذكَّرْ — إلى جانب تأثير حجم هيئة المندوبين على التشريع القومي — يعتمد تشكيل الهيئة الانتخابية على عدد النواب المخصص لكل ولاية.
إذن ماذا بوسع أي دولة أن تفعل، حين يجد «شخصٌّ ما» نفسه أنه مضطر للقبول بأنه غير مُمثَّل؟ ولماذا لم يخبرنا مُعِدُّو الدستور كيف نفعل ذلك؟ ألَيس من المحتمل أن الرياضيات — على الرغم من شهاداتهم التعليمية الراقية — لم تكن مجالَ تميُّزهم؟ تذكَّرْ أن بنيامين فرانكلين كان موجودًا، ولكنه كان طاعنًا في السن حينذاك، وكان عالمًا، ولكنه لم يكن عالم رياضيات.
حسنًا، تلك ليست مشكلة رياضية بحتة، ولكنها مشكلة تتعلَّق مجدَّدًا بصنع القرار، يعتمد حلها على ما تود تحقيقه؛ فإذا أردتَ أن تتحيز للولايات الصغيرة، فَلْتتجه إلى طريقة المتوسط التوافقي، وإذا كنت تحب الولايات الكبيرة، فالكسور الأساسية هي ملجؤك؛ ولعل هذا يفسِّر عدم إمكانية حل القضية بالمنطق البحت. فمن الضروري للكونجرس أن يتوصَّل إلى اتفاق عن طريق المفاوضات والتسوية؛ فليس للمنطق دور كبير هنا.
علاوة على كل ذلك، تعاني بعض الطرق التي لم نذكرها مما يطلِق عليه الساسةُ مفارقاتٍ؛ وهي ليست بالمعنى الذي قابلناه في الفصل العاشر؛ فالمفارقة — بالنسبة إلى السياسي — تعكس نتيجة غير مرغوبة أو غير مستساغة لإجراءٍ ما، وليس تناقضًا واضحًا؛ فحين تعمل الرياضيات بطرق غير متوقعة — غير متوقعة من قِبَل الساسة — يُسمَّى هذا مفارقة. والمفارقتان اللتان عرقلتا المحاولات السابقة لابتكار نُظُم للتقسيم يُطلَق عليهما مفارقة ألاباما ومفارقة السكان. بإيجازٍ، تصيب مفارقة ألاباما أي مخطط للتقسيم إذا كان من الممكن لحجم هيئة مندوبي إحدى الولايات أن ينخفض مع زيادة حجم مجلس النوَّاب، وحينئذٍ يعاد تقسيمه (كاد أن يحدث ذلك ذات مرة لولاية ألاباما). أما مفارَقة السكان، فتحدث حين يمكن أن تؤدِّي زيادةٌ في إجمالي عدد السكان إلى انخفاض في حجم مجلس النوَّاب. (ليست أيٌّ من هاتين المفارقتين حقيقية في جوهرها، ولكنَّ كلًّا منهما يمكنها أن تخفض عدد النواب؛ ومن ثَمَّ لا تلقى قبولًا من جانب النواب؛ إذ قد يضطر بعضهم للتقاعد.) ويتم تفادي مفارقة السكان الآن بتثبيت حجم مجلس النواب عند ???، حتى لا يكون هناك إمكانية لأن يتضاءل، بينما يتم تفادي مفارقة ألاباما عن طريق الوضع في الاعتبار طرقَ التقسيم التي تكون محصنةً ضد هذه المفارقة، دون غيرها من الطرق.
وعلى ذلك أصدر الكونجرس في عام ???? قرارًا بأن تكون الطريقة المستخدمة هي «طريقة النِّسَب المتساوية»، وهو اسم وصفي غامض لا يعني الكثير لأي أحد على الأرجح، ولكن عند جمعها مع مجلس نوَّاب ذي حجم ثابت، نتجنَّب كلَّ المفارقات المزعومة، بينما لا نجد محاباةً صارخةً لأيٍّ من الولايات الكبيرة أو الصغيرة. مع هذه الطريقة، يمكنك أن تمضي فيها كما يلي: استخدمْ نتائج كل تعدادٍ لتنفيذ تقسيم أولي لعدد النوَّاب الذي سيُخصَّص لكل ولاية، وفقًا لعدد سكانها، بعدها خُذ نتيجة ذلك التقسيم المبدئي وقُمْ بتعديله بمقارنة حجم هيئة مندوبي كل ولاية مع حجم هيئة مندوبي كل ولاية أخرى، وفقًا لقاعدة أخرى غريبة. يتم في البداية حساب نسبة السكان إلى عدد المندوبين لكلٍّ من الولايتين اللتين ستعقد المقارنة بينهما، لإيجاد متوسط الحجم لأي دائرة انتخابية مقترحة لكل ولاية، بعد ذلك يتم حساب «نسبة» القيمة الأكبر إلى القيمة الأصغر؛ ما يُسفِر عن رقم أكبر من واحد، كمقياس لمدى كبر الدائرة الكبيرة عن الدائرة الصغيرة. (كان المعيارُ الذي اتخذتْه الطرق التي ذكرناها أعلاه فارِقَ أحجام الدوائر في الولايتين وفارِقَ تمثيلات الناخبين؛ أما هذه الطريقة فتتخذ النسبة معيارًا.) إذا أمكن خفض النسبة (أيْ تقريبها أكثر إلى النسبة العادلة) من خلال نقل مندوب واحد من الولاية ذات التمثيل الزائد إلى الأخرى، فينبغي تنفيذ ذلك. أما حين لا يعود بالإمكان خفض هذه النسبة بنقل مندوبين بين الولايات، تكتمل العملية وتنتهي عملية التقسيم. هذا هو القانون، والمبرر ببساطة أنه بين الطرق الخمس الأكثر نجاحًا التي اقتُرِحت على مرِّ السنين، والتي «أمكن» استخدام كلٍّ منها، تُعتبَر هذه الطريقة هي الوسطى فيما يتعلَّق بالتفضيلات، سواء للولايات الكبيرة أم الصغيرة. ذاك هو السبب «الوحيد» المعلن لاختيار هذه الطريقة؛ فالاختيار اعتمد على التسوية، مثلما كان الحال بالنسبة إلى جزء كبير من الدستور الأصلي، ومن ثَمَّ لا ينبغي تحليله في إطار المبادئ أو المنطق الرياضي.
في الواقع، ليس ضروريًّا أن تخوض هذا الإجراء المطول لتنفيذ الطريقة، فمن السهل أن تبين (ثِقْ بالكاتب) أن كلَّ ما يلزم هو حساب متوسط حجم دائرة انتخابية إلى كل عدد ممكن من النواب، لكل ولاية، ثم تصنيف الولايات بالترتيب، مُستخدِمًا — كمؤشر للتصنيف — «ناتج» حجم أي دائرة مقترحة وحجمها لو تمَّتْ زيادة هيئة المندوبين بمعدل مندوب واحد. ويمكن تطبيق ذلك على كل الأحجام المقترحة لهيئة المندوبين، حينئذٍ يكون كل ما يلزم هو ترتيب الولايات وتمثيلاتها المقترحة، وتوزيع النواب إلى أن يصل الإجمالي ???. يبدو الأمر معقَّدًا، ولكنه ليس كذلك؛ لا سيما في عصر الكمبيوتر.
كيف تطبق الطريقة المعتمدة على الحالة الافتراضية أعلاه؟ ستحصل الولاية الأكبر — «الضعيفة» — على الموافقة بهامش صغير للغاية؛ هكذا تجري الأمور.
تلك هي القاعدة الحالية السارية منذ الربع الأخير من تاريخنا كأُمَّة. وإذا امتلكَتِ الولاياتُ الأكبر أو الأصغر سيطرةً كافيةً على العملية بما يكفل لها تغييرَ القانون لصالحها، فلا شيء يسدُّ الطريق، ولا يوجد سبب تاريخي للاعتقاد بأنها لن تنقضُّ على الفرصة؛ ففي مسقط رأس هذا الكاتب، وفي الكثير من الولايات الأخرى في بلادنا وفي تاريخنا، لا يتردَّد الحزب المسيطر على المجلس التشريعي للولاية في وقت إعادة التقسيم للحظةٍ في الاعتناء بمصالحه، بطريقة أو بأخرى؛ إنها حالة من عدم الاستقرار لم يوفر الآباء المؤسسون أيَّ حمايةٍ في مواجهتها.
في العالم الواقعي، لو كان الحد (الاعتباطي تمامًا) المفروض على حجم مجلس النواب قد تحدَّدَ ? ??? بدلًا من ??? في عام ????، لَكانت الولاية التالية التي ستحصل على مقعد في وقت إجراء تعداد ???? هي ماساتشوستس، بفارق صغير ولكنه واضح على المنافس التالي، نيوجيرسي. وفي المركز التالي تأتي مدينة نيويورك، بعد القادة بفارق كبير (إن كلمة «قائد» في هذه الحالة تعني أنها الولاية الأولى التي فقدَتِ الفرصة). كانت ماساتشوستس ستنتقل من عشرة مقاعد إلى أحد عشر مقعدًا، وهي زيادة غير هينة في التمثيل بنسبة ???، وصوت إضافي في الهيئة الانتخابية. على الجانب الآخر، لو كان نظام التقسيم المستخدَم في الجزء الأول من هذا القرن قد استخدم بدلًا من النظام الحالي، لَحصلت ماساتشوستس على مقعدها الإضافي على أي حال، على حساب أوكلاهوما. لا أحد يحب أن يهدر فرصة إحراز الفوز، وهذا هو ما جعل هذه المشكلة الغامضة المتعلِّقة بصنع القرار تشغل عقول الساسة لزمن طويل.

الفصل السادس عشر
الحرب: قانون لانكستر


من المدهش، بالنظر إلى أهمية الحرب في التاريخ الإنساني المسجل (وبالتأكيد قبل أن يبدأ تسجيل التاريخ بزمن طويل)، مدى ضآلة الانتباه المنهجي الذي أُولِيَ لعملية البحث عن مبادئ أساسية استراتيجية وتكتيكية، مقارَنةً بالجهد الذي أُنفِق على تطوير أسلحة جديدة. بالطبع هناك المبادئ الكلاسيكية لِصن تزو، التي وُجِدت قبل ألفَيْ وخمسمائة عام، ومبادئ نابليون، قبل ما يناهز الثلاثمائة عام، وحتى تعاليم كلاوزفيتز الأكثر حداثةً، فضلًا عن الشعارات والمبادئ الرنانة على غرار «فَلْتكن في موضع أعلى من خصمك»، و«كُنِ الأسرع وصولًا وبأكبر عدد من قواتك»، و«فرِّقْ تَسُدْ»، والتي تُعَدُّ جميعًا شعارات مفيدة في أنواع معينة من الحروب، ولكنها تظل مجرد شعارات. لعل من اللافت مدى ضآلة ما نُشِر من التفكير «النوعي» حتى عن هذه الموضوعات المصاغة في صورة شعارات. ثمة ابتكارات كمية في كلٍّ من الاستراتيجية والتكتيكات تظهر من آنٍ لآخَر، مصحوبة في الغالب بتعديل من قِبَل قادة ذوي مواهب فذَّة على الأسلحة الجديدة، من إدخال الخيل في المعارك في الألفية الأولى قبل الميلاد، مرورًا باستخدام القوس الطويل في مطلع الألفية الثانية بعد الميلاد، واستراتيجية الردع الأكثر حداثةً، التي جاءت مع ظهور الأسلحة النووية، وأسفَرَ حلولُ عصرِ الكمبيوتر عن ظهور صناعة صغيرة في ألعاب محاكاة ساحات المعارك والحروب الواقعية، التي تُستخدَم بشكل مكثَّف لتدريب القادة العسكريين. وعلى الرغم من ذلك كله، من الصعب العثور على مبادئ عامة لصنع القرار في وقت الحرب، وإذا كان هناك أي مكان على الإطلاق تتكلَّف فيه كل غالٍ ونفيس من أجل تعلُّم وظيفتك عبر المحاولة والخطأ، فهو ساحة القتال.
غير أن القرارات التكتيكية في ساحة أي معركة هي موضوعات تتعلق بالتنظيم العقلي (الذي يُعَدُّ جوهرَ صنع القرار)، شأنها شأن جميع تطبيقات صنع القرار الواردة في هذا الكتاب؛ فحين تواجه خصمًا مفكرًا، يصبح الموضوع متعلِّقًا بنظرية الألعاب؛ مما يجعله أقلَّ شفافيةً ووضوحًا، ولكن من الممكن أيضًا أن تكون هناك حالات يمكن أن يكون فيها سلوك الخصم مفهومًا بقدر كافٍ، أو غير ذي تأثير، بشكل يجعل اتخاذ القرارات من قبيل الأمور الفردية فعليًّا؛ حينئذٍ يمكن أن تكون الطرق الأبسط ذات نفع.
أحد الأمثلة لتطبيق التنظيم الشكلي على دراسة التكتيكات الحربية وضعه مهندس إنجليزي يُدعَى فريدريك لانكستر، أحد الرواد الأوائل في تاريخ الطيران والسيارات المبكر، والذي أقام نظريته على أساس دراسة للمعارك الجوية في الحرب العالمية الأولى. إن عمله الممتاز والمنطوي على رؤًى ثاقبةٍ ليس معروفًا إلا لقلة قليلة من الضباط العسكريين المعاصرين؛ وهو مذكور في مناهج الأكاديميات العسكرية، ويُعتبَر في غاية الأهمية. إذا بَدَتْ نبرتنا تهكميةً، فسوف نرى سببًا محتملًا لذلك بعد قليل.
درس لانكستر نموذجًا افتراضيًّا (مبسطًا لحد السذاجة بالطبع) لمعركة، كانت فيها القوات المتحاربة يُطلِق بعضها النارَ على بعض ببساطة، دون أي تفوق في الدقة أو العنصر البشري أو خصائص الأسلحة لأيٍّ من الجانبين. (كانت الحرب العالمية الأولى، شأنها شأن العديد من الحروب الأقدم أو الأحدث، زاخرةً بالكثير من الأمثلة لمثل هذه المعارك الحمقاء.) كانت نظريتُه ذاتُ الأهمية البالغة تتمثَّل في أن قوتك النارية في مواجهةٍ كهذه تتناسب طرديًّا مع عددِ ما لديك من وحدات قتالية — سواء أكانت قوات عسكرية، أم سفنًا، أم طائرات — بينما عدد الأهداف التي تبرزها للعدو يتناسب طرديًّا أيضًا مع عدد وحداتك؛ وعلى ذلك تعتمد فاعليتك مرتين على الأعداد؛ مرة بزيادة معدل إطلاق النار، والأخرى بالتخفيف من نيران العدو. والفرضية الأساسية لتلك النظرية هي أن كل جانب يطلق النار في اتجاه الآخر، مع وجود احتمالٍ، مهما كان ضئيلًا، لإصابة هدف (إذا كانوا يطلقون النار بعنف في الظلام — وهي عادة يجلها العسكريون بالتعبير المطنب «نيران المنع والتضييق» — فالأمور حينئذٍ تختلف). وفي النهاية تظهر نتيجتان مهمتان، يسهل التوصُّل إليهما رياضيًّا.
النتيجة الأولى تتمثَّل في أن قوة قواتك تقاس ? «مربع» عدد وحداتك، وليس مجرد العدد؛ ومن ثَمَّ يصبح التفوُّق العددي على العدو ميزةً أعظم مما كنتَ تعتقد؛ فمضاعفة عدد الوحدات (من قوات، وطائرات، ودبابات … إلخ) ثلاث مرات يؤدي إلى مضاعفة الفاعلية والقوى بمقدار تسع مرات. في الأفلام السينمائية وعلى شاشة التليفزيون دائمًا ما يتغلَّب الأخيار (الممثِّلون ذوو الوسامة والمظهر الرث) على عصاباتٍ مكوَّنة من عشرات الأشرار، ولكن يجب ألا تعتمد على ذلك في الواقع؛ فقانون التربيع يعتمد على انخراط الجميع في القتال في وقت واحد؛ أحيانًا في الأفلام يتبادل الأشرار قتال الطيب المتواجِد بمفرده (تكتيكات يرثى لها)؛ ومن ثَمَّ يتمكَّن البطل من القضاء عليهم كلٍّ على حدة، دون حتى أن يلهث؛ وعليه فإن الشروط فيما يتعلَّق بقانون لانكستر ليست متحققة.
ثمة حالة أخرى لا تتحقق فيها الشروط وتتمثَّل في امتلاك أحد الجانبين أسلحةً أفضل من تلك المتوافرة للآخر. بإمكان بطل واحد في الوزن الثقيل أن يقضي بسهولة على عشرة أشخاص في حجم الكاتب، دون الاضطرار لأخذ نفس عميق. ويحب العسكريون أن يطلقوا على الأسلحة أو المهارة الأفضل «مضاعفات القوة».
ولكن حين تكون الشروط الخاصة بقابلية تطبيق قانون التربيع متوافرةً في الواقع، تكون له نتائج مثيرة. كانت هناك فترة في الماضي تواجدت فيها طائرتان مقاتلتان عسكريتان في وقتٍ واحد في سلاح الطيران الأمريكي، إف ? المهيبة، وإف ?? الأحدث والأفضل. كان الطيارون المقاتلون (بالطبع) يفضلون الطائرة الحديثة؛ فقد كانت قيادتها أكثر إثارةً ومتعةً، ولكن للأسف، كانت الأعداد المنتجة من الإف ? ضخمة، وكانت تكلفة الطائرة الواحدة حوالي ? ملايين دولار فقط في ذلك الوقت، فيما كانت تكلفة الإف ?? حوالي ?? مليون دولار. وقد اعتاد هذا الكاتب أن يسأل أصدقاءه في سلاح الطيران إذا ما كانوا يفضِّلون، في المعارك، أن تكون لديهم طائرة إف ?? واحدة أم خمس طائرات إف ? بنفس التكلفة، فكانوا يفضِّلون بشكلٍ شبه دائم طائرة إف ?? واحدة؛ «لأنها طائرة أفضل». تلك هي الإجابة التي تحصل عليها دون تفكير. إن التمتع بمعاملِ تَفَوُّقٍ قيمتُه ?? — يتم الحصول عليه عن طريق تربيع الأعداد وفقًا لقانون لانكستر — مقابل نفس السعر لَهُوَ أمر لا يُستهان به. وفي الواقع إن ألعاب محاكاة المعارك (والتي لا يروج لها على نطاق واسع من جانب سلاح الطيران) كانت تؤكِّد بشكل واسع على صحة النظرة القائلة بأن الأكثر أفضل (في المعارك الجوية الحديثة، تُعتبَر القذيفة التي تحملها الطائرة أهم بكثير من الطائرة التي تحمل القذيفة)، ولكن تلك الحقيقة تفقد أهميتها أمام الرغبة الشديدة في قيادة طائرة حديثة متطورة، لا سيما في وقت السلم.
النتيجة الثانية المهمة لِقانون التربيع تكمن في التكتيكات؛ وهذا هو ما دفعنا لإدراج هذا الفصل في كتابٍ عن صنع القرار. والأمر أقل وضوحًا بدرجة طفيفة على المستوى الرياضي؛ فبينما يطلق الجانبان في المعركة النارَ أحدهما في اتجاه الآخَر، يكون هناك ما يطلِق عليه الفيزيائيون ثابت الحركة؛ وهي كمية لا تتغير نتيجة الضرب المتبادل، وهذا الثابت هو «الفرق» بين «مربعات» عدد الوحدات على كل جانب. على سبيل المثال، إذا واجهَتْ قوةٌ مِن خمس وحدات قوةً أخرى من ثلاث وحدات تحت الظروف الملائمة، يكون فارق التربيعات خمسًا وعشرين ناقصة تسعًا؛ أيْ ست عشرة؛ على ذلك ستكون النتيجة المتوقعة للمعركة أن القوة الأصغر سوف تُمحَى، بينما سيتبقى لدى القوة الأكبر أربع وحدات (جذر ??). (بالطبع غالبًا ما لا تكون الجيوش الحقيقية مُخْلِصة للقضية لدرجة تدفعها للقتال حتى الفناء؛ هذا مجرد نموذج.) هكذا ستكون القوة الأكبر قد دمرت قوة للعدو مؤلَّفة من ثلاث وحدات بخسارة وحدة واحدة فقط من قوتها، وهذه السمة هي التي لها مثل هذه التداعيات التكتيكية المهمة، حيث يمكن تطبيقها.
قبل التطرق إلى التفاصيل قد نتساءل إن كان أيٌّ من هذا صحيحًا، أو إذا ما كان ساذجًا على نحو مستحيل لدرجة تجعله لا يمتُّ بصلة لمعركة حقيقية؛ الإجابة هي نعم ولا على كلا السؤالين. هناك بالتأكيد حالات عديدة في التاريخ العسكري تمكَّنَتْ فيها قوًى أقلُّ عددًا بشكل بالغ من انتزاع انتصارات؛ تارة بفضل الأسلحة الفائقة، وتارة بفضل تفوقها من حيث الذكاء، وتارة بفضل الحظ المحض. وما من ملاحظة إحصائية ستجسد نفسها طوال الوقت.
ولكن العنصر الأساسي في الأمر، مثلما نقول غالبًا في الكتاب، هو الحصول على أفضل نتيجة «متوسطة» من مواردك الحالية؛ وبناء على هذا المعيار، يصمد قانون لانكستر بشكل لافت. في واحدة من أشهر معارك جزر المحيط الهادئ في الحرب العالمية الأولى تمَّ الاقتتالُ حتى آخِر جندي (من جانب واحد)، دون تعزيزات، وأمكن فيما بعدُ ترميمُ آثار الاستنزاف المتبادل بين الطرفين خلال المعركة، وقد كان هذا قريبًا بشكل مذهل مما تم التنبؤ به باستخدام قانون لانكستر. غير أن هذا ليس مفاجئًا حقًّا؛ لمَّا كانت المبادئ الأساسية الكامنة — زيادة القوة النارية بالأرقام، وتخفيف فاعلية نيران العدو — قابلةً للتطبيق بشكل واضح. كلُّ هذا معروف تمامًا لمحلِّلي العمليات العسكرية، ومعظمهم من المدنيين، ولكنه يلقى مقاومة من قِبَل عدد كبير للغاية من كبار الضباط؛ فهذا الأمر يبدو نوعًا من العمليات الرياضية، وليس من أعمال البطولة والجسارة.
كيف يمكنك، في الواقع، استخدام هذه الحكمة من أجل صنع القرار في موقف تكتيكيٍّ ما، على فرض أن قانون لانكستر صحيح تمامًا؟ لنختلق حالة بسيطة، تُصدِر فيها أمرًا لقوة من خمس عشرة وحدة (لنُسمِّها رجالًا) بمواجهة قوة من قوات العدو، قوامها سبعة عشر رجلًا على نفس القدر من الكفاءة. يفوقك العدو عددًا، وليس لديك ميزة خاصة في الأسلحة أو الموقع. وبما أن مربع الرقم ?? هو ??? ومربع الرقم ?? هو ???، فبإمكان عدوك أن يُجهِز على قوتك بالكامل بينما ينجو ? من رجاله (??? ناقص ??? تساوي ??، وهو مربع الرقم ?). سيكون قد تكبَّد خسائر شنيعة، تُقدَّر بأكثر من نصف جيشه، ولكن قواتك ستكون قد أُبِيدت بالكامل. وإذا كان الأمر يهمه بما يكفي، فسوف تُنجَز المهمة لا محالة.
ولكن هل يمكن أن تنتصر على أي حال، على الرغم من نظرية لانكستر (أو بفضلها)؟ يمكنك الانتصار إذا أمكنك شق صفوف العدو؛ بحيث تقاتل جزءًا من قوته بكل قواتك. هَبْ أنك تستطيع، بمناورة ذكية، أن تعزل ?? من رجاله، وتمكَّنت من جلب جيشك المكوَّن من ?? رجلًا لتَوَلِّي أمرهم، بينما رجاله الخمسة الآخرون إما نائمون وإما يحاولون العثور على موقع المعركة. إذن، وبموجب قانون لانكستر، فإن ??? ناقص ??? تساوي ??، ويمكنك أن تقضي على هذه القوة المنفصلة، محتفظًا ? ? من أصل ?? رجلًا، هم عدد رجالك، على قيد الحياة. مرة أخرى تتكبَّد خسائر حادة، تُقدَّر ? ??? من جيشك، ولكنك ستحرز الانتصار. عليك الآن بالطبع أن تتعامل مع رجاله الخمسة الآخرين، ولكن لديك ? رجال من أجل المهمة، ولديك التفوق العددي، ومع انتهاء الأمر برمته، ستكون قد قضيتَ على قوته المتفوقة، وسيتبقى معك حوالي نصف قواتك.
إن المحصلة هنا أنك — على الرغم من التفوق العددي للعدو — استغللتَ قانونَ التربيع بذكاء وبراعة لشق قوات العدو بالطريقة الصحيحة تمامًا، وكان النصر هو مكافأتك. وكل العسكريين يَعُونَ أهمية شق تشكيلات العدو، وتأتي هذه الفكرة تحت مسميات على غرار مبدأ الاختراق، أو مبدأ الحشد، ولكن نادرًا ما تتجاوز كونها مفهومًا كميًّا.
هناك حالات عديدة في التاريخ العسكري تَحقَّقَ فيها النصر لقوة أقل عددًا، ولكن لا توجد حالات كثيرة يمكن بها تحديد إذا ما كانت هذه المبادئ قد لعبت دورًا أم لا. (تاريخيًّا، لا يستسلم أي جيش حين يُهزَم، ولكن حين «يعتقد» أنه قد هُزِم. ومن الممكن في بعض الأحيان إقناعه بالهزيمة بينما لا يزال هو القوة المتفوقة.) كانت الحالة التي استشهد بها لانكستر كمثال في عمله الأصلي هي معركة ترافلجار البحرية، التي دارت رحاها أمام سواحل إسبانيا في عام ????، وانتصر فيها لورد نيلسون على أسطول تحالُفِيٍّ (فرنسي وإسباني) كان متفوِّقًا عدديًّا. زعم لانكستر أن نيلسون كان يعرف بالغريزة أين يقطع خط سير الأسطول التحالفي بشكل مثالي. ربما يكون الأمر كذلك، وربما لا — لا أحد يعرف ما كان يدور بعقل نيلسون، لا سيما أنه قُتِل في المعركة — ولكن المبدأ صحيح بلا شك، ولن يضير القادة المعاصرين أن يحاولوا فهمه بشكل أفضل.
ينطبق قانون لانكستر على معركة بين قوتين تُطلِق كلٌّ منهما النار تجاهَ الأخرى؛ فهل هناك مكافئ لحالةٍ فيها ثلاث قوًى تقاتل كلٌّ منها الأخرى؟ (لو احتجتَ مثالًا لهذا فكِّرْ في المسلمين والكرواتيين والصرب، فيما كانت في الماضي دولة يوغوسلافيا.) حينها يكون هناك احتمالان متطرفان. في أحد الاحتمالين يطلق الجميع النارَ كلٌّ منهم على الآخَر (أطلِقِ النار أولًا، ثم اعرف مَن تحديدًا أطلقتَ عليه النار)؛ وفي الحالة الثانية يتحالف طرفان ضد الثالث. الحالة الأولى تُعَدُّ بمنزلة مسألة رياضية قابلة للحل، وهي معقدة بشكل يتعذَّر معه تناولها بالمعالجة التفصيلية في هذا الكتاب، بينما الأخرى مطابقة لإشكالية لانكستر، مع اعتبار التحالف قوةً واحدة مفردة.
لنتناول حالةً محدَّدة، مع اختيار الأرقام بعناية بحيث تؤدِّي إلى إجابات بسيطة. هَبْ أن القوى الثلاث المتحاربة، المسمَّاة ألفا وبرافو وتشارلي، تبدأ ? ??، و??، و?? وحدة (دبابات، رجال، طائرات) على التوالي، ثم يبدأ إطلاق النار. بموجب قوانين لانكستر يطلِق الجميعُ النارَ على أيِّ غريبٍ في مرمى البصر، سواء أكانوا يجيدون التصويب أم لا. حين يهدأ غبار المعركة تكون القوة الصغرى قد انتهت، بينما سيتبقَّى لدى ألفا وبرافو قواتٌ مؤلَّفة من ?? و?? وحدة على التوالي. (ثِقْ بالكاتب، ليس من الصعب إجراء العملية الحسابية.) لن تكون القوة الصغرى شيئًا من الماضي فحسب، بل ستكون برافو، ثاني أكبر قوة، قد استُنزِفت بشكل بالغ مقارَنةً بألفا؛ إذ ستكون قد فقدت نصف قوتها الأصلية المقدَّرة ? ?? وحدة، بينما ستنخفض وحدات ألفا من ?? إلى ??؛ حينئذٍ سيكون من السهل على ألفا أن تقضي على برافو، وتخرج منتصرةً بخسائر محدودة نسبيًّا. يُعتبَر إطلاق النار العشوائي خيارًا رائعًا للقوة الكبرى، وأي طلقات نارية سدَّدتها قوَّتا برافو وتشارلي إحداهما تجاه الأخرى، لم يكن لها تأثيرٌ سوى أن تفيد ألفا.
ولكن هَبْ أن قائدَيْ برافو وتشارلي على علمٍ بكل هذا، واتفقَا على التعاون ضد ألفا (فيما يُعَدُّ تحالُفَ مصالح)، مرجئَين حسْمَ الخلافات بينهما إلى المستقبل؛ إذن ستبدأ القوة التحالفية ? ?? وحدة، متفوِّقة بشكل ضخم على وحدات ألفا، ويمكنها أن تُجهِز على ألفا بخسارة ?? من وحداتها ا? ??. لا شك أن ذلك أفضل من التضحية بالنفس، وهذا هو السبب الأساسي وراء الانتشار الشديد للتحالفات. (بالطبع لا تنجح تلك التحالفات بهذا الشكل دائمًا؛ لأن كل عضو من عضوَيِ التحالف يعلم بشأن المواجهة التالية التي تنتظره، ومن المرجح ألَّا يقاتل بكلِّ قوته لهذا السبب؛ ولهذا السبب كان دعم قوات الحلفاء للاتحاد السوفييتي في الحرب العالمية الثانية دعمًا فاترًا.)
ثمة مسألة واحدة لا تزال متبقية؛ الخسائر «النسبية» التي تتكبدها برافو وتشارلي بينما لا تزالَا منهمكتين في محاولة سحق ألفا. هذا بالطبع ما يمثِّل أهميةً لكلٍّ منهما بالنسبة إلى الجولة القادمة. مرة أخرى قد تمثِّل الرياضيات ترفًا زائدًا، ولكنَّ المحصلة هي أن كلًّا منهما سوف تخسر ?? بالمائة من قوتها، فيتبقى لِبرافو ?? من أصل ?? وحدة، ويتبقى لِتشارلي ?? من أصل ?? وحدة، بينما في هذه الحالة تكون ألفا هي التي مُحِيت من الوجود، وستكون برافو وتشارلي قد تكبَّدَتَا خسائر متساوية ومتناسبة أثناء التخلُّص من العدو المشترك. بالطبع سيكون الفوز في المواجهة القوية التالية لِبرافو، ولكن بخسائر فادحة؛ إذ سينتهي بها الحال ? ?? أو ?? من أصل قوتها الأصلية ذات ا? ?? وحدة، وقد تقرِّر أن الأمر لا يستحق.
إن الدرس المستفاد من ذلك والمتمثِّل في أن مِن الجيد دائمًا في أي نزاعٍ ثلاثيِّ الاتجاه أن تتحد قوتان ضد الثالثة؛ يُعتبَر قاعدةً عامة تنبثق بشكل مباشر من نظرية الألعاب ذات اللاعبين المتعدِّدين. علاوة على ذلك، كلنا نعرف تلك القاعدة من واقع الخبرة. (مع ذلك، ما زلنا حتى كتابة هذه السطور ندعم قيام حكومة ثلاثية من الكرواتيين والمسلمين والصرب في البوسنة. لن تنجح.)
ما من سبب للاعتقاد أن قادة المستقبل العسكريين الذين يتلقَّون تدريبهم (بل تعليمهم أيضًا؛ فالتدريب والتعليم مفهومان مختلفان) الآن في الأكاديميات العسكرية الثلاث؛ غير قادرين فكريًّا على التعرُّف على مبادئ القتال، حتى عندما يتخلَّل هذا بعض الحساب. ووزير الدفاع في وقت كتابة هذه السطور، ويليام بيري — وهو رجل مُلِمٌّ بالرياضيات بحكم تدريبه — يعرف هذا تمام المعرفة، ولكن على المستوى الأعلى لا يُعتبَر ذلك ذا صلة بالأمر.
إن الفارق بين التدريب والتعليم هو ما يجعل دراسةَ قانون لانكستر أمرًا ذا أهمية؛ فالتدريب يتضمن استجابةً شرطيةً لمواقف معروفة، أما التعليم والذكاء فيؤتيان ثمارهما في حالات غير مألوفة. اعتاد أحد أصدقاء الكاتب — يعمل طبيبًا نفسيًّا — أن يُلقِي خطبًا يقول فيها إنه لا يمكنك أن تدرِّس قوانين نيوتن للحركة لكلب، وذات مرة سأله أحدهم إن كان قد سبق له أن رأى كلبًا يلتقط قرصًا هوائيًّا، واضطر لتغيير موضوع خطبته. ولكنه كان محقًّا في المقام الأول؛ فمن الممكن تدريب كلب على التقاط قرص هوائي — بل إن بعض الكلاب لا تبدو حتى في حاجةٍ للتدريب — ولكن لا يمكن تعليمه. من الممكن تدريب الضباط العسكريين بسهولة، ولكن يكون للتعليم ضرورة في المواقف غير المألوفة، والجمع بين التدريب والتعليم يسفر عن أعلى مستويات الأداء.

الفصل السابع عشر
التذبذبات والانحدار


يقدِّم قاموس «راندوم هاوس أنابريدجيد» (الطبعة الثانية)، الذي يُعَدُّ أفضلَ ما في المجموعة الحالية من القواميس الإنجليزية الكبرى، معنيَيْن لكلمة fluctuation (بمعنى تقلُّب أو تذبذُب)، ولكنْ يتناقض أحدهما مع الآخر؛ فيشير أحد المعنيين إلى الحركة الموجية، للأمام وللخلف، فيما يشير الآخَر إلى الحركة غير المنتظمة أو المتذبذبة، كما في عبارة «تذبذبت أسعار الذهب بشكل جنوني». إن الحركةَ الموجية منتظمةٌ نوعًا ما، مثلما يعلم جميع البحارة وراكبي الأمواج، وفي حالة بعض أنواع الحركة الموجية، يمكن أن تكون منتظمةً لدرجة يمكنك فيها ضبط ساعتك عليها؛ ولعل معاييرنا الحالية لتحديد وقياس الوقت قائمة على أكثر الحركات المعروفة للعلم انتظامًا، وهي موجات أشعة الليزر؛ فهي أكثر انتظامًا بكثير من حركة الشمس في السماء، وهي الطريقة التي كانت متَّبَعة قديمًا في تحديد الوقت. وتُعتبَر تذبذبات أسعار الذهب مثالًا للتغيير غير المنتظم؛ ولولا ذلك لصار بوسعنا جميعًا التنبُّؤ بأسعار الذهب؛ ومن ثَمَّ نصبح أثرياء (سوف نتناول كلَّ ذلك بمزيدٍ من التفصيل عند الحديث عن البورصة في الفصل التالي). سنهتم في حالتنا بمعنًى ثالث للكلمة، يرتبط ارتباطًا أوثق بالمعنى الثاني الوارد بقاموس راندوم هاوس من ارتباطه بالمعنى الأول، وهو يتعلق بالتقلُّب النسبي للأحداث العشوائية.
هَبْ أننا نُلقِي نردين؛ لقد ذكرنا في الفصل الثالث أن احتمال الحصول على رقم ? من رمي النردين يساوي فرصة واحدة من ست فرص، وعليه فإذا ألقينا نردين منتظمين اثنتي عشرة مرة، فسنتوقع أن نرى الرقم ? مرتين. بالطبع لن يحدث ذلك في كل مرة نُلقِي فيها النردين اثنتي عشرة مرة متتالية؛ فإذا واصلنا تكرار الاختبار، بمعدل اثنتي عشرة رمية في المرة الواحدة، فلن نحصل على رقم ? تمامًا تارةً، وقد نحصل عليه عدة مرات تارةً، بل من الممكن أن نحصل على رقم ? في «كل» الرميات، وإن كان ذلك احتمالًا مُستبعَدًا. (إن فُرَص حدوث ذلك تبلغ أقل من واحد إلى مليار، ولكنه «قد» يحدث.) وهذا النوع من تذبذُب النتيجة الخاصة باختبارٍ محكومٍ بقوانين الاحتمال هو ما سنطلق عليه تذبذبات، وإذا لم يكن لدينا شيء نفعله أفضل من الاستمرار في تكرار الاختبار، فإن النتيجة سوف «تتذبذب بشكل جنوني» بالمعنى الثاني الوارد بقاموس راندوم هاوس.
ولكن كم سيكون قدر التذبذب فعليًّا؟ توجد هنا قاعدة سحرية تخبرك بأنه بالنسبة إلى حالة كهذه — وأيًّا كان العدد المتوقَّع للأحداث (بناء على احتمالية وقوعها) — يكون متوسط التذبذب حوالي جذر هذا الرقم (يُسمَّى هذا الرقم السحري الانحراف المعياري. ولا تسري القاعدة في كل الحالات، ولكن تسري في معظمها). إذن، إذا توقَّعنا حدوثَ شيءٍ ما مائة مرة، فيجب ألَّا نندهش إذا وقع عشر مرات أكثر أو أقل، ربما يقع تسعين مرة؛ وإذا توقَّعنا حدوثه ست عشرة مرة، فلن يكون وقوعه لعشرين مرة أمرًا مفاجئًا. ولكنْ تذكَّرْ أن هذه العبارات بشأن التذبذبات هي نفسها احتمالية؛ ففي حالة رمي النردين، من الممكن أن تعطي الاثنتا عشرة رمية جميعًا الرقم ?، ولكن كان من شأن ذلك أن يفاجئنا، بل كان سيفاجئنا للغاية. في الواقع، إن مفهوم المفاجأة أساسي بالنسبة إلى علم الإحصاء القديم الطراز؛ فلو حسبت أن احتمال حدوث شيء ما منخفضٌ لدرجة أنه سيكون أمرًا مفاجئًا لو حدث، ثم يحدث بالفعل، فإنه يُسمَّى «ذا دلالة إحصائية»، وهذا المصطلح المنمَّق في مجمله يعني أنك مندهش بدرجةٍ ما من حدوثه. لم يصل الأمر لحد الصدمة بسبب خلوِّ الأمر من المعنى والمنطق، بل هو مجرد شعور بالاستغراب فقط لا أكثر. إن كلمة «مُستبعَد» تكمن في الحالة الذهنية للإحصائي؛ فهناك نوع من الفولكلور المتوارث بين الإحصائيين يتمثَّل في أن وجود احتمالٍ بنسبة واحد في العشرين — وهو ما يُسمَّى بالقيمة الاحتمالية في التجارة — يجعل وقوعَ حدثٍ ما مُستبعَدًا بما يكفي (ومن ثَمَّ مثيرًا للاستغراب) بحيث نعتبره غير ذي دلالة إحصائيًّا. وبالنسبة إلى مثال النردين، حيث توقَّعْنا الحصولَ على الرقم ? مرتين، فإن الحصول على هذا الرقم أكثر من أربع مرات سيُعتبَر ذا دلالة إحصائية من جانب مثل هؤلاء الإحصائيين.
إن فكرة المفاجأة فكرة سيكولوجية، وليس لها صلة بالرياضيات أو الإحصاء، وما يُعَدُّ مفاجئًا في سياقٍ ما قد لا يكون مفاجئًا لهذه الدرجة في سياق آخَر. حتى معيار الواحد في العشرين الكثير الاستخدام بين الإحصائيين ليس عامًّا بدرجة تامة؛ فالحصان البالغة فرصة فوزه واحدًا في الشعرين يفوز بسباقات الخيول حوالي مرة كل عشرين سباقًا تقريبًا، دون أن تنتاب الدهشةُ أحدًا حتى الإحصائيين. على الجانب الآخَر، نقرأ كلَّ عقدٍ أو نحو ذلك خبرًا في الصحف عن مباراة بريدج أحرَزَ فيها كلُّ لاعب من اللاعبين الأربعة مجموعةَ الأوراق الرابحة، علمًا بأن جميع الأوراق من مجموعة واحدة. ولما كانت احتمالات حدوث ذلك أقل من واحد لعدة مليارات، كان للمرء كلُّ الحق في أن يندهش، بل كان هذا الكاتب سيراهن بقوةٍ على أن ذلك لم يحدث قطُّ في أيِّ توزيعة عادلة من أوراق لعبٍ جرى خلطها بأمانة.
ولكن ذلك استطراد خارج عن موضوعنا. إذا كان هناك عدد متوقَّع من الأحداث، فإن التذبذبات والتقلبات التي سنتوقعها في إطار هذا الرقم عادةً ما ستتبع ببساطةٍ قاعدةَ الجذر التربيعي، وعلى الرغم من أن أي شيء «يمكن» أن يحدث، فإن ذلك عادةً ما لا يحدث.
ولكنْ لاحِظْ أنه مع قاعدة الجذر التربيعي تصبح التذبذبات أكبرَ مع زيادة العدد المتوقَّع للأحداث، ولكن ليس بسرعة العدد المتوقَّع ذاته؛ ومن ثَمَّ تأتي التذبذبات أصغر «نسبيًّا». فإذا توقَّعنا عشرة أحداث، نتوقَّع تذبذبات بمعدل عشرة تقريبًا في الرقم الفعلي الملحوظ؛ أي بنسبة ???. أما إذا توقَّعنا عشرة آلاف حدث، فسوف تكون التذبذبات حوالي مائة؛ أي ?? فقط. وإذا ألقيتَ عملةً مرة واحدة بأمانةٍ دون غشٍّ، فلن يكون لديك أدنى فكرة عن الوجه الذي ستستقر عليه، ولكن إذا ألقيتَها عشرة آلاف مرة، فلا بد أن تحصل على حوالي خمسة آلاف صورة، تزيد أو تنقص مائة أو نحو ذلك.
يبدو صعبًا للغاية على المقامرين والمشجعين الرياضيين أن يتقبَّلوا وجود التذبذبات. إن المتوسطات مفهومة إلى حد معقول، ولكن التذبذبات المحيطة بتلك المتوسطات ليست كذلك. (سوف نخصِّص فصلًا كاملًا للرياضة لاحقًا.) تأمَّلْ مثالًا.
في مباراة عادية لكرة السلة الاحترافية، يسجِّل كل فريق حوالي مائة نقطة، والنِّسَب المئوية للتصويب تناهز ?? بالمائة (نحن نقرِّب كلَّ هذه الأرقام فقط من قبيل التبسيط). ولما كانت كلُّ سلة تساوي نقطتين، يسدِّد كل فريق حوالي مائة تصويبة في المباراة، محرزين نقاطًا في حوالي نصفها. (وبما أن الفرق لا يسمح لها بأكثر من أربع وعشرين ثانية للتصويب على شبكة المنافس، ومدة المباراة ثمانٍ وأربعون دقيقة، تكون المعادلة صحيحة تقريبًا.) لا يتساوى الانحراف المعياري مع الجذر التربيعي بالنسبة إلى هذا الموقف ذي الاحتمالية العالية للنجاح — فالمعادلة أكثر تعقيدًا من ذلك — ولكن يتضح أنه يساوي حوالي خمس سلات، إذا كانت التسديدات عشوائيةً بشكل مستقل، بدلًا من السلات السبع التي كنتَ ستحسبها من خلال أخذ الجذر التربيعي لخمسين سلة. والعشوائية المستقلة تعني ببساطة أن كل تصويبة لها احتمال دخول يساوي ?? إلى ??، بغض النظر عن نجاح أو فشل التصويبات الأخرى. ومن خلال هذا النموذج سوف يسجِّل أيُّ فريق متوسطًا قدره مائة نقطةٍ، بانحراف معياري قدره حوالي عشر نقاط. (سوف نعود إلى الضربات الناجحة المتتالية في فصل الرياضة.) وعليه يفترض أن تتغير المائة نقطة الخاصة بأي فريق صعودًا أو هبوطًا، في مباراة تلو الأخرى، بمقدار حوالي عشر نقاط، وأحيانًا أكثر من ذلك، ويفترض أن يكون هامش الفوز (أي الفارق بين نتائج الفريقين) حوالي أربع عشرة نقطة. (لا تعبأ بالأسباب.) وكل هذا قائم على أبسط الإحصاءات، متجاهلًا المهارة.
بالطبع يمكن لأي مشجع رياضي دقيق أن يتحقَّق من هامش الفوز الحقيقي على مدار موسم بأكمله، ولكنْ تبيَّنَ أن متوسطَ هامش الفوز في المباريات التسع عشرة التي لُعبت في سلسلة مباريات نهائي القسمين الشرقي والغربي ونهائي البطولة في عام ???? (قُبَيْل كتابة هذا لأول مرة)؛ كان أقل من تسع نقاط، وهذا أقل نوعًا ما ممَّا كنَّا سنتوقَّع بواسطة التذبذبات العشوائية (على فرض أن الفِرَق متماثلة بشكل متوازِن في المهارة)، ولكنه ليس بعيدًا للغاية بالنسبة إلى تقدير تقريبي كهذا، ولا شك أنه من العوامل التي يُحتمَل أن تقرِّب نقاط الفريقين العاملُ النفسي؛ فالفريق المتأخِّر من المرجَّح أن يجتهد أكثر في اللعب، والفريق المتصدِّر من المحتمل أن يسترخي قليلًا، أو يلعب بمزيد من التحفُّظ، حتى النهاية. يتبيَّن من خلال هذا أنه لجزءٍ كبير من الوقت يتحدَّد الفارق في نقاط الفريقين (القويين نسبيًّا) بفعل الصدفة العشوائية، وليس بفعل تبايُن في مستوى المهارة من يوم لآخر.
ولكن في الربع الأول من المباراة، سوف يتم تسجيل حوالي ربع النقاط، وسوف تكون التذبذبات أكبر «نسبيًّا»، ولن يكون غريبًا للفريق الخاسر في النهاية أن يكون متفوِّقًا في هذه النقطة؛ فحين تبدأ قوانين الإحصاء — في وقت لاحق من المباراة — في إطلاق قوتها الحتمية المتعذر اجتنابها، وتذهب الصدارة للفريق الآخَر، سوف يُوصَف الفريق الأول بأنه قد «تراجَعَ»، على الرغم من أن المسئول الحقيقي — مرة أخرى — قد لا يكون أكثر من التذبذبات الإحصائية. إن النزعة إلى الأداء الطبيعي على المدى الطويل، على الرغم من التذبذبات الأولية، تُسمَّى الانحدار إلى المتوسط، ويبدو أنها تسير عكسَ غريزتنا الداخلية؛ تكون التذبذباتُ أكبرَ نسبيًّا في بداية أي شيء، ويتضاءل الدور الذي تلعبه بمرور الوقت؛ ففي الجزء الأول من موسم البيسبول يكون هناك دائمًا ضاربٌ يحقِّق نسبة نجاح في ضرب الكرة قدرها ???، ولكن سوف يُوصَف بأنه قد «تراجَعَ» في وقت لاحق من الموسم، أما الضارب الجيد الذي يحقِّق نسبةَ نجاحٍ في ضرب الكرة قدرها ???، فمن المحتمل أن يتحسَّن فيما بعدُ، عندما يعود إلى المتوسط. وليس سبب ذلك أنه تحسَّنَ بالفعل؛ ففي بداية الموسم، يتجاوَزُ بعض الضاربين أداءهم المعتاد، فيما يتخلَّف آخرون. ما المدهش في ذلك؟ بالطبع ستكون هناك مقالات مطوَّلة في الصحف الرياضية عن كليهما، تشرح الأمر كله.
سوف ينطبق هذا النوع من المعالجة على أي لعبة تُحرَز فيها النقاط بشكل عشوائي إلى حدٍّ ما، ولكنها لن تنطبق على رياضةٍ مثل كرة القدم الأمريكية؛ حيث عادةً ما لا تُحرَز النقاط إلا بعد سلسلة طويلة من الحركات؛ مثل ركلات البداية، ومكاسب خط ا? ? ياردة، وما شابَهَ، التي يميل عددُها إلى إبطال تأثير التذبذبات الإحصائية. تذكَّرْ قاعدةَ الجذر التربيعي.
كذلك ينطبق الأمر على مناحٍ أخرى من مناحي الحياة؛ فقد أشار عاموس تفرسكي ودانيال كانمان إلى أنه في أثناء تدريب الطيارين، غالبًا ما يشكو المدرِّبون من أن أداء الطيار يتحسَّن إذا ما انتُقِد نقدًا حادًّا في حالة الأداء الرديء؛ وإذا جاء أداؤه جيدًا بشكل غير مألوف، وأُثنِي عليه، فإنه ينحدر ويتدهور، وبالطبع يعزو المدربون هذا إلى تأثير نفسي معقَّد، ناسبين لأنفسهم الفضلَ في التحسُّن، ومُلقِين اللوم على الطيار في الانحدار، ولكن ذلك في الواقع يكون انحدارًا إلى المتوسط في أغلب الأحيان، يُساء تفسيره بأنه علاقة سبب ونتيجة؛ فحين تؤدي بشكل أفضل من المعتاد، لا يُحتمَل أن تستمر على هذا المنوال؛ وهذا هو ما تعنيه كلمة «معتاد». قد يكون ذلك مُحبِطًا، ولكن العكس أيضًا صحيح، وهذا شيء مشجع، ودائمًا ما تكون رؤية أسباب حيثما لا يوجد أيٌّ منها، أمرًا مضرًّا بعملية صنع القرار؛ فالانحدار إلى المتوسط حالة حتمية من حالات الحياة.
أخيرًا، ثمة استخدام آخَر، أكثر تقنيةً، لمصطلح «انحدار»، سيكون له أهميته لاحقًا. يُستخدَم المصطلح لوصف الانحدار نحو «اتجاه» وليس نحو متوسط؛ تأمَّلْ طفلةً حديثة الولادة تزن ستة أرطال عند الولادة، بعد شهر قد يصل وزنها إلى ثمانية أرطال، وبعد شهر آخَر من الأكل الشره، تزداد إلى أحد عشر رطلًا، وبعد إصابتها بنزلة برد، تصل إلى اثني عشر رطلًا، ثم أربعة عشر، وهكذا. إذا تأمَّلْتَ هذه البيانات، ووضعتَها على مخطط بياني، فسرعان ما تدرك أن الطفلة خلال هذه الأشهر الأولى تكتسب في المتوسط رطلين في الشهر الواحد، قد تكتسب المزيدَ في بعض الشهور، وقد تكتسب أقلَّ في شهور أخرى، ولكن الاتجاه واضح. وإذا كنتَ قد تكبَّدْتَ عناءَ رسم مخطط بياني، يكون هناك خط مستقيم إلى حدٍّ كبير يمرُّ بين مجموعة النقاط، وإن كانت بعض النقاط تعلو فوق الخط وبعضها تكون أسفله. ومع ذلك يقال عن الخط في هذه الحالة إنه في حالة «توافُق سلس»، ويكون اكتساب رطلين في الشهر الواحد تقديرًا جيدًا إلى حد كبير، وهذا ما يطلِق عليه الإحصائيون انحدارًا؛ أي تقريبًا لمسار الاتجاه؛ وهو في هذه الحالة انحدار خطي. يُكرَّس قدر معتبر من العمل الإحصائي لعزل الاتجاهات عن كتل البيانات، وتتوافر بالأسواق عشرات من برامج الكمبيوتر سوف تقوم بالمهمة نيابةً عنك؛ فقط غذِّها بالبيانات، وسوف تُخرِج لك الانحدار. (في هذه الأيام، ينجح أشخاص يفتقدون أدنى قدر من الفهم لما يفعلون، في إخراج مخططات بيانية وعروض مبهرة. إنها ثورة المعلومات؛ بيانات وفيرة منظمة بشكل جميل، ولكن معلومات أقل.)
هذا النوع من التحليلات يُعَدُّ صناعة كبيرة، وهو الوسيلة الأكثر شيوعًا في الاستخدام لإعداد «تكهُّنات» حول المستقبل؛ فبمجرد أن ترسم خط الانحدار، يمكنك أن تمده نحو المستقبل وتطلق عليه تكهُّنًا. إنه ليس قائمًا على أي حكمة أو فهم للقوى العاملة، ولكن في الحالات التي تستمر فيها الاتجاهات من الماضي إلى المستقبل، يمكن أن ينجح بشكل طيب. ويُعَدُّ تحليل الاتجاه من خلال الانحدار بمنزلة شريان الحياة للشركات والدول، في ظلِّ افتراضٍ غير مُعلَن مفاده أن أيَّ قوًى غامضة، أيًّا ما كانت، تسبَّبَتْ في زيادة شيءٍ ما في الماضي لا تزال موجودة، وسوف تجعله يزداد في المستقبل القريب؛ إنه يصلح لتحليل اكتساب الرُّضَّع للوزن، وللعجز الفيدرالي في الموازنة، وتعداد سكان العالم، من بين أمور أخرى. وثمة مبالغ ضخمة تُنفَق على تحليل الاتجاهات في البورصة، من خلال تحليلٍ أقلَّ أو أكثرَ تعقيدًا للانحدار؛ لأن القدرة على التكهُّن بأسعار السوق غدًا أمر رائع. وإذا اكتشف أي شخص مفتاحَ النجاح المتواصل هناك، فسوف يظلُّ خفيًّا. وكما في كل هذه الأمور، توجد تذبذبات في درجة النجاح الذي يحرزه مستشارو الاستثمار المختلفون في السنوات المختلفة، وبطل العام الماضي قد يتحوَّل (بفعل الانحدار إلى المتوسط) إلى شحَّاذ غدًا؛ وسوف نخصِّص الفصل التالي لهذا الموضوع الجذَّاب في ظاهره. وعلى الرغم من المخاطر الضخمة، لا يعرف معظم المستثمرين (ومستشاروهم) إلا النذر اليسير عن إحصاءات سوق البورصة، ومن المفزع قدرُ الهراءات التي يصدِّقها العديدُ منهم (ويروِّج لها).
إذن ما الذي تعلَّمناه؟ هناك تذبذبات يتعذَّر اجتنابها في جميع العمليات الإحصائية، ولا ينبغي أن تخطئ فهم النتائج القصيرة المدى باعتبارها مؤشرات طويلة المدى، والانحدار نحو المتوسط حتمي ويجب ألا يُفهَم كدلالة على تغيُّرات في مستوى المهارة، والاتجاهات الحقيقية غالبًا ما يمكن تحديدها (بحذر) من خلال تحليل الانحدار؛ كل هذه الرؤى تساهم في صنع القرار بشكل منطقي وعقلاني.

الفصل الثامن عشر
الاستثمار: البورصة


بالطبع لا توجد سوق مال (بورصة) من نوع واحد؛ فهناك العديد من أشكال السوق تحت مسمَّيات متشابهة، تتضمَّن جميعًا شكلًا من إجراءات المزايدة المفتوحة بشكل واضح على منتجات قابلة للتبادل، وكأنها بازار شرقي، وسوف ينطبق معظم ما سيرد في هذا الفصل عليها جميعًا تقريبًا، ولكن الافتراض الأساسي وراء كل شيء نقوله سيتمثَّل في كونها جميعًا تُدار بأمانة؛ إذا بَدَا بعضها يُدار على الحافة الخطرة للأمانة — وهو ما يُعَدُّ حتميًّا بالنظر إلى المغريات — فليكن. ولا ينبغي أن يكون لهذا الفصل أيُّ تأثير على رجال الأعمال الكبار أو كبار المسئولين السياسيين، الذين لديهم مدخل لمعلومات مربحة غير متاحة لبقيتنا. إن استخدام مثل هذه المعلومات يكون غير قانوني بشكل سافِر تارةً، وتارةً لا يكون سافِرًا لدرجة كبيرة، بل أحيانًا يكون قانونيًّا أيضًا، ولكن هذا ليس له صلة إطلاقًا بفن وعلم صنع القرار. إن هذه الفكرة تعيد للأذهان النصيحةَ المشهورة التي أسداها قس لرعيته؛ فقد كان يحثهم على أن يسيروا دائمًا على الخط المستقيم الضيق بين الخير والشر. ربما لم يكن يقدِّر قيمةَ ما كان يقوله، إلا أن تلك ربما تكون أفضلَ طريقة لتحقيق مكاسبَ تَفُوق متوسطات سوق المال، مع تجنُّب الوقوع في الجريمة.
السؤال الماثل أمامنا هو حول إذا ما كانت نظرية القرار تسدي أيَّ نفع يُذكَر في العثور على استراتيجيات مثالية للاستثمار. لقد اجتاحَتْ برامج الكمبيوتر البلادَ على مدار العقد السابق أو نحو ذلك، وكان من شأن هذا أن يزيد زيادةً جامحةً برامجَ الكمبيوتر الخاصة بتحليل الأسهم. من الواضح أن ثمة فكرة قد أُدرِكت، بشكل صحيح أو خاطئ، مفادها إمكانية إيجاد ربح في التحليل المحوسب لسوق البورصة؛ ولا شك أن الطابع الغوغائي الذي يصاحب بيع نفس البرامج واللوغاريتمات عدة مرات لمستثمرين مستقلين، يمكن أن يقوض التنوُّعَ اللازم للحفاظ على سوق عادلة ومستقرة؛ فحين يحوز الجميع نفس برنامج الكمبيوتر — سواء أكان جيدًا أم سيئًا — ويخبر هذا البرنامجُ الجميعَ بأن يبيعوا أو يشتروا الأسهمَ في نفس الوقت — سواء أكان ذلك صحيحًا أم خاطئًا — يمكن أن تكون النتيجة فوضوية؛ وهذا يحدث من آنٍ لآخَر، ويبدو أن الناس ينسون أن برنامج الكمبيوتر الذي يستخدمونه كُتِب بواسطة أشخاص غالبًا ما لا يكونون أكثر حكمةً ممَّا قد يكونون عليه هم أنفسهم، ويتمثَّل عملهم في بيع مثل هذه المنتجات. ولكن بمجرد أن تُطمَر المعرفة التقليدية في برنامج كمبيوتر وتصبح جزءًا لا يتجزأ منه، يصبح لها كيان مستقل خارج عن السيطرة. (وكل كاتب يعلم ذلك؛ فحين ترى كتابك أو مقالك في شكل مطبوع، يبدو موضع سلطة أكثر بكثيرٍ ممَّا كان يبدو عليه وهو مخطوط يدوي.)
ولعل المثال الكلاسيكي لسيكولوجية الغوغاء في الأسواق المالية كان متمثِّلًا في جنون التيوليب الرهيب الذي شاع في أوروبا في مطلع القرن السابع عشر. (يُعَدُّ الكتاب الممتع «أوهام شعبية استثنائية وجنون القطيع»، تأليف تشارلز ماكاي، مصدرًا رائعًا لهذا الحدث وأحداث أخرى مماثلة.) كان الاستثمار في التيوليب قد وصل إلى درجة أن الناس كانوا يدفعون ما يعادِل دخْلَ عامٍ كامل مقابل بصيلة واحدة، واثقين من أنهم مهما دفعوا، يمكنهم أن يبيعوها بمقابل أكبر خلال شهر أو نحو ذلك. كانت نوبة جنون انهارَتْ في النهاية من تلقاء نفسها، مثل أي برنامج لطرح شيكات من دون رصيد في السوق، أو للرسائل المسلسلة. وترد كلمة جنون التيوليب tulipomania، الآن في جميع القواميس الجيدة تقريبًا، ومع الاتصال الجماهيري الحديث، صرنا أكثر عرضةً من أيِّ وقت مضى لنوبات الذعر المالي. الفرضية الأساسية التي تقوم عليها جميع عمليات التداول في البورصة هي أن سعر أي سهم (أو أيًّا ما يتم التداول عليه في عملية التداول تلك بالذات) محدد بشكل مُنصِف، من خلال المزايدة التنافسية المفتوحة من جانب المشترين المحتملين، والعروض التنافسية المفتوحة من جانب البائعين المحتملين. (حتى السعر المتَّفَق عليه، كما هو الحال بالنسبة إلى أزهار التيوليب، يمكن أن يكون بمنزلة مرشد سيئ للقيمة الحقيقية، ولكن من الضروري الاتفاق على سعرٍ ما قبل أن تكون هناك إمكانية لإتمام الصفقة.) ولما كانت الأسهم المعروضة للبيع، شأنها شأن الأوراق الدولارية، قابلةً تمامًا للتبادُل (فسهم عادي لشركةٍ ما له نفس قيمة أي سهم عادي لشركة أخرى؛ هذا هو معنى كلمة «مثيلة»)، فلا يوجد سبب يدفع المشتري لعدم الشراء بأقل سعر متاح، ولا يوجد سبب يدفع البائع لعدم أخذ أعلى عطاء. ودائمًا ما يوجد «بعض» المشترين و«بعض» البائعين مَن يمكن التوفيق بينهما من خلال عملية مفاوضة بسيطة، وتحسم الصفقة، ملايين المرات في اليوم الواحد؛ فالسوق لديها آليات متطوِّرة ولكنها غير مثالية لطمأنة المستثمرين (وأيضًا لطمأنة هيئة الأوراق المالية والتداولات) بأن هذه العلانية هي في الواقع في محلها، وأن السماسرة والوسطاء يحصلون على عمولات من كلٍّ من البائعين والمشترين لتوفير خدمة التداول. سيكون فقط علينا أن نفترض أن كل هذا يؤتي جدواه، على الرغم من وفرة الصفقات الخاصة بالطبع، والكثير منها قانوني تمامًا. ودائمًا ما تظهر الفضائح في مجال التداول كظهور طيور أبي الحناء والديدان في الربيع؛ والدافع موجود بالتأكيد.
تُعتبَر المنافسة من جانب كلٍّ من المشترين والبائعين أساسيةً لاستقرار المنظومة، مثلما هي في الجوانب الأخرى لأي اقتصاد سوقي؛ فإذا كان عدد المشترين الذين يزايد بعضهم على بعضٍ قليلًا، يمكن للمشترين أن يُرغِموا البائعين المتلهفين على خفض أسعارهم. أما إذا وُجِدت مجموعة كبيرة من المشترين والبائعين، فسوف يكون هناك دومًا مشترٍ «ما» على استعدادٍ لدفع سعر مقبول لبائعٍ «ما»؛ ومن ثَمَّ يتم الحفاظ على حركة السوق؛ وعليه ففي سوق تنافسية بحقٍّ، لا يوجد فيها تواطؤ بين البائعين أو المشترين، يتواجد التوازن عند مجموعةٍ من الأسعار مقبولةٍ بشكلٍّ تبادلي على الأقل «لبعض» أعضاء كل جانب، وفقًا لتقديراتهم الفردية لقيمة السهم قيد النظر. والاحتكار من جانب أيٍّ من الطرفين مدمِّر لأي سوق قائمة على المزايدة التنافسية، ولكن لا يمكن منعه إلا بالقانون وتطبيقه؛ فالتواطؤ يأتي بنتائج جيدة، ويُعَدُّ عاملَ جذبٍ قويًّا للاعبين الذين يعتقدون أن بإمكانهم الإفلات بفعلتهم؛ وكان هذا هو السبب وراء إنشاء هيئة الأوراق المالية والتداولات في عام ????، في ذروة الكساد العظيم.
ولكن في سوق عادلة، ما الذي يدخل ضمن التقديرات المتعدِّدة لقيمة سهمٍ ما؟ فالسهم في النهاية مجرد قطعة ورق، لا تصلح للأكل، ومن المحتمل (إن لم يكن دائمًا) أن تكون أَقْيَمَ من أن تحرقها في مدفأتك؛ ومع زحف الحوسبة سيصبح السهم عمَّا قريب، بلا شك، لا شيء سوى مجموعة من الإشارات الضوئية الإلكترونية في ذاكرة مغناطيسية أو بصرية على كمبيوتر في مكانٍ ما، دون أن تكون له قيمة كغذاء أو وقود؛ إنه يمثِّل جزءًا من ملكية شيءٍ ما يصاحبه احتمالٌ بكسبِ دخلٍ حاليٍّ ومستقبليٍّ، مع ملاحظة أن الأخير لا يكون مؤكدًا بشكل متزايد في ظلِّ سعي المستثمرين المحتملين لأخذ فترات مستقبلية أكبر وأكبر في اعتبارهم (مع خصم مناسب من القيمة بالطبع). ويكون على المستثمر أن يقارِن المنفعة المتوقعة لملكية السهم في مقابل الأدوات الاستثمارية المتاحة الأخرى، مثل: السندات، والحسابات البنكية، والعقارات، وحقوق امتياز مطاعم الوجبات السريعة أو أدوات السرقة.
بعض التوقعات الخاصة بالمستقبل لا تعتمد كثيرًا على السهم قيد النظر، وإنما على الحالة الصحية العامة والتوقعات الخاصة بالاقتصاد القومي أو العالمي، ومثل هذه الاعتبارات يمكن أن تدفع مجموعات الأسهم الكاملة لمستوًى أعلى أو أقل من حيث المرغوبية؛ ومن ثَمَّ القيمة؛ ومن ثَمَّ السعر، بصرف النظر عن المزايا الخاصة للأسهم الفردية؛ وهكذا تعتمد قيمة أي سهم على حزمة من العوامل المحددة وغير المحددة، وفنُّ وعلمُ تحديد علاقة السعر بالقيمة هما جوهر عملية الاستثمار. تميل أسهم الشركات المستقرة والموثوق فيها إلى أن تباع بأسعارٍ تفوق مكاسبها السنوية الحالية بمقدارٍ يتراوح بين خمس مرات وعشرين مرة، بحسب الظروف الخاصة، بينما استثمارات المضاربة — أسهم شركات تقدِّم احتمالَ تحقيقِ ربحٍ وفير في وقت قصير في المستقبل — قد تباع بسعر مرتفع حتى إن كانت الشركات التي تمثلها تخسر أموالًا بسرعة رهيبة.
إذن فتوقُّع تحقيق ربح مستقبلي يلعب دورًا مهمًّا — كانت النصوص التقليدية تصفه بالمحوري — في تحديد أسعار الأسهم، وتحليل مثل هذه التوقُّعات هو أساس صناعة عملاقة من العرَّافين والمحلِّلين؛ فهناك مَن يُسمَّون المحلِّلين الأساسيين، الذين يشغلون أنفسهم بالمكاسب المحتملة للشركات الفردية من خلال منتجات واعدة، أو إدارة جيدة، أو عمالة استثنائية، أو أي شيء يبشر بمستقبل واعد للشركة، وهناك آخرون يعرفون بالكاد اسمَ شركة واحدة (هناك مبالغة بسيطة في ذلك، سَمِّها ضرورةً شعريةً)، ولكنهم متخصِّصون في التنبؤ بالاتجاهات العريضة للاقتصاد، والتوقُّعات الخاصة بصناعات معينة، وأمور من هذا القبيل؛ أشياء تميل لدفع أسعار مجموعات الأسهم الكبيرة. وهناك ملايين المستثمرين بالمعنى الحرفي للكلمة يتبعون هذه التوصيات، بإخلاص وصدق قلَّ أو كَثُر. (هناك أيضًا المنجمون، والروحانيون، وقارئو أوراق التاروت، ومدَّعون آخرون أقل وضوحًا، ولكننا سنتجاهلهم هنا.)
ونظرًا لأن المزايدة تكون تنافسية في أي سوق عادلة، فإن السعرَ المتفق عليه بين مجموعة متنوعة من المشترين ومجموعة متنوعة من البائعين على قدم المساواة — مع ملاحظة توافر نفس الحقائق لدى كلتا المجموعتين — إنما يمثِّل، بمعنًى سوف نوسِّع نطاقه لاحقًا، سعرًا «سوقيًّا» للسهم القائم؛ ومن المفترض أنه يمثِّل المعرفة المتوسطة لمجتمع المشترين والبائعين عن قيمة ذلك السهم، وأن يمثِّل القيمةَ التي كان من شأن أي فرد أن يصل إليها لو توافرت لديه كل المعلومات، ووزنها بإنصاف وعدل في تحليله. (كلمة متوسطة هنا بالمعنى الدقيق للكلمة لا يُقصَد بها معدل متوسط، بل تعني ما سوف يدفعه المشتري الأشد لهفةً للبائع الأشد لهفةً في أي وقت.) هذا هو ما يطلق عليه الخبراء «السوق ذات الكفاءة»، ولا يمكن لفرد أن «يحقِّق مكاسب» إلا بمعرفة أكثر مما يعرف المشاركون الآخرون في السوق ذات الكفاءة، أو بتحليله على نحوٍ أفضل أو أسرع منهم. والنسخة البسيطة من النظرية الكامنة وراء صورة السوق ذات الكفاءة هي أن هناك أشخاصًا كثيرين للغاية يقومون بمثل هذه التحليلات، لدرجة أن أي حقيقة قد يكون لها تأثير على قيمة سهم بعينه سرعان ما تصير معروفةً على نطاق واسع، وسرعان ما تُستوعَب في الوعي الجمعي، وسرعان ما يظهر تأثيرها واضحًا على سعر السهم. وسوف يعمل أحدهم على أساس هذه المعلومات؛ فبعض الناس يحصلون على مقابل جيد لمعرفة تلك المعلومات تحديدًا، وبالفعل تُظهِر بعض الاختبارات أن الأخبار والشائعات تنتقل بسرعة ضخمة في هذه البيئة؛ إذن فصورة السوق ذات الكفاءة تتمثَّل في أن من العبث أن تتمنَّى تحقيقَ مكاسب في السوق إذا لم يكن متوافِرًا لديك سوى المعلومات والأدوات التحليلية المتوافرة لمنافسيك وللآخرين جميعًا. البديل الوحيد لذلك هو أن يكون بوسعك أن تكون أكثر ذكاءً منهم، أو تجتهد أكثر، بالمعلومات المتاحة للجميع. حين يزدهر حال المستثمرين الفرديين عامًا بعد عام (مثل الأسطورة بيتر لينش مؤسِّس صندوق فيديليتي ماجلان، والمتقاعد حاليًّا)، فهذا يُعزَى إلى حد كبير إلى إنفاقهم وقتًا أكثر ممَّا ينفقه الغالبية في قراءة واستيعاب أعمال وشئون الشركات الفردية؛ ومن ثَمَّ يكتسبون معرفةً تفوق المنافسين. لا يوجد سبب يجعلنا نغضُّ الطرفَ عن أهمية الاجتهاد والمهارة، حتى في الاستثمار؛ بالطبع سوف يبلي أحدهم بلاءً حسنًا دون كدٍّ أو مهارةٍ في عامٍّ ما، ولكن كما أكدنا كثيرًا، يمكن أن يكون هذا نتاج الحظ لا أكثر؛ نوعًا من التذبذب بالمعنى المشار إليه في الفصل السابق. وخبير العام الواحد هو القاعدة أكثر منه الاستثناء في مجال الاستثمار.
ثمة طريق آخَر محتمل للثراء هو تحليل إحصاءات سوق الأسهم الإجمالية، على أمل تحديد الاتجاهات السائدة؛ سيكون ذلك على طريقة الفصل السابق، ويستطيع مثل هذا المحلِّل تجنُّبَ المرور بعذاب وشقاء عملية اختيار الأسهم الفردية. إن الصورة هنا أكثر ضبابيةً بعض الشيء وأكثر تعقيدًا، ولكننا سنحاول. وهذا النوع من الأمور يستوجب منا أن نعمل بمتوسطات، وليس بأسهم محدَّدة، وإنْ كنَّا سنعود إلى شيء في المنتصف بينهما في النهاية.
السؤال الأول والأهم هو: ما الذي يجعل متوسطات السوق تتغيَّر من يوم لآخر؟ أحيانًا تتفاعل السوق مع الأخبار، جيدة كانت أم سيئة، مما قد يكون له تأثير على التوقعات المستقبلية للاستثمار؛ فحين يقوم مجلس الاحتياطي الفيدرالي بتغيير معدلات الفائدة، تقفز البورصة، وإن لم يكن واضحًا دائمًا في أي اتجاه. (هذا يعتمد على إذا ما كان التغيير متوقَّعًا أم غير متوقَّع؛ وإذا كان متوقَّعًا، فسيعتمد على إذا ما كانت التخمينات مرتفعةً أم منخفضةً، وإذا ما كان المستثمرون يعتقدون أن ما حدث بالفعل كان في الواقع متوقَّعًا أم لا. فعندما يقوم الناس ببيع أو شراء أسهم أو سندات ترقُّبًا لتغيُّرٍ في سعر الفائدة، قد يصيبون أو يخطئون، ولكنهم دائمًا يساهمون في كفاءة السوق.) بالمثل، تؤثِّر أنباء الحرب والسلام والأحداث السياسية وما إلى ذلك على متوسطات السوق، ومن المربح أن تكون قادرًا على التكهُّن بتلك التأثيرات بشكل أفضل من المنافسين. والتذبذبات اليومية في المتوسطات مركبة من الكثير من العوامل الصغيرة وبعض العوامل الكبيرة؛ ممَّا يؤثِّر على الأسهم المختلفة والمستثمرين المختلفين، ويؤدِّي إلى شيء أشبه بالمسار العشوائي الذي عزوناه للشخص الثَّمِل في الفصل الخامس.
ولكن إلى أي مدًى تتَّسِم التذبذبات بالعشوائية في الواقع؟ في يوم عادي في بورصة نيويورك للأوراق المالية (اليوم الذي كتبتُ فيه هذه السطور) أحرز حوالي ألف سهم ربحًا، فيما مُنِي ألفٌ آخر بخسارة، وظلَّت سبعة آلاف سهم ثابتةً. لو أن التغييرات كانت عشوائية حقًّا بالمعنى التقليدي، وكان أداء السهم يسير بشكل مستقل، لَأمكننا تطبيق قاعدة الجذر التربيعي، وتوقُّع اختلاف عدد الأسهم الرابحة عن عدد الأسهم الخاسرة بمقدار ما يعادل الجذر التربيعي للألف تقريبًا، أو ما يقارب الثلاثين؛ وقد تبيَّنَ أن هذا هو الناتج (وقد أصبح اليومَ أربعين، وهو ما يُعَدُّ منطقيًّا)، وهكذا بواسطة هذا الاختبار البسيط، نجد أن الأسهم الفردية تترنح مثل ترنُّح صديقنا الثمل بالقرب من المنحدر. وفي تلك الصورة، يكون سلوك المتوسطات المركبة مثل نقطة المنتصف لجماعةٍ من السوقة مؤلَّفةٍ من بضعة آلاف من المخمورين.
أُجرِي هذا النوع من التحليل بمزيد من التفاصيل المعقَّدة إلى حد كبير عبر فترات طويلة من الزمن، وكان الرأي المجمع عليه (وإن لم يكن إجماعًا كاملًا؛ فليس هناك شيء محل إجماع تام في هذا المجال) هو أن التغيُّرات اليومية في متوسطات أسعار الأسهم تشبه بالفعل مشيًا عشوائيًّا، ويصعب وجود نمط محدود يمكن إدراكه. (يتسق ذلك مع صورة السوق ذات الكفاءة، التي تشير إلى أنه لو كان هناك أي نوع من الاستقرار القابل للاستغلال، لَكان قد وُجِد، ولَمارَسَ تأثيرًا كافيًا على هيكل الأسعار لتأكيد وجوده.) إذا تقبَّلت الصورة، فمن المحال أن تستخدم المتوسطات لإدراك النمط، مثلما هو محال أن تعرف الاتجاهَ الذي تنوي جماعةٌ من السوقة المغمورين اتخاذَه؛ وهذا على الرغم من المبالغ الكبيرة التي ينفقها المستثمرون، والتي يجمعها المتنبِّئون من أجل هذا النوع من التحليل. ولكن الأدلة ليست واضحة تمامًا، وسيظل الأمل موجودًا للأبد، ولذلك يزدهر وينجح الخبراء والأنواع الأخرى من روَّاد الأعمال المقامرين. (مؤخرًا أجرى بيتر لينش، المذكور أعلاه، حوارًا سارَعَ خلاله باستنكار نموذج المسار العشوائي لدرجة أنه أقنَعَ هذا الكاتب بأنه لا يفهمه تمامًا. ليس عليك أن تكون عليمًا بكل شيء لكي تنجح في استخدام ما تعرفه.)
لنفترض أننا أخذنا الخطوة التالية، وتساءلنا عن مقدار التفاوت اليومي في المتوسطات على مدار فترة أطول، الذي تسبِّبه الآثار التراكمية للمشي العشوائي. (تذكَّرْ أن متَّبِع نموذج المسار العشوائي يشرد بعيدًا عن النقطة التي يبدأ منها بمرور الوقت.) يمكن تحليل هذا بنفس الطريقة، باستخدام قانون الجذر التربيعي وأشقائه الأكثر تطورًا. مرة أخرى نجد الأدلة مقنعة، ولكنها ليست واضحة تمام الوضوح، على أن التغيرات اليومية والأسبوعية والشهرية في المتوسطات تُعزَى في أغلبها إلى التذبذبات العشوائية وغير المتناسقة في الأسهم الفردية التي تتألَّف منها السوق، لتكون نمطًا مثل انحراف السائر الثمل عن الطريق. من مغالطات الإدراك الإنساني أن نرى أنماطًا لا وجود لها، وأن نرى نظامًا حيثما لا يوجد أي نظام؛ إن الجمال والنظام يكونان في عينَيْ حامل الأسهم وحده. (في مسرحية أريستوفان «السُّحُب»، يحاول سقراط إقناع شخصية ستريبسياديس بأن الجوقة، التي ظهرت على خشبة المسرح للتوِّ، هي في الواقع مؤلَّفة من سُحُب؛ فيعترض ستريبسياديس على ذلك قائلًا إنهم يبدون بشرًا، ويقول إنه لم يشاهد من قبلُ سحابةً لها أنف، ولكن سقراط يتساءل إن كان قد رأى من قبلُ سُحُبًا تشبه الفهود أو الأسود. حسنًا، نعم … وسرعان ما اقتنع ستريبسياديس.) ولكن مرة أخرى تفتقر الأدلة الداعمة لنموذج المسار العشوائي للوضوح؛ فهي تفي بمعيار منطقي للحكم، ولكنها لا تكفي أن تقنع المشككين الذين يأخذون الأمر على نحو حرفي بشكل مبالغ. قد يكون المشكِّكون مخطئين، ولكن هذا لا يعني أن شكوكهم غير منطقية. (هذا التنويه يخصُّ المشكِّكين المستنيرين في نموذج المسار العشوائي، وليس المتنبئين الذين يحاولون محاكاةَ أي نموذج على نحو غير مستنير؛ فهؤلاء لهم الحرية في أن يكونوا مغالين ولا عقلانيين لأنهم لا يُحاسَبون على أفعالهم.)
يمكن للمرء أن يتخذ خطوة أخرى في فهم النتائج غير العشوائية للمشي العشوائي، مثلما كان صديقنا الثَّمِل في الفصل الخامس يقترب أكثر وأكثر من حافة المنحدر لأن عالمه كان مائلًا في هذا الاتجاه (في مثال الروليت، كانت الاحتمالات في غير صالح الشخص)، ثمة فارق بين القمة والقاع في أسعار الأسهم؛ فمن الممكن أن تتجاوز القمةَ ارتفاعًا، ولكن دون أن تخترق القاعَ انخفاضًا. والتشبيه الذي يَرِد إلى الذهن في هذا الصدد يتمثَّل في تعليقٍ ورَدَ على لسان مدرِّبة طيران قبل خمسين عامًا، حين كان هذا الكاتب يتعلم الطيران لأول مرة؛ فمن المحبط أن تكون في طائرة صغيرة تسير في تيار هواء منخفض شديد القوة، لدرجةٍ يستحيل معها أن تحافظ طائرةُ التدريب ذات القدرة المنخفضة على ارتفاعها، ويمكن أن يكون الأمر أكثر من محبط إذا حدث هذا بالقرب من الأرض. من الممكن أن يحدث هذا بسهولة في الجانب المحجوب عن الرياح من أحد المرتفعات، ليجد المرء نفسه ببساطة يفقد الارتفاع، مقتربًا من الأرض الصلبة، غير قادر على قلب الاتجاه. وقد كان التعليق المطمْئِن للمدرِّبة مفاده أنه لا يوجد حادث مسجَّل تسبَّبَ فيه تيار هواء منخفض في تحطُّم طائرة على الأرض. وقد كانت بالطبع محقة؛ فحتى الهواء لا يستطيع أن يخترق الأرض؛ ومن ثم فهناك قاع طبيعي للتيارات المنخفضة، والتي دائمًا ما تنعطف مع اقترابها من مستوى الأرض. (لا علاقة لهذا بانكسار الرياح بالقرب من الأرض، الذي يُعَدُّ مصدرَ خطرٍ حقيقيٍّ على كل الطائرات، الكبيرة والصغيرة، وغالبًا ما يتم الخلط بينه وبين التيار المنخفض في الصحافة الشعبية.)
كذلك لا تستطيع أسعار الأسهم أن تخترق القاعَ انخفاضًا — فلا أحد سيدفع لَكَ لِكَي تأخذ منه سهمًا — ومن ثَمَّ يوجد حاجز طبيعي يصنع فارقًا بين القمة والقاع، تمامًا مثل حافة المنحدر بالنسبة إلى المخمور؛ فيما عدا أنه في هذه الحالة — مثل الأرض بالنسبة إلى الطائرة — يكون التفضيل للقمة، وليس للقاع. وفي النهاية، يعني هذا أن تغيُّرات الأسعار تكون أغلب الظن لأعلى وليس لأسفل؛ وهذا يعني على المستوى التقني، بالنسبة إلى ذوي المعرفة في هذا المجال (وعلى الآخرين جميعًا تخطِّي بقية الجملة) أن توزيع تغيُّرات أسعار الأسهم متباينٌ، ويوحي بأنه قد يكون من الأفضل أن يتم تقريبه على صورة توزيعٍ ملتوٍ من النوع المعروف باسم التوزيع الطبيعي اللوغاريتمي، المائل لأعلى؛ من تقريبه على صورة توزيع عادي. إذا حدث هذا فعليًّا، فسوف تكون التغيُّرات نسبيةً أكثر منها مطلقةً؛ فلا يتمثَّل الأمر في وجود فرص متساوية للصعود أو الهبوط عشر نقاط، بل فرص متشابهة للصعود أو الهبوط بنسبة ?? بالمائة. فإذا حدث وارتفع أحد الأسهم بنسبة ?? بالمائة، فستكون ا? ?? بالمائة التالية أكبر ممَّا لو كان قد انخفض؛ وهذا يؤدِّي إلى مكاسب على المدى الطويل. وهكذا فإن مشيًا عشوائيًّا من هذا النوع يكون مماثلًا للمسار العشوائي لصديقنا الثَّمِل، ولكنه يميل نحو متوسطات أعلى. لقد أصبحت حافة المنحدر حائطًا صخريًّا. وهناك أدلة ضخمة على أن هذا النوع من المسار العشوائي المتحيِّز مسئول عن جزء من الاتجاه الطويل المدى المتصاعد في متوسطات سوق الأسهم، ولكنه ليس مسئولًا عنه كله بأي حال من الأحوال؛ فمع كتابة هذه السطور صارت السوق المنتعشة التي استمرت في التصاعد على مدى عشرين عامًا في طريقها للهرم والشيخوخة وفي حالة من اللهاث، ولكنها لا تزال تتنفس. (في الواقع، كانت هناك دراسات إحصائية موسَّعة عن السلوك الطويل المدى لمتوسطات أسعار الأسهم، واختلف الخبراء بشأن مدى اختلافها — إنْ كان هناك اختلاف من الأساس — عن توزيع طبيعي لوغاريتمي حقيقي. ولعل أهم الاختلافات أن التغيُّرات الكبيرة في المتوسطات، سواء صعودًا أم هبوطًا، تحدث فيما يبدو على نحو أكثر تكرارًا نوعًا ما، ممَّا قد يشير إليه توزيع طبيعي لوغاريتمي؛ وهذا يعني — لمَن يحبون الكلمات المعقدة — أن توزيع التغيرات في المتوسطات يظهر تفرطحًا ضعيفًا. وهذا الموضوع، وتأويلاته الخيالية، خارج نطاق طموحاتنا الرياضية هنا.)
حتى هذه النقطة كنَّا نتحدث وكأنَّ سعر كل سهم يتخذ اتجاهه الخاص، متجاهِلًا سلوكَ الأسهم الأخرى؛ وقد كان هذا الافتراض في صميم استخدامنا لقانون الجذر التربيعي أعلاه. بالطبع هذا ليس صحيحًا كليًّا، وقد أشرنا مسبقًا للقوى الأكثر عالميةً التي تؤثِّر على أسعار الأسهم: الشائعات، الحقائق، التحرك أو التراخي الحكومي، التنبؤات الاقتصادية، الحروب، القصص الإخبارية في وول ستريت جورنال، خبراء التليفزيون المزيفين، وما إلى ذلك. تميل هذه القوى إلى التأثير على العديد من الأسهم المختلفة بنفس الطريقة إلى حدٍّ كبير، ومن الخطأ المحض أن ندَّعِي العكس. وتتباين الأسهم فيما بينها؛ والبعض منها مرغم على أن يكون أكثر حساسيةً لقوى السوق من البعض الآخَر؛ فكيف يمكن قياس ذلك؟
حسنًا، ولا غرابة في ذلك، هناك صناعة أخرى صغيرة تقوم بذلك النوع من التحليل، رابطةً التغيُّرات في أسعار الأسهم الفردية بالتغيُّرات في متوسطات سوق الأوراق المالية. يُجرَى هذا التحليل بشكل عام من خلال تحليل الانحدار، من ذلك النوع الذي ذكرناه في الفصل السابق؛ حيث يدرج على مخطط بياني (أو بديل حوسبي مناسب) تغيُّرات الأسعار في سهم معين في مقابل تغيُّرات الأسعار في السوق ككلٍّ. ونسبة هاتين الاثنتين، التي تقاس بوضع خط مستقيم على البيانات الممثلة على الرسم البياني، يُطلَق عليها قيمة بيتا (الحرف الثاني في الأبجدية اليونانية ) الخاصة بالسهم؛ فإذا كانت قيمة بيتا لسهمٍ ما تساوي اثنين، فهذا يعني أن تغيُّرًا نسبته ? بالمائة في متوسطات أسعار الأسهم سوف يؤدِّي — مرة أخرى في المتوسط — إلى تغيُّرٍ بنسبة ? بالمائة في سعر هذا السهم تحديدًا. (بالطبع بما أن المتوسطات ليست سوى متوسطات مجموعة كبيرة من الأسهم، فلا بد أن يكون متوسطُ قيمة بيتا لجميع الأسهم قريبًا من الرقم واحد. ليس بالضرورة أن يكون مساويًا لواحد بالضبط، وهذا يُعزَى بشكل جزئي إلى أن المقياس المستخدَم لحساب قيمة بيتا، وهو مؤشِّر ستاندرد آند بورز ???، لا يمثِّل جميعَ الأسهم. حتى بالنسبة إلى أسهم المؤشِّر، إذا لم تُقيَّم بشكل صحيح، فلن تساوي بيتا واحدًا بالضبط؛ فالأسهم المرتفعة السعر تميل للتذبذب بشكل أقل من الأسهم المنخفضة السعر؛ ممَّا يؤثِّر على متوسط قيمة بيتا.) ويمكن للسماسرة وآخَرين غيرهم توفير جداول قيمة بيتا لجميع الأسهم تقريبًا، بل للصناديق التعاونية أيضًا، التي يتبع بعضها سياسات استثمار قائمة على المضاربة (ومن ثَمَّ محافظ استثمارية تتَّسِم بالصفة نفسها) بدرجة أكبر من الصناديق الأخرى. تُسمَّى قيمة بيتا أحيانًا باسم «التقلُّب». ويمثِّل هذا أهميةً للمستثمرين لسبب أساسي؛ ألا وهو أن قيمة بيتا تُعتبَر من قِبَل كثيرين مقياسًا مهمًّا للمخاطرة المرتبطة بسهم معين، والمبرر لذلك ببساطة هو أن أي مستثمر يُفترَض أنه ينفر تمامًا من خسارة كل شيء، والاستثمارُ في سهم يمكن أن ينخفض بنسبة ?? بالمائة حين يكون انخفاض السوق لا يتجاوز ?? بالمائة؛ يُعَدُّ صفقةً سيئة (وإنْ كنَّا سنرى بعد لحظات لماذا قد لا تكون سيئةً للدرجة). لذلك، إلى المدى الذي «تُتصور» به قيمة بيتا بوصفها مقياسًا للمخاطرة (والتصور له نفس أهمية الحقائق بالنسبة إلى العديد من المستثمرين؛ ومن ثَمَّ سعر أي سهم)، من المتوقَّع أن تتسبَّب قيمة بيتا (المخاطرة) المرتفعة في خفض سعر السهم إلى مستوًى أقل ممَّا قد تبرره قيمتها الأصلية. ولكن التكلفة الأقل تعني مكسبًا متوقعًا أكبر؛ لذا يكون هناك تصوُّر عام بأن المستثمرين سوف يقايضون المخاطرة بالمكسب المحتمل في شراء أسهم المضاربة (ذات قيمة بيتا المرتفعة). وبلغة صنع القرار — موضوع هذا الكتاب — تقلُّ منفعة السهم بفعل خطورته؛ لذا لا بد أن يخفض السعر على نحو مماثلٍ من أجل إصدار قرار بالشراء. والمحافظ الاستثمارية المضاربة تحمل مخاطرةً كبيرةً إلى جانب ما تحمله من احتمالِ جلبِ مكسبٍ كبير.
ثمة حقيقة إضافية نحتاج إليها؛ فمثلما يميل سهم بعينه لاتباع المسار العشوائي لمتوسطات السوق، إلى المدى المقاس بقيمة بيتا الخاصة به، تكون الأسهم الفردية عرضةً أيضًا لتأثيرات عشوائية خاصة بها؛ فهناك مديرون يستقيلون أو يجري تعيينهم، ومنتجات يُعلَن عنها، وتقارير ربع سنوية تصدر، وشائعات تنتشر، وحوادث تقع، وإضرابات يُهدَّد بالقيام بها؛ كل هذه الأمور قد تؤثِّر على سهم بعينه دون أن تخلِّف تأثيرًا كبيرًا على متوسطات السوق. وهكذا تتبع الأسهم الفردية مسارًا عشوائيًّا خاصًّا بها، بالإضافة إلى نصيبها من مسار السوق العشوائي الذي تحدِّده قيمة بيتا. يبدو الأمر كما لو كان صديقنا الثَّمِل الخيالي، الذي يمثِّل السوق، يمسك باللجام الطويل الخاص بكلبه الثَّمِل أيضًا — والذي يمثِّل سهمًا معينًا — والذي يهيم على نحو عشوائي بعيدًا عن الموقع العشوائي لصديقنا الثمل. ويعتمد مدى حدوث ذلك على السهم (أو الكلب)، ولا توجد قاعدة عامة، ولكن العشوائية التي يتسم بها الكثير من الأسهم كبيرة، شأنها شأن عشوائية متوسطات السوق بشكل عام. مرة أخرى، هناك محلِّلون يمكنهم توفير مثل هذه النوعية من المعلومات، بحسب قيمتها (أو ربما بأكثر من قيمتها؛ إذ سنرى كيف نقلِّل من تأثيرها من خلال التنويع).
يلعب التبايُن بين المكاسب والخسائر المذكور أعلاه، دورًا أكبر ممَّا أدلينا به؛ فكما في المثال الوارد في الفصل الرابع، لو كانت هناك فرصة متساوية لخسارة رهاناتك أو مضاعفتها، يجب أن تتوقَّع أن تجني مكسبًا خلال الصفقة. (إذا قمتَ باستثمارين بقيمة عشرة دولارات، وخسرت نصف أحدهما مع مضاعفة الآخَر، فسوف تجني ربحًا قيمته خمسة دولارات.) بالمثل، إذا تغيَّرَت أسعار الأسهم بشكل يتناسب طرديًّا مع سعرها المبدئي، تزداد احتمالات أن ينتهي الحال بسهم ذي نطاق سعري واسع بالصعود. وتزداد الميزة التي تحصد عن طريق التباين مع تصاعد قيمة تقلب (بيتا) السهم قيد النظر؛ ومن ثَمَّ ينبغي أن يكون الأشخاص الساعون لجَنْي مكسب وفير في وقت قصير مضاربين. فيما عدا أن هناك احتمالية معينة أن يُفلِسوا؛ كما في أمثلتنا السابقة عن المقامرة.
وهكذا تطوَّرت طريقة رائعة بدءًا من مطلع القرن — من خلال رسالة دكتوراه لعالم رياضيات فرنسي شابٍّ يُدعَى لويس باشليه — للحصول على كعكتك وتناولها، وإن كانت جذورها تعود إلى العقدين الأخيرين. (الشيء الذي يثير دهشة هذا الكاتب، وهو فيزيائي، أن المجتمع الاستثماري قد استغرق وقتًا طويلًا للغاية لاستيعاب تلك الطريقة؛ فاستخدام هذا الأسلوب للحدِّ ممَّا نطلق عليه ضجيجًا في أي تجربة، يُعَدُّ أمرًا روتينيًّا معتادًا بين الفيزيائيين. وُضعت الفكرة على أساس رياضي صلب في عام ???? على يد العالم الرياضي الألماني العظيم كارل فريدريش جاوس، وإدراك المجتمع الاستثماري لها أخيرًا يتبيَّن من كَمِّ الوظائف المجزية التي توفِّرها البيوت الاستثمارية الكبرى الآن للفيزيائيين والرياضيين.) وكل ما يلزم لتحقيق موقف مربح للجميع هو أن تكون مضاربًا، ولكن مع التنويع.
صار هذا يعني أنَّ عليك أنْ تملأ محفظتك الاستثمارية بأسهم مضاربة، على أن تكون كثيرةً للغاية ومختلفًا أحدُها عن الآخَر، وعلى الرغم من وجود مجازَفة بأن يهبط أي عدد منها بشكل بالغ، فإن هناك احتمالًا أقلَّ بكثيرٍ أن تهبط «جميعًا» دفعة واحدة. والفكرة الأساسية هي البساطة في حد ذاتها؛ فإذا كنتَ تملك عشرة أسهم بكميات شبه متساوية، وصعد أحدها بمعامل قيمته ??، فلا يكاد يهم ما يحدث للأسهم الأخرى؛ فحتى في أسوأ أحوالها لا يمكن أن تهبط إلى أدنى من القاع. ولهذه الفكرة البسيطة تداعيات معقدة بالطبع يمكن صياغتها بمصطلحات رياضية أكثر، ولكن هذا هو جوهرها الأساسي.
يوجد العديد من شركات الخدمات الاستشارية في مجال الأسهم تحافظ على ما نسميه «المحافظ النموذجية»؛ فهي تحفظ السجلات، وإن كانت قد تستثمر، أو لا تستثمر، أموالها في محافظها الاستثمارية الخاصة. (لا تمنح أي ثقة أيًّا كانت للشركات التي لا تستثمر في محافظها؛ فليس لديهم أي دافع لاتخاذ قرارات جيدة ما لم يكن لديهم هم أنفسهم شيء على المحك.) وفي المعتاد تضم هذه المحافظ النموذجية محفظة استثمارية «هجومية»، تتألف في الغالب من خمسة عشر أو عشرين سهمًا، وبعض هذه المحافظ يؤدي أداء حسنًا للغاية. إذا نظرتَ إلى التكوين التفصيلي لواحدة من المحافظ، فستجد على الأرجح أنها مؤلَّفة من مجموعة من الأسهم الخاسرة، مختلطة بسهم أو سهمين رابحين استثنائيين. وتُعتبَر الأسهم الرابحة القليلة — ربما يقتصر عددها على سهم واحد فقط — أكثرَ من مجرد أداة تجميل لبقية الأسهم؛ وبذا فإن الفكرة الأساسية للتنويع (لخفض المخاطرة الكلية)، مجتمعة مع مشتريات المضاربة (لزيادة فرصة إصابة سهم رابح حقيقي)؛ آخِذةٌ في الترسُّخ، وصارت تُستخدَم من قِبَل المزيد والمزيد من المستشارين الاستثماريين لإدارة محافظ الأسهم الفردية الكبيرة.
ولكن مهلًا لحظة، هكذا قد تقول، أَلَا يخبرك نموذج السوق ذات الكفاءة أنه إذا كان الجميع على علم بذلك، فسوف تصعد أسعار الأسهم المختارة بالضرورة، وفي النهاية تمحو الميزة التي يحملها الآن ممارسو هذا الفن المعقد نسبيًّا؟ الإجابة هي أن ذلك سيحدث بالطبع، ويحدث بالفعل؛ فنظرًا لضخامة الحافز، لا يمكن لميزة في التحليل أو المنهج أن تبقى فعَّالة طويلًا في أي سوق كفء. ونظرًا فقط لأن بعض المحفزات تتطلَّب مستوًى من المهارة الإحصائية أو الرياضية لا يتوافر لدى الغالبية العظمى من المستثمرين أو المستشارين الاستثماريين، يكون هناك ولو ميزة مؤقتة، ولكنها تظل موجودة. والانخفاض في المخاطرة الطبيعية لأسهم المضاربة يظهر فقط حين تكون ضمن محفظة استثمارية متنوعة؛ الأمر الذي لا يُعَدُّ حالة مستديمة. إلى جانب ذلك، فالسوق ذاتُ الكفاءةِ غيرُ مثالية، وإنْ كان ذلك فقط بسبب محدودية مستوى مهارة وحنكة معظم المستثمرين. (إن أي شخص يقرأ هذا الفصل في الواقع سيكون أكثر مهارةً بكثير من المستثمر العادي.)
أخيرًا، نعود إلى صورة المسار العشوائي لتذبذبات الأسهم؛ إلى أي مدًى تُعَدُّ صالحةً؟ ثمة اختبارات إحصائية يمكن تطبيقها على أي مجموعة من الأرقام؛ لتحديد إذا ما كان يمكن التعامُل معها كما لو كانت عشوائية، مثلما قد تكون وليدة بعض القوى الخفية الغامضة. (إن حلم العثور على مثل هذه القوة يُعَدُّ محركًا للعديد من المستثمرين.) وإذا أخذنا السنوات العشر الماضية كمثال، نجد أن متوسطات السوق النَّشِطة العريضة قد ازدادت بنسبة ? بالمائة تقريبًا في العام الواحد، أو حوالي سبع بالمائة أسبوعيًّا. بالمقارنة، نجد أن التباينات المتوسطة (التذبذبات، الانحراف المعياري) المحيطة بذلك الارتفاع كانت تزيد عنه بنحو عشر مرات، على مدار نفس الفترة. لذا، بينما ينبهر الناس دائمًا بالسوق المنتعشة الرائعة على مدى العشرين عامًا الأخيرة، كانت الاختلافات «العشوائية»، في الواقع، أكبر بكثير من الصعود المطرد، حين تقاس بالتغيُّرات الأسبوعية. (سوف نلتزم بأسعار الإقفال الأسبوعية لسبب بسيط؛ فالمقياس اليومي في النطاق الزمني للوجود الإنساني قصير للغاية، والسنوي طويل للغاية.)
يتألَّف أحد أبسط اختبارات العشوائية التي يمكن تطبيقها على تسلسُل زمني (وأسعار الأسهم تشكِّل تسلسلًا زمنيًّا) من البحث عن ارتفاعات وانخفاضات سريعة قصيرة الأجل. والارتفاع القصير الأجل هو عبارة عن تسلسلٍ للأسعار يكون فيه متوسط سعر الإقفال أكبر ممَّا كان عليه في الأسبوع الماضي. إذا كان تسلسلٌ ما عشوائيًّا حقًّا، فسوف تظهر مجموعات من تسلسل واحد لنصف الوقت تقريبًا (في يوم أو أسبوع معين، قد ترتفع الأسهم أو تنخفض)، ومجموعات من تسلسلين لثلث الوقت، ومجموعات من ثلاثة تسلسلات لحوالي ثُمُن الوقت، وهكذا (الأمر ليس واضحًا؛ لذا لا تقلق بشأنه). وتُظهِر البيانات الفعلية لمتوسطين من متوسطات السوق للسنوات العشر الأخيرة (حسبما اختبرتْ من قِبَل الكاتب) انحرافًا بسيطًا عن هذه القاعدة؛ حيث تميل تسلسلات الارتفاع لأنْ تكون أطول قليلًا من الانخفاضات (بما يتناسب مع سوق متصاعدة بشكل عامٍّ)، ولكن أيًّا مِن المتوسطَين يختلف كثيرًا عن صورة التذبذبات العشوائية الكبيرة في أسعار الأسهم، بالإضافة إلى وجود انحراف بسيط إلى أعلى. تلك هي البيئة التي لا بد أن يمارِس فيها خبراء تنبؤات السوق عملهم، ويُعرَف ذلك بين العلماء والمهندسين بإيجاد الإشارة في الضوضاء الخلفية؛ مثل الإنصات لصوت دبوس يقع أثناء حفل لموسيقى الروك؛ وهذا لا يمكن القيام به عن طريق استشارة بلورة سحرية، وليس واضحًا أنه من الممكن القيام به على الإطلاق. لا عليك، هذا كل شيء عن المتوسطات؛ بعض الأسهم تحلِّق عاليًا، والبعض ينهار، وإذا عرفتَ الأسرار قبل الجميع، يمكنك أن تحقِّق أرباحًا.
ما علاقة كل هذا بصنع القرار؟ إنه يعني ببساطة أن المشكلة معقَّدة؛ ولذلك فإنَّ أيَّ محاولةٍ لتطبيق مناهج وأساليب صنع القرار الجامدة على مكاسب مبشرة في سوق الأسهم، يجب أن تكون متطوِّرة، ولا بد أن تتعامل مع هذه السمات الإحصائية المربكة. إن خطط الثراء السريع، ومراقبة الأنماط، والبحث عن ثلاثة ارتفاعات وانخفاض واحد سريع في أسعار الأسهم، وما إلى ذلك، لن تجدي كثيرًا. بإمكان أي شخص أن يرى نمطًا في سجل أسعار الأسهم، مثلما يمكن لأي شخص أن يرى نمطًا في السُّحب الركامية. على الجانب الآخَر، تشير الأدلة فيما يبدو إلى أن أداء سوق الأسهم ليس عملية عشوائية بالضبط، كما أن السوق لا تتسم بالكفاءة؛ ومن ثَمَّ قد يكون الاستثمار — شأنه شأن جميع الأنشطة الأخرى المذكورة في هذا الكتاب — مكافأةً للمجتهد، والمطلع على حساب الكسول وغير المطَّلِع. قد يكون في الجهل نعيم، ولكن ليس ثروة مكتسبة.

الفصل التاسع عشر
المقامرة


للمقامرة منزلة غامضة في مجتمعنا؛ فهي مقبولة على نطاق واسع، وتُمارَس على نطاق واسع، ومستنكرة أيضًا على نطاق واسع. وهذا التناقض الذي نُظهِره تجاهَها إنما يعكس موقفنا العام إزاء مُتَع الجنس؛ فكلتاهما تعاني من الإرث الأخلاقي الأسطوري للبيوريتانيين (المتزمتين)، الذي صمد واستمر أكثر من البيوريتانيين أنفسهم. لا يوجد في الواقع أي ذِكْر ازدرائي صريح أو ضمني للمقامرة في العهد القديم أو الجديد، وهما النصان الدينيان المعروفان لهذا الكاتب (الذي لا يدرس الدين المقارن؛ ومن ثَمَّ لا يستطيع التعليق على تعاليم دينية أخرى). تتجلَّى ألعاب الحظ في عددٍ من المواضع في هذين الكتابين، عادةً كوسيلة للحصول على الإرشاد الإلهي؛ فكان يوشع، على سبيل المثال، يمارِس الاقتراع لتحديد توزيع الأرض. في تلك العصور السحيقة لم يكن أحد يعرف ما نعرفه الآن عن الاحتمالية؛ لذا لا بد أنه كان يبدو طبيعيًّا افتراضُ أنَّ ما كانت تبدو على أنها أحداث غير متوقَّعة، كانت في الواقع محددة ومحسومة من قِبَل الإرادة العليا، لأسبابها الغامضة الخاصة بها. أي طريقة أفضل للتواصل مع هذه القوى العليا من حثها على التأثير على شيء نستطيع رؤيته أو الإمساك به؟ (سوف يظهر هذا مجددًا في الفصل الخاص بالقانون.) وقد كُتِب لهذه النظرية قدرٌ كبيرٌ من الصمود والاستمرارية؛ فعدد الأشخاص الذين لا يزالون يؤمنون بالقوة التنجيمية لأشياء من قبيل أوراق التاروت، يتحدَّى المنطق السليم. وحتى ظهور عمل جيرونيمو كاردانو، قبل خمسمائة عام، لم نعلم أي محاولة جادة لتحليل ألعاب الحظ في إطار الاحتمالات.
في أبسط الألعاب، تكون الإشكاليتان الوحيدتان المتعلقتان بصنع القرار هما الاختيار بين اللعب وعدم اللعب، وتحديد حجم المجازفة. تُعَدُّ ماكينات القمار (تخضع الماكينات ذات الذراع الواحدة الآن لعملية تعديل لتصبح بلا ذراع مطلقًا) هي أبسط هذه الألعاب؛ فليس على المقامر القيام بأي شيء سوى تغذيتها بالنقود، على أمل أن تكون بالطيبة الكافية لكي تعطي له شيئًا في المقابل. وعادةً لا يكون اللاعب على دراية حتى بالأرجحيات (وإن كان من الممكن أن يكون على يقين من كونها غير إيجابية)؛ ومن ثَمَّ فإن قرار اللعب من عدمه يُتَّخَذ في ظل جهلٍ شبه تام. وعلى الرغم من هذا، يعمد ملايين الأشخاص للعب في ظلِّ ذلك التوقُّع شبه اليقيني بالخسارة. في أثناء كتابة هذه السطور، يتزايد انتشار مثل هذه الماكينات، التي كانت في وقتٍ ما مقتصرةً على الولايات القليلة التي تجيز المقامرة القانونية، عبر محميات الهنود الحمر في تلك الولايات، التي خلافًا لذلك تُعتبَر غير قانونية فيها، وتجد ملاذًا لها على قوارب القمار في الولايات الواقعة بالقرب من المسطحات المائية. يبدو أن القاعدة غيرَ المُعلَنة في هذا الشأن هي إبقاؤها بعيدًا عن الأنظار، ولكن في المتناول، والترتيب لاقتطاع أقل جزء من الأرباح ليذهب إلى قضية من القضايا المهمة. وتتباين نِسَب الربح (المبلغ الذي تسترده، في المتوسط، مقابل النقود التي تضعها) باختلاف المكان، وتُخفى عمومًا عن العامة، على الرغم من الدفعة السائدة نحو التزام الحقيقة في البيع والتجارة التي نراها في أماكن أخرى في مجتمعنا في أواخر القرن العشرين. وقد تراوحت مجموعة عشوائية من عوائد ماكينات القمار رآها الكاتب مؤخرًا بين حوالي ?? بالمائة و?? بالمائة، اعتمادًا على المكان ومستوى الماكينة (فماكينات العشرة سنتات عادةً ما يكون عائدها أقلَّ من ماكينات الدولار؛ ربما لتغطية التكاليف). تخيَّلْ بطاقةً ملصقة على الماكينة تقول: «هذه الماكينة سوف تحتفظ على الأرجح ? ? بالمائة فقط من النقود التي تغذِّيها بها»، أيتها الحقيقة في بطاقات التصنيف، أين تكونين حين نكون بحاجة إليك؟
وجميع الألعاب من هذا النوع لها نفس المنطق البسيط، كمثال عجلة الروليت في الفصل الخامس؛ فسوف تخسر على المدى الطويل بشكل شبه مؤكد، ولكن سيكون لديك فرصة لتحقيق ربح في أي جلسة، إذا استطعت أن تتمتع بقوة الشخصية الكافية كي تنسحب حين يجب ذلك. إذا كانت قيمة المتعة أهم لديك من التكلفة، فقط عليك أن تدرك ما تدفعه مقابل المتعة (وقد ذكرنا في الفصل الخامس أنك إذا شاهدت أشخاصًا يلعبون على هذه الماكينات، فعادة ما لا «يبدو» أنهم يستمتعون بوقتهم؛ وسبب ذلك هو أن البشر حين يركِّزون يبدون أحيانًا وكأنهم يعانون). غير أن الناس لا يزالون يندفعون نحو شراء أشياء أخرى لا داعي لها، ومن الأفضل للصحة أن تبدِّد مواردك على القمار من أن تبدِّدها على السجائر. إن كل ما يلزم في حالة الألعاب المشابهة لماكينات القمار أن تكون على دراية بالاحتمالات، ثم اتخاذ قرار مدروس بشأن المبلغ الذي لديك الاستعداد لخسارته؛ في المتوسط.
ثمة إضافتان تحسينيتان على مثال الروليت تنطبقان على رمي العملة والألعاب الأخرى التي تتساوى فيها أرجحيات الفوز والخسارة، أو تكون قريبةً من نسبة الخمسين بالمائة، وتتساوى فيها المخاطر، أو تكون نسبتها أقل قليلًا من خمسين بالمائة. في حالة الروليت، جئنا إلى النادي ? ???? دولار وأردنا المغادرة ? ???? دولار؛ وتبيَّن أن أفضل استراتيجية هي السعي نحو الإفلاس في الرهان الأول، وفي هذه الحالة يكون هناك فرصة للفوز. ولكنْ هَبْ أن احتياجاتك أكبر من ذلك، وأن عليك أن تحوِّل الألف دولار إلى ?????؛ فما فُرَصك في تحقيق ذلك، وما أفضل طريقة لتعظيمها؟ حسنًا، إنها نفس القاعدة العامة: العَبْ بكل طاقتك وجازِف لفترة من الوقت؛ فمن المحتمل أنك ستخسر كل شيء، ولكن ستكون فرصة ذلك محدودة. ولكنْ هَبْ، على الجانب الآخر، أنك جازفت بكل نقودك، مبتدئًا بالألف دولار الأصلية، ولحسن الحظ فزتَ برهاناتك الثلاثة الأولى (باحتمالية تبلغ واحدًا إلى ثمانية أو أقل من ذلك بقليل). إن لديك في جيبك الآن ???? دولار؛ فهل ينبغي الآن أن تضع ا? ???? دولار كاملة على الرهان التالي؟ سيكون ذلك خطأً؛ لأنك بذلك ستخاطر بكل شيء من أجل احتمال تجاوز الهدف والوصول إلى ????? دولار. كلا، إن الاستراتيجية المثلى في هذه المرحلة هي المراهنة ? ???? دولار فقط في الرمية التالية. إذا فزتَ، فستغادر بحوزتك ا? ????? دولار التي كنتَ تحتاج إليها، ولكن إذا خسرتَ، فسيظل معك ???? دولار للعب بها، ويمكن المراهنة ? ???? دولار في اللعبة التالية. إذن فإن أفضل استراتيجية لهذا النوع من الألعاب هي المراهنة بكل نقودك إذا كان ذلك لا يقصيك عن الهدف، وخلاف ذلك راهِنْ بما يكفي فقط لتوصيلك إليه. ومن الممكن أن نثبت رياضيًّا أنه لا توجد طريقة أفضل من تلك لممارسة مثل هذه اللعبة. (كانت هذه جملة دقيقة الصياغة؛ فهناك طرق أخرى جيدة، ولكن ليس منها ما هو أفضل من تلك الطريقة. ومن الطرق الجيدة، على سبيل المثال، التظاهُرُ في البداية بأنك تستهدف الفوز ? ???? دولار — بالنسبة إلى هذا المثال — وتستخدم الاستراتيجية السابقة على أمل الوصول للهدف؛ أما إذا استطعتَ الوصول إلى ا? ???? دولار — بفرصة فوز قدرها واحد إلى خمسة، كما سنرى حالًا — فَلْتراهن بكل نقودك؛ إن ذلك من شأنه أن يمنحك نفسَ فرصة الفوز التي تمنحها إياك الاستراتيجية المباشِرة، في حال إذا كانت الأرجحيات شبهَ متساوية.)
ولكن ذلك يترك سؤالًا واحدًا أخيرًا: إذا استخدمتَ تلك الاستراتيجية المثلى، وكان أملُك أن تستثمر ا? ???? دولار الأصلية في رهان تحصل بموجبه على ????? دولار، فما فرصك الحقيقية في تحقيق ذلك؟ لا يمكنك أن تحصل على أفضل من فرصة واحدة من كل عشر فُرَص لضرب نقودك في معامل قيمته عشرة، حتى مع أفضل الاستراتيجيات. وتُعَدُّ تلك قاعدةً عامة للألعاب العادلة (أو شبه العادلة)؛ فاحتمالية تحقيق هدفك قبل الإفلاس هي بالضبط معكوس المبلغ الذي تريد زيادة ثروتك به، أو قد تكون أقل نوعًا ما إذا كانت اللعبة غير عادلة إلى حدٍّ ما. قد لا يكون ذلك واضحًا بالكامل، ولكنه صحيح. وإذا كانت اللعبة غير عادلة بقدر ضئيل للغاية، ولعبتَ بحذر، يمكنك أن تثق من الخسارة.
إن القاعدةَ العامة المتمثِّلة في أن فرصتك في مضاعفة نقودك تبلغ حوالي فرصة واحدة من كل فرصتين في لعبة عادلة، فيما تبلغ فرصةُ مضاعفتِها ثلاثَ مرات فرصةً واحدة من كل ثلاث فُرَص، وهكذا؛ لها جذور عميقة في الواقع؛ ففي عالم احتمالي (وهو العالم الذي يتصادف أن نعيش فيه) تكون القيمة المتوقَّعة لثروتك هي نتاجَ احتماليةٍ ومبلغًا ماليًّا؛ فلا يوجد فارق على المدى الطويل — في المتوسط دائمًا — بين امتلاك عشرة دولارات وحيازة قسيمة تخوِّل لك فرصة تتساوى فيها الخسارة والمكسب للرهان على عشرين دولارًا؛ أو فرصة بنسبة واحد لعشرة للرهان على مائة دولار. هناك اختلاف شاسع بين هذه الأمور من الناحية النفسية، ولكن ليس من الناحية الرياضية؛ بمعنى أن القيمة المتوقَّعة واحدة. وعلى المدى الطويل لن ينتهي الحال بك ماديًّا في موضع أفضل أو أسوأ.
هذا المبدأ يستحق أن نضعه في الحسبان؛ لأنه مبدأ عام تمامًا، وأيضًا يعني بالطبع أنك إذا دخلتَ أحدَ أندية القمار بهدف الوصول إلى الثراء الفاحش، فإن فرصتك في ذلك متناهية الصغر، حتى مع اتِّباع أفضل الاستراتيجيات. قد تكون خيالات بلوغ الثراء ممتعةً، ولكنها تظل محض خيالات.
أخيرًا، ثمة إضافة أخرى لهذا النوع من الألعاب، وسوف نستخدم عجلة الروليت الحقيقية كمثال. حتى الآن لم نستخدم سوى الرهانين الأحمر والأسود في الروليت، ولكن الروليت أكثر تعقيدًا من ذلك بكثيرٍ. إن عجلة الروليت التقليدية تضمُّ ستًّا وثلاثين فتحة ملونة، مرقَّمة من واحد إلى ستة وثلاثين، وفتحة أخرى أو أكثر مرقَّمة بصفر أو صفرين، أو بعلامات أكثر إبداعًا. والعجلة الأمريكية العادية بها فتحتان من هذه الفتحات، بينما العجلة الأوروبية التقليدية بها فتحة واحدة فقط. نصف الفتحات المرقَّمة ملوَّنةٌ باللون الأحمر والنصف الآخَر بالأسود، وقد كنَّا نتحدث في إطار العجلة الأمريكية، وسوف نواصل ذلك.
ثمة طرق عديدة للرهان على الروليت؛ لدى اللاعب فرص متساوية في الربح أو الخسارة إذا راهَنَ على أحد اللونين، الأحمر أو الأسود، أو إذا راهَنَ على رقمٍ زوجي أو فردي، كما أن لديه فرصة تحقيق مكسب بنسبة خمسة وثلاثين إلى واحد إذا اختار رقمًا معيَّنًا، وبنسبة اثنين إلى واحد إذا راهَنَ على اثني عشر رقمًا معيَّنًا من الأرقام الستة والثلاثين، وهكذا. وتكون الأرجحيات على كل هذه الأرقام عادلة لو اقتصرَتْ فقط على الأرقام الستة والثلاثين والفتحات الملوَّنة الموجودة على العجلة، ولكن مالك نادي القمار يتمرغ في الأرباح حين تظهر الأصفار، وهو ما يحدث، في المتوسط، بمعدل دورة واحدة بين كل تسع عشرة دورة على العجلة الأمريكية، ونصف هذا المعدل على العجلات الأوروبية. والاستراتيجية المثلى لكل هذه الرهانات، شأنها شأن الرهانات على الأحمر والأسود — إذا كنتَ في حاجةٍ ماسة للمقامرة من أجل تلبية حاجةٍ ما — هي المراهنةُ بأكبر قدر ممكن من الجرأة، متخلِّيًا عن المتعة والتسلية في سبيل فرصة الربح، والانسحابُ حين تكون قد بلغتَ أهدافك (إذا حالفك الحظ في ذلك). لا بد ببساطة أن تكون مستقرًّا سلفًا على أهدافك، وإلا فستواجه مصيرًا مشئومًا. وفي كل هذه الاستراتيجيات، يكون أفضل ما يمكنك فعله هو الاقتراب من احتمالية للفوز تمثِّل معكوس المبلغ الذي ترغب في أن تضاعف به ثروتك. وهكذا عندما تكون على طاولة الروليت، فليس عليك أن تلعب سلسلةً متتالية من الرهانات التي تتساوى فيها فرص المكسب والخسارة من أجل المقامرة على ربح كبير، بل يمكنك أن تستوفي الرهانات بخيارات نسبتها واحد إلى اثنين، أو خيارات أخرى، ما دام أنك تقلِّل من نسبة تعرُّضك للأرجحيات الطويلة المدى. فهي دائمًا ما تفضِّل الانحياز لنادي القمار.
والآن نقدِّم تحذيرًا للمقامر القهري؛ فحتى إذا كنتَ تتمتع بكل ما في العالم من ضبط النفس، وتتَّبِع الاستراتيجية المثلى «لهذه الليلة»، لا يمكنك أن تفعل ذلك ليلةً بعد ليلة، وتظل محتفظًا بفرصتك في الخروج بربح. بعبارة أخرى، لا يمكنك أن تقرِّر أنك ستنسحب بالتأكيد حين تكون قد ضاعفْتَ ثروتك، وتلعب بجدية وبشكل مثالي من أجل بلوغ هذا الهدف، ثم تعود في الليلة التالية لتجرب نفس اللعبة البهلوانية. إنَّ وصْفَنا للاستراتيجية المثلي يصلح لمحاولة واحدة فقط؛ أما إذا كنتَ مصابًا بالقمار القهري، فسوف تخسر حتمًا على المدى الطويل مثلما هو الحال حين تلعب بحذر، مهما كان انحياز الأرجحيات ضدك ضئيلًا؛ لذا إنْ كنتَ بحاجةٍ حقًّا للمقامرة ليلةً بعد ليلة، يمكنك أن تلعب أيضًا بحذر، وتستمتع بالتسلية التي يجلبها اللعب، وتطلق على خسائرك الحتمية ثمنَ الدخول.
أما بالنسبة إلى الألعاب الأكثر تعقيدًا قليلًا، فقد لا يكون حساب الأرجحيات بنفس السهولة — وقد أوردنا مثالًا في الفصل الثالث على أحد توزيعات البوكر — ولكن بإمكان أي لاعب جاد إيجادها. (بالنسبة إلى البوكر، يوجد الكثير من الكتب التي تحتوي على الأرجحيات الخاصة بها، وهي بالطبع لعبة تنافسية؛ واللاعبون الجيدون تكون لهم أفضليةً. أما الكرابس، فهي بمنزلة تمرين بسيط، ومن المفترض أن يكون كلُّ قارئ قادرًا الآن على حساب أن لديه فرصة من ثلاث للحصول على نقطة من أربع أو عشر.)
أحيانًا تكون الأرجحيات خادعة أو غير معلومة أو محل تجاهل، وقد ذكرنا مسابقات اليانصيب في الفصل الخامس، حيث تكون أرجحيات عدم الفوز بالجائزة الكبرى إما غير مفهومة وإما تُعتبَر بلا أهمية من جانب هؤلاء الذين يقرءون في الصحف عن آخرين فازوا بالفعل؛ فحينئذٍ تكون السيطرة لوَهْمِ أن من الممكن أن يكون الفائز هو أنا، وبالفعل يمكن أن يكون هناك مبررٌ ما لخوض المخاطرة، فيما يتعلَّق بمنفعة النقود.
ولكن هذا فقط لو كانت الفرصة قريبة. لقد قرأ مؤلف الكتاب مؤخرًا خبرًا عن نادٍ للقمار يضم لعبة محاكاة مرئية للبوكر؛ وقد أعلن بفخر عن أن العائد بالنسبة إلى توزيعة رويال فلاش كان خمسمائة إلى واحد. قد يبدو هذا مرتفعًا، ولكن الأرجحيات الفعلية ضد توزيعة رويال فلاش في محاكاة أمينة (أي تحسب تمامًا بنفس الطريقة التي اتبعناها في حساب الأرجحيات عند وجود أربع أوراق متشابهة في الفصل الثالث)، تكون أقرب كثيرًا لمليون إلى واحد بالنسبة إلى توزيعة بوكر مكتملة (لتحرِّي الدقة، فرصة واحدة في ??????)، وأسوأ من فرصة لعشرين ألفًا في البوكر ذي التوزيعة المكتملة. وتُعتبَر الأرجحيات التي تبلغ خمسمائة إلى واحد احتيالًا صريحًا على غير المطلع، ولا ينبغي لأي قارئ لهذا الكتاب أن ينطلي عليه ذلك.
في الواقع، إذا كان هناك درس واحد عن استراتيجيات المقامرة يفوق في الأهمية كل الدروس الصغيرة عن الاستراتيجية الملائمة لهدفٍ ما، فهو أنه لا يمكن لأي استراتيجية أن تكون فعَّالة، حتى في تحجيم خسائرك، إذا لم تكن على علم بالأرجحيات. (الاستثناء الوحيد لهذه القاعدة هو أنه لا يمكن أن تخسر إذا كنتَ لا تقامر، سواء أكنت تعرف الأرجحيات أم لا تعرفها.) حتى إذا كانت مهارتك الرياضية لا تضم حساب أرجحيات رهان الثمانية الكبير في الكرابس، أو إذا ما كان من المنطقي أن تسحب ثلاث أوراق متشابهة في البوكر ذي المجموعة الكاملة، فهناك كتب سوف تخبرك بأكثر مما ترغب حقًّا في معرفته. ولا ينبغي أن يشعر أحد بالحرج من اضطراره للاطِّلاع على الأشياء في كتابٍ ما؛ فتلك عادة عظيمة من الرائع أن تنمِّيها لديك. ومع أنهم لن يسمحوا لك بإحضار كتاب إلى نادي القمار، فإن حفظ الأرقام يُعتبَر تدريبًا جيدًا للمخ؛ فأدمغة معظمنا تحتاج للتدريب. لا شك أن نوادي القمار تقف بالمرصاد للأشخاص الذين يبدون خبراء في الرياضيات؛ حتى إن أحد أصدقاء المؤلِّف طُرِد منها عشرات المرات!
لقد استخدمنا حتى الآن رهانَيِ الأسود والأحمر في عجلة الروليت كمثال للُعبة بسيطة، واضعين في اعتبارنا حقيقةَ أنه على الرغم من أن أي نادٍ تقليدي للقمار سوف يدفع لك مبلغًا مساويًا لقيمة رهانك دون ربح، فإن فرصتك في الفوز لا تتجاوز ??????؛ ومن ثَمَّ يكون للنادي (الذي تتوافر له فرصة بنسبة ?????? للفوز) أفضلية عليك بأكثر من ??، بما يضمن له الفوز على المدى الطويل.
ولكن هل هناك ألعاب أكثر سخاءً في نادٍ أمريكي تقليدي للقمار، على افتراض أنك على استعداد للدفع من أجل متعتك، ولكنك ترغب في تقليل نفقاتك؟ بالتأكيد هناك ألعابٌ كهذه. إن هذا الكتاب عن صنع القرار وليس عن القمار، ولكن قرار الذهاب إلى نادٍ للقمار، ثم قرار تحديد الألعاب التي ستلعبها، يقعان ضمن النمط العام لمعرفة أهدافك ومعرفة احتمالاتك؛ ومن ثَمَّ فإن اختيار الألعاب يُعَدُّ موضوعًا مناسبًا.
بدايةً، وتكرارًا لنقطة قديمة، إن العاملين بنوادي القمار لا يعملون كخدمة عامة؛ لذا لا توجد طريقة يمكنك بها أن تفوز على المدى الطويل، يمكنك فقط أن تأمل في إبطاء معدل خسارتك مقابل نفس القدر من التسلية؛ وفي هذا الإطار يكون الأسود والأحمر في الروليت من أسوأ الرهانات في أي نادٍ أمريكي تقليدي للقمار. تأمَّلْ لعبةَ كرابس، على سبيل المثال، التي تُعَدُّ واحدةً من أكثر الألعاب المفضلة بين الألعاب جميعًا، والتي يُلقَى فيها زوجٌ من النرد، والقواعد البسيطة لهذه اللعبة هي كالآتي: في الرمية الأولى تخسر الأرقامُ اثنان، أو ثلاثة، أو اثنا عشر، بينما يفوز الرقمان سبعة أو أحد عشر؛ فإذا لم تظهر أيٌّ من هذه الاحتمالات الخمسة في الرمية الأولى، يُطلَق على الرقم الذي يظهر النقطة، وتنتهي الرميات اللاحقة إما عند ظهور النقطة مجددًا، وإما حين يأتي الرقم سبعة أولًا، ويكون الفوز للنقاط، بينما الخسارة للرقم سبعة. قواعد بسيطة بما يكفي؛ والطرق التي وصفناها فيما سبق تؤدي إلى استنتاج أن الأرجحيات تسير قليلًا ضد الرامي، الذي سيفوز ? ??????? من الوقت. قارِنْ تلك النسبة بنسبة ا? ?????? الخاصة بالأحمر والأسود في الروليت، وستجد أن تفضيل الروليت على الكرابس لا بد أن يكون إما عن جهلٍ من المرء، أو لهفةٍ لخسارة النقود، «ما دامت» احتمالية الفوز والخسارة على هذا النحو.
ولكن انتظر، تلك هي الأرجحيات الحقيقية، ونادي القمار لا يدفع الربح في إطار الأرجحيات الحقيقية؛ فهم يعتمدون على المكسب؛ ومن ثَمَّ يقومون عمومًا بتعديل الأرجحيات بما يتوافق مع ذلك. وتختلف أندية القمار فيما بينها، ولكن النمط المعتاد، في الواقع، هو دفع نفس قيمة مبلغ الرهان على رهان باس (هكذا يُسمَّى) في الكرابس؛ فنوادي القمار تعمل في ظل خطر خسارة شديد في هذه الحالة، مقارَنةً بالروليت. بإمكانك أيضًا في لعبة الكرابس أن تجعل رهانك ضد الرامي، ولكن نادي القمار عادةً ما يجعل الأرجحيات واحدة من خلال الامتناع عن الدفع إذا حصل الرامي على اثني عشر (بوكس كارز)، وهو الأمر المفترض حدوثه مرة واحدة كلَّ ستٍّ وثلاثين مرة. (وهذا من شأنه أن يجعل من الأفضل قليلًا أن تراهن ضد الرامي، ولكن الفرق لا يُذكَر. ونوادي القمار لديها مَن يعرفون كيفيةَ حساب الأرجحيات؛ فذاك هو عملهم.) إذن فَلْتقامر في نوادي القمار إذا كان ذلك ضروريًّا، ولكن اتجه إلى طاولة الكرابس إذا كانت الأرجحيات كما ناقشناها هنا؛ فإذا لم تكن كذلك، فَلْتتجه إلى نادٍ آخَر.
ثمة خيار آخَر للمراهنة في الكرابس يستحق أن تعرفه إذا كنتَ عازمًا حقًّا على الدفع مقابل تسليتك على طاولة الكرابس. سوف تسمح لك معظم نوادي القمار بتعزيز رهانك بعد الحصول على نقطة، بما يعادل مبلغ الرهان الأصلي، أو حتى ضعفه، «وسوف تقدم أرجحيات عادلة ونزيهة على الرهان الإضافي». ولما كان لا يوجد نسبة ربح ثابتة لنوادي القمار على الرهان الإضافي، فمن المفيد لك أن تجعل الرهان الأصلي (الذي لنادي القمار أفضلية به) صغيرًا قدر الإمكان، فيما تجعل رهان «الأرجحيات الحرة» كبيرًا بقدر ما تسمح به القواعد. بعبارة أخرى، ينبغي أن يكون أكبرُ قدرٍ من المال الذي قرَّرْتَ المخاطرة به مكرَّسًا لرهان الأرجحيات الحرة؛ بهذه الطريقة سيظل النادي يحصل على أموالك في النهاية، ولكن ذلك سيستغرق فترة أطول. إذا فعلتَ ذلك بصفة مستمرة، وسمح لك نادي القمار بوضع رهان أرجحيات حرة يعادل ضعف الرهان الأصلي، يمكنك أن تحسن عائدك المحتمل من ??????? إلى ???????، وهي نسبة تبدو كنسبة شبه معتبرة؛ ولكنْ تذكَّرْ أنها لا تزال أقل من ????، وأنك ستظل تخسر على المدى الطويل!
بالطبع يوجد في كلٍّ من الروليت والكرابس المزيد والمزيد من الطرق للمراهنة، لكلٍّ منها استراتيجيتها المفضَّلة، ولكنَّ تناوُلَها بالمناقشة هنا سوف يستهلك مساحة أكبر من اللازم؛ والدرس المستفاد ببساطة هو أن تعرف دومًا أرجحياتك، وألَّا تراهِنَ أبدًا بلا تفكيرٍ.
تختلف الألعاب فيما بينها؛ فهناك بالفعل نظم للبلاك جاك تمنحك ميزةً إحصائية ضئيلة على نادي القمار، ولكن نوادي القمار تكون يَقِظة لِلَّاعبين الذين يبدون على دراية أكثر من اللازم. إن صديقنا الرياضي الذي يُطرَد من نوادي القمار يحب لعب البلاك جاك.
حتى الآن تناولنا الألعاب غير التنافسية — أنت ضد النادي وقوانين الاحتمالية الثابتة — التي تتسم استراتيجيتها المثلى بأنها قابلة للحساب. ولكن توجد ألعاب تنافسية مثيرة تُستخدَم للمقامرة، مثل سباق الخيل. لعلك تقول إن سباقات الخيل تنافُسية بالنسبة إلى الخيول فقط، ولكنك مخطئ تمامًا في ذلك؛ فالأرجحيات التي تُحدَّد قُبَيْل البداية الرسمية للسباق مباشَرةً في نظامٍ للرهانات المشتركة، تتحدَّد بالكامل من خلال اختيارات المراهنة لمدمني سباقات الخيل، والعائد بالكامل (الذي يكون بالطبع أقل من النسبة المخصَّصة للإدارة، التي تتراوح ما بين ?? و?? بالمائة) يُدفَع للفائزين. إن الشخص الذي يراهن في مضمار السباق لا يراهن على الخيول، وإنما يراهن على الأشخاص؛ وكما في سوق الأوراق المالية، يكمن مفتاح النجاح في أن تكون أفضل من المنافس، وليس أفضل من الطبيعة. ويمكن أن يتحقَّق ذلك من خلال انتقاء الفائزين بحرفية وبراعة، أو بأن يكون منافسك أقلَّ مستوًى منك، أو بالغش بالطبع إذا كان بمقدورك الإفلات بهذا.
في الواقع، إن المراهنة على خيل السباق لها الكثير من سمات سوق الأوراق المالية، من حيث إن الكثير من المعلومات المهمة ذات الصلة (وليس كلها) تكون متاحةً لأي شخص لديه من النشاط وروح المبادرة ما يؤهِّله لتتبُّعها واقتفاء أثرها؛ وهناك بالتأكيد الكثير من البواعث للقيام بذلك. لكي نتفهم هذا، تأمَّلْ موقفًا تخيُّليًّا بحتًّا يُكتشَف فيه من خلال البحث الدءوب أن الناس لديهم نفور عميق بداخلهم من الخيول ذات الأسماء الطويلة التي يتعذَّر نطقها؛ إذ تبدو بطيئةً من واقع أسمائها، وكأنها تجرجر معها كل تلك الحروف التي تتكوَّن منها أسماؤها. لا توجد علاقة بين الاسم والسرعة، ولكن لو أن الناس أجفلوا من المراهنة على مثل هذه الخيول، بغضِّ النظر عن سرعتها، لَكان العائد أعلى قليلًا ممَّا ينبغي أن يكون حين تفوز بسباق ما؛ ومن ثَمَّ سيكون للأشخاص الذين لديهم دراية بنقطة الضعف تلك أفضلية على المدى الطويل، فقط من خلال المراهنة على الخيول ذات الأسماء الطويلة. ولكن هناك عدة آلاف من الأشخاص يقرءون صفحات النموذج، ويذهبون إلى السباقات، بل إنهم يتكسَّبون من العمل بمجال السباقات، لدرجة أن الخبر سرعان ما ينتشر ويتداول، وينضم مزيدٌ من الناس للركب، وتنخفض أرجحيات المكسب على الحصان ذي الاسم الطويل. وفي النهاية، وفي سوق عادلة ومفتوحة، سوف يتفقون على الأرجحيات الحقيقية لنجاح الرهان على مثل هذا الحصان، وتتوقف هذه الطريقة المحددة لاستغلال الضعف الإنساني عن جلب أي مكاسب؛ تلك هي الطريقة التي تسير بها أي سوق ذات كفاءة. (بكل صدق وأمانة، لا يعرف المؤلف إن كانت الأسماء الطويلة مقبولةً لدى الجهات المسئولة عن سباقات الخيول. فهو لم يراهن قطُّ على الخيول، أعني الأشخاص.)
ولكن كل ذلك حتى الآن ليس سوى نظرية؛ فهل هي صحيحة حقًّا؟ حسنًا، إن السبيل لمعرفة ذلك هو البحث في سجلات بضعة آلاف من الخيول، ونرى إن كانت الأرجحيات في وقت بداية السباق الرسمية قد استقرت عند تقديرٍ عادلٍ لاحتمالية فوز أحد الخيول بالمركز الأول (أو أحد المركزين الأولين، أو أحد المراكز الثلاثة الأولى، وهو ما تجاهلنا تناوله هنا). خذ كل الفرص التي تساوي خمسة إلى واحد (بحيث تجلب الخيل اثني عشر دولارًا لرهانٍ قيمتُه دولاران) لعام أو نحو ذلك، وانظر إذا كانت تفوز لحوالي سُدس الوقت. لقد أقدَمَ العديدُ من الأشخاص على القيام بذلك، وكان الرأي المجمع عليه هو أنها وسيلة دقيقة إلى درجة كبيرة؛ فأرجحيات ما قبل بداية السباق تُعَدُّ تقديرًا جيدًا إلى حدٍّ مذهل للاحتمالية الفعلية للفوز، وما من سبيلٍ لربح أموال كبيرة من خلال محاولة التفوُّق في التخمين على جموع المشاركين في المراهنة. ولكن هذه الأرجحيات ليست مثالية؛ فهناك نزعة صغيرة لدى الناس لوضع أكثر ممَّا ينبغي وضعه من نقودٍ على الخيول ذات فرص الفوز الضئيلة، وأقل ممَّا ينبغي على الخيول المفضلة للفوز. من السهل الاعتقاد في وجود أسباب نفسية وراء ذلك؛ كوَهْمِ تحقيق فوز كبير، والترفُّع عن المراهنة بدولارين من أجل الفوز بدولار واحد على الخيول المفضلة التي لديها فرصة كبيرة للفوز، وغيرها من المظاهر الأخرى المماثلة لمنفعة النقود. ولكنَّ هذا كافٍ لإدارة السباق؛ لأنه يمحو أيَّ فرصة عقلانية لجمع أموالٍ من تلك المميزات على المدى الطويل. وأحدث دراسة معروفة للمؤلف عن هذا الموضوع (والتي أجراها أشخاص ذوو مؤهلات علمية في الإحصاء) كانت تلك التي أجراها براون، وداماتو، وجرتنر، ونُشِرت في مجلة إحصائية بعنوان «تشانس» في صيف عام ????.
ابتُكر الكثير من «النظم» للفوز وتم نشرها، بل إن البعض منها له أُسُس إحصائية صلبة، وأحد النظم الرائجة «يفترض» تمتُّع السوق بالكفاءة؛ ومن ثَمَّ تعتبر أرجحيات المراهنة التي تُوضَع قُبَيْل بداية السباق انعكاسًا صحيحًا لاحتمالية أن كل حصان قد يفوز بالسباق؛ وهذا يعني أن أرجحيات المراهنات المشتركة عادلة (بعيدًا عن الجزء المستقطع الذي يذهب لإدارة السباق)؛ ومن ثَمَّ لن يكون هناك أي مكسب في المراهنة على الفوز بهذه الأرجحيات. غير أن هناك وسائل لاستخدام احتماليات الفوز لاستنتاج فرصة حلول كلِّ حصان في المركز الثاني أو الثالث، وقد تكون أرجحيات المراهنة الخاصة بالمركزين الأولين أو المراكز الثلاثة الأولى صحيحة أو غير صحيحة. تلك عملية حسابية أصعب، لما كان الأساس الذي ترتكز عليه أكثر ضعفًا، ومعظم المراهنين لا يستطيعون إجراءها ببساطة؛ إذن فمن الممكن أن يكون هناك عدم كفاءة في السوق بالنسبة إلى رهانات المركزين الأولين والمراكز الثلاثة الأولى، وأي شخص مطَّلِع بحوزته آلةٌ حاسبة يدوية حديثة غالبًا ما يمكنه أن يضع في اللحظة الأخيرة رهاناتٍ تؤتي ربحها. وقد نشر هذا النظام الخاص في مطلع ثمانينيات القرن العشرين، وكان منطقيًّا في حينه، ولكنه الآن لا يُستخدَم إلا من جانب عددٍ محدود للغاية من المراهنين، حتى إن عدم الكفاءة السابقة ربما لم يَعُدْ لها وجود على الأرجح؛ فهذا هو المنهج الذي تسير به أيُّ سوق ذات كفاءة على كل حال. وتذكَّرْ أن أيَّ سوق ذات كفاءة لا تشترط أن يكون كل مستثمر أو مراهن حكيمًا، بل يكفي وجود عدد كافٍ منهم.
كل هذا يفترض مسبقًا أن الألعاب التي نتناولها في نقاشنا تُلعَب بعدل ونزاهة. ويعترف مؤلف الكتاب بأنه متشائم بعض الشيء في هذه النقطة، بالنظر إلى ما هو على المحك؛ فحين تكون المكاسب المحتملة كبيرةً، يتوافر دافع قوي لإيجاد وسيلة للتحايل على القواعد، وأينما وُجِدت الدوافع القوية يتواجد هؤلاء الذين يستجيبون للتحدِّي، ولا يُكتشَف أمرهم جميعًا، وبالطبع لا يمكن إثبات ذلك.
سوف نقاوم إغراءَ تحليل ألعاب الحظ الأخرى؛ فالنمط واضح. اعرف الأرجحيات، تحرَّ الوضوح بشأن إذا ما كنتَ تراهن أمام الأشخاص أم الأشياء، وكُنْ واضحًا بشأن أهدافك. وفوق كل ذلك، لا تتوقَّعِ الفوزَ على المدى الطويل إذا كانت الأرجحيات عادلةً أو أسوأ، بالطبع ما لم تكن لاعبَ بوكر جيدًا، وتملك من حسن الحظ ما يكفي لكي تحظى (ولو لفترة على الأقل) بأصدقاء لا يُجِيدون اللعبة.

الفصل العشرون
الرياضات: البيسبول بشكل خاص


في عام ????، نُشِر كتاب رائع (صدرت الطبعة الثانية منه في عام ????) بعنوان «البيسبول بالنِّسَب المئوية» من تأليف إيرنشو كوك. كانت جحافل من محلِّلي العمليات قد تدرَّبوا خلال الحرب العالمية الثانية على تطبيق تقنيات احتمالية منهجية على المشكلات الاستراتيجية والتكتيكية، وكان طبيعيًّا بالنسبة إليهم أن يتَّجِهوا الآن إلى التطبيقات في مجال الرياضة؛ فالكثير منهم، على كل حال، كان يمارس هذه الرياضات في الطفولة، والدافع القهري لتطبيق معرفة جديدة على مشكلاتٍ مألوفةٍ دافعٌ لا يُقاوَم.
لم يكن للأعمال التي أسفر عنها ذلك أيُّ تأثير تقريبًا على الأنشطة اليومية لممارسي ومدرِّبي الرياضات المختلفة؛ يبدو الأمر كما لو كان هناك عالَم من المثقفين ذوي الشعر الطويل يُخرِجون أبحاثًا علمية طوال الوقت، وعالَم آخَر من ماضغي التبغ يمارسون الألعاب بشكل فعلي، مثلما كان آباؤهم وأمهاتهم يفعلون. وقد ظهرت كتبٌ أخرى منذ صدور كتاب كوك، وإنْ كانت ليست كثيرة، وتحليلاتٌ مشابهة لرياضات أخرى، وإن كانت ليست كثيرة. إن الأمر غريب؛ إذ إن هناك مجلدات ضخمة من الإحصاءات عن البيسبول، وهناك آلاف المباريات التي تقام في الدوريات في كل عام لا يحدث فيه إضراب للاعبين (كان عددها يتجاوز الألفَ بالكاد في تلك الأيام، ولكنها صارت أكثر من ذلك الآن)، والتفاصيل المملة الخاصة بكل مباراة تُنشَر في الصحافة على سبيل الواجب المهني، ويتم الاحتفاظ بها للأجيال القادمة. قد تعتقد أنه بما أن لاعبي ومدرِّبي البيسبول المحترفين يفترض أنهم يلعبون من أجل الفوز، فسوف يكونون متلهفين للحصول على أي أداة متاحة (قانونية بالطبع) قد يكون من شأنها مساعدتهم؛ فبإمكانهم، على سبيل المثال، أن يعرفوا من المعلومات والبيانات إذا ما كان من المُجدي، في المتوسط، أن يتعمَّد الضاربُ المشْيَ إلى القاعدة الأولى في وجود لاعبٍ على القاعدة الثانية وعدم وجود أحد بالخارج، أو إذا ما كان من الأفضل توجيه الضربة إلى داخل الملعب إذا كان هناك لاعب على القاعدة الأولى ولا يوجد أحد بالخارج. وقد حلَّلَ كوك وخلفاؤه مجموعةً ضخمةً من البيانات عن العديد من هذه التكتيكات التقليدية، وفي أغلب الأحيان كان يتبين من البحث أن سمعة تلك المناورات لا تبررها الحقائق.
تُستخدَم أجهزة الكمبيوتر على نطاق واسع في الرياضات الاحترافية، ولكن الاستخدام في الأغلب يقتصر على تجميع البيانات وتخزينها أثناء المباريات وبعدها مباشَرةً، للبحث عن مَواطن ضعفٍ تُستغل من قِبَل الخصوم، وللبحث عن نقاط ضعف لدى الخصم يمكن استغلالها. إن ما يُستخدَم في مثل هذه الحالات في أجهزة الكمبيوتر هو قدرتها على التصنيف والتجميع، وليس القدرة على إجراء نوعية التحليل المتطوِّر المعقَّد الذي يتحدَّى المعتقدات الاستراتيجية العتيقة للُعبةٍ ما. وتتوافر الفرص في عالم الرياضة بقدر توافُرها في عالم الأعمال؛ حيث تُستخدم عمليات المحاكاة الحاسوبية على نطاق واسع، وكان لها تأثير كبير.
إذن، وتماشيًا مع فكرة السوق ذات الكفاءة، يَتوقَّع المرء أن تنتشر أنباء تلك المقدرة، وأن يكيِّف المديرون المحترفون سلوكَهم ليتماشى مع قوانين الاحتمالية الحتمية؛ فبالرغم من كل شيء، لا تختلف حِيَل رياضة البيسبول كثيرًا عن المقامرة في نادٍ للقمار أو المضاربة المتهورة في البورصة؛ إذ ينبغي أن تلعب وفق الأرجحيات لمعظم الوقت، ولكن تقامر بجرأةٍ في المناسبات القليلة حين ينفد الوقت، ويكون المكسب المنتظر كبيرًا. وفي موسم طويل للبيسبول، يكون هناك الكثير من الوقت لكي ترسخ قوانين الاحتمالية سيادتها وهيمنتها؛ ومن ثَمَّ لا يوجد أيُّ عذر منطقي لمقاومتها؛ وهكذا قد تعتقد أن كلَّ مدرِّب من مدرِّبي فِرَق الدوري يحفظ الاحتمالات القائمة عن ظهر قلب، مثلما يفعل كلُّ لاعبِ بوكر محترفٍ، ولكن للأسف ليس الأمر كذلك. لقد توقَّفَ طبع كتاب كوك منذ وقت طويل، ولم يجد المؤلِّف سوى حفنة قليلة من الكتب خلال بحثه عن هذا الكتاب تُورِد ولو ذكرًا للموضوع. وحتى كتاب جورج ويل الرائع عن البيسبول بعنوان «رجال في العمل» لا يحوي كلمة «احتمالية» في الفهرس، غير أنه غالبًا ما يذكر الحظ. كان «من الممكن» أن تكون لعبة البيسبول لعبةَ نِسَب مئوية، ولكنها ليست كذلك؛ فبالنظر إلى راتب اللاعب «المتوسط» (الذي يتجاوز مليونَ دولار سنويًّا وقت كتابة هذه السطور)، لا يمكن أن يرجع السببُ إلى انعدام تعليمٍ، ألَيس كذلك؟
لنبدأ بمثال استعنَّا به في كتاب سابق؛ أَلَا وهو فرصة أداء مباراة مثالية؛ إنه مثال بسيط، ويسهل حسابه؛ ومن ثَمَّ فهو يوضِّح الفكرة بشكل أفضل من معظم الخيارات الأخرى.
المباراة المثالية هي مباراة يقوم فيها الرامي بإزاحة جميع الضاربين السبعة والعشرين الذين يواجهونه؛ فلا ركض، أو ضرب للكرة، أو أخطاء، أو مشي نحو القواعد؛ فقط إتقان في الرمي (أو عدم كفاءة في الضرب؛ اختَرْ ما تشاء). والسبب وراء سهولة حساب الاحتمالية أن العملية سهلة التصوُّر؛ فعلى الرامي أن يزيح الضارب الأول الذي يواجهه، ثم الذي يليه، ثم الذي يليه … فإذا كانت احتمالية إزاحة كل ضارب تبلغ ??? (وهي نسبة صحيحة تقريبًا وفقًا للبيانات التي تمَّ جمعها عبر السنين)، فإن كل ما عليك فعله لإيجاد احتمالية تحقيق مباراة مثالية هو ضرب ??? في نفسها سبعًا وعشرين مرة. تلك عملية يسهل إجراؤها على الآلات الحاسبة اليدوية المتوافرة اليوم، وتكون الإجابة حوالي فرصة واحدة في خمسة عشر ألفًا. كل ما افترضته حقًّا هو أن كل ضارب يمثِّل حالة جديدة للرامي، مع وجود فرصة بنسبة ??? للنجاح في إخراجه. يوجد الآن ما يزيد على أربعة آلاف فرصة سنويًّا لتحقيق مباراة مثالية (إذ تكون لكل رامٍ فرصة؛ ومن ثَمَّ توجد فرصتان في السنة الواحدة)، وإن كانت فيما سبق أقل من ذلك؛ ومن ثَمَّ سوف تتوقَّع مباراة مثالية كلَّ ثلاثة أو أربعة أعوام، علمًا بأن معدلات حدوثها كانت أقل في تلك الأيام حين كانت الفِرَق أقل والمواسم أقصر. في وقت كتابة هذا الكتاب كان هناك ثمانٍ من مثل هذه المباريات فيما يُسمَّى العصر الحديث، بدأت بمباراة دون لارسن عام ???? (في النهائيات!) والتي تتفق تمامًا مع التوقعات، بالنظر إلى قاعدة الجذر التربيعي التي وردَتْ في الفصل السابع عشر؛ وهكذا يكون الافتراض الذي وضعناه — والقاضي بأن كل ضارب لديه نفس الفرصة بشكلٍّ ما في أن تتم إزاحته — صحيحًا.
يُعَدُّ هذا سمة عامة في كلِّ الرياضات المشابهة. وعلى الرغم من أن جميع المدربين والمحترفين يتحدثون بحكمة عن النجاحات المتواصلة، وعن فترات الإخفاق والانحدار، والأيادي الساخنة في كرة السلة؛ فإن الأدلة عادةً ما تتفق مع النظرية القائلة بعدم وجود مثل هذه الأشياء، وأن المراقبين يشتهرون بعدم قدرتهم على الحكم بكون شيءٍ ما عشوائيًّا أو أن له نمطًا منهجيًّا. وقد تناولنا هذا في الفصل الثامن، حين ناقشنا آلة شانون للتخمين، ومرة أخرى في مناقشتنا لسوق المال في الفصل الثامن عشر؛ فبغضِّ النظر عمَّا في عقول الناس، فهم يحبون رؤية نظامٍ حيثما قد لا يكون هناك أي نظام، وهذ موضوع جد مهم وعميق يستحق ما هو أكثر من فصلٍ عن الرياضة في كتاب عن صنع القرار.
ولكن إذا كان صحيحًا حقًّا أن الفعاليات الرياضية محكومة باحتمالية كامنة وراءها (تتحدَّد بالمهارة، والطول، والوزن، والتدريب، وأمور أخرى) من الممكن أن تظهر فيها تذبذبات عشوائية يُظن خطأً أنها أنماط؛ ينبغي إذن تطبيق قواعد صنع القرار التي نتحدث عنها في هذا الكتاب على نطاق واسع. لقد كان كتاب كوك الصادر في عامَيْ ???? و???? محاولةً لجعل هذا ممكنًا، لكن لم يكن له سوى تأثير محدود — إن كان له تأثير من الأساس — على الممارسين الفعليين للُّعبة، سواء أكانوا محترفين أم هواة. لقد صار رائجًا في أمريكا الحديثة التهكُّمُ على الرياضيات، خاصة في مجال الرياضة أكثر من أي مجال آخَر. بالطبع بعض المدربين يستوعبون دروسَ الرياضيات دون امتلاك معرفة رسمية بأيٍّ منها، ومن الممكن ألَّا يتَّبِعوا هذا الأسلوبَ، ولكن لا يوجد بديل حقيقي لمعرفة ما تقوم به، سواء في صنع القرار أم في أي شيء آخَر. (انظر كتاب جون باولوس الصغير المستفِز للعقل بعنوان «الأمية الرياضية» للاطِّلَاع على الملامح الرئيسية للمشكلة.)
من أجل إجراء عملية ضرب الاحتمالات ببساطة، كما فعلنا، علينا أن نتأكَّد من أنها غير متلازمة (والتلازم يعني أنه إذا حدث شيء، فإنه يؤثِّر على احتمالية حدوثِ آخَر)؛ وإلا فسيكون من الخطأ افتراض أن الأحداث تحدث بشكل مستقل. وقد أظهرت دراسات متعدِّدة، على رياضات متعدِّدة، أن غياب التلازم هو القاعدة أكثر منه الاستثناء. والسبب في ذلك واضح في البيسبول؛ إذ تتألف مباراة البيسبول بشكل عام من سلسلة من المواجهات بين ضارب ورامٍ، بخروج أو دون خروج مسبق لِلَّاعبين، وفي وجود أو عدم وجود لاعبين على القاعدة، ولكنها مواجهات متكرِّرة على مدار المباراة. فلِمَ ينبغي ألَّا تكون هناك إحصائيات ذات صلة؟ إن الهوكي وكرة القدم وكرة السلة هي سلاسل متعاقبة من الهجمات عبر الجليد أو المضمار أو الملعب، كلٌّ منها مستقلة عن سابقتها، فلماذا إذن لا ينبغي جمع إحصائيات عنها؟ إن موسم البيسبول عبارة عن سلسلة من المواجهات بين نفس الفرق تتكرر مرارًا ومرارًا عبر معظم أوقات العام الواحد، وهي مواجهات متكرِّرة بقدر ما يمكن للمرء أن يتخيَّل. بالطبع تختلف كلُّ مباراة عن الأخرى، ولكنها أيضًا متماثِلة من منظور أعلى، وبإمكان المرء فعليًّا أن يتحرَّى عمَّا إذا كان من المُجدي، «في المتوسط»، توجيه الضربة إلى داخل الملعب. (ليس مُجديًا.)
بالإضافة إلى ظهور الاهتمام بتحليل العمليات واحترامها، وهو الأمر الذي تمخض عن الحرب (وكان الإنجاز الأشهر لذلك هو المساعدة في العثور على الغواصات الألمانية في الحرب العالمية الثانية)؛ بزغ فجر عصر الكمبيوتر الحقيقي. هناك مباريات واقعية بشكل مثير للدهشة متاحة لجميع الرياضات، ولكن أبرزها، مرة أخرى، البيسبول الذي يحوي عملياتٍ داخليةً تعكس بصدق الإحصائيات التي يُجرَى ملاحظتها عن المباريات، وفي بعض الأحيان عن الفِرَق واللاعبين؛ ومن ثَمَّ لم يَعُدْ ممكنًا الآن فحسب جلْبُ أدوات تحليلية رائعة لتحليل الأحداث الرياضية، بل يمكن أيضًا اختبار الأفكار المرشحة الخاصة بالاستراتيجيات الجديدة، ورفْض الأفكار التي لا تصلح. وكما لمحاكيات الطيران فائدةٌ هائلة في تدريب الطيارين، ولمحاكيات المعارك فائدة في تدريب الجنود والجنرالات (ليسوا جميعًا جنودًا)، سيتوقَّع المرء أن تفيد محاكيات المباريات في تدريب مدرِّبي البيسبول. ذاك حلم مستحيل بالطبع، ولكن بإمكان المرء على الأقل أن يجمع البيانات والتحليلات على أمل أن يظهر فجرَ يومٍ أكثر تطوُّرًا.
لإيضاح الاحتمالية، يمكننا النظر إلى نتائج الفريق الأفضل في المباريات السبع لتحديد الفائز بسلسلة المباريات النهائية، وننظر إن كانت سلسلة مباريات بنتيجة ??/?? (اكتساح) تحدث بالمعدل الذي ينبغي أن تحدث به، لا أكثر ممَّا ينبغي. فإذا كانت كلُّ مباراة مستقلةً عن المباريات التي جرَتْ من قبلُ، وإذا كان الفريقان (كلٌّ منهما هو الفائز بدوري القسم الخاص به) متساويين في المهارة إلى حدٍّ ما، فإن توزيع الانتصارات ينبغي أن يكون قريبًا إلى حدٍّ ما ممَّا ستحصل عليه عن طريق رمي عملة. (بالطبع تُعَدُّ فِرَق نادي نيويورك يانكي العظيم في الماضي البعيد استثناءً لافتراض «تساوي المهارة».) تلك صورة مبسطة نوعًا ما، وينبغي أن توفِّر معلومات مفيدة. وقد طبق كوك هذا على البطولات من عام ????–????، ونجح بشكل جيد إلى حد كبير، وقد قمنا بجمع خبرة الخمسين عامًا الماضية (في وقت كتابة هذا في عام ????؛ وهو العام الذي أُلغِيت فيه البطولة بسبب إضراب اللاعبين) لإجراء نفس الاختبار.
من خلال هذه الفرضيات، يفترض أن تكون فرصة لعب سلسلة مباريات بنتيجة ??/?? فرصةً واحدة من ثمانٍ؛ فبإمكان أي فريق أن يفوز بالمباراة الأولى، ولكن في هذه الحالة لا بد أن يفوز نفس الفريق بالمباريات الثلاث التالية، مع تَساوي فرص المكسب والخسارة في كل مرة. يمكن إجراء هذا النوع من العمليات الحسابية بسهولة (أو الاكتفاء بخوض جميع الخيارات بشكل منهجي كما فعلنا بالنسبة إلى البوكر في الفصل الثالث)، والنتائج بالنسبة إلى الاحتمالات والتوقُّعات هي كما يلي:
النتيجة??/????/????/????/??الاحتمالية????????????????????النسبة المتوقعة????????????????النسبة المرصودة??????
تذكَّرْ أن كل هذا يرتكز على افتراضين مهمين: أن الفريقين متساويان في المهارة، وأن المباريات تُعَدُّ أحداثًا مستقلة؛ إذ يبدأ الفريقان كلَّ مباراة من نقطة الصفر. وكما أكَّدنا في الفصل السابع عشر، يمكننا أن نتوقَّع تذبذبات إحصائية حول القِيَم المتوقعة، بمقادير لا تزيد كثيرًا عن الجذر التربيعي للأرقام المتوقَّعة؛ لذا فلا غرابةَ على الإطلاق في توقُّع ستة اكتساحات بنتيجة ??/?? ورصد سبعة. إن الجذر التربيعي ? ???? هو ???؛ ومن ثَمَّ سيكون فارقُ اثنين أو ثلاثةٍ فارقًا معقولًا، ويكون مقدارُ اقتراب المرصود من المتوقَّع أفضل من أي مقدار قد نتوقَّعه.
ولكن ليس عليك أن تنظر لأبعد من ذلك كثيرًا لكي ينتابك التوتُّر قليلًا؛ فنحن نتقبَّل بالكاد نسبة النتيجتين ??/??، و??/??، اللتين تأتيان بأقل من معدل تكرارهما المتوقَّع، لكننا لا نستطيع تقبُّل النسبة الخاصة بالنتيجة ??/??؛ فينبغي أن تصل ?? بالمائة من المباريات إلى النتيجة السابقة، لكن في الحقيقة تصل النسبة إلى حوالي النصف؛ أي أربع وعشرين مباراة من أصل خمسين. هذا أبعد مرتين عن الجذر التربيعي لحدنا التقريبي. (ثمة اختبار إحصائي قد يكون أكثر نجاحًا يمكننا الاستعانة به يُسمَّى اختبار مربع كاي — كاي هو الحرف اليوناني — يخبرنا بأن هذا النوع من التبايُن ينبغي أن يحدث مصادفةً مرة واحدة فقط إلى عشرين.) هناك إذن شيء مثير للدهشة بعض الشيء. من «الممكن» بالطبع أن يكون هذا نتاجَ الصدفة البحتة، وليس سوى تذبذب إحصائي، ولكن الأرجحيات التقريبية التي تبلغ عشرين إلى واحد المضادة له، توحي بأننا ينبغي أن نبذل جهدًا أكبر قليلًا في التفكير. حسنًا، لقد وضعنا فرضيتين فقط، وحان الوقت إذن لتفنيدهما. إن افتراض أن الفِرَق متساوية في المهارة لا يجدي؛ فلو كان ذلك صحيحًا، لَسار في الاتجاه الخطأ. فلو أن فريقًا واحدًا أفضل حقًّا من الآخر (كما في أيامِ مجْدِ فِرَقِ اليانكي)، لَصار الاحتمال الأكبر أن تكون هناك سلسلة من المباريات ذات طرف واحد؛ ومن ثَمَّ يقل عدد المباريات التي تنتهي بنتيجة متقاربة. أما نحن فنواجه المشكلة المضادة؛ إذ يتجه عدد أكبر من اللازم إلى نتيجة ??/??.
بذلك لا يبقى أمامنا سوى تفنيد الافتراض القائل بأن المباريات مستقلة، الذي لولاه لكان من الممكن أن يكون هناك بعض التلازم الذي يقود نحو خوض سلسلة طويلة من المباريات. إن صرف مكافآت تحفيزية لِلَّاعبين ليس السبب؛ إذ إنه قد تَقرَّرَ منذ زمن طويل أن يتم الدفع للاعبين (على الأقل بصورة رسمية) مقابل المباريات الأربع الأولى فقط، ولهذا السبب فقط. من الممكن أن تكون تلك استراتيجية تدريبية؛ فقد يقرِّر مدرِّب متقدم بنتيجة ??/?? أن يدَّخِر أفضل ضارب لديه لمباراة سابعة محتملة؛ ممَّا يزيد من احتمالات خسارته للمباراة السادسة، ليطيل سلسلةَ المباريات إلى سبع. ستكون تلك استراتيجية مشكوكًا في أمرها من منظور الاحتمالية (قارِنِ استراتيجيات المقامَرة في الفصل السابق)، ولكنها لن تكون مفاجئةً. وأخيرًا هناك حافز المُلَّاك والشبكات التليفزيونية الذين يتأهَّبون لتحقيق المزيد من الأرباح إذا ما امتدت سلسلةُ المباريات لفترة أطول، وقد دار همس بين الناس بشأن ذلك النوع من الحافز لسنوات عدة، ولكن لا يوجد دليل مادي دامغ على وجود أي تلاعب. ولكن حتى مع توافر أفضل النوايا، والتأكيد على تمتُّع الجميع بالأمانة والنزاهة، من الصعب تجاهُل الحقيقة الجلِيَّة القائلة بأن امتداد سلسلة المباريات يعني مقابلًا أفضل للجميع تقريبًا، بل إنه يحمل المزيد من المتعة والتسلية للجمهور. نحن لا نشير بأي حال لأي سوء سلوك من قِبَل أيِّ طرف، ومن المرجح أن يكون التبايُن مجردَ مسألة تذبذب إحصائي بحت.
ولكن دعونا نتبع الأثر لمسافة أبعد قليلًا. إن أي سلسلة مباريات تستمر حتى الوصول لنتيجة ??/?? لا بد أن تكون قد وصلَتْ للتعادل ??/?? قبل ذلك مباشَرةً، وأيُّ سلسلة مباريات تصل للتعادل بنتيجة ??/?? لا بد أن تكون قد وصلت لنتيجة ??/?? قبل ذلك مباشَرةً؛ ولكن إذا كانت نتيجة سلسلة المباريات ??/??، وكان الفريقان في مستوًى مهاري متساوٍ، فهناك احتمال متساوٍ لأن يفوز الفريق المتقدِّم أو الفريق المتأخِّر على حدٍّ سواء بالمباراة السادسة؛ لذلك يفترض أن تكون النتيجتان ??/?? و??/?? محتملتين بالقدر عينه، ويفترض أن تتحقَّقَا بنِسَب متساوية تقريبًا. في الواقع، وبحسب ما يبيِّن جدولنا، فقد واصلَتْ سلاسل المباريات حتى النتيجة ??/?? أربعًا وعشرين مرة، وانتهت عند النتيجة ??/?? إحدى عشرة مرة فقط؛ إذن ففي النهائيات الخمس والثلاثين التي نتناولها، وتحديدًا في البطولات التي مرَّتْ بمرحلة ??/?? عند نقطةٍ ما في مسارها، كان هناك فريق متقدِّم أو مدرِّب فعَلَ «شيئًا» زاد من فرصة خسارة المباراة السادسة. (أو أن الفريق الآخَر، الذي كان في مواجهة هزيمة نهائية، لعب بشكل جيد على غير المعهود. لن نأخذ ذلك الخيار بجدية؛ إذ إن كلَّ هذه الفرق محترفة، تلعب في النهائي، ولا يوجد سبب للاعتقاد بأنها لا تلعب دومًا بشكل جيد قدر ما تستطيع.)
لو كانت الاستراتيجية التي أدَّتْ إلى خسارة فريق متقدِّمٍ المباراةَ السادسة في بساطة استبقاء أفضل ضاربيك، لَتساءَلَ المرءُ عمَّا لو كان المدرِّبون سيفعلون ذلك إذا اعتقدوا حقًّا أنه يمنحهم فرصةً تتجاوز اثنين إلى واحد لخسارة مباراة اليوم، يتبعها فرصة متساوية مفترضة لخسارة البطولة في المباراة السابعة. قد لا يهم ذلك حتى في ذلك الحين؛ لأن اتخاذ القرار في البيسبول أمر حدسي، وليس محسوبًا.
ثمة تفسير آخَر محتمل يتمثَّل في كون النزعة للاستمرار حتى النهاية يحتمها جدول المباريات؛ لأن أيَّ سلسلة من سبع مباريات لا بد أن تتضمن لعب أربعٍ منها في استاد، والثلاث الأخرى في الاستاد الآخَر. ولما كان هناك على الأقل ميزةٌ ما من لعب الفريق على أرضه، فسوف يتوقَّع المرء أن تميل عملية وضع جدول المباريات وحدها لتمديد المباريات. والحقيقة المؤسفة بالنسبة إلى هذه النظرية هي أنه على الرغم من أن ميزة لعب فريق على أرضه واضحة بالقدر الكافي في كرة السلة، فإن تأثيرها في البيسبول محدود، ولا يكاد يكفي لتفسير الرقم الخاص بالنتيجة ??/??؛ فمن بين نتائج سلاسل المباريات النهائية الماضية الخمسين، فاز الفريق الذي يملك ميزة اللعب على أرضه (الذي يلعب أربع مباريات على أرضه، على الرغم من أن هذا القرار لم ينفذ للنهاية إلا لنصف الوقت فقط)، خمسًا وعشرين مرة بالضبط؛ فإذا كانت هناك ميزة من الأساس، فهي ليست كبيرة. (ليس واضحًا تمامًا لِمَ تكون هذه الميزة أكبر بكثير في كرة السلة عنها في الرياضات الأخرى؛ ربما لأن كرة السلة تعتمد بصفة خاصة على قوة التحمُّل حتى النهاية، والفريقُ المضيف يكون على قدر أفضل من الراحة؛ أو ربما يكون السبب تأثير الحشد على اللاعبين أو الحكَّام، على الرغم ممَّا يتمتَّع به جميع الأطراف المعنِيَّة من احترافية. جميعنا له حرية التخمين.)
تظل هناك إمكانية أن يكون هذا الانحراف في نتائج سلسلة المباريات النهائية مجرد تذبذب راجع إلى قوانين الحظ والصدفة لا أكثر. (لم يظهر ذلك في تحليل كوك لسلسلة النهائيات للأعوام من ????–????.) من الممكن حساب احتمالية حدوث ذلك بمحض الصدفة، وتكون الإجابة هي فرصة واحدة في الخمسين، وهي نفس الإجابة التي يتم التوصُّل إليها عند أخذ ثلاث أوراق لعب من نفس الشكل في البوكر. مثل هذه الأشياء تحدث، ولكن ليس بالقدر الذي نعتقده؛ لذا فمن «الممكن» أن يكمن الأمر في الصدفة.
تُعتبَر لعبةُ البيسبول، أكثرُ الرياضات القائمة ابتلاءً بالإحصائيات، لعبةً عادلة بالنسبة إلى صناع القرار الهواة المولعين بالانتقاد والتصحيح، ومن المذهل حقًّا (على الأقل لمؤلِّف هذا الكتاب) عدد التقاليد المقدَّسة التي لا تخضع للتدقيق المنطقي.
على سبيل المثال، توجد مجموعة من المناورات التدريبية مصمَّمة لتحسين المواقف على القواعد بالنسبة إلى الفريق المهاجم أو المدافع؛ أي لزيادة احتمالية إحراز الفريق الضارب أهدافًا. من أحد التكتيكات المألوفة بالنسبة إلى الفريق المدافع الضربةُ الفدائية، حين يكون هناك لاعب على القاعدة الأولى ولا يوجد أي لاعبين بالخارج. تكمن الفكرة في أن أي لاعب على القاعدة الثانية يكون في «موقع إحراز نقطة»، بينما سيحتاج أي لاعب على القاعدة الأولى إلى ضربة أو عدة ضربات إضافية كي يحرز نقطة. ولكن الإحصاءات الأولى تبيِّن أنَّ من «السيئ» عمومًا التضحية بخروج أحد اللاعبين؛ فليس لديك سوى ثلاثة لاعبين فقط لاستهلاكهم في كل جولة، وهم بمنزلة سلع ثمينة. وعلى وجه الخصوص، عادةً ما يكون التقدُّم لقاعدة واحدة بالنسبة إلى اللاعب الراكض على حساب خروج لا داعي له لأحد اللاعبين؛ صفقةً سيئة؛ إذ تقلُّ احتمالية إحراز هدف. تلك هي الحقائق، على عكس خبرة معظم المدربين وتفكيرهم الحسي. وإذا وضعْتَ إحدى الحقائق في مواجهة التفكير الحدسي، فستجد أن التفكير الحدسي سيفرض هيمنته.
نفس الشيء بالنسبة إلى مشي ضارب قوي متعمدًا نحو القاعدة الأولى حين لا يكون هناك لاعب على القاعدة الثانية، ويكون هناك إما لاعبان أو لاعب واحد بالخارج. من المفترض أن يعزِّز هذا من احتمالية إخراج لاعبين في لعبة واحدة متواصلة، أو إجبار الضارب على الخروج عند القاعدة الثالثة، وكلا الأمرين يُعَدَّان نادرَيِ الحدوث نسبيًّا؛ وإن كان المدربون يميلون لتذكُّر الأوقات التي أجْدَتْ فيها نفعًا بشكل انتقائي. هنا يضع الفريق المدافع لاعبًا، ونقطة محتملة للخصم، على القاعدة دون أيِّ ثَمن يُذكَر. مرة أخرى توضِّح البيانات أن هذا عادةً ما يُسفِر عن نقاط أكثر — وليست أقل — للهجوم.
هناك مقولة شهيرة بين المهندسين تقول: «لا تربكني بالحقائق، فأنا أعرف ما أفعل.» في أي مرحلة تتفق مع الحقائق وتمتثل لها، بالرغم ممَّا يخبرك به حدسك وخبرتك؟ وَرَدَ في مستهل كتاب كوك اقتباسٌ منسوب لفرانسيس بيكون يقول: في العام ???? من أعوام الرب، شبَّ خلاف مفجع بين الإخوة في أحد الأديرة حول عدد الأسنان في فم حصان، وعلى مدى ثلاثة عشر يومًا ظلَّ النزاع مشتعلًا بلا توقُّف. أُحضِرت جميعُ الكتب والسجلات القديمة، وتجَلَّتْ معارف واسعة رائعة وثمينة، لم يُسمَع بها من قبلُ في هذه المنطقة. وفي بداية اليوم الرابع عشر، جاء راهب شاب وسيم الطلعة طالبًا الإذنَ من رؤسائه ذوي العلم الغزير ليضيف كلمة.
وعلى الفور، ولدهشة المتنازعين الذين امتعضوا لجرح حكمتهم العميقة، راح يناشدهم الهدوءَ بأسلوبٍ فظٍّ لم يُسمَع به من قبلُ، والنظر في فم حصان ليجدوا إجابة لتساؤلاتهم. عند ذلك جُرِحت كبرياؤهم بشكل بالغ، وانتابتهم غضبة مفرطة؛ وعلى إثر الثورة البالغة التي جمعتهم، انقضُّوا عليه بشراسة وطردوه في التوِّ؛ لأن الشيطان بالتأكيد، حسبما قالوا، أغوى هذا الشاب الوَقِح كي يصرِّح بطرائق غير مقدَّسة ولم يُسمَع بها من قبل لإيجاد الحقيقة تخالف كل تعاليم الآباء!
فقط على سبيل التأكيد على أن من المفيد دومًا التأكُّدَ من الحقائق، اتضح أن من المستحيل إثباتَ أن يكون بيكون في الواقع هو مصدر تلك القصة الرائعة والتنويرية؛ إذ إن جهود العثور عليها في أعماله المجمعة باءت بالفشل حتى الآن. ولكنها قصة جيدة، تشبه إلى حد كبير قصةً (ربما تكون ملفقة أيضًا) رُوِيَت عن أرسطو، الذي قيل إنه وصل به الأمر إلى أنْ نظَرَ في فم زوجته حين شبَّ نزاع حول إذا ما كان للرجال والنساء نفس عدد الأسنان؛ نفس القصة، ونفس الدرس، ونفس المستوى من السلطة. من المفترض في عصر «البرامج الإعلانية المدفوعة» و«الدراما الوثائقية» الذي نعيشه الآن، ألَّا نغضب حين يتغاضى الناس عن الحقائق، ولكننا نفعل؛ وهذا من شأنه الحط من عملية صنع القرار العام؛ لذا فإن القصة الآنفة قصة رائعة تحمل درسًا قويًّا، بالرغم من تشكُّكنا في نسب كوك القصةَ لِبيكون. عودة إلى البيسبول؛ دائمًا ما تؤكِّد الدراسات الإحصائية الحديثة عن اللعبة — التي تُجرَى دائمًا على يد إحصائيين وليس أهل اللعبة — نظريةَ أن أحداث أي مباراة بعينها، ونتائج أي سلسلة من المباريات، بعضها منعزل عن بعض نسبيًّا، وأن أي ظهور لأنماط هو نتاج خيالات نَشِطة من جانب مشاهدي المباراة. إننا نؤكد على وجود نزعة لدى الناس لرؤية أنماط لا وجود لها؛ وهو ما يُعَدُّ نقيصة بشرية لها تأثير مدمِّر في مجال صنع القرار. وتمييز الأنماط الحقيقية عن الأنماط المختَلَقَة هو ما يميِّز الخبراء عن المدَّعين، والمتخصِّصين عن الهواة، مهما كان الموضوع. وكم من متخصِّصين في مجال الرياضة هم في حقيقة الأمر هواة في فهم إحصائيات رياضاتهم المتخصصين فيها.
من الممكن النظر إلى كل رياضة تنافسية تتضمَّن فريقين يتبادلان إحراز النقاط، ويتحدد فيها الفائز على أساس الحد الأقصى من النقاط، باعتبارها عملية عشوائية. والعملية العشوائية ليست غامضة مثلما يوحي المصطلح، بل هي تعني ببساطة أن المباراة تمر بسلسلة من الحالات أو الظروف، في كلٍّ منها توجد احتمالية معينة للانتقال إلى كل حالة من الحالات التالية، وهكذا. وعلى ذلك، في رياضة كرة السلة، يتبادل الفريقان الهجومَ، وقد يحرز الفريق المهاجم أو لا يحرز أهدافًا، وقد تُؤخَذ الكرة منه أو لا تُؤخَذ، وقد يرتكب أيُّ الفريقين خطأً، وهكذا. ولكلٍّ من هذه الحالات احتمالية، وتتوالى أحداث المباراة على هذه الشاكلة. افترَضَ معظم محلِّلي الرياضات ذات الإحصائيات المعقدة أن الرياضات المختلفة تُوصَف بشكل جيد على هيئة صورة عملية عشوائية غاية في البساطة، لا تعتمد فيها الاحتمالات الخاصة بنتائج الحالة الحالية على كيفية وصولك لها. وعلى ذلك، حين يحصل فريق في كرة القدم الأمريكية على الكرة، لا يهم كثيرًا إن كانوا قد حصلوا عليها عن طريق ركلة، أم اعتراضٍ للَاعب الفريق الآخَر، أم ضياع الكرة من لاعب الفريق الآخر، أم ضربة بداية، أم أي طريقة كانت. لقد حصلوا على الكرة في موضعٍ ما، وهم الآن الفريق المهاجم على أرض الملعب، هذا كل ما يهم في الأمر. لا شك أن في ذلك شيئًا من التبسيط المبالغ، ولكن التحليل يوضِّح أنها صورة جيدة نوعًا ما؛ إنها الصورة المثلى في كرة السلة والهوكي، فيما لا تُعتبَر جيدة للدرجة نفسها في البيسبول، ولكنها جيدة بما يكفي.
لقد كرَّسنا معظم هذا الفصل للبيسبول؛ فهل يطغى هذا النمط العام من الاستهانة بالبيانات الحقيقية على الرياضات الأخرى؟ حسنًا، الجواب هو نعم، في ضوء تلك التحليلات التي تُجرَى وتُنشَر في الدوريات الإحصائية والإدارية أكثر ممَّا تُقرَأ. أيضًا، اعتاد الوسط الاستثماري ألَّا يبالي هو الآخر بالأعمال الإحصائية التي تُجرَى على ركائزه، وفي السنوات الأخيرة فقط تفجَّرَتْ موجة شديدة من الاهتمام بالتحليل الإحصائي المتخصِّص لمحافظ الأسهم. (كانت هناك دومًا عمليةُ رصدٍ للأنماط، هذا الرصد الذي يُعَدُّ المعادل لعلم التنجيم في مجال الاستثمار.) وقد ساهَمَ في ذلك أمران؛ النمو الانفجاري في توافر أجهزة الكمبيوتر المتطورة، واكتشاف أنه بإمكان المرء في الواقع أن يربح المزيد من المال عن طريق القيام بالمهمة على نحو جيد. وعلى ذلك سوف يتوقَّع المرء أنه بما أن هذين العاملين متوافران أيضًا في الرياضات الاحترافية، فسوف يتركان بصمتهما يومًا ما، ولكن يظل ذلك اليوم في غياهب المستقبل.

الفصل الحادي والعشرون
السيدة أم النمر؟


في كثير من مشكلات صنع القرار، يكون على اللاعب (صانع القرار) أن يختار خيارًا واحدًا من بين عدة خيارات، في ظلِّ قدر محدود من المعلومات الجزئية، أو عدم وجود أي معلومات على الإطلاق. ولعل النموذج الأساسي لجميع هذه المآزق هو القصة القصيرة المعروفة الصادرة عام ???? بعنوان «السيدة أم النمر؟»، من تأليف فرانك آر ستوكتون. (لمَن لا يتذكَّرون، كان الملك في هذه القصة لديه عادةُ معاقَبةِ الآثِمين بإرسالهم إلى ساحةٍ بها بابان على كلا طرفَيْها، وخلف أحد هذين البابين يقبع نمر مفترس، وخلف الآخَر توجد سيدة جميلة، وعلى المذنب أن يختار أحدهما. كان مصير مَن يختارون النمر واضحًا ومباشرًا؛ أما مَن يختارون السيدة، فعليهم الزواج بها في التوِّ واللحظة، سواء أكانا يفضلان ذلك أم لا. يفترض بديهيًّا في القصة أن الشخص الآثم ذَكَر، وأن السيدة سيُنظَر إليها باعتبارها جائزة أو مكافأة، وهذا ليس لائقًا تمامًا هذه الأيام، على كلا الصعيدين. وذات يوم قُبِض على رجل من رجال الحاشية — وكان وسيمَ الطلعة — بتهمة الدخول في علاقة عاطفية مع ابنة الملك، وحُكِم عليه في حينه بالعقوبة التقليدية في الساحة؛ نجحت ابنة الملك قبل الحدث في معرفة أي باب سيخفي وراءه أي مفاجأة، وعانت طويلًا في الاختيار ما بين إرسال حبيبها إلى الموت، أو التخلِّي عنه نهائيًّا لامرأة أخرى؛ فلم يكن هناك أي اختيارات أخرى. وفي النهاية، في الساحة في اليوم الموعود، نظر الرجل إليها، كما كانت تعرف أنه سيفعل، وأشارَتْ له نحو الباب إلى اليمين؛ ففتحه وانتهَتِ القصة عند ذلك.) لقد تطوَّرت مثل هذه القصص إلى تحديات كاملة في صنع القرار، وأصبحت معروفةً بما يكفي لجعلها جديرةً بفَصْل كامل خاص لها.
لنبدأ بصورة مختلفة من معضلة السجينين، التي سمع فيها أحد السجناء من مصدرٍ في الزنزانة عادةً ما يكون موثوقًا فيه، أن سجينين من السجناء الثلاثة المحتجزين حاليًّا سيُطلَق سراحهما في اليوم التالي؛ فيسعد لهذا الخبر، ويؤكِّد له السجَّان — وهو شخص أدرك من خبرته الطويلة أنه أهل للثقة — أن الخبر صحيح بالفعل، بل إن السجان يعرف مَن هما، ولكنه لا يتطوَّع بالإدلاء بأي معلومات.
بالطبع يدرك السجين (وَلْنسمِّه توم، والسجينين الآخرين ديك وهاري) أن فرصته في أن يُطلَق سراحه هي اثنتان من ثلاث؛ أي احتمالية قدرها ??/??، ولكنه متلهف لمعرفة المزيد، وهي لهفة مفهومة، ويتساءل إنْ كان هناك أي شيء يستطيع أن يفعله كي يعرف ما يريد. والخطوة البديهية لتحقيق ذلك هي سؤال السجَّان بشكل مباشِر، ولكنه يخشى أن يتسبَّب الأسلوب المباشِر في تعريض فرصه في إطلاق سراحه للخطر؛ لذا يفكِّر في الالتفاف حول المشكلة، فيستنتج أنه بما أن ديك أو هاري سوف يُطلَق سراحهما، بغضِّ النظر عن مصيره، فلن يضيره أن يسأل السجَّان عن اسم سجين آخَر سوف يُطلَق سراحه.
ولكنه يتوقَّف ليفكِّر في الأمر؛ لنفترِضْ أن السجَّان يقول إن هاري سوف يُطلَق سراحه، حينها سيستنفد ذلك مكان أحد الشخصين اللذين سيُطلَق سراحهما، تاركًا المكان الآخَر إما له وإما لِديك، وهذا من شأنه أن يمنحه فرصة متساوية؛ إذ إن ليس له ميزة ترجح كفته عن ديك، وسيكون قد قلَّلَ فرصه من ????? إلى ????? بسبب السؤال فقط؛ لذا يعزف عن السؤال. هل هذا أمر منطقي؟
أدرج الإحصائي البارز فريدريك موستلر هذا اللغزَ في كتابه الشهير «خمسين مشكلة عسيرة في الاحتمالية مع الحلول»، وأفاد فيه بأنه «من بين جميع المشكلات التي يكتب لي الناس عنها، تَرِد هذه المشكلة في معظم الخطابات.» وخلص موستلر إلى أن توم لم يحدَّ من فُرَصه بطرح السؤال على السجان، وتظل لديه فرصتان من ثلاث، حتى بعد توجيه السؤال والإجابة عليه. لن نكرِّر حجته التي أوردها في ذلك الآن، ولكننا سنعود إليها بعد أن نتناول أحدث موجات البلبلة التي أُثِيرت بشأن مشكلة مألوفة وثيقة الصلة، وهي تلك التي أثارتها مارلين فو سافان، وهي كاتبة عمود لدى مجلة «باراد»، وسوف نرى أن المعضلة المنطقية واحدة.
يمكن أن نطلق على هذه المشكلة مشكلة التحوُّل، وقد حدثَتِ الضجة حين طلب أحد قرَّاء عمود فو سافان منها أن تُدلِي بالإجابة؛ وهي التي يقال إنها سجَّلَتْ أعلى معدل ذكاء، وعلى قدرٍ بالغٍ من الذكاء بلا جدال. (لقد أخذ مؤلف الكتاب عينات من بعض اختبارات الذكاء التي اجتازَتْها بكل يُسْر، ويمكنه أن يؤكِّد لأيِّ قارئ يساوره الشك في ذلك أن أداءها قمة في الإبهار. إن هؤلاء الذين يدَّعون عدم وجود ما يُسمَّى بالذكاء الفطري يعانون الجنون.) وقد طُرِح السؤال على فو على النحو التالي تقريبًا.
هَبْ أنك تظهر في برنامج مسابقات (كان هناك برنامج مشابه في التليفزيون في وقتٍ من الأوقات)، يُرِيك فيه مقدم البرنامج ثلاثة أبواب، مرقَّمة بواحد، اثنين، ثلاثة، ثم يخبرك (عن صدقٍ) أن هناك ماعزًا خلف بابين من تلك الأبواب، ولكن هناك سيارة رائعة خلف الباب الآخَر. سوف تحصل على ما تجده خلف الباب الذي تختاره، ونحن بحاجة لأن نسلِّم بديهيًّا بأنك تفضِّل الحصول على سيارة لا ماعز. (لا يوجد تفسير واضح لاختلاف الرغبات بين الأشخاص، ومن ثَمَّ فهذا الافتراض غير معلن. وفي هذا النوع من الأشياء عليك أن تحذر الافتراضات غير المعلنة.) تختار أنت الباب رقم واحد، ولكن قواعد اللعبة تقضي بأنه بعد أن تحدِّد اختيارك، وقبل فتح الباب الذي يقع عليه اختيارك، يقوم مقدِّم البرنامج بفتح باب آخَر من الأبواب الثلاثة، ويمنحك فرصة لتغيير اختيارك؛ ومن ثَمَّ يقوم المقدِّم بفتح الباب رقم ثلاثة، ليجد خلفه ماعزًا، ويسألك الآن إن كنت تود أن تغيِّر رأيك، وتحوِّل اختيارك إلى الباب رقم اثنين. تلك هي مشكلة القرار الخاصة بك؛ أن تحوِّل اختيارك أو لا تحوِّله. أنعم التفكير فيها.
كان استنتاج فو سافان للأمر على النحو التالي تقريبًا: حين اخترتَ الباب رقم واحد، كانت لديك فرصة واحدة من ثلاث لاختيار الباب الذي يحوي خلفه السيارة؛ ممَّا يعني أن هناك فرصتين من ثلاث لأن تكون السيارة خلف أحد البابين الآخرين. وها قد أظهَرَ لك المذيع المتعاوِن أنها بالتأكيد «ليست» خلف الباب رقم ثلاثة، ولم تتغيَّر الفُرَص بالنسبة إلى الباب رقم واحد، وهكذا تكون هناك فرصتان من ثلاث لأن تكون السيارة خلف الباب رقم اثنين. في الواقع، لقد انتقلَتِ الاحتمالية التي كانت مدَّخرة للباب رقم ثلاثة إلى الباب رقم اثنين؛ لذا بالطبع عليك أن تحوِّل اختيارك. (كان استنتاج موستلر هو نفس هذا الاستنتاج، ولكن مع استدلالٍ أكثر تفصيلًا.)
ومثلما أفاد موستلر بتلقِّيه فيضًا من الخطابات عن إجابته للُغز السجين، تقول فو سافان إنها تلقَّتْ آلاف الرسائل عن مشكلة برنامج المسابقات. إن مجلة «باراد» مجلة واسعة الانتشار، وكانت الغالبية العظمى من أصحاب الرسائل يعتقدون أنها على خطأ، وقد كانت الإجابة الأكثر شيوعًا التي أدلى بها المتراسلون أن الفرصة الآن أصبحت متساوية بين البابين واحد واثنين، مستعينين في الغالب بحجة توم المذكورة أعلاه، من أنك قد اختزلْتَ الخيارات الثلاثة إلى خيارين، ولا تعرف أيهما هو الأصح؛ ممَّا يجعل الأمر مشابهًا لرمي العملة. المثير في الأمر أن فو سافان قدَّمَتْ معلومة أخرى مفيدة؛ أَلَا وهي أن من بين الخطابات المرسلة من عموم الناس، رأى ?? بالمائة أنها كانت مخطئة، بينما الخطابات المرسلة من الجامعات كان ?? بالمائة منها فقط ضدها. وفي الجلبة التي تَلَتْ ذلك، أدلى عدد من الإحصائيين الحاصلين على درجة الدكتوراه بآرائهم ومشاعرهم، وكان انحيازهم لفكرةِ تَساوي الفرص أكثر من العكس؛ لقد فُوجِئت فو سافان بشكل واضح بالحماس الملتهب الذي أثارَتْه المشكلة، وبمدى قوة المعارضة، ولكنها تمسَّكَتْ بموقفها. (من الصعب مقاومة تعليق على مقال؛ هنيئًا لها!)
(على الرغم من أن ذلك خارج السياق، لاحِظِ ارتباط صلة هذا النزاع بمكانة حكم الأغلبية في التعامُل مع الأمور المعقَّدة التي تطرأ في الحكم، وارتباطه بالمسائل القانونية التي سنناقشها في الفصل القادم. هل نتخذ القرارات الفنية بالتصويت الشعبي في أي ديمقراطية؟ إذا كانت الإجابة بلا، فكيف لنا أن نحمي العامة؟ لو أن هذا الأمر قد طُرِح للتصويت لانقسَمَ المصوِّتون بشكلٍ متساوٍ، وكانت القيمة باي الحمقاء ستنجح في مجلس إنديانا التشريعي، لولا أن عالم رياضيات عابر بالصدفة ضبط المشرعين في حالة تلبُّس.)
تنازَعَ الإحصائيون المتخصِّصون، ولا يزالون، حول إجابة سؤال برنامج المسابقات، على الرغم من بساطتها القاتلة لأي شكوك. فبمقدور أي شخص أن يفهمها، ويمكنه حتى أن يضع نفسه في ذلك الموضع، بل إن من السهل محاكاة الموقف: فقط استخدم ثلاث أوراق لعب وجْهُها لأسفل لتكون بمنزلة «الأبواب»، منها ورقة آس وورقتان تحملان رقم اثنين لتمثيل السيارة والماعزين، والعب اللعبة بضعة عشرات من المرات؛ سرعان ما ستجد أن التحول له فائدته، مثلما ادَّعَتْ فو سافان. إذن ما هذه الجلبة؟ ولماذا يختلف الخبراء؟ وما الذي يعيب الحجة التي تجعل الفرصة متساوية بعد العثور على الماعز خلف الباب رقم ثلاثة؟ أم هل هناك افتراض ما غير معلن لدى جميع اللاعبين، حتى عند محاكاة اللعبة بأوراق اللعب؟
الحقيقة المذهلة (وهذا ما يجعل اللغز تعليميًّا للغاية) أنه لا يوجد خطأ في كلتا الحجتين، على الرغم من اختلاف نتيجتَيْ كلٍّ منهما، وهنا تكمن حكاية مرتبطة بهذا الأمر. (هناك دعابة قديمة عن الملك سليمان، تدور حول جارين كانا يتجادلان أمامه، وبعد أن يُدلِي كلُّ جارٍ منهما بما لديه، كان الملك يقول: «أنت على حق.» وحين تنامَى هذا إلى مسامع قاضٍ مارٍّ بالصدفة، قال للملك: «ولكن لا يمكن أن يكون كلاهما على حق.» فأجابه الملك قائلًا: «أنت أيضًا على حق.»)
هناك معلومات مفقودة في اللغز كما ذكرنا، ولكن جميع اللاعبين (بمَن فيهم فو سافان) وضعوا افتراضات غير واعية بشأن هذه المعلومات الغائبة، حتى دون أن يلاحظوا غيابها في أغلب الأحيان. لا نقصد بهذا توجيه أية إهانة لِفو سافان؛ فهي تؤمن بشكل واضح بأن افتراضها بشأن المعلومات الناقصة بديهية للغاية، حتى إنه يجب عدم اعتبار تلك المعلومات غائبة حقًّا. ولكن هل يعتقد هؤلاء أصحاب الافتراض المضاد أن «افتراضهم» طبيعي وبديهي تمامًا. إن هذين الرأيين يبدوان طبيعيين وبديهيين بدرجة كبيرة لأتباع كلتا المدرستين، لدرجة أن أيًّا منهما لا يلاحظ عن وعيٍ أن افتراضًا قد وُضِع من الأساس.
فَلْنكفَّ عن الحديث بالألغاز؛ ما الذي يحدث هنا؟ هل يجب أن يحوِّل اللاعب اختياره؟ حسنًا، إن الطريقة السليمة لمعالجة أي مشكلة في صنع القرار هو تبيُّن الخيارات المتنوعة المتاحة، حتى قبل تعيين أي احتمالات لها. وفي هذه الحالة، قبل أن يبدأ مقدم البرنامج، يبدو هناك ثلاثة خيارات؛ السيارة خلف الباب رقم واحد أو اثنين أو ثلاثة، وبالتأكيد لا يوجد أي تفضيل منصوص عليه في شروط اللعبة؛ لذا من المنطقي افتراض النزاهة في اللعبة؛ ومن ثَمَّ افتراض أن الاحتمالات المبدئية هي تلك المحدَّدة من قِبَل الجميع؛ أي ??/?? لكلِّ باب من الأبواب الثلاثة. كل شيء يسير على نحو طيب حتى الآن.
الآن يختار اللاعب — الذي هو أنت — الباب رقم واحد، ومرة أخرى لا يوجد أي سحر هنا؛ فأنت لا تعرف أيَّ شيء، وفُرَص أن يكون اختيارك صحيحًا هي كالمنصوص عليها؛ فرصة واحدة من ثلاث.
ولكن الآن تبدأ المتعة؛ لأن مقدم البرنامج قد فتح البابَ رقم ثلاثة، لكن لم يتساءل أحد عن «سبب» اختيار ذلك الباب. هناك احتمالات عديدة هنا، والمعلومات التي ينقلها لك اختياره تعتمد على ما تعرفه مسبقًا عن القواعد الخاصة به، والتي لم يفصح عنها حتى الآن؛ ربما يكون — على سبيل المثال — قد وعَدَ والدته بأن يفتح الباب رقم ثلاثة «دائمًا» إذا اختار المتسابِق الباب رقم واحد، بغضِّ النظر عمَّا وراءه. سيكون إذن من قبيل المصادفة العارضة فقط أن في هذه المرة كان هناك ماعز؛ فلو كانت السيارة، لانتهَتِ اللعبة عند هذا الحد، ولكانت الخسارة من نصيبك. إذا كان هذا هو منطقه، إذن فإن حقيقة أنه لم تكن هناك سيارة خلف الباب هي بالفعل معلومة إضافية لك، وبذلك يكون موضع السيارة قد اقتصر على الباب رقم واحد أو الباب رقم اثنين، دون أي تفضيلات معروفة. إن مقدِّم البرنامج لم يمنحك أيَّ سبب للتحوُّل إلى الباب رقم اثنين، ولا أي سبب لعدم التحوُّل. لقد كان الغالبية العظمى من مراسلي فو سافان، الذين كانوا يعتقدون أن الأرجحيات قد صارت متساويةً الآن، يضعون هذا الافتراض بلا دراية عن استراتيجية مقدم البرنامج، وربما كانوا في معظم الحالات لا يدركون حتى أنهم يضعونه، ولكنهم كانوا يشعرون بأنهم على حق؛ ولا شك أنهم قد تساءلوا كيف لشخص في ذكاء مارلين فو سافان أن يرتكب مثلَ هذا الخطأ السخيف.
ولكن هَبْ أن مقدِّم البرنامج لم يكن قد قطع أيَّ عهد كهذا لوالدته، وأنه محكوم بمجموعة أخرى من القواعد. قد يرى أنه لا ينبغي له مطلقًا أن يفتح الباب الذي يحوي خلفه السيارة؛ لأن هذا من شأنه أن يُنهِي اللعبة مبكرًا، ويدمِّر الإثارةَ المحيطة بقرار اللاعب. ستكون تكلفة هذا هو اهتمام الجمهور، وبما أنه يعمل في مجال الترفيه، فسوف تكون هذه سياسة منطقية من جانبه؛ لذا فإن كانت استراتيجية مقدم البرنامج تتمثَّل في عدم فتح باب يحوي خلفه سيارة مطلقًا، وكان اختيارك صحيحًا من البداية، يمكنه أن يفتح الباب رقم اثنين أو رقم ثلاثة كما يشاء؛ «ولكن» إذا جاء اختيارك خاطئًا من البداية، والسيارة إما خلف الباب رقم اثنين أو ثلاثة حقًّا، فسوف يفتح الباب الآخَر؛ إذن سيكون قادرًا دومًا على فتح باب يحوي خلفه ماعزًا، ولا يقدِّم لك أي معلومات حين يفعل ذلك.
أيًّا كان موقع السيارة، لم يؤثِّر مقدِّم البرنامج على فرصة أن تكون السيارة خلف الباب رقم واحد، الذي هو اختيارك الأصلي، ولكن إذا لم تكن السيارة خلفه، يكون بذلك قد أخبرك أيًّا من البابين الآخَرين يحوي خلفه الجائزة؛ إذن فقد أخبرك لثلثَي الوقت — حين لم تكن على صوابٍ في اختيار الباب رقم واحد في المقام الأول — أيَّ البابين الآخَرين تختار. إذا كانت هذه هي استراتيجيته، فقد كانت فو سافان على حقٍّ. حوِّل إذن اختيارك بينما الفرصة متاحة لك، وتباهَ بحُسْنِ حظك. إن هذا لا يعني أنك واثقٌ من الفوز إذا حوَّلْتَ اختيارك (فهناك فرصة من ثلاث أنك كنتَ على صواب في البداية)، ولكنه يضاعف فرصتك.
تلك حالة من الممكن أن يكون فيها طرفان بينهما منافَسة ضارية على حقٍّ، اعتمادًا على القواعد الداخلية التي تحكم مقدم البرنامج؛ فإذا فتح الباب بشكل عشوائي (أو وفقًا لوعْدِه لوالدته)، ولم تكن السيارة خلف الباب الذي يفتحه، إذن فقد صارت الأرجحيات بالفعل متساويةً؛ أما إذا كان قد قرَّرَ منذ فترة طويلة ألَّا يفتح الباب الذي خلفه السيارة مطلقًا في هذه المرحلة من اللعبة، فقد منحك نظرةً مختلسة لما خلف الباب رقم ثلاثة، وعليك أن تستغلَّ تلك المعلومة بتحويل اختيارك.
والآن إلى السؤال الصعب والمثير للاهتمام بحقٍّ: ماذا لو أن كل شيء حدث حسبما وُصِف بالفعل، ولكنك في الواقع لم تكن على دراية بأي شيء عن استراتيجية مقدم البرنامج، ومُنِعتَ من السؤال عن ذلك؟ حينئذٍ ستعود إلى وضع متناقضة الجني التي وردَتْ في الفصل التاسع، والتي كانت فيها المعلوماتُ الحيوية (والتي تتمثَّل، في تلك الحالة، في نوايا الجني وحسابه المصرفي) غيرَ متاحة لك ببساطة. إذا فكَّرتَ بالشكل الصحيح، فسوف تدرك أن الاستراتيجية الصحيحة تعتمد بشكل حيوي على الحالة الذهنية لمقدم البرنامج، وهو ليس بصدد أن يخبرك بذلك؛ حينئذٍ سوف يكون عليك ببساطة أن تخمِّن، مثلما استلزم الأمر مع الجني، وسيكون القرار بشأن التحوُّل من عدمه أفضل كلما كان تحليلُك النفسي لمقدم البرنامج أدقَّ. ألَيست هذه هي الطريقة التي تسير بها الأمور في الحياة؟ الأمر الواضح وضوحَ الشمس أنه لن يكون هناك ضير في التحوُّل؛ لأنه حتى لو كان مقدِّم البرنامج قد وعد والدته، فإن الأرجحيات متساوية؛ ومن ثَمَّ لن تخسر شيئًا. لقد كانت فو سافان على حق.
وأخيرًا يمكننا العودة إلى نقطة البداية؛ أي إلى قصة «النمر أم السيدة؟». تشير ابنة الملك للعاشق ذي الحظ التَّعِس كي يفتح الباب إلى اليمين، ويفعل؛ لو أن القصة قد كُتِبت حديثًا، وليس من أكثر من مائة عام مضَتْ، لابتُكِرَت نظرية للقرار؛ وحينئذٍ، وبلا شك، كان الحبيب التعيس الحظ سيُنعم التفكير في الصراعات التي لا بد أنها تشغل عقل الأميرة، وكان سيتوصَّلُ إلى الحكم الأفضل بشأن ما قد تكون قرَّرَتْ أنه يخدم مصالحها الشخصية؛ ومن ثَمَّ يواصِل بطريقةٍ تؤهِّله لتعظيم فُرَصه في مستقبل سعيد. لقد أعطانا ستوكتون الخطوة الأولى فقط. لا أحد تقريبًا قرأ الجزء المكمل لقصة «النمر أم السيدة؟»، ويُعَدُّ هذا وقتًا مناسبًا لعمل ذلك.

الفصل الثاني والعشرون
القانون والمحلفون


بدأ توماس بين، مؤلِّف كتيبات الثورة الأمريكية العظيم، كتيبه المعروف «المنطق السليم» (فبراير ????)، بقوله إن المجتمع قد صار ضرورةً بفعل احتياجاتنا، والحكومة بفعل شرورنا. فكِّرْ في الأمر؛ إن القوانين تعبير عن أهداف الحكومة، وليس أهداف المجتمع؛ فهي تخبرنا بتعريف الحكومة للشر، والقدر الذي ستتجاوز عنه الحكومة، والعقوبة التي ستُنزِلها الحكومة بهؤلاء الذين يُضبَطون وهم يتجاوزون الحدودَ المقبولة. وحين نحاول تعريفَ الشر، وقياسَ حدود الشر، ونحدِّد العقوبةَ المناسبة للمذنبين، فتلك هي اللحظة التي يتحوَّل فيها القانون إلى عملية صنع قرار.
لن يواجِه هؤلاء الذين يبحثون عن نصائح بشأن مسائل قانونيةٍ صعوبةً في العثور على محامٍ؛ فهناك ما يقرب من مليون محامٍ في الولايات المتحدة؛ أي حوالي ضعف عدد الأطباء المتواجدين هناك، وأكثر من هذا عدد المحامين في بقية أنحاء العالم مجتمعة، مع أن بلادنا تحوي أقلَّ من ? بالمائة من سكان الأرض. وتكلِّف الخدمات القانونية الأمريكيين ما يزيد عن ??? مليار دولار سنويًّا؛ أي حوالي خمسمائة دولار سنويًّا لكلِّ واحد منَّا، فيما يتجاوز متوسطُ دخل المحامين دخْلَ أي مهنة أخرى. بالإضافة إلى ذلك، عددُ المحامين لكلِّ مواطن في ولاية كاليفورنيا — مسقط رأس مؤلف الكتاب — ضعفُ نظيره في بقية أنحاء البلاد.
سيتناول هذا الفصل كيفيةَ اتخاذ القرارات داخل هذا الإطار. لن نتساءل كيف تصنع القوانين نفسها؛ فالمقولة القديمة تقول إن مَن يحبُّون القوانين أو النقانق لا ينبغي أن يسألوا كيف صُنِعت. كما أن مستوياتنا المتنوعة من الحكم أنتجَتِ العديد من القوانين؛ ولا يوجد شخص فعليًّا يعرف ولو نسبةً صغيرةً منها. هناك مزحة مفادها أن القوانين الإلهية لم تتجاوز العشرة قوانين، ومع ذلك لم يستطع البشر فهمها فيما يبدو. ويوجد الآن عدد أكبر منها؛ تضم قوانينُ مصلحة الضرائب الفيدرالية ما يقرب من عشرة آلاف صفحة من النثر المكثف المبهم المرهق، وغالبًا ما تكون غامضةً أو متناقضةً مع نفسها داخليًّا، ومليئةً باستثناءاتٍ لاستثناءاتِ الاستثناءات، ومن الواضح أنها ليسَتْ مكتوبةً بحيث تكون مفهومةً حتى لأكثر المواطنين دافعي الضرائب ثقافةً وتعليمًا. (تُظهِر اختبارات عارضة جديرة بنشرها بالصحف أن الممثلين الرسميين لمصلحة الضرائب الفيدرالية في أغلب الأحيان يقدِّمون إجاباتٍ خاطئةً للأسئلة الضريبية الحقيقية التي يطرحها المواطنون الحقيقيون.) وقانون المركبات الآلية وحده، والخاص بولاية كاليفورنيا وحدها، يملأ ألفًا وخمسمائة صفحة بطباعة صغيرة بتفاصيل مملة ومضجرة، فيما يملأ قانونُ العقوبات لولاية كاليفورنيا ألفَيْ صفحة، وهناك قوانين أخرى أكثر بكثير؛ فنحن دولة ترزح تحت هيمنة قانونية بالغة إلى حد بعيد، وحوالي نصف مشرعينا الفيدراليين، والسيناتورات، وأعضاء الكونجرس محامون؛ لذا فليس لديهم هم وأصدقائهم حافزٌ كبير للحدِّ من هذا التعقيد؛ فالتعقيد والغموض هما أساس عمل المحامين والقضاة.
لا بد أن مهنة المحاماة كانت مختلفة عن ذلك في وقت من الأوقات؛ فعلى الرغم من أن جورج واشنطن كان رئيس الجمعية الدستورية في عام ????، كان أكثر من نصف الحاضرين محامين. غير أن الدستور سهل القراءة ويُعَدُّ في نفس الوقت إنجازًا رائعًا في الموازنة بين المصالح المتضاربة، وفي الوقت ذاته لا يزال يقدِّم مخططًا أوليًّا لأي حكومة فاعلة. وإذا كانت الحكومة تبدو بلا فاعلية الآن، فذلك خطؤنا، وليس خطأهم.
والعبء المتزايد للقانون ليس بمشكلة جديدة؛ فنادرًا ما يكون هناك أيُّ حافز قوي لإلغاء قانونٍ ما، فيما توجد رغبةٌ قوية مستمرة لإصدار قوانين ولوائح جديدة لمواجهة أي مشكلات جديدة أو مشكلات مُدرَكة حديثًا. يقال إن الطبيعة تمقت الفراغ (وهي مقولة دائمًا ما كان الكاتب يعتبرها حمقاء؛ فلما كانت الغالبية العظمى من الكون الطبيعي هي فراغًا ضخمًا في الواقع، فلا بد إذن أن الطبيعة تعشق الفراغ)، ولكن أي فراغات في كتب القانون تميل لأن تُملَأ فور إدراكها. وتُعتبَر القوانينُ الجديدة ضروريةً لحلِّ المشكلات الظاهرة الحالية، ونادرًا ما تُلغَى حين تتلاشى المشكلات؛ فلا يوجد جمهور يضغط من أجل إلغاء القوانين غير الضرورية؛ فالقوانين لا تُلغَى إلا عندما تسبِّب إزعاجًا حقيقيًّا وتثير جلبةً صاخبةً بين فئاتٍ سكانيةٍ يجاهر أفرادها بآرائهم بوضوح. فلا تُلغَى القوانين عندما تفقد أهميتها، أو تنطبق على عدد محدود للغاية من الحالات، لدرجة أن عدم وجودها في الكتب لن يسبِّب خسارةً كبيرةً. (في كاليفورنيا، قد يتمُّ ترخيص مركبة آلية مُصنَّعة قبل عام ???? ? «عربة بلا أحصنة»، ولكن لا بد في هذه الحالة أن تُزوَّد بمرايا للرؤية الخلفية، وكاتم صوت، ورفارف، حتى لو لم تكن مزوَّدةً بهذه التجهيزات من الأصل. كم عدد السيارات التي ينطبق عليها ذلك؟)
لذلك، ومن خلال عملية تكديسٍ لقوانين لا تتغيَّر، في مجتمعٍ دائمِ التغيُّر، فإن معظم القوانين في الواقع ليس لها أهمية ومهجورة، ربما يكون وضعها هكذا هو أفضل ما يمكن. (هناك مقولة شائعة بين مديري الشركات تقول إن في أيِّ وقت تُعِيد هيكلةَ أي شركة، فأنت تنجح بالفعل في حلِّ المشكلة التي كانت تؤرقك، وفي نفس الوقت أنت تُعِيد إلى الوجود المشكلةَ التي كانت عمليةُ الهيكلة السابقة قد تعامَلَتْ معها وحلَّتْها؛ فأنت نسيتَ أمرها لأنها حُلَّت من قبلُ.)
حين تَولَّى الإمبراطور البيزنطي جستنيان الأول الحكْمَ في العام ??? ميلادية، ورث ألف عام من تراكُم القوانين الرومانية، التي صِيغت عبر قرون على يد أجيال من القانونيين والأباطرة، ومجموعة أخرى متنوعة من الملوك والولاة المستبدين، ونادرًا ما كانت تُلغَى؛ لقد كانت أشبه بغابةٍ. كان من الممكن آنذاك، مثلما هو الحال اليوم (وظللنا على هذا الحال لمائتَيْ عام)، أن تجد دعمًا قانونيًّا للآراء المتعارضة في معظم القضايا؛ فقرَّرَ جستنيان، بشكل يستحق الإشادة، أن يفعل شيئًا حيال ذلك. (لقد ذكرنا بالطبع في الفصل الحادي عشر فيما يتعلَّق بماريا تيريزا، أنك إذا أردتَ للأشياء أن تُنجَز، فمن المفيد أن تكون إمبراطورًا.) أعلن الإمبراطور جستنيان عن الحاجة لإصلاح قانوني، واستدعى أفضلَ القانونيين في إمبراطوريته، وحثَّهم على البدء في مهمتهم، واكتمَلَ إنجاز الجزء الأول من المهمة في أربعة عشر شهرًا. بعد ذلك تمَّ تعيين مجموعة أخرى لإنجاز ما تبقَّى من المهمة، واكتملَتْ مهمة إصلاح ألف عام من القانون الروماني بحلول عام ???. استغرقَتِ العملية ستةَ أعوام من العمل، وأنجزَتْها مجموعة من الأشخاص، وأُلغِيت جميعُ القوانين العتيقة المتحجِّرة بعدَها بمرسومٍ إمبراطوري. قارِنْ ذلك بموقفنا الحالي؛ حيث يمكن أن يستغرق الأمرُ تلك الفترةَ الطويلة لسَنِّ قانون واحد عديم الأهمية.
في النهاية، ظلَّتْ منظومة القوانين التي عمَّمها جستنيان بشكل أو آخَر في الدول التي كانت يومًا ما جزءًا من الإمبراطورية الرومانية، والمعروفة الآن بدول القانون المدني، وتضم معظم أجزاء أوروبا؛ لقد كانت روما إمبراطورية بحقٍّ. تتميَّز مثل هذه الدول باتِّباع أسلوبٍ يتدرَّج من أعلى لأسفل في التعامُل مع القانون؛ حيث يُعتبَر محتوى أيِّ قانونٍ أهمَّ من السبب الأصلي لظهوره؛ وفي مثل هذه الدول يطغى القانونُ المكتوب على العُرْف والسوابق.
والعكس في دول القانون العام؛ حيث تكون العادات التي تكوَّنت مع تطوُّر المجتمع عنصرًا مهمًّا من عناصر القانون، وفي هذه الدول يُقصَد (على الأقل بشكل جزئي) أن تكون القوانين تعبيرًا رمزيًّا للخبرة العامة المقبولة. في مثل هذه الدول (تُعَدُّ بريطانيا العظمى والولايات المتحدة أبرز أمثلتها) تتَّسِم السابقة القضائية — أيُّ قرارات سابقة أصدرَتْها محاكم أخرى، والتقاليد العادية البحتة — بأهميةٍ حيويةٍ لأيِّ حجة قانونية، والاعتماد البالغ على السوابق في تفسير القوانين الغامضة له أهميته في تقليل احتمالية حدوث تناقض داخلي. وبناءً عليه، نصَّتِ الماجنا كارتا على أنه لا يمكن تحميل أحدٍ مسئوليةَ إصلاح جسر، «ما لم يكن» مسئولًا بشكل قانوني بحكم العادات القديمة؛ فالقانون ليس مُعَدًّا لكي يقف بمفرده، بل أُعِدَّ ليعكس تاريخَ المجتمع. وقد قال تشارلز إيفانز هيوز، رئيس المحكمة الأمريكية العليا في ثلاثينيات القرن الماضي، إننا لدينا دستور بالفعل، ولكن «الدستور هو ما يقول القضاة إنه الدستور». إن المحكمة العليا بالفعل هي محكمة الملاذ الأخير، وما يقوله الدستور فعليًّا أقلُّ أهميةً ممَّا تعلَّمناه في المدرسة.
في وقت كتابة هذه السطور كان أحد الأطباء يُحاكَم في ميشيجان لارتكابه شيئًا ليس فيه انتهاكٌ لقانون مكتوب، ولكنَّ الادِّعاء قدَّمه للمحاكمة بتهمة انتهاك القانون العام غير المكتوب؛ وهذا الخيار المتاح للمدَّعين يفتح عالَمًا جديدًا بالكامل.
من الواضح أن الفَرْق بين الأسلوبين ليس دقيقًا؛ فكلٌّ منهما يجسِّد بعضَ عناصر الآخَر، ولكن الفلسفات الكامنة وراءهما وأصولهما تختلف؛ فالقانون في دول القانون العام — مثل الولايات المتحدة — تراكمي لكلا السببين؛ إصدار القضاة قرارات تضاف لمنظومة السوابق («القانون القضائي» هو المصطلح المستخدَم لوصف هذه العملية)، وإصدار الأجهزة التشريعية العديدَ من القوانين، مع إلغاء القليل منها. بالإضافة إلى ذلك، شهدت الولايات المتحدة زيادةً بالغةً في عدد الوكالات التنظيمية في النصف الثاني من القرن العشرين؛ تُصدِر هذه الوكالات قدرًا كبيرًا من اللوائح التنظيمية في مناطق مسئوليتها، وهي لوائح لها قوة القوانين. (هذا هو عملها؛ فلو لم تصدر لوائح وتطبقها، لَاعتُبر ذلك فشلًا منها في مهامها كجهات تنظيمية.) لذلك إذا ظللنا، مثل الإمبراطورية الرومانية، في هذا الجنون لألف عام — وهو الأمر المستبعَد إلى حدٍّ كبير من وجهة نظر المؤلف — فسنواجه مشكلةَ جستنيان على نطاقٍ لا يمكن تخيُّله.
ما علاقة هذا بصنع القرار؟ علاقة وثيقة بالطبع؛ لأنك لا تستطيع — كما أكَّدنا على مدار الكتاب — أن تتخذ قرارات تستهدف تحقيق هدفٍ ما دون أن تكون ماهيةُ هذا الهدف واضحةً في عقلك، وإلا وقعتَ في الفخ الذي عبَّرَ عنه ببراعةٍ فيلسوفٌ ألمانيٌّ نقَلَ كلماتِه يوجين فيجنر، حين قال إن الفلسفة هي سوء استخدامٍ لمصطلحات فنية ابتُكِرت لهذا الغرض خصيصى. كمثال واحد بسيط للغموض المتعمَّد في القانون، نجد الكثير من الإشارات لما سيفعله «الشخص العقلاني»، وغالبًا ما تكون مسئوليتنا أن نتصرَّفَ كأشخاص عقلانيين، خشيةَ أن نُعاقَب لانتهاك القانون؛ وذلك الغموض (نحن أنفسنا، بالطبع، دائمًا ما نكون عقلانيين، ولكنَّ أصدقاءنا لا يتَّسمون بالعقلانية دومًا، أما الأعداء فلا يمتلكون ذرَّة من العقلانية) يجيز للقانون اتِّباعَ الاتجاه السائد دون تغيير الكلمات. إن صنع القرار في مجال القانون يقوم على تحيُّزات ضمنية يُفترَض أن تعكس الأهدافَ المجتمعية، ويمكن أن تتغير دون تكبُّدِ عناءِ تغييرِ القوانين.
ألَيس تحرير شخص بريء أهم من منع شخص مذنب حقًّا من التسبُّب في مزيدٍ من الضرر والإفساد؟ هل نفضِّل أن يعاني بعضُ الأبرياء في السجن، أم أن يُطلَق سراح بعض معتادي الاغتصاب أو القتل كي يعاوِدوا مزاولةَ جرائمهم؟ في معظم الحالات المتنازع عليها يكون هناك شكٌّ حقيقي كافٍ إزاء الإدانة، حتى إن كلتا النتيجتين غير المرغوب فيهما لأي محاكمةٍ تكونان واردتَي الحدوث على أقل تقدير. وقد حدث كلا الأمرين عدة مرات بالفعل؛ إن قواعدنا الخاصة بصنع القرار تحدِّد في أي اتجاه نميل، ولكن لا ينبغي أن نواسي أنفسنا بوهمِ أن كلتا النتيجتين غير المرغوب فيهما يمكن تجنُّبهما؛ فهذا غير ممكن في مواجهة أي شك حقيقي. فإذا أردتَ أن تطلق كلَّ الأبرياء، فسوف تطلق أيضًا بعض المذنبين معهم، وإذا أردتَ أن تدين كلَّ المذنبين، فسوف تدين بعض الأبرياء؛ لا يمكنك أن تحقِّق كلا الأمرين معًا.
بالطبع لا تُعَدُّ الإدانة بجريمة أو البراءة منها سوى نوعٍ واحدٍ من المسألة القانونية؛ فلا بد أن نتحدَّث أيضًا عن الجوانب الأخرى لصنع القرار القانوني؛ مثل حقوق الملكية، وما يُسمَّى بالحقوق المدنية، ومجموعة من مشكلات صنع القرار القانوني الأخرى. سيكون ذلك جرعةً زائدة من القانون، ومن شأنه أن يجعل هذا الفصل يطغى حجمًا على بقية الكتاب؛ لذا سوف نتخيَّر بعضَ القضايا التوضيحية ونترك البقية لخيال القارئ.
بريء أم مذنب؟

على مدار قدرٍ كبيرٍ من فترات التاريخ القديم، كانت مسائل الإدانة أو البراءة سهلةَ الحل نسبيًّا؛ فقد كانت الآلهة تَعرف الإجابة الصحيحة؛ لذا كانت المشكلة الوحيدة في إيجاد الحقيقة الحقيقية تكمن في فهم لغة الآلهة. فحين سأل الربُّ قابيلَ: «أين أخوك هابيل؟» كان السؤال بلاغيًّا؛ لأنه بالطبع كان يعرف. (وقد تساءل ستيفن برامز، أحد دارسي نظرية الألعاب: لماذا اختار الرب أن يلعب تلك اللعبة؟) كان ذلك، على أي حال، تواصُلًا مباشِرًا. في مجتمعات أخرى لم تكن الآلهة تميل دومًا للتواصل بهذا القدر؛ لذا كان ضروريًّا إما خداعهم وإما مداهنتهم؛ لدفعهم للإفصاح عن حقائق الأمر. وفي العديد من المجتمعات القديمة (وبعضها ليس قديمًا للغاية) كان (ولا يزال) مفترضًا بالكهنة والملوك الآخرين أن يكونوا على اتصالٍ مباشِرٍ بالآلهة، حتى يستطيعوا أن يكونوا بمنزلة وسطاء في تلك الأحكام، أو يستطيعوا قراءة الإشارات المرسلة من الآلهة؛ وهناك الكثير من التنويعات على هذه الفكرة. ولكن لا يوجد في هذه الترتيبات القديمة أيُّ اعتراف بأنه قد يكون هناك لايقين حقيقي؛ فذاك مفهوم جديد نسبيًّا للجنس البشري. ولما كانت الآلهة تعرف، فقد كان الأمر يقتصر فقط على دفعها للتحدُّث. ثمة أثر باقٍ من هذه النظرية في عادتنا الحالية المتمثِّلة بمطالبة الشهود بحلف يمين (وهو المصطلح الذي تمَّتْ علمنته الآن ليصبح إدلاءً بشهادة)؛ نظرًا لافتراض وجود سلطة أعلى تعرف الحقيقة، وسوف تغضب من الأكاذيب. يفترض بالشهود أن يؤمنوا بهذا؛ ومن ثَمَّ أن يكونوا أكثر تحفُّزًا لإخبار الحقيقة حين يكونون تحت القسم. (هناك عقوبات قانونية للكذب تحت القسم، ولكن ليس للكذب اليومي العادي؛ وهو فارق طالما حيَّرَ مؤلف الكتاب.)
تقوم إجراءات مثل المحاكمة بالمبارزة، والمحاكمة بالمحنة، والمحاكمة بالنار، والمحاكمة بالغرق، وحتى المحاكمة بالتعذيب، على مبدأ أن الآلهة سوف تحرص على أن تعكس النتيجةُ حقيقةَ الأمر في القضية.
من الكتب الرائعة في هذا الموضوع كتاب «مطرقة الساحرات»، الذي تم تأليفه في عام ???? للتعامل مع المشكلات القانونية المرتبطة بوجود الساحرات في المجتمع. كان أهل ذلك العصر (على الرغم من اعتدادنا بأنفسنا، فهم لا يقلُّون ذكاءً عنَّا بأي حال) يعتقدون أن العالَم المسيحي يتعرَّض لهجمة من الشيطان، وأن أتباعه الفاسدين، أيِ الساحرات، حَوْلنا في كل مكان؛ في ظل هذا الاعتقاد (وسوف تبدو معتقداتنا في النهاية مضلَّلةً بشكل مماثل)، كان واضحًا أن قطع دابر الساحرات هي مسألة بقاء؛ فعند التعرُّض لهجوم، يعمد المرء للمقاومة وصدِّ الهجوم. كانت المخاطر عاليةً، والحرب من أجل حماية أرواحنا مستعرة، وكانت محاكم التفتيش هي النتيجة. ولكن كان واضحًا بنفس القدر، حتى آنذاك، أن أي شخص مَوْتور كان يستطيع حسم أي ضغينة شخصية من خلال توجيه اتهام كاذب بالسحر؛ لذا كان من الضروري الحرصُ على التوصُّل لحقيقة المسألة، ومعرفة إذا ما كانت المتهمة تعمل حقًّا بالسحر. وقد بذل قاضيا التفتيش اللذان قامَا بتأليف الكتاب (والذي صدَّق عليه البابا باعتباره مصدرَ الحكمة الرسمي عن موضوع السحر) قصارى جهدهما للتأكُّد من ثبوت الإدانة بشكل دامغ (وفقًا لمعايير الزمن) قبل إعدام الساحرات. لم يكن وجود ساحرات من عدمه محلَّ بحثٍ — فقد أطال كتاب «مطرقة الساحرات» النقاشَ حول هذه النقطة — بل كان محور التركيز معرفة إذا ما كانت متَّهَمةٌ بعينها تشتغل بالسحر أم لا.
إذن لم يكن الغرض من التعذيب انتزاعَ اعتراف من امرأة بريئة، بل اختبار مدى سيطرة الشيطان عليها؛ وعلى ذلك تكون المرأة التي تعترف دون تعذيب، أو بعد بدء عملية التعذيب مباشَرةً، مذنبةً بالطبع، ولكن الاعتراف الفوري يوفِّر إمكانية التطهُّر والخلاص من الخطيئة. أما المرأة التي لا تعترف إلا بعد تعذيب شديد، يكون واضحًا أنها قد تلقَّتِ المساعدة من الشيطان، الذي لا بدَّ أنه تربطه علاقة بها. أما أسوأ تلك النسوة فهن مَن لا يعترفن مطلقًا، حتى تحت التعذيب الشديد؛ لأن هذا ببساطة لا يمكن أن يتم دون سيطرة كاملة من الشيطان. أجل، قد يبدو لنا ذلك منطقًا ملتويًا، ولكنه لم يكن يُعتبَر كذلك لدى أولئك الذين كانوا يحاولون تخليصنا من الساحرات، وكانوا يسعون لتحديدهن عن طريق اختبار تأثير الشيطان عليهن؛ كان كل ذلك من أجل إنقاذ الحضارة المسيحية، وكتاب «مطرقة الساحرات» ينصُّ صراحةً على أن «العدالة العامة تقضي بوجوب عدم الحكم على ساحرةٍ بالموت ما لم تُدَنْ باعترافها»؛ ولذلك كان الاعتراف مهمًّا. ولعل ذلك معيارٌ أعلى للإدانة ممَّا نلتزم به الآن للجرائم التي عقوبتها الإعدام، ولكننا بالطبع لسنا بنفس البراعة في انتزاع الاعترافات.
هناك فقرة كاشفة في «مطرقة الساحرات» عن المحاكمة بالحديد الساخن؛ فبحكم تقليد قديم، كان لأي شخص متَّهم بجريمةٍ الحقُّ في المطالَبة بمحاكمةٍ بالحديد الساخن، والتي كان يمكن للشخص من خلالها أن يحاول حملَ قضيبٍ حديدي ساخن لمسافة معينة؛ كان نجاح الشخص في ذلك يعني إطلاقَ سراحه. يورد كتاب «مطرقة الساحرات» حالةً طالبَتْ فيها ساحرة (كانت معروفةً في القرية بأنها ساحرة حقيقية) بالحق الأصيل في المثول لمحاكمةٍ بالحديد الساخن، بالطبع سُمِح لها بذلك — لم يكن ثمة سبيل للرفض — وتمكَّنَتْ من حمل القضيب الحديدي ضعفَي المسافة المطلوبة؛ ووفقًا للعادة القديمة أصبح حتميًّا إطلاقُ سراحها. رأى مؤلِّفَا كتاب «مطرقة الساحرات» تلك النتيجةَ بمنزلة إجهاض خطير للعدالة؛ إذ كان محالًا أن تكون الساحرةُ قد تمكَّنَتْ من حمل الحديد لتلك المسافة دون مساعدة الشيطان، ولم يكن الشيطان بدوره ليُسدِي إليها تلك المساعدة ما لم يكن ذلك تقديرًا لولائها؛ ولكن كان لا بد من إطلاق سراحها، ولم يَعُدْ حق المحاكمة بالحديد الساخن مُعترَفًا به للساحرات المدانات. وَلْنكتفِ بهذا القدر من الحديث عن الساحرات.
بمجرد أن نخرق النموذج المنطقي من خلال الاعتراف بأن حقيقةَ أي جريمةٍ ما قد لا تكون معروفةً لأي شخص (ما عدا المتهم على الأرجح)، وأن الآلهة لن تُسدِي أي نفع؛ تصبح مشكلة صنع القرار أصعبَ بكثيرٍ، وتلك هي النقطة التي نقف عندها ونحن في نهاية القرن العشرين. في التعريف البحت للايقين الذي وصفناه في الفصل الثالث، يوجد لايقين بشأن إنْ كان متَّهمٌ ما مذنبًا أم لا، وتكمن المشكلة الاجتماعية في كيفية اتخاذ القرارات اللازمة في مواجهة هذا اللايقين؛ ويعتمد هذا بشكل حتمي، كما هو الحال دائمًا، على أهدافنا. وإحدى الطرق المستخدمة لدينا، في الولايات المتحدة، هي عرض القضية على هيئة محلفين.
لهيئات المحلفين تاريخ غامض؛ فيُعتقَد أنها قد ظهرت لأول مرة في زمن شارلمان، وأنها قد نُقِلت إلى إنجلترا على يد النورمانديين، وغالبًا ما يُعزَى تاريخ استخدامها في الدول الناطقة باللغة الإنجليزية إلى وثيقة ماجنا كارتا (????ق.م)، ولكن في الحقيقة لا يوجد في الماجنا كارتا شيء عن هيئات المحلفين. صحيح أن الوثيقة تعلن أن بعض العقوبات قد لا تُفرض إلا «بقسم رجالٍ أمناء في الجيرة»، ولكن ذلك دور قضائي. وتنص نفس الوثيقة على أن السلوك السيئ من جانب الإيرلات والبارونات قد لا يُعاقَب عليه إلا من خلال أقرانهم، ولكن ذلك من قبيل تقييم النظراء، وليس محاكمة أمام هيئة محلفين.
وبغضِّ النظر عن أصل هذه الفكرة، فقد ترسخت منذ حوالي خمسمائة عام، ونمَتْ ببطء في أوروبا الشرقية، ثم عبرت القنال وصولًا إلى إنجلترا؛ حيث انتقلت من هناك إلى الولايات المتحدة (مستعمرات إنجلترا في ذلك الوقت)، بعدها واجهَتِ انحدارًا في شعبيتها في بقية أنحاء العالم، ولكنها ظلَّتْ تتنامى وتتسع هنا. كانت محاكمات هيئة المحلفين إما مهجورةً، وإما على وشك الاضمحلال في معظم الدول المتحضرة، باستثناء الولايات المتحدة التعيسة الحظ؛ فالمحامون يحبونها، وتُعَدُّ روابط المحامين أطرافًا مساهمة ذات ثقل في هيئات المشرعين التي تعوق التطوير. ينص دستورنا صراحةً على الحق في محاكمةٍ أمام هيئة محلفين محايدة، و?? بالمائة من إجمالي محاكمات المحلفين التي تنعقد في العالم بأسره تنعقد في الولايات المتحدة. وعلى الرغم من هذا الاعتقاد الشائع، والذي يعزز في المدارس، فإن الدستور «لا ينصُّ» على أي شيء بشأن أيِّ حقٍّ في المثول أمام هيئة محلفين مكوَّنة من أقراننا؛ وإنما يُشترط فقط أن تكون هيئةُ المحلفين محايدةً. وهناك اشتراطات أخرى لاحقة مثل أن تكون هيئة المحلفين ممثلةً للمجتمع، وأن يكون للمتهمين دورٌ في اختيار هيئة المحلفين التي تحاكمهم، وتلك الاشتراطات أيضًا لم تَرِدْ في الدستور. (وربما كانت محلَّ سخرية من جانب الجمعية الدستورية.) ينعقد ما يزيد على مائة ألف محاكَمة محلفين كلَّ عام في الولايات المتحدة؛ ولا توجد دولة أخرى تقارب هذا الرقم، ولا يعرف مؤلِّف هذا الكتاب دولةً واحدة يحقُّ فيها لمتهم أن يختار هيئةَ المحلفين التي ستحاكمه. ويُعَدُّ البحث عن هيئة المحلفين المناسبة مكوِّنًا رئيسًا في الإعداد للمحاكمة في الولايات المتحدة، ولو كان البحثُ عن الحقيقة وتحديدُ الحقائق هما الهدفين الحقيقيين لأي محاكمة أمام هيئة محلفين، فإن هذا يبدو من قبيل الجنون في نظر المؤلف، ولكن من الواضح أن هذا المؤلِّف ليس محاميًا.
طرأ تغيُّر كبير وجوهري على شخصية المحلفين في الولايات المتحدة خلال العقود القليلة الماضية؛ فحتى وقت قريب للغاية، كانت معاييرُ اختيار هيئات المحلفين هي المعايير الدستورية إلى حدٍّ كبير، وعلى رأسها شرط الحيادية، ولم يكن هناك قيود على البحث عن محلفين أكْفاء، حتى لو كانوا محلفين على علم بشيء عن الموضوع محل النزاع. كانت الدوائر القضائية الفيدرالية (وعددها تسعون دائرةً على مستوى البلاد)، بشكل عملي، تتبع الممارسات والتقاليد المعتمدة في الولايات التي تتواجد بها، وكانت المعايير تختلف بشكل كبير بين الولايات، ولكن في عام ???? أقَرَّ الكونجرس قانونًا يشترط «اختيار» هيئات المحلفين الفيدرالية «عشوائيًّا من قطاع عريض نزيه من المجتمع». كان ذلك قانونًا، وليس بندًا من بنود الدستور؛ لذلك، وبدءًا من عام ????، أصبح لدينا في المحاكم الفيدرالية تشديدٌ أكبر كثيرًا، سرعان ما انتقَلَ إلى بقية المنظومة، على التمثيل المتناسِب في هيئات المحلفين، إلى الحد الذي صارت عنده الكفاءة والمعرفة تُعتبَران عمليًّا معوقاتٍ إقصائيةً. إن المهمة المدركة لمحامِي كلِّ طرف من أطراف القضية هي إقناع هيئة المحلفين بصحة رؤيتهم للحقائق؛ ما يجعل من مصلحة المحامين، بشكل واضح، أن تكون هناك هيئة محلفين يمكن إقناعها؛ أيْ يمكن خداعها، وأفضل مَن يمكن القيام معهم بذلك هم المحلفون ذوو العقول غير المشتتة بالمعرفة أو بفهم الموضوع محل النزاع؛ أو إذا أردنا الحقيقة، هؤلاء الذين يملكون ما يزيد بالكاد عن الحد الأدنى من الذكاء أو التعليم. (إن مؤلف هذا الكتاب يعترف جهارًا بعار عمله كأستاذ جامعي، وبالعار الأكبر وهو حصوله على درجة الدكتوراه — ثمن طيش الشباب ورعونته — لذا يُرفَض على الفور طلب التحاقه بهيئات المحلفين حين تتضح هذه الحقائق للمحامين في القضية. وإنْ لم يُرفَض من أحد الطرفين، يتم رفضُه من الطرف الآخَر بكل تأكيد؛ الأمر يعتمد على الطرف صاحب القضية الأضعف الذي يعوِّل أكثر على إرباك هيئة المحلفين. بالطبع يبالغ المحامون في تقديرهم لِلَّقب والدرجة العلمية، ولكن ماذا يعرفون عن ذلك؟) وقد حكمَتِ المحكمة العليا (مرةً أخرى لم يَرِد هذا في الدستور) بأنه لا يجوز للمحامين رفْضُ محلَّف لأسباب تتعلَّق بالعِرْق، أو النوع، أو الانتماء الديني، ولكن التعليم لا يندرج في هذه القائمة. وكانت نتيجةُ هذا التغيُّرِ الجوهري — وهو بالفعل جوهري — انحدارًا كبيرًا في الثقة بالمنظومة من قِبَل نسبة كبيرة من السكان، عزَّزه بشكل جزئي بعض قرارات المحلفين التي يصعب تبريرها والدفاع عنها في كلٍّ من القضايا الجنائية والمدنية؛ فقرارات هيئة المحلفين، التي تحسم بشكل واضح نزاعاتٍ بشأن الحقيقة، قد لا تخضع للمراجعة والتقييم من جانب أي محكمة في البلاد، وفقًا للدستور؛ فهي قرارات نهائية.
خلال هذه الفترة الانتقالية — من توخِّي الحيادية وإيجاد الحقائق عند اختيار المحلفين إلى التمثيل المتكافئ واللامبالاة — كانت هناك أحداث بارزة، ولكن الحدث الذي سيظل راسخًا في ذاكرة مؤلف الكتاب هو مشهد أحد السيناتورات الأمريكيين وهو يتحدَّث تأييدًا لمرشح للتعيين بالمحكمة العليا الأمريكية، أعلى محكمة في البلاد. كان هذا المرشح قد تعرَّضَ لانتقادات واسعة لكونه ما نسميه الآن قاصرًا ذهنيًّا؛ فلم يكن يبدو على قدر كبير من الذكاء (حتى نكون منصفين، من الممكن أن تكون المظاهر خادعةً)، إلا أن السيناتور دافَعَ عن اختيار الرئيس بالاعتراف بأن المرشَّح قد يكون متوسط المستوى، أتبعه بتصريحٍ بأنه حتى الأشخاص المتوسطون يستحقون التمثيلَ في المحكمة العليا. يبدو الأمر سخيفًا (بل مضحكًا تمامًا)، ولكن بمجرد أن نبدأ طريق المطالَبة بأن تكون أي هيئة محلفين ممثلة لقطاع عريض من المجتمع، لماذا لا نوسِّع نطاق الفكرة ليشمل القضاة؟ يُعَدُّ هذا تغيُّرًا مهمًّا في المعايير، وتلك الحجة تمتدُّ الآن للعديد من قوائم المؤهلات الوظيفية؛ فحق كل فرد في الحصول على وظيفةٍ، له الأولوية على الحق السابق لصاحب العمل في البحث عن الشخص الأكفأ والأجدر للوظيفة. إن الثمن الذي سندفعه مقابل هذا ليس معروفًا بعدُ، ولكن سيكون هناك ثمن.
إن هيئة المحلفين يستعان بها فقط لتحديد الحقائق محل النزاع، وليس تفسير القانون، على الرغم من التشابُك الحتمي بين الأدوار. قد يعتقد أحدهم من قبيل السذاجة أن مسألة الأهداف التي أوليناها أهمية كبيرة في هذا الكتاب لن تكون ذات صلة بتحديد الحقائق، ولكن من الخطأ اعتقاد ذلك؛ فحين يكون هناك شك إزاء الحقائق، يتَّسع المجال لظهور نتائج مختلفة، ويمكن دفع القرار في أي اتجاه بفعل تحيُّزٍ فطريٍّ ما. لقد اكتسبَتْ كلمة «تحيُّز» سمعةً سيئةً، ولكن كل ما تعنيه الكلمة الميل في اتجاهٍ ما، وقد يكون هذا الميل — أو لا يكون — مبررًا باعتبارات أخرى.
على سبيل المثال، في مسألة البراءة أو الإدانة، اتخذنا قرارًا مجتمعيًّا بتفضيل الحكم بعدم الإدانة في القضايا الجنائية، وقد فعلنا ذلك بإلقاء عبء الإثبات على كاهل الادِّعاء؛ فالمتهم بريء حتى تثبت إدانته. في المقابل، في تعاملاتك مع مصلحة الضرائب أنت مدان حتى يمكنك إثبات براءتك؛ فإذا كنتَ تطالب بخفض قيمة ضرائبك، يجب أن تكون مستعِدًّا لإثبات أحقيتك في ذلك؛ إذ إن قَسَمك ليس كافيًا. وإذا اتهمك شرطي المرور بتجاوز السرعة المقرَّرة أو كسر الإشارة، وأقسمْتَ أنك لم تفعل أي شيء من هذا القبيل، فإن من الخيال أن تقول إن عبء الإثبات يقع على كاهله هو؛ فهو يقع عليك أنت.
لذا نوجِّه هيئات المحلفين في الدعاوى الجنائية إلى ضرورة الحكم بعدم الإدانة (وهو يختلف عن البراءة)، ما لم يقنعهم الادِّعاء — بما لا يَدَع مجالًا للشك — بأن المتهم مذنب بالفعل. وهذه الكلمات ما هي إلا محاولة متعمدة لإمالة كفة الأمور قليلًا، وهي تعكس رأيًا (وهو الأمر الذي غالبًا لا يشاركه ضحايا الجريمة) مفاده أن من الأفضل أن تطلق سراح مذنب ليعود للجريمة مرة أخرى عن أن تحبس بريئًا. وإذا انطبق هذا المبدأ على معتادي الجرائم الشنيعة ضد الأفراد، فلن يوافق عليه سوى قلة من الناس في الشارع؛ ولكنْ تلك قوانينُنا، وقد حاول مؤلِّف الكتاب أن يسأل أصدقاءَ له إذا ما كانوا يرون إن كان يجب إطلاق سراح شخص اتُّهِم بجريمة اغتصاب، مع أن فُرَص إدانته بالجريمة متساوية. (معظم المغتصبين ارتكبوا تلك الفعلة من قبلُ؛ فهي ليست من الجرائم التي تُقترَف مرة واحدة في العمر.) وفقًا لعاداتنا وأعرافنا، لا بد أن يُطلَق سراح هذا الشخص؛ إذ إن وجود فرصة إدانة بنسبة ???:??? يشير ضمنًا بالتأكيد إلى شك معقول. ينفعل معظم الناس من جرَّاء السؤال، ويفضِّلون عدم مواجهته، ولكن حين يتعرَّضون لضغط، يودُّون لو تم تطبيق معايير مختلفة للإثبات مع اختلاف الجرائم. وبالنسبة إلى الجرائم مثل جريمة الاغتصاب، حيث يكون من المرجح لشخص ارتكَبَ الجريمة مرةً أن يعاوِد الكَرَّة مرة أخرى، يفضِّل الناس تحرِّي الأمان، حتى لو كان هناك مجالٌ للخطأ في الحكم، أما في حالة الجرائم الأقل شناعةً، أيْ غير الموجَّهة نحو الأفراد، يستيقظ الجانب الرحيم بداخلنا، ولكن قوانيننا ليس بها هذا التمييز.
إن منظومتنا الحالية تُلزِمنا بتعريف الشك المعقول بكلمات بسيطة؛ لأن من غير المتصوَّر أن تتعامل مع مثل هذا المفهوم غير المألوف كاحتمالية قائمة في قاعة محكمة. والحق أن الأمر قد يتحوَّل إلى كارثة حين يكون بين أيدي القضاة والمحامين. (في إحدى الدعاوى الفيدرالية التي استُدعِي فيها مؤلف الكتاب للمثول للشهادة، قال القاضي في جلسةٍ علنيةٍ إنه لا يهتم بالاحتمالية؛ لأنه لو كان مهتمًّا، لَتصرَّفَ كمراهن، و«هذه المحكمة ليست مكانًا للمراهنات». هذا تعليق سخيف بطبيعة الحال، وسرعان ما تمَّتْ الإطاحة به من قِبَل المحكمة العليا.) ولكن في ضوء عدم قدرتنا على التحدُّث عن الاحتمالية، التي تُعَدُّ اللغة الملائمة للتعامُل مع عملية صنع القرار تحت الشك، ماذا نفعل حيال الشك المعقول؟ نتعامل مع الموضوع من خلال الإطناب والمواربة في الكلام، والكلمات المثقلة بالاحتمالات والمتعدِّدة المقاطع، ولكنها في الوقت ذاته بلا أي معنًى. تذكَّرِ الفيلسوفَ الألماني الذي تحدَّثنا عنه آنفًا.
في معظم المحاكم يُعتبَر اختيار الكلمات المناسبة لتعريف الشك المعقول أمرًا مهمًّا لدرجةٍ يجب معها ألَّا يُترَك للقاضي، بل يُعتمَد من قِبَل سلطة أعلى، ربما بعد مشاورات طويلة من جانب فقهاء القانون. وفيما يلي نص التعريف المعتمَد للمصطلح في كاليفورنيا؛ وهو مشابه لنظيره في الولايات الأخرى: يُعرَّف الشك المعقول كالتالي: إنه ليس مجرد شك جائز؛ لأن كلَّ شيء يتعلَّق بالشئون الإنسانية، ويعتمد على الدليل المعنوي، عرضةٌ لبعض الشك الممكن أو الخيالي. إنه تلك المرحلة من القضية التي تكون فيها عقولُ المحلفين — بعد مقارَنةِ واعتبار كلِّ الأدلة — في حالةٍ يعجزون معها عن القول بأنهم يشعرون بقناعة ملزمة، تستند إلى يقين معنوي، بحقيقة الاتهام.
هذا التعريف يعيننا بالتأكيد، ألَيس كذلك؟ فليس عليك أن تكون متأكِّدًا، بل أن تمتلك يقينًا معنويًّا فحسب. هذا اللغو يجب تلاوته، حرفيًّا، على هيئة المحلفين في أي محاكمة جنائية في كاليفورنيا؛ إنه الثمن الذي ندفعه مقابل عدم ذِكْر الاحتمالات في قاعة المحكمة، وهو أحد أسباب استحالة التنبُّؤ بنتائج محاكمات المحلفين. لذا إنْ أردنا في بعض الأحيان إدانةَ الأبرياء، يمكن اتخاذ التعذيب مسلكًا، وهو لا يزال يُمارَس على نطاقٍ واسع في العالم المتحضِّر ظاهريًّا. وإذا فضَّلنا إطلاقَ سراح المذنب، فإن منظومتنا الحالية بارعة في ذلك إلى حدٍّ ما، ولكن لا يمكننا أن نحقِّق الأمرين معًا.
الدقة

تتمركز عملية صنع القرار في مجملها حول مشكلة اتخاذ قرارات معيَّنة في مواجهة الشكوك؛ سواء أكان إزاء الحقائق، أم الاحتمالات، أم المنافع، أم أي شيء كان؛ فالشكوك جزء من مجموعة العناصر التي تدخل في صنع القرار. ويسري هذا أيضًا على مشكلة الإدانة التي ناقشناها في الجزء السابق — فالقوانين فضفاضة بما يكفي، والحقائق غير واضحة بما يكفي، بما يجعل قضية الإدانة أو البراءة صعبةً — حيث يكثر الشك وعدم اليقين.
ثمة وسيلة أخرى لحسم العديد من الشكوك، وهي صياغة القانون ذاته مع وضع التطبيق في الذهن؛ فيمكنك أن تضمِّن الإدانةَ داخل القانون عن طريق صياغته صياغةً مبسَّطة بحيث يكون إثباتُ الإدانة أسهلَ ما يمكن، ويمكن تنفيذ ذلك، بالتبعية، عن طريق التضحية بالغرض الاجتماعي للقانون في سبيل قابلية تطبيقه.
على سبيل المثال، من المفترض أن معظم حدود السرعة على الطرق السريعة هي بدائل للسلامة والأمان؛ وبديهيًّا، لا توجد سرعة آمنة على أي طريق سريع لجميع السائقين، ولجميع المركبات، ولجميع ظروف المرور والطريق، كذلك لا يوجد أيُّ معيار متَّفق عليه يحدِّد كيف ينبغي أن تكون الطرق السريعة آمنة؛ ولعل من أحد أوهامنا السخيفة العديدة أننا لو حاولنا فقط بجهد أكبر، لَاستطعنا القضاء على كل حوادث الطرق السريعة. إن الغرض الأساسي لذلك الوهم هو إعفاء أنفسنا من مشقة تحديد قدر الأمان الذي نريده بالفعل؛ وما نحن على استعدادٍ للتخلِّي عنه من أجل تحقيقه. لا توجد سرعة محدَّدة تفصل ما هو آمِن عمَّا هو خطر بشكل دائم ودقيق؛ فكما يعلم كل قائدي السيارات، هناك متغيِّرات أخرى عديدة؛ فبعض قائدي السيارات لا يستطيعون التحكُّمَ في سياراتهم وهي على سرعة أربعين ميلًا في الساعة، بينما يقود آخرون بسرعات أعلى بكثيرٍ، والعديد من قوانين السرعة (ولكن ليس جميعها) تدرِك ذلك من خلال السماح للسائق المسرِع بادِّعاء (ومحاولة إثبات) أنه كان في الواقع يقود بسرعةٍ وأمانٍ على حدٍّ سواء. (لا تحاول ذلك؛ فليست لديك فرصةٌ تُذكَر للفوز في المحكمة، برغم أنف القانون.) وهناك بعض حدود السرعة المطلقة لا تُطبَّق عليها أي استثناءات، وهي تلك المنصوص عليها في قوانين السرعة الأساسية، وقد كان لدى الولايات المتحدة بأسرها مثل هذا الحد المطلَق للسرعة، البالغ خمسة وخمسين ميلًا في الساعة على مدى عشرين عامًا. صحيح أن الأمر قد بدأ كوسيلة للحفاظ على البنزين بعد الحظر الأول للنفط العربي عامَيْ ???? و???? (لن يكون هناك أي حظر آخَر)، ولكن تمَّ الإبقاء عليه لعشرين عامًا بعدها لأسباب تتعلَّق بالأمان. (قبل فرْضِ الحد القومي للسرعة، لم يكن لدى بعض الولايات أيُّ حدود للسرعة على الإطلاق، وكان القانون يشترط الحذر فقط. لكن إثبات رعونة سائقٍ ما في القيادة أصعبُ كثيرًا من قياس سرعته؛ ومن ثَمَّ يفضِّل مسئولو تطبيق القانون حدودَ السرعة المطلقة بدرجةٍ أكبر. إن تجنُّبَ اتخاذ القرار، وليس تجنُّب الصدام، هو ما يقف وراء مسألة حدود السرعة.)
لقد ذكرنا أن العربات غير المزوَّدة بأحصنة في كاليفورنيا لا بد أن تكون لها رفارف، ومَرايا للرؤية الخلفية، وكاتم صوت؛ فلِمَ لا يتم تركيب المجموعة الكاملة لتجهيزات الأمان؟ لِمَ لا يُفرَض حدٌّ على ضوضائها، بدلًا من اشتراط تركيب كاتم صوت ليس له فاعلية محدَّدة؟ حسنًا، بإمكانك رؤية المرايا، والرفارف، وكواتم الصوت، ولكن لا يمكنك رؤية الضوضاء. وكمثال آخَر، من غير الآمن بشكل واضح أن تقود بزجاج أمامي يحجب الرؤية، ولكن ما قدر الحَجْب المطلوب لكي يمثِّل الأمر مشكلةً؟ في كاليفورنيا (وَلْنلتمس العذرَ لمؤلف الكتاب لتكراره الحديث عن ولايته؛ فقوانين كاليفورنيا متاحة له، والولايات الأخرى لديها قواعد مماثلة) من القانوني أن تُحجَب مساحةٌ مربعةٌ قطرُها خمسُ بوصات على أحد جانبي الركن السفلي من الزجاج الأمامي الأقرب للسائق، ولكن المساحة المحجوبة يمكن أن تكون سبع بوصات على الجانب الآخَر. كلنا يعرف أن مربعًا قطرُه خمسُ بوصات، بالنسبة إلى بعض أنواع الزجاج الأمامي وبعض السائقين (لا سيما ذوي القامة البالغة القِصَر)، يسبِّب حجبًا بالغًا للرؤية، بينما سائق ذو قامة طويلة للغاية لا يلحظ حتى ذلك الجزء من الزجاج الأمامي، ولكن القانون على هذه الصياغة يسهل تطبيقه؛ فهو يتجنَّب اتخاذَ قرارٍ في المحكمة، على الرغم من أنه يحمل صلةً محدودة بغرضه المزعوم.
سيجد المرء في كل كتب القانون قوانينَ وقواعدَ مصاغة لتسهيل عملية تطبيقها، موفِّرةً بذلك حدودًا قاطعةً للخط الفاصل بين الصواب والخطأ، والذي يُعَدُّ في الواقع ضبابيًّا للغاية. يحمل هذا ضررًا جوهريًّا لأي ديمقراطية؛ لأنه في الواقع يسلم لوكالات تطبيق القانون عملية صنع القرار التي ينبغي أن تئول للمنظومة القضائية، كما أنه يعزِّز التمييز. ففي خلال الأشهر الأخيرة من عُمْر تطبيق حدِّ الخمسة والخمسين ميلًا في الساعة، لم يكن هناك أيُّ سائق يمتثل للقانون إلا بالكاد، وكان هذا يعني أن بإمكان الشرطة اختيار أي سيارة أو سائق لتطبيق القانون عليه، وفقًا لتفضيلاتهم الخاصة. ومن المعروف جيدًا بين سائقي السيارات الرياضية الصغيرة أنهم تحديدًا عرضة للتطبيق التمييزي للقانون، شأنهم شأن قائدي السيارات الشباب والسائقين الذي يقودون سيارات ذات ألوان برَّاقة.
ولكن القوانين الدقيقة، مهما كانت غير مدروسة، تقلِّل بالفعل من الحاجة لاتخاذ قرار في القانون؛ إنها بمنزلة مخرج.
أمور معقَّدة

إن أمورًا مثل الإدانة أو البراءة لها أهميتها، ولكنها بسيطة في الشكل، مثل اختبار الصواب والخطأ، ولكنَّ بعض المسائل القانونية لا تكون كذلك؛ هل كان هناك تعاقُد صحيح؟ هل هناك خطورة من المبيدات؟ هل نتج هذا النوع من سرطان الرئة عن التدخين؟ هل كان تصميم الجسر رديئًا، أم أن انهياره كان نتيجة الفيضان؟ هل كانت هذه الثآليل نتيجةً للإفراط في تناول الشوكولاتة في عيد الحب؟ وهكذا. تتخذ هيئات المحلفين قراراتٍ مهمةً في تلك الأمور أيضًا، ويجد المحامون في هذا الأمر متعةً كبيرة، في كل مرة يحدث فيها. سوف يخبرك المحامون المحترمون أن مهمة أي محامٍ هي مساعدة هيئة المحلفين أو المحكمة على رؤية الحقيقة أينما كانت، ولكنَّ المحامين الذين يتخذون من هذا هدفًا رئيسًا لهم، سيعانون من قلة العملاء عمَّا قريب؛ وسيخبرك معظم المحامين أن التزامهم الحقيقي هو تمثيل العملاء الذين يدفعون لهم على أفضل نحوٍ ممكن، وهو هدف مختلف تمامًا. وبعض النزاعات التي يفصل فيها المحلفون تتضمن أمورًا غايةً في التعقيد، لدرجة أنه لا أحد في قاعة المحكمة — سواء أكان المحامي، أم القاضي، أم هيئة المحلفين — يتناول الأمرَ ولديه أي معرفة مسبقة بالموضوع. (أي محلف محتمل لديه مثل هذه المهارات، سرعان ما سيتم رفضه.) إن نوعًا من الغطرسة هو ما يؤدِّي إلى الاعتقاد (الذي صار مقدَّسًا في عام ???? في حكمٍ تاريخي للمحكمة العليا بشأن آثار أحد أنواع المخدرات) بأن أي قاضٍ لديه القدرة على التعامل بشكل مسئول مع أي موضوع يأتي في طريقه. لم تذكر المحكمة العليا أيَّ شيء عن المحامين أو المحلفين، إلى جانب أن المحكمة التي كتبت هذا الحكم مؤلَّفة من قضاة، هم محامون في الحياة الواقعية.
إنه موضوع طويل لا نستطيع أنْ نَفِيَهُ حقَّه في المناقشة هنا (انظر الكتاب الرائع «ثأر جاليليو»، تأليف بيتر هوبر للاطِّلاع على جوهر الموضوع). إن إغراء التعمُّق في الكتابة هائل: محاكمة سكوبس في ولاية تينيسي، التجارب العديدة على صلاحية الأدلة العلمية، الفلورة، علاجات السرطان، حوادث الطائرات، دليل الحمض النووي، الأسبستوس، وما إلى ذلك. وعمليةُ صنع القرار المتعلِّقة بالقضايا المعقَّدة التي تتضمن الحكومة والقانون عمليةٌ فوضوية. اقرأ كتاب هوبر، واستمتع.
تكمن المشكلة في أنه إذا كان موضوعٌ ما معقَّدًا، فهو معقَّد بالفعل، وما تعنيه الكلمة هنا هو أنه ليس بالأمر البسيط؛ ما يعني عدم إمكانية شرحه في كلمات بسيطة، حتى لِمستمعٍ متأهِّب ومتلهف للمعرفة. لقد كان مؤلف هذا الكتاب أستاذًا في الفيزياء لمعظم حياته، ويَعرف من واقع التجربة العملية المباشرة أن الفيزياء ليست من المواد التي يسهل تدريسها، حتى تحت أفضل الظروف؛ ولكن تخيَّلْ أنك تحاوِل تدريسها في فصلٍ به شخص مهمته تفنيد ودحض كل شيء تقوله، وتحريف الأشياء التي لا يدحضها، والكذب دون عقاب، وعدم إخفاء اشمئزازه منك، والإلحاح على الطلاب بأن أوراق الشاي، مثلًا، طريقة أفضل للتنبُّؤ بالكسوف؛ كل هذا يجري أمام فصلٍ من الطلاب اختيروا خصيصى لعدم وجود خلفية مسبقة لديهم، وتمَّ توجيههم بإعطاء الآراء المضادة نفسَ الثِّقَل. (أحيانًا نطلق على حدثٍ كهذا مناقشة متوازنة، مثلما تُصنَع يخنة الحصان والأرنب بحصان واحد وأرنب واحد.) إن لدينا في مجالسنا التشريعية منظومةً معرقلة بما يكفي من الضوابط والتوازنات لوضع الأمور تحت قدرٍ ولو ضئيلًا من السيطرة، ولكن لا وجود لهذا في المحاكم. (حتى في المجالس التشريعية، لدينا مشاهد مجلس ولاية إنديانا التشريعي وهو يكاد يمرِّر قانونَ عام ???? الذي ذكرناه في الفصل الرابع عشر، وقانون تينيسي الذي أسفَرَ عن محاكمة القرد سكوبس، والقرارات التي تُتَّخَذ من جانب الهيئات الحاكمة لأي عدد من الولايات والمدن — بما فيها لوس أنجلوس — لإنكار فوائد الفلورة لأطفالهم التعساء الحظ. وفي بعض هذه الحالات يُعزَى الأمر للجهود الفعالة التي يبذلها أشخاص متحمِّسون غير متعلِّمين، وفي حالات أخرى لا يكون هذا حتى ضروريًّا؛ فالمجالس التشريعية تتصدَّى للمهمة دونما مساعدة من أحد.)
لا تزال هناك جمعية للأرض المسطحة؛ لذا تخيَّلْ وجود جمعية مكرَّسة لفكرة أن ? + ? = ?. إن مثل هذه الجمعية قد ترفع دعوى لمنع المدارس من تعليم الطلاب أن ? + ? = ? وكأنها حقيقة، ومطالبتها بتقديمها ? «مجرد نظرية» لها احتمالية بديلة، وهي أن ? + ? = ?، وهي احتمالية تستحق وقتًا مساويًا لدراستها؛ وقد كانوا بلا شك سيقولون إن الهدف من أي مدرسة هو التعليم، وليس غرس العقائد والأفكار. (هل يبدو كلُّ هذا مألوفًا؟ تلك هي الحال مع نظرية الخلق والتطور.) لن يكون من الصعب إيجاد مرجع في مكانٍ ما، أو حتى خبير، على استعدادٍ لاتخاذ موقف مؤيد لفكرة أن ? + ? تساوي حقًّا ?. (يأتي الخبراء بمستويات مختلفة من الخبرة، وأتعاب مختلفة. وقرار المحكمة العليا عام ???? الذي ذكرناه آنفًا أعطى مجالًا واسعًا للقاضي في اختيار نوعية شهادة الخبير المسموح بها في المحكمة. في قضية محيط الدائرة هناك مرجع إنجيلي يقدِّره بثلاثة أضعاف القطر؛ وهو اقتراح ليس خاطئًا كقيمة إنديانا المقترحة لباي، ولكنه يظلُّ خاطئًا جدًّا.) لذا، في هذا السيناريو الخيالي عن مسألة ? + ?، يستدعي الدفاعُ عالِمَ رياضيات وفيزياء معروفًا من برنستون للمنصة (لنسَمِّه د. إي)، ليدور الحوار التالي: دكتور، متى توصَّلْتَ للاعتقاد بأن اثنين زائد اثنين تساوي أربعة لأول مرة؟
أوه، لقد عرفتُها منذ كنتُ طفلًا.
هل أثبَتَها لك معلِّموك، أم أخبروك فقط بأن تصدِّقهم، وتتقبَّلها دون إثبات؟
حسنًا، ليس من السهل إثبات مثل هذه الأمور في المدرسة الابتدائية؛ فحين تبدأ في دراسة الرياضيات، تحتاج بعض الأشياء للحفظ.
إذن فقد جعلوك تتشرَّبها فحسب. وهل تعلَّموها من معلِّميهم؟
اعتراض، تلك مجرد أقاويل منقولة عن الغير.
تم قبول الاعتراض. التزِمْ بما يعرفه الشاهد بصفته خبيرًا.
حسنًا يا دكتور، هل أخبرك معلِّموك عن النظريات البديلة؟
كلا (يتملَّكه الغضب) لا توجد نظريات بديلة تستحق أن يُطلَق عليها نظريات من الأساس.
اهدأ يا دكتور، فنحن هنا اليوم لأن هناك أناسًا أفاضل يعتقدون عكس ذلك، ولهم حقوق أيضًا.
أشعر بالأسف من أجلهم؛ لأنهم مضلَّلون.
حسنًا، إذن يا دكتور، إذا كنتَ واثقًا من نفسك إلى هذا الحد، فهل يمكنك أن تثبت لهيئة المحلفين الفاضلة هذه أن اثنين زائد اثنين تساوي أربعة؟ فنحن جميعًا نودُّ أن نسمعك تحاول إثبات ذلك.
نحن لا نستخدم كلمة «إثبات» في الرياضيات بالشكل الذي تُستخدَم به في المحكمة.
إذن لا يمكنك أن تفعل. حسنًا يا دكتور، هل سمعتَ من قبلُ عن بديهيات بيانو؟
بالطبع، إنها مجموعة من البديهيات تشكِّل الأساسَ للمنظومة الرياضية للأعداد الطبيعية.
رائع يا دكتور، إذن يمكن القول بأن الفكرة الغريبة اثنين زائد اثنين تساوي أربعة تعتمد عليها؟
حسنًا، يمكن أن تنطلق منها، أجل.
وهل يمكنك إثبات تلك البديهيات لهيئة المحلفين؟ كلهم آذان صاغية.
لقد أخبرتُكَ من قبلُ أن كلمة إثبات تعني …
أجل، أجل يا دكتور، وهل أثبَتَ بيانو تلك البديهيات المزعومة؟
بالطبع لا، إنها بديهيات، والبديهيات لا تُثبَت؛ فالبديهيات هي الافتراضات التي تضعها من أجل إثبات نظريات.
فهمتُ؛ أنت تدرِّس كلَّ هذا لأطفال أبرياء، لكنها جميعًا محض افتراضات، ولا تستطيع إثباتها؟
[القاضي]: دكتور، دكتور، أنزل تلك المطرقة، تمالَكْ أعصابك.
إن الأمر ليس مُستبعَدًا كما قد تعتقد؛ فالتساؤلات بشأن إذا ما كانت موادُّ كيميائيةٌ معيَّنة «تسبِّب» السرطان، أو كيف ينبغي تفسير أدلة الحمض النووي، أو إذا ما كان انهيارٌ إنشائيٌّ ما يُعزَى إلى المواد أم إلى التصميم؛ كلها تحسمها هيئات محلفين تحت ظروف مشابهة. وأينما يمثِّل الأمر أهمية حقيقية لنا — كما في اختيارِ جرَّاحٍ لاستئصال زائدة دودية ملتهبة — فإننا نميل للتخلِّي عن الديمقراطية من أجل الخبرة، ولكن ليس في محاكمات هيئة المحلفين.

الفصل الثالث والعشرون
إعادة لما سبق


إذن أين نحن؟ ذكرنا في البداية أن الكتاب سوف يبدأ من القرارات البسيطة التي يتَّخذها فردٌ على علمٍ بكلِّ الحقائق، مرورًا بمشكلات المجموعات، ثم المجالات التي لا نعرف فيها ببساطةٍ أيَّ طرقٍ متَّسقة لاتخاذ قرارات مثلى للمجتمع بأكمله، أو للأفراد المعنيِّين بالأمر. تندرج لعبة المواعَدة التي بدأنا بها تحت الفئة الأولى، وكل القضايا الخاصة بالحكم تقع ضمن الفئة الأخيرة، ولكننا حاولنا التأكيدَ على بعض السمات المشتركة بين كلِّ هذه المشكلات، وقد يكون من المفيد إعادة سردها. (من المخاطَرة قليلًا القيام بذلك؛ إذ إننا جميعًا نميل للمبالغة في تبسيط الحياة، لا سيما في هذا العصر الذي صارت فيه اللقم الصوتية بديلًا لنشرة الأخبار، والدراما الوثائقية بديلًا للتاريخ، ومراجعات الكتب بديلًا للكتب.) لذا لا ينبغي أن تعتقد أن ما سيلي هو ملخصٌ للكتاب.
إن اتخاذ قرارات عقلانية ضربٌ من المستحيل ما لم تتبيَّن من البداية ما ترغب في تحقيقه، وما ترغب في تجنُّبه، ويسري هذا على القرارات الفردية والجماعية على حدٍّ سواء، وإنْ كان بديهيًّا أن يكون الأمرُ أصعبَ بالنسبة إلى الأخيرة.
إذا أمكنك أيضًا أن تُضفِي قيمةً على النتائج المحتملة، بالزيادة أو النقصان، وتقرن تلك القِيَم بالأرجحيات الخاصة بنتيجة معيَّنة، فإن هذا المزيج يمنحك كلَّ ما تحتاج إليه لاتخاذ قرار عقلاني.
حتى القرار العقلاني الذي يقف على أرضية صلبة يمكن أن يتَّضِح خطؤه (والعكس بالعكس)؛ لذا لا يوجد سببٌ للانغماس في الشعور بالذنب أو احتقار الذات إذا سارَتِ الأمورُ في اتجاه خاطئ بشكل غير متوقَّع؛ فإن كانت نتيجةٌ ما غيرَ مؤكَّدة، فهي غير مؤكَّدة، وكلُّ ما يمكنك فعله هو المخاطرة؛ وسوف تفوز أكثر ممَّا تخسر إذا خاطرْتَ بذكاء.
من الطُّرُق الأكيدة لاتخاذ قراراتٍ سيئة فصْلُ صنَّاع القرار عن المستفيدين منه؛ أيْ فصل المقرِّرين عن المقرَّر لهم، إذا جاز التعبير، كما في التمثيل بلا ضرائب، وهيئات المحلفين. وعلى الرغم من أن الناس يتحدَّثون بأسلوب متعالم بشأن اهتمامهم بصالح المجتمع، فإن هذا الاهتمام يتجلَّى في أوضح صُوَره حين يمكن إبداؤه دون أن يتكبَّدوا أي تكلفة شخصية، لكن حين تكون للإيثار تكاليف مزعجة، نجده يتوارى خجلًا.
إن صنع القرار العقلاني يستلزم نوعًا من فهم الاحتمالية على مستوًى ما؛ وكلما ازداد الفهم، كان ذلك أفضل، والتمرُّس عليه ليس بهذه الصعوبة.
تُعَدُّ القرارات الجماعية أصعبَ جوهريًّا في صبغها بالعقلانية من القرارات الفردية، وهناك مجال كبير في آليات عملية صنع القرار الجماعي للتلاعب والخداع، ولا توجد وسيلة انتخابية محصنة من هذا، ولكن هناك وسائل أكثر مقاوَمةً للمرض من أخرى.
لا توجد طريقة مُقنِعة لترجمة التفضيلات الفردية إلى تفضيل جماعي، تخلو من العواقب غير المرغوب فيها؛ هذا هو فحوى نظرية أرو، وهي صحيحة بلا جدال؛ لذا فإن لكلِّ وسيلةِ تصويتٍ عيوبًا، والطريقة الأكثر مرغوبيةً في أي موقف هي تلك التي يترتَّب على عيوبها أقلُّ قدرٍ ممكن من الضرر.
ليس صحيحًا بالضرورة أن تكون القراراتُ الجماعية التي تستهدف الحصول على موافقة الأغلبية ذاتَ نفع للأغلبية، أو للمجتمع ككلٍّ؛ وليس صحيحًا أيضًا أن ثمة شخصًا يعرف حلًّا مُرضيًا لتلك المشكلة الجوهرية؛ فالمدارس تعلِّمنا عكسَ ذلك، والقيام بذلك يعطي نتائج عكسية تمامًا، وخيرٌ لك أن تعرف مشكلاتك من أن تتظاهر بأنها ليست موجودةً؛ وأي طبيب نفسي يمكنه أن يخبرك بذلك.
من المؤكد أن الأكذوبة التي تقضي بأنه إذا كان المتحكِّم في سلوك كلِّ فرد هو المصلحة الشخصية المستنيرة فسوف تكون النتيجة إيجابية للمجتمع؛ لا تعدو أن تكون مجرد أكذوبة، ومن المؤسف أيضًا أنها أكذوبة تعمل بمنزلة تمويه لنتائج المصلحة الشخصية غير المستنيرة.
وعلى الرغم من أن هذه الأفكار تجد طريقَها داخل عملية صنع قراراتنا الخاصة، على مستوًى عميق، فإن الكثير من سياساتنا العامة تبدو مرتكزةً على الافتراض الخاطئ بأنه لا شيء ممَّا سبق له أساس من الصحة.
وكنتيجة ملازمة لذلك، لم يخترع الجنس البشري بعدُ أيَّ شكلٍ مُرْضٍ بشكل تام للحكم، في صورة صنع قرار جماعي يصبُّ في مصلحة الجميع؛ والخرافة التي تزعم أن نظام الحكم الخاص بنا تجسيدٌ لذلك الاختراع هي مجرد أكذوبة أخرى؛ فحقيقة أننا لا نعرف أيَّ صورة أخرى أقرب لا تعني إثباتَ صحةِ ذلك الزعم.
إذا أردتَ أن تقامر، أو تمارس رياضةً، أو تستثمر في سوق الأوراق المالية، أو تختار شريكَ حياةٍ، أو تُشعِل حربًا؛ فمن المفيد أن تعرف ما تفعل.
إن صنع القرار، على جميع المستويات، وفي كل المجالات، يمكن أن يتحسَّن بالمعرفة، ونرجو أن يكون هذا الكتاب قد ساهَمَ ولو قليلًا في تلك المعرفة، ونرجو أيضًا أن تكونوا قد استمتعتم بقراءته.