Advertisement

مشاعل الطريق للشباب


مشاعل الطريق للشباب




مشاعل الطريق للشباب

تأليف
سلامة موسى




مشاعل الطريق للشباب

سلامة موسى



الفصل الأول
يجب أن نمارس الحياة


لا أتمالك أن أقول كلمة لشبابنا من الجنسين، وهم يستقبلون كل عام جديد: إنه عام سيزيد أعمارهم سنه فهل هو سيزيدها حياة؟
إنه يجب على كل شاب أو فتاة أن يولد من جديد في بداية كل عام … وذلك بأن يراجع حياته الماضية ويقلب صفحات الأصول والخصوم فيها، ما كسب منها من الأخلاق العليا والعادات الحسنة والثقافة الصحية، والصحة في النفس والجسم، وما خدم به أمَّته وعائلته، ويقابل هذا بصفحات الخصوم مما خسر ووقع فيه من عادات وأخلاق لا يجب بقاؤها، ومن إهمال للثقافة والصحة، ومن إهمال لخدمة المجتمع.
إن أحسن الأنواع للاستمتاع هو ذلك الذي يزيد حياتنا حيوية وتوسعًا وتعمقًا، بحيث نحس أننا أحيا ممَّا كنَّا، ولن يتحقق لنا ذلك إلا بمجهودات متوالية للاستزادة من الحياة.
وإنما نستزيدها بأن ننمو وبأن نتطور وبأن نرقى، وبكلمة أخرى أن نعيش في طموح، وأن ننظر النظرة الايجابية للحياة، فلا نقنع بالإقلاع عن عادة سيئة، وإنما نعمد أيضًا إلى اتخاذ عادة حسنة، ولا نقنع بتجنب رذيلة وإنما نمارس فضيلة؛ ذلك لأن الهدم وحده لا يكفي، إذ يجب أن نبني.
فلا تَشْكُ أيها الشاب أن ظروفك سيئة وأنها تؤخرك، فأنا أعرف وأسلم بما فعلته بك الظروف السيئة، ولكن ماذا فعلت أنت بها؟ هل سكتَّ وخضعت؟
إننا نعيش في وسط يؤثر فينا ونؤثر فيه، ويجب أن نؤثر فيه ونغيره، وإذا لم نستطع نغيره فلننقحه، ويجب أن يسعى كل منَّا لأن تكون لحياته دلالة، يجب أن يكون رجلًا يدل.
هناك برنامجًا للعام الجديد: (?) إبطال عادة التدخين واستبدال هواية حسنة بها.
(?) قراءة ودراسة عشرين كتابًا عصريًّا للمؤلفين الجادين الذين يهدفون إلى التنوير.
(?) العودة إلى اللغة الأجنبية التي كنت قد تعلمتَها في المدرسة وكدت أن تنساها، تعود إليها الآن لدراستها والانتفاع بما فيها من مؤلفات متمدنة.
(?) مصادقة الشبان المتطورين الذين يحيون حياة دالة.
وكثيرًا ما أتأمل أحد الناس يمارس المحماة أو الطب أو التجارة أو الزراعة، فأجد فيه مهارة وذكاء كما أجد مثابرة وإخلاصًا لحرفته، وهو لذلك ناجح في حرفته.
ولكن حين أواجهه وأتحدث إليه نفسًا لنفس وأتغلغل في أعماقه وأصارحه حتى أحمله على مصارحتي، لا أتمالك الإحساس بأني إزاء رجل جاهل يحيا في هذه الدنيا ولا يدرى أنه يحيا.
وذلك أن أول ما يجب أن نحترفه في هذه الدنيا أو نمارسه كل يوم ليس هو المحاماة أو الطب أو الزراعة أو التجارة، وإنما هو الحياة.
يجب أن نحترف الحياة ونمارسها.
إننا نحيا على كوكب من الكواكب الصغرى في هذا الكون يحتوي خمس قارات من اليابسة، وهذا غير ثلثيه من الماء، ومن حقنا في السبعين أو الثمانين سنة التي نحياها عليه أن نعرف هذه القارات الخمس وندرس أرضها ونرى جبالها وأنهارها ومدنها وناسها، وأن ندرس مختلف الثقافات واللغات ونتقن اللغة الفرنسية حتى نعرف الأفكار الفرنسية كما ندرس الإنجليزية كيما نعرف الأفكار الإنجليزية والأمريكية.
ومن حقنا أن نختبر فنعرف طرب الحب في شبابنا بل طيلة حياتنا، وأن نجد الأشعار في الأشجار، وأن نعرف الأحياء الأولى في البحار، وأن نقف تحت هيكل الدينصور في متحف باريس ونحيي هذا الأخ القديم الذي انقرض قبل مئة مليون سنة، وترك لنا هيكله الذي يزيد مئة ضعف من هيكلنا كاملًا، حتى نتأمل ونفكر ونفلسف.
ومن حقنا أن نقرأ الفلاسفة الذين انحنوا وخضعوا، والذين ثاروا ونهضوا، وأن نفكر أحسن مما فكروا ونجرؤ أكثر مما جرءوا.
ويجب ألَّا تخدعنا حرفة العيش، حرفة الكسب الجزئية، عن احتراف الحياة الكلية وممارستها، والحياة هي في النهاية حب وجهد، وتطور وارتقاء، وهي اختبار مباشر بلقاء الناس والأرض والمدينة والريف، وهي أيضًا اختبار غير مباشر بالكتب نقرأ فيها الفلسفة والعلم والأدب والفن.
ثم يجب ألَّا نؤجل الحياة، إذ علينا أن نستمتع بكل هذه الأشياء ونحن بعدُ قادرون على الاستمتاع، أما إذا أجَّلنا حتى نمتلئ بالشيخوخة فالدنيا علينا حرام والشيخوخة والموت سواء.
وهذه النظرة للحياة ليست لها قيمة فردية فقط؛ إذ إن لها قيمة أخرى للمجتمعات البشرية، إذ لو كانت الحياة رسالتنا الأولى لكان تفكيرنا الأول يتجه إلى عواملها وليس إلى عوامل الحرب والموت والدمار التي تفكر فيها المجتمعات المتمدينة الآن.

الفصل الثاني
الإنسانية أسمى أنواع الذكاء


تبدو صفات الذكاء في الناس متنوعة متفاوتة، فهناك الذكاء التجاري الذي يلمع فيه صاحبه الثقوب التي ينظر منها إلى الجنيه والقرش، وهناك الذكاء العلمي الذي يخترع ويكتشف، وهناك ذكاء الأديب الذي يجمع إلى طرب الأسلوب جمال الفكرة، ولكن أعظم أنواع الذكاء وأسماها هو الإنسانية.
ذلك أن الإنسانية هي إحساس وعقل كما هي وجدان وطرب، وحين نكون إنسانين يزداد وجداننا حتى ليحتوي الحيوان إلى جنب الإنسان، بحيث نأنف من إيذاء نملة بلا سبب، وبحيث نكره القسوة في معاملة الدواب قبل الأطفال.
والرجل الإنساني يحيا في هذه الدنيا كما لو كان أمًّا ينظر إلى الناس بقلبه وعقله وليس بعقله فقط، وهو هنا ذكي بل هو يغزو ذكاءه بإنسانيته.
ونحن نجد في أيامنا من يُسَمُّونَ أنفسهم عقلاء وواقعين، يحتقرون الزنوج، ويتهمون الفقراء بالكسل والتراخي والإهمال، ويقسون على الأطفال، ويضربون الحيوان. وكل هؤلاء يحيون كما لو كانوا من الحيوانات بأخلاق الطبيعة الغشيمة والغابة البدائية التي تحيا فيها الحيوانات.
وقد كان الإنسان قبل مئات الألوف من السنين حيوانًا، جسمًا بلا نفس، وكان ذكاؤه أنانيًّا، أما الآن فإن له نفسًا هي إنسانة جسمه، والإنسانية هي الذكاء الاجتماعي، هي كما قلنا أسمى أنواع الذكاء، هي إحساس الأمومة في الأخلاق.
وهناك العبقرية في الإنسانية كما أن هناك عبقريات الفن والعلم والسياسة.
وهذه العبقرية في الإنسانية نجد مثلها في غاندي، وفي شيفتزر، وفي فولتير، وفي تولستوي، وفي دستوفسكي.
إننا نحس حين نتصفح حيواتهم أو مؤلفاتهم أننا إزاء عظماء قد اتَّسموا بالعبقرية في الإنسانية، وقد اتسعت قلوبهم للشعوب جمعاء، مهما اختلفت ألوانهم أو لغاتهم، يكرهون التعصب والقسوة ويساوون بين الناس، وإذا كنَّا في محنة العالم الحاضرة نأسف أجزع الأسف على شيء فهو أن الذكاء العلمي يسود العالم ويخترع القنابل والغازات وحرب الميكروبات والطائرات، بدلًا من أن يسود أمثال هؤلاء العباقرة في الإنسانية الذين ينظرون إلى العالم نظرة الأم لأبنائها.
الإنسانية هي الذكاء الكلي، هي الذكاء المحيط، هي الجمع بين العقل والإحساس.

الفصل الثالث
الحكمة ثمرة الخبرة


وليم بليك من الشعراء الإنجليز الذين عاشوا في أواخر القرن الثامن عشر وعاصروا الثورة الفرنسية الكبرى.
ألَّف — قبل هذه الثورة — مجموعة من القصائد أطلق عليها اسم «أشعار البراءة»، أما بعد الثورة فإنه ألَّف مجموعة أخرى أطلق عليها اسم «أشعار الخبرة».
والبراءة عند بليك تعني السذاجة وما فيها من معانٍ، فالطفل ساذج بريء، والعذراء ساذجة بريئة، والإنسان البدائي يمثل السذاجة أي البراءة الأولى أو الجهل الأول، والرجل الذي يحيا بلا تفكير بريء … إلخ.
والمعنى أن كل هؤلاء أطهار لأنهم سذج لم يختلطوا بمجتمع متمدن يعرفون منه ألوان الفساد، فتدخل في قلوبهم الإحساسات الاجتماعية التي كثيرًا ما تلابس الرذائل، أو لم يفكروا بل قنعوا بالعقائد دون الحقائق.
ولكنه بعد الثورة ألَّف «أشعار الخبرة» فرفع من شأن الخدمة التي نجنيها من اختباراتنا الماضية.
والحقيقة التي نحس جذورها في قلوبنا أننا نستجمل البراءة حتى ولو كانت براءة الجهل أحيانًا، ولكننا عند التفكير نؤثر حكمة الاختبار.
فنحن مثلًا نستجمل الفتاة العذراء ونؤثرها على الأرملة، كما نستجمل الصبي الساذج ونؤثره على الرجل المجرب، هذا في الوهلة الأولى، أما بعد التفكير فإننا نؤثر التجربة في الرجل والمرأة ونجد فيها حكمة؛ ولذلك نضطر إلى التسليم بأن الأرملة خير من العذراء لأن الأرملة التي كانت متزوجة مارست أخلاق الرجل وإدارة البيت وتربية الأطفال، ومعاملة المجتمع الذي تتصل به في شئون زوجها وأبنائها، ثم حملت الهموم بشأن مستقبلهم، هذه الأرملة تجني من جميع هذه الاختبارات حكمة للعيش وفلسفة عن الحياة.
ولكن الشاب العادي يؤثِر عليها الفتاة العذراء التي لم تختبر ولم تجنِ قط حكمة من معاشرة زوج سابق، هذا هو الشاب العادي، أما الشاب الذي يفكر والذي ينشد الإيناع في نفس المرأة فإنه يؤثر الأرملة على العذراء.
وقد كان الشاعر بليك يستجمل البراءة، فلما حدثت الثورة الفرنسية، واختمرت في قلبه مبادئها واشتبك في الأفكار التي بعثتها حوادثها، وناقش كلمات الحرية والمساواة والإخاء والجمهورية وحق الشعب في السلام ونحو ذلك؛ تغيرت نفسه فأصبح يؤثِر الحكمة والخبرة على السذاجة والبراءة، أي إنه بلغ سن الرشد أو النضج.
وهذا شأن الناس جميعًا يجدون في السذاجة حلاوة إذا كانوا غير ناضجين، فإذا نضجوا نفروا من هذه السذاجة وما تحمل من جهل، ونشدوا الحكمة التي تثمرها الخبرة.

الفصل الرابع
اجعل حياتك حافلة


كي تكون ذكيًّا يجب أن تدرب ذكاءك وتبسط ذهنك على ميادين مختلفة، ولا تصدق من يقول لك إن هناك عباقرة يولدون موهوبين بالذكاء الخارق كما تولد الفتاة بالجمال الخارق؛ ذلك أن الذكاء مع تفاوت مقاديره بين الناس لا يصل إلى درجة العبقرية إلا بالاختلاط بشئون المجتمع والتقلب في مصالحه وأعماله.
فإذا حفلت حياتنا بالاهتمامات الاجتماعية وترددت أذهاننا فيها ظهر نبوغنا بل ظهرت عبقريتنا، ولهذا السبب يجب ألَّا يكون لنا اهتمام واحد أو اهتمامات قليلة محدودة؛ لأننا حين نفعل ذلك نحدد الميدان الذي يعمل فيه ذكاؤنا فلا يجد القوة أو التلقيح اللذين يزيدانه حدة وبصيرة.
فلا تكن رجل عمل فقط، ولا رجل ذهن فقط بل كن الاثنين، ولا تكن أدبيًا فقط أو عالمًا فقط أو فيلسوفًا فقط بل كن الثلاثة، كذلك لا تقتنِ ثروة واحدة فقط مثل المال، بل اقتنِ جملة ثروات مثل المال والصداقة والثقافة والحب؛ أي يجب أن تساهم في جميع هذه الأشياء وتحيا على مستويات مختلفة فيها كما لو كانت حياتك جملة حيوات.
وبهذه الحيوات المتعددة، وبهذه الاهتمامات المتعددة نحس السعادة، ولا يمكن أن تبتئس بل لا يمكن أن تتراخى وتفقد النشاط؛ لأنه عندما تضيع منك ثروة تجدد أخرى، وعندما يضعف اهتمامك بشيء تجدك قد اهتممت بآخر.
مارِسْ عملًا بيدك وادرس شيئًا بعقلك، كان تولستوي يصنع الأحذية بيده ويكتب القصص بذهنه، وكان يحرث الأرض ويقرأ الشعر.
أجل يجب أن تكون حياتنا استيعابية تستوعب أكبر مقدار من الاهتمامات، ويجب ألَّا نتخصص إلا بمقدار ما نكسب لقوتنا في عمل معين، أما بعد ذلك — بعد الكسب للقوت — فإن رائدنا في الحياة يجب أن يكون التعميم لا التخصيص.
ولا تقل إن العمر قصير، فإنه يطول ويتضاعف إلى ثلاثة أو أربعة أضعافه عندما نكثر من الاهتمامات الاجتماعية والسياسية والأدبية والعلمية التي تحفل بها حياتنا ويزيد بها ذكاؤنا، وعندما يزيد حبنا للدنيا والناس والكون، فنحس لذة الحياة فلا نسأم ولا نبتئس؛ إذ كيف نبتئس ولنا جملة ثروات ننفق منها.

الفصل الخامس
الاستهتار برهان السأم


كثيرًا ما تنخدع برؤية بعض الناس يلهون ويستهترون ولسان حالهم يقول: «نعيش اليوم لأننا لا نعرف إذا كنا سنحيا في الغد».
والذي يخدعنا في هؤلاء الناس أننا نعتقد أنهم سعداء قد حلوا مشكلة الوجود واستقروا على أن الأسلوب الأمثل للحياة هو أن نحيا في مسرات متوالية نأكل ونشرب، وغدًا نموت.
ولكننا عندما نتأمل حالهم ونتحدث إليهم نجد أنهم في غمرة من التشاؤم والحزن، قد سئموا الحياة وضاقوا بها إذ لا يجدون أية دلالة لها، وهم كلما شملهم السأم والحزن عمدوا إلى المسرات الرخيصة التي تسري عنهم تفاهة هذه الحياة التي يحيونها، واستهتارهم في الأخلاق وإقبالهم على الشراب أو الطعام إنما يعود كل ذلك إلى عجزهم عن أن يرفعوا أنفسهم إلى المقام الذي يشعرهم بالكرامة والسمو، وإلى عجزهم عن أن يؤدوا عملًا أو يقوموا بنشاط يجعل لحياتهم دلالة.
إن خلو الحياة من الدلالة هو الذي يجعل الشاب يتساءل: لماذا أعيش؟ ومتى سأل هذا السؤال ولم يجد الجواب الشافي فإنه عندئذٍ يستهتر، بل هو قد يرتكب الجرائم الأخلاقية البشعة لأنه لم يعد يجد الدلالة في الاستقامة والشرف، ولا نقول العظمة والمجد.
كيف إذن نوجد الدلالة لحياتنا؟ نوجدها بأن ننشئ، نبني، نشيد. نؤدي من العمل ما نرى نتائجه تنمو أمام أعيننا فنفرح ونحس أن المستقبل جزء من الحاضر؛ لأن هذا العمل سيطرد في نموه في السنين القادمة، أي في هذا المستقبل.
نبني أنفسنا، نبني شخصيتنا، أو نبني غيرنا بالتربية والتثقيف.
وتجري عملية البناء يومًا بعد يوم فتشعرنا بتطورنا وارتقائنا وعندئذ نجد الدلالة وهي:
أنا أحيا لأني أرتقي، ولأن لنفسي امتدادًا في المستقبل يجعلني أتفاءل وأفرح، فلا أحتاج إلى أن أقول: لنأكل ونشرب وغدًا نموت.
إن هذه الكلمات التي تحمل معنى التشاؤم بالمستقبل، ومعنى التفاهة في حياتنا الحاضرة، ومعنى الركود والانحلال، هذه الكلمات لا يمكن أن تخطر بعقل الشاب الذي يجد الدلالة لحياته لأنه يتطور ويرتقي، ولأنه يبني شخصيته.
ومن الأخطاء الفاضحة ظن الكثير من الناس أن الشبان المستهترين أكثر استمتاعًا بحياتهم، وان كانوا أقل انتفاعًا من الشبان الجادين.
ومنشأ هذا الخداع أننا نرى الشاب المستهتر يعيش في اللهو، يسهر ويتبع شهواته الدنيا، وينغمس في التدخين أو السُّكْرِ، ولا يتعب في كسب ولا يؤدي خدمة تحتاج إلى الدرس والجهاد، وهو ضاحك من هموم الدنيا هازئ بالمستقبل لا يبالي بالواجبات الاجتماعية أو الرقي الشخصي.
ونرى أن الشاب الجاد في تعب، يجهد ويعرق ويفكر كثيرًا ويحمل أعباءً من الهموم والاهتمامات، ويضطلع بالمسئوليات المادية والروحية، وهو رزين في حديثه يقتصد في كلماته وابتساماته، ينام ليله ويسعى نهاره في طلب الرزق أو ترقية شخصيته بالدرس.
والمقارنة بين هذين الاثنين توهمنا أن الأول سعيد باستهتاره والثاني شقي بجده، ولكن هذا خطأ فاضح؛ لأن استمتاعات الشاب الجاد تسير على مستوى أعلى من استمتاعات الشاب المستهتر، كما أنها تمتد إلى عشرات السنين في المستقبل في حين تنقطع استمتاعات الشاب المستهتر قبل أن يبلغ الأربعين أو الخمسين.
إن المستهتر يحيا بلا حياة تنتظره في النصف الثاني من عمره، في حين يحيا الجاد حياته كلها إلى يوم وفاته، الأول — أي المستهتر — يقف عند الأربعين أو الخمسين بلا اهتمامات روحية أو ثقافية أو فنية أو اجتماعية، وبلا رسالة، وفي أغلب الأحيان بلا صحة، أما الثاني — أي الجاد — فإنه ربط نفسه منذ العشرين أو قبلها بروابط الارتقاء الشخصي والخدمة الاجتماعية والاستطلاعات الثقافية، فهو شاب يرقص قلبه بطرب الحياة حتى ولو تجاوز المئة من العمر.
وطرب الحياة ليس كأسًا من الخمر أو وجبة لذيذة من الطعام أو صبوة غرامية، لأننا مهما التَذَذْنَا هذه المتع فإننا نعرف أنها زائلة موقوتة وأنها دون ذلك الانتعاش الذهني الذي نحسه من الوقوف على نظرية في الفلسفة أو العلم، أو ذلك الارتياح الجميل الذي يغمرنا حين نؤدي خدمة بارة للمجتمع، أو تلك اللذة الحميمة التي نحس بها حين نجول في أيام الربيع؛ فإن طرب الحياة هنا باقٍ غير زائل، ونحن نستمتع به طوال أعمارنا.
كثيرًا ما أجد رجلًا في العقد السابع أو الثامن من عمره قد تعددت اهتماماته فتوافرت له بذلك استمتاعاته؛ لأنه أخذ حياته منذ شبابه مأخذ الجِد ولم يستهتر، في حين أن أولئك المستهترين أيام شبابهم لا يكادون يبلغون الستين من العمر حتى يحسوا الحيرة وحتى يتساءلوا في عجب: لماذا هم أحياء؟
أيها الشباب استمتع بالجد الباقي ولا تستمع باللهو الزائل.

الفصل السادس
لن نخسر المعركة


من أقوال روزفلت الرئيس السابق للولايات المتحدة: إنه ليس هناك معركة نكسبها تمامًا أو نخسرها تمامًا.
والمعنى الذي قصد إليه أن المعركة التي نظن أننا كسبناها كثيرًا ما تحتوي عناصر الهزيمة بالإهمال في المحافظة على موقف الانتصار، وكذلك المعركة التي نظن أننا خسرناها قد تحتوي على عناصر الانتصار؛ لأنها تبعث في نفوسنا إرادة الانتصار وإصلاح الأخطاء السابقة ثم النهوض للثأر.
وهذا هو شأننا في الحياة العامة أيضًا، فإننا كثيرًا ما نفقد انتصاراتنا بالإهمال، وكثيرًا ما نحيل الهزيمة إلى انتصار.
فقد يحصل الشاب مثلًا على شهادته الجامعية التي تشهد له بدراسته السابقة، ثم ينام عليها فلا تنتهي سنوات حتى ينسى ما تعلمه وكان يجب عليه أن يثابر على الدراسة بعد تخرجه من الجامعة حتى تتصل درجات ارتقائه.
وكذلك قد يحب الشاب فتاة ويتعب ويعرق حتى يحصل على يدها ويتزوجها، وهي تحبه لأنها وجدت منه الشغف بها والرغبة في إسعادها، ولكنه بعد الزواج يكف عن الإعجاب بها أو عن إبداء الحب لها أو الظهور بمظهر الرجولة الذي كان يعجبها منه، فيستحيل حبها السابق له جمودًا أو فتورًا قد ينتهي بالنفور والشقاق.
فنحن هنا إزاء انتصارين انتهي كلاهما بالهزيمة؛ لأن الشاب لم يستيقظ إلى ضرورة المحافظة على انتصاره.
وكذلك الشأن في الهزيمة؛ فإن الإفلاس الذي قد يُصاب به أحد التجار قد يبعث فيه همة جديدة وطموحًا أكبر، فهو يعرض لحياته الماضية ويدرس أخطاءه السابقة التي انتهت به إلى الإفلاس، فيتوقاها في المستقبل ويشرع في كفاح جديد، فلا تمضي عليه السنوات حتى يكون قد أحال هزيمته إلى انتصار.
وهذا هو ما تجده أحيانًا في الشاب الذي لم ينجح في المدرسة أو الجامعة، ولكنه يشق لنفسه طريقًا وعرًا في الحياة ينتهي به إلى القمة التي لا يبلغها من تفوقوا عليه في الدراسة المدرسية أو الجامعية، وكأن «مركب النقص» الذي نشأ فيه من تخلف في التعليم قد أصبح بؤرة التفوق وليس بؤرة التخلف.
ففي هذين المثالين من الهزيمة نجد أن بذرة الانتصار كانت كامنة فيهما وأن الكبوة قد أدت إلى نهضة.
وفي هذا مصداق كلمة روزفلت: ليست هناك معركة نكسبها تمامًا أو نخسرها تمامًا، فلنذكر هذه الحكمة فيما يصادفنا في الحياة.

الفصل السابع
يجب أن نتفاءل


كنت أتحدث إلى كبير من الصحفيين فألفيته في غاية التشاؤم، فإنه كان يعدد لي مساوئ الحكم وسفه المعارضة، وتفشي الرشوة والفهم السيئ للحضارة العصرية، وانخفاض المستوى التعليمي بين الطلبة وانخفاض المستوى الثقافي بين الصحفيين … إلخ.
واعترضت عليه لأنه يبالغ في تقدير هذه المساوئ، وإن هذه المبالغة هي نتيجة لتشاؤمه وليست صورًا صحيحة للواقع، وقلت له في النهاية إني لو تشاءمت مثله لما استطعت أن أكتب حرفًا؛ لأن التشاؤم يشل التفكير ويعطل الإرادة ويجمد النفس، ونصحت له بأن يعالج نظامه الهضمي إذ ربما يكون تشاؤمه لإمساك القولون أو كسل الكبد.
وعدت إلى مكتبي أفكر في هؤلاء المتشائمين الذين لا ينشطون إلى عمل؛ لأنهم حين تحيط بهم عيشة الشك يتوقعون الظلام بدلًا من أن ينتظروا الصباح.
وكثيرًا ما يندسُّ هذا التشاؤم في نفوسنا ويركُد كما لو كان العكر الراسب، وهو يغمر حياتنا فنعمى على الألوان الزاهية ولا نرى غير الألوان القاتمة، وعندئذٍ تهون علينا القيم البشرية السامية فلا تطمح إلى الرتب العالية من الوجدان والفهم، ويهون علينا عملنا فنؤديه كارهين بلا نشاط.
وقد ننتهي من هذه الحال إلى أن خير أحوالنا أن نقنع باللذة الحسية وأن نتجاهل هذه الدنيا وهمومها بالخمر أو غيرها مما ينقلنا إلى حالة قريبة من الموت لأننا نكون عندئذٍ بلا حياة.
إن الحياة الحيوية هي التفاؤل، وهي الإيمان بأننا سنرقى على الرغم من كل المصاعب والعقبات، وهذا الإيمان هو الذي يبعث في نفوسنا النشاط، وهو الذي يجعلنا نرضى بالتضحية كي نسعد في مستقبلنا أو كي يسعد وطننا أو أبناؤنا، وإني لواثق بأن هؤلاء النبلاء من شبابنا المضحي إنما يغامرون ويقتحمون لأنهم متفائلون بالنتائج، وإني لواثق بأن هؤلاء النبلاء لو سلك إليهم التشاؤم لما عملوا ولما كافحوا.
ولست أتجاهل رذائلنا ونقائصنا، بل مقابحنا. ولكني أعتقد أنه عندما نجيل النظرة العامة لأحوالنا كلها نجد ما يبرر التفاؤل بمستقبلنا والأمل القوي بأننا سوف نستقبل الصباح الذي يشرق بأشعة الشمس ويزدهي بنضرة الحياة.
يجب أن ندين بدين التفاؤل والتيمن ونقتحم المستقبل باسمين، بل ضاحكين، ننشد النجاح والخير والشرف، ونمارس الحب والإخاء، ونكافح المرض والفقر والجهل في أنفسنا وفي أمتنا، ونرتفع إلى الآفاق العالية من الإنسانية بالجد في دراسة هذا العالم والدأب في الارتقاء الشخصي، طامعين في إخلاص وشرف لإخضاع المستقبل لآمالنا وأحلامنا.

الفصل الثامن
الخوف ضد الذكاء


أعظم الأعداء للتفكير السليم ولا نقول التفكير العبقري هو الخوف.
ونحن نخاف كثيرًا، نخاف العرف الاجتماعي؛ ولذلك نستهدف الوقار فلا ننزع الطربوش مثلًا إلا بعد مجهود كبير، وقد يخاف الأديب الصراحة فيخرج أدبه وقورًا لا تجد فيه سوى الكلمات والعبارات المألوفة التي لا تبعث على تفكير أو سخط، يخاف المخالفة للتقاليد أو العقائد الاجتماعية العامة، فهو يفكر وهو محاط بسياج منها يجمد ذهنه ويمنعه من الوثوب.
والخوف يحملنا على أن نسلك السلوك الاجتماعي، لا شك في ذلك، ولكنه أيضًا يحول بيننا وبين حرية الذهن والابتكار والتطور، بل أحيانًا يزيد الخوف فيجعل الخائف مريضًا عاجزًا عن التفكير البسيط العادي، وكثيرًا ما نجد الذكاء لهذا السبب في الطفل المدلل الذي لم يُخَوَّفْ في طفولته وإن كنا نجِد إلى جانب ذلك نَزَقًا في أخلاقه.
ولكن الطفل الذي ذُلِّلَ وأُخْضِعَ وهو صغير قلَّما يبتكر في تفكيره، إذ هو ينشأ خاضعًا يقبل أي وضع اجتماعي.
وقلَّ مثل ذلك في المرأة، فإننا نُعْنَى أكبر العناية بتخويفها من المجتمع حرصًا على سلامتها الأخلاقية؛ ولذلك قلما نجد فيها إقدامًا، بل هي تمتنع بباعث داخلي عن بحث موضوعات عديدة لأنها تخافها، وعندئذٍ — أي بسبب هذا الخوف — تبدو كما لو كانت غير ذكية.
إن أول شرط للذكاء هو حرية التفكير أي التفكير بلا خوف.
فذكاؤنا ينقص عندما ننشد الوقار في الكتابة، وأكاد أقول إن الكاتب العبقري هو الكاتب الحر، وأعني بالحرية أنه لا يرتبط بمذهب سياسي معين أو بتقاليد أديبة أو اجتماعية؛ لأنه حين يرتبط بقيم وحواجز يمنع بها نفسه عن التفكير فيما يخالف هذا المذهب أو هذه التقاليد.
وليس هناك مَفَرٌّ من أن نُخَوِّفَ أبناءنا لأن هذه الدنيا التي سيحيون فيها تحتوي الكثير من الأخطار، ولكننا نعطِّل ذكاءهم إذا أسرفنا في تخويفهم.
إن دنيانا تحفل بالذكاء ولكنها تفتقر إلى الشجاعة، وهي تحتاج إلى التغير والتطور بل تحتاج إلى الثورة، ليس على المستعمرين والمستبدين فقط وإنما على التقاليد التي تمد يدها الميتة عبر القرون المظلمة، فتشل إرادتنا، وتجمد حركتنا الارتقائية، وتبقينا مرتبطين بالماضي لا نخطو ولا نثب إلى المستقبل.

الفصل التاسع
الشجاعة سعادة


متى يكون الجندي شجاعًا؟

يكون شجاعًا حين يؤمن بأنه يدافع عن شأن أو مبدأ أو شرف، وحين يحس أن كل هذه الأشياء أو واحدًا منها هو أكبر قيمة من حياته، وأنه لو قُتِلَ في سبيل واحد من هذه الأشياء فإن غيره من الجنود سيثابر على الدفاع عنه، وأن النصر بذلك محقق سواء على يده أو يد غيره بشجاعته أو بشجاعة من يقاتلون بعد موته، هذا هو الجندي في الجيش.
ولكن للشجاعة ألوان أخرى؛ فإن الكاتب يكون شجاعًا حين يحس أن دفاعه عن مبدأ أو مذهب لن يكون عبئًا؛ إذ هو واثق بأن المستقبل كفيل بانتصار هذا المبدأ أو المذهب.
وبكلمة أخرى إن كلًّا من الجندي والكاتب يشجعان حين يؤمنان بالمستقبل ويثقان بالنصر، إن لم يكن بقوة كفاحهما فبقوة الكفاح الذي يكافحه من يتسلمون السيف والقلم بعدهما.
وبكلمة أخرى أيضًا نقول إن الكاتب الشجاع والجندي الشجاع يتفاءلان بالمستقبل، وإن التشاؤم عندما يتسلل إلى قلبيهما يتسلل الجبن أيضًا إليهما.
نحن شجعان عندما يكون ميدان تفكيرنا أو اهتمامنا في المستقبل، وعندما نؤمن به ويتحقق انتصارنا فيه.
لهذا السبب نستطيع أن نقول إن أساس الشجاعة هو إحساس السعادة، أي هو الإحساس بانتظار النصر، والتفاؤل الدائم بأن ما ندافع عنه من وطن أو مبدأ أو حق سوف يتحقق، وإذن نحن نرضى بأن نفقد حياتنا كي تحيي ما هو أكبر منها، أو تحيي الوطن أو المبدأ أو الحق.
وكما أن إحساس السعادة والفرح يرافق الشجاعة كذلك إحساس التعاسة والحزن يرافق الجبن؛ ذلك لأننا نجبن حين نتشاءم، أي حين نحس أن المستقبل ليس لنا وأن من العبث أن نستشهد في سبيل مبدأ أو وطن أو حتى لأننا غير واثقين بالنصر النهائي.
وإذن نستطيع أن نقول إن الشجاعة هي أعظم الفضائل الاجتماعية، وإن المجتمع الحسن، بما يبعث في أفراد عائلته من الأمل، يملأ قلوبهم شجاعة وسعادة ويحملهم على الإنجاز والخدمة والتضحية. هل يمكن أن يكون الجندي الفدائي مجرمًا؟
هل يمكن أن ينتحر؟
الجواب: لا، بل لا قطعًا ولكن لماذا لا؟
لأنه قد جعل حياته غالية فلا يرضى لها بأي عمل رخيص دنيء فضلًا عن عمل إجرامي، ثم هو قد وهب نفسه لعمل عظيم فعظمت نفسه بهذا العمل العظيم، وهو لا يمكن كذلك أن يفكر في الانتحار لأنه يحس أن حياته كبيرة القيمة وأنه يؤدي بها خدمة عظيمة لوطنه وأن استقلاله يحتاج إليه.
وإذن نحن نستخرج من مثال هذا الجندي الفدائي عبرة، هي أن الخدمة الإيثارية ضرورية لكل شاب كي يحس أن حياته غالية سامية.
يجب على كل شاب أن يؤثر على نفسه، يؤثر الوطن أو الإنسانية أو الشرف أو الخير.
وذلك بأن يخدم ويتعب لغيره، فيحاول أن يرفع ظلمًا، أو يصل إلى هدف شريف، أو يحقق برنامجًا سياسيًّا أو اجتماعيًّا يعتقد سداده، أو يعاون يتيمًا، أو يكافح استعمارًا، أو يتصدى لاستبداد.
وهذه الخدمة الإيثارية هي التي تكسبنا السعادة وتجعلنا نحس القيم الروحية العليا التي نحيا بها على المستوى الرفيع.
والشاب الذي يحس هذه القيم يحس أيضًا كرامة شخصية ترفعه عن الدنيا، وتحمله على أن يلتزم الفضائل السامية، وعندئذ تستحيل هذه الخدمة الإيثارية خدمة ذاتية، أي إن الشاب ينفع نفسه حين ينفع غيره؛ ذلك أننا نرتفع ونعظم حين نأخذ بالدفاع والعمل في شأن اجتماعي عظيم.
إن هناك كثيرين ممن لم يفكروا أو لم يتعمقوا شئون هذه الدنيا، وهم يحسبون أن السعادة بالملذات والشهوات، ولكن الحقيقة أننا لا نطلب هذه السعادة، إذ هي في صميمها حيوانية، لأن سعادة الرجل الناضج هي كفاح إنساني يغمر شخصيته ويبعثه على النشاط ويربطه بالمجتمع ويجعله يحس بأنه عضو نافع.
وهناك أنواع كثيرة من هذا الكفاح فإن الشاب الذي يدرس علمًا أو فنًّا هو مكافح، وكذلك الذي يدرس السياسة وينتهي إلى برنامج للإصلاح هو أيضًا مكافح، وكلا هذين يجد أن العمر قصير في هذا الكفاح؛ ولذلك لا يمكن أحدهما أن يسأم أو ينحرف أو أن يسقط.
ولكن هناك أيضًا ميادين أصغر؛ فإن الانتماء إلى جمعية خيرية لتربية اليتامى أو مساعدة الأرامل أو تعليم العميان يملأ القلب كرامة والعقل تفكيرًا ويكبر الشخصية.
إن الواقع أن الإنسان أكبر من ذاته، أو هو لا يكبر إلا إذ تجاوز ذاته ونزع من الأثرة إلى الإيثار؛ أي خرج من نطاق الأنانية الفردية إلى نطاق الغيرة الاجتماعية.
وهذا هو الذي يجعلنا نعجب بالفدائيين، ونعجب بالشجاعة والشهامة، لأن هاتين الفصيلتين تعنيان الإقدام والتضحية بالذات في سبيل غير اللذات، أي تعنيان الإيثار.
وليست الأمومة في جمالها سوى هذا الإيثار الذي يشع منها حين تجوع الأم كي تشبع طفلها، وليس الحب في روعته سوى هذا الإيثار الذي يؤثر به كل من المحبين الآخر، وليست الجندية سوى إيثار الشعب — شعبنا الذي ننتمي إليه والذي هو أسرتنا الكبرى — على أشخاصنا، ولن نحس السعادة الداخلية العميقة إلا حين نؤثر على أنفسنا.

الفصل العاشر
أسوأ من الموت


أسوأ من الموت بعد انتهاء الحياة هو الموت قبل انتهائها، ونحن نموت جملة مرات دون أن ندري.
فنحن نموت وقت اليأس، حين نخاف من المستقبل وتذهب آمالنا فيه، وعندئذٍ نحلم بالماضي ونجترُّ ذكرياتنا؛ إذ لا يبقى لنا من آثار الحياة غيرها، وكثيرًا ما نجد أعراض هذا الموت بادية على وجوه الذين أقيلوا أو استقالوا من عملهم، وكأنهم قد استقالوا من الحياة، فهم راكدون هامدون وكأنهم أشخاص منتهون.
ونحن نموت حين نكره التطور، فلا نستطلع، ولا ندرس، ولا نخترع، بل نجمد ونقنع كأنه ليس في الإمكان أحسن مما كان، وكثيرًا ما نرى أعراض هذا الموت على أقصاها في رجل قد تغلغل فيه الموت حتى ليكره مغادرة مدينته إلى مصيف أو مشتى لقضاء بضعة أسابيع، بل هو أحيانًا يكره أن يقرأ كتابًا خشية أن يتغير به مذهبه في الدنيا.
وأحيانًا نموت حين نحيا الحياة السلبية، نُحْجِمُ ولا نُقْدِمُ، ونكف ولا نقبل، ونتجنب المخاطرة، ونقول: «لا» لكل ما يخالف عادتنا ومألوفنا. فنعيش في نسك ولكن دون أن نحيا.
ونموت أيضًا حين نقول: لا جديد تحت الشمس. فلا نأخذ بجديد ولا نبالي اكتشافًا أو اختراعًا، ولا نؤمن بارتقاء، ولا نكافح شرًّا، بل نحافظ على قديمنا إيمانًا بأن كل جديد هو قديم.
ونحن نبرر هذا الموت في حياتنا بالقناعة أو التواضع. إننا يجب أن نكون حيويين في حياتنا نحياها على مستوياتها وقممها العالية، فلا نرضى فيها برخيص ولا نقنع منها بقليل، بل نهدف إلى العالي والغالي، والرخيص هو القنوع بالمال والمقام ولذة الحيوان، والعالي الغالي فيها هو ارتقاء أذهاننا بالدراسات والاختبارات حتى يزداد وجودنا وجودًا.

الفصل الحادي عشر
اطلب الدلالة


هل هو رجل يدل؟

هل هو كتاب يدل؟

يجب أن ننشد الدلالة فيمن نصادق من الناس أو نقرأ من الكتب.
أي يجب أن نتجنب الرجل التافه الذي ليس لحياته ولا لأفكاره دلالة، ذلك الذي يحيا جزافًا ويتحدث جزافًا وليس له هدف، وكذلك الكتاب التافه الذي نمضي الساعات أو الأيام في قراءته فلا نستدل منه على شيء ولا ننتفع به.
والرجل المُسِنُّ مثل الكتاب الحسن، تعبر حياته عن كفاح، فإننا نعيش في عصر يحفل بألوان من الشرور التي ورثناها عن الماضي، والرجل الحسن هو الذي يكافح هذه الشرور في شخصه ثم في مجتمعه، يكافحها في شخصه بأن يعيش وهو يرتقي، ويتغلب على الفقر والإهمال حتى يصير لحياته دلالة، أي تَعَلَّمَ ومهر في فن وكسب قوته وعال عائلته وخدم وطنه وأثار عقله، وكذلك الكتاب الحسن هو الذي يبعث في نفوسنا روح الكفاح للشرور العامة ويحملنا على الشرف والإنسانية.
وتزداد دلالة الرجل، كما تزداد دلالة الكتاب، إذا كُنَّا نجد في كليهما هدفًا عظيمًا زيادة على روح الكفاح، بحيث نتصفح حياة الأول أو نقرأ الثاني، فنجد أنهما يسيران نحو غاية معينة، وبمعنى آخر لا نجد نشاطًا أو كفاحًا يذهب هباءً ولغوًا، وإنما نجد الحكمة في هذا النشاط الذي يصل بنا إلى غاية شريفة في ارتقائنا الشخصي أو العائلي أو الاجتماعي أو الإنساني.
ويزداد الهدف قيمة إذا كان ينطوي على تغير أو تطور، بحيث نكافح من أجل طراز جديد حسن من الأخلاق أو الآداب أو الاقتصاد أو الإنتاج أو الحرية، وعندئذٍ تكبر قيمة الهدف حتى ليُعَدَّ رسالة؛ ولذلك أعظم الأدباء والساسة والاجتماعيين هم أولئك الذين يحملون رسالة يخدمون بها مجتمعهم ويغيرونه كما لو كانوا أنبياء.
كان فكتور هيجو أدبيًا عظيمًا في فرنسا، وقد جعل من حياته وكفاحه رسالة هي محو الملوكية وإيجاد الجمهورية ونجح، ويجب لذلك ألا نستغرب ما فعله سكان الهند الصينية الذين علقوا صورته في الكنائس والمعابد واعتبروه قديسًا؛ فإن عصرنا الحاضر قد استنبط معنى جديدًا للقداسة لم يكن يعرف أسلافنا، فإننا نعد من القديسين فكتور هيجو الذي دعا إلى الجمهورية، وفليمنج الذي اهتدى إلى عقاقير البنسلين، وويلسون الذي قال بتقرير المصير للشعوب المقهورة …
أدباء وعلماء وساسة لكل منهم رسالة، وكل منهم لهذا السبب رجل يدل.
فاسأل نفسك أيها الشاب من هو الأديب الذي تحبه لأنه كافح وهدف وأصبحت له رسالة يحيا بها ولها من أجل الارتقاء والخير؟

الفصل الثاني عشر
النوم شقيق الموت


يقال إن النمل لا ينام، وإنه يعيش في يقظة ليلًا ونهارًا. وهذه هبة عظيمة لأن النوم هو غيبوبة تجعلنا والموت سواء، وكل ما يتبقى لنا من الحياة وقت النوم هو هذا القليل من النشاط البيولوجي الذي يَتَّسِمُ به النبات.
فالنوم هو شفيق الموت. ونحن حين نعمر سبعين أو ثمانين سنة إنما نقضي في هذا الموت نحو عشرين أو خمسة وعشرون سنة. نقضيها ونحن على غير وجدان بلذة الحب أو نشاط العمل، أو يقظة التفكير أو الاستمتاع بقراءة الكتاب أو تصفح الطبيعة أو بالتأمل الفلسفي لهذا الكون.
ونحن نَلْتَذُّ الطعام حين نجوع، ونتخير الأطعمة ونعالجها بما يسرنا إن لم يسعدنا، ولكننا لا نجد أيَّة لذة في النوم إذ هو غيبوبة يعطل فيها إحساسنا وتعقلنا معًا، هو موت يجب أن تطرح مدته من حساب حياتنا لأننا لم نعِش فيها.
ولكننا كلنا مضطرون إلى أن ننام، وهذا الاضطرار هو استبعاد فسيولوجي نتمنى لو نستطيع التغلب عليه حتى نعيش ?? ساعة في اليوم يقظين مفكرين مستمتعين بالحياة.
وإلى أن نبلغ هذه الحال يجب أن نقنع بالمفاضلة بين رجل ينام ليله ثم يقيل بعد الغداء، وآخر يحيا طوال نهاره ويؤجل موته إلى ساعات الظلام، فإن هذا الثاني اليقظ يعيش أكثر من الأول وإن تساوى كلاهما في العمر.
لقد عشت في إنجلترا وفرنسا سنين، فلم أعرف أحدًا دون السبعين ينام بعد الغداء، مع أني أعرف شبانًا في مصر يقيلون ساعات كل يوم، وقد يكون لإرهاق الحر في الصيف بعض العذر لهذه القيلولة، ولكني أعتقد أن الأساس لهذا الفرق هو أن الأوروبيين ينشطون إلى الحياة واليقظة في حين نحن نتراخى ونتقاعد، ولعل مرجع ذلك أنهم يتفاءلون ونحن نتشاءم؛ ولذلك يغشاهم السرور فينشطون، ويغشانا الكمد فنتثاقل ونفتر وننام.
ومهما يكن السبب فلنذكر على الدوام أن النوم هو شقيق الموت، وأن علينا أن نتجنبه بقدر المستطاع كما نتجنب الموت.

الفصل الثالث عشر
امتحانات الذكاء


الوراثة هي القدر الذي نقف أمامه عاجزين مكتوفين … وأولئك الذين يحبون أن يجدوا أساسًا للأخلاق أو الفضيلة في الطبيعة، يحسون العجز والحيرة عندما يواجهون الوراثة في قسوتها، وذلك حين يولد طفل أعمى أو أبله أو أشوه أو نحو ذلك مما يحملنا على القول بأن بعض الناس يولدون وقد حَكَمَ عليهم القدرُ بالعجز والشقاء قبل ميلادهم.
وقد تأمل إرنيست رينان هذه الحال فصرخ صرخته المشهورة: لا، ليس العدل أصيلًا في الطبيعة.
وفي عام ???? ظهرت امتحانات الذكاء على يد ألفريد بينيه الذي زعم أن الناس يتفاوتون في الذكاء الفطري الذي يولدون به، وأنه يمكن قياس هذا الذكاء حتى قبل العاشرة من العمر، وتعين بمقاييسنا قدرة الصبي أو الشاب على احتراف عمل ما ومقدار نجاحه فيه.
وعمت العالم «امتحانات الذكاء» وصدقناها راضين أو مرغمين، فكان الصبي يمتحن في أشياء لا علاقة لها بتربيته أو وسطه، ثم يصدر عليه الحكم الذي يتعس أبويه أو يسعدهما والذي يقرر مصير الصبي في هذه الدنيا.
وكان «امتحان الذكاء» نوعًا من القدر أو نوعًا من الرضا بأن العدل ليس أصيلًا في الطبيعة.
ومع أن جميع السيكولوجيين كانوا يتشككون في قيمة هذه الامتحانات لِمَا كانوا يعرفونه من تأثيرات الوسط والمركبات النفسية ودرجة الثقافة ونوعها، فإنهم كانوا يخشون التصدي لتكذيب النتائج لهذه الامتحانات؛ لان الإقبال عليها كان عظيمًا وذلك لسهولتها، ولأن نتيجتها كانت معينة بالأرقام كأنها لا تتحمل الخطأ.
ولكن رويدًا رويدًا أخذ الشك مكان اليقين، واحتاج هذا إلى السنين، أي منذ ????حين بدأت هذه الامتحانات إلى الآن، فقد وجد أن الطفل الذي حكم عليه بالغباوة في امتحان الذكاء قد انتهى بما يقارب العبقرية، كما حدث العكس.
كما أن القول بأن الذكاء يقف نموه بعد سن السادسة عشرة لم يعد يصدقه أحد، وأن الوسط الراقي المثقف يستطيع أن يرقى بذكاء أفراده كما أن الوسط السيئ الجاهل يخفض الذكاء.
إن الكفاءات الموروثة حقيقة لا شك فيها، والذكاء كفاءة موروثة إلى حد ما، ولكن التفاوت بين الناس صغير بل أحيانًا تافه، وما نرى من تفاوت بعد سن العشرين والثلاثين في الأخلاق والسلوك والمهارة والمعرفة، يعود إلى الوسط في الأكثر ولا يعود إلى الوراثة إلَّا في الأقل، ونحن في مصر أقدر على فهم ذلك من الأوروبيين والأمريكيين؛ فإن المرأة المصرية التي تعلمت في الجامعة واحترفت إحدى الحرف واختلطت بالمجتمع وناقشت الدنيا في مشكلاتها السياسية والاقتصادية، هذه المرأة تبدو ذكية بل مفرِطة في الذكاء عند مقارنتها بالمرأة التي عاشت في الحجاب تحوط جدران المنزل بحياتها، مع أن كلنا نعرف أنها أختها وأن الكفاءة الوراثية للاثنتين واحدة.
إن الوراثة البيولوجية قدر، ولكنه ليس الذي يقرر لنا التعاسة أو السعادة والخيبة أو النجاح؛ لأن هذه الصفات جميعها تعود في أكثرها، بل أكاد أقول في مجموعها إلى الوسط الراقي أو الوسط المنحط أي إلى المجتمع.

الفصل الرابع عشر
اسأل مجرب


«اسأل مجرب ولا تسأل طبيب» مَثَلٌ من أمثلة العامة التي تضر أكثر مما تنفع؛ فإن الأم التي ولدت ?? ولدًا ومات منهم ?? وبقي واحد تعد نفسها مجربة، مع أنها مجربة في قتل الأطفال وليس في بقائهم.
ولكن لهذا المثل قيمته مع ذلك، بل قيمته العملية التي تعمل بها أمريكا الآن.
ذلك أنه أسست جمعية من السكارى التائبين الذين أدمنوا شرب المسكِرات وعانوا المرض والإفلاس ثم شُفُوا تمام الشفاء، وأمضوا السنين وهم لا يحسون أي حنين للخمور، وهذه الجمعية تتبنى السكارى العاجزين عن التوبة بالإقلاع التام عن شرب الخمور، وطريقة التبني أن العضو التائب يرافق العضو السكير ويشرح له كيف أقلع هو عن الخمور، ويحذره من العواقب التي يوشك أن يقع فيها.
ويجد الاثنان ألفة وصداقة إذ تربطهما نكبة سابقة ونكبة قائمة، كما يجدان التفاهم لهذا الاشتراك نفسه، وفي أغلب الحالات تتحقق الغاية ويتوب السكير المدمن ويعود سويًّا مثل رفيقه.
وقد بعث نجاح هذه الجمعية بعض المفكرين في أمريكا أيضًا على اتباع هذه الطريقة مع المنكوبين الذين زَلَّتْ عقولهم وتزعزعت نفوسهم، فبدلًا من أن يُرْسَلَ المريض إلى مستشفى الأمراض العقلية، حيث يجد نفسه مغمورًا بين عشرات ومئات غيره من المرضى، تعمد الجمعية — المؤلَّفة من المرضى السابقين الذين شفوا تمامًا — إلى اختيار أحد أعضائها لمراقبة المريض، والاختيار هنا يعني أن يكون العضو المرافق قد عانى نفس المرض الذي يشكو منه المريض، واجتماع الاثنين يحدث ألفة وتفاهمًا وصراحة، ويستطيع المريض السابق أن يفهم العلامات والخيالات والتوترات التي يبديها المريض الجديد؛ لأنه هو نفسه قد عاناها؛ ولذلك فإن كلماته تقع من رفيقه الموضع الحسن الذي لا يحمل معنى الأمر أو القسر.
ونجاح عملية السكارى السابقين في شفاء السكارى الجدد ليس برهانًا على أن هذه الجمعية الجديدة ستنجح، ولكن هنا بابًا لتجربة جديدة تستحق الالتفات والبحث.
والمريض المبتدئ يحتاج إلى عناية طبيب سيكولوجي، والمبادرة هي تسعة أعشار النجاح في الشفاء، أما إذا تأخر أهل المريض في المعالجة فإن العواقب تكون جد وخيمة، ولكن يبقى بعد ذلك السؤال: هل إرسال المريض إلى مستشفى الأمراض العقلية أنفع له من بقائه بمنزله بين أهله وإخوته أم لا؟
ظني أن الطبيب المعالج هو صاحب الرأي الحاسم هنا؛ لأن المرض قد يكون مَرَدُّهُ إلى البيت نفسه، أو قد تكون للمريض وثبات مؤذية.
ولكن جمعية المرضى السابقين سواء للسكارى أم للشاذين فكرة حسنة تستحق الدرس في بلادنا.

الفصل الخامس عشر
لا تخش القلق


ليس هناك سيكلوجي إلا ويحذر من القلق والهم وما ينتجان من توترات تتعس المهمومين القلقين، بل أحيانًا تقتلهم بأمراض تتناول الجسم مع أن بؤرتها الأصلية نفسية فقط.
والسيكولوجي يحذر من الهم أو القلق كما يحذر طبيب الجسم من السم؛ إذ ليس من شك أن الهموم سموم، ولكن قليلًا من السم ينبه الجسم ويزيد الحيوية، وكذلك الشأن في الهم والقلق؛ فان النفس تتنبه بالقليل منهما، والجسم ينشط والعقل يتذكى.
وهناك كتاب لا أستطيع أن أمدحه ألَّفه أمريكي بعنوان «أنا نيوروزي وفخور بذلك» وهو يعني أنه مريض نفسيًّا ويفخر بمرضه، ولا أستطيع أن أمدحه لأني عندما تصفحته وجدت أن المؤلف يعالج في جميع فصوله طرق التخلص من «النيوروز» أي التوترات النفسية التي تتعس المريض ولكنها لا تصل إلى حد الجنون أو ما نسميه جنونًا.
ومع ذلك فنظرية المؤلف سليمة، وهي أن قليل من القلق ينفعنا، القليل فقط.
ذلك أننا بلا قلق لا نكاد نفكر أو ننشط، فنحن في حاجة إلى عقبات ومصادمات تثير انتباهنا وتحثنا على الكفاح والعمل، وقد كان جوتيه الأديب الألماني العظيم يقول: «في صدري — مع الأسف — نفسان»، وهو يعني بذلك أنه على الدوام يجد صراعًا بين عقله وعاطفته، أي بين الإنسان والحيوان الكامنين فيه، أي بين العقل الواعي والعقل الباطن.
ولكن لماذا قال جوتيه: «للأسف»؟
قال ذلك لأنه كان يجد نفسه متعبًا وأحيانًا مرهقًا للصراع القائم بين العاملين المتضادين في صدره، ونستطيع أن نفهم ذلك إذا عرفنا أنه كان يحب ويعشق بعد سن السبعين، فكان في صراع بين عقله الذي يطالبه بالتحفظ والوقار، وبين عاطفته التي تحفزه على البوح والاستهتار، وهنا الأسف.
ولكن لو لم يكن جوتيه يحس التوترات المتوالية في مواقفه الاجتماعية والذهنية لما كان مفكرًا عظيمًا، وكما أن الجسم يخمد ويفتر عندما لا يجد المقاومة، حتى يحتاج إلى أن نقدم له القليل من السم حتى يتنبه ويقاوم، فإننا كذلك نحتاج إلى شيء خفيف من القلق ينبه أذهاننا ويوقظ نفوسنا وضمائرنا حتى نفكر ونكافح.
ورجل بلا قلق لا يحمل الهموم ولا يحس التوترات هو حيوان، ولكن العبرة هي أن نقف عند حد معين من القلق.

الفصل السادس عشر
لماذا ينتحر؟


كنت أتحدث إلى رجل بلغ الأربعين أو زاد، وكان قد عَمَّهُ يأس وأظلمت الدنيا في وجهه حتى فكَّر في الانتحار.
وقصَّ عليَّ قصته، ولما انتهى منها قلت له: «لو كنت في مكانك وظروفك لرغبت أنا أيضًا في الانتحار مثلك».
ودهش لقولي هذا وقال: «إذن أنت توافق على الانتحار؟».
قلت: «لا أوافق، ولكنى أريد أن أقول لك إن حياتك الماضية كانت تافهة رخيصة لا أحب أن أحياها؛ إذ هي لا تستحق أن أحياها، وإنما الحياة التي تستحق أن نستمتع بها هي تلك التي تمتلئ بالاهتمامات التي تبعث النشاط والتفاؤل، والتي تشغل وقتنا كله حتى لنضن على أنفسنا بالنوم لأنه يسرق منَّا بعض التفكير في هذه الاهتمامات، وأنت خلو من أي اهتمام، لا تشغل نفسك بهواية إلى جنب عملك الذي تكسب منه لقمة العيش، وليس لك آمال لنفسك أو للبشر، بل إنه ليبدو حتى من حديثك أنك لست على اتصال بأحداث العالم السياسية أو العلمية التي تغيره، أنت في بيت لا تدري شئونه ولا تعرف أسماء سكانه، وقصارى ما تفعل أنك تأكل وتنام وتلعب الورق أو أية لعبة أخرى من لعب الحظ. إن حياتك رخيصة ولو أني عشت حياتي مثلك لاستغنيت عنها كما تريد أن تستغني أنت عن حياتك».
فقال: «كان حظي سيئًا إذ لم أجد من يرشدني».
قلت: «أي حظ تنتظر؟ أنت الحظ. هذه الدنيا مكشوفة أمامك وأنت تختار، أي تختار الحياة الرخيصة أو الحياة الغالية، وقد اخترت أنت الحياة الرخيصة وأنت المسئول، لقد آثرت أن تأكل الطعام الغالي بدلًا من أن تشتري الأفكار الغالية، وفي رأسك ? آلاف مليون خلية وهبتك إياها الطبيعة منذ وُلِدْتَ وهي واقفة أو راكدة، عاطلة لا تفكر، وفي هذه الدنيا خمسة ملايين كتاب أخرجتها هذه الخلايا من بعض الرءوس الذكية، فماذا قرأت منها؟ لو أنك تعوَّدت القراءة والدراسة مثلًا لأصبحت مثل شهرزاد تنتظر الغد كي تستأنف القصة التي انقطعت بالنوم، ولكنك أنت تنام وتستيقظ بلا قصة؛ ولذلك فإن حياتك نفسها قصة تافهة كتبتها أنت بالنثر الركيك وليس فيها بيت واحد من الشعر»
قال: «إذن يجب أن أنتحر»
قلت: «لا، ولكن يجب أن تسأل: لماذا أنت حي؟ وكيف تزيد حياتك حيوية؟ فإنه لا يزال أمامك نحو ?? أو ?? سنة من العمر، فهل يليق بك أن تنفقها فيما أنفقت في الماضي؟ إن الحياة حب وعمل وإنتاج، ونور يضيء في الذهن نسميه الذكاء، ومعارف تستخرج منها الحكمة وتفهم بها نفسك والطبيعة والكون، وهي مجتمع تعيش فيه وتسأل وتستطلِع عمَّا فيه من فضائل تدعمها ورذائل تكافحها، وهي بعد ذلك كله خير، فأين الخير في نفسك؟ عش وكافح واستمتع».

الفصل السابع عشر
تربية العظماء


قبل سنين كنت أقرأ سيرة الرحالة الأمريكي ستانلي، ووقفت عند قول كاتب السيرة إن هذا الرحالة كان يُعْنَى وهو في مجاهل أفريقيا بحلق لحيته كل صباح كما لو كان في لندن أو أدنبره.
لقد أمضى ستانلي سنوات وهو يقطع الصحارى والغابات في وسط أفريقيا، ويواجه الوحوش ويأكل الجشب من الطعام وينام على الغليظ من الفراش، ولا يرى غير الزنوج الذين لا يعرفون معنى لحلق اللحى ولا يبالون الرجل كاسيًا أم عاريًا حافيًا أم ناعلًا.
ولكن ستانلي كان يعنى في الصباح بهندامه، ويحلق لحيته، ويرجِّل شعره، ويأكل فطوره، بالشوكة والسكين، فإذا أتم كل ذلك نهض للرحلة كأنه يقصد إلى مكتب في أحد شوارع لندن.
وإنما كان يفعل ذلك خشية أن تنهار شخصيته أو تضعف أمام المشاقِّ التي كان يعانيها في وسط أفريقيا، وكان يحس أنه إذا أهمل الحلاقة صباح كل يوم فان التبذل يأخذ في نفسه مكان التجود، والإهمال يأخذ مكان العناية، ثم تنحل أخلاقه وينتقل هذا الانحلال إلى سلوكه في الوصول إلى الهدف الذي نصب نفسه له وهو الاكتشاف، فهنا رجل عظيم أراد أن يؤيد عظمته بالعادات الصغيرة التي تبدو تافهة في ذاتها ولكنها جليلة في دلالتها، لأنها إحدى اللبنات التي تبنى منها عظمة الرجل.
وإزاء هذه العظمة نجد حقارة حين نقرأ أن فاروق التافه كان يؤدي أعمال الدولة وهو في السرير، فكان يقرأ ويوقع القوانين وهو في جلباب النوم.
شئون الدولة وشئون الجنس تجتمعان في السرير … مع الضحكات المخنثة والحركات المتهتكة …
ولذلك يتمجد اسم ستانلي في التاريخ، ويتعفن اسم فاروق في التاريخ.
وهناك حدود يعينها العظماء لسلوكهم وهي جميعًا تبدو تافهة لأول نظرة، ولكنها عند التأمل تكشف لنا عن صرامة في النفس يراد منها تماسك الأخلاق ومتانة الشخصية وتوحُّد الهدف وانتظام النشاط.
إن العظيم لا يبعثر حياته ولا يستسلم لكل شهوة ولا ينقاد إلى كل رغبة؛ لأن عظمته تعين له الهدف في حياته وتبعثه على أن يتعهد نفسه بالتربية، وهو ينكر الكثير على نفسه، كي يصل إلى هذا الهدف، وهو دائم اليقظة متنبه الوجدان إلى شخصيته، ثم هو يأخذ بعادات صغيرة تعينه على بلوغ الهدف وعلى استبقاء قواه موفَّرة لهذا البلوغ.
ونحن حين نقعد إلى مكاتبنا كي نؤدي عملًا ما، نحس جدًّا وتبصرًا ومسئولية لا نحس مثلها حين نؤدي مثل هذا العمل ونحن في السرير، وكثير من الخيبة التي يعانيها بعض الشباب أنهم يؤدون أعمالهم مستهترين متراخين لم يحلقوا لحاهم ولم ينتصبوا متحفزين لعملهم، وقلَّما يجيدون لذلك ما يعملون؛ لأن إهمالهم لعادات الجد في أشخاصهم يجعل أعمالهم أيضًا مهملة، وإنما نضبط أعمالنا ونحزم شئون مهنتنا إذا كنا نحن قد ضبطنا شخصيتنا ووعينا لأنفسنا الحدود والشروط التي تحول دون التراخي في أخلاقنا أو الضعف في شخصيتنا.

الفصل الثامن عشر
ضرورة الجنون


كتبت إحدى الصحف كلمة عن قاسم أمين جاء فيها أنه كان ينصح للأدباء بأن يبتكروا وأن يجنوا.
وقد يحتاج هذا الكلام إلى قليل من التفسير، فقد كان قاسم أمين نفسه أديبًا قبل أن يكون قاضيًا، وقد جُنَّ جنونين: الأول في ???? عندما أخرج كتابه الذي دعا فيه إلى سفور المرأة، وجن جنونه الثاني في ???? عندما دعا إلى إنشاء جامعة مصرية.
ومعنى الجنون هنا مخالفة العرف ومجابهة الرأي العام بضد ما يعتقد، والدعوة إلى سفور المرأة في أواخر القرن الماضي بعد مئات السنين من الحجاب والنقاب والانفصال من المجتمع والترهل في البيت كانت تبدو بلا شك جنونًا؛ إذ لم تكن تقل في غرابتها عن الدعوة للرجال بأن يسيروا في عري تام لأن الملابس ترهقهم وتؤذيهم في صحتهم.
وكذلك دعوته إلى إنشاء جامعه في وجه الجهل العام كانت من الغرابة بحيث كانت تعد شذوذًا وجنونًا.
ومن كلمات الإنجيل التي تقترب من موضوعنا هذا قوله: «أنت لست حارًّا ولست باردًا ولكنك فاتر، ولذلك تقيئك نفسي».
وللإنجليز كلمة تتردد على صحفهم وكتبهم هي كلمة «السخط المقدس»، ولقد سخط قاسم أمين على حال المرأة في ???? وكان سخطه مقدسًا، ولم يطق رؤيتها في فتور، فألَّف كتابه في غلواء الأديب بعد أن حميت نفسه غضبًا، ونسي وهو في هذا الغضب هذه الغلواء، لوم الناس له أو نفورهم منه فكان مجنونًا، أجل، وكان جنونه مقدسًا.
ومن هذا المعنى الذي قصد إليه حين دعا الأدباء إلى الجنون، إلى الغلواء، إلى الحماسة التي تنأى عن الفتور.
ونحن لا نتحسس ولا نجن إلَّا لأننا نتألم أكثر، ونحس أكثر، ونأمل أكثر من غيرنا، وهذا هو حال الأديب العبقري.
والصلة بين العبقري والمجنون تعود إلى هذه الغلواء، إلى هذه الحماسة، التي يحسهما كلاهما، وكلاهما لهذا السبب أيضًا يحلم ويتخيل وإن تكن أحلام الأول مثمرة وأحلام الثاني عقيمة.
وعندنا في الجامعتين نحو ألفي طالبة سافرة قد ارتفعن من الأنوثة إلى الإنسانية بفضل قاسم أمين حين جُنَّ جنونه الأول ثم جنونه الثاني.
وعلى الأديب أن يسخط وأن يُجَنَّ وأن يكتب في غلواء وألَّا يكون فاترًا يقيئه القراء.

الفصل التاسع عشر
الكوارث التي تُعَلِّمُنَا


من أحسن ما أنعمت به عليَّ الأقدار أنها كرثتني بطائفة من الكوارث في مراحل عمري كانت لي بمثابة الدروس العملية التي تعلمت منها وخرجت من عبرتها أكثر حكمة وأوضح بصيرة وأسعد إحساسًا.
مرضت في طفولتي وبقيت بالفراش شهورًا بل ربما سنوات، ولكن هذا المرض قد زال ولم يبقَ منه سوى هذه الذكرى المحببة إلى قلبي وهي أمي قد قعدت إلى جانبي تدعو وتصلي وتمسح رأسي ووجهي بيدها الطرية الناعمة، وما زلت إلى الآن — وأنا في الحلقة السابعة من عمري — أستعيد هذه الذكرى فتغمرني منها سعادة، وأحسُّ كأني أملك كثيرًا لا يملكه أحد غيري على هذه الأرض.
وكرثتني الأقدار بقريب لي اضطهدني وسرقني وعمل على إيذائي نحو نصف قرن، ولكنه مع ذلك حملني على أن أتأمل حياته كما يتأمل الطبيب مريضه كي يتعرف إلى أسباب العلة، وإني أؤكد أني لو كنت قد قرأت خمسين كتابًا في السيكلوجية لما كنت قد انتفعت منها بقدر انتفاعي بهذا القريب الذي درسته وتألَّمْتُ منه، وبذلك زادني حكمة وأكسبني معرفة.
ولقد توافرت عليَّ الكوارث، التي لا أقول إني لقيتها مبتسمًا، ولكني أقول إني لقيتها جادًّا متأملًا، وكل ما خسرت لا يبلغ ما كسبته منها بالاختبار والنمو، خسرت المال وكسبت الحكمة.
ولقد فقدت الصديق العزيز ولكني كسبت حنان ذكراه، هذا الحنان الذي يسري في ذهني كما لو كان نشوة الخمر أو أرج الزهر.
وإلى هذا العالم وقد وقعت بي كارثة أخري لمَّا أصل لنهايتها، ولكني واثق بأني سوف أنتفع منها.
إن هذه الحياة تحتاج إلى الدروس العملية، وأعظم درس عملي هو كارثة موجودة تقع بنا وتنقلنا من الذهول إلى الوجدان، فنقف في الطريق ونتأمل مستقبلنا في ضوء حاضرنا وماضينا، وبهذا الوقوف والتأمل تنضج الشخصية فتزداد إحساسًا وتعقلًا ومعرفة.
أجل إن الكوارث تعلمنا.

الفصل العشرون
شارة الشرف


تغير القيم هو أعظم برهان على حيوية الشعب وارتقائه. ما هي قيمة الشرف وما معناه؟
ما هي الإنسانية وما معناها؟
ما هي الشخصية وكيف نربيها؟
ما هو المقياس الذي نقيس به إحدى الفضائل؟
كل هذه الأسئلة وعشرات غيرها يجب ألَّا نكف عن السؤال عنها ومحاولة الإجابة عليها، ويجب أن نغير وننقح في معانيها، فليس من الإنسانية أو الشرف مثلًا أن نرضى بالاستعمار الأوروبي لشعوب أفريقيا، ولكن ليس من الإنسانية والشرف أيضًا أن نسكت عن الرق تمارسه إحدى الدول وتبيع الإنسان وتخصيه لأغراض سافلة … إلخ.
إن الدنيا تتغير والقيم الأخلاقية كذلك تتغير، فنحن في عصرنا الحاضر لا نسمي الرجل فاضلًا لأنه لا يضر غيره، أي لا يرتكب جريمة؛ لأن هذا الموقف السلبي لا يكفينا في عصرنا هذا.
إننا نحتاج إلى فضائل إيجابية نصف بها الرجل الفاضل؛ أي إن الرجل الفاضل ليس هو الذي يكف الأذى عن غيره وإنما هو الذي يعمل الخير لغيره، و«غيره» هذا هو المجتمع.
فالرجل الفاضل بهذا القياس هو الذي يستهلك من ثروة الشعب الذي هو أحد أفراده أقل مما ينتج، وليس من الضروري أن يكون الإنتاج ماديًّا محسوسًا أو سلعة ملموسة مثلًا؛ فإن المعلم، والسياسي، والفيلسوف، والأم، كل هؤلاء ينتجون، وإن يكن إنتاجهم لا يباع بأثمان وأسعار.
والرجل الفاضل هو الذي يستطيع أن يقول ساعة وفاته: قد أعطيت الأمة التي أنتمي إليها أكثر مما أخذت منها، وإنها بوجودي في هذه الدنيا قد انتفعت بزيادة في ثروتها أو صحتها أو علومها أو أخلاقها.
ونظامنا الحاضر يجيز لكل منَّا، إذا واتته الظروف، أن يكون وارثًا يعيش بلا عمل أي بلا إنتاج، وليس لأحد أن يعيب الثروة الموروثة من الوارثين، فقد ولدنا على هذا النظام وما زلنا راضين عنه.
ولكن إحساس الإنتاج؛ أي إحساس الخدمة للشعب، وأننا نقدم له أكثر مما نأخذ ونستهلك منه، هو إحساس له قيمة مركزية في الأخلاق.
ولذلك يجب أن ينشأ كل منَّا على أن يفهم هذه الحقيقة حتى وإن يكن وارثًا لا يحتاج إلى بذل أي جهد كي يعيش موفورًا مرفَّهًا.
ولذلك أيضًا يجب أن نربي أبناءنا على إحساس الإنتاج، وأن تكون شارة الشرف لكل إنسان أن يخدم وينتج، ومن هذا المركز تشع فضائل أخرى يحيا بها في المجتمع ويعمل بها للخير العام.

الفصل الحادي والعشرون
كن طالبًا طيلة عمرك


قد لا نبعد كثيرًا عن الصواب إذا قلنا إن غاية الإنسان في هذه الدنيا هي أن يحيا الفهم، وصحيح أنه قد يرد علينا هنا بأن غاية الإنسان هي الخير وتعمير هذه الدنيا، ومكافحة الشر والظلم والمرض والفقر، ولكن كل هذه الأهداف السامية تحتاج أول ما تحتاج إلى الفهم، وبلا فهم لا نستطيع أن نكافح شرًّا أو نعالج مرضًا.
والوسيلة إلى الفهم هي المعرفة، وقد زادت المعارف في أيامنا إلى درجة يستحيل معها الوقوف على جميع أنواعها وحقائقها، ولكن هناك أصولًا وجذورًا لهذه الغاية المشتبكة من المعارف نستطيع أن نقف على كنهها ونصل منها إلى النظريات الشاملة التي تحتويها.
والنظرية الشاملة هي أعظم الأدوات للاقتصاد الذهني؛ ذلك أن معارفنا ما دامت مبعثرة مجزأة غير مشمولة بنظرية، تبقى بعيدة عن أن تكون نظامًا مفهومًا مرتبًا في أذهاننا، كما تبقى بعيدة عن أن تكون علمًا محققًا؛ ولذلك تعد العلوم تحقيقات وتمحيصات للمعارف.
وعلينا لهذا السبب أن ندرس العلوم أي ندرس المعارف التي حققت ومحصت وشملتها نظرية أو نظريات.
وعلينا أن نبقى طيلة حياتنا ونحن ننشد الفهم بالاستزادة من المعارف؛ أي على كل منَّا أن يبقى طالبًا طيلة عمره.
وهذا الطلب للعلم طيلة الحياة هو الوسيلة للارتقاء الشخصي؛ لأننا عندما نعرف، نتغير ونتطور فنرقي، كما هو الوسيلة لأن نحس الخدمة للمجتمع والإنسانية.
وفي عصرنا العلمي الحاضر يجب على كل منَّا ألَّا يترك علمًا من العلوم التي تتصل بتاريخنا الماضي أو حاضرنا القائم، وبتعمير الدنيا أو تدميرها، وبسعادة الناس أو تعاستهم، يجب ألَّا يترك علمًا من هذه العلوم دون أن يدرسه، وليس هذا بالشاق إذا جعلنا العمر كله برنامج هذه الدراسة، وإذا وفَّرنا ذكاءنا وقوتنا لها دون أن نبعثر هذا الذكاء وهذه القوة في قراءة السخف من الأدب أو القيل والقال في الصحف المسلية.
إن الرجل الحكيم يجد في عالمنا هذا بطبيعته الفطرية وحضارته الصناعية جامعة للدرس المتواصل والفهم العميق؛ ولذلك يجب أن نتعود التأمل والتفكير وأن نزود أذهاننا بالمعارف المتوالية التي تحثنا على الارتقاء الشخصي وعلى الكفاح للخير العام.

الفصل الثاني والعشرون
التفكير الذهني


كلنا نفكر في شئوننا الخاصة. في العمل الكاسب الذي نؤدي وجباته، وفي الهواية التي تتعلق بها، وفي علاقتنا بأصدقائنا وزملائنا. وفي الخطيبة التي سنتزوجها أو التي نحبها أو البذلة التي سنشتريها.
وجميع هذه الشئون خاصة وآفاتها لذلك محدودة، ولكن وجودنا في هذه الدنيا يجب أن يحملنا على أن نخرج من خصوصية الاهتمام إلى عموميته. فإن لقمة العيش تحملنا على أن ندور في فلك صغير ونكرر دورتنا كل يوم حتى لكأنَّنا آلات لا تنمو ولا تكبر ولا تتفرع.
ولكن الشاب الناضج هو الذي يخرج من هذا الفلك الصغير فيهتم بالاهتمامات الذهنية التي ترفعه من لقمة العيش إلى شئون العلم والأدب، فيدرسها ويقتني مؤلفاتها ويناقش فيها ويحاول أن يقف عن سبيلها هذا الموقف الفلسفي الذي يقفه الرجل المفكر، يرفض أن تُمْلَى عليه الآراء والعقائد إملاء كأنَّه غير كف لأن يستقل بفكره.
ولكن الاستقلال بالفكر ليس معناه أن نفكر وحدنا وإنما هو أن نناقش ونسأل ونستطلع، وكل هذا يدعونا إلى اقتناء الكتب ودرستها بروح الاستقلال والتساؤل.
إن الشعب الإنجليزي يفخر بأنه لا يزيد على خمسين مليونًا ومع ذلك يزيد عدد الكتب التي تطبع في بلاده على ما يطبع منها في الولايات المتحدة التي يزيد سكانها على ??? مليونًا، وله كل الحق في هذا الفخر؛ فإن شئون الذهن من الاهتمامات الأصلية عند الإنجليزي المتعلم، ورف المكتبة في البيوت الفقيرة له حرمة المكتبة في البيوت الكبيرة، والسيدة الإنجليزية تقتني الكتاب كما لو كان تحفة تحتفظ به كنزًا بعد أن تقرأه ثم تتركه تراثًا ساميًا لأبنائها.
إن وجودنا يكبر في الدنيا بالكتب، تلك الكتب التي تصل بيننا وبين الأمم القديمة قبل ألفين أو ثلاثة آلاف سنة من التاريخ، وتلك التي تكشف لنا عن النجوم أكبر الأجرام وعن الذرة أصغر الأجرام في هذا الكون، وتلك التي تقص علينا قصة الإنسان، بل قصة الأحياء، كيف تألَّفت جزيئاتها مثل الفيروس ثم ارتفعت حتى صارت خلية مثل الأميبة، وتلك الكتب الأخرى التي تغني لنا بالأشعار عن أسمى الأفكار، وأخيرًا تلك الكتب التي تلهمنا وتولد في أذهاننا بصيرتنا التي نكاد نشرف بها على الكون، نرى ما خفي منه ونفهم ما التغز.
أجل، يجب ألَّا يشغلنا التفكير العادي في شئوننا اليومية عن التفكير الذهني في شئون المجتمع والطبيعة والكون.
والسبيل إلى كل ذلك هو الكتاب الذي يؤلِّفه لنا المخلصون من الكُتَّابِ الذين ينشدون ارتقاءنا وتطورنا.

الفصل الثالث والعشرون
ماذا تدرس


في هذه الأيام تحفل الصحف بالمقالات والأخبار عن استخدام الذرة وقودًا بدلًا من البترول والفحم، وعن صنع أقمار تدور حول الأرض بحيث تقطع المسافة من الأفق للأفق في نحو عشر دقائق وتبقى هكذا إلى الأبد، وعن غزو القمر، هذا الكوكب الذي كان في يوم ما جزءًا متممًا للأرض ثم خرج منها وترك فجوة عميقة هي المحيط الهادي الآن.
تتحدث الصحف عن ذلك وعن غيره مما كان بعدُ أحلامًا وخيالات قبل سنين، وعليك أيها الشاب أن تسأل نفسك لماذا يشغل الأوروبيون والأمريكيون بهذه الثقافة الحية التي يبنون بها في جرأة واقتحام هذا المستقبل البشري الذي سوف يتجاوز الأرض إلى السماء، وإلى القمر، وإلى الكواكب؟ ولماذا أنت لم تدرس هذه الحية بل بقيت تتقلب في ألوان من المعارف لا تزيدك نورًا ولا قوة؟
لماذا أنت جاهل عاجز، ولماذا هم علماء أقوياء؟
وأليس لك — وأنت في عجزك هذا — أن تخشى قوتهم؟
الثقافة هي الوسط الذهني للإنسان، وأنت عاجز، ونحن كلنا عجزة، لأننا عشنا في ثقافة ميتة تقول: ادرسوا الماضي واعتمدوا على العقائد بدلًا من الحقائق، واقرءوا الأدب بدلًا من العلم، ولا تفكروا في المستقبل بل فكروا في الماضي.
ولنغفر للذين كانوا سببًا لجهلنا وجهلك وعجزنا وعجزك.
ولكن يجب أن نشرع في درس الثقافة الحية التي تبني مستقبلنا على الأرض وفوق السماء، فإننا بشر لا نختلف عن الإنجليز والأمريكيين الذين يفعلون ذلك الآن.
وأذكر أنه على قدر ما تكون ثقافتك حية تكون أنت حيًّا في القلب والعقل.
وعلى قدر ما تكون ثقافتك ميتة تكون أنت ميتًا في القلب والعقل.
ادرس هذه العلوم الجديدة واتعب في دراستها، لأنها علوم القوة لك، والشعوب العربية التي تخلفت جميعها لأنها قاطعت الفلسفة في العيش وعاقبت على الجرأة في التفكير.
ادرسها وانشرها وحقق لنفسك استقلالًا روحيًّا ولعقلك فهمًا جديدًا ولبلادك قوة تكفل بقاءها في تنازع البقاء بين الأمم.

الفصل الرابع والعشرون
أطفال عاشوا ذئابًا


ذكرت الصحف أنه وُجِدَ حديثًا في الهند طفلان يشربان كانا يعيشان مع ذئبة ويسلكان سلوك الذئاب، وقد قبض عليهما سالمين وشرع الموكلون في استردادهما إلى الإنسانية بتربية جديدة تنسيهما أخلاقهما الذئبية السابقة.
ويجب ألَّا يمر هذا الخبر دون أن نستخرج منه العبرة في الأخلاق والاجتماع والتربية، فإن الخبر يبدو كما لو كان نادرة طريفة تُقرأ مع الابتسامة العابرة ثم النسيان التام، ولكن عبرة هذا الخبر كبيرة جدًّا.
وأول ما يجب أن نذكره أن الخبر صحيح، وأنه سبق أن وُجِدَ في الهند — مثل هذين الطفلين — أطفالٌ أخرى كانت الذئاب خطفتهم ثم اهتدى إليهم الناس وحملوهم إلى القرى أو المدن.
وقبل نحو ربع قرن قرأت كتابًا استعرتُه من الجامعة الأمريكية في القاهرة، وكانت هذه الجامعة قد طلبته بالتلغراف من أمريكا عقب طبعه، وأخبرني عنه الدكتور أمير بقطر، وكان موضوعه فتاتان كانت ذئبة قد خطفتهما وهما في الرضاع، فعاشتا معها إلى سن الثامنة أو العاشرة، ثم ذات يوم وهما تعدوان خلفها للافتراس والصيد، ألقي القبض عليهما بعد قتل «أمهما».
ومؤلف الكتاب مبشِّر أمريكي كان يعيش في الهند مع زوجته بالقرب من أحد الاحراج المجاورة، وكان قد سمع من القرويين أنهم عاينوا جملة مرات ذئبة تخرج ومعها صبيتان تجريان خلفها على أربع، فلم يصدق روايتهم لأول وهلة، ولكن الرواية تكررت، فعمد إلى بندقية وتربص بالذئبة حتى إذا ظهرت ورأى خلفها هاتين الصبيتين سدد إليها البندقية وقتلها، ثم تجمع القرويون وقبضوا على الصبيتين.
والكتاب «يوميات» ذكر فيه المؤلف — يومًا بعد يوم — تفاصيل المعاملة التي عامل بها هو وزوجته هاتين الصبيتين إلى أن ماتت إحداهما — على ما أذكر — في الحادية عشرة والأخرى في السابعة عشرة.
والكتاب كله قصة إنسانية رائعة، وكثيرًا ما كنت أقف وقت القراءة كي أفكر في ملايين السنين الماضية، حين كان مثل هذا الحادث يتكرر، فينشأ بعض جدودنا ذئابًا أو كلابًا ثم ينطوي عليهم الزمن فيموتون أو يقتلون وهم لا يعرفون معاني الإنسانية.
وعندما وُجِدَتْ هاتان الصبيتان كانت كلتاهما إنسانة في الجسم والوجه والملامح، ولكنها كانت عدا ذلك في كل شيء، فكانت تنبطح كي تلعق الماء حين تعطش، وكانت تسير على أربع كالبهائم، وكانت تفترس الفراخ وتكشر عن أسنانها وتمزق الجثث والرمم وتأكلها، وكانت تنام في النهار وتستيقظ في الليل، فإذا كان قُبَيْلَ الفجر أخذت في العواء.
وثابر الأمريكي وزوجته على تربيتهما وتعليمهما السلوك البشري؛ أي كيف تشربان من كوب، وكيف تأكلان الطعام المطهو، وكيف تتخلصان من حاجاتهما الطبيعية في مكان معين، وبعد عام أو أكثر تَعَلَّمَتا اتخاذ الملابس، وبعد أكثر من ذلك صارت كل منهما تخجل من الكشف عن أعضائها التناسلية، وذات يوم نطقت إحداهما بكلمة «ماما» ونسيت كلتاهما عواء الفجر.
وكان هذا التعليم شاقًّا ولكنه أثمر، ولولا أنهما ماتتا في سن مبكرة لكانت لنا في ذكرياتهما ثروة لا تقدَّر من الفطنة السيكلوجية، وعسى أن تعيش الطفلتان اللتان عُثِرَ عليهما حديثًا حتى تستطيعا كتابة ذكريات طفولتهما.
وهذه الحوادث تحدث أحيانًا في الهند لأن الغابة تجاور القرية، ولأن وفرة الأمطار وشدة الحرارة تجعل النمو في النبات — وخاصة القصب الهندي — سريعًا حتى أنه ليغير على مساكن القرية، فإذا اشتغلت الأم بأي عمل وتركت رضيعها لحظةً انتهز أحد الذئاب هذه الفرصة وخطفه.
والأغلب أنه يخطفه ليأكله، وهذا ما يحدث كثيرًا، ولكن يحدث أيضًا في النادر أن يكون الخاطف للطفل بنية الافتراس والأكل ذئبةٌ أنثى، وقد يتفق في هذا الوقت أن تكون أمًّا ترضع أطفالها، فإذا حملته تحت بطنها وأحس الطفل الرضيع طراوة لحمها وتشمم اللبن من حلماتها عمد بفمه إلى التقاط إحدى هذه الحلمات، وما هو أن يشرع في مصها حتى تحدث المعجزة.
ذلك أن الذئبة وهي تجرى به كانت تحس إحساس الجوع والافتراس، ولكن عقب تناول الطفل لحلمتها ورضاعه صارت تحس إحساس الأمومة والرحمة وتنسى الجوع والافتراس، فتعنى به وتحنو عليه حتى تضعه مع أطفالها وتكف عنه الأذى، وينشأ هو مع أطفال الذئبة، ويرضع الأم معها، ويتخلق بأخلاق الذئاب.
والعبرة هنا كبيرة جدًّا، فنحن البشر نرث تراثًا إنسانيًّا في الغرائز والعقل، وكثير منا يقولون إن الإنسان يولد عبقريًّا أو أبله أو مجرمًا بالوراثة، ولكن حياة هؤلاء الأطفال البشريين الذين صاروا ذئابًا تدلنا على أن قوة الوسط كبيرة جدًّا، فإن الإنسان يمشي على قدميه مثلًا، ولكن جميع هؤلاء الأطفال نسوا حتى هذه الخاصة البشرية الأصلية وصاروا يمشون على أربع، على ما في ذلك من المشقة العظيمة، بل إنهم كانوا في العدو على أيديهم وأقدامهم يسبقون الجمهور الذي كان يجري خلفهم، كل منهم على قدمين فقط.
إن مجتمع الذئاب قد علَّم الأطفال البشريين كيف يكونون ذئابًا.
وقبل نحو خمسين ألف سنة أو أكثر عَلَّمْنَا نحن البشر بعضَ الذئاب (وربما الثعالب وأبناء آوى) كيف تعيش معنا على شيء غير صغير من الأخلاق البشرية، أو بكلمة أخرى قد أحلناها إلى كلاب أمينة أنيسة.
وليس أحد — مع ذلك — يشك في قيمة الوراثة في الكفاءات والميزات وأيضًا في العيوب والنقائص، ولكن تأثير الوسط كبير جدًّا حتى إنه ليُنسي الإنسان طبيعته الإنسانية ويحيله إلى وحش في بعض الحالات.
لذلك حين نجد رجلًا عبقريًّا في طرف وآخر مجرمًا في طرف، يجب ألا نعزو صفة أحدهما إلى الوراثة؛ لأن الوسط هنا هو كل شيء؛ أي إننا عبقريون لأن ظروفنا الاجتماعية تطالبنا بالعبقرية، ونحن مجرمون لأن ظروفنا الاجتماعية تضطرنا إلى الإجرام.
وبكلمة أخرى هناك قيم اجتماعية ننشأ على احترامها أو احتقارها، ونأخذ بها من حيث ندري أو لا ندري، فتعين لنا سلوكنا في استخدام ذكائنا لما نسميه فضيلة أو رذيلة.
وكلنا — باستثناء حالات واضحة — متساوون في الذكاء، ولكننا نختلف في حظوظنا في الوسط الاجتماعي الذي نعيش فيه، ونعني وسط العائلة والطفولة، ثم المدرسة والشارع، ثم الثقافة والمجتمع، ثم الحرفة والحاجة الاقتصادية، ثم الزواج والمسئوليات العائلية أو الاجتماعية، ثم الأهداف العامة التي نؤمن بها ونسلم بقيمتها مع أنها قد تكون حسنة أو سيئة.
هذا هو وسطنا، وكثيرًا ما يحيلنا هذا الوسط إلى رجال للخير نسعى للفضيلة أو رجال للشر نسعى للرذيلة، أي يحيلنا إلى ناس إنسانيين أو إلى ذئاب متوحشين.

الفصل الخامس والعشرون
الشعب العظيم


الشعب العظيم كالإنسان العظيم، يتسلط على حياته ويسوقها ولا ينساق بها كأنَّه حطامة السيل تنقذف هنا وهناك بقوة الرياح والتيارات والأمواج.
والإنسان العظيم هو الإنسان الذي يحيا عن قصد ويهدف إلى غاية وينفرد برأيه بعيدًا عن العرف والعادة.
والشعب العظيم يحيا كذلك عن قصد ويهدف إلى غاية، وقصده وغايته هما القوة، قوة الثراء وقوة الصحة وقوة السلاح وقوة الخير الاجتماعي الذي يربط أفراد الشعب ويشعرهم بأنهم في وطن عظيم.
الشعب العظيم هو الذي ينظم مستقبله ويرتب درجات رقيه، ومن هنا برامج السنوات الخمس في مثل روسيا والهند والصين.
معنى هذه البرامج أن الشعب يقول لنفسه: إني سأكون على قوة اقتصادية مقدارها كذا من القمح أو الحديد أو الكهرباء أو عدد السيارات أو الطائرات … بعد خمس سنوات.
وعندما يضع لنفسه هذا الهدف يشرع في تهيئة الوسائل لتحقيقه، فيعبئ الشبان والفتيات، والمدارس والمصانع، والمزارع والأنهار، حتى يعمل الجميع في الوصول إلى الهدف، ثم هذا البرنامج يليه برنامج آخر.
وتوالي البرامج يحدث وعيًا في الشعب الذي يحس عندئذٍ كل فرد منه أنه يبني بل يشيد المستقبل، فتنهض الهمم وتستيقظ العقول وتظهر قيم جديدة للبناء، وتختفي قيم قديمة كانت تعمل للجمود أو للفتور أو للتأخر.
يجب أن نسأل نحن المصريين: ماذا نريد أن تكون عليه بلادنا بعد خمس سنوات؟
هل نريد أن تكون في نهاية هذه المدة شعبًا إقطاعيًّا أم شعبًا زراعيًّا أم شعبًا صناعيًّا؟
هل نريد أن تكون ثقافتنا علمية أم أدبية؟
هل نريد أن يكون المجتمع المصري بعد خمس سنوات علميًّا يفحص عن أعمارنا ووفيات أطفالنا وزواجنا وطلاقنا وجرائمنا بالأرقام، أم يترك هذا كله للقدر أو المصادفة؟
كان أمام بورسعيد بوارج وطائرات ومدافع ودبابات فهل كانت ثمرة الزراعة أم ثمرة الصناعة؟ وهل كانت ثمرة العلم أم الأدب؟
وإذن متى نشرع في برنامج السنوات الخمس للعلم والصناعة؟
متى نشرع في تحقيق الهدف للشعب العظيم الذي يصنع بنفسه البوارج، والطائرات، والمدافع، والدبابات؟
متى نشرع في سلسلة من البرامج العلمية، العلمية جدًّا، كي نحقق لكل عائلة مصرية ألف جنيه دخلًا في العام؟
إني أدعو المعتوهين أن يمسحوا لعاب العَتَهِ عن أفواههم وأن يتركوا العمل المنتج للأذكياء، وليقولوا ما يشاءون عن المادية التي تفشَّت بيننا، والروحية التي تبعث من الشرق، والتي لم نعد نكترث لها.

الفصل السادس والعشرون
السخط المقدس


كنت أتحدث من مدة قريبة إلى أحد الأمريكيين، وجاءت مناسبة حملتني على أن أقول: إننا أمة متسامحة.
ولكنه على غير ما انتظرت، لم يمدح هذه الصفة التي كنت أعدها ميزتنا، إذ قال لي: إنكم تتسامحون أكثر مما يجب.
وهو يقصد هنا إلى أننا نرضى بكثير مما تسخط عليه الأمم الأخرى، وإننا لو كنا نسخط كما يسخطون لكانت حالنا أفضل مما هي الآن، وقد عدَّد لي أشياء قبيحة نرضاها ونسكت عنها، وكان يجب أن نأباها وأن ندعو إلى معالجتها وألا نفتر حتى تتغير.
نحن نسكت على التذكري الذي يبيعنا تذكرة السفر حين يبلصنا من قرش أو قرشين بدعوى التبرع لإحدى الجمعيات، ونحن نسكت على الموظف الذي نتقدم له بطلب فيتركنا وُقوفًا ويشرب هو القهوة على مهل، ونحن نسكت على البراز نراه على طوار الشارع لأننا نتسامح في بقاء الفقر ونرضى الفقراء أن يعيشوا في مساكن تخلو من المراحيض، وهذا في وقت كان يبلغ فيه ثمن القنطار من القطن ثلاثين جنيهًا، ونحن نسكت على الرؤساء في المصالح يتحيزون لبعض الموظفين الذين يصطنعونهم، أو يرتشون منهم، فيرفعون درجاتهم ويتركون الموظفين النزهاء متخلفين بلا حق عن الدرجات التي يستحقونها، ونحن نسكت عن فوضى الغلاء وفوضى التليفونات وفوضى البورصة.
نسكت كثيرًا، وكان يجب أن نصرخ ساخطين لاعنين، وعند الأوروبيين تعبير جميل يدل على حياتهم اليقظة وضميرهم المتحفز، هو قولهم «السخط المقدس».
هذا السخط الذي يجب أن نحسه حين نجد الفاقة السوداء تتمرغ في الوحل ونعاني الجوع ونعيش في ظلام مع أن بلادنا غنية، وكان يجب أن نكون أغنى لو أننا كنا جادين عاملين على زيادة ثروتنا.
هذا السخط المقدس هو الذي يجب أن نحسه حين نجد أن الاستبداد يعلو والحق ينخفض ويداس.
إن علينا أن نحد من تسامحنا، وأن نسخط كثيرًا على أحوالنا التعسة، وأن نرفض بقاء الفقر والمرض ما دمنا قادرين، أو ما دام بعضنا قادرًا على محوها.

الفصل السابع والعشرون
الحرية فكرة أولًا


ليست الحريات حقوقًا، وإنما هي أفكار أولًا نتشربها ونجد ضرورتها فنمارسها، ثم نحميها من المستبدين أعداء الإنسان، وفي النهاية نحس أنها حقوق.
فليست حرية الصحافة مثلًا شيئًا عند الفلاحين الذين لم يتعلَّموا ولم يقرءوا الصحيفة؛ ذلك لأنهم لم يتشربوا فكرتها، ولكنها شيء عظيم جدًّا عند المفكر، والصحفي والمؤلف وكل إنسان قارئ يعرف قيمة الخبر الصحيح والرأي الصحيح الحر.
وكذلك حرية العلم ليست شيئًا عند الذين لم يدرسوا العلوم ولم يعرفوا قيمتها الارتقاء البشري؛ ولذلك لا تجد هذه الحرية من يطالب بها سوى عدد صغير من المعلمين حتى في الأمم الراقية.
وحرية الاجتماع، وحرية الخطابة، بل حرية الزواج أي اختيار الزوج أو الزوجة، هذه الحريات تحتاج إلى وجدان بالفكرة، ولهذا السبب لن نستطيع إقناع بعض الآباء في الصعيد بأن للفتاة الحق في أن تقول: «لا» لمن يخطبها، ولكن هذا الحق مقدس، بل هو حق ابتدائي مُسَلَّمٌ به عند جميع الآباء في الأمم المتمدنة؛ لأن هؤلاء الآباء متمدنون.
الحرية أو بالأحرى الحريات تحتاج إلى أن تكون متعلمين حتى نعرف قيمتها وحتى نمارسها ثم ندافع عنها، ولكن ليس معنى هذا أن ننتظر حتى يتعلم جميع الناس ثم نمنحها لهم. لا … إذ هي حق مشاع للجميع وإن كنا نعرف أنه ليس بين هؤلاء الجميع سوى عدد صغير قد تَشَرَّبَ الفكرة وأحس أنها حقه.
لما كان الزنوج عبيدًا يُشْتَرَوْنَ بالملاليم والقروش لم يكونوا يحسون أن لهم الحق في الحرية، لأنهم لم يكونوا قد تَشَرَّبُوا هذه الفكرة؛ ولذلك كانوا يستسلمون للرق.
وهكذا الشأن في كثير من الحريات التي يستمتع بها المتمدنون؛ فإنهم جعلوها حقوقًا بعد أن كانت أفكارًا تَشَرَّبُوا معانيها ودلالتها، ثم صاروا يدافعون عنها.
ولذلك عندما تجد في مصر من ينكرون على المرأة حرية العمل الحر، أو حرية الاختيار للزوج، أو حرية الاختيار لأسلوب عيشها، ثق أن هؤلاء المنكرين لم يتشربوا هذه الأفكار لأنهم أَمْضَوْا أعمارهم في جهل عميق بعيد عن الحياة العصرية؛ ولذلك يجب أن نعذرهم ونعلمهم.

الفصل الثامن والعشرون
الحكومة الخيرية


في سنة ???? كنت في لندن، وكنت لا أزال شرقيًّا متوحشًا أفهم أن السياسة هي الدهاء والمكر والقدرة على التسلق إلى المناصب العالية.
ولكني تعلمت درسًا إنسانيًّا حين رأيت أن الوزارة الإنجليزية في تلك السنة قد قَدَّمَتْ البرلمان مشروعًا تهدف منه إلى استصدار قانون يمنح كل رجل وكل امرأة بلغا سن الخامسة والستين معاشًا سنويًّا، وكان هذا القانون رؤية جديدة استبصر بها عقلي وتربَّت بها عواطفي في معنى السياسة، وجعلت بعد ذلك أستزيد من هذه الدروس الإنسانية وأحاول أن أطبع السياسة المصرية بها أو بشيء منها حتى سئم القراء تكراري لهذه المعاني.
ولا يزال هناك من الشرقيين المتوحشين من يعتقد أن السياسي العظيم هو الداهية العظيم أما الغربيون المتمدنون فقد انتهوا إلى أن الحكومة المثلى هي الحكومة الخيرية، كما سميت حكومة حزب العمال الإنجليزي: «ويلفير ستيت».
والسياسي العظيم هو رجل الخير والبر الذي يفكر ويضع الترسيمات لإيجاد المسكن الحسن والطعام الوفير والتعليم والصحة لجميع أفراد الشعب.
وقد ترددت هذه المعاني إلى ذهني يومًا وأنا في الترام، فقد صعد إليه رجل أعمي تزيد سِنُّهُ علي السبعين، وكان يلح في سذاجة يطلب تخفيض الثمن للتذكرة لأنه فقير عاجز، كما كان الكمساري يلح في طلب إنزاله من الترام.
والذي ذكرته وقتئذٍ أن كل فرد في إنجلترا يحصل علي معاش يوم وفاته عندما يبلغ الخامسة والستين، ولكنه يحصل علي هذا المعاش وهو في سن الأربعين إذا كان أعمى.
السياسة ليس دهاءً ومكرًا، وإنما هي مروءة وشهامة وخير وبر.

الفصل التاسع والعشرون
فلسفة الأحزاب


من أحسن ما قرأت للأستاذ كامل الجادرجي الزعيم السياسي المعروف في العراق ورئيس الحزب الوطني الديموقراطي، قوله بضرورة الفلسفة للأحزاب السياسية؛ ذلك أن الحزب يجب ألَّا يقنع بالإصلاحات للأدواء والمساوئ المتفشية، كأنه طبيب يصف الوصفات المختلفة لكل مرض طارئ، وليس لجماعة من الناس أن يَتَسَمَّوْا باسم الحزب وأن ينشدوا الاستيلاء على الحكومة إلا إذا كانوا قد استقرُّوا على فلسفة معينة للأمة التي يريدون توجهها ورفعها إلى آفاق جديدة من العيش والوجدان.
ولذلك يجب أن تنتظم الإصلاحات في الصحة والتعليم ونظام العائلة والسياسة الخارجية والأمن الداخلي في فلسفة موحدة، فإذا كان الحزب يزعم أنه ديموقراطي فان فلسفته يجب أن تكون ديموقراطية بالعمل المتواصل في زيادة حقوق الشعب إزاء الحاكمين حتى يعود الشعب حاكمًا لنفسه، كما يدل على ذلك معنى هذه الكلمة.
وإذا زعم الحزب أنه اشتراكي فإن فلسفته عندئذٍ تقتضي مكافحة الثراء الفاحش والفقر الفاحش، والتأميم المتدرج حتى يلغى الفقر من البلاد.
فإذا قلنا إن فلسفتنا السياسية هي الديموقراطية الاشتراكية فإننا عندئذٍ لا نحتاج إلى أن نسأل عمَّا يجب أن نفعل في التعليم أو الصحة؛ لأن ما نفعله يتضح باتجاهنا الفلسفي هنا، وهو أن نعلِّم الشعب كله ونعالجه كله بالمجان، وأن نعد الصحة والثقافة ضروريتين للحياة الصالحة، ولا نحتاج إلى أن نسأل عمَّا نفعل في السجون وفي الصحافة أو في الزراعة أو في الاقتصاد العام؛ لأن فلسفة «الديموقراطية الاشتراكية» توجِّهنا بمحض الفكرة العامة إلى الحركات والنهضات الارتقائية التي تزيد وجدان الشعب كما تزيد رفاهيته التي ترتفع عن ذل الفاقة ولا تنغمس مع ذلك في فساد الترف.
لقد قامت الأحزاب في أوروبا على مبادئ وأصول عامة هي فلسفات تتصل بالحياة؛ فإن المحافظين آمنوا بالسكون إلى التقاليد وكراهة التغيير، وكانوا مخطئين في هذه الفلسفة الجامدة، ثم جاء الأحرار فدعوا إلى حرية الفكر والعمل والتجارة، فأدوا في القرن التاسع عشر خدمة عظمى للشعوب، ثم حدثت تطورات اجتماعية جديدة تتطلب الدعوة إلى الاشتراكية وكبح حرية التجارة التي أدَّت إلى مباراة قاتلة مهلكة للأمم، وكانت هذه الاشتراكية فلسفة جديدة دعت إلى الحد من الامتلاك الفردي وإلى التأميم.
يجب ألَّا يتولى حزب مقاليد الحكم إلَّا إذا كانت له فلسفة هي نظام العيش الذي يريد أن يعيش الناس به آمنين متساوين أحرارًا، لا يخافون بطش الظالم سواء كان فردًا أم طبقة، ولا يقصرون على نظام يفسد مجتمعهم ويعم الفوضى في علاقتهم أو يحيل الكثرة منهم إلى فقراء أَذِلَّاءَ والقلة إلى أثرياء مترفين.

الفصل الثلاثون
ضيوف الحضارة


أحيانًا أتأمل بعض الناس الذين يعيشون بيننا في جو من الحضارة لا يختلف عن الجو الذي يعم المنازل والمدن في أوروبا، ولكني أحس مع ذلك أنهم ليسوا متحضرين وإنما هم ضيوف الحضارة.
بل نكاد كلنا نكون كذلك؛ فإننا نركب القطار والطائرة والسيارة، ونضيء منازلنا بالمصابيح الكهربائية التي تختزن البرق، ونتناول طعامنا من أطباق ناصعة البياض ملساء كأنها معقمة، ونستشفي بعقاقير تحمل مواد حيوية أو معدنية تتسلل إلى خلايا أجسامنا، تبحث عن ميكروب مختف فتقتله، أو تبعث الحياة في عضو قد شاخ وهمد، ونقعد على مقاعد طُبِخَ غطاؤها بمواد كيماوية لا تستطيع حشرة أن تتذوق طعمها، ونكتب بأقلام على ورق لم يحظ الفراعنة بمثلها، ونلبس النظارات التي تحيل نظر من بلغ سن السبعين إلى سن العشرين.
ليس شك أن كل هذا من الحضارة العصرية، ونحن نستخدمها ولكن كما لو كُنَّا ضيوفًا عليها؛ إذ إننا لا نملكها أي لا نملك الفن أو العلم الذي يصنعها.
نركب السيارة التي صنعها العلم والفن في لندن أو نيويورك ولكننا لا نعرف كيف نصنعها، ونكتب على الورق الذي صنعه العلم والفن في أوروبا ولكننا لا نعرف كيف نصنعه، ونتداوى بعقاقير اهتدى إليها الذهن الأوروبي دون أذهاننا.
ولن نملك هذه الحضارة إلا إذا صنعنا أدواتنا بأيدينا واخترعنا صيغها وقوالبها بأذهاننا، ولن يتم لنا هذا إلا بعد سنين؛ لأن الاستعمار والاستغلال كلاهما قد حطَّم أذهاننا وكان يعاقبنا على أية بادرة تدل على اختراع أو ابتكار.
ولكن إلى أن نصل إلى إنشاء المصانع لهذه الأشياء يجب على الأقل أن ندرس الأصول والمبادئ التي انبنى عليها اختراعنا؛ أي ندرس الكيمياء والطبيعيات والبيولوجية والجيولوجية ونحو مئة علم أخرى.
وبلا ذلك سنبقى ضيوفًا على الحضارة بل ضيوفًا ثقلاء.
لقد كان غاندي يقول إنه يستحي أن يلبس بذلة يصنعها الإنجليز ثم يطالب هؤلاء بالخروج من بلاده، ولهذه الكلمات قيمتها في الوطنية بل في النبل والشهامة، ولكني أحب أن أقول هنا إننا يجب أن نستحي من استخدام السيارة والطائرة والقطار والمصباح الكهربائي … إلخ، ما دمنا نجهل أصول العلم التي بنيت عليها هذه المخترعات، بل ما دمنا لا نؤسس المصانع التي تصنعها.
ولو أننا كنا على وجدان بالحضارة العصرية لكان لنا في كل جامعة — بل في الجامعة الأزهرية أيضًا — أربع أو خمس كليات لدراسة العلوم البيولوجية، والجيولوجية، والطبيعية والكيمائية والزولجية والبوتانية والمعدنية والبكتربولوجية والفلكية والذرية …إلخ.

الفصل الحادي والثلاثون
أثمن العواطف


أثمن العواطف البشرية هي تلك التي لا نهدف منها إلى مأرب شخصي، ولا ننتظر منها منفعة خاصة، نحس احتدامها في صدورنا، ونندفع بقوة هذا الاحتدام إلى العمل بغية الشرف أو الإنسانية أو المجد، وقد نُؤْذَى في سبيل ذلك ولكننا نرضى بالأذى لأننا نحس أننا نسمو في المجد والشرف ونحن نمارس هذه العواطف.
رأيت ذات مرة حوذيًّا قد حرن جواده، فعمد إليه في غيظه يضربه على وجهه، وأحسست أنه لا يمكن أن يكون في الدنيا أخس من هذه الجريمة: حيوان مربوط إلى عربة ومقيد بها ويُضْرَبُ على وجهه بالعصا وهو عاجز عن الفرار أو الاحتماء.
والرفق بالحيوان هو إخاء في معنى ما، هو إحساس إنساني ننقله إلى الحيوان، هو عاطفة نبيلة ننقلها عفوًا ولا ننتظر منها أية منفعة لنا، هو رقة وحنان واحترام.
هذه الإحساسات — الرقة والحنان والاحترام — هي التي تفصل بين الرجل الرخيص والرجل الشهم، وهي التي تحملنا على أن نحترم الشيخ الهرم، ونعين الرجل الأعمى، وننظر بروح التوقير للمرأة العجوز، ونحجم عن إيذاء طفل أو إغراء فتاة.
وإذا شئت أن تقدر قيم الرجال وأن تتعمق قلوبهم كي تصل إلى الأسس التي تبنى عليها أخلاقهم، فليس عليك إلا أن تسألهم وتمتحن عندهم هذه العواطف التي لا يطالبهم قانون بأن يمارسوها، ولا يعاقبهم إذا خالفوها، هذه العواطف التي تنطلق منهم عفوًا للرحمة والرفق والحنان والاحترام.
وتجمع هذه الصفات جميعها كلمة الشهامة، وهي أجمل كلمة في اللغة العربية، وهي تعني ذكاء القلب وحدَّة الإحساس.

الفصل الثاني والثلاثون
القلب المهذب


قرأت كلمات للكاتب الأمريكي «جيليت برجيس» يدعونا فيها إلى أن نعنى بتهذيب قلوبنا كما نعنى بتهذيب عقولنا.
والقلب المهذب يعني في النهاية ذكاء الإحساس، بحيث لا يجبه أحدًا بالكلمة الجافية ولا يؤلم أخر بالتعبير، لِعَيْبٍ لا يسأل عنه أو لا يستطيع التخلص منه.
وذكاء الإحساس لا تنقص قيمة عن ذكاء العقل في علاقتنا الاجتماعية، بل لعلها تزيد، وكثير من النجاح يعزى إلى ذكاء الإحساس؛ فإننا جميعًا نذكر ذلك الشخص الذي يسأل عنَّا في الأزمة والْمُلِمَّةِ، أو يرسل إلينا أو إلى أحد أطفالنا هدية في العيد، أو يسارع إلى الوقوف في الترام كي تقعد مكانه السيدة الحامل أو التي تحمل على صدرها رضيعًا.
ذلك أن هذه المجاملات الصغيرة تصل بين قلبنا وقلبه، وتنقل مكانة الصداقة التي بيننا وبينه إلى مكانة الأخوة الحميمة التي نرتاح إلى ذكرها ونطمئن إليها، وفي حياتنا المدنية من الهرولة والمزاحمة والمتاعب ما يجعلنا في حاجة إلى شيء من هذه المجاملات الصغيرة التي تعيد إلينا الإحساس بأننا لسنا نقاتل في معركة وإنما نتعاون على العيش بأساليب الرقة والوداعة والعطف.
وهذه المجاملات الصغيرة هي أوجب ما تكون بين الزوجين، فقد رأيت زوجة تشرب الشاي في فندق قد عمدت إلى الفنجان الذي سيشرب منه زوجها فمسحته ظهرًا لبطن وأعادته إلى مكانه وصبت فيه الشاي، وكانت هذه الحركات المهذبة برهانًا على إحساسها الذكي، ويجب أن يكون الإنسان وحشًا كي يستصغر قيمة هذه المجاملة الصغيرة في حقيقتها، الكبيرة في دلالتها.
وعرفت رجلًا متيسرًا يمر مرتين أو أكثر في ذهابه إلى عمله بفقير أعرج لا يتسول ولكنه يبيع أوراق الحظ، وكان يحرص وهو يعطي هذا الفقير بعض المساعدة على أن يتحدث إليه باسمًا حتى لا يُشْعِرَهُ بحاجته أو فقره.
ولكن لا يمكن أن نجامل الناس على أساس النفاق، فإن ما نخفيه سيبدو إن قريبًا وإن بعيدًا؛ ولذلك يجب أن نجامل على إحساس ذكي ينبني على تقدير إنساني يتجاوز القيم الاجتماعية أو المراكز المالية التي للناس، أي يجب أن نحترم لأنهم بشر فقط.
وأخيرًا نقول: لعل ذكاء الإحساس هو نفسه ذكاء العقل؛ فإن الإنجليز يشتقون اسميهما من أصل واحد.

الفصل الثالث والثلاثون
فلسفة أنا وحدي


بول سارتر زعيم الفلسفة الوجودية يمكن أن يعد من الفلاسفة المرضى بالأنانية؛ لأن خلاصة فلسفته تنحصر في عبارة «أنا وحدي» وعلى الدنيا والبشر العفاء.
ولكن كما نستخرج العنبر من مرض القيطس، وكما نستخرج اللؤلؤ من مرض المحار، كذلك نجد في هذا المريض سارتر جواهر من الحكم التي تعين أحيانًا هدف الحية العالية ومنهج العيش الشريف، فمن ذلك قوله: «الإنسان أكبر قيمة من حياته».
والمعنى أننا يجب أن نحيا على المستوى الذي نريده ونستطيعه ولا نقبل الذلَّ والهوان؛ إذ خير لنا أن نؤثر الموت واقفين على أن نقبل الحياة راكعين، وأن نرفض الحياة مع السجن، ونؤثر عليها الموت مع الحرية، وأن نموت في شرف وإباء من أن نحيا في خسة ومذلة، أجل ونرفض الحياة مع الجوع والمرض والجهل.
ولو أن الناس والأفراد عملوا بهذه الحكمة ولم يضنوا بحياتهم التعسة كي يحققوا للإنسان ميزات الحرية والاستقلال والشرف؛ لما جَرُؤَ مستبد أو ديكتاتور أو طاغية على ممارسة الظلم والنهب والفسق.
والعجب أن هذه الحكمة التي نطق بها سارتر تناقض فلسفته «أنا وحدي»؛ لأن الإنسان حين يضحي بحياته من أجل كرامته وشرفه وحريته إنما يفني نفسه كي يعيش غيره، وهو هنا يعلو على هذه الخسة التي تنطق بها كلمتا «أنا وحدي».
وفلسفة الوجودية تدعو إلى المذهب الانفرادي، حين ينفرد كل إنسان بأهدافه وأخلاقه، ولكن ما دام الإنسان أكبر قيمة من حياته فإن هذا الانفراد غير ممكن؛ لأن الإنسان هنا ليس فردًا وإنما هو النوع البشري كله الذي يجب أن يعيش كل منَّا في خدمته وترقيته وأن يموت من أجل بقائه.
•••

ومن الكلمات التي تلفت الذهن في سارتر أيضًا قوله: «اختر نفسك»، والمعنى هنا أن كل إنسان يصنع نفسه؛ إذ هو الذي يختار أخلاقه وحرفته والمكان الذي يعيش فيه، والأصدقاء الذين يعتمد عليهم والثقافة التي يستنير أو يتسلح بها، والدنيا معروضة أمامنا، وفسحة الاختيار متراحبة، وأعمارنا مديدة بلا شك نختار شخصيتنا أو نفسنا التي تتبلور وتتجوهر عند سن الثلاثين أو الأربعين.
وقبل سارتر قال جيته أديب ألمانيا: «احذر أيها الشاب أحلامك وأمانيك مدة صباك وشبابك؛ لأن هذه الأحلام والأماني سوف تتحقق لمثابرتك عليها جملة سنوات، فإذا كانت سيئة فأنت بلا شك ستكون رجلًا سيئًا، وإذا كانت حسنة فأنت بلا شك رجلًا حسنًا، فاختر الأحلام والأماني الحسنة».
وليس شك أن كلًّا من سارتر وجيته على حق فيما يقولان، أو هما يكادان يكونان على حق.
صحيح أننا لا نختار أبوينا، ولا نعرف الطاقة الوراثية التي نولد بها إذ قد تحتوي هذه الطاقة على أنواع من الضعف، وكذلك لا نختار المعلمين الذين يعلموننا في صبانا، وقد يكون في تعليمهم نقائض ينعكس علينا أثرها في شبابنا، بل أحيانًا نضطر إلى أن نحترف حرفة لا نحبها لأن العيش يطالبنا بذلك.
ولكن مع كل هذه الظروف ليس شك في أننا نختار، ونختار كثيرًا مما يعين اتجاهنا وفلسفتنا في الحياة، ويجب لذلك أن نحسن الاختيار حتى نبني أنفسنا البناء المتين الحسن.
نختار أحسن الأصدقاء الذين نسعد بصداقتهم أو نستنير بنضجهم وثقافتهم، ونختار أحسن الزوجات جمالًا وأخلاقًا، ونختار أنفع الكتب التي تربينا ولا تسلينا وترشدنا ولا تضللنا، ونختار أليق الحِرَفِ التي تتفق وكفايتنا حتى ننبغ فيها، وأخيرًا نختار الغذاء الذي يكفل لنا صحة الجسم وطول العمر.
نختار ونميز، ولا نقبل كل ما يرد إلينا.

الفصل الرابع والثلاثون
كلمات الكاتب


كان «هربرت سبنسر» المفكر الإنجليزي يقول إنه يستطيع أن يتعرف إلى صناعة من يُحَدِّثُهُ ويقف على أخلاقه واتجاهاته بعد ربع ساعة فقط من الحديث معه.
وقد يكون هربرت سبنسر مبالغًا في قوله، ولكن مما لا شك فيه أننا نستطيع أن نعرف الكاتب الذي نقرأ له من الكلمات التي تتكرر في مؤلفاته أو مقالاته؛ ذلك أن الكلمة لا تتكرر عنده إلا لأنها تتميز مكانًا مكينًا في نفسه، فهي تدل على نزعته واتجاهه وفلسفته.
وفي عصرنا تستطيع أيها القارئ أن تميز بين كاتبين، وتعرف مَن منهما يرفعك ويزيدك حيوية وكأنه يصب الدم الأحمر في شرايينك، ومن منهما يخفضك ويكسر جناحك وينصح لك بأن ترضى من الغنيمة بالإياب وكأنه يصب الصفراء في عروقك. كلمات الأول: التي تتكرر فيما يكتب هي: اليقظة، النهضة، التنوير، الارتقاء، التطور، الكفاح، الشخصية، الإيجابية، المجتمع، المستقبل، العلوم، الشعب، الإنسانية، الاشتراكية، الحرية، المساواة، داروين.
وكلمات الثاني هي: الانسجام، الارتياح، الرضى، القناعة، العقبات، الأخطار، الصعوبات، الترف، المستحيل، فقط، التقاليد، الفكاهة، النكتة، التفوق، اللذة، أبو نواس، القدر، الحظ، الموت.
ونحن حين نختار ما نقرأ يجب أن يكون حافزنا الانتفاع والارتفاع، وكما نعنى باختيار طعامنا للجسم كذلك يجب أن نعنى باختيار ما نقرؤه باعتباره طعامًا للنفس.
وهذه الكلمات التي تتكرر فيما يكتبه الكاتب إنما هي أنغام نفسه التي تنتقل إلى القارئ فيكبر بها أو يصغر، ويحس منها بالأمل أو اليأس، ويُقْدِمُ بها أو يُحْجِمُ، ويتقلص بها أو ينبسط.
إن الكلمات أفكار وإحساسات، والكاتب الحسن هو الذي يعطيك الأفكار الخصبة فتفكر، كما يعطيك الإحساسات الأنيقة فتجمل نفسك وتتأنق في عيشك.
ولن تستطيع أن تقرأ كاتبًا يسب ويلعن دون أن تحس البغض وتتلوث نفسك أنت بالسباب والبغض، ولن تستطيع أن تقرأ كاتبًا يستهتر دون أن تحس أنت بالاستهتار في نفسك.
اختر كاتبك بأكثر من العناية التي تختار بها خبازك، واختر الكاتب الذي يبعث في قلبك الشجاعة والذكاء والجد والصحة، لا الكاتب الذي يملأك يأسًا ومرضًا ويرقص أمامك ويقول النكتة ويسليك وكأنه يعزيك عن حياتك.

الفصل الخامس والثلاثون
الكتب والصحافة


تكثر الجرائد بيننا ويغمرنا الروح الصحفي كُتابًا وقُراء، حتى إننا لنبحث عن الخبر الأخير وليس عن الخبر الخطير، ونشتري الجريدة في الصباح ثم نشتري أخرى في المساء، ونقرأ في هرولة ثم ننسى في هرولة.
وأنا آخر من ينتقص قيمة الجرائد التي تصل بيننا وبين أنحاء العالم، والتي تبسط لنا التاريخ العصري وتزيد وجداننا حتى لكأنها حاسة جديدة قد جعلتنا على عرفان بأحوال البشر في ستين أو سبعين قطرًا غير قطرنا.
ولكن هذه الرغبة في الخبر الأخير، وهذه الهرولة في القراءة، كلتاهما قد باعدت بيننا وبين الكتاب الذي لا يزودنا بالخبر الاخير ولكن بالخبر الخطير الذي يحتاج إلى التأني والتأمل في القراءة.
إذا كانت الجريدة العظيمة تقدم لنا آخر الأخبار فإن الكتاب العظيم يقدم لنا أهم الأخبار، أخبار البشر عبر القرون، وإذا كانت الجريدة تروي لنا حماقات الناس في جرائمهم فإن الكتاب ينقل إلينا حكمة الحكماء وأغاني الشعراء وإنسانية الأدباء التي تعلمنا جميعها كيف نعيش ونتأنق في أفكارنا ونحس الإخاء البشري ونتوسم الخير في المستقبل.
وإنها لرؤيا رائعة تلك التي يراها القارئ المصري حين يقرأ يوميات الجبرتي ويعرف منها كيف كان يعيش جدودنا قبل مئة وخمسين سنة، أو حين يقرأ التفاصيل لتلك المعارك الفكرية بين الغزالي وابن رشد، وإنها لنزهة للنفس أن ننتقل مع ابن بطوطة من المغرب الأقصى إلى الصين في القرن الثالث عشر، وهذا إلى متع القراءة للسيرة الحلبية أو معجم الأدباء أو غيرهما.
ولا أذكر هنا الكتب الأوروبية التي تنقلنا إلى جنات عدن عصرية.
إن الجريدة على خطورة ما تروي من التاريخ العصري تُقْرَأُ في الترام أو في القطار، إذ هي كتبت في عجلة ويجب أن نقرأها في عجلة، ولكن الكِتاب يحتاج إلى الاعتكاف نقرأه، لا بل ندرسه، في هدأة الليل كي نستقطر منه أكبر المعرفة والحكمة، وما أحسن أن نتحدث إلى أفلاطون في الليل على انفراد وكأن بيننا وبينه مؤامرة لتحقيق جمهوريته، وما أجمل أن نتحدث إلى إخناتون حين يخاطب الله بقوله: «أعطيت مصر نيلًا على الأرض وأعطيت الغرباء خارج مصر نيلًا في السماء» وهو يعني المطر.
ليكن للكتاب مكانه المحترم في كل بيت متمدن كي يدخل الإنسانية المثقفة في رءوس سكانه.
وبيت بلا كتب هو بيت واعر في الجهل يجب أن نخشى سكانه ونتجنبهم، أو بالأحرى يجب أن نتقرب إليهم ونربيهم.
•••

والصحف في أيامنا أكبر قوة للإيحاء الاجتماعي بين المتعلمين؛ وذلك لأنها يتكرر ظهورها كل يوم، والتكرار هو أساس الإيحاء.
وهي لذلك تستطيع بالخبر والصورة والمقال، بل أحيانًا بالكلمة الواحدة، أن تصوغ أخلاقنا وتعين أذواقنا، وهي بما تنشر، وأحيانًا بما لا تنشر، تربينا للخير أو للشر.
ثم هي فوق الإيحاء الذي يوجه عواطفنا ويصلحها أو يفسدها، تمد وجداننا وتخاطب أذهاننا، وقد رأينا حين تحرجت الحالة في كوريا أو في غيرها من الأماكن كيف انتقل وجداننا السياسي من عبث الأحزاب في مصر إلى شئون الصين وأمريكا، وإلى التفكير في الحرب والسلم ومحتملات القنبلة الذرية، بل لقد أصبح تفكيرنا لهذا السبب عالميًّا.
فنحن نكسب من الجريدة إيحاء ووجدانًا معًا؛ ولذلك يحمل الصحفي الأمين أعباء المسئولية أمام قرائه، وهو يحس أن للصحافة فلسفة من حيث إنه يستطيع أن يرشد ويضلل، فإذا كان يكتب بضمير بشري اجتماعي فإنه يحتاج إلى أن يتعب كثيرًا في اختيار الخبر والصورة وفي كتابة المقال، بل إن اختيار الكلمة الواحدة قد يحمله مسئولية ويبعث فيه قلقًا.
وتقتضينا الفلسفة الصحفية أن نكتب هادفين، فلا نبعث بالفكاهة السمجة، ولا نهرج بالألوان الصبيانية، ولا ننشر خبر الرجل الذي يأكل شقف الزجاج، ولا نجمش الغريزة الجنسية عند الشباب بنشر الصور النسوية، وخير لنا أن نبيع الطماطم والملوخية من أن نحترف صحافة هذا شأنها وهذا إفسادها.
وإنما الصحفي الفيلسوف هو الذي يهدف إلى ترقية القارئ بأن يختار له الخبر الدال والصورة المنيرة، وهو الذي يكتب المقال كي يربيه ويرفعه فيكسب العاطفة السخية النبيلة، والوجدان الذكي في الآفاق الواسعة.

الفصل السادس والثلاثون
اختر أدباءك


كتب الأدب كثيرة تتنوع من الشعر إلى النثر ومن القصص إلى النقد، ولن يمكنك أن تستوعبها قديمها وحديثها؛ ولذلك يجب أن تختار وتحسن الاختيار.
يجب ألَّا تقرأ جزافًا كما يجب ألًّا تأكل جزافًا.
وكتب الأدب هي غذاء نفسك فيجب أن تعنى بها أكثر مما تعنى بغذاء جسمك، أي تؤثر الأنفع على النافع، وتضحي بحلاوة الطعم من أجل مصلحة النفس.
هناك الكاتب الرخيص الذي يشغل ذهنك بالاهتمامات التافهة، والكاتب الطاهي الذي يعنى بحلاوة اللفظ ورنين العبارات، والكاتب المنافق الذي يقول ما لا يؤمن به، حتى هناك الكاتب الفنان الذي يحسن الفن ولكن مع ذلك ليست له رسالة.
إن كثيرين من الكُتَّابِ القدامى يحسون الفن، تجد عندهم الرنين والحلاوة والجزالة في تأليف الكلمات وهندسة العبارات، ولكنك لا تجد لأحدهم رسالة، والرسالة للأديب هي كل شيء.
ولو أن كاتبًا كتب باللغة العامية، أو كان أسلوبه يتقلقل من الركاكة، ولكن كانت له مع ذلك رسالة، يحس قيمتها ويلهج بها ويلهث إلى غايتها، لكان أديبًا عظيمًا على الرغم من كل نقائصه هذه، ولكن لو كان هذا الكاتب مبدعًا في ابتكار المعاني وترصيع الكلمات ثم كان مع ذلك يكتب وليس له هدف عظيم أي رسالة؛ لما كان شيئًا، وقصارى ما كنا نجد عنده عندئذ أننا نتطعم الحلاوة من كلماته ولكننا لا نغتذي بها، ونخرج من مؤلفاته ونفوسنا في جوع إلى الغذاء.
إن الأديب في أيامنا يقوم مقام الكاهن في العصور الماضية، هو كاهن مدني نسترشد به حين يعطينا ويعين لنا قيم الحياة.
فإذا قرأت لأحد الكتّاب وأردت أن تقيس أدبه فاسأل ما هي القيم التي تأخذها منه؟ هل هي قيم رخيصة أم غالية؟ هل هو يعطيك الفن، اللَّذة فقط، أم يعطيك الحكمة أي الرسالة والهدف الإنساني أيضًا؟
هل هو بإيحاء حياته أولًا، ثم بإيحاء أدبه ثانيًا، قد غيَّرَكَ وارتفع بك وجعلك تتطور، أم هو قد خدعك عن حقك في هذه الدنيا أو أحالك إلى إنسان جامد تحيا بالعقائد بدلًا من الحقائق، وتخشى المستقبل وتقنع بالجهل، قد غَشَّكَ بمدح الطغاة، وخدعك بالكلمات الحلوة التي لا تغذو نفسك ولكنها تسري عنك فقط كما لو كانت كأسًا من الخمر؟
اطلب الكاتب النافع، الأديب الذي يغذوك، الذي يحمل إليك رسالة إنسانية سامية تتطور بها وترتقي.
•••

هناك طريقتان للتأليف في الأدب: فأما الطريقة الأولى: فخفيفة العبء قليلة الجهد سريعة الإنتاج، وهي أن يدرس المؤلف موضوعه وفق ما تعلم من المهارة المكتسبة من الكتَّاب الذين سبقوه، فإذا شاء تأليف قصة قرأ ما كتب من القصص، ثم حاول بعد ذلك أن يكتب كما كتب مؤلفها، وهو هنا بالطبع مقلد غير مبتكر.ومثل هذه المؤلفات كثيرة، وهي تزيد الكم، أي إن قيمتها الأدبية كَمِّيَّةٌ وليست نوعية.
أما الطريقة الثانية: التي يتبعها بل قد اتبعها العظماء في الأدب فهي درس الحياة، وهي طريقة شاقة ولكنها تؤدي في النهاية إلى إخراج الكتاب العظيم الخالد، وليس المعنى هنا إهمال الصنعة من حيث أسلوب الكتابة أو درس اللغة أو الاستخفاف بالمؤلفات السابقة في الموضوعات التي نعالجها، وإنما المعنى أن نبالي بالحياة التي نحياها أكثر مما نبالي بالكتاب الذي نقرؤه ونتهيأ به للتأليف.
وعندئذ يكون الكتاب ثمرة الحياة باختباراتها وليس ثمرة الكتب بالدراسة، أي إن الكتاب الذي نؤلفه عندئذٍ ينبع من الحياة.
وكي نحسن تأليف الأدب يجب أن نحسن ممارسة الحياة.
أي يجب أن نتقن حياتنا كي نتقن التأليف، وبكلمة أخرى نؤلف حياتنا أولًا ثم نؤلف الكتاب ثانيًا؛ لأننا عندئذٍ نجد المجال للصدق، وهو أن يكون الأدب وفق الحياة بل مطابقًا لها في صورها وأشكالها، وعندئذٍ أيضًا نستطيع الابتكار ولا نقتصر على التقليد.
ولهذا السبب تجد أن القصة العظيمة أو الأدب العظيم يُمَثِّلَانِ في ناحية أو نواحٍ حياةَ المؤلف نفسه، بل إن الكتاب والحياة عندئذٍ يتطابقان، وهذا ما نجد في تولستوي أو جوتيه أو برنارد شو أو جوركي؛ فإن جميع هؤلاء المؤلفين أخرجوا مؤلفاتهم من صميم حياتهم واختباراتهم، وهم قد ألفوا حياتهم قبل أن يؤلفوا كتبهم. ألفوا حياتهم أحسن تأليف، ثم أخرجوا كتبهم أحسن إخراج.
يجب أن تكون حياتنا واختباراتنا الشخصية مصدرنا في التأليف، ولا بأس من أن نستعين بما كتبه غيرنا، ولكن يجب ألَّا يكون هؤلاء مصدر التأليف وإخراج الكتاب.
وعندما نحيا الحياة الإنسانية الاجتماعية، وعندما نحب ذلك الحب الذي دعا إليه أفلاطون، أي عندما نحب الطبيعة والأحياء والإنسان، ونفكر بالعقل الإنساني ونشتبك في مشكلات المجتمع من فقر إلى جهل ومن خرافة إلى علم بل عندما يمتلئ قلبنا بالرعب من القنبلة الهيدروجينية كما يمتلئ بالسعادة عندما نتأمل احتمال السفر إلى القمر، عند ذلك نستطيع أن نؤلف ونبتكر.
بل عندئذ يكون الكتاب حياة وفلسفة ومنهجًا للعيش والتفكير.

الفصل السابع والثلاثون
النسك والعظمة


مات أعظم رجل متمدن في أوروبا أي في العالم، فقد صاغ برنارد شو حياته كما لو كانت عجينة يعين لها الشكل الذي يريده ويقرر لها المصير يدبره، والرجل المتمدن هو في صميمه، وعلى أسماه، ذلك الذي يضع العقل فوق الغرائز أو الشهوات، ويعيش العيشة الفلسفية ويدأب في تنوير ذهنه، ويتجنب جميع ما يفسد صحته ويقصر عمره ويخدم المجتمع بجميع ما فيه من كفايات.
وقد فعل برنارد شو ذلك، ومات وهو في الرابعة والتسعين بعد أن عَلَّمَنَا نوعًا جديدًا من القداسة، إذ ليس القديس في عصرنا هو الذي يفر من الحياة إلى صومعة الراهب كي يصلي ويتعبد … وإنما هو ذلك المجاهد الذي يخدم الحق والشرف، ويدعو إلى الخير والحب بعد أن يكون قد أنار ذهنه بالمعارف حتى يفهم معاني هذه الكلمات ولا يتطوح في تضحيات سخيفة يدفعه إليها الجهل.
ولقد كان الجهل أعظم ما حاربه برنارد شو في نفسه وفي غيره، فقد كان طالبًا مدى الحياة، وكان مؤلفًا يخرج الكتب العظيمة الخالدة كي يقشع الجهل عن العقول الرجعيين والمحافظين والمتغطرسين، وكانت له فكاهة لها قوة اللهب تلسع وتنبه.
عاش في حياته طاهرًا، لم يجعل من أمعائه جبَّانة للحيوانات، وأوصى بإحراق جثمانه بعد وفاته فلم يجعل من الأرض مكانًا للتعفُّن والنتن، وقاطع جميع المخدرات والمنبهات فلم يدخن ولم يشرب القهوة أو الشاي، ولم يعرف الخمر إلا في السنين القليلة من عمره حين مات جميع أصدقائه وزملائه وزادت توتراته، أو لعله شرب الخمر للاعتقاد الجديد الذي ساد هذه الأيام بأنها تطيل العمر.
وكان اشتراكيًّا يدعو إلى تنظيم البر وتعميم الخير بالتأميم، كما كان على الدوام في صف الأمم المغلوبة ضد المستعمرين والطغاة.
وهناك من يفسر سلوك برنارد شو في مقاطعة القهوة والشاي والتبغ والخمر واللحم بأنه كان وسيلة إلى الصحة، ولكن المتأمل لحياته لا يجد أنه كان يهدف إلى ذلك.
ويمكن أن نقول إن مقاطعته لطعام اللحم كان إنسانيًّا لا اكثر، وقد أصيب بمرض الأنيميا الخبيث لالتزامه الطعام النباتي وعولج بخلاصة كبد الخنزير.
وكان العلاج بالاحتقان، ومع ذلك لم يترك طعام النبات.
ولكن إذا كان الامتناع عن طعام اللحم إنسانية فكيف نفسر الامتناع عن التبغ والشاي والقهوة والخمر؟
التفسير أنه لا عظمة في أي إنسان بلا شيء من إنكار الذات الذي قد يقارب أو يبلغ النسك، وذلك انه ليس هناك عظيم إلا وهو معذب بالتوترات بينه وبين نفسه أو بينه وبين مجتمعه، وهو في صراع لا ينقطع بين عاطفته وعقله، ومنطقه وعقيدته.
وهو حين ينهض إلى عمل عظيم ويحسن القصد في حياته، وأنه يحمل رسالة تزداد توتراته لما يلقى من مصاعب، فيأنف من التفاهة، ويعمد إلى الجد، وتحمله توتراته التي ذكرناها إلى إحساس الضيق والكرب فيرصد كل وقته وكل جهده إلى تحقيق ما سما إليه من فن أو فلسفة أو بطولة، وعندئذٍ يعزف عن الملذات الصغيرة مثل القهوة والشاي والخمر بل يعزف حتى عن الجنس.
لقد فعل كل ذلك برنارد شو، ومن قبله فعل مثل ذلك غاندي الذي اقتصر على تناول اللبن، وفعل مثل ذلك أيضًا المعري الذي عاش طيلة عمره أعزب لا يعرف طعامًا غير العدس، ونسك الغزالي وحرم نفسه ما لا يحرم على الرجل العادي.
شهوات الذهن ومناهج المجد تتغلب على شهوات الجسد وعادات العرف.
وأكاد أقول إن الرجل العظيم تعذبه توتراته، ولكنه يجب مع ذلك أن يزيدها حتى يزداد بها غلوًّا وحِدَّةً، وكثيرًا ما نجد أن اليقظة الذهنية في أحد الناس العاديين تحمله على أن ينكر على نفسه بعض الملذات التي اعتادها وكأنه يجد لذه أخرى في الحرمان أو العذاب، أي في التوترات.
وفي جميع الأديان نجد ألوانًا من الحرمان تبعث المؤمن على أن يكف عن استهتاره ويجد في سلوكه وأخلاقه مثل الصوم، والمسيحي حين يغلو في إيمانه يرفض الزواج ويدخل الدير راهبًا ولا يأكل اللحم غير شهرين في السنة.
وعلى قدر ما لنا من أهداف سامية نهتم لها ونتعب في تحقيقها تكون توتراتنا، بل تكون رغبتنا في زيادتها حتى نحس أننا بالحرمان نعلو على أنفسنا.
أما الرجل التفه، الرجل الأجوف، فلا يتوتر ولا يجدُّ بل يسترخي ويتثاءب ويستهتر.
ولست أنسى هنا أن أقول إن التوترات قد تزيد حتى تصل إلى الجنون، جنون العبقرية.

الفصل الثامن والثلاثون
شم النسيم


نحتفل كل عام بعيد الربيع «شم النسيم» فنخرج إلى الحقول ونرى بشائر الزهر والثمر في العشب والشجر.
وقد تعوَّدنا أن نزرع نباتات المحاصيل كالقطن والقمح والذرة فأفسدت هذه الزراعة تصورنا للطبيعة، وجعلت الأرض والشجر وخضرة الحقل وألوان الزهر مقدرة في اعتبارنا بحساب القرش والمليم والمكسب والخسارة، وانقطعت بذلك تلك اللذة التي كانت تربطنا بالطبيعة، وكدنا ننسى أن بيننا وبين الزهرة والشجرة من المعاني الفنية، كدت أقول الجنسية، ما يجب أن نثيره ونطرب به.
وإنها لنفس كامدة جامدة تلك التي لا ترى الأشعار في الأشجار، ولا تتعمق المعنى الجنسي في الزهرة والثمرة قد كان الإغريق يجعلون في النخلة رمزًا لجمال الطبيعة، وهم على حق في هذا، وإني لأرى في شجرة البرتقال — وهي محملة بالثمر قد انحنت غصونها من ثقله — رمزًا للأمومة، وهي تثير في نفسي الحنان والرقة حتى لأتورع من قطف ثمرة منها لأني أحس كأني بذلك أضرب امرأة حبلى.
وكثيرًا ما أتأمل ثمرة المنجة أو التفاح، في ألوانهما الزاهية وعطرهما الفائح، وأتعجب من هذه الجرأة الوحشية حين نقدم عليها بالتمزيق والالتهام؛ لأن مثل هذه الجريمة لا تختلف من قتل فراشات الربيع أو ذبح الكنار.
إن الزراعة على ما فيها من نفع، قد أبعدت ما بيننا وبين الطبيعة؛ لأنها — كما قلت — قد جعلت من الثمر والشجر قروشًا وجنيهات، فلم نعد نجري في الحقل ونمرح، ولم نعد نضاحك الفراش وهو يبوس الزهر ويشرب منه الرحيق، ولم نعد نقف أمام الشجرة الباسقة ونصلي لجلالتها ولم نعد نعرف قيمة هذا السحر حين نقعد متأملين اليمامة وهي تطير فتكتب بجناحيها بيتًا من الشعر في الفضاء، أو حين تجثم على الغصن وتتهامس مع أليفها بكلمات الحب وتنظم بذلك قصيدة رائعة من الغزل.
حبَّذا هذا اليوم يوم شم النسيم، فإنه مهرجان العيد لديانة الطبيعة، هذه الديانة التي نؤمن بها جميعًا ونجد في معبدها هذا المؤلف العظيم من الحقول والسحب والآفاق والأنهار والطيور والأشجار، نجد فيها المعاني الحميمة والطرب المسكر في الجمال.
•••

ولكن وزارة الصحة احتاجت إلى أن تنذر الجمهور، بمناسبة «شم النسيم»، للأخطار التي يتعرض لها أفراده إذا أكلوا الفسيخ الحلو الذي يقل مقدار الملح فيه إلى درجة تتيح لبعض الطفيليات بأن تبقى حية في لحمه.
وهنا مجال فسيح للتأمل؛ فإن شعبًا يحتاج إلى إنذار من الدولة حتى ينقص من سهمه ولا يقبل على أكل الفسيخ بحماسة مؤذية لهو شعب قاصر، إذا لم نقل أحمق، ذلك أن الصحة كما قال برنارد شو دليل الحكمة؛ لأن الرجل الحكيم يختار من الطعام ما يوحيه إليه عقله وليس ما يوحيه إليه لسانه وأضراسه، فهو يحب الطعام الذي يبني صحته كي يبقى سليمًا نحو سبعين أو ثمانين سنة، والرجل الأحمق هو الذي ينشد لذة عابرة فيشره إلى طعام ما حتى يكتظ منه، ثم يعتاد هذه الكظة حتى تعود داء يثمر كثيرًا من الأدواء.
إن المثل القديم يقول: يجب أن نأكل لنعيش. ولكن يجب علينا نحن أن نزيد عليه فنقول: يجب أن ناكل لنعيش مئة سنة.
لقد زرت قبل أيام فارس نمر باشا، وهو الآن في السابعة والتسعين، وقد عاش هذا القرن من العمر وهو لا يعرف التدخين أو الخمور، وتحدثت إليه ساعتين فلم أجد في تفكيره ما يدل أقل الدلالة على ذلك النقص الذي تعزوه إلى الشيخوخة، بل وجدت العكس: تفكيرًا ناضجًا ناصعًا وإحاطة شاملة يقظة.
وهي حالة الكثيرين الذين لم يحتاجوا قط إلى نصيحة ناصح بأن يعتدلوا في الطعام؛ لأنهم عرفوا بذكائهم وحكمتهم قبل قرن من الزمان أن الطعام يجب أن يكون وسيلة صحة وليس وسيلة المرض.
حبَّذا الشاب يأكل بعقله ويقنع بالشبع دون النهم؛ لأنه بذلك يعيش عمرين ويتمتع باختبارات هذه الدنيا قرنًا من الزمان، ويكسب بذلك صحة وحكمة بل صحة من الحكمة.

الفصل التاسع والثلاثون
عبقرية الصباح


هناك أنواع من العبقرية يحسها الإنسان في ظروف وأوقات من حياته مهما ظنَّ أنه متبلِّد في ذهنه مغمور في مركزه بعيد عن الابتكار.
فنحن نجد العبقرية في الإحساس والذهن حين نحب؛ إذ نجد في شخصية الفتاة التي نحبها من المعاني ما يجهله أعظم الأذكياء، فنقرأ في عينيها لغة لا يفهمها غيرنا، ونحس من يدها كهرباء لا يحسها غيرنا، ونتنسم من ابتسامتها هواء لا ينتعش به سوى قلبنا، ونستطيع أن نشرح معاني السعادة في كتاب وفق ما وجدنا من لحظات الحب بأعظم وأدق مما يستطيعه غيرنا ممن لم يحب.
وكذلك نحن نجد العبقرية عندما نقعد إلى الطبيعة في حقل أو على شاطئ، أو عندما يمتد بنا البصر عبر فضاء أو صحراء أو سماء، حين يصمت الكون كأنه يفكر ويتأمل؛ فإننا عندئذٍ نتأمل ونفكر ونكاد ننسى الزمان والمكان، ونوسع في قلوبنا وعقولنا لشتى الإحساسات والأفكار التي تدخل في كياننا النفسي والذهني فتغيرنا وتحملنا على أن نفلسف في الحياة.
ونحس العبقرية حين نذكر الأم التي ماتت قبل عشرين سنة، ونحس العبقرية حين نذكر أصدقاءنا الذين فقدناهم، ونحس العبقرية حين نذكر كتابًا لأديب مخلص أعطانا حياة أو حيوات واعترف وأخلص في الاعتراف.
لقد عشت أيامًا مع الكاتب الأمريكي ثورو، وعينت معالم قراءتي لكتابه «والدن» في بعض الصفحات، واليك منها شيئًا عن اختباراته في الغابة التي أقام فيها سنتين بعيدًا عن المدن والتمدن: كان كل صباح يطلع بمثابة دعوة بهيجة لي تشرح صدري وتهيب بي أن أجعل حياتي في بساطة الطبيعة ذاتها، بل وفي طهارتها أيضًا، فلقد كنت مخلصًا في عبادة ربه الفجر كما كان يفعل الإغريق القدامى، فكنت أستيقظ من نومي مبكرًا ثم أستحم في الغدير، وجعلت من ذلك إحدى شعائري الدينية.
وأيضًا: يجب أن نتدرب على أن نوقظ أنفسنا من جديد، وأن نستبقيها نشيطة لا بوسائل آلية ولكن بأن ننتظر على الدوام الفجر الذي لا يفارقنا أبدًا.
وأيضًا: بعد أن ينقطع الإنسان عن حياته الحسية فترة، تزداد روحه نشاطًا وأعضاؤه قوة، وتحيا عبقريته من جديد الحياة النبيلة التي في قدرتها أن نحياها.
الفجر والصباح في الطبيعة هما شيء رائع … هما عبقرية، ولكن أيضًا يجب أن يكون الفجر والصباح في قلوبنا؛ فإن هنا العبقرية أروع.

الفصل الأربعون
السياحة


يحتاج الكاتب والمفكر والصحفي والفيلسوف إلى أن يتركوا بلادهم من وقت لآخر كي يقتحموا خطرًا جديدًا أو يدرسوا مشكلة بشرية لم يعرفوها مجابهة وإن كانوا قد سمعوا أو قرأوا عنها، وهم يحتاجون إلى أن يفروا من الوسط المحيط بهم إلى وسط آخر حيث يجدون عادات تستحق التفكير والاتخاذ.
وكل ذلك يتم بالسياحة، ولكن السائح المفكر يزيد على ذلك بأن يجد في السياحة خلوة فكرية لم يجدها وهو في وطنه؛ لأننا حين ننأى بالذهن والجسم عن بلادنا نستطيع في هذه الخلوة أن نتخلص من تلك الاعتبارات والمركبات اليومية التي تنشب في عواطفنا من الصحيفة ومن العائلة ومن حديث الأصدقاء.
ولذلك تجد في هذه الخلوة صفاء ذهنيًّا وقدرة على الممايزة بين القيم الأخلاقية والروحية، لا نجد مثلها ونحن مرتبطون بالاعتبارات والمركبات التي تلابسنا ونحن في وطننا.
ولكن السياحة قد طرأ عليها طارئ جديد نقص من قيمتها هو هذه الطائرة التي جعلت الكثيرين مِنَّا يطوفون ويجولون في أنحاء العالم وكأنهم يشاهدون صورًا سينمائية، وهم بذلك يحتسون من مشاهد العالم الطبيعية والمدنية دون أن يعبوا، فلا يجدون الخلوة التي تحملهم على تأمل القيم والممايزة بين ما في الوطن وما في القطر الأجنبي، كما أنهم لا يجدون الفرصة لدرس المشكلات والعادات والاستمتاع بالاختبارات.
وإني لأؤثر أن أبقى شهرًا كاملًا في قرية أو مدينة فرنسية أتعرف فيه إلى بعض سكانها، وأطعم بطعامها وأشرب نبيذها، وأتلبث في النظر إلى مشاهدها وأزور بعض بيوتها وأسهر لياليها، وأستيقظ مبكرًا أسير في طرقها، وأقرأ على مهل جرائدها، وأناقش قارئيها، على أن أطير إلى عواصم أوروبا حيث أنزل في فنادقها الكبرى وأرى أثاثها واللألأة في مصابيحها أقضي في كل واحدة منها ثلاثة أو أربعة أيام.
يجب أن نسيح فنقيم ولا نعبر، ونتلبث ولا نتعجل، ونعب من المكان الواحد ولا نحتسي من الأماكن العشرة، ونترك عقلية الساعة والطائرة، ونعود إلى عقلية السفينة بل السفينة الشراعية إذا استطعنا.
لقد خرج ابن بطوطة من مراكش فوصل إلى الصين، وقضى في ذلك نحو عشرين سنة، وعرف الدنيا في عصره بما لا يعرفها آخر، أما نحن فنطير هذه المسافة في يوم أو يومين فلا نعرف شيئًا ولا نزداد علمًا، ولا نجد الفرصة للخلوة أو المقارنة بين القيم الوطنية والقيم الأجنبية.
كان ابن بطوطة يسيح بالسفينة والجواد والجمل، وكان يقيم السنة أو السنتين في الهند أو الصين أو آسيا الصغرى، وكان بذلك سائحًا عظيمًا، أما نحن فإننا نسيح بالطائرة ولا نقيم إلا ساعات ولا نرى إلا المشاهد السينمائية.

الفصل الحادي والأربعون
شرق وغرب


في مجلة «نيوستيتسمان» الإنجليزية خبر صغير يحمل عبرة كبيرة، ذلك أن أحد المتنزهين في أحد الحدائق العامة في لندن كان يسير بين الأعشاب، فلمحت عينه اثنين: رجلًا وامرأة يقعدان تحت شجرة، فالتفت إليهما التفاتة عابرة ثم قصد إلى مقعد بعيد عنهما حيث قعد واشتغل بقراءة كتاب.
ولكن لم تكد تمضي علي استقراره علي مقعده عشر دقائق، حتى أسرع إليه أحد رجال البوليس بالحديقة وطلب منه اسمه وعنوانه؛ لأن هذين الشخصين اللذين لمحهما تحت الشجرة قد شكواه، وموضوع الشكوى أنه وهو قاعد قد حدق فيهما نظره كأنه يريد أن يتجسس علي حركاتهما ويعرف ما يفعلانه، وهو بذلك قد ارتكب جريمة؛ إذ لا يجوز لأحد في إنجلترا أن يحدق بغية التعرف والتجسس علي أعمال الناس وحركاتهم، ولا يجوز له أن ينظر إليهم من ثقب القفل بالباب.
وهذا نقيض ما يحدث في مصر؛ فإن البوليس إذا رأى مثل هذين الشخصين، ورأى احدهما يُقَبِّلُ الآخر أو أنهما في وضع لم يألفه من قبل، فإنه يستطيع أن يلقي القبض عليهما ويقدمهما للمحاكمة، بل إنه حتى حين يراهما قاعدين ساكنين ليس بينهما حركة أو إيماءة، يستطيع أن يتدخل ويسأل عن علاقة أحدهما بالآخر.
وهذا الفرق بين القاهرة ولندن هو فرق بين الشرق الذي يريد أن يحيي تقاليد تعود جذورها إلى ألف سنة، وما بين الغرب الذي يتجدد كل يوم ويعين الأخلاق التي تتفق مع مصلحة مجتمعاته المتغيرة المتطورة.
فإننا نحن البشر شرقيين وغربيين نستمتع بالتقبيل، ولكن استمتاع الغربيين صريح مكشوف أما استمتاعنا فخفي مستور، ونحن نحرص في مصر على أن نمارس القبلة من خلف الأبواب والأستار في حين يمارسها الأوروبي في الحديقة والمحطة بل أحيانًا في الشارع، وقوانينهم تحميهم من المتطفلين والمتطلعين الذين يحرجونهم.
وكثير منا ممن زاروا أوروبا كانوا يجدون في حدائقها أو محطاتها عشرات المتعانقين في استقبال أو وداع يتبادلون القبلات، وهذه ليست قبلات الأم لابنها أو الأخ لأخته فقط بل قبلات الحب والعشق بين حبيبين، وكنا نجد أفراد الجمهور يديرون ظهورهم حتى لا يحرجوا هذين الحبيبين.
ولست أشك في أننا جميعًا نحب الحياة ونكره الاستهتار، ولكن إذا كنا نكره المستهترين الذين يعبثون بالحب فإننا يجب أن نستحي أيضًا من المحبين المخلصين حين يقبل أحدهما الآخر، بل يجب أن يحملنا هذا المنظر على أن نشيح عنهما بوجوهنا حتى لا نحرجهما، وعلينا أن نعرف أن المتمدنين يحبون الحب ويحترمون قبلات المحبين وهم حين يفعلون هذا لا يوصفون بالنعومة أو الرخاوة.
الحق أن في حادث هذا الإنجليزي الذي اتهم بأنه يتطلع ويتعرف حركات اثنين يتحابان ويتعانقان لعبرة لنا يجب أن تحملنا على أن نتساءل: لماذا نختلف؟ ومن منا هو الكاسب ومن هو الخاسر بهذا الاختلاف؟

الفصل الثاني والأربعون
شبابنا


أجد في شبابنا المتعلم الذي لم يصل بعد إلى درجة الثقافة ظاهرتين في اختيار الكتب: الأولى: أنه يقرأ كثيرًا من القصص ويقبل على أية مجلة ما دامت تنشر قصصًا غرامية.
والثانية: أنه يقبل على قراءة المؤلفات السيكلوجية في إسراف.
وبين الظاهرتين ارتباط؛ ذلك أن شبابنا الذين حرموا الأنسة والزمالة مع الفتيات لأنهم يعيشون في مجتمع يقول بالفصل بين الجنسين، هؤلاء الشبان يقرءون القصص كما لو كانت تعويضًا عمَّا حُرِمُوهُ، وكثيرًا ما يكون هذا التعويض سخيفًا قد أغرب في الخيال بالكلمة والصورة، ولكن شبابنا أيضًا يصلون بسبب الحرمان إلى خيالات سخيفة لا تتصل بالواقع ولا تشبهه؛ ولذلك هم يرضون بهذه القصص ويلتهمونها ولا يجدون فيها إسرافًا.
أما الظاهرة الثانية وهي الإقبال على الكتب السيكلوجية فتعود أيضًا — إلى حد كبير — إلى الفصل بين الجنسين؛ لأن هذا الفصل يحدث لهم اضطرابات نفسية. فهم في قلق غامض وكظم مرهق. ولذلك يشترون هذه الكتب اعتمادًا على أنهم سيجدون الحل لقلقهم واضطرابهم. ولن يجدوه. لأن الحل الوحيد هو الاختلاط حتى تأخذ الحقائق مكان الخيالات.
ومع ذلك لا أتمالك إحساس بأن كتاب القصص عندنا قد نجحوا في شيء واحد خدموا به مجتمعنا، هو أنهم جعلوا كلمة «الحب» من الكلمات المألوفة بل الإحساسات المألوفة؛ فالشباب المصري حين يفكر في الزواج يفكر أيضًا في الحب الذي يعده حقه ويعتقد أن زواجًا بلا حب هو خيانة لقلبه وضميره، وقد تعلَّم ذلك من القصص.
هذا كسب كبير لمجتمعنا وشبابنا؛ فإن الجيل الماضي كان يخجل من ذكر الحب في شئون الزواج.
وكذلك لا أتمالك الإحساس بأن شبابنا قد تعلموا الكثير عن أنفسهم لإقبالهم على قراءة الكتب السيكلوجية، وإن كنت أحيانًا أجد مؤلفات أو مترجمات سيكلوجية غاية في التفاهة والسخافة.
ولست أقول إن قلق الشباب يعود إلى الفصل بين الجنسين، ولكني أقول إن معظمه يعود إلى ذلك، أما أقله فيعود إلى المكانة الاجتماعية التي ينشدها الشباب بالعمل والكسب حين لا يجد الوسيلة إليها، وكثيرًا ما يحصل الشباب على شهادته الجامعية ثم يبقى مع ذلك عامين أو ثلاثة أعوام وهو لا يجد العمل والارتزاق بها، فيحس بذلك بأنه مزعزع ليست له كرامة اجتماعية.
ولكن عندما تكثر عندنا المصانع والمتاجر سيقل التعطل وتفتح أبواب الرزق.

الفصل الثالث والأربعون
أخطر أعمالك


في حياتك التي قد تبلغ الثمانين أو التسعين من السنين سوف تصادف أعمالًا خطيرة تتحمل تبعاتها وتتعب في إتمامها، ولكن أخطر هذه الأعمال جميعها هو الزواج؛ ولذلك يجب ان تختار بعناية كبيرة، بل بأكبر ما تستطيع من عناية.
ذلك أنك ستعاشر زوجتك طيلة عمرك، فتسعد بحكمتها أو تتعس برعونتها، ثم هي سوف تكون أم أولادك، وعلى قدر ما فيها من مميزات وراثية سيمتاز أبناؤك، وعلى قدر ما فيها من نقائص وراثية لا تعالَج سيكون النقص في أبنائك.
ثم لا تنسَ أن تربية الأطفال — وبمعنى آخر تربية الرجال — هي وقف على المرأة إذ قد ثبت ثبوتًا قاطعًا أن العواطف والميول والاتجاهات النفسية تتكون فينا منذ اليوم الأول لميلادنا إلى قرابة السنة الرابعة من العمر، ونحن نحيا بعد ذلك على ما ثبت فينا مما غرسته الأم، والأم وحدها؛ لأن الأب في هذه السنوات الأربع الأولى من العمر لا يكاد يعرف أطفاله ولا يقضي معهم غير أقصر الوقت.
ولذلك يجب أن تعنى أكبر العناية بأن تختار الفتاة التي ستتزوجها من أرومة ممتازة بالجمال والذكاء، وهما جمال وذكاء سوف تراهما في أطفالك، وعليك أن تختارها متعلمة مثقفة حتى توجه أطفالك الوجهة الصالحة في السنوات الأربع الأولى من أعمارهم، وحتى تستطع أن تجعل من البيت جنة لك ولها وللأطفال.
ولن تستطيع أن تحسن الاختيار لزوجتك إلا إذا عرفتها قبل الزواج بنحو ستة أشهر أو عام كامل، ونعني بالمعرفة صداقة أولًا تستحيل إلى حب ثانيًا، أما الزواج بلا صداقة سابقة وبلا حب ينمو من هذه الصداقة فمغامرة خطيرة في الحياة؛ ولذلك يجب ألا تعتمد على الخاطبة المحترفة تبحث لك عن زوجة لقاء ما تحصل عليه من اجر. فإن جميع الظروف تحملها على أن تخدعك وعلى أن تخدم من يعطيها الأجر الأكبر.
إنما يجب أن يكون اعتمادك على نفسك، تقابل الفتاة بنفسك وتصادقها الشهور الطويلة كي تعرف لغتها، واللغة نوع من السلوك والأخلاق، كما تعرف تصرفاتها وميولها والعائلة إلى نبتت فيها، وخير لك أن تعيش طيلة حياتك وأنت أعزب من أن تتزوج فتاة لا تعرف سوى وجهها وقامتها اللذين رأيتهما في زيارة لعائلتها أمضيت فيها نحو نصف ساعة.
لا، إنما الزواج أخطر من هذا، ونصف ساعة لا تكفي لأن تعرف زوجتك القادمة لأنك تحتاج إلى الشهور حتى تعرف نفسها وحتى ينشأ الحب في قلبك لها، هذا الحب الذي هو ضمان السعادة في سن الزواج.
وما نقوله عن اختيار الزوجة نقوله أيضًا للفتاة عن اختيار الزوج.

الفصل الرابع والأربعون
حول تحديد النسل


شاعت الدعوة إلى تحديد النسل هذه الأيام حتى صار المؤلفون الاجتماعيون يؤلفون عنها ويدعون إليها في حماسة عجيبة.
وهؤلاء الدعاة يذكرون على الدوام آسيا وأفريقيا من حيث إن أقطارهما قد تزاحمت بالسكان، وأن التناسل البشرى فيها يسير بلا حساب وبلا ضابط، وأن الدنيا — بسبب أسيا وأفريقيا — ستضيق بالبشر إذ إن الأرض المنزرعة لن تكفي هذه الزيادة المطردة في السكان.
ولست أعترض على أحد يدعو الناس إلى التناسل في تعقل، بحيث يقدرون ظروفهم ويقيسون طاقات المستقبل فيحددون عدد أبنائهم بواحد أو بأكثر لكل عائلة؛ فإن الناس أحرار في هذا العمل وكانوا على الدوام أحرارًا، ولكنهم يمتازون في أيامنا بالقدرة على ضبط التناسل أو منعه لأن وسائل المنع كثيرة ميسرة.
ولكنى أعترض على الأوروبيين والأمريكيين يوجهون هذه الدعوة إلى أبناء آسيا وأفريقيا في الوقت الذي فيه يؤدون فيه هم الإعانات لعائلاتهم التي يكثر فيها التناسل، ويشجعون أبناءهم على الاستكثار من النسل، وأعترض على أن تُوَجَّهَ هذه الدعوة إلى أقطار آسيا وأفريقيا بحجة أن السكان فقراء في الوقت الذي حرمهم هؤلاء الأوروبيون والأمريكيون كنوز بلادهم، كالبترول والفحم والقطن والكوتشوك والقصدير، بل حرموهم إنشاء المصانع، بل حرموهم حتى الإقامة على أرضهم كما يفعل الهولنديون السفهاء في أفريقيا الجنوبية مع الزنوج.
وهنا يحق لنا أن نتساءل: هل الدنيا فقيرة في الإنتاج إلى الحد الذي يظنون؟
إن سكان العالم في وقتنا لا يزيدون على ???? مليون، تستطيع القاهرة وحدها أن تتسع لهم مع فائض من فسحة المكان بين كل واحد وآخر.
وفي العالم خمس قارات لا يمكن أحدًا أن يقول إنها قد زرعت جميعها وإنه لم يعد فيها متسع لزيادة إنتاج الحبوب أو اللحوم أو الثمار.
ونحن نذكر بلادنا على سبيل المثال؛ فإن عددنا قد بلغ نحو ?? مليونًا، أما ارضنا المزروعة فلا تزيد على ستة ملايين، وليس هناك شك في أننا نعجز بهذا القدر من الزراعة عن إطعام هذه الملايين من السكان، ونعني الإطعام الكافي الذي يفي بالنمو والصحة والرفاهية.
ولكن ممكنات بلادنا أكبر من الأرض المزروعة الحاضرة، فإن ما جربنا زراعته من القليل من أرض الصحراء قد أثبت لنا ثبوتًا قاطعًا أن زراعة مليون أو مليونين من الصحراء ليست محالًا، بل الأرجح أن عندنا نحو خمسة أو ستة ملايين فدان يمكن زرعها في الصحارى الغربية والشرقية، خاصة وقد عرفنا أن تحت النيل نيلًا أخر يحوي من المياه المختزنة نحو مئة فيضان.
ثم هناك البحر الأحمر والبحر المتوسط، وكلاهما لم يزرع إلى الآن … ونحن نستخرج منها الأسماك والأحياء البحرية الأخرى كما كان أسلافنا قبل ?? آلاف أو عشرين ألفًا من السنين يستخرجون طعامهم من الغابة، لا يزرعونها ولكنهم يقتلعون منها الجذور والثمار، يأخذون منها ولا يعطونها، وقد مضى على البشر نحو أربعين سنة أو أكثر وهم يزرعون الجو؛ وذلك حين عرف هذا العالم الألماني كيف يستنبت منه عنصر النيتروجين ويحيله إلى ما نسميه نيترات للتسميد؛ فإن هذا العنصر قد زاد محصول القمح في العالم بمقدار النصف أو الثلثين كما زاد المحصولات الأخرى.
وهذه الحقيقة تغرب قيمتها التطورية عن كثير من الناس الذين يأكلون خبزهم كل يوم وهم لا يعرفون أننا «زرعنا» الجو بوسائلنا العلمية قبل أن نزرع الأرض حتى أنتجت هذا الخبز.
ونحن نصيد الأسماك والأحياء الأخرى من البحار، ولكن كل حي على كوكبنا يحتاج في النهاية إلى الشمس عن طريق النبات الذي يستغل ضوءها في تثبيت غذائه فينمو ويثمر، وعلى الطبقات العليا من البحار حيث ينفذ ضوء الشمس وحيث تجد نباتات مكروسكوبية، وإلى جنب هذه النباتات حيوانات تأكلها، وهذه حيوانات صغيرة، ثم يتدرج سلم الأحياء حتى تجد الأسماك التي تأكل صغار الحيوان في البحار، ولكن ضوء الشمس هو في النهاية الأصل لهذه الحركة الحيوية.
والبحار تسمد الآن بالنيترات كما تسمد الأرض؛ وذلك كي تجد النباتات الميكروسكوبية الغذاء في هذا السماد فيسرع نموها وتكاثرها ثم تتكاثر عليها الحيوانات الصغيرة ثم الأسماك، ونستطيع نحن أن «نزرع» مليونًا أو مليونين من الأفدنة في البحر الاحمر والبحر المتوسط لزيادة السمك، بل الواقع أن في البحر الأحمر من الأسماك ما يمكننا من استخراج عشرين مليون رطل كل يوم منه بلا سماد أو بأقل السماد.
كل هذا الذي ذكرنا هو في مستطاعنا منذ اليوم، نشرع فيه ونسير إلى نهايته بوسائلنا المألوفة، وهو يكفل لنا الغذاء ليس لاثنين وعشرين مليون مصري بل لأربعين أو خمسين مليون مصري بلا حاجة إلى هذه الدعوة الأوروبية الأمريكية بشأن تحديد النسل باعتبار هذا التحديد خطة عامة للشعب وليس ظرفًا خاصًّا لكل فرد عليه أن يقيسه بطاقات المستقبل لأبنائه.
ولكن هناك وسائل أخرى ليس في مستطاعنا الآن ولكنها توشك أن تكون، وذلك بالعلم؛ فإن العلم قد وصل إلى قمة التدمير باختراع القنابل التي تعد كل منها شمسًا أو نجمًا صغيرًا يدمر ويحرق ويحيل العناصر إلى غيرها.
وما حقَّقه العلم من التدمير يمكن أن يحققه في التعمير؛ فقد استطاع العلميون أن يخترعوا عناصر جديدة لم تعرفها الأرض في تاريخها منذ خمسة آلاف مليون سنة، وتحطيم الذرة ولحمها كلاهما من الأعمال التي لم تعرفها الحياة على الأرض؛ فإن قصارى ما استغلته الحياة هو الجزيء وليس الذرة.
والجزيء مؤلَّف من الذرات وأجسامنا تكسر الجزيء ولكنها لا تستطيع كسر الذرة، ولكن العلميين استطاعوا أن يكسروا الذرة وأن يلحموها.
ونحن الأحياء نحتاج إلى ثلاثة مركبات كي نعيش، وهي: المواد البروتينية مثل اللحم وزلال البيض والجبن، وهذه المواد توجد أيضًا بكثرة في الأفوال مثل الفول والعدس واللوبيا والترمس والفول السوداني … إلخ، ثم نحتاج إلى المواد النشوية والسكرية، ثم نحتاج إلى الزيت أو الشحم.
وأجسامنا تستطيع أن تصنع من المواد البروتينية السكر والنشا أو حتى الزيت أو الشحم.
ولكن العكس لا يحدث، أي إننا لو اقتصرنا على طعام مؤلف من المواد النشوية والسكرية، وأيضًا من الشحم، لما استطعنا أن نصنع البروتين وعندئذٍ نموت.
والسبب هو أن جزيء البروتين أكبر من جزيء النشا أو السكر وأكبر كذلك من جزيء الزيت أو الشحم.
وإذن عقدة العالم الآن هي: كيف نصنع البروتين؟ كيف نصنعه كيماويًّا بلا حاجة إلى أن نبحث عن اللحم والبيض والجبن … إلخ؟
كيف نصنعه كما نصنع عنصر الهليوم من الهيدروجين في القنبلة الهيدروجينية؟
إن كسر الذرة يعد نظريًّا أسهل ألف مرة من كسر الجزيء، وكذلك تركيب جزيء من جزيء آخر يعد نظريًّا أسهل ألف مرة من تركيب عنصر من عنصر، ولكن الاتجاه العصري الحربي قد جعلنا نصل إلى تركيب العناصر قبل أن نصل إلى تركيب المركبات؛ لأن المشرفين على العالم يفكرون في التدمير وليس في التعمير.
ولن تدوم الحال؛ لأنها إذا دامت فإنها ستنتهي قريبًا بإبادة الإنسان والحيوان والنبات.
ولذلك نحن نفترض الخير بدلًا من الشر، والعقل بدلًا من الجنون.
وعندئذٍ يمكن أن يتجه العلميون إلى إيجاد بروتين كيماوي يغنينا عن الزراعة، زراعة الجو والبحر واليابسة.
وفي هذه الحال لا تكفي الأرض ???? مليون إنسان فقط، بل تكفي مئة ألف مليون إنسان، ولا يحتاج أحد من دعاة التحديد للنسل عندئذٍ أن يدعو أفريقيا وآسيا إلى أن تخفض كلتاهما إنتاجها البشري.

الفصل الخامس والأربعون
الحب أساس الزواج


من أجمل الكلمات التي كتبها شاب يصف حبه لحبيبته قوله: «كان حبي لها أكبر من أن أشتهيها».
وهذه كلمات يقف الإنسان عندها للتأمل والتساؤل: لماذا لا يشتهيها إذا كان يحبها ويسرف في حبها؟
إن الحقيقة التي لا يمكن أن تُنْكَرَ أن الاشتهاء الجنسي لا يحتاج إلى الحب، بل هو أولى أن يحتاج إلى شيء من العدوان، وهذا هو ما يحدث في حوادث الاغتصاب؛ إذ هو عدوان لا يمكن أن يكون به شيء من الحب.
وإنما مرجع الحب هو تلك السنون الأولى في طفولتنا حين كنا نحيا مع الأم التي كانت تحنو علينا وتحمينا وتربينا وتغذونا؛ فإن هذه السنين التي نهفو إليها طيلة أعمارنا هي التي غرست فينا عواطف الحب وعلمتنا أسلوبه، وكل حب في العالم مهما سما نوعه ومهما عبرت عنه الكلمات النبيلة إنما يرجع إلى هذه الأمومة الرحيمة التي نذكرها، فنحس الرقة والعذوبة في الحب.
وعلى قدر ما رأينا من حب الأم أيام طفولتنا نعامل الدنيا والناس بالحب، بل نعامل أيضًا الزوجة والأبناء.
ولذلك خير الأزواج من الرجال والنساء هم أولئك الذين استمتعوا بحب أمهاتهم؛ لأنهم عقب الزواج يضفون على الزوج أو الزوجة تلك الإحساسات النبيلة التي كانوا يحسونها نحو أمهاتهم ويأخذون أنفسهم وغيرهم بالعادات التي تعوَّدوها في تلك السنين.
وليس في هذا استصغار لقيمة الاشتهاء الجنسي، ولكننا نريد أن نبين ونؤكد أن هذا الاشتهاء لا يكفي للسعادة الزوجية، فقد يجد الشاب فتاة تحوي من فتنة الملامح والتقاسيم ما يثير اشتهاءه الجنسي، وعندئذ قد ينسى تلك الكماليات التي تثير في نفسه الحب، وهذه الكماليات هي في النهاية أجمل ما أحبه في أمه، وحبه لزوجته أو خطيبته يقاس عندئذٍ بمقدار ما يجد فيها من فضائل كانت تتجمل بها أمه نحوه، وكان هو يحس بجمالها ويستجيب لها.
ويمكن أن نقول — على هذا الأساس — إن الحب أمومة تحتوي الحنو والإيثار والتضحية والرغبة في ترقية الزوج أو الزوجة.
وإذن خير ما تعرف به حبك لخطيبتك هو أن تمتحن نفسك حتى تجد مقدار ما فيها من إحساسات الحب لأمك، وعلى هذا المقدار سوف تكون سعادتك.
وكذلك الشأن في الفتاة نحو خطيبها.

الفصل السادس والأربعون
الحب في التوراة


حين أقرأ التوراة أجد صفحات أقف وأتلبس في قراءتها؛ لأنها تحفل بالإحساسات الأدبية الفنية بحيث أتساءل هل هي من الأدب أم من الدين؟
ففي «نشيد الإنشاد» مثلًا قصة عالية أو حوار بليغ عن قيمة الحب الذي يجب أن يرتفع بميزاته الطبيعية الساذجة على إغراء المال وزخارفه أو بهارج التمدين.
«الحب أغلى وأغلى من الذهب»
هذا هو موجز العبرة التي نستخرجها من هذا السفر الخالد في التوراة.
فنحن إزاء فتاة ريفية، بل تكاد تكون بدوية، تعيش بين الحقول والمراعي في ملابس رخيصة تزيد من جمال قامتها ونضرة وجهها وشهامة صدرها، وهي تجري وتشرب في طرب الحياة وغلواء الشباب، إنسانة جميلة بين الطبيعة الجميلة.
ثم نقرأ الكلمات العذبة والمقارنات البليغة عن الحب يربط بينها وبين حبيبها الراعي الفقير الجميل، وبين من يرغبون في شراء هذا الحب بالجواهر والذهب والقصور.
وهي تقول: حبيبي لي وأنا له … صوت حبيبي، هو ذا يأتي ويطفر على الجبال ويقفز على التلال.
وهو يقول: الزهور ظهرت على الأرض، قومي يا حبيبتي، يا جميلتي، وتعالي، شفتاك يا عروس تقطران شهدًا، تحت لسانك عسل ولبن، وحبك أطيب من الخمر.
وهي تقول: حبيبي مد يده من الكوة ففزعت إليه نفسي … حبيبي نزل إلى جنته، إلى خمائل الطيب ليرعى في الجنات ويجمع السوسن … أنا لحبيبي وحبيبي لي… الراعي بين السوسن.
الحب والجمال والطبيعة ثالوث مقدس تتغنى به هذه الفتاة، وتتأمل سعادته ثم تقول بل تصرخ: إذا أعطى الإنسان كل ما في بيته من ثروة بدلًا فإن الحب يحتقر هذه الثروة احتقارًا.
وهذا ما أردت أن أستخرج عبرته لشبابنا.
ليس في الدنيا أجمل ولا أثمن من الحب، فلا تستبدلوا به مالًا أو عقارًا واقرأوا نشيد الإنشاد في التوراة فإنه جعل الحب أدبًا ودينًا.

الفصل السابع والأربعون
الحب الأفلاطوني


على الرغم من أن أفلاطون — أستاذ أرسطو طاليس — كان مفكرًا عميقًا وإنسانًا عظيمًا، فإنه أوقع الفلاسفة الإغريقية الناشئة في هوة بقيت فيها أكثر من ألفي سنة؛ ذلك أنه زعم أن « الفكرة» تسبق المادة، وأن هذا الكون له جوهر من الأفكار يعبر عنه مظهر من المواد، فوراء الدنيا الملموسة فكرة الدنيا، ووراء الجبل فكرة الجبل … وهلم جرًّا.
وقد عطلت هذه «النظرية» التفكير البشري المثمر قرونًا طويلة؛ لأنها حملت الباحثين على أن يستهينوا بمظهر المادة كما هي في جرمها وثقلها وكثافتها؛ اعتقادًا بأن هذه الخواص لا قيمة لها إزاء الفكرة الأفلاطونية الكامنة فيها.
وقد نبذ العلم في عصرنا هذه «النظرية» واعتمد على درس الخواص المحسوسة للمادة وبذلك تمكن من التحرر من هذه الغلطة التي وقع فيها أفلاطون.
ولكن على الرغم من هذه الغلطة الفادحة التي وقع فيها أفلاطون فإن القارئ لأفكاره وآرائه في «المادية» وهي التي يعتقد بعضنا بأن كلمة «أدب» العربية صيغت على غرارها، هذه الأفكار والآراء هي دنيا عظيمة من ثراء الفكر وخصوبة التأمل ومعاني الخير والإنسانية.
ومن هذه الأفكار والآراء ما نسميه «الحب الأفلاطوني».
ونحن نزعم أننا عندما نقول أن حب هذا الشاب لهذه الفتاه «أفلاطوني» إنما نعني أنه بعيد عن أن يكون اشتهاءً جنسيًّا، أو نزعم أنه ود اجتماعي أكثر منه حبًّا غراميًّا، ولكن الحقيقة أن أفلاطون لم يستثنِ العلاقة الحميمة بين اثنين من معنى الحب، ولكنه توسع في هذا المعنى إلى أن جعل لهذه الكلمة دلالة اجتماعية بل إنسانية، بل أستطيع أن أقول إنه جعل لها دلالات أخرى تصل بين الإنسان والطبيعة، وبينه وبين الحيوانات والنباتات، بل أكاد أقول إن أفلاطون حين توسع في معاني هذه الكلمة كاد يقول بالتطور وبأننا نحن البشر جزء متمم للطبيعة، وأننا أعضاء في عالم الحيوان والنبات لنا فيها جميعها قرابة، ولست أعني أنه عرف نظرية التطور، وإنما أعني أنه كان علي إحساس نفسي أو «صوفي» بها، وقد أحبه الصوفيون كثيرًا لهذا السبب، ونزعة الحب العام الذي أشادوا به كثيرًا تعود إلى أفلاطون.
يفهم أفلاطون من كلمة الحب أنه ذلك الإحساس الإنساني الذي يجعلنا ننشد سعادة الغير عندما ننشد سعادتنا نحن، وأنه — أي الحب — هو إحساس التوافق بيننا وبين جميع الكائنات، فنحن حين نحب الجبل والنهر، والفرس والكلب، والشجر والعشب، نمتلئ فضيلة وسعادة معًا وننأى عن الرزيلة والتعس.
ويزيد أفلاطون فيقول: إن الحب لا ينفصل من الطيبة والجمال، وإنه يولد الجمال في الجسم والنفس، وإن الحب يسعى لأن يتعلق بما هو طيب وما هو جميل … وعندما يدرك الإنسان هذه الحقيقة فإنه يصبح محبًّا للأشكال الجميلة، ثم يرتقي من ذلك إلى أن يعرف أن الجمال في العقل أكبر شرفًا من الجمال في الصورة الخارجية … وينتهي إلى تأمل الجمال في ذاته.
وإذا وصل الإنسان إلى هذه الدرجة فإنه سيجد أن طبيعة الجمال رائعة دائمة لا تزيد ولا تنقص ولا تفسد.
ثم ينتهي إلى أن الجمال لا يتعلق بشيء ما، لا بالسماء ولا بالأرض وإنما هو شيء مطلق قائم بذاته يحتوي نفسه ولا يحتوي غيره.
ونحن نجد في هذه التعابير — التي مضى عليها أكثر من ألفي سنة تتقلب من مترجم إلى مترجم — فكرة عامة عمَّا أراد أفلاطون؛ فإنه قصد إلى أن يقول إنه إذا غمرتنا عاطفة الحب للأشياء والناس فإننا نجد كل شيء جميلًا، وعندئذ نكون سعداء.
فالحب والجمال والسعادة سلسلة نحتاج إلى حلقاتها الثلاث، ولكن أولها الحب، وقد تلاقت جميع الفرق الصوفية في جميع الأديان شرقًا وغربًا علي هذه الكلمات مع أولوية الحب، كما أن رجال المسيحية قد وجدوا في أفلاطون الفيلسوف الذي يؤيدهم في دعوة الحب.
واعتقاد أفلاطون أن الحب أساس الإحساس بالجمال والسعادة لا يمكن أن يجد معارضًا؛ فإن الشاب الذي يحب فتاة يجد فيها أسمى الجمال كما يجد في معاشرته إياها السعادة القصوى، وكذلك الأم التي تحب طفلها لا تعتقد أن هناك من يفوقه جمالًا بين الأطفال، وأنها لن تجد مثل السعادة التي تلاقيها معه باحتضان غيره.
وعبرتنا من كل هذا الذي ذكرنا عن أفلاطون وإكباره لشأن الحب في حياة الإنسان: هو أننا نستطيع أن نجد السعادة والجمال إذا نحن احببنا الطبيعة وكائناتها والإنسان والمجتمع؛ فإن هذا الحب سيحملنا علي أن ننشد الجمال في كل هذه الأشياء ثم نحس السعادة حين نجده فيما نطلب، بل نزيد علي ذلك بأن الحب العام ضروري للفهم الإنساني، ولن نفهم ونحن نبغض، ولن نتوسع في المعارف ونحن نكره.
فالحب الأفلاطوني ليس عاطفة سطحية كما هو الاعتقاد السائد، وإنما هو الحب العام للإنسان والحيوان والنبات والطبيعة، هو الحب الذي يربطنا بالكون والمجتمع، هو السعادة والجمال.

الفصل الثامن والأربعون
ذكاء المرأة


هناك حقيقة يجهلها كثيرون مع أنها في وضوح الشمس، وهي أن الذكاء اجتماعي؛ فنحن نربي ذكاءنا بل أخلاقنا بالاجتماع بالناس وما يجلبه العيش معهم من تجاذب في المعاملة والصداقة والخصومة والخدمة والتجارة، أو بكلمة موجزة نحن نتذكى — أو ندرب ذكاءنا الخام الموروث — بالحرفة التي نحترفها وننتج بها سلعه أو نؤدي بها خدمة.
هذا التجاذب، هذا الأخذ والعطاء بيننا وبين المجتمع، يحفزنا علي التفكير والتعبير والعمل والإنشاء، فيحتد ذكاؤنا الموروث بما نتعلم من كلمات ومعانٍ وبما نختبر من أفراح وأحزان وما نصنع من أدوات ووسائل.
ولو أن أحدًا منا وُلِدَ بذكاء موروث نادر ثم أمضى عمره أو السنوات العشر الأولي من عمره وحيدًا لا يختلط بالناس؛ لبقي ذكاؤه خامًا لا قيمة له، فهو يحيا حياة الحيوان قصارى ما يطلبه طعامه وشرابه لا أكثر، ويؤكد غباوته بل بلاهته عندئذٍ أنه يجهل الكلمات؛ لأن الكلمات هي المعاني، وليس هناك كلمات بدون اجتماع بالآخرين، أي ليس هناك تفكير يعلو علي حاجات الطعام والشراب إلَّا إذا كنا نفكر في مجتمع بشري، ولكن الاجتماع درجات؛ ولذلك فالذكاء المدرب درجات أيضًا.
فالفلاح الأمي في حقله وبيته أقل اجتماعًا من ساكن المدينة الذي يختلط أكثر منه — مباشرة ومداورة — بالناس في المكتب أو المتجر أو المصنع ثم في المقهى أو السينما أو الكتَّاب؛ ولذلك يعد ذكاء الثاني مدربًا بينما ذكاء الأول لا يعد كذلك، ولذلك لا نخطئ إذا قلنا إن رجل المدينة أذكى من رجل الريف لأن دائرة اجتماعه أوسع.
وذكاؤنا يزداد دربة، وبصيرتنا تزداد حدة، إذا كنا نجد في الاختلاط بالمجتمع تغيرات وتنوعات، فلا يحيا الطبيب مع أطباء فقط، ولا يخالط المهندس مهندسين فقط، وإنما يختلط هؤلاء مع هؤلاء فيكون التغير داعيًا إلى التنبيه واليقظة.
وبناء على هذا المنطق نقول إن الشاب العربي الذي تجاوز العشرين من عمره، وهو لا يعرف من المجتمع البشري سوي زملائه من الشبان، يعد ناقصًا في ذكائه عن الشاب الأوروبي الذي امتاز بالاختلاط مع الجنس الآخر؛ ذلك لأن الثاني رأي فروقًا بينه وبين زميلاته بعثت فيه الاستطلاع وحدت ذكاءه، كما أن هذا الاختلاط قد عين طرازًا متمدنًا من السلوك، وميزانًا سويًّا من الأخلاق، لا يعرفهما الشاب الذي تعلم مع زملائه من الشبان فقط.
إن الذكاء والأخلاق معًا يحتاجان إلى التعليم المختلط في المراحل التعليمية الثلاث: الابتدائية والثانوية والجامعية، وأي انفصال بين الجنسين في إحدى هذه المراحل أو في جزء منها ينعكس أثره على أخلاق الشاب وأخلاق الفتاة؛ لأن كلًّا منهما يجهل عندئذٍ بمقدار انفصاله طبيعة الجنس، ويجهل وسائل المعاملة المهذبة مع أشخاصه، والزمالة في المدرسة ثم في الجامعة توجِد إحساس المساواة وتمتع كلًّا من الشاب والفتاة بلذة الألفة، وتستنبط من الاثنين الاحترام المتبادل بينهما، فإذا جاء الزواج فإن العشرة بين الزوجين تبنى عندئذ علي معرفة الواحد بالآخر، فلا يكون الاستسلام للأماني التي تخالف الواقع ثم المشاجرات التي تنشأ من العادات الانفصالية التي سبقت الزواج.
إن الزواج اجتماع بين جنسين، وهو يحتاج إلى تدريب اجتماعي يسبقه، ولن يكفل هذا التدريب إلا التعليم المختلط.
وقد ألغينا نحن الحجاب فصارت نساؤنا سافرات يستقبلن الضيوف في البيت ويخرجن إلى المتجر، بل أحيانًا يُؤَدِّينَ أعمالًا حرفية ويختلطن بحكم أعمالهن هذه بالرجال.
لكن لا يزال التعليم في مرحلته الابتدائية والثانوية يفصل بين الجنسين كأننا نؤمن بإلغاء الحجاب بين الكبار وبإبقائه بين الصغار، وهذا خطأ بل خطل؛ لأن الكبير يحتاج إلى التدريب وهو صغير، وكثيرًا ما نجد الشاب الذي يرتعش عندما يجد نفسه مضطرًّا إلى محادثة فتاة؛ لأنه عاش قبل ذلك منفردًا نحو عشرين سنة لم يمارس فيها الاختلاط، وكذلك الشأن في الفتاة التي عاشت منفردة لا تختلط.
ونحن البشر نتألف من رجال ونساء، وهذه طبيعتنا التي لا نستطيع أن ننكرها، فلا بد من أن نعيش حياتنا في مجتمع سوي مختلطين يعرف كل منَّا الآخر منذ ميلاده إلى يوم وفاته، نتعلم معًا في المدرسة ثم في الجامعة، ونعمل معًا في المصنع أو المتجر، ونتدرب طيلة أعمارنا على المعاشرة الزوجية الحسنة.
والشخصية السوية، والشخصية الكاملة، تحتاج في كل من الجنسين إلى التدريب الاجتماعي، والمرأة نصف المجتمع، فلن نحصل على هذا التدريب كاملًا إلا إذا اختلطنا بالمرأة وزاملناها منذ صبانا إلى شيخوختنا.
لهذا السبب يجب أن يكون تعليمنا في جميع مراحله مختلطًا، ويجب على الآباء أن يلحوا في المطالبة بهذا الاختلاط لتربية أبنائهم وبناتهم.

الفصل التاسع والأربعون
مساواة المرأة بالرجل


كلمة «المساواة» من الكلمات أو الأماني المحببة إلى المرأة؛ فإنها تعد نفسها مظلومة كلما وجدت أن المجتمع يؤثر عليها الرجال في الحقوق والواجبات.
والفكرة في المساواة قديمة، بل إن كلمة العدل التي تعد أساس القوانين البشرية، بل كذلك القواعد الدينية، تعود أيضًا إلى معنى المساواة. كما نرى في كلمة العدالة التي لا تختلف في معناها عن كلمة المساواة.
ولكن العدالة والمساواة بقيتا من المعاني التي تشبه الأماني في العصور القديمة، عصور الأمراء والنبلاء من ناحية والفلاحين والعبيد من ناحية أخرى؛ إذ كان من المحال أن يتألف مجتمع من هذه الطبقات ثم يمكن التفكير في المساواة بين أفراده، ثم بين رجاله ونسائه.
ولكن كلمة «المساواة» مع ذلك دخلت في دستور الثورة الفرنسية وأصبحت إحدى المواد في القوانين البشرية، وأصبحت هذه الكلمة محترمة بحروفها، ولكن دارسي القوانين كانوا يعرفون على الدوام أنها «أكذوبة» فقهية قد فرضت على الواقع كأنها إحدى كلمات المستقبل التي يتخيلها دعاة الخير والسلام للمجتمع ويتمنون تحقيقها في يوم بعيد.
واقتربت الشعوب رويدًا رويدًا من معنى المساواة حين ألغت نظام الإقطاع؛ فأصبح الفلاحون أحرارًا بعد أن كانوا مقيدين بالرق الزراعي، ثم زاد الاقتراب من معناها حين ألغت الولايات المتحدة رق العبيد من الزنوج في عام ????، وتحققت المساواة بين أفراد المجتمع من الرجال، ولكن هذه المساواة لم تمنع التفاوت الاقتصادي بين الأفراد، هذا التفاوت الذي كان ينفي هذه المساواة بإيجاد الأثرياء والفقراء، وقدرة الأولين على استغلال الثانين، والاتجاه الاشتراكي الذي يعم شعوب العالم هذه الأيام يحاول التخفيف من وطأة هذا الاستغلال، وبالتالي يحاول إيجاد شيء من المساواة الاقتصادية.
وأعظم أو أسوأ ما نجد من الآثار المسيئة للمجتمعات البشرية في عصرنا الحاضر أن المرأة لا تُساوَى بالرجل، وصحيح أن القوانين تساوي بين الجنسين في الحقوق والواجبات أو تكاد، ولكن المجتمعات لا تزال ترفض هذه المساواة، وهي ترفضها بقوة العادات والتقاليد والرأي العام ونظام العائلة، وكل هذه القوة تقول ببقاء المرأة للبيت زوجة وأمًّا تدير شئون المنزل بينما زوجها يكسب بالعمل في المصانع أو المتاجر أو في مكتبه الحر، ثم يعود آخر النهار فيجد راحة البيت وهناء العيشة الزوجية وحب الأطفال.
ولكن بقاء المرأة في البيت يقصر الكسب على الرجل الذي ينفق على زوجته وأبنائه، ويعطي من طرف أصابعه ما تحتاجه الزوجة لهذا الانفاق.
وهذه الحقيقة وحدها تقرر له السيادة على الزوجة؛ إذ هو قادر وقت الخلاف أو الغضب، أو الفتنة بامرأة أخرى، أن يمنع كما كان يمنح فيقول: «لا» عندما تطلب منه الزوجة ما تحتاج إليه، وهذه القدرة الاقتصادية في الزوج إزاء العجز الاقتصادي في الزوجة تجعل كلمة «المساواة» سخرية أو سخافة؛ لأن حقيقة الواقع أن الزوج الكاسب سيد الزوجة غير الكاسبة، وأنه يأمر وهي تطيع إذ هو صاحب الحق في المنح والمنع، وهذا حق ضخم أكبر قيمة وأعمق أثرًا من تلك الحقوق المدنية في المساواة وفي الحقوق التي تنص عليها القوانين نص الكلمات لا نص الأفعال.
المساواة الحقيقية بين الرجل والمرأة تعني — أهم ما تعني — المساواة في الكسب، والمساوة في الكسب لن تكون إلَّا إذا جعلنا المرأة منتجة تعمل في المصنع والمتجر والمكتب، وهي متى أنتجت كسبت، أي ارتزقت، ومتى كسبت وارتزقت صارت تحسن الاستقلال الذي يكسبها الكرامة والحق في المساواة فهي تتناول أجرها وهي مرتفعة الرأس على وعي بأنها تستحقه لأنها عضو مستقل منتج في المجتمع.
وفي العالم المتمدن نوعان من المجتمعات أحدهما النوع الرأسمالي في أمريكا والآخر النوع الاشتراكي في الاتحاد السوفييتي، وفي كليهما حصلت المرأة على هذا الاستقلال الاقتصادي بالعمل المنتج، وتحققت المساواة بين الجنسين، وفي الأقطار الأخرى المتمدنة نجد أن العمل المنتج الكاسب للمرأة يتوافر في بعض البيئات بدرجات مختلفة، ولكنه ليس عامًّا كما هو في الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي؛ ولذلك نجد المساواة تتدرج وتختلف بين الجنسين بمقدار التدرج والاختلاف في تَعَوُّدِ المرأة العمل والانتاج والكسب.
وخلاصة منطقنا هنا أن المساواة لا تزيد علي أن تكون كلمة أفلاطونية لا قيمة لها ما لم يرافقها معنى الإنتاج … فالمرأة لن تساوي الرجل إلَّا إذا أنتجت مثله ولم تحتج إليه وهي زوجة كي يناولها من أطراف أصابعه ما تحتاج إليه هي وأبناؤها.
قد يقول القارئ هنا إن نظامنا الحاضر لا يهيئ لجميع نسائنا العمل، بل قد يقول أيضًا إن البيت في نظامنا يحتاج إلى الزوجة التي تبقى فيه وتعنى به، وهذا صحيح، أي هذا هو الواقع، وكل ما أستطيع التعليق على هذا الواقع أن المساواة بين الجنسين غير ممكنة الآن في بلادنا، وإنما أصبحت المساواة ممكنة في الولايات المتحدة وفي الاتحاد السوفييتي؛ لأن الأعمال في المصانع والمتاجر والمكاتب قد كثرت واستوعبت النساء كما استوعبت الرجال، وأيضًا لأن البيت في كل من هذين القطرين قد اختلف من بيوتنا فلم يعد يحتاج إلى الاستئثار بجهد المرأة كله.
البيت في الولايات المتحدة قد «تَمَكْيَنَ» أي صارت أعماله تُؤَدَّى بالماكينات، فالطبخ على الضغط العالي يحتاج إلى دقائق، والغيل تقوم به مكنسة كهربائية، والتدفئة والتبريد تؤديهما مكنة، والتليفون خادم عام، فكل هذا قد جعل المرأة الأمريكية حرة تخرج وتعمل وتنتج وتكسب، والشأن في الاتحاد السوفييتي يختلف في الوسيلة ولكنه ينتهي إلى النتيجة؛ فإن المطاعم تغني عن المطبخ الخاص في البيت، والمحضن عند باب المصنع أو المتجر يتناول الطفل ويعنى به مدة عمل الأم فيهما، ثم تتناول المدرسة أو الروضة هذا الطفل عندما يكبر، فالزوجة هنا حرة لا يربطها البيت بالعمل الدائم المرهق.
وبهذا النظام تحققت المساواة الفعلية بين الجنسين في كل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي وسوف تتحقق عندنا عندما تكثر المصانع و«تتمكين» البيوت وتؤدي المرأة نصيبها في الإنتاج كالرجل سواء بسواء.